######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.Iblis.Hindawi18502737 #META# Tags: philosophy :: literature #META# ID: 18502737 #META# Title: إبليس #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فاتحة خير‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # خاتمة‏ # فاتحة خير‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # خاتمة‏ # | إبليس # | إبليس # تأليف # عباس محمود العقاد # | فاتحة خير # يوم عرف الإنسان الشيطان كانت فاتحة خير. # وهي كلمة رائقة معجبة تروع المسامع وتستحق في بعض الأذواق أن تقال، ولو تسامح القائلون ~~والسامعون في بعض الحقيقة طلبا لبلاغة المجاز. # ولكنها في الواقع هي الحقيقة في بساطتها الصادقة التي لا مجاز في لفظها ولا في معناها، ~~ولا تسامح في مدلولها عند سامع ولا قائل، بل هي من قبيل الحقائق الرياضية التي تثبت بكل ~~برهان، وتقوم الشواهد عليها في كل مكان. # فقد كانت معرفة الشيطان فاتحة التمييز بين الخير والشر، ولم يكن بين الخير والشر من تمييز ~~قبل أن يعرف الشيطان بصفاته وأعماله، وضروب قدرته، وخفايا مقاصده ونياته. # كان ظلام لا تمييز فيه بين طيب وخبيث، ولا بين حسن وقبيح، فلما ميز الإنسان النور عرف ~~الظلام، ولما استطاع إدراك الصباح استطاع أن يعارضه بالليل، وبالمساء. # كانت الدنيا أهلا لكل عمل يصدر منها، ولم يكن بين أعمالها الحسان وأعمالها القباح من ~~فارق إلا أن هذا يسر وهذا يسوء، وإلا أن هذا يؤمن وهذا يخاف، أما أن هذا جائز ~~وهذا غير جائز في ميزان الأخلاق، فلم يكن له مدلول في الكلام، ولم يكن له - من باب أولى - ~~مدلول في الذهن والوجدان. # وكانت القدرة هي كل شيء. # فلما عرف الإنسان كيف يذم القدرة ويعيبها عرف القدرة التي تجمل بالرب المعبود، والقدرة ~~التي لا تنسب إليه، ولكنها تنسب إلى ضده ونقيضه. # وهو الشيطان. # وكانت فاتحة خير لا شك فيه. # كانت فاتحة خير بغير مجاز وبغير تسامح في التعبير. # وكانت للإنسان عين يعرف بها الظلام؛ لأنها عرفت النور وخرجت من غيابة الظلمات التي كانت ~~مطبقة عليه. # فتاريخ الإنسان في أخلاقه الحية لا ينفصل من تاريخ الشيطان. # وأوله هذا التمييز بين الخير والشر. # ولكنه الأول في طريق طويل لم يبلغ نهاية مطافه. # فبعد التمييز ms001 بين الخير والشر خطوة أخرى ألزم من تلك الخطوة الأولى في تاريخ الأخلاق ~~الحية. # وتلك هي معرفة الخير في الصميم. # فقد كان على الإنسان أن يعرف حقيقة الخير ليعمله على علم وبصيرة. # فليس الخير خلوا من الشر وكفى. # وليس الخير ابتعادا من الشر وكفى. # وليس الخير عجزا عن الشر وكفى. # وليس الخير مخالفة للشر وكفى. # كلا، بل الخير شيء قائم بذاته، وليس قصاراه أنه امتناع من شيء سواه. # الخير هو القدرة على الحسن مع القدرة على القبيح، وهو الاختيار المطلوب بعد التمييز بين ~~القدرتين. # ولهذا عرفنا من تاريخ الشيطان أنه سقط؛ لأنه أنف من تفضيل آدم عليه وعلى الجان والملائكة ~~أجمعين. # وإنما فضل آدم عليه؛ لأنه عرضة للخير والشر، ولأنه مطالب بالخيرات وهو ممتحن ~~بالشرور. # فضل على الملائكة الذين لا يصنعون الشر لأنهم بمنجاة من غوايته، وفضل على الجان ~~الذين لا يختارون بين نقيضين. # ومن تلك الآونة عرفت وظيفة الشيطان في هذا العالم، وعرفت معها فضيلة ~~الإنسان. # فإنما وظيفة الشيطان أن يثبت عجز الإنسان أمام الغواية والفتنة، وأن يمتحن مشيئته وهو ~~يتردد بين الخير والشر، والمباح والحرام. # وإنما فضيلة الإنسان أن يصنع خيرا وللشر عنده غواية وله في نفسه فتنة، ولولا ذلك لما كان ~~له فضل على الملائكة ولا على الجان. # لا جرم كان تاريخ الشيطان تاريخا للأخلاق الحية في وجدان آدم وبنيه. ~~••• # وتمتحن الأخلاق الحية بمحنة المعرفة والجهل كما تمتحن بمحنة الخير والشر، والفضيلة ~~والرذيلة. # فمهما نتخيل من مخلوق قابل لأن يعرف بعد جهل، ويدرك بعد قصور، فليس غير الإنسان مصداق ~~لذلك المخلوق. # ليست الملائكة ولا الجان في صورتها الحية مخلوقات نامية في معرفتها، عالمة ما تعلمه بعد ~~جهله، متقدمة من الطفولة إلى الرشد إلى غاية المدى المقدور لكل مخلوق. # ولكنها في صورتها تعلم ما تعلمه كأنه من خصائص معدنها التي لا تفارقها، فلا اجتهاد لها ~~فيما تعلم، ولا فوات على اجتهادها فيما تجهل، وكل ما أوتيته من علم فلا حيلة لها ولا ~~حول فيه؛ كلمعان النور، ووهجان النار ms002 ، ولألاء الجوهر الصافي، وجريان الماء، وخفقان ~~الهواء. # ولا كذلك سليل التراب، إنه ليعلم حتى لتعجب كيف علم، وإنه ليجهل حتى لتعجب كيف جهل، ~~ومن كان قابلا لأن يأتي بالعجب في علمه وجهله فهو مسئول عن هذا وذاك. # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون ~~. # وعلم آدم الأسماء كلها ثم ~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين ~~. # قالوا سبحانك لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~. # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ~~. # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # فليست القداسة أن تكون نورا وأنت نور، وليس الفخار أن تكون نارا وأنت نار. # وإنما القداسة والفخار أن تكون نورا ونارا وأنت تراب، وأن تسبح وتقدس وأنت قادر على ~~الفساد والعدوان. # وكلما ذكرت الأخلاق الحية فقد ذكر تاريخ الشيطان في ثوب الحياة، وقد ذكر تاريخ الغواية ~~والحرية في المطاوعة والاعتصام، وتلك هي الأخلاق الحية كما تعيش في اللحم والدم، وفي القيم ~~والمزايا، فأما الأخلاق في صفحات الورق وفي مصطلحات الباحثين فهي كلمات وحروف ~~وأصداء. # ولم يوجد النوع البشري بصفاته وأخلاقه ليكتبها سطورا على صفحات، ويجمعها أطروحة في قاعة ~~درس، أو سفرا على الرف إلى جانب أسفار. # ولكنه وجد بصفاته وأخلاقه ليحياها ويعيش بين حقائقها، ويعطيها الأسماء التي تدله على تلك ~~الحقائق كما يستقبلها بحسه وشعوره، ويواجهها برجائه وخوفه، وبإقباله ونفوره، وينادى ~~بالاسم من هذه الأسماء فلا يفهمه كما تفهم الكلمة عند المراجعة في القواميس، بل يفهمها ~~حبا وبغضا، وغبطة وندما، ورضوانا وسخطا، وحركة تنبض بها العروق، وسرا يختلج في ~~الأعماق. # وهكذا ينطبع الحي على صفاته وأخلاقه، وهكذا تتعارف عليها الأمم وهي تحيا وتعتلج بالحياة، ~~وهكذا تضطرب بين الأكوان التي لا تحصرها الأوراق ms003 ، ولا تحدها الحروف، ولا تحتويها العقول، بل ~~تجيء العقول طارئا عليها، وضيفا في رحابها، وقد مضى عليها في مكانها أدهار بعد أدهار، ~~وأسماء بعد أسماء، ولغات بعد لغات. # الشيطان! # أي مجموعة من الأسفار تؤدي للضمير ما تؤديه هذه الكلمة بقارعة واحدة تنفذ من الآذان إلى ~~الأعماق. # وإلى اليوم يكتب الباحثون ألف مذهب ومذهب، ويلحقون بها ألف «لوجي ولوجي» على غرار ~~السيكولوجي، والبيولوجي، والميثولوجي، وغيرها من اللواحق في الأواخر على اختلاف الصيغ ~~واللغات. # إلى اليوم يفرقون بين الصفات والأخلاق بهذه المصطلحات، فلا يبلغون بها في الحس ولا في ~~الذهن ما بلغه المتكلمون بلغة الحياة ولغة الفطرة ولغة «الهيروغليفية» التي تسبق كل كتابة، ~~وتلحق بكل كتابة إلى آخر الزمان. # وقد سمعنا عن الصفات الإلهية، والصفات الملكية، والصفات الشيطانية، والصفات الإنسانية، ~~والصفات البهيمية، والصفات السبعية، فمن لم يفهم هذه العناوين بمدلولاتها الحية فما هو ~~بفاهم شيئا من فوارق الأخلاق يشرحها له ألف عالم، ويسجلها له ألف كتاب. # ولمن شاء أن يرفع هذه الكلمات ويضع في مواضعها كلمات الاصطلاح اللغوي أو الفلسفي من ~~قبيل الأخلاق المثالية، والأخلاق الاجتماعية، والأخلاق النفعية، وأخلاق التقدميين، وأخلاق ~~المحافظين، وما أشبه هذه الكلمات والمصطلحات؛ فإنه لا يحس منها إلا أنها بطاقات معلقة على ~~واجهات أو شواخص لا نبض فيها ولا دم ولا حراك. # ولكنه لأول وهلة يسمع الصفات الإلهية فيفهم أنها أعلى الصفات، ويحس أنه يرتفع بالاتجاه ~~إليها والرجاء فيها إلى أعلى عليين، ويستشرف لها بقلبه، ويتفتح لها بمغاليق سريرته، ويعرفها ~~حقيقة حية، ولا يكون قصاراه من معرفتها أنها مادة في معجم، أو عنوان على مذهب، أو إشارة ~~مرور إلى حيث يسير أو لا يسير. # ولأول وهلة يسمع الصفات الملكية أو صفات الملائكة فيفهم أنها الطيبة والطهارة، والحب ~~والسلامة، ويقابلها في الوقت نفسه بالحنين إليها؛ لسلامتها ووداعتها والعطف عليها؛ لخفاء ~~الشر عليها، واحتجاب أساليب الكيد والخداع عنها. # ولأول وهلة يسمع الصفات الإنسانية فيعرف منها ما يناقض البهيمية والسبعية، ويقابل الإلهية ~~والملكية، ويعرف في الوقت نفسه أن الإنسان قابل للطموح ms004 إلى ما يعلو عليه، والهبوط إلى ما ~~ينحدر دونه من صفات الكائنات جمعاء. # ولأول وهلة يسمع الصفات الشيطانية فيفهم أنه في موقف احتراس وحذر، وإن لم يخل من تطلع في ~~أحيان، ومن إعجاب في أحيان أخرى، ولا يضطر إلى مراجعة اللغة أو مراجعة الحكمة ليفهم ما ~~يحذره من الشيطان، وما يستقبله منه بالفكر أو الوجدان؛ فإن هذه الكلمة تقع في موقعها عنده ~~كأنها نقلت إليه الشيء نفسه محسوسا ملموسا، معقولا مدروسا، ولم تنقله منه بإشارة أو ~~عنوان. # وقس على ذلك ما يفهمه من كلمات الصفات البهيمية أو الصفات السبعية، فإنها كذلك تنقل إليه ~~أشياء وأحياء، ولا تنقل إليه حروفا وكلمات. # إن خالق الكون لم يرد بإعطاء الناس حياتهم أن يعطيهم قاموسا أو موسوعة من العناوين ~~والمصطلحات، ففي وسعهم هم أن يعطوا أنفسهم هذه القواميس، وقد أعطوا أنفسهم هذه القواميس ~~فعلا، فإذا هي أكثر الأشياء اختلافا بين قبيل وقبيل، وبين أمة وأمة، وإذا هي برج بابل ~~يمتد على كرة الأرض ولا يزال أبدا في حاجة إلى ترجمان. # ولو كانت هذه المدلولات في اللغات هي الحقائق المقصودة لما كان للمدلول الواحد ألف كلمة ~~في كل لسان. # ولكن هذا النوع الإنساني تلقى وجوده من خالقه حياة تجيش في ضمائره وفيما حوله بالحقائق ~~الحية كائنا ما كانت أصداؤها في عالم الحروف والرموز والإشارات والكلمات والطلاسم، أو في ~~«الهيروغليفية الكونية» على الإجمال. # ومن شاء فليبادل إن كانت له الجرأة! # من شاء واستطاع فليعد بالإنسان إلى أوله لينتزع من ذاكرته ووجدانه كل ما أحسه وتعلمه من ~~كلمة الشيطان، أو كلمة الملك، أو كلمة الخطيئة، أو كلمة العصيان، وليضع في مكانها ما يقترحه ~~في تصريف اللغة ومصطلحاتها مفسرة ميسرة، محكمة مقسمة، ولينظر ماذا صنع بالإنسان فيما مضى، ~~وما يصنع به فيما بعد، فإنه قاتله وملقيه في مقبرة من قاموسه الجليل. # من كانت له الجرأة، وكانت لديه القدرة، فليبادل ولينظر فرق ما بين كلماته ومصطلحاته ~~ومدلولاته، وبين هذه «الهيروغليفية» الكونية التي هي الكلام، وهي متكلموه، وهي المحسون به ms005 ~~وفاهموه. # وليقف خاشعا مستعيذا «بالشيطان» من الغرور. # وليرجع في أمان هذه «المعوذة» إلى تاريخ الشيطان؛ ليعلم منه تاريخ الأخلاق الحية وتاريخ ~~الإنسانية الخالدة. # فإذا كان لا يدرك تاريخ الأخلاق الإنسانية حقا وصدقا إلا من تاريخ الشيطان، فلا ينكرن ~~هذا الاسم، ولا ينكرن وجوده من باب أولى. # إنه وجود أرسخ من وجود الإنسان. # ومن لم يكن في وسعه أن يدرك ما وراء هذه الحقيقة، فأحرى به ألا يتطفل على الوجود ~~والعدم، والحياة والموت، والحق والباطل، والعلانية والخفاء، والظواهر والأسرار، فكل أولئك ~~له معناه الذي لا يدركه ولا يدريه. # وسنكتب فيما يلي تاريخ الشيطان؛ لنستخرج منه تاريخ الأخلاق الإنسانية كما تشخصت في ثنية ~~الحياة، ونركب عليها بعد ذلك ما يوافقها أو يلافقها من مصطلحات القاموس! # | الفصل الأول # قبل الشيطان # قبل شيوع صورة الشيطان كانت بديهة الإنسان تملأ العالم بأشتات لا تحصى من الأرواح ~~والأطياف. # وكان من هذه الأرواح والأطياف ما يخفى ولا يظهر لأحد، ومنها ما يخفى على أناس ويظهر ~~لآخرين بالرقى والعزائم، ومنها ما يتلبس أحيانا بالأجسام ويظهر لكل من لقيه في ~~مأواه. # ولم يكن الإنسان يقسم هذه الأرواح إلى ذات خير وذات شر؛ لأنه لم يميز بين الخير والشر ~~إلا بعد معرفته بصورة الشيطان كما تقدم. # وإنما كانت هذه الأرواح تنقسم عنده إلى أرواح مصادقة أو أرواح معادية، وإلى أرواح ~~نافعة أو أرواح ضارة، وإلى أرواح سهلة أو أرواح عصية، فلا فارق بينها عنده غير درجة ~~الصلح والعداوة، أو درجة الفائدة والأذى، وأما طبيعة الخير وطبيعة الشر فقد جاءت بعد ~~مراحل كثيرة في طريق الإيمان بالأرواح. # والاختلاف بين الشر والضرر بعيد. # فالشر لا يصدر منه خير بإرادته، ولكن الضرر قد يصيب أناسا ولا يصيب آخرين، وقد يأتي ~~من عمل ولا يأتي من عمل غيره، وقد يكون الضار بهذا نافعا لذاك، فليست هناك طبيعة تسوقه ~~إلى الشر في جميع الأحوال، بل هناك أحوال متعددة، وأعمال منوعة، وشأن الأرواح في ذلك ~~شأن الناس من حوله بين قوم من قبيلة وقوم من أعدائها ms006 ، أو بين قوم من خاصته في القبيلة، ~~وقوم ينفر منهم وينفرون منه لأسباب عارضة أو باقية لا ترجع إلى أصالة في الطباع. # وقد يصح تشبيه عالم الأرواح عنده بعالم الغاب أو عالم السباع والحيوان. # فالغاب فيها النمر والثعبان، وفيها البلبل والعصفور، ومن حيوانها ما يأمنه ولا يخشاه، ~~وقد يتألفه ويستخدمه في مصالحه ويشركه في مسكنه، وقد يكون عنده الكلب الأنيس، وفي ~~الخلاء الكلب المستوحش العقور، وقد يكون عنده الحصان الداجن، وفي الخلاء الحصان الجامح ~~الذي لا نفع منه ولا ضرر، وجملة الفوارق بينها مسألة أحوال وأحيان، أو أحوال رياضية ~~واستعصاء. # وهكذا كان عالم الأرواح في الهمجية الأولى: كان عالم فائدة وضرر، أو عالم هوادة ~~واستعصاء، أو عالم صداقة وعداوة، فأما عالم الخير الأصيل أو عالم الشر الأصيل فلا تتمثل ~~له صورة في بديهة الإنسان قبل انقسام الطبائع، وتباين الأقيسة والموازين بين الأعمال ~~والأخلاق. # ويدل على أصالة الإيمان بالأرواح في بديهة الإنسان أنها وجدت في كل سلالة بشرية من ~~السلالات التي نشأت في القارات المتقاربة، فتعلم بعضها من بعض في مسائل الدنيا والدين، ~~أو من السلالات التي وجدت في الأمريكتين منعزلة منذ أدهار لا تعرف لها بداءة، فهي لم ~~تتعلم تلك العقائد من غيرها، ولم ترجع بها إلى مصدر معروف في العالم القديم. # ووجدت هذه العقيدة على أكثرها في الجزر الأسترالية المتباعدة، كما وجدت عند حوض ~~الأمازون في أمريكا الجنوبية، أو وجدت في أفريقية الجنوبية أو الشرقية التي يقال إنها ~~مهد الجنس البشري قبل سائر القارات، ويقال مع ذلك إنها تلقت أفواج المهاجرين من الجنس ~~القفقازي قبل فجر التاريخ. # والمهم في هذا الشيوع أنه أصيل في البداهة الإنسانية، وأنه لم يكن من تدجيل الكهان ~~والسحرة كما يخطر لمن يسهل عليهم أن يفسروا كل شيء بالدجل والخداع. # ويكاد الشبه بين الأرواح في القارات المتباعدة أن يكون أقرب من الشبه بين الآدميين ~~أنفسهم في تلك القارات، فالكائن الروحي في الجزر الأسترالية أشبه بالكائن الروحي في ~~أمريكا الجنوبية من الأمريكيين الأصلاء والأستراليين الأصلاء، وليس ms007 بين روح وروح في ~~الأقطار المتنائية ذلك الاختلاف الذي يعتري الألوان والأشكال من فعل الجو والتربة ~~والماء والهواء، فإنك قد تنقل الأسترالي من الجزر إلى أمريكا الجنوبية فيشعر فيها ~~بالغربة، ويريبه من قومها ما يريبه من الغرباء، ولكنك إذا نقلت روحا من هناك إلى هنا ~~أو من هنا إلى هناك لم تجده على غرابة في عالم الأرواح، ولم تكن بينه وبين العالم الذي ~~انتقل إليه فجوة من الجنس واللون واللغة أبعد من الفجوة التي بينه وبين سائر الأرواح في ~~وطنه الأصيل، وإنها لظاهرة جديرة بالتنبه لها والتوقف عندها في علم المقارنة بين ~~الأديان؛ لأنها قد تفضي بنا إلى الوقوف على سليقة دينية شديدة التقارب بين الأجناس ~~والأقوام، وليس مصدرها من الخيال وحده؛ لأن مخلوقات الخيال وحده بعيدة الفوارق بين ~~أساطير الأمم في الإقليم الواحد، فضلا عن شتى الأقاليم. # وقد كتب الرحالون والبحاثون عن القبائل الفطرية التي وجدوها في القارات الخمس خلال ~~رحلاتهم إليها منذ أوائل القرن الثامن عشر، الذي نشأت فيه علوم المقابلة بين العقائد ~~والسلالات، فإذا قدرنا أنها تغيرت مع الزمن منذ النشأة الأولى قبل عشرات الألوف من ~~السنين، ورأينا بعد هذا التغيير مقدار التشابه بينها في العصر الحاضر، كان هذا التشابه ~~حقا أجدر شيء من الباحثين بالالتفات إليه؛ لأنه دليل على أن وحدة السليقة الدينية ~~أقرب جدا من وحدة القريحة والخيال؛ إذ ليست أساطير الفنون على درجة من التشابه تقارب ~~ذلك التشابه بين الأرواح والأطياف في الأديان والمعتقدات. # إن الدين أعمق في كيان الإنسان من الخيال الذي يولد الأساطير، ويخلق أشباح الفنون، ~~وقد يكون التقارب بين الأصلاء من الأفريقيين والأمريكيين والأوروبيين والأستراليين ~~ملحوظا في تقارب الأوصاف بين الأرواح والأطياف؛ حيث لا يلحظ التقارب بين المصنوعات ~~اليدوية نفسها من الأدوات وآنية الفخار، وهي المصنوعات التي تقاس بها طبقات العصور، ~~ويحسبها الكثيرون على مثال واحد في كل عصر من العصور الحجرية، أو عصور المرعى، أو ~~العصور النحاسية، ولكنها على كونها محسوسة يحكمها النظر واللمس، وتوحي بها المنفعة ~~والحاجة المتكررة، لم ms008 تبلغ من التقارب والتشابه ما قد بلغته ملامح الأرواح ~~والأطياف. # وقد تخصص لكل إقليم من أقاليم القارات رحالون مستقلون في دراساتهم للأحياء، وتنقيبهم ~~عن الآثار، فيكتب عن الجزر الأسترالية أناس غير الذين يكتبون عن القارة الأفريقية، ~~ويكتب عن سهوب آسيا الشمالية طائفة غير هؤلاء، فهم لا ينقلون بعضهم من بعض، ولا يرجع ~~بعضهم إلى بعض في تسجيل المشاهدات وإثبات الكشوف التاريخية، ولكنهم يعرفون المشابهة بين ~~العقائد حين يرجعون إلى المقارنة والمقابلة، ويستخلصون منها ما يستخلصون من وحدة ~~الأصول. # ولهذه المشابهات يقرأ القارئ عن «أرواح» إقليم من الأقاليم فلا يضيره كثيرا أن يخطئ ~~فيحسبها أرواح إقليم آخر؛ لأنها بمثابة النبات الذي يصح زرعه على طول السنة في جميع ~~الأرضين، فيزرع في هذا الموسم أو ذاك، وفي هذه البقعة أو تلك، بغير اختلاف كبير في ~~طريقة الفلاحة والحصاد. # يقول باريندر ~~“Parrinder” # في كتابه عن النحل ~~التقليدية في أفريقية: «إن الأرواح يمكن أن تتخذ مساكنها في كل شيء من أشياء الطبيعة؛ ~~على كل قمة، وفي ظل كل شجرة خضراء، وأن التلال والصخور البارزة أحرى أن تكون مأوى ~~للأرواح القوية ... # إلى أن يقول: وفي الآجام المتشابكة العميقة تسكن الأرواح والأطياف ذوات الخطر والأذى ~~... وحيوانات الغاب - أو سكان الأرض - كثير منها حرام على هذه القبيلة أو تلك ... فإذا قتل ~~أحدها وجبت الترضية له، أو يظل في مطاردة القاتل طيفا لا يفر منه.» # ويقول شارل واجلي ~~“Wagley” # في كتابه عن «بلدة ~~الأمازون» من أمريكا الجنوبية: «إن بعض القردة تخاف في أعماق الغاب، وتحسب قردة الجريبة ~~“Guariba” # آفة سحرية وبيلة، وبعضها له قدرة على ~~اختلاس ظل الإنسان ... وأشهر أطياف الغاب وأرواحها الكاروبيرا التي تشبه إنسانا قزما، ~~ويقال إن أقدامها ملتفتة إلى ورائها، وهي تعيش في أعماق الغاب، ومنها تسمع صرخاتها ~~الطويلة المزعجة، ويقال إنها مغرمة بشراب الروم والتدخين ... # ثم يقول: وطيف آخر من الأطياف الخطرة يدعى «مات تابريرا» يظهر في المدن ولا يظهر ~~كالأطياف الأخرى في الغابات والأنهار ... وأصل الاعتقاد فيه على ما يظهر منقول من الديار ms009 ~~الأوروبية.» # ويتكلم مالنوسكي ~~“Malinowsky” ~~، علامة الدراسات ~~الإنسانية، عن الجزر الأسترالية فيروي قصة الروح التي تسمى عندهم «بلوما»، وتذهب ~~بعد مفارقة الجسد إلى جزيرة أخرى كأنها العالم الآخر. وهم يعتقدون أن الأشياء لها أرواح ~~تنتقل منها إلى حيث تسكن أرواح الموتى، فيزينون جسد الميت بكل ما كان يزدان به في ~~الحياة؛ ليجرد منه روحه ويبقى بقيته المحسوسة. وقد يظهر للميت طيف يسمى «كوسى» يخاف ~~لقاؤه، ولكنه يداعب الناس ولا يبالغ في إيذائهم، وحيثما سمع صياحه وجبت له الترضية ~~والمبالاة. # وقد يخشى القوم هناك أطيافا أخرى لها علاقة بأرواح الموتى يتخيلونها دائما في صورة ~~العجائز القباح، وقد يشيرون إلى عجوز حية معروفة فيقولون عنها: إنها قد أصبحت واحدة من ~~تلك الأطياف ذات العلاقة بالموتى، وإنها تعاشرهم بقوة السحر وحيل التعاويذ. # وأفضل المراجع التي يعتمد عليها في فهم العقائد البدائية تلك الرحلات التي يكتبها ~~طائفة من العلماء عاشوا بين القبائل، واختلطوا بها في جميع أطوار معيشتها، فعرفوا ~~عاداتها بالمعاشرة على فطرتها، ولم يعرفوها بالسؤال والتحقيق على منوال الرحالين الذين ~~يذهبون إليها لدراسة علم الأناس، أو تطبيقه عليها. # ومن هؤلاء العلماء الذين عاشوا زمنا بين القبائل في أفريقية الوسطى الطبيب المشهور ~~«ألبيرت شويتزر»، صاحب جائزة نوبل منذ خمس سنوات، ويؤخذ من مذكراته أن أخوف المحظورات ~~عندها هي التي ترتبط بأهم المراحل في حياة الإنسان؛ وهي: الولادة والمراهقة والموت، ~~فقبل الولادة تطيف الأرواح بالأب وتلقنه في الرؤيا أو الإيحاء أسماء الأشياء التي ينبغي ~~للوليد أن يتجنبها في حياته، وإلا أصابه الأذى من الأرواح المطيفة بالمكان، وعند ~~المراهقة يحاط الصبية بالمراسم والعبادات التي تفرضها كل بيئة على حسبها. وأشق ما عاناه ~~الطبيب من عادات القوم حذرهم من مقاربة أجساد الموتى، وهو محتاج في مستشفاه على الدوام ~~إلى حمل هذه الأجساد ومواراتها. # ويؤخذ من مشاهدات هذا الطبيب في جواره أن المحظورات خاصة وعامة، فمنها ما يحرم على ~~إنسان واحد ولا يحرم على غيره، حسبما جاءه الوحي من أبيه أو كاهنه، ومنها ما يعم ~~القبيلة جميعا ولا يستثنى ms010 فيه أحد منها، ويقول الطبيب: إن بعض المنذورين لهذه ~~المحرمات قد يأتي شفاؤهم من الوهم الذي غلب عليهم بعد إنذارهم بتحريم بعض المطاعم، ~~واجتناب بعض الأدوات، فاجترءوا على مخالفة المحظور وسلموا من العاقبة، ولكنهم تخلصوا من ~~عقيدة بعيدة، ورسخ في أخلادهم أن الروح الذي أطلقهم من عقال المحظور أقوى من الروح الذي ~~حظره عليهم، فهو لا يستطيع أن يتعقبهم بالأذى وإن خالفوه جهرة؛ لأنهم دخلوا في حماية ~~روح آخر أقوى وأعظم وأحرى بالمبالاة والاتباع. # وقد دخلت هذه الأرواح والمحظورات في حساب السياسة كما دخلت في حساب العلم، فقررت ~~اللجنة البرلمانية التي أوفدتها الحكومة إلى أفريقية الشرقية لتحقيق أسباب الثورة فيها: ~~أن «دراسة النفسية» التي تنطوي عليها عبادات جماعة الماو ضرورية لاستقصاء أسباب السخط ~~وعوامل الثورة، وعقب الأستاذ ماكس جلكمان ~~“Gluckman” # على هذا التقرير بفصل مجمل عن أصول العقيدة بين القبائل، فروى عنها أنها تؤمن بإله عظيم ~~خلق العالم ثم تنحى عنه، وأنه سمع من أناس في قبيلة الباروتس ~~“Barotse” # على نهر الزمبيزي الأعلى أن الإله تخلى ~~عن الأرض، ولاذ بالسماء حيرة من كيد الناس وشطارتهم وأفانين احتيالهم، ولم يبق لهذا ~~الإله الآن من عمل يستطيعه مع البشر غير مجرد العلم بأخبارهم، فهم يقولون كلما سألتهم ~~عن مكان بعيد: إن الإله نيامبي ~~“Nyambe” # أعلم وأدرى، ~~ويدعي زعماء القبيلة أنهم ينتمون إلى هذا الإله من ذريته التي ولدتها له بنته قبل أحد ~~عشر جيلا، فملكت على القوم في مكانه، وهذا سر من أسرار الطاعة للزعماء، والثورة على ~~الأجانب والمستعمرين. ~~••• # ويرى جلكمان أن المراسم والشعائر حلت بين القبائل الأفريقية محل الصلوات المكتوبة ~~والفرائض المسجلة؛ لانعدام الكتابة في تلك القبائل، فكل علاقة لها شعائرها ومراسمها، ~~وكل حركة تتحركها القبيلة كلها أو بعض أفرادها طلبا للصيد، أو انتجاعا للمرعى، أو ~~زحفا للغارة على عدوها تتطلب منها الزلفى إلى بعض الأرواح، والحذر من بعض الأرواح ~~الأخرى، وتلجئها إلى اتخاذ المراسم والشعائر المتوارثة في أجدادها. # وكل ما يصيب الإنسان فهو من كيد روح، أو دسيسة ساحر، أو ms011 من عالم «وراء الطبيعة» على ~~الإجمال؛ فإذا وطئ فيل إنسانا فقتله، فالأفريقي يفهم أن قوة الفيل أكبر من قوة الإنسان ~~ولهذا استطاع قتله، ولكنه يسأل بعد ذلك: لماذا كان هذا الإنسان هو المقتول ولم يكن ~~إنسانا غيره؟ أليس هناك سر يرجع إلى تدبير ساحر، أو نقمة روح غاضب، أو مشيئة كائن مما ~~وراء الطبيعة؟ وهكذا تلتقي الأسباب الطبيعية المعروفة بالأسباب المجهولة مما وراء ~~الطبيعة، ولا يحس الإنسان السلامة من الكائنات المحجوبة بحال من الأحوال. # وقد تزول العقائد بانقضاء الزمن عليها، ولا يزول السحر وأسالبيه الموافقة والمضادة ~~التي تلجئ الأفريقي من ساحر إلى ساحر؛ ليبطل رقيته، ويفسد مكيدته، فلا ملاذ عندهم من ~~السحر إلا إلى سحر مثله أو أشد منه، ولا تعليل عندهم لمصيبة يبتلون بها إلا أن تكون من ~~كراهية عدو يستعين بالسحرة، ويستمد قدرته على النكاية من الأرواح. # 1 ~~••• # وقد حاول الرحالون والباحثون في الأجناس البشرية أن يرجعوا بالاعتقاد في الأرواح إلى ~~مصدر مفهوم، فلم يتفقوا على مصدر واحد، ولم يصلوا إلى قول متفق عليه يصلح لتفسير كل ~~حالة، وتعليل كل عقيدة. # فمنهم من يرجع بعقيدة الأرواح إلى الأطياف التي يراها الهمجي في منامه، وإلى ~~الأحلام التي يرى فيها أنه انتقل إلى مكان بعيد وهو لم يبرح مرقده في بيته، فيخيل إليه ~~أن الأطياف تتحرك في الظلام، وتترك الأجساد إذا هدأت حركتها لتجول هنا وهناك حيث تشاء، ~~وأن الذي يحدث في حالة النوم يحدث في حالة الموت، فيسكن الجسد ويبلى، ويتحرك الروح الذي ~~فارقه بفراق الحياة. # ومنهم من يرجع بهذه العقيدة إلى طبيعة الاستحياء، أي إلى الطبيعة التي تخيل إلى ~~الهمجي أن الأشياء ذات حياة مثله، فيعاملها كما يعامل الأحياء، ويرضى عنها أو يغضب ~~عليها كالطفل الذي يضرب الأرض إذا صدمته حين يسقط عليها، أو يشعر بالراحة حين نضرب ~~الأرض أمامه ونعاقبها بجريرة سقوطه عليها، وإصابته من صدمتها. # وتتمكن هذه العقيدة في خيال الهمجي مع نقص اللغة، وخلطه بين الحقيقة والمجاز في ~~تعبيراتها، فإذا سمع أن الأرض ولدت عيون ms012 الماء، وأن أباها انحدر من سحاب السماء لم تزل ~~هذه الصورة تتجسم مع الزمن حتى تنشأ منها أسرة لها أب وأم وأبناء، ولها مشيئة يلقاها ~~بالتوسل والرجاء، أو بالسخط والإعراض. # ومنهم من يرجع بعقيدة الأرواح إلى عبادة الأسلاف بعد الموت، وقد يحدث أن يسمى ~~السلف باسم حيوان كالأسد أو النمر أو الثعلب أو النسر أو الصقر، فيحسب أبناؤه مع طول ~~الزمن أنهم تحدروا من ذلك الحيوان، ويجعلون له قداسة مرعية توجب عليهم أن يحرموا ~~قتله، وأن يتوقعوا الضرر والسقم إذا قتله أحد منهم أو من غيرهم ولم يأخذوا ~~بثأره. # ويكاد علماء الأجناس والعادات البشرية أن يجمعوا على إيمان القبائل الفطرية بإله واحد ~~أكبر من هذه الأرواح المتعددة، وأخفى منها في ظواهر الطبيعة. # وقد تقدم من كلام جلكمان أن القبائل في أفريقية الشرقية تؤمن بالإله نيامبي، الذي ~~ارتقى إلى السماء حيرة من كيد الناس وشطارتهم وأفانين احتيالهم، وهذه العقيدة على ~~الأرجح من بقايا عبادة الأسلاف التي يختلط فيها التاريخ بالخرافة، وأصلها على هذا الظن ~~متصل بوحدة القبائل في جدها الأعلى، فهو ربها جميعا حيثما اختلفت أربابها، وتعددت ~~الأرواح المسيطرة عليها، وقد جردوه من القدرة، وتركوا له صفة العلم والدراية كأنه الأب ~~الشيخ الذي اعتزل العمل والقتال فلا طاقة له بمنع العداوة بين ذريته من القبائل ~~المختلفة. # ولم ينفرد جلكمان بقصة هذا الإله الواحد الذي تشترك فيه القبائل المختلفة في أفريقية ~~الشرقية؛ فإن الرحالين جميعا متفقون على إيمان القبائل الأسترالية برب فوق الأرباب ~~يسمى «نانا»، أو يسمى بأبي الجميع ~~“All father” # على مثال نيامبي في القبائل الأفريقية. # ويتفق الرحالون كذلك على إيمان الأقزام الأفريقيين برب فوق الأرباب، تشترك فيه ~~القبائل وإن تعذر عليها الوفاق فيما بينها. ولم يجد علماء الأجناس قبيلة فطرية بلغت من ~~ارتقاء الإدراك أن تؤمن بالتوحيد على صورته المثلى، ولكنها تقترب من هذه الصورة كلما ~~ارتقت من فوضى العقيدة إلى مرتبة أعلى وأجمع من مراتب النظام. ~~••• # وليس الهمجي جبانا؛ فإن الجبن بين الأخطار المحدقة به أضر به من الشجاعة، ms013 وقد ~~عودته مواجهة السباع والحياة أن يواجهها علانية، وأن يصارعها وينصب لها الأحابيل، ~~ويستخدم السلاح المستطاع فيما يعييه أن يتغلب عليه بالمصارعة، ولكنه بين الأرواح ~~والأطياف أمام خطر مستور لا يدري من أين يأتيه، ولا تكون الغلبة عليه بقوة البدن ~~والسلاح، ولعله لا يريد أن يتغلب عليه؛ لأنه عنده في حكم الأب أو الرئيس المطاع، ~~ورياضته بالحيلة أولى من التصدي له بالأسلحة والفخاخ. # ولا بد من مواجهة تلك الأرواح والأطياف بما يكف غضبها، ويدفع أذاها، ويستجلب ~~رضاها. # ولا بد مما ليس منه بد في النهاية، فأما السكوت عنها فلا يطاق، وأما الصراع معها فلا ~~يجدي فيه البأس، ولا تصلح له الشجاعة، فكانت حيلة السحر هي الحيلة التي انتهى إليها، ~~ولم يكن له بد منها بحال. # وتخصص السحرة لرياضة هذه القوى التي لا ترضى بالأيدي والهراوات أو الحراب. # وظهرت البداهة الإنسانية في هذا التخصص كما تظهر عند الاضطرار إليها في توزيع جمع ~~الأعمال. # فلم يكن السحرة المتخصصون لرياضة الأرواح والأطياف أناسا ممتلئين بالحياة، صالحين ~~للكر والفر والصيد، واقتناء النسوة، وإنجاب الأولاد، بل كانوا على نقيض ذلك أمساخا ~~عزلتهم الحياة، أو انعزلوا بعد اليأس من مجاراتها في مطالبها، ولاح بينهم وبين عالم ~~الخفاء شبه مناسب يعقد بينهما العلاقات الغامضة، ويقرب لهما وسائل التفاهم، ويوقع في ~~النفوس أثرا واحدا من التوجس والتساؤل والريب فيما وراء الظواهر والمألوفات. # وقد شهد الدكتور شويتزر ~~“Schweitzer” # ترشيح بعض ~~السحرة، وقال في مذكراته الأفريقية: «إن الدميم السيئ لا مطمح له في الحصول على امرأة ~~يتزوجها، فإن كبراءه لا يشترون له امرأة لنفورهم منه، ويكون أبوه قد مات فيمتلئ ~~بالمرارة، ويتحول إلى السحر للانتقام من قومه.» # وقالت الدكتورة روث فلتون بنديكت ~~“Benedict” ~~: إن بعض ~~قبائل كليفورنيا من الهنود الحمر يتطلبون علم الغيب ممن يصابون بالصرع، ويتعرضون ~~للغيبوبة في بعض نوباته، وأنهم يفضلون النسوة المصروعات، ولكنهم لا يقصرون الكهانة ~~عليهن، وقد يكون الرجل المختار متأنثا بطبعه لا يصلح للزواج، ويلبس لباس النساء مدى الحياة. # 2 # ووصف الأب هنري كلوي ~~“Callawey” ms014 # برنامج إعداد الساحر ~~لوظيفته فقال: إنه قد يبدو في أول الأمر قويا سليما، ولكنه يهزل شيئا فشيئا، ويصبح ~~في عرف القوم «ناعما»، ويعنون بذلك أنه يصبح عرضة للانفعال والتأثر، ويصوم عن بعض ~~الأطعمة ويتأذى ببعضها، وتطرقه الأرواح والأطياف في منامه، ويهدده بعضها بالموت، ويقول ~~العرافون: إنه يوشك أن يملكه روح تتصرف به على حكم الأرواح، وفي هذه الحالة يصاب أهل ~~القرية بالأرق ويتساءلون عما أصابهم؛ لأن وصول الساحر إلى منزلة «الأنيانجا»، أي ~~الملهم المكشوف عنه الحجاب، حالة لا تمر في المكان بسلام. # 3 # ولا تنفصل وظيفة الكاهن ووظيفة الساحر في مبدأ الأمر، فالكاهن الذي يقوم بمراسم ~~العبادة، هو الساحر الذي يدفع أذى الأرواح والأطياف ويستجلب رضاها، ويسخرها في المآرب ~~التي يختارها، ثم ينفصلان شيئا فشيئا، فيصبح عمل الكاهن غير عمل الساحر، أو يجمع ~~الرجل الواحد بين الوظيفتين، ولكنهم يقصدونه لكهانته في أغراض معلومة، ويقصدونه لسحره ~~في غير تلك الأغراض. # والغالب أن السحر يراد لمصلحة خاصة أو لإلحاق الضرر ببعض الأعداء، ويعمد فيه الساحر ~~إلى الوسائل الخبيثة، ولا يكون عاما شامل النفع في جميع الأحوال، وتستخدم فيه أرواح ~~منقطعة للأذى والضرر تعودت أن تتآمر على النكاية والنقمة، وأن تستجيب لمن يؤدي لها ~~الأجر، ويتقدم لها بمراسم الشعوذة والأعمال الخفية. # ويلاحظ أن الكاهن قد يكون رئيسا للقوم وكاهنا يؤمهم في الصلاة والعبادة في وقت ~~واحد، ولكن الساحر لا يصل إلى هذه المكانة إلا أن يكون السحر عملا مضافا إلى الكهانة، ~~أو فرعا من فروعها التي لا ترتقي إلى مرتبة الصدارة. # ويلاحظ كذلك أن السحرة مشوهون أو مصابون بالآفات، وأن أدوار النساء العجائز بينهم ~~شائعة غير مهملة، وكلهم بين رجال ونساء غير أهل لحياة القوة والصلابة والمتعة والظهور، ~~وكأنما السحر لديهم عوض عن نصيب مفقود. # وليست الكهانة على الجملة من هذا القبيل، فإن الكاهن قد يكون من أقدر الناس على الجد ~~والوجاهة والمتعة بالرغد والملذات. # ويسبق إلى الظن أن السحر والكهانة كلها خداع في خداع من تلفيق السحرة والكهان، ولكنه ~~ظن خاطئ غير ms015 معقول؛ لأن السحرة والكهان على اتصافهم بالذكاء والدهاء قد نشئوا بين أقوام ~~توارثوا العقائد، واحتفظوا بكثير من العادات التي توهموا أنها كانت نافعة لمن قبلهم ~~وأنها تنفعهم اليوم إذا أحاطوا بعلمها وحذقوا تجاربها، وربما لام الساحر نفسه إذا قصر ~~في بلوغ ما يطلبونه منه، واجتهد في علاج ذلك القصور بتكرار التجربة أو سؤال الأقدمين ~~الذين سبقوه في الصناعة، وهو بطبيعة عمله لا يستغني عن الخداع والتلبيس في معاملة قومه، ~~ولكنه لم يكن قط خادعا في كل شيء، ولا يزال خادعا مخدوعا في جوهر السحر كله، وهو ~~الإيمان بفعل الطلاسم وقوة الأرواح. # وكلما انفرجت المسافة بين وظيفة الدين ووظيفة السحر ترقى الإنسان الفطري من فوضى ~~الأرواح والأرباب، ونبذ التسوية بينها، وتعود التفرقة بينها فيما يطلبه منها؛ فمنها ~~ما يقصده للنفع كما يقصده جميع أبناء القبيلة، ومنها ما يقصده ليتواطأ معه على الإجرام ~~والنكاية كأنه بعض الشطار الذين يعيشون اليوم بتأجير أنفسهم للنكاية والعدوان. # ويحدث في هذا الطور من التمييز بين الأرواح والأطياف أن تعرف بأسماء، وتوسم بملامح، ~~وتتلبس «بشخصيات»، وتتخصص كل «شخصية» منها لرسالة تتجرد لها، وتقدر عليها حيث لا يقدر ~~سواها. # وفي هذا الطور أو هذه المرحلة يتهيأ الذهن للتمييز بين عمل الإله وعمل ~~الشيطان. # أنواع ودرجات في الحرام والمحظور # تكاد المحرمات في القبائل البدائية أن تربي على المباحات والمحللات؛ لأن المحرمات ~~تشمل القداسة والنجاسة والعصيان والاحتقار والاستقذار، فهناك أمور محرمة لأنها عظيمة ~~مبجلة، وأمور محرمة لأنها نجسة أو مشئومة، وأمور محرمة لأن إتيانها عصيان لرب معبود أو ~~روح قدير، وأمور محرمة لأنها تحتقر وتعاف. # وعدد هذه المحرمات في جملتها كثير يكاد يشمل كل عمل يزاوله الإنسان الفطري، بل ربما ~~كان المباح نفسه داخلا في التحريم على وجه من الوجوه؛ لأنه لا يباح إلا بصلوات وشعائر ~~يعرفها الخبراء، ولا تعم معرفتها كل أحد؛ كالصيد والزرع والحصاد وما شابهها من أعمال ~~الجماعة أو الفرد؛ فإن الخوف من الإقدام عليها بغير صلواتها ورسومها يجعلها في حساب ~~المحظورات. # وقد ترقى الإنسان وترقت معه ms016 اللغة، ولم تزل في تعبيراته آثار للتقابل بين القداسة ~~والنجاسة في الممنوعات، فكلمة الحرمة في اللغة العربية تدل على الشيء العزيز العظيم ~~الذي يصان ويحمى بالأرواح والأموال، وقد يشمل الحرام كل إثم يعاب أو يعاف. # وكلمة المنيع أو الممنوع تدل على القوة والرعاية، كما تدل على الرذيلة التي يجب على ~~المرء أن يمتنع عنها ولا يقترب منها. # وكلمة القديسين والقديسات كانت تطلق عند البابليين والكنعانيين على الذكور والإناث ~~الذين ينصبون أنفسهم للبغاء في حرم الربة «عشتروت» أو السارية، وقد ترجمت هذه الكلمة في ~~كتب العهد القديم بكلمة المأبونين والزانيات، وهي في الأصل من القديس أو المقدس، ويقال ~~عن الربة نفسها: إنها كانت خليلة الأرباب ولدت منهم سبعين إلها «إيليم». # وفي القبائل البدائية ثلاثة أنواع من المحرمات المقدسة؛ وهي: «الطوطم»، والوثن أو ~~التعويذة، والتابو أو الحرام الممنوع. # فالطوطم ~~“Totem” # هو الحيوان الذي تحرم القبيلة قتله ~~وصيده لاعتقادها أنها تناسلت منه، أو لأنها ترمز به إلى معبودها وأصل وجودها. # والوثن أو التعويذة - وهو الذي اصطلح علماء الأجناس على تسميته بالفتيش ~~“Fetish” ~~- شيء جامد مصنوع أو طبيعي يحمل في أطوائه ~~روحا لها حق الرعاية والتوقير، ومنها يستمد المرء حماية ومنعة ما دام على شرعتها في ~~المباحات والمحظورات. وقد يكون الوثن صورة أو حجرا أو حصاة أو قطعة من جذع شجرة، أو ~~ألفافا من الشعر وعروق الشجر وما إليها، يصنعها السحرة أو يصنعها الكبار ~~للصغار. # والمحظور التابي أقل درجة من الطواطم والأوثان؛ لأنه قد يتفرق ويتخصص فيكون حراما ~~عند بعض الناس حلالا لغيرهم في البيئة الواحدة، بل قد يكون مستحبا مطلوبا لمئات من ~~الناس ولا تحريم فيه على غير آحاد معدودين. وقد روى الدكتور شويتزر ضروبا من هذه ~~المحظورات لا مرجع لها غير التحكم من بعض الأرواح المزعومة التي تكشف عن إرادتها قبل ~~وضع الجنين، فتخبر أباه في الرؤيا باسم «التابو» الممنوع على الوليد. # فمن هذه المحظورات أكل بعض الطلح أو البذور، ومنها ضرب الوليد على ظهره، ومنها حمل ~~المكنسة أو بعض الآنية. ولا ms017 تكذب النبوءات في شأن «التابو»، بل يصدقها القوم كل التصديق ~~حتى لتقبل عقولهم أن الوليد يولد ذكرا ثم يتحول إلى أنثى إذا خولفت نبوءة أو علامة ~~مرصودة، ويفعل الوهم هنا فعله القاتل الذي لا تجدي فيه النصيحة ولا الإقناع، ففي ناحية ~~«سمكينا» رأى الطبيب صبيا في مدرسة البعثة أنبأه رفاقه أنه أكل من إناء طبخ فيه الطلح ~~قبل ذلك ولم يغسل، وكان الطلح محظورا على الصبي بنبوءة آبائه، فلم يكد الصبي يسمع ~~الخبر حتى تشنجت عضلاته ولزمه التشنج إلى أن مات بعد ساعات. # وتحيط هذه التابوات كثيرا بعلاقات الجنسين وبلوغ سن المراهقة في الذكور والإناث، ~~فيندر بين قبائل الأرض البدائية أن ترى قبيلة خلت من مراسم المراهقة ومحظوراتها ~~الكثيرة، فتعزل الفتاة ولا تكلم أحدا غير أمها، أو لا تكلمها إلا بصوت خفيض، ويؤخذ ~~الصبي بعيدا من بيته ليغسل في العيون المقدسة من روائح الأنوثة التي لصقت به من مصاحبة ~~أمه، ويجري له الكهان أو كبراء السن شعائر الفطام، ومنها في بعض قبائل الهنود الحمر أن ~~يفارق أمه زمنا، أو يدخل الكوخ وهي مستلقية على بابه فيطأ على بطنها علامة الانفصال في ~~موضع حمله حيث اختلط بجوف الأنثى وهو جنين. # وتدل الشعائر الموروثة منذ القدم على جهل مطبق بأسرار الجنس والولادة، وربما تبين من ~~تلك الشعائر أنهم ينوطون نسبة الابن إلى أبيه بالمراسم والشعائر، ولا يعتقدون أن مجرد ~~الاتصال بين ذكر وأنثى يحقق الولادة والنسبة إلى الآباء؛ ففي بعض القبائل يفرض العرف ~~على الرجل أن يقدم زوجته لضيفه الغريب، ولا يمنعه ذلك أن ينسب أبناءها جميعا إليه؛ ~~لأنه هو الذي جرت بينه وبينها مراسم الزواج. # ولا يعجبن أبناء هذا العصر من تلك الخرافات التي تحيط بالجنس ومراسم النسبة بين ~~الأبناء والآباء، ففي عصرنا هذا من يعتقد أن الولد من نسل الشيطان إذا ولد من غير ~~زواج مشروع. وقد صدرت المنشورات من رجال الدولة ورجال الدين بعد كشف أمريكا الجنوبية ~~وشيوع الأمراض الزهرية في العائدين منها، فكان فحواها جميعا أنها عقوبة على ms018 خطايا ~~الشيطان. ولما انتشرت عدواه بين المتزوجين والمتزوجات في أواخر القرن الخامس عشر؛ ~~أصدر الإمبراطور مكسميليان منشورا ندد فيه بالحضارة، وأنذرهم بالتوبة أو تدوم هذه ~~الضربة السماوية عقوبة لهم على العصيان. # 4 ~~••• # وتتفق جميع المحرمات البدائية على تفنيد مذهب المؤرخين الذين يقولون عن الديانات ~~ومحرماتها ومباحاتها إنها حيطة اجتماعية، تهتدي إليها بديهة المجتمع لمنع الجرائم ~~ومعاقبة المجرمين، وحماية الأبرياء من عدوان المجرم والإجرام؛ فكل هذه المحرمات إنما ~~ترجع إلى شيء واحد؛ وهو إغضاب رب أو روح، وتخطي الحدود التي تمنعها الأرباب أو الأرواح، ~~ولها كلها علاقة بعالم الخفايا والأسرار وما نسميه اليوم بعالم ما وراء المادة؛ لأنه لا ~~ينحصر في المحسوسات المادية. # وأما الجرائم وعقوباتها فهي أعمال مفهومة مقصودة ترجع إلى الأسباب الطبيعية التي يحيط ~~بها علم الإنسان كما تحيط بها إرادته، وهي تعالج بالقصاص المقدر وبالثأر والانتقام ~~وأداء الغرامة والدية، بل يستمد الثأر قوته أحيانا من عالم الروح، كما يقال عن روح ~~القتيل في قبائل الجاهلية العربية إنها لا تزال هائمة مقيدة بجانب القتيل تنادي ~~العابرين بها: «اسقوني اسقوني»، حتى يؤخذ بالثأر فتشعر بالري وتستريح، فليست المحرمات ~~الدينية هي التي تتوقف على مطالب القصاص وقوانين الجزاء، بل هذه المطالب هي التي تتوقف ~~أحيانا على عالم الأسرار والأرواح. # وقد ثبت من أطوار المحرمات في القبائل عامة أنها تتقدم مع تقدم الإنسان في ثلاثة ~~أدوار متشابهة. # فالطور الأول أن تترقى من الحدود المحلية إلى حدود عالمية أو كونية تشمل السماوات ~~والأرضين، فبعد الرب الذي يسيطر على ينبوع ماء، أو شجرة في غابة، أو بقعة في جهة من ~~جهات الإقليم، يترقى الإنسان إلى فهم الرب الذي يسيطر على السحب والأنهار وأفلاك ~~السماء، وكلما أدرك القوانين التي تربط الطبيعة بنظام واحد ترقى إدراكه لقدرة الرب الذي ~~يملك زمامها، ويصلي له المصلون لإجرائها في مجراها المطلوب، وتحويلها عن المجرى الذي ~~يحذرون عقباه. # ويقترن بهذا الطور، أو يأتي بعده، طور التمييز الواضح بين عمل الدين والعبادة، وعمل ~~السحر والطلاسم السحرية، فلا يستطيع الساحر ما يستطيعه ms019 الكاهن، ولا يقصد الكهان عامة ~~فيما يقصد فيه السحرة عامة، وربما تولى الوظيفتين رجل واحد، ولكنه وهو كاهن إنما ~~يتوسل إلى الآلهة ويتحرى رضاها بالصلوات التي يحسنها دون غيره، أما وهو ساحر فهو يسخر ~~الأرواح أو يعاملها على أساس التواطؤ والتعاون على العمل الكريه، الذي ينفر منه ~~المشتركون فيه ولا يجهرون بسره عن رضى واختيار. # وكلما اتضح التمييز بين العبادة والسحر اقترب الإنسان من الطور الآخر الذي يستقل فيه ~~بمشيئته بين الوظيفتين. # ففي الحياة البدائية يظل الإنسان رهينا بمشيئة الأرواح التي تنفع وتضر، وتنطوي على ~~الصداقة أو على العداء، وكلها في رأيه تعمل ما يحلو لها، ولا يحق لأحد أن يحاسبها عليه، ~~ولكنه كلما ترقى في التمييز بينها ملك الميزان الذي يزن به أعمالها وأقدارها، فيدين ~~بعضها ويحمد بعضها، ويعرف منها مرءوسين ورؤساء يحق لهم أن يشرفوا عليها ويحاسبوها على ~~أعمالها، وأحس في طويته أن يطيع بعضها ضرورة وغصبا، ويطيع بعضها حبا واختيارا؛ لأنه ~~أهل للطاعة والرجاء. # ومن هنا تصبح الأرواح نفسها مطيعة أو عاصية، وماضية على السنن القويم أو منحرفة عن ~~هذا السنن إلى الخطة العوجاء التي ينكرها كبار الأرباب. # ومتى أتيح للإنسان مقياس يقيس به الأرواح والأرباب، ويقيس به أعمالها وحقوقها، فهو ~~إذن أهل للمشيئة والتبعة، وأهل للتمييز بين الخير والشر، وبين سلطان الإله وسلطان ~~الشيطان. # أنواع الشيطنة # ما هي أنواع الشيطنة في العالم؟ # سؤال غريب، ولكنه يبدو طبيعيا، بل ضروريا إذا وضع في صيغة أخرى فسألنا: ما هو ~~موقف الشر بالنسبة إلى القوة الكونية الكبرى؟ # وهنا أيضا نتبين أن فكرة الشيطان أعمق جدا مما يخطر للمتعجل الذي يحسب أنه يحل كل ~~مشكلة بكلمة الوهم أو التلفيق، أو يحل كل مشكلة بإحالتها إلى جهل الأقدمين وضلالهم في ~~الحس والتفكير. # فهناك صور للشيطنة بمقدار ما في الذهن البشري من فكرة عن الشر في هذا الكون: هل الشر ~~قوة أصيلة؟ هل هو قوة إيجابية عاملة؟ هل هو قوة سلبية؟ هل هو عدم الخير؟ هل هو نقص ~~الخير؟ هل هو عقبة ms020 في طريق الخير؟ هل هو عقبة تريد وتعمل ما تريد؟ هل هو عقبة لا إرادة ~~لها، ولكنها تضاعف جهود الخير وتستدعيه إلى مزيد من الحركة والثبات؟ # كل فكرة عن الشر يمكن أن تخطر على الذهن البشري قد تمثلت في صورة من صور الشيطان، ~~وهذا سبب من الأسباب الكثيرة التي تدعو المفكر الذي يحترم عقله أن يفهم الصور الدينية ~~على حقيقتها، وحقيقتها أنها لغة حية تصور الوجود الحقيقي تصويرا صادقا على أسلوبها ~~الذي يستحق الفهم والتعمق، والنظر إلى ما وراء الظواهر والألفاظ. # كان الشر أرواحا ضارة متفرقة في اعتقاد الإنسان على الفطرة الهمجية، فلما أصبح مسألة ~~كونية عامة تمثلت صورته في حدودها الكونية على شكل معقول، وسبقت المذاهب الفلسفية ~~بمراحل بعيدة في هذا المضمار. # كان الشر في تقدير الديانة المجوسية القديمة قوة فعالة معادلة لقوة الخير: كان في ~~الوجود خير وشر كما فيه نهار وليل، وكان الليل حقيقة قائمة بذاتها، ولم يكن مجرد غياب ~~النهار. # كان الليل ضد النهار كما كان النهار ضد الليل، فإذا غاب النهار فهناك ليل، وإذا غاب ~~الليل فهناك نهار. # كان للنور دولة وللظلام دولة، وكان لهذه جنود ولتلك جنود، فهما قوتان متقابلتان ~~متعادلتان أو كالمتعادلتين، ولكل منهما وجود قائم قابل لأن ينفرد بنفسه في معزل من ~~القوة الأخرى؛ فلا يتوقف وجود الشر على وجود الخير، ولا يتوقف وجود الخير على وجود ~~الشر، بل كلاهما موجود بحقه وبقدرته وبعمله كما يوجد الضدان الصالحان للحياة ~~وللبقاء. # كان الظلام يصنع مخلوقاته كما كان للنور مخلوقاته التي يصنعها، وكل منها حسن في نظر ~~نفسه، محمود بمقياسه لا يبالي مقياس غيره ولا يتمناه. # ثم تراجحت الكفتان فرجحت كفة النور على كفة الظلام، وظل المعسكران متقابلين، ولكن إلى ~~حين ينتهي آخر الأمر بهزيمة الظلام وغلبة النور، ثم يبقى الظلام شيئا يلوذ به أنصاره ~~فيختفون فيه ولا يظهرون للأبصار، وإنما هزيمتهم اختفاء، وليست بالفناء ولا ~~بالزوال. # وعظم التفاوت بين القوتين شيئا فشيئا حتى أصبحت قوة الشر كقوة الأمير التابع مع ~~السلطان المتبوع، فهو ms021 يستطيع شيئا إلى جانب سلطانه، ولكنه لا يستطيع جميع الأشياء، ولا ~~طاقة له على طول المدى أن يجاريه في كل شيء. # ومن إلهين متعادلين تحول الخير والشر إلى إله كبير وإله صغير، وقد تظل الحرب بينهما ~~سجالا؛ فينتصر الإله الصغير وينهزم الإله الكبير، وقد يئول الأمر بينهما إلى معركة ~~حاسمة، أو يظل العراك بينهما سجالا إلى أن تزول الأرض والسماء. # ثم آمن الناس بإله واحد هو الخالق المبدع القائم بذاته، لا وجود معه للشر إلا بمشيئته ~~وتقديره، فلا يقوم الشر في هذه الدنيا بذاته مستقلا عن الله. # وفي هذه الصورة ظهر الشيطان في ديانات الأمم الكبرى، ثم ظهر في الديانات الكتابية ~~بمختلف الأسماء، وكلها تدل على التعطيل والتشويه والإفساد، ولا تدل على الخلق والتكوين ~~... كلها قوة سالبة ناقصة، وليست بقوة موجبة كاملة تبتدئ بمشيئتها عملا من ~~الأعمال. # هذه القوة الشيطانية تحول الخير عن موضعه، أو تملي للنقص في عيوبه، أو تقف في طريق ~~الكمال عقبة تصد الساعين إليه، أو تزيف «العملة» الإلهية فتجعل الزائف منها كالصحيح في ~~رأي المضلل المخدوع. # ولكنها في جميع أحوالها قوة سالبة، وليست بالقوة الموجبة الموجدة بأية حال. # وقد يتمرد الشر على الخير ويعصيه. # وقد يخرج الشيطان على أمر الله، وقد يشوه الخلق وينتقصه، ويستر محاسنه، ويبدي عوراته، ~~ويحول دون رضوان الله على مخلوقاته، ولكنه يعمل تابعا ولا يعمل مستقلا في كون من ~~الأكوان غير الكون الذي خلقه الله. # وفي هذه المراحل جميعا يدل اسم الشيطان على موقفه من القوة الكونية الكبرى، فهو ~~المتمرد، أو هو «الضد»، أو هو الواشي النمام، أو هو الساعي بالفتنة والمغري بالفساد ~~والموغر للصدور. # وما من اسم للشيطان بين هذه الأسماء إلا وهو يحمل في دلالته معنى الإفساد والمنع ~~والتشويه، فليست له قدرة على الخلق والإنشاء إلى جانب قدرة الله. ~~••• # ولما تقررت المقاييس الإلهية في الأخلاق والأعمال تقررت المقاييس الشيطانية تبعا لها ~~وبالنسبة إليها، فكان الجديد فيها أنها معالم شخصية ذات ملامح معلومة لا ترتسم اعتباطا ~~في الواقع أو في الخيال. ms022 # وقد عالج الشراح الدينيون أن يلخصوا «الشيطنة» في صفة واحدة تجمع عنصرها، ويقوم ~~بها كيانها، فذكروا الكبرياء، وذكروا العصيان، وذكروا الحسد، وذكروا الكراهية، وذكروا ~~الباطل والخداع. وكلها صفات لا تحسب من لوازم الشيطان إلا بعد علم بوجود الإله المتصرف ~~في المقادير والأكوان. # فالكبرياء افتئات على مقام الإله، والعصيان خروج على شريعته، والحسد إنكار لنعمته ~~واعتراض على تقديره، والكراهية صفة قد يتصف بها الأبرار حينا بعد حين إذا كانت ~~الكراهية لهذا العمل البغيض، أو لذلك المخلوق الذميم، ولكنها إذا كانت قوام الطبيعة ~~كلها فهي صفة هادمة غاشمة تناقض الصفة الإلهية في الصميم، وهي الحب ولوازمه من البر ~~والإنعام. أما الباطل والخداع فهما نقيض الحق ونقيض الاستقامة، ونقيض الخلق على الصدق ~~والسواء. # على أن الأرواح الأولى في جاهلية الإنسان قد تطورت في اتجاه آخر مع هذا الاتجاه في ~~مجال الخير والشر، وعالم النفس الإنسانية بما يعرض له من صلاح وفساد. # ذلك الاتجاه الآخر هو تطورها فيما يتعلق بقوى الطبيعة وظواهر السماوات ~~والأرضين. # فهنا أرواح من الجان الخفي لها عمل غير علاج النفس الإنسانية وفسادها، ولها قدرة ~~خاضعة لسلطان الإله ومن يصطفيه من عباده، وينسب إليها كل مجهود عظيم تقصر عنه طاقة ~~الإنسان. # وليست قدرتها هذه لأنها تعلمت ما لم يتعلمه الإنسان، ولا لأنها ذات عقول أكبر من عقله ~~وأصلح منه للفهم والتفكير. # ولكنها قدرة تأتيها من عالم الأسرار الذي تعيش فيه، فهي تسخر القوى الطبيعية لأنها ~~تعيش بين أسرارها، وتحسب منها أو في حكمها، وإذا فطنت للمعنى الدقيق الذي لم يفطن له ~~الإنسان، فإنما تأتي فطنتها كذلك من اطلاعها على الدقائق والخفايا، ونفاذها إلى العالم ~~الذي يطرقه حس الإنسان ولا يتسلل إليه عقله. # وهذه هي شياطين الفنون والصناعات، تبني الصروح، وترفع الصخور، وتنهض بالأثقال التي ~~تعيا بها كواهل الإنسان وتنوء تحتها أدواته وصناعاته، وتدخل في ثنايا الخفاء فتلهم ~~الشاعر ما يدق عن سائر بني آدم من غير الشعراء، ولا جرم يكون لهؤلاء الشعراء ~~وأمثالهم من أصحاب الفنون حال كمس الجان وغيبوبة المخبولين؛ ms023 لأنهم يخاطبون الجان ~~ويفقهون عنها، ويلحنون منها أسرار لغاها وإشارات وحيها. # وتلك هي أنواع الشيطنة من جانبيها: في اتجاه الضمير، وفي اتجاه الذهن ~~والقريحة. # في اتجاه الضمير ترتبط «الشيطنة» بالصلاح والفساد، والخير والشر، ومساعي الإنسان نحو ~~الكمال والرشاد. # وفي اتجاه الذهن والقريحة ترتبط «الشيطنة» بالأسرار والبواطن، وبالوحي الخفي وغرائب ~~العبارة، سواء كانت عبارة لغة أو عبارة شكل وإشارة. # وسيكون لكل نوع من هذه الأنواع نصيبه فيما يلي من الصفحات. # | الفصل الثاني # أسماء الشيطان الأكبر # تمثلت قوة الشر «العالمية» في شخصيات مرسومة الملامح، معروفة الأسماء، اشتهرت بها في ~~كل لغة من لغات الحضارة الكبرى التي سبقت ظهور الديانات الكتابية، وسنذكر هذه الشخصيات ~~بملامحها وأسمائها عند الكلام على أهم تلك الحضارات التي لها علاقة بصورة الشيطان كما ~~تخلفت في الأعصر الحديثة، ولكننا نتقدم قبل ذلك بخلاصة عاجلة لأسماء الشيطان الأكبر ~~التي بقيت إلى اليوم لورودها في الديانات الكتابية؛ ولأنها قد أصبحت ذات مدلول لغوي إلى ~~جانب مدلولها الديني، فإن حضور هذه الأسماء في الذهن يبرز معالم الطريق إلى الوجهة التي ~~انتهت إليها سوابق التاريخ ومقدراته، منذ ظهرت «شخصيات» الشيطان الأكبر في الحضارات ~~الغابرة، إلى أن ظهرت شخصيات هذا لشيطان في كل ديانة من الديانات الكتابية التي أسلفنا ~~أن اسم الشيطان فيها قد أصبحت له دلالته اللغوية إلى جانب دلالته الدينية. # واسم «الشيطان» بالألف واللام هو أشهر هذه الأسماء؛ لأنه ورد في كتب الديانات الثلاث، ~~ودخل في تعبيرات اللغات الأوروبية المتداولة بلفظه المنقول عن اللغات السامية، فيتحدث ~~الغربيون اليوم عن الفكرة الشيطانية أو عن العمل الشيطاني، ويفهمون من عباراتهم معنى ~~لا يلتبس على القائل ولا على المتكلم. ومعنى الصفة الشيطانية عندهم مرادف للصفة ~~الجهنمية التي تنطوي على الخبث والبراعة، وحب الأذى والتمتع بالإيذاء؛ كأنه منفس لطبيعة ~~صاحبها يفرج عنه ويسره أن يلمح آثاره وهو مستتر وراءه. # والرأي الغالب أن كلمة «الشيطان» هذه عبرية بمعنى الضد أو العدو، ومن أسباب الظن ~~باستعارتها من اللغة العبرية أنها لغة اليهود، وأن ديانة موسى عليه السلام سابقة ms024 ~~للمسيحية وللإسلام، ولكنه ظن يصدق في حالة واحدة، وهي أن يكون اليهود أصلاء في الكلام ~~عن الشيطان لم يسبقهم أحد من المشارقة إليه، إلا أنها حالة لم تثبت، وقد يكون الثابت ~~خلافها ونقيضها؛ فإن اليهود قد وصفوا الشيطان بعد هجرتهم إلى بابل، وليست طريق بابل ~~موصدة دون الأمم السامية غير اليهود. # والأرجح عندنا أن الكلمة أصيلة في اللغة العربية، قديمة فيها، لا يبعد أن تكون أقدم ~~من نظائرها في اللغة البابلية؛ لأن اللغة العربية قد اشتملت على كل جذر يمكن أن يتفرع ~~منه لفظ الشيطان، على أي احتمال وعلى كل تقدير. # ففيها مادة شط وشاط وشوط وشطن، وفي هذه المواد معاني البعد والضلال والتلهب ~~والاحتراق، وهي تستوعب أصول المعاني التي تفهم من كلمة الشيطان جميعها. # فالشطط من الغلو الذي يدخل في أخص عناصر «الشيطنة»، والشط بمعنى الجانب المقابل قد ~~تلحظ في مقابلة الخير بالشر من جانب الشيطان. # وشاط بمعنى احترق وتلف، وأشاطه بمعنى أهلكه وأتلفه، وانطلق شوطا أي ابتعد واندفع في ~~مجراه، وشطن أي ابتعد فهو شيطان على صيغة فيعال. # وقد كان العرب يسمون الثعبان الكبير بالشيطان، ويقال في بعض التفسيرات: إن هذا المعنى ~~هو المقصود من: # طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين ~~، وذكر الشراح اليهود المتأخرون أن الشيطان تمثل لآدم في صورة ~~الحية حين أغراه بأكل الثمرة المحرمة، ولم تنقطع العلاقة بين الحية والشيطان، ويؤخذ من ~~سفر أيوب عليه السلام - وهو عربي باتفاق المؤرخين - أن الشيطان كان معروفا بين العرب ~~من ذلك العهد الذي كان سابقا لعهد خروج بني إسرائيل من مصر، ويؤخذ من تاريخ الأدب ~~العربي في الجاهلية أن العرب قد عرفوا الشيطان في أدواره الفنية والأدبية مع السحرة ~~والشعراء، فليس هو مجرد اسم معرب نقلوه من لغة أخرى ولم يزيدوا على وضعه في موضعه من ~~المأثورات العبرية. # وأشهر أسماء الشيطان الأكبر في اللغة العربية هو اسم «إبليس» الذي يختلف اللغويون في ~~أصله، كما يختلفون في نسبة كلمة شيطان إلى إحدى اللغات السامية. # والمتكلم العربي يفهم من وصف إنسان من ms025 الناس بأنه «إبليس» كل ما يريده القائل من هذه ~~الصفة، فهي دالة في كلام الخاصة والعامة على الدس والفتنة والدهاء والسعي بالفساد، ولم ~~تحمل كلمة واحدة من دلالتها اللغوية أكثر مما حملته هذه الكلمة مستعارا من صفات إبليس ~~في العقيدة الإسلامية. # ويرى بعض الغربيين أن الكلمة في أصلها يونانية من كلمة ديابلوس ~~“Diabolos” # التي تفيد معنى الاعتراض والدخول بين ~~شيئين، كما تفيد معنى الوقيعة، وأصلها في اليونانية من ديا ~~“Dia” # بمعنى أثناء، وبالين ~~“Ballein” # بمعنى يقذف أو يلقي، ومعنى الكلمتين معا ~~قريب من معنى الاعتراض والدخول بين الشيئين، أو قريب من ثم إلى معنى الوقيعة. # وعندنا أن هذا التركيب أضعف من قول القائلين: إن كلمة ديفل ~~“Devil” ~~، أي الشيطان، في اللغات السكسونية مأخوذة ~~من فعل الشر ~~“Do-evil” ~~، أي من كلمة «دو» بمعنى يفعل، ~~وكلمة «إيفل» بمعنى الشر. وقد أجمع اللغويون والدينيون على نبذ هذا التركيب مع أنه أقرب ~~إلى صفة الشيطان من الصفة التي توحي بها الكلمتان اليونانيتان بعد التمحل ~~والاعتساف. # ولسنا على يقين من انقطاع الصلة بين الكلمة اليونانية والكلمة العربية، ولكننا على ~~يقين أن «شخصية» إبليس تحتاج بل تتوقف على الدلالة التي تستفيدها من مادة «الإبلاس»، أي ~~فقد الرجاء؛ فإن ضياع الأمل ألزم صفات إبليس على ألسنة الخاصة والعامة، وليس أشهر من ~~المثل الذي يضرب بأمل إبليس في الجنة مرادفا لمعنى الأمل الضائع كل الضياع. وقد فرق ~~هذا المعنى بين كلمة إبليس وكلمة الشيطان في ملامح الشخصية، فهذا قد ضيع الحق وهذا قد ~~ضيع الرجاء، وكذلك قد فرقت بينهما شروح الفقهاء، وفرقت بينهما الدلالة الملموحة بين ~~الشيطنة والإبلاس. # والغربيون اليوم يستخدمون الكلمة اليونانية في صيغة النعت، وقلما يستخدمونها في صيغة ~~العلم، فإذا قالوا عن شيء: إنه «ديابولي» أو إبليسي، فالمفهوم منه أنه عمل من أعمال ~~التمرد والجبروت، لا يلزم أنه سيئ كل السوء، وإنما يلزم أنه خلا من الصفات الإلهية، ~~أو الصفات «الرحمانية» على الخصوص، وكذلك توصف الثورات الجائحة التي تدمر الظلم وتنسف ~~معالم الطغيان، فهي من الجبروت ms026 بحيث توصف «بالديابولية»، ولكنها من العنف بحيث تخالف ~~الأعمال «الرحمانية» في الرفق والرضوان. ~~••• # ومن أسماء الشيطان التي دخلت في الدلالات اللغوية اسم لوسيفر ~~“Lucifer” # أو حامل النور، وهو في أصله اللاتيني اسم ~~الزهرة حين تكون «كوكب صباح»، ولم تكن له من مبدأ الأمر دلالة سيئة، ولكنه جاء في كلام ~~النبي أشعيا في معرض التبكيت لملك بابل الذي سمى نفسه بكوكب الصباح، وفهم الحواريون من ~~كلام السيد المسيح «أنه رأى الشيطان كنجم سقط من السماء» أن المقصود هو الزهرة، وأنه ~~كناية عن الخيلاء التي تقود صاحبها إلى السقوط، على أن سفر الرؤيا يذكر على لسان السيد ~~المسيح أنه تحدث عن نفسه فقال: «أنا كوكب الصبح المنير.» # وإذا وصف إنسان اليوم بأنه «لوسيفر»، فالمفهوم من هذا الوصف أنه يلمع ويتخايل ~~باللمعان، ويبلغ من العجب به حد السماجة والصفاقة، فهو الخطيئة الساطعة أو الخيلاء ~~المتبجحة، ومن كان كذلك فسقوطه أمل يود الناس أن يتحقق، ولا يشعرون له بالرثاء الذي ~~يصاحب المجد المنهار. # ويذكر الأوروبيون بعلزبوب وبعلزبول في مقام المتهكم بالرئاسة الشيطانية، وأصل بعلزبوب ~~أنه إله معبود في عقرون، يقال عنه: إنه رب الطب، وإنه يشفي المرضى؛ لأنه سيد الشياطين. ~~وكانت الأمراض العصبية كالجنون، والشلل، والفالج، والصرع، والهزال تنسب إلى تلبس ~~الشيطان بجسم المريض. # ومعنى بعل زبوب رب الذباب، فحوله العبريون إلى بعل زبول، أي رب الزبالة؛ سخرية منه ~~وتحقيرا لأمره ودعواه؛ لأنهم كانوا ينكرون عبادة البعل، ويدعون إلى عبادة «يهوا» أو ~~الإيل، وقد قالوا حين سمعوا بمعجزات السيد المسيح في شفاء المرضى: إنه يشفيهم بمعونة رب ~~الشياطين بعلزبول. # والدلالة اللغوية التي يفيدها وصف «بعلزبول» في أساليب العصر الحاضر هي الإقرار ~~بالقدرة على قمع الشر؛ لأنها مستمدة من الشر نفسه، فهي الشيطنة التي تقمع الشياطين ~~لزيادتها عليها في الشيطنة، لا لأنها تصلح أو تبتغي الإصلاح، وهي إلى ذلك لا ترتفع في ~~قدرتها عن قدر الزبالة والذباب. ~~••• # وهناك شيطنة خاصة تدل عليها كلمة مفستوفليس، ويقال إنها مأخوذة من كلمة يونانية مركبة ~~تفيد معنى كراهة النور، ms027 ويرجحون أنها من «مي» بمعنى لا، و«فوس» بمعنى نور، و«فيلوس» ~~بمعنى يحب، ولكن أصلها القديم متفق عليه، فهي مستمدة من السحر البابلي الذي سرى إلى ~~الغرب على أيدي اليهود واليونان، وتمثل روحا من أرواح النحس التي تتسلط على بعض ~~الكواكب، ويستعان بها على النكاية وخدمة الشهوات السوداء. # وشيطنة مفستوفليس «ذهنية» موسومة بعيوب الذهن في أسوأ حالاته من السخرية والاستخفاف، ~~والزراية بالمثل العليا، واستباحة كل شيء بالحيلة والمكر والدهان، فهو ذهن يصنع الشر ~~لأنه لا يبالي الشر والخير على السواء، وإذا طاب له الخير فعله غير مغتبط بفعله، كما ~~أنه يفعل الشر ولا يلوم نفسه عليه، ويسر صاحبه أن يرى خيبة الأمل في الصلاح والفضيلة؛ ~~لأنه يثبت بذلك فلسفة السخرية وسخافة المثل الأعلى، ويدفع عن نفسه نقد الناقدين واحتقار ~~المحتقرين. # وقد كان مفستوفليس في القرون الوسطى شيطان السحر والمعرفة السوداء، وكان رجال الدين ~~يتخذونه مثلا للعلماء الكفار الذين غرتهم المعرفة الدنيوية فانصرفوا إليها، وشغلوا ~~بها عن معارف الدين. # ويتردد من حين إلى حين اسم إله الخراب أو إله القفار «عزازيل». # وهو اسم ورد في العهد القديم، واختلف الشراح في نسبته إلى أصله، ويرى بعضهم أنه ~~من مادة الإزالة العربية، ويقول آخرون إنه كان رئيس الملائكة الذين هبطوا إلى الأرض ~~فأعجبهم «بنات الناس» وتزوجوا منهن، ثم انهزم أمام جند السماء فلاذ بالصحراء، ويقال ~~أيضا إن إبليس كان يسمى عزازيل، ثم سقط فزال مكانه من السماء. # وقد كان من عادة اليهود أن يقترعوا على ضحيتين تذبح إحداهما للرب «يهوا»، وترسل ~~الثانية محملة بالخطايا إلى عزازيل رب الأرض الخراب. وشيطنة اليوم في لغة المجاز مرادفة ~~لمعنى العظمة التي تحتفظ بحق التضحية لها، وحمل القرابين إليها، ولو كانت تساق إلى عرش ~~يستوي على مملكة الخراب. # وليس بين أسماء الشيطان الأكبر التي دخلت في مدلولات اللغة ما هو أشهر ولا أدل من هذه ~~الأسماء: الشيطان، وإبليس، ولوسيفر، وبعلزبول، ومفستوفليس، وعزازيل، فهي اليوم كلمات ~~وأعلام، وقد اجتمع لها من معاني الشيطنة كل ما نستقصيه فيما يلي متفرقا ms028 عن تواريخ ~~الأمم والديانات حول «قوة الشر الكبرى»، أو قوة الشر العالمية في موقفها أمام عوامل ~~الخير والكمال. # الشيطان في الحضارة المصرية # من أقدم الحضارات التي تمثلت فيها قوة الشر في صورة شخصية مميزة باسمها وملامحها ~~حضارة مصر القديمة. # فمن أقدم عصور المملكة القديمة عرف المصريون حساب الروح بعد الموت، وموازين الجزاء ~~على الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، وشروط البقاء التي تستوفيها الروح لتنعم بالحياة ~~الأبدية في العالم الآخر. ولم يكن العالم الآخر عندهم مؤجلا أو منتظرا في المستقبل ~~بعد خراب هذا العالم الدنيوي، ولكنه كان امتدادا للعالم الذي هم فيه - وهو الديار ~~المصرية - وهو كارثة طامة لم يكن من اليسير عليهم أن يتخيلوها ويتخيلوا عالما قائما ~~بعدها، وإنما كانوا يتخيلون مصر عالمين دائمين في كل وقت؛ أحدهما ظاهر يسكنه أحياؤهم، ~~والآخر باطن يسكنه موتاهم، فإذا حدث الخراب في الأرض فإنما هو عارض يجنيه الظلم على ~~الحاكمين والمحكومين، ثم يزول العارض وتعود البلاد سيرتها الأولى مع انتظام الحكم على ~~سنن العدل والإنصاف، وتأتي الحياة بعد الموت متصلة بالحياة على وجه الأرض، مستبقية ~~لمطالبها ومآكلها ومشاربها في ظل حكومة كحكومتها، أو هي في ظل حاكم خالد كان فعلا في ~~يوم من الأيام حاكم الأرض المصرية أثناء حياته الفانية. # وفي كل أمة من الأمم القديمة الكبرى يتناقل الكهان والشعب قصة عن نقمة الإله الأكبر ~~على الجنس البشري، وندمه على خلقهم، وتفكيره في إبادتهم عقابا لهم على ذنوبهم. وتختلف ~~هذه الذنوب باختلاف الأمم والكهانات؛ فهي تارة مسألة تقصير في الضحايا، وتارة مسألة ~~غيرة «إلهية» من المعرفة البشرية، وتارة أخرى مسألة فساد واشتغال باللذات إلى غير ذلك ~~مما سجلته قصص الخلق والعقاب في جميع الأساطير الأولى. # أما هذه القصة في الديانة المصرية، فهي قصة حاكم يغضب على المحكومين لأنهم ثاروا عليه ~~وهموا بخلعه؛ لأنهم استضعفوه، وظنوا أنه شاخ وهرم فلم تبق فيه بقية للقدرة على ولاية ~~الأمور. # وقد كتبت هذه القصة على جدران الحجرة الخاصة في هيكل سيتي الأول، الذي بني حوالي ~~سنة (1350) قبل الميلاد، ms029 وخلاصتها أن الإله الأكبر «رع» علم بتآمر البشر على العصيان، ~~فعقد مجلس الآلهة وشاورهم في أمر هذه الفتنة، فاستقر الرأي على إبادة العصاة، وأرسل ~~الإله الأكبر عينه عليهم، فألفاهم قد هجروا الديار ولاذوا بالجبال، وتعقبهم جنوده ~~فأثخنوا فيهم القتل حتى فاضت الأرض بالدماء، وبقيت منهم بقايا تتوارى هنا وهناك من ~~زبانيته، فحزن «رع» لأنه أحس حقا بالعجز عن إبادة العصاة أجمعين، وطفق بعض الأرباب ~~يواسونه ويقولون له: إن مشيئته وقدرته سواء، فكل ما يشاء فهو قادر عليه. # وتتم القصة على صورة أقرب إلى الرفق والمسامحة، فيقال في ختامها: إن «رع» سئم الكنود ~~من رعاياه، فأجمع نيته على الاعتزال والإقامة في السماء، فندم الناس على كنودهم ~~وعصيانهم، وتابوا إليه؛ فلم يعدل الإله الأكبر عن نيته، ولكنه أمر إله الحكمة «توت» أن ~~يلقن الناس أسرار الحكمة وتعاويذ الوقاية من الآفات، ومنها الهوام والثعابين، وأن يهدي ~~بها إلى السلامة من هو أهل للهداية. # وتروى قصة النقمة من البشر على روايات شتى يكثر فيها التناقض على ما هو مألوف في ~~الأساطير الأولى، فأشدها وأصرمها هذه القصة التي نقشت على هيكل ملك يهمه أن يبالغ في ~~بطش الأرباب ومصير العصاة، وأقربها إلى الرفق تلك الروايات التي تقول: إن الأرباب ~~راجعوا الإله الأكبر، وراح بعضهم يمزج الجعة بالأصباغ الحمراء ليحكي بها لون الدم، ~~ويزعم للأرباب الساخطين أنه قد أريق منه ما يكفي للزجر والعقاب. # وكانت فكرة المصريين الأقدمين عن قوة الشر أو قوة الإله الشرير موروثة من أقدم ~~العهود، تتسم كما يتسم كل شيء في مصر القديمة بالمحافظة الشديدة، واستبقاء الكثير من ~~مخلفات كل عصر سابق، وكل عقيدة مهجورة، فيكثر فيها الاختلاف والتناقض على حسب الحواشي ~~والإضافات التي تلصق بها من كل حقبة مرت بها في طريقها البعيد. # ففي صورة إله الشر بقية من عبادة الأسلاف، وبقية من امتزاج السحر بالعبادة، وبقية من ~~عبادة الشمس، وبقية من تعدد الآلهة بين مصر السفلى ومصر العليا، وفيها مع ذلك أثارات ~~تدل على أنها في جملتها معلومات تاريخية واقعة ms030 عرض لها التشويه، وانطوت في عداد ~~المجهولات التي يستدل عليها بالتخمين والترجيح. # ومهما يكن من خلاف في العقائد المصرية العريقة، فالقاعدة المطردة في تمحيص لبابها ~~أنها مشتملة ولا بد على شيء يتعلق بكيان الأسرة، وشيء يتعلق بكيان الدولة، وشيء يقوم ~~على الشريعة والعرف الاجتماعي، أو على ما نسميه اليوم بالنظام. # وعلى هذه الصورة تتمثل قوة الشر كما خلصت من الروايات المتعددة على طول الزمن، فهو ~~صورة الأخ الشرير، والحاكم المغتصب، والمفسد الذي يعيث في الأرض ويخرج على العرف ~~والعادة. وهذه هي صورة الإله «ست» إله الظلام في عقيدة الشعب المصري على الأقل؛ لأن ~~عقائد الكهنة كانت تخالف العقائد الشعبية في تفصيلاتها، إن لم تخالفها أحيانا في ~~الجملة والتفصيل. # وقد مضى زمن كان فيه «ست» معدودا من آلهة الحق والاستقامة، وكان الإله الموسوم بالشر ~~هو «أبيب»، الذي كانوا يرسمونه في صورة حية ملتوية تحمل في كل طية من جسمها مدية ~~ماضية، وتكمن للشمس بعد المغيب؛ فلا يزال إله الشمس «رع» في حرب معها ومع شياطينها ~~السوداء والحمراء إلى أن يهزمها قبيل الصباح فيعود إلى الشروق. وقد خصص الجزء التاسع ~~والثلاثون من كتاب الموتى لوصف القتال بين الإلهين إله الشمس وإله الليل، أو إله النور ~~وإله الظلام. # وربما كانت القضية كلها في أوائلها المنسية قضية النزاع على العرش بين أخوين هما: ~~أوزيريس وست، وبقي لكل منهما حزب يعظمه وينتصر له، حتى تغلب الحزب الظافر كل الغلبة ~~فتضاءل أنصار الفريق المغلوب، وشاعت عنه أنباء الشر والتهمة، وانتهى بتمثيله في صورة ~~«أبيب» إله الظلام، وتمثيل أخيه في صورة «رع» إله النور. # ولا يبعد أن يكون في الأمر خيانة زوجية أو شبهة من قبيلها؛ لأن أسطورة أوزيريس تروي ~~أن الإله «رع» فاجأ الملكة «نوت» زوجته وهي في عناق «سب»، فلعنها ولعن ذريتها، وأقسم لا ~~تلدن في يوم من أيام السنة، فلجأت إلى الساحر الأكبر «توت»، الذي كان مشهورا بعلم ~~السماء وتسخير الأرواح العلوية والسفلية، فاخترع أيام النسيء الخمسة لتضاف إلى السنة، ~~واستطاعت نوت أن تلد ms031 ولديها التوءمين أوزيريس وست في اليوم الثالث من هذه الأيام، وهي ~~غير محسوبة من أيام السنة التي يطلعها «رع» بعلمه كلما عاد من الظلام، فخرج الولدان وفي ~~أحدهما أو كليهما طبيعة الظلمة، أو طبيعة النور المختلس بغير علم من إله النور. # أما الرواية التي استقرت عليها قصة أوزيريس، فهي أن الأخوين تنافسا، فخدع «ست» أخاه ~~وصنع صندوقا أغراه بالنزول فيه ليقيسه على جسده، ثم قتله ومزقه وألقى أشلاءه في النيل، ~~فجمعتها إيزيس - زوجة أوزيريس - بمعونة الساحر توت، وبوأته عرش المغرب، فهو من ثم ~~رمز للشمس في حالة الغروب. # وهناك رواية أخرى لعلها هي الأرجح والأقدم في التاريخ، وخلاصتها أن «ست» لم يقتل ~~أوزيريس، ولكنه نازع ابنه «حوريس»، فتغلب عليه هذا وخصاه ليحرمه ويقطعه عن الملك في ~~حياته وبعد حياته، ولم يكن للإله المغلوب من مكان يعبد فيه غير أقصى الجنوب في مكان ~~«كوم امبو» اليوم حيث كان معبد التمساح. # ومما يرجح أن القضية في أوائلها المنسية كانت قضية نزاع على الملك، أن اسم «ست» محي ~~من الهياكل بعد زمن، وأن أتباعه لاذوا بالجنوب، حيث يلوذ كل حاكم منهزم في عاصمة ~~المملكة الشمالية، وأن ملوك الرعاة أعادوا ل «ست» كرامته حين أرادوا أن يحاربوا السلطان ~~القائم، فبنوا له هيكلا في مصر السفلى، وأوجبوا عبادته هناك. # وقد استعيرت صفات «ست» من صفات أوزيريس على التناقض والتقابل بين الطرفين، فكان من ~~صفات أوزيريس «أنه ملك الخلود، وسيد الباقيات، وأمير الأرباب والناس، وإله الآلهة، وملك ~~الملوك، وسيد العالم الذي لا يفنى سلطانه». # أما صفات «ست» فهي نقيض الخلود والسيادة على الأرباب والناس، فلا سيادة له على غير ~~الأرواح الخبيثة والأحياء الدنيا؛ ومن ثم يصورونه برأس حيوان مجهول، لا يراد به ~~تمثيل حيوان معين، ولكنه يمثل الحيوانية في صورتها المبهمة، ويجعلون له أذنين منتفضتين ~~كناية عن الإسراع إلى استطلاع الشر، وذنبا شائلا كناية عن الحران والأشر، ويعودون ~~عليه باللائمة كلما أصيبت الدولة بالهزيمة، أو أغار على البلاد مغير مغتصب؛ لأنهم ~~شخصوا فيه عوامل التمرد والانتقاض، ms032 فربما كان هذا من أسباب حظوته عند ملوك الرعاة، ~~فاعتبروه عونا لهم وخصما للسلطان الزائل الذي أغاروا عليه، وأحبوا أن يتقربوا إلى ~~عباده في الجنوب تمهيدا لضم الأقاليم جميعا في مصر العليا إلى دولتهم التي استقرت ~~بمصر السفلى زمنا، وتوقفت عندها جهودهم قبل إجلائهم آخر المطاف عن الجنوب ~~والشمال. # ومن أصالة الصبغة الحكومية أو صبغة الحكم والتحكيم في أقدم المأثورات المصرية، أن ~~الأساطير العريقة في القدم تروي لنا من أخبار خصومة ست وأوزيريس، أن «ست» اتهم أخاه ~~بالجور عليه، فوكلت الأرباب قضيتهما إلى أمينها الخاص الذي يعرف أسرارها، ويحفظ حكمتها، ~~ويؤتمن على قضاياها - وهو الإله توت - فتبين له صدق أوزيريس وكذب ست، وخرج هذا مدينا ~~بالذنب والشر من زمرة السماء، فما برح كل مصري في الزمن القديم يتقرب إلى إله الحكمة، ~~عسى أن يتولى الدفاع عنه بعد الموت، وينصفه في قضيته كما أنصف أوزيريس من أخيه المفتري ~~عليه. # وقد شغل «ست» وظيفة ضرورية في عهود الأزمات التي تنهزم فيها الدولة، وتنضب الثروة، ~~ويختل نظام الحكم، وتضطرب مرافق المعيشة، فقد كان «ست» يبوء وحده بجريرة ذلك كله، وكانت ~~عليه وحده تبعة كل آفة لا يستطاع دفعها، ومن هذه الآفات: ريح السموم، وعوارض الجفاف ~~والقحط، وأوبئة المرض، وسائر الأمراض التي كانت تنسب من قديم الزمن إلى الجان ~~والعفاريت، وقد كانت عليه التبعة أيضا في بقاء السحر الخبيث؛ لأنه كان على علم واسع ~~بفنونه، ولم يكن في وسع الكهان والسحرة أن يعالجوا شروره، ويبرئوا المرضى من آفاته بغير ~~وسائله وأسراره؛ ولهذا كثرت عندهم التمائم والتعاويذ، ومنها ما بقي إلى اليوم في صور ~~الجعل والحشرات والأساور والقلائد التي لا تصنع للزينة، ولكنها تقرن بالأدوية ~~والعقاقير طلبا للشفاء، ويقول الأطباء الذين كانوا يشتغلون بالطب والسحر: إن الدواء هو ~~الذي يشفي ويبرئ من المرض، ولكن التمائم والتعاويذ هي التي تمنع «العكوس» من فعل أرواح ~~الشر وأطياف الظلام. # وقد كان الفراعنة أنفسهم يلجئون إلى السحر لمغالبة الأرواح الخفية، فاستعان رمسيس ~~الثاني بأصحاب التمائم والتعاويذ على مداواة أهل ms033 بيته، ولم يفعل ذلك جهلا منه بالطب ~~ولا تعظيما منه لقدر السحر، ولكنه فعله إيمانا بضرورة اختيار الترياق من جنس المرض، ~~ولكل شيء آفة من جنسه، كما قيل من قبل ويقال في كل زمان. # ولدينا من بقايا قصص السحرة نخبة لم يتخيرها جامعو الآثار، ولكنها اجتمعت لهم من ~~حيثما اتفق بين الأنقاض والمحفورات، وكلها تروي أعمال السحرة في مجازاة الأشرار، كقصة ~~الساحر «أبانير»، أي فالق الصخر، الذي استخدم سحره في الاقتصاص من عشيق زوجته، فصنع على ~~يديه تمساحا من الشمع أرسله في البركة التي يغتسل فيها العشيق فالتهمه، وذهب ليبلغ ~~الملك نبأ هذه العقوبة كي تحدث في ملكه بعلمه وإقراره. # ومن لم يكن سحره قصاصا من المسيئين إليه وإلى الفضيلة، فهو من قبيل «خفة اليد» ~~التي يستخدمها الساحر لاستخراج النفائس المفقودة، كما فعل الساحر «خاتشا منخ» حين سقط ~~الخاتم من إصبع إحدى الجواري المصاحبات للملك «سنفرو» في زورقه، فحسر الساحر الماء وكشف ~~عن أرض البركة حيث استقر الزورق إلى جانب الخاتم المفقود، ثم تلا الساحر عزائمه فتلاقى ~~الماء من تحت الزورق ورفعه رويدا رويدا حتى استوى على البركة كما كان. ~~••• # يقول صاحب كتاب صناعات السحر في مصر القديمة: # إن السحرة المصريين كانوا على علم تام بلزوم الفضيلة والطهارة للساحر الطبيب، ~~وفي اعتقادهم على الدوام أن الآلهة إنما يقترب منها كل طاهر القلب، سليم النية، ~~وكانوا ينشئون على الإيمان بأن العبث ومطاوعة الشهوات تجور على العقل والبدن، ~~وتعوق طالب المعرفة. # 1 # ومن أجل هذا كانوا يقسمون علم الأسرار إلى أقسام ودرجات، فمنها العلم الذي يستعان فيه ~~بقدرة إله الخير على الشر وجنوده، وقوامه الصلوات والرياضات الروحية. # ومنها العلم الذي يستعان فيه بقدرة الشيطان الكبير على الشياطين الصغار، وقد يدخل فيه ~~السحر الخبيث بحكم الضرورة على غير اختيار. # ومنها السحر الخبيث للأغراض الخبيثة، ولا يليق بالكهان الأبرار أن يشتغلوا به، وإن ~~وجب عليهم أن يتعلموه لاتقاء ضرره، والتعوذ من سوء عقباه. # ويمكن أن يقال على الجملة إن الشر في العالم كله إنما ms034 كان في عرف الحضارة المصرية ~~«جريمة اجتماعية وطنية» غير مشروعة، ولم يكن عنصرا أصيلا في تركيب الدنيا أو تركيب ~~الإنسان، وقد بلغ من تطور هذه العقيدة في تفكيرهم الديني أن إخناتون استغنى عن الجحيم، ~~وأنكر دعوى أوزيريس في السيطرة على عالم العقاب بعد الموت. # ولا نظن أن تاريخ «ست» قد استوفى حتى اليوم دراسته المثلى في علوم الآثار، أو في علم ~~المقابلة بين الأديان، فإن الذي عرف منه إلى يومنا هذا يسوغ القول بكثير من الفروض ~~والاحتمالات التي كانت تلوح للنظرة الأولى ضربا من الخيال أو اللعب بالجناس، ولا نعني ~~تسويغ القول بها أنها ثابتة، أو أنها راجحة مقبولة على علاتها، ولكننا نعني أنها فروض ~~واحتمالات لا ترفض، ولا يزال من يرفضها محتاجا إلى سند وثيق. # فالمؤرخ بلوتارك يذكر في كتابه «إيزيس وأوزيريس» أن «ست» كان يلقب «بيبون»، وأن ~~هذا اللقب معناه العقبة المعترضة في طريق يفضي إلى الخير لتتحول به إلى الشر، ويقول في ~~الفصل الثامن والعشرين: إن الأساطير تروي أن اليهود هم أبناء «ست» من أتان، ويعلق ~~المؤرخ «أوليفيه بور جارد» على ذلك في كتابه عن الأرباب المصرية فيقول: إن هذه الأسطورة ~~أصل الخرافة التي شاعت في تقديس اليهود في هيكلهم لرأس حمار # 2 ~~... ويقول غيره بين الجد والهزل: إن شمشون حاربهم من أجل ذلك بفك حمار، وإنهم ~~لهذا يتبركون بالمخلص الذي يأتي في آخر الزمان على حمار ابن أتان. # وقد تكرر القول بأن كلمة «ست» و«ستان» أو الشيطان العبرية من أصل واحد، ولا نزاع في ~~اقتباس اليونان والعبريين من المصريين في تصوير «الشخصيات» العلوية والسفلية، فليس من ~~الأناة أن نجزم ببطلان التشابه في اللفظ بين الفرعونية والعبرية مع عبادة الملوك الرعاة ~~للإله الفرعوني كما تقدم، وليس من الأناة أن نجزم ببطلان التشابه بين مدلول اسم «ست» ~~عند المصريين ومدلول اسم الشيطان ~~“Diabolos” # باليونانية، وكلاهما يفيد معنى الاعتراض والدخول بين شيئين للتعويق والإفساد، وقديما ~~شاعت نحلة إيزيس وأوزيريس وغيرهما من الآلهة المصرية بين بلاد اليونان في آسيا الصغرى ms035 ~~وبين الإثيوبيين واليمانيين في الجنوب، وقال ديودور الصقلي: إنه رأى في «نيسا» من بلاد ~~العرب عمودا للإله أوزيريس وشيئا من قصته ملخصا على ذلك العمود. # وقد ختم الأستاذ بورجارد كتابه الذي أشرنا إليه آنفا عن الأرباب المصرية قائلا: إن ~~النحلة المصرية نقلها العبريون من مصر إلى الشام واليمن، ونقلها الإغريق إلى اليونان، ~~ونقلها الفينيقي قدموس إلى اليونان وإلى بلاده، وإن أعظم العقول اليونانية كانت تهاجر ~~إلى مصر لتدرس المعرفة المصرية في طيبة ومنف وعين شمس وسايس، وعدد منهم ليكرج ~~“Lycurgos” # وصولون، وطاليس، وفيثاغورس، وأفلاطون، ~~وإيدوكس، وعدد بعدهم أمما من تلميذات الثقافة المصرية بين أهل الكتاب وغير أهل ~~الكتاب. ولا شك في شيوع عقيدة الثواب والعقاب وعالم الأبرار وعالم الأشرار في الديانة ~~المصرية القديمة، فليس من الغريب أن تتخلف منها بعض المصطلحات والمسميات، وليس من ~~الأناة على الأقل أن ينتهي تاريخ «ست» حيث انتهى في هذا الموضوع، وقد قيل: إن العزى هي ~~إيزيس، وإن مناة هي منوت أو موت، وإن النصوص متقاربة بين بعض المزامير وبعض أناشيد ~~أتون، وإن أيوب عليه السلام كان يسكن إلى جانب مصر، ويتحدث عن أهرامها التي تبنى لتخليد ~~الموتى، ويكافح الشيطان الذي يوسوس له ويغريه بالكفران والعصيان. وأقل من هذه الملابسات ~~حقيق بالتريث عنده، وترك الباب مفتوحا بعده لما تأتي به الكشوف وتسفر عنه ~~المقارنات. # الشيطان في الحضارة الهندية # ترجح فئة من علماء المصريات أن الديانة الهندية القديمة دخلتها مقتبسات كثيرة من ~~ديانة المصريين الأوائل، ويرى برستيد وإليوت سميث أن معظم هذه المقتبسات من كتاب ~~الموتى، ومن شعائر تقديس الملوك التي يستطاع التحقق من سبق الحضارة المصرية ~~إليها. # ويرد ذكر مصر في كتب البورنا التي جمع فيها الهنود الأقدمون قصص الآلهة وبعض الملاحم ~~الكونية المتوارثة عن آبائهم الأولين. # ولكن طبيعة الديانة الهندية تقرر الحدود التي بلغتها تلك المقتبسات، ولا يمكن أن تذهب ~~بعيدا إلى ما وراءها، فهي لا تكون بطبيعة تلك الديانة إلا من قبيل الشعائر والمراسم، ~~ولا يتأتى أن تتخطاها إلى أصول الديانة في جوهرها، ms036 إذ كانت الديانتان الهندية والمصرية ~~على اختلاف كاختلاف النقيضين أو الطرفين المتقابلين، ولو أراد أحد أن يضع ديانتين يتوخى ~~فيهما التقابل في العقائد الأساسية التي تدور عليها كل ملة، لما استطاع أن يبلغ في هذا ~~التقابل ما بلغه أهل مصر وأهل الهند في العهود المتتابعة على غير قصد بطبيعة ~~الحال. # والعقائد الأساسية التي تدور عليها كل ملة تتناول وجود الإنسان ونظام المجتمع، ووجود ~~العالم كله أو الوجود على إطلاقه، وفي هذه المسائل الثلاث تقف الديانتان العريقتان موقف ~~التقابل من طرف إلى طرف، كأنهما عامدتان إلى تصوير سعة الآفاق التي تحيط بالعقائد في ~~ضمائر بني الإنسان. # فالديانة المصرية تصون جسد الإنسان وتستبقيه إلى الحياة الأبدية، والديانة الهندية ~~تنكر الجسد، وتعلم أتباعها أن الروح تنسخ جسدها مرة بعد مرة، ولا تنال الخلاص إلا إذا ~~فني الجسد كل الفناء. # والديانة المصرية تعتبر دوام الأسرة آية من آيات النعمة الإلهية، ولا تعرف دعاء إلى ~~خالق الكون أحب إلى الداعين من بقاء تراث الآباء والأجداد، واتصال العقب إلى آخر ~~الزمان، وعلى نقيض ذلك ديانة الهند التي تعلق النجاة بالإفلات من دولاب الحياة والموت، ~~والرجوع إلى «النرفانا» من طريق «الموكشا»، أي اجتناب العلاقة الجنسية ولو في حالة ~~الزواج. # وتؤمن الديانة المصرية القديمة بأن العالم المحسوس حق وخير، فتجعله مثالا لعالم ~~الخلود، وعلى نقيض ذلك ديانة أهل الهند التي تحسبه شرا محضا، وباطلا موهوما، ~~ومنبعا لجميع الشرور التي تعترض عالم الحقيقة، وتشغل الروح بالأعراض والقشور. # ويكفي هذا الاختلاف بين الديانتين لامتناع التشابه بينهما على الخصوص في مسألة الشر، ~~وقوة الشر، وعلاقة هذه القوة بنواميس الكون الخالدة، سواء منها ما يتمثل في صورة ~~«الذات» الإلهية، أو ما يتمثل في الناموس الأعظم أو «الكارما» الذي ليس له ذات. # على أن الديانة الهندية تحير علماء المقارنة بين الأديان أشد الحيرة في أمر «الشخصية» ~~التي تقابل شخصية الشيطان، أو قوة الشر العالمية عند أصحاب الديانات الأخرى. وأسباب هذه ~~الحيرة متعددة لا يصادفها العلماء بهذه الكثرة وبهذه الصعوبة في غير الديانة البرهمية ms037 ~~وما تفرع عليها. # من هذه الأسباب أن الهنود الأقدمين قد تعاقبوا على البلاد بعقائد مختلفة يوشك أن ~~تتناقض بين قبيل وقبيل من السابقين واللاحقين، وربما تعمد القادمون أن يهدموا عقائد ~~من تقدمهم، فلا ينجحوا كل النجاح ولا يتركوها سليمة من التضارب والاختلاط، ومن ذلك في ~~هذا الباب عقيدتهم في العفاريت الخبيثة أو العابثة التي يسمونها بال «راكشا»، وينسبون ~~إليها أعمالا كأعمال الشياطين في الديانات الأخرى، فإن الباحثين في اشتقاق الكلمة ~~يقولون تارة: إنها تفيد معنى الحراسة، ويقولون تارة أخرى: إنها الاسم الذي كان يطلق على ~~الهمج الأولين الذين سكنوا الهند قبل إغارة الآريين عليها، وكانت لهم حراسة على الطرق ~~وعلى ينابيع الماء. وقد رسخ في الأذهان من أحاديث القتال بينهم وبين الآريين أنهم أعداء ~~البشر، وأنهم يتربصون بالناس كما يتربص الناس بهم في كل مكان، فلا ينجو أحدهم من الآخر ~~حيث أصاب الغرة منه، ثم تطاول الزمن فانقسموا في أساطير العامة إلى أقسام ثلاثة: أحدها ~~يشبه أرواح «الياكشا» البريئة التي تهيم على وجهها ولا تؤذي أحدا إلا أن يتعرض لها، ~~والثاني يشبه العصاة المتمردين من الجن ويعادي الإنسان ألد العداء، والقسم الأخير يلوذ ~~بالمقابر والصوامع ويحالف الموت والخراب، ويقول من يزعمون رؤيتهم: إنهم مشوهون، بعضهم ~~ذو رأسين، وبعضهم ذو ثلاث أرجل، ومنهم من له عين واحدة في رأسه، ومنهم من له عدة ~~أعين، وكلهم على خلاف البشر في التركيب. # ولا ينسب إلى هؤلاء «الراكشا» عمل من أعمال الإغراء والإغواء، ولكنهم قد يغتصبون ~~النساء عنوة، ويتلصصون في الطرق المقفرة، ويستبيحون الأذى للكيد أو للعبث والدعابة. ~~ورئيس هؤلاء «الراكشا» المسمى «رفانا» هو الذي اختطف الحسناء «سيتا» زوجة البطل «رام»، ~~كما جاء في ملاحم «الريجيفيدا»، ثم حملها إلى جزيرة سرنديب، ولم يستطع زوجها أن يهتدي ~~إليها ويخرجها من أسرها إلا بمعونة القرد هنومان. # فالشياطين في صورة «الراكشا» هم «الشر» الذي أبغضه الآريون، وصوروه لأبنائهم في ~~الصورة التي تنفرهم منه، وتحذرهم من كيده، واتهم عندهم بما يتهم به كل شعب مهزوم ~~يستأصله أعداؤه، ويدفعون ms038 به إلى أقاصي الأرض وزوايا المدن، ويستثيرونه أحيانا من فرط ~~الظلم فيثور، ويهملونه أحيانا فيهيم على وجهه عاجزا عن الأذى، قانعا بالسلامة أو ~~متحفزا للانتقام . ~~••• # وإلى جانب التتابع في الديانات والأقوام المغيرة على البلاد، يقوم السبب الشامل في ~~جميع العهود، ولا سيما العهود الأخيرة التي تطورت فيها فلسفة الهياكل، ووجد فيها الكهان ~~المفسرون والمفكرون على أعقاب الكهان المتنسكين أو الدهاة المتحكمين؛ ففي هذه العهود ~~الأخيرة تمكن الاعتقاد ببطلان العالم المحسوس، وغلبة الشر على طبيعة الوجود كله، فلم ~~يكن في «الوجود» الشرير محل خاص لقوة تفسده وتدحض فيه الحق، أو تنقض فيه الخير. وما فيه ~~من حق ولا خير إلا أن يفارقه الصالحون الناجون بأرواحهم إلى عالم الفناء. # وقد اشتمل الثالوث الأبدي في الديانة البرهمية على ثلاثة أرباب؛ هم: «براهما» الإله ~~في صورة الخالق، و«فشنو» الإله في صورة الحافظ، و«شيفا» الإله في صورة الهادم، فكان ~~الهدم - من ثم - عملا ربانيا يقوم به الإله في صورة من صوره، وينصف به الحق من ~~هذا الوجود الباطل الذي ينبغي أن يزول؛ ليمهد سبيل الطهارة والصفاء. وبهذه المثابة يضيق ~~مجال الشيطان ولا تمس الحاجة إليه في نظام الوجود. # ومن الصعوبات التي تحير علماء المقارنة بين الأديان أن التناسخ أو تعدد الصور ~~للروح الواحد عقيدة عميقة متشعبة في الديانة البرهمية وفروعها، فليست هي مقصورة على ~~الإنسان في أدوار حياته المتعاقبة، ولا على الحيوان في أشكاله المتنوعة، بل تعم الوجود ~~كله من الأرباب العليا إلى ما دونها من الحيوان والنبات