######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.HayatQalam.Hindawi92514250 #META# Tags: biographies #META# ID: 92514250 #META# Title: حياة قلم #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ولادة قلم‏ # قلم يشق طريقه‏ # الصحافة قبل خمسين سنة‏ # أزمة قلم‏ # بين الأمل واليأس‏ # بين الوظيفة والصحافة‏ # في الحرب العالمية الأولى‏ # بين الموت والحياة‏ # ذكريات وشخصيات‏ # في أرض الميعاد‏ # دين وفلسفة‏ # في الشعر العربي‏ # أدب وفن‏ # المدرسة الرمزية‏ # ولادة قلم‏ # قلم يشق طريقه‏ # الصحافة قبل خمسين سنة‏ # أزمة قلم‏ # بين الأمل واليأس‏ # بين الوظيفة والصحافة‏ # في الحرب العالمية الأولى‏ # بين الموت والحياة‏ # ذكريات وشخصيات‏ # في أرض الميعاد‏ # دين وفلسفة‏ # في الشعر العربي‏ # أدب وفن‏ # المدرسة الرمزية‏ # | حياة قلم # | حياة قلم # تأليف # عباس محمود العقاد # | ولادة قلم # ألا أعرف نفسي؟ # سؤال نسمعه كل يوم ولا نجيب عنه، ولا يجيب عنه قائله؛ لأنه في عرفنا جميعا غني عن ~~الجواب، أو جوابه بلسان الحال يغني عن جوابه بلسان المقال، وكأننا نقول لكل من يسأله: ~~عفوا ... كيف لا تعرف نفسك؟ ... تعرفها بالتحقيق! # ومع هذا أقول بعد تجربة طويلة للبواعث النفسية التي تدفعني إلى أكبر الأعمال وأصغر ~~الأعمال على السواء: إن الإنسان يعرف نفسه بالتخمين لا بالتحقيق، وإنه كثيرا ما يكون ~~في تخمينه عنها غريبا يبحث عن سر غريب، ولا فرق في هذا بين البحث عن أعمالنا، والبحث ~~عن أعمال غيرنا إلا في الدرجة والمقدار، بحكم العادة والتكرار. # حديث مع نفسي! # إنني أعمل في تحرير الصحف من خمسين سنة، وكنت أكتب لها متطوعا قبل ذلك بسنوات قليلة ~~... وأزيد القارئ فأقول: إنني منذ بلغت سن الطفولة وفهمت شيئا يسمى المستقبل لم أعرف لي ~~أملا في الحياة غير صناعة القلم، ولم تكن أمامي صورة لصناعة القلم في أول الأمر غير ~~صناعة الصحافة. # ولكنني مع هذا أسأل نفسي الآن كما سألتها من قبل: لماذا اخترت هذه الصناعة دون غيرها ~~في طفولتي، وجعلتها أملا من آمال الحياة الكبرى ... بل أمل الحياة الأكبر؟ فلا أدري باعث ~~هذا الاختيار على سبيل التحقيق، ولا أستغني فيه عن التخمين أو التخمين الكثير، بعد ~~المقارنة بين ذكريات الطفولة وملابساتها، وبعد الترجيح من هنا والشك من هناك، كما يفعل ~~الباحث في السير والتراجم حين يعمد ms001 إلى التخمين عن حياة الآخرين. # وأكثر من هذا: إنني «أضبط» نفسي وهي تروغ مني، وتحاول أن تقنعني بوجهة غير الوجهة ~~التي تعنيها أو تعنيني، ثم نتلاقى مبتسمين، وأكاد أسألها: أأنت هنا؟ وتكاد تسألني: وها ~~أنت يا صاح؟ ... ثم لا نلبث أن نعلم أننا لم يفهم بعضنا بعضا من الكلمة الأولى، وأننا ~~نحتاج بعدها إلى كلمة أو كلمات نثوب بعدها إلى التفاهم والاتفاق. ~~••• # قلت: إنني لم أعرف لي في طفولتي أملا غير صناعة القلم. # وهذا صحيح ... # وهذا غير صحيح ...! # صحيح إذا نظرنا إلى الوجهة القصوى في نهاية الطريق. # وغير صحيح إذا نظرنا إلى عطفة هنا أو منعرج هناك، أو زقاق بين بين في أثناء الطريق ~~... # كلا! بل تمنيت حينا أن أكون جنديا، وتمنيت حينا أن أكون عالما زراعيا، وهما ~~فيما يبدو صناعتان متباعدتان! # ولكنني لم ألبث أن علمت أنني تعلقت بالجندية لأنني أريد صناعة القلم، وتعلقت بالعلوم ~~الزراعية لأنني أريد صناعة القلم، وأن صناعة القلم كانت تلمحني بعينيها الساحرتين من ~~وراء النقاب، وأنا أحسبني أغازل صناعة السيف، أو أغازل صناعة المنجل والمحراث ... # حادث مع قومندان الإنجليز # كانت لعبة الجيوش في أواخر القرن التاسع عشر لعبة الأطفال المفضلة في أسوان، وكانت ~~دروب المدينة وحيشان المدارس والمكاتب ميادين قتال لا ينتهي بين جيش مصر وجيش السودان ~~وجيش الدراويش وجيش الترك وجيش الإنجليز ... وكلهم بين قادة وجنود من صغار الأطفال الذين ~~لا يجاوزون العاشرة؛ لأن المسألة كانت جدا - ولم تكن لعبا فحسب - مع الأطفال في هذه ~~السن على الخصوص؛ إذ كانوا يسمعون أن الدراويش إذا دخلوا قرية قتلوا رجالها، وسبوا ~~نساءها، وحملوا أطفالها مطعونين على أسنة الحراب، فلا جرم تشغلهم هذه الحرب عن كل شاغل ~~من شواغل الخطر والخوف، فضلا عن شواغل الألعاب ... # ومما أتمثله أمامي حتى الساعة، وأبتسم له كلما تمثلته: منظر زميلنا المقدام «عبد ~~المعطي فرج» قائد الجيش السوداني المغير على مكتب «القومندان» في المعسكر الإنجليزي، ~~وهو يصيح وأذنه في يد القومندان الجبار: «مش أنا يا عمي ... مش أنا والله يا مستر ms002 ...» ~~ويكاد القومندان يقهقه وهو يدفعه إلى الخارج، ويزجره قائلا: «سأعلمك كيف تنط يا ~~خنزير!» # ذلك أننا في هذه الهجمة زدناها حبتين، ولعلها زادت في الحقيقة أكثر من حبتين! # قررنا - نحن قادة الجيوش المصرية - والسودانية أن نهجم حقا على القومندان الإنجليزي ~~في معقله بجانب المدرسة، وكان هذا القومندان رجلا صارما يخافه الإنجليز من مرءوسيه، ~~ويستعيذ من شره أهل المدينة الخاضعون لأحكامه العرفية، فما هو إلا أن سمع دبة عبد ~~المعطي تحت السور حتى وثب إلى الباب مستغربا أن يجترئ أحد على اقتحام مكتبه هذا ~~الاقتحام في وضح النهار، وفتح الله على قائدنا المغوار - عبد المعطي - بالعذر الوحيد ~~الذي لا يقبل التصديق في هذا الحرج الشديد: أذنه بين أصبعي الرجل، ولسانه يصيح: إنه ليس ~~هو المقبوض عليه. # على الربابة! # هذه اللعبة - لعبة الجيوش - كانت شغلنا الشاغل في المدينة التي لا لعب ولا لهو فيها، ~~وكانت من جانبي أنا على الأقل لعبة عسكرية أدبية في وقت واحد ... لأنني كنت قائد الجيش ~~المصري الذي يطلب المبارزة من الأعداء، ويطلبها على الطريقة العنترية الهلالية اليزنية ~~المشهورة في ملاحم شعراء الربابة، فلا يبدأ الصدام قبل تبادل الشعر الحماسي على حسب ~~المقام ... # وكان زملاؤنا - أو أعداؤنا - يستعينون في تحضير هذه الحماسيات بشعراء الربابة، الذين ~~امتلأت بهم قهوات البلدة في أيام الحملة السودانية، وأغنوها عن المسارح، وملاعب ~~البهلوانات والقرقوزات؛ لازدحام المدينة بالجنود والباعة من أبناء الصعيد - طلاب هذا ~~الضرب من القصص والأناشيد - ومن لم يجد من الطلاب بغيته عند شاعر الربابة طلبها في بيت ~~هنا أو قطعة هناك من كتب المحفوظات أو روايات التمثيل، وفيها الكثير من مواقف الفخر ~~والحماسة، أو مواقف التخويف والتهويل. # وكنت أنا قد جربت نظم الشعر في بعض المقاصد المدرسية، فشجعتني التجربة على نظم ~~الأناشيد الحماسية لميدان المبارزة، وأردت أن أثبت للسامعين أنني صاحب تلك الأناشيد، ~~فالتزمت في نظمها أن أذكر اسمي كاملا في كل قطعة منها، وانتصرت بها انتصارا أعظم من ~~انتصار القتال؛ إذ أوشكت المناوشة كلها أن تنحصر في الاستماع إلى قصائد ms003 الفخر والحماسة ~~بغير قتال ... # وانتهت مدتي في الجندية بنهاية هذه الجندية المتطوعة! ... فلم يعسر علي أن أفهم أن ~~حماسة النشيد هي بيت القصيد عندي من الجندية والتجنيد، وأنها كانت منفسا للملكة ~~الناشئة التي لم تستقر بعد على قرار ... # سر الولع بالزراعة # أما الولع بالعلوم الزراعية، فلم ألبث أن علمت أنه في دخيلته ولع بتطبيق الأشعار التي ~~كنت أقرؤها عن الأزهار والعصافير، والحدائق وجداول الماء والأنهار ... وربما كان مدخلها ~~إلى نفسي أعمق من ذلك، وأخفى مكانا على النظرة الأولى التي نظرتها بها يوم ذاك، فإن ~~علوم الزراعة تعين على مراقبة أطوار الحياة، وغرائب الحيوان والنبات، وليس أوثق من ~~العلاقة بين الدراسات النفسية، وبين تلك الغرائب والأطوار، ولا أراني حتى الساعة أوثر ~~كتابا في سيرة علم من أعلام التاريخ على كتاب في طبائع الأحياء والحشرات، أو آثارها ~~القديمة في بقايا الحفريات ... # كانت أمنية الجندية وعلوم الزراعة إذن ترجمة لأمنية الكتابة مستعارة في صورة من صور ~~الصناعات الأخرى، وبخاصة حين نذكر أنها كتابة لا تخلو من نضال، ولا تخلو كذلك من زراعة ~~ولا من عناية بالحياة والأحياء. # ومثل هذه الترجمة فيما أظن معهودة في كل محاولة ناشئة قبل أن تستقر على قرارها، فلا ~~يزال الناشئ يتمنى شيئا بعد شيء، ويجهل ما يتمناه حتى يثبت فيه على القرار الأخير ... ~~ويومئذ يعلم أنها كانت جميعا أمنية واحدة في باطنها، وأنه كان بينه وبين نفسه في هرب ~~ولقاء كأنهما في طراد البحث والاستخفاء. # أول مجلة # وأحسبني حتى الساعة لم أبلغ من معرفة الباعث الصحفي في نفسي مبلغ اليقين الجازم الذي ~~لا رجعة فيه، ولكنني على يقين جازم من أنني أنشأت صحيفة في طفولتي الباكرة، وأنني لم ~~أنشئها قبل أن أطلع على ودائع دولاب المنظرة في بيتي، وأكثر ما فيه صحف أسبوعية أو ~~شهرية قديمة، وأكثر هذه الصحف القديمة من مجلات عبد الله نديم، وليس بينها أكثر عددا ~~ولا أكبر حظوة عندي يومذاك من مجلة «الأستاذ». # ودولاب المنظرة مستودع عزيز يعرفه أبناء الريف، ولا تخلو منظرة في ms004 بلدة ريفية من ~~دولاب منه على الأقل، يفرغ في جوف الحائط، ويقام عليه باب بمفتاح أو بغير مفتاح، ويغلب ~~أن يكون بغير مفتاح؛ لأن الودائع التي يحرص عليها أصحابها لا تودع في المناظر على ~~متناول الداخل الغريب. # وعلى تعداد الصحف في دولاب المنظرة عندنا لم تكن بينها صحيفة أبرع في العناوين من صحف ~~عبد الله نديم، وكان هذا الصحفي المطبوع أستاذ زمانه، بل لعله أستاذ من أساتذة العناوين ~~في كل زمان ... # من عناوينه عنوان «كان ويكون» للترجمة، وعنوان «التنكيت والتبكيت» لاسم صحيفة، وعنوان ~~«المسامير» لكتاب هجاء، وعناوين أخرى بهذه البراعة لعشرات من الفصول والأخبار. # معارضة النديم! # ولفتتني العناوين البارعة فقرأت كل ما وجدته من صحف النديم، ووجدتني ذات يوم أقطع ~~الورق قطعا على قدر المجلة، وأعمد إلى مكان العنوان منها، فأكتبه بخطي متأنقا، وأعارض ~~عنوان «الأستاذ» بعنوان «التلميذ». # أما المقالة الافتتاحية فقد كانت أيضا من قبيل المعارضة لمقالة من أشهر المقالات، ~~التي تردد صداها زمنا في البيئات المصرية، وهي المقالة التي جعل عنوانها «لو كنتم ~~مثلنا لفعلتم فعلنا»، وافتتح بها الجزء الثاني والعشرين من السنة الأولى. # فكتبت مقالي الافتتاحي وجعلت عنوانه «لو كنا مثلكم ما فعلنا فعلكم». # وكان فحوى مقال النديم أننا نطلب الاستقلال، وندعي أننا والأوروبيين أشباه وأمثال، ~~ولكن الأوروبيين ينكرون هذه الدعوى، ولا يكلفون أنفسهم غير دليل واحد يثبتون به الفارق ~~البعيد بيننا وبينهم، فإذا قلنا لهم: نحن مثلكم قالوا لنا: تلك دعواكم، ولو كنتم مثلنا ~~لفعلتم مثلنا ... # واستغرقت مقالة النديم أكثر من عشرين صفحة ختمها بقوله: # إن آخر الدواء الكي وقد بلغ السيل الزبى، فإن رفأنا هذا الخرق وشددنا أزر ~~بعضنا ... أمكننا أن نقول لأوروبا: نحن نحن وأنتم أنتم، وإن بقينا على هذا التضاد ~~والتخاذل واللياذ بالأجانب فريقا بعد فريق، حق لأوروبا أن تطردنا من بلادنا ~~إلى رءوس الجبال؛ لتلحقنا بالبهيم الوحشي وتصدق في قولها: لو كنتم مثلنا لفعلتم ~~فعلنا. # وتناولت في مقالي فقرات النديم واحدة واحدة بردود لا أذكرها الآن، ولكني أذكر منها ما ~~يدل عليه ms005 العنوان، وفحواه أننا - نحن الشرقيين - لو كنا مثلكم - أيها الغربيون - فاتحين ~~منتصرين لما فعلنا فعلكم من نهب الأموال، واستباحة الحقوق وافتراء الأكاذيب والتعلل ~~بالمواعيد، ولكننا لسنا مثلكم ولا نريد أن نفعل فعلكم، وسترون فعلنا عما قريب ... # ثم أصدرت من صحيفة التلميذ المخطوطة بضعة أعداد لم يكن لها من قراء غير زملائي في ~~المدرسة، وأقاربي المشجعين أو المتندرين المتفكهين، ولم يكن لها من اشتراك غير تعب ~~النسخ لمن يراها مستحقة لهذا الثمن ... # عادة ... من أيامها! # إخالني الآن على حق إذا قلت: إن هذا السر - سر دولاب المنظرة - هو كذلك سر الاتجاه ~~الأول عندي إلى صناعة القلم، ويؤيد هذا الظن الراجح أنني تعودت من أيامها عادة لم ~~تفارقني إلى اليوم في تجهيز ورق الكتابة الصحفية بصفة خاصة ... فهذه الورقة التي أكتب ~~عليها الآن مقصوصة على النحو الذي اخترته لصفحات مجلة «التلميذ» ... ومتى كتبتها طويتها ~~طولا كما تطوى المجلة، ووضعتها في غلاف مستطيل كالغلاف الذي توضع فيه المجلات، وقد ~~اتخذت من هذه الأوراق ومن ذلك الغلاف ذخيرة حاضرة أوصي بصنعها إذا نفدت من السوق، كما ~~تنفد أحيانا في بعض أيام الحروب العالمية. ~~••• # وعلى هذا النحو من التخمين نعرف أنفسنا باحثين مترددين، قبل أن نصل إلى اليقين، إن ~~وصلنا إلى يقين ... # لكنني لا تفوتني كلمة سمعتها من صديق كان يناقشني كلما تساءلت عن سر اتجاهي إلى صناعة ~~القلم، فيقول: وهل من حاجة إلى البحث عن سر لهذا الاتجاه؟ ألا يكفي أنك أنست من نفسك ~~القدرة على الكتابة، فاتجهت إلى صناعة الكتابة؟ ... # ولست على رأي الصديق في هذا التعليل لاتجاهاتنا النفسية، فإن الملكة النفسية تخلق ~~فينا قبل أن تخلق لها أدواتها، وربما كانت سهولة الكتابة عندي نتيجة مستفادة من سهولة ~~القراءة، ولم أكن قارئا إلا لأنني سأكون كاتبا يوما من الأيام متى تيسرت ~~الأداة. # على أن شعور الطفل بقدرته على الكتابة لا يأبى عليه أن يتمنى الوزارة، أو يتمنى ~~الوجاهة الاجتماعية، أو يتمنى صناعة القلم مبتدئا بعمل من الأعمال الكتابية غير ~~الصحافة، ولست أعتقد أن ms006 مئات الأطباء والمهندسين والصناع، وذوي الملكات المنوعة الذين ~~ظهروا من أبناء جيلنا قد استلهموا اختيار صناعاتهم من وحي القدرة على علم من علومهم ~~المدرسية، بل لعلهم توجهوا وجهتهم في مستقبلهم على الرغم من جميع تلك العلوم. # جيل وجيل # كان عبد الله النديم أستاذ مدرسته في الصحافة والدعوة الوطنية، وكان كل من نشأ بعده ~~بقليل بين واحد من اثنين: إما تلميذ يقتدى به، وإما خصم يبغضه وينحى عليه ... # ونشأ مصطفى كامل في هذه المدرسة، وكان خصوم النديم يزعمون أن الخديو لم يعرض عن ~~الأستاذ ويقبل على التلميذ إلا لأن أبناء الأسرة الخديوية غضبوا لتقريبه رجلا كان ~~يحاربهم في الثورة العرابية، ويعمل على تقويض عرشهم، فاختار الخديو من تلاميذه شابا ~~بعيدا عن هذه الشبهة، وميزه على أستاذه لمعرفته باللغة الإفرنجية، وقال «ولي الدين ~~يكن» في كتابه «المعلوم والمجهول»: # من أجل هذا قال أكثر الأمراء من ~~الأسرة الحاكمة على مصر: إن مقام الإمارة لا يقرب منه النديم؛ لأنه عدو أسرته ~~وجنسه، وبهذه السياسة المضحكة آل الأمر إلى الاعتماد على «كامل»، وقد كان كامل ~~ممن يرددون نغمات النديم، وإنما ميز المقلد عن المجتهد إلمامه باللغة ~~الفرنساوية، واستطاعته بيان آرائه للغربيين، ولم يفز النديم بمثل ذلك. # إلا أن الأمر لم يكن في هذه المسألة خاصة أمر اللغة الإفرنجية؛ لأن الخديو قرب إليه ~~الشيخ علي سوف الأزهري، وهو ممن أنشئوا الصحف منافسة للنديم، وتطلعوا إلى محاكاته في ~~المنهج والأسلوب، ولكنها مسألة المدرسة الصحفية التي كانت تحمل علم الدعوة أمام الصحافة ~~المسخرة للدعاية الأجنبية، ولم تكن هناك مدرسة تحمل هذا العلم في أول عهد الاحتلال غير ~~مدرسة النديم. # ويصدق هذا على جيل النديم والجيل الذي تلاه، ولكنه لا يصدق على الجيل الذي نشأ بعد ~~ذلك بسنوات؛ لأن هذه الفترة قد اتسعت لعوامل جديدة في السياسة والتفكير تخالف العوامل ~~التي غلبت على الثورة العرابية، أو على جيل المخضرمين بين الثورة والاحتلال. # أنا ... والنديم # ولهذا أرجع إلى ظواهر كثيرة صاحبت نشأتي الصحفية، فلا أستطيع أن أقول: إنني على ~~الجملة ms007 من تلاميذ مدرسة النديم، وإن كان النديم أول من لفتني إلى العمل في الصحافة، ~~وكانت مطالعته أول مطالعة وجهتني إلى هذه الصناعة ... # لا بل هناك مشابهات عديدة بين النديم وبيني لا أدري هل جاءت من وحي القدوة الخفية، أو ~~جاءت مصادفة بغير قصد مني ولا من أحد ... # فقد تعلمت صناعة التلغراف كما تعلمها النديم، واشتغلت بالتعليم في مدرسة خيرية كما ~~اشتغل النديم، وجربت الاستخفاء على الطريقة البوليسية أكثر من مرة إبان الحرب ~~العالمية الأولى، وكذلك فعل النديم عند مطاردته في أعقاب الثورة العرابية. # ولكنني - مع هذه المشابهات - لم أشعر من قبل، ولا أشعر الآن بأن الرجل قدوتي المختارة ~~بين أمثلة النبوغ التي أتمناها، أو بين «الشخصيات» المثالية التي أجلها وأحب أن أنتمي ~~إليها ... # وأحسب أن المرجع في هذا الاختلاف إلى سببين: أحدهما يرجع إلى الأحوال العامة، والآخر ~~يرجع إلى المزاج الشخصي الذي فطرت عليه ... # فالأحوال العامة في عصرنا تخالف الأحوال العامة قبيل الاحتلال، أو في الفترة بين ~~الثورة العرابية والاحتلال؛ لأن دخول الإنجليز مصر كان مسألة دولية تعمل فيها الدولة ~~العثمانية عملا «قانونيا»، يصح الاعتماد عليه باعتبارها صاحبة السيادة القانونية على ~~الديار المصرية، وكانت مناورات الدول المتنافسة على فتوح الاستعمار بابا مفتوحا على ~~مصراعيه، يتسع للمساومات والدسائس والمعاكسات، ويتعلق الأمل به من جانب المصريين ولو ~~إلى حين ... # وهذا فيما نظن أحد الأسباب التي تحولت بأنظار عبد الله النديم وتلاميذه إلى الدولة ~~العثمانية، وجعلت سيادة هذه الدولة على مصر ركنا مهما في برنامج مصطفى كامل، والحزب ~~الوطني الذي قام على يديه ... # أما في عصرنا - نحن الذين ولدنا بعد الاحتلال - فقد أصبحت مسألة الاحتلال من أعبائنا ~~الوطنية، التي لا عمل فيها للدولة العثمانية، ولا للمناورات الدولية، وإنما يقع العبء ~~الأكبر فيها على عواتقنا نحن المصريين ... فلا يجوز لنا أن نفرط في مبدأ الاستقلال من أجل ~~صيغة «شكلية» لا تفيدنا في جهادنا إن صح أنها كانت تفيدنا قبل ذلك ... # هذا هو سبب الاختلاف بين جيلنا وجيل النديم، فيما يرجع إلى الأحوال العامة. # وأما ms008 سبب الاختلاف الذي يرجع إلى المزاج الشخصي، فخلاصته في كلمتين: إن الرجل كان ~~ينزع كثيرا أو قليلا إلى شيء من التهريج، وإنني نشأت في بيئتي البيتية بين أبوين ~~محافظين أشد المحافظة على سمت الوقار و«اللياقة»، ونقلت هذا الخلق منهما بالوراثة كما ~~نقلته بالقدوة والمحاكاة ... # كل الناس ... ولا عباس! # ومما يحضرني من ذكرياتي فيما دون العاشرة أنني رفضت كل الرفض أن ألبس البنطلون القصير ~~يوم دخلت المدرسة في نحو السابعة من عمري، وأنني رفضت أشد الرفض أن أجيب نداء المعلم ~~حين دعاني باسم «عباس حلمي»، جريا على تقاليد ذلك العهد التي بقيت إلى الآن في أسماء ~~المعاصرين ... فلم يكن أحد من التلاميذ يدعى باسم أبيه، ولكنهم كانوا يلقبون بألقاب حلمي ~~وصبري ولطفي وحسني وشكري، وما شاكلها على حسب المطابقة لأسماء المشهورين، أو الموافقة ~~لجرس اللقب ورنينه في الأسماع، فبقيت واحدا من قليلين يذكرون بأسماء آبائهم بين أبناء ~~ذلك الجيل، ولولا إصراري على رفض اللقب المستعار لكان اسمي اليوم «عباس حلمي محمود»، ~~كما كتب في قائمة «التصنيف»؛ أي توفيق الأسماء والألقاب. # وإلى اليوم يذكر شيخاتنا وشيوخنا في الأسرة كلمة الأمهات التي كن يرددنها لأطفالهن، ~~كلما أصابهم ما يسوءهم من التورط في المزاح معي وراء الحد الذي أسيغه، فإذا ذهبوا إلى ~~أمهاتهم يشكون ما أصابهم كان الجواب الذي يقال بين الضحك والغضب: امزح مع من شئت يا بني ~~... ولكن «كل الناس ولا عباس»! # ومن الطبيعي لطفل في هذا المزاج أن ينظر إلى مثله الأعلى، فلا يراه في صاحب التنكيت ~~والتبكيت وصاحب المسامير، وأحسبني لم أفضل الأستاذ الإمام محمد عبده على صاحبنا النديم ~~إلا لسبب من جملة أسباب ترجع إلى هذا المزاج، فإن وقار محمد عبده هو القدوة التي ~~أرتضيها حين أنظر إلى النديم، فيظفر مني بالثناء ولا يظفر مني بالاقتداء، وكلاهما فيما ~~عدا هذا الخلق صنوان ينتميان إلى الثورة العرابية، وإلى مدرسة جمال الدين وإلى العمامة ~~والبيئة الأزهرية ... # مدرستان! # وأيا كانت أسباب الاختلاف بين النديم وبيني، فالعصر الذي نشأنا فيه لا يسمح لمدرسة ms009 ~~واحدة أن تطغى على أفكار الناشئة في كل بقعة من بقاع البلاد المصرية ... لأنه كان عصرا ~~مزيجا مضطربا بين عصرين ذهب أحدهما، ولم يخلفه العصر القادم على رأي واضح مقسوم بين ~~كل فئة من الناشئين وما يوافقها وتوافقه من التفكير الحديث. # كان عصرنا «برج بابل» يبنى ويعاد بناؤه بين عام وعام ... # كنا نعيش في عصر الجامعة الإسلامية على مذاهب، ونعيش في عصر الجهاد الوطني على مذاهب، ~~ونعيش في عصر التجديد الفكري على مذاهب، ولا نرى أمامنا مذهبا واحدا في قضية من ~~قضايانا الكبرى، وكلها مشكلات ... # فالجامعة الإسلامية مدرستان: مدرسة جمال الدين ومدرسة الدعاة الرسميين ... # مدرسة جمال الدين تعني بالجامعة الإسلامية أن تكون جامعة شعوب متيقظة مسئولة عن ~~شئونها مرعية الحقوق مع ملوكها وأمرائها، فضلا عن حقوقها مع الطامعين المتربصين بها ~~... # ومدرسة الدعاة الرسميين تعمل للملوك والأمراء، وتريد من الجامعة الإسلامية أن تكون ~~وحدة سياسية بزعامة هذا الخليفة أو ذاك من ملوك المسلمين، وأعلاهم صوتا في مصر من كان ~~يعمل لخليفة بني عثمان ... # ومدرسة الجهاد الوطني على هذه الحال: مذهب يعتمد على مناورات الدول وحقوق السيادة ~~الشرعية، ومذهب يستضعف هذا الرأي، ويحسب العمل فيه من ضياع الوقت على غير جدوى، وبخاصة ~~في أمر التعويل على السيادة العثمانية؛ لأن حقوق هذه السيادة لم تكن عصمة للمعتمد ~~عليها، بل كان مجرد الانتماء إلى الرجل المريض صاحب التركة المنتظرة - كما كانت الدولة ~~العثمانية تسمى في ذلك الحين - ذريعة إلى ضياع البلد في معركة النزاع على التركة، أو في ~~مساومات التقسيم والتفريق! ... # بلبال! # ويزيد البرج بلبالا خليط الأصوات المنبعثة من طغمة الدعاة المأجورين المسخرين لخدمة ~~الدسائس الأجنبية ... # فمن هؤلاء من كان يضرب المعول في أركان الدولة العثمانية جاهدا مكابرا باسم ~~الإصلاح، والثورة على الاستبداد، وهو في باطن الأمر صنيعة للدول وسمسار من سماسرة ~~الاستعمار الذين يقصدون في الواقع إلى هدم الإسلام، وتمكين المستعمرين من الدولة ~~المستقلة الباقية بين بلاد المسلمين ... # ومن هؤلاء من كان يعلن الغيرة على حقوق مصر والدولة العثمانية، وهو في باطن الأمر ms010 ~~صنيعة السياسة الفرنسية في الشرق يناوئ الاحتلال بأمرها، ويورط البلد في المشكلات ~~تحقيقا لمآربها ... # ومنهم من كان يثير دعوة الجامعة الإسلامية؛ ليتخذها وسيلة إلى إيقاع الشقاق بين أبناء ~~الوطن الواحد، تأييدا لدعوى الدول التي تستفيد من تهمة التعصب الديني، وتلوح بها ~~لإقناع الأجانب بحاجتهم الدائمة إلى الحماية من دولة أوروبية ... # ومنهم من كان يطلب الدستور، ولكنه لا يطلبه حبا للحرية، ولا إنصافا للأمة، بل ~~تعزيزا لسلطان الخديو ... وتمهيدا لإطلاق يده في ميزانية الدولة ووظائف الحكومة بمعزل ~~عن دار المندوب البريطاني ومستشاريها في الدواوين ... # بلبال، وأي بلبال! ... # وأشد منه اختلاطا بلبال آخر في ميدان الفكر والثقافة، ويضطرب فيه القول بين تفكير من ~~يعجب بالثقافة الحديثة، وبين اتهام من يزدريها بالجهل المطبق والبهيمية العجماء، وسوف ~~نعرض لهذا البلبال الفكري في مكانه من الفصول القادمة؛ لأننا نبدأ بالكلام عن الصحافة ~~وموضوعاتها الغالبة عليها قبيل اشتغالي بالتحرير فيها، ثم نقفوه بالكلام على غيره من ~~الموضوعات. # بلبال يهون إلى جانبه ضوضاء برج بابل ... فأين يذهب الطفل الناشئ في دروب هذا التيه ~~وزواياه بين مهابطه ومراقيه ...؟! # وأنا في السادسة عشرة! # لا أعيد هنا كل ما عرض لي في هذا الطريق من حيرة وشك وعثرات وأزمات. # ولكنني أعلم علم اليقين أنني كنت على قرار واضح في كل قضية من هذه القضايا حين بلغت ~~السادسة عشرة، ثم عملت لأول مرة في تحرير صحيفة الدستور ... # الجامعة الإسلامية عندي هي جامعة جمال الدين، أو جامعة شعوب متيقظة متعاونة لا جامعة ~~ملوك وعروش تساق لخدمة هذا الخليفة أو تخليف ذلك السلطان ... # الدولة التركية نتمنى بقاءها وصلاحها، ولكننا لا نتمنى سيادتها، ولا نستمع لمن ~~يحاربها باسم الشورى أو النقمة على الاستبداد ... # الدول الأجنبية لا تنفعنا إن لم ننفع أنفسنا، وسياسة «مصر للمصريين» هي أقوم سياسة ~~يتبعها المصريون، ويهتدون بهديها فيما لهم من حق وعليهم من واجب ... # الحزب الوطني حزب مخلص مجتهد، ولكنه مفرط في مجاملة «يلدز» و«عابدين» مقصر في مساعيه ~~نحو «مصر للمصريين». # الملوك والأمراء يخدمون القضايا القومية بمقدار ما تخدم عروشهم، ms011 فإن تلاقت مصالحهم ~~ومصالح الوطن فحبا وكرامة، وإن تشعبت الطريق بين هذه المصالح وتلك المصالح، فلا خفاء ~~بالطريق القويم ... # الحكم الدستوري لا غنى عنه، ولا وجه للمقارنة بينه وبين حكم الاستبداد بحال من ~~الأحوال ... # داخل النطاق # منذ كتبت في صحيفة الدستور لم تخرج كتابتي عن هذا النطاق في قضية من هذه ~~القضايا. # لم أمدح الخليفة «عبد الحميد» إلا في مناسبة واحدة وهي إعلان الدستور، ويومئذ كتبت ~~أبياتا أهنئه بها، وأسجل تاريخ السنة بحساب الحروف الأبجدية، فكان التاريخ هذه ~~الشطرة: # قد أنشأ الدستور عبد الحميد # ومجموع حروفها بحساب الجمل «1326»، وهي السنة الهجرية التي أعلن فيها الدستور ~~... # ولما توفي مصطفى كامل شيعته صحيفة الدستور - وهي من صحف الحزب الوطني - برثاء أبلغ من ~~رثاء صحيفة اللواء، ولكنني أحجمت عن رثائه بثناء خلو من النقد، وأحجمت في ذلك المقام من ~~نقد سياسته قبل الآستانة، وقبل الخديو وقبل السيادة العثمانية، وكاشفت الأستاذ فريد ~~وجدي بحرجي وحرج صحيفته، وهي لسان الجامعة الإسلامية الأولى ولسان الحزب الوطني الثاني ~~بعد اللواء، فقال لي رحمه الله: إنه يفهم هذا الحرج وإنه يقوم عني بما أتحاشاه، فآثرت ~~الصمت عن الرثاء على ثناء بغير نقد، أو نقد متحفظ، متحرج، بين مضطرب الآراء ... ~~••• # وانقطعت الصلة بيني وبين الصحيفة بضعة أشهر لا أكتب فيها ولا أكتب إليها، ولكنني كتبت ~~إليها مقالي الوحيد من الخارج يوم أعلن الدستور في إيران، وقلت فيه مهنئا للشاه ~~الصغير: لو كنت في فرنسا لكان مصيرك كمصير الصبي ابن لويس السادس عشر، ولكنك تحمد الله؛ ~~لأنك في بلد إسلامي وتحمد لشعبك - ولا ريب - جميل هذا الصنيع. # والآن - بعد نصف قرن كامل - أقول: إنني قد جربت هذا البرنامج السياسي، الصحفي، في ~~مشكلات هذه الحقبة وأزماتها جميعا ... فحمدت مغبة هذه التجربة، ولم أجد فيما وجدته من ~~الحوادث المتناقضة برنامجا أصح منه، ولا أصلح لقضية مصر وقضايا الأمم الشرقية، ولا ~~أعلم أن الحوادث بعد الحوادث كشفت لنا عن خطة أهدى منه للعاملين، وأحق منه باتباع ~~المتبعين ... # وبعد، فإنني لا أحب أن أنافق ms012 القارئ باصطناع التواضع الكاذب طلبا للثناء الأكذب، ~~فأقول: إن الحكاية سهلة على كل من يطلبها، وإنها حكاية يطلبها كل من شاء بغير عناء ... # الاستقلال # كلا، ليس من السهل على كل ناشئ في العشرة الثانية من عمره أن يسلك سبيله بين تلك ~~النقائض والشبهات، دون أن يروض نفسه على استقامة القصد إلى الحقيقة، واستقلال الرأي بين ~~شتى الدوافع والمغريات ... # ولكنني أعود فأقول: إنه لا استقلال الرأي، ولا استقامة القصد، كانت كافية لهدايتي إلى ~~سبيلي لو لم أستفد من ظروف الآونة التي نشأت فيها، وظروف البلد الذي نشأت فيه ... # لقد كانت الآونة في مصر آونة نادرة، لم تمتحن فيها العقول بعد بمحنة المحن في العصر ~~الحديث: محنة تكوين الرأي جماعات جماعات، فلا ينطوي الشاب في جماعة صاخبة حتى يحرم ~~القدرة على نقدها ونقد سواها، فهو مع جماعته التي انطوى فيها يقبل خطأها كما يقبل ~~صوابها، وهو مع الجماعات الأخرى يرفض صوابها كما يرفض خطأها، وإنه لخاسر مضلل في كلتا ~~الحالتين ... # وكانت البلدة التي نشأت فيها بلدتي أسوان بأقصى الصعيد، يكاد الناشئ في مثل سني أن ~~يأوي بها إلى صومعة من صوامع الفكر يقلب فيها وجوه النظر في كل ما يسمع أو يبصر من ~~الشئون العامة، بغير تضليل أو تهويل ... وتهب الزوبعة القومية، فلا تفاجئنا في وسط غبارها ~~فتعمى البصائر عما فيها، ولكنها تقترب منا رويدا رويدا فلا تصل إلينا حتى تنكشف على ~~جلاء ... # وهل في ذلك عبرة؟ # نعم ... عبر قريبة فيما نرى، فخير ما يصنعه الشاب في فترة تكوين الرأي أن يروض نفسه ~~سنوات على النظر إلى ما حوله مستقلا عن طغيان الجماعات، فإذا دخل في جماعة منها بعد ~~ذلك عرفها بمحاسنها وعيوبها معرفة تمييز وتقدير، ولم يعمل فيها آلة من الآلات ... # | قلم يشق طريقه # صحيفة مطبوعة بعد المخطوطة # أصدرت صحيفتي المخطوطة - التلميذ - وأنا تلميذ في الثانية عشرة، لم أبرح المدرسة، ولم ~~أملك في يدي مبلغا من المال يكفي للتفكير في طبع ورقة إن وجدت المطبعة، حيث كنت في الصعيد ~~الأقصى ... وهي ms013 غير موجودة! ... # لكنني الآن موظف حكومة، تخرجت من المدرسة الابتدائية، واشتغلت بالقسم المالي في مديرية ~~الشرقية، وعرفت لي مبلغا من المال أقبضه في أول كل شهر: خمسة جنيهات! # ومن هذه الجنيهات الخمسة أستطيع أن أدخر جنيها في كل شهر، وأن أجمع من هذه الجنيهات ~~المدخرة مبلغا يكفي للإنفاق على العددين الأولين من صحيفة مطبوعة، ثم لا حاجة بعد ذلك إلى ~~المال؛ لأن الصحيفة تباع وتأتي بتكاليفها عددا بعد عدد، أو عددين بعد عددين ... # وكنت قد عرفت شيئا عن تكاليف الطباعة في مدينة الزقازيق عاصمة الشرقية؛ لأنني اشتقت إلى ~~بلدتي بعد أن فارقتها يافعا لأول مرة، فنظمت قصيدة على وزن قصيدة «المعري» التي يقول في ~~مطلعها: # عللاني فإن بيض الأماني # فنيت والظلام ليس بفان # فقلت في مطلع قصيدتي: # ذكراني نعيمها ذكراني # حبذا لو علمتما ما أعاني # وقلت منها أذكر أسوان: # لست أرجو عودا إلى أسوان # ولا يحضرني الآن الشطر الأول من البيت ... # وراقت القصيدة من سمعوها من الزملاء المتأدبين، فاقترحوا علي طبعها ليحتفظ كل منهم ~~بنسخة منها ... وتكفل أحدهم بتقديمها لمطبعة المدينة، فلم تكلفنا ورقا وطبعا أكثر من ثلاثين ~~قرشا لمائتي نسخة، وقيل لنا: إنها تكلفنا أقل من خمسين قرشا إذا طبعنا منها مائتي نسخة ~~أخرى، فعرفنا السعر وعرفنا الفرق بين تكاليف طبع القصيدة وتكاليف طبع الصحيفة، وهي في ~~تقديرنا تقع في ثماني صفحات بدلا من صفحتين. # حسبة ميسورة مشجعة، ومرتب شهر واحد يكفي للبدء في طبع الصحيفة على بركة الله! # وماذا يبقى بعد الطبع مما يحتاج إلى التدبير والاستعداد؟ # لا شيء! # فالتحرير مضمون بغير كلفة؛ لأنني محرر الصحيفة الوحيد ... # والتوزيع مضمون لا خوف عليه، وكيف لا يكون مضمونا وهؤلاء قراؤنا يتهافتون على اقتناء ~~الطبعة الأولى، ويستنفدون منها مائتين في يوم أو يومين؟ ~~••• # ومن البديهي أنني لا أصدر الصحيفة وأنا موظف بالحكومة ... ولا أطبعها، من ثم، في الزقازيق ~~حيث طبعت القصيدة. # إلا أنها عقبة هينة لا يصعب علينا تذليلها، فليس أهون من الانتقال إلى القاهرة بعد ~~الاستقالة من الوظيفة ، وليس أبناء ms014 القاهرة بأقل من أبناء الزقازيق إقبالا على قراءة ~~المنظوم والمنثور ... وكنت أذهب إلى القاهرة مرة في كل أسبوع أو أسبوعين، أشهد التمثيل في ~~مسرح الشيخ سلامة حجازي، وأزور حي الأزهر باحثا عن الكتب الأدبية القديمة بثمن رخيص ~~... # فذهبت إلى القاهرة، وأحببت أن أحقق وأدقق، وأستوفي المعلومات اللازمة قبل الشروع في العمل ~~... ووقع اختياري - لاستقصاء البحث في المسألة - على صاحب مكتبة عتيقة عظيم الخبرة بالمطبوعات ~~القديمة والحديثة، كثير الاتصال بالصحفيين والأدباء، تعودت أن أشتري منه ما أجده عنده، وأن ~~أوصيه باستحضار الكتب النادرة من الطبعات المرجوعة. # والواقع أن «الاستقصاء» الذي عولت عليه لم يكن ليعوقني عن المضي فيما نويت، وإنما هو ~~مسألة شكلية على حكم العادة في الاستشارة والاستخارة ... وليقل صاحبنا ما يقول، فإنني أعددت ~~الصحيفة كتابة وتقسيما وتبويبا وتسمية وإخطارا للحكومة، ولم يبق من معداتها شيء غير ~~الطبع والتوزيع ... ~~••• # وكنت أتردد بين اسمين: اسم «البيرق» واسم «رجع الصدى»، ولا أحسبني يومئذ قصدت الفرق بين ~~الاسمين، وعنيت ما فيه من الدلالة على الصحيفة التي تقود الآراء، ويلتف بها الشعراء كما ~~يلتفون بالبيرق، أو عنيت ما فيه من الدلالة على الصحيفة التي تردد أصداء الآراء، ولا تزيد ~~على عرض الحوادث والأنباء. # لا أحسبني قصدت إلى هذه التفرقة، ولكنني انتهيت على غير قصد مني إلى تفضيل اسم «رجع ~~الصدى» على اسم «البيرق» ... وكتبت العنوان بخطي؛ ليخرجه الحفار كما كتبته، بدعة من بدع ~~التجديد في العناوين! # ولست أنسى نظرة الكتبي العتيق إلي من تحت نظارته الملحومة في موضعين أو ثلاثة: ~~«ماذا؟ تترك خدمة «الميري» وتشتغل بالغزازيط والجرانيل؟ إن كنت لا تدرك ما أنت مقدم عليه، ~~فانتظر هنيهة لترى مائة من هؤلاء «الصائعين» الضائعين يتمنون التراب تحت قدميك في وظيفتك ~~ولا يصلون إليه ... لا يا صاحبي ... لا ... إنني أراك أعقل من هذا يا بني ... فلا تخيب أملي فيك ~~...!» # ولم يقنعني كلامه؛ لأنني لم أسمع منه جديدا عن خدمة «الميري» وقداستها في عرف أبناء ~~جيله، ولم يزحزحني تحذيره قيد شعرة عن نية المضي في الاستعداد والتنفيذ ms015 ... # وإنما زحزحني عن هذه النية قيد فرسخ - لا قيد شعرة وحسب - منظر أو منظران من المناظر التي ~~كانت تتكرر في كل حلقة صحفية، ولا يستغربها أحد من المتفرجين؛ لأنها من أدوات المهنة المتفق ~~عليها ومن أدوارها التي تعاد في كل قصة، فلا يجهلها إلا الذين يجهلون الصحف والصحفيين، أو ~~الجرنالجية وجماعة الغزازيط، وتجار التجريس والتنبيط! # كانت بجوار المكتبة مطبعة صغيرة تطبع فيها الصحف الأسبوعية، وكان «مدير» إحدى الصحف يرجو ~~صاحب المطبعة أن يعجل بإصدار العدد، ويأبى صاحب المطبعة أن يخرج العدد، ما لم يحصل على ~~أجرته وأجرة العدد السابق الذي صدر قبل أسابيع، ووقف المدير ينتظر وكيلا له أرسله إلى ~~المشتركين للتحصيل، وعاد الوكيل على صورة يقصر عنها أمل المتسول الذي يريد أن يبالغ في ~~إثبات صناعة التسول، واستدرار شفقة المحسنين والمسيئين! فصاح به المدير: ما وراءك؟ # فأخرج له الوكيل إيصالا معادا من أحد المشتركين، وقال: إن الاشتراك مسدد قبل الآن ~~... # فسأله المدير: وأين الإيصال الآخر؟ # قال الوكيل: إن الرجل قطعه ورماه في خلقتي! # فهم المدير بضربه، وهو يقول مختنقا من الغيظ: رماه في خلقتك؟ مستحيل ... إن فضيحة بيته ~~معروفة ويخشى من الإشارة إليها بكلمة، فلا تقل: إنه قطع الإيصال ورماه في خلقتك الشريفة، بل ~~قل: إنك سكرت بالاشتراك كعادتك، وجئتنا برائحة الخمر تفوح من فمك ... # وكان هذا أول الأدوار التقليدية المحفوظة، ولم يكن آخرها ولا أقبحها، وفي واحد منها ~~الكفاية للعدول على الأقل عن الخطوة الأولى، وقد عدلت عنها إلى الآن. # ولكن لم أحتقر الصحافة # إن هذه المناظر المخجلة حقرت في نظري طائفة من المتطفلين على الصحافة، ولكنها لم تحقر ~~صناعة الصحافة، ولا نزلت بأعلامها النابهين إلى منزلة أولئك المتطفلين، ولست أعتقد أنني ~~كنت مستطيعا أن أحتقر هذه الصناعة من أجل ذلك المنظر المخجل، ولو كنت من المستخفين بها ~~والزاهدين فيها؛ لأن قوة الدعوة القلمية في تلك الفترة قد بلغت في القاهرة مبلغا لا ~~يدانيه ما بلغته في عاصمة من عواصم المشرق والمغرب، ولا إخالها تبلغه اليوم ، على عظم ms016 ~~الفارق بين صحافة اليوم وصحافة مصر والشرق قبل خمسين سنة ... # كانت القاهرة مركزا لكل دعوة تهتم بها دول العالم ذوات المطامع في الشرقين: الأدنى ~~والأقصى، ومركزا لكل دعوة يديرها دعاة الجامعة الإسلامية، ودعاة الوحدة العربية ودعاة ~~تركيا الفتاة، ودعاة الإصلاح في إيران وأواسط آسيا، ودعاة الحركات الوطنية في مصر ~~نفسها، وفي سائر الأقطار الأفريقية من شمالها في بلاد المغرب إلى جنوبها في بلاد ~~السواحل وزنجبار. # وكانت قوة هذه الدعوة تخيف الملوك والساسة على عروشهم، وعلى أرواحهم وأبدانهم، ولا ~~تمهلهم أن يتجاهلوها أو يغفلوا طرفة عين عن أخطارها وعواقبها، وقد حدث أن حركة في ~~القاهرة زلزلت عرش عبد الحميد في الآستانة، وأن رجلا شهرته دعوة القلم واللسان ذهب إلى ~~إيران لإتمام هذه الدعوة، فطرده الشاه وأهانه اثنان من وزرائه، فقتل الثلاثة جميعا، ~~وقال قاتلوهم: إنهم قضوا عليهم بالحق انتقاما لذلك الداعية الطريد: جمال الدين. # كانت هذه الحقيقة من وقائع الحال الغنية عن المقال، ومن طرائفها المروية أن السلطان ~~عبد الحميد كان ينام في يلدز، وعيناه في شارع محمد علي بالقاهرة، واتفق يوما أن ~~المويلحي الكبير - صاحب «مصباح الشرق» - دخل مكتب «المؤيد»، ووجد فيه نخبة من كتاب عصره ~~وفضلائه، فتوقف عند الباب وقال وهو يرفع يديه إلى سقف الحجرة: قادر أنت يا رب أن تسقط ~~هذا السقف على من تحته، فيستريح عبد الحميد! قال محمد عبده، وكان من زوار الحجرة: نعم ... ~~لو تقدمت أنت خطوتين! وتلك نادرة من نوادر الفكاهة التي تخلقها الحقيقة الواقعة، وما ~~يكون لها أن تخلقها لو كانت محض مزاح ...! # تهيأت القاهرة لاجتماع هذه القوة فيها؛ لامتيازها بين عواصم الشرق بمركزها التاريخي، ~~ومركزها الحديث، ولم تتهيأ لها مدينة أخرى على مثالها من الآستانة عاصمة الخلافة إلى ما ~~دونها من عواصم الولايات المتحدة والحكومات، ولم تكن القاهرة عاصمة الدعوة الكبرى ~~مصادفة، ولا لعلة من العلل العارضة ... # فالآستانة هي عاصمة الخلافة، ومركزها بهذه الصفة أهم المراكز في العالم الإسلامي، ~~وعالم السياسة الشرقية على إجماله ... ولكن قيام الدعوات القلمية أو اللسانية فيها ms017 أمر لا ~~يخطر على بال الدعاة لشدة الحجر فيها على الأقلام والألسنة، وحظر الاجتماع فيها وتأليف ~~الجماعات للمقاصد السياسية ... # وعواصم الشرق الأدنى مهمة بشهرتها وموقعها، ولكنها لم تكن قط مركزا يتلقى منه العالم ~~الشرقي دعوة عامة على نطاق واسع، وحكمها حكم الآستانة في حرية الدعوة والاجتماع ~~... # أما القاهرة فقد كانت، منذ بنيت في أيام الفاطميين، مركز داعي الدعاة، أستاذ الأساتذة ~~في فنون الدعوة بالقول والإشارة، أي: بالخطب والرسائل والرموز السرية والموالد ~~والزفات! # ثم أصبحت مركز الإعلان الاقتصادي والسياسي في الحقبة التي اشتدت فيها المنافسة بين ~~أصحاب التجارة من طريق البحر الأحمر، وأصحاب التجارة من طريق رأس الرجاء ... # ثم جعلها الخديو إسماعيل قطعة من أوروبا بمحاكمها المختلطة، وامتيازاتها الأجنبية، ~~واشتباك المصالح المتعارضة فيها بين الدول، وتلاطم التيارات حولها من داخل البلاد ~~العثمانية في شئون الحكم، أو شئون الثقافة ... # ثم انطلقت فيها حرية الصحافة وحرية الاجتماع، فتمت فيها معدات الدعوة، وترادف عندها ~~نمط الدعوة القديم، ونمط الدعوة الحديث ... # تاريخ الشرق مرتبط بصحافته # وفيما تقدم من العوامل والمهيئات كفاية، ولكننا نحسب أنها لم تكن لتفعل فعلها بين ~~أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لو لم تكن الدعوة في هذه الفترة مطلوبة من ~~كل صوب، ولو لم تكن بلاد الشرق متعطشة الأسماع إلى كل صوت ينادي بكلمة الأمل، أو كلمة ~~النصيحة والتحذير ... # ولا ننسى سحر «الكلمة المطبوعة» في جدتها قبل أن تبتذلها كثرة التداول، وتدخلها ~~الألفة في عداد اليوميات الرتيبة، التي تنتظر في أوقاتها، ولا تحتاج إلى لهفة الانتظار ~~... # وإن تعجب لسر من أسرار تلك الدعوة في نفاذها، وبعد مداها، فاعجب للبون الشاسع بين ~~ضخامة أثرها وضآلة وسائلها، وانظر إلى البون الشاسع مثلا في صحيفة كصحيفة «العروة ~~الوثقى» أو «أبو نضارة» أو «اللطائف» أو «الأستاذ». وريقة ذات مقال وبضعة أخبار من قبيل ~~الأخبار البوليسية أو البرقيات المقتضبة، وتحاول أن تتبع أثرها إلى أقصى مداه فلا ~~تستقصيه؛ لأنك قد تسمع صداه في تخوم الصين وعلى متون الرمال في جوف الصحراء ... # ولا محل للمقارنة من ms018 الوجهة الفنية بين تلك الصحافة وصحافتنا اليوم، ولكن لا محل كذلك ~~للمقارنة بين دعوة يطلبها الناس ويتشوقون إليها، ودعوة تطلبهم وتحتال عليهم بأفانين ~~الترغيب والتقريب. # إن منظر الحساب بين مدير الصحيفة الأسبوعية ووكيلها قد يصح أن يثنيني عن طبع العدد ~~الأول من صحيفتي المطوية، وأن يضعف أملي في تحصيل تكاليفها بعد عدد أو عددين ... # ولكن هل تراه يذهلني عن هذه القوة الهائلة، وأنا أحسها من حولي كالدوامة المدوية في ~~لجة البحر الموار بالأمواج والرياح؟ # إن ألف دجال باسم الطرق الصوفية لا يمسحون من الضمائر قداسة الدين، وإن ألف دجال باسم ~~الصحافة لا يمسحون قداسة «الكلمة» الحية بين أناس يحتاجون إلى الكلمة حاجتهم إلى العمل ~~في ساعة اليقظة من سباتهم الطويل ... # إن الصحف التي تستغل مخاوف الملوك وفضائح الدول لا تستطيع أن تملأ الجو من أعلاه إلى ~~أدناه، ولا أن تستوعبه بجميع زواياه ... # فإذا وجدت هذه الصحف، فهي الشفاعة المقبولة، أو غير المقبولة لوجود طبقات في الجو ~~الصحفي إلى جانبها، تنزل من الملك إلى الوزير ومن الوزير إلى الرئيس الصغير، ومن ~~الرؤساء إلى عمد القرى ومشايخ الحارات، ومن هؤلاء إلى ما دون ذلك في طبقات ذلك الجو ~~الفسيح ... # وليقل العائب العاتب ما شاء، فإنه لن يستطيع أن يقول في النهاية شيئا عن تاريخ الشرق ~~الحديث، دون أن يقول معه شيئا عن الدعوة القلمية، وعن الصحافة والصحفيين. # صحيفة الدستور # كانت صحيفة «الدستور» التي أصدرها الأستاذ «محمد فريد وجدي» منذ نصف قرن، أول صحيفة ~~يومية عملت في تحريرها ... # ولا أقول: إنه كان «عمل ضرورة». # ولا أقول كذلك: إنه كان عمل اختيار. # ولكنه كان ضرورة مختارة بين ضرورات، إذا صح هذا التعبير، وأبادر فأقول: إنه صحيح غاية ~~الصحة؛ لأننا في أعمالنا التي نعدها من معالم حياتنا لا نستطيع أن نقول عن عمل واحد: ~~إنه كله اختيار، أو إنه كله اضطرار ... # وكان في وسعي قبل العمل في تحرير الدستور أن أعمل في تحرير «اللواء»، أو في قلم ~~الترجمة باللواء على الأصح ... لأنني علمت أنهم يطلبون ms019 مترجمين يعرفون الإنجليزية أو ~~الفرنسية، بعد تفكيرهم في إنشاء «لواءات» غير «اللواء العربي» تصدر باسم «الاستاندرد» ~~و«ليتندار». # التحرير أو الترجمة # وكانت الترجمة الصحفية من أعمال تلك الفترة التي كان أمثالي يستطيعونها، وكانت ظروف ~~التعليم والنشأة «الأسوانية» مما يرشحني لأدائها، ويجعلني من المفضلين في ~~«امتحاناتها». # فقد كنا نتعلم دروسنا المهمة باللغة الإنجليزية، ومنها دروس الجغرافيا والمعلومات ~~العامة «أو الأشياء». # وكانت صحف المدارس المقروءة في إنجلترا بين «المطالعات» الإضافية المقررة علينا في ~~السنة الرابعة الابتدائية. # وإلى هنا نتساوى جميعا في مدارس القطر كله، ثم يأتي دور النشأة الأسوانية بمزية ~~تنفرد بها مدينة أسوان، ولا تشاركها فيها سائر المدن في الوجهين. # كانت المكتبات الإفرنجية تفتح في موسم الشتاء؛ لبيع الكتب والمجلات والصحف الأجنبية ~~المحلية، وكان كبار الزوار لا ينقطعون عن زيارة المدرسة خلال الموسم الذي كان يمتد من ~~ديسمبر إلى مارس، وتتبع زيارتهم أحيانا دعوات خاصة نجلس فيها مع أبنائهم وبناتهم، ولا ~~نتكلم أثناءها بغير اللغة الأجنبية. # وتضاف إلى ذلك حالتان طارئتان على أسوان - في ذلك الحين - لم تجتمعا لبلد من بلدان ~~السياحة، وهما حملة السودان وبناء الخزان ... # ففي أثناء حملة السودان، كان الحاكم العسكري، ومحافظ المدينة، وقاضي المحكمة، وقادة ~~الفرق الموزعون على المصالح، طائفة من الإنجليز العسكريين أو المدنيين لا يعرفون ~~العربية، وكان كل بيت فيه «ولد من أولاد المدارس» مرجعا نافعا لقراءة الأوراق ~~الرسمية، أو ترجمة العرائض إلى «الحكام» على حسب الاجتهاد، وكان «نصف الفرنك» نفحة سخية ~~يحصل عليها «الولد» المترجم الذي يستطيع أن يخط في الورق بضعة سطور تدل على معنى من ~~المعاني مفهوم بالإشارة أو بالتخمين ... فأما «الولد» الذي تتكرر الشهادة له بحسن ~~الترجمة، فنصف الفرنك قد يصعد في معاملته إلى نصف ريال، ويزداد التقدير مع زيادة ~~القرابة أو الجوار ... # أما بناء الخزان فقد جلب إلى المدينة مئات من المهندسين والخبراء والمفتشين يقرءون ~~الصحف الإفرنجية طوال العام، ويدفعنا حب الاستطلاع إلى النظر في هذه الصحف وفي صحف ~~السائحين، فلا يفوتنا - مع تتابع النظر - أن نعرف أقسام الصحيفة وعناوينها، وأماكن ms020 ~~البرقيات والأخبار منها، وأن نختطف عبارة هنا وتعليقا هناك، فلا يخفى علينا معناها ~~بالمقابلة بعد المقابلة، أو التصحيح بعد التصحيح. # مع مصطفى كامل # فلما علمت أن «اللواء» يطلب مترجمين يعرفون الإنجليزية خطر لي أن أستقيل من وظيفتي، ~~وأن أرشح نفسي للعمل فيه. # ولكني ترددت، وطال التردد حتى أحجمت، ثم فضلت ترك هذه «الفرصة» وانتظار فرصة غيرها ~~لسببين: «أولهما» أنني إذا أقدمت على هجر الوظيفة الحكومية مفضلا عليها الصحافة، فليكن ~~ذلك لأكتب لا لأترجم، فإنني ما أحببت الصحافة لأنها مورد رزق أفضل من موارد الوظائف ~~الحكومية؛ ولكنني أحببتها لأنها مجال للكتابة أو صناعة القلم بغير وساطة من صناعة النقل ~~أو الترجمة! # والسبب الثاني شخصية مصطفى كامل - رحمه الله - فإن محادثتي الأولى له لم تشجعني على ~~مزاملته في عمل دائم، وصورته لي رجلا معتدا بذاته، ضيق الحظيرة، لا يسمح حتى للفكاهة ~~أو «للقافية» أن تفتح عليه بابا لتصحح قولة قالها أو رأيا ارتآه ... # كنت أتبرع بالتعليم في المدرسة الإسلامية بأسوان، وحضر مصطفى كامل متفقدا للمدرسة، ~~ومعه الكاتبة الفرنسية مدام «آدم جولييت» وسيدة إنجليزية، وكانت الحصة حصة محفوظات ولغة ~~... فأملى مصطفى كامل على التلاميذ هذا البيت لأبي العلاء: # والمرء ما لم تفد نفعا إقامته # غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر # وترجمه للسيدتين بطلاقة وإيقاع، ثم طلب من التلاميذ أن يشرحوه ويعلقوا عليه، فاضطربوا ~~ولم يحسنوا الشرح أو التعليق ... # والتفت مصطفى كامل إلي، وإلى الأستاذ «محمد شلبي عيد» متسائلا، فأدركته قائلا: إن ~~التلاميذ معذورون ... لأنهم في أسوان يعلمون أن الغيم الذي يظلل الرءوس شيء نافع لا ~~يضربون به المثل لقلة النفع ... فلعله أنفع لهم من شعاع الشمس ومن المطر ... ~~«حسن تخلص» كنت أقدر من «خطيب» مثله أن يتقبله بالاستحسان والارتياح، ولكنه تجهم وزوى ~~وجهه، وبدا لي أن الاستدراك عليه - ولو من باب الفكاهة - أمر كثير على طاقته الفكرية ~~والنفسية، وأرى الآن أنها لم تكن منه فلتة عارضة في زيارة عاجلة؛ لأن حياة الرجل كلها ~~لا تعرض لنا لمحة واحدة فيها شيء من سماحة ms021 الفكاهة، أو سماحة التوفيق بين الآراء ... # فريد وجدي ... والدستور # ولم يطل بي الانتظار حتى أعلن الأستاذ فريد وجدي عن عزمه على إصدار «الدستور». # ولم يكن اسم «فريد وجدي» غريبا عني، ولا عن قراء ذلك الجيل من طلاب الثقافة ~~الإسلامية الفلسفية ... فقد كانت له كتابات ضافية يرد بها على كتاب الغرب وفلاسفته ~~المنكرين لحقوق المسلمين، وفضائل الإسلام، وكانت له شهرة بالاطلاع على ثقافة الدين، ~~وثقافة العصر الحديث، فلما لقيته وحادثته لم يكن أيسر من الاتفاق معه على العمل في ~~صحيفته، وخرجت أقول لنفسي: إن أكبر خلاف بيني وبين كاتب كهذا لن يعوقني عن العمل معه؛ ~~لأنني عجبت لحرية فكره، مع اشتهاره بالتعصب والمحافظة، بل بالتزمت والخرج في شئون الدين ~~والدنيا ... # فما من فكرة كان يرى أنها قضية مسلمة، وأنها لا تقبل المناقشة. # وأظن اليوم أن فرط الثقة بقوة الحجة، والقدرة على الإقناع هو الذي كان يسوغ له أن ~~يسمع كل رأي، ويقبل كل تحد، ويجيب عن كل سؤال، ودام عملي في صحيفة الدستور من عددها ~~الأول إلى عددها الأخير إلا أشهرا قليلة فارقتها فيها، ثم عدت إليها ... فأكاد أقول: إن ~~ما خالفته فيه أثناء هذه المرة أكثر مما وافقته عليه، ولكنه لم يغير كلمة واحدة كتبتها ~~لمخالفة رأيه. # كان شديد الإيمان بالجامعة الإسلامية على منهج قريب من مناهج الرسميين، ولم يكن كغيره ~~من طلاب الكسب والجاه من وراء هذه الدعوة، بل كان يخسر الكثير في أحرج أوقات الحاجة إلى ~~المال، ومن ذلك أنه رفض الاتفاق مع حزب تركيا الفتاة اعتبار «الدستور» لسان حال للحزب ~~في سياسته العثمانية، بعد أن تكفل الحزب بالإنفاق على الصحيفة وسداد ديونها؛ لأن الحزب ~~كان يشترط أن ترفع من عنوان الصحيفة كلمة «لسان حال الجامعة الإسلامية» ... ولم تمض ~~أسابيع حتى كان الرجل يبيع كتبه بثمن يضارع ثمن وزنها من الورق؛ ليؤدي مرتبات الموظفين ~~والعمال. # وعلى هذا التشبث بهذه الدعوة كنت أخالفه فيها، وأرى أنها تعمل لنفسها، ويعمل لها ~~الزمن أضعاف ما يعمله المنقطعون لها من دعاتها المخلصين ms022 وغير المخلصين، فلم يحاول قط أن ~~يفرض علي رأيا في قضية من قضاياها بغير الإقناع أو السكوت ... # وكانت صحيفة «الدستور» لسانا ثانيا للحزب الوطني بعد «اللواء»، وكان موقف الحزب ~~الوطني معروفا من سعد زغلول، وبخاصة بعد قيام الشيخ جاويش على تحرير اللواء، ولكنني ~~كنت أؤيد سعدا وأرد على ناقديه في الدستور، فلم يمنع كلمة واحدة مما كتبته في هذا ~~الموضوع. # وكان من غلواء الأستاذ وجدي في محاربة الاختلاط الجنسي أنه كان يشجع الهواة على إنشاء ~~فرق تمثيلية، يتم فيها التمثيل بغير ظهور النساء على المسرح، وهذه حذلقة تغري بالسخرية ~~حتى في تلك الآونة ... ولم يكن الرجل على جهل بتاريخ التمثيل في الغرب الحديث أو القديم، ~~فكان إذا لمح مني بادرة من بوادر السخر الخفية لم يزد في حدته على أن يقول: «لقد أجازها ~~شكسبيركم لضرورة من ضروراته ... فهل وقفت ضرورات الدنيا كلها عند شكسبير!» # الغاضبون # وأعتقد أن اختيار اسم الصحيفة وحده كان ميزانا لنزاهة هذا الرجل، ولحريته الفكرية ~~والدستورية، يغني عن كثير من الموازين. # وماذا في «اسم» على رأي شكسبير أيضا؟ # فيه كثير وكثير، ولا سيما في العصر الذي سميت فيه الصحيفة باسم الدستور. # كان اسم «الدستور» يغضب قصر «يلدز»، ويغضب قصر عابدين، ويغضب «قصر الدوبارة». # وكان الحزب الوطني يطلب الدستور، ولكنه يتحرج من الدعوة العامة إليه؛ لأنه ينكر مقاصد ~~المطالبين به من رعايا الدولة العثمانية، ويشفق من غضب السلطان عبد الحميد، ويراجع ~~القارئ اليوم صحيفة «اللواء»، فيرى أنها كتبت عن المطالبين بالدستور في تركيا، قبل ~~إعلانه هناك بيوم واحد، فقالت: إنهم قوم يسبحون في الخيال ... # وكان الخديو يحرض على طلب الدستور سرا كلما أراد بالتحريض عليه إحراج الإنجليز، ~~والحد من سلطة المندوب البريطاني والمستشارين، ولكنه كان يرفض الإصغاء إلى هذا الطلب ~~كلما ثاب إلى شيء من الوفاق بينه وبين المحتلين ... ولهذا كان حزب القصر يسمي نفسه «حزب ~~الإصلاح على المبادئ الدستورية» ... ولا يخفى الفارق بين الدستور، وإصلاح الدواوين على ~~مبادئ الدستور! # وكان حزب «الأمة» كما يدل عليه اسمه يعارض ms023 الحكم المطلق للعرش في مصر، وللعرش في ~~عاصمة الدولة العثمانية، وكان ينادي بالاستقلال التام فيهدده «المؤيد» بحكم القانون أن ~~السيادة العثمانية مقررة فيه، ولكن حزب الأمة على مناداته بحصر الحقوق كلها في الأمة لم ~~يخل من أقطاب مخلصين كانوا يحسبون الطفرة في الحكم النيابي خطرا حقيقا بالحذر ~~والاجتناب. # فإذا ظهر من بين هذه الصفوف رجل لا سند له من أصحاب العروش، ولا من جمهرة الأحزاب، ~~فاختار كلمة «الدستور» دون غيرها اسما لصحيفته الوليدة، فهو اسم يدل على كثير، وإن غضب ~~صاحبنا شكسبير! # صحافة المتطوعين # في هذه الصحيفة بدأت عملي الأول، فماذا كان عملي الأول هذا؟ أو بماذا نسميه في ~~«تقاسيم» الصحافة الأخيرة؟ # لا يوجد له اسم واحد، وقد يحيط به على الجملة أنني كنت نصف هيئة التحرير برمتها؛ إذ ~~لم يكن في قلم التحرير غير كاتبين اثنين، أحدهما أنا والآخر صاحب الصحيفة! # ولا نبخس في هذا المقام فضل «التطوع» في تحرير صحيفة الدستور، ولا في تحرير غيرها من ~~صحف تلك الفترة ... فقد كان قوام المقالات الصحفية من «تحرير المنازل»، وكانت أشهر الفصول ~~على الإطلاق في ذلك العهد فصولا كتبها المحررون المتطوعون، وكل حامل قلم في البلد محرر ~~متطوع ما عدا الجالسين على مكاتبهم في دور الصحف المحدودة، وهم معدودون على ~~الأصابع. # ولقد كان نصيب «الدستور» من التطوع أوفى نصيب، إذ كان فيها «محرر متطوع» دائم يكاد ~~ينهض بعمل الترجمة الفرنسية وحده، ويكتب إلى جانبها التعليقات، وحواشي الأخبار ~~والمتفرقات ... # كان الأستاذ «أحمد وجدي» شقيق الأستاذ فريد صاحب الصحيفة هو ذلك المحرر المتطوع ~~الدائم، وكان - رحمه الله - شابا ألمعي الذكاء كريم الخلق مستقيم الذهن مجتهدا في كل ~~عمل تولاه، وقد تولى عملا قليلا في الصحافة، ثم تولى عمله في المحاماة أمام محكمتي ~~الزقازيق والمنصورة، فاشتهر في الإقليمين أيما شهرة، وقامت شهرته على الذمة والعفة، كما ~~قامت على البراعة والبلاغة، ولو أمهلته المنية بضع سنوات لما عرفت مصر اسما أشهر من ~~اسمه في عالم المحاماة. # وكان زملاء الأستاذ «أحمد وجدي » يتطوعون معه بالكتابة ms024 والترجمة من حين إلى حين، ~~ولكنهم أضربوا جميعا - أو كادوا - بعد الخلاف الذي حدث بين فريد وجدي ومصطفى كامل ... ~~وكان فحوى هذا الخلاف أن صاحب الدستور اعترض في مجلس إدارة الحزب على اختصاص وزارة ~~الخارجية البريطانية بالاحتجاج على الاحتلال، وقال: إن هذا الاختصاص ربما أعطاها الصفة ~~«الاستثنائية» التي تدعيها في مصر، ولا ضرر من تعميم الاحتجاج على صيغة من الصيغ إذا ~~كانت الصيغة المكتوبة لا تسمح بتوجيهها إلى أكثر من دولة واحدة، فأعرض مصطفى كامل عن ~~اقتراحه وأعرض معه أكثر الأعضاء، وكتب فريد وجدي خلاصة المناقشة في الدستور، فحسبه ~~المؤيدون الآليون منشقا على الحزب، وقاطعوه، ومنهم بعض أولئك الطلبة «النجباء» الذين ~~كانوا يتطوعون للكتابة في صحيفة الحزب الثانية! # إلا أننا - نحن هيئة التحرير - المؤلفة من صاحب الصحيفة ومني، كنا نعمل في التحرير ~~والترجمة والتصحيح، وتهذيب الرسائل والأخبار ... وكان الأستاذ وجدي قليلا ما يبرح داره، ~~فكنت أنوب عنه في أعمال الصحيفة الخارجية، ومنها الحصول على الأخبار وعلى الأحاديث، ~~وبينها أول حديث للوزراء المصريين ... # والأخبار لم يكن خطبها في ذلك العهد بالأمر العسير ... # كان لها مكتب بديوان الداخلية ترسل إليه النشرات من جميع الدواوين، ومعظمها عن ~~التعيينات والتنقلات، وصرف الأموال في المشروعات العامة ... ولم تكن هناك حاجة بالمخبرين ~~إلى استطلاع النيات والتقاط الأسرار، فإن السياسة الكبرى كانت في علم المندوب البريطاني ~~ومستشاريه ومفتشيه، وليس لأحد من الصحفيين صلة بهؤلاء غير أصحاب «المقطم»، وبعضهم وكلاء ~~الصحف الأوروبية، وصلاتهم جميعا لا تفيدهم شيئا من أسرار السياسة العليا، ولا تطلعهم ~~على أخبار الميزانية قبل أوانه. # فالمخبر البارع، والمخبر العاجز، في النهاية على حد سواء، إلا أن طائفة من المخبرين ~~كانت تساوم «الإدارة» على تكاليف المهنة، وتوهم وكلاء الحسابات فيها أنها تحصل على ~~أخبار النقل والتعيين والاعتمادات المالية من قصاصات «المسودات» في سلال المكاتب ~~المهملة، وظلت هذه الحيلة تروج عند بعض الصحف إلى ما بعد أيام الثورة في أعقاب الحرب ~~العالمية، ورأيت بعيني واحدا من هؤلاء المخبرين يبسط هذه القصاصات، ويجمع متفرقاتها ~~ويلصقها ليزعم بعد ذلك ms025 أنه قد جاء بالخبر المضنون به على غير المجتهد الأريب. ~~••• # كنت أذهب إلى مكتب الأخبار الصحفية بديوان الوزارة، فأرى هناك على التناوب عشرين أو ~~ثلاثين صحفيا من مندوبي الصحف العربية ... # وليس من هؤلاء جميعا واحد فرد يذكر اليوم، أو يعرفه السامعون إذا ذكر، ولكن القارئ ~~قد يعجب لاختلاف مقاييس النظر والتقدير إذا علم أنني كنت في نظرهم جميعا فضوليا ~~متطفلا على الصناعة، وسمعت أحدهم يتكلم عن «عمر منصور» مندوب المؤيد، و«عبد المؤمن ~~الحكيم» مندوب الأهرام، و«سامي قصير» مندوب المقطم، و«جورج طنوس» مندوب الوطن ... فإذا هو ~~يشيعني بالإشارة الساخرة، وهو يسب الزمن؛ لأنه قضى عليه بالعمل في الصحافة مع أمثالي: «يحرق دين ها «البريس» Press # ما عاد غير ها الزعران يسود ورقاتها!» # | الصحافة قبل خمسين سنة # بعد شهرين من العمل في داخل الصحافة المصرية، أمكنني أن ألخص حياتها عند أوائل القرن ~~العشرين في كلمة واحدة: تلفيق! # فلولا ضرورة قضت بوجود الصحافة يومئذ على صورة من الصور، لكان من أعجب العجائب حقا أن ~~توجد صحيفة واحدة، وأن تعيش - إذا وجدت - أكثر من بضعة شهور. # كانت موارد الصحف كلها من الاشتراكات، وثمن النسخ الموزعة، وأجور الإعلانات ... وكانت هذه ~~الموارد لا تكفي كل الكفاية للإنفاق على الصحيفة إلى أمد طويل، ولكنها مع ذلك لم تكن خالية ~~من عقباتها وموانعها، ولا من جرائر الخلل الدائم في وسائلها ومواعيدها. # فلم يكن للصحيفة المنتظمة بد من مورد آخر غير الاشتراكات، وغير البيع وغير الإعلانات، وهو ~~كذلك مورد مضطرب معرض بطبيعته للفوضى وتبدل الأحوال، ونعني به مورد «الإعانات» السرية من ~~أصحاب الدعايات، ومعظمها دعايات تصدر من قصور الملوك والأمراء، أو من دواوين وزارات ~~الخارجية والسفارات. # فالاشتراكات الصحفية قبل خمسين سنة كانت من الموارد الثابتة المنتظمة بالقياس إلى موارد ~~الصحف في العصر الحاضر؛ لأن الصحف في العصر الحاضر تعتمد على البيع في الأقاليم، ولا تعول ~~كثيرا على الاشتراكات، ولم تكن وسائل البيع في الأقاليم ميسورة للصحف اليومية، فضلا عن ~~الأسبوعية أو الشهرية إلى زمن قريب ... # وكانت الاشتراكات خليقة أن ms026 تمد الصحف بمورد نافع لو خلت من موانعها وعثراتها، ولكنها كانت ~~في الواقع مولودة بموانعها وعثراتها، إن صح هذا التعبير ... # كان أعيان الريف يحبون أن يشتركوا في الصحف اليومية؛ لأنها مظهر من مظاهر الوجاهة ~~و«الأهمية» في القرية أو البلدة الصغيرة ... ولم يكن بالقليل من مظاهر الوجاهة اليومية أن ~~يحضر ساعي البريد إلى الدار يوميا؛ ليدق الباب على مسمع من الجيران، وينادي بصوت يشبه صوت ~~المنادي باسم «المحكمة» في ساحة القضاء: بوسطة! # فإذا بالحي كله يترقب «سماعا» جديدا بعد هذا النداء، يحيط بأنباء الأرض والسماء، ويتحدث ~~عن المسكوف و«الإنجلاطيرا» وملك «الفرنسا»، أو الجمهور كما كانوا يسمعون عنه منذ أيام حملة ~~نابليون، ويتخللها بالأسطورة الطريفة التي تسمى بالترنسفال ... وبينها وبين السودان في الجنوب ~~ألوف الأميال، ويا له من «واقع» وراء الخيال! # ولم يكن الوجيه الريفي يبخل بثمن هذا المظهر، أو يماطل الصحيفة بقيمة الاشتراك حبا ~~للمطال ... ولكنه يجود به عن طيب خاطر لو وجد أمامه من يقبضه منه لحساب الصحيفة، وأين هذا ~~الذي يقبضه لحساب الصحيفة، ويؤديه بالأمانة والوفاء؟ # لقد كانت الصحف تنشر بين آونة وأخرى خبرا مكررا عن الوكيل «فلان»، الذي ألغي توكيله ~~وأصبح غير معتمد في تحصيل الاشتراكات ... وكانت هذه الصحف تنشر قبل ذلك إعلانا موجها إلى ~~وكيلها في هذا الإقليم أو ذاك تنبهه إلى موعد السداد، وتلوح له بالتهديد والإنذار، وقد ينفع ~~التهديد مرة ولا ينفع مرات، ولكنه يعاد ثم يعاد، ويتجدد مع الوكيل الجديد تارة ومع الوكيل ~~القديم تارات، ولا تستغني الصحيفة عن مراجعة الوكيل القديم لقلة الوكلاء المتخصصين لهذه ~~الصناعة، أو المدربين عليها في معاملة الصحف والمشتركين والموظفين، وأفراد «الجمهور الصحفي» ~~على التعميم ... ~~«حق» الصحيفة # وكانت للوكيل فنون في معاملة الموظفين وإغرائهم بالثناء، أو تهديدهم بالتشهير ~~والانتقاد ... ولا غنى له عن هذه الفنون؛ لأنه كان يستعين على الدوام بالموظف الكبير ~~والموظف الصغير في تحصيل «حق» الصحيفة و«حقه» هو في سوقه السوداء ... من وراء الستار ~~... # ولا مناص من الوكيل لتحصيل الاشتراكات ... # ولا حيلة في قبول الوكيل على علاته؛ ms027 لأن معاملات الصحف لم تكن في ذلك العهد قد ثبتت ~~ذلك الثبات الذي يسمح «بتكوين» طائفة من الأعوان المدربين ينقطعون لها، ويثابرون عليها، ~~فإذا نجح من الوكلاء واحد من عشرات، فإنما ينجح بعد ابتلاء الصحيفة بخسائر هؤلاء ~~العشرات، على دفعات! # ولنذكر أن الوكيل - على عيبه هذا - لا يستطيع أن يعمل في بلاد يجهلها ولا يقيم بين ~~ظهرانيها ... فلا بد له من موطن في إقليم يعرفه، ولا يتسع هذا الإقليم المحدود لأكثر من ~~مائتي مشترك على أكبر تقدير ... # وكم يصل من هذا المحصول إلى خزانة الصحيفة بعد المطال والعمولة، والسوق ~~السوداء؟ # قليل، جد قليل! # وكل صحيفة احتاجت إلى هذا القليل، فقد كان عليها أن تقبل وسائله وتتجرع غصصه، وتغضي ~~عما تعلمه من عيوبه ومحظوراته ... # عدة الشغل # ومنها - بل في مقدمتها - أن تنشر الصحيفة كل ما يصل إليها من رسائل الوكيل، أو من ~~مدائحه وأهاجيه في الواقع؛ لأنها «عدة الشغل» التي يعمل بها، ولا عمل له بغيرها، بين ~~الأعيان والموظفين ... فمن تصدى لتحصيل الاشتراكات - وتحصيل غيرها في السوق السوداء - فلا ~~أمل له في محصول ينفعه وينفع الصحيفة بعد تخويف وإغراء، ولا ضير بالتخويف والإغراء في ~~سبيل الخدمة العامة والمصلحة القومية ... ولكنه الضير كل الضير على الوكيل «الأريب» الذي ~~يستطيع أن يجمع المئات من لذعة هنا وأكذوبة هناك، ثم يتركها ليقنع بالعشرات وما دون ~~العشرات! # وأحسب - بعد هذا كله - أن التفاؤل فريضة على الناس يضطرهم إليها الصدق الواقع، إن لم ~~يضطرهم إليها شعورهم بالحاجة إلى الأمل والعزاء. # إن الأمور لا تقاس بأسوأ الظروف في جميع الأوقات، فكثيرا ما تتمخض الظروف السيئة عن ~~حسنات لم تكن في الحسبان، ولقد رأينا في ذلك العهد أناسا عملوا في وكالة الصحف يدينون ~~أنفسهم بنزاهة القاضي وأمانة الطبيب، ويشتغلون بهذه الصناعة؛ لأنها «هواية» تملأ الفراغ ~~بالرحلات والمقابلات في غير عنت ولا اضطرار، ولكنهم شذوذ القاعدة الذي يبعث فينا ~~التفاؤل كلما أطبقت علينا ظلمات الشؤم والقنوط. # أما القاعدة المطردة يومئذ، فقد كانت صفحة من صفحات الصحافة الحالكة في تطورها ms028 الأخير ~~... وكانت «تصنيفة» الوكلاء الصحفيين في القرن العشرين تدل على المورد الذي تتسرب منه ~~اشتراكات الأقاليم، فهي «تصنيفة» يتلاقى فيها الكاتب العمومي المتجول، وقارئ الأعراس ~~والمآتم، ومأذون الشرع المفصول، وصاحب الصناعات التي لا تحصى؛ لأنه «متشرد» عام يشتغل ~~بجميع الصناعات! # التوزيع # أما التوزيع بأيدي الباعة فقد كان موردا للصحف اليومية أهم من مورد الاشتراكات، ~~وأيسر منه في متاعب التحصيل، ولكنه لو اجتمع برمته من جميع الصحف الكبرى التي كانت تصدر ~~في القاهرة قبل خمسين سنة، لما كان فيه الكفاية لإصدار صحيفة يومية واحدة في هذه ~~الأيام. # وكان أربعة أخماس النسخ المعدة للبيع توزع في القاهرة وضواحيها ... ولولا أن الإسكندرية ~~كانت مستعدة بموزعيها المشتغلين ببيع الصحف الأجنبية لما تأتى تدبير مسألة التوزيع فيها ~~... # ومن المناظر المألوفة اليوم في عواصم القطر أن يرى المارة للصحيفة اليومية أربع ~~سيارات، أو خمسا تتسع الواحدة منها لحمل عشرات الألوف من النسخ، وتتولى نقلها يوميا ~~على خطوط الإسكندرية أو بورسعيد أو الأقاليم الوسطى في الوجه البحري أو أقاليم الصعيد ~~... # فقبل خمسين سنة لم تكن في القطر المصري سيارة واحدة من هذا القبيل، ولو وجدت فيه ~~سيارة واحدة لفرغت من عملها في حمل صحف القاهرة جميعا بعد نصف ساعة. # المعلم عكريشة # وكان المعلم عكريشة يجلس إلى ناحية المكتب، وفي يده الجوزة التي لا تفارقه، وأذناه ~~إلى الكاتب الذي يسأل «أولا فأولا» عن عدد الوارد من كل صحيفة، إلى أن يتم الوارد من ~~جميع الصحف اليومية ... ثم تبدأ عملية التفريق على المساعدين من المتعهدين، فأنصاف ~~المتعهدين، فالباعة المتفرقين ... # ولا يكلفك الأمر أكثر من جولة سريعة بالنظر في هذه الزاوية الضيقة؛ لتحصر كل ما صدر ~~من صحف مصر الكبرى في ذلك النهار: المؤيد، واللواء، والأهرام، والمقطم، والوطن، ومصر، ~~والظاهر، والراوي، والجوائب المصرية، والمحروسة، في بعض الأحايين ... # وكانت هذه الصحف تصدر معا في وقت واحد بين الساعة الثانية والساعة الثالثة في ~~المساء، ويحملها عمال عكريشة، أو عمال الصحف من مطابعها إلى الزاوية المعروفة، فلا تلبث ~~«عملية» النقل والصف والتفريق أكثر ms029 من ساعة واحدة بنصف حمولتها ... # وما كانت صحف القاهرة الكبرى تحتاج إلى مكان للتوزيع أوسع من «زاوية عكريشة»، على ~~جانب من رصيف المحكمة المختلطة بجوار العتبة الخضراء. # ولم تكن «زاوية عكريشة» هذه مكتبا ولا شبه مكتب، ولكنها كانت منضدة من مناضد الكتبة ~~العموميين على ذلك الرصيف ... وكان المعلم «عكريشة» متعهد بيع الصحف جميعا يستعيرها في ~~مبدأ الأمر من كاتبها، الذي يستغني عنها بعد الظهر - أي بعد الفراغ من كتابة العرائض ~~للمحكمة وكتابة الرسائل لصندوق البريد - ثم بدا له أن يشتريها وكاتبها جملة واحدة، ~~لاتساع دائرة العمل وزيادة الإقبال على الصحف اليومية بعد قيام الأحزاب السياسية، على ~~أثر قضية دنشواي ... # ثم يخلو الرصيف إلا من المعلم عكريشة وكاتبه ومنضدته، وقلمه الذي يحمله وراء أذنه، ~~إلى أن يودعه مكانه في الدواة النحاسية الصفراء ... ومتى خلا الرصيف هناك لم يبق مكان في ~~القاهرة خلوا من صبي من صبيان المعلم الكبير، تكاد تحسبهم أسرع من الترام؛ لأنهم يصلون ~~حيث لا يصل الترام، وتكاد تختلط أصواتهم بأصوات بائعي الخضر والفاكهة، ومنها النداء على ~~«الوطن ومصر العال»! # وليس أمامي إحصاء دقيق لتوزيع الصحف في تلك الأيام، ولكنه على الحد الأقصى لا يزيد ~~على خمسة آلاف للصحيفة الواحدة؛ لأنه الحد الأقصى الذي تبلغه طاقة المكنات الطباعية، ~~قبل وصول مكنات البخار والكهرباء! # الإعلانات # ولا نعرف اليوم صحيفة تستطيع أن تسقط الإعلانات من حسابها، ثم تطمع في البقاء ~~واستيفاء أبواب الأخبار والتعليقات، ولكن صحافة الأمس كانت تستطيع بلا تردد أن تسقط ~~إعلاناتها من عددها الأول، ثم لا تفقد شيئا يعوقها أسبوعا عن الصدور. # وكانت التقاليد الموروثة والأمية معا عائقين طبيعيين لظهور «الإعلان» الصحفي إلى ~~سنوات قليلة مضت ... لعلها هي السنوات التي ظهرت فيها أول شركة للإعلان الصحفي في هذه ~~البلاد ... # كان من التقاليد الموروثة أن يشتري الإنسان لوازمه «المهمة»، من حيث اشتراها أبوه ~~وجده. # وكان الريفي ينزل القاهرة لشراء لوازم الفرح، أو لوازم البناء والأثاث، فيذهب إلى ~~أمكنة معروفة بأسمائها لا تتغير من جيل إلى جيل، وكلهم يعرف عناوين ms030 مدكور والماوردي ~~والجمال والحمصاني، ومخازن الحدائد والأخشاب في ناحية القلعة وسوق السلاح، ولا نظن أن ~~متجرا من متاجر القاهرة المشهورة نشر إعلانا واحدا ليكسب به «زبونا» لم يكن يعرفه ~~قبل ذلك الإعلان ... # أما المتاجر الصغيرة التي تباع فيها لوازم البيوت اليومية، فقد كانت معروفة في ~~أحيائها وقراها بغير حاجة إلى إعلان مكتوب ... # لهذا بقيت إعلانات الصحف سنوات عدة وهي مقصورة على إعلانات البيوع القضائية وإعلانات ~~الوفيات أو إعلانات «ختمي فقد مني وليست علي ديون ولم أوقع على سندات أو كمبيالات ~~...» # وإعلانات «الأختام» وحدها عنوان صادق لنصيب الصحف من قراء الإعلانات؛ لأنها عنوان ~~للأمية التي تعجز عن كتابة الأسماء، ومع هذه الأمية لا إعلان، ولا قراء للإعلان! # الإعانات السرية # ونحن الآن نكتب ونقدر ونتذكر لا نرجع إلى الصحف التي عاشت في مصر وانطوت بعد حين، ~~ولكننا لا نجازف إذا قلنا: إن مصروفاتها كانت على التحقيق أكبر من مواردها التي يدل ~~عليها حساب البيع والاشتراك والإعلان ... ولولا أنها اعتمدت في وقت من الأوقات على مورد ~~الإعانات «السرية» لما طال بها الأجل شهورا، فضلا عن سنوات. # وقد تعلم مبلغ الحاجة إلى هذه الإعانة إذا علمت أن شركات البرق - كشركة روتر، وهافاس ~~- كانت تتلقى إعانة رسمية من الحكومة المصرية، وأن مطبوعات الدواوين والسفارات كانت ~~تحال - علانية - إلى بعض الصحف لطبعها، مع وجود المطبعة الأميرية. # ولم تكن مصادر الإعانة مجهولة بين العاملين في الصحافة والسياسة، وإن لم تبلغ من ~~الصراحة في زمن من الأزمان مبلغ الاعتراف المكتوب. # وربما انقسمت هذه المصادر في جملتها إلى مصدرين اثنين على شيء من الدوام والانتظام، ~~وهما القصور الملكية ودواوين السفارات ووزارات الخارجية، وقصر «يلدز» في الآستانة كان ~~مصدر القسط الأوفر من إعانات الصحافة والصحفيين المتطوعين ... # وقصر «عابدين» بمصر كان المصدر الآخر الذي ينافسه يوما، ويعمل معه يدا بيد في عامة ~~الأيام ... # وكان بخل عباس المشهور يغل يده عن التبرع بالمال من خزانته الخاصة، فكان يحيل أعوانه ~~من الصحفيين تارة إلى ديوان الأوقاف، وتارة إلى ديوان الرتب والنياشين ... # أسعار الرتب ms031 # وكانت للرتب أسعار مقررة من الباشوية إلى البيكوية من الدرجة الثالثة. # فكانت رتبة الميرمران الرفيعة بألف جنيه، ورتبة البيكوية من الدرجة الأولى تباع بثمن ~~يتراوح بين خمسمائة جنيه وسبعمائة جنيه، وكانت رتبة البيكوية من الدرجة الثانية تباع ~~بأربعمائة جنيه أو ثلاثمائة جنيه، وتقدر أسعار النياشين والأوسمة بمقدار قيمتها من ~~المعدن والجواهر وقيمتها من الأولية في ترتيب التشريفات. # ولقد بيعت رتب كثيرة في القهوات، وبيعت رتب مثلها في مكاتب التحرير والتوكيل ... ولكنها ~~لم تهبط في السوق - على ما نعلم - إلى ما دون مكاتب التوكيل في القاهرة والإسكندرية ... ~~ولو أن سمسارا من سماسرتها خانه الحظ أو غلبه الطمع، فباع رتبة من هذه الرتب لرجل ~~محكوم عليه في جريمة شائنة، لبقيت هذه التجارة موردا للصحافة إلى ختام عهد الخديويين ~~... # والوكالة البريطانية وسفارة فرنسا كانتا في هذا المجال ندين كفأين أو أكثر من كفأين ~~لقصور الملوك والأمراء، ولكن الوكالة البريطانية كانت تكافئ خدامها بالمنافع الجزيلة من ~~الوساطات والشفاعات في دواوين الحكومة، وقد تجود بالمال من مصروفات «الميزانية» ومن ~~مصروفاتها هي إذا اقتضى الحال، ولا تقصر السفارة الفرنسية عن زميلتها في بذل هذه ~~الإعانات على اختلافها، ولكنها كانت تعوض الخدمات الحكومية بالصفقات التجارية، ومساعدات ~~المصارف والشركات، وقل منها ما لم تكن للفرنسيين مساهمة فيه ... # ومن الوظائف التي كانت تبدو للنظر بريئة من هذه الشبهات وظيفة المدير العام لدار ~~الكتب المصرية، التي كانت موقوفة - باتفاق العرف - على علماء الألمان، ولكن هذه الوظيفة ~~عملت في الدعاية الخفية أحيانا ما لم تعمله وظيفة في السفارات السياسية، وكان اتصال ~~المدير العام لدار الكتب بزمرة الصحفيين وحملة الأقلام أمرا لا غبار عليه؛ لأنهم كانوا ~~يقصدون إلى دار الكتب للمطالعة والمراجعة والنسخ في جميع الأوقات، وماذا يحول دون ~~الاتفاق على حملة منظمة في الصحف خلال مقابلة أو مقابلتين لنسخ هذه الورقة أو استعارة ~~ذلك الكتاب؟ # ونعود إلى الدستور # ونعود إلى صحيفتنا التي بدأنا فيها علمنا، نسأل: كيف عاشت من مواردها الصحفية؟ وكيف ~~كانت ترجو أن تعيش كما عاشت الصحف في أيامها؟ ms032 # نقول اليوم: إن ظهورها بوسائلها التي عهدناها، ولا يخامرنا الشك فيها، كان عجبا من ~~العجب، وخلاصة ما يقال عنها: إن قلة مصروفاتها كانت هي السند الأكبر لبقائها المزعزع في ~~عمرها القصير. # ضاع الأمل في الاشتراكات بعد شهر أو شهرين، ولم يكن صاحب الصحيفة - على شهرته ~~بالنظريات - مجردا من الدراية الحسنة في تنظيم الأعمال، فاخترع طريقة الاشتراك الشهري ~~بالأذونات مع خصم رسوم البريد من بعض هذه الأذونات، وأفادت هذه الطريقة قليلا، ولكنها ~~كانت - على أحسنها - فائدة تأجيل للقضاء المحتوم. # وكسدت سوق البيع بعد الخلاف بين الدستور واللواء، فقصرت الإدارة عدد المطبوع من النسخ ~~على الطلب اليومي، ولم يزل هذا الطلب اليومي يتناقص من أسبوع إلى أسبوع ... # ومن لطائف الأستاذ فريد وجدي - وكان يمزح أحيانا، ولا يقول إلا صدقا - أن موظف ~~الإدارة فاتحه في نقص أجور الإعلان، فقال له متململا: ألا تحمد الله لأننا لا نغرم حتى ~~الآن إعلانات في الصحف عن ظهور الدستور؟! # أما الإعانات السرية فقد كان الدستور خليقا أن يجمع منها الكثير، لولا أن الأستاذ ~~فريد وجدي - رحمه الله - كان يحسب أنه يسخر أصحاب الدعايات لرسالته الدينية، ولا يفهم ~~أنهم يسخرونه لدعايتهم السياسية ... وقد يصل الأمر إلى تبرعات الأفراد، فلا يقبل منها ~~الرجل ما يزيد على قيمة الاشتراك المكتوبة على الصحيفة، وحدث من ذلك أن السيد «توفيق ~~البكري» أراد أن يعرب للصحيفة عن شكره لموقفها منه أمام الخديو في مسألة «زفة المحمل»، ~~وحضور الطرق الصوفية فيها، فأرسل إلى الأستاذ وجدي مبلغا لا أذكره على التحقيق، ولكنه ~~يزيد على قيمة الاشتراك بكثير ... فأمر صاحبنا كاتب الحسابات أن يكتب للسيد إيصالا بقيمة ~~الاشتراك، ويعيد إليه بقية مبلغه مع الإيصال ... # وماذا تكون النتيجة؟ # تكون على هذا نتيجة مكتوبة قبل المقدمة، ولولا قلة المصروفات - كما أسلفنا - لاتصلت ~~النتيجة بالمقدمة في أيام، أو على الأكثر في أسابيع! # ستة جنيهات # كانت المصروفات القليلة سببا من أسباب بقاء الصحف المصرية في سنواتها الأولى ~~... # وتظهر قلة المصروفات من تكاليف التحرير في الصحف اليومية الكبرى، فقد كان قلم ms033 التحرير ~~في أكبر الصحف لا يزيد على خمسة من المحررين والمترجمين والمخبرين، وملخصي الأخبار من ~~الأقاليم، يبدأ مرتبهم من خمسة جنيهات في الشهر، ويندر جدا أن يجاوز العشرين ... # وكان قلم التحرير في صحيفة الدستور يشتمل على محرر واحد غير صاحب الصحيفة ... # وهذا المحرر الواحد هو كاتب هذه السطور، يشترك في التحرير والترجمة، وتلخيص الأخبار، ~~ويتناول في الشهر مرتبا لا يقنع به الآن أحد يعمل في الصحف من البوابة إلى السعاية، ~~ونقل الأوراق بين المكاتب، ودع عنك التحرير والترجمة وجلب الأخبار ... # ذلك المرتب «مبلغ قدره» ستة جنيهات، ولم يكن يزيد على مرتبي من وظيفة الحكومة بأكثر ~~من جنيه واحد ... فلم تكن زيادة المرتب أحد المغريات لي على ترك الوظائف الحكومية ~~للاشتغال بالصحافة؛ لأن المرتبين متقاربان مع الفارق في الضمان والترقية، ومستقبل ~~المعاش ... # إلا أن القيمة في هذه المرتبات لا تحسب بحساب الأرقام، فإن الستة ربما ساوت ثلاثين في ~~الوقت الحاضر، أو أربت على الثلاثين ... # كانت خمسة مليمات في ذلك الحين تعطيك مائدة إفطار حسنة في الصباح، وقد ترضيك هذه ~~المائدة عند الضرورة في طعام الغداء أو العشاء ... # مليم ثمن نصف رغيف (شقة من الخبز) يساوي وزن الرغيف في منتصف القرن العشرين ... # ومليمان ثمن الفول والزيت. # ومليم ثمن صفحة من السلطة. # ومليم ثمن برتقالة أو يوسفية أو أصبع موز أو أربع بلحات ... # فإن أردت التنويع أمكنك أن تغير هذه الأصناف بالحلاوة الطحينية، أو العسل والطحينة أو ~~الجبن أو البيض، ومن هذه الأصناف ما يغنيك عن الفاكهة والحلويات! # ولك أن تتوسع في طعام الغداء، فلا تقنع بالأصناف التي تقدم على مائدة الإفطار ... ولكنك ~~لا تحتاج إلى أكثر من عشرة مليمات للصفحة من الخضر المطبوخة، وعشر مليمات للصفحة من ~~الأرز، وعشرين مليما للصفحة من الخضر، وفيها قطعة من لحم البقر أو الضأن. # وقس على ذلك سائر المأكولات. # دروس التلغراف # وكانت مشكلة السكن يومئذ أيسر من مشكلة الطعام. # فكنت أنا من سكان الضواحي الخلوية، لا يكلفني السكن في الشهر أكثر من ثلاثين قرشا ~~لحجرة ذات ms034 نوافذ مطلة على الطريق ومروج الخلاء، ولم يقع اختياري على الضاحية التي ~~سكنتها - بجوار حدائق القبة - لأنني كنت من طلاب الترف وسكان المنازل الخلوية، ولكنني ~~كنت أتعلم دروس التلغراف بمدرسته في ضاحية الدمرداش، فاخترت السكن إلى جوارها، وضمنت ~~أجور المواصلات باشتراكات «مجانية» على حساب مصلحة السكك الحديدية، فلما اشتغلت ~~بالصحافة خسرت أجور المواصلات، ولم أعوضها بتذاكر الاشتراك في الترام أو قطار كبري ~~الليمون؛ إذ كان طلب هذه التذاكر مخالفا لمبدأ صحيفتنا «الحنبلية»، فعوضتها بخمسة ~~مليمات في الترام، أو بمشوار على الأقدام، وقد كنت من الفلاسفة المشائين قبل أن أسمع ~~باسمهم بين الفلاسفة الأقدمين، وكنت لا أعجز عن مشوار بين أسوان والخزان، أو بين أسوان ~~وأبي الريش، فلماذا أعجز عن مشوار بين القاهرة وحدائق القبة أو الدمرداش؟ # لا موجب لهذا العجز على التحقيق، وبخاصة بعد العلم بمدرسة الفلاسفة المشائين، وبعد ~~ترشيحي بهذه الصفة للتلمذة على أستاذ الأساتذة، ومعلم المعلمين: سيدنا أرسطو كما كان ~~يقول أستاذ الجيل «أحمد لطفي السيد». # ديوان زهير ... بقرش # هذه ضرورات المعيشة المادية، فما القول في ضروراتها النفسية أو الأدبية؟ # لقد كانت أيسر من ذلك فيما أعرفه من شئوني الخاصة، ولعلها أيسر من ذلك في شئون ~~الكثيرين ... # ففيما عدا شهود التمثيل مرة أو مرتين عند عرض الروايات الجديدة لم يكن لي مطلب عزيز ~~غير شراء الكتب العربية والإفرنجية. # فهل تراني أعجز عن «قرش صاغ» ثمنا لديوان البهاء زهير؟ أو عشرة قروش ثمنا لديوان ~~المتنبي؟ أو قرشين ثمنا لكتاب المستطرف في كل فن مستظرف، وعلى هامشه، أو في ذيله ~~كتابان آخران؟ # وإذا زادت الحسبة إلى الجنيهات، فهل تراني أعجز عن رحلة إلى دار الكتب المصرية ~~لمراجعة المجلدات أو للنقل منها «عند اللزوم»؟ # أما الكتب الإفرنجية فقد كانت لها طبعات يباع فيها الكتاب بشلن واحد، وكانت هذه ~~الطبعات تحيط بالنخبة المختارة من كتب المنظوم والمنثور، وما يصعب الحصول عليه في طبعة ~~منها؛ لأنها مخصصة لصنف من الكتب تنتقيه، ولا تعنى بغيره، فليس من الصعب أن تحصل عليه ~~في طبعة مثلها ms035 في الثمن، وفي جودة الورق والتغليف ... وعلى هذا أمكنني في خلال ستة أشهر ~~أن أجمع مائتي كتاب من عيون الأدب الغربي في جميع اللغات، مترجمة إلى اللغة الإنجليزية ~~... # بارك الله في مصطلحات السياسة، وفوارق الأشكال والعناوين في العلاقات الدولية. # فما زلت من ذلك الحين أومن بأنها شيء صحيح ملموس الأثر، وليست حروفا على الورق، ولا ~~ألفاظا تطير مع الهواء. # فالبلاد المصرية كانت - في الواقع - تابعة للدولة البريطانية في سياستها الخارجية ~~وحكومتها الداخلية ... # ولكنها لم تكن كذلك في مصطلحات السياسة، ولا في أشكال العناوين. # ولهذا استطعت أن أشتري كتابا يباع في إنجلترا بثلاثة جنيهات، ولا أبذل فيه أكثر من ~~أربعين قرشا في مكتبات القاهرة؛ لأنه صادر من مطبعة ألمانية حصلت على حقوق طبع الكتب ~~وبيعها في كل مكان غير «الأملاك البريطانية». # ولم تكن مصر قط من الأملاك البريطانية بحكم القانون، فليس في العرف الدولي ما يمنع ~~المطبعة الألمانية أن ترسل إلى مصر جميع مطبوعاتها؛ لتبيع الكتاب منها بمارك واحد، أو ~~بشلن واحد على وجه التقريب ... فاستغنينا بهذه الطبعة زمنا عن الكتب الإنجليزية في ~~طبعاتها الغالية، وهانت مشكلة الكتاب بعد مشكلة الغذاء. # ولم تبق إلا مشكلة الكساء! # وقد كانت حقا مشكلة المشاكل لا مراء! # لأنها تحتاج إلى مبلغ متجمع لا يوجد في اليد ساعة الطلب، ولا تحلها عندي حيلة ~~التقسيط؛ لأنه - على ندرته في ذلك الحين - لم يكن مريحا لمن يبيع الكساء ولا لمن يلبس ~~الكساء. # ومرة واحدة حللت هذه المشكلة بشراء بذلتين قديمتين، ولكن الجوار الصالح هداني إلى ~~حيلة أصلح من هذه الحيلة لتدبير هذه المشكلة، وهي درس خصوصي لتاجر أقمشة يتولى تفصيل ~~القماش وتسليمه كسوة كاملة، ويوفيني الأجر - بذلك - كسوة كل ثلاثة أشهر ... ولم تزد مدة ~~التعليم كله على كسوتين، لنشاط التلميذ أو لبراعة الأستاذ، أو لرغبة الفريقين معا في ~~«فسخ» العقد بسلام! # خصلة مشتركة # وإخال، بعد هذه القصة عن الكفاية، أنني نسيت أن أقول: إن قلة المصروفات كانت خصلة ~~مشتركة بيني وبين الصحافة التي عملت فيها، فقد كنت في ms036 سن الحاجة إلى المصروفات قليل ~~الحاجة إلى المصروفات، وأصح من ذلك أن أقول: إن مطالبي في حياتي ليست بالقليلة، ولكنها ~~ليست كذلك من النوع الذي يتوقف على المال. # وكفاية المرتب، على أية حال، مهمة جدا في كل عمل نعمله لنعيش من رزقه. # هي شيء مهم جدا ولا كلام ... # ولكن هل ترانا نفهم أنها هي الشيء المهم الوحيد، أو أن شيئا آخر لا يهمنا مثلها على ~~تفاوت المرتبات والأجور؟ # من يفهم ذلك ففي تجاربه نقص يتعبه في عمله ويتعبه في معيشته، فالرغبة في العمل الذي ~~نتوفر عليه مهمة جدا كالمرتب الذي نتقاضاه منه، ونحن نستريح بستة جنيهات نتناولها من ~~عمل نرغب فيه، ولا نستريح باثني عشر نتناولها من عمل نبغضه ونساق إليه، ولا نود أن ~~ننجزه محسنين أو غير محسنين! # وقد بدأت عملي في الصحافة راغبا فيه مقبلا عليه. # ووجدت من اللحظة الأولى أنني أريد أن أفرغ فيه جعبة المعرفة التي حصلتها من مطالعاتي ~~الصحفية، ومن مطالعاتي في الكتب، وفي الحياة ... # وبعض هذه المعرفة صبيانيات مضحكة لا تقدم ولا تؤخر في الموضوع، ولكنها تدل على حكم ~~العادة وتواتر النظر والسماع ... ~~«عم» العقاد # كيف أوقع مقالتي الأولى؟ وكيف يكون توقيعي الملتزم في جميع المقالات؟ # وقعتها كما توقع المقالات التي أقرؤها في المجلات الأجنبية، فكان توقيعي باللقب ~~والحرفين الأولين من الاسمين «ع. م. العقاد». # ومثل هذا التوقيع لا ينجو من ألسنة الزملاء الهازلين في بلد «القفش» والقافية؛ فسرعان ~~ما ظهر لي مقالان أو ثلاثة حتى دغموا الحرفين في اسم واحد، وراحوا يتحدثون عن مقالات ~~«عم العقاد ...»! # وماذا قال عمك؟ وماذا تقول يا عم؟ واكتب لنا يا عمنا بما تراه ... وقس على ذلك بقية ~~القافية في مختلف الأوضاع والنداءات ... # ويأبى العناد أن أرجع عن «عم العقاد». # أو لعله لم يكن عنادا محضا ولا صبرا على السخرية بغير مبالاة، فليس من الكسب ~~الرخيص للكاتب الناشئ أن يذكر وأن يكون في توقيعه إغراء بذكره ... وأما السخرية فهي شهرة ~~نابية في جميع الأسماع، ولكنها تهون إذا أصابت ms037 الفطاحل النابهين، كما تصيب الناشئين ~~المبتدئين ... # وهكذا مضى «عم العقاد» يكتب بهذا التوقيع من العدد الأول إلى آخر الأعداد! # أما الموضوع فقد كان «المقالة الأدبية» في المرتبة الأولى، ثم تليه المقالة على ~~الإجمال في مختلف الشئون ... # وكان أدب المقالة في تلك الآونة يستوعب مطالعاتي الحديثة أو يكاد ... # كنت أدمن القراءة في كارليل، وماكولي، وهازلت، ولي هنت، وأرنولد، وغيرهم من أئمة فن ~~المقالة في القرن التاسع عشر ... وكان بعض هذه المقالات مما ينشر في الصحف اليومية؛ لأنها ~~تمتد حتى تبلغ في المجلة ثلاثين أو أربعين صفحة، وبعضها مما يصلح للنشر في الصحافة ~~الأسبوعية كما يصلح للنشر في الصحافة اليومية، ومن هذه المقالات كنت أترجم ما يصلح ~~للنشر في الصحيفة السيارة، وعلى غرارها كنت أكتب ما أكتب عن أدباء العرب والفرس، ومسائل ~~النقد والتعليق ... # فن المقالة # ولم يخطر لي أن أخترع جديدا في فن المقالة الأدبية؛ إذ كانت الصحافة المصرية كلها قد ~~قامت على فن المقالة، منذ نشأتها قبل الثورة العرابية، وكانت «الجريدة» قد سبقت ~~«الدستور» في تاريخ الصدور، وكان من كتابها المتقدمين «محمد السباعي» تلميذ «لي هنت» في ~~فن المقالة على أسلوب المدرسة الإنجليزية، فكان رائد هذا الفن في تحرير الصحف غير ~~مدافع، وكان له فيه إبداع يعرفه قراء كتابه الذي سماه ب «الصور»، وأراد أن يعارض به ~~مقالات الترسيم والتخطيط المعروفة باسم «الإسكتش» # Sketch # في أدب الغرب الحديث، فلم أحاول في كتابة ~~مقالاتي جديدا غير تقريب الموضوعات من الدراسة النقدية، ولم أطرق غير القليل من ~~موضوعات النقد الاجتماعي، أو موضوعات المقالة الوصفية والمقالة العاطفية؛ لأنني كنت - ~~مع اشتغالي بالكتابة - مشغولا بنظم الشعر في موضوعاته، وهو أولى بالوصف العاطفي من ~~المقالات ... # على أنني أحمد الله؛ لأن المتقدمين علي في الصحافة لم يغلقوا علي جميع الأبواب، ~~فبقي لي في الصحافة المصرية باب واحد أستطيع أن أقول: إني كنت أول السابقين إليه ~~... # وذلك هو باب الأحاديث مع الوزراء والساسة، فلا أعلم أن أحدا من الصحفيين المصريين ~~سبقني إلى إجراء حديث عام مع وزير ms038 مصري، أو رئيس شرقي يسمع له قول في السياسة، وإخالهم ~~معذورين بعض العذر في هذا التأخير، وإخالني محظوظا بعض الحظ في هذا السبق المقدور؛ لأن ~~الأحاديث أمر مرهون بأوانه لا يدركه أحد قبل موعده ولا بعده، ولا هو بالمعقول في صحافة ~~مصر على عهد الاحتلال قبل حادث دنشواي وقيام الأحزاب ... # من كان يحادث الوزراء المصريين في شئون السياسة العامة؟ وماذا يقول الوزير للرأي ~~العام إذا أراد المقال؟ وأي برنامج له يعرضه على الناس؟ وأي رأي كان له بعد رأي ~~المستشار، ورأي قيصر قصر الدوبارة من وراء المستشار؟ # أحاديث الوزراء # إن حديثا يجري مع وزير لا يملك من أعمال وزارته غير التوقيع والسكوت لهو اللغو ~~بعينه، فلا حرج على الصحفيين المصريين إذا تجنبوه ... وقد تجنبوه معذورين حتى خطر لي أن ~~أقتحم هذا الباب لأول مرة، فكان اقتحامي إياه في الحق عنوانا لصفحة جديدة في تاريخ ~~الوطنية المصرية، ولم يكن مجرد سبق في الصحافة يتكرر كل يوم ... # وجرى الحديث الأول مع سعد زغلول في وزارة المعارف، وجرى غيره من الأحاديث مع الغازي ~~أحمد مختار «قوميسير» الدولة العثمانية كما كانوا يسمونه في زمانه، وكان على ضآلة نفوذه ~~في مركزه شخصية من أقوى الشخصيات العسكرية والسياسية التي عاشت في ذلك الزمان ... # وكنت أعلم أن حديثا يتطرق إلى نظام الجيش في عهد الاحتلال، ويفوه به أكبر القادة ~~العثمانيين في مركزه الرسمي بالديار المصرية - لن يخلو من ضربة تقض مضاجع المحتلين ~~... # ولقد كان ما قدرت، فإن الرجل خبطها خبطة عنيفة، وقال لي لما سألته عن العدوان على ~~المحمل المصري في جزيرة العرب: إن الذنب ذنب النظام لا ذنب الأمن في الجزيرة العربية، ~~وإنه كان يستطيع أن يفتح الجزيرة كلها بفرقة كالفرقة التي تحرس المحمل في كل ~~عام! # يا خبر! # إن كلمة دون هذه الكلمة في المساس بنظام الاحتلال العسكري قد أوشكت أن تطيح بعرش عباس ~~الثاني، وقد حركت الدولة البريطانية بحذافيرها لتهديده وإرغامه على الاعتذار ... # فكيف تراهم يصبرون على تلك الضربة من قائد عسكري يمثل الدولة ms039 العثمانية؟ # إلا أنهم مكروا ولم يجهروا، وبدأت بينهم وبين القائد الكبير أزمة متواترة متوترة ... ~~نصرهم فيها عليه سماسرة الخذلان في الآستانة، فكان الغازي مختار خاتم «القوميسيريين» في ~~هذه الديار ... # ثورة على الخديو # إذا كنت قد خرجت من صحيفة الدستور بأولية من أوليات الصحافة المصرية، فهذه هي ~~«أوليتي» التي خرجت بها من أول عملي في صحيفة يومية: أول صحفي مصري حصل على حديث من ~~وزير عامل في الوزارة، أو من رئيس شرقي كبير يسمع له رأي في السياسة ... # وقد كدت أن أضيف إليها «أولية» أخرى ذهبت غير محسوس بها، قبل أن تحبو من مهدها ~~... # كدت أكون أول كاتب يحاكم على حملة صحفية موجهة إلى سياسة الأمير في شئون مصر، وفي ~~شئون الإصلاح الأزهري على التخصيص ... # كانت سياسة الوفاق يومئذ في عنفوانها؛ وكان مدار هذه السياسة على التعاون بين السلطة ~~الفعلية - سلطة الاحتلال - وبين السلطة الشرعية - سلطة الأمير ... وقامت السياسة فعلا - ~~بعد عزل اللورد كرومر - على إطلاق يد الخديو في مسائل الحكم التي تعنيه، ومنها مسألة ~~الأزهر والأوقاف ومسألة الرتب والنياشين ... # وفي هذه الفترة تنمر الخديو للحركة الوطنية، وأدار ظهره لطلاب الدستور، وعمل جهده ~~على استئصال نهضة الإصلاح في الأزهر بعد وفاة الأستاذ الإمام، وأعلن عداءه لمدرسة ~~القضاء الشرعي، وكاد يقضي عليها ... # وثارت الثائرة على الخديو من داخل الأزهر وخارجه، فتكلم مرة عن نهضة الإصلاح الأزهري، ~~وأقسم أنه يغار على الإصلاح غيرة أصدق من دعوى المدعين للغيرة عليه ... # وكتبت يومئذ مقالا مطولا استغرق الصفحة الأولى من صحيفة «الأخبار» التي كان يصدرها ~~الشيخ يوسف الخازن، ويحررها الأستاذ توفيق حبيب، قلت فيه ما فحواه: إن الملوك لا ~~يحتاجون إلى القسم؛ لأنهم يثبتون نياتهم بالأعمال، لا بالأقوال! # براءة المشايخ # وكان في وسعي أن أكتب هذا المقال في صحيفة الدستور؛ لأن صاحبها - الأستاذ فريد وجدي - ~~كان كما أسلفت من أرحب خلق الله صدرا لحرية الرأي وحرية المناقشة، ولكنني قدرت له ~~حريته هذه، فلم أشأ أن أحرجه في مسألة ترتبط بالأزهر والإصلاح الديني، وقد كانت له في ms040 ~~العالم الإسلامي مكانة تشبه مكانة الأقطاب الدينيين ... # فلما ظهر المقال في صحيفة الأخبار بتوقيع «ع الأسواني» قلقت له الحاشية الخديوية، ~~وظنوا أنه من إيحاء بعض المشايخ الأزهريين ... فأكبروا هذا «التمرد» من معقل الخديو ~~الأمين في أيامه، فاستدعت النيابة صاحب الأخبار، وسألته عن اسم صاحب المقال، فأذنت له ~~أن يطلعهم عليه، ولعلهم اطمأنوا إلى هذه النتيجة بعد أن علموا ببراءة المشايخ من ~~الشبهة، فانطوت المسألة ووقفت عند هذا الحد، إشفاقا من إثارة القضية الأزهرية في أطوار ~~التحقيق والمحاكاة والدفاع، وتعليقات الصحف وأحاديث المتحدثين. # ولولا ذلك لسبقت نفسي بثلاث وعشرين سنة، فكنت أول من حوكم على تلك العيوب الملكية ~~التي يحملها أصحاب العروش، ويحاسب عليها أصحاب الأقلام. # يومية وغير يومية # كانت الصحف المصرية عند أوائل هذا القرن تنقسم إلى يومية وغير يومية، ولم تكن هناك ~~صحف أسبوعية بالمعنى الذي نفهمه من الصحافة التي تصدر مرة كل أسبوع، فإن لم تكن الصحيفة ~~يومية، فالصحف التي يقال عنها: إنها أسبوعية قد تصدر مرة كل شهر أو مرة كل شهرين، أو ~~تنتظم على الصدور يوما في كل أسبوع إلى أمد محدد، ثم تنقطع دفعة واحدة، أو تعود إلى ~~الانقطاع على دفعات ... # وكانت مواعيد الانقطاع على الجملة أصدق من مواعيد الصدور ... لأنه كان يتكرر على ~~التحقيق حيث يتعذر التحقيق من موعد للصدور ... # وربما انتظمت الصحيفة «الأسبوعية» خمسة أسابيع أو ستة أسابيع متوالية، ولكنك تنتظرها ~~عبثا إذا انتظرتها في يوم معلوم من أيام الأسبوع، فإذا ظهر هذا العدد منها يوم الأحد، ~~فلا مانع أن يظهر العدد التالي يوم الخميس أو يوم الجمعة، أو بعد يومين اثنين فقط من ~~ظهور العدد الذي سبقه، ولا معول في ميعاد من هذه المواعيد على شيء غير «توافر المادة ~~اللازمة للتحصيل ...» # شيء لزوم الشيء # وما هي المادة اللازمة للتحصيل؟ # حملة على مشهور أو فضيحة في أسرة تخاف التشهير، أو تهديد مقدور على حسب المناسبات، ~~ومصالح الضحايا المعرضين للتهديد، أو ضجة سياسية أو اجتماعية تشتبك فيها المطامع ~~والدعايات، وتتعدد فيها الفرص للمنتهزين من ms041 هنا ومن هناك ... # وكان أفضل هذه الصحف «الأسبوعية» الذي يسرع إلى الاحتجاب، وتمتنع عليه وسائل الثبات ~~والاستمرار. # وقد ظهر من هذه الصحف الفضلى كثير لم يبق منها بعد حين كثير ولا قليل، ولم يقل أحد من ~~الصحفيين الأفاضل أو غير الأفاضل: إنه يصدر صحيفته لمصلحة خاصة أو يصدرها لمحض التشهير ~~والتهديد، ولكنك تراجع الأسماء فلا ترى بها من خفاء ... وماذا يبقى من الخفايا وراء اسم ~~كاسم «الكرباج» أو «البعبع» أو «الجاسوس» أو «اللجام» أو «الصاعقة» أو «المرصاد» أو ~~«العفريت» أو «عفريت المقاولين» على التخصيص؟ # هذا إلى أسماء أخرى كالخلاعة والصبوة والغندرة والمرستان والفوضى، وما أشبهها من ~~أسماء يختارها أصحابها، وهم في سعة من الاختيار، وفي سعة من الادعاء كما يشاءون بما ~~اختاروه من كلمات! # ولم يمض غير يسير حتى افترقت الكفايات اللازمة لإصدار الصحيفة الأسبوعية على هذا ~~المنوال ... # فقد يكون الرجل من أجهل الجهلاء، ولكنه من أقدر الناس على التشهير والتهديد، واستغلال ~~الفضائح والإشاعات. # وقد يكون الرجل عاجزا عن كسب مليم من هذه الصناعة، ولكنه قادر على تسويد الصفحات ~~وتلفيق الأقاويل والأباطيل ... # ولا بد من الكفايتين لإصدار الصحيفة في موعدها الملائم، فإن لم توجد الكفايتان في رجل ~~واحد، فقد توجدان في رجلين، وقد يهتدي أحدهما إلى الآخر بحكم المصادفة إن لم يهتد إليه ~~بحكم الضرورة ... # وهكذا كان ... # بين العتبة والفجالة # فقد جدت في القاهرة ثلاثة مكاتب أو أربعة لتحرير المقالات حسب الطلب والاقتراح ~~مقرها حانات وقهوات موزعة بين باب الخلق والعتبة الخضراء والفجالة وحي الحسين، وهي ~~الأماكن التي كثرت فيها المطابع الصالحة لطبع الصحف الصغيرة؛ لأنها تكلف القليل من ~~الأجور، وتتقبل المقالات ... # ورأينا من هذه «المكاتب» قهوة في العتبة الخضراء يجلس إليها محرر مشهور يكاد يرتجل ~~المقالة في دقائق معدودات، وقد يكتب المقالات قبل اقتراحها على وجهين متناقضين، أحدهما ~~للمدح والتأييد والآخر للقدح والتهديد ... ويجلس بهذه المقالات على ثقة من الطلب في حينه، ~~وقد يأتيه الطلب على النقيضين من طالب واحد في ساعة واحدة، ولا يعجزه في اللحظة الأخيرة ~~أن ms042 يدخل التعديل المطلوب في القياس والتفصيل، إن كان لا بد من تعديل! # كان المكتب العام من «مكاتب التحرير تحت الطلب» في قهوة على مفترق شارع محمد علي ~~وميدان العتبة الخضراء، وكان المطعم الذي تعودت أن أتناول فيه الغداء إلى جوار تلك ~~القهوة ... فكنت أجلس فيها هنيهة قبل الغداء أو بعده، وكنت ألقى فيها بعض الصحفيين ~~والأدباء، وأحضر مجالسهم ومحاوراتهم، وأستمع إلى أحاديث غزواتهم وأحابيلهم في تحصيل ~~إتاواتهم، فرأيت صاحب صحيفة من أشهر الصحف الأسبوعية في أيامها يجلس إلى مائدة «الشيخ ~~المحرر»، ويبادره بطلب من «البار» على حسابه، ويفاتحه قبل حضور الطلب في موضوع مقالين ~~مستعجلين، يثني في أحدهما على سري معروف من أصحاب القصور الباذخة على مقربة من حي ~~عابدين؛ لأنه يثابر على عمل البر وإسداء المعونة إلى الجماعات الخيرية، وإصلاح المساجد ~~التي تجاور قصره، وإطعام الفقراء الذين يترددون على تلك المساجد لوجه الله الكريم، ~~وينحى في المقال الثاني على ذلك السري بعينه؛ لأنه مبتذل العرض والكرامة يغرر ~~بالأبرياء، فيسوقونه إلى ساحة القضاء، ويطالبونه بالتعويض عما أصابهم به من الأدواء ~~... # ثمن الفخر والثناء # وخرجت من القهوة إلى المطعم والمقالان يكتبان، ولعلهما عرضا في ساعة واحدة على السري ~~المصلح المفسد، النافع الضار، المحمود المذموم ... ولعله قد بذل الثمن ضعفين: ثمن الفخر ~~وثمن السلامة من الخزي والبذاء. # ومجمل ما يقال في هذه الصحافة: أنها كانت في مجموعها على هذه الوتيرة ... بين صحافة ~~صالحة تسرع إلى الاحتجاب، أو صحافة فاسدة تعيش متقطعة متسكعة، وينقطع لها الحثالة من ~~نفايات البلد، وقل أن تعتمد على بضاعة غير بضاعة الجهل والاحتيال ... # ولنا أن نقول في كلمتين: إنها صناعة مرذولة ولا حرج، وعلينا أن نذكر أننا نتكلم عن ~~الصحافة، وأن الصحافة يومئذ كانت ظاهرة اجتماعية تبحث عن مكانها ... ومن أعجل الأحكام أن ~~تدان الظواهر الاجتماعية بحكم واحد في فترات النشوء والانتقال على نحو خاص، فلا بد من ~~استثناء في هذه الفترات، بل لا بد من حكم متئد يقابل الحكم العاجل ، ويلغيه أو يكاد ... # صناعة مرذولة محتقرة # هذا ms043 هو الرأي المجمل في صحافة مصر غير اليومية منذ خمسين سنة ... ولكنك لا تستطيع أن ~~تبخل بوصف الاحترام على صناعة الصحافة يومئذ في مصر إذا التفت من ناحية الصحافة «غير ~~اليومية» إلى ناحية الصحافة اليومية، لما كان في مصر يومئذ من صناعة تضم بين أبنائها ~~أناسا أحق بالاحترام؛ من علي يوسف مدير المؤيد، ومصطفى كامل مدير اللواء، وأحمد لطفي ~~السيد مدير الجريدة، كائنا ما كان المقياس الاجتماعي الذي تقاس به الصناعات. # طبقة من المجاورين # ولا استثناء في ذلك لمقياس الدولة والحكومة، فإن الرتب والألقاب التي حصل عليها أقطاب ~~الصحافة المصرية من الدولة لم تكن تقل في قيمتها الرسمية عن ألقاب الوزراء ... ومن حصل ~~منهم على «البيكوية»، فإنما كان يحصل عليها من الصنف الذي ينادى صاحبه بلقب الباشوية، ~~ولولا أن الأستاذ «أحمد لطفي السيد» كان من المعارضين للسيادة العثمانية لجاءته الرتبة ~~التي أنعمت بها الدولة على صاحبي المؤيد واللواء. # ومن الملاحظات التي لا تهمل في هذا الصدد مسائل الزوجية التي تعرض لها كبار الصحفيين ~~في تلك الآونة، فإنها تدل على إحساس عميق داخل أصحاب هذه الصناعة، أودع في نفوسهم الثقة ~~بمكانتهم الاجتماعية في شئون يتغلب فيها العرف التليد على كل اعتبار جديد، فلولا ~~«الاحترام الاجتماعي» الذي كان يحسه الزعيم النابه في الصحافة اليومية، لما خطر لمصطفى ~~كامل أن يخطب «الأميرة شويكار»، ولا خطر لعلي يوسف أن يتزوج بسليلة بيت السادات، وهو ~~طموح أبعد من الطموح إلى مصاهرة بيت الإمارة؛ لأن اعتداد بيت السادات بشرفه الديني كان ~~في ذلك العهد أقوى من اعتداد الأمراء بمراتبهم الدنيوية. # ولا يرجع شيء من هذا الاحترام الاجتماعي إلى مزية من مزايا الطبقة أو مزايا الثروة، ~~فإن مصطفى كامل كان من طبقة الموظفين الصغار، وعلي يوسف كان من طبقة الفلاحين الفقراء ~~«المجاورين» للجامع الأزهر، ولم يكن لهما من الثروة قسط يذكر بعد أن بلغا في الصحافة ~~قمة النجاح ... ~~••• # من الكلمات التي قرأتها ولم أنسها منذ قرأتها كلمة الروائي العبقري «شارلز ديكنز» في ~~مقدمة قصة المدينتين، حيث يقول ms044 عن عصر الثورة الفرنسية: # إنه كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان ... كان عهد اليقين والإيمان، وكان ~~عهد الحيرة والشكوك، كان أوان النور وكان أوان الظلام ... كان ربيع الرجاء، وكان ~~زمهرير القنوط، بين أيدينا كل شيء وليس في أيدينا أي شيء، وسبيلنا جميعا إلى ~~سماء عليين، وسبيلنا جميعا إلى قرار الجحيم ... تلك أيام كأيامنا هذه التي ~~يوصينا الصاخبون من ثقاتها أن نأخذها على علاتها، وألا نذكرها إلا بصيغة ~~المبالغة فيما اشتملت عليه من طيبات ومن آفات ... # فقد قرأت هذه الكلمة فخطر لي يوم قرأتها أنها لعبة من ألعاب المجانسات اللفظية لا ~~تصدق على زمن من الأزمان، ولا على حالة من الحالات، فما برحت منذ قرأتها أعيدها أو ~~تعيدني إلى ذكراها كلما صادفتني مرحلة من مراحل التاريخ الكبرى؛ لأنها وصف يصدق على كل ~~مرحلة من هذه المراحل، ويصدق على كل جديد، ومنها فترة اليقظة المصرية في أوائل هذا ~~القرن العشرين ... # حائر بين الاثنين # وطالما حيرتني وحيرت غيري هذه المناقضة بين الصحافة اليومية اليومية المحترمة، ~~والصحافة «غير اليومية» التي لم يكن لها حظ من الاحترام ... # وليس مما يدفع الحيرة أن نعلم أن «الفترات الخالقة» بطبيعتها متناقضة مشتملة على ~~المحاولة من طرفيها، إلى النجاح أو إلى الإخفاق ... # ولكنني أحسب أن الصحافة في أوائل هذا القرن قد أصبحت «هامة»، ولم تصبح «عامة» إلا بعد ~~حين ... # وهذا فيما أحسب هو علة التناقض بين صحافة يومية محترمة - بمقاييس المجتمع - وصحافة ~~أخرى غير محترمة بكل مقياس من هذه المقاييس ... # فالصحافة إذا كانت وظيفة هامة، أثبتتها القوة الاجتماعية التي تعرف لها أهميتها، ~~وتحذر من إهمالها، وهذه القوة الاجتماعية تأتي من قمة المجتمع ومركز القيادة فيه ~~... # وأما «الوظيفة العامة» فلا غنى لها عن «رأي عام» يسندها ويراقبها ويتعهدها، ويتكفل ~~لها كما تتكفل له بالحماية والرعاية ... # ولم يكن لهذا «الرأي العام» وجود في أوائل القرن العشرين، ولم تكن الصحيفة الأسبوعية ~~قد بلغت من القوة أن تؤدي الوظيفة الهامة التي تؤديها الصحيفة اليومية، وتهتم بها قيادة ~~اجتماعية تعرف لها عملها، وتتقي عواقب ms045 الإهمال فيه ... # كانت الصحيفة اليومية توجد لأنها لازمة مهمة في اعتبار طائفة تتولى القيادة ~~الاجتماعية ... # أما الصحيفة الأسبوعية، فإنما كانت توجد لأنها لازمة لصاحبها ومن يعمل فيها، فإن لم ~~يتكفلوا بتدبير أمرها، فما من أحد غيرهم يتكفل بتدبيره ... # وعلى كلتا الحالتين كانت الصحافة - يومية وغير يومية - عارضا غريبا على المجتمعات ~~المصرية، ولم تكن هناك بيئة خاصة يقصدها الصحفيون لأنهم صحفيون، بل لم تكن للصحافة ~~نفسها كلمة متفق عليها ... فربما سمي الكاتب في الصحيفة بالتحريرجي، أو الجورنالجي، أو ~~الغازيتجي، أو المحرر من صناعة التحرير في المطابع والدواوين التي تكتب فيها الرسائل ... ~~فأما كلمة «الصحافة» فهي بدعة مستحدثة خلقها اللغويون على وزن «فعالة» كالنجارة ~~والحدادة والملاحة والتجارة، وكل ما يأتي على هذا الوزن للدلالة على الصناعات. # ولو سئل الصحافي يومئذ: ما عملك؟ لما وجد كلمة مفردة يجيب بها من يسأله، ويفهمها ~~السائل والمسئول. # صناعة بغير عنوان، أو عنوان بغير جهة، ولا فرق في هذا بين جهة المكان وبين «الجهة ~~المعنوية» إذا استعرنا هذه العبارة من لغة القانون ... # في «سبلندد بار» # فقد ترى في «سبلندد بار» أناسا من الصحفيين، ولكنهم لا يقصدونه لأنهم صحفيون مشتغلون ~~بهذه الصناعة ... وإنما يقصدونه لأنه ملتقى المهاجرين من سورية ولبنان والعراق وغيرها من ~~الأقطار العثمانية ... # وقد ترى أناسا آخرين في قهوة الشيشة، أو القهوة الوطنية، أو قهوة يلدز أو قهوة ~~متاتيا، أو قهوات الحي الحسيني، وباب الخلق، والفجالة ... ولكنك لا تراهم هناك لأنهم ~~يعملون في هذه الصحيفة أو تلك، وإنما تراهم حيث كانوا لأنهم يدخنون الشيشة أو يشجعون ~~القهوات المصرية في أول عهدها بمنافسة القهوات الأجنبية؛ أو لأنهم يلعبون الشطرنج ~~والدومينة؛ أو لأنهم تناقلوا سنة الجلوس في هذا الحي أو ذاك من أيام الطليعة الأولى بين ~~الأدباء رواد الأندية العامة ... # وعلى هذا الاختلاط بين البيئات الصحفية، أو البيئات القلمية، تتحقق من أمر واحد لا ~~اختلاط فيه، وهو اتصال تلك البيئة بالحركات العامة في الشرق كله ... فلم تعرف حركة عامة ~~في قطر من أقطار الشرق لم تكن لها صلة ms046 ببعض الجالسين ... # هنالك ترى الباحث في فلسفة النشوء والارتقاء، أو مذاهب الاشتراكية أو تحرير المرأة، ~~ومعهم ترى رئيس جماعة «تركيا الفتاة»، أو صاحب الصحيفة الإيرانية الحرة، أو مؤلف كتاب ~~طبائع الاستبداد، أو عصابة الحملة على فتوى الترنسفال، وهناك رأينا إبراهيم ناصف ~~الورداني بهياجه الدائم، ولهفته الدائمة على أطباق الأرز باللبن، ورأينا مصطفى الصغير ~~الداعية الإسلامي الهندي الذي جازت حيلته في مصر، واعتقله الكماليون في الآستانة فحكموا ~~عليه بالإعدام، ونفذوا الحكم على الرغم من احتجاج الدولة البريطانية ... # وهنالك كنا نلقى من نلقاهم من الأدباء الذين لا يشتغلون بالصحافة إلا إذا كتبوا ~~إليها، ومنهم كانت صفوة الصحب والزملاء على قلة ترددهم، وترددنا على القهوة لغير موعد ~~أو مصادفة. # وكانت الصناعة كلها عارضا غريبا في بيئات غريبة ... # صناعة بغير عنوان # صناعة بغير عنوان أو عنوان بغير جهة ... ومن هذا التيه بين البيئات تعرف ما يحيط به من ~~القلق، أو من «التوزع» والبعثرة بين مختلف الشواغل والهموم ... # إلا أننا نبرئ الذمة قبل ختام هذه الفاصلة من المذكرات، فنسأل: أكانت الصحافة حقا ~~عارضا غريبا كل الغربة في المجتمعات المصرية والشرقية؟ أيمكن أن توجد صناعة في مجتمع ~~من المجتمعات دون أن تسبقها صناعة مشابهة لها، قائمة على أساسها؟ # أكاد أقول: إن وجود هذه الصناعة مستحيل، فلا بد من صحافة قبل الصحافة على صورة من ~~الصور، ولا بد من صحفيين قبل الصحفيين ... # وللصحفي في المجتمع المصري أب أو جد من لحمه ودمه، ومن طبيعته وصناعته، فمن يكون هذا ~~الأب أو هذا الجد الذي ننتمي إليه أجمعين نحن معاشر الصحفيين؟ # هو «اللبيب» على أحسنه وأعلاه، وعلى أسوئه وأدناه ... اللبيب الذي يعلو حتى يتبوأ مكان ~~الواعظ المسموع والمستشار المعول عليه، والمعلم الذي يصغي إليه المتعلم المستفيد، كما ~~يصغي إليه «الفهيم» المعجب بسحر الكلام وفتنة البلاغة ... اللبيب الذي يهبط حتى يصدق عليه ~~وصف «الثرثارة» أو «الأدباتي» الذي يفهم بالإشارة، ولا يتورع عن الحيلة في طلب الرزق ~~المباح والمحظور، ولا يبالي ما يصيبه في سبيله من الزراية والابتذال ... # اللبيب هو «جد» ms047 الصحفي في المجتمع المصري، على أسوئه وأدناه، وعلى أحسنه ~~وأعلاه. # | أزمة قلم # تعطيل «الدستور» # بقيت في تحرير صحيفة «الدستور» حتى فرغنا من كتابة الكلمة الأخيرة في عدده الأخير ~~... # وقد مضت علينا قبل احتجابه أشهر، ونحن نعلم أننا نكتب أعداده الأخيرة، وإن كنا لا ~~نعلم أيها يكون الأخير الذي ليس بعده أخير ... # وأبت المروءة على صاحب الصحيفة أن يماطل أحدا من أصحاب الديون عليها، أو أصحاب ~~الأجور فيها بدرهم واحد، فاتفق مع تاجر من تجار الورق المشهورين على أن يشتري مؤلفاته ~~جملة واحدة سدادا لثمن الورق وما إليه، واتفق معه في الوقت نفسه على أن يشتري النسخ من ~~الموظفين والعمال بأثمانها المتفق عليها، وأذكر أن ثمن النسخة من معجم «كنز العلوم ~~واللغة» لم يزد في هذا الاتفاق على ثلاثة عشر قرشا، وكانت قبل ذلك بمائة قرش، ثم بيعت ~~بعد أشهر قليلة بخمسين قرشا، ثم بسبعين. # ولقيت الرجل مودعا فقال لي: إنه يرجو أن نتعاون معا في عمل صحفي نحن أقدر عليه ~~وأصلح له من الصحافة السياسية، وأنه يدرس الفكرة ويلخصها لي عسى أن أفكر فيها، ويرجو أن ~~يبلغني نتيجة درسه لها بعد أسبوعين أو شهر على الأكثر، إذا صح العزم على الشروع في ~~تنفيذها ... # مقالاتي مرتين! # كان الأستاذ فريد وجدي يصدر مجلة شهرية تسمى «الحياة»، ويكتب فيها أحيانا مقامات ~~خيالية تسمى بالوجديات، ثم تفرغ لإصدار الدستور، وترك المجلة إلا في فترات متباعدة ~~يعاودها كلما اجتمع لها من مادة الفصول الأدبية ما يملأ عددا من أعدادها، وربما اختار ~~بعض هذه الفصول من مقالاتي التي كنت أنشرها في الصحيفة اليومية ... # أما «الوجديات» فقد كان يكتبها على أسلوب المقامات، ويديرها على المواعظ الاجتماعية، ~~وتقريب المثل العليا التي تصطبغ على الدوام بصبغة الدين أو بصبغة الأخلاق المثالية، ~~وكان لها قراء كثيرون يطلبونها كلما طالت غيبتها، وقد تصدر منها طبعتان وثلاث ~~طبعات. # قال الأستاذ: «إن الحياة» أولى بمقالاتك من الصحيفة اليومية، وإنك تستطيع أن تجرب ~~قلمك في المقامات، فتظهر «الحياة» وفيها مقاماتك ومقالاتك إلى جانب «الوجديات»، ms048 ولولا ~~أنني أنتظر حتى أعلم أن هذا العمل يعوض تكاليفه ويغنيك عن عمل آخر لشرعنا فيه منذ ~~الساعة، ولكننا قد نشرع فيه بعد أسابيع ... # بلا عمل # ومضت الأسابيع ولم أسمع من الأستاذ خبرا عن هذه الفكرة، ولم أصل من دراستها بيني ~~وبين نفسي إلى نتيجة تدعو إلى الثقة بنجاحها، فوجب البحث عن عمل لي في الصحافة، أو ما ~~يناسب الصحافة، ولكن ما العمل الذي يتيسر لي عند طلبه على عجل، ولا بد من العجل، ولا ~~طاقة بالانتظار ... # أفق الصحافة في تلك الآونة مظلم يطبق عليه الظلام من قراره، ولا تلوح منه شعاعة ~~برانية ولا جوانية؛ لأن البلاء الذي كانت تصاب به الصحافة من داخلها قد كان أشد عليها ~~من البلاء المسلط عليها من أعدائها ... # كان «اللواء» في حياة مصطفى كامل يعول على موارد يلدز وعابدين، ومعونة بعض الغيورين ~~من سراة الترك والمصريين، وانقطعت موارد يلدز وعابدين من قبل وفاته ... وانقطع الأمل في ~~موارد يلدز بعد زوال عهد عبد الحميد، وفي موارد عابدين بعد إعراض الخديو عباس عن الحزب ~~الوطني في عهد سياسة الوفاق، واستحكام العداء بين الحاشية الخديوية وخليفة مصطفى كامل ~~«محمد فريد» ... وقد كاد فريد - رحمه الله - ينهض وحده بأعباء اللواء المالية والسياسية، ~~لولا ما أصابه من المصادرة بعد المصادرة ومن المحاكمة بعد المحاكمة، حتى أجمع عزيمته ~~آخر الأمر على هجر الديار ... # وكان «المؤيد» يزدهر في إبان نشاط صاحبه «علي يوسف» ... ثم نكب هذا الرجل العصامي نكبة ~~قاسية عصفت بنشاطه قبل أوانه، إذ فجعته المنية في وحيده في مقتبل صباه، واضطربت حياته ~~بعد ذلك بمشكلات الأسرة، أو مشكلات «مشيخة السادات» التي ساقته قضية الزوجية إليها، وما ~~زال دبيب الملل يسري إليه، ويزهده في صحيفته العزيزة عليه حتى تركها بعد حين للمقادير، ~~وهو لا يبالي ما سوف تلقاه، أو ما سيلقاه! ... # وكانت «الجريدة» أسلم الصحف من هذه الزعازع وأشباهها، ولكنها على هذا لم تسلم من ~~ضربات خصومها السياسيين، وفي مقدمتهم الحاشية الخديوية، وحزب الإصلاح على المبادئ ~~الدستورية ... فإن حاشية الخديو ms049 افتتحت عهد الوفاق بين السلطتين الشرعية والفعلية بمحاربة ~~«حزب الأمة» قبل غيره من الأحزاب؛ لأن أعضاء الأحزاب الأخرى كانوا يلوذون بالقصر ولا ~~يقاطعونه، خلافا لأعضاء حزب الأمة الذين كانوا يقفون من القصر موقف الاستقلال، أو ~~يتعرضون لغضبه في كثير من الأحوال، فسعى رجال الحاشية سعيهم لتحويل الأعضاء من حزب ~~الأمة إلى حزب الإصلاح، ونجح مسعاهم بعد اختيار وكيل حزب الإصلاح للوزارة وتتابع ~~الإنعام بالرتب والألقاب على أعضائه البارزين ... ولم تبق للحزب بقية قادرة على الصمود ~~والمقاومة إلا بجهد جهيد، ولكنه بقاء لم يعصم الجريدة من أزمات المال والخلافات ~~الداخلية، وعرفت من محرريها يومئذ من تركها لأنها اضطرت إلى القصد في وظائف التحرير بعد ~~التوسعة فيها عند نشأتها، حتى كانت تقنع من المحرر بنهر في اليوم، ولا تسأله إذا ونى عن ~~كتابة هذا النهر عدة أيام ... # حياة الظلام # وتلك هي الصحف التي أنظر إليها إذا نظرت إلى عمل في الصحافة اليومية، فأما الصحف ~~الأسبوعية فلم يكن فيها مجال لغير أصحابها أو لغير كتاب المقالات - بالقطعة - على حسب ~~الطلب، وعلى كل لون، وفي عرض الطريق! # وربما تأتى للصحافة في مجموعها أن تغالب هذه المحنة، وأن تتغلب عليها في النهاية لو ~~لم تطبق عليها طامتها الكبرى من قانون المطبوعات الرهيب: قانون الحجر والرقابة، وتقييد ~~الرخص ومحاسبة الكاتب على السطور وما بين السطور، وعلى الأقوال والنيات! ... # وقد انطوى هذا القانون بعد نشره في أيام الثورة العرابية، ثم بطل العمل به زمنا ~~طويلا حتى نسينا نحن الصحفيين الناشئين أن في البلد قانونا للصحافة كان يسمى قانون ~~المطبوعات، وأن الكاتب يسأل عن شيء قاله في حدود النقد المباح كائنا ما كان مقام ~~المنقود في الحكومة أو في البلاد ... # ومما يؤسف له أن نصيب الصحافة من هذه الطامة التي جرتها على نفسها لم يكن أهون من ~~نصيب الحكومة، وأنها جنت على حريتها ولا ريب بما زودت به «السلطة» من معاذير، يقبلها كل ~~من يؤمن بحق القانون ... # فلا نذكر أن أحدا من أعلام الصحافة كتب في صحيفته كلمة ms050 تتعلل بها الحكومة لتقييد ~~حرية الكتابة، أو قال في خطبة من خطبه كلمة تتعلل بها لتقييد حرية الخطابة والاجتماع، ~~ولا نستثني من ذلك «مصطفى كامل» على تطرفه واندفاعه في الخطب، وفي المقالات ... # ولكن الصحافة اليومية لم تلبث أن صارت إلى الأقلام التي لا تحسن شيئا كما تحسن أن ~~تسقط معاذيرها، وأن تمهد العذر لمن يتمحلون العلل عليها، ولا نخال أن حاكما حرا أو ~~مستبدا كان يعيبه أن يتمحل العلل للحجر على الدعوة الصريحة إلى القتل وإهدار الدماء، ~~ومن أمثلتها ما نشر في ديوان «وطنيتي» من أبيات يقول فيها ناظمها: # هل سال في مصر الدم # أم هل أفاق النوم # ومضوا إلى أهل الضلا # ل فأعدموا من أعدموا # فإنه لمن سخافة القائل أن يتهم بالاستبداد حكومة تسمح بنشر هذا التحريض، فإن لم تكن ~~مستبدة فمن السخف أن يحاسبها على منع هذا التحريض وتحريمه ... فما كانت حكومة حرة أو ~~مستبدة لتحاسب على هذا المنع وهذا التحريم. # حفرت قبرها بيدها # وكأنما كانت الصحافة الأسبوعية والصحافة اليومية في سباق بينها على تدبير المعاذير ~~للسلطة التي تعمل على تقييدها والحجر عليها ... فقد كان جمهرة الصحفيين الأسبوعيين في ذلك ~~الحين يستبيحون كل محظورة في التشهير، واستغلال الفضائح وافتراء الأكاذيب لاغتصاب ~~الإتاوات التي لا موعد لها ولا حدود لتكرارها باسم «الاشتراكات» أو التبرعات الوطنية، ~~ويشاء لها سوء حظها وحظ الأمة أن يكون ممثلو البلاد أكبر أهدافها وأول من يصاب بسهامها، ~~فكان التشهير بأعضاء مجلس الشورى بابا ثابتا من أبواب كل صحيفة أسبوعية تبحث عن ~~الفريسة بين ذوي الأسماء المعروفة، ولم يكن لأعضاء مجلس الشورى سلطان في الحكم يحاسبون ~~عليه أو يناقشون فيه، وإنما كانوا من أعيان البلاد، وكان أكثرهم بعاصمة البلاد على ~~مقربة من جمهرة الصحفيين الأسبوعيين، فكادوا أن ينوبوا عن البلاد جميعا في مصابها ~~بالصحافة الأسبوعية، وتصدى بعضهم للمطالبة بتقييد الأقلام قبل أن يتصدى لها الوزراء ~~والحكام. # قال أحدهم للأمير حسين كامل مستثيرا لنخوته: هل يرضيك يا صاحب السمو أن يقال عنك: ~~إنك رئيس مجلس الشوربة؟ ... # وعلى ms051 هذا النحو تبتلى البلاد بالنكسة وقلب الحال، وينادي بالحجر على حرية الصحف من ~~كانوا أحق الناس بالغيرة على حريتها لو لم يكن قوامها العدوان على حرية الناس ... # في القائمة السوداء # وطالت محنة الصحافة هذه بمن يجنون عليها من أبنائها العاملين فيها، ومن أعدائها ~~الساخطين عليها ... # وطالت حيرتي بين العمل فيها والعمل في غيرها، وأين يكون العمل في غيرها؟ # إنه التدريس ولا شيء غيره ... فإن لم يتيسر في المدارس الأهلية، فقد يتيسر بإعطاء ~~الدروس الخصوصية، وأما وظيفة الحكومة فهيهات الآن «هيهاتين» لا هيهات واحدة ... لأنني كنت ~~قبل اشتغالي بالصحافة أتنحى عن وظيفة الحكومة لنفوري منها ... فالآن أطلبها - إن طلبتها - ~~ولا أظفر برضاها، بعد أن ثبت اسمي في سجلات الحكومة بين أسماء القائمة السوداء، وبعد أن ~~صار الغضب على الصحافة والصحفيين غنيا عن الأسباب ... # ولا بد من عمل عاجل على أية حال؛ لأن تكاليف المعيشة على الشاب الذي لا يكسب رزقه من ~~وظيفة، ولا من مورد يملكه، ضرورة ملحة لا تحتمل الإرجاء من يوم إلى يوم ... ولا نقول: من ~~أسبوع إلى أسبوع. # وكرهت نفسي أن ألجأ إلى أحد من الميسورين من أهلي، وهم غير قليلين بحمد الله. # وكرهت نفسي أن ألجأ إليهم؛ لأنني تحديتهم جميعا وخيبت رجاءهم قاطبة بالخروج من ~~الخدمة الأميرية، بعد أن وصلت إليها بين مزدحم الطلاب المتهافتين عليها، وشق علي أن ~~أرفض نصيحتهم ثم أسعى إليهم لألتمس معونتهم، وخيل إلي أنهم قائلون بلسان الحال إن لم ~~يقولوا بلسان المقال: إنك أعرضت عنا وذهبت إلى الصحافة ... فأمامك اليوم صحافتك العزيزة، ~~فخذ منها ما تعطيك ...! # وإلى أين يوجد العمل، ما العمل؟ # تبين لي بعد قليل أن المصرف الأكبر بالأمس صالح أن يكون اليوم موردي الأكبر، إن لم ~~يكن موردي الوحيد ... # هذه الكتب الكثيرة لم لا تباع إلى أن تتجدد القدرة على شرائها، إن تجددت الحاجة ~~إليها؟ ... # إنها الآن تعد بالمئات بعد الإقبال على شرائها نحو ثلاث سنوات ... وليس من المنظور أن ~~تباع بثمن الشراء مع الحاجة الملحة إلى البيع السريع، ولكنها ms052 تباع بما يكفي لقوت اليوم ~~واليومين والأسبوع ... وقد تكفي خمسة قروش لقوت اليوم في تلك الفترة، ولا علينا من أجرة ~~البيت وأمثالها من النفقة المتجمعة، التي تقبل التأجيل زمنا طويلا أو غير طويل ~~... # ولقد كان موردا نافعا قد يمتد فيسعفنا - مع الدروس الخصوصية - بضعة شهور ... # لولا حواء، وبنات حواء، جزاهن الله بما هن أهل له من جزاء ... # من سكن الريف عرف خير ما في بنات حواء من مروءة وصفات، ولم يخف عليه شر ما فيهن من ~~كيد والتواء ... # هن الأمهات المتطوعات للشاب الناشئ المنفرد بمعيشته في عقر داره ... # من ترى يهيئ له طعامه؟ من ترى يهتم بتنظيف ثيابه وترتيب أثاثه؟ ولم لا يتزوج؟ ومن ~~تراها تنفعه وتلائمه من بنات الجيران؟ # وقد كنت أسكن في حدائق القبة في ضاحية كالقرية الريفية في كل شيء، ومنه - بل أهمه - ~~الأمهات المتطوعات والخطيبات «المزعومات» ... # وكانت لي خطيبة منهن لم أخطبها، ولم أتحدث إليها، ولا إلى أحد من أهلها في حديث زواج ~~... وكانت لها صاحبة لعوب في مثل سنها متزوجة من بعض ذوي قرباها، قالت لي ذات يوم: إن ~~فلانة لا تأتي إلى ناحيتك في هذه الأيام؛ لأن صويحباتها يعاكسنها ويسمينها خطيبة «أبو ~~طويلة»، ولا تغضب هي من هذه التسمية، بل تقول لهن مزهوة مستخفة: وما له أبو طويلة أليس ~~خيرا من المساخيط؟ ... # ولم أشأ أن أجيب الفتاة اللعوب جوابا يكسر خاطر الخطيبة التي لم أخطبها، ولم أشأ ~~كذلك أن أجيبها جوابا يربط الخطبة المزعومة ويؤكدها! ... ولم أزد على أن قلت: شكرا ~~للفتيات العابثات، فقد أحسن والله الاختيار والانتقاء ... ولو كان في نيتي أن أتزوج أو ~~أخطب لما وجدت في الحي زوجة أجمل في صديقتك الحسناء ... # قالت: كأنك في غير هذا الحي تجد من تخطبه؟ # قلت: ولا في غير هذا الحي ... ولكنني الآن في شاغل عن الزواج ... أفلا ينبغي أن أعول نفسي ~~قبل أن أفكر في زوجة أعولها؟ # وكأنها خطبة قد انعقدت بهذا الحوار، وكأنه حق مكتسب للسؤال عن الحركات والسكنات، وعن ~~المبيت في المسكن ms053 وغيابي عنه بعض ليال ... # ولم أفارق المنزل بحملي من الكتب على دفعتين أو ثلاث حتى اعتقدت الخطيبة أنني أنوي ~~الرحيل، وأهم بفسخ الخطبة التي لم تنعقد قط بكلمة تصريح أو تلميح ... وعزز اعتقادها عندها ~~أنني كنت أحمل كتابي للمطالعة إلى حقل من حقول الليمون بجوار جدول في طريق كنيسة، فقيل ~~لها: إنه يهيم بفتاة قبطية هناك، وإنه يؤجل مسألة الزواج بها لأنها مشكلة لا تنحل إلا ~~إذا انحلت بينهما مشكلة الاختلاف في الدين ... # وأين أنتم يا أصحاب المنازل الغافلين عن سكانه وعن زواره وجيرانه؟ إن ساكنكم الأعزب ~~ليستعد للهرب بالأجرة المتأخرة عليه ... فإن لم تصدقوا فتربصوا له في الطريق، وانظروا ~~إليه وهو يحمل كتبه دفعة بعد دفعة؛ ليترك لكم حجرتكم خواء خلاء، لا يعوضكم عن أجرتكم ~~الضائعة إن حجزتم عليه! # وصدق أصحاب المنزل الغافلون، أو المزعوم عنهم بالباطل أنهم غافلون ... # وحيل بيني وبين أول «رصة» من الكتب خرجت بها بعد هذه الوشاية، وكادت أن تكون مشاجرة ~~ريفية من طراز الشجار بالنبوت على الحقوق الضائعة، ولكن الله سلم، وألهمني أن أسلم ~~الكتب وأمضي بسلام ... # وفي يومها اقترضت أجرة السفر للعودة إلى أسوان ... # وفي اليوم التالي لوصولي إلى أسوان، أرسلت منها حالة بريدية إلى صديق لي من أبناء ~~الإقليم يدير محلا مشهورا لبيع الطرابيش وتركيبها ... # وانتهى كيد حواء ليلحق به كيد المقادير التي لا تقع في حسبان ... # فقد كان صاحبنا الطرابيشي ممن اشتركوا في ترويج الطربوش الأبيض احتجاجا على دولة ~~النمسا التي كانت تصدر إلينا الطرابيش الحمراء؛ لأنها أعلنت ضم بلاد البشناق إليها من ~~أملاك الدولة العثمانية، فقاطعها المصريون، واستغنوا برهة عن الطرابيش الحمراء ~~بالطرابيش البيضاء ... # واضطغنها وكلاء المعامل النمسوية في القاهرة، فنصبوا فخاخهم وحبائلهم لجماعة التجارة ~~الذين اشتركوا في حركة المقاطعة، ومنهم صديقنا الطرابيشي من إقليم أسوان ... # فلما وصلت الحوالة البريدية إلى القاهرة ضاعت في تيه الحراسة، والحجز والتصفية، ~~وإجراءات «السنديك» وأمناء الحسابات ... # ومضت سنوات وأنا لا أعلم مصير كتبي في معتقلها المهجور، إلى أن لقيت الأستاذ عبد ~~العزيز الصدر عرضا، ms054 فأنبأني أن جيرانه في حدائق القبة عرضوا عليه تلك الكتب فاشتراها، ~~وأنه على استعداد لردها لي بثمنها إذا أردتها، فشكرته وقلت له: إنني لا أحتاج إليها، ~~ولكنني قد أستردها بثمنها إذا اتسع لها مكان عندي، ولم يتسع لها - بعد - مكان ... # | بين الأمل واليأس # وصلت إلى أسوان كالساهر الذي طوى الليالي وصالا بغير راحة، ثم ركن بجنبه لحظة واحدة إلى ~~طرف الفراش. # إنه في سهرته يواصل الحركة ولا يبالي متى يرقد ليستريح، ولكنه يرقد لحظة واحدة فلا يدري ~~متى هو قادر على النهوض. # كنت أجور على جسدي ولا أعرف لهذا الجور حدودا يرجع عنها؛ لأن تلك الحدود لم تصدمني قط ~~بصخرة من صخورها، ولا بحاجز من حواجزها ... # وكنت أحضر ندوة الزملاء عند ميدان المديرية بالزقازيق، ثم أعبر المدينة في ليالي الشتاء ~~إلى مسكني على حافة كفر الصيادين ... فلا أكترث للمطر ولا للبرد، ولا ألبس المعطف، ولا أحمله ~~تخففا من مؤنة حمله على الذراع، وهو معلق في حجرة الدار يعلوه الغبار ... # وكنت أقضي اليوم في حدائق القبة على وجبة واحدة من الخبز والجبن، أو من الخبز والفول، ولا ~~يخطر لي أن إهمال الغذاء ضرر أذكره لحظة بعد ذهاب الجوع. # وكنت أفتح الكتاب الجديد، فيروقني ما قرأته فيه، فلا ألقيه من يدي حتى أفرغ منه آخر ~~الليل، ولا ضياء في البيت غير شمعة أو مصباح ذي فتيل ... # وكنت أحسب أن سفرتي إلى أسوان ضرورة ألجأتني إليها قلة «المصروف» في القاهرة، فلما وصلت ~~إلى أسوان علمت أنها ضرورة ما في ذلك جدال ... ولكنها ضرورة الإفلاس في ذخيرة البنية ~~وأعصابها، وليست بضرورة الإفلاس في ذخيرة الجيب! ... # وقد وقع في خلدي أنني أزداد نشاطا في بلدتي؛ لأنها مصحة للجسم ومصحة للنفس بين الأقرباء ~~والأعزاء، فعجبت بعد أيام حين رأيتني أفقد النشاط لأيسر الأعمال، وكنت أحسبه تيارا متجددا ~~لا يقبل النفاد ... # تجمعت المتاعب دفعة واحدة، وبدا لي كأنني مريض بكل داء، معروف وغير معروف ... ولا مرض هناك ~~غير الركود والإعياء بإجماع الأطباء، ومنهم الفطاحل العالميون الذين يفدون ms055 إلى المدينة ~~مشتغلين، أو يفدون إليها في حواشي الأمراء ... # وتملكتني فكرة الموت العاجل، فأدهشني أنني لم أجد في قرارة وجداني فزعا من هذه الفكرة، ~~وكدت أقول لنفسي: إنني أطلبها ولا أنفر منها ...! # وإخال أن صدمة اليأس كانت أشد على عزيمتي من صدمة المرض، أو على الأصح، من صدمة الإعياء ~~... # وأشد ما أصابني من هذا اليأس أنه كان يأسا من جميع الآمال، ولم يكن يأسا من أمل واحد ~~... # خلاصة الأمل # كان يأسا من معنى الحياة، ومن كل غاية في الحياة؛ لأنني قبل ذلك بشهر عكفت على ~~القراءة في كتب «الفلسفة المادية»، وأكثرت من النظر في مذهب النشوء والارتقاء، فلاح لي ~~أنه أصدق من أقوال خصومه المتعصبين الذين تصدوا للرد عليه بين الأوروبيين باسم الدين، ~~ولاح لي من النظرة الأولى على غير روية فيه أنه يهبط بالإنسان إلى حضيض الحيوان، ولا ~~يبقي بينه وبين السماء معراجا واحدا يرتفع عليه ... # وكذلك كتبت في مقدمة كتابي «خلاصة اليومية» أن «الإنسان حيوان راق ولكنه حيوان» ~~... # وقصة «الخلاصة» هذه هي قصة الأمل الذي بقي عندي يومئذ في شهرة الأدب، وفي عدد الأيام ~~التي أقضيها قبل ظهور هذا الكتاب، وكنت أظنني مبالغا إذا حسبتها بأكثر من ~~الأيام! # هو الموت إذن كما استقر في خلدي بلا أثر ولا خبر ... وهو الموت إذن أمضي إليه صفر ~~اليدين من مجد الأدب ومن مجد الدنيا، ومن كل مجد يبقى بعد ذويه ... # وهل هذا يليق؟ يا ضيعة لرجاء المجد المتطلع إلى عشاقه وعباده؟ ... فهل أقل من هدية في ~~اليد تجبر خاطر العرف على أبواب الأبدية؟ وهل يقال: إنه يجلس على الأبواب في انتظار ~~زيارة فارغة اليدين؟ # ويجوز أنني كنت أطيق في تلك الغاشية أن أوفي القربان المطلوب بتصنيف كتاب من وحي ~~الساعة والمناسبة، ولكنني عدلت عنه لضيق الوقت، والشك في اتساع الأجل ... ويجوز أنني قنعت ~~بما تيسر ووجدت أن الخطب أهون من أن أتكلف له عملا أحاوله، وأستنفد به الفضلة الباقية ~~من مطالب العمر المحدود ... فإذا كان ما تيسر كافيا فذاك، وإن ms056 كان للمجد ضريبة أغلى مما ~~تيسر فله أن يتقاضاها حيث يلقاها ... فلا خير في وجود بغير الموجود ... # وما تيسر يومئذ هو «خلاصة اليومية». # يوميات اليأس! # و«اليومية» هذه هي دفتر صغير كنت أقيد فيه الخواطر والتعليقات، وأبادر إلى إيداعه ~~أبيات الشعر التي نظمتها ولم أتممها قبل أن أنساها، أو رءوس الموضوعات التي نظرت فيها ~~ولم أفرغ من دراستها، أو ملاحظات الطريق ونوادر الأحاديث العابرة التي أعاودها في ~~مناسباتها، وقد اجتمع عندي من هذه اليوميات دفاتر ثلاث سنوات ... فلما وقع في وهمي أنني ~~سأذهب - بغير أثر ولا خبر - تصفحت هذه الدفاتر، ونقلت منها صفحات متفرقة تشتمل على جميع ~~نماذجها، وبعثت بها إلى صديق في القاهرة أقول له: إن هذه الصفحات هي كل ما أتركه إذا ~~تركت الحياة، فإن وجدني أهلا للذكر ووجدها أهلا للنشر فتلك كرامة الصديق الراحل على ~~الصديق الباقي، وإلا فلا حرج عليه أن يهمل نشرها ويسلمها للنسيان يطويها حيث طواها في ~~زاوية من زواياه ... # ولبثت هذه «الخلاصة» المخطوطة سلاحا من أسلحة الفكاهة والنكاية يشحذه إخواننا الذين ~~عرفوا القصة ولم يتورعوا عن استغلالها ... فمنهم من يقول متململا: متى تظهر خلاصة ~~اليومية؟ لقد طال الأمد على انتظارها ... ومنهم من يقول مستمهلا كلما شكرت أو التمست ~~العلاج: على رسلك بالله ...! إن المطابع مشغولة في هذه الأيام ... فاصبر هنيهة حتى تفرغ ~~لطبع خلاصتك وأمثالها ...! # وما برحوا يستعجلونني ويستمهلونني حتى أرحتهم وأرحت نفسي بطبع خلاصة اليومية بعد أن ~~أضفت إليها وحذفت منها، وكان من التوفيقات التي لم أترقبها أنها نفدت في أقل من ستة ~~شهور، فلم يبق من ألفي نسخة طبعتها منها غير مائة أو نيف ومائة، وهو نجاح غريب لكتاب ~~ولدته فكرة يائسة من الحياة ... # الأكاذيب المتفق عليها! # ولقد عاش معي وهم الموت حقبة في أسوان، وعاش معي حقبة أخرى في القاهرة ... بعد أن رجعت ~~إليها في وقدة الصيف، ولكنني التفت فلم أجده معي في شاطئ الإسكندرية يوم ذهبت إليها ~~لأول مرة، بل وجدتني مع عرائس البحر وعرائس الشعر في لجة من لجج ms057 الأمل والمغامرة، وبرحت ~~الإسكندرية بعد شهرين لأبحث عن عمل بالقاهرة ... أين؟ أفي الصحافة؟ كلا ... فما زالت ~~الصحافة في مثل محنتها التي عهدتها يوم انتهيت من عملي فيها ... أفي التدريس؟ ... كلا أيضا ~~... فإن المدارس قد بدأت عملها، ولا معرفة لي بأحد من أصحابها ... # ولم يطل بحثي هذه المرة؛ فإنني وجدت «المأوى» الذي لا بد منه في عمل بين الصحافة ~~والوظيفة، أو بين خدمة الميري والخدمة الحرة، فعملت في قلم السكرتارية بديوان الأوقاف ~~... # كان الأستاذ «عبد الرحمن البرقوقي» - رحمه الله - قد أصدر مجلته «البيان»، وكتبت فيها ~~بعض الفصول، ومنها تلخيص لكتاب «ماكس نوردو» المشهور عن أكاذيب المدنية الحاضرة ~~... # وكان من دأب الشيخ البرقوقي أن يسأل شيوخ الأدب رأيهم في مقالات المجلة وأبوابها ... ~~فسأل حافظ عوض، وسأل مصطفى صادق الرافعي، وسأل محمد المويلحي صاحب عيسى بن هشام، فانتقد ~~حافظ عوض عنوان الكتاب كما ترجمته المجلة، وزاد انتقاده في ثقة الشيخ بكاتب هذه السطور؛ ~~لأنني ترجمت عنوان الكتاب «بالأكاذيب المتفق عليها»، واقترح الشيخ البرقوقي أن «نسجعه» ~~ليوافق أسماء الكتب فجعلناه «الأكاذيب المقررة في المدنية الحاضرة» ... فلما جاءه النقد ~~من بعيد - وهو على عادته سريع التصديق - قال لي: إنه لن يرفض رأيي مطاوعة لرأي السجعة ~~بعد الآن ... # وسأل مصطفى صادق الرافعي فزاده انتقاده ثقة بي كذلك؛ لأنه قال لي: إنه يسمع حكمه في ~~البيان العربي، ويرفضه فيما عداه، ولا سيما كتابه «الفكر ومباحث العصر الحديث»، وقد ~~أنحى الرافعي على «نوردو» وعلى كاتب هذه السطور، فحسنت هذه الشهادة المعكوسة عند الشيخ ~~... # ولقي صاحبنا المويلحي فسأله عني قائلا: بماذا يشتغل هذا الشاب؟ # قال الشيخ: بلا شيء! # قال: أتراه يعيش على شيء من ميراث جده العقاد؟ # فأفهمه الشيخ أنني لا أنتمي إلى «السيد حسن موسى العقاد» المشهور، وأنه لا قرابة بيني ~~وبين ذلك البيت، وأنني أعيش بالقليل مما يردني من أهلي، وبالقليل من أجور المقالات أو ~~فصول الكتب المترجمة ... فقال المويلحي مبتسما: «إنه أولى بالوظيفة من أكثر «التنابلة» ~~الذين عندنا في هذا «الديوان»، فطلبتها؛ فأجيب طلبي لساعته بغير ms058 امتحان ...» # وقد كان ديوان الأوقاف في تلك الحقبة مجمع الأدباء والشعراء من شيوخ وشبان ... كان فيه ~~محمد المويلحي، وأحمد الأزهري صاحب مجلة الأزهر، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري، ~~وعبد العزيز البشري، وحسين الجمل، وحسن الدرس، وعلي شوقي، ومحمود عماد، ومصطفى الماحي، ~~وغيرهم من «المحررين» المغمورين ... وكان عملي الأول فيه مساعدا لكاتب المجلس الأعلى ~~بقلم السكرتارية، وهي وظيفة من أخطر وظائف الديوان في ذلك الحين. # سمسرة الخديو # وكأنما هي قسمة واحدة تلقاني على صور متعددة في جهات مختلفة ... فكلما اشتغلت بعمل من ~~الأعمال وجدته في إبان أزمة من أزماته، أو مرحلة من مراحل الاضطراب في تاريخه، وأول هذه ~~الأعمال عملي في وظائف الحكومة بإقليمي قنا والشرقية ... # ففي هذين الإقليمين بدأت أول حركة من حركات الشكاية الاجتماعية بين الموظفين بعد ~~الاحتلال، ولم تزل قائمة حتى انتهت بزيادة الحد الأدنى لمرتبات الوظائف إلى خمسة ~~جنيهات، والشروع في تعديل نظام العلاوات وقانون المعاشات. # واشتغلتا بالتحرير الصحفي يوم كانت الصحافة المصرية في أحرج أوقاتها بعد قيام ~~الأحزاب، وقبل إعادة قانون المطبوعات ... # ثم هأنذا أشتغل بديوان الأوقاف، وهو ميدان المعركة الحامية بين السلطة الشرعية ~~والسلطة الفعلية، وطلاب الإصلاح، ولست بآسف على هذه القسمة التي تسوقني إلى الأعمال في ~~إبان أزماتها ومراحل اضطرابها، فقد كانت أنفع لتربيتي النفسية من فترات الهدوء ~~والاستقرار ... وكان عملي في ديوان الأوقاف بين سنتي 1912 و1914 أكثر من عملي في وظيفة من ~~وظائف الارتزاق، فقد كنت أجهل الكثير من حقائق بلدي، ومن أسرار شئونه العامة لو لم أقض ~~تينك السنتين في ذلك الديوان ... # كانت يد الخديو مطلقة في وظائفه وأمواله ... وكان مع الأسف الشديد يحتكرها لإشباع نهمه ~~من المال والدسيسة، ولا يأبى أن يسف إلى الاختلاس من أموال الصدقات، واستباحة السمسرة ~~على صفقات الاستبدال ... وشاعت في تلك الأيام قصة أرض المطاعنة التي أخذ فيها الخديو ~~لنفسه ستين ألف جنيه باسم «العمولة أو الوساطة»، وعاد بعدها فتعقب كل من عارضوه ووقفوا ~~له في طريقه من الموظفين النزهاء ، فعاقبهم على الأمانة واليقظة بالفصل والإهمال ms059 ... وكان ~~المحتلون يحاربون الخديو على تقليد النزاع بين السلطتين، ويأبون عليه أن يستأثر بهذه ~~الحكومة الصغيرة في داخل الحكومة الكبيرة، ويعلمون أنهم لا يستطيعون المساس بالمعاهد ~~الدينية، فيرجعون سرا إلى الآستانة لجس النبض في دار الخلافة، والتماس الفتوى من شيخ ~~الإسلام بجواز الرقابة الرسمية على نظار الأوقاف، وعلى ناظرهم الكبير وهو أمير البلاد ~~... # وكان طلاب الإصلاح يهتمون بأمر واحد، وهو القضاء على المفاسد في ديوان يرتبط به نظام ~~المعاهد الدينية أشد الارتباط ... فلا أمل في إصلاح هذه المعاهد، ولا في إصلاح القضاء ~~الشرعي معها، ولا في إصلاح الأزهر بفروعه ما لم تكن إدارة الأوقاف خاضعة للرقابة ~~العلنية خارجة من تلك العزلة، التي جعلتها أشبه شيء بضيعة من ضياع الخاصة الخديوية، مع ~~الفارق بين ضيعة يغار عليها مالكها، وضيعة يبددها من يملك الأمر فيها ... # مقالات بلا توقيع # وبين هذا المضطرب عملت في الديوان ... والقلم الذي عملت فيه هو حومة المعركة في ~~ميدانها؛ لأنه القلم الذي تمر به مذكرات مجلس الإدارة ومذكرات المجلس الأعلى، وهذه هي ~~المذكرات التي تعرض فيها مسائل الموظفين وقضايا الصفقات ... # والسنة التي عملت فيها بالديوان هي السنة التي انتهت بتحويله من ديوان إلى نظارة، ~~وصدور الأمر بعرض ميزانيته على مجلس النظارة، والجمعية التشريعية ... # ولقد كانت فضائح الأوقاف سرا مباحا لكل من يميل إليه بأذنيه ... فليس فيها من باب ~~أولى سر يخفى على موظف في قلم السكرتارية يتصل كل يوم بموظفي الديوان ممن يشتغلون ~~بمسائل المذكرات، التي تعرض على مجلس الإدارة أو المجلس الأعلى ... # وقد هالني ما علمت من فضائح الديوان بعد فترة وجيزة، وإن كنت لا أجهل قبل ذلك أنها ~~شيء يهول ... # وكنت أتكلم ولا أتحفظ ... # وربما كتبت إلى الصحف بعض المقترحات لإصلاح الديوان بغير توقيع، وربما تحدثت بها في ~~المجالس التي أختلف إليها، وكلها في بيئات الأدباء المدرسين بمدارس العباسية الأهلية ~~حيث كنت أقيم ... # وكان الأستاذ حسين روحي الإيراني صاحب إحدى المدارس الكبيرة في العباسية البحرية، ~~وكان يعمل في ساعات من اليوم بالترجمة في دار الوكالة البريطانية، ms060 فجاءني عصاري ذات يوم ~~يقول معتذرا: أرجو أن تغتفر لي غلطة وقعت فيها بغير إذنك! # قلت: خيرا ... فما أظن أنني عرضة منك لغلطة تضير؟ # قال: إنهم سألوني اليوم عن مقترحاتك في الصحف وأنا أترجمها لهم، فقلت: إنني أعرف ~~كاتبها، وذكرت لهم أنني أراك في كثير من الأيام ... فهل يغضبك ما فعلت؟ # قلت: إنني كما تعلم كنت مستعدا أن أكتب في الصحف بتوقيعي لو كنت أستطيع ذلك مرتين، ~~دون أن يبادروني بالفصل من الوظيفة، فلا لوم عليك ولا حرج علي ... # قال: ليس هذا كل ما في المسألة ... فإن السكرتير الشرقي يريد أن يلقاك فهل لديك ~~مانع؟ # قلت: لا مانع لديه، فما المانع لدي؟ # قالوا: لا يزال صغيرا # وبعد يومين لقيت مستر ستورز مع الأستاذ حسين روحي، فاستهل الحديث بالكلام على الأدب ~~وعلى برنارد شو ... ثم استطرد إلى الكلام على الصحافة، وأكثر من الكلام على صحيفة ~~«المؤيد» وقرائها ومحرريها، ثم مضى مستطردا إلى الكلام على الأوقاف، فسألني عن صفقة ~~منوية على أرض يملكها عين مشهور من أعيان القليوبية، وعجبت لعلمه بخبرها وهي لا تزال في ~~دور التحضير الأول، ولما تصل مذكرة من مذكراتها إلى قلم السكرتارية ... # ثم بدرت منه كلمة جافية لا أدري كيف جرى بها لسانه، إلا أن يكون قد تعود الجهر ~~بأمثالها، ولم يتعود من أحد أن ينكرها عليه، فقال: ألا ترى أن حرمان الأوقاف من الرقابة ~~الأجنبية هي علة هذه المفاسد التي شاعت فيها؟! # فصدمتني هذه الكلمات النابية، ولم ألبث أن أجبتها بحدة ظاهرة، فقلت: إن المجلس البلدي ~~الإسكندري يتمتع برقابة أجنبية من كل جنس وملة، ولا أظنكم تحسبونه مثلا من أمثلة ~~النزاهة والنظام ... # فتنبه وسكت، ثم استأنف الحديث ليختمه بعبارة صالحة للختام، واستأذن هنيهة ثم عاد ~~قائلا: إن اللورد - يعني كتشنر - كان يسره أن يراك لولا أنه يخرج الساعة إلى موعد سريع ~~... # فنهضت وودعت، وصادفني اللورد على باب المكتب، فأومأ بالتحية ومضى في طريقه، وجاءني ~~الأستاذ حسين روحي في المساء يقول ويضحك : ماذا صنعت يا أخانا ... إن الرجل ms061 أجفل من جوابك ~~الصارم، ولكنه قال: إن حديثك كان شائقا جدا ... ~~••• # وأراد الأستاذ روحي أن يصرف الموضوع، فقال: إن مسألة «المؤيد» كانت عندهم أهم من ~~مسألة الأوقاف، ويلوح لي أنهم كانوا يودون لو توليت تحريره، وكانوا يظنونك أكبر سنا ~~من عشرة لعشرين، ولكنهم حسبوا عليك جريرة الشباب، وقالوا: إنه لا يزال صغيرا. # وهكذا عدنا إلى حديث الصحافة من طريق ديوان الأوقاف، وهكذا سنعود إليه بعد قليل ... # | بين الوظيفة والصحافة # معركة الأوقاف # عملت في ديوان الأوقاف ... وكان عملي في مكتب السكرتارية أقرب المكاتب إلى دخائل الديوان، ~~ولكنني أعترف اليوم بأن ما علمته في أيام خدمتي بالديوان من خفايا المعركة التي دارت حوله ~~لم يكن غير الفقاقيع التي تطفو على وجه الماء ... # كانت معركة حامية تدور وقائعها بين القاهرة ولندن والآستانة، وتشترك فيها حاشية الخديو ~~ودار الوكالة البريطانية وحزب الأمير حليم وأعوانه من رجال تركيا الفتاة، وأناس متفرقون في ~~القاهرة من طلاب الإصلاح. # وكان الخديو يستميت في التشبث بموارد الديوان، ولا يقبل بحال من الأحوال أن تسحب ميزانيته ~~من ميزانية الدولة، وحجته في ذلك أنه صاحب الولاية على الأوقاف بحكم الشرع، وبنصوص الواقفين ~~في كثير من الأحوال ... # وكان المحتلون يحاربون السيطرة الخديوية على الأوقاف كما يحاربونها في كل جهة أخرى ... ~~ويريدون في حربهم لهذه السيطرة في ديوان الأوقاف - بصفة خاصة - أن يحولوا بين الخديو وبين ~~استخدام أموال الأوقاف في حماية سلطانه ونشر دعوته، سواء كانت مما يخصه ويخص العرش، أو كانت ~~مما يعم الحركة الوطنية لمقاومة الاحتلال ... # وكان طلاب الإصلاح في حرج شديد؛ لأنهم يريدون أن يقطعوا دابر الفساد في الديوان وما يتصل ~~به من المعاهد الدينية، ولكنهم يكرهون أن يتوسلوا إلى ذلك بمعونة المحتلين ... # ثم حدثت في السنة الأخيرة التي عملت فيها بالديوان حوادث مختلفة بين القاهرة والآستانة ~~غيرت وجوه المسألة، ويسرت ما لم يكن ميسورا قبل ذلك بسنة واحدة ... # الخديو بين نارين # نشأت الجمعية التشريعية بمصر فوجد طلاب الإصلاح منبرا «قوميا» ينادون من فوقه ~~بوجوب الإشراف على ميزانية الدولة كلها، ms062 ومنها ميزانية الأوقاف ... # وتولى الحكم في الآستانة أناس يكرهون الخديو؛ لأنهم أصدقاء أسرة حليم المنافسة لأسرة ~~إسماعيل؛ لأنهم يذكرون للخديو مصادرته لجماعة تركيا الفتاة تمهيدا للمطالبة بجزيرة ~~«طشيوز»، التي كانت في حوزة محمد علي الكبير، ثم استولى عليها السلطان عبد الحميد ~~الثاني مدعيا أنها كانت هبة شخصية لرأس الأسرة، ولم تكن من أملاكه التي تنتقل بالميراث ~~... # واستطاع المحتلون في ذلك العهد أن يكسبوا لهم عضدا قويا بدار الخلافة، وأن يحصلوا ~~على وعد من أقطاب الحكومة التركية بمساعدتهم على تقييد سيطرة الخديو في الديوان، ولو ~~اقتضى الأمر خلعه وإسناد الإمارة إلى أمير في بيت حليم ... # وتم أخيرا تحويل الأوقاف من ديوان إلى نظارة أو وزارة، وكان اسم الوزارات يومئذ - ~~وهو النظارات - مما يسوغ إدماج الأوقاف في عدادها، لاشتهار الإشراف على الوقف باسم ~~النظارة ... # أول وزير # واختير للنظارة رجل من أنصار الخديو ترضية له وتغطية لخذلانه، فكان ناظرها الأول في ~~عهدها الجديد «أحمد حشمت باشا» - رحمه الله ... وقد كان قبل دخوله الوزارة وكيلا لحزب ~~القصر بين الأحزاب الثلاثة، وهو حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية ... # وبعد أيام قليلة من قيام الوزير بعمله في الوزارة، جاءتني بطاقة صغيرة من بطاقات ~~الدعوة إلى مكتبه، محدود فيها للمقابلة ساعة قبيل الظهر من ذلك النهار. # وكدت أجزم بالباعث إلى دعوتي لمقابلة الوزير، وأنا موظف في أصغر درجات الوظائف في سلك ~~الخدمة في الديوان. # وماذا يكون الباعث إلا أنني من المشهورين بإدارة الديوان، وأنني ممن تتجه المظنة ~~إليهم في الكتابة عنه بالصحف والعلم بأسراره من المذكرات، وكتابة المذكرات؟ # ليس فيها قولان كما هو ظاهر ... # ولكنه في الواقع كان تخمينا نادرا يدل على وجوب التردد في قبول التخمينات مهما تبلغ ~~من الرجاحة والقوة، فإن الوزير لم يتعرض لمسلكي في قضية الديوان بغير التلميح من بعيد ... ~~وإنما خاطبني في أمر مقالة من مقالاتي نشرتها في الصحف، وذيلتها بتوقيعي الصريح، وهي ~~مقالة كتبتها تأبينا للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد - رحمه الله - ونشرتها صحيفة «عكاظ» ~~الأسبوعية التي كنا نخصها برسائلنا النقدية أنا، ms063 والمازني، وشكري، وبعض الزملاء ~~... # ومن أضاحيك المصادفة أن الوزير كان صديقا للشيخ علي يوسف، وكان وكيلا لحزبه وخصما ~~لكثير من خصومه ... وكان من أشياعه القليلين الذين مشوا في جنازته، وأشرت إليهم في بعض ما ~~ذكرته عن وفاء المشيعين له بعد الوفاة. # من فصول الشيطنة # وكان الشيخ علي يوسف قد ترك «المؤيد» وهجر الحياة العامة، واصطلحت عليه العلل ~~والنكبات ... وقضى نحبه غير مذكور من أقرب المقربين إليه، فلم يسر في جنازته منهم غير ~~آحاد معدودين، بينهم وزير الأوقاف ... # وقلت في تأبينه: إن الرجل كان «نفاعا ضرارا»، ولكنه كان ينفع ويضر لتمكين نفوذه، ~~واستصلاح الأعوان في مشكلاته وقضاياه ... فمن وصلت إليه يد من أياديه لم يكافئه عليها ~~بالمحبة وخلوص النية، ولكنه يحس أنه مدين مطالب بدين يوفيه في يوم من الأيام ... فلا جرم ~~يشيعونه غير محزونين، ويمضون في جنازته متحدثين متشاغلين؛ لأنهم في حالة نفسية أشبه ~~بحالة المدين الذي أعفاه موت الدائن من الوفاء له بما عليه ... # خاطبني الوزير بلهجة هادئة كأنها لهجة الأستاذ الذي يلوم تلميذه على فصل من فصول ~~الشيطنة، لا يبلغ عنده مبلغ السخط الشديد، ولا يخلو من بعض الرضا، فقال بعد الإشارة إلى ~~مقال التأبين: «كان أحرى بقلمك الناشئ أن يتخذ له في تأبين الموتى منهجا أطيب من هذا ~~المنهج. # وكان عليك ألا تنسى في هذا المقام قوله عليه الصلاة والسلام: # اذكروا محاسن موتاكم ...» # فاجتهدت أن يكون جوابي في لهجة توائم لهجة الوزير، وقلت ما معناه: «إنني لو علمت ~~للشيخ حسنات غير التي ذكرتها لما فاتني أن أذكرها ...» # فاقتضب الحديث، مصطنعا الجد، وقال: «على كل حال، اجعل لقلمك مستقبلا كمستقبل الشيخ ~~إن استطعت، واستخدمه في عملك، ودع عنك فضول الأقاويل والأحاديث.» # شبح المؤيد # المؤيد ... المؤيد ... المؤيد ... # ما هذا المؤيد الذي يلوح لي أنني ألقى شبحا منه أينما ذهبت هذه الأيام، حيث أريد ~~وحيث لا أريد ... # قبل أسابيع - على ما أذكر - جاءتني تذكرة مطبوعة كتذاكر الدعوة إلى المحافل ~~والمجتمعات يقول كاتبها «سيد كامل »: إنه يتصدى لتحرير المؤيد، ويود لو ms064 يستعين بالأقلام ~~الفتية في تجديد حياة «شيخ الصحافة» ... أو كلاما من هذا القبيل ... # فمن يكون «سيد كامل» هذا؟ # إنني لم أكن أعلم عنه شيئا، وأشفقت أن يكون مرشحا للقيام على تحرير المؤيد من قبل ~~الإنجليز ... لأنني تبينت من حديثي مع مستر «ستورز» أنهم يهتمون بهذه الصحيفة، ويودون لو ~~يبتعثونها بإشرافهم وتحت رعايتهم، وقال لي الأستاذ «حسين روحي»: إنهم كانوا يظنون أنني ~~«أصلح» لهذه المهمة، ولكنني خيبت رجاءهم ... # مولاه # فهل «سيد كامل» هذا ممن حققوا عندهم هذا الرجاء، فاختاروه لتوجيه هذه الصحيفة، ولو من ~~بعيد؟ # خطر لي هذا الخاطر لأول وهلة، ولم يفارقني حتى علمت المزيد من تاريخ «الدكتور سيد ~~كامل»، فعلمت أنه أفضل وأصدق في الوطنية وفي الولاء لمولاه من أن يصلح لتلك المهمة من ~~بعيد أو قريب ... وقد كان مولاه الذي تولى تعليمه في فرنسا على حسابه بتوصية من صاحب ~~المؤيد هو الخديو عباس الثاني، وهو الذي رشحه للقيام على تحرير المؤيد بعد اعتزال الشيخ ~~علي يوسف لعمله في الصحافة ... عسى أن يحتفظ بأمانة التراث الموكول إليه من ولي نعمته، ~~ومن أستاذه الموصى عليه ... # وها هو ذا وزير جديد يفتتح خطابه الأول بحديث عن المؤيد وصاحبه وأصحابه، فما هو شأن ~~المؤيد معنا أو ما هو شأننا مع المؤيد؟ # أهو «لحظ الغيب» يرانا على مقربة من تلك الصحيفة من حيث لا نراه؟ ... # يحق لي - لو أردت - أن أصدق هذه الهواتف الغيبية، فإنها لم تنته عند هذه النهاية، ولم ~~تزل تلاحقني بخبر من هنا وإشارة من هناك حتى عادت بي إلى العمل الصحفي محررا بالمؤيد ... ~~وكان السبب المباشر لعودتي إليه قصيدة نشرها المؤيد ... ونظمها شاعر من شعراء السكرتيرية ~~بنظارة الأوقاف، وهو المرحوم عبد الحليم المصري الذي كان يتطلع إلى مكان «شوقي» في ~~القصر الخديو، ووصل إليه ولكن بعد زوال الخديوية ... # فضيحة الأدب # نظم عبد الحليم قصيدة من أحسن قصائده عن «الخصيب» أمير مصر في أيام الدولة العباسية، ~~وقال فيها عن شاعر النيل: # وشاعر النيل دون الخلق يشربه # بينا يشق الصدى منه ms065 الحشاشات # وما كان يعني في الحقيقة غير الخديو عباس وشاعره أحمد شوقي، وما كان بالقارئ من حاجة ~~إلى البراعة لفهم هذه المواربة المكشوفة ... فقد فهمها كل قراء المؤيد من الأدباء، ولم ~~يخف مقصدها على أحد غير محرر المؤيد الأول في تلك الآونة: أحمد حافظ عوض الذي ترك منصبه ~~في قصر عابدين؛ ليشرف على تحرير هذه الصحيفة في أدق مرحلة من مراحلها، وخاتمتها ~~... # أولا: لم تنشر تلك القصيدة عن الخديو وشاعره إلا في المؤيد دون غيره من الصحف ~~اليومية والأسبوعية؟ ... # فضيحة من فضائح الأدب والصحافة لم ينم لها حافظ، ولم ينم لها شوقي، ولم تنم لها نظارة ~~الأوقاف ... وأولهم ناظرها في ذلك الحين - محمد محب باشا - وقد كان متهما في الحاشية ~~الخديوية بمحاباة الإنجليز ... # وحضر «حافظ عوض» ذات يوم إلى ديوان الوزارة، ولقيته في مكتب الوزير، ولا أدري على ~~التحقيق هل دعاني أحد إلى المكتب للقائه، أو ذهبت إلى المكتب بغير دعوة من أحد لسبب من ~~أسباب العمل في مذكرات المجلسين: مجلس الإدارة، والمجلس الأعلى ... # ولكنني لقيت حافظا يبتدرني بالسؤال والسلام، ويقول لي مازحا: ماذا تصنع هنا؟ إن ~~مكتبك مستعد بدار المؤيد، وإن عملك الذي خلقت له أن تكتب المقالات لا أن تلخص المحاضر ~~والمذكرات. # ثم قال: إن صفحة الأدب في المؤيد تحتاج إلى أديب يتفرغ لها، ولا ينظر في عمل من أعمال ~~الصحيفة غير كتابتها، أو الإشراف على ما يكتب فيها ... # قال: ولو أن وقتي كان يتسع للتفرغ لهذه الصفحة لما استغفلني هذا «الولد»، ودرس علينا ~~تلك القصيدة المسمومة التي جعلتنا سخرية المجالس الأدبية. # ولم أتردد في قبول الدعوة إلى تحرير الصفحة الأدبية في شيخ الصحافة العربية، فإنني لم ~~أكن أطمح في الرابعة والعشرين إلى عمل أهم من هذا العمل في الصحافة ... فإن كانت لدي بقية ~~من الرغبة في صناعة القلم من طريق الصحف، فلا انتظار إذن لما هو أولى بالقبول من هذه ~~الدعوة بعد أن جاءتني بغير عناء، وبغير طلب ... ولا محل للتردد إلا أن يكون عملي في نظارة ms066 ~~الأوقاف أحب إلي وأجدى علي من العمل في الصحافة، ولم يكن عملي في النظارة مرضيا لي في ~~حياتي الأدبية، ولا في حياتي المعيشية، فعلام التردد؟ وفيم البقاء؟ ... # العودة إلى الصحافة # وامتلأ مكتبي «الخالي» بدار المؤيد قبل أن ينقضي الأسبوع ... ولم يمض أيام حتى عاودني ~~الطالع القديم: ذلك الطالع الذي تحدثت عنه في مذكرة سابقة من هذه المذكرات ... لا أدخل ~~عملا إلا وجدته في مرحلة من أدق مراحل تاريخه، منذ عملت في الوظائف الحكومية، إلى أن ~~عملت في الصحافة، وإلى أن عملت في ديوان الأوقاف، إلى أن عاودت العمل في الصحافة كرة ~~أخرى! # ولا أطيل في شرح تلك المرحلة من حياة المؤيد، فقد يغني القارئ عن شرحها أنها وافقت ~~الشهور الأخيرة من تاريخ الخديوية المصرية قبل الحرب العالمية الأولى، وأنني لم أسلخ في ~~المؤيد شهرا أو شهرين حتى ماجت الدار بالحركة، التي شغلت رئيس التحرير عن الدار، وعن ~~صفحتها الأدبية وصفحاتها الأخرى، وتركتني فيها بين دسائس القصور، ودسائس الصحيفة التي ~~لزمتها من مخلفاتها التقليدية! # كان الخديو يعلم أن لورد كتشنر يصر على خلعه، ويرشح للخديوية أميرا من أمراء بيت ~~حليم، وكان يعلم أن كتشنر لن يغلبه بقوة غير قوة الخلافة في الآستانة، أو قوة الرأي ~~العام في مصر، وفي طليعتها قوة المعارضة من قبل الجمعية التشريعية. # فأما قوة الخلافة في الآستانة، فقد احتاط لها الخديو بسفره في تلك السنة إلى ~~الآستانة، وعدل عن زيارة المصائف الأوروبية كعادته في السنوات الخالية؛ ليبقى إلى جوار ~~الخليفة متأهبا لإحباط المؤامرة عليه. # الخديو يزور سعد زغلول # وأما قوة الرأي فقد احتاط لها برحلة شعبية في الوجه البحري تعمد فيها زيارة الأعيان ~~في قصورهم، وزيارة الفلاحين بين أكواخهم، واستقبال الشعب حول سرادقات الاحتفال حيثما ~~نزل بقرية من قراهم، غير ممنوع منها أحد من الكبار أو الصغار، ولا من الرجال أو النساء، ~~ولج به الحرص على إبراز صداقته للمعارضين في الجمعية التشريعية، فجعل أسماءهم في الصف ~~الأول بين أسماء الأعيان الذين تقع قراهم على خط الرحلة، ودعاهم ms067 إلى مصاحبته في غير ~~قراهم، وأولهم سعد زغلول. # ولم يشأ الخديو أن يؤتمن على مراسلة «المؤيد» بأخبار الرحلة أحد أقل من رئيس تحريره، ~~فأخذ حافظ عوض في ركابه، وجاءني حافظ إلى مكتبي قبل سفره يمهد للطلب الذي يريده مني: ~~وهو تنقيح أخبار المراسلين بالصيغة الأدبية، وانتظار الرسائل منه لمراجعتها قبل إثباتها ~~في الصحيفة بالصيغة الأخيرة. وهي الصيغة التي ستظهر بها في الكتاب الذهبي، وكرر كلامه ~~عن الرحلة، وعن الصيغة التي ستظهر بها بعد ذلك في سجل شبيه بالسجلات الرسمية، وانصرف ~~وهو يقول: إنه عمل أدبي خالد على أية حال، وإنه يستحق أن أؤجل من أجله صفحة الأدب إلى ~~حين. # الكتاب الذهبي # وانهالت الرسائل كالمطر المنهمر من المراسلين، وأعيان الأقاليم، وكل من قال له الخديو ~~كلمة أو قال كلمة للخديو، وضاق الوقت عن ملاحقتها بالقراءة والترتيب فضلا عن التنقيح ~~والتصحيح، ثم انطوى الكتاب قبل أن تنفتح صفحة من صفحاته، ولا يزال منطويا إلى ~~الآن. # مشترك من مشتركيه الموعودين ضل طريقه إلى حجرتي بدلا من حجرة المحرر، الذي كان ~~منوطا بتسلم الرسائل، وتسليمها إلي بقائمة مكتوبة لإيداعها في ملفاتها إلى حين الفراغ ~~من تدوينها، فعلمت من خلال كلام المشترك الموعود أنه أعطى المحرر المنوط بتسلم الرسائل ~~عشرة جنيهات باسمي، وأنه حضر في ذلك اليوم ومعه شيء زهيد على سبيل الهدية: ساعة وسلسلة ~~ذهبية ... ولي بعدها هدية على «قد المقام» بعد ظهور الكتاب. # وتركت «الملفات» في أماكنها ريثما يعود رئيس التحرير من الرحلة، وعاد رئيس التحرير، ~~فاستعفيته من العمل في الكتاب وأبلغته ما سمعت، وقلت له: إن محرري «المؤيد» أحرار فيما ~~يأخذونه ويدعونه، ولكنهم لا يملكون أن يزجوا باسمي في معاملاتهم ومبايعاتهم، ويحق لي ~~إذا فعلوا ذلك أن أصحح ظنون الناس، وسأترك له - أي رئيس التحرير - أن يختار طريقته ~~لتصحيح هذه الظنون ... # فتجهم رئيس التحرير وتوعد المحرر المسئول بالويل والثبور، ووعدني أن يكتب غدا في ~~المؤيد كلمة تزيل اللبس، وتبعد الشبهة عني في أمر الكتاب ورسائله واشتراكاته ، ورجاني أن ~~أغض النظر عن المسألة، ms068 ولا أنقطع عن العمل في الكتاب. # ويعلم أصحاب الأستاذ حافظ - رحمه الله - أنه كانت له مواطن ضعف في تحياته ومقابلاته، ~~ومنها أنه يتشبه بالأمير في مناورات الرضا والغضب والتقريب والإقصاء، وأنه يجعل من زمرة ~~عمله بلاطا صغيرا تكثر فيه مناوبات التشجيع والإعراض، ولمحات الابتسام والعبوس، وقد ~~شهدنا في مساء ذلك اليوم تمثيلية وجيزة من هذه التمثيليات، كانت هي فصلها ~~الأخير! # آخر عهدي بالصحافة # في مساء ذلك اليوم زارني الأستاذ المازني والأستاذ محمود سعيد الذي أصبح بعد ذلك ~~مستشارا في المحاكم الأهلية، ونزلنا إلى باب الدار ننتظر مركبة خالية تمر بنا لنستقلها ~~إلى ندوتنا المعهودة عند دار القضاء «في الوقت الحاضر» ... ولم نكد ننادي المركبة العابرة ~~حتى مر بنا الأستاذ حافظ يحيينا بيمناه، ويضع يسراه في إبط المحرر «المتهم» وهو مقبل ~~عليه بالضحك والحديث، ثم صدر المؤيد في اليوم التالي وليس فيه كلمة عن الاشتراكات ولا ~~عن تصحيح الظنون. # وكان هذا آخر عهدي بالمؤيد، وآخر عهدي بالصحافة قبل الحرب العالمية الأولى؛ لأنها ~~نشبت قبل نهاية الصيف! # يجوز # أغلب الظن عندي أن قصة خروجي من نظارة الأوقاف ثم من صحيفة المؤيد كانت «قضاء ~~وقدرا» كما يقولون في لغة التحقيقات القانونية. # أما العارفون بتحقيقات الحواشي الملكية، فقد كان لهم رأي آخر في القصة بحذافيرها، ~~وكان من رأيهم أن الخطة وضعت يومئذ في القصر لفصل كل موظف بالأوقاف عرفت عنه المعارضة ~~في نظام الديوان، لا فرق بين أكبر الموظفين وأصغر الموظفين! # وكان أكبر المعارضين من الموظفين لصفقات السمسرة والاستبدال عبد الرحمن فهمي «بك» ~~وكيل النظارة، فخرج محالا إلى المعاش. # وكنت أنا أصغر المعارضين من الموظفين، ولا حيلة لهم في فصلي بالإحالة إلى المعاش، ~~فليكن فصلي «بصنارة» الصحافة، ثم بمائة سبب ميسور بعد الوصول إلى البر ... غير ~~الأمين! # و«يجوز» هي كل ما أقوله في التعقيب على هذه الفكرة القريبة البعيدة، ولولا أنني ~~استقلت من النظارة ورفضت استقالتي قبل ذلك، لرجحت التدبير بفعل فاعل من القناعة ~~«بالقضاء والقدر» في تعبير العارفين بالحواشي الملكية! # | في الحرب العالمية ms069 الأولى # ساعات بين الكتب # أقمت في القاهرة أياما بعد استقالتي من تحرير «المؤيد» على نية السفر إلى الصعيد ~~الأعلى، وقد منيت نفسي موسما كاملا من المواسم الجميلة في مدينة الشتاء، ورسمت ~~برنامجي لذلك الموسم الموعود بين المطالعة والتأليف والرياضة، والبحث عن التاريخ ~~الطبيعي، ومضامين الآثار في أسوان، وهي غنية بالمضامين المعلومة والمجهولة، من أيام ~~الفراعنة إلى أيام المماليك إلى أيام الدولة العثمانية ... # وأعددت العدة للكتاب الذي نويت تأليفه باسم «الساعات بين الكتب»، وجعلت عنوانه دليلا ~~على موضوعه أو موضوعاته، فهو كتاب أسطر فيه خلاصة ما قرأت وزبدة التعليقات التي وقعت في ~~خاطري واطلعت عليها أثناء القراءة، أو هو كتاب عن الكتب أردت به أن أصل بين عالم الكتب ~~وعالم الحياة وبين آراء المؤلفين وآراء القراء، كما تبدو لي من النظر والمراجعة ~~والأحاديث. # وكان الموسم خصبا حقا بثمرات التأليف؛ لأنني انتهيت من كتاب «ساعات بين الكتب» في ~~نحو خمسمائة صفحة، وأودعته ثمرة الاطلاع والتأمل في أهم مذاهب الفكر الحديث، وأولها ~~مذهب داروين ومذهب نيتشه في السوبرمان ... وهذا الكتاب غير الكتاب الذي ظهر بعد ذلك باسمه ~~وأعيد طبعه مرات؛ لأن «ساعات بين الكتب» التي كتبتها في أسوان ضاعت مرتين، ولم يبق منها ~~غير خمسين أو ستين صفحة. # الإنساني الثاني # وفرغت من كتاب غير الساعات، عن المرأة، سميته «الإنسان الثاني» ولم يبق منه كذلك غير ~~صفحات. # وأتممت رسالتي «مجمع الأحياء» تلخيصا للآراء في فلسفة النشوء، وفلسفة القوة، وفلسفة ~~الفطرة التي تهذبها الرياضة النفسية والاجتماعية، وهو الكتاب الوحيد الذي تم ونشرته ~~تاما بعد تأليفه بفترة وجيزة ... # ونظمت في هذا الموسم الأسواني أكثر من نصف قصائد الجزء الأول من الديوان، ومنها قصيدة ~~دالية مطولة نبذتها بعد ذلك؛ لأنها تعبر عن دفعة من دفعات الفكر لم يبق لها في نفسي سند ~~سليم ولا مسوغ مقبول ... # أما الكتابة الصحفية، فقد ذهبت إلى أسوان وأنا أحسبني في إجازة منها إلى موعد غير ~~مسمى ... وخيل إلي أنها ستكون أقل الشواغل شغلا لي حتى في الاطلاع عليها والعناية ~~بأخبارها، فإن ms070 عاودني الحنين إليها فلتكن عودتي إليها بقصيدة من الشعر، أو مقالة في حكم ~~القصيدة الشعرية، توحي بها لمحة من لمحات الخاطر أو عارض من عوارض الشعور ... # وتقدرون فتضحك الأقدار ... # وقدرت أن الكتابة الصحفية لن تشغلني قارئا ولا كاتبا خلال مقامي في أسوان، إلا أنها ~~تسلية من قبيل تزجية الفراغ، فإذا بمقالة واحدة كتبتها - من هذا القبيل - تشغلني أضعاف ~~شغلي بمقالات الصحف سنوات في أحرج أيام القلاقل والقضايا والأزمات، مع أنها قرئت مخطوطة ~~قبل أن تقرأ مطبوعة، ولم تزد نسختها المتداولة أولا على عدد أصابع اليدين ... # تلك هي مقالة «نادي العجول»، كدت أذهب من جرائها إلى جزيرة مالطة، وأنا أحوج إلى ~~المقام بأسوان أو في جو القطر من المشتى إلى المصيف. ~~«شهوة» و«شبهة»! # أدركتني الحرب العالمية الأولى وأنا في أسوان، وأحس الناس بوطأة الأحكام العرفية في ~~هذا البلد النائي على طرف الصعيد الأعلى قبل أن يحسوا بها في سائر البلاد المصرية؛ لأن ~~أسوان على ملتقى الطريق بين مصر والسودان، وملتقى الطريق بين النيل والبحر الأحمر من ~~جانب الصحراء، ومرجع الأحكام العرفية فيها إلى رئيس إقليمي بعيد من الرقابة مطلق التصرف ~~في الأوقات التي تشغل الحكومة المركزية عن تفصيلات الشئون الإدارية في الأقاليم ... وقد ~~كانت شهوة الطغيان، والحجر على الحريات قد ملكت نفوس الحاكمين، وأذنابهم من المسلطين ~~على الرقاب تحت حمايتهم، بعد اشتداد الحركة الوطنية وتتابع القوانين، والأوامر المقيدة ~~لحرية المحكومين، فلما تقررت الأحكام العرفية بكل قسوتها وصرامتها بعد شيوع العمل ~~بالقوانين المقيدة للحريات، أوشكت الرغبة في الاستبداد أن تصبح هوسا في نفوس بعض ~~«الحكام» ... ولا سيما الذين بدا لهم أن الفرصة سانحة لاستغلال هذا السلطان المطلق طمعا ~~في الكسب، وشفاء للضغائن والأهواء، وماذا يمنع الرشوة أن ترفع رأسها وتصيح بين الزوايا ~~وفوق الجدران إذا كان أداء الرشوة هو البديل الوحيد من النفي والاعتقال بغير تحقيق؟ ... ~~وماذا يفيد التحقيق إذا كانت «شبهة» الوطنية كافية لاعتبار «المتهم» من ذوي الخطر ~~والسابقة المحذورة؟ وكانت هذه الشبهة لاصقة بالأكثرين من المصريين؟ ... # لقد بلغ الطغيان بحاكم ms071 من الحكام في أسوان أنه أراد أن يقضي يوما مع أسرته في ~~الجزيرة المغربية التي يقصدها بعض الناس للرياضة في أيام الإجازات، فأرسل المنادي ~~«الرسمي» يطوف أرجاء المدينة، وينذر من تحدثه نفسه بالنزول في الجزيرة أن يوطن نفسه على ~~السيف والنار، وخراب الديار ... # وشاعت سيئات الحرب العالمية على أسوئها في إقليم أسوان الآمن الوديع! تجنيد إجباري ~~لفرقة العمال، واعتقال متكرر لشبهة ولغير شبهة، وإتاوات تفرض لعلة من العلل المخترعة، ~~تبرعا للصليب الأحمر، أو ترفيها عن المرضى والجرحى، أو مساعدة على مشروع كائنا ما ~~كان من مختلف المشروعات، وأصبح كل طلب إنذارا بالتهمة المحكوم فيها بغير استئناف، أو ~~إنذارا بالسداد في غير تردد ولا مساومة. # نادي العجول # حدث هذا في بلدي وبين أهلي وعشيرتي، وأنا أنظر إليه بعيني وأستمع إلى أخباره بأذني، ~~وأحس كل مظلمة من مظالمه بإحساس قريب وإحساس إنسان ... # حدث هذا وأنا في الخامسة والعشرين. # وحدث هذا وأنا أقرأ الشعر فلا أزدري أبا نواس لقول من أقوال المجون، كما كنت أزدريه ~~لقوله في الحكمة: # خل جنبيك لرام # وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير # لك من داء الكلام # لا يا أبا علي، غفر الله حكمتك ومجونك، فإن كان موت يا صاح فما باله يكون بداء الصمت؟ ~~ولم لا يكون بداء الكلام ...؟! # وتكلمت باللسان، وتكلمت بالقلم كاتبا إلى وزيرة الداخلية وإلى السلطان. # وتكلمت بالقلم أيضا، فكتبت ونشرت أو نظمت على الأصح قصيدة منثورة سميتها «نادي ~~العجول» ... # نادي العجول هذا كان «ناديا» للسادة الحاكمين، وسراة القوم في المدينة، «فتحه» ~~الرؤساء بكل معنى «الفتح» ... لأنه كان أشبه شيء بالغزوة في طلب الأسلاب، من طريق ~~المساومات والألعاب. # وكانت له سمعة سيئة غير سمعة المقامرة، وكان الحضور فيه مفروضا على بعض الناس في ~~ساعات معلومة؛ كي يخلو الجو لبعض الناس الآخرين في تلك الساعات. # ولم يكن يسمى بطبيعة الحال بنادي العجول، ولكنني سميته كذلك؛ لأن رؤساءه كلهم من ~~أصحاب الوزن الثقيل؛ ولأنه «حظيرة» من حظائر «الدواب » الآدمية لا تخلو من القرون ~~...! # وأضعف الأعضاء نفوذا ms072 في ذلك النادي الموقر كان يملك الترخيص لي بالسفر على حساب ~~الحكومة إلى جزيرة مالطة، غير مشكور مني ولا ملوم من أحد على ذلك الإحسان بالإكراه ~~... # ولكنني كتبت المقال، وتناسخه الأدباء، وأرسلته إلى الصحف، وقرأه النادي كله في جلسة ~~حافلة من جلساته، وتقرر في تلك الجلسة مصير الفضولي الجسور الذي يجترئ على ذوات القرون، ~~وعلى ذوات القناطير المقنطرة من الشحوم واللحوم! # مقامة فكاهية # وأعود فأقول: إن القافية هي التي قضت قضاءها في الموضوع - ولا قضاء لي فيه ولا مشيئة ~~- فخرج الموضوع كما ينبغي أن يخرج مقامة فكاهية أو قصيدة منثورة يقرؤه من خلا ذهنه من ~~«الموضوع» فلا يشتم منها رائحة الحملة التي يجترئ بها القائل على الحكم العرفي المخيف، ~~ولا على الحكم القانوني اللطيف ... ويقرؤها من امتلأ ذهنه «بالموضوع»، فتغريه بحفظها ~~وترديدها، وهو يسأل الله السلامة من تلك العجول. # قال رئيس النادي في مقدمة المقامة: «أيها السادة ... إن العجل مدني بالطبع، ونحن معشر ~~العجول قد ميزنا الله على بني آدم بضخامة الأجسام، وصلابة القرون ... وقد غبر بهؤلاء ~~الناس زمان كانوا يعرفون فيه بأسنا ويتمسحون بأذيالنا، حتى أيقنوا أن لن يقوى على حمل ~~هذه الدنيا أحد سوانا، فعبدونا من فرط الإجلال ... وسبحوا لنا بالعشي والآصال، وكانوا ~~يحسدوننا على قروننا، فدعوا أكبر أبطالهم وأشدهم بأسا وأرفعهم ذكرا - أعني الإسكندر ~~المقدوني - بذي القرنين، وما إسكندرهم هذا وما قرناه؟! إن أصغر عجل فينا ليهشم رأسه إذا ~~ناطحه، ويجندله إذا واثبه أو صارعه، فالعجب لك أيتها العجول لم لا تذكرين ذلك المجد ~~الخالد، فتقام لك الصوامع والمعابد، بدل النوادي والمعاهد ...» # وقضى حكم القافية قضاءه في قراءة «الموضوع» كما قضاه في كتابته، فأصبحت المقامة في ~~مدى يومين كأنها بعض المحفوظات المقررة التي يؤدى فيها الامتحان بعد يومين آخرين، وراح ~~أولاد الحلال يتساءلون كلما عرض لهم من يعنونه بالسؤال: لم لا تذكرون ذلك المجد الخالد، ~~فتقام لكم الصوامع والمعابد؟ ومنهم من كان يتخابث ويتجاهل، ويخاطب العضو من الأعضاء ~~التابعين غير المتحدثين، نعني بهم زمرة الأعضاء المسوقين المسخرين، ms073 فيقول: أنت مدني ~~بالطبع ... أنت أشجع من الإسكندر ... أنت يقام لك وزن ... أنت مخير على الآدميين، إلى أشباه ~~هذه «التلقيحات» الرمزية التي كانت أصرح عند القائل والسامع من النداء الصريح. # وكانت المناوشات بيني وبين المدير سجالا قبل شيوع تلك الكلمة عن نادي العجول ... كنت ~~أشكوه وأعزز الشكوى بالبينات، ثم تستدعيه وزارة الداخلية، فنقرأ في الصحف أنه قابل عظمة ~~السلطان، ثم يكشف هو بحماقته عن سر هذه المقابلة التي يستدعى لأجلها من أسوان، فتعلم ~~أنه سمع فيها ما ليس يرضاه. # الرشوة والإتاوات # وكانت هذه المناوشات تجري سجالا بين مرتجلة أو مدبرة حتى شاع في المدينة، ثم ~~الإقليم، ذلك المقال المنشور عن نادي العجول ... فإذا بالمناوشات التي كانت قصة مبعثرة ~~الفصول تتركز، وتنتهي إلى مخرجها الذي تحكم به القافية مرة أخرى، فلا مناص لواحد من ~~اثنين: أن يخرج من المدينة المدير أو كاتب المقال عن نادي العجول ... # ويتبين من مجرى الحوادث أن المدير تعذر عليه نفيي؛ لأنه نفى من قبلي ناظرا لمدرسة ~~المواساة، وكنت أنا ناظرها الثاني، فأشفق القوم أن يقال: إنهم يضطهدون المدرسة ~~الإسلامية الوحيدة في البلدة ... وكل ما استطاع المدير أن يقنعهم به هو أن يشدد علي ~~الرقابة ويقيد إقامتي بالمدينة، فلم أكترث لهذه الرقابة ولا لهذا التقييد؛ لأنني ~~بطبيعتي كثير العكوف في المنزل قانع من الحركة بمشوار الرياضة في الخلاء أو في ~~النيل. # وفتقت الحيلة للمدير أن يصدمني بمفتش الداخلية الإنجليزي، فألقى إليه أنني أتهمه ~~بالرشوة، وأذيع عنه أنه يقاسم الموظفين «إتاوات» السلطة على وظائف العمد والمشايخ ~~و«تبرعات» الأعيان، وصفقات التموين، ولم يكذب المدير فيما ادعاه؛ لأنني كتبت في الواقع ~~أقول وأعيد أن المفتش الإنجليزي يقبل الرشوة ويفرضها على مرءوسيه ... # واستدعاني المفتش إلى ديوان المديرية، فقال فيما قال في حديث طويل باللغة الإنجليزية: ~~«لا يوجد إنجليزي مرتش # Corrupt # في الحرب ولا في السلم» ~~... فبدرت مني كلمة لا أدري ماذا كنت أقول - سواها - لو قصدتها عن روية ... وقلت: إن ~~الإنجليز جديرون بالتهنئة ؛ لأنهم قد تغيروا كثيرا بعد حرب الترنسفال ... # والمعروف ms074 أن حرب الترنسفال قد كشفت عن فضيحة من أشنع الفضائح في حالتي الحرب والسلم ~~أثناء القتال وبعد القتال ... فلو أنني تعمدت الروية لما وجدت أمامي مثلا أقرب من ذلك ~~المثل للرد على صاحبنا الفخور بالتعفف عن الرشوة في الحرب والسلم، ولكنني لو تعمدت ~~الروية لكان السكوت عن تلك الكلمة أولى وأحجى ... فإن الرجل بعدها وقف إلى جانب المدير في ~~طلب اعتقالي وإقصائي من المدينة، وقال عني: إنني أخطر من ناظر المدرسة التي نفته السلطة ~~قبلي إلى جزيرة مالطة، وكنت قد تعمدت أن أشغل مكانه تحديا للأمر الذي صدر بعد القبض ~~عليه، فعملت بعده ناظرا لمدرسة المواساة ... # وجزى الله مقال «العجول» خيرا في هذه المرة، فإن قارئا من قرائها الذين حفظوها ~~أطلعنا على خبر التقرير السري الذي كتبه المفتش ونقحه بعد مراجعة المدير ... فوجب الرحيل ~~إذن من المدينة بكل وسيلة مستطاعة ... وقضت القافية أن يكون الراحل في هذا الفصل من ~~الرواية كاتب المقامة ... لا سعادة المدير. # لكن كيف الرحيل من المدينة، والرقيب ملازم باب الدار بالليل والنهار؟ # لقد كان الرقيب يلازمني إذا خرجت، ويسلمني في المساء لحارس الدرك، فلا يفارق الحارس ~~مكانه في الصباح حتى يتسلمه منه الرقيب الأول أو رقيب جديد ... # أصبحت من أبطال المغامرات # لست من القراء المغرمين بروايات الهرب والمطاردة، ولكنني أصبحت بطلا من أبطالها على ~~الرغم مني بحكم الضرورة التي لا حيلة فيها ... فوصلت إلى القاهرة قبل أن يعود منها جواب ~~«السلطة» على تقرير المفتش والمدير، وكأنني كتبت بيدي قرار الفصل عقابا لهما واحدا ~~بعد واحد، وبينهما فترة أسابيع. # أرسلت ملابسي من المنزل في مقطف عليه قمح يغطيه، وذهب به حامله إلى بيت في شارع مجاور ~~لنا نقلوا فيه الملابس إلى حقيبة صغيرة، وسافر بها بعض أقاربنا بتذكرة من أسوان إلى ~~القاهرة، وتواعدنا أن ألقاه بالقطار في محطة «الخطارة»، ويعود هو إلى أسوان على المطية ~~التي وصلت بها من أسوان إلى الخطارة ... # وأعددنا عند ظاهر البلدة مطيتين يقودهما من نثق به من الجيران، وبقيت مهمة الخروج من ms075 ~~المنزل في الصباح على الرغم من الحارس الرقيب ... وليس أيسر من ذلك إذا تزحزح الحارس من ~~مكانه إلى منعطف الطريق هنيهة قصيرة نخرج فيها، ونتوارى على الأثر في منعطف الطريق ~~المقابل، من ناحية الفضاء، حيث تنتظرنا المطيتان ... # ولم يعسر علينا أن نزحزح الحارس عن مكانه خلال تلك الهنيهة القصيرة، فقد كان من ذوينا ~~فتى نستعيذ بالله من ثورات غضبه، ومن خفته إلى الشجار والخناق، فرجوناه في ذلك اليوم أن ~~يغضب، وأن يبالغ في الغضب وأن يفارق المنزل بعد الفجر كأنه ذاهب للصلاة، فيشتبك في ~~خناقة حامية مع أول عابر من طلاب الصلاة مثله، أو من المبكرين إلى الأعمال. # وقام صاحبنا بالواجب على ما يرام، وعاد الحارس إلى باب البيت، ونحن على المطايا ~~متلفعين متنكرين لا يعرفنا من يرانا، ولو كان من معارفنا. # أكبر مقلب للمدير # وكنت بعد ذلك بيوم في ديوان الداخلية أزور صديقنا الوزير الأديب جعفر والي «باشا» ~~وكيل الوزارة، ثم تتابعت الأيام والتقارير السرية تصل من أسوان بتفصيلات المؤامرات التي ~~أدبرها، والأحاديث التي أذيعها والأقاويل التي أثير بها الخواطر أستحق من أجلها التعجيل ~~بالاعتقال والنفي من الديار ... # أنا في القاهرة يصطحبني وكيل الداخلية كل يوم إلى مكتب المستشار، ويشهده على مقامي ~~بعيدا من أسوان بأكثر من ستمائة ميل، وأنا في الوقت نفسه بأسوان يراني المفتش والمدير ~~أثير الخواطر، وأدبر المؤامرات ... # والنتيجة معروفة ... # في هذه المرة يخرج المدير من البلدة ويتلوه المفتش، ويصدر الأمر بإحالة المدير إلى ~~المعاش قبل موعد الحركة الإدارية، وأعرف اسم المدير الذي خلفه، فأبادر إلى إبلاغ الخبر ~~لأصدقائنا في أسوان بهذه البرقية: # شر مدبر وخير ~~مقبل. # وكان المدير الخلف «مقبل باشا» الذي اشتهر بعد ذلك في مناصب الإدارة. # | بين الموت والحياة # كنت رقيبا على الصحافة # كان نصيب التدريس من عملي في سنوات الحرب العالمية الأولى أكبر من نصيب الصحافة، وكانت ~~علاقتي بالصحافة قليلة متقطعة، ولكنها - على ذلك - كانت متعددة منوعة؛ لأنني اتصلت فيها ~~بألوان من الكتابة الصحفية لم أعرفها قبل ذلك، وما لم أعرفه منها ms076 عملا واختبارا فقد عرفته ~~وصفا ونظرا، واطلعت على طرف من أسراره وأخباره عن كثب، فكتبت إلى المجلات الشهرية والصحف ~~الأسبوعية، واشتغلت بالصحافة اليومية في غير القاهرة، وقمت على رقابة الصحف أياما معدودة، ~~وندبت «للمراسلة الحربية» في صحراء سيناء، وكدت أن أحيط بالدائرة الصحفية من مراكزها إلى ~~زواياها ونواحيها. # وتشاء الحوادث أن أشتغل بالرقابة على الصحافة، وهي من أبغض الأعمال إلى نفسي وإلى فكري، ~~وتشاء هذه الحوادث أن أهنئ نفسي بالخيبة فيها بعد أيام، فلم أحمد الله على نجاح كما حمدته ~~على هذه الخيبة الموفقة ...! # كانت لي صداقة أدبية بالمغفور له «جعفر والي باشا» وكيل وزارة الداخلية في أيام الحرب ~~العالمية الأولى، وكان من الأدباء «القانونيين الإداريين» الذين يجالسون أحيانا «عثمان ~~فهمي بك»، الذي كان مديرا لأسوان، فمديرا لقنا، فوكيلا للخاصة الملكية، ثم خرج من الخاصة ~~الملكية مغضوبا عليه في عهد الملك أحمد فؤاد، محالا إلى المعاش قبل أوانه؛ لأنه لم يحسن ~~أن يشترك في إدارة الخاصة على الطريقة التي يرضاها صاحب الجلالة! ~~••• # وكان حديث جعفر والي معي في الأدب يكاد ينحصر في المفاضلة بين أبي تمام والمتنبي، فإنه ~~كان يفضل أبا تمام ويفرغ لنسخ ديوانه بخطه، ويملأ حواشيه بالتعليقات والملاحظات التي توافق ~~مشربه في تفضيله، وكنت أنا تلميذا للمعري في هذه الخصلة كما كنت تلميذه في خصال خلقية أو ~~فكرية شتى، وأعني بها خصلة «التعصب» للمتنبي، وقلة الصبر على القدح فيه والانتقاص من أدبه ... ~~أما الأستاذ «عثمان فهمي بك»، فقد كان كلامه في العلميات والفلسفيات أكثر من كلامه في ~~الموضوعات الأدبية، وكان يناصرني أحيانا في تفضيل المتنبي من الوجهة الفكرية، ولكنه يناصر ~~وكيل الوزارة في حملته على «نفخة» الشاعر الكذابة، مع تعرضه للرفت والسؤال، مما يخالف أصول ~~البلاغة على قوله، وهي مراعاة مقتضى الحال، أو المقال حسب المقام! # وعلم «جعفر باشا» أنني أبحث عن عمل في القاهرة؛ لأن حالة «الكبد» عندي لا تسمح بقضاء ~~الصيف في أسوان، وعلمت منه مرة أن الرؤساء الإنجليز يفاتحونه بضيقهم الشديد من مشكلة ~~الرقابة على ms077 الصحف العربية، وأنهم يكادون يحملونه تبعة هذه المشكلة؛ لأنه أحق الناس أن يعرف ~~كيف يختار للرقابة أناسا من الأدباء المصريين يصلحون لها، ولا يسيئون فهمها. # وقال لي ذات مرة: إن «يوسف خلاط بك» مدير المطبوعات على حد تعبيره «في ثياب ضيقة» ... ~~ولكنه هو يخشى أن يلبسه القوم هذه الثياب. # وأزوره يوما على موعد، فيقول لي ضاحكا: إنني آمنت بعظمة المتنبي وفضله على أبي ~~تمام. # ثم يلمح دهشتي فيبادر قائلا: ولكنه تفضيل معلق على شرط، وهو أن تستخدم لنا حكمة صاحبك في ~~عمل من أعمالنا هنا بوزارة الداخلية، وهو مراجعة الصحف العربية ... # تكميم الأفواه! # قال: والحيرة في أمر هذه الرقابة أن أكثر الرقابة بإدارة المطبوعات لا يفهمونها، ~~ويحسبون أنها تكميم للأفواه والأقلام ومسابقة بينهم وبين الصحف في المكر والحيلة، فكلما ~~خطر لهم أن صحيفة من الصحف تلعب بالألفاظ لتفويت خبر من الأخبار داخلهم الغرور، وظنوا ~~أنهم يغلبون الصحيفة في المكر واللعب، فيحذفون الخبر ويصرون على منعه ومنع الإشارة ~~إليه، ومن ترخص منهم في السماح بنشر الأخبار التي يحرص عليها الصحفيون، فإنما يترخص في ~~ذلك مجاملة لأولئك الصحفيين من أجل الصداقة، أو من أجل المنفعة المتبادلة. # قال: ولا أدري ماذا أصنع وأنا الوكيل المصري المفروض فيه أنه أقدر من غيره على حل ~~المشكلة، فهل لك أن تؤدي هذه الأمانة الشاقة، وأن تعيننا على تجربة الرقابة كما ينبغي ~~أن تكون، بين العطف على الصحافة ورعاية مقتضى الحال ... # وكانت «رعاية مقتضى الحال» قد أصبحت من القوالب المحفوظة في أحاديثنا حول بلاغة ~~المتنبي وبلاغة أبي تمام، وحظ الشاعرين من الحكمة على مقتضى الحال. # قلت: إنني أقبل العمل في الرقابة ولا غضاضة، ما دامت الرقابة من المصالح العامة في ~~أيام الحروب. # عجزت والحمد لله! # وبعد ثلاثة أيام جاءني تنبيه وسؤال عن بعض الأخبار التي تركتها للنشر، وتحقق لهم أنني ~~لم أحذفها. # وبعد يومين أو ثلاثة جاءتني دعوة إلى مكتب مستر «هور نبلور» الرقيب العام يتقدمها ~~حديث مقتضب من «يوسف خلاط بك»، فلما دخلت المكتب سألني مستر ms078 «هور نبلور» مقطبا: هل ~~راجعت هذه الأخبار؟ وقدم إلي رزمة من جزازات الصحف اليومية والأسبوعية. # فقلت بعد إجالة النظر فيها: نعم. # فعاد يسأل: وكيف تبيح نشر الأخبار المقلقة التي من هذا القبيل؟ # قلت: إنها تباح فيما أطلع عليه من الصحف الإنجليزية، ويباح لتلك الصحف ما هو أخطر ~~منها بكثير. # فصاح متهكما: الصحف الإنجليزية؟ ثم أردف قائلا: هل أنت من الحزب الوطني؟ # قلت: أنا مصري وطني بطبيعة الحال. # قال: إذا كنت لا تعطف معنا، فلماذا تتولى هذا العمل؟ # فأجبته بكلام فحواه أنني لا أفهم المقصود بالعطف معهم، ولكنني لا أبقى في هذا العمل ~~إذا كان يتطلب مني شعورا لا أفهمه، وله أن يتقبل استقالتي مشكورا على قبولها ... # وهكذا عجزت بحمد الله عن مهمة الرقابة بعد أسبوع واحد، وكدت أعجز عنها بعد يومين أو ~~ثلاثة. # المراسلة الحربية # أما المراسلة الحربية، فقد ندبت لها من طريق الكتابة في مجلة المقتطف عن المقارنة بين ~~فلسلفة المعري وفلسفة شوبنهور. # وكنت أعمل بالتدريس في مدرسة وادي النيل الثانوية بجوار محطة باب اللوق على مدى خطوات ~~من مكتب المقتطف والمقطم، فزارني الأستاذ نجيب شاهين بالمدرسة موفدا من قبل الدكتور ~~يعقوب صروف وقال لي: إن الدكتور وبعض ذوي الشأن ينتظرونني بعد الفراغ من الحصة قبل فسحة ~~الظهر، ولم يخبرني شيئا عن موضوع الدعوة. # فلما دخلت المكتب وجدت الدكتور وشابا من أصهاره، ومعه الشيخ الغنيمي التفتازاني ~~ورجلا إنجليزيا لا أعرفه، ولم يعرفني به الدكتور، ولكنه قال: إنك تعلم قلق الناس في هذه الأيام من جانب الحدود الشرقية، وكلهم يظنون أن الهجمة ~~منها قريبة على قناة السويس، ثم على جميع البلاد المصرية، ومثلك خليق أن يعيد الطمأنينة ~~إلى نفوسهم بما تراه عيانا، وما تطلع عليه من المعلومات المفصلة وهي حاضرة عند ~~المختصين بالمسألة ... وأشار إلى ناحية الرجل الإنجليزي، وكل ما يطلب منك أن تطلع منها في ~~القاهرة على ما يلزمك، وأن تهيئ نفسك بعدها للرحلة إلى الخطوط الأمامية في صحراء سيناء، ~~ثم تصفها بأسلوبك المعهود؛ لأن مجرد الوصف الصحفي الشائع ms079 لا يكفي للإقناع والتأثير، ~~ولولا ذلك لكان في مخبر من مخبرينا أو مخبري الصحف الأخرى من يغني هذا الغناء. # رأيي الذي لم أعلنه! # وأحب أن أعيد هنا رأيي الذي أعلنته في أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم أستطع أن ~~أعلنه في أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد كان من رأيي في الحربين أن تتولى مصر واجب ~~الدفاع عن حدودها موفورة السلاح والاستقلال، وألا تتولاه - بداهة - في ظل الحماية أو ~~الاحتلال. # فلما سمعت اقتراح الدكتور صروف قلت له: إنني لا أكره أن أبث الطمأنينة في قلوب ~~المصريين من ناحية الدفاع عن بلادهم، إذا كان المصريون هم الذين يقومون بأعباء هذا ~~الدفاع، أما وهو - كما يحدث الآن - من عمل دولة الحماية، فليس من المعقول أن أرفض ~~الحماية وأقبل دفاعها. # وكان الدكتور يعلم رأيي هذا في الحماية من أحاديثي معه قبل ذلك خلال زياراتي له في ~~صدد مقالاتي الأدبية، فكاد يعتذر من مواجهتي بالاقتراح؛ لأنه نسي أننا تحدثنا في مسألة ~~الحماية منذ شهور، وانصرفت وهو يكرر قوله: إنه لو ذكر أن في الاقتراح شيئا لا أسيغه ~~لما فاتحني به، وجعل يقول مازحا: إذن تعود إلى المعري وشوبنهور ...! # ولا أذكر أن أحدا من الحاضرين في تلك الجلسة فاه بكلام يخالف هذا المعنى غير الشيخ ~~التفتازاني ... فإنه طفق يقول ويعيد: يا سيدي فيها إيه؟ وماذا في ذلك يا سيد عباس؟ أليس ~~المهم الآن أن تطمئن النفوس على الحدود؟ # فلم أجبه ولم يجبه أحد من الحاضرين. # أنا والمازني ... بين الموت والحياة! # وقبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى عدت إلى التحرير في الصحف على غير انتظار، بل على ~~يأس من العمل في الصحافة والتدريس إلى ما بعد الهدنة؛ إذ كان للهدنة موعد قريب. # فالعمل في التدريس لا أمل فيه، بعد أن مارسته سنتين مع صديقي المازني في مدرسة بعد ~~مدرسة من كبريات مدارسنا الثانوية، وجرت العادة في كل مدرسة أن ينتهي عملنا فيها بأزمة ~~من أزمات الخلاف على تصحيح أوراق الامتحان؛ لأننا كنا نصحح أسئلة وأجوبة، وكانت خزائن ~~المدارس تنظر ms080 إلى أوراق الامتحان كأنها أوراق الرصيد المنتظر في حساب المصروفات. # فلما وصلنا إلى الأوان المقدور للأزمة السنوية خرجنا من المدرسة متفقين على سكنى ~~الإمام الشافعي، حيث تقيم أسرة الأستاذ المازني من زمن بعيد، وقدرنا أن اختزال النفقات ~~المعيشية بالسكنى بين عالم الحياة وعالم الموت قد يغنينا عن التعجل في طلب العمل بضعة ~~أشهر، ويفرجها ربك بعد ذلك أو قبل ذلك كما يشاء. # وقلت للمازني: ابحث يا صاح عن عمل في صناعتك ولا ترتبط بي في بحثك، ودعني أنتظر العمل ~~في صناعتي حيثما اتفق، فلا حيلة لنا في استعجاله ولا في البحث عنه؛ لأنه معلق بانتهاء ~~الحرب العالمية فيما قدرناه. # ووجد صديقنا المازني عمله ناظرا للمدرسة المصرية الثانوية، ولبثت أنا بالقاهرة أترقب ~~أوائل الشتاء لأعمل فيما يتهيأ من عمل أرتضيه، أو أزمع الرحلة إلى أسوان. # وكنت أحسبني مترقبا على غير جدوى؛ لأن ركود السياسة الوطنية في إبان الحرب قد ذهب ~~بالصحف اليومية، التي كانت تنطق بألسنة الهيئات السياسية، ثم هبطت أزمة الورق ~~بالصحيفتين الباقيتين - وهما المقطم والأهرام - إلى ورقة واحدة في صفحتين لا متسع فيها ~~لغير البرقيات، وأنباء الدواوين، وما هو من قبيل «المحتويات» التقليدية في الوقائع ~~المصرية، فاكتفت كل صحيفة بمن فيها من المحررين والمترجمين ... # وكنا «نفد» على المدينة من «حي» الإمام الشافعي مرة كل أسبوع، وكان يوم السبت على ~~الأغلب هو موعد هذه الزيارة الأسبوعية؛ لأنه يوم متوسط بين بطالة الجمعة وبطالة الأحد، ~~فلم أكد أقبل على المكتبة التي كنت أتردد عليها في هذه الزيارات حتى تلقاني صاحبها ~~قائلا، بل صائحا: أين أنت يا أستاذ؟ إن الأستاذ عبد القادر حمزة قد حفيت قدماه وهو ~~يأتي إلى المكتبة ويعود ليسأل عنك وقد يئس من لقائك، فأوصى الأستاذ «عبد المؤمن كامل ~~الحكيم» بالبحث عن مكانك، والاتصال بك في شأن هام كما قال، وقد كان الأستاذ عبد المؤمن ~~هنا الساعة، وترك عنوانه لدينا، وكتبت له عنوانك كما أعرفه بالإمام، ولا أدري في أي ~~مكان هو بأنحاء الإمام ... # وعلمت بعد لقاء الأستاذ عبد ms081 المؤمن أنني مطلوب للتحرير في صحيفة «الأهالي» ~~بالإسكندرية، وأنني أستطيع أن أعد نفسي للسفر خلال أسبوعين أو ثلاثة، وعنده تفويض ~~بتسليمي مرتب شهر وما أطلبه من تكاليف السفر، وعنده كذلك تفويض بمراجعة الصحيفة في ~~تقدير المرتب، إن كنت لا أرضاه. # قلت له: لا حاجة إلى المراجعة الآن، ولعلها في الإسكندرية أجدر وأيسر، وانثنيت يومئذ ~~إلى الإمام لإعداد حقيبة السفر، واختيار ما أحمله معي من الكتب إلى الإسكندرية، ~~والاستغناء عما هو معد للبيع في يومين أو ثلاثة، ولم يكن طلابه بالقليلين في تلك الآونة ~~... لانقطاع البريد الأوروبي في الفترات بعد الفترات على غير انتظام. # كانت في الثغر الإسكندري ثلاث صحف يومية هي البصير، ووادي النيل، والأهالي. # وكانت «البصير» صحيفة القطن والتجارة، لا تعرض للبيع في خارج الإسكندرية، ولا تعرض ~~للبيع في الإسكندرية نفسها إلا على مقربة من البورصة ومخازن الميناء، وكانت الصحيفة ~~تعيش باشتراكات التجار والسماسرة، ورسوم الإعلانات القضائية من المحاكم المختلطة، ولا ~~تذكر فيها شئون السياسة المصرية إلا كما تذكر صحيفة «خارجية». # وكانت «وادي النيل» صحيفة المجلس البلدي، أو صحيفة المناورات والمنازعات بين أعضائه ~~وأحزابه، ولها - من ثم - عناية بمسائل الأسواق والدكاكين والشوارع المرصوفة وغير ~~المرصوفة، وما إليها، فكان لها نصيب وافر من الرواج في الإسكندرية، ونصيب «لا بأس به» ~~من الرواج خارج الإسكندرية، بعد انقطاع «الشعب» خليفة اللواء، وانقطاع «المؤيد» ~~و«الجريدة». # أما «الأهالي» فقد كانت في نشأتها صحيفة «شبيهة بالرسمية» يشترك فيها مئات من ~~الموظفين والعمد والأعيان؛ لأنها لسان حال رئيس الوزارة محمد سعيد باشا، وكان «محمد ~~سعيد باشا» أحد الساسة القلائل الذين فهموا في ذلك العهد ضرورة الاتصال بالرأي العام، ~~ووجوب الاعتماد على الصحافة في مناقشة الصحافة التي تعارض الوزارة، فأوعز إلى طائفة من ~~أصدقائه الإسكندريين بإنشاء شركة «الطبع والنشر الأهلية»، واستهلال عملها الصحفي بإصدار ~~صحيفة يومية تدافع عن الوزارة، وترد هجمات الصحف المعارضة عليها، فاختاروا اسم ~~«الأهالي» لصحيفتهم عمدا؛ لأنه اسم قديم لصحيفة كان يصدرها إسماعيل أباظة باشا - رحمه ~~الله - ولأن اسم «الأهالي» يقابل اسم «الشعب» واسم ms082 «الأمة» مصبوغا بالصبغة التي تدل ~~على معنى «الرعية»، ولا يفهم منها معنى المقاومة والثورة. # ولم تزل «الأهالي» صحيفة الحكومة «الشبيهة بالرسمية» إلى أن سقطت وزارة سعيد باشا، ~~وقامت بعدها وزارة حسين رشدي باشا التي أعلنت الحماية على مصر في عهدها، فلبست ~~«الأهالي» بعد ذلك لباس المعارضة في حدود الظروف التي تسمح بها الحرب والرقابة، وكانت ~~هذه المعارضة تقوم على أساسين: أحدهما الخصومة الوزارية بين سعيد ورشدي، والآخر إيمان ~~سعيد بفائدة السيادة العثمانية في استنهاض الحجة «القانونية»، أو الحجة الدولية على ~~الاحتلال والحماية، فقد كان سعيد «عثمانيا» في تفكيره وشعوره إلى اللحظة الأخيرة، ~~وكان هو صاحب الرأي القائل بالارتباط بين البحث في مسألة الحماية، والنظر في معاهدة ~~الصلح مع تركيا والدول المنتصرة في الحرب العالمية. # وأوشكت «الأهالي» أن تحتجب بعد اعتزال الوزارة السعيدية، وقيام الوزارة الرشيدية؛ لأن ~~مشتركيها من الموظفين والعمد قطعوا اشتراكها، ثم جاء كساد الصحافة بعد فرض الرقابة ~~عليها، ونشوب الحرب العالمية، فطواها فيما طواه من الصحف المهملة أو المعطلة، ولكن ظروف ~~الحرب أنقذتها بعض الإنقاذ من حيث لا تحتسب؛ لأنها حصرت الإعلانات في أيدي شركة تحتكر ~~الإعلانات القضائية من المحاكم الوطنية، وتتعهد للأجانب بنشر إعلاناتهم في صحيفة ~~إفرنجية وأخرى مصرية، فكانت «الأهالي» هي الصحيفة التي تتسع لنشر تلك الإعلانات في ~~ملحقاتها، وعندها بقية من الورق المخزون غير الورق الذي تدبره الشركة، ولولا ذلك لما ~~استطاعت أن تعيش سنة بعد ذهاب الوزارة السعيدية، وانقطاع الاشتراكات عنها في ذلك ~~المعترك العصيب. # وبقيت في تحرير «الأهالي» إلى نهاية الحرب، وظهور الدعوة الوطنية على يد الوفد المصري ~~بقيادة سعد زغلول، وافترقت الخطة العامة بين الصحيفة والوفد، فتركتها وعملت في الصحيفة ~~التي كانت تجري يومئذ على تلك الخطة، وكانت فاتحة عصر جديد في حياة مصر، وحياة الصحافة ~~وحياتي الصحفية، يقترن بتاريخ النهضة الحديثة فيما علمت من ظواهرها وخوافيها. # | ذكريات وشخصيات # صديقي المازني # صديقي المازني أحوج الأدباء إلى التعريف بحقيقة فضله؛ لأني ما رأيت أحدا من المعجبين به ~~إلا وهو يجهل بعض مزاياه ... وليس ms083 ذلك لخمول في الذكر، فقد بلغ - رحمه الله - من الشهرة غاية ~~ما يبلغه الأديب في البلاد العربية. # وليس ذلك لغموض في النفس يباعد ما بين ظواهرها وبواطنها، فما عرفه أحد من طول المعاشرة ~~إلا عرف أنه من أصفى الناس سريرة، وأشبههم ظاهرا بباطن، وجهرا بخفاء. # ولكنه لم يعرف بحقيقة فضله - أو بكل حقيقة فضله - لسبب غير الخمول وغير الغموض، وهو قلة ~~الاكتراث والاكتفاء بأيسر ما ينال، وبعضهم يسميها «ملكة السخرية»، ويخيل إليه أنها على مثال ~~السخرية التي اشتهر بها بعض المفكرين الساخرين ... ولكنها فيما أعتقد تشبه السخرية وليست هي ~~بها؛ لأنها تخلو في جوهرها من نكاية السخرية التي تلازمها، فلا تنطوي على النكاية بأحد، ولا ~~تدل على حب للنكاية. # وإنما هي على ما عرفتها واختبرتها، شيء آخر غير السخرية، وإن كانت شبيهة بها: # هي حب المعاكسة البريئة، أو هي الدعابة التي لا ضير فيها على أحد، ولا فرق بين الدعابة ~~على النفس والدعابة على الآخرين. # لم يكن يبالي أن يبرز خير ما عنده، ولم يكن يبالي أن يقدح في أدبه وفنه بقلمه ولسانه، ~~فيسبق المنكر والحاسد إلى القدح والإنكار، وبذل الجهد والعناء ... # لقد كان يرى أن حقائق الدنيا كالخيال؛ لأن غايتها إلى أمل أو ذكرى، وكلاهما خيال ... فليكن ~~متاعه بها ونصيبه منها خيالا بغير عناء ...! # وكان يرى أن الناس يضنون بثنائهم كأنه شيء لا غنى عنه، فكان يريهم أنه في غنى عنه فعلا، ~~وكأنه يقول لهم: «إن استطعتم فقولوا في أدبي وفني، وفي شخصي وسيرتي أكثر مما أقول.» # ويحسب بعضهم أنها فلسفة حياة، ويحسب الآخرون أنها «مظهر» من مظاهر التحدي التي يواجه بها ~~الناس. # وليست هي بفلسفة وليست هي بمظهر، هي طبيعة فيه عهدتها منه في غير عالم الكتابة، ولم ~~تفارقه منذ صباه، كاتبا أو غير كاتب، وغاية ما هنالك أنه كان يطاوعها حينا فيسترسل فيها، ~~وأنه كان يكفها حينا فلا تظهر كل الظهور ... كان ولعه «بالمعاكسة البريئة» تسليته ~~الكبرى. # ولست أحصي ضروب هذه المعاكسات التي كان يرتجلها ارتجالا في ms084 أكثر الحالات، ولكنني أذكر ~~حادثا منها له اتصال بجانب نفسي في تاريخ حياته، وهو من قبيل الوقائع التي تفسر الأقوال، ~~أو تفسر مذاهب الكتابة التي يسميها بعضهم فلسفة حياة. # قل من يذكر أن المازني شغل بالموسيقى في عنفوان شبابه، وأنه تعلم العزف على «الكمان»، ~~وتلقى دروسا كثيرة فيه، واستطاع أن يوقع بعض البشارف، وأوشك أن يحسب فيه من مهرة ~~العازفين. # وكنا نقضي السهرة ذات ليلة في ناد كبير من أندية الموسيقى والغناء، وطابت السهرة إلى ما ~~بعد منتصف الليل، وكان يبيت يومئذ بمنزله على مقربة من الإمام، ولم يكن خط الترام قد وصل ~~بعد إلى الإمام، وقد كان الترام الذي يذهب إلى تلك الجهة ينقطع قبل ذلك الموعد على كل ~~حال. # وودعته وهو يتفق مع حوذي ليوصله في مركبته، مركبة خيل؛ لأن السيارة لم تكن شائعة في تلك ~~الأيام. # وكان الجو ليلتها رائقا والقمراء في أوانها، وسكون الهزيع الثاني من الليل يغري ~~بالغناء. # ويظهر أن الحوذي - حين رآنا نخرج من النادي الغنائي - قد بدا له أننا من هواة السمع، فلا ~~حرج عليه إذا طرب وأطرب، وراح يتغنى بما شاء من «الطقاطيق» التي يهواها، ولم ينس أن يعتذر ~~إلى «زبونه» بعد أن رفع عقيرته بالغناء: لا مؤاخذة يا سيدنا البيه، إن محسوبك من هواة السمع، وإني ... وقبل أن يمعن في الاعتذار، ~~بادره «الزبون» قائلا: خذ راحتك ... «أنا والله أحب أسايرك!» # فلم يملك الحوذي نفسه من الطرب والارتياح؛ لأن الجواب الذي سمعه جزء من «الطقطوقة» التي ~~كان يغنيها، وراح يغني تارة ويردد قصته التي بدأ فيها تارة أخرى، وخلاصتها أنه كان - ~~لهوايته السماع - يختار موقفه إلى جانب «تخوت الآلاتية»، ويسترق السمع بين لحظة وأخرى كلما ~~استطاع الإفلات من رقابة البوليس. # وانجلى الحوذي، وخلا له الجو بعد باب السيدة عائشة، ونسي البوليس والزبون، ومضى كأنه في ~~ليلته يود ألا تنقضي به الطريق. # وتدرك أخانا المازني تلك الشنشنة التي لا تفارقه، ويوحي إليه الموقف بالخاتمة الصالحة ~~لهذا «الفصل الغنائي»، الذي أقحمه الحوذي عليه، فأفسد ms085 عليه في آخر الليل ما سمعه في أوله: ~~إن المطرب المقتحم قضى ساعة، وهو يقول في الطقطوقة التي يغنيها: «لما أشوف آخرتها معاك ~~...» # فماذا لو كانت آخرتها أن يلتفت عند خاتمة المطاف فلا يجد الزبون؟ # خطر الخاطر فلحق به التنفيذ، وخلت المركبة والمطرب المشغول بغنائه لا يدري؛ لأن خلو ~~المركبة وإخلاءها بذلك الحمل الذي كان فيها يستويان ...! # والتفت الحوذي بعد أن طالت الرحلة، ولم يستمع من الزبون صوتا ولا أمرا بالوقوف ... فطار ~~ما في دماغه من الغناء، وامتلأ بكل ما وعاه في حياته من البذاء. # ولا حاجة بالقارئ إلى ترديد ما ألقاه من لسانه في ذلك الخلاء، وليس من حوله أحد يجيبه إذا ~~استدل به، وغريمه الباحث عنه هو دليله الوحيد. # ويزورني الصديق في اليوم التالي فيسألني: «أتذكر شكل الحوذي الذي ركبت معه ~~بالأمس؟» # قلت: «لا أظن أنني أحقق شبهه، فلماذا تسأل عنه؟ هل فقدت شيئا عنده؟» # قال ضاحكا: «كلا ولكنه هو الذي فقد!» # فلم أفهم ما يقوله وسألته: «وماذا فقد؟» # قال: «فقدني أنا ...» وقص علي تفصيل تلك القصة التي أجملتها هنا بعض الإجمال! ~~••• # انقضى أربه من المعاكسة، وجاء دور الرحمة بذلك المسكين، فإذا هو مهموم بالبحث عنه لإعطائه ~~أجره الذي خيل إليه أنه قد ضاع بغير أمل، فقلت له: إن حوذيا بهذه الصفة لا بد أن يكون ~~معروفا بين زملائه في موقفه وغير موقفه، فهلم إلى الموقف نبحث عنه هناك! # ولم يخطئ ظننا في جدوى البحث هناك؛ لأن القصة كانت حديث زملائه جميعا، وإن لم يكن هو في ~~الموقف تلك اللحظة، فأخبرناهم أين يجدنا إذا عاد، ولم نلبث طويلا حتى أقبل الرجل يهرول، ~~وهو لا يصدق أن زملاءه قد صدقوه الخبر، فلما رأى صاحبه بالأمس أقبل عليه متهللا، وتناول ~~منه ضعف أجره الذي كان يطمع فيه ...! # وانصرف وهو يدعو له ويقسم نادما: «لا عدت إلى الغناء أبدا وأنا مركب» ... # وإلا «فعلى روحي أنا الجاني!» # قال الصديق العزيز: «بل تغني ما شئت، ولكن تعطي وجهك للسميع!» ... هذه هي «المعاكسة ~~البريئة» ms086 التي لزمت صديقنا على صور شتى من صباه إلى أخريات أيامه، وتزداد بها الفجيعة أن ~~نذكرها، فنذكر أي نفس طفلة - أي طفولة من طفولة العبقرية الخالدة - قد عاجلها ~~الحمام. # بهذه الدعابة البريئة - التي لا ضرر فيها على أحد - كان المازني يستقبل الدنيا، ويحتمل ~~نقائضها ومفارقاتها، ويعفي نفسه من الجهد الذي يبرز للدنيا خير ملكاته، بل يحاول أن يستر ~~هذه الملكات بيديه غير آسف على شيء! # قادر على نفسه # على أن المازني يصحح في هذا الباب خطأ يقع فيه أولئك الذين يحكمون على الأطوار ~~النفسية بظواهرها وعناوينها، فيحسبون أن طبيعة الاستخفاف تقترن دائما بالعجز عن الجد، ~~وصرامة الأخلاق. # والواقع أن الذين عاشروا المازني وخبروه يعلمون أنه من أقدر الناس على نفسه، وأصبرهم ~~على رياضة طبعه، وأشدهم جلدا على مواقف الشدة والصرامة، وقد عانى من شدائد الأيام ما ~~يقصم الظهر ويغشي آفاق الحياة بالظلام، فلم يكن يتغير لمن يلقاهم ويلقونه في هذه ~~الأحوال إلا بالإكثار من المرح والتبسط ... فلا يعرف جليسه أنه في شدة إلا إذا تحول مزاجه ~~إلى التكلف المحسوس. # وأنا أعلم من عاداته أنه كان مفرط الحس بالشم في مطلع شبابه على الخصوص، وكنا نمشي ~~مسافات طويلة لتجنب المرور ببعض الأماكن التي تنبعث منها روائح الحانات والنفايات، ~~ولكنه راض نفسه نحو ساعة على احتمال رائحة من أبغض الروائح إلى الأنوف؛ لأنه أراد أن ~~يلقي درسا حاسما على محبي «الشيطنة» من التلاميذ. # وكان أولئك التلاميذ يجهلونه، ويجهلون أنهم يحاربونه في ميدانه حين يعمدون إلى ضروب ~~المعاكسات المدرسية التي يغيظون بها طائفة من المعلمين، فانتظروا حصته ووضعوا في ~~المخابر حمضا كريه الرائحة لا يطاق في مكان محصور، وسبق إلى وهمهم أن الحصة ستضيع في ~~السؤال والجواب عن هذه الرائحة وعن مصدرها وعن واضعها، وعن المكان الذي جاء به منها - ~~وهو بطبيعة الحال معمل الكيمياء في المدرسة - ولكنهم لم يلبثوا هنيهة بعد دخوله إلى ~~الفصل حتى أدركوا أنهم في وهم بعيد؛ لأنه لم يسأل ولم يغضب ولم يبد عليه أنه فطن لشيء ~~غريب، ms087 ولم يزد على أنه مضى بنفسه إلى النوافذ، فأغلقها وإلى الباب فأغلقه، وأخذ في ~~الدرس وهو على أتم راحة ونشاط، وكلما اشتد الضيق بالشياطين الذين انقلبت عليهم فعلتهم ~~تصايحوا يسألونه فتح النوافذ والأبواب، وهو يزعم لهم في جد وسكون أن الحجرة المغلقة أصح ~~من تيار الهواء، وكان ذلك هو الامتحان الأول والأخير! # ملكة نادرة ...! # وليس أعلم من المؤلفين بالمشقة التي يعانيها الكاتب إذا حاول أن يعيد الكتابة في ~~موضوع من جديد، فإنها مشقة جهد ومشقة ملل في وقت واحد، ولكنني رأيت المازني يعيد كتابة ~~المقرر في التاريخ لبعض الفرق الثانوية تأديبا لرجل من الناشرين خدعه في طبع الكتاب ~~المقرر لتلك الفرق، فأعلن أنه غير راض عن النسخة المطبوعة، وأنه سيطبع المذكرات على ~~التوالي بعد إعادة تحضيرها، وصبر على هذا الجهد الممل ليملي على إخوان الأمانة درسا في ~~عاقبة الخيانة والخداع. # إلا أنني أظلم ملكات المازني كلها إذا رجعت باحتماله لهذه المشقة المملة إلى الإرادة ~~دون غيرها. # فإن الذكاء المفرط في الحقيقة هو صاحب الفضل الأول في صبره على جهد الإعادة ومللها؛ ~~لأنه كان يستطيع أن يفتح المرجع التاريخي الضخم في اللغة الإنجليزية، وأن يلخصه وهو ~~يقرءه، وأن يترجمه وهو يلخصه، وأن يكتبه على ورق الآلة الناسخة في وقت واحد، وهي أربعة ~~جهود يجمعها ذكاء المعلم النابغة في لحظة واحدة: جهد القراءة، وجهد التلخيص، وجهد ~~الترجمة، وجهد التحضير، إلا أن السرعة في الفهم والترجمة الصحيحة أهون ما في هذه الملكة ~~النادرة ... # وأقول: النادرة، وينبغي أن أقول الوحيدة، في تاريخ الآداب العالمية، فإنني لا أعرف في ~~آداب المشرق أو المغرب نظيرا للمازني في هذه الملكة التي أسميها بعبقرية ~~الترجمة. # إنه يترجم النثر في أسلوب كأسلوب الجاحظ وخالد بن صفوان، ويترجم الشعر في أسلوب ~~كأسلوب البحتري والشريف، ثم لا يخرم في ترجمته حرفا من اللفظ، ولا لمحة من المعنى ... بل ~~يأتي بالمقالة المترجمة أو القصيدة المترجمة في طبقة التأليف أو أعلى وأبلغ، ويعرض لك ~~قصيدة الشاعر الأوروبي - العالمي - بلغة عربية لا يزيد عليها ms088 صاحب القصيدة شيئا لو أنه ~~نظمها في لغة الضاد. # ولا يقل شعره المطبوع عن شعره المترجم في مزايا البلاغة والصقل والسلاسة، ومن دواعي ~~الأسف الشديد أنه هدر وأنكر على نفسه الشاعرية، ومن دواعي الأسف الشديد أن عبقرية ~~الترجمة التي انفرد بها لم تجد من ينفع بها العالم العربي، ويغني الفقيد بعمل من ~~أعمالها الخالدة عن كتابة الضرورة أو كتابة الظروف ... # ولا تقل عن ملكة الترجمة فيه ملكة أخرى من أنفس الملكات التي يرزقها الأديب والفنان، ~~وهي ملكة الملاحظة الدقيقة، والتعبير السهل القريب عما يلاحظه من المشاهدات والمناظر عن ~~عرض أو روية. # كنز زاخر # ونعود فنقول: إننا نأسف أشد الأسف؛ لأن الفرص لم تهيئ له أسباب النفع بهذه الملكة في ~~غير الأعمال الصحفية العاجلة، ولو تيسرت له موارد العيش، واستطاع أن يتفرغ للتأليف الذي ~~يريده لأمتع الناس بالعجب العجاب في هذا الباب، ولظفر العالم العربي بثروة المازني ~~كلها، وما أنفسها وما أجلها إذا كان هذا الذي اتسع له وقته وتهيأت له أسبابه جد نفيس ~~جليل. # كنز زاخر ضيعنا منه ما ضيعنا وهو فيما بيننا، فإن تعلمنا شيئا من العبر فلنتعلم كيف ~~نصون ما أبقاه، فإنه لخليق أن يبقى بقاء العربية في حرز أمين، وحسب العربية من فضله على ~~أدبها أنه أثبت لها القدرة على مجاراة أحدث الآداب بأسلوبها الصحيح السليم. # ذكريات مع الذكريات # وأي ذكريات؟ وكم من ذكريات؟ وما أكرمها ذكريات ...! # إنها ذكريات الصبا في بواكيره ... # إنها ذكريات الأخوة في حماسة الدعوة الأولى إلى الرأي والمذهب. # إنها ذكريات المشاركة في الجهاد الوطني على خلاف أو على لقاء. # إنها ذكريات العطف المتبادل والفكرة المتجاوبة في جميع الحالات. # ومهما يكن من معرفة عامة يعرفها القراء عن أديبهم المازني، ففي مجال تلك الذكريات ~~أحاديث لا تحصى ... # لكن هذه «الشخصية» المحبوبة: شخصية إبراهيم الكاتب وشخصية أبي خليل الصديق، تعفيني من ~~كل حيرة في موقف الاختيار بين تلك الذكريات، ولا فرق فيها بين ما يقال: أنه شخصي خاص، ~~وبين ما يقال: إنه ترجمة من حق النقد ms089 وحق التاريخ. وهكذا تكون «الشخصيات» التي يقول ~~النقاد: إنها «مطبوعة في الصميم»، كل ما تعمله أو تقوله خاصة يعين الناقد والقارئ على ~~فهمها، وتفسيرها في مجالها الفسيح الذي تتصل فيه بعالم القلم، وعالم التاريخ ... # لقد كان المازني الذي يسخر من كل شيء، ويخرج لسانه لعابري الطريق هو المازني الذي ~~يسمي كتبه في أخريات حياته ب «قبض الريح» و«صندوق الدنيا» و«عالماشي» و«حصاد الهشيم»، ~~وهو المازني الذي أعجبه ذلك الشاعر الذي أوصى أن يكتب على قبره هذان البيتان: # أيها الزائر قبري # اتل ما خط أمامك # ها هنا فاعلم عظامي # ليتها كانت عظامك # كأنه يخرج لسانه من تحت التراب لزائر القبر الذي يقرأ - وهو غافل - ما يحدثه به ~~الدفين المزور. # في كل ذكرى من تلك الذكريات الشخصية صورة من صور الدعابة، التي لا يفوتها الاحترام ~~والاستخفاف الذي يعرف مواطن الإعجاب والتقديس. # وكان صديقنا المرحوم عبد الرحمن شكري يقول له فيما بيننا بالإنجليزية ... حين نسمع ~~تعليقاته على ما نقرأ شعرا ونثرا: إن فيك يا أبا خليل لشيئا ملكيا عفريتيا بلا ~~افتراق # Angelic Impish ~~، وكان هو - طيب الله ثراه - لا ~~يرفض هذا الوصف، ولكنه يجيب عليه تارة إجابة الملائكة، وتارة إجابة العفاريت! # وكان موضع العجب من أمر صديقنا المحبوب المهيب أنه - على دعابته - لم يكن يفقد احترام ~~عارفيه على أوفاه، وأنه مع استخفافه لم يكن يستخف بمواضع التقديس والإعجاب. # كان - رحمه الله - قصير القامة يظلع في مشيته، وكان يدرس التاريخ والترجمة في مدرسة ~~ثانوية اشتهرت بتلاميذها المتمردين؛ لأنها كانت مدرسة أهلية تجمع الذين تجاوزوا السن في ~~المدارس الأميرية، أو طردوا منها لسوء السلوك، ولم يكن أيسر من اجتراء هؤلاء على مدرس ~~شاب قصير القامة يظلع في مشيته ولا يبالي كثيرا بزيه، ولكنه كان على نقيض ذلك مهيبا ~~عندهم إلى حد المخافة، وكان لقب «تيمورلنك» هو اللقب الذي اختاروه له من دروسه في ~~التاريخ! # ولعله كسب منهم هذا اللقب بعد امتحان أو امتحانين، ففهموا بعد الامتحان أي رجل هذا ~~الهزيل الضئيل الذي حاولوا - على غير معرفة ms090 به - أن يجترئوا عليه؛ لأنهم فهموا أنه رجل ~~يملك زمام نفسه، فلا يستعصي عليه أن يمتلك زمام الآخرين، وأنه رجل كفء لعمله على مثال ~~لم يعهدوه بين عشرات المدرسين. # وبهذه الكفاءة، وتلك الإرادة، أصبح مدرسهم الهزيل «تيمورلنك» زمانه المخيف، ~~والمحبوب. ~~••• # ولم تكن المدرسة هي الساحة الوحيدة المختارة لهذه الدعابات، بل كانت كل مفارقة يلقاها ~~على ثقة بالجواب السريع لفصل من هذه الفصول. # دخل إلى صيدلية يشتري حامضا من الحوامض السامة التي تستخدم في المنازل للتطهير، ~~وتقضي التعليمات على الصيادلة أن يسألوا من يشتري المادة السامة عما يستعملها فيه، ~~فسأله الصيدلي حسب التعليمات: لماذا تريدها يا أستاذ؟ # فلم يجب الأستاذ، بل نظر إلى الصيدلي ورفع إبهامه إلى فمه متلمظا كأنه يقول: ~~أشربها. # وكان الصيدلي الظريف كفؤا لزبونه الساخر، فناوله القارورة وهو يقول: قدحان مرة واحدة ~~كفاية يا أستاذ! ~~••• # وقد كانت دعابة صديقنا الودود سلاحا ماضيا يدفع به الأذى، كما كانت سلاحا حاضرا ~~يطرف به الأصدقاء، وكنا جميعا «المازني وشكري وأنا» عرضة للإساءات السخيفة نتلقاها ممن ~~هب ودب من أنصار القديم، ومنهم من كان يتميز غيظا من دعوتنا، ويتحرق شوقا إلى الفرصة ~~التي تهيئ له سببا من الأسباب للغض من هؤلاء «الطالعين فيها»، كما كانوا يصفوننا في ~~لغو الحديث. # ولقد ثقلت هذه الإساءات على مزاج أحدنا - شكري - فسئم لقاء الناس، وانطوى على نفسه ~~بعيدا عن المجامع والمجالس، إلا من تدعوه ضرورة العمل إلى لقائه ... # أما «أبو خليل» فقد كان بدعابته الحاضرة أمضى سلاحا من أن يتراجع أمام المسيئين أو ~~أمام الإساءات، ولم يكن أخبر منه بأساليب الانتقام العاجل ممن يخيل إليه أنه سيخنقه ~~بالفصول الباردة: الفصول التي تحرج المقصود بها؛ لأنه لا يدري كيف يحتج عليها ولا كيف ~~يسكت عنها. ~~••• # خرجنا ذات مساء إلى ضاحية القبة نتنسم هواء الربيع، وكان لنا صديق يسكن في تلك ~~الضاحية، فلما مررنا به وجدناه بين فئة من صحبه وجيرانه على باب داره، فلبينا دعوته، ~~ولما يكد يستقر بنا الجلوس وإذا بواحد من الحاضرين يتصدى لتوزيع السجائر، ms091 ويتخطاني ~~ويتخطى المازني عمدا ليسيء إلينا بهذا الإهمال ... وقبل أن أفرغ من سؤال نفسي: ماذا عسى ~~أن يصنع أبو خليل مع هذا الذي خيل إليه أنه يفحمنا بإساءته، وأنه حر في إفحامنا بها؛ ~~لأنه حر في سجائره يحيي بها من يشاء ويهمل من يشاء ... إذا بالدعابة الحاضرة - تحت الطلب ~~- تسعف أبا خليل، فيمد يده إلى علبة السجائر، ويذهل صاحبها فيسلمها إليه، ويأخذها أبو ~~خليل فيناولني سيجارة ويتناول أخرى، ويضع اثنتين على المنضدة، ويقول لذلك المخلوق ~~المذهول: هاتان السيجارتان للدورة الآتية ... لأننا لا نريد أن نراك مرة أخرى ... # ثم يرفع رأسه كأنه تنبه من سهوة عارضة، ويقول في غير اكتراث: لا مؤاخذة! حسبتك خادم ~~الدار، ولولا ذلك لطردك صديقنا الكريم. ~~••• # ولقد شهد هذه الفصول المازنية كثيرون من صحبه الأقربين، وممن لا يعرفهم بغير تحية ~~المزاملة في العمل أو تحية الطريق، فلم يعرضه فصل من هذه الفصول قط لفقدان الاحترام، ~~ولم يعرضه هو - بينه وبين نفسه - لفقدان الشعور بالاحترام، وكان له قدره المرعي في كل ~~بيئة نزل فيها، ولو نزول الطارئ الراحل، وقد كانت لهذا المستخف الساخر غضبته التي لا ~~يغضبها الكثيرون من الجادين الذين لا يعرفون السخرية والاستخفاف، فإذا مست كرامته فلا ~~مزاح ولا هوادة، وقد استقال من وظيفته الحكومية يوم كانت الاستقالة من «خدمة الميري» ~~شبيهة بالانتحار؛ لأنه لم يعط حقه من التقدير بين قرنائه في الديوان. # وفهم هذا الازدواج المحكم في طبيعته بين فلسفة الاستخفاف وشعور الاحترام ليس بالأمر ~~العسير الذي عرفوه وعاشروه، إن «اللا مبالاة» عنده لم تكن نقصا في الشعور، ولم تكن ~~وليدة النظرة السلبية إلى الحياة، ولكنها كانت عنده وليدة للشعور المفرط، وللنظرة ~~الموجبة إلى العاطفة الإنسانية في شعابها التي لا تحصى، كان ملء النفس عطفا على الأم، ~~وعلى الابن وعلى الأخ، وعلى الزوجة، وعلى الصديق، كان امتلاء نفسه شعورا بالواقع هو سر ~~هذا الضيق بالجد المتصل في حالة بعد حالة، وإحساس بعد إحساس، وكانت نظرته المثالية إلى ~~غير الواقع المتكرر هي التي جعلته يعطي ما ms092 لله لله وما لقيصر لقيصر، كما قال السيد ~~المسيح، أو هي التي جعلته يعطي للواقع ما للواقع، وللمثل الأعلى ما للمثل الأعلى دون أن ~~يمزج بينهما في كل حادث وكل يوم، فإذا جاء دور المقارنة بين الواقع الإنساني وبين ~~الكمال المنشود، فهناك تتفتح الأبواب للسخرية بجميع مصاريعها، ولكنها سخرية عاطفة ~~كسخرية الأب الذي هو أعطف الناس على ضعف وليده، وأوسعهم رجاء له في الكمال. # بهذه النظرة المطبوعة إلى الواقع وإلى المثل الأعلى استطاع أن يعرف السخرية بالواقع ~~في حينه، وأن يعرف الغضب للقداسة التي نرفعها إلى سماء المثل العليا في كل حين. # فمن غضباته التي نذكرها تلك الغضبة التي أشرت إليها في معرض الكلام على تأليف ~~العبقريات، وأولها «عبقرية محمد» صلوات الله عليه. ~~••• # كنا نزور ساحة المولد النبوي على مقربة من مسكني بالعباسية، في جولة من جولاتنا التي ~~كنا نسميها بالتفتيش الفني على أحياء المدينة، فذكرنا مقال البطولة النبوية، وكتاب ~~الأبطال للفيلسوف الأيقوسي توماس كارليل، كان يعرف إعجابي بما يكتب ذلك الفيلسوف، فقال: ~~ولم لا تكتب أنت ذلك المقال من جديد، ونحن أولى بهذا الواجب من كتاب الغرب، مهما يكن من ~~إخلاصهم في تقدير البطولة المحمدية؟ # وكان في الجماعة فتى متحذلق يحسب أن حرية الفكر إنما تقاس بمقدار التطاول على ~~المقدسات الموقرة، وعلى مقدساتنا نحن دون سائر العالمين ... ففاه بكلام هازل يشير به إلى ~~السيف وإلى الزوجات الكثيرات ... وما راعنا إلا المازني الوديع الساخر ينتفض غضبا كأنما ~~لمسته لفحة من وقود مضطرم، وإلا حركة يوشك أن يتبعها عمل وهو يقول تعقيبا على صيحتي في ~~وجه ذلك الدعي المتحذلق: كلا، كلا، إن هذا الهجر لا يثبت الحاجة إلى الضرب بالسيف في ~~نشر الدعوات، إنه ليثبت الحاجة إلى ما هو أصلح من ذلك لداء البذاءة والقحة ... إنه الضرب ~~بالحذاء توفيرا للسيف عن مثل هذا المقام ...! # على أن الزمن قد كان يصنع صنيعه في هذا المزاج الذي وفق هذا التوفيق العجيب بين الجد ~~والقداسة، وبين السخرية و«اللا مبالاة» في عالم الأدب الخالد، وفي ms093 عالم المعيشة العارضة ~~من يوم إلى يوم، فكان من صنيع الزمن أنه لم يزل يوسع المسافة بين الواقع والمثل الأعلى ~~عاما بعد عام، حتى كاد أن ينتهي بها إلى الطرفين المتقابلين، فلم يكن للواقع عنده في ~~أخريات أيامه نصيب غير التحدي والسخرية والاستخفاف، ولم يكن فيه غير باطل الأباطيل، ~~وغير النظرة «عالماشي» وغير التفويت والإغضاء ... ولم يكن في أكثر الأحايين أهلا ~~للمصالحة بينه وبين المثل الأعلى فوق عرشه الرفيع من وراء المنظور والمأمول. ~~••• # وسكنت في طويته قوة النضال حتى عاد بشيء من الندم إلى نضاله القديم، وحتى استكثر الرد ~~على من ينكرون حقه ويجحدون فضله، حيث هو أحق وأجدر بالاعتراف، وأحق وأجدر بالفضل ~~والتفضيل. # فما كان إنكاره لشعره - فيما أعلم وأعتقد - إلا تحديا منه للإعجاب والاستحسان، ممن ~~يظنون أنهم ينعمون عليه بإعجابهم واستحسانهم، ويسلبونه نعمة يتكالب عليها بما ينكرونه ~~عليه، أو يبخسونه، مؤمنين ومكابرين متعنتين ... # وفي هذه الفترة كان يقول ما يقوله وهو لا يبالي أن يحسب جوابه من الجد، أو يحسب من ~~المزاح: إنني في مصنع النجارة الفني أعطيكم ما تطلبون، وما بالي أعطيكم كرسي الصالون ~~وأنتم تطلبون كرسي المطبخ؟! أو أسومكم ثمن الدولاب وأنتم تبذلون ثمن الصندوق الصغير؟! ~~وخدعته قبل أن تخدع غيره سهولة الكتابة عليه، فنسي أن السهل الممتنع هو الذي يستطيعه ~~مثله بلا مبالاة ... ويطلبه سواه، بكل ما في وسعه من مبالاة، فلا يقدر عليه. ~~••• # كان يجلس إلى المرقم «التايبرايتر» ليكتب القصة أو المقال المطلوب، ساعة الطلب بغير ~~تحضير ... وكان يكتبه في جلسة واحدة ويختمه مع ختام الورقة الأخيرة، فيحس القارئ أنه لم ~~يقل كل ما عنده، ولكنه يحس كذلك أن الذي قرأه كاف، واف، أو يزيد على الكفاية ~~والوفاء. # وهنا - أيضا - نعلم الفارق بين «اللا مبالاة» السالبة و«اللا مبالاة» الموجبة التي ~~تغنيها القدرة عن جهد المبالاة ... # ربما كانت سهولة الكتابة على المازني تقنعه هو نفسه بأنه غير مكترث بما يكتب، ولكنه ~~ينسى أن هذا الذي يكتبه بغير اكتراث يحاوله المكترثون جهدهم فلا ينتهون إليه، وأحسب ms094 ~~أنني قرأت له المقال الذي كان يكتبه في نصف ساعة، وقرأت له من قبل ذلك مقالات كان ~~يكتبها ويعود إليها في ساعات، فكان أجود ما كتبه من ثمرات السرعة البالغة، سرعة الكاتب ~~الذي يقول: إنه «لا يبالي»، ولكنه يبلغ غاية الشوط من «مبالاة» الآخرين ... # وهذه هي عبقرية المازني التي لا تجارى، عبقرية تعطي وقائع اليوم حقها، ولا تنسى حقوق ~~المثل العليا في سماواتها، وهي على هذا تعطينا نموذجا منها في النكتة مع التلميذ ~~والصاحب وعابر الطريق، كما تعطينا نموذجا منها في ثمرات الفن والأدب، وتشعر وهي تستخف ~~وتسخر كما تشعر وهي تقدس وتجد؛ لأنها فيما «تباليه» وما «لا تباليه» إنما تصدر عن فرط ~~شعور وعن تمييز بين مواطن النقص ومواطن الكمال. # عبد الرحمن شكري # عرفت عبد الرحمن شكري قبل خمس وأربعين سنة، فلم أعرف قبله ولا بعده أحدا من شعرائنا ~~وكتابنا أوسع منه اطلاعا على أدب اللغة العربية، وأدب اللغة الإنجليزية وما يترجم ~~إليها من اللغات الأخرى. # ولا أذكر أنني حدثته عن كتاب قرأته إلا وجدت عنده علما به وإحاطة بخبر ما فيه، وكان ~~يحدثنا أحيانا عن كتب لم نقرأها، ولم نلتفت إليها، ولا سيما كتب القصة ~~والتاريخ. # وقد كان مع سعة اطلاعه صادق الملاحظة، نافذ الفطنة، حسن التخيل، سريع التمييز بين ~~ألوان الكلام، فلا جرم أن تهيأت له ملكة النقد على أوفاها؛ لأنه يطلع على الكثير ويميز ~~منه ما يستحسن وما يأباه، فلا يكلفه نقد الأدب غير نظرة في الصفحة والصفحات، يلقى بعدها ~~الكتاب وقد وزنه وزنا لا يتأتى لغيره في الجلسات الطوال. # لم يسبقه أحد فيما أذكر إلى تطبيق البلاغة النفسية - السيكولوجية - المستمدة من أدب ~~الغرب على ما يقرءه من شعر الفحول في اللغة، ولعله أول من كتب في لغتنا عن الفرق بين ~~تصوير الخيال # Imagination # وتصوير الوهم # Fancy ~~، وهما ملتبسان حتى في موازين بعض النقاد الغربيين، ~~ومن ذلك التفرقة بين تشبيه الشفق، والفجر بدم الشهداء في قول المعري: # وعلى الأفق من دماء الشهيدي # ن علي ونجله شاهدان ms095 # فهما في أواخر الليل فجرا # ن في أولياته شفقان # وبين تشبيه ابن الرومي للأصلع حيث يقول: # فوجهه يأخذ من رأسه # أخذ نهار الصيف من ليله # فالأول وهم في خاطر المعري، لا يلتفت إليه أحد غيره لو لم يذكره، والآخر خيال مطبوع ~~يخطر لكل بديهة مصورة تتقن من التشبيه ما يتقنه الشاعر، وقد كان يشمئز من بيت الوأواء ~~الدمشقي: # فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت # وردا وعضت على العناب بالبرد # ويقول: إن نسبته إلى يزيد بن معاوية بلاء فوق طاقته، فلا تجمع عليه «بين قتل الحسين ~~وقول هذا الشعر الذي لا بأس به إذا أريد للفكاهة والعبث لا للغزل.» # وكذلك كان يحسب من المزاج الغث قول الأنباري: # ولما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الممات # أصاروا الجو قبرك واستعاضوا # عن الأكفان ثوب السافيات # وهو معدود من عيون الرثاء عند من ينظرون إلى اللفظ ولا ينظرون إلى بواعث الرثاء من ~~النفس الإنسانية، فمثل هذا الرثاء يقال للمكايدة أو للعبث، ولا ينم على حزن دخيل، ولا ~~تقدير مفيد. # شكري الشاعر # ولم يكن أمتع من الاستماع إلى شكري وهو يقرأ القصيدة العربية أو الأوروبية، ويعلق ~~عليها بيتا بيتا أمثال هذه التعليقات ... وما كتبه من النقد في مؤلفاته قطرة من بحر من ~~تلك الآراء النفيسة، التي كان يرسلها عفو الساعة ولا يعنى بتقييدها. # وقد نظم شكري سبعة دواوين من الشعر، غير القصائد التي لم ينشرها وتمتلئ بها كراسة في ~~حجم ديوانين آخرين أو أكثر، فمن تخير من هذه الدواوين المنشورة وغير المنشورة أمكنه أن ~~يجمع منها زبدة من أجمل الشعر تضارع صفوة القول في كلام كبار الشعراء، وقد كانت له قدرة ~~على رياضة النظم كما نرى في ترجماته لبعض رباعيات الخيام، فإن الترجمة أدل على قدرة ~~النظم من التأليف لتقيد الناظم بالمعاني المنقولة التي لا يتصرف فيها، فقد أحسن فيما ~~نقله من الخيام غاية الإحسان حيث يقول: # هاج للقلب جدة الحول أشجا # نا لديه قديمة العهد # تأنس النفس بالتفرد والوحد # ة في ظل ms096 عيشه الرغد # حيث تحكي الأزهار راحة موسى # في بياض النوار والورد # وله نفحة كأنفاس عيسى # باعثات للميت من لحد # أو يقول: # إرم قد عفت وصوح قدما # في رباها الربيع والزهر # كأس «جمشيد» قد مضت حيث لا حي # ث لدينا من أمرها خبر # لكن الكرم لا يزال جوادا # برحيق حبابه در # ولنا منزل على الروض فينا # ن تروى أزهاره الغدر # أو يقول: # هات لي الكأس يا حبيبي دهاقا # لا تطع عاتبا كئوس العقار # إن ثوب الوقار ثوب شتاء # ليس يغني في الصيف ثوب وقار # اغض عنك الوقار وارم به في # جمرات للقيظ مثل النار # إنما العيش طائر بين غصني # ن فخذه مآخذ المستطار # وهذه طبقة من الطلاوة والجزالة قد سلست له في مترجماته، كانت في مبتكراته أسلس وأوفر، ~~وقد توافرت لشكري مقطوعات أبيات في هذه الطبقة من بلاغة الأداء، وكان خليقا أن تتوافر ~~له في كل ما نظم لولا أن التفاوت طبيعة في أعمال العباقرة والموهوبين، ولولا أنه كان ~~قليل الاحتفاء بالمراجعة والتنقيح يرسل شعره إرسالا كما قال: # أرمي بشعري في حلق الزمان ولا # أبيت منه على هم وبلبال # ولكنه - على قلة احتفائه بالتنقيح - قد خلص له من جيد الشعر ما يسلكه في عداد ~~المجددين من نخبة الشعراء. # وله عدا ذلك في ميدان القريض فضل الرائد الذي سبق زمانه في عدة حسنات مأثورات، فهو من ~~أسبق المتقدمين إلى توحيد بنية القصيدة، وإلى التصرف في القافية على أنواع من التصرف ~~المقبول، فنظم القصيدة من وزن واحد ومقطوعات متعددة القوافي، ونظمها مزدوجات وأبياتا ~~من بحر واحد بغير قافية ملتزمة، وآثر في تجاربه الأخيرة أن يلتزم القافية مع تعديدها في ~~مقطوعات القصيدة الواحدة، وتسنى له في جميع هذه المناهج أن ينظم الكثير من القصص ~~العاطفية والاجتماعية قبل أن يشيع نظم القصص في أدبنا الحديث، وله فيها قصيدة اليتيم ~~التي يقول فيها: # وما اليتم إلا غربة ومهانة # وأي قريب لليتيم قريب؟ # يمر به الغلمان مثنى وموحدا # وكل امرئ يلقى اليتيم غريب # يرى كل أم بابنها ms097 مستعزة # وهيات لا يحنو عليه حبيب # إذا جاءه عيد من الحول عاده # من الوجد دمع هاطل ووجيب # كأن سرور الناس بالعيد قسوة # عليه تريق الدمع وهو صبيب # عزاءك لا يلمم بك الضيم أننا # يتامى ولكن الشقاء ضروب # فهذا يتيم ثاكل صفو عيشه # وذاك من الصحب الكرام سليب # ونذكر هذه القصيدة خاصة لسبب غير دلالتها على نماذج شعره في هذا الباب؛ إذ كانت من ~~أسباب وجومه الذي لزمه من مقتبل شبابه، وكان من دواعي هذا الوجوم أن هذه القصيدة ~~اختارها الأستاذ محمد أمين واصف في كتاب من كتب المطالعة مستحسنا لها، موصيا بحفظها، ~~من دون أن يذكر اسم صاحبها، فكان هذا الإغفال مما آلم الشاعر أشد الإيلام؛ لأنه كان ~~يفهم - كما قال لنا - أن يغفل ذكره لاستهجان شعره، فأما أن يكون الإغفال حتما عليه ~~مستحسنا ومستهجنا، فذلك كنود عجيب. # ولقد كان بعض الإنصاف خليقا أن يلطف من وحشة الشاعر التي لازمته منذ بواكير شبابه، ~~ولكن التواطؤ على نكران فضله بين من يعرفونه ومن يجهلونه محنة لم يكن ليصبر عليها ~~طويلا، مع ما فطر عليه من الحس المرهف والملل السريع. # ففي نحو العشرين نظم شكري هذه الأبيات: # لقد لفظتني رحمة الله يافعا # فصرت كأني في الثمانين من عمري # وحاول مني الهم صبرا فلم أزل # أدافعه حتى أبحت له صدري # وإني لأدري أن في الموت راحة # وأجنبه حتى كأني لا أدري # ولولا تقى لا يملك اليأس صرفه # لأوردني يأسي على المسلك الوعر # وقد عاش بقية عمره بهذه الوحشة، وهذا الملل، وهذا التردد بين اليأس والرجاء، لا يدري ~~ما يدافعه من خيبة في حياته الأدبية، ولا من خيبة في حياته الوجدانية، وكلها أثقل وأمض ~~من أن تطاق في حالة السليم الجليد، فلما أطبقت عليه العلة الوبيلة - علة الشلل - ران ~~عليه وجوم الأبد قبل الهرم، وقبل الموت، فترك الدنيا ومن فيها وما فيها، ولم يحفل حتى ~~بأن يقول: إنه تركها غير مأسوف عليها ... # شكري الناثر # والشاعر الناقد (شكري) كاتب ناثر على أسلوبه ومنهجه في السهولة ms098 والسلاسة، وقلة ~~الاحتفال بالتنقيح والتجميل، لكن نثره شعر، ونقده لا تقرأ مثله لشاعر غير ناقد أو لناقد ~~غير شاعر. # ومن مؤلفاته النثرية كتاب «حديث إبليس» وكتاب «الاعترافات» وكتاب «مذكرات مجنون» عدا ~~فصوله المجموعة في كتاب «الصحائف»، وكتاب «الثمرات»، وطابعها الغالب عليها جميعا أنها ~~وحي نفسه الذي لا يشبهه فيه كاتب يطرق هذه المعاني والأغراض، فهي «شكرية» في كل صفحة من ~~صفحاتها، وكل فقرة من فقراتها يكاد يميزها اللفظ المسترسل، كما يميزها لون الفكر ~~والوجدان. # يقول من فصل له عن هيبة الحياة وهيبة الموت: # إننا إذا أغرينا الناس بأن لا يهابوا الحياة خفنا أن يغريهم ذلك بأن يغالوا ~~في حب الحياة حتى يجبنوا ... وإذا نحن أغريناهم بألا يهابوا الموت خفنا أن يدفعهم ~~ذلك إلى كره الحياة، والرغبة في التخلص منها؛ فخليق بنا أن نحثهم على أن يجعلوا ~~بين الرهبتين موازنة كي لا ترجح إحداهما، ولكن الإنسان لا يملك صحة نفسه وسقمها ~~... فإن وراء رغبته في صحة نفسه عوامل لا يملك لها دفعا مثل الوراثة والتربية ~~والبيئة، فإذا تحالفت هذه الأسباب على أسقام نفسه بأن تجعله جبانا أمام ~~الحياة، أو جبانا أمام الموت، كان ضحية لها، ولا تنفعه نصيحة الناصحين ~~شيئا. # وخذ ما شئت من صفحاته تجد فيها ما تجده في هذه الملاحظة من استيحاء شعوره وفكره، ~~والاستفادة من مراقبته لنفسه ولغيره، ثم إرسال التجربة على الورق كما يرسل الحديث في ~~مجلس السمر عفوا بلا كلفة، ولا مراجعة بين مصدره من النفس، ومورده من التعبير. # إن «عبد الرحمن شكري» شاعر ناثر نسيج وحده في فنه، ومن توحده في هذا الفن أننا نتلقى ~~تعبيره من «شخصية» فذة لا يحكيها غير صاحبها، وإن جال به الفكر اللماح والاطلاع الواسع ~~في كل مجال. # ولقد عرف شكري الناس معرفة أحزنته أشد من حزنه لجهلهم إياه، فإن عادوا فعرفوه فلعلهم ~~يرضون أنفسهم بإرضائهم لذكراه ... # هؤلاء حادثتهم # نشأت وليس أحب إلي من الاطلاع على تراجم العظماء، ولكنني على فرط شغفي بالاطلاع على ~~تراجمهم لم أشعر قط نحوهم بذلك ms099 الشعور الذي يغلب على كثير من الناس، وهو شعور الميل إلى ~~رؤيتهم والاتصال بهم، إن كانوا من الأحياء، وقد يتفق لي أن أقرأ عن أحدهم، أو أقرأ له ~~كثيرا من الأوصاف والآراء، ثم يصل إلى مصر وتتاح لي فرصة لقائه، فلا أكره لقاءه ولا ~~أخف إليه، ولكنني أستطيع أن أفرض أنه لا يزال في بلاده، دون أن يكلفني هذا الفرض أقل ~~عناء. # إنني أحب غاندي وأكبره، وقد عبر بمصر في طريقه إلى لندن، وأرادت صحيفة البلاغ أن ~~تندبني للقائه والتحدث إليه، ومصاحبته في السفر من السويس إلى بورسعيد، فلم أنشط لهذه ~~الرحلة، ولم أشعر بأنني أزداد معرفة بالرجل أو إكبارا لقدره إذا قضيت معه هذه ~~الساعات. # ومرجع ذلك فيما أظن إلى أسباب شتى، منها أنني تعودت أن أرى العظماء والمشهورين في غير ~~«هالتهم» التي تضفي عليهم ما تضفي من الغرابة، وتثير في نفوس الناس نحوهم حب الاستطلاع، ~~أو حب الاستشفاف من وراء الظواهر والمراسم، وقد تعودت ذلك؛ لأنني نشأت في أسوان حيث كنا ~~نرى في كل شتاء زوارا من الملوك وأولياء العهود والنبلاء، وكبار القادة والساسة ورجال ~~الأعمال، ولكنا نراهم على أبسط ما يكونون من البساطة، فيرتفع عن أبصارنا غشاء الغرابة ~~الذي يحيط بهم، ويغري الأنظار بالتطلع إليهم، ونقدرهم من بعيد كما نقدرهم من ~~قريب. # كانت الصحف والأنباء البرقية تتحدث عن ملنر وكتشنر، وكان أهل أسوان يرون ملنر في قهوة ~~بلدية، أكثر روادها من الحمالين والتراجمة والأكارين، ويرون كتشنر على دكة خشبية أمام ~~بيت من بيوت مشايخ العرب. # وكان علماء الأرض الذين تنقل مجلات العلوم آراءهم وبحوثهم، وتعتمد عليهم الحكومة في ~~بعوث الكشف والتحقيق يفدون إلى أسوان أحيانا، فيزوروننا في المدرسة ونزورهم، ونألف أن ~~يكون كبار العلماء أناسا مألوفين. # ذلك سبب من أسباب. # أما الأسباب الأخرى فمنها حب العزلة الذي ورثته وطبعت عليه، ومنها أنني أتطلع إلى ~~معرفة العظمة حقيقة لا صورة، وأحسب أن رؤية لحظة أو لحظات لا تعرفني بالعظيم إن لم ~~تعرفني به قراءة يوم أو أيام. # لهذا ms100 لم أنشط كثيرا إلى لقاء مشاهير العالم الذين تهيأت لي الفرص للقائهم ومحادثتهم، ~~ولم أتوسل بعملي في الصحافة إلى محادثة أحد منهم، إلا لغرض غير حب الاستطلاع أو حب ~~التقرب من ذوي الأخطار. # فحادثت أحمد مختار الغازي، وحادثت سعد زغلول، وحادثت إميل لودفيج، وكان باعث الحديث ~~في كل مرة سببا غير حب الاستطلاع من جانبي، أو إرضاء المستطلعين من جمهرة ~~القراء. # أحمد مختار باشا الغازي # ومختار الغازي كما يعلم قراء التاريخ القريب بطل من الأبطال العسكريين الذين اشتهروا ~~في حروب روسيا والدولة العثمانية. # كانت له شهرة عالمية ومكانة موقرة، وأرادت الدولة العثمانية أن تنيب عنها في مصر ~~مندوبا ساميا ملحوظ المكانة؛ ليستطيع بمكانته - فقط - أن يوازن مركز المندوب ~~البريطاني بما في يديه من السيطرة والنفوذ، فاختارت مختارا لهذا المنصب، وعرف في مصر ~~باسم القوميسير. # ولم يكن له عمل في السياسة المصرية، بل كانت كل أعماله من قبيل التشريفات، وحضور ~~الصلاة في يوم الجمعة مع أمير البلاد. # ولكنه كان يسأل: «ماذا تعمل في مصر؟» فكان يقول: «إنني احتجاج حي على وجود ~~الاحتلال.» # ولما خطر لي أن أحادثه كان هذا الخاطر في الواقع «شيطنة شباب» ... لأنني أردت أن أنقل ~~باسم هذا الرجل الجريء كلاما يسمع منه ولا يسمع من غيره، وكان المحمل المصري قد تعرض ~~يومئذ لهجمة من هجمات الأعراب في طريقه إلى مكة، وكانت الجزيرة العربية ولاية عثمانية، ~~فليس أجدر من القوميسير العثماني بأن يسأل عما جرى فيها، وبخاصة حين يجري لأناس من ~~الحجاج المصريين في حماية فرقة مصرية. # كان مختار الغازي ضئيل الجسم قصير القامة، ولكنه كان مهيب الطلعة كأنما تشتعل في ~~عينيه نار موقدة، فلما تحدثت إليه لم يتحفظ ولم يبال أن يقول كل ما عن له أن يقوله ~~عن إهمال الإنجليز للقوة العسكرية المصرية، ولا أذكر تفصيلات حديثه اليوم ولا يتيسر لي ~~أن أبحث عنه في مراجعه لنقله بنصه، ولكنني أذكر أنه قال: «إن الإنجليز أهملوا جيش مصر ، ~~وإنني بقوة كقوة المحمل أفتح الجزيرة العربية!» # وكنت أكتب يومئذ ms101 في صحيفة الدستور لصاحبها الأستاذ الجليل محمد فريد وجدي بك، فلما ~~رويت له ما سمعت من الغازي ابتسم وقال: «إنك لا تذكر حادثة الحدود ... فإن كلاما أقل من ~~هذا الكلام قد أثار الإنجليز على أمير البلاد، فكيف تظنهم يتلقون مثل هذا الحديث من رجل ~~يتبرمون به وبمركزه في الديار المصرية؟» # ونشرنا ما تيسر نشره يومذاك، ولكنه على خفته بالقياس إلى ما قيل قد أقام الدنيا ~~وأقعدها في الدوائر الإنجليزية، وأحسبه كان من أسباب سعيهم الحثيث في نقل الغازي، ~~والمساومة على مركزه في الآستانة. # سعد زغلول # وحديثي مع سعد زغلول خليق أن يشار إليه؛ لأنه فيما أعتقد كان أول حديث لصحفي مصري مع ~~أحد الوزراء المصريين. # ونحن في العصر الحاضر نفتح الصحف اليومية والأسبوعية، فلا يفوتنا حديث وزاري في عدد ~~من أعدادها المتلاحقة. # لقد أصبحت محادثة الصحفيين المصريين لوزراء هذا البلد مادة صحفية دائمة، وموردا ~~ميسورا لكل قاصد. # ولكن صحف مصر قد عبرت في الجيل الماضي سنوات بعد سنوات، دون أن يسمع فيها صوت «ناظر» ~~من النظار، كما كان الوزراء يسمون في ذلك الحين. # لأن النظار كانوا في عزلة عن الرأي العام، وكان الرأي العام في عزلة عنهم، فلا يجسر ~~أحد منهم على الإفضاء بحديث عن سياسة «نظارته» إلى جمهور المصريين. ~~••• # وعلمت أن سعدا - رحمه الله - ناظر ولا كالنظار، وأنه لا يبالي ما يباليه زملاؤه من ~~غضب قصر الدوبارة أو غضب المستشار. # فأردت أن أحطم هذا السد بين الوزارة المصرية والأمة المصرية، وهمني أن أحادث سعدا ~~على الخصوص؛ لأنني كنت أعجب به وأترقب لمصر نهضة وزارية على يديه، وكان في تلك الأيام ~~عرضة لحملة جائرة من بعض خصومه، وكنت أعلم أنها جائرة؛ لأنهم زعموا أنه حارب الجامعة ~~وهو الذي رصد لها عشرة آلاف جنيه في ميزانية الدولة، وزعموا أنه حارب التعليم باللغة ~~العربية وهو الذي دفع الطلاب دفعا إلى مدرسة المعلمين، وجعل لهم مرتبات شهرية وهم في ~~سلك الدراسة؛ ليخرج منهم أساتذة يعلمون الدروس باللغة العربية، وزعموا أنه مالأ ~~الإنجليز على ms102 تقييد التعليم، وهو الذي كان يطوف البلاد من أسوان إلى رشيد لمحاربة ~~الأمية بتعميم المكاتب الأولية. # فاتخذت من حديثي معه وسيلة لدفع الشبهات بالأسانيد الرسمية، وحصلت فعلا على تلك ~~الأسانيد، ورأيت بعيني ما يثبت لي صدق ما ظننته في عزيمة سعد واحتفاظه بكرامته وكرامة ~~منصبه؛ لأن المستشار العنيد - دانلوب - جاء يستأذن في عرض أوراق عليه، ولم يكن مستشار ~~إنجليزي يستأذن في عرض أوراق، بل كان ينظر في كل مسألة بنفسه، ويعرض ما يشاء من ذلك على ~~الوزير للتوقيع. # نشرت حديثي مع سعد في شهر مايو سنة 1908 بصحيفة الدستور، ولم أحادث سعدا باقتراح من ~~الأستاذ الجليل صاحب الصحيفة، ولكن الأستاذ الجليل من كتابنا القلائل الذين يعرفون حرية ~~النشر، وكثيرا ما خالفته فيما أكتب وأنا يومئذ في مطلع حياتي الصحفية، وربما ذهب في ~~مسألة من المسائل إلى رأي وذهبت إلى غيره، فلا يرى حرجا في نشر ما أكتب كما ~~أراه. # إميل لودفيج # أما إميل لودفيج فلم يكن لقائي له عملا صحفيا، ولا أنا أردت أن ألقاه لأنشر ما ~~يجري بيني وبينه من الأحاديث، ولكنه حضر إلى القاهرة فأقامت له المفوضية الألمانية حفلة ~~استقبال في دار وزيرها، وأحب أن يتعرف لهذه المناسبة إلى أناس من المشتغلين بالأدب ~~والدعوة الفكرية من المصريين، فكنت أحد المدعوين. # وتصافحنا في مزدحم من الأجانب والمصريين والرجال والسيدات، فقال لي: إنه يود لو ~~تلاقينا في فرصة أخرى. # وكان صديقي الأستاذ محمود الدسوقي سكرتيرا شرقيا للمفوضية الألمانية، فدعانا معا ~~إلى اللقاء في حجرة من حجرات المفوضية وآثر لودفيج أن نتحدث على انفراد. # وأحسست من أسئلته الأولى أنه ينزع في مسائل المجتمع والسياسة نزعة اشتراكية معتدلة، ~~فقلت: إنني أوافق الاشتراكيين في كل ما يؤدي إلى تحسين أحوال الفقراء والأجراء، ~~وأخالفهم في كل ما يؤدي إلى حرمان الفرد حريته الفكرية والشخصية. # فقال: «حسن. حسن.» وكررها مرات. # ثم أحسست أنه قد اطمأن إلي بعد لحظات من الحديث وتبادل وجهات النظر؛ لأنه أفضى إلي ~~بأصرح ما دار بينه وبين المصريين والأجانب من الأحاديث ms103 العامة في المسائل الوطنية ~~والعالمية. # ثم سألني: «عندكم في مصر قوة تقدم، وقوة محافظة وجمود، وقوة بريطانيا العظمى، فأيها ~~يكون له التغلب فيما تظن؟» # قلت: «أتسأل عن المدى الطويل أم المدى القصير؟» # قال: «بل عن المدى الطويل.» # قلت: «سيكون الغلب لا محالة لقوة التقدم.» # قال: «يسرني أن أسمع منك ذلك.» ~~••• # واستطردنا إلى الكلام عن مؤلفاته فوجدته أقل ما يكون رضا عن قصصه، وأكثر ما يكون ~~رضا عن تراجمه، ولا سيما ترجمة نابليون فيما أذكر، فقلت له أيضا: «يسرني أن أسمع منك ~~ذلك؛ لأنه هو الصواب فيما أراه.» # وتركته وفي نفسي أثر من لقائه يقارب الأثر الذي استخلصته من قراءة كتبه، وهو أنه صحفي ~~راق، وأن تواريخه وأدبياته أقرب إلى تبليغات المجلات أو تعليقاتها، وإن كانت تفوق بعض ~~ما يكتبه المتخصصون من البحوث والدراسات؛ لأنه يكسوها طلاوة لا نجدها كثيرا في تلك ~~البحوث والدراسات. # برنارد شو في أسوان # شمس ربيعية لم تعترف قط بالشتاء، وأرض تحمل في كل بقعة من بقاعها سمات التاريخ الذي ~~يطوي الفصول والسنين، ونيل خالد وقور يوحي إليك أن تقيسه بألوف العهود والأجيال، ولا ~~تقيسه بألوف الفراسخ والأميال، وجبال من حولك كأنها أسوار تدور على صومعة ناسك لا تراه ~~بالعينين، أو كأنك تسمعه بأذنيك يقول في سكينته الأبدية: «ها أنا ذا لم أحفل بشيء في ~~دنياك، فماذا أصابني على مر الزمن؟ لا شيء ... فلا تحفل يا بني بشيء!» # تلك هي أسوان في هذا الشتاء، وفي كل شتاء، وتلك هي أسوان التي أقضي فيها بضعة أيام - ~~وفي وسعي أن أقول: بضعة قرون - حين تغمرني بتلك الآفاق التي لا تعرف حساب الزمن. # إجازة من عالم السياسة، ومن عالمنا الصاخب في غير طائل ... # وهل في العالم من يستغني عن هذه الإجازة من سنة إلى سنة، أو من حين إلى حين؟ # ساء حظه إن استغنى عنها؛ لأنه لن يستغني عنها إلا إذا أضاع نفسه فيها. # ولقد سن لنا الله سنة الإجازة من الحياة كلها في كل يوم، فهل نستغني عنها في ms104 هذا ~~الشغل الشاغل الذي يبغض الحياة إلى نفوس الأحياء؟ # معاذ الله خالق النوم لنا «إجازة يومية» من الحياة، وليته خلق للحيوان «السياسي» ~~بالطبع - كما يقول أرسطو - إجازة قهرية ينام فيها عن سياسته ... فإن غفلة النوم أروح له ~~من هذه الغفلة الدائمة وهو سهران! # وبحمد الله لا أزال أعرف هذه الإجازات، وإن لم أكن في بطالة. # ألا يقدر أناس على الغفوة بعد الغفوة، وهم في وسط الحركة والضجيج؟ بلى يقدرون ~~... ~~••• # وفي وسط الحركة والضجيج، بل في وسط المعمعة كما كان يفعل نابليون على ظهر جواده، ~~أستطيع أن أغمض عيني في عالم الأحلام، فأذهب في إجازة اليوم أو الشهر أو العام. # وإنني في تلك الغفوة لأيقظ ما أكون ... # لأنني في تلك الغفوة أهيم في أحلام الشعر والفن والأدب، فلا تقوى معركة «المارن» ~~نفسها على إخراجي من ديوان شعر، أو صفحات كتاب أغلق «أبوابه» علي! # وقلت: هي إجازة في كتاب، حين قلت لنفسي: «إلى أسوان ... إلى أسوان.» # لقد كان كتابا حسنا من وجوه كثيرة، وأحسن ما فيه أن كاتبه هو الفيلسوف «جود»، ~~وموضوعه هو الداعية المشهور «برنارد شو» ... # فالكاتب أعظم من المكتوب عنه في أكثر من ناحية واحدة، وهي على الأقل ناحية الفلسفة، ~~وناحية الآراء الاجتماعية ... # وإن شئت فقل أيضا: من ناحية الآراء السياسية والمبادئ الدستورية، وهي اليوم شغل شاغل ~~للصحافة والقراء! ~~••• # بين دوي العجلات، ودوي الدعوات، فتحت الكتاب أطوي صفحاته، والقطار يطوي الأرض «كطي ~~السجل للكتب»، كما جاء في القرآن الكريم ... # ولم تمض أربعون صفحة حتى وجدت نفسي على أبواب البرلمان من طريق آخر: طريق الآراء ~~والنظريات، لا طريق المعارك والأزمات! # صاحبنا الفيلسوف «جود» ينظر إلى «برنارد شو» نظرة التلميذ إلى الأستاذ؛ لأن شو كان ~~شيخا يقود الحركة الفكرية يوم كان «جود» طالبا ناشئا يتلمس طريقه في مضطرب المذاهب ~~والمعتقدات ... # وصاحبنا «جود» يرشح نفسه للنيابة عضوا اشتراكيا مع حزب العمال، فيكتب إلى «برنارد ~~شو» مستشيرا قبل الإقدام على هذه التجربة؛ لأنه أستاذه في هذا الميدان؛ ولأنه زعيمه في ~~النزعة الاشتراكية قبل عدة ms105 سنين ... # وأحسب أنني لو كنت في موضع «جود» لما استشرت الداعية الكبير في أمر من الأمور؛ لأنني ~~على ثقة أنه يخالف كل ما تقترحه عليه، فلو كنت عضوا في البرلمان، واستشرته في الخروج ~~منه لسخر من إقدامك على هذه الخطوة التي لا معنى لها! # ولو كنت كاتبا واستشرته في دخول البرلمان لسخر من إقدامك على هذه الخطوة التي لا ~~معنى لها كذلك ... # لأن كل اقتراح تعرضه على الداعية الساخر لا معنى له على الإطلاق! # فلا معنى إذن لأن تعرض عليه أي اقتراح! # ولكن «جود» قد أراد أن «يسأل» على ما يظهر مجرد سؤال، ثم لا يعول على الجواب ... # وهكذا سأل، وهكذا جاءه الجواب الذي لا شك فيه ... # قال له «شو»: إن الفلاسفة الذين دخلوا البرلمان غير قليلين، ومنهم «ميل» و«برادلو» ~~و«وب» الذي كان عضوا في الوزارة ... فهل صنعوا شيئا هناك؟ # وقال له: إن «تشرشل» لم يكن عضوا في البرلمان حتى الحرب العالمية، ثم ساقوه إلى ~~دائرة انتخابية أخلوها له؛ لأنهم في حاجة إليه، فقد كان شيئا مهما قبل أن يرشح نفسه ~~للنيابة البرلمانية. # وقال له: إنه هو نفسه قد رفض النيابة يوم عرضوها عليه وكرروا العرض مرات، ثم لم يندم ~~قط على الرفض والإصرار ... # وقال له أخيرا: «إن ورق اللعب لا يزال أمامك على المائدة، فإن شئت فجرب حظك والعب ~~ورقك ...» ثم تواضع «شو» في ختام خطابه؛ لأن التواضع من مثله رياضة محبوبة بين «الادعاءات ~~الكثيرة» ... فقال في شيء من الملل: «وهذه على كل حال آراء رجل كان ينبغي الآن أن يكون ~~ميتا؛ لأنه قد بلغ من الهرم أقصاه!» # ولم ينثن «جود» عن عزمه بهذه النصيحة، بل كتب إلى أستاذه يبلغه أنه ماض في ترشيح ~~نفسه، فجاءته منه تذكرة بريدية يقول فيها: «حسنا ... إنك سوف تتعلم على الأقل شيئا ~~واحدا، وهو أن تعرف كيف لا تعمل!» # ثم شفعها بتذكرة أخرى قال فيها: «امض في عزمك بكل وسيلة، فقد تحصل على تجربة مباشرة ~~لا تخلو من فائدة للفلاسفة السياسيين.» # وبعد هذه ms106 النصائح المختلفة عدل «جود» عن ترشيح نفسه؛ لا لأنه لم يرض عن أساليب ~~الأحزاب في الترشيح؛ لا لأنه عمل برأي الداعية الكبير! ~~••• # تلك هي إجازتي في هذا الكتاب ... # إجازة، ولا إجازة ...! # إجازة لأنها رحلة في عالم الفكر والنظر؛ ولا إجازة لأنها تعود بنا إلى السياسة في بعض ~~الطريق ... # وهي من هنا خبرة حسنة؛ لأنني قد أكون في إجازة والقراء «عاملون»! # وما الرأي بعد هذا في نصائح «برنارد شو» لتلميذه الفيلسوف؟ # ما الرأي في تقديره لعمل الأديب، وعمل العضو في البرلمان؟ # الرأي الذي لا يتسع فيه الخلاف أن الفيلسوف قد يصنع شيئا في المجالس النيابية، ولكنه ~~ليس بخير ما يصنع، وأنه إذا جرب مهنة الترشيح مرة بعد مرة خليق أن ينبذها بعد ذلك لا ~~محالة؛ لأنها تهبط به إلى المساومة الرخيصة والوعود الكاذبة، ولا ترتفع به قيراطا ~~واحدا فوق مستواه ... # وما لنا الآن ولهذه الظلمات؟ # إن الشمس ساطعة باسمة، وإن مشاهد التاريخ ومعالم الخلود من حولنا قائمة دائمة ~~... # فهلم إلى النور ...! # لسان الهلباوي # كان في مصر قبل الثورة العرابية حزبان سياسيان: أحدهما حزب محمد شريف باشا، والآخر ~~حزب أحمد رياض باشا ... # وقد يخطر للقارئ العصري أن تعريف الأحزاب بالأشخاص دليل على أن الحركة كلها شخصية لا ~~علاقة لها بالبرامج السياسية. # ولكن الواقع أن تعريف الأحزاب بالأشخاص كان سنة معروفة في ذلك العصر حتى في أعرق ~~الأمم البرلمانية ... فكان الحزبان المتناظران في إنجلترا يعرفان يومئذ باسم حزب غلادستون ~~وحزب بيكنسفيلد، ولم يكن ذلك دليلا على وحدة البرامج بين الحزبين ... # وقد كان الحزبان المصريان كذلك مختلفين في البرامج، ولم يكن الخلاف بينهما مقصورا ~~على الانتماء إلى هذا الوزير أو ذاك الوزير ... # كان حزب «شريف» أقرب إلى التجديد السريع ... # وكان حزب «رياض» أقرب إلى المحافظة مع التقدم في رفق وأناة ... # وكان الهلباوي بك ناقما على رياض باشا لسبب من الأسباب، فكان يطلق فيه لسانه ويكتب ~~عنه ما لا يرضيه. # فأمر عالما من رجال الدين أن يستجوب «الشيخ إبراهيم الهلباوي» تمهيدا لمعاقبته ... ~~فبدأ العالم المحقق ms107 كلامه بتهديد الشيخ الناشئ، واستطرد قائلا: إن ناظر النظار سيخرب ~~بيتك إن لم تكف عن الحملة عليه ... # فضحك الشيخ إبراهيم وأجابه ساخرا: إنه لا يستطيع ... # فعجب العالم المحقق: كيف لا يستطيع وهو ناظر النظار، والحكومة كلها في يديه؟ # وقال الشيخ إبراهيم: وليكن ناظر النظار أو أكبر من ناظر النظار، ليكن أمير البلاد ... ~~ليكن خاقان البرين والبحرين، بل ليكن «الله» - جلال جلاله - فإنه لا يستطيع أن يخرب لي ~~بيتا ... # ففزع العالم المحقق، وخيل إليه أن المسألة تنتقل من التمرد والعصيان إلى الكفر بالله، ~~والعياذ بالله! # فصاح بالشيخ الناشئ حنقا: أهذا الذي تعلمتموه من جمال الدين؟ # وكان جمال الدين مظنة «الزندقة» عند بعض العلماء في ذلك الحين، فطاب للعالم المحقق أن ~~يجد في كلام التلميذ برهانا على زندقة الأستاذ ... # وكان الشيخ إبراهيم الهلباوي من تلاميذ جمال الدين؛ فلم يكن أسرع منه إلى رد التهمة ~~إلى المتهم، وقال لصاحبنا: «بل هذا الذي تعلمناه منكم قبل أن نتعلمه من جمال الدين!» ~~... # قال الرجل: أعلمناكم الكفر ... نحن؟! # قال الفتى المتحذلق: بل علمتمونا أن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل ... وخراب بيتي ~~مستحيل لسبب واحد، وهو أنه ليس لي بيت! # على أن تلمذة الهلباوي لجمال الدين لم تكن تمنعه أن يستطيل عليه بمثل هذه الحذلقة إذا ~~«حكمت القافية» كما يقولون، فلعله هو التلميذ الوحيد الذي كان يجترئ على السيد بالدعابة ~~في مجالس الدرس، أو مجالس الحديث ... # قال لي عظيم من عظماء هذا العصر الذين حضروا كثيرا من تلك الأحاديث، أو تلك الدروس - ~~وكانت كل أحاديث جمال الدين من قبيل الدروس: إن السيد كان يتكلم يوما عن بعض الرذائل ~~التي تصيب الجسد والنفس الناطقة، وبعض الرذائل التي تصيب الجسد، ولا تمس النفس الناطقة ~~... # فقاطعه الهلباوي قائلا: يا خبر! وهل السيد من هؤلاء؟ فانتفض السيد مغضبا وصاح به: ~~اغرب عني أيها الخبيث ... لعنة الله عليك! # والهلباوي الذي تدل عليه هاتان النادرتان هو الهلباوي الذي عرفه الناس طوال حياته ، ~~ويمكنك أن تلخصه في عبارة واحدة، وهي أنه - رحمه الله - كان ms108 «ذلاقة لسان لا تطيق نفسها، ~~ولا تريح صاحبها.» # ومن هذه الذلاقة المتعجلة كان يؤخذ الهلباوي في كل ما هو مأخوذ عليه ... # سمعنا عنه قبل أن نراه، أو نستمع عنه ممن رآه ... # كان أشهر المحامين بين الفلاحين بلا استثناء، وكان من آيات شهرته أنها دخلت في ~~«النكتة المصرية» ... فكان الذين يساومون القصابين في شراء لسان الذبيحة يقولون إذا اشتط ~~عليهم القصاب في الثمن: والله ولا لسان الهلباوي. # وسمعنا بشهرته كاتبا كما سمعنا بشهرته محاميا، فكان عنوان مقالاته «إلى أي طريق نحن ~~مسوقون؟» يتردد على كل لسان، وكنا نسمع به وإن لم نقرأ تلك المقالات ... # ثم أدركته آفة التعجل وقلة الاستقرار، فتحول في الوطنية إلى خطة «الاعتدال»، وفسر ~~الاعتدال بمصانعة الاحتلال ... # ثم كانت الطامة الكبرى، ونعني بها «قضية دنشواي» التي وقف فيها موقفا ظل نادما عليه ~~طول حياته ... # وعن قضية دنشواي قلت في كتابي سعد زغلول: «لقد كنا أربعة نقرأ وصف التنفيذ في أسوان، ~~فأغمي على واحد منا، ولم نستطع إتمام القراءة إلا بصوت متهدج تخنقه العبرات.» # ويستطيع القارئ إذن أن يتخيل مبلغ السخط الذي أثارته في نفوسنا رؤية الهلباوي أمامنا ~~وجها لوجه في دار الجريدة، يوم ألقى الأستاذ لطفي السيد بك خطابه الذي أشرنا إليه في ~~الكلام على صاحب «المؤيد». # لقد كان اغتباطي شديدا بما أصابه من الأذى في ذلك اليوم، ولكني أقول إنصافا له: ~~إننا رأينا في الرجل شجاعة لم نرها في غيره من المقصودين بالهتاف العدائي ذلك المساء ... ~~فقد أوى بعضهم إلى حجرات الدار حتى اطمأن إلى انصراف الجمهور الغاضب، وأبى الهلباوي إلا ~~أن يقتحم الجمع خارجا من الدار في إبان الهياج، ولم يحفل بما تعرض له في طريقه من ~~اللكم والإيذاء. # وغاب الهلباوي زمنا عن ميدان السياسة، ثم ظهر بعد الثورة الوطنية معارضا لسعد ~~زغلول، وكانت المساجلات بين الأحزاب يومئذ على أعنفها ... ولكني أشهد القارئ أنني ما وجدت ~~القلم ينبعث في يدي انبعاثا إلى القول القارص العنيف ، كما كان ينبعث في الرد على خطب ~~الهلباوي وأحاديثه، فردودي عليه ms109 فيما أعتقد كانت أعنف ما كتبت على الإطلاق ... # ثم مضت الأيام، وشاء القدر أن يكون للهلباوي شأن في موقف من أهم المواقف في حياتي ~~السياسية؛ لأنه الموقف الذي اعتزمت فيه جديا أن أترك الهيئة الوفدية مستقلا عن جميع ~~الأحزاب ... # كان الوفد والأحرار الدستوريون مؤتلفين على عهد الوزارة الصدقية التي عدلت الدستور ~~... # وجاء اليوم الثالث عشر من شهر نوفمبر، فعقد الأحرار الدستوريون اجتماعا في دار ~~حزبهم، وذهبنا إليهم تأييدا لمظهر الائتلاف ... # وإذا بالهلباوي هو خطيب الاجتماع ... # وإذا بي جالس أمامه على قيد خطوة واحدة، وإذا به يحتال في كلامه ليهملني عند مناسبة ~~ذكري، ويتجاوز الإهمال إلى التعريض ... # وعلقت على الخطبة في اليوم التالي، ورآها فرصة سانحة لإرغامي باسم الائتلاف ... # وجاءتني دعوة إلى بيت الأمة حيث يجتمع طائفة من أعضاء الوفد على رأسهم مصطفى النحاس ~~(باشا). # ما الخبر؟ # الخبر - كما قالوا - أن مصير الائتلاف معلق على بيان مطلوب منا، ونحب أن نتلوه عليك ~~... # قلت: وما شأني في هذا البيان؟ # قالوا: بل الشأن شأنك؛ لأن فحوى البيان أن الوفد لا يقر ما كتبت عن الهلباوي بك ~~... # قلت: إنكم أحرار فيما تكتبون، ولكنني سأرد لا محالة على هذا البيان، وأقول لكم سلفا: ~~إنني أنا المسئول عما أكتب، ولم يعلم الناس قط أنني أكتب بإشارة من أحد ... # ثم ذكرت لهم سابقة سعد مع اللورد جورج لويد حين حملت على اللورد من أجل زياراته ~~للأقاليم، وثار اللورد ثورته التي أوشكت أن تعصف بالبرلمان، وأرسل إلى سعد من يقول له: ~~إن اللورد يعتقد أنه هو الموعز بتلك الحملة، فقال سعد كلمته المأثورة: «إنها تهمة لا ~~أدفعها أو شرف لا أدعيه.» ولم يفاتحني في الأمر حتى انقضت الأزمة؛ لكي لا أفهم أنه ~~يقترح علي الكف عن الكتابة في هذا الموضوع ... # ولكنهم لم يقتنعوا وقالوا: إن صدور البيان من الوفد أمر لا محيص عنه، فإن شئت فاسمعه ~~لتقترح تغييره أو تعديله فيما لا يرضيك ... # قلت: لن أسمعه، ولن أسكت عن الرد عليه ... # في ذلك المساء زارني مكرم عبيد (باشا) ms110 والمرحوم صبري أبو علم (باشا)، وسألاني: «ماذا ~~صنعت؟» # قلت: كتبت ردا على البيان سينشر في عدد الغد من جريدة «مصر» - وكانت من الصحف ~~الصباحية - وفيها كنت أكتب مقالاتي كل يوم ... # فحاولا وقف المقال ... # فقلت لهما: إذا كنت لم أستطع أن أقنعكم بوقف بيانكم، فلن تستطيعوا إقناعي بوقف هذا ~~المقال ... # ثم قلت لهما: إنني أملك أن أنشره في غير الصحيفة الوفدية إذا حيل بيني وبين نشره فيها ~~... # وكان قد جاءني فعلا من يعرض علي العروض الطوال العراض لأعطيه المقال وينشره حيث ~~يشاء ... # وبعد مناقشة طويلة، قال مكرم باشا: إننا كنا نود لو قبلت رجاءنا، وعدلت عن نشر مقالك ~~... أما وأنت مصر على نشره فاقبل منا رجاء آخر ... # قلت: ما هو؟ # قالا: أن يخلو المقال من الملام الشديد. # قلت: إنني إذا ذكرت الحقائق كما حصلت فلا حاجة لي إلى ملام شديد ... # ومضت سنوات ثلاث أو نحوها والهلباوي بك لا يقع لي في طريق ... # وحدثت في خلال ذلك جفوة بيني وبين المرحوم عبد القادر حمزة لمناقشة دارت بيني وبينه، ~~حين كنت أكتب في صحيفة «الجهاد» ... # ثم زارني يوما بعد طول القطيعة، وهو يقول لي: لقد مررت بدارك وأنا في مصر الجديدة، ~~فحمدت هذه الفرصة وقلت لنفسي: فلنزره إن كان هو لا يزورنا ... فما رأيك؟ # قلت: إنه فضل لك سبقتني به، وعلي أن أشاركك فيه ... # وزرته في دار البلاغ بعد يوم أو يومين، فإذا بالهلباوي بك هناك ... # فكدت أهم بالرجوع ... # بيد أن الهلباوي كعادته هجام لا يتردد، فجذب يدي وبدأني بالحديث. # ولقد خطر لي في تلك اللحظة أن واقعتي معه آخر ما يذكره في تلك المقابلة، ولكنها على ~~عكس ذلك كانت أول ما ذكره وأسهب فيه، وجعل يقول وهو يضحك: «كنت والله يا رجل أحب أن ~~يكتب الله لي ثواب إخراجك من تلك الجماعة ... ولكنه فاتني، وأراك خارجا منها على التسعين ~~...!» # وبعد حديث متشعب دعاني والأستاذ عبد القادر إلى قضاء سهرة في منزله ... فاعتذرت، وخرج ~~معي حين انصرفت حتى افترقنا عند دار محمد محمود ms111 (باشا) رحمه الله ... # ويظهر أن رغبته في زيارتي له بقيت تساوره زمنا حتى صدرت صحيفة «روز اليوسف» اليومية ~~وواليت الكتابة فيها، فدعانا جميعا إلى قضاء السهرة عنده، وذهبنا إليه مع السيدة روز ~~اليوسف والدكتور محمود عزمي، وكانت في الحق من أمتع السهرات؛ لأن الرجل محدث ظريف لا ~~يمله المستمع إليه ... # ولقد كانت أحاديثه في تلك الليلة أكثر من أن تذكر ... إلا أنني أذكر من طرائف السهرة أن ~~السيدة روز اليوسف كانت تخاطب قرينته وهي تظن أنها زوجة ابنه، لبعد الفارق بينها وبين ~~زوجها في السن ... ولم تزل على ظنها حتى نبهها إلى خطئها بنكتة من نكاته التي تناسب ~~المقام! # نابغة من نوابغ عصره لا مراء ... كان يسلم من كثير مما يؤخذ عليه لولا تلك الحيوية التي ~~أقلقته، وباعدت بينه وبين الصبر والاستقرار. # طه حسين # للقدماء ضروب من التوقير يستخف بها المحدثون، ولا يحفلون بها، وحق لهم أن يستخفوا ولا ~~يحفلوا؛ لأنها ترجع إلى أسباب خاطئة في زمانها فضلا عن الأزمنة الحديثة، وليس أدل على ~~قلة الحياء من كثرة البحث فيما يجوز وما لا يجوز؛ لأنه دليل على كثرة القيود. # وأول ضروب التوقير التي يحق للمحدثين أن يستخفوا بها اجتناب الكتابة عن الأحياء، وقصر ~~التاريخ والتقدير على من فارقوا الحياة، فربما كان مصدر هذا العرف عند القدماء أنهم ~~كانوا يكبرون السلف، ويحصرون فيه العلم والمعرفة والأدب والخلق والشهرة، وكأنهم كانوا ~~يستكثرون الجمع بين العلم والحياة أو بين الشهرة والحياة في وقت واحد: فإما حياة وخمول ~~وإما موت وشهرة، ولا توسط بين الأمرين في تاريخ العلماء والأدباء، وتقدير حظوظ العلم ~~والأدب. # وقد جرف العصر الحديث ذلك العرف جرف السيل، فكثرت تراجم الأحياء، بل كثرت تراجم ~~الأدباء لأنفسهم بأقلامهم ونشرها في إبان حياتهم، وتلك علامة خير وصلاح؛ لأن ما خف من ~~جانب التوقير إنما يزيد الحياة؛ لأن إساغة التاريخ للأحياء تدل على رحابة الصدر ~~والتفاهم على الطبيعة الإنسانية في جوانب كمالها ونقصها وإطرائها وعيبها؛ ولأن العصر ~~الذي يساغ فيه الاعتراف ببعض العيوب هو ms112 العصر الذي تتوافر فيه المزايا والمحاسن، فلا ~~يضار المرء بالنقد؛ لأنه يعرف حدود الطبيعة الإنسانية، وما يبقى له بعد النقد من وجوه ~~التحبيذ والترجيح. # ولست أنا من أعداء القديم حبا لعداوة القديم، ولكنني أكره التحرج الكثير في غير ~~طائل، وأشايع زمني في هذه العادة خاصة، فلا أرى حرجا في الثناء على الدكتور طه حسين، ~~أو اغتيابه على ملأ من الناس ... ولهذا أجبت دعوة «الهلال» حين دعاني إلى إجمال رأيي في ~~الصديق العالم الأديب، وهو يعدني أو ينذرني بمثل هذا النصيب، وقبلت الكتابة وأنا أرجو ~~ألا أكون مغلوبا حين تنكشف الورقتان المطويتان؛ إذ الكلام في كلينا سر مكتوم عن صاحبه ~~حتى يطلع الهلال، وعندئذ تشيع الغيبة وينجلي السر عمن أحسن الحيطة والتخمين. # أنا ضامن أن الدكتور طه حسين سيقول: إنني شاعر، فليضمن الدكتور طه حسين إذن أن أقول ~~فيه: إنه كاتب ناتج في الأدب، وخير ما نتجه كتابه «الأيام» وكتابه «في الصيف»، وهما ~~الكتابان اللذان سرد فيهما بعض ما جرى له في حياته، فكان فيهما مثلا في البساطة والثقة ~~التي تعزف بصاحبها عن التماس التأثير المصطنع بالتعمل، والتجمل، والطلاء، والتزويق، ~~فالموصوف في هذين الكتابين صادق بسيط، والوصف كذلك على مثل هذه الحال من الصدق ~~والبساطة، ولكني لم أطلع على شيء يصف به الدكتور ما لم يجر له، أو يصف ما يخلقه من ~~الشخوص والحوادث في عالم الرواية، فما علة ذلك يا ترى؟ # أنا ضامن أن الصديق الأديب سيجد عيبا أو عيوبا في شعري يقيسها بمقياسه ويقدرها ~~بمعياره، فإذا ضمنت هذا فليضمن الصديق الأديب أن أعلل قلة الوصف المخلوق في كتاباته ~~القصصية لعيب فيه، هو قلة الخيال ... فهو يصف ما يعالجه من المحسوسات، ولا يتخيل ما عداه ~~من نقائضه أو مشابهاته، والعوض من ذلك عنده أنه يحسن البساطة التي يندر من يحسنها، ~~ويشعر بالكفاية التي تأتي من الثقة والاطمئنان إلى صدق الشعور، وهو عوض فيه غنى لمن ~~يحسن الاستغناء. ~~••• # أما طه حسين الناقد فماذا أقول له؟ # أقول: إنه اطلع على الأدب العربي ms113 القديم اطلاعه الواسع الذي لا جدال فيه، واطلع على ~~نفائس من أدب الإغريق واللاتين الأقدمين، واطلع على آثار رهط من كبار الأدباء ~~الأوروبيين ولا سيما الفرنسيين، كل أولئك خليق أن يحبب إليه الصحة والمتانة والقوة، ~~ويبغض إليه الزيف والسخف والركاكة، فهو يختار ما يعلو على مقاييس المقلدين المصطنعين، ~~وينبذ ما يستطيبه المحدودون من أصحاب الاطلاع القليل أو أصحاب الذوق السقيم، وله في ذلك ~~قواعد صحيحة ومراجع وثيقة، واعتماد على فكر لا يتقيد إلا بما يرضاه. # وإلى هنا لا أظن أن الدكتور سيعترف لي بأقل من هذا القدر في ميزان الكتابة المنثورة، ~~فأنا رابح على هذا التقدير. # ولا أظن كذلك أنه سيعترف لي في هذا الميزان بلا تعقيب ولا استدراك، فلنسرع إذن إلى ~~التعقيب والاستدراك، ولا لوم ولا إجحاف. # فالدكتور صحيح الأصول في النقد، ولكنه لا يوفق بين أصوله وطبيعته في كثير من ~~الموضوعات، وهو حين يقرر المبدأ على صواب غالب، ولكنه حين يطبق المبدأ ينحرف أحيانا عن ~~الصواب. # وعلة ذلك كما أسلفنا أن القاعدة والطبيعة عنده لا تتفقان، فالطبيعة عنده لا تحتكم إلى ~~الخيال والتصوير الخالق، ولكنها تحتكم إلى الرأي والاطلاع، فيقع من هنا التباين ~~والاختلاف. # أليس الدكتور يوصي بمبدأ «الشك» أو مذهب ديكارت؟ # بلى! ولكنك حين تقرءه ترى له عبارات من التوكيد واليقين قلما تراها في عبارات الشاكين ~~المترددين، فلا يعجب - أكثر ما يعجب - إلا أشد الإعجاب، أو إعجابا لا حد له، ولا يقنع ~~بما دون الإسراف وترديد كلمة الإسراف، ولا يغضب الذين يتحدث عنهم إلا غضبا شديدا، ولا ~~يضيقون إلا أشد الضيق، ولا يتكلمون إلا بصيغة المبالغة في معظم الأشياء ... ثم تنتقل من ~~هذا إلى تشكيك يذكرك ب «إن شاء الله» التي قالها جحا حين ضاع المال ... فقال: ضاع المال ~~إن شاء الله ... # كأن الدكتور يخاف من نسيان الشك خوف جحا من تلك الكلمة التي نسيها فضاع ماله، فأنت ~~تسمع منه: «أزعم أنني ضحكت ... وقد أزعم ... وقد أتردد ... وقد أقول ... وقد لا أقول.» مع أن ~~المرء لو أقسم ms114 جاهدا: «والله لأزعمن، وتالله لأترددن، وبالله لأقولن.» لما خرج بالقسم ~~مع الزعم، من دائرة الشكوك. # والقاعدة تستقر على اطراد إذا كانت هي والطبع على وفاق، غير أنهما عرضة للاختلاف إذا ~~وقع بينهما الخلاف، ومن هنا نرى الدكتور يقول مرة: إن أصول النقد الغربي واحدة قد وضعها ~~اليونان قديما وفرغوا منها، وتلقاها منهم الإنجليز، كما تلقاها منهم الفرنسيون فهم لا ~~يختلفون. # ثم نراه يقول بعد أشهر قليلة: إن النقد ليست له أصول مقررة عند الناقد الفرد فضلا عن ~~الأمم الكبيرة، والعصور الكثيرة، وإن الناقد يستحسن أو يستهجن، والمرجع إلى ذوقه وحده ~~في استحسانه واستهجانه. # ولعل هذا التباين بين القاعدة والطبع هو الذي جعل الدكتور ينكر الجديد إذا جاءه في زي ~~القديم، أو هو الذي جعله يطالب الشعر الحديث بأمور لا يطالب بها في حكم الطبيعة؛ لأنه ~~يجري في مطالبته على القياس. # وأقول للقلم: على رسلك! إلى أين؟ ما أحسبك إلا متوقعا الكثير من تعقيب الدكتور ~~واستدراكه، فأنت تستوفي المثل وتأمن أن تزيد. # ويقول القلم: ما أحسبني والدكتور مغلوبين على كل حال في هذه الصفقة، وليس الحق فيها ~~بمغلوب. # نعم، وحساب الدكتور أو «رصيده» كما يقول في لغة المصارف كثير، ففيه بقية وافرة بعد كل ~~تعقيب واستدراك. # وإذا قلت: إن الدكتور أمن استحسان السخيف من الأدب، فاختلافك بعد ذلك في زيادة القيمة ~~التي يقوم بها الجيد أو نقصها إنما يغير الثمن، ولا يغير جودة الشيء الثمين. ~~••• # ومن حساب الدكتور طه حسين أنه رجل جريء العقل قويه، مفطور على المناجزة والتحدي، ~~يستفيد مما يقتنع بصحته ومما يعينه على التحدي والتفرد فلا يحجم عن اتخاذه؛ ولهذا تغير ~~أسلوبه الكتابي بعد دراسته للأساليب الأوروبية، فاتخذ له نمطا يوافق علمه بالعربية ~~الفصيحة وعلمه بتقسيم المقاطع والفواصل في الكلام الأوروبي، كما يتكلمه من يجمع بين ~~الحديث والكتابة في وقت واحد، فهو يتحدث ولا ينسى أنه يكتب، ويكتب ولا ينسى أنه يتحدث، ~~وأسلوبه الذي اختاره أوفق الأساليب لذلك جميعا، وأولها من نوعه في اللغة العربية، وليس ~~فيه محاكاة ms115 لأسلوب آخر في اللغات الأوروبية. # ولو كانت كتابته حديثا محضا لاسترسلت بلا توكيد ولا تكرير، ولو كانت تقريرا محضا ~~أو درسا محضا لما انحرفت عن أسلوب الكتابة الذي لا يتحدث به القائل، ولو كانت تقريرا ~~أو درسا على الطريقة الشرقية لما ظهرت فيها المقاطع والفواصل الأوروبية، ولجرت على ~~سياق قريب من سياق الدروس الأزهرية، ولكن كتابته حديث فيه محاضرة ومراجعة وتنظيم، فلا ~~يوافقها إلا ذلك الأسلوب الذي استقل بابتداعه طه حسين ولو غضب المنكرون، وقد يكون غضب ~~المنكرين من أسباب ذلك الابتداع؛ ولأجل هذا الابتداع يغتفر ما في كتابة الدكتور من ~~إسهاب وتكرار. # ولقد أفاد بأسلوبه هذا عملا من لم يفدهم الرأي ولم تقنعهم المناقشة، فرأوا أن ~~العربية قد تكتب صحيحة فصيحة على أسلوب غير أسلوب الجاحظ وعبد الحميد وبديع الزمان وابن ~~المقفع، ورأوا كاتبا كبيرا يكتبها كما يشاء هو لا كما يشاء القدماء «فتنكتب»، وتلذ ~~وتفيد، فاستعدوا لاستحسان الفصاحة في غير قيودها القديمة، وألفوا تعديد الأساليب وطرائق ~~التعبير إلى غير انتهاء، وذلك وحده فتح قدير. # وقد جار نصيب القوة في الدكتور طه حسين على نصيب العمق، كما أشرت إلى ذلك في نقدي ~~لكتابه «في الصيف». # وليس بالقليل بين أكبر الأدباء العالميين من هو قوي لا يتعمق، فإني لأكتب هذا المقال ~~بعد أن فرغت من قراءة مقال للشاعر الإسباني ميجويل دي أنامينو كتبه ليمثل به رأي ~~الإسبان بين سائر الآراء، التي نشرتها مجلة «الشهر» الفرنسية عن فكتور هوجو لمضي خمسين ~~سنة على وفاته، فإذا هو يقول: إن عمله في إسبانيا على الأقل كان واسعا أكثر مما هو ~~عميق، وأرجو ألا يحسب الدكتور أنني أعود به إلى التفرقة بين السكسون واللاتين إذا أضفت ~~إلى هذا أن شاعر الأمة الإسبانية اللاتينية يقرر أن «بيرون» والشعراء الإنجليز هم الذين ~~وجهوا أدب تلك البلاد، وليس فكتور هوجو ولا الشعراء الفرنسيون، وإنه ليقرر ذلك في مجلة ~~فرنسية تحتفل بهوجو في عام ذكراه! ~~••• # والآن وقد أبرأت ذمتي وأفضيت بمجمل الرأي مع الحيطة والمعادلة والتربص، فإني على ms116 ما ~~أرجح كاسب ولست بخاسر، فإن اختلف تقديري فسأتهم محرر الهلال بإفشاء السر، وإطلاع مناجزي ~~على ما أعددت له قبل أن يتأهب لي بسلاحه، والمناجزة يومئذ بيني وبين محرر ~~الهلال. # من وحي أسوان # هبطت أسوان في هذا الشتاء، وأنا أذكر قول دعبل الخزاعي: # هبطت محلا يقصر البرق دونه # ويعجز عنه الطيف أن يتجشما # وإن امرءا أضحت مساقط رحله # بأسوان لم يترك له الحزم معلما # وذكرت كلام دعبل في هذه الرحلة خاصة؛ لأننا قضينا ساعة من الوقت في القطار، نتحدث عن ~~السفر إلى الصعيد بطريق الهواء، ومسافته لا تزيد في هذا الطريق على أربع ساعات، وقد ~~تنقص غدا إلى ساعتين، ومسافة السفر بسكة الحديد تنقضي ما بين عشية اليوم وضحى الغد ... ~~ثم ينتهي إلى حيث يستمع السامع إذا شاء إلى صوت المتحدث إليه من القاهرة والإسكندرية، ~~كما يتبادل الحديث مع جليسه في ناديه، يدير المفتاح في المذياع فيصغي إلى لندن وواشنطن، ~~ولا يقصر مكان في الأرض عن إبلاغ صوته إليه، أما الأطياف فما أكثرها في دور الصور ~~المتحركة الناطقة هناك! إن منها لأطيافا تنتقل من هوليوود، وأطيافا تنتقل من الجيزة، ~~ولا تعجز عن التجشم، ولا يبدو عليها أنها تعرف الإعياء كما عرفته أطياف دعبل، يرحمها ~~الله. # تلك أطياف وهذه أطياف، وتلك بروق وهذه بروق، وما أكسل البروق والأطياف فيما مضى، وما ~~أسرع البروق والأطياف في هذا الزمان، فلو عاش دعبل اليوم لتمنى ساعة من تلك الأيام التي ~~كان يتبرم بها قبل ألف عام، ولنظر حوله فرأى أناسا يتسابقون إلى المكان الذي قصرت عنه ~~أطيافه وبروقه، ويغبطون أنفسهم على الحزم الذي ساقهم إلى هذا المقام في خاتمة ~~المطاف. # وقصة دعبل في هجاء العالم كله معروفة، أما قصته مع أسوان فخلاصتها أنه وفد مع أخيه ~~عبد المطلب بن عبد الله أمير مصر يومئذ فولاه أسوان، ثم بلغ عبد المطلب هجاؤه إياه ~~فأنفذ إليه كتاب العزل مع مولى له، وأوصاه أن ينتظره حتى يصعد المنبر يوم الجمعة فينزله ~~ويصعد مكانه، ففعل كما أوصاه! # ذكرت ms117 كلام دعبل وذكرت كلام أخ له من قبل في هذا المقام، أهو أخوه في النسب يا ترى؟ ~~أهو أخوه في العربية؟ أهو أخوه في الزمن الذي عاش فيه؟ كلا، ولكنه أخوه في صناعة ~~الهجاء، ولم يكن أخاه في قومه ولا عصره؛ لأنه كان من أمة الرومان، وكان عصره في القرن ~~الأول للميلاد، وهو الشاعر اللاتيني جوفنال # Juvenal ~~. # من توافق المصادفات أن الشاعر اللاتيني كان كالشاعر العربي لا يسلم أحد من لسانه، وأن ~~هجاءه لفنان العصر «باريس» قذف به من روما إلى جزيرة أسوان؛ لأن هذا الفنان الساحر كان ~~حظيا عند العاهل درومسيان! # قدم جوفنال إلى جزيرة أسوان قائدا للحامية الرومانية في ظاهر الأمر، وأسيرا منفيا ~~في حقيقته، ولم يستطع أن يلعن رومسيان، فلعن الجزيرة ومن فيها ومن حولها، ولم يرض عن ~~شيء رآه في ولايته التي فرضت عليه، فكذب وأقذع في شكواه، وادعى على مصر والمصريين ما لم ~~يدعه أحد سواه. # قال: إن المصريين يعبدون كل حيوان، ولا يدعون شيئا إلا عبدوه حتى الثوم، وما كان ~~المصريون يعبدون الثوم ولا البصل، ولكنهم عرفوا خصائص هذا وذاك، فانتفعوا بها في الغذاء ~~وفي العلاج، وجاء المحدثون في عصرنا هذا فاتخذوا من الثوم عصيرا سموه ماء ~~الحياة. # وقال: إن المصريين يأكلون لحم البشر، وقص من أخبار هذه الدعوة أن أناسا من أهل كوم ~~أمبو الذين يعبدون التمساح هجموا على رجل من أهل دندرة قتل تمساحا فأكلوه! # والتمساح - واسمه هذا منقول من المصرية القديمة - حيوان مقدس كالذئبة الرومانية، ~~ولكنه كان مقدسا عند أناس ورجيما ملعونا عند آخرين، أما أن الذين يقدسونه يأكلون لحم ~~قاتليه، فتلك هي الفرية التي اتفق المؤرخون على تكذيبها، وحسبوها «اختراعة» من أفانين ~~الهجاء، جناها السخط على الشاعر الهجاء قبل أن يجنيها بشعره على أبناء كوم أمبو ~~الأقدمين، المظلومين! # ومن عجيب التوافق بين الشاعرين الساخطين أنهما يتفقان في الخاطر كما يتفقان في ~~المزاج، فكان جوفنال يعجب لمن يسأله عن سبب هجائه ، كأنما كان الهجاء عنده أصلا من ~~الأصول التي لا تحتاج ms118 إلى سبب، وكان دعبل ينظم القصيدة المقذعة ويسألونه عمن قيلت فيه، ~~فيقول لهم: إنها ستجد صاحبها لا محالة، ويتفلسف فيمضي قائلا: «إن من يتقيك على عرضه ~~أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته شرف، ولا ~~كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك.» # فهي طبيعة واحدة في الشعراء الهجائين مع تباعد الجنس والزمن، ولا نظلمهم فنحكيهم حين ~~يجنون بالسخط على الحقيقة، فما نحسبهم ظالمين في كل ما تقولوه على الناس، وما نظنهم ~~سخطوا بغير حق في كل مقال، فلعل إصابتهم الناس عن بعض ما أصابهم منهم، ولعلهم شقوا ~~بالعالم كما شقي العالم بهم، ومن دلائل هذا الشقاء أن شاعرا هجاء في اللاتينية ~~وشاعرا هجاء في العربية يرددان معنى واحدا عميقا في دلالته على شقاوة الرجلين، ~~فيقول جوفنال في الأهجية الخامسة عشرة: «إن الطبيعة خلقت للإنسان الكريم قلبا رحيما، ~~فأودعت فيه ينابيع الدموع، وهي أكرم جانب في طوية الإنسان.» # ويقول ابن الرومي: # لم يخلق الدمع لامرئ عبثا # الله أدرى بلوعة الحزن # وقد تكون الحاجة إلى الهجاء كالحاجة إلى البكاء، في طبائع الشعراء، فلنقل: إن الشعراء ~~الهجائين ظالمون مظلومون، وكلهم في هذه الخلة سواء. ~~••• # وأعود إلى دعبل فأقول: إن الإعياء الذي ابتليت به أطيافه وبروقه ليست من فعل الزمن ~~وحده، ولكنها من فعل الخيبة التي كانت تلاحقه حيث ذهب، فلا هو استقر في صعيد مصر، ولا ~~هو استقر في صعيد حيث كان. # وقبل أن ينشط العصر الحديث بأصداء الأثير، وأطياف الستار الأبيض نظر الشعراء إلى ~~أسوان بغير هذه العين التي تستعجز البرق، وتتهم الطيف بالقصور، نظروا إليها بعين الرضا، ~~فوجدوا فيها بغية الطلاب على اختلاف المقاصد والآراب، كما قال جعفر بن ثعلب أبو الفضل ~~كمال الدين: # أسوان في الأرض نصف دائرة # الخير فيها والشر قد جمعا # تصلح للناسك التقي إذا # أقام والفاتك الخليع معا # وحسنها ما أراك مبدعة # تروق إلا بأختها شفعا # وقد حببت الحياة إلى أبنائها حتى قال فيها ms119 أحد هؤلاء الأبناء من الشعراء: # ما الشيب إلا نعمة # مشكورة فاشكر عليه # ما الغبن إلا أن تمو # ت وأنت لم تبلغ إليه # وقائل هذين البيتين هو الأديب إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، وهو من أسرة عريقة أمرها ~~في النبوغ عجب، ومن هذه الأسرة خالاه النابغان أحمد بن علي الملقب بالرشيد، والحسن بن ~~علي الملقب بالمهذب، وكلاهما شاعر مشارك في العلوم، يدل كلامه على علمه كما قال ~~الرشيد: # ولن يستفيد البدر إكمال نوره # من الشمس إلا وهو في غاية البعد # أو كما قال المهذب في وصف ليلة: # لو لم تكن نهرا لما عامت به # أبدا نجوم الحوت والسرطان # نادمت فيها الفرقدين كأنني # دون الورى وجذيمة أخوان # وترفعت هممي فما أرضى سوى # شهب الدجى عوضا من الخلان # أو كما قال: # لا ترج ذا نقص وإن أصبحت # من دونه في التربة الشمس # كيوان أعلى كوكب موضعا # وهو إذا أنصفته نحس # وكانا لهذا مبلوين بالحساد والأضداد، ولا سيما الرشيد الذي قيل عنه: إنه تطلع إلى ~~الخلافة، وكان يقول عن نفسه: إنه خلق من نار، فقال فيه ابن قادوس: # إن قلت: من نار خلق # ت وفقت كل الناس فهما # قلنا: صدقت فما الذي # أطفاك حتى صرت فحما # وقال فيه شاعر يمني، وكان الخليفة قد أوفده إلى اليمن داعيا وسماه علم المهتدين، ~~فحسده أدباء اليمن وقال فيه أحدهم: # بعثت لنا علم المهتدين # ولكنه علم أسود! # ولكنه كان لا ينظر إلى الحساد نظرة الأقران والأنداد، وقال في أمير رجاه فخيب ~~مناه: # لئن خاب ظني في رجائك بعدما # توهمت أني قد ظفرت بمنصف # فإنك قد قلدتني كل منة # ملكت بها شكري لدى كل موقف # لأنك قد حذرتني كل صاحب # وأعلمتني أن ليس في الأرض من وازرة # عليهم رحمة الله جميعا، من ظفر بالإنصاف ومن فاته إنصاف الناس وفاته هو أن ينصف ~~الناس، فقد بقي بعدهم وحي أسوان ووحي الزمان كما كان، وكذلك يبقيان! # | في أرض الميعاد # قصة المدينتين # قلت لبعض الإخوان الفلسطينيين: إن الله أنعم عليكم بحرية الاختيار ms120 في أمر واحد، ولعله فأل ~~حسن وبشارة صادقة بنعمة أخرى تملكون فيها حرية الاختيار فيما يشغلكم اليوم وتؤثرونه على كل ~~نعمة، وهو نعمة الحرية القومية. # إنكم تملكون اختيار الأجواء والأهوية في كل فصل من فصول السنة، وترجعون إلى حسابكم أنتم ~~لا حساب الأفلاك والكواكب؛ لتخرجوا من الصيف وتدخلوا في الشتاء ... # فنحن في مصر ننتظر ثلاثة أشهر أو أربعة لنشيع الصيف ونستقبل الشتاء، ولكنكم هنا لا ~~تحتاجون إلى هذا الانتظار الطويل؛ لأن ساعة واحدة تنقلكم من حرارة يوليو إلى برودة نوفمبر ~~أو يناير في بعض الجهات، وعندكم المكان الذي يتذكر فيه السمار معاطفهم إذا طالت السهرة كما ~~تطول أبدا في ليالي الربيع ... وعلى مسيرة ساعة منه مكان يتذكر فيه السائرون مظلاتهم في أبرد ~~أيام الشتاء، وقد أوحى مكان من هذه الأمكنة نغمة الفكاهة إلى قائد من قواد الحرب وهو في ~~ميدان القتال، فكتب منه اللورد اللنبي إلى وزارة الدفاع البريطانية برقية يصف بها إحدى ~~المعارك في أيام الحرب العالمية الماضية، فقال: «حلقت طائراتنا هذا الصباح تحت سطح البحر ~~الأبيض المتوسط بستمائة قدم، ولاحقت العدو عند أريحا من هذا الارتفاع!» # وقد كان الحر هذا العام على أشده في شواطئ البحر الأبيض جميعها، فلم نشعر بوطأته الثقيلة ~~حين تركنا الشواطئ وارتفعنا إلى هضاب رام الله أو «رام إيل» الفيحاء، ولكنني لم أندم على ~~قضاء معظم أيامي في فلسطين بين الشواطئ، حيث تفرط الحرارة والرطوبة هذا العام على خلاف ~~المألوف في السنوات الماضية؛ لأنني لمست فيها عن كثب ذلك الصراع العنيف الذي أحسبه أعجب ~~صراع بين مدينتين متجاورتين في تاريخ المشرق، أو في تاريخ العالم بأسره، وهو الصراع بين ~~مدينة يافا ومدينة تل أبيب ... # إن المدينتين متجاورتان تقيمان في مكان واحد، حتى ليبدأ الشارع أحيانا في يافا وينتهي في ~~تل أبيب، ولكن السباق بينهما سباق بين أقدم ميناء على شواطئ بحر الروم وأحدث ميناء عليه ... ~~أو لعله أحدث ميناء على جميع شواطئ البحار. # كانت «يافا» علما مشهورا في التاريخ القديم قبل نيف وثلاثين قرنا ms121 من الزمان ... وكانت ~~«الإسكندرية» جنينا في الغيب يوم كان سوفكليس ويوربيدس وغيرهما من شعراء اليونان يتغنون ~~بجمال «يافا»، وينسجون خيوط القصيد حول عروسها الفاتنة «أندروميد» التي ربطها الأرباب إلى ~~صخرة الشاطئ عقابا لها على رفض البناء بخطابها السماويين! ثم ما زالت حتى نجا بها القدر من ~~وحش البحر، وهو راصد لها ليغتالها ... فأصبحت بعد ذلك كوكبا من كواكب السماء ... # ولا نحسب أن مدينة في الشرق الأدنى عرض لها من تعاقب السعود والنحوس ما عرض لمدينة «يافا» ~~في جميع الدول وعلى جميع العهود ... # فعمرت وخرجت مرات على أيدي البشر، وعلى أيدي الزلازل والجوائح الطبيعية، وصمدت للعراك بين ~~الدول التي تداولتها من عهد تحوتمس وسنحاريب، إلى عهد العرب والصليبيين، إلى هذا العهد الذي ~~لا يحسب في تاريخها من العهود الرخية الميمونة، وإن كنا لنرجو ألا يكون من أقسى العهود؛ ~~لأنها قد صمدت في تجاربها الكثيرة لما هو أقسى، وأصرم من تجارب العهد الذي هي فيه ~~الآن. # كانت «يافا» تعول في معيشتها على الزراعة وعلى الصناعة، وعلى الميناء، وما يدور حوله من ~~حركة السفن وحركة البيع والشراء ... # فأصيبت في جميع هذه الموارد، ولا تزال مع هذا قائمة على قدميها تناضل نضالها المجيد في ~~سبيل البقاء. # فالموالح والثمرات التي عرفت باسمها من قديم الزمن لا تلقى اليوم في الأسواق القريبة ذلك ~~الترحيب الذي تعودت أن تلقاه إلى زمن غير بعيد. # والصناعة - وأهمها صناعة الجلود وصناعة الصابون - قد منيت بالمزاحمين الأقوياء في تل ~~أبيب، وما وراء تل أبيب من بلدن الشرق الأدنى. # أما الميناء فقد تحول عنه أكثر السفن إلى ميناء حيفا الذي تنتهي إليه أنابيب البترول من ~~آبار العراق، أو إلى ميناء تل أبيب الذي بناه مجلسها البلدي، ومد إلى جانبه ذلك «الكرنيش» ~~الطويل محاكيا به كرنيش الإسكندرية في كل شيء ... حتى في «الأذرة الشامية» التي تشوى أو تسلق ~~على زواياه ومنعطفاته، ويقبل عليها المتنزهون والمتنزهات إلى أواخر الليل! # فهي اليوم تتماسك على مضض ، أو على صبر أليم، وحسبك من مدينة تفجع في مواردها ms122 جميعا، ولا ~~تزال ناهضة على قدميها في إباء المناضل المستميت. ~~••• # إلى جانب هذه «الشيخة» الصبور فتاة ماكرة لعوب تتيه عليها بدلال الفتنة وجمال الشباب ~~... # تلك مدينة تل أبيب ... # صبية لم تتجاوز الثانية والعشرين، إذا نظرنا إلى مولدها الصحيح في أعقاب الحرب الماضية، ~~ولم تتجاوز السادسة والثلاثين إذا نظرنا إلى نشأتها في عهد الدولة العثمانية أيام كانت هذه ~~الدولة تحب أن تستعين بالدعاية الإسرائيلية في مقاومة روسيا، ودويلات البلقان، ولم تكن ~~نشأتها يومئذ نشأة مدينة تزخر بالسكان، وتحتوي من الوافدين عشرات الألوف، ولكنها كانت روضة ~~للنزهة وقضاء ساعات الأصيل في أيام الصيف والربيع؛ ولهذا سميت «تل الربيع» حين غرسوها في ~~أول عهدها بالظهور ... # كذلك نشأت منذ نيف وثلاثين سنة على غير حذر من عواقبها السريعة، لا من جانب الراعي ولا من ~~جانب الرعية ... # أما اليوم فليست هي تلك الروضة البريئة التي يتنسم لديها أهل «يافا» نفحات الغروب من ~~نسمات الربيع ... # يا له من صراع عجيب بين شيخة الأمس وفتاة اليوم ... # وإنه لصراع ظالم إذا ترك فيه الندان منفردين على النحو الذي نراه؛ لأن «يافا» تقف وحدها ~~هناك، ولا تقف «تل أبيب» وحدها في ميدانها ... بل تقف هنالك من ورائها أمة موزعة بين جميع ~~أنحاء العالم تعينها بأحدث ما اخترعه العلم من الوسائل، وأخفى ما يعرفه المال من الأساليب، ~~وأقوى ما تسيطر عليه السياسة من الخدع والأحابيل ... # واليافيون لا يغفلون عن الخطر الذي يستهدفون له، ولا يجهلون أن الأساليب القديمة لن تجدي ~~وحدها في اتقاء هذه المنافسة، التي تعتز بأحدث ما عرفه الناس من ضروب التعمير والاستغلال ~~... # فقد علمت من مدير المجلس البلدي بمدينة يافا أنهم يعدون العدة لبناء الكرنيش الذي يضارع ~~كرنيش تل أبيب، ولتنظيم الطرقات التي لا تزال بحاجة إلى التنظيم ... # وعلمت أنهم يؤلفون شركة كبيرة لبناء فندق فخم وناد حديث يستغني بهما من يريد الاستغناء ~~عن ارتياد الفنادق والأندية في تل أبيب. # وهذا كله حسن واجب، بل هذا كله قليل من كثير ينبغي الشروع في إنجازه قبل أن يطول ms123 التفكير ~~فيه ... # ولكن الحقيقة التي ينبغي أن تذكر في هذا الصدد قبل كل حقيقة أخرى هي أن مدينة «يافا» لن ~~تقوى على هذا الصراع العنيف على انفراد، فلا بد لها من عون سريع كالعون الذي ترجع إليه ~~غريمتها؛ ليجري الأمر بينهما على سنة الإنصاف، ويرجى منه اتقاء الهزيمة في هذا ~~النضال. # الصهيونية والجامعة العربية # إذا عبرت «تل أبيب» رأيت في أكثر أوقات النهار زحاما يملأ جوانب الطرق من اليمين ~~والشمال، وخيل إليك أن القوم منصرفون من محفل، أو مقبلون على اجتماع في منعطف الطريق ~~... # لأن حركة المرور لا تنقطع في «تل أبيب» من ساعات الصباح الباكر إلى ما بعد العشاء ~~... # ولكنك مع هذا تلاحظ هذا الزحام المتلاحق فتعجب؛ لأنك لا ترى فيه أحدا يلوي على أحد، ~~ولا تكاد تلمح إنسانا يومئ إلى إنسان آخر بالتحية، إلا في العرض النادر الذي يرجع إلى ~~محض الاتفاق ... # وأعجب من ذلك أنك تنظر إلى القوم، فلا ترى على وجوههم ما يدل على السعادة: سعادة ~~الظفر بالأمنية الروحية والمطلب التراثي القديم ... فلا تملك أن تسأل نفسك: ما هذا؟ ~~أهؤلاء قوم يهبطون إلى أرض الميعاد بعد التفرق في جوانب الأرض مئات السنين؟ # وتتخيل المسلمين في عرفات، أو النصارى في معاهد المسيحية المقدسة، فلا ترى على وجوه ~~القوم في «تل أبيب» شيئا من دلائل تلك الأخوة الروحانية، التي تفيض على وجوه الحجاج من ~~جميع الأديان، ولا يقع في نفسك إلا أن القوم مسوقون إلى هذه الحجة الموعودة، وأن الذي ~~وجدوه هنالك غير الذي آمنوا به وصدقوه ... # وما في الأمر من غرابة إذا رجعت إلى الواقع، أو رجعت إلى المعقول ... # إذ كانت حجة اليهود إلى أرض الميعاد غير الحجة إلى عرفات، أو إلى كنيسة القيامة أو ما ~~شابهها من الديانة المسيحية ... # فإن المسلمين والمسيحيين يقضون مناسك الحج، ويعودون إلى أوطانهم التي نشئوا فيها ~~وألفوا معالمها ... # أما اليهودي حين يهجر بلاده إلى الوطن القومي بفلسطين، فإنه يترك وطنه الذي نشأ فيه ~~وألف معالمه ليستنبت نفسه في وطن جديد ... ولا ms124 يفعل ذلك إلا بدافع قوي من الأمل في تحسين ~~الأحوال، أو بدافع قوي من الحماسة الروحية ... فليس من شك في أن اليهودي الناجح في وطنه - ~~الأوروبي أو الأمريكي - لن يهجر ذلك الوطن ليستأنف الحياة زارعا أو بائعا في ناحية ~~يجهلها من أرض فلسطين، ولن يبيع نجاحه المحقق بأمل بعيد يمنيه به الزعماء الصهيونيون، ~~بالغا ما بلغ من الإيمان بوعود صهيون ... # ولنذكر أن اليهودي قد ألف العمل في التجارة والصفقات المالية، ولم يألف العمل في ~~الزراعة وتربية الدواجن، وما إليها من أعمال الفلاحة ورعي الحيوان ... فهو لا يقدم على ~~تبديل مألوفاته إلا إذا اتفق الشظف والتعصب والأمل في المجهول على إقناعه بالهجرة ~~وإمداده بالبواعث النفسية التي تساعده على هذا التبديل ... وقلما تعمر هذه البواعث إلى ~~زمن طويل ... # والذي نعتقده أن «النقلة الصهيونية» هي نقلة مصطنعة عارضة تخلقها تلك العوامل ~~الموقوتة التي أشرنا إليها، وينفخ فيها عاملان آخران موقوتان، وهما دعاية الزعماء ~~واضطهاد الطوائف الإسرائيلية في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية ... ولولا هذان العاملان ~~لبقيت الصهيونية حيث كانت أملا من آمال الخيال. # ظهرت في الأيام الأخيرة مذكرات اللورد «هربرت صمويل»، الذي كان أول مندوب سام على ~~فلسطين من قبل الدولة البريطانية ... # وهو سياسي فيلسوف ينتمي إلى أسرة إسرائيلية كبيرة في البلاد الإنجليزية، ويتكلم بكثير ~~من الصراحة عن موقف زعماء اليهود من الدعوة الصهيونية عند ظهورها واشتدادها في أعقاب ~~الحرب الماضية، ومن هذه المذكرات يتبين لنا أن ثلاثة من عظماء اليهود الإنجليز، الذين ~~شاورتهم الحكومة البريطانية في إعلان الوطن القومي بفلسطين كانوا معارضين لإعلانه ~~متشائمين من عقباه، وعلى رأسهم «إدوين منتاجو» الذي كان وزيرا للهند في وزارة لويد ~~جورج الائتلافية ... # فحماسة الشعوب الإسرائيلية للوطن القومي هي حماسة مصطنعة مبالغ فيها بغير مراء، وأقل ~~ما يقال فيها: إنها ليست بالحماسة الاجتماعية التي تقاوم جميع المصاعب، وتذلل جميع ~~العقبات ... # وإنما قامت الحركة كلها على دعاية الزعماء، وصادفت هذه الدعاية ما صادفته من النجاح ~~لأمرين لا مناص منهما للمثابرة على نشاط الحركة واستمرارها ... # هذان الأمران هما: «أولا» ms125 سهولة الحصول على الوطن العربي القومي في أعقاب الحرب ~~الماضية، و«ثانيا» صعوبة المقام في كثير من الأقطار الأوروبية على اليهود، لما كانوا ~~يلقونه هناك من ضروب الحجر والاضطهاد ... # فإذا تغير الموقف بعد الحرب العالمية الأخيرة، فصعب المقام في الوطن القومي، وسهل ~~المقام في الأقطار الأوروبية بعد زوال الاضطهاد منها وفتح أبوابها لمشروعات التعمير، ~~وصفقات التجارة والمال، فقد تنكشف الحركة المصطنعة عن حقيقتها الباقية، فإذا هي أضعف من ~~أن تقوى على الثبات إلى زمن طويل. ~~••• # نعم إن الصهيونية تعتمد الآن - بعد القيام في فلسطين زهاء ربع قرن - على عاملين آخرين ~~غير تلك العوامل التي بعثت الحركة من مرقدها في دفعتها الأولى ... # تعتمد الآن على الجيل الجديد الذي يولد، وينشأ في تل أبيب وما يحيط بها من المستعمرات ~~الإسرائيلية. # وتعتمد كذلك على الصناعات الحديثة التي تأسست في أيام الحرب الأخيرة على الخصوص، ~~واتصلت معاملاتها بأقطار الشرق الأدنى وما جاورها من الأقطار. # لكن الجيل الجديد الذي يولد وينشأ في تل أبيب خليط من الأوطان المختلفة لا يمتزج بعضه ~~ببعض في زمن قريب. # أما الصناعات الحديثة فلها مزاحم أقوى من الصناعات الأوروبية المتعطشة إلى الأسواق، ~~ولها مزاحم أخرى من الصناعات الوطنية التي تعتمد على الشعور الوطني والضرورات ~~الاقتصادية، ولها بعد هذا وذاك كابح آخر من حراسة الأسواق الشرقية، حيثما تنبهت إلى ~~أخطار الاحتكار، وليست أزمات البطالة فيها بعد انتهاء الحرب بالأزمات التي يسهل علاجها ~~في هذه الأوقات. ~~••• # كنت أقول لإخواننا الفلسطينيين كلما سألوني عن رأيي في قضية بلادهم، وقضية البلاد ~~العربية: إنني متفائل قوي التفاؤل عظيم الرجاء في مصير البلاد الشرقية على الإجمال ~~... # ولكنني كنت أشفع ذلك دائما بتفسير التفاؤل الذي أعنيه وأعقد عليه عظيم الرجاء ~~... # فالتفاؤل المحمود هو التفاؤل الذي يقنعك بأن العمل ممكن، وأنه مع إمكانه مفيد ~~... # ومتى آمنت بذلك فعليك أن تعمل، وأن تحقق الفائدة التي ترجوها وإن كلفك العمل أثقل ~~الجهود ... # فلا فائدة من تعظيم خطر الصهيونية، والارتفاع به إلى ما وراء طاقة الجهود البشرية ~~... # ولكن لا فائدة كذلك من ms126 تهوين هذا الخطر إذا لم يقترن تهوينه بالشروع في العمل المفيد ~~... # والجامعة العربية خليقة أن تنتهز فرصة العمل في هذه الآونة؛ لأنها فرصة سانحة بعد ~~الحرب الأخيرة، وفي مفتتح الحياة الجديدة التي تستعد لها الأقطار الأوروبية، ممن كانت ~~على صلة بالمسألة الصهيونية أو باضطهاد اليهود، وقد تفتح أبوابها غدا لمن يؤثرون ~~العودة إليها من أرض الميعاد إذا عز عليهم الوفاء بما وعدهم به الدعاة والزعماء ~~... # ولا غنى للبلاد العربية على أية حال - لخدمة نفسها لا لخدمة القضية الفلسطينية وكفى - ~~من تنظيم الصناعات الحديثة، وتنظيم الأسواق في وجه المعاملات الطارئة عليها، ومن منع ~~الاحتكار في أيدي فريق من الناس كائنا ما كان. # وإذا استقامت البلاد العربية على هذا الطريق، فقد استقامت على الطريق السوي الذي يفضي ~~بها إلى النجاح في جميع قضاياها، ومنها قضية فلسطين. # الحالة الاجتماعية # المجتمع الفلسطيني قريب من المجتمع المصري في تكوينه، وفي معظم آدابه وعاداته، ولا ~~يختلفان إلا في بعض التقاليد التي ترجع أولا إلى امتزاج شعائر الأسرة المصرية بشعائر ~~الحداد الموروث من أقدم العصور، وترجع ثانيا إلى الزراعة المصرية، والبادية الفلسطينية ~~... فمصر تنقسم إلى عاصمة وقرية، وفلسطين تنقسم إلى حاضرة وبادية، وإن كانت باديتها أخصب ~~من بادية الصحراء، وأقرب إلى العمار ... # ولا يزال سلطان البادية ظاهرا في تقاليد الأسرة الفلسطينية، سواء منها الإسلامية أو ~~المسيحية ... # والبادية كما لا يخفى تشتد في المحافظة الاجتماعية، وتحب البقاء على القديم، وأظهر ما ~~تبدو عليه هذه المحافظة الاجتماعية في حجاب المرأة ونظام الحياة الزوجية ... فإن بنات ~~الأسر في حواضر فلسطين متعلمات على نصيب وافر من الثقافة العصرية، ولا يندر بينهن من ~~تحسن لغة أو لغتين من اللغات الحديثة، ولكنهن قليلات الظهور في الحياة العامة، وقلما ~~تجسر السيدة منهن أو الفتاة على السفور في الطريق إلا أن تكون من أسرة قوية السلطان ~~مهيبة الجانب تحميها بسلطانها وهيبتها أن تتعرض للأذى والمهانة من بعض من ينكرون ~~السفور، وهم كثيرون ... # فإذا سفرت السيدة أو الفتاة من البيوت المتوسطة التي لا تخشى شوكتها، فقد ms127 يصيبها ما ~~يسوءها في طريقها، ولا يتقدم أحد لحمايتها؛ لأنها تستحق ما تلقاه في رأي السابلة من ~~طبقات العامة، ومن يحسبون حسابها. # ونحن لا نتمنى لفلسطين ذلك الشطط الذي تمادى فيه بعض السافرات في بعض الأقطار الشرقية ~~... ولكننا نعتقد أن تيسير الحجاب والتخفيف من قيوده الثقيلة نافعان للمجتمع الفلسطيني في ~~مرحلته الحاضرة، ولعلهما نافعان له جد النفع في مكافحة «تل أبيب» ومغرياتها؛ لأن الفتى ~~الذي يصحب خطيبته أو زوجته في رياضته اليومية يشعر بالأمانة الزوجية ماثلة أمام عينيه ~~في بيته وفي طريقه، وتغنيه هذه الصحبة المشروعة عن تلك الصحبة الموبقة التي تذهله عن ~~كرامته وماله وقضية بلاده. # ولسلطان البادية القوي أثر في السياسة الفلسطينية؛ لأن الزعماء هناك هم - بطبيعة ~~تكوين المجتمع - رؤساء العشائر وعمداء البيوت العريقة في الحواضر، ولهم من النفوذ في ~~السياسة بمقدار ما لهم من الأشياع والأتباع والأقرباء، وأنصار العصبيات، وهم الذين ~~نهضوا بأعباء الحركة في أشدها، وتعرضوا لمخاطر الموت والإبعاد من أجلها ... # وقد أضيف إلى هذا العامل الموروث عامل مكتسب من نفوذ الدين، أو نفوذ الرئاسة الرسمية، ~~بل أضيف إليه ما تقضي به أطوار العصر من رعاية البرامج والمبادئ التي تتعلق بها آمال ~~الشعوب في الزمن الحديث ... # ولا تخلو فلسطين من ذلك القلق الذي يخامر نفوس الشباب، ويعجلهم عن الصبر والانتظار، ~~ومطاولة الأحوال التي درجت عليها السياسة في أيدي الرؤساء والعمداء ... # وقد سألني بعضهم سؤالا صريحا في حفل حاشد عن الزعامة السياسية والبرامج الوطنية، ~~فقال موجها إلي الخطاب: ألا ترى أن ينفرد الشباب بقيادة الحركة القومية دون الرؤساء ~~والعمداء؟ # فلمحت على وجوه الحاضرين أن صاحب السؤال ينوب في الحقيقة عن الأكثرين منهم، وأنه يعبر ~~عن خاطر يساورهم ويدور عليه النقاش الطويل فيما بينهم، فقلت: إن الشباب يستطيع أن يسمع ~~صوته فلا يقوى الزعماء على إغفاله، ولا يزال للشباب عمل كثير يضطلع به في خدمة وطنه قبل ~~أن يتصدى لمهمة الزعامة الشعبية، ولكنه إذا رزق الألمعية النادرة التي ترشحه لقيادة ~~قومه، فإن هذه الهبة الفطرية لن تخفى على ms128 أحد، ولن تحول الحوائل دونه ودون القيادة التي ~~يستحقها، إذ لا حاجة به يومئذ إلى التوسل والرجاء في طلب الاعتراف له بالكفاءة الممتازة ~~والزعامة الموهوبة؛ لأن الكفاءة الممتازة تفرض مكانتها على من يعرفها ومن ينكرها على ~~السواء. ~~••• # والفلسطيني وسط بين المصري وبين السوري واللبناني في الإقدام على الهجرة، والتمرس ~~بالمحاولات الاقتصادية في بلاده أو في البلاد الأجنبية ... فهو لا يهاجر كما يهاجر ~~السوريون واللبنانيون ... # وهو أجرأ على إنفاق المال من أبناء الأمم التي تعودت المحاسبة على الموارد والمصارف، ~~وانتظمت على الموازنة بين الأرباح والخسائر، منذ عهد بعيد ... # ولم يزل إلى زمن قريب يعول على تربية الماشية والزراعة، ويعول معها أحيانا على ~~التجارة الدورية التي تجري في مواسمها على سنة الزراعة والثروة الطبيعية ... # وفي طبعه استقلال البدوي الذي تثقل عليه رياضة الحياة المدنية، وتعنته بما فيها من ~~الموانع والقيود ... # وقد قال لي رجل من أذكياء السوريين وذوي الغيرة منهم على القضية الفلسطينية: إن ~~إخواننا هنا يتعبون كثيرا مع جماعة الصهيونية؛ لأنها تحاربهم بسلاح لم يتعودوه. # قال ذلك وقد مررنا بخص من القش على شاطئ البحر في جوار «يافا» يملكه رجل يهودي يطهو ~~فيه الطعام لمن يستريحون لديه في أثناء الطريق، أو لمن يقصدونه في طلب النزهة ~~والاستجمام، وقضاء فترة من الوقت في ضواحي الخلاء ... قال الدمشقي الأريب: لو نزل رجل من ~~بلدنا هنا يوما واحدا، وتناول هنا وجبة واحدة، لما فارق المكان قبل أن يعيد حسبته في ~~ذهنه، ويقدر نفقات المكان ونفقات الطعام، ومكسب اليوم الواحد ثم مكسب الأيام ... # فإذا أعجبه الحال وراقه المكسب، فما هي إلا أيام معدودات حتى يرى اليهودي خصا ~~قائما إلى جانب خصه يبيع الطعام الذي يبيعه، ويهيئ المائدة التي يهيئها، وينزل عن بعض ~~ربحه في أيامه الأولى؛ ليحول قصاد الخص القديم إلى الخص الجديد ... # قال صاحبي الدمشقي: فليت الصهيونية تبتلى في هذه الديار بمن ينافسونها هذه المنافسة ~~وينازلونها بمثل هذا السلاح ... # قلت: إن الدرس غير عسير على من يرى الصراع من حوله، ويعلم عاقبة التهاون فيه ms129 ... ~~••• # وأحسب أن المصريين والفلسطينيين في مجال الهجرة فرسا رهان، أو فارسان متقاربان ~~... # فمن فلسطين مهاجرون في مصر، ومن مصر مهاجرون في فلسطين، وقد يعيش الفلسطيني في مصر ~~زمنا ثم يعود إلى بلاده، وقد ترى بينهم من يلقب بالأنشاصي والبلبيسي والطنطاوي، كما ~~ترى بيننا من يلقب بالغزي والرملي والعكاوي، وكأنهم يتسابقون أو يتلاحقون في حلبة واحدة ~~لا يخرجون منها، ولا يسرعون إلى تبديل معالمها، سواء في التقاليد الاجتماعية أو معيشة ~~البيوت ... حتى «الملوخية» - وهي صحفة مصرية لا يتقنها الطهاة في غير وادي النيل - قد ~~أكلناها في بيت أبي خضرة كما تؤكل على أفخر موائدنا التي تعتز بتقديمها في بواكيرها أو ~~معقباتها ... لأن أبناء هذا البيت على تراثهم القديم منذ كانوا بريف مصر، ولا تزال لهم ~~قرابة فيه ... # بين مصر وفلسطين جوار هو أقرب من جوار المكان؛ لأنه كذلك جوار التاريخ وجوار ~~السكان. # مصر والقضية العربية # سألني فنان صهيوني: لماذا يهتم المصريون بمشاكل العرب؟ # فاستغربت سؤاله، ولم أكتمه أنه سؤال غريب، فعاد يسأل: وما وجه الغرابة فيه؟ # قلت: وجه الغرابة فيه أنك تنتظر الاهتمام من يهود أمريكا بجماعة الوطن القومي في ~~فلسطين، وتحسبه من الأمور الطبيعية التي لا تحتمل السؤال والاستفسار، ولكنك تستغرب من ~~العرب المتجاورين أن يهتم بعضهم ببعض، وهم مضطرون إلى هذا الاهتمام ... نعم مضطرون إليه ~~ولو لم ينظروا إلى المسألة من الوجهة الشعورية، أو العلاقة التاريخية الروحية؛ لأن ~~استقرار السلام في الشرق الأدنى يعنيهم جميعا ويوجب عليهم أن يتداركوا أخطاره قبل ~~وقوعها بشيء من الحيطة والمعاونة، ولا استقرار للسلام في الشرق الأدنى مع تهديد أمة ~~كاملة في استقلالها، ومصالحها ومعالم وجودها. # فلاح عليه أنه كان يتوقع جوابا غير هذا الجواب ... # وكان غيره أصرح منه في السؤال - وهو كاتب في صحيفة «فلسطين بوست» الإنجليزية يراسل ~~بعض الشركات البرقية - فسألني: هل تريد مصر أن تسيطر على سياسة البلاد العربية؟ # قلت: كلا ... ولو جاءتها السيطرة طيعة هينة بغير سعي منها؛ لأن الأساس الذي قامت عليه ~~الجامعة العربية هو استقلال كل أمة من ms130 أمم العرب التي تشترك فيها، وبذل المجهود ~~المستطاع لتمكين الأمم الخاضعة للحكم الأجنبي من بلوغ استقلالها، وليست لمصر مصلحة في ~~التوسع أو زيادة التبعات والأعباء السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولكنها ترى المصلحة ~~كل المصلحة في التعاون بينها وبين الأمم التي تقاربها في الموقع الجغرافي، والتراث ~~التاريخي، والوجهة السياسية ... ~~••• # إن الشعوذة السياسية وحدها هي التي تسول لبعض الأدعياء أن ينتحلوا لأنفسهم صفة ~~الزعامة على جميع الأمم العربية، كما ينتحلون لأنفسهم صفة الزعامة المطلقة على الأمة ~~المصرية ... # وإنما يخدم أولئك الأدعياء أنفسهم بتلك الشعوذة البغيضة إلى كل من يطلب الحرية، وكل ~~من يؤمن في الشرق بمبادئ الديموقراطية؛ لأنها تضير القضية المصرية كما تضير القضية ~~العربية، ولا تنتهي إلى فائدة مرجوة لغير أولئك الأدعياء فيما يتخيلونه من الأوهام ~~والأحلام ... # إنهم يتوهمون أنهم يروجون في سوق المناصب على قدر البضائع التي يعلنون عنها، ويدخلون ~~في روع الأجانب أنهم قادرون على تسليمها ... # فهم يبيعون ويشترون في قضية مصر وقضية العرب على السواء، ويخرجون المسألة من حدود ~~التعاون المحمود إلى حدود الزعامة المنكرة، وما وراءها من الدعاوى والشبهات. # ونحمد الله على أن الوقائع قد أفهمت من يفهم ومن لا يفهم أن مصر تبغض هذا النوع من ~~الشعوذة وتتشاءم وتأباه، وأنها تعاف مزاج الدعاة الذين يدقون الطبول وينفخون الأبواق ~~حول أنفسهم، ولا ينزهون مطلبا من المطالب عن صغائر التهريج والتهييج؛ لأنهم لا يعيشون ~~بغير أجراس المزاد في سوق المساومات. # ليس في ساسة مصر اليوم - بحمد الله - من ينطوي على مثل ذلك المزاج، فهم لا يعملون ~~لمصر ولا لغير مصر؛ ليحتكروا الزعامة الأبدية على هذا الشعب أو ذاك، ولكنهم يعملون ~~لأنهم يعرفون الواجب ولا يتجاوزون به حدوده، ويخدمون القضية العربية خدمة الإخوان أو ~~الأعوان، ولا يخدمونها - ولا يستطيعون أن يخدموها - من طريق الضجة الخاوية التي يعلن ~~بها المعلنون عن تسليم البضاعة في أسواق المطامع الأجنبية. # هذا التعاون على أساس الاستقلال الموفور لكل أمة من الأمم العربية هو قوام الجامعة ~~العربية، ولا قوام لها بغيره ... # وينبغي أن يفهم الاستقلال هنا ms131 على أوسع معانيه أو على جميع معانيه، فهو يشمل ~~الاستقلال الأدبي كما يشمل الاستقلال في عرف العلاقات الدولية ... # فلا افتيات فيه على حق أمة من الأمم في الاعتماد على نفسها، والتوفر على جهودها، وليس ~~من شأنه أن يحمل أحدا على التواكل، ولا أن يحمل أحدا على تجاوز الحدود ... # لكل أمة عربية أن تنتظر المعونة من أخواتها وجاراتها ... # ذلك حق الأخ على أخيه والجار على جاره ... # وعلى كل أمة عربية أن تعمل ما في طاقتها لتحقيق مطالبها ... # ذلك واجب الإنسان على نفسه، بل واجبه لنفسه ... # وقوام الأمر بين الجميع هو استقلال في الرأي والعمل، وتعاون بين إخوان مستقلين في ~~الآراء والأعمال ... # فلا سيطرة هناك ولا قيادة، ولا إعفاء من واجب ولا تجاوز في الحقوق ... ~~••• # ومن دواعي الغبطة أنني رأيت دلائل الشعور بهذه التبعة العظيمة - على هذا الأساس ~~القويم - في كل من لقيت من ذوي الرأي والمكانة بين خاصة أبناء الأمم العربية. # فهم - مع إيمانهم بجدوى هذا التعاون الأخوي في تخفيف الأعباء، ومضاعفة القدرة على ~~النجاح - يعتقدون أنه قد ضاعف شعورهم بالتبعة، وتقديرهم للواجب، ورعايتهم للحقوق؛ لأن ~~عمل أمة تسأل عنه أمم، وكلمة فريق من المجاهدين قد تحسب على كل فريق. # قلت للكاتب الصهيوني: إن مصر لا تريد السيطرة على الأمم العربية ولو جاءتها السيطرة ~~بغير سعي منها ... # وأحسبني أردد كل رأي رشيد في الأقطار العربية حين أقول: إن الضجة الخاوية التي سولت ~~لبعض الظنون أن تهجس فيها هذه الهاجسة قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن العمل الوقور هو العمل ~~الوحيد الذي يليق بخدام هذه القضية الكبرى، وإنه لا يستقيم على أساس كما يستقيم على ~~أساس التعاون الأخوي في حدود الاستقلال المرعي، ومرحبا بآمال الأمم العربية في الأمة ~~المصرية، ولو طالبتها بالحصة الكبرى من المعونة وتوجهت إليها بالجانب الأكبر من الرجاء ~~... فحبذا مضاعفة الواجب كلما تضاعفت الطاقة، وحبذا أن تزداد القدرة، ويزداد معها التوفيق ~~إلى تحقيق الآمال. # | دين وفلسفة # الله # في رأينا أن مسألة وجود الله مسألة «وعي» قبل كل شيء، فالإنسان ms132 له «وعي» يقيني بوجوده ~~الخاص وحقيقته الذاتية، ولا يخلو من «وعي» يقيني بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية؛ لأنه ~~متصل بهذا الوجود، بل قائم عليه. # والوعي والعقل لا يتناقضان، وإن كان الوعي أعم من العقل في إدراكه؛ لأنه مستمد من كيان ~~الإنسان كله، ومن ظاهره وباطنه، وما يعيه هو وما لا يعيه، ولكنه يقوم به قياما ~~مجملا. # ونحن نخطئ فهم العقل نفسه حين نفهم أنه مقصور على ملكة التحليل والتجزئة والتفتيت، وأنه ~~لا يعمل عمله الشامل إلا على طريقة التقسيم المنطقي، وتركيب القضايا من المقدمات والنتائج، ~~وإثباتها بالبراهين على النحو المعروف. # فالعقل موجود بغير تجزئة وتقسيم ... وهو في وجوده ملكة حية تعمل عملا حيا، ولا يتوقف ~~عملها على صناعة المنطق وضوابطه في عرف المنطقيين ... وهو في وجوده هذا يقول: «نعم.» ويقول: ~~«لا.» ويحق أن يقولهما مجملتين في المسائل المجملة على الخصوص. # وقد يخطى القول في بعض الأشياء، ولا يضمن الإصابة في كل شيء، ولكن الخطأ ينفي العصمة ~~الكاملة ولا ينفي الوجود، فقد يكون العقل المجمل موجودا عاملا وهو غير معصوم عن الخطأ ~~الكثير أو القليل، ولن يقدح ذلك لا في وجوده ولا في صلاحه للتفكير؛ لأن «التقسيم المنطقي» ~~يخطئ أيضا كما يخطئ العقل المجمل في أحكامه المجملة، ولا يقال من أجل ذلك: إن التقسيم ~~المنطقي غير موجود أو غير صالح للتفكير. # فإذا قالت البداهة العقلية: «نعم ... هناك إله.» فهذا القول له قيمة في النظر الإنساني لا ~~تقل عن قيمة المنطق والقياس؛ لأنها قيمة العقل الحي الذي لا يرجع المنطق والقياس إلى مصدر ~~غير مصدره أو سند أقوى من سنده، وقد كان العقل المجمل أبدا أقرب إلى الإيمان، وأقرب إلى ~~قولة «نعم.» في البحث عن الله، ولم يستطع التقسيم المنطقي أن يقول: «لا.» قاطعة مانعة في ~~هذا الموضوع. # وقد أسفرت مباحث الفلاسفة المؤمنين عن براهين مختلفة لإثبات وجود الله بالحجة والدليل، ~~ونحسب أننا نضعها في موضعها حين نقرر في شأنها هذه الحقيقة التي يقل فيها التشكك والخلاف، ~~وهي أن البراهين جميعا لا تغني ms133 عن الوعي الكوني، وأن الإحاطة بالحقيقة الإلهية شيء لا ~~ينحصر في عقل إنسان، ولا في دليل يتمخض عنه عقل الإنسان، وإنما الترجيح هنا بين نوعين من ~~الأدلة والبراهين، وهما نوع الأدلة والبراهين التي يعتمد عليها المؤمنون، ونوع الأدلة ~~والبراهين التي يعتمد عليها المنكرون، فإذا كانت أدلة المؤمنين أرجح من أدلة المنكرين فقد ~~أغنى الدليل غناءه، وأدى القياس رسالته التي يستطيعها في هذا المجال، وهي في الواقع أرجح ~~وأصلح للاقتناع بالفكر - فضلا عن الاقتناع بالبداهة - كما يبدو من كل موازنة منصفة بين ~~الكفتين. # ولا يخفى أن قاعدة الإثبات والنفي في مناقشات الخصوم لا تنطبق على هذا الموضوع الجليل، ~~فليس للعقل البشري خصومة في الإثبات، ولا خصومة في الإنكار ... وليس على أحد عبء الدليل كله، ~~ولا على أحد عبء الإنكار كله في البحث عن حقيقة الوجود. # ونحن لا نحصي هنا جميع البراهين التي استدل بها الفلاسفة على وجود الله، فإنها كثيرة ~~يشابه بعضها بعضا في القواعد وإن اختلفت قليلا في التفصيلات والفروع، ولكننا نكتفي منها ~~بأشيعها وأجمعها وأقربها إلى التواتر والقبول، وهي: برهان الخلق، وبرهان الغاية، وبرهان ~~الاستكمال أو الاستقصاء، وبرهان الأخلاق أو وازع الضمير. # محمد الإنسان # من الأقوال المتواترة بين كثير من مؤرخي المسيحية، أنها انتشرت على يد بولس الرسول، ~~ولو لم يعرف المسيحيون قبل ذلك بهذا الاسم لعرفوا في الغرب باسم «البولسيين» نسبة إلى ~~«بولس» الذي كان يدعى قبل ذلك باسم شاؤل. # ويحمل الاستطراد بعض مؤرخي الغرب إلى التماس الشبه بين انتشار المسيحية، وانتشار ~~الإسلام في خصلة كهذه بين محمد - عليه السلام - وخليفة من أكبر أصحابه، وهو الفاروق عمر ~~بن الخطاب، ويزيدهم ولعا بهذا التشبيه أن الفاروق كان أيام جاهليته أشد أبناء قريش ~~إيذاء للمسلمين، وكذلك كان بولس قبل إيمانه برسالة السيد المسيح، فإنه آمن بها وهو ~~يتجرد لاضطهاد أتباعها في حملة من حملاته على الشام. # وهذه مشابهة مغرية بالمقارنة في أكثر ظواهرها وأشكالها، ولكنها تنقضي عند حقيقة واحدة ~~غفل عنها أصحاب المقارنات بين الأديان، وتلك هي الفرق بين أثر ms134 الدعوة وأثر الداعي ~~بالنسبة إلى الرجلين، فإن بولس الرسول لم يلق السيد المسيح ولم يعاشره على التحقيق، ~~ولكن الفاروق كان هو نفسه غرسا من غروس محمد - عليه السلام - وكان في كل ما عمله بعد ~~إسلامه طالبا مجتهدا على يد معلم محبوب. # واجتماع الرجال الأفذاذ من قبيل ابن الخطاب هو مقياس العظمة الإنسانية في نبي الإسلام ~~- صلوات الله عليه - فلم يحدث قط في تواريخ الدعوات الدينية، كتابية كانت أو غير ~~كتابية، أن اجتمع حول داع من دعاتها رهط من أفذاذ الرجال يدينون «لشخص» ذلك الداعي ~~بالإجلال والمحبة، ويعترفون له بالتفوق والرجحان راضين مغتبطين كما اجتمع الفاروق ~~وأقرانه حول نبي الإسلام، وقد ظل الفاروق طوال حياته يتحدث بعذوبة قول النبي له: «يا ~~أخي.» مرة وندائه له بكنيته «أبي حفص» مرة أخرى، وظل غيره من الصحابة يحتفظون بكل أثر ~~«شخصي» ظفروا به في أيام صحبتهم له سنوات بعد سنوات ... ~~••• # كان للأنبياء والدعاة أصحاب كثيرون أو قليلون، ولكنهم لم يذكروا بين عداد العاملين أو ~~بين أبطال التاريخ، ولم يجتمع قط في صحبة طويلة للأنبياء أمثال هؤلاء الأصحاب الذين ~~حفوا بنبي الإسلام، ولا نحصيهم في هذا المقام، ولكننا نذكر منهم أبا بكر، وعمر، وعثمان، ~~وعليا، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبا ~~عبيدة بن الجراح، والمقداد بن عمرو، وغيرهم من السابقين المتلاحقين في هذا الطراز، كل ~~منهم أمة في رجل أو قائد على جيش، أو مؤسس لدولة أو سيد بين علية القوم يؤتم به ويهاب، ~~وكلهم يلحظ في عشرته لنبيه أنه يعتز برئاسته وولائه، فضلا عن إيمانه به إيمان المهتدي ~~بهاديه المصدق الأمين. # ذلك مقياس للعظمة الإنسانية لم يتحقق قط لعظيم من عظماء بني الإنسان، ولا استثناء ~~لأحد من العظماء الدينيين كان أو من العظماء الدنيويين. # فالصداقة العالية أكبر برهان من براهين العظمة المحمدية في صورتها الإنسانية، مع ~~صورتها القدسية الإلهية. # ومحمد الصديق هو أعظم العظماء بين بني الإنسان بمقياس هذه «الظاهرة» النفسية الفذة في ~~تواريخ العظماء. ~~••• # ولسنا ms135 نقول غير الحقيقة التي تثبت كل الثبوت بمعيار النفوس، إذا قلنا: إن محمدا ~~الزوج أعظم نفسا وخلقا من محمد الصديق. # إن الأراذل من المحترفين بالتبشير الديني قد ابتذلوا كل أدب من آداب الدين، وكل خلق ~~من أخلاق الكرام، حين اتخذوا من زواج محمد - عليه السلام - مذمة يعيبونه بها، حاشاه بين ~~رسل الله، بل يعيبونه بها بين عامة الخلق من عباد الله. # ولو كان محمد كما أرادوا أن يكون طالب متعة في زواجه، لكان على النقيض مما كان، لو ~~كان كما أرادوا لكان في حريمه عشرات من أجمل العقائل والجواري، من بيوت العرب ومن سبايا ~~العجم والروم، يرفلن في الحرير ويتحلين بالذهب والجوهر، ويأكلن على سماط كسماط قيصر ~~وكسرى وبلقيس. # ولكنه كان وحوله من الزوجات الكهلة والشيخة، والتي مات عنها زوجها، والتي عز عليها ~~الزواج من غيره، ولم تكن بين هؤلاء غير فتاة عذراء واحدة هي بنت صديقه أبي بكر الصديق، ~~وكن جميعا يشكين قلة المؤنة، وشظف العيش، ويخيرن بين الطلاق وبين البقاء على هذه ~~الحال: # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات ~~منكن أجرا عظيما ~~(الأحزاب: 28، 29). # وإذا بحثنا عن بواعث الزواج النبوي كلها لم نجد بينها غير باعثين اثنين، كان لهما ~~الأثر الأول والأخير في اختياره - عليه السلام - لكل زوجة من زوجاته، وهما مصلحة الدعوة ~~والمروءة العالية. # فقد بنى بثلاث من زوجاته لأنهن بنات أصحابه الأوائل: أبي بكر وعمر وعثمان، وليس ~~للأخوة في الله من سند إنساني في بلاد العرب أوثق من الأخوة في النسب والمصاهرة. # وأولى زوجاته خديجة - رضي الله عنها - كانت في نحو الأربعين يوم بنى بها وهو في نحو ~~الخامسة والعشرين، ولم يكن وفاؤه لها وفاء الحس والمتعة؛ لأنه فضلها على أصغر زوجاته ~~وأحبهن إليه: عائشة بنت الصديق، عليهما الرضوان ... # وكانت أم سلمة مسنة حين قتل زوجها عبد الله المخزومي في واقعة أحد، ورملة بنت أبي ~~سفيان ms136 تركت أباها لتسلم وتركت وطنها لتهاجر، وفارقها زوجها بغير عائل وهي في الحبشة، ~~فطلبها النبي من النجاشي وتزوج بها لكي لا ترتد وهي عائدة إلى أهلها، وصفية الإسرائيلية ~~خيرت بين العودة إلى قومها وبين العتق وزواج الحرائر غير السبايا ... فاختارت زواجها ~~بالنبي عليه السلام. # وأكرم ما كان من بواعث المروءة في اختيار زوجات النبي قد كان ذلك الزواج الذي خاض ~~المبشرون في حديثه، وزعموه عشقا غلبه على نفسه الكريمة، حاشاه، فطلقها من فتاه زيد ~~ليضمها إليه. # فقد كانت زينب زوجة زيد بن حارثة من بنات عمومته - عليه السلام - رآها منذ طفولتها ~~إلى يوم زفافها، ولم تكن من الغريبات اللاتي يفاجأ برؤيتهن لأول مرة في بيوت أزواجهن، ~~وإنما كان كرم النبي هو الذي حبب إليه أن يرفع من شأن الأسير الغريب، فيجعله أهلا ~~لمصاهرته ومصاهرة بني هاشم من أبناء عمومته، وقد شق على الفتاة أن تسكن إلى العيش مع ~~رجل من غير أكفائها، ثم شق على زيد أن يواجه النبي بتسريح بنت عمته بعدما كرمه ~~بمصاهرته، فكان كرم النبي باعثه على إعفاء الزوج من ضنك هذه العشرة، وإعفاء الزوجة من ~~إهمال يصيبها بعد طلاق يذلها، ثم يقصي عنها الخاطبين الذين لا يتقدمون مختارين إلى ~~مطلقات الأرقاء، وتمت القدوة كما أرادها الإنسان بمروءته وأرادها النبي بتشريف الأسير ~~وجبر الخاطر الكسير ... # وإن الإنسان - حق الإنسان - ليعرف من أمر محمد في اختيار زوجاته جانبا من المروءة ~~المثلى في صاحب الدعوة الإلهية ينبئ عن تلك العظمة الإنسانية، التي تمثلت في مكانة ~~الرجل بين صفوة الأبطال من عظماء الرجال؛ فهو كذلك لأنه إنسان عظيم، غاية ما ترتقي إليه ~~شمائل الرجل العظيم. # ولقد كانت معاملة محمد لنسائه صفحة أخرى من صفحات تلك المروءة التي يسمو بها - ~~إنسانا عظيما - إلى شرف الرسالة الإلهية، فمن وصاياه، نبيا، أن خير الناس خيرهم ~~لنسائهم، ومن رعايته لهن إنسانا، قد ضرب للرجال مثلا يعلو على غاية الغايات في العمل ~~بتلك الوصية ، فما من رجل مضت له في العشرة الزوجية سنوات طوال لم ms137 تفلت من لسانه الكلمة ~~النابية، ولم تبد على وجهه اللمحة القاسية، ولم يلق امرأته بحالة من الشدة تبدر من ~~الرجل للمرأة كما تبدر من المرأة للرجل، وهذه سيرة محمد مفصلة مطولة لم يهمل رواتها ~~خبرا من أخبارها، ولم يسقطوا حديثا من أحاديثها التي تؤثر بالنقل والرواية، فما ~~انتقلت إلينا منها كلمة زجر ولا نظرة سخط، ولا لمحة تأنيب أو زراية، ولم يكن له في حالة ~~غير حال الرضا موقف أشد من موقف العتاب في صمت، أو السؤال في غير إقبال، وتلك شيمة من ~~شيم الرفق الإنساني تتلاقى عندها طبائع الملائكة وطبائع البشر من أبناء آدم ~~وحواء. # وليس هذا من صنيع رجل لا يعرف الغضب، فليس من لا يعرف الغضب بإنسان! ولكنها قدرة على ~~النفس حيث تحمد القدرة في موضعها، وهي أحمد ما تكون من رجل إذا غضب حق الغضب استطاع أن ~~يوقع بمن يغضب عليه ما ليس في طاقة الأقوياء، بله الضعفاء، ولقد غضب النبي على أناس ~~خدعوه وكفروا نعمته، وقتلوا الآمنين من رجاله واستدرجوهم ليعلموهم الدين كما زعموا، ~~فغدروا بهم وانتزعوا منهم ما أحسنوا به إليهم، فغضب الإنسان محمد، والنبي محمد، حيث ~~يعاب الرضا والهوادة. # غضب على الغدر والشر والخداع والغلظة، وجزاهم الجزاء العدل وهم غير أهل للرحمة، ولم ~~يحرمهم الرحمة وهي ليست عنده أو ليست من ألزم شمائله، بل حرمهم رحمته ورحمة الله؛ لأن ~~الرحمة بهم قسوة على كل خلق شريف في الإنسان، فكان غضبه سواء لرفقه ورحمته في خير ما ~~يحمد من إنسان. # ولقد يكون الضعف الإنساني خير مقياس للعظمة الإنسانية في أرفع مراتبها، بل هو في ~~الواقع أصدق قياسا للعظمة الحقة من منازلة الأبطال الأشداء من الرجال، فإن من يغلب ~~بقدرته قدرة تصارعها وتضارعها عظيم، ولكن القدرة التي هي أعظم من قدرة القاهر الغلاب ~~قدرة تغلب نفسها باختيارها لترفق بالضعيف، الذي لا طاقة له بقهرها ولا غنى له عن رفقها، ~~ولا أمل له في النصفة من غيرها، ولا حصر لمآثر النبي التي شمل بها الضعفاء في ms138 عنفوان ~~قوته ونصره، ولكننا قد نحصرها كلها إذا ذكرنا منها تلك المروءة التي حببت إليه أن يجبر ~~خاطر الأسير الضعيف المنقطع عن أهله، فيرفعه إلى مقام مصاهرته في أقرب الناس إليه، وتلك ~~آية من آيات «الإنسانية» الحقة أروع ما فيها أن تأتي من النبي العربي القرشي الهاشمي، ~~وليس أحق منه باعتزاز النسب في مقام المصاهرة. # وإن محمدا الصديق لإنسان في الذروة من عظمة الإنسانية. # وإن محمدا رب الأسرة لفي الذروة من رفق الإنسانية. # وإن محمدا المنتقم لفي الذروة من بأس الإنسانية، وعدل الإنسانية والرحمة ~~بالإنسانية. # وإن محمدا السيد لفي الذروة من بطولة الإنسانية. # وإن محمدا الأب قد عرف ضعف الإنسان فبكى بكاء الإنسان، فكان في موضع ضعفه نعم الأب ~~الإنسان، ونعم النبي المرسل في آن. # بكى وهو يحمل جثة وليده الصغير إبراهيم على يديه، ونظر إلى الجبل فقال: «يا جبل! لو ~~كان بك مثل ما بي لهدك، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.» # وكان النبي الصادق الأمين أقرب ما يكون يومئذ من الإنسان الباكي الحزين، فلما انكسفت ~~الشمس وقيل: إنها انكسفت لموت إبراهيم، أبت النبوة على الأب أن يبلغ بالبنوة هذا المبلغ ~~في سورة الوجد عليها، فقال الأب الذي انكسفت الشمس حقا في عينيه: «كلا، إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا حياته.» # بهذا الحزن الصادق وهذا الصدق الحزين استحق الإنسان محمد بمشيئة الله أن يصبح رسوله ~~إلى الناس: و # الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~(الأنعام: 124)، كما قال عز من قال. # ومحمد الإنسان هو الذي استحق كرامة النبوة، فصنع في تاريخ الكون ما لم يصنعه قط إنسان ~~سواه: أربعمائة ألف ألف من بني الإنسان هم اليوم في مشارق الأرض ومغاربها يقرنون اسمه ~~باسم خالق الأرض والسماء كل صباح ومساء: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. # ليلة القدر # ليلة القدر خير من ألف شهر ~~(القدر: ~~3). # والمتفق عليه بين جلة المفسرين أن ليلة القدر قد شرفت هذا التشريف لنزول القرآن ~~الكريم فيها، ولا خلاف بينهم على ms139 هذا المعنى، ولكنهم - كعادتهم في تحقيق كل دقيقة ~~وجليلة من تفاصيل الآيات والأخبار القرآنية - يفسرون نزول القرآن على كل وجه من وجوهه ~~المحتملة، إذ يجوز أن يكون المقصود به ابتداء النزول، كما يجوز أن يقصد به نزول الكتاب ~~كله جملة واحدة، ويشير القرطبي وابن كثير إلى قول القائلين: إن ليلة القدر اسم جنس ~~لجميع الليالي التي تنزلت فيها الآيات، قد تبلغ عدتها عشرين ليلة أو أكثر من عشرين ~~ليلة على هذا الاحتمال، ولكنه قول لا يأخذ به الكثيرون، وإن أخذوا بتعدد الليالي التي ~~تنزلت فيها آيات الكتاب. # والمفسرون الذين يحققون أن ليلة واحدة من ليالي شهر رمضان يرجحون أنها إحدى لياليه ~~العشر الأخيرات، وأنها على الأرجح ليلة السابع والعشرين منه لأسباب لا محل لتفصيلها في ~~هذا المقام. # ومن المفسرين من يرى أن نزول القرآن الكريم جملة واحدة هو المقصود بنزوله في ليلة ~~القدر، ويعززون رأيهم بأن ابتداء نزول الآيات كان نهارا، ولم يكن في ليلة من الليالي؛ ~~لأنه من المتواتر أن النبي - عليه السلام - خوطب بأول آية كريمة وهو عاكف بغار حراء، ~~وقيل له: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ، إلى آخر ما ورد في الحديث المشهور، ولكن الأمر ~~الذي لا خلاف فيه أن سورة العلق التي افتتحت بهذه الآيات قد تمت بعد ذلك؛ لما ورد فيها ~~من الإشارة إلى الأمور التي حدثت كما قال الأستاذ الإمام «بعد شيوع خبر البعثة، وظهور ~~أمر النبوة، وتحرش قريش لإيذائه عليه السلام». # فلا خلاف على وجه من الوجوه في تشريف ليلة القدر لنزول القرآن الكريم فيها آيات ~~متفرقة أو جملة واحدة، وإن حكمتها الكبرى أنها هي ليلة الفرقان كما جاء في سورة الدخان: # إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا ~~كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر ~~حكيم ~~. # فهي ليلة القدر؛ لأنها ليلة التقدير والتمييز بين الخير والشر، والتفريق بين المباح ~~والمحظور، والأمر بالدعوة والتكليف، وهو أشرف ما يشرف به الإنسان؛ لأنه هو المخلوق ~~المميز بالتكليف والمخصوص بالتمييز بين جميع المخلوقات، ومن أجل هذا فضل الإنسان ms140 على ~~الملائكة؛ لأنها لا تتعرض لما يتعرض له الإنسان من فتنة التمييز بين المباح والمحظور، ~~وفضيلة الوصول إلى الخير والامتناع عن الشر بمشيئة الحي المكلف المسئول، وقد افتتحت ~~دعوة محمد - عليه السلام - بالأمر بالقراءة، واقتران تمييز آدم على الملائكة بفضيلة ~~العلم، كما جاء في وصف الخليفة من الكتاب المبين: # كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون * هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات وهو بكل شيء عليم * وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ~~* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ~~ إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم ~~أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما ~~تبدون وما كنتم تكتمون ~~(البقرة: 28-33). # وقد جاء وصف الإنسان بهذه المزية بعد الأمر بالقراءة في أول آية خوطب بها عليه ~~السلام: # اقرأ وربك الأكرم * الذي ~~علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم ~~(القلم: 3-5). # وهكذا ينبغي أن نفهم معنى القرآن ومعنى الفرقان، ومعنى التقدير والتمييز الذي خص ~~به الإنسان، ومعنى الأمر الحكيم الذي يفرق في ليلة القدر، بأمر العليم الحكيم ... # فالشرف الذي فضلت به ليلة القدر إنما هو شرف التقدير والتمييز، وشرف القرآن والفرقان، ~~وشرف التكليف الذي رفع به الإنسان إلى منزلة أشرف المخلوقات وحق عليه أن يذكره؛ لأنه ~~محاسب عليه، فيذكر في كل يوم وليلة أنه مسئول عما يفعل وأنه مشرف بين الخلائق جميعا؛ ~~لأنه مناط السؤال والحساب. # وعلى هذا المعنى وحده ينبغي أن نفهم التقدير الذي يرتبط بنزول القرآن وبأمر القراءة ~~والعلم الذي يفرق به كل أمر حكيم. # ومن حقائق البداهة التي يدين بها المؤمن بالله أنه - سبحانه وتعالى - يقدر الأقدار ~~ويقسم ms141 الأرزاق، ويحيي ويميت، ويجري قضاءه في صروف الحوادث وأطوال الحياة والأحياء، ولكن ~~اقتران ذلك بليلة واحدة من ليالي الزمن أمر لا يقول به المؤمن بالإله الواحد السرمد ~~الذي لا أول له ولا آخر، ولا تأخذه سنة ولا نوم، وإنما يتخلص هذا الاعتقاد من بقايا ~~الأديان التي ظلت تعدد الأرباب، وتخص كل رب منها بوقته وسماته، أو تشبهه بما يعده ~~الإنسان من أعمال أصحاب التصريف والسلطان من بني نوعه المحكمين فيه، وتجعل للسعود ~~والنحوس أياما تتعلق بمطالع النجوم، ومدارات الأفلاك، ويستنزلها العارفون بأسرار ~~النجوم عندهم توسلا إليها بشفاعة القرابين والضحايا، ورموز الطلاسم والعبادات. # ومن بقايا تلك العقائد الوثنية تسربت عقيدة التقدير في إحدى ليالي السنة، وسرت إلى ~~بني إسرائيل بعد اختلاطهم بعباد النجوم والأرباب الأرضية أو الفلكية في أرض بابل، فأخذت ~~سبيلها مع سائر الخرافات والإسرائيليات إلى عامة المسلمين، فظهرت في تلك الأساطير التي ~~أحاطت بأخبار ليلة القدر، وعدلت بتلك الليلة المباركة عن معناها الذي يتصل به شرف ~~الإنسان، وشرف التمييز والتكليف إلى معنى يناقضه، ويبطل حكمته ويبطل حكمة الإسلام في ~~جملته؛ لأنه يرتهن السعادة والشقاء والمثوبة والجزاء بغير الأعمال والمقاصد، ويعود بها ~~إلى أرصاد الليالي والأيام، ورموز الشفاعات والقرابين. # كان قدماء البابليين يحتفلون بسنتهم الزراعية، ويبتهلون إلى أربابهم في مطلعها أن ~~يغدق فيها المطر، ويورق فيها الشجر، ويجعلها سنة أمن ورخاء ونعمة وثراء، لاعتقادهم أن ~~أرباب النجوم تقضي في الليلة الأولى من مطلع السنة كل ما يقضى من أمور الخصب والجدب ~~والرزق والحرمان والحياة والموت، وكان من عقائدهم أن للأعمار شجرة تخضر أوراقها أو تذبل ~~مع اخضرار الشجر على الأرض وذبوله، فمن كتب له العيش اخضرت ورقته، ومن قضي عليه بالموت ~~ذبلت ورقته وسقطت فلم يبق منه غير عود كعيدان الحطب بغير روح، وكان من عقائدهم مع هذا ~~أن اخضرار الورقة وذبولها مرتهنان بمراسم الصلاة وطلاسم السحر التي يتولاها الكهان ~~ويفرضون من أجلها القرابين والهدايا على طلاب الصلوات والدعوات. # وقد نقل الإسرائيليون كل ذلك إلى عيد من أعيادهم التي اختلطت ms142 فيها عبادة الإله بعبادة ~~الأرباب الوثنية، ثم تسربت منهم إلى عامة المسلمين، وانخدع بها من غير العامة من كان ~~يحسب أن القوم ينقلون ذلك عن مصادر الكتاب الصحيحة، فأضافوا إلى ليلة القدر أكثر ما كان ~~يقال عن مراسم السنة الزراعية عند البابليين، ومراسم التفكير عند كهان إسرائيل. # ولعل انتقال بعضهم بليلة القدر إلى منتصف شهر شعبان، مع وضوح نسبتها إلى شهر صيام في ~~القرآن الكريم، إنما جاء من ذلك الاعتقاد القديم في السنة الزراعية، إذ كان شهر شعبان ~~إنما سمي بذلك لانشعاب عيدان الشجر فيه على ما جاء في روايات الجاهلية، فهو أشبه بما ~~كان يقال في بابل القديمة عن شجرة الحياة وعما يعرض لها من «انشعاب» الأعمار بين ~~الاخضرار والذبول. # لكنه في الواقع «انشعاب» آخر بين العقائد الإسلامية في صميمها وبين العقائد التي ~~تخلفت عن عبادة الأوثان والأرباب من دون الله. # فالعقيدة الإسلامية في صميمها لا تتمثل في شيء كما تتمثل في التكليف والتمييز، وفي ~~المخلوق العاقل المسئول الذي يدان بعمله ولا يصيبه الجزاء أو الغفران من عمل غيره، وهنا ~~تنشعب العقائد بين ليلة القدر في شريعة المسلم، وبين أشباه هذه الليالي في كل شريعة ~~يناط فيها قدر الإنسان بغير الأعمال والنيات، وإن المسلم ليعود إلى إسلامه الصحيح كلما ~~احتفل بليلة القدر، وهو يذكر أنها ليلة فرقان وحساب، وأنه يدعو الله فيها ليشرف بما ~~شرفته به الليلة المباركة من آيات التقدير والتذكير. # القصة في القرآن الكريم # القصص في اللغة هو تتبع الأثر لمعرفة المكان الذي نزل به أصحابه أو سلكوه. # ومن هنا قيل للحكاية عن القوم: إنها قصة؛ لأن من يحكي عنهم يتتبع أثرهم ليعرف خبرهم، ~~فهو يقص سيرتهم في الزمان، كما تقص السير في المواقع والجهات. # وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم بالمعنيين في سورة واحدة، فجاء في سورة الكهف: # فارتدا على آثارهما قصصا # بمعنى تتبع ~~الأثر لمعرفة الطريق، وجاء فيهما: # نحن نقص عليك ~~نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم ~~هدى # بمعنى تتبع الخبر في التاريخ. # ولكن ms143 كلمة القصص في القرآن الكريم تنصرف على عمومها إلى معنى الهداية إلى الأخبار ~~والآثار الباقية من سير القرون الغابرة، وهي تساق في الكتاب لمقاصد كثيرة تجمعها كلها ~~هذه المقاصد الثلاثة: فهي تساق للعبرة والموعظة، أو تساق للقدوة وتثبيت العزيمة، أو ~~تساق للتعليم والهداية. # وتتلى قصص العبرة والموعظة في القرآن الكريم لتذكير الأحياء بمصائر الغابرين من الأمم ~~الأولى، وكانت توصف بأنها أساطير الأولين من الكلام المسطور؛ أي المكتوب، وقد تكون ~~الكلمة إحدى الألفاظ التي تعربت عن اليونانية؛ لأن «الأستوريا» عندهم بمعنى الخبر ~~المسجل أو المعروف، ولا يبعد أن يكون اليونان قد أخذوها عن العرب؛ لأنهم أخذوا الكتابة ~~عن الأمم السامية، وسبقهم عرب الشمال وعرب الجنوب إلى رسم الحروف، ولا تزال أسماء ~~«الألفا والبيتا والجاما» عندهم منقولة من الألف والباء والجيم، بل يرجح أن كلمة ~~«كلموس» اليونانية؛ أي «القلم» منقولة عن العربية؛ لأن القلامة أصيلة فيها، ومن مادتها ~~«القصم والقضم والقطم والقحم والقرم»، وكلها تفيد القطع كما يفيده التقليم، وكذلك السطر ~~والشطر بمعنى الخط أو القط في العربية، يقال: سطره وشطره وخطه وقطه بمعنى واحد، فليس ~~من البعيد أن تنتقل هذه الكلمات مصاحبة للكتابة التي لا شك في انتقالها من الأمم ~~السامية إلى اليونان. # وقد ترددت في القرآن الكريم أخبار الأولين على سبيل العبرة والموعظة، وكان مدارها ~~جميعا على تحذير الأمم الباقية من الاغترار بالمتعة، كما اغترت بها الأمم الخالية، ~~وكانت هذه العظات ألزم العبر لتلك الأمم التي آمنت بالأوثان والأرباب، ولم تؤمن ~~بالوحدانية، فإنها إذا علمت أن أربابها لا تحميها من الكوارث، ولا تقدر على إصابتها ~~بها، ذهب إيمانهم بتلك الأرباب، ووجب عليها أن تبحث عن قوة إلهية تملك القدرة التي عجزت ~~عنها معبوداتها. # وفي القرآن غير القصص التي تدعو إلى العبرة بمصير الكافرين أنباء تروى عن الأنبياء، ~~الذين أرسلوا إلى الأمم الغابرة، فكذبتهم وتنكرت لهم، ثم ظهرت دعوتهم وحاقت النقمة بمن ~~كذبوهم وأنكروهم، وبقيت قدوتهم لينتفع بها من يعمل عملهم، ويقفو أثرهم، ويلقى من قومه ~~مثل ما كانوا يلقونه من ms144 أقوامهم ... # وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق ~~وموعظة وذكرى للمؤمنين # كما جاء في سورة هود. # وهذه على الجملة حكمة القصص التي جاءت في الكتاب عن جهاد الرسل، وعاقبة الصبر على ~~الدعوة، تثبيتا للأفئدة وتبشيرا للدعاة والمصلحين بعاقبة الصبر على الجهاد. ~~••• # ومن قصص التعليم والهداية في القرآن قصة موسى والخضر - عليهما السلام - يرى بعض ~~المفسرين أنها درس لأصحاب الشرائع يفرقون به بين شريعة الظاهر وشريعة الباطن كأنهما على ~~اختلاف، كما اعتقد أناس من القائلين: بالأسرار والإشارات الخفية، ويرى الثقات أن القصة ~~درس لأصحاب الشرائع حقا، ولكنهم يفهمون من هذا الدرس أن سعة العلم من شروط القضاء بين ~~الناس، وأن العدل منوط بمقدار ما يعلمه الحاكم من شئونهم، وحقائق أحوالهم، وأسباب ~~مصالحهم، فلا يتساوى في العدل قاض يعرف تلك الأحوال على حقائقها، وآخر ينظر فيها بما ~~يبدو له من ظاهرها، وذلك درس لا غنى عنه لمن يقضي بشريعة من الشرائع تجري على قسطاس ~~واحد، ولا يختلف فيها ظاهر وباطن، كما يعتقد القائلون بالأسرار والإشارات الخفية، فلا ~~حاجة بالقاضي العادل إلى غير العلم بحقيقة القضية التي بين يديه، ثم لا يختلف فيها بعد ~~ذلك قولان. # ومن الواجب أن نذكر أن قصص القرآن جميعا تساق للموعظة والتعليم وحسن القدوة، وأنها ~~تأخذ من التاريخ ما فيه الغنى لكل سياق أو مقصد يعنى به الدين، فليس المقصود بها تفصيل ~~التواريخ ولا تسجيل الوقائع والسنين، وليست حكمتها موقوفة على شيء غير ما فيه الكفاية ~~لهذه المقاصد كما يفهمها الناس. # ولكن الجانب التاريخي المحض من القصص الديني قد كان له درسه النافع للمتعجلين من ~~أدعياء التحقيق العلمي منذ أوائل القرن التاسع عشر، لعلهم لا يستغنون عنه بعد انتصاف ~~القرن العشرين، فقد كان ورود الخبر في كتاب من كتب الدين كافيا عندهم للجزم باختلاقه ~~وحسبانه في عداد الخرافات أو في عداد الخيالات الشعرية التي لم تحدث قط في غير أوهام ~~الشعراء، فلم تمض سنوات على الشروع في حركة البحوث الحفرية، حتى ms145 ثبتت علامات الصبغة ~~التاريخية لكل خبر من أخبار تلك الحوادث المشكوك فيها، وثبت أن علماء التاريخ كانوا ~~خلقاء أن يجهلوا كل شيء عن تلك