######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.HayatMasih.Hindawi52082590 #META# Tags: biographies #META# ID: 52082590 #META# Title: حياة المسيح: في التاريخ وكشوف العصر الحديث #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الشجرة المباركة‏ # الباب الأول: كشوف وادي القمران وتفسيرات من فلسفة التاريخ‏ # في وادي القمران‏ # تفسيرات من فلسفة التاريخ‏ # رد وتعقيب‏ # الباب الثاني: المسيح في التاريخ‏ # المسيح‏ # النبوة بين بني إسرائيل‏ # الطوائف اليهودية في عصر الميلاد‏ # الحالة السياسية والاجتماعية في عصر الميلاد‏ # الحياة الدينية في العالم في عصر الميلاد‏ # الحياة الفكرية في عصر الميلاد‏ # الباب الثالث: تاريخ الميلاد‏ # أرض الجليل‏ # متى ولد المسيح؟‏ # صورة وصفية‏ # الباب الرابع: الدعوة‏ # دعوة المسيحية‏ # اختيار القبلة‏ # تجارب الدعوة‏ # الشريعة‏ # شريعة الحب‏ # آداب حياة‏ # ملكوت السماوات‏ # الباب الخامس: أدوات الدعوة‏ # قدرة المعلم‏ # إخلاص التلاميذ‏ # الباب السادس: الأناجيل‏ # الإنجيل‏ # شراح الأناجيل‏ # في الختام‏ # مقدمة‏ # الشجرة المباركة‏ # الباب الأول: كشوف وادي القمران وتفسيرات من فلسفة التاريخ‏ # في وادي القمران‏ # تفسيرات من فلسفة التاريخ‏ # رد وتعقيب‏ # الباب الثاني: المسيح في التاريخ‏ # المسيح‏ # النبوة بين بني إسرائيل‏ # الطوائف اليهودية في عصر الميلاد‏ # الحالة السياسية والاجتماعية في عصر الميلاد‏ # الحياة الدينية في العالم في عصر الميلاد‏ # الحياة الفكرية في عصر الميلاد‏ # الباب الثالث: تاريخ الميلاد‏ # أرض الجليل‏ # متى ولد المسيح؟‏ # صورة وصفية‏ # الباب الرابع: الدعوة‏ # دعوة المسيحية‏ # اختيار القبلة‏ # تجارب الدعوة‏ # الشريعة‏ # شريعة الحب‏ # آداب حياة‏ # ملكوت السماوات‏ # الباب الخامس: أدوات الدعوة‏ # قدرة المعلم‏ # إخلاص التلاميذ‏ # الباب السادس: الأناجيل‏ # الإنجيل‏ # شراح الأناجيل‏ # في الختام‏ # | حياة المسيح # | حياة المسيح # | في التاريخ وكشوف العصر الحديث # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # من رغباتي التي كنت أرددها في نفسي كلما راجعت أسماء الكتب التي أترقب الفراغ ~~لتأليفها، أن أدرس تاريخ الدعوة الدينية كما تجلت في رسالات أكبر دعاتها في العالم ~~الإنساني: إبراهيم الخليل وأبنائه، والكليم، والمسيح، ومحمد - عليهم السلام. # هذه الظاهرة الإلهية - دعوة النبوة - ظاهرة فريدة في العالم الإنساني لم تظهر بين ~~الأمم في غير السلالة السامية، ولا بد لها من سبب تكشف عنه دراسة النبوات في هذه ~~الأمم. # وسببها من جانبها التاريخي فيما ظهر لنا من المقارنة الطويلة بين الديانات، أن ~~النبوات الكبيرة كانت ترتبط بمدن القوافل؛ لأنها بيئة وسطى بين الحضارة والبداوة ms001 ، ~~وكذلك كانت أور، وبعلبك، وبيت المقدس، ومكة، ويثرب، ومدين، ومحلات الطريق في جنوب ~~فلسطين وشمال الحجاز، وهي بيئات لا إلى حضارة المدن التي تعول في تشريع الحقوق على ~~نظام الدولة، ولا إلى بداوة الصحراء التي تعول في تشريع الحقوق على سنة الثأر ~~والغلبة، ولكنها - مدن القوافل - وسط بين الجانبين، مع حاجتها إلى تقرير الحقوق في كل ~~لحظة، لدوام المعاملات واشتباكها، ولكثرة الطارقين ذهابا وإيابا، ممن يجدون المال، ~~ويبحثون عن المتعة العارضة، ويحاول كل منهم أن يغلب صاحبه في سوق الأخذ والعطاء، ~~وحلبة الخداع والادعاء. # ولهذا تترقب مدن القوافل مصدرا للهداية غير مصدر الشريعة الحكومية، وغير مصدر النقمة ~~والتغلب بين الغاصب والمغصوب، والعادي والمعتدى عليه؛ وذلك هو مصدر الهداية النبوية ~~في بيئة وسطى، تهيأت لها حماسة النفوس في البادية، وشعور النفوس بقيمة العهد ورباط ~~الأمانة في كل علاقة واسعة، كالعلاقة التي ترتبط بالقوافل المترددة على مسافات ~~بعيدة. # ومما وفقت إليه، مغتبطا بهذا التوفيق، أنني اهتديت إلى حكمة هذه الظاهرة في سيرة ~~الخليل إبراهيم، وسيرة محمد، والمسيح - عليهم السلام، وكل هذه السير ظهر في حينه، ~~فظهر من استقبال العالم له، أنه لم يكن رغبة من رغباتي القوية وحسب، بل كان على ~~التعميم رغبة قوية لقراء العربية في مختلف الآراء والنحل، لا نحسبها برزت في ~~استقبال كتاب حديث، كما برزت في استقبال هذه الكتب الثلاثة، مما ألفناه خلال السنوات ~~الأخيرة. # وكان من الواجب أن تظهر هذه الطبعة من هذا الكتاب قبل الآن، لولا أن الفترة الأخيرة ~~قد ازدحمت بالمؤلفات والكشوف الأثرية، التي تستمهل كل مؤرخ للسيد المسيح ولعصر الدعوة ~~المسيحية، أملا في الوقوف على جديد يضاف إلى تاريخ الداعي أو تاريخ الدعوة، أو ~~توقعا لتوكيد شيء من القديم يحتاج إلى توكيد أو إلى تعقيب. # | الشجرة المباركة # الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله ms002 لنوره من يشاء ~~ ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء ~~عليم ~~(سورة النور: 35) # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون ~~والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين ~~(سورة الأنعام: 141) # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه ~~شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ~~(سورة النحل: 10-11) # والتين والزيتون * وطور سينين ~~* وهذا البلد الأمين ~~(سورة التين: 1-3) # فلينظر الإنسان إلى طعامه * ~~أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض ~~شقا * فأنبتنا فيها حبا * ~~وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * ~~وحدائق غلبا ~~(سورة عبس: 24-30) # هذه هي الشجرة المباركة في التنزيل: شجرة الزيتون، شجرة البحر الخالد، شجرة الحوض ~~الذي نبتت عليه حضارة الإنسان ودارت حوله، ولا تزال تدور، عالية تعلو خمس قامات ~~وتزداد، باقية تبقى خمسة قرون ثم لا تصير إلى نفاد، كريمة تؤتي من ثمراتها ما تشتهيه ~~الأنفس وتشتهي به طيب الطعام، سعيدة تؤتي من عصيرها النور والطب ومسوح الإهاب وجبائر ~~العظام، ومن خشبها صور المحاريب وأعواد المنابر، ومن ورقها أكاليل الأبطال وتحيات ~~البشائر، وتتشابه بركتها على الأبطال الأقدمين فيتمسحون بطيبها طلبا لقوة النفس وقوة ~~الجسد وهم يقبلون على الصراع ويتناضلون، وتتشابه بركتها عليهم كرة أخرى فهم يعلنون ~~السلم، ويرفعون غصن الزيتون! # بوركت في وحي المعابد والضمائر، وبوركت في رموز القرائح والخواطر، فلم يعرف الناس ~~أمنية لا يرمزون لها بسماتها وأسمائها، ولم يذكروا نعمة لا يذكرونها بنعمائها: رمزوا ~~بها إلى الضياء، ورمزوا بها إلى السلام، ورمزوا بها إلى الخير والرخاء، وتزودوا منها ~~في البادية والحاضرة، وادخروها للدنيا والآخرة، واتخذوها للمصابيح في محاريب الصلاة ~~والتسبيح، ورجعوا إليها باسم من أقدس الأسماء، وهو اسم «السيد المسيح». # لأمر ما نبتت في فلسطين، وانتشرت منها في منابت العالمين، وعلى نحو من هذا وهبت ~~مسحتها للرسول الأمين، فطافت رسالته حيث طافت، من عليين إلى غايتها من البلاغ ms003 ~~المبين. # ولو لم تكن «للزيتونة» إلا أن هذا الاسم المبارك مردود إلى مسحتها وبركتها، لاستحقت ~~به الخلد المصون، خضراء على مدى السنين والقرون. # الباب الأول # | كشوف وادي القمران وتفسيرات من فلسفة التاريخ # | في وادي القمران # يقال في بعض التعبيرات المجازية أن حادثا من الحوادث وقع في طالع هذا ~~البرج، أو ذاك من بروج الفلك المشهورة، فإذا جاز لنا أن نستعير هذا التعبير، ~~قلنا: إن السنوات القليلة قبل منتصف القرن العشرين كانت فترة يظللها في أفق ~~الثقافة الروحية برج البحوث والدراسات عن تاريخ السيد المسيح، فإن اللفائف ~~المطوية التي كشفت منذ أوائل سنة 1947م، وما أعقبها من الشروح والمناقشات ~~والردود، تتألف منها مكتبة عامرة بالموسوعات الدينية والتاريخية، وأمامي الساعة ~~ثبت موجز مضموم إلى ذيل كتاب من هذه الكتب يستغرق خمس عشرة صفحة كبيرة، ليس فيه ~~من شيء غير أسماء الكتب والرسائل التي ظهرت في موضوع تلك اللفائف المكشوفة منذ ~~سنة 1947م، وهذا عدا الكتب والرسائل التي ألفها الباحثون عن السيد المسيح بمعزل ~~عن هذا الموضوع، ممن لم يقصدوا إلى التعقيب على تلك الكشوف، ولم يربطوا بينها ~~وبين ما بحثوه من سيرة السيد المسيح. # واتفق أن اللفائف كشفت، حيث لا تسمح الأحوال باستمرار البحث فيها والتنقيب عن ~~بقاياها، في مطلع سنة 1947م؛ لأنها كشفت بوادي القمران من شرق الأردن، ~~وتفاقمت يومئذ مشكلة فلسطين، فحالت دون البحث الهادئ، والتنقيب المأمون في ذلك ~~الجوار، ولم يتصل خبر تلك الكشوف الهامة بشيء من التفصيل أو البيان المفهوم، ~~إلا بعد استئناف البحث فيها، والاشتغال بدراستها حوالي السنة التي ألفت فيها ~~كتابي هذا، وهي سنة 1952م. # فلما علمت بنبأ هذه اللفائف في وادي القمران، توقفت عن إعادة طبع الكتاب قبل أن ~~تتهيأ لي فرصة كافية للاطلاع على مضامين اللفائف والاستفادة مما عسى أن تسفر ~~عنه من دفائن التاريخ المجهول. وفيها، كما قيل يومئذ، كتاب كامل من العهد ~~القديم، وتعليقات على كتب أخرى، ودفتر واف بالوصايا والأوامر عن آداب السلوك، ~~بين زمرة دينية تشبه الزمرة المسيحية الأولى في ms004 الشعائر والعبادات. # ولم يكن هذا التوقف عن البت في الموضوع المرتهن بنتيجة الاطلاع على لفائف وادي ~~القمران؛ ليثنيني لزاما عن متابعة البحث في أسرار النبوة كما بدأت على عهد ~~الخليل إبراهيم وعهد موسى الكليم، فإن البحث في هذه الأسرار على عهد الخليل، ~~يبتدئ بنا من البداءة الأولى، ويقترب بنا من مطالعها أو ينابيعها التي تقدمت ~~قبل جميع الينابيع، ودراسة النبوة على عهد موسى الكليم تفتتح عهودا من ~~النبوءات بلغ فيها عدد الأنبياء المتلاحقين العشرات بل المئات، ولكن تاريخ ~~موسى الكليم أيضا قد يتصل من كثب بتاريخ اللفائف بوادي القمران، إذا كان منها، ~~كما قيل، لفائف تتضمن كتبا من التوراة، وقطعا من الكتب الخمسة المشهورة باسم ~~الكتب الموسوية، وكان العثور على نسخ من هذه الكتب عند استئناف الكشف عنها ~~أملا يساور العلماء الحفريين واللاهوتيين، ففضلت من أجل هذا أن أرجئ الكتابة ~~عن موسى - عليه السلام - مبتدئا بالكتابة عن الخليل إبراهيم، وسميت كتابي عنه ~~«بأبي الأنبياء»، وانتهيت فعلا من البحث في تفاصيله إلى تقرير العلاقة الحاسمة ~~بين مدن القوافل، والبيئة الصالحة لتلقي الرسالة النبوية، إذ كانت للخليل ~~علاقات متتابعة بكل مدينة من مدن القوافل الكبرى في زمانه، وكان انتقاله من ~~«أور» إلى جوار بعلبك وبيت المقدس، ومدن الطريق بين سيناء والحجاز، سلسلة من ~~الشواهد البارزة، تلفت النظر إلى هذه الحقيقة، وتجلوها على صورها المتقاربة أتم ~~جلاء. # أما الموضوع الذي توقفت عن المضي فيه ريثما تستقصيني موارده الجديدة، فقد كان ~~يتوقف حوالي سنة 1953م على مصادر ثلاثة: أهمها لفائف وادي القمران، ومنها تراجم ~~العهدين القديم والجديد المنقحة في اللغات الغربية، ومنها سيل لم يكن ينقطع في ~~تلك السنة من مؤلفات المفكرين الدينيين وغير الدينيين عن السيد المسيح من وجهة ~~النظر العصرية بعد الحرب العالمية الثانية. # وقد كنا نقرأ في الصحف والنشرات أن لفائف وادي القمران تشتمل على نسخة ~~كاملة من كتاب أشعيا، ونسخة مقروءة سليمة بعض السلامة من تفسير نبوءات حبقوق ~~التي حققتها الحوادث التالية، وشذرات من تفسير كتاب ميخا، وقصى تسمى قصة ms005 ~~الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام، وأناشيد منظومة للدعاء والصلاة، ونسخة ~~آرامية من كتاب غير معتمد بين كتب التوراة، وقصاصات متفرقة من كتب شتى تلحق ~~بكتب العهد القديم، ونسخة مفصلة لآداب السلوك المرعية بين جماعة النساك الذين ~~أقاموا زمنا بصومعة وادي القمران، وكلها مودعة في جرار كبيرة يوجد الكثير منها ~~في بعض الكهوف المجاورة، ويبدو من أجل ذلك أنها قد تشتمل على ودائع من هذا ~~القبيل، لا تقدر عند العلماء الحفريين وعلماء المقابلة بين الأديان وجمهرة ~~اللاهوتيين على الإجمال. # ولو أن أحدا أراد أن يحيط بأطراف الكتب والرسائل التي تناولت مسائل البحث ~~في تلك اللفائف خلال هذه السنوات الخمس، لما استوعبها جميعا، ولو فرغ لها كل ~~وقته، وحسب القارئ العربي أن يعلم أنها بحثت من كل ناحية تشترك في ~~موضوعاتها الدينية أو اللغوية أو التاريخية أو الحفرية أو الكيماوية أو ~~الصناعية، ولم تخل منها لغة من لغات الحضارة الغربية، فقد تناولت البحوث مسائل ~~الهجاء وقواعد الكتابة، واختلاط اللهجات واللغات، ومواد الورق والجلد والمداد ~~واللصق والتجفيف، كما تناولت أسماء الأعلام، وما إليها من الألقاب والصفات، وما ~~يقترن بها من تواريخ الشعوب والقبائل، ومواقع الأرض، وعوارض الجو والفلك، وأصول ~~العقائد وشعائر العبادات في كل فترة على حسب حظها من الأصالة أو الاستعارة، ~~وعلى حسب المصطلحات التي تلازمها ولا تعهد في غيرها، واتسع نطاق البحث إلى غاية ~~حدوده لتحقيق نماذج البناء، وصناعة الآنية الفخارية، وعادات الأكل والشراب، ~~وأزياء الكساء، ومواد الأطعمة، وثمرات النبات، وتراوحت تقديرات الزمن بين القرن ~~الخامس قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد، ولم تستقر بعد كل هذا التوسع وكل ~~هذا الإمعان والتدقيق على قرار وثيق. # ومن البديهي أننا لم نستوعب هذا الطوفان الزاخر من الفروض والنقائض، وعلى كل ما ~~في هذه البحوث من مواضع المراجعة والعدول، ومواضع التشكيك والترجيح، بل نحن لم ~~نشعر بضرورة الاستيعاب والاستقصاء كي نخلص منه إلى القول الجديد في تاريخ السيد ~~المسيح، ولكننا عمدنا إلى نخبة من كتب الثقات التي ألمت برءوس المسائل، ولخصت ~~محور الخلاف ms006 ومبلغه من الدلالة في كل مسألة منها، وخرجنا منها بالخلاصة ~~المطلوبة فيما يعنينا، فكانت هذه الخلاصة أن الجديد في الأمر لا يزال من عمل ~~السيد المسيح، أو من فتوحه المبتكرة في عالم الروح، وأن كل مشابهة بينه - ~~عليه السلام - وبين مذاهب الدين قبل عصره، تنتهي عند الظواهر والأشكال، ولا تدل ~~على فضل أسبق من فضله فيما ارتقت إليه عقائد الدين على يديه. # ولعل أرجح الأقوال التي خلصت إليها أكثر البحوث والمناقشات، أن نساك صومعة ~~القمران كانوا زمرة من «الآسينيين» إحدى الطوائف المتشددة في رعايتها للأحكام ~~الدينية، وانتظارها للخلاص القريب بظهور المسيح الموعود، وهذه هي الطائفة التي ~~ذكرناها في «عبقرية المسيح»، فقلنا عنها ما فحواه أنها أقرب الطوائف ~~الإسرائيلية إلى التطهر من أدران المطامع والشهوات، وأنهم «كانوا ينتظمون في ~~النحلة على ثلاث درجات. وأن أحدهم يقسم مرة واحدة يمين الأمانة والمحافظة ~~على سر الجماعة، ويحرم عليه القسم بالحق أو بالباطل مدى الحياة، وليس بينهم ~~رئاسة ولا سيادة. والمادة عندهم مصدر الشر كله، والسرور بها سرور بالدنس ~~والخباثة. وكانوا يتآخون ويصطبحون اثنين اثنين في رحلاتهم. وهم مؤمنون بالقيامة ~~والبعث ورسالة المسيح المخلص، معتقدون أن الخلاص بعث روحاني يهدي الشعب إلى ~~حياة الاستقامة والصلاح». ثم قلنا عنهم في سياق الكلام على زمرة المتنطسين بمصر # Therapeuts # إن هؤلاء المتنطسين، ربما ~~كانوا أساتذة النساك اليهود المسمين بالآسين أو الآسينيين على قول بعض ~~المؤرخين؛ لأننا رجحنا أن الاسم مأخوذ من كلمة الآسي بمعني الطبيب، وهي ~~تقابل كلمة الثيرابيين اليونانية بمعنى المتنطسين. # فإذا صح أن زمرة وادي القمران كانت تنتمي إلى الآسين، وصح أكثر من ذلك أن ~~صومعتهم كانت هي البرية التي كان يلوذ بها السيد المسيح ويوحنا المعمدان؛ ~~فالجديد في هذا الكشف هو توكيد الحاجة إلى رسالة السيد المسيح، أو توكيد فضل ~~الدعوة المسيحية في إصلاح عقائد القوم كما وجدتها على أرقاها وأنقاها بين أتباع ~~النحل اليهودية قبيل عصر الميلاد. # فالكتب الآسينية - أو الآسية - التي وجدت في الصومعة تصف لنا نظم الجماعة وآداب ~~سلوكها، وشدة حرصها ms007 على الشعائر الموروثة بين قومها، ولكنها لا تزال مصابة ~~بداء القوم الذي انتهى إلى غاية مداه في تلك الفترة، وهو داء الجمود على النصوص ~~والحروف، والانصراف عن جوهر العقيدة ولباب الإيمان، ولا تزال النحلة الآسينية ~~نفسها أدل على الحاجة إلى الإصلاح من النحل المتهمة أو المحاطة بالشبهات؛ ~~لأن النحلة المتهمة تجد إصلاحها عند الراشدين من أبناء الديانة القائمة، ~~وكل نحلة يهودية زائغة عن سوائها تجد من يقومها من العارفين باستقامتها في نطاق ~~الديانة اليهودية، ولكن الحاجة إلى الإصلاح إنما تثبت كل الثبوت إذا بلغت ~~النحلة أرقى ما تبلغه، واستنفدت كل طاقتها تهذيبا وتطهيرا وإخلاصا ~~وتذكيرا، ولم تزل بعد ذلك قاصرة عن تزويد الروح بما تتعطش به وتفتقر إليه، ~~وكذلك كانت النحلة الآسينية التي كشفت عنها لفائف وادي القمران، أيا كان ~~اسمها، وأية كانت وجهتها، فإنها لم تمهد لرسالة السيد المسيح إلا كما يمهد ~~المريض للعلاج أو يمهد الداء للدواء، ولا شك أن اللفائف المكشوفة ذخيرة ~~نافعة في بابها، ولكنها لا تضيف إلى معلوماتنا عن حقائق الرسالة المسيحية، ~~ولا تخرجنا بشيء جديد في أمر هذه الرسالة، غير أنها تؤكد لنا فضلها ~~ولزومها في أوانها، فمهما يكن من غرض النحلة الآسينية، فهي في أصولها وفروعها ~~بقية محافظة على تراثها متشددة في محافظتها، ناظرة إلى أمسها حتى في التطلع إلى ~~الغد المرجو انتظارا للمخلص الموعود على حسب النبوءات الغابرة، ولهذه الآفة ~~الوبيلة - آفة التشدد في عبادة المراسم والنصوص - كانت الدعوة المسيحية رسالة ~~لازمة تعلم الناس ما هم في حاجة إلى أن يتعلموه، كلما غرقوا في لجة راكدة من ~~الحروف الميتة والأشكال المتحجرة، تعلمهم أن العقيدة مسألة فكرة وضمير، لا ~~مسألة حروف وأشكال. وهذه هي رسالة السيد المسيح في ذلك العصر الموبوء بجموده ~~وريائه على السواء؛ لأن الرياء إنما هو في باطنه جمود على وجهه ~~طلاء. # | تفسيرات من فلسفة التاريخ # ونستطرد من تلخيص نتيجة اللفائف المكشوفة إلى تلخيص نتيجة المناقشة - أو ~~المناقشات الطويلة - حول الترجمة المنقحة في اللغة الإنجليزية لكتابي العهد ~~القديم والعهد الجديد. ms008 # إننا سمعنا بنبأ هذه الترجمة المنقحة بعد سماعنا بنبأ اللفائف المكشوفة، ~~وكدنا نحصر الضجة الكبرى حول فقرة واحدة في كتاب أشعيا في العهد القديم، ~~فاعتقدنا أن المشتغلين بتنقيح الترجمة رجعوا إلى نص جديد في لفائف وادي ~~القمران؛ لأن كتاب أشعيا هو الكتاب الكامل الذي اشتملت عليه تلك اللفائف فيما ~~اشتملت عليه من الآثار المتفرقة، ولكننا تلقينا البيان الوافي عن عمل المنقحين، ~~فلم نجد فيه ما يشير إلى علاقة بين الكشوف الجديدة وبين تنقيح الترجمة ~~المتداولة من كتب العهد القديم على الخصوص؛ لأن الفقرة التي جاءت في كتاب ~~أشعيا وثارت حولها الضجة الكبرى بين أنصار التنقيح ومعارضيه، لم تفاجئ علماء ~~اللاهوت برأي لم يعلموه من قبل، ولم يذهبوا فيه كل مذهب من الطرفين ~~المتقابلين. # ثارت الضجة حول فقرة في الإصحاح السابع مترجمة في اللغة العربية بالكلمات ~~الآتية: «... يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحمل وتلد ابنا، وتدعو اسمه ~~عمانويل.» # فهذه الفقرة تظهر في الترجمة الإنجليزية المنقحة بعبارة «امرأة شابة» في مقابلة ~~كلمة «علامة» العبرية، وكلمة Parenthos ~~«بارنثوس» في الترجمة السبعينية، ولا جديد أيضا في هذا الخلاف؛ لأنه خلاف لم ~~ينقطع بين المذاهب الثلاثة التي يدور بحثها على تفسير المقصود ببتولة السيدة ~~مريم أم المسيح - عليه السلام. فمن أصحاب المذاهب المسيحية من يفسرها بالبتولة ~~الدائمة قبل ميلاد المسيح وبعده، ومنهم من يقول بالبتولة قبل ميلاده، ثم ولادة ~~إخوة له بعد ذلك وردت الإشارة إليهم في كتب العهد الجديد، ومنهم من يرجع إلى ~~النصوص العبرية، ولا يذكر كلمة البتول كما تقدم. وجواب القائلين بالبتولة ~~الدائمة على المستشهدين بذكر إخوة السيد المسيح في كتب العهد الجديد أنهم ~~أبناء عمومة أو أنهم إخوة منسوبون إلى يوسف خطيب مريم، إلى آخر ما ورد في هذا ~~الخلاف القديم الجديد. # ولقد كانت أمامنا تفاصيل هذا الخلاف عند كتابة «حياة المسيح» فلم نعرض له، ولم ~~نعرض لبحث من البحوث في هذا الصدد، إلا ما كانت له صلة لا فكاك لها برسالة ~~السيد المسيح في عالم الهداية الروحية، ولهذا لم ms009 نذكر معنى كلمة «أخي الرب» ~~التي شفعت باسم «جيمس» المقابل لاسم يعقوب في الترجمة العربية، وقلنا عنه إنه ~~«جيمس قريب السيد المسيح». # وقد خطر لبعض الناقدين أننا سميناه كذلك؛ لأننا لم نطلع على الترجمة ~~العربية لكتب العهد الجديد، وإنه لظن يستسهله من يستسهل النقد بغير روية، ~~ويحسبه بعيدا كبعد المستحيل من يعلم من قراءة «حياة المسيح» أننا على الأقل ~~فتحنا كتب العهدين مائة مرة، لنبحث فيها عما بحثناه، وننقل منها ما نقلناه، ~~فالآن تعرض المناسبة التي نذكر فيها سبب تلك الإشارة على علاتها، دون أن نبدي ~~رأيا في تصحيف كلمة جيمس من كلمة يعقوب، ودون أن نقرر في الإشارة العابرة ~~حكما فاصلا لا موضع له بين هذه التفصيلات. # وربما كان اتفاق الوقت بين ضجة الترجمة المنقحة، وضجة اللفائف المستخرجة من ~~وادي القمران، مع تكرار الكلام عن كتاب أشعيا في كلتا الضجتين؛ هو الذي أوحى ~~إلينا أن ننتظر ما وراء ضجة الترجمة كما أوحى إلينا أن ننتظر ما وراء ضجة ~~اللفائف المكشوفة، فقد يكون هنالك من النصوص والأسانيد ما يوجب إعادة النظر في ~~كتابة «حياة المسيح»، ولولا هذا التقدير لما كان الخلاف على تفسير البتولة وحده ~~موجبا للانتظار إلى ما بعد فراغ القول منه، إذ كانت أوجه الخلاف جميعا في هذه ~~المسألة معروفة من زمن قديم، وكانت من المسائل التي كان في وسعنا أن نتتبعها في ~~مصادرها قبل الكتابة عن السيد المسيح. # إلا أننا نسأل الآن بعد خمس سنوات: هل كان مما يريح الضمير أن نمضي في إصدار ~~الكتاب مرة أخرى، قبل أن نطلع على الكتب الجديدة التي كانت تتعاقب في اللغات ~~الغربية، كتابا بعد كتاب عن السيد المسيح ورسالته، ونظرات المحدثين إلى هذه ~~الرسالة في زمانها وفيما أعقبه من الأزمنة؟ # إننا تمهلنا قبل خمس سنوات في إصدار الطبعة الحاضرة؛ لأننا اعتقدنا أن ~~تنقيح الترجمة قد يعود إلى أسباب توجب المراجعة وإعادة النظر، ولكننا نسأل ~~اليوم: ترى لو أننا علمنا يومئذ محور الضجة على الترجمة، وعلمنا أنها ~~موضوع معاد في قضية ms010 معروفة؛ هل كنا نستخف من أجل ذلك بالفيض المتدفق من ~~الكتب والرسائل التي كتبها أصحابها في موضوع كموضوعنا، ومن وجهة نظر تعنينا، ~~أيا كان شأنها من الموافقة، أو المخالفة لوجهة نظرنا؟ # نحسب أن اشتغالنا بالاطلاع على طائفة من تلك الكتب كانت سببا كافيا لتعليق ~~النظر كي نصدر الكتاب على الأقل مطمئنين إلى عاقبة هذه الأناة، فإن غير ~~الاطلاع على الكتب الجديدة آراءنا في موضع من مواضع الكتاب، فتلك فائدة جديرة ~~بالانتظار، وإن اطلعنا على الكتب الجديدة، ولم تتغير نظرتنا، فتلك طمأنينة ~~نحمدها، وما ضيعنا شيئا بهذه الأناة. # وأيسر ما نقوله الآن عن الكتب الجديدة، إن الاطلاع عليها كان متعة من متع ~~القراءة، ترضينا قارئين قبل أن ترضينا مؤلفين، وقد كان فيها السمين والغث، ~~والمتفوق والمتخلف، كما يكون في كل تأليف، ولكننا خلقاء أن نحمد حظنا ما ~~استوفيناه منها؛ لأن الغث منها كان من قبيل المقروءات التي تنكشف غثاثتها ~~للمتصفح بعد الإلمام بسطور هنا وسطور هناك، وأما السمين منها فقد كان كافيا ~~في موضوعه، كما كان مكافئا لما ينفقه القارئ من الوقت والجهد فيه. # ونستطيع أن نسلك هذه الكتب القيمة في بابين واسعين: باب التأمل وما إليه من ~~النظر الفلسفي والخواطر الوجدانية، وباب النقد التاريخي والتحليل العلمي على ~~قواعد المقابلة بين الأديان. # ويلذ القارئ ولا ريب أن يعلم رأي الفيلسوف العصري في المقابلة بين تعاليم ~~المسيح وتعاليم نيتشه في العصر الحاضر، أو يعلم رأيه في المقابلة بين تعاليم ~~المسيح وتعاليم كارل ماركس وأصحابه الماديين، أو يعلم وجوه المشابهة ووجوه ~~المناقضة بين خطة المسيح في الإصلاح الإنساني وخطط الساسة ودعاة الاجتماع في ~~القرون الحديثة، أو يعلم بلاغة الكلمات المسيحية حين تقترن بكلمات البلغاء من ~~أصحاب الكلم الجامع والحكمة المأثورة، فهذه وأشباهها هي مدار القول في كثير من ~~تلك الكتب العصرية، يتفق أحيانا أن تدل عناوينها على أغراضها، ولكننا لا نعتقد ~~أنها مما يقتضينا البحث في كتابنا هذا أن نبسطها أو نطويها موجزين، وقصارى ~~ما نقوله عنها أنها أشبه بالصور المتعددة للوجه الواحد ms011 في لوحات كثيرة، ليست ~~محل تلخيص ولكنها محل استزادة لمن شاء. # أما الكتب التي نسلكها في باب النقد التاريخي والتحليل العلمي، ففيها حقا ما ~~يهتم به الباحث في تاريخ الرسالة المسيحية وفيها - ولا مراء - بحوث جديرة بطول ~~التأمل، وإنعام النظر، ومواجهة الموضوع كله في نطاقه الواسع من جميع جهاته، ~~وليس في استطاعة أحد أن يواجه هذا الأفق الواسع ما لم يكن على استعداد له بكل ~~عدته من المراجع والأسانيد. # ومن الإطالة على غير طائل أن نسرد هنا أسماء المؤلفات والمؤلفين في هذه البحوث ~~النقدية، فإننا - بعد ما وقفنا عليه منها - نرى أن القارئ لا يفوته شيء من ~~جوهرها إذا اطلع منها على كتابين اثنين يحويان جملة المناقضات والأقاويل التي ~~تتعرض للقبول أو الرفض في هذه البحوث، ونعني بها كتاب # 1 ~~«الجانب الآخر من القصة» تأليف روبرت فيرنو، وكتاب # 2 ~~«إنجيل الناصري يعاد» تأليف روبرت جريفس وجوشيا بردو، وكلا ~~الكتابين مؤلف باللغة الإنجليزية. # وندع التخمينات الملفقة التي تتخلل الكتابين، وينبغي أن نذكر - بداءة - أنها ~~تخمينات كثيرة، وأنها في بعض الأحايين تخمينات معتسفة يعترف المؤلفون ~~باضطرارهم إليها؛ لإتمام الحلقات المفقودة في السلسة التي سبكوها من بقايا ~~الأسانيد المختلفة منذ القرن الأول للميلاد، ومن صنع خيالهم في مواقع النقص ~~المعترضة في فجوات تلك الأسانيد. ولا ننسى أن أحد المؤلفين - روبرت جريفس - ~~قصاص يعتمد على التصور الفني في التوفيق بين الأخبار وتنسيق الملامح وملاحظة ~~التناسب بين ألوان الشخصيات، وله قصة في الموضوع نفسه سماها «عيسى الملك» ~~يشرح فيها بالأسلوب الروائي نظريته التاريخية عن سيرة السيد المسيح، وزبدتها ~~أن السيد المسيح قد نشأ برعاية هيئة باطنية كانت تعمل لتعجل الخلاص على يد ~~الملك «المسيح» الذي يأتي من ذرية داود لإنقاذ شعب الله المختار، وأن يوحنا ~~المعمدان هو الذي وكل إليه اختيار المسيح المنتظر على حسب العلامات المحفوظة ~~في النبوءات، فاختاره وعاهده وبايعه «ملكا» مسيحا أي ممسوحا بالزيت المقدس ~~على سنة الملوك المختارين من الأقدمين، وأن زعماء الهيكل لم يكونوا جميعا من ~~المطلعين على سر هذه ms012 المبايعة التي جمعت بين يمين الإيمان ويمين الطاعة، ~~وتولاها المشرفون على تنفيذها وهم حذرون من سلطان رومة ومن سلطان الهيكل في وقت ~~واحد، ثم جرت الحوادث مجراها الذي نعلمه من الأناجيل، مزيدا عليها هنا وهناك ~~حلقات تربط الصلة بين التاريخ الظاهر والتاريخ الباطن كما جمعه المؤلف من ~~أسانيده ومن وحي خياله أو تنسيق فنه وتقدير ظنه، وربما زاد الجانب المضاف هنا ~~وهناك على الجانب الأصيل. # ونحن ندع هذه التخمينات، ونجتهد في حذفها كما اجتهد المؤلف الروائي في إضافتها، ~~ولكننا لا نريد أن نحذفها، حيث تترك الفراغ بعدها أدعى إلى الحيرة والتردد ~~من الإثبات. # وصفوة ما يبقى بعد حذف هذه التخمينات أن الدعوة المسيحية بعد السيد المسيح ~~كانت ترجع إلى مركزين: أحدهما برئاسة جيمس (أي يعقوب) المسمى بأخي الرب، ~~ومقره بيت المقدس؛ والثانية برئاسة بولس الرسول ومريديه، ومقرها خارج فلسطين ~~بعيدا عن سلطان هيكل اليهود. وقد كانت شعبة بيت المقدس أقرب إلى المحافظة ~~والحرص على شعائر العهد القديم، ملحوظة المكانة في العالم المسيحي داخل فلسطين ~~وخارجها من بلاد الدولة الرومانية، كما يظهر من وصاياها ومن أجوبة المسيحيين في ~~الخارج عليها، وكلها وصايا تحث على رعاية الشعائر الإسرائيلية كما تقدمت في ~~النبوءات. # وظلت الرئاسة على العالم المسيحي معقودة لهذه الشعبة المقيمة في بيت المقدس حتى ~~تهدم الهيكل، وتقوضت مدينة بيت المقدس، وتبددت الجماعة في أطراف البلاد، وآلت ~~قيادة الدعوة إلى الشعبة التي كانت تعمل في خارج فلسطين، فكان لذلك أثر كبير ~~في أسلوب الدعوة، وفي اختيار وسائل الإقناع، إذا اختلف الأسلوبان بين الخطاب ~~الموجه إلى اليهود وحدهم، والخطاب الموجه إلى الأممين النافرين من اليهود، ~~فبينما كان الخلاص على يد فرد من بني إسرائيل لإنقاذهم دون غيرهم أمرا مفروغا ~~منه بين اليهود، كان العالم الخارجي بحاجة إلى صفات إلهية في الرسول المخلص ~~يقبلها الأمميون، ولا يتقيدون في قبولها بالشروط والعلامات التي يلتزمها ~~المتشبثون بحرف الناموس، وقد كانت كتابة الأناجيل في وقت يوافق هدم الهيكل ~~وتفرق الشعبة المقيمة ببيت المقدس، فوضحت فيها دلائل الدعوة ms013 كما تولاها ~~المبشرون بها في بلاد الأممين، وغلبت فيها الصفة الإلهية على غيرها من الصفات ~~المسموعة في جدار الهيكل، قبل إلحاح الحاجة إلى تدوين الأناجيل، وإن المؤلفين ~~ليطنبوا إطنابا كبيرا في ترديد الكلمات الإنجيلية التي تدل على اعتصام السيد ~~المسيح بكتب التوراة، وتوصية التلاميذ باتباعها على سنة الفريسيين، وأشهر هذه ~~الكلمات قوله للتلاميذ والجموع كما جاء في الإصحاح الثالث والعشرين، من إنجيل ~~متى: «إنه على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن ~~تحفظوه فاحفظوه وتعلموه، ولكن حسب أعمالهم لا تفعلوا، لأنهم يقولون ولا ~~يفعلون.» # ومن تلك الكلمات قوله كما جاء في الإصحاح الخامس: «لا تظنوا أنني جئت لأنقص ~~الناموس أو الأنبياء، وما جئت لأنقص بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن ~~تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ~~...» # ومنها قوله كما جاء في الإصحاح العاشر: «إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة ~~السامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.» # ومنها قوله كما جاء في الإصحاح الخامس عشر: «لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل ~~الضالة ...» إلى أقوال أخرى تفهم في مضامينها إن لم تفهم من لفظها الصريح كما في ~~هذه الأقوال. # | رد وتعقيب # وعندنا أن المؤلفين أصحاب هذه النظرية في غنى عن العناء والعنت في تأويل ~~الكلمات أو التنقيب عن الصحائف المطوية، إذا كان قصاراهم أن يثبتوا أن الدعوة ~~المسيحية ابتدأت بتوجيه الخطاب إلى الأمة التي تدين بالتوراة وتترقب ظهور ~~المسيح المخلص من بين أبنائها، وأنهم كذلك في غنى عن العناء والعنت إذا ~~أرادوا أن يثبتوا أن القائمين بدعوة الأمم قد اتخذوا لهم أسلوبا في الدعوة ~~غير الذي يتفاهم عليه بنو إسرائيل الذين يقرءون الكتب ويعتقدون بما فيها من ~~النبوءات، وأن رسل الدعوة المسيحية إلى الأمم قد وصفوا السيد المسيح بصفات لم ~~يتصف بها السيد المسيح في كلامه الذي نقلته عنه الأناجيل. # كل أولئك لا حاجة بهم إلى العناء والعنت لاستنباط الأدلة عليه من ms014 مضامين ~~الأقوال أو طوايا الصحف المنسية، ولكن هؤلاء المؤلفين أصحاب هذه النظريات ~~يكلفون براهينهم عنتا شديدا إذا حاولوا أن ينكروا أن دعوة الأمم قد بدأت في ~~عهد السيد المسيح، وأن التلاميذ والرسل تعلموا منه أن يشملوا الأمم بدعوته، ~~ولا يقصروها آخر الأمر على بني إسرائيل، فلم تتواتر أخبار الأناجيل على شيء كما ~~تواترت على هذه الأخبار في مواضعها وفي مناسباتها المعقولة، ولم تأت الأناجيل ~~في هذه الأخبار إلا بالنتيجة الطبيعية التي يعززها سياق الحوادث، ويستلهم منها ~~منطق الأشياء كما نقول في مصطلحاتنا الحديثة. وماذا كان السيد المسيح صانعا ~~بعد رفض القوم دعوته وإصرارهم على رفضها إلا أن يتجه برسالته إلى غيرهم، أو ~~أن يكف عن هذه الرسالة ويعدل عنها بتاتا، فيعدل عنها التلاميذ والرسل، ولا ~~يتجهوا بها إلى الأمم ولا إلى إسرائيل؟ # ولا يفوتن المؤلفين أصحاب هذه النظرية أن الرسل الذين بشروا الأمم بالمسيحية ~~هم الدعاة الذين احتملوا أشد العذاب في سبيلها، وهم الذين صمدوا لها بعد أن ~~تفوق دعاة المسيحية في بيت المقدس، ومن يفعل ذلك لا بد أن يكون معتقدا لما ~~يدعو إليه، ولا يكون مبلغه من العقيدة أنه يحتال لاجتذاب السامعين إليه ~~بأسلوب غير الأسلوب المألوف عند بني إسرائيل. فكيفما كان مرجع هذه العقيدة، ~~فالرسل الذين أعلنوها بين الأمم قد صدقوها قبل أن يدعوا الناس إلى تصديقها، وقد ~~اطمأنوا إليها قبل أن يروضوا الناس على ابتغاء الطمأنينة فيها. # وبعد فنحن لا نستغرب الضجة التي أثارها المؤلفون بما ابتدعوه معتمدين على ~~أسانيدهم التاريخية، أو على طريقتهم في تكملة التاريخ بتنسيق الصور الفنية من ~~وحي القريحة أو من وحي الخيال، إلا أننا نعود إلى أنفسنا فلا نرى أن هؤلاء ~~المؤلفين قد أطلعونا على رأي طارئ يدعونا إلى تعديل شيء جوهري في الصورة التي ~~أوضحت أمامنا لرسالة السيد المسيح عندما استجمعنا خواطرنا ومعلوماتنا لتأليف ~~هذا الكتاب، ويسرنا أننا نعيده اليوم في طبعته الثانية كما بدأناه في طبعته ~~الأولى بغير تعديل يذكر إلا ما كان من قبيل المطبعيات والتصحيفات. ويسرنا قبل ms015 ~~ذلك أننا لقينا من قرائنا عرفانا مشكورا نغتبط به، ويغتبط به كل من مارس ~~التأليف في هذا الموضوع الجليل على التخصيص، ولا نعلم أن منهجنا في الكتابة ~~عن «السيد المسيح» قد لقي من أحد استنكارا يحسبه الكاتب أو القارئ في حساب ~~النقد المفهوم، وكل ما هنالك أن بعضهم ظن أن التأليف عن السيد المسيح ~~يقتضي منا أن ندين بالمسيحية أو ندين بجميع مذاهبها في وقت واحد، ولم يقل أحد ~~إننا إذا كتبنا عن برهما وجب أن نكون برهميين، أو كتبنا عن أديان الأمم وجب ~~أن ننتقل فيها من دين إلى دين، ولو وجب ذلك على باحث لما كتبت تواريخ الأديان، ~~ولا تواريخ الدعاة إليها ممن يتفقون في الملة الواحدة، أو لا يتفقون، بل لو وجب ~~ذلك لما كتب عن الشرق إلا المشارقة، ولا كتب عن أوربة إلا الأوربيون، ولا كتب ~~عن الماضي إلا من كان فيه، ولا عن المستقبل إلا مولود من بنيه، ولا وجوب لشرط ~~من هذه الشروط المفروضة في حكم من أحكام النقد المفهوم. # وإنصافا لكثرة القراء الغالبة، نقول إنهم من الوفرة بحيث تحسب هذه القلة إلى ~~جانبها بحساب النسبة إلى الألف؛ لأنها أندر من أن تحسب النسبة إلى المائة، ~~وإنما تصادفها على نسبة متفاوتة في شعب شتى من المطالعات التاريخية ~~الدينية، فربما كتبنا عن الخلفاء الراشدين كلاما لم يعجب أفرادا من الشيعة، ~~أو كتبنا عن معاوية بن أبي سفيان كلاما لم يعجب أفرادا من غيرها، ولكن العبرة ~~من وراء هؤلاء بالقراء الذين يقرءون ما يوافقهم وما يخالفهم ولا يرضيهم من ~~الكاتب أن يعطيهم نسخة مكررة مما في ضمائرهم وخواطرهم، وبين أيدي هؤلاء القراء ~~قدمنا الطبعة الأولى من هذا الكتاب، ونقدم الآن طبعته الثانية على بركة ~~الله. # الباب الثاني # | المسيح في التاريخ # | المسيح # يدل علم المقارنة بين الأديان على شيوع الإيمان بالخلاص، وظهور الرسول المخلص ~~في زمن مقبل، وظهر على عقائد القبائل الحمر في القارة الأمريكية أن القبائل ~~التي تؤمن بهذه العقيدة غير قليلة في الأمريكتين، وليس في ms016 هذا عجب؛ لأن ~~الرجاء في الخير أصل من أصول الديانة، والأمل في الصلاح مادة من مواد الحياة ~~الإنسانية يبثها الخالق في ضمير خلقه، ويفتح لهم بها سبيل الاجتهاد في طلب ~~الكمال والخلاص من العيوب. # وقد يشتد هذا الأمل حين تشتد الحاجة إليه، فكان المصريون الأوائل يترقبون ~~«المخلص» المنقذ بعد زوال الدولة القديمة، وروى برستيد عن الحكيم إبيور # Ipuwer # أن المخلص الموعود «يلقي ~~بردا على اللهيب، ويتكفل برعاية جميع الناس، ويقضي يومه وهو يلم شمل قطعانه.» # 1 # وقد كان البابليون يؤمنون بعودة «مردخ» إلى الأرض فترة بعد فترة؛ لقمع الفتنة، ~~وتطهيرها من الفساد، وكان المجوس يؤمنون بظهور رسول من إله النور كل ألف سنة ~~ينبعث في جسد إنسان، وقيل إنه هو زرادشت رسول المجوسية الأكبر الذي يرجعون ~~إليه بتفصيل الاعتقاد في إله النور وإله الظلام، وقد تخلفت هذه العقيدة إلى ما ~~بعد اليهودية والمسيحية والإسلام، وأشار إليها الجاحظ وهو يتكلم عن أستاذه ~~إبراهيم بن سيار النظام حيث قال: «إن السلف زعموا أن كل ألف عام يظهر رجل ~~لا نظير له، فإذا صدق هذا الزعم كان النظام للألف عام هذه.» # أما الإيمان بظهور رسول إلهي يسمى «المسيح» خاصة، فلم يعرف بهذه الصيغة قبل ~~كتب التوراة وتفسيراتها أو التعليقات عليها، في التلمود والهجادا وما ~~إليها. # ومرجع التسمية نفسها إلى الشعائر التي وردت في سفر التكوين وسفر الخروج، وما ~~يليهما من أسفار الأنبياء، فإن المسح بالزيت المبارك شعيرة من شعائر التقديس ~~والتكريم، وأول ما ورد ذلك في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين، حيث ~~روي عن يعقوب أنه «بكر في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه، وأقامه ~~عمودا، وصب زيتا على رأسه، ودعا ذلك المكان بيت إيل - أي بيت الله.» # وجاء في الإصحاح الثلاثين من سفر الخروج أن «الرب كلم موسى قائلا: ... وأنت ~~تأخذ أفخر الأطياب ... دهنا مقدسا للمسحة ... وتمسح به خيمة الاجتماع، وتابوت ~~الشهادة والمائدة وتقدسها، فتكون قدس أقداس، وكل ما مسها يكون مقدسا، وتمسح ~~هارون وبنيه وتقدسهم ...» # وكان الأحبار والأنبياء يسمون ms017 من أجل هذا مسحاء الله، وتنهى التوراة عن ~~المساس بهم كما جاء في الإصحاح السادس عشر من سفر الأيام: «لا تمسوا مسحائي، ~~ولا تؤذوا أنبيائي.» # وكان مسح الملوك أول شعائر التتويج والمبايعة، فكان شاءول وداود من هؤلاء ~~المسحاء. # ثم أطلقت كلمة «المسيح» مجازا على كل مختار منذور، فسمي كورش الفارسي ~~«مسيحا» كما جاء في الإصحاح الخامس والأربعين من سفر أشعيا؛ لأن الله أخذ ~~بيده لإهلاك أعداء الإسرائيليين، وإقامة بناء الهيكل من جديد، وسمي الشعب ~~كله مسيحا كما جاء في المزامير، وكتاب النبي حبقوق، ومنه: «خرجت لخلاص شعبك: ~~خلاص مسيحك»؛ بمعنى الشعب المختار. # وتكررت في كتب «الهجادا» أو كتب التعاليم الإشارة إلى الرسول المنتظر باسم ~~المسيح، فتارة يطلق هذا الاسم على يوسف، وتارة على موسى - عليهما السلام - ولا ~~يزال المؤمنون بالرسالة المسيحية من طوائف اليهود ينتظرون مسيحا في صورة رسول ~~هاد أو صورة شعب مبرور؛ لأنهم لا يدينون برسالة عيسى ابن مريم - عليهما ~~السلام. # وقد كان الإيمان بانتظار المسيح على أشده بعد زوال مملكة داود وهدم الهيكل ~~الأول، فردد الشعب الإسرائيلي وعود أنبيائه بعودة الملك إلى أمير من ذرية داود ~~نفسه، تخضع له الملوك، وتدين الأمم لسلطانه، ثم ترقى الإيمان «بالمسيح» بمعنى ~~الملك إلى الإيمان بالمسيح بمعنى المختار، أو المنذور للهداية والصلاح، وبلغ ~~هذا التحول غايته في بعض النبوءات، ومنها نبوءة أشعيا التي امتازت بتكرار هذه ~~الوعود، فمن وصف القوة والبطش والصولة والصولجان، إلى وصف الدعة والتضحية ~~والصبر على المكاره في سبيل التحذير والتبشير، وقد جاء في الإصحاح الثالث ~~والخمسين من صفات الرسول المنتظر أنه «محتقر ومخذول من الناس، ورجل أوجاع ~~وأحزان»، وجاء في الإصحاح التاسع من سفر زكريا: أنه «عادل، ومنصور وديع، يركب ~~على حمار ابن أتان»، واتفقت أقوال كثيرة على أنه يأتي مسبوقا برائد يعلن ~~مجيئه، وهو النبي إيليا (إيلياس) منبعثا من الأموات. # وقد كان هذا الارتقاء في فهم الرسالة المسيحية يصاحب أطوار الشعب الإسرائيلي ~~في تاريخه المتعاقب، فيقوى الرجاء في المسيح الملك كلما ضعفت الدول المسيطرة ~~على فلسطين، ms018 وهان خطب الثورة عليها، وتعاظم الأمل في استقلال رعاياها، ويعود ~~الرجاء إلى «المسيح الهادي » كلما استحكم سلطان الغالبين، وبدا أن الأمل في ~~الخروج عليهم بقوة السلاح بعيد عسير، وهكذا تراوح تفسير الرسالة المنتظرة بين ~~رجعة الدولة وبعثة الهداية على حسب أطوار التاريخ، فلما دخلت فلسطين في حوزة ~~الدولة الرومانية سنة خمس وستين قبل الميلاد، وأخذ الأمل في قيام الدولة ~~يتضاءل، ويخلفه الأمل المتتابع في انتظار الرسول المخلص، والبعثة الروحانية، ~~اقترن هذا التحول بظاهرتين تصطحبان حينا وتفترقان، بل تتناقضان جملة أحيان، ~~فعظم سلطان الهيكل وكهانه حين تحول السلطان القومي كله إليهم، وأصبح هذا ~~السلطان ملاذ المتطلعين إلى كل رئاسة قومية تصمد للدولة الأجنبية، ومن ~~الناحية الأخرى جنحت الضمائر المتعطشة إلى اليقظة