حتى الجماد؛ ولهذا يتفق أن تكون ~~للإله صور متعددة تقترن النعمة ببعضها، وتقترن النقمة بغيرها، فيدين أناس للإله «شيفا» ~~على أنه مصدر الخير وقائد الأرواح في طريق الفناء إلى حظيرة «الوجود» الأسنى، ويرهبه ~~أناس آخرون على أنه سلطان الغضب والنكاية، فلا رحمة عنده ولا موئل من قصاصه وتقلب ~~أطواره. # وليس تعدد الصور كل ما يواجه العلماء من أسباب الحيرة وتناقض الصفات في الإله الواحد، ~~بل هناك سبب آخر يضاعف هذا التعدد، ولا يمنع «الشخصية» الربانية الواحدة أن ms039 تتولى أعمال ~~العدد العديد من الشخصيات الربانية في معظم الديانات، وهذا السبب هو إضافة ال «شاكتي»، ~~أي قرينة الإله الأنثوية، إلى وظيفته في المسائل الدنيوية. # فكل إله له «شاكتي»، بمعنى القرينة أو الزوجة، هي التي تنوب عنه في «شئون الدار»، أو ~~في الشئون التي يتركها ولا يتفرغ لها إيثارا للعمل في الآفاق العلوية. # وتعود الأقاويل إلى «الشاكتي» فتجعل لها طبيعتين: طبيعة بيضاء منها الرفق والرحمة، ~~وطبيعة سوداء منها العسف والقسوة، وقد تتسمى الطبيعة الواحدة باسمين؛ فتصبح «الشاكتي» ~~الواحدة ذات أربعة أسماء غير اسمها الأصيل، وعلى هذا المثال تسمى قرينة سيفا إله ~~الشر باسمها الأصيل «ماهسواري»، ثم تسمى باسم «أوما» واسم «جورى» حين ترجى منها ~~الرحمة والمودة، وتسمى باسم «جوري» واسم «كالي» حين تخشى منها النقمة وسوء ~~النية. واسم كالي الأخير هو الاسم الذي يعرفها به عبادها الذين اشتهروا باسم الخناقين، ~~واتخذوا شعارهم في القرابين البشرية قتل الضحايا بغير إراقة الدماء. # وقد عاشت جماعة الخناقين زهاء ستة قرون تتعبد للإلهة «كالي» بخنق ضحاياها، والتقرب ~~بأسلابهم على محاريبها. وتتخيل هذه الإلهة على مثال امرأة عابسة تحيط خصرها بنطاق ~~من الجماجم والسكاكين، وتحمي كل من يطيعها ويتقرب إليها بتلك القرابين. وعقيدتهم في ~~ذلك أن الإله «فشنو» يحافظ على الأحياء فيتكاثر عددهم، ويعجز الإله «شيفا» عن ملاحقته ~~في مهمة الإبادة والإفناء، فيستعين «بالشاكتي كالي» على هذه المهمة، ويتزلف إليها ~~عبادها بالمعونة على القتل مع اجتناب سفك الدماء؛ لأن الدم الذي يراق على الأرض تتولد ~~منه الحياة. # وجماعة الخناقين هذه طائفة قليلة بين الملايين من الهنود الذين ينكرون عبادتها، ~~ويسفهون أحلامها، ويحرمون قتل الحيوان، بل قتل الهوام والحشرات، فضلا عن الإنسان، ~~ولكنهم لا ينكرون ربوبية «كالي»، ولا يتركون عبادتها على النحو الذي يرتضونه ويحسبون ~~أنه أقرب إلى رضاها، ومن ذاك أنهم يترهبون أو يكفون عن النسل فيرضونها بغير حاجة إلى ~~قتل الأبرياء. # وتلك الأسباب في جملتها هي التي تحير علماء الأديان كلما أرادوا أن يحصروا الشر في ~~«شخصية شيطانية» تنعزل بقوتها عن القوى الإلهية في ms040 أقانيمها المتعددة. # ولكنهم يثوبون في النهاية إلى عقيدة واحدة مشتركة بين النحل والمذاهب، ولا حيرة فيها ~~عند تصوير الشر في صورته الكونية الشاملة ، وهذه العقيدة هي الإيمان بأن العالم المحسوس ~~شر وباطل، وأن كل ما يربط الإنسان به شر وباطل مثله، وتشتمل روابط الإنسان بالعالم ~~المحسوس على كل مطمع، وكل شهوة، وكل أمل يفتنه بلذة من لذاته، أو قنية من مقتنياته، ~~وتتجمع هذه الفتن قاطبة في «المرأة»؛ لأنها سبيل الروابط الدنيوية التي تقيد الحي ~~بالدورات الأبدية في دولاب الولادة والموت، وأن لعنة الموت لتلاحق كل من يولد ويلد ~~حتى ينقطع عن النسل، ويثوب إلى «النرفانا» بغير علاقة ترده إلى هذا العالم المحسوس؛ ومن ~~ثم يفضي به المطاف في الآباد المتطاولة إلى غاية كل مطاف من الفناء والسلام. # ويلاحظ أنهم يحيلون الأمر على «الأنوثة» كلما عرضوا لعمل من أعمال الأرباب ينزهون عنه ~~الآلهة، ويلحقونه بالشواغل الدنيوية الأرضية. # ويلاحظ كذلك أنهم يقولون عن العالم المحسوس كله: إنه «مايا» أو وهم وضلالة، وأنهم ~~يصورون هذا «المايا» في صورة أنثى شديدة الفتنة والغواية، ويمثلون جمال العالم المحسوس ~~بجمال الأنثى التي تستعين بالغريزة الجنسية على خداع المفتونين عن الحقيقة، فيحسبون ~~اللذة نعمة تبتغى وهي شقاء أبدي لا يؤدي إلى غير شقاء. # وليس في الديانة الهندية وفروعها المتشعبة شخصية واحدة تشبه شخصية الشيطان غير الرب ~~الذي يسمونه «المارا» من الموت، ويقولون: إنه يسيطر على السماء السادسة وما دونها من ~~العوالم الأرضية، وكأنهم جمعوا فيه فتنة الحياة الدنيا مشخصة معروفة باسم واحد بدلا من ~~تعميم القول على الفتن التي تساور النفس ولا تتمثل لها ذات في الحس أو الخيال. # وهذا «المارا» هو الذي قيل في قصة «بوذا»: إنه وسوس له وألح في وسواسه ليشغله عن ~~النسك، ويصرفه عن مسلكه من الحكمة، وهو مسلك الزهد والاعتدال. # فالشر الكوني هو الشر النفسي الذي يخامر الضمير، ويزين له ترك الحكمة والإقبال على ~~الأوهام والأباطيل. # وديانة الهند على هذا لم تبتدع شيطانا أو أرواحا شيطانية غير الأرواح التي يسمونها ~~بالراكشا، ويردونها ms041 إلى الشراذم المشردة من أبناء البلاد الأصلاء الذين صمدوا للآريين ~~زمنا ثم استكانوا على مضض وتربص، أو على هوان واستسلام. # أما «الشيطان الكوني » فهو مرادف للفتنة وكل ما يغري النفس بمطامع الحياة. # ويصعب على المتتبع للأعمال التي تنسب إلى بعض الآلهة، والأعمال الهامة التي ~~تنسب إلى الشياطين الهادمة أو المعادية للجنس البشري أن يفرق بينهما بغير الرجوع إلى ~~النيات، فقد تتشابه في الهدم ولا تفترق عن القصد والنية، فما كان هدما للقضاء على ~~مطامع الدنيا وحبائلها فهو خير، وما كان هدما للتنافس على هذه المطامع، والوقوع في هذه ~~الحبائل؛ فهو من عمل الشيطان كيفما كان الاسم الذي يطلق عليه. # الشيطان بين النهرين # ظفرت «بلاد النهرين» بعناية من المؤرخين الدينيين وعلماء المقارنة بين الأديان لم ~~يظفر بها قطر آخر؛ لأنها ميدان للبحث لا يضارعه ميدان آخر في اتساعه وامتداد تاريخه، ~~وتعدد أقوامه، وتيسر البحث فيه لنوعين من المقارنة يندر جدا أن يتيسرا في رقعة أخرى ~~من الكرة الأرضية؛ وهما: مقارنة الأديان ومقارنة الأجناس في وقت واحد، إذ كان وادي دجلة ~~والفرات وطنا قديما أقام فيه الآريون والساميون والطورانيون، وسواء صح أن السومريين ~~الذين أقاموا فيه زمنا قد وفدوا إليه من الصين أو لم يصح هذا القول الغالب، فقد صح أن ~~«زرادشت» نبي المجوسية عاش بين الطورانيين والمغول حقبة من الزمن، ووفق بين عبادتهم ~~وعبادة الوثنية المجوسية بعض التوفيق. # وهذا التعدد في السلالة يصاحبه تعدد آخر في الأحوال الاجتماعية بين مجتمع المدن ~~ومجتمع الرعاة، ومجتمع الزراعة الدائمة ومجتمع الزراعة المتنقلة، وبين أناس يبنون ~~الهياكل وأناس لا يعرفون البناء، أو أناس يعبدون النار والكواكب وأناس يلصقون عبادتهم ~~بالأرض ومعالمها وعناصر الطبيعة التي تهيمن على أرزاقهم ومساعيهم. # وتتضاعف العناية بالديانات التي نشأت بين النهرين لسبب غير هذه الأسباب، يهتم به ~~الأوروبيون وأتباع الأديان الكتابية على العموم؛ لأن مراجع الأديان الكتابية تبتدئ في ~~بلاد النهرين منذ عهد إبراهيم الخليل إلى عهد الشريعة الموسوية وشريعة حمورابي إلى عهد ~~السبي واختلاط بني إسرائيل بالبابليين والميديين، واقتباسهم ما ms042 اقتبسوه منهم في العرف ~~الديني والشعائر التي لها اتصال بمراسم العبادة، ثم تأتي عبادة «مترا» وعبادة ~~«المانوية»، وقد زاحمتا المسيحية مزاحمة شديدة في دولة الرومان من شواطئ آسيا إلى الجزر ~~البريطانية. # فالعقائد الدينية التي نشأت قديما حول بلاد النهرين لم تزل محور البحث ومرجع ~~المقارنة والاستشهاد في جميع الديانات الكبرى، وأولها المسيحية التي يدين بها ~~الأوروبيون، وهم أول من درس المقارنة بين الديانات على النهج الحديث. # ونحن في هذا الفصل لا نقصر الكلام على البلاد التي تحصرها الأوضاع الجغرافية بين ~~النهرين، ولكننا نمضي معها إلى حدود الحضارة التي تأثرت بها أو أثرت فيها من وراء ~~النهرين شرقا إلى أرض فارس، ومن ورائها غربا وجنوبا إلى الأقطار العربية أو الأقطار ~~السامية التي كان لها اتصال بالدولة القائمة في بابل وآشور. # ولا حاجة بنا - في هذا الفصل - إلى استقصاء العقائد والشعائر في هذه الرقعة الواسعة ~~من المساكن والسكان، وإنما ننظر إلى عقائدها وشعائرها من جانب الصلة بموضوع الكتاب، وهو ~~الكلام على «الشيطان» أو قوة الشر العالمية، وقد كان لحضارة النهرين صلة وثيقة بجميع ~~الأمم التي دخلت في عداد المؤمنين بالأديان الكتابية، فليست في حضارات العالم حضارة أحق ~~بالدراسة في هذا الصدد من الحضارتين البابلية والفارسية، وكلتاهما تدخل في العنوان ~~الشامل الذي نطلقه على أقطار «ما بين النهرين» بشيء من التجوز من الوجهة الجغرافية، ~~وبغير تجوز من الوجهة الثقافية. # فنحن نرجع إلى «بابل» لفهم التطور في معنى «الخطيئة» مميزا من معنى الذنب أو العيب ~~أو الرذيلة أو الجريمة. # ونحن نرجع إلى «فارس» لفهم التطور في مذهب «الثنوية» أو النزاع بين سلطان الخير ~~وسلطان الشر في الأكوان العليا والسفلى، ومنها الكرة الأرضية. ~~••• # إذا كنا نعرف للحضارة المصرية صبغة نلتمسها في جميع مظاهرها، وهي صبغة الحكم والشريعة ~~ونظام الدولة، فالصبغة التي تغلب على حضارة بابل - على هذا النحو - هي صبغة التنجيم ~~والأزياج الفلكية. وسنرى أن علماء المقارنة بين الأديان لم يلتفتوا إلى هذه الناحية في ~~علاقتها بفهم المقصود من معنى «الخطيئة»، مع أنها - على ما ms043 نرى - لا تفهم حق فهمها ~~ما لم تبتدئ من هذه البداية. # لقد عرف البابليون رصد الكواكب من أقدم الأزمنة، وعلقوا مصائر الناس وأقدارهم بسعودها ~~ونحوسها، فلا يسعد أحدهم بنعمة السماء ولا يشقى بغضبها إلا وهو في الحالتين عرضة للقضاء ~~المسطور في أزياج النجوم. # وقد نشأ عندهم علم الفلك بحسابه وتقديره مصاحبا لعلم التنجيم بخرافاته وأوهامه، ولم ~~تكن كل هذه الخرافات والأوهام خداعا من الكهان السحرة، بل كانت عندهم عقيدة يصدقونها ~~ويمزجونها بالقصص والألغاز التي يدركها العامة، ولا يدركون ما وراءها. # وما من قصة بلغتنا من أرض بابل في تاريخها القديم إلا وهي قصة من قصص المناظرة بين ~~الأرض والنجوم في شكل من الأشكال التي يفتن فيها الحس والخيال. # فربة الأرض «تيامات» تتحدى السماء فتستعين بالطوافين على حكم أقطارها، وتخلق من ~~جوفها الحيات والحيتان لتوطيد سلطانها، وبرج بابل يقيمه المتمردون من البشر ليرتفعوا به ~~إلى مناجزة الأرباب في سماواتها، وكل ثورة من ثورات الأساطير المزعومة فإنما هي في ~~مدلولها خروج من الأرض على إرادة السماء، لا تلبث السماء أن تكبحه وتروضه على الطاعة ~~الواجبة، وعلى التسليم لها بحقوق الصلاة والقربان. # فلم يكن للبابلي من هم في سره وعلانيته إلا أن يستطلع إرادة النجوم، ويخرج ~~بالإذعان لها وموافقة هواها من عداد «المنحوسين» إلى عداد السعداء، ويسأل العارفين ~~بالتنجيم: ماذا تريد النجوم؟ وماذا كتب لي في كتابها المرقوم؟ فما كان رضى للنجوم فهو ~~الفلاح والنجاح، وما لم يكن رضى لها فهو الخيبة والضياع. # لم يكن الأمر هنا أمر الحسن والقبيح، أو أمر الصلاح والفساد، أو أمر الاستقامة ~~والإجرام، كلا ... وإنما هو أمر الرضى من كواكب السماء بما يوافق المسطور المكتوب، أو أمر ~~الغضب الذي يحيق بمن يخالف قضاء الكواكب في مجراه. # والفارق بين الأمرين إنما هو الفارق بين الموفق السعيد والخائب المنحوس، أو بين من ~~يسلك سبيل السلامة ومن يقترف حماقة الخلاف بغير رجاء. ~~••• # وينبغي أن نفهم هذا الخلاف بالمعنى الذي يميزه من معنى الذنب، ومعنى العيب، ومعنى ~~الرذيلة، ومعنى الجريمة؛ فإنه يباينها ms044 في طبيعته، ولا يتأتى للإنسان أن يعرف موضوع ~~التحريم منه إلا إذا عرف مشيئة الله فيه، وليست الذنوب أو العيوب أو الرذائل أو الجرائم ~~بهذه الصفة الخاصة بين المحرمات؛ لأن الإنسان قد يعرفها ببداهته أو بتعليم المجتمع الذي ~~يعيش فيه. # فالذنب إساءة قد يجنيها الإنسان على من هو مثله أو من هو دونه، وقد يصاب بها كما ~~يصيب، فهو مسألة إنصاف أو إجحاف في المعاملة. # والعيب نقص يعتري الإنسان من عجزه أو جهله، فهو مسألة كفاية وقصور. # والرذيلة إسفاف يتورع عنه صاحب الفضيلة الذي يروض نفسه على الكمال، فهي مسألة كرامة ~~وابتذال. # والجريمة عدوان بغير حق يتعارف الناس على إنكاره ومجازاة فاعله، فهي مسألة قانون ~~وقضاء. # أما الخلاف الذي يسمى «خطيئة»، فيكفي فيه أن يعمل الإنسان ما لم يرده الإله، ~~ولو لم يكن من ورائه ضرر يعلمه؛ لأن الخلاف قلة إيمان بالمشيئة الإلهية؛ فهو مسألة أدب ~~أو سوء أدب مع الله. # ولفهم الخطيئة على هذا الوجه مشابه في علم السحر والكهانة يقربه من الأذهان على ~~نحو سائغ في كل تعليم، فليس من أدب التلميذ الذي يتلقى خفايا السحر والتنجيم أن يجترئ ~~على كشف القناع عن سر يحجبه المعلم إلى حين، وعليه أن يغمض عنه عينيه ثقة منه بما ~~يختاره له معلمه من درجات المعرفة على حسب مواقيتها المقدورة، فإن خالفه يوما متعجلا ~~أو مستريبا؛ فهذا الخلاف سوء أدب أو جهل يخرجه من عداد الصالحين لعلم الأسرار. # وهذا رسم الخطيئة بين سائر المحرمات! رسمها أنها تحريم يناط بمشيئة الله، ولا ~~يطلب من العباد أن يتجنبوه لسبب غير هذه المشيئة وإن خفيت عليهم وجوه الحكمة ~~فيها. # وقد أورد برتشارد # 3 # في كتابه عن شعائر الشرق الأدنى الغابرة وعلاقتها بالعهد القديم نماذج من ~~الصلوات البابلية المحفوظة يعلن أصحابها التوبة، ويطلبون الغفران؛ لأنهم أكلوا طعاما ~~حراما ووطئوا على بقعة محرمة بغير علم ولا اجتراء على مغبة العقاب. # وقد نزيد المسألة توضيحا حين نقول: إن الإله وحده هو الذي يحق له أن يحرم شيئا ولا ms045 ~~يذكر سبب تحريمه؛ لأنه هو وحده الذي يعلم مصلحة الخلق جميعا فيما يبيحه لهم وينهاهم ~~عنه، فأما غير الإله فالمحرمات التي ينهى عنها لغير سبب لا تدين أحدا بالخطيئة، وكل ما ~~يخشاه من إتيانها أن يتعرض للغضب أو للعقاب. # فلا جرم تتقدم البلاد البابلية غيرها من البلاد؛ لأنها تقدمتها في كشف الطوالع، ورصد ~~الكواكب، وتفسير ما تنبئ عنه من سعود أو نحوس، وتستحيل السعود والنحوس إلى مباحات ~~ومحظورات ومحللات ومحرمات، حين تستحيل الكواكب أربابا علوية تريد السعد والنحس بحساب ~~وتقدير. ~~••• # أما الحصة التي ساهمت بها عقيدة فارس في تاريخ الأديان وتاريخ قوة الشر على التخصيص، ~~فهي «الثنوية» أو تنازع النور والظلام على سيادة الوجود. # ويظهر أن الثنوية هذه عريقة الأصل عميقة الجذور في البقاع الفارسية وما حولها، فإنها ~~بعد تهذيب الأديان الكتابية لها لم تزل متغلغلة في أفكار بعض الكتابيين ممن ينتمون ~~إلى اليهودية أو الإسلام، ويقيمون في أطراف البلاد التي كانت تحيط بها حضارة ما بين ~~النهرين منذ أربعين قرنا أو تزيد. وقد روى الدكتور يوسف وولف، صاحب الرحلة إلى بخارى ~~(من سنة 1843 إلى سنة 1845)، أن شيخا يهوديا يدعى ناثان زاره ومعه درويش من كشغار، ~~فسأله الدرويش ممتحنا: من خلق النار والماء؟ قال الدكتور وولف: فلما أجبته أنه هو ~~الله، صاح بي قائلا: صه! لا شيء من ذاك؛ لأن النار والماء عنصران مهلكان، ولا ينبغي ~~لله أن يخلق المهلكات، وعليك أن تعلم أن الكون يحكمه إلهان؛ أحدهما: إله الملأ الأعلى، ~~وهو رب الخير الذي خلق نورا لا يحرق، وخلق الوردة والبلبل، وقد تصدى له إله العالم ~~الأسفل فحجب عنه خلائق الخير، وشنها حربا لا تزال حتى اليوم حامية الأوار، فمن عمل ~~خيرا من الناس فهم خدام الإله الأعلى، ومن عمل شرا منهم فهم خدام الإله الأسفل، ~~وسوف تحتدم الحرب كرة أخرى، فيصعد الإله الأسفل إلى السماء السابعة تحلق معه ألوف من ~~جنده، وتطير بينها الحيات والثعابين، فيدور القتال سجالا حتى ينهزم الإله الأسفل ويلقي ~~عصا الطاعة لإله السماء. ms046 # وأغرب من بقاء هذه العقيدة في موطن الثنوية أنها بقيت بين الأوروبيين إلى القرن ~~السابع عشر، وكانت لها نحل ومعابد من بلاد البلقان إلى العواصم الفرنسية في الشمال ~~والجنوب، وإذا صحت بعض الأخبار - مما نشير إليه في الفصول التالية - فقد بقيت شعبة ~~منها إلى القرن العشرين تتستر باسم الماسونية، وتستقبل المصلين في باريس حيث يقربون ~~القرابين إلى الشيطان، ويكررون التلاوات التي كانت ترتل في معابد النحل الشيطانية قبل ~~ثلاثة قرون، وتدور خلاصتها على الإيمان بسيادة الشيطان على الدنيا، واعتبار المادة خلقة ~~شيطانية يتنزه عنها إله السماء، ولا تسري عليها أوامره ونواهيه. # وقد تطور الإيمان بالثنوية أو هو قد ترقى مع الزمن في القرون الأولى كأنه جذر عريق لا ~~يقتلع مرة واحدة، ولا يزال قابلا للنمو في منبت بعد منبت من العبادات الخالية. # فكان الوجود قسمة متساوية بين النور والظلام كما يتساوى النهار والليل، ثم ترقى ~~المؤمنون بهذه الثنوية فآمنوا بإله واحد يسمونه «زروان»، وقالوا بولدين له كانا في رحم ~~الغيب، فوعد أكبرهما بالسيادة على الدنيا، فاحتال إله الظلام منهما على الخروج أولا ~~لعلمه بمسالك الظلمة، فكان له السلطان على الرغم من أبيه إنجازا لوعده، ولم يستطع الأب ~~إلا أن يعد ابنه إله النور بالغلبة بعد حين يقدرونه بتسعة آلاف من السنين ~~الكونية. # هذان الإلهان هما: «أورمزد» و«أهرمان»، أو الروح الطيب والروح الخبيث. # ومن عقائد بعض الثنوية أن الخلائق النافعة من صنع إله النور، وأن الخلائق الضارة أو ~~التي لا نفع فيها من صنع إله الظلام. # وبعض طوائف الثنوية يعتقدون أن الجسد كله شر، ولكن الأرواح العلوية أرادت أن تحارب ~~جنود الظلام فأنبأها الإله الأعظم أنها لا تقوى على حربها بغير أجساد كأجسادها، فإن ~~شاءت بقيت على صفائها، وإن شاءت لبست أجسادا من المادة فكافحتها بسلاحها. وهذه هي ~~الأرواح العلوية التي بقي الأكثرون منهم على صفائهم، ورانت الغواية الجسدية على بعضهم ~~فغلبتهم الفتن والشهوات. # ويعتقد فريق من الثنوية أن آدم من خلقة الشيطان، ولكن الأرواح العلوية تعالج أن ~~تصلحه، وتقوم أوده، ms047 وتستخلصه من وهدة الطين بقبس من النور تدسه له في وجدانه، فيأنف ~~الحياة الأرضية، ويتطلع ببصيرته إلى السماء. # وجاءت المانوية فانتشرت في بقاع الدولة الرومانية بعد ظهور المسيحية، ونافستها أشد ~~منافسة في آسيا الصغرى وبلاد الروم من آسيا وأوروبة، فامتلأت معاهد الدينيين بالكلام عن ~~الشيطان، واستصوب أناس من آباء الكنيسة أن ينتزعوا شعائر عباد النور، فجعلوا يوم الأحد ~~يوم الأسبوع المختار؛ لأنه كان مخصصا لعبادة الشمس، # 4 # وجعلوا اليوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر يوم الميلاد؛ لأنه كان يوما ~~ينصرف فيه المسيحيون إلى سهرات الوثنيين، لاعتقاد هؤلاء أنه اليوم الذي يقصر فيه الليل ~~ويطول النهار، فهو هزيمة لإله الظلمة، ونصر لإله النور. # وقبل المسيحية نظر اليونان الوثنيون إلى أصول العقيدة الثنوية، فحولوا أسطورة زروان ~~الذي ولد له «أورمزد» إلى أسطورة كرونوس، الذي ولد له زيوس رب الأرباب وسيد الملأ ~~الأعلى. فبحق يهتم الباحثون الدينيون بهذا الميراث العريق من بلاد بين النهرين؛ لأنه ~~سابقة لا تنقطع عما تلاها من أطوار الإيمان بالخير والشر، وبالقوة الكونية التي ~~نزهتها الأديان الكتابية بعد ذلك في عقيدة الوحدانية، ودونها القوة الكونية التي تمثل ~~فيها الشر مخلوقا متمردا على الله. ~~••• # وفي الوعي الديني عوامل ذات بال لا تحسب من الفرائض والشعائر، ولكنها تحسب من الخواطر ~~التي تخامر النفس وتعمل عملها في تقويم الأخلاق المصطبغة بصبغة الإيمان. # من هذه الخواطر التي تستكثر على اللاهوت القديم خاطران يتخللان كتب الديانة ~~«الزردشتية» من أقدم عصورها، أولهما أن الشر «شك»، وأنه نبت في الكون لأول مرة حين ~~تساءل زروان بينه وبين نفسه: وما جدوى كل هذا التكوين وكل هذا التقدير؟ والخاطر الآخر ~~أن الشر كذب، كما جاء في قصة «يامه» التي تضمنت أقدم الخواطر عن السقوط والخلاص، فقد ~~دعاه أورمزد لحراسة الحق فاستعفاه؛ لعظم الأمانة وإشفاقه من العجز عنها، فأرسله إلى ~~الأرض وخوله ما سأله من الغلبة على الموت، فامتلأت الأرض بالأحياء التي لا تفنى، ~~وامتلأت نفس «يامه» بالخيلاء، فسولت له أن يناظر الإله بهذه العصمة، وأن يكاذب نفسه ~~بخيلائه، ms048 فلحق به الشر، وجاءه الموت مع الشر، فكان ذلك من جناية «يامه» على نفسه وعلى ~~زمرته تسللت إلى الوجود من مدخل الباطل، وهو أصل جميع الشرور. # هذان الخاطران يتخللان الكتب الزردشتية من أقدم العصور، ولم يدخلا العقائد التالية من ~~طريق الفكر والتأمل، بل دخلاها من طريق الأشكال والرموز التي يلم بها الحس قبل التفكير ~~فيها. # الشيطان في حضارة اليونان # يحتاج النقاد التاريخيون إلى تحرير موازينهم جميعا قبل الاطمئنان إلى رأي صحيح في أي ~~شأن من الشئون السياسية التي قامت عليها حضارة اليونان. # ذلك بأن الناقد التاريخي سيرى بين يديه تاريخين غير متفقين في بعض الأصول، وفي كثير ~~من التفصيلات: تاريخ الأمة اليونانية الحقيقية، وتاريخ الأمة اليونانية التي جعلها ~~الأوروبيون المحدثون عنوانا للفضائل الغربية في مسائل العلم والفن والسياسة والأخلاق، ~~كلما أرادوا أن يضعوا أنفسهم موضع المناظرة والموازنة أمام الشرقيين فيما قدروه لهم ~~من نصيب في هذه المطالب وهذه المزايا. # وبلغ من رغبة الأوروبيين في ترجيح الغرب كله باسم اليونان أن فريقا منهم تنكر ~~للمسيحية؛ لأنها ثمرة شرقية، وفريقا منهم زعم أن المسيحية ثمرة الفكرة اليونانية من ~~طريق بولس الرسول وجماعة الفلاسفة المسيحيين، الذين طبقوا الدين على الفلسفة بعد القرن ~~الأول للميلاد، وذكروا من براهينهم على ذلك أن الأناجيل كتبت باللغة اليونانية، وأن ~~كلمة الإنجيل نفسها بمعنى البشارة من لغة اليونان. # وقد عمد الغرب إلى هذا الاستغلال التاريخي لتراث اليونان؛ لأنه احتاج إليه لتدعيم ~~دعوى السيادة والرجحان على أمم الشرق في عصر الاستعمار، فاتخذ من تعظيم اليونان وسيلة ~~إلى تحقير الشرقيين واستباحة السيطرة عليهم؛ بدعوى الوصاية الطبيعية التي تخول ~~المتقدمين من بني آدم أمانة الإشراف على تعليم المتأخرين. # إن أمة اليونان الحقيقية غير هذه الأمة «المصنوعة» التي احتال بها الغربيون في عصر ~~الاستعمار على خدمة السياسة، وخدمة العصبية، ومرضاة الغرور الذي يساور «الغربي» في مقام ~~المفاخرة وإن لم يكن من خدام الاستعمار. # وليس من المنصفين من يبخس لهذه الأمة الحقيقية فضلا في تاريخ الثقافة الإنسانية، ~~فمما لا نزاع فيه أن نصيبها ms049 في هذه الثقافة لا يعلوه نصيب، ولا حاجة بها معه إلى انتحال ~~الدعوى واغتصاب الفخار بغير دليل، وحسبها أنها أخرجت للعالم سقراط وأفلاطون وأرسطو في ~~ثلاثة أجيال متعاقبة مع من أخرجتهم من الحكماء السابقين واللاحقين، وأنها تعد من ~~شعرائها، أمثال: هوميروس، ويوربيدس، وإسكايلاس، وسفوكليس، وأرستوفان، ومن علمائها ~~ومؤرخيها ذلك الطراز الأول الذي تلاحق على مدى ثلاثة قرون في عصر لم يكن فيه أحد ~~يضارعهم أو يقاربهم في هذه العلوم، ومعهم رهط من نوابغ الفن وأساطين السياسة والحكم ~~يوازنون نظراءهم من كل أمة، ويرجحون أحيانا على أولئك النظراء بالكثرة والقيمة. # حسب الأمة اليونانية هذا الفخار الذي يقره جميع المنصفين من الشرقيين ~~والغربيين. # فأما أنها استأثرت بالقيم الإنسانية العليا في الذوق والفكر والخلق، فتلك هي الدعوى ~~التي يروجها الغرض ولا يسلمها التاريخ، فإذا كانت الشهادة لها بهذا الاستئثار هي ~~المقدمة اللازمة للوصول إلى النتيجة المقصودة من تحقير الشرق وتسويغ استعباده، فهي ~~مناجزة يقابلها الشرقيون بما ينبغي لها من التصحيح والتفنيد، وإنها لينبغي لها أن تصحح ~~وتفند لغرضين واجبين؛ أحدهما: تمحيص الحقيقة، والآخر محو الأثر السيئ الذي تعقبه في ~~نفوس أبناء الشرق، فتوقع فيها اليأس، وتقضي عليها بالمهانة ضربة لازب بحكم الخصائص ~~الفطرية التي لا تتغير ولا تتبدل مع الزمن، في زعم الزاعمين. # لقد حصروا في طبيعة الغربي - من وراء اليوناني - كل قيمة إنسانية عالية في مزايا ~~الفكر أو الحكم أو الخلق، وقابلوه في هذه الخصائص بالشرقي، فخرج الغربي بمزية العقل ~~الذي يطلب العلم للعلم، ومزية الحكم الذي يقوم على حقوق الشعب، ومزية الخلق الذي تتقدم ~~فيه الفضائل الاجتماعية على دواعي الأنانية ودوافع الغريزة، وخرج الشرقي من هذه ~~الموازنة بالطرف النقيض، كأنهما متقابلان على خط من خطوط المسطرة لا يتلاقى طرفاه من ~~أقصاه إلى أقصاه. # ونحن نصحح هذه المزاعم في مناسباتها إنصافا للحقيقة، ومنعا للضرر الذي يتخلف من ~~آثارها، وبخاصة حين يتلقفها من أبناء الشرق من يحب الشهرة بالتحدي والمنافرة، ومن ~~يحب التشدق بالغرائب والتعالم بالبدع والنقائض. وقديما رأينا من أصحاب هذه النزعة ms050 من ~~ينافرون بني آدم اعتزازا بعنصر الشيطان، وكذلك كان بشار بن برد حين قال: # إبليس أشرف من أبيكم آدم # فتبينوا يا معشر الأشرار # النار عنصره وآدم طينة # والطين لا يسمو سمو النار # فليس للغربيين امتياز فطري في طلب المعرفة للمعرفة بغير نظر إلى منافع الكسب ~~والصناعة، وليس الشرقيون محرومين من طلب المعرفة للمعرفة في قديم الزمن أو حديثه، فقد ~~رصد المصريون - مثلا - كواكب السماء، وعرفوا أن الشعرى تظهر في موضع معلوم عند وصول ~~الفيضان إلى منف، فاستخدموا الرصد بعد ذلك في تقرير مواعيد الزراعة، ولكنهم كما قال ~~صاحب كتاب الرياضيات في الثقافة الغربية: قد رصدوها مئات السنين حبا للمعرفة قبل أن ~~يثبت لهم ذلك الموعد الذي انتفعوا به في تنظيم الري والزراعة. # 5 # وإنما امتاز الإغريق بالبحوث الفلسفية في زمن من الأزمان لسبب واضح: هو أن هذه البحوث ~~كانت مباحة عندهم حيث كانت تمتنع على غيرهم من أبناء الدول الشرقية العريقة، وهي لم تكن ~~مباحة لهم لمزية أصلية في طبيعة التركيب ... ولكنها أبيحت لهم لأن بلادهم نشأت وتطورت دون ~~أن ينشأ فيها عرش قوي وكهانة قوية، ولو قامت عندهم الدولة القوية والكهانة القوية، كما ~~قامت في مصر وبابل، لكان شأنهم في أسرار الدين والمسائل الإلهية كشأن البابليين ~~والمصريين. # فالبلاد التي تجري فيها الأنهار الكبيرة تنشأ فيها الممالك الراسخة، وتنشأ مع الممالك ~~كهانات قوية السلطان تستأثر بالبحث في أصول الأشياء وحقائق التكوين، وتتولى شئون العلم ~~والتعليم كأنها حق لها مقصور عليها لا يجوز الافتئات عليه، وإلا كان المفتئت كالمعتدي ~~على نظام الدولة ومحراب العبادة، ومتى طال الأمد بهذه الكهانات جيلا بعد جيل، وعصرا ~~بعد عصر؛ تمكن سلطانها، وتشعبت دعاواها، وتلبست معلوماتها بلباس الأسرار والطلاسم، ~~وابتعدت شيئا فشيئا عن نطاق البحث الحر إلى نطاق المحفوظات والمأثورات. # وقد حكم على سقراط بالموت، وهرب فيثاغوراس قبله من وطنه، وهرب غيره من الفلاسفة من ~~أثينا، دون أن تكون في بلادهم تلك الكهانات الراسخة التي طالت بها العهود في البلاد ~~الشرقية، «وحدث للأوروبيين ما حدث في ms051 الشرق حين قامت في بلادهم الكهانات القوية، وبسطت ~~سلطانها على التعليم ومعارض البحث في حقائق الدين وأسرار الطبيعة». # 6 # ودعوى الامتياز الفطري بالحكم الحر أضعف من دعوى الامتياز الفطري بطلب المعرفة حبا ~~للمعرفة. # فالشائع على الألسنة أن التقدم العقلي ألهم اليونان أن يختاروا الحكومة الديمقراطية - ~~أي الحكومة الشعبية - من كلمة ديموس، بمعنى الشعب في اللغة اليونانية القديمة. # وهذا خطأ من جميع أطرافه؛ فإن الحكم الذي سمي بالديمقراطي أو النيابي لأنه يجري ~~بالانتخاب لم يبتدئ في أثينا، حيث يتكلم الفلاسفة ويتذاكرون، بل كان مبدؤه في «أسبرطة» ~~العملية التي تختار النظام؛ لأنه أيسر تطبيقا وأنفع عملا، وتتبع هذه السنة في ~~اختيار كل خطة تنتظم بها الإجراءات، ويمتنع بها الشغب والنزاع. # وكلمة «ديمقراطية» لم تؤخذ من حكم الشعب، ولكنها أخذت من كلمة «ديموس» بمعنى ~~المحلة التي تقيم بها القبيلة، ثم استعيرت للقبيلة نفسها وللحكومة التي تشترك فيها ~~القبائل. # وقد كان الانتخاب في أثينا القديمة مسألة «إجراءات» كما كان في أسبرطة من قبلها، ولم ~~يحدث قط أن أحدا نال حق الانتخاب لأنه حق إنساني تناط به التبعات والواجبات، وإنما ~~كانت الطوائف تناله واحدة بعد أخرى كلما اضطرت الدولة إلى الاستعانة بها في القتال، فلم ~~تنله طائفة الملاحين مثلا إلا بعد ثبوت الحاجة إليهم في الحروب البحرية بعد وقعة ~~سلاميس. # ويصدق هذا القول على الديمقراطية الغربية كلها بعد الديمقراطية اليونانية القديمة ~~بأكثر من عشرين قرنا؛ فإن عمال الصناعة نالوه بعد عمال الزراعة؛ لأن عمال الصناعة ألزم ~~للدولة من غيرهم في معامل الذخيرة والسلاح، وأقدر على المطالبة والإضراب، ولم تنل ~~المرأة حق الانتخاب إلا بعد ثبوت الحاجة إليها في تلك المعامل مع إلحاح الطلب على ~~المجندين من الرجال، ولم يصل الزنوج الأمريكيون إلى تطبيق هذا الحق فعلا إلا بعد الحرب ~~العالمية الثانية التي اشتركوا فيها مقاتلين كما اشتركوا فيها صناعا للذخيرة ~~والسلاح. # أما حكم الشورى الذي هو تكليف إنساني منوط بحقوق المساواة وتبعات الحكام والمحكومين، ~~فلم ينشأ في اليونان ولا في أمة غربية، بل نشأ في ms052 الإسلام في الجزيرة العربية، ولم ~~تسبقه إليه ملة ولا دعوة فكرية. ~~••• # ونأتي بعد بيان الحقيقة في امتياز المعرفة وامتياز الحكم إلى موضوع هذا الكتاب، وهو ~~«قوة الشر » ومكانها من الإله الأكبر أو من نظام الوجود. # ففي الحضارات الشرقية التي أجملنا القول فيها رأينا أن «قوة الشر» مغضوب عليها؛ لأنها ~~تضر وتفسد وتدس الغواية على الإنسان. وخلاصة المعايير الأخلاقية هنا أن القيم الصالحة ~~في جانب الإله، والقيم الفاسدة أو الخبيثة في جانب «قوة الشر» أو الشيطان. # لكن الأمر ينقلب تماما في معايير الأرباب اليونانيين؛ لأن «برومثيوس» الذي ينصب عليه ~~غضب الأرباب وكبيرهم زيوس هو المعلم الذي هدى الإنسان إلى سر النار، وألهمه السعي في ~~طلب البقاء، وبصره بالمجهول من خفايا الكون الذي يعيش فيه، وتمثله الأساطير على ~~قسط وافر من الفطنة يغار منه رب الأرباب، ويخيل إليه من أجل ذلك أنه يتعالم ~~عليه. # أما رب الأرباب «زيوس» فهو أشبه ما يكون بالشيطان في الديانات الشرقية القديمة، وهو ~~في جميع صوره شهوان نهم أكول، شديد الطمع، لا يبالي شيئا من الدنيا غير استبقاء سطوته ~~وموارد خزانته؛ ولهذا أرسل الصاعقة القاتلة على «أسقولاب» أبي الطب؛ لأنه يشفي المرضى ~~فلا يموتون ويخسر «بلوطس» في العالم الأسفل ضرائب نقلهم على الهاوية السوداء. # وتمتلئ الأساطير اليونانية بأنباء الشجار بين رب الأرباب هذا وقرينته «هيرا» التي ~~كانت تفاجئه في خياناته الغرامية مع نساء الإلهة وبني الإنسان، وربما عنفته في بعض هذه ~~المشاجرات؛ لأنه ينحرف نحو «الشذوذ الجنسي» فيهبط إلى الأرض ليختطف منها الغلام الجميل ~~«جانيميد» يجعله ساقيا في الملأ الأعلى يدير الرحيق عليه وعلى ندمائه المقربين. # وتتمثل لنا صورة زيوس هذا في أساطيره الكثيرة نموذجا للقوة الجسدية، وللحقد على من ~~يظهرون الذكاء ويحرمونه لذات المخدع والخوان؛ فإن غضب فإنما يغضب لفوات لذة أو أكلة، ~~وإن رضي فإنما يرضى لخدمة أو وساطة في طعام أو غرام. وهذه إحدى المحاورات بينه وبين ~~برومثيوس كما تمثلها «لوسيان الساموسي» أديب الأساطير المشهور. ~~- أطلقني يا زيوس؛ حسبي ما قاسيت. ~~- أطلقك؟ أطلقك أنت؟ ms053 كيف؟ إنك لأولى أن يزاد عليك ثقل الأغلال، وأن تطبق عليك جبال ~~القوقاز جميعا، وأن ينهش من كبدك اثنا عشر عقابا بدلا من هذا العقاب الواحد؛ فإنك ~~أنت الذي أغريت هذه المخلوقات البشرية اللعينة بأن تجترئ على مناوأتنا، وأنت الذي ~~اختلست سر النار، وأنت الذي سويت المرأة! وما بي من حاجة أن أذكرك بما صنعت حين وضعت ~~لي العظم على المائدة وغطيته بالشحم تخدعني عن طعامي، فذق إذن جزاءك؛ فإنك به ~~لجدير. ~~- وهل تراني لم أصب من ذلك الجزاء ما هو حسبي؟ ألم ألصق هنا بالجبل سنين بعد سنين ~~يأكل من كبدي عقابك هذا اللعين الأثيم؟ ~~- إنك لم تصب عشر معشار الجزاء الذي أنت به حقيق. ~~- تأمل؛ إنني لا أطلب منك الإفراج عني سماحة بغير عوض، وإنما أهب لك سرا من ~~الأسرار الغالية التي تعنيك. ~~- آه. إنها إذن لحيلة من حيل برومثيوس. ~~- حيلة من حيلي! ولأي غرض؟ إن جبل القفقاز موجود، وإنك لقادر على الرجعة بي إليه إن ~~كذبت عليك. ~~- قل لي أولا في أي شيء تكون هذه النصيحة الغالية. ~~- أإذا أنبأتك حقا بشيء عن هذه النصيحة، ألا تعلم منها أيضا أنني أحس بالنبوءة عن ~~الغيب؟ ~~- بكل يقين. ~~- إنك على موعد زيارة لثيتس. ~~- إلى هنا أصبت، فماذا بعد هذا؟ قل؛ إنني الآن أصغي إليك. ~~- لا تضاجعها يا زيوس؛ فإن بنت نيريس لا تلبث أن تحمل منك حتى تلد طفلا يبتليك بما ~~تبتليني به الآن. ~~- تعني أنني أفقد عرشي؟ ~~- أعيذك من القضاء، وإنما أنبئك بما سيكون من وراء ذلك اللقاء. ~~- إذن وداعا يا ثيتس. وأنت يا برومثيوس سيأتيك هيفستس بالفرج القريب. ~~••• # ورواية لوسيان لأخبار برومثيوس مع رب الأرباب تطابق رواية «هزيود» الذي تولى تنقية ~~الأساطير، وحاول أن يعرض زيوس في معرض التقديس والتنزيه، فلم يترفع به عن وصمة النهم ~~الذي يغضب لأكلة، ولا عن تهمة الغيرة من ذوي الفطنة والحيلة، بل ألقى اللوم على المغضوب ~~عليهم لأنهم استحقوا الغضب بالتعالم عليه، وحكى وهو يبسط القول في أوائل خلق الكون قصته التالية: ms054 ~~... وولدت كليمين بنت الأوقيانوس ولدا أصمع القلب هو الأطلس، وكذلك ولدت ~~منوتيوس المجيد، وبرومثيوس اللبيب صاحب الحيل والأساليب، وأييمثيوس الذي كان من ~~مبدأ أمره شرا على الناس الذين يأكلون الخبز؛ لأنه هو الذي أخذ من زيوس ~~المرأة التي خلقها، وكان منوتيوس ثائرا مثيرا، فرأى زيوس بثاقب نظره أن يرجمه ~~بصاعقة هبطت به إلى أرينوس لادعائه وإمعانه في كبريائه ... وقضى على برومثيوس ذي ~~البديهة الحاضرة والعارضة القوية أن يوثق بأغلال لا يفلت منها، وقيود قاسية لا ~~ترحمه، وأن يطعن أحشاءه بسهم يكشف عن كبده لينهشها النسر الطويل الجناحين، ~~فيلتهمها بالنهار، ويتركها في سواد الليل تعود سوية كما كانت ليعاود تمزيقها في ~~الصباح. # وقد جاء هرقليس فقتل هذا النسر وأنقذ برومثيوس من عذابه ... ولم يكن ذلك بغير ~~رضى من زيوس صاحب العرش الرفيع في الأولمب، وإنما أراد نباهة الشأن لابنه ~~هرقليس ... فنظر بعين الرضى إلى فعلته وإن يكن غاضبا من برومثيوس؛ لأنه تسامى ~~إلى مناظرة الإله الأكبر في الذكاء ... وقد كانت لذلك قصة يوم انقسم الأرباب ~~والبشر، وذبح برومثيوس ثورا عظيما ليطعمهم منه؛ فسولت له نفسه أن يخدع زيوس، ~~وأن يضع اللحم الجزل أمام غيره، ويضع أمامه عظما مكسوا بالشحم يلمع عليه ~~ويخفي ما تحته بلباقته وخبثه، فلم يلبث زيوس أن صاح به: يا ابن يابيتس سيد ~~السادة، ما أشد إجحافك - سيدي - في قسمتك! # كذلك قال زيوس صاحب الحكمة الخالدة يؤنبه، فلم ينس برومثيوس مكره، وراح يجيبه في ~~ابتسام وصوت خفيض: «خذ من هذه الأنصبة جميعا ما ترضاه»، وظن أنه يحتال على الإله ~~الأكبر بهذه الخديعة، ولكن الإله الأكبر صاحب الحكمة الخالدة لمح كيده، ولم يخف عليه ~~قصده، وأضمر في قلبه شرا لأبناء الفناء من البشر لا محيص لهم من قضائه، وتناول الشحم ~~الأبيض بكلتا يديه وقلبه مفعم بالغضب، وروحه يتلهب سخطا كلما رأى العظم الأبيض مدسوسا ~~في خبث واحتيال؛ ولهذا قضى على عشائر البشر أن تحرق العظم الأبيض على المذابح المعطرة ~~قربانا للأرباب الخالدين. ويزمجر مرسل الغمام بصواعقه محنقا إذ يقول ms055 لبرومثيوس: يا ~~ابن يابيتس، يا بارعا فوق البارعين، كأنك يا سيدي لم تنس بعد أساليبك في المكر ~~والخداع! # كذلك قال زيوس السرمدي الحكمة في غضبه، وظل منذ تلك الساعة يذكر الحيلة، ويأبى أن ~~يسلم سر النار إلى الخلائق البشرية الهالكة التي تعيش على الأرض، إلا أن برومثيوس ~~النسيب الحسيب غلبه دهاؤه، واختلس قبسا من النار في جوف قصبته، وأحس زيوس مرسل الصواعق ~~في العلا بلذعة في فؤاده حين لمح النار بين أبناء البشر ... # ثم مضى هزيود يروي قصة المرأة التي خلقها زيوس شرا للبشر، وجعل اجتنابها في الوقت ~~نفسه شرا يورث العقم، وجاء برومثيوس فأغرى الإنسان بالنسل مستهينا بشر الفتنة حذرا ~~من شر الفناء. # وبديه أن تستهوي الشعراء هذه الأسطورة التي تحيط بمأساة البشر بين القوة الإلهية التي ~~تحبهم، والقوة الكبرى التي تبغضهم وتلقيهم بين شرين من الفتنة والفناء، فقد جرب الشعراء ~~أخيلتهم في نظم الأسطورة وإيداعها كل ما تتسع له من أحاسيسهم وأفكارهم، ومن تصويراتهم ~~للقدر المحيط بالإنسان بين السماوات والأرضين، وقد تناولها في العصر القديم شاعر من ~~أكبر شعراء اليونان، وتناولها في العصر الحديث شاعر من أكبر شعراء الإنجليز وشعراء ~~الغرب أجمعين، فنظم فيها «إسكايلاس» قصيدته بعنوان «برومثيوس المعتقل»، ونظم فيها «شلي» ~~قصيدته بعنوان «برومثيوس الطليق». # وكلاهما قد وضع برومثيوس وزيوس في مكانيهما من الإنصاف والإجحاف، ومن الخير والشر، ~~ومن البر والعقوق، فجعل الشاعر اليوناني زبانية زيوس نفسه يرثون لبرومثيوس الذي قضي ~~عليه - لعطفه على أبناء البشر - أن يوثق إلى صخرة نائية لا يراها أحد منهم، ولا يسمعه ~~منها أولئك الذين قد شقي في سبيلهم فيجزيه عطفا بعطف، وإحسانا بإحسان، وجعل الشاعر ~~الحديث رب الأرباب كالمارد العربيد أسكره النصر، فقام بين مخلوقاته الذين تسعدهم عزته، ~~ونعى لهم صديق البشر الذي يرفعون إليه قرابينهم على كره منهم، وفي قلوبهم غصة، وعلى ~~ألسنتهم نفاق. # ويقرأ المثقفون من الغربيين هذا الشعر الرفيع ولا يشعرون بالمناقضة بين ما يوحيه من ~~القيم الأخلاقية في تصوير أصول الخير والشر، وبين دعوى الامتياز الأوروبي على ms056 أمم الشرق ~~في تصويرهم لهذه الأصول، وليس في وسعهم أن ينكروا دلالة الأساطير الكونية على معايير ~~الأخلاق وبواطن الشعور، وليس في وسعهم كذلك أن ينكروا التواتر في رواية تلك الأساطير. ~~ونحسب أن السهو عن بيان هذه المفارقات في كتاب يوضع عن «الشيطان» يخل بأمانة الكاتب من ~~الشرقيين وغير الشرقيين، ولكن الكاتب الشرقي - من أبناء هذا العصر خاصة - يخل بأمانتين ~~لا بأمانة واحدة حين يسهو في هذا السياق عن تمحيص الحقائق، ودفع الأباطيل التي تتجاوز ~~الخطأ إلى الضرر بالنفوس. ~~••• # ويبدو أن اليونان المتأخرين - قبل عصر المسيحية - قد استعاروا من الشرق فكرة أخرى عن ~~أصل الخطيئة، أو أصل الخطايا الشيطانية جميعا، فردوها إلى الكبرياء، وأطلقوا على هذه ~~الخلة اسم الهوبري ~~“Hubris” ~~، وهي كلمة قريبة من دلالات ~~الرجس في اصطلاح الدينيين. # ولكن الكلام في الكبرياء لا يغني عن تعقيب ينفي عن الكبرياء محاسنها، ولا يبقي لها ~~غير عيوبها التي ينكرها الدين كما ينكرها معيار الأخلاق. # فالكبرياء على الإله الكامل العظيم في صفاته وآلائه كفران لا شك فيه، وخطيئة لا مسوغ ~~لها من العقل ولا من الضمير. أما الكبرياء على صاحب سلطان يستسلم لشهواته، ويصب صواعق ~~السماء في سبيل أكلة من اللحم والشحم، فليس فيها من معنى الخطيئة كثير ولا قليل، وليس ~~في استعارتها لهذا المعنى دليل على معيار صادق للحسنات والعيوب، ولكنه من قبيل النقل ~~على السماع في غير موضعه ومغزاه. # | الفصل الثالث # (1) في طريق الأديان الكتابية # قبل أن ننتقل إلى عقائد أهل الكتاب في قوة الشر العالمية، نتريث هنا لحظة لتلخيص ~~المرحلة الطويلة التي عبرها الإنسان في هذا الطريق، من خطواته الأولى حيث لا تمييز بين ~~خير وشر، ولا بين إله وشيطان، إلى غايته القصوى في حضارات الأمم القديمة حيث ظهرت ديانة ~~التوراة، وهي أول الأديان الكتابية في التاريخ. # آمن الإنسان بالأرواح والأطياف من أول عهده بالدين في الهمجية الأولى، وآمن منها بما ~~يرجوه وما يخشاه، ولكن كما يرجو النفع ويخشى الضرر من كل شيء يحيط به، وتتعلق به ~~المنافع والمضار، ولم ms057 يكن للتفرقة بينها معنى في مقياس الأخلاق أرفع من معنى التفرقة ~~بين الحيوان الأنيس والحيوان الضاري، أو بين الحشرة المأمونة والحشرة السامة، أو بين ~~جمادين أحدهما يفيد ولا يضر، والآخر يضر ولا يفيد، وربما تلبس عنده الجماد بروح من ~~الأرواح أو طيف من الأطياف كلما ارتجى نفعه واتقى أذاه. # وخطا في طريق التدين خطوة أخرى حين قسم الأرواح والأطياف إلى طيب وخبيث، واحتاج إلى ~~الكاهن والساحر، ليروض له الخبيث بالرقى والتعاويذ، ويجزي عنه الطيب بالدعوات ~~والقرابين، وعمل التخصص عمله البطيء فانفصل دور الدعاء ودور السحر، وإن عمل فيهما كاهن ~~واحد، كما كان ينفصل دور الراعي ودور الصياد وإن كان كلاهما يرعى الحيوان النافع، ويصيد ~~الحيوان الذي يفتك بالأناسي والماشية. # ثم خطا الإنسان خطوة أخرى من التمييز بين المنفعة والمضرة، وبين المنفعة التي تصدر ~~على الدوام من الطيبة وحسن النية، والمضرة التي تصدر على الدوام من طبع خبيث ونية سيئة، ~~ولم يكن أمامه في هذه الخطوة مثل على الشر الخبيث الذي يضمر السوء، ويتوارى عن النظر، ~~أقرب إلى الحس والخيال من الحية التي تزحف على التراب، وتندس في الجحور كيدا وخديعة ~~وتمكنا من الدس والأذى فيما توهمه، ولم يكن في وسعه أن يتوهم شيئا سواه؛ ولهذا ~~بقيت صورة الحية مقترنة بقوة الشر حقيقة أو رمزا إلى أحدث العصور. # وعاش الإنسان عصورا مديدة يعمل الأعمال أو يتركها لأنها مأمونة نافعة، أو محذورة ~~وخيمة العاقبة، فلما أخذ يعملها أو يتركها لأنها واجبة مطلوبة، أو لأنها محرمة محظورة، ~~كانت هذه خطوته الأولى في طريق التمييز بين الواجب والمحرم، وبين الخير والشر في أضيق ~~الحدود. # ولم يزل خيره وشره خير قبيلة واحدة أو شر قبيلة واحدة، حتى تجمعت القبائل في أمة ذات ~~مجتمع واحد وشريعة واحدة، فعمت نظرته إلى الشر والخير، ولم تزل تتسع في عمومها حتى برزت ~~في ذهنه فكرة «النوع الإنساني»، ووجدت مع هذه الفكرة الرفيعة فكرة أرفع منها وأشرف ~~جدا في مغازيها وثمراتها؛ وهي فكرة الإنسان عن ضمير الإنسان. ولم يكن في ms058 الوسع أن ~~يعقل شيئا عن «الضمير الإنساني» قبل أن يعرف أن الإنسان نوع واحد من وراء العشائر ~~والقبائل والشعوب والأقوام. # وكانت