######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.HaqaiqIslam.Hindawi13082050 #META# Tags: literature #META# ID: 13082050 #META# Title: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فاتحة‏ # شبهة الشر‏ # شبهة الخرافة‏ # 1 - العقائد‏ # 2 - المعاملات‏ # 3 - الحقوق‏ # 4 - الأخلاق والآداب‏ # خاتمة‏ # فاتحة‏ # شبهة الشر‏ # شبهة الخرافة‏ # 1 - العقائد‏ # 2 - المعاملات‏ # 3 - الحقوق‏ # 4 - الأخلاق والآداب‏ # خاتمة‏ # | حقائق الإسلام وأباطيل خصومه # | حقائق الإسلام وأباطيل خصومه # تأليف # عباس محمود العقاد # | فاتحة # بسم الله، وعلى هدى من الإيمان بالله. # وبعد، فهذا كتاب عن فضائل الإسلام وأباطيل خصومه، يتقاضانا التمهيد له أن نقدم بين يديه ~~بكلمة موجزة عن فضل الدين كله، أو فضل العقيدة الدينية في أساسها؛ إذ لا محل للكلام على فضل ~~دين من الأديان ما لم يكن أمر الدين كله حقيقة مقررة أو ضرورة واضحة، ولا معنى كذلك لأن ~~نقصر الخطاب على المؤمنين المصدقين ولا نشمل به المشككين والمترددين، بل المنكرين ~~والمعطلين؛ لأن المتشكك والمعطل أولى بتوجيه هذا الخطاب من المؤمن المصدق، ولا فضل لدين ~~على دين ما لم يكن للدين كله فضل مطلوب تتفاوت فيه العقائد كما يتفاوت فيه من يعتقدون ومن ~~لا يعتقدون. # هل للدين حقيقة قائمة؟ # هل للدين ضرورة لازمة؟ # سؤالان متشابهان، بل سؤال واحد في صورتين مختلفتين، ولسنا نزعم أن الصفحات القليلة التي ~~نقدم بها هذا الكتاب كافية للإجابة عن هذا السؤال الذي يجاب عنه كل يوم بما يتسع بعد الجواب ~~الواحد لألف جواب، ولكننا نزعم أن هذه الكلمة الموجزة كافية لموضعها المقدور من هذا الكتاب؛ ~~لأنها تكفي لهذا الموضع إذا تركت شكوك المترددين والمنكرين مضعوفة الأثر منقوضة الأساس، ~~وتكفي لموضعها إذا تركت من يشك ويتردد وقد أحسن الوهن في بواعث شكه وأسباب تردده، وبحث عن ~~جانب الحقيقة فيها فلم يجده، أو بحث عنها فوجدها في الجانب الآخر أقرب إلى العقل والبداهة، ~~وأجدر بالاتجاه في وجهتها إلى نهاية المطاف. # ونحن في بداءة الطريق نحب أن نصحب القارئ على بصيرة من الباب الذي نستفتح به طريق البحوث ~~في هذا الكتاب، بل نستفتح به الطريق في كل بحث تشعبت حوله المسالك واضطربت عنده الآراء. ~~وبابنا هذا قبل كل طريق من تلك الطرق أن نسأل: إذا كان ms001 هذا الأمر غير حسن فما هو الحسن؟ ثم ~~هذا الذي نستحسنه كيف يكون؟ وأي الأمرين إذن هو الأقرب إلى العقل أو الأيسر في التصور؟ فإن ~~كان ما نستحسنه هو الأقرب إلى عقولنا والأيسر عندنا في الإمكان، فقد حق لنا أن نفضله ~~وننكر ما عداه، وإن عرفنا بعد المقابلة بينهما أن الذي ننكره أقرب إلى العقل والإمكان من ~~الذي نستحسنه، فقد وجبت علينا مراجعة التفكير ووجب في رأينا - قبل رأي غيرنا - أن نصطنع ~~الأناة ونتردد في الجزم والتفضيل. ~~••• # ونبدأ الآن من البداءة في هذه الفاتحة فنقول: إن أكبر الشبهات التي تعترض عقول المتشككين ~~والمنكرين شبهتان، هما: شبهة الشر في العالم، وشبهة الخرافة في كثير من العقائد الدينية. ~~وخلاصة شبهة الشر أنهم لا يستطيعون التوفيق بين وجود الشر في العالم وبين الإيمان بإله قدير ~~كامل في جميع الصفات، وخلاصة شبهة الخرافة في كثير من العقائد الدينية أنهم لا يستطيعون ~~التوفيق بين العقائد وبين المحسوسات والمعقولات التي تتكشف عنها معارف البشر كلما تقدموا في ~~معارج الرقي والإدراك. # | شبهة الشر # أما شبهة الشر، فهي من أقدم الشبهات التي واجهت عقل الإنسان منذ عرف التفرقة بين الخير ~~والشر، وعرف أنهما صفتان لا يتصف بهما كائن واحد، وربما كان تفريق الإنسان الهمجي بين شعائر ~~السحر وبين شعائر العبادة مقدمة الحلول الكثيرة التي عالج الإنسان البدائي أن يحل بها هذه ~~المشكلة العصية، ثم ترقى الإنسان في معارج الحضارة والإدراك فاهتدى إلى حل آخر أوفى من ~~هذا الحل الساذج وأقرب إلى المعقول، وذاك حيث آمن بإلهين اثنين، وسمى أحدهما بإله النور، ~~وسمى الآخر بإله الظلام، وجعل النور عنوانا لجميع الخيرات، والظلام عنوانا لجميع ~~الشرور. # إلا أن هذا الحل - على ارتقائه ووفائه بالقياس إلى الحلول البدائية في عقائد القبائل ~~الهمجية - لن يرضي عقول المؤمنين بالتوحيد، ولن يحل لهم مشكلة الشر في الوجود، ولا يزال ~~في عرفهم حتى اليوم ضربا من الكفر يشبه جحود الجاحدين وتعطيل المعطلين. # ولعلنا لم نطلع على حل لهذه المشكلة العصية أوفى من الحل الذي نطلق ms002 عليه اسم حل الوهم، ~~ومن الحل الذي نطلق عليه اسم حل التكافل بين أجزاء الوجود. # وخلاصة حل الوهم أن القائلين به يعتقدون أن الشر وهم لا نصيب له من الحقيقة، وأنه ~~عرض زائل يتبعه الخير الدائم. ومن الواضح أن هذا الحل لا يفض الإشكال ولا يغني عن ~~التماس الحلول الأخرى التي تريح ضمير المعتقد به فضلا عن المعترضين عليه؛ إذ لا نزاع في ~~تفضيل اللذة الموهومة على الألم الموهوم، ولا يزال الاعتراض على الألم لغير ضرورة قائما في ~~العقول ما دام في الإمكان أن تحل لذاتنا الموهومة محل آلامنا الموهومة. # وخلاصة الحل - الذي نطلق عليه اسم حل التكافل بين أجزاء الوجود - أن المعتقدين به يرون ~~أن الشر لا يناقض الخير في جوهره، ولكنه جزء متمم له، أو شرط لازم لتحقيقه؛ فلا معنى ~~للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير الشدة، ولا معنى ~~لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها، وقد يطرد هذا القول في لذاتنا ~~المحسوسة؛ يطرد في فضائلنا النفسية، ومطالبنا العقلية؛ إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ~~ألم الجوع، ولا نستمتع بالري ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما ~~لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح. # وهذا الحل - حل التكافل بين أجزاء الوجود - أوفى وأقرب إلى الإقناع من جميع الحلول التي ~~عولجت بها هذه المشكلة على أيدي الحكماء أو على أيدي فقهاء الأديان، ولكنها لا تغني الحائر ~~المتردد عن سؤال لا بد له من جواب، وهو: لماذا كان هذا التكافل لزاما في طبيعة الوجود؟ ~~ولماذا يتوقف الشعور باللذة على الشعور بالألم، أو يتوقف تقدير قيمة الفضيلة على وجود ~~النقيصة وضرورة الاشمئزاز منها؟ أليس الله بقادر على كل شيء؟ أليس من الأشياء التي يقدر ~~عليها أن يتساوى لديه خلق اللذة وخلق الألم؟ أليس خلق اللذة أولى برحمة الإله الرحيم من خلق ~~الألم، كيف كان موقعه من التكافل بينه وبين اللذات؟ # وعندنا أن المشكلة كلها بعد جميع ما ms003 عرضنا من حلولها إنما هي مشكلة الشعور الإنساني ، ~~وليست - في صميمها - بالمشكلة الكونية. # وهنا نعود إلى الباب الذي نستفتح به مسالك هذه المشكلات، ونسأل أنفسنا: إذا كان الإله ~~الذي توجد النقائص والآلام في خلقه إلها لا يبلغ مرتبة الكمال المطلق، فكيف يكون الإله ~~الذي يبلغ هذه المرتبة في تصورنا وما ترتضيه عقولنا؟ # أيكون إلها قديرا ثم لا يخلق عالما من العوالم على حالة من الحالات؟ أيكون إلها ~~قديرا يخلق عالما يماثله في جميع صفات الكمال؟ # هذا وذاك فرضان مستحيلان أو بعيدان عن المعقول، كل منهما أصعب فهما وأعسر تصورا من ~~عالمنا الذي ننكر فيه النقائص والآلام. # فأما الإله القدير الذي لا يخلق شيئا، فهو نقيضة من نقائض اللفظ لا تستقيم في التعبير، ~~بله استقامتها في التفكير؛ فلا معنى للقدرة ما لم يكن معناها الاقتدار على عمل من ~~الأعمال. # وأما الكمال المطلق الذي يخلق كمالا مطلقا مثله، فهو نقيضة أخرى من نقائض اللفظ لا ~~تستقيم كذلك في التعبير، بله استقامتها في التفكير؛ فإن الكمال المطلق صفة منفردة لا ~~تقبل الحدود ولا أول لها ولا آخر، وليس فيها محل لما هو كامل وما هو أكمل منه. ومن البديهي ~~أن يكون الخالق أكمل من المخلوق، وألا يكون كلاهما متساويين في جميع الصفات، وألا يخلو ~~المخلوق من نقص يتنزه عنه الخالق؛ فاتفاقهما في الكمال المطلق مستحيل يمتنع على التصور، ولا ~~يحل تصوره مشكلة من المشكلات. وأي نقص في العالم المخلوق، فهو حقيق أن يتسع لهذا الشر الذي ~~نشكوه، وأن يقترن بالألم الذي يفرضه الحرمان على المحرومين، وبخاصة إذا نظرنا إلى الأجزاء ~~المتفرقة التي لا بد أن يكون كل جزء منها قاصرا عن جميع الأجزاء، وأن يكون كل شيء منها ~~مخالفا لما عداه من الأشياء. # فوجود الشر في العالم لا يناقض صفة الكمال الإلهي ولا صفة القدرة الإلهية، بل هو - ولا ~~ريب - أقرب إلى التصور من تلك الفروض التي يتخيلها المنكرون والمترددون ولا يذهبون معها ~~خطوة في طريق الفهم وراء الخيال المبهم العقيم. # وقد يختلف ms004 مدلول القدرة الإلهية ومدلول النعمة الإلهية بعض الاختلاف في هذا الاعتبار؛ ~~فمدلول القدرة الإلهية يستلزم - كما تقدم - خلق هذا العالم الموجود، ولكن مدلول النعمة ~~الإلهية يسمح لبعض المتشائمين أن يحسبوا أن ترك المخلوقات في ساحة العدم أرحم بها من ~~إخراجها إلى الوجود، ما دام الألم فيه قضاء محتوم على جميع المخلوقات. ومهما يكن من شيوع ~~التشاؤم بين طائفة من المفكرين، فليس تفسير النعمة الإلهية بترك المخلوقات في ساحة العدم ~~تفسيرا أقرب إلى المعقول من تفسير هذه النعم الإلهية بإنعام الله على مخلوقاته بنصيب من ~~الوجود يبلغون به مبلغهم من الكمال المستطاع لكل مخلوق. # وليس الشر إذن مشكلة كونية ولا مشكلة عقلية إذا أردنا بالمشكلة أنها شيء متناقض عصي ~~على الفهم والإدراك، ولكنه في حقيقته مشكلة الهوى الإنساني الذي يرفض الألم ويتمنى أن يكون ~~شعوره بالسرور غالبا على طبائع الأمور. # وإذا كانت في هذا الوجود حكمته التي تطابق كل حالة من حالاته، فلا بد من حكمة فيه تطابق ~~طبيعة ذلك الشعور، ولا نعلم من حكمة تطابق طبيعة ذلك الشعور غير الدين. # إن الشعور الإنساني في هذه المشكلة الجلى يتطلب الدين؛ فهل ثمة مانع يمنعه من ~~قبل العقل أو من قبل المعرفة التي يكسبها من تقدمه في العلم والحضارة؟ هنا يستطرد ~~بنا الكلام على مشكلة الشر إلى الكلام على مشكلة الدين أو مشكلة التدين في جملته، وخلاصتها ~~- كما قدمنا - عند المترددين والمعطلين أن الأديان قد اختلطت قديما بكثير من الخرافات، ~~وأن العقل يتعسر عليه أحيانا أن يوفق بين عقائد الدين وحقائق المعرفة العلمية. # | شبهة الخرافة # وهنا نعود مرة أخرى إلى سؤالنا الذي افتتحنا به هذه الكلمة، فنسأل المترددين والمعطلين: ~~إذا كان التدين على هذه الحالة التي وجد بها غير حسن في تقديركم، فيكف يكون الحسن؟ وكيف ~~تتصورونه ممكنا على نحو أقرب إلى العقل وأيسر في الإمكان؟ # وكأننا بهم يقترحون دينا لا يركن إليه إلا النخبة المختارة من كبار العقول الذين لا ~~تتسرب الخرافة إلى مداركهم في عصر من العصور، كائنا ما كان ms005 موقع ذلك العقل من درجات ~~التقدم والحضارة. # هذا ، أو يقترحون دينا يتساوى فيه كبار العقول وصغارهم تساويا آليا لا عمل فيه لاجتهاد ~~الروح وتربية الضمير واستفادة المستفيد من كفاح الحوادث وتجارب الحياة. # هذا، أو يقترحون دينا يتبدل في كل فترة تبدلا آليا كلما تبدلت معارف الأمم في مختلف ~~الأزمنة أو مختلف البلدان. # ومهما نسترسل في تصور المقترحات التي تخطر للمترددين والمعطلين، فلا نخال أننا منتهون إلى ~~مقترح يرونه ويراه غيرهم اقرب إلى التصور وأيسر من الدين في تاريخه المعهود؛ فإن أطوار ~~التدين كما نشأت من أقدم عصورها إلى اليوم لا تزال أقرب إلى المعقول من كل مقترح ذكرناه ~~على ألسنتهم بين هذه الفروض. # فالنخبة المختارة من كبار العقول لا تحتاج إلى تعاليم الدين كما تحتاج إليه طوائف البشر ~~من الجهلاء أو صغار العقول، وقد يتنزه أبناء النخبة المختارة عن الخرافة في آونة محدودة، ~~ولكنهم لن يتنزهوا عنها في كل آونة مع التسليم بتطور العلم وتطور الإدراك الذي يستفيد من ~~جملة العلوم. # أما أن يتساوى الناس تساويا آليا في كشف حقائق الكون، من أول عهد البشر بالتدين إلى ~~آخر عهدهم المقدور لهم من الحياة الأرضية؛ فإنما هو نكسة بهم إلى حالة لا فرق بينها وبين ~~أحوال الجماد أو أحوال الآلات التي لا عمل فيها لاجتهاد الروح ولا لتربية الضمير. # وأما أن تتبدل العقائد في كل لحظة تتغير فيها مدركات العلوم ومدركات المعرفة على ~~العموم، فتلك حالة نحاول أن نتصورها في أطوار الجماعات فلا نرى أنها قابلة للتصور في جماعة ~~واحدة تعيش من أسلاف إلى أخلاف مئات السنين، أو ألوف السنين، اللهم إلا إذا تصورنا عقول هذه ~~الجماعة وضمائرهم في صورة الصفحات التي تنقلب صفحة بعد صفحة حين تعرض على قرائها وهم يريدون ~~تقلبها أو لا يريدون. # كل هذه الصور يقترحها من يشاء، ولا يكلف نفسه أن يتمادى مع صورة منها في التخيل، أو يعالج ~~تطبيقها في الواقع إذا استطاع، وما هو بمستطيع. # ونكاد نقول عن نشأة التدين بين جماعات البشر كما ms006 نشأ في عالم الواقع: إنه ليس في الإمكان ~~أبدع مما كان، لولا أننا نرى أن الزمان المتطاول قد يمكن فيه اليوم ما لم يكن ممكنا ~~بالأمس، وقد يمكن فيه غدا ما ليس بممكن في يومنا هذا ولا في الأيام التي سلفت، وقد يمكن ~~فيه عند قوم في العصر الواحد ما يتعذر على آخرين في العصر نفسه ... إلا أننا ندين بقول ~~القائلين: «إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان» إذا نظرنا إلى تطور الدين نظرة تحيط بأطواره ~~كلها في جميع الأزمنة وبين جميع الأقوام. # وينبغي أن نذكر أن التعبير الرمزي والعقيدة الإيمانية لازمتان من لوازم الشعور الديني لا ~~تنفصلان عنه، ولا يتأتى لنا أن نفهم ظواهره وخوافيه ما لم نكن على استعداد لتفسير هذا ~~التعبير وقبول ذلك الإيمان. # ولسنا نقبل التعبير الرمزي والعقيدة الإيمانية ترخصا مع الدين وحده برخصة لا نلتمسها ~~مع سائر المدركات الحسية أو النفسية؛ لأننا نعلم أن التعبير الرمزي والعقيدة الإيمانية ~~لازمتان من لوازم تكوين الإنسان في مدركات حسه ومدركات نفسه، على اختلاف الأساليب ومعارض ~~الإدراك. # فأي إدراك للإنسان أصدق عنده من إدراك العيان؟ وما هي حقيقة هذا الإدراك إن لم يكن في ~~صميمه تعبيرا رمزيا نضع له من الأسماء ما ليس بينه وبين الواقع مطابقة غير مطابقة الرمز ~~للحقيقة التي ترمز إليها؟ فنحن نسمي الألوان بأسمائها، ثم نرجع إلى حقائقها فلا نعلم لها ~~حقيقة في الواقع إلا أنها ذبذبات كما يقال في أمواج الأثير، ولا نعلم للأثير من حقيقة في ~~الواقع غير أنه - كما يقال - فرض نقول به؛ لأننا لا نريد أن نقول بفرض العدم أو بفرض الفضاء ~~والخلاء. # ومن أمثلة العقيدة الإيمانية التي نلمسها في كل حي أو نلمسها في كل مولود أن الآباء ~~والأمهات يحبون ذريتهم ولا يقبلون بديلا منها، ولو كان البديل خيرا من تلك الذرية وأجمل ~~منظرا وأفضل مخبرا وأدعى إلى الغبطة والرجاء. ولا بقاء لأنواع الأحياء إذا قامت ~~الأبوة على عاطفة غير هذه العقيدة الإيمانية التي يرتبط بها قوام الحياة، ولا يختلف ms007 اثنان ~~في وصف هذا الحنان الأبوي بالمغالاة إذا أردنا أن نجرد الحياة من صواب العاطفة أو صواب ~~العقيدة، ولا ندين فيها بغير صواب العقول. # فإذا وجب علينا أن نقبل التعبير الرمزي والعقيدة الإيمانية في مدركات الدين، فنحن لا ~~نترخص مع الدين وحده بهذه الرخصة الشائعة عندنا - نحن بني الإنسان - في جميع مدركاتنا، بل ~~نحو نسوي بين رخصة الدين ورخصة الحس ورخصة العقل في هذه اللغة الحيوية التي ينطق بها كل ~~حي مع اختلاف الظروف والعبارات. # على أننا لا نبتغي بدعا من العقل إذا ميزنا الدين برخصة لا تساويها رخصة قط فيما تدركه ~~الحواس أو تدركه العقول؛ لأن مدركات الدين تشمل أصول الوجود وأسرار الخليقة، وتتطلع إلى ~~بواطن الغيب كما تتطلع إلى ما وراء هذا العالم المحدود كلما ارتفعت بها أشواقها إلى سماء ~~الكمال المطلق: كمال الخالق المبدع لجميع هذه المخلوقات. # فإذا قبلنا من عقولنا وحواسنا أن نقنع بالتعبير الرمزي والعقيدة الإيمانية في إدراك خليقة ~~محدودة من هذه الخلائق التي لا عداد لها، فإنه لمن الشطط أن نسوم العقل إدراكا ~~للحقيقة المطلقة يخلو من الرموز ويتجرد من عنصر الإيمان. ~~••• # ولنكن واقعيين مع الواقعيين في كلامنا عن مشكلة الدين؛ فإننا كنا إلى الآن في هذه الفاتحة ~~عقليين، نحتكم إلى البرهان في محاسبة الدين ومراجعة الشبهات التي تواجه المترددين ~~والمعطلين ويواجهون بها عقائد الأديان على الإجمال. # فماذا لو أضفنا إلى حجة العقل حجة الواقع من تجارب التاريخ وتجارب الحاضر في شئون ~~الجماعات الإنسانية، وشئون كل فرد من بني الإنسان على حدة بينه وبين جماعته أو بينه وبين ~~نفسه؟ # إن تجارب التاريخ تقرر لنا أصالة الدين في جميع حركات التاريخ الكبرى، ولا تسمح لأحد أن ~~يزعم أن العقيدة الدينية شيء تستطيع الجماعة أن تلغيه، ويستطيع الفرد أن يستغني عنه في ~~علاقته بتلك الجماعة أو فيما بينه وبين سريرته المطوية عمن حوله، ولو كانوا من أقرب الناس ~~إليه، ويقرر لنا التاريخ أنه لم يكن قط لعامل من عوامل الحركات الإنسانية أثر أقوى وأعظم ~~من عامل ms008 الدين، وكل ما عداه من العوامل المؤثرة في حركات الأمم فإنما تتفاوت فيه القدرة ~~بمقدار ما بينه وبين العقيدة الدينية من المشابهة في التمكن من أصالة الشعور وبواطن ~~السريرة. # هذه القوة لا تضارعها قوة العصبية، ولا قوة الوطنية، ولا قوة العرف، ولا قوة الأخلاق، ولا ~~قوة الشرائع والقوانين؛ إذ كانت هذه القوة إنما ترتبط بالعلاقة بين المرء ووطنه، أو العلاقة ~~بينه وبين مجتمعه، أو العلاقة بينه وبين نوعه على تعدد الأوطان والأقوام؛ أما الدين فمرجعه ~~إلى العلاقة بين المرء وبين الوجود بأسره، وميدانه يتسع لكل ما في الوجود من ظاهر وباطن، ~~ومن علانية وسر، ومن ماض أو مصير، إلى غير نهاية بين آزال لا تحصى في القدم وآباد لا ~~تحصى فيما ينكشف عنه عالم الغيوب؛ وهذا - على الأقل - هو ميدان العقيدة الدينية في مثلها ~~الأعلى وغاياتها القصوى وإن لم تستوعبها ضمائر المتدينين في جميع العصور. # ومن أدلة الواقع على أصالة الدين أنك تلمس هذه الأصلة عند المقابلة بين الجماعة المتدينة ~~والجماعة التي لا دين لها أو لا تعتصم من الدين بركن ركين، وكذلك تلمس هذه الأصالة عند ~~المقابلة بين فرد يؤمن بعقيدة من العقائد الشاملة وفرد معطل الضمير مضطرب الشعور يمضي في ~~الحياة بغير محور يلوذ به، وبغير رجاء يسمو إليه، فهذا الفارق بين الجماعتين وبين الفردين، ~~كالفارق بين شجرة راسخة في منبتها وشجرة مجتثة من أصولها، وقل أن ترى إنسانا معطل ~~الضمير على شيء من القوة والعظمة إلا أمكنك أن تتخيله أقوى من ذلك وأعظم إذا حلت العقيدة في ~~وجدانه محل التعطل والحيرة. ~~••• # وبعد، فنحن نختم هذه الفاتحة - كما بدأناها - بالتنبيه إلى غرضنا من هذه المناقشة الوجيزة ~~لشبهات المترددين والمعطلين على التدين في أساسه، فنقول في ختامها - كما قلنا في مستهلها: ~~إننا لا نحسب أن مناقشة من المناقشات في هذا الموضوع الجلل تحسم الخلاف وتختم المطاف، ~~ولكننا نطمع بحق في الإبانة عن مواطن الضعف من تلك الشبهات، ونعلم أنها أضعف من أن تقتلع ~~أصول العقيدة الدينية من الطبيعة الإنسانية، ms009 وأنها تتهافت تباعا كلما استحضر الباحث في ~~خلده شرائط الدين المعقولة التي تلازمه حتما في رأي المؤمن بدين من الأديان، وفي رأي ~~المنكر لجميع الأديان على السواء. # فمن شرائط الدين اللازمة أن تدين به جماعة يمتد أجلها وراء آجال الأفراد، وتتعاقب فيها ~~الأجيال حقبة بعد حقبة إلى أمد بعيد؛ فلا يؤخذ على الدين إذن أنه يناسب هذه الأجيال حيث ~~تأخرت كما يناسبها حيث تقدمت على مر الزمان مع تطور العلم والحضارة. # ومن شرائط الدين اللازمة أن تدين به الأمة في العصر الواحد على تفاوت أبنائها في المعرفة ~~والسجية والرأي والمشرب؛ فلا يؤخذ على الدين إذن أن يدخل فيه حساب العالم والجاهل، ~~وحساب الرفيع والوضيع، وحساب الطيب والخبيث، وحساب الذكي النابغ والغبي الخامل. # ومن شرائط الدين اللازمة أن يريح الضمير فيما يجهله الإنسان - ولا بد أن يجهل - من شئون ~~الغيب وأسرار الكون؛ لأنها الشئون والأسرار التي لا يحيط بها عقله المحدود، ولا تبديها له ~~ظواهر الزمان والمكان؛ فلا يؤخذ على الدين إذن أن يتولى تقريب هذه الأسرار الأبدية بأسلوب ~~المجاز والتشبيه، أو بأسلوب الرمز الذي تدركه العقول البشرية على مقدار حظها من الفطنة ~~والنفاذ إلى بواطن الأمور وخفايا الشعور. # ومتى توفرت النفس على تسليم هذه الشرائط اللازمة لكل دين من الأديان، فقد وجب على ~~العارفين أن يضطلعوا بالتوفيق بينها وبين مطالب الجماعة ومطالب الزمن ومطالب السريرة في ~~أعماقها؛ حيث تتصل بعالم الغيب وعالم الشهادة صلاتها التي لا تنقطع لمحة عين. ~~••• # وظاهر من سياق الكلام عن الدين في هذه الفاتحة أننا نعني به التدين على إطلاقه، ونريد أن ~~ندل على أصالته في حياة الفرد وحياة الأمة، ومتى عرفنا للتدين أصالته في كلتا الحياتين منذ ~~ألوف السنين، فليس ما يمنع أن يكون بين الديانات التي آمن بها البشر قديما وحديثا ديانة ~~أفضل من ديانة، وعقيدة أقرب من عقيدة إلى الكمال. # وإنما تفضل الديانة سواها بمقدار شمولها لمطالب الروح وارتقاء عقائدها وشعائرها في آفاق ~~العقل والضمير، وكذلك كانت الديانة الإسلامية - كما آمنا بها - ملة ms010 لا تفضلها ملة في شمول ~~حقائقها وخلوص عباداتها وشعائرها من شوائب الملل الغابرة. # وذلك هو موضوع هذا الكتاب فيما عرضه من حقائق الإسلام، وفيما يعرض له من أباطيل المفترين ~~عليه. # إن بعض العقائد ليصيب النفس بما يشبه داء الفصام؛ لأنه يقسم الشخصية الإنسانية على نفسها، ~~ويمزق الضمير الحائر بين نوازع الجسد ونوازع الروح، وبين سلطان الأرض وسلطان السماء، وبين ~~فرائض السعي وفرائض العبادة. وشمول العقيدة الإسلامية هو الذي يعصم ضمير المسلم من هذا ~~الفصام الروحاني، وهو الذي يعلمه أن يرفع رأسه حين تدول دولته أمام المسيطرين عليه، وهو ~~الذي يحفظ كيان الأمم الإسلامية أمام الضربات التي تلاحقت عليها من غارات الفاتحين، أو ~~غارات الحروب الصليبية، أو غارات الاستعمار والتبشير. # وشمول العقيدة الإسلامية هو الذي حقق للإسلام ما لم يتحقق لعقيدة غيره من تحويل الأمم ~~العريقة التي تدين بالكتب المقدسة إلى الإيمان به عن طواعية واختيار، كما آمنت به الأمم ~~المسيحية والمجوسية والبرهمية في مصر وسوريا وفارس والهند والصين. # ولقد عزي انتشار الإسلام في صدر الدعوة المحمدية إلى قوة السيف، وما كان للإسلام ~~يومئذ من سيف يصول به على أعدائه الأقوياء، بل كان المسلمون هم ضحايا السيف وطرائد الغشم ~~والجبروت. وإن عدد المسلمين اليوم بين أبناء الهند والصين وإندونيسيا والقارة الأفريقية ~~ليبلغ تسعة أعشار المسلمين في العالم أجمع، وما روى لنا التاريخ من أخبار الغزوات الدينية ~~في عامة هذه الأقطار ما يكفي لتحويل الآلاف المعدودة - فضلا عن مئات الملايين - من دين إلى ~~دين. # ولقد عزي انتشار الإسلام بين السود من أبناء القارة الإفريقية إلى سماح الإسلام ~~بتعدد الزوجات، وما كان تعدد الزوجات بالأمر الميسور لكل من يشتهيه من أولئك السود ~~المقبلين على الدين الإسلامي بغير مجهود، ولكنهم يجدون الخمر ميسرة لهم حيث أرادوها وقد ~~حرمها الإسلام أشد التحريم، فلم ينصرف عنه السود؛ لأنه حال بينهم وبين شهوة الشراب التي ~~قيل: إنها كانت شائعة بينهم شيوع الطعام والغذاء. # إنما شمول العقيدة الإسلامية دون غيره هو العامل القوي الذي يجمع إليه النفوس ويحفظ ms011 لها ~~قوة الإيمان، ويستغني عن السيف وعن المال في بث الدعوة كلما تفتحت أبوابها أمام المدعوين ~~إليها بغير عائق من سلطان الحاكمين والمتسلطين. ~~••• # قلنا في باب العقيدة الشاملة من كتابنا عن «الإسلام في القرن العشرين»: # ويبدر إلى الذهن أن الشمول الذي امتازت به العقيدة الإسلامية صفة خفية عميقة لا ~~تظهر للناظر من قريب، ولا بد لإظهارها من بحث عويص في قواعد الدين وأسرار الكتاب ~~وفرائض المعاملات؛ فليست هي مما يراه الناظر الوثني أو الناظر البدوي لأول وهلة قبل ~~أن يطلع على حقائق الديانة ويتعمق في الاطلاع. # ومن المحقق أن إدراك الشمول من الوجهة العلمية لا يتأتى بغير الدراسة الوافية ~~والمقارنة المتغلغلة في وجوه الاتفاق ووجوه الاختلاف بين الديانات، وبخاصة في ~~شعائرها ومراسمها التي يتلاقى عليها المؤمنون في بيئاتهم الاجتماعية. # ولكن الناظر القريب قد يدرك شمول العقيدة الإسلامية من مراقبة أحوال المسلم في ~~معيشته وعبادته، ويكفي أن يرى المسلم مستقلا بعبادته عن الهيكل والصنم والأيقونة ~~والوثن، ليعلم أنه وحدة كاملة في دينه، ويعلم من ثم كل ما يرغبه في ذلك الدين ~~أيام أن كان الدين كله حكرا للكاهن، ووقفا على المعبد، وعالة على الشعائر ~~والمراسم مدى الحياة. # لقد ظهر الإسلام في إبان دولة الكهانة والمراسم، وواجه أناسا من الوثنيين أو من ~~أهل الكتاب الذين صارت بهم تقاليد الجمود إلى حالة كحالة الوثنية في تعظيم الصور ~~والتماثيل والتعويل على المعبد والكاهن في كل كبيرة أو صغيرة من شعائر العبادة، ~~ولاح للناس في القرن السابع للميلاد خاصة أن المتدين قطعة من المعبد لا تتم على ~~انفرادها، ولا تحسب لها ديانة أو شفاعة بمعزل عنه؛ فالدين كله في المعبد عند ~~الكاهن، والمتدينون جميعا قطع متفرقة لا تستقل يوما بقوام الحياة الروحية، ولا ~~تزال معيشتها الخاصة والعامة تثوب إلى المعبد لتتزود منه شيئا تتم به عقيدتها، ~~ولا تستغني عنه مدى الحياة. # لا دين بمعزل عن المعبد والكاهن والأيقونة، سواء في العبادة الوثنية أو في عبادة ~~أهل الكتاب، إلى ما بعد القرن السابع بأجيال متطاولة. # فلما ms012 ظهر المسلم في تلك الآونة ظهر الشمول في عقيدته من نظرة واحدة، ظهر أنه وحدة ~~كاملة في أمر دينه؛ يصلي حيث يشاء، ولا تتوقف له نجاة على مشيئة أحد من الكهان، وهو ~~مع الله في كل مكان، # فأينما تولوا فثم وجه ~~الله ~~(البقرة: 115). # ويذهب المسلم إلى الحج، فلا يذهب إليه ليغتنم من أحد بركة أو نعمة يضفيها عليه، ~~ولكنه يذهب إليه كما يذهب الألوف من إخوانه، ويشتركون جميعا في شعائره على سنة ~~المساواة بغير حاجة إلى الكهانة، وقد يكون السدنة الذين يراهم مجاورين للكعبة ~~خداما لها وله، يدلونه حين يطلب منهم الدلالة، ويتركهم إن شاء؛ فلا سبيل لأحد ~~منهم عليه. # فإذا توسع قليلا في العلم بشعائر الحج، علم أن الحج لا يفرض عليه زيارة قبر ~~الرسول، وأن هذه الزيارة ليست من مناسك الدين، وأنها تحية منه يؤديها من عنده غير ~~ملزم، كما يؤدي التحية لكل دفين عزيز محبوب لديه، # قل ~~إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~(الكهف: ~~110). # وقرأ فيه: # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا إن عليك إلا البلاغ ~~(الشورى: 48). # وقرأ فيه: # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين ~~(النور: 54). # وقرأ فيه: # وما أنت عليهم بجبار ~~(ق: ~~45). # وقرأ فيه: # لست عليهم بمصيطر ~~(الغاشية: ~~22). # وقرأ فيه: # وما أرسلناك إلا كافة للناس ~~بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(سبأ: 28). # وقرأ فيه آيات لا تخرج في وصف الرسالة عن معنى هذه الآيات. ~~••• # مر بنا أن فساد رجال الدين كان من أسباب انصراف أتباعهم عن دينهم ودخولهم أفواجا ~~عقيدة للمسلمين. # مثل هذا لا يحصل في أمة إسلامية فسد فيها رجال دينها؛ فما من مسلم يذهب إلى ~~الهيكل ليقول لكاهنه: خذ دينك إليك فإنني لا أومن به؛ لأنني لا أومن بك، ولا أرى في ~~سيرتك مصدقا لأوامرك ونواهيك أو أوامره ونواهيه. # كلا، ما من رجل دين يبدو للمسلم أنه صاحب الدين، وأنه حين يؤمن بالله يؤمن به ~~لأنه ms013 إله ذلك الرجل الذي يتوسط بينه وبين الله ، أو يعطيه من نعمته قواما لروحه: # والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو ~~سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم ولا ينبئك مثل خبير * يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد ~~(فاطر: 13-15). # نعم، كلهم فقراء إلى الله، وكلهم لا فضل لواحد منهم على سائرهم إلا بالتقوى، ~~وكلهم في المسجد سواء، فإن لم يجدوا المسجد فمسجدهم كل مكان فوق الأرض وتحت ~~السماء. # إن عقيدة المسلم شيء لا يتوقف على غيره، ولا تبقى منه بقية وراء سره وجهره، ومن ~~كان إماما له في مسجده فلن ترتفع به الإمامة مقاما فوق مقام النبي صاحب الرسالة؛ ~~النبي يبشر وينذر، ولا يتجبر ولا يسيطر، ويبلغ قومه ما حمل وعليهم ما حملوا، ~~وما على الرسول إلا البلاغ المبين. # ومنذ يسلم المسلم يصبح الإسلام شأنه الذي لا يعرف لأحد حقا فيه أعظم من حقه، أو ~~حصة فيه أكبر من حصته، أو مكانا يأوي إليه ويكون الإسلام في غيره. # كذلك لا ينقسم المسلم قسمين بين الدنيا والآخرة، أو بين الجسد والروح، ولا يعاني ~~هذا الفصام الذي يشق على النفس احتماله ويحفزها في الواقع إلى طلب العقيدة، ولا ~~يكون هو في ذاته عقيدة تعتصم بها من الحيرة والانقسام: # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك ~~من الدنيا ~~(القصص: 77)، # وتوكل على ~~الله وكفى بالله وكيلا * ما جعل الله لرجل ~~من قلبين في جوفه ~~(الأحزاب: 3-4). # فإذا كانت العقيدة التي تباعد المسافة بين الروح والجسد تعفينا من العمل حين يشق ~~علينا العمل، فالعقيدة التي توحد الإنسان وتجعله كلا مستقلا بدنياه شفاء له ~~من ذلك الفصام الذي لا تستريح إليه السريرة إلا حين يضطر إلى الهرب من عمل ~~الإنسان الكامل في حياته، وحافز له إلى الخلاص من القهر كلما غلب على أمره ووقع في ~~قبضة سلطان غير سلطان ربه ودينه. # ومن هنا لم يذهب الإسلام مذهب التفرقة بين ما ms014 لله وما لقيصر؛ لأن الأمر في ~~الإسلام كله لله: # بل لله الأمر جميعا ~~(الرعد: 31)، # ولله المشرق والمغرب ~~(البقرة: 115)، # رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون ~~(الشعراء: 28). # وإنما كانت التفرقة بين ما لله وما لقيصر تفرقة الضرورة التي لا يقبلها المتدين ~~وهو قادر على تطويع قيصر بأمر الله، وهذا التطويع هو الذي أوجبته العقيدة الشاملة، ~~وكان له الفضل في صمود الأمم الإسلامية لسطوة الاستعمار وإيمانها الراسخ بأنها دولة ~~دائلة، وحالة لا بد لها من تحويل. # وقد أبت هذه العقيدة على الرجل أن يطيع الحاكم بجزء منه ويطيع الله بغيره، وأبت ~~على المرأة أن تعطي بدنها في الزواج لصاحبها وتنأى عنه بروحها وسريرتها، وأبت على ~~الإنسان جملة أن يستريح إلى «الفصام الوجداني» ويحسبه حلا لمشكلة الحكم والطاعة ~~قابلا للدوام. # إن هذا الشأن العظيم - شأن العقيدة الشاملة التي تجعل المسلم «وحدة كاملة» - لا ~~يتجلى واضحا قويا كما يتجلى من عمل الفرد في نشر العقيدة الإسلامية؛ فقد أسلم ~~عشرات الملايين في الصحارى الإفريقية على يدي تاجر فرد، أو صاحب طريقة منفرد في ~~خلوته لا يعتصم بسلطان هيكل ولا بمراسم كهانة، وتصنع هنا قدرة الفرد الواحد ما لم ~~تصنعه جموع التبشير ولا سطوة الفتح والغلبة؛ فجملة من أسلموا في البلاد التي انتصرت ~~فيها جيوش الدول الإسلامية هم الآن أربعون أو خمسون مليونا بين الهلال الخصيب ~~وشواطئ البحرين الأبيض والأحمر، فأما الذين أسلموا بالقدوة الفردية الصالحة فهم فوق ~~المائتين من الملايين، أو هم كل من أسلم في الهند والصين وجزائر جاوة وصحارى ~~إفريقية وشواطئها، إلا القليل الذي لا يزيد في بداءته على عشرات الألوف. ~~••• # وينبغي أن نفرق بين الاعتراف بحقوق الجسد وإنكار حقوق الروح؛ فإن الاعتراف بحقوق ~~للجسد لا يستلزم إنكار الروحانية ولا الحد من سبحاتها التي اشتهرت باسم التصوف في ~~اللغة العربية أو اشتهرت باسم «الخفيات والسريات» في اللغة الغربية # Mysticism ~~؛ إذ لا يوصف بالشمول دين ينكر ~~الجسد، كما لا يوصف بالشمول دين ينكر الروح، وقد أشار القرآن الكريم إلى الفارق بين ~~عالم الظاهر ms015 وعالم الباطن في قصة الخضر وموسى - عليهما السلام - وذكر تسبيح ~~الموجودات ما كانت له حياة ناطقة وما لم تكن له حياة: # وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ~~(الإسراء: 44)، وأشار إلى هذه الأشياء بضمير العقلاء، ~~وعلم منه المسلمون أن الله أقرب إليهم من حبل الوريد، وأنه نور السماوات والأرض، ~~وأنه # هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم ~~(الحديد: 3). وحسب المرء أن يتعلم هذا ~~من كتاب دينه، ليبيح لنفسه من سبحات التصوف كل ما يستباح في عقائد التوحيد، ولعله ~~لم يوجد في أهل دين من الأديان طرق للتصوف تبلغ ما بلغته هذه الطرق بين المسلمين من ~~الكثرة والنفوذ، ولا وجه للمقابلة بين الإسلام وبين البرهمية أو بين البوذية - ~~مثلا - في العقائد الصوفية؛ فإن إنكار الجسد في البرهمية أو البوذية يخرجها من ~~عداد العقائد الشاملة التي يتقبلها الإنسان بجملته غير منقطع عن جسده أو عن ~~دنياه. # وحسب المرء أن يرضي مطالبه الروحية ولا يخالف عقائد دينه ليوصف ذلك الدين ~~بالشمول، ويبرأ فيه الضمير من داء الفصام. # كذلك يخاطب الإسلام العقل ولا يقصر خطابه على الضمير أو الوجدان، وفي حكمه أن ~~النظر بالعقل هو طريق الضمير إلى الحقيقة، وأن التفكير باب من أبواب الهداية التي ~~يتحقق بها الإيمان: # قل إنما أعظكم بواحدة أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~(سبأ: 46)، # كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون ~~(البقرة: 219). # وما كان الشمول في العقيدة ليذهب فيها مذهبا أبعد وأوسع من خطاب الإنسان روحا ~~وجسدا وعقلا وضميرا بغير بخس ولا إفراط في ملكة من هذه الملكات. # وفي مشكلة المشكلات التي تعرض للمتدين يعتدل المسلم بين الإيمان بالقدر والإيمان ~~بالتبعة والحرية الإنسانية، فمن عقائد دينه: # إن أجل ~~الله إذا جاء لا يؤخر ~~(نوح: 4)، # وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب ~~(فاطر: 11)، # وما كان لنفس أن ~~تموت إلا بإذن الله ~~(آل عمران: 145)، # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(النساء: ~~81). # ومن عقائد دينه أيضا: # إن الله لا يغير ما ms016 ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~(الرعد: 11)، # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون ~~(هود: 117)، # وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~(الشورى: 30). # وليس في الإسلام أن الخطيئة موروثة في الإنسان قبل ولادته، ولا أنه يحتاج في ~~التوبة عنها إلى كفارة من غيره. وقد قيل: إن الإيمان بالقضاء والقدر هو علة جمود ~~المسلمين. وقيل على نقيض ذلك: إنه كان حافزهم في صدر الإسلام على لقاء الموت وقلة ~~المبالاة بفراق الحياة. وحقيقة الأمر أن المسلم الذي يترك العمل بحجة الاتكال على ~~الله يخالف الله ورسوله؛ لأنه مأمور بأن يعمل في آيات الكتاب وأحاديث الرسول: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون ~~(التوبة: 105)، بل حقيقة الأمر أن خلاصة ذلك كله ~~موقوف عليه، وأن إيمانه بحريته وتدبيره لا يقتضي بداهة أن الله - سبحانه - مسلوب ~~الحرية والتدبير. # وأصدق ما يقال في عقيدة القضاء والقدر إنها قوة للقوي وعذر للضعيف، وحافز ~~لطالب العمل وتعلة لمن يهابه ولا يقدر عليه، وذلك ديدن الإنسان في كل باعث ~~وفي كل تعلة؛ كما أوضحنا في الفارق بين أبي الطيب المتنبي وأبي العلاء ~~المعري وهما يقولان بقول واحد في عبث الجهد وعبث الحياة. # فأبو الطيب يقول عن مراد النفوس: # ومراد النفوس أهون من أن # نتعادى فيه وأن نتفانى # ثم يتخذ من ذلك باعثا للجهاد والكفاح، فيقول: # غير أن الفتى يلاقي المنايا # كالحات ولا يلاقي الهوانا # والمعري يقول: إن التعب عبث لأنه لا يؤدي بعده إلى راحة في الحياة، ولكنه يعجب من ~~أجل هذا لمن يتعبون ويطلبون المزيد: # تعب كلها الحياة فما أع # جب إلا من راغب في ازدياد # وعلى هذا المثال يقال تارة: إن عقيدة القضاء والقدر نفعت المسلمين، ويقال تارة ~~أخرى: إنها ضرتهم وأوكلتهم إلى التواكل والجمود. وصواب القول أنهم ضعفوا قبل أن ~~يفسروا القضاء والقدر ذلك التفسير، وتلك خديعة الطبع الضعيف. # وتوصف العقيدة الإسلامية بالشمول؛ لأنها تشمل الأمم الإنسانية جميعا، كما تشمل ~~النفس الإنسانية بجملتها من عقل وروح وضمير. # فليس الإسلام دين أمة واحدة، ولا هو دين طبقة ms017 واحدة، وليس هو للسادة المسلطين ~~دون الضعفاء المسخرين، ولا هو للضعفاء المسخرين دون السادة المسلطين، ولكنه ~~رسالة تشمل بني الإنسان من كل جنس وملة وقبيلة: # وما ~~أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~(الإسراء: 105)، # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~(الأعراف: ~~158)، # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون ~~من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون ~~(البقرة: 136)، # إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ~~(المائدة: 69). # فهذه عقيدة إنسانية شاملة، لا تخص بنعمة الله أمة من الأمم لأنها من سلالة مختارة ~~دون سائر السلالات لفضيلة غير فضيلة العمل والصلاح: # يا ~~أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم إن الله عليم خبير ~~(الحجرات: 13). # وفي أحاديث النبي - عليه السلام - أنه: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لقرشي على ~~حبشي إلا بالتقوى.» # وليس للإسلام طبقة يؤثرها على طبقة أو منزلة يؤثرها على منزلة؛ فالناس درجات، ~~يتفاوتون بالعلم، ويتفاوتون بالعمل، ويتفاوتون بالرزق، ويتفاوتون بالأخلاق: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات ~~(المجادلة: 11)، # لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~(النساء: 95)، # والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق ~~(النحل: 71)، # هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ~~(الزمر: 9). ~~••• # وإذا ذكر القرآن الضعف، فلا يذكره لأن الضعف نعمة أو فضيلة مختارة لذاتها، ولكنه ~~يذكره ليقول للضعيف إنه أهل لمعرفة الله إذا جاهد وصبر وأنف أن يسخر لبه وقلبه ~~للمستكبرين، وإلا فإنه لمن المجرمين: # يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ~~* قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم ~~مجرمين ~~(سبأ: 31-32)، # ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم ~~في الأرض ونري ms018 فرعون وهامان وجنودهما منهم ما ~~كانوا يحذرون ~~(القصص: 5-6). # وما من ضعيف هو ضعيف إذا صبر على البلاء، فإذا عرف الصبر عليه فإنه لأقوى من ~~العصبة الأشداء: # الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ~~والله مع الصابرين ~~(الأنفال: 66). # فما كان الإله الذي يدين به المسلم إله ضعفاء أو إله أقوياء، ولكنه إله من يعمل ~~ويصبر ويستحق العون بفضل فيه، جزاؤه أن يكون مع الله، والله مع الصابرين. # بهذه العقيدة الشاملة غلب المسلمون أقوياء الأرض، ثم صمدوا لغلبة الأقوياء عليهم ~~يوم دالت الدول وتبدلت المقادير، وذاق المسلمون بأس القوة مغلوبين مدافعين. # وهذه العقيدة الشاملة هي التي أفردت الإسلام بمزية لم تعهد في دين آخر من ~~الأديان الكتابية؛ فإن تاريخ التحول إلى هذه الأديان لم يسجل لنا قط تحولا ~~جماعيا إليها من دين كتابي آخر بمحض الرضى والاقتناع؛ إذ كان المتحولون إلى ~~المسيحية أو إلى اليهودية قبلها في أول نشأتها أمما وثنية على الفطرة لا تدين ~~بكتاب، ولم تعرف قبل ذلك عقيدة التوحيد أو الإله الخالق المحيط بكل شيء، ولم يحدث ~~قط في أمة من الأمم ذات الحضارة العريقة أنها تركت عقيدتها لتتحول إلى دين كتابي ~~غير الإسلام، وإنما تفرد الإسلام بهذه المزية دون سائر العقائد الكتابية؛ فتحولت ~~إليها الشعوب فيما بين النهرين وفي أرض الهلال الخصيب وفي مصر وفارس، وهي - فارس - ~~أمة عريقة في الحضارة كانت قبل التحول إلى الإسلام تؤمن بكتابها القديم، وتحول ~~إليه أناس من أهل الأندلس وصقلية، كما تحول إليه أناس من أهل النوبة الذين ~~غبروا على المسيحية أكثر من مائتي سنة، ورغبهم جميعا فيه ذلك الشمول الذي يجمع ~~النفس والضمير، ويعم بني الإنسان على تعدد الأقوام والأوطان، ويحقق المقصد الأكبر ~~من العقيدة الدينية فيما امتازت به من عقائد الشرائع وعقائد الأخلاق وآداب ~~الاجتماع. # وإبراز هذه المزية - مزية العقيدة الإسلامية التي أعانت أصحابها على الغلب وعلى ~~الدفاع والصمود - هو الذي نستعين به ms019 على النظر في مصير الإسلام بعد هاتين الحالتين، ~~ونريد بهما حالة القوي الغالب وحالة الضعيف الذي لم يسلبه الضعف قوة الصمود ~~للأقوياء، إلى أن يحين الحين ويتبدل بين حالتي الغالب والمغلوب حالته التي يرجوها ~~لغده المأمول، ولئن كانت حالة الصمود حسنى الحالتين في مواقف الضعف، مع شمول ~~العقيدة وبقائها صالحة للنفس الإنسانية في جملتها وللعالم الإنساني في جملته، ~~ليكونن المصير في الغد المأمول أكرم ما يكون مع هذه القوة وهذا الشمول. # في هذه العجالة عن شمول العقيدة الإسلامية إلمامة كافية لمقصدنا في هذا الكتاب الذي نود ~~أن نستقصي فيه كل ما يستقصى عن حقائق الدين في حيز هذه الصفحات. # أما المزايا التي امتازت بها عقائد الإسلام وأحكامه، فنحن مفردون لها ما يلي من فصول ~~الكتاب الأربعة، وهي مبدوءة بفصل عن العقائد، ويليه فصل عن الحقوق، وفصل عن المعاملات، وفصل ~~عن الأخلاق والآداب. # ووجهتنا التي نتجه إليها في هذه البحوث: # أولا: # أن الإسلام يوحي إلى المسلم عقيدة في الذات الإلهية، وعقيدة في الهداية ~~النبوية، وعقيدة في الإنسان لا تعلوها عقيدة في الديانات ولا في الحكمة ~~النظرية أو الحكمة العملية. # وثانيا: # أن أحكام الإسلام لا تعوق المسلم عن غاية تفتحها أمامه أشواط العلم ~~والحضارة. # وثالثا: # أن في الإسلام زادا للأمم الإنسانية في طريق المستقبل الطويل يواتيها ~~بما فيه غنى لها حيث نضبت الأزواد من وطاب العقائد الروحية أو ~~تكاد. # وباسم الله نتجه في وجهتنا، وعلى هدى من الإيمان بالله. # الفصل الأول # | العقائد # (1) العقيدة الإلهية # العقيدة في الإله رأس العقائد الدينية بجملتها وتفصيلها. من عرف عقيدة قوم في إلههم ~~فقد عرف نصيب دينهم من رفعة الفهم والوجدان، ومن صحة المقاييس التي يقاس بها الخير ~~والشر وتقدر بها الحسنات والسيئات؛ فلا يهبط دين وعقيدته في الإله عالية، ولا يعلو ~~دين وعقيدته في الإله هابطة ليست مما يناسب صفات الموجود الأول الذي تتبعه جميع ~~الموجودات. # ولقد كان النظر في صفات الله مجال التنافس بين أكبر العقول من أصحاب الفلسفة الفكرية ~~وأصحاب الحكمة الدينية، وقد كانت ms020 مهمة الفلاسفة أيسر من مهمة حكماء الأديان؛ لأن ~~الفيلسوف النظري ينطلق في تفكيره وتقديره غير مقيد بفرائض العبادة وحدود المعاملات التي ~~يتقيد بها الحكيم الديني، ويتقيد بها من يأتمون به من أتباعه في الحياة العامة والمعيشة ~~الخاصة؛ فظهر بين الفلاسفة النظريين من سما بالتنزيه الإلهي صعدا إلى أوج لا ~~يلحق به الخيال فضلا عن الفكر والإحساس. # وجاء الإسلام في جوف الصحراء العربية بأسمى عقيدة في الإله الواحد الأحد، صححت فكرة ~~الفلسفة النظرية كما صححت فكرة العقائد الدينية؛ فكان تصحيحه لكل من هاتين الفكرتين - ~~في جانب النقص منها - أعظم المعجزات التي أثبتت له في حكم العقل المنصف والبديهة ~~الصادقة أنه وحي من عند الله. # يقال على الإجماع: إن صفات الإله قد ارتفعت إلى ذروتها العليا من التنزيه والتجريد في ~~مذهب «أرسطو» الفيلسوف اليوناني الكبير. # والذين يرون هذا الرأي لا ينسون مذهب «أفلاطون»: إمام الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، ~~وشيخ الفلسفة الصوفية بين الغربيين إلى العصر الأخير، غير أنهم لا يذكرونه في معرض ~~الكلام على التنزيه في وصف الله؛ لأن مذهبه أقرب إلى الغيبوبة الصوفية منه إلى التفكير ~~الجلي والمنطق المعقول، وطريقته في التنزيه أن يمعن في الزيادة على كل صفة ~~يوصف بها الله، فلا يزال يتخطاها، ثم يتخطاها كلما استطاع الزيادة اللفظية حتى تنقطع ~~الصلة بينها وبين جميع المدلولات المفهومة أو المظنونة. ويرجح الأكثرون أن «أفلاطون» ~~نفسه لم يكن يتصور ما يصوره من تلك الصفات، وإنما كانت غايته القصوى أن يذهب بالتصور ~~إلى منقطع العجز والإعياء. # فمن ذلك أنه ينكر صفة الوحدانية ليقول بصفة الأحدية، ويقول: «إن الواحد غير الأحد؛ ~~لأن الواحد قد يدخل في عداد الاثنين والثلاثة والعشرة، ولا يكون الأحد إلا مفردا بغير ~~تكرار.» # ومن ذلك أنه ينكر صفة الوجود ليقول: إن الله لا يوصف بأنه موجود، تنزيها له عن الصفة ~~التي يقابلها العدم وتشترك فيها الموجودات أو الموجدات. # لهذا يضربون المثل بأرسطو في تنزيه الإله، ولا يضربون المثل بأفلاطون؛ لأن مذهبه ~~ينقطع في صومعة من غيبوبة الذهول لا تمتزج بحياة ms021 فكرية ولا بحياة عملية. # ومذهب أرسطو في الإله أنه كائن أزلي أبدي مطلق الكمال لا أول له ولا آخر، ولا عمل له ~~ولا إرادة، منذ كان العمل طلبا لشيء والله غني عن كل طلب، وقد كانت الإرادة اختيارا ~~بين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال؛ فلا حاجة به إلى الاختيار ~~بين صالح وغير صالح، ولا بين فاضل ومفضول. وليس مما يناسب الإله في رأي أرسطو أن يبتدئ ~~العمل في زمان؛ لأنه أبدي سرمدي لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من ~~جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ولا جديد ولا قديم. وكل ما يناسب كماله فهو ~~السعادة بنعمة بقائه التي لا بغية وراءها ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج من ~~نطاقها عناية تعنيه. # فالإله الكامل المطلق الكمال لا يعنيه أن يخلق العالم أو يخلق مادته الأولى وهي ~~«الهيولي»، ولكن لهذه «الهيولي» قابلية للوجود يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى ~~الوجود الذي يفيض عليها من قبل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود ثم يدفعها من ~~النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها؛ فتتحرك وتعمل بما فيها من الشوق والقابلية، ولا ~~يقال عنها: إنها من خلقة الله، إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار. ~~••• # كمال مطلق لا يعمل ولا يريد. # أو كمال مطلق يوشك أن يكون هو والعدم المطلق على حد السواء. # ولنذكر أنه أرسطو صاحب هذا المذهب قبل كل شيء. # ولنذكر أنه ذلك العقل الهائل الذي يهابه من يحس قدرته؛ فلا يجترئ عليه بالنقد ~~والتسفيه قبل أن يفرغ جهده في التماس المعذرة له من جهل عصره، وقصور الأفكار حوله لا من ~~جهله هو أو قصور تفكيره؛ فإنه لم يعودنا في تفكيره احتمالا قط لا ينقصه قصارى مداه، ~~ولا يستوفي مقتضياته وموانعه جهد ما في الطاقة الإنسانية من استيفاء. # لنذكر أنه أرسطو، لكي نذكر أن هذا العقل النادر لم يؤت من نقص في تصور الصفات ~~العلوية إلا لأنه عاش في زمان لم ms022 تتكشف فيه المعرفة من خصائص هذه الكائنات الأرضية ~~«السفلى» التي نحسها ونعيش بينها ، ولو أنه عرف ما هو لاصق بها من خصائصها وأعراضها ~~لكان له رأي في الكمال العلوي غير ذلك الذي ارتآه بمحض الظن والقياس على غير ~~مقيس. # لقد كان يفهم من كمال الكائنات العلوية - السماوية - أنها خالدة باقية لا تفنى؛ لأنها ~~من نور، والنور بسيط لا يعرض له الفناء كما يعرض على التركيب. # ولو أن أرسطو عاش حتى علم أن المادة الأرضية - السفلى - كلها من نور، وأن عناصر ~~المادة كلها تئول إلى الذرات والكهارب، وأن هذه الذرات والكهارب تنشق فتئول إلى ~~شعاع؛ لما ساقه الظن والقياس إلى ذلك الخطأ في التفرقة بين لوازم البقاء ولوازم الفناء، ~~أو بين خصائص البساطة وخصائص التركيب. # ولعل إدراكه لذاك الخطأ في فهم لوازم البساطة والكمال، ولوازم البقاء والفناء؛ كان ~~خليقا أن يهديه إلى فهم خطئه في تصور لوازم الكمال الإلهي؛ فلا يمتنع في عقله أن ~~يجتمع الكمال الواحد من صفات عدة كالصفات الحسنى التي وصف بها الإله في الإسلام، ~~ومنها الرحمة والكرم والقدرة والفعل والإرادة، ولا يمتنع في عقله أن يكون لهذه الصفات ~~لوازمها ومقتضياتها؛ إذ لا تكون قدرة بغير مقدور عليه، ولا يكون كرم بغير إعطاء، ولا ~~تكون مشيئة بغير اختيار بين أمرين، وإذا اختار الله أمرا فهو لا يختاره لذاته - سبحانه ~~وتعالى - بل يختاره لمخلوقاته التي تجوز عليها حالات شتى لا تجوز في حق الإله، وإذا خلق ~~الله شيئا في الزمان فلا ننظر إلى الأبدية الإلهية، بل ينبغي أن ننظر إلى الشيء ~~الموجود على المخلوق في زمانه، ثم لا مانع عقلا من أن تتعلق به إرادة الله الأبدية على ~~أن يكون حيث كان في زمن من الأزمان. # لقد كان مفهوم البساطة في الأبدية الباقية عند أرسطو غير مفهومها الذي لمسناه اليوم ~~لمسا في هذه الكائنات الأرضية السفلية؛ فلا جرم يكون مفهوم الكمال المطلق عندنا غير ~~مفهومه الذي جعله أرسطو أشبه شيء بالعدم المطلق، غير عامل ولا مريد ولا عالم بسوى ms023 ~~النعمة والسعادة، قانع بأنه منعم سعيد. ~~••• # وعلى هذا يبقى لنا أن نسأل: هل استطاع أرسطو بتجريده الفلسفي أن يسمو بالكمال الأعلى ~~فوق مرتبته التي يستلهمها المسلم من عقيدة دينه؟ # نقول عن يقين: كلا؛ فإن الله في الإسلام إله صمد لا أول له ولا آخر، وله المثل ~~الأعلى؛ فليس كمثله شيء، وهو محيط بكل شيء. # ثم يبقى بعد ذلك أن نسأل: هل تغض العقيدة الدينية من الفكرة الفلسفية في مذهب ~~التنزيه؟ # والجواب: كلا، بل الدين هنا فلسفة أصح من الفلسفة إذا قيست بالقياس الفلسفي الصحيح؛ ~~لأن صفات الإله التي تعددت في عقيدة الإسلام لا تعدو أن تكون نفيا للنقائص التي لا ~~تجوز في حق الإله، وليس تعدد النقائص مما يقضي بتعدد الكمال المطلق الذي ينفرد ولا ~~يتعدد؛ فإن الكمال المطلق واحد والنقائص كثيرة لا ينفيها جميعا ذلك الكمال الواحد، وما ~~إيمان المسلم بأن الله عليم قدير فعال لما يريد كريم رحيم، إلا إيمانا بأنه - جل وعلا ~~- قد تنزه عن نقائص الجهل والعجز والجحد والغشم؛ فهو كامل منزه عن جميع النقائص، ~~ومقتضى قدرته أن يعمل ويخلق ويريد لخلقه ما يشاء، ومقتضى عمله وخلقه أن يتنزه عن تلك ~~«العزلة السعيدة» التي توهمها أرسطو مخطئا في التجريد والتنزيه، فهو سعيد بنعمة كماله ~~سعيد بنعمة عطائه، كفايته لذاته العلية لا تأبى له أن يفيض على الخلق كفايتهم من الوجود ~~في الزمان، أي من ذلك الوجود المحدود الذي لا يغض من وجود الله في الأبد بلا أول ولا ~~آخر ولا شريك ولا مثيل. # ومن صفات الله في الإسلام ما يعتبر ردا على فكرة الله في الفلسفة الأرسطية، كما ~~يعتبر ردا على أصحاب التأويل في الأديان الكتابية وغير الكتابية. # فالله عند أرسطو يعقل ذاته ولا يعقل ما دونها، ويتنزه عن الإرادة؛ لأن الإرادة طلب ~~في رأيه والله كمال لا يطلب شيئا غير ذاته، ويجل عن علم الكليات والجزئيات؛ لأنه ~~يحسبها من علم العقول البشرية، ولا يعنى بالخلق رحمة ولا قسوة؛ لأن الخلق أحرى أن ~~يطلب الكمال بالسعي ms024 إليه، ولكن الله في الإسلام عالم الغيب والشهادة: # لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~(سبأ: 3)، # وهو بكل خلق عليم ~~(يس: 79)، # وما كنا عن الخلق غافلين ~~(المؤمنون: 17)، # وسع ربنا كل شيء علما ~~(الأعراف: 89)، # ألا له الخلق والأمر ~~(الأعراف: 54)، # عليم بذات الصدور ~~(فاطر: 38)، # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا ~~بما قالوا بل يداه مبسوطتان ~~(المائدة: 64). # وفي هذه الآية رد على يهود العرب بمناسبة خاصة تتعلق بالزكاة والصدقات - كما جاء في ~~أقوال بعض المفسرين - ولكنها ترد على كل من يغلون إرادة الله على وجه من الوجوه، ولا ~~يبعد أن يكون في يهود الجزيرة من يشير إلى رواية من روايات الفلسفة الأرسطية لذلك ~~المقال. # وقد أشار القرآن الكريم إلى الخلاف بين الأديان المتعددة، فجاء فيه من سورة الحج: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ~~(الحج: 17). # وأشار إلى الدهريين، فجاء في سورة الجاثية: # وقالوا ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ~~(الجاثية: 24). # فكانت فكرة الله في الإسلام هي الفكرة المتممة لأفكار كثيرة موزعة في هذه العقائد ~~الدينية، وفي المذاهب الفلسفية التي تدور عليها؛ ولهذا بلغت المثل الأعلى في صفات الذات ~~الإلهية، وتضمنت تصحيحا للضمائر وتصحيحا للعقول في تقرير ما ينبغي لكمال الله، بقسطاس ~~الإيمان وقسطاس النظر والقياس. # ومن ثم كان فكر الإنسان من وسائل الوصول إلى معرفة الله في الإسلام، وإن كانت ~~الهداية كلها من الله. # ومجمل ما يقال عن عقيدة الذات الإلهية التي جاء بها الإسلام أن الذات الإلهية غاية ما ~~يتصوره العقل البشري من الكمال في أشرف الصفات، وقد جاء الإسلام بالقول الفصل في مسألة ~~البقاء والفناء؛ فالعقل لا يتصور للوجود الدائم والوجود الفاني صورة أقرب إلى الفهم من ~~صورتيهما في العقيدة الإسلامية؛ لأن العقل لا يتصور وجودين سرمديين، كلاهما غير مخلوق، ~~أحدهما مجرد والآخر مادة، وهذا وذاك ليس لهما ابتداء وليس لهما ms025 انتهاء. # ولكنه يتصور وجودا أبديا يخلق وجودا زمانيا، أو يتصور وجودا يدوم ووجودا ~~يبتدئ وينتهي في الزمان. # وقديما قال أفلاطون وأصاب فيما قال: «إن الزمان محاكاة للأبد ... لأنه مخلوق، والأبد ~~غير مخلوق.» # فبقاء المخلوقات بقاء في الزمن، وبقاء الخالق بقاء أبدي سرمدي لا يحده الماضي والحاضر ~~والمستقبل؛ لأنها كلها من حدود الحركة والانتقال في تصور أبناء الفناء، ولا تجوز في حق ~~الخالق السرمدي حركة ولا انتقال. # فالله هو # الحي الذي لا يموت ~~(الفرقان: 58)، # وهو الذي يحيي ويميت ~~(المؤمنون: 80)، # كل شيء هالك إلا وجهه ~~(القصص: 88). # 1 # وأيا كان المرتقى الذي ارتفع إليه تنزيه الفكرة الإلهية في مذهب أرسطو كما شرحناه ~~بعض الشرح، أو مذهب أستاذه أفلاطون كما أومأنا إليه بعض الإيماء؛ فهذا التنزيه الفلسفي ~~قمة منبتة عن البيئة التي عاش فيها الفيلسوفان، ويكاد هذا التنزيه الفلسفي أن يكون ~~خيالا جامحا بالنسبة إلى العقائد الإلهية التي كانت فاشية بين الكهان والمتعبدين من ~~أبناء اليونان. # فلا شك أن صورة «زيوس» رب الأرباب عندهم كانت أقرب إلى صورة الشيطان منها إلى صورة ~~الأرباب المنزهين، ولو لم يبلغ وصف التنزيه عندهم نصيبا ملحوظا من الكمال. # كان «زيوس» حقودا لدودا مشغولا بشهوات الطعام والغرام، لا يبالي من شئون الأرباب ~~والمخلوقات إلا ما يعينه على حفظ سلطانه والتمادي في طغيانه، وكان يغضب على «أسقولاب» ~~إله الطب؛ لأنه يداوي المرضى فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ~~ظهر الأرض إلى باطن الهاوية، وكان يغضب على «برومثيوس» إله المعرفة والصناعة؛ لأنه ~~يعلم الإنسان أن يستخدم النار في الصناعة وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة ~~الأرباب، وقد حكم عليه بالعقاب الدائم فلم يقنع بموته ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة، بل ~~تفنن في اختراع ألوان العذاب له فقيده إلى جبل سحيق، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش ~~كبده طوال النهار حتى إذا جن الليل عادت سليمة في بدنه لتعود الجوارح إلى نهشها بعد ~~مطلع الشمس ... ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء. ~~ومما رواه الشاعر ms026 الفيلسوف «هزيود» عن علة غضب الإله على «برومثيوس» أنه قسم له نصيبه ~~من الطعام في وليمة الأرباب فأكثر فيه من العظام، وأقل فيه من اللحوم والشحوم؛ فاعتقد ~~«زيوس» أنه يتعالم عليه بمعرفته وفطنته؛ لأنه اشتهر بين الآلهة بمعرفة وافرة وفطنة ~~نافذة لم يشتهر بها الإله الكبير. ولا يغيب عنا - ونحن نروي أخبار الإله الكبير ~~منقولة عن «هزيود» - أن هذا الشاعر الفيلسوف قد اجتهد قصارى اجتهاده في تنزيه «زيوس»، ~~وتصويره للناس في صورة من القداسة والعظمة تناسب صورة الإله المعبود بعد ارتقاء العبادة ~~شيئا ما في ديانة اليونان الأقدمين. # ومما رواه الرواة المختلفون عن «زيوس» أنه كان يخادع زوجته «هيرة»، ويرسل إله الغمام ~~لمدارة الشمس في مطلعها، حذرا من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار ومفاجأته ~~بين عشيقاته على عرش «الأوليمب» ... وحدث مرة أنها فاجأته وهو يقبل ساقيه «جانيميد» ~~راعي الضأن الجميل الذي لمحه يوما في الخلاء، فاختطفه وصعد به إلى السماء ... فلم يتنصل ~~«زيوس» من تهمة الشغف بساقيه، ومضى يسوغ مسلكه لزوجته بما جهلته من لذة الجمع بين ~~رحيق الكأس ورحيق الشفاه. ~~••• # ومثل الأمم القديمة كمثل اليونان في بعد الفارق بين صورة الإله في حكمة الفلاسفة ~~وبين صورته في شعائر الكهان والمتعبدين. # فالهند القديمة كانت تطوي هياكلها ومعابدها على طوائف من الأرباب؛ منها ما يلحق ~~بالحيوان وعناصر الطبيعة، ومنها ما يلحق بالأوثان والأنصاب، وكثير منها يتطلب سدنته أن ~~يتقربوا بالبغاء المقدس وسفك الدماء. # وقد انتهت هذه الأرباب المتعددة إلى الثالوث الأبدي الذي اشتمل على ثلاث من الصور ~~الإلهية، هي الإله «براهما» في صورة الخالق، والإله «فشنو» في صورة الحافظ، والإله ~~«سيفا» في صورة الهادم ... فجعلوا الهدم والفساد من عمل الإله الأعلى الذي يتولاه حين ~~يتشكل لعباده في تلك الصورة. # وزادوا على ذلك أنهم جعلوا لكل إله قرينا يسمونه «الشاكتي» أو الزوجة أو الصاحبة، ~~ينسبون إليها من الشرور ما ينزهون عنه قرينها أو صاحبها. # فهذه الأرباب صور لا تتباعد المسافة بينها وبين صور الشياطين والعفاريت والأرواح ~~الخبيثة المعهودة في أقدم ms027 الديانات. # فإذا ارتفعنا في معارج التنزيه والتجريد بلغنا منها ذروتها العليا في صورتين ~~مختلفتين : إحداهما صورة «الكارما» # karma ~~، والصورة ~~الأخرى «النرڤانا» # NIRVAN ~~، وكلتاهما تحسب من قبيل ~~المعاني الذهنية، وقل أن توصف بوصف الذات الإلهية. # فالكارما هي القدر الغالب على جميع الموجودات ومنها الآلهة وأفلاك السماء، وهذا القدر ~~هو في الواقع حالة من الحالات العامة يمكن أن نعبر عنها بأنها هي «ما ينبغي»، أو هي ~~الوضع الحاصل على النحو الأمثل؛ فليس القدر المسمى بالكارما عندهم ذاتا إلهية معروفة ~~الصفات، ولكنه مرادف لكلمة «الابتغاء» أو كلمة «الواجب» كما وجب في الحوادث ~~والموجودات. # والنرڤانا حالة عامة كحالة الكارما، إلا أنها إلى العدم أقرب منها إلى الوجود؛ لأنها ~~الحالة التي تنتهي إليها جميع الأرواح حين تفرغ من عناء الوجود، وتتجرد من شواغل ~~الأجساد وشواغل الأرواح على السواء، وتتساوى أرواح الآلهة وأرواح البشر في حالة ~~النرڤانا هذه كلما سعدت بنعمة الخلود غير محسوس ولا مشهود. ~~••• # ولسنا نريد في هذه الصفحات القليلة أن نتتبع الصور الإلهية والربوبية كافة بين أمم ~~الحضارات الأولى، وإنما نجتزئ منها بالنماذج الدالة عليها فيما ارتقت إليه من التنزيه، ~~وفيما هبطت إليه من التجسيم أو التشبيه أو التشويه؛ ولهذا يغنينا عن الاسترسال في شرح ~~عادات الأقدمين أن نضيف إلى ما تقدم مثلا آخر يتمم أمثلة اليونان والهند، وذلك هو مثل ~~الديانة المصرية القديمة من أبعد عهود الفراعنة إلى عهد الديانات الكتابية، وهي - أي ~~الديانة المصرية القديمة - أرفع الديانات فيما نعلم ترقيا إلى ذروة التوحيد ~~والتنزيه، وإن كانت في عبادتها الشائعة تهبط أحيانا إلى مهبط الديانات الغابرة من ~~عبادة الطواطم والأنصاب، وعبادة الأرواح الخبيثة والشياطين. # بلغت ديانة مصر القديمة ذروتها العليا من التوحيد والتنزيه في ديانة «آتون» التي ~~بشر بها الفرعون المنسوب إليه «أخناتون». # ويؤخذ من صلوات «أخناتون» المحفوظة بين أيدينا أنه كان يصلي إلى خالق واحد يكاد يقترب ~~في صفاته من الإله الخالق الذي يصلي له العارفون من أتباع الديانات الكتابية، لولا ~~شائبة من العبادة الوثنية علقت به من عبادة الشمس، فكانت ms028 هذه الشمس الدنيوية رمزا له ~~ومرادفا لاسمه في معظم الصلوات. ~~••• # هذه الشواهد من التاريخ القديم شواهد تمثيل لا شواهد حصر وتفصيل، وهي مغنية في ~~الدلالة على المدى الذي وصل إليه تنزيه الفكرة الإلهية في أمم التاريخ القديم جميعها؛ ~~لأنها تدل على ما وصلت إليه الفكرة الإلهية المنزهة في أرفع الحضارات الأولى وهي ~~الحضارة المصرية، والحضارة الهندية، والحضارة اليونانية. # وجملة الملاحظات على تنزيه الفكرة الإلهية عند الأقدمين أنه كان تنزيها خاصا ~~مقصورا على الفئة القليلة من المفكرين والمطلعين على صفوة الأسرار الدينية. # ثم يلاحظ عليه بعد ذلك أنه تنزيه لم يسلم في كل آنة من ضعف يعيبه عقلا ويجعله غير ~~صالح للأخذ به في ديانات الجماعة على الخصوص. # ففي الديانة المصرية لم تسلم فكرة التوحيد من شائبة الوثنية، ولم تزل عبادة الشمس ~~ظاهرة الأثر في عبادة «آتون». # وديانة الهند لم تعلم الناس الإيمان ب «ذات إلهية» معروفة الصفات، وليس في ~~معبوداتها أشرف من الكارما والنرڤانا، وهما بالمعاني الذهنية أشبه منهما بالكائنات ~~الحية، وإحداهما - وهي النرڤانا - إلى الفناء أقرب منها إلى البقاء. # والتنزيه الفلسفي الذي ارتقت إليه حكمة اليونان في مذهب أرسطو يكاد يلحق الكمال ~~المطلق بالعدم المطلق، ويخرج لنا صورة للإله لا تصلح للإيمان بها ولا للاقتناع بها على ~~هدى من الفهم الصحيح. # وكل أولئك لا يبلغ بالتنزيه الإلهي مبلغه الذي جاءت به الديانة الإسلامية صالحا ~~للإيمان به في العقيدة الدينية، وصالحا للأخذ به في مذاهب التفكير. # والديانة الإسلامية - كما هو معلوم - ثالثة الديانات المشهورة باسم الديانات ~~الكتابية، مكانها في علم المقارنة بين الأديان مرتبط بمكان الديانتين الأخريين وهما ~~الموسوية والمسيحية، وتجري المقارنة بين الإسلام وبينهما فعلا في كتابات الغربيين، فلا ~~يتورع أكثرهم من حسبان الإسلام نسخة مشوهة أو محرفة من المسيحية أو الموسوية! # والمسألة - بعد - مسألة نصوص محفوظة وشعائر ملحوظة، لا تحتمل الجدل الطويل في ميزان ~~النقد والمقارنة وإن احتملته في مجال الدعوة والخصومة العصبية، ولا حاجة في المقارنة ~~بين هذه الديانات إلى أكثر من ذكر العقيدة الإلهية في كل ms029 منها، للعلم الصحيح بمكانها ~~من التنزيه في حكم الدين وحكم المعرفة النظرية. # إن المراجع التي تلقينا منها عقائد العبريين - كما يدين بها أتباع الديانة الموسوية ~~إلى يومنا هذا - مبسوطة بين أيدي جميع القادرين على مطالعتها في لغاتها الأصيلة أو ~~لغاتها المترجمة، وأشهرها التوراة والتلمود. # فصورة الإله في هذه المراجع من أوائلها إلى أواخرها هي صورة «يهوا» إله شعب إسرائيل، ~~وهي صورة بعيدة عن الوحدانية، يشترك معها آلهة كثيرون تعبدها الأمم التي جاورت العبريين ~~في أوطان نشأتهم وأوطان هجرتهم، ولكن «يهوا» يغار منها ولا يريد من شعب إسرائيل أن ~~يلتفت إليها؛ لأنه يريد أن يستأثر بشعب إسرائيل لنفسه بين سائر الشعوب، وأن يستأثر شعب ~~إسرائيل به لأنفسهم بين سائر الآلهة، وكان إذا غضب منهم لالتفاتهم إلى غيره قال لهم - ~~كما جاء في سفر أشعيا الثاني: «بمن تشبهونني وتسوونني وتمثلونني لنتشابه؟» وكان النبي ~~أرميا يقول لهم بلسان الرب إلههم: «إن آباءكم قد تركوني وذهبوا وراء آلهة أخرى وعبدوها ~~وسجدوا لها، وإياي تركوا، وشريعتي لم يحفظوا ...» ثم يقول الرب: «... وأعطيتهم قلبا ~~ليعرفوا أني أنا الرب، فيكونون لي شعبا، وأنا أكون لهم إلها.» # فلم يكن العبريون ينكرون وجود الآلهة الكثيرين غير إلههم الذي يعبدونه تارة ويتركونه ~~تارة أخرى، ولكنهم كانوا يحسبون الكفر به ضربا من خيانة الرعية لملكها واعترافهم ~~بالطاعة لغيره من الملوك القائمين بالملك في أرض غير أرضه وبين رعية غير رعيته، وإذا ~~تركوا «يهوا» حينا من الزمن ثم آثروا الرجعة إلى عبادته فإنما يرجعون إليه؛ لاعتقادهم ~~بالتجربة المزعومة أنه أقدر على النكاية بهم، وأن الآلهة الأخرى عجزت عن حمايتهم من ~~سخطه وانتقامه. # وقد وصفوه في كتبهم المقدسة فقالوا عنه مرة: إنه يحب ريح الشواء. وقالوا عنه مرة ~~أخرى: إنه يتمشى في ظلال الحديقة ليتبرد بهوائها. وقالوا عنه - غير هذا وذاك: إنه يصارع ~~عباده ويصارعونه، وإنه يخاف من مركبات الجبال كما يخافها جنوده، وغبروا ردحا من ~~الدهر وهم يسوون بينه وبين عزازيل شيطان البرية فيتقربون إليه بذبيحة، ويتقربون إلى ~~الشيطان بذبيحة مثلها. # ومن ms030 تتبع نعوت «يهوا» من أوائل أيام العبريين في أوطان نشأتهم وأوطان هجرتهم، إلى ~~أواخرها قبل عصر الميلاد المسيحي؛ لم يتبين من تلك النعوت أنهم وسعوا أفق العبادة لهذا ~~الإله، ولا أنهم وسعوا مجال الحظوة عنده، بل إنه ليتبين من نعوته السابقة واللاحقة أنهم ~~كانوا يضيقون أفق عبادته، ويحصرون مجال الحظوة عنده جيلا بعد جيل؛ فكان شعبه المختار ~~في مبدأ الأمر عاما شاملا لقوم إبراهيم، ثم أصبح بعد بضعة قرون محصورا مقصورا على ~~قوم يعقوب بن إسحاق، ثم أصبح بعد ذلك محصورا مقصورا على قوم موسى، ثم على أبناء داود ~~وعلى من يدينون لعرشه بالولاء ... ومن ذريته كان ينبغي أن يظهر المسيح المخلص لهم في ~~آخر الزمان. ~~••• # وجمد العبريون على عقيدتهم الإلهية؛ فظل «يهوا» إلها عبريا يستأثر به أبناء يعقوب ~~بن إسحاق، ولا يرجو الخلاص بمعونة منه إلا الذين يدينون بالولاء لعرش داود وذريته من ~~بعده، فلم يتغير هذا الاعتقاد بين العبريين قبل عصر الميلاد المسيحي، ولم يأت التغيير ~~فيه من قبل أبناء إسرائيل المحافظين على عقيدتهم الأولى، بل أتى هذا التغيير من قبل ~~المصلحين المجددين في الدين اليهودي، وقام به من بينهم رسول مغضوب عليه في شرعتهم متهم ~~بالمروق من زمرتهم، وهو عيسى ابن مريم، رضوان الله عليه. # وابتدأ عيسى ابن مريم دعوته الأولى مختصا بها بني إسرائيل دون سواهم من العالمين، ~~وذكرت لنا الأناجيل تفصيل الحوار الذي دار بين السيد المسيح وبين المرأة الكنعانية التي ~~توسلت إليه أن يخرج الشيطان من ابنتها، فروى إنجيل مرقص في الإصحاح السابع: # إن امرأة بابنتها روح نجس سمعت به؛ فأتت وخرت عند قدميه، وكانت المرأة أممية ~~- أي من أبناء الأمم غير الإسرائيلية - وفي جنسها فينقية سورية، فسألته أن يخرج ~~الشيطان من ابنتها، وأما يسوع فقال لها: دعي البنين أولا يشبعون؛ لأنه ليس ~~حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب! فأجابت وقالت: نعم، يا سيد، والكلاب - ~~أيضا - تحت المائدة تأكل فتات البنين، فقال لها لأجل هذه الكلمة: اذهبي قد خرج ~~الشيطان من ابنتك ... # إن ms031 السيد المسيح «خرج من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانية خارجة ~~من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني ، يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدا. فلم ~~يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها؛ لأنها تصيح وراءنا. فأجاب ~~وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد، ~~أعني. فأجاب وقال: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب! فقالت: نعم، يا سيد، ~~والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. حينئذ أجاب يسوع وقال لها: ~~يا امرأة، عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة.» # ونحن نعلم من هذه القصة، ومن جملة أخبار التلاميذ في الأناجيل أن السيد المسيح قد ~~ثابر على اختصاص بني إسرائيل بدعوته، ولم يتحول عنهم إلى غيرهم إلا بعد إصرارهم على ~~رفضه ولجاجتهم في إنكار رسالته، فوجد بعد اليأس منهم أنه في حل من صرف الدعوة عنهم ~~إلى الأمم المقيمة بينهم، وضرب المثل لذلك بصاحب الدار الذي أقام وليمة العرس في داره، ~~وأرسل الدعوة إلى ذويه وجيرانه، فتعللوا بالمعاذير والشواغل ولم يستجيبوا لدعوته، فأطلق ~~غلمانه إلى أعطاف الطريق يدعون من يصادفهم من الغرباء وعابري السبيل، على غير معرفة بهم ~~ولا صلة بينه وبينهم، حتى امتلأت بهم الدار، ولم يبق على الموائد مكان لمن اختصهم ~~بالدعوة؛ فأعرضوا عنها. # ويلاحظ في قصة المرأة الكنعانية أنها كانت تدعو المسيح بالسيد ابن داود، وأن عقيدة ~~العبريين لم تزل تعلق آمالهم بالخلاص على يد رسول من ذرية داود، ومن سلالة يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم. # ومضى عصر المسيح، وجاء بعده عصر بولس الرسول، وعقيدة الخلاص الموقوف على سلالة ~~إبراهيم باقية مسلمة بين العبريين الجامدين على تقاليدهم وبين المسيحيين المتحررين من ~~تلك التقاليد، وإنما أضيف إليها تفسير جديد لهذه البنوة، وهو أنها بنوة روحية لا تتوقف ~~على بنوة الجسد، ولا فارق فيها بين من يحيون سنة إبراهيم الخليل من العبريين أو من ~~الأميين الذين يسميهم العبريون «بالجوييم»، ms032 أي: الأقوام الغرباء. # فالعقيدة الإلهية - كما دان بها العبريون، وجمدوا عليها إلى عصر الميلاد - إنما هي ~~عقيدة شعب مختار بين الشعوب في إله مختار بين الآلهة، وليس في هذه العقيدة إيمان ~~بالتوحيد، ولا هي مما يتسع لديانة إنسانية، أو مما يصح أن يحسبه الباحث المنصف مقدمة ~~للإيمان بالإله الذي يدعو إليه الإسلام. # ثم تطورت هذه العقيدة الإلهية بعد ظهور المسيحية، فانتقلت من الإيمان بالإله لأبناء ~~إبراهيم في الجسد إلى الإله لأبناء إبراهيم في الروح، وانقضى عصر السيد المسيح وعصر ~~بولس الرسول، واتصلت المسيحية بالأمم الأجنبية - وفي مقدمتها الأمة المصرية - فشاعت ~~فيها على إثر ذلك عقيدة إلهية جديدة في مذهب العبريين، وهي عقيدة الثالوث المجتمع من ~~الأب والابن والروح القدس، وفحواها أن المسيح المخلص هو ابن الله، وأن الله أرسله فداء ~~لأبناء آدم وحواء، وكفارة عن الخطيئة التي وقعا فيها عندما أكلا من شجرة المعرفة في ~~الجنة بعد أن نهاهما عن الاقتراب منها. # وظهر الإسلام وفحوى العقيدة الإلهية كما تطورت بها الديانة المسيحية أن الله الإله ~~واحد من أقانيم ثلاثة، هي الأب والابن والروح القدس، وأن المسيح هو الابن من هذه ~~الأقانيم، وهو ذو طبيعة إلهية واحدة في مذهب فريق من المسيحيين، وذو طبيعتين - إلهية ~~وإنسانية - في مذهب فريق آخر. # ومن البديهي أن الباحث الذي يريد تطبيق علم المقارنة بين الأديان على المسيحية ~~والإسلام مطالب بالرجوع إلى حالة الديانة المسيحية حيث ظهرت دعوة الإسلام في الجزيرة ~~العربية؛ فلا يجوز لأحد من هؤلاء الباحثين أن يزعم أن الإسلام نسخة محرفة من المسيحية ~~إلا إذا اعتقد أن نبي الإسلام قد أخذ من المسيحية كما عرفها في بيئته العربية، وفيما ~~اتصل به من البيئات الأخرى حول جزيرة العرب. ومهما يكن من تطور العقائد المسيحية في ~~سائر البيئات ومختلف العصور، فالعقيدة المسيحية التي يجوز لصاحب المقارنة بين الأديان ~~أن يجعلها قدوة للإسلام إنما هي عقيدة المسيحيين في الجزيرة العربية وما حولها، وقد وصف ~~«جورج سيل» مترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية حالة المسيحيين في الحجاز وفي ms033 سائر ~~الأنحاء القريبة منها، فقال ما ننقله من مقدمة ترجمته للقرآن: # إنه من المحقق أن ما ألم بالكنيسة الشرقية من الاضطهاد واختلال الأحوال ~~في صدر المائة الثالثة للميلاد قد اضطر كثيرين من نصاراها أن يلجئوا إلى ~~بلاد العرب طلبا للحرية، وكان معظمهم يعاقبة؛ فلذا كان معظم نصارى العرب ~~من هذه الفرقة. وأهم القبائل التي تنصرت: حمير وغسان وربيعة وتغلب ~~وبهراء وتنوخ وبعض طيئ وقضاعة وأهل نجران والحيرة ... ولما كانت النصرانية ~~بهذه المثابة من الامتداد في بلاد العرب لزم عن ذلك - ولا بد - أنه كان للنصارى ~~أساقفة في مواضع جمة لتنظم بهم سياسة الكنائس، وقد تقدم ذكر أسقف ظفار، وقال ~~بعضهم كانت نجران مقام أسقف، وكان لليعاقبة أسقفان: يدعى أحدهما أسقف العرب ~~بإطلاق اللفظ، وكان مقامه باكولة، وهي الكوفة عند ابن العبري أو بلدة أخرى ~~بالقرب من بغداد عند أبي الفداء، وثانيهما يدعى أسقف العرب التغلبيين ومقامه ~~بالحيرة. أما النساطرة فلم يكن لهم على هذين الكرسيين سوى أسقف واحد تحت رياسة ~~بطريكهم. # وإلى أن يقول: # أما الكنيسة الشرقية، فإنها أصبحت بعد انقضاض المجمع النيقاوي مرتبكة ~~بمناقشات لا تكاد تنقضي، وانتقض حبلها بمحاكاة الآريوسيين والنساطرة واليعقوبية ~~وغيرهم من أهل البدع. على أن الذي ثبت بعد البحث أن كلا من بدعتي النساطرة ~~واليعقوبية كانت بأن تدعي اختلافا في التعبير عن المعتقد أولى من أن ~~تدعي اختلافا في المعتقد نفسه، وأن تدعي حجة يتغلب بها كل من ~~المتناظرين على الآخر أولى من أن تدعي سببا موجبا لالتئام مجامع عديدة ~~يتردد إليها جماعة القساوسة والأساقفة، ويتماحكون ليعلي كل واحد منهم كلمته، ~~ويحيل القضايا إلى هواه. ثم إن نافذي الكلمة منهم وأصحاب المكانة في قصر الملك ~~كان كل واحد منهم يختص نفرا من قواد الجيش أو من أصحاب الخطب يكون لهم ~~عليهم الولاء ويتقوى بهم؛ وبذلك صارت المناصب تنال بالرشا والنصفة ~~تباع وتشترى جهارا. أما الكنيسة الغربية فقد كان فيها من تهالك دماسوس ~~وأرسكينوس في المشاحنة على منصة الأسقفية - أي أسقفية روما - ما أفضى إلى ~~احتدام ms034 نار الفتنة وسفك الدماء بين حزبيهما، وكان أكثر ما تنشأ المناقشات من ~~القياصرة أنفسهم، ولا سيما القيصر قسطنطينوس؛ فإنه إذ لم يقدر أن يميز بين صحيح ~~الدين المسيحي وخرافات العجائز ربك الدين بكثير من المسائل الخلافية ... هذا ~~ما كان عليه حالة النصرانية في بلاد العرب، أما في بلاد هذه الأمة التي هي ~~موضوع بحثنا فلم تكن خيرا من ذلك؛ فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون أن النفس ~~تموت مع الجسد وتنشر معه في اليوم الآخر، وقيل: إن أوربيجانوس هو الذي دس فيهم ~~هذا المذهب، وكم وكم من بدعة انتشرت في جزيرة العرب حتى لا نقول نشأت فيها! فمن ~~ذلك بدعة كان أصحابها يقولون بألوهية العذراء مريم ويعبدونها كأنما هي الله، ~~ويقربون لها أقراصا مضفورة من الرقاق يقال لها: كليرس، وبها سمي أصحاب هذه ~~البدع كليريين ... وفضلا عن ذلك فقد اجتمع - أيضا - في جزيرة العرب عدد وافر من ~~الفرق المختلفة الأسماء لجئوا إليها هربا من اضطهاد القياصرة ... # كانت عقائد الفرق المسيحية في جزيرة العرب وفي العالم المترامي حول جزيرة العرب على ~~هذا النحو الذي وصفه رجل متعصب على الإسلام، لا يهتم بمحاباته، ولا يظن به أن ~~يتجانف على المسيحية وهو قادر على مداراتها. ومن الواضح البين أن عقائد الفرق ~~المسيحية على ذلك النحو لم تكن مما يغري بالإعجاب أو مما يدعو إلى الاقتداء. ومن الواضح ~~البين أن موقف الإسلام كان موقف المصحح المتمم، ولم يكن موقف الناقل المستعير ~~بغير فهم ولا دراية. # فقد جاء الإسلام بالدعوة إلى إله منزه عن لوثة الشرك، منزه عن جهالة العصبية ~~وسلالة النسب، منزه عن التشبيه الذي تسرب من بقايا الوثنية إلى الأديان ~~الكتابية. # فالله الذي يؤمن به المسلمون إله واحد لم يكن له شركاء # سبحانه عما يشركون ~~(التوبة: 31). # وما هو برب قبيلة ولا سلالة يؤثرها على سواها بغير مأثرة، ولكنه هو # رب العالمين ~~(التكوير: 29)، خلق الناس جميعا ~~ليتعارفوا ويتفاضلوا بالتقوى؛ فلا فضل بينهم لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا ~~بالتقوى: # يا أيها الناس ms035 إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم ~~(الحجرات: 13). # وهو واحد أحد # لم يلد ولم يولد * ولم ~~يكن له كفوا أحد ~~(الإخلاص: 3-4). # لا يأخذ إنسانا بذنب إنسان، ولا يحاسب أمة خلفت بجريرة أمة سلفت، ولا يدين ~~العالم كله بغير نذير: # ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ~~(فاطر: 18)، # تلك أمة قد خلت ~~لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون ~~(البقرة: 134)، # وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا ~~(الإسراء: 15). ~~••• # ودينه دين الرحمة والعدل، تفتتح كل سورة من كتابه «بسم الله الرحمن الرحيم». # وما ربك بظلام للعبيد ~~(فصلت: 46)، # هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~(الحديد: 3)، # وسع ربنا كل شيء علما ~~(الأعراف: 89)، # وهو بكل خلق عليم ~~(يس: ~~79). # وللباحث في مقارنات الأديان أن يقول ما يشاء عن هذا الإله الواحد الأحد، رب العالمين، ~~ورب المشرقين والمغربين، إلا أن يقول إنه نسخة مستمدة من عقائد عرب الجاهلية، أو ~~عقائد الفرق الكتابية التي خالطت عقائد الجاهليين على النحو الذي وصفه جورج سيل في ~~مقدمته لترجمة القرآن الكريم؛ فإن العقيدة الإلهية التي تستمد من تراث الجاهليين لن ~~تكون لها صبغة أغلب من صبغة العصبية، ولا مفخرة أظهر من مفاخر الأحساب، ولن تخلو ~~من لوثة الشرك، ولا من عقابيل العبادات التي امتلأت بالخبائث وحلت فيها الرقى ~~والتعاويذ محل الشعائر والصلوات. # ومعجزة المعجزات أن الإسلام لم يكن كذلك، بل كان نقيض ذلك في صراحة حاسمة جازمة لا ~~تأذن بالهوادة ولا بالمساومة؛ فما من خلة كانت أبغض إليه من خلة العصبية الجاهلية ~~والمفاخرة الجاهلية والتناجز الجاهلي على فوارق الأنساب والأحزاب. # فمن صميم بلاد العصبية خرج الدين الذي ينكر العصبية، ومن جوف بلاد القبائل والعشائر ~~خرج الدين الذي يدعو إلى إله واحد رب العالمين ورب المشرق والمغرب، ورب الأمم الإنسانية ~~جميعا، بغير فارق بينها غير فارق الصلاح والإيمان. # على أن الباحثين الذين يصطنعون سمت العلم من علماء المقارنة بين الأديان في الغرب؛ ~~يطلقون نعوتهم على الإسلام سماعا فيما يظهر من مقرراتهم أو من مكرراتهم ms036 التقليدية التي ~~لا يبدو منها، أنهم كلفوا عقولهم - جدا وحقا - أن تلم إلمامة واحدة بهذا الدين في ~~جملة أو تفصيل. # ففي كتاب من أحدث الكتب عن أديان بني الإنسان ألفه أستاذ للفلسفة في جامعة كبيرة، ~~يقول المؤلف المتخصص لهذه الدراسات بعد الإشارة إلى السيف والعنف والاقتباس من ~~النصرانية والصابئية والمجوسية: # إن محمدا أسبغ على الله - ربه - ثوبا ~~من الخلق العربي والشخصية العربية # 2 ~~... # ويقول المؤلف: «إن «الحقيقة» التي قررها هنا تتجلى للباحث كلما تقدم في دراسة هذا ~~الدين العربي وهذه الشخصية الإلهية العربية.» # بهذا النعت التقليدي ينعت المؤلف إله الإسلام بعد أن تقدم في دراساته على حد قوله! ~~فماذا كان عساه قائلا لو أنه لم يسمع باسم الإسلام إلا على الإشاعة من بعيد؟! # لعله لم يكن بحاجة إلى التقدم وراء البسملة في سورة الفاتحة ليعلم أن المسلم يدين ~~برب العالمين، وأنه يصف ربه بالرحمة مرتين عند الابتداء بكل سورة من سور كتابه! ولعله ~~كان يحسب المقارنة جدا وحقا، لو أنه قنع بهذه الصفة من صفات إله الإسلام وقارن ~~بينها وبين الصفات التي يختارها غير المسلمين؛ فلا يذكرون الله مفتتح دعواتهم بغير ~~صفة القوة والجبروت # Almighty ~~! # فالله رب العالمين، ملك يوم الدين، لم يكن نسخة محرفة من صورة الله في عقيدة من ~~العقائد الكتابية، بل كان هو الأصل الذي يثوب إليه من ينحرف عن العقيدة في الإله ~~كأكمل ما كانت عليه، وكأكمل ما ينبغي أن يكون. # ومن ثم كانت هذه العقيدة الإلهية في الإسلام مصححة متممة لكل عقيدة سبقتها في ~~مذاهب الديانات أو مذاهب الفلسفة ومباحث الربوبية. # فهي عقيدة كاملة صححت وتممت عقيدة الهند في الكارما والنرڤانا؛ لأنها عقيدة في ~~خواء أو فناء مسلوب الذات لا تجاوب بينه وبين أبناء الحياة. # وهي عقيدة كاملة صححت وتممت عقيدة المعلم الأول بين فلاسفة الغرب الأقدمين؛ لأنه ~~كان على خطأ في فهم التجريد والتنزيه، ساقه هذا الخطأ إلى القول بكمال مطلق كالعدم ~~المطلق في التجرد من العمل، والتجرد من الإرادة، والتجرد من الروح. # ودين ms037 يصحح العقائد الإلهية، ويتممها فيما سبقه من ديانات الأمم وحضاراتها ومذاهب ~~فلاسفتها؛ تراه من أين أتى، ومن أي رسول كان مبعثه ومدعاه؟! # من صحراء العرب ! # ومن الرسول الأمي بين الرسل المبعوثين بالكتب والعبادات! # إن لم يكن هذا وحيا من الله، فكيف يكون الوحي من الله؟! # ليكن كيف كان في أخلاد المؤمنين بالوحي الإلهي حيث كان، فما يهتدي رجل «أمي» في ~~أكناف الصحراء إلى إيمان أكمل من كل إيمان تقدم إلا أن يكون ذلك وحيا من الله، وإنه ~~لحجر على البصائر والعقول أن تنكر الوحي على هذه المعجزة العليا؛ لأنه لا يصدق ~~عليها في صورة من صور الحدس أو الخيال. ~~(2) النبوة # نمت في الإسلام فكرة النبوة كما نمت فيه الفكرة الإلهية؛ فبرئت هذه الرسالة السماوية ~~من شوائبها الغليظة التي لصقت بها في عقائد الأقدمين من أتباع الديانات الوثنية ~~والديانات الكتابية، وخلصت من بقايا السحر والكهانة كما خلصت من شعوذة الإيهام الخيالي ~~وبدوات الجنون، الذي كانوا يسمونه قديما بالجنون المقدس لاعتقادهم أن المصابين به ~~يخلطون هذيانهم بوحي الأرواح العلوية التي تستولي عليهم، ونمت نبوة الإسلام نماءها ~~الأوفى حين خلصت من دعوى الخوارق والمغيبات، وهي آية النبوة الكبرى في عرف ~~الأقدمين. # ولم تكن براءة النبوة من هذه الشوائب عرضا مسوقا في أطواء العقيدة بغير قصد ولا ~~بينة، بل كان وصف النبوة على هذه الصفة المطهرة فريضة مكتوبة على المسلم يعلمها من ~~نصوص كتابه، ويؤمن بها إيمانه برسالة نبيه. # فما النبوة بقول ساحر - ولا يفلح الساحرون - وما النبي بكاهن ولا مجنون، # وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ~~* كذلك نسلكه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين * ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا ~~فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا ~~بل نحن قوم مسحورون ~~(الحجر: 11-15). # فليست الخوارق مما يغني النبي في دعوة المكابر المفتون؛ إنه ليزعمها إذن ضربا من ~~السحر أو السكر، ولو فتح له الأنبياء بابا من السماء! # ولقد جاءت الخوارق طائعة لنبي الإسلام فصدقها الناس وأبى لهم ms038 أن يصدقوها أو ~~يفهموها على غير حقيقتها، ولو أنه سكت عنها لحسبوها له معجزة من المعجزات لم يتحقق ~~مثلها من قبل لأحد من المرسلين. # مات ابنه إبراهيم، وانكسفت الشمس ساعة دفنه، وتصايح المسلمون حول القبر: إنها لآية من ~~آيات الله أن تنكسف الشمس لموت ابن محمد - عليه السلام. وكسوف الشمس يومئذ خبر من ~~أخبار الفلك الثوابت، أيده حساب الفلكيين في العهد الأخير، فلو كان - صلوات الله عليه ~~- رسولا من الرسل الذين يتصيدون الخوارق أو ينكرونها لأنهم لا يستطيعون أن يدعوها ~~لما كلفته هذه الخارقة إلا أن يسكت عنها فلا يدعيها ولا ينكرها، ولكنه لم ينس ~~في ساعة حزنه أمانة الهداية للمؤمنين بدينه، وبادرهم لساعتها مذكرا لهم بآيات الله ~~و«أن الشمس والقمر آيتان له لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته ...» # وما نحسب أن النبوة تعظم بكرامة قط أكرم لها من التوكيد بعد التوكيد في القرآن الكريم ~~بتمحيص هذه الرسالة السماوية لهداية الضمائر والعقول، غير مشروطة بما غبر في الأوهام من ~~قيام النبوة كلها على دعوى الخوارق والإنباء بالمغيبات: # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما ~~الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ~~(يونس: ~~20)، # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون ~~(الأعراف: 188)، # قل لا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير أفلا تتفكرون ~~(الأنعام: 50)، # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~(الأنعام: ~~59). # بهذه الفكرة الرشيدة عن النبوة يفرق الإسلام بين طريقين شاسعتين في تاريخ ~~الأديان: طريق موغلة في القدم تنحدر إلى مهد النبوات الوثنية حيث تشتبك العبادة بالسحر ~~والكهانة، ثم تتقدم في خطوات وئيدة يلتقي فيها الخبل باليقظة، وتختلط فيها الخرافة ~~بالإلهام الصادق والموعظة الحسنة. # وطريق تليها موغلة في المستقبل، يفتتحها صاحب النبوة الأخيرة، فيعلن أنه يفند السحر ~~والكهانة، ويزري بقداسة الجنون ms039 أو جنون القداسة، ويروض بصيرة الإنسان على قبول ~~الهداية وإن لم تروضها له روعة الخوارق ودهشة الغيب المجهول؛ لأنه يروض البصيرة ~~الإنسانية على أن تنظر وتبصر، ولا يستوي الأعمى والبصير. # ومن تأمل هذا الفارق بين الطريقين الشاسعتين في تاريخ الأديان لا جرم يطيل التأمل، ~~فلا يرى عجبا أن تكون هذه النبوة خاتم النبوات؛ إذ كان الإصلاح بعدها منوطا بدعوات ~~يستطيعها من لا يدعي خارقة تفوق طاقة الإنسان، ولا يهول العقول بالكشف عن غيب من ~~الغيوب لا يدريه الإنسان. ~~••• # وأبعد شيء عن البحث الأمين أن تنعقد المقارنة بين هذه النبوة الإسلامية ونبوءات أخرى ~~تقدمتها، فيزعم الباحث أنها نسخة محرفة منها أو منقولة عنها، فإن الفارق بين نبوءة تقوم ~~حجتها الكبرى على هداية العقل والضمير، ونبوءات تقوم حجتها الكبرى على الغرائب ~~والأعاجيب؛ لهو من الفوارق البينة التي لا يمتري فيها باحثان منصفان، ودع عنك الفارق ~~بين نبوءة تدعو إلى رب العالمين ونبوءة تدعو إلى رب سلالة أو رب قبيلة، وربما اعترى ~~الخطأ مقياسا من مقاييس البحث فتساوت لديه الزيادة والنقص وتعادل أمامه الراجح ~~والمرجوح. فأما أن يرجح النقص على الزيادة فذلك هو الخطأ الذي لا ينجم إلا من زيغ في ~~الطبع أو عناد يتعامى عمدا عن الشمس في رائعة النهار. # والواقع أن النبوة الإسلامية جاءت مصححة متممة لكل ما تقدمها من فكرة عن النبوة، ~~كما كانت عقيدة الإسلام الإلهية مصححة متممة لكل ما تقدمها من عقائد بني الإنسان في ~~الإله. # ومن عجيب الاستقصاء أن القرآن الكريم قد أحصى النبوءات الغابرة بأنواعها؛ فلم يدع ~~منها نوعا واحدا يعرفه اليوم أصحاب المقارنة بين الأديان، ومن تلك الأنواع نبوءة ~~السحر ونبوءة الرؤيا والأحلام ونبوءة الكهانة ونبوءة الجذب أو الجنون المقدس ونبوءة ~~التنجيم وطوالع الأفلاك، وكلها مما يدعيه المتنبئون ويدعون معه العلم بالغيب ~~والقدرة على تسخير نواميس الطبيعة، ولكنها على اتفاقها في هذه الدعوة تختلف بمصادرها ~~ونظرة الناس إليها أيما اختلاف. # فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو ~~السيطرة على ms040 الحوادث والأشياء، ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة بالأرباب لا تطيع ~~الكاهن، ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه وترشده ~~بالعلامات والأحلام، ولا تلبي سائر الدعوات والصلوات. ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة ~~الكهانة - تخالفان نبوءة الجذب والجنون المقدس؛ لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ~~ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس ~~مغلوب على أمره ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ولعله لا يعيها، ويكثر بين ~~الأمم التي تشيع فيها نبوءة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه ~~ولحن رموزه وإشاراته، وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب «مانتي» # Manti # ويسمون المفسر «بروفيت» Prophet ~~؛ أي المتكلم بالنيابة عن غيره، ومن هذه ~~الكلمة نقل الأوروبيون كلمة النبوة بجميع معانيها، وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون إلا أن ~~يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ومضامين رموزه وإشاراته. ويحدث ~~في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا؛ لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان ~~بطبيعة النشأة والبيئة؛ فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها، ~~والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده، وتتوقف الكهانة ~~على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة، ولا ~~يتوقف الجذب على هذه البيئة؛ لأنه قد يعتري صاحبه في البرية كما يعتريه في الحاضر ~~المقصود من أطراف البلاد. # والمقارنة بين النبوة الإسلامية وبين النبوءات التي شاعت في تاريخ العبريين تغنينا ~~عن تعميم المقارنة في عامة الديانات التي سبقت ظهور الإسلام؛ لأن العبريين قد آمنوا ~~بهذه النبوات جميعا، وبينهم ظهرت الديانة الموسوية التي كانت أولى الديانات الكتابية ~~ومرجع المقارنة في مسائل النبوة وشعائر العقيدة التي تدور عليها المقارنة بين عبادات ~~أهل الكتاب. # وقد عرفت قبائل العبريين نبوءات السحر والكهانة والتنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية، ~~وابتكرت منها ما ابتكرت على سنة الشعوب كافة، واقتبست منها ما اقتبست بعد اتصالها ~~بجيرانها في المقام من أهل البادية أو أهل الحاضرة، ولكنها على خلاف الشائع بين ~~المقلدين من الكتاب ms041 الغربيين قد تعلمت النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ~~ولم تكن لهذه الكلمة عند العبريين لفظة تؤديها قبل وفودها على أرض كنعان ومجاورتهم ~~للعرب المقيمين في أرض مدين؛ فكانوا يسمون النبي بالرائي أو الناظر أو رجل الله، ولم ~~يطلقوا عليه اسم النبي إلا بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، ~~وهم ملكي صادق وأيوب وبلعام وشعيب الذي يسمونه «يثرون» معلم موسى الكليم، ويرجح بعضهم ~~أنه الخضر عليه السلام للمشابهة بين لفظ يثرون وخثرون وخضر في مخارج الحروف، ولما ورد ~~من أخبار الكليم مع الخضر عليهما السلام في تفسير القرآن الكريم. # ومن علماء الأديان الغربيين الذين ذهبوا إلى اقتباس العبريين كلمة النبوة من العرب ~~الأستاذ هولشر # Holscher # والأستاذ شميدث # Schmidt ~~، اللذان يرجحان أن الكلمة دخلت في اللغة العبرية ~~بعد وفود القوم على فلسطين. إلا أن الأمر غني عن الخبط فيه بالظنون مع المستشرقين؛ من ~~يفقه منهم اللغة العربية ومن لا يفقه منها غير الأشباح والخيالات، فإن وفرة الكلمات ~~التي لا تلتبس بمعنى النبوة في اللغة العربية كالعرافة، والكهانة، والعيافة، والزجر، ~~والرؤية، تغنيها عن اتخاذ كلمة واحدة للرائي وللنبي. وتاريخ النبوات العربية التي وردت ~~في التوراة سابق لاتخاذ العبريين كلمة النبي بدلا من كلمة الرائي والناظر، وتلمذة موسى ~~لنبي «مدين» مذكورة في التوراة قبل سائر النبوات الإسرائيلية، وموسى الكليم - ولا ريب - ~~رائد النبوة الكبرى بين بني إسرائيل. ~~••• # والمطلع على الكتب المأثورة بين بني إسرائيل يتبين منها أنهم آمنوا بهذه النبوات ~~جميعا، وأنهم بعد ارتقائهم إلى الإيمان بالنبوة الإلهية ما زالوا يخلطون بين مطالب ~~السحر والتنجيم ومطالب الهداية، ويجعلون الاطلاع على المغيبات امتحانا لصدق النبي في ~~دعواه أصدق وألزم من كل امتحان، ولم يرتفع بأكبر أنبيائهم ورسلهم عن مطلب الاتجار ~~بالكشف عن المغيبات والاشتغال في التنجيم. # ففي أخبار صموئيل أنهم كانوا يقصدونه ليدلهم على مكان الماشية الضائعة وينقدونه أجره ~~على ردها ... «خذ معك واحدا من الغلمان وقم اذهب فتش عن الأتن. فقال شاول للغلام: فماذا ~~نقدم للرجل؟ لأن الخبز قد ms042 نفد من أوعيتنا، وليس من هدية نقدمها لرجل الله، ماذا معنا؟ ~~فعاد الغلام يقول: هو ذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة.» # ويؤخذ من النبوءات التي نسبوها إلى النبي يعقوب جد بني إسرائيل أنهم كانوا يعولون ~~عليه في صناعة التنجيم، فإن النبوءات المقرونة بأسماء أبناء يعقوب تشير إلى أبراج ~~السماء وما ينسب إليها من طوالع، ومن أمثلتها عن شمعون ولاوي أنهما «أخوان سيوفهما ~~آلات ظلم في مجلسهما لا تدخل نفسي؛ لأنهما في غضبهما قتلا إنسانا، وفي رضائهما عرقبا ~~ثورا ...» # وهذه إشارة إلى برج التوءمين، وهو برج إله الحرب «زجال» عند البابليين، ويصورون أحد ~~التوءمين وفي يده خنجر، ويصورون أخاه وفي يده منجل. وتشير عرقبة الثور إلى برج الثور ~~الذي يتعقبه التوءمان. # ومن الأمثلة في هذه النبوءات المنسوبة إلى يعقوب مثل يهودا: «جرو أسد جثا وربض كأسد ~~ولبؤة. لا يزول قضيب من يهودا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع ~~شعوب.» # وهذه إشارة إلى برج الأسد، وهو عند البابليين برجان يبدو أمام أحدهما برج يشير إلى ~~علامة الملك الذي تخضع له الملوك. # 3 # وتجري النبوءات عن سائر الأسماء - اثني عشر اسما - كل اسم منها يوافق برجا من أبراج ~~السماء على مثال ما قدمناه. # وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم ~~المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار ودراويش الطرق الصوفية؛ لأنهم جاوزوا ~~المئات في بعض العهود واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من ~~التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب. # جاء في كتاب صموئيل الأول: # أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا فرأوا جماعة الأنبياء يتنبئون وشاول واقف ~~بينهم رئيسا عليهم، فهبط روح الله على رسل شاول فتنبئوا هم أيضا، وأرسل ~~غيرهم فتنبأ هؤلاء ... فخلع هو أيضا ثيابه وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل وانتزع ~~عاريا ذلك النهار كله وكل الليل. # وجاء في كتاب صموئيل كذلك: ~~... أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة وأمامهم ms043 رباب ودف وناي وعود ~~وهم يتنبئون، فيحل عليهم روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر. # وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني : ~~«إذ قال بنو الأنبياء لأليشع هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا ~~فلنذهب إلى الأردن.» # وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواقع كما جاء في سفر الأيام الأولى حيث قيل: إن ~~داود ورؤساء الجيش «أفرزوا للخدمة بني آساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب ~~والصنوج.» ~~••• # وهؤلاء المئات من المحسوبين على النبوة لبثوا بين قبائل إسرائيل وقرا فادحا لا يصبر ~~القوم على تكاليفه المرهقة إلا لمنفعة ينتظرونها من زمرة المتنبئين الذين يثبت لهم ~~صدقهم، وليست هذه المنفعة إلا الاعتماد حينا بعد حين على بعض المتنبئين في الكشف عن ~~الخبايا والإنذار بالكوارث المتوقعة، وأهم ما كان يهمهم من هذه الكوارث أن يحذروا غضب ~~«يهوا»؛ لأنهم جربوا أنه أقدر على النقمة من سائر الأرباب. # وحدث ما لا بد أن يحدث في هذه الحالة من الإسفاف بالكشف الروحي تسخيرا له في المطالب ~~اليومية على حسب الحاجة إليه في حينه؛ فبدلا من أن يكون الكشف الروحي لمحة من لمحات ~~الصفاء ترتفع فيها حجب الهوى والضلالة عن البصيرة فتدرك ما لا تدركه في عامة أوقاتها؛ ~~أصبح هذا الكشف صناعة ملازمة لكل من يدعي النبوة بحق أو بغير حق، ووجب على النبي في ~~عرفهم أن يكون مستعدا بكراماته ومعجزاته كلما أرادها أو أريدت منه، وروى القوم من ~~أنباء هذا الاستعداد ما يشبه الاستعداد للمباراة بين فرق الرياضة من الطرفين ~~المتقابلين، وقد ثبتت لهم غلبة أنبياء يهوا على أنبياء البعل على أثر مباراة من هذه ~~المباريات بينهم في التنبؤ والإنذار بالأخطار. # جاء في كتاب الملوك الأول: أن «إيزابل» امرأة آخاب ملك إسرائيل قتلت مئات من أنبياء ~~«يهوا»، فلم ينج منهم غير خمسين خبأهم أحد الوزراء المخلصين للدين، ثم ظهر النبي ~~«إيليا» متحديا للملك قائلا كما جاء في الإصحاح الثامن عشر من الكتاب المذكور: ~~... ولما ms044 رأى آخاب إيليا قال له آخاب أأنت هو مكدر إسرائيل؟ فقال: لم أكدر ~~إسرائيل بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم. فالآن أرسل ~~واجمع إلي كل إسرائيل إلى جبل الكرمل وأنبياء البعل أربع المائة والخمسين، ~~وأنبياء السواري أربع المائة الذين يأكلون على مائدة إيزابل. فأرسل آخاب إلى ~~جميع بني إسرائيل وجميع الأنبياء إلى جبل الكرمل، فتقدم إيليا إلى جميع الشعب ~~وقال: حتى تعرجون بين الفرقتين؛ إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان البعل ~~فاتبعوه، فلم يجبه الشعب بكلمة، ثم قال إيليا للشعب: أنا بقيت نبيا للرب وحدي ~~وأنبياء البعل أربعمائة وخمسون رجلا، فليعطونا ثورين فيختاروا لأنفسهم ثورا ~~واحدا ويقطعوه ويضعوه على الحطب، ولكن لا يضعون نارا وأنا أقرب الثور الآخر ~~وأجعله على الحطب، ولكن لا أضع نارا، ثم تدعون باسم آلهتكم وأنا أدعو باسم ~~الرب، والإله الذي يجيب بنار فهو الله، فأجاب جميع الشعب وقالوا: الكلام ~~حسن. # فقال إيليا لأنبياء البعل: اختاروا لأنفسكم ثورا واحدا وقربوا أولا؛ لأنكم ~~أنتم الأكثر، وادعوا باسم آلهتكم، ولكن لا تضعوا نارا. فأخذوا الثور الذي ~~أعطي لهم وقربوه ودعوا باسم البعل من الصباح إلى الظهر قائلين: يا بعل أجبنا. ~~فلم يكن صوت ولا مجيب، وكانوا يرقعون حول المذبح الذي عمل، وعند الظهر سخر بهم ~~إيليا وقال: ادعوا بصوت عال؛ لأنه إله لعله مستغرق أو في خلوة أو في سفر أو ~~لعله نائم فيتنبه. فصرخوا بصوت عال وتقطعوا حسب عادتهم بالسيوف والرماح حتى ~~سال منهم الدم، ولما جاء الظهر وتنبئوا إلى حين إصعاد التقدمة ولم يكن صوت ~~ولا مجيب ولا منغ، قال إيليا إلى جميع الشعب: تقدموا إلي. فتقدم جميع ~~الشعب إليه فرمم مذبح الرب المتهدم ثم أخذ إيليا اثني عشر حجرا بعدد أسباط بني ~~يعقوب الذي كان كلام الرب إليه، قائلا: إسرائيل يكون اسمك، وبنى الحجارة ~~مذبحا باسم الرب، وعمل قناة حول المذبح تسع كيلتين من البذر، ثم رتب الحطب ~~وقطع الثور ووضعه على الحطب وقال املئوا أربع جرات ماء وصبوا ms045 على المحرقة ~~وعلى الحطب. ثم قال: ثنوا. فثنوا، وقال: ثلثوا. فثلثوا، فجرى الماء حول المذبح ~~وامتلأت القناة أيضا ماء، وكان عند إصعاد التقدمة أن إيليا النبي تقدم وقال: ~~أيها الرب إله إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ليعلم اليوم أنك أنت الله في إسرائيل، ~~وأني أنا عبدك وبأمرك قد فعلت كل هذه الأمور، استجبني يا رب استجبني ليعلم هذا ~~الشعب أنك أنت الرب الإله، وأنك أنت حولت قلوبهم رجوعا. فسقطت نار الرب وأكلت ~~المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست المياه التي في القناة، فلما رأى جميع ~~الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: الرب هو الله، الرب هو الله. فقال لهم ~~إيليا: أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى ~~نهر قيسون وذبحهم هناك، وقال إيليا لآخاب: اصعد واشرب لأنه حس دوي مطر. فصعد ~~آخاب ليأكل وليشرب، وأما إيليا فصعد إلى رأس الكرمل وخر إلى الأرض، وجعل وجهه ~~بين ركبتيه وقال لغلامه: اصعد تطلع نحو البحر. فصعد وتطلع وقال: ليس شيء. ~~فقال ارجع سبع مرات. وفي المرة السابعة قال: هو ذا غيبة صغيرة قد كف إنسان صاعد ~~من البحر. فقال: اصعد قل لآخاب اشدد وانزل لئلا يمنعك المطر. وكان من هنا إلى ~~هنا أن السماء اسودت من الغيم والريح، وكان مطر عظيم فركب آخاب ومضى إلى ~~يذرعيل، وكانت يد الرب على إيليا فشد حقويه وركض أمام آخاب حتى تجيء إلى ~~يذرعيل. # وقد صاحبت القوم هذه الفكرة عن النبوة الحاضرة عند الطلب منذ أوائل عهودهم إلى أواخر ~~عهدهم بالأنبياء قبل ظهور السيد المسيح؛ فلم تكن النبوة عند القوم في هذه العهود كافة ~~إلا صناعة مرادفة صناعة التنجيم، أو لصناعة الفراسة المنذرة بالكوارث المتوقعة؛ فهي ~~إما استطلاع للخبايا أو صيحة فزع من نقمة «يهوا» الذي تعودوا أن يعاقبهم بالمصائب ~~الحسية كلما انحرفوا عن سنته، وأشركوا بعبادته ربا آخر من أرباب الشعوب التي ~~ينازعونها وتنازعهم على المرعى والمقام. # وما يكون للقوم أن يفهموا من النبوة معنى غير معناها هذا؛ لأنهم قد تعلموا من ~~أحبارهم ms046 وكتبة أسفارهم أن أنبياءهم قد حلوا في محل العرافين العائفين، والسحرة والرقاة ~~الذين ينقلون أقوال الآلهة في غير بني إسرائيل؛ فهؤلاء جميعا لا يصدقون؛ لأنهم ينقلون ~~المعرفة من أرباب غير «يهوا» رب إسرائيل، وأما شعب إسرائيل فقد قيل لهم: «... فيقيم لك ~~الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون، حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في ~~حوريب يوم الاجتماع قائلا: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي! ولا أرى هذه النار العظيمة ~~أيضا لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا؛ أقيم لها نبيا من وسط إخوتهم ~~مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع ~~لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم ~~أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي، وإن قلت في قلبك كيف ~~نعرف الكلام الذي يتكلم به الرب مما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر؛ فهو ~~الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه.» (18 سفر ~~التثنية). ~~••• # وهكذا وقر في أخلاد الشعب من أحباره وعلمائه إلى عامة جهلائه أن الكشف على الغيب ~~مرادف لمعنى النبوة، وأن وقوع الخبر هو امتحان الصدق الوحيد الذي يمتحن به الأنبياء ~~الصادقون فيما يتحدثون به عن الإله، وأن الفرق بين أنبيائه وبين السحرة والعرافين ~~والرقاة في الأمم الأخرى إنما هو فرق بين أناس يحسنون الكشف عن الغيب، وأناس يخطئون في ~~هذه الصناعة؛ لأنهم ينقلون أنبياءهم عن آلهة كاذبة لا تستحق العبادة. # وإنه لمن المتفق عليه بين أتباع الديانات الكتابية أن بني إسرائيل لم يعرفوا النبوة ~~على مثال أتم وأكمل من نبوة موسى الكليم، ومع هذا كان أرفع ما تصوروه من معنى وحي الله ~~إليه - عليه السلام - أنه كان يخاطبه فما إلى فم وعيانا بغير حجاب، وفي ذلك يقول كاتب ~~الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج إن الله «نزل في ms047 عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا ~~هارون ومريم فخرجا كلاهما فقال: اسمعا كلامي، إن كان منكم للرب فبالرؤيا أستعلم له وفي ~~الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل شيء، فما إلى فم وعيانا ~~أتكلم معه لا بالألغاز.» # وكان اعتقادهم أن موسى عليه السلام يسمع كلام الرب فما إلى فم وعيانا بغير حجاب في ~~كل قضية من قضايا الشعب يعرضونها عليه، حتى علمه نبي مدين أن يكل القضاء إلى أناس من ~~ذوي ثقته وخاصة قومه يلقنهم أحكام الشريعة، ويوليهم أمر القضايا مكتفيا بما يعضل ~~عليهم من كبار القضايا. وفي ذلك يقول كاتب الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج: # وقد حدث في الغد أن موسى جلس ليقضي للشعب، فوقف الشعب عند موسى من الصباح ~~إلى المساء، فلما رأى حمو موسى كل ما هو صانع للشعب قال: ما هذا الأمر الذي أنت ~~صانع للشعب؟ ما بالك جالسا وحدك وجميع الشعب واقف عندك من الصباح إلى المساء؟ ~~فقال موسى لحميه: إن الشعب يأتي إلي ليسأل الله؛ إذا كان لهم دعوى يأتون ~~إلي فأقضي بين الرجل وصاحبه وأعرفهم فرائض الله وشرائعه. فقال حمو موسى ~~له: ليس جيدا هذا الأمر الذي أنت صانع، إنك تكل أنت وهذا الشعب الذي معك ~~جميعا؛ لأن الأمر أعظم منك لا تستطيع أن تصنعه وحدك، الآن اسمع لصوتي فأنصحك، ~~فليكن الله معك، كن أنت للشعب أمام الله وقدم أنت الدعاوى إلى الله، وعلمهم ~~الفرائض والشرائع، وعرفهم الطريق الذي يسلكونه والعمل الذي يعملونه، وأنت ~~تنظر من جميع الشعب ذوي قدرة خائفين الله أمناء مبغضين الرشوة وتقيمهم عليهم ~~رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات، فيقضون للشعب كل حين ويكون ~~أن كل الدعاوى الكبيرة يجيئون بها إليك، وكل الدعاوى الصغيرة يقضون هم فيها ~~وخفف عن نفسك فهم يحملون معك ... # وبعد نحو ستة قرون من النبوة الموسوية انتهى عهد الأنبياء في بني إسرائيل، ولم يتغير ~~معنى النبوة عندهم في هذه الفترة الطويلة، بل انحدر إلى ما دون ms048 ذلك بكثير؛ لأن موسى ~~الكليم كان يخاطب الغيب ليتلقى الشريعة، وينقل إلى الشعب تحذير الله بنصوص ألفاظه، ~~وأما الأنبياء بعده فقد تكاثروا بالمئات ليخاطبوا الغيب فيما دون ذلك من الخبايا ~~اليومية ، أو ليتخذوا العلامات والألغاز نذيرا للشعب بالخسائر الحسية التي تصيبه من ~~جراء الخروج على شريعة موسى. # ويتلخص تاريخ النبوة بين بني إسرائيل إذن في كلمات معدودات: أنهم قد استعاروا فكرة ~~النبوة من جيرانهم العرب الذين ظهر فيهم ملك صادق على عهد إبراهيم الخليل، وظهر فيهم ~~بعد ذلك أيوب وبلعام وشعيب؛ ففهموا من النبوة معنى غير معنى الرؤية والعرافة والسحر ~~والتنجيم، وأنهم ما زالوا يتعلمون من جيرانهم إلى أن أتى موسى الكليم الذي تتلمذ على ~~حميه نبي مدين قبل جهره بدعوته، وبعد أن جهر بهذه الدعوة في مصر وخرج بقومه منها إلى ~~أرض كنعان، ولكنهم أخذوها وسلموها فنقصوا منها ولم يزيدوها، وما كان لهم من حيلة في ~~زيادتها؛ لأنها - كما فهموها - غير قابلة للزيادة والارتقاء، ولا مناص من تدهورها مع ~~الزمن، وهي موقوفة على قوم دون سواهم لا يشاركون الأقوام في هداية واحدة، ولا في جامعة ~~إنسانية ترتفع بمقاييس الأخلاق والفضائل مع ارتفاع بني الإنسان. # كانت قبائل إسرائيل محصورة في نفسها، وكانت عبادتها محصورة في حدودها، وكانت قبلتها ~~القصوى من العبادة أن تسلم في عزلتها مع إلهها الذي احتكرته واحتكرها، فلم تطلب من ~~النبوة إلا ما تلتمسه من السلامة في تلك العزلة: صناعة موقوفة على استطلاع الغيب ~~لتحذيرها من الضربات التي تواجهها ولا تخشاها من إله غير إلهها. # وبعد ستة قرون من آخر رسالة في بني إسرائيل يستمع العالم إلى صوت من جانب الجزيرة ~~العربية يدعو إلى رب العالمين: رب العربي والأعجمي، ورب الأبيض والأسود، ورب كل عشيرة ~~وكل قبيلة، لا يستأثر بقوم ولا يؤثر قوما على قوم، إلا من عمل صالحا واتقى حدود ~~الله. # صوت نبي ينادي كل من بعث إليه أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الأرض، ولا يدفع ~~السوء عن نفسه فضلا عن قومه، ولا يعلم ms049 أن الخوارق والمعجزات تنفع أحدا لا ينتفع بعقله ~~ولا يتفكر فيما يسمع من نبي أو رسول! # صوت نبي يقول للناس: إنه إنسان كسائر الناس، وهو بشير يهدي إلى الحق والرشد، نذير ~~يحذر من الباطل والضلال. # أي مشابهة بين الصوتين؟ # بل أي اختلاف قط بينهما يجاوز هذا الاختلاف؟ # يرثى لمن يقول: إن الصوتين سواء. فأما من يقول: إن النداء باسم رب العالمين نسخة ~~محرفة من النداء برب القبيلة بين شركائه من أرباب القبائل. فإنما هو خطأ حقيق أن ~~يسمى عجزا في الحس؛ لأنه أظهر للحس من أن يحتاج إلى إطالة بحث أو تعمق في ~~تفكير. # ونختم الكلام على النبوة كما نختم الكلام على العقيدة الإلهية سائلين: كيف تسنى ~~لنبي الإسلام أن ينفرد بهذه الدعوة وحيدا في تاريخ الأديان؟ # الإرادة الإلهية هي الجواب الذي لا معدى عنه لمن يسأل ذلك السؤال. # ومن آمن بالإله فلا معدى له عن إرادة الله في تفسير هذه الظاهرة التي لا تظهر لها في ~~أديان الكتابيين وغير الكتابيين ... نعم لا معدى له عن إرادة الله ولو وصف الرسول بما شاء ~~من نفاذ البصيرة وسمو الضمير. ~~(3) الإنسان # الإنسان حيوان ناطق. # الإنسان حيوان مدني بالطبع. # الإنسان حيوان راق. # الإنسان روح علوي سقط إلى الأرض من السماء. ~~••• # هذه التعريفات أشهر ما اشتهر من التعريفات المحيطة بمعنى الإنسان: # أولها: # محيط به من جانب مزاياه العقلية. # وثانيها: # محيط به من جانب علاقاته الاجتماعية. # وثالثها: # ينظر إلى ترتيب الإنسان بين أنواع الأحياء على حسب مذهب ~~التطور. # ورابعها: # ينظر إلى تعريف الإنسان بهذه الصفة إلى قصة الخطيئة التي وقع فيها ~~آدم حين أكل من شجرة المعرفة بغواية الشيطان. # وكل هذه التعريفات تحيط بمعنى الإنسان من بعض نواحيه، وآخرها لا يحيط بمعناه إلا عند ~~من يؤمن بقصة الخطيئة ويؤمن معها بميراث الخطيئة في بني آدم وحواء. # وأما تعريف الإنسان بما وصف به في القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه السلام، فقد ~~اجتمع جملة واحدة في تعريفين جامعين: ~~«الإنسان مخلوق مكلف.» ~~«والإنسان مخلوق على صورة الخالق.» # فالإسلام ms050 لا يعرف الخطيئة الموروثة، ولا يعرف السقوط من طبيعة إلى ما دونها؛ فلا ~~يحاسب أحد بذنب أبيه ولا تزر وازرة وزر أخرى، وليس مما يدين به المسلم أن يرتد النوع ~~الإنساني ما دون طبيعته، ولكنه مما يؤمن به أن ارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، ~~وقوامه الحرية والتبعة؛ فهو بأمانة التكليف قابل للصعود إلى قمة الخليقة، وهو بالتكليف ~~قابل للهبوط إلى أسفل سافلين، وهذه هي الأمانة التي رفعته مقاما فوق مقام الملائكة، ~~وهبطت به مقاما إلى زمرة الشياطين: # إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان ~~(الأحزاب: 72)، # بل الإنسان على نفسه بصيرة ~~(القيامة: ~~14). ~~••• # وبهذه الأمانة ارتفع الإنسان مكانا عليا فوق مكان الملائكة؛ لأنه قادر على الخير ~~والشر، فله فضل على من يصنع الخير؛ لأنه لا يقدر على غيره ولا يعرف سواه: # ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا ~~(الإسراء: 11). ~~••• # وبهذه الأمانة هبط الإنسان غرورا وسرفا إلى عداد الشياطين: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~(الأنعام: ~~112)، # إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين ~~(الإسراء: 27). ~~••• # وما من نقيصة من نقائص النفس إلا تعرو الإنسان من قبل هذه الأمانة؛ أمانة التكليف: # ليئوس كفور ~~(هود: 9)، # إن الإنسان لظلوم كفار ~~(إبراهيم: 34)، # إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا ~~(المعارج: ~~19-21)، # وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~(الكهف: 54)، # إن الإنسان ليطغى * أن ~~رآه استغنى ~~(العلق: 6-7)، # إن الإنسان ~~لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد ~~(العاديات: 6-8)، # إن الإنسان لفي خسر ~~(العصر: 3)، # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ~~(القيامة: 5)، # وكان الإنسان كفورا ~~(الإسراء: 67)، # وخلق الإنسان ضعيفا ~~(النساء: 28)، # إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى * أم للإنسان ~~ما تمنى ~~(النجم: 23-24). # فهذا الإنسان يتردى من أحسن تكوين إلى أسفل سافلين، ولا يزال في الحالين إنسانا ~~مكلفا قابلا للنهوض بنفسه بعد العثرة، قابلا للتوبة بعد الخطيئة، محاسبا بما جنت ~~يداه غير محاسب بما جناه ms051 سواه. # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * ~~وأن سعيه سوف يرى ~~(النجم: 39-40)، # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ~~(الإسراء: 13)، # ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~(الأنعام: ~~164)، # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~(التين: 4-6). # هو مخلوق مكلف. # ذلك جماع ما يوصف به الإنسان تمييزا من العجماوات، وتمييزا من الأرواح العلوية على ~~السواء. # ولهذا كان في أحسن تقويم. # ولهذا يرتد إلى أسفل سافلين. # وقوام التقويم الحسن الإيمان وعمل الصالحات، وسبيل الارتداد إلى أسفل سافلين مطاوعة ~~الهوى والغرور والسرف وطغيان القوة والغنى ومنع الخير والهلع من البلاء والعجلة مع ~~الضعف والإغراء. # وقصة آدم مثل لما يعرض للإنسان من الخطيئة والنجاة. # خطيئته لا تدينه أبدا ولا تدين أبناءه أبدا، ونجاته رهينة بتوبته وما ينتفع به من ~~علم ربه: # وعصى آدم ربه فغوى * ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ~~(طه: 121-122)، # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم ~~(البقرة: 37). # ومن تمام خواص الإنسانية في عقيدة المسلم أن قابلية التكليف في الإنسان متصلة بقابلية ~~العلم ويسرة الانتفاع بقوى الجماد والحيوان في مصالحه وشئون معاشه ... # اقرأ وربك الأكرم * الذي علم ~~بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~(العلق: 3-5)، # وعلم آدم الأسماء كلها ثم ~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~(البقرة: 31-32)، # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا ~~(الإسراء: 70)، # سخر ~~لكم ما في الأرض ~~(الحج: 65)، # سخر لكم ~~ما في السماوات ~~(لقمان: 20). # هذا العلم الذي استعد له الإنسان هو مناط التكليف وهو آمال التبعة التي نهض بها هذا ~~المخلوق المفضل على كثير من المخلوقات، الأمين على نفسه وعليها بما وهب له الله من ~~قدرة ومن دراية. # فإذا قامت الكفارة على الخطيئة الموروثة في المسيحية، فالأمانة في الإسلام هي التي ~~يقوم عليها الخلاص ويرجع إليها التكليف، وتكتب عليها تبعته ms052 في حياته غير مسئول عما سلف ~~من قبله؛ تبعة يحملها بما كان له من قدرة عليها وعلى سائر مخلوقات الله التي في ~~ولايته. # ولا بد أن تعرض لنا مسألة القدر مع مسألة التكليف، ومسألة القدر - كما لا يخفى - هي ~~معضلة المعضلات في جميع الأديان ومذاهب الحكمة والفلسفة؛ لأنها هي مسألة الحرية ~~الإنسانية والإرادة المختارة، وهي في الحق مسألة الإنسان الكبرى في علاقته الأبدية ~~بالكون، فلا نهاية لها إلى آخر الزمان، ولم تواجهها عقيدة غابرة أو حاضرة بأفضل مما ~~واجهها به الإسلام. # ونظرة موجزة فيما انتهت إليه العقائد والمذاهب في الأمم الغابرة والحاضرة تمهد لنا ~~وسيلة المقارنة بين مسألة القدر في تلك العقائد والمذاهب جميعا، وبين هذه المسألة في ~~الديانة الإسلامية كما بسطتها آيات القرآن الكريم. # كان الهنود الأقدمون يجعلون للقدر الحكم الذي لا حكم غيره في جميع الموجودات، ومنها ~~الآلهة والناس والأحياء والنبات والجماد، ولا فكاك من قبضة «الكارما» في أدوارها التي ~~تتعاقب بين الوجود والفناء إلى غير انتهاء، ولا اختيار للإنسان في الحالة التي يولد ~~عليها؛ لأنها مقدورة عليه من قبل ميلاده منذ أزل الآزال، ولا تبديل لها إلى أبد الآباد ~~حتى ينفصل من دولاب الخلق، باجتناب الولادة واللياذ بعالم الفناء أو عالم «النرڤانا» ~~المطلق من قيود «الوعي» والشعور بالشقاوة أو النعيم. # وحل المجوس مشكلة القدر بعقيدتهم في الثنوية وانقسام الوجود بين إله النور وإله ~~الظلام؛ فكل ما غلب عليه إله النور فهو خير، وكل ما غلب عليه إله الظلام فهو شر، ولا ~~عاصم لإله النور نفسه من غلبة الشر عليه في تلك الحرب السجال التي لا تنتهي إلا بنهاية ~~للكون كله تتخبط فيها الظنون. # وآمن اليونان بغلبة القدر على العباد والمعبودين، ورواياتهم عن ضرباته تمثله للناس ~~هازئا بهم متحديا لهم يطاردهم ويتجنى عليهم ويريهم عجزهم عن الفرار من نقمته أو نقمة ~~رسوله «نمسيس» # Nemesis # ربة الثأر التي تأخذ الجار بذنب ~~الجار، وتلاحق البعيد بجريرة القريب. # وآمن المصريون الأقدمون بالقدر وبالحرية الإنسانية، فأقاموا في العالم الآخر محكمة ~~سماوية يقف ms053 الميت بين يديها ويحاسب على أعماله، وتحسب له أو عليه صلوات الكهنة ~~والشفعاء. # وآمن البابليون بالطوالع التي تلازم الإنسان بحكم مولده تحت نجم من النجوم في علمهم ~~من نجوم السعود أو نجوم النحوس، وجعلوا للأيام نجوما تدور معها ولا تخرج هذه الأيام من ~~طالعها، وجعلوا للفصول نجوما تتداولها ولا تتغير في مجاريها إلا بما يكون من وساطة ~~المنجمين وضحايا أصحاب القرابين. # والديانة الإسرائيلية تؤمن - على ما هو معلوم - باختيار الإله لشعب يؤثره على سائر ~~الشعوب، وذرية يؤثرها على سائر الذراري، وأناس يؤثرهم على سائر الناس قبل خروجهم من ~~بطون الأمهات؛ فبورك يعقوب وحاق السخط الإلهي بعيسوا وهما في البطن جنينان توءمان، ~~وأصابت البركة والسخط بينهما إلى أعقاب الأعقاب: «ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على ~~شعب وكبير يستعبده صغير ...» ولم يبلغ القدر عند بني إسرائيل أن يكون نظاما كونيا يجري ~~عليه قضاء الله مجرى النواميس والشرائع الأخلاقية، بل كان «يهوا» يجري فيه على حكم ثم ~~يندم عليه ويبدله تارة بعد تارة على حسب الحالة التي تطرأ بغير حسبان. قال النبي ~~أرميا يتحدث باسم يهوا: «قم انزل إلى بيت الفخاري وهناك اسمع كلامي. فنزلت إلى بيت ~~الفخاري إذا هو يصنع عملا على الدولاب، ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين بيد ~~الفخاري فعاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عيني الفخاري أن يصنعه، فعاد إلي كلام الرب ~~قائلا: أما أستطيع أن أصنع لكم كهذا بيدي يا بيت إسرائيل؟ يقول الرب: هو ذا كالطين بين ~~الفخار أنتم كهذا بيدي يا بيت إسرائيل، وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالقلع والهدم ~~والإهلاك فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها، فأندم على الشر الذي قصدت أن أصنع ~~بها، وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس فتفعل الشر في عيني فلا تسمع لصوتي ~~فأندم على الخير الذي قلت إني أحسن إليها به.» # وقد ذكر في سفر الخروج أن يهوا وصف نفسه فقال: # أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في ms054 الجيل الثالث ~~والرابع من مبغضي، وأصنع إحسانا إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي. # ثم جاءت المسيحية بعد الإسرائيلية فربطت بين خطيئة آدم وقضاء الموت عليه وعلى أبنائه، ~~ومن لم يربط بين الخطيئة وقضاء الموت من المتأخرين جعل الهلاك الروحي قضاء محتوما ~~بديلا من موت الجسد. وأقدم ما جاء من أقوال الرسل المسيحيين عن قضاء الموت في الإنسان ~~كلام بولس الرسول من رسالته إلى أهل روما؛ فإنه في هذه الرسالة يقرر أن الأكل من الشجرة ~~هو أصل الشر في العالم الإنساني، وكفارته الموت الذي يصيب الجسد، ولا تكون كفارة الروح ~~إلا بفداء السيد المسيح، وقد عاد بولس إلى مثل الفخار والخزف فقال: «ماذا نقول؟ ألعل ~~عند الله ظلما؟ حاشا لله؛ لأنه يقول لموسى: ارحم من أرحم وارأف بمن أرأف. فليس الأمر ~~لمن يشاء أو لمن يسعى، بل الله الذي يرحم ... ومن أنت أيها الإنسان حتى تحارب الله؟ ألعل ~~الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟ أليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة ~~واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان؟ فماذا إن كان الله - وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين ~~قوته - احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك، ولكي يبين غنى مجده عمل آنية رحمة ~~قد سبق فأعدها للمجد ...» ~~••• # وتتباعد آراء العلم الطبيعي والفلسفة النظرية في هذه المسألة كما تباعدت عقائد ~~الأديان وأقوال المتدينين فيها، وزبدة آراء العلماء الطبيعيين إلى أوائل القرن العشرين ~~أن قوانين المادة تحكم كل شيء في عالم الجسد؛ فهي ضرورات حتمية لا موضع فيها للحرية ~~الإنسانية إلا أن تجري في مجرى تلك القوانين، ثم جدت في القرن العشرين نظريات تشكك في ~~هذه الحتمية المقيدة بالنواميس والقوانين يقول بها كبار العلماء من طبقة نيلز بوهر ~~الدانماركي صاحب جائزة نوبل للعلوم عن سنة 1922، وهيزنبرج الألماني صاحب جائزة نوبل ~~للعلوم سنة 1932. والأول يقرر أن الكهارب لا تتبع في انتقالها قانونا مطردا تجري ~~عليه في الذرة وهي عنصر المادة، والثاني يقرر أن التجربة العلمية لا تأتي في تكرارها ~~بنتيجة واحدة، وأن التجارب جميعا ms055 تؤيد اللاحتمية ولا تؤيد الحتمية التي اصطلح عليها ~~جمهرة العلماء الطبيعيين إلى أوائل القرن العشرين، ويرد على هيزنبرج علماء آخرون ~~فيقولون: إن التجارب تختلف؛ لأن آلات الضبط العلمي لا تحيط بجميع العوامل التي تتكرر في ~~كل تجربة، وإننا إذا تحققنا من وحدة العوامل في كل تجربة متكررة، فالنتيجة لا شك ~~واحدة. # ولا تحصى مذاهب الفلاسفة وتفريعاتهم على هذه المذاهب في مسألة القدر والحرية ~~والجبرية والحتمية واللاحتمية، إلا أننا نستصفي منها زبدة جامعة لمذهب الواقعيين ~~ومذهب الروحيين أو المثاليين؛ فزبدة مذهب الواقعيين أن الإنسان يفعل ما يريد، ولكنه لا ~~يريد ما يريد، وهم يعنون بذلك أن الإرادة تختار، ولكن هذه الإرادة نفسها مقيدة بتكوين ~~الإنسان الذي تشترك فيه الوراثة وبنية الجسم وضرورات البيئة، فلا يخلق الإنسان إرادته، ~~بل تولد فيه هذه الإرادة وتنشأ معه بغير اختياره؛ فيفعل كما يريد، ولكنه لا يريد ما ~~يريد. # وزبدة مذهب الروحيين أو المثاليين أن الإنسان جسد وروح؛ فجسده خاضع لأحكام المادة ~~كسائر الأجساد، وروحه طليق مختار يخضع لجسده في أمور ويخضع هو جسده في أمور، وهو ~~المسئول إذا انقاد لدواعي جسده ولم يجهد للانتفاع بحريته في مقاومة تلك الدواعي ~~وموازنتها بما يصلحها عند فسادها ويقومها عند اعوجاجها. ~~••• # وجميع هذه المذاهب لا تحل مشكلة القدر على الوجه الحاسم الذي تتفق عليه العقول وترتاح ~~إليه الضمائر، وليس فيها - بتفصيلاتها - عقيدة تفضل عقيدة المسلم أو تقترب من حل ~~لمسألة القدر لم تقترب منه تلك العقيدة. # وقبل أن نجمل أقوال الثقات في تفسير آيات القرآن الكريم نعود إلى مشكلة الشر التي ~~قلنا في فاتحة هذا الكتاب إنها مشكلة شعورية، وليست مسألة عقلية في جوهرها، ومشكلة ~~القدر هي مشكلة الشر بعينها معادة في عبارات أخرى؛ إذ هي مشكلة المحاسبة على الشر الذي ~~يفعله الإنسان ويريد أن يعلم مبلغ نصيبه من التبعة في احتمال جزائه. # وليس في الأمر مشكلة عقلية؛ لأن العقل لا يستطيع - مع الإيمان بوجود الله - أن ينكر ~~قدرته وحكمته وعدله في إجراء حكمته وقدرته. # والعقل كذلك لا يستطيع ms056 أن يعتقد أن الإنسان المكلف والحجر الجامد سواء في ~~الاختيار، ولا يستطيع أن ينكر التفاوت بين الناس في الحرية أو التفاوت بين أعمال الفرد ~~الواحد في الاختيار على حسب الرغبة والمعرفة. # وإنما تبرز المشكلة عندما تمس الإنسان في شعوره، ويحتاج إلى التوفيق بين قدرة الله ~~وعدله فيما يصيبه من ألم الجزاء وعذاب الندم والتبكيت. # ولا شك عندنا في حقيقة واحدة نعتقد أنها تلم شعث الخلاف كثيرا بعد طول التأمل فيها ~~... # تلك الحقيقة أن العدل الإلهي لا تحيط به النظرة الواحدة إلى حالة واحدة، ولا مناص من ~~التعميم والإحاطة بحالات كثيرة قبل استيعاب وجوه العدل في تصريف الإرادة ~~الإلهية. # إن البقعة السوداء في الصورة الجميلة وصمة قبيحة إذا حجبنا الصورة ونظرنا إلى تلك ~~البقعة بمعزل عنها، ولكن هذه البقعة السوداء قد تكون في الصورة كلها لونا من ألوانها ~~التي لا غنى عنها، أو التي تضيف إلى جمال الصورة ولا يتحقق لها جمال بغيرها. # ونحن في حياتنا القريبة قد نبكي لحادث يصيبنا، ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه ~~بعد فواته. # فالنظر إلى الكون في ألف سنة يكشف لنا من دلائل التوفيق بين القدرة الإلهية والعدل ~~الإلهي ما لا تكشفه النظرة إليه في سنة واحدة، وندع القول عن النظرة للحادث الواحد في ~~الناحية الواحدة من حياة فرد بعينه من أفراد الأمم الإنسانية. # وعلى هذا النحو نقول إننا نقترب من التوفيق بين القدرة الإلهية والعدل الإلهي، ولا ~~نقول إننا نحيط بدلائل هذا التوفيق جميعها؛ فإن الإحاطة بدلائل الحكمة الإلهية أمر غير ~~معقول في حكم العقل نفسه؛ إذ كان العقل المحدود لا يحيط بالقدرة التي ليست لها ~~حدود. # وعلى هذا النحو تتوارد آيات القرآن الكريم عن قدرة الله، وعن حرية الإنسان، وعن عدل ~~الله في إجراء قدرته ومحاسبة المخلوق على حريته: # وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ~~(الإنسان: ~~30)، # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~(السجدة: 13)، # ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ms057 ~~بأنفسهم ~~(الأنفال: 53)، # كل امرئ بما ~~كسب رهين ~~(الطور: 21)، # وما ربك بظلام ~~للعبيد ~~(فصلت: 46)، # وما الله يريد ظلما ~~للعباد ~~(غافر: 31)، # إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ~~(الأعراف: ~~28). # ولعل الصعوبة الكبرى إنما تساور العقل من فهم قوله تعالى: # ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~(السجدة: 13) فلم لا يشاء أن ~~تؤتى كل نفس هداها على السواء؟ # وتذليل الصعوبة في الجواب نفسه؛ فإن الهداية إذا ركبت في طبائع الناس كما تركب ~~خصائص الأجسام على السواء بين كل جسم وجسم، فتلك هي الهداية الآلية التي لا اختلاف بها ~~بين مدارك الأرواح ولوازم الأجسام المادية، ومن اختار ذلك فإنما يختار لنوع الإنسان ~~منزلة دون منزلته التي كرمته وفضلته على سائر المخلوقات. # فالعدل فيما اختاره الله للإنسان أعم وأكرم مما يختاره الإنسان لنفسه إذا هو آثر ~~الهداية التي تسوي بينه وبين الجماد. ~~••• # وأيا كان القرار الذي يسكن إليه المسلم بعد تلاوة هذه الآيات، فمن الصدق لضميره أنه ~~لا بد أن يكون في ذلك القرار عمل للعقيدة الإيمانية، وعمل العقيدة الإيمانية هو أن ~~يعالج شعور القلق بشعور الطمأنينة والثقة، وبخاصة إذا أيقن العقل أن قدرة الله لن تكون ~~إلا على هذه الصفة، وأن حرية الإنسان لن تكون على هذا الوجه، وأن حريته على هذا الوجه ~~لا تناقض إمكان العدل الإلهي متى التمسنا دلائل هذا العدل في آيات الكون كله، ولم ~~نقصرها على حادث في حياة مخلوق يتغير شعوره بآلامه وعواقبها من حين إلى حين. ~~••• # وكثيرا ما تمر بنا في رحلات الغربيين إلى الشرق الإسلامي كلمات منقولة عن التركية ~~والعربية مثل كلمة: «قسمة» وكلمة «مكتوب» وكلمة «مقدر»، يرددونها بالألفاظ محرفة عن ~~ألسنة العامة في البلاد التي يرحلون إليها، ويفهمون منها أن المسلم جبري مستغرق في ~~الجبرية، يستسلم للحوادث ولا يرى أن المحاولة تجديه شيئا في إصلاح شأنه أو تغيير ~~قسمته. ومما لا مراء فيه أن هذه الجبرية مسموعة على أفواه الجهلاء شائعة بينهم في عصور ~~الجمود والاضمحلال، ولكنها إذا نسبت إلى الدين لم يكن ms058 لنسبتها إليه سند من الكتاب ~~الكريم، ولا من الحديث الشريف؛ فإن جبرية المسلم العارف لكتابه وسنة نبيه لن تكون ~~كجبرية أحد من الذين آمنوا قديما بالكارما الهندية أو بالطوالع البابلية أو بالقدر ~~الغاشم في الأساطير اليونانية، ولا يستطيع المسلم العارف لكتابه وسنة نبيه أن يدين ~~بجبرية كجبرية المؤمن باصطفاء الله لسلالة من السلالات وخروج سائر السلالات من حظيرة ~~رحمته ونعمته، ولا يستطيع أن يدين بجبرية كجبرية المؤمن بوراثة الخطيئة وقبول الكفارة ~~عنها بعمل غير عمله، وإنما جبرية المسلم على حسب علمه بدينه؛ جبرية ينتهي إليها كل من ~~آمن بقدرة الله وعدله، وآمن بأن الهداية من طريق التكليف أصح وأدنى إلى العدل الإلهي من ~~هداية آلية تتركب في طبائع الناس جميعا، كما تتركب خصائص المادة في طبائع ~~الأجسام. ~~••• # وبعد، فنحن نكتب هذا الفصل عن الإنسان في العصر الذي نريد فيه تعريف محيط الإنسان ~~على التعريفات المحيطة التي اشتهرت من قبل، وأجملناها في أول هذا الفصل لنضيف إليها ~~التعريف المحيط بحقيقة الإنسان في عقيدة الإسلام. # هذا التعريف الجديد الذي زيد في العصر الأخير هو تعريف العلماء النشوئيين القائلين ~~بمذهب التطور أو مذهب النشوء والارتقاء، ومعظمهم يعرفون الإنسان بأنه حيوان راق؛ ~~فيضعون هذا التعريف مقابلا لقول القائلين إن الإنسان روح منكوس أو ملك ساقط من ~~السماء. # ما قول المسلم في هذا المذهب الجديد؟ أتراه يصدقه؟ أتراه يكذبه؟ وهل في نصوص دينه ما ~~يفسر هذا المذهب تفسير الموافقة والقبول؟ وهل في نصوص دينه ما يفسره تفسيرا يوجب عليه ~~رفضه والإعراض عنه؟ # نحن لا نحب أن نقحم الكتاب في تفسير المذاهب العلمية والنظريات الطبيعية، كلما ظهر ~~منها مذهب قابل للمناقشة والتعديل أو أظهرت منها نظرية يقول بها أناس ويرفضها آخرون، ~~ومهما يكن من ثبوت النظريات المنسوبة إلى العلم فهو ثبوت إلى حين، لا يلبث أن يتطرق ~~إليه الشك ويتحيفه التعديل والتصحيح، وقريبا رأينا من فضلائنا من يفسر السماوات السبع ~~بالسيارات السبع في المنظومة الشمسية، ثم تبين أن السيارات أكثر من عشر، وأن الصغار ~~منها تعد ms059 بالمئات ولا يحصرها الإحصاء؛ فليس من الصواب إذن أن نقحم أصول العقيدة في ~~تفسير أقوال وآراء ليست من الأصول في علومها، ولا يصح أن تتوقف عليها الأصول، وحسب ~~الدين من سلامة المعتقد وموافقته للعقل أنه لا يحول بين صاحبه وبين البحث في العلم ~~وقبول الرأي الذي تأتي به فتوح الكشف والاستنباط، وعلى هذه السنة يرجع المسلم إلى آيات ~~كتابه وأحاديث نبيه فلا يرى فيها مانعا يمنعه أن يدرس التطور، ويسترسل في مباحثه ~~العلمية إلى حيث يلهمه الفكر وتقوده التجربة: # ذلك عالم ~~الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن ~~كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ~~ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه ~~(السجدة: 6-9)، # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ~~(المؤمنون: ~~12). # وإذا اعتقد المسلم أن خلق الإنسان الأول مبدوء من الأرض، وأنه مخلوق من سلالة أرضية، ~~فلا عليه بعد ذلك أن يسفر مذهب التطور عن نتيجته المقررة كيف كانت على الوجه القاطع ~~المتفق عليه، فما يكون في هذه النتيجة نقض لعقيدة المسلم في أصل الإنسان: إنه جسد من ~~الأرض وروح من عند الله، وليس في وسع العالم النشوئي أن يدحض هذه العقيدة برأي قاطع أحق ~~منها بالتصديق والإيمان. ~~••• # يقول نيتشه في إحدى كلماته التي لا ندري أفي جد أم مزاح: إن الإنسان قنطرة بين القرد ~~والسوبرمان. # وكاد يمزح من يقول هذه الكلمة وإن لم يقصد إلى المزاح؛ فإن القنطرة التي قصاراها أن ~~تنقل الإنسان من قرد إلى سوبرمان لا توجد، ولا يمكن أن توجد؛ فتلك قنطرة لا يبنيها ~~القرد ولا يبنيها السوبرمان، ولا تبني نفسها بيديها ولا تبنيها الطبيعة التي قد تخطو من ~~حالق إلى الهاوية، وقد تخطو من الهاوية يمنة ويسرة إلى غير وجهة. # إنما الأحجى أن يقال: إن الإنسان قنطرة من الأرض إلى السماء يبنيها الله؛ قنطرة ~~قرارها أسفل سافلين وذروتها أعلى عليين. # معراج من التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول: # يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ms060 ~~(الانشقاق: 6). # وإنه لملاقيه؛ لأنه مخلوق على صورته كما جاء في الحديث النبوي الشريف. # مخلوق على صورة الخالق. # يرتفع من التراب إلى السماء أوجا فوق أوج في طريق عسر طويل، هو طريق النهوض بأمانة ~~التكليف. # وما من مسلم يدين بصورة جسدية للإله الواحد الأحد الذي «ليس كمثله شيء» وله المثل ~~الأعلى. # صورته في خلد المسلم كوجهه ويده المذكورين في القرآن الكريم: صورة تناسب كماله، ووجه ~~ويد يناسبان ذلك الكمال. # والإنسان مخلوق على صورة الخالق؛ لأن صورته جل وعلا هي صورة كاملة من الصفات الحسنى ~~في مثلها الأعلى. # رحمة وكرم وعلم وعمل ومشيئة ومجد وعظمة وفتح وإبداع وإنشاء. # وكل صفة من هذه الصفات مطلوبة من الإنسان على غاية ما يستطيع. # لا يرتقي ذلك المرتقى الذي لا يدرك بالأبصار ولا بالعقول، ولكنه يرتقي قادرا على ~~الارتقاء من التراب إلى السماء. # مخلوق على صورة الخالق. # مخلوق تهبط به أمانة التكليف إلى أسفل سافلين وترتفع به إلى أعلى عليين. # ذلك هو الإنسان في عقيدة الإله الواحد الأحد الذي لا أول له ولا آخر. # ذلك هو الإنسان في عقيدة النبي الصادق الأمين: نبي يدعو إلى رب العالمين. ~~(4) الشيطان # في الكلمة التمهيدية التي قدمنا بها لكتابنا عن «إبليس» قلنا إن معرفة الإنسان ~~للشيطان كانت فاتحة خير ... لأنه لم يعرف الشيطان إلا بعد أن عرف الخير والشر، وعرف الفرق ~~بين الشر والخير؛ فعرف أن الشر لا يجوز، وكان كل ما يعرفه منه أنه لا يسر ولا يوافق ~~مآربه وشهواته، وعرف أن مخالفة المآرب والشهوات لا تكون شرا على الدوام، بل هي خير في ~~كثير من الأحيان؛ ومن ثم عرف كيف يكبح مآربه وشهواته وهو راض مطمئن؛ لأنه يعلم أنه ~~عامل للخير مستقيم على نهج الصلاح. # وقارنا في فصول الكتاب بين أسلوب الدين في تعليم الأخلاق وأسلوب التلقين والتعليم ~~الذي سميناه بالأسلوب الأكاديمي - أو أسلوب المطالعة والدراسة - وأن بين الأسلوبين في ~~أعماق النفس وفي ميادين العمل لبونا جد بعيد؛ لأن حدود الخير والشر في أحدهما حيوية ~~تمتزج بالشعور والوجدان، ms061 وتسمو إلى تقديس الخيرات أو تنحدر إلى النفور من نجاسة الشرور، ~~وما الأسلوب الآخر - أسلوب التلقين والمطالعة - إلا أسلوب أوراق وأذواق تنقسم فيه معاني ~~الخير والشر في الضمير والفكر كأنها أقسام في صفحات أو تصنيفات في الودائع ~~والمخزونات. # وختمنا كتاب إبليس بكلمة عن مقاييس الحقائق التي تعددت وتنوعت، فلا تقاس كلها بمقياس ~~الحساب أو مقياس المعمل أو مقياس التجربة المحسوسة، وبخاصة ما كان منها متصلا بالضمير ~~والوجدان. # ولا نخال أن السريرة الإنسانية تكشف عن أعماقها بعلم من العلوم كهذا العلم - علم ~~المقارنة بين الأديان - وعلم الدراسات النفسية؛ وهو في خطواته الأولى أو على أبواب ~~النتائج التي لا تتفتح إلا بين التردد والانتظار. # لكن الفائدة المبكرة التي خلصت للعقل الإنساني من بواكير البحث في العلمين أن مقاييس ~~الحقائق تختلف وتتعدد، وأن الحقائق كلها لا تقاس بأرقام الحساب وأنابيب المعامل وتجارب ~~العلميين ومناظير الفلكيين. # فها هنا حشد من العقائد والأخيلة تمتلئ به سيرة النوع الإنساني في نحو مائة قرن ~~يدركها التاريخ. # ما هي في أرقام الحساب أو أنابيب المعامل أو تجارب الطبيعة أو مناظير ~~الفلكيين. # سهل على أدعياء العلم أن يعرفوها بكلمتين: حديث خرافة! # وحديث الخرافة يجب أن يلغى. فتعالوا نلغه ونعهد لأدعياء العلم جميعا أن يبدءوا ~~بالنوع الإنساني في تعلم الخير والشر والقداسة واللعنة على برنامج غير هذا البرنامج ~~وتربية غير هذه التربية، وليتسلم أدعياء العلم هذا النوع الإنساني قبل مائة قرن ~~وليأخذوا في تعليمه الأبجدية من هذه الدروس. # ولنفرض أولا فرضا مستحيلا أنهم سيكونون قبل مائة قرن على معرفة بما يسمونه ~~اليوم خرافة، وما يسمونه تحقيقا، وما يسمونه دراسة منطقية أو علمية. # وليبدأ النوع الإنساني في هذه المدرسة بفلسفات الأخلاق على مذاهبها وفروضها ~~واحتمالاتها وردودها ومناقشاتها. # وليحفظ فلسفات الأكاديمية كلها ويتخرج عليها ... # ولقد حفظها ولقد خرج منها بما شاء له أدعياء العلم من آراء ...! # ولقد وصلنا بعد الرحلة الطويلة إلى القرن العشرين، فماذا نقول؟ # نقول إن هذا في الحق هو حديث الخرافة الذي لا يعدو الألفاظ والعناوين وأسماء المدارس ~~والمريدين. ms062 # لكن النوع الإنساني ترك هذه الأكاديمية قبل مائة قرن، وأمعن في طريقه الذي هداه إليه ~~القدر وأعدته له الفطرة؛ ونتيجة هذا الطريق أنه أعطى الحياة النابضة لكل خلق من أخلاق ~~الخير والشر والقداسة واللعنة، وأن علم العلماء اليوم لا يستطيع أن يقيم من الفوارق ~~المحسوسة بين خلق وخلق فارقا واحدا كالفارق الذي نفهمه ونحسه ونحياه حين نتكلم عن ~~الخلائق الإلهية والخلائق الملكية أو الخلائق الشيطانية، أو عما يجعلها من الخلائق ~~السماوية أو الخلائق الأرضية أو الخلائق الجهنمية. # إن العلماء الذين يستعيرون تعبيراتهم المجازية من هذه الفوارق لا يفعلون ذلك لعبا ~~بالألفاظ أو تظرفا بالتمثيل والتشبيه، ولكنهم يستعيرون ذلك التعبير لأنه أولى وأوضح ~~وأقوى من كل تعبير يستعيرونه من المدرسة النفعية أو المدرسة السلوكية أو المدرسة ~~الانفعالية ومدارس روح الجماعة أو تضامن الهيئات والبيئات، وما إليها من ألفاظ ناصلة ~~ومعان حائلة وأسماء لم تخلق من مسمياتها شيئا، وهيهات أن تخلقه ولو تسمت بها مئات ~~القرون ... وغاية ما تبلغه أنها تأتي إلى محصول القرون بعد زرعه ونقائه واستوائه وحصده، ~~فتكتب العناوين على غلاته وبيادره، ولا تأمن بعد ذلك أن تضل بين تلك العناوين التي ~~كتبتها بيديها. # فهذه الحقائق الوجدانية والقيم الروحية لا تقاس بمقياس الأرقام وأنابيب المعامل، ~~ومن أراد أن يقيسها بهذا المقياس فهو الذي سيخطئ لا محالة، كما يخطئ كل واضع لأمر من ~~الأمور في غير موضعه، وكل من يقيس شيئا وهو يجهل كيف يقاس ... ~~••• # إن الإيمان شوق عميق من أشواق النفس الإنسانية ينساق إليه الإنسان بباعث من ~~فطرته. # أما الشيء الذي يحتاج إلى أناة الفكرة ورحابة الصدر، وقياس كل حقيقة بما يناسبها من ~~مقاييسها وخصائصها، فذلك هو النفاذ إلى أسرار الإيمان. # وكل العقائد الإيمانية سواء في حاجة إلى أناة الفكر ورحابة الصدر وحسن القياس للنفاذ ~~إلى أسرارها، ولكن العقيدة في عمل الشيطان أحوج هذه العقائد جميعا إلى التسليم بسعة ~~الحقائق، وتعدد المقاييس التي تكشف عن بواطنها وتنفذ إلى كنه مدلولاتها. # ومن حضرت في ذهنه سعة الحقائق وجد بين يديه صعوبة ms063 لا صعوبة مثلها في رفض فكر الشيطان، ~~كما يرفضها أدعياء العلم الذين لو جروا على سننهم في إثبات الأشياء لرفضوا وجود ~~المادة الملموسة عجزا منهم عن إدراك أصولها، وما أصولها إلا العناصر التي تنشق شعاعا ~~متحركا في أثير لا وزن له ولا حجم ولا حركة ولا لون ولا طعم، ولا تعرف له صفة واحدة من ~~صفات الأجسام بله الأرواح. # وما نعلم من شيء كهذه العقائد في بواعث الخير والشر قد تراءت فيه يد العناية الإلهية ~~آخذة بيمين هذا الإنسان الضعيف - بل هذا الحيوان الجهول - تقوده من عماية الجهالة إلى ~~هداية التمييز بين الفضيلة والرذيلة، وبين الحلال والحرام، وبين المفروض ~~والمحظور. # ومن ثم نرى أن مراحل الانتقال في تصور روح الشر - أو تصور الشيطان - قد تكون من ~~أوضح المعالم لمتابعة الضمير الإنساني في ارتقائه وتمييزه، وإنه لمن السهل أن تعرف ~~الإنسان بمقدار ما يشعر به نحو الشر من النفور أو الخوف، وليست بهذه السهولة معرفتنا ~~للإنسان بمقدار ما يتمثله من المثل العليا للخير والفضيلة؛ لأن المثل العليا بطبيعتها ~~تبتعد عن الواقع وتمتزج بالآمال والفروض، ويشبه هذا في عالم الحس أن قياس الانحطاط ~~بالنسبة إلى الحضيض سهل محدود المسافات، ولكن قياس الصعود والارتفاع بالنسبة إلى الآفاق ~~العليا أصعب من ذلك بكثير. # ونحن - بالمقارنة بين هذه المراحل في تصور فكرة الشيطان وسلطان الشر على النفس ~~البشرية - نستطيع أن نبين مرحلة العقيدة الإسلامية من هذه المراحل، وأن نعرف منها ~~مدى قوة الضمير الإنساني في مواجهة الشر كما طرأت على العقائد لأول مرة في تاريخ ~~الأديان. # بدأ الإنسان خطواته المتعسرة في طريق الخير والشر حيوانا ضعيفا يفهم الضرر ولا يفهم ~~الشر ولا يدريه، وإذا فهم الضرر فإنما هو الضرر في جسده أو فيما يطلبه الجسد من مطالب ~~الطعام والشراب والأمن والراحة، وكانت الأرواح كلها ضارة تلاحقه بالأذى والإساءة ما لم ~~يتوسل إلى مرضاتها بوسائل الشفاعة والضراعة أو بوسائل الضحايا والقرابين. # ثم انقسمت الأرواح عنده إلى ضارة وغير ضارة، وما لم يكن ضارا منها فليس امتناعه ms064 عن ~~الضرر لأنه يحب الخير أو يكره الشر، بل هو يمتنع عن الإضرار به لأنه روح من أرواح ~~أسلافه وذوي قرابته يصادقه كما يصادق الأب ذريته والقريب ذوي قرباه. # ثم طالت مرحلته في هذه الطريق حتى سنح له بصيص من التمييز بين الضرر الذي يجوز والضرر ~~الذي لا يجوز، وقد سنح له هذا البصيص من عادة الارتباط بالعهود والمواثيق بينه وبين ~~أربابه وبينه وبين عشرائه وخلفائه، فما كان مخالفا للعهود والمواثيق فهو ضرر مستغرب لا ~~يجوز، وما كان ضررا لا يجوز فهو لون من ألوان الشر الذي كان مجهولا قبل الارتباط ~~بعهود الصلاة والعبادة أو عهود المحالفة والولاء. # وربما عبر الإنسان في هذه المرحلة عشرات القرون حتى وصل إلى عهد الحضارات العليا، ~~ووصل من ثم إلى الديانات التي تلائم عقله وضميره في كل حضارة منها. # هنالك عرف الشر والخير وعرف التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز، وهنالك ظهرت بين أممه ~~المتقدمة قوى الشر الكونية التي تتصرف في الوجود كله، وتقضي فيه قضاء يمتد أثره وراء ~~عمر الإنسان الواحد، ووراء أعمال الأجيال والأقوام. # وأرفع ما ارتفع إليه الإنسان في هذه المرحلة عقيدة الهند، فعقيدة الثنوية، فعقيدة مصر ~~الفرعونية. # فكانت عقيدة الهند أن المادة كلها شر أصيل فيها فلا خلاص منه إلا بالخلاص من الجسد، ~~وكان الشر عندهم مرادفا للهدم والفساد، يتولاه الإله الواحد في صورة من صوره الثلاث: ~~صورة الخالق وصورة الحافظ وصورة الهادم الذي يهدم بيديه ما بناه وما حفظه في صورتيه ~~الأخريين. # وكانت عقيدة الثنوية من مجوس فارس أن الشر من عند إله الظلام، وأن الخير من عند إله ~~النور، وأن الغلبة أخيرا لإله النور بعد صراع طويل. # وكانت عقيدة مصر الفرعونية أن الإله «سيت» شرير مع أعدائه ومخالفيه، وربما كان منه ~~الخير لأتباعه ومؤيديه، ولم يكن خلاص الروح عندهم منفصلا عن خلال الجسد، ولا العالم ~~الآخر عندهم مخلوقا على مثال أرفع من مثال الحياة في وادي النيل. # ويميل علماء المقارنة بين الأديان إلى تفضيل العقيدة الهندية على ms065 العقيدتين الفارسية ~~والمصرية، ولكنه تفضيل لا يقوم على أساس صحيح؛ لأن إلغاء الخير في عالم المادة بحذافيره ~~لا يفسح فيه مجالا للخير ولا يجعل الخلاص منه إلا كالخلاص من مكان موبوء، حدوده كحدود ~~الأبعاد والمسافات، وليس في هذه العقيدة الهندية ما يجعل للهدم لازمة غير لازمة الخلق ~~والحفظ، فكلها من لوازم عمل الإله بغير تفرقة بين هذه الأطوار تأتي من الإله أو تأتي من ~~العباد. # وربما كانت عقيدة مصر الفرعونية أقرب هذه العقائد الثلاث إلى تنزيه الضمير الإنساني ~~من لوثات الوثنية؛ لأنها جعلت للشر نزعة منفردة بين نظم الأكوان، كأنما هي نزعة التمرد ~~في عالم يقوم على الشريعة والنظام. ~~••• # ثم تميزت من بين عقائد القبائل البدائية والحضارات العليا عقائد الديانات الكتابية ~~التي يدين بها اليوم أكثر من نصف الأمم الإنسانية، ويتغلغل أثرها في الأمم الأخرى شيئا ~~فشيئا ولو لم تتحول عن عقائدها الأولى. # تميزت بين ديانات الأولين الديانة العبرية والديانة المسيحية والديانة الإسلامية، ~~وكانت الديانة العبرية جسرا بين عدوتين: إحداهما عدوة الوثنية والأخرى عدوة التوحيد ~~والتنزيه. # ولهذا لم تتميز قوة الخير وقوة الشر بفاصل حاسم في الديانة العبرية، فكان الشر ~~أحيانا من عمل الشيطان وأحيانا من عمل الحية، وكان الشر بهذه المثابة تارة ضررا لا ~~يجوز، وتارة أخرى ضررا ماديا يأتي من حيوان كريه إلى الناس لما ينفثه من سموم قاتلة، ~~ولم يكن الشيطان منفصلا من زمرة الملائكة، بل كان من زمرة الحاشية الإلهية التي تنفث ~~سموم الوشاية والدسيسة. # وقد كانوا ينسبون العمل الواحد مرة إلى المعبود «يهوا» ومرة إلى الشيطان، فجاء في ~~كتاب صموئيل الثاني أن الرب غضب على إسرائيل فأهاج عليهم الملك داود وأمره بإحصائهم ~~وإحصاء يهودا معهم، وجاء في كتاب الأيام أن الشيطان هو الذي وسوس لداود بإجراء هذا ~~الإحصاء، ولم يرد اسم الشيطان قبل ذلك في كتب التوراة مقرونا بأداة التعريف التي تدل ~~على الأعلام كأنه كان واحدا من أرواح كثيرة تعمل هذه الأعمال التي انحصرت بعد ذلك في ~~روح واحد يسمى الشيطان، ويستعين بمن على ms066 شاكلته من الأرواح. ~~••• # ثم انتقلت فكرة الشيطان مرحلة واسعة بعد ظهور المسيحية فتم الانفصال بين الصفات ~~الإلهية والصفات الشيطانية، وأصبح للإله عمل وللشيطان عمل، ولكنه عمل جسيم يوشك على أن ~~يضارع عمل «أهريمان» إله الظلام؛ لأنه سمي في الأناجيل باسم رئيس هذا العالم واسم إله ~~هذا الدهر، وكانت له مملكة الدنيا ولله ملكوت السماوات، واستقل بشطر كبير من قصة ~~الخليقة في السماء والأرض، فلولاه لما وقعت الخطيئة، ولا سقط الجنس البشري، ولا وجبت ~~الكفارة بالفداء. # وانتقلت فكرة الشيطان إلى أبعد مراحلها بعد ظهور الإسلام؛ فهو قوة الشر لا مراء، ~~ولكنها قوة لا سلطان لها على ضمير الإنسان ما لم يستسلم لها بهواه أو بضعف منه عن ~~مقاومة الإغراء: # إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان ~~(الحجر: 42)، # إن كيد الشيطان ~~كان ضعيفا ~~(النساء: 76)، # وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم ~~(إبراهيم: 22). # فمن أطاع الشيطان فقد أطاع نفسه فظلمها ولم يظلمها الشيطان: # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين ~~(الأعراف: 23). # وما يكون لشيطان أن يطلع على الغيب أو ينفذ إلى أسرار العالم المجهول: # لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين ~~(سبأ: 14). # وما يكون للشيطان أن يضر أحدا بسحره: # وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله ~~(البقرة: 102). # وما كان لهم من سحر إلا أن تضل الأبصار والبصائر كأنما ضلال المسحور ضرب من ضلال ~~المخمور: # إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون ~~(الحجر: 15)، # يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى ~~(طه: 66). # فما كان سحر الشيطان إلا ضربا من الخيال أو الخبال، وما كان له بقوة من قوى السحر أو ~~قوى العلم أن يهزم ضمير الإنسان، وكل هذه القوة الخفية بجميع خصائصها التي تراكمت حولها ~~في العقائد الغابرة منتهية إلى وجود كأنه العدم، أو كأنه الوهم الذي يملك الضمير ~~الإنساني أن يتجاهله ويمضي على سوائه غير ملتفت إليه لو شاء، وإنه ليشاء فلا يكون له ~~عليه من سلطان لمشيئة الشيطان؛ ms067 إذ لا مشيئة له في أمر يوسوس به إلا أن يشاءه ~~الإنسان. ~~••• # بهذه العقيدة الوجدانية الفكرية أقام الإسلام عرش الضمير، وثل عرش الشيطان. # ومن حق البحث الأمين على الباحث المنصف أن يضيفها إلى عقائد الإسلام في الله وفي ~~النبي وفي الإنسان، فإذا عرف الإنصاف فما هو بقادر على أن يزعم أن الإسلام ديانة محرفة ~~من ديانة محرفة من ديانة سبقت، وإذا عرف الصواب فما هو بقادر على أن يجحد مرتقاه في ~~أطوار الإيمان، وأنه غاية ما ارتفع إليه ضمير المؤمن في ديانات الأقدمين ~~والمحدثين. ~~(5) العبادات # يعرف الدين بعباداته بين أناس كثيرين لا يعرفونه بعقائده، وربما استدلوا على العقائد ~~بالعبادات؛ لأن العبادة فرع من العقيدة يشاهد عيانا في حيز التنفيذ أو التطبيق، ~~ولكنها - على هذا - من فروع العقائد التي يقل فيها الخلاف، وتضيق حولها مواضع الجدل في ~~الخصومات المذهبية؛ إذ كان الغالب على العبادة أنها شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها ~~وأشكالها، ولا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الآخر لو ~~استبدل منها ما يقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من ~~نشأتها. # لماذا يكون الصوم شهرا، ولا يكون ثلاثة أسابيع أو خمسة؟ # لماذا تكون حصة الزكاة جزءا من عشرة أجزاء، ولا تكون جزءا من تسعة أو من خمسة ~~عشر؟ # لماذا نركع ونسجد ولا نصلي قياما أو قياما وركوعا بغير سجود؟ # من اعترض بأمثال هذه الاعتراضات فليس ما يمنعه أن يعود إلى الاعتراض لو فرض الصيام ~~ثلاثة أسابيع، أو فرضت الزكاة فوق مقدارها أو دون هذا المقدار، أو فرضت الصلاة على ~~وضع غير وضعها الذي اتفق عليه أتباع الدين. # وليس معنى ذلك أن هذه الأوضاع لا تعرف لها أسباب تدعو إليها وتفسر لنا اتباعها دون ~~غيرها، ولكنها في نهاية الأمر أوضاع «توقيفية» لا موجب من العقل للتحكم فيها بالاقتراح ~~والتعديل؛ لأن المقترح العدل لن يستند إلى حجة أقوى من الحجة التي يرفضها ويميل إلى ~~سواها. # ويسري هذا على كل تنظيم في أمور الدنيا ولا يسري ms068 على أمور الدين وحده؛ فلماذا يكون ~~عدد الكتيبة في جيش هذه الأمة 50 - مثلا - ويكون في جيش أمة غيرها 40 أو مائة؟ ولماذا ~~يجعل اللون الأخضر رمزا لهذا المعنى في ألوان العلم القومي عند قوم من الأقوام، وهو ~~مجعول لغير هذا المعنى عند أقوام آخرين ؟ # لا مناص في النهاية من أسباب توقيفية يكون التسليم بها أقرب إلى العقل من المجادلة ~~فيها؛ لهذا يقل الخلاف بين أصحاب الأديان في شعائر العبادة حيث يكثر في كل كبيرة وصغيرة ~~من شئون العقائد الفكرية أو عقائد الضمير. # إلا أن هذا كله لا يقضي علينا بقبول كل عبادة على كل وضع يخطر على البال، ولا يمنعنا ~~أن نفاضل بين العبادات فنرى منها عبادة أفضل من عبادة وفريضة أولى بالاتباع من ~~فريضة؛ إذ لا شك أن العبادة التي تؤدي غرضها أفضل من العبادة التي لا تؤدي هذا الغرض ~~ولا تؤدي غرضا من الأغراض، ولا شك في وجود المزايا التي تتفاوت بها العبادات، وإن لم ~~تكن هذه المزايا داخلة في الغرض المقصود بشعائر العبادات. # والغرض من عبادات الأديان ينطوي على أغراض متشعبة يضيق بها الحصر؛ لأنها تقابل أغراض ~~الدنيا جميعا بأغراض الدين، ولكننا قد نجمعها جهد المستطاع في تنبيه المتدين على ~~الدوام إلى حقيقتين لا ينساهما الإنسان في حياته الخاصة أو العامة إلا هبط به النسيان ~~إلى درك البهيمية، واستغرق في هموم مبتذلة لا فرق بينها وبين هموم الحيوان الأعجم - إن ~~صح التعبير عن شواغل الحيوان الأعجم بكلمة الهموم. # إحدى الحقيقتين التي يراد من العبادة المثلى أن تنبه إليها ضمير الإنسان على ~~الدوام؛ هي وجوده الروحي الذي ينبغي أن يشغله على الدوام بمطالب غير مطالبه الجسدية ~~وغير شهواته الحيوانية. # والحقيقة الأخرى التي يراد من العبادة المثلى أن تنبه إليها ضميره؛ هي الوجود ~~الخالد الباقي إلى جانب وجوده الزائل المحدود في حياته الفردية، ولا مناص من تذكير ~~الفرد لهذا الوجود الخالد الباقي إذا أريد فيه أن يحيا حياة بآثارها إلى ما وراء ~~معيشته اليومية ووراء معيشة قومه، بل ms069 معيشة أبناء نوعه، وعبثا يترقى الإنسان من مرتبة ~~البهيمية إلى مرتبة تعلوها إن جاز أن يعيش أيامه يوما بعد يوم وهو لا يذكر أنه مطالب ~~بواجب أكبر من واجب الساعة أو واجب العمر كله؛ فإن الترقي في كل صورة من صوره يفضي إلى ~~غاية واحدة هي خلاص الإنسان من ربقة الانحصار في مطالب اليوم والساعة، أو مطالب العمر ~~المحدود بحياته الفردية. ~~••• # عبادة المسلم في جميع فرائضها تتكفل له بالتنبيه الدائم إلى هاتين الحقيقتين. # إنه في صلاته يستقبل النهار ويتوسطه مرتين، ثم يختمه ويستقبل الليل بالوقوف بين يدي ~~الله كأنه يستهديه في عمله ويؤدي إليه الحساب عن هذا العمل من ساعة اليقظة إلى الساعة ~~التي يستسلم فيها للرقاد أو ينطوي فيها تحت جنح الظلام. # وإن المسلم في صيامه ليذكر حق الروح من شرابه وطعامه، ويذكر أنه ذو إرادة تأخذ بيديها ~~زمام جسدها، ولا تترك لهذا الجسد أن يأخذ بزمامها ويتصرف بها على هواه، وأصح ما يكون ~~الصيام الذي ينبه الضمير إلى هذه الحقيقة أن يقدر المرء على ترك الشراب والطعام فترة ~~من الزمن، ولا يكون قصاره منها أن يستبدل شرابا بشراب وطعاما بطعام. # أما الزكاة في فرائض الإسلام، فهي المذكر له بحصة الجماعة من ماله الذي يكسبه ~~بكده وكدحه، وهي المذكر له بأن يعمل لغيره ولا يعمل لنفسه وكفى، وهي الامتحان له ~~فيما تهوى الأنفس من المال والمتاع؛ حيث كان الصيام امتحانا له فيما تهوى الأنفس من ~~الشراب والطعام. # وإذا كان الإسلام دينا يدعو الناس كافة إلى عبادة رب العالمين، فالحج هو الفريضة ~~التي تتمثل فيها هذه الأخوة الإنسانية على تباعد الديار واختلاف الشعوب والأجناس، وهي ~~في اصطلاح العرف الشائع بين الناس بمثابة صلة الرحم وتبادل الزيارة بين أبناء الأسرة ~~الواحدة، يجمعها الملتقى في المكان الذي صدرت منه الدعوة إليها، وهو أجدر مكان في بقاع ~~الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء. # ولا حاجة إلى بيان حكمة الركن الأول من أركان الإسلام وهو ركن الشهادتين: شهادة أن لا ~~إله إلا الله، وشهادة ms070 أن محمدا رسول الله. # فهاتان الشهادتان هما الركن الذي تقوم عليه أركان العبادات الإسلامية، وبغيره لا يكون ~~المسلم مسلما بعقائده وعباداته. # والشهادتان أسهل العبادات بلفظهما؛ لأنه لا يعدو أن يكون نطقا بكلمات معدودات، ~~ولكنهما بمعناهما أصعب الأركان في الأديان؛ لأنهما انتقال من دين إلى دين ، بل مرحلة ~~واسعة بين تاريخ وتاريخ. ~~••• # وعلى هذه الوتيرة وما شابهها في الفرائض الإسلامية يتاح للمسلم أن يوفق بين ~~عباداته التوقيفية وبين أدائها للغرض من العبادة، وهو تذكيره بوجوده الروحي وتذكيره ~~بوجود أسمى من وجوده وأبقى، وإذا كان تحقيق الغرض من العبادة هو ميزان التفاضل بين ~~الشعائر التوقيفية، فحسب الإسلام من مزية في شعائره أن يوفق بين أوضاعها وأغراضها ~~هذا التوفيق - لو لم تكن له مزية أخرى. # على أن عبادات الإسلام قد امتازت بين عبادات الأديان بمزية لا نظير لها في أرفعها ~~وأرقاها بالنظر إلى حقيقتها أو بالنظر إلى جماهير المتدينين بها، وتلك مزيته البينة ~~التي يرعى بها استقلال الفرد في مسائل الضمير خير رعاية تتحقق لها في نظام حياة. # فالعبادات الإسلامية بأجمعها تكليف لضمير الإنسان وحده، لا يتوقف على توسيط هيكل أو ~~تقريب كهانة. # يصلي حيث أدركه موعد الصلاة، وأينما تكونوا فثم وجه الله. # ويصوم ويفطر في داره أو في موطن عمله، ويحج فيذهب إلى بيت لا سلطان فيه لأصحاب سدانة، ~~ولا حق عنده لأحد في قربانه غير حق المساكين والمعوزين. # ويذهب إلى صلاة الجماعة فلا تتقيد صلاته الجامعة بمراسم كهانة أو إتاوة محراب، ~~ويؤمه في هذه الصلاة الجامعة من هو أهل للإمامة بين الحاضرين باختيارهم لساعتهم إن لم ~~يكن معروفا عندهم قبل ذلك. # إنه الدين الذي نتعلم منه أن الإنسان مخلوق مكلف. # لا جرم تقوم عباداته على رعاية حق الضمير المسئول واستقلاله بمشيئته أكرم ~~رعاية. # ومرة أخرى نعود في ختام هذا الفصل عن العقائد فنسأل: أهذا هو الدين الذي يستبيح من ~~يدري ما يقول أن يزعم أنه نسخة محرفة من دين قديم؟ # الفصل الثاني # | المعاملات # من العلماء المشتغلين بالمقارنة بين الأديان من يسلم ms071 لعقائد الدين سموها ونزاهتها، ~~ولكنه مع هذا يعيب الدين نفسه بشرائعه وأحكام معاملاته؛ إما لأنه يرى أن الأديان ينبغي أن ~~تكون مقصورة على العقائد والوصايا، ولا تتعرض للتشريع وأحكام المعاملة التي تصطدم بالحوادث ~~العملية وتجري مع تقلبات الأحوال في البيئات المختلفة والأزمنة المتعاقبة على سنن شتى، ولا ~~تخضع للنص الواحد في جميع أطوارها وملابساتها. # هذا، أو لأنه يعيب المعاملات لذاتها ويرى فيها نقصا يتجافى بها عن مبادئ العدل وأصول ~~الآداب المرعية بين أمم الحضارة. # وقد تعمدنا - من أجل هذا - أن نتبع الكلام على العقائد الإسلامية بالكلام على المعاملات ~~الإسلامية، وتحرينا في الكلام على هذه المعاملات أن نقصرها على أبواب المعاملة التي وردت ~~فيها أشد الشبهات على الشريعة الإسلامية في العصر الحاضر، من جانب علماء المقارنة بين ~~الأديان، أو من جانب المبشرين العاملين على تحويل المسلمين في بلادهم من عقائدهم وأحكام ~~دينهم، ونقدم بالقول - على التخصيص - تلك المعاملات التي قيل: إنها علة تأخر المسلمين ~~وعجزهم عن الأخذ بأسباب الحضارة ومجاراة الأمم في ميادين الأعمال الاقتصادية والشرائع ~~العملية. ونعني بها معاملات الشركات والمصارف ومعاملات الجزاء والعقاب في القوانين؛ فليس من ~~غرضنا في هذا الكتاب أن نبسط القول في المعاملات بمعناها المعروف بين الفقهاء من معاملات ~~البيوع أو معاملات الأحوال الشخصية، وما إليها من أبواب الأحكام التي لا ترد الشبهة عليها ~~من خصوم الإسلام وممن يفترون الأباطيل عليه، وربما تناولنا بعض هذه الأبواب في موضعه من ~~الكلام على الحقوق الاجتماعية، ولكننا لا نحسبها من مواطن الشبهة التي يقال من أجلها إنها ~~قد حالت بين المسلمين فعلا وبين النهوض بأعباء الأعمال الاقتصادية وأعمال التشريع في العصر ~~الحديث. # والذي نراه من مراجعة النقد الديني أن المنكرين لتعريض الأديان لشئون المعاملات مخطئون، ~~لا يجشمون عقولهم مئونة الرجوع إلى نشأة الشرائع الدينية في أوقاتها ومناسباتها، وإلا ~~لعرفوا أن هذه الشرائع لازمة للعاملين بها لزوم العقائد والوصايا الأخلاقية، وأن العقائد ~~تصطدم بالواقع كما تصطدم به أحكام الشرائع؛ فلا معنى لاختصاص أحكام الشرائع وحدها بالنقد ~~إذا كانت العقائد معها ms072 عرضة للامتحان مع تقلبات الأحوال وتجدد الطوارئ والضرورات. # والواجب في رأينا أن يكون النقد كله موجها إلى المعاملات لذاتها إذا كان فيها ما يجافي ~~مبادئ العدل وأصول الأخلاق، ويحول دون مجاراة الآخذين بها لسنن التطور والتقدم وضرورات ~~الحياة العلمية جيلا بعد جيل. # ولو أن النقاد الدينيين كلفوا أنفسهم أن يتتبعوا أسباب التشريع في الأديان الكتابية ~~الكبرى لعلموا أنها قامت بقيام تلك الأديان في ظروف تحتم النظر في التشريع، كما تحتم ~~النظر في الاعتقاد، ولعلموا أن أديان الحضارات الأولى التي استغنت عن وضع نصوص القوانين لم ~~تكن لتستغني عنها لولا أنها نشأت في دول عريقة الحكومات والأحكام، ومن أعرق تلك الحضارات ~~الأولى حضارة مصر وحضارة بابل وحضارة الهند وحضارة الصين؛ فهذه جميعا قد ظهرت فيها الكهانة ~~مجاورة للدولة صاحبة القوانين والأحكام، ولم تخلص العقائد فيها مع ذلك من الامتزاج ~~بالقوانين في مصادرها وأسانيدها يوم كان كل أمر مقدس واجب الطاعة مستمدا من الأوامر ~~الإلهية، ولكن رسالة الدين هنا لم تكن منعزلة عن رسالة الدولة في عقائدها ولا في شرائعها، ~~فلما قامت رسالة الأنبياء من دعاة الأديان الكتابية قامت بمعزل عن الدولة، بل قامت ثائرة ~~على الدول من حولها، فوجب لها مع العقائد تشريع يتناول أحوال المعاش وأحكام ~~المعاملات. # ويصدق هذا القول على الأديان الكتابية الثلاثة بغير استثناء للمسيحية التي يخطر لبعضهم ~~أنها تعمدت أن تقصر الدين على العقائد والوصايا دون القوانين والمعاملات. # فالواقع أن السيد المسيح قد جاء مؤيدا لشرائع العهد القديم، ولم يجئ مبطلا لها أو ~~معطلا لأحكامها؛ جاء متمما للناموس ولم يجئ هادما للناموس، وكان العالم من حوله ~~مكتظا بالشرائع الدينية والشرائع الدنيوية: للهيكل شرائعه، من أراد أن يتبعها ويعمل بها ~~فذلك إليه، وللدولة شرائعها، من أراد أن يتبعها ويعمل بها فذلك إليه، ومن هنا استطاع المسيح ~~أن يقول للذين تعمدوا أن يحرجوه في مسألة الضرائب: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.» ~~فلم يجد من لوازم رسالته أن يثور على شرائع الدولة ولا على شرائع الدين. ولما جاءه ms073 ~~المكابرون من اليهود بالمرأة الزانية ليأمر برجمها ويصطدم من ثم بسلطان الهيكل، رد عليهم ~~كيدهم بإحراجهم كما أحرجوه، فقال لهم: «من لم يخطئ منكم فليرمها أولا بحجر.» فلم يقل إن ~~حكم الرجم باطل، ولم يأمر به فيقيم الحجة عليه لأصحاب السلطان في هيكل العبادة والشريعة ، ~~وكانت ثورته في لبابها ثورة على الرياء في دعوى الأمناء على الشريعة الدينية، ولم تكن ثورة ~~على الأحكام والنصوص كما وردت في كتب العهد القديم. ~~••• # أما الديانة الكتابية الأولى، فمهما يكن الرأي في نصوص شرائعها اليوم، فقد كان التشريع ~~فيها يوم الدعوة إليها لازما كلزوم الدعوة إلى العقيدة أو الوصايا الأخلاقية: كان موسى ~~عليه السلام يقود شعبا بغير دولة إلى أرض يقيمون فيها حكما غير الحكم الذي خضعوا له في ~~موطنهم الذي تركوه من أرض الدولة المصرية، فلم تكن رسالته رسالة عقيدة وحسب، ولم يكن قيام ~~العقيدة ميسورا بغير قيام القانون. # وكل نقد يوجه إلى أحكام المعاملات يمكن أن يوجه مثله إلى العقائد والوصايا؛ لأن ~~التحجر وسوء الفهم غير مقصورين على الأعمال والتطبيقات، أو سبيلهما إلى العقائد النظرية ~~أيسر من سبيلهما إلى الوقائع العملية؛ إذ كانت الوقائع العملية مما يضطر المخطئ إلى ~~الشعور بخطئه، وليس في العقائد النظرية ما يضطر المعتقد إلى الشعور بالخطأ من أول وهلة، ~~إلا إذا تغير شعوره وتغير وجدانه فارتفع بنفسه وبأحوال معيشته من الخطأ إلى ~~الصواب. # ولمن شاء أن يشير إلى المعاملات في كتب الشرائع السماوية كما يشاء، ولكنه يحيد عن جادة ~~الإنصاف إذا اختص الشريعة الإسلامية بنقده كأنها الشريعة الكتابية الوحيدة التي تعرضت ~~للمعاملات؛ فإن الشريعة المنسوبة إلى موسى - عليه السلام - قد تناولت من أمور المعيشة ما هو ~~اليوم من شئون الأطباء، وتناولت من تشريع الجزاء والعقاب أحكاما لا يقرها اليوم أحد من ~~المؤمنين بها، وإن كان من المؤمنين بإيحاء الشريعة من الله إلى كليم الله. # فمن الشئون التي كان يتولاها الكاهن تمحيص أعراض العلل والأدواء وعزل المصابين بها وإعلان ~~نجاستهم على الملأ؛ لاعتقادهم أن المرض الخبيث المعدي نجاسة ms074 منافية للطهارة الدينية أو ضربة ~~من الضربات الإلهية، ويشرح كتاب اللاويين في الإصحاح الثالث عشر منه مثلا من ذلك فيقول في ~~بيان المعاملة الواجبة للمصابين بالبرص: # إذا كان إنسان قد ذهب شعر رأسه فهو أقرع. إنه طاهر. وإن ذهب شعر رأسه من جبهة ~~وجهه فهو أصلع. إنه طاهر. لكن إذا كان في القرعة أو الصلعة ضربة بيضاء ضاربة إلى ~~الحمرة فهو برص مفرخ في قرعته أو في صلعته كمنظر البرص في جلد الجسد، فهو إنسان ~~أبرص. إنه نجس. فيحكم الكاهن بنجاسته. إن ضربته في رأسه. والأبرص الذي فيه الضربة ~~تكون ثيابه مشقوقة ورأسه يكون مشقوقا، ويغطي شاربيه وينادي: نجس، نجس! كل ~~الأيام التي تكون الضربة فيها يكون نجسا. إنه نجس يكون وحده خارج المحلة ... # وكان الكاهن يتولى من شئون الطعام والشراب ما هو ألصق بالمعيشة اليومية من شئون الطب ~~ومعاملة المصابين بالعلل والسقام؛ فالكاهن هو الذي يزكي الطعام المباح ويستولي على نصيب ~~المعبد منه، وإليه المرجع في التمييز بين الأطعمة المطهرة والأطعمة النجسة من لحوم ~~الحيوان. # وتناولت الشريعة معاملات الجزاء والعقاب في الجرائم التي تقع من الناس، وفي الإصابات التي ~~تقع من الحيوان ويجزى بها الحيوان كما يجزى بها صاحبه في بعض الأحيان. ومن أمثلة ذلك عقاب ~~الثور الذي ينطح إنسانا كما جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج: # إنه إذا نطح ثور رجلا فمات يرجم الثور ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون ~~بريئا، ولكن إذا كان ثورا نطاحا وقد أشهد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو ~~امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضا يقتل ... # وتقرر الشريعة كيف تكتب على الألواح وكيف تكون الألواح التي تكتب عليها كما جاء في سفر ~~الخروج، بل تقرر ملابس الهيكل وأنواع الأنسجة التي تخاط منها ثياب الكهان والخدم بأمر من ~~الله لموسى تكرر ذكره في الكتب الخمسة المنسوبة إليه. # هذه الأوامر المفصلة في معاملات المعيشة ومعاملات الجزاء والعقاب مستغربة على السواء في ~~رأي الناظرين إليها من وجهة نظر غير وجهة المتدينين المتشبثين بها ms075 إلى اليوم، ولكننا - بعد ~~الإلمام بها - نعود فنكرر أنها لا تسوغ القول بقصر الدين على العقائد والوصايا دون الشرائع ~~والمعاملات؛ فإن الخطأ يعتري العقيدة كما يعتري الشريعة، ومرجع الأمر إذن إلى الصلاح ~~والفساد لا إلى العمل أو الاعتقاد، وما كانت عقائد بني إسرائيل بأثبت على الزمن من ~~معاملاتهم وشرائعهم التي تداولوها بعد عصر موسى الكليم، ولعل حاجتهم إلى معاملات تشبه تلك ~~المعاملات في الجملة كانت أشد من حاجتهم إلى عقائدهم كما تداولوها بعد عهودهم ~~المهجورة. # وكل ما يجوز لنا أن نستخلصه من دراسة الشريعة المنسوبة إلى موسى أن بني إسرائيل لم تكن ~~لهم رسالة عالمية إنسانية، وأنهم وقد وافقتهم عقائدهم ومعاملاتهم في عزلتهم بين أبناء ~~الحضارات الأولى، فلما انتهت رسالتهم المحدودة بما يوافقهم تفرقوا بين الأمم من غير دولة ~~ولا سيادة على أحد، فلم يقم لهم سلطان يتولى فرض عقائدهم ومعاملاتهم على الأمم ولا على ~~أنفسهم، وانقضى دورهم التاريخي في أمر العقائد وأمر المعاملات. # وكذلك تتفق النظرتان إلى هذا التاريخ المشحون بدلالاته ومغازيه: نظرة المؤمن بحكمة الغيب ~~العجيبة في تسيير مقادير الشعوب، ونظرة المؤمن بعبرة التاريخ دون سواه. # وعلى هذه السنة من المساواة بين حق الدين في نشر العقائد وحقه في فرض الشرائع ~~والمعاملات، ننظر إلى معاملات الدين الإسلامي كما ننظر إلى عقائده، فلا نرى فيها ما يعوقه ~~عن أداء رسالته العالمية الإنسانية التي توافرت له بدعوته إلى إله واحد هو رب العالمين ~~أجمعين، وخالق الأمم بلا تمييز بينها في الحظوة عنده غير ميزة التقوى والصلاح: رب المشرقين ~~والمغربين يصلي له المرء حيث شاء، وأينما تكونوا فثم وجه الله. # فما منع الإسلام قط معاملة بين الناس تنفعهم وتخلو من الضرر بهم والغبن على فريق منهم، ~~وأساس التحريم كله في الإسلام أن يكون في العمل المحرم ضرر، أو إجحاف، أو حطة في العقل ~~والخلق، ما فرض الإسلام من جزاء قط إلا وهو «حدود» بشروطها وقيودها، صالحة على موجب تلك ~~الشروط والقيود للزمان الذي شرعت فيه، ولكل زمان يأتي من بعده؛ لأنها ms076 لا تجمد ولا تتحجر ~~ولا تتحرى شيئا غير مصلحة الفرد والجماعة، وكفى باسم «الحدود» تنبيها إلى حقائق الجزاء ~~والعقاب في الإسلام؛ فإنها «حدود» بينة واضحة تقوم حيث قامت أركانها ومقاصدها وتحققت ~~حكمتها وموجباتها، وإلا فهي حدود لا يقربها حاكم ولا محكوم إلا حاقت به لعنة الله. # والشبهة المتوافرة في العصر الحاضر إنما ترد على المعاملات الإسلامية من قبل الناقدين ~~والمبشرين؛ لأنها تمس ضرورات المعيشة المتجددة في كل يوم، وترصد للمسلم في طريقه حيث سار ~~وأينما اضطربت به صروف الرزق والكسب ومرافق العمل والتدبير، ويتحرى الناقد الموطن الحساس من ~~نفس المسلم حين يلقي في روعه أن شيئا في دينه يغل يديه عن العمل في عصر المصارف والشركات، ~~وأن شيئا في دينه يتقهقر به إلى الوراء، ولا يصلح للتطبيق في عصر النظم الحكومية التي ~~تجري القضاء والجزاء على أصول العلم والتهذيب. # وليس في المصارف والشركات شيء نافع بريء من الضرر والغبن يحرمه الإسلام. # وليس في أصول العلم والتهذيب شيء يناقض حدود الجزاء في شريعة الإسلام. # تتلخص شبهة المعاملات الاقتصادية في مسألة واحدة هي مسألة الربا الذي يقول الناقدون إنه ~~قوام المصارف والشركات. ~~••• # وتتلخص شبهة القضاء والجزاء في حدود السرقة والزنا والخمر، والمقارنة بين عقوباتها في ~~الإسلام وعقوباتها في الشرائع الموضوعة التي تسمى بالشرائع العصرية. # ولا ينسى القارئ المسلم - قبل أن يضع نفسه موضع المتهم المطالب بالدفاع عن دينه - أن ~~الناقدين والمبشرين يغالطونه ويغالطون أنفسهم حين يختصون الإسلام بالنقد في مسألة الربا - ~~على التخصيص - فإن الربا محرم أشد التحريم في اليهودية والمسيحية من شرائع العهد القديم إلى ~~شرائع الكنيسة في القرون الوسطى، إلى شرائع اللوثريين وأتباعهم بعد عصر الإصلاح، وقد كان ~~تحريم الربا في اليهودية والمسيحية عاما مجملا بغير بيان للفارق بينه وبين المعاملات ~~المحللة من صفقات البيوع والمبادلات، وأما في الإسلام فما من تحريم قط ورد فيه إلا وهو ~~مشفوع بحدود تقيم الفاصل بينه وبين الكسب الحلال. # حرم الربا تحريما باتا في الكتب المنسوبة إلى موسى عليه السلام؛ فجاء في الإصحاح ~~الثاني ms077 والعشرين من سفر الخروج: # إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي. # وفيه بعد ذلك: # إن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب الشمس ترده إليه؛ لأنه وحده غطاؤه، هو ثوب لجلده، ~~في ماذا ينام! # وجاء في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التثنية: # لا تقرض أخاك ربا، ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا ~~... # وسرى هذا التحريم إلى عهد النبي حزقيال والنبي نحميا، فقال النبي نحميا في الإصحاح الخامس ~~من كتابه: # أني بكت العظماء والولاة وقلت لهم إنكم تأخذون الربا كل واحد من أخيه ~~... # والمقصود بإشارة نحميا أن الربا المحرم إنما هو الربا الذي يأخذه الإسرائيلي من أخيه؛ لأن ~~الربا المأخوذ من أبناء الأمم الأخرى مباح كيف كان، والإصحاح الثالث والعشرون من سفر ~~التثنية المنسوب إلى موسى عليه السلام صريح في إباحة أخذ الربا من الأجنبي؛ حيث يقول ~~مخاطبا شعب إسرائيل: # للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما ~~تمتد إليه يدك ... # فليس هذا تحريما إنسانيا منبعثا من شعور بالرحمة والعدل في المعاملة، ولكنه تحريم ~~عصبية يبيح من القسوة على أبناء الأمم الإنسانية كافة ما يحرمه في معاملة الإسرائيلي ~~لأخيه. # وقد سرى تحريم الربا في شعب إسرائيل دون غيره إلى ما بعد قيام المسيحية وإعلانها الدعوة ~~إلى جميع الأمم؛ لأنهم أبناء إبراهيم بالروح ... فحرمت الربا في غير شعب إسرائيل، ولم ~~تقيد تحريمه بقوم من المؤمنين دون آخرين. # ثم سرى تحريم الربا من أوائل عهد المسيحية إلى قيام حركة الإصلاح وانشقاق الكنائس عن ~~كنيسة روما البابوية؛ فاتفقت الكنائس جميعا على تحريم الربا، واشتد «لوثر» في هذا التحريم ~~حتى وضع رسالة عن التجارة والربا حرم فيها كثيرا من البيوع الربوية، كالبيع المعروف في ~~الفقه الإسلامي باسم بيع «النجش»، أو المعروف باسم بيع السلم، والنجش هو التواطؤ على رفع ~~السعر لإكراه الآخرين على قبول الشراء بزيادة على سعر السوق، والسلم هو بيع الآجل بالعاجل ~~زيادة في سعر المبيع. # قال لوثر ms078 في شرح أنواع الربا التي تروج باسم التجارة ما نلخصه فيما يلي: # إن هناك أناسا لا تبالي ضمائرهم أن يبيعوا بضائعهم بالنسيئة في ~~مقابل أثمان غالية تزيد على أثمانها التي تباع بها نقدا، بل هناك أناس لا يحبون ~~أن يبيعوا شيئا بالنقد ويؤثرون أن يبيعوا سلعهم جميعا على النسيئة ~~... # ثم قال: # إن هذا التصرف مخالف لأوامر الله مخالفته للعقل والصواب، ومثله في مخالفة الأوامر ~~الإلهية والأوامر العقلية أن يرفع البائع السعر لعلمه بقلة البضاعة المعروضة أو ~~لاحتكاره القليل الموجود من هذه البضاعة، ومثل ذلك وذاك أن يعمد التاجر إلى شراء ~~البضاعة كلها ليحتكر بيعها ويتحكم في رفع أسعارها. # وبادر لوثر على إثر ذلك إلى دفع الاعتراض الذي قد يعترض به من يحتج بتصرف يوسف - عليه ~~السلام - قبل أعوام المجاعة، فقال: «إنه إذا شاء أحد أن يحتج بسلوك يوسف كما ورد في سفر ~~التكوين حين جمع كل الحبوب التي كانت في البلاد، ثم اشترى بها في وقت المجاعة لملك مصر كل ~~ما فيها من أموال وماشية وأرض مما يبدو حقا كأنه احتكار؛ فالجواب على ذلك أن صفقة يوسف ~~هذه لم تكن احتكارا، بل مبايعة شريفة كما جرت عادة البلاد، فإنه لم يمنع أحدا أن يشتري ~~خلال سنوات الرخاء، وإنما كان عمله من وحي الحكمة التي يسرت له أن يجمع حبوب الملك في ~~سنوات الرخاء، بينما كان الآخرون يخزنون منها القليل أو الكثير.» # قال لوثر: إنه من التصرفات التي تدخل في باب المراباة ولا تدخل في باب التجارة أن يعمد ~~أحدهم إلى الاحتكار من طريق المغالاة، فيبيع ما عنده بالسعر الرخيص ليكره غيره على البيع ~~بهذا السعر، فيحل بهم الخراب. # وقال: إنه من قبيل الغش والاحتيال أن يبيع أحد ما ليس في يده؛ لأنه يعلم موضع شرائه ~~فيستطيع أن يعرض على مالكه ثمنا دون الثمن الذي يفرضه على طالب الشراء. # وعد «لوثر» من الربح المحرم أن يتآمر التجار الكبار في أوقات الحروب على إشاعة ~~الأكاذيب لدفع الناس إلى بيع ما عندهم واحتكاره ms079 بين أيديهم، ثم تقدير أثمانه على هواهم، ~~وقال: إن بعض الممالك الأوروبية - كالمملكة الإنجليزية - تعقد في عاصمتها مجلسا يراقب ~~الأسواق ويدبر الوسائل لاحتجاز السلع المرغوب فيها لاحتكارها ومقاسمة الدولة في ~~أرباحها. # وقال: إنه من الحيل المعهودة لترويج الربا باسم التجارة أن تباع السلعة إلى أجل ، ويعلم ~~البائع أن شاريها لا بد أن يبيعها في هذا الأجل بأقل من ثمنها ليسدد ما عليه من الدين، ~~ويشتريها بالثمن الذي يضطره إليه. # قال: وهناك تصرف آخر مألوف بين الشركات، وهو أن يودع أحد مبلغا عند تاجر: ألف قطعة ~~من الذهب أو ألفين، على أن يؤدي له التاجر مائة أو مائتين كل سنة سواء ربح أو خسر ... ويسوغ ~~هذه الصفقة بأنها تصرف ينفع التاجر لأنه بغير هذا القرض يظل معطلا بغير عمل، وينفع صاحب ~~المال لأنه بغير هذا القرض يبقى ماله معطلا بغير فائدة. # ومما أخرجه «لوثر» من أبواب التجارة المشروعة وألحقه بالربا المحرم أن يخزن البائع ~~غلاله في الأماكن الرطبة ليزيد في وزنها، وأن يزوق السلعة ليغري الشاري ببذل الثمن ~~الذي يربي على ثمنها، وأن يتخذ من وسائل الاحتكار أو الإغراء ما يمكنه من جمع الثروة ~~الضخمة؛ لأنه - أي لوثر - يقرر في رسالته أن التجارة المحللة لم تكن قط وسيلة لجمع الثروات ~~الضخام، وأنه إذا وجدت ثروة ضخمة فلا بد هنالك من وسيلة غير مشروعة. # ولعل «لوثر» قد بلغ في تحريم البيوع المربية وإلحاقها بالربا الممنوع أو الملعون ما لم ~~يبلغه أحد قبله ولا بعده من رؤساء الدين المسيحي في العصور المتأخرة، ومما لا ريب فيه أن ~~الحالة النفسية التي تساور المصلح الاجتماعي أو الواعظ الديني باعث قوي على التشدد في حظر ~~المحرمات وذرائعها، واتقاء الشبه التي توقع الأبرياء في حبائلها، وهذه الحالة النفسية قد ~~كانت على أشدها في القارة الأوروبية بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر في إبان الدعوة إلى ~~حركة الإصلاح، فقد كان «لوثر» يرجو أن يعمل الملوك والأمراء ورؤساء الدين على كف أذى ~~المرابين والمغالين بالبيع والشراء، فخاب أمله فيهم ms080 أجمعين، وثبت له من معرفته بهم ومن ~~إشاعات الناس عنهم أنهم يشجعون الربا والمغالاة بالأرباح لمقاسمة أربابها وابتزاز القروض ~~والإتاوات منهم، وتسخيرهم في محاربة بعضهم بحبس البضائع واحتكار الأسواق. وقد دفعته هذه ~~الحالة النفسية إلى ضروب من التحريم لو أخذت بها أوروبا الاستعمارية بعده لما قامت لها ~~قائمة، ولا جمعت ثرواتها الضخام التي قال بحق: إنها لا تجمع من تجارة بريئة ولا من ربح ~~حلال. # ونحن إنما نشير إلى الحالة النفسية التي دفعت لوثر إلى التشدد في حظر المحرمات وذرائعها ~~لكي نلم بالحالة النفسية التي تلقى بها المسلمون زحف المصارف والشركات الأوروبية على ~~بلادهم وسيطرتها على حكوماتهم وشعوبهم، فما بلغ من ضرر المرابين بالشعوب الأوروبية في ~~القرنين الخامس عشر والسادس عشر أن يفقدهم كرامة أوطانهم، وأن يذل رءوسهم ونفوسهم كما ~~فعلت المصارف والشركات الأجنبية بالشعوب الإسلامية منذ أغارت عليها مؤيدة بجيوش الدول من ~~ورائها. فهذه المصارف والشركات هي التي مهدت للامتيازات الأجنبية سبلها، وهي التي نصبت ~~شباك الديون لتسويغ الغزو والاحتلال باسم المحافظة على الحقوق وضمان سدادها، وهي التي ~~تذرع بها الساسة لخنق النهضات الوطنية في إبانها وإثقالها بالقيود والأعباء التي ~~تعجزها عن مجاراة الغرب في صناعته وتجارته، وتكفل للاستعمار أن ينشب أظفاره أبدا في ~~أبدانها. # فإذا حق للمصلح الكبير «لوثر» أن يتشاءم من المصارف والشركات وأن يحتسب ثرواتها ~~الضخام في عداد السرقات الملعونة، وهي لا تجني على استقلال الأمم ولا تذلها للواغلين عليها، ~~فخليق بالمسلمين - ولا ريب - أن يتشاءموا من تلك المصارف والشركات مرات، وأن يستريبوا بها ~~ولا يروا فيها لأول وهلة ما يغريهم بالتشبه بها والتسابق بينهم على منهاجها؛ فهي بلاء ~~تعوذوا منه وأجفلوا من قدوته، ولهم العذر كل العذر إذا أغرقوا في الخوف منها حتى أوجسوا ~~خيفة من خيرها الذي لم يعرفوه؛ لأنهم عرفوا شرها ولم يسلموا من بلائه أعواما طوالا قد ~~طالت بحساب المصائب بأضعاف ما طالت بحساب الأيام. ~~••• # على أن الإسلام نفسه قد ظهر في إبان حالة نفسية تشبه الحالة التي أصابت الغرب بين القرن ms081 ~~الخامس عشر والقرن السادس عشر، وتشبه الحالة التي أصابت المسلمين على أيدي المستغلين ~~والمستعمرين. وقد كان ما حرمه الإسلام من الربا وذرائعه بلاء كهذا البلاء الذي شقيت به ~~شعوب الغرب وشقيت به الشعوب الشرقية والإسلامية؛ فقد كان الربا الذي وجده في الجاهلية فنهى ~~عنه وحرمه حقيقا بالتحريم في كل شرع وكل مكان، ومن اطلع على وصفه كما كان يوم حكم ~~الإسلام بتحريمه لم يستطع أن يقول فيه قولين، ولا أن يجعل للشرائع موقفا منه غير موقف ~~التحريم الشديد بغير هوادة تبيح للمحتال أن يتسلل إليه بذرائعه ودواعيه. # فسر الإمام الطبري قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون ~~(آل عمران: 130). # فقال في أسباب نزول الآية: «إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن: يكون للرجل ~~فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني. فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، ~~وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية ثم ~~حقة ثم جذعة ثم رباعيا ثم هكذا إلى فوق. وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام ~~القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده ~~جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه ...» ~~••• # كان هذا هو الربا الذي تعاطاه الجاهليون وتعاطاه معهم أهل الكتاب من بلاد يثرب، وكانت ~~الآيات المتقدمة أولى الآيات التي نزلت بالنهي عنه وتحريمه، فمنعه الإسلام كما يمنعه اليوم ~~كل قانون معمول به في بلاد المصارف والشركات وكل ما استحدثه من ضروب المعاملات التي تسمى ~~بالمعاملات العصرية، وما من قانون ينتظم عليه أمر الجماعة لا يحرم هذه المعاملة المنكرة ~~ولا يشدد العقاب عليها. # وكان آخر ما نزل من القرآن الكريم آيات في تحريم الربا نزلت قبل وفاة النبي - عليه السلام ~~- بأقل من ثلاثة أشهر، وهي من قوله تعالى في سورة البقرة: # الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ms082 يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة ~~من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق ~~الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ~~* إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون * يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ~~ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ~~* وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون ~~(البقرة: 275-281). # ولا خلاف بين المسلمين على موضوع الربا الذي وردت فيه جميع هذه الآيات؛ فهو ربا الجاهلية ~~المعروف بربا النسيئة، وأحاديث النبي - عليه السلام - في ذلك وأقوال المفسرين لا موضع فيها ~~لخلاف. # ففي الصحيحين أن النبي - عليه السلام - قال: «إنما الربا في النسيئة.» # وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا يشك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم ~~تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل. # روى الإمام ابن القيم ذلك في إعلام الموقعين: وقسم الربا إلى نوعين: جلي، وخفي، فتحريم ~~الأول قصدا وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في ~~الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، كلما أخره زاد في المال حتى يصير المائة ~~عنده آلافا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج ... وأما الربا الخفي فهو ذريعة ~~للربا الجلي، وهو ما استحدث بعد الجاهلية من بيع الجنس بالجنس على غير سواء؛ فيباع الدرهم ~~بدرهم وزيادة وتباع الكيلة بكيلة وزيادة، من غير مطالب أو تأخير اجتنابا للحكم القاطع في ~~ربا النسيئة، ويسمى هذا الربا بربا ms083 الفضل لزيادة أحد المبيعين على الآخر، ويقول ابن ~~القيم إنه من البيع الذي يتخذ ذريعة للربا الممنوع، فهو حرام حيث يكون ذريعة للحرام، ولا ~~اتفاق على القطع بتحريمه لاختلاف بعض الصحابة فيه كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن ~~الزبير، وزيد بن أرقم، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير، وما يحرم سدا للذرائع يباح ~~للمصالح كما قال الإمام ابن القيم في الجزء الأول من إعلام الموقعين. # 1 # والحكم الفصل في هذا البيع الذي كانوا يتخذونه ذريعة للربا قول النبي - عليه السلام: ~~«الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر ~~والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف ~~فبيعوا كيف شئتم إن كان يدا بيد.» # وواضح من هذا الحكم أنه يحرم الربا الذي ستروه باسم البيع والشراء، فما يكون لأحد أن ~~يشتري صنفا بصنف مثله على غير سواء إلا أن يكون سفيها أو مضطرا ... والسفه والاضطرار ~~كلاهما مبطل للبيع المشروع، فإذا اختلف الصنفان قيمة فلا حرج في المبايعة؛ لأنهما يختلفان ~~بالمقايضة، فلا وجه للتحريم هنا ولا التباس بين البيع المحلل والربا الممنوع. ~~••• # وبالمقارنة بين الأديان الكتابية بعد تلخيص الحكم الإسلامي في مسألة الربا، نعلم أن ~~الناقدين لا حجة لهم في اختصاص الإسلام بالنقد لما يزعمونه من تعويقه أعمال الحضارة بتحريمه ~~هذه المعاملات؛ لأنه لم ينفرد بتحريم الربا بين هذه الأديان، حتى ما كان من قبيل البيوع ~~التي تدس الربا وراء ستار من البيع والشراء؛ فهذه أيضا قد حرمتها المسيحية على ما تقدم ~~في رسالة «لوثر» التي أخذت بها جميع المذاهب من مذهب الكنيسة البروتستانتية! # وبغير حاجة إلى المقارنة بين الأديان الكتابية نعلم أن هؤلاء الناقدين لا حجة لهم أصلا ~~على الإسلام فيما حرمه من ربا النسيئة أو ربا الفضل بأنواعه، كما حرم الإسلام من هذه ~~المعاملات كل تصرف فيه ظلم واضطرار وأكل للحقوق بالباطل وابتزاز للأموال في غير عمل ولا ~~طائل؛ وازدهار الحضارة مرهون بإلغاء كل تصرف من هذا القبيل، غير مرهون على زعمهم بحمايته ms084 ~~والإغضاء عنه وعن ذرائعه. وفي وسع المصارف والشركات أن تتجنبه وتمضي في عملها حيث كانت في ~~البلاد الإسلامية؛ فليس في الإسلام نص ولا تأويل يحرم التصرف النافع الذي لا اضطرار فيه ~~ولا اغتصاب للحقوق، وما كان من قبيل الاضطرار والاغتصاب في أعمال المصارف والشركات فقد ~~حرمته القوانين الوضعية بما اشترعته من قيود الرقابة وحدود الربح والفائدة؛ فما استطاعت ~~حكومة من الحكومات المتحضرة أن تقف مكتوفة اليدين لتطلق أيدي المرابين في تثمير الديون بغير ~~ثمرة للمدين، وبغير ربح غير ربح الدائن المتحكم في فرائس الضنك والاضطرار. # ولا نحب أن ندع هذا الموضوع قبل الإلماع في هذه العجالة إلى مذاهب الفلاسفة والعلماء ~~في الربا بعد الإلماع إلى مذاهب الأديان فيه. # فمن أقدم البحوث الفلسفية عن الربا بحث المعلم الأول أرسطو - في كتابه عن السياسة - ~~ومذهبه فيه أنه ربح مصطنع لا يدخل في باب التجارة المشروعة، وعنده أن المعاملة على أنوع ~~ثلاثة: معاملة طبيعية، وهي استبدال حاجة من حاجات المعيشة بحاجة أخرى كاستبدال الثوب ~~بالطعام، ومعاملة صناعية وهي استبدال النقد بحاجة من حاجات المعيشة وهي التجارة التي لا حرج ~~فيها، ومعاملة مصطنعة ملفقة وهي اتخاذ النقد نفسه سلعة تباع، فإنما حق النقد أن يكون وسيلة ~~للمبايعة ومعيارا تعرف به أسعار السلع المختلفة، وأما اتخاذه سلعة تباع وتشترى فهو خروج ~~به من غرضه وابتذال للتجارة في غير مصلحتها. # واعتمد الحبر الفيلسوف توما الأكويني - حجة المسيحية في القرون الوسطى - رأي أرسطو هذا ~~في النقد، فأوجب به تحريم الربا من الوجهة الفلسفية، وأخرج من تعريف الربا كل تصرف لا يحدث ~~فيه تبادل النقد فعلا، وإنما يؤخر فيه إعطاء النقد لسداد ريع أو أجرة أو ثمن بضاعة ... وعقب ~~توما الأكويني أتباع نظروا في تعريف الربا من الوجهة الفلسفية العلمية فلم يجعلوا منه ما هو ~~بمثابة تعويض الدائن عن فوات ربح كان في وسعه # Lucrum ~~Cessans ~~، أو تعويضه عن خسارة أصابته من جراء دينه # Damum Emergens ~~، أو عن خسارة أصابته من جراء المماطلة ~~في الوفاء بحقه في موعد ms085 السداد المحدود. # ودرج الفلاسفة على اعتماد رأي أرسطو وتوما الأكويني في النقد إلى فاتحة عصر الفلسفة ~~الحديثة، فقال دافيد هيوم # Hume # في كتاب المحاضرات السياسية ~~الذي طبع سنة 1752: «إن النقد ليس مادة ولكنه أداتها ... وإنه ليس دولابا من دواليب التجارة ~~ولكنه الزيت الذي يلين مدارها.» # وبدأت فلسفة الاقتصاد الحديث بدراسات «أبي الاقتصاد » آدم ~~سميث # Adam Smith ~~(1723-1790)، وهو معاصر للفيلسوف دافيد هيوم، ورأيه في ريع الأرض أنه ~~إذا تكاثر في حساب الثروة العامة كان من قبيل الكسب بغير عمل، وهو لا يمنع الربح من الديون، ~~ولكنه يحده ويستحسن الإقلال من قيمته، وعلى هذا الرأي درج الاقتصاديون المحدثون إلى عهد ~~المذهب الاقتصادي الجديد الذي هدم كثيرا أو بدل كثيرا من آراء الاقتصاديين السلفيين، ~~ولكنه حافظ على رأيهم في استحسان الإقلال من ربح الديون، وزعم أن القليل منه يشجع المقترضين ~~على الانتفاع بالأموال المدخرة، ولا يرهقهم بأعباء السداد أو يحرمهم ثمرة العمل الذي ~~يجتذبون الأموال المدخرة إلى أسواقه، بدلا من تعطيلها في خزائن الشركات وودائع ~~الصناديق. ~~••• # وتعتبر قضية الربا في القرن العشرين من القضايا المؤجلة أو المعلقة، إلى حين؛ لأن ~~الانقلابات التي تجمعت من حوادث هذا القرن قد نقلت القضية من البحث في الثمرة إلى البحث في ~~جذور الشجرة من أصولها: كانوا يسألون من قبل عن ثمرات الأموال المحللة أو المحرمة ولمن ~~تكون، فأصبحوا اليوم يسألون عن الأموال من مصادرها إلى مواردها لمن تكون كلها، ومن هو صاحب ~~الحق الأول في ثمراتها! # فالاقتصاديون الماديون ينكرون ملك رءوس الأموال أصلا، ويرفضون السماح للفرد بملك شيء ~~يمكن أن يسمى مالا أو رأس مال، ولا معيار عندهم لحق الفرد في أجور العمل إلا ما تفرضه ~~له الجماعة من نفقة على قدر الحاجة إليها، ولا موضع للكلام عن الأرباح المحللة أو ~~المحرمة حيث لا يكون رأس مال ولا يكون أصل معترف به تتفرع عليه الفواضل من المكاسب ~~والأجور. # وغير الاقتصاديين الماديين يعترفون للفرد بحق الملك وحق حيازة الأموال، ولكنهم ينتقلون ~~في توزيع المرافق الكبرى شيئا فشيئا ms086 إلى الملكية العامة أو الملكية على المشاع باسم ~~التأميم أو الاستيلاء ووضع خطط التعمير. # والمذهبان معا يتفقان على ضرورة الحد من الثروات الكبيرة بعد استيفاء جميع الضرائب ~~والرسوم، فإذا بقيت لصاحب المال حصة من الربح تزيد على مقدار معلوم أخذتها الدولة باسم ~~الأمة، وفاقا لمبدأ من مبادئ التشريع مصطلح عليه بين أمم الحضارة التي تكثر فيها الثروات ~~الضخام، وتكثر فيها النفقات العامة للتعمير والمعونة أو للحيطة والدفاع. ~~••• # ونحن لا نريد أن نقارن هنا بين الإسلام والديانات الكتابية في قضية الربا بأنواعه، ولكننا ~~نريد أن نقارن بينه وبين المذاهب الاقتصادية التي يظن أصحابها أنهم يحيطون بحكمة التشريع ~~عامة في جميع العصور؛ لأنهم حسبوا أن فترة من فترات الزمن تستوعب هذه الحكمة وتفرغ منها على ~~نحو لا يقبل المراجعة والتعديل، فإذا خيل إليهم في وقت من الأوقات أن الحضارة مرهونة ~~بنظام معلوم في المصارف والشركات، خطر لهم أن يفرضوا هذا النظام بعجره وبجره على الماضي ~~والحاضر والمستقبل في المشرق والمغرب وبين جميع الملل والأقوام، وطلبوا إلى أصحاب العقائد ~~أن ينسخوها، وإلى أصحاب الشرائع أن ينقضوها، وإلى أصحاب المبادئ الخلقية والفكرية أن ~~يقتلعوها من جذورها، واجترءوا على من يناقضهم وينظر إلى ما فوق أنوفهم فاتهموه بالجمود ~~والنكسة، وألقوا عليه تبعة الفساد والرجعة بالعقول إلى الوراء. # وها هي ذي قواعد الحضارة التي يتعللون بها تتطلب اليوم من نظم الاقتصاد ما لم تكن تتطلبه ~~قبل خمسين سنة، وسوف تتطلب بعد خمسين سنة ما لم تتطلبه اليوم، فما هو الميزان العادل الذي ~~تصح فيه الموازنة بين المذاهب وبين الدين؟ هل نبيح لهذه المذاهب المتقلبة أن تفرض سلطانها ~~على الدين الذي لا مزية له إن لم تركن منه ضمائر الأمم إلى قرار مكين ثابت على تقلب الزعازع ~~والأحوال؟ هل ننتظر من الدين أن يعرقل هذه المذاهب ويأخذ الصواب منها بذنب الخطأ، فيحرم ~~الصواب والخطأ على السواء؟ # لا هذا ولا ذاك. # بل يمضي كل مذهب إلى مداه المقدور، ويتسع الدين لأحداث الزمن فلا يتصدى لها في مجراها ولا ms087 ~~يمنعها أن تذهب إلى مداها، وأن تضطرب اضطرابها لمستقر لها تمحصه الأيام: # فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض ~~(الرعد: 17). # وتلك هي مزية الإسلام بين المذاهب والأديان؛ لا يقف في طريق رأي صالح، ولا يحول بينه ~~وبين التجارب تنبذ منه لا سبيل إلى قبوله وتبقي منه ما هو صالح للبقاء. # وتلك الزعازع التي تمخضت عن حوادث القرن العشرين ينظر إليها الإسلام وهو ثابت على قراره ~~المكين؛ فلا يمنع صالحا منها أن يثبت صلاحه، ولا يدع لفاسد منها أن يطغى بفساده طغيانا ~~لا رجعة فيه. # إنه لا يمنع الملكية العامة، بل يأمر بها في مرافق الجماعة، ولا يبيح لأحد أن يملك موارد ~~الماء والنار والكلأ، كما جاء في الحديث الشريف، # 2 # ومن فقهائه في مذهب الظاهرية من يشترط العمل لاستحقاق الكسب حتى في تأجير الأرض ~~وزراعة الشجر وجني الثمرات. # ولا يبطل الإسلام ملكية الآحاد، ولكنه يخول الجماعة أن تحتسب لها نصيبا منها يقدره ~~الإمام بتفويض من الأمة، وتزيد حصة الجماعة كيف زادت فلا ينكر الإسلام هذه الزيادة؛ لأنه ~~يحرم كنز الذهب والفضة ويأمر بتوزيع الثروة بين الناس # كي لا ~~يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~(الحشر: 7). # وقوام الأمر كله فيما يبيح ويمنع مرجع واحد ثابت على الزمن ثبوت الجماعة البشرية، وهو ~~المصلحة العليا التي تتقدم فيها مصلحة الكثير على مصلحة القليل، ويتقدم فيها حساب الزمن ~~الطويل على حساب الزمن القصير. # ولتكن المصلحة ملكا أو ربحا أو تجارة أو مرفقا تتداوله الأيدي باسم من الأسماء حينا ~~بعد حين، فما كان فيه ظلم وإكراه وأكل للأموال بالباطل فهو حرام، وما برئ من هذه الآفات ~~جميعا فهو حلال لا يمنعه أحد، ومن منعه من رعية أو إمام فهو المخالف لعقيدة ~~الإسلام. ~~••• # ويقال عن حدود الجزاء إجمالا ما يقال عن الربا بأنواعه، فلا حجة لمن يختص الإسلام بالنقد ~~في مسائل الحدود؛ لأنه لم يفرض على جريمة من الجرائم عقابا أقسى مما فرضته الأديان ~~الكتابية قبله، وما فرضته الشرائع الموضوعة في أوانه. # ولا ms088 حجة لمن ينقد العقوبات؛ لأنه يقارن بينها وبين عقوبات العصر الحديث، فإن الحدود في ~~الإسلام بينة لا تناقض مصلحة الجماعة في زمن من الأزمان. # ولقد كانت الشريعة الإسلامية ضرورة لا محيد عنها في إبان الدعوة الإسلامية؛ فلم يكن من ~~الميسور ولا من المعقول أن تلبث الأمة الإسلامية حقبة من الزمن على شريعة الجاهلية، أو ~~تمضي في حياتها العامة مهلا بغير شريعة يدين بها الحاكم والمحكوم، ونزلت شريعتها في حينها ~~على مثال لا تفضله شريعة عاصرتها في جملتها ولا في تفصيلها، وتعاقبت بعدها العصور وما في ~~عارض من عوارضها حالة لم تقدر لها الشريعة كفايتها من التصرف والتوفيق. # ولسنا في هذا الكتاب بحاجة إلى أن نضيف شيئا في موضوع الحدود إلى ما أجملناه عنه في ~~رسالتنا عن الشيوعية والإسلام؛ فإن الإفاضة في البحوث الفقهية ليست من أغراض كتابنا هذا، ~~ولم تكن من أغراض ذلك الكتاب، وبحسبنا من مسألة الحدود أن نجلو الشبهة عن قواعدها وندع ~~للمستزيد أن يتوسع في شروحها وتفريعاتها حيث يطيب له المزيد منها، فإنما استقرت حكمة ~~الإسلام على جلاء القواعد وتوطيد القاعدة سليمة يقام عليها ما يقام من بناء سليم. # تنزل الشريعة الإسلامية في الجزيرة العربية على عهد الجاهلية، يوم كانت شريعتها الغالبة ~~بين جميع القبائل العربية شريعة الغارات التي تستباح فيها دماء المغلوب وأمواله ونساؤه، وكل ~~مملوك له في حوزة الفرد أو حوزة القبيلة، وكان أهل الكتاب يدينون بشريعة موسى التي لم ~~يبطلها السيد المسيح، ولها حدود مفصلة في التوراة وقصاص تؤخذ فيه العين بالعين والسن ~~بالسن، كما ذكرها القرآن الكريم. # فإذا جاء الإسلام بعقوبات لا تصلح لعهد الدعوة لم يعط التشريع حقه في ذلك العهد ولا في ~~العصور التالية، ولكنه يعطي التشريع حقوقه جميعا إذا صلح لزمانه ولم ينقطع صلاحه لما بعده، ~~ولم يمتنع فيه باب الاجتهاد عند اختلاف الأحوال، فيشتمل جزاؤه على جنايات الحدود والقصاص، ~~وعلى الجنايات التي تستحدثها أحوال المجتمعات، ويأخذها الشارع بما يلائمها من موجبات ~~الجزاء. # وهذا ما صنعه الإسلام في جنايات الحدود ms089 والقصاص، وفي غيرها من الجنايات التي تدخل عند ~~الفقهاء في باب التعزير، وعلينا أن نذكر: # أولا، أن الحدود مقيدة بشروط وأركان لا بد من توافرها جميعا بالبينة القاطعة، وإلا ~~سقط الحد أو انتقل إلى عقوبات التعزير إذا كان ثبوته لم يبلغ من اليقين مبلغ الثبوت الواجب ~~لإقامة الحدود. # وأن نذكر - ثانيا - أن القصاص مشروط فيه العمد وإرادة الأذى بعينه، فإن لم يثبت العمد ~~فالجزاء الدية أو التعزير، وقد يجتمعان أو يكتفى بالدية دون التعزير أو بالتعزير دون ~~الدية. # ولنذكر أن جرائم التعزير تشمل جميع الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن أو بالغرامة أو ~~بالعقوبات البدنية. # ولنذكر في جميع هذه الأحوال أن الشريعة الإسلامية توجب درء الحدود بالشبهات للشك في ركن ~~من أركان الجناية أو ركن من أركان الشهادة؛ فلا يقام الحد، وينظر ولي الأمر في التأديب ~~بعقوبة من عقوبات التعزير. # ولنضرب المثل بأكبر جنايات الحدود وأشيعها في الجاهلية العربية وجاهليات الأمم في ~~عنفوانها، وهي جناية قطع الطريق والعبث في الأرض بالفساد؛ ففي هذه الجناية يقول القرآن ~~الكريم: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم ~~(المائدة: 33-34). # فهذه جناية لها عقوبات متعددة على حسب الأضرار والجرائر، ومنها القتل والصلب وقطع الأطراف ~~والنفي؛ وهو بمعنى النبذ من الجماعة إما بالسجن أو بالإقصاء، ويلزم العقاب من لزمته أحكام ~~الدين، فإذا كانت جنايته قد انتهت بالتوبة قبل أن يلزمه قضاء الإسلام، فهذا هو الباب الذي ~~فتحه الإسلام لابتداء عهد وانتهاء عهد غبر بأوزاره وعاداته، وانطوى حساب الجناية والعقاب ~~فيه بانتهائه. # وأشد هذه العقوبات لم يكن شديدا في عرف أمة من الأمم عوقب فيها من يقطعون الطريق ويعيثون ~~في الأرض بالفساد، مع حضور الحذر وكثرة مغرياته وقلة الزواجر الاجتماعية التي تحمي المجتمع ~~من أضراره وجرائره، وقد ms090 كانت عقوبات القتل والتمثيل قائمة في جميع الأمم مع قيام الجريمة ~~وقيام أسباب الحذر منها، وظلت كذلك إلى القرن السابع عشر في البلاد الأوروبية التي استقر ~~فيها الأمن بعد الفزع، وانتظمت فيها حراسة الطريق بعد الفوضى التي طغت عليها من جراء فوضى ~~الجوار بين الحكومات. # وتلحق بجناية قطع الطريق جناية السرقة التي لا غصب فيها، وشروطها أن يكون السارق عاقلا ~~مكلفا، وأن يكون المال المسروق محرزا مملوكا لمن يحرزه بغير شبهة، بالغا نصاب السرقة ~~كما يتفق عليه الفقهاء، وكل جريمة من قبيل السرقة لم تثبت فيها هذه الأركان المشروطة، فلا ~~يؤخذ فيها الجاني بحد السرقة ويؤخذ فيها بعقوبات التعزير، وعند الصرورة التي يقدرها ~~الإمام يجوز العفو كما عفا عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - عن الغلامين السارقين في عام ~~المجاعة. # ولا بد أن يمتد نظر الباحث على مدى مئات السنين قبل أن يسأل عن صلاح الشريعة لعصر من ~~العصور، ولا محل لسؤاله إذا أراد أن يحصر هذه الشريعة في زمن واحد وبيئة واحدة، ولكنه يحسن ~~السؤال إذا عرض أمامه أحوالا للأمم فيها القديم والحديث، وفيها الهمجي والمتحضر، وفيها ~~المسالم المأمون والشرير المحذور، ثم سأل: هل في الشريعة قصور عن حالة من الحالات التي تعرض ~~لتلك الأمم في جميع أطوارها؟ وهل هناك عقوبة نصت عليها الشريعة لم تكن صالحة من تلك ~~الحالات؟ # فهكذا توزن الشرائع التي تحيط بالمجتمعات في مئات السنين، وبغير هذا الوزن تكثر منافذ ~~الخطأ أو يبطل السؤال فلا محل للسؤال. # 3 ~~••• # وغني عن القول بعد هذه الاعتبارات أن فهم الشريعة بنصوصها لا يغني عن فهمها بروحها ~~وحكمتها. # وروح التشريع الإسلامي كما ظهرت في نصوص الأحكام وأركان الثبوت روح سمحة جانحة إلى العذر ~~وتمهيد الطريق للتوبة والصلاح، فليست العقوبة غرضا مطلوبا لذاته يبادر إليها ولي الأمر ~~خفيف الضمير معفى من الحرج والمراجعة، ولكنها ضرورة يدفعها ما دفعتها الشبهة والأمل في ~~التوبة والصلاح، وليس الإمام الذي يتحرج من إقامة الحد في غير موقعه من الثبوت وتوافر ~~الأركان مخالفا للإسلام مقصرا ms091 في إقامة حدوده، بل المخالف للإسلام المقصر في إقامة ~~الحدود من يهجم على العقوبة قبل أن يستوفي أركانها ويدرأ كل شبهة فيها تأتي لمصلحة المتهم ~~أو لمصلحة الجماعة، وإنما الإمام الحق في الإسلام يذكر أن إطلاق المذنب خير من إدانة ~~البريء، وأن التحرج أولى ما يكون بمن يعاقب على الحرج في أمور الدنيا والدين. # وسيأتي البيان عن مهمة الإمام في تطبيق الحدود والأحكام، وتقدير المصالح والضرورات في ~~أمور الجزاء وأمور السياسة الشرعية على التعميم، ولكننا ننتهي بهذه العجالة عن المعاملات ~~إلى غايتها إذا عرفنا أن الإسلام لا يوجب على الناس معاملة تضر، ولا ينهاهم عن معاملة ~~تفيد، وأنه يؤدي للمؤمنين به خير ما تؤديه العقيدة الثابتة على تعاقب الأجيال ... لا تمنع ~~التجربة الصالحة أن تثبت صلاحها، ولا تفرط في الدائم اللازم ذهابا مع العاجل المشكوك ~~فيه. # الفصل الثالث # | الحقوق # (1) الحرية الإسلامية # أصدق ما قيل في الأديان العالمية أنها ثورات واسعة، ولا تقاس السعة في هذه الثورات ~~بامتداد المكان ولا بكثرة العدد؛ لأنها أوسع ما تكون إذا نشبت في داخل النفس الإنسانية، ~~وكانت القوة الثائرة والقوة المتغلبة فيها مملكة واحدة هي مملكة الضمير. # ولا نهاية يومئذ لمظاهر التبديل والتغيير التي تتكشف بها الثورة في تلك المملكة ~~الصغيرة الكبيرة؛ لأنها تلحق بكل ما تزاوله النفس من شئونها الباطنة والظاهرة؛ تلحق ~~بالأفكار والهواجس الخفية، وتلحق بالعادات أو الأخلاق، وتلحق بالعرف والقانون، وتلحق ~~بالنظم الاجتماعية والدساتير الحكومية، وتلحق بالحاكمين والمحكومين، وتلحق بكل مملكة؛ ~~لأنها لحقت قبل ذلك بتلك المملكة الصغيرة الكبيرة: مملكة الضمير! # وأوسع ما تكون ثورة الضمير إذا جاءت من قبل الثورة في تقدير الحقوق. # إن الثائر لضيق نزل به يهدأ إذا انفرج ذلك الضيق، وإنه ليثور كما تثور الريح ~~المحجوزة والحيوان الحبيس، ما هو إلا أن يرتفع الحاجز وينفتح الباب حتى تهدأ الثورة ~~ويسكن الثائر والمثير، ولكنه إذا وثب وثبته في سبيل حق يؤمن به لا يرجع عنه أو يظفر به ~~كما يطلبه، وإذا ظفر به لنفسه لم يكفف عن الطلب وهو ms092 يراه مضيعا عند غيره، ويكاد ~~يلمس في كل شيء نذيرا له بضياع الحق، وحافزا له على حمايته أن يضيع؛ فإنما الثورة ~~الباطنة هي محضأ الثورة الظاهرة، وطالب الحق هو المطلوب الذي لا ينام عن طلبه، وهو ~~الرقيب على سريرته قبل كل رقيب. # ولم تعلن في ثورات العالم الدينية حقوق عامة للإنسان قبل ثورة الإسلام في القرن ~~السادس للميلاد ؛ لأن الإنسان نفسه لم يكن عاما فيوليه الدين حقوقا عامة، وإنما ولد ~~هذا الإنسان - العام - يوم آمن الناس بإله يتساوى لديه كل إنسان وكل إنسان، ويوم ~~نيطت حقوقه بواجباته بغير تفرقة بين قبيل وقبيل. # فمن تحصيل الحاصل أن يقال إن حقوق الإنسان لم تكن منظورة من ثورة دينية قبل ثورة ~~الدين الذي دعا الناس إلى عبادة رب العالمين، فإنما توجد الحقوق العامة إذا وجد صاحبها ~~الذي يستحقها ويؤدي لها فرائضها، ولم يوجد لهذه الحقوق صاحب مضطلع بها في ثورة دينية ~~قبل ثورة الإسلام؛ إذ لم يكن هناك الإنسان الذي يتساوى في كل قبيل وكل مكان. # على أننا نرجع إلى تاريخ الثورات الاجتماعية أو السياسة قبل الإسلام، فلا نراها تخالف ~~الثورات الدينية المعاصرة لها في كبير طائل، ولا نرى بينها حركة يصدق عليها أنها حركة ~~«حقوق إنسانية» بمعنى من معاني هذه العبارات كما نفهمها في العصر الحاضر؛ فربما كان ~~بينها ما يسمونه بحركات الديمقراطية في بلاد اليونان، وربما بدا لهم من كلمة ~~الديمقراطية أنها من حركات الشعب، فهي على هذا خليقة أن تحسب من حركات الحقوق ~~الإنسانية، وليست هي كذلك حتى في دلالتها اللفظية التي نشأ منها الغلط في فهم حقيقتها؛ ~~لأن كلمة «ديموس» اليونانية كانت تطلق على المحلة التي تسكنها القبيلة، ثم أطلق النظام ~~الديمقراطي عندهم على الحكومة التي تشترك القبائل في انتخابها، ولم يكن اشتراكها في ~~الانتخاب اعترافا بحق إنساني يتساوى فيه آحاد الناس، وإنما كان اعترافا بالقبيلة ~~واتقاء لمعارضها وإضرابها عن العمل في الجيش وتلبية نفير الدفاع. # ومثل هذا الحق في رومة «التربيون» الذي تنتخبه القبيلة ويشتق من اسمها # Tribe ms093 ~~، ولا شأن لانتخابه بما نسميه اليوم حقوق ~~الإنسان. # وقد توالت على اليونان والرومان أنواع من الحكومات الديمقراطية لم يكن لها من مبدأ ~~تقوم عليه غير أنها خطط عملية لأمن الفتنة، واستجلاب الولاء من المجندين للجيش ~~والأسطول من أبناء القبائل وأصحاب الصناعات، وآية ذلك أن الحكومة الديمقراطية نشأت بين ~~الأسبرطيين أصحاب النظم والإجراءات الإدارية، ولم تنشأ بين الأثينيين أصحاب الفلسفات ~~والبحوث النظرية، وليس هذا بالمستغرب من اليونان الأقدمين إذا نظرنا إلى حقوق الانتخاب ~~في الديمقراطيات الغربية إلى أواسط القرن العشرين ... فإن هذا الحق كان يتدرج في التعميم ~~على حسب الحاجة إلى الناخبين في مصانع الحرب وفي جيوش المقاتلين، فناله العمال في ~~البلاد الصناعية قبل أن يناله الزارع، ونالته المرأة بعد أن أصبحت عاملة في المصانع ~~تنوب فيها عن الجند المقاتلين، وناله السود في الولايات المتحدة بعد اضطرار الدولة إلى ~~خدمتهم في المصانع وفي الجيوش على التدريج بين الحربين العالميتين. # غير هذا ولا ريب هو المقصود بالديمقراطية الإنسانية، فإنها حقوق معترف بها للإنسان، ~~وليست خططا عملية يوجبها تكافؤ القوى بين الطوائف وجماهير الناخبين، وليست الديمقراطية ~~الإنسانية مما يتصور بغير عناصره الثلاث التي لا انفصال بينها، وهي: المساواة ~~والمسئولية الفردية وقيام الحكم على الشورى وعلى دستور معلوم من الحدود والتبعات، وهذه ~~هي العناصر الثلاثة التي نادى بها الإسلام لأول مرة في تاريخ الإنسان: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم ~~(الحجرات: 13)، # كل امرئ بما ~~كسب رهين ~~(الطور: 21)، # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~(الشورى: 38). # ونبي الإسلام هو القائل - صلوات الله عليه: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لقرشي ~~على حبشي إلا بالتقوى.» # وهو القائل - صلوات الله عليه - في خطبة الوداع: # أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ~~ولا لأحمر على أبيض فضل إلا بالتقوى. # وهو القائل - صلوات الله عليه: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم ms094 من ~~الله شيئا، ويا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد ~~المطلب، ما أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا ~~أغني عنك من الله شيئا.» # وطالما قيل عن هذه الديمقراطية الإسلامية إنها هي الديمقراطية العربية نقلها الإسلام ~~في بيئة الصحراء التي نشأ فيها. # وهي كلمة من كلمات القشور التي تجوز على الأسماع بغير عناء؛ لأن الطلاقة شبيهة ~~بالمعهود من الصحراء في الحس والخيال. # إلا أن الطلاقة الحسية - فيما وراء القشور - لا تشبه حرية الحقوق في أصل من أصولها ~~التي تقوم عليها ... إنها كطلاقة الريح في الفضاء وطلاقة العصفور في الهواء وطلاقة ~~الأوابد بعيدا من المطاردين والأعداء، وشتان الحرية الإنسانية - حرية الحقوق المرعية - ~~وهذه الطلاقة التي يتمتع بها الحيوان والإنسان على السواء بمعزل عن العوارض ~~والرقباء. # فإذا تركنا هذه الطلاقة في بيدائها الغافلة عنها، وبحثنا عن حرية الحقوق في حكومة من ~~حكومات الجاهلية لم نجد ثمة إلا استبدادا بالأمر كأشد ما عرف الاستبداد في دولة ~~من دول الطغيان ذوات الصولة والصولجان؛ فقد كانت القدرة على الظلم قرينة بمعنى العزة ~~والجاه في عرف السيد والمسود من أمراء الجزيرة من أقصاها في الجنوب إلى أقصاها في ~~الشمال. وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحا مبالغا في القدح حين استضعف مهجوه ~~لأن: # قبيلته لا يغدرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # وما كان حجر بن الحارث إلا ملكا عربيا حين سام بني أسد أن يستعبدهم بالعصا، وتوسل ~~إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول: # أنت المملك فوقهم # وهم العبيد إلى القيامة # ذلوا لسوطك مثلما # ذل الأشيقر ذو الخزامة # وكان عمرو بن هند ملكا عربيا حين عود الناس أن يخاطبهم من وراء ستار، وحين ~~استكثر على سادة القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته في داره. # وكان النعمان بن المنذر ملكا عربيا حين بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يوما للرضى ~~يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء، ويوما للغضب يقتل ms095 فيه كل طالع عليه من ~~الصباح إلى المساء. # وقد قيل عن عزة كليب وائل: إنه سمي بذلك لأنه كان يرمي الكليب حيث يعجبه الصيد فلا ~~يجسر أحد على الدنو من مكان يسمع فيه نباحه. وقيل: «لا حر بوادي عوف»؛ لأنه من عزته ~~كان لا يأوي بواديه من يملك حرية في جواره، فكلهم أحرار في حكم العبيد. # ومن القصص المشهورة قصة عمليق ملك طسم وجديس الذي كان يستبيح كل عروس قبل أن تزف إلى ~~عريسها، وفيه تقول فتاتهم عفيرة: # فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه # فكونوا نساء لا تعاب على الكحل # ودونكم طيب العروس فإنما # خلقتم لأثواب العروس وللنسل # ويستوي أن تصح هذه القصة على علاتها أو لا تصح منها إلا الرواية والنظم الموضوع؛ ~~فإنها لصحيحة بجوهرها كل الصحة إذا وقر في أذهان الرواة والسامعين أن الظلم حق للقادر ~~المعتز بقدرته، وأن إذلال الأعزاء علامة العزة فوق كل عزيز. ولو لم يكن هذا دأب الملوك ~~في معهود العرب الأولين لما قالت إحدى الملكات فيما رواه القرآن الكريم على لسانها: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ~~(النمل: ~~34). ~~••• # فالديمقراطية الإسلامية إذن لم تكن نباتا نما في الجاهلية وورثه الإسلام منها؛ لأن ~~الديمقراطية لم يكن لها وجود في الجاهلية لوجود الإمارة والرئاسة الحكومية، وما كان ~~منها غير ذلك من قبيل الطلاقة المرسلة في الصحراء الواسعة فإنما هو طلاقة مادية كطلاقة ~~الطائر في جوه، أو كطلاقة الهواء الذي لا عائق له في فضائه، والماء الذي لا عائق له في ~~مجراه. وتلك الطلاقة المادية - إن جاز أن نسميها حرية - فإنما هي الحرية التي ~~يستمتع بها المرء؛ لأنها شيء مزهود فيه لا يجد من يصادره أو يرغب فيه. # ولم تكن الديمقراطية الإسلامية كذلك نباتا منقولا من تربة أجنبية؛ لأن الديمقراطية ~~الإسلامية ديمقراطية حقوق تلازم الإنسان، وما نبت قبلها من الديمقراطيات فهو على أحسنه ~~خطط عملية تمليها الضرورة على حسب الحاجة إليها، وليس هناك «إنسان» يحق له أن يطلبه إذا ~~فقد القدرة ms096 عليه؛ لأن هذا «الإنسان» صاحب الحق في الديمقراطية باعتباره «إنسانا» ~~مساويا لسائر أبناء آدم وحواء لم يكن له وجود مفهوم قبل الدعوة الإسلامية. # لم تنبت الديمقراطية الإسلامية في تربة الصحراء ولا في تربة الحضارة، ولكنها كانت ~~معجزة إلهية مثلها في الظهور بين الجاهليين كمثل الإيمان بالإله الواحد الأحد الذي لا ~~يحابي قوما لأنهم قومه دون سائر الأقوام، ولا يلعن قوما لأنهم ورثوا اللعنة من الآباء ~~والأجداد. # حق الإنسان والإيمان بالله رب العالمين كلاهما معجزة إلهية تجلت بها قدرة الله على ~~غير مثال سابق متسلسل من أسبابه في بيئته، ولا فيما جاورها من البيئات؛ فإن السوابق ~~التي سلفت قبل الدعوة الإسلامية كانت كسوابق المرض الذي يتطلب الدواء، ولم تكن كسوابق ~~العلاج الذي ينتهي بالشفاء، وتلك هي السوابق التي تتجلى فيها قدرة الله على يد رسول من ~~رسله ينبعث بالهداية ملهما موفقا بوحي من الله، فيصنع المعجزة التي لم تمهد لها ~~أسبابها ودواعيها؛ لأن