الروحية جنوحا متمردا على ~~القديم، مؤمنا بانتظار البعث من غير جانب «الهيكل» وبقاياه، وما جمد عليه مع ~~الزمن من الموروثات والمأثورات. # فلما بلغ الكتاب أجله، وحانت البعثة المرقوبة، كان المعسكران متقابلين متحفزين ~~على استعداد. # | النبوة بين بني إسرائيل # من تمام العلم باستعداد عصر الميلاد لدعوات النبوءة أن نلم بأحوال النبوءة ~~في الشعب الإسرائيلي منذ تكاثر عدده، وتنوعت أعمال الرئاسة والتعليم بين قبائله ~~وأسباطه، فإن أحوال النبوءة في ذلك الشعب لم تكن على الصورة التي تسبق إلى ~~خواطرنا من النظر في تواريخ كبار الأنبياء، وتواريخ الفترات التي مضت بين ~~عهودهم في الأمم المتعددة. # فنحن اليوم نستهول دعوة النبوءة، ونعلم عن يقين أن الذي يقدم على ادعاء ~~النبوءة في عصرنا هذا يقدم على خارقة مستغربة، ويعرض نفسه لاتهام المتدينين قبل ~~المنكرين والملحدين؛ لأن أتباع الأديان يؤمنون بختام النبوءات، أو يؤمنون ~~بأن النبي الجديد ينتقص عقائدهم، ويزعم لنفسه أن يعلمهم ما لم يعلموه من ~~كتبهم وأقوال أنبيائهم، أما المنكرون والملحدون، فهم لا يقبلون دعوى النبوءة ~~في هذا العصر، ولا في غيره من العصور. # ونحن اليوم نعلم أن الفترة بين إبراهيم وموسى، وبين موسى وعيسى، وبين عيسى ~~ومحمد - صلوات الله عليهم - قد طالت حتى حسبت بمئات السنين، ففي اعتقادنا على ~~الدوام أن ظهور الأنبياء ms019 حادث جلل لا يتكرر في كل جيل، ولا يراه الإنسان في ~~عمره مرتين. # ونحن اليوم نعلم من تواريخ كبار الأنبياء أنهم أقدموا على مصاعب تخفيف ~~المقدمين عليها، وشقوا بدعوتهم طرقا لا يسهل تذليلها؛ لأنهم حطموا آلهة، ~~وسفهوا أحلاما، وغيروا العقائد التي درجت عليها الأمم عصورا بعد عصور، ~~وأقاموا عليها سلطان ذوي السلطان، كما أقاموا عليها شرائع الحاكمين والمحكومين، ~~كذلك صنع محمد، وكذلك صنع موسى - عليهما السلام - فمن تولى الهداية إلى دعوة ~~على هذا النحو فهو متعرض للعدوان والبغضاء، مقتحم على الناس طريقا لا يقبلون ~~اقتحامه من أحد، ولا يرون أحدا يقتحمه عليهم إلا أعنتوه، وأقاموا له ~~العراقيل. # أما أحوال النبوءة في بني إسرائيل فينبغي أن نتصورها على غير هذا النحو؛ ~~لأنها تخالفه من جملة وجوه. # فأول ما هنالك من الفوارق أن الأنبياء في بني إسرائيل لم يكن وجودهم ندرة، ~~ولم يكن بينهم فترة، أو لم يكن حتما لزاما أن تكون بينهم فترة، فقد يوجد ~~منهم في العصر الواحد أربعمائة نبي، كما جاء في سفر الملوك الأول، حيث جمع ملك ~~إسرائيل «الأنبياء نحو أربعمائة رجل وسألهم: أأذهب إلى رامة جلعاد ~~للقتال؟» # وخير ما ورد في وصف مكان الأنبياء بين بني إسرائيل قول النبي «محمد» - صلوات ~~الله عليه: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل». # فقد كان عمل النبي في شعب إسرائيل كعمل العالم الفقيه في الأمة الإسلامية، ولم ~~يكن من المستغرب أن يسمع بهم الخاصة أو العامة في وقت من الأوقات، ولم يكن ~~قيامهم إنكارا لقيام الأنبياء من قبلهم، بل هو تفسير للكتب والنذر، وحض على ~~اتباع السنن التي رسمها لهم من قبل إبراهيم وموسى ويعقوب وغيرهم من الأنبياء ~~السابقين، بل كانوا يعلمون من كتب العهد القديم أن الله وعد إسرائيل «أن يقيم ~~أنبياء مثله ويجعل كلامه في أفوههم (18 تثنية)، وأن بعض هؤلاء الأنبياء قد ~~يتحدث إلى الناس بكلام غير كلام الوحي فعليهم أن ينبذوه»، «وإن قلت في قلبك ~~كيف تعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب فاعلم أن ما تكلم به ms020 النبي باسم الرب، ~~ولم يحدث ولم يصر، فهذا كلام لم يتكلم به الرب ... فلا تخف منه.» # بل يجوز أحيانا أن تصدق الأقوال والعلامات، ولا يجوز للشعب أن يستمع إلى ~~وصايا الأنبياء إذا دعوه إلى عبادة رب غير إله إسرائيل، فإذا قام في وسطك نبي ~~أو صاحب رؤيا وأعطاك آية أو أعجوبة، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو صاحب الرؤيا ~~إن دعاك إلى عبادة آلهة أخرى لم تعرفها وتعبدها ولو صدقت الأعجوبة أو الآية ... ~~(13 تثنية). # ولم تكن النبوءة بإذن من ذوي السلطان، أمراء كانوا أو كهانا أو شيوخا مطاعين ~~في القبيلة، بل يمتلئ يقين الإنسان بالإيحاء إليه فيمضي في تبليغ وحيه ولا يقوى ~~أحيانا على كف لسانه كما قال أرميا: «قد أقنعتني يا رب فاقتنعت، وألححت علي ~~فغلبت، صرت أضحوكة وهزءا ... وكلمة الرب جللتني بالعار والسخرية ... فقلت لا ~~أذكره، ولا أنطق باسمه بعد، فكان في قلبي كأنه نار محرقة محصورة في عظامي ... فلم ~~تكن لي طاقة بالسكوت» (20 أرميا). # وكثيرا ما كان النبي ينحى على زملائه في عصره ويخالفهم في تفسير النذر من ربه، ~~كما قال أرميا: «من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق إلى الأرض كلها ... فلا تسمعوا ~~كلام الأنبياء الذين يتنبئون لكم، فإنهم يبطلون عملكم ويتكلمون برؤيا ~~قلوبهم.» # أو كما قال ميخا لملك إسرائيل: «هو ذا الرب قد جعل الروح كذلك في أفواه جميع ~~أنبيائك هؤلاء.» # قال هذا فتصدى له صدقيا بن كنعانة «وضرب ميخا على الفك وقال له: من أين عبر روح ~~الرب مني ليكلمك؟» # وكان المعهود في الأنبياء كما روت كتب التوراة أن يطلب أنبياء إسرائيل حالة ~~الكشف كما يطلبها المتصوفون والنساك فيما علمناه من أخبارهم المتواترة، فمنهم ~~من يصوم ويتهجد ويمسك عن فضول العيش، ويلتمس المنازه والأنهار، كما قال دنيال: ~~«لم آكل طعاما شهيا، ولم يدخل في فمي لحم ولا خمر، ولم أدهن حتى تمت ~~ثلاثة أسابيع، وفي اليوم الرابع والعشرين من الشهر الأول، إذ كنت إلى جانب ~~النهر العظيم دجلة، رفعت عيني ونظرت.» # بل منهم ms021 من كان يستعين بالسماع؛ ليشعر بصفاء الروح، ويستلهم الغيب، كما جاء في ~~سفر صمويل الأول: «إنك تصادف زمرة من الأنبياء يهبطون من الأكمة، أمامهم ~~رباب ودف وناي وعود، وهم يتنبئون فيحل عليك روح الرب» (9 صمويل أول). # أو كما جاء في سفر الملوك الثاني: «فقال اليشع حي رب الجنود ... الآن فأتوني ~~بعواد ... فلما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب.» # ولكن الأغلب مع هذا أنهم كانوا يرتادون الخلوات، وينقطعون في جوانب الأنهار ~~«عند نهر خابور انفتحت فرأيت رؤى الله» (حزقيال). # ولا يمتنع عندهم أن يلهم الله بالرؤيا الصالحة أو الدليل البين إنسانا من ~~غير الأنبياء، ومن غير شعب إسرائيل، كما ألهم أبيمالك وبلعام، ولكنهم يلهمون ~~ليعرفوا بأنفسهم حق الأنبياء والمرسلين. # وكان الغالب على سامعي النبوءات أن يطلبوا آية يعلمون بها أن المتكلم ~~ينطق بوحي من الله، ولكن طلب الآية لم يكن عندهم دليلا على اليقين والإيمان، ~~وربما أذن للنبي أن يطلب الآية، ويمعن في طلبها، فنرى من الأدب ألا يجرب ربه ~~بدليل هذه الآيات (7 أشعيا). # على أنهم كانوا يلجئون إلى الأنبياء يستشيرونهم قبل الحرب، أو الرحلة، أو ~~الإقامة؛ لعلمهم أنهم أقرب إلى الله، وأدنى أن يطلعوا على الغيب المحجوب عن ~~أنظار الدنيويين المنغمسين في هموم الحياة، ومن هؤلاء الأنبياء من كان يستمع ~~الوحي صوتا عاليا، ومن كان يحسه إلهاما، أو هدية، أو رؤيا صالحة، وغالبا ما ~~كانوا يقصرون رسالتهم على النذير بالعقاب كلما خرج الشعب على الأقدمين وانحرف ~~عن سواء العبادة كما تلقاها آباؤهم من الأنبياء السابقين، فلم تكن النبوءة ~~اقتحاما ولا بدعة مستغربة، ولم يكن فيها خطر على النبي إلا حين يتصدى للملوك ~~والأمراء، فيأخذ عليهم مخالفة الشريعة، أو مخالفة المأثور عن السلف، ومن هؤلاء ~~الملوك والأمراء من كان يعمد إلى التنكيل بالنبي في هذه الحالة؛ ليثبت للناس ~~كذبه وأنه لم يأت من عند الله، إذ كان موت النبي الكاذب إحدى العلامات على ~~بطلان دعواه. # ولعلنا نصف الحالة حق وصفها حين نقول: إن القوم كانوا يبحثون عن الأنبياء، ms022 ~~ويترقبونهم، ولا يعتبرون ظهورهم خارقة يستهولونها، أو يستغربون تكرارها، وأن ~~الإنسان المتهيئ للنبوءة كان يخشى أن يسكت عن الدعوة متى جاشت ضمائره بحوافزها، ~~وألحت عليه أياما بعد أيام، حتى يصبح السكوت في حكم سريرته عصيانا لأمر الله ~~ونكولا عن إرادته، ومتى استقر في سريرته أن طلب الآية تجربة لله، وضعف في ~~الإيمان، فأسلم الأمور عنده حيث تجيش نفسه بروح الله أن ينذر ويبشر، وعلى الله ~~بعد ذلك أن يثبت نبوءته، وأن يهديه ويهدي الناس إليه كما يشاء. # وفي عصر الميلاد، ذلك العصر الذي ترقبت فيه النفوس بشائر الدعوة الإلهية من كل ~~جانب، كما يترقب الراصدون كوكبا حان موعد طلوعه؛ لا جرم تتفتح الآذان لصوت ~~المبشر الموعود، ولا جرم كذلك أن يكون البرهان المطلوب منه على قدر الرجاء في ~~الخير المنتظر، وأن يمتحنه الناس، فيعسروا غاية العسر في امتحانه، خوفا من ~~سهولة الدعوى على الأدعياء، وخوفا من بطلان الرجاء في إبان اللهفة على الرجاء، ~~فهو رجاء عظيم يعلقه المرتجون على برهان عظيم. # | الطوائف اليهودية في عصر الميلاد # كان العالم اليهودي في العصر الذي ولد فيه السيد المسيح يشتمل على طوائف ~~مختلفة، لكل منها مذهبه في انتظار المسيح المخلص الموعود. # والتعريف بهذه الطوائف ضروري لتقرير مكان العقيدة الجديدة بين العقائد التي ~~سبقتها في بيئات بني إسرائيل. # وضروري من جهة أخرى؛ لأنه - فيما نرى - أقوى دليل يرد به على الناقدين ~~المحدثين الذين ظهروا منذ القرن الثامن عشر، وجمحت بهم شهوة النقد والتشكيك، ~~حتى جازوا الشك في النصوص والروايات، إلى الشك في وجود السيد المسيح نفسه، ~~كأنه في زعمهم شخصية من شخصيات الأساطير، وتسقط دعوى هؤلاء الناقدين بمجرد ~~الإحاطة بأصول المذاهب التي كانت معروفة في عصر الميلاد؛ لأن الدعوة المسيحية ~~كانت تعديلا لكل مذهب من هذه المذاهب في ناحية من نواحيه، وكانت هذه التعديلات ~~في جملتها تثوب إلى وحدة متماسكة من القواعد والمثل العليا، لا بد لها من ~~«شخصية» مستقلة عن هذه المذاهب جميعا، قادرة على عرض شعائرها وعقائدها على محك ~~واحد متناسق الفكر ms023 والإيمان. # ونكتفي من الطوائف الدينية التي كانت معروفة في عصر الميلاد بخمس منها، وهي ~~طوائف الصدوقيين والفريسيين والآسين والغلاة والسامريين، وكل طائفة من هذه ~~الطوائف الخمس مهمة في تاريخ العصر بمزية من المزايا التي تتوقف عليها قوة ~~المذاهب الدينية. # فالصدوقيون هم في دعواهم أتباع «صدوق» وأسرته الذين تواترت الروايات بأنهم ~~كانوا يتولون الكهانة في عهد داود وسليمان. # وكانت طائفتهم مهمة بمراكز أصحابها؛ لأنهم على الجملة أنصار المحافظة ~~والاستقرار، وأصحاب الوجاهة والثراء. # وقد كانوا متشددين في إنكار البدع والتفسيرات، متشبثين بالقديم يؤيدون سلطان ~~الهيكل والكهان، ويقبلون أقدم الكتب التي احتوتها التوراة، وهي كتب موسى - عليه ~~السلام - ويرفضون ما عداها، ولا سيما المأثورات المنقولة بالسماع. # وتدعوهم المحافظة على النظام القائم إلى مسلك يناقض عقيدتهم فيما هو ظاهر من ~~لوازمها، فقد كانوا أقرب اليهود إلى الأخذ بالحضارة اليونانية وعادات المعيشة ~~في البيئات الرومانية، ومنهم من كان يدين ببعض المذاهب الفلسفية؛ كمذهب أبيقور، ~~كما كان مفهوما في ذلك العصر، وقد كان الشائع عنه يومئذ أنه مذهب اللذة ~~الحسية والمتعة بالترف والنعيم، ولكنهم في الواقع لا يناقضون سنتهم وسنة ~~أمثالهم في كل زمن، فإنهم يحافظون على نظام المجتمع؛ لأنهم أصحاب اليد ~~الطولى عليه، ولهذا يحبون متاعه ونعيمه، ويوفقون بينهم وبين أصحاب السلطان ~~السياسي، وقد كانوا يومئذ من اليونان والرومان، ويملي لهم في هذه النزعة ~~أنهم يؤمنون بأن الكتب اليهودية الأولى لا تذكر البعث ولا اليوم الآخر، ~~ولا تعد الصالحين حياة بعد هذه الحياة، خلافا للطوائف الأخرى التي تؤمن ~~بالبعث والحساب. # وقد كانت الحملة على السيد المسيح بقيادة اثنين من كبار الكهنة الصدوقيين، وهما ~~«حنانيا» و«قيافا»، ولم يكن في ذلك عجب؛ لأن الصدوقيين جميعا يحافظون على ~~سلطان الهيكل، ويحافظون على النظام القائم، أو لا يستريحون إلى الثورة ~~والانقلاب. # وخلاصة الآداب الصدوقية أنهم حرفيون في مسائل الدين، متوسعون في مسائل ~~المعيشة، وأنهم يعاشرون الأجانب، ولا يعتزلونهم كسائر أبناء قومهم؛ لأن ~~أعمالهم ومراكزهم متصلة بذوي السلطان. # وتقابل الصدوقيين طائفة أخرى هي طائفة الفريسيين، وهي أقوى من الطائفة ~~الصدوقية ms024 بكثرة العدد وشيوع المبادئ والآراء، وحسن السمعة بين سواد الشعب ~~وعلية القوم الذين لا يخالطون الأجانب، وإن لم يكن بين أفرادها كثيرون في ~~مرتبة الرؤساء والوجهاء. # واسم الفريسيين مأخوذ من كلمة عبرانية تقارب كلمة «الفرز» العربية في لفظها ~~ومعناها، فهم المفروزون أو المتميزون، وخصومهم يطلقون عليهم هذا الاسم تهكما ~~وتحقيرا؛ لاعتقادهم أنهم فرزوا أنفسهم عن السلف، واعتزلوا طريق الجماعة ~~الأولى، أما هم فقد كانوا يطلقون لقب الفريسيين أو المفروزين على أنفسهم ~~ويردونه إلى خطاب الله لبني إسرائيل جميعا، كما يرونه في الإصحاح العشرين من ~~سفر اللاويين، فهناك يخاطب الله الشعب قائلا: «وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا ~~لي.» فهم عند أنفسهم المميزون المفضلون. # لهذا كانت تلازمهم في بعض الأحيان صفات الادعاء والتعالي التي تلازم كل طائفة ~~تستأثر لنفسها بالمزيد بين الطوائف الأخرى، وكان بعضهم هدفا لحملات السيد ~~المسيح تنديدا بما يظهرونه من الثقة والكبرياء. # على أنهم كانوا يقابلون بهذه الكبرياء كبرياء الوجاهة والثروة التي كانوا ~~يستنكرونها على خصومهم الصدوقيين، وكانوا يثورون على السلطان «الرسمي»، حيث كان ~~في الهيكل أو في المراجع الأجنبية، فكانوا ينكرون على الكهان استبدادهم ~~بالشعائر والمراسم، وينكرون في الوقت نفسه عادات الأجانب والمتشبهين بهم محاكاة ~~للحكام والمتسلطين. # وقد كانت ثورتهم الأولى على البدع الأجنبية التي كانوا يرفضونها كل الرفض، ولا ~~يسامحون من يقبلها، فلما أمر الملك «أنطيوخس» كاهن الهيكل أن يضحي في مذبحه ~~بالخنازير (سنة 168 قبل الميلاد) قاموا قيامة رجل واحد، وعرضوا أنفسهم للموت ~~بالمئات والألوف كراهة لهذه البدعة النجسة، وحدث في عهد الرومان أن الوالي ~~«بترونيوس» عجب من عنادهم في مقاومة الدولة الرومانية مع ضعفهم وقوتها، فسأل ~~زعماءهم: كيف يخطر لكم أن تحاربوا قيصر ولستم أكفاء لقوته؟! فقالوا: نحن لا ~~نحارب قيصر، ولا نزعم أننا أكفاء لقوته، ولكننا نموت على بكرة أبينا، ولا ~~نخالف الشريعة، وكشفوا رقابهم مستعدين لإثبات ما يقولون. # ومن نقائضهم أن ثورتهم على استبداد الهيكل، ورغبتهم في تعميم الشعائر التي ~~كانت محصورة في المحاريب هي التي دعتهم إلى إقامة هذه الشعائر في البيوت ms025 بغير ~~حاجة إلى الكهان المرسومين، ولكنهم لم يلبثوا أن جعلوا من كل بيت هيكلا مقدس ~~المراسم، فكانوا على ميلهم إلى السماحة ومقاومة الاستبداد «الرسمي» أشد من ~~المتشددين. # إلا أن الغالب عليهم حين يبتعدون عن الأمور التي تتعرض لهذه النقائض أنهم ~~أقرب إلى التصرف والقياس، أو أقرب إلى تحكيم العقل في مسائل النصوص والتقاليد، ~~فكان الصدوقيون مثلا يصرون على شريعة العين بالعين والسن بالسن ولا يقبلون ~~الدية، وكان الفريسيون على عكس ذلك يفضلون الدية والمسامحة على القصاص، ~~وكان الصدوقيون أقرب إلى المادية والقواعد العملية، وكانوا هم أقرب إلى ~~الروحانية والآداب النظرية، أو آداب التأمل والتفكير، وقد كان إنكار البعث ~~والحياة الروحية أشد ما ينكرونه على خصومهم الصدوقيين، ومن أجل هذا سبقوهم ~~مراحل إلى انتظار الخلاص، أو انتظار المسيح المخلص في عالم الروح، غير مقيد ~~بشروط الصولة والصولجان. # وإذا وصف الصدوقيون على الإجمال بأنهم طبقة «الأرستقراطيين»، فالذين يستحقون ~~وصف الديمقراطيين دون غيرهم من طوائف اليهود في ذلك العصر؛ هم ~~الفريسيون. # وقد جاء عصر الميلاد وهم ينقسمون إلى فريقين: فريق منهما يتبع الحكيم «هلل» ~~الذي قدم إلى فلسطين من بابل، وهو الفريق السمح الودود في معاملة الأجانب؛ ~~والفريق الآخر يتبع الحكيم «شماي»، وهو أقرب إلى التحرج والتضييق، ورد الراغبين ~~في دخول الدين من غير اليهود، وكان شعار هلل الاعتدال بين الزهد والمتاعة، ~~وكلمته المأثورة: «إن الزيادة في اللحم زيادة في الدود.» وشريعته في المعاملة ~~أن الشريعة كلها كلمة واحدة، وهي ألا تصيب أحدا بما تكره أن تصاب به، ~~وكل ما عدا ذلك من الأحكام المنزلة فهو تفسير وتفصيل، وأما الحكيم شماي فقد ~~كان الاعتدال بين الزهد والمتاع أكثر مما يطيق، وروي أنه كان يحترف التجارة ~~ليعيش من كسب عمله، وأن غيرته على القديم كانت أقوى من إقباله على التجديد ~~والتصرف في تأويل النصوص. # والقول الراجح بين المؤرخين أن معلمي السيد المسيح في صباه كانوا من طائفة ~~الفريسيين. ~~••• # والطائفة الثالثة التي تقل عن هاتين الطائفتين في العدد كثيرا، وتساويهما أو ~~تزيد عليهما في القوة ms026 والأثر هي طائفة الآسين أو الآسينيين كما يكتبها رواة ~~الأخبار عنها في عصر الميلاد. # عددها كما قدره المؤرخ يوسفيوس والفيلسوف فيلون لا يزيد على أربعة آلاف، يعيش ~~أكثرهم في جنوب فلسطين. # ومصدر قوتهم صرامة العقيدة وتنظيم الخطة، وقد تكون دلالتهم أعظم من قوتهم؛ ~~لأنهم طائفة من صميم الأمة الإسرائيلية قد استقلت بشعائرها، وعباداتها، ~~وآرائها، وأسرارها، وأوشكت أن تستقل عن «الهيكل» كله في علاقتها بالدين ~~والقومية، ولولا أنها تعترف بتقريب القرابين في الهيكل لما حسبت من طوائف ~~اليهود، ولكنها مع هذا تنكر ذبح الحيوان، ولا تقرب القرابين من غير ~~النبات. # واسم هذه الطائفة مختلف عليه، ولكن الراجح من الأقوال المتعددة أن الاسم ~~مأخوذ من كلمة «آسي» بمعنى الطبيب أو النطاسي في اللغة الآرامية، وهي تفيد هذا ~~المعنى في اللغة العربية التي تعد اللغة الآرامية أقرب اللغات السامية إليها، ~~ومن المعقول أن يتسمى أصحاب هذا المذهب بالآسين؛ لأنهم كانوا يتعاطون طب ~~الروح، ويدعون إبراء المرضى بالصلوات والأوراد، كما يدعون العلم بخصائص ~~العقاقير. # وقد نشأت الطائفة على الأغلب بالإسكندرية في القرن الثاني قبل الميلاد، واقتبست ~~من المدارس الإسكندرية كثيرا من أنظمة العبادات السرية، وبعض المذاهب ~~الفلسفية، كمذهب فيثاغوراس الذي يحرم ذبح الحيوان، ويدعو إلى التقشف ~~والقناعة بالقليل. # وكان حراما عند أبناء هذه النحلة أن يملك أحدهم ثوبين، أو زوجين من النعال، ~~أو يدخر الأمتعة والأقوات، وكانت الرهبانية غالبة عليهم إلا من أذن له بالزواج، ~~ويعفى من قيود النسك والبتولة. # وكانوا ينتظمون في النحلة على ثلاث درجات: درجة التلمذة، ويقبلون فيها ~~الصبيان فيما دون الحلم؛ ثم درجة المقسمين، وهم الذين يقسمون اليمين، ويقضون ~~سنة في الرياضة والتدرب على العبادة والاطلاع على الأسرار؛ ثم ينقل المريد إلى ~~درجة الواصلين ويقضي فيها سنتين، ثم يلبس شعار الطائفة وهو ثوب أزرق وزنار، ~~ويحمل الفأس في يده، كناية عن العمل الشاق، ولهم بين المرحلة الأولى والمرحلة ~~الثانية شعائر متواترة يقوم بها الأساتذة، منها الاغتسال، وتلاوة بعض العهود، ~~ويقسم أحدهم مرة واحدة يمين الأمانة والمحافظة على سر الجماعة، ويحرم ms027 عليه ~~القسم بالحق أو بالباطل مدى الحياة، ويجوز فصل العضو بعد رسمه إذا حنث في ~~يمينه، واتفق مائة من الإخوان على إدانته، بل يجوز الحكم عليه بالموت؛ إذ بلغ ~~الحنث حد الخيانة والكفر بقواعد الإيمان. # وهم يتطهرون من الحدث، ويصلون عند الفجر، ويحصلون على الراحة في يوم السبت، ~~ومنهم من لا يستبيح في ذلك اليوم إزالة الضرورات. # وليس بينها رئاسة ولا سيادة، والرق عندهم حرام، وعملهم المفضل الزراعة والصناعة ~~اليدوية، أما التجارة، فهي في مذهبهم عمل خبيث أو غير لائق، وأخبث منها حمل ~~السلاح للقتال. # والمادة عندهم مصدر الشر كله، والسرور بها سرور بالدنس والخيانة، وكان يغلب ~~عليهم من أجل هذا وجوم الصمت والندم، وكل ما يباح لهم من السرور فهو سرور الروح ~~أو سرور الاتصال بعالم الأرواح، وهو عالم سماوي في أعلى الأثير يرتفع إليه ~~المؤمن بالعبادة والرياضة والقنوت. # وكانوا يتآخون ويصطحبون اثنين اثنين في رحلاتهم، وقلما كانوا يشاهدون في المدن ~~الآهلة بالسكان أو في الأحياء التي يرتادها القصاد للفرجة وإزجاء ~~الفراغ. # وهم مؤمنون بالقيامة والبعث ورسالة المسيح المخلص، معتقدون أن الخلاص بعث ~~روحاني يهدي الشعب حياة الاستقامة والصلاح، ورائدهم في طلب الرضا من الله هو ~~النبي عاموس، الذي كان يعلم الشعب أن التقرب إلى الله بالعدل والرحمة خير من ~~التقرب إليه بالذبائح والهدايا. # ولا يبعد أن يكون الغلاة أو الجليليون أتباع يهودا الجليلي فرقة متطرفة من فرق ~~الآسين؛ لأنهم يسلكون مسلكهم في التقشف والقناعة، ويزيدون عليهم بالحض على ~~العمل؛ لتحقيق النبوءات، وتقريب يوم الخلاص، وهم الذين ثاروا ونظموا العصابات ~~في السنة السادسة أو السابعة قبل الميلاد، وتمردوا على أمر الإحصاء الذي صدر من ~~«كرينياس» حاكم سورية، وأصبح اليهود بموجبه معدودين في رعايا قيصر، أو عبيده ~~الذيم يدينون له بالسيادة، وحجتهم أن طاعة القيصر من عبادة الأوثان، وأن ~~إحصاء الشعب لاعتباره من عبيد القيصر مروق به من الديانة، ولما رفع الملك ~~هيرود تمثال النسر القيصري فوق هيكل بيت المقدس ذهب اثنان من الغلاة إليه، ~~وانتزعاه عنوة، وأنذر إخوانهما من ms028 يعيده إلى مكانه بالموت، وقد ثار هؤلاء في ~~سنة الإحصاء بقيادة يهودا الجليلي، ومات هو وأبناؤه وذووه في إبان الثورة، ~~وكانت الدولة الرومانية تحذر الفتنة في هذه البقعة المتوسطة بين القارات ~~الثلاث، فكانت تؤثر التقية والمداراة في معاملة الثائرين، ولا تأخذهم بالقمع ~~والسطوة إلا إذا ضاقت بها سبل الحلم والأناة. ~~••• # والطائفة السامرية خليط من اليهود والآشوريين، كانوا يقيمون في مملكة إسرائيل ~~القديمة، يقال إنهم قبائل آشورية أرسلها ملوك بابل إلى فلسطين؛ ليسكنوها في ~~أماكن القبائل اليهودية التي نفيت إلى ما بين النهرين، وسميت من أجل ذلك بسبايا ~~بابل، ويقال إنهم اختلطوا باليهود الذين بقوا في بلادهم، ولم تحملهم الدولة ~~البابلية إلى بلادها مع القبائل المسبية، فوقع من هذا الاختلاط في السكن والنسب ~~اختلاط في العادات والعبادات، وعاد اليهود الذين رجعوا من السبي بعد سقوط بابل ~~فأنكروا من السامريين شعائرهم المخالفة لتقاليدهم واتهموهم بعبادة الأوثان، ~~ورفضوا مشاركتهم في بناء الهيكل الجديد، فعمد السامريون إلى بناء هيكل خاص لهم ~~في جرزيم، وجعلوا يتعمدون أن يدنسوا هيكل بيت المقدس، ويحصروا القبلة في ~~هيكلهم ومثابة حجهم وعبادتهم، وقد بقي منافسا لهيكل بيت المقدس زهاء مائتي ~~سنة، حتى هدمه رئيس كهان بيت المقدس حناهير كانوس قبل الميلاد بأكثر من مائة ~~سنة، ولكنهم أعادوا بناءه، وظل قائما حتى هدمه الرومان بعد ثورة السامريين ~~في القرن الخامس للميلاد، وقد هدم فسباسيان مدينتهم، وأقام على أنقاضها مدينة ~~سماها المدينة الجديدة «نيوبوليس» أو نابلس المعروفة اليوم، ولا تزال بقايا ~~السامريين تحتفظ بتقاليدها، وتعتمد على نسخة التوراة المكتوبة بلغتها، ولا ~~تعترف بكتاب بعد الكتب الخمسة التي تعرف بالكتب الموسوية، ولا تدين بعاصمة ~~مقدسة غير موطن هيكلها المهدوم جرزيم، وقد استحكم العداء بين أصحاب الهيكلين في ~~عصر الميلاد حتى بطل الأمان في السفر بين السامرة والبلاد الأخرى، وتعرض ~~للإهانة والنكال كل من خاطر بالسفر إلى السامرة من يهود الجنوب أو ~~الشمال. ~~••• # ومن المحقق أن هؤلاء السامريين كان لهم شأن في تطور الفكرة المسيحية، أو فكرة ~~الخلاص المنتظر على يد الرسول الموعود، ms029 ويرجع شأنهم هذا إلى النزاع القديم بين ~~مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل التي ورثها السامريون، وهم ينتسبون إلى ~~يعقوب، ويدعون أنهم - دون غيرهم - الجديرون باسم «الإسرائيليين». # فإذا اعتقد أصحاب مملكة يهودا في الجنوب أن عاصمتهم - بيت المقدس - هي مقر ~~الملك المنتظر، وأن هذا الملك المنتظر سيكون من سلالة داود، فهذا الاعتقاد ~~يرضيهم ويرد المجد إلى دولتهم، ويجعل الخلاص على أيديهم، ولكن السامريين أبناء ~~الشمال كانوا يلجون في عدائهم لداود وذريته، ويثيرون النزاع القديم بين ~~الأسباط، وينكرون على الأقل عقيدة الخلاص على يدي ملك من أسرة الملك في يهودا، ~~ويفتحون بذلك السبيل إلى الإيمان بالخلاص الروحاني والهداية الشعبية، ويزعزعون ~~الثقة في أحبار الهيكل الجنوبي، وفيمن عسى أن يبايعوه بالملك، إذا حان الموعد ~~المقدور. # ولم تخل البلاد جميعا - مع هذا - من ناس هنا وهناك يئسوا من جميع الطوائف ~~والنحل، واعتزلوا الدنيا، وعاشوا في الصوامع بمعزل عن العمران، وارتفع شأنهم ~~في أعين الشعب؛ لسوء ظنه بالدعاة المغامسين للدنيا في بيئات الساسة والكهان، ~~ومن هؤلاء «بانوس» الذي تتلمذ عليه يوسفيوس المؤرخ الكبير ثلاث سنوات، وكان هذا ~~الناسك الثائر يعيش في عزلة، ويأكل مما يتفق له بغير سعي ولا مسألة، ويكثر من ~~التطهر بالماء، والتزكي بالرياضة والتلاوة، وكان على مثال بانوس نساك متعددون ~~يشبهونه في شعائر الاعتزال والاغتسال، وأشهرهم يحيى المغتسل المعروف في ~~الأناجيل باسم: يوحنا المعمدان! # أما موقف الهيكل من هذه الطوائف والفرق فهو الموقف «الرسمي» المعهود، أو موقف ~~المسئولين الذين يحاولون أن يتجنبوا التحيز لهذا أو لذاك، ويجتهدون غاية ~~اجتهادهم أن يكسبوا ثقة الشعب، ولا يغضبوا سلطان الدولة، وقلما يتيسر النجاح ~~في هذه المهمة، ولا سيما في أوقات القلق والتطلع والتبرم بكل موجود. # كان الهيكل خيمة في عهد البداوة، وكان الشعب يعتقد قديما أن الله يتجلى في ~~هذه الخيمة للأنبياء والكهان، ثم بنيت الخيمة من خشب يفك وينقل في أيام التيه، ~~ثم أقام سليمان الحكيم هيكله بديلا من الخيمة والمعبد الخشبي، وقيل إنه أنفق ~~على بنائه مائة ألف وزنة من الذهب، وألف ms030 ألف وزنة من الفضة، غير ما جمعه أسلافه ~~وأعقابه، وبلغت تكاليف بنائه بحساب أيامنا الحاضرة نصف مليار من الجنيهات ، وضعف ~~ذلك في حساب الآخرين، حسب تقدير المثقال في المعاملات الرسمية وغير الرسمية، ~~وعظمت هيبة الهيكل، وارتفعت أقدار كهانه وأحباره ردحا من الزمن، ثم هدمه ~~البابليون بعد أن قام في مجده أكثر من أربعة قرون، ثم أمر كورش الفارسي بإعادة ~~بنائه في سنة 536 قبل الميلاد، وجاء الملك هيرود بعد خمسة قرون فجدد بناءه ~~وأضاف إليه، وتم ذلك أو كاد في عصر الميلاد. # لكن الهيكل بعد تقلب العصور، وسيطرة الدولة على مناصب الكهانة، خسر من المكانة ~~بمقدار ما كسب من الفخامة، وبدأ عصر الميلاد وسلطان الهيكل يتداعى في الحقيقة ~~الواقعة، ويتمكن في الصورة الظاهرة؛ يتداعى لأنه يقوم على غير ثقة، ويتمكن ~~لأنه كان الموئل الوحيد الذي بقي لقومه بعد زوال ملكهم واليأس من إعادة ذلك ~~الملك، مع غلبة الرومان على المشرق والمغرب في عصر الميلاد. ~~••• # وقد كانت وظائف الهيكل كلها محصورة في أصحاب الكهانة، وهي وظيفة دينية كانت ~~موقوفة على سلالة هارون أو قبيلته، يتولاها غيرهم من أسباط اليهود، ومن أعمالهم ~~في الهيكل إمامة الصلاة، والإفتاء في مسائل الفقه، وتقديم الذبائح، والخدمة ~~الدينية في الأعراس والمآتم، والعناية بالآنية المقدسة، وقد تزايد عددهم مع ~~الزمن حتى قيل: إن القائد رزبابل (أي المولود في بابل) كان معه عند عودته من ~~البلاد البابلية نحو أربعة آلاف وثلاثمائة كاهن غير السابقين والمتخلفين، ولهذا ~~كانوا يقسمونهم إلى فرق، تقوم كل فرقة منها بالخدمة أياما من الشهر، ويقتسمون ~~جميعا في النذور والمرتبات. # ولما تطاول الزمن وتكاثرت ذرية هارون، وجد منهم ألوف بغير علم وبغير عمل، ~~يتعاطون صناعة الكهانة، ويقتسمون النذور، ولا يشتركون في تعليم الشعب، ولا في ~~إقامة الصلوات، ووجد إلى جانبهم أناس يعرفون الكتابة، ويسجلون الأسفار الدينية، ~~ولا نصيب لهم من وظائف الهيكل ولا نذوره وأوقافه، وهؤلاء هم جماعة «الكتبة» أو ~~فقهاء الدين، وكانوا جميعا من الفريسيين؛ لأنهم هم الذين يقبلون الأسفار ~~الحديثة، ويعتمدون عليها في ms031 العبادات والمعاملات، خلافا للصدوقيين الذين كانوا ~~- كما تقدم - يقصرون تلاوتهم على الكتب الموسوية الخمسة، ويرفضون كتب الأديان ~~من بعدها، ولا يعتمدون من ثم على جماعة الكتبة والفقهاء. # فلما جاء عصر الميلاد كان كثير من الكهان يشتركون في صناعة الكهانة، ولكنهم لا ~~يعملون في الهيكل، وكان كثير من الكتبة والفقهاء يشتركون في العلوم الدينية، ~~ولكنهم لا يحسبون من رؤسائه الوراثيين، وشاع بين الشعب إهمال الكهان في المسائل ~~الدينية التي تحتاج إلى التعليم والإفتاء على الخصوص، وشاع بين الشعب كذلك ~~الإقبال على العلماء «غير الوراثيين أو غير الرسميين» لسؤالهم في المعضلات، ~~والاقتداء بهم في مسالك الحياة، فأصيبت المكانة «التقليدية» بضربة قوية، وانفسح ~~الطريق للدعوة الدينية غير مصحوبة بالمراسم «الكهنوتية»، والشعائر «الهيكلية» ~~على الخصوص. # وولد السيد المسيح ووظائف الهيكل على أشهر الروايات مصفاة في المجمع المقدس ~~الذي يطلق عليه اسم «السنهدرين»، وعدة أعضائه واحد وسبعون عضوا، منهم ثلاثة ~~وعشرون يتألف منهم المجلس المخصوص، وتغلب عليهم الصبغة الرسمية التقليدية، ~~ويتصل أعضاؤه برجال الدولة في الشئون العامة، وما يرجع منها إلى تنفيذ الأحكام، ~~والمحافظة على الشريعة المحلية أو الشريعة الموسوية. # وعلى حسب المألوف يحاول أصحاب المناصب في «السنهدرين» أن يرجعوا بأصله إلى ~~أقدم العهود، وكانوا يزعمون أنه هو المجلس الذي ورد ذكره في سفر العدد إذ ~~يقول: «فقال الرب لموسى: اجمع إلي سبعين رجلا من شيوخ إسرائيل الذين تعلم ~~أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه، وأقبل بهم إلى خيمة الاجتماع، فيقفوا هناك معك، ~~فأنزل أنا وأتكلم معك، وآخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم؛ فيحملون معك ثقل ~~الشعب فلا تحمله أنت وحدك.» # غير أن المراجع التاريخية، ومراجع الكتب الدينية نفسها تخلو من ذكر ~~السنهدرين، إلا إشارة عابرة هنا وهناك لا يستفاد منها تقدير عدده، ولا تفصيل ~~حقوقه ووظائفه، ومما لا ريب فيه أن المجلس الذي كان في عهد السيد المسيح قد ~~سلب حق الحكم في الجرائم الكبرى قبل هدم الهيكل الثاني بنحو أربعين سنة، وكانت ~~أحكامه الكبرى في أيام المسيح معلقة على إقرار الحاكم الروماني يبرمها أو ms032 ~~ينقضها حين يشاء. # وإذا نظرنا إلى موقف هذه الهيئة من بشرى «المسيح المنتظر» لم نكد نرى فيها ~~باعثا إلى الترحيب بتلك البشرى؛ لأنها تتضمن الحكم بفساد الزمن كله، واليأس ~~من صلاحه، واتهام القائمين على شئون الدين بين أهله، ولكنها مع هذا لا تستطيع ~~أن تتنكر لهذه الدعوة؛ لأنها هي باب الأمل الوحيد في وجه المؤمنين ~~والمترقبين، فهي في موقف الخائف من رجاء الشعب كله أن يتحقق على غير يديه، أو ~~موقف من يتأهب للبطش بالدعوة على قدر الإقبال عليها، ومخايل الأمل في شيوعها ~~وانتشارها، وهي إذا انتشرت لم يكن انتشارها في مثل ذلك العهد مقصورا على ~~الدهماء دون غيرهم؛ لأن الفقهاء والعلماء والمتعلمين كانوا من الفريق الذي ~~يستريب بالكهان، ولا يأتي أن يصدق فيهم أنهم كهان فاسدون مفسدون؛ لأنهم آخر ~~الزمان الذين تدركهم صيحة النذير، وينصب لهم ميزان الحساب. # ولا يستوفى الكلام على القوى الدينية التي كان لها عمل محسوس في موطن السيد ~~المسيح، فقبل ميلاده - عليه السلام - بغير الإشارة إلى طائفة النذريين أو ~~المنذورين الذين وهبوا أنفسهم أو وهبهم أهلوهم لحياة القداسة وخدمة الله ~~والتبشير باليوم الموعود؛ يوم الخلاص من الظلم والجور والتطهر من ~~الذنوب. # ولم يكن هؤلاء النذريون طائفة تجمعها الوحدة التي تجمع بين أصحاب النحل ~~والمراسم الاجتماعية، ولكنهم كانوا آحادا متفرقين ينذر كل منهم نفسه، أو ~~ينذره أهله على حدة، ولا ينتسبون إلى جماعة واحدة غير جماعة الأمة ~~بأسرها. # والكلمة باللغة العربية ترجع إلى مادة تفيد معنى التجنيد، واستعيرت على ما ~~يظهر للجهاد في سبيل الدين، يقال نذر الجيش الرجل؛ جعله نذيره؛ أي طليعه، ~~وربما كان من عمله أن ينذر قومه بالعدو، ويبعدهم عن المخاطر والمفاجآت، ولا شك ~~أن المادة تدور حول هذا المعنى في العبرية مع اختلاف الحروف والأوزان. # ولا يشترط في النذري أو المنذور أن يهجر العالم، ويعتزل الناس في الصوامع، ~~ولكنه يراض على حياة التنطس، فلا يجوز له شرب الخمر، ولا أن يدنس جسده ~~بملامسة الموتى أو الأجسام المحرمة، وعليه أن يرسل شعره، ولا ms033 يحلقه قبل وفاء ~~نذره إن كان منذورا لأجل مسمى، وقد ينذر الطفل قبل مولده، ويمتد نذره طول ~~حياته، ويقال عن المنذور إنه بمثابة النبي في سن الفتوة، قال النبي عاموس ~~بلسان يهوا إله بني إسرائيل: وأقمت من بينكم أنبياء، ومن فتيانكم نذيرين، لكنكم ~~سقيتم النذيرين خمرا، وأوصيتم الأنبياء أن يدعوا النبوءة. والنبوءة هنا بمعنى ~~الإنذار بما سيكون. # وقد تكاثر النذيرون قبيل مولد المسيح؛ لأنه وافق نهاية الألف الرابعة من بدء ~~الخليقة على حساب التقويم العبري، وهو الموعد الذي كان منتظرا لبعثة المسيح ~~الموعود؛ لأنهم كانوا ينتظرونه على رأس كل ألف سنة، ومنهم من كان يقول إن ~~اليوم الإلهي كألف سنة كما جاء في المزامير، وإن عمر الدنيا أسبوع إلهي، ~~تنقضي ستة أيام منه في العناء والشقاء، ويأتي اليوم السابع بعد ذلك كما يأتي ~~يوم السبت للراحة والسكينة، فيدون ألف سنة كاملة، هي فترة الخير والسلام قبل ~~فناء العالم، ولا يزال الغربيون يعرفونها باسم الألفية # Mellinnium # ويطلقونها على كل عصر موعود بالسعادة ~~والسلام. # فالذين قدروا أن القيامة تقوم بعد سبعة آلاف سنة من بدء الخليقة كانوا ~~يؤجلون قيام ملكوت السماء على الأرض إلى نهاية الألف السادسة، ويومئذ تسود ~~دولة المسيح الموعود، ولكنهم كانوا كغيرهم في انتظار رسول من عند الله، كلما ~~انتهت ألف سنة من بدء الخليقة، وكانت بداءة الألف الخامسة موعدا منظورا أو ~~منذورا، يكثر فيه النذيرون، لعلهم يحسبون من جند الخلاص، أو لعل واحدا منهم ~~يسعده القدر فيكتب الخلاص على يديه. # والمهم في أمر النذيرين بالنسبة إلى السيد المسيح أن النبي يحيى المغتسل ~~(يوحنا المعمدان) كان علما من أعلامهم المعدودين، وكان السيد المسيح يعتمد على ~~يديه، أو يأخذ العهد عليه، وأن بعض المؤرخين يحسب السيد المسيح من النذيرين، ~~ويلتبس عليه الأمر بين النذيري والناصري، وهما في اللفظ العبري متقاربان، ومن ~~هؤلاء المؤرخين من يزعم أنه لم يكن من الناصرة، بل يزعم أن الناصرة لم يكن ~~لها وجود؛ لأنها لم تذكر قط في كتب العهد القديم، ولكن الأرجح في اعتقادنا ms034 ~~أن الناصرة نفسها كانت تسمى نذيرة: بمعنى الطليعة، عندما كانت على تخوم ~~الأرض التي فتحها العبريون قديما، وأنها كانت مرقبا صالحا للاستطلاع؛ ~~لأن التلول التي تحيط بها تكشف جبل الشيخ والكرمل والمرج المعروف باسم مرج ~~ابن عمير، وبهذا تزول الصعوبة التي اعترضت المفسرين الغربيين على الخصوص، ولا ~~سيما الناظرين في اللغة اليونانية، لغة الأناجيل، فلا عجب أن يضلوا مع التصحيف ~~اللساني فلا يفرقوا بين النسبة إلى المنذورين، والنسبة إلى النذيرة، وبخاصة إذا ~~كان اسم البلدة قد عرض له التصحيف على ألسنة العبريين والغرباء على طول الزمن، ~~فنطقوه تارة بالصاد وتارة بالسين. # وليس النذيرون طائفة موحدة كما أسلفنا، ولكنهم ينتمون إلى كل مذهب يوافق حمية ~~الشباب، وهذا جعلهم قوات ذات بال في عصر الميلاد خاصة؛ لأنهم جميعا فتيان ~~معمورة قلوبهم بالأمل، معقودة نياتهم على الإصلاح، يؤمنون بأنهم رواد الدعوة ~~إلى المسيح الموعود، ويترقبون ظهوره للترحيب به، والإصغاء إليه، ولا تحيط بهم ~~طائفة أو مذهب محدود. # | الحالة السياسية والاجتماعية في عصر الميلاد # فتحت سورية وفلسطين للدولة الرومانية على يد القائد الكبير «بومباي» الذي قضى ~~على ثورة العبيد الثالثة بقيادة «سبارتاكوس» المشهور. # وقد حسبت هزيمة «سبارتاكوس» من العظائم التي أضافت إلى مجد بومباي، وخلدت ذكره ~~بين أبطال الرومان، ولكن هذه العظائم تضفي على الأبطال والدول مجدا لا ينطوي ~~على خير كبير، فمن دلائل القوة أن تستطيع الدولة قمع فتنة كتلك الفتنة الجبارة ~~التي لم يعرف لها مثيل في ثورات العبيد الأقدمين، ولكنها ولا ريب دلائل القوة ~~التي تقابلها دلائل الضعف من جانب آخر، فلو لم يكن في بنية الدولة صدع مخيف، ~~لما استطاع عبد أن يجمع سبعين ألف عبد ويقهر بهم جيوش رومة زهاء ثلاث سنوات، ~~ولولا خلل في كيان المجتمع، لما اشتمل على أضعاف هذا العدد من الأرقاء المسخرين ~~الذين ينظرون إلى مجد رومة نظرة الحقد، ويجازفون بالحياة؛ ليهبطوا بها إلى ~~الحضيض. # وقد كان سبارتاكوس من أهل تراقية، ولم يكن أول «عبد» شرقي ثائر على الدولة ~~الرومانية، بل سبقه رقيق آخر من ms035 البلاد الشرقية إلى الثورة في صقلية سنة (143 ~~قبل الميلاد)، واستطاع أن يقيم له عرشا استقر في الجزيرة عشر سنين، وهذه هي ~~الثورة التي تجلى قائدها «أونس» لأتباعه في صورة النبي المرسل، وفي شارة الملك ~~المتوج بيد الله، وكان أصله في سورية وكثير من أتباعه شرقيون. # وقد سبقت ثورة أونس السوري، ولحقت بها ثورات من قبيلها لم تبلغ مبلغها من ~~العنف، ولم تخل إحداها من صبغة دينية فيما تدعيه لقادتها، وكانت واحدة منها في ~~آسيا الصغرى تنشئ لها حكومة تسميها حكومة «الشمس»، رمزا إلى عبادة النور ~~والحرية، وتقيم هذه الحكومة والثوار المنهزمون في صقلية يعلقون بالألوف على ~~أخشاب الصلبان. # ولم يكن هذا الخطر الكمين خافيا على المصلحين من ساسة الرومان في الأجيال ~~القريبة التي سبقت ميلاد السيد المسيح، فأرادوا إصلاح العيوب الاجتماعية ~~بالرجعة إلى الشريعة التي تقيد المواريث، وتحرم زيادة الميراث على خمسمائة ~~فدان، وظن كايوس جراشس # Gracchus # أنه يعالج ~~الآفة بإنشاء طبقة جديدة من الصيارفة والتجار، يحد بها من نفوذ النبلاء وأصحاب ~~الضياع المتبطلين، واضطر هو وأخوه إلى تموين المعوزين بأغذية تبيعها الدولة ~~بأقل من تكاليفها، ولكن عوامل الخراب كانت في تلك الأجيال أعمق وأفعل من عوامل ~~العمار والصلاح، فلما حاول يوليوس فيلبس في سنة (104 قبل الميلاد) أن ينظم ~~الإقطاعات بتشريعاته الزراعية قال في خطابه «التفسيري» كما روى شيشرون: «إن ~~ملاك الأرض في مدينة رومة لا يزيدون على ألفين.» وازدادت هذه الحالة سوءا في ~~عصر أوغسطس المجيد كما يوصف في التواريخ، فآلت المستعمرة الأفريقية إلى قبضة ~~ستة من المتبطلين، وفيها ألوف من الأرقاء المسخرين. # وعصر أوغسطس المجيد هذا هو عصر الميلاد الذي قال فيه السيد المسيح في رواية ~~الحواري متى: «إن للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكارا، وأما ابن الإنسان ~~فليس له أين يسند رأسه.» ~~••• # والواقع أنه كان عصرا مجيدا بقوة السيف، دون كل قوة أخرى من القوى ~~الإنسانية، وقد أخذت رومة من قوة السيف كل ما تعطيه: فتوح واسعة، وسطوة تصد ~~الأعداء، وتقمع الثائرين، وألقت رومة بكل اعتمادها ms036 على هذه القوة، فأصبحت لها ~~سندا لا غنى عنه، وانتهت بها الحاجة إلى تلك القوة أنها ألقت بنفسها على ~~مذبحها، فباعتها حريتها وكرامتها، وضيعت الجمهورية في سبيل القيصرية المطلقة، ~~بل رفعت القيصر إلى مقام الربوبية المعبودة، فخلعت على القيصر أوغسطس لقب إله، ~~وقررت عبادته مع الآلهة، ورصدت له شهرا في السنة لا يزال معروفا باسمه إلى ~~اليوم، وتابعت بعده عهود القياصرة العسكريين من أمثال طراجان وهادريان وغيرهم ~~من المتشبهين بهم، حتى عز عليها آخر الأمر أن تجد القياصرة العسكريين. # وكان القانون والنظام فخر رومة الأول، فضاع القانون مع السلطان المطلق، وضاع ~~النظام مع التفاوت البعيد بين الحاكمين والمحكومين: ثروة وترف وطغيان من ناحية، ~~وفقر وضنك وهوان من ناحية، ولا نظام للدول مع اختلال التوازن في المجتمع، بل لا ~~نظام للحياة نفسها، ولا قيمة لها مع إفراط النعيم حتى السأم من الحياة، وإفراط ~~الشقاء حتى النقمة على الحياة، فصدق في رومة كلها وصف السيد المسيح لذلك الرجل ~~الخاسر الذي كسب العالم وضيع نفسه، فضاع وأضاع. # ولم يستقر الأمر للدولة الرومانية في فلسطين دفعة واحدة على أثر افتتاحها؛ ~~لأن التنازع بين الرومان والفرس لم يترك للبلاد قرارا في مدى عشرين سنة، ~~وانقسم الرأي في فلسطين بين الدولتين: منهم من يشايع الفرس، ومنهم من يشايع ~~الرومان، واشتد التناحر بين الفريقين اشتدادا خرج بهم إلى ضراوة الوحشة في ~~مناصب الدين فضلا عن مناصب الدنيا، ومن أمثلته أن أنصار الفرس تغلبوا على ~~أنصار الرومان في بيت المقدس، وكان أنصار الفرس يرشحون لرئاسة الكهنة أنتيجونس ~~بن أورسطبولس، فقبض هذا بيديه على مزاحمه هيركانوس، وقضم أذنه بأسنانه؛ ليحول ~~بينه وبين وظيفة الكهانة طول حياته، إذ كانت هذه الوظيفة محرمة على المشوهين ~~وذوي العاهات. # وكان في البادية الجنوبية من فلسطين زعيم مشهور بالحصافة والحزم على رأس قبائل ~~أدوميين، عرف بفراسته وبعد نظره أن الكفة الراجحة في النزاع على فلسطين ~~لدولة الرومان، فانضوى إليها، واستبسل في معونتها، فكافأته على خدمته بتنصيبه ~~ملكا على اليهودية والسامرة والجليل، حيث ولد السيد ms037 المسيح، وكافأهم هو ~~بالتمادي في محاكاة المدنية الرومانية، وأوحت إليه حصافته أن يداهن السلطة ~~الدينية ويداهن السلطة الدنيوية في وقت واحد، فتغالى في الغيرة اليهودية التي ~~كانت قبيلته تدين بها على سبيل المداراة والمجاراة، وتغالى في محاكاة الرومان ~~والإغريق بالأزياء والمساكن والشارات والأسماء، وتكفل بإتمام بناء الهيكل على ~~نفقته، ثم تكفل بترشيح رؤساء الهيكل من بين أعوانه «المترومنين»، إن صح ~~هذا التعبير، لعلهم يدارون شططه في محاكاة الرومان، ومجافاة التقاليد ~~العبرانية، كلما احتاج إلى التوفيق بين النقيضين. # ومع هذا الجهد المضني في التقريب بين الطرفين، مات هيرود وهو مغضوب عليه أشد ~~الغضب من أبناء دينه، وحدث قبيل وفاته أن طائفة من الغلاة ثارت على مبانيه ~~وأنصابه لتمسح منها معالم الوثنية، فعقد لهم محكمة علنية، وأمر بأجناده فحملوه ~~إلى المحكمة، حيث قضى عليهم بالحرق وهم أحياء! وقبض على الزعماء المحبوبين، ~~فحبسهم وأوصى أخته أن تقتلهم إذا مات قبل إعلان وفاته، لتذهب حسرة الشعب عليهم ~~بفرح الشماتة فيه، فلا يمتعهم في ذلك اليوم بالفرح الذي ترقبوه. # وتمت البلية بتقسيم البلاد بين أبناء هيرود الثلاثة، فوقعت الجليل - حيث ولد ~~السيد المسيح - في حصة هيرود الثاني ائتيباس، ووقعت اليهودية في حصة أرخلاوس، ~~ووقعت مشارف الشام في حصة فيليب، وكان من مراسم الولاية أن يذهب الملك إلى ~~رومة ليتلقى عهد الإمارة من يدي القيصر، فهذا الذي يشير إليه السيد المسيح ~~في مثله المشهور كما رواه الحواري لوقا حيث يقول ما فحواه: «كان إنسان شريف ~~النسب ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه ملكا ويرجع ... وأما أهل مدينته فكانوا ~~يبغضونه، فأرسلوا وراءه سفارة يقولون: لا نريده ملكا علينا ...» # ولكن القيصر أقر الأبناء الثلاثة في ولاياتهم، وخرجت البلاد ممزقة بين ~~أبناء هيرود، وحكومات النبطيين، والمدن العشر، وقصدت رومة بهذا التمزيق أن ~~تخيف ولاية بولاية، وتلجئهم إلى التنافس بينهم في مرضاتهم، وتتخذهم جميعا ~~درعا تدفع به غارات الصحراء وهياج المتعصبين. # ومن المتواتر - مع تصحيح تاريخ السنة كما سيأتي بعد - أن السيد المسيح ولد ~~في أعقاب ثورة جائحة اشتعلت في ms038 أقاليم فلسطين اليهودية على الخصوص، وأهدرت ~~فيها دماء الألوف من الغلاة وأتباعهم؛ لأنهم هبوا في وجه الدولة الرومانية ~~محتجين على صدور الأمر بالإحصاء العام ، وليس الإحصاء بطبيعة الحال سببا من ~~الأسباب لإشعال نار الثورة بين أبناء أمة مطمئنة، ولكنه أشعل نار الثورة ~~فعلا؛ لأنه أثار بين الإسرائيليين خاصة مشكلتين قديمتين من مشاكل فلسطين: ~~إحداهما مشكلة الاعتراف بملك غير «يهوا» الذي يؤمن الشعب اليهودي أنه هو ~~الإله وهو الملك، وأن مبايعة الشعب لغيره كفر وخيانة يعاقبه عليهما ~~بالضربات والمحن، ولا يغفرهما له إلا بعد كفارة تضيع فيها الأرواح والأموال، ~~فإذا دان اليهودي لملك غير «يهوا» أو غير مسحائه المختارين فهو مطرود من رحمة ~~الله، مستحق للعذاب والحرمان، وقد حسب الشعب الإسرائيلي أن الإحصاء مقدمة ~~لفرض السيادة القيصرية عليهم فردا فردا وتقييدهم عبيدا للقيصر مطالبين ~~بعبادته وافتتاح الصلوات باسمه، وكان فقهاء اليهود يذعنون للجزية، وهي تؤخذ ~~منهم عنوة عن طريق الالتزام الذي لا يخص الأفراد بالأسماء، بل يؤخذ جملة على ~~الأكوار والأقاليم، ولكنهم كانوا ينكرون أداء الجزية من ناحية المبدأ أشد ~~الإنكار، ويحكمون بكفر من يجيزها، ويشترك في تحصيلها، وينبذونه من الجماعة، ~~وينبذون معه من يعاشره ويتحدث إليه؛ ولهذا دبروا مكيدتهم للسيد المسيح؛ ليسألوه ~~أمام جمهرة الشعب عن أداء الجزية هل يجوز أو لا يجوز، فأرسلوا إليه تلاميذهم من ~~الهروديين قائلين: «يا معلم، إنك صادق تعلم بالحق ولا تبالي أحدا؛ لأنك لا ~~تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا ماذا تظن؟ أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا ~~يجوز؟» فكان جوابه المشهور: أروني معاملة الجزية! ونظر إلى الدينار الروماني! ~~فسألهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فلما أجابوه أنها لقيصر، قال لهم: أعطوا ~~إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وأسكتهم جوابه؛ لأنهم لا يرفضون العملة ~~القيصرية مع وجود العملة اليهودية، ولو كانوا يستنكرون أداءها حقا لأنكروا ~~كسبها وادخارها، وقد كانوا يكسبونها ويدخرونها ما عدا طائفة الغلاة منهم، وهي ~~التي ثارت عند تقرير الإحصاء العام. # أما المشكلة الأخرى التي أثارها تقرير الإحصاء، فهي مشكلة الضريبة، ms039 وعسف ~~الجباة في تحصيلها؛ فقد كان اليهودي يؤدي ضريبتين؛ إحداهما للهيكل، والأخرى ~~للدولة، وقد جاء في الأناجيل أن رسل الهيكل كانوا يطلبون ضريبة من السيد ~~المسيح وتلاميذه، وأنه - عليه السلام - سئل مرة أن يؤديها فقال لتلميذه ~~سمعان: ما تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية؟ أمن بنيهم أم ~~من الأجانب؟ قال له التلميذ: بل من الأجانب. فقال السيد المسيح: إذن إن ~~البنين أحرار. ولكنه عاد فأمر تلميذه بأداء الضريبة عنه وعمن معه من ~~التلاميذ. # وقد كان أداء ضريبتين عبئا فوق طاقة الفقراء، ولكنه - مع العسف في تحصيل ~~ضريبة الدولة - كان عبئا لا يطيقه الموسرون فضلا عن الفقراء؛ لأن الدولة ~~كانت تحصل الضريبة بطريق الالتزام والمزايدة، فإذا حان الموعد السنوي فتح باب ~~المزايدة، ومنح صاحب المزاد الراجح حق التحصيل طوال العام، وكان الجباة أو ~~العشارون يأخذون لأنفسهم شيئا غير الذي يسلمونه للملتزم، وكان الملتزم يأخذ ~~لنفسه شيئا غير الذي يسلمه لخزانة الدولة، فكان المال المحصل يربي على ضعفي ~~المال المطلوب. # ولهذا كانت طائفة العشارين بغيضة إلى الشعب، وكان الشعب الإسرائيلي لا يغتفر ~~لأناس منه أن يتجردوا لخدمة الملتزمين الأجانب، ويبتزوا المال حراما من أرزاق ~~المعوزين، ومن ثم كان إنكارهم على السيد المسيح أنه كان يخاطب العشارين، ~~ويدخل بيوتهم، ويستمع إلى مناجاتهم، ولكنه كان يستمع لهم، ويوصيهم بالأمانة ~~في الجباية، يسألونه: يا معلم! ماذا نفعل؟ فيقول لهم: لا تستوفوا أكثر مما فرض ~~لهم. ويقول للجند الذين يصاحبونهم: لا تظلموا أحدا، ولا تشوا بأحد، واكتفوا ~~بعلائفكم. لأن الدولة كانت ترسل الجنود يجمعون طعامهم، وعلائف مطاياهم من ~~الناس! # فلما صدر الأمر بالإحصاء العام، توهم الدهماء أن الدولة لا تكتفي بما تحصله ~~جملة، وتنوي أن تزيد عليه ضرائب تستوفيها من الآحاد فردا فردا، مع الشطط في ~~تحصيل ضرائب الالتزام، فاستجابوا داعي الثورة من الغلاة، وغضبوا لعقائدهم كما ~~غضبوا لأرزاقهم، حين أمروا بالعودة إلى بلادهم ليسجلوا أسماءهم حيث ولدوا أو ~~حيث يقيمون. # ومما لا خلاف عليه بين المؤرخين الشرقيين والأوربيين أن الحالة السياسية ms040 في ~~فلسطين خاصة كانت على أسوأ ما تكون، ولكنها على إفراطها في السوء لم تبلغ ~~مبلغ الحالة الاجتماعية في الدلالة على القنوط وعموم البلاء ، وحسب القارئ ~~أن يتصفح الأناجيل كائنا ما كان اعتقاده فيها من الوجهة الدينية؛ لكي تتمثل ~~له حالة البؤس واليأس التي كانت ترين على القرى والمدن في أقاليم فلسطين، ~~ولا سيما إقليم الجليل الذي تواترت الروايات عنه، فحيثما سجل الإنجيليون رحلة ~~من رحلات السيد المسيح بين القرى، فهناك أخبار عن العجزة والمرضى الذين يتعرضون ~~لطلب الشفاء بعد اليأس من كل علاج، وبين هؤلاء مشلولون ومفلوجون ومجانين ~~ومصابون بالخرس والصمم والعمى ويبس المفاصل والأطراف، بينهم من يقال عنه إنه ~~جسده تسكنه الشياطين، أو يتناوب سكناه جملة من الشياطين بالليل والنهار، وكان ~~بعض هؤلاء المرضى أطفالا، وبعضهم من الشبان والكهول في مختلف الأعمار، وهذا ~~إلى أمراض البرص والنزيف والصرع الذي لا يقترن بالجنون. # وإذا كانت هذه الحالات البارزة، فإلى جانبها - ولا شك - حالات أخرى دونها في ~~الشدة والبروز، تنم على الآفات الجسدية والنفسية التي فشت في ذلك المجتمع، ~~وتركته مهيض الأعصاب، عرضة للسخط والهياج، ويضاف إلى هذا أن عصر الميلاد قد ~~شهد في فلسطين طوائف شتى من الأساة الذين يطببون المرضى بالعلاج الروحاني، ~~ويعتمدون على قوة الإيمان وطهارة المعيشة في التطبيب والعلاج، وإذا قلنا إن ~~عصر الميلاد قد شهد عصرا مهيض الأعصاب، فنحن نلتفت التفاتا خاصا إلى هذه ~~الظاهرة التي تشير إلى الحالة النفسية في جملتها، فليس أحوج من عصر كذلك العصر ~~إلى السكينة وثقة الإيمان، وليس أشد منه تعطشا إلى التسليم والتطهير متى ~~استراحت النفوس فيه إلى الهادي الذي يرجى على يديه التسليم والتطهير، فلم يأت ~~أوان الرسالة المسيحية حتى كانت قد سبقتها رسالات تمهد لها، وتعمل في وجهتها ~~عمل الرواد السابقين، وقد كان أقوى هؤلاء الرواد يحيى المغتسل أو يوحنا ~~المعمدان، وإن لم يكن هو الرائد الوحيد في طريق الرسالة والنبوة، فجعل للتطهير ~~رمزا من الاغتسال بالماء، وأثارها حملة شعواء على بؤرة الفساد في زمنه، وهو ~~بلاط ms041 الملك هيرود، فإنها البؤرة التي استبيح فيها الفجور بالمحارم، والبناء ~~بهن على غير شريعة، وقتل الإخوة والأبناء، وتدنيس العبادة والقداسة بالبذخ ~~والجسارة على المنكرات ، فكانت جسارة النبي على التطهير كفئا لجسارة الطاغية ~~الأثيم على الدنس والخيانة، وقضي على الرسول أن يكون عاجل الرسالة في حملته ~~الصراح، وخرج من الميدان شهيدا يجر وراءه جثة ميت بقيد الحياة، فإن جسد ~~هيرود قد أكله الدود قبل دفنه، وإن عهده قد وصف نفسه أصدق صفاته حين بذل رأس ~~النبي هدية لراقصة مبذولة الجسد، ولا جرم يكون عصر «يحيى المغتسل» عصر رسالة ~~عاجلة أو عصر ارتياد وتمهيد: هجمة من هنا وهجمة من هناك، ثم تبدأ المعركة التي ~~تستوفي الميدان كله، ولا تنحسم ما بين صباح ومساء. # | الحياة الدينية في العالم في عصر الميلاد # بلغت الدولة الرومانية على عهد الميلاد غاية مداها، ودخلت في حوزتها أمم العالم ~~المعمور كله، ما عدا الشرق الأقصى، وأصبح من رعاياها أناس مختلفون في الجنس ~~واللغة والعقيدة، فشوهدت في رومة، والإسكندرية، ونابلس، وبيت المقدس كل عبادة ~~يدين بها البشر من تخوم الهند إلى الشواطئ الأطلسية، وكثر الحديث بين الناس عن ~~الأرباب والأديان والمذاهب والعقائد، وتبادل المفكرون والفلاسفة البحث فيها بعد ~~انتقال مدارس الحكمة والعلم إلى الإسكندرية، وتلاقى الحكماء والعلماء فيها من ~~كل مذهب وكل عقيدة، وتعود الناس أن ينظروا إلى الأمور نظرة عالمية، وبخاصة ~~بين أهل الدرس والتأمل والمطالب الروحية. # وأعظم من هذه النظرة العالمية أثرا في موضوعنا - حياة المسيح - أن عصر ~~الميلاد قد شهد عدة موجات دينية تجري من الشرق، وتغمر بلاد الدولة الرومانية ~~نفسها، ومنها العاصمة الكبرى، خلافا لما يسبق إلى الظن من غلبة العقائد تبعا ~~لغلبة القوة السياسية. # فلم تكن سيادة الدولة الرومانية على الشرق مقدمة لسيادة الديانة الرومانية كما ~~جرت العادة في كثير من أطوار التاريخ، بل حدث على نقيض ذلك أن عقائد الشرق هي ~~التي غلبت على رومة وأتباعها، وهي التي انتقلت من الأمم المحكومة إلى الأمة ~~الحاكمة، وجاءت المسيحية بعد ذلك فلم تكن استثناء من ms042 هذه القاعدة، بل كانت ~~تطبيقا جديدا لها أعم وأوسع من كل تطبيق متقدم عليها. # وليس في الأمر مخالفة للسنن الطبيعية كما يبدر إلى الذهن لأول وهلة؛ فإن ~~سريان العقائد من الشرق إلى الغرب في تلك المرحلة كان هو السنة الطبيعية التي ~~تؤيدها جميع الأسباب، ولا ينقضها سبب واحد صالح للتعليل. # كان اتخاذ النحل الشرقية موافقا للقياصرة، وموافقا للرعايا في وقت واحد، ~~فقد كان القياصرة يطمعون في الربوبية، وكانوا يسمعون أن كهان المعابد في ~~الشرق يعلنون حلول الآلهة في أجسام الملوك، ويرشحونهم للعبادة، ولم تزل ~~المناداة بالإسكندر ابنا للإله «آمون» خبرا يتناقله المطلعون على سيرة ذلك ~~الفاتح، ويتشبه به منهم من يطمح مثل طموحه، ويفتح مثل فتوحه، وجر هذا المطمع ~~الغريب إلى فتنة عنيفة في وطن السيد المسيح، حين تصدى الملك أنطيوخس - خليفة ~~الإسكندر - بطلب الربوبية، وسمى نفسه بالإلهي أو صاحب الشارة ~~الإلهية. # وقد كان رعايا الدولة الرومانية خليطا من الشعوب المختلفة، وسرى هذا الاختلاط ~~إلى الجيوش التي كانوا يسوقونها إلى المشرق، ويتركونها فيه زمنا، ثم يتعمدون ~~إبقاءها ثمة بعض الأحيان اتقاء لمنازعاتها كلما أطالت البقاء في العاصمة، ولم ~~يكن من شأن هذا الخليط أن يتعصب لعبادات رومة أو يعرض عن عبادات غيرها، فوافقه ~~أن يتشبه بالمشارقة، كما حدث في عهد الإسكندر، وأن يطلب الربوبية من ~~القياصرة! # ولم تزل سمعة الشرق عند الغربيين منذ القدم أنه هو مهبط الأسرار العلوية، ~~وأنه تعلم من خبر السماء ما لا تعلمه الأمم الغربية، وأن كهان الشرق سحرة ~~يطلعون على الغيب، وينفذون إلى بواطن الديانات، وكلمة السحر عندهم # Magic # منسوبة إلى المجوس، والسحر البابلي ~~في كل لغة مضرب المثل من الزمن القديم إلى الزمن الحديث، وتوقيت الزمن ~~بالأسابيع التي يسيطر كوكب من الكواكب على كل يوم منها تراث شرقي موغل في ~~القدم، لا تزال بقاياه في التقويم الأوربي من أقصى الشمال إلى أقصى ~~الجنوب. # فلا عجب أن يؤخذ القوم بهذا السحر، ويسلموا لأبناء الشرق بأخبار السماء ~~وأسرارها، ما دامت الأرض في أيديهم يحكمونها كما يشاءون، ms043 ويجدون من الكهان ~~والسحرة من يبايعهم عليها باسم السماء! # لهذا زحفت على العالم الروماني نحلة «مثرا» ونحلة «إيزيس» ونحلة المتنطسين، كما ~~زحفت عليه نحلة أورفيوس اليونانية من آسيا الصغرى، ومرجعها هي أيضا إلى الشرق ~~القديم. # وقد شوهدت آثار العبادة المثرية في أقصى أقطار الدولة الرومانية من المغرب: ~~شوهدت في آثار السور الروماني للبلاد الإنجليزية، كما شوهدت في غيرها، وشاعت ~~العبادة بين شبان الجيش؛ لأن «مثرا» كان شخصية مزدوجة تجمع بين صفتين ~~محبوبتين: إحداهما صفة النور الذي يبدد الظلام، والحق الذي يمحق الباطل؛ ~~والأخرى صفة المناضل رب الجنود الذي قيل في كتاب المجوس المعروف بكتاب ~~«الأفستا» إنه يسوق جحافله منتصرا؛ لتغليب إله الخير أورمزد على إله الشر ~~أهريمان، وهو كذلك إله محبوب عند غير الجنود؛ كالرعاة، والعاملين بالليل، يعبده ~~الرعاة والملاحون، ويهتدون بنوره في أعمالهم الليلية، ويعتقدون أنه يولد في ~~الجسد الآدمي، كما يولد الفقراء في كهف مهجور؛ ولهذا يتخذون له المعابد من ~~الكهوف، وربما حببه إلى العباد ذلك الحنين المعهود في الناس إلى استطلاع ~~الأسرار، والطموح إلى الترقي في درجات العلم بالمجهول، فقد كانت لعباده درجات ~~سبع ينتقلون فيها من درجة إلى درجة على أيدي الأئمة المختارين، ويتعاطون ~~الشعائر في كل احتفال سرا أو جهرا على ملأ من الصفوة المقربين، ومنها تناول ~~الخبز، واعتبار الشهد المقدس الذي يوضع على اللسان رمزا إلى حلاوة ~~الإيمان. # واقترنت نحلة «إيزيس» المصرية بنحلة «مثرا» الفارسية في غزو بلاد الرومان ~~واليونان، فسماها اليونان «ديمتر» ونحلوها صفتها المصرية، وهي صفة الأمومة ~~الكبرى، أو صفة الطبيعة الأم، وكان عبادها يوحدون بينها وبين القمر، ويعتبرونها ~~من ثم ربة البحر والملاحة، ويرسمون لها صورا جميلة تنم على الطهارة والحنان، ~~وفي حضنها طفل رضيع يشع النور من وجهه رمز الأمومة والبر والبراءة، وكان ~~كهانها يحلقون رءوسهم في الغرب محاكاة للكهنة المصريين، وكان لها بينهم عابدون ~~وعابدات يسمونها حامية البيت والأسرة، ومن ثم شيوع عبادتها بين الرومان الذين ~~اشتهروا بتقاليد الأسرة، وتقديس حقوق الآباء، ولا شك أن المراسم السرية ~~التي تلازم ms044 نحلة إيزيس كان لها أثرها في تشويق الناس إلى انتحالها، كما كان لها ~~مثل هذا الأثر في عبادة مثرا وما شابهها من العبادات. # وخرجت من مصر أيضا نحلة قوية على قلة عدد المنتمين إليها، وهي نحلة ~~المتنطسين # Therapeuts # التي ذكرها الحكيم ~~الإسكندري اليهودي فيلون، وقال إن أتباعها كانوا يجتمعون يوم السبت، ويتفرقون ~~بعد ذلك في الصوامع؛ للتأمل والدراسة الفلسفية، ورياضة الروح والجسد، واسمهم ~~اليوناني معناه الأساة أو المتنطسون، وأكثر صوامعهم كانت على مقربة من ~~الإسكندرية حول بحيرة مريوط القديمة، ويظن بعض المؤرخين أن هؤلاء المتنطسين ~~هم أساتذة النساك اليهود الذين يسمون الآسين أو الآسينيين، وأشرنا إليهم في ~~الكلام على فرق اليهود. # ومما يلاحظ أن نحلة «أورفيوس» اليونانية لم يكن لها من الأشياع بين الرومان ~~ما كان للنحل الشرقية الخالصة، ولعلهم كانوا يحسبون «الأسرار» الدينية اختصاصا ~~للشرق القديم، ويرجعون إلى اليونان في مسائل الفلسفة والفن والخطابة، وبخاصة ~~بعد أن تحولت الديانة «الأورفية» إلى ديانة شرقية تجري على سنة الشرق في التقشف ~~والأخوة الروحية، وقد نشأت الأورفية اليونانية نشأة فنية، وقيل في وصف أورفيوس ~~إنه كان يعزف على أوتاره، فيقبل عليه الوحش والنعم والطير، وتنسى ضراوتها وهي ~~تصغى إليه، ثم أصبح التأليف بين الضواري والنعم رمزا إلى التأليف بين القلوب ~~وانتزاع الشر من نفوس الأقوياء، وجاء عصر الميلاد، والأورفيون يدينون بالزهد ~~والتقشف، ويحرمون اللحوم، ويلبسون الثياب البيض، ولا يذوقون الخمر إلا في مراسم ~~القربان، واحتفظوا بعقيدة اليونان الأقدمين في أساطيرهم عن أورفيوس الفنان، ~~فزعموا أنه يزور عالم الموتى ويعود منه، وجعلوا لهم موعدا يحزنون فيه على ~~موته، وموعدا يحتفلون فيه ببعثه، وتشابه الاحتفال ببعثه، والاحتفال ببعث ~~أدونيس إله الربيع، وكثيرا ما قيل في كتب المقابلة بين الأديان إن آتون ~~الإله المصري، وأدونيس الإله اليوناني، وأدوناي بمعنى السيد أو الرب باللغة ~~العبرية؛ أسماء عدة ترجع إلى مصدرها المصري القديم. ~~••• # ومن الواضح أن هذه النحل التي كانت تصطفي الأعضاء والمريدين، وتحتفظ ~~بالعبادات والرموز للصلوات السرية، لم تكن ديانات عامة تبشر الأمم كافة ~~بظواهرها وخوافيها، ms045 وإنما كانت في جوهرها أشبه بالروابط والجماعات التي تضم ~~إليها المشتغلين بغرض واحد، أو المتفقين في المزاج والعاطفة، وكانت أقرب إلى ~~الجماعات الفنية الرياضية التي تقوم على تخير الأذواق، وتوحيد العلاقات بين ~~الأشباه والنظراء، فكان طلابها جميعا من الشبان الذين يستطلعون حقائق حياتهم ~~المجهولة، ويعتقدون أو يرجحون أن هذه الحقائق سر من أسرار العلم والدراية ~~يهديهم إليه الحكماء المجربون المدربون، وكان لها طلاب من الكهول والشيوخ بطلت ~~عقيدتهم في الشعائر العامة، فانصرفوا عنها إلى حيث يلتمسون الحقيقة، ويشعرون ~~براحة الضمير، في جو من الألفة واتفاق المطالب النفسية والفكرية، فمن لم تكن ~~هذه النحل عنده حلقات رياضية أو فنية، فهي عنده بمثابة الأندية التي تصون ~~روادها من الأخلاط و«الأغيار»، ولا سيما الأغيار من ذوي الجهالة ~~والإسفاف. # ولكن الدلالة الكبرى التي تتجمع من شيوع هذه النحل في عصر الميلاد أنها ~~«أولا» علامة على طلب الاعتقاد، وإحساس المخلصين المستعدين للإيمان بما يحيط ~~بهم من الخواء في جو التقاليد والمعتقدات. # وإنها «ثانيا» علامة على الوجهة العالمية التي أخذت تسري في أنحاء العالم ~~المعمور، وتؤلف بين أبناء الأمم المختلفة في طلب العقائد الروحية؛ لأن هذه ~~النحل السرية لم تكن مقصورة على أمة، ولم تكن محرمة على أحد من أجل جنسه ~~وأصله، فكل من يفتح وجدانه لعقائدها وآدابها فهو مقبول فيها مرشح لدرجاتها من ~~أدناها إلى أعلاها. # أما جماهير الشعوب فلم تكن تحفل كثيرا بهذه النحل الخاصة المقصورة على ~~طلابها ومريديها، وكانت على دأبها سادرة في عاداتها ومألوفاتها، ولكنها لم ~~تخل في هذه العادات والمألوفات من وجهة عالمية تنزع الفوارق بين أتباع ~~الديانات المختلفة، وتضمهم جميعا بين حين وآخر إلى محافل الأعياد العامة التي ~~تقام لهذا «الرب» أو لتلك «الربة»، أو تتردد في مواسم الطبيعة بصبغتها التي ~~كانت تمتزج بالدين على عادة الأقدمين، وكانت سياسة الدولة الرومانية تساير هذا ~~الشعور، بل تشجعه وتحض عليه، إذ كانت القاعدة الذهبية عند دهاقين السياسة من ~~الرومان أن الشعوب لا تهتم بمن يسوسها متى وجدت الخبز، واللعب بين يديها، ومن ms046 ~~اللعب الذي لا يكلف الدولة شيئا أن تفرح جماهير العامة بالأعياد وتتسابق في ~~المواسم والموالد وتصبغها كما تشاء بصبغة القداسة، فذلك أسلم من التنازع ~~والفتنة والصدام. # وجملة ما يقال عن الحياة الدينية يومئذ في العالم المعمور أنها كانت حياة ~~تقليد أو حياة تطلع ورغبة في الاعتقاد عن بحث وبينة؛ أنفة من عقائد التقليد، ~~وأنها كانت تجري في مجراها إلى «العالمية» التي تعم الناس، ولا تخص كل أمة ~~بعقيدتها على حسب جنسها وأصلها، وأهم من هذه العالمية في النحل والمحافل ~~«عالمية» في اللغة والثقافة حطمت أقوى الحواجز التي كانت قائمة قبل ذلك زهاء ~~عشرة قرون؛ فقد كان العبرانيون يؤمنون أن العبرية هي لسان «يهوا» الذي يخاطب ~~به الأنبياء، ويناجي به الكهان في المحاريب، فلم يلبثوا أن قبلوا الدعاء، ~~واستمعوا إلى كتب الوحي باللغة الآرامية، وما يشابهها من اللهجات السريانية، ~~ثم سمحت طائفة كبيرة منهم بترجمة التوراة إلى اللغة اليونانية في القرن الثاني ~~قبل الميلاد، ثم استرسلت هذه الحركة إلى مداها في عصر الميلاد وما بعده، فكانت ~~الآرامية هي اللغة التي بشر بها المسيح والتلاميذ، وكانت اليونانية هي لغة ~~الأناجيل، وكانت السريانية لغة التوراة والإنجيل معا، ولما ينقض أكثر من ~~قرن واحد على مولد السيد المسيح. ~~••• # وأهم الظواهر التي تسجل في سياق الكلام على الشئون الدينية العامة قبيل ~~الميلاد، أن العقائد الوثنية كانت في حالة أشبه ما تكون بحالة التصفية قبل ~~شهر الإفلاس، فقد روى المؤرخ سويتنوس أن القيصر أوغسطس جمع في سنة (12 قبل ~~الميلاد) قرابة ألفي قرطاس من النبوءات، والصلوات المكتوبة باللاتينية ~~والإغريقية، وأمر بها فأحرقت علانية، واحتفظ بقليل من المخلفات المأثورة، ~~فوضعها في صندوقين مذهبين، ونقلها إلى معبد الإله أبولون، وفي هذا الخبر خلاصة ~~أخبار العقائد الوثنية في ذلك الجيل. # | الحياة الفكرية في عصر الميلاد # كانت المذاهب الفكرية التي يتحدث بها المثقفون شائعة في بلاد الجليل، حيث ولد ~~السيد المسيح، وحيث اختلط الغربيون والشرقيون كثيرا قبل عصر الميلاد ببضعة ~~قرون، وأكثرها الفيثاغورية والأبيقورية والرواقية، وهي التي تعنينا فضلا عن ms047 ~~شهرتها؛ لأنها هي المذاهب التي تتصل بالسلوك والاعتقاد، ومنها مذهبان ظهرا ~~بين اليونان في عصر يشبه عندهم العصر الذي ولد فيه السيد المسيح، وهما ~~الأبيقورية والرواقية ، فإن هذين المذهبين - على تناقضهما - رد فعل لحالة ~~واحدة غمرت البلاد اليونانية بعد انتصارها على الدولة الفارسية، وهي حالة الترف ~~والبذخ واللهو والطغيان من جانب السادة، وحالة النقمة من جانب العبيد ~~والمسخرين. # وهذه المذاهب الثلاثة تتلاقى في غاية واحدة هي طلب السكينة والراحة، إلا أن ~~الفيثاغورية التي ظهرت قبل عصر الترف والسلطان، كانت أقرب إلى الروحانية والمزج ~~بين عقائد الأمم المختلفة من اليونان والمصريين والفرس والهنود، وهي جميعا ~~أقرب إلى النشأة الشرقية؛ لأنها نشأت بين قبرص وآسيا الصغرى. # وقد كان أتباع فيثاغوراس طائفة تجتمع في «أخوة» ذات شعائر وصلوات، بعضها معقول ~~وبعضها من قبيل المحظورات والمحرمات التي تشيع بين القبائل البدائية، وتستوجب ~~عندها عادات مقدسة، أو امتناعا عن بعض العادات، وقد كانوا يعتقدون في رئيسهم ~~فيثاغوراس أنه ابن الإله «أبولون»، وأنه لم يمت، وسيبعث بعد حين؛ لأنهم ~~يؤمنون كأهل الهند بتناسخ الأرواح، وأن الروح في الجسد غريبة تلتمس الفكاك، ~~ولا فكاك لها بغير صالح الأعمال، وهم يحرمون أكل الحيوان، ويحرمون كذلك أكل ~~الفول، ويستحسنون اجتناب البقول على العموم، ومن محرماتهم العجيبة ألا يأكلوا ~~من رغيف صحيح، وألا يلتقطوا شيئا وقع على الأرض، ولا يقطعوا الزهر من الشجر، ~~ولا ينظروا في المرآة إلى جانب النور، ومنهم من كان يعظ الحيوانات؛ لأنهم ~~يؤمنون أنهم يخاطبون أرواحا تسكنها إلى حين، وعندهم أن الناس درجات؛ بشر ~~وأنصاف من بشر وآلهة، وفيثاغوراس أحد هؤلاء. # وكان فيثاغوراس يقبل الرجل والنساء في أخوته، ويوجب المشاركة في الأقوات ~~والمقتنيات التي تصل إلى أيدي الجماعة، ويؤمن أتباعه بعد موته بأنه يلهمهم ~~الكشوف العلمية، ويلقنهم عظات الحكمة والخلائق الحسنة، وأن الحياة كانت ~~«فرجة» عنده، وهي كذلك عند من يشبهونه، فالعالم في رأي الفيثاغوريين كساحة ~~الألعاب الأولمبية، يقصدها أناس للتكسب وهم أخس الزائرين، ويقصدها أناس ~~للمباراة وهم فوق ذلك، ويقصدها أناس للفرجة وهم أرقى منهم ms048 جميعا، وكذلك ~~الفلاسفة الذين يزورون العالم للتأمل والنظر هم أرفع المتكسبين والمتنازعين على ~~جوائز الميدان. # والأفكار الفلسفية نفسها هي وحي من الله، ويردون اشتقاق الكلمة ثيوري # Theory # إلى اسم الله ثيوس # Theos # باليونانية، فكل حكمة عندهم فهي من الحكمة الإلهية ~~يتلقاها الباحث بالرياضة والمناجاة «والانسجام» بينه وبين موسيقى الكون، إذ ~~الكون كله عندهم نسب عددية موسيقية، وصورة كماله عدد الأربعة، ولعله كذلك ~~عندهم؛ لأنه يجمع العناصر الأربعة التي تخلق منها جميع الأشياء. # وقيل إن لهم أغراضا سياسية، وإنهم كانوا يتآمرون على الدولة في اجتماعاتهم ~~السرية، وقد عاش فيثاغوراس في القرن السادس قبل الميلاد، وساح في بقاع العالم ~~المعمور كله، وبقيت نحلته، أو أخوته في جميع الأقطار، ولا سيما الأقطار التي ~~أقام فيها اليونان المستشرقون. # أما الأبيقورية والرواقية فقد ظهرتا في عصر واحد، وانتشرتا بين المثقفين في ~~جميع أنحاء العالم المعمور، ويبدو عليهما أنها متناقضتان، ولكنهما في الواقع ~~متقاربتان أو يمكن أن تتقاربا عملا على حسب التفسير والسلوك في ~~المعيشة. # نشأ أبيقور بين القرن الرابع والقرن الثالث قبل الميلاد، وولد - على القول ~~الأشهر - في جزيرة ساموس على مقربة من شواطئ آسيا الصغرى، ولاذ بآسيا الصغرى مع ~~أهله هربا من الاضطهاد، وقد أقبل على دراسة الفلسفة وهو في نحو الرابعة عشرة، ~~وافتتح مدرسته في حديقته المشهورة بأثينا سنة 311 قبل الميلاد، وهو في نحو ~~الثلاثين. # وإذا قيست فلسفة أبيقور على معيشته الشخصية فهي حياة نساك متقشفين؛ لأنه كان ~~يقضي معظم أيامه على الخبز والماء، أو على الخبز والجبن، لكن اسمه اقترن ~~باللذات والشهوات؛ لأنه كان يعلم تلاميذه أن السرور هو غاية الحياة، ~~وأفضل السرور ما لم يعقب ألما ولا ندما، ولهذا كان يجتنب الشهوات البهيمية، ~~ويجعلها من قبيل السرور «المتحرك»، وهو السرور الذي يقترن بالجهد ويعقب الندامة ~~والعناء، وقد كان يقسم السرور إلى نوعين: سرور متحرك، وسرور مستقر أو ساكن، ~~وأفضلهما كما تقدم سرور السكينة والاستقرار، ويعني به سرور التأمل والراحة ~~والقناعة. # وكان أبيقور يقبل في مدرسته العبيد والراقصات والمأجورات، ولا يرى ms049 حرجا في طلب ~~السرور، حيث يوجد بريئا من الألم والندم، بل لا يرى كيف يتخيل الحكيم «الخير» ~~إذا أخرج من حسابه مسرات الذوق والنظر والسماع، ومن أعرض عن سرور يستطيعه في ~~غير ألم ولا ندم فهو أحمق وليس بحكيم. # وقد أنحى أبيقور على الديانات اليونانية وغيرها من ديانات زمانه أنها محشوة ~~بالخرافات والأكاذيب، وعلم تلاميذه أن الآلهة موجودة، ولكنها مشغولة ~~بسعادتها عن شئون الدنيا، فلا قدر لها فيها ولا قضاء، ولا فرق عنده بين الأرباب ~~والمخلوقات إلا في لطافة المادة ونقاوة التركيب، فكلها من المادة وليس لغير ~~المادة وجود. # ومن هنا كان يقبل كل تفسير لظواهر الوجود يرجع بها إلى الأسباب الطبيعية، ويرفض ~~كل ما كان مرجعه إلى الأرباب والغيوب، ويواجه الموت نفسه على مذهبه في السرور ~~والألم، فإن لم يكن في الموت مسرة فهو خلاص من آلام الحياة، ولهذا شاع مذهب ~~أبيقور في عصور الشك والسآمة وفقدان اليقين والإيمان بالعناية، وفضله المكذبون ~~بالديانات على مذهب الرواقيين؛ لأن الأبيقورية - خلافا للرواقية - لا تعفي ~~أصحابها من التكاليف، ولا تفرض على عقولهم أو ضمائرهم واجبا يثقل على كواهلهم، ~~ولكنها مع هذا كانت تجمع قواعدها ووصاياها في أصول منظومة أشبه بالأوراد ~~الدينية، التي يستظهرها المريد ويترسمها ترسم الإيمان والعبادة. ~~••• # وإذا أردنا تلخيص المذهب الرواقي في كلمتين اثنتين، فهاتان الكلمتان هما الصبر ~~والعفة. # الصبر على الشدائد، والعفة عن الشهوات، ولا سعادة للإنسان من غير نفسه وضميره، ~~فمن راض نفسه على مغالبة الألم والحزن، وقمع الشهوة والهوى، فقد بلغ غاية ~~السعادة المقدورة لأبناء الفناء، وهم يؤمنون بالقدر ويعتقدون أن الكون كله ~~نظام متناسق يجري على حسب المشيئة الإلهية، والوحي والرؤيا والفأل وطوالع ~~النجوم من وسائل العلم بأسراره وخفاياه، ويلتقي الإنسان بالعقل مع الآلهة، ~~وبالجسد مع الحيوان الأعجم، وفضيلته الإنسانية هي أن يطيع العقل، ويعصي الجسد، ~~وعصيانه الجسد هو مقاومة الشهوات، وطاعته العقل هي طلب المعرفة، وسعادة الإنسان ~~كلها هي السعادة التي تتهيأ له من الاستغناء عن الشهوة، وتحصيل العلم، فما زاد ~~على ذلك من السعادة ms050 فهو وهم لا يدرك، أو هو فضول لا خير فيه. # وقد نشأ الرواقيون الأول ماديين يؤمنون بأن الوجود كله أصل واحد، ولكنهم ~~تدرجوا في الروحانية، وانتهى خلفاؤهم في عصر الميلاد وما بعده إلى الإيمان ~~بحرية الروح في مواجهة المادة، فالإله الأكبر «زيوس» لا يستطيع أن يجعل الجسد ~~حرا من قيود المادة، ولكنه يعطينا قبسا من روحه الإلهية نصبح بنعمته ~~إخوانا، لا يفرق بينهم وطن ولا جنس ولا لغة، وأينما يكونوا فهم مع الله، لا ~~حاجة بهم إلى هيكل أو معبد، فإنما القداسة في النفس التي تعبد، وليست القداسة ~~في مكان للعبادة يصنعه البناء والحداد، ومن صلواتهم الصلاة المشهورة التي أثرت ~~عن زعيمهم كليانتس قبل الميلاد (310-330) حيث يناجي زيوس قائلا: «اهدني يا ~~زيوس. أيها القدر، خذ بيدي إلى حيث أردت أن ترسلني، خذ بيدي أتبعك غير ناكص ولا ~~وجل، فإن خامرني للريب فأحجمت وتريثت فمن اتباعك لا مهرب لي ولا نجاة.» # ويتبع الرواقي طريق القدر؛ لأنه هو الخير وليس هو الضرورة وكفى، فإن الإله ~~الأكبر لا يريد شرا ولا يخلقه، وما هذه الشرور التي في الدنيا إلا نقائض ~~محتومة يستلزمها وجود الخير، ولا يعقل الخير بغيرها، فلا محل للراحة بغير ~~التعب، ولا محل للشبع بغير الجوع، ولا محل للرحمة بغير القسوة، وإذا كانت ~~القسوة رذيلة فالرحمة التي تسلم النفس للحزن والغم ليست بالفضيلة الإلهية، ~~وإنما تكون الرحمة فضيلة إذا تبصرت كما يتبصر الإله في قضائه، فتنكر القسوة، ~~ولا تخضع للحزن والغم بغير حيلة، فإن الحكيم يحمل في حكمته ترياق كل سم، ~~ودواء كل بلاء. # وقد أخذ الرواقيون من الهند - بسبيل فيثاغوراس على ما يظهر - أن العالم ينقضي ~~ويعود في دورات أبدية لا تعرف لها نهاية، واعتقد بعضهم أن أراوح الحكماء تبقى ~~في كل دورة إلى نهايتها، ثم يشملها ما يشمل العالم كله من حريق النار الأبدية، ~~وهي النار التي تطهر جميع الموجودات لتخلص من أوشابها، ثم تعود دواليك في ~~وجود بعد وجود، وعالم بعد عالم، وقيامة بعد قيامة. # والمدرسة الرواقية ms051 بأسرها مدينة للأئمة الشرقيين، ولا سيما القطبين الكبيرين في ~~هذه المدرسة زينون (340-270 قبل الميلاد) وبوزيدون (135-51 قبل الميلاد)، فهم ~~جميعا من الفينيقيين أو من اليونان الذين استشرقوا وأقاموا منذ زمن في البلاد ~~الشرقية، وخلاصة مذهب الإمام الرواقي الأكبر - زينون - كما لخصناه في كتابنا عن ~~الله «إن الإله جوهر ذو مادة» # Soma ~~، وأن ~~الكون كله هو قوام جوهر الإله، وأن الإله يتخلل أجزاء الكون كما يتخلل العسل ~~قرص الخلايا، وأن الناموس # Nomos ~~- وهو ~~بعبارة أخرى مرادف للعقل الحق # Orthos Logas # أو ~~الكلمة الحقة - هو والإله زيوس شيء واحد يقوم على تصريف مقادير الكون، وكان ~~زينون يرى للكواكب والأيام صفة إلهية، ويعتقد - كما أسلفنا - أن الفلك ينتهي ~~بالحريق، وتستكن في ناره جميع خصائص الموجودات المقبلة وأسبابها ومقاديرها، ~~فتعود كرة بعد كرة بفعل العقل وتقديره، ويشملها قضاء مبرم وقانون محكم؛ ~~كأنها مدينة يسهر عليها حراس الشريعة والنظام، ويترادف عنده معنى الله والعقل ~~والقدر وزيوس، فكلها وما شابهها من الأسماء تدل على موجود واحد، وقد كان هذا ~~الموجود الواحد منفردا لا شريك له، فشاء أن يخلق الدنيا، فأصبح هواء وأصبح ~~الهواء ماء، وجرت في الماء مادة ~~الخلق # Sparmatikos ~~Logos # كما تجري مادة التوليد في الأحياء، فبرزت منها مبادئ ~~الأشياء وهي: النار، والماء، والهواء، والتراب، ثم برزت الأشياء كلها من هذه ~~المبادئ على التدريج، وتعريف القدر عند زينون أنه القوة التي تحرك الهيولى، ~~وهي قوة عاقلة؛ لأن ما يتصف بالعقل أعظم مما يتجرد منه، ولا شيء أعظم من ~~الكون # Cosmos # فهو عاقل لأنه عظيم، ~~ويفسر زينون تعدد الآلهة في معتقدات العامة بأنهم بحثوا عن الله في مظاهر ~~الطبيعة المتكاثرة، فعددوها ونسجوا حولها الأساطير من تشبيهات الخيال، ولكن ~~هذه التشبيهات إن هي إلا رموز مجازية تدل على حقيقة واقعية. # وآخر الأقطاب الرواقيين قبل الميلاد - بوزيدون الذي أشرنا إليه - كان يعلم ~~تلاميذه أن الروح لا تفنى بفناء الجسد، وأنها ترتقي صعدا في السماء على ~~حسب ارتقائها في المعرفة والفضيلة، فمن الأرواح ما يرفرف على مقربة من ms052 الأرض، ~~ومنها ما يحلق بين الأفلاك العلى، ويسبح معها، وينعم بالنظر إليها، والاستماع ~~إلى ألحانها في مسراها إلى يوم القيامة، وقد كان هذا الحكيم معنيا بالهند في ~~بحوثه الجغرافية الفلكية، كما كان معنيا بها في بحوثه الفكرية الدينية، فقرر ~~فيما رواه عنه صاحب كتاب «الرواقيون والشكوكيون» # Stoics and ~~Scepties # أن المسافة بين قادش والهند سبعون ألف ستادة، ~~وهي مقياس يوناني يساوي نحو مائة وخمسة وسبعين مترا، ويقال: إن هذا التقدير ~~كان في حساب كولمبس عندما قصد إلى الهند من طريق البحار الغربية. # ويتفق مؤرخو الفلسفة على قوة الأثر الذي أعقبته المذاهب الرواقية في العالم ~~الروماني إلى أقصى أطرافه، وتظهر قوة هذا الأثر وسعة مداه من اتساعه لتبشير ~~الملوك والأرقاء بعد ظهور إمامه الأول - زينون - بنحو أربعة قرون، فكان من ~~أئمته العبد الرقيق إبيكتيتس (60-100 بعد الميلاد) والإمبراطور الكبير ماركس ~~أورليوس (121-180 بعد الميلاد)، وفاخر بالانتماء إلى هذا المذهب قادة ورؤساء من ~~الذين زاروا الشرق وأقاموا فيه. # أما فلسطين خاصة حيث ولد السيد المسيح، فقد كان هذا المذهب ومذهب الأبيقوريين ~~يتقاسمان فيها أفكار المتدينين وغير المتدينين، وتغلغل المذهبان بين الطوائف ~~الإسرائيلية؛ كأنهما زيان من أزياء الثقافة التي يتراءى بها أدعياء العلم ~~والمدنية، فكان الصدوقيون يميلون إلى الأبيقورية، وكان الفريسيون يأخذون ~~بالحكمة الرواقية على كراهتهم للتشبه بالأجانب، ولكن شيوع الأقطاب الشرقيين ~~بين الرواقيين كان يصبغ نحلتهم بالصبغة الوطنية التي لا يتحرج الفريسيون من ~~محاكاتها تمشيا مع نزعتهم إلى التجديد. # ومن المصادفات التي تساعد على تتبع أثر المذاهب الفكرية في العالم الإسرائيلي ~~أن عصر الميلاد أنجب أكبر الفلاسفة الإسرائيلية في العصر القديم وهو ~~يهودافيلون، الذي ولد بالإسكندرية سنة (30 قبل الميلاد) ومات سنة (50 بعد ~~الميلاد)، ومزج في فلسفته بين عقائد عصره ومذاهبه الفلسفية من كل منبت، ولا ~~سيما منبت الإغريقية الإسكندرية، وقد أخذ القول بالكلمة # Logos # من الرواقيين عن هيرقليطس أول ~~القائلين بها في الزمن القديم، وقال إنها هي واسطة الله في علاقته بهذا ~~العالم، وأخذ تفسير الرموز الدينية من العبادات السرية ms053 كعبادة إيزيس وعبادة ~~أوزيريس سرابيس التي تأسست بالإسكندرية، وتفرعت في أثينا وبومبي ورومة وبعض ~~الموانئ الآسيوية، ثم طبق هذا التفسير على رموز التوراة فشرحها شرحا ~~عقليا يخالف في كثير من المسائل شروحها التقليدية، وقال في كلامه عن خلق ~~العالم إن موسى - عليه السلام - لم يأت بأسلوب كأسلوب أصحاب الشرائع الذين ~~يحصرون أحكام قومهم في الحلال والحرام بغير تصرف ولا تنقيح، ولا بأسلوب كأسلوب ~~أصحاب الشرائع المبهمة التي تحيط بها الألغاز والزيادات، وأنه روى قصة ~~الخليقة رواية تتضمن أن الدنيا مطابقة للنظام (أو الشريعة)، وأن النظام ~~مطابق للدنيا، وأن الإنسان الذي يتبع النظام مواطن صالح للعالم كله، يسير ~~في عمله وفقا لمشيئة الطبيعة التي تسير الدنيا كلها وفقا لمشيئتها. # وقد كان فيلون رواقيا على حافة الأبيقورية، فقال في كلامه عن إبراهيم مفسرا ~~اسم إسحاق: «إن معنى إسحاق في لغتنا الضاحك، ولكن الضحك هنا غير الضحك الذي ~~يأتي من سرور الجسد، فهو سرور المعرفة الصالحة، هذا هو الفرح، هذا الفرح الذي ~~روي لنا أن الحكيم إبراهام قدمه قربانا إلى الله، مبينا ذلك في هذا الرمز ~~أن الفرح على صلة وثيقة بالله وحده، إذ الإنسان عرضة للحزن والخوف من ~~الشرور الحاضرة والمتوقعة، وليس الحزن ولا الخوف من طبيعة الله.» # ومذهب فيلون في الصلاة أن الإنسان يصلي شكرا لله على ما في الكون كله ~~وخلائقه كلها، ومنها بنو آدم جميعا رجالا ونساء ويونان وبرابرة، ومنها ذات ~~المصلى جسدا وروحا ومنطقا وعقلا وحسا، فإن الصلاة على هذا المثال جديرة ~~أن تستجاب. # وينقسم الإنسان عند فيلون إلى ثلاثة أقسام: وليد الأرض، ووليد السماء، ووليد ~~الله؛ فوليد الأرض من يطلب متاع الجسد، ووليد السماء من يطلب متاع الفكر، ووليد ~~الله من تجرد عن الدنيا، وأقبل بجملته على عالم فوق هذا العالم معصوم من ~~الفناء براء من المادة، في زمرة الهداة والمرسلين. # وليس فيلون من دعاة العزلة في الصوامع؛ لأن اختلاف المكان لا يصنع شيئا، ~~وإنما الخير كله من الله حيث كان، وهو كائن في كل مكان يهدي ms054 ركاب الروح إلى ~~حيث يشاء. # كذلك لم يكن يستعظم ضحية القرابين كما قال في كلامه عن الشرائع الخاصة: «إن ~~الله لا يفرح بالضحايا ولو حسبت بالمئات؛ لأنه مالك كل شيء، ومعطي الناس ~~كل شيء ومن عطاياه تلك الضحايا، وقد يكون التقرب بخبز الشعير أقوم عنده من ~~التقرب بالنفائس والذخائر، بل من تقدم إليه بنفسه لا يحتقب شيئا غير الصدق ~~وخلوص النية، أكرم عنده ممن يبذل الأموال ويسيء الأقوال والفعال.» # وقد كان فيلون عالميا يخاطب بني الإنسان كافة، وكان يقول إن إسرائيل ~~إنما سمي بهذا الاسم لأنه ينظر إلى الله، فكل ناظر إلى الله إسرائيل. ~~ولكن هذه الدعوة العالمية لم تصرفه قط عن العصبية القومية، ولم ينس قط في ~~كلامه عن بني إسرائيل أنهم هداة الأمم، وأنهم أحق عشائر الإنسان بإعجاب ~~جميع العشائر، فإن الآثينيين يرفضون شعائر اللقدمونيين، كما يرفض اللقدمونيون ~~شعائر الآثينيين، ولم يعهد في المصريين أنهم يأخذون بتقاليد السيثيين، أو في ~~السيثيين أنهم يأخذون بتقاليد المصريين، وأهل أوربة يعرضون عن عادات أهل آسيا، ~~وأهل آسيا يعرضون عن عادات أهل أوربة، ولكن اليوم السابع الذي يستريح فيه ~~اليهود مرعي الحرمة عند جميع الأقوام، ويوم الكفارة من كل سنة أقدس من الشهر ~~الحرام في عرف الإغريق؛ إذ هو شهر يبطل فيه القتال، ولكنه يغري الناس ~~بالإفراط في الشراب والطعام وشهوات الأجسام، وشتان هذا من موسم الصيام عند بني ~~إسرائيل. # يقول هذا عن قومه، في كلامه عن حياة موسى - عليه السلام - ولكنه يقول في ~~كلامه عن الشرائع الخاصة إن إسرائيل بين الأمم كاليتيم المضيع بين الغرباء، ~~لا يأخذ بناصرهم أحد إذا تألبت الأقوام وتعصبت العشائر، وذنبهم عند الناس ~~أنهم يدينون أنفسهم بالفرائض الصارمة، ويتزمتون في المعيشة، والصرامة ثقيلة ~~على الطباع، والتزمت بغيض إلى النفوس. ومع هذا يقول لنا موسى إن يتم ~~إسرائيل يستجلب لها شفقة الله مدبر الكون الذي