الحضارات الأولى خطوة بل خطوات واسعة في هذا الطريق، ولكنها خطوات متفرقة ~~تتقابل أحيانا، ولا تتقابل دائما في الاتجاه إلى معنى الخيرات والشرور، وقد كانت ~~خيرات وشرورا قبل أن تجتمع في خير واحد بمقياس واحد، أو في شر واحد بمقياس واحد يتقارب ~~فيه جميع بني الإنسان. # كانت مسألة العلم مسألة دولة وشريعة ونظام في عرف الحضارة المصرية الأولى؛ فالخير ~~شريعة تستتب عليها الأمور، والشر مروق من تلك الشريعة وإخلال بالنظام الذي استتبت ~~عليه. # وكانت المسألة مسألة كونية في عرف الحضارة الهندية الأولى، فالكون الظاهر كله باطل ~~وزيف وشر، ولا خير في غير الإعراض عنه، والنفاذ إلى ما وراءه، ولعل المجاز هنا قد فعل ~~فعله في المشابهة بين صيرفة الجواهر وصيرفة الموجودات على عمومها؛ فقد كانت صيرفة ~~الجواهر فنا قديما في حضارة اللآلئ والحجارة الكريمة وحلي التيجان والقصور، وما ~~عداها أو ما دونها من الحلي الزائف والحلي المبذول، وكلها كثيرة قديمة في بلاد ~~الهنود. # وكانت المسألة مسألة فلكية في حضارة «بين النهرين» بفرعيها من فارس وبابل. # فما عدا النور فهو ظلام، وكل ما في الوجود فهو بين النور والظلام، وهذه هي خلاصة ~~الديانات الثنوية في مختلف المذاهب والتأويلات. # وتختلف عقيدة فارس وعقيدة بابل في تلك الحضارة أو تلك الحضارات الواسعة، ولكنها لا ~~تزال فلكية في الصميم؛ لأن الخير والشر فيها مقسومان بين السعود والنحوس كما سطرت في ~~أزياج الكواكب، ودارت عليها أفلاك السماوات. # أما الحضارة اليونانية الأولى فالخير فيها مسألة حظ، والشر فيها مسألة اعتراض لذلك ~~الحظ الذي لا حيلة فيه للمحظوظ ولا للمعترض عليه. # فلم يكن «زيوس» رب الأرباب لأنه أطيب منها، أو أعلم منها، أو أرفع منها خلقا، أو ~~أشرف منها مقصدا، إذ إنه في الواقع أقل من الأكثرين بين الأرباب في جميع هذه الخصال، ~~وإنما «الحظ» وحده هو الذي يفسر علوه عليها بغير تلك الفضائل والمزايا. ولم ms059 يكن هذا ~~«الحظ» عرضا من الأعراض، أو مصادفة من المصادفات في الثقافة اليونانية المتقدمة، فضلا ~~عن الأساطير البدائية التي لم تخلص من سذاجتها واختلاطها، بل كان «الحظ» مدار القصائد ~~الكبرى والدرامات التي وضعها نوابغ الشعراء، ومثلوا فيها مصائر الأبطال وما كتب عليهم ~~قبل مولدهم من قسمة مبرمة، وقضاء محتوم لا مهرب لهم منه بحيلة أو اجتهاد، ولا نجاة منه ~~لذي حسنة أو ذي سيئة من المتفائلين أو المتشائمين. # وإذا لخص النزاع بين زيوس وبرومثيوس في قصة مفهومة، فليس لفهمه وجه من الوجوه على غير ~~معنى واحد، وهو النزاع بين صاحب حظ غالب وصاحب حظ مغلوب. ولعل فلاسفة اليونان لم ~~يجتهدوا اجتهادهم في كلامهم على السبب والمصادفة - أو البخت كما ترجمه الفارابي - إلا ~~لأنهم كانوا يلقون «البخت» أمامهم عقبة قائمة في طريق كل تفكير، وكان إيمان العظماء به ~~قد بلغ من الرسوخ والخطر ألا يقدم أحدهم خطة من خطط السلم، أو غزوة من غزوات الحرب، إلا ~~بعد استطلاع العرافين عن «الحظ» المكتوب له أو عليه. # على أننا - في هذه العجالة - في مقام الحد الفاصل بين الحضارات الأولى والأديان ~~الكتابية من وجهة النظر إلى «قوة الشر العالمية» أمام قوة الخير، أو أمام المشيئة ~~الإلهية التي آمن بها الناس وهم يعلمون فكرة «النوع الإنساني» وما تلاها من فكرة أرفع ~~منها وأشرف، وهي فكرته عن «ضمير الإنسان». # ونحسب أن الحد الفاصل إنما هو الفارق بين التقديم والتأخير بين صفتين من صفات الإله ~~الأكبر؛ وهما: صفة السيادة والسلطان، وصفة الخلق والتكوين. # فالأقدمون قد آمنوا بخلق الله للأكوان، ولكنهم لم يبرزوا صفة الخلق كما أبرزوا صفة ~~السيادة، ولعلهم كانوا منساقين في ذلك مع عقائد الفطريين الأسبقين الذين كانوا يؤمنون ~~بأرواح لم ينسبوا إليها خلق شيء من الأشياء، فضلا عن خلق الكون الذي يحتوي جميع ~~الأشياء، ثم تدرج الناس من عبادة الروح المتسلط إلى عبادة الإله المتسلط، فجعلوا صفة ~~الخلق تابعة لصفة السيادة والسلطان. # أما الديانة الكتابية فقد أبرزت صفة الخلق وجعلتها شاملة لكل ما عداها من ms060 الصفات ~~الإلهية، ومنها صفات السيادة وتصريف المقادير، ويأتي من هذا الفارق شيء كثير. # يأتي منه أن الشر في الحالة الأولى إنما يحسب من قبيل الحماقة قبل أن يحسب من قبيل ~~الكنود والفساد، فلا يقال عنه: إنه يليق أو لا يليق كما يقال عنه: إنه عمل حكيم أو غير ~~حكيم. وبين هذا، وبين وصف الشر بالسوء والكفران بون واسع لم تعبره الأمم الإنسانية طفرة ~~واحدة، بل تقدمت فيه خطوات بعد خطوات كما سنرى في عقائد الأديان الكتابية مما قبل ~~التوراة إلى ما بعد الإسلام. ~~(2) الأديان الكتابية # العبرية # نسميها العبرية لأننا لا نعرف تسمية تصدق عليها منذ نشأتها في بلاد بين النهرين ~~كما تصدق عليها هذه التسمية. # فلا يصدق عليها اسم «اليهودية» لأن النسبة إلى يهوذا حدثت بعد موسى عليه ~~السلام. # ولا يصدق عليها اسم «الموسوية»؛ لأن موسى قام بالدعوة بعد يعقوب وإسحاق وإبراهيم ~~عليهم السلام. # ولا يصدق عليها اسم «الإسرائيلية» لأن الإسرائيلية تنسب إلى إسرائيل، وهو يعقوب ~~بن إسحاق، وكان إبراهيم الخليل جدهم أجمعين يلقب بالعبري في بعض كتب العهد القديم، ~~فإطلاق اسم العبرية على العقائد التي دانت بها العشائر التي نشأ فيها إبراهيم أصدق ~~من كل اسم آخر في الإحاطة بديانة القوم، من أوائل تاريخها وفي جميع أطوارها ~~المعلومة إلى أن عرفت أخيرا باسم ديانة التوراة. # وينبغي أن نميز العبرية، في نشأتها الأولى، من ديانة التوراة كما تلقاها ~~المسيحيون الأوائل، وكما انتهت إلينا مهذبة في القرآن الكريم. # فقد حملت «العبرية» عبء التوسط بين الوثنيات الأولى وعقائد التوحيد من قبل ظهورها ~~إلى ما قبل المسيحية بنحو مائتي سنة، فلم تستقم على عقيدة الإله الواحد المنزه عن ~~اللوثة الوثنية إلا حوالي القرن الثاني قبل الميلاد. # ولم تكن قط، قبل ذلك ولا بعد ذلك، ديانة إنسانية عامة تتساوى فيها جميع السلالات، ~~وتناط فيها العقيدة بضمير الإنسان غير منظور فيه إلى عنصر أو نسب، وإنما نشأت ~~وعاشت ديانة «قبيلة خاصة» أو قوم معلومين. # ولم ترتفع قط بإدراكها للتنزيه الإلهي إلى الأفق الذي ارتفع إليه ms061 آخر الأديان ~~الكتابية، وهو الإسلام. # بل كان العبريون الأوائل ينكصون حينا بعد حين إلى شعائر الأوثان والأصنام، ~~وعبادة البعل وتموز وعشتروت، ويعرضون عن أنبيائهم الذين يغارون من منافسة هذه ~~الأرباب لرب إبراهيم؛ فلا يعودون إلى الوحدانية - أو ما يشبه الوحدانية - إلا بعد ~~تقرير الدعوة من جديد. # ولبثوا زمانا يصفون الإله بالصفات التي لصقت به في الوثنية أو في ديانات ~~الحضارات الأولى، فكان الإله عندهم يغار من الجنس البشري، ويشفق من يوم يهتدي فيه ~~إلى شجرة الخلود، ويتوعده بالموت إن أكل منها، فيقيم الملائكة الأشداء حرسا حولها، ~~كما روي عن الأرباب البابليين في حواشي قصة الخلق وقصة الطوفان، وكانوا يقولون ~~لموسى عليه السلام: إنهم يتهمون «يهوا» بالكيد لهم، ونصب الفخاخ في البرية للتغرير ~~بهم، وإنه لم يستدرجهم إلى سيناء إلا لأنه يبغضهم ويتمنى لهم الهلاك بعيدا من أرض ~~وادي النيل التي أخرجهم منها. # وكانت فكرة السيادة في عبادتهم للإله غالبة على فكرة الخلق، كما كانت غالبة على ~~أديان الحضارات الأولى، فلم ينكروا وجود الأرباب التي تدين بها العشائر الأخرى، ~~ولكنهم أنكروا سيادتها، ودانوا بالولاء للإله «يهوا» وحده، كما يدين الشعب لملكه ~~وهو يعلم بملوك غيره لا تجب عليه طاعتهم، ولا يأمن العاقبة إذا أشرك بينهم وبين ~~ملكه في فرائض الولاء. # ويتضح من مقارنات الأديان أن العقيدة تعزل قوة الشر وتحصرها في «الشخصية ~~الشيطانية» كلما تقدمت في تنزيه الإله، واستنكرت أن يصدر منه الشر الذي يصدر من ~~الشيطان. # ولهذا لم يشعر العبريون الأوائل بما يدعوهم إلى عزل الشيطان أو إسناد الشرور ~~إليه؛ لأنهم كانوا يتوقعون من الإله أعمالا كأعمال الشيطان، وكان العمل الواحد ~~عندهم ينسب تارة إلى الشيطان وتارة إلى الإله، كما حدث في قضية إحصاء الشعب على عهد ~~داود، فإنه في المرة التي ورد فيها اسم الشيطان بصيغة العلم قيل إنه هو الذي أغرى ~~داود بإحصاء الشعب، كما جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الأيام الأول، ولكن ~~الرواة يروون هذه القصة بعينها في سفر صمويل الثاني فيقولون: إنه «حمي غضب ms062 الرب على ~~إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلا: امض وأحص إسرائيل ويهوذا ...» # ولم يكن الشيطان هو الذي أغوى حواء بالأكل من الشجرة المحرمة، بل كانت الحية هي ~~صاحبة الغواية هنا، جريا على سنن الأقدمين الذين كانوا يوحدون بين الضرر الحسي ~~وبين الخطيئة الأخلاقية، وقبل أن تصبح الحية مجرد رمز إلى الشيطان تلاحظ فيه ~~المشابهة بين نفث السم ونفث الشر على أسلوب المجاز. # ولم يذكر الشيطان قط في كتاب من الكتب قبل عصر المنفى إلى أرض بابل سنة (586 قبل ~~الميلاد) ... ثم كان ذكره فيها على الوصف لا على التسمية، فجاء مرة بمعنى الخصم في ~~القضية، وجاء مرة أخرى بمعنى المقاوم في الحرب، وأطلق مرة على الملك الذي تصدى ~~لبلعام في طريقه؛ لأنه كان بمعنى المعترض أو الضد أو الخصم المقاوم، ولم يذكر بصيغة ~~العلم إلا حيث قيل في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الأيام: إنه «وقف الشيطان ضد ~~إسرائيل». # وقد كانت قرابين الكفارة تقسم على التساوي بين الإله وبين عزازيل رب القفار، أو ~~الجني الذي يهيمن على الصحراء، وكان إيمانهم بوجود الأرباب الأخرى التي يعبدها ~~غيرهم من الأمم بديلا من صور الشياطين؛ لأنها كانت تعمل عمل الشيطان، كلما صرفت ~~الشعب عن عبادة «يهوا» إلى عبادة غيرها تثير النقمة على العصاة، وإنما تأتي النقمة ~~إذن من «يهوا»، ولم تأت قط من أولئك الأرباب الأجنبيين، البدلاء من ~~الشياطين. # وقد تمثل الشيطان في صورة الواشي الموغر للصدور في قصة أيوب عليه السلام، ولم يكن ~~منعزلا عن الملائكة، بل دخل معهم إلى الحضرة الإلهية، وجرى سياق القصة على النحو ~~الآتي كما جاء في الإصحاح الأول من سفر أيوب: «وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ~~ليمثلوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضا في وسطهم، فقال الرب للشيطان: من أين جئت؟ ~~فأجاب الشيطان الرب وقال: من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها، فقال الرب ~~للشيطان: هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ إنه ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم يتقي ~~الله ويحيد عن الشر، فأجاب الشيطان الرب ms063 وقال: هل مجانا يتقي أيوب الله؟ أليس ~~أنك حميته بحياطتك إياه، وحياطة بيته وكل ما يملك من ناحية؟ ... باركت أعمال يديه ~~فانتشرت مواشيه في الأرض ...» # ثم تبتدئ المحنة بتسليط الشيطان على أيوب لامتحان تقواه وصبره على ضربات المرض، ~~والبلاء، والفقر، والحرمان. # وقصة أيوب عربية باتفاق الشراح المؤرخين ونقاد العهد القديم، ولها نظائر ~~في الأدب العربي إن لم تكن هي القصة بعينها منقولة في رواية أخرى، ونعني بها القصة ~~التي أشار إليها امرؤ القيس حيث يقول في معلقته: # وواد كجوف العير قفر قطعته # به الذئب يعوي كالخليع المعيل # فإن الجوف بلغة اليمن هو الوادي، وكلمة العير في هذا البيت بديل من كلمة «الحمار» ~~اسم صاحب القصة، ولم تستقم كلمة الحمار في وزن الشعر فجاء الشاعر بكلمة العير لتدل ~~على معناها، وكان حمار بن مويلع هذا رجلا من العمالقة له مال وبنون، وزرع وضرع، ~~فنزلت على أبنائه صاعقة في بعض أسفارهم أحرقتهم وما معهم، فكفر الرجل بالله وقال: ~~«لا أعبد ربا أحرق بني.» ثم عكف على عبادة الأصنام فأرسل الله على واديه ~~نارا أتت عليه، وجعلته مضرب المثل في الخراب، فيقال على هذه الرواية: «أخلى من جوف ~~حمار.» # وأيا كان القول في هذه القصة فلا خلاف على قصة أيوب، ولا على نسبة أيوب إلى ~~العرب، ولا على انفراد هذه القصة بين كتب العهد القديم بتمييز قوة الشر والغواية في ~~«شخصية الشيطان» ... وتلك قيمة من القيم الاعتقادية التي لم يميزها العبريون؛ لأنهم ~~لم يبلغوا من التمييز بين طبيعة الخير وطبيعة الشر أن يفرقوا بين الملائكة ~~والشياطين، وأن ينزهوا الإله الذي يعبدونه أو تعبده الأقوام الأخرى عن قبائح ~~الشيطان. # وقد نبهنا إلى تحرير موازين النقد قبل النظر فيما كتبه الأوروبيون عن اليونان، ~~وليست الحاجة إلى تحريرها في صدد المأثورات العبرية بأقل من الحاجة إليه في صدد ~~المأثورات اليونانية؛ لأن الأوروبيين لا يتجردون من الهوى والعصبية كلما خلطوا بين ~~تاريخ عقائد العبريين منذ القدم، وبين تاريخ العهد القديم، على اعتباره كتابا من ~~كتب المسيحية التي ms064 يؤمن بعض الكنائس بتنزيلها، وينظر إليه بعضهم كأنه تراث أدبي ~~موصول بتراث الدين. # فقد وهم الكثيرون من قدم الديانة العبرية، وأنها أسبق الديانات الكتابية في ~~التاريخ أن هذه الديانة سبقت المسيحية والإسلام إلى أصول العقائد والعشائر في جميع ~~الفرائض والعبادات، ولكن الواقع أن العبريين استعاروا كل ما دانوا به، ولم يعيروا ~~المسيحية والإسلام شيئا غير ما جاء من تطور الأفكار، ولم يكن مجيئه على يديهم في ~~أكثر الأحيان. # وعلى خلاف الشائع بين أصحاب الدعايات والعصبيات كان أنبياء العرب أساتذة الأنبياء ~~العبريين في أهم الأصول الدينية، وهي مسألة الخير والشر، ومسألة الثواب والعقاب؛ ~~ففي سفر أيوب قبل جميع الأسفار التوراتية ظهرت هذه الأصول، وقد تتابعت النبوءات في ~~بلاد العرب قبل أن يكون للنبوءة شأن بين العبريين، وذكر القرآن الكريم من الأنبياء ~~العرب هودا وصالحا وشعيبا وذا الكفل. # وجاء في التوراة ذكر بلعام وأيوب وشعيب، وجاء فيها أيضا أن شعيبا علم موسى ~~وهداه إلى سياسة قومه، وأن بلعام كان حكما بين إسرائيل وخصومها في جنوب فلسطين. ~~ومن صيحات النبي «أرميا» يتبين أن المجهول من أخبار الأنبياء في بلاد العرب كان ~~أكثر من المعلوم المذكور في كتب العهد القديم؛ لأنه يستغيث متسائلا عن هداية ~~الجنوب وينادي: أما من حكمة بعد في تيمان؟ # وإنما تضخمت مأثورات العبريين بعد اختلاطهم بأهل بابل ومصر وبلاد العرب واليونان، ~~واحتوت كتب التلمود والمشنا أهم عقائد القوم في مسألة الخير والشر، ومسألة الثواب ~~والعقاب. ولا بد أن يذكر على الدوام أن هذه الكتب جمعت بعد المسيحية، وظلت ~~تجمع ويضاف إليها حتى القرن العاشر للميلاد، وفي هذه الكتب خلاصة ما استفاده ~~العبريون من مجاورة الأمم التي تقدمتهم في إدراك الصفات الإلهية والصفات الشيطانية، ~~ومن هذه الكتب أخذ الآخذون ما حسبوه تراثا إسرائيليا، وهو في حقيقته تراث ~~الحضارات الغابرة من أقدم العصور. # مثل واحد يدل على نصيب القوم من الأصالة والنقل في القصص الدينية، والتعليق على ~~المسائل الغيبية، فإنهم ظلوا إلى ما بعد الإسلام ينقلون عن العرب قصصا كان موطنها ~~في ms065 أرض بابل وآشور كقصة هاروت وماروت، وأحق ما يكون بالتنبيه في هذا المقام أن ~~اليهود خرجوا من أرض بابل وعادوا إليها أيام السبي قبل الميلاد بستة قرون، ولكنهم ~~لم يأخذوا هذه القصة إلا بصيغتها العربية بعد عصر السبي بأكثر من ألف سنة، فليس من ~~شروط القدم في الديانة الكتابية أن يكون القوم معيرين، وأنهم لا يستعيرون. # ويدل تأخر المصادر التي فصلت أوصاف الشيطان على تأخر القوم في التمييز بين الخير ~~والشر، كما ميز بينها أبناء الحضارات التي تقدمت الإشارة إليها؛ ففي الروايات ~~التلمودية المتأخرة يبدأ كل تفصيل عن العداوة الشيطانية للإنسان، وعن أثر هذه ~~العداوة في خروج آدم من النعيم، وفيها ارتقاء من وسوسة الحية إلى وسوسة شمائيل، ~~رئيس الملائكة الذي عمل في القصة عمل إبليس، وتوسع رواق اليوبيل حوالي القرن الثاني ~~قبيل الميلاد في الكلام على «مشطيم»، اسم الفاعل من مادة شط في اللغة العربية ~~يقابله كلمة «مشيطن» في اشتقاق اللغة العربية. # وتحتوي التلموديات في مثل هذا العصر كلاما عن الشيطان بليعال روح الكذب والخداع، ~~وهو يقابل في العربية «بلاعول»، أي لا معول عليه، ولا خلاق له، ولا خير فيه. ويحتوي ~~كتاب أخنوخ، قرابة هذا الوقت، كلاما عن الملائكة الهابطين بقيادة كبيرهم المطرود ~~من رحمة الله، ويقول كتاب الحكمة: إن الموت نزل على الدنيا من جراء حسد الشيطان. ~~وأما قبل هذا العصر بعدة قرون فقد كان كتاب التوراة يذكرون الشياطين بأسمائها ~~البابلية كما ذكروا «الشعريم»، أي الشياطين ذوات الشعر، والليليت أي الشياطين ~~الليلية، والكتيب والدبير # 1 # وغيرها من الجنة والعفاريت التي اقتبسوها بمدلولها، فنقلوها ~~بأسمائها ونعوتها. ~~••• # ونعود فنقول: إن الديانة العبرية تحملت أعباء التوسط بين الديانات الوثنية ~~وديانات التوحيد الكتابية، وصورة الشيطان في عقائدها هي أوفق مقياس لسلم التطور ~~الذي ارتقت عليه من أقدم عهودها في التاريخ إلى العهد الذي ظهرت فيه ~~المسيحية. # ففي أقدم العهود لم يكن عند العبريين فارق بين خلائق الكائنات العلوية، وخلائق ~~الكائنات الأرضية من إنسانية وحيوانية، ولم يكن عندهم كذلك فارق بين هذه الخلائق ms066 ~~وخلائق الشيطان. # فكان الشيطان يحضر بين يدي الله مع الملائكة، وكان الملائكة يهبطون إلى الأرض ~~فيعاشرون بنات الناس، وكان الإله نفسه يمشي في ظل الحديقة مبتردا، ويأكل اللحم ~~والخبز، ويحب ريح الشواء، ويغار ويحقد وينتقم كما يفعل كل مخلوق من مخلوقاته في ~~الأرض أو في السماء. # وتطورت عقائدهم في الملائكة، فأصبح منهم نظراء لقوى الطبيعة في أساطير الوثنيين ~~الأقدمين، فمنهم ملائكة للآبار، وملائكة للأنهار، وملائكة للتلال، وآخرون للمغاور ~~والوهاد، وآخرون للأسماك والحيتان، ولكل صيد من حيوان البر والبحر والهواء. ومن ~~هؤلاء الملائكة من يعمل في طاعة الشيطان، ويتنقل بين الأعمال السماوية وأعمال ~~الأرض والهاوية كأنها نمط واحد من الأعمال يختلف باختلاف الرؤساء والدعاة. # وتروي «الزوهار» أن الملائكة هم الذين استكبروا آدم يوم صنعه الله لأول مرة ملء ~~السماوات والأرضين، فتساءلوا مستنكرين: أفي الكون إلهان؟ فصغره الله وجبل له ~~جسما من التراب. # وفي ميثاق أخنوخ، أن الملك شمهازي قاد رهطا من الملائكة إلى الأرض ففسق وعصا، ~~وخاف أن ينفرد بالعقاب فدعاهم أن يقسموا معه ليفعلن مثل فعله، فأقسموا معه على جبل ~~حرمون، وسمي الجبل بهذا الاسم لأنهم أقسموا عليه بحرمة الحرمان، وعقدوا النية ~~على المحرمات، ثم فجروا مع النساء، وعلموهن الزرع والحصاد، وهموا بإهلاك رجالهن، ~~فتعلم الرجال منهم الفتك والعدوان. # ويروى عن أخنوخ أنه هو الذي عزر الملائكة المتمرسين بشهوات الأرض، وقال لهم ~~حين تشفعوا به: أولى لكم أن تهجروا الأرض، وأن تعيشوا سماويين لا تأكلون ولا تشربون. # 2 # ومن علماء الأساطير العبرية - مثل أبشتين وجرنبوم - من يقررون أن اليهود أخذوا ~~طائفة من قصص الشيطان رواية عن المصادر الإسلامية، وأن سعديا وابن سابا نقلا أسباب ~~سقوط إبليس عن هذه المصادر، ومعها كثير من الأوصاف والفعال التي يتميز بها ~~الشياطين. # وكان الحكماء والربانيون يختلطون بكهان الديانات البابلية والمجوسية، ويسمعون ~~منهم أوصاف أهريمان إله الظلام وجنوده، فينقلونها إلى الشيطان، ويضعون هذا الشيطان ~~شيئا فشيئا في موضع العدو المناجز لله والإنسان، ومما اقتبسوه من أولئك الكهان - ~~من الفصل الثالث في كتاب البنداهش ~~“Bundahesh” ~~- أن ms067 ~~أهرمان تشكل بشكل الحية وملأ آفاق الفلك الأعلى والأرضين حتى لم يبق فيها منفذ ~~لإبرة، ونفث سمومه فامتلأت حتى هبط إله الخير «أورمزد» إلى الأرض فرده إلى ~~قراره. # ولوحظ في المقارنات بين العقائد أن اختصاص الشيطان بخلائقه، التي تنافر الأخلاق ~~العليا، إنما كان يزداد ويتمكن كلما استعار العبريون شعائرهم ومأثوراتهم من أبناء ~~الحضارات الكبرى، وأن أنبياءهم الذين أكدوا لهم عقيدة التوحيد والتنزيه لم يجدوا ~~منهم سميعا قبل القرون الثلاثة الأخيرة التي سبقت ظهور المسيحية، ولم يكن تمييز ~~الشيطان بخلائقه المنافرة للخير «عقيدة رسمية» يقرها الرؤساء المسئولون، ولكنه كان ~~من قبيل التراث المحفوظ الذي تعرف مصادره حينا، وينقل من رواته في البيئة التي ~~يشيع فيها بغير مصدر معلوم. # فلما تلاقت العبرية والمسيحية في الزمن، كانت صورة الشيطان على ما انتهت إليه ~~يومئذ ميراثا مشاعا لا يستند فيه اليهود إلى نسختهم من التوراة، ولا إلى أسانيدهم ~~«الرسمية»، ولكنها كانت صورة لا يختصون بها، ولا يمتنع أحد على غير ملتهم أن ~~يقبلها؛ لأنهم نقلوها كما نقلها سواهم من مصادرها المعلومة أو مصادرها المجهولة، ~~ولم ترجع بها كتب التلمود والمشنا إلى نبي من أنبيائهم المعدودين. # المسيحية # ذكر الشيطان بأسماء متعددة فيما روته الأناجيل من أقوال السيد المسيح، أو ~~أقوال المتحدثين إليه على اختلاف المعتقد والنية. # فذكر باسم الشيطان، واسم «روح الضعف»، واسم الشرير، واسم رئيس هذا العالم، ~~واسم بعلزبول، وقيل عن بعلزبول بلسان الفريسيين: إنه رئيس الشياطين. # وتذكر الأناجيل أخبار المجانين الذي شفاهم السيد المسيح فتقول عنهم تارة: إنهم ~~صرعى الشيطان، وترد كلمة الشيطان في الترجمة اليونانية مقابلة للكلمة اليونانية ~~التي تطلق على إبليس ~~“Diabolos” ~~، أو مقابلة للكلمة ~~التي تطلق على العفريت والروح المتسلط ~~“Demon” ~~، ~~سواء كان شريرا أو غير شرير. # وفي أحد هذه الأخبار ذكرت امرأة مصابة فقيل عنها: إنها «كان بها روح ضعف ثماني ~~عشرة سنة، وكانت منحنية ولم تقدر أن تنتصب البتة»، فلما رآها يسوع دعاها وقال لها: ~~«يا امرأة، إنك محلولة من ضعفك ...» الإصحاح الثالث عشر من إنجيل لوقا. # وبصدد ms068 المخبولين والمصروعين وشفائهم على يد السيد المسيح قال الفريسيون: إنه ~~يحالف رئيس الشياطين، ويأمرهم باسمه وسلطانه فيطيعونه ويخرجون من أجسام صرعاهم. وقد ~~جاءت هذه القصة بصيغ مختلفة في الأناجيل، ورواها إنجيل متى فقال: «إنه أحضر إليه ~~مجنون أعمى وأخرس فشفاه، وتكلم الأعمى والأخرس وأبصر، فبهت كل الجموع وقالوا: ~~ألعل هذا هو ابن داود؟» # أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس ~~الشياطين. فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم: «كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة ~~أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته، ~~فكيف يثبت ملكه؟ وإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين، فأبناؤكم بمن يخرجون؟ لذلك ~~هم يكونون قضاتكم، ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت ~~الله.» # وموضع الالتفات في كلام السيد المسيح هنا هذه المقابلة بين مملكة بعلزبول وملكوت ~~الله، وأن السلطان الذي لا يكون بقوة الشيطان إنما يكون بروح الله. # وأصرح من ذلك الإشارة إلى سلطان إبليس على العالم قصة التجارب التي امتحن بها ~~السيد المسيح في البرية، وكان إبليس هو الذي يجربه ويحاول إغواءه بما يملكه من ~~العروض والمغريات، ويستوفي إنجيل لوقا هذه القصة إذ يقول: «إن يسوع رجع من الأردن ~~ممتلئا من الروح القدس، وكان يقاد بالروح في البرية أربعين يوما يجربه إبليس، ~~ولم يأكل شيئا في تلك الأيام. # فلما تمت جاع أخيرا، وقال له إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير ~~خبزا، فأجابه يسوع قائلا: مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة من ~~الله. ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، ~~وقال له إبليس: لك أعطي هذا السلطان كله ومجده؛ لأنه إلي قد دفع، وأنا أعطيه ~~لمن أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع، فأجابه يسوع وقال: اذهب يا شيطان! إنه ~~مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد. # ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على ms069 جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح ~~نفسك من هنا إلى أسفل؛ لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على ~~أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك، فأجاب يسوع وقال له: إنه قيل لا تجرب الرب ~~إلهك. ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين.» # 3 # وهذه القصة أوفى ما جاء في الأناجيل عن سلطان إبليس على ممالك العالم، وأنها ~~دفعت إليه ليعطي منها ما يشاء لمن يشاء، فهو قريب من صورة أهريمان، إله ~~الظلام في ديانة الفرس القديمة، ولكنه لا يملك إلا ما يدفع إليه بمشيئة الإله ~~القادر على كل شيء، وتلك أول تفرقة في الديانات الكتابية بين إله الظلام وأمير ~~الظلام، كما سمي إبليس بعد عهد السيد المسيح. # وآخرة إبليس كما جاء في كلام السيد المسيح تناسب موضعه هذا من العالم، ومن العزة ~~الإلهية، ولا تصعد إلى المنزلة التي أنزل بها الفرس الأقدمون إله الظلام في ديانتهم ~~الثنوية، وفي الإصحاح الخامس والعشرين من إنجيل متى شرح هذه الآخرة كما ينتهي إليها ~~الملائكة والقديسون، وينتهي إليها الشياطين والأشرار: «ومتى جاء ابن الإنسان في ~~مجده، وجميع الملائكة والقديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع ~~الشعوب، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن ~~يمينه والجداء عن اليسار، ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، ~~رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم ... ثم يقول أيضا للذين عن اليسار: اذهبوا ~~عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته.» # ويقول السيد المسيح فيما رواه إنجيل لوقا: إن الشيطان يغربل تلاميذه، وقال الرب: ~~«سمعان، سمعان، هو ذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة ...» الإصحاح الثاني ~~والعشرون. # ويذكر إنجيل لوقا قبل ذلك أن الشيطان يداخل من يوسوس لهم، وأنه «دخل في يهوذا ~~الذي يدعى الأسخريوطي ... فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند» ليسلم ~~المسيح إليهم. # وينفرد إنجيل يوحنا بكلام منسوب إلى السيد المسيح يصف فيه إبليس بأنه رئيس هذا ~~العالم، ms070 وتكرر ذلك في غير موضع؛ فجاء في الإصحاح الثاني عشر أن السيد المسيح قال ~~لتلاميذه ليلة وداعهم: «الآن دينونة هذا العالم. الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا، ~~وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع .» # وفي الإصحاح الرابع عشر يقول: «... لأن أبي أعظم مني، وقلت لكم الآن قبل أن يكون ... ~~لا أتكلم معكم كثيرا؛ لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء.» # وفي الإصحاح السادس عشر: «أما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم ~~يسألني أين تمضي، لكن لأني قلت هذا قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه ~~خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله ~~إليكم، ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة. أما على خطية؛ ~~فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر؛ فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا، وأما على ~~دينونة؛ فلأن رئيس هذا العالم قد دين.» # وفي إنجيل لوقا وردت الكلمة التي شبهت لقراء الأناجيل اسم الشيطان باسم «لوسيفر» ~~حامل النور، كما كان يدعى بعد عصر الأناجيل بعدة قرون؛ ففي الإصحاح العاشر من ~~إنجيل لوقا يقول السيد المسيح للتلاميذ السبعين الذين أرسلهم للبشارة من قبله: «إني ~~رأيت الشيطان ساقطا كالبرق من السماء.» # أما غاية ما وصف به إبليس من السطوة، فهو قول بول الرسول عنه في رسالة كورنثوس ~~الثانية: «إن كان إنجيلنا مكتوما، فإنما هو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا ~~الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين.» # وإنما كان بولس يذكر سطوة الشيطان وهو يرى أمامه معابد «مترا» في كل مكان يرحل ~~إليه، ويسمع أتباع مترا يذكرون إله الظلام وإله هذه الدنيا السفلى التي تخضع ~~لسلطانه، وتنتظر نور الخلاص بعد رجعة «مترا» بالظفر والغلبة في الدهر الموعود، وقد ~~أخذ العبريون تقسيم الدهر إلى دهرين من أقوال أهل بابل وفارس، ولم يكن من شأن ~~المسيحيين الأوائل أن يهونوا من شرور إله الظلام في هذه الدنيا، بل كانوا يسبقون ~~أتباع «مترا» ms071 إلى تعظيم الفارق بين النور الإلهي والظلمة الشيطانية، وتسمية بولس ~~للشيطان بإله هذا الدهر إنما هو من قبيل تحقير الدهر الذي يعبدونه فيه. وتلك عادة ~~من عادات العبريين الأقدمين في الزراية بأدعياء الربوبية عند الأمم الأخرى، فكان من ~~أساليبهم في إنكار ربوبية بعل أن يسموه - على رأي الكثيرين من الشراح - رب ~~الذباب، ورب الزبالة؛ ومن ثم اسم بعلزبوب وبعلزبول. # وتمتزج بأقوال بولس على الدوام تعبيرات مجازية تدل على إلمامه بالأساليب ~~اليونانية في التعبيرات، وسماعه بالآراء التي كانت تنقل عن حكماء اليونان، ~~ويسوقونها مرة في معرض الطبيعيات، ومرة في معرض الدينيات، ومن ذاك قوله عن إبليس في ~~رسالة أفسس: «إنه رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية.» ومنه ~~قوله في تلك الرسالة: «البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكان ~~إبليس؛ فإن مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع أحفاد الشر الروحية في ~~السماوات.» # ويرى اللاهوتيون المحدثون أن أقوال بولس هنا تحتمل الإشارة إلى الطبيعيات ~~اليونانية، كما تحتمل الإشارة إلى التراث العبري في مسائل الروحانية، قال الدكتور ~~هوجو راهنر ~~“Hugo Rahner” # في بحثه عن الروح الأرضي ~~والروح الإلهي في علم اللاهوت القديم: «إن عبارة رئيس سلطان الهواء في كلام بولس ~~الرسول تثير أسئلة شتى في التاريخ الديني، ينبغي أن نعرض لها إن أردنا أن نفهم آراء ~~آباء الكنيسة الرفيعة في طبيعة الأرض الروحية الشيطانية ... أفلا يقع في أخلادنا أننا ~~نسمع هنا نغمة مألوفة؟ أليس تصور الروح الشيطاني سلطانا على الطبقة المظلمة من ~~الهواء صدى واضحا من نظريات أفلاطون وزينقراط وبلوتارك؟ # إن التشابه لظاهر، وإن البحوث التي عرضت لهذه المسألة لكثيرة منوعة، ولكن الأرجح ~~على ما يبدو أن بولس الرسول إنما اتخذ هذه الصورة من الروحانيات اليهودية المتأخرة، ~~فقد كان من العقائد الشائعة بين اليهود أن الأرواح الشريرة لا تهبط إلى ما دون ~~الهواء المحيط بالأرض، وأنها من هذا المهبط تباشر عمل الشر عليها. وإنما ترمز هذه ~~الصورة في ذهن بولس الرسول إلى خصومة أصبحت خلقية نفسية، ms072 ولم تبق كما كانت قبل ذلك ~~كونية طبيعية، فالعالم عنده في أساسه إنما هو الإنسان، وهذا الإنسان الذي يوصف بأنه ~~أرضي، وأنه موثق إلى الأرض، وأنه خاطئ؛ خليق أن يخضع لسلطان أرواح الشر عليه، ~~ولكنه قادر كذلك على أن يرتفع بنفسه من الظلام إلى النور، ومن الشيطان إلى ~~الله.» ~~••• # ومعلوم أن كتاب «العهد الجديد» هو مرجع المسيحية الأكبر الذي تتفق الكنائس على ~~اعتماده في العقائد الجوهرية، ولكن العهد الجديد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: «أولها» ~~الأناجيل، و«ثانيها» أقوال الرسل، و«ثالثها» أقوال الصحابة والرواة المتصلين ~~بالرسل، وترتيبها كما جاء في شروح بعض اللاهوتيين المحدثين أن الأناجيل وحي غير ~~مصحوب بتفسير، وأن أقوال الرسل وحي وتفسير، وأن أقوال صحابتهم تفسير بغير وحي. وقد ~~جاءت في أقوال الرسل وما بعدها تفسيرات في المنزلة الأولى من مأثورات العقيدة ~~المسيحية، يتقدمها جميعا ما جاء عن خطيئة آدم وعن تكفير الخطيئة، وعن الحية ~~والشيطان، ولم تسبق الإشارة إليه في الأناجيل. # ففي هذه المراجع أول إشارة إلى تسمية الحية بالشيطان، كما جاء في الإصحاح الثاني ~~عشر من أعمال الرسل، حيث يذكر التنين ويقال عنه: «إنه التنين العظيم، الحية ~~القديمة، المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم». # وفي رسالة يوحنا الرسول الأولى: «من يفعل الخطيئة فهو من إبليس؛ لأن إبليس من ~~البدء يخطئ، ولأجل هذا ظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس.» # وفي هذه الرسالة أيضا: «إن الإنسان من الله أصلا، ولكن «العالم» كله قد وضع ~~في الشرير.» # وتتكلم الكتب «البوكريفية» عن دخول الموت إلى العالم بدخول الخطيئة فيه، ومعظم ~~هذه الكتب لا يرتقي إلى طبقة الأقوال المأثورة عن الرسل مباشرة، ولكنه يعتمد ~~للترجيح والتفسير، وسمي بالكتب «البوكريفية» بمعنى «السرية» أو الخاصة في ~~اليونانية؛ لأنه كان من المراجع التي يضن بالاطلاع عليها على غير الواصلين في ~~الإيمان والمعرفة. # وعندنا أن الفرق في أوصاف الشيطان بين الأناجيل وما تلاها إنما هو الفرق بين ~~الأوصاف السماعية والأوصاف القياسية أو العقلية؛ فإن الشيطان لم يتقرر له «شأن» أو ~~دور معلوم في الأديان الكتابية ms073 قبل القرن الأول للميلاد، وإنما كان في الكتب ~~العبرية أو اليهودية واحدا من الملائكة المغضوب عليهم، أو واحدا من الأرواح ~~المتمردة، فلا يعرف إلا بما سمع من أوصافه، ولا شأن له في ذلك إلا كشأن ~~الأبطال التاريخيين، أو «الشخصيات التاريخية» التي تعرف بالمسموع عنها بين ~~المسموعات المختلفة، ولا يمكن أن تعرف بأوصاف عامة يقتضيها العقل ~~والقياس. # أما الشيطان الذي تقرر له «دور» معلوم أمام الله فلا يتوقف العلم بأوصافه على ~~السماع، بل يجوز للمفكر أن ينسب إليه كل ما يقتضيه ذلك الدور من الألوان والملامح ~~والخصائص والتبعات، ويجوز له كذلك أن ينسب له ما سوف يأتي به بعد أزمنة طويلة في ~~نهاية العالم ومصيره المقدور. # وقد تقرر دور الشيطان، وتقرر سلطانه على الشر وعلى العالم الأرضي في مقابلة ~~العالم الإلهي في السماء، فكل صنيع يوصف بالشر فهو من عمله بغير حاجة إلى رواية ~~السماع، وكل خطيئة أو غواية أو ضلالة أو عاقبة محذورة؛ فإنما تنسب إليه كما ~~تنسب الخصائص إلى معدنها بحكم البداهة التي لا تحتاج إلى عيان أو إلى إسناد، ~~وعلى هذا القياس قال بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: إن رؤساء هذا ~~الدهر - أي الشياطين كما جاء في تعبيراته السابقة - هم الذين صلبوا السيد المسيح، ~~ورماهم بالجهل وقلة الدراية بعقبى ما يصنعون؛ لأنهم ظنوا أنهم يخدمون مقاصدهم ~~بتقديم المسيح إلى الصليب، وما كانوا يخدمون غير مقاصد الله منذ الأزل بما دبروه ~~ورتبوه، فقال عن حكمة الإيمان وحكمة الشيطان: «إننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن ~~بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة ~~الله في سر الحكمة المكتوبة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا، ولم يعلمها ~~أحد من عظماء هذا الدهر؛ لأنهم لو عرفوها لما صلبوا رب المجد.» # فإذا كان الأئمة الأسبقون في صدر المسيحية يذكرون الشيطان بصفات لم ترد في ~~الأناجيل ولا في كتب العهد القديم، فإنما يذكرونه بالصفات التي تكون له لا محالة ~~بحكم طبيعته المميزة، أو ms074 بحكم دوره المعلوم، وهو الدور المقابل للخير والحق وصدق ~~النية في كل عمل مضى، وكل عمل يتكشف عنه الغيب. # وينبغي أن تلاحظ النقلة الواسعة هنا في تطور الأخلاق والمقاييس بين أوائل العقائد ~~العبرية وبين العقائد التي شاعت في القرن الأول للميلاد. # فقد كان الضرر والشر بمعنى واحد في العقائد البدائية، وكان الروح الضار كالحيوان ~~الضار في مقاييس الأخلاق أو مقاييس النعمة والبلاء، وكان من الجائز أن تستقل الحية ~~بالضرر دون أن يلقنها الشيطان غواية آدم، فهي حيوان ضار يؤذي ويخيف، وكفى بذلك ~~وصفا للشرير في العقائد البدائية؛ فما زال الضرر والشر يتميزان ويختلفان في ~~الميزان حتى وجب عقلا أن يكون الشيطان وراء الحية في غواية آدم وحواء، وحتى وجد في ~~عالم الضمير فارق واسع بين الخوف من لذعة الحية الماكرة ودسيسة الشهوة ~~والعصيان. ~~••• # إلا أن المسيحيين الأوائل استرسلوا في حديث الحية؛ لأنهم وجدوا فيها أصلح صورة ~~لتمثيل الشيطان للحس، وكان تمثيل الشيطان للحس يتتابع في «رؤى» النساك والمتنبئين ~~مستقلا عن تمثيله للنفس في بحوث الفقهاء وعلماء اللاهوت. فإذا تكلم اللاهوتي عن ~~الشيطان فإنما يستنبط أوصافه بالقياس إلى طبيعته وعمله كما تقدم، ولكن الناسك ~~المتنبئ صاحب الرؤى والمشاهد الغيبية إنما ينقل رموزا وجدانية قابلة للمشاهدة في ~~الحس، كما هي قابلة للمشاهدة في الرؤيا. # وليس في الأشياء التقليدية ولا في تشبيهات الخيال أقرب من الحية القديمة، وإذا ~~بولغ في تشويهها وتبشيعها وتعظيم ضررها فهي التنين الذي يضيف إليه الخيال من ~~الأشياء والطبائع ما لم يتحقق في الحية المعهودة، فهو ذو رأسين، أو ذو أرجل وأجنحة، ~~أو ذو لسان يندلع بالشرر ويقذف باللهب. # وقد ساعد على انتشار هذه الصورة للشيطان أنها كانت شائعة من أقصى الصين إلى أرض ~~بابل وآسيا الصغرى، وأنها كانت شائعة كذلك في كتب العهد القديم، وصادفهم خطر التنين ~~الأكبر، أو خطر الحية الشيطانية في مقر عبادتها بآسيا الصغرى، فكثرت في رسائل العهد ~~القديم إشارات النساك إلى «برجاموم»، عاصمة هذه العبادة التي يظهر أنها كانت ~~متوارثة هناك منذ زمن قديم، ms075 وتجددت دعوتها بعد قيام الدعوة المسيحية، على سبيل ~~المقاومة ورد الفعل، مع غيرها من الدعوات التي كان أصحابها يتألبون عمدا أو على ~~غير عمد لمقاومة الدين الجديد. # ويمكن أن تعتبر رموز الرؤى مقدمة للصور الفنية التي اختارها المصورون والمثالون ~~بعد انتشار المسيحية، وقيام هياكلها، واشتغال أصحاب الفنون برسومها ومبانيها، فهناك ~~صور للشيطان على مثال التنين، وصور أخرى على مثال التنين في جميع أعضائه غير الرأس، ~~فقد كانوا يجعلونه رأس إنسان ذي قرنين أو أذنين صاعدتين في مكان القرنين، وكلما ~~تقدم اللاهوت في وصف طبيعة الشيطان غابت ملامح الحية والتنين، وخلفتها ملامح إنسان ~~خبيث الطلعة يعمل الفن عمله في إيداعه دلائل الشر، التي تغني عن استعارة الشبه ~~الشرير من مشابه الحيوان، ولكنهم ظلوا إلى زمن أخير يصورون الشيطان بظلف مشقوق، ~~ويحتفظون في هذا الشبه بصورة «الساتير» اليوناني المتهالك على الشهوات ومعاقرة ~~الخمور. # أما الصور اللاهوتية فقد أفاض الآباء الأولون في شروحها وفروضها، واجتهد كل منهم ~~على حسب علمه واطلاعه في تطبيقها على الطبيعة المفروضة للشيطان، ويعتبر ترتوليان ~~“Tertullian” ~~، المتوفى سنة (230م)، وأوريجين، ~~المتوفى سنة (254م)، أوفر الفقهاء المتقدمين مشاركة في وصف الطبيعة الشيطانية، ~~وإسناد الأفعال والنيات التي تلائمها إلى الشيطان وأجناده على حسب درجاتهم في ~~السيادة العالية. # وعند ترتوليان أن الشيطان الأكبر يرصد شيطانا من جنوده لكل إنسان من بني آدم ~~وحواء، وأن أدلة وجود الشياطين عامة متواترة في عقائد المهتدين والوثنيين المضللين، ~~وكلهم يسلمون أن الشيطان يتعقب الإنسان ويتسلل إلى مخادع نفسه على غفلة منه أو ~~بعلمه واختياره، ولكن المسيحي المؤمن بقدرة السيد المسيح، المستقيم على منهجه، يملك ~~السلطان النافذ في هذه الشياطين، ويستطيع أن ينقذ منها فرائسها إذا صدقت نيتهم في ~~طلب الخلاص منها، وليس المسيحي الذي يعجز عن قهر الشيطان خليقا عنده بوصف ~~الإيمان. # ولا شك أن «أوريجين» كان فقيه القرون الثلاثة الأولى غير مدافع، وكان له من العلم ~~بحكمة عصره ما لم يكن لأحد من معاصريه، وكان إلى جانب ذلك مؤمنا راسخ الإيمان، ~~تقيا شديد التقوى، ولم ms076 يكن له مطمع في رئاسة كهنوتية أو غنيمة دنيوية، فقد جب ~~نفسه ليتقي فتنة الشيطان وهو يعلم البنات والفتيات، ويعظ النساء في البيع والبيوت، ~~وقد علم وهو يفعل ذلك أنه يحرم نفسه مناصب الكهنوت العليا التي تحرم على المجبوبين ~~والمشوهين، فلم يستعظم هذا الحرمان حماية لسريرته من غواية الشيطان. # وهذا مع إسهامه في التفرقة بين دواعي الشر التي يوحي بها الشيطان وجنوده، ودواعي ~~الشر التي ركبت في طبيعة الإنسان، وهي شهوات الطعام، ولذات الجسد، وفي مقدمتها ~~اللذة الجنسية، ولعله في كل ما كتبه عن تسخير الشيطان لهذه الشهوات لم يثبت قدرته ~~على الغواية كما أثبتها على ذلك النحو الرهيب. # ولم يجد أوريجين مشقة في إسناد الشر والخطيئة إلى سيادة هذا العالم، فإنه عاش في ~~زمن قد اجتمعت مذاهبه على تحقير المادة، واعتبارها جرثومة النقص والكثافة والفساد، ~~وعم فيه القول بين النساك والزاهدين بأن طلب السيادة هو المحنة التي أسقطت ~~إبليس وجنوده، وأن «التواضع» هو شعار ملكوت السماء، وهو آية المسيح المخلص الذي ~~يزهد في المواكب، ويأتي كما أتى من قبل على حمار ابن أتان، غير أن أوريجين كان يمزج ~~اللاهوت بمعارفه الفلسفية، ويقرر طبيعة الشيطان وفقا لما تمليه عليه الفلسفة ~~والدين. ورأيه في تكوين الشيطان أنه ذو جسد يلائم مقامه في الهواء الكثيف المحيط ~~بالأرض، ويتطلب الغذاء من الدواخين والأبخرة والدم الخالص مجردا من اللحوم ~~والعظام، ولهذا يحاول أن يفسد القرابين الإلهية، ويختلس أبخرتها ودماءها ليتحول بها ~~عن مقصدها. # ويفرق أوريجين بين الملك الساقط والشيطان الرجيم، ويوافق بعض الذين سبقوه فزعموا ~~أن الطبيعتين تلتقيان في ذرية الملائكة الذين هبطوا إلى الأرض، فعشقوا بنات الناس ~~وقالوا: إنهن حسنات، ولم يقصدوا العصيان بل وقعوا فيه وهم لا يعرفون عقباه. # وللشيطان سبيلان إلى غواية الإنسان في رأي الفقيه الفيلسوف: أحدهما أن يوسوس له ~~من حيث لا يراه؛ لأن طبيعة جسده كما تقدم من طبيعة الهواء، فهو يجري من سريرة ~~الإنسان مجرى النفس الذي لا تراه العينان، والسبيل الآخر أن يستولي عليه ويتخبطه ~~على ms077 هواه، ويبتليه بالأمراض والعاهات، وقد يسلط الأوبئة والطواعين على المدن ~~والأقطار الواسعة ليذودها عن رحمة الله، وله جنود في كل مدينة وكل قطر، وبين كل ~~معشر يعبدون الأوثان أو يعبدون ربا من الأرباب غير الإله الواحد الذي يدين به ~~أتباع السيد المسيح، فما كانت هذه الأرباب والأوثان إلا شياطين من جنود إبليس تنتزع ~~أبناء آدم وحواء من سلطان السماء، وتموه عليهم العقيدة الصالحة بما يشبهها من ~~الشعائر المسيحية؛ ليختلط عليهم الحق والباطل، وطريق