الحوادث لو لم يعلموا بها من مصادرها الدينية، قبل أن ~~يتوفروا على حركة الحفر والتنقيب في آثار الشرق الأدنى وما جاور بلاد النهرين. # وفي هذه الأخبار ما كانوا يقرءونه في الكتب ويمرون به على غير انتباه؛ لأنهم لم ~~يعرفوا له خطرا جديرا بالاهتمام في غير المصادر الدينية، فشكوا في وجود عاد وثمود، ~~وشكوا في حملة الفيل وهلاك أصحاب الفيل، وشكوا في الزلازل والأعاصير والطوفانات ~~والجوائح والحروب التي سيقت مساق العبرة في قصص القرآن، وانفرد بها أحيانا بين كتب ~~الأديان، فلما حققوا الآثار وصححوا المراجعة تبين أن عادا وثمود من أخبار بطليموس، ~~وأن هلاك أصحاب الفيل من تواريخ الحبش والروم، وأن المدن التي ساخت بها الأرض أو عصفت ~~بها الرياح حقيقة لا تقل في صدقها عن حقائق طيبة ومنف وطروادة ومسيني، وأن بقايا اللغة ~~تقول لنا اليوم بعد المقارنة بين اللغات كل ما كذبوه من الأصول، أو من الصلات بين شعوب ~~الأمس وأعراقه في أحاديث المتدينين، وأنهم هم في إنكارهم وتحقيقهم المزعوم قد أبدعوا ~~لهذا العصر صورة جديدة من صور الخرافة لم تكن مقبولة عند المخرفين الأقدمين، وهي خرافة ~~العالم الذي ينكر ما يجهل ويجهل ما ينكر، ويظن أن كلمة «التحقيق» وحدها سلطة تخولهم دون ~~غيرهم حق الاستئثار بالرفض والإنكار. # وإذا أنكر هؤلاء المتعجلون كل شيء في الدين، فلعلهم لا يستطيعون أن ينكروا اليوم هذا ~~الدرس الذي تعلموه من كتب الدين، فقد تعلموا على غير قصد منهم أن التعجل بالإنكار جهل ~~شائن كجهل المتعجلين بالتصديق. # رمضان شهر الإرادة # كان منا رجل من رجال الأعمال، وسفير، وشاعر، وكاتب، وصحفي، ومنا المسلمون والمسيحيون، ~~وجرى حديث الصحة ونظام التغذية المفضل فقال رجل الأعمال: «إنني تعودت بين حين وحين أن ~~أصوم أسبوعا أو أسبوعين عن كل طعام غير السوائل، وأفضل من السوائل عصير ~~البرتقال.» # وقال السفير: «إنني أصوم فترة كهذه وأكتفي ms146 فيها كل يوم بوجبة أو وجبتين من اللبن، ~~ولكني أفضل عليه السوائل الأخرى.» # وقلت: «إنني أعالج الصوم مرة في كل أسبوع، وأختار يوما من أيامه للصوم عن كل طعام ~~غير السوائل، وأفضل منها مغلي البابونج أو عصير الليمون الحلو أو عصير البرتقال، وقد ~~أحتاج في أيام الأسبوع الأخرى إلى إسقاط وجبة من الوجبات الثلاث، وأكثر ما تكون وجبة ~~العشاء.» # ولا أذكر مما قيل في هذا المعنى غير ما تقدم، ولكني على يقين أن القارئ يسمع في ~~مجالسه مثل ما سمعنا في ذلك المجلس وفي غيره، فإن لم يسمع حديثا عن الصيام لإصلاح ~~المعدة سمع حديثا عنه لاجتناب السمنة أو لزيادة نصيب الجسم من بعض الأغذية الحيوية، أو ~~سمع عن الصيام السياسي الذي يراد به فرض رأي أو الاحتجاج على معاملة، فليس أكثر من ~~أنواع الصيام في هذه الأيام. # ولا حاجة إلى الإفاضة عن الكلام على أنواع الصيام التي يعالجها الجنس اللطيف حرصا ~~على الرشاقة واعتدال القوام، أو رياضة له في سبيل الجمال تشبه الرياضة التي يعالجها ~~اللاعبون في سبيل القوة والنشاط، فإن حديث الصيام من هذا القبيل في كل بيت وكل ناد، ~~وبلغ من شيوعه أنه أخاف المصانع التي كانت تعول على الشراب الخفيف كالجعة والمنقوعات ~~وما إليها، وتعلم أن وجود الجنس اللطيف مع الرجال أكبر مشجع على الإكثار من هذه ~~الأشربة، فإننا نقرأ أخيرا عن الجعة التي تخفف السمنة، وعن التي تزيل الرواسب وتحفظ ~~على الجسم «هندامه» واعتدال قوامه. # ووراء هذه المنشورات مصالح تلك المصانع على الأقل في بعض الأحايين. # ليس زماننا إذن زمان الإعراض عن الصيام كأنه عادة من عادات الأقدمين التي عفى عليها ~~الدهر كما يقولون، بل هو في الواقع زمان تزيد فيه ألوان الصيام ولا تنقص، ويكثر فيه ~~اختلاف أنواعه ولا يقل، فما علمنا من عصر قط أنه استحق أن يسمى عصرا «صياميا» كالعصر ~~الذي نحن فيه. # ونقول: «الصيام على اختلاف أنواعه.» لأن الأنواع التي ذكرناها آنفا ليست هي كل ~~الصيام الذي يشتغل به أبناء العصر ms147 الحاضر، فتلك جميعا أنواع «جسدية» تراد لحفظ الصحة ~~أو حفظ الرشاقة أو حفظ القوة والنشاط، وغيرها كثير من أنواع الصيام يدرسها أبناء العصر ~~الحاضر، ولا يطلق عليها وصف «الأنواع الجسدية» ... لأنها تراد لتربية الخلق ورياضة النفس، ~~وتعويد الإنسان أن يملك عاداته كما يشاء. # وقد تفتح باب البحث في هذه «الصيامات» على أثر التوسع في دراسة الأديان والمقارنة ~~بينها، وعلى أثر التوسع في الدراسات النفسية وعلاقة العقل فيها بالبنية، وعلى أثر القول ~~بإمكان توليد الأمراض العقلية وشفائها بتعاطي بعض العقاقير أو الامتناع عن بعض أصناف ~~الطعام. # وكثر الكلام على «اليوجا» الهندية، كما كثر الكلام على عادات المتصوفين والنساك التي ~~ملكوا بها زمام أجسادهم وضمائرهم، فلا يقل الكلام على الصيام في سبيل الروح والضمير عن ~~الصيام في سبيل الجوارح والعضلات. # والصيام الذي فرضته الأديان أحق هذه الأنواع بالبحث عن دواعيه وعن معانيه، وقد طال ~~القول في أصل الصيام الديني قديما قبل ظهور الأديان الكتابية، فلا حاجة بنا إلى ~~استقصائه في هذا المقام. # أما حكمة الصيام في الأديان الكتابية، فهي محصورة في أغراض معدودة: وهي تعذيب النفس ~~والتكفير عن الخطايا والسيئات، وتربية الأخلاق على نحو من الأنحاء. # والدين الإسلامي هو الدين الكتابي الوحيد الذي فرض كتابه الصيام فترة معروفة من الزمن ~~على نحو معروف من النظام. # ولا خلاف بين الأئمة في الحكمة المقصودة بهذه الفريضة، وهي تقويم الأخلاق وتربيتها، ~~وإن تعددت الأخلاق التي تذكر في هذا المقام. # فمن الجائز كثيرا أن صيام الغني يعلمه الرحمة بالفقير، ولكنه مقصد لا يشمل الفقراء ~~كما يشمل الأغنياء، وكما ينبغي في كل فريضة عامة لا تخصص بإنسان ولا بطائفة من ~~الناس. # أما الخلق الذي يعم الأغنياء والفقراء ولا يستفاد من فريضة عامة كما يستفاد من ~~الصيام، فهو «الإرادة» ألزم الصفات لكل إنسان، إن الإرادة لازمة في كل تكليف وفي كل ~~تبعة وفي كل فضيلة، فلا قوام للفرائض جميعا بغير هذه الإرادة. # وهي لازمة للفقير لزومها للغني، فإن كان أحدهما أحوج إليها من الآخر فهو الفقير؛ لأن ~~الغني ms148 قد يجد عنده ما يعوض التفريط في أعمال الإرادة والعزيمة والحزم والمضاء، وليس هذا ~~العوض ميسورا للفقير إلا بزيادة الجهد والعناء. # الإرادة إذن هي فضيلة الفضائل في الصيام. # ومتى عرفت هذه الحكمة فآداب رمضان كلها محصورة فيها مستفادة من معناها، ولا حاجة ~~بالصائم إلى أدب غير أن يذكر أنه يريد الصيام، وأنه يقوم بفريضة يطلبها ويعلم نفعها، ~~ويحمل جهدها، وإن لم تكن مفروضة عليه. # فليس من أدب رمضان أن يتململ الصائم وأن يتجهم لمحدثيه، وأن يبدو منه ما يدل على ~~الضيق بالفريضة كأنه مكره عليها مطيع لها بغير رضاه. # وليس من أدب رمضان أن يهرب الصائم من إرادته بقضاء النهار كله في النوم تاركا ~~للطعام؛ لأنه غافل عن مواعيده غير متنبه إليه. # وليس من أدب رمضان أن يفلت زمام الإرادة بعد غروب الشمس، فلا يعرف الصائم له إرادة ~~تصده عن الإفراط في الطعام والشراب إلى موعد الإمساك. # وليس من أدب رمضان أن يصوم الإنسان وهو معرض للتهلكة بصيامه، فإن من كان مريضا لم ~~تجب الفريضة عليه، ولا معنى لأداء الفريضة إذن إلا أنه يريد لنفسه الهلاك، وهذا محرم ~~عليه. # كلمة «الإرادة» وحدها تلخص آداب رمضان، ولا تحتاج إلى إسهاب في تفسيرها وتعديد ~~أنواعها. # ومزية رمضان أنه فريضة اجتماعية مع فرضه على آحاد المكلفين، فهو موعد معلوم من العام ~~لترويض الجماعة على نظام واحد من المعيشة، وعلى نمط واحد من تغيير العادات، وليس أصلح ~~لتربية الأمة من تعويدها هذه الأهمية للنظام ولتغيير العادات شهرا في كل سنة، تتلاقى ~~فيه على سنن واحد في الطعام واليقظة والرقاد، وما يستتبع ذلك من أهبة الجماعة كلها لهذا ~~الشهر خلال العام. # وإذا استطاعت الجماعة أن «تريد» ذلك التنظيم وذلك التغيير، فليس ثمة نمط من أنماط ~~المعيشة لا تستطيعه على هذا المثال في الشدة أو الرخاء. # رمضان شهر الإرادة؛ أدبه أدب الإرادة، وحكمته حكمة الإرادة، وليست الإرادة بالشيء ~~اليسير في الدين والخلق، فما الدين وما الخلق إلا تبعات وتكاليف، وعماد التبعات ~~والتكاليف جميعا أنها تناط بمريد. ms149 # ومن ملك الإرادة فزمام الخلق جميعا في يديه. # لو عاد محمد عليه السلام # من الأماثيل التي تعاد ولا تمل أمثولة للكاتب الروسي «ديستيفسكي» عن السيد المسيح ~~ومحكمة التفتيش في قصة الإخوة كرامزوف. # وخلاصة الأمثولة أن السيد المسيح عاد إلى الأرض، وأخذ في وعظ الشعب وتبشيره بالملكوت، ~~فأقبلوا عليه واستمعوا له، وأوشكوا أن ينفضوا عن وعاظهم ودعاتهم المعهودين، فأشفق هؤلاء ~~على مكانتهم وأوعزوا إلى رئيس محكمة التفتيش، فاعتقله وتوعده بالمحاكمة والحكم عليه ~~لتضليله الشعب، والانحراف به عن تعاليم السيد المسيح! وقال له: إن هؤلاء الذين يقبلون ~~عليك اليوم هم أول الثائرين عليك، وأسبق المبادرين إلى تنفيذ القضاء فيك ... # أمثولة تعاد ولا تمل؛ لأن العبرة بها لا تنقضي في حقبة واحدة، ولا تزال عبرة الدهر ~~كله في أحاديث المصلحين والمفسدين. # ولم يبالغ الكاتب العظيم في تخيله، فإنما يكون مبالغا لو كان ما تخيله بعيدا أو ~~غريبا في بابه، ولكنه في الواقع أقرب شيء إلى الاحتمال مع هذه البشرية التي تختلط فيها ~~الشيطانية والخنزيرية والحمارية في وقت واحد، فلا تزال حربا على من ينفعها وألعوبة في ~~أيدي العابثين بها، وإن كرروا العبث بها كل يوم مرات بعد مرات. # لو عاد السيد المسيح لأنكره كثيرون ممن يعيشون باسمه وينتحلون هدايته. # ولو عاد محمد - عليه السلام - لكان له نصيب كذلك النصيب ممن يرفعون العقيرة بهداية ~~الإسلام والإسلام بريء منهم، وكل ما هنالك من خلاف أن المسألة لا تمر بتلك السهولة التي ~~توهمها رئيس محكمة التفتيش، أو من يتصدى في الإسلام لمثل عمله، وأنه سيندم على فعلته ~~ندما يكفر عن سيئاته، إن كانت سيئاته مما يقبل التكفير. # وأسأل نفسي كيف ينتفع المسلمون على أحسن وجوه النفع بعودة النبي - عليه السلام - فترة ~~قصيرة من الزمن؟ وما هي المسائل التي يرجعون بها إلى شخصه الكريم فيسمعون منه فصل ~~الخطاب فيها؟ # أسأل نفسي فتخطر لي مسائل خمس يرجع فيها إلى شخصه الكريم، ويغني جوابه فيها كل ~~الغناء، فلا لجاجة ولا اختلاط ولا حاجة إلى الاجتهاد والتأويل من مجتهد أو ms150 مقلد، وما ~~أشبه الاجتهاد والتقليد في هذا الزمان! # تلك المسائل الخمس هي: مسألة الأحاديث النبوية، ومسألة الروايات في قراءة الكتاب ~~المجيد، ومسألة الخلافة والملك، ومسألة الرسالة والنبوة بعد خاتم المرسلين، ومسألة ~~المذاهب الاجتماعية الحديثة، وحكم الإسلام عليها، وقول نبي الإسلام فيها. # مسألة الأحاديث النبوية # إن رجال الحديث قد بلغوا الغاية من الاجتهاد المشكور في جمع الأحاديث وتبويبها، ~~وتقسيم رواتها وأسانيدها، وقد جعلوا من أقسامها الثابت والراجح والحسن المقبول والضعيف، ~~والمشكوك فيه والمرفوض، وجعلوا لكل قسم شروطه وعلاماته، فأصبح الحديث بفضل هذه الشروط ~~والعلامات علما مستقلا يتفرغ له علماء مستقلون. # وبعد كل هذا الجهد المشكور لا تزيد الأحاديث الثابتة على عشر الأحاديث المتداولة في ~~الكتب وعلى الألسنة. # وكلمة واحدة من فمه الشريف - عليه السلام - ترد الأمور جميعا إلى نصابها: «لم أقل ~~هذه الأحاديث!» وينتهي القيل والقال ويبطل الخلاف والجدال، ويبطل معهما بلاء أولئك ~~المحدثين الذين يستندون إلى الحديث الكاذب في التضليل وترويج الأباطيل. # قراءات القرآن # ومسألة الروايات القرآنية دون مسألة الأحاديث في أشكالها ونتائج الاختلاف عليها، فإن ~~الروايات التي لم يتفق عليها القراء لا تغير شيئا من أحكام القرآن، ويمكن الأخذ بها ~~جميعا ولا ضرر في ذلك ولا ضرار. # إلا أنها لا تحتمل أقل اختلاف مع وجود النبي الذي تنزل عليه القرآن، فما يقوله فيها ~~فهو مجتمع القراءات ومرجع الروايات، ومتى استمع الناس إلى تلاوته - في عصر التسجيل - ~~فتلك ذخيرة الأبد في ذاكرة الأجيال، وسيبقى صوته بتلاوة القرآن أول ما يسمعه السامعون ~~في مجالس الذكر الحكيم. # الخلافة والملك # وتأتي مسألة الخلافة، بل معضلة الخلافة. # تلك المعضلة التي سالت فيها بحور من الدماء وجداول من المداد، وبقيت وراء كل انقسام ~~نذكره في الإسلام حين نذكر السنة والشيعة والإماميين والزيديين والإسماعيليين ~~والنزاريين، وحين نذكر الهاشميين والأمويين والعباسيين والفاطميين وغيرهم من المنقسمين ~~وأقسام المنقسمين. # بم أوصيت يا رسول الله في أمر الخلافة؟ وهل أوصيت بها دينية أو دنيوية؟ وهل تريدها ~~اليوم على هذه أو على تلك من صفاتها وأحكامها؟ # فإذا قال عليه السلام: أوصيت ms151 بكذا ولم أوص بكذا، فكأنما مسح بيده الشريفة على تلك ~~الصفحات والمجلدات، فإذا هي بيضاء من غير سوء، وإذا هي بقية من بقايا الماضي تحال إلى ~~دار المحفوظات للعبرة والحذر، أو يلقى بها حيث لا حس ولا خبر. # وكفى الله المؤمنين شر القتال وذكرى القتال. # الرسالة بعد خاتم المرسلين # والخطب أهون من ذلك جدا في مسألة الرسالة والنبوة بعد خاتم المرسلين، فإن المخالفين ~~للإجماع في هذه المسألة واحد في كل خمسمائة مسلم، وسينتهي خلافهم عما قريب، ولكن إذا ~~انتهى بكلمة من الرسول الذي يؤمن به المسلمون جميعا، فتلك هي النهاية الفاصلة، وقد ~~تمنع في المستقبل أضرارا لا يقاس عليها ضررها في الوقت الحاضر، وخير من واحد ينشق على ~~خمسمائة أن يتفق الخمسمائة فلا ينشق منهم واحد. # المذاهب الاجتماعية الحديثة # وما قولك يا رسول الله في دعاة المذاهب العصرية من اجتماعية أو غير اجتماعية؟ # لا حاجة إلى السؤال عن الديمقراطية، فإن سابقة الإسلام فيها أصلح من كل سابقة. # ولا حاجة إلى السؤال عن الفاشية، فإن الإسلام يمقت الجبارين والمتجبرين. # ولا حاجة إلى السؤال عن الشيوعية الماركسية، فإنها ملعونة في كل دين. # وإنما يسأل النبي - عليه السلام - في الاشتراكية فيقول ما قاله القرآن، حيث نهى أن ~~تكون الثروة «دولة بين الأغنياء» ... ثم يسأل عن شرحها فيتلقاه منه المسلمون على أقوم ~~المناهج وأسلم الحلول. # وتأتي على الهامش أسئلة عن ترجمة القرآن وعن حقوق المرأة، وعن دعاوى المدعين في ~~الأحكام والقوانين باسم الدين، وعن أحاديث شتى مما يتحدث عنه الصحفيون وأشباه ~~الصحفيين. # ويسمع من النبي - عليه السلام - في أولئك كله جواب يغني عن ألف جواب أو عن كل ~~جواب. # ونعود إلى محكمة التفتيش وما يشبه محكمة التفتيش بين المسلمين. # إن كانت هذه السطور آخر من يؤمن بإقناع العقول، أو بسلطان البرهان في الإقناع. # إن كاتب هذه السطور قد رأى بعينيه أناسا أغرب وأصفق ممن ينكرون الشمس في رائعة ~~النهار. # وليس بالمستحيل عندي أن يعاندك المعاند ويكابرك المكابر في «اثنين واثنين يساويان ~~أربعة وفي واحد ms152 وواحد يساويان اثنين». # بل ليس بالمستحيل عندي أن يكابرك المكابرون في معنى الواحد ومعنى الاثنين، وأن هذا ~~خمسة وليس بواحد وذلك صفر وليس برقم من الأرقام. # فإذا عاد النبي - عليه السلام - وقضى قضاءه في أحكام الإسلام، فلا والله لا يعدم ~~الناس من يشكك في كلامه وبيانه، وفي ملامح وجهه وعلامات جثمانه، ولا والله لن يسلس ~~المقاد ممن يلج في العناد، ويضيع عليه الجاه أو الغنى بما قضاه الرسول وتلقاه الناس منه ~~بالتسليم والقبول. # غير أنه - فيما نحسب - عناد لا ينفع أصحابه، ولا يطمعون في الرجاء منه حتى تفجأهم ~~الحوادث بالندم عليه، وصلى الله على محمد في الأولين والآخرين، فما هو إلا أن يعود فلا ~~تعز عليه هداية المهتدين ورياضة الذين لا يهتدون، فلا يصدون أحدا عن الدنيا ولا عن ~~الدين. # لو عاد السيد المسيح # في إحدى روايات الكاتب الروسي العظيم - دستيفسكي - بطل من أبطال الرواية يتخيل أن ~~السيد المسيح عاد إلى الأرض في طوفة عابرة، ونزل بأشبيلية في إبان سطوة «التفتيش»، فوعظ ~~الناس وصنع المعجزات، وأقبل عليه الضعاف والمرضى والمحزونون يلثمون قدميه ويسألونه ~~العون والرحمة. # وإنه ليمضي بين الشعب يضفي عليهم حبه وحنانه، ويبسطون له شكاياتهم ومخاوفهم إذا برئيس ~~ديوان التفتيش - المفتش الأعظم - يعبر بالمكان، ويتأمل السيد والشعب من حوله هنيهة، ثم ~~يشير إلى الحراس ويأمرهم أن يعتقلوه ويودعوه حجرة السجناء في انتظار التحقيق. # ويأتي المساء فيذهب المفتش الأعظم إلى الحجرة، ويقول للرسول الكريم: «إنني أعرفك ولا ~~أجهلك؛ ولهذا حبستك، لماذا جئت إلى هنا؟ لماذا تعوقنا وتلقي العثرات والعقبات في ~~سبيلنا؟» # ثم يقول له فيما يقول: «إنك كلفت الناس ما ليست لهم به طاقة، كلفتهم حرية الضمير، ~~كلفتهم مؤنة التمييز، كلفتهم أوعر المسالك فلم يطيقوا ما كلفتهم وشقيت مساعيهم بما طلبت ~~منهم ... والآن وقد عرفنا نحن داءهم وأعفيناهم من ذلك التكليف، وأعدناهم إلى الشرائع ~~والشعائر، تعود إلينا لتأخذ علينا سبيلنا، وتحدثهم من جديد بحديث الاختيار وحرية ~~الضمير؟ # ليس أثقل على الإنسان من حمل الحرية، وليس أسعد منه حين يخف عنه ms153 محملها، وينقاد ~~طائعا لمن يسلبه الحرية ويوهمه في الوقت نفسه أنه قد أطلقها له، وفوض إليه الأمر في ~~اعتقاده وعمله، فلماذا تسوم الإنسان من جديد أن يفتح عينيه، وأن يتطلع إلى المعرفة وأن ~~يختار لنفسه ما يشاء، وهو لا يعلم ما يشاء؟ # إنك منحتنا السلطان قديما وليس لك أن تسترده، وليس في عزمنا أن ننزل عنه، فدع هذا ~~الإنسان لنا وارجع من حيث أتيت، وإلا أسلمناك لهذا الإنسان غدا وسلطناه عليك، وحاسبناك ~~بآياتك وأخذناك بمعجزاتك، ولترين غدا هذا الشعب الذي لثم قدميك اليوم مقبلا علينا ~~مبتهلا لنا أن نخلصه منك، وأن ندينك كما ندين الضحايا من المعذبين والمحرقين.» # قال إيفان كرامزوف بطل الرواية التي تتخيل هذا الملتقى وهذا الحوار: «إن السيد المسيح ~~لم ينبس بكلمة ولم يقابل هذا الوعيد وهذا العداء بعبوس أو ازورار، وتقدم إلى المفتش ~~الأعظم - وهو شيخ فان في التسعين - فلثم شفتيه وخرج إلى ظلام المدينة، وغاب عن ~~الأنظار.» # خلاصة لما تخيله الكاتب العظيم في خطاب طويل مملوء بحكمة الحياة، كما يراها «الحكماء» ~~من الطرف الآخر الذي يقابل الحكمة المسيحية: حكمة الرسول الكريم. # ولا نحسب أن الخيال في هذا الخطاب العجيب بعيد عن الحقيقة، ولا نستبعد ما قاله المفتش ~~الأعظم حين أنذر الرسول الكريم أن يسلمه لمن يثور عليه، ويصب عليه الويل والغضب، بعد أن ~~أحاط به ولثم قدميه وتوسل إليه. # كلا، إن الخيال في ذلك الخطاب غير بعيد من الحقيقة، وأقرب شيء إلى طبائع الناس أن ~~يصنعوا ذلك الصنيع، وأن يتبعوا المفتش الأعظم في نقمته على الرسول الكريم. # وأقرب شيء أن يكون لو عاد السيد المسيح إلى الأرض أن ينكر الكثير مما يعمل اليوم ~~باسمه، وأن يجد بين أتباعه كتبة وفريسيين ينعى عليهم الرياء، ويعلمهم من جديد أن السبت ~~للإنسان وليس الإنسان للسبت، وأن العبرة بما في الضمائر لا بما تفوه به الألسن ويبدو ~~على الوجوه، وأن الوحي في طوية الإنسان لا في طوايا الكتب والأوراق. # أقرب شيء أن يكون أن ينعى على الناس ما نعاه ms154 قبل ألف وتسعمائة سنة، وأن يجد إنسان ~~اليوم كإنسان الأمس في شروره وعداوته، وفي نفاقه وشقاقه، وفي إعراضه عن اللباب وإقباله ~~على القشور، وفي استعلائه بالتقوى حين يتقي، ولجاجه في الجحود والعدوان حين يجحد ~~ويعتدي، خمرا جديدة في زق قديم. # ذلك أقرب شيء أن يكون. # وأقرب شيء أن يقال إذا طاف بالخاطر ذلك الخيال، أن يردد اللسان قول أبي ~~العلاء: # تعب غير نافع واجتهاد # لا يؤدي إلى غناء اجتهاد # ففيم يشقى المصلحون؟ وفيم يهلك الشهداء؟ وفيم يأتي الأنبياء ويذهبون؟ وفيم اختلفت ~~الديانات واصطرع عليها المتدينون؟ فيم كان هذا؟ فيم جاءهم رسول بعد رسول؟ وفيم توالى ~~التابعون بعدهم بإحسان أو بغير إحسان؟ # جاءوا وعادوا. # وانصرفوا والبلاء باق # ولم يزل داؤنا العياء # لئن قيل هذا ليكونن أقرب ما يقال بعد تلك الحقيقة التي جاءت في صورة الخيال. # ولكن الحقيقة الكبرى التي توزن بها جميع الحقائق هي أن الحقيقة لا ترى من جانب واحد، ~~ولا سيما الحقيقة التي تخلد على الزمن في أطوار الإنسان منذ كان، وتخلد معه أنى ~~يكون. # ليست حرية الضمير مطلبا محدود المسافة، يرحل إليه الإنسان ثم يصل إليه ويقعد عنده، ~~ويكف بعده عن كل عناء. # إنما حرية الضمير جهاد دائم وعمل دائب، يتقدم فيه الإنسان شوطا بعد شوط، أو طبقة فوق ~~طبقة، ولا يفرغ من جهاده يوما إلا لينظر بعده إلى جهاد مستأنف، ولا يودع الشر في مرحلة ~~من مراحله إلا ليلقاه ويجاهده، ولن يلقاه في سلام. # ومطالبنا المحسوسة تهدينا إلى القياس الصحيح في هذه المشكلة، وهي أولى بأن ندركها من ~~المطالب الخفية التي تعتلج بالضمير، وتبعثه إلى العمل مرة حيث يرى مواقع خطوه، ومرات ~~حيث يبصر فلا يرى غير الحجب والظلمات. # من ذا يقول: إن عناء التعليم باطل، إذا رأى الطفل يحمل الكتاب وهو في الخامسة، ورآه ~~يحمله وهو في العاشرة، ورآه يحمله وهو في العشرين ثم في الثلاثين، ثم رآه مدى الحياة لا ~~يستغني عن علم ولا يقضي على الجهل كل القضاء؟ # من ذا يقول: إن عناء ms155 الطب باطل، إذا رأى الناس يمرضون بعد علمهم بالجراثيم، وبعد ~~افتنانهم في الطبابة ومواقع الدواء وموانع الشفاء؟ # من ذا يقول: إن الغاية عبث؛ لأن الطريق إليها طويل؛ أو لأنها غاية تتلوها غاية بلا ~~انقطاع ولا اكتفاء؟ # لا نقول هذا في محسوساتنا التي نلمحها ونلمسها، فهل نقوله في غاية كحرية الضمير، وهي ~~سر الأسرار في حياة الإنسان منذ كان وأنى يكون؟ # ليست العبرة أن الشر واقع، ولكن العبرة كيف ننظر إليه، وكيف نواقعه أو كيف ~~نتقيه. # وإذا وقع اثنان في الشر، فليس الذي وقع فيه وهو مستريح إليه مستزيد منه، كالذي وقع ~~فيه وهو مضطر إليه نادم عليه، وليس الذي وقع فيه وهو يعلمه كالذي وقع فيه وهو يجهله، أو ~~يقف منه موقف المغالطة بين العلم والجهل وبين القصد والاضطرار. # إنما الإنسان غير الحيوان البهيم؛ لأنه صاحب ضمير، وإنما يقاس ضمير الإنسان بالقيم ~~التي يقومها والمثل العليا التي يتمثلها، والمطالب التي يطلبها وينالها أو لا ينالها، ~~وما دام المصلحون والرسل يعلمون الإنسان قيمة يغليها، ويرفعون أمامه مثلا أعلى يتسامى ~~إليه ... فهم عاملون وعملهم لازم، ونتيجته محققة، وإن دام الشر ولم ينقص عدد الذنوب ~~والجرائم بأرقام الإحصاء. # وإذا قلنا يوما: إن الإنسان في هذا العصر يطلب الخير ولا يدركه، فقد قلنا على ~~اليقين: إنه أفضل من الإنسان الذي كان لا يطلبه ولا يعرفه، وإن عمله غير مطلوب وغير ~~معروف كما يعمل الحيوان. # إنما تقاس الأديان بما تودعه النفوس من القيم والحوافز، وبما تزيده من نصيب الإنسان ~~في حرية الضمير، أو في حرية التمييز بين الحسن والقبيح، وقد عملت الأديان كثيرا ولا ~~تزال قادرة على العمل الكثير، ولكنها لن تغني الإنسان يوما عن جهاد الضمير. # كان جهلاء الناس فيما غبر ينتظرون ألف سنة يعم فيها الخير، وينقطع فيها الشر ويمتنع ~~الشقاء، ولا يرى في العالم يومئذ غير سعداء أبناء سعداء. # وكان «العارفون» يقولون عن هؤلاء: إنهم جهلاء. # لكن هؤلاء العارفين أجهل منهم إذا اعتقدوا أن دينا من الأديان لم يعمل عملا، ولم ~~يكن ms156 غير عبث من العبث؛ لأن الدنيا باق فيها الشر، باق فيها الغي، باق فيها ~~الكفران. # أي فرق بين العارفين الذين ينتظرون من الدنيا دنيا لا تعاب وبين الجاهلين الذين ~~انتظروا السعادة المطلقة في «الألفية» الموعودة آخر الزمان، بعد قرون تعد بالعشرات أو ~~بالمئات؟ # لعل هؤلاء الجاهلين أقرب إلى التقدير الصحيح من أولئك العارفين؛ لأنهم يفكرون ~~وينتظرون «الألفية»، وقد انتظرها الجاهلون بغير تفكير! # لو عاد السيد المسيح اليوم لوجد كثيرا يصنعه ويعيد صنعه، ولصنع كثيرا بين أتباعه ~~ومن يعملون باسمه ويتواصون بوصاياه، ولكن الدنيا التي يصنع فيها الهداة صنيعا كثيرا ~~خير من الدنيا التي لا موضع فيها لصنيع الهداة وجهاد الضمير. # ولن يختم المسيح العائد إلى الدنيا رسالة الخير والهداية، فتلك هي شروط الضمير الذي ~~لا ختام له، وهو الغاية وراء كل ختام. # وسيعلم الناس في العصر الحديث - إن لم يكونوا قد علموا حتى اليوم - أن عقيدة الإنسان ~~شيء لا يأتيه من الخارج فيقبله مرضاة للداعي أو ممتنا عليه، ولكنها هي ضميره وقوام ~~حياته الباطنية يصلحه، إن احتاج إلى الإصلاح، كما يصلح بدنه عند الطبيب، وهو لا يمتن ~~عليه ولا يرى أنه عالج نفسه لمرضاته، فالعقيدة مسألة الإنسان، لا شأن للأنبياء بها إلا ~~لأنها مسألة الإنسان، وعليه إذا عالج إصلاحه أن يعالجها كما يعالج جزءا من نفسه، بل ~~كما يعالج قوام نفسه، ولا يعالجها كأنها بضاعة يردها إلى صاحبها ويفرغ من أمرها، فلا ~~فراغ من أمر العقيدة إلى آخر الزمان. # | في الشعر العربي # المذاهب العربية # نظم الشعر في اللغة العربية فن مستقل بذاته بين الفنون التي عرفت في العصر الحديث باسم ~~الفنون الجميلة، وتلك مزية نادرة جدا بين أشعار الأمم الشرقية والغربية، خلافا لما يبدر ~~إلى الخاطر لأول وهلة، فإن كثيرا من أشعار الأمم تكسب صفتها الفنية بمصاحبة فن آخر، ~~كالغناء أو الرقص أو الحركة على الإيقاع، ولكن النظم العربي فن معروف المقاييس والأقسام بعد ~~استقلاله عن الغناء والرقص، والحركة الموقعة، فلا يصعب تمييزه شطرة شطرة بمقياسه الفني من ~~البحور والأعاريض، ms157 إلى الأوتاد والأسباب. # وليست هذه خاصة من خواص اللغات السامية أخوات العربية، فإننا إذا أخذنا سطرا على حدة من ~~قصيدة عبرية لم نستطع أن ننسبه إلى وزن محدود أو مقياس متفق عليه، ولا بد من اقترانه بسطور ~~أخرى يتم بها الإيقاع ولا تطرد في قول كل شاعر ولا في سطور كل قصيدة، فهو والفاصلة النثرية ~~التي يمكن أداؤها بالغناء، أو بالإيقاع على حركة الرقص، متساويان. # ومن الشعر الغربي ما يعرف كل سطر منه بعدد من المقاطع والنبرات، ولكنه بغير قافية تنتهي ~~إليها هذه السطور. # أما ضروب النظم التي تلتزم فيها القافية، فكلها في نشأتها كانت تغنى أو تنشد على إيقاع ~~الرقص، ثم استقلت بأوزانها المحدودة على نحو مشابه للأوزان العربية، وهي الموشحات التي ~~اشتهرت عندهم باسم «استانزا» أو اسم «سونيت»، ويدل كلا الاسمين على أصلها من الرقص والغناء ~~... فإن استانزا كلمة إيطالية بمعنى الوقوف تقابلها ستاند # Stand # بالإنجليزية وسونيت # Sonnet # من كلمة ~~سونج # Song # بمعنى الغناء. # فالشعر الذي لا يضبط بالوزن أو بالقافية موجود في اللغات السامية واللغات الآرية، وبعضه ~~لا يزيد الإيقاع فيه على الموازنة بين السطور بغير ضابط متفق عليه، وبعضه يضبط فيه الإيقاع ~~بعدد المقاطع والنبرات، ولا ينتهي إلى قافية ملتزمة في القصيدة أو المقطوعة الصغيرة. # إنما الوزن المقسم بالأسباب والأوتاد والتفاعيل والبحور خاصة عربية نادرة المثال في لغات ~~العالم، وكذلك القافية التي تصاحب هذه الأوزان. # ومرجع ذلك إلى أسباب خاصة لم تتكرر في غير البيئة العربية الأولى، أهمها سببان، هما ~~الغناء المنفرد، وبناء اللغة نفسها على الأوزان. # فالأمم التي ينفرد فيها الشاعر بالإنشاد تظهر القافية في شعرها؛ لأن السامعين يحتاجون إلى ~~الشعور بموضع الوقوف والترديد، ولكن الجماعة إذا اشتركت في الغناء لم تكن بها حاجة إلى هذا ~~التنبيه؛ لأن المغنين جميعا يحفظون الغناء بفواصله ولوازمه ومواضع النبر والترديد في ~~كلماته وفقراته، فينساقون مع الإيقاع بغير حاجة إلى القوافي عند نهاية السطور، وإنما تنشأ ~~الحاجة إلى القافية، أو وقفة تشبه القافية عند تفاوت السطور وانقسام القوم إلى ms158 منشدين ~~ومستمعين. # يقول العلامة جلبرت موري، وهو من ثقات البحث في الأوزان والأعاريض: # إن إحدى نتائج هذا الاختلاف زيادة الاعتماد على القافية في اللغات الحديثة، ففي ~~اللغتين اللاتينية واليونانية ينظمون بغير قافية؛ لأن الأوزان فيهما واضحة، وإنما ~~تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية السطر، وتزويد الأذن بعلامة ثابتة للوقوف ... ~~وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان وتغمض، ولا تستبين للسامع مواضع الانتقال ~~والانفصال، بل لا يستبين له هل هو مستمع لكلام منظوم أو كلام منثور، وقد اختلف ~~الطابعون عند طبع الكتب هذا الاختلاف في بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير، ~~فحسبها بعضهم من المنثور وحسبها الآخرون من المنظوم، ومما يلاحظ أن اللاتين اعتمدوا ~~على القافية حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية، وأن الصينيين يحرصون على ~~القافية؛ لأنهم يلتزمون الأوزان، وأن انتشار القافية في أغاني الريف الإنجليزية ~~يقترن بالترخص في أوزان الأعاريض. # ويستطرد الأستاذ موري إلى الشعر الفرنسي فيقول: «إن اللغة الفرنسية حين رجع فيها الوزن ~~إلى مجرد إحصاء للمقاطع، وأصبحت المقاطع بين مطولة وصامتة - نشأت فيها من أجل ذلك حاجة ماسة ~~إلى القافية، فصارت في شعرها ضرورة لا محيص عنها، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت أجزاء صغيرة ~~ليفهم معناه.» # ومن أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية في أشعار الغربيين سبب لم يذكره الأستاذ موري، وهو ~~غناء الجماعة للشعر المحفوظ كما تقدم. # فحيث شاعت أناشيد الجماعة قل الاعتماد على القافية، وكثر الاعتماد على حركات الإيقاع، ولو ~~لم تكن متناسقة الوزن على نمط محدود؛ لأن الغناء بالكلام المنثور ممكن مع توازن الفواصل، ~~وموازاة السطور. # وأناشيد الجماعة قد شاعت بين العبريين؛ لأنهم قبيلة متنقلة تحمل تابوتها في رحلتها، وتنشد ~~الدعوات معا في صلواتها الجماعة، وفي هذه الدعوات ترانيم على وقع الدفوف، كما جاء في ~~الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج حيث «أخذت مريم النبية الدف بيدها، وخرجت جميع النساء ~~وراءها بدفوف ورقص، وأجابتهم مريم: رنموا للرب فإنه قد تعظم ...» # وكذلك شاعت بين اليونان أغاني المسرح التي ترجع في نشأتها إلى الشعائر الدينية، ثم انتقلت ~~منها إلى ms159 الأمم الأوروبية. # ومما يؤيد الصلة بين غناء الفرد، والتزام القافية أن شعراء الأمم الغربية الذين ينشدون ~~قصائدهم للمستمعين قد لجئوا إلى القافية والتزموا في مراعاتها أحيانا ما يلتزمه عندنا ~~شعراء الموشحات. # أما البيئة العربية فلم تكن فيها قبل الإسلام صلوات جامعة منتظمة بمواعيدها ومحفوظاتها، ~~وإنما كان الحداء هو الغناء الذي يصاحب إنشاد الشعر على بساطة كأنها بساطة الترتيل، ينشده ~~الحادي على انفراد وتصغي إليه القافلة أحيانا في هدأة الليل؛ إذ يعتمد الحس كله على السمع ~~في متابعة النغم إلى مواضع الوقوف والترديد، فتقفو النغمة على وتيرتها، ويصدق عليها اسم ~~القافية بجملة معانيه. # لهذا استقل المنظم بحقه في الصنعة؛ لأن هذه الصنعة لازمة لتمييزه مع الغناء ومع غير ~~الغناء، فانتظمت قوافيه وانتظم ترتيله انتظاما لا بد منه لكفايته، مع بساطة أفانين ~~الغناء. # وإذا التمسنا مدخلا لفن الحركة الموقعة مع الحداء، فهناك إيقاع واحد نتابعه في خطوات ~~الإبل، وفي خطوات الهرولة التي تصاحبها على القدم، وإلى هذا الإيقاع يرجع وزن الرجز على قصد ~~وعلى غير قصد، ومجيئه على غير قصد أدل على تمكن العادة، وعلى أصالتها في الحياة ~~البدوية. # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب ~~••• # هل أنت إلا أصبع دميت # وفي سبيل الله ما لقيت # وقد تكون حركة الهرولة في الطواف بالكعبة ملحوظة في كل دعاء مروي كيفما اختلف المختلفون ~~في صحة الرواية، كما قيل عن امرأة أخزم بن العاص حين نذرت ولدها للكعبة، فقالت: # إني جعلت رب من بنيه # ربيطة بمكة العليه # فباركن لي بها إليه # واجعله لي من صالح البريه # فهكذا يفهم الناظم كيف تكون حركة الدعاء مع الهرولة، أيا كان صاحب النظم أو من ينسب ~~إليه. # هذه المرددات الفردية هي التي ميزت النظم العربي باستقلال فنه، ووضوح قافيته وترتيله، ولو ~~وجدت في الجاهلية العربية صلوات جامعة تنشد فيها الدعوات المحفوظة لوجدت فيها القصائد التي ~~تمثل لنا حياتهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، إما من أناشيد الصلاة كما عرفها العبرانيون، ~~أو من أناشيد المسرح كما عرفها اليونان، ولكننا نعرف العرب ms160 من قصائدهم الفردية، كما نعرف ~~الأمم الأخرى من أمثال تلك القصائد، فلا يفوتنا منها غاية ما تدل عليه. # هذا سبب من أسباب تلك الظاهرة النادرة التي ظهرت لنا في القصيدة العربية، وكانت نادرة بين ~~الأمم السامية والأمم الآرية على السواء. # أما السبب الآخر فهو أصالة الوزن في تركيب اللغة، فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، ~~وأبواب الفعل أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى والمعنى حركة على حرف من حروف الكلمة تتبدل ~~بها دلالة الفعل، بل يتبدل بها الفعل فيحسب من الأسماء، أو يحتفظ بدلالته على الحدث حسب ~~الوزن الذي ينتقل إليه. # هذه أصالة في موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر ~~هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى، ولو ~~صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردي في تثبيت القافية، واستقلال فن العروض عن فن الغناء في ~~القصائد العربية. # نعم إن اللغات السامية تجري على قواعد الاشتقاق، وتوليد الأسماء من الأفعال، ولكن ~~المقابلة بين هذه اللغات في أقسام مشتقاتها، وتفريع الكلمات من جذورها تدل على تمام التطور ~~في قواعد الأوزان العربية، وعلى نقص هذه القواعد أو التباسها في أخواتها السامية، بل تدل في ~~باب الإعراب خاصة على تفصيل في العربية يقابله الإجمال أو الإهمال في أخواتها، وفي غيرها من ~~اللغات الآرية التي دخلها شيء من الإعراب. ~~••• # وواضح مما تقدم أننا قصرنا القول على النظم من حيث هو أوزان عروضية، أو قوالب تحتوي الكلم ~~المنظوم فيها. # فهذه القوالب هي التي تطورت في اللغة العربية، فأصبحت فنا مستقلا بمقاييسه عن فن ~~الغناء أو فن الحركة الموقعة، أما الكلام المنظوم في تلك القوالب فهو عمل ممتد مع الزمن ~~يأتي فيه كل عصر بما هو أهله من الإبداع أو الزيادة أو المحاكاة، وإنما نعود إلى القوالب ~~والأوزان في كل عصر لنسأل: هل هي صالحة لأداء المقاصد الشعرية ومجاراة الأمم في تطورها الذي ~~يمتد مع الزمن على حسب حالاتها من الشعور والفهم والقدرة على ms161 الأداء؟ وهل تتسع للتعديل إذا ~~وجب التعديل للوفاء بمطلب جديد من مطالب التعبير؟ # إن تجارب العصور الماضية تنجلي عن صلاح القوالب العروضية لمجاراة أغراض الشعر في أحوال ~~كثيرة، ويبدو منها أن أساس العروض العربي قابل للبناء عليه بغير حاجة إلى نقضه وإلغائه، فقد ~~كانت بضعة بحور من أوزان الشعر كافية لأغراض الشعراء في الجاهلية، أشهرها الطويل والكامل ~~والوافر والخفيف، ثم نشأت من أوزانها مجزوءات ومختصرات صالحة للغناء حين استحدثت الحاجة ~~إليه في الحواضر العربية التي عرفت الغناء على إيقاع الآلات، ثم اتخذت من هذه البحور أسماط ~~وموشحات وأهازيج تتعدد قوافيها مع اختلاف مواقعها، وتطول فيها الأشطر أو تقصر مع التزام ~~قواعد الترديد فيها، واختار بعض الشعراء نظم المثاني أو المزدوجات، وبعضهم نظم المقطوعات ~~التي تجتمع في قصيد واحد متعدد القوافي، أو تتفرق وتتعدد بأوزانها مع توحيد الموضوع، ولما ~~نقلت الإلياذة اليونانية إلى النظم العربي لم تضق بها أوزانه، ولم يظهر سياق الترجمة أن هذه ~~الأوزان قاصرة عن التنويع فيها على نمط غير هذا النمط لمن يشاء التنويع، واستجابت الأوزان ~~لمطالب المسرح كما استجابت للملحمة المترجمة ولما يشبهها من القصائد التاريخية ~~المطولة. # وقد أفرد الموسيقار العصري الأستاذ خليل اللاوردي فصلا وافيا في كتابه فلسفة الموسيقى ~~الشرقية لبحث التوزين والإيقاع، وتطبيق العروض العربي على الضوابط الموسيقية، فانتهى من ~~بحثه إلى إمكان التنويع في الأوزان العروضية، واستطاعة الموسيقي والشاعر أن «يفتتح أشكالا ~~غير محدودة من أشكال الموازين، واعتمد في تجاربه على الجهاز الفني المسمى بالمتروتوم، وهو ~~صندوق صغير من الخشب هرمي الشكل، يفتح من إحدى جهاته الأربع، فينكشف عن قضيب معدني مقسم ~~بخطوط، وعليه ثقل متنقل يحدث حركة متساوية ... فيقسم الدقيقة الواحدة من الزمن إلى نقرات ~~تتراوح بين أربعين ومائتين وثمان، فيمثل الحد الأدنى النقرات المتناهية في البطء، ويمثل ~~الحد الأعلى النقرات المتناهية في السرعة» ... ولم يلجأ الموسيقار إلى وحدات للنغمات غير ~~وحدات الفواصل والأوتاد والأسباب التي يستخدمها العروضيون، ولم يجعل لها أقساما غير ~~أقسامهم المعروفة كالسبب الخفيف والسبب الثقيل، والوتد المقرون والوتد ms162 المفروق، والفاصلة ~~الصغرى والفاصلة الكبرى، وإنما استخدم الضوابط الموسيقية لبحث الموضوع بمصطلحات فنه، وترك ~~مجال بحثه للعروضيين يتفاهمون فيه بمصطلحاتهم التي لا تحتاج إلى التخصص أو التوسع في فنون ~~الألحان، فخلص من بحوثه الموسيقية والعروضية معا إلى نتيجة محققة خلاصتها - كما قال - أن ~~أشكال الموازين الشعرية غير محدودة، أو أن حدودها - على ما نرى - أشبه بحدود الكلمات التي ~~تتألف من الحروف الأبجدية، على حين أن الحروف الأبجدية قلما تزيد على الثلاثين. # فإذا نظرنا إلى ما تم من أشكال العروض، وما يتأتى أن يتم منها مع التنويع والتوزين، ثبت ~~لنا أنها قائمة على أساس صالح للبناء عليه وتجديد الأنماط والأشكال فيه، على نحو يتسع ~~لأغراض الشعر ولا يلجئنا إلى نقض ذلك الأساس. ~~••• # وهذا كله مع التسليم بداهة بالتفرقة بين الكلام المنثور والكلام المنظوم في السهولة أو ~~الصعوبة، فإن التسهيل المطلوب لفن من الفنون - كائنا ما كان - ينبغي أن ينتهي عند بقاء ~~الفن فنا مقرر القواعد والمقاييس، وما جهل الناس قط أن الكلام أسهل من الغناء، وأن المشي ~~أسهل من الرقص، وأن الحركة المرسلة أسهل من الحركة الرياضية، ولم يكن ذلك قط مسوغا ~~للاستغناء بالكلام عن فن الغناء أو بالمشي عن فن الرقص، أو بتحريك الأعضاء بغير هدى عن أصول ~~الحركة الرياضية أو الحركة في ألعاب الفروسية، فمهما يكن من تيسير الأوزان بالتنويع ~~والتوفيق، فلا مناص في النهاية من التفرقة بينها وبين الكلام المرسل في سهولة الأداء، وإنما ~~المطلوب أن تكون فنا سهلا، وليس المطلوب مجرد السهولة التي تخرجها من عداد ~~الفنون. # ولا بد في هذا السياق من تفرقة أخرى هي التفرقة بين القواعد والقيود في كل فن من الفنون، ~~فلا سبيل إلى الاستغناء عن القواعد في عمل له صفة فنية، ولا ضرر من الاستغناء عن القيود ~~التي تعوق حرية الفن ولا يتوقف عليها قوامه الذي يسلكه في عداد الفنون. # ومن تجاربنا في تاريخ الشعر العربي يتبين لنا أن قواعد النظم عندنا مؤاتية للشاعر في كل ~~تصرف يلجئه إليه تطور المعاني والتعبيرات ms163 في مختلف البيئات والأزمنة، فلا موجب للفصل بين ~~قواعد النظم، وأغراض الشعر في تجربة من التجارب العربية التي وعيناها منذ نشأت أوائل ~~الأوزان إلى أن بلغت ما بلغته في منتصف هذا القرن العشرين. # ذلك شأن التجارب العربية، فما بال التجارب في أمم الحضارة التي تتصل بنا ونتصل بها، ~~وتبادلنا ونبادلها مطالب الفنون والآداب كما يحدث الآن بيننا وبين أمم الحضارة الغربية؟ ~~ماذا تفرض علينا هذه الثقافة المتبادلة في ميدان النظم والشعر على اتصال بينهما أو على ~~انفراد؟ # أما في النظم فلا خفاء بالأمر من أيسر نظرة إلى آدابنا وآداب الأمم الغربية التي نتصل بها ~~في العصر الحديث. # فمما لا تردد فيه أن هذه الأمم لم تبدع في موازين النظم بدعا نستفيده منها، ولم نكن قد ~~سبقناها إليه في عصر من عصورنا، فإذا التزموا الأعاريض معتدلين أو مبالغين، فليس عندهم ما ~~هو أدق وأجمل من الموشحة في أوزانها التي تقبل التنويع والتشجير إلى غير نهاية، والتي يعتبر ~~تعدد القافية فيها ندحة وزينة في وقت واحد، فإن إطلاق الحرية للشاعر لتوزيع القوافي حيث شاء ~~يوشك أن يعفيه من قيودها، كما يزيد الإيقاع جمالا على جمال، ولم يبدع الأوروبيون - حتى في ~~شعر المسرحيات الملحنة - فنا من الأناشيد أتم من الموشحة، وأصلح منها للتلحين وحركة ~~الإيقاع. # فإذا ترخص الشاعر الغربي في القواعد، فأسقط القافية واختار الوزن الذي يسمونه النظم الحر ~~أو النظم الأبيض، فجهد ما بلغوا إليه أنهم عادوا إلى الأسطر المتوازية، أو إلى الاكتفاء ~~بالمقاطع التي لا تبلغ في دقتها مبلغ الأسباب والأوتاد والفواصل، وكل أولئك طور من الأطوار ~~التي تخطاها الشعر العربي في الأزمنة الماضية، أو سبقتهم إليه أمة من الأمم الشرقية وتوقف ~~بها التطور عنده؛ لارتباطه بالتقاليد الدينية. # فليس عند الغرب من فنون النظم جديد نأخذه منه في أبواب التوزين والتنويع. # ليس في فن النظم جديد نأخذه من الأعاريض الغربية لم تكن عندنا أسسه العريقة، ولم تكن ~~عندنا أصوله وفروعه أو جذوره وأغصانه على حد تعبير «الموشحين». # لكن الأمر يختلف كثيرا ms164 في الكلام على «الشعر»، أو الكلام على الأدب ومدارسه ومذاهبه، ~~ودعواته التي تجيش بها الحياة الغربية في كل حقبة، ولا تتميز منها دعوة واحدة دون أن يتميز ~~لها حكم خاص بالشعر يتناوله قبل أن يتناول غيره من الفنون الجميلة، ولا سيما فنون ~~التعبير. # هذه المذاهب الشعرية تعنينا كما تعنيهم، وتمتد بآثارها إلى أقوالهم وأفعالهم كما تمتد إلى ~~أقوالنا وأفعالنا. # لأنها من أطوار الحياة التي لا تنحصر في دوائر الفن، ولا في أدوار الثقافة على إطلاقها، ~~وإن يكن مظهرها الثقافي هو الجانب الذي يشتغل به النقاد والمؤرخون في ميادين الفنون. # هذه الدعوات أوسع نطاقا من أن يحاط بها في مقال، ولكنها تقترب من الحصر المستطاع إذا ~~جمعناها في أدوارها الإنسانية العامة التي توشك أن تكون أمواجا دورية في هذا المحيط ~~الزاخر؛ إذ هي عالقة بطبيعة الإنسان في جملتها، وطبيعة الإنسان واحدة كما قيل في كل زمان ~~ومكان ... # ونحن نعلم أن أبقراط حصر الطبائع الجسدية في أربعة أمزجة، وهي المزاج الدموي، والمزاج ~~الصفراوي، والمزاج البلغمي، والمزاج السوداوي، ثم جاء العلامة بافلوف - بعد تقسيم خصائص ~~الأجسام بين الهرمونات وعائلات الدم وودائع الوعي الباطن والوعي الظاهر أقساما لا تنفد ولا ~~تحصى - فعاد إلى الأمزجة الأبقراطية تيسيرا للفوارق العامة، وجعلها أساسا لتجاربه النفسية ~~التي تعد إلى هذه الساعة من أحدث تجارب العلماء. # فنحن على هذه الوتيرة نقسم الذوق الفني في الإنسان إلى أقسامه الخالدة حين نقول: إن الناس ~~كانوا منذ فطروا واقعيين وخياليين، ومحافظين على القديم وطلابا للجديد، أو إنهم كانوا إذا ~~اكتفينا بقسمتهم إلى قسمين اثنين: صنفا يمشي في وسط القطيع وصنفا ينزع إلى الأطراف، أمام ~~ووراء وعلى كلا الجناحين من اليمين واليسار، وقد تفكه بعض الجادين فأطلق على الصنف الأول ~~اسم فريق الضأن، وعلى الصنف الثاني اسم فريق المعيز ... # ونرى من تاريخ الأمم الغربية منذ ملكت حرية التفكير أنها دارت دورتها بين مذاهب الآداب ~~خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وأنها نزعت في دعواتها المتعاقبة كل نزعة طبيعية تستلزمها ~~أطوار الحياة بعد عصر الجمود والتقليد. ms165 # ففي فترة اليقظة الأولى كان من الطبيعي أن ينزع الإنسان إلى استقلال «الشخصية الإنسانية» ~~في وجه التقاليد المطبقة والقيود العتيقة والأحكام التي تطاع بغير فهم، بل بغير شعور في ~~أكثر الأحوال، وهذه هي النزعة التي سميت بنزعة الإبداع و«الحرية الشخصية» # Romanticism ~~. # ومن الطبيعي أن ينتهي هذا الإبداع - من كل جانب على غير هدى متفق عليه - إلى شيء من ~~الفوضى والشرود يستحب معه التوقف إلى حين، وهنا ظهرت دعوة العود إلى الاتباع والاطراد على ~~نحو جديد يناسب مطالب الزمن، فنشأت من ثم دعوة الاتباع أو الاطراد الجديد # New Classicism ~~. # وإذا حكم اختلاف الطبائع حكمه بين أنصار الواقع وأنصار الخيال، فهنا مجال الاختلاف بين ~~الواقعيين # Realists # والخياليين المثاليين # Idealists ~~. # وقد يظهر هذا الاختلاف في صورة أخرى بين الطبيعيين # Naturalists # وبين الفنيين أنصار الفن ~~للفن # Art for Arts sake ~~. # ونقول: إن الواقعيين والطبيعيين متقاربون؛ لأنهم جميعا من أنصار الواقع، وإنما ينفرد ~~الواقعيون بمحاربة النزعات الخيالية، وينفرد الطبيعيون بمحاربة النزعات الصناعية: نزعات ~~الإغراق في التزويق والتنسيق، وإذا اقترنت هذه المذاهب جميعا في عصر من عصور النهضة ~~العلمية، فالانقسام بينها يئول في هذه الحالة إلى قسمين: قسم تغلب عليه الصبغة العلمية، ~~وقسم تغلب عليه الصبغة الفنية، ويتسع كل قسم منها لكثير من الآراء وأشتات من ~~الأساليب. # ولا جدوى من متابعة العناوين التي تنتهي في الغرب بصيغة النسبة المذهبية # Ism ~~، فإنها تنطوي جميعا في هذه الدعوات، ويحيط كل منها ~~بعالم من الآراء والأسباب، ولكننا نجمعها في حدودها الواسعة إذا اكتفينا منها بالرومانتيزم ~~والنيوكلاسيزم والريالزم والأيدليزم، فلا يخرج من هذه المذاهب مذهب جاد يناط به عمل من ~~أعمال البناء والإصلاح في عالم الفنون، ولا تزال حتى اليوم وافية بأغراض البحث والمناقشة ~~بين المختلفين على الفنون فيما يستحق الخلاف. # وعلى تعدد المذاهب والعناوين في الغرب لا نرى هنالك لبسا على الإطلاق بين المذاهب التي ~~أشرنا إليها، وبين عشرات المذاهب التي ينتحلها الدعاة على عجل منذ الحرب العالمية الأولى، ~~ويندر أن يعيش أحدها أو يستقل عن سواه بصفة من ms166 الصفات التي يتناولها التطبيق ~~والتمييز. # فلا لبس على الإطلاق بين مذاهب الجد ومذاهب الهزل في الآداب الغربية، فمذاهب الجد تدعو ~~كلها إلى البناء وتقوم بالبناء فعلا ويعيش ما تبنيه، ومذاهب الهزل لا تتحدث بشيء غير الهدم ~~والإلغاء؛ فلا لون ولا شبه ولا رسم ولا قاعدة في التصوير، ولا لفظ ولا معنى ولا منطق، ولا ~~مدلول في الشعر والنثر، وإنه لمن الحظ الحسن أن تقصر هذه الدعوى عن الفنون التي ترتبط بها ~~ضرورات المعيشة والاجتماع، فإنها لو تناولتها لسمعنا بفن المعمار الذي لا حجرات ولا جدران ~~ولا حجارة ولا طلاء فيه، وسمعنا بمجامع الموسيقى التي لا تميز بين الضوضاء والألحان، ولا ~~محل فيها للمعازف والآلات، من هذه المذاهب ما يطلق عليه اسم المستقبلية # Futurism # أو فوق الواقعية # Surrealism # أو الذئبية # Fauvism ~~... بل منها ما يسمى بمدرسة التأتأة # Dadalism ~~، ويقول أصحابه: إنهم اختاروا له هذا الاسم من ~~أول تأتآت الطفل # Da Da ~~، وتطلق أحيانا على حصان الخشب؛ ~~ليسهل النطق به على ألسنة الأطفال، ومؤدى مذهب هؤلاء الدعاة أن التعبير الصحيح عن النفس ~~الإنسانية إنما يرجع إلى صورة الطفولة، ورموز الأحلام، وخفايا الوعي الباطن، كما تبدو ~~للحالم في المنام، أو كما يرسلها الناطق عفوا بغير تأمل وبغير انتباه! # ومن هؤلاء الملفقين للمذاهب من يختار اللفظة ويسأل عن معناها، فيسخر من السائل؛ لأنه يبحث ~~عن المعنى ولا يكتفي بوقع اللفظة في الأذن، أو من منظرها للعين القارئة، فمن عناوين مارينتي ~~إمام المستقبلية «زانج تمب تيايم # Zang Tumb-Tuuum ~~، ومن ~~عناوين زميله أردينجو سوفيسي # Bifz +18 # ما لا يفهم ولا ~~يترجم، وإنما هو مقابل عندنا لحرف الباء، ثم الياء ثم الفاء ثم علامة موسيقية، ثم زاي ثم ~~علامة + ثم رقم 18.» # وقد عقب صاحب تاريخ الأدب الإيطالي على إمام هذه المدرسة فقال: إنه لم يجاوز حدود السخف ~~في شعره ... ولم يخل كلام المؤرخ من مجاملة؛ لأن السخف معنى يوصف بالرداءة ... ولا معنى هنا ولا ~~وصف لرديء أو غير رديء. # ولا بد من وضع هذه الدعوات في موضعها ms167 من تاريخ الآداب الإنسانية والآداب الأوروبية التي ~~تظهر بينها، فما هو موضعها الصحيح؟ # موضعها الصحيح أنها تمثل جانب السخافة الذي لا بد أن يتمثل في بيئة يباح فيها القول لكل ~~قائل والقراءة لكل قارئ، ولا يخجل فيها العاجز من عجزه، ولا صاحب اللجاجة من لجاجته، وهم ~~جميعا في غمرة من محن الحروب والفتن والقلاقل والآفات، فهل تخلو هذه البيئة من جانب سخافة ~~في الأذواق والدعوات؟ وأين هو هذا الجانب إن لم يكن هذا مظهره الذي يتمثل في صوت ~~القنوت؟ # ولسنا نقول: إن هذه السخافة جانب يهمل ولا يلتفت إليه، فإنها خليقة أن تدرس كما تدرس ~~عوارض الأمراض والعلل والنكبات، ولكن البون بعيد جدا بين دراستها لهذا الغرض ودراستها ~~للاقتداء بها واعتبارها من مدارس الفن والأدب، ونماذج الذوق والجمال. # ولا تفوتنا في معرض الكلام على الشطط الفني ملاحظة وثيقة الصلة بموضوع الخلط الذي يقال ~~عنه: إنه هو الفن الصحيح أو إنه هو التعبير الصادق دون غيره من الوعي الباطن والسريرة ~~الإنسانية في أعماقها «اللامنطقية» على حد تعبيرهم المأثور. # فالخلط الهاذر مذهب لم يخلقه دعاة «اللامنطقية» في القرن العشرين، ولكنهم خلقوا شيئا ~~واحدا فيه لم يسبقهم أحد إليه، وهو إطلاق العناوين العلمية عليه، واستعارتها من دراسات ~~التحليل النفساني أو من دراسات العلوم الطبيعية، وقديما وجد في الشعراء والفنانين من يجنح ~~به هواه أحيانا إلى رفع الكلفة واطراح الحشمة والابتذال في اللفظ أو المعنى أو في ~~كليهما، فيسترسل في الهذر واللفظ كأنه في إجازة من «نفسه الفضلى» كما يقولون، وينسب إلى هذه ~~النزوات شعر المجانة والهزل وشعر الإباحة والجموح، وينسب إليه كذلك ضرب من الشعر الذي يخيل ~~إلى الناس أنه محدثهم بالحكم والأمثال، وهو في أسلوبه الهازل ساخر بضروب الحكمة والمثل، كما ~~صنع ابن سودون اليشبغاوي (801-868ه) في قصيدته البائية التي يقول فيها: # عجب عجب عجب عجب # بقر تشمي ولها ذنب # ولها في بزبزها لبن # يبدو للناس إذا حلبوا # لا تغضب يوما إن شتمت # والناس إذا شتموا غضبوا # من أعجب ما في مصر ms168 يرى # الكرم يرى فيه العنب # والنخل يرى فيه بلح # أيضا، ويرى فيه رطب # زهر الكتان مع البلسا # ن هما لونان ولا كذب # كيهود في دير، خلطوا # بنصارى حركهم طرب # وأدخل من هذا في باب «اللامنطقية» مذهب من مذاهب الزجل في اللغة الدارجة يعاقبون بينه ~~وبين الأدوار المقصودة، فيبدءون بالدور العاقل، ويتبعونه بالدور المجنون إلى نهاية الزجل، ~~ويحفظ من هذه الأزجال كثير في مجموعات هذا الجيل والأجيال القريبة، من أمثلتها في كتاب ~~ترويح النفوس لحسن الآلاتي زجل يقول فيه: # كسرت بطيخة رأيت العجب # في وسطها أربع مداين كبار # وفي المداين خلق مثل البقر # في كل واحدة أربع قواعي حصار # وفي القلاع أقوام طوال الذقون # ودمعهم يجري شبيه البحار # من دمعهم تزرع نجوم السما # في خلقة المشمش عديم المثال # وأحيانا يقسمون الأدوار إلى دور صاح ودور سكران، أو يصوغون فيها المفارقات على ألسنة ~~الصبيان كما يجري على ألسنة العامة: # يا ليل يا عين معرفش أكدب # والضفدعة شايلة مركب # وأبو فصادة ريسها # والقط الأعور حارسها # إلى أشباه هذه «اللامنطقيات» المتواضعة التي يضعها أصحابها في مواضعها، ويسمونها ~~بأسمائها، ولا تعدو عندهم أن تكون «منفسا» يستبيحونه إلى حين، ويعرضون به «اللامنطقية» في ~~صورة فنية، ويعلمون ويعلم الناظرون إليها أنها من قبيل الصور الهزلية أو «الكاريكاتور»، ولا ~~يطلبون من الإنسانية أن تحلها في محل فنونها، وأن تنبذ المنطق في سبيلها. # فإذا كان لا بد من هذه اللامنطقية في الآداب العربية، فعندها منها ما يغنيها، ولها فيها ~~مجال لا يخرج بالعقل من دائرة العقل، ولا بالجنون من دائرة الجنون. # الشعر أسبق أم النثر؟ # السيد جوردان شخصية مشهورة من الشخصيات المضحكة في إحدى روايات «موليير»، التي استوى ~~بها على عرش الفكاهة المسرحية في الآداب الفرنسية ... # ومدار الفكاهة في شخصية جوردان أنه غني من محدثي النعمة أراد أن يتشبه بالنبلاء؛ ~~فاتخذ له معلمين يعلمونه الرقص والمسايفة والبلاغة، وجاء بالطرائف التي لا تخطر على ~~البال وهو يحاول أن يفهم دروسهم ويعقب على شروحهم وأقوالهم، فإذا هو كما قال يتكلم ~~«النثر» ms169 طوال حياته، ولا يعرف ذلك حتى عرفه من كلام معلم البلاغة! # لقد أفهمه معلمه معنى الشعر ومعنى النثر، فخيل إليه أن النثر هو ما ليس بكلام موزون ~~منظوم، وتخيل إذن أن كلامه طول حياته داخل في ذلك التعريف، وأنه كاد أن يقضي بقية حياته ~~وهو يجهل هذه المعجزة ... لولا أنه تلقى الخبر أخيرا من الأستاذ. # أراد موليير أن يجعل السيد «جوردان» مضحكا بهذه العبارة، فأفلح فيما أراد وضحك الناس ~~مما قال؛ لأنهم أدركوا على البديهة من غير تطويل في البحث والاستقصاء أن السيد «جوردان» ~~مخطئ في تصوره الساذج، وأن النثر شيء غير مجرد الكلام الذي لا ينطبق عليه تعريف الشعر، ~~وهو الكلام الموزون المنظوم. # فإذا لم يكن الكلام شعرا، فليس من الضروري اللازم في هذه الحالة أن يكون نثرا لا ~~محالة، قد يكون كلاما وليس بشعر وليس بنثر؛ لأن المقصود بالنثر هو التعبير الأدبي في ~~غير نظم أو وزن من أوزان البحور الشعرية، وقد يتكلم الإنسان طول حياته، وهو لا ينظم ولا ~~ينثر، إذ كان كلامه خلوا من التعبير الأدبي في المنظوم والمنثور. # وإذا سأل السائل: أيهما أسبق، الكلام أم الشعر؟ فلا محل للخلاف ولا لإطالة الروية قبل ~~الجواب، فإن اللغة سابقة للكلام المنظوم والكلام المنثور على السواء، ولكن السؤال الذي ~~يقع عليه الخلاف هو: أيهما أسبق، الشعر أم النثر؟ ونعتقد نحن أن الشعر أسبق من النثر ~~بزمن طويل، نعتقد هذا ولا نحسب أن الدليل القاطع في تقرير هذا الرأي مستطاع، ولكنه رأي ~~يقوم على القرائن التاريخية والقرائن النظرية، ولا ينقضه من الواقع شيء معلوم حتى ~~الآن. # فمن القرائن التاريخية أن الشعراء أقدم من الكتاب ومن الناثرين على العموم، إذا صرفنا ~~النظر عن الكلام المكتوب أو المحفوظ في الأوراق. # فشعراء العرب في الجاهلية لا يسبقهم ناثر، ولا يحفظ العرب كلاما منثورا يقترن ~~تاريخه بالتاريخ الذي نظموا فيه قصائدهم المروية، وما بقي من كلام الكهان المسجوع، فهو ~~- إن صح - أدل على قدم الشعر والقافية؛ لأن الكلام المقفى محاكاة للشعر الذي تلتزم ms170 فيه ~~الأوزان والقوافي، ودليل على سبق الكلام المنظوم للكلام المنثور، ولم يثبت قط أن الشعر ~~هو سجع متطور؛ لأن التاريخ لم يحفظ لنا قط كلاما مسجوعا عن عصر من العصور ليس فيه ~~شعر، ولم نعرف عن الشعراء في أقدم العصور أنهم سجعوا ثم تطوروا فنظموا، ولم تزل أسجاع ~~الكهانة غير أوزان «الشاعرية» في طبيعتها وموضوعها، فالكاهن لا يتدرج من السجع إلى ~~النظم، والشاعر لا يتعلم الكلام الموزون من المرانة على الكلام المسجوع. # والآداب اليونانية هي مرجع الباحثين عن أوائل الآداب الأوروبية القديمة، وهي شاهد آخر ~~على سبق النظم للنثر في جميع الآداب؛ لأن «هومير» قد نشأ في زمن سابق للقرن السابع قبل ~~الميلاد، وكان من معاصريه في بعض الأقوال «أرشيلوكس» الذي أشار في قصائده إلى كسوف ~~الشمس، وحسب الفلكيون أنه كسوف أبريل سنة 648 قبل الميلاد، أو كسوف مارس سنة 711 قبل ~~الميلاد، وليس في المحفوظات اليونانية كلام منثور يرجع إلى ما قبل التاريخ ... وكل ما بقي ~~من الكلام المسجوع الذي يقارب ذلك التاريخ، فهو من قبيل سجع الكهان، أو من قبيل السجع ~~الذي يستعان به في الخطابة، وأقدم ما ورد من ذكره لا يرجع إلى عصر سابق لعصر الناقد ~~المعروف ثراسيماكوس # Thrasymachus ~~، وهو من أبناء القرن ~~الخامس قبل الميلاد. # أما الأدب اللاتيني فقد كان من الواجب أن تنعكس فيه هذه القاعدة؛ لأنه الأدب القديم ~~الذي امتاز بالرسائل المأثورة لسعة أطراف الدولة، وتجدد الحاجة إلى المراسلة بين سكان ~~تلك الأطراف المترامية، ومنهم الأدباء والبلغاء. # ولكن الثابت مع هذا أن الأغاني اللاتينية سابقة للملاحم والقصائد في لغة اللاتين بعد ~~تطورها، وأن مشاهير الشعراء سابقون لمشاهير البلغاء والكتاب، وأصحاب الرسائل المنتقاة، ~~ومنهم شيشرون الناقد الأديب الخطيب. # وما يؤثر عن قدم الشعر في الآداب العربية والأوروبية شبيه بالمأثور عن آداب الأمم ~~الشرقية في جملتها، فليس في آدابها نثر أقدم من قصائدها المقدسة، وأغانيها الشعبية ~~الأولى، وكل محفوظاتها المسجوعة لاحقة بمحفوظاتها من الشعر الموزون. # وقد يخطر على البال أن السبب راجع إلى الحفظ لا ms171 إلى القدم، وأن النثر قد سبق الشعر ~~ولكنه لم يبق كما بقي الشعر؛ لأن الكلام الموزون أيسر حفظا من الكلام المنثور، ولكنه ~~خاطر مردود يسهل نقضه بقليل من الروية فيه، فإن سهولة الحفظ نفسها تحتاج إلى التعليل، ~~وليس لها علة إلا أن يكون الكلام المحفوظ أقرب إلى الطباع، وأدنى إلى الفطرة وأغنى عن ~~الصناعة، وأن الكلام الذي يصعب حفظه بغير التسجيل في الورق يعتمد على صناعات كثيرة ولا ~~يكفي فيه الاعتماد على الفطرة، فهو معلق بمعرفة الحروف ومعرفة الأدوات الكتابية، وتطور ~~المجتمع مع تطور الحاجة فيه إلى التدوين بغير الوسائل الفطرية، وهي وسائل الحفظ ~~والتعويل على الذاكرة. # وقد يبدو للسيد «جوردان» أن تأخر النثر عن النظم شيء غريب؛ لأنه يخلط بين ظهور النثر ~~وظهور اللغة، وهي ولا شك سابقة لظهور الشعراء والبلغاء. # لكن السيد جوردان مضحك كما أراده موليير، ومضحك كما رأينا من فهمه لكل شيء، فالواقع ~~أن تأخر النثر عن النظم ترتيب طبيعي لا غرابة فيه، إذ كانت شروط الشعر تتوافر قبل توافر ~~الشروط المطلوبة للكلام المنثور، ويكفي لظهور الشعر أن تظهر في إنسان من الناس ملكة ~~غنائية، وهي من أقدم الملكات في الأحياء، أما الكلام المنثور فما الحاجة إليه في ~~المجتمعات الأولى؟ وما أكثر الشروط الصناعية التي ينبغي أن تتوافر في المجتمع قبل شعوره ~~بالحاجة إليه! # ولا نخلط بين الخطيب والناثر فهما شيئان مختلفان، فإن الخطابة في المجتمعات الأولى ~~صفة من صفات الزعامة، وليس كذلك صفة الناثر البليغ، ولكننا - على فرض التشابه بين ~~الخطابة والنثر - قد نتصور ظهور الشاعر قبل ظهور الخطيب والناثر؛ لأن ملكة الشعر لا ~~تتوقف على نشوء «القبيلة السياسية» التي تستمع إلى الخطباء في شئونها العامة، بل لعلها ~~توجد مع الدوافع الحيوية التي تهم كل فرد على حدة، ولا تتوقف على سياسة ~~الجماعات. # والغالب أن الشعر فطرة، وأن النثر تعليم، وأن الباعث إلى الكلام البليغ يأتي بعد ~~الباعث إلى الغناء، فقد تغنى الحي الذي لا يتكلم، وليس بالمعقول أن يصل الحيوان الناطق ~~إلى الكلام وهو ms172 عاجز عن الغناء وعن صوغ كلامه في النغم الموزون. ~~••• # في حديث مروي عن أستاذ المدرسة الموسيقية القديمة مصطفى رضا بك - رحمه الله - أنه كان ~~يعجب للذين يعرضون أنفسهم بين المقامات الموسيقية وعناوين النغمات، وأنه كان يشبههم بمن ~~يتصدى لكتابة خطاب قبل أن يميز بين الحروف، وأنواع الخطوط، وهذا قياس مع الفارق كما هو ~~ظاهر، فإن الأحرى أن يقال: إن المغني الذي لا يعرف أسماء المقامات والأنغام، كالشاعر ~~الذي لا يعرف أسماء البحور والأعاريض. # وقد وجد الغناء قبل أن توجد أسماء مقاماته وأنغامه، ووجد الشعر قبل أن توجد أسماء ~~بحوره وأعاريضه ... # لكن العجيب حقا هو أن يوجد ناثر قبل أن توجد الحاجة إلى التدوين، فحيثما وجد النثر ~~فهناك جماعة تحتاج إلى تدوين الكلام، ولو لم يكن صاحب النثر نفسه هو الذي يدون ما يقول ~~بالحروف أو بغير الحروف. # ولهذا نرى أن سبق الشعر لا عجب فيه، وأن سبق النثر فيه شيء من العجب، وأن أولاهما ~~بالسبق هو أغناهما عن الصناعة وتطور الجماعة، وأقدرهما على الاكتفاء بالفطرة على أبسط ~~ما تكون. # الشعر لازم # الشعر لازم في عامنا هذا كما كان لازما فيما سلف من ألوف السنين ومئات ~~العصور. # لا ينقص من لزومه شيوع الصاروخ كما قيل ... # بل هو ألزم ما يكون حين تشيع الصواريخ، وتشيع معها أخواتها من صفائح الحديد والخشب، ~~وآلات النار والكهرباء. # وكلما غلبت المادة وصفائحها وآلاتها تحسس الإنسان مكان روحه، وارتد إلى قرارة عواطفه ~~ووجدانه، ويطمئن على نفسه: ألا يزال إنسانا بعد، أو هو قد فقد الإنسانية في كيانه وصار ~~مع الصاروخ وأخواته آلة من الآلات، وقطعة من الخشب والحديد، وشواظا من النار ~~والكهرباء؟ # وما كانت بالإنسان حاجة إلى أن يتلمس دخيلة حياته بين جنبيه، يوم كانت عشرته من ~~الأحياء، وطعامه من خيرات الأحياء، ومقامه بين صنوف الأحياء، ورحلته على متون ~~الأحياء. # ولكنه في عصر الصاروخ، أحوج ما يكون أن يتلمس موطن تلك الحياة، وأن يستمع إلى نجوى ~~فؤاده بلسان الحياة، وأن ينظم الشعر ويحن إلى النغم، ويشهد صور ms173 الجمال والعطف في كل ~~منظور ومسموع. # وما كان الصاروخ ليحل محل الشعر وأخواته من فنون الجمال؛ إذ كان الناس لم ينظموا ~~الشعر؛ لأنهم بحثوا عن الصاروخ فلم يجدوه؛ وإنما نظموه لأنهم يحسون وينطقون؛ ولأنهم ~~يترقون مع الزمن فيزدان النطق عندهم بالجمال، ويحسن الإنسان من التعبير الجميل ما لم ~~يحسنه الحيوان، ويستطيع من النظم ما ليس يستطيعه الطير بالتغريد، ولا الخيل بالصهيل، ~~ولا سباع الغاب بالزئير. # ولئن سبق الصاروخ الطيارة لن يسبق الصاروخ سبحات الخيال ... # لقد سبقه الخيال يوم تحدث للإنسان عن حصان الأبنوس، وعن أجنحة واق الواق، وسبق الخيال ~~فأملى على الصناع كيف يكون الطيران بالقوة، وكيف يكون الطيران بالخفة، وقد كان العلماء ~~يجزمون جزم اليقين ألا طيران في الهواء بغير أداة أخف من الهواء، عجزا منهم عن فهم ~~الطير كيف يطير حين لم يعجز الخيال، وإنما هي القوة يطير بها ذو الجناح كما يطير بها ~~الحصان الطيار. # إن الشعر لازم للإنسان الناطق، ما دام ينطق ويعقل، ويترقى بالنطق في معارج الكمال ~~ومعارج الجمال. # إن الشعر ألزم ما يكون للإنسان في عصر الصواريخ ... # وإن حفاوتنا به في هذا العصر شهادة لعصر الصاروخ تشرفه وتعليه؛ لأنه لم يتخلف عن عصور ~~تعلم فيها الإنسان كيف يكون إنسانا بالمنطق الساحر واللسان المبين. # وفي الغرب الذي يدين بالصاروخ علامات كهذه العلامة، وآيات كهذه الآية تنويها بلزوم ~~الشعر عنوانا على اللهج به والحرص عليه. # في السنوات الست الأخيرات - سنوات الصاروخ - صارت الجائزة العالمية للأدب إلى ستة من ~~الأدباء: خمسة منهم شعراء، وهم خيمينيز الإسباني، وباسترناك الروسي وكوسيميدو الإيطالي ~~وبيرس الفرنسي وسيفريس اليوناني. # ومهما يكن من الرأي في إنصاف جائزة نوبل العالمية، أو في نظرتها الناقدة إلى الآداب ~~والفنون، فلا نكران عليها أنها علامة من علامات الزمن بصوابه وخطئه، وبما يراه من لزوم ~~وما لا يراه. # ولا علامة للشعر اللازم في هذا الزمن أصدق من العلامة التي تدل على أمم خمس، بينها من ~~المشابهات والفوارق ما بين الإسبان والروس والطليان والفرنسيين واليونان. # إذا لزم الشعر في ms174 لغة من اللغات، فإنما يلزم لألزم ما فيه، وألزم ما في الشعر أنه فن ~~من الفنون. # وألزم ما في الفن أنه ذو قواعد وأصول، توائم في كل لغة ما طبعت عليه تلك اللغة، ~~وتوائمه في اللغة العربية، خاصة أنها لغة الوزن في كل كلمة وفي كل صيغة، فليست فيها ~~كلمة واحدة تنعزل من وزن اشتقاق أو وزن سماع ... لا شعر بغير فن ... ولا فن بغير ~~قاعدة. # والذين يقولون بغير ذلك يقولون عجبا يستغربه السامع، ويستغرب الذي يسمع ويفقه ما ~~يقال كيف يصغي إليه السمع وكيف يستجيب له الفهم، وكيف يتكرر بعد تكرار اللسان ~~فيه! # يقولون: إن قواعد الوزن تدعو الإنسان أن يقول ما لا يلزم، تكملة للوزن حيث لا محل له ~~من الكلام. # هل يقال هذا في الشعر وحده، أو يقال في شتى الفنون عندنا وعند غيرنا من ~~العالمين؟ # ماذا يصنع منشد الغناء؟ # ماذا يصنع الراقص في حركات يديه وقدميه؟ # ماذا يصنع الموسيقار في صوته المرسل بغير كلام؟ # ألا يزيد المغني في غنائه ليطابق فيه بين الألفاظ والألحان؟ # أنبطل الألحان لأنها تسومنا المد في الصوت وراء ما يلزم كما يقال! أم لأنها تسومنا ~~الزيادة في الحروف والكلمات وراء ما تتم به جملة المبتدأ والخبر أو جملة الفعل والفاعل، ~~أو جملة المحمول والموضوع؟ # أنبطل الرقصة التي تسوم الماشي أن يخطو فوق خطوه أو يقصر عنه باختياره؟ # إن الفنان لا يضع في مده أو زيادته غير ما يلزم، بل غير اللازم قبل كل لزوم، وهو ~~رعاية الفن والقاعدة في الفنون، وليس الوزن زيادة في المقال بل هو قوام المقال كله، إلا ~~أن يكون من غير الفنون، وإنما الشعر تفاعل كامل بين اللفظ والمعنى وقاعدة القواعد ~~الفنية في وزن أو نظام مقدور. # وملكة الشعر هي الملكة التي تقدر على هذا التفاعل بغير حشو أو فضول، أو يكون الحشو ~~والفضول - إن كانا - زيادة للمعنى وتوكيدا للأثر، لا وقرا محملا عليه، ولا فضولا ~~ملصقا به، ولا لغوا مضافا إليه. # وكل بيت في الشعر المطبوع آية ms175 على صدق هذا التفاعل التام بين الألفاظ والمعاني ~~والأوزان، وآية على لزوم الوزن كلزوم لفظ الشعر ومعناه. # أمامنا مثل من أبيات لامرئ القيس وصفا للفرس: # وقد أغتدي والطير في وكناتها # بمنجرد قيد الأوابد هيكل # مكر مفر مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل # كميت يزل اللبد عن حال متنه # كما زلت الصفواء بالمتنزل # لا شك أن كلمات «الهيكل» و«من عل» و«المتنزل» قد جاءت لوزن القافية اللامية. # ولكن هل هي زائدة؟ كلا ... ونجرب حذف الهيكل لنرى كيف ينقص المعنى والأثر، ولو كان من ~~الكلام المنثور. # نقول مثلا: «إننا نغدو مبكرين قبل نهوض الطير بمنجرد قيد الأوابد ...» # فنسمع وصفا للسرعة ولا نسمع وصفا للشكل والحجم والمنظر، وإنما يتم ذلك كله حين ~~نقول: إنه قيد الأوابد هيكل؛ أي إنه ضخم جسيم. # ولقد يقال: إن كلمة أخرى تحل محل «هيكل» حين نقول «ضخم أو جسيم أو مكين.» # فهل ترانا نشعر بأثر لهذه الكلمة كما شعرنا بأثر الهيكل فيما حققته الكلمة من وصف ~~الجسامة والصورة والمثال؟ # جواب ذلك عند من يتهمون القافية بزيادة الفضول، إن لم يكن جوابهم هنا من فضول ~~المقال. # ونأتي بعد ذلك إلى كلمة «من عل» وهي التي تتمم وصف الجلمود، وهو ينحط مع السيل، فهل ~~يتم الأثر بحذف هذه الكلمة؟ هل التذكير بانحطاط الحجر من الأعلى فضول وزيادة بغير ~~مدلول؟ # وهل ذكر المطر دون وصفه بالمتنزل تنزيه للبيت من اللغو، أو هو مما يتمم هذا الوصف ~~للمطر بالتنزل، والزلل عن متن الصفواء في هذه الحال؟ # وأبيات غير هذه الأبيات من كلام المعري يقول فيها مفتخرا: # ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل # عفاف وإقدام وحزم ونائل # أعندي وقد مارست كل خفية # يصدق واش أو يخيب سائل # تعد ذنوبي عند قوم كثيرة # ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل # فمما لا شك فيه أن النائل والسائل والفضائل قد جاءت في مواضعها هنا لأن القافية ~~لامية. # ولكن لماذا نغيرها لضرورة المعنى؟ # ولماذا نقول معنى غير هذه المعاني التي تؤدى بهذا النظم وهذه ms176 القافية؟ # ولماذا نعدد فضائل أخرى تزيد على هذا العدد أو تنقص منه، بعد ذكر العفاف والإقدام ~~والحزن والنائل؟ وإذا كانت كلمة العطاء مثلا تؤدي معنى كلمة النائل، فلماذا نفضلها ~~عليها؟ # ويقول ابن الرومي في وصف مغن كريه الصوت والغناء: # أبو سليمان لا ترضى طريقته # لا في غناء ولا تعليم صبيان # له إذا جاور الطنبور محتفلا # صوت بمصر وضرب في خراسان # فمما لا شك فيه أن خراسان جاءت هنا وزانا لصبيان، بل لا شك أن «محتفلا» في الشطر ~~الأول كلمة لازمة لتمام البيت ... # لكن الشاعر يقول بدلا من الشطر الثاني: # صوت بمصر وإيقاع ببغداد # إذا كانت القافية دالية ... فما الذي يختلف بين هذين الاسمين؟ # وقد يحذف الناثر كلمة «محتفلا» بعد الطنبور، فيقول له: إذا تناول الطنبور صوت هنا ~~وضرب هناك ... فهل يكسب البيت بحذف هذه الكلمة ويقوى؟ أو يخسر ويضعف؟ # إن كلمة «محتفلا» تصور لنا اجتهاد المغني وتأهبه بجلسته وإيماءه، واستعداد السامعين ~~للإصغاء إلى شيء حسن، فإذا بهم يفاجئون بالصوت الرديء، فلا يكون أثره في نفوسهم كأثره ~~فيها، وهم لا يرون ذلك الاحتفال ولا ينتظرون بعده الإتقان والكمال ... فما جاءت «محتفلا» ~~هنا فضولا لأجل الوزن، بل كان تفاعل الكلمة مع الوزن سببا لاستدراك نقص واستكمال أثر، ~~لم يكن لهما في النثر من داع منبه لهذا الاستدراك. # إننا نردد اليقين بالشعر اللازم والفن الألزم ... # لزوما يتم فيه المعنى واللفظ بالوزن والقافية، وتؤدي فيه ملكة الشاعر المطبوع عملها ~~«تفاعلا» حيا بين نغماته وحروفه وكلماته، تتزاوج فيه جميعا لتزداد بلاغة في الأثر ~~وإيناسا للسمع، وإشباعا للأداء، ونفيا للفضول، وتجاوبا بين الوقع والإيقاع ... وعلى ~~ذلك جبلت ملكة الشاعر المطبوع، من رزقها قال وتغنى وأفهم وأثر، ومن لم يرزقها ~~فلا حق له في قول الشعر ولا في القول فيه، ولأن يسكت فلا يقول شعرا ولا يقول عن شعر ~~خير له وللناس، وخير للشعر والفن وللعقول والأسماع. # التجديد في الشعر # إذا أوجزنا قلنا: إن التجديد هو اجتناب التقليد، فكل شاعر يعبر عن شعوره ويصدق في ~~تعبيره فهو ms177 مجدد وإن تناول أقدم الأشياء، هل شيء في هذا العالم الأرضي أقدم من الشمس؟ ~~إن الذي يصفها اليوم صادقا في وصفه غير مقلد في تصويره مجدد تمام التجديد، وإن لم يأت ~~بكلام جديد. # هكذا تجدد الشمس النهار، وتجدد الأرض الربيع، ويجدد الشباب الأمل والحب جيلا بعد ~~جيل. # وليست الدنيا عتيقة بالية لأنها تجيئنا كل عام بربيع كالربيع الذي تقدمه، وليس ~~الشاعر عتيقا باليا لأنه يجيئنا بذلك الربيع كما جاءت به الدنيا في حينه، موصوفا على ~~الصورة التي عهدها آدم في جنة الفردوس، ثم عهدها أبناؤه في جناتهم على هذه الغبراء! ... ~~التجديد - في كلمتين - هو اجتناب التقليد. # أما إذا تعمدنا الإسهاب والتفصيل، وتناولنا عناصر الشعر جميعا، فهي مختلفة في قبولها ~~للتجديد، أو مختلفة على الأصح في حاجتها إلى التجديد. # هذه العناصر هي اللفظ والوزن والموضوع، وهي على هذا الترتيب في حاجتها إلى التجديد مع ~~الزمن: فاللفظ الذي يتألف منه الشعر يبقى ألف سنة، ولا يطرأ عليه تغيير يذكر، ويصلح في ~~هذه الحالة لشعر امرئ القيس كما يصلح لشعر البارودي، مع قليل من التحوير الذي لا يلتفت ~~إليه إلا المختصون بتسجيل أطوار الكلمات. # ونعني باللفظ هنا المفردات في غير الجمل والأبيات، وهي المفردات التي تطرأ عليها ~~الزيادة القليلة كل بضعة قرون، أو يطرأ عليها اختلاف الاستعمال من فترة إلى فترة في ~~حياة اللغة الواحدة، ولا بد للشاعر من متابعة هذه الأطوار، وقد يكون هو عاملا من عوامل ~~الزيادة والتصرف في الكلمات. # إلا أن الجهد في تجديد المفردات يظل على الدوام أقل وأهون من الجهد في تجديد الأوزان، ~~وتجديد الموضوعات، فالمعجم الشعري اليوم قريب من المعجم الشعري في عهد أصحاب المعلقات، ~~أما الوزن فقد اختلف في عدد البحور واختلف في عدد القوافي، ولا يزال قابلا للاختلاف، ~~وفي حاجة إلى الاختلاف. # كانت أوزان الشعر في الجاهلية قليلة البحور، وكانت القصيدة الواحدة قليلة الأبيات، ثم ~~تعددت البحور ومجزوءاتها، وتضاعف عدد الأبيات في القصيدة الواحدة، وطرأ التنويع على ~~القافية في الرجز ثم في التسميط والتوشيح، ثم ms178 انتهينا إلى العصر الحديث، فظهر بيننا من ~~دعاة التجديد من يدعو إلى إلغاء القافية ونظم الشعر مرسلا أو مطلقا على الطريقة ~~الأوروبية، ولكنها دعوة لم يكتب لها النجاح، ولا نظنها جديرة بالنجاح في المستقبل؛ لأن ~~أعاريض الشعر العربي تستلزم القافية من حيث لا تلزم في الأعاريض الأوروبية، وقد يكون ~~الإطلاق من القافية في الأعاريض الأوروبية نفسها مقصورا على المطولات والملاحم التي ~~تصلح للقراءة وقلما تصلح للسماع، والشعر قبل كل شيء سماع. # والذي نعتقده أو نشعر به أن تنويع القوافي أوفق للشعر العربي من إرساله بغير قافية، ~~وأنه يقبل التنويع في أوزان المصاريع والمقطوعات على أسلوب الموشحات، فيتسع للمعاني ~~المختلفة والموضوعات المطولة، ولا ينفصل عن الموسيقية التي نشأ فيها ودرج عليها، ولعلنا ~~لا نحتاج إلى تيسير أوسع من هذا التيسير، كائنا ما كان موضوع القصيد، وإن طال غاية ~~المطال. # تجديد قليل في اللفظ، وتجديد أكثر منه في الوزن، وتجديد أكثر من هذين التجديدين في ~~الموضوع، فكيف يكون هذا التجديد في الموضوع؟ # إن صرف الشعر إلى الاجتماعات والأحداث العامة رأي من الآراء في تجديد الموضوعات ~~الشعرية، ويقترن به رأي آخر ينادي بالطابع الإقليمي في الشعر خاصة وفي الأدب عامة، ~~ويقول آخرون بالشعر المسرحي أو شعر القصة المسرحية وغير المسرحية، وكل هذه الآراء ~~مقبولة من ناحية مرفوضة من ناحية؛ لأن العبرة في الشعر بالملكة التي توحي معانيه، وليست ~~العبرة بالعنوان الذي نختاره لموضوعاته، كعنوان المسرحية أو عنوان الشعر الإقليمي، أو ~~عنوان الشئون الاجتماعية والمسائل العالمية. # ونحن إذا نظرنا إلى الشعر من ناحية الملكة التي توحيه وجدنا أن ملكة الشعر الغنائي قد ~~لازمت القصيدة العربية من نشأتها الأولى، فهي تتردد بين نغمات الغزل والفخر والحماسة ~~والرثاء، أو تتردد بين ألوان الشعور الفردي البسيط، ويندر أن تتخطاه إلى الشعور المركب ~~المتوشج، وهو الشعور المتجاوب بين عدة نفوس على عدة أمزجة وفي عدة حالات. # فإذا كان للتجديد في موضوع الشعر وجهة، فهذه هي الوجهة التي أمامنا، ولتكن سبيلها ~~الرواية المسرحية أو الحادثة العالمية، أو الأوصاف الإقليمية، ms179 فإنما العبرة بالملكة ~~التي توحي المعاني في جميع الموضوعات، وليست العبرة بالعناوين التي نخلعها على هذه ~~الموضوعات. # والفرق بين الشعر الغنائي والشعر المركب المتجاوب هو الفرق بين الربابة والفرقة ~~الموسيقية التي نسمع منها عشرات المعازف في نغمات متعددة مع التناسق بينها والوحدة في ~~مجموعها، وينبغي أن نذكر هنا أن التنوع والتجاوب هما المقصودان بالتصرف والتجديد، وليس ~~المقصود هو كثرة الآلات التي نعزف عليها في وقت واحد، فإن ألف ربابة توقع لنا لحنا ~~واحدا هي أسلوب ساذج بغير تصرف، وقد يكون التصرف كل التصرف في ربابة ومزمار ودف وبيان ~~تختلف وتتجاوب، وتفلح في الارتفاع بالشعور من البساطة والانفراد إلى التجاوب ~~والتركيب. # ولكن الخير أن نبقى كما نحن، وأن نقصر نظمنا على الشعر الغنائي، إذا كنا ننظم في ~~الموضوعات الجديدة تقليدا للذين سبقونا إلى النظم فيها، فإن التقليد نقيض التجديد، ~~والدرهم الصحيح أنفس من الدينار الزائف يحكي الذهب باللون والصورة، ولا يحكيه بالمعدن ~~والقيمة. # ومن أمثلة الدعوات الزائفة إلى التجديد أن يسمع بعضنا بالشعر الإقليمي في اللغة ~~الإنجليزية - وأكثره من شعر الأمريكيين - فيخطر له أن الشعر الإقليمي اختراع واختيار، ~~وينسى أنه واقع طبيعي لا محل لفرضه على الشعراء، حيث لا تفرضه عليهم طبيعة الحياة، وفي ~~أمريكا أقاليم لا تتشابه في الموقع ولا في المكان ولا في المعيشة، فهم لا يختارون ~~الإقليمية في الشعر ولا في الجغرافية، ونحن هنا لن نستطيع أن نزرع قمحا في التربة ~~المصرية دون أن يصبح قمحا إقليميا باختيارنا أو بغير اختيارنا، ومن قال لشاعر: كن ~~إقليميا فقد قال له: كن مقلدا، ولكنه إذ كان من طبيعته منتميا إلى إقليمه فلا حاجة ~~به إلى الأمر والإرشاد. # كذلك يقول بعضهم متعجبا: هل توحي حرب طروادة إلى هوميروس بالإلياذة، ولا تظهر في ~~العصر الحديث إلياذة أضخم منها بعد الحرب العالمية العظمى؟ # ولو كان هؤلاء القائلون يفهمون وحي الابتكار في الشعر لما خطر لهم أن شاعرا عصريا ~~ينبغي أن ينظم إلياذة في الحرب العالمية لأن شاعرا قديما نظم إلياذة في حرب طروادة، ms180 ~~من أين لهم مثلا أن هوميروس كان ينظم في الحرب العالمية إلياذة لو أنه عاش في ~~زماننا؟ # من أين لهم أن ضخامة الحرب هي التي توحي بالنظم فيها؟ فقد تكون الحرب بين عشرين ~~فارسا متقابلين أعنف في إثارة النفس من حرب الملايين بين الخنادق لا يشهد بعضهم بعضا، ~~ولا يعرفون من الحركة غير ضغط الزناد! # كذلك لا يفقه التجديد من يحسب أن الشعر المسرحي حيث كان أرفع من الشعر الغنائي في كل ~~موضوع، فإن الشاعر المسرحي الذي لا يرسم لك شخصية واحدة صحيحة أقل من الشاعر الغنائي ~~الذي يتحدث لك عن غناء البلبل فيصدقك الحديث والشعور، فكل فضل الشاعر في الملكة التي ~~توحي إليه شعره دون العناوين التي يطلقها على موضوعاته، ونحن لا نفضل الشاعر المسرحي ~~على الشاعر الغنائي؛ إلا لأن الشاعر المسرحي يستطيع شعر الغناء، ويستطيع زيادة عليه، ~~وهذه الزيادة عليه هي الحس المتجاوب في النفوس المتعددة، فإن كان يملك هذا الحس فهو ~~صاحب الفضل بهذه الملكة أيا كان الموضوع الذي يختاره لنظمه، وإن لم يملكها فالموضوع ~~لا يعطيه ملكة هو محروم منها. # وإذا كان التجديد هو اجتناب التقليد فالتجديد كذلك هو اجتناب الاختلاق، والمختلق هو ~~كل من يجدد ليخالف وإن لم يكن هناك موجب للخلاف. إن الذي يمشي على يديه يأتي بجديد، ~~ويدل على براعة لا يستطيعها من يمشي على قدميه، ولكننا قد نضع في يده درهما، وقد نزج ~~به في مستشفى المجاذيب، ولا نمشي على الأيدي من أجل تلك البراعة وذلك الاختلاف أو ~~الاختلاق. # نجدد فلا نقلد ولا نختلق، ونحن مجددون كما ينبغي - وكأحسن ما ينبغي - إذا خرجنا ~~بالشعر العربي من لحن الربابة إلى لحن الفرقة الموسيقية، شعورا منا بتعدد النغمات ~~النفسية، لا لمجرد المباهاة بكثرة المعازف وارتفاع الضجيج. # | أدب وفن # من هو الأديب؟ # كان جماعة من «الأدباء» يتحدثون عن وظيفة الأدب الاجتماعية، فاختلفوا في الفرق بين وظيفة ~~الأديب في المجتمعات القديمة ووظيفته في مجتمعاتنا العصرية، فخطر لي أن أسألهم: ومن هو ~~الأديب في المجتمعات القديمة؟ # إننا ms181 نتكلم عن الأدب في المجتمعات قديمها وحديثها، كأن الأدب بمعناه الذي نعرفه اليوم قد ~~كان معروفا هكذا بين جميع الأمم وفي جميع الأزمنة، وهو ولا شك خطأ لا يصمد لأول ~~سؤال. # فأنت إذا نزلت اليوم ببلد من بلدان الحضارة، وقلت لهم: دلوني على رجل من أدبائكم لم ~~يجهلوا ما تريد، ودلوك على واحد ممن يصح أن يطلق عليهم وصف الأديب كما تعنيه ... # ولكن على من يدلك أهل الجاهلية مثلا إذا نزلت بينهم، وقلت لهم: دلوني على واحد من ~~أدبائكم؟ # إنهم لا يدلونك على الشاعر، ولا على الراوية، ولا على النسابة، ولا على الخطيب، وإن كان ~~العلم بالشعر والتاريخ والخطب مما يدخل في نطاق صناعة الأدب في الأزمنة الحديثة، ولو أنك ~~سألت عن أديب في صدر الإسلام لفهموا أنك تقصد إنسانا بريئا من العنجهية البدوية واللوثة ~~الأعرابية: # وإني على ما في من عنجهية # ولوثة أعرابيتي لأديب # وقد تتحدث إلى هذا الأديب الذي يدلونك عليه، فيخوض معك في سمر شائق وطرائف شتى من أطايب ~~الحديث، ولكنه قد يرضيك من هذه الوجهة، ولا يحسب في زمنه من أهل العلم، ولا يحسب في الزمن ~~الحديث من زمرة الأدباء. # ولعلهم يدلونك على مثله في أنس محضره وظرف معشره لو أنك نزلت بمصر أو بقطر من أقطار ~~العربية في أواخر القرن التاسع عشر، وسألتهم أن يجمعوك بأديب من الأدباء. # أما معنى الأديب كما نفهمه اليوم، فهو من المعاني المستحدثة التي تطورت فترة بعد فترة في ~~العصور الأخيرة، فكان الأوروبيون يفهمون من مقابل هذه الكلمة # Man of ~~letters # أنه رجل مطلع على الكتب دارس للعلوم؛ لأن دراسة الكتب على ~~اختلافها كانت هي الفارق بين العلماء والجهلاء، ثم شاعت الدراسة وتنوعت، فعرفوا الفرق بين ~~عشرات من الموضوعات التي يطلع عليها الدارسون، ومنها الموضوع الذي خصص لمعنى الأدب بمدلوله ~~المصطلح عليه في هذه الأيام ... # ولكن ما هو هذا المدلول؟ ومرة أخرى من هو الأديب؟ # أهو الشاعر؟ أهو القصاص؟ أهو ناقد الشعر؟ أهو المطلع على سير الأدباء والقصاصين ~~والنقاد؟ # إنك ms182 إذا قلت: «فلان شاعر.» فقد وصفته بغير حاجة إلى وصف الأدب بعد ذلك، وكذلك تصف ~~«القصاص» ... سواء كتب القصة المطولة أو النادرة القصيرة ... # فإذا قلت عن العارف بالشعر والقصاص: إنه أديب، قيل لك: حسن. # ولكن ما الفرق بين مؤرخ الأدب وناقد الأدب وبين الأديب؟ # حينئذ يلوح لك أن دليلك القديم لم يكن على ضلال بعيد ... # ونعني بالدليل القديم ذلك المرشد الذي كنت تسأله في العصور الأولى أن يرشدك إلى أديب، ~~فيذهب بك إلى رجل حسن الحديث ... # فالأديب بكلمة واحدة هو «المحدث» في جميع العصور، وقيمته في كل عصر تختلف باختلاف حديثه ~~ومن يحدثه، ومن يتطلب منه الحديث، سواء أكان حديثه مما تسمعه الآذان أم تعبره الأعين في ~~صفحات الأوراق. # وبهذه الصفة وحدها يمكن أن تميزه من الشاعر، ومن القصصي، ومن الناقد، ومن مؤرخ الآداب ... ~~أيكون الأديب شاعرا؟ أيكون قصاصا؟ أيكون ناقدا للشعر والقصة؟ ... أيكون عالما مطلعا على ~~تاريخ هؤلاء وتواريخ غيرهم ممن يحفل بهم التاريخ؟ # نعم، ولكنه في هذه الحالة يكون شاعرا وأديبا، أو قصاصا وأديبا، أو ناقدا وأديبا، أو ~~مؤرخا وأديبا ... ولا يلزم حتما أن يكون واحدا من هؤلاء ليقال: إنه أديب، فهو محدث حسن ~~الحديث أيا كان موضوع الحديث، وأية كانت صفاته الأخرى التي تقترن بحسن الحديث. # وبهذا المعنى كان أديب الزمن القديم محدثا في مجلس الصحب، أو محدثا في مجلس الأمير ... ~~وبهذا المعنى أصبح أديب الزمن الحاضر محدثا لقرائه ومستمعيه، ولو لم يجمعه بهم مجلس أو ~~مقام. # ولم ننزل بوظيفة الأديب لأننا جعلناه «محدثا» في العصور الأولى أو في هذه العصور ... فإنما ~~العبرة بما يقال وبمن يقال لهم في جميع الأحاديث. # فمن الناس من يحدث ليعلم ويهذب، ومنهم من يحدث ليضرب للناس أمثال البطولة والشرف، ومنهم ~~من يحدث ليروح عن النفس، ومن يحدث ليكشف للنفس سريرتها، ومن يحدث ليسلي ويلهي، ومن يسلي ~~ويلهي كرام الناس، ومن يقصد بالتسلية واللهو غير هؤلاء الكرام. # وكلهم على هذا المعنى أديب، ولكن شتان شتان بين أديب وأديب ... # فلا ينزل الأدب لأنه ms183 حديث ... # وإنما ينزل الأدب إذا نزل موضوعه ومن يستمع إليه ... # وقد نزل الأدب في عصرنا هذا، وصعد على جميع هذه الدرجات، فكان من أدباء العربية في أوائل ~~القرن العشرين من يوصف بالأدب لأنه سمير مجلس، ثم شهدنا من أدباء العربية في أيامنا هذه من ~~يحدث قراءه جميعا كما يشاء فيجد من يصغى إليه، وكل ما تغير بين أمس واليوم أن الحديث كان ~~بالأمس موقوفا على سامع واحد أو سامعين قلائل، فأصبح اليوم موجها إلى مئات وألوف، لعلهم ~~لا يجتمعون بالمتحدث في مكان. # وربما صح أن شيئا آخر قد تغير بهذا الصدد، وهو أن الأدب - حيثما كان بضاعة تنتظر الجزاء ~~- لم يكن ينتظر جزاءه فيما مضى من غير الآحاد القلائل، وأن الأديب كان يدون أحاديثه في ~~الورق ليقرأه كل من حصل عليه، ولكنه لا ينتظر الجزاء الذي يغنيه في عيشه من هؤلاء القراء، ~~وإنما ينتظره من فرد يتصل به ويعول عليه. # أما اليوم فالأديب على نقيض ما كان بالأمس، إنه ينتظر هذا الجزاء ممن يوجه إليهم حديثه ~~على يد المطبعة أو المذياع، وهم مئات وألوف في وطنه وفي غير وطنه وفي زمنه وغير زمنه، لا ~~يلقاهم ولا يلقونه في أغلب الأحوال. # وذلك هو باب الخير الكثير ... وذلك أيضا هو باب الشر المستطير ... # لأن استغناء الأديب عن هذا السيد أو ذاك قد فتح له باب الاستقلال في المعيشة، والاستقلال ~~بالرأي، والاستقلال بالشعور. # إلا أنه قد يغني عن هذا السيد أو ذاك، ثم يتقيد بهذه الجماعة أو تلك، واستعباد الجماعة شر ~~من استعباد الآحاد. # وليس من الحتم أن تستعبد الجماعة محدثها؛ لأن الجماعة طوائف شتى من الناس، ولمن يحدث هذه ~~الطوائف أن ينص الحديث لمن شاء منها ويضن به على غيره، وأن يقنع بالمهذب الكريم من سامعيه ~~ويطوي كشحه عن سواه، فله ولا شك أن يختار وإن صعبت عليه الموازنة بين أسباب ~~الاختيار. # وهناك باب من أبواب الحرية يطرقه من يستطيع حين يشاء، فيتحدث «المحدث» العصري وحده، كأنما ~~يتحدث لنفسه ... ويسمعه من يريدون ms184 أن يسمعوه، وهو لا يأخذ نفسه بكلفة الجليس في محضر الأمير ~~أو أشباه الأمير. # وهو على كل حال «محدث » على نمط العصر وأسلوبه، وخليفة للمحدث القديم على ما كان لعصره من ~~نمط وأسلوب. # وليس لوظيفة الأدب في اعتقادنا تعريف أصدق من هذا التعريف، فإنه هو التعريف الوحيد الذي ~~يزيل اللبس بينه وبين الشاعر والراوية، والناقد والمؤرخ، ولا يمنعه مع ذلك أن يأخذ بسهم أو ~~سهوم من جميع هذه الفنون، على اعتبار أنه مادة من مواد الحديث. # فمن هو الأديب في كل عصر من العصور؟ هو المحدث في كل مجتمع، على اختلاف العصور ... وتسأل ~~مرة أخرى: هل الأدب إذن وظيفة اجتماعية؟ # فإن أردت أن الحديث يجري بين متحدث ومستمع أو مستمعين، فالأدب ولا شك وظيفة اجتماعية ~~... # ولكنك خليق أن لا تنسى بعد هذا أن الملكة الشخصية شرط لا معدى عنه في كل حديث كائنا ما ~~كان قائله ومستمعوه، فإن الناس جميعا أعضاء في بنية جماعة، ولا يحسن التحدث منهم إلا ~~الآحاد المعدودون ... # كذلك لا تنس أن الأديب في مجتمع هذا العصر يستطيع أن يكلم نفسه ولا يحسب من المجانين، بل ~~من صفوة العقلاء ... أو يضمن المستمعين إليه كلما كان حديثه لنفسه جديرا بالإصغاء ... # الفن بين الصدق والكذب # ما الصدق؟ هو كما عرفوه مطابقة للواقع ... # ولكن ما هو الواقع؟ وكيف نطابقه؟ هل نطابقه بإدراك الحواس؟ أو نطابقه بألفاظ اللسان؟ ~~... أو نطابقه بوعي القريحة والخيال؟ # كل أولئك مطابقة ... وكل مطابقة من هذه المطابقات صدق على حسب ذلك التعريف، ولكنها على ~~هذا تختلف فيما بينها أوسع اختلاف في التعبير والتمثيل. # فإذا رأيت مرجا من مروج الربيع صدقت في وصفه حين أقول: إنه رقعة من الأرض ذرعها ألف ~~ذراع، يتخللها جدول ماء، وفيها ثمر من فصيلة كذا وكذا وزهر من فصيلة كذا وكذا في علم ~~النبات ... # وصدقت في وصفه حين أقول: إنه جميل مريح ... # وصدقت في وصفه حين أقول: إنه يتألق كما تتألق العيون، ويزدهر كما تزدهر الوجنات، ~~ويفتر كما تفتر الثغور، وتمرح فيه النضرة ms185 كما يمرح صفو الشباب في الصبايا الحسان، ~~وتتغنى فيه العصافير كما تتغنى الوصائف الثملات في الأعراس ... # أما إذا قلت : إنني رأيت فيه ثغورا ووجنات، ولمحت فيه أحداقا مؤتلفات، واستخفني ~~المرح من قدود حسانه، واستطارني الطرب من ألحان عيدانه، فما أنا بكاذب، وما أنا بمخالف ~~لما قلته في تلك العبارة التي أوردتها مورد التشبيه، وكل ما هنالك أنني حذفت الكافات ~~والكأنات، واعتمدت على فطنة السامع مع فهم هذه التشبيهات ... فعبرت عن الواقع بأسلوب ~~يختلف في اللفظ ولا يختلف في المدلول. # إن كان هذا هو الكذب الذي أرادوه حين قالوا: إن «أعذب الشعر أكذبه»، فهذا هو الواقع ~~بعينه فيما نراه. # وغاية ما في الأمر أننا نطابق الواقع هنا بوعي القريحة والخيال، ولا نحب أن نطابقه ~~بلغة الحس، أو بلغة الحساب والإحصاء ... # وأيا كان نوع المطابقة فهو صدق على أية حال ... ~~••• # مثل آخر قريب من هذا المثل ... # أعرابي غمر يغرب في رحلة مهلكة في مفازة موحشة ... # تسأله فيقول لك: إنها عامرة بالغيلان والسعالي، متجاوبة بأصداء الجن والعفاريت، من ~~يسلكها لا يسلم من شر سكانها هؤلاء، ومن سلم منهم فقد كتب له عمر جديد ... # هذا الأعرابي الغمر كاذب إن شئت، ولكن في حساب واحد، هو حساب الرحلات الجغرافية ~~والمباحث العلمية. # فإن الرحالين والباحثين يجوبون تلك الصحراء، ويعودون منها فيقولون وهم صادقون: ما ~~عثرنا في تلك الصحراء بسعلاة، وما السعلاة التي ذكرها الأعرابي مما يمكن العثور عليه ~~... # ولكنه إذا كذب في حساب الجغرافيين أفما من حساب آخر هو صادق فيه، أو مطابق للواقع ~~فيما يدعيه؟ # بلى! هناك حساب هو صادق فيه كل الصدق، مطابق للواقع كل المطابقة، وهو حساب الشعور ~~والخيال؛ لأنه وصف الخوف من الهلاك، ولا فرق بين الهلاك من الغول والسعلاة، والهلاك من ~~الوحشة والانقطاع، وغاية ما في الأمر أنه وصف الخوف محذوفا منه الكافات والكأنات، ولا ~~يزال صادقا حين قال لنا: إن من يسلم من شر تلك المفازة، فقد كتب له عمر جديد ... # وكذلك قل في عرائس البحار ... # وكذلك قل في كنوز ms186 الأرض، وما يحرسها من المردة والشياطين ... # وكذلك قل في همسات النسيم ونجوى الأنفاس ... # وكذلك قل في كل واقع نطابقه بالشعور والخيال، ولا نقصر المطابقة فيه على اللمس ~~والعيان ... ~~••• # وننتقل إلى الشعر الذي يتمثل فيه هذا الضرب من الواقع، فنذكر بيت أبي الطيب في وصف ~~الأسد. # ورد إذا ورد البحيرة شاربا # ورد الفرات زئيره والنيلا # فعلماء الطبيعة يقولون لك: إنه كذب ... لأنهم يقيسون سرعة الصوت في الهواء وسرعة الصوت ~~في الماء، ويقيسون المسافة بين البحيرة ومصر والعراق، ويقدرون النسبة التي يتخافت بها ~~الصوت فيجدون أن زئير الأسد الذي وصفه أبو الطيب لا يصل إلى النيل، ولا يصل إلى الفرات ~~... # أفكاذب أبو الطيب فيما وصف؟ # إن قلت: نعم مع علماء الطبيعة، قلت: لا على الأثر مع سامع ذلك الزئير ... # لأن زئير الأسد ملأ جوانب نفسه وشاع في منافذ حسه، فلم يدع فيها فراغا لغير الرهبة ~~والحذر ... # ورهبة تملأ كل مكان في دنياه، خليقة أن تملأ كل مكان على وجه الأرض، ولو في الساعة ~~التي ملأته الرهبة فيها، وذلك حسبه من مطابقة الواقع كما وقع في لحظة من اللحظات ~~... # ولو أن أبا الطيب قال يومئذ في وصف شعوره بزئير الأسد: إنه وصل في الدقيقة إلى بعد ~~كذا من الأميال لما خالف الواقع في حساب العلم الطبيعي، ولكنه لا يذكر لنا شيئا عن ~~الواقع في طبيعة الشعور. # وهذا هو الواقع الذي يعنينا ويعنيه من وصف الأسد وزئيره ... # كذلك يقول البحتري في وصف البناء السامق: # ذعر الحمام وقد ترنم فوقه # من منظر خطر المزلة هائل # فيصيب في تمثيل الذعر كما يحسبه الواقف على شرفات ذلك الصرح، ولا يخطئ إلا من ناحية ~~بعيدة من هذه الناحية؛ لأنه يقول عن الحمام المذعور: إنه يترنم، وللترنم حال لا تشبه ~~حال مذعور ... # ويقول أبو العلاء في سخرية الموت والحياة: # رب لحد قد صار لحدا مرارا # ضاحك من تزاحم الأضداد # والواقع أن اللحد لا يسخر، ولكنه من حقه أن يسخر إذا استطاع، وأن هناك سخرية في تعاقب ~~الموتى على مكان ms187 واحد يكرهونه، ويتزاحمون عليه كأنهم يشتهونه، فإذا أعرنا اللحد سخريتنا ~~فنحن لم نعر من السخرية ولا من الواقع، ولكنها «استعارة» لا تضيع معها الحقوق! # هذه خلاصة القول عن الفن بين الصدق والكذب ... # فلن يكون الفن جميلا إذا كان فنا كاذبا لا يطابق الواقع، ولكن أي واقع؟ وأي ~~مطابقة؟ ... # الواقع في الشعور، والمطابقة لذلك الشعور، وهي مطابقة لا ريب فيها، ومطابقة أصدق من ~~كل مطابقة أخرى، إذا كانت المطابقات الأخرى خلوا من تمثيل ما نشعر به ونؤديه في فن من ~~الفنون، سواء أديناه بالقلم أو بالريشة أو بالإزميل أو بالوتر والمزمار ... # ويصدق على الواقع التاريخي ما يصدق على الواقع الحاضر أمامنا ... # فمن مثل لنا بطلا في غير عصره فأحسن تمثيله، فهو صادق في الفن كاذب في التاريخ، أو ~~هو شاعر حسن ومؤرخ رديء، نلومه على كسله وجهله، ولا ننكر عليه الصدق في حسه وخياله، ولا ~~القدرة على حسن تعبيره وتمثيله، فنمنحه درجة النجاح في الشعر، ونضن عليه بها في التاريخ ~~... # وكل فن جميل فلن يكون كاذبا أبدا؛ لأنه لا بد له من مطابقة الواقع، على اختلاف صور ~~المطابقة في الشعور ... # ولقد قيل عن أراوح شكسبير وعفاريته: إنها لو برزت إلى عالم الحياة لما برزت في غير ~~الصورة التي تصورها ... وما قيل عن المخلوقات الخيالية في شعر شكسبير يقال عن كل مخلوق ~~خيالي يمثل لنا حالة نفسية نشعر بها ونتصورها فيه؛ لأنه ولد من شعورنا، فإن لم يطابقه ~~فلا صلة بيننا وبينه في عالم الحس ولا في عالم الخيال. # | المدرسة الرمزية # (1) حب الأزياء # كانت باريس فيما بعد القرون الوسطى عاصمة الحضارة الأوروبية، وكان بلاطها الفخم مصدر ~~المراسم والتقاليد في أرجاء الغرب كله، تصدر عنه الأزياء والآداب والعرف المتبع في ~~مجالس الطبقات العليا، وكان لها الشأن - كل الشأن - يومئذ في جميع البلدان، فلا تنقضي ~~فترة يسيرة من الزمن دون أن يسفر التنافس بين فرسان البلاط وحسانه عن شارة جديدة وزي ~~جديد، ولم يكن لهم يد من طرافة يتحدثون بها في عالم الأدب والفن ms188 كما يتنافسون بالطرائف ~~في عالم الشارات والأزياء، فلما بدأت نهضة الأحياء الحديثة باستحياء الأساليب اللاتينية ~~واليونانية رحب بها طلاب الجديد ريثما طال عليها العهد، فبرموا بها وتطلعوا إلى نمط ~~جديد، فتوالت الأنماط بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين من المدرسة ~~المجازية إلى المدرسة الواقعية إلى المدرسة البرناسية إلى المدرسة الرمزية، إلى هذه ~~المدارس التي تسمى بالمستقبلية تارة وبما وراء الواقعية تارة أخرى، ولا تستقر طويلا ~~على حال. # ولم يكن التفات الناس إلى عاصمة الأزياء، وانتظارهم منها الجديد بعد الجديد هو الباعث ~~الوحيد إلى تعاقب هذه المدارس بمختلف الأسماء والآراء، وإنما صادفت هذه الحالة معينا ~~لها من حب الاندفاع في السليقة الفرنسية، فأصبح حب التغيير نتيجة لازمة لكل اندفاع بلغ ~~مداه واستنفد قواه. # فلا تجد في غير فرنسا ولعا كهذا الولع بالمدارس الأدبية المتلاحقة، ولا سأما كهذا ~~السأم من أسلوب بعد أسلوب، وصبغة بعد صبغة. # وفي فرنسا نفسها لا تجد هذه المدارس في القمم العالية، أو الأعلام البارزة من أفذاذ ~~الأدب المعدودين، وإنما تجدها في بيئات الأوساط وأشباه الأوساط الذين يخضعون لموجات ~~التقلب وحركات التكلف والاصطناع. # أما أعلام الأدب الفرنسي من أمثال موليير وراسين وفولتير وشاتوبريان ولامرتين، وهوجو ~~ومسيه وأناتول فرانس وبروست، فأنت لا تجدهم تحت راية من هذه الرايات، ولا على شارة من ~~الشارات، وإذا بدت على أحدهم مسحة من هذه الصبغة أو تلك، فهي مسحة لا تنحرف به قط عن ~~اللونين الخالدين اللذين يرجع الانقسام بينهما إلى طبيعة الإنسان لا إلى تقلب الأزياء ~~بين جيل وجيل، وهما لون الواقعية ولون المجازية، أو لون البساطة ولون التنميق، وسمهما ~~بعد ذلك بما تشاء من الأسماء. ~~(2) ظهور الرمزية # وكان الصف الأول من صفوف الطليعة في هذه المدارس هو صف الأحياء، أو صف الأساليب ~~اللاتينية واليونانية القديمة، ولا يخلو من دعوة إلى بساطة «الطبيعة» على ألسنة ~~الفلاسفة والشعراء. # ثم تفنن الأدباء في المجاز على أنماط شتى من الأساليب المجازية، التي توشك أن تتعدد ~~بتعدد الآحاد ... فأسلوب هوجو مجازي، ولكنه مجاز يريك ms189 الدنيا كأنها في موكب دائم من ~~الطبول والأبواق، ومن الغنائم والأسلاب، وأسلوب لامرتين مجازي ولكنه يريك الدنيا كأنك ~~تعيش منها أبدا في عالم مسحور تتهامس فيه الأرواح، وتتخافت فيه الأصداء. # واتفق في الأيام الأخيرة من هذه المدرسة المجازية أن شاعت مباحث العلم، ومقررات ~~العلماء المحدثين، فظهرت المدرسة الواقعية والمدرسة البرناسية، ونزعت كلتاهما إلى ~~الأسلوب المدرسي البسيط - أسلوب اللاتين واليونان - ممزوجا بلون الدراسات العلمية التي ~~اشتغل بها كل عقل مثقف في عهد المدرسة البرناسية على التخصيص. # ويدل اسم المدرسة البرناسية على مذهبها بعض الدلالة؛ لأن أصحابها يسمون أنفسهم ~~بالبرناسيين المعاصرين منتسبين إلى البرناس، وهو جبل أبولون وعرائس الفن في اليونان ~~القديمة، فالبرناسيون المعاصرون مدرسيون من ناحية الاقتداء بأعلام الأدب اليوناني ~~القديم، ومحدثون علميون من ناحية التجديد العصري على نمط لم يعرفه قدماء ~~اليونان. # وكان شعارهم «الكلمة المحكمة»؛ أي الكلمة في موضعها الذي لا تتجاوزه للتنميق أو ~~للتهويل، وعقيدتهم «أن الفن للفن» بغير قصد آخر غير إحكام التعبير وحسن الأداء. # وأفرط البرناسيون كما يفرط الدعاة إلى المدارس الخاصة فيندفعون فيها إلى الطرف ~~الأخير، أو إلى حيث يحسن الارتداد والرجوع، وكان إفراطهم هذا مسوغا بعض التسويغ لظهور ~~الرمزيين. ~~(3) مسوغات الرمزية # والتعبير بالرموز عادة قديمة في تعبير الإنسان، بل عادة قديمة في بديهة ~~الإنسان. # فالحالم مثلا يعبر في منامه عن شعور الضيق أو الخوف بقصة رمزية يتمثل فيها شيئا ~~مخيفا في صورة وحش أو مارد مرهوب. # والكاتب الذي لم يعرف الحروف الأبجدية يرمز إلى المعاني بالشخوص والرسوم، ويعبر لك عن ~~الكتابة بصورة الكاتب أو صورة القلم أو صورة المكتوب، وقد يلجأ إلى الاستعارة بعد عرفان ~~الحروف؛ لأنها نوع من التصوير الذي يساعد على اختصار التعبير. # وكهان الديانات يرمزون، ويعمدون كثيرا إلى الكنايات والألغاز؛ لأنهم يجعلون لغة ~~الدين لغة سرية ينفردون بها، ولا يطلعون سواد الناس على دخائلها، فيختارون الرمز في ~~التعبير، وإن قدروا على الإفصاح والتصريح. # والنساك المتصوفون يرمزون؛ لأنهم لا يستوضحون المعاني الغامضة التي تجيش بها نفوسهم ~~في حالة كحالة الغيبوبة أو نشوة ms190 من نشوات الذهول، فيؤثرون التشبيه؛ لأنهم عاجزون عن ~~التوضيح، ويخاطبون من يعرف حالهم برمز من هنا وتورية من هناك ، فلا يحتاج منهم إلى زيادة ~~إيضاح. # وكان بعض الدول يقهر الرعية على عقيدة لا يدينون بها، وقد يدينون بغيرها؛ فيشيرون إلى ~~عقائدهم برموز يفهمونها ويجعلون للألفاظ الشائعة معاني غير معانيها المتفق عليها في ~~اللغة المتداولة، ثم ينبذون تلك الرموز إذا ارتفع عنهم الضغط والإكراه. # وقد يكون الرمز اختصارا لعبارة مفهومة أو صورة ظاهرة كرمز الرياضيين والكيميائيين ~~بالخطوط والنقط إلى الأفلاك أو العناصر أو المقادير. # فالرمز شيء مألوف في تعبير الإنسان، وفي طبيعة الإنسان، ولكنه مألوف على حالة واحدة ~~لا يخلو منها معرض الرمز والكتابة، وهي حالة الاضطرار والعجز عن الإفصاح، فلم يرمز ~~الإنسان قط وهو قادر على التصريح والتوضيح، ولم يجد كلمة واضحة لمعنى واضح ثم آثر عليها ~~الالتواء شغفا بالالتواء. # فإذا لوحظت هذه الحالة، فالرمز أسلوب متفق عليه لا يحتاج إلى مدرسة تنبه الأذهان ~~إليه، فالخيال لا يستشير مدرسة من المدارس لتشير عليه أن يحلم بالصور والتشبيهات، أو ~~يحلم بقواعد التحليل والتركيب في معامل الكيمياء، والشاعر لا يعاب إذا مثل لنا الكواكب ~~والأزهار، فألبسها ثياب الأحياء، ومن ضاق به اللفظ فعمد إلى التخييل والتشبيه فالناس لا ~~يحسبونه من هذه المدرسة أو تلك؛ لأن المدرسة التي يصدر عنها في هذه الحالة هي مدرسة ~~البديهة الإنسانية حيث كان الإنسان، وبأي لغة من اللغات، ألغز أو أبان. # وفحوى ذلك أنه لا حاجة إلى مدرسة لتعليم الناس كيف يرمزون ويكنون حين ينبغي الرمز ~~وتنبغي الكناية، ولكنهم قد يحتاجون إلى مدرسة لتذكيرهم بحقيقة واحدة قد ينسونها في دفعة ~~الإفراط والمغالاة، وهي أن الحياة تنطوي على كثير من الأسرار، وأن العالم نور وظلام ~~وجهر وخفاء، وأنه يفاجئنا أحيانا بمعان لا تترجم عنها الألفاظ، ولا غنى فيها عن ~~الإشارة والاستعارة، أو عن تمثيل الظل بالظل، والحجاب بالحجاب. # وقد كانت الآداب الفرنسية بحاجة إلى هذا التذكير في النصف الأخير من القرن التاسع ~~عشر، ولم تكن هذه الحاجة مقصورة ms191 على الآداب الفرنسية في الواقع؛ لأنها كانت حاجة من ~~حاجات التطور العقلي في العالم بأسره، ولكنها أظهر ما تكون حين يكون الاندفاع من ~~الأطراف إلى الأطراف. # فالعالم الأوروبي قد تنقل في ثلاثة أطوار عقلية منذ عصر الإصلاح: # طور لم يكن فيه سلطان للعقل في تفسير الوجود، وطور ثار فيه العقل لحقوقه المشروعة، ثم ~~بالغ في الثورة حتى أوشك أن يستبد بكل سلطان، وطور ثارت فيه البديهة الإنسانية لتذكر ~~العقل بالحقيقة التي نسيها في شططه وغلوائه، وهي أن البديهة الإنسانية تشاطر العقل ~~حقوقه في تفسير العالم والاتصال بخفايا الوجود. # ففي الطور الأول كان السلطان للكهنة ورجال الدين، وكانت النصوص التي يساء فهمها ويساء ~~العمل بها هي مرجع المراجع كلها في العلم والحكمة والفنون والآداب. # وفي الطور الثاني تفرد العقل بتفسير كل شيء، وزعم أن العلوم التجريبية وحدها كفيلة ~~بالكشف عن جميع الحقوق وجميع الأسرار. # وفي الطور الثالث صنع «رد الفعل» صنيعه المعهود في أمثال هذه الأطوار، فثار المفكرون ~~أنفسهم على العقلية # Rationalism ~~، كما ثار الفنانون على ~~الواقعية # Realism ~~، وسمعنا بضروب شتى من دعوات ~~المثاليين والنفسانيين والروحانيين، وفلاسفة المنطق الحديث الذي يدين بالبصيرة كما يدين ~~بالقياس والتحليل. # في هذه الفترة ظهر الرمزيون في الآداب الفرنسية، وكان لهم حق في الظهور. # بل ظهروا «متأخرين» عن رواد هذا المذهب في الآداب الأوروبية الأخرى، وفي عالم الفنون ~~التي لها تأثير بين في الآداب ... # فكانت موسيقى «فاجنر» تدوي في أرجاء القارة الأوروبية قبل أن تتحول الموسيقى الفرنسية ~~من لغة الطرب والمشاهد الواقعية إلى لغة الأغوار والكنايات، وكان كولردج وبروننج ~~وسوينبرن وتنيسون من أعلام الشعر الإنجليزي يتناولون المعاني الغامضة تارة بالرمز ~~والكناية، وتارة بالكلمات التي تماثلها في الغموض، ويكفي أن يذكر القراء تأثير دافيد ~~هيوم في روسو وفولتير، وتأثير بيرون في لامرتين؛ ليذكروا أن المدرسة الرمزية في الآداب ~~الفرنسية لم تكن فريدة في الآداب الأوروبية حين ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وراجت ~~إلى أوائل القرن العشرين. # لكنها ظهرت سائغة مدعوة إلى الظهور بدعوة التطور في التفكير ms192 والشعور، ثم استحقت ~~الاحتجاب قبل أن تتمكن من الثبات على الأساس الصحيح ... وصدقت عليها الفكاهة التي تحدث ~~بها ظرفاء بغداد عن بهلول المجنون، حين قالوا: إنه كان يغني بدرهم، ويسكت ~~بدرهمين. # فإن المدرسة الرمزية التي وجب ظهورها وجب سكوتها بعد ذلك مرتين، ولم يلبث الفرنسيون ~~أن أطلقوا عليها اسم مدرسة الهبوط والانحدار # Decadents ~~، ~~ولم يظلموها بهذه التسمية الصادقة؛ لأن شعراءها وكتابها قد جعلوا ديدنهم من الرمز أن ~~يرمزوا إلى كل وضيع خليع، وأن يعتبروا التسمية مطلوبة لذاتها لا لمزية من مزايا التعبير ~~والتقرير، فلو تهيأت لهم للمعنى الواحد عبارتان تؤديانه على السواء لفضلوا الأغمض منهما ~~على الأوضح في غير سبب معقول لهذا التفضيل، بل يفضلون الغموض على الوضوح، ولو كان ~~الوضوح أجمل في اللفظ، وأقرب إلى البديهة، وأثبت في الأفهام. # وما هو إلا أن تلقفوا من الأفواه كلمة عن مذهب فرويد، وأقوال العلماء النفسانيين عن ~~«الوعي الباطن» و«اللا وعي» المكنون في أطواء النفس، حتى اندفعوا من الرمزية المتطرفة ~~الجامحة إلى رمزية أبعد منها في التطرف والجموح، فنشأت بينهم مدرسة يسمونها بمدرسة ما ~~وراء الواقع، تترجم الرموز بالرموز، والألغاز بالألغاز، وراجت هذه البدعة الجديدة في ~~عالم التصوير؛ لأن رواجها في عالم الكتابة والشعر يستلزم جمهورا كاملا من المخبولين ~~والأدعياء، وقلما يجتمع جمهور كامل من هؤلاء، كما يتفق اجتماع الآحاد من طلاب الصور ~~الملفقة بين الأغنياء. # وخلاصة ما وعاه هؤلاء الرمزيون الغلاة من الوعي الباطن أنهم لا يفقهون ما هو الوعي ~~الباطن وما هو الوعي الظاهر على السواء، فإن الوعي الباطن قديم لم تخلقه التسمية ~~الحديثة في كتب العلماء النفسانيين، وقد كان الناس بوعيهم الباطن حين وصفوا ما وصفوه، ~~وصوروا ما صوروه من المناظر والضمائر والوجوه، ومن شأن العقل الباطن أن يظل عقلا ~~باطنا حيث خلقه الله، فإن برزت لنا بعض خباياه، فليس معنى بروزها أنها تلغي العقل ~~الظاهر، وتبطل عمل الحواس، وتقلب معالم الأجسام والأشياء، ولا موجب لتمييز المصورين ~~بالقلم أو الريشة بالتخمين والتنجيم عن الوعي الباطن، أو العقل الباطن؛ لأنهم ms193 يستعدون ~~لصناعتهم بمزج الألوان ونقل الأشباه لا بالتدرب على الكهانة، ونقش الطلاسم، ووضع ~~الألغاز. # فالرمزية في حدودها المعقولة - ما لم تجعل الدنيا كلها رموزا وكنايات وأطيافا - ~~تعيش في الظلام ولا تعيش في الضياء، وهي ضرورية ما شعر الإنسان بضرورتها في تمثيل ~~الدقائق والأسرار، ولكنها تخرج من الضرورة إلى الضرر إذا أصبحت مطلوبة لغير سبب، وأصبح ~~شعارها «الرمز للرمز»، والغموض للغموض، والتلفيق للتلفيق. # وهي على الجملة «خطر» حين تصبح مدرسة قائمة بذاتها؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى مدرسة ~~ليكون إنسانا يعبر باللفظ الصريح حين يتأتى له التعبير باللفظ الصريح، ويعبر بالكناية ~~حين لا تسعفه وسيلة غير وسيلة الكناية، وقد عرف الناس «الاستعارة» في جميع اللغات، فلم ~~تكن استعارتهم إلا ضربا من الرمز والتصوير بالكلام، ولم تفسد هذه الاستعارات إلا حين ~~أصبحت فنا مصطنعا، وانقطع ما بينها وبين البداهة الصادقة، والتخيل السليم. # وكذلك أفاد الرمزيون الفرنسيون حين التزموا هذه الحدود المعقولة، ومثلوا ثورة البديهة ~~على غرور العلميين والعقليين، وأطلقوا الشعر الفرنسي والشعر الأوروبي عامة من أوزانه ~~المتحجرة، وقيوده العتيقة، ولكنهم لم يقفوا عند ذلك، فاستحقوا أن يقال فيهم: إنهم غنوا ~~بدرهم وسكتوا بدرهمين. ms194