أسبابها الخفية ودواعيها الكامنة في السريرة الإنسانية تفوت ذرع ~~العقول ولا تدخل في الحساب. # ولسنا نحب أن يفهم القارئ من كلامنا أن المعجزة الإلهية تقلب أوضاع الأمور وتأتي في ~~أوانها بغير سبب مقدور، وإنما نريد أن نقول: إن الأسباب لا تنكشف كلها لعلم الإنسان، ~~وإن علم الله هو الذي يحيط بالخوارق التي لا تدخل في الحسبان. # فالمرض الذي يؤدي إلى الموت سبب، والمرض الذي يؤدي إلى العلاج المنقذ سبب، فإذا اختلط ~~علينا السببان وجاء الشفاء من حيث نتوقع الهلاك والفناء، فتلك معجزة من المعجزات ~~الإلهية علمها عند الله، وأسبابها غير الأسباب التي نقدرها لها قبل وقوعها. # نشأت الدعوة الإسلامية في بيئة مريضة بأدواء العصبيات وضروب الضلال في اختلاط من ~~العبادات والخرافات، فلو جرت الأسباب التي ندركها في مجراها المعهود، فالدعوة التي تأتي ~~من قبل هذه البيئة لن تدعو إلى إله واحد يتساوى لديه جميع الناس، ولن تمنح الإنسان ~~حقا واحدا يتساوى فيه جميع الناس. # ولكن هذه الدعوة جاءت بهذا وذاك؛ جاءت بالدعوة إلى رب العالمين وإلى الحق الذي ms097 يتساوى ~~فيه أبناء آدم وحواء، وجاءت بذلك لأن إنسانا واحدا خلق الله فيه من قوة الروح ما ~~يكافئ تلك العصبيات جميعا وتلك الضلالات جميعا، ويتغلب عليها ويجريها في غير ~~مجراها. # ذلك هو رسول الله. # وتلك هي المعجزة الإلهية. # وأسبابها نفهمها الآن، بعد أن هدينا إليها، ولكننا لم نكن لنفهمها لو ترقبناها ~~قبل وقوعها وانتظرناها من حيث تنتظر الأسباب العاملة في حياتنا، ولا سيما الأسباب التي ~~نحسبها اليوم من الأسباب «الطبيعية» دون سواها. معجزة من المعجزات الإلهية أن تجيء ~~الدعوة إلى رب العالمين من صحراء لا تعرف غير الفوارق بين العصبيات والأنساب. # ومعجزة مثلها أن يجيء من تلك الدعوة حق الإنسان الذي يرفعه عمله ولا يرفعه نسبه، ~~أيا كان هذا النسب بين الأعراق والأقوام. # ولا انفصال بين المعجزتين بعد الروية في السبب الذي تنبعثان منه والنهاية التي ~~تؤديان إليها. # كلتا المعجزتين صادرة من ينبوع واحد؛ فمن آمن برب العالمين لم يؤمن برب فريق دون فريق ~~من الناس، ومن آمن بالمساواة بين أعمال الناس وحقوقهم فلن يؤمن برب غير ربهم ~~أجمعين. # ويقال بحق: إن الإنسان يتطلب المثل الأعلى في الصفات الإلهية، وإنه من أجل هذا لا ~~ينزه حاكمه عن صفة يقبل الاتصاف بها في حق الله. # ومن البديهي أنه لا يتخيل حاكمه منزها عن المحاباة بين رعاياه إذا جاز عنده أن الله ~~لا يتنزه عن المحاباة بين خلقه في غير عمل ولا مزية. # فلا جرم كان الإيمان برب العالمين إيمانا بحق العدل والمساواة، وإيمانا ~~بالديمقراطية التي تقوم على هذا الحق في الأرض وفي السماء. # ولله المثل الأعلى. # والله في عقيدة المسلم هو أحكم الحاكمين. # فهو الحاكم الذي لا يظلم أحدا، ولا يحاسب أحدا بغير تكليف، ولا يغير ما بالعبد حتى ~~يغير ما بنفسه، ولا يأمر الحاكم بأمر إلا كان هذا الأمر من شريعته في عباده، ومن ~~نواميسه في قضائه وقدره ... # ولا يظلم ربك أحدا ~~(الكهف: 49)، # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن ~~تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(النساء: 40)، # ذلك ms098 بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~(الأنفال: 53)، # إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~(الرعد: ~~11)، # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~(الإسراء: 15)، # وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير ~~(فاطر: 24). # وإذا كان هذا عهد الله على نفسه أمام خلقه، فالثورة التي جاء بها الإسلام في عالم ~~الحقوق أرفع وأوسع من أن تحسب من تلك الثورات التي تبتدئ وتنتهي في نطاق الحركات ~~الاجتماعية أو السياسة. إنها ثورة كونية ترتفع بالحقوق والقيم في نظر الإنسان إلى أعلى ~~فأعلى وإلى أكمل فأكمل؛ فلا تبقى له من علاقة ببني نوعه أو بالكون الذي يحتويه إلا ~~ارتفعت بمقدار ما ارتفع عنده من حق ومن قيمة. ~~••• # ومن أجمل ما في الإسلام أن هذه الحقوق العليا فيه لا تحرم الإنسان حقه في الحياة، ~~ولا تزهده في طيباتها ومحاسنها؛ فحق الضمير لا يجور على حقه في الحياة الدنيا. وهو ~~مأمور بالسعي والعمل والاستمتاع بما يكسبه بسعيه وعمله من نعمتها وزينتها، أمره بذلك ~~كأمره برعاية حقه من العدل والحرية والكرامة: # يا أيها ~~الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~(البقرة: 168)، # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ~~(البقرة: 267)، # يا بني آدم خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ~~(الأعراف: 31)، # لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله ~~(المائدة: 87). ~~••• # ونقول: إن الأمر بحق الحياة من أجمل ما جاء به الإسلام؛ لأن الإنسان لم يتعود من ~~الدين قبله أن يأمره بهذا الحق، وإنما تعود من أديان كثيرة أن تنهاه عنه، وأن تجعل زهده ~~في الأرض شرطا لحظوته في السماء. ~~(2) الأمة # آمن المسلمون بالحق الإلهي فجعلوا الأمة مصدرا لجميع السلطات ومرجعا لجميع ~~المسئوليات؛ وهذا هو الحق الإلهي إذا فهم على سوائه ولم تنحرف به الأهواء إلى غير ~~معناه، خدمة للمطامع وتزجية للمآرب عند ذوي السلطان. # لا مصدر للسلطة العامة في الإسلام غير الأمة. # ولا مرجع فيه للمسئولية العامة غير الأمة. # ولا تعارض بين هذا وبين نصوص الكتاب وسنة الرسول. # فإن ms099 النصوص والسنن لا تقوم بذاتها، بل تقوم بمن يفهمها ويعلمها ويعمل بها ويؤديها على ~~وجوهها، وكل أولئك تشمله الأمة بما انطوت عليه من خاصتها وعامتها، وجملة ذوي الحل ~~والعقد والعاملين من عليتها وسوادها. # فهي التي تأتمر بنصوص الكتاب والسنة، وهي المسئولة عن صوابها وخطئها حيث ائتمرت به ~~واتفقت عليه أو اختلفت فيه. # وأول ما تكرر من ذلك الحق كان في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنه كان مأمورا بمشاورة ~~أمته، وكان الأمر بينهم شورى في كل شأن من الشئون غير التبليغ الذي خصه الله به ولولاه ~~لم تكن الدعوة إلى هذا الدين: # وشاورهم في الأمر ~~(آل عمران: 159)، # وأمرهم شورى بينهم ~~(الشورى: 38). # ولما قبض - عليه السلام - إلى الرفيق الأعلى كانت ولاية الأمر بعده لمن توليه الأمة ~~وتبايعه على الخلافة، وتولاها من تولاها من الخلفاء الراشدين بالبيعة العامة، ولم يدع ~~أحد بعدهم حقا في ولايتها بغير هذه البيعة. # ولا يوجد في الإسلام حق بغير تبعة، فحق الأمة فيه وتبعتها متكافئان متساويان. # حقها تام وتبعتها تامة. # حقها تام لا يصدها عنه ذو سلطان بغير رضاها، وتبعتها تامة لا يعفيها من جرائرها عذر ~~من الأعذار. # وهي متكافلة متضامنة في حقوقها وتبعاتها؛ لأنها متكافلة متضامنة فيما يصيبها من عواقب ~~أعمالها ... # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة ~~(الأنفال: 25). # فلا عذر لها في ضلال تنساق إليه متابعة لأسلافها، ولا عذر لها في ضلال تنساق إليه ~~متابعة لأحبارها وكبرائها، فإن اللائمة لتعود عليها في ذلك كله كما عادت على الذين من ~~قبلها: # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا ~~بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا ~~يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~(البقرة: 170)، # قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~(التوبة: ~~30-31)، # قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~(النساء: ~~97). ~~••• # هذه المسئولية التامة المتناسقة بين طوائف الأمة وطبقاتها تمليها شريعة تامة متناسقة ~~في عقائدها وتكاليفها، ولولا هذا التناسق في الدين الإسلامي لكان اضطلاع ms100 الأمة ~~بمسئولياتها العامة من النقائض التي لا تعقل في قسطاس العدل أو في منطق الواقع؛ لأنها ~~تسوم الناس من جانب ما تبطله من الجانب الآخر. # فالأحبار والكهان في الأمم الخالية كانوا يقومون بينها هيئة مفروضة عليها، مرسومة ~~بمراسمها الموروثة وأزيائها المقررة وإتاواتها المضروبة عليها كأنها ضرائب الدولة، ~~وكانت هذه الهيئة قائمة في الطليعة تهتدي فيهتدي من يليها، وتضل فلا يملك أحد سبل ~~الهداية من ورائها، وكان سبيل الهداية الوحيد أن يتصدى نبي من الأنبياء لهذا السد ~~المغلق فيحطمه، ويفتح فيه الثغرة التي يسلكها من يتطلع إلى بصيص من النور يطالعه من ~~لدنها. # ولو فرض الإسلام على الأمم هيئة كهذه الهيئة لما استقام للأمة حقها العام، ولا ~~تسنى لها أن تضطلع بتبعاتها العامة، إلا أنه أعفاها من طغيان الكهانة وفتح أمامها ~~منادح للفكر الإنساني لم تكن مفتوحة من قبله؛ فجعل النصيحة حقا لكل قادر عليه من ~~أولي الفهم والدراية، وجعل العلم وظيفة عامة يطلبها من يشاء ويتولاها من يشاء، ولا ~~سلطان له على الناس غير سلطان القدوة الحسنة والإقناع بالحجة والبينة الصادقة، وهو ~~المسئول إن خان هذه الأمانة، والمستمعون له هم المسئولون إن سمعوها فلم يستجيبوا ~~لندائها: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~(آل عمران: ~~104). # وما هلكت الأمم من قبلهم إلا لأنهم # كانوا لا يتناهون ~~عن منكر فعلوه ~~(المائدة: 79). # وإن كلمة «المنكر» وحدها لكافية في الدلالة على هذه الفريضة العامة؛ فإنها من الإنكار ~~الذي يشيع بين الناس فلا يجري بينهم أمر من الأمور أنكروه ولم يتعارفوا عليه. فإذا ~~اصطلحوا على المنكر وجهلوا الأمر بالمعروف، فتلك أيضا جريرتهم يحاسبون عليها ما دام ~~من حقهم أن يتجنبوها، ولا ظلم ولا حيف في هذه المسئوليات العامة بين الأمم، بل الظلم ~~والحيف أن يتساوى الجاهلون والعارفون، أو تتساوى جماعة الجهلاء الذين نفعتهم ويلات ~~الجهل وبلاياه فجهدوا جهدهم للخلاص منه، وجماعة الجهلاء الذين سدروا مع الجهل ولم ~~يشعروا بويلاته وبلاياه، ولا يحل في قسطاس العدل على كل حال أن تكون الأمة ms101 مصدرا لجميع ~~السلطات إلا إذا كانت مع هذا مرجعا لجميع التبعات والمسئوليات، # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد ~~(آل عمران: 182). ~~••• # ولا يحسب على الإسلام أن المسلمين لم يحفظوا حقهم ولم يضطلعوا بتبعتهم، وإنما يحسب ~~عليه أنهم حفظوا الحق ثم ندموا على حفظه، واضطلعوا بالتبعة ثم ندموا على الاضطلاع بها، ~~أو يحسب عليهم أنهم ضيعوا الحق فلم يصبهم بلاء من تضييعهم إياه، وأنهم نكصوا عن ~~التبعة فلم يصبهم بلاء من النكوص عنه. ولم يحدث من هذا ما يدعو المسلم إلى الندم على ~~إيمانه بدينه، ولكنه قد حدث منه مرارا ما يدعوه إلى الندم على التفريط في أوامر هذا ~~الدين القويم ونواهيه. ~~••• # ولعله من علامات الخير أن تدول الدول وأن يذهب ما أفسدت من أمور الدين والدنيا، وتبقى ~~للمسلم عقيدته في حقوق أمته مصونة في قلوب المحافظين والمجددين ملحوظة في آراء الوادعين ~~والثائرين، يقول أشدهم محافظة ما يقوله أشدهم قلقا وثورة، ويتلاقى الماضي والمستقبل ~~لديهم أجمعين على كلمة سواء يسمعها من شاء بعد أربعة عشر قرنا، كما سمعها أسلافه قبل ~~أربعة عشر قرنا في صدر الإسلام وإبان الدعوة المحمدية. # يقول إمام من أشهر الأئمة المتأخرين بالمحافظة على القديم: # إن كتب الكلام ... كلها مطبقة متفقة على أن منصب الخليفة والإمام إنما يكون ~~بمبايعة أهل الحل والعقد، وأن الإمام إنما هو وكيل الأمة، وأنهم هم الذين ~~يولونه ملك السلطة، وأنهم يملكون خلعه وعزله، وشرطوا لذلك شروطا أخذوها من ~~الأحاديث الصحيحة. وليس لهم مذهب سوى هذا المذهب # 1 ~~... # ولا يفوتنا في ختام هذه الكلمة عن حقوق الأمة أن ننبه إلى حقيقة النسبة إلى الأمة ~~حيثما وردت في القرآن الكريم؛ فإن كتاب الله يعني بهذه الكلمة أن الخطاب الإلهي موجه ~~إلى الأمم عامة لا تستأثر به أمة، ولا تحجب عنه أمة، خلافا لمن قال من بني إسرائيل إن ~~«الأمم» لا تتلقى خطابا من الله وإنهم وحدهم - أمة إسرائيل - قد استأثروا بهذا ~~الخطاب دون خلق الله. # ويدل على ذلك أن كلمة «الأميين» قد وردت ms102 في القرآن الكريم مقابلة لأهل الكتاب، أو ~~لأهل الكتاب من بني إسرائيل خاصة في غير موضع، فالأميون قد وردت في سورة آل عمران ~~مرتين منسوبة إلى كل أمة غير بني إسرائيل: # ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ~~(آل عمران: 75)، # وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين ~~(آل عمران: 20). ~~••• # وقد وردت بهذا المعنى حيث جاء في القرآن الكريم أن الله # بعث ~~في الأميين رسولا ~~(الجمعة: 3)، تكذيبا لدعوة الذين يزعمون أن ~~الله تعالى لا يخاطب الأمم، وتذكيرا لهم بأن الأمة هي موضع الخطاب من الله كلما بعث ~~إليها برسول: # وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير ~~(فاطر: 24). ~~(3) الأسرة # الأسرة هي الأمة الصغيرة، ومنها تعلم النوع الإنساني أفضل أخلاقه الاجتماعية، وهي ~~في الوقت نفسه أجمل أخلاقه وأنفعها. # من الأسرة تعلم النوع الإنساني الرحمة والكرم، وليس في أخلاقه جميعا ما هو أجمل ~~منهما وأنفع له في مجتمعاته. # فالرحمة في اللغة العربية من الرحم أو القرابة، وهي كذلك في اللغات الهندية ~~الجرمانية؛ لأن كلمة «كايند» # Kind # مأخوذة كذلك من ~~الرحم، وكلمة الطفل التي تتمثل الرحمة كلها في العطف عليه مأخوذة منها. # والكرم في اللغة العربية مأخوذ من النسب الصريح الذي لا هجنة فيه، وهو في اللغات ~~الهندية الجرمانية مأخوذ كذلك من «الجانر» # Genre ~~... # والمنسوب إليها هو الكريم. # وإذا تتبعنا سائر الفضائل والمناقب الخلقية المحمودة بلغنا بها في أصل من أصولها - ~~على الأقل - مصدرا من مصادر الحياة في الأسرة؛ فالغيرة والعزة والوفاء ورعاية الحرمات ~~كلها قريبة النسب من فضائل الأسرة الأولى، ولا تزال من فضائلها بعد تطور الأسرة في ~~أطوارها العديدة منذ عشرات القرون. # ولا بقاء لما كسبه الإنسان من أخلاق المروءة والإيثار إذا هجر الأسرة وفكك روابطها ~~ووشائجها. # فمن عادى الأسرة فهو عدو للنوع الإنساني في ماضيه ومستقبله. ولا يعادي الأسرة أحد إلا ~~تبينت عداوته للنوع الإنساني من نظرته إلى تاريخ الأجيال الماضية، كأنه ينظر إلى عدو ~~يضمر له البغضاء ويهدم كل ما أقامه من بناء. # وما من سيئة تحسب على الأسرة بالغة ما بلغت ms103 سيئاتها من الكثرة والضرر هي مسوغة لمحب ~~بني الإنسان أن يهدم الأسرة من أجلها، ويعفي على آثارها. # فحب الأسرة - حقا - قد سول للناس كثيرا من الجشع والأثرة، ومن الجبن والبخل، ~~ومن الكيد والإجرام. # وكذلك حب الإنسان نفسه قد فعل هذا في العالم الإنساني وزيادة. # ولكننا لا نمحو الإنسان ولا نمحو الأسرة من أجل الأثرة وأضرارها، وإنما نمحو الأثرة ~~ما استطعنا ونوفق بينها وبين الإيثار غاية ما يستطاع التوفيق بين الخليقتين، ونفلح في ~~ذلك مع الزمن؛ لأننا أفلحنا كثيرا في تعميم روابط الأسرة الصغيرة بين أبناء الأسرة ~~الكبيرة وهي الأمة، ولأننا أفلحنا كثيرا في تعميم المنافع والمرافق من هذه المثابة ~~فضلا عن المناقب ومكارم الأخلاق. فلولا الأسرة لم تحفظ صناعة نافعة توارثها الأبناء ~~عن الآباء، ثم توارثها أبناء الأمة جمعاء، ولولا الأسرة ما اجتمعت الثروات التي تفرقت ~~شيئا فشيئا بين الوارثين وغير الوارثين من الأعقاب، ولولا الأسرة لاستجاب لدعوة الهدم ~~والتخريب كل من لا خلاق له من حثالات الخلق ونفاياتهم في كل جماعة بشرية؛ فالأسرة هي ~~التي تمسك اليوم ما بناه النوع الإنساني في ماضيه، وهي التي تئول به غدا إلى أعقابه ~~وذراريه حقبة بعد حقبة وجيلا بعد جيل. # لا أمة حيث لا أسرة. # بل لا آدمية، حيث لا أسرة. # ولن ينسى الناس أنهم أبناء آدم وحواء إلا نسوا أنهم أبناء رحم واحد وأسرة واحدة، ~~كائنا ما كان تأويلهم لقصة آدم وحواء. # ومتى علمنا أن واجب الإنسان لبني نوعه في الإسلام إنما هو واجب الأسرة الكبرى التي ~~جمعت أخوة الشعوب والقبائل لتتعارف بينها، فقد علمنا شأن الأسرة في هذا الدين، وعلمنا ~~أن قرابة الرحم والرحمة حجة القرابة بين الإخوة من أبناء آدم وحواء، وأنها هي شفاعة كل ~~إنسان عند كل إنسان. ~~••• # تقوم الأسرة في الإسلام على أنها كيان دائم تراد له السعة والامتداد والوئام. # وتتحقق سعة الأسرة وامتدادها ووئامها بنظامين من النظم التي شرعها لها الإسلام، وهما ~~نظام المحارم في الزواج ونظام الميراث. # فالإسلام يحرم الزواج بالأقربين، ولا يبيح من ذوي ms104 القرابة إلا من أوشكوا أن يكونوا ~~غرباء، فالزواج يجمع منهم في الأسرة من أوشكوا أن يتفرقوا كأبناء العمومة والخئولة: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن ~~الله كان غفورا رحيما ~~(النساء: 23). # والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة ~~الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ~~ما لم يتحقق بالقرابة، فيرجع إلى الأسرة من أوشك أن ينفصل عنها، ويحرم الزواج بذوي ~~القرابة الحميمة التي لا حاجة بها إلى توثيق النسب والمصاهرة، وهما في القرآن الكريم من ~~آيات خلق الإنسان كما جاء في سورة الفرقان: # وهو الذي خلق ~~من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا ~~(الفرقان: 54). # ويشرع الإسلام نظام الميراث؛ لأن الأسرة كيان يعيش ويتصل عمره بعد انقضاء أعمار ~~أعضائه، ولا اعتراض على نظام الميراث من وجهة النظر إلى طبائع الأحياء ولا من وجهة ~~النظر إلى المصلحة الاجتماعية، فإن الأبناء يرثون من آبائهم ما أرادوه وما لم يريدوه، ~~وحق لهم أن يرثوا ما خلفوه من عروض كما ورثوا عنهم ما خلفوه من خليقة لا فكاك منها، ولا ~~غبن على المجتمع في اختصاص الأبناء بثمرة العمل الذي توفر عليه الآباء؛ لأن هذه ~~الثمرة إذا بقيت في المجتمع كان الورثة أحق بها من سواهم، وكان الغبن في النهاية أن ~~يتساوى العامل لغده والعامل الذي لا ينظر إلى غير يومه وساعته، أو يتساوى من يعمل ويبني ~~للدوام ومن لا يعمل ولا يبالي ما يصيب المجتمع بعد يومه الذي يعيش فيه. # ويتحقق وئام الأسرة وامتدادها بما فرضه الإسلام من حقوق لكل عضو من أعضائها، فلا حق ~~لإنسان على إنسان أعظم من حق الآباء والأمهات في الإسلام على الأبناء والذرية. ms105 وبحسبك ~~أنه كاد أن يكون البر بهم مقرونا بالإيمان بوحدانية الله: # قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا ~~(الأنعام: 151). # وكادت الطاعة لهم ألا يسبقها واجب غير الطاعة للإله المعبود: # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ~~* وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ~~(لقمان: 14-15)، # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل ~~لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل ~~من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ~~(الإسراء: 23-24). # وفي القرآن الكريم غير الوصايا في هذه الآيات وصايا مثلها تذكر كلما ذكر الوالدان، ~~وفيه من الآيات ما يتصل به شكر الإنسان لنعمة الله على أبويه بدعائه إلى الله أن يصلح ~~له ذريته، وأن يلهمه العمل الذي تصلح به حياته الباقية: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا ~~بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين ~~(الأحقاف: 15). ~~••• # وربما سبق إلى الخاطر في عصرنا هذا أن البر بالأبناء لا يحتاج إلى وصية دينية كوصية ~~الأبناء بالآباء؛ لما ركب في طباع الأحياء من حب البنين والرقة لصغار الأطفال على ~~العموم. إلا أن أحوال الأمم وأحكام شرائعها قبل الإسلام تنبئ عن مسيس الحاجة إلى هذه ~~الوصية؛ لأن أخطاء العرف الشائع فيها كانت أشد من أخطاء العرف الشائع في معاملة الأبناء ~~للآباء؛ فكان الولد في شريعة الرومان بمثابة العبد الذي يملكه والده ويتصرف فيه برأيه ~~في كل ما يرتضيه له قبل بلوغ رشده، وكانت شريعة حمورابي توجب على الأب الذي يقتل ولدا ~~لغيره أن يقدم ولده لأبي القتيل يقتص منه بقتله، وكان اليهود يقتلون ms106 الأبناء والبنات مع ~~أبيهم إذا جنى الأب جناية لم يشتركوا فيها ولم يعلموها، ومن ذاك ما في الإصحاح السابع ~~من كتاب يشوع حين اعترف عخان بن زارح بسرقة الرداء النفيس والفضة: # فأرسل يشوع رسلا فركبوا إلى الخيمة، وإذا هي مطمورة في خيمته والفضة تحتها، ~~فأخذوها من وسط الخيمة وأتوا بها إلى يشوع وإلى جميع بني إسرائيل وبسطوها أمام ~~الرب؛ فأخذ يشوع عخان بن زارح والفضة والرداء ولسان الذهب وبنيه وبناته وبقره ~~وحميره وغنمه وخيمته وكل ماله وجميع إسرائيل معه وصعدوا بهم إلى وادي عجور، ~~فقال يشوع: كيف كدرتنا يكدرك الرب في هذا اليوم؟ فرجمه جميع بني إسرائيل ~~بالحجارة وأحرقوهم بالنار ورجموهم بالحجارة وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى ~~هذا اليوم، فرجع الرب عن حمو غضبه. # ولذلك دعي اسم ذلك المكان وادي عجور إلى هذا اليوم. # أما عرب الجاهلية الذين نزل فيهم القرآن الكريم فقد أبيح بينهم قتل الأولاد، وجرت ~~بينهم شريعة الثأر من الابن بذنب أبيه مجرى العرف المحمود، فلما جاء الإسلام أثبت للولد ~~حقا في الحياة والملك كحق أبويه، وشرع له من مولده حقوق الرضاع والحضانة، وكان أبر ~~بالأبناء من آبائهم وأمهاتهم؛ لأنه كان يأخذ العهد عليهم ألا يقتلوا أبناءهم، ويحميهم ~~مما لا يحتمون منه بحنان الأبوة والأمومة: # يا أيها النبي ~~إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ~~(الممتحنة: 12)، # قد خسر الذين قتلوا أولادهم ~~سفها بغير علم ~~(الأنعام: 140)، # ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم ~~وإياكم ~~(الإسراء: 31). # أما حقوق الأسرة من حيث الروابط الزوجية، فقد جاء الإسلام فيها بالجديد الصالح وأقام ~~حقوق الزوجين على أساس العدل بينهما، وأقام العدل على أساس المساواة بين الحقوق ~~والواجبات، وهي المساواة العادلة حقا في هذا الموضوع؛ إذ كانت المساواة بين الذين لا ~~يتساوون بأعمالهم وكفايتهم ظلما لا عدل فيه. # ولم يهبط الإسلام بمنزلة المرأة في جانب من جوانب حياتها العامة أو حياتها البيتية ~~التي وجدها عليها، ولكنه ارتفع بها من الدرك الذي هبطت ms107 إليه في الحضارة الغابرة وعقائد ~~الأمم التي تأثرت بتلك الحضارات قبل ظهوره، وكلها لم تكن على حالة مرضية في بلاد العالم ~~المعمور. # كانت المرأة في الحضارة الرومانية تابعا له حقوق القاصر أو ليست له حقوق مستقلة على ~~الإطلاق. # وكانت في الحضارة الهندية عائقا للخلاص من دولاب الحياة الجسدية، وخلاص المرء مرهون ~~ب «الموكشا» أي بالانفصال عنها، وكان حقها في الحياة منتهيا بانتهاء أجل الزوج، ~~تحرق على جدثه عند وفاته، ولا تعيش بعده إلا حاقت بها اللعنة الأبدية وتحاماها الآل ~~والأقربون. # وكان للمرأة في الحضارة المصرية القديمة حظ من الكرامة يجيز لها الجلوس على العرش، ~~ويبوئها مكان الرعاية في الأسرة، ولكن الأمة المصرية كانت من الأمم التي شاعت فيها ~~عقيدة الخطيئة بعد الميلاد، وشاع فيها مع اعتقاد الخطيئة الأبدية أن المرأة هي علة تلك ~~الخطيئة وخليفة الشيطان وشرك الغواية والرذيلة، ولا نجاة للروح إلا بالنجاة من ~~أوهاقها وحبائلها. # وكانت معيشة البداوة في الجاهلية العربية تمنح المرأة بعض الحرية؛ لأنها كانت عضوا ~~نافعا في تلك المعيشة البدوية تسقي وترعى وتنسج وتستخرج الطعام من الألبان والثمرات، ~~ولكن هذه المعيشة البدوية نفسها كانت ترغب الآباء في ذرية البنين وتزهدهم في ذرية ~~البنات؛ لأن البنين جند القبيلة وحماة حوزتها وعدتها في شن الغارات والتأهب لردها، فلم ~~يكن أبغض إلى الأب من خبر يأتيه بمولد أنثى ولو كان ذا وفرة ووفرة، ومنهم من كان يئد ~~البنات إشفاقا من العار إن لم يئدهن خشية إملاق، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم ~~حيث جاء في سورة النحل: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ~~ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه ~~في التراب ألا ساء ما يحكمون ~~(النحل: 58-59). # وتكررت الإشارة إليه؛ حيث جاء في سورة الزخرف بعد تسفيه الذين جعلوا للرحمن جزءا من ~~عباده: # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم ~~بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~(الزخرف: ~~16-17). # فلما بعث النبي - صلوات الله ms108 عليه - بالدعوة الإسلامية لم تكن للمرأة منزلة مرضية ~~ولا حقوق مرعية في وطن من أوطان الحضارة أو البداوة، فدحض الإسلام عنها هذه الوصمة، ~~وخولها من الحقوق ما يساوي حقوق الرجل في كل شيء إلا في حق القوامة: # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ~~(النساء: ~~34)، # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة ~~(البقرة: 228). ~~••• # وهذا الذي عنيناه بالمساواة بين الحقوق والواجبات؛ لأن المساواة بين الرجل والمرأة في ~~جميع الكفايات والأعمال أمر لم يقم عليه دليل من تكوين الفطرة ولا من تجارب الأمم، ولا ~~من حكم البداهة والمشاهدة، بل قام الدليل على نقيضه في جميع هذه الاعتبارات. ولم تتجاهل ~~الأمم فوارق الجنسين إلا كان تجاهلها لها من قبيل تجاهل الطبيعة التي تضطر من يتجاهلها ~~إلى الاعتراف بها بعد حين، ولو من قبيل الاعتراف بتقسيم العمل بين جنسين لم يخلقا ~~مختلفين عبثا بعد أن غبرت عليهما ألوف السنين، وأخرى أن يكون طول الزمن مع تطور ~~الأحوال الاجتماعية سببا لاختصاص كل منهما بوظيفة غير وظيفة الجنس الآخر، ولا سيما ~~في الخصائص التي تفترق فيها كفاية الحياة البيتية وكفاية الحياة الخارجية، فإن طول ~~الزمن لا يلغي الفوارق، بل يزيدها ويجعل لكل منها موضعا لا يشابه سواه. # إن تكوين الفطرة في مسألة النسل التي هي قوام حياة الأسرة يفرق بين الذكر والأنثى ~~تفرقة لا سبيل في الإغضاء عنها في حياة النوع الإنساني على الخصوص؛ فإن وظيفة النسل ~~طليقة في الرجل يصلح لها ما صلحت بنيته طول حياته إلى السبعين وما بعد السبعين، ووظيفة ~~التناسل في المرأة مقيدة بالحمل مرة واحدة في كل عام، وقلما تصلح لها المرأة بعد ~~الخامسة والأربعين أو الخمسين في أكثر الأحوال. # وفي تجارب الأمم شواهد ملموسة على الفارق الأصيل بين الجنسين في الكفاية العقلية ~~والكفاية الخلقية؛ فإن المرأة على العموم لا تساوي الرجل في عمل اشتركا فيه، ولو كان ~~من الأعمال التي انقطعت لها المرأة منذ عاش الجنسان في معيشة واحدة؛ لا تطبخ كما ms109 يطبخ، ~~ولا تتقن الأزياء كما يتقنها، ولا تبدع في صناعة التجميل كما يبدع فيها، ولا تحسن أن ~~ترثي ميتا عزيزا عليها كما يرثي موتاه، وهي منذ بدء الخليقة تردد النواح وتنفرد ~~بأكثر مراسم الحداد. ومن اللغو أن يقال إن هذه الفوارق إنما نجمت من عسف الرجل ~~واستبداده، فإن الرجل لم يكن ينهى المرأة أن تطبخ وأن تخيط الثياب وأن تتزين أو ترقص أو ~~تترنم بالأغاني والأناشيد، ولو أنه نهاها فاستطاع أن ينهاها في بيتها وفي الدنيا ~~الرحيبة لقد كان ذلك منه دليلا على غلبة العقل والإرادة لا ريب فيه. # وندع الإرادة في كل شيء ونتأمل الغريزة الجنسية المركبة في إناث جميع الأنواع، فهل ~~من المجهول الخفي أن الأنثى تكتم إرادتها ولا تجهر بها وأنها تتصدى للذكر حتى يلتفت ~~إليها؟ وهل من المجهول الخفي أن أصوات الذكور تغلظ وتقوى بعد بلوغ النضج لانفرادها ~~بالدعاء الجنسي، واقتران هذا الدعاء بالنمو في كل قوة تكفل لها الغلبة والسبق في صراع ~~الانتخاب الجنسي؟ وهل مما يستطاع ادعاؤه هنا أن هذه الفوارق الأصيلة قد خلقها ذكور ~~الحيوان، ولم تكن عن حكمة عميقة في بنيان الجنسين، ينقاد إليها الذكور كما ينقاد إليها ~~الإناث؟ # وإذا اعتبرنا مسألة القوامة من وجهة «إدارية» بحتة، واعتبرنا أن الأسرة هيئة لا غنى ~~لها عن قيم يتولاها، فمن يكون هذا القيم من الزوجين؟ أتكون القوامة للمرأة أم تكون ~~للرجل؟ أتكون حقوق الأبناء في ذمتها أم تكون في ذمته؟ # إن هذه الأمور من وقائع الحياة التي لا ترحم من يتجاهلها، ولا تحلها تحيات الأندية ~~ولا جعجعة الفروسية الكاذبة في بقاياها المتخلفة من عصورها المنقرضة، وما كان للمرأة في ~~أحسن حالاتها في تلك العصور المنقرضة من مكانة غير مكانة العشيقة في قصص الغرام ... كأنما ~~هي مباهاة الفارس بشجاعته تعلو به في كل موقف له مع المخلوقة الضعيفة أن يكون كموقفه مع ~~الأنداد والنظراء. # ولا نحب أن نغضي عن الباعث الذي يتذرع به من ينكرون قوامة الرجل لادعاء المساواة ~~بين الجنسين؛ فإنهم يتذرعون لدعواهم هذه ms110 باضطرار المرأة إلى الكدح لنفسها أحيانا في ~~ميدان العمال طلبا للقوت ولوازم المعيشة. فهذه - ولا مراء - حالة واقعة تكثر في ~~المجتمعات الحديثة كلما اختلت فيها وسائل العيش، وتأزمت فيها أسباب الكفاح على ~~الأرزاق. ولكننا نراهم كأنهم يحسبونها حالة حسنة يبنون عليها دعائم المستقبل، ولا ~~يحسبونها حالة سيئة تتضافر الجهود على إصلاحها وتدبير وسائل الخلاص منها، وما هي في ~~الواقع إلا كالحالة السيئة التي دفعت الآباء والأمهات إلى الزج بأطفالهم في ميدان ~~الكفاح على الرزق، فأنكرتها القوانين وحرمتها أشد التحريم، ولم تجعلها حجة تسوغ ~~بقاءها وتقيم عليها ما تستتبعه من النظم الحديثة في الأسرة أو في الحياة ~~الخارجية. ~~••• # وإذا أعطيت هذه الاعتبارات قسطها من الجد والروية، صح لدينا أن الإسلام قد جاء ~~بالهداية الصالحة في تقرير مكان المرأة من الأسرة بالقياس إلى الحالة التي كانت عليها ~~قبل الدعوة الإسلامية، وبالقياس إلى الحالات التي يحتمل أن تئول إليها في جميع الظروف ~~والعوارض الاجتماعية؛ إذ رفعها الإسلام من الهوان الذي ران عليها من ركام العادات ~~الخالية، وأقام حقوقها الزوجية على الأساس الذي يحسن في جميع الأحوال أن تقام ~~عليه. # إن الإسلام لم يمنع الاكتفاء بزوجة واحدة، بل استحسنه وحض عليه، ولم يوجب تعدد ~~الزوجات، بل أنكره وحذر منه، ولكنه شرع لأزواج يعيشون على الأرض ولم يشرع لأزواج تعيش ~~في السماء. ولا مناص في كل تشريع من النظر إلى جميع العوارض والتقدير لجميع الاحتمالات، ~~وفي هذه الاحتمالات - ولا ريب - ما يجعل إباحة التعدد خيرا وأسلم من تحريمه بغير تفرقة ~~بين ظروف المجتمع المختلفة، أو بين الظروف المختلفة التي يدفع إليها الأزواج. ~~••• # وينبغي أن ننبه إلى وهم غالب بين الجهلاء والمتعجلين من المثقفين عن سنن الأديان ~~في تعدد الأزواج قبل الإسلام؛ إذ الغالب على أوهامهم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي ~~أباح تعدد الزوجات أو أنه أول دين أباحه بعد الموسوية والمسيحية. # وليس هذا بصحيح كما يبدو من مراجعة يسيرة لأحكام الزواج في الشرائع القديمة، وفي ~~شرائع أهل الكتاب، فلا حجر على تعدد الزوجات في ms111 شريعة قديمة سبقت قبل التوراة ~~والإنجيل، ولا حجر على تعدد الزوجات في التوراة أو في الإنجيل، بل هو مباح مأثور عن ~~الأنبياء أنفسهم من عهد إبراهيم الخليل إلى عهد الميلاد، ولم يرد في الأناجيل نص واحد ~~يحرم ما أباحه العهد القديم للآباء والأنبياء، ولمن دونهم من الخاصة والعامة، وما ورد ~~في الأناجيل يشير إلى الإباحة في جميع الحالات والاستثناء في حالة واحدة، وهي حالة ~~الأسقف حين لا يطيق الرهبانية فيقنع بزوجة واحدة اكتفاء بأهون الشرور. وقد استحسن ~~القديس أوغسطين أن يتخذ الرجل سرية مع زوجته إذا عقمت هذه وثبت عليها العقم، ~~وحرم مثل ذلك على الزوجة إذا ثبت لها عقم زوجها؛ لأن الأسرة لا يكون لها سيدان، # 2 # واعترفت الكنيسة بأبناء شرعيين للعاهل شرلمان من عدة زوجات، وقال ~~وستر مارك # Wester Mark # العالم الثقة في تاريخ ~~الزواج: إن تعدد الزوجات باعتراف الكنيسة بقي إلى القرن السابع عشر، وكان يتكرر كثيرا ~~في الحالات التي تحصيها الكنيسة والدولة. وعرض جروتيوس - العالم القانوني المشهور - ~~لهذا الموضوع في بحث من بحوثه الفقهية فاستصوب شريعة الآباء العبرانيين والأنبياء في ~~العهد القديم. ~~••• # فالإسلام لم يأت ببدعة فيما أباح من تعدد الزوجات، وإنما الجديد الذي أتى به أنه ~~أصلح ما أفسدته الفوضى من هذه الإباحة المطلقة من كل قيد، وأنه حسب حساب الضرورات التي ~~لا يغفل عنها الشارع الحكيم، فلم يحرم أمرا قد تدعو إليه الضرورة الحازبة، ويجوز أن ~~تكون إباحته خيرا من تحريمه في بعض ظروف الأسرة أو بعض الظروف الاجتماعية ~~العامة. # أما أن هذه الظروف قد تضطر أناسا إلى الزواج بأكثر من واحدة، فالأمر فيها موكول إلى ~~الذين يعانون تلك الضرورات من الرجال والنساء، ومن تلك الضرورات أن يحتفظ الرجل بزوجته ~~عقيما أو مريضة لا يريد فراقها ولا تريد فراقه، ومنها أن يتكاثر عدد النساء في أوقات ~~الحروب والفتن مع ما يشاهد من زيادة عدد النساء على الرجال في كثير من الأوقات، فإذا ~~رضيت المرأة في هذه الأحوال أن تتزوج من ذي حليلة، فذلك أكرم ms112 لها من الرضى بعلاقة ~~الخليلة التي لا حقوق لها على زوجها، وأكرم لها كثيرا من الرضى بابتذال الفاقة أو ~~بذل النفس في سوق الرذيلة. # ومن حسنات التشريع في جميع هذه الضرورات أنه يحسب حسابها، ولا ينسى الحيطة لاتقاء ما ~~يتقى من أضرارها ومن سوء التصرف فيها ... وكذلك صنع الإسلام بعد إباحة تعدد الزوجات ~~للضرورة القصوى؛ فإنه اشترط فيه العدل ونبه الرجال إلى صعوبة العدل بين النساء مع ~~الحرص عليه: # فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة ~~(النساء: 3)، # ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~(النساء: 129). # واشترط على الأزواج القدرة على تكاليف الحياة الزوجية والتسوية في السكن والرزق بينهم ~~وبين الزوجات ... # أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم ~~(الطلاق: 6)، # وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~(البقرة: 233). # ولا يسقط عن الزوج واجب الإحسان في المعاملة سواء اتصلت بينه وبين حليلته آصرة الزواج ~~أو انتهت بينهما هذه الآصرة إلى الفراق بغير رجعة: # الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله ~~(البقرة: 229). # بل لا يسقط عنه هذا الواجب حتى في حالة الطلاق بعد زواج لم تنعقد فيه الصلة بين ~~الزوجين: # يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا ~~(الأحزاب: 49). # وهناك حيطة تعدل سلطان التشريع كله في أمر تعدد الزوجات؛ لأنها تكل القول الفصل ~~فيه إلى اختيار المرأة، فإن شاءت قبلته وإن لم تشأ رفضته، فلا يجوز إكراهها عليه ولا ~~يصح الزواج إذا بني على الإكراه. # وفي الحديث الشريف: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن.» ~~وفيه: إن الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها. # 3 # وقد أبطل النبي # صلى الله عليه وسلم # زواجا أكرهت فيه فتاة بكر على الزواج بأمر أبيها لمصلحة ~~له في زواجها بابن أخيه، وحدثت عائشة - رضي الله عنها - فيما رواه النسائي: «أن فتاة ~~دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ms113 من ابن أخيه يرفع له خسيسته وأنا كارهة، فقالت: اجلسي ~~حتى يأتي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فجاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه، ~~فجعل الأمر إليها فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء ~~أن ليس للآباء من الأمر شيء.» (رواه ابن ماجة). # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة: «إن جارية ~~بكرا أتت النبي # صلى الله عليه وسلم # فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله ...» # وعلماء الفقه متفقون على أن للمرأة الرشيدة أن تلي جميع العقود بنفسها، وأن توكل ~~فيها من تشاء ولا يعترض عليها، وأنها أحق من وليها بالأمر في عقود الزواج إذا ~~خالفها ولم يستأمرها. # ولا حرج على المرأة في تشريع تعدد الزوجات متى كان الرأي فيه موكولا إلى مشيئتها ~~تأبى منه ما تأباه وتقبل منه ما لا ترى فيه غضاضة عليها، أو ترى أنه ضرورة أخف لديها من ~~ضرورات تأباها. # ثم يأتي العرف الاجتماعي فيتولى تنظيم التشريع فوق هذه الولاية الموكولة إلى ~~الزوجات، وإن العرف الاجتماعي ليقدر في هذه الشئون على تنظيم أقوى من كل سلطان، ومن ~~أمثلة التنظيم الذي يتولاه العرف كما قلنا في غير هذا الكتاب: «إنه يحد من رغبات الطبقة ~~الغنية في هذه المسألة كما يحد من رغبات الطبقة الفقيرة فيها على اختلاف أنواع الحدود؛ ~~فالطبقة الغنية أقدر على الإنفاق وأقدر من ثم على تعدد الزوجات، ولكن الرجل الغني ~~يأبى لبنته أن تعيش مع ضرة أو ضرائر متعددات، والمرأة الغنية تطلب لنفسها ولأبنائها ~~نفقات ترتفع مع ارتفاع درجة الغنى حتى يشعر الأغنياء أنفسهم بثقلها إذا تعددت بين زوجات ~~كثيرات؛ فلا ينطلق الزوج الغني في رغباته على حسب غناه، بل يقيم له العرف حدودا ~~وموانع من عنده تكف من رغباته لتثوب به إلى الاعتدال؛ ولهذا نرى في الواقع أن الطبقات ~~الغنية تكتفي بزوجة واحدة في معظم الأحيان. وربما كان للاختيار نصيب من ذلك ms114 كنصيب ~~الاضطرار؛ لأن الأغنياء يستوفون حظوظهم من العلم والثقافة؛ فيدركون بلطف الذوق مزايا ~~العطف المتبادل بين زوجين متكافئين في الكرامة والشعور. # والطبقة الفقيرة لا ترفض المرأة فيها ما ترفضه المرأة الغنية من معيشة الضرائر، ~~ولكن العجز عن الإنفاق يمنعها أن تنطلق مع الرغبة كما تشاء، فلا تستبيح تعديد الزوجات ~~بغير حدود. وهكذا تقوم الشريعة في تعدد الزوجات بما عليها ويقوم العرف الاجتماعي بما ~~عليه، ويقع الإلزام حيث ينبغي أن يقع مع الرغبة والاختيار.» # 4 # ومما يعمله العرف الاجتماعي في أحوال الضرورة أن يكون الزوج غنيا، وأن تكون المرأة ~~المرغوب فيها من الطبقة الفقيرة؛ ففي هذه الحالة ترغب المرأة المخطوبة في قبول الزوجات ~~باختيارها أو تضطر إليه تطلعا منها إلى معيشة أحب من معيشتها، فلا تزال الضرورة في ~~هذه الحالة أكرم لها من ضرورة تغريها بالتفريط في العرض طمعا في المال. ~~••• # على أن العرف الاجتماعي - مع سلطانه الغالب - قد يستفيد من روح الدين وحكمة التشريع ~~فوق ما يستفيد من نصوصه في أوامره ونواهيه. وروح الدين الإسلامي التي سرت إلى العرف في ~~المجتمعات الإسلامية أن الزواج رحم ومودة وسكن: # ومن آياته ~~أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل ~~بينكم مودة ورحمة ~~(الروم: 21). # فلا زواج بغير مودة ورحمة، ولا حكمة للزواج إن لم يكن ملاذا يأوي فيه الزوجان معا ~~إلى سكن يلقيان عنده أعباء الصراع العنيف في الحياة الخارجية إلى حين. وخير الزواج ما ~~استطاع أن يدبر للإنسان كهفا أمينا يثوب إليه كلما ألجأته المتاعب والشواغل إلى ~~ظلاله. وإنه ليعيش من الدنيا في جحيم موصول العذاب إن لم يكن له فيها ذلك الكهف الأمين ~~وذلك الملجأ الحصين ... فإن عز عليه أن يجده كما أراده فليس ذلك بحجة، على أن حياة الجحيم ~~هي الحياة المثلى، وأن كهوف الأمان ليست بالمطلب الجدير بالطلب والصيان. # ومن قديم الزمن هيأت الأمومة طبيعة المرأة لتدبير ذلك السكن وتزويده بزاد المودة ~~والرحمة. ومن أراد أن يتكلم بلغة «الاستغلال» والانتفاع بالفرص، فله أن يقول إن النوع ~~الإنساني خليق ms115 أن يستغل الفوارق بين طبيعتي الجنسين لينتفع بكل منهما غاية ما ~~ينتفعه في موضعه وبحاله، وليكن ذلك من قبيل تقسيم العمل وتخصيص كل طبيعة لما يناسبها ~~ولا يكن خصومة على دعاوى المساواة أو الرجحان؛ فما خلق الجنسان ليكون كل منهما ~~مساويا لصاحبه في طراز واحد من المزايا والملكات، وإنما خلقت لكل منهما مزاياه ~~وملكاته ليكمل بها صاحبه ويزيد بها ثروة النوع كله من خصائص النفس وألوان الفهم ~~والشعور. # وعلى هذه السنة الطبيعية الاجتماعية - من تقسيم العمل وإتقان كل عامل لضرب من ضروبه - ~~يتعاون الزوجان كل فيما هو أصلح له من مطالب الحياة: على الرجل شطر الكفاح في سبيل ~~الرزق وكفاية أهله مئونة الكدح في مضطرب الزحام والصراع، وعلى المرأة شطر السكن ~~الأمين وكلاءة الجيل المقبل في نشأته الأولى، وليس بالشطر الزهيد حضانة الغد وإعداد ~~مستقبل الإنسانية مرحلة بعد مرحلة على الدوام. ~~••• # وتحتوي الشريعة الإسلامية تفصيلا مسهبا عن حقوق كل من الزوجين قبل الآخر وقبل ~~الأسرة في مجموعها، وكلها تتجه إلى هذه الغاية المقصودة من إقامة الأسرة على المودة ~~والرحمة، ولا ينحرف عنها حق من الحقوق عن هذه الغاية بلا استثناء حق التأديب لرب ~~الأسرة؛ فإن حق التأديب لا ينفي المودة والرحمة، ولم ينفهما فيما هو أمس الأمور ~~بالمودة والرحمة؛ وهو تربية البنين وتربية المتعلمين، وتخويل رب الأسرة حق التأديب ~~بدل من أحوال كثيرة كلها غير صالح، وكلها غير معقول في شئون القوامة البيتية، فإما أن ~~يكون لرب الأسرة هذا الحق في معظم الشئون البيتية، وإما أن يستغنى عن التأديب في ~~الأسرة أو يوكل التأديب فيها إلى دور الشرطة والقضاء في كل كبيرة وصغيرة تعرض للزوجين ~~على الرضى والغضب والجهر والنجوى. هذا أو يكون التأديب المسموح به أن ينصرم حبل ~~الزواج وأن ينهدم بناء البيوت على من فيها من الآباء والأمهات والبنين. # ولا يخفى أن عقوبات التأديب إنما توضع للمسيئات والمسيئين، ولا توضع لمن هم غنيون ~~عن التأديب متورعون عن الإساءة، وليس من أدب التشريع أن تسقط الشرائع حساب كل نقيصة ms116 ~~تسترذلها وتأنف منها، فما دامت النقيصة من النقائص التي تعرض للإنسان ولو في حالة من ~~ألوف الحالات، فخلو التشريع منها قصور يعاب على الشريعة ولا يمتنع به الضرر الواقع ~~من تلك النقيصة. ولو حذف من القوانين كل عيب تأنف من ذكرها لما بقيت في تلك القوانين ~~بقية تستلزمها الضرورة الموجبة لبقائها؛ إذ كانت العيوب التي لا تأنف الأسماع منها أهون ~~الأضرار الاجتماعية وأغناها عن التشريع والعقاب. # والأدب العام - بعد - شيء غير عقوبات التأديب في القانون؛ فالحياء يأبى للرجل الكريم ~~أن يضرب امرأته وأن يعاملها بما يغض من كرامتها، ومما أنكره النبي # صلى الله عليه وسلم # غير مرة أن ~~يضرب الرجل امرأته وهو يأنس إليها في داره: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب ~~العير؟» # إلا أن الخلائق المستحسنة - خلائق الكرامة والحياء - ليست هي الخلائق التي توجب ~~الحساب والعقاب، وليست هي الخلائق التي يقف عندها التشريع وتبطل بعدها فرائض الزجر ~~والمؤاخذة؛ فإذا وضعت العقوبات في مواضعها فلا مناص من أن يحسب فيها الحساب للحميد ~~والذميم من الأخلاق والعيوب، بل لا مناص لحسبان الحساب للذميم خاصة؛ لأن الضرورة هنا ~~ضرورة النهي والردع، وليست ضرورة الثواب والتشجيع. وبين الوعظ والهجر والعقوبة البدنية ~~تتفاوت العقوبات الزوجية في الإسلام، ثم يكون التحكيم أو الفراق: # واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا إن الله كان عليا كبيرا * وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ~~إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما ~~خبيرا ~~(النساء: 34-35). # وإنه لمن السخف الرخيص أن يقال إن جنس النساء قد برئ من المرأة التي يصلحها الضرب ~~ولا يصلحها غيره. ونقول: إنه سخف رخيص وخيم؛ لأنه ذلك السخف الذي يضر كثيرا ولا يفيد ~~أحدا إلا الذي يشتري سمعة الكياسة في سوق الحذلقة «التقليدية»، ويسميه الغربيون ~~بينهم باسمه الذي هو به حقيق؛ وهو اسم الدعي المتحذلق # Snob ~~... ولقد وجد هؤلاء في أمم لم تستكثر عقوبة ~~الجلد على كرامة الرجولة ms117 وكرامة الجندية، وغبرت مئات السنين وهي تعلن القوانين التي ~~توجب العقوبة البدنية لمن يخالفون الأوامر أو النظم العسكرية، وإن لهم مع ذلك ~~لندحة من العقوبات المستطاعة في المعاهد العامة كالحبس والتأخير وتنزيل الرتبة ~~وقطع الأجور والحرمان من أنواط الشرف والفصل من الخدمة، فلولا أنها حذلقة خاوية لا تفيد ~~أحدا ولا تدل على كياسة صادقة، لما جاز في عرف هؤلاء الأدعياء أن تسري عقوبة الجلد ~~في مؤاخذة الجنود، وأن تمتنع بعد إخفاق الحيل جميعا في عقوبة النشوز. # ولم تترك هذه العقوبة على كراهتها بغير حدها المعقول الذي تمليه كل مشكلة بحسبها من ~~الخلق المعهود في آداب الزوجين، وإنما حدها الصالح أن تكون أصلح من الفراق وهدم بناء ~~الأسرة في تقدير الرجل والمرأة، فإن لم تكن كذلك فهي المضارة التي توجب التحكيم بين ~~الأسرتين، أو توجب الطلاق بحكم الشريعة مرجعها الأخير الذي ينبغي أن يؤخر إلى أقصاه ~~بعد انقطاع الحيلة وذهاب الرجاء في الوفاق: # ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ~~(البقرة: 231). # ويحق للمرأة عند نشوز زوجها وإعراضه أن تلجأ إلى حكم غير حكمه ترضاه قبل شكواها من ~~أذى المضارة التي توجب الطلاق ... # وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير ~~(النساء: 128). ~~••• # فإذا جاز لباحث يتوخى الصدق أن يعقب على تشريع الإسلام، فمن واجبه أن يحمد لهذا ~~التشريع أنه قدر للواقع حسابه، وأحاط كل تقدير بما يستدعيه من الحيطة والضمان الميسور ~~في أمثال هذه العلاقات، وإن نظرة الشريعة الإسلامية إلى حقوق المرأة من مبدئها قد كانت ~~نظرة تصحيح لما سلف من الشرائع، وإتمام لما نقص فيها. # فلم يكن للزواج حدود في الشرائع الوضعية، ولا في الشرائع الدينية قبل الإسلام، ولا ~~كان فيها ما يعتبر شريعة وافية مقدرة لأحواله وضروراته عند المقارنة بينها وبين الشريعة ~~الإسلامية. # كانت المرأة كالرقيق في قوانين الدولة التي كانت تسمى أم القوانين وهي الدولة ~~الرومانية. # وكانت حطاما يحرق بقيد الحياة على ضريح زوجها في الديانة البرهمية. ms118 # وكانت ديانة العهد القديم تبيح لمن يشاء أن يتزوج ما يشاء بلا قيد ولا ضمان، وبهذه ~~الإباحة وردت فيه أخبار إبراهيم ويعقوب وموسى وداود وسليمان. # ثم جاءت المسيحية فلم تنقض حكما من أحكام الناموس في أمر الزواج. وسئل بولس الرسول ~~عن شرط الأسقف فكتب في رسالته الأولى إلى تيموثاوس أنه ينبغي أن يكون «بلا لوم بعل ~~امرأة واحدة»، وهو تخصيص لا موجب له لو كان هذا هو الحكم العام المرعي بين جميع ~~المؤمنين بالدين . # وظل آباء الكنيسة في الغرب يبيحون تعدد الزوجات، ويعترفون بأبناء الملوك الشرعيين ~~من أزواج متعددات، فلما منعته بعد القرن السابع عشر على إثر الخلاف بينها وبين الملوك ~~الخارجين عليها؛ كانت حجة منعه أن الاكتفاء بالواحدة أخف الشرور لمن لا يقدر على ~~الرهبانية، ولم يكن منعه إكبارا لشأن المرأة يوم كان الخلاف بينهم على أنها ذات روح أو ~~أنها جسد بغير روح ... ولم يكن بينهم خلاف يومئذ على أنها حبالة الشيطان، أبعد ما يكون ~~الإنسان عنها أسلم ما يكون. # وبينما أمم الحضارة في إجماعها هذا على تلك النظرة الزرية إلى المرأة كانت أمة ~~الصحراء تقضي فيها قضاء لا خيار بينه وبين ما عداه؛ كانت تتشاءم بمولدها، ولا تبالي أن ~~تعالجها بالدفن في مهدها، مخافة العار أو مخافة الإملاق. # ومن تلك الزاوية النائية عن العالم تقبل عليه دعوة سماوية تنصفها من ظلم وترفعها من ~~ضعة، وتبسط لها كنف المودة والرحمة وتنتزع لها من القلوب عدلا أعيى على الرءوس، وتقيد ~~من مباح الزواج ما لم يقيده عرف ولا قانون، وتجعل لها الخيار بين ما ترضاه منه وما ~~تأباه، وتستجد لها حياة يستحي المنصف والمكابر أن يجحدا فضلها العميم على ما كانت ~~عليه. # وأما بعد هذا فماذا جاءت به القرون بعد القرون من زيادة لها على نصيبها من عدل ~~الإسلام؟ # خير ما لها في الإسلام لم يدركه خير ما لها في العصر الحديث، وشر ما يصيبها من ~~الإسلام رحمة ونعمة بالقياس إلى الشر الذي يسلمها العصر الحديث إليه. # ولا تزال ms119 فضائل العصر الحديث في حاضرها ومآلها دعوى لم يؤيدها ثبوت من حوادث الواقع، ~~ولا من مبادئ النظر. # فأما حوادث الواقع فشكوى المرأة منها في بيتها وفي دنياها كأسوأ ما كانت في عهد من ~~العهود. # وأما مبادئ النظر فلا خير للمرأة أن تكون على مبدأ القرون الوسطى شيطانا يسلم ~~الإنسان ما سلم منه، ولا خير لها أن تكون على مبدأ الفروسية الكاذبة ملكا في مباذل ~~السوقة، ولا هي في خير مع الناس حتى يقنعوا لها الطبيعة - إن استطاعوا - ويقنعوا ~~أنفسهم قبلها أن المرأة والرجل ندان متساويان متعادلان. ~~(4) زواج النبي # يندر أن يطرق خصوم الإسلام موضوع الزواج دون أن يعرجوا منه إلى زواج النبي، ويتذرعوا ~~به إلى القدح في شخصه الكريم والتشكيك من ثم في دعوته المباركة ودينه القويم. # وللإسلام خصوم محترفون وخصوم ينكرونه على قدر جهلهم به وبسيرة نبيه - عليه ~~السلام. # ولا خفاء بخصومه المحترفين؛ فهم جماعة المبشرين الذين اتخذوا القدح في الإسلام صناعة ~~يتفرغون لها ويعيشون منها، وصناعتهم هذه لا تصطنع عملا لها أهم وأخطر من عملها في ~~تبشير المسلمين أو تبشير الوثنيين وأشباه الوثنيين لكيلا يتحولوا من الوثنية إلى ~~الإسلام؛ فلا غنى لأصحاب هذه الخصومة - أو هذه الحرفة - من اختلاق المآخذ وتصيد ~~التهم التي تجري بها أرزاقهم وتتصل بها أعمالهم، سواء عرفوا الحقيقة من وراء هذه ~~المآخذ وهذه التهم أو جهلوها وأعرضوا عن البحث فيها؛ لأنهم يريدون الاتهام ولا يستريحون ~~إلى معرفة تهدم كل ما عملوه وتصرفهم عن كل ما ألفوه وعقدوا النية عليه. # أما خصوم الإسلام من غير زمرة المبشرين فأكثرهم يخاصمونه على السماع، ولا يعنيهم أن ~~يبحثوه ولا أن يبحثوا دينا من الأديان، حتى الدين الذي آمنوا وشبوا من حجور أمهاتهم ~~عليه. وقليل من أولئك الخصوم غير المحترفين من يتلقف الدراسات الإسلامية تلقفا لا يفيد ~~الدارس، ولا ينبغي منه إلا أن يعلم ما تعلمه لطائفة من التلاميذ يكفيهم منه أن يعرف ~~من أخبار الإسلام ما لم يعرفوه. وبعض هؤلاء الدارسين المدرسين حسن النية؛ لا يأبى أن ~~يعترف ms120 بالحقيقة إذا استمع إليها، وبعضهم سيئ النية؛ لأنه مسخر في خدمة الاستعمار وما ~~إليها من الدعايات الدولية؛ فلا يعنيه من المعرفة إلا ما يملى له في عمله ويمهد ~~لدعايته. # وما اتفق خصوم الإسلام - عن سوء نية - على شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع ~~الزواج على الخصوص، فكلهم يحسب أن المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو ~~تشويه سمعة النبي - عليه السلام - وتمثيله لأتباعه في صورة معيبة لا تلائم شرف النبوة ، ~~ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح، وأي صورة تغنيهم في هذا الغرض الأثيم كما ~~تغنيهم صورة الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد العازف في معيشته البيتية ورسالته ~~العامة عن عفاف القلب والروح؟ # إنهم لعلى صواب في الخطة التي تخيروها لإصابة الإسلام في مقتله من هذا الطريق ~~الوجيز. # وإنهم لعلى أشد الخطأ في اختيارهم هذه الخطة بعينها؛ إذ إن جلاء الحقيقة في هذا ~~الموضوع أهون شيء على المسلم العارف بدينه، المطلع على سيرة نبيه، فإذا بمقتلهم ~~المظنون حجة يكتفي بها المسلم ولا يحتاج إلى حجة غيرها لتعظيم نبيه وتبرئة دينه من قالة ~~السوء الذي يفترى عليه. # فلا حجة للمسلم على صدق محمد - عليه السلام - في رسالته أصدق من سيرته في زواجه وفي ~~اختيار زوجاته، وليس للنبوة من آية أشرف من آيتها في معيشة نبي الإسلام من مطلع حياته ~~إلى يوم وفاته. # ما الذي يفعله الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد إذا بلغ من المكانة والسلطان ما ~~بلغه محمد بين قومه؟ # لم يكن عسيرا عليه أن يجمع إليه أجمل بنات العرب، وأفتن جواري الفرس والروم على تخوم ~~الجزيرة العربية. # ولم يكن عسيرا عليه أن يوفر لنفسه ولأهله من الطعام والكساء والزينة ما لم يتوفر ~~لسيد من سادات الجزيرة في زمانه. # فهل فعل محمد ذلك بعد نجاحه؟ # هل فعل محمد ذلك في مطلع حياته؟ # كلا، لم يفعله قط بل فعل نقيضه، وكاد أن يفقد زوجاته لشكايتهن من شظف العيش في ~~داره. # ولم يحدث قط أن اختار زوجة ms121 واحدة لأنها مليحة أو وسيمة، ولم يبن بعذراء قط إلا ~~العذراء التي علم قومه جميعا أنه اختارها؛ لأنها بنت صديقه وصفيه وخليفته من بعده: أبي ~~بكر الصديق - رضي الله عنه. # هذا الرجل - الذي يفتري عليه الأثمة الكاذبون أنه الشهوان الغارق في لذات حسه - قد ~~كانت زوجته الأولى تقارب الخمسين، وكان هو في عنفوان الشباب لا يجاوز الخامسة والعشرين ~~وقد اختارته زوجا لها؛ لأنه الصادق الأمين فيما اشتهر به بين قومه من صفة وسيرة، ~~وفيما لقبه به عارفوه وعارفو الصدق والأمانة فيه. وعاش معها إلى يوم وفاتها على أحسن ~~حال من السيرة الطاهرة والسمعة النقية، ثم وفى لها بعد موتها فلم يفكر في الزواج حتى ~~عرضته عليه سيدة مسلمة رقت له في عزلته فخطبت له السيدة عائشة بإذنه، ولم تكن هذه ~~الفتاة العزيزة عليه تسمع منه كلمة لا ترضيها غير ثنائه على زوجته الراحلة ووفائه ~~لذكراها. # وما بنى - عليه السلام - بواحدة من أمهات المسلمين لما وصفت به عنده من جمال ونضارة، ~~وإنما كانت صلة الرحم والضن بهن على المهانة هي الباعث الأكبر في نفسه الشريفة على ~~التفكير في الزواج بهن. ومعظمهن كن أرامل مأيمات فقدن الأزواج أو الأولياء، وليس من ~~يتقدم لخطبتهن من الأكفاء لهن إن لم يفكر فيهن رسول الله. # فالسيدة سودة بنت زمعة مات ابن عمها المتزوج بها بعد عودته من الهجرة إلى الحبشة، ~~ولا مأوى لها بعد موته إلا أن تعود إلى أهلها فيكرهوها على الردة أو تتزوج بغير ~~كفء لها أو بكفء لها لا يريدها. # والسيدة هند بنت أبي أمية - أم سلمة - مات زوجها عبد الله المخزومي، وكان أيضا ابن ~~عمها، أصابه جرح في غزوة أحد فقضى عليه، وكانت كهلة مسنة فاعتذرت إلى الرسول - عليه ~~السلام - بسنها لتعفيه من خطبتها، فواساها قائلا: سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك وأن ~~يخلفك خيرا، فقالت: ومن يكون خيرا لي من أبي سلمة؟ وكان الرسول عليه السلام يعلم أن ~~أبا بكر وعمر قد خطباها فاعتذرت بمثل ما اعتذرت به إليه، فطيب ms122 خاطرها وأعاد عليها ~~الخطب حتى قبلتها. # والسيدة رملة بنت أبي سفيان تركت أباها وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، فتنصر زوجها ~~وفارقها في غربتها بغير عائل يكفلها، فأرسل النبي - عليه السلام - إلى النجاشي يطلبها ~~من هذه الغربة المهلكة وينقذها من أهلها إذا عادت إليهم راغمة من هجرتها في سبيل دينها، ~~ولعل في الزواج بها سببا يصل بينه وبين أبي سفيان بوشيجة النسب فتميل به من جفاء ~~العداوة إلى مودة تخرجه من ظلمات الشرك إلى هداية الإسلام. # والسيدة جويرية بنت الحارث سيد قومها كانت بين السبايا في غزوة بني المصطلق، فأكرمها ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # من أن تذل ذلة السباء فتزوجها وأعتقها، وحض المسلمين على إعتاق سباياهم ~~فأسلموا جميعا وحسن إسلامهم، وخيرها أبوها بين العودة إليه والبقاء عند رسول الله، ~~فاختارت البقاء في حرم رسول الله. # والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب مات زوجها، فعرضها أبوها على أبي بكر فسكت وعرضها على ~~عثمان فسكت، وبث عمر أسفه للنبي فلم يشأ أن يضن على صديقه ووليه بالمصاهرة التي شرف ~~بها أبا بكر قبله، وقال له: يتزوج حفصة من هو خير لها من أبي بكر وعثمان. # والسيدة صفية الإسرائيلية بنت سيد بني قريظة خيرها النبي بين أن يردها إلى أهلها أو ~~يعتقها ويتزوجها، فاختارت البقاء عنده على العودة إلى ذويها، ولولا الخلق الرفيع الذي ~~جبلت عليه نفسه الشريفة لما علمنا أن السيدة صفية قصيرة يعيبها صواحبها بالقصر، ~~ولكنه سمع إحدى صواحبها تعيبها بقصرها فقال لها ما معناه من روايات لا تخرج عن هذا ~~المعنى: إنك قد نطقت بكلمة لو ألقيت في البحر لكدرته، وجبر خاطر الأسيرة الغريبة أن ~~تسمع في بيته ما يكدرها ويغض منها. # والسيدة زينب بنت جحش - ابنة عمته - زوجها من مولاه ومتبناه زيد بن حارثة، فنفرت ~~منه وعز على زيد أن يروضها على طاعته، فأذن له النبي في طلاقها، فتزوجها - عليه ~~السلام - لأنه هو المسئول عن زواجها، وما كان جمالها خفيا عليه قبل تزويجها بمولاه؛ ~~لأنها كانت بنت عمته يراها ms123 من طفولتها ولم تفاجئه بروعة لم يعهدها. # والسيدة زينب بنت خزيمة مات زوجها عبد الله بن جحش قتيلا في غزوة أحد، ولم يكن بين ~~المسلمين القلائل في صحبته من تقدم لخطبتها، فتكفل بها - عليه السلام - إذ لا كفيل ~~لها من قومها. # وهذا هو التحريم المشهور في أباطيل المبشرين وأشباه المبشرين، وهذه هي بواعث النفس ~~التي استعصى على المبطلين أن يفهموها على جليتها، فلم يفهموا منها إلا أنها بواعث إنسان ~~غارق في لذات الحس شهوان ! # ولقد أقام هؤلاء الزوجات في بيت لا يجدن فيه من الرغد ما يجده الزوجات في بيوت ~~الكثيرين من الرجال مسلمين كانوا أو مشركين. وعلى هذا الشرف الذي لا يدانيه عند المرأة ~~المسلمة شرف الملكات أو الأميرات، شقت عليهن شدة العيش في بيت لا يصبن فيه من الطعام ~~والزينة فوق الكفاف والقناعة بأيسر اليسير، فاتفقن على مفاتحته في الأمر واجتمعن ~~يسألنه المزيد من النفقة، وهي موفورة لديه لو شاء أن يزيد في حصته من الفيء، فلا يعترضه ~~أحد ولا يحاسبه عليه، إلا أن الرجل المحكم في الأنفس والأموال - سيد الجزيرة العربية - ~~لم يستطع أن يزيدهن على نصيبه ونصيبهن من الطعام والزينة، فأمهلهن شهرا وخيرهن بعده ~~أن يفارقنه، ولهن منه حق المرأة المفارقة من المتاع الحسن، أو يقبلن ما قبله لنفسه معهن ~~من ذلك العيش الكفاف. # ولو أن هذا الخبر من أخبار بيت النبي كان من حوادث السيرة المحمدية التي تخفى على ~~المطلعين المتوسعين في الاطلاع، لكان للمبطلين بعض العذر فيما يفترونه على نبي ~~الإسلام من كذب وبهتان، إلا أنه خبر يعلمه كل من اطلع على القرآن ووقف على أسباب ~~التنزيل، وليس بينها ما هو أشهر في كتب التفسير من أسباب نزول هذه الآيات في سورة ~~الأحزاب: # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات ~~منكن أجرا عظيما ~~(الأحزاب: 28-29). # وأقل المبشرين المحترفين ولعا بالتفتيش عن خفايا السيرة النبوية ms124 خليق أن يطلع على ~~تفاصيل هذا الحادث بحذافيره؛ لأنه ورد في القرآن الكريم خاصا بالمسألة التي يتكالب ~~المبشرون المحترفون على استقصاء أخبارها وإحصاء شواردها، وهي مسألة الزواج وتعدد ~~الزوجات. وقد كان لهذا الحادث الفريد في سيرة النبي صدى لم يبلغه حادث من الحوادث التي ~~عنيت بها العشيرة الإسلامية حين كانت في بيئتها المحدودة تحيط بإيمانها إحاطة الأسرة ~~بأبيها. # حدث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «كنا تحدثنا أن غسان تنتعل النعال لغزونا، ~~فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت ~~إليه، وقال: حدث أمر عظيم! قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم منه وأطول؛ طلق ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # نساءه ...» # ولما تألب ربات البيت يشكون ويلحفن في طلب المزيد من النفقة لبث النبي في داره ~~مهموما بأمره، وأقبل أبو بكر فوجد الناس جلوسا لا يؤذن لأحد منهم، فدخل الدار ولحق به ~~عمر بن الخطاب فوجد النبي واجما وحوله نساؤه، فأحب أبو بكر أن يسري عنه بكلمة يقولها ~~... وكأنه فطن لسر هذا الوجوم من النبي بين نسائه المجتمعات حوله، فقال: «يا رسول الله! ~~لو رأيت بنت خارجة، سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها! فضحك النبي وقال: هن حولي ~~كما ترى يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ ~~عنقها، ويقولان: تسألن رسول الله ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا - ~~أبدا - ليس عنده ...» # وهجر النبي نساءه شهرا، يمهلهن أن يخترن بعد الروية بين البقاء على ما تيسر ~~له ولهن من الرزق وبين الانصراف بمتعة الطلاق. وبدأ بالسيدة عائشة فقال: إني أريد أن ~~أعرض عليك أمرا أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك. فسألته: وما هو يا رسول الله؟ ~~فعرض عليها الخيرة مع سائر نسائه في أمرهن، فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير قومي؟ بل ~~أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأجابت أمهات المسلمين بما أجابت به السيدة عائشة، ~~وانتهت هذه الأزمة المكربة ms125 بسلام، وما استطاع صاحب الدار - وهو يومئذ أقدر رجل في ~~العالم المعمور - أن يحل أزمة داره بغير إحدى اثنتين: أن يجمع النية على فراق نسائه أو ~~يقنعن معه بما لديهن من رزق كفاف. # أعن مثل هذا الرجل يقال إنه حلس شهوات وأسير لذات؟ # أعن مثله يقال إنه ابتغى من رسالته مأربا يبغيه الدعاة غير الهداية ~~والإصلاح؟ # فيم كان هذا الشقاء بأهوال الرسالة وأوجالها من ميعة الشباب إلى سن لا متعة فيها ~~لمن صاحبه التوفيق والظفر ، أو لمن صاحبته الخيبة والهزيمة؟ # ومن أراد الدعوة لغير الهداية والإصلاح فلماذا يريدها، وما الذي يغنمه من ~~ورائها؟ # أتراه يريدها مخاطرا بأمته وحياته مستخفا بالهجرة من وطنه والعزلة بين أهله، ~~ليسوم نفسه بعد ذلك عيشة لا يقنع بها أقرب الناس منه وأعلاهم شرفا بالانتماء ~~إليه؟ # أمن أجل الحس ولذاته يتزوج الرجل بمن تزوج بهن وهو سيد الجزيرة العربية، وأقدر ~~رجالها على اصطفاء النساء الحسان من الحرائر؟ # وهل يتزوج بهن الشهوان الغارق في لذات الحس ليقتدين به في اجتواء الترف والزينة وخلوص ~~الضمير للإيمان بالله وابتغاء الدار الآخرة؟ # وما مأربه من كل ذلك إن كان له مأرب في طويته غير مأربه في العلانية؟ # وعلام يجاهد نفسه ذلك الجهاد في بيته وبين قومه إن لم تكن له رسالة يؤمن بها، ولم تكن ~~هذه الرسالة أحب إليه من النعمة والأمان؟ # إن المبشرين المحترفين لم يكشفوا من مسألة الزواج في السيرة النبوية مقتلا يصيب ~~محمدا أو يصيب دعوته من ورائه، ولكنهم قد كشفوا منها حجة لا حجة مثلها في الدلالة على ~~صدق دعوته وإيمانه برسالته، وإخلاصه لها في سره كإخلاصه لها في علانيته، ولولا أنهم ~~يعولون على جهل المستمعين لهم لاجتهدوا في السكوت عن مسألة الزواج خاصة أشد من ~~اجتهادهم في التشهير بها واللغط فيها. # وعلم الله ما كانت براءة محمد من فريتهم مرتهنة بجلاء الحقيقة في مسألة الزواج ~~والزوجات؛ فإن أحدا يفقه ما يفوه به ولا يسيغ أن يقول إن عملا كالذي قام به محمد ~~يضطلع به رجل ms126 غارق في لذات الحس مشغول بشهوات الجسد. ولئن كان كذلك ثم استطاع أن يتم ~~دعوته في حياته، وأن يبقيها تامة قوية لخلفائه ليكونن إذن آية الآيات على تكوين ~~من الخلق لا يدانيه تكوين. # ولسنا نعتقد أن دينا رفيعا يسول للمتدين به أن يفتري الأباطيل على خلق الله، ~~وأقبح من ذلك في شرع الدين الرفيع أن يكون الافتراء على الناس سبيلا إلى التبشير ~~بكلمات الله، ولكن المبشرين المحترفين لا يدينون بالله ولا بالناس، وإنما يدينون بعبادة ~~الجسد الذي ينكرونه ذلك الإنكار ويؤمنون به في أعمالهم وأقوالهم أخس الإيمان. ~~(5) الطبقة # الطبقة في المجتمع هي الفئة التي تتشابه به في درجة العمل، ونمط المعيشة ومأثور الخلق ~~والعادة، وهي - بعد الأمة والأسرة - أكثر الوحدات الاجتماعية ذكرا وأكبرها خطرا في ~~العصر الحاضر. # والناس مصطلحون على تقسيم الطبقات إلى ثلاث: غنية وفقيرة وميسورة، أو عليا ودنيا ~~ووسطى، ولعله تقسيم مستعار من مرتفعات المكان التي يمكن أن تنقسم إلى فوقية وتحتية ~~ومستوية، أو من الرسوم الجغرافية التي يمكن أن تنقسم إلى شرقية وغربية ومتوسطة، أو ~~تنظيمات الجيوش التي يمكن أن تنقسم إلى طليعة وساقة وقلب. أما تقسيم المجتمع إلى ثلاث ~~طبقات من حيث درجات العمل وأنماط المعيشة ومأثورات الخلق والعادة، فهو تقسيم على وجه ~~التشبيه والتقريب، كأنه تقسيم الناس إلى ثلاثة ألوان بين البياض والسواد، أو تقسيمهم ~~إلى ثلاثة أشكال من ملامح الوجوه؛ وكلها تقسيمات تقبل على وجه التشبيه والتقريب لا على ~~وجه الدقة والتحقيق. # فلا نهاية للفوارق بين الناس في الطائفة الواحدة ولا في العمل الواحد، ولا يوجد فاصل ~~واحد تنحصر فيه أسباب التفرقة بين طائفة وطائفة أو بين واحد وواحد من أبناء الطائفة؛ ~~لأن المرجع في أسباب هذه التفرقة لا يقف بنا في النهاية دون الظاهرة الكونية التي لا ~~يشذ عنها كائن واحد بين السماوات والأرضين، فليس في أجرام السماوات الواسعة جرمان ~~يتساويان في الحجم أو في الحركة أو في الضوء أو في المسافة، وليس على فرع واحد من شجرة ~~ورقتان تتساويان في السعة أو ms127 في اللون أو في الموضع أو في مادة العصا النباتية، وليست ~~هنالك ورقة واحدة تتساوى في وقتين من أوقات النهار والليل. # وإذا بلغ من عمق هذه الظاهرة الكونية واتساعها أن تتمثل في المادة الجامدة في تركيبها ~~المحدود، فأحرى بالجماعة الإنسانية التي لا تنحصر تراكيبها الحسية والمعنوية ألا تضيق ~~فيها عوامل هذه الظاهرة حتى تنحصر برمتها في سبب من أسباب الأخلاق أو سبب من أسباب ~~الفكر أو أسباب الاقتصاد أو أسباب العوارض الطبيعية؛ فإن هذه العوامل المتشابكة في كل ~~جماعة إنسانية تتساند وتتناظر وتعمل عمل الأضداد كما تعمل عمل الأشباه في كل معرض من ~~معارض الحياة، ونحسب أنه لو جاز أن يكون بينها عامل أضعف من سائر العوامل، لكان أضعفها ~~جميعا عامل الاقتصاد الذي زعم جماعة الماديين التاريخيين أنه هو عاملها الوحيد، أو ~~عاملها الذي لا يقوى على مناهضته عامل سواه. # في بلاد الطبقات - بلاد الهند - لم تكن السيادة العليا لطبقة التجار وذوي الأموال ~~والمرافق الصناعية والزراعية، بل كان هؤلاء معدودين من الطبقة الثالثة أو الثانية على ~~أكبر تقدير، ومن فوقهم جميعا طبقة المقاتلين وفرسان الحروب وذوي الشجاعة والدربة ~~على استخدام السلاح. # والإقطاعيون في أوروبا لم يكونوا يوما من أيامهم طبقة متفقة في المصلحة أو متجاورة ~~على وئام وسلام، بل كان اسمها نفسه مشتقا من المنازعة والخصومة، وكانت العداوة بين كل ~~فارس منها وجيرانه أشد من العداوة بين الفارس والفلاح. # ورأس المال زال من البلاد الروسية وزال معه أغنياؤها وسراتها ونبلاؤها، وظهرت فيها - ~~مع هذا - طبقة حاكمة من الخبراء والمهندسين لا تدانيها في سطوتها واستبدادها طبقة حاكمة ~~في أشهر البلاد باستبداد نظم الصناعة ورءوس الأموال. # والصناعة الكبرى لم تكن هي الطور الاقتصادي الأخير الذي جرد العمال طبقة مستقلة تتقدم ~~الصفوف لما يسمونه حرب الطبقات، ولكنهم تجردوا لهذه الحرب؛ لأنهم تجمعوا في أمكنة ~~متقاربة يتفقون فيها على المطالب والحركات، ويستطيعون باتفاقهم أن يعطلوا الأعمال في ~~المصانع ويكرهوا أصحابها على الإصغاء إليهم، وكذلك فعل العمال في عهد الرومان قبل عهد ~~الصناعة الكبرى بنحو ms128 عشرين قرنا حين ثاروا بقيادة «سبارتكوس»، وفعل عمال إسبرطة قبلهم ~~ما فعلوه، ومنهم طوائف «الهيلوب» الذين كانوا يقتسمون حصة من غلال الأرض الزراعية كما ~~كانوا يتقاضون الأجور. # والطبقة الغنية يخرج منها من يخرج ويدخل إليها من يدخل كلما تغيرت فيهم صفاتهم ~~النفسية أو الفكرية؛ فغني اليوم فقير الغد، وفقير الأمس غني اليوم، على حسب صفاتهم أو ~~حسب الفرص التي تتهيأ لهم ويسوسونها بعقولهم وأخلاقهم، لا لأن العوامل الاقتصادية ~~وحدها هي التي تخلق طبقات المجتمع وتبقيها إلى أن تتبدل هذه فتتبدل تلك معها، كأنهما - ~~معا - كتلة صماء تتغير من فترة إلى فترة، ولا عمل فيها لإرادة الداخلين فيها ولا ~~الخارجين منها. ~~••• # وستبقى الطبقات ما بقي الناس مختلفين، وسيبقى الاختلاف بينهم بلا عد وبلا حد، يقسمه ~~من يريد التقريب والإيجاز ثلاثا ثلاثا أو أربعا أربعا أو اثنتين اثنتين، إلا أنه ~~سيرجع في مئات الفوارق وألوفها إلى تلك الظاهرة الكونية التي لا تدع ورقتين على فرع ~~واحد من الشجرة الواحدة متشابهتين كل التشابه في تركيب الأجزاء، وأحرى ألا يتشابه ~~التركيب في الجماعات الإنسانية ولو تشابهت ظروفها الاقتصادية كل التشابه فيما بدا ~~واستتر، وفيما يملكه الأفراد أو تملكه الجماعات من إرادة وتدبير. ~~••• # ويحق لنا أن ننظر إلى المسألة من وجهة أخرى غير وجهة الواقع الذي لا حيلة لنا فيه، ~~فنسأل: أترانا نسلم لهذه الظاهرة الكونية لأنها قضاء حتم ينفذ فينا كما ينفذ في ~~الكون كله من أعلاه إلى أدناه؟ أترانا نبدل من هذه الظاهرة الكونية لو ملكنا التبديل ~~في حياتنا الإنسانية؛ فلا ندع بين الإنسان والإنسان موضعا لاختلاف التركيب في الأجسام ~~أو في العقول أو في الأحوال والأطوار؟ # لو أننا فعلنا ذلك لظلمنا أنفسنا وحرمنا النوع الإنساني ثروة من الأفكار والعواطف ~~والأذواق يجني علينا الحرمان منها أفرادا وجماعات ... فإن هذه الثروة النفسية هي التي ~~تميزنا من الأحياء الدنيا، وهي التي تميز المتقدمين منا على المتأخرين، وهي التي ~~تفيدنا من تنويع الكفايات وتوزيع الأعمال، وتجعل كل فريق منا لازما لكل فريق بين سكان ~~الكرة الأرضية ms129 قاطبة أو بين السكان في كل بقعة من بقاعها على انفراد. ويظل هذا التنويع ~~في أفكارنا وأخلاقنا وأذواقنا ثروة نفسية نحرص عليها ولو ثبت أنها - في أصولها - ضرورات ~~اجتماعية تقسرنا عليها المنفعة المادية والحاجة الحيوانية؛ فإن الضرورات التي تفتح لنا ~~آفاقا من الفكر والخلق والذوق تنوعها وتوسع جوانبها خير من الضرورة التي تحبسنا في أفق ~~ضيق يهبط بنا شيئا فشيئا إلى حضيض تحت حضيض من الحيوانية العجماء. # فلو أننا ملكنا زمام أمانينا بأيدينا لما طاب لنا أن نلغي طبقات الناس التي يخلقها ~~تنوع الأفكار والأخلاق والأذواق، ولا بد أن يخلق معها اختلافا في درجات الأعمال وأنماط ~~المعيشة ومأثورات العرف والعادة؛ فإن شر المجتمعات لمجتمع متشابه قليل المزايا يصدق ~~عليه ما قاله الشاعر العربي بفطرته السليمة في بني الجهيم: # وبنو الجهيم قبيلة ملعونة # حص اللحى متشابهو الألوان # وإن مجتمعا كهذا المجتمع الضيق المتشابه في أحوال أبنائه وأطوارهم لشر من المجتمع ~~الذي تتنوع فيه الأحوال والأطوار، ولو طغى فيه أناس على آخرين وثار فيه المقهورون على ~~الطغاة القاهرين، فإنه يئول في آخرة المطاف إلى بقاء الأصلح من الفريقين أو بقاء ~~الصالح من أخلاق كل فريق. # ولعلنا نرجو من هذا الصراع خيره في هذا العصر إذا كان من آثار شروره أن نعلم بها، وأن ~~نعرف ما نحذره منها، ونسعى إلى اجتنابه بما في وسعنا، فإذا لم يكن من أمانينا أن نمحو ~~الاختلاف لأنه محو للتنويع أو محو لثروتنا الإنسانية، فليكن من أمانينا أن نجعله ~~اختلافا لا طغيان فيه ولا استئثار، ولا مذلة فيه من الجانب الآخر ولا حرمان. # وخير المجتمعات إذن مجتمع يسمح للكفايات والمزايا الخلقية بالمجال الذي يناسبها في ~~الحياة العامة، ولكنه لا يسمح لها بأن تحرم أحدا حقه أو تقف بينه وبين مجاله الذي ~~استعد له بما هو أهله، ولو لم يولد فيه ولم يكن منه بالنسب والوراثة. # وهذا المجتمع هو الذي يأمر به الإسلام ويحمده ويزكيه بتعاليمه ووصاياه. # فهو لا يمنع التفاوت بين أقدار الناس وإن كانوا من الأنبياء والمرسلين: ms130 # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~(الإسراء: 55)، # تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ~~(البقرة: 253). # ولا يسوي الإسلام بين العلماء والجهلاء، ولا بين المؤمنين في صدق الإيمان: # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون ~~(الزمر: 9)، # يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~(المجادلة: ~~11). ~~••• # وليس من العدل في الإسلام أن يختلف الناس في العمل ويتساووا في الأرزاق؛ فهم ~~مختلفون في درجات الرزق كاختلافهم في درجات العلم والإيمان: # نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ~~(الزخرف: 32)، # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ~~(النحل: ~~71). ~~••• # إلا أن هذا التفاضل في العلم أو في الرزق لا يقوم على النسب الموروث ولا على الغصب ~~والسطوة، وإنما يقوم على العمل، ولا يحق لأحد أن يحتفظ به إلا بمقدار ما يبتغي فيه ~~بعمله: # إنما المؤمنون إخوة ~~(الحجرات: 10)، # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع ~~بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم ~~(الأنعام: 165)، # ولكل درجات مما عملوا وما ~~ربك بغافل عما يعملون ~~(الأنعام: 132). # ولا يخفى أن المجتمع الإسلامي مجتمع ضمائر ونفوس يخاطبها الدين، ولديها سبل الخطاب ~~الذي يراد به صلاح العقول والأبدان، فإذا خص الإسلام طائفة بالخطاب فتلك هي الطائفة ~~التي تمتاز بالعلم والقوامة الفكرية في الأمة، ولا يحمد الإسلام من مجتمع إنساني أن ~~يخلو من هذه الطائفة التي تناط بها النصيحة، وتوكل إليها مهمة الهداية إلى الرشد ~~والتحذير من الضلالة في مصالح الدين والدنيا، وتلك هي جماعة أهل الذكر وجماعة الداعين ~~إلى الخير والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهي الجماعة التي سماها فقهاء ~~الإسلام بعد ذلك بأولي الحل والعقد، ووكلوا إليها ترشيح الإمام والرقابة على ولاية ~~الأمور، تطوعا لا يندبهم له أحد ولا يفرضه أمر مرسوم يتحكم فيه سلطان الدولة، ولكنها ~~أمانة العلم ينهض بها من هو أهل لها، ويستمع له من يستمع وهو مسئول عن صوابه أو خطئه في ~~الثقة والاختيار: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ~~(النحل: 43)، # ولتكن منكم أمة ~~يدعون ms131 إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ~~(آل عمران: 104). # وأسوأ المجتمعات في الدين الإسلامي مجتمع أقوام لا يتواصون بالخير ولا يتناهون عن ~~منكر فعلوه، إلا أن الإسلام يعنى بالضمائر والنفوس ويقرن إلى ذلك على الدوام عنايته ~~بمرافق الدنيا ومصالح الأجسام. ~~••• # فالمسلم مأمور كما تقدم - في غير موضع - بأن يستوفي نصيبه من طيبات دنياه، وله أن ~~يجمع من المال ما يستحقه بعمله وتدبيره، ولكن في غير إسراف ولا استئثار ولا ~~احتكار. # كسب المال مباح محمود، ولكن الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في الخير ~~ملعونون مستحقون للعذاب الأليم: # والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم ~~(التوبة: 34). # وصلاح المال أن تتداوله الأيدي # كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم ~~(الحشر: 7). # وليس من الخير في غنى المال أن يجمعه الإنسان حتى يطغيه: # إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ~~(العلق: ~~6-7). # أما المحتكرون فهم منبوذون من المجتمع الإسلامي يبرأ منهم ويلعنهم الله، كما جاء في ~~الأحاديث النبوية الشريفة: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون.» # 5 # وكما جاء فيها: «من احتكر طعاما أربعين يوما يريد به الغلاء فقد برئ من ~~الله وبرئ الله منه.» # ودفعا للحيلة في المضاربة بالنقد أو بالطعام لاحتكاره وتحليل الربا عليه؛ فقد نهى - ~~عليه السلام - أشد النهي عن مبادلة المعادن والأطعمة المتماثلة بزيادة فيها، فقال في ~~روايات متشابهة: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير ~~والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ~~...» # والإسلام يحب للمسلم أن يعمل ويكسب، ويكره له أن يتبطل ويتكل على غيره. وأحاديث النبي # صلى الله عليه وسلم # تؤكد الأوامر الإلهية في هذا المعنى فيما يجمعه قوله تعالى: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون ~~(التوبة: 105). # والنبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله يحب العبد المحترف ويكره العبد البطال.» # ويقول: «أفضل الكسب كسب الرجل بيده.» # وكان الخليفة العظيم عمر بن الخطاب مؤسس الدولة الإسلامية يقول: «والله لئن جاءت ~~الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد ms132 منا يوم القيامة، فإن من قصر به عمله ~~لا يسرع به حسبه ...» # فلا عذر في المجتمع الإسلامي لمن يقعد عن العمل والكسب وهو قادر عليهما. أما الذي ~~يقعد عنهما اضطرارا لعجز أصابه أو حرج وقع فيه، فله على المجتمع حق مفروض لا هوادة فيه ~~يؤديه عنه كل من ملك نصاب الزكاة، وهي إحدى الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام، ولم ~~يتكرر في القرآن الكريم ذكر فريضة منها كما تكرر ذكر هذه الفريضة بلفظها أو بلفظ يدل ~~عليها كالصدقة والإحسان والبر وإطعام اليتامى والمساكين. ومن الآيات التي ورد فيها الحض ~~على الزكاة ما يعلم المسلم أن البر في العقيدة وإيتاء المال لأصحاب الحق المشروع فيه: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب ~~(البقرة: 177). # ومما ورد في الحض على الزكاة باسم الصدقات مع بيان مستحقيها قوله تعالى في سورة ~~التوبة: # إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله ~~(التوبة: 60). # وتجب الزكاة على الأنعام والماشية وعلى الأموال وعروض التجارة وغلات الزروع. ونصاب ~~الزكاة في الإبل خمس وفي البقر ثلاثون وفي الغنم أربعون، ونصابها في الأموال والعروض ~~وثمرات الزروع يضارع هذه القيمة على وجه التقريب، والحصة المفروضة على النصاب تضارع ربع ~~العشر من رأس المال، والحصة المفروضة على الثمرات تضارع العشر مما يسقيه المطر ونصف ~~العشر مما تسقيه الغروب وأدوات الري على إجمالها. # ففي كل سنة يستحق المعوزون المفتقرون إلى المعونة جزءا من أربعين جزءا من رءوس ~~الأموال في الأمة، أو جزءا من عشرة أجزاء من ثمرات الزراعة وما إليها، وهو مقدار من ~~الثروة العامة لا يخصص مقدار مثله في الأمم الحديثة التي تقررت فيها حصة من موارد ~~الدولة للإنفاق على العجزة والشيوخ، ومن يستحقون العون لغير تفريط أو تقصير. # ومن الآيات المتقدمة نعلم أن المستحقين للزكاة ثمانية أصناف ms133 هم: (1) الفقراء، وهم ~~الذين يملكون شيئا دون نصاب الزكاة ويستنفدونه في حاجاتهم وضروراتهم، و(2) المساكين، ~~وهم الذين لا يملكون شيئا، و(3) عمال الزكاة، وهم موظفو الدولة الذين يحصلونها أو ~~يوزعونها، و(4) المؤلفة قلوبهم، وهم المسلمون حديثو العهد بالإسلام ممن تخشى عليهم ~~الفتنة أو الكفر يستألفهم الإسلام ولا يعملون ما يؤذي المسلمين، و(5) الأرقاء الذين ~~يفتدون من الأسر بالمال، و(6) المكنوبون بالمغارم، و(7) المجاهدون الذين يحتاجون إلى ~~النفقة، و(8) الغرباء المنقطعون عمن يعولهم، وكل من هو في حكم هؤلاء اضطرارا إلى رعاية ~~المجتمع وعجزا عن ولاية أمره بنفسه. ~~••• # ولم يقصد الإسلام بفريضة الزكاة أن يجعلها حلا لمشكلة الفقر في المجتمعات ~~الإنسانية؛ فإنما تحل مشكلة الفقر في المجتمع الإسلامي بالعمل والسعي في طلب الرزق ~~يتعاون على تدبير وسائلهما ولاة الأمر وطلاب الأعمال، ويحاسب الإمام على التواني في ~~هذه المهمة كما يحاسب على التواني في سائر مصالح الرعية. ولا شك أن الإسلام قد صنع في ~~حل مشكلة الفقر من أساسها صنيعه الذي لم يسبقه إليه دين من الأديان الكتابية أو أديان ~~الحضارات الغابرة؛ فإنه مسح عن الفقر قداسته التي جللته بها عبادات الأمم، وأحاطته بها ~~في الصوامع والبيع والمحاريب المنقطعة عن العمران، ومسح عنه تلك القداسة من جذورها ~~حين أنكر تعذيب الجسد وحرمانه، وحين رفع عن الجسد مسبة الدنس والنجاسة المتأصلة في ~~دخيلة التكوين؛ فأوجب على المسلم أن ينعم بطيبات الرزق، وأنكر عليه أن يحرم مما أحل ~~الله من تلك الطيبات التي لا تقف عند حدود الضروريات، بل تتخطاها إلى الزينة والجمال. ~~ومن استهان بأثر هذه النظرة السليمة إلى الفقر، فليتخيل كيف كانت مشكلة الفقر تساس ~~للعلاج بين أناس ينظرون إليه نظرة التقديس، وينظرون إلى متاع الجسد نظرة الزراية ~~والتدنيس! وليتخيل الفارق البعيد بين مجتمع يعمل على تعظيم الفقر واعتبار العمل في طلب ~~الرزق غلطا تبتلى به الروح من غواية الجسم المرذول، وبين مجتمع يعمل على إيجاب السعي ~~ويلوم أبناءه على تحريم الطيبات والزهد في الدنيا، ويؤاخذ الإنسان إذا مد يده بالسؤال ~~وعنده ms134 قوت يكفيه مؤنة السؤال. # إن الإسلام قد جاء بالوسيلة التي لا غنى عنها في مكافحة الفقر وحل مشكلته يوم جعله ~~ضرورة لا تباح للمسلم إلا كما تباح الضرورات التي لا حيلة فيها ولا اختيار معها. ~~وإنما فرض الزكاة لمن أصابتهم تلك الضرورات وأقعدتهم عن السعي، واستنفدوا - مع المجتمع ~~- كل حيلة في تدبير العمل المستطاع. ومن لم يكن منهم مستطيعا عملا بتدبير من الإمام ~~أو بتدبير من نفسه فهو مكفول الرزق بما تجبيه الدولة من حصة الزكاة حقا معلوما ~~يتقاضونه من الإمام ولا هوادة فيه. # وليست حصة الزكاة بالقدر الصغير عند المقارنة بينها وبين الحصة التي تخصص من ثروة ~~الأمة في المجتمعات الحديثة للإنفاق على العجزة والشيوخ والمنقطعين عمن يعولهم؛ فإنها - ~~كما هو معلوم - تضارع جزءا من أربعين جزءا من ثروة الأمة في كل سنة، أو تضارع عشر ~~الثمرات الزراعية وما إليها، وليس في مجتمع من المجتمعات - حتى الشيوعية منها - من يزيد ~~على هذا القدر في الإنفاق على ذوي الحاجات من العجزة والشيوخ. إلا أن الإسلام مع هذا لم ~~يقصر الإحسان على فريضة الزكاة، ولا أسقط على القادرين واجب الغوث لمن يعرفونهم ~~ويقدرون على إمدادهم بما يعينهم على شدائدهم؛ إذ ليست الزكاة هي كل ما يصنعه المحسنون ~~القادرون على الإحسان، ولكنها هي الإحسان الذي تفرضه الدولة، وتستخلصه من المفروض عليهم ~~عنوة إن لم يؤدوه طواعية في موعده المعلوم. # وإذا انفصلت مشكلة الفقر ومشكلة الطبقات على هذا النحو، فالعاطلون كلهم في كفالة ~~المجتمع، والطبقات كلها عاملة منتجة تنحل مشكلتها بتصحيح أوضاعها وتوطيد هذه الأوضاع ~~على نظام عادل في مجتمع سليم. # وآخر الحلول التي أسفرت عنها تجارب القرون المتطاولة في مشكلة حرب الطبقات أن هذه ~~المشكلة لا تزال بإزالة الطبقات، بل بإزالة الحرب بينها، وإن هذه الحرب تمنع كلما ~~تقاربت الفجوة الواسعة بين الطبقات، فلا إفراط في الغنى ولا إفراط في الفقر، ولا سبيل ~~لفريق منها أن يجوز على فريق سواه، وقد ابتدع خبراء الصناعة والاقتصاد في العصر الأخير ~~وسيلة للتقارب بين ذوي ms135 الأموال وطوائف الصناع والعمال أن يشتركوا في المصلحة الكبرى ~~متعاونين عليها مساهمين فيها، إما بتوزيع الحصص على تفاوت مقاديرها، وإما بتعميم ~~المرافق التعاونية التي تتلاقى فيها منافع المنتجين والمستنفدين وأرباح البائعين ~~والشراة. # وليس في هذا الحل شرط من شروطه لا تيسره تعاليم الإسلام ووصاياه، فإن التعاون أدب من ~~آدابه يأمر به الناس جميعا، وتندب للتنبيه إليه أمة تتواصى بالمعروف وتتناهى عن ~~المنكر: # وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان ~~(المائدة: 2)، # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~(العصر : ~~3). ~~••• # وواجب الكبار فيه كواجب الصغار؛ فليس من المسلمين كبير لا يرحم الصغير وصغير لا ~~يوقر الكبير، كما جاء في الحديث الشريف: «ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ~~ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر.» # وإنه لمما ييسر هذا التعاون بين طوائف الأمة أن تقرر فيها كفالة الضعفاء ~~فرضا محتوما على القادرين، وأن يمتنع حبس المال في أيدي فريق من الناس؛ فلا إفراط في ~~الغنى ولا إفراط في الفاقة، ولا استئثار ولا حرمان. # ولا تحل مشكلة الطبقات بالرأي أو بالواقع إلا على هذا النحو الذي ينتهي إلى إزالة حرب ~~الطبقات ولا ينتهي إلى إزالة الطبقات؛ فالعالم بخير ما دام فيه أنواع الكفايات وفوارق ~~المزايا والصفات، وما دامت هذه الأنواع والفوارق فيه يتمم بعضها بعضا ويجري بعضها على ~~معونة بعض. والعالم على شر ما يكون إذا زال فيه كل خلاف بزوال الأداة المختلف عليها: ~~يتنازع الناس الأموال فتزول الأموال، ويتنازعون الحكم فيزول الحكم، ويتنازعون الحرية ~~فتزول الحرية، وما هم في الحق بقادرين على إزالة شيء واحد يتنازعون عليه، فلو أزالوا ~~فوارق الأرزاق لم يزيلوا الفوارق بينهم على الذكاء والغباء، أو على القوة والضعف، أو ~~على الجاه والخمول، أو على الوسامة والدمامة، أو على الذرية والعقم ... ولو أنهم أزالوها ~~لزالوا أجمعين، ولكنهم باقون برحمة الله # ولا يزالون ~~مختلفين ~~(هود: 118). ~~(6) الرق # شرع الإسلام العتق ولم يشرع الرق؛ إذ كان الرق مشروعا قبل الإسلام في القوانين ~~الوضعية والدينية بجميع أنواعه: رق الأسر في الحروب، ورق السبي في غارات ms136 القبائل بعضها ~~على بعض، ورق البيع والشراء، ومنه رق الاستدانة أو الوفاء بالديون. # وكانت اليهودية تبيحه، ونشأت المسيحية وهو مباح فلم تحرمه، ولم تنظر إلى تحريمه ~~في المستقبل، وأمر بولس الرسول العبيد بإطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح، فقال في ~~رسالته إلى أهل أفسس: # أيها العبيد! أطيعوا سادتكم حسب الجسد بحوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما ~~للمسيح، ولا بخدمة العين كما يرضي الناس، بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من ~~القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحد من ~~الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حرا. # وأوصى الرسول بطرس بمثل هذه الوصية، وأوجبها آباء الكنيسة؛ لأن الرق كفارة من ذنوب ~~البشر يؤديها العبيد لما استحقوه من غضب السيد الأعظم، وأضاف القديس الفيلسوف توما ~~الأكويني رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين فلم يعترض على الرق بل زكاه؛ لأنه - ~~على رأي أستاذه أرسطو - حالة من الحالات التي خلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية، ~~وليس مما يناقض الإيمان أن يقنع الإنسان من الدنيا بأهون نصيب. # ومذهب أرسطو في الرق أن فريقا من الناس مخلوقون للعبودية؛ لأنهم يعملون عمل الآلات ~~التي يتصرف فيها الأحرار ذوو الفكر؛ فهم آلات حية تلحق في عملها بالآلات الجامدة، ويحمد ~~من السادة الذين يستخدمون تلك الآلات الحية أن يتوسموا فيها القدرة على الاستقلال ~~والتمييز؛ فيشجعوها ويرتقوا بها من منزلة الأداة المسخرة إلى منزلة الكائن العاقل ~~الرشيد. # وأستاذ أرسطو - أفلاطون - يقضي في جمهوريته الفاضلة بحرمان العبيد حق «المواطنة»، ~~وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من سادتهم أو من السادة الغرباء، ومن تطاول منهم ~~على سيد غريب أسلمته الدولة إليه ليقتص منه كما يريد. # وقد شرعت الحضارة اليونانية نظام الرق العام، كما شرعت نظام الرق الخاص أو تسخير ~~العبيد في خدمة البيوت والأفراد؛ فكان للهياكل في آسيا الصغرى أرقاؤها الموقوفون عليها، ~~وكانت عليهم واجبات الخدمة والحراسة، ولم يكن من حقهم ولاية أعمال الكهانة والعبادة ~~العامة. # وانقضى على العالم عصور بعد عصور وهذا النظام شائع ms137 في أرجائه بين الأمم المعروفة في ~~القارات الثلاث، ينتشر بين أمم الحضارة وقبائل البادية التي تكثر فيها غارات السلب ~~والمرعى، ويقل انتشاره بين الأمم الزراعية عند أودية الأنهار الكبرى كوادي النيل وأودية ~~الأنهار الهندية. إلا أن الأمم في الأودية الهندية كانت تأخذ بنظام الطبقة المسخرة أو ~~الطبقة المنبوذة، وهي في حكم الرقيق العام من وجهة النظر إلى المكانة الاجتماعية ~~والحقوق الإنسانية. # وعلى هذه الحالة كان العالم كله يوم مبعث الدعوة الإسلامية من قبل الصحراء ليس فيه ~~من يستغرب هذه الحالة، أو من يشعر بحاجة إلى تعديل فيها حيث يكثر الأرقاء أو حيث ~~يقلون. # ففي البلاد التي كثر فيها عدد الأرقاء كانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فيها ~~مرتبطة بأعمال الرقيق في البيوت والمزارع والمرافق العامة؛ فلم يكن تغيير هذه الأوضاع ~~مما يخطر على البال، ولم يكن تغييرها مستطاعا بين يوم وليلة، لو أنه خطر على بال ~~أحد. # وفي البلاد التي قل فيها عدد الأرقاء لم تكن هناك مسألة حازبة أو معجلة تسمى مسألة ~~الرقيق وتستدعي من ذوي الشأن اهتماما بالتغيير والتعديل. # وكان عدد الأرقاء قليلا في البادية العربية بالقياس إلى أمم الحضارة؛ إذ كان عددهم ~~بين المسلمين الأوائل لا يزيد على عدد الأصابع في اليدين، فلم يكن بدعا من الدين ~~الجديد أن يترك الحالة في الصحراء العربية - وفي العالم - على ما كانت عليه: حالة لا ~~يستغربها أحد، ولا يفكر أحد في تغييرها أو تعديلها. ولكنه لم يتركها، ولم يغفلها، ولم ~~يؤجلها بين الإغضاء والاستحسان لهوانها وقلة جدواها، بل جرى فيها على دأبه في علاج ~~المساوئ الاجتماعية والأخلاقية: يصلح منها ما هو قابل للإصلاح في حينه، ويمهد للتقدم ~~إلى المزيد من الإصلاح مع الزمن كلما تهيأت دواعيه. # ونحن نحب أن نلخص ما صنعه الإسلام في هذه المسألة قبل أربعة عشر قرنا في بضع ~~كلمات: إنه حرم الرق جميعا، ولم يبح منه إلا ما هو مباح إلى الآن. وفحوى ذلك أنه قد ~~صنع خير ما يطلب منه أن يصنع، وأن الأمم الإنسانية لم تأت ms138 بجديد في هذه المسألة بعد ~~الذي تقدم به الإسلام قبل ألف ونيف وثلاثمائة عام. # فالذي أباحه الإسلام من الرق مباح اليوم في أمم الحضارة التي تعاهدت على منع الرقيق ~~منذ القرن الثامن عشر إلى الآن. # لأن هذه الأمم التي اتفقت على معاهدات الرق تبيح الأسر، واستبقاء الأسرى إلى أن يتم ~~الصلح بين المتحاربين على تبادل الأسرى أو التعويض عنهم بالفداء والغرامة. # وهذا هو كل ما أباحه الإسلام من الرق أو من الأسر على التعبير الصحيح، وغاية ما هنالك ~~من فرق بين الماضي قبل أربعة عشر قرنا وبين الحاضر في القرن العشرين أن الدول في عصرنا ~~هذا تتولى الاتفاق على تبادل الأسرى أو على افتداء بعضهم بالغرامة والتعويض. أما في ~~عصر الدعوة الإسلامية فلم تكن دولة من الدول تشغل نفسها بهذا الواجب نحو رعاياها ~~المأسورين، فمن وقع منهم في الأسر بقي فيه حتى يفتدي نفسه بعمله أو بماله، إذا سمح له ~~الآسرون بالفداء. # فماذا لو أن الدول العصرية بقيت على خطة الدول في القرن السادس للميلاد؟ ماذا لو أن ~~الحروب اليوم انتهت كما كانت تنتهي في عصر الدعوة الإسلامية بغير اتفاق على تبادل ~~الأسرى، أو على افتكاكهم من الأسر بالتعويض والغرامة؟ # كانت حالة الأسرى اليوم تشبه حالة الأسرى قبل أربعة عشر قرنا في حقوق العمل والحرية ~~والتمتع بالمزايا الاجتماعية، وكان كل أسير يظل في موطن أسره رقيقا مسخرا في الخدمة ~~العامة أو الخاصة محروما من المساواة في حقوق المواطنة بينه وبين أبناء الأمة ~~الغالبة. # حالة كحالة الرق التي سمح بها الإسلام على كره واضطرار. # ولكن الإسلام لم يقنع بها في إبان دعوته، وأضاف إلى شريعته في الرق نوافل وشروطا ~~تسبق الشريعة الدولية بأكثر من ألف سنة. فإذا كانت الشريعة الدولية لم تعرف الدولة في ~~فكاك رعاياها من الأسر، فقد سبق الإسلام إلى فرض هذا الواجب على الدولة فجعل من مصارف ~~الزكاة إنفاقها «في الرقاب»؛ أي فكاك الأسرى، وأن يحسب للأسرى حق من الفيء ~~والغنيمة كحق غيرهم من المقاتلين. # وإذا كان ارتباط ms139 الأسرى ضربة لازب في الحروب، فالإسلام لم يجعله حتما مقضيا في ~~جميع الحروب، وحرص على التخفيف من شدته ما تيسر التخفيف منه، وجعل المن في التسريح ~~أفضل الخطتين: # فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها ~~(محمد: 4). # وحث المسلمين على قبول الفدية من الأسير أو من أوليائه: # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم ~~(النور: 33). # وقد كثرت وصايا النبي # صلى الله عليه وسلم # بالأرقاء، فقال في بعض الأحاديث: «أوصاني حبيبي جبريل ~~بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم.» وكانت من آخر وصاياه قبل ~~انتقاله إلى الرفيق الأعلى وصيته ب «الصلاة وما ملكت إيمانكم»، ونهى المسلمين أن يتكلم ~~أحد عما ملك فيقول: عبدي وأمتي، وإنما يذكرهم فيقول: فتاي وفتاتي كما يذكر أبناءه ~~وبناته. وكان # صلى الله عليه وسلم # يعلم صحابته بالقدوة في معاملة الرقيق كما يعلمهم بالفريضة؛ ~~فكان يتورع عن تأديب وصيفته ضربا بالسواك، وقال لوصيفة أرسلها فأبطأت في الطريق: ~~«لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك.» # ومن الوسائل الفردية التي تحرى بها الإسلام تعميم العتق وتعجيل فكاك الأسرى أنه جعل ~~العتق كفارة عن كثير من الذنوب، كالقتل الخطأ والحنث باليمين ومخالفة قسم الظهار: # ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن ~~كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة ~~مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ~~(النساء: ~~92)، # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة ~~(المائدة: 89)، # والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا ~~(المجادلة: 3). # ويحسب من الرذائل المأخوذة على الإنسان السيئ أنه لا يقتحم هذه العقبة أو لا ينهض ~~بهذه الفدية المؤكدة: # فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة ms140 * ~~يتيما ذا مقربة ~~(البلد: 11-15). ~~••• # فالعتق إذن هو الذي شرعه الإسلام في أمر الرق. وأما نظام الرق بأنواعه فقد وجده ~~مشروعا فحرمه جميعا، ولم يبح منه إلا ما هو مباح إلى اليوم في نظام الأسرى ~~وتستخيرهم في أعمال من يأسرونهم من المتقاتلين. وسبق القوانين الدولية بتقريره إلزام ~~الدولة واجب السعي في إطلاق أسراها وإعتاقهم بالفداء، وشفع ذلك بالوسائل الفردية فيما ~~تنتقل به الذمة إلى الأفراد من مالكي الأرقاء بعد وفاء الدولة بذمتها. # ولا يقال هنا إنه عمل كثير أو قليل، بل يقال إنه العمل الوحيد الذي استطيع في محاربة ~~نظام الرق، ولم تستطع أمم الإنسانية ما هو خير منه في علاج هذه المسألة إلى ~~الآن. ~~••• # أي شفاعة كانت لأولئك المساكين المنسيين في عصر يصفونه بحق - في تاريخ العالم - ~~بأنه عصر الجهالة والظلمات؟ # لقد كانوا - على كثرتهم أو قلتهم - أهون شأنا من أن يحفل بهم صاحب شريعة أو ولاية، ~~ولم يبلغ من مسألتهم في جزيرة العرب ولا في بلد من بلاد العالم أن تسمى مشكلة تلح ~~على ولاة الأمر أن ينظروا في حلها بما يرضي العبيد أو بما يرضي السادة المتحكمين ~~فيهم؛ كانت مسألتهم من المسائل المفروغ منها أو من مسائل العادة التي يتقبلها الناس على ~~علاتها، ولا يستغربون منها شيئا يدعوهم إلى تعديلها، بل إلى الكلام فيها. فإذا ~~بالإسلام يملي لهم على المجتمع حلا كحل الظافر المنتصر في كفاح يسام مغلوبه ما لم ~~يكن ليرضاه باختياره، وإذا بالنظام العريق في أمم الحضارة بقية من بقايا الأمس رهينة ~~بيومها الموعود. # شأن الأرقاء في الجزيرة العربية أهون يومئذ من أن يدعو ولاة الأمر إلى عناية به على ~~قسر أو على اختيار. # وشأن الأسرى في حروب الدول يومئذ كشأن الطريدة من الحيوان لا تسلم من التمزيق إلا ~~لتغنى غناء المطية المسخرة في غير رحمة ولا مبالاة بحساب. وشرائع الدين - كشرائع ~~العرف - قدوة لا يقاس عليها ما شرعه الإسلام بغير سابقة في أمر الأسرى ولا في أمر ~~الأرقاء. # شريعة العهد القديم كما نص عليها ms141 الإصحاح العشرون من كتاب التثنية تقول للمقاتل ~~المؤمن بها: # حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح ~~وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير وتستعبد لك، وإن لم تسالمك ~~بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها ~~بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة وكل غنيمتها ~~فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع ~~المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. أما مدن هؤلاء ~~الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما ~~... # وأقسى من هذا الجزاء جزاء المدن التي ينجم فيها ناجم بالدعوة إلى غير إله إسرائيل، ~~فإنها كما جاء في الإصحاح الثالث عشر من كتاب التثنية: # فضربا تضرب بحد السيف وتحرم بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف تجمع كل ~~أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، ~~فتكون تلا إلى الأبد لا تبنى بعده ... # فالقدوة في حروب الدين وحروب الفتح تغري بالقسوة ولا تغري بالعفو والرحمة. وأحرى بعرب ~~الجاهلية أن يكونوا في قسوة بني إسرائيل أو أشد منهم قسوة؛ لأنهم أهل بادية مثلهم «يدهم ~~على كل إنسان ويد كل إنسان عليهم» كما قيل عنهم في العهد القديم ... فإذا عللت وصايا الرق ~~في الإسلام بالعلل الطبيعية التي تسيغها عقول منكريه، فماذا يقول الذين ينكرون الدعوة ~~الإسلامية تعصبا لدين آخر؟ وماذا يقول الذين ينكرونها من الجاهلين للأديان؟ # يقول المنكرون المتعصبون لدين غير الإسلام: إن الدعوة برمتها تلفيق رجل دجال. ولا ~~ندري كيف تسيغ عقولهم أن يكون الرسول الدجال أرفع أدبا وأشرف خلقا وأبر بالإنسانية ~~الضعيفة من الرسل الصادقين. # ويقول المنكرون من أنصار العلل الطبيعية: إن الدعوة الإسلامية وليدة البلاد العربية ~~خرجت من أطواء عقائدها وتقاليدها ومأثوراتها. ولا ندري كيف يكون الإبهام والغموض إذا ~~كان هذا هو التعليل والتفسير؛ فإننا لا نقول شيئا ترضاه العقول وتستريح إليه ms142 إذا قلنا: ~~إن البيئة العربية جاءت بنقيض المنتظر منها، ونقيض المنتظر من العالم حواليها. # إن تصديق أعجب الخوارق لأجدر بعقول الفريقين من قبول هذا اللغو الذي صدقوه ~~واطمأنوا إليه. ونحن نريد للدعوة الإسلامية سببها المعقول، فلا نرى تناقضا بين هذا ~~السبب وبين الواقع الذي لا غرابة فيه إلا إذا أوجبنا نحن على عقولنا أن نستغربه ~~متعسفين. # فالغريب عندنا أن يأتي رجل دجال بما لم تأت به أرفع الحضارات والديانات من قبله، ~~والغريب عندنا أن يكون محمد مبعوثا بإرادة الأمة العربية وهي ما هي في أيام ~~الجاهلية. # أما الواقع الموافق للعقل، ولا من مناقضة فيه لنواميس الكون، فهو أن يخلق الله ~~إنسانا كاملا يلهمه الحق والرشد ويعينه إلى الهداية عليهما بعمل يستطيعه ويستطيع ~~الناس أن يفهموه - متى حدث - كما يفهمون جلائل الأعمال، إلا أنهم لا يستطيعون أن ~~يتوقعوه إذا قصروه على المألوف المعهود في سياق التاريخ. # وهذا تفسيرنا لوصايا الرق في الإسلام، ترتضيه عقولنا ونقول عن يقين: إنه أقرب إلى ~~العقل من معجزة الدجل ومعجزة النقائض المستحيلة، ونحسب أن المكابرة تقصر عن الذهاب إلى ~~الأمد الذي يدفعها إليه من لا يفرقون بين الدجل والصدق أو لا يفرقون بين الواقع ~~والمستحيل. ~~••• # وتنطوي القرون وينكشف الزمن عن أزمة الرق الكبرى في التاريخ الحديث. # إن وصايا الإسلام في مسألة الرق خولفت كثيرا، وكان من مخالفيها كثير من المسلمين، ~~ولكن الإسلام - على الرغم من هذه المخالفة المنكرة - لا يضيره ولا يغض منه قضاء التجربة ~~العملية عند الموازنة بين جناية جميع المسلمين على الأرقاء وجناية الآخرين من أتباع ~~الأديان الكتابية. # فالقارة الأفريقية - في بلاد السود - مفتوحة أمام أبناء السواحل المجاورة لها منذ ~~مئات السنين، ولم تفتح للنخاسين من الغرب إلا بعد اتصال الملاحة على ساحل البحر ~~الأطلسي في العالم القديم والعالم الجديد. # وفي أقل من خمسين سنة نقل النخاسون الغربيون جموعا من العبيد السود تبلغ عدة ~~الباقين من ذريتهم - بعد القتل والاضطهاد - نحو خمسة عشر مليونا في الأمريكتين؛ عدد ~~يضارع خمسة أضعاف ضحايا النخاسة في القارات ms143 الثلاث منذ أكثر من ألف سنة، وهو فارق جسيم ~~بحساب الأرقاء يكفي للإبانة عن الهاوية السحيقة في التجربة العملية بين النخاستين، ~~ولكنه فارق هين إلى جانب الفارق في حظوظ أولئك الضحايا بين العالم القديم والعالم ~~الجديد؛ فإن في الأمريكتين إلى اليوم أمة من السود معزولة بأنسابها وحظوظها وحقوقها ~~العملية، وليس في بلاد الشرق أمة من هذا القبيل؛ لأن الأسود الذي ينتقل إليها يحسب من ~~أهلها بعد جيل واحد، له ما لهم وعليه ما عليهم بغير حاجة إلى حماية من التشريع أو نصوص ~~الدساتير. ~~(7) حقوق الحرب # شاع عن الإسلام أنه دين السيف، وهو قول يصح في هذا الدين إذا أراد قائله أنه دين يفرض ~~الجهاد ومنه الجهاد بالسلاح، ولكنه غلط بين إذا أريد به أن الإسلام قد انتشر بحد ~~السيف أو أنه يضع القتال في موضع الإقناع. # وقد فطن لسخف هذا الادعاء كاتب غربي كبير هو توماس كارليل صاحب كتاب: «الأبطال وعبادة ~~البطولة»؛ فإنه اتخذ محمدا - عليه السلام - مثلا لبطولة النبوة، وقال ما معناه: # إن اتهامه بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير ~~مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو ~~يستجيبوا لدعوته، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم فقد آمنوا به طائعين ~~مصدقين وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها. # والواقع الثابت في أخبار الدعوة الإسلامية أن المسلمين كانوا هم ضحايا القسر والتعذيب ~~قبل أن يقدروا على دفع الأذى من مشركي قريش في مكة المكرمة؛ فهجروا ديارهم وتغربوا من ~~أهليهم حتى بلغوا إلى الحبشة في هجرتهم، فهل يأمنون على أنفسهم في مدينة عربية قبل ~~التجائهم إلى «يثرب» وإقامتهم في جوار أخوال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، مع ما بين المدينتين من ~~التنافس الذي فتح للمسلمين بينهما ثغرة للأمان؟ ولم يكن أهل يثرب ليرحبوا بمقدمهم ~~لولا ما بين القبيلتين الكبيرتين فيها «قبيلتي الأوس والخزرج» من نزاع على الإمارة فتح ~~بينهما كذلك ثغرة أخرى يأوي إليها المسلمون ms144 بعد أن ضاق بهم جوار الكعبة، وهو الجوار ~~الذي لم يضق من قبل بكل لائذيه في عهد الجاهلية. # ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إلا لمحارية القوة التي تصدهم عن الإقناع، فإذا رصدت ~~لهم الدولة القوية جنودها حاربوها؛ لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة، وإذا كفوا عنهم ~~لم يتعرضوا لها بسوء. # لذلك سالموا الحبشة ولم يحاربوها، ولذلك حاربوا الفرس؛ لأن كسرى أرسل إلى عامله في ~~اليمن يأمره بتأديب النبي أو ضرب عنقه وإرسال رأسه إليه. وحاربوا الروم؛ لأنهم أرسلوا ~~طلائعهم إلى تبوك فبادرهم النبي # صلى الله عليه وسلم # بتجريد السرية المشهورة إلى تخوم الحجاز ~~الشمالية، وعادت السرية بغير قتال حين وجدت في تبوك أن الروم لا يتأهبون للزحف على بلاد ~~العرب ذلك العام. # ولم يفاتح النبي # صلى الله عليه وسلم # أحدا بالعداء في بلاد الدولتين، إنما كتب إلى الملوك ~~والأمراء يبلغهم دعوته بالحسنى، ولم تقع الحرب بعد هذا البلاغ بين المسلمين وجنود الفرس ~~والروم إلا بعد تحريضهم القبائل العربية في العراق والشام على غزو الحجاز، وإعدادهم ~~العدة لقتال المسلمين، وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم ~~بالحرب من أطراف الجزيرة، ولولا اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلادهما لبوغت ~~المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها أو التحصن دونها. # وفي الجزيرة العربية لم تقع حرب بين المسلمين وقبائلها إلا أن تكون حرب دفاع أو ~~مبادرة إلى اتقاء الهجوم المبيت في أرض تلك القبائل، وكانت العداوة سافرة بين ~~المسلمين ومشركي قريش لا يكتمها المشركون ولا يواربون فيها، ولا يخفون أنهم عقدوا النية ~~على الإيقاع بمحمد وأصحابه وفض العرب من حوله وإيذاء كل من يدخل منهم في دينه؛ فلم ~~تكن بين المسلمين والمشركين حالة غير حالة الحرب إلا في أيام صلح الحديبية، ثم عادت ~~الحرب سجالا بين الفريقين حتى تم فتح مكة وانتقلت الحرب من قتال سافر بين المشركين ~~والمسلمين إلى قتال بالدس والمكيدة بين هؤلاء وزمرة المنافقين. وقد حرص الإسلام على ~~تسمية كل عدو من أعدائه باسمه لا يعدوه، ms145 ولم يخلط بين حرب الشرك وحرب النفاق؛ لأنه لا ~~يحاسب على العداوة بالنيات كما يحاسب على العداوة بالأعمال. أما قبائل الجزيرة العربية ~~في قريش فلم يحاربهم الإسلام إلا حرب دفاع أو حرب مبادرة لاتقاء الهجوم من جانبها، ~~وأخبار السرايا الإسلامية في بلاد العرب معروفة محفوظة بأسبابها ومقدماتها، وكلها كما ~~أحصاها المؤرخ العصري - أحمد زكي باشا - حروب دفاع واتقاء هجوم. ~~«ونذكر من بعد ذلك غزوة بني قينقاع من يهود المدينة؛ فقد حاربهم المسلمون لنقضهم ~~العهد بعد غزوة بدر الكبرى ، وهتكهم حرمة سيدة من نساء الأنصار، ثم غزوة بني غطفان، ولم ~~يخرج المسلمون لقتالهم إلا بعد أن علموا أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برئاسة ~~دعثور المحاربي للإغارة على المدينة، ثم سرية عاصم بن ثابت الأنصاري وكانوا مع رهط عضل ~~والقارة الذين خانوهم ودلوا عليهم هذيلا قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله ~~بن أنيس، ثم سرية المنذر بن عمرو وهم سبعون رجلا يسمون القراء، أخذهم عامر بن ~~مالك ملاعب الأسنة لطمعه في هداية قومه وإيمانهم، فلم يرع قومه جواره وقتلوا ~~القراء، ثم غزوة بني النضير من يهود المدينة؛ وذلك لنقضهم العهد وإلقائهم صخرة على ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # لما كان في ديارهم، ثم غزوة دومة الجندل، ولم يخرج المسلمون إلا ~~لما علموا أن في ذلك المكان أعرابا يقطعون الطريق على المارة ويريدون الإغارة على ~~المدينة، ثم غزوة بني المصطلق وهؤلاء ممن ساعدوا المشركين في أحد، ولم يكتفوا بذلك بل ~~أرادوا جمع الجموع للإغارة على المدينة، ثم غزوة بني قريظة من يهود المدينة لنقضهم ~~العهد واجتماعهم مع الأحزاب، ثم غزوة الخندق وكانت مع الأحزاب الذين حاصروا المدينة، ثم ~~غزوة بني لحيان لقتلهم عاصم بن ثابت وإخوانه الذين حزن عليهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم ~~غزوة الغابة لإغارة عيينة بن حصن في أربعين راكبا على لقاح للنبي # صلى الله عليه وسلم # كانت ترعى ~~الغابة، ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القصة لما بلغ المسلمين أن بذلك الموضع ms146 ناسا يريدون ~~الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء، ثم سرية زيد بن حارثة لمعاكسة بني ~~سليم الذين كانوا من الأحزاب يوم الخندق، ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني فزارة الذين ~~تعرضوا له، ثم سرية عمر بن الخطاب لما بلغ المسلمين من أن جمعا من هوازن يظهرون ~~العداوة للمسلمين، ثم سرية بشير بن سعيد لما بلغهم من أن عيينة بن حصن واعد جماعة من ~~غطفان مقيمين بقرب خيبر للإغارة على المدينة، ثم سرية غالب الليثي ليقتص من بني مرة ~~بفدك؛ لأنهم أصابوا سرية بشير بن سعد، ثم غزوة مؤتة وكانت لتعرض شرحبيل بن عمرو ~~الغساني للحارث بن عمير الأزدي رسول النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى أمير بصرى يحمل كتابا وقتله ~~إياه، ولم يقتل للنبي # صلى الله عليه وسلم # رسول غيره حتى وجد لذلك وجدا شديدا، ثم سرية عمرو بن ~~العاص لما بلغهم من أن جماعة من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء وادي القرى للإغارة على ~~المدينة، ثم سرية علي بن أبي طالب لما بلغهم من أن بني سعد بن بكر يجمعون الجموع ~~لمساعدة يهود خيبر على حرب المسلمين، ثم غزوة خيبر؛ لأن أهلها كانوا أعظم محرض ~~للأحزاب، ثم سرية عبد الله بن رواحة لما بلغهم من أن باين رزام رئيس اليهود يسعى في ~~تحريض العرب على قتال المسلمين، ثم سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان جزاء ~~إرساله من يقتل النبي # صلى الله عليه وسلم # غدرا، ثم حرب العراق لما ارتكبه كسرى عندما أرسل ~~إليه كتاب عرض عليه فيه الإسلام، فإنه مزق الكتاب وكتب إلى بازان - أمير له باليمن - ~~يقول له: «بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي، فسر إليه فاستتبه فإن ~~تاب وإلا فابعث إلي برأسه؛ أيكتب إلي هذا الكتاب وهو عبدي؟» فعبث بازان بكتاب كسرى ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # مع فارسين يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، فقدما إليه وقالا له: ~~شاهنشاه بعث إلى الملك بازان يأمره أن يبعث إليك ms147 من يأتي بك، وقد بعثنا إليك فإن أبيت ~~هلكت وأهلكت قومك وخربت بلادك، فليس بعد ذلك عذر للمسلمين في امتناعهم عن حرب الفرس ~~خصوصا وقد كان للعرب ثارات كثيرة في ذمة العجم ... ثم غزوة تبوك لما بلغ المسلمين من ~~أن الروم جمعت الجموع تريد غزوهم في بلادهم، وقد أعقبها فتح الشام والقسم الأعظم من ~~دولة الروم.» # 6 ~~••• # فهذا حق السيف كما استخدمه الإسلام في أشد الأوقات حاجة إليه. # حق السيف مرادف لحق الحياة، وكل ما أوجب الإسلام فإنما أوجبه لأنه مضطر إليه أو ~~مضطر إلى التخلي عن حقه في الحياة، وحقه في حرية الدعوة والاعتقاد. فإن يكن درءا ~~للعدوان والافتيات على حق الحياة وحق الحرية، فالإسلام في كلمتين هو دين السلام. # وأيسر من استقصاء الحروب وأسبابها في صدر الإسلام أن نلقي نظرة عامة على خريطة ~~العالم في الوقت الحاضر لنعلم أن السيف لم يعمل في انتشار هذا الدين إلا القليل مما ~~عمله الإقناع والقدوة الحسنة؛ فإن البلاد التي قلت فيها حروب الإسلام هي البلاد التي ~~يقيم فيها اليوم أكثر مسلمي العالم، وهي بلاد إندونيسيا والهند والصين وسواحل القارة ~~الأفريقية وما يليها من سهول الصحاري الواسعة؛ فإن عدد المسلمين فيها قريب من ثلاثمائة ~~مليون، ولم يقع فيها من الحروب بين المسلمين وأبناء تلك البلاد إلا القليل الذي لا ~~يجدي في تحويل الآلاف عن دينهم بله الملايين، ونقارن بين هذه البلاد والبلاد التي ~~اتجهت إليها غزوات المسلمين لأول مرة في صدر الدعوة الإسلامية، وهي بلاد العراق والشام؛ ~~فإن عدد المسلمين فيها اليوم قلما يزيد على عشرة ملايين يعيش بينهم من اختاروا البقاء ~~على دينهم من المسيحيين واليهود والوثنيين أو أشباه الوثنيين. ومن المفيد في هذا الصدد ~~أن نعقد المقارنة بين البلاد التي قامت فيها الدولة الإسلامية والبلاد التي قامت فيها ~~الدولة المسيحية من القارة الأوروبية؛ فلم يبق في هذه القارة أحد على دينه الأول قبل ~~دخول المسيحية، وقد أقام المسلمون قرونا في الأندلس وخرجوا منها وأبناؤها اليوم كلهم ~~مسيحيون. # وأنفع من الإحصاءات ms148 والمقارنات أن نتفهم دخيلة الدين من روحه التي تصبغ العقيدة ~~بصبغتها فيما يعيه المتدين على قصد منه، أو فيما ينساق إليه بوحي من روح دينه كأنه عادة ~~مطبوعة لا يلتفت إلى قصده منها. وروح الإسلام في العلاقة بين المسلم وسائر بني الإنسان ~~تشف عنها كل آية وردت في القرآن الكريم عن حكمة الاجتماع من أكبر الجماعات إلى أصغرها، ~~ومن جماعة النوع الإنساني في جملته إلى جماعة الأسرة، وطبيعة الاجتماع في كل مخلوق ~~إنساني منذ تكوينه في أصلاب آبائه وأجداده . فما هي حكمة الاجتماع في الشعوب والقبائل؟ ~~وما هي حكمة الاجتماع في بنيان الأسرة؟ وما هي حكمة الاجتماع في خلق الإنسان في بطن ~~أمه؟ # حكمتها كلها فيما يتعلمه المسلم من كتابه أنها وشيجة من وشائج المودة والرحمة، ~~وسبيل إلى التعارف والتقارب بين الغرباء. # فالتعارف هو حكمة التعدد والتكاثر بين الشعوب والقبائل من أبناء آدم وحواء: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~(الحجرات: 13). # والمودة والرحمة هي حكمة الاجتماع في الأسرة: # ومن آياته ~~أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل ~~بينكم مودة ورحمة ~~(الروم: 21). # والنسب هو حكمة الاجتماع من خلق الإنسان منذ تكوينه في صلب أبيه: # وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا ~~(الفرقان: 54). # والمؤمنون إخوة، والناس إخوان من ذكر وأنثى، وشر ما يخشاه الناس من رذائلهم أنها ~~تلقي بينهم العداوة والبغضاء: # إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ~~(المائدة: 91). # والعداوة والبغضاء هما الجزاء الذي يصيب الله به من ينسون آياته ويكفرون بنعمته، ~~وهما الجزاء الذي أصاب الله به أهل الكتاب بعد ما جاءهم من البينات فضلوا عن سوائه، ~~ولم يبق لهم من دينهم غير اسم يدعونه: # ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة ~~(المائدة: 14)، # وقالت اليهود ~~يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما ~~أنزل إليك ms149 من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله ~~لا يحب المفسدين ~~(المائدة: 64). ~~••• # ولا خفاء بروح الدين كما توحيه إلى وجدان المسلم هذه الآيات وما في معناها من كلمات ~~كتابه؛ فإنها تلهمه أن المودة والرحمة حكمة الله في خلقه، وأن العداوة والبغضاء عقاب ~~لمن يضلون عن حكمته ومغبة السوء التي تستدرجهم إليها الرذيلة والمعصية. ومن آمن ~~بالله على هدي هذا الدين فقد آمن بإله يرضيه من عباده أن يسلكوا سبيل المودة والسلام، ~~ويسخطه منهم أن يسلكوا سبيل العداوة والعدوان. # وقد تعددت آراء المشترعين وأصحاب الآراء في القوانين بين طائفة ترى أن الإنسان مطبوع ~~على الشر، وأن حالة الحرب هي الحالة الطبيعية بين الناس حتى تتقرر بينهم حالة غيرها من ~~أحوال المصالحة والتراضي على المسالمة والأمانة، وطائفة ترى أن الإنسان - بطبعه - مخلوق ~~وديع يدفعه الخوف والحاجة إلى المشاكسة فيتعدى على كره ويصد العدوان على كره، وتجري ~~عادته على وفاق ما تمليه عليه معيشة الأمن والرخاء أو معيشة القلق والاضطراب. # والإسلام دين ينظر إلى هذه المشكلة نظرة الدين، ولا يعنيه الواقع ليجعله مثلا ~~مختارا للعلاقة بين الناس، بل يعنيه الواقع ليختار لهم ما هو أجدر باختيارهم وأصلح ~~لشئون أفرادهم وجماعاتهم، ويروضهم على أن يكونوا خيرا من الواقع فيما يطيقونه ~~وينفعهم أن يطيقوه. # فالعلاقة بين الناس في دستور الإسلام علاقة سلم حتى يضطروا إلى الحرب دفاعا عن ~~أنفسهم أو اتقاء لهجوم تكون المبادرة فيه ضربا من الدفاع؛ فالحرب يومئذ واجبة على ~~المسلم وجوبا لا هوادة فيه، وهو - مع وجوبها - مأمور بأن يكتفي من الحرب بالقدر الذي ~~يكفل له دفع الأذى، ومأمور بتأخيرها ما بقيت له وسيلة إلى الصبر والمسالمة، ويتكرر هذا ~~الأمر كلما تكرر الإذن بالقتال والتحريض عليه، وكل تحريض أمر به ولي الأمر في القرآن ~~فهو التحريض على تجنيد الجند وحض العزائم على حرب لم يبق له محيد عنها، ولا غرض له ~~منها إلا أن يكف بأس المعتدين عليه ms150 وعلى قومه، ثم لا إكراه له في هذه الحرب على متطوع ~~لقتال أو نجدة، وهذا هو موضع التحريض في قوله تعالى: # فقاتل في ~~سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله ~~أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد ~~تنكيلا ~~(النساء: 84). # أما أواصر القتال فمن آياتها في القرآن الكريم ما ورد في سورة البقرة: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~(البقرة: 190)، # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم واتقوا الله ~~(البقرة: 194). # وفي سورة النحل: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين * وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~(النحل: 125-126). # وفي سورة الأنفال: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~وتوكل على الله ~~(الأنفال: 61). # وفي سورة النساء: # فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ~~وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا ~~(النساء: 90). ~~••• # أما المشركون الذين لم يصدوا المسلمين عن دينهم ولم يبادئوهم بالعدوان فلا حرج على ~~المسلم أن يبر بهم، ويعدل في معاملتهم، وأن يعاهدهم ويوفي لهم عهدهم إلى مدته، وإلى ~~أن ينقضوه مخالفين بما عاهدوا عليه إن لم يكن له أجل محدود: # لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن ~~الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن ~~الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون ~~(الممتحنة: 8-9). ~~••• # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين ~~(التوبة: 4). # ولم يجعل الإسلام وفاء المعاهدين بعهودهم تدبيرا من تدبيرات السياسة أو ضرورة من ~~ضروراتها التي تجوز فيها المراوغة عند القدرة عليها، بل جعله أمانة من أمانات العقل ~~والضمير وخلقا شريفا يكاد الخارج عليه أن يخرج من آدميته ويسلك في عداد السائمة ms151 التي ~~لا ملامة عليها: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا ~~(النحل: 91)، # إن شر ~~الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ~~وهم لا يتقون ~~(الأنفال: 55-56)، # كيف ~~يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ~~(التوبة: ~~7). ~~••• # ومن توكيد الإسلام لواجب الوفاء بالعهد أنه يحرم على المسلمين أن يستبيحوا ~~الانتصار للقوم منهم يستنصرونهم في الدين إذا كان بينهم وبين أعداء المستنصرين لهم عهد ~~وميثاق: # وإن استنصروكم في الدين فعليكم ~~النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~(الأنفال: 72). ~~••• # ولا يبيح الإسلام لولي الأمر أن يستخدم السيف فيما شجر بين المسلمين من نزاع يخاف أن ~~يفضي بينهم إلى القتال إلا إذا بغت طائفة منهم على الأخرى؛ فله بعد استنفاد الحيلة في ~~الإصلاح بينهما أن يقاتل الفئة الباغية حتى تكف عن بغيها: # وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ~~(الحجرات: 9). # وفيما عدا العلاقة التي تنعقد بين المسلمين وأبناء دينهم، أو بينهم وبين المعاهدين لا ~~تكون الأمة التي لا ترتبط بالدين ولا ترتبط بالعهد إلا عدوا يخاف ضرره ولا يؤمن ~~جانبه إلا على وجه من الوجهين: أن يقبل الدين أو يقبل الميثاق. # والإسلام يسمي بلاد هذا العدو «دار حرب»؛ لأنها بلاد لا سلام فيها للمسلم، ويفرق ~~بين حقوقها وحقوق المسلمين أو حقوق المعاهدين، ولا يعترف لها بهذه الحقوق أو تلك إلا أن ~~تدين بالإسلام أو تقبل الصلح على عهد متفق عليه. # وليس معنى هذا التقسيم الطبيعي في الحقوق أن الإسلام يكره القوم على قبوله؛ إذ إن نص ~~القرآن الكريم يمنع الإكراه في الدين: # لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة ms152 الوثقى لا انفصام لها والله ~~سميع عليم ~~(البقرة: 256). # ولكن معنى تقسيم البلاد إلى بلاد سلم وبلاد حرب أن بلاد الحرب لا تدخل في السلم إلا ~~إذا قبلت الدين أو تعاهدت على الصلح بقتال أو بغير قتال. وتأبى طبيعة الأمور تقسيما ~~لحقوق السلم والحرب غير هذا التقسيم. # ومتى وقعت الحرب فلا قتال لأحد غير المقاتلين ولو كان من بلاد الأعداء، ولم يكن النبي ~~- عليه السلام - وخلفاؤه يتركون المقاتلين من المسلمين المتوجهين إلى الحرب بغير وصاية ~~مشددة يحاسبونهم عليها فيما يتبعونه من خطة قبل الرعايا المسالمين من أعدائهم، وخلاصة ~~هذه الوصايا كما أجملها الخليفة الأول أبو بكر الصديق: «ألا تخونوا ولا تغدروا ولا ~~تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا ~~تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام ~~قد فرغوا أنفسهم للصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.» # وتشتمل تعاليم الإسلام على أحكام مفصلة لكل حالة من الحالات التي تعرض بين المتحاربين ~~في أثناء القتال أو بعده، وهي حالات الأمان والاستئمان والمهادنة والموادعة والصلح على ~~معاهدة. # فالأمان هو: «رفع استباحة الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه.» # والاستئمان هو: «تأمين حربي ينزل لأمر ينصرف بانقضائه.» # والمهادنة: «عقد لمسلم مع حربي على المسالمة مدة ليس هو فيها على حكم ~~الإسلام.» # والموادعة: «عقد غير لازم محتمل النقض، للإمام أن ينبذه» حسب قوله تعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء ~~(الأنفال: 58)، ويشترط في حالة النبذ أن يبلغه القائد إلى جنده ~~وإلى الأعداء وهم على حكم الأمان حتى يعلموا بانتهاء الموادعة. # 7 # والوفاء بالشرط المتفق عليه في كل حالة من هذه الحالات فريضة مؤكدة بنصوص القرآن ~~الكريم، ونصوص الأحاديث النبوية، تقدمت بها الأمثلة في معاهدات النبي - عليه السلام - ~~ومعاهدات خلفائه رضوان الله عليهم، وأشهرها عهد الحديبية قبل فتح مكة وعهد بيت المقدس ~~بعد فتح الشام. # فالنبي - عليه السلام - قد اتفق على عهد الحديبية بعد هجرته من مكة بست سنوات، ms153 وكان ~~يريد الكعبة معتمرا مع طائفة من صحبه فتصدى له المشركون وحالوا بينه وبين البيت ~~الحرام، فقال النبي - عليه السلام - لرسولهم: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا ~~معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني ~~وبين الناس، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد حموا، وإن هم ~~أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي وينفذن الله أمره.» ~~ثم أنفذت قريش رسولها سهيل بن عمرو العامري، فاتفق مع النبي - عليه السلام - على أن ~~يرجع النبي وصحبه فلا يدخلوا مكة تلك السنة، فإذا كانت السنة القادمة دخلوها فأقاموا ~~فيها ثلاثا بعد أن تخرج منها قريش، وتهادنوا عشر سنين لا حرب فيها ولا أغلال ولا ~~أسلال، ومن أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده إليهم، ومن أتى قريشا من ~~المسلمين لم يردوه، واستكثر المسلمون هذا الشرط فقال - عليه السلام: «نعم، إنه من ذهب ~~منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فيجعل الله له فرجا ومخرجا، ومن أحب منهم أن ~~يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.» # ثم أخذ النبي - عليه السلام - في إملاء العهد وابتدأه «بسم الله الرحمن الرحيم»، فأبى ~~سهيل بن عمرو أن يبدأ العهد بهذه الفاتحة الإسلامية وقال: «بل يكتب: باسمك اللهم.» ~~فأجابه النبي إلى ما طلب ومضى يملي قائلا: «هذا ما قاضى عليه رسول الله.» فقال سهيل: ~~والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم ~~أبيك. # وبينما هم يكتبون العهد لم يفرغوا منه أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في القيود، ~~فرمى بنفسه بين المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه. وأخذ بتلابيب ~~ولده، فقال النبي لأبي جندل: «يا أبا جندل! قد لجت القضية بيننا وبينهم ولا نغدر.» ومضى ~~النبي وصحبه على رعاية عهدهم حتى نقضته قريش وأمدت بني بكر بالسلاح والأزواد في حربهم ~~لخزاعة، فأصبح المسلمون في حل من نقض ذلك ms154 العهد، وعمدوا إلى مكة فاتحين ففتحوها بعد ~~ذلك بقليل. # أما عهد بيت المقدس فذلك هو العهد الذي كتبه الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء، وهو ~~أشهر العهود في صدر الإسلام بعد عهد الحديبية، وفيه يقول الخليفة العظيم: «إنه أعطاهم ~~أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، وإنه لا تسكن ~~كنائسهم ولا تهدم ولا ينقض منها ولا من صلبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون ~~على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء ~~أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وأن يخرجوا منها الروم واللسوت، ومن خرج ~~منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام معهم فهو آمن وعليه مثل ما ~~على أهل إيلياء من الجزية ... ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ~~ويخلي بينه وبين صلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا ~~مأمنهم.» # وقد حدث في أثناء التعاهد على هذا الصلح حادث كحادث أبي جندل عند كتابة صلح الحديبية، ~~فحان موعد الصلاة والخليفة العظيم في كنيسة بيت المقدس، ولا مانع عند المسلم من إقامة ~~الصلاة في الكنائس أو في معابد الأديان غير الإسلام؛ إذ أينما تكونوا فثم وجه الله، ~~ولكنه أشفق أن يقيم الصلاة في مكان فيحرص المسلمون بعده على احتجاز ذلك المكان الذي صلى ~~فيه أمير المؤمنين؛ فخرج من الكنيسة وصلى في جوارها ولم يبح لنفسه أن يورط أتباعه في ~~ذريعة يتعللون بها لمخالفة عهد من عهوده. # وكلا العهدين - عهد مكة وعهد بيت المقدس - يفند زعم الزاعمين أن الإسلام يعتمد على ~~الإكراه في نشر دعوته. وثانيهما - وهو عهد الصلح في الشام بعد هزيمة دولة الروم - واضح ~~في بيان الشروط التي يعرضها الإسلام على المعاهدين بعد الحرب التي ينتصر فيها؛ فمن أحب ~~أن يقيم في مكانه فله أن يقيم وهو آمن على نفسه ودينه وحريته، ومن أحب أن يرحل إلى بلاد ~~الدولة المنهزمة فله أن يرحل كما أراد وهو ms155 آمن في طريقه، ومن دان بالإسلام فهو مقبول في ~~زمرة المسلمين، ومن بقي على دينه فليس عليه إلا أن يؤدي الجزية فتحميه الدولة مما ~~يحمى منه سائر رعاياها، وله ما لهم وعليه ما عليهم إلا الحرب، فإنها لا تطلب منه في ~~خدمة دين غير دينه. # وشرع الإسلام القتال على درجات، فلم يشرع حالة إلا وضع لها حدودها وبين للمسلمين ما ~~يجب عليهم فيها، وتم له في نحو عشرين سنة قانون دولي كامل لأحوال الحرب مع المقاتلين ~~على اختلافهم، فأتم في القرن السادس ما بدأت فيه أوروبا في القرن السابع عشر، ولم يزل ~~قاصرا عن غايته مهملا في ساعة الحاجة إليه. # بدأ النبي - عليه السلام - دعوته واستجاب له من استجاب من قومه وهو لا يأذن بقتال، ~~فلما اشتد به وبأصحابه ما أصابهم من أذى المشركين فعذبوهم وفتنوهم وأخرجوهم من ديارهم ~~كان ذلك بداءة الإذن بمقاتلة المعتدين في الحد الذي يكفي لدفع العدوان - كما تقدم - ولا ~~يبقي بعده أثرا للضغينة والانتقام: # أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ~~* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا ~~أن يقولوا ربنا الله ~~(الحج: 39-40). # وكان النبي - صلوات الله عليه - يعاقب في حروبه بمثل ما عوقب به ولا يجاوزه إلى ~~اللدد في الخصومة، فإذا انتهت الحرب على عهد من العهود وفى به وأخذ على أتباعه أن ~~يفوا به في غير أغلال ولا أسلال؛ أي في غير خيانة ولا مراوغة. وثابر على الوفاء في ~~جميع عهوده، وثابر أهل الجزيرة من المشركين واليهود على الغدر بكل عهد من تلك العهود، ~~وعقدوا النية سرا وجهرا على إعنات المسلمين وإخراجهم من ديارهم، لا يحرمون حراما ~~في مهادنتهم ولا في مسالمتهم، ولا يزالون يؤلبون عليهم الأعداء من داخل الجزيرة ~~وخارجها، وأصروا على ذلك مرة بعد مرة حتى أصبحت معاهداتهم عبثا لا يفيد ولا يغني عن ~~القتال فترة إلا ردهم إليه بعد قليل، ووضح من لدد القوم وإصرارهم عليه أنهم لا ~~يهادنون إلا ليتوفروا على جمع العدة وتأليب العدو ms156 من الخصوم والأحلاف، فبطلت حكمة ~~الدعوة إلى العهد، ولم يبق للمسلمين من سبيل إلى الأمان معهم إلا أن يخرجوهم من حيث ~~أرادوا أن يخرجوا المسلمين، ولا يبقوا أحدا غير مسلم في تلك الجزيرة التي أبت أن ~~تكون وطنا للمشركين وأحلافهم دون سواهم؛ فانتهت حكمة التخيير بين المعاهدة والقتال، ~~ووجب الخيار بين أمرين لا ثالث لهما، وهما الجوار على الإسلام أو على الخضوع لحكمه، فلا ~~جوار في الجزيرة لأحد من المشركين وأحلافهم اليهود إلا أن يدين بالإسلام أو بالطاعة: # وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة ~~أشد من القتل ~~(البقرة: 191). # وقال النبي - عليه السلام - يومئذ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابهم على الله.» # وفي هذا المعنى ينص القرآن الكريم على محاربة أهل الكتاب الذين تحالفوا مع المشركين ~~ونقضوا العهود المتوالية بينهم وبين النبي كما تقدم في ذكر الغزوات والسرايا: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين ~~الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون ~~(التوبة: 29). # والوجه الوحيد الذي ينصرف إليه هذا الحكم أنه حيطة لا محيد عنها لضمان أمن المسلمين ~~مع من يجاورونهم في ديارهم ويتآمرون على حربهم، فلا يحل للمسئول عن المسلمين أن يكل ~~أمانهم إلى عهد ينقض في كل مرة، ولكنه يأمن عليهم في جوار قوم مسلمين أو قوم مطيعين ~~للدولة يؤدون لها حقها، فهم إذن لا يملكون من الاستقلال بالعمل في طاعة تلك الدولة ~~ما يملكه المعاهد المؤمن على عهوده. # وعلى الجملة شرع الإسلام حكما لكل حالة يمكن أن توجد بينه وبين جيرانه على الحذر أو ~~على الأمان؛ فنص على حالة الدفاع والعدوان، ونص على الدفاع الواجب في حدوده على حسب ~~العدوان، ونص على التعاهد والمسالمة إلى مدة أو إلى غير مدة، ولما بطلت جدوى المعاهدة ~~لم تبق له خطة يأخذ بها أعداءه غير واحدة من اثنتين: الحرب أو الخضوع للإسلام إيمانا ~~به ms157 أو طاعة لمولاه، ولم يجعل الإيمان بالإسلام حتما على أعدائه المصرين على العداء، ~~بل جعله خيارا بين أمرين، ومن سام الإسلام أن يرضى بغير هذين الأمرين فقد سامه أن يرضى ~~بحالة ثالثة لا يرضاها أحد، وهي حالة الخوف الدائم من عدو متربص به لا تجدي معه ~~المهادنة، ولا يؤمن على عهد من العهود. # وانقضى عهد النبي - صلوات الله عليه - والمسلمون يعلمون حدودهم في كل علاقة تعرض لهم ~~بين أنفسهم وبينهم وبين جيرانهم: علاقة المودة والوئام، وعلاقة الشغب والفتنة، وعلاقة ~~الحرب أو علاقة التعاهد أو علاقة الموادعة والمهادنة أو علاقة الأمان والاستئمان. وهذه ~~العناية بإقامة الحدود وبيان واجباتها هي وحدها حجة قائمة للإسلام على خصومه الذين ~~يتهمونه بأنه دين الإكراه الذي لا يعرف غير شريعة السيف؛ فمن كان لا يعرف غير شريعة ~~السيف فما حاجته إلى بيان لكل حالة من حالات السلم والحرب بأحكامها وواجباتها وحدودها ~~وتبعاتها؟ لا حاجة به إلى حد من هذه الحدود ما دام معه السيف الذي يجرده متى استطاع، ~~ولا حاجة به إلى حد من هذه الحدود ما دام عزلا من السيف مغلوبا على كل حال. فإنما ~~يبحث عن تلك الحدود من يضع السيف في موضعه، ويأبى أن يضعه في موضع المسالمة والإقناع، ~~وكذلك كانت شريعة الإسلام منذ وجب فيه القتال، ولم يوجبه إلا البغي والقسر والعنت ~~والإخراج من الديار. ~~••• # وبينما كانت هذه الحدود معلومة مقسومة بأقسامها وتبعاتها في شريعة الإسلام كانت ~~العلاقة بين الأمم في القارات الثلاث فوضى لا تثوب إلى ضابط، ولا يستقر بينها السلام ~~إلا حيث يمتنع وجود المحارب، فيمتنع وجود الحرب بالضرورة التي لا اختيار فيها. # كانت شريعة الرومان أن كل قوي يجاورك عدو تقضي عليه، فلم يكن للقارة الحديثة (التي ~~سموها بقرطاجنة) من ذنب إلا أنها دولة قوية تعيش على العدوة الأخرى من بحرهم الذي ~~أغلقوه دون غيرهم # mare clausum ~~، أو الذين سموه ~~بحرنا وحرموا على غيرهم أن يشاركهم فيه # mare ~~Nostrum ~~. # وكذلك كانت شريعة فارس في الشرق مع من يجاورها، وكذلك ms158 كانت شريعة الإسكندر وخلفائه ~~على دولته الواسعة، وكذلك بقيت شريعة الدول في القارة الأوروبية إلى القرن السابع عشر ~~أول عهدهم بالبحث في الشرائع الدولية وحقوق الحرب والسلام، فلم يلتفتوا قط إلى البحث في ~~الحقوق يوم كان الحق كله للسيف تتولاه دولة واحدة تخضع من حولها من الرعايا ~~المتفرقين، ولا تنازعها دولة أخرى في ولايتها عليهم واستبدادها بأمرهم، لم تكن هنالك ~~شريعة في الحقوق يوم كانت شريعة السيف كافية مغنية لمن يملكه إذا غلب، ولمن يخضع له إذا ~~حقت عليه الغلبة، فلما انقسمت الدولة الكبرى في القارة الأوروبية تفرقت الدول شيعا، ~~وتنازعت العروش والتيجان تنازع الحطام الموروث لا تنازع الحقوق والواجبات بين الأمم ~~والشعوب، ويومئذ - في أوائل القرن السابع عشر - بدأت بحوثهم في حدود الحرب والسلام، ~~وتصدى فقيههم الكبير جروتيوس # Grotius # لاستنباط هذه ~~الحدود من وقائع الأحوال فيما سماه بقانون الحرب # Dejury ~~Belt ~~، ولا يزال بينهم أساس المراجع إلى العصر الحديث. لم يحدث فيه ~~جديد ذو بال إلا أنهم يرجعون عنه إلى الوراء عدة قرون، فيبيحون اليوم ما كان محظورا من ~~اقتحام الحرب بغير علة أو بلاغ. # وإن القارئ المسلم ليبتسم حين يقرأ في مراجع تلك البحوث الفجة أنها بحوث في شريعة ~~تسري على العالم الأوروبي الذي كان معروفا يومئذ باسم العالم المسيحي # Christendom ~~، ولا تسري على العالم المحمدي # Mohammedism # لأنه عالم جهالة لا يفقه هذه الحدود، ~~ولا يلتزم بواجباتها وتبعاتها ... فمن دواعي السخرية حقا أن يقال هذا عن دين يتناول ~~المتعلم المبتدئ فيه مرجعا من مراجع أصوله التي فرغ البحث فيها منذ القرن السادس ~~للميلاد، فيرى فيه أحكام الإعلان والتبليغ والنبذ والمعاهدة والصلح والذمة والهدنة ~~والموادعة والسفارة والوساطة، ويرى لكل حكم من الأحكام واجباته على المسلم في حالتي ~~إبرامه ونقضه، وواجبات الإمام والرعية فيه مفصلة مرددة كأنها صيغ العقود التي يتحرى ~~فيها الموثقون غاية التوكيد والتقييد منعا للأغلال والأسلال، كما جاء في أول عهد بين ~~الإسلام والمشركين، فإن القارئ المسلم حين يمر بذلك السخف المضحك في بواكير القانون ~~الدولي عند ms159 القوم ليحس كأنه على مشهد من ألاعيب أطفال يتواصون فيما بينهم على كتمان ~~أسرارهم عن كبارهم؛ لأن هؤلاء الكبار الخبثاء أغرار لا أمان لهم على تلك ~~الأسرار! ~~••• # ومن البديهي أن الأديان تعليم يبين للناس مواطن التحليل والتحريم، وليست هي بالقوى ~~المادية التي تجرهم من أعناقهم إلى الخير وتحيطهم بالسدود لتصدهم عن مقارفة الشر، وليست ~~هي بترياق الساعة الذي يقال في أساطير السحر إنه يبرئ الأدواء لساعته ويخلفها بالصحة ~~السابغة والشباب المقلد. وقصاراها من الهداية أنها كالمصابيح التي تنير المسالك أمام ~~السالك وتبطل العذر لمن يسلك أسوأ الطريقين على علم بما فيه من السوء والعوج وما في ~~غيره من السداد والاستقامة، وهي على هذا كسب عظيم لبني الإنسان يضيرهم أن يفقدوه؛ ~~فالناس يخالفون القوانين والآداب كل يوم ولا يقال - من أجل هذا - إنهم لم يكسبوا شيئا ~~بتدوين القوانين والمطالبة برعايتها، وإنهم في الزمن الذي يخالفون فيه القانون لا ~~يزالون كما كانوا في زمن الهمجية السائمة لا يميزون بين المحرم والمباح، ولا يعرفون ~~أنهم خالفوا القانون أو لم يخالفوه. # والمسلمون قد تعلموا أصول «القانون الدولي» قبل ظهور القانون الدولي في الغرب بأكثر ~~من عشرة قرون، فخالفوه كثيرا فيما بينهم وخالفوه كثيرا فيما بينهم وبين غيرهم، ~~وتمحلوا المعاذير أحيانا لتسويغ الحرب التي لا تسوغ، ونقض العهود التي يوصيهم الدين ~~برعايتها، وظهر بينهم المجرمون الدوليون كما يظهر المجرمون والعصاة مع كل قانون وكل عرف ~~مأثور، إلا أن هؤلاء المجرمين - كثروا أو قلوا - لم يبطلوا فضيلة دينهم ولم ينسخوا ~~أحكامه بعصيانهم، وذهبوا وبقيت تلك الأحكام ماثلة أمام ولاة الأمر يطيعونها أو يسول ~~لهم الطمع أن يتعدوا حدودها، فلا يجسروا على تعديها جهرة إلا أن يتمحلوا لها ~~معاذيرها ويبدلوا معالمها، ومن لج به البغي فتعدى حدودها ولم يكترث لعواقب العدوان ~~لم ينج من تلك العواقب في مصيره، وانتهى به البغي إلى نهاية كل جامح عسوف مستبد ~~برأيه. # ولما تجاورت دول الإسلام ودول الغرب حول البحر الأبيض المتوسط كانت شريعة الدول ~~الغربية في القانون الدولي هي الشريعة ms160 التي خلفتها لها دولة الرومان. # من جاورك فهو عدوك تخضعه أو يخضعك، وتبدأ بالحرب متى استطعت أو يبدؤك هو بالحرب متى ~~استطاع ... وكانت هذه الشريعة على أشدها في معاملتهم لبلاد المسلمين؛ لأنهم أفردوها بعداء ~~واحد فوق كل عداء. # وإذا وضع الميزان بين هذه الدول في هذه الفترة ذهبت كل غدرة من جانب الدول الإسلامية ~~بغدرة مثلها من جانب الدول الغربية، وبقيت في كفة الغرب غدرات كثيرة لا نظير لها، ولا ~~مسوغ لها غير شريعة العداء الدائم في جميع الأحوال. # والترك العثمانيون هم مضرب المثل عند الغربيين للشريعة التي تجوز في معاملات الغرب ~~ولا تجوز في معاملات الأمم الأخرى. ومنهم من يخلط بين كلمة التركي وكلمة المسلم فيظن أن ~~المسلمين كلهم من الترك، ويكتب كتابهم يومئذ عن قسوة التركي وذمة التركي ولباس التركي ~~ولغة التركي، وهو يشمل بالكلمة جميع المخالفين للأوروبيين من المسلمين، وحقهم في عرف ~~القوم أنهم لا حق لهم معروف بين حقوق الآدميين. # ولكن هؤلاء الترك لم يكن من شريعتهم قط أنهم ~~يعاملون أناسا سلبت حقوقهم، واستبيحت دماؤهم وأموالهم لهم بلا سبب ولا مسوغ غير ~~الخلاف في الدين، وطالما هم سلاطين الترك بإكراه المسيحيين في بلادهم على الإسلام أو ~~تستباح دماؤهم وأموالهم، فنهاهم عن ذلك شيوخ الإسلام وقيدوهم بالفتاوى الشرعية التي لا ~~تبيح للسلطان المسلم أن يقتل ذميا، أو يقتل مخالفا يقبل أداء الجزية بعد تخييره ~~بينها وبين المعاهدة أو الإسلام ... ولولا هذه الفتاوى لاستطاع سلاطين الترك أن يحولوا ~~أوروبا الشرقية إلى الدين الإسلامي في جيل واحد أو جيلين، ولولا أن الفتاوى الشرعية ~~كانت لها رهبتها في ضمير السلطان المسلم لما اكترث لها أولئك السلاطين الأقوياء ~~المتحكمون في ممالكهم، ولا سيما أيام الفتوح التي أضافت إلى قوتهم عظمة المجد وخيلاء ~~الظفر والسطو؛ فقد كانت رهبة الفتوى من العالم العارف بأوامر الدين ونواهيه تخيف بطل ~~الحرب الذي لا تخيفه الجيوش والمعامع؛ لأنها رهبة من الله سيد السادة وملك الملوك ~~القادر على أن يخذل المنتصر وينصر المخذول، بل كانت هذه الرهبة ms161 تزلزل العروش تحت ~~أربابها وتطيح بهم من فوقها، وكثيرا ما لجأ إليها السلاطين أنفسهم لإجازة ولاية بعدهم ~~لا تجيزها لهم قوة السيف والمال، أو لإجازة العقاب الذي يحلونه بالعصاة ولا بد له من ~~سند شرعي يسوغه لولي الأمر القادر عليه، وما استطاع السلطان أن يوقع بجمع «الانكشارية» ~~المتمردين على الإصلاح إلا بسند من تلك الفتاوى يحتمي به من غضب الله وغضب ~~رعاياه. # ومن أضاليل فقهاء الغرب في القانون الدولي أنهم أسقطوا حقوق الترك في المعاملات ~~الدولية؛ لأنهم مغيرون على البلاد الأوروبية في غير مسوغ للإغارة عليها، وهم - أي ~~هؤلاء الفقهاء - لا يشق عليهم أن يعلموا مسوغ تلك الإغارة لو كان لهم ميزان واحد ~~للمعاملات بين الدول يزنون به حقوقها جميعا على سواء؛ فإن العالم الأوروبي باتفاق ~~ملوكه وأمرائه وبابواته قد شهر الحرب على العالم الإسلامي في حروبه الصليبية قبل زحف ~~الترك العثمانيين على آسيا الصغرى في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد، وكانت أخبار ~~مذابح المسلمين في بيت المقدس وفي المغرب الأندلسي تجوب آفاق القارة الآسيوية إلى ~~أقصاها شرقا، وتجوب آفاق القارة الأفريقية إلى أقصاها جنوبا، وتتغلغل في أنحاء العالم ~~الإسلامي مع الحجاج والمهاجرين في كل عام، فلا تدع مسلما في الأرض بمعزل عن الشعور ~~بحالة الحرب الداهمة؛ لأنه يعلم أنها مشهورة عليه. ولعل فقهاء الغرب يجهلون عمق هذا ~~الشعور الذي ملأ جوانب العالم الإسلامي عدة قرون؛ لأنهم يجهلون مدى انتشار الخبر الذي ~~يهم شعوب المسلمين على أفواه القوافل المترددة في آسيا وأفريقيا من الحجاج والمهاجرين. ~~وعمق هذا الشعور هو الذي قوض دولتي الإسبان والبرتغال في آسيا قبل سائر المستعمرين؛ ~~لأنهما وصلتا إلى الشرق الإسلامي مسبوقتين بسمعة العداوة التي لا عداوة مثلها لشعوب ~~الإسلام. أما أن يعلم فقهاء الغرب عمق هذا الشعور في بلاد العالم الإسلامي ثم يستكثروا ~~على شعب من شعوبه أن ينظر إلى الغرب نظرته إلى محارب يقتص منه فلا عذر له إلا الأثرة ~~العمياء التي تجيز لصاحبها أن يقتحم بلاد غيره، ثم لا يفهم من اقتحام بلاده بعد ms162 ذلك إلا ~~أنه عدوان بغير سابقة وبغير حجة! # وتأبى الحوادث إلا أن تجيء عفوا بما ينقض دعوى هؤلاء الفقهاء عن رعاية الإسلام ~~للقوانين والعهود، فيطلق الغرب نفسه لقب «سليمان القانوني» على سلطان من أكبر سلاطين ~~القسطنطينية لم يشتهر بعمل من أعماله الحربية كما اشتهر بأعماله القانونية التي أقامت ~~المعاملات بين الغرب وبلاده على سنن التشريع والمعاهدة، وهذه هي السنن التي اعترف بها ~~في إبان مجده وقوته منحا سخية للغرب، فما زالت حتى أصبحت مع الضعف قيودا وأغلالها ~~يتحكم بها المستعمرون الغربيون في أعناق الشرقيين! ~~••• # ونحن نكتب هذه السطور عن حقوق الأمم في الإسلام وعن حقوقها عند الفقهاء الغربيين بعد ~~أن تنبهوا إلى البحث فيها منذ أوائل القرن السابع عشر، ولا ندري ما مصير هذه الحقوق ~~من الوجهة العملية في عالمنا الحديث. # فقد تقهقرت دول الغرب في بعض أحكام القانون الدولي إلى ظلمات القرون الوسطى، وأسقطت ~~حرمته في أخطر الحقوق وهي حق المفاتحة بالحرب أو حق الإغارة على الأمم بغير ~~إعلان. # وإن تقدم العالم الإسلامي بالقانون الدولي لهو ضرورة قاسرة ليس فيها كبير فضل من نصوص ~~وأحكام، ولا كبير فضل للمقاصد والنيات؛ فإن اشتباك العالم في المصالح بعد اقتراب أنحائه ~~بالمواصلات وتسامع الأخبار قد خلق بين الأمم علاقات مقصودة وغير مقصودة ترغم القوى ~~على محاسنة الضعيف، وتجعل الخطر في بعض أطراف الكرة الأرضية محسوسا به في أبعد أطرافها ~~من بلاد الأقوياء والضعفاء. # فهذه العلاقات مرجوة الخير مبتدئة بالأمم في طريق لا يسهل عليها النكوص عنه، وهي ~~آمنة على سلامتها وسلامة العالم الإنساني في جملته، فإذا صح فيها رجاء العالم الإنساني ~~فهو رجاء يساق الغرب فيه بسائق الضرورة العمياء، ويقل فيه فضل السعي والتدبير، ولكنه ~~رجاء يتلقاه المسلم تصديقا لإيمانه بالله ولعقيدته في حكمته؛ لأنه يؤمن بأن التعارف ~~بين الناس هو الحكمة الإلهية من خلق الشعوب والقبائل واختلاف الأجناس والألوان. ~~(8) حق الإمام # الإمام في الإسلام هو وكيل الأمة في إقامة حدود الله، فحقه مرادف لحق الأمة ما قام ~~بهذه الأمانة؛ لأنه يتولى ms163 الإمامة لإيتاء كل ذي حق حقه، ويملك الأمر وتجب له الطاعة ~~فيما تدعو مصلحة الأمة فيه إلى تشريع جديد، وطاعته مقرونة بطاعة الله ورسوله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~(النساء: 59). # وفي الحديث الشريف: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع ~~الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني، اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد ~~حبشي كأن رأسه زبيبة.» # 8 # وليس للإمام أن يعطل حدا من حدود الله. # وليس له أن يقيم حدا منها في غير موضعه. # وإقامته في غير موضعه أن يقام حيث لا تثبت أركانه ولا تدرأ شبهاته؛ فالإمام الذي ~~يعطل الحد مخالف لأوامر الله، والإمام الذي يقيم حدا ليس بثابت الأركان ولا مدروء ~~الشبهات مخالف لأوامر الله. # وعلى الإمام تقع تبعة الأمة كلها في تقدير مصالحها وضروراتها، وتقدير ما يترتب على ~~هذه المصالح والضرورات من إجراء الأحكام أو وقفها أو التوفيق بينها وبين ~~أحوالها. # وليس هذا من الاجتهاد الذي يجوز فيه الخلاف؛ لأن الاجتهاد اعتماد على تقدير لم يرد ~~فيه نص صريح، وأما رعاية الضرورات فقد وردت فيها نصوص صريحة لا تفهم على معنى من ~~المعاني إن لم يكن معناها أن للاضطرار حكما غير حكم الاختيار، وأن تقدير الاضطرار في ~~تطبيق الشرع موكول إلى ولي الأمر ساعة حصوله: # فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ~~(البقرة: 173)، # وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه ~~(الأنعام: 119)، # فمن ~~اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور ~~رحيم ~~(المائدة: 3). # والأمر بالتفكير نص صريح في القرآن الكريم كهذه النصوص عن الضرورات، فليس من الدين أن ~~يتلقى المسلم آيات ربه في كتابه وآيات ربه في خلقه بغير تفكير: # فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ~~(الأعراف: 176)، # إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ~~(النحل: ~~11)، # إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ~~(النحل: 67)، # كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون ~~(الروم: 28)، # قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ~~(الأنعام: 50)، # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك ~~يبين الله لكم الآيات ms164 لعلكم تتفكرون ~~(البقرة: ~~219). # وليس في القرآن الكريم أمر واجب على الإنسان أكثر من واجب العقل والتفكير، وليس فيه ~~نعي على قوم أشد من النعي على الذين لا يعقلون ولا يتفكرون. # فرعاية الضرورات نص صريح، والأمر بالتعقل والتفكير نص صريح، ومن قال بغير ذلك فهو ~~الذي يجتهد برأي من عنده يخالف صريح النصوص. # أما موضع الاجتهاد الذي يطلب من الإمام في مسائل التشريع فهو الذي فصله الفقهاء في ~~أبواب القياس أو الاستحسان أو الاستصلاح، وقد أجملها العالم الفاضل الأستاذ عبد الوهاب ~~خلاف في كتابه عن مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه فقال: «إنه إذا عرضت للمكلف ~~واقعة فيها حكم دل عليه نص في القرآن أو السنة انعقد عليه إجماع المجتهدين من المسلمين ~~في عصر من العصور، وجب اتباع هذا الحكم، ولا مجال للاجتهاد بالرأي في حكم هذه الواقعة، ~~وإذا عرضت واقعة ليس فيها حكم بنص ولا إجماع ولكن ظهر للمجتهد أنها تساوي واقعة فيها ~~حكم بنص أو إجماع في العلة التي بني عليها حكم النص أو الإجماع، فإنه يسوي بين ~~الواقعتين في حكم النص لتساويهما في العلة التي بني عليها، وهذه التسوية هي القياس، ~~وهو أول طريق الاجتهاد بالرأي؛ لأن المجتهد يستنبط علة حكم النص باجتهاده برأيه، ويتحقق ~~من وجودها في الواقعة المسكوت عنها باجتهاده برأيه.» ~~«وإذا عرضت واقعة يقتضي عموم النص حكما فيها، أو يقتضي القياس الظاهر المتبادر حكما ~~فيها، أو يقتضي تطبيق الحكم الكلي حكما فيها، وظهر للمجتهد أن لهذه الواقعة ظروفا ~~وملابسات خاصة تجعل تطبيق النص العام أو الحكم الكلي عليها أو اتباع القياس الظاهر فيها ~~يفوت المصلحة، أو يؤدي إلى مفسدة، فعدل فيها عن هذا الحكم إلى حكم آخر اقتضاه تخصيصها ~~في العام أو استثناؤها من الكلي، أو اقتضاه قياس خفي غير متبادر؛ فهذا العدول هو ~~الاستحسان، وهو من طرق الاجتهاد بالرأي؛ لأن المجتهد يقدر الظروف الخاصة لهذه الواقعة ~~باجتهاده برأيه، ويرجح دليلا على دليل باجتهاده برأيه.» ~~«وإذا عرضت واقعة ليس فيها حكم بنص ولا إجماع ms165 ولا قياس ولا يتعارض فيها دليلان، وظهر ~~للمجتهد أن هذه الواقعة فيها أمر مناسب لتشريع حكم، أي أن تشريع الحكم بناء عليه يحقق ~~مصلحة مطلقة؛ لأنه يجلب نفعا أو يدفع ضررا، فاجتهد في تشريع الحكم لتحقيق هذه المصلحة ~~فهذا هو الاستصلاح، وهو من طريق الاجتهاد بالرأي؛ لأن المجتهد يهتدي إلى الأمر المناسب ~~في الواقعة برأيه، ويهتدي إلى الحكم الذي يبنيه عليه برأيه.» ~~«فواقعة القياس واقعة ليس فيها حكم بنص أو إجماع ألحقت بواقعة فيها حكم بنص وإجماع، ~~وواقعة الاستحسان واقعة تعارض في حكمها دليلان، وعدل المجتهد فيها عن حكم أظهر ~~الدليلين لسند استند إليه في العدول، وواقعة الاستصلاح واقعة بكر لا حكم فيها بنص ولا ~~إجماع ولا قياس، وشرع فيها المجتهد لتحقيق مصلحة معينة.» # واجتهاد الصحابة بإذن النبي - عليه السلام - هو السند الذي يرجع إليه الفقهاء في جواز ~~الاجتهاد أو وجوبه عند الاضطرار إليه، وأشهر وصاياه - عليه السلام - لكبار صحبه وصيته ~~لمعاذ بن جبل وعمرو بن العاص. # وقد روى الإمام أحمد بسند مرفوع إلى أصحاب معاذ من أهل حمص فقال: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب ~~الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة ~~رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # صدري ثم قال: ~~الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. # وروي عن عمرو بن العاص أنه جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال له: يا ~~عمرو اقض بينهما. قال: أنت أولى بذلك مني يا نبي الله. قال: وإن كان. قال: على ماذا ~~أقضي؟ قال: إن أصبت القضاء بينهما لك عشر حسنات، وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة. # ويلاحظ بعض رواة الأحاديث أن حديث معاذ مرفوع إلى أصحاب له مجهولين، فيقول الإمام ابن ~~القيم في كتابه «إعلام ms166 الموقعين» ردا على هذه الملاحظة إن الحديث وإن كان عن غير ~~مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به ~~الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون ~~عن واحد منهم ولو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل ~~الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح؟ بل أصحابه من أفاضل ~~المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك. كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، ~~وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به ... قال أبو بكر ~~الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن أنس رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل ~~ورجاله معروفون بالثقة. على أن أهل العلم نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم ~~كما وقفنا على صحة قول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا وصية لوارث.» وقوله في البحر: «هو الطهور ~~ماؤه والحل ميتته.» وقوله: «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا ~~وترادا البيع.» وقوله: «الدية على العاقلة.» وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة ~~الإسناد، ولكن لما تلقنها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم في طلب الإسناد لها، ~~فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له ... # وقد عني الإمام ابن القيم بمناقشة مخالفيه على ديدن فقهاء الإسلام في التحرج من ~~إبداء الرأي أو معارضته بغير دليل، والحرص على إبراء الذمة في كل قول يأخذون به أو ~~ينقدونه، فأجاب المتشككين في إسناد الحديث بالحجة التي اصطلح عليها علماء الأثر، ولكنه ~~كان في غنى عن ذلك بأدلة الاجتهاد الكثيرة من أعمال النبي - عليه السلام - وأعمال ~~الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم. وفي هذا الأمر خاصة - أمر معاذ رضي الله عنه - ~~كان الإمام ابن القيم في غنى عن مناقشة السند بإثبات حقيقة واحدة لا شك فيها؛ وهي أن ~~معاذا ولي ms167 القضاء قبل تمام التنزيل ولما تتنزل الآية الشريفة: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~(المائدة: ~~3)، ولو لم يكن من حق الإمام أن يقضي بما يراه ~~موافقا للقرآن الكريم لما أمكن أن تسند الولاية إلى أحد، وفي القرآن الكريم بقية ~~يجهلها الولاة، وكيفما كان تأويل المتأولين في جواز الاجتهاد فما يكون لصاحب رأي في ~~الإسلام أن يزعم أن الناس أمروا بالنصوص الكتابية كما تؤمر الآلات التي تساق إلى ~~عملها ولا تدري حكمته، ولا تفقه معنى لتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأنهم لم يؤمروا ~~بالنصوص كما يؤمر العقلاء المكلفون بالنصوص المتواترة أن يتدبروا أمر الله ونواهيه، ~~ويتدبروا آيات الله في الكتاب وآياته في الأرض والسماء. ويئس مثل المتعالمين الذين ~~يحتجون بالكتب ولا يفقهونها، فإنهم كما جاء في القرآن الكريم: # كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين ~~كذبوا بآيات الله ~~(الجمعة: 5)، على أن الأدلة على جواز الاجتهاد، ~~بل على وجوبه، كثيرة كما قدمنا فيما ثبت من أعمال النبي - عليه الصلاة والسلام - وأعمال ~~خلفائه الراشدين، ولا سيما الخليفة الثاني الذي تولى خلافة النبي في دولة واسعة ~~الأطراف تتطلب من الإمام أن يتصرف في تطبيق النصوص كلما عرضت له المشكلات بجديد لم يكن ~~على عهد به قبل اتساع الدولة. # فالنبي - عليه السلام - تدرج في إيجاب التكليف، وجاء في رواية الإمام أحمد: «إن وفد ~~ثقيف اشترطوا على رسول الله ألا يحشروا ولا يعشروا ولا يجمعوا ولا يستعلي عليهم غيرهم؛ ~~أي لا يخرجوا للغزو ولا يؤدوا الزكاة ولا يصلوا ولا يولى عليهم أحد من غير قبيلتهم، ~~فقال - عليه الصلاة والسلام: «لكم ألا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا ~~خير في دين لا ركوع فيه».» # وقبل النبي منهم ما اشترطوه وهو يقول كما جاء في رواية أبي داود أنهم «سيصدقون ~~ويجاهدون»، أي أنهم سيؤدون فرائض الإسلام متى ثبت الإيمان في قلوبهم وشاهدوا غيرهم من ~~المسلمين يتصدقون ويخرجون للجهاد. # وروى أبو داود عن عبد الله بن فضالة عن أبيه قال: «علمني رسول ms168 الله # صلى الله عليه وسلم # وكان ~~فيما علمني: وحافظ على الصلوات الخمس. قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر ~~جامع إذا أنا فعلته أجزأ عني. فقال: حافظ على العصرين - وما كانت من لغتنا - فقلت: وما ~~العصران؟ فقال: صلاة قبل طلوع الشمي وصلاة قبل غروبها.» # ومثل هذه الرواية أن رجلا أتى النبي - عليه الصلاة والسلام - فأسلم على أنه لا يصلي ~~صلاتين فقبل ذلك منه. # وروى البخاري عن أم عطية أنها قالت: «بايعنا # صلى الله عليه وسلم # فقرأ علينا: # أن لا يشركن بالله شيئا # ونهانا عن النياحة، ~~فقبضت امرأة يدها وقالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها. فما قال لها # صلى الله عليه وسلم # شيئا، ~~فانطلقت ورجعت فبايعها.» وفي رواية النسائي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «فاذهبي ~~فأسعديها.» فذهبت فأسعدتها ثم جاءت فبايعت. # 9 # وقد صنع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ذلك ترغيبا للمشركين في الإسلام، وتأليفا لقلوبهم ~~وتدرجا بهم في الصبر على فرائضه وفضائله، وتعويدا لهم أن يطيعوا أوامر دينهم عن ~~رغبة فيها واقتداء حسن بمن يطيعونها. # وتعددت مسائل الاجتهاد التي قضى بها الفاروق في خلافته؛ فأعفى من العقوبة، وأسقط سهم ~~المؤلفة قلوبهم، وفرض الخراج، وأنشأ من المكافآت والعقوبات ما لم يكن معمولا به قبل ~~خلافته. # كان يقول: لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة، وسرق غلمة لحاطب بن أبي بلتعة ناقة لرجل ~~من مزينة وأقروا بالسرقة، فقال عمر لكثير بن الصلت: اذهب فاقطع أيديهم، ولمح في وجوههم ~~شحوبا فأمر بردهم، وقال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن ~~أحدهم أكل ما حرم الله عليه حوله لقطعت أيديهم، وايم الله إذ لم أفعل لأغرمنك ~~غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني! بكم أريدت منك ناقتك؟ قال بأربعمائة، قال عمر: اذهب ~~فأعطه ثمانمائة. # وسئل الإمام أحمد بن حنبل: أتعمل به؟ قال: إي لعمري، لا تقطع يد السارق إن ~~حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة. # وأسقط عمر سهم المؤلفة قلوبهم، وكان النبي - عليه السلام - قد أعطى ms169 أبا سفيان والأقرع ~~بن حابس وعباس بن مرداس وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن كل واحد منهم مائة من الإبل. وطلب ~~عيينة بن حصن والأقرع بن حابس أرضا من أبي بكر الصديق فكتب لهما بها، فلما رأى عمر ~~الكتاب مزقه وقال: إن الله أعز الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم عليه وإلا فبيننا وبينكم ~~السيف. # ومن سوء الفهم أن يقال إن الفارق خالف النص في هذه القضية، وإنما يقال إنه اجتهد في ~~فهم النص كما ينبغي، وإنه بحث عن المؤلفة قلوبهم فلم يجدهم؛ لأن تأليف القلوب إنما يكون ~~مع مصلحة للإسلام والمسلمين، فإن لم يكن تأليف لم يكن هناك مؤلفة يستحقون العطاء. ولو ~~أن عيينة والأقرع وأصحابهما سئلوا يومئذ: أهم من المؤلفة قلوبهم يستحقون العطاء لأنهم ~~ضعاف الإيمان لما قبلوا أن يثبتوا في ديوان العطاء. # ولما فتحت أرض الجزيرة وما وراءها لم يشأ أن يقسمها وقال: كيف بمن يأتي من المسلمين؟ ~~يجد الأرض قد قسمت وورثت عن الآباء! ما هذا برأي! ثم أرسل إلى عشرة من الأنصار وقال ~~لهم: إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أمركم ... قد رأيت أن أحبس ~~الأرضين بعلوجها وأضع عليهم الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين ~~المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم. أرأيتم هذه الثغور؟ لا بد لها من رجال يلزمونها. ~~أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لا بد لها أن تشحن ~~بالجيوش وإدرار العطاء عليهم. فمن أين أعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضين والعلوج؟! فقالوا ~~جميعا: الرأي رأيك، نعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن ~~بالرجال، وتجري عليهم ما يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم. # وقد أخذ عمر بتمييز السابقين إلى الإسلام بالمكافأة على الذين تبعوهم كرها ولم ~~يشهدوا من الغزوات ما شهدوه، وأنفذ فتوى علي - رضي الله عنه - حين أفتى بمعاقبة شارب ~~الخمر بعقوبة القاذف؛ لأن المخمور لا يملك لسانه إذا سكر وهذى، وأمضى كثيرا من ~~المكافآت والعقوبات على هذا ms170 القياس. # ولم يتحرج الخليفة الأول من الاجتهاد بالرأي عند وجوبه، وإنما كثر الاجتهاد في عهد ~~الخليفة الثاني لكثرة دواعيه، وكان الصديق يقدم على الاجتهاد أحيانا حين يحجم ~~عنه صاحبه كما حدث في حروب الردة؛ حيث أمر الصديق بحرب مانعي الزكاة، وتردد عمر في ~~جواز حرب الناطق بالشهادتين. # وسئل الصديق عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن الله وإن ~~يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد. # واجتهد عثمان وعلي كما اجتهد أبو بكر وعمر - رضوان الله عليهم - فمن اجتهاد عثمان أن ~~يأمر بكتابة المصحف على حرف واحد منعا لاختلاف الألسنة في القراءة، ويوشك أن يكون لعلي ~~- رضي الله عنه - رأي في كل معضلة عرضت للخلفاء من قبله، وربما رأى الرأي ثم عدل عنه ثم ~~عدل عن عدوله كما حدث في فتواه بيع أمهات البنين؛ فقد كان اتفق مع عمر على منع بيعهن، ~~ثم قال لقاضيه عبيدة السلماني كأنه يخيره بين البيع ومنعه، فقال عبيدة: يا أمير ~~المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. فقال: اقضوا بما كنتم ~~تقضون، فإني أكره الخلاف. # ولم ينته الاجتهاد بعد الخلفاء الراشدين؛ لأن الاجتهاد إنما أوجبه أنه ضرورة تعرض ~~للإمام المسئول مع تقلب الأحوال وتجدد الطوارئ والمناسبات، وأحرى أن يكون للتابعين ~~ألزم منه للأولين الذين كانوا على مقربة من معاهد التنزيل وجيرة النبي صاحب ~~الرسالة. # غير أن أهل الذكر الذين يوليهم المجتمع الإسلامي أمانة العلم والأمر بالمعروف قد ~~بادروا إلى دعم أسس التشريع، واستنبطوا له الضوابط والآداب من آيات الكتاب وأحاديث ~~الرسول ومأثور السلف الصالح، فخلصت لهم من ذلك نخبة قيمة من القواعد والشروط يحق لنا ~~أن نسميها قوانين التقنين، وهي تقابل اليوم ما يسمى في عرف المشترعين الغربيين ~~بالحكم وجوامع الأمثال # Maxims ~~. # ومن هذه القواعد أن اليسر مفضل على الحظر في أوامر الشرع ونواهيه؛ فحيثما أمكن ~~السماح فهو أفضل من الحجر والتقييد، لقوله تعالى: # يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~(البقرة: 185)، ولما ms171 ~~أثر عن النبي - عليه الصلاة والسلام - في حديث السيدة عائشة أنه: «ما خير رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن يكن إثما كان أبعد الناس ~~عنه.» # ومن قواعد التشريع أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا، وما رآه المسلمون حسنا فهو حسن، ~~وأنه «لا يجوز إقامة الحد مع احتمال عدم الفائدة»، و«أن الضرورات تبيح المحظورات»، وأنه ~~«لا ضرر ولا ضرار»، و«أن اختيار أخف الضررين مصلحة» و«البينة على المدعي واليمين ~~على من أنكر»، و«الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا»، و«لا ~~يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تراجع الحق»، و«إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي ~~بالناس.» # ومن ضوابط التشريع فصل السلطات وفصل عمل الحكم عن عمل التنفيذ، وفي ذلك يقول أحمد بن ~~القرافي في الذخيرة: «إن ولاية القضاء متناولة للحكم لا يندرج فيها غيره، وليس للقاضي ~~السياسة العامة ... وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما ... وليس للقاضي قسمة ~~الغنائم وتفريق أموال بيت المال على المصالح وإقامة الحدود وتركيب الجيوش وقتال ~~البغاة.» # ومن ضوابط التشريع حق النقض «فيما خالف نص آية أو سنة أو إجماع أو ما يثبت من عمل أهل ~~المدينة أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا أو الدليل القاطع الذي لا يحمل ~~اختلاف الآراء.» # وتفصيل ذلك مستفيض في كتب الفقهاء. # فالإمامة - بهذه الضوابط والآداب - مصدر دائم من مصادر التشريع لكل زمن بما يستجد ~~فيه، ولكل حالة بما يناسبها، يواجه به الإسلام ضرورات التشريع بغير حجر على الإمام أو ~~على الأمة، وحقهما في ذلك سواء؛ لأن الإمام وكيل الأمة في حماية الحقوق، ولأن إجماع ~~الأمة هو الحجة التي يستند إليها الإمام كلما تيسر الإجماع التام، فما تيسر منه كاف في ~~إجراء أعمال الإمامة. # ولا تقع في الحسبان - بهذه المثابة - قضية واحدة يقال إن مصادر التشريع الإسلامي تضيق ~~عن حكمها الذي يناسب زمانها وأحوالها، ولا يجوز مع هذا أن نحسب الشريعة الإسلامية من ~~الشرائع المتحجرة التي لا تقبل المرونة، وإن ms172 كانت كذلك لا تحسب من الشرائع الرخوة التي ~~لا تتماسك على أساس متين. # وقد حاول حاكم من أكبر حكام الغرب أن يلصق بالتشريع الإسلامي مظنة التحجر في العصر ~~الحاضر، فشاء القدر أن يجري عليه قصاصا كان ينعاه على التشريع الإسلامي في معاقبة ~~المفسدين؛ لأنه أمر بإحراق عصابة من اللصوص في مزرعة من القصب لاذت بها وتحصنت فيها من ~~مطارديها، في جهة البلينا من صعيد مصر، فأمر الحاكم مفتشه من قومه بأن يشعل النار في ~~المزرعة، ويتصيد من يهرب منها ضربا بالرصاص. # ذلك الحاكم هو لورد كرومر قيصر قصر الدوبارة في القاهرة كما يلقبونه في زمنه، وقد ~~أخذ على الشيخ العباسي مفتي الديار المصرية أنه سئل عن عقاب العصابات فذكره كما جاء في ~~الآية الكريمة: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ~~(المائدة: 33-34). # وهذه عقوبات فرضت في الجزيرة العربية قبل استفتاء الشيخ العباسي (سنة 1890) بثلاثة ~~عشر قرنا، وفيها التخيير بين القتل وقطع الأطراف وبين السجن أو الإقصاء من الديار، ~~وفيها العفو عمن تاب واستقام، وليس فيها الإحراق الذي كان للحاكم مندوحة عنه، لو أنه ~~آثر أن يصبر على محاصرة المفسدين حتى يستسلموا له طائعين. # وقبل الاحتلال البريطاني لمصر - في أثناء الاحتلال الفرنسي في القرن الثامن عشر - حكم ~~قضاة نابليون على سليمان الحلبي قاتل القائد كليبر بالقتل على الخازوق وقطع يديه ورجليه ~~يدا بعد يد ورجلا بعد رجل، ثم إحراقه حيا بعد هذا التعذيب. # أما الذين حاكمتهم محاكم التفتيش في القرن الثالث عشر للميلاد - أي بعد بعثة النبي ~~العربي بسبعة قرون - فحكمت عليهم بالإحراق فعدتهم مئات وألوف، منهم العلماء والأدباء ~~والقساوسة والمتهمون بالسحر ومحالفة الشيطان، وليس منهم سفاح ولا قاطع طريق، وذنبهم كله ~~أنهم يحلون من المعرفة ما يحرمه رجال الدين. ms173 # ولا نعلم أن أحدا من قضاة التفتيش أو من قضاة نابليون ندم على إحراق الناس بقية ~~الحياة، ولكننا نعلم أن خليفة مسلما عاقب لصا من عتاة الجناة المفسدين غدر بعهد ~~الأمان وقتل الأبرياء وتحدى ولي الأمر وأعوانه واستحق حكم الموت، فأحرقه الخليفة ~~بالنار؛ ذلك هو الفجاءة بن إياس بن عبد ياليل الذي وفد على الخليفة أبي بكر الصديق ~~يسأله سلاحا يحارب به المرتدين ويحمي به الطريق، فلما أعطاه السلاح خرج به يقطع الطريق ~~وينهب السابلة ويحارب المسلمين، فطارده الخليفة حتى ظفر به فألقى به في النار، وعاش ~~بقية حياته يندم على هذه المثلة؛ لأنها من غضب الحدة، وإن كان غضبا لا يعاب. ~~••• # والعبرة في معظم هذه الأخطاء التي يقع فيها نقاد الشريعة الإسلامية من ساسة الغرب ~~أنهم يرغبون في توجيهها، ولا يكلفون أنفسهم أن يترددوا فيها، ولولا ذلك لما وجهوا ~~نقدهم إلى موضع الاستيفاء والضمان من هذه الشريعة؛ لأنهم لم يسألوا أنفسهم قط في أمر ~~العقوبات التي يستعظمونها: هل هم على يقين أنها لم تكن في حالة من الحالات رادعة أو ~~لازمة للتحذير والتخويف؟ وهل أوجبتها الشريعة الإسلامية في جميع الحالات ولم توجب معها ~~عقوبة أخرى تصلح للأخذ بها في زمانها وفي غير زمانها؟ وهم خلقاء أن يترددوا في النقد ~~إذا كلفوا أنفسهم بعض هذه الأسئلة؛ لأنهم ينكرون على الشريعة الإسلامية شرط التشريع ~~الذي يزعمون أنهم يطلبونه وهو الوفاء بحاجة الزمن والمطابقة لجميع الأحوال، ويسقطون من ~~حسابهم مصدر التشريع الدائم في الإسلام، وهو مصدر الإمامة ومن ورائه حق الأمة أو حق ~~الإجماع، فإن هذا المصدر أوفى من أكبر المصادر العصرية التي يعولون عليها وهو مصدر ~~السيادة؛ إذ كانت السيادة معززة بحق ولاة الأمر وحق الاستفتاء العام، وكانت الإمامة ~~شاملة لهذه الحقوق جميعا، وتزيد عليها قداسة الدين واتفاق الأمة في جميع أزمنتها، ~~كأنها وحدة عامة لا تتقيد بإرادة الأحياء في فترة واحدة. # ولا حاجة للأمة في عصر من عصورها إلى مصدر من التشريع أوفى من مصدر السيادة بهذا ~~المعنى الواسع المحيط ms174 بكل حرمة من حرمات الشرع في غير حد، ولا حجر على حرية الأحياء ولا ~~حرية الأجيال المقبلة؛ لأن التبعة على قدر السلطة في كل جيل من أجيال الأحياء. # وما من جهة واحدة يستند إليها حق الإمامة كله في الإسلام، ولا استثناء في ذلك لصاحب ~~الرسالة وأمين التبليغ نبي الإسلام - عليه السلام: # ليس لك ~~من الأمر شيء ~~(آل عمران: 128)، # إنما ~~أنا بشر مثلكم ~~(الكهف: 110)، # وما أنت ~~عليهم بجبار ~~(ق: 45)، # قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله ~~(آل عمران: 64). # ويؤمر النبي بمشاورة المسلمين: # وشاورهم في ~~الأمر ~~(آل عمران: 159). # ويؤمر المسلمون بالمشاورة بينهم: # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~(الشورى: 38). ~~••• # فحق الإمامة إذن أعم من حق السيادة؛ لأنه - في جانبي التشريع والتنفيذ - مستمد ~~من أوامر الله وسنة رسول الله واجتهاد أولياء الأمر، واجتهاد الجماعة الإسلامية كلها ~~برأيها على أتم صورة يثبت عليها. # ولهذه وجبت للإمامة طاعة تناسب هذه القداسة، فلا حدود لها إلا أن يأمر الإمام بالخروج ~~من الدين أو بمعصية الخالق فهو لا يطاع إذن؛ لأنه ليس بإمام. وقسطاس العهد بين الإمام ~~ورعيته كما جاء في حديث عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر ~~واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول ~~بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.» ويتمم الحديث في رواية أخرى «ألا ننازع ~~الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ...» # ويقول عثمان بن عفان - رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع ~~بالقرآن.» # وفي الأثر: «إن السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان ~~له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر.» # وليس حق الإمامة بالبداهة حق الإمام لشخصه، ولا هو من الحقوق التي يمكن أن تحصر في ~~جهة واحدة، وإنما يحق للإمام ms175 منه ما هو حقه بموجب البيعة والأمانة العامة؛ فهو مطيع ~~في هذه الأمانة مطاع. # ومن ثم وجب أن يتولى الإمام عمله باختيار رعاياه. ولا بد من البيعة العامة لكل ~~إمام مسئول تجب له الطاعة، يرشحه من استطاع من أولي الحل والعقد، وينعقد له الأمر بعد ~~إجازة هذا الترشيح بالبيعة العامة، ويجوز أن يرشحه واحد أو يشترط في ترشيحه اتفاق عدد ~~المسلمين تجوز لهم صلاة الجماعة. إلا أن الاتفاق على عدد المرشحين لا يغني عن المرجع ~~الأخير وهو اتفاق الجماعة بلا خلاف أو اتفاقها على القدر الذي ترجح به الكفة وتمتنع به ~~الفتنة. ومن أقدم على الفتنة فإثمها عليه يقضي فيه الإمام المختار أو يقضي فيه سلطان ~~الجماعة حيث استقام لها سلطان مشروع. ~~••• # ومن تمام التكافل «والتضامن» في المجتمع الإسلامي أن أمانة «الإمامة» لا تعفي الأمة ~~من واجب النصيحة لإمامها، وقد جمع نبي الإسلام الدين في كلمتين إذ قال: «الدين ~~النصيحة.» وسئل: لمن يا رسول الله؟ فقال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم.» # وقال - عليه السلام - في حديث آخر: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.» # وإزاء هذا الواجب من الرعية واجب يتممه من قبل الإمام، ويتأسى فيه الأئمة بصاحب ~~الإمامة الأولى الذي قال لرجل أصابه وجل عند لقائه: «رويدك يا هذا، إنما أنا بشر، أنا ~~ابن امرأة أعرابية كانت تأكد القديد.» وفي كتاب الله خطاب للنبي ولكل إمام متبوع: # واخفض جناحك للمؤمنين ~~(الحجر: 88)، # واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين ~~(الشعراء: 215). # وختام القول في هذا الحق المحيط بجميع الحقوق - حق الإمامة - أنه باب مفتوح للتشريع ~~في كل عصر وكل مجتمع، وأنه يكفل للأمة الإسلامية ما يكفله حق السيادة وزيادة؛ فلا منفذ ~~لنقد التشريع الإسلامي في جميع مصادره ما بقي له هذا المصدر مستمدا من ضمير الإنسان ~~وحكمة الله. # الفصل الرابع # | الأخلاق والآداب # التناسق ظاهرة عجيبة في الإسلام، يلمسها من تأمل فيه وألقى عليه في مجموعه نظرة عامة ~~بين عقائده وعباداته، وبين ما يشرعه من المعاملات والحقوق ويحمده من الأخلاق ~~والآداب. # هنالك ms176 وحدة تامة أو بنية واحدة يجمعها ما يجمع البنية الحية من تجاوب الوظائف وتناسق ~~الجوارح والأعضاء. # ويندر أن تقرأ في كلام ناقد من الأجانب عن اللغة العربية شيئا من مآخذ التناقض في ~~الإسلام إلا بدا لك بعد قليل أنه مخطئ، وأن مرد الخطأ عنده إلى جهل الإسلام أو جهل اللغة ~~العربية، وبعضهم يجهلها وهو من المستشرقين؛ لأنه يستظهر ألفاظها ولا يتذوقها، ولا ينفذ إلى ~~لبابها من وراء نصوص القواعد والتراكيب. # قرأنا لبعضهم أخيرا كتابا عن الشيطان يلم فيه بصفة إبليس في الإسلام، ويستغرب فيه من ~~هذا الدين أن يقول عن الله إنه أمر الملائكة بالسجود لآدم ... مع أنه الدين الذي اشتهر بغاية ~~التشديد في إنكار الشرك وتكفير كل ساجد لغير الله. # ومرد الخطأ فيما بدر إلى الكاتب من التناقض بين التوحيد وبين السجود لآدم أنه فهم ~~السجود بمعنى الصلاة دون غيرها من معاني الكلمة في اللغة العربية، وفاته أن الكلمة عرفت في ~~اللغة العربية قبل أن يعرف العرب صلاة الإسلام، ولم يفهموا منها أنها كلمة تنصرف إلى ~~العبادة دون غيرها؛ لأنهم يقولون: «سجدت عينه» أي أغضت، و«أسجد عينه» أي غض منها، و«سجدت ~~النخلة» أي مالت، و«سجد» أي غض رأسه بالتحية، و«سجد لعظيم» أي وقره وخشع بين يديه. ولا ~~تناقض على معنى من هذه المعاني بين السجود لآدم وتوحيد الله، وإنما السجود هنا هو التعظيم ~~المستفاد من القصة كلها، وهو تعظيم الإنسان على غيره من المخلوقات. # وبعضهم يرى أن الإسلام مناقض بطبيعته للعمل والسعي في سبيل الحياة؛ لأنه يفهم من الإسلام ~~أنه التواكل وتسليم الأمر إلى الله بغير حاجة إلى الحول والقوة؛ لأنه «لا حول ولا قوة إلا ~~بالله». # وجهل هؤلاء بالفهم أكبر من جهلهم باللغة؛ لأن الإسلام إلى الله وحده وتحريم الإسلام لغيره ~~يأبى على المسلم أن يسلم للظلم أو يسلم للتحكم من الناس أو من صروف الحياة، وينهاه أن ~~يستسلم للخيبة وللقسمة الجائرة، وأن يستسلم لكل قضاء لا يرضاه ويعلم أن الله لا ~~يرضاه. # وبعضهم يرى أن الإسلام والسلم ms177 نقيضان؛ لأنه يفهم من كلمة أسلم أنها التسليم في الحرب # Surrender # أو التسليم قبل الحرب خوفا من القتال، فكل ~~مسلم فهو خاضع للسيف هزيمة بعد الحرب أو خوفا من الحرب قبل إشهارها عليه. # وهؤلاء المتحذلقون على اللغة التي يجهلونها يفوتهم أن كلمة «أسلم» في ميدان الحرب هي ~~نفسها مأخوذة من إعطاء اليد أو بسطها للمصافحة، وأن المقصود بهذه الكلمة في الدين أنها ~~استقبال الله والاتجاه إليه، فمن أسلم وجهه لله فقد استقبل طريقه وأعطاه وجهه ولم يتحول ~~عنه إلى غيره. وكل المتدينين قبل الدعوة المحمدية موصوفون بأنهم مسلمون كما جاء في سورة ~~البقرة: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت ~~لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر ~~يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(البقرة: 130-133). # وفي القرآن الكريم أن المسلمين وصفوا بالإسلام في الكتب الأولى كما جاء في سورة الحج: # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين من قبل ~~(الحج: 78). # وأكثر ما اطلعنا عليه من النقائض المزعومة فهو من قبيل هذه الأخطاء في التفرقة بين ~~الكلمات على معانيها المطلقة، وبين هذه الألفاظ على معانيها التي قيدها الاصطلاح أو خصصتها ~~لغة القرآن الكريم. # وفيما عدا هذه النقائض وما إليها يروع الباحث في الإسلام ذلك التناسق بين عقائده وأحكامه ~~أو بين عقائده وأخلاقه. ولعل هذا التناسق أظهر ما يكون بين الأخلاق المتعددة التي حمدها ~~الدين من المسلم، وهي متفرقات تجمعها وحدة لا تستوعبها وحدتها الإسلامية؛ فهي في جملة وصفها ~~أخلاق إسلامية وكفى. # هل هي أخلاق قوة؟ هل هي أخلاق محبة؟ هل هي أخلاق قصد واعتدال؟ هل هي أخلاق ms178 اجتماعية؟ هل ~~هي أخلاق إنسانية؟ # هي كذلك أحيانا ولكنها ليست كذلك في جميع الأحيان؛ لأن أخلاق القوة قد تفهم على وجوه ~~متعددة، أو متناقضة، يحمد الإسلام بعضها ولا يحمد بعضها، أو يذمها جميعا إذا فهمت على ~~مذهب فلاسفة القوة في العصر الأخير. # وقد توصف الأخلاق في الإسلام بأنها «أخلاق محبة»؛ لأن أصول العلاقات بين الناس قائمة في ~~الإسلام على شرعة المحبة والأخوة كأنهم من أسرة واحدة، ولكن الإسلام ينكر من المسلم أن يحب ~~الخبيث كما يحب الطيب، ويعرف العداوة في الحق كما يعرف الصداقة فيه. # وليس قوام الأخلاق كله في التوسط أو في القصد والاعتدال على مذهب الفلسفة اليونانية أو ~~فلسفة أرسطو على الخصوص. وليس مآل الأخلاق كله في الإسلام إلى وحي المجتمع أو وحي الإنسانية ~~برمتها؛ لأن المجتمع قد يدان بأخلاقه كما يدان الفرد، ولأن الإنسانية لا ترتفع إلى ما فوق ~~جوانب الضعف فيها إن لم يكن لها من المثل العليا ما يسمو عليها، أو تسمو هي إليه جيلا بعد ~~جيل. ~~••• # أخلاق القوة في العصر الأخير مقترنة باسم «فردريك نيتشه» رسول السوبرمان الذي كاد إيمانه ~~بالسوبرمان أن ينقلب إلى عداوة للإنسان. # فالسوبرمان لا يرحم ولا يغفر ولا يعرف للضعيف نصيبا من «الإنسان الأعلى» غير نصيب ~~الزراية والإذلال، أو الإبادة والاستئصال، محافظة على سلامة النوع من عدوى الضعف وعواقب ~~الإبقاء على الضعفاء، وهم في عرفه أولى بالاجتناب من مرضى الجذام. # والأخلاق عنده قسمان: قسم للسادة لا يقبله العبيد، وقسم للعبيد لا يقبله السادة؛ فليس بين ~~الفريقين جامعة إنسانية تلتقي بهم في صفة من الصفات، بل هم أعداء يتسلط منهم القادر على ~~العاجز، ولا يحسن بالمتسلط أن يقبل من العاجز غير الخنوع والهبوط في الذلة من هاوية إلى ~~هاوية، لا نهاية غير الانقراض والفناء. ~~••• # وأخلاق القوة عرفت قبل نيتشه بتفسير لا تفسير فيه عند الحاجة إلى تفسير؛ لأنه يجعل القوة ~~مرادفة للاستحسان، ولا ندري منه لماذا يكون هذا الاستحسان. # وتفسير الفيلسوف هوبز # Hobbes # للقوة من هذا ~~القبيل. # فالناس على زعم هؤلاء ms179 المفسرين يحمدون الرحمة؛ لأنهم يحمدون القوة، ويرون في الرحمة ~~دليلا على قوة الرحيم؛ لأنه يتفضل بها على الضعيف ويترفع بها عن معاملته كما يعامل الأنداد ~~والنظراء. # والناس يحمدون العفو؛ لأن الذي يعفو عن المسيء إليه يعتد بقوته ويأمنه إن وفى له بالشكر ~~أو غدر به على السواء. # وهم يحمدون الكرم؛ لأنه عطاء، ولا يملك ما يفضل من حاجته ويجود به على المفتقر إليه غير ~~الأقوياء. # وهم يحمدون الصبر؛ لأن القوي جليد يتماسك لصدمة المصاب ولا يتضعضع تحت وقره الثقيل؛ فهو ~~يصبر على بلائه لأنه قوي يحتمل منه ما لا يحتمله الضعيف. ولا يكون القوي جزوعا وإن عظم ~~عليه المصاب. # وهم يحمدون الدهاء؛ لأنه قوة في العقل يتمكن بها صاحب العقل القوي من تسخير الأقوياء ~~بالأجسام، ويحمدون الذكاء والحذق والمعرفة والبراعة في صناعة من الصناعات؛ لأنها علامة من ~~علامات القوة على نحو من الأنحاء. # وهذه الفضائل - أو المزايا - تفيد أصحابها قوة كما تنمي فيهم القوة التي تصدر عنها؛ ~~فهي محمودة لما تدل عليه، ولما تؤدي إليه. # أما العظمة والمجد والشجاعة فلا حاجة بها إلى تفسير عند من يرجعون بالأخلاق جميعا إلى ~~القوة على هذا الأسلوب؛ لأنها ظاهرة بقوتها معترف بسبب الإعجاب بها بين الأقوياء أو ~~الضعفاء. # وقبل الرجوع بالأخلاق المثلى إلى القوة على مذهب هوبز أو على مذهب نيتشه، كانت المدرسة ~~اليونانية تعتبر الأخلاق الفاضلة وسطا بين طرفين، أو تحث طالب الفضيلة على الاعتدال في ~~جميع الأمور، والاتجاه إلى الحسن من كل خلق على قدر حظه من الاعتدال. # فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين الإسراف والبخل، والصبر وسط بين الجمود ~~والجزع، والحلم وسط بين النزق والبلادة، والرحمة وسط بين القسوة والخور، وكل فضيلة على هذا ~~القياس فهي مسألة توسط في المسافة بين غايتين. # وفي زماننا هذا يغلب على مدارس الأخلاق أنها تئول بالفضائل كلها إلى باعث واحد، وهو ~~باعث المصلحة الاجتماعية، أو باعث الغرائز النوعية التي يتصل بها بقاء نوع الإنسان. ومن هذه ~~المدارس ما يحصر المصلحة في الطبقة ms180 الغالبة على المجتمع؛ فلا مصلحة للمجتمع كله في الأخلاق ~~الفاضلة التي يحمدها المجتمع في عهد من العهود، ولكن المصلحة فيها للطبقة المتحكمة فيه ~~بثروتها وسطوتها، فما تراه حسنا فهو الحسن بالنسبة إليها لاستبقاء منافعها، وهي إذن تسوم ~~الطبقات الأخرى أن تستحسنه على المحاكاة والتقليد وإن لم يكن لها خير فيه. ~~••• # والإسلام يحمد كثيرا من الأخلاق المحمود في هذه المذاهب، ولكننا لا نستطيع أن نجمع ~~الأخلاق الإسلامية كافة في نطاق مذهب منها، ولا سيما مذهب القوة في فلسفة نيتشه، ومذهب ~~الطبقة الاجتماعية في فلسفة الماديين. # فمذهب القوة في رأي نيتشه يناقض جميع الأديان الإلهية، ولعله يوافق دينا يعتقد أتباعه ~~أنه دين إله واحد يختارونه ويختارهم فيستبقيهم ويمحق غيرهم من العالمين ... ولكنه لا يوافق ~~الأديان التي تدعو إلى إله واحد للأقوياء والضعفاء. وقد يكون الأخذ بمذهب القوة في رأي ~~نيتشه هدما لهذه الأديان من قواعدها واقتلاعا لها من جذورها؛ إذ لا قيمة للدين ما لم ينشئ ~~أمام القوة الطاغية قوة تكبحها وتهذبها، وهي قوة الضمير. ولا رسالة للدين بين البشر إن لم ~~تكن رسالته أن يربي فيهم وازعا للقوة البدنية وقوة المطامع والشهوات. وقد تعلم الناس ~~دهرا طويلا أن حماية المريض غير حماية المرض، وأن العناية بالمرضى تئول على الدوام إلى ~~عناية بالصحة، يستفيد منها الأصحاء كما يستفيد منها المصابون، وليس بالعسير عليهم أن ~~يتعلموا كذلك أن حماية الضعيف غير حماية الضعف، وأن العناية بالضعفاء تئول إلى عناية ~~شاملة يستفيد منها الأقوياء والضعفاء، أو تكون فائدة الأقوياء منها مقدمة على فائدة ~~الضعفاء. # وتفسير «هوبز» للقوة لا يقرب مذهب القوة كثيرا إلى حقيقة الأخلاق الإسلامية؛ لأن الإسلام ~~لا يحمد من الأخلاق أنها حيلة ملتوية أو مستقيمة إلى طلب القوة، بل يحمد منها في كل شأن من ~~شئون الإنسان أنها وسيلة إلى طلب الكمال، ويحبب إلى الإنسان أحيانا أن يؤثر الهزيمة مع ~~الكمال على الظفر مع القوة، إذا كان الظفر وسيلة من وسائل القوة الباغية التي لا تتورع عن ~~النجاح بكل سلاح. # ومذهب الفلسفة ms181 اليونانية ينتهي بنا إلى مقياس للأخلاق شبيه بمقاييس الهندسة والحساب، بعيد ~~عن تقدير العوامل النفسية والقيم الروحية في الأخلاق العليا على التخصيص. وقد تصدق هذه ~~الفلسفة إذا كان المطلوب من الإنسان أن يختار بين رذيلتين محققتين؛ فإنه في هذه الحالة يحسن ~~الاختيار بالتوسط بين طرفين متقابلين كلاهما مذموم ومتروك، إلا أننا لا نقول من أجل ذلك إن ~~الكرم نقص في رذيلة البخل، أو نقص في رذيلة السرف، ولا نقول من أجل ذلك إن الكرم إذا زاد ~~أصبح سرفا، وإن السرف إذا نقص أصبح كرما، بل تكون الزيادة في الكرم كرما كبيرا، والنقص ~~في السرف سرفا قليلا، ولا يكون الكرم أبدا درجة من درجات السرف، ولا البخل أبدا درجة من ~~درجات الكرم، بل هي أخلاق متباينة في الباعث متباينة في القيمة، يتقارب الطرفان فيها أحدهما ~~من الآخر، ولا يتقارب الطرف من الوسط كما يظهر من قياس الهندسة أو قياس الحساب. # وقد رأينا في مباحث العلل النفسية التي كشفها العلم الحديث أن الشذوذ يقرب بين المسرفين ~~والبخلاء في أعراض متشابهة، وأن العلة الكامنة في التركيب قد تظهر في الأسرة الواحدة بخلا ~~في أحد الأخوين، وسرفا في الأخ الآخر، أو تظهر في أحدهما هوسا بالإقدام والاقتحام، وتظهر ~~في أخيه هوسا بالحذر والإحجام؛ فلا إفراط هنا ولا تفريط، في «كمية» واحدة تقاس بمقياس ~~الهندسة والحساب، ولكنها خلائق متباينة تختلف بالباعث لها، وتختلف بقيمتها في معايير ~~الأخلاق. # ولو صح مذهب الفلسفة اليونانية أو مذهب أرسطو على الأصح لما جاز للإنسان أن يطلب المزيد ~~من فضيلة الكرم - مثلا - لأنه ينتقل على هذا الرأي إلى رذيلة السرف والتبذير. إلا أن زيادة ~~الكرم لا تكون إلا زيادة في فضيلة مشكورة، ولا بد من التفرقة بين زيادة الكرم وزيادة ~~العطاء؛ فإنهما في الواقع أمران مختلفان، وقد قيل: لا خير في السرف ولا سرف في الخير. وفي ~~القول الثاني توضيح لازم للقول الأول؛ لأن زيادة الخير إلى أقصى حدوده واجبة لا تخرج به عن ~~كونه خيرا محمودا يزداد حمده مع ms182 ازدياده، ولا يحسب من السرف على وجه من الوجوه. # وإنما يلتبس الأمر على أصحاب مدرسة التوسط في جميع الأمور؛ لأنهم ينظرون في تقدير الكرم ~~إلى المال المبذول وإلى مصلحة الباذل في حساب المال، ولا التباس في الأمر إذا نظروا إلى ~~الباعث والموجب والمصلحة في عمومها ولو ناقضت مصلحة الباذل في بعض الأحيان. # فمن كانت طاقته أن ينفق ألف دينار ولا يتقاضاه الواجب أو تتقاضاه مصلحته أن ينفق ألفين ~~فهو مسرف ما في ذلك خلاف؛ لأنه يفعل شيئا يضره ولا توجبه عليه مصلحة أكبر من مصلحته. أما ~~إذا كان باعث الإنفاق شيئا غير مصلحته وغير هواه وكان حبس المال في يديه ضارا وخيم ~~العاقبة على الناس وعليه في النهاية، فالكرم أن يزداد في الإنفاق على حسب المصلحة العظمى، ~~وعلى قدر التضحية وإنكار الذات يكون حظ البذل من الفضيلة المحمودة أو حظه من الخير الذي لا ~~سرف فيه. # وتصعب المقارنة بين التطرف والتوسط حين تكون المسألة مسألة درجات ولا تكون هناك مقادير ~~تعد بالأرقام، فإذا ترخصنا فقلنا إن الكريم هو الذي يبذل ألف دينار، وإن المسرف هو الذي ~~يبذل ألفين أو ثلاثة آلاف، والبخيل هو الذي يبذل مائة أو لا يبذل شيئا على الإطلاق؛ فمن هو ~~الشجاع ومن هو المتهور ومن هو الجبان؟ # ليست هنا مقادير تعد بالأرقام، فإذا عرفنا أن الجبان هو الذي يحجم عن الخطر فمن هو ~~الشجاع؟ ومن هو المتهور؟ إن التهور ليكونن أفضل من الشجاعة إذا قلنا إن الشجاع قليل الإقدام ~~على الخطر وإن المتهور كثير الإقدام عليه، أو قلنا إن درجة الخطر الذي يقدم عليه المتهور ~~أعظم من درجة الخطر الذي يقدم عليه الشجاع، ولكننا حين نقول إن الشجاع هو الذي يقدم على ~~الخطر حيث يجب الإقدام عليه نرجع بالفضيلة والرذيلة إلى مقياس الواجب وتقديره، وتصبح ~~المسألة هنا مسألة قدرة على فهم الواجب والعمل به، وليست مسألة أعداد أو أبعاد ... فالمتهور ~~والجبان كلاهما عاجز عن فهم الواجب والعمل به، والشجاع هو القادر على الفهم والعمل، ولا ~~يستقيم ms183 في التعبير إذن أن نقول إن المتهور أكثر شجاعة من الشجاع، وإن الجبان أقل شجاعة ~~منه؛ لأنهما معا خلو من الشجاعة الواجبة بغير إفراط أو تفريط. # ولن يشذ الإنسان عن الاعتدال في الطبع إذا هو آثر أن يذهب في كل فضيلة إلى نهايتها ~~القصوى، فماذا يعاب في جمال الوجوه - مثلا - إذا انتهى إلى غاية لا غاية بعدها في معهود ~~الأبصار؟ وماذا يعاب في جمال الأخلاق إذا انتهى إلى مثل تلك الغاية في معهود البصائر؟ إن ~~كلمة من كلمات اللغة العربية العامرة بمدلولاتها النفسية والفكرية لتهدينا إلى قسطاس الحمد ~~في كل حسنة مأثورة، فكلمة «ناهيك» - حين نقول: ناهيك من رجل أو ناهيك من عمل أو ناهيك من ~~خلق - هي قسطاس الثناء فيما تنشده النفوس الإنسانية من كل فضل منشود؛ فهو الفضل الذي ينتهي ~~بنا إلى النهاية فلا نتطلع بعده إلى مزيد. # غير أن مذهب الاعتدال - مع هذا - أقرب المذاهب إلى فهم الأخلاق المحمودة في الإسلام، على ~~اعتبار أن خلق الاعتدال فضيلة مستقلة تدل على طبع سليم وعقل رشيد يقدران لكل عمل قدره، ~~ولا يمنعهما الاعتدال أن يذهبا به إلى غاية الكمال، إذا كان له هذا القدر بين أقدار ~~الأخلاق. ~~••• # ومذهب المصلحة الاجتماعية لا يناقض مكارم الأخلاق الإسلامية كل المناقضة ولا يوافقها كل ~~الموافقة؛ إذ مجمل الرأي في الإسلام أن المجتمع يقاس بالدين وليس الدين يقاس بالمجتمع، فقد ~~يسفل المجتمع فتنفق فيه الآراء والأهواء على مصلحة يأباها الدين ويحسبها مضرة أو مفسدة يؤنب ~~المجتمع من أجلها كما يؤنب الأفراد. # وربما كانت مصلحة النوع الإنساني أصدق المقاييس للخلق المحمود في الإسلام، ولكن النوع ~~الإنساني يترقى في العلم بمصالحه حقبة بعد حقبة، ومن حوافزه إلى الترقي أن تكون أمامه أمثلة ~~عليا للأخلاق أرفع من مألوف الأخلاق التي يسترسل معها بغير جهد وبغير رياضة وبغير تربية ~~مفروضة عليه، يعتقد أنه يتلقاها ممن هو أكبر من الإنسان، وأحق منه بالطاعة والإصغاء إلى ~~هدايته وتعليمه. # لا بد من الفضائل الإلهية في تعليم الإنسان مكارم الأخلاق، وما اكتسب ms184 الإنسان أفضل أخلاقه ~~إلا من الإيمان بمصدر سماوي يعلو به عن طبيعته الأرضية. # وهذا هو المقياس الأوفى لمكارم الأخلاق في الإسلام. # ليس مقياسها الأوفى أنها أخلاق قوة، ولا أنها أوساط بين أطراف، ولا أنها ترجمان لمنفعة ~~النوع الإنساني بأجمعه في وقت من الأوقات. # وإنما مقياسها أنها أخلاق كاملة، وأن الكمال اقتراب من الله. # وقد يكون الكمال كالجمال مقياسا غير متفق عليه قابلا للتفاوت - بل للتناقض - كما تتفاوت ~~مقاييس العرف وتتناقض في كثير من المعقولات والمحسوسات ... لكننا نقول قولا مفيدا حين نقول ~~إن الإنسان يحب أجمل الوجوه، أو أجمل الشمائل، أو أجمل الخصال، ونقول قولا مفيدا حين نضع ~~الكمال في موضع الجمال. # إلا أن الإسلام يقرن المثل الأعلى في كل فضيلة بالصفات الإلهية، # ولله المثل الأعلى ~~(النحل: 60). # وكل صفة من صفات الله الحسنى محفوظة في القرآن الكريم، يترسمها المسلم ليبلغ فيها غاية ~~المستطاع في طاقة المخلوق. # و # لا تكلف نفس إلا وسعها ~~(البقرة: 233)، كما ~~جاء في غير موضع من الكتاب الحكيم. # ليس للأخلاق الإسلامية مقياس جامع من القوة، ولا من التوسط بين الأطراف، ولا من منفعة أمة ~~قد تناقضها منفعة أمة غيرها، ولا من منفعة الأمم جميعا في عصر يتلوه عصر غيره بمنفعة أكرم ~~منها وأحرى بالسعي إليها. # فالدين الإسلامي بعقائده وآدابه - أو بجملته وتفصيله - يستحب القوة للمسلم ويأمره بإعداد ~~عدتها من قدرة الروح والبدن، ولكنه يستحبها قوة تعطف على الضعيف وتحسن إلى المسكين ~~واليتيم، ويمقتها قوة تصان بالجبروت والخيلاء، ولا ينال الضعفاء منها غير الهوان والإذلال: # إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~(لقمان: ~~18)، # فلبئس مثوى المتكبرين ~~(النحل: 29)، # أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ~~(الزمر: 60). ~~••• # ولا يستحب الإسلام القوة للقوي إلا ليدفع بها عدوان الأقوياء على المستضعفين عن دفع ~~العدوان: # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~(النساء: ~~75). # ولم يوصف الله بالكبرياء في مقام الوعيد للكبرياء بالنكال والإذلال، إلا ليذكر المتكبر ~~الجبار أن الله أقدر منه على التكبر والجبروت. ~~••• # والإسلام يزكي مذهب التوسط فيما يقبل التوسط ms185 بالمقادير أو بالدرجات كالإنفاق الذي ~~ينتهي الإسراف فيه إلى اللوم والحسرة: # ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا ~~(الإسراء: 29)، # والذين إذا أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~(الفرقان: ~~67)، # كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~(الأنعام: ~~141)، # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين ~~(الأعراف: 31). # ولكن القسطاس في فضائل الإسلام لا يرجع إلى المقدار والتوسط فيه، بل يرجع إلى الواجب وما ~~يقتضيه لكل أمر من الأمور، فإذا وجب بذل المال كله وبذل الحياة معه في سبيل الحق فلا هوادة ~~ولا توسط هنا بين طرفين، وإنما هو واجب واحد يحمد من المرء أن يذهب فيه إلى أقصاه. # ولا يصدق هذا على شئون القوة والكرم وحسب، بل يصدق في شئون الرحمة حيث تجب لمن هو أهل ~~لها. # فالإسلام على كراهته الذل لأتباعه يستحب منهم الذل في الرحمة بالوالدين الشيخين: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ~~(الإسراء: ~~24). # لأن الذل هنا زيادة في الرحمة يأتي من كرامة في النفس ولا يأتي من هوان فيها. # وملاك الاعتدال في الخلق الإسلامي أن المسلم يؤمر بالعمل لدنياه كما يعمل لدينه، ويؤمر ~~بصلاح الجسد كما يؤمر بصلاح الروح؛ فلا يكون في هذه الدنيا روحا محضا ولا يكون فيها جسدا ~~محضا، ومن أبى عليه دينه أن يكون في هذه الدنيا جسدا محضا فمن العنت أن يقال إنه يعمل ~~ليكون جسدا محضا في عالم الرضوان: عالم الروح والصفاء. # وقد ضلل بعض المغرضين من دعاة الأديان عقولا كثيرة في شتى الأقطار حين زعموا أن الخطاب ~~بالمحسوسات في أمر الجنة والنار مقصور على العقيدة الإسلامية، وأن المؤمنين بالدين لا ~~يؤمنون بالنعيم المحسوس إلا إذا كانوا من المؤمنين بالقرآن. # والأنبياء والقديسون في جميع الأديان الكتابية قد تمثلوا المحسوس في رضوان الله، ووصفوه ~~على هذه الصفة في كتب العهد القديم والعهد الجديد وفي كتب التراتيل والدعوات؛ ففي العهد ~~القديم يصف أشعياء يوم الرضوان في الإصحاح الخامس والعشرين ms186 من سفره فيقول: # يصنع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن ووليمة خمر على دردي سمائن ~~ممخة: دردي مصفى ويفني في هذا الجبل وجه النقاب؛ النقاب الذي على كل الشعوب والغطاء ~~المغطى به على كل الأمم. يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل ~~الوجوه. # وفي العهد الجديد يقول يوحنا اللاهوتي في الإصحاح الرابع من رؤياه: # بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلم معي ~~قائلا: «اصعد إلى هنا فأريك ما لا بد أن يصير بعد هذا.» وللوقت صرت في الروح، وإذا ~~عرش موضوع في السماء وعلى العرش جالس. وكان الجالس في المنظر شبه حجر اليشب ~~والعقيق، وقوس قزح حول العرش في المنظر شبه الزمرد، وحول العرش أربعة وعشرون عرشا، ~~ورأيت على العروش أربعة وعشرين شيخا جالسين متسربلين بثياب بيض وعلى رءوسهم أكاليل ~~من ذهب، ومن العرش تخرج بروق ورعود وأصوات، وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي ~~سبعة أرواح الله، وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور، وفي وسط العرش وحول العرش ~~أربعة حيوانات مملوءة عيونا من قدام ومن وراء، والحيوان الأول شبه الأسد والحيوان ~~الثاني شبه عجل والحيوان الثالث له وجه مثل وجه إنسان والحيوان الرابع شبه نسر ~~طائر. # ويقول في الإصحاح العشرين: # متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا ~~الأرض: يأجوج ومأجوج، ليجمعهم للحرب وعددهم مثل رمل البحر ... فنزلت نار من عند الله ~~من السماء وأكلتهم ... وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت ... وكل من ~~لم يوجد مكتوبا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار. # ويقول في الإصحاح الحادي والعشرين: # ثم رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة؛ لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضيئتان، ~~والبحر لا يوجد فيما بعد، وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة ~~من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها، وسمعت صوتا عظيما من السماء ~~قائلا: هو ذا مسكن الله مع الناس. # وكانت آمال ms187 النعيم المحسوس تساور قلوب القديسين في صدر المسيحية فضلا عن عامة العباد بين ~~غمار الدهماء. ومن أشهر هؤلاء الأقطاب المعدودين رجل عاش في سورية في القرن الرابع للميلاد ~~وترك بعده تراتيل مقروءة يتغنى بها طلاب النعيم؛ وهو القديس إفرايم الذي يقول في إحدى هذه التراتيل: # ورأيت مساكن الصالحين رأيتهم تقطر منهم العطور ويفوح منهم العبير تزينهم ضفائر ~~الفاكهة والريحان ... وكل من عف عن خمر الدنيا تعطشت إليه خمر الفردوس، وكل من عف ~~عن الشهوات تلقته الحسان في صدر طهور. # واتفق أحبار الغرب وأحبار الشرق في وصف النعيم بهذه الصفة، فقال القديس أرنيوس # Irenius # أسقف ليون في القرن الثاني (سنة 178 للميلاد): # إنما السيد المسيح أنبأ يوحنا اللاهوتي أن ستأتي أيام يكون فيها كروم لكل كرمة ~~عشرة آلاف غصن، ولكل غصن عشرة آلاف فرع، ولكل فرع عشرة آلاف عسلوج، ولكل عسلوج عشرة ~~آلاف عنقود، ولكل عنقود عشرة آلاف عنبة، وتعصر العنبة منها فتدر من الخمر مائتين ~~وخمسة وسبعين رطلا. # 1 # ولم يبلغ الإسلام هذا المبلغ من التمثيل بالمحسوسات، ولكنه يشفعها بعقيدته التي تمنع ~~المسلم أن يكون جسدا محضا في دنياه فضلا عن آخرته، وينهى المسلم أن يقيس نعيم الرضوان ~~على نعيم الدنيا: # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ~~(السجدة: 17). # أو كما جاء الحديث الشريف: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر.» ~~••• # ونحن لا نعرض لهذا البحث في موضوع الأخلاق الإسلامية إلا لأن الأديان جميعا تنظر إلى ~~النعيم الإلهي كأنه المثل الأعلى للحياة الدنيوية، وليس في المثل الأعلى في الحياة - في ~~عقيدة المسلم - ما يجعله على زعم المضللين من أعداء الإسلام جسدا محضا في أخلاقه وآدابه، ~~أو يجور على الجانب الأخلاقي فيه، ومن أبى على دينه أن يكون في الأرض جسدا محضا فمن السخف ~~أن يقال إنه يرتضي لنفسه أن يكون جسدا محضا في جوار الله الذي بلغ به الإسلام غاية ما ~~يتصوره العقل والضمير من التنزيه. # وهذا قسطاس ms188 لا يخطئ في تقويم كل خلق حسن يستحبه الدين في المسلم؛ فإنه مأمور ألا ينسى ~~نصيبه من الحياة الجسدية، ولكنه مأمور في الوقت نفسه أن ينظر إلى صفات الله الحسنى كما تجلت ~~في أسمائه التي وردت في القرآن الكريم؛ فهي قبلته التي يهتدي بها في كل مكارم الأخلاق، لا ~~يكلف أن يدرك منها شأو الكمال الإلهي، لكنه يكلف منها بما في وسعه كأنها قطب السماء الذي ~~يهتدي به ملاح البحر وهو يعلم أنه فلكه الرفيع بعيد المنال. ~~••• # والأخلاق التي يهتدي إليها المسلم بهدي الأسماء الحسنى كثيرة وافية بخير ما يتحراه ~~الإنسان في مراتب الكمال المطلوبة لكمالها، مع عموم نفعها في حياة الفرد والجماعة، ومنها: ~~العزة، والقدرة، والمتانة، والكرم، والإحسان، والرحمة، والود، والصبر، والعفو، والعدل، ~~والصدق، والحكمة، والرشد، والحفاظ، والحلم، واللطف، والولاء، والسلام، والجمال. # وكلها منشود لأنه كمال لا يقاس إلا بمقياس الكمال، وإنه ليوافق مقياس القوة والتوسط ~~والمصلحة الاجتماعية في أجمل مطالبها وأصحها على هدي الفكر وهدي الضمير، ثم لا تستوعبه ~~مدرسة خاصة من هذه المدارس المتفرقة كما تستوعبه مدرسة الإسلام، أو مدرسة الكمال بهداية ~~الأسماء الحسنى. # وخير للمجتمع الإنساني أن تقاس الأخلاق فيه بهذا القسطاس ولا تقاس بمنفعة تفسد بفساد ~~المجتمع نفسه، وتنحرف مع انحراف نظرته إلى منافعه ومضاره؛ فإن المجتمع قد يصاب بآفات الذل ~~والعجز والهزال والبخل والسوء والقسوة والبغضاء وسائر الآفات الموبقة من نقائض الخلائق ~~الإلهية، فيصلحها الترياق من الدين، أو يصلحها أن تقلع عنها ولا يصلحها أن تتمادى ~~فيها. # إن أدب الإسلام يخرج للمجتمع الإنسان الكامل، فيخرج له الإنسان الاجتماعي الكامل في ~~أقوى صوره وفي أجملها. # يخرج له السوبرمان الذي لا يطغى على أحد، ويخرج له الجنتلمان الذي لا يسيء إلى ~~أحد. # ومن عناية الإسلام بالتفصيل والاستيفاء في كل أمر من الأمور أنه يشفع الأصول بفروعها في ~~مسائل الأخلاق ومسائل الفرائض والعبادات ... فمما لا خفاء به أن الرجل الذي يعرف العزة والصدق ~~واللطف «جنتلمان» على أجمل ما تكون «الجنتلمانية» في رأي الرجل المهذب الكريم، ولكن الإسلام ms189 ~~يستوفي صفاته بتفصيلاتها؛ لأنه يخاطب الناس كافة ويتوجه بالإرشاد إلى أحوج الناس إليه، فلا ~~يدع الإرشاد إلى الآداب الاجتماعية في أدق تفصيلاتها التي تحسب من آداب المجاملات في ~~اللقاء والتحية بين الناس، أو في عرف السلوك في المحضر والمغيب. # لا يدخل أحد بيتا حتى يستأذن: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها ~~(النور: 27). # ولا يحيى بتحية إلا أجابها بمثلها أو بأفضل منها: # وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ~~(النساء: ~~86). # ولا يحسن بالمرء أن يقول للناس إلا قولا حسنا: # وقولوا للناس ~~حسنا ~~(البقرة: 83). # ولا يحسن به أن يسخر ممن يستصغره ويستطيل عليه: # لا يسخر قوم ~~من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء ~~عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب ~~(الحجرات: 11). # ولا يحسن أن يقول عن الناس سوءا في المحضر أو المغيب: # ولا ~~تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ~~(الحجرات: 12). ~~••• # ولا خفاء بصفات الكمال في القرآن الكريم، ولكن الإسلام في مجموعه بنية حية متسقة تصدر في ~~العقائد والأخلاق من ينبوع واحد؛ فمن عرف عقيدة المسلم عرف أن الخلق الذي يحمده الإسلام هو ~~الخلق الذي يرتضيه إنسان يؤمن بأن الله رب العالمين، وأن النبوة تعليم لا تنجيم، وأن ~~الإنسان مخلوق مكلف على صورة الله، وأن الشيطان يغوي الضعيف ولا يستولي عليه إلا إذا ~~ولاه زمامه بيديه، وأن العالم بما رحب أسرة واحدة من خلق الله أكرمها عند الله أتقاها ~~لله. # | خاتمة # نختتم بهذه الكلمة فصولا كتبناها عن حقائق الإسلام وأباطيل خصومه في العصر الحاضر. ونحن ~~نعلم أن هذه القوة الروحية الخالدة في مفترق طريق وعرة تقف لديها لتثبت وجودها في مستقبلها ~~بعد أن أثبتت وجودها في ماضيها. # ولقد وقف الإسلام مرات في مثل هذا المفترق أمام خصومه منذ قيام الدعوة المحمدية، وصمد ~~لحملات عنيفة كهذه الحملات التي يشنها عليه خصومه في العصر الحاضر، ولكنها على أكثرها كانت ~~من قبيل الحملات المادية - أو الحربية - التي شنها منافسوه من ms190 أرباب الدولة والسلطان، وقل ~~أن وقف الإسلام طويلا أمام قوة يحفل بها لأنها تتصدى له من الوجهة الروحية؛ إذ كانت القوى ~~الروحية التي تصدت له فيما مضى تنظر إلى ماضيها فتلمس فيه الفارق بينها وبينه، ولا تأمن ~~عاقبة الجولة في هذا المجال، وهي مجردة من عدة الدولة والسلطان، وكانت من جانبها مشغولة ~~بخصوماتها ومنازعاتها بين نحلها ومذاهبها، تتجرد للحملة عليه إلا أن تتأهب للغلبة عليه ~~بقوة السلاح! # أما حملات العصر الحديث فأهونها - فيما نرى - حملات الدولة والسلطان، وهي الحملات التي ~~شنها عليه الاستعمار، ثم ظهر منها بعد حين أنها لم تقتل فيه قوة المقاومة، ولم تمنعه أن ~~يصمد لها في ميدان البأس والحيلة، فكان صمود الإسلام لمحنة الاستعمار آية من آيات القوة ~~الروحية التي تسعد المعتصمين بها حين تخذلهم قوة السلاح وقوة السياسة وقوة العلم وقوة ~~المال. ولو لم يكن في هذه العقيدة الخالدة سر أعمق جدا من أسرار العقائد الشائعة لما ~~اعتصم المسلمون منها بمعتصم نافع أمام هذه القوى المتضافرة عليها مجتمعات. # ولنا إذن أن نقول - على ثقة - إن القضية الروحية بين الإسلام والاستعمار قضية بلغت حلها ~~المأمول أو كادت أن تبلغه؛ فهي قضية مفروغ منها في هذا القرن العشرين. # ولنا منذ الساعة أن نقول على ثقة إن حملات الخصوم الذين يهاجمون الإسلام صائرة إلى هذا ~~المصير. إلا أننا ننظر إلى قوى معروفة من الجانبين، ونرى أن فرصة الإسلام في هذه الجولة ~~خليقة أن تبعث في الصدور أملا أكبر من الأمل في مجرد الثبات والصمود، وبخاصة حين نذكر أن ~~العدة التي يعتد بها خصوم الإسلام في حملاتهم عليه هي عدة سلبية لا يعتمدون فيها على حجتهم ~~وبيناتهم كما يعتمدون فيها على ضعف العقائد عامة في عصر المادية الطاغية على العقول ~~والضمائر؛ فهم ضعفاء يجردون الحملة على الإسلام لظنهم أن الشبهات المادية زلزلته من داخله، ~~وفتحت بين أهله ثغرة ينفذ منها المهاجم وإن ضعف وضعفت معه حجته وبيناته، فإذا انكشفت هذه ~~الرغوة عن زبدتها وعرضت قوى الإسلام وقوى خصومه عرضا ms191 يناسب هذا العصر الحديث، فالذي يتقدم ~~هو الإسلام، والذي يرتد أو يذعن للحقيقة هو الخصم المستعد للإنصاف. ~~••• # يتلقى الإسلام أشد الحملات في العصر الحاضر من منكريه لأنهم يحترفون التبشير بدين آخر، أو ~~من منكريه لأنهم ينكرون جميع الأديان. # وكلا الخصمين لا يستطيع أن ينال من الإسلام إذا وزن بميزان واحد، وأخذ بمعيار واحد فيما ~~يؤيده من دعواه، وفيما ينكره من دعوى الإسلام. # لا يستطيع المبشر المحترف أن ينال من الإسلام بما يدعيه عليه من التحريف والتشويه ~~للأديان التي سبقته، فإن الإسلام في الإله وفي النبوة وفي الخير والشر وفي حقوق الإنسان ~~أرفع وأصلح مما جاءت به الأديان التي سبقته إذا وزنت كلها بميزان واحد يأخذ هنا بما يأخذ ~~هناك. وليس في عقائد الإسلام ما يعتبره المنصف نكسة إلى الوراء أو يعتبره تطورا في عقيدة ~~تترقى مع الزمن حسبما يعرض لها من الظروف والملابسات؛ فإن من هذه العقائد - كالعقيدة في رب ~~العالمين - ما ينقض عقائد الشرك وعقائد العصبية والاستئثار، ويصدر من بيئة مشحونة بمفاخر ~~العصبيات والسلالات، وإنه لمن تعسف القول أن يقال إنها هي البيئة التي يتطور فيها الإيمان ~~بإله القبيلة ليصبح إلها واحدا يؤاسي بين الشعوب والقبائل، يحاسبها بأعمالها ولا يحاسبها ~~بآبائها وأنسابها، أو بما سلف من خطايا الآباء والأسلاف. # ومن ينكر النبوة على صاحب الدعوة لعلة من العلل الماجنة التي يتمحلونها، فهو مرغم على ~~إنكار نبوات كثيرة يتقبلها ولا يشك في مصدرها السماوي ومعاذيرها المقبولة عند الله. # والمؤمنون بالعهد القديم يؤمنون بما جاء فيه عن داود - عليه السلام - ويؤمنون برضوان الله ~~عنه واختصاصه بالبشارة الإلهية من ذريته، ويقرءون ما جاء في الإصحاح الخامس عشر من سفر ~~صموئيل الثاني عن قصة داود مع القائد «أوريا» وزوجته التي بنى بها بعد تعريضه للقتل وهو في ~~خدمته يهجر داره، ويجازف بحياته لمحاربة أعدائه. # يقول راوي القصة كما جاءت في الإصحاح الخامس عشر من كتاب صموئيل الثاني: ~~... قال داود لأوريا: أقم هنا اليوم أيضا وغدا أطلقك. فأقام أوريا في أورشليم ذلك ~~اليوم وغده، ms192 ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره، وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه ~~مع عبيد سيده وإلى بيته لم ينزل. وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يؤاب وأرسله بيد ~~أوريا وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه ~~فيضرب ويموت. وكان في محاصرة يؤاب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن ~~رجال البأس فيه ... فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات رجلها ندبت بعلها، ولما مضت ~~المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له أبناء. وأما الأمر الذي ~~فعله داود فقبح في عيني الرب ... # فمن كانت هذه القصة في عقيدته لا تغض من النبوة ولا تدعو إلى إنكارها، فليس له أن ينكر ~~نبوة رسول الإسلام لما يتعلل به من أحاديث زواجه ولو صح منها كل ما يدعيه، وهو غير صحيح، ~~وليس له - وهو يزن النبوات بميزان واحد - أن يستنكر النبوة على صاحب رسالة ترتقي بالعقيدة ~~الإلهية وبالرسالة النبوية ذلك المرتقى الذي لا يخفى على بصير يفتح عينيه ولا يغمضهما ~~بيديه. # أما الذين يحملون على الإسلام من غير المتدينين، فهم جماعة الماديين الذين ينكرون الإسلام ~~لأنهم ينكرون جميع الأديان، ويرفضون وجود الله فيرفضون الإيمان بصدور شيء من الأشياء من عند ~~الله. # وآفة هؤلاء الماديين ضيق الأفق العقلي أو ضيق حظيرة النفس في حالتي التصديق ~~والإنكار. # فهم ينكرون الرسالة النبوية؛ لأنهم لا يقدرون على تصورها في غير الصورة التي يرفضونها، ~~ولعلهم يلذ لهم أن يتصوروها على هذه الصورة لأنها تتمشى في طبائعهم مع شهوة الإنكار التي ~~تتسلط على عقول المسخاء، ولا سيما المسخاء من أدعياء العلم والتفكير. # ولا يراد من هؤلاء أن ينبذوا العقل ليدركوا حتى حق الإسلام، ولكن يراد منهم أن يوسعوا ~~أفق العقل؛ فيعلموا من ثم أن العقل لا يمنعهم أن يدركوا حق الإسلام، بل يمنعهم أن يقبلوا ~~عقلا أنه وحي من عند الله. # فمن حقائق العقل والعلم أن الشكوك لا تبطل فرضا من الفروض إلا إذا كانت قاطعة في ~~بطلانه، ms193 ولا يجوز فيها الأخذ بأحد الرأيين المختلفين ... فما هي شكوكهم التي يوردونها على ~~الإسلام فتمنع أن يكون دينا صالحا، أو تمنع أن يكون دينا من عند الله؟! # لا يجوز أن ينكروه لما فيه من التعبيرات الرمزية؛ لأن التعبيرات الرمزية متمثلة في كل ~~حاسة من حواس الأحياء، متمثلة في شعوره الوجداني وشعوره الذي يعول فيه على البصر أو على ~~الخيال. # ولا يجوز لهم أن ينكروه لأن الجهلاء يفهمونه كما يفهم الجهلاء كل شيء؛ فكل حقيقة كبرت أو ~~صغرت لا بد أن يفهمها الجهلاء فهما يخالف ما يفهمه منها العارفون وذوو البصر ~~والدراية. # ولا يجوز لهم أن ينكروه لأن العصور المتعاقبة تتدرج في فهمه والنفاذ إلى سره؛ فهكذا ينبغي ~~أن تتدرج العصور في النفاذ إلى سر الدين الذي تدين به أجيال بعد أجيال، وهكذا يكون الخطاب ~~في الأديان؛ لأنها لا تدين النفوس إذا توجه بها الخطاب اليوم ليلغى بعد يوم من ~~الأيام. # فإذا وجد الدين الصالح فلن يكون في وسع العقل أن يتصوره في غير هذه الصورة من التعبيرات ~~الرمزية، ومن اختلاف العلماء والجهلاء في فهمه، ومن تفاوت الاستعداد له على حسب الاستعداد ~~بين الأجيال والأمم. وإنه لعقل بديع ذلك العقل الذي ينكر الشيء ثم لا يستطيع أن يتصوره ~~حقا إلا على الصورة التي أنكرها! # ونحن لم نكتب فصول هذا الكتاب لنبشر بالإسلام هؤلاء الماديين المتعطشين إلى إنكار كل ~~معنى شريف من معاني الحياة البشرية، ولكننا كتبناه للمتدين المنصف الذي يستطيع أن ينظر إلى ~~دينه وإلى هذا الدين نظرة واحدة، وكتبناه أولا وآخرا للمسلم الذي يتلقى حملات خصوم ~~الإسلام من المتدينين وغير المتدينين، ليعلم أنه خليق أن يطمئن إلى حقائق دينه في هذا العصر ~~سواء نظر إليها بعين العقل أو بعين الإيمان، وأنه خليق أن يواجه الغد بما يؤمن به من عقائد ~~دينه ومعاملاته وحقوقه وآدابه وأخلاقه، فلا يعوقه عائق منها أن يجاري الزمن في المستقبل ~~إلى أبعد مجراه. # وإذا وفى المسلم بأمانة الشكر وعرفان الجميل، فلا ينسى أنه مدين لهذا الدين ms194 الحنيف بوجوده ~~الروحي ووجوده المادي في حاضره الذي وصل إليه بعد عهود شتى من عهود المحنة والبلاء، ولولا ~~قوة بالغة يعتصم بها المسلم من هذه العروة الوثقى لضاع بوجوده الروحي ووجوده المادي في ~~غمار يمحوه ولا يبقي له على معالم بقاء ... ومن حق هذا الدين عليه أن يسلمه إلى الأعقاب قوة ~~يعتصم بها العالم في مستقبله بين زعازع المحن التي ابتليت بها الإنسانية في هذا الزمن ~~العصيب ... لعله من نصيب هذا الميراث في غده القريب أن يكون مصداقا لنبوءة الإسلام بحكمته جل ~~وعلا في خلق عباده شعوبا وقبائل متفرقين، ولعل هذا الدين القويم الذي دعا أول دعوة إلى رب ~~العالمين أن يكون دين الشعوب والأمم متعارفين متسالمين مسلمين، ولا تكونن أمانة الدين ~~يومئذ سياسة حسنة نخدم بها - نحن المسلمين - حاضرنا ومصيرنا، بل هو الإيمان بإرادة الله ~~كما تتجلى لخلقه يؤديها كل من عرفها بمقدار ما عرف منها، وسيذكرها كل من ينجو بها من أمم ~~العالم؛ فيذكر الرسالة الإلهية التي تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم وتختتم بحمد الله رب ~~العالمين. ms195