الهدى وطريق الضلال. # وكان من عقائد أوريجين أن التمييز بين الخير والشر فطرة في كل موجود عاقل يدرك ~~ويختار، ولا استثناء في ذلك للشياطين عامة، ولا لرئيسهم الأكبر إبليس، فهم لم ~~يخلقوا منحرفين مضللين، ولكنهم انحرفوا وضلوا بما داخلهم من الكبرياء والتمرد ~~والحسد، فغلبتهم الشقوة، وعز عليهم أن يستمعوا لنداء الخير والمحبة والسلام، ~~فأقبلوا على الشر وأمامهم سبيل الصلاح يمضون فيه لو سلست له قيادتهم، ورفعوا عن ~~أعينهم تلك الغشاوة التي وضعوها عليها بأيديهم، ولا بد لهذا الضلال من نهاية بعد ~~زوال المحنة وانقضاء التجربة التي يبتلى بها العالم آخر الزمان. # ولما أراد أوريجين أن يقدر للشيطان مصيره في نهاية العالم لم يتبع أقوال ~~المتنبئين وأصحاب الرؤى، بل اتبع النصوص القديمة وفسرها على هدي الحكمة الحديثة في ~~عصره، ولم تكن في عصره حكمة أحب إليه من الحكمة الرواقية التي تلقاها اليونان ~~قديما من الهند، وبثوا فيها من عقائد فيلسوفهم فيثاغوراس قبسا يقربها إلى العلم ~~وأدب السلوك. # فقد وجد «أوريجين» في عصره قصصا دينيا مستفيضا عن وقائع الشيطان مع الملائكة، ~~ومصيره بعد الهزيمة الحاسمة في آخر الزمان، وفي هذه القصص ملاحم الحرب بين ميخائيل ~~رئيس الملائكة وإبليس رئيس الشياطين، وأطوار القتال الذي يدور سجالا بين الفريقين، ~~ويؤسر فيه بعض الشياطين فيحبسون في باطن الأرض، أو يقيدون بالأغلال حتى الموعد ~~الأخير. # وتروي هذه القصص أخبارا عن الشياطين والملائكة المطرودين الذين لا يستطيعون ~~الصعود إلى السماء، أو الذين يصعدون إليها فيرتدون عنها خوفا من الرجوم الإلهية، ~~فمقامهم بعد ذلك عند ms078 السماء الثانية أو في مغاور الأرض، يتحصنون بها من هجمات ~~الملائكة الصالحين والقديسين المقربين، ثم تنشب الملحمة الأخيرة قبل القيامة وبعد ~~ظهور المسيح الأول بألف سنة، فيذهب أهل النار إلى النار، ويرتفع أهل النعيم إلى ~~النعيم. # أما «أوريجين » فنهاية العالم عنده هي نهاية الدورة الكونية التي اعتقدها الهنود ~~من قبل، ثم اعتقدها الرواقيون بعدهم، وفرضوا لها آدابا من آداب السلوك تكفل لمن ~~يسلكها أن ينجو من الكارثة الكونية مطهرا من شوائب الحياة الأرضية، فيخلص إلى ~~الوجود الحق في آفاق عليين. # وستنتهي الدورة الكونية وتتطهر الخلائق بالنار الأبدية، ويبطل الفناء، ويموت ~~الموت، فلا خطيئة ولا عقاب في عالم لا موت فيه، ويتعذر - طبعا وعقلا - أن يبقى ~~الشيطان على شره بعد زوال معدنه، وخلاص العالم من الموت الذي ابتلاهم به من طريق ~~الخطيئة، ومن الجائز ألا يتم الخلاص والتطهير على درجة واحدة، بل يأتي تباعا على ~~درجات مترقيات، ولكنه لا يكون متى أتى إلا كما ينبغي أن يكون بلا موت ولا خطيئة ولا ~~عقاب. # ونكتفي بما لخصناه من شروح أوريجين وفروضه في التعريف بالشيطان، أو التعريف ~~«بالشيطانيات» على الأصح؛ لأنه قد جعل هذا التعريف بابا من أبواب الدراسة اشتهر في ~~الأزمنة الأخيرة باسم «الديمنولوجي» أي علم الشيطانيات، ولكننا لا ننتقل منه إلى ما ~~بعده دون أن نلاحظ على هذه التعريفات ملاحظة جديرة بالتوقف لديها فيما روى عن القرن ~~الثالث للميلاد على التخصيص، ففي ذلك العهد المريب لم تكن في العالم عقيدة غير ~~المسيحية توحي إلى المؤمن بها مثل هذه الثقة بالأمور المغيبة في أدق ~~الجزئيات. # وذلك هو سر قوتها وارتياح النفوس إليها بين ظلمات الحيرة والريبة التي رانت على ~~المذاهب جميعا، وتركتها لمعتقديها أشبه شيء بالسلوى التي يرجى بها الفراغ، ولا ~~تمضي مع الجد خطوة إلا عادت إلى اللعب خطوات، وقد كان أشبه المذاهب بالجد في ذلك ~~العصر مذهب المعرفيين ~~“Gnostics” # الذي كان في ~~حقيقته عنوانا لكل مذهب يرد على الخاطر في تلك الآونة؛ إذ كانت المعرفة ألوانا، ~~وكانت ألوان الوسائل التي ms079 تطلب بها لا تقل عن ألوانها. # ومنها - فيما نحن بصدده من حديث الشيطان - معرفة الخبرة باللذات والرذائل ~~المحرمة؛ لأن الجهل بها يسلب طلاب المعرفة حظا يتاح للجاهل ولا ينبغي لهم أن ~~يتجنبوه، وقد أباحت طائفة من هؤلاء المعرفيين عبادة الشيطان مع أصحاب النحل التي ~~كانت تعبده وتتقرب إليه باستباحة الرذائل والأرجاس، وتسميها المعرفة بالنور من طريق ~~المعرفة بالظلام، ولم تنقض فترة طويلة على هذه النحل المتفرقة حتى تجمعت منها نحلة ~~كبيرة أوشكت أن تعم القارة الأوروبية، من أقصاها شرقا إلى أقصاها غربا في القرون ~~الوسطى، وبقيت منها - كما تقدم - بقية إلى أوائل القرن العشرين. # ولا يتوقف تاريخ اللاهوت بعد أوريجين على أسماء أكبر من أسماء القديس أوغسطين، ~~والقديس توما الأكويني، ومارتن لوثر رافع علم الثورة الذي سمى هو نفسه شيطانا، ~~وسمى الحبر الأعظم في زمانه بالشيطان. ~~••• # عاش القديس أوغسطين بين أواسط القرن الرابع وأوائل القرن الخامس للميلاد ~~(354-430)، وأحاط بما تقدمه من الشروح والفروض في موضوع الشيطانيات، وذهب في علة ~~سقوط الشيطان مذهبا كمذهب أوريجين، فقال إنه خلق للخير، ولكنه أشقى نفسه بحسده ~~وكبريائه، فأنزله الله من سماء الأثير الصافي إلى هواء الأرض الكثيف، ولا يمتنع عند ~~أوغسطين أن يكون هذا الجسد ملائما للتناسل من الأجساد البشرية؛ لأن الحديث عن ~~علاقة الشياطين بالنساء الآدميات متفق عليه بين الوثنيين عباد الشياطين، وبين ~~المؤمنين الذين يلعنونها ويؤمنون بوجودها. # واطلع أوغسطين على أطراف من الفلسفة اليونانية كما اطلع عليها أوريجين، فلم ~~يستبعد أن يكون جسد الشيطان أرفع من جسد الإنسان، كما زعم الفيلسوف الأفلاطوني ~~أبوليوس ~~“Apuleius” ~~، الذي كان له بعض الحظوة بين ~~المثقفين من رجال الدين، ولكنه أبى أن يقول إن امتياز الشيطان بالجسد يرفعه رتبة ~~على الإنسان، فإن الحيوان ليمتاز على الإنسان بالحس، كما يمتاز النسر بالنظر، ~~والكلب بالشم، والطير بالخفة، ولا يقال إنها أرفع منه رتبة لرجحانها عليه في هذه ~~الحواس. وقد يخف جسم الشيطان عن الجسم البشري، ولكنه يصلى بجسمه نار العذاب كما جاء ~~في وعيد السيد المسيح. # وأوغسطين هو ms080 صاحب الكتاب المشهور عن «مدينة الله» أو عن ملكوت الله، وتقابله ~~مملكة العالم التي قد يسيطر عليها الشيطان عنوة أو بالكيد والخديعة، وفي وسعه أن ~~يتسلل إلى الأرواح من مسكنه في طبقات الهواء، أو يترصد لها وهي صاعدة إلى الملأ ~~الأعلى ؛ فإنها في معراجها لا تني تعبر بالشياطين الملعونين والملائكة الأبرار، فإذا ~~كانت في حياتها قد غلبت سيادة الشر بقمع الشهوات، والزهد في المطامع، فلا سلطان ~~للشيطان عليها في معراجها إلى عليين، وإذا خرجت من الدنيا وفيها شائبة من غواية ~~الشيطان عالقة بها، فتلك هي العلاقة التي يقنصها منها الشيطان! ويعوقها بها من ~~الصعود، ويهبط بها إلى هوائه أو هاويته حيث يشاء. # ويرى أوغسطين كمن تقدمون وأتوا بعده أن الشيطان عليم بالسحر، قادر على نشر ~~الأوبئة والمداواة منها، وأن الأوثان المعبودة شياطين لها هذا العلم، وهذه القدرة، ~~وفي وسعها أن ترضي عبادها بقضاء المطامع، وترهبهم بالخوف والمرض، ولكنها قدرة ~~محدودة تقصر عن عزيمة الإيمان إذا صدقت نية المؤمن عليها، ولم يترك المؤمنون سدى ~~في حربهم معها؛ لأنهم معانون عليها بكفارة السيد المسيح. # وأعظم الأعلام في اللاهوت المسيحي بعد أوغسطين فيلسوف القرون الوسطى توما ~~الأكويني (1227-1274)، الذي فلسف العقائد المسيحية على مثال لم يسبق إليه ولم يلحقه ~~أحد بعده، ومحور فلسفته حرية الإرادة التي يملكها كل مخلوق عاقل، وأولهم الشيطان؛ ~~لأنه كان في المنزلة العليا بين المخلوقات العلوية، وكان امتحانه من ثم أعسر من ~~امتحان سواه، وكانت قدرته كذلك على الثبات والنجاة أعظم من قدرة الآخرين، فأذهلته ~~العظمة عن كل شيء غير نفسه، وطمح إلى مساواة الله في عظمته، ومشاركته في وحدانيته، ~~وتبعه ممن هم على غراره، فهوى من عليائه، وهوى معه تابعوه. # ويسمي الفيلسوف هؤلاء الشياطين جميعا بالكائنات العقلية أو الكائنات الذهنية؛ ~~تمييزا لها عن الكائنات الحيوانية المولدة من التراب، ويقول إنها مسلطة على عقول ~~البشر لاستدراجها واستخراج غاية ما انطوت عليه من الصدق والمناعة، وقد يحدث ذلك ~~بإذن الله وقضائه، وقد تكون ذرائعه الكبرى مستقرة في غرائز الإنسان، ويكون ms081 الإنسان ~~فيها عدوا لنفسه إذا غلب عليه هواه قبل أن يغلبه وسواس الشيطان. # ويجاري الفيلسوف من تقدموه في الاعتراف للشيطان بالقدرة على العجائب والأفانين ~~التي تشبه المعجزات، ولكنه يحد هذه القدرة حد العالم الفيلسوف الذي يرفض عقله ~~التسليم بالعبث في نظام الطبيعة ، فلا خوارق على التحقيق في طاقة الشيطان، ولا تعقل ~~الخوارق إلا من عمل الإله الذي وضع للعالم نظامه وأجراه عليه، وإنما يستطيع الشيطان ~~إثارة المادة بعناصرها، فيدمر بها من تراد له الفتنة، ولا يتعدى هذه العوارض إلى ~~تبديل جوهر المادة، أو تبديل جوهر الروح، وكل ما يصنعه الشيطان مما يلتبس على الناس ~~بالمعجزات، فإنما هو خداع لحس الإنسان حتى يرى الأشياء على غير صورها، أو تبديل ~~لأشكال تلك الأشياء لا ينفذ إلى الصميم. # ولعل القديس توما الأكويني قد قال كلمة اللاهوت الأخيرة في هذا الموضع، فلم يحدث ~~بعده رأي غير هذا الرأي في تصوير الشيطان، أو تصوير قدرته على بني الإنسان. ~~••• # ويأتي أكبر الأعلام بعده في اللاهوت المسيحي على اتجاه غير هذا الاتجاه، ولكنه لا ~~يغير شيئا من وصف الشيطان كما يغير الشيء الكثير من وصف الذين استهواهم الشيطان في ~~رأيه بين رجال الدين ورجال الدنيا. # جاء مارتن لوثر في أواخر القرن الخامس عشر، وعاش إلى ما بعد منتصف القرن السادس ~~عشر (1483-1546)، ولم يتغير بين عصر الأكويني وعصره معتقد واحد من المعتقدات التي ~~كانت شائعة عن الطبيعة الشيطانية. # فكان لوثر يؤمن بوجود السحرة ومبايعتهم سرا أو علانية لأرواح الشر وزمرة ~~الشيطان، وكان يؤمن بقدرتهم على تسخير الأوبئة والآفات، واستحقاق السحرة قضاء الموت ~~الأبدي إذا ثبتت عليهم ممالأة الشياطين على المؤمنين الأبرياء. وتمتلئ أحاديث ~~المائدة التي نقلت عنه بما كان يرويه لجلسائه من قصص الشياطين السحرة في زمانه وقبل ~~زمانه، ومنها أن رجلا من المؤمنين بصق على الشيطان فلاذ بالفرار، وأن رجلا آخر ~~لقيه فكسر له قرنا من قرونه، وحاول ذلك رجل آخر دونه في الإيمان فبطش به الشيطان، ~~ونصيحة لوثر للمؤمنين أن الشيطان سخرية فأضحكوا منه ولا ms082 تهابوه! # ومما تحدث به في مجالسه قصة عن الإمبراطور فردريك الذي كان يصادق علماء الغرب، ~~ويطلع على علومهم، ويتهم بالزيغ والكفر لاشتغاله بالمحرمات من العلوم والصناعات، ~~وخلاصة هذه القصة أن الإمبراطور دعا إلى مائدته ساحرا مشهورا، وأراد أن يناجزه في ~~القدرة، فجعل له في يديه مخالب كمخالب الرخاخ الأسطورية ذات الأجنحة والقوائم ~~والأنياب، فخجل الساحر ولم يمد يديه إلى الطعام ... وإنهم لعلى المائدة إذا بصيحة من ~~الطريق تزعج الإمبراطور، فينهض إلى النافذة ليطل عليها، فيغنم الساحر فرصته السانحة ~~ويجعل للإمبراطور قرونا على رأسه كقرون الأيائل، فلا يستطيع أن يرتد برأسه عن ~~النافذة وعليه تلك القرون ... # وعلى جدار من جدران قلعة «وارتبرج» مداد سائح بقيت آثاره، وعلم الزوار مما يرويه ~~حراس القلعة، نقلا عن المعاصرين، أنه من مداد الدواة التي ألقاها لوثر على ~~الشيطان، حين تراءى له ليصده عن دعوته، ويكفه عن هجماته على أحبار زمانه، ولم يبرح ~~لوثر طوال أيامه إلى آخر حياته ينادي بأنه في حرب مع الشياطين، ويحسب القائمين ~~بالسلطان في الأرض باسم الدين نورا على ملكوت السماء. ~~••• # ثم انقضت القرون الوسطى وتقدمت النهضة العلمية، فاصطدمت في كل وجهة تتجه إليها ~~بالكلام في «الشيطانيات» أو علم «الديمنولوجي» كما عرف في الزمن الأخير. # كانت النهضة العلمية تصطدم بهذا البحث خاصة؛ لأنه كان يدور على السحر والسحرة ~~ومخالفة «المعرفة الدنيوية» للشياطين أعداء الله وأعداء الدين، وكانت مجالس التفتيش ~~تعمل عملها في مطاردة السحرة أو المتهمين بالسحر؛ لأنهم ينظرون في الكتب التي لا ~~يقرها اللاهوتيون. # وانقسم الباحثون في «الديمنولوجي» قسمين متنازعين: قسم اللاهوتيين، وهمهم الأكبر ~~أن يوفقوا بين النصوص الكتابية ومعارف الزمن الحديث، وقسم العلماء التجريبيين، ~~وهمهم الأكبر أن يدفعوا عن أنفسهم تهمة التحالف مع الشيطان، ويشككوا في وجود ~~الشيطان أو يجزموا بإنكاره؛ لأنه لا يظهر لهم عيانا، ولا يظهر لهم بالتجربة ~~والبرهان. # غير أن اللغة التي تداولها الناس من قبل القرون الوسطى قد تلقت من «الديمنولوجي» ~~تعبيرات مفهومة غير ملتبسة على أحد يتكلم بها أو يسمعها، وجرت هذه التعبيرات على ms083 ~~ألسنة المتدينين كما جرت على ألسنة المنكرين أو المتشككين في العقائد الدينية، فلما ~~كان لوثر يقول - مثلا - عن الربا وبيوت التجارة والمصارفة في القرون الوسطى إنها ~~«مخترعات» شيطانية، وإن الشيطان هو الذي يدير تلك البيوت لحسابه، لم يكن أحد يحمل ~~كلامه على المجاز ، أو يشك في قصده إلى شيطان غير شيطان النصوص الدينية الذي يجوز أن ~~يبدو للعيان، أو يعمل مع أصحاب تلك البيوت في الخفاء، ولكن المتدينين وغير ~~المتدينين شهدوا بعد ذلك قيام الصناعة الكبرى وأجهزة البخار الضخمة، فوسموها ~~«بالشيطانية»، ونعتوها بالصناعة السوداء أو بصناعة الظلام، وهم يأخذون من هذه ~~الكلمات معناها الذي لا يختلفون فيه، ويفهمون منها أن تلك الصناعة خلو من الرحمة ~~والعطف، مظلمة من ظلام الفحم والدخان، أو ظلام الغشم والقسوة، سواء نسبوها إلى ~~الشيطان، أو جعلوا الشيطان علما مفهوما على كل هذه المساوئ والنعوت. # ويغلب على الظن أن سهولة التعبير المجازي على هذا النحو سولت لأناس في القرن ~~التاسع عشر أن يقحموا فوارق اللون والعنصر في أحاديث «الديمنولوجي»، وأن يزعموا كما ~~زعم الدكتور كارترايت أن الشيطان لم يتكلم في الجنة بلسان الحية، بل كان كلامه ~~بلسان زنجي أسود على مثال الشيطان الذي كان يصبغ بالسواد في صور القرون الوسطى، ~~وكأنما أراد كارترايت أن يترقى بالفكرة درجة فوق الدرجة التي وصل إليها الأسقف آدم ~~كلارك في تعليقاته على سفر التكوين «سنة 1825»، فجعل الحية زنجيا بعد أن كانت في ~~رأي كلارك قردا من فصيلة الأورانج أو تانج ... وفي هذه الآونة - أو حواليها - كان ~~الرحالون يسيحون في أمريكا الجنوبية فيسمعون من أهلها البيض أن الزنجي هو البهيمة ~~الكبرى التي ذكرت في كتاب الرؤيا الإبكريفية، # 4 # ويتشكك الكثيرون منهم في نسبته إلى حام؛ لأنهم لا ينسبونه إلى فصائل ~~الآدميين! ~~••• # يعود نقاد الاجتماع المحدثون إلى عقيدة الخطيئة وزلة آدم في الفردوس، وهبوطه ~~مغضوبا عليه إلى الأرض، فيحاولون تفسيرها بأحوال الطبقات واختلاف هذه الأحوال بين ~~عصر النبلاء وعصر أبناء الطبقة الوسطى، ومن هؤلاء النقاد جون فلكسنر ~~“Flexner” # الأمريكي، الذي يقول في ms084 فصل كتبه عن ~~الملك الفنان: «إن عقيدة القرون الوسطى أن الإنسان سيئ بطبيعته من أثر الخطيئة ~~المتأصلة فيه قد وافقت الميول الأرستقراطية؛ لأنها سوغت كبح الفرد والحد من حريته، ~~بيد أن الطبقة الوسطى المناهضة باجتهادها لتستقبل الفرص السانحة لها أصرت على براءة ~~الإنسان، وأنه قد ولد ملكا وأفسدته النظم التي فرضها عليه الملوك.» # وليس في المقارنة بين العقائد والأحوال الاجتماعية ما يرجح هذا التفسير أقل ~~ترجيح؛ لأن عقيدة سقوط آدم تشمل الإنسان الحاكم وتشمل الإنسان المحكوم، وقد اقترنت ~~بها عقيدة ملازمة لها أشد قسوة على الحاكمين من كل عقيدة شاعت في العصور الحديثة، ~~وتلك هي عقيدة السيادة الشيطانية على الأرض، وأن سادة هذا العالم شياطين أو حلفاء ~~للشياطين. # ولم تقرر المسيحية دعوة كما قررت هذه الدعوة التي تفرق بها كل التفرقة بين مملكة ~~العالم وملكوت السماء أو ملكوت الله. تكاد المسيحية كلها أن تكون مجموعة في هذه ~~الدعوة قبل غيرها من دعواتها الأصيلة، فقد كان حتما لزاما أن تجتهد المسيحية ~~اجتهادها كله في التفرقة الكاملة بين مملكة الأرض وملكوت الله الذي بشر به السيد ~~المسيح، كان ذلك حتما لزاما؛ لأنها نقلت رسالة المسيح المخلص من إقامة العروش على ~~الأرض - أو تجديد ملك داود - إلى إقامة الملكوت الإلهي في السماء. # وكان ذلك حتما لزاما؛ لأنها جاءت بالعزاء للمحرومين من سيادة الأرض والمبتلين ~~بطغيان سادتها، فهم في حمى الله صاحب الملكوت الأعلى؛ إذ يكون أصحاب السيادة ~~والطغيان في حمى الشيطان وفي هاوية الأرض وما وراء من هاوية الجحيم: «طوبى للمساكين ~~بالروح لأن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى لأنهم يتعزون، طوبى للودعاء لأنهم ~~يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون، طوبى للرحماء لأنهم ~~يرحمون، طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله، طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء ~~الله يدعون، طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السماوات». # فرسالة المسيحية في جانب الإنسان المغلوب، وسيادة العالم هي ثمرة الخطيئة التي ~~باء بها الغالبون، ولم يتسم الشيطان بوسم السيادة على العالم تعظيما له، بل ms085 ~~تهوينا من شأن العالم، وتحقيرا لغنائمه ومطامعه وشهواته، ولم يكن أيسر على طالب ~~الحرية الفردية في الحضارة الحديثة من أن يقول: إنه هدم سيادة الشيطان، وإنه غلب ~~الخطيئة في معقلها وكفر عن جرائرها بالثورة على أصحاب السيادة الشيطانية. # وعلى هذا الفهم ينبغي أن تفهم رسالة المسيحية التي بشرت بملكوت الله، وجعلت هذه ~~البشارة مقارنة للنعي على السيادة الشيطانية والإزراء بها، فكل تعظيم لسيادة ~~الشيطان فهو في لبابه تهوين للعالم الذي يسوده، وتقديس للملكوت الإلهي الذي يرجوه ~~المساكين والحزانى والودعاء والمطرودون من أجل البر وصانعو السلام. # أما رسالة المسيحية في تقرير طبيعة الشيطان نفسه، فهي تفرقة أخرى لا تقل في قوة ~~مغزاها عن تلك التفرقة بين مملكة هذا العالم ومملكة السماء. # لقد كان الضرر والشر مترادفين في الديانة العبرية أو كالمترادفين، فالمسيحية هي ~~التي فرقت بين الضرر الذي هو نقيض السلامة والأمان والمنفعة، وبين الشر الذي هو ~~نقيض الخير والفضيلة والصلاح، فذلك ضرر مرتبط بالديانة، وهذا شر مرتبط بالمروءة ~~والتقوى. # إن المسيحية هي التي فرقت بين مثال الضرر في الحية الحيوانية، ومثال الشر في ~~الروح الخبيث الذي ينفث سمومه في القلب، ولا يضير الإنسان إلا حيث يضار حقا في ~~أشرف خصال الإنسان. ~~••• # وكلمة عابرة تقال في ذيل هذا الفصل عن رسالة المسيحية التي جاءت بها للتعريف ~~بمعاني الشيطان. # إن الكنيسة الرومانية إذا رفعت أحدا إلى منزلة القديسين لم تفعل ذلك قبل التحقق ~~من براءته من العيوب التي تنتفي معها القداسة، وتعهد في هذه الحالة إلى وكيل ~~للخصومة عليم بكل ما يقال عنه لانتقاصه بالحق أو بالباطل. # ووكيل الخصومة هذا يسمى بالمحامي الشيطاني # Diaboli ~~Advocatus # تشبيها لعمله بعمل الشيطان في إنكار فضائل أيوب ~~أمام الله، وآية جديدة على عمل الشيطان في امتحان الخير، وأنه دور لازم في تقرير كل ~~قداسة يخلقه الناس مختارين، ولا يصح من أجل هذا أن يقال: إنه وهم من اختراع ~~الخيال. # الإسلام # دور الشيطان في الديانات الكتابية الثلاث مختلف. # واختلافه بينها جوهري يدخل في كيان كل ديانة منها، ms086 وترتبط به مقاييسها للخير ~~والشر والتبعة والعقاب. # فهو في الديانة العبرية دور عامل مستغنى عنه لأنه شبيه بغيره. # وهو في الديانة المسيحية دور عامل فعال لا ينفصل من حكمة الوجود كله. # وهو في الديانة الإسلامية دور عامل فضولي مرذول يختلس ويروغ، ويخذل فريسته بالنية ~~الخفية والعمل المكشوف . # على مسرح الخلق دور الشيطان في الديانة العبرية دور «النكرة» الذي ينوب عنه كل ~~نكرة مثله؛ إذ ليس بين الشيطان والملك طريق مفترق ولا عمل منقسم، وليس بين الإله ~~الذي يعبدونه والإله الذي يعبده سواهم خلاف في الرضى والغضب، ولا في النعمة والنقمة ~~غير الخلاف بين النظراء في السلطان. # أما المسيحية فدوره فيها على مسرح الخليقة دور الشرير في قصة الخلق كله؛ إذ كان ~~قوام الخليقة سجالا بين الخطيئة والكفارة أو الغفران، فلولا غواية الشيطان لم يسقط ~~آدم، ولولا سقوط آدم لم تكن به ولا بذريته حاجة إلى الخلاص من طريق الفداء. # وليس في الإسلام ذنب يرثه أحد من أبيه، أو يورثه لبنيه، فغواية الشيطان لا ~~تخلق الخطيئة ولا تعفي منها، وشوكة الشيطان لا تحمي أحدا، ولا هو يسخرها لحماية ~~أحد، وحدود التبعات واضحة حيث يعمل الشيطان وحيث لا يعمل، فهو لا يحمل عن شريك من ~~شركائه تبعة وزر من أوزاره، ولا يداري حماقة الغافل الذي ينقاد إليه. # وفي القرآن الكريم يحمل آدم وحواء تبعة الخطيئة على عملهما بغواية الشيطان: # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~. # وكلما ذكرت في القرآن الكريم غواية إبليس ذكر معها أنه ما كان له عليهم من سلطان: # إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان ~~. # ولذلك تقول الشياطين لمن يرجع إليها بذنبه: # وما كان ~~لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين ~~. # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون * ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا ~~بشركائهم كافرين ~~. # ولا ينفع من ضل أن يعتذر من ضلالته بوسواس الشيطان؛ فإن الشيطان ينكره ويبرأ منه: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ~~فلما كفر قال إني بريء منك إني ms087 أخاف الله رب ~~العالمين ~~. # وقال الشيطان لما ~~قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ~~. # وليس شياطين الجن بأقدر على الغواية من شياطين الإنس؛ فإن الشيطنة هي عداوة الحق ~~حيث كانت : # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ~~. # بل ليس للشياطين من الجن علم الغيب ولا علم السحر، إلا أنه خداع للحس وفتنة للنفس ~~تخيل إلى المخدوع ما ليست له حقيقة قائمة في غير وهمه: # يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به ~~من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة ~~من خلاق ~~. # وفي سورة سبأ عن جنود الجن التي جهلت موت سليمان وهو قائم أمامهم: # فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ~~. # وإنما المسحور كالمخمور مخدوع الحواس: # لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ~~. # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ~~. # ولا يفلح الساحرون ~~. # وقد ورد في القرآن ذكر الجن الذين يعملون للإنسان بإذن الله، ومنهم جنود سليمان: # ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب ~~السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~. # وفيه ذكر الجن التي تؤمن بالدين وتصدق بالكتب، وذكر الجن التي تسترق السمع من ~~السماء، وذكر الجن التي تقارن الإنس، وذكر الجن والعفريت الذي تطوى له المسافة، ~~وتنقاد له المصاعب، ولكنه لم يذكر لها في مجال التكليف عملا قط يسقط عن الإنسان ~~تبعته، أو يجعل لها سلطانا عليه بغير مشيئته، ولا يستعاذ فيه من شر يأتي به الجن ~~إلا وهو كذلك من الشرور البشرية، أو من الوسواس ms088 الخناس: # الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة ~~والناس ~~. # وعلى هذه الصفة تروى تبعات الخطيئة حيث رويت في قصة آدم وما بعدها من قصص ~~الأولين. # وقد رويت قصة آدم في مواضع متفرقة من القرآن الكريم، ورويت توبته من عمله أو قوله ~~في بعض هذه المواضع، وهي جميعا مآل التكليف الذي يفرض على الإنسان؛ يسأل عن ~~خطيئته وإن وسوس له الشيطان، وتحسب له توبته وإن كانت بهداية الله. # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم ~~الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * ~~قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما ~~تبدون وما كنتم تكتمون * وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين * وقلنا يا ~~آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ~~* فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما ~~مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * ~~فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ~~. ~~••• # وجاءت في سورة الحجر حيث يفاضل إبليس بين خلقته وخلقة آدم: # والجان خلقناه من قبل من نار السموم * ~~وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال ~~من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ~~أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس ~~ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * ~~وإن ms089 عليك اللعنة إلى يوم الدين * قال ~~رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال ~~فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم * قال رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا ~~عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط ~~علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ~~. ~~••• # وقد تساءل المعقبون على قصة آدم من الشراح الغربيين عن معنى الشجرة التي أكل ~~منها آدم في الدين الإسلامي، وقال بعضهم: إن القرآن تركنا في حيرة من أمر هذه ~~الشجرة، ما معناها؟ وماذا جناه آدم وحواء من جراء الاقتراب منها وأكل ثمراتها؟ وليس ~~في الأمر ما يدعو إلى التساؤل ولا في الحيرة، لولا أن هؤلاء الشراح وضعوها في ~~أذهانهم معنى معلوما، وأرادوا أن يجدوه في القرآن فلم يجدوه كما أرادوه. # إذ لا يخفى على الناظر في القصة أن ثمرات هذه الشجرة هي ثمرات «التكليف» بجميع ~~لوازمه ونتائجه، وما كان الفارق بين آدم قبل الأكل منها وبعد الأكل منها إلا الفارق ~~بين الحياة في دعة وبراءة، والحياة «المكلفة» التي لا تخلو من المشقة والشقاق ~~والامتحان بالفتنة ومعالجة النقائص والعيوب، كلما تكررت القصة في الآيات القرآنية ~~كان في تكرارها تثبيت لهذا المعنى على وجه من وجوهه المتعددة، ويبدو ذلك جليا من ~~المقابلة بين ما تقدم وما جاء عن هذه القصة في سورة الأعراف، وذاك حيث يذكر التصوير ~~بعد الخلق، أو إعطاء الصورة بعد إعطاء الوجود، ثم تمضي القصة على ما يلي: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته ~~من طين * قال فاهبط منها فما يكون لك أن ~~تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين * ~~قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك ~~من المنظرين * قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم ~~وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين * ~~قال اخرج منها مذءوما مدحورا ms090 لمن تبعك منهم ~~لأملأن جهنم منكم أجمعين * ويا آدم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * ~~فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون * يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم ~~يذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم ~~الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء ~~للذين لا يؤمنون ~~. # ومن تمام التوكيد لحدود التكليف في هذه القصة أن خطاب آدم به لا يغني عن خطاب ~~بنيه وأعقابه، فهو مكلف وهم مكلفون، وخطيئته لا تلزمهم وتوبته لا تغني عنهم، ~~ومولدهم منه يخرجهم على سنة الأحياء المولودين حيث يحيون وحيث يكدحون ~~ويموتون. # ويميل الشراح الغربيون إلى النقد كلما وجدوا له ندحة في قصص القرآن ولا سيما ~~هذه القصة، وآخر من وقفنا على نقد له من هذا القبيل «بابيني» الإيطالي صاحب كتاب ~~الشيطان، فإنه يستغرب أن يؤمر إبليس بالسجود لآدم مع غلو القرآن في تحريم الشرك، ~~وتنزيه الوحدانية الإلهية، ولكن المطلعين من الشراح الغربيين على اللغة يفهمون ~~معنى السجود هنا، ولا يخرجون به عن معنى التحية والإكبار، ومنهم من يفعل ذلك لأنه ~~يريد أن يرجع بعقائد الإسلام إلى الأصول الإسرائيلية كما فعل توري ~~“Torrey” # في كتابه عن أسس الإسلام من التراث ~~اليهودي. ولم يكن في التراث اليهودي ذكر ms091 لغير الحية في هذا المقام، وهو فارق شاسع ~~تقوم عليه الفوارق الشاسعة جميعا في التفرقة بين الضرر والشر، أو بين الشر ~~الحيواني والشر الأخلاقي كما قدمنا. ~~••• # وقليل من النقاد الدينيين في الغرب من يفطن للخاصة الإسلامية الأخرى التي تتمثل ~~في قصة آدم مع الملائكة والجان، فإن الغالب عليهم أن يتكلموا عن زلة آدم فيسموها ~~«سقوطا»، ويرتبوا عليها ما يترتب على السقوط الملازم لطبيعة التكوين، وليس في ~~القرآن أثر قط للسقوط بهذا المعنى في حق كائن من الكائنات العلوية أو الأرضية، فليس ~~فيه شيء عن سقوط الإنسان، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، أو من عهد البراءة ~~والدعة إلى عهد التكليف والكلفة، وليس فيه شيء عن سقوط الملائكة وانحدارهم من طبيعة ~~عليا إلى طبيعة دونها من طبائع الشيطان، وقصة الملكين هاروت وماروت فاصل بين ما ~~يعزى إلى الملك ويعزى إلى الشيطان من ضروب السحر المباح أو السحر الحرام: # واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~. # فالملك الذي يعرف السحر لا يخدع به أحدا، ولا يعلم من يريد أن يتعلم إلا ~~أن يطلعه على حقيقته، وليس الخداع ولا الإضرار بالعلم من طبيعة الملك، بل من ~~طبيعة الشيطان. # هذه القصة بعينها - قصة هاروت وماروت - يطول فيها الجدل بين اللاهوتيين الباحثين ~~عن أصولها؛ لأن شراح التلمود من اليهود يعتسفون الأقوال والشواهد لردها إلى المصادر ~~الإسرائيلية، وكثير من الشراح اليهود أنفسهم وغير اليهود ينفون العلاقة بينها وبين ~~تلك المصادر، فمن الذين ردوها إلى المصادر الإسرائيلية من يرى أن الملكين هما أريوخ ~~وماريوخ الموكلان بحراسة كتاب إدريس. ويستند صاحب كتاب أساطير اليهود إلى مراجع ~~كثيرة لتصحيح هذا الخطأ وترجيح مصدرها الفارسي # 5 ~~... ويزعم جيجر ~~“Geiger” # أنهما الملكان ~~شمهازي وعزازيل اللذان هبطا إلى الأرض في عهد نوح فتزوجا من بنات الناس، ووجدا أنهن ~~«حسنات» كما جاء في سفر التكوين، ms092 ويعتمد جورج سيل مترجم القرآن على تحقيقات هايد ~~“Hyde” # في تصحيح هذا الخطأ، والرجوع بها إلى ~~أصل بابلي، كما جاء في القصة القرآنية. # وكاد الخلاف على هذه القصة أن يعدل الخلاف على قصة آدم وتعليمه الأسماء ومخالفته ~~أمر ربه بغواية الشيطان، وهي القصة التي يحسبها بعضهم من الأخبار التلمودية، ويقول ~~إبشتين وحرنبوم: إن التلمود اقتبسها مباشرة من المراجع الإسلامية، وبطريق غير مباشر ~~من المراجع المسيحية. # غير أن هذه المناقشات جميعا يعتورها النقص الشامل لتحقيقات النصوصيين والحرفيين ~~أجمعين، وهو الوقوف عند النص أو عند الحرف، وإغفال الجوهر الذي من أجله استحقت ~~القصة أن تكون موضع اهتمام ومناقشة في مباحث المقارنة بين العقائد والديانات، فليست ~~المسألة في هذه القصص مسألة أسماء ومواقع، ولكنها مسألة القيم الروحية التي ترتبط ~~بها، وتتغير مع الزمن حسب تفسيراتها، ولو بقيت بنصها وحرفها في الروايات ~~المتعاقبة. # وجوهر المسألة كله، في القصة التي نحن بصددها، أن القرآن الكريم لم يذكر قط شيئا ~~عن سقوط الخليقة من رتبة إلى رتبة دونها، ولم يذكر قط شيئا عن سقوط الخطيئة ~~الدائمة، وسقوط الخطيئة التي يدان فيها الإنسان بغير عمله؛ إذ العقيدتان كلتاهما ~~غريبتان عن روح الدين الإسلامي كل الغرابة، ولا يعرف الإسلام إرادة معاندة في الكون ~~لإرادة الله يكون من أثرها أن تنازعه الأرواح، وتشاركه في المشيئة، وتضع في الكون ~~أصلا من أصول الشر، وتسقط الخلائق التي ارتفعت سوية بمشيئة الخالق. # فقد جاء الإسلام بهذه الخطوة العظمى في أطوار الأديان فقرر في مسألة الخير والشر، ~~والحساب والثواب أصح العقائد التي يدين بها ضمير الإنسان، وقوام ذلك عقيدتان؛ ~~أولاهما: وحدة الإرادة الإلهية في الكون، والثانية: ملازمة التبعة لعمل العامل دون ~~واسطة أخرى بين العامل وبين ضميره وربه. # فليست الخطيئة في الإسلام أصلا كونيا يعاند الإرادة الإلهية بإرادة مثلها، أو ~~مقاسمة لها في أقطار الوجود العليا والسفلى، ولكنها اختلاس وخلل وتقصير، وله علاجه ~~من عمل العامل نفسه بالتوبة والهداية، بالتكفير والجزاء، ولما كانت فضيلة آدم على ~~الملائكة والجن أنه تعلم الأسماء التي لم ms093 يتعلموها، كانت هدايته إلى التوبة كذلك ~~بكلمات من المعرفة الإلهية، ولم تكن بشيء غير عمله وقوله. # فإذا فهمت العقيدة الإسلامية على هذا الوجه؛ فهذه هي القيمة الروحية التي تجري ~~المقارنة والموازنة عليها كائنا ما كان القول في تشابه الأسماء والقصص، وتوافق ~~المراجع والأسانيد. وما من دين قط خلا من الأسماء والقصص التي سبقته إليها الأديان ~~المتقدمة عليه في تاريخ دعوتها، وليس أكثر من الأسماء البابلية والفارسية في كتب ~~العهد القديم وكتب التلمود، وليس أكثر من هذه جميعا في مسألة واحدة قبل كل مسألة ~~يتناولها الإيمان، وتلك هي مسألة الخير والشر، والتبعة والجزاء، ولا خلاف - مع فهم ~~هذه المسألة - على فضل الإسلام في هذه السبيل. ~~••• # إن الأديان الكتابية لم تتعاقب عبثا، ولم تأت المقدمات فيها بغير ~~نتائجها. # فالعبريون تلقوا ديانتهم وهم على حالهم من الوثنية، فلبثوا زمنا يخلطون بين ~~فواصل الخير والشر، وفواصل المنفعة والضرر، ولبثوا زمنا أطول من ذلك يخلطون بين ~~الوحدانية في الوجود كله، وبين الوحدانية التي تميزهم بإله لا يقبل المشاركة من ~~الأرباب الأخرى، كأنهم شركاء المنافسة والمناظرة بغير حق وبغير قدرة. # ثم جاءت المسيحية ففصلت بين الخير والشر بفاصل كبير، وحققت معنى الخير الروحاني ~~الذي ينفصل من معنى المنفعة والسلامة، وباعدت بين العالمين، وتركتهما من بعدها ~~كأنهما دولتان تتقابلان، هذه في السماوات وهذه في الأرضين، وتكاد الأرضية منهما ~~تبسط يدها إلى حوزة الأخرى، وتأخذ منها إلى حوزتها معقلا يسترد ويستعاد، ولا يملك ~~الإنسان فيه حيلة أمام الإله وأمام الشيطان، وإنما يجيء الذنب بعمل الشيطان، ويزول ~~الذنب بعمل الإله. # ثم جاء الإسلام فبسط على الوجود كله وحدة لا مثنوية فيها على وجه من الوجوه، ومنح ~~الإرادة الإنسانية حقها وتبعتها، وجعلها ظالمة لنفسها إذا سمحت للشيطان أن يظلمها، ~~فإنما هو خداع وضعف، وإنما هما طريقان بينان لا يخدع عنهما سوى المأخوذ أو المسحور، ~~إلا أن يؤثر الضلالة على الهدى، ويصر على ضلالته بين دواعي التوبة والندم. # فهذه الديانات لم تتعاقب عبثا، ولم يكن لها في أطوارها سبيل أقوم من ms094 هذا السبيل ~~ولو نظرنا إليها فرضا وتقديرا، ولم ننظر إلى وقائع التاريخ. ~~••• # وكان ما تقدم إنما يتبين لنا من العقائد الإسلامية كما نتلقاها من القرآن الكريم، ~~وقد أحسن فهمه مفسرون وأساء فهمه مفسرون، ولعله لا ينصف العقائد الإسلامية شيء كما ~~ينصفها في هذا المقام أن نرجع إلى المسيئين فنراهم جميعا قد أساءوا فهم كتابهم؛ ~~لأنهم فسروه بالإسرائيليات والتلموديات، وحسبوها سندا محققا عند أصحابها الأولين، ~~وما كانت عندهم غير أحاديث يتلقفونها ممن تقدمهم؛ لأنهم لم يفهموا كتبهم فالتمسوا ~~فهمها بمعونة من تلك الأحاديث. # وليس من عملنا هنا أن نستقصي أقوال المفسرين في شئون الغيب، ولكننا نلخصها ~~إجمالا فيما نحن بصدده من طبيعة الشيطان، وطبيعة الخلائق العلوية كالملائكة ~~والأرواح، فأضعف الأقوال أن الملائكة والجن تشملهم كلمة «الاجتنان» لمعناها اللغوي ~~الذي يفيد معنى الخفاء، وأرجحها القول الذي أخذ به الفيلسوف الرازي في تفسيره حيث ~~يقول: «لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب ألا يكون من الملائكة؛ لقوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن ~~. وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن ~~والملائكة.» # ولا حاجة بنا إلى إسهاب أو إيجاز في نقل أحاديثهم عن الجن وأسمائها وأجسامها، ومن ~~يأكل منها، وما يأكله أو لا يأكله، فهو على لغوه وخطله ليس له مساس بما نعنيه في ~~هذا السياق. # | الفصل الرابع # عباد الشيطان # تخلفت - بعد الأديان الكتابية - نحلة تتسم بالشذوذ المطبق في جميع أطوارها؛ لأنها ~~شاذة في موضوعها، وشاذة في انتسابها إلى أصولها، وشاذة في تلفيق مقوماتها وأركانها، ~~وشاذة في وسائل نشرها والدعوة إليها. # موضوعها شاذ وهو عبادة الشيطان. # وانتسابها إلى أصولها شاذ؛ لأنها تأخذ من الهندية، والمجوسية، والشامانية، ~~واليونانية، وأديان الحضارة الأولى، والأديان الكتابية. # وجميع مقوماتها وأركانها شذوذ في شذوذ؛ لأنها تجمع النقائص في شعائرها، وتعمل أحيانا ~~على مرضاة الشيطان ومرضاة الإله الأعلى بفريضة واحدة. # ووسائل الدعوة إليها شاذة؛ لأنها سرية يبالغون في كتمانها مع امتداد معابدها من آسيا ~~الوسطى ms095 إلى أوروبة الغربية وأفريقية الشمالية. ويعجب الناظرون في أمرها من الذي يتولى ~~نشرها، وما بواعثه النفسية أو القومية التي تحضه على نشرها، وهي مع الأديان الأخرى بين ~~موافقة تأباها تلك الأديان، ومناقضة تثيرها عليها؟ ~~••• # ومن العسير أن توضع هذه النحلة في نسق منتظم مع تطور العقائد في مجموعة الأمم ~~الإنسانية، ولكننا نحاول وضعها في مدرجة من هذه الأطوار جهد المستطاع، مع ملاحظة الأصول ~~الجغرافية والعنصرية. # فمن الراجح المعقول أن عبادة الشيطان تنتمي قديما إلى الشعور بقوة الشر في البيئة ~~التي نشأت فيها، وأحاطت بها. # ومن الراجح المعقول أيضا أن الشعور بقوة الشر قد كان على أشده حيث آمن الناس بقسمة ~~العالم بين النور والظلمة، وبين الطيبة والخباثة، وجعلوا لإله الشر حصة في الكون مساوية ~~لحصة إله الخير أو قريبة منها، وتلك هي الثنوية «الزردشتية» منذ أقدم أطوارها. # وينبغي أن نذكر أن الثنوية كانت تفرض لإله الشر في بعض الأزمنة سلطانا أكبر من سلطان ~~إله الخير في العوالم الأرضية، وتسوغ هذا الفرض الغريب بأن سلطان الشر سلطان موقوت ~~يندثر بعد حين؛ فالنور والخير منفردان بالسماوات العليا، والظلمة والشر غالبان على ~~الأرضين السفلى إلى الموعد المعلوم، ثم يتقهقر هذا السلطان في العالم الإنساني ليخلفه ~~سلطان الخير أبد الآبدين. # قامت هذه العقيدة قديما في أرض فارس على تخوم السهوب الآسيوية، حيث لا تعرف العشائر ~~المترحلة غير شياطين الصحارى أو أرواحها المتمردة، ولا تزال في كل رحلة من رحلاتها عرضة ~~لعصف الثلوج والحرارة، وفتك السباع والأفاعي، ونكبات القحط والطوفان، ولا تأمن في ~~طريقها ما لم تكن على هوى الشيطان. # ولم يكن هوى تلك العشائر في حياتها الأولى مخالفا كل المخالفة لهوى الشيطان في عنفه، ~~أو في كيده، أو ختله، أو في اندفاعه مع شهواته وأطماعه، فكانت تنساق لأهوائها حين تزعم ~~أنها تنساق لأهواء الشيطان. # في تلك الأرجاء تأصلت العبادة الثنوية، وتأصلت معها العبادة الشامانية، وهي عبادة ~~الأرواح والشياطين. # ففي بلاد العمار - أو بلاد الحضارة الفارسية - تهيأت الأذهان للعقائد الكونية ~~الواسعة، فتأصلت الثنوية وعلمت الناس ms096 أن الشر غالب على الأرض، ولكنه مغلوب بعد حين، ~~وأن «أهريمان» رأس الأرواح الخبيثة نافذ السلطان في عالم الإنسان. # وفي السهوب المقفرة تأصلت الشامانية وشعائرها التي لا تفصل بين الكهانة والسحر بفاصل ~~محدود، فقد يكون الروح الواحد طيبا هادئا إذا رضي واستراح إلى مقامه، واستوفى مطالبه ~~من فرائسه وضحاياه، وقد يكون خبيثا عارما يتخبط فريسته فلا تجدي عنده شفاعة الكاهن ~~الساحر، أو يثوب إلى السكينة بمحض هواه. # لما ظهرت المسيحية كانت الثنوية والشامانية على أقوى ما كانتا عليه قبل ~~الميلاد. # ونشطت مع المسيحية في مجال واحد عقيدة ثنوية حملها جنود الرومان من تخوم الهند إلى ~~الجزر البريطانية، وهي عقيدة «مترا» بطل النور الذي استشهد في حربه لإله الظلام، ووعد ~~عباده بالعودة إليهم بعد حين مظفرا متمكنا من الأرض والسماء ما دامت الأرض ~~والسماء. # وانهزمت عقيدة «مترا» أمام المسيحية. # ولكن هزيمة العقيدة المترية لم تقتلع الثنوية من جذورها، ولم تكن أحوال العالم في ~~القرون الأولى بعد الميلاد مما ينسي الناس وطأة الشر وسلطان الشيطان، ولم تكن المسيحية ~~في دعوتها تنفي غلبة الشيطان على العالم، وانقياد السادة المسيطرين على الأمم لوساوسه ~~ورذائله، فنجمت من بلاد الثنوية نحلة أخرى تسمى المانوية، منسوبة إلى «ماني» الذي ولد ~~في بابل الجنوبية حوالي سنة (216 للميلاد)، واستهل دعوته في إبان قيام الدولة ~~الساسانية، فكان له من ملكها الثاني «سابور الأول» نصير قوي أيام حكمه، على أمل منه في ~~توحيد النحل المجوسية على قواعد الدين الجديد، ولكنه أمل لم يتحقق، ولم يستطع ماني ~~أن يصمد لأقطاب النحل الأخرى بعد حكم سابور، فألقي في السجن حيث مات وهو يناهز ~~الستين، ووسم أتباعه باسم الزنادقة، أي الكذبة المنافقين، وقيل عنهم: إنهم «أهرمانيون ~~شيطانيون». # إلا أن «ماني» كان من المجددين في عقائد قومه، وفي ثقافتهم، وفي كتابتهم الأبجدية، ~~ومن مساعيه في تجديد الثقافة تيسير الكتابة بالحروف الآرامية، وتنقيح أوزان الشعر ~~والأناشيد المقدسة، وتقريب مذاهب المعرفيين ~~“Gnostiics” # إلى مذاهب المجوسية والمسيحية، وتحقيق الخلاص الروحاني من طريق الحكمة والتعمق في أسرار ~~العلوم. ms097 # ولم يخرج «ماني» من نطاق الثنوية في آفاقه الواسعة، فمعظم مذهبه ثنوية «زردشتية» أو ~~مجوسية، وقليل منه مقتبس من آراء المعرفيين وعقائد المسيحية في الصدر الأول قبل أن ~~يتوسع فيها الآباء المتأخرون. # فالوجود من أزل الآزال وجودان منفصلان: عالم النور، وعالم الظلام، ولا فاصل بينهما ~~يمنع أحدهما أن يبغي على الآخر إذا شاء ، ولكن عالم النور لا يعرف البغي، بل يعرفه رب ~~الظلام حسدا، فيزحف بجنوده كرة بعد كرة، ويأبى رب النور أن يقابل العداء بالعداء؛ لأنه ~~بطبيعته محبة وسلام، وحسبه أن يتجلى حيث شاء فيجعل منه الظلام. # ولما تكررت هجمات رب الظلام على العالم النوراني يحاول أن يكمن فيه، وينتزع منه ما ~~استطاع، خلق رب النور آدم السماوي، وأرسله إلى الأرض بمزيج من طبيعة الملك العلوي ~~والحيوان الأرضي؛ ليلقى جنود الظلام في ميدان القتال، وكان آدم هذا - أو جيومرث كما ~~يسميه المجوس - طيبا سليم القلب، يحارب شريرا مزودا بسلاح الخدعة والدهاء، فانهزم ~~ووقع في أسر الظلام، ولم يجد رب النور بدا من الهبوط بنفسه إلى الميدان لإنقاذ مخلوقه ~~الأثير لديه من غياهب العالم السفلي، فأنقذه ورفعه إلى الشمس حيث يقيم بعيدا عن الأرض ~~وعالمها المهدد بغزوات الشياطين. # إلا أن الإله السفلي عرف من تركيب جيومرث سر الآدمية العليا، فصنع على يديه «آدم» آخر ~~يمتزج فيه الخير والشر، والروح والجسد، وظل آدم حائرا بين طبيعتيه حتى أشفق الإله ~~السماوي عليه فأرسل إليه المسيح؛ ليدله على أشرف طبيعتيه، ويعلمه الغلبة على أخس هاتين ~~الطبيعتين، فجعل آدم ينادي منذ ذلك الحين: «ويل لمن خلق جسدي واستبعد روحي»، وخذلته ~~حواء فهبط بها الملائكة إلى الجحيم ومعها ذريتها من أبناء الشياطين، ولم يكن للملائكة ~~منذ تلك اللحظة من رسالة تحت السماء إلا أن يستخلصوا العوالم النورانية من شوائب ~~الظلمات، ثم ينفصل العالمان ويقضى على العالم السفلي بالدمار. # سرى هذا المذهب المانوي شرقا إلى الصين والهند، وغربا إلى أفريقية الشمالية وآسيا ~~الصغرى، وسرت معه عقيدة خلق الشيطان للبشرية، وسيادته على العالم الأرضي، وبقائه ~~متسلطا عليه ms098 إلى اليوم الأخير. # ووافق ذلك السريان النحلة الشامانية بين أواسط آسيا وأوروبة الشرقية، فدخلتها ~~المسيحية وعشائرها مؤمنة بالسحرة والشياطين، تتسامع بأن إله المسيحيين ترك الأرض ~~للشيطان الأكبر؛ فلا حيلة لها معه غير أن تترضاه وتزدلف إليه. وقد بقيت المسيحية ~~الصحيحة مجهولة في تلك الأقطار إلى ما بعد القرن الثاني عشر، وبقيت نحلة «البوجوميل » - ~~أي النحلة الشيطانية - غالبة على عشائر البلغار والعشائر البلقانية عدة قرون. # ومع المانوية والشامانية نحلة أخرى - أو نحل شتى على الأصح - تعرف باسم النحل ~~الأورفية ~~“Orphism” ~~، وتشترك في المراسم الخفية التي ~~تعاقر فيها الخمر، وتستباح الشهوات، ويعلو فيها اسم ديونيس ~~“Dionysus” # الذي يعتقد اليونان أنه ابن زيوس رب ~~الأرباب من بيرسفون، وأنها حملت به منه وهو متنكر في صورة الحية، فقتله المردة، ~~واستخلصت الربة «أثينا» قلبه، فهو القلب المقدس الذي كان أصحاب النحل الأورفية يحتفلون ~~به ويتخذونه رمزا للأهواء والآلام. # ويعتقد الأورفيون أن الإله أورفيوس يهدي صحابته في ظلمات العالم الأسفل بعد الموت، ~~ويحفظون لرحلته هذه مراسم منقولة من كتاب الموتى المعروف في الديانة المصرية ~~القديمة. # وظاهر من صور الشيطان التي عاشت بين الأوروبيين المشارقة في صدر المسيحية، أن عباده ~~يقرنون بينه وبين ديونيسس صاحب التجلي الأعظم في حفلات الخمر والمجون، وكانوا يتقربون ~~لديونيسس بجدي يربونه لهذا الغرض، ويصورونه - أي ديونيسس - في صورة «الساتير» الذي ~~يتزيا بجلد الماعز، ويلبس قرونا على جبهته، ويجر وراءه ذنبا طويلا كأذنابها، ويمشي ~~بقدمين لهما ظلفان مشقوقان، وكذلك كانت صورة الشيطان في محافل عباده الأولين. # ومع المانوية والشامانية والأورفية ينتشر المعرفيون من بلاد فارس إلى عاصمة الدولة ~~الرومانية، ومنهم من يؤمن بالخلاص إلى النور من طريق الظلام، والخلاص إلى الطهارة من ~~طريق الرجس، والخلاص إلى الله من طريق الشيطان، والخلاص إلى المعرفة من طريق الجهالة ~~بمعانيها جميعا، فيما اشتملت عليه جهالة العقل وجهالة الطباع. # هذه فلول العقائد التي تجمعت منها نحلة الشيطان، وطال بها الزمن قبل شيوع المسيحية في ~~دور النزاع بين بقايا الأديان الوثنية وطلائع الدين الجديد، ويؤخذ من ألقاب الشيطان ms099 في ~~بعض اللغات الأوروبية الشرقية أن المظالم الاجتماعية كانت بعض أسباب الكفر بالإله ~~السماوي، والإقبال على عبادة الشيطان المتمرد الذي يناوئه ويعلن الثورة عليه، فقد كانوا ~~يسمون هذا الشيطان «نصير العبيد»، وكانوا يحسبون أنه ضحية القضاء الكوني الذي هم ~~ضحاياه. ~~••• # ولم يكتب عباد الشيطان أسرار عبادتهم؛ لأنهم كانوا يكتمونها حذرا من خصومهم، ~~ويكتمونها مجاراة لطبيعة العبادة «الشيطانية» التي لا غنى لها عن الظلمة والخفاء، وما ~~رواه عنهم خصومهم لا تتفق فيه روايتان على جميع التفصيلات، ولا نخال أن عبادات الشيطان ~~كانت متفقة بينها في أماكنها المتباعدة بين آسيا الوسطى وأوروبة الغربية، فإن العبادات ~~الصريحة المكشوفة تختلف وتتنازع حين تنتشر على هذه المسافات الشاسعة من الأقاليم ~~والسلالات واللغات والأحوال الاجتماعية والنفسية، فلا جرم تختلف العبادات السرية إذا ~~باعدت بينها مسافات كهذه المسافات. # إلا أن المشهور من نحل العبادة الشيطانية ثلاث؛ هي: الكاثارية، والبوجمولية، ~~والألبية، ويرجح المؤرخون لها أنها أسماء مفترقة لنزعة واحدة تختلف في التسمية حسب ~~علاقاتها المحلية، مع وحدتها في مصادرها، والتقاء مصادرها جميعا في الرقعة الوسطى بين ~~القارتين الآسيوية والأوروبية. # غلبت الكاثارية على العشائر الألمانية، واسمها مستعار من كلمة ~~“Cathar” # بمعنى الطهارة في اللغة اللاتينية ~~المتوسطة، وكانت في أصلها نحلة زهد ورهبانية، ثم انحرفت قليلا قليلا إلى خليط من ~~الوثنية وبقايا الديانات المتخلفة من الحضارات الأولى. # وغلبت البوجمولية على بلاد البلقان، واسمها مأخوذ من السلافية بمعنى أحباب الله، أو ~~مأخوذ من اسم داع مشهور من دعاتها حولها من العبادة الصريحة إلى عبادة الخفاء ~~“Bogomil” ~~. # وغلبت الألبية ~~“Albigenses” # على فرنسا الجنوبية، ~~ونسبت إلى «ألبي» ~~“Albi” # التي كان مركزها الأشهر في ~~غرب القارة وجنوبها. # ولم تتفق هذه النحل في شعائرها وعقائدها كما أسلفنا، ولكنها تتفق في قاعدة مشتركة ~~بينها، وهي قاعدة الديانة المانوية، فكلها مانوية تضاف إليها حواشي الوثنية المحلية ~~والمقتبسات المشوهة من العقائد المسيحية، ولا تخلو عباداتها جميعا من إباحة بعض ~~المحرمات، وتحريم بعض المباحات التي تخالف بها جميع الأديان الكتابية، وإن لم يكن بينها ~~وفاق شامل للمحرمات والمباحات. # فمنها ms100 ما يحرم الزواج؛ لأن الزواج يستبقي النسل في عالم الشر والفساد، ولكنه لا يحرم ~~الفسق ولا الشذوذ، بل يدخلهما أحيانا في الشعائر المفروضة لأنهما يرضيان ~~الشيطان. # ومنها ما يحرم اللحم والجبن والبيض، وكل ما جاء من تناسل من ذكر وأنثى، ولكنه يبيح ~~السمك لاعتقادهم أنه لا يولد بالتلاقح بين الجنسين. # ومنها ما يزعم أن آدم طلق حواء وتزوج بالربة البابلية التي تسمى ليليت أو ليلى، وأن ~~حواء تزوجت بعده بمارد من الجن، فجاء النوع الإنساني خليطا من الآدميين، والمردة، ~~وذرية الأرباب الوثنية. # ومنها ما يقدس المسيح وينكر الصليب، ولا ينكرونه لتكذيبهم صلب المسيح، بل لأنهم ~~يقولون: «إن ما من أحد يعبد المشنقة التي خنقت أباه!» # واشتهر من عباداتهم عبادة القداس الأسود، ومحورها صورة الشيطان عاريا، وصورة فتاة ~~عارية تتقدم المصلين إليه، وتنقل إليهم «البركة» بلمس أعضائه، وتنهي الصلاة بضروب من ~~الإباحيات كالتي كانت تقترف في عبادات أرباب النسل عند الوثنيين. # وكل جماعة «سرية» ظهرت في القرون الوسطى فهي على صلة بطائفة من تلك الطوائف، ومنها ~~الجماعة التي سميت باسم الهيكليين والحبليين، وكان هؤلاء يتقلدون حبلا قصيرا، ويلبسون ~~قميصا يسمونه الكميسية ~~“Camisia” ~~. ويقال: إنهم نقلوا ~~الاسم من جزيرة مالطة التي كانت معقلا للهيكليين، وكانت الكلمات العربية شائعة في ~~لغتها منذ القرون الوسطى، ولا تزال كذلك إلى اليوم. # والعقيدة الغالبة بين هذه الطوائف، على تنوع مذاهبها، هي سيادة سلطان الشر على العالم ~~الأرضي خاصة، وتنازع الكون بين القوة العليا والقوة السفلى، وضرورة «التفاهم» مع ~~الشيطان في أمور هذه الدنيا، أو ضرورة هذا التفاهم في كل أمر من الأمور؛ لأن إله الخير ~~على قوته وحكمته قد نفض يديه من دنيا بني آدم؛ لاعوجاجهم ودخيلة السوء في طباعهم ~~باختيارهم لا بدسيسة عليهم من قبل الشيطان. # وقد بقيت على هذا المعتقد طائفة كبيرة من الأوروبيين الغربيين، وسيق ثلاثة وستون ~~رجلا وامرأة إلى محكمة التفتيش في طولوز (يونية سنة 1335)، فقالت إحداهن آن ماري ~~جيورجل: «إن الله ملك السماء، والشيطان ملك الأرض، وهما ندان متساويان سرمديان يتساجلان ms101 ~~النصر والهزيمة، وينفرد الشيطان بالنصر البين في العصر الحاضر». # 1 # وينقل رودس، صاحب كتاب القداس الشيطاني، نبذا من تاريخ فرنسا للمؤرخ الكبير ميشليه ~~“Michelet” ~~، يفهم منها أن هذه العبادات قد امتزجت ~~زمنا بالثورة الاجتماعية وانحلال الأخلاق وفتور الإيمان بالدين، فقد كان القداس الأسود ~~صلاة إلى الشيطان ينادونه فيها باسم رئيس العبيد، وتقوم فيها بوظيفة الكهانة فتاة عارية ~~تمعن في الرقص حتى يأخذها الدوار، ثم يتصدى من الجمع أحد الرجال المندوبين للعبادة، ~~فيتمم الصلاة باتخاذ دور الشيطان، واعتبار الفتاة محرابا حيا للمعبود. # 2 # وعاشت هذه النحل الشيطانية حقبة طويلة، لا شك أنها كانت أطول مما يتاح لها لو لم يكن ~~لها سند من الحوادث غير مزاياها الخلقية أو الوجدانية، ولكنها استفادت من تنازع ~~الكنائس، وانحلال الدولة الرومانية، وغارات الهمج وما اقترنت به من السبي والسلب ~~والإباحة، واستفادت من مظالم المجتمع وجهالة المؤمنين بالسحر وسلطان الشيطان على ~~المقادير الأرضية. # فلما استقرت المسيحية، وشاع الخوف والحذر من الجماعات المتسترة لاشتباك الخصومات ~~السياسية، واتهام كل فريق من عداه باستخدام تلك الجماعات في محاربته والدس عليه، تألبت ~~القوى على جميع تلك النحل، وأخذتها الكنيسة والدولة معا بالقمع الشديد والرقابة ~~المتلاحقة، فلم تبق لها بقية بعد القرن السابع عشر إلا إذا صحت الإشاعات عن قصة النحلة ~~الشيطانية التي كانت تستتر باسم الماسون، فيما رواه الصحفي الفرنسي جوكاند ~~“Jogand” ~~، وأثار حوله حملته التي سماها الشيطان في ~~القرن التاسع عشر، ولم تقم عليها البينة القاطعة بعد البحث في أسانيدها ~~ودعاواها. # أما النحلة التي ينسبونها إلى الشيطان ولا تزال لها بقية في العصر الحاضر، فهي النحلة ~~اليزيدية التي تقيم في شمال العراق، وينتمي أبناؤها جميعا إلى الكرد، ولا يعرف أحد على ~~التحقيق سبب تسميتهم باليزيدية، ولا يعول على أقوال أحد من علمائهم أو جهلائهم؛ لأنهم ~~يحرمون التعليم على عامتهم، ويجعلونه وقفا على أسرة منهم تتولى الكهانة وأمانة الأسرار ~~في هذه الديانة، فمن كان منهم عالما بتلك الأسرار فهو لا يبوح بها، ومن كان من ~~جهلائهم وعامتهم، فهو يتلقى ما ms102 يسمعه ويؤذن له بعلمه، وجميعهم مع ذلك يتوارثون ~~التقاليد، ولا يفقهون خباياها، سواء منهم من أباحوا له العلم أو حرموه عليه. # ويرجع بعض الباحثين بالاسم إلى يزيد بن معاوية، ويرجع آخرون به إلى مدينة يزد ~~الفارسية، ويرجع به غيرهم إلى اسم يزدان الإله الأقدم في الملة المجوسية، وغير بعيد أن ~~يكون الاسم منسوبا إلى يزيد الخليفة الأموي؛ لأن النزاع بين الكرد والفرس قد فرق بين ~~عصبياتهم في السياسة وفي الدين، فكان الكرد من غلاة السنيين، وكان الفرس من غلاة ~~الشيعة، وربما كانت الطائفة الكردية التي تؤله «يزيد» في صورة الإله الأرضي مقابلة ~~للطائفة الفارسية التي عرفت باسم «علي إلهي»؛ لأنها تغلو في حب الإمام علي رضي الله عنه ~~إلى حب العبادة. # تؤمن الطائفة اليزيدية بسبعة آلهة خلقت من نور إله واحد كما تضاء الشمعة من الشمعة، ~~وقد خلق كل منهم في يوم من أيام الأسبوع، وندبه الإله الأكبر لإبداع جزء من العالم ~~الأعلى أو العالم الأدنى، وهم يعتقدون أن الله خلقهم من نطفة آدم غير ممتزجة بجسم حواء، ~~خلافا لسائر البشر ممن ينتسبون إلى آدم وحواء، ولعلهم أخذوا معتقدهم هذا من المانوية ~~أو من المعرفيين، الذين يروون في أساطيرهم أن آدم طلق حواء فأسلمتها الأرباب إلى شياطين ~~الجحيم، وعندهم أن آدم هذا هو آدم الحادي والسبعون، كلهم ذهبوا بالمعصية من الوجود، ولم ~~تبق على صلاح غير ذرية آدم من صلبه دون مخالطة المرأة، وهم اليزيديون. # ويعتقدون بتناسخ الأرواح وعودة الأشرار إلى الحياة في أجساد الحيوان، ويحرمون ألوانا ~~من الأطعمة والأكسية لا يعرفون علة لتحريمها غير التعلات التي هي أشبه بأحاجي الأقاصيص، ~~ومنها تحريم أكل الخس؛ لأن قديسهم الشيخ «عادي» مر به فلم يعرفه، وسأل عنه فلم يجبه، ~~وتحريمهم لبس الثوب الكحلي لأنه عدو السماء. # وهم يقدسون السيدة مريم والحلاج، ويحجون إلى جبل الدروز كما يحجون إلى مكة، وكتابهم ~~المقدس يسمى كتاب الجلوة، يلحق به كتاب يسمى مصحف رش أو المصحف الأسود، ولكن الفصل ~~الثالث من كتاب الجلوة يعلمهم أن الله ms103 يرشد بغير كتاب، ويخص عباده المقربين بالإلهام من ~~غير سماع. # وليس فيما رواه الثقات عنهم ما يثبت عبادتهم للشيطان، ولعل القول بعبادتهم للشيطان ~~لبس، جاء من اعتقادهم أن الإله الذي يسمونه «طاوس ملك» نصح لآدم بأكل الحنطة، فانتفخ ~~بطنه، وضاقت به الجنة، فأخرجه «طاوس ملك» إلى العراء وصعد إلى السماء، ولم يكن لآدم ~~مخرج، فأرسل إليه طائرا نقر بطنه فاستراح من أكله الحنطة، وعاش بعيدا من الجنة ~~المطهرة يأكل هو وبنوه من ذلك الطعام الأرضي إلى يوم القيامة. # فالذين سمعوا أنهم يعبدون «طاوس ملك» الذي أخرج آدم من الجنة قد وحدوا بين هذا الملك ~~وبين الشيطان، وحسبوهم من النحل الشيطانية التي تعبده عبادة الأرباب. # على أننا نعرض النحل الشيطانية جميعا فلا نرى نحلة منها تعبد الشيطان بالمعنى ~~المفهوم من العبادة، وهو الحب والتنزيه والتسليم، وإنما يقصدون بتلك المراسم التي ~~يسمونها العبادة أن يزدلفوا إليه بالترضية والمداراة، وأن يتقوا منه الشر الذي لا يقيهم ~~منه رب سواه؛ لأنه موكل بحكم الأرض إلى اليوم المعلوم، فهي مصانعة خوف أو نقمة على ~~الخير الذي لا ينالونه، وليس في شعائر هذه النحل أثر واحد يحق لنا أن نطلق عليه اسم ~~العبادة، حيث نعني بالعبادة إيمان الحب والتعظيم، والرضى بالفداء والبلاء في سبيل ذلك ~~الإيمان، فليس في تلك الشعائر كافة علامة على قبول الفداء في سبيل العقيدة الشيطانية، ~~أو قبول الامتحان والصبر عليه إيثارا لرضى الإله المعبود، ولو لم يكن فيه نعمة أو هبة ~~من هبات الدنيا والآخرة، وكأنما كانت «عبادة الشيطان» تهمة جرت على ألسنة المنكرين ~~لعقائدهم زراية بهم، وضنا عليهم أن يحسبوا في زمرة «العباد» المؤمنين بالله. # وإذا كان الفداء شرطا من شروط العبادة الخالصة، فما من نحلة شيطانية يتقبل المؤمنون ~~بها أن يخسروا كثيرا أو قليلا في سبيل الشيطان، فهي مساومة وانتفاع بالواقع الذي لا ~~مهرب منه، ومثل هذه المساومة لا تسمى بالعبادة إلا من قبيل المجاز والتمثيل. # حلفاء الشيطان # يدل تاريخ السحر على تضامن النوع الإنساني في التهدي إلى العقائد العميقة، ms104 التي تعرب ~~عن نظرة شاملة إلى الحياة أو إلى الكون كله، وتبدو أفكار الناس في هذه العقائد كأنها ~~تصدر عن عقل واحد يتعاون فيها ببداهته وخياله، وبذهنه وحسه، وتتقارب فيه ملكة التشخيص ~~والرمز في وعي الإنسان الساذج، وملكة التجريد والتعميم في تفكير الفيلسوف المدرب على ~~دقائق التفكير. # لو قال قائل في هذا العصر: إن الكون كله فكرة، أو إنه كله عدد وحسبة رياضية، لما ~~احتاج في قوله هذا إلى تعمق بعيد، ولا ظهر منه أنه يشتط في نزعات التصوف أو نزعات ~~التجريد؛ لأن الخاصة والعامة في زماننا يسمعون أن المادة كلها، على اختلاف عناصرها ~~وتراكيبها وأجسامها، إنما هي ذرات تتألف من النواة والكهرب، وأن الذرة حين تنشق تئول ~~إلى شعاع، وأن الشعاع هزات في الأثير، فلا صعوبة على العقل الساذج في تجريد المادة من ~~تلك الكثافة، أو تلك الصلابة التي كانت عنده وصفا عاما لكل مادة، وكان الهواء عنده ~~غاية ما يتصوره من الخفة والشفافية والانطلاق من قيود الجسم الكثيف. # لا يؤخذ العقل الساذج مأخذ الدهشة إذا سمع اليوم أن الكون كله عدد، وأن طبيعة العالم ~~المحسوس من طبيعة الفكر المجرد، أو طبيعة المعنى الغني عن التجسيم. # ولكن كيف كان موقع هذا القول عنده حين سمع قبل نيف وعشرين قرنا أن الوجود كله عدد، ~~وأن «الكلمة» أصل كل شيء، كما قال بعض الفلاسفة اليونان نقلا عمن تقدمهم من الكهنة ~~والمفكرين؟ # كيف كان موقع هذا القول عنده حين سمع باللوجوس ~~“Logos” # لأول مرة؟ وحين سمع معها أو قبلها بالنسب ~~الهندسية التي تتفرق موجودات الكون المادي كلها فلا تتمخض عن شيء سواها؟ # كان هذا كلاما أشبه بالتخريف، أو هو التخريف عينه، وظل أناس من المطلعين إلى عصر ~~الذرة يسمعونه فلا يصفونه بأكثر من أنه هراء، ولم يكن قول من الأقوال أبعد في الشطط عند ~~جمهرة الناس من إحالة هذه الموجودات إلى فكرة خالصة، أو إلى عدد لا يعرفون معه ما هو ~~المعدود. # وقد كان حقا من الإعجاز في التفكير أن يستطيع عقل ms105 قبل خمسة وعشرين قرنا أن يشف تلك ~~الشفافية بهذه الأجسام ذات الأوزان والأحجام. # كان إعجازا لو كان معوله كله على الطفرة من الحس واللمس إلى التفكير المجرد أو ~~الصوفية الرياضية، ولكنه في الواقع لم يكن كله طفرة من هذا القبيل، وقد ننظر إلى خطواته ~~القريبة عيانا إذا تذكرنا تاريخ السحر، وفهمنا منه ذلك التضامن في البديهة الإنسانية ~~بين ملكة التشخيص والرمز، وملكة التجريد والتعميم. # كان الناس يفهمون من عمل الساحر منذ آلاف السنين أنه يحرك الطبيعة وعناصرها بكلمة ~~يعرفها، وبأعداد مقدسة يوفق بينها فتعمل في القوى العلوية والسفلية عملها. # كان بتلك الكلمة يبطل الأحجام والأوزان، ويجعلها في يديه كالهواء أو أخف من الهواء، ~~وكان يلقي الكلمة أو يجمع العدد فيحرك الجبال، ويزلزل الأوتاد، ويطير بالأجسام، وينفذ ~~إلى ما وراء الحجاب، ولا يبتعد منه بعيد أو يتعسر عليه عسير. # ولم يكن أصحاب العقيدة في السحر فلاسفة يجردون الأجسام وينظرون من ورائها إلى الحقائق ~~في العقل الإلهي، أو في عقل من العقول العليا، ولكنهم كانوا أناسا حسيين واقعيين ~~يفهمون أن الساحر يعمل بالكلمة ما يعمله كل منهم حين يأمر إنسانا مثله فيطيعه، وغاية ~~ما هنالك أن الساحر يأمر بالكلمة أرواحا واعية، وأن الطبيعة كلها أرواح. # غاية ما هنالك أن الساحر يعرف الكلمة التي تطيعها تلك الأرواح، وأنه هو - الإنسان ~~الساذج - لو عرفها لحرك الجبال كما يحركها، وزلزل الأوتاد كما يزلزلها، فلا تعمق عنده، ~~ولا تصوف، ولا تجريد. # وإلى اليوم يستطيع الإنسان الساذج أن يقول: إن الكلمة تفعل الأعاجيب، وتحكم الدنيا؛ ~~لأنها تحكم الإنس والجان، ولكنه يقولها ولا يشعر بعمق فيها، ولا يشعر السامع بدهشة عند ~~سماعها، وإنما «تعمقها» الفلسفة لأنها تعطيها المعنى الذي لا يقدر عليه العقل الساذج، ~~ويفعل التضامن في البداهة الإنسانية فعله فلا تبدو هذه النقلة كأنها الطفرة المنقطعة ~~بين الحس واللمس، وبين الصوفية العقلية في أعلى الدرجات. ~~••• # ولما فرق الإنسان الساذج بين السحر والعبادة لم يعتمد في تفرقته هذه على مقياس الشعرة ~~الذي استخدمه علماء العصر الأخير في مراجعة ms106 العقائد، وضم الأشباه منها، وفصل المختلف ~~منها بكل فارق دقيق أو جليل. # ولكنه فرق بين السحر والعبادة غير عامد ولا ملتفت إلى فارق بينها غير الفارق بين ~~حالته وهو يذهب إلى الساحر، وحالته وهو يذهب إلى إمامه في العبادة، وربما كان الساحر ~~والإمام شخصا واحدا، ولكنه يشعر من نفسه بالفارق بين حالته وهو يذهب إليه طلبا ~~للسحر، وحالته وهو يذهب إليه طلبا للصلاة. # فحيثما ذهب إليه يطلب سحرا، فهو يحس من نفسه أنه يذهب إليه خفية، ويستر عنده ما ~~يطلبه، ولا يبوح به لغيره ممن لا يأمنه ولا يطمئن إليه، وحيثما ذهب إليه يطلب صلاة ~~فهو يذهب مع غيره، ويعلن ما يفعله وما يرجوه، ولا يخطر له أنه يتواطأ على دسيسة من ~~دسائس الظلام. # ومنذ افترق الساحر والكاهن وظيفة وخلقا، أصبح السحر عملا من أعمال الظلام، وإن ~~اختلف الأعوان عليه بين الأرواح الخبيثة والأرواح الطيبة، أو بين الأرواح التي يحكمها ~~الشيطان والأرواح التي لا حكم له عليها، ولا يرجع إليه في تسخيرها. # ومع الزمن ظهر التخصص في صناعة السحر، كما يظهر في كل صناعة تتفرع وتتشعب وتتميز فيها ~~المتشابهات والمتخالفات، فانقسم السحر إلى أبيض وأسود، وإلى سحر الحكماء وسحر الكذبة ~~والمشعوذين، ولم يفهم الناس من وصفهم بالكذب والشعوذة أنهم لا يقدرون على صناعتهم التي ~~لا شك فيها، وإنما فهموا من هذا الوصف أنهم يحتالون في الصناعة، ويسلكون مع طلابهم مسلك ~~الشياطين وحلفاء الشياطين، ولا غرابة في الكذب أو الشعوذة من شيطان. # وبقيت «السرية» شرطا ملازما للسحر بنوعيه، وبقيت هذه السرية معنى مرادفا لمعنى ~~الظلام، وتدبيرا لا يؤمن على الذين يعتقدونه ولا يرونه، ولا يعرفون كيف يكون تدبيره، ~~ومتى يكون، وعلى أي وجه يكون. بقي الساحر مخيفا غير مأمون، وغار منه الكاهن على سلطانه ~~فوقعت الجفوة بينهما، ولعن الكاهن غريمه، ولم يستطع غريمه أن يلعنه؛ لأن الناس لا ~~يصدقون لعنته، ولا يرون اللعنة من حق السحر، وإن لم يكن سحرا من عمل الشيطان. # وقد وجد الكهنة والمتنبئون، ووجد معهم السحرة «وأصحاب ms107 الجان» جنبا إلى جنب في أخبار ~~التوراة من أقدم أسفارها بعد موسى عليه السلام، ولكن الرؤساء والولاة كانوا يخرجون ~~الأنبياء؛ لأنهم ينكرون أنهم أنبياء، ويخرجون السحرة وأصحاب الجان إذا عرفوا أنهم سحرة ~~وأصحاب جان، وكذلك فعل شاول قبل موت النبي صمويل، فلما مات النبي بحث عن السحرة الذين ~~نفاهم ليحضروا له روحه بعد موته، وقصته مع النبي في محضره ومع السحرة بعد غيبته نموذج ~~للعقائد الأولى، التي لم تفصل بعد كل الفصل بين الوظيفتين، وإن فصلت بينهما في التجلة ~~والتقديس. # ويقول الإصحاح الثامن والعشرون من كتاب صمويل: «... ومات صمويل وندبه كل إسرائيل ودفنوه ~~في الرامة في مدينته، وكان شاول قد نفى أصحاب الجان والتوابع من الأرض، فاجتمع ~~الفلسطينيون وجاءوا ونزلوا في شونم، وجمع شاول جموع إسرائيل ونزل في جلبوع، ولما رأى ~~شاول جيش الفلسطينيين خاف واضطرب، فسأل الرب فلم يجبه الرب بالأحلام ولا بالأوريم - أي ~~القرعة الكهنوتية - ولا بالأنبياء، فقال شاول لعبيده: فتشوا لي عن امرأة صاحبة جان؛ ~~فأذهب إليها وأسألها، فقال له عبيده: هو ذا امرأة صاحبة جان في عين دور. # فتنكر شاول ولبس ثيابا أخرى، وذهب هو ورجلان معه وجاءوا إلى المرأة ليلا، وقال لها: ~~اعرفي لي بالجان، وأصعدي لي من أقول لك، فقالت له المرأة: هو ذا أنت تعلم ما فعل شاول؛ ~~كيف قطع أصحاب الجان والتوابع من الأرض، فما بالك تضع شركا لنفسي تريد لها الموت؟! ~~فحلف لها شاول بالإله الحي لا يلحقنها إثم من هذا الأمر، فسألته المرأة: من أصعد لك؟ ~~فقال: أصعدي لي صمويل، فلما رأت المرأة صمويل صرخت بصوت عظيم وقالت لشاول: لماذا خدعتني ~~وأنكرت نفسك؟ قال لها الملك: لا تخافي. ماذا رأيت؟ # فقالت المرأة: رأيت آلهة يصعدون من الأرض، ثم قالت: رجل شيخ صاعد مغطى بجبة، فعلم ~~شاول أنه صمويل فخر ساجدا على وجهه، وقال صمويل لشاول: لماذا أقلقتني بإصعادك إياي؟ ~~قال شاول: قد ضاق بي الأمر غاية الضيق؛ إن الفلسطينيين يحاربونني والرب يتخلى عني، ولم ~~يعد يجيبني لا بالأنبياء ولا بالأحلام، ms108 ودعوتك لتعلمني ماذا أصنع؟ # فقال صمويل: ولماذا تسألني وقد تخلى عنك الرب وعاداك؟ لقد فعل الرب لنفسه ما أنبأني ~~به وتكلم به على يدي، وقد شق الرب المملكة وأعطاها لقريبك داود لأنك لم تسمع لصوت الرب، ~~ولم تنفذ غضبه في عماليق، فهو صانع لك ما صنعه اليوم، وغدا يدفع بك وبإسرائيل إلى أيدي ~~الفلسطينيين، وغدا تلحق بي أنت وبنوك، ويدفع الرب إلى الفلسطينيين جيش إسرائيل ، فسقط ~~شاول على الأرض وغشيه الوجل من قول صمويل، ولم تكن له قوة لأنه لم يذق طعاما نهاره كله ~~وليله. # ثم جاءت المرأة إلى شاول ورأته مرتاعا فقالت له: لقد صدعت جاريتك بأمرك، ووضعت نفسها ~~في كفها تلبية لكلامك، والآن تسمع أنت لصوت جاريتك وتأكل من هذا الخبز الذي أضعه أمامك. ~~كل فتكون لك قوى على المسير في الطريق، فأبى أن يأكل، وألح عليه عبداه والمرأة ~~فاستجاب لهم وقام من الأرض وقعد على السرير، وكان للمرأة عجل مسمن في البيت فأسرعت ~~وذبحته، وأخذت دقيقا وعجنته، وخبزت منه فطيرا وقدمته أمام شاول وعبديه، فأكلوا وذهبوا ~~...» # هذه القصة كنز من كنوز البحث في مقارنة الأديان، يندر العثور على قصة مثلها فيما ~~احتوته من شواهد المرحلة التي يبدأ فيها التمييز بين الخير والشر، والثواب والعقاب، ~~والأمانة الدينية والكهانة السحرية، دون أن ينتهي التمييز إلى حدوده الواضحة. # فها هنا تمييز بين من يختاره الله ومن يغضب عليه؛ كالتمييز بين مقام صمويل ومقام ~~شاول، ولكنه يجمع بين الاثنين في مكان واحد بعد الموت، فيذهب شاول إلى حيث يلحق ~~بصمويل. # وها هنا تمييز بين الإمامة الدينية وبين السحر، ولكن السحر تنسب إليه القدرة على ~~تحضير روح النبي بغير مشيئته. # وها هنا تمييز بين السحر الصالح والسحر الخبيث أو السحر الأسود، ولكن الساحر يستعين ~~بالجان كما يستعين بأرواح الموتى، ولا يقال عن الجان إنهم من أعوان الخير أو من أعوان ~~الشر؛ لأنهم في خدمة شاول وهو مغضوب عليه. # وها هنا استطلاع للغيب يطلب من النبوة، كما يطلب من القرعة، أو يطلب من ms109 صاحبات الجان ~~والأرواح. # غير أن العبريين لم يسبقوا غيرهم في مراحل كثيرة من أطوار المسائل الغيبية والعبادات، ~~فمن قبل هذه المرحلة تميز السحر في الحضارة القديمة، فانقسم إلى السحر الأبيض والسحر ~~الأسود، وإلى عمل الحكمة والمعرفة وعمل الخبث والدنس، وجاء عصر السيد المسيح وقد عرف ~~السحران بوظيفتين وقيمتين وأثرين مختلفين، فتكلمت الأناجيل عن حكماء المجوس الذين رصدوا ~~الكوكب، وعرفوا منه مولد السيد المسيح في مهده . وظل هذا السحر وغيره من ضروب السحر ~~الممنوع مختلفين بالاسم والعمل، فيما نقله الغربيون من حكمة المشرق وثقافته، وظلت ~~بقاياه إلى اليوم. # فالسحر يسمى عندهم باسمين؛ أحدهما: بسحر المجوس، ويدل عليه اسمه «الماجي» ~~“Magic” # الذي بقي في اللغات الغربية بلفظه ~~القديم. # والسحر الآخر يسمى بصناعة الساحرة ~~“Witchcraft” ~~، ~~ويؤخذ من اسمه هذا أنه كان مقصورا على المرأة منذ كانت المرأة في العرف الشائع أداة ~~الشيطان في الغواية، وعون الشيطان على كيده وعصيانه. # فقد كان الأقدمون يخلطون بين فتنة المرأة بوحي الغريزة الجنسية، وفتنتها بوسوسة ~~الشيطان، ويحسبونها من ثم حبالة شيطانية يسخرها الشيطان، أو تستعين به هي على تسخير ~~المفتونين لأغراضها ومشتهياتها، ويقع في أذهانهم أنها أقرب إلى الخلسة والخداع؛ لأنها ~~تعاشر الشيطان في زواج غير مشروع، ولا يحسبونه إلا من قبيل السفاح الممنوع، بل هم ~~يحسبونه شرا من السفاح الممنوع؛ لأن السفاح الممنوع بين الرجل والمرأة من الإنس لا ~~يبلغ في العصيان والمنكر مبلغ المعاشرة التي تجمع بين بنت من بنات حواء وبين عدو ~~الله. # وتتميز أدوات السحرين كما يتميز السحران في المقصد والوسيلة، فسحر الحكمة والمعرفة له ~~أدواته من رصد الكواكب ورياضة النفس، والروائح الزكية من الطيب والبخور. # وعلى نقيض ذلك سحر الخبث والأذى، أو سحر الشيطان بعبارة أخرى، فإنه يتوسل إلى مقاصده ~~الخبيثة بكل دنس كريه من الأدوات والآلات، ويقال عن سحرته إنهم يلوثون كل طهر، ويبتذلون ~~كل قداسة، وإنهم يدنسون اللبن والكتب الشريفة، ويتقربون إلى الشيطان بإحلال الدعوات ~~والصلوات محل الحطة والهوان، ويزعمون أن الوضوء الشيطاني أيسر للمرأة من الرجل؛ لأنها ~~تستخدم فيه ms110 الدم المطرود، ويتعمدون التبشيع والتنفير جهدهم من التخيل، فيزعمون أن ~~الساحرة تمسح قدميها بشحم منتزع من جثة طفل ذبيح، وتخرج للطيران من مدخنة البيت وهي ~~تمتطي المكنسة المتسخة؛ لأنهم لا يريدون أن يسلموا لها القدرة على الطيران إلا أن تكون ~~من طريق الحريق والسواد، وعلى أداة من أدوات الأوساخ والأرجاس. ~~••• # ومن أصول السحر في عصور الحضارة الأولى ما يسمى بعلم التنجيم، ويطلق على علم الفلك ~~وعلم الغيب في وقت واحد. # كان التنجيم أصلا من أصول السحر يوم كان الكاهن يتولى وظيفة الإمام، ووظيفة العالم، ~~ووظيفة الساحر، وكان الناس يؤمنون معه بربوبية الأفلاك وسريان مشيئتها في الأرضين ومن ~~عليها، فكان الكاهن إماما يصلي لها، وعالما يعرف حسابها، وساحرا يستطلع أسرارها، ~~ويتوخى التوفيق بينها وبين مطالب أتباعه ومقاديرهم التي يستنبئ عنها الغيب، ويعلم كيف ~~يتعجلها ويتقيها. # وبقي التنجيم أصلا من أصول السحر بعد زوال عبادة الأفلاك وبطلان القول بربوبيتها، ~~ولكن بطلان القول بهذه الربوبية لم يبطل القول بسلطان الأفلاك وتأثيرها بأمر الله في ~~العوالم السفلية، واختلف المتدينون في مدى هذا التأثير، كما قال الكشناوي في كتابه عن ~~خلاصة السحر والطلاسم؛ إذ ينقل آراء المختلفين فيقول: «إن الذي اختص به الصابئة وبعض ~~الفلاسفة الذين وافقوهم على رأيهم إنما هو القول بألوهية الكواكب، واستحقاقها للعبادة، ~~واستقلالها بالتأثير والتدبير في هذا العالم، فهذا كفر مجمع عليه في جميع الملل ~~والأديان؛ لأن الملل كلها مطابقة على أن المستحق للعبادة، والذي بيده التأثير وتدبير ~~الكائنات إنما هو إله واحد واجب الوجود، متصف بصفات الألوهية والربوبية، وأن كل ما عداه ~~حادث مفتقر إليه على الدوام، لا يستقل بنفسه في شيء من الأشياء ولو لحظة واحدة. # وأما القول بأنها مؤثرة بقوة أودعها الله فيها ثم تركها تؤثر بتلك القوة في العالم ~~بإذنه تعالى، بحيث لو لم يرد ذلك تبارك وتعالى لما أثرت أصلا، ومثلوا ذلك بملك يولي ~~شخصا بقطر من الأقطار، فيفوض له الأمر والحكم هناك، فيصير ذلك الرجل يمضي الأحكام ~~في ذلك القطر بإذن الملك، بحيث لو لم ms111 يرد ذلك منه لعزله عن تلك الولاية، فهذا القول قد ~~قاله جميع المليين، ومنهم إمام الحرمين، ولم يرتضه السنوسي، بل عده من البدع المنكرة ~~وشنع على القائلين به، ولم يصل بهم إلى حد الكفر. وأما من يقول: إنها أسباب عادية ~~أجرى الله عادته بوجود الحوادث عندها لا بها، مع تجويز التخلف عن خرق تلك العادة، كما ~~هو الحكم في سائر الأسباب العادية من الأكل والشرب، والقطع والإحراق ، فهذا القول لا ~~ينكره أحد ...» # إلى أن يقول: «وثاني الشيئين المذكورين إثبات القوابل السفلية الأرضية؛ لأنهم قالوا: ~~إن حصول الفاعل المؤثر لا يكفي وحده في حصول الأثر، بل لا بد معه من حصول القابل، ولا ~~يكفي أيضا حصول القابل وحده، بل لا بد مع وجوده من كون الشرائط المعتبرة للقبول حاصلة ~~والموانع زائلة؛ لأنه ربما حدث في العالم الأعلى شكل غريب صالح لإفادة آثار غريبة في ~~مادة العالم الأسفل، فلا تكون المادة السفلية متهيئة لقبول تلك الآثار لعدم الشرط أو ~~لوجود المانع ... فعلى هذا لو تيسرت لنا معرفة طبيعة ذلك الشكل، ومعرفة طبيعة الأمور ~~المعتبرة في كون المادة السفلية قابلة لذلك الأثر؛ لكان يمكننا أن نهيئ تلك المادة ~~لقبول ذلك الأثر ...» # وعلى هذا التأويل بقي سحر التنجيم بعيدا من شبهة الاتهام بطاعة الشيطان بين أهل ~~المشرق والمغرب، حتى ظهر في كليهما من يلحقه بالوسائل الشيطانية، ويعتبر السحرة تلاميذ ~~للشيطان في هذه الصناعة؛ لقدرته على الصعود والهبوط بين الأفلاك والعوالم السفلية، ~~وعرفانه بخفايا العوالم السفلية ونزعاتها، وتهيؤ أحوالها للتأثر والانفعال بما ~~فوقها. # وقد أورد صاحب الكتاب المقدم أقوالا مختلفة في التعريف بما سماه علم السحر فقال: «... ~~اعلم أنهم اختلفوا في تعريفه لاختلاف المذاهب فيه، فعرفه صاحب (إرشاد القاصد) بأنه: علم ~~يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية، وعرفه ابن ~~العربي الفقيه المالكي بأنه: كلام مؤلف يعظم فيه غير الله عز وجل، وتنسب إليه ~~الكائنات والمقادير، وبعضهم عرفه بأنه: ما يغير الطبع ويقلب الشيء عن حقيقته، ومنفعته ~~عند الإسلاميين أن ms112 يعرف ليحذر منه لا ليعمل به، ولا نزاع في تحريم العمل به ~~بتا. # وأما مجرد تعلمه ففيه خلاف بين الأئمة؛ فبعضهم منعوه وحرموه حسما للباب كالمالكية ~~ومن وافقهم، وبعضهم أباحوه، وأغرب بعض النظار حيث عدوه من فروض الكفايات؛ لجواز ظهور ~~ساحر يدعي النبوة فيكون في الأمة من يكشفه ويقطعه. وقد حكاه ابن صاعد في إرشاد ~~القاصد. ولتعلمه فائدة أخرى وهي أن يعرف منه ما يقتل، فيقتل فاعله به قصاصا عند من ~~يقول بذلك.» # ثم مضى المؤلف يذكر أقسامه فقال: «إنه حقيقي وغير حقيقي، وإن الطرق فيه اختلفت على ~~أربعة مذاهب؛ أحدها: طريقة تصفية النفس وتعليق الوهم، وهي طريقة أهل الهند؛ لأنهم ~~يعتقدون أن تلك الآثار السحرية إنما تصدر عن النفس الناطقة، ولذلك يلازمون الرياضات ~~الشاقة حتى تصفو نفوسهم، وتتجرد عن جميع الشواغل البدنية بحسب الطاقة البشرية. وهذا ~~المذهب مبني على ثبوت التأثير لتوجيه النفس وتعليق الوهم. # والمذهب الثاني من المذاهب الأربعة التي للسحر طريقة النبط، وهي عمل أشياء مناسبة ~~للغرض المطلوب مضافة إلى رقية ودخنة بعزيمة نافذة في وقت مختار، وتلك الأشياء تارة ~~تكون تماثيل كالطلسمات، وتارة تصاوير ونقوشا كالتعاويذ، وتارة عقدا تعقد وينفث فيها، ~~وتارة كتبا تكتب وتدفن في الأرض، أو تطرح في الماء، أو تعلق في الهواء، أو تحرق ~~بالنار، وتلك الرقية التي يرقي بها تضرع إلى الكوكب الفاعل للغرض المطلوب على زعمهم، ~~وتلك الدخنة منسوبة لتلك الكواكب لاعتقادهم أن هذه الآثار إنما تصدر عن أجرام الكواكب. ~~وكتاب (سحر النبط) - نقل ابن وحشية - يشتمل على تفاصيل تلك الطريقة. # والمذهب الثالث من المذاهب الأربعة السحرية مذهب اليونانيين المتقدمين، وهو تسخير ~~روحانية الكواكب والأفلاك، واستنزال قواها بالوقوف والتضرع إليها؛ لاعتقادهم أن هذه ~~الآثار إنما تصدر عن روحانية الأفلاك والكواكب لا عن أجرامها. وهذا هو الفرق بينهم وبين ~~الصابئة أهل المذهب الثاني وأهل الطلسمات. والمذهب الرابع من المذاهب الأربعة السحرية ~~مذهب العبرانيين والقبط والعرب، وهو الاعتماد على ذكر أسماء مجهولة المعاني كأنها أقسام ~~وعزائم بترتيب خاص، كأنهم يخاطبون بها حاضرا؛ لاعتقادهم ms113 أن هذه الآثار إنما تصدر عن ~~الجن، ويدعون في تلك الأقسام أنها تسخر ملائكة قاهرة للجن.» # وقد أورد «الأوغنستاني» في «رسالة اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان» أمثلة في ~~الآيات، وجملة أعدادها بحروف الجمل، وتقسيمات هذه الآيات والأعداد إلى جداول مناسبة ~~لدعوة الملائكة الذين يسخرون الجان؛ ليعود هؤلاء فيسخروا الطبيعة والناس، في زعم ~~أصحاب هذه الأرصاد. ~~••• # والمفهوم من مؤلفات الأوروبيين في السحر والطلاسم أنهم نقلوا جميع هذه النفسيات، ~~واقتدوا بالشرقيين في الحكم عليها من الوجهة الدينية، واتخذوا من عطارد كوكبا راعيا ~~للسحر كأنه خليط من الرب اليوناني القديم والشيطان، وجعلوه وليا للشطار والخبثاء ~~وأدعياء النظم، وأصحاب الخداع باللسن والخطابة، وانتهى بهم الأمر إلى تحريم هذه المعارف ~~السحرية جميعا، وتقسيم المعارف كافة إلى قسمين؛ قسم حلال: وهو ما يشتغل به رجال الدين ~~برخصة من الرؤساء، وقسم حرام: وهو كل ما عداه بلا استثناء لمذاهب الفلسفة وتجارب العلوم ~~الحديثة. # فدخل في عداد المعارف الشيطانية والسحر الممنوع كل علم يتولاه أناس من غير رجال ~~الدين، ولم يستثن - كذلك - كل سحر يزعم أصحابه أنه من العزائم التي يستعينون فيها ~~بالملائكة، فقد شاع في تلك القرون أن الشيطان يتشكل بأشكال الملائكة والأرواح العلوية، ~~كما قال بولس الرسول في رسالة كورنثوس الثانية: «لأن هؤلاء هم رسل كذبة فعلة، ماكرون، ~~مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح، ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك ~~النور، فليس عظيما أن كل خدامه يغيرون شكلهم كخدام للبر.» # واحترز أحبار الكنيسة من دعوى كل مدع ينسب إلى نفسه القدرة على مخاطبة الملائكة ~~واستيحاء الغيب، فعم التحريم كل عزيمة من عزائم السحر وما إليه، وكان القانون يعاقب على ~~جريمة السحر بالموت إذا ثبت أن الساحر استخدم طلاسم لإهلاك المسحور، ثم صدر في إنجلترا ~~قانون معدل له (سنة 1603) يقضي بالموت على كل من يثبت عليه تعاطي السحر، ولو للعلاج ~~وشفاء الأمراض؛ لأنه محالفة مع الشيطان، وكل محالفة مع الشيطان خيانة لله. # وكانت إنجلترا مع هذه معدودة من البلاد التي لا تخضع ms114 كل الخضوع للسيطرة الكهنوتية، ~~ولم تعمل محاكم التفتيش فيها كما كانت تعمل في القارة الأوروبية، حيث أحرقت النساء ~~عقابا على السحر، وأحرق الأطفال؛ لأنهم من ولد الشياطين، وصدرت آخر هذه الأحكام في ~~منتصف القرن الثامن عشر، وكان بعضها مما صدر في الولايات المتحدة. # وانتهى القرن الثامن عشر والرأي الغالب على أهل الغرب أن السحرة جميعا حلفاء ~~الشيطان، وأن من السحرة كل من يروض الطبيعة بعلم غير العلوم التي يقرها ~~الدينيون. # | الفصل الخامس # الشيطان والفنون # قال أبو العلاء: # وقد كان أرباب الفصاحة كلما # رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن # وربما كان أبو العلاء يخص العرب دون غيرهم بهذا القول، ولكنه في الواقع قول يعم جميع ~~الأقوام، ويعم جميع أنواع الإحسان في الكلام وفي غير الكلام. # فالعبقرية عند الأوروبيين منسوبة إلى الجن، ومعنى العبقري عندهم أنه صاحب الجنة، ~~أو الشبه بالجنة في القدرة والتفوق، كائنا ما كان العمل الذي يتفوق فيه، وكلمة ~~«جينياس» ~~“Ginius” # تطلق على كل صاحب قريحة خارقة ~~للمألوف في الابتكار والابتداع، سواء كان ابتداعها في الشعر والنثر، أو في التصوير ~~والنحت، أو في الإنشاء والتلحين، أو في العلم أو الصناعة، أو تدبير المال وسياسة ~~الشعوب. # والعبقرية في التعبير العربي الحديث مأخوذة من كلمة عبقر، موضع يقولون إن الجن تسكنه، ~~وإن الصناعات الفائقة كلها تنسب إليه، ومنها صناعة السيوف كما قال امرؤ القيس: # كأن صليل المرو حين تطيره # صليل سيوف ينتقدن بعبقرا # ويقولون إن سكانه أنفسهم موصوفون بالجمال كما قال الأعشى: «كهولا وشبانا كجنة ~~عبقر.» # ويرد بعضهم أن الكلمة مأخوذة من الكلمة الفارسية «آبكار» بمعنى الرونق، وهو بعيد؛ لأن ~~اقتباس كلمة الرونق لا يفسر القصص المنسوجة حول البلد المسمى بعبقر، ولا يوجد في الأصل ~~الفارسي ما يوحي بهذه القصة، أو يوحي بأسباب اقتباس الكلمة على حسب العرف المأثور في ~~هذه المقتبسات. # وتذكر كلمة «عبقري» وصفا للنفاسة بغير نظر إلى اشتقاقها من المكان المزعوم، كما جاء ~~في سورة الرحمن من القرآن الكريم: # متكئين على رفرف ~~خضر وعبقري حسان ~~. ~~••• # ومن التعبيرات المتشابهة ms115 بين اللغات وصف الإبداع بالإعجاز، ووصف الإعجاز تارة بالدقة ~~التي تخفى أسرارها على غير ذوي الفطنة، وتارة بالفخامة التي تتعاظم العاملين من غير ذوي ~~العزم والقدرة الخارقة. # يقال ذلك في البلاغة ومعانيها الخفية وفطنتها النافذة إلى الخبايا والأعماق. # ويقال ذلك في المساعي الكبار التي يضطلع بها المردة الجبارون، ولا يقوى على هذا ~~الاضطلاع بها من دونهم من ذوي الأجسام المحسوسة. # وحيث تسري الخواطر إلى تصور الخفاء والدقة والقدرة الخارقة لا جرم تنتهي بمسراها إلى ~~العوالم الخفية التي لا ترى بالعيون، ولا تحد قدرتها بما يحد الأيدي والأقدام من ~~أجسام بني آدم وحواء. # ولهذا الاستطراد الطبيعي في تتابع الخواطر توافقت بداهة البشر على علاقة البلاغة ~~بالجن، بل على علاقة كل «بالغ» من الأقوال والأعمال بتلك الخلائق المستترة التي لا ~~تحدها نقائص اللحم والدم؛ لأنها متلبسة في الأذهان بخلقة النار والريح ومادة «الجو ~~اللطيف» مما لا يحصر ولا يحال بينه وبين مسعاه. # والعرب تزعم أن شعراءها تستوحي الجن، وأن كل شاعر منهم يستعين بشيطان يصاحبه ويعرفه ~~باسمه، فهبيد اسم شيطان عبيد، ومسحل اسم شيطان الأعشى، وجهنام اسم شيطان عمرو بن قطن، ~~وسنقناق اسم شيطان بشار. ويزعم الفرزدق أن الشعر منقسم بين شيطانين؛ أحدهما يسمى ~~الهوجل، وهو موكل بالجيد من الشعر، والآخر يسمى الهوبر، وهو موكل برديئه وسقطه. وأنشده ~~رجل من تميم بيتا يقول فيه: # ومنهم عمر المحمود نائله # كأنما رأسه طين الخواتيم # فضحك وقال: «إنهما قد اجتمعا لك في هذا البيت، فكان معك الهوجل في أوله فأجدت، وخالطت ~~الهوبر في آخره فأفسدت.» # وكان أبو النجم الرجاز يفخر على الشعراء ويقول: إن شياطينهم جميعا إناث ما خلا ~~شيطانه، فهو شيطان ذكر: # إني وكل شاعر من البشر # شيطانه أنثى وشيطاني ذكر # وكأنه نظر في ذلك إلى فحولة الكلام مما اشتهر به الرجز، ولم يشتهر به الشعر في ~~زمانه. # ويكون مع الشيطان تابع أو «رئي» كأنه الراوية الذي يحفظ ما يلقيه الشيطان القائل عفو ~~الخاطر. # وفي كتاب «آكام المرجان في أحكام الجان» نظم كثير منسوب ms116 إلى الجن بغير واسطة ~~الأنس، أو مشترك بين قائلين؛ أحدهما من هؤلاء، والآخر من هؤلاء، ومن هذا الشعر المشترك ~~قال بعد عنعنة طويلة: «خرجت مع نفر من قريش نريد الشام، فنزلنا بواد يقال له وادي عوف، ~~فعرسنا به، فاستيقظت في بعض الليل فإذا أنا بقائل يقول: # ألا هلك النساك غيث بني فهر # وذو الباع والمجد التليد وذو الفخر # فقلت في نفسي: والله لأجيبنه، فقلت: # ألا أيها الناعي أخا الجود والفخر # من المرء تنعاه لنا من بني فهر # فقال: # نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا الندى # وذا الحسب القدموس والمنصب القهر # فقلت: # لعمري لقد نوهت بالسيد الذي # له الفضل معروفا على ولد النضر # فقال: # مررت بنسوان يخمشن أوجها # صباحا عليه بين زمزم والحجر # فقلت: # متى؟ إن عهدي فيه منذ عروبة # وتسعة أيام لغرة ذا الشهر # فقال: # ثوى منذ أيام ثلاث كوامل # مع الليل أخرى الليل أو وضح الفجر # فاستيقظت الرفقة فقالوا: من تخاطب؟ فقلت: هذا هاتف ينعى ابن جدعان، فقالوا: والله لو ~~بقي أحد بشرف أو عزة أو كثرة مال لبقي عبد الله بن جدعان، فقال ذلك الهاتف: # أرى الأيام لا تبقي عزيزا # لعزته ولا تبقي ذليلا # فقلت: # ولا تبقي من الثقلين ثقلا # ولا تبقي الحزون ولا السهولا» # وكأنما نظر صاحب هذه القصة إلى قول حسان بن ثابت في المساجلة الشعرية حيث يقول عن ~~صاحبه الجني: # ولي صاحب من بني الشيصبا # ن فطورا أقول وطورا هوه # وقد روى صاحب «آكام المرجان» أبياتا كثيرة من نظم الجن في رثاء عظماء الصحابة وآل ~~النبي، منها ما نسب إلى الجن منفردين به، ومنها ما اشترك فيه قائلان كالأبيات التي رويت ~~في رثاء ابن جدعان. # وكانوا يقولون عن توارد الخواطر بين الشاعرين: إنهما يأخذان من شيطان واحد، فذكر صاحب ~~مواسم الأدب أن الفرزدق وجريرا ركبا ناقة إلى الرصافة لاستمناح هشام بن عبد الملك، ~~فنزل جرير في بعض الطريق فتلفتت نحوه الناقة، فأنشد الفرزدق: # علام تلفتين وأنت تحتي # وخير الناس كلهم أمامي # متى تردي الرصافة تستريحي ms117 # من الإدلاج والدبر الدوامي # ثم قال في نفسه: الآن يجيء ابن المراغة فيسمع ما أنشدته فيه فيجيبني بقوله: # تلفت أنها تحت ابن قين # أبي الكيرين والفاس الكهام # متى ترد الرصافة تخز فيها # كخزيك في المواسم كل عام # ثم جاء جرير، فأخبره الفرزدق بالقصة وأنشده البيتين الأولين، فلم يلبث أن أنشده ~~البيتين الأخيرين، فضحك الفرزدق وقال: والله، يا أبا حرزة، لقد قلتهما قبل أن تأتي، قال ~~جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد؟ # وكل هذا ولا شك تلفيق يعلمه ملفقوه، ولكن الأصل فيه قائم على اعتقاد طبيعي شائع، يخيل ~~إلى الناس في شتى الأمم أن المعاني الخفية لا تخلو من علاقة بالمخلوقات الخفية، وأن ~~أسرار الصناعات التي تدق عن نظر العيون ينبغي أن تطلع عليها العيون التي تعيش في عالم ~~الأسرار، ولا يدق عن نظرها شيء في حلكة الظلام. # ويقال عن فن الغناء ما يقال عن فن القريض، وبخاصة في الزمن الذي كان فيه الغناء ~~موقوفا على البيت أو الأبيات يختارها المغني من كلام الشاعر في عصره، أو في غير ~~عصره. # روى صاحب الأغاني أن الغريض كان يقتبس بعض أصواته من عزيف الجن، ويزعم ذلك مغالاة ~~بصنعته، فأنكر عليه سامعوه ما يدعيه، حتى كان ذات ليلة يغني لجماعة من نساء مكة فسمعن ~~عزيفا عجيبا ذعرن منه، فقال لهن الغريض: إن في هذه الأصوات صوتا إذا نمت سمعته ~~وأصبحت فغنيت به، وأصغين إلى الصوت فإذا هو من نغمة ألحان الغريض. # وادعى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن الغناء الماحوزي، الذي افتن به الناس من فن أبيه، ~~إنما كان من صنع إبليس، قال عن أبيه: «استأذنت الرشيد أن يهب لي يوما من أيام الجمعة ~~أنفرد فيه بجواري وإخواني، فأذن لي في يوم السبت ... فأقمت بمنزلي، وأخذت في إصلاح طعامي ~~وشرابي، وأمرت البواب ألا يأذن لأحد في الدخول علي، فبينما أنا في مجلسي والحرم قد حففن ~~بي، إذا أنا بشيخ ذي هيئة وجمال، عليه خفان قصيران، وقميصان ناعمان، وعلى رأسه قلنسوة، ~~وبيده عكازة مقمعة بفضة، وروائح ms118 الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار ... فدخلني غيظ عظيم ~~لدخوله وهممت بطرد بوابي ... # فسلم علي أحسن سلام، فرددته عليه، ودعوته إلى الجلوس فجلس، وأخذ في أحاديث الناس ~~وأيام العرب وأشعارها حتى سكن ما بي من الغضب، فظننت أن غلماني تحروا مسرتي بإدخال مثله ~~علي لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام؟ فقال: لا حاجة لي فيه، قلت: فالشراب؟ قال: ذلك ~~إليك، فشربت رطلا وسقيته مثله، فقال: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنينا شيئا فنسمع من ~~صنعتك ما قد فقت به عند الخاص والعام ... فغاظني قوله، ثم سهلت الأمر على نفسي، فأخذت ~~العود فجسست، ثم ضربت وغنيت، فقال: أحسنت يا إبراهيم! # فازددت غيظا وقلت ما رضي بما فعله في دخوله بغير إذن واقتراحه علي حتى سماني ~~باسمي ولم يجمل مخاطبتي، ثم قال: هل لك أن تزيد ونكافئك؟ فتعجبت في نفسي وقلت: بم ~~يكافئني؟ ثم أخذت العود فغنيت، وتحفظت بما غنيته وقمت به قياما كافيا لقوله لي ~~أكافئك، فطرب وقال: أحسنت يا سيدي! ثم قال: أتأذن لعبدك في الغناء؟ فقلت: شأنك! ~~واستضعفت عقله أن يغني بحضرتي بعد ما سمعه مني، فأخذ العود وجسه، فوالله قد خلت أن ~~العود ينطق بلسان عربي فصيح في يده، واندفع يغني: # ولي كبد مقروحة من يبيعني # بها كبدا ليست بذات قروح # إلى آخر الأبيات ... # فوالله لقد ظننت أن الحيطان والأبواب والسقوف وكل ما في البيت يجيبه ويغني معه من حسن ~~صوته، حتى خلت والله أني أسمع أعضائي وثيابي تجاوبه، وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ~~ولا الحركة لما خالط قلبي من اللذة التي غيبتني عن الوجود، فلما رآني كذلك أخذ العود ~~ثانية، واندفع يغني هذه الأبيات: # ألا يا حمامات اللوى عدن عودة # فإني إلى أصواتكن حزين # إلى آخر الأبيات ... # فكاد عقلي أن يذهب طربا، ثم غنى ليزيد بن الطثرية: # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد # لقد زادني مسراك وجدا على وجد # إلى آخرها ... # ثم قال: يا إبراهيم، هذا الغناء الماحوزي خذه وانح نحوه في غنائك، ms119 وعلمه ~~جواريك، فقلت: أعده علي، فقال: لست بمحتاج، قد أخذته وفرغت منه. ثم غاب من بين عيني ~~فارتعدت لذلك، وقمت إلى السيف فجردته، وغدوت نحو أبواب الحرم فوجدتها مغلقة، فقلت ~~للجواري: أي شيء سمعتن عندي؟ فقلن: سمعنا أحسن غناء، لم نسمع قط أحسن منه. فخرجت ~~متحيرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا، فسألت البواب عن الشيخ الذي خرج، فقال: أي شيخ؟ ~~والله ما دخل عليك أحد ... فرجعت لأتأمل أمري فإذا هو قد هتف بي من بعض جوانب البيت: لا ~~بأس عليك يا أبا إسحاق! أنا أبو مرة إبليس ... وقد كنت نديمك اليوم فلا ترع ... فركبت إلى ~~الرشيد وأخبرته بالحديث، فقال: ويحك! أعد الأصوات التي أخذتها. فأخذت العود فإذا هي ~~راسخة في صدري ...» # وقد كان عهد العرب بعزيف الجن في الصحراء قديما جدا لم يتغير ظنهم به فيما نظمه ~~الشعراء الإسلاميون، كذي الرمة حيث يقول: # ورمل كعزف الجن في عقداته # هرير كتضراب المغنين بالطبل # غير أنهم خصوا الشاعر بالشيطان الملازم، ولم يجعلوا للمغني شيطانا مثله؛ لأن فن ~~الشعر كان أقدم عندهم من فن الغناء، وإنما كان غناؤهم حداء أو محاكاة للحداء، وكان ~~الحداء نغما شائعا يغنيه كل سائق يحدو الإبل، فهي طريقة لا محل فيها للافتنان ~~والتنويع، وكان غناؤه على الأكثر في قافلة لا ينفرد عنها بمكان يظن أنه يخلو فيه بالجن ~~لتلقنه ويستمع منها، فلما ظهر المغنون آحادا منقطعين لعملهم، منفردين بوضع ألحانهم، ~~أحبوا محاكاة الشعراء بالأخذ عن الجن في صناعتهم مغالاة بها عن قدرة الإنس في هذه ~~الصناعة، ولكنهم طرءوا بهذه الدعوى ولم يتأصلوا فيها كما تأصل الشعراء، فسمعت من آحاد ~~متفرقين ولم تكن إجماعا من وحي البديهة في البيئة بأسرها. ~~••• # وقد روي عن الصناعات العلمية كالطب ما روي عن صناعة الكلام وصناعة الغناء، فأسند صاحب ~~كتاب «الهواتف» إلى النضر بن عمرو الحارثي قصة قال فيها: # إنا كنا في الجاهلية إلى جانبنا غدير، فأرسلت ابنتي بصحفة لتأتيني بماء ~~فأبطأت علينا، وطلبناها فأعيتنا فيئسنا منها ... قال: والله إني جالس ذات ليلة ms120 ~~بفناء مظلتي إذ طلع علينا شيخ، فلما دنا مني إذا به ابنتي، قلت: ابنتي؟ قالت: ~~نعم، ابنتك! قلت: أين كنت أي بنية؟ قالت: أرأيت ليلة بعثتني إلى الغدير؟ أخذني ~~جني فاستطار بي، فلم أزل عنده حتى وقع بينه وبين فريقين من الجن حرب، فأعطى ~~الله عهدا إن ظفر بهم أن يردني عليك، فظفر بهم فردني عليك. فإذا هي قد شحب ~~لونها، وتمرط شعرها، وذهب لحمها، وأقامت عندنا فصلحت ، فخطبها بنو عمها ~~فزوجناها. # وقد كان الجني جعل بينه وبينها أمارة إذا رابها ريب أن تدخن له، وإن ابن عمها ~~ذاك عيب عليها وقال: جنية شيطانة! ما أنت بإنسية. فدخنت، فناداه مناد: ما لك ~~ولهذه؟ لو كنت تقدمت إليك لفقأت عينك، رعيتها في الجاهلية بحسبي، وفي الإسلام ~~بديني، فقال له الرجل: ألا تظهر لنا حتى نراك؟ قال: ليس لنا ذاك؛ إن أبانا سأل ~~لنا ثلاثا: أن نرى ولا نرى، وأن نكون بين أطباق الثرى، وأن يعمر أحدنا حتى ~~تبلغ ركبتاه حنكه ثم يعود فتى. # فقال ابن عمها: ألا تصف لي دواء حمى الربع؟ قال: بلى؛ قال: ما رأيت تلك ~~الدويبة على الماء كأنها عنكبوت؟ قال: بلى! قال: فخذها، ثم اشدد على بعض ~~قوائمها خيطا من عهن فشده على عضدك اليسرى. ففعل، قال: فكأنما نشط من عقال، ~~فقال الرجل: يا هذا، ألا تصف لنا دواء رجل يريد ما تريد النساء؟ قال: هل ألمت ~~به الرجال؟ قال: نعم، قال: لو لم يفعل وصفت لك. # وجاء في كتاب «آكام المرجان» بعد نقل هذه القصة جملة أخبار من قبيلها، يتلقى فيها ~~الأنس عن الجن علما من علوم الطب لعلاج بعض الأمراض، ومنها أمراض لها في عرف الأقدمين ~~علاقة بالجن كالصرع والوهم والهزال، وبعض هذا العلاج دواء، وبعضه من الرقى والتمائم ~~التي تدخل في طب السحر والكهانة. # وما من صناعة بلغت مبلغ الإعجاز في رأي قوم إلا كان لها تفسير من معونة الجن أو ~~المردة، ويرجعون في هذا التفسير إلى الخبر المنقول كما يرجعون إلى المجاز والتخيل، ms121 فمما ~~نقله الشعراء من أخبار الرهبان ونساك البيع قبل الإسلام قول النابغة عن معابد بعلبك ~~أو تدمر: # إلا سليمان إذ قال الإله له # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن أني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # وجاراه البعيث في قوله: # بني زياد لذكر الله مصنعة # من الحجارة لم يعمل بها الطين # كأنها غير أن الأنس ترفعها # مما بنت لسليمان الشياطين # والبحتري يصف إيوان كسرى المهجور فيقول: # ليس يدرى: أصنع إنس لجن # سكنوه أم صنع جن لإنس؟ # فهو هنا يرى بناء فخما مهجورا يصح أن يكون من صنعة الإنس للجن؛ لأنه خراب موحش ~~كمساكن الجان، ويصح أن يكون من صنعة الجن للإنس؛ لأنه فيما هاله من فخامته أكبر مما ~~تبلغه طاقة الإنسان. # ولا يفهم القول بتسخير الجان لخدمة الفنون فهما صحيحا إلا مع التفرقة الواجبة بين ~~نوعين من التسخير ينبغي ألا يلتبس أحدهما بالآخر في هذا المقام. # فالتسخير الذي يشمل بني آدم جميعا، ويشمل القوى والعناصر جميعا غير التسخير الذي ~~يأتي فلتة من حين إلى حين بالحيلة التي يحتالها الشيطان، أو يحتالها الإنسان، ولا تبلغ ~~بحال من الأحوال أن تساق مساق التعميم في الكلام على خلق الأحياء وخلق السماوات ~~والأرضين. # فمن التسخير الذي يجري مجرى النواميس الكونية قوله تعالى في القرآن الكريم: # وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ~~وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه ~~. # وقوله تعالى: # ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ~~. # وقوله تعالى: # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة ~~. # وقوله تعالى عن داود وسليمان: # وكلا آتينا حكما ~~وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم ~~لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون * ~~ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره ~~. # ولم يرد في القرآن الكريم ذكر لتسخير الجن والإنس والحيوان إلا بهذا المعنى، ومنه ما ms122 ~~جاء عن تسخيرها لسليمان: # وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون ~~. # ومنه: # والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد ~~. # فهذا التسخير الذي يفهم منه أن الإنسان قد أوتي علما يسيطر به على القوى والعناصر ~~وما في الأرض، إنما يجري مجرى النواميس الكونية على عمومها، ولا يخص به إنسان من ~~الناس إلا كما يخص بعلم بناء السفن، وصوغ الحديد، واستخدام الريح بأمر من الله في غير ~~احتيال من الشيطان، أو اختلاس من الإنسان. # وليس من قبيل هذا التسخير ما يقال عن أسرار السحر والطلاسم، وأغراض التحالف والمخادنة ~~بين الأناسي والشياطين؛ فذاك تسخير تجري فيه إرادة الله وقدرة الإنسان وأحكام القوى ~~والعناصر، كيفما سميناها، مجرى العموم المطرد في النواميس الكونية التي يعلمها من يقدر ~~على علمها. # أما التسخير المقصود بالسحر وما إليه، فهو إلى خرق النواميس أقرب منه إلى مجاراتها ~~والعمل بإرادة الله فيها، وإنما تخرق فيه هذه النواميس بثمن يبذله الساحر من روحه أو ~~جسده، كأنه محاباة الرشوة وجزاء المخالفة والمروق عن مجرى الأمور. # ونعود إلى عمل الشيطان في الفنون، فنلاحظ أن ملكة الخيال تتقارب في رواياته وأقاصيصه ~~بين المشرق والمغرب كأنها تصدر من إنسان واحد يتخيل الشيء الواحد في أوقات ~~مختلفات. # فالعرب يتحدثون عن شياطين الشعراء، واليونان - ومن نقل عنهم - يتحدثون عن جنيات ~~الفنون التي اصطلحنا على تسميتها بالعرائس، ولم نسلبها بذلك نسبتها إلى الجان، وقد قيل ~~عن سقراط: إنه كان يستمع وحي الحكمة من جني أو شيطان كأنه يستمع إلى صوت صديق من الإنس ~~يحاوره ويناجيه. # وقصة الموصلي مع إبليس لها نظير من قصة الموسيقي الإيطالي جيوسبي ترتياني في أوائل ~~القرن الثامن عشر (1713)؛ حيث كان نزيلا بأحد الأديرة فجاءه الشيطان في المنام وتناول ~~قيثارته وعزف عليها لحنا أذهله، ولكنه لم يذكره كله حين أيقظه إبليس وتحداه أن يعيده ~~كما سمعه، فقنع منه بما وعاه وسماه هزة الشيطان. # والمردة الذين كانوا يقيمون الصروح في الشرق يضارعهم في اليونان جماعة المردة ~~المشهورين باسم «التيتان». # والأطباء في القرون الوسطى ms123 كانوا ينافسون الكهنة في صلواتهم ودعواتهم للمرضى، ~~فيتعلمون من الشيطان تلك الرقى والتمائم التي يزيفونها باسم الطب، ويشترون بها أرواح ~~المصابين ثمنا لما يخدعونهم به من ظاهر الشفاء، وباطن الهلاك والبوار. # والحكم على شياطين الفنون من الوجهة الدينية متقارب في المشرق والمغرب. # فالغالب على شياطين الفنون أنها شياطين قدرة وإبداع، وليست بشياطين غواية ~~وإفساد. # ولكن الفنون قد تستخدم للغواية والفتنة كما تستخدم للزينة وإبراز معاني الجمال؛ كان ~~جرير يفخر بشعره فيقول: إنه من رقى الشيطان، ويمدح الرجل الصالح فيقول ما معناه: إن ~~الله عصمه من رقاه: # رأيت رقى الشيطان لا تستفزه # وقد كان شيطاني من الجن راقيا # فإذا كان الفن من آلات الإصلاح والفطنة فشيطانه من شياطين القدرة والجمال، وإذا كان ~~من آلات الفتنة والغواية فشيطانه من جند إبليس، وقد قال الإمام ابن الجوزي في فصل من ~~كتابه «تلبيس إبليس» وحرم في نهايته غناء التطريب واللهو، قال في أوله: «وفصل الخطاب أن ~~نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء، ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك، ~~والغناء اسم يطلق على أشياء منها: غناء الحجيج في الطرقات، فإن أقواما من الأعاجم ~~يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام، وربما ضربوا ~~مع إنشادهم بطبل، فسماع تلك الأشعار مباح، وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن ~~الاعتدال. # وفي معنى هؤلاء الغزاة؛ فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو، وفي معنى هذا ~~إنشاد المبارزين للقتال أشعار التفاخر عند النزال، وفي معنى هذا أشعار الحداة ... وإن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال: إن حادينا ~~نام، فسمعنا حاديكم فملت إليكم ... وقد كان لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # حاد يقال له أنجشة يحدو ~~فتعنق الإبل، فقال رسول الله: يا أنجشة، رويدك! رفقا بالقوارير. وفي حديث سلمة بن ~~الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن ~~الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك؟ ms124 وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: # لاهم لولا أنت ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # فألقين سكينة علينا # وثبت الأقدام إذ لاقينا # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: «يرحمه ~~الله».» # ولنذكر مع كلام الإمام ابن الجوزي أنه ألف كتابه للكشف عن تلبيس إبليس، فلم يدع ~~طائفة إلا كشف منها لونا من ألوان هذا التلبيس، ولم يستثن الحكماء والفلاسفة والمتصوفة ~~والنساك، فما بالك بأصحاب الفنون وقالة الشعر ومنشدي الغناء. # شياطين الشعراء والكتاب # يغلب أن يكون شيطان الشعر من خلق الشعراء أنفسهم، وأن يكون الكلام عنه لاحقا لظهور ~~الشعر وانتشاره، فإن لم يكن هذا الشيطان مخلوقا شعريا، فهو مخلوق خيالي أبدعه كاهن ~~قديم، أو مفكر من مفكري الجاهليات الغابرة له خيال كخيال الشاعر، وقد تشابه أسلوب ~~السحرة والكهان في نبوءاتهم المزعومة باللغات المعروفة بين أهل المشرق والمغرب، فكلها ~~تتوخى السجع والقافية، وتخالف كلام الساحر أو الكاهن في سائر أقواله، ليصح القول فيها ~~إنها من وحي غير وحيه، ومصدر باطن غير مصدر تفكيره الظاهر، فإذا نسب الشعر إلى مصدر ~~كمصدر السحر فالخطوة قريبة، والقياس معقول. ولم يزل بين الشعر والسحر نسب قديم. # على أن خيال الشعراء يعمل في تصوير كل كائن غير منظور ولو لم يكن من خلق الشاعر، ~~وشيطان الأديان لم يخلقه الشعراء، ولكنهم صوروه في الصور التي تتمثل للعين، والصور التي ~~يدركها الفكر وتلم بها أحلام اليقظة، وندر من الشعراء خاصة من سمع بالشيطان ولم يصوره ~~لنفسه على صورة قابلة للتمثيل في العيان، أو للتجسيم على يد الفنان، وقد صنع له ~~المثالون الغربيون تماثيل على صورة الإنسان ذات ذنب وقرنين وظلف كأظلاف الجداء، وجاء في ~~الشعر العربي ما يصلح أن ينقل منه تمثال محسوس كما قال بعض الأعراب في رواية الخليل بن ~~أحمد: # وحافر العير في ساق خدلجة # وجفن عين خلاف الإنس في الطول # ويوشك كل من تصوره من العرب أن يجعله على مثال إنساني منحرف بعض الانحراف، أو مشوه ms125 في ~~أصل الخلقة لمجرد المخالفة بينه وبين الملامح الإنسانية، ومن ذاك وضع العين بالطول، ~~وتخيله بعين واحدة في وسط جبهته، إلى أشباه ذلك من التشويه المقصود لمجاراة الخيال في ~~استلزام المخالفة بين منظر الإنسان ومنظر الشيطان، وعلى نقيض ذلك كان تصوير شاعر الفرس ~~- السعدي الشيرازي - للشيطان الذي رآه في الحلم، فقد رآه «بقامة كفرع البانة، وعينين ~~كأعين الحور، وطلعة كأنها تضيء بأشعة النعيم» ... ولما علم أنه الشيطان أدهشه أن يكون ~~الرجيم البغيض بهذه الوسامة المحبوبة، وسأله فلاحت على طلعته كبرياؤها وقال: «لا تصدق، ~~يا صاح، أنه مثالي ذاك الذي رأيتهم يمثلونه؛ فإن الريشة التي ترسمني تجري بها يد عدو ~~حسود، سلبتهم السماء فسلبوني الجمال.» # ولا يعنينا في هذا الفصل نقل الصور «الحسية» التي اخترعها الشعراء والفنانون لذلك ~~الكائن المحتجب عن النظر، ولكننا نجمع هنا بعض أوصافه التي تقع في روع المتخيل، أو تعرض ~~للفهم عن تفكير واستنباط، وليست هذه الأوصاف بالكثيرة ولا بالمتباعدة في جوهرها، وليس ~~فيها من ابتداع إلا والمنطق يوحي به لزاما في أوصاف الشياطين على إجمالها، وإنما ~~الجديد فيها قدرة الشاعر على إبراز «الشخصيات» وتلوينها بألوانها الخلقية، وكل هذه ~~الشياطين التي جاءت «مشخصة» في أقوال شعراء الغرب قريب من قريب. # وليس أشهر في «الشخصيات» الشيطانية المسرحية من شياطين مارلو وجيتي وملتون وبليك ~~وكردوتشي، من شعراء القرن السادس عشر فما بعده، فإنهم هم الشعراء الذين خلعوا على ~~الشيطان مسحة مسرحية من فنهم، ولم يكن تصويرهم للشيطان كله نسخة منقولة من الشيطان كما ~~صورته كتب اللاهوت، ولم يرد شيطان كردوتشي في قصة مسرحية، ولكنه مثله على مثال الشخصيات ~~السياسية التي تقوم ببعض الأدوار على مسرح الحوادث. # ولد كريستفور مارلو ~~“Christopher Marlowe” # الشاعر ~~الإنجليزي في سنة 1564، وظهرت في حياته قصة الساحر فوستوس بالألمانية، ثم ترجمت إلى ~~اللغة الإنجليزية، ومدارها على رجل ساحر متعطش إلى المتعة والسطوة، لم يجد بغيته منهما ~~في العلم والفقه، فأقبل على كتب السحر الأسود يلتمس منه القدرة على تسخير الشيطان لما ~~يهواه، وتعاقد مع الشيطان على ms126 قضاء أربع وعشرين سنة في المتعة التي يهواها، ثم يسلمه ~~روحه ليهبط بها إلى الجحيم. # ويجري الحوار بين فوستوس والشيطان عند التعاقد بينهما كما يأتي: # مفستوفليس ~~: # فوستوس! أقسم بالجحيم ولوسيفر أن أنجز جميع الوعود التي اتفقنا عليها. # فوستوس ~~: # إذن؛ دعني أقرأها على الشرائط التالية: # أن يكون فوستوس روحا في الصورة والهيولي. # وأن يكون مفستوفليس خادمه وطوع أمره، وأن مفستوفليس يجيبه إلى كل ~~طلب، ويحضر له كل مطلوب. # وأن يكون في بيته أو مكتبه غير منظور. # وأن يظهر لجون فوستوس في كل وقت كما يجب. # وأنا الدكتور جون فوستوس من ويرتنبرج، بهذا الجزاء، أضع جسدي وروحي ~~بين يدي لوسيفر أمير المشرق، ووزيره مفستوفليس، وأفوض لهم بعد أربع ~~وعشرين سنة كل التفويض بناء على هذا العقد المسجل غير منقوص ولا منقوض، ~~أن يبحثوا عن هذا المدعو جون فوستوس حيث كان، وأن يحملوه جسدا وروحا ~~ولحما ومتاعا إلى حيث يقيمون. # ويتسلم مفستوفليس هذا العقد موقعا بدم الساحر بدلا من المداد. # ويظهر مفستوفليس في الرواية باسم ملك السوء حينا، وباسم الشيطان أو باسمه المشهور في ~~أكثر الأحيان، وهو رئيس لزمرة من الشياطين، مرءوس لإبليس المسمى هنا باسم لوسيفر زميل ~~بعلزبول، ومن مرءوسيه سبعة شياطين متآمرين؛ هم: شيطان الكبرياء، وشيطان الطمع، وشيطان ~~الغضب، وشيطان الحسد، وشيطان الشهوة، وشيطان الكسل، وشيطان الدعارة. # ويقضي الدكتور فوستوس أيامه مع الشياطين مستمتعا بما يهواه من حسان الدنيا وحسان ~~التاريخ، ومنهن «هيلينا» التي فتنت اليونان الأقدمين وباريس، والتي نالت الجائزة قديما ~~في مباراة الجمال. # ويغلب على لوسيفر - كما صوره مارلو - أنه يضع الأمور في مواضعها، ويطلب حقوق الشر كما ~~يدعيها، ويعطي الخير حقوقه كما تجب، فهو ييئس الساحر العالم من سعي السيد المسيح في ~~خلاصه، وينبئه أنه عاجز عن إنقاذ روحه، ولكنه لا يرد هذا العجز إلى غلبته ورجحان الشر ~~على الخير في حوله وحيلته، بل يرده إلى عدل المسيح، وأنه ليس من العدل أن ينجو من لم ~~يكن أهلا للنجاة، ولا ينكر الشيطان جدوى الندم والبكاء واستجابة الصلاة والدعاء، ms127 ولكن ~~الشيطان يستخدم حقه - على حكم العهد - في تقييد يدي الساحر فلا يقدر على رفعهما إلى ~~السماء، ونزف دموعه فلا يقدر على البكاء، وعقد لسانه فلا ينطق بالصلاة والدعاء. # ويأتي ملتون (1608-1674) بعد مارلو بفترة وجيزة في التاريخ الزمني، ولكن الشيطان الذي ~~صوره ملتون أهم من الشياطين «الشعرية» التي صورها من سبقوه ولحقوه في هذا الموضوع بين ~~شعراء الغرب. ومن الدراسات التي تناولته دراسة الشاعر من الوجهة النفسية، ودراسة الأدب ~~والبلاغة ، ودراسة العقائد وعلاقتها بالعصر والأحداث السياسية، ودراسة الأطوار التي ~~تتمثل فيها التقوى، حيث تتراءى أحيانا على نحو يوافقها كما تتراءى على نحو يناقض ~~مظهرها وغايتها. # فالشاعر ملتون كان من المتدينين المتطهرين، وكان أمين السر اللاتيني في حكومة الثورة، ~~وكان وثيق الصلة بالقائد كرومويل الذي قاد الثورة على الملك شارل الأول، وقد عمي في ~~أواخر أيامه، وشمت به شارل الثاني فقال له: ألا ترى يا مستر ملتون أن الله عاقبك بفقد ~~بصرك على ما كتبته في أبي؟ وكان ملتون مشهورا بسرعة الجواب، وأجوبته في قصيدة الفردوس ~~المفقود تعرض لقارئها أمثلة كثيرة على هذه القدرة في حوار الشيطان والملائكة، فأسرع إلى ~~الجواب قائلا: وعلى أي ذنب عوقب أبوك بفقد رأسه؟ # وملتون لم يبدع قصيدته كل الإبداع، بل استعار من جليوم دي بارتاس ~~“Bartas” ~~(1578) في قصيدته أسبوع الخليقة، واستعار ~~من أفيتوس ~~“Avitus” # في قصيدته عن الخليفة والسقوط ~~والنفي من الفردوس، واستعار من القصص الشعبي الذي كان يدور حول مأساة آدم وحواء، ولكن ~~هذه القصص جميعا نسيت أو كادت وبقيت قصته؛ لبلاغتها ودلالة صورها وتشبيهاتها، واتساعها ~~لتلك الدراسات المنوعة التي أشرنا إليها. # يقول الشاعر دريدن: إن الشيطان هو بطل ملحمة «الفردوس المفقود» دون من فيها من ~~الشخصيات العلوية والسفلية، ويرى النقاد الأدبيون رأي دريدن في هذه الملاحظة؛ فإن ملتون ~~قد حول التفات القراء إلى الشيطان بما ألقاه على لسانه، وما شرحه من مزاعمه ومواقفه. ~~وهو لا يعفيه من الذم واللعن والاستنكار، ولكن عباراته التي يذمه بها، ويستنكر بها ~~فعاله، إنما تأتي مجاراة للعرف ms128 الشائع الذي يتشابه فيه كل قائل، على حين تبرز الأعمال ~~والأقوال التي ينسبها إليه، أو يضعها على لسانه بروزا قويا موفور النصيب من عناية ~~الشاعر وإعجابه. # وسر ذلك - مع تشيع ملتون للمتطهرين الدينيين - أنه كان ثائرا، ووجد في تمرد الشيطان ~~فرصة للإفصاح عن حجج الثورة ودواعيها، وربما ظهر من دراسة الشيطان في قصيدة ملتون أنه ~~يمثل شارل الأول في بعض الخلال، كما يمثل كرومويل في حالات أخرى، غير أنه كان يمثل شارل ~~الأول في الخلال التي يعيبها الشاعر ويضيفها إلى خبائث الشيطان ومساوئه، ويمثل كرومويل ~~في الصلابة والجرأة والاعتزاز بالنفس، وفي مجموعة تلك الخلائق التي جعلته يطلب المكان ~~الأول في جهنم، ولا يقنع بالمكان الثاني في السماء. # ويلقي ملتون على لسان الشيطان أنه يرثي للملائكة الذين يحاربونه في صف الإله، وهو ~~الذي غضب لهم، وأنف من المهانة التي تلحقهم بتفضيل بني آدم عليهم، وأنه لولا صواعق ~~السماء لما طمعت جنود السماء في الغلبة عليه، وتخيل ملتون شيطانه في بعض مواقفه كأنه ~~سلطان شرقي يستوي على ديوانه، ويحيط عرشه بوزرائه وأعوانه، وتخيله في أكثر المواقف على ~~هيئة المغلوب الذي يؤسف على هزيمته، ولا تراد له إلا لأنه قضاء لا مرد له من ~~الله. # وقد تضطرب صور الشيطان بين موقف وموقف إلا صورة واحدة تثبت له في جميع مواقفه، وهي ~~الصورة التي ترضي الشاعر حين يتخذه لسانا ناطقا بحجج المتمردين، وحين يتخذه شبحا ~~يحمله أوزار الطغاة وذوي الجبروت، فإن ملتون هو ملتون في الحالتين، وإن بدا الشيطان في ~~صورة مضطربة كلما سامه أن يمثل الحالتين، ولا يندر أن تتقابلا مقابلة النقيضين. # ولعل القول الأصح أن الاختلاف بينهما إنما هو اختلاف دورين لا اختلاف شخصيتين، فقد ~~كان الفرق بين كرومويل وشارل الأول فرق الطرفين المتقابلين، والعدوين المتقاتلين، ~~ولكنهما في الطبائع الشخصية لا يتقابلان هذا التقابل على طرفي الميدان، بل يتقاربان ~~تقارب الأشياء والنظراء. ~~••• # وفي هذه الأسطر محل لأديب من معاصري ملتون يقتحمه اقتحاما بحكم المعاصرة، والاشتراك ~~في الحرب الأهلية، والكلام عن الشيطان، ولا ms129 محل له إلى جوار ملتون بغير هذه المعاصرة ~~وهذه المناسبة، ونعني بهذا الأديب جون بنيام ~~“Bunyam” # مؤلف رحلة الحاج والحرب التي شنها شداي على إبليس. وإبليسه غاصب محتل لمدينة الروح ~~الإنسانية، يحاصره عمانويل ابن باني المدينة شداي - اسم من أسماء الله عند العبريين - ~~ثم يستولي عمانويل على المدينة، ويتغلغل فيها إبليس وجنوده بالمكر والدسيسة، ويستردها ~~جميعا ما عدا قلعتها المحصنة، وهي ضمير الإنسان المؤمن بكفارة الخلاص. ~~••• # أما الشيطان الذي يلي شخصية إبليس في الفردوس المفقود، فهو شيطان رواية فاوست التي ~~ألفها شاعر الألمان الأكبر جيتي (1749-1832)، وجعل فيها للشيطان مفستوفليس دورا بين ~~الأرض والسماء، وبين الخالق والمخلوقات، غير الدور الذي تقدم في رواية مارلو؛ فإن ~~مفستوفليس في رواية جيتي هو بعلزبوب نفسه، وليس زميلا أو تلميذا من تلاميذه، ودوره في ~~هذه الرواية يعم ظواهر الوجود كله، ولا تحده المهمة التي يندبه لها فاوست ~~وأمثاله. # وهو يصف نفسه مرة بأنه «جزء من القوة التي امتزجت بالسوء قديما، ولكنها لا تفتأ تصنع ~~الخير». # ويصف نفسه مرة أخرى بأنه القوة النافية التي تقول «لا» أمام كل إيجاب. # ويوصف في جميع الأحوال كأنه المفسد الذي يتخلل مفاتيح المعزف بالزوائد والعوائق كلما ~~انتظمت عليها نغمة من نغمات النظام. # ويقول مفستوفليس للدكتور فاوست: إن الوجود كله عبث، وإنه كان من الخير ألا يوجد، ~~فيقول فاوست: والآن علمت ما تريد ... إنك لم تستطع أن تعدمه جملة، فأنت تشيع العدم فيه ~~بالتجزئة، أو تبيعه بالمفرق! # وقد وضعت قصة فاوست على غرار قصة أيوب في العهد القديم، وظهر الشيطان في أولها يقول ~~لله: إنك خلقت العقل للإنسان لتميزه على البهائم، ولكنه يستخدمه ليصبح دونها في الشر ~~والجهالة، وإنني لا أبالي أن أشقي بني آدم؛ فإنهم متكفلون دوني بإشقاء أنفسهم، ثم يقع ~~الرهان على روح العالم فاوست الذي يئس من البحث والعلم، وآب إلى البؤسى التي لم يستطعم ~~معها مذاقا للحياة، فيتفق الشيطان والعالم على شروط كالشروط التي تقدمت في رواية ~~مارلو، ويأخذه الشيطان إلى وكر الساحرة لتعيده بإشرافه - أي ms130 إشراف الشيطان - إلى ~~الشباب، فيعاف العالم ذلك الوكر ويسأل مفستوفليس: أما من وسيلة غير هذا السحر القبيح ~~لتجديد الشباب؟ فيجيبه مفستوفليس: بلى! هناك وسيلة أهديك إليها؛ تذهب إلى الغيط وتحرث ~~وتكرث، وتأكل اللقمة التي تجدها، وتحصر الحياة في أضيق حدودها، وتأتي عليك الثمانون ~~وأنت في غرارة الشباب. # قال فاوست: لست بهذا ... قال مفستوفليس: إذن لا مناص من السحر والساحرة، وسأله فاوست: ~~ولم الساحرة؟ فأجابه الشيطان: إنها صناعة صبر طويل لا أطيقه، ولا بد لكل صناعة من ~~أحكام. # وتبدأ الغواية برؤية الفتاة مرجريت عائدة من كرسي الاعتراف، فيشتهيها فاوست، ويروضها ~~له الشيطان، ويتواعدان على اللقاء بعد أن تنام أمها بجرعة مخدرة، فتموت الأم بالجرعة، ~~وتحمل مرجريت ثم تلد فتقتل وليدها، وفي خلال ذلك يأتي أخوها الجندي فيطلع على سر هذه ~~الفاجعة، ويذهب إلى فاوست ليقتله، فيقتله فاوست في مبارزة بينهما، ثم يغلبه الحنين ~~فيعود إلى مرجريت، ويعلم أنها سجينة، وييسر لها وسائل الخلاص من السجن فتأبى، وتتقبل ~~العقوبة المنتظرة للتكفير عن جريمتها، ثم تصعد روحها إلى السماء فيقول القائلون: لقد ~~هلكت، وتهتف الملائكة: لقد نجت بإذن الله! # ويمضي فاوست في تجربة أخرى غير تجربة العشق والغواية، فيرتفع في عيني الملك، وينال ما ~~يرضيه من السلطان بالحظوة لديه، ويطمعه الشيطان في المزيد من الجاه والملك، فيعاوده ~~الحنين إلى العشق وغواياته، ويسوم شيطانه هذه المرة أن يبعث له الفاتنة «هيلينا» من ~~الأموات، فيبعثها ويأتي بها إليه، ولكنها تراوغه إذ يضمها إلى ذراعيه، فلا يجد منها غير ~~جلبابها في يديه! # وكان فاوست بعد مصرع مرجريت قد آلى على نفسه ليذوقن كل ألم يبتلى به بنو آدم لينسى ~~جنايته على الفتاة البريئة، وعلى أمها وأخيها، ويخشى الشيطان عاقبة هذا الندم فيشغله ~~عنه بدسائس القصر وضجته، ويوشك أن ينسيه الندم لولا سآمة ترين على صدر العالم الحكيم ~~فيزهد في كل ما احتواه، ويربأ بعقله وحكمته عن هذه الصغائر التي تلهيه ويسأل: أين هي ~~السعادة؟ فيعلم أنه لم يجدها قط في لهوه الأول، ولا في لهوه الأخير، ms131 ثم يلوح له أن ~~يستخدم علمه في تعمير الخراب، وإصلاح البوار، ومعونة الضعفاء، وإنه لكذلك إذ تحين ساعته ~~وتخرج روحه، فيهم الشيطان بقبضها للهبوط بها إلى الجحيم، وتتنزل الملائكة من السماء ~~فتنازعه عليها وتقول له: إنه قد خسر الرهان؛ لأن فاوست على ما اقترف من جريمة ورذيلة قد ~~عاش وهو يتجه بعينيه إلى النور، ومات وهو متجه إليه. ~~••• # وأغرب الشياطين الشعرية كافة ذلك الشيطان الذي ابتدعه خيال وليام بليك بين أواخر ~~القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وليس هو على هذا بأغرب من خيال الشاعر الذي ~~ابتدعه؛ فإنه شاعر في العصر الحديث يدين جدا وصدقا بالمذهب الثنوي ومذهب المعرفيين ~~“Gnostics” ~~، الذي ذهب معتقدوه بذهاب القرون ~~الوسطى. # كان بليك من أتباع المتنبئ السويدي سويدنبرج، وكان سويدنبرج من أصحاب الرؤى المصدقين ~~لما يعتريهم من حالات الوجد والنشوة الدينية، ووقر في خلده بعد أن جاوز الخمسين، في ~~منتصف القرن الثامن عشر، أنه يتلقى الوحي من عالم الغيب، فاعتزل وظائف الدولة وأعلن ~~خروجه على المذاهب المتبعة، وبشر برسالته التي سماها المسيحية الحقة، وفسر الكتب ~~المسيحية تفسيرا يخالف التفسيرات التي اعتمدتها الكنائس الكبرى، ثم هجر وطنه وأقام ~~بالعاصمة الإنجليزية حتى مات بها (سنة 1772). # ودرج بليك في حجر أسرة إنجليزية تدين بمذهب سويدنبرج، ولكنه انقلب عليه ولم يرجع إلى ~~مذهب من مذاهب الكنائس المعروفة، بل راح يستقل بتفسيراته وتأويلاته على حسب ما يستوحيه ~~من تفكيره وإلهامه، ولم يكن على علم بشيء من اللاهوت ولا من معارف عصره؛ لأنه لم يدخل ~~مدرسة منتظمة في صباه. # وشيطانه يصح أن يكون فكرة مجردة، كما يصح أن يكون روحا إنسانيا، أو ملكا من ~~الملائكة المغضوب عليهم، بل يصح أن يكون عنوانا يضعه الشاعر على كل «شخصية» مفروضة ~~تنتمي إلى الشر والخباثة، وعنده أن الشر كل الشر هو الصرامة في الأوامر والنواهي، ~~والتشدد في المحللات والمحرمات، فكل رب جاء عنه في الأساطير الغابرة والديانات الأولى ~~وصف العبوس والجهامة، واتسم في ضمائر عباده بالقسوة والصرامة؛ فهو شيطان يترقى في ~~الشيطانية، على ms132 حسب قسوته وصرامته، إلى منازل الآلهة الوثنيين المنعوتين بآلهة الشر، أو ~~آلهة الظلام. # ومن أوهامه التي لا يدري أحد أهي أوهام شعر أم أوهام اعتقاد ثابت، أن روح الشاعر ~~ملتون حلت فيه لتكفر عن خطيئتها في تصوير السيد المسيح وتصوير إبليس، وأن الكتب القديمة ~~أدخلت في أذهان الناس أن الإنسان ذو حقيقتين جسدية وروحية، وأن نشاط الجسد من الشيطان، ~~ونشاط العقل من الروح، وأن الله يعذب الإنسان عذاب الأبد لمطاوعته بواعث جسده، ولكنه من ~~الحق الذي يناقض هذا أن جسد الإنسان غير منعزل عن روحه؛ لأن حواس الجسد هي منافذ الروح ~~إلى المعرفة، وأن النشاط كله من الجسد دون غيره، وليس العقل إلا الحدود التي تحيط بذلك ~~النشاط، وأن النشاط هو الفرح الأبدي، وما عداه كسل وإحجام عن الحياة. # ولم ينشر بليك مؤلفاته لأنه كان يمقت الطباعة، ويناظرها بأدوات من اختراعه للنقش ~~والرسم والكتابة يرى أنها أليق بالوحي الروحاني من تلك المطبوعات الصناعية. وقد جمعت ~~آثاره بعد موته من قصاصات مشعثة كان يدون فيها خواطره، ويتم بعضها ويترك بعضها مبتورا ~~في نهايته، أو مبتورا في أوله ووسطه. وهذه شذرة منها تعود أن يدونها بعنوان «خطرة ~~مذكورة»، وفي الخطرة التالية عن الشيطان والملك يقول: # رأيت يوما شيطانا في لهيب النار يرفع هامته إلى ملك جالس على سحابة، ويصيح ~~به: اسمع يا هذا، إن عبادة الله هي تمجيد هباته لغيرك على قدر هذه الهبات، ~~واختصاص أعظم الناس بأعظم المحبة، وما الذين يحسدون العظيم أو يفترون عليه إلا ~~أعداء الله، فلا إله غير ذاك. # وسمع الملك مقاله فازرق، ثم ملك جأشه فاصفر، ثم سكن فابيض، وعلته حمرة ~~وابتسامة، وقال: «يا عابد الصنم! أليس الله بالإله الأحد؟ أليس الله قد تجلى في ~~عيسى المسيح؟ أليس المسيح قد بسط بركته على الوصايا العشر؟ أليس سائر الناس ~~حمقى وخطاة وعدما ونكرات؟» # ثم يلقي بليك على لسان الشيطان ردا يقول فيه: «إذا كان المسيح أعظم إنسان؛ ~~فأحببه حبك للإنسان الأعظم.» ... ثم يحكي له الشواهد من أعمال المسيح ms133 ناقضا ما ~~يفهمه الأكثرون من الوصايا العشر، ويختم هذه الشواهد قائلا: «لقد كان عيسى ~~فضيلة كله؛ لأنه كان يعمل بباعث عطفه ولا يتقيد بالقيود.» # وكل ما ألقاه بليك على ألسنة الشياطين فهو من قبيل ما تقدم، مع التناقض الذي لا يثبت ~~فيه غير معنى واحد، وهو التبرم بالأوامر الصارمة، والفضائل الجافية، والتفكير المنتظم، ~~وقد قال عن الملائكة: إنها تحسب أنها دون غيرها تتحدث بالحكمة، وكل من يفكر على قياس ~~مطرد خليق أن يغتر هذا الغرور، وأكثر النتف التي تركها تحمل عنوان الخطرة المذكورة، ~~وتجتمع فيها هذه الخطرات بعنوان القران بين السماء والجحيم، وينعقد قران السماء ~~والجحيم، ولقاء الملك والشيطان، في رأيه، بالعمل الذي يصدر من الحب ونشاط الجسد منبعثا ~~بوحي الفطرة الصادقة. # فالشيطان على هذا الاعتبار جيوش من الشياطين يجسمها القارئ، أو ينظر إليها كأنها ~~معاني الشاعر في قريحته مطلقة بغير تجسيم، وبغير شخصية مرتسمة في الحس أو ~~الخيال. # وبعد شيطان بليك - أو شياطينه - لا تحفظ تواريخ الأدب الغربي صورة لشيطان شعري عمل ~~فيها الفن، وبواعث النفس، وحوادث العصر غير شيطان كردوتشي، شاعر الثورة الإيطالية ~~(1870-1907) وصاحب جائزة نوبل قبل وفاته بسنة. # وتكاد قصيدة الشيطان من نظم كردوتشي أن تكون نشيد صلاة، وقد سماها هو نشيدا ونظمها ~~على وزن التراتيل التي تنشد في الصلوات، وقال فيها: إنه لا يحفل بالتاريخ القديم تاريخ ~~حرب الشيطان مع الملك ميكائيل، وإنه يحيي إبليس لأنه قاهر الكهان ورافع علم الثورة، ~~ويناديه: لا تهرب مني حين أناجيك؛ فإنني أود أن أنطلق إليك بروحي، ولا يكفيني أن ألتقي ~~بك في الشعر والخيال. ويختم النشيد قبل المقطوعة الأخيرة قائلا: # إنك أيها الشيطان العظيم، إنك تعبر البحار وتطوي الأرضين، إنك تنفث الدخان ~~كالبركان، وتجوس خلال الديار، وتمضي حيث تشاء كما تشاء. # وانطلاق الشيطان مع سخريته بالكهان هما آية الحرية عند كردوتشي الثائر على طغاة ~~الدنيا والدين، ولا يبعد أن يكون الشاعر - كما قال ابن وطنه جيوفاني بابيني - متأثرا ~~بأستاذه ليوباردي في قصيدته عن إله الشر أهريمان، صاحب القضاء ms134 النافذ في الوجود كله، ~~منفردا - في رأي ليوباردي - بغير شريك من أرباب الخير أو ملائكته في الزمن القديم أو ~~الزمن الحديث. # ونحن في هذه العجالة يجزئنا ما تقدم في باب شياطين الشعراء التي عمل فيها الفن، ~~واصطبغت بصبغة البواعث النفسية والحوادث السياسية، ولم يستوعب هؤلاء الشعراء الذين ~~ذكرناهم كل ما يقال عن إبليس أو عن الشياطين كما يعتقدها أتباع المذاهب منذ القرون ~~الوسطى، فقد كان أكثر الشعراء يجربون قرائحهم في مأساة آدم والشيطان. ولعلنا نحيط بهذا ~~العالم الزاخر إذا عرفنا أن رجلا مثل هوجو جرويوس (1583-1645)، الملقب بأبي القانون ~~الدولي، قد جرب قلمه وقريحته في هذه المأساة، وكان معاصرا للشاعر ملتون، فانتشرت ~~قصائده إلى جانب القصائد الخالدة التي نظمها ذلك الشاعر المعدود اليوم في الذروة بين ~~أشعر شعراء العصور. # وبعد زهاء قرنين، أوحى اسم هوجو إلى سميه الفرنسي الكبير فكتور هوجو (1802-1885) أن ~~يجرب قلمه وقريحته على نمطه، فنظم قصائده في خاتمة الشيطان، ونادى بموته ولحاقه بإبليس ~~جاحد ربه بين عقول كالخفاش الذي يخاف النور، أو البومة التي تستهدي الظلام، والغراب ~~الذي يسلم الفضاء للنسر والعقاب والعنقاء ومن فوقها مرمى السهام التي لا تبلغ الهدف إلا ~~من وراء قناع الموت! ودون ذلك كله، وتنحسر أشواط الأبالسة والشياطين. # إلا أن هذا المحصول الزاخر لا يزيدنا لونا من ألوان الصورة في ضمير المؤمن، أو في ~~قريحة الشاعر، وهذا الذي تحريناه في إهمال ما أهملناه، والإلمام بما أشرنا إليه، بيد ~~أننا لا نستطيع أن نهمل هنا صورة شيطانية تقترن باسم الشاعر الفرنسي بودلير، صاحب ديوان ~~«أزهار الشر»، وناظم القصائد في الابتهال إلى الشيطان «أحكم الملائكة الذي سرق منه ~~القضاء ثناءه، والذي سجل عليه الطرد والحرمان من لا يزال يخطئ ويغلط»؛ فإن هذا الشيطان ~~عارض نفساني يصور الانعكاس في السريرة المشوهة، فتتعمد التوجه إليه على سبيل النقمة ~~والنكاية، وتصلي إليه ليشفق عليها كأنها تستجدي الشفقة الإلهية - عكسا - بلسان اليأس ~~والكبرياء. # وفيما عدا شيطان بودلير لا نرى في هذا الفصل موضعا للشياطين التي تخيلها الشعراء، ms135 ~~ولم تدخل في عداد الصور الخلقية وخوالج الوجدان في الإنسان منفردا، أو جزءا من أجزاء ~~الجماعة، فالشاعر الروسي لرمنتوف خلق في إحدى قصصه شيطانا لا يعدو أن يكون إنسانا ~~متنكرا يزاحم الناس على العشق والشهوة، والشاعر الإنجليزي بيرون خلق شيطانا في قصيدته ~~«رحلة الشيطان» لا يعدو أن يكون مخبر صحيفة يروي للقراء ما يروى في المجالس النيابية ~~ومجالس السمر، وغيره من الشعراء قد اختار اسم الشيطان ليجري على لسانه كلاما يجريه ~~بعض الشعراء الآخرين على ألسنة الطير والحيوان، أو على ألسنة الشجر والجماد. # أما الشيطان الذي نعرض هنا ذكره، فهو الشيطان الذي يحوم في النفس الإنسانية، وبين ~~الجماعات البشرية في تقاليدها وموروثاتها ومقاييسها لخيراتها وشرورها، وهو الشيطان الذي ~~يطيف به خيال الشاعر معبرا عن شعوره، وإن لم يكن من عقائد دينه، كالشياطين التي سميت ~~بأسمائها في الأدب العربي؛ هبيد ومسحل والهوجل وجهنام، أو كالشياطين التي يعتقدها ~~المتدين، ويفتن الشاعر في تصويرها لامتيازه بملكة الخيال، وملكة الرمز والتشخيص؛ فهذه ~~الشياطين قوى مشتركة في طبائع الناس، وقيم نفسية يقومها الناظرون في الأخلاق والطباع، ~~ولو رفعناها منها بأسمائها لبقي مكانها متطلبا منا أن نسميها بغير تلك الأسماء؛ لأنها ~~لا تقبل السكوت عنها، ولا تغفلها الحياة إن أغفلها اللسان. # 1 # في الأدب العربي # يندر في الأدب العربي تمثيل الشياطين الشعرية من قبيل تلك الشياطين التي حفلت بها ~~ملاحم الشعراء الغربيين وقصائدهم؛ لأن شعراء العرب لم ينظموا الملاحم التي يتمثل فيها ~~أبطالها بملامحهم الظاهرة وملامحهم الخفية، ونحسبهم لو نظموا هذه الملاحم لما كان ~~للشيطان فيها هذا الشأن الذي أصابه في أدب الغرب شعرا ونثرا؛ لأن الأدب العربي لا ~~ينسب إلى الشيطان دورا في قصة الخليقة والخلاص كالدور الذي ينسب إليه في عقائد ~~الأدباء الغربيين، فإذا نظم الشاعر العربي ملحمة عن الخليقة لم يكد يفعل فيها الشيطان ~~فعلة غير ذلك الوسواس، الذي يطرأ على كل سريرة آدمية في ساعته، كما طرأ على سريرة آدم ~~أو سريرة حواء. # وإذا تخيل المتخيل صفة للشيطان في كلام شاعر عربي، ms136 فلا نظنه يخرج منه بصفة غير تلك ~~الصفة التي لخصها أبو نواس في خليط من الخبث والحماقة؛ لأنه: # تاه على آدم في سجدة # وصار قوادا لذريته # إبليس أكرم من أبيكم آدم # فتبينوا يا معشر الأشرار # وربما تكرر من الشعراء الذين يشخصونه لأنفسهم ذلك الحوار الذي دار بينه وبين أبي ~~نواس: حوار من يستعين بإبليس على شهواته ويتوعد إبليس أن يتوب عن المعاصي إن لم ييسر له ~~ما يشتهيه، وقد كان إبليس على هذه الصفة عند الشاعر الذي قال فيه: # النار عنصره وآدم طينة # والطين لا يسمو سمو النار # وذلك هو بشار بن برد الذي كان يتظرف بأمثال هذه البدوات، ولا يأتي فيها بجديد من ~~عنده؛ لأن المفاضلة بين العنصرين أقدم من بشار، وأقدم من كل ما قاله الشعراء المسلمون ~~عن إبليس، ولم تخطر صفة إبليس على بال أحد من المتقدمين في الإسلام إلا كان يعلم أن ~~إبليس من عنصر النار. # على أن موضع إبليس من رسالة الغفران لأبي العلاء يشبه بعض الشبه مواضعه من ملاحم ~~الشعراء الغربيين، فقد ذهب فيها إلى أودية ليست كأودية الجنة، فسأل صاحبه بعض الملائكة: ~~ما هذه يا عبد الله؟ فقال له: هذه جنة العفاريت الذين آمنوا بمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وذكروا في ~~الأحقاف وفي سورة الجن، وهم عدد كثير ... ويسأل أحد العفاريت عن أشعار المردة فيقول له: ~~لقد أصبت العالم بحقيقة الأمر، وهل يعرف الإنس من النظيم إلا كما تعرف البقر من علم ~~الهيئة؟ ثم يسأله عن اسمه فيقول: إنه يدعى الخيثعور، وإنهم من غير ولد إبليس، وإنهم من ~~الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم عليه السلام. # ويلقى في جنة العفاريت شاعرا يسمى أبا الهدرس، فيسمعه من نظمه قصيدة يقول فيها عن ~~أيام طاعته لإبليس: # نحارب الله جنودا لإبلي # س أخي الرأي الغبين البخيس # نسلم الحكم إليه إذا # قاس فنرضى بالضلال المقيس # نزين للشارخ والشيخ أن # يفرغ كيسا في الخنا بعد كيس # ونقتري جن سليمان كي # نطلق منها كل غاو حبيس # ونخرج الحسناء مطرودة ms137 # من بيتها عن سوء ظن حديس # ونخدع القسيس في فصحه # من بعد ما مني بالأنقليس # ونعجل السعلاة عن قوتها # في يدها كشح مهاة نهيس # نادمت قابيل وشيثا وها # بيل على العاتقة الخندريس # وفي أقصى الجنة يلقون الحطيئة والخنساء، ويسألون الخنساء عن شأنها فتقول: أحببت أن ~~أنظر إلى صخر، فاطلعت فرأيته كالجبل الشامخ والنار تضطرم في رأسه فقال لي: لقد صح مزعمك ~~في: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # قال أبو العلاء عن صاحبه: «فيطلع فيرى إبليس لعنه الله وهو يضطرب في الأغلال ~~والسلاسل، ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية، فيقول: الحمد لله الذي أمكن منك يا ~~عدو الله وعدو أوليائه، لقد أهلكت من بني آدم طوائف لا يعلم عددها إلا الله، فيقول: من ~~الرجل؟ فيقول: أنا فلان بن فلان من أهل حلب، كانت صناعتي الأدب أتقرب به إلى الملوك، ~~فيقول: بئس الصناعة - إنها تهب غفة - أي بلغة من العيش - لا يتسع بها العيال، وإنها ~~لمزلة بالقدم، وكم أهلكت مثلك! فهنيئا لك إذا نجوت، فأولى لك ثم أولى، إن لي إليك حاجة ~~فإن قضيتها شكرتها لك يد المنون، فيقول: إني لا أقدر لك على نفع؛ فإن الآية سبقت في أهل ~~النار، أعني قوله تعالى: # ونادى أصحاب النار أصحاب ~~الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ~~قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ~~. # فيقول إبليس: إني لا أسألك في شيء من ذلك، ولكني أسألك عن خبر تخبرنيه؛ إن الخمر حرمت ~~عليكم في الدنيا وأحلت لكم في الآخرة، فهل يفعل أهل الجنة بالولدان المخلدين فعل أهل ~~القريات؟ فيقول: عليك البهلة. أما شغلك ما أنت فيه؟ أما سمعت قوله تعالى: # ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها ~~خالدون # فيقول: وإن في الجنة لأشربة كثيرة غير الخمر، فما فعل بشار بن ~~برد؟ فإن له عندي يدا ليست لغيره من ولد آدم؛ كان يفضلني دون الشعراء، وهو ~~القائل: # إبليس أفضل من أبيكم آدم # فتبينوا يا معشر الأشرار # النار عنصره وآدم طينة ms138 # والطين لا يسمو سمو النار # لقد قال الحق، ولم يزل قائله من الممقوتين. # فلا يسكت من كلامه إلا ورجل من أصناف العذاب يغمض عينيه حتى لا ينظر إلى ما نزل به من ~~النقم، فيفتحهما الزبانية بكلاليب من نار، وإذا بشار بن برد قد أعطي عينين بعد الكمه ~~لينظر إلى ما نزل به من النكال.» # وكل ما جد بعد المعري من كلام يدخل في باب القصة من الأدب ويذكر فيه الشيطان، فهو ~~تلك القصص التي جمعت باسم ألف ليلة وليلة، واقتبس رواتها ما تداولته الألسنة من أخبار ~~السحرة، وتسخير المردة، وقيام الجان على أرصاد الطلاسم، أو حبسها في الأغوار والقماقم، ~~وهي لا تأتي بابتداع أو اختلاف أو زيادة على ما اعتقده الناس ونظمه الشعراء. # ولم يطرأ على الأدب العربي جديد في هذا الباب حتى مطلع القرن العشرين، ثم نجمت في ~~أوائل القرن العشرين نوازع شتى للتوسع في الاطلاع على آداب الأمم، والبحث في موضوعات ~~الشعر وتعبيراته عند تلك الأمم، ومن موضوعاته الملاحم المطولة، ومن تعبيراته تجسيم ~~المعاني المجردة، والعناصر الطبيعية، وأرواح الغيب وكائناته المشبهة بتماثيل ~~الأحياء. # ونحن في هذا الباب خاصة لا نبحث بحث المؤرخين أو النقاد الأوروبيين، وإنما نراجع ما ~~أحسسناه واختبرناه، ونفهم بواعث النظم والتأليف في هذه الأغراض مما عالجناه، وانبعثنا ~~إليه بوحي الاطلاع وعدوى الخواطر التي يوحيها. # أول ما خطر لنا أن نقارن بين التشبيهات والمعاني المجسمة في اللغات الأوروبية واللغة ~~العربية، وكتبنا في هذه المقارنة عن الكائنات الخفية وعن عجائب المخلوقات وعن الأساطير، ~~مما يطلع عليه القارئ في كتاب «الفصول» ومجمع الأحياء، وأحسسنا الحاجة إلى تصوير بعض ~~العواطف بصورتها الشعرية التمثيلية، فأخذنا في وقت واحد في نظم قصيدة عن سباق الشياطين، ~~وتأليف كتاب نسميه «مذكرات إبليس»، ونخصص كل فصل منه لغواية من الغوايات؛ كالعشق ~~الأثيم، والسرقة، والبغي، والطمع، وسائر هذه الآثام التي تذكر كلما ذكر الشيطان، وكان ~~ذلك حوالي سنة (1912)، وبعد الاطلاع على طائفة من ملاحم الغرب وأساطيره. # فأما سباق الشياطين فقد تمت القصيدة التي نظمناها في ms139 موضوعه، وأما مذكرات إبليس فلم ~~يتم منها غير فصل واحد من فصول الأعور ابن إبليس الموكل بالعشق الأثيم، ثم بقيت النية ~~مترددة حول هذا المطلب، حتى تحولنا عنه بعد الحرب العالمية الأولى إلى موضوع القصيدة ~~التي سميناها «ترجمة شيطان»، ونشرت في الجزء الثالث من الديوان. # وحوالي هذا الوقت ألف صديقنا الشاعر العبقري الأستاذ عبد الرحمن شكري كتابه النثري ~~الذي سماه «حديث إبليس»، وقال في مقدمته: «قد بدأ يكثر في آداب اللغة العربية البحث ~~النفسي والتساؤل والتفكير والتعبير عن حركات النفس وبواعثها، ولكن كل ذلك لم يزل قطرة ~~لا نعرف إن كان وراءها سيل أتي. وهذا الكتاب فيه شيء كثير من البحث النفسي والتساؤل ~~والشك والسخر، الذي هو محرك يحرك النفوس ويوقظها، فهو يعبر عن تلك الدنيا التي في كل ~~نفس، ففي فصل نصيحة إبليس - مثلا - ترى تحت السخر المودع في هذا الباب ما أرمي إليه ~~من معائب النفوس الجامدة القبيحة التي تشبه مباول الطرق، وقد جعلت إبليس ينصح بما ينبغي ~~الانتهاء عنه.» # وقد اطلعنا بعد الحرب العالمية الأولى على محاولات منوعة في هذه الأغراض، لم يكن منها ~~ما بلغ في جودته مبلغ العمل الفني خلال ثلاثين سنة أو تزيد، ومنها ما نظم في مصر وما ~~نظم في غيرها من البلاد العربية، حتى ظهر ديوان «عبقر» للشاعر السوري الأستاذ شفيق ~~معلوف، من صفوة أدباء المهجر بالبرازيل، وكان ظهوره في الطبعة الأولى سنة 1936، وأعيد ~~طبعه في سنة 1949، ثم ظهرت قصة «الشهيد» لزميلنا الكاتب الموهوب الأستاذ توفيق الحكيم، ~~وهي قصة صغيرة من مجموعة قصصية صدرت سنة 1953، وتعد على صغرها من أجود ما كتب في هذا ~~الغرض في جميع اللغات. # أما قصيدة «سباق الشياطين» فخلاصتها أن إبليس جعل لتلاميذه جائزة ينالها من يعرض ~~أعماله، ويثبت للملأ من الشياطين قدرته على السبق في التضليل والإغواء، فانبرى سبعة من ~~الشياطين يتنافسون عليها؛ وهم: شيطان الكبرياء، وشيطان الحسد، وشيطان اليأس، وشيطان ~~الندم، وشيطان الحب، وشيطان الكسل، وشيطان الرياء، فاستحقها هذا الشيطان الأخير - شيطان ~~الرياء - ولكنه جرى على ms140 عادته فأظهر الزهد فيها، وتنحى عن تناولها بعد اشتراكه في ~~المنافسة عليها، فخاطبه إبليس: # قال تأباها ولولاك انجلى # غيهب الأرض فكانت كالنعيم # دونك الدنيا اتخذها منزلا # وتول اليوم أبواب الجحيم # وقصيدة «ترجمة شيطان» هي قصة شيطان ناشئ سئم حياة الشياطين، وتاب عن صناعة الإغواء ~~لهوان الناس عليه، وتشابه الصالحين والطالحين منهم عنده، فقبل الله منه هذه التوبة ~~وأدخله الجنة، وحفه فيها بالحور العين والملائكة المقربين، غير أنه سئم عيشة النعيم، ~~ومل العبادة والتسبيح، وتطلع إلى مقام الإلهية؛ لأنه لا يستطيع أن يرى الكمال الإلهي ~~ولا يطلبه، ثم لا يستطيع أن يطلبه ويصبر على الحرمان منه، فجهر بالعصيان في الجنة، ~~ومسخه الله حجرا، فهو ما يبرح يفتن العقول بجمال التماثيل وآيات الفنون، واستضحك إبليس ~~بين جنده يوم انتهى المطاف بتلميذه إلى هذه الخاتمة فقال: # ما أرى هذا الفتى من دمنا # ومتى استغوى الشياطين الشرك؟! # أترى شيطانة من قومنا # أغوت الأملاك فهو ابن ملك؟! ~~... ... ... ... ~~... ... ... ... # فتلاحى القوم ثم استضحكوا # ودعا مازحهم شر دعاء # قال: فلتسلكه فيمن سلكوا # أيها المولى سبيل الشهداء # والسمة التي يتسم بها إبليس، في رسالة الأستاذ عبد الرحمن شكري، هي سمة النقد الساخر، ~~تسري في الحديث من أوله إلى ختامه، ويدل بعضها عليها كقول إبليس عن أخلاق الإنسان ~~والحيوان: «إنني أرى في الحيوانات العجم خصالا هي في الإنسان ضئيلة خافية، فللكلب من ~~الوفاء والأمانة ما ليس للإنسان، وللخيل من الود والولاء ما لا يبلغ بعضه الإنسان، ~~وللبغال والحمير من الصبر والحزم ما ليس له، وللقرود من الذكاء والفطنة وحب التقليد ما ~~ليس له، ولو فطنتم يا بني آدم لرأيتم أن تزوجوا بناتكم من البغال والحمير والكلاب ~~والقرود؛ لكي يكتسب نسلهن بالوراثة من حميد صفات هذه الحيوانات ... ولا تحسب أن النساء ~~ينزعجن من هذا الزواج؛ فإنهن قد ألهمن فضائل الحيوانات، وهذا تفسير ميلهن إلى صغار ~~الكلاب والقرود ...» # أو كقول أحد الشياطين: «... فالتفت إبليس إلي وقال: سمعت أحد الملائكة يقول لحافظ من ~~الحافظين، وهو الملك الذي يحصي ذنوب الناس: ما لي أراك ms141 منتوف الجناحين؟ قال الملك: ~~عافاك الله من الناس؛ فإني أستخدم ريش جناحي كما تعلم في كتابة ذنوبهم، وقد تكاثرت علي ~~ذنوبهم حتى برت ريش جناحي وأتلفته، وأنا كلما تلفت ريشة من كثرة الكتابة نتفت من ~~جناحي ريشة أخرى حتى نفد ريشي، ولم تنفد ذنوب الناس.» # وختم الكاتب الرسالة بكلمة عن عظم الوجود وغرور الإنسان، ونصيحة من روح الأبد يقول ~~فيها للإنسان الذي يخاطبه: «اذهب إلى مكانك من الأرض ولا تنس الوجود؛ فإن إحساسك بعظمته ~~فيه معاني العبادة كلها.» ~~••• # ونظم شاعر المهجر البرازيلي الأستاذ معلوف ديوان عبقر مقسما إلى قصائد، يروي في كل ~~قصيدة منها نبأ عن ولد من أولاد إبليس أو بعض الشياطين، فيقول مثلا عن الشيطان «داسم» ~~إبليس النقائص: # وجاءنا ثاني، أبناء عزريل # سحنة شيطان، في منكبي غول # وقال في دهاء: ويك أنا الكاسي # بالخبث والرياء، نقائص الناس ~~••• # لما أممت الأرض في زورة # أستعرض النقائص العارية # ألفيتها والناس قد مزقوا # أجسادها في فتنة دامية # فرحت أكسو بيدي عريها # بحلل براقة زاهية ~~••• # فاندست الكبرياء، تحت حجاب الحسب # وتحت ستر الإباء، غلغل وجه الغضب # وانقلب العناد، بين الورى حزما # وصار الاستبداد، في عرفهم عزما # ويقول عن الأعور إبليس الشهوة: # وذاك أعور، أطل ينظر، من ظاهر الهوة # وقال: إني أنا، حامي ذمار الخنا، والعهر والشهوة # شرارتي في العيون، حريقة في الدم # أنا مثير الجنون، والفم لصق الفم # ما اتكأ العاشقون، إلا على معصمي # كم ذاق خمري عاشق فالتوى # معربدا في سكرات الهوى # مهدما ببعضه بعضه # وهو على الأنقاض يبني السوى # وختم الديوان بقصيدة عن العبقريين قال فيها عن أهل الخلود من أبناء عبقر: # وثمة استجليت صوتا دوى # ولم أجده لذهولي سوى # جماجم أرواحها غلغلت # تصخب فيها من خلال الكوى # فصاحت العظام: أعطى الذي أخذ # لم تظفر الأيام، منا بغير الفلذ # فكن عش الغرام، وصرن مأوى الجرذ # لكنما أحلامنا لم تزل # ترقص سكرى فوق غلف المقل # حاملة للناس خمر الهوى # مشعة خلف كئوس الأمل # والغالب على ديوان عبقر روح غنائية يسعدها خيال موفق ms142 في كثير من تشخيصاته، وما ينطبق ~~به لسان الحال من تلك الشخوص المخيلة. ~~••• # وهذه الجوانب المتعددة من صور الشيطان في الأدب العربي الحديث تتم من جانبها الفني ~~بقصة «الشهيد» للأستاذ توفيق الحكيم؛ لأنه أعطى الشيطان دوره المحتوم في مسرح الكون، ~~وجعله كما هو في الواقع دورا لا حيلة فيه له، ولا لأصحاب الأديان الذين يلعنونه ~~ويستنكرونه، ولكنه يلجأ إليهم ليتوب على أيديهم فلا يدرون كيف يقبلون توبته؛ فإن الحبر ~~المسيحي لا يملك أن يتصرف في عقيدة الخطيئة والخلاص، والرباني اليهودي لا يملك أن يتصرف ~~في مكان شعب الله المختار بين الأمم التي أضلها الشيطان على اعتقاده، والإمام المسلم لا ~~يملك أن يتصرف في التعوذ من الشيطان الرجيم. # ويصيح إبليس يائسا: «وجودي ضروري لوجود الخير ذاته ... نفسي المعتمة يجب أن تظل هكذا ~~لتعكس نور الله.» ويبكي إبليس فتتساقط دموعه كالنيازك على رءوس عباد الله، فينهاه جبريل ~~عن البكاء، ويحيق به اليأس من كل جانب، فيهبط إلى الأرض مستسلما، «ولكن زفرة مكتومة ~~انطلقت من صدره وهو يخترق الفضاء ... رددت صداها النجوم والأجرام في عين الوقت؛ كأنها ~~اجتمعت كلها معه لتلفظ تلك الصرخة الدامية: أنا الشهيد، أنا الشهيد». # ومن الحق أن نلحق بما تقدم لونا آخر من ألوان الحديث عن الشيطان في الشعر العربي، لم ~~نثبته مع الصور السابقة لأنه من ألوان الرأي لا من ألوان التخيل والتصوير، ولكنه لا ~~يهمل كل الإهمال في هذا المطلب؛ لأنه رأي يبديه صاحبه في حقيقة الشيطان. # ذلك هو رأي الأديب العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي، ومجمله أن الشيطان هو الإنسان ~~الذي يخدع غيره لغاية من غاياته: # لا يخدع المرء إنسانا لغايته # إلا إذا كان ذاك المرء شيطانا # وأما الشياطين والعفاريت فقد حدث الكتاب الكريم في ذكرها، وأخطأ المفسرون - كما قال - ~~في حساب الملكين: # غير أني أرتاب من كل ما قد # عجز العقل عنه والتفكير # لم يكن في الكتاب من خطأ كلا # ولكن قد أخطأ التفسير # فهذا المطلب على حداثته في الأدب العربي قد أحيط من جوانب ms143 متعددة، وهو - ولا شك - لا ~~يساوي نظائره الأوروبية في استفاضتها، ولكنه يساويها في طبقتها إذا أسقطنا من أدب الغرب ~~ما استعاره من قصة الخليقة، وما كان لهذه القصة من القداسة الدينية التي لم يخلقها ~~ابتكار الشعراء والأدباء. # في العصر الحاضر # إذا أخذنا بإحصاء الكلمات والتعبيرات للحكم على مقدار انتشار الأفكار والعقائد جاز ~~لنا أن نقول: إن الحضارة العصرية أكثر الحضارات إيمانا بوجود الشيطان، وعمله الدائم في ~~النفس البشرية والبيئات الاجتماعية؛ فإن كلمة الشيطان والشيطانية والشيطنة من أشيع ~~الكلمات في كتابة الأوروبيين العصريين، ومنها ما يشتق من كلمة الشيطان بنطقها الشرقي، ~~أو يشتق من الكلمات اليونانية والسكسونية بلفظها القديم ولفظها المتداول في العصر ~~الحاضر. # ولكننا سنرى مسألة الشيطان هذه من أقوى المكذبات لطريقة الإحصاء الآلية؛ طريقة الحكم ~~على الأفكار والعقائد بعدد الكلمات والعبارات، فإن كلمة الشيطان كانت علما على «شخصية» ~~الكائن الشرير، فأصبحت على ألسنة القوم معنى لغويا لا تؤديه كلمة أخرى في مدلوله؛ ~~لأنه يؤلف من كلمة واحدة بين الأعمال الشيطانية بجملتها؛ ويفهم منه الكيد والخبث ~~والمهارة والنفاق وحب الأذى، وكل معنى يناقض الاستقامة والصلاح، وأكثر ما تستخدم ~~الكلمة ومشتقاتها فإنما تستخدم بمعناها هذا الذي انتقل من ألفاظ الأعلام إلى ألفاظ ~~المعاني والصفات. # وقد أصبح استخدام هذه الكلمة كاستخدام السيد المسيح لكلمة «مأمون» حين عبر بها عن ~~سيادة المال والجشع، فقد كانت الكلمة في اللغة السريانية علما على رب يزعمون أنه رب ~~المطامع الدنيوية، فكان السيد المسيح يقول لتلاميذه: إنكم لا تستطيعون أن تخدموا سيدين، ~~ولا تستطيعون أن تنالوا رضى الله ورضى مأمون، ولم يكن عليه السلام يصدق عقيدة السريان ~~في مأمون، ولكنه كان يقولها ويعلم أن سامعيه يفهمون عنه ما أراد، وهو التعبير عن الجشع ~~ومطامع الأشرار. # وبهذا المعنى المجازي تشيع كلمة «الشيطنة» فيما يكتبه أبناء الحضارة الأوروبية ~~الحاضرة، وقد يكتبها الملحدون الذين ينكرون وجود الكائنات الغيبية، كما يكتبها ~~المتدينون الذي يؤمنون بوجود الشيطان، ويختلفون في عمله وفي مدى قدرته، وكلهم في العصر ~~الحاضر يسمعون باسم الشيطان، فلا يتخيلونه ms144 على الصورة التي كانت تسبق إلى خيال السامع ~~في القرن الرابع عشر وما قبله أو بعده بقليل. # وقد ظهر في باريس عند أواخر القرن الرابع عشر كتاب عن وصايا الشيطان التي يقابل بها ~~وصايا الله، فجمعها في ست وصايا خلاصتها: العناية بالنفس دون غيرها، وألا يعطي المرء ~~شيئا بغير جزاء، وأن يتناول طعامه منفردا ولا يدعو أحدا إليه، وأن يقتر على أهله، ~~وأن يحتفظ بالفتات من مائدته والأسمال من كسائه، وأن يقنطر المال عنده طبقة فوق طبقة ... ~~وهذه رذائل القرن الرابع عشر كما أحصاها بنوه بين الجد والسخرية، وإنها اليوم لفضائل ~~العصر الذي يسمى بعصر التدبير والاقتصاد والأنانية الفردية؛ ومن أجلها تسمى الحضارة ~~العصرية بالحضارة الشيطانية! # ومن البديه أن المتحدثين عن الشيطان في حضارة العصر لا يقصدون جميعا هذا المعنى ~~المجازي، ولا يقصرونه جميعا على الصفات دون الأعلام والأسماء؛ فإن أكثرهم متدينون ~~يؤمنون بوجود الشيطان وعقيدة المسيحية فيه، ولكنهم - كما أسلفنا - يسمعون باسمه فلا ~~يتخيلونه على الصورة التي كانت تسبق إلى خيال السامع قبل بضعة قرون. # فهم يذهبون اليوم بصرعى الجنون إلى الطبيب، ولا يعالجونهم عند الكاهن أو رجل الدين، ~~وهم يفرقون اليوم بين وساوس نفوسهم وما ينسبونه إلى الشيطان من إيحاء وتلقين، وليس ~~للشيطان عندهم تلك المملكة الواسعة التي كانت له في القرون الوسطى؛ فإنها انحسرت شيئا ~~فشيئا حتى كادت تخرج من عالم الطبيعة إلى ما بعدها، وكادت دولة الشيطان تئول إلى حالة ~~كالحالة التي حصره فيها الإسلام؛ قرين سوء ليس له على قرينه سلطان. ~~••• # ويئول الشيطان على هذا في القرن العشرين إلى مصيرين: مصيره في مجال العقيدة الدينية، ~~وهو إلى النقصان، ومصيره في مجال العبارة المجازية، وهو إلى الزيادة، وعلى الناظر في ~~العبارات والأساليب أن يطيل النظر في هذا المصير الأخير، أليس فيه الحجة الدامغة لبلاغة ~~الوجدان على بلاغة العقل واللسان؟ أليست هذه اللفظة الواحدة: لفظة «الشيطان» بلاغة ~~وجدانية تتقاصر عن مداها في التعبير كل عبارة تجريها اللغة مجرى الفكر و«اللفظ المركب ~~المفيد». ~~••• # من الذين زادوا في عدد ms145 الشياطين المجازية من كتاب العصر الحاضر: تولستوي، حكيم الروس ~~الكبير؛ فقد أضاف إلى عددهم شيطان الكبرياء العنصرية، وشيطان التعصب الديني، وشيطان ~~الاستعمار، وشيطان الحرب والاستبداد. # ومن الذين زادوا في عددهم إلى الملايين: برتراند رسل، فيلسوف الرياضة المعروف؛ فإن ~~شيطانه الذي أقامه في الضواحي رجل كان طفلا يتيما تركه أبوه لزوجة سكيرة، تحبسه في ~~الدار يهلك جوعا وعريا، وتذهب لتسكر وتعربد في الطريق، فإذا شكا إليها الطفل اليتيم ~~إذ ترجع إلى المنزل آخر الليل ضربته حتى يصيح، ثم ضربته حتى يسكت عن الصياح، فكبر في ~~الدنيا وهو يجهل أباه، ويحقد على أمه، أولى الناس بعطفه عليها لو استقامت الدنيا على ~~السواء، وقل ما شئت فيمن يحقد عليهم غير أمه من خلق الله ... فهم كل خلق الله! وفيهم ~~الملايين من أمثاله الحاقدين على كل مخلوق. # ومن الذين زادوا عددهم الكاتبة الإنجليزية المعروفة ماري كوريللي، والشيطان عندها في ~~قصة أحزان الشيطان يشبه أن يكون صورة الخير منظورا من قفاه لا من وجهه، وسائرا إلى ~~الوراء بدلا من مسيره إلى الأمام. # ومن الذين زادوا في عددهم سليل بيت العلم بين الإنجليز الدوس هكسلي، كاتب القصة ~~والمقال، وأديب العلماء وعالم الأدباء؛ فإنه أخذ «أسيدي» شيطان القرون الأولى فنسخ منه ~~ألوف النسخ بين الآدميين، وجعل هذا العصر أحق به من عصور النساك والرهبان الذين رهبوه ~~في وضح النهار؛ إذ كان من بلواه أنه لا يغشاهم مع الظلام، بل يطرق عليهم قلوبهم في وهج ~~الظهيرة، ومع شمس الصحراء التي يهرب منها الإنس والجان. # كان «أسيدي» هذا شيطان الحلم في اليقظة الذي سلطه إبليس على رهبان الصعيد في عصور ~~المسيحية الأولى، وكان من دأبه أن يلهيهم عن العبادة بما يزخرفه لهم من الأحلام والرؤى ~~وهم مفتوحو العيون، مستسلمون للسكون في ظلال الصوامع بين نيران القيظ في الصحراء، فإذا ~~حلموا كسلوا، وإذا كسلوا شكوا، وإذا شكوا آل بهم الشك إلى السآمة والملل وكراهة ~~الدنيا والآخرة، واليأس من الصحيح والباطل على السواء. # وينقله الكاتب من القرون الأولى إلى القرن التاسع ms146 عشر، ثم إلى القرن العشرين، ويقول ~~في تفسير نقلته: «إننا لا نزعم أن (أسيدي) من مخترعات القرن التاسع عشر؛ فإن السآمة ~~والخيبة واليأس وجدت قديما ولم تنقطع عن الوجود، وابتلي الناس بآلامها فيما مضى كما ~~نبتلى بها الآن ... غير أنها في العصر الحديث قد طرأ عليها ما يجعلها موقرة مرعية، ولا ~~يجعلها كما كانت خطيئة محظورة، أو يجعلها مجرد عرض من أعراض السقم ... # وهذا الذي طرأ عليها إنما هو التاريخ كله منذ سنة 1789 ... إنما هو إخفاق الثورة ~~الفرنسية، وذلك الإخفاق الذي يربي عليه في الضجيج والأبهة؛ وهو سقوط نابليون، فقد غرس ~~كلاهما (أسيدي) في قلب كل فتى من الفرنسيين وغير الفرنسيين صدق دعوة الحرية، وطمح إلى ~~أحلام المجد والعبقرية، ثم جاءت الصناعة الكبرى بما تراكم معها من القذر والبؤس والمال ~~الحرام، وكان مسخ الطبائع على يد هذه الصناعة حسب القلب الكريم من محنة الحزن ~~والأسى. # واطلع الناس فرأوا أن الحرية الدستورية التي طالما كافحوا من أجلها عبث، لا يغني ~~شيئا مع طغيان الآلات واستعبادها للنفوس، فكان ذلك رعبا آخر من ضروب الرعب التي خيبت ~~الآمال في القرن العشرين، وزيد عليها من دواعي السآمة داع أدق وأغلب مما عداه؛ وهو ~~تعاظم المدن وراء كل مقدار معقول، فتعود الناس المقام بها، وأحسوا في البعد عنها ~~تفاهة لا تطاق، وأطبقت البلوى عليهم فأحسوا من ضوضاء المدينة حنينا إلى سآمة الريف ... ~~وكأنما كانت هذه المضجرات في انتظار تاج يعلوها، فتوجتها الحرب العالمية ~~الأولى.» # ويعنى بالكتابة عن شيطان العقيدة الدينية أناس من طبقة هؤلاء الكتاب الذين اتخذوا من ~~اسم الشيطان تعبيرا مجازيا عن مساوئ العصر وشروره وأدناسه، وربما كتب المؤلف الواحد ~~عن هذا الشيطان وذاك الشيطان، كما فعل هكسلي فيما ألممنا به من كتاباته آنفا، وفي ~~كتابه الذي ألفه عن شياطين لودن # The Devils Of Loudun ~~... ومن قرأ هذا الكتاب علم أن هكسلي قد أراد أن يكشف عن خبيئة من السوء في هذا الإنسان ~~الذي يلعن الشيطان، لم يهبط إلى ما دونها أخبث الشياطين. ms147 # فالقصة التي حققها الكاتب من مراجعها التاريخية إحدى المبكيات المضحكات من مآسي ~~التاريخ التي حفلت بها صفحاته في القرون الوسطى، وكان فيها مظلومان مكذوب عليهما كذبا ~~لا يخفى على أحد في الزمن الحديث، وهما الشيطان ورجل من رجال الدين مغضوب عليه. # وقد بدأت القصة بإصابة بعض الراهبات في بلدة لودن بالصرع، واتهامهن بالتجديف والبذاء ~~والتفوه في نوبات المرض بكلام يخجلن منه كلما أعيد عليهن بشيء من التلميح وهن مفيقات، ~~ولو حدثت هذه الإصابة في العصر الحاضر لاستطاع رجل الدين، كما يستطيع رجل الدنيا، أن ~~يفهم أنهن مصابات «بالهستيريا»، أو بالفصام الذي تنقسم فيه شخصية المريض، ولكن الرئيس ~~الذي تولى البحث في أمرهن لم يستطع أن يفهم من بذائهن في خلال النوبة، وخجلهن بعد ~~الإفاقة منها، إلا أن المتكلم بالبذاء أحد غيرهن يهمه أن يعبث ببراءة الراهبات؛ ~~انتقاما من الله وعابداته وعابديه، ومن يكون هذا المنتقم القادر على صرع فرائسه غير ~~الشيطان. # وسنحت الفرصة لاتهام الرجل المظلوم مع الشيطان؛ وهو الأسقف «جرانديه» عدو الكردينال ~~ريشتيه ذي الحول والطول في بلاط باريس، فاتهم بالفسوق وتسليط الشيطان على الراهبات ~~للتغرير بهن، وصدقت إحداهن أنها فريسة للشيطان بإغراء الأسقف الساحر، فرمته بالتهمة كما ~~أوحي إليها، وقرر المحققون أنهم سمعوا اعتراف الشيطان وهو يتكلم بلسان تلك الفريسة، ~~فتقررت إدانة الأسقف بشهادة الشيطان، وحكم عليه بالإحراق وهو بقيد الحياة. # ولما قيل لهم: إن الشيطان أبو الأكاذيب لم يعسر عليهم أن يبطلوا هذه الشبهة باضطرار ~~الشيطان إلى الصدق بين يدي أصحاب العزيمة والبرهان من المحققين الصالحين. # وتمشي السخرية مع الفجيعة جنبا إلى جنب في هذه المهزلة الشيطانية، فيحدث في بعض ~~محاضر التحقيق أن يقول الشيطان: إن السيد لوبردمان، رئيس لجنة التحقيق، ديوث تخونه ~~امرأته مع الأسقف وغيره، ويكون لوبردمان غائبا عن الجلسة، ولا يلتفت إلى قراءته عند ~~توقيعه، فيضع عليه اسمه بعد السطر المعهود الذي يقرر فيه اعتماد الصدق في كل ما جاء ~~فيه، ويضحك ولاة الأمر ملء أفواههم ساعة يعرض المحضر عليهم، ولكن رئيس اللجنة يعود ms148 إلى ~~التحقيق لتسخير ذلك الشيطان نفسه في تمليق الكاردينال، ويفتتح المحضر المحفوظ بتاريخ ~~(20 مايو سنة 1634) سائلا: ما قولك في الكاردينال العظيم حامي حمى الديار الفرنسية؟ ~~فيجيبه الشيطان مقسما باسم الله: إنه سوط عذاب على أصدقائي أجمعين، ويعود الرئيس ~~سائلا: ومن هم أصدقاؤك؟ فيقول له الشيطان: إنهم زمرة الهراطقة، ويسأله الرئيس: وما هي ~~مآثره الأخرى؟ فيجيبه الشيطان: إنها هي إنقاذه للشعب، وقدرته على الحكم هبة من الله، ~~وحرصه على سلام المسيحية، وولاؤه للملك لويس ... # وبعد العناء المضني في جمع هذه الأوراق، والمضاهاة بين التحقيقات، يخرج الكاتب منها ~~إلى سحرة العصر الحاضر الذين يسخرون أعنف شياطينه، وهو شيطان الجماعة المستفزة إلى الشر ~~والعدوان باسم المذاهب أو الأوطان، فما تصنعه النازية حين تثور على أعداء الجنس الآري ~~المطهر، وما تصنعه الفاشية حين تثور على أعداء المجد الروماني العريق، وما تصنعه ~~الشيوعية حين تثور على أصحاب الأموال الأوغاد، كل أولئك ثورة لا تتورع عن اتهام ~~الأبرياء، وإحراق الأحياء، والهبوط إلى الهاوية في أهبة الصعود إلى السماء. ~~••• # ومن المفكرين الذين لهم خطر في كل بحث يدور على العقيدة والتفكير العصري كاتبان ~~عالميان؛ هما: الدكتور لويس، صاحب كتاب المعجزات، وكتاب مسألة الشر، وكتاب ما وراء ~~الشخصية وغيرها من الكتب في موضوعات الفلسفة الدينية، ويعتبرونه فيلسوف المذهب ~~البروتستانتي في العصر الحاضر، والكاتب الآخر: جيوفاني بابيني، صاحب كتاب حياة المسيح، ~~وأديب المذهب الكاثوليكي المرضي عنه بين المجددين وبين فريق غير صغير من ~~المحافظين. # ألف الدكتور لويس رسائل الشيطان وجعلها على لسان أستاذ من الشياطين يعلم تلميذه ~~أساليب الفتنة والدسيسة، وإقصاء بني آدم عن حظيرة الرضوان، ومعظم هذه الأساليب نفسية ~~يرى العلماء النفسانيون مع المؤلف أنها بواعث شر وجهل في الطبيعة الإنسانية، ويرى ~~العلماء الدينيون معه أنها مداخل الشيطان إلى سريرة الإنسان، فيقول الشيطان الأستاذ - ~~مثلا - لتلميذه: إنه خليق أن يتنبه إلى خطأ جسيم يقع فيه ناشئة الشياطين، وهو اعتقادهم ~~أن السرور حبالة الشيطان. # إذ الحقيقة أن الإنسان باق في الحظيرة الإلهية ما بقي في نفسه موضع للسرور، ms149 وعلى ~~الشيطان أن يفرق بين السرور على أنواعه، وبين السرور المصطنع الذي يلحق باللغو ~~والتهريج. وينبه الأستاذ تلميذه إلى الإقلال من العناية بإغوائه المتدينين الذين ~~تساورهم الشكوك من جراء الحروب والنكبات؛ فإن المتدين الذي لا تصمد عقيدته لهذه الشدائد ~~غني عن الإغواء، ولا حاجة بالشيطان إلى فرط العناية بإغوائه، وعلى الشيطان التلميذ ~~ألا ييأس من أصحاب الفضائل الذين يعلمون بفضائلهم، ويفخرون بها مع أنفسهم ومع غيرهم؛ ~~فإنها فضائل على مقربة من الرذائل الشيطانية قد تعمل على الرذيلة وهي في ~~عنفوانها. # وليس من عمل الشيطان أن ينشر الإلحاد؛ لأن الذي ينكر وجود الله ينكر وجود الشيطان، ~~وإنما عمله أن يصرف المؤمن بالله عن الأمل والعبادة، ورؤية المحاسن والمعجزات في خلائقه ~~ومقاديره. وأقوى الحبائل في رأي الأستاذ الشيطان أن ينفصل الإنسان من حاضره، ويقبل على ~~المستقبل بجملته؛ فإن المقبل على المستقبل منقطع عن الحاضر والماضي، متعلق بالأباطيل ~~ودواعي القنوط والكراهية. # وعلى الشيطان الناشئ أن يذكر أن الكراهية هي المهمة في المذاهب «المستقبلية» دون ~~عناوينها ودعاويها، فلا فرق بين الشيوعية والفاشية والإباحية على اختلافها ما بقيت نفس ~~الإنسان خلوا من الحب، مفعمة بالنقمة والبغضاء. وآفة الآفات الكبرى على الدوام أن ~~يصبح الكون في نظر الإنسان صفرا من العجائب، وشتيتا متشابها من المألوفات ~~والمتكررات. # ولولا ضيق نظر يساور عقل المؤلف أحيانا كلما نظر إلى عقيدة غير عقيدته؛ لكان تفكيره ~~في هذه الأمور مطابقا لتفكير المتدين في كل دين. # والكاتب الكاثوليكي جيوفاني بابيني يؤلف الكتاب عن الشيطان، ويريد أن يطبق فضيلة ~~السماحة على هذا العدو المبين في جملة الأعداء الذين تشملهم رحمة الله، ويرى أن الله لا ~~يرضيه دوام الشر، ولا دوام السقوط على كائن من الكائنات العاقلة، فلا بد في نهاية ~~التجربة الكونية من حياة لا شر فيها ولا شيطان، وزوال الشيطان إنما يكون بزوال شره ~~وارتداده عنه إلى الخير والصلاح. # ورأيه هذا مخالف لآراء الأكثرين من أقطاب المذهب، ولكنه لم يبلغ من المخالفة أن ~~يعرضه للطرد والحرمان، فإن آراءه الأخرى في الكتاب تحسب ms150 له إذا حسب هذا الرأي عليه، ~~وفيها شرح للعقائد الدينية، وتقبيح للمنازع الشيطانية يحمده له المعتقدون، ويقنعون به ~~من الكاتب في زمن يقل فيه أمثاله من الكتاب العالميين الذين يعلنون عقائدهم في غير ~~مبالاة بسخرية المنكرين والملحدين. # تلك زبدة مفيدة لما يسمى (بالديمنولوجي) ~~“Demonology” # أو مباحث الباحثين عن الشيطان في العقيدة الدينية، وفي التعبيرات المجازية في القرن ~~العشرين. # فالمتدينون يؤمنون بوجود الشخصية الشيطانية فعلا، ويحصرونها في أضيق حدودها، ولا ~~يبوئونها من السلطان على النفس البشرية تلك المنزلة التي كانت لها في عقائد ~~الأولين. # والمعبرون المجازيون فريقان : فريق يلغي الشخصية الشيطانية البتة، ويحل محلها عوامل ~~الوعي الباطن التي يسميها الغريزة، أو الكبت، أو العقد النفسية، أو علل الشخصية السقيمة ~~وما شاكل هذه الأسماء ... وهذا الفريق مسبوق إلى رأيه في جملته دون تفصيله؛ فقد ذهبت هذا ~~المذهب فئة من المعتزلة ترى أن الشيطان هو وساوس النفس، ودوافع الشهوة والطمع والغضب ~~والخديعة، وتستند في رأيها إلى قول النبي عليه السلام: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم ~~مجرى الدم في العروق.» وليس هذا التأويل عند جمهرة المحدثين بالتأويل المقبول. # والفريق الآخر على رأي هكسلي الذي تقدم ذكره، وهو أن العقل والعلم لا يمنعان وجود ~~الشيطان، كما جاء في الفصل السابع من كتابه عن شياطين لودن؛ حيث يقول: «هل توجد ~~الشياطين؟ وإن كانت توجد؛ فهل كانت حاضرة في جسد الأخت جين وزميلاتها الراهبات؟ فأما ~~المس الشيطاني فلست أرى في القول به سخفا أصيلا، ولا أجد شيئا من التناقض في فكرة ~~ترى إمكان وجود الأرواح غير الإنسانية؛ طيبها وخبيثها، أو لا طيبة ولا خبث فيها، وليس ~~ثمة ما يضطرنا إلى القول بأن الملكة الفاهمة ممتنعة فيما عدا أجسام الإنسان والحيوان، ~~وإذا قبلنا الشواهد على الكشف والنظر البعيد - وهي شواهد يكاد القول برفضها أن يتعذر ~~علينا - فلا بد من الإيمان بعوامل مفكرة مستقلة على الأغلب الأعم عن المكان والزمان ~~والمادة.» # وهذه هي زبدة «الديمنولوجي» في صفحتها الأخيرة من آراء المتدينين والمفكرين في القرن ~~العشرين. # | خاتمة # تمت في ms151 هذه الصفحات رسالة موجزة في موضوع من موضوعات المقارنة بين الأديان والعقائد، يدور ~~حول تصوير «قوة الشر» من عهد القبائل البدائية إلى منتصف القرن العشرين. # والمقارنة بين الأديان والعقائد علم حديث من علوم القرن التاسع عشر، بدأ البحث فيه قبيل ~~ختامه، وانتصف القرن العشرون ولا تزال الكشوف الأخيرة فيه تتوالى وينسخ بعضها بعضا، أو ~~يشير بانتظار النهاية بعد خطوات لم تبرح أوائل الطريق، وكلما تعجل الباحث الفراغ من دور ~~الجمع والتبويب والنتائج المعلقة على البقية المنتظرة؛ بادرته الكشوف الحديثة بما ينقض ~~حكمه، أو يضطره إلى تعديله على ترقب وتؤدة واستعداد. # ونحن نختم هذه الرسالة، والأجزاء الأخيرة من موسوعة أرنولد توينبي ~~“Arnold ~~Toynbee” # تصدرها المطبعة من المجلد السابع إلى المجلد العاشر، وفي ~~نهاية الجزء السابع منها تعقيب على الظاهرة الغامضة التي كشفت عن التشابه القريب بين عقائد ~~القبائل البدائية في القارات الخمس، وانقسام المفسرين لهذه الظاهرة إلى فريقين: فريق يرى أن ~~الإنسان تلقى إلهاما بالوحدانية قبل التاريخ، وقبل افتراق الأجناس والقارات، وفريق يرى أن ~~الطبيعة الإنسانية تتقارب في وحي البديهة، وتستلهم شعورا واحدا بما وراء المادة المشهودة، ~~وسيمضي زمن طويل قبل أن تتحد النتائج بين الفريقين؛ لأن الأرض واسعة، والقبائل البدائية ~~مبعثرة على أرجائها، ومسائل العقيدة عندها من أسرارها التي تخفيها، وما تجلوه منها اضطرارا ~~أو اختيارا يتيه فيه الباحثون بين غرابة اللغة وغرابة الرموز. # فمن الغرارة البالغة أن يقول قائل عن موضوع من موضوعات المقارنة بين الأديان: إنه شيء ~~عتيق مضى أوانه، على حين اتفاق الأقوال بين علماء المقارنة وقرائها على ابتدائها في خطواتها ~~الأولى، وانتهائها فيما انتهت إليه إلى نتائج معلقة بين الترجيح والتردد والانتظار. # ولا نخال أن السريرة الإنسانية تكشف عن أعماقها بعلم من العلوم - كهذا العلم وعلم ~~الدراسات النفسية - وهو كذلك في خطواته الأولى، أو على أبواب النتائج التي لا تفتح إلا بين ~~التردد والانتظار. # لكن الفائدة المبكرة التي خلصت للعقل الإنساني من بواكير البحث في العلمين: أن مقاييس ~~الحقائق تختلف وتتعدد، وأن الحقائق كلها لا تقاس ms152 بأرقام الحساب، وأنابيق المعامل، وتجارب ~~الطبيعيين، ومناظر الفلكيين. # فها هنا حشد من العقائد والأخيلة تمتلئ به سيرة النوع الإنساني في نحو مائة قرن يدركها ~~التاريخ. # ما هي في أرقام الحساب أو أنابيق المعامل أو تجارب الطبيعة أو مناظر الفلكيين؟ # سهل على أدعياء العلم أن يصرفوها بكلمتين: حديث خرافة! # وحديث الخرافة يجب أن يلغى، فتعالوا نلغه ونعهد بأدعياء العلم جميعا أن يبدءوا بالنوع ~~الإنساني في تعلم الخير والشر والقداسة، واللعنة على برنامج غير هذا البرنامج، وتربية غير ~~هذه التربية. # وليتسلم أدعياء العلم هذا النوع الإنساني قبل مائة قرن، وليأخذوا في تعليمه الأبجدية من ~~هذه الدروس. # ولنفرض أولا فرضا مستحيلا، وهو أنهم سيكونون قبل مائة قرن على معرفة بما يسمونه اليوم ~~خرافة، وما يسمونه تحقيقا، وما يسمونه دراسة منطقية أو علمية. # وليبدأ النوع الإنساني في هذه المدرسة بفلسفات الأخلاق على مذاهبها وفروضها واحتمالاتها ~~وردودها ومناقشاتها. # وليحفظ فلسفات الأكاديمية كلها ويتخرج عليها. # ولقد حفظها، ولقد تخرج منها بما شاء له أدعياء العلم من آراء. # ولقد وصلنا بعد الرحلة الطويلة إلى القرن العشرين، فماذا نقول؟ # نقول: إن هذا في الحق هو حديث الخرافة الذي لا يعدو الألفاظ والعناوين وأسماء المدارس ~~والمريدين. # لكن النوع الإنساني ترك هذه الأكاديمية قبل مائة قرن، وأمعن في طريقه الذي هداه إليه ~~القدر، وأعدته له الفطرة. # ونتيجة هذا الطريق أنه أعطى الحياة النابضة لكل خلق من أخلاق الخير والشر والقداسة ~~واللعنة، وإن أعلم العلماء اليوم لا يستطيع أن يقيم من الفوارق الحية المحسوسة بين خلق وخلق ~~فارقا واحدا، كالفارق الذي نفهمه ونحسه ونحياه حين نتكلم عن الخلائق الإلهية، والخلائق ~~الملكية، والخلائق الشيطانية، أو عما يجملها من الخلائق السماوية، والخلائق الأرضية، ~~والخلائق الجهنمية. # إن العلماء الذين يستعيرون تعبيراتهم المجازية من هذه الفوارق لا يفعلون ذلك لعبا ~~بالألفاظ، أو تظرفا بالتمثيل والتشبيه، ولكنهم يستعيرون ذلك التعبير لأنه أدل وأوضح وأقوى ~~من كل تعبير يستعيرونه من المدرسة النفعية، والمدرسة السلوكية، والمدرسة الانفعالية، ومدارس ~~روح الجماعة وتضامن الهيئات والبيئات وما إليها من ألفاظ ناصلة، ms153 ومعان حائلة، وأسماء لم ~~تخلق من مسمياتها شيئا. وهيهات أن تخلقه ولو تسمت بها مئات القرون، وغاية ما تبلغه أنها ~~تأتي إلى محصول القرون بعد زرعه ونمائه واستوائه وحصده، فتكتب العناوين على غلاته وبيادره، ~~ولا تأمن بعد ذلك أن تضل بين تلك العناوين التي كتبتها بيديها! # فهذه الحقائق الوجدانية والقيم الروحية لا تقاس بمقياس الأرقام وأنابيق المعامل، ومن أراد ~~أن يقيسها بهذا المقياس فهو الذي سيخطئ لا محالة، كما يخطئ كل واضع لأمر من الأمور في غير ~~موضعه، وكل من يقيس شيئا وهو يجهل كيف يقاس. # على أننا قد نفقه تعدد المقاييس وتعدد القيم دون أن نضطر إلى التوسع في هذا الموضوع ~~الشاسع العسير؛ موضوع المقارنة بين الأديان. # فالغريزة في كل رجل وامرأة، وفي كل ذكر وأنثى من الحيوان تسفه كل من يعتسف طرق البحث، ~~ويسبر أغوار الطباع بغير مسبارها. # وهذا حنان الآباء والأمهات لغو وباطل بكل شهادة من شهادات الحس والعقل، وتجارب المعامل ~~وأرقام الحساب؛ لأن حنان الآباء والأمهات يقول لهم: إن طفلهم دون غيره يساوي كل من عداه ~~ويفوقهم في حق البقاء، ويجب أن يزولوا جميعا إذا وجب أن يزولوا من الدنيا أو يزول هو ~~منها. # وليضرب صاحب القياس الحسابي على هذا الحنان بالخط الأحمر ليخرجه من حيز الحقائق، ولينظر ~~بعد ذلك أين الحق وأين الباطل بين الرأي في رأسه، وبين الحنان في صدر كل والد ووالدة، من ~~الإنسان والحيوان. # أصواب هذا الحنان أو خطأ؟ # أحق ذلك الدين أو باطل؟ # إنما الخطأ أو الباطل هو الذي نسقطه ونلغيه، فها هنا خطأ واحد، وباطل واحد، وهما الخطأ ~~والباطل في مقياس صاحب الحساب وصاحب الأنبيق. # وندع الغرائز المحجبة، ونقترب من المحسوسات الواضحة المفتوحة للسمع والبصر، فنفرض أن ~~مخلوقا يرى الأشياء كما تكون في جو الأثير على بعد من الأرض والجاذبية الأرضية، ونتحدث ~~أمامه عن اللون الأحمر واللون الأخضر، وعن العناصر الثقيلة والعناصر الخفيفة، وعن المقاطع ~~والكلمات والأصداء والنغمات، فماذا عليه لو صاح بنا: على رسلكم يا هؤلاء اللاغطين، إن ما ms154 ~~تهذرون به لحديث خرافة وأضغاث أحلام. # إنه لا يكون قد خرج بذلك على سنة العلم وأدعيائه، وإننا مع هذا لم نبتعد من المحسوسات ~~التي يحيط بها العيان، وتسمعها الآذان، فإذا كانت الطبيعة الإنسانية لا تدرك هذه المحسوسات ~~إلا بهذه الألوان والأشكال، فكيف نطلب من الأديان أن تخاطب الطبيعة الإنسانية بأسلوب غير ~~أسلوبها وهي تتحدث عن الغيوب الخفية، وعما وراء المادة ووراء الزمان والمكان؟ # من رام أن يعيب القيم الوجدانية التي دان بها الإنسان منذ جهالته الأولى، فهو - لا ريب ~~- واجد فيها كثيرا مما يعاب ويفرط في المعابة، لكن السؤال الفصل هنا لا يكون: هل تعاب ~~القيم الوجدانية أو لا تعاب؟ بل يكون: هل توجد هذه القيم الوجدانية لإنسان ناقص ينمو ~~ويكبر، أو توجد لإنسان كامل معصوم من نشأته الأولى؟ إن عقيدة تصلحها عقيدة بعدها كالمعرفة ~~تصلحها معرفة تليها وتقوم عليها، لا هذه تسقط العلم ولا تلك. # إننا فرضنا في مستهل هذه الخاتمة أن أدعياء العلم تسلموا النوع الإنسان منذ مائة قرن؛ ~~ليرشدوه إلى طريق غير الطريق الذي اتبعه في التمييز بين الخير والشر، والقداسة واللعنة، ~~فلندع هذا الفرض البعيد، ولنستغن عنه بما بين أيدينا من «الديانات العلمية» التي ارتضاها ~~«الأنبياء العلميون» في القرنين الأخيرين بعد اختبار العقائد والمذاهب، والفراغ من أوهام ~~الخرافات والأساطير، وللنظر في الديانة التي سموها الديانة المادية الاقتصادية، وقرروا فيها ~~أن احتكار الفلوس هو الذي يخلق الأديان والأفكار، ويقوم القيم، ويرفع الطبقات، وأنه إذا جاء ~~الوقت الذي ينقضي فيه احتكار الفلوس زالت الطبقات، وخلا المجتمع من السادة أبدا سرمدا ~~بغير انتهاء. # ولم يمض على قيام هذه الديانة جيل واحد حتى سمعنا علما من أعلامها يأسف ويأسى، ثم ينعى ~~على زملائه أنهم يختارون لإدارة المعامل وتنظيم الحكومة أذنابا من المقربين إليهم، ويقصون ~~عنها ذوي الكفاية والغناء في العلم والعمل والسابقة المذهبية، ويبقى في نفوسهم بعد إلغاء ~~الاحتكار باعث يرفع ويضع بغير مقدار إلا أن يكون مقدار الأثرة والإيثار. # وهؤلاء المتدينون «العلميون» هم الذين يصدقون مع هذا أنهم حكموا ms155 على المستقبل، ورسموا ~~للنوع الإنساني طريقه في نظام المجتمع وبواعث الأخلاق أبد الآبدين، ودهر الداهرين، ألوفا ~~من السنين، لا بل ملايين من القرون بعد ملايين. # وكل ما صدقه عجائز الخرافة، من عهد الكهوف إلى اليوم، يطير هباء أمام هذه الخرافة التي ~~استقر عليها أدعياء العلم والنبوءات العلمية، وكفى بهذه المقارنة تعجيزا لمن يتطاول به ~~الغرور فيخال أنه يصحح العقائد بمقاييسه ومقاييس علمه المزعوم. # وسيبقى أناس يتعوذون من إبليس يوم يضحكون من خرافة «المادية الاقتصادية»: كيف كانت؟ وكيف ~~جازت على العقول؟ ونحن نقول في أول هذه الرسالة: إن ظهور إبليس في عقائد الناس كان علامة ~~خير؛ لأنه علامة التمييز بين الشر ونقيضه، فنقول في ختامها: إن بقاءه بعد المادية ~~الاقتصادية علامة خير أخرى؛ لأن الكون الذي يبقى فيه إبليس ملعونا أشرف من الكون الذي لا ~~يميز بين القداسة واللعنة، ولا يعرف شيئا يلعنه؛ إذ كان لا يؤمن بإله غير الفلوس، وساء ذلك ~~من إله، وتعالى الله عما يشركون. # عباس محمود العقاد ms156