وقعت إسرائيل من نصيبه، وفرزت ~~من العالم كما تفرز بواكير الثمار هدية للخالق والأب الرحيم. ~~••• # تلك غاية الشوط الذي انتهى إليه فيلون في ms055 زمنه، ولا يعتبر فيلون من الأئمة ذوي ~~الأتباع في الديانة الموسوية، ولكنه يعتبر نموذجا صالحا لتلك الديانة كما ~~يفهمها الحكيم المطلع المتدين في أوائل عصر الميلاد. # الباب الثالث # | تاريخ الميلاد # | أرض الجليل # ولد السيد المسيح بأرض الجليل، أو جليل الأمم كما كان يسميها الإسرائيليون؛ ~~لأنها كانت إقليما مفتوحا لجميع الأمم الشرقية والغربية، ولم يخلص سكنه ~~للإسرائيليين وحدهم في زمن من الأزمان. # ومعنى الجليل بالعبرية الدائرة: الإحاطة؛ لأنها اتسعت لكثيرين ممن يحال ~~بينهم وبين الإقامة في بلاد أخرى من فلسطين، ولا سيما الجنوب. # وكانت الجليل جزءا من أقاليم الشاطئ الشمالية التي عرفت في التاريخ القديم ~~باسم كنعان، ثم أطلق عليها اليونان اسم «فينيقية» من اللون الأحمر على ما ~~يظهر، وهو لون الصخور والجبال. # وقد امتازت كنعان قديما بالموانئ الصالحة، ووقوعها على طريق التجارة من البحر ~~الأبيض إلى خليج فارس إلى أقصى المشرق، واشتهرت في هذه الموانئ صيدا وصور ~~وحيفا، وكادت تجارة المشرق والمغرب تنحصر في صيدا وصور؛ لأن الشواطئ الجنوبية ~~خلت في الزمن القديم من الموانئ الصالحة، ولم تكن وراءها مسالك مطروقة للتجارة ~~غير مسالك الصحراء، وهي يومئذ قليلة الأمن كثيرة التكاليف. # ولهذا الموقع الفريد حفلت أرض الجليل من قديم الزمن بالسياح والمقيمين من ~~جميع أمم الحضارة في المشرق والمغرب، وتوثقت صلاتها بجميع الحضارات الإنسانية، ~~وراجت فيها الصناعات، والمعارف العلمية والنظرية، ولا سيما المعارف التي لها ~~علاقة بالملاحة كفن بناء السفن، ورصد الكواكب، والكتابة، حتى تواتر أن تجار ~~الفينيقيين وملاحيهم هم الذين نشروا الأبجدية في بلاد البحر الأبيض، ومنها ~~انتقلت إلى سائر الأمم الأوربية. # وقد دخل بعض بلاد الجليل - أو كنعان - في مملكة داود بعد إنشائها، ولكن ~~العلاقة بين الجليل واليهودية ظلت على الدوام علاقة حذر وجفاء، إن لم تكن ~~علاقة حرب وعداء، وكان أثر السيطرة اليهودية على بلاد الكنعانيين أن اليهود ~~أخذوا من الكنعانيين معالم حضارتهم، وعولوا عليهم في الصناعة والتجارة، وجاء ~~في العهد القديم غير مرة ذكر الاستعانة بالصناع والخبراء من أهل كنعان في ~~تشييد الهياكل والقصور اليهودية، ومن ms056 ذلك في سفر الملوك أن سليمان أرسل إلى ~~حيرام ملك الكنعانيين يرجوه أن يأمر بقطع الخشب؛ لبناء الهيكل، ويقول له: ~~«إنك تعلم أنه ليس بيننا أحد يعرف قطع الخشب كالصيدونيين.» # 1 # ومنه وصف المهندس الذي كان أبوه من صور وأمه من سبط نفتالي، «وكان ~~ممتلئا حكمة وفهما ومعرفة لكل عمل في النحاس.» # وقد جاء في الإصحاح السابع والعشرين من سفر حزقيال أنهم كانوا يتجرون ~~بالحنطة والعسل والزيت والبلسان والحلوى، وغيرها من منقولات الأمم ~~الأخرى. # واعتمد اليهود على الكنعانيين في شئون الثقافة والفن، ولم ينته اعتمادهم عليهم ~~عند مطالب التجارة والصناعة، فنقلوا عنهم الكتابة، وأوزان الشعر، وأناشيد ~~الصلوات، وحدث غير مرة أنهم تركوا عقائدهم، وتحولوا عنها إلى عقائد ~~الكنعانيين، وإلى ذلك يشير العهد القديم في سفر القضاة حيث يقول: «وفعل بنو ~~إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم، تركوا إله آبائهم الذي أخرجهم من ~~أرض مصر.» وإلى ذلك أيضا يشير العهد القديم في سفر الملوك الأول، حيث يقول ~~النبي إيليا: «إن بني إسرائيل قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا ~~أنبياءك»، إلى أن يقول: «وقد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف، وهم كل الركب التي ~~لم تجث للبعل، وكل فم لم يقبله.» # ولما تكاثر عدد اليهود المقيمين في الأقاليم الشمالية من فلسطين كالجليل ~~والسامرة، تغيرت عاداتهم ومأثوراتهم، ونظر إليهم أبناء اليهودية نظرتهم إلى ~~الخوارج الذين انقطعوا عن أصولهم، وتابعوا الغرباء على عاداتهم وآدابهم، وكان ~~الواقع أن أهل الجليل خاصة تعودوا الكلام بالآرامية وهي لغة أهل سورية ~~الداخلية، أو باليونانية، وهي لغة القادمين من البحر أو من آسيا الصغرى، ~~واقتبسوا كثيرا من مأثورات الفرس والهند والعراق؛ لأنهم كانوا يلتقون بأبناء ~~هذه البلاد القادمين مع القوافل الشرقية، ويرجح بعض المؤرخين أن الفينيقيين ~~الأقدمين جميعا كانوا من قبائل الخليج الفارسي التي جلت عنه، وسارت مع طريق ~~القوافل حتى استقرت على شاطئ بحر الروم، وظلت محافظة بعد ذلك على علاقتها ~~بالبحار الشرقية. # وبلغ من بغض أهل اليهودية لأبناء ملتهم في الشمال أن «حنا هيركانوس» ~~المكابي أغار على ms057 الأقاليم الشمالية، ومنها بلاد في السامرة، وبلاد في الجليل، ~~فأعاد من فيها من اليهود إلى الجنوب، وخير المقيمين في الشمال بين الهجرة ~~أو قبول الختان وشارات اليهودية؛ ففضلوا البقاء على المهاجرة من بلاد آبائهم ~~وأجدادهم، أو من البلاد التي استوطنوها منذ زمن طويل، ولبث السامريون منفردين ~~بتقاليدهم، ولبث أهل الجليل متهمين منظورا إليهم بعين الريبة ~~والاستغراب. # ومما اتفقت عليه أقوال المؤرخين، وتردد كثيرا في روايات التاريخ أن جمهرة ~~كبيرة من أهل الجليل كانوا عربا يتكلمون الآرامية، ويلفظون العبرية بلهجة ~~أجنبية يلحظها أهل الجنوب، ويميزون المتكلم بها من كلمات قليلة تبدر منه عرضا ~~على غير روية، وكذلك عرف الحواريون في الهيكل كما كانوا يعرفون في كل ~~فلسطين. # وقد كان من الأمثال السائرة على ألسنة اليهود المتعصبين لتقاليدهم وعاداتهم ~~«أنه لا خير يأتي من الجليل» وفي إنجيل يوحنا أن نثنائيل عجب حين قال له ~~صاحبه: «إننا وجدنا الذي أنبأ عنه موسى.» وأنه من الناصرة في الجليل، ~~فأجابه مستغربا: «أمن الناصرة يجيء شيء صالح؟!» # 2 # وفي إنجيل يوحنا أيضا يروى عن رجال الهيكل أنهم كانوا يقولون متهكمين: ~~«إنه لم يقم نبي قط من الجليل.» # 3 # كانت السماحة الدينية، وقلة التحرج هما سبب هذه النقمة على الجليل وأهله في ~~نفوس أبناء اليهودية، المنكرين لكل سماحة والجامدين على كل حرج، ولكن هذا ~~السبب بعينه هو الذي جعل أرض الجليل أصلح منبت للدعوة الإنسانية التي ترقبها ~~العالم في ذلك العصر، فما كان من اليسير أن تنبثق دعوة الإخاء بين الأمم في كنف ~~الحجر والجمود. # وقد اتفق بعد مولد السيد المسيح ببضع سنوات أن الجليل خرجت من سلطان ملك ~~اليهودية، على أثر وفاة هيرود الكبير، وأنها دخلت هي والبادية المجاورة لها ~~في نصيب ابنه هيرود انتيباس، وربما كان - عليه السلام - في العاشرة من عمره ~~حينما هدم الرومان عاصمة الأمير الجديد، وبنيت العاصمة الجديدة طبرية على مقربة ~~من الناصرة حيث نشأ - عليه السلام، ولا شك أنه في نحو العاشرة يسمع أخبار ~~هذه الضربة، ويسمع أخبار الثورة التي تقدمتها، ms058 وأعقبت بعدها ما أعقبته من ~~جرائرها، وقد كانت مشكلة التعصب، أو مشكلة السماحة الدينية حديث صباه، وأول ما ~~طرق مسمعه من مشكلات السياسة والدولة، ولما سميت العاصمة الجديدة باسم العاهل ~~الروماني طيبريوس سمع - ولا شك - تعقيب الكبار على ذلك الملق الروماني وشهد ~~العبث من ذوي السياسة والإمارة قبل الأوان، وأدرك أن العواصم تهدم وتبنى، ~~وأن الدول تدول، وأن الطاغية يتزلف، والمتزلف يطغى، وأن مجد الرياء زيف ~~وخواء، فسبحت نفسه البريئة في آفاق غير هذه الآفاق، وصور لفؤاده الذكي ملكوت ~~السماء في صورة غير الصورة، تخالفها ولا تزال تختلف عنها كلما تقدمت به ~~الأيام. # | متى ولد المسيح؟ # يفهم من رقم التقويم الميلادي أن السيد المسيح ولد في السنة الأولى ~~للميلاد، وعلى هذا الحساب يجري العمل بين الأمم الأوربية منذ سنة 532 للميلاد، ~~وهي السنة التي دعا فيها الراهب دينوسيس الصغير # Exigus # إلى تأريخ الأيام من السنة الأولى ~~للميلاد، وصح الحساب على تقديره، ثم جرى العمل على حسابه إلى الآن. # ولم يكن الرجل صغيرا في مكانته الدينية، ولكنه أطلق لقب الصغير على نفسه من ~~قبيل التواضع والانكسار، وقد حقق بحوثه ومراجعاته ما استطاع في زمانه، فلم يسلم ~~من الخطأ في حساب بضع سنوات، ثم تعذر إصلاح هذا الخطأ عند ثبوته، فتقرر ~~استدراكه بإضافة أربع سنوات إلى التقويم القديم الذي يحسبه أصحابه منذ بدء ~~الخليقة، واعتبروا أن السيد المسيح ولد في سنة أربعة آلاف وأربع بحساب ذلك ~~التقويم. # أما القول الراجح في تقدير المؤرخين الدينيين وغير الدينيين، فهو أن ميلاد ~~السيد المسيح متقدم على السنة الأولى ببضع سنوات، وأنه على أصح التقديرات لم ~~يولد في السنة الأولى للميلاد. # ففي إنجيل متى أنه - عليه والسلام - قد ولد قبل موت هيرود الكبير، وقد ~~مات هيرود قبل السنة الأولى للميلاد بأربع سنوات. # وقد جاء في إنجيل لوقا أن السيد المسيح قام بالدعوة في السنة الخامسة عشرة من ~~حكم القيصر طيبريوس وهو يومئذ يناهز الثلاثين، وقد حكم طيبريوس الدولة ~~الرومانية بالاشتراك مع القيصر أوغسطس سنة 765 من ms059 تأسيس مدينة رومة، ومعنى هذا ~~أن السيد المسيح قد بلغ الثلاثين حوالي سنة 779 رومانية، وأنه ولد سنة 749 ~~رومانية أي قبل السنة الأولى للميلاد بأربع سنوات. # ويذكر إنجيل لوقا أن القيصر أوغسطس أمر بالاكتتاب - أي الإحصاء - في كل ~~المسكونة، وأن هذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرنيوس واليا على سورية «فذهب ~~الجميع ليكتتبوا كل في مدينته، وصعد يوسف من مدينة الناصرة إلى اليهودية ليكتتب ~~مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى، وتمت أيامها هناك فولدت ابنها ~~البكر.» # والمقصود بالاكتتاب هنا - على ما هو ظاهر - أمر بالإحصاء الذي أشار إليه المؤرخ ~~يوسفوس، وأرخه بما يقابل السنتين السادسة والسابعة للميلاد، ولا يمكن أن يكون ~~قبل ذلك؛ لأن تاريخ ولاية كيرنيوس معروف وهو السنة السادسة، فيكون السيد ~~المسيح إذن قد ولد في نحو السنة السابعة للميلاد، وتكون دعوته قد بدأت وهو في ~~الثالثة والعشرين، أو الرابعة والعشرين، وهو تقدير يخالف جميع التقديرات ~~الأخرى، ويخالف المعلوم من مأثورات الإسرائيليين، فإن الكاهن اللاوي عندهم ~~كان يباشر عمله بعد بلوغ الثلاثين، وكان الأحبار المجتهدون عندهم يبلغون ~~الخمسين قبل الجلوس للتفسير والإفتاء في مسائل الفقه الكبرى، ولهذا قالوا عن ~~السيد المسيح إنه لم يبلغ الخمسين بعد، ويدعي أنه يرى إبراهيم ويستمع ~~إليه، ولو أنه بدأ الدعوة قبل الثلاثين لكان الأحرى أن يعجبوا لكلامه قبل ~~بلوغه سن الكهنة اللاويين. # ويغلب على تقدير المؤرخين الثقات أن الإحصاء المشار إليه هو الإحصاء الذي ~~ذكره ترتليان # Tertullian ~~، وقال إنه جرى في ~~عهد ساتورنينس # Saturninus # والي سورية إلى ~~السنة السابعة قبل الميلاد، فإذا كان هذا هو الإحصاء المقصود، فالسيد المسيح ~~كان قد بلغ السابعة في السنة الأولى للميلاد. # ومن القرائن التي لا نريد أن نهملها، قرينة الكوكب الذي قيل إن كهان المجوس ~~تتبعوه من المشرق ليهتدوا به إلى المكان الذي ولد فيه السيد المسيح. # فمن المعروف أن خبراء فينيقية وفارس كانوا يشتغلون بالفلك والتنجيم، وأنهم ~~كانوا في عصر الميلاد يرقبون حادثا جللا في التاريخ البشري حوالي سنة ~~الميلاد، وكانوا كذلك يرصدون النجوم ms060 ليعرفوا من طوالعها بشائر ذلك الحادث الجلل ~~المترقب من حين إلى حين، وكان قران المشتري وزحل من الطوالع المهمة عند سكان ~~المشرق على البحر، حيث ترصد الكواكب للملاحة والتفاؤل، وفي داخل البلاد ~~الفارسية حيث ترصد الكواكب للعبادة واستيحاء الإرادة الإلهية، ويكفي أن نذكر ~~بقايا هذه العادة في البقعة الفينيقية إلى ما بعد أيام المعري؛ لنعلم شأن ~~الأرصاد هنالك، كما كانت في الزمن القديم، وقد كان المعري الضرير يعنى نفسه ~~بهذه الأرصاد، ويقول عن قران المشتري وزحل خاصة في لزومياته: # قران المشتري زحلا يرجى # لإيقاظ النواظر من كراها # وهيهات البرية في ضلال # وقد فطن اللبيب لما اعتراها # وكم رأت الفراقد والثريا # قبائل ثم أضحت في ثراها # تقضي الناس جيلا بعد جيل # وخلفت النجوم كما تراها # فإذا كان هذا ما تخلف من العناية بالأرصاد في البقعة الفينيقية إلى أيام ~~المعري، فليس من الأمانة للبحث أن نهمل قرائن الأرصاد كل الإهمال لأننا نرفض ~~التنجيم، ونرفض دعوى المجوس فيه. # فمن المعقول أن ننكر على المنجمين علمهم بالغيب من رصد الكواكب، وطوالع ~~الأفلاك، ولكن لا يلزم من ذلك أن ننفي ظهور الكوكب الذي رصدوه، وأن نبطل دلالته ~~مع سائر الدلالات، وبخاصة حين تتفق جميع هذه الدلالات. # وقد ذكر فردريك فرار في كتابه «حياة المسيح» # 1 # أن الفلكي الكبير كيلر حقق وقوع القران بين المشتري وزحل حوالي ~~سنة 747 رومانية، ويقول فرار في وصف هذه الظاهرة إن قران المشتري وزحل يقع ~~في المثلث نفسه مرة كل عشرين سنة، ولكنه يتحول إلى مثلث آخر بعد مائتي سنة، ~~ولا يعود إلى المثلث الأول بعد عبور فلك البروج كله إلا بعد انقضاء سبعمائة ~~وأربع وتسعين سنة وأربعة أشهر واثني عشر يوما، وقد تراجع كيلر بالحساب فتبين ~~له أن القران على هذا النحو حدث سنة 747 رومانية في المثلث النونين أو ~~الحوتين، وأن المريخ لحق بهما سنة 748 رومانية. # ويظهر من هذا الحساب أن تاريخ الميلاد يضاهي التاريخ الذي يستخلص من ~~التقديرات الأخرى على وجه التقريب، وأن السيد المسيح ولد ms061 في نحو السنة ~~الخامسة أو السادسة قبل الميلاد. # ونعود فنقول إن إثبات الرصد لا يستلزم الإيمان باطلاع المجوس على الغيب من ~~مراقبة الأفلاك، وكل ما يفهم، ولا يجوز أن يهمل، أن الذين كتبوا تاريخ ~~السيد المسيح بعد عصره بنحو جيلين كانوا يتناقلون خبر تلك الظاهرة، ويؤمنون ~~بدلالتها على أنها حدث عظيم؛ فقرنوا بينها وبين ميلاد المسيح المنظور، ولعل ~~الأناجيل قد دونت والناس يتحدثون بقران فلكي من قبيل ذلك القران في حكم ~~القيصر هادريان، فقد ظهر يومئذ مسيح كذاب آمن به الرباني عقبة ليدحض دعوى ~~المسيحيين، وسماه ابن الكوكب «بار كوكبه بالعبرية»، ونقش على العملة التي سكها ~~صورة كوكب، فعادت الذاكرة بكتاب الأناجيل إلى تلك الظاهرة الفلكية النادرة، بعد ~~الدعوة المسيحية بنحو سبعين سنة. ~~••• # على أن الدراسات الأخيرة في علم المقابلة بين الأديان تسوق المؤرخ الذي يكتب ~~عن تاريخ المسيح حتما إلى مبحث عويص أدق جدا من المبحث الذي يدور حول السنة ~~الميلادية، فإن القرن الثامن عشر قد أخرج للناس مدرسة الشك المطلق في ~~مقررات العلم القديم ووقائع التاريخ المتواتر، فشك الكتاب في وجود الأنبياء ~~والمرسلين، وكان الشك يتناول كل نبي، وكل صاحب دين غير محمد - عليه السلام - ~~شكوا في بوذا كما شكوا في إبراهيم وموسى وعيسى، وسرى الشك إلى الأدب كما ~~سرى إلى الدين، فشكوا في شخصية هوميروس، وفي شخصية شكسبير، وظن بعض المثبتين ~~للشخصيات المتأخرة في التاريخ أنها وجدت فعلا، ولكنها لم تضع ما نسبوه ~~إليها، ولم تكتب ما ينشر بأسمائها. # وقد زار فولتير - إمام الشاكين - بلاد الإنجليز، فوجد هناك مدرسة بولنجبروك ~~تتحدث بغاية السهولة في شبهاتها عن وجود السيد المسيح، وكان نابليون يسأل ~~العالم الألماني ويلاند: هل يعتقد أن المسيح شخص تاريخي وجد كما وصفوه؟ وجاء ~~القرن التاسع عشر، وقد طغت على ميدان الدراسات الدينية موجات من الكتب التي ~~ألفها الألمان والدنمركيون والفرنسيون والإنجليز يفندون بها أقوال المؤرخين، ~~ويرجحون أن السيد المسيح شخصية من شخصيات الخيال، وليس من المستطاع في هذا ~~الحيز أن نورد أقوالهم مفصلة أو مجملة ms062 في هذا الموضوع، فإن أسماء ~~المؤلفين والمؤلفات وعناوين المسائل التي طرقوها وخلاصة البراهين التي شفعوا ~~بها بيان تلك المسائل؛ تستغرق وحدها كتابا كهذا الكتاب، ولكننا نجترئ بتلخيص ~~الأساسين المهمين اللذين قامت عليهما مدرسة الشك في وجود السيد المسيح، وأحدهما ~~أنه - عليه السلام - لم يذكر في التواريخ القديمة التي فصلت أخبار عصره، ~~والآخر أن روايات التلاميذ عنه قد سبقت روايتها عن شخصيات أخرى من شخصيات ~~الزمن القديم، وبعضها أقرب إلى الأساطير والفروض. # أما المؤرخون الذين خصوهم بالذكر فهم يوسفوس # Josephus # وتاستيس # Tacitus # وسوتينوس # Seutonius ~~، وكلهم ممن أرخوا ~~عصر الميلاد، ولم يثبتوا وجود السيد المسيح بما كتبوه عن أيامه. # نعم وردت في نسخ من تاريخ يوسفوس إشارة مقتضبة إلى «عيسى القديس»، ولكن ~~النقاد التاريخيين يجزمون بأنها مضافة إليه، ويؤكدون أنها أضيفت بقلم أحد ~~القراء المتأخرين الذين عجبوا لخلو التاريخ من الإشارة إلى أعظم الحوادث في ذلك ~~العصر، فأباحوا لأنفسهم أن يضيفوا تلك الإشارة كأنها من كلام يوسفوس، على ~~اعتبار أن الحقائق التاريخية أمانة عند من يعلمها، وليست أمانة المؤلف وحده، ~~سواء عرفها أو لم يعرفها، وما كان من المعقول أن المؤرخ اليهودي الذي ينكر ~~المسيحية يكتب عن رسول هذا الدين فيقول: «إنه في ذلك العهد عاش عيسى، ذلك ~~الإنسان القديس - إن جاز أن يسمى إنسانا - بعد ما أتى به من المعجزات ~~البينات، وعلم الناس، وتلقى الحق فاستبشر به، واتبعه كثير من اليهود ~~والإغريق، وكان هو المسيح.» # قالوا: إن يوسفوس اليهودي الذي مات على دين لا يكتب هذا، ولا يؤمن إيمان ~~المسيحيين، ولو أنه آمن كما آمنوا لما اكتفى بتسجيل ذلك الحادث العظيم في ~~ثلاثة أسطر، جاءت عرضا بغير تعقيب أو تفصيل. # ومن اللاهوتيين الذين عقبوا على هذه الملاحظة القس هورن # Horne # الذي ألف كتابه «مقدمة الدراسة النقدية، والتعريف ~~بالكتب المقدسة»، وأدرك به هجمة الشكوك الأولى في سنة 1836م. # 2 # فقد ذكر هورن أن هذه العبارة موجودة في جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة التي ~~حفظتها مكتبة الفاتيكان من الترجمة العبرية، وأن العبارة نفسها موجودة ms063 في ~~النسخة العربية التي تحفظها الطائفة المارونية بلبنان، وأن كتاب القرن ~~الرابع والقرن الخامس من السريان والإغريق والمصريين قد اطلعوا عليها واستشهدوا ~~بها، وأن يوسفوس قد أشار في موضع آخر إلى جيمس بأسقف أورشليم حيث قال: «إن ~~حنانا عقد السنهدرين اليهودي، وأحضر أمامه جيمس أخا عيسى المسمى بالمسيح، ومعه ~~آخرون، ثم أمر بهم أن يرجموا عقابا لهم على عصيان الشريعة.» # قال هورن: ولو أن أوسبياس # Eusobius ~~، أو من ~~استشهد بالعبارة المتقدمة كان قد أثبتها مختلقا لها لما عدم ناقدا يكشف ~~دسيسته من المطلعين على كتاب يوسفوس، وهو كتاب له مكانة موقرة بين الرومان من ~~قديم الزمن، وبفضل هذه المكانة كسب يوسفوس شرف الوطنية الرومانية، بل كان من ~~الراجح جدا أن يتصدى اليهود لمن يدس تلك العبارة في تاريخهم الأشهر، فيفضحوه ~~تفنيدا له وتفنيدا للديانة التي يدعيها. # وألمع هورن إلى الشكوك التي تحيط بتلك العبارة؛ لأنها لم تذكر قط في كلام ~~معروف قبل أوسبياس، فقال: إن هذه الشكوك لا تقيم حجة لأصحابها؛ لأن أقطاب ~~المسيحية كانوا في غنى عن الاستشهاد بأقوال المؤرخين، مع استطاعتهم أن يثبتوا ~~رسالة السيد المسيح في نبوءات كتب التوراة. # وختم هورن ردوده بتوجيه عبارة يوسفوس إلى معنى لا يستلزم أن يكون المؤرخ ~~اليهودي مؤمنا بالمسيحية أو برسالة المسيح المنتظر، ولعله سماه «المسيح» رواية ~~عن أتباعه الذين كانوا يدعونه مسيحا، ويعرفونه بشهرته الغالبة. # أما المؤرخ الروماني تاسيتس الذي كتب تاريخه حوالي سنة (115 ميلادية)، فأقدم ما ~~ذكره عن السيد المسيح لا يرجع إلى أقدم من سنة أربع وستين ميلادية، ولم يذكره ~~مباشرة، بل أشار إلى اسمه في سياق الكلام على حريق رومة، حيث قال إن ~~الإمبراطور نيرون أقلقه اتهام الناس إياه بإحراق المدينة، فألقى التهمة على ~~طائفة العامة الذين يسمون بالمسيحيين، وينسبون إلى المسيح الذي حكم عليه ~~بونتياس بيلاطس بالموت في عهد القيصر طيبريوس. # ولا يعرف الآن علام استند تاسيتس في رواية هذه النسبة، ولكنها كانت على كل ~~حال رواية شائعة بين أناس كثيرين لم يشهدوا عصر المسيح. ms064 # وكذلك لم يذكر سويتنيوس خبرا مباشرا عن السيد المسيح، ولكنه قال في تاريخه ~~للقيصر كلوديس: «إنه نفى من رومة جماعة من اليهود الذين كانوا على الدوام ~~يثيرون المتاعب بتحريض كريستس.» وكتبها هكذا باللاتينية # Chrestus ~~؛ لأن الاسم التبس عليه بين ~~كريستس بمعنى الطيب، وكريستس بمعنى المسيح. # وأيا كان مستند هذا المؤرخ فلا يستفاد من روايته إلا أن العاصمة الرومانية ~~كان فيها أناس يعرفون باسم المسيحيين عند منتصف القرن الثاني للميلاد، وأنه ~~كان يحسب أن الزعيم كرستس كان يحرض أتباعه بنفسه في ذلك التاريخ. # وقد عاش في عصر السيد المسيح نفسه كتاب ومؤرخون من اليهود، مثل الفيلسوف ~~فيلون، الذي سبق ذكره، والمؤرخ جستس الطبري الذي عاش في الجليل أيام الدعوة ~~المسيحية، وكتب تاريخ قومه عن عهد موسى إلى نهاية القرن الأول للميلاد، ولم ~~ترد في تاريخه إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى الدعوة المسيحية. # تلك خلاصة الحجة التي تقوم على خلو التواريخ من ذكر الدعوة المسيحية في ~~عصرها. # أما الحجة الأخرى، وهي حجة التشابه بين القصص المروية عن السيد المسيح، ~~والقصص المروية عن الأرباب في العبادات الشرقية القديمة؛ فهي تعتمد على تفصيلات ~~كثيرة تحيط بأخبار المعجزات والشعائر في ديانات الأقدمين من المصريين ~~والبابليين والفرس والهنود والكنعانيين، وأكثر النقاد المتشبثين بهذه الحجة ~~من علماء المقابلة بين الأديان المطلعين على أديان المشرق في لغاتها، ويغلب ~~عليهم ترجيح القول بأن أخبار المسيح بقية من بقايا الديانات الشمسية يدل ~~عليها عدد «اثني عشر» الذي يشير إلى البروج، ويشير إلى عدد التلاميذ، ويدل ~~عليها الاحتفال بالميلاد في يوم الاعتدال الخريفي على حساب الأقدمين، والاحتفال ~~بيوم الأحد الذي اعتقدوا قديما أنه يوم الشمس، ويعرف حتى اليوم في اللغات ~~الأوربية بهذه النسبة، وذلك عدا المشابهة في اسم الأم، والولادة في المذود، ~~وركوب «الحمار ابن الأتان»، وغير ذلك من الشعائر والمعجزات. # والغريب في شأن هؤلاء العلماء أنهم لم يكلفوا أنفسهم تفسيرا مقبولا لوجود ~~المسيحيين بهذه الكثرة بعد جيل واحد من عصر الميلاد، فإن التفسيرات التي ~~فرضوها تتسع لشكوك كثيرة كلها ms065 أغرب من القول بشخصية المسيح التاريخية، ولا يكفي ~~أن يقال إن أخبار المعجزات والشعائر قديمة لتفسير الدعوة المسيحية بغير داع، ~~وبغير محور معلوم تدور عليه، وقد توفي بولس الرسول في نحو سنة سبعة وستين ~~ميلادية، وعاش قبل ذلك نحو ثلاثين سنة يبشر باسم المسيح، ولم يكن قد طال ~~العهد بتاريخ الدعوة، ولم يحدث خلال ذلك ما يفسر تكوينها من المعجزات والشعائر ~~التي ظلت قبل ذلك مئات السنين متواترة على الألسنة ، وكان تواترها قديما أقوى ~~وأشيع من تواترها بعد تقادم العهد وتتابع السنين. # وكل ما يفهم من سكوت المؤرخين المعاصرين على سبيل الجزم أن المؤرخين لم ~~يدركوا خطرها، ولم يميزوها من الحركات المتفرقة التي كانت تختلج بها طوائف ~~اليهود على صفة عامة، ويعزز هذا أن الطائفة الجديدة لم تذكر باسم خاص في ~~الأناجيل جميعا غير ثلاث مرات، فذكر أتباع السيد المسيح باسم المسيحيين في ~~الإصحاح الحادي عشر من أعمال بولس الرسول، حيث قيل إن التلاميذ دعوا ~~«مسيحيين» لأول مرة في مدينة «أنطاكية»، ثم جاء في الإصحاح السادس والعشرين ~~على لسان الملك أغريباس أنه قال محتجا: «أهون بما تقنعني به أن أصير ~~مسيحيا.» وجاء في الإصحاح الرابع من رسالة بطرس: «إن عيرتم باسم المسيح ~~فطوبى لكم ... إن أحدكم لا يتألم لأنه قاتل، أو سارق، أو فاعل شر، أو صاحب ~~فضول، فإن تألم لأنه مسيحي فلا يخجل.» # وجملة ما يؤخذ من الكلمة في هذه المواضع الثلاثة أنها كانت نسبة ازدراء ~~وتعيير على ألسنة أعداء المسيحيين، وليس من الصعب أن يضيع الكلام عن طائفة لا ~~عنوان لها بين ما يكتب عن جماهير ذلك الزمن في غمار التواريخ، وبخاصة إذا كانت ~~لم تبلغ من الخطر ما يدركه مؤرخ الحوادث الكبرى، وكان من هم أولئك المؤرخين ~~أن يستصغروا شأنها؛ لأنها طائفة مغضوب عليها في مراجع الدين ومراجع الدولة؛ ~~فالهيكل ينكرها، والحكومة الرومانية تترفع عنها، ولم يحدث قبل ذلك أن طائفة ~~من طوائف فلسطين جمعت بين غضب السلطتين، وهي مع ذلك غير معروفة بعنوان تدور ~~عليه الأخبار! ms066 ~~••• # ويبدو لنا أن نشوة العلم الجديد - علم المقابلة بين الأديان - هي التي دفعت ~~أصحابها في القرن الثامن عشر إلى تحميل المشابهات والمقارنات فوق طاقتها، فإننا ~~نرى أمامنا في هذا العصر أن هذه المشابهات لا تنفي ولا تثبت، بل لعلها إلى ~~الإثبات أقرب منها إلى النفي على الإجمال. # نحن نرى في هذا العصر أن أتباع الطرق الدينية يتنافسون؛ فينسب كل منهم إلى ~~وليه المختار كرامات جميع الأولياء الآخرين؛ لأنه يؤمن بتلك الكرامات، ولا ~~يشك في وقوعها، ولكنه يعتقد أن وليا واحدا هو الجدير بإتيانها، وهو ~~الولي الذي اصطفاه وفضله على غيره من الأولياء. # ونحن نرى في هذا العصر وفي جميع العصور أن المشهور في صفة من الصفات تضاف ~~إليه نوادر تلك الصفة وعجائبها، ويصبح علما لتلك الصفة في كل ما يروى عنها ~~وينسب إليه، فالمشهور بالكرم تنسب إليه المكارم جميعا بغير سند، والمشهور ~~بالشجاعة يذكر بعد ذلك كأنه هو صاحب تلك النادرة، أو صاحب نادرة مثلها، إن لم ~~تكن تفوقها وتزيد عليها في بابها. # وينبغي أن نذكر أن المسيحية وجدت قبل أن تقترن بها تلك المراسم والتقاليد، ~~وأن المسيحيين الأوائل أعرضوا عن كثير منها واستنكروه ومنعوه، ومنهم من كان ~~يحرم الاحتفال بمولد للمسيح في يوم كائنا ما كان، وعلى رأسهم أوريجين الفقيه ~~العظيم، وقد مضت ثلاثة قرون قبل أن تحتفل كنيسة من الكنائس المعتمدة بعيد ~~الميلاد في تاريخ من التواريخ، ثم اختلفت الكنائس فاحتفلت الكنيسة الشرقية ~~بالميلاد في السادس من شهر يناير، واحتفلت به الكنيسة الغربية في الخامس ~~والعشرين من شهر ديسمبر، ويرجح أنها اختارت هذا اليوم لتصرف المسيحيين عن ~~حضور المحافل الوثنية التي كانت تتخذه عيدا للشمس، وتعلن فيه الأفراح بانتصار ~~النور على الظلام؛ لأن الاعتدال الخريفي هو الموعد الذي يقصر فيه الليل ويطول ~~النهار. # ولا يخفى أن بولس الرسول قد ولد في طرسوس، وهي مركز من مراكز الديانة ~~المثرية، فليس من المستغرب أن تعلق بذهنه بعض مصطلحاتها وعاداتها، وأن يكون قد ~~تقبل بعضها تيسيرا لإقناع أتباعها بالدعوة الجديدة، فلم ms067 يزل من سياسة التبشير ~~في جميع الدعوات أن تيسر في هذا الباب ما يستطاع تيسيره، وقد ظلت هذه السياسة ~~مرعية عدة قرون، إذ نقل الراهب # Bade # في تاريخ ~~الكنيسة الإنجليزية خطابا لغريغوري الأول (تاريخه سنة 601 ميلادية)، يستشهد ~~فيه بنصيحة المستشار بالبابوي مليتس # Mellitus # الذي كان ينهى عن هدم المعابد الوثنية، ويرى الإبقاء عليها «وتحويلها من عبادة ~~الشياطين إلى عبادة الإله الحق، كي يهجر الشعب خطايا قلبه، ويسهل عليه غشيان ~~المعاهد التي تعود ارتيادها». # 3 # ولا خلاف في تكرار العدد «اثني عشر» في كثير من الديانات، ولكن تكراره هذا لا ~~يستلزم أن يكون كل معدود به خرافة أو أسطورة غير تاريخية، وقد كان خليقا ~~بأصحاب المقارنات والمقابلات أن يذكروا هذه الحقيقة بصفة خاصة، إذ أقرب ~~المؤرخين إليهم سوتنيوس صاحب تاريخ «القياصرة الاثني عشر»، وكلهم من «الشخصيات ~~التاريخية». # وفي تاريخ الإسلام تفصيل مذهب الشيعة الإمامية، وهم يدينون بالولاء لاثني عشر ~~إماما معروفين بأسمائهم، ليس منهم من يمكن أن يقال فيه إنه «شخصية غير ~~تاريخية». # على أن النقاد الذين شكوا في وجود السيد المسيح قد شكوا كذلك في وجود ~~يوشع بن نون، وظنوا فيه كما ظنوا في السيد المسيح أنه رمز من رموز العبادات ~~الشمسية؛ لأنه يسير الشمس ويوقفها عن مسيرها، ولم يصل إلى علم هؤلاء ~~النقاد أن اسم يوشع بن نون وجد منقوشا على حجر عند «نوميديا» بشمال ~~إفريقية، حيث أقام الفينيقيون مستعمرتهم «قارة حداشة»، التي عرفت فيما بعد ~~باسم قرطاجة، وعلى ذلك الحجر الذي كشف (سنة 540 ميلادية) كتابة بالفينيقية، ~~يقول كاتبوها: «إننا خرجنا من ديارنا؛ لننجو بأنفسنا من قاطع الطريق يوشع بن نون.» # 4 # وليس كاتبو هذا الكلام عن النبي الإسرائيلي ممن يتهمون بالحرص على ~~إثبات وجوده، ونفي الشبهات عن سيرته وتاريخه. # وقد تعب أصحاب المقارنات والمقابلات كثيرا في اصطياد المشابهات من هنا وهناك، ~~ولم يكلفوا أنفسهم جهدا قط فيما هو أولى بالجهد والاجتهاد، وهو استخدام ~~المقارنات والمقابلات لإثبات سابقة واحدة مطابقة لما يفرضونه عن نشأة المسيحية، ~~فمتى حدث ms068 في تاريخ الأديان أن أشتاتا مبعثرة من الشعائر والمراسم تلفق ~~نفسها، وتخرج في صورة مذهب مستقل دون أن يعرف أحد كيف تلفقت وكيف انفصلت كل ~~منها عن عبادتها الأولى؟ ومن هو صاحب الرغبة أو صاحب المصلحة في هذه الدعوة؟ ~~وأي شاهد على وجوده في تواريخ الدعاة المعاصرين لسنة الميلاد؟ وكيف برز هذا ~~العامل التاريخي الديني الخطير على حين فجأة قبل أن ينقضي جيل واحد؟ ولماذا كان ~~يخفي مصادر الشعائر والمراسم الأولى، ولا يعلنها إلا منسوبة للسيد ~~المسيح؟ # إن استخدام المقارنات والمقابلات في تحقيق هذه المسابقة أولى بمؤرخي الأديان ~~من كل ما جمعوه أو فرقوه؛ لينتهوا به إلى فرض منقطع النظير. ~~••• # على أن صناعة النقد التاريخي تتهم نفسها بالعجز البالغ، إذا لم تستطع أن ~~تعتمد على الكلام المروي في تقرير «شخصية القائل» وتحقيق مكانه من التاريخ، ~~وبين أيدينا كلام السيد المسيح كما روته الأناجيل ينبئنا في هذه الناحية عن ~~كثير. # فمهما يكن من فصل القول في استقلال كل إنجيل أو اعتماد بعضها على بعض، فهناك ~~علامات واضحة لا يمكن أن يقصدها كتاب الأناجيل؛ لأنها علامات نفهمها الآن ~~وفاقا لما درسناه من تطور الدعوة المسيحية، ولم يكن لها محل في رءوس الرواة ~~المشاهدين أو الناقلين. # فإن روايات الأناجيل تطابق التطور المعقول من بداية الدعوة إلى نهايتها، ومن ~~التطور المعقول أن تبتدئ الدعوة قومية عنصرية، ثم تنتهي إنسانية عالمية، وأن ~~تبتدئ في تحفظ ومحافظة، ثم تنتهي إلى الشدة والمخالفة، وأن تبتدئ بقليل من ~~الثقة في شخصية الداعي، ثم تنتهي بالثقة التي لا حد لها في نفوس الأتباع ~~والأشياع، وهكذا كانت الدعوة المسيحية كما روتها الأناجيل دون أن يتعمد ~~كتابها تطبيق أحوال التطور، أو تلتفت أذهانهم إلى معنى تلك الأحوال. # وربما كان أوضح من هذا في الإبانة عن شخصية الداعي أن أقواله تتضمن نقدا ~~لجميع المذاهب التي كانت شائعة في عصره، وأن هذه الأقوال تشير إلى وجهة نظر ~~واحدة لم يكن لها وجود في غير تلك الشخصية. # فالأقوال المسيحية تنتقد الفريسيين، ولكنها لا تصدر ms069 في نقدهم عن وجهة نظر ~~الصدوقيين أو السامريين. # وتنتقد أصحاب النصوص، ولكنها لا تصدر في نقدهم عن وجهة نظر الإباحيين ~~والمتحللين. # وتنتقد الآسين المتعصبين، ولكنها لا تدين بآراء الفلاسفة أو الأبيقوريين ~~والرواقيين. # وتنتقد السامريين، ولكنها لا ترفض السامرية بتاتا ولا ترفض غيرها من النحل ~~كل الرفض من جانب محدود. # وتستشهد بأقوال موسى وإبراهيم والأنبياء، ولكنها لا تتقيد بكل قول منها تقيد ~~المحاكاة، ولا تقتدي بها اقتداء التابع للمتبوع. # وإذا جمعنا وجوه النقد جملة واحدة أمكن أن نردها كلها إلى وجهة نظر متناسقة، ~~وقوام شخصي مرسوم، وقد يقع فيها الاستثناء حيث ينبغي أن يقع؛ لأن التناسق ~~الذي يجري مجرى الأعمال الآلية وتيرة واحدة لا يوافق طبيعة الدعوات الحية ~~المتقدمة، ولا سيما الدعوات في عصر الهدم والبناء والمراجعة والتثبيت. # هذه علامات «موضوعية» لها شأنها الأكبر في الإبانة عن شخصية السيد المسيح، ~~وأصدق تلك العلامات، بعد هذا كله أن الدعوة جاءت في إبانها وفاقا لمطالب ~~زمانها، بحيث تكون الغرابة أن يخلو الزمن من رسول يقول بالدعوة ويصلح لأمانتها، ~~لا أن يوجد الرسول ونستغرب أن يكون، ولو أن مؤلفا بعد ذلك العصر أراد أن ~~يخلق رسولا يوافق رسالته المنشودة، لوقف به الخيال دون ذلك التوفيق ~~المطبوع. # | صورة وصفية # من أقدم الصور الوصفية التي حفظت للسيد المسيح، صورة تداولها المسيحيون في ~~القرن الرابع، وزعم رواتها أنها كتبت بقلم ببليوس لنتيولس صديق بيلاطس حاكم ~~الجليل من قبل الدولة الرومانية، رفعها إلى مجلس الشيوخ الروماني في عصر ~~الميلاد، وجاء فيها: «إنه في هذا الزمن ظهر رجل له قوى خارقة يسمى يسوع، ~~ويدعوه تلاميذه بابن الله، وكان للرجل سمت نبيل وقوام بين الاعتدال، يفيض وجهه ~~بالحنان والهيبة معا، فيحبه من يراه ويخشاه، شعره كلون الخمر منسرح غير ~~مصقول، ولكنه في جانب الأذن أجعد لماع، وجبينه صلت ناعم، وليس في وجهه شية، ~~غير أنه مشرب بنضرة متوردة، وسيماه كلها صدق ورحمة، وليس في فمه ولا أنفه ما ~~يعاب، وعيناه زرقاوان تلمعان، مخيف إذا لام أو أنب، وديع محبب إذا ms070 دعا ~~وعلم، لم يره أحد يضحك، ورآه الكثيرون يبكي، وهو طويل له يدان جميلتان ~~مستقيمتان، وكلامه متزن رصين لا يميل إلى الإطناب، وملاحته في مرآه تفوق ~~المعهود في أكثر الرجال.» # إلا أن هذه الرواية مشكوك فيها وفي أسنادها التاريخية، ومثلها جميع الروايات ~~التي تداولها الناس في ذلك العصر أو بعده، ومنها ما لا يعقل، ولا يظن به إلا ~~أنه مدسوس من أعداء المسيحية في العصور الأولى، كقول بعضهم إنه كان قميئا ~~أحدب دميم الصورة، فإن الشريعة الموسوية كانت تشترط في الكاهن سواء الخلق، ~~وسلامة الجسم من العيوب، ولا ترسم لخدمة الدين من يعيبه نقص أو تشويه، فمن غير ~~المعقول أن يتصدى للرسالة من يعاب بالحدب والدمامة والقماءة معا، وأن يخلو ~~الكلام المنسوب إلى خصومه أو أنصاره من الإشارة إلى ذلك في معرض المذمة، أو ~~معرض العجب، ومداراة العيوب الجسدية بالمحاسن الروحية. # نعم إن الأنبياء في بني إسرائيل لم يكن لهم راسم يرشحهم للنبوة بشروط معلومة ~~كشروط الكهانة، ولكن اتصاف النبي بالدمامة والحدب لا يبقى في طي الكتمان مع ~~التحدث عنه وعن المشوهين وأصحاب الآفات الذين يبرئهم، ويساقون إليه ليشفيهم من ~~الشوهة والآفة. # وليس في الأناجيل إشارة إلى سمات السيد المسيح تصريحا أو تلميحا يفهم من بين ~~السطور، ولكن يؤخذ من كلام نثتائيل حين رآه لأول مرة أنه رائع المنظر ملكي ~~الشارة، إذ قال له: «أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل.» وأراد المسيح أن يفسر ~~ذلك بأنه تحية يجيب بها الفتى على تحيته، ولكنها على أية حال تحية لا تقال ~~للأحدب، ولا للدميم المشنوء. # غير أننا نفهم من أثر كلامه أنه كان مأنوس الطلعة يتكلم فيوحي الثقة إلى ~~مستمعيه، وذلك الذي قيل عنه غير مرة إنهم أخذتهم كلماته لأنه «يتكلم ~~بسلطان»، وليس كما يتكلم الكتبة والكهان. # وقد كان ولا ريب فصيح اللسان سريع الخاطر، يجمع إلى قوة العارضة سرعة الاستشهاد ~~بالحجج الكتابية التي يستند إليها في حديث الساعة كلما فؤجئ باعتراض أو ~~مكابرة، وكانت له قدرة على وزن العبارة المرتجلة؛ لأن ms071 وصاياه مصوغة في قوالب ~~من الكلام الذي لا ينظم كنظم الشعر، ولا يرسل إرسالا على غير نسق، ويغلب عليه ~~إيقاع الفواصل، وترديد اللوازم، ورعاية الجرس في المقابلة بين الشطور. # وذوق الجمال باد في شعوره كما هو باد في تعبيره وتفكيره، والتفاته الدائم إلى ~~الأزهار، والكروم، والجنائن التي يكثر من التشبيه بها في أمثاله، عنوان لما طبع ~~عليه من ذوق الجمال والإعجاب بمحاسن الطبيعة، وكثيرا ما كان يرتاد المروج ~~والحدائق بتلاميذه، ويتخذ من السفينة على البحيرة - بحيرة طبرية - منبرا يخطب ~~منه المستمعين على شاطئها المعشوشب، كأنما يوقع كلامه على هزات السفينة، ~~وصفقات الموج، وخفقات النسيم، ولم يؤثر عنه أنه ألف المدينة والحاضرة كما كان ~~يألف الخلاء الطلق؛ حيث يقضي سويعات الضحى والأصيل أو سهرات الربيع في مناجاة ~~العوالم الأبدية على قمم الجبال، وتحت القبة الزرقاء. # وقد أطبقت روايات الأناجيل على أنه كان عظيم الأثر في نفوس النساء، يتبعنه ~~حيث سار ويصغين إليه في محبة ووقار، ومن عظماء الرجال من تتعلق بهم نظرات ~~النساء؛ كأنهن مأسورات مسحورات، ومنها من تتعلق بهم نظرات النساء؛ لأنهم ~~يلعجون أفئدتهن بخوالج اللحم والدم ونزعات الغرائز والأهواء، ولكن الرجل ~~العظيم الذي يجتذب إليه قلوب النساء لأنه يشيع فيها السكينة، ويبسط عليها ~~الطمأنينة، ويفعمها بحنان الطهر والقداسة، ويريحها من وساوس الضعف والفتنة؛ ~~أعظم في نفوسهن أثرا من كل عظيم، وهو الذي من أجله ينسين الجسد، ويرتفعن بحبهن ~~له فوق مناط الظنون. # لهذا لا نستغرب أن يقال إن قرينة بيلاطس كانت تحذر قرينها أن يمس ذلك ~~الإنسان الصالح، وأن تغلب محبة التقوى على محبة الدنيا في نفوس تبعته، وهجرت ~~زينة الحياة، ومنهن الغواني اللواتي تستدعيهن الحياة كل يوم بداع مطاع. # وقد وصف نفسه بأنه «وديع متواضع الفؤاد»، وقال إن الوداعة مفتاح السماء فلا ~~يدخلها غير الودعاء، وتمثلت الوداعة في كثير من أقواله وأفعاله، ومنها الرحمة ~~بالخاطئين والعاثرين، وهي الرحمة التي تبلغ الغاية حين تأتي من رسول مبرأ من ~~الخطايا والعثرات. # إلا أن هذا الرسول الوديع الرحيم كان يعرف الغضب ms072 حيث تضيع الوداعة والرحمة، ~~وكانت شيمته في رسالته شيمة الرسل جميعا حين تعلو عندهم أواصر الروح على أواصر ~~اللحم والدم، وتتقدم حقوق الهداية على حقوق الآباء والأمهات، «من هي أمي ومن هم ~~إخوتي؟ من يصنع مشيئة أبي في السماوات هو أخي وأختي وأمي»، «من ليس معي فهو ~~علي، ومن لا يجمع معي فهو يفرق»، «وإن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه ~~وامرأته وأولاده وإخوته، حتى نفسه، فما هو بقادر أن يكون لي تلميذا.» # وهذه وأشباهها من الشروط الصارمة التي كان يفرضها على مريديه، هي الشروط التي ~~لا غنى عنها لكل دعوة مستبسلة أمام السيطرة والجبروت، ومهما يكن فيها من أساليب ~~المجاز والكناية، فالقول الصراح الذي لا خلاف عليه أن التجرد من أواصر ~~المنافع والشهوات أول الآداب التي يتأدب بها الجنود في كل ملحمة: جنود الحرب في ~~ميادين الصراع على فتوح الحكم والسياسة، فما بالنا بجنود الحرب في فتوح الروح ~~ومطالب الكمال. # ولقد كان - عليه السلام - يأمرهم أن يقدموا على المخاطر في سبيل الحق ~~والهداية، ولكنه كان يقيم لهم حدود المخاطرة حيث يجب الإقدام على الموت ~~وجوبا لا مثوية فيه، فالخطر على الروح إذا كان موت الروح في الحسبان، فإن لم ~~يكن خطر على الجسد ولا على الروح فلا خير في المخاطرة، وكونوا بسطاء كالحمائم، ~~وحكماء كالحيات. # وفي إنجيل مرقس أن السيد المسيح نجا بنفسه إلى جانب البحر حين علم أن ~~الفريسيين والهيروديين يأتمرون به لإهلاكه، وفي سائر الأناجيل أنه كان يشكو ~~حزنه وبثه حين أحدق به الخطر، وأنه كان يدعو الله أن يجنبه الكأس التي هو ~~وشيك أن يتجرعها، وأنه كان يقول لتلاميذه: «نفسي جد حزينة. امكثوا ها هنا ~~واسهروا.» وأنه كان يعتب عليهم حين يراهم نياما على مقربة منه، وهو يعاني ~~برحاءه وأشجانه، ويقول لهم: ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ ثم قال لهم آخر ~~الأمر وقد حم القضاء: الآن ناموا واستريحوا! # فليس الإقدام على الجهاد أن تتجرد النفس من طبيعتها في وجه المخاوف والمتالف، ~~وليس ms073 محظورا على النفس في سبيل ذلك الجهاد أن تأخذ بالحيطة، أو تلوذ بمن تحب، ~~وتستمد العون من عواطف المحبين، وإنما المحظور عليها أن تخشى الخطر على ~~الجسد حيث تجب الخشية على الروح، وفي غير ذلك لا خشية ولا مخاطرة ولا ~~ملام. # ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن السيد المسيح خلق على فطرة أمثاله من أصحاب ~~الرسالات الكبرى الذين لا ينقطعون لحظة عن الرياضة الروحية، وهذه الرياضة ~~الروحية هي التي تجعلهم منذ صباهم عرضة للقلق، والتنقيب في أعماق ضمائرهم، ~~لعلهم يعرفون مداهم من الاقتراب أو الابتعاد عن طريقهم إلى الله، فهم يشرفون ~~على النور حينا، ويحتجبون عنه حينا، ويعودون إلى طواياهم في كل حين ~~يحاسبونها على إشراقه أو احتجابه، ويستبشرون تارة؛ لأنهم يلمحون معالم ~~الطريق، وينحون على أنفسهم باللائمة تارة؛ لأنهم يتهمونها بالزيغ عن الجادة ~~والانحراف عن السواء، وفيما بين هذا القلق وتلك البشارة تنمو النفس على ~~الرياضة، وتتهيأ للثبات والاستقرار، وتتخذ العدة لليقين والإيمان. # لا ريب أن هذه الرياضة هي التي عناها كتاب الأناجيل بفترة التجربة في ~~البرية حيث تعيش الشياطين، وما للشياطين هنا من وساوس غير وساوس القلق وصراع ~~الفتنة وغواية الطمع بين الإقدام والإحجام، حيث تطمئن النفس ساعة، ثم تمتحن ~~هذه الطمأنينة بالتجربة ساعة أخرى، ثم تعاف التجربة؛ لأنها تسليم بالشك حيث ~~ينبغي التسليم بالثقة؛ لأن رسالة الله حقيقة بكل فداء، وأهل لكل ثمن وكل ~~جزاء، ولكن من لك أيها الضمير؟! إنك أنت المختار لرسالة الله. أوتطلب ~~البرهان؟! فمن أين لك أن تجمع بين طلب البرهان، وبين صدق الإيمان؟! # وقد تغلب المسيح على هذه المحنة كما تغلب عليها الأنبياء المرسلون بعد قلق ~~وجهاد وصبر أليم، ونحسبه بعد ذلك كان يعالج القلق من هذا القبيل بالتسليم ~~للواقع، وكان يستلهم الحوادث إرادة الغيب حيث تحتجب عنه هذه الإرادة، فيترك ~~الحوادث تمضي ويمضي معها، وينتظر ما تحكم به المقادير، وفي هذه المواقف يخيفه ~~أن يحجم ويتهم ضميره بالإحجام مخافة العواقب، فذاك مسعاه إلى بيت المقدس في ~~أخريات رسالته مرتين: مرة وهو ms074 يدخلها بين الترحيب والتهليل، ومرة وهو يدخلها ~~بين النذر والشباك، وخيانة الأصحاب، ودسيسة الأصدقاء. # كانت هذه الخطوات من خطوات التسليم الذي ينطوي فيه حب الاستلهام والاستطلاع ~~خيرا من طلب البرهان، وخيرا من النكوص، ما لم يكن هنالك برهان، وما قال قائل ~~في أمثال تلك المواقف: «ليفعل الله ما يشاء» إلا وهو يترك للمقادير أن تظهر من ~~مجرى الحوادث حيث تجري بها مشيئة الله. # في لحظات كهذه اللحظات يغوص الإنسان كله في أعماق ضميره، ولعل لحظة من تلك ~~اللحظات هي التي قال فيها الناظرون إليه إنه غائب عن نفسه، أو هي التي صمت ~~فيها لا يحير جوابا؛ لأنه هو يترقب جواب الغيب المنظور مما عسى أن يكون ~~عما قريب، أو هي التي أقدم فيها لا يبالي بسلامته وعاقبة أمره، ولم يكن فكره ~~قاصرا عن استطلاع العواقب جميعا في موقف من تلك المواقف الحاسمة، ولكن ~~المشكلة الكبرى كلها في استطلاع العواقب، فهل تراه لا يقدم على العواقب إلا ~~بضمان من البرهان؟ # إن أعمال أصحاب الرسالات لا تفهم على حقيقتها ما لم نفهم معها هذه القاعدة ~~الأساسية في طبيعة الرسل، وهي أن الشك أخوف ما يخافونه، وأن استبقاء ~~الإيمان غاية ما يبتغونه، وكثيرا ما يقدمون على جسام الأمور؛ لأن التسليم ~~أقرب إلى الإيمان، ولأن الإحجام شك، أو انتظار برهان، والشك وانتظار البرهان ~~يستويان في بعض الأحيان. # وقد تواترت الروايات على أن السيد المسيح كان يبتهل إلى الله في أخريات ~~رسالته قائلا: «اللهم جنبني هذه الكأس، لكن كما تريد أنت لا كما أريد.» # وفي هذا الابتهال مفتاح كل عمل أقدم عليه بعد ذلك، أو أقدم عليه في مثل هذا ~~الموقف فإنه لم يتجنب الكأس كما يريد، بل ترك لله أن يجنبه إياها كما أراد، ~~وموضع الشبهة في نفسه الشريفة أن السلامة هي ما يريده، وأن النكول هو ~~طريقه إلى اجتناب الكأس، فليكن مسيره إذن في غير هذه الطريق، ولكن التسليم هو ~~طريق الإيمان. # الباب الرابع # | الدعوة # | دعوة المسيحية # تواريخ الأديان جميعا تثبت الحقيقة الواضحة ms075 التي لا مغزى لكتابة التواريخ مع ~~الشك فيها، ونعني بالحقيقة الواضحة اطراد السنن الكونية في الحوادث ~~الإنسانية الكبرى، فلا يحدث طور من أطوار الدين أو الدنيا إلا سبقته مقدماته ~~التي تمهد لحدوثه، وجاء سريانه في العالم على وفاق لوازمه ودواعيه. # وليست المسيحية شذوذا عن هذه القاعدة، بل هي من أقوى الظواهر التي تؤيدها ~~وتسري في مسراها، وسنراها، وسنرى بعد الإحاطة بالفصول السابقة، والفصول التالية ~~أن الصلة لم تنقطع كل الانقطاع بين العصرين، وأن العصر القديم كان يلتفت ~~بنظره شيئا فشيئا إلى وجه العصر الحديث، وسنرى غير مرة في هذا الكتاب أن ~~الدعوة المسيحية جاءت في إبانها وفاقا لمطالب زمانها. # وليس أقرب إلى جلاء هذه الحقيقة من تلخيص صورة العصر كله في كلمات معدودات ~~نحصر بها آفاته البارزة، ونهتدي بهذه الآفات إلى علاجها الموكول إلى ~~العقيدة. # فما هي آفة العصر التي برزت في التاريخ، واتفقت عليها أوصاف المؤرخين الذين ~~توقعوا الانقلاب فيه من طريق الدين، أو من غير طريق الدين؟ # كانت له آفتان بارزتان: إحداهما تحجر الأشكال والأوضاع في الدين والاجتماع، ~~والأخرى سوء العلاقة بين الأمم والطوائف مع اضطرارها إلى المعيشة المشتركة في ~~بقعة واحدة من العالم المعمور، وعلى الخصوص تلك الأقاليم التي نسميها اليوم ~~بالشرق الأدنى. # تحجرت الأشكال والأوضاع، وغلبت المظاهر على كل شيء، وتهافت الناس على حياة ~~القشور دون حياة اللباب، فكل معاني الحياة عندهم سمت وزينة وأبهة ومحافل ~~وشارات، وانتقلت الحضارة من الداخل إلى الخارج أو من النفس إلى الجسد، كما يحدث ~~دائما في أعقاب الحضارات، تبدأ في عالم الفكر والوجدان، ثم تستفيض العمارة ~~فتميل إلى التجسم والتضخم، وتفقد من قوة النفس والضمير بمقدار ما تكسب من مظاهر ~~المادة والمال. # تجمعت الثروة والكسل في ناحية، وتجمعت الفاقة والجهد المرهق في ناحية أخرى؛ ~~فغرق السادة في الترف، وغرق العبيد والأرقاء في الشقاء، وفسدت حياة هؤلاء ~~وهؤلاء! # وتحجر نظام المجتمع فأصبح أشكالا ومراسم خلوا من المعنى والغاية، وتحجرت ~~معه الشرائع والقوانين، فلم يكن غريبا أن تنقش على حجارة، وأن يرتفع ms076 ميزانها ~~في يدي عدالة معصوبة العينين، وأن تفرغ الكفتان فتستويان؛ لأنهما ~~فارغتان! # وتحجرت العقائد الوثنية في الدولة الرومانية، وتحجرت العقائد الكتابية بين ~~بني إسرائيل، فأصبح فرق الشعرة بين النصين يقيم الحرب الحامية على قدم وساق، ~~وأصبحت التقوى علما بالنصوص، وبحثا عن مراسم الشريعة، وغلب المظهر وإن ~~اختلفوا على اللفظ والتأويل. # أشكال وقشور، لا جوهر هناك ولا لباب. # وساءت العلاقة بين الأمة والأمة وبين الطائفة والطائفة، وبلغ الحس بسوئها ~~غايته؛ لأن الذين يعانون من سوئها يعيشون في نطاق واحد، ويخضعون لحكم واحد، ~~فلا فكاك منه بحال. # دنيا آفتها مظاهر الترف ومظاهر العقيدة، ومن وراء ذلك باطن هواء وضمير خواء، ~~فلا جرم يكون خلاصها في عقيدة لا تؤمن بشيء كما تؤمن ببساطة الضمير، ولا تعرض ~~عن شيء كما تعرض عن المظاهر، ولا تضيق بخلاف كما تضيق بالخلاف على النصوص ~~والحروف وفوارق الشعرة بين هذا التأويل وذلك التحليل. # عقيدة قوامها أن الإنسان خاسر إذا ملك العالم بأسره وفقد نفسه، وأن ملكوت ~~السماء في الضمير، وليس في القصور والعروش، وأن المرء بما يضمره ويفكر فيه، ~~وليس بما يأكله وما يشربه وما يلبسه وما يقيمه من صروح المعابد ~~والمحاريب. # هل كانت للدنيا آفة غير آفة المظاهر والتناحر على المظاهر؟ # وهل كان لتلك الآفة خلاص غير ذلك الخلاص؟ # وهل كانت المسيحية إلا العقيدة التي تدعو إلى خلاصها من حيث يرجى، وهيهات لها ~~في غيره خلاص؟ # وتقطعت الأسباب بين الأمم وبين الطوائف وبين الآحاد، واتسم العصر كله ~~بالعصبية في السائد والمسود والحاكم والمحكوم. # الروماني سيد العالم بحقه، والإسرائيلي سيد العالم بحق إلهه، واليوناني ~~والآسيوي والمصري كل منهم سيد الأمم، وكل منهم مثال الهمجية، والمولى يخرج ~~العبد من زمرة الآدميين، والعبد يمقت السيد مقت الموت، أو يفضل الموت على ~~الرق الذي يجمع عليه بين الذل والألم والجوع، وأبناء الأمة الواحدة طوائف ~~تشيع بينها التهم وتعمها البغضاء. # ويأتي إلى هؤلاء البشير المنظور، فماذا يقول لهم إن لم يقل لهم إن الله رب ~~بني الإنسان، وإنه هو ابن الإنسان، وإن ms077 الحب أفضل الفضائل، وأفضل الحب حب ~~الأعداء، وإن الكرم أن تعطي فوق ما تسأل، وأن تعطي بغير سؤال، وإن ملكوت ~~السماوات لا تفتحه الأموال، وإن ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وإن المجد الذي ~~يتنازعه طلابه لا يستحق أن يطلب، وإن المجد الذي يستحق أن يطلب لا موضع فيه ~~لنزاع. # ولم يأت هذا البشير فضولا على غير انتظار: أبناء قومه موعودون به في ذلك ~~الزمن، وأبناء الأقوام ينتظرون شيئا لا يعرفونه، ولكنهم يعرفون أن زمانهم ~~لا يطاق، وأن حالهم لا بد لها من تحويل. # أفلست العبادات، وجاء أحد المعبودين - قيصر رومة - فأحرق الأسفار والنبوءات، ~~ولم يبق منها إلا ما هو أقرب إلى الفن في محراب أبولون إله الفنون. # أما العبادة التي لم تفلس، فقد كان رأس مالها كله نسيئة منتظرة، وهذه علامات ~~السداد يستبشر بها المصدق، ولا يمجدها المنكر، وإنما هو خلاف على العلامات، ~~وعلى مصداقها من العيان والسماع. # لقد كانت الدعوة طباق الزمن، وقد بدأت في أوانها لم تتقدم ولم تتأخر، وكفى بذلك ~~برهانا على موقعها الصحيح من التاريخ، فقد كان بلاء الناس أنهم خربوا ~~باطنهم وعمروا ظاهرهم، فجاءهم الرجاء الذي يصلح لذلك البلاء؛ بشارة لا ~~تبالي أن يخرب ظاهر الدنيا كله إذا سلم للإنسان باطن الضمير. # وهذه هي دعوة السيد المسيح كما ساقها الغيب وترقبها العالم الذي سيقت إليه، ولو ~~لم تكن هي طلبته يومئذ لما استولت عليها أربعة قرون. # وقد لقيت الدعوة أشد ما يلقاه دين من مقاومة، فلا يفهم من هذا أنها شاعت في ~~العالم الإنساني على الرغم منه أو على غير حاجة منه إليها، فإنما الدين ~~المطلوب هو الدين الذي تعلو أسباب قبوله على أسباب رفضه، وليس هو الذي يقبله ~~الناس جميعا طائعين مستسلمين كأنه غني عمن يدعو إليه، وما من دعوة قط ~~تستغني من مبدأ الأمر عن الدعاة. # ولقد تصدى رسول الإخاء والسلام لدعوته، وهو يعلم أنها أخطر الدعوات، ~~وأنها أخطر جدا من دعوة البغضاء والقسوة؛ لأن الذي يدعو إلى الإخاء يدعو ~~إلى اقتلاع ms078 جذور البغضاء، والذي يدعو إلى السلام يدعو إلى تحطيم سلاح الأقوياء، ~~وليس اقتلاع جذور البغضاء بالأمر الهين، وليس تحطيم سلاح الأقوياء علالة حالم، ~~وليس السبيل إلى ذلك سبيل الرضا والوفاق. # لهذا كان يقول: «جئت لألقي على الأرض نارا فحبذا لو تضطرم.» وكان يسأل تلاميذه ~~وسامعيه: «أتحسبونني أتيت لأمنح الأرض سلاما؟» ثم يبادر فيقول: «كلا! ~~وإنما هو الصدام والانقسام خمسة في البيت ينقسم ثلاثة منهم على اثنين، واثنان ~~على ثلاثة؛ ينقسم الأب على ابنه والابن على أبيه ، وتنقسم الأم على بنتها والبنت ~~على أمها، وتنقسم الحماة على الكنة، والكنة على الحماة.» # ولقد كان كلام كهذا يقال على ألسنة بني إسرائيل كما قال ميخا: «ما في الناس ~~من مستقيم، كلهم يكمن للدماء، وينصب الشباك ... لا تأتمنوا صاحبا، لا تثقوا ~~بصديق، وأوصد فمك عن تلك التي تضطجع في حضنك، إن الابن بأبيه مستهين، وإن ~~البنت على أمها ثائرة ... والكنة على الحماة، وللإنسان من أهل بيته ~~أعداء.» # ولكن هذه الأقوال وما شاكلها كانت وصفا لما هو حادث، ولم تكن نبوءة عما ~~سيحدث من الشر في سبيل الخير، ومن البغضاء في سبيل الإخاء، ومن الحرب سعيا إلى ~~السلام. # وقد صحت نبوءة الرسول في بني قومه فناصبوه العداء؛ لأنه يبسط الدعوة إلى ~~الإخاء، ويعم بها «طيور السماء» وهم رمز للطراق في جميع الأرجاء. # ومن الواضح أنه كان يؤثر قومه بالخير لو استمعوا إليه واتبعوه، ولكنهم ~~مدعوون إلى وليمة يرفضونها، فمن حضرها بغير دعوة فهو أولى بها، وكذلك ضرب لهم ~~المثل بوليمة العرس، وقد أرسل الداعي عبده في طلب ضيوفه «فقال هذا: إني ~~اشتريت حقلا، وعلي أن أخرج فأنظره ... وقال ذاك: إني اشتريت أزواجا من ~~البقر، وسأمضي لأجربها ... فغضب السيد وقال لعبده: اذهب عجلا إلى طرقات المدينة ~~وأزقتها وهات إلي من تراه من المساكين ... فعاد العبد وقال لسيده: قد فعلت ~~كما أمرت، ولا يزال في الرحبة مكان. قال السيد: فادع غيرهم من أعطاف الطريق ~~وزواياه حتى يمتلئ بيتي؛ فلن يذوق عشائي أحد من أولئك الذين دعوت فلم ms079 يستجيبوا ~~الدعاء.» # ويمكن أن يقال في وصف تلك الدعوة العامة كثير لا يحصى على حسب النظرة التي ~~ينظر بها القارئ إلى كلام المسيح في الأناجيل. # يمكن أن يقال إنها دعوة إلى حين ينتهي وشيكا بانتهاء العالم كله في أمد ~~قريب، ويمكن أن يقال إنها دعوة ملكوت يدوم ولا يعرف له انتهاء. # ولكننا على التحقيق نطابق جوهرها كله إذا وصفناها بأنها «تغيير وجهة» ~~وافتتاح قبلة، ولا سبيل إلى الجمع بين الوجهتين، ولا إلى التردد بين القبلتين، ~~فلن يخدم أحد سيدين. # قبلة الروح أو قبلة الجسد. # قبلة الله أو قبلة «مامون» # 1 # إله المادة والمال. # معبد الضمير أو معبد الصخر والخشب. # هنا أو هناك ... # فالمهم هو الاتجاه أين يكون، وإلى أي أمد يدوم، وكل ما يلي ذلك من تفصيل فهو ~~خطوات الطريق تتسع أو تضيق وتسرع أو تتريث متى استقبل السالك قبلته وأدار ظهره ~~لما وراءه، ولا بد من المفترق الحاسم بين القبلتين، ولا بد من خيرة بين ~~السيدين! # | اختيار القبلة # كان الموقف - كما قدمنا - على مفترق الطريق، وكان على السالك أن يختار وجهته ~~وقبلته، ويحسب لها كل حسابها، فيأخذها بكل ما لها وما عليها، أو يرفضها بكل ما ~~لها وما عليها، ويجمع قلبه كله في خدمة الرب الذي يعبده، فليس في مقدوره أن ~~يعبد ربين، وأن يدين بالخدمة والإخلاص لسيدين. # وعلى هذا الوجه وحده تفهم الدعوة المسيحية على جليتها، ويزول اللبس عنها، بل ~~يزول عنها ما يبدو عليها من النقائض والأضداد؛ لأنها عند تصحيح الاتجاه تعتدل ~~على طريق مستقيم. # إذا كان الجيل مقبلا على محراب «مامون» بقلبه وقالبه، فالوجهة الأخرى على ~~الطرف الآخر من هذا المحراب. # إن عباد «مامون» غارقون في هموم الحطام، لا يفرغون لحظة لغير الشهوة والطعام، ~~فالذي يستدبر هذه القبلة فلتكن قبلته حيث لا ظل لذلك المحراب، ولا أنقاض ~~لأركانه وأوثانه، وحيث المطلوب كله هم الروح والضمير، وحيث المنبوذ كله هم ~~المادة والجثمان. # أو كما قال لهم الرسول البشير: # الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس، وزنابق ms080 الحقل تنمو ~~ولا تتعب ولا تغزل، وسليمان في كل مجده لا يلبس كما تلبس واحدة ~~منها، فإذا كان العشب الذي يقوم اليوم في الحقل ويطرح غدا في ~~التنور يلبسه الله، فما أحراكم أن يلبسكم يا قليلي الإيمان ~~... # نعم. وإذا تهالكت أمم العالم على الطعام والشراب وقلق العيش؛ ~~فاطلبوا أنتم ما هو أفضل وأبقى ... اطلبوا كنوزا لا تنفد في ~~سماواتها، حيث لا تنالها يد السارق، ولا يبليها السوس. # من استدبر قبلة «مامون» فهذه هي القبلة التي يتجه إليها ، وهذه هي غايتها ~~القصوى، وإن لم تكن هي كل خطوة في الطريق. # وعلى هذا الوجه يفهم السامع رسول الرحمة حيث يقول: # ما هو بقادر أن يكون لي تلميذا من لا يقدر على أن يبغض أباه وأمه ~~وامرأته وبنيه وإخوته، بل يبغض نفسه ... # وما هو بقادر أن يكون لي تلميذا من لا يقدر على أن يحمل صليبه ~~ويتبعني في طريقي. # قائل هذا هو القائل: # أيها السامعون: أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا ~~لاعنيكم، ادعوا لمن يسيئون إليكم، من لطمك على خدك الأيمن فحول له ~~الأيسر، ومن أخذ رداءك فامنحه ثوبك، وكل من سألك فأعطه، ومن أخذ ما ~~في يدك فلا تطالبه، وما تريدون أن يصنعه الناس لكم فاصنعوه لهم ~~أنتم، وأي فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟ إن الخطاة ليحبون ~~من يحبهم، وأي فضل لكم إن أقرضتم من يردون قرضكم؟ إن الخطاة ~~ليقرضون من يقارضهم، بل تحبون أعداءكم، وتحسنون وأنتم لا ترجون ~~أجركم ... # وقائل هذا هو القائل: # إن أخطأ أخوك فوبخه، وإن تاب فاغفر له، وإن أخطأ إليك سبع مرات ~~وتاب إليك سبع مرات فتقبل منه توبته. # وهذا نقيض ذاك: # هذه الرحمة التي تعم الأعداء والأحباب نقيض البغضاء التي تشمل بها ~~أحب الناس إلى الناس: الآباء والأمهات والأبناء وذوي الرحم ~~والقربى. # إنهما تتناقضان غاية التناقض إلا على وجه واحد، وهو توجيه النظر إلى قبلة غير ~~القبلة ووجهة غير الوجهة، وغاية قصوى غير تلك الغاية القصوى التي ~~تستدبرها. # وإذا افترقت الطريقان، ووجب عليك أن تمضي ms081 هنا أو هناك، فلا جناح عليك أن تمضي ~~حيث سددت خطاك، ولو كرهت نفسك وحملت صليبك وانقطعت عن ذويك. # وما من أحد يأبى أن يحب ذويه، وأن يحبه ذووه إذا ساروا حيث سار، واستقاموا ~~معه حيث استقام، فليس عن هذا يجري الحديث، ولا في هذا موضع للنصيحة والتفضيل، ~~وإنما يجري الحديث ويستمع النصح حيث يتعارض الطريقان ويتناقضان. # وإنما يجري الحديث ويستمع النصح حيث تتقابل القبلتان، وحيث تمضي هنا مع الله ~~وتمضي هناك مع مامون. # ولا تناقض في هذا المفترق بين نصيحة من تلك النصائح، أو آية من تلك الآيات، ~~فكلها على نهج واحد من أول الطريق إلى غايته، ولهذه الغاية القصوى ينبغي أن ~~يتحول من يممها بخطاه، وآثرها بهواه. # وفي مثل من الأمثلة التي تعمر بها أقوال المسيح عبر لهم عن الموقف كله بأن ~~يحسبوا النفقة كلها قبل بناء حجر في البرج الشامخ. # من منكم - وهو يريد أن يبني برجا - لا يجلس ليحسب نفقته، ويعلم هل ~~لديه ما يلزم لكماله؟ # فهذا حساب التكاليف جميعا قبل وضع الحجر الأول في أساس البناء، وإلا فلا حجر، ~~ولا أساس، ولا برج هناك، وخير لمن تخذله القدرة، وتعوزه النفقة أن يترك الأرض ~~والحجر والبناء. # فمن نظر إلى الأرض فرأى شعابا تتقاطع، ومفارق تختلف؛ فليرفع نظره من تلك ~~الشعاب، ولينظر إلى الأفق الذي تنص إليه الركاب، فهناك القبلة التي يتلاقى ~~عندها ما تشعب، وينتهي إليها ما اعوج أو استقام من الدروب. # ولقد كان المستمعون إلى السيد المسيح، وأولهم تلاميذه وأتباعه، يعجبون منه ~~لأمرين: ترحيبه بالأطفال الصغار، وخطابه للمنبوذين المحقرين، فانتهرهم حين رآهم ~~يبعدون عنه أطفال القرى وقال لهم: # دعوا الأطفال يأتون إلي ولا تمنعوهم، فمن لم يقبل على ملكوت ~~الله طفلا فلن يدخل إليه. # وقال لقوم أيقنوا أنهم أبرار واحتقروا المشهورين بالذنوب: «صعد اثنان إلى ~~الهيكل يصليان، فريسي وعشار. # فأما الفريسي فراح يقول في صلاته: حمدا لك يا إلهي! إنني لست كسائر هؤلاء ~~الخاطفين الظالمين الزناة، ولا كمثل ذلك العشار، أصوم في اليوم مرتين، وأؤدي ms082 حق ~~العشر عن كل ما أقتنيه. # وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه إلى السماء، وقرع صدره وابتهل ~~إلى الله: ارحمني يا إلهي أنا الخاطئ. فهبطا إلى بيتهما؛ هذا مستجاب، وذلك غير ~~مبرور.» # وتكررت هذه الأمثلة، فتكرر معها العجب من المستمعين إليه من آمن به وأحبه ومن ~~كفر به وحنق عليه، ولو أنهم إذ كانوا يعجبون ذلك العجب قد عرفوا رسالته، ~~واستقبلوا قبلته، لما أنكروا عليه أن يشخص ببصره إلى بعيد، وأن يزهد في يومه، ~~ثم يمتد بالرجاء إلى غده، فإنما في الغد يوم أولئك الأطفال المرتقب، ~~وإنما يرجى لتبديل الحال من لا يعنيه من الحاضر إلا أن يزول. # وجماع القول أن الدعوة الجديدة كانت ككل دعوة جديدة غريبة مناقضة لما حولها، ~~ولكنها تنفض عنها كل غرائبها ونقائضها إذا نظرنا إلى القبلة التي تستقبلها، ~~فهنالك تلتقي الشعاب، ويحسن المآب. # | تجارب الدعوة # استوفت الدعوة تجربتها في فترة قصيرة لم تطل أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها كانت ~~كافية؛ لأنها كانت في الواقع تجربتين ودعوتين، قام بهما رسولان مختلفان في ~~الطبيعة والطريقة؛ وهما يوحنا المعمدان (يحيى المغتسل) وعيسى ابن مريم. # كان يوحنا المعمدان مثال الناسك الصارم الذي لا يحابي ولا يتردد، ينذر ~~كثيرا ويبشر قليلا، ويضع الفأس على أصل الشجرة، ولا يبالي أن يلقي بها ~~حطبا في الأتون. # ولد لشيخين كبيرين بعد يأس، كلاهما من سلالة الكهانة أبناء هارون: وهما زكريا ~~وأليصابات. # وفي إنجيل لوقا شرح لقصة هذا المولد في شيخوخة الأب والأم، جاء فيه أن زكريا ~~كان يتولى الخدمة الدينية في نوبته، فأصابته القرعة لدخول الهيكل وإطلاق ~~البخور، فطال مكثه في المحراب، وجمهور المصلين يترقب ويتعجب، حتى عاد إليهم ~~صامتا لا يتكلم، فعلموا أنه قد حلت به الرؤيا داخل المحراب، ثم روي ~~أنه بصر على يمين المذبح بملك واقف، فاضطرب وعرته رجفة، فقال له الملك: ~~«لا تخف يا زكريا، إن الله قد أجاب سؤالك، وستلد امرأتك ولدا وتسميه يوحنا، ~~وتفرح به، ويفرح به كثيرون؛ لأنه يولد من بطن أمه ms083 ممتلئا بالروح القدس، ~~ويرد بني إسرائيل إلى إلههم، ويتقدم بروح إيليا (إلياس) وقوته ...» # وقد ذكرت قصة زكريا في سورة آل عمران من القرآن الكريم: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من ~~لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي ~~في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين * قال رب أنى يكون لي غلام ~~وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك ~~الله يفعل ما يشاء * قال رب اجعل لي ~~آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي ~~والإبكار ~~. # وذكرت في سورة مريم: # كهيعص * ذكر ~~رحمت ربك عبده زكريا * إذ نادى ~~ربه نداء خفيا * قال رب إني وهن ~~العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا * يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب رضيا * يا زكريا ~~إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من ~~قبل سميا * قال رب أنى يكون لي ~~غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر ~~عتيا * قال كذلك قال ربك هو علي ~~هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على ~~قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا ~~بكرة وعشيا * يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة وآتيناه الحكم صبيا * ~~وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا * وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث حيا ~~. # وقد نشأ الطفل منذورا للبتولة، وذلك معنى وصفه في القرآن الكريم بالحصور، وكان ~~عليما بالكتب الدينية، يسمعها من أبويه ويتلوها في خلواته، وكان كثير العزلة ~~شديدا على نفسه في تهجده ونسكه، فلما ظهر بالدعوة رآه الناس في ثوب خشن من ~~الوبر يلف حقويه بمنطقة من الجلد، يصوم أكثر الأيام، ويقتات من الجراد والعسل ~~البري، ويهيب بالناس في صوت قوي صارم: ms084 توبوا واستعدوا، قد وضعت الفأس في رأس ~~الشجرة، وكل شجرة لا تأتي بثمر جيد تقطع وتلقى في النار. صوت صارخ في البرية ~~كما قال الأنبياء الأقدمون. # ولم يكن يتقي حرجا في كلامه عن ذي خطيئة أو دنس، فراح ينحى بهذا الصوت القوي ~~الصراح على الملك هيرود؛ لأنه تزوج من هيرودية أخته وزوجها لا يزال بقيد ~~الحياة، فلما اعتقله الملك وجيء به إلى حضرته، لم يسكت ولم يكفف عن التنديد به ~~وبأخته، وأمره بتطليقها فرارا من غضب الله . # وفي سهرة من سهرات اللهو التي تعود هيرود أن يحييها في قصره، رقصت بنت أخته «سلامة» # 1 # بين يديه، فاستحفه الطرب ووعد أن يعطيها سؤالها كائنا ما كان، فلم ~~تسأله شيئا غير رأس يوحنا في طبق، وأصرت على طلبها فأعطاها ما سألت وهو كاره، ~~ونجا بفعلته لأن يوحنا كان شديد اللسان على الكهان والفقهاء، فتقبلوا تلك ~~الجريمة بغير تشهير أو اعتراض. # وقد تنكر الكهان والفقهاء للرسول الثائر قبل أن يتنكر لهم، كما يفعل الدينيون ~~«المحترفون» عادة بالوعاظ الذين لا ينتسبون إليهم، ولا يعيشون في زمرتهم، فكان ~~يوحنا يصيح بهم: «يا أولاد الأفاعي، لا يهجسن بأخلادكم أنكم تنتسبون إلى ~~إبراهيم، إني أقول لكم إن الله قادر أن يخرج من هذه الحجارة أبناء ~~لإبراهيم.» # وكانت هذه أول صيحة من ذلك الرسول الثائر سمع فيها الناس أن الخلاص نعمة ~~يسبغها الله على من يشاء، ولا يخص بها أبناء سلالة دون سائر السلالات البشرية، ~~وكانت علامته على قبول المسيحيين لدعوته أن يذكر اسم الله، ويرشهم بالماء، ~~ويمسح على رءوسهم، فهم بعد ذلك أهل للدخول في زمرة التائبين، وطلاب الخلاص، ولو ~~لم يكن لهم نسب في آل يعقوب وإبراهيم. # هذه الدعوة الصارمة لم تلبث أن اصطدمت بعماية الشهوات، وعناد الغرور، ولكنها ~~لم تذهب سدى بين الدهماء التي لا تضلها أهواء السيادة، وبقي اسم يوحنا مقدسا ~~محبوبا، يخاف الأدعياء أن يجترئوا عليه، فلما أراد الكتبة، والنامسيون أن ~~يحرجوا السيد المسيح بالأسئلة والمعميات رد عليهم حرجهم وقال لهم: أجيبوني ~~«أولا» ms085 هل كانت رسالة يوحنا من السماء أم من الناس؟ فلم يستطيعوا جوابا؛ ~~لأنهم إذا اعترفوا برسالته اتهموا أنفسهم، وإذا أنكروها غضب الشعب عليهم، ~~فصمتوا مفحمين. # وليس أدل على مكانة يوحنا من ثناء يوسفوس المؤرخ الكبير عليه، وهو شديد ~~الحذر من إغضاب ذوي الرأي والسلطان، فقد قال عنه: «إنه كان إنسانا صالحا ~~أوصى اليهود أن يبر بعضهم ببعض، وأن يتقوا الله.» وهذه شهادة من المؤرخ يردد ~~بها شهادة قومه، وهي شهادة للرسول، وشهادة على أنفسهم، وقد باءت دعوة الرسول ~~الصارم بإحدى التجربتين اللتين مرت بهما دعوة الخلاص في عصره، فخرج الرسول ~~الصارم من الدنيا، وهو يعلم أن دعوة الخلاص ضائعة إذا انحصرت في قبيل واحد، ~~وأن الخلاص مرهون بمن يطلبه، ويخشى من فواته، ولو لم يكن من ذلك ~~القبيل. ~~••• # وللسيد المسيح طبيعة أخرى غير طبيعة يحيى بن زكريا، فلم يكن متأبدا، ولا ~~نافرا من الناس، بل كان يمشي مع الصالحين والخاطئين، وكان يشهد الولائم ~~والأعراس، ولم يكن يكره التحية الكريمة التي تصدر من القلب، ولو كانت فيها نفقة ~~وكلفة، ووبخ تلاميذه مرة لأنهم تقشفوا وتزمتوا فاستكثروا أن تريق إحدى ~~النساء على رأسه قارورة طيب تشترى بالدنانير، وقالوا: لماذا هذا السرف؟ لقد ~~كان أحرى بهذا الطيب أن يباع ويعطى ثمنه للفقراء، فقال لهم - عليه السلام: «ما ~~بالكم تزعجون المرأة؟ إنها أحسنت بي عملا، وإن الفقراء معكم اليوم وغدا، ~~ولست معكم في كل حين.» # هذه السماحة قد اصطدمت بعماية الشهوات وعناد الغرور، كما اصطدمت بهما تلك ~~الصرامة، وقد أحصى السيد المسيح على عصره هذه الصدمة، وتلك الصدمة، فقال: «إن ~~يوحنا جاءهم لا يأكل ولا يشرب، فقالوا به مس شيطان، ثم جاء ابن الإنسان يأكل ~~ويشرب، فقالوا إنه إنسان أكول شريب محب للعشارين والخطاة.» # رسالة قد استوفت تجربتها بل تجربتيها، وخرجت من التجربتين معا إنسانية عالمية ~~تنادي من يستمع إليها، وتعرض عمن أعرض عن دعوتها بل دعوتيها: دعوة الغيرة ~~الصارمة الأبية، ودعوة الغيرة السمحة الرضية، ولو قدر لها أن تعيش في قبيل ~~واحد لاستمع ms086 لها ذلك القبيل فانعزلت معه، فلم يسمع بها العالمون. # | الشريعة # كل مراجعة تاريخية لذلك العصر تنتهي من جانب البحث السياسي، أو جانب البحث ~~الاقتصادي، أو جانب البحث الاجتماعي، أو الديني، أو الثقافي إلى نتيجة واحدة: ~~وهي أن ضحايا البذخ، والرياء قد بلغوا فيه من كثرة العدد، وسوء الأثر حدا ~~يفوق احتمال عصر واحد، فلا يطيق أن ينتقل بها إلى العصر الذي بعده دون أن يطرأ ~~عليه طارئ، ولن يكون ذلك الطارئ غير طارئ انقلاب شامل. # بلغ فيه ضحايا البذخ والرياء غاية ما يبلغونه في عصر واحد، وقد يقال إنهم ~~ضحايا الرياء بألوانه الاجتماعية والنفسية، فما كان البذخ إلا ضربا من الرياء ~~الاجتماعي؛ لأنه معلق في جميع أحواله بفخفخة الظهور. وسيان ولع النفوس ~~بفخفخة الظهور الأجوف، وولعها بالرياء. # وفي عصر كذلك العصر تلزم الرسالة. # لكنها لا تلزم لتأتي العالم بمزيد من الشريعة، ولا بمزيد من تطبيق الشريعة، ~~فقد تكون المصيبة كلها في تطبيق الشريعة إذا جرت على سنة الرياء، وغلب فيه ~~النفاق على الصدق والإنصاف. # إنما تلزم الرسالة في أمثال ذلك العصر؛ لتعطي العالم ما يحتاج إليه، وتنقذ ~~ضحاياه. # والآداب الإنسانية هي الحاجة العظمى حين ينخر السوس باطن العرف والشريعة، ~~وضحايا الرياء هم أول من يتلقف تلك الآداب الإنسانية، ويشعر بتلك الحاجة ~~العظمى. # إنها رسالة قلب كبير يشعر فيجذب إليه كل شعور، ولا سيما شعور الضحايا ~~والمظلومين. # ويوشك مع الظلم أن يكون كل متهم مظلوما؛ لأن الجريمة كلها في جانب الحاكم ~~لا في جانب المحكوم عليه. # وحيث يكون الظلم هو الآفة، فالمتهمون هم أولى الناس بالرحمة والعطف ~~والإنقاذ. # وقد كان المتهمون هم أولى الناس بالرحمة والعطف والإنقاذ في أحضان الدعوة ~~الجديدة؛ أحضان الرسول المبشر بالخلاص والنجاة. # طوبى للحزانى، طوبى للمساكين، طوبى للجياع والظماء، طوبى للمطرودين في سبيل ~~البر، طوبى للودعاء والرحماء، «تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين، ~~احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، فتجدوا راحة لنفوسكم؛ لأن نيري هين، وحملي ~~خفيف. # أما الويل فهو ويل الشباعى الذين لا يعلمون أنهم جائعون، والأغنياء ms087 الذين لا ~~يعلمون أنهم معوزون، والمتجبرين الذين لا يعلمون أنهم مساكين، والمتكبرين ~~الذين لا يعلمون أنهم منكسرون.» ~~••• # واستجاب ضحايا الرياء لصيحة الرسول الكريم على قدر شوقهم إلى العزاء، وعلى قدر ~~ما يحملونه من أوقار الشريعة العمياء، والتقوى المزيفة، وربما كان الأصح أن ~~الرسول الكريم بذل عطفه لضحايا الرياء على قدر حاجتهم إليه، وشعورهم براحته ~~ورحمته، وعلم أن الشكران على قدر الغفران، وأن الأمل في التوبة على قدر ~~الكرم في المحبة، «مدينان، على أحدهما خمسمائة دينار، وعلى الآخر خمسون ، ليس ~~لهما ما يوفيان، فأجزلهما شكرا من سومح في الدين الكبير.» # وكانت ضحية الضحايا في ذلك العصر المرأة؛ لأنها لم تزل ضحية الضحايا في كل عصر ~~يطغى عليه البذخ من جانب، ويطغى عليه الحرمان من جانب، ويعم الرياء في كلا ~~الجانبين، ولم تزل في كل عصر كذلك العصر تبوء بشقاء الفتنة على ألوانها: فتنة ~~الغواية، وفتنة الأسرة المنحلة، وفتنة الحيرة التي تعصف بالثقة. والطمأنينة ~~ألزم ما يلزم المرأة في كل زمان. # ونظرت تلك الفريسة التي لاحقتها اللعنة أحقابا بعد أحقاب، وأطبقت عليها الفتنة ~~في ذلك العصر خاصة أكاما فوق آكام، فإذا حنان طهور يغمر ضعفها، ويجبر كسرها، ~~ويمسح اليأس من قرارة وجدانها، ويشيع الأمل في رحمة الله بين جوانحها، فعلمها ~~درس من دروس الحب القدسي ما لم تتعلمه من دروس العقاب في شريعة المنافقين، ~~وموازين المقسطين، وبرزت على صفحة الزمن في ساعة من ساعات ذلك العصر المريج ~~صورة مشرفة زالت شرائع الهيكل، وزالت شرائع رومة، وهي باقية عالية، صورة ~~الغفران ماثلة في شخص الرسول الكريم، وصورة التوبة ماثلة في شخص فتاة منبوذة ~~جاثية على قدميه، تسكب عليهما الدمع والطيب، وتمسحهما بغدائر رأسها. # والتفت السيد إلى تلميذه، وإلى المتعجبين من حوله، يتساءلون: كيف يزعم أنه ~~نبي، ويجهل أنها امرأة خاطئة؟ فقال: «أتنظر إلى هذه المرأة! إني دخلت بيتك، ~~فلم يكن لقدمي فيه مسحة من ماء، ولكنها غسلتهما بالدموع، ومسحتهما بشعر ~~رأسها، ولم تمنحني قبلة، وهي منذ دخلت لا تكف عن تقبيل رجلي، ولم ms088 تدهن رأسي ~~بزيت، وهي قد دهنت رجلي بالطيب، ومن أحب كثيرا غفر له الكثير من ~~خطاياه.» # توبة صادقة، ورحمة مستجيبة لا غرو على الشريعة الكاذبة فرائسها، وتخشى التقوى ~~الزائفة على فخرها وكبريائها، وويل لمن يفتح بابا للتوبة والرحمة، ولا يبالي ~~الأبواب التي فتحت للنقمة والعقاب. ~~••• # منذ الخطوة الأولى التي خطاها السيد المسيح في التبشير برسالته، أخذ على نفسه ~~أن يعتزل «السلطة»، ويتنحى لها عن ميدانها، فلا يتصدى لها بإبطال أو بإنقاذ؛ لا ~~يبدلها، ولا يدعي لنفسه ولايتها، وحق لكل معلم قادر أن يسلك تلك الخطة في زمنه، ~~فإنه - كما تقدم - قد نشأ في دنيا تشكو الكظة من الشرائع والأوامر والنواهي ~~والحكام والمتحكمين؛ ما فاض من رومة الشرائع تملؤه مراسم الهيكل وشعائره ~~ومحللاته ومحرماته، وما فاض من رومة ومن الهيكل ملأته سيطرة هيرود وأبنائه ~~وأذنابه وتابعيه، ولا حاجة إلى مزيد من الأحكام مع فساد الحكام، فإذا وجب ~~إصلاح بعضها، فالخير من إصلاحه لا يساوي جهد الحرب التي تشنها طائفة ضعيفة على ~~دولة الرومان، وعلى دولة الهيكل، وعلى الدويلة الأدومية اليهودية التي تشايع ~~الدولتين، وتعمل لحسابها بعد حساب هاتين القوتين، ومن المحقق أن الشر الذي ~~ينجم من ذلك الجهد أخطر وأفدح من الخير الذي يتأتى من ورائه، إن تأتى، وقد ~~يدرك بإصلاح الضمائر، وتهذيب الآداب الإنسانية، وتعليم الآحاد أمثلة من ~~الأخلاق تهدي أصحابها حيث تضلهم الشرائع والقوانين. # إلا أنه بهذه الحيدة عن طريق السلطة قد ترك ميدانها فلم تترك له ميدانه، ~~وسرعان ما أقبلت عليه الجموع حتى أحست السلطة - سلطة الدين قبل كل شيء - ~~بالخطر المقبل من ذلك الداعية المحبوب، وكل داعية محبوب خطر على سلطة التقاليد ~~والجمود. # جاءوا في ميدانه بعد أن ترك لهم ميدانهم، ووقع الاشتباك الذي لا بد منه بين ~~سلطة شعارها المبالغة في الاتهام، والبحث عن المخالفات والعقوبات، وبين دعوة ~~شعارها تيسير التوبة للخاطئين، وتمهيد سبل الرجاء في الغفران. # كان التبشير بالغفران والتوبة أكبر ذنوب الداعي الجديد؛ لأن الخطايا ~~والعقوبات بضاعة السلطان القائم، وهي على كونها مصلحة مريحة، ms089 باب للفخر ~~والكبرياء. # فجاءوا يسوقونه إلى حيث أبى أن يساق، وكان همهم الأكبر أن يثبتوا عليه أن ~~يبطل شريعة، أو يتصدى لتنفيذ ذريعة، فأعنتوا عقولهم في البحث عن المشكلات ~~والألغاز التي يفتي فيها بما يخالف الشريعة الدينية، أو القوانين السياسية، أو ~~يفتي فيها بما يخالف آداب الرحمة، ووصايا السماحة والصلاح. # برز له مرة واحد من جموع السامعين، فقال له: أيها المعلم! مر أخي يقاسمني ~~الميراث. وظن أنه يتولى هنا سلطة التقسيم بحق الكرامة على تلاميذه ومستمعيه، ~~فما زاد على أن قال: أيها الإنسان، من أقامني عليكما قاضيا أو ~~حسيبا؟! # وتعمدوا وهو في الهيكل أن يضطروه إلى موقف الحكم، أو إنكار الشريعة، فاقتحم ~~عليه الكتبة والفريسيون دروسه ومعهم امرأة يدفعونها إلى وسط الحلقة، وراحوا ~~يتصايحون: أيها المعلم، هذه امرأة أخذت وهي تزني، وقد أوصانا موسى أن نرجم ~~الزانية، فماذا تقول أنت؟ # ماذا يقول هو؟ ما بالهم يسألونه ويستأذنونه، وهو لا يملك أن يمنعهم، لو ذهبوا ~~بها إلى قضاتها؟ إن الشرك مكشوف على وجه الأرض، وليس منه مخرج فيما ~~حسبوا وخمنوا، إن قال: ارجموها! فذلك حق الولاية يدعيه، وإن قال: أطلقوها! ~~فتلك شريعة موسى ينكرها في قلب الهيكل، فكيف الخلاص من جانبي الشرك، ولو ~~أنه مكشوف معروف. # سبق إلى ظنهم كل خاطر إلا أنه ينتهي من القضية إلى حل لا يدعي به السلطة، ~~ولا ينكرها، ولا ينساق فيه إلى مجاملة الرياء بالدين والكبرياء بالتقوى، ولبثوا ~~يترقبون، ولا يدرون كيف يخرج من المأزق الذي دفعوه إليه، وهو يستمع إليهم ويخط ~~بأصبعه على الأرض، حتى فرغوا من جلبتهم وسؤالهم، فوقف قائما ورد عليهم رياءهم ~~في وجوههم، وكسر الشرك بقدميه من كلا طرفيه، وهو يقول لهم: «من كان منكم ~~بلا خطيئة فليتقدم وليرمها بحجر.» # لا ينقض شريعة موسى، ولا يدعي تنفيذها، ولا يجامل رياءهم، بل يدعهم هم يحاولون ~~الخلاص من الحيرة والخجل بالروغان! # وبقيت المرأة المسكينة واقفة وحدها أمامه، فسألها سؤال العارف: أين المشتكون ~~منك؟ أما دانك أحد؟ فقالت: لا أحد أيها السيد. فأرسلها وهو ms090 يقول: ولا أنا ~~أدينك، فاذهبي ولا تخطئي. # نعم، لا يدينها، ولا يحسب عليه أنه لا يدينها في تلك القضية، ولو كان هو ~~قاضيها؛ لأن القاضي لا يدين بغير شكوى، وبغير شهود وبغير بينة! # وتناول مسألة الزواج والطلاق، وقد بلغ من سهولتهما في ذلك العصر أن تتصدع ~~الأسرة، وأن تصبح الزوجة أضيع من الخليلة في عرف قومها، فقال إن الزوج ~~والزوجة جسد واحد لا يفصلهما الإنسان، وقد جمعهما الله، «ومن طلق امرأته إلا ~~لعلة الزنا دفعها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فإنه زان.» # ولم تحدث مناوشة قط من هذا القبيل بينه وبين المتفيقهين من متخذي العلم صناعة ~~وأحبولة إلا ارتدوا منها مفحمين، وخرج منها مجيبا أحسن جواب بل أكرم ~~جواب. # فلم يصعب عليه أن يحطم «الشرك السياسي» الذي نصبوه له ليسمعوا منه إشارة ~~بإعطاء الجزية، أو بعصيان الدولة، وأراهم أنهم يتعاملون بنقود قيصر، ويكنزون ~~منها الثروة والمال، فلماذا لا يعطون ما لقيصر لقيصر، وما لله لله؟ # ولم يصعب عليه أن يسكت الصدوقيين والفريسيين معا، والأولون ينكرون البعث، ~~والآخرون يؤمنون به جسديا وروحيا على السواء، فلما قيل له إن شريعة موسى ~~توصي الأخ أن يبني بزوجة أخيه المتوفى حفظا للأسرة، وسألوه: لمن تئول في يوم ~~القيامة زوجة تعاقبها سبعة إخوة؟ خيل إليهم أنه لن يستطيع أن يجيب عن هذا ~~السؤال جوابا يرضي الصدوقيين، أو يرضي الفريسيين، فكان جوابه مفحما لهؤلاء ~~وهؤلاء؛ لأن الأحياء في العالم الآخر لا يتزاوجون زواج هذا العالم، ولا ~~يتناسلون! # والحق أن الأناجيل لا تروي لنا من هذه المساجلات إلا ما نشهد أمثاله اليوم في ~~كل درس من الدروس العامة يتصدى فيه المتعالمون المتفيقهون لتعجيز المعلمين ~~والوعاظ، وإن اختلفت المقاصد من أسئلة السائلين في كل حلقة على حسب الموضع ~~والموضوع. # والحق أن قدرة السيح المسيح على الردود السريعة والأجوبة المسكتة لهي دليل ~~آخر إلى جانب أدلة كثيرة على «الشخصية» التاريخية، والدعوة المتناسقة؛ لأنها ~~قدرة من وراء طاقة التلاميذ والمستمعين، بل هم يروونها، ولا يفطنون إلى أهم ~~البواعث عليها في ms091 سياسة الرسالة المسيحية، فإن هذه الرسالة قائمة على اجتناب ~~التشريع، واجتناب التعريض له بالإبطال أو الإبدال، ووجهتها على الدوام أنها ~~لا تدعي سلطة من سلطات الدنيا والدين، وأن مملكة المسيح من غير هذا العالم، ~~وليست من ممالك الدول والحكومات، كذلك قال لكهان الهيكل، وكذلك قال لبيلاطس ~~حاكم الرومان، وعلى ذلك جرى أسلوبه في كل أمر وفي كل موعظة، فهو أسلوب الآداب ~~والمثل العليا، وليس بأسلوب النصوص والقوانين، وكلامه عن زنى المطلق، وعن زنى ~~العين التي تقلع إذا نظرت نظرة اشتهاء، وعن خطيئة اليد التي تقطع إذا وقعت في ~~العثرات؛ لا يحمله أحد على محمل التشريع، وليس في مسلك المسيح كله في رسالته ما ~~يجريه مجرى الإلزام، ومع هذا غلب على الرواة من يحسبه تشريعا مقصودا بحروفه، ~~وقل من الرواة من فرق في فهمه بين أسلوب الشريعة المقصودة بحرفها وأسلوب ~~الآداب الإنسانية التي ترتفع إلى الأكمل فالأكمل، وتنفذ إلى المعاني من وراء ~~الألفاظ، ويرجع الأمر فيها إلى ضمير يحاسب صاحبه، ولا يرجع إلى قاض يسمل ~~عينا، أو يدخل في الصدور ليتتبع فيها بواعث الاشتهاء، ولو خلصت هذه المعاني ~~إلى سامعيها جميعا كما عناها السيد المسيح، لما ثبتت له كما ثبتت من اختلاف ~~الفهم والتأويل. # | شريعة الحب # الجمود والرياء كلاهما موكل بالظواهر؛ فالجمود يقف بصاحبه عند الكلمات ~~والنصوص، يخيل إليه أنها مقصودة لذاتها، فتصبح شغلا شاغلا له يمعن في ~~تأويلها وتوجيهها واستخراج العقد والألغاز منها، وينتهي الأمر به إلى اعتبارها ~~مسألة براعة وفطنة، واعتبار الأحكام والعقوبات فرصة للشارع لا يجوز أن تفلت من ~~بين يديه، وإلا كان ذلك مطعنا في براعته وفطنته، وهزيمة له أمام غرمائه ~~المقصودين بتلك الأحكام والعقوبات. # ومن الجامدين من يفخر بعلمه بالنصوص والشرائع، ويقيس علمه بمبلغ قدرته على خلق ~~العقد والعقبات من خلال حروفها وسطورها، أو من المقابلة بين سوابقها ولواحقها ~~وبين مواضع الموافقة والمناقضة منها، ويحدث هذا لكل «شريعة» صارت إلى أيدي ~~الجامدين والحرفيين، فقد أدركنا في مصر أناسا من كتاب الدواوين يفخرون ~~بقدرتهم على توقيف العمل ms092 بين المراجعات والردود، اعتمادا على هذا النص أو تلك ~~الحاشية، وافتنانا منهم في عصر العبارات، ونبش الدفائن، وإقامة الدليل من ثم ~~على سعة العلم والغلبة في ميدان الحوار ومجال اللف والدوران. # ولا حساب للنفس البشرية بطبيعة الحال عند هؤلاء الجامدين الحرفيين، فإنما ~~الحساب كله للنص المكتوب من جهة، ولدعوى العلم والتخريج من جهة أخرى، وإنما ~~النفس البشرية هي الفريسة التي يتكفل العقاب باقتناصها، ويتكفل العلم بإغلاق ~~منافذ النجاة في وجهها، ويقدح في غرور العالم المحيط بأسرار الشريعة وخفاياها ~~أن تتمكن النفس المسكينة من الهرب، وأن يرجع العقاب بغير فريسة، وتلك خيبة ~~للشرائع والقوانين، خيبة لها أن تفتح مذابحها ثم تتيح للضحايا والقرابين أن ~~تفلت منها! # فالشارع الماهر في عرف الجمود هو أقدر الشارعين على مد الحبائل، واقتناص ~~الضحايا. # والفخر كل الفخر لخدام الشريعة أن يوفروا لها الصيد، ويحكموا من حوله ~~الشبكة. # وقد تنتفخ الأوداج بهذا الفخر علانية، ويصبح أحق الناس بالمفخرة أقدرهم على ~~إدانة الآخرين. # ويتمادى الأمر حتى تصبح الاستقامة براعة في اللعب بالألفاظ، وتعجيزا للجهلاء ~~بالحيل والفتاوى، وحتى يزول الجوهر في سبيل العرض، ويزول اللباب في سبيل ~~القشور، وتزول الاستقامة وطهارة الضمير في سبيل الكلمات والنصوص، وتزول الحقائق ~~في سبيل الظواهر والأشكال. # وإذا صار أمر الفضائل إلى الظواهر والأشكال تساوى فيها الصدق والرياء، فإن ~~غاية الصدق والرياء معا شكل ظاهر باطنه خواء، فلا فرق بين المرائي وبين ~~الصادق في فضيلته، ما دامت الفضيلة جمودا لا حس فيه، ولا حياة، ولا اعتبار فيه ~~للنفس البشرية وراء النصوص والأحكام، ووراء الأوامر والنواهي، ووراء العقاب ~~والاحتيال. # إن الجمود والرياء كلاهما موكل بالظواهر. # وعالم الظواهر غير عالم الضمير. # وهذان هما العالمان اللذان تقابلا وجها لوجه عند قيام الدعوة المسيحية. # عالم كله قيود وأشكال. # وعالم طلق من القيود والأشكال، في ساحة الضمير. # روى إنجيل متى في الإصحاح الخامس أن السيد المسيح قال: «لا تظنوا أني ~~جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض، بل جئت لأكمل.» # وروت الأناجيل أنه عمل في يوم السبت، وسخر ms093 من المحرمات التي لا تدنس الإنسان، ~~وخاطب الناس بغير خطاب الناموس. # فهل نقض المسيح من تقدموه، أو اتبعهم في كل ما أبرموه؟ # إن شئت فقل إنه نقض كل شيء. # وإن شئت فقل إنه لم ينقض منه مثقال ذرة. # لأنه نقض شريعة الأشكال والظواهر، وجاء بشريعة الحب أو شريعة ~~الضمير. # وشريعة الحب لا تبقي حرفا من شريعة الأشكال والظواهر، ولكنها لا تنقض حرفا ~~واحدا من شريعة الناموس، بل تزيد عليه. # وينبغي هنا أن نصحح معنى الناموس في الأذهان، فإن معناه هو «القوام» الذي ~~يقوم به كل شيء، وناموس العقيدة هو الأصول الأبدية التي يقوم بها ضمير الإنسان ~~ما دام للضمير وجود، فلن يزال قائما - كما قال السيد المسيح - ما قامت الأرض ~~والسماوات. # ولقد كمل المسيح شريعة الناموس حقا؛ لأنه جاء بشريعة الحب، وهي زيادة ~~عليه. # إن الناموس عهد على الإنسان بقضاء الواجب، أما الحب فيزيد على الواجب، ~~ولا ينتظر الأمر، ولا ينتظر الجزاء. # الحب لا يحاسب بالحروف والشروط، والحب لا يعامل الناس بالصكوك والشهود، ~~ولكنه يفعل ما يطلب منه ويزيد عليه، وهو مستريح إلى العطاء غير متطلع إلى ~~الجزاء. # بهذه الشريعة - شريعة الحب - نقض المسيح كل حرف في شريعة الأشكال ~~والظواهر. # وبهذه الشريعة - شريعة الحب - رفع للناموس صرحا يطاول السماء، وثبت له أساسا ~~يستقر في الأعماق. # وبهذه الشريعة - شريعة الحب - قضى على شريعة الكبرياء والرياء، وعلم الناس ~~أن الوصايا الإلهية لم تجعل للزهو والدعوى والتيه بالنفس، ووصم الآخرين ~~بالتهم والذنوب، ولكنها جعلت لحساب نفسك قبل حساب غيرك، وللعطف على الناس ~~بالرحمة والمعذرة، لا لاقتناص الزلات واستطلاع العيوب. # وفي اعتقادنا أن «شخصية» السيد المسيح لم تثبت وجودها التاريخي وجلالها ~~الأدبي بحقيقة من حقائق الواقع كما أثبتتها بوصايا هذه الشريعة؛ شريعة الحب ~~والضمير. # فكل كلمة قيلت في هذه الوصايا فهي الكلمة التي ينبغي أن تقال، وكل مناسبة ~~رويت فهي المناسبة التي تقع في الخاطر، ولا تصل إليها شبهة الاختلاق. # يلزم في شريعة الكبرياء من يتخذ الدين سبيلا إلى التعالي على الآخرين، ويلزم ~~في ms094 شريعة الحب من يقول لذلك المتعالي على غيره المتفاني بنفسه: «لماذا تنظر إلى ~~القذى في عين أخيك ولا تنظر إلى الخشبة في عينك؟!» # يلزم في شريعة الفرح بالعقاب، والسعي وراء العورات من يسوق المرأة الخاطئة في ~~المواكب، ويخف إلى موقف الرجم كأنما يخف إلى محافل الأعراس. # ويلزم في شريعة الحب من ينهى ذلك الجمع المنافق، ويكشف له رياءه، ويرده إلى ~~الحياء، وقد ارتد إلى الحياء حين استمع السيد يناديه: «من لم يخطئ منكم ~~فليرمها بحجر ...» # ويلزم في شريعة الرياء والكبرياء أن يفخر المصلي بصلاته، وأن يعلن الصائم عن ~~صيامه، ويتخذه زيا ينم عليه بعبوسه وضجره، ويلزم في شريعة الحب من ينهى ~~الناس عن صلاة الرياء وصيام الرياء؛ لأنهم يحبون أن يصلوا قائمين في ~~المجامع، وفي زوايا الشوارع، «ومتى صمتم أنتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، ~~فإنهم يغيرون وجوههم؛ ليظهروا للناس صيامهم، فقد استوفوا أجرهم فلا أجر ~~لهم، وأما أنتم فمتى صمتم فادهنوا رءوسكم، واغسلوا وجوهكم، لا يظهر صيامكم ~~للناس، بل لأبيكم المطلع في الصدور.» # يلزم في شريعة الرياء والكبرياء أن يفخر المعطي بالعطاء، وأن يستطيل به على ~~الفقراء، وأن يصوت قدامه بالأبواق، ويعلن صدقته في الطرقات والأسواق، ~~ويلزم في شريعة الحب أن تسر أعمال المحسنين، فلا تعلم الشمال ما تفعل ~~اليمين. # في شريعة الكبرياء يتقي المتكبر تقواه ليتكبر بها على المذنبين، ويلوم المرشد ~~المصلح لأنه يجلس مع العشارين والخطاة، وفي شريعة الحب والضمير يقال للمترفعين ~~بتقواهم ما ينبغي أن يقال لهم: إنما يحتاج المرضى إلى الطبيب، وإنما يكون ~~الحب على قدر الغفران. # وقد بلغت فتنة «الظواهر والأشكال» غايتها، وطغت من الهيكل إلى البيت، ومن ~~المكتب إلى السوق، ومن المنبر إلى المائدة، حتى لقمة الطعام أصبحت لا تحل أو ~~تحرم إلا بمقدار ما يتلى عليها من الأوراد والعزائم، وما تحاط به من الشعائر ~~والمراسم، وما يرسمه الكهان من أحكام الذبائح والولائم، فبحق يصطدم هنا عالم ~~الظواهر وعالم الضمير، وبحق يقال للمتطهرين بغسل الأيدي والتلاوة على لقم ~~الطعام وصحاف المائدة: «إن ما يدخل ms095 الفم لا يدنس الضمير، وإن الدنس إنما ~~يخرج من القلب الذي فيه الشر والزور والفسوق والكفران.» ~~••• # ومجمل القول أن الخير كله كان في حكم شريعة الظواهر والأشكال، شريعة ~~الكبرياء والرياء، مسألة «امتياز رسمي» يحتكره أصحابه بفضل السلالة والعنصر، ~~ويرجع الأمر فيه إلى الموروثات والمأثورات. # فالفضل بين الأمم «امتياز رسمي» محتكر لإسرائيل؛ لأنهم أبناء إبراهيم، ~~والفضل بين الإسرائيليين «امتياز رسمي» محتكر لأبناء هارون وأبناء لاوي أصحاب ~~الكهانة بحق النسب والميراث، والفضل في الدين والعلم حرفة يحتكرها الكتبة ~~والناموسيون، أو فقهاء ذلك الزمان، بل كادت محبة الله لشعبه المختار أن تكون ~~«وثيقة في صك مرسوم» تضمن الإيثار لذلك الشعب، وإن هبطت به أعماله دون سائر ~~الشعوب، «فلا لأنكم أكثر الشعوب لازمكم الرب واختاركم، فإنكم أقل من سائر ~~الشعوب، بل هي محبته وحفظه القسم الذي عاهد عليه آباءكم.» # فلما قامت الدعوة المسيحية بشريعة الحب والضمير، كانت كلمتها هي الكلمة التي ~~تقال في كل ما ادعوه، وما استأثروا به واحتكروه. # ليس الخير حكرا للنسب والسلالة «بل الذي يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي ~~وأمي»، «إن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب على أرائك الملكوت، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة ~~بالعراء.» # وإنما الرحمة عمل، لا نسبة ولا حرفة. وضرب لهم مثلا: «إنسانا خرج عليه ~~اللصوص في الطريق فسلبوه وضربوه وتركوه بين الحياة والموت، وعبر به كاهن فأهمله ~~ومضى في طريقه، وجاء لاوي فمضى ولم يلتفت إليه ... ولكن سامريا رآه فأشفق عليه ~~وضمد جراحه، وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق، وأولاه عنايته، ثم أخرج لصاحب ~~الفندق عند سفره دينارين؛ لينفقها عليه، ويعنى به، ومهما ينفق عليه فهو موفيه ~~عند مرجعه ...» قال السيد المسيح لتلاميذه وقد ضرب لهم هذا المثل: «أي هؤلاء ~~الثلاثة أقرب إلى ذلك الصريع الجريح؟» والجواب الذي لا خلاف عليه بداهة أن ~~السامري المنبوذ أقرب إليه من أبناء هارون ومن اللاويين المصطفين! # وراح يجبه فطاحل العلماء التياهين بما علموه وحفظوا وتفننوا فيه من ألغاز ~~الفقه وأحاجي الشريعة، فقال ms096 لهم: «إن الدين بما تعمل لا بما تعلم.» حذر ~~أتباعه ومريديه أن يقتدوا بهم في عملهم، وأن يدعوا مثل دعواهم: «لأنهم يحزمون ~~الأوقار، ويسومون الناس أن يحملوها على عواتقهم، ولا يمدون إليها أصبعا ~~يزحزحونها، وإنما يعملون عملهم كله لينظر الناس إليهم، يعرضون عصائبهم، ~~ويطيلون أهداب ثيابهم، ويستأثرون بالمتكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في ~~المجامع، ويبتغون التحيات في الأسواق، وأن يقال لهم: «سيدي!» «سيدي!» حيث ~~يذهبون ...» # ثم يهتف بأولئك المنافقين التياهين: «أيها القادة العميان الذين يحاسبون ~~على البعوضة ويبتلعون الجمل، إنكم تنفقون ظاهر الكأس والصحفة، وهما في الباطن ~~مترعان بالرجس والدعارة، ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون! إنكم ~~كالقبور المبيضة، خارجها طلاء جميل، وداخلها عظام نخرة.» # ولما تعالموا عليه بالأسئلة عن أسرار الكتب وألغاز الفرائض والوصايا، وسألوه: ~~أيهما أعظم في الناموس؟ حسبوا أنه سينقب بين السطور، ويطيل البحث ~~بين الأسرار والألغاز، ولكنه ترك السطور والنصوص، وجمع لهم الدين كله والكتب ~~جميعا في كلمات معدودات: «أن تحب ربك بجماع قلبك، ومن كل نفسك وفكرك، وأن ~~تحب رقيبك كما تحب نفسك.» # هذا كل ما يلزم العابد الصالح أن يحتقبه من القماطر والأوراق، ولا تكون العقبى ~~أنه يهدر الفرائض والأحكام، وأنه يستبيح ما لا يباح، بل لعله يتشدد حيث ~~يترخص النصوصيون والحرفيون، كما يتشدد الإنسان حيث يحاسب ضميره، ويصنع في ~~سبيل الحب ما لا يصنعه في سبيل الواجب، وكل ما هنالك أن تصبح الفضيلة وحي نفس، ~~وحساب ضمير، ولا يصبح قصاراها وحي القانون، وحساب الصكوك والشروط، وأساليب ~~الروغان من بين السطور والحروف. # لا جرم كانت شريعة الحب والضمير أشد وأحرج من شريعة الظواهر والأشكال؛ لأن ~~الضمير موكل بالنيات والخواطر قبل الأفعال والوقائع، ولأنه يحاسب صاحبه على ~~همساته ووساوسه، ولا يتركه حتى يعمل ما يضر أو يسوء. ~~«قيل للقدماء: لا تقتل، ومن يقتل وجب عليه العقاب. أما أنا فأقول ~~لكم: إن من يغضب على أخيه باطلا يأثم ويجزى ... فإن قدمت ~~قربانك وذكرت حقا لأخيك عليك، فدع قربانك أمام المذبح، واذهب ~~قبل فصالح أخاك.» ~~«وقيل ms097 للقدماء: لا تزن. أما أنا فأقول لكم: إن من ينظر إلى امرأة ~~فيشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن كانت عينك اليمنى تلقي بك في ~~العثرات فاقلعها، وألقها عنك، فخير لك أن يهلك عضو لك من أن تهلك ~~كلك.» ~~«وقيل للقدماء: لا تحنث. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا، وليكن كلامكم ~~كله: نعم نعم، لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشيطان.» ~~«وسمعتم أنه قيل: عين بعين، وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقابلوا ~~الشر بالشر ، ومن لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر، ومن سخرك ميلا ~~واحدا، فاذهب معه ميلين.» ~~«وسمعتم أنه قيل: تحب قريبك، وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا ~~أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وادعوا لمن يسيء إليكم ويطردكم، ~~لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يطلع شمسه على الأشرار ~~والصالحين، ويرسل غيثه للأبرار والظالمين. وأي أجر لكم إن أحببتم من يحبونكم، ~~أليس العشارون يفعلون ذلك؟ فتعلقوا أنتم بالكمال، فإن الله كامل، يحب ~~الكمال.» # هذه شريعة تهدم كل عرف قائم، وتعصف بكل شكل ظاهر، ولكنها لا تهدم ~~الناموس، ولا تعصف بركن من أركانه، وقد تزيد فرائضه، ولا تنقص حرفا منها، ~~حيث تنقلها من الأوراق ومناظر العيان إلى الضمائر والقلوب؛ لأن الإنسان ~~يحاسب نفسه إذا أحب حسابا لا تدركه الشرائع، ولا يطلع عليه القضاء. # وقد كان المصطدم بين الشريعتين حيث يتوقع وكما يتوقع، وكان السجال بينهما هو ~~السجال الذي تمليه شريعة الحب والضمير، وشريعة الظواهر والأشكال، ولم تسقط من ~~ذلك السجال كلمة كانت منظورة من دعاة الرياء والكبرياء، ولم يكن الجواب على ~~كلمة منه عرضا غير مقصود في وجهته، أو جزافا يقوله كل قائل ويأتي لغير ~~مناسبة، ومن ثم نقول إن الشخصية التاريخية والدعوة المتناسقة لم تثبتا ببرهان ~~أصدق من هذا البرهان، وإن المصطدم بين الشريعتين لا يختلقه المختلق إن شاء؛ ~~لأنه من وراء طاقة المختلق أن يلحق بطبيعة الشريعتين: شريعة الحب والضمير، ~~وشريعة الرياء والكبرياء، ويدفع بهما حيث تندفعان، ويملي عليهما ما ms098 تسألان ~~عنه، وما تجيبان. # تلك معالم واضحة، ومقاصد بينة معروفة المنحى، فإذا وقع اللبس مرة فليس أيسر ~~من الحسم في مواضع اللبس على ذوي النية الحسنة، فكل ما وافق شريعة الحب والضمير ~~وخالف شريعة الظواهر والأشكال فهو هنا، وكل ما مشى في سبيل الظواهر والأشكال ~~وأعرض عن سبيل الحب والضمير فهو هناك، ولن يطول اللبس في معنى من معاني السيد ~~المسيح إلا على عباد الألفاظ والنصوص، وليس من الإنصاف ولا من حسن الفهم أن ~~تحكم الألفاظ والنصوص في الدعوة التي تزدريها وترجع بكل شيء إلى مقاصد الحب ~~والضمير، ذلك كما قال السيد المسيح هو وضع الخمر الجديدة في الزق القديم، أو ~~وضع الرقعة القشيبة على الثوب الرديم. # | آداب حياة # كان «أوريجين» فيلسوفا ملحوظ المكانة في تاريخ الفلسفة والديانة المسيحية، ~~ويرى الكثيرون أنه أكبر المفكرين الدينيين الذين نبغوا بين القرن الثاني ~~والقرن الثالث للميلاد، ومن لم يره كذلك فلا خلاف عنده في حسبانه بين ثلاثة أو ~~أربعة من كبار المفكرين في عصره، غير مستثنى منهم أساتذته الأولون. # هذا الرجل قرأ في شبابه قول السيد المسيح إن أناسا يخصيهم الله، وأناسا ~~يخصيهم الناس، وأناسا يخصون أنفسهم في سبيل الله، فحمله على معناه الحرفي ~~وجب نفسه ليقدم بعد ذلك على تعليم النساء وهو آمن، ولكنه أدرك خطأه بعد ~~ذلك، وعدل عن هذا الفهم الحرفي لأقوال السيد المسيح. # إلا أن ثبوت هذه الرواية في سيرة رجل من أعلام زمانه يبطل العجب من روايات ~~كثيرة بقيت بين أخبار الدعوة المسيحية في عصرها الأول، فقد كان الرجل يفقأ عينه ~~إذا علم أنها نظرت إلى امرأة نظرة اشتهاء، وكان يمسخ جسده مسخا إذا راودته ~~الشهوات، حتى ليتساقط منه الدود وهو بقيد الحياة، فإذا كان شاب في ذكاء ~~«أوريجين» وقوة فطنته يفهم العظات المسيحية على هذا الوجه، فلا عجب أن يشيع ~~هذا الفهم بين طائفة من البسطاء الذين لا يبلغون مبلغه في الفطنة ~~والدراية. # لكن «أوريجين» نفسه قد عدل عن خطئه بعد زمن كما أسلفنا، وسبقه وجاء بعده ms099 أناس ~~من طبقته أيقنوا أن السيد المسيح قصد المعاني، ولم يقصد الحروف حين أوصى ~~بكف الأعضاء عن نزغات الجسد، فلم يعن بفقء العين إلا ما نعنيه بقطع اللسان ~~حيث نريد به السكوت أو الإسكات، ولم يعن بقمع الجسد إلا ما نعنيه بقمع الرياضة ~~والتربية، وكان كلمنت الإسكندري يقول بحق إن السيد المسيح لا يعني بنبذ المال ~~أن نرفضه بتاتا في جميع الأحوال، إلا لم يكن الإحسان فضيلة من أكبر الفضائل في ~~الوصايا المسيحية، وجاء القديس أوغسطين بعد ذلك فنفى أن الدين يوجب الزهد على ~~كل أحد، مع استحسانه الزهد لمن يقدر عليه. # إلا أن الخلاف على فهم وصايا المسيح لم يزل قائما بعد تفسيرها على هذا الوجه ~~مرات في أقوال حكماء المسيحية، ولا يزال هذا الخلاف قائما إلى عصرنا هذا في ~~الوصايا التي تدور على رفض الحياة خاصة، وغير قليل من المتأولين ينحو منحى ~~الدكتور «شويتزر» # Schweitzer # الذي يرى أن ~~السيد المسيح قد أوصى الناس بتلك الوصايا؛ لاعتقاده أن الساعة قريبة، وأن ~~الدنيا التي يهجرونها مقضي عليها بالفناء في مدى سنوات، فكل ما أوصى به ~~الناس فالمفهوم منه أنهم على سفر، وأن الزاد للعالم الآخر من غير هذا ~~الزاد الذي يدخره المدخرون للدنيا الزائلة. # وفي اعتقادنا أنه لا محل للخلاف على الوصايا التي وجهها السيد المسيح ~~لتلاميذه ورسله المتجردين لنشر الدعوة، فإن كل دعوة في عصر المسيح، أو في ~~عصرنا هذا، وفي جهاد الدين أو جهاد الدنيا؛ تحتاج من الدعاة إلى شل ذلك ~~التجرد ومثل ذلك الانقطاع عن الشواغل الأخرى، ونظام فرق الفداء في الجيوش ~~الحديثة معلوم لا خلاف عليه، وأول أحكامه أن يفكر «الجندي المجاهد» في الموت ~~قبل تفكيره في الحياة. # إنما الخلاف على الوصايا حين تتجه إلى غير التلاميذ والرسل: إلى أبناء ~~الدنيا الذين يعيشون فيها، ويعملون لأنفسهم، ولمن يعولونهم من أبنائهم ~~وذويهم، فهل يطلب من هؤلاء جميعا أن ينقطعوا عن دنياهم، ويرفضوا حياتهم، ~~ويتشبهوا بالطير والنبات في اعتمادهم على الغذاء والكساء؟ # أقول حقا إنني أفهم وصايا السيد ms100 المسيح جميعا، ولا أجد في فهمها صعوبة ~~على الإطلاق، إذا أنكرنا الجمود على الحروف والنصوص كما كان ينكرها - عليه ~~السلام - وإذا علمنا أنه - عليه السلام - قد قال كل شيء حين قال، ولخص حكمته ~~كلها في هذا المقال: «ليس الإنسان للسبت، وإنما السبت للإنسان.» # لقد كان هم السيد المسيح في الإصلاح النفسي تغيير البواعث لا تغيير ~~المقادير. # كان همه أن ينقل الآداب من محور إلى محور، ولا قيمة للمسافات ولا للأبعاد ~~إذا كان انتقال المحور هو المقصود. # كانت العروض هي المحور الذي تدور عليه حياة الأمم والآحاد في عصره، فوجب أن ~~يكون الجوهر الصميم هو محور الحياة. # كانت «الأشياء» مقدمة على النفس الإنسانية، فوجب أن تكون النفس الإنسانية ~~مقدمة على الأشياء. # وجب أن يكون ربح النفس الإنسانية هو الغنيمة الكبرى؛ لأن من ربحها فلا جناح ~~عليه أن يخسر العالم. # وإذا كان «الحطام» هو محور الحياة فسيان الكثير والقليل: سيان من يطلب الدرهم ~~الواحد، ومن يطلب ملايين الدراهم، فكلاهما مداره خطأ وسعيه عقيم. # إذا كانت «الشهوة» هي محور الحياة، فسيان من يشتهي بعينه ومن يقوم ويقعد ويسهر ~~وينام في طلب اللذة والغواية، فكلاهما فارغ لهذا المحور الذي يدور عليه. # ولكننا ننقل المحور، أو ننقل القبلة كما أسلفنا في فصل سابق، فينتقل كل شيء، ~~ويتغير اللباب الأصيل من كل خلق. # إذا أصبح كسب النفس الإنسانية - كسب المحور - هو غاية الحياة، فالذي يملك ~~الملايين زاهد كالذي يملك العشرات أو الذي لا يملك شيئا من الأشياء. # إذا تغير المحور، فمسافة الفرسخ والميل كمسافة الشبر والقيراط. # وإذا بقي المحور، فالبعيد كالقريب، والقريب كالبعيد. # وتغيير المحور هو الذي عناه السيد المسيح. # وتغيير المحور لازم في ذلك العصر، لازم في هذا العصر، لازم في كل زمن ينحرف فيه ~~الاتجاه عن سوائه، ولهذا كانت رسالة السيد المسيح نموذجا للرسالات، ولم تكن ~~آخر الرسالات في الحياة الإنسانية. # لهذا نعتقد أن السيد المسيح كان يغير المحور تغييرا آخر لو أنه حضر ~~الدنيا بعد عصره ببضعة أجيال، ورأى الناس يغرقون في تعذيب ms101 الجسد، ويفرحون ~~بإطعامه للدود، وهم بقيد الحياة. # بل لا حاجة بنا إلى الفرض هنا، أو الاحتمال الذي يقبل الخلاف، فإن المسيح قد ~~غير المحور هذا التغيير في زمانه؛ غيره حين قبل إنفاق الدنانير في عطر ~~تمسح به قدماه، وحين قبل أن يشهد الأعراس، ويضرب المثل لأتباعه في أفراح ~~الحياة، وفي براءة كل فرح يأتي من القلب، ويسر الجسد، ولا يحزن الروح. # وما كان الإصلاح في الدعوات الكبرى قط مسألة مقادير ومسافات: أنت تنهك نفسك ~~لتكنز مليونا، فحسبك أن تنهك نفسك لتكنز عشرة آلاف، ولا تزيد. # أنت تتهالك على جميع اللذات في جميع الأوقات، فتهالك عليها أياما في الأسبوع، ~~أو تهالك على بعضها دون سائرها في جميع الأيام. # أنت مشغول الذهن بالعدوان والبغضاء، فاشتغل بهما قليلا، ولا تجعلهما شغلا ~~شاغلا بغير انقطاع. # كلا، لم يكن الإصلاح في الدعوات الكبرى قط مسألة مقادير ومسافات، وإنما كان ~~على الدوام مسألة «محور» ينتقل، أو مسألة «باعث» يتغير، وعلى الدنيا بعد ذلك أن ~~تعرف شأنها في مسافاتها ومقاديرها، حتى يبلغ بها الانحراف غايته فتعود أو يعاد ~~بها إلى محورها الذي انحرفت عنه أو إلى محور جديد. # إننا لا ننصف السيد المسيح، بل ننصف أنفسنا حين نعتقد أنه كان يدرك ما ~~يقول وهو يقول: «من أخذ منك رداءك فأعطه قميصك مع الرداء.» # أترى السيد المسيح كان يفوته أن الرداء والقميص اللذين يعطيهما المعطي هما ~~الرداء والقميص اللذان يأخذهما الآخذ أو يسلبهما السالب؟ # كلا، ما كان يفوته ذلك ولا ريب، ولا أدنى ريب. # ولكن النفس الإنسانية هي المقصود، وليس المقصود هو الرداء أو ~~القميص. # المقصود هو أن ترفع النفس الإنسانية فوق أشيائها، بمثل من الأمثلة، يصح أن ~~يكون هذا المثل، ويصح أن يكون مثلا سواه! # فليكن العطاء حبا وطواعية؛ لأن من يعطي مجبرا، أو يعطي ما لا يهمه أن ~~يعطيه، يفقد شيئا ولا يملك نفسه. # وليس كذلك من يعطي لأنه يريد العطاء: إنه يكسب ما أعطاه ولا يضيعه؛ لأن غنى ~~النفس يقاس بما تعطيه، وغنى الجسد يقاس ms102 بما يأخذه، ومن كان لا يبالي أن ~~يعطي العالم كله ليربح نفسه فأخلق به أن يربح نفسه بقليل من العطاء. # أراد السيد المسيح أن يعبد الإنسان سيدا واحدا، ولا يعبد سيدين، وهذا كل ما ~~أراد. # فمن يملك أموال الدنيا غير عابد للمال فلا جناح عليه. # ومن يعبد الله، ويستعبد المال فلا جناح عليه. # ومن حاول غير ذلك فهو غير مستطيع، وليس قصاراه أنه غير مشكور أو غير ~~مأجور. # ونحسب أن النهي عن عبادة سيدين قد أقام الحد واضحا سهلا بين ما هو مباح ~~وما هو محظور في طلب الدنيا ومتاعها وزينتها. فلا حرج على إنسان يملك المال ~~العريض، وهو لا يعبد المال، ولا يقدم نفسه قربانا على هيكله. ولا نجاة لإنسان ~~يملك درهمين، ولا ينالهما بغير عبادة المال. # ويحسن بنا على الجملة أن نذكر أن السيد المسيح لم يقصد إقامة مجتمع في مكان ~~مجتمع. ولكنه قصد إلى تهذيب آداب إنسانية يعتصم به ضمير الفرد وضمير الأمة، ~~وأقامها على أساس واضح في وصايا متعددة لا تضارب بينها. # فالجسم أفضل من الطعام واللباس. # والإنسان أفضل من السبت. # وغنيمة النفس أربح من غنيمة العالم. # ومملكة الضمير في قرارة كل إنسان أبقى من ممالك العروش والتيجان. # وبساطة الإيمان أصلح من حذلقة العلماء والحفاظ، ولولا هذه الحذلقة لما استعصى ~~على أحد أن يفهم ما يسمع من وصايا السيد المسيح، وما جرى مجراها في كل زمن، ~~فمن دأب الحذلقة على الدوام أن تجتهد لكيلا تفهم، وليس من دأبها أن تجتهد مرة ~~لكي تفهم، وعندها في كل آونة سبب لتعطيل كل فهم، وسبب لتعطيل كل عمل، وسبب ~~للظهور يصرفها آخر الأمر عن بواطن الأمور. وهذه الحذلقة التي حالت بين ~~المتحذلقين قديما، وبين كل عمل بكل وصية، فليس عندها مستمع لنبي ولا ~~لحكيم. # إن الحذلقة هي التي أبت أن تفهم حين قال القائل: إن العصفور المبكر يجد ~~الدودة قبل غيره. أفليس في هذا الكلام شيء يفهمه السامع؟ بلى، وفيه نصح لمن ~~يريد أن يسمع ويعمل، ولكن الحذلقة هي ms103 التي قالت في جواب تلك النصيحة: إن ~~الدودة لو لم تبكر قبل العصفور لما أكلها العصفور. # إن الحذلقة تقول هذا؛ لأنها لا تعمل، فهل تراها كسبت شيئا حين خسرت العمل؟ ~~كلا! فإن سخريتها تستقيم إذا كان التأخير أسلم للدود من التبكير، ولكنهما ~~يستويان على الأقل، إن لم يكن التأخير خليقا أن يعرض الديدان لمئات ~~المناقير، ومئات العيون، بدلا من فرد منقار، وفرد عين! # كذلك يقول السيد المسيح: من طلب منك رداءك فأعطه قميصك مع الرداء، فتقول ~~الحذلقة: ولماذا يحق للطالب أن يملك القميص والرداء معا، ولا يحق لمن يعطيهما ~~أن يحتفظ بهما في حوزته؟! # أفليس في قول السيد المسيح ما يفهم؟ بلى، فيه ما يفهم، وما يصحح فهما على ~~ضلال، ولكن الحذلقة لا تريد أن تفهم، ولا أن تعمل، ولا تريد إلا ظهورا «على ~~حساب» الفهم والعمل، كما يقولون. ولولا ذلك لما غاب عنها أن الجديد في الأمر ~~هو امتحان المعطي الذي يقتدى به في الإحسان، وإن طالب الرفد لا خلاف عليه، ~~ولا على قيمة عمله من الفضيلة، وإنما الخلاف الذي يحتاج إلى جديد هو قيمة ~~الإعطاء من فضيلة السماحة والإيثار. # لقد كانت الدنيا تدور على محور الشره، والشر، والبغضاء، والنفاق، فحسن - ولا ~~شك - أن تدور على غير ذلك المحور، وإذا انتقلت منه إلى محور القناعة والخير ~~والحب والصدق، فلا مشاحة في قياس المسافات، ولا تقدير المقادير. # بل نقول إن الرسالة كاملة وافية، ولو لم يكن هذا الانتقال إلى حين وفي حيز ~~محدود، فإنما العبرة بإضافة هذه القيم الجديدة إلى حساب الإنسانية، وشأن ~~الإنسانية بعد ذلك وما تستطيع، وشأن الرسل بعد ذلك وما يستطيعون من تجديد ~~الرسالة كلما انحرفت الجادة، أو احتاج ضمير الإنسان إلى محور جديد. # | ملكوت السماوات # إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين ~~(القصص: 56) # هذه آية كريمة لها مرجع من تاريخ كل دعوة، ولا سيما الدعوات الدينية الكبرى، ~~وما من شيء هو أدعى إلى التدبر الطويل من المقابلة بين مقاصد أصحاب ms104 الدعوات، ~~وبين الغايات التي تنتهي إليها دعواتهم على غير قصد منهم، بل على خلاف ما قصدوا ~~إليه، ثم يمضي الزمن، وتنطوي المقاصد والغايات، فيبدو أن طريق الدعوات كان ~~أهدى من طريق أصحابها، كأنما الدعوات والدعاة معا وسيلة مسخرة تسير في ~~عنان الحكمة الأبدية، دون أن يعلم الدعاة أو يعلم المستجيبون لها إلى أين ~~تسير، وإلى أين يسيرون. # ماذا لو أن أهل مكة عقلوا فاستجابوا إلى الدعوة المحمدية، ولم يدخل المسلمون ~~مكة دخول الغالبين المنتصرين؟ # إن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت فاتحة الفتوح الإسلامية، فلو أنها ~~ارتفعت من تاريخ الإسلام لتغير ذلك التاريخ، ولكنه لا يستفيد - فيما نعتقد - ~~بزوال ذلك الحادث الذي كان محسوبا من العقبات، بل أكبر العقبات في صدر ~~الإسلام. # وماذا لو أن بني إسرائيل في عصر السيد المسيح قبلوه وصدقوه، وفتحوا له أبواب ~~الهيكل مرحبين مؤمنين؟ # كان غاية الأمر أن نبيا من الأنبياء يضاف اسمه إلى أسماء الأنبياء في كتاب ~~العهد القديم، وتبقى إسرائيل في عزلتها كما كانت، ويبقى العالم كله كما كان من ~~هذه الناحية، وتبقى الناصرة كما كانت في التاريخ: منسية لا تذكر، أو تذكر كما ~~تذكر أصغر القرى التي تحكمها رومة الخالدة؛ رومة القياصرة والجبارين ~~المتألهين. # فمما لا ريب فيه أن السيد المسيح قد أراد إسرائيل بدعوته الأولى، ومن البديه ~~أن يريدهم قبل أن يريد أحدا غيرهم؛ لأنهم عشيرته الأقربون، ولأنهم أصحاب ~~الكتب التي تبشر بالخلاص، وتترقب الرسول المخلص من وراء الغيب. # وقد كان السيد المسيح يعظ التلاميذ ويقول لهم: ماذا تركتم للأمم؟ لأنهم أبناء ~~أمة أولى بها أن تستمع إلى الحق من أبناء الأمم كافة، وهم غير مختارين. # وقد كان يرسل التلاميذ للدعوة، وينهاهم أن يدخلوا السامرة، ويحذرهم على ~~العموم أن يطرحوا اللآلئ تحت أقدام الخنازير. # وعلى رفقه في الخطاب كان ينتهر المرأة الفينيقية التي أرادت منه كرامة من تلك ~~الكرامات التي يخص بها أبناء يعقوب؛ لأنه ليس بالحسن أن يؤخذ الخبز من أبناء ~~البيت ليلقي به إلى الكلاب. # وكان هذا الإيثار بديها ms105 كما قلنا من وحي الفطرة ووحي الكتب والدراسة، وكان ~~كذلك حكمة من حكم الدعوة التي يراد لها النجاح، فإن المساواة بين العشيرة ~~الأقربين، وبين الغرباء الموتورين كانت خليقة أن تقصي الأقربين، ولم يكن ~~يقينا، ولا شبيها باليقين، أن تدني إليه أحدا من أولئك الغرباء الموتورين ~~الذين يحاربونه، ويحاربون قومه، ويبادلونهم سوء الظن وتارات ~~الانتقام؟ # فماذا لو استجاب المدعوون إلى الدعوة على أحسن حال وأيسر احتمال؟ ماذا لو ~~استجابوا بغير عناد وبغير استشهاد؟! # إن استجابوا جميعا إلى الدعوة، فقد دخلت الدعوة في نطاق «العصبية العنصرية»، ~~ولم يتغير بها شيء في غير ذلك النطاق المحدود. # وإن لم يستجيبوا جميعا، واستجابت منهم فئة من فئات شتى، فغاية الأمر أنها ~~فرقة تضاف إلى فرق الفريسيين والصدوقين والآسين والغلاة، بل قد حدث فعلا ~~أن فئة من بني إسرائيل قبلت المسيحية على أنها «طائفة يهودية» سميت ~~بالطائفة «الأبيونية»؛ أي طائفة الفقراء والدراويش، ثم ذهبت هذه الطائفة في ~~الغمار، فلا هي إلى اليمين ولا إلى اليسار، ولم يبق لها نصيب في تاريخ ~~اليهود، ولم يبق لها نصيب في تاريخ المسيحيين! # بل حدث فعلا أن كنيسة مسيحية يهودية هجرت بيت المقدس إلى شرق الأردن، ~~واعتزلت كنائس إسرائيل، وأقامت شرقا حيث تحرم الإقامة على سائر إسرائيل، وظلت ~~ردحا من الزمن لا هي إسرائيلية خالصة، ولا هي مسيحية خالصة، ثم ذهبت في الغمار ~~كما ذهب الأبيونيون. # لقد مر بنا المثل الذي ضربه السيد المسيح للمدعوين المتخلفين: مثل الأمير ~~الذي أولم الولائم، وأرسل إلى الصفوة المختارين من الأقرباء والصحاب ~~يدعوهم أن يفرحوا معه، ويشاركوه في طعامه وشرابه، فلم يجبه منهم أحد، وتعلل ~~كل منهم بعلة تؤخره إلى ما بعد يوم الوليمة، فأقسم لا يحضرنها أحد بلغته ~~الدعوة، وليملأنها بمن حضر، ومن لم يحضر، ومن تزويه الأزقة، أو تقذف به الطريق، ~~وأبى أن يبقى مكان على المائدة خلوا من ضيف، وأصبح كل طارق ضيفا مقبولا على ~~الرحب والسعة، وكذا تعمر وليمة السماء التي يتأخر المدعوون إليها، ويتقدم ~~إليها من هم أحق بها؛ ms106 لأنهم يشتهون ما يعافه المدعوون المتبطرون. # قال السيد المسيح لمن دعاهم وألحف في دعواهم فأنكروه، وألحفوا في إنكاره: «إن ~~الحجر الذي رفضه البناءون صار على رأس الزاوية. إن ملكوت الله ينتزع منكم، ~~ويوهب لأمة تؤتيه ثماره. من سقط على ذلك الحجر رضه، ومن سقط الحجر عليه سحقه. ~~هناك يكون البكاء وصرير الإنسان. هناك يدعى الكثيرون، ولا ينتخب إلا ~~القليلون.» # ومنذ استحكمت النبوة بينه وبين الجامدين والمتعصبين قلت وصاياه التي يخص بها ~~«الأمة»، ويفردها بين الأمم، وكثرت في وصاياه الآداب الإنسانية التي يستحق بها ~~الإنسان ملكوت السماوات، فردا فردا، كائنا ما كان شأن الأمة التي ينتمي ~~إليها، وفهم السامعون من الملكوت أنه حق لمن يقصده من بني الإنسان ~~أجمعين. # غير أن ملكوت السماوات لا يفهم على صورة واحدة من روايات الأناجيل المتعددة، ~~بل لا يذكر بلفظ واحد في جميع الأناجيل، فإن مرقس ولوقا يذكرانه باسم ملكوت ~~الله، ومتى يذكره باسم ملكوت السماوات، ويتفق أحيانا أن يذكر في جميع ~~الأناجيل باسم ملكوت ابن الإنسان. # كذلك يبدو من بعض الأقوال أنه حاضر على الأبواب، وإن من الأحياء السامعين ~~من لا يذوق الموت حتى يرى ابن الإنسان آتيا في ملكوته (16 متى). # ويبدو من أقوال أخرى أن المدى بعيد، وأن الضلال في دعواه طويل الأمد: «لا ~~يضلنكم أحد، فإن كثيرين سيأتون باسمي فيضل بهم كثير، وسوف تسمعون بحروب ~~وأنباء، ولا يحين الحين بعد، بل تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة، وتحدث ~~مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن شتى، وهذه كلها بوادر الأوجاع، ويسلمونكم يومئذ ~~إلى الضيق فتقتلون، وتبغضكم جميع الأمم في سبيلي، ثم يأتي أنبياء كذبة كثيرون ~~ويضلون كثيرين، وتفتر محبة كثيرين، ولكن الصابرين إلى المنتهى ينجون، ~~وينادى ببشارة الملكوت هذه في أنحاء المسكونة شهادة لجميع الأمم» (24 ~~متى). # وأحيانا يأتي الكلام عنه كأنه قريب، ولكنه مفاجئ مجهول الموعد: «اسهروا ~~إذن؛ لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم، ولو عرف رب البيت في أي هزيع ~~يأتي السارق ما سرق، فاستعدوا أنتم كذلك؛ لأنه ms107 في ساعة لا تخطر لكم يأتي ابن ~~الإنسان.» # ومن النبوءات ما يقول إن ابن الإنسان نفسه لا يعلم باليوم والساعة (13 ~~مرقس)، وإن بوادره وشيكة أن تظهر في هذا الجيل. # ويشار إلى الملكوت أحيانا بمعنى مشيئة الله وأوامره وفرائضه: «اطلبوا أولا ~~ملكوت الله وبره» (6 متى)، «وقد أعطى لكم أن تعرفوا ملكوت السماوات» (13 ~~متى). # وأحيانا يطلق على الرسالة التي يتعلمها التلاميذ من السيد المسيح: «أجعل لكم ~~ملكوتا كما جعل لي أبي.» ويقول لوقا: «إن التلاميذ والأتباع كانوا يحسبون ~~والسيد المسيح ذاهب إلى بيت المقدس أن ملكوت الله عتيد أن يظهر في الحال» (19 ~~لوقا). # وقد رأينا في كتب التعليقات والتفسيرات أن هذه الصفات المتعددة تستغرب وتثير ~~البلبال بين ذوي الآراء، كأنها أمر غير منتظر في تقديرهم، وهي في اعتقادنا ~~أقرب شيء إلى البداهة وطبائع الأمور. # فيجب أن نقدر أولا أن السيد المسيح قد أشار حتما إلى الملكوت الذي يفهم ~~كل سامع أنه هو العالم الآخر، وأنه يأتي في نهاية هذا العالم، وأنه إذا ~~أشار إلى ذلك الملكوت رجع السامعون بالبداهة إلى النبوءات التي جعلت له علامات، ~~وإلى كلام المفسرين والمترقبين الذين قرنوا تلك العلامات بنهاية الألف الرابعة، ~~أو نهاية الألف السادسة، واختلفوا هل يأتي المسيح المرتقب ثم تعود، أو ينتهي ~~العالم الأرضي بمجيئه، ولا يكون مرجعه بعد ذلك في هذا العالم الأرضي ~~المعهود؟! # وطبيعي جدا أن يتكلم السيد المسيح عن ملكوت السماوات بهذا المعنى، وأن يرجع ~~السامعون إلى تلك النبوءات، ولا موضع للاستغراب في هذا الصدد، بل الغريب أن ~~يخلو كلام السيد من هذا النذير، سواء ظهر في ذلك الوقت، أو ظهر بعده في زمن ~~تتطلع فيه الأنظار إلى النهاية، وإلى تحقيق النذر، والبشائر، والعلامات. # فإذا أدخلنا هذا الملكوت بهذا المعنى في تقديرنا، فليكن في الحساب أنه باب ~~من أبواب اللبس بينه وبين الملكوت بمعانيه الأخرى، ولا سيما الملكوت الذي تقوم ~~عليه رسالة السيد المسيح خاصة، كما هو الواقع في جميع الرسالات. # ففي رسالات الأنبياء الداعين إلى العالم الآخر ms108 جميعا ملكوت رضوان يتحقق في ~~السماء، وملكوت يعمل له الناس في هذه الحياة، أو رسالة يستمعون لها في هذا ~~العالم، فيستحقون بها الملكوت في العالم الآخر. # هذا الملكوت أيضا - ملكوت الرسالة المسيحية، أو ملكوت ابن الإنسان - يقع في ~~البال حتما أن السيد المسيح قد تكلم عنه، ووصف لأتباعه مطالبه ~~ووصاياه. # ولا بد من لبس هنا مع اللبس الذي يحدث من توجيه المعنى حينا إلى ملكوت ~~القيامة، وتوجيهه حينا إلى الملكوت قبل يوم القيامة. # أما اللبس في فهم الملكوت الذي يدور على الرسالة المسيحية - أو رسالة ابن ~~الإنسان - فمرجعه من جهة إلى تطور الدعوة على حسب قبول المستمعين لها، فالملكوت ~~في الدعوة التي يخص بها الإسرائيليون غير الملكوت في الدعوة التي لا يخصون بها، ~~بل لعلهم يطردون منها، وتعم الأمم أجمعين. # ومرجع اللبس من جهة أخرى إلى سمو الرسالة على مدارك السامعين، ولا مناص من هذا ~~اللبس إذا دعي السامعون إلى رسالة أسمى جدا مما ترقبوه وتطلعوا أن ~~يفهموه. # ولا نرى أن المسافة الشاسعة بين نفس السيد المسيح، وبين نفوس التلاميذ ~~والأتباع، قد برزت في موضع من المواضع بروزها في الأسئلة التي توالت منهم عليه، ~~وفي الحيرة التي دلت عليها هذه الأسئلة، حتى نيقوديموس عضو المجمع الأعلى لم ~~يفهم معنى الملكوت الذي يستدعي من الإنسان أن يولد ولادة ثانية، ويدخل إليه ~~إنسانا جديدا كما يدخل الطفل الوليد إلى هذا العالم، وحتى بعد بلوغ الدعوة ~~ختامها، ظل التلاميذ يحسبون أن الملكوت يأتي بدولة بني إسرائيل: «فسألوه ~~قائلين: يا رب! هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ فقال لهم: ليس لكم ~~أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي أودعها الأب سلطانه، لكنكم ستنالون قوة ~~متى حل عليكم الروح القدس، وستكونون شهداء لي في أورشليم، وفي اليهودية ~~جميعا، وفي السامرة، وإلى أقصى المسكونة.» # ونعود فنقول إن اللبس طبيعي جدا في هذا الموقف بين مقصد المتكلم، ومدارك ~~السامعين، وإن هذا التفاوت البعيد هو الذي يؤدي بنا إلى فهم الملكوت كما ~~أراده السيد المسيح؛ لأنه ملكوت لم ms109 يكن في طاقة التلاميذ أن يخلقوه ويصوروه، ~~وكل ما في استطاعتهم أن يذكروا له أوصافا متفرقة سمعوها فسجلوها والتقطوها ~~كما يلتقط السامع ألفاظا من لغة لا يفهمها، فإذا أمكننا بعد ذلك أن نخرج تلك ~~الألفاظ مفردات متناسقة مفهومة على صورة واحدة، فتلك هي الآية على صحة تلك ~~الصورة، وإنها هي الوصف المقصود. # والأناجيل قد ذكرت وصفا متناسقا للملكوت في مواضع شتى: ذكرت مملكة ليست من ~~هذا العالم، وذكرت مملكة قائمة في ضمير الإنسان في كل زمان، إذا ربحها فهو ~~الغانم، وإذا خسرها فالعالم كله لا يجديه، وذكرت مملكة لا يدخلها الإنسان إلا ~~بنفس طاهرة صافية كنفس الطفل البريء، وذكرت مملكة لا يفتحها السيف؛ لأنه ما ~~بالسيف يؤخذ فبالسيف يضيع. «ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله؟ ~~أجابهم: إنه لا يأتي بمراقبة، ولا يقول قائل هو ذا ها هنا، وهو ذا هناك؛ ~~لأنه هو الآن في داخلكم» (17 لوقا). # فالذين استغربوا الأوصاف، ولم يروا فيها إلا التناقض والشكوك! ماذا يصنعون بهذه ~~الصورة المتناسقة؟ وعلى أية صورة كانوا ينتظرون أن تأتي غير هذه الصورة مع ~~التفاوت بين مدارك المعلم ومدارك التلاميذ، ومع حضور الملكوت في أذهان السامعين ~~بمعنى القيامة، ووروده أحيانا في كلام السيد المسيح بهذا المعنى؟ بل كيف كانوا ~~ينتظرون أن تأتي على غير هذه الصورة مع تطور الدعوة تطورا لا بد منه بين كلام ~~موجه إلى أمة خاصة، وكلام موجه إلى جميع الأمم؟ # إن الخلاصة المغربلة موجودة بين السنابل والحبوب، ولكن العيب في الغربال ~~الذي لا يعمل عمله، وفي حامل الغربال الذي ينسى أن الغربال لازم، وأن موضع ~~لزومه على التخصيص. # إذا جاءنا رجل لا يعرف اللغة الصينية، ووضع أمامنا خطوطا وأشكالا، وتسنى لنا ~~أن نخرج من تلك الخطوط والأشكال كلمات تتم بها جملة مفهومة، فتلك آية الآيات ~~على صدق الصورة المنقولة، وتلك الصورة إذن أحق بالاعتماد عليها من كلام الناقل ~~الذي يستطيع أن يزيد على الكلام أو ينقص منه، أو يدخل عليه التحوير والتبديل ~~حسب هواه. # تحولت الدعوة من ms110 خاصة إلى عامة، ومن أمة واحدة إلى سائر الأمم، بل إلى ~~«الإنسان» فردا كان، أو عنوانا يشمل كل إنسان. # وحدث هذا التحول والعالم الإنساني متهيئ للدعوة الجديدة من أعماق وجدانه، وإن ~~لم يكن يسيرا عليه أن يفهمها حق فهمها، أو يسبر أغوارها. # والعالم الإنساني يتهيأ لهذه الدعوات على حسب حاجته إليها، ولا يلزم على الدوام ~~أن يفهمها كما يلزم أن يحتاج إليها، أو إلى شيء من قبيلها. # مثله في ذلك مثل التربة التي ينفعها المطر؛ لأنها مهيأة له متعطشة إليه، ~~ولا محل هنا للحديث عن الفهم وسبر الأغوار. # كانت العلاقة العالمية، أو العلاقة الإنسانية قد وجدت من وراء أسوار الأمم ~~والأقوام، ولكنها قد وجدت في بقاع من الأرض، ولم توجد في سرائر الضمير، ولعل ~~الناس قد اختبروا منها أضرار العداء والبغضاء وكبرياء الجنس ونفور العصبية، ~~قبل أن يختبروا منها مزايا الوحدة، ويتطلعوا من ورائها إلى الأخوة ~~والصفاء. # بل تحطمت أسوار الأمم والأقوام أمام وطأة الشقاء قبل أن تتحطم أمام دعوة ~~الأخوة والصفاء، فاتسعت رقعة العالم المتوحد لأناس من جميع العصب والسلالات، ~~لا يشعرون بينهم بوحدة غير العبودية والضنك، إما في ربقة الرق الصراح، أو ~~في ربقة أخرى لا تقل عنها في القوة والنقمة، وهي ربقة الحرمان ~~والقنوط. # وقد كان من العسير أن يتمخض العالم الوثني عن رسول يجمع الأقوام إلى دين واحد؛ ~~لأن تاريخ الوثنية لم يعهد فيه أن يخرج للدنيا رسلا تملؤهم الحماسة الروحية، ~~وتفيض منهم على من حولهم فضلا عن البعيدين عنهم، ولم يعرف التاريخ قط داعية ~~وثنيا تجرد للتبشير والإنذار غير حافل بالموت، ولا مرتدع بما يلقاه من زواجر ~~الإرهاب والوعيد، وكل ما يحدث في الأديان الوثنية أن تغلب الدولة التي تدين ~~بها على الشعوب المقهورة، فتحملها على طاعة أربابها كما تحملها على طاعة ~~قوانينها وأحكامها، وتفرض عليها العبادات التي تتصل بالشعائر العامة، والمحافل ~~الرسمية، ثم تترك لها بعد ذلك ما يروقها أن تعبده من الأرباب ~~والأصنام. # أما الحماسة الروحية التي كانت لازمة لتوحيد العقيدة في العالم ms111 الإنساني، فلم ~~تعهد قط في غير الأديان الكتابية، أو الأديان الإلهية، ولم يكن لها رسل قط غير ~~الرسل المؤمنين بإله أعظم من الدنيا، وأعظم من الدول، وأعظم من كل ~~موجود. # ولحكمة من الحكم الخالدة، وجد هذا الرسول مطرودا في قومه، ولم يوجد بينهم ~~مقصور الدعوة عليهم، فوجد فيه العالم بغيته في ساعة الحاجة إليه، وإنها لآية ~~من الآيات التي يطول عندها تدبر الباحثين والمؤرخين؛ لأنها من التوفيقات التي ~~يكون القول بالمصادفة فيها أصعب وأعجب من القول بالتدبير والتقدير. # وتم على يد هذا الرسول نقيض ما يتم على أيدي الوثنية في صولتها وسلطانها، فإن ~~الوثنية تتغلب؛ لأنها دين الدولة الغالبة، أما هذه الرسالة - رسالة الملكوت ~~السماوي - فقد نشأت في عشيرة قبيلة ذليلة، تحكمها تارة دولة الرومان الغربية، ~~وتحكمها تارة أخرى دولة الرومان الشرقية، فلم يمض غير أجيال معدودات حتى غزت ~~الدولتين، واستولت على العاصمتين، وصح ما رووه عن جوليان - سواء قاله أو لم ~~يقله - فانتصر «الجليلي» بملكوته السماوي على ممالك القياصر، وضم القياصر إلى ~~حاشيته، فمنه يأخذون ما أخذوه باسم قيصر، وما أخذوه باسم الله! # الباب الخامس # | أدوات الدعوة # | قدرة المعلم # إذا انتشرت دعوة من الدعوات الكبيرة في العالم ثبت من انتشارها شيئان على ~~الأقل، وهما أن العالم كان عند انتشارها محتاجا إليها، وكان مستعدا ~~لسماعها، وهما شيئان مختلفان لا يذكران في معرض الترادف والتماثل؛ لأن الحاجة ~~إلى الدعوة كالعلة، والاستعداد لسماعها كالشعور بالعلة، أو كالاستعداد لطلب ~~الدواء، وقد يتفقان في وقت واحد، وقد توجد العلة، ولا يوجد معها طلب الدواء ~~ولا قبوله، إذا عرض على العليل. # وجملة ما يفهم من العصور التمهيدية التي لخصنا الكلام عليها فيما مضى أن ~~العالم في عصر الميلاد كان محتاجا إلى الدعوة المسيحية، مستعدا لسماعها، ~~سواء قصرنا الكلام على عالم إسرائيل، أو عممنا به العالم أجمع. # فعالم إسرائيل كان يؤمن بالمسيح المنتظر، وبموعده في تلك الحقبة من الزمن، ~~والعالم المعمور كان يؤمن إيمانا «سلبيا» بإفلاس الوثنية، وإقفار النفوس من ~~الرجاء، وكان عامته في بؤس ويأس، ms112 وخاصته مستسلمين للمتاع، أو مستسلمين للتصوف، ~~من كان منهم يفكر دان بالأبيقورية، أو دان بالرواقية، ومن كان مطبوعا على ~~التدين والبحث في شئون الغيب، دان بنحلة خاصة من النحل السرية ~~التي تحل فيها المراسم والشعائر محل الفرائض والعبادات. # وقد يكون الكثيرون من الخاصة بمعزل عن الأبيقورية والرواقية والنحل السرية، ~~فهم إذن في حالة الخواء الذي يسبق الامتلاء، وأسلم ما يقال عنه في صدد ~~العقيدة المقبلة أنه لا يملك القوة على مقاومتها بقوة مثلها، وأنه قد يتفتح ~~بقبولها فيكون شعور الخواء من أسباب الإقبال عليها والرغبة فيها . # كان العالم في عصر الميلاد محتاجا للعقيدة مستعدا لسماعها، ما في ذلك ريب، ~~ولكنه مع هذه الحاجة، وهذا الاستعداد لم يكن خليقا أن يظفر بتلك العقيدة ~~عفوا صفوا بغير جهاد من رسلها ودعاتها، وبغير كفاية عالية في أولئك الرسل ~~والدعاة. # لم يكن احتياج العالم للعقيدة، ولا استعداده لسماعها مغنيا للعقيدة عن أدوات ~~الفلاح والنجاح، وأولها قدرة الداعي على كسب النفوس، واجتذاب الأسماع، والغلبة ~~على ما يقاومه من المكابرة والعناد. # وقد كانت هذه القدرة موفورة في معلم المسيحية، وبحق سمي المعلم ونودي به ~~في مختلف المجامع والمحافل؛ لأن مهمته الكبرى كانت مهمة تعليم وإحياء روحي ~~حيوي من طريق التعليم. # نودي المسيح بالمعلم فيما روته الأناجيل مرات؛ ناداه بهذا اللقب تلاميذه كما ~~ناداه به خصومه، ومن يستمعون له غير متتلمذين وغير مخاصمين. # وكان نداؤهم له بهذا اللقب؛ لأنهم يجدون في كلامه علما واسعا بالكتب ~~والأسفار، وبديهة حاضرة في الاستشهاد بها، والتعقيب عليها، ويكفي ما بين أيدينا ~~من الأناجيل للجزم بأنه كان يرتل المزامير، وكان يحفظ كتب أرميا وأشعيا ~~وحزقيال، فضلا عن الكتب الخمسة التي نسبت إلى موسى - عليه السلام - وفضلا ~~عن اختلاف المذاهب في تطبيق الوصايا والأحكام. # ويرجح بعض المؤرخين أنه كان يعرف اليونانية، وأن الحديث الذي دار بينه ~~وبين بيلاطس كان بهذه اللغة؛ لأن اليونانية كانت شائعة في عصره بين أبناء ~~الجليل، وكان كثير من اليهود خارج الجليل لا يفهمون العبرانية ولا الآرامية، ~~ويحتاجون إلى ms113 ترجمة الكتب المقدسة باللغة اليونانية، ومنهم من كان يحتاج إلى ~~بيت المقدس في الأعياد، ومن أبناء الجليل اليهود من كانوا يسافرون إلى ~~الإسكندرية وبلاد الإغريق، لا يتفاهمون بغير اليونانية مع أبناء جلدتهم هناك، ~~فلا غرابة في معرفة السيد المسيح باليونانية، كما كان يعرفها الكثيرون من أبناء ~~الجليل، ولكن المحقق أنه كان يعرف العبرية الفصحى التي تدرس بها كتب ~~موسى والأنبياء، وأنه كان يعرف الآرامية التي كان يتكلمها كلام البلغاء، ~~وأنه إذا عرف اليونانية فإنما كانت معرفته بها معرفة خطاب ولم تكن معرفة ~~دراسة؛ لأن أقواله خلت من الإشارة إلى مصدر واحد من مصادر الثقافة المكتوبة ~~بتلك اللغة، ولأن العبارات التي جاءت في الأناجيل اليونانية منسوبة إليه تشف ~~عن أصلها الآرامي بما فيها من الجناس، أو من قواعد البلاغة، وإيقاع ~~الألفاظ. # على أن هذا العلم كله بالثقافة الموسوية الإسرائيلية لم يكن فريدا بين ~~أحبار اليهود في تلك الآونة، فربما كان في بيت المقدس يومئذ مئات من الكتبة ~~والفريسيين حفظوا من تلك الكتب ما حفظ السيد المسيح، واقتدروا على الاستشهاد ~~بها، والتعقيب عليها بعارضة قوية، وبديهة حاضرة، ولم تكن لواحد منهم كفاية ~~المعلم الذي يبث الحياة الروحانية في النفوس، وينفث في الخواطر تلك الراحة ~~التي تشبه راحة السريرة، حين تتناسق فيها الأنغام التي كانت متنافرة قبل أن ~~تجمع وتصاغ. # لقد كانت اللغة التي حملت بشائر الدعوة الأولى لغة صاحبها بغير مشابهة، ولا ~~مناظرة في القوة والنفاذ. # كانت لغة فذة في تركيب كلماتها ومفرداتها، فذة في بلاغتها وتصريف معانيها، ~~فذة في طابعها الذي لا يشبهه طابع آخر في الكلام المسموع أو المكتوب، ولولا ~~ذلك لما أخذ السامعون بها ذلك المأخذ المحبوب، مع غلبته القوية على الأذهان ~~والقلوب. # كانت في تركيبها نمطا بين النثر المرسل والشعر المنظوم، فكانت فنا خاصا ~~ملائما لدروس التعليم والتشويق، وحفز الذاكرة والخيال، وهو نمط من النظم ~~لا يشبه نظم الأعاريض والتفعيلات التي نعرفها في اللغة العربية؛ لأن هذا ~~النمط من النظم غير معروف في اللغة الآرامية ولا في اللغة ms114 العبرية، ~~ولكنه أشبه ما يكون بأسلوب الفواصل المتقابلة والتصريعات المرددة التي ~~ينتظرها السامع انتظاره للقافية، وإن كانت لا تتكرر بلفظها المعاد. # كان أسلوبه في إيقاع الكلام أسلوبا يكثر فيه الترديد والتقرير، وليس في ~~الترجمة العربية ما يدل عليه من قريب، ولكنها مع التأمل تدل عليه من بعيد، ~~كما في هذا المثال: # اسألوا تعطوا. # اطلبوا تجدوا. # اقرعوا يفتح لكم. # لأن من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له الباب. # من منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا. # أو يسأله سمكة فيعطيه حية. # أو يسأله بيضة فيعطيه عقربا. # فإذا كنتم - وأنتم أشرار - تحسنون العطاء للأبناء، فكيف بالأب الذي في السماء ~~يعطي الروح القدس لمن يسألون. # أو كما في هذا المثال: # كما في أيام نوح كذلك يكون في أيام ابن الإنسان. # كانوا يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون، إلى اليوم الذي دخل الفلك ~~وجاء الطوفان، وأهلك الجميع. # كذلك في أيام لوط كانوا يأكلون ويشربون ويبيعون ويغرسون ويبنون، ~~ولكن اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم أمطرت نارا وكبريتا من ~~السماء فأهلك الجميع. # هكذا يكون في اليوم الذي يظهر فيه ابن الإنسان. # في ذلك اليوم من كان على السقف، وأمتعته في البيت، فلا يهبط إليها ~~ليأخذها. # ومن كان في الحقل فلا يرجع إلى الوراء، ألا تذكرون امرأة ~~لوط؟ # من طلب الخلاص لنفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها. # أقول لكم فاستمعوا: في تلك الليلة يكون اثنان على فراش واحد فيؤخذ ~~أحدهما ويترك صاحبه. # وتكون اثنتان تطحنان، تؤخذ إحداهما وتترك الأخرى. # ويكون اثنان في الحقل يؤخذ هذا ويترك ذاك. ~~... حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور. # وقريب من هذين المثالين نذيره لأورشليم: # يا أورشليم! يا أورشليم! # يا قاتلة الأنبياء، وراجمة المرسلين. # كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت ~~جناحيها. # ولم تريدوا. # هو ذا بيتكم رهين بالخراب. # وقريب منه نذيره لبنات أورشليم. # يا بنات أورشليم! # لا تبكين علي، وعلى أنفسكن وأولادكن فابكين. # أيام يقولون طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي التي لم ~~ترضع. # أيام ينادون ms115 الجبال أن تسقط عليهم، والآكام أن تكون غطاء ~~لهم. # إن كان بالغض الرطب يصنع هذا، فباليابس ماذا يصنعون؟ # هذه النماذج فيها بعض الدلالة على أسلوبه في تركيب اللفظ، وسياق النذير ~~والتذكير. # أما أسلوب المعنى فقد اشتهر منه نمط الأمثال في كل قالب من قوالب الأمثال، ~~ومنه القالب الذي يعول على الرمز، والقالب الذي يعول على الحكمة، والقالب الذي ~~يعول على القياس، والقالب الذي يعول على التشبيهات، وكلها تتسم بطابع واحد هو ~~طابعه الذي انفرد به بين أنبياء الكتب الدينية بغير نظير، وإن كانوا قد ~~اعتمدوا مثله على ضروب شتى من الأمثال. # فمن نماذج المثل الذي يعول على الرمز مثل الزارع والبذور «زارع خرج ليزرع، ~~وفيما هو في الطريق سقط بعض البذور، فجاءت طيور السماء وأكلته، وسقط بعضها في ~~مكان محجر خفيف التربة، فنبتت على الأثر، ثم لم يلبث أن أشرقت عليه الشمس ~~فاحترق، وإذا لم يكن له عمق في جوف الأرض جف، وسقط بعض البذور بين الشوك فطلع ~~الشوك وخنقه فلم يثمر، وسقط غيرها في الأرض الجيدة فأعطى ثمرا يصعد وينمو، ~~فأتى واحد بثلاثين، وآخر بستين، وآخر بمائة، من له أذنان للسمع فليسمع.» # ومن نماذجه مثل فتيات العرس: «يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى أخذن مصابيحهن ~~للقاء العريس؛ خمس منهن فطنات، وخمس غافلات، أما الغافلات فقد أخذن المصابيح ~~ولم يأخذن معها زيتا، وأما الفطنات فأخذن الزيت في آنيتهن مع المصابيح، وأبطأ ~~مقدم العريس فغلبهن النعاس جميعا، ثم علت الصيحة عند منتصف الليل: ها هو ~~ذا العريس قد أقبل فاخرجن للقائه. فالتفتت الغافلات إلى مصابيحهن تنطفئ، وسألن ~~زميلاتهن قليلا من زيتهن، فأجبنهن: لعله لا يكفينا فاذهبن واشترين حيث يباع. ~~وفيما هن ذاهبات قدم العريس ... وصحبته الحاضرات المستعدات إلى محفل الزفاف، ~~ثم جاءت الغائبات، وقد أغلق الباب وطفقن ينادين: افتح لنا يا سيد، افتح لنا ~~يا سيد. فأجابهن: من أنتن؟ إني لا أعرفكن!» # ومنه قوله: «أنا خبز الحياة، من يقبل علي لا يجوع.» # ومن نماذج المثل الذي يعول على الحكمة: «لا تطرحوا الدر ms116 أمام الخنازير.» ~~«بالكيل الذي تكيلون يكال لكم.» «أيها المداوي داو نفسك.» «خمر جديدة في ~~زقاق قديمة.» «لا تدع يسارك تعلم بما تصنع يمينك.» «من ثمارهم تعرفونهم.» «لا ~~كرامة لنبي في وطنه.» # ومن نماذج المثل الذي يعول على القياس: «إن كنتم تحبون من يحبونكم فأي فضل ~~لكم؟ أليس ذلك شأن العشارين؟» # ومنه في تبكيت من ينكرون عليه صحبة الخاطئين: «لا حاجة بالأصحاء إلى طبيب، ~~إنما المرضى يحتاجون إلى الأطباء.» ومنه: «إن كان النور الذي فيك ظلاما، ~~فالظلام كم يكون!» # ومن نماذج المثل الذي يعول على التشبيهات خطابه لتلاميذه: «أنتم ملح الأرض، ~~فإن فسد الملح فبماذا يصلح؟ إنه لا يصلح إذن إلا لأن يلقى على التراب ~~ويداس، أنتم نور العالم، ولا خفاء بمدينة قائمة على رأس جبل، وما من سراج ~~يوقد ليوضع تحت المكيال، ولكنه يرفع على المنار يستضيء به جميع من في ~~الدار.» # ومن نماذجه: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ~~ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا سوس ولا صدأ ولا ~~لصوص. وحيث يكون الكنز يكون القلب.» # وقد أثر عن السيد المسيح في جميع الأمثال حب المقابلة بين الأضداد لجلاء ~~المعاني، وتوضيح الفوارق من وراء هذه المقابلة: «يرون القذى في أعين غيرهم، ولا ~~يرون الخشبة في أعينهم»، «يحاسبون على البعوضة، ويبلعون الجمل»، «في الظاهر ~~جدران مبيضة، وفي الباطن عظام نخرة»، «غني يدخل باب السماء كحبل غليظ يدخل في ~~سم الخياط.» # ومعظم هذه الأمثلة تأتي في مناسباتها عفو الخاطر، جوابا عن سؤال، أو تعقيبا ~~على حادث عارض، أو تقريعا لمكابر، فيندر أن يسترسل فيها المعلم البصير إلى ~~غير المناسبة التي توحيها، ولهذا يرجح بعض الشراح المحدثين أن الأمثلة ~~المتوالية في المقاصد المختلفة لم تصدر عنه في سياق واحد أو جلسة واحدة، وأن ~~الخطبة على الجبل - وهي أحفل الخطب بالمقاصد والموضوعات - جمعت من متفرقات كانت ~~منجمة على حسب الموضوعات في أوقاتها ومناسباتها. # وإذا كانت طائفة من عظات السيد المسيح جاشت بنفسه في أوقات ms117 مناجاتها فانتظمت ~~فيها كما تنتظم المعاني المنسوقة في البديهة الملهمة، فقد كانت سرعة البديهة ~~تسعفه في غير هذه الأحوال، فتجري كلماته في مجراها المألوف على نسق سهل قد يظن ~~به التحضير؛ لأنه منتظم غير مرسل، ولكنه في الواقع لم يكن محضرا قبل ~~ساعته، وغاية ما يعرض له من التحضير أن الفكر الذي يجود به لم يخل قط من ~~التفكير فيه، وأنه تعود التفكير في المواقف المتشابهة، فانسبكت قوالب ~~التعبير في بواطن قريحته غير مقصودة ولا متكلفة، وهي عادة يعرفها من تعود ~~التفكير والتعبير وحضور الشعور بينهم وبين الجماهير، وقد سمعت خطباء جادوا ~~بأبلغ آياتهم الخطابية في لحظة من لحظات الارتجال الفياض بين الشعور المتجاوب ~~والحماسة المنبعثة من القائل والمستمعين، فهم مرتجلون يخيل إليهم قبل غيرهم ~~أنهم يسمعون كلاما معهودا، ويوشك أن يتساءلوا: أين يا ترى سمعوه قبل الآن؟ ~~والواقع أنهم نقلوه من وعيهم الخفي إلى وعيهم الظاهر، فكان شأنهم كشأن سامعيه ~~في استغرابه، والواقع أيضا أن الناس حين يستمعون إليه يرونه غريبا ~~وقريبا في وقت واحد: غريبا لأنه كان يساورهم ولا يدركونه، وقريبا لأنهم ~~تمثلوه بفضل بلاغة القائل بعد استعصائه على الإدراك. ~~••• # ومن كان كالسيد المسيح تربى منذ طفولته على التلاوة في كتب الأنبياء، ~~وتتابعت على سمعه ولسانه أصداء المزامير المرتلة، والأمثال المرددة، واستقامت ~~فطرته على الوحي والإيحاء فليس أقرب إليه من أن ينطلق بكلام يحيك في الأسماع ~~بهاتف الصحف الأولى وهو من نبع فؤاده وإملاء بديهته، وهذه هي البديهة التي كان ~~يعنيها حين يوصي تلاميذه بالاعتماد على الطبع وترك الاهتمام بالتزويق والتنميق ~~قبل الساعة التي تدعوهم دواعيها للخطاب. # ولعل سامعي العظات الدينية في عصر المسيح قد سمعوا الأمثال في قوالبها مرات ~~كثيرة، ولعلهم كانوا يعاودون سماعها كلما دخلوا معبدا، أو استمعوا إلى خطيب ~~في غير المعابد، فإن نقاد البيان العبري والآرامي يردون هذه الصيغ البيانية ~~إلى عصور قديمة سبقت مولد المسيح بمئات السنين، فلم يكن المسيح مبدعا للأمثال، ~~ولا لقوالبها التي تعول على الرموز، أو الحكم، أو التشبيهات، أو ms118 منطق القياس، ~~ولكن الأمر المحقق أن سامعي ذلك العصر لم يعرفوا قط أريحية كتلك الأريحية ~~التي كانت تشيع في أطوائهم، وهم يصغون بأسماعهم وقلوبهم إلى ذلك المعلم ~~المحبوب، الذي كان يناجيهم بالغرائب والغيبيات مأنوسة حية، يحسبون أنها ~~حاضرة في أعماقهم لم تفارقهم ساعة أو بعض ساعة، لفرط ما كان يغمرهم من حضوره ~~المشرق، ويستولي عليهم من عطفه الطيب وحنانه الطهور. # ومن البيان ما يروع ويهول ويخيل إلى سامعه أن يبتعد من مصدره كلما أصغى إليه، ~~ومنه ما يجذب ويقرب ويخيل إلى سامعيه أن كل كلمة منه ترفع حاجزا، أو تدني ~~مسافة، وتزيل وحشة بين القائل والسميع. من هذا البيان كان بيان المعلم ~~المحبوب القدير على تقريب سامعيه بالعطف والإفهام، فمن فهم قريب، ومن لم ~~يفهم غير بعيد، وفي وسعنا أن نتخيل أولئك المستمعين البسطاء يقبلون على ~~الاستماع وهم في ظلام الجهالة لا يدرون ماذا سيسمعون، ثم تتفتح في أذهانهم ~~الخواطر، وتتفق فيها الأشباه، وتتبين الفوارق بين الأضداد؛ فينجاب الظلام سدفة ~~بعد سدفة، ويعقبه النور قبسا وراء قبس، ويداخلهم على مهل شعور الأعمى الذي ~~يسترد بصره مشدوها بالرؤية لأول مرة، أو شعور المدلج الذي يصحب الليل من ~~السحر إلى الصباح: هداية في رفق ورحمة، واقتراب في غير عناء ولا ~~اقتحام. # في وسعنا أن نتخيل أولئك البسطاء يقتربون من معلمهم بالفهم والمعرفة، أو ~~يقتربون منه بالعطف والمودة. # في وسعنا أن نتخيل من ثم فضل الرسول في الرسالة، فلا رسالة في الحق بغير ~~رسول، ولا سبيل إلى قيام المسيحية بغير مسيح، فإن مصدر الرسالة الروحية هو ~~زبدتها وجوهرها، وهو الأصل الأصيل في قوتها ونفاذها، وكل ما عداه فروع ~~وزيادات. # لقد كان لب الرسالة المسيحية في لب رسولها المسيح؛ هداية إنسان لا صولة له ~~على أحد غير العطف والإلهام، ومكاشفة القلوب والأفهام، ولو لم يكن فضل الرسول ~~هو فضل الرسالة، لقد كان يوحنا هو الأولى بالسبق في الميدان؛ لأنه صاحب ~~السبق في الدعوة، وصاحب السبق في الشهادة، ولكنها دعوة كانت تنتظر صاحبها، ~~وصاحبها هو ms119 المسيح، وكانت حاجة العالم كله إلى الدعوة المطلوبة لا تكفي بغير ~~صاحبها القادر عليها، والصالح لإقامتها؛ لأن صاحب الحاجة لا يملك بالبداهة ما ~~هو محتاج إليه. # | إخلاص التلاميذ # فضل التلاميذ الأول في كل دعوة أنهم دعاة، أي أنهم شركاء للمعلم في نشر ~~الدعوة. # أما الفضل الأول للتلاميذ في الدعوة المسيحية فهو أنهم مستجيبون، فلم يكونوا ~~قادة يدعون غيرهم إلى صفوفهم، بل كانوا في الواقع هم الصف الأول السابق إلى ~~الاستجابة، ثم تلته صفوف أخرى من أمثاله، ليس فيهم قائد ولا مقود، وكلهم في ~~قبول الدعوة سواء . # كان فضل التلاميذ في الديانة المسيحية أنهم أول القابلين، ولا بد أن نعلم ~~هذا الفارق بين طبيعة القابلين، وطبيعة العاملين. # فالتلاميذ بالنسبة إلى السيد المسيح هم أمته الصغرى، كبرت مع الزمن على هذا ~~المثال، فأصبحوا أمة كبيرة تقتدي بتلك الأمة الصغيرة في الاستجابة، فهم سابقون ~~أعقبهم لاحقون من قبيلهم، وهم الصف الأول في الجيش الواحد، وليسوا هم جيشا ~~يقابل جيشا آخر بالدعوة فيلبيه وينضوي إليه. # كانوا نموذج الأمة المسيحية في أول الرسالة، ومضى على الأمة المسيحية عدة ~~أجيال، وهي لا تخالف هذا النموذج في التكوين، ولا في الطراز، ومن هنا نقول ~~إن التلاميذ لم يكونوا دعاة فرضوا عقيدتهم على أناس غيرهم، ولكنهم ~~وغيرهم جميعا مستجيبون للدعوة فوجا بعد فوج، ورعيلا وراء رعيل. # في الدعوات قادة ومقودون. # ولكن التلاميذ في الدعوة المسيحية لم يكونوا قادة لغيرهم، بل كانوا هم ~~السابقين من صفوف تلاحقت وتعاقبت، لا فرق في بنيتها بين أولين وآخرين. # وليس في سيرتهم الأولى ما يفهم منه أنهم مميزون بصفة القيادة، فهم جميعا من ~~بيئة واحدة، وربما كانوا جميعا من سلالة متقاربة أو بيوت متجاورة، كأنهم ~~وقعت عليهم القرعة بين المتشابهين والمتماثلين، ثم امتازوا بعد ذلك بالتعليم ~~والتدريب على يدي السيد المسيح. # وكان السيد المسيح ينظر إلى بعضهم، فيقول له: اتبعني. فيتبعه ولا يظهر عليه ~~أنه أفضل من غيره بمزية عقلية أو نفسية إلا أن تكون المزية التي يتوسمها فيه ~~السيد فيدعوه من أجلها، ms120 وهي مزية الإصغاء والاتباع. # ولم يبد منهم أنهم أقدر على فهمه من الآخرين، فلو أصابت القرعة اثني عشر ~~آخرين لكانوا في مثل قدرتهم على التعلم واستعدادهم للقبول؛ لأن كفاءتهم - ~~ولا شك - هي الكفاءة الوسطى في كل طائفة بهذا العدد، ومن هذه البيئة، فلم يكن ~~منهم علم بارز لا يتكرر بهذه النسبة في أية جماعة يقع عليها النظر للوهلة ~~الأولى، فلا يقال في واحد منهم إنه واحد من مائة أو واحد من ألف لا يتكرر، ~~أو أن واحدا منهم تعلم ما لا يتعلمه أمثاله لو حضروا كما حضر على معلمهم ~~القدير، بل كل ما يقال إنه مجند يشبه غيره من المجندين، والفضل للقائد ~~بعد ذلك فيما ظفر به من التدريب والتهذيب. # وقد وقع عليهم الاختيار كما جاء في الأناجيل. # ولكن لا يبدو من ذلك الاختيار أنه كان اختيارا نادرا أو مستعصيا على ~~القائد الحكيم الحصيف، ولعل العامل الأكبر فيه أنهم مختارون من طائفة ~~متعارفة متآلفة، وأن اجتماعهم هكذا خير وأصلح من اجتماعهم بددا من بيئات ~~متباعدة، فإن المتآلفين أولى بمصاحبة بعضهم بعضا من المتباعدين. # ونحسب أن التشبيه بالتجنيد هنا خليق أن يقرب إلى الأذهان هذا المعنى ~~الذي نرى له المكان الأول في فهم الدعوة وأسباب سريانها. # فالمجندون يقترعون، وكلهم متماثلون في شروط التجنيد، ولكنهم مع هذا يعرضون ~~على القائد فيعزل منهم فئة متجانسة فيما يراه، وكل الفئات الأخرى تضارعها على ~~الجملة في شروط التجنيد. # لم يكونوا طينة من البشر غير طينة السواد لولا تلك النفحة العلوية التي نفثتها ~~فيهم روح المعلم القدير. # كان يعرف عيوبهم، وكانوا في أمانتهم وإخلاصهم لا يغالطون أنفسهم في تلك ~~العيوب. # كان يخاطبهم فلا يفهمونه، فيسألونه مزيدا من التوضيح، وكان يخامرهم الشك ~~فيحسه منهم فلا ينكرونه، وربما فاتحوه بالشك ابتداء وسألوه أن يزيدهم ~~إيمانا، فيزيدهم ويعلمهم كيف يتقون أمثال هذه الشكوك. # ولم يحسب قط أنهم طود لا يتزعزع، وأنهم عزيمة لا تتضعضع، وأنهم يواجهون ~~المحنة في كل حال، ولا يدركهم ضعف النفس يوما أمام هول من الأهوال. ms121 # فقد أنبأهم أنهم سيتخلون عنه، وقد ناموا وهو يسألهم أن يسهروا معه، وقد لامهم ~~غير مرة؛ لأنهم يتنافسون على السبق، أو لأنهم يستبطئون جزاءهم على الإيمان، ~~أو لأنهم - بعد وعظهم وتذكيرهم - لم يزالوا يفرقون بين الناس، ويدينون ~~بشريعة غير شريعة الحب والغفران، ولم يكن على اليقين ينتظر منهم أكثر مما نظر، ~~أو تفوته منهم في أوائلهم حالة ظهرت له في أواخرهم، ولكنه علم المطلوب منهم ~~كله فوجد فيه الكفاية؛ علم أنهم نموذج لغيرهم يتكرر على مثالهم، وليس ~~مطلوبا من الناس في العالم الواسع أن يدركوا مقاما من الإيمان فوق مقام ~~الإخلاص وحسن الاستعداد لإصلاح العيوب، وهذا المقام قد أدركه التلاميذ يوم وكل ~~إليهم أن يسيحوا في أرض الله، ويجعلوا من أنفسهم مثلا يقتدي به ~~المخلصون. # فهو لم يقصد إعدادهم ليخرجهم طرازا معصوما لا عيب فيه، ولا مأخذ فيه، ولكنه ~~قصد إعدادهم؛ ليحسنوا القدوة، ويجمعوا حولهم من يسلك مسلكهم، ويستقبل معهم ~~قبلتهم، ويكلفوا أنفسهم غاية ما يستطيعون، وقد يستطيع من يقفوهم فوق ما ~~استطاعوه. # ومن العبارات ذات المغزى الكبير في الإنجيل أن المسيح مضى شوطا بعيدا في ~~دعوته، ولم يقل لهم إنه هو المسيح المنتظر، فشاع ذكره في القرى، وتساءل ~~الناس عنه: من يكون؟ فمنهم من يقول إنه يوحنا المعمدان قد بعث من الموتى، ~~ومنهم من يقول إنه إلياس، ومنهم من يقول إنه نبي مبعوث، والمسيح لا يقول ~~للتلاميذ إنه المسيح، بل سألهم بعد شيوع ذكره، وتساؤل الناس عنه: وأنتم من ~~تقولون إني أنا هو؟ فأجابه بطرس: أنت المسيح. فانتهره، وأوصاهم ألا يذكروا ~~ذلك لأحد، في رواية إنجيل مرقس، أما في إنجيل متى فقد روي أن بطرس قال: ~~«أنت هو المسيح ابن الله الحي.» فأجاب يسوع وقال: «طوبى لك يا سمعان بن يونا، ~~أن مخلوقا من لحم ودم لم يعلن لك، ولكنه أبي الذي في السماوات، وأنا أقول ~~لك إنك أنت بطرس، # 1 # وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك ~~مفاتيح السماوات، فكل ما تربطه على الأرض ms122 يكون مربوطا في السماوات، وكل ما ~~تحله على الأرض يكون محلولا في السماوات، ثم أوصى تلاميذه ألا يقولوا لأحد ~~إنه هو يسوع المسيح.» # أما في إنجيل لوقا فالرواية أقرب إلى رواية إنجيل مرقس: «ففيما هو يصلي ~~على انفراد، كان التلاميذ معه فسألهم قائلا: ماذا تقول الجموع عني؟ فأجابوا ~~أنهم يقولون: يوحنا المعمدان. وآخرون يقولون: إن نبيا من القدماء قام. ~~ثم سألهم: وأنتم من تقولون؟ فقال بطرس: مسيح الله. فانتهرهم، وأوصاهم ألا ~~يقولوا ذلك لأحد.» # والرواية في يوحنا أقرب إلى تصوير ما قدمناه، فإن السيد المسيح أحس أن ~~الناس يتراجعون عنه «وأن كثيرا من تلاميذه رجعوا إلى الوراء، ولم يمشوا ~~معه، فقال للاثني عشر: ألعلكم أنتم تريدون أيضا أن تذهبوا؟ فأجاب سمعان بطرس: ~~يا رب! إلى أين نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك، ونحن قد آمنا، وعرفنا أنك ~~أنت المسيح ابن الله الحي. فأجابهم: ألست أنا اخترتكم؟ وواحد منكم ~~شيطان»! # وقد تسمى كثيرون باسم التلاميذ، فقال لهم كما جاء في إنجيل يوحنا: «قال يسوع ~~لليهود الذين آمنوا به إنكم إن ثبتم في كلامي كنتم بالحقيقة تلاميذي، ~~وتعرفون الحق، والحق يحرركم. فأجابوه: إننا ذرية إبراهيم، ولسنا عبيدا ~~لأحد، فكيف تقول إنكم ستصيرون أحرارا؟ قال: الحق الحق أقول لكم إن كل من ~~يعمل للخطيئة فهو عبد للخطيئة، والعبد لا يبقى في البيت أبدا، إنما يبقى ~~فيه الابن إلى الأبد، فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا، أنا عالم ~~أنكم ذرية إبراهيم، لكنكم تريدون قتلي؛ لأن كلامي لا يقع منكم موقعا، ~~أنا أتكلم بما رأيت عند أبي، وأنتم تعلمون ما رأيتم عند أبيكم. فأجابوه: إن ~~أبانا إبراهيم. قال: لو كان أباكم لعملتم عمله، ولكنكم الآن تطلبون دمي، وأنا ~~إنسان كلمكم بالحق الذي سمعه من الله، هذا لم يعمله إبراهيم، وأنتم تعملون ~~أعمال أبيكم. فقالوا له: إننا لم نولد من سفاح، لنا أب واحد هو الله. قال: ~~لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني؛ لأنني خرجت من قبل الله، وأتيت إليكم، ~~إنني لم آت من نفسي بل هو ms123 أرسلني ... أنتم من أب واحد هو إبليس ...» # فأجابه اليهود: «لحسن تقول إنك سامري بك شيطان. وبعد أن قال لهم «إن من يحفظ ~~كلامي لن يرى الموت»، عادوا يقولون: الآن تبين لنا أن بك شيطانا، قد مات ~~إبراهيم، وأنت تقول «إن حفظ أحد كلامي لن يذوق الموت»، من تجعل نفسك؟ ألعلك ~~أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات؟!» # والعبرة من هذه القصة أن السيد المسيح مضى في دعوته زمنا، ولم يذكر لتلاميذه ~~أنه هو المسيح الموعود، وأنه كان يعلم ممن يطلبون التتلمذ عليه أنهم لا ~~يدركون ما يقول، ولا يفرقون بين لغة الحس، ولغة الروح، أو لغة المجاز، ~~وأنه أشفق يوما أن ينفض عنه تلاميذه المختارون كما انفض هؤلاء الذين ~~أرادوا أن يحسبوا أنفسهم من التلاميذ، وزعموا أنهم مثله، فأنكر عليهم دعواهم، ~~وقال لهم: إنما بنوة الله بالأعمال، وإنما أنتم بأعمالكم أبناء إبليس! # وقد علم المسيح أنه لن يبقى طويلا مع طلاب التلمذة عليه إلى الأبد، وأنه ~~لن يبقى معهم حتى يبلغوا من الدراية والإيمان تلك الغاية المثلى التي ليس ~~فوقها غاية، فإن صمد معه أناس يضعفوا تارة، ولا يحسنوا فهمه تارة أخرى، ~~ولكنهم يحسنون الظن، ويترقبون الأمل في الخلاص من هذا الطريق، فأولئك على ~~علاتهم خير من المتتلمذين الذين يسيئون الفهم، ويستكبرون ويأتمرون به ليقضوا ~~عليه. ~~••• # والشائع أن التلاميذ كانوا طائفة من صيادي السمك في بحر الجليل، والمفهوم من ~~هذا عند أناس ممن يعرفونهم بالصناعة على السماع أنهم في طبقة عمال الصيد ~~الأميين، ولكنه فهم متعجل مبني على قياس غير صائب، إذ الواقع أنهم كانوا ~~طائفة تقرأ وتكتب وتتردد على مجامع الوعظ والصلاة، وتراجع ما قيل عن النبوءات، ~~لم يبلغوا في العلم مبلغ الفقهاء في زمانهم، وهو خير؛ لأنهم لو كانوا من ~~فقهاء زمانهم لركبهم الغرور، وقابلوا الدعوة بالتحدي والمكابرة، ولكنهم لم ~~يبلغوا كذلك مبلغ الأمية الجاهلية في الغباء، وكان منهم من نسميه في عصرنا ~~هذا بكاتب الحسابات أو مأمور التحصيل، وهو متى العشار صاحب الإنجيل ~~المعروف باسمه، وقدرته على كتابة ms124 إنجيل - باللغة اليونانية كما هو الأرجح - ~~قدرة لا تتأتى لغير المثقفين، ومنهم يوحنا الذي ينسب إليه الإنجيل الرابع، ~~وهو ابن خالة المسيح أو من بني خئولته، وكان صاحب عمل ناجح في تجارة السمك ~~يشاركه فيه أخوه يعقوب، كما يؤخذ من إنجيل مرقس حيث يقول: إنهما تركا ~~أباهما في السفينة مع الأجراء، وذهبا وراء السيد المسيح. # ومنهم جيمس قريب المسيح، ويوحنا، و«ابن الرعد» كما سماه المسيح لقوته في ~~الإنذار وتشديد النكير، ومنهم بطرس وهو متكلم جريء صلب العزيمة، مدرب على حمل ~~السلاح كما يؤخذ من بعض أخبار الإنجيل، وكلهم كانوا على استعداد للمناقشة ~~والمساجلة ومخاطبة الناس في أمر الدعوة، وأكثرهم واجه الموت في عمله لنشر ~~الدعوة، ولم يحفل بمقاومة ذوي البأس والسلطان. # وقد استمالت الدعوة إليها في عصر المسيح وبعد عصره طائفة من المثقفين العلماء، ~~مثل نيقوديمس عضو المجمع الأعلى، ومثل الطبيب لوقا صاحب بولس الرسول، ومنهم ~~بولس الرسول نفسه، وهو أستاذ في فقه الدين عالم بالتواريخ، وأكثر هؤلاء ~~المثقفين مالوا إلى الدعوة عطفا على التلاميذ المجاهدين الذين نكلت بهم السطوة ~~الغاشمة؛ لأنهم خارجون على نظام من العقيدة والعادة يحتقره أولئك المثقفون، ~~ولا يجهلون فعل المحاسبة الروحية في تقويضه أو الإجهاز عليه. ~~••• # ومن المعاصرين من يحلو له أن يحسب السيد المسيح داعيا إلى الفوضى السياسية ~~متحللا من النظام؛ لشدة إنحائه على الشريعة، والجامدين عليها، والمنافقين ~~باسمها، وفاتهم أن الشريعة الفاسدة في أيدي الجامدين أو المنافقين هي الفوضى ~~في صورة أخرى، ومن يدحضها وينحى عليها لن يكون من الفوضويين، ولا أعداء ~~النظام. # أما البينة في الواقع على سخف هذا الحسبان فهو تنظيمه لتلاميذه، وترويضه لهم ~~على الطاعة وإنكار الذات، وتقسيمه للأعمال في مجتمعه الصغير - مجتمع التلاميذ - ~~بين أمين للصندوق، ومباشر لمطالب الجماعة، وراع يرعى القطيع في غيبة السيد، وهم ~~فئة قليلة لا تجاوز العشرين مع حسبان التلاميذ، وغيرهم من الطارئين. # وأدخل من هذا في باب التنظيم أنه اختار أولا اثني عشر تلميذا، ثم اختار ~~بعدهم سبعين وأوصاهم أن ينطلقوا بالدعوة اثنين اثنين ms125 في كل اتجاه، وأنهم حين ~~عادوا من رحلتهم أخذهم ناحية في الجبل؛ ليستمع منهم، ويراجع أعمالهم، ويزيدهم ~~من الوصية والإرشاد. # وقد جعل كل مناسبة للدعوة مناسبة لتعليم أولئك التلاميذ المختارين، وكان ~~يحذرهم على الدوام من الفتنة الموبقة التي يتحطم عليها نظام كل جماعة، وهي ~~فتنة التنافس على الرئاسة، فعلمهم أن الأول فيهم هو خادمهم الأول، وضرب لهم ~~مثلا فذا في تاريخ الدعوات؛ ليقوا جماعتهم غواية الرئاسة كلما ذكروه، فجمعهم ~~في محفل؛ ليغسل أقدامهم بيديه، ونفر بعضهم أول الأمر، ولكنهم عادوا فأذعنوا ~~حين علموا العبرة التي عناها بهذه القدوة، وقال الذين نفروا أول الأمر من هذا ~~التقليد إنهم يودون لو يأمرهم بأن يطيعوه في غسل الأيدي والرءوس. # وحصر جهده كله في تعويدهم «إنكار الذات» وهو فضيلة الفضائل في الأعمال ~~العامة، فعلمهم أن يعملوا ولا ينتظروا جزاء على عملهم، ثم أذن لهم أن يقبلوا ~~ضيافة البيوت التي يدخلونها لدعوة أهلها، ولكنه قال لهم: «لا تحملوا كيسا ~~ولا مزودا ولا أحذية ... وأي بيت دخلتموه فقولوا: سلام. وأي مدينة دخلتموها، ولم ~~يقبلوكم فاخرجوا إلى سبلها، وانفضوا غبارها من أرجلكم.» # وكرر لهم الوصية بالبساطة في العمل والكلام، فأمرهم «ألا يشغلوا بالهم كيف ومتى ~~يتكلمون؛ لأنهم يلهمون في تلك الساعة ما يقولون، وليسوا هم المتكلمين، بل هو ~~روح أبيهم يتكلم فيهم». # ولم يخف عنهم أنهم ملاقون ويلا من الناس، فليكونوا حكماء كالحيات، ~~وبسطاء كالحمام، أما إذا جد الجد فلا يخافن من يهلك الجسد، وليخافن ~~من يهلك الروح. # وقد أثمرت رياضة الحب في تدريب هذا الجند الروحاني ما لا تثمره رياضة القسوة ~~والصرامة في تدريب جنود القتال؛ فخرجوا يعملون وهم يعلمون أن الوناء في أداء ~~الأمانة يصغرهم أمام أنفسهم، ويصغرهم أمام الله، وليس أقسى على النفوس من ~~الشعور بهذا الصغار. # وما هو إلا حان موعدهم ليعملوا وينتشروا في الأرض، حتى خرجوا إلى كل وجهة، ~~وأبعدوا الرحلة في كل مكان معمور، فمنهم من وصل إلى جزر الهند الشرقية كالرسول ~~توما، ومنهم من وصل إلى سكيثية وآسيا الصغرى كالرسول ms126 أندراوس، ومنهم من شغل ~~بنفسه في البلاد الأوربية، فأرسل صحابته إلى إفريقية الشمالية، وعمت الدعوة ~~مصر وبلاد العرب والعراق، فضلا عن الدعوة في فلسطين. # ولكنهم لم يحفلوا بخطاب أبناء اليهودية، كما حفلوا بخطاب «الأمم» في الجليل ~~وآسيا الصغرى والإسكندرية، وأفادهم التمهيد الذي سبقهم به طوائف اليهود وأصحاب ~~النحل السرية في تنظيم الدعوة، فعملوا كما كان يعمل الآسون والغلاة ~~الغيورون، يخرجون اثنين اثنين، وينشرون الخلايا في كل بقعة، ويحفظون الصلة ~~بين تلك الخلايا بالمراسلة والزيارة، وهنا يصح أن يقال إن الدعوة الجديدة ~~استفادت من الدعوات التي سبقتها في العصر السابق لعصر الميلاد، ولا جرم يكون ~~أكبر النجاح الذي أصابوه ملحوظا في آسيا الصغرى والإسكندرية، حيث عرف من قبل ~~نظام الخلايا والسياح المتنقلين من الوعاظ. # كذلك يبدو أثر «الحالة العالمية» في انتشار الدعوة الجديدة من ظاهرة رائعة ~~تكررت في كل أمة، فقد كان المدعوون إلى الدين الجديد من جماهير الناس ~~سراعا إلى القبول، حراصا على المعاونة والتأييد، ولم يصب الرسل خطر إلا من ~~قبل «السلطة» الغالبة، حيث تصطدم عبادة القياصرة بعبادة الله. # وكان أشدهم حماسة لدينه يلجأ إلى المجاملة رجاء أن تكسبه هذه المجاملة بعض ~~المؤمنين الذين يعرضون عن الدعوة إذا واجهتهم الصراحة بغير تقية، فكان بطرس ~~في أنطاكية يجامل المحافظين، ويعاشر أبناء الأمم كلما أحس حوله بقوم من ~~«آل يعقوب»، فوبخه الرسول بولس علانية، وحذره من مخالفة الدعوة في سبيل مرضاة ~~الناس. # على أن بولس نفسه كان يتألف القلوب ببعض المجاملة، وكان كما قال في سفر ~~كورنثوس الأول «... استعبدت نفسي للجميع لكي أربح الأكثرين، وصرت لليهودي كيهودي ~~لأربح اليهود، وللناموسيين كالناموسيين، ولغيرهم كأنني بغير ناموس ... صرت لكل ~~كل شيء؛ لعلي أستخلص من كل حال قوما ...» # ومن ثم - ولا شك - خالط المسيحيين الأول أناس ممن تحولوا إلى المسيحية ~~من الوثنية، ونقلوا معهم بعض عاداتها وشعائرها، وشملهم الأعضاء حينا، لعلهم ~~بعد هجر الوثنية يستقيمون على مناهج الدين الجديد. # ومن بدع القرن العشرين سهولة الاتهام، كلما نظروا في تواريخ الأقدمين، فوجدوا ~~في كلامهم أنباء ms127 لا يسيغونها، وصفات لا يشاهدونها، ولا يعقلونها، ومن ذلك ~~اتهامهم الرسل بالكذب فيما كانوا يثبتونه من أعاجيب العيان، أو أعاجيب النقل ~~والرواية، ولكننا نعتقد أن التاريخ الصحيح يأبى هذا الاتهام؛ لأنه ~~أصعب تصديقا من القول بأن أولئك الدعاة أبرياء من تعمد الكذب والاختلاق، ~~فشتان عمل المؤمن الذي لا يبالي الموت تصديقا لعقيدته، وعمل المحتال الذي ~~يكذب ويعلم أنه يكذب، وأنه يدعو الناس إلى الأكاذيب، مثل هذا لا يقدم على ~~الموت في سبيل عقيدة مدخولة، وهو أول من يعلم زيفها وخداعها، وهيهات أن ~~يوجد بين الكذبة العامدين من يستبسل في نشر دينه كما استبسل الرسل المسيحيون، ~~فإذا كان المؤرخ الصادق من يأخذ بأقرب القولين إلى التصديق، فأقرب القولين إلى ~~التصديق هو أن الرسل لم يكذبوا فيما رووه، وفيما قالوا إنهم رأوه، أو سمعوا ~~ممن رآه، وليس بالمخالف للمعهود في كل زمن أن يصدق الإنسان عيانا ما يصدقه في ~~قرارة نفسه، وبخاصة حين يجمع الألوف على تصديقه، ولا يوجد بين قائليه وسامعيه ~~من يحسبه من المستحيل. # وليذكر أدعياء التمحيص في عصرنا هذا أننا نطلب من الرجل في القرن الأول ~~للميلاد أن يكذب إنسانا لغير سبب، وهو يطمئن إليه، ولا يتهمه بالتلفيق ~~والاختلاق، ومن التكذيب لغير سبب في ذلك العصر أن يبادر السامعون إلى تكذيب ~~الرواة كلما تحدثوا عن المعجزات، فذلك شبيه في عصرنا هذا بمن يكذب إنسانا ~~لأنه سمعه يتحدث عن ظاهرة فلكية وصناعية لا غرابة فيها، ولا سيما إذا كان ~~المتكلم غير معهود فيه أن يتعمد الكذب والاختلاق. # إن أسخف السخف أن يقال إن دينا من الأديان قام على الأعاجيب والخوارق، ~~إن تصديق الخوارق والأعاجيب هو نفسه إيمان كأقوى الإيمان، وما خلت دعوة دينية ~~قط من أحاديث هذه الخوارق والأعاجيب، ما يعقل منها وما لا يعقل، ولكن لم يحدث ~~قط إقبال كذلك الإقبال الجارف الذي تلقى به الناس رسل المسيحية؛ لأنهم ~~تلقوهم بنفوس مقفرة متعطشة، ونظروا أمامهم فرأوا قوما مثلهم يؤمنون غير ~~مكترثين لما يصيبهم، وغير متهمين في مقاصدهم، فأصغوا إليهم، ms128 وآمنوا كإيمانهم، ~~ولولا ثقة المسيح - عليه السلام - بهذا الإقبال لما أوصى تلاميذه أن يذهبوا حيث ~~يستمع لهم، وينفضوا عن أقدامهم غبار كل بلد يتلقاها بالصدود والنفور. # الباب السادس # | الأناجيل # | الإنجيل # الإنجيل كلمة يونانية بمعنى الخبر السعيد أو البشارة، وقد تداول المسيحيون في ~~القرن الأول عشرات النسخ من الأناجيل، ثم اعتمد آباء الكنيسة أربع نسخ منها ~~بالاقتراع - أي بكثرة الأصوات - وهي: إنجيل مرقس، وإنجيل متى، وإنجيل لوقا، ~~وإنجيل يوحنا، مع طائفة من أقوال الرسل المدونة في العهد الجديد. # ويرجح المؤرخون المختصون بهذه المباحث أن الأناجيل جميعا تعتمد على نسخة ~~آرامية مفقودة يشيرون إليها بحرف «ك» مختزلة من كلمة كويل # Quelle # بمعنى الأصل، ومنهم من يسمي هذه النسخة «لوجيا» # Logia # بمعنى الأقوال، ويريدون بها ~~الأقوال الشفوية التي سمعت ثم كتبت على القول الراجح عندهم باللغة ~~الآرامية، ويعللون اتفاق متى ولوقا في بعض النصوص باعتمادهما معا على تلك ~~النسخة المفقودة. # أما الأناجيل الموجودة الآن فقد كتبت جميعا باليونانية العامة # Koine ~~، ولوحظ في ترجمتها أنها تعتمد ~~على نصوص آرامية، وتحافظ على ما فيها من الجناس، وترادف المعاني، والمفردات، ~~وتتفق الآراء على أن هذه الأناجيل لا تحتوي على ما فاه به السيد المسيح، إذ ~~جاءت في أعمال الرسل التي تضمنها العهد الجديد كلمة منسوبة إلى السيد المسيح ~~لم ترد في الأناجيل، وهي: «تذكروا كلمات المسيح: إن العطاء مغبوط أكثر من ~~الأخذ»، وجاءت في الأناجيل الأخرى التي لم تعتمد كلمات من هذا القبيل، وكشفت ~~أوراق بردية في مصر ترجع إلى منتصف القرن الثاني لا تشبه الأناجيل المعتمدة ~~في نصوصها. # وتتفق الآراء أيضا على أن نسختين من الأناجيل كتبهما مسيحيان لم يجتمعا ~~بالسيد المسيح ولم يسمعا منه، وهما: نسخة مرقس التي دون فيها ما سمعه من ~~بطرس الرسول بغير ترتيب، وعلى غير قصد منه أن تجمع في كتاب، وقد كتبها في رومة ~~بعد مقتل الرسول، وليس معه أحد من التلاميذ، ويتراوح تاريخ كتابتها بين سنتي ~~سبع وستين وسبعين. # والنسخة الأخرى هي نسخة لوقا صاحب بولس الرسول، دون ms129 فيها ما سمعه منه، ولعله ~~أضاف إليها جزءا من النسخة المفقودة، ثم جزءا من إنجيل مرقس بعد ~~اطلاعه عليه، وكانت كتابتها على الأرجح سنة ثمانين. # أما إنجيل يوحنا فهو آخر الأناجيل كتابة ومراجعة، وأكثر النقاد على أنه ~~مكتوب بقلم يوحنا تلميذ السيد المسيح، وآخرون يعتقدون أنها بقلم يوحنا آخر ~~كان من أفسس، ولم ير السيد المسيح؛ لأن يوحنا تلميذ المسيح هو صاحب سفر ~~الرؤيا المؤلف على أصح الأقوال في سنة ست وتسعين، ولا يظن أن مؤلفا ~~واحدا يكتب في وقت واحد كتابين بينهما مثل ذلك التباين في المنهج ~~والفحوى . # على أن الأب فرار فنتون مترجم الإنجيل «طبعة أكسفورد» يعن له أن إنجيل ~~يوحنا هو أقدم الأناجيل، وأنه كتبه أولا بالعبرية بين سنة ثلاثين وسنة ~~أربعين، ثم نقله إلى اليونانية، ولكن تأخر الزمن الذي كتب فيه هذا الإنجيل ~~ثابت من تفصيله بعض ما أجملته الأناجيل، وزيادته في التعبيرات الفلسفية، وتوسعه ~~في شرح العقائد التي أثرت عن بولس الرسول، ولا يظن أنه كتب قبل سنة ~~ست وتسعين. # والترتيب المفضل عند المؤرخين أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل، ثم ~~يليه إنجيل متى فإنجيل لوقا، وهي الأناجيل الثلاثة التي اشتهرت باسم أناجيل ~~المقابلة، لإمكان المقابلة بين ما فيها من الأخبار والوصايا على اختلاف ~~الترتيب، مع العلم بأنها كتبت في الأصل مرسلة بغير أقسام، وبغير مواضع ~~للوقت والإلحاق، ولم تقسم إلى إصحاحات قبل القرن الثالث عشر للميلاد. # وليس من الصواب أن يقال إن الأناجيل جميعا عمدة لا يعول عليها في تاريخ ~~السيد المسيح؛ لأنها كتبت عن سماع بعيد، ولم تكتب من سماع قريب في الزمن ~~والمكان، ولأنها في أصلها مرجع واحد متعدد النقلة والنساخ، ولأنها روت من ~~أخبار الحوادث ما لم يذكره أحد من المؤرخين، كانشقاق القبور، وبعث موتاهم، ~~وطوافهم بين الناس، وما شابه ذلك من الخوارق والأهوال. # وإنما الصواب أنها العمدة الوحيدة في كتابة ذلك التاريخ، ومواطن الاختلاف ~~بينها معقولة مع استقصاء أسبابها والمقارنة بينها وبين آثارها، ورفضها على ~~الجملة أصعب من قبولها عند ms130 الرجوع إلى أسباب هذا، وأسباب ذاك. # فإنجيل متى مثلا ملحوظ فيه أنه يخاطب اليهود، ويحاول أن يزيل نفرتهم ~~من الدعوة الجديدة، ويؤدي عباراته أداء يلائم كنيسة بيت المقدس في منتصف ~~القرن الأول للميلاد. # وإنجيل مرقس على خلاف ملحوظ فيه أنه يخاطب «الأمم»، ولا يتحفظ في سرد ~~الأخبار الإلهية التي كانت تحول بين بني إسرائيل «المحافظين»، والإيمان بإلهية ~~المسيح. # وإنجيل لوقا يكتبه طبيب، ويقدمه إلى سري كبير، فيورد فيه الأخبار ~~والوصايا من الوجهة الإنسانية، ويحضر في ذهنه ثقافة السري الذي أهدى إليه نسخته ~~وثقافة أمثاله من العلية. # وإنجيل يوحنا غلبت عليه فكرة الفلسفة، وبدأه بالكلام عن «الكلمة» # Logos ~~، ووصف فيه التجسد الإلهي على النحو ~~الذي يألفه اليونان، ومن حضروا محافلهم، ودرجوا معهم على عادات واحدة. # وسواء رجعت هذه الأناجيل إلى مصدر واحد، أو أكثر من مصدر، فمن الواجب أن يدخل ~~في الحسبان أنها هي العمدة التي اعتمد عليها قوم هم أقرب الناس إلى عصر ~~المسيح، وليس لدينا نحن بعد قرابة ألفي سنة عمدة أحق منها بالاعتماد. # ونحن قد عولنا على الأناجيل، ولم نجد بين أيدينا مرجعا أوفى منها لدرس حياة ~~الرسول والإحاطة بأطوار الرسالة وملابساتها، ولكننا نتبع في مراجعتها طريقة ~~غير التي درج عليها مؤرخو الوقائع والأخبار، فلا نراجعها من حيث هي وقائع ~~تاريخية، ولا من حيث المقاصد التي أرادها كتابها ورواتها، ولكننا نجمع ~~الوقائع والأخبار، ونسأل عما وراءها من الإبانة عن شخصية الرسول، وفي هذه ~~المراجعة تنفعنا الوقائع المستغربة، كما تنفعنا الوقائع المألوفة، وتهمنا ~~الأغراض المقصودة وغير المقصودة. فهل وراء هذه الأخبار «شخصية متناسقة» مفهومة؟ ~~إن كانت هناك علامات على تلك الشخصية المتناسقة، فحسبنا ذلك من جميع الوقائع ~~والأخبار، وعلينا أن نفهم هنا أن النقائض في هذه المراجعة قد تكون من أسباب ~~التصديق، ولا تكون من أسباب الشك والإنكار، ثم يتأتى لنا أن نجعل هذه ~~الشخصية نفسها محكا لكل واقعة، ولكل خبر، ولكل كلمة مروية، فما خرج من ~~السواء فهو فضول. # ومن الأمثلة على الاختلاف بين هذه الطريقة وبين طريقة ms131 المؤرخين الذين يطلبون ~~الوقائع لذاتها أن الغرائب هنا شيء يجب أن نبحث عنه، إن لم نجده ماثلا بين ~~أيدينا، فإن خلو هذا التاريخ من الغرائب هو الذي يستغرب، وليس هو ~~المألوف الذي يدعو إلى الترجيح أو اليقين. وهل يخلو من الغرائب سجل قوم يؤمنون ~~بها، ولا يشكون في وجودها؟ # ونحب هنا أن نبين موقفنا من الخوارق والمعجزات حيث وجدت في تواريخ الأديان، ~~فنحن نسأل: هل هذه المعجزة لازمة في تفسير مسألة من المسائل؟ فإن كان تفسير ~~المسألة ميسورا بغيرها، فلا حاجة بنا إلى الجدل في إمكانها أو استحالاتها؛ ~~لأن التفسير الذي يقبله كل إنسان يغني عن التفسير الذي يضطرنا إلى ~~امتحان الممكنات، وامتحان الرواة. # أما رأينا نحن في إمكان المعجزات فهو رأينا في إمكان جميع الأسباب، فإن العقل ~~قاصر على تعليل الحوادث بأسبابها، وليس من العقل أن يقال: إن هذه الأسباب ~~المسماة بالطبيعة هي العوامل الفعالة في إيجاد الأشياء، وأصح ما يقال فيها ~~قول الغزالي - رحمه الله - إن الأسباب والمسببات تحدث معا، ولا تزيد علاقتها ~~بعضها ببعض على علاقة المصاحبة والتوافق في الأوقات، وإلا لزم أن تكون المادة ~~ألوفا من المادات، كل منها مستقل بخصائصه ومؤثراته وعلاقته بالمواد الأخرى، ~~ولا يقول بذلك عقل سليم، فإذا كان العقل لا يعلل الأسباب الطبيعية فمن الشطط ~~أن يتعجل بإنكار المعجزات والجزم باستحالتها. # ومتى ناقشناها فلتكن مناقشتنا لها كمناقشة الأسباب: هل هي لازمة لتفسير هذه ~~المسألة؟ وكما نقول: هل هذا السبب لازم؟ نقول أيضا: هل هذه المعجزة لازمة ~~للفهم والتفسير؟ وبهذا القسطاس يجب أن توزن الحوادث، ويدرس تاريخ الأديان وغير ~~الأديان. # ونحن لم نتعرض للمعجزات التي وردت في الأناجيل؛ لأن تفسير الحوادث منساق لنا ~~بغيرها، فليس في الأناجيل أن معجزات الميلاد حملت أحدا على الإيمان ~~بالرسالة المسيحية بعد قيام السيد المسيح بالدعوة، وكثيرا ما نقرأ فيها أن ~~المعجزة لا تقنع المكابر، وأن الجيل الشرير يطلب الآية ولا يعطاها، وأن ~~المنكرين كانوا يعجبون لما يرونه أحيانا، ولكنهم كانوا يزعمون أنه من ~~فعل الشيطان، بل كان ms132 من أسباب التعجيل بمصادرة المسيح أنه، كما قال الكهنة، ~~يصنع كثيرا من المعجزات. # وبعد، فمن الحق أن نقول: إن معجزة المسيح الكبرى هي هذه المعجزة التاريخية ~~التي بقيت على الزمن، ولم تنقض بانقضاء أيامها في عصر الميلاد: رجل ينشأ في بيت ~~نجار في قرية خاملة بين شعب مقهور، يفتح بالكلمة دولا تضيع في أطوائها دولة ~~الرومان، ولا ينقضي عليه من الزمن في إنجاز هذه الفتوح ما قضاه الجبابرة في ضم ~~إقليم واحد، قد يخضع إلى حين، ثم يتمرد ويخلع النير، ولا يخضع كما خضع ~~الناس للكلمة بالقلوب والأجسام. # | شراح الأناجيل # عني الشراح الإنجيليون عناية دقيقة مضنية بترتيب الحوادث في سيرة السيد ~~المسيح - عليه السلام - كما تستمد من روايات الأناجيل، ولكنهم لم يصلوا إلى ~~ترتيب متفق عليه؛ لأن سياق الحوادث مختلف في الأناجيل الأربعة، وبعض الأناجيل ~~قد سجلت ما سمعه كتابها في أوقات متفرقة حسبما عرض لهم من مناسبات الرواية لا ~~حسب تسلسل الأزمنة التي وقعت فيها الحوادث، فلم يتفق ترتيب الكتابة، وترتيب ~~الحدوث. # على أن حوادث السيرة فيها ما يظهر منه أنه مقدمات، وما يظهر منه أنه ~~نتائج لاحقة لتلك المقدمات، فإذا حسبنا بعضها نتيجة لبعض على حسب المعقول من ~~آثار الحوادث، أمكن على الترجيح متابعة السيرة المسيحية في خطوطها الكبرى، ولا ~~يضيرنا بعد استقامة هذه الخطوط أن تختلف أوضاع الحوادث التي يمكن أن تضاف ~~إلى كل فترة دون أن يتغير سياق السيرة كله، أو يتغير جوهر الموضوع الذي تدور ~~الحوادث عليه. # كان لقاء المسيح ليوحنا المعمدان مفرق الطريق في السيرة المسيحية. # ولم تذكر لنا الأناجيل من أخبار نشأة المسيح - عليه السلام - قبل ذلك اللقاء ~~غير حادثتين اثنتين، إحداهما حادثة السفر إلى مصر وهو رضيع، والأخرى حادثة ~~السفر إلى بيت المقدس وهو في الثانية عشرة من عمره. # روى الحادثة الأولى إنجيل متى فقال: «إن ملاك الرب ظهر ليوسف في حلم ~~قائلا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر؛ لأن هيرود مزمع أن يطلب ~~الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا ms133 وانصرف إلى مصر، وبقي فيها ~~إلى وفاة هيرود.» ثم قال: «وقتل هيرودس جميع الصبيان الذين في بيت لحم ~~وتخومها من ابن سنتين فما دونهما.» # ولم يذكر خبر هذه المذبحة في غير إنجيل متى، ولا يعرف الآن سبب وجود الأسرة ~~في بيت لحم - وهي من الناصرة - لأن الإحصاء الذي أشار إليه إنجيل لوقا وقال ~~إنه سبب انتقال كل أسرة إلى منيتها قد تقرر في السنة السادسة للميلاد، ~~وحدثت من جرائه ثورة عنيفة على عهد والي سورية كرينيوس. # أما الإنجيل الذي توسع في وصف طفولة السيد المسيح فهو إنجيل لوقا الذي روى ~~أخبار ختانه وتسميته والسفر به إلى بيت المقدس: «فلما تمت ثمانية أيام ~~ليختنوا الصبي سمي يسوع.» وتمت أيام التطهير حسب الشريعة الموسوية «فصعدوا ~~به إلى أورشليم ليقدموه للرب، ويقدموا ذبيحة: زوج يمام، أو فرخي حمام»، وهي ~~القربان المقبول من الفقراء. # قال إنجيل لوقا: «وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح، فلما ~~كانت له اثنتا عشرة سنة صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد، وبقي الصبي عند ~~رجوعهما في أورشليم، ويوسف وأمه لا يعلمان، وإذ ظناه بين الرفقة، ذهبا مسيرة ~~يوم، وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف، ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم ~~يطلبانه، فوجداه بعد ثلاثة أيام في الهيكل جالسا في وسط المعلمين يسمعهم ~~ويسألهم، وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته، فلما أبصراه دهشا، ~~وقالت له أمه: يا بني لماذا فعلت بنا هكذا؟ فقال لها: «لماذا كنتما ~~تطلبانني؟ ألم تعلما حيث ينبغي أن أكون قيما لأبي.» فلم يفهما الكلام الذي ~~قاله لهما، ثم نزل معهما، وجاء إلى الناصرة، وكان خاضعا لهما، وكان يتقدم في ~~الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس.» # ولا يذكر الإنجيل شيئا عن نشأة الصبي بعد ذلك إلى أن بلغ الثلاثين، وظهر ~~يوحنا «بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا»، وحينئذ جاء يسوع من الجليل إلى ~~الأردن؛ ليعتمد منه - كما ورد في إنجيل متى - فمنعه يوحنا قائلا: أنا ~~محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إلي؟ فأجابه يسوع: تسمح الآن؛ لأنه ms134 هكذا ~~يحمل بنا أن نستوفي كل بر. فسمح له، فلما اعتمد يسوع، صعد للوقت من الماء، ~~وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلا مثل حمامة، وآتيا عليه، ~~وصوت من السماوات يقول: هذا هو ابني الحبيب. # وفي إنجيل غير الأناجيل الأربعة المعتمدة - وهي إنجيل العبريين - رواية عن هذه ~~الفترة من سيرته - عليه السلام - جاء فيها أن أمه وإخوته قالوا له: إن ~~يوحنا المعمدان يوالي التعميد؛ لغفران الخطايا، فهلم بنا إليه ليعمدنا. ~~فقال لهم: «أي خطيئة جنيت حتى أذهب إليه لتعميدي؟! اللهم إلا أن يكون هذا ~~القول الذي قلت.» # وليس في الأناجيل، ولا في غيرها خبر عن تعليم السيد المسيح في طفولته قبل ~~الثانية عشرة وبعدها، ولكنه بالقياس إلى نظام التربية في ذلك العصر يبدأ في ~~مكتب ملحق بالبيعة في كل قرية كبيرة يشرف على بيعتها «حزان» أو «خزان» بمعنى ~~الخازن والحارس، ويندر في المكتب حصول التلميذ على النسخ المخطوطة من الكتب ~~الدينية غير نسخة البيعة المعدة للتلاوة منها في الصلوات، وللاستعانة بها على ~~تعليم التلاميذ الصغار، ومعولهم جميعا على الحفظ والاستظهار. # لقد كانت كل أسرة يهودية تتمنى في ذلك العصر أن يخرج منها المسيح المنتظر، ~~وقد سمي الطفل يسوع أو «يهوشع» على هذا الأمل؛ لأن الاسم مركب من كلمتين ~~تفيدان معنى سعي «يهوا»، أو نجدة «يهوا»، أو خلاص «يهوا»، فتربى الطفل تربية ~~دينية خالصة، ولا يصعب علينا تعليل سفر الأسرة إلى بيت لحم عند مولده؛ لأنها ~~تنتظر المعجزة هناك، حيث ورد في أسفار من النبوءات أن بيت لحم هي مولد المسيح ~~الموعود؛ لأنها موطن داود. # ولا يبعد أن الصبي المبارك وكان في الثانية عشرة من عمره، قد وعى جميع ~~الدروس التي يتعلمها الصغار في مدارس القرى، واستمع إلى شيء جديد من فقهاء ~~الهيكل وأحباره، فتاقت نفسه إلى استيعابه، ونسي أهله وموعد عودتهم إلى قريتهم، ~~وهو يتنقل بين دروس الفقهاء والأحبار. # ويغلب على الظن أنه كان على صلة وثيقة بيوحنا المعمدان، وأن يوحنا قد ~~رآه وعرفه، وعرف فضله وطهارة سيرته ms135 قبل أن يلقاه في الأردن عندما تصدى لرسالة ~~التعميد، وهي بطبيعتها رسالة إعداد وتمهيد. # ومن البديهي أن كلمات يوحنا مع الفتى ابن الثلاثين في ساعة التعميد لم ~~تذهب بغير صداها في نفسه الواعية، فمن أيسر آثارها في مثل تلك النفس أن تعزز ~~فيها الأمل، وتدعم فيها اليقين، وتبعثها على التأمل فيما خلقت له، وفيما ترجوه ~~ويرجى منها بين البشائر والنذر التي ترددت يومئذ في كل مكان، وعلى كل ~~لسان. # وخلوة البرية هي إحدى نتائج التحية النبوية، وهي خلوة التجربة، ~~والامتحان، والتساؤل، والاستيثاق التي عالجها كل نبي قبل أن يصدع بما أمر ~~به، وقبل أن يستيقن أن ما أمر به من عند الله. # ونعتمد في وصف هذه التجربة على رواية إنجيل متى حيث يقول: «إنه - عليه ~~السلام - بعد أن صام في البرية أربعين ليلة، جاع أخيرا، فتقدم به المجرب، وقال ~~له: إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة تصير خبزا. فأجابه: مكتوب أنه ليس ~~بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلمة تخرج من فم الله. ثم أخذه إبليس إلى ~~المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح ~~نفسك من عل؛ لأنك موعود أن يوصى ملائكته بك ليحملوك على أيديهم، فلا تصطدم ~~رجلك بحجر. قال يسوع: ومكتوب أيضا ألا تجرب الرب إلهك. ثم أخذه إبليس ~~إلى جبل عال، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: أعطيك هذه جميعها، ~~إن سجدت لي. قال يسوع: اغرب عني أيها الشيطان، فإنه مكتوب للرب إلهك ~~تسجد، وإياه وحده تعبد.» # قال إنجيل متى بعد ذلك: ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم لهيرود انصرف إلى ~~الجليل، وترك الناصرة وسكن في كفر ناحوم، وابتدأ رسالته داعيا إلى ~~التوبة؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات. # كان لقاء يوحنا المعمدان مفرق الطريق في السيرة المسيحية كما أسلفنا، فكانت ~~سيرة الفتى المؤمن قبل ذلك اللقاء تأهبا واستعدادا وأملا، وكانت سيرته بعد ~~اللقاء رياضة وامتحانا وعزيمة، وردته كلمات النبي النذير إلى طويته يسبر ~~أغوارها، ويمتحن صبرها، ويسائلها، ويسائل الغيب؛ ليهديه ms136 إلى كنه رسالته، ~~ومصدر بعثته، وتوسوس له التجربة أن يطلب الآية، ويلمس الدليل، وكل تجربة ~~من هذه التجارب التي مثلتها بساطة الرواية الإنجليزية تدور على سر ~~الرسالة المسيحية وما أحاط بها في كتب القدامى من البشائر والمواعيد؛ ألم ~~يكن رجاء الناس من المسيح الذي ينتظرونه أن يعم الخير، ويبطل العناء في طلب ~~الأرزاق، ويصبح الخبز لقي لمن يطلبه كحجارة الطريق؟ ألم يكن من مواعيد المسيح ~~أن يقبل على السحاب محمولا على أجنحة الملائكة؟ ألم يكن من مواعيده ملك ~~العالم بالتاج والصولجان؟ كل تجربة من هذه التجارب كانت هي التجربة ~~التي تساور ضميرا مشغولا بالرسالات المسيحية، واقفا على قمة الإيمان وشفا ~~الهاوية. وفي لحظة واحدة، تغريه من هنا رسالة جسد، وسلطان ومساومة على البراهين ~~والآيات، وتعصمه من هنا رسالة روح، وقداسة ويقين لا يساوم على البرهان. # أتكون كلمات يوحنا للمسيح أول وحي نبوي بالرسالة المسيحية؟ # واضح غاية الوضوح أن هذه الكلمات الحية لم تطرق مسامعه إلا وقد فتحت في نفسه ~~الصافية بابا للتأمل والتساؤل، وأن فترة الخلوة في البرية على أثر ذلك كانت ~~فترة اعتكاف لاستخلاص الحقيقة من أعماق الضمير، والاستعانة بالصيام والتهجد على ~~مناجاة الغيب، والاستقرار على عزيمة خالصة للإقدام على خطوة حاسمة يريدها ~~الله، ويبطل فيها الإبهام والإحجام. # وعندنا أن أنفس خبر يعين على التعريف بمنهاج الإيمان في نفس الرسول العظيم ~~هو هذا الخبر عن تجربة الوحدة في البرية، فهو يفسر لنا مواقف السيد المسيح ~~جميعا قبل الإقدام على خطواته الحاسمة، أو يفسر لنا منهاج الإيمان بدواعي ~~العمل في ضميره السليم. # إنه إذا أقدم على أمر من الأمور الحاسمة أطال التفكير فيه، ولم يزل يطيل ~~التفكير فيه، ويقلب وجوه الروية والمراجعة حتى يخطر له أن العمل مرهون ~~بانتظار آية يستوثق بها من إرادة الله، وعندئذ يبادر إلى نبذ هذا الخاطر بغير ~~هوادة؛ لأن العامل الذي يتوقف عمله على انتظار آية ضعيف الإيمان، ومن كان ~~قوام نفسه أن مثقال حبة خردل من الإيمان ينقل الجبل من مكانه، ويخلع ~~الشجر من ms137 منبته، فلن يكون إيمانه معتمدا على آية يراها قبل أن يعمل عمله ~~ويتجرد لمقصده، وبخاصة حين يبدو للنفس أن الآية منتظرة لاتقاء الخطر، ~~وضمان الأمان. فالخطر إذن أحب من الشك، وكل شيء إذن أسلم من الأمان الذي ~~لا يأتي بضمان من البرهان. # وكلما بلغ السيد المسيح من تفكيره ورويته هذا الحد الفاصل، فمنهاجه الجدير به ~~هو استخارة الحوادث، واستلهام الغيب من هذا الطريق، ليفعل ما يتوقاه، ولا ~~يشترط شرطا للوقاية، وليفعل الله ما يشاء، فما يجري بعد ذلك كله هو إرادة ~~الله. # خرج السيد المسيح من العزلة إلى الرسالة، ولم يقل لأحد إنها رسالة مسيح، بل ~~سكت عن ذلك حتى تسامع الناس بدعوته، وأصبح له أكثر من ثمانين تلميذا ~~يبشرون برسالته، ويستمدون الهداية من وحيه. # واصطبغت رسالته الأولى في الجليل بصبغة مميزة وهي صبغة الرسالة القومية إلى ~~إسرائيل، وحرص - عليه السلام - أشد الحرص ألا يثير الناس على السلطان ~~الحاكم، ولا يثير السلطان الحاكم عليه، فكان يؤثر المباعدة والتقية ما ~~استطاع، حتى بلغ الكتاب أجله، وآن أن يمضي في خطوة أخرى بعد الخطوة الأولى ~~التي انتقل بها من العزلة إلى الدعوة بين بني إسرائيل، فهذه الخطوة التالية ~~هي الدعوة الإنسانية العامة، وهي استخارة للحوادث واستلهام للغيب في ميدان أوسع ~~وأبقى، وعلى الصفة التي ثبتت له في طوية ضميره، وهداه إليها وحي الله، ولم ~~يبق إلا أن تؤيدها حوادث القدر كيف شاء. # أما الصفة التي تثبت له - عليه السلام - في طوية ضميره، فقد تكررت في كلامه عن ~~نفسه على صور شتى، فهو نور العالم وخبز الحياة، والكرامة الحقيقية، وهو ابن ~~الله وابن الإنسان. # والأبوة الإلهية قد وردت في مواضع متعددة في كتب الأنبياء، فجاء في سفر ~~التكوين أن الملائكة أبناء الله، «وأن أبناء الله رأوا بنات الناس حسنات ~~فاتخذوا منهن زوجات» (6 تكوين). # وورد في كلام موسى - عليه السلام - أن بني إسرائيل جميعا أبناء الله، حين ~~قال لفرعون: «دع ابني يخرج.» ووردت بهذا المعنى في كتب أخرى كسفر التثنية، حيث ~~جاء فيه: ms138 «أنتم أبناء الله» (تثنية 14). وأشير إلى الشعب كله بأنهم أبناؤه ~~وبناته (32 تثنية). ووردت كذلك غير مرة في المزامير حيث قيل: «قدموا للرب ~~يا أبناء الله» (29). و«من يشبه الرب بين أبناء الله» (89). # وكذلك وردت في هوشع، وجاء فيه من خطاب الشعب: «أنتم أبناء الله الحي.» # أما في العهد الجديد، فمخاطبة الله باسم الأب وردت في الصلاة التي تبتدئ ~~بدعاء الله «أبانا الذي في السماوات»، وحيث قال السيد المسيح للتلاميذ إن ~~«أباكم واحد هو الذي في السماوات»، حيث تكلم عن ولادة الروح وولادة الجسد، وكل ~~ولادة للروح فهي بنوة لله. # أما ابن الإنسان فقد وردت في كتب العهد القديم باللغة الآرامية وباللغة ~~العبرية، وهي بالآرامية «بارناشا»؛ من بار بمعنى ابن، وناش بمعنى إنسان، وهي ~~بالعبرية «ابن آدم»، وتطلق في كلتا اللغتين على الإنسان الخالص، أو على ~~الإنسان من حيث هو نوع يقابل أنواع الأحياء. # وقد وردت تسعين مرة في سفر حزقيال، حيث يخاطب «يهوا» ذلك الرسول فيناديه بابن ~~الإنسان. # ووردت مرة في سفر دنيال بلسان جبريل، وهو يخاطب النبي باسم ابن الإنسان ~~(8). # ووردت في هذا السفر باللغة الآرامية حيث يتكلم عن مخلوقات بصور الحيوانات، ثم ~~ينبئ عن رسول يأتي في صورة إنسان رآه النبي في رؤى الليل «على سحاب كابن ~~إنسان» جاء بسلطان لن يزول. # أما في كتب العهد الجديد، فقد وردت في مواضع بمعنى «الإنسان»، منها قول ~~السيد المسيح في إنجيل متى: «كل خطيئة وتجديف يغفر للناس، ومن قال كلمة ~~على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له، لا في ~~هذا العالم، ولا في العالم الآتي» (12). # وقد جاءت أحيانا مرادفة لضمير المتكلم «أنا» حين يتكلم السيد المسيح عن نفسه، ~~فجاء في (لوقا 12): «كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ~~ملائكة الله.» وجاء في (متى 10): «كل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا ~~أيضا به قدام أبي الذي في السماوات.» # وورد في (متى 16): «إنه لما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس ms139 سأل ~~تلاميذه قائلا: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟» # وورد في (مرقس 8): «ثم خرج يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبس، وفي الطريق ~~سأل تلاميذه قائلا: من يقول الناس إني أنا؟» # فهي في بعض الأناجيل مرادفة أو بديل من ضمير المتكلم حين يتكلم السيد عن نفسه، ~~ولا بد أن يلاحظ هنا أن التلاميذ قد عرفوا استخدامها في هذا السياق، فلم ~~ينادوا السيد المسيح قط باسم ابن الإنسان. # وقد وردت حينا بمعنى يشبه معناها في نبوءة دنيال حيث قال: «كما يجمع الزوان، ~~ويحرق بالنار، هكذا يكون في انقضاء العالم، ويرسل ابن الإنسان ملائكته، ~~فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر والآثمين» (متى 13). # وهي إشارة كإشارة دنيال إلى يوم الدينونة، وصيغتها بالآرامية واحدة في ~~الموضعين. # هذه هي الأسماء التي تسمى بها السيد المسيح في إبان دعوته الأولى أو عند ~~نهايتها، وفي أثناء هذه الدعوة كان يدعى بالمعلم الصالح أحيانا فيقول: ~~«لماذا تدعونني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلا واحدا، وهو الله.» # وعند نهايتها سأل تلاميذه عما يقوله الناس عنه، فلما قال له بطرس: إنك ~~أنت المسيح ابن الله باركه، ثم أمرهم بالكتمان. # وغني عن القول أن هذه الأسماء إنما كانت تفهم كما تعود قراء الكتب الدينية ~~أن يفهموها في ذلك الحين، ولم يوص السيد المسيح تلاميذه أن يفهموا منها غير ~~ذلك حين يذكرون «ابن الله» أو «ابن الإنسان». ~~••• # لو جرت الأمور في مجراها الذي استقامت عليه الدعوة في الجليل من بعد الرسالة ~~المسيحية، لمضت هذه الرسالة في طريقها سنوات دون أن تشتبك في حرب صراح مع دولة ~~الكهانة في بيت المقدس. # ولكن الحوادث حكمت حكمها في السنة التي تحسب الآن سنة ثلاثين للميلاد، وحان ~~موعد عيد الفصح، وزيارة بيت المقدس، كما جرت عادة الأسر اليهودية، ومنها أسرة ~~السيد المسيح: أمه وإخوته وذوو قرباه. # وكان - عليه السلام - يجاري أسرته في هذه الشعائر التي لا ضير فيها، ولم يكن ~~يضيق على الناس في المحافظة على المأثورات التي تعودوا أن يحتفلوا بها، ~~ويفرحوا فيها بالاجتماع، وتبادل التهنئات، وإنما ms140 كان ينكر من المأثورات ما ~~كان فيه حجر على الضمائر، أو مفاخرة بالتقوى الكاذبة والنفاق المكشوف، وفيما ~~عدا هذا كان يشارك أسرته في أفراحها القومية، ويذهب إلى الهيكل، ويأمر بشراء ~~القربان، بل يأمر بسداد الفرضة التي كانت تفرض على كل رأس من رءوس بني ~~إسرائيل. # وفي سنوات مضت زار بيت المقدس، ولم يذكر قط أنه تخلف عنه في إحدى السنوات ~~منذ بشر برسالته في الجليل، وكان يذهب مع أصحابه القلائل، ثم يعود إلى ~~الجليل دون أن يحس زيارتهم سدنة الهيكل، وذوو الشأن في العاصمة الدينية، ودون ~~أن يشتبك الفريقان في نضال . # لكن كيف يكون الذهاب إلى بيت المقدس في هذه السنة؟ # إنه لا يذهب إلى العاصمة هو وأصحابه كما كانوا يذهبون في السنوات ~~الماضية. # إنهم يعدون الآن بالألوف في أنحاء الجليل، وإذا قدرنا أن نيفا وثمانين ~~مسيحيا يعدون من التلاميذ، فالمسيحيون الذين لا يعدون منهم قد يبلغون عشرة ~~أضعاف هذا العدد أو يزيدون. # فكيف يذهب هؤلاء المئات مع معلمهم إلى بيت المقدس خفية يتسللون إليها، ولا ~~يعلنون ولاءهم للمعلم الذي يحج معهم إلى المدينة؟ ولماذا هذا التسلل وهذا ~~الاختفاء؟ # هنا موقف من المواقف التي نسميها مواقف استلهام الغيب واستخارة ~~الحوادث. # أيذهب إلى بيت المقدس مع مئات التلاميذ والأتباع منكرا لرسالته حذرا من ~~إعلانها مع هذا الجمع الذي لا يسهل معه التخفي والاستتار؟! # وماذا يقع من أثر التخفي والاستتار في نفوس المؤمنين برسالته الروحية إن لم ~~تقل برسالته المسيحية؟! # أيؤمن أحد منهم أن رسالة روحية أو مسيحية تعم العالم في الخفاء، وتستتر لسبب ~~من الأسباب، فضلا عن السبب الذي يسبق إلى الأذهان لأول مرحلة، وهو الحذر ~~والاتقاء؟! # وجب الذهاب إلى بيت المقدس، ووجبت العلانية، ولا محيد عن الواجبين، ولتكن الآية ~~الإلهية ما تسفر عنه الحوادث بعد حين. # وأدل شيء على الموقف الأخير في الرسالة المسيحية كان على منهاج السيد المسيح ~~في أمثال هذه المواقف - موقف استخارة الحوادث - أنه - عليه السلام - سهر ~~ليلة الوداع يصلي ويناجي ربه قائلا: «اعبر عني هذه الكأس ms141 يا أبتاه، ~~كما تريد أنت لا كما أريد.» ثم أيقظ تلاميذه النيام، وقال لهم: «اسهروا وصلوا ~~لئلا تدخلوا في تجربة، أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف.» # وقد أعد عدته لمواجهة أعدائه حيث لا بد أن يواجهوه، وأعد العدة لاستبقاء ~~عزيمة تلاميذه، فطفق يهيئ أذهانهم لاحتمال ما يلاقونه من بلاء، وصرف عن ~~أذهانهم أنها غزوة فتح تنجلي عن غلبة عاجلة على دولة الكهانة الدنيوية، ~~فليوطنوا أنفسهم إذن على أسوأ ما يكون، بل لا ييأسوا إذا غلبهم الضعف فتفرقوا ~~عنه، ولا يخامرهم الظن أنهم إذن قد خسروا المعركة، وانهزموا هزيمة الضياع، ~~فهذا الضعف مقدور يتبعه لا محالة نصر قريب. # وتروي الأناجيل أنه - عليه السلام - دخل إلى بيت المقدس على ظهر أتان، كما ~~جاء في بعض النبوءات عن مركب المسيح الموعود، وأنهم كانوا يحملون السعف ~~أمامه، ويفرشون ثيابهم تحت أرجل مطيته، ويهتفون بهتاف النصر الذي يحفظه ~~اليهود منذ الطفولة، ويتغنون به في المواكب والمحافل لذكرى داود، وذكرى مجده ~~المستعاد إلى آخر الزمان. # ويفهم من وصايا السيد المسيح أنه ظل في بيت المقدس يرعى للكهان والفقهاء ~~مكانتهم، ولا يقلقهم على ما هم حريصون عليه من حقوقها ودعاواها، ففي إحدى هذه ~~الوصايا يقول مخاطبا الجموع والتلاميذ: «على كرسي موسى جلس الكتبة ~~والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم ~~لا تعملوا؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون.» # ولم تسمع منه في رواية الأناجيل كلمة واحدة يغير بها ما اختطه لنفسه في حكمته ~~المأثورة عما لقيصر وما لله، فكل ما سمع منه في بيت المقدس يعيد ما أسلفه من ~~بيان الملكوت الذي يدعو إليه، وأنه من غير هذا العالم، ولا شأن له بسلطان ~~التيجان والعروش. ~~••• # إلا أنه من اللحظة الأولى في بيت المقدس لمس مكامن الأشراك التي ترصد له في ~~كل خطوة، وعرف من الأسئلة التي كانت تنهال عليه أن القوم يأتمرون به ~~لإهلاكه، إذ كانت هذه الأسئلة جميعا تنزع إلى هدف واحد، وهو استدراجه إلى كلمة ~~تثبت العصيان والتمرد على الدولة، أو كلمة ms142 تثبت «الكفر» ونقض الشريعة، وكانت ~~أجوبته كلها على ما تعودوه في مواضع العنت والإحراج تستند إلى حجته، وتستقيم ~~مع غايته ورسالته، وتخجل من يحاول إحراجه، وتهتك ما يستره من حجب الرياء، ولا ~~يبعد أنه قد سمع من بعض رؤساء الهيكل تفصيل المؤامرة المحبوكة؛ لأن أحدهم ~~وهو «نيقوديموس» كان يزوره ليلا، ولعله واحد من كثيرين. # ثم حدث ما لا بد أن يحدث في عيد كذلك، بين أناس متنمرين، وأناس متجردين ~~لدعوة جديدة يتطوعون لنشرها ويتحمسون لصاحبها، فاشتبك السيد المسيح وسماسرة ~~الهيكل في معركة أدبية لم تلبث أن انقلبت إلى معركة يدوية، فقلب - عليه السلام ~~- موائد الصيارفة، وباعة الضحايا، وصاح بهم وبسماسرة الهيكل يذكرهم أنهم في ~~بيت الله، وأنهم نقلوه من معبد صلاة وطهارة إلى مغارة لصوص. # وكانت هذه هي الوقعة الفاصلة على ما يظهر، وربما سعى إليها السيد المسيح ~~تقريرا للموقف على وجه من الوجوه، فامتلأت الصدور الموغرة، واتخذت من درء ~~الفتنة ذريعة إلى العمل العاجل، وبدأ العمل على النحو الذي تفرقت فيه أقوال ~~النقلة والرواة. # وهنا ينتهي دور التاريخ ويبدأ دور العقيدة. # فليس للتاريخ كلمة راسخة في خبر من الأخبار التي أعقبت حادثة الهيكل، وحركت ~~كهانه للبطش والنكاية. # ففي حادثة الاعتقال لا يدري متتبع الحوادث من اعتقله ومن دل عليه، وهل كان ~~معروفا من زيارته للهيكل أو كان مجهولا لا يهتدي إليه بغير دليل. # وفي حادثة المحاكمة يجري الخبر على أنه حوكم بالليل وصدر الحكم في يوم ~~واحد، ويجري نظام القضاء الموسوي على تحريم المحاكمة الليلية، وإسقاط كل حكم ~~يصدر في قضايا الدم بعد جلسة واحدة في يوم واحد، ولا ينفذ الحكم في هذه ~~القضايا إلا إذا صدر بالإجماع. # وفي حادثة التنفيذ يجري الخبر على أنه قد تم على الرغم من إعلان الحاكم ~~الروماني براءة المحكوم عليه، ويقول إنجيل يوحنا إن تسليمه للتنفيذ كان في ~~نحو الساعة السادسة، ويقول إنجيل مرقس إنها كانت الساعة الثالثة ~~فصلبوه. # وقد بحث الأستاذ ريشارد هزباند # Husband # في ~~كتابه «محاكمة المسيح» تواريخ عيد الفصح في ms143 خمس سنوات من سنة سبع وعشرين إلى ~~سنة ثلاث وثلاثين، فتبين أنه كان يوم خميس سنة ثلاثين، وكان يوم جمعة سنة ~~ثلاث وثلاثين، والأخبار تجري على أن المحاكمة والصلب حدثا يوم جمعة، ~~وأن تناول عشاء الفصح كان مساء خميس يوافق السادس من شهر أبريل، أما ~~السنوات الأخرى غير سنتي ثلاثين وثلاث وثلاثين، فقد جاء العيد فيها يوم ~~الأربعاء سنة سبع وعشرين، ويوم الإثنين سنة ثمان وعشرين، ويوم الأحد سنة تسع ~~وعشرين، ويوم الثلاثاء سنة إحدى وثلاثين، ويوم الإثنين سنة اثنتين ~~وثلاثين. # ومن الأخبار عن يوم التنفيذ أن الأرض زلزلت، وأن القبور تفتحت ، وخرج ~~منها القديسون يمشون بين الناس. # وروى نقلة الأخبار أن القبر فتح في اليوم التالي فلم توجد فيه جثة، ~~وأن السيد المسيح ظهر للتلاميذ مرات، وقال لهم لما توهموا أنه طيف: ~~«جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام.» «وسألهم أعندكم هنا طعام؟ ~~فناولوه جزءا من سمك مشوي، وشيئا من شهد عسل، فأخذ وأكل» (24 لوقا). # وقد تناول هذا الموضع طائفة من أقطاب العلم واللاهوت كالقس شاين الإنجيلي # Cheyne # والأستاذ هنريك بوليس Poulus # أستاذ اللغات الشرقية بجامعة ~~جينا، والدكتور ويجال المختص بالدراسات الأثرية في مصر والشرق الأدنى، والدكتور ~~هوجو تول # Tool # السويدي، وغيرهم من علماء ~~الدين والدراسات التاريخية، فانتهوا إلى التفرقة في أخبار هذه الفترة بين ~~وجهة التاريخ ووجهة الاعتقاد. # ومن الأخبار التاريخية خبر لا يصح إغفاله في هذا الصدد؛ لأنه محل نظر كبير، ~~وهو خبر الضريح الذي يوجد في طريق «خان يار» بعاصمة كشمير، ويسمونه هناك ~~ضريح النبي، أو ضريح عيسى، وروى تاريخ الأعظمي الذي دون قبل مائتي سنة ~~أن الضريح لنبي اسمه «عوس آصاف»، ويتناقل أهل كشمير عن آبائهم أنه ~~قدم إلى هذه البلاد قبل ألفي سنة، وينقل المولوي محمد علي في ترجمته للقرآن ~~الكريم عن كتاب عربي يسمى «إكمال الدين» محفوظ من ألف سنة عن اسم «عوس ~~آصاف» مذكور فيه، وإنه قال عنه إنه رحالة ساح في بلاد كثيرة، وإن كتاب ~~«برلام ديو شافاط» في ms144 صفحة 111 يذكر عن عوس آصاف أنه صاحب «بشرى»، وأنهم ~~يحفظون مثلا من أمثاله في تعليمه يشبه مثل السيد المسيح عن الزارع ~~والبذور. # ولقد أورد المولوي محمد علي هذا التعليق في تفسير الآية الكريمة: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ~~(المؤمنون: 50). # وأورد تعليقا يقرب منه في تفسير قوله تعالى: # إني ~~متوفيك ورافعك ~~(آل عمران: 55). # وغيرهما من الآيات القرآنية التي تناولت حياة عيسى ابن مريم - عليه ~~السلام. ~~••• # وبعد فهذا الكتاب مقصور على غرض واحد؟ وهو جلاء العبقرية المسيحية في صورة ~~عصرية، نفهمها الآن كما نفهم العبقريات على أقدارها وأسرارها، وقد قل فيها ~~نظير هذه العبقرية العالية في تواريخ الأزمان قاطبة، ولا يزال هذا الغرض المجيد ~~متسعا للتوفية والتجلية من نواح عدة، فإن كتب لنا أن نوفق لزيادة شيء إلى ~~هذه الذخيرة القدسية، فذلك حسبنا وكفى، ولا حاجة بنا في هذه الصفحات إلى إثارة ~~الجدل في مسائل لا ترتبط بالمقصد الذي قصدناه، وقصرنا الرسالة عليه. # ولا نستطيع كما أسلفنا أن نقرر على وجه التحقيق من الناحية التاريخية ~~كيف كانت نهاية السيرة المسيحية، ولكننا نستطيع أن نقرر على وجه التحقيق ~~أنها انتهت في موعدها حيث أسلمها التاريخ إلينا، فقد كان ذلك الجيل آخر جيل ~~قدمت فيه دولة العصبية الدينية التي تحتكر هداية الله ورحمته لسلالة واحدة ~~من أبناء آدم وحواء، وأول جيل عمت فيه الدعوة إلى هداية إلهية تحيط بكل من ~~يهتدي من بني الإنسان، فلم تنقض أربعون سنة حتى تداعت ديانة الأثرة العصبية، ~~وتداعى الهيكل الذي اعتصمت به وتجددت فيه، ثم قامت للضمير الإنساني دعوة ~~حية تبسط نورها كما ينبسط نور الشمس لكل ناظر وكل متطلع، ولحكمة ما ألهم ~~داعيها أن يتسمى كلما تكلم عن نفسه بابن الإنسان. # | في الختام # لو عاد المسيح # في إحدى روايات الكاتب الروسي العظيم «دستيفسكي» بطل من أبطال الرواية يتخيل ~~أن السيد المسيح عاد إلى الأرض في طوفة عابرة، ونزل بإشبيلية في إبان سطوة ~~«التفتيش» فوعظ الناس، وصنع المعجزات، وأقبل عليه الضعاف ms145 والمرضى والمحزونون ~~يلثمون قدميه، ويسألونه العون والرحمة. # وإنه ليمضي بين الشعب يضفي عليهم حبه وحنانه، ويبسطون له شكاياتهم ~~ومخاوفهم، إذا برئيس ديوان التفتيش - المفتش الأعظم - يعبر بالمكان، ويتأمل ~~السيد والشعب من حوله هنيهة، ثم يشير إلى الحراس ويأمرهم أن يعتقلوه، ويودعوه ~~حجر السجناء في انتظار التحقيق. # ويأتي المساء فيذهب المفتش الأعظم إلى الحجرة ويقول للرسول الكريم: إنني ~~أعرفك ولا أجهلك، ولهذا حبستك، لماذا جئت إلى هنا؟ لماذا تعوقنا، وتلقي ~~العثرات والعقبات في سبيلنا؟ # ثم يقول له فيما يقول: إنك كلفت الناس ما ليست لهم به طاقة؛ كلفتهم ~~حرية الضمير، كلفتهم مؤنة التمييز، كلفتهم أن يعرفوا الخير والشر لأنفسهم، ~~كلفتهم أوعر المسالك فلم يطيقوا ما كلفتهم وشقيت مساعيهم بما طلبت منهم ... والآن ~~وقد عرفنا نحن داءهم، وأعفيناهم من ذلك التكليف، وأعدناهم إلى الشرائع ~~والشعائر، تعود إلينا لتأخذ علينا سبيلنا، وتحدثهم من جديد بحديث الاختيار ~~وحرية الضمير؟ # ليس أثقل على الإنسان من حمل الحرية، وليس أسعد منه حين يخف عنه محملها، وينقاد ~~طائعا لمن يسلبه الحرية ويوهمه في الوقت نفسه أنه قد أطلقها له، وفوض إليه ~~الأمر في اعتقاده وعمله، فلماذا تسوم الإنسان من جديد أن يفتح عينيه، وأن يتطلع ~~إلى المعرفة، وأن يختار لنفسه ما يشاء، وهو لا يعلم ما يشاء؟ # إنك منحتنا السلطان قديما، وليس لك أن تسترده، وليس في عزمنا أن ننزل عنه، ~~فدع هذا الإنسان لنا، وارجع من حيث أتيت، وإلا أسلمناك لهذا الإنسان غدا، ~~وسلطناه عليك وحاسبناك بآياتك، وأخذناك بمعجزاتك، ولترين غدا هذا الشعب الذي ~~لثم قدميك اليوم مقبلا علينا مبتهلا لنا أن نخلصه منك، وأن ندينك كما ندين ~~الضحايا من المعذبين والمحرومين. # قال «إيفان كرامزوف» بطل الرواية التي تتخيل هذا الملتقى وهذا الحوار: «إن ~~السيد المسيح لم ينبس بكلمة، ولم يقابل هذا الوعيد وهذا العداء بعبوس أو ~~ازورار، وتقدم إلى المفتش الأعظم - وهو شيخ فان في التسعين - فلثم شفتيه ~~وخرج إلى ظلام المدينة وغاب عن الأنظار.» # خلاصة ما تخيله الكاتب العظيم في خطاب طويل مملوء بحكمة ms146 الحياة كما يراها ~~الحكماء، من الطرف الآخر الذي يقابل الحكمة المسيحية؛ حكمة الرسول ~~الكريم. # ولا نحسب أن الخيال في هذا الخطاب العجيب بعيد من الحقيقة، ولا نستبعد ما ~~قاله المفتش الأعظم حين أنذر الرسول الكريم أن يسلمه لمن يثور عليه، ويصب ~~عليه الويل والغضب، بعد أن أحاط به، ولثم قدميه، وتوسل إليه. # كلا، إن الخيال في ذلك الخطاب العجيب غير بعيد من الحقيقة، وأقرب شيء إلى ~~طبائع الناس أن يصنعوا ذلك الصنيع، وأن يتبعوا المفتش الأعظم في نقمته على ~~الرسول الكريم. # وأقرب شيء أن يكون - لو عاد السيد المسيح إلى الأرض - أن ينكر الكثير مما ~~يعمل اليوم باسمه، وأن يجد بين أتباعه كتبة وفريسيين ينعى عليهم الرياء، ~~ويعلمهم من جديد أن السبت للإنسان، وليس الإنسان للسبت، وأن العبرة بما ~~في الضمائر لا بما تفوه به الألسن، ويبدو على الوجوه، وأن الوحي الحي في طوية ~~الإنسان لا في طوايا الكتب والأوراق. # أقرب شيء أن يكون أن ينعى على الناس ما نعاه قبل ألف وتسعمائة سنة، وأن يجد ~~إنسان اليوم كإنسان الأمس في شروره وعداوته، وفي نفاقه وشقاقه، وفي إعراضه عن ~~اللباب وإقباله على القشور، وفي استعلائه بالتقوى حين يتقي، ولجاجه في الجحود ~~والعدوان حين يجحد ويعتدي خمرا جديدة في زق قديم. # ذلك أقرب شيء أن يكون. # وأقرب شيء أن يقال إذا طاف بالخاطر ذلك الخيال، أن يردد اللسان قول أبي ~~العلاء: # تعب غير نافع واجتهاد # لا يؤدي إلى غناء اجتهاد # ففيم يشقى المصلحون، وفيم يهلك الشهداء؟ وفيم يأتي الأنبياء ويذهبون؟ ~~وفيم اختلفت الديانات، واصطرع عليها المتدينون؟ فيم كل هذا؟ فيم جاءهم ~~رسول بعد رسول؟ وفيم توالى التابعون بعدهم بإحسان أو بغير إحسان؟! # جاءوا وعادوا: # وانصرفوا والبلاء باق # ولم يزل داؤنا العياء # لئن قيل هذا ليكونن أقرب ما يقال بعد تلك الحقيقة التي جاءت في صورة ~~الخيال. # ولكن الحقيقة الكبرى التي توزن بها جميع الحقائق هي أن الحقيقة لا ترى من ~~جانب واحد، ولا سيما الحقيقة التي تخلد على الزمن في أطوار ms147 الإنسان منذ كان، ~~وتخلد معه أنى يكون. # ليست حرية الضمير مطلبا محدود المسافة، يرحل إليه الإنسان، ثم يصل إليه، ويقعد ~~عنه، ويكف بعده عن كل عناء. # إنما حرية الضمير جهاد دائم وعمل دائب، يتقدم فيه الإنسان شوطا بعد ~~شوط، أو طبقة فوق طبقة، ولا يفرغ من جهاده يوما إلا لينظر بعده إلى جهاد ~~مستأنف، ولا يودع الشر في مرحلة من مراحله إلا ليلقاه ويجاهده، ولن يلقاه في ~~سلام. # ومطالبنا المحسوسة تهدينا إلى القياس الصحيح في هذه المشكلة، وهي أولى بأن ~~ندركها من المطالب الخفية التي تعتلج بالضمير، وتبعثه إلى العمل مرة حيث يرى ~~مواقع خطوه، ومرات حيث يبصر فلا يرى غير الحجب والظلمات. # من ذا يقول: إن عناء التعليم باطل إذا رأى الطفل يحمل الكتاب وهو في الخامسة، ~~ورآه يحمله وهو في العاشرة، ورآه يحمله وهو في العشرين، ثم في الثلاثين، ثم رآه ~~مدى الحياة لا يستغني عن علم، ولا يقضي على الجهل كل القضاء؟! # من ذا يقول: إن عناء الطب باطل إذا رأى الناس يمرضون بعد علمهم بالجراثيم، ~~وبعد افتنانهم في الطبابة، ومواقع الدواء، وموانع الشفاء؟! # من ذا يقول: إن الغاية عبث؛ لأن الطريق إليها طويل، أو لأنها غاية تتلوها ~~غاية بلا انقطاع ولا اكتفاء؟! # لا نقول هذا في محسوساتنا التي نلمحها ونلمسها، فهل نقوله في غاية كحرية ~~الضمير هي سر الأسرار في حياة الإنسان منذ كان وأنى يكون؟ # ليست العبرة أن الشر واقع، ولكن العبرة كيف ننظر إليه، وكيف نوقعه، أو ~~كيف نتقيه. # وإذا وقع اثنان في الشر، فليس الذي وقع فيه وهو مستريح إليه مستزيد منه، كالذي ~~وقع فيه وهو مضطر إليه نادم عليه، وليس الذي وقع فيه وهو يعلمه كالذي وقع فيه ~~وهو يجهله، أو يقف منه موقف المغالطة بين العلم والجهل، وبين القصد ~~والاضطرار. # إنما الإنسان غير الحيوان البهيم؛ لأنه صاحب ضمير، وإنما يقاس ضمير ~~الإنسان بالقيم التي يقومها، والمثل العليا التي يتمثلها، والمطالب التي ~~يطلبها وينالها أو لا ينالها، وما دام المصلحون والرسل يعلمون ms148 الإنسان قيمة ~~يعليها ويرفعون أمامه مثلا أعلى يتسامى إليه، فهم عاملون، وعملهم لازم، ~~ونتيجته محققة، وإن دام الشر ولم ينقص عدد الذنوب والجرائم بأرقام ~~الإحصاء. # وإذا قلنا يوما إن الإنسان في هذا العصر يطلب الخير ولا يدركه، فقد قلنا ~~على اليقين إنه أفضل من الإنسان الذي كان لا يطلبه ولا يعرفه، وإن عمله غير ~~مطلوب، وغير معروف، كما يعمل الحيوان البهيم. # إنما تقاس الأديان بما تودعه النفوس من القيم والحوافز، وبما تزيده من ~~نصيب الإنسان في حرية الضمير، أو في حرية التمييز بين الحسن والقبيح، وقد عملت ~~الأديان كثيرا، ولا تزال قادرة على العمل الكثير، ولكنها لن تغني الإنسان ~~يوما عن جهاد الضمير. # كان جهلاء الناس فيما غبر ينتظرون ألف سنة يعم فيها الخير، وينقطع فيها ~~الشر، ويمتنع الشقاء، ولا يرى في العالم يومئذ غير سعداء أبناء سعداء. # وكان «العارفون» يقولون عن هؤلاء: إنهم جهلاء. # ولكن هؤلاء العارفين أجهل منهم إذا اعتقدوا أن دينا من الأديان لم يعمل ~~عملا، ولم يكن غير عبث من العبث؛ لأن الدنيا باق فيها الشر، باق ~~فيها البغي، باق فيها الكفران. # أي فرق بين العارفين الذين ينتظرون من الدين دنيا لا تعاب، وبين الجاهلين ~~الذين انتظروا السعادة المطلقة في «الألفية» الموعودة آخر الزمان، بعد قرون ~~تعد بالعشرات أو بالمئات؟! # لعل هؤلاء الجاهلين أقرب إلى التقدير الصحيح من أولئك العارفين؛ لأنهم ~~يفكرون وينتظرون «الألفية»، وقد انتظرها الجاهلون بغير تفكير! # لو عاد السيد المسيح اليوم لوجد كثيرا يصنعه ويعيد صنعه، ولصنع كثيرا بين ~~أتباعه، ومن يعملون باسمه، ويتواصون بوصاياه، ولكن الدنيا التي يصنع فيها ~~الهداة صنيعا كثيرا خير من الدنيا التي لا موضع فيها لصنيع الهداة، وجهاد ~~الضمير. # ولن يختم المسيح العائد إلى الدنيا رسالة الخير والهداية، فتلك هي شوط الضمير ~~الذي لا ختام له، وهو الغاية وراء كل ختام. # وسيعلم الناس في العصر الحديث - إن لم يكونوا قد علموا حتى اليوم - أن ~~عقيدة الإنسان شيء لا يأتيه من الخارج فيقبله مرضاة للداعي أو ممتنا عليه، ~~ولكنها ms149 هي ضميره، وقوام حياته الباطنية يصلحه، إن احتاج إلى الإصلاح، كما ~~يصلح بدنه عند الطبيب، وهو لا يمتن عليه، ولا يرى أنه عالج نفسه لمرضاته، ~~فالعقيدة مسألة الإنسان، لا شأن للأنبياء بها إلا لأنها مسألة الإنسان، وعليه ~~إذا عالج إصلاحه أن يعالجها كما يعالج جزءا من نفسه بل كما يعالج قوام ~~نفسه ولا يعالجها كأنها بضاعة يردها إلى صاحبها، ويفرغ من أمرها، فلا فراغ ~~من أمر العقيدة إلى آخر الزمان. ms150