######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.IbnRumi.Hindawi38697931 #META# Tags: biographies :: literary.criticism #META# ID: 38697931 #META# Title: ابن الرومي: حياته من شعره #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - عصر ابن الرومي أو القرن الثالث للهجرة‏ # 2 - أخبار ابن الرومي‏ # 3 - حياة ابن الرومي‏ # 4 - عبقرية ابن الرومي‏ # 5 - فلسفة ابن الرومي‏ # 6 - صناعة ابن الرومي‏ # تمهيد‏ # 1 - عصر ابن الرومي أو القرن الثالث للهجرة‏ # 2 - أخبار ابن الرومي‏ # 3 - حياة ابن الرومي‏ # 4 - عبقرية ابن الرومي‏ # 5 - فلسفة ابن الرومي‏ # 6 - صناعة ابن الرومي‏ # | ابن الرومي # | ابن الرومي # | حياته من شعره # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # | هذه ترجمة وليست بترجمة # لأن الترجمة يغلب أن تكون قصة حياة، وأما هذه فأحرى بها أن تسمى صورة حياته، ولأن تكون ~~ترجمة ابن الرومي صورة خير من أن تكون قصة؛ لأن ترجمته لا تخرج لنا قصة نادرة بين قصص ~~الواقع أو الخيال، ولكننا إذا نظرنا في ديوانه وجدنا مرآة صادقة، ووجدنا في المرآة صورة ~~ناطقة لا نظير لها فيما نعلم من دواوين الشعراء، وتلك مزية تستحق من أجلها أن يكتب فيها ~~كتاب. # إن مزايا الشعر كثيرة تتفرق بين الشعراء، ويتفرق الإعجاب بها بين القراء، وقد يحرم الشاعر ~~إحداها أو أكثرها وهو بعد شاعر لا غبار عليه؛ لأنه يحسن نمطا من الشعر تصح به الشاعرية، ~~كالجمال في الحسان، يروقنا في كل وجه بلون وسمة وهو في جميع الوجوه رائق جميل، وكاللمحة ~~الواحدة من ملامح الجمال تحلو في هذا الوجه، وتحلو في ذاك، ولا تشابه بينهما في غير ~~الحلاوة؛ ففي العيون ألف عين جميلة لا تشبه الواحدة أختها، ولا تتفق اثنتان منها في معاني ~~النظرات ومحاسن الصفات، وليس هناك إلا جمال واحد عند الكلام على جوهر الجمال. # وكذلك الشعر، يعجبنا في كل شاعر بطراز مختلف وهو شعر سائغ مستملح في كل طراز، فالذي ~~يعجبنا من المتنبي غير الذي يعجبنا من البحتري، والذي يعجبنا من هذين غير الذي يعجبنا من ~~الشريف الرضي أو من أبي العلاء، أو من أبي نواس، أو من ابن زيدون، والذي يستحق به كل واحد ~~منهم صفة الشاعرية، غير الذي يستحقها به البقية! فقد تفرقت مزايا الشعر كما قلنا ms001 أيما تفرق، ~~وامتنع الإعجاب بهن جميعا على الحصر والتعريف. # غير أن المزية التي لا غنى عنها، والتي لا يكون الشاعر شاعرا إلا بنصيب منها، هي مزية ~~واحدة، أو هي مزية نستطيع أن نسميها باسم واحد، وتلك هي الطبيعة الفنية. # نتعمد أن نقول: إنها تسمى باسم واحد؛ لأنها في الحقيقة أشياء شتى تدخل في عموم هذه ~~التسمية. # فالطبيعة الفنية هي الطبيعة التي بها يقظة بينة للإحساس بجوانب الحياة المختلفة، وهنا ~~ينتهي بنا الإجمال إلى كلمة كأنها كلمات، أو كأنها معجم كامل من المصطلحات، أليست جوانب ~~الحياة علميا لا حد لها في العدد ولا في الصفة؟ ثم أليست أنواع التيقظ لتلك الجوانب ~~أشتاتا وأخلاطا لا تجتمع في حصر حاصر؟ بلى! فمن المتيقظين لجوانب الحياة من هو عميق ~~الشعور بها، ومن هو متوفز الشعور أو مهتاجه أو مستفيضه أو محصوره أو مستقيمه أو منحرفه، ~~إلى غير ذلك من أنواع الشعور ودرجاته، فالذي تجمعه كلمة اليقظة هنيهة لا تلبث أوصاف اليقظة ~~أن تفرقه كل مفرق، فهل من سبيل إلى إسلاس المعنى، وتقريب مقاده للتعريف والتوضيح؟ # نعم! وسبيل ذلك غير عسير، فنحن نقول موجزين: إن الطبيعة الفنية هي تلك الطبيعة التي تجعل ~~فن الشاعر جزءا من حياته أيا كانت هذه الحياة من الكبر أو الصغر، ومن الثروة أو الفاقة، ~~ومن الألفة أو الشذوذ، وتمام هذه الطبيعة أن تكون حياة الشاعر وفنه شيئا واحدا، لا ينفصل ~~فيه الإنسان الحي من الإنسان الناظم، وأن يكون موضوع حياته هو موضوع شعره، وموضوع شعره هو ~~موضوع حياته، فديوانه هو ترجمة باطنية لنفسه، يخفي فيها ذكر الأماكن والأزمان، ولا يخفي ~~فيها ذكر خالجة ولا هاجسة مما تتألف منه حياة الإنسان، ودون ذلك مراتب يكثر فيها الاتفاق ~~بين حياة الشاعر وفنه أو يقل، كما يلتقي الصديقان أحيانا طواعية واختيارا، أو كما يلتقي ~~الغريبان في الحين بعد الحين على كره واضطرار، فالإنسان والشاعر في هذه الحالة شخصان ~~يلتقيان في المواعيد، ثم يذهب كل منهما لطيته إلى أن يتاح لهما اللقاء مرة أخرى ms002 بعد زمن ~~طويل أو قصير، وكأن الشعر عند هؤلاء الشعراء روح من تلك الأرواح التي تلبس صاحبها وتفارقه، ~~ثم تلبسه كلما استحضرها له مستحضر من الحوادث والأهواء، فهو إذا لبسته شاعر يأخذ عنها ما ~~تحسه، وينقل عنها ما تقول، وهو - إذا فارقته - فرد من هذا الملأ الذي لا يوحى إليه، ولا ~~يكشف عنه الحجاب. # ابن الرومي واحد من أولئك الشعراء القليلين الذين ظفروا من الطبيعة الفنية بأوفى نصيب، ~~فمن عرف ابن الرومي الشاعر؛ فقد عرف ابن الرومي الإنسان حق عرفانه، ولم ينقص منه إلا ~~الفضول. والغريب مع هذا أن ابن الرومي الشاعر هو ابن الرومي الذي لم يعرف بعد، وإن عرفت له ~~مزايا ونالت حسنات له حقها من الإعجاب. # ليس من الصدق للتاريخ أن يقال: إن ابن الرومي كان خاملا في زمانه أو بعد زمانه، بهذا ~~المعنى الشائع من الخمول الذي يراد به سقوط المكانة الأدبية ونسيان الأثر بين المتأدبين، ~~فلعله إذا قيس إلى الشعراء الهجائين خليق أن يعد سعيد الحظ موفور الجزاء؛ فقد ذهب شعر ~~بشار إلا أقله، وذهب شعر دعبل إلا أقله، وبقي ديوان ابن الرومي كله فلم يذهب منه إلا أقله! ~~وهذه محاباة من الشهرة لم يرزقها في العربية شاعر هجاء، أو لم يرزقها قبل عصر الطباعة إلا ~~أفراد معدودون بين سائر الشعراء، ثم جاء عصر الطباعة فلم يكن الخمول هو الذي جنى على ابن ~~الرومي وأخر طبع ديوانه بعد الدواوين التي في طبقته؛ لأنه ذكر في كل كتاب متداول من كتب ~~الأدب، وحفظت له مختارات كثيرة في حيثما وردت مختارات الشعراء المبرزين، والذين أهملوه - ~~كصاحب الأغاني - إنما تعمدوا ذلك حنقا عليه لا إصغارا لشأنه، فتأخر طبعه في العصر الحديث ~~لأسباب غير الخمول والإهمال؛ تأخر لأن ديوانه أطول ديوان محفوظ في اللغة العربية من جهة، ~~ولأن نسخته - من جهة أخرى - لم تكن ميسورة في البلاد السورية حيث طبعت بعض الدواوين، وريما ~~كان الإقذاع في الهجاء سببا ثالثا مضافا إلى ذينك السببين. # فليس من الصدق للتاريخ إذن أن ms003 يقال: إن ابن الرومي كان خاملا بذلك المعنى الشائع من ~~الخمول، ولكنه مع هذا كان خاملا، وكان خموله أظلم خمول يصاب به الأدباء؛ لأنه الخمول الذي ~~يحفظ ذكر الأديب، ولكنه يخفي أجمل فضائله وأكبر مزاياه. وهذا هو الحيف الذي أصاب ابن ~~الرومي، ولا يزال يصيبه عندنا بين جمهرة الأدباء والمتأدبين. # قال ابن خلكان يصفه ويقدره: «هو صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني ~~النادرة، فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ~~ولا يبقي فيه بقية.» # وهذا وصف صادق كله، ولكنه ليس بكل الوصف، الذي ينبغي أن يوصف به ويتمم به تعريفه، فهو ~~تعريف ناقص، والناقص فيه هو المهم، وهو الأجدر بالتنويه؛ إذ هو المزية الكبرى في الشاعر، ~~وهو هو الطبيعة الفنية التي تجعل الفن جزءا لا ينفصل من الحياة. # ما الغوص على المعاني النادرة؟ وما النظم العجيب والتوليد الغريب إن لم يكن ذلك كله ~~مصحوبا بالطبيعة الحية، والإحساس البالغ، والذخيرة النفسية، التي تتطلب التعبير والافتنان ~~فيه؟ إن كثيرا من النظامين ليغوصون على المعاني النادرة ليستخرجوا لنا أصدافا كأصداف ابن ~~نباتة وصفي الدين، أو لآلئ رخيصة كلآلئ المعتز وابن خفاجة وإخوان هذا الطراز، وإن الغوص على ~~المعاني النادرة لهو لعب فارغ كلعب الحواة والمشعوذين إن لم يكن صادق التعبير، مطبوع ~~التمثيل والتصوير. وعلى الأوراق المالية رسوم ونقوش وأرقام وحروف، ولكنها برسومها ونقوشها ~~وأرقامها وحروفها لا تساوي درهما إن لم يكن وراءها الذهب المودع في خزانة المصرف! فالإحساس ~~هو الذهب المودع في خزانة النفس، وهو الثروة الشعرية التي يقاس بها سراة الكلام، أما الرسوم ~~والنقوش والأرقام والحروف، فعلامة لا أكثر ولا أقل، وقد تغني عنها علامة أخرى برقم ساذج ~~وتوقيع بسيط! # نعم، ما النظم العجيب والتوليد الغريب واستغراق المعنى حتى يستوفى إلى آخره ولا تبقى ~~فيه بقية؟ إن هذا بقضه وقضيضه إن هو إلا أدوات التعبير، وليس هو التعبير المطلوب في لبابه، ~~فإذا لم يكن عند الشاعر ما يعبر عنه، فكل معانيه وتوليداته ونوادره ms004 لغو لا حاجة بنا إليه، ~~وإذا كان عنده ما يعبر عنه، واستطاع التعبير بغير توليد ولا إغراب ولا استغراق؛ فقد أدى ~~رسالته وأبلغ في أدائها أكمل بلاغ، وهذه هي الرسالة المقصودة، وهذا هو الشعر الجيد، وهذه هي ~~الطبيعة الفنية. أما المعاني والتوليدات فهي وسائل إلى غاية لا قيمة لها إلا فيما تؤديه ~~وتنتهي إليه، ويستوي بعد ذلك من أدى إليك سريرة نفسه بتوليد وإغراب، ومن أداها إليك بكلام ~~لا أغراب فيه ولا توليد. # وابن الرومي شاعر كثير التوليد، غواص على المعاني، مستغرق لمعانيه، ولكننا لو سئلنا: ما ~~الدليل على شاعريته؟ لكان غبنا له أن نحصر هذا الدليل في التوليد والغوص والاستغراق، فقد ~~نحذف منه توليداته ومعانيه، ولا نحذف منه عناصر الشاعرية والطبيعة الفنية، فهو الشاعر من ~~فرعه إلى قدمه، والشاعر في جيده ورديئه، والشاعر فيما يحتفل به وفيما يلقيه على عواهنه، ~~وليس الشعر عنده لباسا يلبسه للزينة في مواسم الأيام، ولا لباسا يلبسه للابتذال في عامة ~~الأيام، كلا! بل هو إهابه الموصول بعروق جسمه، المنسوج من لحمه ودمه، فللرديء منه مثلما ~~للجيد من الدلالة على نفسه، والإبانة عن صحته وسقمه، بل ربما كان بعض رديئه أدل عليه من بعض ~~جيده، وأدنى إلى التعريف به والنفاذ إليه؛ لأن موضوع فنه هو موضوع حياته، والمرء يحيا في ~~أحسن أوقاته، ويحيا في أسوأ أوقاته، ولقد تكون حياته في الأوقات السيئة أضعاف حياته في أحسن ~~الأوقات. # هذا الجانب من شاعرية ابن الرومي هو الجانب الخامل المجهول، وهو الجانب الذي وقفنا على ~~التعريف به صفحات هذا الكتاب، وعندنا أننا ننصف كل شاعر - ولا ننصف ابن الرومي وحده - ~~بتوضيح هذا الجانب من الشاعرية، أو بتوضيح ما نسميه الطبيعة الفنية؛ لأنه هو المقياس الذي ~~لا يتم لنا أن نقدر شاعرا بغيره، والذي نجهل الشعر كله والشعراء كلهم إذا نحن أغضينا عنه ~~والتفتنا إلى سواه مما لا يستحق كبير التفات. # الفصل الأول # | عصر ابن الرومي أو القرن الثالث للهجرة # «كان أحسن الأزمان وكان أسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة ms005 وكان عصر الجهالة، كان عهد اليقين ~~والإيمان، وكان عهد الحيرة والشكوك، كان أوان النور وكان أوان الظلام، كان ربيع الرجاء وكان ~~زمهرير القنوط: بين أيدينا كل شيء، وليس بين أيدينا شيء قط، وسبيلنا جميعا إلى سماء عليين، ~~وسبيلنا جميعا إلى قرار الجحيم، تلك أيام كأيامنا هذه التي يوصينا الصاخبون من ثقاتها أن ~~نأخذها على علاتها، وألا نذكرها إلا بصيغة المبالغة فيما اشتملت عليه من طيبات ومن ~~آفات.» # هذا هو عصر الثورة الفرنسية، وهكذا استهل وصفه الكاتب الإنجليزي «شارلس دكنز» في بداية ~~قصة المدينتين، إلا أنك قد تنقل هذا الوصف إلى أمة غير الأمة الفرنسية، وعصر غير القرن ~~الثامن عشر للميلاد، وأنت لا تخرج به عن زمانه ومكانه وفحواه؛ إذ هو وصف صادق لكل عصر من ~~العصور في تواريخ الانتقال والاضطراب، ومن تلك العصور القرن الثالث للهجرة في دولة الإسلام ~~الشرقية، وهو القرن الذي لا يوصف في جملته إلا بمثل هذا الوصف الغامض الجلي الذي كأنما يصف ~~لك عصرين مختلفين، لا عصرا واحدا متناسق الأوضاع والأحوال؛ لأنه في الحقيقة عصران ~~مختلفان، أو عدة عصور مختلفات، وإن اجتمعت في نطاق واحد من الزمان. # إن كان لكل دولة أوان للبذر، وأوان للنماء، وأوان للحصاد، فالقرن الثالث للهجرة كان أوان ~~النماء للدولة العباسية، جاء بعيد التمهيد، وقبيل النضج والذبول، ففيه نما وأزهر كل ما ~~بذره مؤسسو الدولة من جراثيم الخير والشر، وعناصر الصلاح والفساد، وكانت الدولة في إبانه ~~أشبه شيء بالمرج الأخضر الذي ينمو فيه الحب والفاكهة والشوك والعشب المسموم: خضرة زاهية ~~نضرة، ولكنها وسيمة شائهة، ومصلحة مهلكة، ومرجوة مخشية، ومختلط فيها الغذاء والسم اختلاطا ~~لا سبيل فيه إلى التنقية والتمييز؛ فهو العصر الذي بلغ كل شيء فيه أقصاه، وأثمر كل عمل فيه ~~نتاجه المحتوم، أثمر فيه الخطأ كما أثمر فيه التوفيق، وظهر فيه ما قدموا صالحا أو طالحا ~~على السواء، فبدأ التمام وبدأ النقص في حين واحد، واجتمع الخليط من حضارات العرب والفرس ~~والروم إلى الخليط من عوامل القوة والضعف والبشارة والإنذار، فكان ms006 نسيجا من ألوان الزمان ~~لا تشبع منه عين الفنان ولا رؤية الحكيم . # وليس بنا أن نسهب في وصف هذا القرن واستقصاء تاريخه، فإنما يعنينا منه ما يحيط بفرد واحد ~~هو الشاعر الذي نترجم لحياته، فحسبنا من تاريخ ذلك العصر ما نوضح به نواحي تلك الحياة، ~~والقليل الوجيز من ذلك التاريخ كاف لتوضيح ما نريده في هذا المقام. # حالة الحكومة والسياسة # ولد ابن الرومي في سنة إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي في سنة أربع وثمانين، على قول بعض ~~الرواة، فهو قد أدرك في طياته ثمانية خلفاء؛ هم: الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين ~~والمعتز والمهتدي والمعتمد، والمعتضد الذي توفي بعد ابن الرومي ببضع سنوات، فإذا أردنا ~~أن نحيط بالحالة التي كانت عليها الحكومة وسياسة الدولة يومذاك؛ فلعلنا لا نستطيع أن ~~نعرض لذلك ببيان هو أوجز من الإلمام بالمصير الذي صار إليه بعض أولئك الخلفاء؛ فمنهم ~~واحد قتل، وهو المتوكل، وثلاثة خلعوا وقتلوا بعد خلعهم؛ وهم: المستعين والمعتز ~~والمهتدي، وقيل: إن من الآخرين من مات مسموما، والبقية الذين ماتوا على سرير الملك لم ~~يخل عصر أحدهم من فتنة، أو انتفاض، أو غارة خارجية، ولم يكن حظ ولاة العهود والأمراء ~~والوزراء بخير من حظ الخلفاء، ولا مصير أكثرهم بأسلم من هذا المصير، فقل بين هؤلاء من ~~نجا من الخلع والسجن والتعذيب واستصفاء الأموال. # وكان الخلفاء عرضة للغضب والكيد من الجند والوزراء ونساء القصور، أما الأمراء ~~والوزراء فكانوا عرضة للغضب والكيد من جميع هؤلاء، ويزيد عليهم الخلفاء كلما قدروا على ~~البطش، وأمنوا على أنفسهم دسائس المشاغبين والمنافسين. # إن اطراد البطش بالخلفاء والوزراء لا يدل على أمان أو انتظام في سير الأمور، ولكن ~~هذا كله لا يزال ضعيف الدلالة على ما كانت عليه حقيقة الحال في حكومة تلك الأيام، فقد ~~يعوزنا أن نعلم كيف كان المقتولون يقتلون، والمخلوعون يخلعون؛ لنعلم كيف كان الفساد ~~يجري في خلائق النفوس كما كان يجري في سياسة الدولة وأعمال الدواوين، فقصارى ما يدل ~~عليه اطراد العدوان أن شريعة الحكم لا ترعى، وأن الحكام ms007 لا تتقى، إلا أن الحكومة ~~قد تهزل هيبتها، وتبطل شريعتها، ثم تبقى للناس بعد ذلك حرمات أخرى يتقونها، وآداب أخرى ~~يحرصون عليها. # تبقى لهم حرمات المروءة وآداب العرف والدين، أما في ذلك العهد فقد بلغ التنكيل ~~والتبشيع في بعض حوادث الفتك مبلغا لا حرمة معه لشرع ولا لدين ولا لمروءة. # فمن أمثلة ما كان يصيب الخلفاء ما حدث للمعتز حين طالبه الجند الأتراك بأرزاقهم، فلم ~~يجدوا عنده ولا عند كتابه ووزرائه مالا، قال الطبري في أخبار سنة خمس وخمسين ومائتين: ~~«فلم يرعه إلا صياح القوم من أهل الكرخ والدور، وإذا صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن ~~بغا، المعروف بأبي نصر، قد دخلوا في السلاح، فجلسوا على باب المنزل ... ثم بعثوا إليه أن ~~اخرج إلينا، فبعث إليهم: إني أخذت الدواء أمس، وقد أجفلني اثنتي عشرة مرة، ولا أقدر على ~~الكلام من الضعف، فإن كان أمر لا بد منه فليدخل إلي بعضكم. فدخل إليه جماعة من أهل ~~الكرخ والدور من خلفاء القواد، فجروا برجله إلى باب الحجرة، قال: وأحسبهم كانوا قد ~~تناولوه بالضرب بالدبابيس، فخرج وقميصه مخرق في مواضع وآثار الدم على منكبه، فأقاموه في ~~الشمس ... فجعلت أنظر إليه يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه ... ~~ورأيت بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده ... فذكر أنه لما خلع دفع إلى من يعذبه، ومنع الطعام ~~والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه، ثم جصصوا سردابا بالجص السخين، ثم ~~أدخلوه فيه وأطبقوا عليه بابه فأصبح ميتا، وكانت وفاته لليلتين خلتا من شعبان في هذه ~~السنة، فلما مات أشهد على موته بنو هاشم والقواد، وأنه صحيح لا أثر فيه ...» # ومن أمثلة ما كان يصيب الوزراء ما حدث لمحمد بن عبد الملك الزيات في أيام المتوكل، ~~وذكره الطبري في أخبار سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، قال بعد أن ذكر مصادرة الأموال، ونهب ~~الدور، وضم الضياع: «لم يزل أياما في حبسه مطلقا، ثم أمر بتقييده فقيد، وامتنع من ~~الطعام، وكان لا يذوق شيئا، ms008 وكان شديد الجزع في حبسه، كثير البكاء، قليل الكلام، كثير ~~التفكر، فمكث أياما ثم سوهر ومنع من النوم: يساهر وينخس بمسلة، ثم ترك يوما وليلة ~~فنام وانتبه فاشتهى فاكهة وعنبا، فأتي به فأكل ثم أعيد إلى المساهرة، ثم أتي بتنور ~~من خشب فيه مسامير حديد ... وكان هو أول من عمل ذلك، فعذب به ابن أسباط المصري حتى ~~استخرج منه جميع ما عنده، ثم ابتلي به فعذب به أياما. # وذكر عن الدنداني عن الموكل بعذابه أنه قال: كنت أخرج وأقفل الباب عليه، فيمد يده إلى ~~السماء جميعا حتى يدق موضع كتفيه، ثم يدخل التنور فيجلس، والتنور فيه مسامير حديد، وفي ~~وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذب إذا أراد أن يستريح، فيجلس على الخشبة ساعة ثم يجيء ~~الموكل به، فإذا هو سمع صوت الباب يفتح قام قائما كما كان ثم شدوا عليه، قال المعذب ~~لي: خاتلته يوما وأريته أني أقفلت الباب ولم أقفله، إنما أغلقته بالقفل ثم مكثت ~~قليلا، ثم دفعت الباب غفلة فإذا هو قاعد في التنور على الخشبة، فقلت: أراك تعمل هذا ~~العمل؟ فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه، فكان لا يقدر على القعود، واستللت الخشبة حتى ~~كانت تكون بين رجليه، فما مكث بعد ذلك أياما حتى مات. # واختلف في الذي قتل به فقيل: بطح فضرب على بطنه خمسين مقرعة، ثم قلب فضرب على ~~ظهره مثلها، فمات وهو يضرب وهم لا يعلمون، فأصبح ميتا قد التوت عنقه ونتفت لحيته، ~~وقيل: مات بغير ضرب، وذكر عن مبارك المغربي أنه قال: ما أظنه أكل في طول حبسه إلا ~~رغيفا واحدا، وكان يأكل العنبة والعنبتين، قال: وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة ~~يقول لنفسه: يا محمد يا ابن عبد الملك! لم تقنعك النعمة والدواب الفره والدار النظيفة ~~والكسوة الفاخرة وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة! ذق ما عملت بنفسك! فكان يكرر ذلك على ~~نفسه، فلما كان قبل موته بيوم ذهب عنه عتاب نفسه، فكان لا يزيد على التشهد وذكر الله.» ~~والذي ms009 روي عن التمثيل بالمذنبين - ولا سيما في أيام المعتضد - أفظع من هذا وأعنف، ~~وكأنما كان التفظيع بهم فرجة يتفننون في ابتداع أشكالها وأساليبها؛ ليلهوا بها النظارة ~~ويذكروها فيما يذكرون من مشاهد المجون والفكاهة! # أساس هذا الشر كله سببان غالبان؛ هما: القطيعة بين بني العباس والعرب، ونظام الإقطاع ~~الذي تمادى فيه بنو العباس حتى انتهى إلى تصدع العالم الإسلامي وتشعبه في مدى قرنين ~~اثنين بضع عشرة شعبة، فبنو العباس كانوا قوما موتورين طال عليهم الظلم واحتمال ~~المكاره، وكانوا ينقمون على العرب أنهم خذلوا آل النبي في نضالهم مع بني أمية، وباعوهم ~~بيع السماح لما استمالهم الأمويون بالعطايا والوعود، فلبثوا زمانا يسامون الذل، ~~ويلعنون على المنابر، ويشهدون قتل رجالهم، وسبي نسائهم وهم آل النبي الذي لم يسأل قومه ~~على الهداية أجرا إلا المودة فيهم، وابتلوا بكل محنة في دولة الأمويين، ولا من يغضب ~~لهم أو يجنح إليهم. # ولقد كان بنو العباس شركاء بني علي في الوتر، وإن كان المصاب في معظمه مصاب هؤلاء؛ ~~لأنهم كانوا جميعا من آل البيت، ينالهم من الذل ما ينال كل منتم إليه، ثم لما قامت ~~لهم آخر الأمر دولة لم تقم على أيدي العرب وهم أولى الناس أن ينصروهم وتأخذهم الغيرة ~~لهم، وإنما قامت على أيدي الفرس الذين كانوا ينقمون مثلهم على الدولة العربية، فامتلأت ~~نفوسهم حفيظة على العرب، وانقطع ما بينهم وبينهم من صلة المودة والطمأنينة، وشعروا لهم ~~في نفوسهم بما يشعر به المظلوم لمن ظلموه، أو أعانوا عليه ظالميه، والموتور إذا خاب ظنه ~~في إنصاف الناس، وساء رأيه في أمانتهم وإخلاص طويتهم لم يعرف لهم حقا، ولم يرع لهم ~~ذمة، ولم يجر الأمر بينه وبينهم إلا على المنفعة والرهبة دون الثقة والمودة. ومن هنا ~~كانت تلك السياسة النفعية الفاتكة التي اشتهر بها أساطين بني العباس، ومضى عليها ~~خلفاؤهم من بعدهم، وجاء اتصالهم بأجلاف الأعاجم من قبائل الترك والديلم، فنقلوا عنهم ~~ضروبا من المثلات التي تعودها هؤلاء الأعاجم في وحشية البداوة. # قيل: إن العباسيين إنما قربوا ms010 إليهم الفرس والأعاجم واتخذوا منهم الأعوان والقواد ~~مكافأة لهم على نصرهم إياهم ، وتأييدهم لهم على أعدائهم ... والحقيقة أن بني العباس كانوا ~~يتوجسون من العرب قبل أن تقوم لهم دولة، وتنتظم لهم عقدة، وكان إبراهيم بن محمد بن علي، ~~صاحب الدعوة قبل السفاح، يكتب إلى أبي مسلم: «إن استطعت ألا تدع بخراسان لسانا ~~عربيا فافعل، فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله.» فهو الحذر من العرب الذي أبعد ~~هؤلاء وأخملهم في دولة بني العباس، وليست مكافأة الفرس ومن إليهم. # ثم توالت الحوادث بما باعد الشقة بين العرب وأصحاب الدولة الجديدة، فلما كان الخلاف ~~بين الأمين والمأمون ذهب العرب مع الأمين؛ لأن أمه عربية، وذهب الفرس مع المأمون؛ لأن ~~أمه فارسية، وقتل الأمين وانتصر المأمون، فحفظها للعرب وأمعن في إقصائهم وتقريب الأعاجم ~~على تعدد أجناسهم، ثم جاء المعتصم - وكانت أمة تركية - فاعتمد على جنود الترك، وكثر ~~اختلاف الأجناس في جيش الدولة وولاة أمرها، فضلا عن اختلاف الأجناس بين نساء القصور ~~وأمهات الأمراء، وتفاقمت أسباب الدسائس بين الملوك والأمراء والقادة والوزراء، وحاشية ~~القصور من رجال ونساء، وبلغ من تفاقمها أن أشفق منها الجند والقواد الذين هم مساعير ~~نيرانها، فشغب الجند على قوادهم، وتنازع القواد أمرهم فودوا جميعا لو يملكهم خليفة ~~قوي يخيفهم، ويحسم أسباب النزاع بينهم، كما قال بغا الكبير: «نجيء بمن نهابه ونفرقه ~~فنبقى، وإن جئنا بمن يخافنا حسد بعضنا بعضا فقتلنا أنفسنا.» ثم اشتد إشفاقهم من ~~تحاسدهم حتى طلبوا أن يتولى القيادة أمير من بيت الخلافة، ولا يتولاها أحد منهم، ولكن ~~أسباب الشقاق كانت أكبر وأوسع من أن يحسمها مثل هذا التدبير العاجل الذي لا يطول ~~الاستقرار عليه. # كان أمر الدولة إذن قائما على سوء الظن والدسيسة، وقد ألف المؤرخون أن يذكروا ~~إخلاص الفرس لبني العباس، حتى خيل إلى بعض قراء التاريخ أن بني العباس كانوا خليقين ~~أن يطمئنوا إلى جهة واحدة على الأقل من جهات الدولة، وأن يسكنوا إلى شعب واحد من شعوبها ~~الكثيرة، وما كان الأمر كذلك إلا في ms011 الظاهر الذي لا ينخدع به رجال من المحنكين الحذرين ~~كرجال الدولة العباسية ، فما نظن أبا مسلم نصير الدولة الأكبر إلا كان طامعا في الخلافة ~~متربصا بأوليائه الدائرة؛ ولهذا طمح إلى مصاهرة بيت الملك وارتقى بنسبه إلى العباس، ~~وبدأ باسمه في مخاطبة الخليفة، وأراد أن يؤم الناس في موسم الحج، واستعد للملك ~~استعداده الذي لا يخفى على أوليائه، وما نظن البرامكة إلا كانوا يفعلون فعل أبي مسلم في ~~شيء من التبصر وطول الأناة. # ولم لا يطمع هؤلاء وغيرهم وما كانت تعوز العظماء في أمة الفرس أسباب الدعوة ~~والانتقاض؟ فإن كان الأمر أمر الطمع والقوة، فها هم الفرس أصحاب القوة التي وصل بها ~~العباسيون إلى الخلافة، وإن كان أمر الدين والغيرة على آل البيت فها هم أبناء علي ~~عندهم، يدعون لهم إذا شاءوا، ويجدون من الناس مستمعا ومجيبا بعدما أصاب العلويين على ~~أيدي بني العباس من قسوة وتنكيل، وما أصاب العرب في دولتهم من إهمال واطراح. # كان حكم بني العباس حكم الموتور المستريب، ولا يكون إلا هكذا حكم الموتور المستريب، ~~وأطبق نظام الإقطاع على هذه الآفة فتمت به البلية، وتشعبت المقاصد حتى فشا سوء الظن، ~~ولم يبق موضع لثقة بين إنسان وإنسان من العاملين في الحكومة. # نظام الإقطاع # فنظام الإقطاع نظام معيب، ولكنه يبقى مستور العيوب ما بقيت هيبة الدولة وسطوة ~~القائمين عليها، فإذا ضعفت وضعفوا فهو الشر المستطير يشقى به الحاكم والمحكوم، وينخر في ~~أركان الملك فلا يدعه إلا وهو مفكك الأجزاء معتور بأسباب الفناء. # فكان الولاة - والخلافة العباسية مرهوبة الجانب والأمور مستقرة في عنفوانها - يؤدون ~~المال الذي عليهم، ويتعهدون الأرض والمرافق بالإصلاح؛ لتغزر عندهم موارد الجباية، وتدوم ~~لهم وللناس منابع الثروة، فلما تقلقلت الخلافة وارتاب الولاة في أمرها وفي أمرهم أهملوا ~~الإصلاح، وتهافتوا على جمع المال، وحبسوا أرزاق العمال، وأغفلوا مرافق الرعية، فخربت ~~الأرض وعم السخط وفسدت طاعة الجند على ما بها من فساد الشقاق والدسيسة، ولجأ الخلفاء ~~إلى اغتيال الولاة والكتاب، وكل من بأيديهم مال الجباية، فأعملوا فيهم القتل ms012 ~~واستصفاء الأموال، واستخراج الدفائن والمخبآت، وأصبحت الكتابة والوزارة وما إليهما من ~~وظائف الدولة كأنما هي رخصة بالظلم والغصب ريثما يحتاج الخلفاء إلى ما جمعه الوزراء ~~والكتاب، فيحصلوا على المال من هذه الطريق! # وبلغ من شيوع الاختلاس أن الذين كانت بأيديهم خزائن الدولة شاركوا العمال وأصحاب ~~الوظائف في أرزاقهم، فكانوا لا يؤدون رزق عامل أو صاحب وظيفة إلا إذا اقتطعوا منه إتاوة ~~لأنفسهم، واستكتبوه توقيعه باستيفاء رزقه، غير مستثنين من ذلك أحدا حتى إخوة الخليفة ~~وأهل بيته، بل قد بلغ من شيوع الاختلاس أن أصبح سرا مذاعا لا يكتم في حضرة الخليفة ~~نفسه، ولا يبالي الوزير أو الكاتب أن يجهر بين يديه بفعله: فلما عرض الخليفة المهتدي ~~لسليمان بن وهب بما كان يأخذه هذا من العمال «معجلا ومؤجلا»، قال له سليمان: «يا أمير ~~المؤمنين! هذا قول لا يخلو من أن يكون حقا أو باطلا، فإن كان باطلا فليس مثلك من ~~يقوله، وإن كان حقا وقد علمت أن الأصول محفوظة، فما يضر من يساهمني من عمالي على بعض ~~ما يصل إليهم من غير تحيف للرعية، ولا نقص للأموال؟» # وراجت تجارة الارتشاء من العمال وعمال العمال حتى بلغت أقصى ما عساها أن تبلغه في ~~أواخر أيام الدولة، فقيل عن الخاقاني فيما رواه الفخري: إنه ولى في يوم واحد تسعة عشر ~~ناظرا على الكوفة، وقبض من كل واحد منهم رشوة! فإن كان قد بقي لحسن الظن بين ولاة ~~الأمر بقية، فهذه السرقات والرشاوى والمصادرات والنكبات قد أتت على هذه البقية، فلم تدع ~~بينهم إلا علاقات الحذر والمساومة والتربص وفساد الطوية، ولا جرم تبيض الفتنة وتفرخ في ~~بيئة كهذه بين جند يشغبون، وعمال يدلسون، وعرب يحنقون، وعلويين يتحفزون، ورعية تمزقها ~~براثن الرعاة، وملوك لا يؤمنون على الملك ولا على الحياة. # وقد حضر ابن الرومي في زمانه بعض هذه الفتن وسمع بما تقدمه، وترك لنا في شعره مثلا ~~مما حدث في واحدة منها، وهي فتنة الزنج التي اختلطت فيها الأسباب السياسية والدينية ~~والاجتماعية، فقال يصف ما ms013 حل بأهل البصرة على أيدي الثائرين: # كم أغصوا من شارب بشراب! # كم أغصوا من طاعم بطعام! # كم ضنين بنفسه رام منجى # فتلقوا جبينه بالحسام! # كم أخ قد رأى أخاه صريعا # ترب الخد بين صرعى كرام! # كم أب قد رأى عزيز بنيه # وهو يعلى بصارم صمصام! # كم مفدى في أهله أسلموه # حين لم يحمه هنالك حام! # كم رضيع هناك قد فطموه # بشبا السيف قبل حين الفطام! # كم فتاة بخاتم الله بكر # فضحوها جهرا بغير اكتتام! # كم فتاة مصونة قد سبوها # بارزا وجهها بغير لثام! # صبحوهم فكابد القوم منهم # طول يوم كأنه ألف عام # ودرجت الأحوال على ذلك، فلم يكن يهونها على الناس إلا اتساع أرجاء البلاد ~~الإسلامية، وتفرق الفتن في تلك الأرجاء، وإلا فترات من القوة يتاح فيها للدولة في الحين ~~بعد الحين خليفة حازم الرأي، نافذ العزيمة، فتسكن غوارب الفتنة بعض السكون، ويستقيم ~~الولاة والعمال بعض الاستقامة، وتعلو هيبته، فيخشاه المغيرون على الدولة من داخلها ~~وخارجها، وتفيء الرعية إلى ظله زمنا حتى يحم أجله، فتعود الأمور إلى ما كانت ~~عليه؟ # الحالة الاجتماعية # تنتهي الفوضى السياسية - إذا تطاول بها الزمن - إلى الخراب والعسر ونضوب الأرزاق بين ~~جميع الطبقات عاليها وهابطها على السواء، ولكن الفوضى لا تمنع الترف إذا هي جاءت في ~~البداءة، أو ترددت في الفترة بعد الفترة ولم يطل بها زمن التخريب والإفساد، فلا يندر أن ~~يجتمع الترف والفوضى في طبقات من الدول المتداعية، التي ورثت السلطان القديم والثروة ~~الواسعة ومظاهر الحضارة وأفانين المعيشة الفاخرة، بل كثيرا ما تكون الفوضى من أسباب ~~الترف والمغريات به؛ لتعويدها النفوس أن تخلد إلى الدعة واغتنام اللذة، وأن تحجم عن ~~المساعي الجليلة والآمال الرفيعة يأسا من كل غاية، وشكا في مصير كل نعمة، وعلما بأن ~~الحياة لا تجري على وتيرة، ولا تنتظم في سياق. # وكذلك كان القرن الثالث للهجرة قرن الفوضى والترف، أو قرن الخطر و«التسلية»، بلغ فيه ~~كلاهما مبلغه، وسرت إلى العصر جرائر العصور الأولى، فجنى ثمارها خللا في السياسة، ~~وبذخا في المعيشة، ms014 وحياة كحياة الجند ليلة الحرب كلها قصف، وكلها استسلام. # ورث القرن الثالث حضارات العرب والفرس والروم، وأساليب اللهو في هذه الأمم، وفي الأمم ~~التي اتصلت بها من ترك وهند وصين، وتجمعت الأموال المستحيرة في أيدي الأمراء وجباة ~~الخراج وأصحاب التجارات الغادية الرائحة في البر والبحر بما تستدعيه ضرورات العيش، ~~ونوافل الشهوات، فكثر المترفون المنعمون، وشاعت فنون الخلاعة والمجون، وأصبح لكل ضرب من ~~ضروب اللهو علم يعرفه علماؤه، ويقرب أهله إلى الخلفاء وذوي الرئاسة، حتى الرقص وما ~~إليه، فضلا عن الغناء والسماع. # نقل المسعودي في مروج الذهب أن الخليفة المعتمد قال لبعض من حضر من ندمائه: «صف لي ~~الرقص وأنواعه، والصفة المحمودة من الرقاص، واذكر لي شمائله، فقال المسئول: يا أمير ~~المؤمنين، أهل الأقاليم والبلدان مختلفون في رقصهم من أهل خراسان وغيرهم، فجملة الإيقاع ~~في الرقص ثمانية أجناس: الخفيف والهزج والرمل وخفيف الرمل، وثقيل الثاني، وخفيفه، وخفيف ~~الثقيل الأول وثقيله، والرقاص يحتاج إلى أشياء في طباعه، وأشياء في خلقته، وأشياء في ~~عمله، فأما ما يحتاج إليه في طباعه فخفة الروح، وحسن الطبع على الإيقاع، وأن يكون طالبه ~~مرحا إلى التدبير في رقصه والتصرف فيه، وأما ما يحتاج إليه في خلقته فطول العنق ~~والسوالف، وحسن الدل والشمائل والتمايل في الأعطاف، ودقة الخصر، وحسن أقسام الخلق ... ~~ومخارج النفس والإراحة، والصبر على طول الغاية، ولطافة الأقدام ... ولين المفاصل، وسرعة ~~الانفتال في الدورات، ولين الأعطاف، وأما ما يحتاج إليه في عمله، فكثرة التصرف في ألوان ~~الرقص، وإحكام كل جزء من حدوده، وحسن الاستدارة وثبات القدمين على مدارهما، واستواء ما ~~تعمل يمنى الرجل ويسراها حتى يكون في ذلك واحدا. ولوضع القدم ورفعها واجبان: أحدهما ~~أن يوافق بذلك الإيقاع، والآخر أن يتثبط به، فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن، فليكن ما ~~يوافق الإيقاع، فهو من الحب والحسن سواء، وأما ما يتثبط به فأكثر ما يكون هو فيه أمكن ~~وأحسن، فليكن ما يوافق الإيقاع مترافعا، وما يتثبط به متسافلا.» # وقس على ذلك سائر ضروب اللهو والترف حتى ms015 انتهى القرن وأقبل ما بعده، وللقوم في آداب ~~المجالس وآداب المائدة ما لم نسمع بمثله عن رومة وبيزنطة، فكان من رؤسائهم من لا يأكل ~~لقمتين بملعقة واحدة، كما قيل عن الوزير المهلبي: إنه «كان من ظرفه في فعله ونظافته في ~~مأكله أنه إذا أراد أكل شيء بملعقة، كالأرز واللبن وأمثاله، وقف في جانبه الأيمن غلام ~~معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا - وكان يستعمله كثيرا - فيأخذ منه ملعقة يأكل بها ~~من ذلك اللون لقمة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قام في الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى يفعل ~~بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية؛ لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية.» # واقتدى الأواسط والفقراء بالعلية والأغنياء، فكثرت بيوت القيان والخمر، وأدمنت ~~المعاقرة صبوحا وغبوقا، وشاع اقتناء الجواري والغلمان، واستبيحت اللذات على أنواعها ~~مألوفها وغير مألوفها، وطيبها وخبيثها، فتكشفت الوجوه، وقل الحياء، وخف موقع الهجر ~~والبذاء على الأسماع، ولا سيما حين أصبح الحكام والولاة هم قدوة الناس في هذه الأفانين، ~~وهم موضع النعمة التي تصبو إليها نفوس المحرومين، وفي إحدى قصائد ابن الرومي البائية ~~وصف لعيش الكتاب والموسرين، لا بأس بأن نلحقه بهذا الباب لدلالته على ذلك العصر وعلى ~~موقع هذه اللذات من نفس الشاعر، وذلك حيث يقول: # أتراني دون الألى بلغوا الآ # مال من شرطة ومن كتاب؟ # وتجار مثل البهائم فازوا # بالمنى في النفوس والأحباب # خير ما فيهم ولا خير فيهم # أنهم غير آثمي المغتاب # ويظلون في المناعم واللذ # ات بين الكواعب الأتراب # لهم المسمعات ما يطرب السا # مع والطائفات بالأكواب ~~••• # من جوار كأنهن جوار # يتسلسلن من مياه عذاب # لابسات من الشفوف لبوسا # كالهواء الرقيق أو كالسراب # ومن الجوهر المضيء سناه # شعلا يلتهبن أي التهاب ~~••• # لهف نفسي على مناكير للنك # ر غضاب ذوي سيوف عضاب # تغسل الأرض بالدماء فتضحى # ذات طهر ترابها كالملاب # 1 # من كلاب نأى بها كل نأي # عن وفاء الكلاب غدر الذئاب # واثبات على الظباء ضعاف # عن وثاب الأسود يوم الوثاب # شرط خولوا عقائل بيضا # لا بأحسابهم بل الإكساب ms016 # من ظباء الأنيس تلك اللواتي # تترك الطالبين في أنصاب # فإذا ما تعجب الناس قالوا # هل يصيد الظباء غير الكلاب؟ # أصبحوا ذاهلين عن شجن النا # س وإن كان حبلهم ذا اضطراب # في أمور وفي خمور وسمو # ر وفي قاقم وفي سنجاب # 2 # وتهاويل غير ذاك من الرق # م ومن سندس ومن زرياب # 3 # في حبير منمنم وعبير # وصحان فسيحة ورحاب # في ميادين يخترقن بساتي # ن تمس الرءوس بالأهداب # ليس ينفك طيرها في اصطحاب # تحت أظلال أيكها واصطخاب # من قرينين أصبحا في غناء # وفريدين أصبحا في انتحاب # بين أفنانها فواكه تشفي # من تداوى بها من الأوصاب # في ظلال من الحرور وأكنا # ن من القر جمة الحجاب # عندهم كل ما اشتهوه من الآ # لات والأشربات والأشواب # 4 # والطروقات والمراكب والول # دان مثل الشوادن الأسراب # واليلنجوج # 5 # في المجامر والن # د ترى نشره كمثل الضباب # والغوالي وعنبر الهند والمس # ك على الهام واللحى كالخضاب # ولديهم وذائل الفضض البي # ض تباهي سبائك الأذهاب # لم أكن دون مالكي هذه الأم # لاك لو أنصف الزمان المحابي # ففي هذه القصيدة وصف واف لمناعم العيش في بيوت الطبقات الموسرة، ومعظمها من ~~«الموظفين»، وفيها - مع هذا الوصف الوافي - تفسير واضح لتهالك الناس على العمالة ~~والكتابة وسائر الوظائف التي يأتي رزقها من المرتبات والجبايات والرشى والأسلاب، وفيها ~~- مع هذا وذاك - تفسير لنقمة الطبقات المحرومة، وللثورات التي كانت تهب من هنا وثم ~~لرد الظلامات وإنصاف الفقراء، وأي شيء أدل على طلب الثورة والتلهف على قلب الأحوال، ~~والتأهب لتلبية الداعين إلى الشغب من قول شاعر وديع كابن الرومي: # لهف نفسي على مناكير للنك # ر غضاب ذوي سيوف عضاب # تغسل الأرض بالدماء فتضحى # ذات طهر ترابها كالملاب # من كلاب نأى بها كل نأي # عن وفاء الكلاب غدر الذئاب # لا جرم يكون ذلك العصر عصر الحيرة والانتظار، ولا جرم تتأهب فيه النفوس لدعوة ~~الجماعات السرية، وتتعلق الآمال بالمهدي المنتظر والمصلح الأكبر الذي يغسل الأرض ~~بالدماء، ولا جرم يكون ذلك العصر هو عصر بابك الخرمي، وداعية ms017 الزنج والقرامطة، وغيرهم ~~من الثوار وأصحاب المذاهب الذين كانوا يمزجون المقاصد الاجتماعية بالمقاصد الدينية، ~~ويعالجون الترفيه عن الفقراء المنزوفين بالدعوة إلى المساواة، والتمرد على الحكام، وكان ~~ذلك على أكثره في بلاد الفرس، حيث بقي الفلاحون كما كانوا في عهد الأكاسرة يسامون سوم ~~الأنعام، ويستنزفون كما كان يستنزفهم الأمراء والملوك والمؤلهون في غابر الأزمان، ثم ~~كان ذلك على أكثره في المرافئ والثغور حين تكثر الحركة، ويزدحم العمال والصناع، ويرتفع ~~السعر، ويشتد التنافس بين الطبقات. # على أن هذه الأحداث كانت تمر بالدولة وهي باقية سليمة منها بعض السلامة؛ لأنها - كما ~~أسلفنا - كانت تتلقاها متفرقة في الأماكن والأوقات، وكان شغب الشاغبين يوصم بالكفر ~~والإفساد في الأرض، ويسمى القائم به تارة باسم الفاسق، وتارة أخرى باسم المارق أو ~~الفاجر أو الخبيث، فينسى اسمه الأول ولا يذكر إلا بهذا الاسم المنتحل، وكانت هذه ~~الثورات بتراء ليست لها وجهة مرسومة، ولا خطة معلومة، فكانت تعوزها عناصر الدعوة ~~المشروعة المستجابة التي تلتف بها الجماهير، وتستبسل فيها، فلا توشك الثورة أن تستفحل ~~حتى تفتر وتضمحل، وتثوب الأمور إلى نصابها. # هذا والقصور سادرة في غيها قلما تحس لهذه المشكلات الاجتماعية أثرا، أو تتحرك لعلاج ~~أسبابها الدفينة إلا في العهد بعد العهد، والصحوة بعد الصحوة، ولا تراها فيما عدا ذلك ~~إلا غارقة في بذخها مفتنة في زينتها ولهوها: المهندسون والمزخرفون والمطربون والطهاة، ~~والندماء يستبقون في تجويد أساليب المعيشة، وجلب ألوان المسرة، ومجالس الطرب تدخل على ~~المجتمع العالي بعرف جديد من الآداب والأذواق، فلا يكون الأدب إلا أدبها، ولا الذوق إلا ~~ذوقها، ولا يحسب الوزير وزيرا ولا الرئيس رئيسا إن لم يكن مع ذلك نديما يحسن ~~المجالسة والمفاكهة، ويصلح للمجلس قبل صلاحه لسياسة الدولة، فأصبحت المنادمة باب السلوك ~~إلى الملوك، وسلم الوصول إلى الحظوة عندهم والدالة عليهم، والنقض والإبرام في شئون ~~الدولة بالزلفى إلى أهوائهم، واحتاج إلى علم هذه الصناعة كل ذي خطر في الدولة لما كان ~~عسى أن يحتاج إليه من الترويج عن الخليفة، وحسن المدخل عليه في ساعات صفوه ms018 وغضبه، ~~ونوبات إقباله وإعراضه. # وكان أعلى ما يرجوه صاحب العلم والأدب والفضل والكياسة أن يصبح نديما لملك، أو ~~مربيا لابن ملك. وهما عملان متقاربان متشابهان في الآلة والكفاءة، ولم يكن من السهل أن ~~يحذقهما الأديب؛ لأنهما صناعة تجمع صناعات، وفن يلم بشتى فنون، وإليك مثلا مما كان ~~يعرفه النديم الذي كان يرتقي به الحظ إلى مجالسة الأمراء والخلفاء، نقل ياقوت في معجم ~~الأدباء عن أمالي جحظة النديم أن يزيد بن محمد المهلبي قال: «كنت أرى علي بن يحيى ~~المنجم، فأرى قبح صورته، وصغر خلقته، ودقة وجهه، وصغر عينيه، وأسمع بمحله من الواثق ~~والمتوكل فأعجب من ذلك وأقول: بأي سبب يستظرفه الخليفة؟ وبماذا حظي عنده والقرد أملح من ~~قباحته؟ # فلما جالست المتوكل رأيت علي بن يحيى قد دخل على المتوكل في غداة من الغدوات التي قد ~~سهر في ليلتها بالشرب وهو مخمور يفور حرارة يستثقل لكل أمر يخف دون ما يثقل، فوقف بين ~~يديه وقال: يا مولاي، أما ترى إقبال هذا اليوم وحسنه، وإطباق الغيم على شمسه، وخضرة هذا ~~البستان ورونقه، وهو يوم تعظمه الفرس وتشرب فيه؛ لأنه هرمزروز - يوم هرمزد إله الخير - ~~وتعظمه غلمانك وأكرتك مثلي من الدهاقين، ووافق ذلك يا سيدي أن القمر مع الزهرة، فهو يوم ~~شرب وسرور وتجل بالفرح، فهش إليه وقال: ويلك يا علي! ما أقدر أن أفتح عيني ~~خمارا. # فقال: إن دعا سيدي بالسواك فاستعمله، وغسل بماء الورد وجهه، وشرب شربة من رب الحصرم، ~~أو من متنة مطيبة مبردا ذلك بالثلج انحل كل ما يجد. فأمر بإحضار كل ما أشار به، فقال ~~علي: يا سيدي، وإلى أن تفعل ذاك تحضر عجلانيتان بين يديك مما يلائم الخمار، ويفتق ~~الشهوة، ويعين على تخفيفه، فقال: أحضروا عليا كل ما يريد، فأحضرت العجلانيتان بين ~~يديه، وفراريج قد صففت على أطباق الخلاف، وطبخ حماضية وحصرمية ومطجنة # 6 # لها مريقة، فلما فاحت روائح القدور هش لها المتوكل فقال له: يا علي، ~~أذقني. فجعل يذيقه من كل قدر بجرف يشرب فيها، فهش ms019 إلى الطعام وأمر بإحضاره، فالتفت علي ~~إلى صاحب الشراب فقال له: ينبغي أن يختار لأمير المؤمنين شراب ريحاني، ويزاد في مزاجه ~~إلى أن يدخل في الشرب، فيهنئه الله إياه إن شاء الله، قال: فلما أكل المتوكل وأكلنا ~~نهضنا، فغسلنا أيدينا وعدنا إلى مجالسنا، وغنى المغنون فجعل علي يقول: هذا الصوت لفلان ~~والشعر لفلان، وجعل يغني معهم وبعدهم غناء حسنا إلى أن قرب الزوال، فقال المتوكل: أين ~~نحن من وقت الصلاة؟ فأخرج علي أصطرلابا من فضة في خفه، فقاس الشمس وأخبر عن الارتفاع ~~وعن الطالع وعن الوقت، فلم يزل يعظم في عيني حتى صار كالجبل، وصارت مقابح وجهه محاسن، ~~فقلت: لأمر ما قدمت؛ فيك ألف خصلة: طبيب ومضحك، وأديب وجليس، وحذق طباخ، وتصرف ~~مغن، وفكر منجم، وفطنة شاعر ... ما تركت شيئا مما يحتاج إليه الملوك إلا ~~ملكته.» # وعلي بن يحيى هذا هو الذي ذكر ياقوت قبيل ذلك أنه «كان بكركر من نواحي القفص ضيعة ~~نفيسة لعلي بن يحيى المنجم، وقصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة يسميها خزانة الحكمة يقصدها ~~الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة في ذلك لهم، ~~والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى، فقدم أبو معشر من خراسان ~~يريد الحج وهو إذ ذاك لا يحسن كبير شيء من النجوم، فوصفت له الخزانة فمضى ورآها، فهاله ~~أمرها فأقام بها وأضرب عن الحج، وتعلم فيها النجوم وأغرق فيها حتى ألحد، وكان ذلك آخر ~~عهده بالحج وبالدين والإسلام.» # كذلك كانت مجالس المجتمع العالية وآداب جلاسها وندمائها، والحديث الذي نقله ياقوت ~~مظنة للزيادة والتأليف في بعض أجزائه، ولكنه يدل في جملته على المناقب والخصال التي ~~كانت تطلب من النديم في ذلك الزمان. وترى من هذا الحديث كيف كانت سنة الفرس غالبة على ~~مجالس الطرب وآدابها ومواعيدها وأدواتها، كما ترى ذلك من أوصاف المهرجانات والنواريز، ~~وأعياد الطبيعة، ومنازه الرياضة والألعاب والصيد والطرد، وسائر المراسم ~~والأزياء. ~~••• # إذا تلخصت الحالة السياسية في سوء الظن، فقد تتلخص ms020 الحالة الاجتماعية في اغتنام ~~الفرصة، وإن هذا وذاك في الحالتين لكالشيء وظله، أو كالصوت وصداه. # الحالة الفكرية # قال ابن قتيبة في مقدمة كتابه «أدب الكاتب» يصف حالة عصره من العلم والأدب: # إني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ~~ولأهله كارهين. أما الناشئ منهم فراغب عن التعلم، والشادي تارك للازدياد، ~~والمتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناس ليدخل في جملة المجدودين، ويخرج عن ~~جملة المحدودين، فالعلماء مغمورون، وبكرة الجهل مقموعون، حين خوى نجم الخير، ~~وكسدت سوق البر، وبارت بضائع أهله، وصار العلم عارا على صاحبه، والفضل نقصا، ~~وأموال الملوك وقفا على شهوات النفوس، والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع ~~الخلق، وآضت المروءة في زخارف النجد، # 7 # وتشييد البنيان، ولذات النفوس في اصطفاق المزاهر ومعاطاة ~~الندمان، ونبذت الصنائع، # 8 # وجهل قدر المعروف، وماتت الخواطر، وسقطت همم النفوس ... # فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الخط، قويم الحروف، وأعلى منازل ~~أديبنا أن يقول من الشعر أبياتا في مدح قينة أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا ~~أن يطالع شيئا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء ومن المنطق، ثم يعترض ~~على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه، وعلى حديث رسول الله بالتكذيب، وهو لا ~~يدري من نقله، فقد رضي عوضا من الله ومما عنده بأن يقال: فلان لطيف، وفلان ~~دقيق النظر. يذهب إلى أن لطف النظر قد أخرجه من جملة الناس، وبلغ به علم ما ~~جهلوه، فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر، وهو - لعمر الله - بهذه الصفات أولى، ~~وهي به أليق! لأنه جهل وظن أن قد علم؛ فهاتان جهالتان، ولأن هؤلاء جهلوا وعلموا ~~أنهم يجهلون. # ولو أن هذا المعجب بنفسه، الزاري على الإسلام برأيه، نظر من جهة النظر لأحياه ~~الله بنور الهدى وثلج اليقين، ولكنه طال عليه أن ينظر في علم الكتاب، وفي أخبار ~~الرسول وصحابته، وفي علوم العرب ولغاتها وآدابها، فنصب لذلك وعاداه وانحرف عنه ~~إلى علم قد سلمه له ولأمثاله المسلمون، وقل فيه ms021 المتناظرون، له ترجمة تروق بلا ~~معنى، واسم يهول بلا جسم، فإذا سمع الغمر والحدث الغر قوله: الكون، والفساد، ~~وسمع الكيان، والأسماء المفردة، والكيفية والكمية، والزمان والدليل، والأخبار ~~المؤلفة، راعه ما سمع وظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة وكل لطيفة، فإذا طالعها ~~لم يحل منها بطائل! # إنما هو الجوهر يقوم بنفسه، والعرض لا يقوم بنفسه، ورأس الخط النقطة والنقطة ~~لا تنقسم، والكلام أربعة: أمر وخبر واستخبار ورغبة، ثلاثة لا يدخلها الصدق ~~والكذب، وهي: الأمر والاستخبار والرغبة، وواحد يدخله الصدق والكذب، وهو الخبر! ~~والآن حد الزمانين! مع هذيان كثير ... ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى ~~يسمع كلام رسول الله وصحابته؛ لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب ... فلما أن ~~رأيت هذا الشأن كل يوم إلى نقصان، وخشيت أن يذهب رسمه، ويعفو أثره، جعلت له ~~حظا من عنايتي، وجزءا من تأليفي، فعملت لمغفل التأديب كتبا خفافا في ~~المعرفة، وفي تقويم اللسان واليد يشتمل كل كتاب منها على فن، وأعفيته من ~~التطويل والتثقيل ... # وليست كتبنا هذه لمن لم يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم، ومن الكتابة إلا ~~بالاسم، ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة، ولكنها لمن شدا شيئا من ~~الإعراب، فعرف الصدر والمصدر، والحال والظرف، وشيئا من التصاريف والأبنية، ~~وانقلاب الياء عن الواو، والألف عن الياء وأشباه ذلك. ولا بد له مع كتبنا هذه ~~من النظر في الأشكال لمساحة الأرضين، حتى يعرف المثلث القائم الزاوية، والمثلث ~~الحاد، والمثلث المنفرج، ومساقط الأحجار، والمربعات المختلفات، والقسي ~~والمدورات والعمودين، ويمتحن معرفته بالعمل في الأرضين لا في الدفاتر، فإن ~~المخبر ليس كالمعاين. # وكانت العجم تقول: من لم يكن عالما بإجراء المياه وحفر فرص المشارب، وردم ~~المهاوي، ومجاري الأيام في الزيادة والنقص، ودوران الشمس، ومطالع النجوم، وحال ~~القمر في استهلاله واقفا له، ووزن الموازين، وذرع المثلث والمربع والمختلف ~~الزوايا، ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه، وحال أدوات ~~الصناع ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته. ولا بد له مع ذلك من دراسة ~~أخبار الناس، وتحفظ ms022 عيون الحديث؛ ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلا إذا كتب، ~~ويصل بها كلامه إذا حاور، ومدار الأمر على القطب، وهو العقل وجودة القريحة، فإن ~~القليل معها بإذن الله كاف، والكثير مع غيرهما مقصر. # هكذا كان حكم ابن قتيبة على عصره. # وابن قتيبة أديب لغوي فقيه ولد في أوائل العقد الثاني من القرن الثالث، ومات في سنة ~~ست وسبعين ومائتين، ونشأ وعاش في بلاد العراق، فهو معاصر ابن الرومي في زمنه، وقرينه في ~~وطنه، وشاهد عيان لذلك العصر يحدث عنه بما اختبر ورأى من صفات أهله. # فهل أصاب ابن قتيبة أو أخطأ في حكمه؟ # لم يصب كل الصواب ولم يخطئ كل الخطأ، وأيا كان حظه من الصواب أو الخطأ، فقد مثل ~~عصره أحسن تمثيل ينظر إليه صاحب الأدب واللغة والفقه، وغاب عنه ما وراء ذلك من نظر لا ~~يحيط به الذين يتحزبون لهذه العلوم على فروع العلم كافة. # فمن حسن تمثيله للعصر أنك تعرف من مقدمته كل ما كان يشتغل به أبناء عصره، أو لا ~~يشتغلون به من المعارف القديمة والحديثة، وأنك تعرف منه أن العصر لم يكن عصر العلوم ~~القديمة وحدها؛ لأن العلوم الحديثة المنقولة والموضوعة أصبحت شرطا في الكاتب والأديب ~~لا تتم بغيرها كتابته وأدبه، حتى رأى مثل ابن قتيبة أنه في حاجة إلى إظهار مساهمته في ~~هذه المعرفة وهو يدعو إلى علم اللغة والكتابة؛ لئلا يستجهل ويعرض عنه. # والمعاصر من بعض الوجوه أصلح الناس للحكم على عصره، ولكنه من وجوه أخرى أقل الناس ~~صلاحا لإنصافه، والإحاطة بجميع نواحيه، فهناك أشياء يراها القريب ولا تدخل في رؤية ~~البعيد، وهناك أشياء يحيط بها البعيد ولا يلمح منها القريب إلا اليسير؛ كالناظر إلى ~~القمر في المنظار يرى جزءا منه كبيرا مفصلا، ولكنه لا يراه كله، ولا يقع نظره على ما ~~حوله، ومثل هذا ما حدث لابن قتيبة حين كبر وصغر، وتناول المقياس ليقدر فأخطأ ~~فيما قدر. # أخطأ ابن قتيبة في شرح حالة العلم والتفكير بين أبناء عصره لأسباب متعددة، منها أن ~~العلم ms023 لم يكن منهجا واحدا في ذلك العصر، ولكنه كان مناهج كثيرة تشتمل على منهج أهل ~~السنة المتشددين في إنكار البدع، ومنهج الفرق الإسلامية التي تدخل فيها فرق الشيعة وفرق ~~المعتزلة على اختلافها وتباعد المسافة بينها، ومنهج العلوم الحديثة من يونانية وفارسية ~~وهندية وغيرها من مستحدثات الترجمة والابتكار، ومنهج المتأدبين المتظرفين الذين يقتبسون ~~كل قبس، ويستطرفون كل طرفة، إلى غير ذلك من المناهج التي تتقارب وتتباعد على نحو مما ~~نعهد في زماننا الذي نحن فيه. # وقد كان الخلاف والتعصب بين هذه المناهج على أشده في العراق؛ لأنه كان مجمع العواصم، ~~وملتقى العرب والعجم، ومثابة العلماء والأدباء من جميع الطوائف والمذاهب، فرأي ابن ~~قتيبة هو رأي المتشددين أنصار العلوم العربية، لا يرون غيرها إلا فضولا أو كالفضول، ~~ولا يحسبون المنطق والفلسفة والرياضة وما إليها إلا لغوا، قصاراه أن يلغط اللاغط ~~بالكمية والكيفية، والخط والنقطة، والجوهر والعرض مع «هذيان كثير». # ولكنه مع ازدرائه هذه العلوم الحديثة لم يلبث أن فرق من تهمة الجهل بها، فذكر ~~أطرافا من مصطلحاتها، ودل بذلك على خطرها الذي لا يزدرى، ولكنها - كما رأى القارئ - ~~أطراف مقتضبة كالتي نهاها على الأغرار المفتونين بظواهر تلك العلوم، فلا يقولها القائل ~~وله علم صحيح بما وراء تلك الأطراف. # ومن الأسباب التي باعدت بين الأديب اللغوي، والإصابة التامة في تمثيل عصره أنه كان ~~أديبا ولغويا، وكان سبيل العلم بالأدب واللغة أن يتحرى الطالب ما تقدمه، وأن يرتقي ~~في تحري القدم إلى أبعد عصوره، فلا ينظر إلى العصور التي خلفت بعد العرب الأسبقين إلا ~~على أنها عصور نازلة منحدرة تمعن في الجهل والإسفاف بمقدار إمعانها في البعد من العربية ~~الجاهلية! فعنده أن السلف قد ذهبوا بالخير كله، ولم يبق للمتأخرين إلا أن ينعوا زمانهم، ~~ويأسوا على ما فاتهم! وكل زمان هو شر الأزمنة في أوانه، وخير الأزمنة - أو من خيرها - ~~متى لحق بالماضي العريق! وما برح ذم الإنسان عصره وانتقاصه إياه ديدن كل أديب فيما ~~غبر، وديدن بعض الأدباء في هذه الأيام، فابن قتيبة ms024 إنما جرى على هذه العادة التي لا ~~تستغرب في عهد البداوة العربية، وفي عهد كل بداوة طبعت على تعظيم السلف، والتفاخر ~~بالأسباب، والرجوع إلى القديم. # على أن الرجل لو تجرد من هذه العادة لبقي سبب آخر لعله كان يمنعه أن ينصف أبناء ~~عصره، أو يستجمع أخبارهم ويحسن المقابلة بينهم وبين من سبقهم، ولحق بهم من أمثالهم، ~~فربما كان بعض الجهابذة في أيامه متباعدين متفرقين في أقطار ذلك الملك الواسع لا يسمع ~~بهم إلا لماما، وربما كان القريبون منه في طريق العمل، فلم يستووا بعد على غاية القمة، ~~ولم يلبسوا بعد هالة الخلود والشهرة، وذلك فضلا عن الذين جاءوا بعده بقليل؛ فهو لا ~~يعرفهم، ولا يطالب بأن يعرفهم. # والحقيقة أن ذلك العصر كان من أزهى عصور العلم في بلاد الإسلام قاطبة؛ لأنه كان أول ~~عصر تلقى علوم الثقافة الإسلامية كلها كاملة مفروغا من وضعها وترجمتها، وتحضيرها غير ~~مستثنى منها علوم السنة والعربية التي كان ابن قتيبة يتوفر عليها. # ففي القرن الثالث تمت المذاهب الأربعة في الفقه، وظهرت آثار أقطاب الحديث كالبخاري ~~ومسلم وأبي داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، ونزعت السياسة إلى تأييد أهل السنة أيام ~~الخليفة المتوكل، ثم انتهى القرن بظهور أبي الحسن الأشعري الذي مال من مذهب المعتزلة ~~إلى مذهب أهل السنة، فقيل فيه: «كان المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري، ~~فحجزهم في أقماع السمسم.» # ولم يخل علم من العلوم القديمة أو الحديثة من أعلام نبغوا في القرن الثالث أو حضروا ~~أوائله، حتى العلوم العربية التي كان ابن قتيبة يتهم القوم بإهمالها والجهل بفضائلها، ~~وهي علوم الرواية والنحو واللغة والأدب، فمن رجالها المشهورين الذين حضروا ذلك القرن: ~~الفراء، وابن السكيت، وقطرب، وابن الأعرابي، ونفطويه، والجاحظ، وأبو عثمان المازني، ~~وثعلب، والزجاج، والمبرد، وابن الأنباري، وابن دريد، والأخفش، والسجستاني، والصولي، ~~والرياشي، وأبو سعيد البكري، وقدامة بن جعفر، وابن أبي الدنيا، وابن العلاء السكري، ~~وكثيرون ممن يضارعون هؤلاء أو يقلون عنهم في الطبقة والشهرة. # أما العلوم الأخرى فقد تأسس في ذلك ms025 القرن التاريخ والجغرافيا، وعاش فيه من المؤرخين ~~والجغرافيين: البلاذري، واليعقوبي، وأبو حنيفة الدينوري، وأبو زيد البلخي، والطبري، ~~وابن البطريق ، وابن خرداذبه، وابن الفقيه، وابن رسته، وبرزك بن شهريار وآخرون، وكان من ~~فلاسفته: الكندي والفارابي وابن سينا، ومن أطبائه: الرازي وابن سهل وابن ماسويه، وراج ~~علم النجوم حتى أوشك ألا يكون في ذلك الزمن إلا منجم! # ولم يقتصر الأمر على نبوغ هؤلاء الأعلام في مناهج العلم المختلفة، بل تجاوزه إلى ~~طوائف الناس من خاصة وعامة، فتحدثوا بالعلوم واشتغلوا بمحاوراتها ومناظراتها، وأقبلوا ~~على اقتناء كتبها، فكان العصر عصر ثقافة عامة كثرت فيه المشاركة في مسائل البحث ~~والمطالعة، وشاع ذلك بين الناس أوسع شيوع، حتى كان الرجل منهم يجمع بين أشتات الثقافة ~~في زمنه، كما رأيت فيما نقلناه عن علي بن يحيى المنجم، أو كما ترى من قول ابن الرومي في ~~رجل يصفه بدعوى العلم في معرض الهجو والتهكم: # قولا لطوط أبي علي # بصرينا الشاعر المنجم # المنذر المضحك المغني # الكاتب الحاسب المعلم # الفيلسوف العظيم شأنا # العائف القائف المعزم # الماهن الكاهن المعادي # في نصر إبليس كل مسلم # وبلغت هذه التهمة العلمية حدا أضجر الظرفاء كما أضجر المتشددين، فكان الفتى المهذب ~~يومئذ إما طالب علم قديم أو طالب علم حديث، أو مشاركا في هذا وذاك، أو ظريفا ضجرا من ~~أكثر هؤلاء على حد وصف ابن المعتز: # قليل هموم القلب إلا للذة # ينعم نفسا آذنت بالتنقل # فإن تطلبه تقتنصه بحانة # وإلا ببستان وكرم مظلل # يعب ويسقى أو يسقى مدامة # كمثل سراج لاح في الليل مشعل # ولست تراه سائلا عن خليفة # ولا قائلا: من يعزلون ومن يلي # ولا صائحا كالعير في يوم لذة # يناظر في تفضيل عثمان أو علي # ولا حاسبا تقويم شمس وكوكب # ليعرف أخبار العلو من أسفل # يقوم كحرباء الظهيرة ماثلا # يقلب في اصطرلابه عين أحول # ولكنه فيما عناه وسره # وعن غير ما يعنيه فهو بمعزل # والظاهر أن علم النجوم والرياضيات على الجملة كان أروج العلوم الحديثة، وأكثرها ~~طلابا؛ لطرافته وموافقته أحوال الزمن وتقلباته، وشيوع ms026 الحضارة الفارسية التي كان أهلها ~~يعبدون الكواكب، وينوطون بها مقادير الخير والشر، وطوالع السعود والنحوس، ولم يكن ~~الإيمان بالسعد والنحس والزجر والقيافة غريبا عن العرب، فقبلوا العلم الحديث غير ~~متعسرين، وأفرطوا فيه ذلك الإفراط الذي لم يرض عنه ابن قتيبة، ولم يرض عنه ابن المعتز، ~~وهما في هذا المقام طرفان! # وربما كان من تمام البيان عن آراء المتعلمين يومئذ في فنون العلوم المختلفة أن نأتي ~~هنا على رأي «النجوميين» في أنصار القديم، كما أتينا على رأي أنصار القديم في ~~النجوميين، فقد كان هؤلاء يهزءون بالمتشددين كما كان المتشددون يهزءون بهم، وكانت لهم ~~في التنادر بالقوم دعابات ونكات أطرفها ما وضع - فيما نظن - على لسان أحمد بن ثوابة ~~الكاتب المعروف في زمنه، وجمعت فيه نكات العصر على كارهي الهندسة والرياضة وما إليها، ~~قال أبو حيان في كتاب الوزيرين: # 9 ~~«... أن صديقا لابن ثوابة الكاتب أبي العباس يكنى أبا عبيدة قال له ذات يوم: ~~إنك بحمد الله ومنه ذو أدب وفصاحة وبراعة، فلو أكملت فضائلك بأن تضيف إليها معرفة ~~البرهان القياسي وعلم الأشكال الهندسية الدالة على حقائق الأشياء، وقرأت إقليدس وتدبرته ~~...» # ثم نقل أبو حيان عن ابن ثوابة أنه كتب إلى صديق له سأله عما حدث بينه وبين معلمه ~~الهندسة، فأجابه بعد تطويل وحوقلة واستعاذة بما يأتي: ~~... فأخذ القلم ونكت نكتة، نقط منها نقطة تخيلها بصري، وتوهمها طرفي كأصغر من ~~حبة الذر، فزمزم عليها من وساوسه، وتلا عليها من حكم أسفار أباطيله، ثم أعلن ~~عليها جاهرا بإفكه، وأقبل علي وقال: أيها الرجل، إن هذه النقطة شيء لا جزء ~~له، فقلت: أضللتني ورب الكعبة، وما الشيء الذي لا جزء له؟ فقال: كالبسيط ... فقلت ~~أنا: وما الشيء البسيط؟ فقال: كالله والنفس! فقلت له: إنك من الملحدين، أتضرب ~~لله الأمثال والله يقول: # فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~، ~~فلما سمع مقالتي كره استعاذتي، فاستخفه الغضب فأقبل علي مستبسلا وقال: إني ~~أرى فصاحة لسانك سببا لعجمة فهمك، وتدرعك بقولك آفة من آفات ms027 عقلك، فلولا من ~~حضر والله المجلس، وإصغاؤهم إليه مستصوبين أباطيله، ومستحسنين أكاذيبه، وما ~~رأيت من استهوائه إياهم بخدعه، وما تبينت من توازرهم؛ لأمرت بسل لسان اللكع ~~الألكن، وأمرت بإخراجه إلى حر نار الله وسعيره ... # ومضى ابن ثوابة يذكر كيف جاءوا له بمعلم مسلم بعد هذا المعلم النصراني، وكيف استعظم ~~هذا المعلم المسلم عليه أن يدرك النقطة، وقال له: # وهل بلغت أنت أن تعرف النقطة؟ فقلت: استجهلني ورب الكعبة! وأخذ يخط وقلبي ~~مروع يجب وجيبا، وقال لي غير متعظم: إن هذا الخط طول بلا عرض. فتذكرت صراط ربي ~~المستقيم، وقلت له: قاتلك الله! أتدري ما تقول؟ تعالى صراط ربي عن تخطيطك ~~وتضليلك! إنه لصراط مستقيم، وإنه لأحد من السيف الباتر والحسام القاطع، وأدق ~~من الشعرة، وأطول مما تمسحون، وأبعد مما تذرعون، أتطمع أن تزحزحني عن صراط ربي، ~~وحسبتني غرا غبيا لا أعلم ما في باطن ألفاظك، ومكنون معانيك؟ والله ما ~~خططت الخط وأخبرت أنه طول بلا عرض إلا ضلة بالصراط المستقيم لتزل قدمي عنه، ~~وأن ترديني في جهنم! أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة ومما تدل عليه وترشد ~~إليه ... إني بريء من الهندسة ومما تعلنون وتسرون ... # فهذا مثل بارع من السخرية التي كانوا يقابلون بها سخرية القوم من المنطق والنجوم، ~~والكتاب على ما فيه من الصورة الهزلية يدل بين سطوره على حقائق كثيرة، منها استفاضة تلك ~~العلوم وجلالة خطرها بين المتأدبين، حتى إن رجلا كابن ثوابة بلغ من المكانة والسن ~~مبلغه يخف إلى تعلمها، ويحسب أن مروءته لا تكمل بين ذوي العلم بغير درسها، ومنها أن ~~أشياعها كانوا من الكثرة، وأن أساتذتها كانوا من التجلة والهيبة بحيث كان يعز على ابن ~~ثوابة أن يجد في مجلس رجلا واحدا يؤازره، ويرضى له أن يهين المعلم الذي جبهه بالقول ~~الخشن، واستطال عليه بالتقريع في داره. # وليس يخفى أن الهزل كالغضب كلاهما مصور مبالغ موكل بالغلو في التكبير والتصغير، فلا ~~المتشددون كانوا كما مثلهم لنا أبو حيان في دعابته وهزله، ولا المشغوفون بالحديث كانوا ms028 ~~كما مثلهم لنا ابن قتيبة في نكرانه وغضبه، بيد أننا إذا حسبنا كل حساب لمبالغة الهزل ~~ومبالغة الغضب بقيت المسافة طويلة بين الفريقين، والبرزخ الفاصل بينهما متعذر العبور ~~على تقارب الجيرة في الزمان والمكان. # وسكان دار لا تزاور بينهم # على قرب بعض في المحلة من بعض # وليس يصعب على القارئ أن يتخيل هذه الحالة بجملتها؛ لأنها أشبه شيء بما نحن فيه الآن ~~من تباعد وتقارب، واتصال في الثقافات وانفصال، أو لعل الفرق الوحيد بيننا وبينهم أن ~~عصرهم كان عصر الموالي الذين يدخلون العصبية الشعوبية في هذا الخلاف، ويجتهدون في درس ~~العلوم الحديثة لأنها تنافس العلوم العربية، وتضيف إليها ما ليس منها، وهم يودون ألا ~~يحصروا الدين والعلم والسيادة جميعا في العرب، وألا يستأثر العرب دونهم بكل مأثرة ~~وفضيلة، وقد يشعرون بهذا القصد أو لا يشعرون، ولكنهم حريون أن تميل بهم ضمائرهم هذا ~~الميل إذا وقع التنافس بين العرب والشعوبية، والتمست المفاخر من الجانبين. # الشعر # قد تكثر دراسة الآداب والعلوم ولا شعر، وقد يكثر الشعر ولا دراسة للآداب والعلوم، أما ~~القرن الثالث للهجرة فقد كان جامعا لأشتات الثقافة بفروعها، كثير الآداب والعلوم، كثير ~~الشعر، كثير المعنيين بالأشعار. # عاش في ذلك القرن - ولا سيما أوائله وأواسطه - نخبة من جلة الشعراء النابهين: كأبي ~~تمام، والبحتري، والحسين بن الضحاك، وعلي بن الجهم، ودعبل الخزاعي، وابن المعتز، وابن ~~الرومي، وعاش فيه مع هؤلاء مئات من قالة الشعر المحسنين وغير المحسنين، والمحترفين وغير ~~المحترفين، وأوشك أن يكون كل متعلم متأدب شاعرا ينظم الأبيات والمقاطع في بعض ~~أغراضه. # فالخلفاء كانوا ينظمون للغزل والغناء، والأمراء والوزراء - سواء منهم الفرس والعرب - ~~كانوا يتطارحون الأشعار، ويحفظون منها الشيء الكثير، والمنتمون إلى الفرس والأعاجم ~~كانوا أسبق إلى المنافسة في هذا المضمار؛ لينفوا عنهم تهمة العجمة ويدخلوا مع العرب في ~~ميدان الفصاحة. ومن الأمراء الفرس الذين مدحهم ابن الرومي من وضع كتابا في الشكر ~~ضمنه مختارات مما قيل في هذا المعنى، وختمه بأماديح يطري بها صديقه العلاء بن صاعد ~~على حروف المعجم، ms029 ونعني به عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، عميد بيته العريق الذي تخرج ~~منه كبار القواد والولاة. # لهذا كان ابن الرومي يقول وهو يشكو: # قد بلينا في دهرنا بملوك # أدباء علمتهم شعراء # لأنه كان يشعر بالمنافسة، ولا يشعر بالعطف من جانب هؤلاء الزملاء. ~~••• # وندر في ذلك العصر من خلا شعره من آثار الحضارة التي أجملنا وصفها فيما تقدم، فمن لم ~~تظهر في شعره المعاني الفلسفية والآراء الطريفة التي سرت إلى المتأدبين من مذاكرة علم ~~الكلام والعلوم المترجمة، ظهرت فيه محسنات اللفظ والمعنى التي كشفها البحث في أشعار ~~المتقدمين، وأدت إليها المعارضة بين أقوال الفحول، واستطلاع أسرار البلاغة فيما أجادوه، ~~ومن لم يظهر في شعره هذا وذاك ظهرت فيه تفخيمات الفرس وترصيعاتهم، وجاءته العدوى من ~~أساليب الكتاب في النثر المنمق، وأساليب التحية في المجالس، وأساليب المعيشة في ~~القصور، وربما عرضت الكلمة الفارسية في البيت العربي مما له المرادفات بالعشرات كقول ~~شاعرنا: # يا أيها الملك الذي # في برده قمر وشير # يعني الأسد. # وربما نظموا في أوزان الشعر الفارسية كالدوبيت والرباعية، أو تفننوا في التسميط ~~والتوشيح والازدواج على نحو ما نراه من كلف بعض الشعراء المعارضين باختراع الأوزان ~~والأعاريض. # وامتاز هذا العصر والذي تقدمه بما يصح أن نسميه علم الشعر تمييزا له من العناية بنظم ~~الشعر نفسه؛ فقد كان الشعراء المولدون يأتون بالمحسنات البليغة عفوا، أو محاكاة ~~للأقدمين، أو تصرفا في الاختراع، ولا يسمون هذه المحاسن بأسمائها، أو يستخرجون منها ~~علما مرتبا على أقسام، معززا بشواهد، وسبق في هذا المجال أمثال بشار ومسلم والعتابي ~~وأبو نواس، وتلاهم أبو تمام وتلامذته في أوائل القرن الثالث، ثم تمكن حب التعريف ~~والتقسيم والتخريج والتأويل من عقول الأدباء، وكتب الجاحظ وقدامة بن جعفر وابن المعتز ~~في هذه المعاني فإذا علم جديد مقيس على الشواهد معروف بالأسماء. # وما انتهى القرن الثالث حتى كانت لهم نظرة في الشعر كالنظرة التي رواها صاحب زهر ~~الآداب عن الحاتمي إذ يقول: # مثل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى ms030 انفصل واحد عن الآخر ~~وباينه في صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالمه، وقد ~~وجدت حذاق المتقدمين وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذا الحال ~~احتراسا يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان، حتى يقع الاتصال ~~ويؤمن الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها، وانتظام نسيبها ~~بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة لا ينفصل جزء منها عن جزء. وهذا ~~مذهب اختص به المحدثون لتوقد خواطرهم، ولطف أفكارهم، واعتماد البديع وأفانينه ~~في أشعارهم، وكأنه مذهب سهلوا حزنه، ونهجوا دارسه. # فأما الفحول الأوائل ومن تلاهم من المخضرمين والإسلاميين، فمذهبهم التعالم عن ~~كذا إلى كذا، وقصارى كل أحد منهم وصف ناقة بالعتق والنجابة والنجاء، وأنه ~~امتطاها فادرع عليها جلباب الليل، وربما اتفق لأحدهم معنى لطيف يتخلص به إلى ~~غرض لم يتعمده، إلا أن طبعه السليم وصراطه في الشعر المستقيم نضى تياره، وأوقد ~~باليفاع ناره. # إلى أن يقول بعد أبيات أوردها للنابغة الذبياني: # وهذا هو كلام متناسب تقتضي أوائله أواخره، ولا يتميز منه شيء عن شيء ... ولو ~~توصل إلى ذلك بعض الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعاني، وفتحوا أبواب ~~البديع، واجتنوا ثمر الآداب، وفتقوا زهر الكلام؛ لكان معجزا عجبا. # فهذه النظرة تريك أثر البديع في كتابتهم، وفي نقدهم القصيد، فأما الكتابة فهذا نمط ~~منها تكثر فيه الاستعارة مع القصد إلى معنى يراد ويفهم، وأما النقد فمذهبهم في وحدة ~~الأغراض واتصال الأجزاء لا يخالف مذهب المعاصرين إلا باستحسان التلفيق بين المديح ~~والنسيب، وعذرهم أن المديح كان قوام حياة الشاعر يومئذ؛ فما كان الاستغناء عنه ~~والاعتماد على النسيب وحده بالمستطاع. ~~••• # وغني عن القول بعد هذا أن «التنبه» كان هو السمة الغالبة على الشعر كله في ذلك ~~العصر الدائب على التفتيش والانتقاد، فكان شاعرهم ينظم القصيدة وهو واع لنفسه، عامد ~~لترتيب أبياته، عارف بمواضع التجويد في لفظه ومعناه، وتتابع الشعراء كبارهم وصغارهم ~~على هذا، فكان فيهم كل ما في هذه الطريقة من المآخذ والفضائل، ومن عناصر الضعف ~~والقوة. ~~••• # وتغيرت أغراض الشعر، فهذا الذي ms031 يقول فيه ابن قتيبة: إنه لا يعدو مدح قينة أو وصف كأس ~~...! وإنما كان هذا الإمام الناقد الذي درس الشعر ووازن بين أصوله وفصوله مستنكرا ~~مستصغرا يرى الشوهة، ويغمض عن الحسنة، ولولا ذلك لرأى أن الشعر قد كان يعدو مدح ~~القيان، ووصف الكئوس إلى أغراض كثيرة تشمل كل وصف، وتدخل في كل معرض من معارض الحياة في ~~ذلك الزمان، ولم يقل فيها إلا ما كان وقفا على أغراض البداوة، وأيام الجاهلية الأولى؛ ~~لأن هذه البداوة قلت فلم يكن لها نصيب من الشعر إلا القليل. # لكنا نخاله كان على حق فيما شكاه من شح الجوائز وكساد سوق أهل الأدب عامة عند الملوك ~~والأمراء، فاشتغال هؤلاء الملوك والأمراء بالشعر ونظمه وحفظه وروايته شيء، وإجازتهم ~~عليه الجوائز السنية شيء آخر. # إنما كانوا في عصر ثقافة يود فيه كل امرئ كامل المروءة أن يعرف كل ما يعرف من الآداب ~~والفنون والملاهي، فإذا تعلموا الشعر فكما يتعلم الرجل المثقف التوقيع على المعازف ~~والشعوذة، وطرائق التفكهة والإضحاك في مجالس السمر، ولا يلزم من ذلك أن يكون لهذه ~~الأشياء أو لأهلها المنقطعين لها خطر في نفسه. # ولا عجب أن يكثر الناظمون وحافظو الشعر في زمن كانت الوزارة فيه والكتابة - أو صناعة ~~الأدب - فنا واحدا، وشارة واحدة، وكان معظم الوزراء والولاة من الأدباء الذين ظفروا ~~بالحظوة عند الخلفاء، ولكن أمورا كثيرة طرأت في أواخر ذلك العصر كان من جرائها تطفيف ~~أرزاق الشعراء، وابتلاؤهم بكثرة النظراء وقلة النصراء، ومنها توزع العناية بين ~~العلوم الحديثة والشعر الذي كان مستأثرا بجل عناية العرب في صدر الدولة الإسلامية، ~~ومنها غلبة المنادمة على الشعر، وترجيح صفة النديم على صفة الشاعر إذا تعذر الجمع بين ~~الصفتين، ومنها قلة الاكتراث للمدح والذم حين استبحر العمران، واستفاضت المناعم ~~واللذات، وشاعت الإباحة والمجون، ومنها كثرة الشعر والشعراء، فقد أصابه وأصابهم ما يصيب ~~كل كثير من الرخص والبوار. # ومنها أن الدعوة السياسية خرجت كلها - أو أغلبها - من أيدي الشعراء إلى أيدي الدعاة، ~~الذين تفرغوا لهذه الصناعة وبلغوا بها ms032 أيام العباسيين والعلويين شأوا من البراعة ~~والإتقان قلما يفاق في عهد من العهود، ومنها اضطراب أمور الحكم واختلال أحوال الرعية ~~في أواسط القرن الثالث بين عصرين سعيدين، فات السابق ولم يأت بعده أوان اللاحق، ونعني ~~بهما عصر الهيبة والثروة والعطايا والملك الموطد المرجو المخوف، وقد ذهب، وعصر الأمراء ~~الذين تقسموا المملكة، واستقر كل منهم على جزء منها، وتنافسوا بينهم في اجتلاب الشعراء ~~والتشبه بالخلفاء، ولم يأت بعد! # فكان الشعراء ضائعين من هنا وهناك، وربما كان هذا سر خفوت الشعر وقلة الشعراء ~~المجيدين في الربع الأخير من القرن الثالث، والربع الأول من القرن الذي تلاه. # الدين والأخلاق # إذا عرفت حالة السياسة وحالة الاجتماع وحالة التفكير، فليس بالحاجة الدينية ولا ~~الخلقية خفاء. # لأن عقيدة المرء شديدة الصلة بتفكيره ومعيشته، ومجرى الأحكام في زمانه، وظاهر بعدما ~~تقدم أن الدين في القرن الثالث لم يكن «دين الفطرة» الذي يؤمن به شعب لم يعرف الترف ~~والفساد، ولم يشهد من ولاته إلا العدل والاستقامة، ولم يتعود أن يناقش نفسه في عقيدته ~~وعقيدة غيره، فنشوء المذاهب واختلاف الآراء ضرورة لا محيد عنها في أمثال تلك ~~الأحوال. # كتب ميسرة بن حسان السمري إلى أحمد بن سليمان بن أبي شيخ يسأله عن مذهبه، ولم يكن أحد ~~يقف على حقيقته: # دخلتنا الشكوك يا ابن أبي شي # خ بأي الأديان أنت تدين # وإلى أيها تميل أبا جعفر؟ # كم ذا الهوى وذا التلوين! # فأجابه عنه ابن الرومي: # يا ابن حسان لا تشكن في دي # ني ولا تقتسمك في الظنون # فهو توحيد ذي الجلال وتصدي # ق الذي بلغ الرسول الأمين ~~••• # فاعد عني وانظر لنفسك دوني # ليس يجزى سواي عما أدين # وسؤال ابن حسان له مغزاه، فما كان له من محل لو أنهم كانوا يصدقون أن الرجل في ~~زمانهم يبطن ما يظهر، ويؤمن بالدين الذين يؤمن به الناس كافة، فكأنما كان المفروض في ~~طائفة من الناس أن يطووا سرائرهم على مذهب غير مذهب الإجماع، وسر في الاعتقاد غير ~~الذي يبدونه علانية من «توحيد ذي ms033 الجلال، وتصديق الذي بلغ الرسول». # وليس بعجيب أن يكون الأمر كذلك والعهد عهد الملل والنحل والأحزاب والعصبيات والدعوات ~~والبحث والتفسير ، فما من نحلة كانت ولا شعبة من نحلة إلا كان لها أنصار، ولأنصارها شأن ~~ما في بعض الجهات، ولا سيما العراق ملتقى الأمم، ومشتجر النزاع، ومتوسط الرقعة ~~الإسلامية، ومثابة الحضارات القديمة والحديثة، وما كان أكثرها من نحل، وأشده من لهج ~~بالانتحال! لكأنما كانت بلاد الدولة العباسية معرضا للنحل، ومستبقا للمشاقة بين ~~المنتحلين! ففيه التشيع بدرجاته، والاعتزال بطوائفه، والسنة باختلاف أقوال المجتهدين ~~فيها، والفلسفة بمذاهبها، والعلوم الحديثة بشعابها، وفيه ما بين هذا وذاك أشكال من ~~التدين يجيء بها دخول الفرس والروم والديلم في الإسلام عمدا أو على غير عمد، فبعضهم ~~كان يسلم وهو في الباطن على دين آبائه، وبعضهم كان يخلص في إسلامه، ولكنه ينقل إلى ~~دينه الجديد موروثات دينه القديم، وذلك فضلا عن النصارى واليهود وعباد الأوثان، وكلهم ~~على اختلاف في المذاهب والعصبيات كهذا الاختلاف، فغير مستغرب أن يسأل المرء عن دخيلة ~~رأيه وباطن اعتقاده في هذا المعرض الحاشد بالطوائف والأديان. # إلا أننا لنخطئ أشد الخطأ إذا فهمنا من هذا أن الإباحة حلت محل الدين في تلك الفترة، ~~فتعفى أثره وبطل سلطانه؛ فإن مداراة الآراء التي تخالف الإجماع لا تدل على ذلك، بل لا ~~تدل إلا على نقيض ذلك، والمعهود في أمثال تلك الفترة أنها تقبل الغلو في التدين، كما ~~تقبل الشكوك وتعدد المذاهب، كأن الإحساس بالخطر على العقيدة يحرك بواعث الغيرة عليها، ~~ويزعج النفوس إلى المنافحة عنها، فإذا رأيت الإباحة والترخص في جانب لم تلبث أن ترى ~~الغلو والتشدد في الجانب الآخر، ولا يخفى أن هذا الجانب الآخر والأقوى والأكبر؛ لأنه ~~جانب العادة الخالدة والعدد الأكثر. # وربما لاح للناس أنهم نبذوا الدين، فما يشعرون إلا وهم يلبون دعواته، ويتعصبون لأهله، ~~ويظنون في أنفسهم أنهم غير متدينين! ولقد كان مع الترخص في إباحة اللذات أناس غالون في ~~النهي عنها يثورون على أصحابها في الحين بعد الحين؛ ليقوموا المنكر باليد واللسان. ms034 ~~ومن هؤلاء فئة ببغداد خرجت بعيد مولد ابن الرومي تهجم على البيوت، فتريق الخمر، وتضرب ~~القيان، وتكسر العيدان، وكان ينادى في بغداد قبيل وفاته - أي في سنة تسع وسبعين ~~ومائتين: «ألا يقعد على الطريق ولا في المسجد الجامع قاص، ولا منجم، ولا زاجر.» ~~وحلف الوراقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة. # بل كان ابن الرومي إذا ذكر الخمر في مديح أمير أسرع فاستدرك قائلا: إنها الشراب ~~الحلال لا الشراب الحرام: # لا المدام الحرام لكن حلال # سؤر نار يحثها طابخان # شارك الخمر في اسمها ليس إلا # أن أداموه مثلها في الدنان # وحكاها في اللون والريح والطع # م ولطف الدبيب في الجثمان # فهو لا خمر في الحقيقة لكن # هو خمر في الظن والحسبان # ومثل هذا لا يقال إلا وللدين هيبة، وللفرائض رعاية. ~~••• # وهناك الضمائر التي لا تقوى على الشك لأنها تستريح إلى التسليم والاتكال، فهي إما أن ~~تهرب من الشكوك والأقاويل إلى إيمان بسيط لا لجاجة فيه، أو تهرب منها إلى اللهو ~~والمؤانسة وما يعنيها في الحاضر بين يديها لحظة بعد لحظة، كما قال ابن المعتز: # ولكنه فيما عناه وسره # وعن غير ما يعنيه فهو بمعزل # وأصحاب هذه الضمائر - حين يحسبون - أقرب إلى المؤمنين منهم إلى المتشككين. ~~••• # وما يقال في الدين يقال في الأخلاق، فلا ريب في أن السياسة القائمة على السلب ~~والغيلة، والآداب القائمة على اغتنام الفرص وانتهاب اللذات، والعقائد القائمة على ما ~~رأيت من الشك والتشعب قلما تبقي للنفوس بقية صالحة من الأخلاق، ومسكة عاصمة من الغواية، ~~ولكننا حريون أن نذكر أن نفوس الدهماء مطبوعة على العزاء، وأن أكبر العزاء لها في هذه ~~الفترات أن تحسب الغواية والرذيلة من مساوئ الغنى والجاه، وتعتصم هي بالصبر والرجاء، ~~وفي بنية الأمة أبدا مثلما في بنية الحي من العوامل المكافحة للفساد التي لا تني تصون ~~الجسم زمنا، ولا تبرح تلهم وظائفه السداد وإن ضل العقل، وأنحى على الجسم بما ينهكه ~~ويرديه، فتظل هذه العوامل ناشطة في بنية الأمة ولو تراءى للنظر من مشارفة ms035 بعض الطبقات ~~أنها وفت في الاضمحلال؛ فلا يحسن بنا أن نبالغ في تضخيم شأن الفوضى التي ابتليت بها ~~العقائد والأخلاق في تلك الفترة الشاذة المتناقضة، فهي ولا ريب كبيرة وبيلة، ولكنها ~~ليست أكبر ولا أوبل مما قد يعتري أمما كثيرة، وتؤاتيها بعده أسباب السلامة. ~~••• # ذلك عصر ابن الرومي بخيره وشره، وزيادته ونقصه، لقائل أن يقول في أطواره ما شاء أن ~~يقول، وأن يختلف في أوصافه ما شاء أن يختلف، ولكن وصفا واحدا من تلك الأوصاف لا يجوز ~~فيه أقل اختلاف؛ ذلك أنه كان في خيره وشره عصرا حيا يصنع التواريخ، وليس بالعصر ~~الميت الذي يطويه التاريخ في ثناياه. # وقد وضعنا له حدودا من أرقام السنين لضرورة الحصر والتقريب، ولكننا لم نرد بتلك ~~الأرقام إلا أن تكون معالم في طريق الزمن يهتدى بها إلى البدايات والنهايات، وليست هي ~~البداية والنهاية، ولا هي محور الابتداء والانتهاء. # | هوامش # الفصل الثاني # | أخبار ابن الرومي # العصر والرجل # في تاريخ كل أمة عصر أو عصور اشتهرت بكثرة الذين ظهروا فيها من النوابغ والعبقريين في ~~الشعر والأدب والعلم والفن والصناعة، فيقول الذين يرجعون الفضل كله إلى العصر وحده: إن ~~أحوال العصر هي التي عليها المعول في تكوين المواهب والعبقريات. # وفي تاريخ كل أمة أيضا نوابغ وعبقريون ظهروا في مختلف العصور على تفاوت الأحوال بين ~~عصر وعصر، وبيئة وبيئة، فيقول الذين يرجعون الفضل كله إلى ملكة الفرد واستعداده: إن ~~العصر لا يغني شيئا في تكوين المواهب والعبقريات، أو إنه - إذا لم تسعف الموهبة ~~والعبقرية - قليل الغناء. # ونحن يجب أن نحذر كل فكرة يراد بها أن تخدم فكرة أخرى، فهي تفقد استقلالها كله أو ~~بعضه، كما يفقد استقلاله كل من يخدم سواه، إنما تحترم الفكرة إذا أريدت لنفسها ولم ~~ترد لتأييد فكرة هي مضافة إليها. # فيغلب على الذين يحصرون الفضل في العصر وحده أنهم يدعون إلى الاجتماعية والاشتراك في ~~مرافق الأمة، فيقللون من شأن الأفراد في الوصول إلى حظ من حظوظ العلم والمال بغير ~~مساعدة المجتمع ومؤاتاة الحوادث. # ويغلب ms036 على الذين يحصرون الفضل في الفرد وحده أنهم ينازعون أصحاب ذلك الرأي، وينظرون ~~إلى تفنيده وتوهينه لإبطال ما يدعو إليه . # فهم مخطئون وأصحابهم أولئك مخطئون، ولا يرجى الإخلاص وصدق التحري في فكرة مسخرة تساق ~~في ذيل مذهب تعتمد عليه، أو يعتمد هو عليها، فلا العصر هو كل شيء، ولا الموهبة الفردية ~~هي كل شيء. والأمر الذي لا مراء فيه هو أن العصر لا يخلق الموهبة إذا هي لم توجد في ~~صاحبها، وأن بعض العصور من الجهة الأخرى أصلح لإظهار المواهب والعبقريات. # ثم إن العصر إذا لم يخلق الموهبة خلقا، فهو بلا ريب يوجهها ويهيئ لها أسباب تمامها ~~واستوائها، بحيث يسهل علينا أن نفهم كيف أن عبقرية من العبقريات تهتدي على وجهتها في ~~زمن، ولا تهتدي إليها في زمن آخر، وكيف أن رجلا يكون صانعا في هذا العصر أو ذاك، وهو ~~لو ولد في غيره لكان من الأدباء أو السواس. # ولا فائدة هنا من البحث في مصير ابن الرومي: ماذا كان يلقى؟ وماذا كان يصبح لو أنه ~~ولد في غير القرن الثالث للهجرة؟ فقد ينبغ أو لا ينبغ، إلا أن المحقق عندنا أنه في أي ~~عصر ظهر لا يكون إلا شاعرا، أو صاحب عمل فني بسبيل من الشاعرية؛ فقد نتخيل أبا تمام ~~مثلا قاضيا، والبحتري عاملا، والمتنبي وزيرا، والمعري فقيها، والشريف خليفة أو ~~إماما من أئمة الطرق، وقد نتخيلهم جميعا ظاهرين بارزين في غير هذه الأعمال التي ~~يزاولها أبناء الدنيا، ويفلحون فيها على درجات من الفلاح، فهم يصلحون لها ولغيرها بعض ~~الصلاح، وإن كانوا مع هذا شعراء وذوي قدم في مناهج الشاعرية. # أما ابن الرومي فهو لا يصلح إلا للشعر وما إليه، ولا ينفعه العصر إن لم ينفعه في هذا ~~المجال، فإذا تمهد له الشعر فقد استوى على نهجه، وإذا لم يكن شاعرا فهو لا شيء. # والعصر الذي عاش فيه كان صالحا لظهور ابن الرومي أيما صلاح: كان صالحا لظهور ابن ~~الرومي الشاعر؛ لأنه كان عصرا حيا حافلا بأشتات الحياة وألوان ms037 الإحساس مشغولا ~~بالشعر والعلم، وكل ما تشتغل به قريحة أو سليقة، وكان فيما عدا ذلك عصر الموالي، أو ~~عصرا للموالي فيه نصيب وافر من التعلم والتأدب والتربية التي تعد صاحبها للسبق في ~~كل مضمار، كان لهذا عصرا صالحا لظهور ابن الرومي الشاعر الذي لا متقدم له في غير ~~الشاعرية. # ولكن أتراه كان ذلك عصرا صالحا لظهور ابن الرومي «الرجل» الذي لم تبق منه الشاعرية ~~بقية لمسعاة ولا لتصرف؟ # لا، لم يكن ذلك العصر صالحا لابن الرومي الرجل كما كان صالحا لابن الرومي الشاعر، ~~بل لم يكن ذلك العصر إلا عصر مضيعة له ولأمثاله الذين خلقوا في هذه الدنيا وكأنهم ~~أطفال في حجر الفن، لا يكفلون أنفسهم إن لم تلحظهم من الدنيا كفالة ساهرة. # فكانت قسمته تلك من غرائب القسم التي تتنازع الإنسان بين النقيضين كأنه جسم مشدود ~~للتعذيب بين قطبين متجاذبين. # فمن جهة هو في زمنه الذي لم يخلق لغيره، ومن جهة هو في الزمن الوحيد الذي لم يخلق ~~له، ولم يتزود له بآلة: ابن الرومي الشاعر في عصر الحياة والإحساس والدراسة والموالي ~~فهو بخير، وابن الرومي الرجل في عصر الدهاء والخبث والصراع الجهنمي، فهو بشر ما يكون ~~عليه مثله، ولا سبيل إلى الافتراق بين الشخصين، ولا سبيل كذلك إلى التوفيق بينهما على ~~حال! # لو كان ابن الرومي شاعرا وشيئا آخر لكان قمينا أن يرضى بعصره، وأن يرضى به عصره، ~~لو كان شاعرا ورجلا يحسن الخوض في معترك العيش بين تلك الفتن والمغامرات لاتقى بعض ~~الإخفاق على الأقل، وارتجى بعض النجاح، لكنه كان شاعرا وحسب، ولم يكن له زاد آخر غير ~~السليقة الفنية! فجنى الشاعر على الرجل، ولم يسعد الشاعر بما جناه. ومن هناك ذلك ~~التفاوت بين نصيب شعره ونصيب شخصه، وذلك الخطأ في تقدير مكانه وسمعته؛ فهو خامل وليس ~~بخامل، وهو نابه وليس له نصيب النباهة! شعره نافق، وقائل الشعر كاسد، وربما عابوا شعره ~~في حياته وأكثروا من عيبه، ولكنك بيسير من النظر قد ترى أنهم لم يقصدوا بالعيب ms038 الشعر ~~كما قصدوا القائل وإن كان في الشعر ما يعاب! # فالذين سبق إليهم أن ابن الرومي كان مجهول القدر في حياته وبعد مماته، إنما نظروا إلى ~~إحدى صفحتيه ولم ينظروا إلى الصفحة الأخرى؛ إنما كان خمول الرجل أنه لم ينتفع بمعرفة ~~الناس إياه لا أنه لم يعرف، وربما كان له خمول آخر؛ وهو أنه لم يعرف بأحسن مزاياه، ~~أما أنه قد عرف، فذلك حق لا شك فيه. # وقد ازداد الناس معرفة به بعد موته كما اتفق كثيرا لمعظم الأدباء والعلماء؛ فقال ~~العميدي - صاحب الإبانة، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة - وهو يذكر المتنبي: «ولا ~~أقيسه في امتداد النفس، وعلم اللغة، والاقتدار على ضروب الكلام وتصوير المعاني العجيبة، ~~والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي.» وقال ابن رشيق - ~~صاحب العمدة، المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة: «أكثر المولدين اختراعا وتوليدا فيما ~~يقول الحذاق أبو تمام وابن الرومي.» وقال ابن سعيد المغربي - المتوفى سنة ثلاث ~~وسبعين وستمائة - في كتابه عنوان المرقصات والمطربات: «ويقولون: إنه أحق الناس باسم ~~شاعر لكثرة اختراعه وحسن توليده.» وذكر وفاته ابن الأثير - المتوفى سنة ثلاثين وستمائة ~~- فقال: «إن ديوانه معروف.» أي أن هذا الديوان كان متداولا في أيدي الأدباء إلى أيامه، ~~ونظر إلى معانيه كثير من فحول الشعراء والأدباء منهم: المتنبي، وبديع الزمان، والمعري، ~~والشريف، وشاعت مختاراته في كتب الأدب، فلم يخل منه إلا قليل. # أما أخباره فقد عني بكتابتها وروايتها اثنان من أدباء عصره؛ وهما: عبيد الله بن ~~المسيب، وأبو عثمان الناجم، وثالث هو أحمد بن عمار، قال ابن المسيب: إنه لما مات ابن ~~الرومي «عمل كتابا في تفضيله ومختار شعره، وجلس يمليه على الناس». # ويظهر أن أبا عثمان سعيد بن هاشم الخالدي، من أدباء القرن الرابع، توسع في ترجمته إما ~~في كتابه حماسة المحدثين، أو في كتاب مقصور عليه، ولكن أخباره هذه ذهبت كلها، ولم يبق ~~منها أثر إلا متفرقات في الكتب لا تغني في ترجمة وافية، ولا شبيهة بالوافية، وهي على ~~قلتها لا يسعنا إغفالها، ولا ms039 يسعنا كذلك أن نعتمد عليها ونقبلها على علاتها. # فنحن ننقلها كما هي فيما يلي، ثم نعقب عليها ونستخرج منها ما في الوسع أن نستخرجه ~~من ترجمة للرجل تدل عليه، وتستحضر للذهن صورة لعبقريته، ومثلنا في ذلك كمثل المنقبين في ~~المحفورات إذ يعثرون ببعض العظام المهشمة من جسم مدثور، فهم يقيسون المفقود على ~~الموجود، ويضنون بما وجدوه على الضياع ولو لم يكن به قوام. # أخبار ابن الرومي # ولد ابن الرومي - كما جاء في ابن خلكان - يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا ~~من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين ببغداد، في الموضع المعروف بالعقيقة ودرب الختلية في ~~دار بإزاء قصر عيسى بن جعفر بن المنصور. # وبحثنا كثيرا في الكتب التي عثرنا على شيء من أخباره فيها، فلم نجد ذكرا لأبويه ~~وأهله، ولا لأيام حداثته وتعليمه، وانقطعت أخباره في هذه الفترة، فلم تقع لنا إلا ~~النوادر التي رويت عنه، وهو شاعر لا تعرف سنه إلا بالنظر إلى تواريخ الوقائع التي وردت ~~في شعره، فجاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي أثناء الكلام على أحمد بن عبيد الله بن ~~محمد بن عمار: ~~... ووجدت في كتاب ألفه أبو الحسن علي بن عبيد الله بن المسيب الكاتب في أخبار ~~ابن الرومي، وكان ابن المسيب هذا صديقا لابن الرومي وخليطا له قال: كان أحمد ~~بن محمد بن عبيد الله بن عمار - هكذا قال في نسبه بتقديم محمد علي عبيد الله - ~~صديقا لابن الرومي كثير الملازمة له، وكان ابن الرومي يعمل له الأشعار وينحله ~~إياها يستعطف بها من يصحبه، وكان ابن عمار محدودا فقيرا وقاعة في الأحرار، ~~وكان أيام افتقاره شديد السخط لما تجري به الأقدار في آناء الليل والنهار، حتى ~~عرف بذلك، فقال له علي بن العباس بن الرومي يوما: يا أبا العباس، قد سميتك ~~العزير، قال له: وكيف وقعت لي على هذا الاسم؟ قال: لأن العزير خاصم ربه بأن ~~أسال من دماء بني إسرائيل على يدي بختنصر سبعين ألف دم، فأوحى الله: لئن لم ~~تترك مجابهتي في ms040 قضائي لأمحونك من ديوان النبوة! وقال فيه: # وفي ابن عمار عزيرية # يشارك الله بها في القدر # لم كان ما كان ولم لم يكن # ما لم يكن، فهو وكيل البشر # إلخ إلخ. # وكتب ابن الرومي إلى أحمد بن محمد بن بشر المرثدي قصيدة يمدحه بها، ويهنئه بمولود ولد ~~له، ويحضه على بر ابن عمار والإقبال عليه يقول فيها: # ولي لديكم صاحب فاضل # أحب أن يرعى وأن يصحبا # إلخ إلخ. # قال: «وصار محمد بن داود بن الجراح يوما إلى ابن الرومي مسلما عليه، فصادف عنده ~~أبا العباس أحمد بن محمد بن عمار، وكان من الضيق والإملاق في النهاية، وكان علي بن ~~العباس مغموما به، فقال محمد بن داود لابن الرومي ولأبي عثمان الناجم: لو صرتما إلي ~~وكثرتما بما عندي لأنس بعضنا ببعض، فأقبل ابن الرومي على محمد بن داود فقال: أنا في ~~بقية علة، وأبو عثمان مشغول بخدمة صاحبه - يعني إسماعيل بن بلبل - وهذا أبو العباس بن ~~عمار له موضع من الرواية والأدب، وهو على غاية الإمتاع والإيناع بمشاهدته، وأنا أحب أن ~~تعرف مثله، وفي العاجل خذه معك لتقف على صدق القول فيه. # فأقبل محمد بن داود على أحمد بن عمار، وقال له: تفضل بالمصير إلي في هذا اليوم. ~~وقبله قبولا ضعيفا، فصار إليه ابن عمار في ذلك اليوم ورجع إلى ابن الرومي فقال: إني ~~أقمت عند الرجل وبت، وأريد أن تقصده وتشكره وتؤكد أمري معه - ومحمد بن داود في هذا ~~الوقت متعطل ملازم منزله - فصار إليه وأكد له الأمر معه، وطال اختلافه إليه إلى أن ~~ولي عبيد الله بن سليمان وزارة المعتضد، واستكتب محمد بن داود الجراح وأشخصه معه وقد ~~خرج إلى الجبل، ورجع وقد زوجه بعض بناته وولاه ديوان المشرق، فاستخرج لابن عمار أقساطا ~~أغناه بها، وأجرى عليه أيضا من ماله، ولم يزل يختلف إليه أيام حياة محمد بن ~~داود. # وكان السبب في أن نعشه الله بعد العثار وانتاشه من الإقتار ابن الرومي، فما شكر ذلك ~~له، وجعل يتخلفه ويعيبه، ms041 وبلغ ابن الرومي ذلك فهجاه بأهاج كثيرة ... قال ابن المسيب: ومن ~~عجيب أمر عزير هذا أنه كان ينتقص ابن الرومي في حياته، ويزري على شعره، ويتعرض لهجائه، ~~فلما مات ابن الرومي عمل كتابا في تفضيله ومختار شعره، وجلس يمليه على الناس.» # وجاء في الجزء الأول من العمدة لابن رشيق: # وهجا ابن الرومي البحتري - وابن الرومي من علمت - فأهدى إليه تخت متاع وكيس ~~دراهم، وكتب إليه ليريه أن الهدية ليست تقية منه ولكن رقة عليه، وأنه لم ~~يحمله على ما فعل إلا الفقر والحسد المفرط: # شاعر لا أهابه # نبحتني كلابه # إن من لا أعزه # لعزيز جوابه # وروى المرزباني في الموشح أن عبد الله بن يحيى العسكري أخبره عن أبي عثمان سعيد بن ~~الحسن الناجم، أن البحتري قال له: # أشتهي أن أرى ابن الرومي! قال: فوعدته ليوم بعينه، وسألت ابن الرومي أن يصير ~~إلي فيه، فأجابني إلى ذلك، فلما حصل ابن الرومي عندي وجهت إلى البحتري فصار ~~إلي، فقال له البحتري: قد أقرأني أبو عيسى بن صاعد قصيدة لك في أبيه، وسألني عن ~~الثواب عنها، فقلت: أعطوه لكل بيت دينارا، ثم تحدثا، فقال البحتري: عزمت على ~~أن أعمل قصيدة على وزن قصيدة ابن الرومي الطائية في الهجاء، فقال له ابن ~~الرومي: إياك والهجاء يا أبا عبادة، فليس من عملك وهو من عملي، فقال له: ~~نتعاون. وعمل البحتري ثلاثة أبيات، وعمل ابن الرومي ثمانية، فلم يلحقه البحتري ~~في الهجاء، وكان اجتماعهما عندي سببا للمودة بينهما. # وروى المرزباني أيضا في الموشح: # أخبرني محمد بن يحيى قال: كنت يوما عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، ~~فذكرنا قصيدة ابن الرومي في أبي الصقر التي أولها: «أجنت لك الوجد أغصان ~~وكثبان»، فقال عبيد الله: هي دار البطيخ! فضحك الجماعة، فقال: اقرءوا تشبيبها ~~فانظروا؛ هي كما قلت! قال محمد: وقد ملح عبيد الله وظرف، وهذه القصيدة أكثر من ~~مائتي بيت مر له فيها إحسان كثير، ومن تشبيبها مما يدل على قول عبيد ~~الله: # أجنت لك الوجد ms042 أغصان وكثبان # فيهن نوعان تفاح ورمان # وفوق ذينك أعناب مهدلة # سود لهن من الظلماء ألوان # وتحت هاتيك عناب يلوح به # أطرافهن قلوب القوم قنوان # غصون بان عليها الدهر فاكهة # وما الفواكه مما يحمل البان # ونرجس بات ساري الطل يضربه # وأقحوان منير النور ريان # ألفن من كل شيء طيب حسن # فهن فاكهة شتى وريحان # فلما سمع أبو الصقر قوله: # هذا الذي حكمت قدما بسؤدده # عدنان ثم أجازت ذاك قحطان # قالوا: أبو الصقر من شيبان، قلت لهم: # كلا - لعمري - ولكن منه شيبان # قال: هجاني والله! قيل له: هذا من أحسن المديح، اسمع ما بعده: # وكم أب قد علا بابن ذرى شرف # كما علا برسول الله عدنان # فقال: أنا بشيبان، ليس شيبان بي، قيل له: فقد قال: # ولم أقصر بشيبان التي بلغت # بها المبالغ أعراق وأغصان # لله شيبان، قوم لا يشيبهم # روع إذا الروع شابت منه ولدان # فقال: «والله لا أثيبه على هذا الشعر وقد هجاني فيه.» قال الشيخ أبو عبيد الله ~~المرزباني - رحمه الله تعالى: «وهذا ظلم من أبي الصقر لابن الرومي، وقلة علم منه بالفرق ~~بين الهجاء والمديح.» # وجاء في الجزء الثاني من زهر الآداب أن علي بن العباس الرومي كان مفرط الطيرة شديد ~~الغلو فيها، قال عبد الله بن المسيب: وكان يحتج لها ويقول: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يحب ~~الفأل، ويكره الطيرة، أفتراه كان يتفاءل بالشيء ولا يتطير من ضده؟ ويقول: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # مر برجل وهو يرحل ناقة ويقول: يا ملعونة. فقال: لا يصحبنا ملعون. وأن عليا - ~~رضى الله عنه - كان لا يغزو غزاة والقمر في العقرب، ويزعم أن الطيرة موجودة في الطباع ~~قائمة فيها، وأن بعض الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض، وأن الأكثر في الناس إذا لقي ~~ما يكرهه قال: على وجه من أصبحت اليوم؟ فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد ~~أهدي إلي عدة من جواري القيان، وكانت فيهن صبية حولاء، وعجوز في إحدى عينيها نكتة، ~~فتطير ms043 من ذلك، ولم يظهر لي أمره، وأقام باقي يومه، فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت لي ~~ابنة من بعض السطوح ، وجفاه القاسم بن عبيد الله، فجعل سبب ذينك المعينين المغنيتين، ~~وكتب إلي: # أيها المحتفي بحول وعور # أين كانت منك الوجوه الحسان؟ # قد - لعمري - ركبت أمرا مهينا # ساءني فيك أيها الخلصان # فتحك المهرجان بالحول والعو # ر أرانا ما أعقب المهرجان # كان من ذاك فقدك ابنتك الحر # ة مصبوغة بها الأكفان # وتجافي مؤمل لي جليل # لج فيه الجفاء والهجران # قلما غاب من أمورك عنوا # ن مبين، وللزمان لسان # لا تكن بالهوى تكذب بالأخ # بار حتى تهين ما لا يهان # لا يقدك الهوى إلى نصرة الأخ # بار حتى يقدم البرهان # إن عقبى الهوى هوى وعقبى # طول تلك المهونات هوان # لا تصدق عن النبيين إلا # بحديث يلوح فيه البيان # خبر الله إن مشأمة كا # نت لقوم وخبر القرآن # أفزور الحديث تقبل، أم ما # قاله ذو الجلال والفرقان؟ # أترى من يرى البشير بشيرا # يمتري في النذير يا وسنان؟ # فدع الهزل والتضاحك بالطي # رة والنصح مثمن مجان # جاء في ذلك الجزء بعد ذلك: # وكان أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، غلام أبي العباس المبرد، في عصر ابن ~~الرومي شابا مترفا ومليحا مستظرفا، وكان يعبث به؛ فيأتيه بسحر فيقرع ~~الباب، فيقال له: من؟ فيقول: قولوا لأبي الحسن: مرة بن حنظلة! فيتطير لقوله ~~ويقيم الأيام لا يخرج من داره، وذلك كان سبب هجائه إياه ... فاعتذر إليه، وتشفع ~~عنده بجماعة من أهل بغداد - وكان الأخفش أكثر الناس إخوانا - فقبل عذره ومدحه ~~بقصيدته التي يقول فيها: # ذكر الأخفش القديم فقلنا: # إن للأخفش الحديث لفضلا # إلخ إلخ، ثم عاد علي بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أن رجلا عرض عليه قصيدة ~~من شعره فطعن عليها، فقال قصيدته التي يقول فيها: # ما بلغت بي الخطوب رتبة من # تفهم عنه الكلاب والقرده # ولا أنا المفهم البهائم والط # ير سليمان قاهر المرده # فإن يقل إنني حفظت فكالد # فتر جهلا بكل ما اعتقده # سأسمع الناس ms044 ذمه أبدا # ما سمع الله حمد من حمده # وفي الوقائع بينه وبين الأخفش يقول الزبيدي تلميذ أبي علي القالي - وهو صاحب طبقات ~~النحويين، المتوفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة: «حدثني أبو علي قال: كان علي بن العباس ~~الرومي لا يدع التطير والتفاؤل في جميع حركاته وتصرفه، وكان علي بن سليمان الأخفش قد ~~أولع باعتراضه في مخارجه فيما يتطير به، فربما صرفه بذلك عن وجهه، وربما دق عليه الباب ~~فإذا قال: من أنت؟ قال: الشؤم والبلاء! فلا يبرح علي بن العباس يوم ذاك، فلما شق عليه ~~ذلك هجاه فأقذع في هجائه، فكان الأخفش يستعمل حفظ هجائه، ثم يمليه فيما يملي من الأخبار ~~والأشعار على أصحابه، فلما رأى علي بن العباس أن الأخفش لا يألم لهجائه أقصر ~~عنه.» # ويقول صاحب العمدة في هذه الوقائع بينه وبين الأخفش: «وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، ~~وجعله مثلة بين أصحابه، على أن الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات ~~وقد وسمه وسمة الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر.» # والأقوال في طيرة ابن الرومي كثيرة، منها ما استطرد إلى ذكره صاحب زهر الآداب، حيث ~~قال بعيد ما أسلفنا نقله: # ولابن الرومي في الأخفش إفحاش صنت الكتب عنه، قال علي بن إبراهيم كاتب مسروق ~~البلخي: كنت بداري جالسا فإذا حجارة سقطت بالقرب مني، فبادرت هاربا وأمرت ~~الغلام بالصعود إلى السطح والنظر إلى كل ناحية: من أين تأتينا الحجارة؟ فقال: ~~امرأة من دار ابن الرومي الشاعر قد تشوفت وقالت: اتقوا الله فينا واسقونا جرة ~~ماء وإلا هلكنا؛ فقد مات من عندنا عطشا. فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ~~ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت وبادرت بالجرة، وأتبعتها شيئا من ~~المأكولات، ثم عادت إلي فقالت: ذكرت المرأة أن الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب ~~طيرة ابن الرومي؛ وذلك أنه يلبس ثيابه كل يوم ويتعوذ، ثم يصير إلى الباب ~~والمفتاح معه، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان ~~نازلا بإزائه، وكان أحدب يقعد كل يوم ms045 على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه ~~وقال: لا يفتح أحد الباب. # فعجبت لحديثها، وبعثت بخادم كان لي يعرفه ، فأمرته بأن يجلس بإزائه، وكانت ~~العين تميل إليه، وتقدمت إلى بعض أعواني أن يدعوا الجار الأحدب، فلما حضر عندي ~~أرسلت وراءه غلامي لينهض إلى ابن الرومي ويستدعيه الحضور، فإني لجالس ومعي ~~الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطرسوسي ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتمد، ودخل ابن ~~الرومي، فلما تخطى عتبة باب الصحن عثر، فانقطع شسع نعله، فدخل مذعورا، وكان ~~إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدل على تغير حال، فدخل وهو لا يرى جاره ~~المتطير منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شيء في خروجك أحسن من مخاطبتك ~~للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟ فقال: قد لحقني ما رأيت من العثرة لأني فكرت أن ~~به عاهة وهي قطع أنثييه! قال برذعة: وشيخنا يتطير؟! قلت: نعم ويفرط، قال: ومن ~~هو؟ قلت: علي بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده: # ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه # بتفريق ما بيني وبين الحبائب # رجعت إلى نفسي فوطنتها على # ركوب جميل الصبر عند النوائب # ومن صحب الدنيا على جور حكمها # فأيامه محفوفة بالمصائب # فخذ خلسة من كل يوم تعيشه # وكن حذرا من كامنات العواقب # ودع عنك ذكر الفأل والزجر واطرح # تطير جار أو تفاؤل صاحب # فبقي ابن الرومي باهتا ينظر إليه، ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم ~~قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومي لا يتطير أبدا من هذا ولا من غيره، ~~وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطير، فأمسك. وعجب من جودة الشعر ~~ومعناه وحسن مأتاه، فقلت له: ليتنا كتبناه! قال: اكتبه؛ فقد حفظته. وأملاه ~~علي. # ومن شدة حذره وعظيم تطيره قوله لأبي العباس بن ثوابة وقد ندبه إلى الخروج ~~إليه وركوب دجلة: # حضضت على حطبي لناري فلا تدع # لك الخير تحذيري شرور المحاطب # ومن يلق ما لاقيت في كل محنة # من الشوك يزهد في الثمار الأطايب # أذاقتني الأسفار ما ms046 كره الغنى # إلي وأغراني برفض المطالب # ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة # رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب # فصبري على الإقتار أيسر مطلبا # علي من التغرير بعد التجارب # إلخ إلخ. # وهي طويلة وفيما مر كفاية تنبئ عنه وتدل عليه، ولو مددت أطناب الاختيار لتتبع هذا ~~النحو من شعره لخرجت عن غرض الكتاب. # وفي الجزء الأول من العمدة أنه: «كان كثير الطيرة ربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف ~~تطيرا بسوء ما يراه ويسمعه، حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده، فأعلم بحاله في ~~الطيرة، فبعث إليه خادما اسمه إقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبته للركوب قال للخادم: ~~انصرف إلى مولاك! فأنت ناقص، ومعكوس اسمك لابقا ... وابن الرومي القائل: الفأل لسان ~~الزمان، والطيرة عنوان الحدثان، وله فيه احتجاجات وشعر كثير.» # وقال علي بن عبد الرحمن العباسي - صاحب معاهد التنصيص، المتوفى سنة ثلاث وستين ~~وتسعمائة: «كان كثير التطير جدا، وله فيه أخبار غريبة، وكان أصحابه يعبثون به فيرسلون ~~إليه من يتطير من اسمه، فلا يخرج من بيته أصلا، ويمتنع من التصرف سائر يومه، فأرسل ~~إليه بعض أصحابه يوما بغلام حسن الصورة اسمه حسن، فطرق الباب عليه فقال: من؟ قال: حسن، ~~فتفاءل به وخرج، وإذا على باب داره حانوت خياط قد صلب عليها درفتين كهيئة اللام ألف، ~~ورأى تحتها نوى تمر، فتطير وقال: هذا يشير بأن لا تمر، ورجع ولم يذهب معه. وكان الأخفش ~~علي بن سليمان قد تولع به فكان يقرع عليه الباب إذا أصبح، فإذا قال: من القارع؟ قال: ~~مرة بن حنظلة! ونحو ذلك من الأسماء التي يتطير بذكرها، فيحبس نفسه في بيته ولا يخرج ~~يومه أجمع، وكتب إليه ينهاه ويتوعده بالهجاء.» # وجاء في هذا الكتاب قبل ذلك: ... حكى ابن درستويه أن لائما لامه فقال له: لم لا تشبه ~~كتشبيهات ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ فقال: ألا تنشدني شيئا من قوله الذي استعجزتني عن ~~مثله؟ فأنشده قوله في الهلال: # انظر إليه كزورق من فضة # قد أثقلته حمولة من عنبر # فقال له: زدني. فأنشده قوله ms047 في الآذريون الأصفر، وهو زهر أصفر في وسطه خمل أسود، وليس ~~بطيب الرائحة، والفرس تعظمه بالنظر إليه وفرشه في المنزل : # كأن آذريونها # والشمس فيه كالية # مداهن من ذهب # فيها بقايا غالية # فصاح وا غوثاه! تالله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها! ذاك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ~~ابن خليفة، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظر إذا أنا وصفت ما أعرف: أين يقع قولي من الناس؟ ~~هل لأحد قط مثل قولي في قوس الغمام: # وساق صبيح للصبوح دعوته # فقام وفي أجفانه سنة الغمض # يطوف بكاسات العقار كأنجم # فمن بين منقض علينا ومنفض # وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا # على الجود كنا والحواشي على الأرض # يطرزها قوس السحاب بأخضر # على أحمر في أصفر إثر مبيض # كأذيال خود أقبلت في غلائل # مصبغة والبعض أقصر من بعض # وبعضهم ينسبها لسيف الدولة بن حمدان، منهم صاحب اليتيمة. # وقولي في صانع الرقاق: # إن أنس لا أنس خبازا مررت به # يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر # ما بين رؤيتها في كفه كرة # وبين رؤيتها قوراء كالقمر # إلا بمقدار ما تنداح دائرة # في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر # وقولي في قالي الزلابية: # ومستقر على كرسيه تعب # روحي الفداء له من منصب نصب # رأيته سحرا يقلي زلابية # في رقة القشر والتجويف كالقصب # كأنما زيته المقلي حين بدا # كالكيمياء التي قالوا ولم تصب # يلقى العجين لجينا من أنامله # فيستحيل شبابيكا من الذهب # وفي الجزء الثاني من زهر الآداب: «كان ابن الرومي منهوما في المآكل، وهي التي قتلته، ~~وكان معجبا بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة لا تنقطع، ~~فبعث إليه يوم سبت ثم قطعه، فقال: # ما لحيتاننا جفتنا وأنى # أخلف الزائرون منتظريهم # جاء في السبت زورهم فأتينا # من حفاظ عليه ما يكفيهم # وجعلناه يوم عيد عظيم # فكأنا اليهود أو نحكيهم # وأراهم مصممين على الهج # ر، فلم يسخطون من يرضيهم؟ # قد سبتنا وما أتتنا وكانوا # يوم لا يسبتون لا تأتيهم؟ # فاتصل ذلك بالناجم فكتب إلى ابن الرومي: # أبا حسن ms048 أنت من لا نزال # نحمد في الفضل رجحانه # فكم تحسن الظن بالمرثدي # وقد قلل الله إحسانه! # ألم تدر أن الفتى كالسراب # إذا وعد الوعد إخوانه؟ # فبحر السراب يفوت القلوب # فقل في طلابك حيتانه! # وخرج ابن الرومي إلى بعض المتنزهات، وقصدوا كرما رازقيا فشربوا هناك عامة يومهم، ~~وكانوا يتهمونه في شعره، فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئا، فقال: لا ~~تريموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته: # ورازقي مخطف الخصور # كأنه مخازن البلور # إلخ إلخ.» # وفي الجزء الأول من هذا الكتاب: وكان ابن الرومي لا يزال معتما، وكان يغضب إذا سئل ~~عن ذلك، وسأله بعض الرؤساء: لم تعتم؟ فقال بديها: # يا أيها السائلي لأخبره # عني: لم لا أراك معتجرا؟ # أستر شيئا لو كان يمكنني # تعريفه السائلين ما سترا # وقد بين العلة التي أوجبت اعتمامه في قوله: # تعممت إحصانا لرأسي برهة # من القر يوما والحرور إذا سفع # فلما دهى طول التعمم لمتي # وأودى بها بعد الإطالة والفرع # عزمت على لبس العمامة حيلة # لتستر ما جرت علي من الصلع # فيا لك من جان علي جناية # جعلت إليه من جنايته الفزع! # وأعجب شيء كان دائي جعلته # دوائي على عمد، وأعجب بأن نفع! # وفي الجزء الثالث من هذا الكتاب: قالوا: وكان الناس يتشوقون إلى أوطانهم ولا يفهمون ~~العلة في ذلك حتى أوضحها علي بن العباس الرومي، في قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر ~~يستعديه على رجل من التجار يعرف بابن أبي كامل أجبره على بيع داره، واغتصبه بعض جدرها ~~بقوله: # ولي وطن آليت ألا أبيعه # وألا أرى غيري له الدهر مالكا # عمرت به شرخ الشباب منعما # بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا # وحبب أوطان الرجال إليهم # مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم # عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # فقد ألفته النفس حتى كأنه # لها جسد إن بان غودر هالكا # إلخ إلخ. # وقال علي بن عبد الكريم النصيبي: أتاني أبو الحسن بن الرومي بقصيدته هذه، وقال: ~~أنصفني وقل الحق، أيهما أحسن قولي في ms049 الوطن أو قول الأعرابي: # أحب بلاد الله ما بين منعج # إلي وسلمى أن يصوب سحابها # بلاد بها نيطت علي تمائمي # وأول أرض مس جلدي ترابها # فقلت: بل قولك؛ لأنه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة التي أوجبت ذلك ... # وتخلف سليمان عن نصرة ابن الرومي، فذاك الذي هاجه على هجائه، فمن ذلك قوله وقد خرج في ~~بعض الوجوه فرجع مهزوما: # جاء سليمان بني طاهر # فاهتاج معتز بني المعتصم # كأن بغداد وقد أبصرت # طلعته نائحة تلتدم # مستقبل منه ومستدبر # وجه بخيل وقفا منهزم # وقال: # قرن سليمان قد أضر به # شوق إلى وجهه سيتلفه # كم يعد القرن باللقاء! وكم # يكذب في وعده ويخلفه! # لا يعرف القرن وجهه ويرى # قفاه من فرسخ فيعرفه! # وقال المعري في رسالة الغفران: «أما ابن الرومي فهو أحد من يقال: إن أدبه كان أكثر من ~~عقله، وكان يتعاطى علم الفلسفة، واستعار من أبي بكر بن السراج كتابا فتقاضاه به، فقال ~~ابن الرومي: لو كان المشتري حدثا لكان عجولا. والبغداديون يدعون أنه متشيع ~~ويستشهدون على ذلك بقصيدته الجيمية، وما أراه إلا على مذهب غيره من الشعراء، ومن أولع ~~بالطيرة لم ير فيها من خيرة.» # أما وفاته ففيها يقول المسعودي في كتابه مروج الذهب: «وممن أهلك القاسم بن عبيد الله ~~على ما قيل بالسم في خشكنانجة علي بن العباس بن جريج الرومي، وكان منشؤه ببغداد ~~ووفاته بها، وكان من مختلقي معاني الشعراء، والمجودين في القصير والطويل، متصرفا في ~~المذاهب تصرفا حسنا، وكان أقل أدواته الشعر ... وكان ابن الرومي الأغلب عليه من الأخلاط ~~السوداء، وكان شرحها نهما، وله أخبار تدل على ما ذكرناه من هذه الجمل مع أبي سهل ~~إسماعيل النوبختي وغيره من آل النوبخت.» # واختلفت الروايات في قتله، فقال الشريف المرتضي في أماليه: # أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي قال: ~~حدثني الباقطاني، قال: اتصل بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر علي بن العباس ~~الرومي وكثرة مجالسته لأبي الحسين القاسم ابنه، وسمع شيئا من ms050 أهاجيه، فقال ~~لأبي الحسين: قد أحببت أن أرى ابن روميك هذا. فدخل يوما عبيد الله إلى أبي ~~الحسين وابن الرومي عنده، فاستنشده من شعره فأنشده وخاطبه، فرآه مضطرب العقل ~~جاهلا، فقال لأبي الحسين بينه وبينه: إن لسان هذا أطول من عقله، ومن هذه صورته ~~لا تؤمن عقاربه عند أول عتب، ولا يفكر في عاقبته، فأخرجه عنك! فقال: أخاف حينئذ ~~أن يعلن ما يكتمه في دولتنا ويذيعه في تمكننا، فقال: يا بني، إني لم أرد ~~بإخراجك له طرده، فاستعمل فيه بيت أبي حية النميري: # فقلت لها سرا: فديناك لا يرح # سليما، وإن لا تقتليه فألممي # فحدث القاسم ابن فراس بما جرى، وكان أعدى الناس لابن الرومي، وقد هجاه ~~بأهاج قبيحة، فقال له: الوزير - أعزه الله - أشار بأن يغتال حتى يستراح منه، ~~وأنا أكفيك ذلك ... فسمه في الخشكنانج فمات ... قال الباقطاني: والناس يقولون: ما ~~قتله ابن فراس وإنما قتله عبيد الله. قال ابن الرومي لما رجع إلى داره وقد دب ~~السم في أعضائه شعرا: # أشرب الماء إذا ما تلتهب # نار أحشائي لإطفاء اللهب # فأراه زائدا في حرقتي # فكأن الماء للنار حطب # هذه رواية. # واعتمد ابن خلكان رواية أخرى فقال: توفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى ~~سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة أربع وثمانين، وقيل: ست وسبعين ومائتين ببغداد، ودفن في ~~مقبرة باب البستان، وكان سبب موته - رحمه الله تعالى - أن الوزير أبا الحسين القاسم بن ~~عبيد الله بن سليمان بن وهب، وزير الإمام المعتضد، كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه ~~بالفحش، فدس عليه ابن فراش «هكذا»، فأطعمه خشكنانجة مسمومة وهو في مجلسه، فلما أكلها ~~أحس بالسم فقام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، ~~فقال له: سلم على والدي! فقال له: ما طريقي على النار! وخرج من مجلسه وأتى منزله ~~وأقام أياما ومات، وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم، فزعم أنه ~~غلط في بعض العقاقير، وقال إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي المعروف بنفطويه: ms051 رأيت ابن ~~الرومي يجود بنفسه، فقلت له: ما حالك؟ فأنشد: # غلط الطبيب علي غلطة مورد # عجزت موارده عن الإصدار # والناس يلحون الطبيب وإنما # غلط الطبيب إصابة المقدار # وقال أبو عثمان الناجم الشاعر: دخلت على ابن الرومي أعوده، فوجدته يجود بنفسه، فلما ~~قمت من عنده قال لي: # أبا عثمان، أنت حميد قومك # وجودك للعشيرة دون لومك # تزود من أخيك فما أراه # يراك ولا تراه بعد يومك! # وللناجم قصة عن وفاة ابن الرومي، رواها ابن القارح في رسالته إلى المعري، وفيها يقول: # دخلت عليه في علته التي مات فيها، وعند رأسه جام فيه ماء مثلوج، وخنجر مجرد ~~لو ضرب به صدر خرج من ظهر، فقلت: ما هذا؟ قال: الماء أبل به حلقي، فقلما يموت ~~إنسان إلا وهو عطشان، والخنجر إن زاد علي الألم نحرت نفسي، ثم قال: أقص عليك ~~قصتي تستدل بها على حقيقة تلفي: أردت الانتقال من الكرخ إلى باب البصرة، فشاورت ~~صديقنا أبا الفضل، وهو مشتق من الأفضال، فقال: إذا جئت القنطرة فخذ عن يمينك، ~~وهو مشتق من اليمن، واذهب إلى سكة النعيمة، وهو مشتق من النعيم، فاسكن دار ابن ~~المعافي، وهو مشتق من العافية. فخالفته لتعسي ونحسي، وشاورت صديقنا جعفرا، وهو ~~مشتق من الجوع والفرار، فقال: إذا جئت القنطرة فخذ عن شمالك، وهو مشتق من ~~الشؤم، واسكن دار ابن قلابة، وهي هذه لا جرم قد انقلبت بي الدنيا، وأضر ما ~~علي العصافير في هذه السدرة تصيح «سيق سيق»، فها أنا في السياق، ثم ~~أنشدني: # أبا عثمان أنت قريع قومك # وجودك في العشيرة دون لومك # تمتع من أخيك فما أراه # يراك ولا تراه بعد يومك! # وألح به البول، فقلت له: البول ملح بك، فقال: # غدا ينقطع البول # ويأتي الويل والغول # ألا إن لقاء الله # هول دونه الهول # ومات من الغد. # وروى صاحب زهر الآداب اتفاقا أن ابن الرومي فصد في مرض وفاته من سياق قصته عن بعض ~~معانيه المأخوذة، حيث يقول في الجزء الأول من الكتاب: # دخل يحيى بن خالد ms052 على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغير، فأخبر أنه مشغول ~~فرجع، فبعث إليه الرشيد: خنتني فاتهمتني، فقال: إذا انقضت المدة كان الحتف في ~~الحيلة، والله ما انصرفت إلا تخفيفا. أخذه ابن الرومي فقال وقد فصده بعض ~~الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علته: غلط الطبيب إلى آخر البيتين ... ولهذه القصة ~~قيمتها فيما يلي من البحث في أسباب وفاته. # هذه أنفع الأخبار التي وردت في ترجمته، أما ديوانه فقد جاء عنه في الفهرست لابن ~~النديم أن شعره «كان على غير الحروف، رواه عنه المسيبي، ثم عمله الصولي على الحروف، ~~وجمعه أبو الطيب وراق ابن عبدوس من جميع النسخ، فزاد عن كل نسخة مما هو على الحروف ~~وغيرها نحو ألف بيت.» # ثم ذكر أسماء رواته وعدة الأوراق التي كتبوها من شعره؛ وهم: # مثقال غلام ابن الرومي مائة ورقة، ورواه أبو الحسن علي بن العصب الملحي عن مثقال عن ~~ابن الرومي. # ابن الحاجب غلام ابن الرومي مائة ورقة، أحمد بن أبي قر الكاتب مائة ورقة، خالد الكاتب ~~- وعمله الصولي - مائتا ورقة. # والصولي هو أبو بكر الصولي الحافظ الراوية المشهور. # الفصل الثالث # | حياة ابن الرومي # كما تؤخذ من معارضة أخباره على شعره # ذلك كل ما عثرنا عليه من أخبار ابن الرومي متفرقا في كتب الأدب والتاريخ، لم نترك منه ~~إلا نبذا قليلة تجيء في مواضعها من فصول هذا الكتاب، وإلا الفضول الذي لا ينتظم في مادة ~~الترجمة ولا يزيدنا علما بالرجل أو بأدبه وشعره. # وكل هذا الذي عثرنا عليه وما يشابهه في مادته لا يجزئ في ترجمة وافية، أو فيما يقرب من ~~ترجمة وافية؛ لأنه مفرط الزيادة في مواضع، ومفرط النقص في مواضع أخرى، وبين أجزائه فجوات ~~بعيدة لا تترك خلوا، ولا حيلة لنا الآن في ملئها، فلا خبر عن صباه ولا عن دراسته ولا عن ~~أهله، ولا عن أمر مفصل موثوق به من أمور معيشته، وبغير هذه العناصر الجوهرية لا تقوم ترجمة، ~~ولا يكمل تصوير رجل، وعلى هذه القلة في الأخبار التي بين ms053 أيدينا لا نراها تسلم من الخطأ ~~حينا، ومن المبالغة أحيانا، فنحن - على حد المثل الذي اخترناه - كمن يؤتى له بعظام ~~ناقصة ليبني منها بنية جسم كامل، وفيها مع هذا عظام مدسوسة لا تدخل في بنية الجسم الذي يراد ~~تركيبه! # إلا أن ابن الرومي يعوضنا بعض العوض من ذلك النقص الكبير بخاصة فريدة فيه ليست في غيره من ~~الشعراء هي: مراقبته الشديدة لنفسه، وتسجيله وقائع حياته في شعره. # فما من أحد كان له شأن في حياته إلا وجدت اسمه في ديوانه ممدوحا أو مهجوا أو موصوفا ~~أو مردودا عليه، وما عاب أحد مشيته أو أكله أو لبسه العمامة أو طريقته في النظم إلا كان ~~لذلك خبر مفيد في ديوانه، ولم يعرف عنه أنه كان يشتهي طعاما أو فاكهة إلا وذلك معروف من ~~شعره قبل أن يعرف من نوادر المتحدثين عنه، وما خاطر طويته خلق محمود أو مذموم إلا شهد به ~~على نفسه كأنه في حرج من أمر كتمانه. # أقر على نفسي بعيبي لأنني # أرى الصدق يمحو بينات المعايب # لؤمت - لعمر الله - فيما أتيته # وإن كنت من قوم كرام المناصب # ولا بد من أن يلؤم المرء نازعا # إلى الحمأ المسنون ضربة لازب # على أنه يشهد بخلة الكذب على نفسه كما يشهد لها بهذا الصدق المقرون بإظهار العيوب، فيقول ~~في أصرح عبارة: # وإني لذو حلف كاذب # إذا ما اضطررت وفي الأمر ضيق # وهل من جناح على مرهق # يدافع بالله ما لا يطيق؟! # ويقول في تسجيله حرصه وجبنه: # وأصبحت في الإثراء أزهد زاهد # وإن كنت في الإثراء أرغب راغب # حريصا جبانا أشتهي ثم أنتهي # بلحظي جناب الرزق لحظ المراقب # أخاف على نفسي وأرجو مفازها # وأستار غيب الله دون العواقب # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي # ومن أين؟ والغايات بعد المذاهب # ويتوهم أن أناسا سيعيبون مجونه في مجلس الشراب، ويرون أنه لا يليق بما يدعي من العلم ~~والوقار، فيسبقهم إلى ذاك ويقول: # وأرى أن معشرا سيقولو # ن: سخيف من الرجال لعوب # أين عنه وقار ما ms054 يدعيه # من علوم لحامليها قطوب؟ # ولعمري إن الحكيم وقور # ولعمري إن الكريم طروب # ويحس دبيب الشيخوخة في مآرب نفسه وخلجات قلبه؛ فيخشى أن يفوته تسجيل ذلك كله كأنه محاسب ~~عليه معاقب على تفويته، فيقول لقرائه: # اكتهلت همتي فأصبحت لا # أبهج بالشيء كنت أبهج به # وحسب من عاش من خلوقته # خلوقة تعتريه في أربه # وهكذا في الصغائر والكبائر، وفي وقائع العيش وخواطر السريرة، وفيما يلقى به الناس ويلقى ~~به الله. # وقد تجد في الشعراء من تتعرف بعض وقائعه من قراءة شعره، ومن تستطلع خلائقه من ثنايا ~~كلامه، ولكن ابن الرومي لا يحوجك إلى التعرف والاستطلاع؛ لأنه يعفيك من الملاحظة بما يقوم ~~به هو من ملاحظة نفسه، وتقييد شوارد فكره، وهمسات فؤاده، وسبحات أحلامه، فكأنما هو رقيب على ~~بواطنه وظواهره، وكأنما أعطي نفسه ليجربها ويقيد تجاربه فيها! فكان ديوان شعره كناشة ~~الرقابة أعدها ليحصي فيها كل ما يحصيه الرقيب الحسيب. # هذه الخصلة في الشاعر تعوضنا كثيرا مما ضيعته التواريخ من حوادثه وأوصافه، فعلى ما جاء ~~في ديوانه نعتمد في تصحيح الأخبار المسطورة وتكميلها على وجه نستوفي به الترجمة جهد ~~المستطاع، فهو حسبك من مترجم لحياته وصافة لحقيقته. ولولا أن الشعر لا يسجل الأرقام ~~ولا يتقصى كل ما فات الشاعر قبل أن يصبح شاعرا؛ لكان هو حسبك من رواية لا تحتاج بعده إلى ~~تدوين رواية. # أصله ونشأته ~~«ولد أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر، لليلتين ~~خلتا من رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين، ببغداد في الموضع المعروف بالعقيقة ودرب الختلية ~~في دار بإزاء قصر عيسى بن جعفر بن المنصور.» # وقد رجعنا إلى كتب المضاهاة بين التاريخ الهجري والتاريخين الميلادي والقبطي، فوجدنا ~~في كتاب «التوفيقات الإلهامية»، لصاحبه محمد مختار باشا، أن أول رجب من تلك السنة يوافق ~~الثلاثاء، الذي يقع في العشرين من شهر يونيو سنة 835 ميلادية، وفي السادس والعشرين من ~~شهر بؤنة سنة 512 قبطية، فاليوم الثاني من رجب هو يوم أربعاء، وهو مما يحقق صحة ms055 تاريخ ~~المولد الذي لم يختلف فيه مؤرخوه. # وكان ابن الرومي مولى لعبد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور، وجعفر هو الابن الثاني ~~للمنصور لم يتول الملك، ولم تكن له ولاية عهد، ولا كانت بعده لأحد من ولده الذين نشأ ~~فيهم الشاعر. # ولا يدع ابن الرومي مجالا للشك في أصله الرومي، فإنه يذكره ويؤكد في مواضع شتى من ~~ديوانه كقوله: # ونحن بنو اليونان قوم لنا حجى # ومجد وعيدان صلاب المعاجم # وقوله في مدح بعض مواليه من بني العباس: # ومتى اختل ابن روميكم # فأياديكم حرى منه قمن # وقوله فيهم: # مولاهم وغذي نعمتهم # والروم، حين تنصني، أصلي # وغير ذلك كقوله: # قد تحسن الروم شعرا # ما أحسنته العريب # و: # آبائي الروم توفيل وتوفلس # ولم يلدني ربعي ولا شبث # و: # يا بني السمري قد لزمتكم # حرمة الروم - ويحكم - فاحفظوني # و: # إذا ما حكمت والروم أهلي # في كلام معرب كنت أهلا # و: # إذا الشاعر الرومي أطرى أميره # فناهيك من مطرى وناهيك من مطر # و: # إن لم أزر ملكا أشجى الخطوب به # فلم يلدني أبو الأملاك يونان # بل إن تعدت فلم أحسن سياستها # فلم يلدني أبو السواس ساسان # أو كقوله - وهو كما تقدم في نسب أبيه وأمه: # كيف أغضي على الدنية والفر # س خئولي والروم أعمامي؟! # واسم جده مع هذا جريج أو جورجيس، وهو اسم يوناني لا شبهة فيه، فلا معنى إذن للشك في ~~أصله، ولا ينبغي الالتفات إلى من قال: إنه سمي ابن الرومي لجماله في صباه. # أبوه # ولم يرد لأبي الشاعر ذكر خاص في ديوانه، إلا حيث يقول من قصيدة بائية يذكر فيها ~~مناقبه ومناقب آبائه: # وكم من أب لي ماجد وابن ماجد # له شرف يربي على الشرف المربي! # إذا أمطرت كفاه بالبذل نورت # له الأرض واهتزت رياها من الخصب # وإلا حيث يقول: # شاد لي السور بعد توطئة الأ # س أب قال: أنت للشرف # والبيتان الأولان فخر يراد به وقع الكلام، واستيفاء باب من أبواب الشعر التي كان ~~الشعراء ينظمون فيها من نسيب ومدح ms056 ورثاء وهجو وفخر ونحوها، فليس فيه خبر ولا رواية، ~~ولكنه معالجة فنية كهذه الموضوعات التي يعالجها الشاعر المعاصر لتصوير الأطوار النفسية، ~~ووضع الأماثيل على لسان الحال، ثم لا يعني بها الإخبار عن نفسه وإن جاءت بضمير المتكلم، ~~وقد كان الشاعر القديم يأبى أن يخلو ديوانه من باب من أبواب الشعر المعروفة، ويأنف أن ~~يظن به التقصير في واحد منها؛ فهو لهذا يشبب ويفخر، ويقول في الفخر ما يهول وقعه لا ما ~~يصدق خبره! والفخر على هذا الاعتبار عمل فني يؤخذ على هذا المعنى، ولا يستمد منه ~~التاريخ أو يرجع إليه في تقرير الوقائع. # والبيت الثالث يلحق بهذين البيتين في الفخر والإشادة بالنسب من ناحية «الفن» لا من ~~ناحية «التاريخ»، إلا أننا نستخلص منه أن أباه كان يتوسم فيه الذكاء، ويرجو أن يشرف ~~بعلمه وأدبه، كما شرف بالعلم والأدب كثيرون من أبناء الموالي ارتفعوا إلى مناصب الوزارة ~~من طريق الكتابة والمساجلة ومعاشرة العظماء المتأدبين. وكان أبوه صديقا لبعض العلماء ~~والأدباء منهم محمد بن حبيب الراوية الضليع في اللغة والأنساب، فكان الشاعر يختلف إليه ~~لهذه الصداقة، وكان محمد بن حبيب يخصه لما يراه من ذكائه وحدة ذهنه، وحدث الشاعر عنه ~~فقال: «إنه كان إذا مر به شيء يستغربه ويستجيده يقول لي: «يا أبا الحسن، ضع هذا في ~~تامورك».» # 1 # ونرجع أنه فقد أباه وهو صغير لم ييفع؛ لأنه لم يرثه حين وفاته مع أنه قال الشعر وهو ~~صبي في المكتب؛ # 2 # ولأنه كان يسمي أخاه «والدا» كأنما كان له عليه فضل تربية وكفالة. # أمه # وقد علمنا أن أمه كانت فارسية من قوله: «الفرس خئولي والروم أعمامي.» وقوله: «فلم ~~يلدني أبي السواس ساسان.» بعد أن رفع نسبه إلى «يونان» من جهة أبيه، ولا يخفى أن ~~انتماءه إلى ساسان لا يقصد به أنه من أبناء الملوك الساسانيين، وإنما هو كقول المصري ~~اليوم: إنه من أبناء الفراعنة. ولا علاقة في النسب بينه وبينهم. # وربما كانت أمه من أصل فارسي، ولم تكن فارسية قحا لأبيها وأمها، ms057 وهذا هو الأرجح؛ ~~لأنه علمه بالفارسية - كما سيأتي - لم يكن علم رجل نشأ في حجر أم تتكلم هذه اللغة، ولا ~~تحسن الكلام بغيرها. # وماتت أمه وهو كهل أو مكتهل كما يقول في رثائها: # أقول - وقد قالوا: أتبكي كفاقد # رضاعا، وأين الكهل من راضع الحلم؟ # هي الأم - يا للناس - جرعت فقدها # ومن يبك أما لم تذم قط لا يذم # وكانت تقية صالحة رحيمة كما يؤخذ من أبياته في رثائها: # لقد فجعت فيك الليالي نفوسها # بمحيية الأسحار حافظة العتم # ولم تخطئ الأيام فيك فجيعة # بصوامة فيهن طيبة الطعم # وفات بك الأيتام حصن كنافة # دفيء عليهم ليلة القر والشبم # رجعنا وأفردناك غير فريدة # من البر والمعروف والخير والكرم # فلا تعدمي أنس المحل فطالما # عكفت فآنست المحاريب في الظلم # وجزع عليها جزعا شديدا ينم عليه قوله: # ألا من أراه صاحبا غير خائن # ألا من أراه مؤنسا غير محتشم # ألا من تليني منه في كل حالة # أبر يد برت بذي شعث يلم # ألا من إليه أشتكي ما ينوبني # فيفرج عني كل غم وكل هم # نبا ناظري يا أم عن كل منظر # وسمعي عن الأصوات بعدك والنغم # وأصبحت الآمال - مذ بنت - والمنى # غوادر عندي غير وافية الذمم # وصارمت خلاني وهم يصلونني # وقد كنت وصال الخليل وإن صرم # وآنسني فقد الجليس وأوحشت # مشاهده نفسي، ولم أدر ما اجترم # وكانت لها أخت ماتت قبلها، فهو يقول إذ يرثيها: إنه كان له جناحان من عطفها وعطف ~~أمه: # أراني وأمي بعد فقدان أختها # وإن كنت في رفه بها وصلاح # كفرخ قطاة الدو بان جناحه # فباء إلى حصن بفرد جناح # أخوه # ويظهر أن أبويه لم يعقبا من البنين غيره وغير أخيه محمد المكنى أبا جعفر، وهو أكبر ~~منه لأنه يقول: # بأخي بل بوالدي بل بنفسي # وهو يتفجع بذكراه، وشقيقه لأنه يقول في ~~موضع آخر: # بأخ شقيق بعد أم برة # بالأمس قطع منهما أقرانه # ويذكره بمثل ذلك في غير موضع. # وكل ما وصل إلينا عن هذا الأخ قصة جاءت في ديوان الشاعر ms058 نعلم منها أنه كان أديبا: ~~«وكان يكتب لرجل فعزل بعد مدة، فعبث به آل أبي شيخ أصدقاؤه وقالوا: عزله شؤمك. وكان بين ~~آل أبي شيخ وابن سعدان - مؤدب المؤيد - مودة، فخرجوا إليه في أيام المؤيد فأقاموا مدة، ~~وكان من المؤيد ما كان وتشتت أصحابه، فكتب إليهم أبو جعفر يولع # 3 # بهم ويقول: إن شؤمي عزال وشؤمكم قتال، وسيأتيكم في هذا نظم علي بن العباس - ~~يعني أخاه.» ومن ذلك النظم قوله: # أنا شؤمي فيما تقولون عزا # ل ولكن شؤمكم قتال # بالذي أدرك المؤيد منكم # وابن سعدان تضرب الأمثال # زرتموه والصالحات عليه # مقبلات فأدبر الإقبال ~~••• # إن شؤما حلت به عقدة المل # ك لشؤم تزول منه الجبال # ونعلم من هذه القصة أن محمدا عاش إلى سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهي السنة التي قتل ~~فيها المؤيد، وكان ابن الرومي في تلك السنة قد بلغ الحادية والثلاثين، فالأرجح أن ~~محمدا قد عاش بعدها بضع سنوات؛ لأن الشاعر ذكره في رثاء أمه حيث قال: «أقاسي وصنوي منه ~~كل شديدة.» أي ذكره وهو كهل جاوز الحادية والثلاثين؛ لأنه كان كهلا حين ماتت أمه كما ~~مر بنا في رثائها، والحادية والثلاثون ليست بسن كهولة، إلا أن يكون الذين لاموا الشاعر ~~لفرط جزعه على أمه قد تعمدوا تكبير سنه لاستيجاب الملام. # ونرى في موضعين من الديوان أبياتا يستعطف بها الشاعر لأخيه رئيسا غضب عليه، وكأن ~~أخاه مات وهو يعمل في خدمة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، أحد أركان بيت بني طاهر ~~المشهور في دولة بني العباس؛ فإن الشاعر يقول من قصيدة يخاطب بها عبيد الله، ويذكر أخا ~~شقيقا مات بعد أم برة: # فليحيه الملك الهمام فلم يفت # محياه قدرته ولا سلطانه # وحياته لي أن أقوم مقامه # وأسد من دار الأمير مكانه # فالشاعر يتكلم عن نفسه على ما نرجحه كثيرا، ويطلب أن يحل في دار عبد الله محل ~~أخيه، # 4 # والمجزوم به بعد هذا كله أن محمدا مات بعد موت المؤيد، وأنه كان على شيء ~~من الأدب ومعرفة ms059 الكتابة، وحب العبث والدعابة. # وقد حزن عليه ابن الرومي حزنا طويلا ملحا بقي يعاوده إلى آخر أيامه، فلم يفتأ ~~يذكره ويعيد ذكره في شعره إذا مدح أو عتب أو استعبر، ومن ذاك أنه قال يرثيه: # وتسليني الأيام لا أن لوعتي # ولا حزني كالشيء ينسى فيعزب # ولكن كفاني مسليا ومعزيا # بأن المدى بيني وبينك يقرب # وقال لصاحب كان يحسده ويغري به: # أيها الحاسدي على صحبتي العس # ر وذمي الزمان والإخوانا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # ليت شعري ماذا حسدت عليه # أيها الظالمي إخائي عيانا؟ # أعلى أنني ظمئت وأضحى # كل من كان صاديا ريانا؟ ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أم على أنني ثكلت شقيقي # وعدمت الثراء والأوطانا؟ # وقال وهو يعاتب القاسم بن عبيد الله: # أنا ذاك الذي سقته يد السق # م كئوسا من المرار رواء # ورأيت الحمام في الصور الشن # ع، وكانت لولا القضاء قضاء # ورماه الزمان في شقة النف # س فأصمى فؤاده إصماء # وقد مرض واشتد مرضه بعد موته، فهو يقول حين أجلي عن مسكنه: # فيه عافاني الإله من الشك # و وفك البلاء عني كبوله # بعد جهد حملت منه ضروبا # ليس أثقالهن بالمحموله # ومصاب بشقة النفس مني # ضمن الجسم سقمه ونحوله # ولم يبق لابن الرومي بعد موت ذلك الأخ الوحيد أحد يعول عليه من أهله، أو من يحسبون ~~في حكم أهله، إلا أناس من مواليه الهاشميين العباسيين كانوا يبرونه حينا، ويتناسونه ~~أحيانا، وكان هو لعهد الهاشميين الطالبيين أحفظ منه لعهد الهاشميين العباسيين، كما ~~يظهر مما يلي. أما ابن عمه الذي أشار إليه في قوله: # لي ابن عم يجر الشر مجتهدا # إلي قدما، ولا يصلي له نارا # يجني، فأصلى بما يجني، فيخذلني # وكلما كان زندا كنت مسعارا # فلا ندري أهو ابن عم لح أو ابن عم كلالة، ومبلغ ما بينهما من صلة المودة ظاهر من ~~البيتين. # أولاده وزوجته # ورزق ابن الرومي ثلاثة أبناء؛ هم: هبة الله، ومحمد، وثالث لم يذكر اسمه في ديوانه، ~~ماتوا جميعا في طفولتهم ورثاهم بأبلغ وأفجع ما رثى به والد أبناءه، وقد سبق الموت إلى ~~أوسطهم محمد فنظم ms060 في رثائه الدالية المشهورة التي يقول منها: # توخى حمام الموت أوسط صبيتي # فلله كيف اختار واسطة العقد؟ # على حين شمت الخير في لمحاته # وآنست من أفعاله آية الرشد # ومنها في وصف مرضه. # لقد قل بين المهد واللحد لبثه # فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد # ألح عليه النزف حتى أحاله # إلى صفرة الحادي عن حمرة الورد # وظل على الأيدي تساقط نفسه # ويذوي كما يذوي القضيب من الرند # ويذكر فيها أخويه الآخرين: # محمد ما شيء توهم سلوة # لقلبي، إلا زاد قلبي من الوجد # أرى أخويك الباقيين كليهما # يكونان للأحزان أورى من الزند # إذا لعبا في ملعب لك لذعا # فؤادي بمثل النار عن غير ما عمد # فما فيهما لي سلوة بل حزازة # يهيجانها دوني وأشقى بها وحدي # فابنه محمد إذن قد مات منزوفا في حياة أخويه الصغيرين، وهو فيما بين الرابعة ~~والخامسة؛ لأنه يقول فيه: «لقد قل بين المهد واللحد لبثه.» ويقول: «وظل على الأيدي ~~تساقط نفسه.» وإنما يحمل الطفل المريض على الأيدي في مثل تلك السن، ولا يحتمل أن يكون ~~أصغر من ذلك؛ لأن أخاه الصغير كان في سن اللعب، وهي لا تكون قبل الثالثة ونحوها، أما ~~ابنه هبة الله فقد ناهز الشباب على ما يفهم من قوله في رثائه: # يا حسرتا فارقتني فننا # غضا، ولم يثمر لي الفنن # والبيت من قطعة مرة دفينة الحزن أشبه بالنشيج منها بالنحيب يقول فيها: # أبني إنك والعزاء معا # بالأمس لف عليكما كفن # تالله لا تنفك لي شجنا # يمضي الزمان وأنت لي شجن # ما أصبحت دنياي لي وطنا # بل حيث دارك عندي الوطن ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أولادنا أنتم لنا فتن # وتفارقون فأنتم محن # وكأنها لم تشف لوعته أو كأنه لام نفسه على حزنه الصامت، فعاد يقول وهو موزع القلب بين ~~الصبر والجزع: # شجى أن أروم الصبر عنك فيلتوي # علي، ولؤم أن يساعدني الصبر # فيا حزني ألا سلو يطيعني # ويا سوءتي من سلوتي، إنها غدر # وفي الديوان أبيات بائية يرثي بها ابنا لم يذكر اسمه، وهي هذه الأبيات: ms061 # حماه الكرى هم سرى فتأوبا # فبات يراعي النجم حتى تصوبا # أعيني جودا لي فقد جدت للثرى # بأكثر مما تمنعان وأطيبا # بني الذي أهديته أمس للثرى # فلله ما أقوى قناتي وأصلبا # فإن تمنعاني الدمع أرجع إلى أسى # إذا فترت عنه الدموع تلهبا # ويبعد أن تكون رثاء لابنه الأكبر هبة الله، فهي - على الأرجح - رثاؤه لأصغر أبنائه ~~الذي لم يذكر اسمه، ولا ندري هل مات قبل أخيه أو بعده، ولكن يخيل إلينا بالمقابلة بين ~~هذه المراثي أن الأبيات البائية كانت آخر ما رثي به ولدا؛ لأنها تنم عن فجيعة رجل راضه ~~الحزن على فقد البنين حتى جمدت عيناه، ولم يبق عنده من البكاء إلا الأسى الملتهب في ~~الضلوع، وإلا العجب من أن يكون قد عاش وصلبت قناته لكل هذه الفجائع، وقد كان رثاؤه ~~لابنه الأوسط صرخة الضربة الأولى، ففيها ثورة لاعجة تحس من خلال الأبيات، ثم حل الألم ~~المر محل الألم السوار في مصيبته الثانية، فوجم وسكن واستعبر، ثم كانت الخاتمة، فهو ~~مستسلم يعجب للحزن كيف لم يقض عليه، ويحس وقدة المصاب في نفسه ولا يحسها في ~~عينيه. # ولقد غشيت غبرة الموت حياته كلها، وماتت زوجته بعد موت أبنائه # 5 # جميعا، فتمت بها مصائبه، وكبر عليه الأمر، وقل فيه العزاء؛ فهو ~~يقول: # عيني سحا ولا تشحا # جل مصابي عن العزاء # ورثاها في موضع آخر يقول فيه: # فاستغزرا درة الشئون على # بدركما، بل على قضيبكما # ويلوح منه أنها ماتت وهي فتية توصف بما توصف به الفتيات، ويغلب أنه هجر الزواج بعدها ~~زمنا، فلم يتزوج إلا في أواخر عمره إذا صح ما استخلصناه من بعض أبياته. # ونقول: ما استخلصناه؛ لأننا لا نعتمد على خبر صريح في أمر زواجه الآخر، ولكننا لا بد ~~أن نقف في هذا الصدد عند أبيات قالها للقاسم بن عبيد الله وهي: # وهب خادما لم يوف نعماك شكرها # فبدل عرف عنده بنكير # فما ذنب طفل كان تسبيب كونه # رجاؤك، يا مرجو كل فقير؟ # أيحسن أن جر العيال رجاؤكم # وخاب نداكم، وهو ms062 خير خفير؟ # غياثكم يا آل وهب فإنني، # وإن لم أكن أعمى، أضر ضرير # وأبيات أخرى لعل المخاطب بها هو القاسم أيضا، وهي: # منعت الكفاف الذي لم تزل # تجود به كفك الموسعه # فإن كنت مسلم ذي حرمة # لقول أعاديه، ما أضيعه! # فعجله بالسيف كي يستري # ح، إن كنت من مثله في سعه # أتسلمنا للردى ستة # وقد كنت ترحمنا أربعه؟ # لا بد أن نقف عند هذه الأبيات، ولا بد أن نفهم منها أنه تزوج في أواخر عمره، ورزق ~~ولدا فأصبح أهل بيته ستة بعد أن كانوا أربعة، ولا يمكن أن تكون الإشارة في الأبيات ~~الرائية إلى طفله الأول وزوجته الأولى؛ لأن الأبيات قيلت للقاسم بن عبيد الله، والقاسم ~~ولد حوالي سنة خمس وخمسين ومائتين، فلا يبلغ من السن المبلغ الذي يرجى فيه ويمدح إلا ~~حوالي سنة خمس وسبعين، ولا يعقل أن ابن الرومي بقي عزبا إلى تلك السنة ثم تزوج زواجه ~~الأول ورزق أولاده الثلاثة. # وكيفما كانت جلية القول في هذه الأبيات، فقد كانت له زوجة عندما هجا عمرا حاجب ~~القاسم؛ لأنه قال فيه: # أيركب عمرو حوله من يحفه # ويعوزني قوت أعول به عرسي؟ # ولا يكون ذلك قبل سنة خمس وسبعين ونحوها، كذلك لا شك في أنه لما قارب الستين لم يكن ~~متزوجا؛ لأنه يقول في قصيدة نظمها في نحو تلك السن: # ومبيتي بلا ضجيع لدى الق # ر، وللوغد شادن مخضوب # ولم يذكر أحد من مؤرخيه - ولا الناجم الذي حضر وفاته - أنه ترك ولدا بعده، فإذا صح ~~ما استخلصناه من أمر زواجه الثاني، فهناك فجيعة أخرى أصيب بها في ولد جديد # 6 # قبل وفاته، فمات ولا زوج له ولا بنون. # تعليمه # ذلك كل ما استطعنا أن نجمعه من الأخبار النافعة عن نشأة الشاعر وأهله، ولا محصل للبحث ~~في المصادر التي بين أيدينا عن أيام صباه وتعليمه، ومن حضر عليهم، وتتلمذ لهم من ~~العلماء والرواة، فإن هذه المصادر خلو مما يفيد في هذا المقام، إلا ما جاء عرضا في ~~الجزء السادس من الأغاني، ms063 حيث يروي ابن الرومي عن «أبي العباس ثعلب، عن حماد بن ~~المبارك، عن الحسين بن الضحاك»، وحيث يروي في موضع آخر «عن قتيبة، عن عمرو السكوتي ~~بالكوفة، عن أبيه، عن الحسين بن الضحاك»، فيصح أن تكون الرواية هنا رواية تلميذ عن ~~أستاذ؛ لأن ثعلبا ولد سنة مائتين، فهو أكبر من الشاعر بإحدى وعشرين سنة. أما قتيبة - ~~والمفهوم أنه أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي المحدث العالم المشهور - فجائز أن ~~يكون ممن أملوا عليه وعلموه؛ لأنه مات وابن الرومي يناهز العشرين. # وقد مر بنا أنه كان يختلف إلى محمد بن حبيب الراوية النسابة الكبير، وسنرى هنا أنه ~~كان يرجع إليه في بعض مفرداته اللغوية، فيذكر شرحها في ديوانه معتمدا عليه، قال بعد ~~هذا البيت: # وأصدق المدح مدح ذي حسد # ملآن من بغضة ومن شنف ~~«قال لي محمد بن حبيب: «الشنف ما ظهر من البغضة في العين».» وأشار إليه بعد بيت آخر ~~وهو: # بانوا فبان جميل الصبر بعدهم # فللدموع من العينين عينان # إذ فسر كلمة «عينان» فروي عن ابن حبيب أنه قال: «عان الماء يعين عينا وعينانا إذا ~~ساح.» # فهؤلاء ثلاثة من أساتذة ابن الرومي على هذا الاعتبار، ولا علم لنا بغيرهم فيما ~~راجعناه، وحسبنا مع هذا أن الرجل - كيفما كان تعليمه وأيا كان معلموه - قد نشأ على ~~نصيب واف من علوم عصره، وساهم في القديم والحديث منها بقسط وافر في شعره، فلو لم يقل ~~المعري: إنه كان يتعاطى الفلسفة، والمسعودي: إن الشعر كان أقل آلاته، لعلمنا ذلك من ~~شواهد شتى في كلامه، فهي هناك كثيرة متكررة لا يلم المتصفح ببعضها إلا جزم باطلاع ~~قائلها على الفلسفة، ومصاحبة أهلها، واشتغاله بها حتى سرت في أسلوبه وتفكيره، وما كان ~~متعلم الفلسفة في تلك الأيام يصنع أكثر من ذلك ليتعلمها، أو ليعد من متعلميها، فأنت ~~لا تقرأ لرجل غير مشتغل أو ملم بالفلسفة والقياس المنطقي والنجوم كلاما كهذا ~~الكلام: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها # يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وإلا فما ms064 يبكيه منها وإنها # لأرحب مما كان فيه وأرغد # أو: # سأمدح بعض الباخلين لعله # إذا اطرد المقياس أن يتسمحا # أو: # غاب تحت الحس حتى # ما يرى إلا قياسا # أو : # إذا احتج محتج على النفس لم تكد # على قدر يمنى لها تتعتب # أو: # يا باطلا أوهمتنيه مخايله # بلا دليل ولا تثبيت برهان # أو: # رجوت صلاح القبل بالبعد فانبرى # لنا ظلمكم فاستفسد القبل بالبعد # أو ما قاله في أصحاب الجدل: # لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم # حجج تضل عن الهوى وتجور # وهن كآنية الزجاج تصادمت # فهوت، وكل كاسر مكسور # فالقاتل المقتول ثم لضعفه # ولوهيه، والآسر المأسور # أو ما قاله في هجاء صاعد وابنه أبي عيسى، ومنه: # وثنى بابنه السفيه المعنى # بأساطير أرسطاطاليس # والذي لم يصخ بأذنيه إلا # نحو ذوثوريوس أو واليس # 7 # عاقدا طرفه ببهرام أو كيو # ان أو هرمس أو البرجيس # أو بشمس النهار والبدر والزه # رة عند التثليث والتسديس # واجتماعاتهن في كل قيد # وافتراقاتهن عن كل قيس # فهو في الأبيات الأخيرة يذكر الفلاسفة والرياضيين بأسمائهم المعروفة في الكتب ~~المنقولة، ويذكر أكثر الكواكب بأسمائها الفارسية، ويذكرها في غير هذه الأبيات بأسمائها ~~المعروفة عند العرب، وخصائصها التي كانت معروفة عند الكلدانيين والفرس الأقدمين، ونقلها ~~منهم اليونان ولا تزال مشهورة إلى اليوم في آداب الغربيين، فيقول في مدح إسماعيل بن ~~بلبل - وكان كاتبا قائدا: # وافى عطارد والمريخ مولده # فأعطياه من الحظين ما اقترحا # لأن عطارد كان رب الكتابة والحكمة والفنون عندهم، والمريخ كان رب الحرب ~~والشجاعة. # ويقول في مدح عبيد الله بن سليمان بن وهب: # إذا صبت زهرته صبوة # قال له هرمسه: هندسي # وإن عدا هرمسه حده # قالت له زهرته: نفسي # والزهرة هي ربة الجمال واللهو، وهرمس هو اسم عطارد عند الفرس، وهو رب الكتابة والحكمة ~~كما تقدم، يعني أن ممدوحه يميل مع اللهو والجمال، فتهيب به الحكمة والمعرفة، ويرهق نفسه ~~بهذه فتدعوه الزهرة إلى التنفيس. # وربما أعطاك شواهد مساهمته في معارف زمانه كلها من أساطير مأثورة، وعلوم قديمة وحديثة ~~في بيت واحد؛ كقوله يداعب ms065 المرثدي حين أخلف وعده في هدايا السمك: # أألحوت حوت الأرض أم حوت يونس # لك الخير أم حوت السماء أروم؟ # فحوت الأرض هو الحوت الذي تزعم الأساطير أنه يحمل الثور الكبير الذي يحمل الأرض، وحوت ~~يونس هو الحوت الذي ابتلع النبي يونس، وجاء نبؤه في القرآن، وحوت السماء هو البرج ~~المعروف باسم الحوت. # وبين أيدينا خبران عن اقتناء الكتب - إذا لاحظنا قلة أخباره في كل شأن من شئونه - ~~علمنا أنهما يدلان على شيء كثير: أحدهما أتى به المعري في رسالة الغفران، وفيه أنه: ~~«كان يتعاطى الفلسفة، واستعار من أبي بكر السراج كتابا فتقاضاه به، فقال ابن الرومي: ~~لو كان المشتري حدثا لكان عجولا.» # والخبر الثاني مأخوذ من ديوانه إذ يعاتب أبا الحسين محمد بن المعلى لتضييعه كتابا ~~استعاره منه، فيقول له من قصيدة: # منحتك مصباحا فأعشاك ضوءه # وقد كان ظني أنه سيريكا # وخبران من هذا النوع في حياة قليلة الأخبار يشفان - مع شواهد شعره الكثيرة - عن شغف ~~دائم بالتحصيل ومدارسة العلوم إلى ما بعد سن الكهولة؛ فإنه لا يقول: «لو كان المشتري ~~حدثا لكان عجولا» إلا وهو كهل أو شيخ جاوز الكهولة. ~~••• # ومن الحق له وللتاريخ ألا نهمل أخباره عن نفسه في هذا الباب؛ للإبانة عن منزلته من ~~العلم والدراسة كلما كانت هذه الأخبار مطابقة لما نعرف من مجمل حاله، ففي بعض شعره يقول ~~عن نفسه: إنه أدمن الدرس ورفض المكاسب في سبيل إدمانه، كما جاء في هذه الأبيات: # إن امرأ رفض المكاسب واغتدى # يتعلم الآداب حتى أحكما # فكسا وحلى كل أروع ماجد # من حر ما حاك القريض ونظما # ثقة برعي الأكرمين حقوقه # لأحق ملتمس بألا يحرما # وأظهر من ذلك قوله في الهمزية الكبيرة للقاسم: # إن أكن غير محسن كل ما تط # لب إني لمحسن أجزاء # فمتى ما أردت صاحب فحص # كنت ممن يشارك الحكماء # ومتى ما أردت قارض شعر # كنت ممن يساجل الشعراء # ومتى ما خطبت مني خطيبا # جل خطبي، ففاق بي الخطباء # ومتى حاول الرسائل رسلي # بلغتني بلاغتي البلغاء ms066 # وأظهر من هذا وذاك أبياته التي يمدح بها أبا سهل النوبختي، ويذكره فيها مودة آل ~~النبي، واشتغالهما معا بالتفكير في إدحاض شبهات الفلاسفة والمتكلمين، ومنها: # ويدمج أسباب المودة بيننا # مودتنا الأبرار من آل هاشم # وإخلاصنا التوحيد لله وحده # وتذبيبنا عن دينه في المقاوم # بمعرفة لا يقرع الشك بابها # ولا طعن ذي طعن عليها بهاجم # وإعمالنا التفكير في كل شبهة # بها حجة تعيي دهاة التراجم # يبيت كلانا في رضى الله ماحضا # لحجته صدرا كثير الهماهم # وهذه الأبيات أحجى أن نعتمد عليها في هذا الباب، إذ كانت تتعدى فخر الإنسان بنفسه إلى ~~التذكير بوقائع معهودة، ومدارسات طويلة جرت بينه وبين رجل من صفوة أهل العلم والدراية ~~في أيامه. # وقد وردت في أبياته الهمزية السابقة إشارة إلى حذقه الكتابة، ومشاركته في البلاغة ~~المنثورة تعززها إشارة مثلها في هذا البيت. # ألم تجدوني آل وهب لمدحكم # بشعري ونثري، أخطلا ثم جاحظا؟! # فلا بد أنه كان يكتب ويمارس الصناعة النثرية، إلا أن ما استجمعناه من منثوراته لا ~~يعدو نبذا معدودة موجزة، منها رسالة إلى القاسم بن عبيد الله يقول فيها متنصلا: # ترفع عن ظلمي إن كنت بريئا، وتفضل بالعفو إن كنت مسيئا، فوالله إني لأطلب ~~عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه؛ لتزداد تطولا وأزداد ~~تذللا، وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ ~~يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظي منك بقدر ودي لك، ومحلي من رجائك ~~بحيث استحق منك، والسلام. # ومنها رسالة كتبها يعود صديقا: «أذن الله في شفائك، وتلقى داءك بدوائك، ومسح بيد ~~العافية عليك، ووجه وفد السلامة إليك، وجعل علتك ماحية لذنوبك، مضاعفة لثوابك.» # وكتب إلى صديق له قدم من سيراف فأهدى إلى جماعة من إخوانه ونسيه: # أطال الله بقاءك، وأدام عزك وسعادتك، وجعلني فداءك. لولا أنني في حيرة من ~~أمري، وشغل من فكري لما افترقنا، وشوقي - علم الله - فغالب، وظمئي فشديد، وإلى ~~الله الرغبة في أن يجعل القدرة على اللقاء حسب المحبة، إنه قادر ms067 جواد. # ومكاننا من جميل رأيك - أيدك الله - يبعثنا على تقاضي حقوقنا قبلك، وكريم ~~سجاياك وأخلاقك يشجعنا على إمضاء العزم في ذلك، وما تطولت به من الإيناس يؤنسنا ~~بك، ويبسطنا إليك، وآثار يديك تدلنا عليك، وتشهد لنا بسماحتك. والله يطيل ~~بقاءك، ويديم لنا فيك وبك السعادة. # وبلغني - أدام الله عزك - أن سحابة من سحائب تفضلك أمطرت منذ أيام مطرا عم ~~إخوانك بهدايا مشتملة على حسن وطيب، فأنكرت على عدلك وفضلك خروجي منها مع ~~دخولي في جملة من يعتدك ويعتقدك، وينحوك ويعتمدك، وسبق إلى قلبي من ألم سوء ~~الظن برأيك أضعاف ما سبق إليه من الألم بفوت الحظ من لطفك، فرأيت مداواة قلبي ~~من ظنه، وقلبك من سهوه، واستبقاء الود بيننا بالعتاب الذي يقول فيه القائل: ~~ويبقى الود ما بقي العتاب، وفيما عاتبت كفاية عند من له أذنك الواعية، ~~وعينك الراعية. # وقال في تفضيل النرجس على الورد: «النرجس يشبه الأعين والمضاحك، والورد يشبه الخدود ~~والأعين، والمضاحك أشرف من الخدود، وشبيه الأشرف أشرف من شبيه الأدنى، والورد صفة لأنه ~~لون، والنرجس يضارعه في هذا الاسم؛ لأن النرجس هو الريحان الوارد، أعني أنه أبدا في ~~الماء، والورد خجل والنرجس مبتسم، وانظر أدناهما شبها بالعيون فهو أفضل.» # هذه نماذج من منثوراته لا نعرف غيرها فيما بين أيدينا، وخليق بمن يكتب بهذا الأسلوب ~~أن يعد في بلغاء الكتاب، وإن لم يعد في أبلغهم، على أن ابن الرومي لم يكن يحسب نفسه ~~إلا مع الشعراء إذا اختلفت الطوائف؛ فإنه يقول عن نفسه وهو يمدح أبا الحسين كاتب ابن ~~أبي الأصبع: # ونحن معاشر الشعراء ننمي # إلى نسب من الكتاب دان # وإن كانوا أحق بكل فضل # وأبلغ باللسان وبالبنان # أبونا عند نسبتنا أبوهم # عطارد السماوي المكان # ولا عجب في هذا، فقد كان للشعر كل ما درس الشاعر من فلسفة وعلم وأدب، وكانت هذه ~~المعارف عنده كالروافد للشعر لا نفع لها إن لم ينته بها المصب إلى النهر الكبير. ولم ~~يكن له عقل فيلسوف ولا عقل عالم، وقد رأيت قياسه ms068 المنطقي في تفضيل النرجس على الورد، ~~فهل قياس فيلسوف هو أو قياس فنان؟ إنه لقياس فنان نظر إلى الدنيا كأنها متحف للناظر، ~~ومسرح للشعور، وقليلا ما نظر إليها كأنها معمل للتحليل، أو قضية مبهمة للتأمل ~~والتفكير. ~~••• # أما حظه من علوم العربية والدين، فمن الفضول أن نتعرض لإحصاء الشواهد عليه في كلامه؛ ~~لأنه أبين من أن يحتاج إلى تبيين، وندر في قصائده المطولة أو الموجزة قصيدة تقرؤها ولا ~~تخرج منها وأنت موقن باستبحار ناظمها في اللغة، وإحاطته الواسعة بغريب مفرداتها، وأوزان ~~اشتقاقها وتصريفها، ومواقع أمثالها، وأسماء مشاهيرها، وما يصحب ذلك من أحكام في الدين، ~~ومقتبسات من أدب القرآن، فليس في شعراء العربية من تبدو هذه الشواهد في كلامه بهذه ~~الغزارة والدقة غير شاعرين اثنين؛ أحدهما صاحبنا، والثاني المعري، وقد كان يمدح الرؤساء ~~والأدباء أمثال: عبيد الله بن عبد الله، وعلي بن يحيى، وإسماعيل بن بلبل، فيفسر غريب ~~كلماته في القرطاس الذي يثبت فيه قصائده، كأنه كان يشفق أن تفوتهم دقائق لفظه وأسرار ~~لغته، ثم يعود إلى الاعتذار من ذلك إذا أنس منهم الجفوة والتغير: # لم أفسر غريبها لك لكن # لامرئ يجهل الغريب سواكا ~~••• # لغيرك لا لك التفسير أنى # يفسر لابن بجدتها الغريب # وكانوا لشهرته باللغة، وعلم أسرارها، ولطيف نكاتها يختلقون له الكلمات النافرة ~~يسألونه عنها؛ ليعبثوا به أو يعجزوه، وقصة «الجرامض» إحدى هذه المعابثات التي تدل على ~~غيرها من قبيلها، فقد سأله بعضهم في مجلس القاسم بن عبيد الله: ما الجرامض؟ فارتجل ~~مجيبا: # وسألت عن خبر الجرا # مض طالبا علم الجرامض # وهو الخزاكل! والغوا # مض قد تفسر بالغوامض # وهو السلجكل شئت ذا # لك، أم أبيت بفرض فارض # وكلها كلمات من «مادة» الجرامض لا معنى لها ولا وجود. # وإذا صح استقراؤنا وكان من أساتذته أمثال ثعلب وقتيبة، فضلا عن الأستاذية الثابتة ~~لابن حبيب، فلا جرم يصير ذلك علمه بالغريب والأنساب والأخبار، وهؤلاء كلهم من نخبة ~~النخبة في هذه المطالب، ولا سيما إذا أعانهم تلميذ ذو فطنة متوقدة الفهم، وذاكرة سريعة ~~الحفظ كهذا ms069 التلميذ، فقد مر بك أنه كان يحفظ الأبيات الخمسة من قراءة واحدة، فهب في ~~الرواية بعض المبالغة التي تتعرض لها أمثال هذه الروايات، فهو بعد سريع الحفظ، وهذا ~~مما يعينه على تحصيل اللغة وتعليق المفردات. ~~••• # أفكان مع هذا العلم بالعربية يعلم لغة غيرها؟ إن جده كان روميا، ولكن كثيرا من ~~الناس أجدادهم غرباء عن أوطانهم وهم لا يعرفون غير لغة الوطن الذين ولدوا فيه. # وإن أمه كانت تنتمي إلى فارس، ولكننا لا نعلم أفارسية هي أم من أصل فارسي قد يرتفع ~~إلى الأجداد، وفرق بين الحالتين كما لا يخفى؛ لأنها قد تجهل الفارسية وهي حفيدة فارسي، ~~أو يغلب أن تجهلها في هذه الحالة، وقد تتكلمها وهي بنت فارسي وفارسية، فيلقنها ابنها ~~وينشأ على التكلم بها من صباه. # وفي أشعار ابن الرومي كلمات فارسية غير قليلة كأبنفشا «البنفسج»، والدستبند «ضرب من ~~الرقص»، والبذبخت «سيئ الطالع»، والشير «الأسد»، والبرشوجة «طائر»، والدستنبوية ~~«الشمامة»، والكذخذاة «القهرمانة» وأشباه هذه الألفاظ، ولكن العلم بألفاظ كهذه ~~وبأضعافها لا يكثر على ساكن بغداد في ذلك العصر الذي تقاربت فيه الأمتان الفارسية ~~والعربية، وامتزجت فيه الحضارتان، ونفذ فيه الفرس إلى كل فرع من فروع المعيشة الرفيعة ~~والوضيعة، فمن أبناء القاهرة اليوم من يتلقف أضعاف هذا العدد من الكلمات الفرنسية ~~والإنجليزية والإيطالية، ويجريها في مخاطبته اليومية وهو لا يتكلم بغير لسان ~~وطنه. # بل هناك ما يكاد يدنو بنا إلى الجزم بجهل ابن الرومي اللغة الفارسية، وهو قوله في ~~هجاء إسماعيل بن بلبل يتهمه في عربيته: # أإسماعيل من رجل # تعرب بعدما شاخا # وأصبح من بني شيبا # ن ضخم الشأن بذاخا # وصار أبوه بسطاما # وكان أبوه قيباخا # وصار يقول: «قم عنا» # وكان يقول: «قوهاخا» # فأول ما يتبادر إلى الذهن أن «قوهاخا» هذه ترجمة «قم عنا» باللغة الفارسية، ولكننا ~~سألنا من يعرفونها بيننا فلم يعرفوا للكلمة هذا المعنى ولا غيره، وأكبر الظن عندنا أنها ~~ليست إلا حكاية صوتية لبعض المخارج الفارسية يحكيها ابن الرومي على سبيل التهكم بالعجمة ~~في تلك المخارج. وقد تكون ms070 تصحيفا من «قوماخا»، وهي قريبة من نطق الأعجمي لقم عنا ... ~~ولو كان حظه من العلم بالفارسية أكثر من حظ الحكاية الصوتية لكان أحرى به أن يظهر في ~~هذا المقام . # مزاجه وأخلاقه # أي خبر من الأخبار التي تسربت إلينا عن حياة ابن الرومي لا نتركه مختارين غير آسفين ~~لو استطعنا أن نستبدل به صورة لوجه الرجل وشخصه؟ بل أي خبر من هذه الأخبار لا نتركه ~~مختارين غير آسفين لو استطعنا أن نستبدل به وصفا دقيقا لملامح الرجل وقسماته وشارته ~~وسائر ما يتصل بشكله؟ فقد تعودت النفوس أن تشتاق إلى رؤية من تتحدث به وتسمع عنه، ولم ~~تتعود ذلك عبثا؛ ولكنها تعودته لأن الرؤية تزيدها معرفة بمن تريد أن تعرفه؛ أو لأن ~~المعرفة لا تكمل بغير رؤية. # وليس من مجرد المصادفة - فيما نعتقد - أن تشيع الصور الشمسية والترجمة التحليلية ~~والدراسة النفسية في عصر واحد، ولا أن تكون الأمم المعروفة قديما ببراعة الترجمة ~~وكتابة السير أمما معروفة كذلك بتقييد الملامح والسمات في الصور والتماثيل؛ فإن فراسة ~~الظاهر جزء من فراسة الباطن. # وكلتاهما لازمة لفهم السيرة وإتقان الدراسة النفسية. # ونحن نؤمن بالفراسة كل الإيمان، ولا نشك إلا في المتفرسين أو في بعض المتفرسين، فالذي ~~فاتنا من ترجمة ابن الرومي بفوات صورته قسم ليس بالقليل، وتعويض هذا القسم بما بقي لنا ~~من الوصف العرضي والأخبار المنزورة من أصعب الأمور. # فها نحن أولاء نكتب سيرة ابن الرومي، ولا نعرف ما الفرق مثلا بين سحنته وسحنة شاعر ~~من شعرائنا الآخرين. نعم، إن ابن الرومي كان كما نعلم سليل أبوة يونانية وأمومة فارسية، ~~ولكن ألم يكن من الجائز أنه كان أقرب إلى ملامح الأمومة منه إلى ملامح الأبوة؟ أو أقرب ~~إلى ملامح الأبوة منه إلى ملامح الأمومة؟ أكان له وجه فارسي أو وجه يوناني، أو وجه رجل ~~فيه مسحة من سمات الشعبين، أو لا مسحة فيه من هؤلاء ولا هؤلاء؟ ما نظن ذلك مما يستغنى ~~عنه في ترجمة شاعر أو صاحب ترجمة كائنا ما كان. # فإذا كنا سنرجع ms071 إلى ذخيرتنا التي نعتمد عليها من شعر الشاعر، وإلى القليل من أخباره ~~التي تسربت إلينا، فلا ندحة لنا في هذا الصدد ولا حيلة، وعزاؤنا بعض العزاء أننا قد ~~نهتدي من شعره وأخباره إلى صورة له تعين على تخيله وتمثيله، وإن لم تغن عن صورته ~~الحقيقية ولا عن وصفه الدقيق كل الغناء. ~~••• # كان ابن الرومي صغير الرأس مستدير أعلاه، أبيض الوجه يخالط لونه شحوب في بعض ~~الأحيان وتغير، ساهم النظرة باديا عليه وجوم وحيرة، وكان نحيلا بين العصبية في ~~نحوله، أقرب إلى الطول أو طويلا غير مفرط، كث اللحية، أصلع بادر إليه الصلع والشيب في ~~شبابه، وأدركته الشيخوخة الباكرة فاعتل جسمه وضعف نظره وسمعه، ولم يكن قط قوي البنية في ~~شباب ولا شيخوخة، ولكنه كان يحس القوة اليسيرة في الحين بعد الحين كما يحس غيره العلل ~~والسقام، فكان إذا مشى اختلج في مشيته، ولاح للناظر كأنه يدور على نفسه أو يغربل ~~لاختلال أعصابه واضطراب أعضائه، وكان على حظ من وسامة الطلعة في شبابه، معتدل القسمات، ~~لا يأخذ الناظر بعيب بارز ولا حسنة بارزة في صفحة وجهه. أما في الشيخوخة فقد تبدلت ~~ملامحه وتقوس ظهره ولحق به ما لا بد أن يلحق بمثله من تغيير السقام والهموم. ~~••• # هذه خلاصة الصورة التي استخرجناها من شعر الشاعر وأخباره، وقد كان ينبغي أن نكتفي بها ~~ونقف عندها لو كانت «الترجمة لذاتها» هي الغرض الوحيد من هذا الكتاب، ولكن «الترجمة» ~~ليست هي كل ما نقصد إليه، ولا أهم ما نقصد إليه؛ لأن الطريق المؤدي إلى الترجمة غرض ~~كبير من أغراض الكتاب لا يقل عن بيان الترجمة لذاتها، ووسيلة الوصول إلى النتيجة مطلوبة ~~كالوصول إلى هذه النتيجة، والصيد مقصود هنا كما تقصد المائدة والطعام الذي على المائدة، ~~فمن الواجب علينا أن نبين مكان هذه الترجمة من شعر الرومي، وحاجة الأخبار التي بين ~~أيدينا إلى التكميل من كلامه في وصف نفسه عامدا وغير عامد، وأن نبين كيف أن ديوان شعره ~~قد تجاوز حد الترجمة الباطنية إلى الترجمة التاريخية، ms072 لاشتمال وجدان الرجل عليه، وفرط ~~استيعابه لنفسه في شعره، وشدة الامتزاج بين حياته وفنه. ~~••• # فأما أنه كان صغير الرأس مستدير أعلاه، فيؤخذ من رده على من عاب صغر رأسه : # إذ تنقصتني بصعلكة الرأ # س، سفاها واذممت غير ذميم # ما تعديت أن وصفت خشاشا # لوذعيا كالحية المشهوم ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وقديما ما جرب الناس قبلي # ثقل الهام في الخفاف الحلوم # واعتبر أن أفشل الطير في الطي # ر، وفينا كروسات البوم # فهو يقول لعائبه: إن صغر الرأس لا يزري به؛ لأن الحية المشهوم - وهي موصوفة بالحكمة ~~واليقظة - صغيرة الرأس، والبومة كبيرته وهي مضعوفة فاشلة بين الطير والناس. # وأما أنه كان أبيض اللون، فذلك غير عجيب في رجل له جد من الفرس وجد من الروم، وقد ~~قال هو يصف ديباجة وجهه في نضرة العمر: # يا هل تعود سوالف الأزمان # أو لا؟ فمنصرف إلى السلوان # كيما أروح وللشبيبة حبرة # أرني العيون بفاحم فتان # وبمشرق صافي الأديم كأنما # فيه ائتلاف من صفيح يمان # والإشراق والصفاء والائتلاف أشبه بالبياض منها بأي لون من ألوان الوجوه. # وأما أنه كان «يخالط وجهه شحوب في بعض الأحيان وتغير، وأنه كان ساهم النظرة باديا ~~عليه وجوم وحيرة»، فيفهم من قوله وقد لاحظت عليه بنت صغيرة لعبيد الله بن عبد الله أنه ~~كان كثير السكون والتفكير: # وشقيقة قالت: أراه مفكرا # حتى أراه من السكينة نائما # فأجبتها إني امرؤ هيامة # في كل واد ما أفيق هماهما # أمسي وأصبح للشوارد طالبا # بهواجسي، حول الأوابد حائما # وهي ملاحظة صادقة بسيطة كأكثر ملاحظات الأطفال - ولا سيما البنات - على الرجال الذين ~~يرونهم عند آبائهم، فيتفرسون فيهم ويطيلون النظر إليهم، ثم إن أناسا كانوا يعيبون عليه ~~انقباضه كما يؤخذ من قوله في هجاء بعضهم: «يعيب انقباضي معجبا بانبساطه.» وكما قال علي ~~بن إبراهيم كاتب مسروق البلخي: «كان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدل على تغير ~~حال.» ولو لم يكن هذا واضحا في شعره وأخباره لتوسمناه من صحته وخيبة أمله وكثرة ~~شكواه. # وأما نحول «العصبي» المعروق، فالدلائل عليه في شعره ms073 كثيرة، منها قوله: # أنا من خف واستدق فما يث # قل أرضا ولا يسد فضاء ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أنا ليث الليوث نفسا وإن كن # ت بجسمي ضئيلة رقشاء # ومنها: # يقول القائلون: ضويت جدا # ولم تنضجك أرحام النساء # ومن إنضاجها إياي أعرت # عظامي من لحومهم الوطاء # إذا ما كنت ذا عود صليب # فيكفيني القليل من اللحاء # ومنها: # وزارية علي بأن رأتني # من الهزلي حقيرا في السمان # وذلك فضلا عن مدحه النحافة فيمن كان يمدحهم، وتفضيله شأو الخماص على شأو البطان؛ لأن ~~العصب جعل في الرجال قديما و«كذا الجدل في الحبال المتان». # ونعلم أنه كان أقرب إلى الطول أو طويلا غير مفرط من شعره وحده لا من خبر روي عنه؛ ~~فقد كان شديد السخر بالقصار، شديد النكاية في هجائهم، ومن قوله في شيخوخته: # أقول وقد شابت شواتي وقوست # قناتي وأضحت كدنتي # 8 # تتخدد # ومنه: # وأرى قوامي لج في تقويسه # ولقد يلج اللين في تعطيفه # والقوام والقناة والتقويس بالطوال أشبه، ولا سيما حين يلج التقويس ولا يقف عند ~~الانحناء اليسير، ويتوسم فيه الطول من أبيات كثيرة كهذا البيت: # وكم مثلها من ظبية قد تفيأت # ظلالي وأغصان الشبيبة ميد # ومثله: # وظبية من ظباء كان مسكنها # في ظل غصني، إذا ظل الضحى التهبا # ومثله: # إذ للشبيبة صبوة تصبو بها # وبشاشة تصبي بها وتروق # يهتز منك لأريحيات الصبا # غصن تفيؤه الظباء وريق # ولا يكون الاهتزاز والتشبيه بالغصن الذي تتفيؤه الظباء إلا القوام فيه امتداد ~~وطول. # وقد طلب مرة ثوبا فكتب يقول ويذكر نفسه بضمير الغائب: # فأنجز الوعد بثوب له # من الجياد المرتضاة الحسان # وفي القوافي ثمن مربح # فلا يقصر ذرعه عن ثمان # فإذا حسبنا كل حساب للطمع، فلا نظن ثماني أذرع تطلب لرجل قصير أو فوق القصير ~~بقليل. # إلا أنه لم يكن مفرط الطول؛ لأنه كان يهجو من في طوله إفراط، كما قال في عمرو بن ~~الحاجب: # فللقد منه طول نهر معوج # وللأنف منه نفخة البوق في الكفر # ونحسب هذه الشواهد كلها كافية في تخيل قوامه، وأنه لم يكن بالطويل ms074 المفرط ولا ~~بالقصير. ~~••• # وكان ملتحيا ولا شك في أوائل كهولته: # رأيت جليسي لا يزال يروعه # بياض القذى في لحيتي فيميطه # فكيف به عما قليل إذا رأى # قذى الشيب قد عفا عليها سفيطه # 9 # فهو قد التحى في سن يتوقع ما بعدها من زيادة الشيب وعمومه، إلا أنه كان كث اللحية ~~قصير شعرها كما قال: # ولم أزل سبط الأخلاق واسعها # وإن غدوت امرأ في لحيتي كثث # وكأنما جعل من ذلك النقص فخرا؛ لأنه نقص لا يد له في استدراكه، فكان يسخر من اللحى ~~الطوال ويسميها أذنابا ومخالي ومذبات، ويشك في أدب كل غزير اللحية، بل يجعل غزارتها ~~دليلا قاطعا على نزارة أدبه حتى البحتري! لأن: # البحتري ذنوب الوجه نعرفه # وما رأينا ذنوب الوجه ذا أدب # ومغالطته في هذا بادية من دخيلة إحساسه بهيبة اللحية، وأنها علامة التذكير؛ حيث يقول ~~لصاحب لحية طويلة: # أرع فيها الموسى فإنك منها ~~- يشهد الله - في أثام كبير # أيما كوسج يراها فيلقى # ربه بعدها صحيح الضمير # هو أحرى بأن يشك ويغرى # باتهام الحكيم في التقدير ~~••• # لحية أهلمت فسالت وفاضت # فإليها تشير كف المشير # ما رأتها عين امرئ ما رآها # قط إلا أهل بالتكبير # روعة تستخفه لم يرعها # من رأى وجه منكر ونكير # فاتق الله ذا الجلال وغير # منكرا فيك ممكن التغيير # أو فقصر منها فحسبك منها # نصف شبر علامة التذكير # والرغبة في غزارة اللحية معقولة من رجل أصلع كان يفرق من الصلع ويخفيه جهده، ويود أن ~~يداريه بغزارة الشعر في وجهه الذي لا يستطيع مداراته، كما كان يداري رأسه. # أما الشيب والصلع فحديثه عنهما طويل، وشهرته بما قال فيهما مضرب الأمثال بين ~~الأدباء. # شاب رأسه في غضارة الشباب فقال: # شاب رأسي ولات حين مشيب # وعجيب الزمان غير عجيب # قد يشيب الفتى وليس عجيبا # أن يرى النور في القضيب الرطيب # ولم يدع لنا أن نسأل عن السن التي شاب فيها؛ لأنها هي الحادية والعشرون من عمره كما ~~عينها لنا تعيينا في قوله: # فظلم الليالي أنهن أشبنني # لعشرين يحدوهن ms075 حول مجرم # ثم والى ذكر السنين مرحلة بعد مرحلة، فقال فيما دون الثلاثين: # وأنى تفرع رأسي المشيب # ولم أتفرع ثلاثين عاما # وبلغ الأربعين فعد نفسه من الموتى إلا أحلاما تذكره الحياة: # مت إلا حشاشة وادكار # مثل أحلام حالم النوام # ومتى ما انقضت أجاري طرف # مات إلا صيامه في المصام ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وقضيت الرضاع من درة الكر # م لتجريم أربعين تمام # وهكذا في الخمسين والخامسة والخمسين والستين، كأنه عابر طريق يحصي ما عبر منها وما ~~بقي له أن يعبر، وما وخط الشيب شعره حتى آلى له من البداءة «يمينا لأخفينك جهدي»، ~~ووالى إخفاءه بقية عمره، وأخفى الصلع حين أصابه في شبابه كما أخفى المشيب، فكان لا يرى ~~في مكان إلا لابسا عمامة، وعز عليه أن يمنى بهذا التشويه في نظره، وهو الذي أولع بكل ~~تشويه يتضاحك به، ويفتن في تمثيله، ويغرق أصحابه في المزح والدعابة، فلزم العمامة لا ~~يخلعها، وأخفى سر ذلك عن جلسائه وجليساته، فكان أثقل شيء عليه أن يتعرض متعرض لهذا السر ~~المصون! # يا أيها السائلي لأخبره # عني: لم لا أراك معتجرا؟ # أستر شيئا لو كان يمكنني # تعريفه السائلين ما سترا # ومن عيره هجاه وقال فيه: # يعيرني لبس العمامة سادرا # ويزعم لبسيها لعيب مكتم # وتلا ذلك ما لا بد منه في هجاء صاحبنا من عوار الكلام. # ثم انكشف الأمر ولم تغن الحيلة في لجاج الفضوليين والمتشوفين، فعاد إلى العمامة يحيل ~~عليها اللوم، ويتهمها بجريرة الصلع ويقول: إنه لم يكن أصلع قبل أن يلبسها، وإنما كان ~~يتقي بها البرد والحر، فدهاه طول التعمم في لمته، فهو يلبسها الآن لستر هذا التشويه ... ~~الحديث! # تعممت إحصانا لرأسي برهة # من القر يوما والحرور إذا سفع # فلما دهى طول التعمم لمتي # وأودى بها بعد الأصالة والفرع # عزمت على لبس العمامة حيلة # لتستر ما جرت علي من الصلع # فيا لك من جان علي جناية # جعلت إليه من جنايته الفزع # ولا يبعد أن يكون هذا صحيحا بعض الصحة، وأن خوفه البرد والحر كان من أسباب ملازمته ~~العمامة، وإن ms076 لم يكن هو كل السبب، فقد كان يكابد في الصيف نصبا كما قال لبعض ممدوحيه: ~~«يا عليما بما أكابد فيه.» # 10 # وكان مرهف الحس جدا، فكان أهون مس يهيج أعصابه ويستفز خلقه، بل كانت ~~الرائحة إذا قويت تؤذيه وتصدعه؛ فلهذا كان يذم الورد ويمدح النرجس كما جاء في فصل ~~التلطف من كتاب الصناعتين، ومن بلغ منه التقزز هذا المبلغ لم يبعد أن يلبس العمامة ~~لاتقاء الحر والبرد، ولم يبعد كذلك أن يكون ضعيف الشعر فطرة، وأن يصيبه الشيب والصلع ~~لأضعف سبب. # أما مشيته فقد تولى هو وصفها لنا على طريقته التي لا تدع شيئا من تمثيل الشكل ~~والحركة، فعلمنا أنه كان يختلج في مشيته كأنه يحمل بين يديه غربالا يديره. # إن لي مشية أغربل فيها # آمنا أن أساقط الأسفاطا # وهذه المشية معروفة تدل عليها حركة الغربلة، وتكثر فيمن بهم خلل في العصب أو العضل، ~~وفي ديوانه أبيات يهجو بها أخا نضر الجهبذ؛ لأن نضرا أراد أن يزوجه بنته، فمنعه من ذلك ~~أخوه وقال له: أما تنظر إلى مشيته مثل مشية المخنثين؟! # ونحسب أننا في غنى بعد هذا عن شواهد أخرى على حظه من الصحة وقوة التركيب في شبابه ~~ومشيبه، ولكننا لا نحب أن نحدس إذا أمكن أن نجزم، فالرجل يقول في صباه: # وإني للقوي على المعالي # وما أنا بالقوي على الصراع # وكان يشكو مرض العينين قبل الشيخوخة، ففي ذاك يقول في قصيدته الدالية في صلح عبيد ~~الله بن عبد الله بن طاهر وأخيه سليمان، وهي مما نظم حوالي الأربعين: # شغلت عنك بعوار أكابده # لا بالملاهي ولا ماء العناقيد # ولو قعدت بلا عذر لمهد لي # جميل رأيك عذري أي تمهيد # قاسيت بعدك لا قاسيت مثلهما # نهار شكوي يباري ليل تسهيد # أمسى وأصبح في ظلماء من بصري # فما نهاري من ليلي بمحدود # كأنني من كلا يومي وليلته # في سرمد من ظلام الليل ممدود # إذا سمعت بذكر الشمس آسفني # فصعدت زفراتي أي تصعيد # وذلك إلى شكاية من المتطببين واعتذارات كثيرة بالمرض تدل على ms077 بنية مصابة، وحظ من ~~العافية قليل. # فلما أدركته الشيخوخة لا جرم برحت به واشتدت وطأتها عليه، فرجفت أعضاؤه، وتعاورته ~~الأسقام، واحتاج إلى العصا، وزاغ نظره، وثقل سمعه. # ودب كلال في عظامي أدبني # جنيب العصا، أنآد أو أتأيد # وبورك طرفي فالشخوص حياله # قرائن - من أدنى مدى - وهي فرد # أو كما قال في قصيدة أخرى: # وأحدث نقصان القوى بين ناظري # وسمعي وبين الشخص والصوت برزخا # وجماع ذلك قوله: # أنا ذاك الذي سقته يد السق # م كئوسا من السقام رواء # ورأيت الحمام في الصور الشن # ع فكانت لولا القضاء قضاء # وقد اختلفت أقوال ابن الرومي في حظه من القسامة قبل أن تجور عليه السن وتعصف السقام ~~بما كان له من صباحة في ضحوة عمره، فهو إذا أراد أن يمزح أو يهون على نفسه فقد ~~الشباب العزيز قال: # من كان يبكي الشباب من جزع # فلست أبكي عليه من جزع # فإن وجهي بقبح صورته # ما زال لي كالمشيب والصلع # أو قال: # جزى الله عني قبح وجهي سعادة # كما قد جزاه، والإله قدير # دعوت به قوما فأدوا أتاوة # كأني عليهم عند ذاك أمير # وهو إذا أراد أن يرثي الشباب ويتفجع عليه قال: # وكنت جلاء للعيون من القذى # فقد جعلت تقذى بشيبي وترمد # أو قال: # وما يرجى من البيض ابتسام # لمن أمسى لمفرقه ابتسام # كأن محاسني لم تضح يوما # وفي لحظاتهن لها اقتسام # كأني لم أر اللمحات نحوي # وفي اللمحات لثم والتزام # والمرء يبالغ إذا أراد أن يتهكم أو يتفجع، ويبالغ إذا أراد التهوين أو التهويل، ~~فالصورة الأولى أدخل في باب الصور الهزلية التي فيها ما في جميع هذه الصور من التحريف ~~والمسخ والمبالغة، والصورة الثانية أدخل في باب الصور المحسنة التي يكثر فيها التنوق ~~والإصلاح، ولكنا نرجح أنه كان كلما قلنا «على حظ من وسامة الطلعة في شبابه، معتدل ~~القسمات، لا يأخذ الناظر بعيب بارز ولا صفة بارزة في صفحة وجهه»؛ لأنه كان يتناول ~~بالسخر كل عيب في وجوه الذين هجاهم من خصومه ومازحهم من أصحابه، ms078 فلو كان فيه مثل هذه ~~العيوب البارزة التي لا تدارى ولا يغالط فيها لما تناولها، ولا حول الأنظار إلى ~~مثلها في وجهه، أو هو لو كانت فيه هذه العيوب وتناولها بالهجو والدعابة لتعرض له ~~المهجوون بمثل فعله، فرد عليهم شعرا كما رد عليهم حين تعرضوا له في العيوب الأخرى ~~من مشية أو صلع أو هزال. # فالأقرب إلى الترجيح أنه لم يكن ذا عيب بارز ولا حسنة بارزة، وأنه لم يكن ظاهر الحسن ~~ولا ظاهر التشويه، على أنه كائنا ما كان حظه من القسامة في صباه قد فقد ولا ريب ذلك ~~الحظ الذي كان له حين شاخ وجاوز الخامسة والخمسين، فإننا لا نتخيل الجمال لشيخ نحيل ~~معروق تقوس ظهره، وشحب وجهه، وانطفأ وميض عينيه، وطال عليه السقم والغم، ولم تزينه ~~الشيخوخة بذلك التاج الفضي الذي تسبغه على رءوس الشيوخ، ولا بتلك الحلية الناصعة التي ~~تحيط بها وجوههم بالوقار والجمال. ~~••• # على أن ضعف البنية لم يكن ليضير ابن الرومي كثيرا في شبابه أو في شيخوخته لو أنه ~~اعتدل في عيشه، وقوي على ضبط نفسه؛ فإن ضعاف البنية قد يعمرون ويبلغون فوق الستين التي ~~بلغها ابن الرومي وهم في عيشة سوية، وحالة من الصحة مرضية، وربما نيف الهزيل على ~~الثمانين وهو معافى الجسد، موقى من الأمراض التي لا يتقيها الأقوياء، ولا يحجمون عن ~~مواقعة أسبابها، ولكن ابن الرومي كان هزيلا، وكان مع هزاله قليل التصون والاحتراس، ~~فجنى على بدنه فوق ما جناه عليه هزاله، ولج به الحس المتوفز، فتهافت على لذات الحياة ~~وأطايبها تهافت من لا يحب أن تفوته متعة، أو تفلت من يديه نهزة، وكبر له الخيال لذات ~~الحس ومباهجه، فأكب على مائدة الحياة كالطفل على مائدة الحلوى لا تمنعه كظة، ولا تقمع ~~شهوته حمية، وراح منهوما كذلك بكل لذة عقلية يلتهم المعرفة كما يلتهم اللهو والنعمة ~~التهام من يخشى أن يذاد عنها ولما يستوف شبع شهوته منها، فجار على بنيته الضاوية، ~~وانطلق مسرفا في درسه، مسرفا في اشتهائه، مسرفا في طعامه ms079 وشرابه، وروي له الشعر حتى ~~في أصناف الطعام والشراب، بل روي له الشعر في هذه الأغراض حيث لا يروى له شعر غيره، قال ~~محمد بن يحيى الصولي فيما نقله المسعودي في مروج الذهب: # أكلنا يوما بين يدي المكتفي بعد هذا بمقدار شهر - أي بعد أكلة روي فيها شعر ~~لابن الرومي - فجاءت لوزينجة فقال: هل وصف ابن الرومي اللوزينج؟ فقلت: نعم، ~~فقال: أنشدنيه، فأنشدته: # لا يخطئني منك لوزينج # إذا بدا أعجب أو عجبا # لم تغلق الشهوة أبوابها # إلا أبت زلفاه أن يحجبا # لو شاء أن يذهب في صحنه # لسهل الطيب له مذهبا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # مستكثف الحشو ولكنه # أرق جلدا من نسيم الصبا # كأنما قدت جلابيبه # من أعين القطر الذي طنبا # 11 # يخال من رقة خرشائه # 12 # شارك في الأجنحة الجندبا # إلى آخر الأبيات، فحفظها المكتفي فكان ينشدها. # وأخبر نفطويه عن أحمد بن حمدون: «تذاكرنا يوما بحضرة المكتفي فقال: أفيكم من يحفظ في ~~نبيذ الدوشاب شيئا؟ فأنشدته قول ابن الرومي: # إذا أخذت حبه ودبسه # ثم أجدت ضربه ومرسه # ثم أطلت في الإناء حبسه # شربت منه البابلي نفسه # فقال المكتفي: قبحه الله، ما أشرهه! لقد شوقني في هذا اليوم إلى شرب الدوشاب.» # وإنا لنقرأ هذه الأبيات وأمثالها الكثيرة في ديوان ابن الرومي، فيخطر لنا عصره ~~المترف، ويخطر لنا أن الإسهاب في وصف الطعام والشراب لم يكن في ذلك العصر معيبا ولا ~~مخلا بالمروءة؛ لأنه كان عصر الشهوات جميعا، وأولها شهوة المآكل والمشارب، بل كان ~~عصرا يصح أن يسمى بعصر الموائد والولائم؛ لأنها كانت وصلة الاجتماع في الجد واللهو، ~~وملتقى طلاب اللقاء في مواعد الوجبات اليومية وغير مواعدها المألوفة، وكان من مقاييس ~~مروءة الرجل أن ينظر إلى مطعمه في بيته، وبراعة طهاته، ونفقته على أكله؛ فغضب المتوكل ~~على عافية بن شبيب وأقصاه من مجلسه ونفاه إلى البصرة لأنه رأى له طعاما لا يليق بمن ~~يجالس الخليفة وينال صلاته. # ونحن لا نتصفح أخبار المجالس في ذلك العصر إلا صادفنا الحديث عن الولائم والمهارة في ~~إتقانها، والسخاء في ms080 النفقة عليها، فربما كان الخليفة وجلساؤه يتواعدون إلى الموعد ومع ~~كل منهم طعامه يتفكهون باستعراض ألوانه، والمقابلة بين صناعاته وطعومه، وكان من تمام ~~ظرف الأديب والنديم أن يحذق شأن الطعام، ويخبر صنعه وما قيل في وصفه، فظهرت في ذلك ~~العصر كتب الأدباء في فن الطهو؛ ككتاب الطبيخ لإبراهيم بن العباس الصولي، وكتاب الطبيخ ~~وكتاب فضائل السكباج لجحظة البرمكي، وخفت مذمة النهم لأنه أصبح كأنه قدرة وعلم وظرف! ~~وكأنه في ذلك كله أقرب إلى الفخر منه إلى الملامة! # يخطر لنا ذلك العصر المترف ونحن نقرأ هذه الأبيات الكثيرة في ديوان ابن الرومي فنسأل ~~أنفسنا: ما نصيب العصر في تلك الأوصاف، وما نصيب الرجل؟ وما حظ العين من لون وشكل، وما ~~حظ المعدة من شبع وامتلاء؟ فمن شاء أن يحسب نهم ابن الرومي على النحو المتقدم بابا من ~~الأدب لا بابا من الشره، فله ذلك وحجته في هذا الحسبان غير ضعيفة! ولكنه هو لا يدعنا ~~نحار في خليقة كهذه الخلائق التي تحكى عنه، ويكون لها دخل في حياته، فإذا تطرق الشك إلى ~~جانب، فلا بد له من جانب آخر يقطع ذلك الشك، ويردك إلى اليقين فيه، ومن شعره المحفوظ ما ~~يروي لك كيف كان يعاب في أكله، وكيف كان رده على من يعيبونه، فتارة يقر بالذنب ويزعم ~~أنه هفوة لا جريمة: # أإن اصطبغت ولقمتي معضوضة # 13 # أنشأت تهجوني بذلك ظالما؟ # عيب - لعمرك - غير أن لم آته # عمدا! فهبني هافيا لا جارما # وتارة يقول لقسطنطين جارية أم حبيب وكأنها ضحكت من أكله: # ذريني قسطنطين آكل شهوتي # وتبشمني؛ إني بذلك راض # فأكثر ما ألقي من الزاد كظة # مدى يومها واليوم أسرع ماض # ثم لا ينسى أن يعرض كدأبه بغير ذلك، وأن يذكر الكظة التي لا تنصرف إلا بعد تسعة ~~شهور! # وتارة يصف الطعام ويعقب الوصف بالتشويق إليه واللهفة عليه: # لهفي عليها وأنا الزعيم # بمعدة شيطانها رجيم # بل هو لا يدعنا نحار حتى في «الأصناف» التي كان يحبها ويؤثرها على سواها، فقد علمنا ~~مثلا أنه ms081 كان يحب الموز من الفاكهة؛ لأنه غذاء القلوب لا غذاء المعدات: # يكاد من موقعه المحبوب # يدفعه البلع إلى القلوب # وأنه كان يعاف المشمش؛ لأنه دواء لا غذاء: # إذا ما رأيت الدهر بستان مشمش # فأيقن بحق إنه لطبيب # وعلمنا أنه كان يشتهي السمك ويمعن فيه: # فيا حبذا إمعاننا فيه ناضجا # كما جاء من تنوره المتوقد # وعلمنا أن ابن أبي بشر المرثدي غلط مرة فوعده أن يوافيه أيام السبت بالهدية منه بعد ~~الهدية، فوقع المسكين في شباكه، فما كانت تنقضي فترة إلا على تذكير له ومناوشة، وجعل ~~ابن الرومي هذا الوعد هجيراه ودعابته التي لا يفرغ منها. # وما كان يفرغ من دعابة ولا غير دعابة وفيها بقية، فحينا يقول: إنه قد تهود في انتظار ~~السمك، ويسأل ابن أبي بشر: # ما لحيتاننا جفتنا وأنى # أخلف الزائرون منتظريهم! # قد أزحنا اعتلالهم وجعلنا # سبتهم جمعة، فما يشكيهم؟ # جاء في السبت زورهم فأتينا # من حفاظ عليه ما يكفيهم # وجعلناه يوم عيد عظيم # فكأنا اليهود أو نحكيهم # واحتملنا مقالة الناس فينا # ولهم كل ما احتملنا وفيهم ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # قد سبتنا، وإنما كان قوم # يوم لا يسبتون لا تأتيهم # يشير إلى المائدة التي كانت تأتي بني إسرائيل يوم يسبتون ...! # وحينا يحمد الله الذي نجى السمك حين تعلقت به شهوة ابن الرومي ووعد ~~المرثدي: # الحمد لله الذي نجى السمك # من الشصوص الجائلات والشبك # علمه يونس من تسبيحه # ما كان أدناه إلى تسريحه # فهو من الصياد في أمان # ما دمت أبغيه، وفي ضمان # وحينا يسائل المرثدي مستعظما لإبطائه: # أألحوت حوت الأرض أم حوت يونس # لك الخير، أم حوت السماء أروم؟ # وحينا يسأل السمك: # أيا سمكا بين السماكين عزة # إلى كم يرانا الله عنك نصوم؟ # وحينا يعلم المرثدي أن دجلة قريبة من قصره، وأنه قليل العذر في إخلاف وعده: # اعلم - وقيت الجهل - أنك في # قصر تليه مطارح السمك ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وبنات دجلة في فنائكم # مأسورة في كل معترك ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # بيض كأمثال السبائك بل # مشحونة بالشحم كالعلك # تغني عن الزيات قاليها # وتبخر الشاوين بالودك ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # فليصطد الصياد حاجتنا ms082 # تصطد مودتنا بلا شرك # وهكذا وهكذا مما يغريه به حب السمك وحب الدعابة، وكلاهما شهي إليه! # وكان هذا ديدنه في كل أمر من أموره: إسراف واستقصاء لا يمسكهما ضابط، ولا تعقدهما ~~عزيمة، إسراف واستقصاء في النكتة وفي المعنى وفي الدرس، وفي الطعام والشراب والشهوات، ~~لا حد لهما إلا البشم والامتلاء واستنفاد ما بين يديه من مادة في ساعتها حتى لا سؤر ~~ولا صبابة. # إن يكن عندك لي نص # ح فما عندي انتصاح # لا تلمني فالهوى في # ه جماح وطماح ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # ما على المفتون فيما # غلب الصبر جناح # كل شيء غلب الصب # ر إليه فمباح # إنما الدنيا ملاه # واغتباق واصطباح # والمزاح الجد إن فك # رت والجد المزاح # وتختلف نزعات هذا الإسراف، وسببها كلها واحد: سببها كلها توفز الحس ومطاوعة الرغبة ~~الحاضرة والاندفاع معها، وقلة الصبر عنها، ولو أن هذه الأشواق الجامحة شفعت بمسكة من ~~العزم المتين لاعتدلت حاله ولو بعض الاعتدال، وسلم جسمه ولو بعض السلامة، ولكن أنى له ~~العزيمة وهو أسير إحساس اللحظة التي هو فيها، لا يترك له استغراقه في مؤثراتها الحاضرة ~~منفذا إلى التفكير في قابل أو غابر، ولا يعدل بما يزينه الحس والخيال حظا تزينه له ~~الحكمة والحصافة. # وصاحب هذا المزاج إذا خلا من الإحساس الثائر، والرغبة الجامحة يثوب لا محالة إلى وجوم ~~يجثم على صدره، وانقباض يثقل على وجدانه، كالنشوان لا يفيق من أحلام الكأس حتى يرين ~~عليه السأم فيسرع إلى النشوة، فهو أبدا بين النقيضين من ثورة الإحساس وشدة ~~الوجوم. # وليس التناقض بين ثورة الإحساس والوجوم في الحقيقة إلا ظاهرا لا يتعمق إلى البواطن ~~الداخلية؛ إذ إن فرط الإحساس كثيرا ما يؤدي بصاحبه إلى فرط الوجوم؛ اتقاء الألم أو ~~شعورا بالوحشة التي تنتابه حين يرى التفاوت بين شعوره وبلادة من حوله، أو مضيا مع ~~عادة التفكير والخلو بالنفس التي ينميها التفات الإنسان إلى موارد الإحساسات المتوالية ~~على وجدانه وحسه، وإذا لم يتوجه الإحساس إلى العمل والحركة فسبيله التي لا محيد عنها أن ~~يتوجه إلى التأمل ومناجاة ms083 السريرة، وندر أن يوجد الخجل والاحتجاز إلا مع شدة الوعي ~~والتنبه لكل حركة يتحركها الإنسان، وكل كلمة ينبس بها، وكل أثر يكون لحركته وكلامه في ~~نفوس غيره، فالسكون أدل على الحس المتوفز في بعض الأحيان من الحركة والاضطراب. # ولعل الأصوب أن نقول: إن ابن الرومي وقع من مزاجه وإسرافه في حلقة موبقة لا يدرى أين ~~طرفاها، فمزاجه أغراه بالإسراف، والإسراف جنى على مزاجه، فإن هذا الإسراف الموكل ~~بالاستقصاء في كل مطلب ورغبة خليق ولا غرو أن يسقم جسمه، وينهك أعصابه، ويتحيف صوابه، ~~بيد أنه لا يسرف هذا الإسراف إلا وفي جسمه سقم، وفي أعصابه خلل، وفي صوابه شطط لا يكبح ~~جماحه، فالعلة هي سبب الإسراف، والإسراف هو سبب العلة! وهو من هذه الحلقة الموبقة في ~~بلاء واصب، ومحنة لا قبل بها للضليع الركين فضلا عن المهزول الضئيل، وعلاقة كل ذلك ~~باختلال الأعصاب وشذوذ الأطوار بدءا وعودا ثم عودا وبدءا علاقة من جانب الجسد ومن ~~جانب التفكير. # ولا تعوزنا الأدلة على اختلال أعصاب ابن الرومي وشذوذ أطواره من شعره أو من غير شعره، ~~فإن أيسر ما تقرؤه له أو عنه يلقي في روعك الظنة القوية في سلامة أعصابه واعتدال صوابه، ~~ثم يشتد بك الظن كلما أوغلت في قراءته والقراءة عنه، حتى ينقلب إلى يقين لا تردد فيه، ~~وكل ما نعلمه عن نحافته، وتفزز حسه، وشيخوخته الباكرة، وتغير منظره، واسترساله في ~~الوجوم، واختلاج مشيته، وموت أولاده وطيرته، ونزقه وشهوانيته الظاهرة في تشبيبه وهجائه، ~~وإسرافه في أهوائه ولذاته، ثم كل ما نطالعه في ثنايا سطوره من البدوات والهواجس - قرائن ~~لا نخطئ فيها الدلالة الجازمة على اختلال الأعصاب، وشذوذ الأطوار، بل لا تخطئ فيها ~~الدلالة على نوع الاختلال ونوع الشذوذ. # ونقول: «نوع الاختلال»؛ لأن هذه الكلمة عنوان واسع يشمل من الحالات النفسية والجسدية ~~مثلما تشمله كلمة «الصحة» أو أكثر، فهذا صحيح وهذا صحيح، ولكن البون بينهما جد بعيد، ~~وهذا مختل الأعصاب وذاك مختلها، ولكن الخلاف بينهما في الأخلاق والمشارب كأبعد ما يكون ~~بين فردين ms084 مختلفين من بني الإنسان، فتختل أعصاب المرء فإذا هو جسور عنيد متعسف للأخطار، ~~هجام على المصاعب لا يبالي العظائم ولا يحذر العواقب، وتختل أعصاب المرء فإذا هو وديع ~~مطيع، حاضر الخوف، متوجس من الصغائر ، يبالغ في تجسيمها أو يخلقها من حيث لم تخلق، ولم ~~يكن لها وجود في غير وهمه، وبين الحالتين - لا بل في كل حالة من الحالتين - نقائض وفروق ~~لا تقع تحت حصر، ولا تطرد على قياس. # وبديهي أن ابن الرومي لم يكن من الفريق الأول في «نوع اختلاله»، ولكنه كان من الفريق ~~الثاني الذي يستحضر الخوف، ويكثر التوجس، ويختلق الأوهام. # ومن أصحاب هذا المزاج من يخاف الفضاء، أو يخاف الماء، أو يخاف حيوانات منزلية لا قوة ~~لها ولا ضراوة كالقطط والكلاب والجرذان، فابن الرومي واحد من هؤلاء نحسب أنه كان ~~مستعدا لهذه الهواجس طول حياته في صحته ومرضه، وفي شبابه ومشيبه، ونحسب أن استقصاءه ~~للمعاني الشعرية والإلحاح في تفريعها وتقليب جوانبها إن هو إلا علامة خفيفة من علامات ~~هذا الوسواس الذي لا يريح صاحبه، ولا يزال يشككه ويتقاضاه التثبت والاستدراك فيمعن ثم ~~يمعن حتى لا يجد سبيلا إلى الإمعان. # ولكنه مع استعداده للهاجس في شبابه ومشيبه قد تمادى به الوسواس في أعوامه الأخيرة، ~~حتى أصبح آفة متأصلة غلبت على أقواله وأفعاله جميعا، فليس له عنها محيص، فأفرط في ~~الطيرة، واشتد خوفه من الماء لا يركبه ولو أدقع، ودعاه إلى ركوبه من يمنونه الأرفاد ~~وحسن الضيافة، وصور لنا ما يعتريه من خوف الماء تصويرا لا يدل إلا على حالة مرضية، ولو ~~كان التشبيه فيه من مجاز الشعر وتهويل الخيال. وهذا بعض ما قاله في مخاوفه وأهوال ~~ركوبه: # ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه # ولكنه من هوله غير ثائب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أظل إذا هزته ريح ولألأت # له الشمس أمواجا طوال الغوارب # كأني أرى فيهن فرسان بهمة # يليحون نحوي بالسيوف القواضب # والماء الذي يصفه هنا هو ماء دجلة لا ماء البحر ولا ماء المحيط! ~~••• # هذه الوساوس هي التي عناها الذين قالوا ms085 - في رواية المسعودي: «إنه كان الأغلب عليه من ~~الأخلاط السوداء.» والذين روى عنهم المعري أنه «كان أدبه أكثر من عقله»، وهي التي وسمته ~~في نظر أبناء عصره بسمة الركاكة والجنون. ~~••• # بين أصحاب هذا المزاج أناس من نوابغ الشعر والفنون عرفوا بسرعة الملاحظة، وسرعة ~~الخاطر، أو عرفوا - على الأصح - بسرعة انتقال الخواطر، وتعاقب الأفكار، واستحضار ~~المناسبات الخفية والمشابهات البعيدة التي تدركها سرعتهم، ولا تدركها عقول السواد في ~~بطئها، وأخذها بالسير المألوف. # وقد تتفاقم هذه الخصلة فتصل إلى الجنون الذي يقول عنه القائلون: إنه يخلط بين الشرق ~~والغرب، ويقحم الأحاديث في غير مواضعها ومناسباتها؛ لسرعة وثبه من كلام إلى كلام، ومن ~~معرض إلى معرض، ولخفاء أوجه المناسبة بين موضوعات تفكيره على الذين يستمعون ~~إليه. # ولكنها إذا هي لم تبلغ إلى حدها الأقصى المشاهد في أعراض الجنون، كانت خصلة نافعة ~~للشعراء والمصورين بما تقرب لهم من المشابهات البعيدة، وتبرز لهم من فوارق الأفكار ~~الدقيقة، وظلال الأشكال المستسرة، إذ لا يلزم من سرعة تفكيرهم أنهم يخطئون التفكير ~~ويجيئون به مقتضبا أو مشوها على غير استواء، فإنهم في هذه الخصلة كالآلة التي تنطلق ~~بالصور المتحركة، فتعرض لك في لمحة ما يعرض في برهة، والمناظر بعد واحدة، والنسبة بينها ~~كلها في استواء واحد، أو هم كالمجهر المكبر الذي يرى الأشياء كلها أكبر مما تراه العين ~~المجردة وهي بعد صحيحة الأبعاد، مستقيمة الأوضاع، والعلم يحتاج إلى التكبير في درس ~~الأشياء، ويحتاج إلى مثل هذا التكبير في درس النفوس، فليس كل ما دق الشعور به عن الناس ~~عامة باطلا معيبا، ولا كل ما خفي على العين حقيقا بالتجاهل والإخفاء. # إنما يدرك الخطأ أصحاب هذا المزاج في الغالب من ناحية واحدة هي ناحية ضبط الإحساس، أو ~~ناحية التفريق بين الخواطر وإحساساتها التي تناسبها. # فقد زعموا في الأساطير أن السحرة الأقدمين كانوا إذا فكروا في جني يريدونه حضر بين ~~أيديهم بغير استدعاء ولا انتظار إشارة. # فلك أن تقول: إن ما زعموه حقيقة لا أسطورة، وأن السحرة الأقدمين موجودون في كل ms086 زمان؛ ~~لأنهم هم بأعينهم سحرة الفن من أصحاب ذلك المزاج. # يخطر لهم أن صديقا مات، فما هو إلا أن يومض في ذهنهم هذا الخاطر حتى يثب معه الحزن ~~الذي يحزنه الصديق على صديقه، أو بعبارة أخرى يثب معه الجني الملازم لخاطر الموت بغير ~~استدعاء ولا انتظار إشارة. # وقد تسنح لأحدهم الفكرة، فما هي إلا أن تتراءى في خياله حتى يقترن بها الإحساس الذي ~~يناسبها من خوف أو غضب أو فرح أو اغتباط، ثم لا يستطيع أن يضبط حركة إحساسه، ولا أن ~~يصرف عنه الخالجة النفسية التي أيقظتها فيه هذه الفكرة، فكل شر مظنون فهو عنده كالشر ~~المحقق على حد قول شاعرنا: # وإذا ما ظننت شيئا فخفه # رب شر يقينه مظنونه # وربما كان أحدهم على قمة جبل فيسنح له خاطر السقوط منه، فسرعان ما يهب في نفسه شعور ~~الوجل والاضطراب كأنه قد سقط فعلا، ثم لا يستطيع دفع شعوره ولا يهدئ من روعه علمه ~~بأنه مستقر على الأرض، ناج من خطر الوقوع الموهوم! وربما سنح له شبح الأفعى فتفاجئه ~~الرهبة من سمها الناقع، ولو لم يكن في موضع تطرقه الأفاعي أو يظن بها طروقه؛ لأن هذا ~~التنبيه الصغير كاف لتحريك الإحساس وجيشانه، وتمثيله لخياله في مثل لمح البصر، ثم لا ~~توجد عنده القدرة على رد إحساسه إلى نصابه، والهيمنة على حركات نفسه، فهو كأولئك السحرة ~~في قوة الاستدعاء لولا أنه ينسى الإشارة التي يصرف بها الشياطين فتلتوي عليه ~~وترديه! # وهذا هو مورد الخطأ على أصحاب ذلك المزاج. # ولكنك ترى أنه ليس ثمة خطأ في الخاطر ولا في الإحساس الذي يلازمه، فالخاطر صحيح، ~~والإحساس كذلك صحيح، وإنما الخطأ أن الإحساس يجيء قبل الأوان أو في غير الأوان، وقد يعد ~~ذلك عيبا في العلم أو في تدبير المعاش، أما في الفن فلا عيب فيه؛ لأن الفنان أحوج ما ~~يكون إلى استحضار الشعور في غير موعده، وتمثيل العاطفة كلما دعته حاجة عارضة إلى ~~تمثيلها، فهذه الخصلة قد تؤذيه في معاشه، وقد تؤلمه وتشقيه، ولكنها ms087 لا تستلزم الخلل في ~~تفكيره وعاطفته إلا من حيث التكبير والتجسيم، وقد يكون التكبير والتجسيم ألزم لإظهار ~~الخفي وتقريب البعيد من نظرة القسط والهدوء، ولا سيما في الفنون. ~~••• # ومع كل هذا يجب أن نذكر أن آمن شيء في الحكم على هذه الأمزجة وأشباهها هو ألا تركن ~~كل الركون إلى قاعدة مقررة في تقدير أعمالها وأحوالها، وألا تزال مترقبا منها للمفاجآت ~~والغرائب في كل لحظة، فقد يجتمع العنف العصبي والوداعة العصبية في إهاب واحد، وقد يعنف ~~اللطيف ويلطف العنيف حسبما يطرأ عليهما من الطوارئ، وهذا الذي تراه اليوم يتوقد ذكاء ~~وفطنة قد تراه في بعض حالاته خابي الذهن، كليل الفهم لا يعي عنك ما تقول، وهذا الذي ~~يقيم القيامة للصغائر التوافه قد تراه وقتا ما وهو مستخف بالعظائم لا يبالي ما ~~كان منها أو ما يكون ... وأنت تسأل: أفي تركيبهم تناقض؟ # فلك أن تقول: نعم، ولك أن تقول: لا؛ لأن التناقض موجود في ظواهر الأفعال، غير موجود ~~في بواطن المزاج، فمن كانت تقيمه الهنة الضعيفة وتقعده إذا هي لمسته وبلغت به؛ حري ~~ألا يبالي الحوادث الجسام إذا هي لم تلمسه ولم تبلغ منه، فالمعول في ثورته وسكينته على ~~ما يباشر حسه، ويلامس أعصابه: لا صغير إلا وهو خطير مثير إذا أزعجه وملأ إحساسه، ولا ~~خطير إلا وهو هين طفيف إذا غاب عن وهمه، وأعفاه من رؤيته، فهو الدهر بين تبرم وفزع من ~~توافه الأشياء، وطمأنينة وسخر من فوادح الخطوب. # ويحتاج الأديب أحيانا إلى هذا التناقض كما يحتاج إلى استحضار الإحساس في غير أوانه، ~~أو يحق لنا أن نقول: إن شاعرنا خاصة قد استفاد من هذا التناقض مضاء وحدة في ملكة ~~السخر التي اشتهر بها وبلغ فيها أوجها، فإن النقائض والمفارقات ألزم لوازم هذه ~~الملكة بعد دقة الملاحظة، وها هنا معدن النقائص والمفارقات التي يعانيها الساخر في ~~نفسه، وقد يستغني بها عن مراقبة غيره. # كان ابن الرومي ساخرا، ولا جرم كان شاعر النقائض في عصر النقائض، وكان شاعر الفطنة ~~الوحية في عصر ms088 الرياء المضحك، أو عصر الاختلاف بين الظواهر والبواطن، والبعد الشاسع ~~بين ما هو كائن وبين ما يدعى ويستوجب، فلا جرم يسخر وعناصر السخر في نفسه وفي زمنه! ~~وقدرة السخر في قلبه وفي عقله، ولا جرم يسخر وهو مهيأ للسخر فيما عدا ذلك بتعدد أصوله، ~~وتوزع أهوائه وعصبياته؛ فإن صاحب العصبية الواحدة خليق أن يتحيز ويتنطس ويغلو في الجد ~~والمرارة، ولكن صاحب العصبيات الكثيرة لا يستطيع أن يفعل ذلك، ولا يسعه إلا أن يستخف ~~ويضحك من تلك الدعاوى وتلك المظاهر التي يضعها غيره من الناس موضع الجد ~~والقداسة. # وها هنا شاعر ينتمي أبوه إلى الروم، وتنتمي أمه إلى الفرس، ويدين هو بدين العرب، ~~وينتسب في ولائه إلى أبناء النبي العربي، ويتقاسم ولاءه عدوان لدودان من العباسيين ~~والطالبيين، فأين تكون العصبية؟ وأين تكون المطاعن والمثالب؟ ثم أين يكون التصديق ~~الأعمى، وأين يكون التكذيب الأعمى؟ لن يسعه هو إذا اشتجرت مفاخر الروم والفرس والعرب ~~والطالبيين والعباسيين، واختصمت بينهم العصبيات والمنافسات إلا أن يبسم في كل صوب بسمة ~~العطف والدعابة، وأن يصبح على غير قصد منه عظيم الاستعداد للتسامح والفكاهة: كالذي ~~يختصم إليه بنوه ويدعي كلهم ما يدعي من فضله وعيوب إخوته، وكل ما فيهم من فضل وعيب هو ~~من لحمه ودمه، ووشائج حبه وحنانه. # فقد اجتمع لابن الرومي إذن من عناصر السخر ما لم يجتمع لأحد في عصره: اجتمعت له دقة ~~الملاحظة والإحساس، وعمق الشعور بالمناقضات في نفسه وفي زمنه؟ وسعة النظر إلى الفوارق ~~وسماحة العطف التي تقابل مرارة العصبية، فهو ساخر لا يبارى في سخره، وعابث مطبوع على ~~العبث بكل شيء حتى صحبه ونفسه، يستخدم السخر في الهجاء والمديح والمطايبة والمعاتبة، ~~ويعرض لك في متحفه الكبير تلك الصور الهزلية التي لا مثل لها في شعر شاعر واحد من شعراء ~~العالم كله، ثم لا يأنف أن يريك بينها صورة له، بل صورا شتى لا يعوزها حظ من العناية ~~وأمانة الصناعة. # فهذا الوجه الذي فصل للصلاة والتعبد في الفلاة، وجه من هو؟ إنه وجه ms089 ابن الرومي فيما ~~صوره لنا حيث يقول: # شغفت بالخرد الحسان وما # يصلح وجهي إلا لذي ورع # كي يعبد الله في الفلاة ولا # يشهد فيها مشاهد الجمع! # ومن هذا الغائص الذي تعلم السباحة ليغوص لا ليسبح، أو هذا الخائف المراقب الذي يمر ~~بالماء في الكوز مر المجانب؟ إنه هو ابن الرومي أيضا حيث يقول عن نفسه: # وكيف؟ ولو ألقيت فيه وصخرة # لوافيت منه القعر أول راسب # ولم أتعلم قط من ذي سباحة # سوى الغوص، والمضعوف غير مغالب # فأيسر إشفاقي من الماء أنني # أمر به في الكوز مر المجانب؟ # وأخشى الردى منه على كل شارب # فكيف بأمنيه على نفس راكب؟ # وابن الرومي أيضا هو ذلك المنهوم الذي يشره إلى الطعام حتى في الأحلام، ويأسف على أن ~~يذاد عنه ولو في المنام: # ولقد منعت من المرافق كلها # حتى منعت مرافق الأحلام # من ذاك أني ما أراني طاعما # في النوم أو متعرضا لطعام # إلا رأيت من الشقاء كأنني # أثنى وأكبح دونه بلجام! # وابن الرومي كذلك هو الشيخ الفاني الذي لا ينسيه هم الشيخوخة أن يتهكم بنفسه، ويحمد ~~الله على زيغان بصره؛ لأنه بركة تجعل الشخص شخصين في نظره: # وبورك طرفي فالشخوص حياله # قرائن - من أدنى مدى - وهي فرد # هذا مثاله من سخره بنفسه، أما سخره بغيره فله في أفانينه الكثيرة ومعانيه الغريبة ما ~~يقوم بديوان كامل، وبراعته فيه طبقة لا تعلوها طبقة في نوعها، ويندر أن يدانيها فحول ~~الساخرين في المشرق والمغرب، فله في أحدب كان يضايقه ويترصد له أمام داره ليتطير ~~منه: # قصرت أخادعه وطال قذاله # فكأنه متربص أن يصفعا # وكأنما صفعت قفاه مرة # وأحس ثانية لها فتجمعا # وهي براعة لا نظير لها في وصف الشكل والحركة، ولا في تضمينهما هيئة السخر التي عمل ~~فيها الشاعر عمله المركب ليتم فيها نصيب العين والضحك والخيال، فصورة الرجل وهو يتهيأ ~~لأن يصفع، ثم يتجمع ليتقي الصفعة الثانية هي صورة الأحدب بنصها وفصها لا يعوزها الإتقان ~~الحسي، ولا الحركة المهينة، ولا الهيئة الزرية، ولا التأمل الطويل ms090 في ضم أجزاء الصورة ~~بعضها إلى بعض حتى يتفق التشبيه هذا الاتفاق. # وله في معلم صبيان مغن: # أبو سليمان لا ترضى طريقته # لا في غناء ولا تعليم صبيان # له إذا جاوب الطنبور محتفلا # ضرب بمصر وصوت في خراسان # عواء كلب على أوتار مندفة # في قبح قرد وفي استكبار هامان # وتحسب العين فكيه إذا اختلفا # عند التنغم فكي بغل طحان # وله في جحظة - وكان مغنيا جاحظ العينين: # تخاله أبدا من قبح منظره # مجاذبا وترا # 14 # أو بالعا حجرا # كأنه ضفدع في لجة هرم # إذا شدا نغما أو كرر النظرا! # وله فيه: # نبئت جحظة يستعير جحوظه # من فيل شطرنج ومن سرطان # وا رحمتا لمنادميه تحملوا # ألم العيون للذة الآذان # وله في مغن: # إنك لو تسمع ألحانه # تلك اللواتي ليس يعدوها # لخلت من داخل حلقومه # موسوسا يخنق معتوها # 15 # وله في مغنية: # تضغط الصوت الذي تشدو به # غصة في حلقها معترضة # فإذا غنت بدا في «جيدها» # كل عرق مثل بيت الأرضة # وله في مغنية أخرى: # صوتها بالقلوب غير رفيق # بل له بالقلوب عنف وبطش # فإذا رققته بالجهد منها # خلت في حلقها شعيرا يجش # وله في صاحب لحية: # لو غاص في الماء بها غوصة # صاد بها حيتانه أجمعا # أو قابل الريح بها مرة # لم ينبعث في خطوه أصبعا # وله في أبي حفص: # إن أبا حفص وعثنونه # كلاهما أصبح لي ناصبا # قد أغريا بي يهجواني معا # وحدي وكان الأكثر الغالبا # إن كان كفئا لي في زعمه # فليعتزل لحيته جانبا # وله في رجل له منظر ولا أدب عنده: # طول وعرض بلا عقل ولا أدب # فليس يحسن إلا وهو مصلوب # وله في أكول مضاغة: # بعض أضراسه يكادم بعضا # فهي مسنونة بغير سنون # لا دءوب إلا دءوب رحاها # أو دءوب الرحى التي للمنون # لا تعطل رحاك يا ابن سليما # ن فليس الثواب فيها بدون # قسما لو وقفتها للمساكي # ن لما مسهم غلاء الطحين # ما ظننت الإنسان يجتر حتى # كنت ذاك الإنسان عين اليقين # وله في قصير أعور أصلع: ms091 # أقصر وعور # وصلع في واحد # شواهد مقبولة # ناهيك من شواهد # تنبئنا عن رجل # مستعمل المقافد # أقمأه القفد فأض # حى قائما كقاعد # وله في قصير: # على أنه جعد البنان دحيدح # إذا ما مشى مستعجلا قيل: يدرج # وله فيمن هجاه: # رقادك لا تسهر لي الليل ضلة # ولا تتجشم في حوك القصائد # أبي وأبوك الشيخ آدم تلتقي # مناسبنا في منسب منه واحد # فلا تهجني حسبي من الذم أنني # وإياك ضمتنا ولادة والد # وله في بخيل: # يقتر عيسى على نفسه # وليس بباق ولا خالد # فلو يستطيع لتقتيره # تنفس من منخر واحد # وله في أصلع: # فوجهه يأخذ من رأسه # أخذ نهار الصيف من ليله # وله من أمثال ذلك ما يطول بنا إحصاؤه، ولا نرى هنا فائدة من الإسهاب في تكرار ~~شواهده. # وأبرع ما يكون سخره كما ترى إذا هو شبه لك صورة محسوسة، أو خلق لك من خياله صورة ~~معنوية، فإنه يحكم التشبيه، ويحكم خلق الصورة فيضحك بالمقابلة بين الشيء وشبيهه، ويضحك ~~بما تتخيله من المنظر الغريب حين يعمد إلى خلق الشكول المعنوية؛ كصورة الأحدب مثلا، أو ~~كصورة الرجل «المستعمل المقافد» الذي يضرب في كل مكان صالح منه للضرب، فيصلع لقفده ~~في موضع شعره، ويقصر لكثرة الطرق على رأسه، ويعور لضربه على عينه، وحركة الأبيات نفسها ~~حين تتلى على عجل كحركة الصفعات ما تني نازلة صاعدة كما أنبأ عنها في تلك ~~الأبيات. # أو كصورة الرجل الذي لا نفع له إلا أن يصلب؛ لأنه بذاك يظهر أحسن ما فيه، وهو عرضه ~~وطوله، أو كصورة المغني الذي تتراءى عيناه الجاحظتان كعيني الضفدع «الهرم» في لجة يكرر ~~النظر ويغني وفمه في الماء! # وكان فضلا عن هذا لا تفوته من الأغراض فائتة في اللفظ ولا في المعنى ولا في التصوير: ~~ألق بالك مثلا إلى كلمة «جيدها» في هذا البيت: # فإذا غنت بدا في جيدها # كل عرق مثل بيت الأرضة # فلو أن ساخرا غير مطبوع على السخر أراد هذا المعنى لاختار كلمة غير «جيدها» للمبالغة ~~في التقبيح والتشويه، ولكنك تنظر ms092 فترى أصلح الكلمات في هذا الموضع هي الكلمة التي ~~توهمك الحسن، وتحضر لك المناقضة التامة بين الوهم والصورة المشهودة، فيستوي طرفا ~~النكتة، ويبدو لنا الفرق المضحك بين الجيد وبيت الأرضة، كما نضحك من الفرق الذي يبدو ~~لنا إذا وقف القزم إلى جانب العملاق. # وتأمل كلمة «طحان» في هذا البيت: # وتحسب العين فكيه إذا اختلفا # عند التنغم فكي بغل طحان # فليس تمام القافية وحدها بهذه الكلمة، بل الصورة المعنوية هي التي تمت بها أحسن تمام؛ ~~لأن السخر لن يستوفى في هذا التشبيه إلا إذا تمثلنا في موقف الغناء الممتع بغلا من ~~بغال الطحانين العجاف الجياع يتنغم ويستكبر بأنغامه استكبار هامان، ولو كان بغلا من ~~البغال الفارهة المترفة لنقصت الصورة، وفترت فيها قوة السخر وقوة التشبيه، وقس على ذلك ~~«الشيخ» آدم، أو قس عليه سائر الأبيات والصور. # وسيأتي تفصيل الكلام على ملكة التصوير في شعره عند الكلام على عبقريته، والصلة بين ~~فنه وبين الطبيعة والحياة. ~~••• # وليس يكفي أن نقول: إن ابن الرومي كان ساخرا بارع التصوير؛ لنعلم كل شيء نحب أن ~~نعلمه عن سخره، فإن السخر يتنوع حتى لا يتفق في الباعث الذي يوحيه، ولا في العبارة التي ~~تؤديه، وأدباء «النفسيين» يقسمونه إلى التهكم والعبث، والمجانة والفكاهة، ويجعلون كل ~~قسم منها جميعا نوعا من «الضحك» قائما بمفرده، مستقلا بصيغته وغرضه. والأقرب إلى ~~فهم الموضوع عندنا أن نوحد الضحك، ونجعل الاختلاف في الخلائق والحالات النفسية، فنفرق ~~بين ضحك الخليقة الكريمة، وضحك الخليقة اللئيمة، وبين الضحك في حالة الرضى والعطف، ~~والضحك في حالة الغضب والجفاء، ثم نفرق بين العبث في الحالين المختلفين من النفس ~~الواحدة؛ فعبث النبيل الأريحي غير عبث الوضيع الخبيث، وتهكم الصارم الأبي غير تهكم ~~الرخو الذليل، وفي الدنيا من التهكم بمقدار ما فيها من المتهكمين، نعني بذلك أن التهكم ~~ليس «نوعا» واحدا من الضحك، ولا شكلا واحدا من الملكات، ولكنه أنواع تختلف باختلاف ~~الحالات والخلائق والأساليب؛ فخير لنا أن نرجع إلى اختلاف هذه الحالات من أن نجمع ~~التهكم كله في باب ms093 واحد، وصبغة واحدة، وهو ليس كذلك. # وما من ضاحك إلا وهو قابل لجميع هذه الحالات في مختلف الأطوار، فهو متهكم حينا ~~وعابث حينا، ومازج بين هذين الشعورين في بعض الأحيان كما يتفق كثيرا أن يمتزج ~~الشعوران المتغايران. # فإذا قلنا: إن ابن الرومي ساخر فقد بقي أن نعرف نوع السخر؛ لنعرف نوع الطبيعة التي ~~توحيه، فإن المرء - كما تقدم - يكون ساخرا وهو طيب سليم الطوية، وساخرا وهو خبيث ~~مظلم السريرة، فمن أي فئات الساخرين كان ابن الرومي، وأي خليقة من الخلائق كانت تهيمن ~~على سخره؟ أنسلكه في الطيبين أو في الخبثاء؟ وفي الخلائق الشفافة القويمة أو في الخلائق ~~الكدرة العوجاء؟ # إننا نسأل هذا السؤال ونبتسم. # نبتسم كما قد نرى الطفل اللعوب يعدو وراء مضحكة من المضاحك، أو فرجة من الفرج، ثم ~~يسألنا السائل في جد ورزانة: ما هي العداوة التي يكنها ذلك الطفل لمن يعدو خلفهم، ~~ويلهو بمعابثتهم؟! فأي عداوة وأي صداقة؟ وأي خباثة وأي طيبة؟ هنا مضحكة وكفى! ولن يفهم ~~الطفل في منطقه إلا أنه يستطيع هنا أن يضحك، فلم لا يضحك؟ إي نعم، لم لا والضحك ~~لذيذ والإغراء به حاضر؟! # فابن الرومي هو ذلك الطفل في سخره وضحكه وتهكمه وهجائه، لسنا نفهمه حق فهمه إلا إذا ~~تمثلناه أبدا في جدة الإحساس واخضراره على هيئة الطفولة النامية التي لا تجف ولا تشيخ، ~~وإن جفت المفاصل وشاخت الأوصال، وستمر بنا عقد كثيرة من عاداته ومواهبه لا تدرك ولا ~~تفسر إلا على اعتبار واحد، وهو أنه طفل كبير لا يفرغ من الطفولة طول حياته! فسل ما شئت ~~عنه، ولكن سؤالك عن الطفولة النامية بمزيتها ونقصها، وطيبها وخبثها، ورضاها ~~وغضبها، وانتظر منه سوء الأدب إذا غضب، أو احتدم غيظه واختنق صدره، ولكن لا تنس أن ~~الأدب السيئ خلة غير خلة الطبيعة السيئة، وأن ليس الكظم والسكوت علامة على الكرامة ~~والصفح الجميل في كل حال. # وأجهل الناس بالطبائع الإنسانية من يصف امرأ كابن الرومي بالحسد والضغينة؛ لأنه كان ~~يتألم ويتحسر لحرمانه، ويعجب لحظوة الجهلاء ms094 بالخير دونه؛ إذ ليس الحسد أن يألم الإنسان؛ ~~لأنه محروم مزءود عن النعم التي يشتهيها ويتذوقها، ويعرف معنى المتعة بها، ولا أن ~~يرى - مصيبا أو مخطئا في رأيه - أنه أجدر وأليق بتلك النعم ممن لا يحسبهم أنداده ~~في الفضل والذكاء، وأقرانه في المناقب والمآثر، كلا! ليس هذا هو الحسد المذموم المعدود ~~في رديء الصفات، وإنما الحسد المذموم هو خلق كريه يبتلى به المرء، فلا يطيق النعمة عند ~~غيره وإن كانت عنده، ولا يستريح إلى شعور الناس بالسعادة لانقطاع ما بينه وبينهم من رحم ~~العطف والمشاركة في الأفراح والآلام. # فالحسد نضوب في العاطفة، وابن الرومي أبعد إنسان من نضوب العاطفة، وتحجر في الشعور، ~~وليس للتحجر في خلائق ابن الرومي وأمثاله مكان، والحاسد لا يجعل الخير مقرونا بالفضل، ~~والنعمة مرهونة بالمناقب، ولا يطلب المتعة والجاه لأنه أقدر وأجدر ممن ينعمون بهما في ~~الدنيا بغير حق ولا معرفة؛ إذ التفكير على هذا النمط غريب عن جبلة الحاسد الذي إنما ~~يريد الخير؛ لأنه يريده وكفى! ثم لا يكلف عقله أن يدلي له بحجة في طلبه غير حجة الأثرة ~~الحيوانية التي لا تسأله سببا، والأنانية الصماء التي لا تعقل ولا توازن ولا تتدبر، ~~ويسوءه أن ينعم الناس لأنه يرى النعمة وقفا عليه، ويرى أن كل ما سر غيره مسلوب منه، ~~وليكن ذلك السرور علما وهو لا ينافس العلماء، أو صلاحا وهو لا يتشبه بأهل الصلاح، أو ~~شرفا وهو لا يطمح إلى الشرف، فحسبه أنه سرور في عرف أحد من الناس، وحظ ينعم به غيره ~~ويتملاه؛ ليكون ذلك السرور ثأرا عنده، ويكون تنغيص المسرور به من همه ودأبه. وهذا هو ~~الحسد الذي ليس في طبيعة ابن الرومي ذرة منه، بل ليس ما عنده إلا نقيضه وضده. # فقد كانت ألذ متعه التي وصفها تلك المتع التي غنمها مع صحبه، وسعد بها كما سعد ~~غيره، وربما كان لا يلح ذلك الإلحاح في طلب السمك الذي يحبه إلا ليسرع به إلى صديقه ~~يدعوه إليه، ويشركه فيه: # متى عهدك بالكرخ ms095 # وبالشبوط والفرخ # وبالبكر التي لم تش # ق بالنار ولا الطبخ # وقد كان شعوره بحرمان غيره كشعوره بحرمان نفسه، ولو لم تكن بينه وبين المحروم صداقة ~~ولا علاقة، فكان يرثي للحمال المكدود إذا بصر به فيصف حاله وصف مشفق عليه يألم ~~لجميع ألمه: # رأيت حمالا مبين العمى # يعثر في الأكم وفي الوهد # محتملا ثقلا على رأسه # تضعف عنه قوة الجلد # بين جمالات وأشباهها # من بشر ناموا عن المجد # وكلهم يصدمه عامدا # أو تائه اللب بلا عمد # والبائس المسكين مستسلم # أذل للمكروه من عبد # وما اشتهى ذاك ولكنه # فر من اللؤم إلى الجهد # فر إلى الحمل على ضعفة # من كلحات المكثر الوغد # وما كان بينه وبين ذلك الحمال من صلة حركت فيه ذلك الإشفاق عليه، والعجب من صبره إلا ~~أنه كان يؤثر مقاساة الجهد على مقاساة اللؤم، وبرح العناء على التكسب بمدح البخلاء، ~~ويريح نفسه مما يعانيه الشاعر، ويفتقر إليه من استجداء النوال وذل السؤال، وهي صلة لا ~~تتحرك بها العاطفة إلا في نفس مجبولة على العطف، والتأسي بأحوال الكبير والصغير والرفيع ~~والوضيع. ~~«وكان هو وصديق له متصلين برجل جليل من حاشية السلطان، فكان المتصل به يسرف على صديقه ~~في الاستخفاف به»، فقال ابن الرومي يلوم ذلك الرجل الجليل على استخفافه بصديقه: # أحب أن تشتمني # بوزن ما تشتمه # أو توقع الإكرام لي # وللذي أكرمه # فإن ما تفعله # بحضرتي يحشمه ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وإنني يظلمني # كل امرئ يظلمه # ولو رجل غير ابن الرومي في موضعه كان بنفسه حسد أو دخيلة سوء؛ لسره أن يخص ~~بالحفاوة دون زميله، والتمس الزلفى عند ذلك الرجل الجليل بموافقته على مزاحه ~~واستخفافه، لكنه كان في الواقع كأبرأ الناس من حسد، وأعظمهم سرورا بعطف صديق، بل كان ~~الصديق مقدما عنده على الحبيب. # عرج على ذكر الصدي # ق وعد عن ذكر الحبيب # كم مكثر لي مخبث # ومقل قول لي مطيب! # لأن العطف حاجة من حاجات قلبه وضرورة من ضروراته، ووقاء له مما كان يرهقه ويشتد على ~~صبره، فكان عطف الصديق يحيي نفسه، ويخلقه ms096 خلقا جديدا كما قال: # خليل أظل إذا زارني # كأني أنشأ خلقا جديدا # أراني وإن كثر المؤنسو # ن ما غاب عني وحيدا فريدا # فما كان الرجل حاسدا ولا شبيها بالحاسد، وما كان إلا إنسانا كسائر الناس يحب الخير ~~لنفسه ولا يكرهه لغيره، بل ما كان إلا ذلك الطفل الكبير الذي كانه في حدة طعمه، وقلة ~~حيلته، وقد فتح عينيه وفغر فاه إلى قطعة الحلوى في يد غيره، فبلع ريقه وصاح في براءة ~~وصراحة لا تعرفهما طبائع الحاسدين: # لا تلومن حاسدا؛ ألم النف # س من البخس - يا أخي - شديد! # وما حيلة المسكين في شهوة قلبه، وفي قلة حيلته وحوله؟ وكيف الصدوف عن النعمة وما هو ~~بزاهد فيها، ولا بجاهل لقدرها، ولا بغافل عن لذتها؟ أهو معصوم من الفتنة كما قد حرم ~~نصيبه من النعمة؟ لا، بل إن فتنته لأشد وأضرى! وإنه بالغبن لأحس وأدرى: # يا ليت أهل العقل إذ حرموا # عصموا من الشهوات والفتن # لكنهم حرموا وما عصموا # فقلوبهم مرضى من الإحن # وهم أحس على بليتهم # من غيرهم بمرارة الغبن # فمبلغ القول في حسده أنه كان شديد الرغبة في متع الحياة، قليل الحيلة في احتجانها، ~~فإذا سميت هذا حسدا فقل: إن ابن الرومي حاسد، وقل: إن الطفل الذي يتطلع إلى الحلوى في ~~يد رفيقه الصغير حاسد، وأضف إلى الحسد بهذه التسمية معنى جديدا لم يكن من معاني هذا ~~الخلق البغيض الذميم. ~~••• # ويقال في حقده ما يقال في حسده، فقد كان ساخطا ولم يكن حاقدا، والبون بعيد بين ~~السخط والحقد، وإن التبست أعراض هذين الخلقين على طلاب الظواهر. # فهما خلقان متباينان، وقد يكونان في بعض الأحيان متناقضين، فيسخط الإنسان بل يدوم ~~سخطه وليس في قلبه من الحقد أثر، وقد تكون كثرة سخطه لكثرة استجابته للمؤثرات الجديدة ~~الطارئة التي تتعاقب على حسه؛ أي لقلة حقده وقلة إصراره على البغض القديم. # والحقد توءم الحسد في خلة الأثرة الحيوانية والأنانية الصماء، فلهذه الخلة يستكبر ~~الحاقد الإساءة الصغيرة إلى نفسه، كما يستكثر الحاسد النعمة القليلة على غيره، ms097 والسبب ~~في الحالتين واحد؛ وهو أنه لغلوه في حب نفسه، واستغراقه في الأثرة الحيوانية لا يريد أن ~~يساء هو، ولا أن يسر غيره، وليس يعنيه أن يساء بالحق أو بغير الحق، وأن يكون عاديا ~~في هذه الإساءة أو معدوا عليه، فإن ذلك كله من وراء تفكيره وحسابه، ولا فرق عنده بين ~~أن يظلمه الناس في الإساءة إليه أو ينصفوه، وبين أن يسيئوا إليه بالعدوان عليه أو بصده ~~هو عن العدوان. # فمن الحاقدين من يحقد على الناس لأنهم أبوا عليه أن يضرهم ليستفيد من ضررهم، ووقفوا ~~بينه وبين مصلحته، ولو كان وقوفهم هذا من حقهم ولإنقاذ حياتهم! وهو لا يكفر بالعدل ولا ~~يكره العدوان لأنه جور وعسف، ولا يعرف من الكراهة إلا أن يكره ما يسوءه كائنا ما كان، ~~وبالغا ما بلغ فيه العذر والاضطرار. وهذا غير الشعور الذي يشعر به المرء حين يعتدى ~~عليه بغير الحق، فيسوءه ذلك، ثم يتوالى العدوان فيتوالى الاستياء، ويطول السخط ~~والامتعاض؛ فإن من النبل أن يغضب المرء للعدوان وقع به ووقع بغيره، فإن لم يرتفع بغض ~~العدوان إلى مقام النبل، فهو لا يهبط بصاحبه إلى ما دون منزلة العذر المعقول والطبع ~~المستقيم. # من هذا القبيل كان شعور ابن الرومي حين توالت عليه أسباب السخط، فتوالى سخطه وغضبه، ~~وتواصلت شكواه وضجره، فكل سبب كان يثيره فهو سبب «أخضر» لا مشابهة فيه لأسباب الحقد ~~التي يطول ثواؤها بالضمير حتى تفسد وتتعفن، أو تيبس وتتحجر. # وما كان لطبيعة مهتاجة كطبيعة ابن الرومي طاقة بضرب من الإحساس غير ذلك الذي نسميه ~~«بالأخضر»؛ لحدته وحرارة نبضه، وسرعة أثره وسرعة زواله، وأنى لمثل هذه الطبيعة ~~إصرار الحقد وتدبيره، وثباته على ما فيه بين تقلب الحوادث وتجدد المسرات والمصائب؟ كل ~~ما تطيقه هذه الطبيعة من الشعور هو ذلك الشعور الذي تحضره أسبابه، وتلح عليه مؤثراته، ~~فإذا كانت الأسباب لا تزال مؤلمة مغضبة، فالألم دائم والغضب لازم، والناس يقولون حينئذ: ~~إنه الحقد، وإنه الضغينة، وإنه خلق ذميم وطبيعة رديئة؛ لأن الحقد هو الاسم ms098 الذي يطلقه ~~العامة على الاستياء إذا دام واتصل، وتوالت موارده فتوالى وجوده، ولأنهم ربما بلغوا من ~~بلادة الأنانية وقلة الإحساس بمعنى العدل أن يسيئوا إلى المستضعف المخذول، ولا يتوقعوا ~~منه الألم والاستياء ... ولم لا؟ ألا يسرهم أن يعبثوا به ويتماجنوا عليه؟ فما باله إذن لا ~~يسر بما به يسرون، ولا يضحك هو كما هم يضحكون؟! # فكل ما كانت تطيقه طبيعة ابن الرومي من الشعور هو ذلك الذي تحضره أسبابه، وتلح عليه ~~مؤثراته، فإذا غابت الأسباب وفترت المؤثرات نسي شعوره في لمحة عين، وانقلب إلى نقيضه، ~~وفي قصته مع الأخفش عبرة لمن شاء أن يعرف ما وراء سخطه من الطيب والغفران والمودة، فقد ~~صمد الأخفش ما صمد من الزمن يعبث به، ويثقل عليه في العبث حتى منعه أن يبرح بيته ويتصرف ~~لمعاشه، فعاتبه ابن الرومي فلم يرعو، وأنذره فلم يحفل، وقال له يتوعده: # لا يأمنن السفيه بادراتي # فإنني عارض لمن عرضا # عندي له السوط إن تلوم في الس # ير وعندي اللجام إن ركضا # وما توعد إلا بعد لجاج ومحال وصلح واعتذار، فلما لم ينفعه ذلك هجاه وأقذع في هجائه ~~كعادة أهل الزمان في كل هجاء، فعاد الأخفش إليه يسترضيه ويستعطفه، فرضي وعطف، وأسرع ~~فنسي تثقيله ونسي الهجاء وأقبل يقرظه ويطريه، ويبالغ في تقريظه وإطرائه غير تارك لنفسه ~~بقية لوتر قديم، ولا لوتر مستأنف: # ذكر الأخفش القديم فقلنا: # إن للأخفش الحديث لفضلا # وإذا ما حكمت والروم أهلي # في كلام معرب كنت عدلا # أنا بين الخصوم فيه غريب # لا أرى الزور للمحاباة أهلا # ومتى قلت باطلا لم ألقب # فيلسوفا ولم أسوم هرقلا # بدأ النحو ناشئا فغذاه # أحدث الأخفشين فانقاد رسلا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # يا ظماء إلى الصواب ردوه # يسقكم بالصواب علا ونهلا # هو بحر من البحور فرات # ليس ملحا، وليس حاشاه ضحلا # وأطنب في ذلك حتى دعاه مقومه وخدينه: # قل له: يا مقومي وسميي # وكنيي ومن غدا لي شكلا # قد أردت الإطناب فيك فقالت # لي غاياتك البعيدة: مهلا # ورأيت اليسير يكفي من الحل # ي إذا النصل ms099 كان مثلك نصلا # إلا أن الأخفش لم يصف هذا الصفاء، ولم يكن إلا عابثا في صلحه كما كان عابثا في ~~خصامه، فعاد إلى شنشنته معه، وعاد ابن الرومي إلى سلاحه الذي نبذه حتى حسب صاحبه أنه ~~حطمه، فقال يذكره: # حذار عرامي أو نظار فإنما # يظلكم قطع من الرجز مرسل # ولا تحسبن الصلح أنصل آلتي # ولا أنني في هدنة السلم أغفل # ولكنني مستجمع الحلم مغبر # أفوق نبلي تارة وأنصل # فإن هاجت الهيجاء أو عاد عودها # على بدئها لم يلق مني أعزل # وليس يغر الحاقد هذا الغرور، ولا الناس يصنعون هذا بمن يعلمون حقده، ويحذرون منه ~~تصميم نيته. # وانقلب ابن عمار على ابن الرومي، وابن الرومي - كما عرفت من أخباره - هو الذي أعانه ~~بما في وسعه، وقربه من الرؤساء أصحابه، وجعل له سببا إلى رزقه، فجزاه انقلابا بانقلاب ~~ومسبة بمسبة، ولم يفعل ذلك إلا بعد أن تحيل جهده على عطفه واستلال حقده وحسده فلم يفلح، ~~وكتب إليه يستعيده إلى سالف مودته: # أيها الحاسدي على صحبتي العس # ر وذمي الزمان والإخوانا # حسدا هاجه على ثلب شعري # ولقائي معبسا غضبانا # وانتقاصي مع العدو وقد كا # ن يرى لي نقائصي رجحانا # ليت شعري ماذا حسدت عليه # أيها الظالمي إخائي عيانا # أعلى أنني ظمئت وأضحى # كل من كان صاديا ريانا # أم على أنني أمشي حسيرا # وأرى الناس كلهم ركبانا # أم على أنني ثكلت شقيقي # وعدمت الثراء والأوطانا # عد كريما إلى كريم كما كن # ت وإلا لقيت مني هوانا # لا عقاب بما تقول ولكن # بجفاء أردفته هجرانا # وتيقن أني مقيم على العه # د حياتي، وخذ بذاك ضمانا # لا أعد الذنوب منك ذنوبا # بل هدايا مقبولة وحنانا # فلم يجد ذلك في استعطاف ابن عمار، ولم يثنه عن عدائه وثلبه، ثم تقرأ في ديوان ابن ~~الرومي فترى فيه قصيدة قالها قبل موته بخمسة أيام أو ستة يمدح الجراح على لسان ابن عمار ~~هذا لتيسير منفعة كان يرجوها لديه. # ونظن أننا في غنية عن سرد القصص والأمثلة على عطف ابن ms100 الرومي وغرارته وطيب قلبه، فقد ~~كان العطف - كما أسلفنا - حاجة من حاجات طبعه، وضرورة من ضرورات حياته، وآية ذلك بينة ~~في شعره كله، وفي تفجعه على أحبابه، وشدة فقده لأهله، وقناعته منهم باليسير من المودة ~~يأخذها حيث وجدها، ويأسى عليها حيث لا يجدها، وهو القائل وقد صدق: # وإني لبر بالأقارب واصل # على حسد في بعضهم وعلى بغض # ولقد آن أن ننبذ تلك الطريقة العتيقة التي كان بعض الأقدمين يعتمدونها في نقد ~~الأخلاق، وتسمية أسمائها، والمقابلة بين المتشابه والمتخالف منهما؛ فإنهم تعودوا أن ~~يأخذوا فيها بالأعراض دون الجواهر، وبالظواهر دون المخابر، وكانوا ينظرون إلى السمات ~~البادية ولا ينظرون إلى ما وراءها من بواعثها ... فللغضب الدائم والحقد سمة واحدة؛ فهما ~~إذن خلق واحد! ومتى كان الشاعر كثير الذم والإنحاء على الناس، فهذه حجة جديدة تضاف إلى ~~سمات وجهه، فلا جدال إذن في حقده، ولا شك في قبح سريرته وجنوحه إلى الشر دون الخير، ~~والعداوة دون المودة، فإذا اتفق مع هذا أنه شهد على نفسه بالحقد فقد بطل الجدال، وحقت ~~عليه الكلمة، ونفذ فيه القضاء، ألا تراه ناقما مغتما؟ ثم ألا تراه هاجيا لا يكف عن ~~الذم والشتيمة، ثم ألا تراه يقر بذنبه ويصارح الناس بدفين بغضه؟ فماذا بقي بعد من أسباب ~~الحكم غير أن يوصم وأن يدان؟! # لا يا قضاة! بقي من أسباب الحكم كل شيء، ولم يحصل لدينا بعد هذا كله سبب واحد يجوز ~~لنا أن نعتمد عليه! بقي البحث في أسباب نقمته وذمه وشهادته على نفسه؛ فإن هذه هي ~~العناصر التي تتألف منها الأخلاق، وليست ملامح الغضب ولا كلمات الشفاه، فإذا نحن ~~عرفناها فذاك، أما إذا ظلت مجهولة فقد جهلنا كل سر، ولم نعرف إلا ألوان الطلاء. علام ~~تدل النقمة؟ # ثم علام يدل الاعتراف؟ # إن الإنسان لينقم وهو من أشرف الناس في نقمته، وأنه ليرضى وهو من أخبث الناس في رضاه، ~~وإن اعتراف المعترف لأحجى أن يبرئه من رذيلة المواربة والنفاق، وهي رذيلة لا تخلو منها ~~طبيعة الحاسد أو طبيعة ms101 الحقود؟ # ويلوح لنا أن نقاد الأخلاق على هذا النمط لا يختلفون كثيرا من قضاة الزمن الغابر ~~الذين كانوا يضربون «المتهم» ليقر بالذنب، ثم يأخذونه بشهادته على نفسه، فغاية الفرق ~~بينهم أن نقادنا لا يضربون، ولكنهم كذلك لا يسألون عن المنقود المسوق إليهم: هل هو ~~مضروب أو غير مضروب؟ ونخالهم يغتبطون بأن يساق إليهم مضروبا معترفا ليغنيهم عن البحث، ~~ويعفيهم من مؤنة السؤال والجواب! # وشهادة الإنسان على نفسه بالشر كشهادته لها بالخير، كلتاهما لا قيمة لها ما لم يكن ~~لها مصداق من الطبيعة والواقع، فابن الرومي قد شهد على نفسه بالحقد فقال وهو يتحدث ~~بأخلاقه: # شكري عتيد وكذاك حقدي # للخير والشر مكان عندي # وقال: # وما الحقد إلا توءم الشكر في الفتى # وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذي إساءة # فثم ترى شكرا على حسن القرض # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع # من البذر فيها فهي ناهيك من أرض # ولا عيب أن تجزي القروض بمثلها # بل العيب أن تدان دينا فلا تقضي # فهذا اعتراف صحيح يتلهف عليه القضاة؛ قضاة المحكمة العتيقة، ولكنه بعد ليس بالمهم في ~~البحث عن أخلاق الرجل؛ لأن وراءه سرا هو الأهم في هذا الصدد، وهو الحقيق بأن يدار ~~البحث إليه. # فيجب أن نعلم أولا لماذا شهد ابن الرومي على نفسه بالحقد هذه الشهادة، فإن الحقود لا ~~يشهد على نفسه بحقده، والمطبوع على الصراحة لا يكون مطبوعا على الحقود، وصراحة ابن ~~الرومي هنا تلفت النظر إلى أمر شاذ في هذا «الاعتراف»، وتدعونا إلى السؤال عن سره، وسره ~~ليس ببعيد. # فالرجل كان يدعي الحقد ليخيف الذين يستوطئون جانبه، ويستسهلون إرضاءه بعد إغضابه، ~~فما كان يذكر الحقد إلا وهو ينذر ويتوعد من طرف خفي أو ظاهر، ويخير الناس بين شكره ~~وحقده؛ ليغنموا شكره، ويجتنبوا حقده. فهذه الدعوى عنده كتلك السحنة البغيضة التي ~~ينتحلها بعض الحيوان للإخافة والتهويل حين لا يكون مخيفا ولا هائلا في الحقيقة، وهو ~~محتاج إلى دعواه حاجة الحيوان إلى سحنته البغيضة في معترك الحياة. ms102 # وسبب آخر لاعترافه بالحقد أنه كان يتفلسف ويدرس الجدل ويتعاطى صناعة البرهان، ويجب أن ~~يمتحن قوته في المنطق والفلسفة بتقبيح الحسن وتحسين القبيح حسبما يبدو له من وجهيه، ومن ~~تنازع الأقوال فيه، وتلك سنة كانت معروفة في ذلك العصر يقيسون بها البلاغة، ويقيسون بها ~~قوة البرهان، فمدح ابن الرومي الحقد وذمه، ولم يقصر بحجة الذم عن حجة المديح، وهو ~~القائل في ذم الحقد والرد على مادحيه: # يا مادح الحقد محتالا له شبها # لقد سلكت إليها مسلكا وعثا # لن يقلب العيب زينا من يزينه # حتى يرد كبيرا عاسيا حدثا # قد أبرم الله أسباب الأمور معا # فلن ترى سببا منهن منتكثا # يا دافن الحقد في ضعفي جوانحه # ساء الدفين الذي أمست له جدثا # الحقد داء دوي لا دواء له # يرى الصدور إذا ما جمره حرثا # فاستشف منه بصفح أو معاتبة # فإنما يبرئ المصدور ما نفثا # واجعل طلابك بالأوتار ما عظمت # ولا تكن لصغير الأمر مكترثا # والعفو أقرب للتقوى وإن جرم # من مجرم جرح الألباب أو فرثا # 16 # يكفيك في العفو أن الله قرظه # وحيا إلى خير من صلى ومن بعثا # شهدت أنك لو أذنبت ساءك أن # تلقى أخاك حقودا صدره شرثا # 17 # نعم وسرك أن ينسى الذنوب معا # وأن تصادف منه جانبا دمثا # إني إذا خلط الأقوام صالحهم # بسيئ الفعل، جدا كان أو عبثا # جعلت قلبي كطرق السبك من حسد # يستخلص الفضة البيضاء لا الخبثا # ولست أجعله كالحوض أمزجه # بحفظ ما طاب من ماء وما خبثا # وهو القائل في هذا المعنى: # يا ضارب المثل المزخرف مطريا # للحقد لم تقدح بزند وار # أصبحت خصم الحق تهدم ما بنى # والحق محتج وأنت تماري # أطريت غثك لا سمينك ضلة # واخترت من خلقيك غير خيار # شبهت نفسك والألى يولونها # آلاءهم بالأرض والعمار # ورأيت حفظك ما أتوا - من صالح # أو سيئ - كرما وعتق بحار # وزعمت فيك طبيعة أرضية # يا سابق التقرير بالإقرار # ولقد صدقت وما كذبت؛ فإنه # لا يدفع المعروف بالإنكار # لكن هاتيك الطبيعة في الفتى # مما ms103 يلظ عليه بالأستار # ولصمته عن ذكرها أولى به # من عدها في الفخر يوم فخار # فينا وفيك طبيعة أرضية # تهوي بنا أبدا لشر قرار # هبطت بآدم قبلنا وبزوجه # من جنة الفردوس أفضل دار # فتعوضا الدنيا الدنية كاسمها # من تلكم الجنات والأنهار # بئست - لعمر الله - تلك طبيعة # حرمت أبانا قرب أكرم جار # واستأسرت ضعفى بنيه بعدها # فهم لها أسرى بغير إسار # لكنها مأسورة مقسورة # مقهورة السلطان في الأحرار # فجسومهم من أجلها تهوي بها # ونفوسهم تسمو سمو النار ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # عرفوا لروح الله فيهم فضل ما # قد أثرت من صالح الآثار # فتنزهوا وتعظموا وتكرموا # عن لؤم طبع الطين والأحجار # نزعوا إلى النجر الذي منه أتت # أرواحهم، وسموا عن الأغوار # فابن الرومي القائل هذا هو ابن الرومي القائل ذاك. وكأننا بقضاة المحكمة العتيقة ~~يتحفزون للإدانة المبرمة، ويبحثون بين أيديهم عن المجرم الذي دانوه، فلا يجدون هنالك ~~إلا متفلسفا يقلب القضية على وجهيها، أو هرا مستضعفا يزأر لأنه خائف لا لأنه مخيف، ~~أو يعلمون أن الرجل قد يستجمع سمات الغضب الدائم ولهجته، ويعترف على نفسه بحقده، ولا ~~يكون بعد ذلك على شيء من الحقد كثير ولا قليل. # وجميع أخلاق ابن الرومي تنتهي عند البحث فيها إلى مثل هذه النهاية، فهو كما أسلفنا لا ~~يعرف من الأخلاق إلا «الأخضر» الذي يجري فيه الماء لوقته، أو هو لا يعرف من الأخلاق إلا ~~ما يحضره سببه، وتختلج في صدره دواعيه: # أيندم ويتوب عن المعاصي؟ # نعم! وجبت التوبة والندم؛ إذ: # حتى متى نشتري دنيا بآخرة # سفاهة، ونبيع الفوق بالدون؟ # معللين بآمال تخادعنا # وزخرف من غرور العيش موضون # أيلهو ويقصف؟ # نعم! يلهو ويقصف ويقول لمن يتوب ويندم: # لا تخلط الخب بالتقوى فتعطفنا # على المقاسي عذاب الهجر والبين # ولم نبع قط دنيانا بآخرة # ومثلنا لا يبيع النقد بالدين # أيسكر بعد إقبال المشيب وإدبار الشباب؟ # نعم. # فأعذر شراب المدامة شارب # لتقصير أيام المشيب الأطاول # أو: # فالآن حين أجد الشيب يطلبني # أبادر الشيب باللذات عجلانا # أم يقلع عن السكر بعد إقبال المشيب وإدبار الشباب؟ # قد ms104 يكون ذلك خيرا: # فدع شربها إذ أصبح الرأس مشرفا # محاذرة أن يصبح القلب مظلما # ولا ترينك السن والله والنهى # على الشيب والإسلام واللوم مقدما # أيشح ويحرص على ماله؟ # نعم؛ فإنه: # إذا لم يكن عندي سوى ما يكفني # فشحي عليه مثل شحي على عرضي # لأني متى أتلفته احتجت حاجة # تذيل مصون العرض في طلب القرض # أيجود ويسرف؟ # نعم، و: # لا تحملن هموم أيام على # يوم؛ لعلك أن تقصر عن غده # بل هو يسأل الله أن يقيه الشح ويلهمه الجود: # قني يا إلهي شح نفسي؛ فإنني # أرى الجود لي حظا وشيمتي البخل # وربما تعاورته الحالتان في لحظة واحدة، فتراه حائر النفس بين الحرص والتوكل لا يطمئن ~~إلى هذا حتى يثوب إلى ذاك: # وقضاء الإله أحوط للنا # س من الأمهات والآباء # غير أن اليقين أضحى مريضا # مرضا باطنا شديد الخفاء # ما وجدت امرأ يرى أنه يو # قن إلا وفيه شوب امتراء # لو يصح اليقين ما رغب الرا # غب إلا إلى مليك السماء # وعسير بلوغ هاتيك جدا # تلك عليا مراتب الأنبياء # أو قد يدركه الحذر أو الأريحية فيحجم عن هجاء السلطان، ويعلن سر إحجامه كأنه مطالب ~~بهذا الإعلان: # لا أقذع السلطان في أيامه # خوفا لسطوته ومر عقابه # وإذا الزمان أصابه بصروفه # حاذرت رجعته ووشك مثابه # وأعد لؤما أن أهم بعضه # إذ فلت الأيام من أنيابه # ذلك حين يساوره الخوف ويذكر الأريحية، فأما إذا ثارت بلابله، واضطرمت لواعجه، وملكه ~~الغيظ فاجتاح حزمه وخوفه، فهو أهجم هاجم على سلطان حديد ناب أو مفلوله، وهو الجسور في ~~هجائه على ما يخافه الجسور الذي لا يخاف. # فهو ابن ساعته وطوع الحاضر من إحساسه، و«النوبة الطارئة» هي المفتاح الذي يفض به كل ~~ما استغلق من أسرار نفسه على الجملة، وما كان في نفسه من سر مغلق إلا وجدته هو معنى ~~منهوما بالغوص عليه والكشف عنه لقارئي شعره! # معيشته # عاش ابن الرومي حياته كلها في بغداد، لا يفارقها قليلا حتى يعود سريعا، وقد نازعه ~~إليها شوق وغلبه نحوها حنين، وكانت ms105 بغداد يومئذ عاصمة الدنيا غير مدافع: فيها كل محاسن ~~العمار الواسع وعيوبه، وكل رفاهة العمار الواسع وشقائه؛ قصور تبلغ النفقة على بنائها ~~وتأثيثها ألوف الألوف، ومتاجر يؤمها أصحاب القوافل من أقصى المشرق وأقصى المغرب، ومدارس ~~ومكاتب وحلقات للمذاكرة يجلس فيها الأئمة في كل فرع من فروع العلم والأدب، وإلى جانب ~~ذلك بيوت في كل منزه، ومرتاد على النهر أو في الخلاء للهو والمعاقرة والسمر يغني فيها ~~القيان، ويرقص الجواري، ويغشاها العلية والسواد، ويسكت عنها الخلفاء حينا، فتكثر وتعمر ~~أو يغضبون عليها فيبعدونها إلى حيث تغيب عن الأنظار، ولكنها لا تغيب عن الطلاب والرواد، ~~ومن وراء ذلك أحياء منبوذة يكمن فيها اللصوص والمغتالون يتألبون على نقب الدور، وحمل ~~الخزائن، واستدراج الموسرين على نحو ما نقرأ عن عصابات الإثم والجريمة في عواصم هذا ~~الزمان، فإذا تصفحت أخبار بغداد بما اشتملت عليه من جمال وشناعة وبذخ وفاقة واحتيال على ~~طلب المال والمتعة من كل مطلب، وانصراف إلى السرور والرغد في كل وجهة، فكأنك تتصفح ~~أخبار الغرائب في عواصم الدنيا التي تسمى اليوم باريس وبرلين ولندن وشيكاغو ~~ونيويورك. # وهذه العواصم كافة لا تطيب فيها إقامة إلا بمال، أما بغداد خاصة فكان ساكنها أحوج ~~إلى المال من ساكن العواصم الحديثة؛ لأنها كانت عرضة للغلاء في القرن الثالث لاضطراب ~~الأمور في الجهات التي كانت تميرها، وانقطاع الوارد عنها حينا بعد حين، فإذا وقع فيها ~~الغلاء ندر الخبز، وارتفع سعر الدقيق، وكان ما وصفه ابن الرومي في بعض شكاياته: # أحسن ما كان الدقيق موقعا # من رجل أفلس حتى أدقعا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وأصبح القوم البطان جوعا # وخشي الجائع ألا يشبعا # وهي إذا لم تغل لم ترخص، ولم يستغن طالب المعيشة فيها عن بعض اليسار، كما قال بعض ~~الشعراء: # سقى الله بغداد من جنة # غدت للورى نزهة الأنفس # على أنها منية الموسر # ين ولكنها حسرة المفلس # وابن الرومي لم يكن طالب معيشة وحسب، بل كان طالب معيشة ومتعة ومسرة، وكان منهوكا في ~~مطالبه كلها، قليل الصبر على غواية المناعم واللذات أنى ms106 كانت، وحيث أمكن منها الحول ~~والحيلة: # فبادر الدهر بالمناعم والل # ذات واحذر من وشك مرتحل # فإن تعذرن أن يجئنك بال # قوة فاحتل لطائف الحيل # وكان كثير الألفة لبيوت القيان يعاشرهن ويسمعهن ولا يسمع فيهن لوم لائم: # ولاح في القيان فقلت: مهلا # رميت بنبل أوتار القيان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # شبيهات الرماح قنا متون # وكلما في القلوب بلا سنان # وهل من حربة أو من سنان # كعين أو كثغر أو بنان؟ # وربما كان الشعر من حيله التي كان يحتال بها على ود القيان، وحضور مجالسهن، فيثني ~~عليهن حينا، ويهجوهن أحيانا، وينال بذلك ما يناله غيره بالدنانير والدراهم، بيد أنها ~~حيلة تغنيه في هذا الغرض قليلا ولا تغنيه كثيرا، ثم هي لا تغنيه عن المال كلما احتاج ~~إليه في سائر وجوه عيشه ولهوه. # فصاحبنا في مدينة الغلاء قد عاش وعلى غير التقشف والزهد قد فطر، فهل كان ميسور الحالة ~~مكفي المؤنة؟ وهل كان الشعر كفيلا له بمال يغنيه في ضروراته ونوافله؟ أو هو كان فقيرا ~~محروما لا يصيب من فرص العيش إلا ما يغبه على موائد الأمراء، أو يحتال له «لطائف ~~الحيل» حيثما أسعفت وأفادت، وقلما تسعف وتفيد؟ # إن قصائد ابن الرومي في جملتها لا تدع إلا أثرا واحدا في ذهن القارئ من هذه الوجهة، ~~وهو أنه كان في ضنك وفاقة، كثير الحرمان، كثير الشكاية، ولكنها لا تخلو هنا وهناك من ~~أبيات تدل على كفاف أو حظ من اليسر، وعلى أن بعض ممدوحيه كانوا يحرمونه عطاياهم لذلك ~~اليسر الذي يرونه عليه: # أتحرمني لأني مستقل # وأني لست كالرزحى السغاب # فما تحمي ذوات الدر درا # إذا صادفن ملآن الوطاب # ومن أبياته ما يدل على أنه كان صاحب ضيعة، وصاحب دارين وثراء وتحف موروثة، منها قدح ~~زعم أنه كان للرشيد، وقال في وصفه وقد أهداه إلى علي بن يحيى المنجم: # وبديع من البدائع يسبي # كل عقل ويطبي كل طرف # وفي الحسن والملاحة حتى # ما يوفيه واصف حق وصف # قدح كان للرشيد اصطفاه # خلف من ذكوره غير خلف # كفم الحب في ms107 الحلاوة بل أح # لى، وإن كان لا يناغي بحرف # صيغ من جوهر مصفى طباعا # لا علاجا بكيمياء مصف # تنفذ العين فيه حتى تراها # أخطأته من رقة المستشف # كهواء بلا هباء مشوب # بضياء أرقق بذاك وأصف # وسط القدر لم يكبر لجرع # متوال، ولم يصغر لرشف # فعلى هذا يلوح لنا أنه كان ميسر المعيشة ولو بعض التيسير، وأنه كان في وقت من أوقاته ~~«مستقلا» ليس «كالرزحى السغاب»، غير أننا لا نعلم بخبر تلك الضيعة إلا لنعلم أنها ~~مجدبة تطيل عناءه ولا تغل عليه: # أعاني ضيعة ما زلت منها # بحمد الله قدما في عناء # وأنها كانت تصاب بالجراد فيأتي على زرعها في بعض السنين: # لي زرع أتى عليه الجراد # عادني مذ رزئته العواد # كنت أرجو حصاده فأتاه # قبل أن يبلغ الحصاد الحصاد # وأنه كان يستعفي من دفع خراجها، ويكتب إلى وهب بن سليمان يشكو إليه ضيقه وسلب الخطوب ~~ما في يديه: # هب لراجيك ما عليه فإن اس # مك وهب ووسمك الوهاب # أنت بحر ومن له تجتبى الأم # وال بحر لجانبيه عباب # فارغبا عن مداد شعبي فليست # فيه إلا صبابة، بل سراب # وارثيا لامرئ ألح عليه # للزمان الصئول ظفر وناب # سلبته الخطوب ما في يديه # وله من تجمل أثواب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # غير أن ليس في خراجي وحدي # ما بأعلاقه يسوغ الشراب # لك في مكثري الرعية دوني # حلب كيف شئت بل أحلاب # كذلك لا نعلم «بثرائه» إلا لنعلم أنه أصيب فيه بحريق و: # حدوث حوادث منها حريق # تحيف ما جمعت من الثراء # وأنه أصبح يستطعم بعد أن كان من المطعمين: # أمن بعد منزلة المطعمين # أعدم منزلة الطاعم؟! # وكذاك لا نعلم بخبر داريه إلا لنعلم أنهما غصبتا منه، كما زعم، أو خرجتا من يده بحق ~~أو بغير حق على أية حال، فلما كان في نحو الثلاثين جار على دار له تاجر يعرف بابن أبي ~~كامل - في رواية زهر الآداب - فاغتصب بعض جدرها وأجبره على بيعها، وفزع ابن الرومي إلى ~~سليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه ويذكر تلك ms108 الدار أو ذلك «الوطن»: # ولي وطن آليت ألا أبيعه # وألا أرى غيري له الدهر مالكا # عهدت به شرخ الشباب ونعمة # كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا # وحبب أوطان الرجال إليهم # مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم # عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # فقد ألفته النفس حتى كأنه # لها جسد إن بان غودر هالكا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وقد ضامني فيه لئيم وعزني # وها أنا منه معصم بحبالكا # وأحدث أحداثا أضرت بمنزلي # يريغ إلى بيعيه مني المسالكا # وراغمني فيما أتى من ظلامتي # وقال لي اجده في جهد احتيالكا # فما هو إلا نظمك الشعر سادرا # وما الشعر إلا ضلة من ضلالكا # مقالة وغد مثله قال مثلها # وما زال قوالا خلاف مقالكا # صدوفا عن الخيرات لا يرأم العلا # ولا يحتذي في صالح بمثالكا # من القوم لا يرعون حقا لشاعر # ولا تقتدي أفعالهم بفعالكا # يعيرني سؤل الملوك ولم يكن # بعار على الأحرار مثل سؤالكا # مدلا بمال لم يصبه بحلة # وحق جلال الله ثم جلالكا # وحسبي عن إثم الألية زاجر # بما امتلأت عيني به من جمالكا # وإني وإن أضحى مدلا بماله # لآمل أن ألفى مدلا بمالكا # فإن أخطأتني من يمينك نعمة # فلا تخطئنه نقمة من شمالكا # فلم يصغ إليه سليمان بن عبد الله. # وهذه هي قضية الدار الأولى التي غصبت وسليمان وال على بغداد، وابن الرومي يومئذ في ~~نحو الثلاثين، وهي قضية كما ترى مفصلة لم يسقط منها حرف مما قيل بين الخصمين ~~المتنازعين، تقرأ الأبيات حتى تنتهي منها فلا يسعك إلا أن تنسى الدار وتنسى يسر ابن ~~الرومي وعسره، التفاتا إلى هذا الاستقصاء الدقيق في سرد وقائع المشكلة والمشاجرة التي ~~نشبت بين صاحب الدار والتاجر الباغي عليه، في زعمه، فما من كلمة قيلت في تلك المشاجرة ~~أو تقال في أمثالها إلى اليوم إلا جاء بها ابن الرومي، وأبرأ بها ذمته كما يبرئ الذمة ~~حالف اليمين الغموس. # يجور التاجر على دار الشاعر فينقض جدارها ويتلفها ليجبره على بيعها، فيقوم الشاعر ~~ويقعد، ويرغي ويزبد، وينذر خصمه الويل والثبور وعظائم الأمور، ms109 فيهزأ التاجر المعتز ~~بثروته الساخر بكل شيء غير ذهبه وفضته، ويقول له: وماذا عساك أن تفعل؟ قصاراك أن تنظم ~~قصيدة! فاذهب وانظم ما بدا لك، ودع الشعر ينفعك! فما هو إلا ضلة من ضلالك، وبلاء لك ~~يضر بك ولا يجدي عليك، فيغضب الشاعر لشعره، ويذكر الأدب والعلم والملوك والأمراء، ~~فيستخف التاجر بفخره، ويقول له: وما أنت من ذاك كله؟ ما أنت إلا متسول مسترفد تمد يديك ~~إلى مال غيرك! فيرتد عليه الشاعر مزريا بما لم يجمع إلا من السرقة والخداع والسحت ~~والحرام، ويذهب يشكو ويستعدي ويرجو ويستجدي. # وهكذا تدور الملاحاة والمنابزة في القصيدة، وتسجل القضية كلها في الشعر على نمط لا ~~يخرم حرفا، ولا يزيد فيها ولا ينقص، كأن الشاعر مشغول بالرواية عن الدار، والمنازعة ~~عليها! ومن الطبيعي أن يحدث جميع ما حدث، ولكن ليس من الطبيعي أن يثبت الشاعر جميع ما ~~حدث في قصيدة؛ إذ لا فرق بين أقدر الشعراء وأضعفهم إلا أن أقدر الشعراء يجيء في شعره ~~«بالطبيعي» البسيط، وأضعفهم يهمل «الطبيعي» البسيط، وينقص منه أو يزيد عليه. # وللدار الثانية قضية نعرف تفصيلها كما عرفنا تفصيل هذه القضية، فقد نازعته فيها ~~امرأة، ونزعتها منه عنوة، فكتب إلى الوزير عبيد الله بن سليمان يعرض عليه القضية ~~ويستغيث: # تهضمني أنثى وتغصب جهرة # عقاري، وفي هاتيك أعجب معجب # لقد أذكرتني لامرئ القيس قوله: # فإنك لم يغلبك مثل مغلب # وكانت آخر قصيدة قالها - كما في الديوان - لأمية يقول فيها: # أقول إذ غصبتني كف جارية: # الله أكبر من ود ومن هبل # 18 # إن الغواني بما أملن من أمل # فما يبالين ما لاقين من أجل # متى غلبن رجال الجد في زمن # كما غلبن رجال اللهو والغزل # وإن أعجب شيء أنت مبصره # في كل ما حملته الأرض من ثقل # كف خضيب من الحناء غاصبة # كفا خضيبا من الأبطال والعضل # يا حسرتا لي! ويا لهفا! ويا عجبا! # إن هذه الحال لم تنكر ولم تزل # في دولتي أنا مغصوب وفي زمني # عودي ظميء بلا ري ولا بلل ms110 # يريد دولة بني وهب وهم أنصاره وممدوحوه. # ومن الواضح أن هذه الدار أخذت منه قبيل موته بزمن قليل؛ لأنه يطلب رجعها في أواخر ~~شعره ويقول: إنه لم يكن يومئذ «من رجال اللهو والغزل». وقد يحتمل أن هذا الشعر كله قيل ~~في دار واحدة لا في دارين، وأنه تشبث بتلك الدار بعدما أحدث فيها التاجر الأحداث، ورام ~~أن يضطره إلى بيعها فلم يبعها، وظل مالكا لها حتى ضاعت منه في أخريات عمره. وهو احتمال ~~يرد على الخاطر، ولكننا نستبعده لأن زهر الآداب صريح في أن التاجر «أجبره» على بيع ~~داره، ولأن ابن الرومي لا ينسى أن يذكر الصبا وطول العهد بسكنى الدار، لو كانت هي الدار ~~الأولى التي ملكها وعاش فيها من صباه إلى هرمه. # وثم قصة أخرى «لدار» كان ابن الرومي يسكنها، ويخاطب في شأنها والي الشرطة أحمد بن ~~محمد الواثقي الذي بقيت له الولاية إلى ما بعد موت ابن الرومي ببضع سنوات، فعن تلك ~~الدار يقول: # بينما النفس ويبها بك ترجو # ملك دار معمورة مأهولة # وتراعي آمالها منك إنجا # ز مواعيد للمنى ممطولة # إذ أتاني الرسول منك بأمر # يشبه الموت نفسه أو رسوله # وهو إزعاجها بأعنف عنف # عن محل قد استطابت حلوله # أنا إن لم تذد بيمناك عني # غير شك فريسة مأكولة # ونظن أن البيتين الآتيين مما قاله في هذه الدار بعينها: # يا ويح من أصبح في غمة # ليس له من كربها مخرج # فروحه تزعج عن جسمه # وجسمه عن بيته يزعج # وقد تكون هذه الدار هي التي نزعتها منه المرأة، وقد تكون دارا مأجورة وهو الأرجح ~~عندنا؛ لأن الشاعر لا يقول في مزاياها إلا أنها «محل قد استطاب حلوله»، و«منزل أحب ~~نزوله»، وأنها مكان: # فيه عافاني الإله من الشك # و وفك الإله عني كبوله # بعد جهد حملت منه ضروبا # ليس أثقالهن بالمحموله # وهو كلام أشبه بأن يقال في مكان جرب بعد تجربة غيره، وكان فيه معنى للاستطابة ~~والاختيار، وله على غيره من الأماكن المأجورة مزية الموافقة والاستحسان، ويزيد في ms111 ترجيح ~~ذلك أن الشاعر يقول: إنه كان يرجو «ملك» دار معمورة مأهولة، فما كفاه أن تفوته الدار ~~المملوكة حتى أزعجوه عن مسكنه، وذلك بما تقدم أشبه. # وأيا كان الخلاف فيما سبق، فالأمر الذي لا خلاف فيه أنه مات في دار مأجورة، فإن ~~الناجم يقول حين قص علينا قصته في مرض وفاته: إنه انتقل من الكرخ إلى باب البصرة، فسكن ~~في دار ابن قلابة، ولم يسكن في دار ابن المعافى كما أشار عليه بعض أصدقائه، وهو يصف ~~حاله قبيل ذلك فيقول من قصيدته البائية إلى القاسم بن عبيد الله، حين عزم على الشخوص ~~إلى «آمد» مع الخليفة المعتضد: # ثوبي الرث والثياب طراء # وطعامي برغمي المجشوب # ومحلي عارية وجدارا # ت بيوتي فكلها منقوب # ومقيلي في الصيف سخن بلا خي # ش، فعظمي يكاد منه يذوب # فالذي يفهم من هذه الأخبار حين يجمع بعضها إلى بعض أنه ورث دارا من أبيه هي التي ~~يقول: إنه قضى فيها أيام صباه، فلا تكون على هذا إلا إرثا نشأ فيه قبل أن يدرك السن ~~التي يكسب فيها ثمن الدور، وورث تحفا تقتنى كتلك الكأس التي زعم أنها كانت للرشيد، وقد ~~تكون الضيعة بعض إرثه من أبيه، وقد تكون مما اقتناه في بعض حالات وفره، ولكنه كان يحتاج ~~إلى الدين فيعرض عقاره للضياع، وتقوم عليه الحجة فلا يقدر الولاة على دفع خصومه وقبول ~~دعواه، وشكاياته من الديون كثيرة تؤيد هذا التفسير، فمنها: # علي دين ثقيل أنت قاضيه # يا من يحملني ديني رجائيه # وقد حماني إخواني مواردهم # ووكلتني إلى بحر سواقيه # ومنها: # أقول لما رأيت عرسي # تسترزق الله باليدين # سيجعل الله بعد عسر # يسرا بجدوى أبي الحسين ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # من حسن حال ورفه بال # ورفع قدر وحط دين # ومنها: # وارتكاب الديون إياي في ظل # ك يهجوك باللسان الفصيح # ففي هذه الديون ضاع عقاره واستبد به دائنوه. # ومثل ابن الرومي لا يستغرب منه أن يسرف ويستدين، وإنما يستغرب منه أن يقصد في نفقته، ~~ويعتدل في تصرفه، فهو إما مضياع متلاف وإما شحيح ms112 مقتر، حسبما يتعاوره من المغريات ~~بالإنفاق وهواجس الخوف من الفاقة. وقد كان هو مضياعا متلافا، وشحيحا مقترا في نوبات ~~لا يدرى لها سبب، ولا يضبط لها ضابط، فكان مضياعا متلافا على الكره منه، وشحيحا ~~مقترا على الكره منه كذاك، وكثيرا ما أنحى على نفسه باللوم لحرصه وضعف إيمانه، وشكاها ~~إلى الله كأنما يغالبه على الحرص مغالب شديد المراس كما قال: # إلى الله أشكو شح نفسي لأنني # أرى الجود لي حظا وشيمتي البخل # وقد كان حق الجود بذل ذخائري # إلى أن يراني الله يعوزني الأكل # ولكن نفسي آثرت نبل مالها # وما حيث نبل المال ما يوجد النبل # أو كما قال: # وفيما اجتهادي في محاولة الغنى # وما للغنى عند الجواد به قدر # وحينا يثقل عليه الصراع بين حرصه وسرفه، ويخلد إلى العجز عن المغالبة، فيلتمس ~~المعاذير لنفسه، ويجعل الشح من المكارم المحمودة لأنه يصونه عن الحاجة، ويعصمه من ~~السؤال والاقتراض: # إذا لم يكن عندي سوى ما يكفني # فشحي عليه مثل شحي على عرضي # لأني متى أتلفته احتجت حاجة # تذيل مصون العرض في طلب القرض # فهو لا يزال أبدا شديد الزهد شديد الرغبة: # وأصبح في الإثراء أزهد زاهد # وإن كان في الإثراء أرغب راغب # فلا جرم يضطرب في عيشه، ويخرج عن القصد في حالتي شحه وسرفه، ويظل مدخرا لا ينتفع بما ~~ادخر، أو مبددا لا يبقي من ماله ولا يذر. ~~••• # على أنه لو بقي له كل ما ورث من أبيه وكل ما علمنا أنه ملكه لما أغنانا ذلك عن البحث ~~في مورد رزقه، وسبب اتصال عيشه؛ إذ كان البيت الذي يسكنه مالكه لا يحسب من موارد الكسب، ~~والضيعة التي «ما زال منها في عناء» لا تبلغ أن تدر عليه رزقا يكفيه، ومن أخباره ما ~~يقطع بعثور جده وبؤسه الغالب عليه معظم حياته، فلولا هذا البؤس لما لزمه ميسم النحس ولا ~~عيروه الخيبة والخصاصة، ولولا عسره وافتقاره لما وقع بينه وبين البحتري ما وقع إذ هجاه، ~~«فأهدى إليه تخت متاع وكيس دراهم، وكتب إليه ms113 ليريه أن الهدية ليست تقية منه، ولكن رقة ~~عليه، وأنه لم يحمله على ما فعل إلا الفقر والحسد المفرط»! فإذا خطر لنا أن مطالبه ~~الكثيرة لا تدل على حقيقة فقره، وأنها عادة جرى عليها كما جرى الشعراء في عصره، ~~فاشتهاره بالنحس والتخلف، ورد البحتري عليه دليل على عسر حقيقي ما فيه ريب، أو دليل ~~على حاجة دائمة إلى المدائح والصلات يعول عليها في ضرورات معاشه فضلا عن نوافل ~~لهوه. # فسؤالنا الذي ينبغي أن نسأله في هذا المعرض هو: ماذا كان نصيبه من المدائح، وكيف كانت ~~حظوته عند ممدوحيه؟ والجواب الذي لا تردد فيه: إنه لم يكن نصيبا جزيلا ولا حظوة ~~مغبوطة؛ إذ هو لم يتصل بالخلفاء، ولم يأخذ جوائزهم الكبيرة التي تغني الشاعر عن السؤال ~~زمنا، أو تغنيه عنه بقية حياته، وإنما كانت مدائحه كلها للولاة والوزراء والقواد ~~والكتاب، ومن يضارعهم ويقل عنهم في الرتبة والثروة، فلم يمدح خليفة قط إلا لعلاقة بين ~~هذا الخليفة وبين رئيس أو نديم من الذين يعرفهم وينتمي إليهم، فمدح المستعين وهجا ~~المعتز حين تنازعا الخلافة بينهما؛ لأن محمد بن عبد الله بن طاهر كان من حزب المستعين، ~~وكان مقيما في بغداد، وابن الرومي يمدحه ويقيم معه في المدينة، ومدح المعتمد لأن ~~بنانا المغني اقترح عليه مدحه - وهو يكتب لبنان - فأجابه إلى ما اقترح، وذكر اسمه في ~~ختام القصيدة: # فلا يزل في نعيم عيش # مزاجه الخفض والليان # حتى يرى فيه كل سؤل # ومنية عنده بنان # ومدح المعتضد بالمقاطيع الكثيرة لأنه كان صديق آل وهب وكالئهم من لدن تولي العهد إلى ~~أن بويع بالخلافة. # وقس على ذلك سائر مدائحه للخلفاء وولاة العهود، وما هي بالكثيرة في عددها ولا هي ~~بالكثيرة في عدد أبياتها، فقد كان لا يعنى بتطويلها كما كان يطول مدائح الولاة ~~والوزراء؛ لأنها مدائح لم تقصد لذاتها، ولم ينظمها إلا مرضاة لأصحابه؛ وتلبية لاقتراح ~~المقترحين عليه، وكأنهم كانوا يطمعونه بذلك في تقريبه من الخلفاء وإزلافه لعطاياهم، ~~ولكنهم لا يفعلون، فظل محجوبا عن الخلفاء لا ms114 يستدعونه، ولا يسألون عن شعره حتى مات، ~~وجاء المستكفي يسأل عما قاله في الطعام والشراب! # ونعود إلى الوزراء والرؤساء لنبحث عن نصاب الجائزة عندهم، وغاية ما يصلون به الشاعر ~~إذا رضوا عنه، وبالغوا في عطائه، وليس يطول بنا البحث في هذا؛ لأنه واضح من الحديث الذي ~~جرى بين البحتري وابن الرومي، حيث يقول البحتري: «أقرأني أبو عيسى بن صاعد قصيدة لك في ~~أبيه، وسألني عن الثواب عنها فقلت: أعطوه لكل بيت دينارا.» فكأن هذا غاية ما يرتقي ~~إليه الموصي بجائزة، وغاية ما كان ينتظره ابن الرومي من شفاعة متشفع يتودد إليه. وابن ~~الرومي نفسه قد عين نصاب هذه الجوائز تعيينا في بيت يخاطب به علي بن يحيى المنجم يقول ~~فيه: # وما المائة الصفراء منك ببدعة # ولا من أخيك الأريحي أبي الصقر # يعني مائة دينار، فهي إذن غاية الغايات من جوائز الأمراء، ولا بد أن يحسب في هذا ~~التقدير حساب مبالغتين مفروضتين في هذا المقام هما مبالغة الطمع، ومبالغة الثناء، بل ~~حساب مبالغة أخرى صريحة في البيت، وهي أن الإنعام بمائة دينار كان أقصى ما تسمو إليه ~~الأريحية، وكان بدعة في ذلك العصر من غير هذين الممدوحين، فمن الرؤساء - على هذا - من ~~كان يجيز الشاعر - إن أجازه - بعشرين دينارا وعشرة دنانير، وما فوق ذلك وما دونه، ~~وكانت هذه هي السنة الشائعة والنصاب الذي جرى عليه العرف بين معظم الرؤساء ومعظم ~~الشعراء. # وأنت تقلب ديوان ابن الرومي، فتقرأ فيه عشر قصائد في الشكوى والتذكير والاستبطاء ~~والإلحاح والإنذار والهجاء إلى جانب قصيدة واحدة في المدح الخالص من العتاب والاستنجاز، ~~فلنقدر أنه نجح في مائة قصيدة، وأخذ عليها مائة جائزة، فمحصل ذلك كله لا يزيد على ألفي ~~دينار مع التسهل في عدد الجوائز ومقدار الدنانير. وألفا دينار يتلقفها الشاعر في نحو ~~أربعين سنة ليست بالرزق الرخي، ولا بالوقاء من العوز والدين في مدينة الغلاء، وعصر ~~البذخ والإسراف، ودع عنك أنها تجيء متقطعة ممنونة لا يعرف لها موعد، ولا توافق أوقات ~~الطلب والحاجة. # ذلك نصاب ms115 الجوائز عند الرؤساء والوزراء إذا رضوا وسمحوا بالعطاء، فأما الحظوة عندهم ~~فلم تكن من قسمة ابن الرومي في أكثر الأوقات، وإن أكثر وإن أجاد وإن أفرط في التزلف ~~والاسترضاء، فما أكثر ما كانوا يتجنون عليه، ويستخفون به ، ويتمحلون العلل الواهية ~~لحرمانه وجفائه والقدح في شعره! فهذا إسماعيل بن بلبل مدحه بقصيدة معدودة في شعر المدح ~~العربي من أقدم أزمانه إلى أحدثها، فتجهم له وضن عليه، ولأي ذنب؟ لأنه قال فيها: # قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم: # كلا - لعمري - ولكن منه شيبان # وأي شيء في ذاك؟ فيه - كما زعم - أنه هجاه، وأنكر عليه ما ادعاه من نسبه! فقيل له: ~~هذا من أحسن المديح، فاسمع ما بعده: # وكم أب قد علا بابن ذرى شرف # كما علا برسول الله عدنان! # فتجنى وتعلل وقال: أنا بشيبان ليس شيبان بي، فقيل له: إنه لم يبخس شيبان، وقد قال ~~فيها: # ولم أقصر بشيبان التي بلغت # بها المبالغ أعراق وأغصان # لله شيبان قوم لا يشيبهم # روع إذا الروع شابت منه ولدان # فأصر على التجني والتعلل وأقسم لا أثابه، ورجع الشاعر مغضوبا عليه فوق حرمانه وطرده، ~~وقد كان رجاؤه بما جود وأطال أنه يرضى عنه ويثاب، ولم يكفه هذا حتى جنى على نفسه ~~انحراف الوزراء الآخرين عنه لأنهم لم يمدحوا بتلك القصيدة، فراح منهم من يقول: إنها ~~دار البطيخ! # ومدح محمد بن عبد الله بن طاهر مرة فانقلب ناقدا منافسا للشاعر وهجا شعره ولم يجزه ~~بشيء: # مدحت أبا العباس أطلب رفده # فخيبني من رفده وهجا شعري # فهبني قد أعفيته من مثوبتي # أيغضى له شعري على مضض الوتر؟ # ومن إهمالهم إياه أنه كتب قصيدة عتاب إلى أبي سهل النوبختي، فنظر إليها والرياح تلعب ~~بها في جانب الدار وقد خطط في ظهرها بالمداد! فثارت ثائرته، وأقبل يعاتب لإهمال العتاب ~~بعد أن كان يعاتب لإهمال الثواب: # رقعة من معاتب لك ظلت # ولها في ذراك مثوى مهان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # سطر العابثون فيها أساطي # ر عفت متنها فما يستبان # خط ولدانكم أفانين فيها # أو ms116 رجال كأنهم ولدان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وقبيح يجوز كل قبيح # رقعة من معاتب لا تصان # ويتماجنون فيقولون إذا مدحهم: إنه ينظم الشعر كأنه نائم، فيرى المسكين فرضا لزاما ~~أن يسلم لهم العيب الذي عابوه، وأن يستخرج معنى جديدا من معاني الثناء على ذلك ~~الممدوح، الذي تماجن عليه: # مدحتك مدح المستنيم إلى امرئ # كريم فقلت الشعر وسنان هاجعا # ولا ترى له شعرا في أحد من الذين انقطع لهم وأكثر من قصدهم، إلا رأيته يشكو في خطابه ~~له أنه يظلمه حقه، ويخصه بالحرمان دون أمثاله ومن هم أقل منه، فهو يقول لبني ~~وهب: # فاز الورى من ريحكم بسحائب # هطلت، وفزت بسافيات تراب # ولبني طاهر: # أرى الشعراء حظوا عندكم # سواء عييهم واللسن # سواي! فإني أراني امرأ # هزلت، وكلهم قد سمن # ولبني هاشم: # بني هاشم ما لي أراكم كأنكم # تجورون أحيانا وأنتم أولو عدل # كما لو هجاكم شاعر حل قتله # كذاك فأوفوا مادحا دية القتل # ولإسماعيل بن بلبل: # أبا الصقر لست أرى مهديا # لك المدح - غيري - إلا مثابا # ولعل قربه منهم وحسابه عليهم هو الذي أنذر نصيبه من جوائزهم وحفاوتهم؛ لأنهم كانوا ~~يحسبون عليه حضور مجالسهم وموائدهم، وإسهامه أحيانا فيما يسهم فيه الجلساء والندمان من ~~ألطافهم وهداياهم، ويوجبون عليه بذلك أن يظل لهم وحدهم شاعرهم، وأديب بيتهم، يطرفهم ~~بالملح الأدبية، ويواليهم بالتهنئة في مناسبات التهنئة، والثناء في معارض الثناء، ثم لا ~~ينتظر منهم الخلع والصلات على كل قصيدة، ولا في كل موسم كما ينتظر الشاعر الطارئ الذي ~~يلقي قصيدته ويذهب لطيته، وهم فوق هذا يمنون عليه أن قبلوه في مجالسهم وأحضروه موائدهم، ~~ويفرضون عليه وفاء العبد للسيد، والصنيعة لولي النعمة، ويظنون أنهم كفلوه بالعيش الرغيد ~~والظل والظليل: # إذا امتاحهم أكلة عبد # وه تعبيد رب لمربوبه # يخالون أنهم بلغو # ه بالقوت أفضل مطلوبه # وأنهم حرسوا نفسه # به من غوائل مرهوبه # يزيل مضيفهم ضيفه # كملبوسه أو كمركوبه # والأغلب عندنا أنهم كانوا يقبلونه في مجالسهم، ويحضرونه موائدهم غراما بضروب الشذوذ ~~والشهرة، وكلفا بالطرائف والملح كما هو دأب أصحاب المجالس في ms117 كل أمة، فكانوا يأنسون به ~~في بعض حالاتهم، ويقربونه لغرابة أطواره ووفره محفوظه من الأشعار والنوادر والأمثال، ~~وسرعة ارتجاله للتشبيه والمحاكاة، فكأنهم اصطنعوه للإغراب لا للمودة، وتخيروه للمظهر لا ~~للثقة والكرامة؛ ولهذا كانوا يحضرونه مجالس الاحتشام، وينحونه عن خلوات الحفاوة ~~والتبسط، وكان يعلم بهذا فتسوءه فوق مساءته بالحرمان، ويعجله الغيظ الذي لا يقوى على ~~كظمه أن يسكت عن العتاب في مثل هذا الأمر، فيعتب كلما حجب كما قال في مرة من هذه المرات ~~للقاسم: # في جلنار وأختها دبسية # يا ابن الوزير لعاتب متعتب # أحضرتموني جلنار، وأحضرت # دبسية الكبرى لغيري تحجب # وكان يحار في هذا الحجب ولا يدري ما علته، ولا ما النقص الذي استوجبه، ويسائل الأمير ~~عن نفسه: # هل ترى الغفلة شابت حلمه # أم ترى النكراء شابت فطنه؟ # هل ترى العي يؤاخي صمته # أم ترى الغي يؤاخي لسنه؟ # هل ترى الشك عليه غالب # عند حق، أم تراه يقنه؟ # هل رأى منك قبيحا بثه # أم رأى منك جميلا دفنه؟ # هل لديه لك سر ذائع # أم أمانات غدت محتجنه؟ # لكن حيرة ابن الرومي هذه قد ترشدنا إلى أسباب حجبه؛ لأنها ترشدنا إلى بضاعته التي ~~أعدها للمنادمة، وحسب أنه مستحق بها التقريب والمصاحبة، وهي أدوات العلم والبحث والشك ~~في موضع الشك، واليقين في موضع اليقين! وما هي بألزم ما يلزم النديم في مجالس الخلوة ~~فضلا عن مجالس الاحتشام، فقد يستغني النديم عنها كلها بالقدرة على المصانعة ومسايرة ~~الأهواء، في حين أن العلم لا يغنيه عن تلك القدرة، ولا يسد مسدها في مجالس الاحتشام ولا ~~مجالس الإباحة. # بقي حفظ السر وما نظن دعواه فيه مطابقة للحقيقة أو لرأي جلسائه المحتجزين عنه في ~~خلوات الإباحة؛ لأن من كان مثله مطبوعا على «الاعتراف» بعيوبه لا نخاله يمسك لسانه ~~ويحفظ سرا رآه ساعة لهوه، فإذا حجبه الأمراء عن مجالس الخلوة؛ فلأنه لا ينفعهم في تلك ~~المجالس، ولا يؤمن عندهم على أسرارها وما يقع فيها من فلتات اللسان، وبوادر رفع الكلفة، ~~وإرسال النفس على السجية. # لكنهم كانوا يحجبونه ms118 أيضا عن المجالس العامة، ولا يقتصرون على حجبة عن المجالس ~~الخاصة، وكانوا يقطعون ما بينه وبينهم حتى تضيق به الدنيا، ويتنمر له كل من ينتمي إليه ~~أو ينتمي إليهم: # تعرفت في أهلي وصحبي وخادمي # هواني عليهم مذ جفاني قاسم # فيعود يسأل الإذن في المقابلة، ويكتفي به عن سائر المطالب: # بل أنت معفى من جميع حوائجي # إلا لقاءك في السواد الأعظم # لا أبتغي ما كنت أسأل مرة # حسبي بوجهك، فهو أفضل مغنم # قال هذا وقد حجبه القاسم عن لقائه، وأمر الخدم برده، وكان القاسم وأمثاله يمنعونه بعض ~~المنع وفي نفوسهم بعض الرعاية له، وبعض الرضى عنه، فأما إذا غضبوا عليه وصرحوا له ~~بالجفاء فقد كانوا ينبذونه ويوصدون دونه كل باب، ويخلون بينه وبين الحجاب يدعونه ~~ويتصلفون عليه، والحجاب لا يعوزهم التصلف على مستأذن يأمنون العواقب فيه، ويأنسون من ~~سادتهم الرضى بإيذائه؛ فإن الحاجب منافس لكل جليس ينزل من سيده منزلة الخليل والسمير، ~~وهو قائم على الباب مقام الخادم، وهو يود أن يدل عليه بقدرته على الرد والإذن، والإقصاء ~~والتقريب والتمييز في الحفاوة والتعظيم، فكان ابن الرومي في فترات الإقصاء والإعراض ~~يقاسي شديدا من غلظة الحجاب، ويسرع كدأبه إلى شرح ما يلقاه منهم على أبواب الرؤساء ~~المعرضين عنه، وهو شبيه بما يلقاه كل طارق مهيض الجانب من كل حاجب غاضب أو ~~متغاضب: # وكم حاجب غضبان كاسر حاجب # محا الله ما فيه من الكسر بالكسر # عبوس إذا حييته بتحية # فيا لك من كبر! ومن منطق نزر! # يظل كأن الله يرفع قدره # بما حط من قدري وصغر من أمري # إذا ما رآني عاد أعمى بلا عمى # وصم سميعا ما بأذنيه من وقر # ولقد كان يحمد الله أحيانا أنه نجا من تعجرف الحجاب عليه بغير أذى في جسده: # عم الأذين بأذنه وتخلفت # حالي، فلم أذكر ولم أتوهم # لكن نبذت مع اللفيف بمسمع # وبمنظر للشامتين ومعلم # بل ما أصابتني هناك شماتة # لكن غبطت؛ لأنني لم ألطم! # فلم يكن رزق الرجل إذن متصلا من الجوائز ولا من ms119 ألطاف المجالس، ولم تكن حاجته إلى ~~ضرورات العيش بالحاجة المصطنعة التي لا تنم عن فاقة حقيقية في معظم أيام حياته، فسؤاله ~~الدقيق والطعام والملبس سؤال محتاج إلى ما يطلب، معتمد على ما يجمع من النوال، ولنا أن ~~نشك في حاجته إلى الشيء حين يطلبه ويلح في طلبه، ولكن ليس لنا أن نشك في حاجته عاجلا ~~أو آجلا إلى ذلك الشيء من طريق السؤال كما كان يصنع عامة الشعراء في الأزمان الماضية، ~~ولا سيما في ذلك الزمان الذي اضطربت شئونه، وقل ضمانه، وتلاحقت طوارئه، فمن مسائل ابن ~~الرومي ما يصعب الشك في صدقه؛ كقوله يستعطف وهو يكاد ييأس: # إن لله غير مرعاك مرعى # يرتعيه وغير مائك ماء # وتيقن متى جنيت على عب # دك ضيما وضيعة وعناء # إن لله بالبرية لطفا # سبق الأمهات والآباء ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # لي خمسون صاحبا لو سألت ال # قوت فيهم ألفيتهم سمحاء # أترى كل صاحب لي منهم # يمنع الشهر بلغتي إجراء # لي في درهمين في كل شهر # من فئام ما يطرد الحوجاء # وكثيرا ما ألم لهذه الحاجة الدائمة وتوسل إلى الرؤساء أن يجربوه في ولاية أو جباية، ~~أو يتخذوه لعمل في الديوان يريحه من ذل السؤال، وعذاب القلق والانتظار، فكانوا يضنون ~~عليه بما سأل، ويأبون أن ينقذوه من سوء تلك الحال، ولزم آل وهب ما لزمهم وهو يترقب أيام ~~دولتهم، ويترجى الخير الجزيل على أيديهم، فلما صارت إليهم الوزارة لم يصنعوا شيئا، ~~وزادوا أنهم قطعوه بعد صلة، ومنعوه ما كان يناله قبل الوزارة! وكثر زوارهم وقصادهم، ~~فتأخر مقامه بينهم، وربما رأوه حينا وهو مقدم على سواه. # أنا من عراك وباب دارك موحش # من كل مؤتنف علي مقدم # وكان أسمح الرؤساء معه من كان يلهيه عن العمل في الديوان بوظيفة صغيرة يشاهرها عليه، ~~ولا يثبتها في سجل الأرزاق المرصودة المضمونة بعض الضمان، ومن شأن هذه النوافل أن تحتاج ~~أبدا إلى التذكير والتنبيه، مما لا بد أن يجر إليه التذكير والتنبيه من السأم والجفاء، ~~فإذا حصل ذلك - ولا بد من حصوله - خسر ms120 الوظيفة وصاحب الوظيفة، وباء إلى شر مما ~~كان. # والعمل الوحيد الذي ذكر في ديوانه هو عمله في الكتابة عند آل بنان المغني الذي كان ~~ينادم الخليفة المعتمد ويغنيه، ويسأل ابن الرومي أن يمدح الخليفة بلسانه، وكأنه لبث في ~~هذا العمل عشر سنين على ما يجوز أن يؤخذ من قوله: # والغناء الشديد شدوا وضربا # سحنة قد ملأت منه الإناء # ظلت عشرا كواملا في مغاني # ه أغني وأسمع الأنحاء # ولن يكون ذلك العمل إلا ضئيل الأجر مغبونه كما يظن بأجر يتناوله كاتب مغن، وكما ~~يدل بيتاه المشهوران في بنان: # تعالى جد ديناري بنان # فحلا حيث حل الفرقدان # ولو أن النفوس بحيث حلا # غدون من الحوادث في أمان # فإن قلنا: إن «الدينارين» هنا للتلطيف لا للحصر، فأقصى ما يرتقي إليه الديناران أن ~~يكونا عشرة! وعشرة دنانير ليست بالرزق الطيب في عصر كعصر المعتمد بمدينة بغداد. # فمعيشة الرجل في جميع أدوارها كانت معيشة عارف بالحياة متذوق لها، وهو مع المعرفة ~~والتذوق ملدد محروم طويل الهم بأمر الرزق، مشتت الفكر بين القلق والخيبة، والمطل ~~والحرمان، وهي معيشة مزعجة مكهربة تهد القوى، وتنهك الفكر والجسد، ولا تكون إلا وخيمة ~~الأثر في نفس رجل مثله كثير المخاوف عليل الأعصاب. # لماذا فشل؟ # فشل لأنه كان قليل الحيلة صفرا من الدهاء، ذلك أوجز ما يقال في أسباب فشله، فما من ~~عمل كان يحتاج إلى حيلة إلا كان ابن الرومي فيه مخفقا، أو كان مصدوفا عنه حتى اللعب، ~~ومن ثم كراهته للعبة الشطرنج التي راجت في أيامه، وكثر التفنن في طرائق لعبها بين ~~ممدوحيه حتى كان أحدهم يلعبها وظهره إلى رقعتها، وهو يقول فيه: # تقتل الشاه حيث شئت من الرق # عة طبا بالقتلة النكراء # غير ما ناظر بعينك في الدس # ت ولا مقبل على الرسلاء # بل تراها وأنت مستدبر الظه # ر بقلب مصور من ذكاء # ما رأينا سواك قرنا يولي # وهو يردي فوارس الهيجاء # ولكنه هو كان يجهلها ويحاول البراعة فيها فلا تساعده الحيلة، فينقلب هازئا بها ويقضي ~~عليها بأنها ms121 من تعلات الفراغ والجوع: # أرى لعبة الشطرنج إن هي حصلت # أحق أمور الناس ألا تحصلا # تعلة بوابين جاعا وأرملا # بباب قليل خيره، فتعللا # أو يقول: # تفرست في الشطرنج حتى عرفتها # فإن صح رأيي فهي بالوعة العقل # وحسب الرجل أن تقل حيلته في أواسط القرن الثالث ليكون مقضيا عليه بالهلاك أو ~~بالفاقة، وإن اتصل بذوي الأخطار والعاملين في سياسة الدولة، بل يقضي عليه بالهلاك ~~والفاقة لأنه اتصل بميدان هو أحوج الميادين إلى المكر وسعة الحيلة؛ فمدائح ابن الرومي ~~نفسه أدل شيء على ضرورة الدهاء في أيامه، وشيوع هذه الخصلة بين أبناء عصره. # فإنه مدح أشتاتا من ذوي المقامات بينهم الوزير والقائد والنديم والكاتب والفيلسوف، ~~فكان الدهاء صفة تتكرر في مدح كل واحد منهم، وثناء مشتركا بين من يطلب منه الدهاء بحكم ~~عمله، ومن لا يطلب منه ولا يعيبه أن يفوته، وإليك أمثلة قليلة نكتفي بها عن إحصاء كل ما ~~جاء على هذا المعنى في مدائحه الكثيرة: # قال في علي بن يحيى النديم: # فل بالحجة الخصوم وبالكي # د زحوف العدى ذوي التأليب # وقال في ابن ثوابة الكاتب: # وبكيده يروي القنا # علقا ويختضب اختضابه # وقال في القاسم بن عبيد الله الوزير: # يرمي بدهياء من فلائقه # في وجه دهياء من فلائقها # وقال في عبيد الله بن عبد الله القائد: # يصاول القرن أو يخاتله # جلدا أريبا بعيدة سربه # كالليث في بأسه وآونة # مثل الشجاع الخفي منسربه # وقال في الجنود الأتراك: # ترى شبه الآساد فيهم مبينا # ولكنهم أدهى دهاء وأنكر # وقد صدقت في هذه المدائح فطنة ابن الرومي إلى صفة عصره، والخلق الذي لا بد منه ~~للمتقدمين فيه من ندماء، أو كتاب، أو قادة، أو وزراء أو جنود، فلم يكن لواحد من هؤلاء ~~غنى عن الكيد والختل والدهاء، ولم تكن للعصر كله صفة بارزة بروز هذه الصفة التي اشتدت ~~الحاجة إليها بين القلاقل والدسائس والاضطرار الدائم إلى اتقاء الشر، ومداراة الأقوياء، ~~والحيطة لما تأتي به طوارئ الأحداث، وأحجى أن تشتد الحاجة إليها حيث تعشش الفتنة وتبيض ms122 ~~وتفرخ بين رجال الدولة ومن يعاشرهم ويلحق بهم من الشعراء والندماء، ومغتنمي الفرص من ~~صعود هذا وهبوط ذاك، وإقبال هذه الدولة وإدبار تلك، فقد كان هذا هو عمل كل يوم وشاغل كل ~~ساعة في البيئة التي عاش فيها ابن الرومي خاصة، فما كانت أيامهم تنقضي على غير خليفة ~~يعزل أو يدبر له العزل، وولي عهد يخلع أو يدبر له الخلع، ووزير يكاد له أو يكاد ~~لخصمه، وصاحب مال يستصفي أو يسعى لاستصفاء مال غيره. وهذا وأشباهه شغل يفتقر من يزاوله ~~ويعيش في بيئته إلى الدهاء افتقاره إلى أداة المعيشة الأولى، وسلاح الحرب الألزم له من ~~كل سلاح. ~~••• # في ذلك العصر عاش ابن الرومي وهو أعزل لم يستعد له بعدة، ولم يحسن قط أن يتداهى ~~على أحد، ولا أن يحترس من دهاء أحد، وراح يتقلب فيه بإحساس طوع الحوادث ولسان طوع ~~الإحساس! فكان نقيض الرجل الذي يصلح لمثل زمنه، إذا كان ألزم ما يلزم ذلك الرجل أن يملك ~~إحساسه ولا يطيعه، وأن يجعل بين إحساسه ولسانه سدا منيعا من الرياء يستتر خلفه، ~~فأخطر ما يجر الخطر على المرء في عصور القلق أن يرسل نفسه، وأن يطلق لسانه، وأن يلهو ~~بما بين يديه عما حوله، كما كان يفعل ابن الرومي ومن طبعوا على غراره، وما نظنه كان ~~يكرر صفة الدهاء في ممدوحيه إلا وهو يشعر بخلوه منه وحاجته إليه، غير أن الشعور بالحاجة ~~إلى الدهاء لا يعطيه الدهاء كما أن شعور المريض بالحاجة إلى القوة لا يعطيه القوة، ~~وغاية ما يستطيعه أن يأسى ويتكلف ما ليس في خلقه، فلا يفيده الأسى ولا التكلف إلا أن ~~يبدي من ضعفه ما هو أولى بإخفائه. ~~••• # ذلك أول الفشل أو ذلك أوجز ما يقال في إجمال أسبابه. # وهو مع هذه الغرة التي تعد من أكبر الجنايات في عصر الدسيسة والمداورة كانت له جناية ~~أخرى تعد من أكبر الجنايات في جميع العصور، وبين جميع الأمم، وعند جميع الأفراد: كان ~~غريب الأطوار، ولا أضر على الضعيف الحيلة من ms123 غرابة الأطوار؛ لأنها تفرده بين الملأ ~~فتنصبه وحده هدفا لكل ما في الطبائع الإنسانية من لؤم وسفاهة، وسوء ظن ومجانة، و«الشيء ~~مستوحش إذا غربا» كما يقول، فحسب المرء أن يشتهر بهذه الغرابة وأن يسجلها عليه من يعرفه ~~ومن لا يعرفه حتى تبطل دعواه، وتسقط حقوقه، ويكون المجتمع قد أصدر عليه حكما سرمدا ~~كذلك الحكم الذي كان يصدره السلطان في غابر الأزمان بإهدار دم الطريد الهارب من عقوبته ~~وسخطه، فلا ينصفه أحد، ولا يتحرج متحرج من العدوان عليه، والتعرض لغضبه، فإنما أساس ~~الإنصاف أن يعرف للإنسان حق الرضى والغضب، وحق الشكوى والملام، فإذا سلب هذا الحق ~~واشتهر عنه أنه يألم لغير ما يوجب الألم، ويفرح لغير ما يوجب الفرح، ويعجب والناس لا ~~يعجبون، ويثور والناس لا يثورون، ويطرق وهم لا يعرفون فيم يطرق، ويهلل وهم لا يشعرون ~~فيم يهلل، فهم إذن في حل من إسخاطه واهتضام حقه! وهو إذن طلبة السلطان الأعظم؛ سلطان ~~المجتمع الذي أهدر دمه، وأباح أمنه وماله، فلا يشكو إلا وهو متهم، ولا يشكى إلا ~~وللشاكي عليه حجة، وكل ذنبه بين الناس أنه من معدن غير معدنهم، وذو شعور بالحياة غير ~~شعورهم، وقد يكون خيرا منه وأجدر بالإنصاف. # بل حسب المرء أن يشتهر بالغرابة حتى يصبح المألوف من عمله غريبا يفعله هو، فيلاحظ ~~ويتبعه الناس بالغمزات، ويفعله غيره فلا يلاحظ ولا يتغامز أحد عليه؛ لأن سمعة الغرابة ~~هي المهم في هذا الصدد، وليست الحوادث التي توصف بالغرابة. # وقد يعفى الغريب الأطوار من هذا «الإهدار» إذا كان مع غرابة أطواره له سطوة أو ثروة ~~أو عصمة يعتصم بها من عشيرة تغار عليه، أو جار يميل إليه، فربما أساغوا منه غرابته في ~~هذه الحالة، وعدوها حلية تزينه، وظريفة ترغبهم فيه، فأما أن يكون ضعيفا لا حول له ولا ~~حيلة، وغريبا في خلقه وشعوره؛ فذلك هو الجرم المضاعف الذي لا شفاعة فيه ولا نجاة من ~~عقوبته، وقل في عقوبة مشدد فيها كما يشاء لؤم من لا يخاف عاقبة لؤمه، مبالغ فيها ms124 كما ~~يبالغ في إيذاء كل معدوم النصير. ~~••• # عاش ابن الرومي في ذلك العصر قليل الحيلة، فهو أعزل غريب الأطوار، فهو مستهدف لكل من ~~يرميه، دقيق الحس فهو معذب بما يصيبه، وثقلت عليه صدمات الخيبة، وساء ظنه بإنصاف الناس، ~~فوهن ما فيه من بقية عزم الشباب، وعاف السعي وانطوى على اليأس، ووجدت نفسه لذلك وجدا ~~تعرفه من صرخته: # لا عذر لي في أسفي بعدها # على العطايا عفتها عفتها! # فكان هذا مع ضعفه واعتلاله، وحذره المغروس في تركيبه، وحاجته إلى من يرأمه ويعينه ~~صارفا له عن السعي في طلب الرزق، والنزوح عن الوطن، جانحا به إلى القعود حيث قعد لا ~~يرى إلا أن البلاد كبلده، وأن الأخيار والأشرار سواء في قلة إنصافه. # ذقت الطعوم فما التذذت كراحة # من صحبة الأشرار والأخيار # وما كان الرجل مخلوقا للجلد والمشقة في أيام الشباب، بله المشيب، ولكنه كان ربما رحل ~~في تلك الأيام إلى الأبلة أو سامرا «سر من رأى» أو بعلبك - وهي فيما نظن أبعد ما وصل ~~إليه في رحلاته - فلا يلبث أن ينكرها وتنكره ويعود منها، وما لقي فيها إلا مثلما لقي في ~~وطنه: # لقد أنكرتني بعلبك وأهلها # بل الأرض بل بغداد صاحبة البتل # ويرسل إلى أصحابه في بغداد يتشوف ويقسم لا أزمع بعدها سفرا، ولا آثر على قلوبهم ~~مطمعا: # وإن يقض لي الله الرجوع فإنه # علي له ألا أفارقكم نذر # ولا أبتغي عنكم شخوصا ورحلة # مدى الدهر إلا أن يفرقنا الدهر # فما العيش إلا قرب من أنت إلفه # وما الموت إلا نأيه عنك والهجر # و«طول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه» كما قيل، فإذا أحصينا أسباب الجفاء الذي ~~كان يشكوه من ممدوحيه، وأسباب فشله بعبارة أخرى، فلا شك أن طول مقامه ببغداد واحد من ~~تلك الأسباب التي رجحت عليه غيره من أنداده الشعراء، ومن هم أقل في الطبقة؛ لأنهم كانوا ~~يغيبون ويحضرون، فلا يضن عليهم الأمراء بالعطاء في السنة بعد السنة أو بعد السنوات، ~~ولأنه كان مقيما أمام أعينهم في كل يوم فلا ms125 يلقى عندهم حفاوة الطارق بعد غياب، وهو لم ~~يرحل تلك الرحلات القصار التي كان يظنها غربة طويلة إلا وهو في إبان القوة والطمع في ~~الولاية والجوائز، فلما طال عليه الأمر، ووطن نفسه على اليأس قعد في بغداد لا يريمها، ~~وقنع بما يتفق له وهو وادع في بلده، وأبى أن يجيب من يستدعيه إليه، ويحضه على «الحطب ~~لناره»؛ لأنه يكلفه ركوب البحر وهو أخوف ما يكون من ركوبه. # حضضت على حطبي لناري فلا تدع # لك الخير تخويفي شرور المحاطب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أيعزب عنك الرأي في أن تثيبني # مقيما مصونا من عناء المطالب # وما هي بعد إلا دعوة فيما نظن لم يكن بالمنظور أن تتكرر، إذ قل في الولاة من كان ~~يعنى بشأنه وشأن رزقه في حالي شبابه ومشيبه، وقل فيهم من كان يرعى حقه ويخلص في ~~مودته. # وربما اغتر هو ببعض المجاملة منهم، وخيل لنفسه حقا عندهم، فتشفع إليهم في أتباعهم ~~كما تشفع لمهندس القاسم الأسير المغضوب عليه «وما ضيف بأضعف من أسير»، أو كما تشفع ~~لكتابه الذين «أضحوا وهم أسوأ الكتاب أحوالا»، أو كما تشفع فيما هو أكبر وأجل، وهو ~~شكاية الحسن بن عبيد الله إلى أبيه من تقديم أخيه القاسم عليه، وترشيحه لعظيم المراتب ~~دونه، إلا أنه شفاعات لا نعرف ماذا أوجبها على ابن الرومي، ولا نعرف ماذا كان مصيرها ~~عند المشفوع لديهم، فهي إن دلت على شيء قاطع، فإنما تدل على أن قوما ذوي حوائج كانوا ~~يقصدون فيها من يقبل تبليغها، ويأنسون من ابن الرومي تلبية لا يأنسونها في صحابة ~~الأمراء غيره، وربما أغراهم به سذاجة طبعه وسرعة استمالته، ولا سيما في وساطة الحسن عند ~~أبيه، والتماسه منه أن يسوي بينه وبين أخيه القاسم لأنه: # ليس يوهي أخاه شدك إيا # ه بل يزيده في اشتداده # ولا يبعد أن تكون هذه الوساطة علة إعراض القاسم عنه، ومجافاته إياه تلك المجافاة التي ~~قيل: إنها انتهت بقتله، فغير ابن الرومي لا يقدم على هذه الوساطة وهو جليس القاسم ~~المطالب في شريعة تلك الأيام ms126 بنصرته على كل من ينافسه، ولو جاءت المنافسة من أخيه؛ إذ ~~يرى الحزم والحكمة أن يتبع الدولة حيث كانت، وألا يعرض نفسه لغضب صاحب الحظوة من أجل أخ ~~له مهجور ضعيف الأمل في النجاح، فاستشفاع الناس بابن الرومي لا يدل على أكثر من هذا، ~~ولا على أكثر من أنهم أرادوه للتبليغ والتذكير، عسى أن ينبهوا غافلا ويسمعوا من لم ~~يسمع، وقد يدل على أنه أصيب بسبب هذه الشفاعة في رزقه وحياته، كما يلوح لنا من جرائر ~~الوساطة بين الحسن وأبيه، فأما أن تدل هذه الشفاعات على حق مرعي له عند الأمراء، وعناية ~~منهم بأمر رزقه وصيانته في قربه وبعده؛ فذلك احتمال بعيد تناقضه أخباره وأشعاره على ~~السواء. # وما نخال أن أحدا من ممدوحيه كان بينه وبين ابن الرومي من المؤاخاة في الأدب مثلما ~~كان بينه وبين أبي سهل بن نوبخت سليل البيت الفلكي المعروف، فقد كانت بينهما مساجلات ~~كثيرة تلمح فيها مخاطبة الند للند، والصديق للصديق في بعض الأبيات، فابن الرومي يغرب في ~~مدحه فيقول: # أعلم الناس بالنجوم بنو نو # بخت علما لم يأتهم بالحساب # بل بأن شاهدوا السماء سموا # ورقيا في المكرمات الصعاب # وأبو سهل يجيبه وهو يعتذر من قلة اضطلاعه بجوابه: # هكذا يجتني الودود من الإخ # وان أهل الأذهان والآداب # نظم شعر به ينظم شمل ال # مجد كالعقد فوق صدر الكعاب # قد سمعنا مديحك الحسن القر # ض ولكن لم نضطلع بالجواب # ومثل هذا الخطاب لا يكون إلا بين رجلين صديقين أو كالصديقين فيما توجبه العلاقة ~~بينهما من الولاء والمعونة، فانظر مع هذا كيف كان أبو سهل في رعايته لحقه، وعنايته ~~بأمره، وصيانته لقدره، كان كما قال فيه: # لي صديق إذا رأى لي طعاما # لم يكد أن يجود لي بشراب # فإذا ما رآهما لي جميعا # كفياني لديه لبس الثياب # فمتى ما رأى الثلاثة عندي # فهي حسبي لديه من آرابي # لا يراني أهلا لملك الظها # ري ولا موضع العطايا الرغاب # وكأني في ظنه ليس شأني # لهو ذي نهية ولا متصاب ms127 # في طبع ملائكي لديه # عازف صادف عن الإطراب # أو حمارية! فمقدار حظي # شبعة عنده بلا إتعاب # إنما حظي اللفاء لديه # مع ما فيه بي من الإعجاب # ليس ينفك شاهدا لي بفهم # وبيان وحكمة وصواب # ومتى كان فتح باب من الله # توقعت منه إغلاق باب # نعم! مع ما فيه من الإعجاب به والشهادة له بالفهم والبيان، فقد كان قصارى حقه عند ~~صاحبه هذا وعند أصحابه الموسرين جميعا أن يعجبوا به، أو يتعجبوا لفطنته وغرائب أحواله، ~~أو يساجلوه في الشعر مساجلة يظهرون بها قدرتهم على مجاراة شاعر قدير منقطع للشاعرية، أو ~~يسامروه سمرا يلهون فيه بحديثه ونوادره، ثم يستأدوه الثمن غاليا من صبره وماء وجهه، ~~فأما ما وراء ذلك من نفع ومبرة، فليس من حقه عندهم، وليس له منه كما قال إلا نصيب ~~الملائكة أو نصيب الحمير! وما كان واحد من كبار ممدوحيه عاجزا عن إغاثته وإصلاح أمره، ~~وتدبير عمل له يناسبه لو صححوا النية، ولم يساوموه مساومة التاجر الشحيح ليأخذوا منه ~~أكثر مما يعطونه، وليأبوا أن يهبوه ما دام في وسعهم أن يمنعوه؛ ففي قدرتهم كانوا أن ~~يستحضروا النية في إصلاحه، وجبر نقائصه، وتلافي عيوبه، وفي قدرتهم كانوا أن يجدوا سببا ~~واحدا على الأقل يوجب هذا الحق عندهم من باب الوفاء، أو من باب الرحمة، بيد أنهم لم ~~يجدوه ولا حاولوا إيجاده، ووجدوا أسبابا شتى لحرمانه وإهماله، والاعتذار من توجيه ~~الأعمال إليه، واتخاذه للكتابة أو النظر في بعض مرافق الديوان، ونحن نقرأ قوله لأبي سهل ~~الذي تقدم ذكره: # أتزعم أني إن توليت قرية # رأيت ازوراري عن صديقي من الفرض؟ # وقوله للقاسم: # أركيكا رأيت عبدك صفرا # لا جنى فيه، أم جنى شنعاء؟ # فنفهم جملة هذه العلل التي كانوا يعتلون بها عليه، نفهم أنهم كانوا يكرهون توليته؛ ~~لئلا يستقل عنهم ويعرف له موردا غير موردهم، أو أنهم كانوا يحسبون عليه غراراته ذنبا ~~يحرمه الولاية، كما حرمه العطاء وكفالة الرزق من جراية لا يكدرها المن والتسويف. وهي - ~~ولا مراء - أسباب طبيعية للحرمان في الحياة ms128 نفهمها حين نبحث عن سر حرمانه، ولكنها لا ~~تصلح عذرا للمتفضل الذي يريد الإفضال، ولا تعد ميزانا رفيعا للمروءة ومكارم الأخلاق؛ ~~فمن الطبيعي أن يأكل الذئب الحمل، وأن يعبث اللئيم بالغرير، وأن ينهب المحتال مال الطفل ~~اليتيم، والمغتال مال الأعزل الضعيف، إلا أن البون بعيد جدا بين هذه الأسباب الطبيعية ~~في الدنيا وبين معالي الهمم ومكارم الأخلاق، وأن هذا البون البعيد جدا لهو مناط الحمد ~~واللوم والشرف والضعة والفضل والقصور. ~~••• # وكان لفشل ابن الرومي وحرمانه سبب آخر هو فشله وحرمانه. # نعم كان فشله وحرمانه سببا لنفرة الناس منه واتهامهم إياه، فكانوا يلومونه على ~~بلواه، ويعدونها من ذنوبه وخطاياه، وكان لومهم هذا بلاء فوق بلاء، وحسرة فوق حسرة، ~~وشكاية أشد عليه من سائر الشكايات؛ لأنها تحرمه حق الشكاية: # يا رب ما أطول البلاء وما # أكثر في أن بليت لوامي # يلومني الناس أن حرمت وما # ألزمني الله غير إحرامي # فإذا شكا فهو مذنب، وإذا سكت فالرزيئة عنده أعظم من السكوت، وهذا آلم ما يبتلى به ~~المنكوب وأظلمه وأدعاه إلى المزيد من نكبته وظلمه، ولكنه كذلك طبيعي مألوف في الناس؛ ~~لأنهم لا يكلفون أنفسهم الرأفة بأحد إذا استطاعوا أن يحيلوا عليه جريرة خطاياه! فإذا ~~حرم فما ذاك إلا لأنه محروم مستحق للحرمان بما جناه على نفسه، أو بما جناه عليه القضاء، ~~وإذا كان كذلك فهم أولى بالإجفال منه والهرب من عدوى شقائه! وإلا فماذا يصنعون له وهو ~~الجاني على نفسه؟ ثم ماذا يصنعون للقضاء ولا طاقة لهم برد القضاء؟ فمن حرم وفشل فليحرم ~~أبدا وليفشل أبدا، وليكن مصابه حجة للمزيد من مصابه، ودليلا على شقاء مكتوب عليه لا ~~خلاص منه، ولا للناس فيه حيلة! # وتضاف إلى ذلك الحرمان نكبات متواليات لا يد لمخلوق فيها، ولا هي مما يجنيه إنسان على ~~نفسه، أو يرده إنسان عن حوزته، فتحق عليه تهمة الشؤم، وتثبت عليه مطاردة الأقدار، فلا ~~رأي للعاقل إلا أن يفر منه، ويلتمس العصمة والأمان بالبعد عنه، وقد أطبقت على ابن ~~الرومي النقمتان: نقمة ms129 الفشل والحرمان، ونقمة الفجائع في أهله وولده، والتلف في زرعه، ~~والحريق في تراثه، والضياع في عقاره؛ فالرجل لا ريب مشئوم يستعاذ منه، وطريدة للأقدار ~~لا يجيرها مجير وهو آمن على سربه، فمن غرر بنفسه وعالج خلاص الطريدة من القدر الذي ~~يتعقبها، فهو مبتلى لا محالة بمثل بلائها، ثم لا يلومن إلا نحسه، ورأيا سخيفا سول له ~~التورط في المهالك، وخيل إليه أنه مجير من قدرة الله، وراد لما لا مرد لحكمه. # وحق لأبناء القرن الثالث أن يخافوا المشئومين وطرداء القدر؛ لأنه كان عصر السعد ~~والنحس والقلاقل والمفاجآت، مع الإيمان بما يصحب ذلك من الخرافات والأوهام؛ ولأنه العصر ~~الذي تمت فيه ترجمة الكتب الهندية والفارسية، وشاعت بين المسلمين أحاديث النجوم ~~والطوالع ما كان منها خرافيا كاذبا، وما كان من قبيل العلم الصحيح. وزاد في شيوع تلك ~~الأحاديث أن الدولة كانت يومئذ للفرس، وأن آداب المجالس في قصور الملوك والشرفاء كانت ~~آداب الفارسية، والناشئين في البلاد الفارسية، وكانت لهؤلاء ساعات للسعود وساعات ~~للنحوس، ومقارنات بين الأفلاك يطيب معها الطعام والشراب تارة، ولا يطيبان تارة أخرى، بل ~~كان لكل شيء في الأرض والسماء حسابه وأرصاده، وبشائره ونذره، فلا يسافر المسافر ولا ~~يتحرك العامل إلا بعد استشارة للنجوم، وموافقة لأرصاد الطوالع. ولا عجب أن يدرج الفرس ~~على ذلك وهم أمة عبدت الكواكب زمانا، وجعلت لها صفات الخير والشر، وأسندت إليها تدبير ~~الحوادث، وتحويل الدول، وتقدير المقادير. # وكأنما شاءت الأقدار أن تهيئ للقرن الثالث كل أسباب العناية بالنجوم، فظهر في أوائله ~~مذنب «هالي» الذي رأيناه هنا في دورته الأخيرة قبل نيف وثلاثين سنة، والذي قال فيه أبو ~~تمام في تلك الأيام: # وخوفوا الناس من دهياء داهية # إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب # وصيروا الأبراج العليا مرتبة # ما كان منقلبا أو غير منقلب # يقضون بالأمر عنها وهي غافلة # ما دار في فلك منها وفي قطب # وليس يصعب علينا أن نتمثل كيف يكون أثر ذلك المذنب المرهوب أول ظهوره في زمان كذلك ~~الزمان، وبين أناس كأولئك الأناس، ms130 قد غلب عليهم الاشتغال بالتنجيم صادقه ومكذوبه، وكثر ~~بينهم جدا من يعلقون حوادث الأرض بأنباء النجوم. # ولقد تردد ذكر السعود والنحوس وأسماء الكواكب في كلام شعراء القرن الثالث والقرن الذي ~~بعده من أثر هذه العوامل كلها، فألمع إليها أبو تمام والبحتري مرارا، وأفرط ابن الرومي ~~في الإشارة إليها؛ لأنه كان أعلم من صاحبيه بهذه المطالب، وتمادى الأمر بمن بعدهم حتى ~~أصبح درس النجوم فريضة على كل رجل مثقف مطلع على آداب زمانه، ولو كان كالمعري مكفوف ~~البصر غير صالح للتوسع في هذا الباب، فكان رهين المحبسين يذكرها في سقط الزند ~~واللزوميات، ويصف مواقعها، ويتكلم عن مقارناتها كأنه فلكي مشتغل بصناعته، وليس بأديب ~~ضرير واضح العذر في جهل هذه الصناعة. # ثم اتفق أن راجت عقيدة النجوم في الأسرتين اللتين علق بهما ابن الرومي، وكان لهما ~~نصيب من شعره ومدحه وعتابه أكبر من نصيب سائر ممدوحيه، نعني أسرة بني طاهر وأسرة بني ~~وهب، وهما أقوى وأغنى من حكم في ذلك الزمان من الأسر التي تصرفت في الدولة، وتصدى ~~أبناؤها للمدح والعطاء، وتولية الأنصار، وعزل الخصوم، فلما مات محمد بن عبد الله بن ~~طاهر وخسف القمر تحدث أهله، وتحدث الناس أن القمر خسف لموته، وكتب ذلك المؤرخون فيما ~~كتبوا من تاريخه، وذكره ابن الرومي في بعض شعره فقال: # بات الأمير وبات بدر سمائنا # هذا يودعنا وهذا يكسف # قمر رأى قمرا يجود بنفسه # فبكى عليه بعبرة لا تذرف # وكسفت الشمس مرة فخاف القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب أن يكون كسوفها مؤذنا ~~بموت عظيم في الدولة، وهلع لذلك؛ فكان ابن الرومي هو الذي هدأ روعه، ونصح له باللهو ~~والسماع للتسرية عن نفسه وكتب إليه: # لا تهولنك شمس كسفت # دون أن تطلع من مغربها # هان ذاك الرزء فيها مثلما # هان ما عزك من مطلبها # هي نار وافقت مطفئها # لست بالآيس من ملهبها # فابك من تشفق من معطبه # فلقد أومنت من معطبها # ضل باك أن أبيخت جمرة # سوف تذكيها يدا مثقبها # ليس للشمس إذا ms131 ما كسفت # غير شمس تخلف الشمس بها # من بنات الروم لا يكذبنا # لونها المشرق عن منصبها # وإنها لفكاهة مضحكة من فكاهات الخطوب أن يكون ابن الرومي مهدئ روع في هذا، وهو أحوج ~~إنسان إلى من يهدئ روعه، ويذهب عنه الوجل من نذر الزمان وعلاماته! # فالخوف من شؤم صاحبنا كان من أقوى أسباب فشله واجتنابه، وفي بعض معاتباته إشارة صريحة ~~إلى تطير أبناء طاهر وأبناء وهب من هذا الشؤم، واجتنابهم إياه بعد أن جاءتهم الدولة، ~~وزخرت لهم النعمة؛ مخافة على سعودهم أن يدركها طائف من شقائه ونحسه، فكان يقول لعبيد ~~الله بن عبد الله بن طاهر يدفع عن نفسه هذه التهمة: # نحن ميامين على أننا # على أعاديك مشائيم # لما دخلنا دخلت نعمة # كان لها حولك تحويم # ولم يفخمك الذي نلته # بل للعطايا بك تفخيم # وكان يقول للقاسم بن عبيد الله: # طلعت بأيمن ما طائر # عليكم وأسعد ما طالع # فجاءتكم دولة غضة # تفيأ في ثمر يانع # وكأنما كان حاسدوه ومزاحموه يعرضون بشؤمه لبني وهب، وينسبون إليه ما يكره الوهبيون ~~من رحلة أو مشقة، فكان يبرأ إليهم ويسرع إلى تفنيد ما نسبوه إليه قبل أن يحسب عليه، وما ~~هو في حاجة عندهم إلى اختلاق الذنوب: # ولقد خفت والبريء ملقى # كل ذنب برأسه معصوب # أن يقول الوشاة لي: إن شؤمي # قاد هذا الشخوص، والإفك حوب # وجوابي أن لم يغيبوا وشاهد # ت فزالت مخاوف ونكوب # أنا من لا يشك في اليمن منه # أو يمين ابن فجرة ويحوب # جئت والدولة السعيدة خلفي # رأسها في مقادتي مجنوب # فحسب الإنسان في ذلك العصر أن تلوح عليه شبهة من السعد أو النحس فيقال: إنه مسعود أو ~~منحوس، ثم تلزمه التهمة وتلصق به طول حياته، وتشتد لصوقا به إذا كان في أحواله وأخلاقه ~~ما يغري الناس بالإلحاح فيها والإصرار عليها، وهل كان شيء من ذلك ناقصا عند ابن ~~الرومي؟ كلا، بل عنده كل شبهة النحس؛ لأنه كان عالما ذكيا ولا حظوة ولا جاه، فما ~~الذي يحول بينه وبين حظوة أمثاله ms132 إلا أن يكون الجد العاثر، والطالع المشئوم؟ ولأنه فقد ~~أباه وأمه وأخاه وزوجته وأبناءه، وعاش بعدهم كئيبا حزينا مستهدفا للبلاء من الأيام ~~والناس، وهل يفقد كل هؤلاء ويعيش بعدهم في تلك الحال إلا المنكود المرزأ المنحوس؟ ولأنه ~~مني كما رأينا بالجراد في ضيعته، والحريق في ماله، والضياع في عقاره، وهل يمنى بذلك - ~~مع مصائب الموت والضنك - إلا من شمله النحس في شبكة لا نجاة منها لمشبوك؟ # ثم هل كان ابن الرومي مبرأ من تلك الخلائق التي تغري به أهل العبث والمجون، فيلحون ~~عليه بتهمة الشؤم، ويتفكهون بما يؤلمه من ذلك ويؤذيه؟ لا، بل كان الرجل أول المتفائلين ~~المتشائمين، وأول من يسوغ للناس التباشر والتطير، ولزمته الحجة من ذكائه وإدبار حظه، ~~ومن مصائبه في ذويه وصحبه، فكان الذكاء نكبة عليه تعد في النكبات والمصائب ضعفين: ما ~~يصيبه من شرها، وما يصيبه من سمعة نحسها، وولع العابثين بالسخر منها، وإنه لمصاب ~~عظيم. # ولقد رأينا أن أخاه أبا جعفر كان يكتب لرجل، فعزل الرجل بعد مدة، فعبث به أصدقاؤه آل ~~أبي شيخ وقالوا له: «إنما عزله شؤمك.» كأن حديث الشؤم والسعد كان حديثهما في كل نكبة، ~~وفي كل نعمة، ولو أنصف القوم لكانوا كلهم مشئومين منحوسين، إذ كانوا كلهم قد فجعوا في ~~الأصحاب والأنصار، وشهدوا نكبات الأخيار والأشرار، وإذا كان ابن الرومي قد فقد أعداءه ~~كما فقد أحبابه، فلا فضل لشؤمه على سعده، ولا رجحان لطوالع الخيرات فيه على طوالع ~~الشرور، ولكنها الحظوظ التي لا تعرف القسط في الموازين! ومن الحظوظ التي ألممنا ~~بأسبابها أن يكون ابن الرومي منفردا بسمعة الشؤم في ذلك العصر دون سائر ~~المشئومين! # وسواد الناس لا ينصفون مختارين، ثم هم لا ينصفون إذا كان الإنصاف يكلفهم واجبا، أو ~~يحرمهم فكاهة يضحكون منها! فليس لابن الرومي إذن إلا أن يبوء وحده بجريرة ضعفه وعقائد ~~زمنه، فغاية الحكم فيه أنه ولد مقضيا عليه بالفشل، وعاش في زمن لا رحمة فيه لمثله، ~~ووجب أن يترك لقضائه يصنع به ما لا حيلة في ms133 دفعه. # إن من الباحثين من يرى أن رجال الفنون في الجماعات الإنسانية كالأطفال في الأسرة، لا ~~بد لهم من رعاية تكتنفهم وأمداد قومية تغنيهم عن السعي لأنفسهم؛ لأنهم لا يحسنون حيل ~~السعي، ولا يجيدون عملهم إذا تفرغوا لممارسة العيش وإتقان حيله، فإذا التمس هؤلاء ~~الباحثون مثلا يدعمون به رأيهم، فما نخالهم يجدون في تاريخ الآداب مثلا أصلح من شاعر ~~كابن الرومي في زمان عجيب متناقض كأواسط القرن الثالث للهجرة. # طيرته # الطيرة شعبة من مرض الخوف الناشئ من ضعف الأعصاب واختلالها، الذي أشرنا إليه في ~~الكلام على مزاج الشاعر، إلا أنها خوف خاص له بواعثه وأعراضه، وهي في ابن الرومي خلة ~~خاصة قد بلغت مداها، ولبست ألوانا غير ألوانها في أكثر المتطيرين، بحيث وجب أن نفردها ~~بالبحث في هذه الكلمة ببعض التفصيل. # فأصل البواعث التي أصابت ابن الرومي بداء الطيرة هو اختلال الأعصاب قبل كل ~~شيء. # فالرجل السليم لا يتطير ولا يتشاءم؛ لأنه ينتظر من الدنيا خيرا، ولا يحس النفرة بينه ~~وبينها، ومن ثم لا يحس الخوف والتطير منها. # وقد تصادفه الحوادث كما تصادف الناس كافة، فتقع على نفسه موقعا خفيفا يملك معه ~~عزمه، ويضبط معه شعوره، فهو في غنى عن الحذر والتوجس مذ كان يلقى الخطر - حين يلقاه - ~~بعدة كاملة، ونفس مطمئنة، لا يتسلف الفزع منه قبل وقوعه، ولا يفرط في الفزع منه متى ~~وقع واستحال عليه دفعه. وقد تؤدي به هذه الطمأنينة إلى نقيض الطيرة، فيحتجب عنه الخطر ~~الصحيح والمتوهم على السواء، ويستسلم للأمن الصادق والكذاب استسلام المتطير لكاذب الخوف ~~وصادقه، وظاهر الوهم ومكنونه، فهو أبدا في حالة سلم وأمان إذ يكون المتطير أبدا في ~~حالة حرب وارتياب. # هذه طبيعة السليم من حيث التطير خاصة، والخوف من الطوارئ عامة. # أما مختل الأعصاب فالصغائر مكبرة في حسه، والأشباح والأطياف كثيرة في وهمه، يتخيل ~~ويتوهم، ثم يزيده الفزع من الأخيلة والأوهام، فإن كان إلى ذلك شاعرا، وكان خياله ~~قويا؛ فللطيرة فيه معين لا ينضب من الخلق والابتكار والطوارق. # وتتوارد عليه المنبهات ms134 - وكل طارق في الدنيا منبه لأصحاب هذا المزاج - فيتيقظ فيه ~~الشعور بالخطر، ويلمح المخاوف حيث لا يلمحها الآخرون، كما هو الشأن في كل مستحضر للحذر ~~متوقع للمفاجأة. # فأنت تسير في الطريق المأمون، فلا تزعجك نبأة ولا يلفتك ما قد يوجب التلفت، ولكنك إذا ~~أدلجت في الأجمة المرهوبة، واستحلك الليل حولك خيل إليك أنك تسمع في كل همسة فحيح أفعى، ~~وفي كل نفخة همهمة أسد، وفي كل خبطة تليك هجمة عدو ينتحيك بمكروه، وما اختلف على حسك ~~بين الطريق المأمون والأجمة المرهوبة إلا اختلاف التوقع، واستحضار الحذر من كل مجهول ~~غير منظور، وذلك هو موضع الاختلاف بعينه بين المتطيرين وغير المتطيرين. # ولقد كان ابن الرومي أوعى لنفسه من أن تخفى عليه طبيعة الحذر المركبة فيه؛ فهو يشعر ~~من دخيلة طبعه بأنه حذور، ويعلم ألا مفر له من الحذر، فيتخذ من الضرورة فضيلة - كما ~~يقولون - ويزعم أن الحذر باب الأمان: # فآمن ما يكون المرء يوما # إذا لبس الحذار من الخطوب # ويحتج لذلك بحجج كثيرة من القرآن والحديث والمنطق والروايات، كما مر بك في أخباره، ثم ~~لا يشك في أنه محق مصيب، ضعفت حجته أو قويت، وصدقت محاذيره أو كذبت؛ لأن الحجة في ~~العقائد الشعورية تلحق العقيدة ولا تسبقها، وتؤكدها إذا وافقتها، ولكنها لا تفندها إذا ~~عارضتها. ~~••• # ومن روافد الطيرة في ابن الرومي ذوق الجمال وتداعي الخواطر. # فالنفس المطبوعة على ذوق الجمال تفرح وتتهلل للمناظر الجميلة السوية، وتنفر وتنقبض من ~~المناظر الدميمة الشائهة، ويصاحب الفرح الإقبال والاستبشار والرغبة، ويصاحب النفور ~~الحزن والإنكار والتشاؤم والكراهة، وليس أقرب من المسافة بين النفور والطيرة إذ دق الحس ~~وغلب عليه الحذر، وأصبح الانقباض عنده نذيرا يثنيه ويقتضب عليه طريق أمله. # أما تداعي الخواطر فصاحبه أبدا يستخرج من الكلمة أو الفكرة غاية ما تؤدي إليه، ~~وتنقلب عليه، ومتى كانت طبيعته الحذر ومزاجه مركبا على التشاؤم، فليس أسهل من اتجاه ~~خواطره السريعة إلى حيث ألفت طبيعته واستمر مزاجه. # فلكل كلمة عنده سر، ولكل سر مخافة، ويسير عليه أن يعرف ms135 ذلك السر، ويكشف تلك المخافة؛ ~~لأنه سريع حركة الذهن يتنقل كومضة البرق بين المعاني ومشابهاتها ومناقضاتها، وبين ~~الكلمات وما يجانسها ويشاكل حروفها وأوزانها، فلا يشق عليه أن يعثر بطلبته الموافقة ~~لنزعة طبعه، ومتوجه ذهنه عند معنى من تلك المعاني، ومشاكلة من تلك المشاكلات. # وذوق الجمال وتداعي الخواطر كانا في ابن الرومي على أدق وأيقظ ما يكونان في إنسان؛ ~~كانت له عين خاطفة تلتهم الألوان والأشكال التهام الجائع المنهوم الذي لا يشبع، وقد ~~عرفنا أمثلة من ذلك في دقة تشبيهاته، وإحكام صوره، وغرابة التفاته إلى مواقع للنظر لا ~~يلتفت إليها شاعر غيره. وسنعرف أضعاف ذلك عند الكلام على عبقريته وفنه وأسلوبه في تناول ~~الحس وتصويره. # ثم كان مع هذه النظرة الخاطفة يشنأ القبح، ويحسبه ذنبا يعاف ويستر، وكان يبالغ في ~~إخفائه من نفسه إذا ابتلي به، كما كان يبالغ في إخفاء صلعه، والسخط على من يسألونه عنه! ~~فالقبح عنده شر أو نذير بالشر، ولا يرى الأحدب أو الأعور أو الخصي أو الأشقر الذي يحكي ~~لون وجهه لون الجلد المسلوخ، أو غيرهم من المشوهين الخارجين عن سواء الخلقة إلا انقبضت ~~نفسه، وأسرع إليه ما يلازم الانقباض من التوجس والحذر والوجوم. # وتداعي الخواطر ملحوظ في جميع شعره لا يستدل منه بغرض دون غرض، ولا بقصيدة دون قصيدة، ~~فهو يسلسل المعنى ويشعبه حتى يستنفد، وكلما عن له خاطر لحق به ما يقاربه وما يناسبه ~~حتى تبطل المناسبة، ويضطر إلى الوقوف. هذا في المعاني. أما في الألفاظ فإنه يغوص في ~~تصحيف حروفها مثل هذا الغوص، ويستخرج البعيد والقريب من رموزها وقراءتها، ويستنبط منها ~~ما يشاء من ملامح اليمن والشؤم، ودفائن المدح والذم، فجعفر عنده تساوي «جاع وفر»، ~~والخان يذكره بالخيانة. # فكم خان سفر خان فانقض فوقهم # كما انقض صقر الدجن فوق الأرانب # ويلعب بتصحيف الكلمات في السمع والخط أحيانا لينقلها إلى المدح أو الهجاء، فيقول في ~~القيان: # لا تلح من تفتنه «قينة» # فإن تصحيف اسمها «فتنة» # ويقول فيمن اسمه ابن «هرثمة»: # عائذ دهره إذا سطع ms136 النق # ع بمعنى مصحف اسم أبيه # وتصحيف هرثمة هو «هزيمة». # ويجعل عمر «عيرا» بقوله: # يا عمرو لو قلبت ميم مسكنة # ياء محركة لم تخطئ الفقر # أو يفعل ذلك في الاسم الواحد ممعنا أشد الإمعان في استخراج التصحيف للمدح والذم، كما ~~فعل في اسم إسحاق مادحا وهاجيا، فقال وهو يمدح: # واسلم أبا إسحاق لابس غبطة # وعداك للإبعاد والإسحاق # وقال وهو يهجو وأبعد جدا في تصحيفه: # يا أبا إسحاق واقلب # نظم إسحاق وصحف # واترك الحاء على حا # ل فما للحاء مصرف # يشهد الله لقد أص # بحت عين المتخلف # فتبدل اسم «إسحاق» بعد قلبه وتصحيف قافه فاء وسينه شينا، وإثبات حائه على حالها، ~~فخرج من هذه العملية الطويلة «فاحشا»، وليس بينه وبين الأصل صلة كما ترى إلا ما عرض له ~~من التصحيف والتحريف من أبعد طريق. # وقد يذهب ذهنه إلى الصورة التي تنقلب إليها الأسماء بعد اللثغ المضاعف كما قال في أبي ~~علي بن أبي قرة: # أنت عندي وشيخك السيد الما # جد لا شك صادق الكنيتين # ليس في منطق الفصيح ولكن # حين يحكيكما أخو لثغتين # مبدل لام كل لفظ بياء # مبدل قاف كل لفظ بغين # فيصبح علي بن أبي قرة في لغة الألثغ وهو: عيي بن أبي غرة بكسر العين! ولولا السرعة في ~~تداعي الخواطر وخلق المناسبات لما وصل إلى هذا التصحيف في الاسمين. # وقد يعكس اللفظ ليستخرج منه فألا لغيره كما صنع بكلمة «سكان»، حين انحدر العلاء بن ~~صاعد يريد واسطا، فتحركت ريح الجنوب حركة عظمت معها الأمواج فانكسر السكان، فرجع، فقال ~~ابن الرومي: # رأيت منكسر السكان ظاهره # هول وتأويله فأل لمنجاكا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # لأن لفظة «سكان» إذا قلبت # حروفها «ناكس» لا شك في ذاكا # وإن عقلا كهذا العقل المطبوع على سرعة التنقل بين المعاني والألفاظ، وما يتفرع عليها ~~ويتسلسل منها ليس بالغريب أن يهتدي إلى مكامن الطيرة والشؤم في كل معنى، وكل كلمة، ولا ~~سيما إذا رانت على نفسه الخيبة، وقدر الفشل في كل خطوة، واقترن ذلك بالإحساس المتوفز ~~المتربص الذي لا تضبطه ms137 عزيمة، ولا تحكمه صرامة في الفطرة. # وتداعي الخواطر بهذه السرعة من الحالات التي تتقارب فيها العبقرية والجنون، كما تقدم ~~في الكلام على مزاج الشاعر، فيثب العبقري في لمحة عين من المعنى إلى شبيهه أو نقيضه ، ~~ويصل بين القطبين البعيدين بسلسلة من المشابهات والمناقضات دقيقة الحلقات لا يتبينها ~~الناظر إلا بعد التوضيح والجهد الجهيد في التنبه لمداخلها، وتعقب أوصالها، والجري معها ~~جريا يتعبه ولا يسره لأول وهلة. وتسمع المجنون يتكلم فإذا هو يخلط ويأتي بالمفارقات، ~~ولكنه في داخل ذهنه يجمع بينها بمناسبات تقرب منها ما نأى، وتؤلف ما تبعثر، غير أن ~~الجنون عقيم منبت والعبقرية مثمرة نافذة، وهذا هو الفرق الكبير بين الشذوذين ~~المتناقضين؛ أي بين أسمى ما يرتقي إليه الذهن وأوضع ما ينحدر إليه. # وإليك مثلا هذه الأبيات التي قالها ابن الرومي في هجاء ابن طالب الكاتب: # أزيرق مشئوم أحيمر قاشر # لأصحابه، نحس على القوم ثاقب # وهل أشبه المريخ إلا وفعله # لفعل نذير السوء شبه مقارب # وهل يتمارى الناس في شؤم كاتب # لعينيه لون السيف والسيف قاضب # ويدعى أبوه طالبا وكفاكم # به طيرة إن المنية طالب # ألا فاهربوا من طالب وابن طالب # فمن طالب مثليهما طار هارب # فبهذا المثل نستطيع أن نتتبع مداخل الطيرة إلى نفس ابن الرومي من جانب «ذوق الجمال»، ~~ومن جانب «تداعي الخواطر» في وقت واحد، ونستطيع أن نراقب ذهنه وهو يعمل في حركته ~~السريعة بين الأشكال والألوان والألفاظ والمعاني، كما نراقب البنية الحية وهي تعمل من ~~وراء المجاهر والكواشف، فانظر إلى لون الوجه «الأحيمر» القاشر، وإلى نذير السوء ~~والبلاء، أين هما؟ وماذا يجمع بينهما من الصلة والمناسبة؟ لا صلة ولا مناسبة! ولكن ضع ~~بينهما المريخ ولونه الأحمر، ثم ضع مع المريخ ما اقترن به في الأساطير من خصائص الحرب ~~والفتنة تنتظم العلاقة، وتنعقد المناسبة من جميع أطرافها، وقل مثل ذلك في لون العين ~~ولون السيف القاضب! وفي «الطالب» الذي لا يقابله إلا «الهارب»، وفي «الطلب» الذي يعقد ~~الشبه بين الموت وذلك الكاتب! وفرق هذا كله فإذا ms138 هو أبعد المتفرقات، واجمعه كما جمعه ~~ابن الرومي، فإذا هو أقرب المناسبات، وألزم العلاقات. ~~••• # ولقد ضاعف العصر ما في نفسه من الاستعداد للطيرة من هذه الجوانب الكثيرة، فاستعصى ~~عليه علاجها، وسهلت عليه مطاوعتها والإغراق فيها ، فقد كان أصح الأصحاء في عصره يصدق ~~الطوالع، ويؤمن بالسعد والنحس، والتفاؤل والتشاؤم، فزعم ابن الرومي أن الطيرة موجودة في ~~الطبائع، وأنه ما من أحد إلا يتفاءل بأشياء ويتشاءم بأشياء، ويتخذ العلامات من ظواهر ~~الزمان لخفاياه، ومن فلتات لسانه لما في دخائل ضميره! # وكثر التصحيف في زمنه، بل كثر في بيت من بيوت الرؤساء التي اتصل بها وتردد عليها في ~~مجالس سمرها ولهوها؛ وهو بيت بني طاهر، ولاة الحكم في خراسان والشرطة ببغداد، ومن رءوسه ~~عبد الله بن طاهر الذي قال ملغزا في اسم ظريف: # اسم من أهواه اسم حسن # فإذا صحفته فهو حسن # فإذا أسقطت منه فاءه # كان نعتا لهواه المختزن # إلخ إلخ. # ومن رءوسه عبيد الله الذي كان يعرض الشعر على ابن الرومي، ويقترح عليه تصحيفه كما ترى ~~في ديوانه. # فتمكنت عادة التصحيف في ذهنه، وجاءت الطيرة فوجدت منها أداة صالحة لخلق دلائل الشؤم، ~~واستنباط الإشارات الخفية من ظواهر المعاني والألفاظ. # على أنا - مع توافر هذه البواعث في مزاجه وعصره - نلاحظ أن الروايات التي ذكرت عن ~~طيرته لا ترجع واحدة منها إلى ما قبل الخمسين من عمره، فرواية ابن المسيب التي يقول ~~فيها: إن ابن الرومي فزع من رؤية الحول والعور في المهرجان، ترجع إلى مهرجان سنة ثمان ~~وسبعين ومائتين؛ أي حين كان ابن الرومي في السابعة والخمسين، والنوادر التي حكيت عن ~~الأخفش لا يظن أنها حدثت قبل نيف وسبعين ومائتين؛ لأن الزبيدي يخبرنا أن الأخفش كان له ~~تلاميذ يملي عليهم هجاء ابن الرومي فيه، ويغلب ألا يكون للعالم حلقة يجلس فيها للتدريس ~~قبل الثلاثين، والأخفش مات سنة ست عشرة وثلاثمائة عن نحو ثمانين سنة، فكان ابن الرومي ~~في الخمسين حين جاوز الأخفش الثلاثين. # والرواية التي نقلت عن إبراهيم كاتب مسروق البلخي، وحضرها ms139 برذعة الموسوس صاحب المعتضد ~~ترجع إلى أيام المعتضد الذي تولى الخلافة سنة تسع وسبعين ومائتين؛ أي حين بلغ ابن ~~الرومي الثامنة والخمسين، فيرجح إذن أن الطيرة الشديدة في ابن الرومي كانت عارضا من ~~عوارض الشيخوخة ، وأنه أفرط فيها بعدما ابتلي بالآلام والأحزان، وساورته المخاوف من كل ~~جانب، وقل حوله المؤاسي والرفيق. وللشيوخ كافة ميل إلى تصديق الأساطير، واستطلاع الغيوب ~~وما يدخل في باب العيافة والزجر على العموم. فابن الرومي في شيخوخته أحجى أن يصاب بهذه ~~العاقبة التي ادخرها له المرض والمزاج والعصر وحوادث الأيام. # إلا أننا يجب أن نحسب هنا حسابا للمبالغة التي تدخل على كل شهرة، وتغري الناس ~~باختراع الأقاويل وإضافة النوادر الشائعة عن كل صفة غريبة إلى الشخص الذي يشتهر بتلك ~~الصفة، ويتفرد فيها بالظهور، فقد يكون الموضوع من أخبار هذه الطيرة أكثر من الصحيح، وقد ~~يكون الصحيح مشوبا بالمبالغة والإطناب. # عقيدته # تقدم في الكلام على الحالة الدينية في القرن الثالث للهجرة أنه كان عصرا كثرت فيه ~~النحل والمذاهب، وقل فيه من لا يرى في العقائد رأيا يفسر به إسلامه، وبخاصة بين جماعة ~~الدارسين وقراء العلوم الحديثة. # فابن الرومي واحد من هؤلاء القراء، لا ننتظر أن تمر به هذه المباحث التي كان يدرسها ~~ويحضر مجالسها، ويسمع من أهلها بغير أثر محسوس في تفسير العقيدة، فكان مسلما صادق ~~الإسلام، ولكنه كان شيعيا معتزلا قدريا يقول بالطبيعتين، وهي أسلم النحل التي كانت ~~شائعة في عهده من حيث الإيمان بالدين. # وقد قال المعري في رسالة الغفران: أن البغداديين «يدعون أنه متشيع، ويستشهدون على ~~ذلك بقصيدته الجيمية»، ثم عقب على ذلك فقال: «ما أراه إلا على مذهب غيره من ~~الشعراء.» # ولا ندري لماذا شك المعري في تشيعه لأنه «على مذهب غيره من الشعراء»؛ فإن الشعراء إذا ~~تشيعوا كانوا شيعة حقا كغيرهم من الناس، وربما أفرطوا فزادوا في ذلك على غيرهم من ~~عامة المتشيعين، وإنما نعتقد أن المعري لم يطلع على شعره كله، فخفيت عنه حقيقة مذهبه، ~~ولولا ذلك لما كان بهذه الحقيقة ms140 من خفاء. # على أن القصيدة الجيمية وحدها كافية في إظهار التشيع الذي لا شك فيه؛ لأن الشاعر ~~نظمها بغير داع يدعوه إلى نظمها من طمع أو مداراة، بل نظمها وهو يستهدف للخطر الشديد ~~من ناحية بني طاهر، وناحية الخلفاء، فقد رثى بها «يحيى بن عمر بن حسين بن زيد بن علي» ~~الثائر في وجه الخلافة، ووجه أبناء طاهر ولاة خراسان، وقال فيها يخاطب بني العباس ويذكر ~~«ولاة السوء» من أبناء طاهر: # أجنوا بني العباس من شنآنكم # وأوكوا على ما في العياب وأشرجوا # 19 # وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم # فأحر بهم أن يغرقوا حيث لججوا # نظار لكم أن يرجع الحق راجع # إلى أهله يوما، فتشجوا كما شجوا # على حين لا عذرى لمعتذريكم # ولا لكم من حجة الله مخرج # فلا تلقحوا الآن الضغائن بينكم # وبينهم إن اللواقح تنتج # غررتم لئن صدقتم أن حالة # تدوم لكم، والدهر لونان أخرج # لعل لهم في منطوي الغيب ثائرا # سيسمو لكم، والصبح في الليل مولج # فماذا يقول الشيعي لبني العباس أقسى وأصرح في التربص بدولتهم وانتظار دولة العلويين ~~من هذا الكلام؟ فقد أنذر بني العباس بزوال الملك، وكاد يتمنى - أو تمنى - لبني علي ~~يوما يهزمون فيه أعداءهم، ويرجعون فيه حقهم، ويطلبون تراثهم، وينكلون بمن نكل بهم، ~~وهواه ظاهر مع العلويين لا مداجاة فيه كهوى كل شيعي في هذا المقام، على أنه كان أظهر من ~~هذا في النونية التي تمنى فيها هلاك أعدائهم، ولام نفسه على التقصير في بذل دمه ~~لنصرتهم: # إن يوال الدهر أعداء لكم # فلهم فيه كمين قد كمن # خلعوا فيه عذار المعتدي # وغدوا بين اعتراض وأرن # 20 # فاصبروا يهلكهم الله لكم # مثلما أهلك أذواء اليمن ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # قرب النصر فلا تستبطئوا # قرب النصر يقينا غير ظن # ومن التقصير صوني مهجتي # فعل من أضحى إلى الدنيا ركن # لا دمي يسفك في نصرتكم # لا ولا عرضي فيكم يمتهن # غير أني باذل نفسي وإن # حقن الله دمي فيما حقن # ليت أني غرض من دونكم # ذاك أو درع يقيكم ومجن # أتلقى ms141 بجبيني من رمى # وبنحري وبصدري من طعن # إن مبتاع الرضى من ربه # فيكم بالنفس لا يخشى الغبن # وليس يجوز الشك في تشيع من يقول هذا القول، ويشعر هذا الشعور؛ فإنه يعرض نفسه للموت ~~في غير طائل حبا لبني علي، وغضبا لهم، وإشهارا لعاطفة لا تفيده ولا تفيدهم، وقد كان ~~لا يذكر يحيى بن عمر إلا بلقب الشهيد، كما ذكره في القصيدة الجيمية، وفي خاطرة أخرى ~~مفردة نظمها في هذين البيتين: # كسته القنا حلة من دم # فأضحت لدى الله من أرجوان # جزته معانقة الدارعين # معانقة القاصرات الحسان # وبعض هذا يكفي في الدلالة على تشيعه للطالبيين، واتخاذه التشيع مذهبا في الخلافة ~~كمذهب الشعراء أو غير الشعراء، ولا سيما التشيع المعتدل الذي يقول أهله بجواز إمامة ~~المفضول مع وجود الأفضل، ويستنكرون لعن الصحابة الذين عارضوا عليا في الخلافة، ومعظم ~~هؤلاء من الزيدية الذين خرجوا في جند يحيى بن عمر لقتال بني العباس. # فهم لا يقولون في نصرة آل علي أشد مما قال ابن الرومي، ولا يتمنون لهم أكثر مما ~~تمنى. # ويلوح لنا أن ابن الرومي ورث التشيع وراثة من أمه وأبيه؛ لأن أمه كانت فارسية الأصل، ~~فهي أقرب إلى مذهب قومها الفرس في نصرة العلويين؛ ولأن أباه سماه عليا وهو من أسماء ~~الشيعة المحبوبة التي يتجنبها المتشددون من أنصار الخلفاء، ولا حرج على أبي الشاعر أن ~~يتشيع وهو في خدمة بيت من بيوت العباسيين؛ لأن مواليه كانوا أناسا بعيدين من الخلافة ~~وولاية العهد، وهما علة البغضاء الشديدة بين العباسيين والعلويين. وقد اتفق لبعض ~~الخلفاء وولاة العهد أنفسهم أنهم كانوا يكرمون عليا وأبناءه، كما كان مشهورا عن ~~«المعتضد» الخليفة الذي أكثر ابن الرومي من مدحه، وكما كان مشهورا عن «المنتصر» ولي ~~العهد الذي قيل: إنه قتل أباه «المتوكل» جريرة ملاحاة وقعت بينهما في الذب عن حرمة علي ~~وآله. ~~••• # ومع هذا لم يخطئ المعري حين ظن أن للشعراء تشيعا غير تشيع الدين والعصبية؛ إذ كان ~~الشعراء في كل زمن يؤخذون بالعاطفة، وتستجيشهم البواعث الحية التي ms142 تجيش لها القلوب من ~~حولهم، وكانت العاطفة أبدا مع بني علي، حيث كانت المصلحة أبدا مع بني العباس. وقد برز ~~هذا الفارق في مقتل يحيى بن عمر خاصة؛ لأنه كان محبوبا معطوفا عليه لشجاعته ونخوته، ~~وكرم نفسه وشبابه وجماله، وكان معذورا في خروجه على العباسيين؛ لأنهم حرموه رزقه حتى ~~عز عليه القوت، وجاع وأترب، وتبين ذلك لأنصاره فكانوا يعرضون عليه الطعام فيأباه ويقول: ~~«إن عشنا أكلنا.» وفي ذلك يقول ابن الرومي من القصيدة الجيمية: # أفي الحق أن يمسوا خماصا وأنتم # يكاد أخوكم بطنه يتبعج # وتمشون مختالين في حجراتكم # ثقال الخطى أكفالكم تترجرج # وليدهم بادي الضوى، ووليدكم # من الريف ريان العظام خدلج # وقد بلغ من حبه في قلوب الناس أنه لما قتل التمس قتلته أحدا يعالج رأسه، كما تعالج ~~رءوس القتلى لتحفظ وتنصب، فأعياهم أن يجدوه، وطال بحثهم عنه حتى عثروا برجل من أراذل ~~السوقة رضي أن يصنع بالرأس ما لم يرضه الآخرون، ثم أرادوا نصبه في بغداد، فهاج أهلها ~~وماجوا وخيفت الفتنة، فأنزلوه ولما يكد يرفع، ولم يعرف في تاريخ الطالبيين أحد حزن ~~الناس لموته واضطربوا كحزنهم واضطرابهم لقتل يحيى بن عمر، ففي غضب ابن الرومي شيء كثير ~~من غضب الشاعرية، أو من غضب السليقة الحساسة التي لا يسعها أن تهدأ وتفتر والقلوب حولها ~~جائشة، والصدور مكظوظة، والطبائع نافرة. ولا ننسى أنه رثى يحيى وهو دون الثلاثين في سن ~~للعاطفة عليها سلطان عظيم، وللحزم عليها سلطان ضعيف، ولكن أتراه - لولا العقيدة - كان ~~يكرر هذا الغضب، ويخرج هذا الخروج عن الحذر؟ أكان يجازف بحياته ويقول في النونية أشد ~~مما قال في الجيمية التي هيج لها هذا الهياج، وساوره فيها الحزن كما ساور ألوف ~~المحزونين؟ ~~••• # وبعد، فيجب أن نذكر في هذا السياق أن ابن الرومي رثى محمد بن عبد الله بن طاهر الذي ~~تولى حرب يحيى، وجلس لقبول التهنئة بقتله، ففي هذه الملاحظة ما يجوز أن يلقي الشبهة على ~~جده في التشيع، ولدده في الخصومة للمذهب، فإذا أردنا أن نذكر ذلك وجب ms143 أن نذكر معه ~~أمورا كثيرة تصحح تلك الملاحظة، وترد تلك الشبهة، وهي أن ابن الرومي لم يكن قط لدودا ~~في خصومة، ولا صارما في عصبية، وأن محمد بن عبد الله بن طاهر مات بعد مقتل يحيى بثلاث ~~سنوات سكنت فيها سورة الحزن، وفترت حدة الغضب، وأن أبناء طاهر كانوا حماة لابن الرومي ~~يمدحهم ويرثيهم، ويختلف إلى قصورهم، ويدخل فيما بينهم من منافسة ومصالحة بين أقطابهم، ~~فأولى أن نذكر هنا أنه نسي ذلك كله وهجاهم وثار عليهم في سورة الحزن، فرماهم بما نسميه ~~الآن «الخيانة العظمى»، واتهمهم بالكيد لبني علي وبني العباس على السواء، وأنهم يأتمرون ~~بالدولة العربية الإسلامية ليقموا على أنقاضها دولة الفرس القديمة؛ فقال لهم في القصيدة ~~الجيمية: إنكم لو أمكنتكم في الفريقين فرصة: # إذن لاستقدتم منهما وتر فارس # وإن ولياكم فالوشائج أوشج # أبى أن تحبوهم يد الدهر ذكركم # ليالي لا ينفك منكم متوج # وإني على الإسلام منكم لخائف # بوائق شتى بابها الآن مرتج # وتلك سورة متشيع ناقم لا يبالي ما يقول وقد ملكه الحزن، ونسي العواقب، وراح يخبط في ~~تهم وحزازات كان أهونها يطير بالرأس في تلك الأيام. # ويصح أن نذكر بعدما تقدم أن الطاهريين كانوا في بواطنهم متشيعين يضطرون اضطرارا إلى ~~حرب بني علي، وقبول التهنئة بموتهم، كما كان الطالبيون أنفسهم يضطرون إلى شهود محافل ~~التهنئة وهم مطويون على الحزن الأليم، والثأر المقيم، ويقول ابن الأثير: إن سليمان بن ~~عبد الله بن طاهر انهزم اختيارا في حرب الحسن بن زيد العلوي، الذي ثار بعد مقتل يحيى ~~بن عمر؛ «لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع»، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم ~~سليمان من قتاله لشدته في التشيع وقال: # نبئت خيل ابن زيد أقبلت حينا # تريدنا لتحسينا الأمرينا # يا قوم إن كانت الأنباء صادقة # فالويل لي ولجمع الطاهريينا # أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا # أكون من بينهم رأس المولينا # فالعذر عند رسول الله منبسط # إذا احتسبت دماء الفاطميينا # وتشيع الطاهريين معقول مرجح؛ لأنهم كانوا فرسا يوافق هواهم هذا المذهب، ms144 ويصلح عندهم ~~ذريعة لقلب الدولة، وتجديد ملك فارس وقيام الدولة الطاهرية، فرثاء الشاعر رجلا من ~~الشيعة - على هذا الاحتمال - أمر لا غبار عليه من هذه الوجهة، ولا شبهة فيه على صدق ~~الميل والجد في العقيدة. # وإن أحق عقيدة أن يجد المرء فيها لعقيدة تجرئه إذا خاف، وتبسط له العذر والعزاء إذا ~~سخط من صروف الحوادث، وتمهد له الأمل في مقبل خير من الحاضر، وأدنى منه إلى كشف ~~الظلامات ورد الحقوق، وكل أولئك كان ابن الرومي واجده على أوفاه في التشيع للعلويين، ~~أصحاب الإمامة المنتظرة في عالم الغيب، على العباسيين أصحاب الحاضر الممقوت المتمنى ~~زواله؛ فلهذا كان متشيعا في الهوى، متشيعا في الرجاء، متشيعا في الرأي الذي وافق ~~الهوى والرجاء، وكان «على مذهب غيره من الشعراء»، وعلى مذهب غيره من سائر ~~المتشيعين. ~~••• # أما الاعتزال فابن الرومي لا يكتمه ولا يماري فيه، بل يظهره إظهار معتز به، حريص ~~عليه، فمن قوله في ابن حريث: # معتزلي مسر كفر # يبدي ظهورا لها بطون # أأرفض الاعتزال رأيا # كلا لأني به ضنين # لو صح عندي له اعتقاد # ما دنت ربي بما يدين # يقول: إن ابن حريث هذا يبطن الكفر ويظهر الاعتزال، وهو الإيمان الصحيح في رأي ~~المعتزلة، ثم يقول: أتراني إذن أرفض الاعتزال لأن ابن حريث يدعيه؟ فيجيب نفسه: كلا؛ ~~لأني أضن به، وأعلم أن عقيدة ابن حريث الباطنة غير الاعتزال، ولولا علمي بذلك ما دنت ~~ربي بما يدين. # وكان مذهبه في الاعتزال مذهب القدرية الذين يقولون بالاختيار، وينزهون الله عن عقاب ~~المجبر على ما يفعل، وذلك واضح من قوله يخاطب العباس بن القاشي، ويناشد صلة ~~المذهب: # إن لا يكن بيننا قربى فآصرة # للدين يقطع فيها الوالد الولدا # مقالة «العدل والتوحيد» تجمعنا # دون المضاهين من ثنى ومن جحدا # وبين مستطرفي غي مرافقة # ترعى، فكيف اللذان استطرفا رشدا # كن عند أخلافك الزهر التي جعلت # عليك موقوفة مقصورة أبدا # ما عذر «معتزلي» موسر منعت # كفاه معتزليا مقترا صفدا # أيزعم القدر المحتوم ثبطه؟ # إن قال ذاك فقد حل الذي ms145 عقدا # أم ليس مستأهلا جدواه صاحبه؟ # أنى وما جار عن قصد ولا عندا # أم ليس يمكنه ما يرتضيه له؟ # يكفي أخا من أخ ميسور ما وجدا # لا عذر فيما يريني الرأي أعلمه # للمرء مثلك ألا يأتي السددا # فواضح من كلامه هذا أنه «معتزلي»، وأنه من أهل «العدل والتوحيد»، وهو الاسم الذي ~~تسمى به القدرية؛ لأنهم ينسبون العدل إلى الله، فلا يقولون بعقوبة العبد على ذنب قضي له ~~وسيق إليه، ولأنهم يوحدون الله فيقولون: إن القرآن من خلقه، وليس قديما مضاهيا له في ~~صفتي الوجود والقدم، وقد اختاروا لأنفسهم هذا الاسم ليردوا به على الذين سموهم ~~«القدرية»، ورووا فيهم الحديث «القدرية مجوس هذه الأمة»، فهم يقولون: ما نحن بالقدرية؛ ~~لأن الذين يعتقدون القدر أولى بأن ينسبوا إليه، إنما نحن من أهل العدل والتوحيد؛ لأننا ~~ننزه الله عن الظلم وعن الشريك. # وواضح كذلك من كلامه أنه يعتقد حرية الإنسان فيما يأتي من خير وشر، ويحتج على زميله ~~بهذه الحجة فيقول له: لم لا تثيبني؟ إن قلت: إن القدر يمنعك؛ فقد حللت ما اعتقدت من ~~اختيار الإنسان في أفعاله. # وإن قلت: إنك لا تريد؛ فقد ظلمت الصداقة وأخللت بالمروءة. # وله عدا هذا أبيات صريحة في اعتقاد «الاختيار» وخلق الإنسان لأفعاله كقوله: # لولا صروف الاختيار لأعنقوا # لهوى، كما اتسقت جمال قطار # وقوله: # أنى تكون كذا وأنت مخير # متصرف في النقض والإمرار؟ # وقوله: # الخير مصنوع بصانعه # فمتى صنعت الخير أعقبكا # والشر مفعول بفاعله # فمتى فعلت الشر أعطبكا # إلا أنه كان يقول بالقدر في تقسيم الأرزاق، وأن: # الرزق آت بلا مطالبة # سيان مدفوعه ومجتذبه # ويقول: # أما رأيت الفجاج واسعة # والله حيا والرزق مضمونا # ولا تناقض عند القدرية في هذا؛ لأنهم يقولون بالاختيار فيما يعاقب عليه الإنسان ~~ويثاب، لا فيما يناله من الرزق وحظوظ الحياة. ومن العزاء لابن الرومي أن يكون الرزق ~~مضمونا مقدرا؛ لأنه أمان له من مخاوف الغد المجهول، وراحة من إلقاء التبعة على نفسه ~~فيما أصابه من الخذلان والتخلف. # أما القول بالطبيعتين، فأوضح ما ms146 يكون في قوله: # فينا وفيك طبيعة أرضية # تهوي بنا أبدا لشر قرار # هبطت بآدم قبلنا وبزوجه # من جنة الفردوس أفضل دار # فتعوضا الدنيا الدنية كاسمها # من تلكم الجنات والأنهار # بئست لعمر الله تلك طبيعة # حرمت أبانا قرب أكرم جار # واستأسرت ضعفي بنيه بعده # فهمو لها أسرى بغير إسار # لكنها مأسورة مقسورة # مقهورة السلطان في الأحرار # فجسومهم من أجلها تهوي بهم # ونفوسهم تسمو سمو النار # لولا منازعة الجسوم نفوسهم # نفذوا بسورتها من الأقطار # 21 # أو قصروا فتناولوا بأكفهم # قمر السماء وكل نجم سار # وكأن الفارسية هنا تسربت إلى أقوال المعتزلة كما تسربت إلى كثير من أفكار الثقافة ~~العربية، فإن القول بالطبيعتين من أقدم ما عرف من ديانة الفرس قبل أديان بني إسرائيل، ~~وقبل النصرانية والإسلام، فلما جاء التوحيد الإسلامي أبطل التثنية، ولم يبطل النزاع بين ~~الخير والشر، والنور والظلام، فجاز للمسلم أن يؤمن بالطبيعتين على أن يؤمن بالوحدانية، ~~ولا يشرك الشر في تدبير الوجود. # وإلى هنا تكلمنا عن مذهبه، ولم نتكلم عن «فطرته الدينية» أو عن قوة الإيمان في ~~نفسه. # والفرق بين الأمرين لا يحتاج إلى شرح طويل؛ فإن الناس قد يختلفون في المذهب أبعد ~~اختلاف، ويتفقون في «الفطرة الدينية» أقرب اتفاق، فربما رأيت ألف رجل يدينون بكل مذهب ~~في فجاج الأرض، وهم على الرغم من ذلك أصحاب «فطرة دينية واحدة»، مطبوعون على حماسة ~~الدين، أو مطبوعون على حب التقديس والعبادة، يتفقون في هذه الفطرة، ويخرج كل منهم إلى ~~معبده، فإذا واحد منهم ذاهب إلى المسجد، والثاني إلى الكنيسة، والثالث إلى البيعة، ~~والرابع إلى بيت الأصنام، أو يتفقون على هذه الفطرة ويخرج كل منهم إلى قتال الآخرين ~~بتلك الغيرة القوية التي يقاتله بها أولئك الآخرون؛ فالفطرة الدينية توجد في أنصار كل ~~مذهب وملة، أما المذاهب والملل فلا نهاية لها في التعدد والافتراق. # وابن الرومي كان مفطورا على التدين؛ لأنه كان مفطورا على التهيب والاعتماد على ~~نصير، وهما منفذان خفيان من منافذ الإيمان، والتصديق بالعناية الكبرى في هذا الوجود، ~~ومن ثم كان ms147 مؤمنا بالله خوفا من الشك، مقبلا على التسليم، بسيطا في تسليمه بساطة من ~~يهرب من القلق، ويؤثر السكينة إلى شيء من الأشياء. وبلغ من بساطته أنه كان ينكر على ~~الحكماء شكهم في حفظ أجساد الأتقياء بعد الموت، وحسبانه من فعل الدواء والحنوط، فقال ~~لابن أبي ناظرة حين تذوق بعض الأجساد ليعلم ما فيها من عوامل البقاء: # يا ذائق الموتى ليعلم هل بقوا # بعد التقادم منهم بدواء # بينت عن رعة وصدق أمانة # لولا اتهامك خالق الأشياء # أحسبت أن الله ليس بقادر # أن يجعل الأموات كالأحياء؟ # وظننت ما شاهدت من آياته # بلطيفة من حيلة الحكماء؟ # ومات وهو يقول في ساعته الأخيرة: # ألا إن لقاء الله # هول دونه الهول # وما كانت الطيرة عنده إلا شعبة من ذلك «التهيب» الديني الغريزي فيه؛ فهو يتفلسف ويرى ~~الآراء في الدين، ولكن في حدود من الشعور لا في حدود من التفكير؛ ولهذا كان الفنان ولم ~~يكن الفيلسوف. # وليس من «الاجتراء» أنه قال بالاختيار، ورأى له في الدين رأيا غير ما اصطلح عليه ~~السواد، فإنه كان يحيل الذنب على الإنسان، وينفي الظلم عن القدر في العقاب والثواب، ~~ويتصور الله على أحسن ما يتصور المتفلسف مثله إلهه، فكأنما جاءه هذا الرأي من محاباة ~~عالم الغيب لا من الاجتراء عليه، وإنما دفع به إلى رأي المعتزلة مخاوف الشكوك التي كانت ~~تخامره، فلا يستريح حتى يسكن فيها إلى قرار، وينتهي من التفكير فيها إلى بر الأمان؛ ~~ولذلك كان يأوي إلى الأصدقاء يكاشفهم بما في صدره، ويستعين بهم على تفريج غمته. # ويدمج أسباب المودة بيننا # مودتنا الأبرار من آل هاشم # وإخلاصنا التوحيد لله وحده # وتذبيبنا عن دينه في المقاوم # بمعرفة لا يقرع الشك بابها # ولا طعن ذي طعن عليها بهاجم # وإعمالنا التفكير في كل شبهة # بها حجة تعيي دهاة التراجم # يبيت كلانا في رضا الله ماحضا # لحجته صدرا كثير الهماهم # بيد أن «الإيمان» شيء، وأداء الفرائض الدينية شيء آخر، فقصارى الإيمان عنده أنه ~~يؤمنه بقرب آل البيت، وتنزيه ربه، والاطمئنان إلى عدله ms148 ورحمته، ثم يدع له سبيله يلعب ~~ويمرح كلما لذ له اللعب والمرح، ولا أهلا بالصيام إذا قطع عليه ما اشتهى من ذلة ~~وأرب: # فلا أهلا بمانع كل خير # وأهلا بالطعام وبالشراب # بل لا حرج عليه إذا قضى ليلة في السرور أن يشبهها بليلة المعراج: # رفعتنا السعود فيها إلى الفو # ز فكانت كليلة المعراج # ذلك أنه كان في تقواه طوع الإحساس الحاضر كما كان في كل حالة من حالاته، يلعب فلا ~~يبالي أن يتماجن حيث لا يليق مجون، ويستحضر التقوى والخشوع، فلا يباريه أحد من ~~المتعبدين، ويخيل إليك أنك تستمع إلى متعبد عاش عمره في الصوامع حين تستمع إليه ~~يقول: # تتجافى جنوبهم # عن وطيء المضاجع # كلهم بين خائف # مستجير وطامع # تركوا لذة الكرى # للعيون الهواجع # ورعوا أنجم الدجى # طالعا بعد طالع # لو تراهم إذا هم # خطروا بالأصابع # وإذا هم تأوهوا # عند مر القوارع # وإذا باشروا الثرى # بالخدود الضوارع # واستهلت عيونهم # فائضات المدامع # ودعوا: يا مليكنا # يا جميل الصنائع # اعف عنا ذنوبنا # للوجوه الخواشع # اعف عنا ذنوبنا # للعيون الدوامع # أنت إن لم يكن لنا # شافع خير شافع # فأجيبوا إجابة # لم تقع في المسامع # ليس ما تصنعونه # أوليائي بضائع # ابذلوا لي نفوسكم # إنها في ودائع # وله من طراز هذا الشعر الخاشع كثير لا تسمعه من ابن الفارض ولا محيي الدين. # هجاؤه # أخرج القرن الثالث للهجرة شاعرين هجائيين هما أشهر الهجائين في أدب العصور ~~الإسلامية عامة؛ أحدهما: ابن الرومي، والآخر: دعبل الخزاعي هاجي الخلفاء والأمراء وهاجي ~~الناس جميعا والقائل: # إني لأفتح عيني حين أفتحها # على كثير ولكن لا أرى أحدا # وقد جمع المعري بينهم في بيت واحد، وضرب بهما المثل لهجاء الدهر لبنيه فقال: # لو أنصف الدهر هجا أهله # كأنه الرومي أو دعبل # وليس للمؤرخ الحديث أن يضيف اسما جديدا إلى هذين الاسمين؛ فإن العصور التالية للقرن ~~الثالث لم تخرج من يضارعهما في قوة الهجاء والنفاذ في هذه الصناعة، وكلاهما مع هذا نوع ~~فذ في الهجاء يظهر متى قرن بالآخر، فدعبل كما قلنا في ms149 غير هذا الكتاب: # كان صاحب طبيعة من تلك الطبائع النابية النافرة التي تخرج على المجتمع وتثور ~~به، ولا تزال في حرب معه لا مسالمة فيها ولا مهادنة إلى أن يواريها الموت في ~~ثراه، وكان غاضبا أبدا على الناس ينكر عرفهم، ويشذ على إجماعهم، ويهجو ~~أفرادهم بأسمائهم، وهو إنما يهجو الناس جميعا في أشخاص أولئك الأفراد ... وكان ~~يهيم على رأسه في البلاد سنين عدة تنقطع فيها أخباره، وتخفى آثاره، ثم يظهر حيث ~~كان فجأة وقد أقرى وغنم ليبدد ما جمعه في اللهو والقصف، ثم ينقلب إلى شأنه من ~~الإباق، والتطواف في أرجاء الأرض، وربما لقي الشراة وقطاع الطريق في بعض ~~رحلاته، فيجالسهم ويؤاكلهم ويأمر غلاميه أن يغنيا لهم، ويعرفهم ويعرفونه فلا ~~يمسونه بأذى ولا يذكرهم بسوء؛ لأنهم أبناء نحلة واحدة يؤلف شملهم النفور من ~~الناس، ويوفق بينهم الشذوذ عما تواضعوا عليه من الآداب والدساتير، فهو قاطع ~~طريق بفطرته التي ولد عليها وإن لم يحمل السيف، ولم يخرج للفتك والغيلة. # بل قد قيل: إنه قطع الطريق في بعض أيامه فعلا، «وإنه كان يكمن للناس بالليل، ~~فرصد يوما صيرفيا طمعا بما معه، ففتك به، ولم يجد في كمه إلا ثلاث رمانات ~~في خرقة، فخرج هاربا من الكوفة لاشتداد الطلب عليه»، وما كان هجوه لو بحثت في ~~أسبابه إلا ضربا من قطع الطريق على الناس اشتهاء في أكثر الأحيان للذة الصيد ~~والقنص، ونزوة المطاردة والتخويف، لا طمعا في المال أو طلبا للتراث، فما اتفق ~~الناس على إمام إلا هجاه، وألح في هجائه وإن أحسن إليه وأجزل له العطاء، ولا ~~ترك أميرا ولا وزيرا ولا واليا إلا ناله بلسانه عرضا أو قصدا، ولو كان من ~~أبناء قبيلته ومن خاصة المفضلين عليه ... # أما ابن الرومي فلم يكن مطبوعا على النفرة من الناس، ولم يكن قاطع طريق على ~~المجتمع في عالم الأدب، ولكنه كان فنانا بارعا أوتي ملكة التصوير، ولطف ~~التخيل والتوليد، وبراعة اللعب بالمعاني، والإشكال، فإذا قصد شخصا أو شيئا ~~بهجاء صوب إليه مصورته الواعية، فإذا ms150 ذلك الشخص أو ذلك الشيء صورة مهيأة في ~~الشعر تهجو نفسها بنفسها، وتعرض للنظر مواطن النقص من صفحتها كما تتطبع الأشكال ~~في المرايا المعقوفة والمحدبة، فكل هجوه تصوير مستحضر لإشكاله، أو لعب بالمعاني ~~على حساب من يستثيره. # هذا هو الفرق بين مذهبي هذين الشاعرين اللذين ظهرا في قرن واحد، وأخذا بطرفي الهجاء ~~في الآداب العربية. # ولك أن تقول من جهة أخرى: إن الفرق بينهما كان فرقا بين المذهب البدوي والمذهب ~~الحضري في الهجاء، فقد كان دعبل بدويا نافرا بفطرته، وكان ابن الرومي حضريا أنيسا ~~بفطرته، فإذا تبرم ابن الرومي بالناس، فإنما يتبرم بهم تبرم من يألفهم ويأنس إليهم، ~~ويعاني ما يعاني من عشرتهم، ثم يسخط عليهم؛ لأنه مقيد بهم لا يستطيع الفكاك منهم، فسخطه ~~أساسه المودة والألفة، وليس أساسه القطيعة والنفرة، كما كان السخط في نفس صاحبه دعبل ~~الخارج على الجماعة القاطع الطريق. # ولهذا الفرق أثره في موضوع المثالب التي يلقيها كل منهما على مهجويه، فدعبل يسلب ~~المهجو جميع الفضائل التي تعتز بها النفس الصارمة البدوية، يسلبه النخوة والكرم والبأس، ~~وطيب النحيزة، ويجعله رجلا يسمع البدوي صفاته فيقول: إنه حقير مرذول. # وابن الرومي يسلب مهجوه الفطنة والكياسة والعلم، ويلصق به كل عيوب الحضارة التي ~~يجمعها التبذل والتهالك على اللذات، فإذا حذفت من هجوه كل ما أوجبته الحضارة والخلاعة ~~الفاشية في تلك الحضارة، فقد حذفت منه شر ما فيه، ولم يبق منه إلا ما هو من قبيل ~~الفكاهة والتصوير. # والبدوي يخاف الذم، والحضري قلما يخافه: # فما يرتاح للمدح # ولا يرتاع للشتم # كما قال ابن الرومي في بعض مهجويه. فالإفحاش وليد الحضارة، والغلو في الإفحاش وليد ~~التهتك في الحضارة، ومتى غلا الشاعر في القذف بأدناس التبذل والخلاعة، فهناك عيبان ~~محققان؛ أحدهما - لا شك: عيب البيئة التي أشاعت تلك الأدناس، أو جعلت الذم بها ذما ~~هينا على الأسماع، فلا بد فيه للشاعر من المبالغة والإغراق. # والثاني: تبحث عنه في قائل الهجو ومدمنه؛ فإنه لولا عيب فيه لما اضطر إلى الهجاء، ولا ~~أدمنه وأفرط ms151 فيه. # فما هو عيب ابن الرومي، أو ما هي عيوبه التي أولعته بالهجاء والإفحاش، وصيرته عنوانا ~~لزمانه في السفاهة والبذاء؟ يبدو لنا أن عيبه الأول هو الشهوانية والتهالك على اللذات؛ ~~فالشهوانية هي التي هونت عليه الإقذاع، وسوغت له خوض الفضائح، فأوغل فيها غير مستكره ~~ولا متحرج، ثم أعانها الضعف، وهو عيبه الغالب عليه الذي تبدأ منه وترجع إليه جميع ~~عيوبه. # ففي هجائه صفة ذميمة يشمئز منها القارئ جدا في كثير من الأحيان، ولكنها صفة الضعف ~~والخفة، وليست صفة الخبث والرداءة، وقل فيه وفي هجائه ما شئت من لوم وتهجين وتأفف، ~~ولكنك متى قلت فيه كل ما هو أهله، وأقبلت ترد هجاءه إلى بواعثه لم تجد ثمة شرا ~~دخيلا، ولم تخطئ قط أن تجد الحرج والاضطرار، وتشعر بأن قائل هذا الهجاء رجل متألم يدفع ~~الألم عن نفسه، وليس برجل السوء الذي يعنيه أن يوقع الألم بغيره، ويعتد إيلام الناس ~~غرضا له مقصودا لذاته. # وهو مع اشتهاره بالهجاء أسلم عن غيره حالا فيه، وأكثر عذرا من غير المشهورين به، ~~أسلم من البحتري مثلا كما قال المرزباني في الموشح: # وكثير من أهل الآداب ينكر خبث لسان علي بن العباس الرومي، ويطعن عليه بكثرة ~~هجائه حتى جعلوه في ذلك أوحد لا نظير له، ويضربون عن إضافة البحتري إليه، ~~وإلحاقه به، مع إحسان ابن الرومي في إساءته، وقصور البحتري عن مداه، وإنه لم ~~يبلغه في دقة معانيه، وجودة ألفاظه، وبدائع اختراعاته، أعني الهجاء خاصة؛ لأن ~~البحتري قد هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحه، منهم خليفتان هما: المنتصر ~~والمستعين، وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القواد ومن جرى مجراهم من جلة الكتاب ~~والعمال ووجوه القضاة والكبراء بعد أن مدحهم، وأخذ جوائزهم، وحاله في ذلك تنبئ ~~عن سوء العهد وخبث الطريقة. ومما قبح فيه أيضا وعدل عن طريق الشعراء المحمودة ~~أني وجدته قد نقل نحوا من عشرين قصيدة من مدائحه لجماعة توفر حظه منهم عليها ~~إلى مدح غيرهم، وأمات أسماء من مدحه أولا مع سعة ذرعه بقول الشعر ms152 واقتداره على ~~التوسع فيه ... # وقال أحمد بن أبي طاهر: ما رأيت أقل وفاء من البحتري ولا أسقط، رأيته قائما ينشد ~~أحمد بن الخصيب مدحا له فيه، فحلف ليجلسن، ثم وصله واسترضى له المنتصر - وكان غضبان ~~عليه - ثم أوصل له مديحا إليه، وأخذ له منه مالا فدفعه إليه، ثم نكب المستعين أحمد بن ~~الخصيب بعد فعله هذا بشهور، فلعهدي به قائما ينشده: # لابن الخصيب الويل! كيف انبرى # بإفكه المردي وإبطاله؟! ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # يا ناصر الدين انتصر موشكا # من كائد الدين ومغتاله # فهو حلال الدم والمال إن # نظرت في ظاهر أحواله # ثم قال ابن أبي طاهر: كان ابن العلجة فقيها يفتي الخلفاء في قتل الناس، نزحه الله، ~~ثم ختم القصيدة بقوله: # والرأي كل الرأي في قتله # بالسيف واستصفاء أمواله # فالبحتري كان في غنى عن هذا ومندوحة واسعة، ولكنك قل أن تقرأ لابن الرومي هجاء تقول ~~إنه كان من الوجهة النفسية في غنى عنه. # على أن لصاحبنا فنا واحدا من الهجاء لا ترتاب في أنه كان يختاره ويكثر منه، ولو لم ~~تحمله الحاجة وتلجئه النقمة إليه، ونعني به فن التصوير الهزلي، والعبث بالأشكال المضحكة ~~والمناظر الفكاهية والمشابهات الدقيقة، فهو مطبوع على هذا كما يطبع المصور على نقل ما ~~يراه، وإعطاء التصوير حقه من الإتقان والاختراع، وما نراه كان يقلع عنه في شعره ولو ~~بطلت ضروراته، وحسنت مع الناس علاقاته ... لكن هذا الفن أدخل في التصوير منه في الهجاء، ~~وهو حسنة وليس بسيئة، وقدرة تطلب وليس بخلة تنبذ. # وأنت لا يغضبك أن ترى ابنك الذي تهذبه وتهديه ماهرا فيه خبيرا بمغامزه وخوافيه، وإن ~~كان يغضبك أن تراه يشتم المشتوم، ويهين المهين، ويهجو من يستهدف عرضه للهجاء؛ لأنك إذا ~~منعته أن يفطن إلى الصور الهزلية، وأن يفتن في إدراك معانيها وتمثيل مشابهاتها منعت ~~ملكة فيه أن تنمو، وأبيت على حاسة صادقة فيه أن تصدقه وتفقه ما تقع عليه. أما إذا منعت ~~الهجاء وبواعثه؛ فإنك تمنع خلفا يستغنى عنه، وميلا لا بد له من التقويم. # ذلك هو فن ms153 ابن الرومي الذي لا عذر له منه، ولا موجب للاعتذار، فأما ما عدا ذلك من ~~هجائه فهو مسوق فيه لا سائق، ومدافع لا مهاجم، ومستثار عن عمد في بعض الأحيان لا ~~مستثير، وإنك لتقرأ له قوله: # ما استب قط اثنان إلا غلبا # شرهما نفسا وأما وأبا # فلا تصدق أن قائله هو ابن الرومي هجاء اللغة العربية، وقاذف المهجوين بكل نقيصة، ~~لكن الواقع هو هذا، والواقع كذلك أنه كان يسكن إلى رشده أحيانا فيسأم الهجاء ويعافه، ~~ويود الخلاص منه حتى لو كان مهجوا معدوا عليه، ويعتزم التوبة عن الهجاء ~~مقسما: # آليت لا أهجو طوا # ل الدهر إلا من هجاني # لا بل سأطرح الهجا # ء وإن رماني من رماني # أمن الخلائق كلهم # فليأخذوا مني أماني # حلمي أعز علي من # غضبي إذا غضبي عراني # أولى بجهلي بعدما # مكنت حلمي من عناني # وهذا أشبه بابن الرومي؛ لأنه في صميمه خلق مسالما سهلا، ولم يخلق شريرا مطويا ~~على الشكس والعداوة، بل هو لو كان شريرا لما اضطر إلى كل هذا الهجاء، أو هو لو كان ~~أكثر شرا لكان أقل هجاء؛ لأنه كان يأمن جانب العدوان فلا يقابله بمثله، وما كان ~~الهجاء عنده كما قلنا إلا سلاح دفاع لا سلاح هجوم، وما كان هجاؤه يشف عن الكيد والنكاية ~~وما شابههما من ضروب الشر المستقر في الغريزة، كما كان يشف عن الحرج والتبرم والشعور ~~بالظلم الذي لا طاقة له باحتماله ولا باتقائه. وكثير من الأشرار الذين يقتلون ويعيثون ~~في الأرض يقضون الحياة دون أن تسمع منهم كلمة ذم في إنسان، وكثير من الناس يذمون ~~ويتسخطون وهم مطبوعون على الخير والعطف وحسن المودة، بل هم قد يذمون ويسخطون؛ لأنهم على ~~ذلك مطبوعون. # ومن قرأ مراثي ابن الرومي في أولاده وأمه وأخيه وزوجته وخالته وبعض أصدقائه؛ علم منها ~~أنها مراثي رجل مفطور على الحنان ورعاية الرحم والأنس بالأصدقاء والإخوان، فمراثيه هي ~~التي تدل عليه حق الدلالة المنصفة، وليست مدائحه التي كان يمليها الطمع والرغبة، أو ~~أهاجيه التي كان يمليها ms154 الغيظ وقلة الصبر على خلائق الناس؛ ففي هذه المراثي تظهر لنا ~~طبيعة الرجل لا تشوبها المطامع والضرورات، ونرى فيه الولد البار، والأخ الشفيق، والوالد ~~الرحيم، والزوج الودود، والقريب الرءوم، والصديق المحزون، ولا يكون الرجل كذلك ثم يكون ~~مع ذلك شريرا، مغلق الفؤاد، مطبوعا على الكيد والإيذاء. # وإذا اختلف القولان بينه وبين أبناء عصره، فأحجى بنا أن نصدق كلامه هو في أبناء عصره ~~قبل أن نصدق كلامهم فيه؛ لأنهم كانوا يستبيحون إيذاءه، ويستسهلون الكذب عليه لغرابة ~~أطواره، وتعود الناس أن يصدقوا كل ما يرمى به غريب الأطوار من التهم والأعاجيب، في ~~حين أنه كان يتحامى تلك التهم، ويغفر الإساءة بعد الإساءة مخافة من كثرة الشكاية، ~~وعلما منه بقلة الإنصاف: # أتاني مقال من أخ فاغتفرته # وإن كان فيما دونه وجه معتب # وذكرت نفسي منه عند امتعاضها # محاسن تعفو الذنب عن كل مذنب # ومثلي رأى الحسنى بعين جلية # وأغضى عن العوراء غير مؤنب # فيا هاربا من سخطنا متنصلا # هربت إلى أنجى مفر ومهرب # فعذرك مبسوط لدينا مقدم # وودك مقبول بأهل ومرحب # ولو بلغتني عنك أذني أقمتها # لدي مقام الكاشح المتكذب # ولست بتقليب اللسان مصارما # خليلي إذا ما القلب لم يتقلب # فالرجل لم يكن شريرا ولا رديء النفس ولا سريعا إلى النقمة، فلماذا إذن كثر هجاؤه، ~~واشتد وقوعه في أعراض مهجويه؟ نظن أنه كان كذلك لأنه كان قليل الحيلة، طيب السريرة، ~~خاليا من الكيد والمراوغة والدسيسة وما شابه هذه الخلائق من أدوات العيش في مثل عصره، ~~فكان مستغرقا في فنه يحسب أن الشعر والعلم والثقافة وحدها كفيلة بنجاحه وارتقائه إلى ~~مراتب الوزارة والرآسة؛ لأنه كان في زمن يتولى فيه الوزارة الأدباء والكتاب والرواة، ~~ويجمعون في مناصبهم ألوف الألوف، ويحظون بالزلفى عند الأمراء والخلفاء، وقد كان هو ~~شاعرا كاتبا، وكان خطيبا واسع الرواية مشاركا في المنطق والفلك واللغة وكل ما تدور ~~عليه ثقافة زمانه، أو كما قال المسعودي: كان الشعر أقل أدواته ... وكان الشعر وحده كافيا ~~لجمع المال، وبلوغ الآمال. # فماذا بعد أن يعرف الناس ms155 أنه شاعر، وأنه كاتب، وأنه راوية مطلع على الفلسفة والنجوم ~~إلا أن تجيئه الوزارة ساعية إليه تخطب وده، كما جاءت إلى أناس كثيرين لا يعلمون علمه، ~~ولا يبلغون في البلاغة مكانه؟! ألم يصل ابن الزيات إلى الوزارة بكلمة واحدة فسرها ~~للمعتصم وفصل له تفسيرها، وهي كلمة «الكلأ» التي يعرفها عامة الأدباء؟ بلى! وابن ~~الرومي كان يعرف من غريب اللغة ما لم يكن يعرفه شعراء عصره ولا أدباؤه، فما أولاه إذن ~~بالوزارة، وما أظلم الدنيا إن هي ضنت عليه بحقه من المناصب والثراء! # فإذا لم تكن الوزارة، فهل أقل من الكتابة أو العمالة لبعض الوزراء والكتاب المبرزين؟ ~~فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، فهل غبن أصعب على النفس من هذا الغبن؟ وهل تقصير من الزمان ~~ألأم من هذا التقصير؟! # ونبوءة أبيه ورجاؤه في مستقبله وقوله له: «أنت للشرف.» أيذهب هذا كله هباء لا يقبض ~~منه اليدين على شيء؟ تلك النبوءات التي تنطبع على أفئدة الصغار بمثل النار، ولا تزال ~~غرارة الطفولة وأحلام الصبا تزخرفها وتوشيها، وتعمق في الضمير أغوارها، أيأتي الشباب ~~وهي محو، لغو مطموس لا يبين، أو لا يبين منه إلا ما ينقلب إلى الأضداد، وتترجمه الأيام ~~بالسقم والفقر والكساد؟ وكيف يمحى إلا وقد محي القلب الذي طبعت فيه؟ وكيف ينعكس معناه ~~إلا وقد انعكس في القلب كل قائم، والتوى فيه كل قويم؟ ذلك صعب على النفوس وليس بالسهل ~~إلا على من يلهو به وهو بعيد. # وهكذا كان ابن الرومي يسأل نفسه مرة بعد مرة ويوما بعد يوم: # ما لي أسل من القراب وأغمد # لم لا أجرد والسيوف تجرد؟ # لم لا أجرب في الضرائب مرة؟ # يا للرجال! وإنني لمهند! # ولا يدري كيف يجيب نفسه على سؤاله؛ لأنه لم يكن يدري أن فضائله كلها لا تساوي فتيلا ~~بغير الحيلة والعلم بأساليب الدخول بين الناس، وأن الحيلة وحدها قد تغني عن فضائله ~~جميعا ولو كان صاحبها لا ينظم شعرا، ولا ينظر في كتب الفلسفة والرواية والنجوم ~~... # حسن! إذن ندع الوزارة والولاية والعمالة ms156 بعد يأس مضيض يسهل علينا هنا أن نسطره في ~~كلمة عابرة، ولكنه لا يسهل على من يعالجه، ويشقى بمحنته في كل ساعة من ساعات حياته، ندع ~~الوزارة والولاية والعمالة، ونقنع بالمثوبة من الوزراء والولاة والعمال إن كانوا يثيبون ~~المادحين، فهل تراهم يفعلون؟ # لا؛ لأن الحيلة لازمة في استدرار الجوائز والمثوبات لزومها في كل غرض من أغراض ~~المعاش، ولا سيما في ذلك الزمان الذي شاعت فيه الفتن والسعايات، وما كانت تنقضي منه سنة ~~واحدة بغير مكيدة خبيثة تودي بحياة خليفة أو أمير أو وزير، وربما كانت مصانعة الحجاب، ~~والتماس مواقع الهوى من نفوس الحاشية والندمان، واللعب بمغامز النفوس الخفية، وإضحاك ~~هؤلاء وهؤلاء أجدى على الشاعر في هذا الباب من بلاغة شعره، وغزارة علمه، وربما كان ~~الوزير لا يثيب الشاعر إلا ليستصلحه، كما كانوا يقولون في لغة ذلك الزمان؛ أي ليتخذه ~~نصيرا له عسى أن ينفعه يوما في مجالس الخلفاء والأمراء بكلمة يقضي بها مأربا، أو ~~يكبت عدوا، أو بحيلة يقرب بها بعيدا، أو يبعد قريبا، وأين يذهب ابن الرومي في هذا ~~المجال؟ وماذا يرجو الممدوحون من تقريبه وهو رجل - كما كانوا يقولون - ممرور موسوس أدبه ~~أكبر من عقله، ولسانه أطول من صبره؟ لقد كان صاحبنا صفرا من هذه البضاعة، فلا جرم نراه ~~يشكو تكبر الحجاب، ودسائس الندماء والأصحاب، ويعطى القليل حين يجزل عطاء الآخرين، أو ~~يثاب مرة ويحرم مرات؛ فقد بلغ من وكس حاله في هذا أنه كان يستجدي الكساء فيمطلونه، ~~ويعود إلى الاستجداء فيعودون إلى المطل حتى يقول: # جعلت فداك لم أسأل # ك ذاك الثوب للكفن # سألتكه لألبسه # وروحي بعد في البدن # وبلغ من وكس حاله أن الممدوحين كانوا يقبلون شعره ولا يثيبونه؛ فإذا ألح في طلب ~~المثوبة قالوا: خذ شعرك فامدح به غيرنا، كما فعل ابن المدبر حين قال فيه: # رددت علي مدحي بعد مطل # وقد دنست ملبسه الجديدا # وقلت: امدح به من شئت غيري # ومن ذا يقبل المدح الرديدا؟ # ولا سيما وقد أعبقت فيه # مخازيك اللواتي لن تبيدا ms157 # وما للحي في أكفان ميت # لبوس بعدما ملئت صديدا # وكان يصنع القصيدة ويتبعها خمس قصائد أو ستا ليحصل على جائزتها، فلا يحصل بعد الجهد ~~على شيء، ويعجب لذلك ويأخذه الشك في شعره، فيقول: # عجبت لقوم يقبلون مدائحي # وينسون تئويبي، وفي ذاك معجب # أشعري سفساف فلم يجتبونه # وإن لا تكن هذي فلم لا أثوب؟ # ولعله كان يتهم شعره أحيانا فيقول: # الشعر كالعيش فيه # مع الشبيبة شيب # فليصفح الناس عنه # فطعنهم فيه غيب # أو يعتذر بالفاقة من السخف: # لا تلحني في المنطق السخيف # فإنني في حالة اللهيف # وأحوج الناس إلى رغيف # أو يقول: # قولا لمن عاب شعر مادحه # أما ترى كيف ركب الشجر؟ # ركب فيه اللحاء والخشب ال # يابس والشوك بينه الثمر # وكان أولى بأن يهذب ما # يخلق رب الأرباب لا البشر # ثم يعود إليه اعتداده بكلامه فيلقي الذنب على الناس لجهلهم بمعاني الكلام: # ما خمدت ناري ولكنها # ألفت قلوبنا نارها خامدة # أو يقول: # ما بلغت بي الخطوب رتبة من # تفهم عنه الكلاب والقرده # وما أنا المنطق البهائم والط # ير سليمان قاهر المرده # أو يقول: إنهم بهائم لا يفهمون إلا البهائم: # بحقهم إن باعدوني وقربوا # سواي وتقريب المباعد أوجب # خفافيش أعشاها نهار بضوئه # ولازمها قطع من الليل غيهب # بهائم لا تصغي إلى شدو معبد # وأما على جافي الغناء فتطرب # ويخطر له حينا أن الأمراء يحسدون شعره؛ لأنهم يقرضون الشعر فينفسون الجيد منه على ~~الشعراء، ولا يبعد أن يكون ذلك صحيحا كما قال: # قد بلينا في دهرنا بملوك # أدباء علمتهم شعراء # إن أجدنا في مدحهم حسدونا # فحرمنا منهم ثواب الثناء # أو أسأنا في مدحهم أنبونا # وهجوا شعرنا أشد هجاء # قد أقاموا نفوسهم لذوي المد # ح مقام الأنداد والنظراء # وكان من هؤلاء محمد بن عبد الله الذي قال فيه: # إخالك إذ جودت فيك مدائحي # منعت ثوابي حاسدا لي على شعري # أتحسدني تجويد ريط نسجته # لتلبسه؟ يا للعجيب من الأمر! # تذكر - هداك الله - أني مادح # وأنك ممدوح فلا تعد بي قدري # ينافس في الشعر النظير ms158 نظيره # وجل ملوك الناس عن ذلك النجر # فإذا لج به الغيظ واشتد عليه بلاء الحرمان من العمل والحرمان من المثوبة صرخ ~~متعجبا: # أذو آلة فاستخدموني لآلتي # بقوتي وإلا فارزقوني مع الزمنى # أي ارزقوني مع العجزة والسقماء. وهذه نهاية البؤس والخيبة، ونهاية الحيرة التي لا ~~يهتدي فيها المسكين إلى سبب مريح، فلم يبق له من عزاء إلا أن يوقن أن الدنيا هكذا طبعت ~~على ظلم العارفين، ومحاباة الأغبياء: # رأيت الدهر يرفع كل وغد # وبخفض كل ذي زنة شريفة # كذاك البحر يرسب فيه در # ولا تنفك تطفو فيه جيفة! # وكرر هذا المعنى في معارض شتى على قواف مختلفة؛ لأنه سكن إليه ووجد فيه عزاءه ولو ~~إلى حين. # وينبغي أن نذكر هنا شيئا لا بد من ذكره في هذا المقام؛ لأنه لازم لإدراك حقيقة الغضب ~~الذي كان يستولي على نفس الشاعر المحروم إذا أجاد المديح ولم يظفر بالعطاء؛ فقد كان حق ~~الشاعر في العطاء معترفا به يقبله الأمراء والوزراء، ويقره العرف، وتجري عليه القدوة، ~~فنحن لا نعرف اليوم ذلك الحق للشاعر، ولا نستطيع لهذا أن ندرك غضبه وأسفه إذا حرم ~~وتوالى عليه الحرمان. أما في عهد ابن الرومي، فغضبه من المنع وأسفه على فوات الربح من ~~هذه المقاصد أمر لا غرابة فيه ولا اعتراض عليه، فالحكم عليه إنما يكون بمقياس أيامه لا ~~بمقياس أيامنا التي لا يجب فيها البذل على ممدوح، ولا يجوز فيها الهجاء لشاعر ~~محروم. # ومما ضاعف الاستخفاف بابن الرومي أنه كان متطيرا غريب الأطوار لا يأخذه الناس مأخذ ~~الجد، ولا يزال المعربدون منهم يتعمدونه بالعبث، ويتماجنون عليه؛ لشدة فرقه وانزعاجه من ~~الفأل السيئ. # يضحك من كل ما بكيت له # كأن لذاته بآلامي # وكان بعضهم يصبحه بقرع بابه، فإذا سأله: من الطارق؟ قال: مرة بن حنظلة! فيمكث في ~~بيته لا يريم عنه سحابة يومه! وكانوا يسوقون إليه رجلا أحدب كريه الرؤية يقابله بوجهه ~~إذا خرج من منزله؛ فيرتد على عقبه! وكانوا يجورون عليه بالعبث، فيتوعد فلا يحفلون، ~~فيهجو ولكن بعد مصابرة ms159 وإعتاب، وكم قال لابن عروس: # يا ليت شعري وليت شعرك إن # قلت وقلنا واستحكم القذع # ما ينفع الصارم اللسان إذا # غودر يوما وعرضه قطع # فارجع وبقيا أخيك باقية # واندم وفي الحلم فسحة تسع # أو كما قال لبني السمري : # يا بني السمري لا تجشموني # أن تثير القصيد كل دفين # قد تجاوزت ما تجاوزت عنكم # وتغاضت على قذاكم جفوني # لا يغرنكم بجهلي حلمي # وارعوائي إلى حيائي وديني # إن لين المهز في السيف أمضى # بغراريه في صميم الشئون # أو كما قال لغيرهم ولغيرهم من العابثين والماطلين الذين كانوا يضحكون مما يبكيه، ~~ويتفكهون بما يحز في قلبه ويدميه، فماذا أفاده العتاب، وماذا دفعت عنه الشكاية؟! لا ~~شيء! لأن الأعراض هانت على أصحابها في ذلك العصر فلا يبالون المذمة إلا أن يكون فيها ~~معنى الاجتراء على الجاه والقوة، وهم أحرى ألا يبالوها من شاعر كابن الرومي ليس أسهل ~~عليهم من أن يقولوا عنه: إنه هذيان ممرور، فيضيق ذرعا بهم ويهجو كالمدفوع إلى غير ما ~~يحب، ويظهر ذلك منه في بعض القصائد كما يظهر من قوله: # لا يغضبن لعمرو من له خطر # فليس يرضى بظلمي من له خطر # كأن يقول: لقد صبرت على عمرو، فرضي الناس بظلمه إياي، فإذا هجوته أنا الآن فما يحق ~~لذي خطر أن يغضب له وهو منصف بيني وبينه. # وقد يعترف بالوسواس على نفسه، ولكنه يرده إلى سوء حظه وإجحاف الأيام به كما قال حين ~~رماه الناشئ بالوسواس: # إن أوسوس فحقيق # يسعد القرد وأنحس! # أصبح الناشئ ممن # يتغنى وهو أخرس # نافقا عند أناس # تعسوا والدهر أتعس # ته على الدنيا وقل ما # شئت واظلم وتغطرس # لم يقدس منك شيء # ولك الجد المقدس # كيف لا يشتد وسوا # سي وأشعارك تدرس؟! # وضياء الشمس لا يق # بس والظلماء تقبس؟! # فإذا عبث به العابثون وتحدثوا بنحسه لم يسره ذاك، وحق له ألا يسر به، وقال ~~مناجزا: # زعمت بأنني نحس وأني # مجيبك معلنا لا أتقيكا # وانطلق يصخب ويثلب وهو - في رأيه - معذور في ذلك الجرم، الذي جنوه عليه ms160 قبل أن يجنيه ~~عليهم، ومعذور حتى من الحسد الذي كان لا يداريه ولا ينكره، ولكن يقول في التماس المعذرة ~~له: # لا تلومن حاسدا، ألم النف # س من النخس - يا أخي - شديد # وزد على ذلك فجائعه في بنيه وأحبابه واحدا بعد واحد وهو أحوج ما يكون إلى معونتهم ~~وعطفهم بين قوم كأنه غريب فيهم لا يفهمهم ولا يفهمونه، وزد عليه طمع الناس فيه حتى كانت ~~تسلبه ملكه الزهيد امرأة، كما جاء في بعض شعره، ويغصبه منزله الذي يسكنه تاجر يستهين به ~~وبما عسى أن يصنع. # وراغمني فيما أتى من ظلامتي # وقال لي: اجهد في جهد احتيالكا # فما هو إلا نسجك الشعر سادرا # وما الشعر إلا ضلة من ضلالكا # لهذا وأمثاله كثرت أهاجي ابن الرومي واشتد إقذاعه، وكان الذين يمدحهم بالأمس هم الذين ~~يثلبهم بعد ذاك، يكاد لا يفصل المدح عن القدح فاصل، أو يكاد يكون المدح والقدح متواليين ~~في صفحات الديوان؛ لأن الديوان مرتب على حسب الحروف لا على حسب التواريخ والموضوعات، ~~ولو أننا نصبنا ميزان العدل لكان ابن الرومي ملوما على المدح أضعاف لومه على الهجاء؛ ~~فقد كان يكذب حين يمدح ويتوسل، ولم يكن يكذب حين يهجو وينتقم، وراجع ترجمة المهجوين في ~~قصائدهم تجدهم كلهم أو أكثرهم لصوصا، لا ينقضي على أحدهم في المنصب أشهر أو سنوات حتى ~~يعمر بيته بالمنهوب المسلوب من أرزاق الرعية الضعفاء، ثم لا تنقضي فترة أخرى حتى يسلط ~~عليه لصوص أكبر منه، فينكبونه ويستصفون أمواله كأنهم تغافلوا عنه ريثما يجمع لهم تلك ~~الأموال. وإن في كتب التاريخ لسوءات لهم غير هذه، وآثاما جساما لا يقال فيها: إنها ~~تخرص شاعر مغبون، أو افتراء خصم متهم بالأقاويل، فإن كان الصدق عذرا للثالب الصادق، ~~فعذر ابن الرومي في التشهير والتجريح أوجه من عذره في الإطراء والمديح. # وقد اشتهر بالهجاء وأصبح له سلاحا لازما وقدرة معروفة بين شعراء عصره، فراح يلوح به ~~كما يلوح المهدد بسلاحه، ويعجب به كما يعجب الفنان بعمله، ولو عوفي في نفسه ورزقه لما ~~بقي ms161 له من الهجاء إلا ناحيته هذه الفنية، وألاعيبه الصبيانية؛ فإنه على كل حال لم يحتقب ~~قط من أدواته النية الخبيثة والطبع الشرير، أو هو على حد قوله: # لو أروض الشيطان أذعن كالكل # ب، أو العود عضه الكلوب # 22 # ولما ذاك أنني الرجل الشر # ير مني الخنا ومني الوثوب # بل لدي الإنصاف يشفعه الإح # سان ما قارب الألد الشغوب # ونعود فنقول: لو كان الرجل أكثر شرا لكان الناس أكثر اتقاء له واجتنابا لكيده، ~~فقلت دواعيه إلى سوء المقال، وأعفى أعراضهم وأعفى لسانه فأراح واستراح. # هو وشعراء عصره # عاصر ابن الرومي في بيئته كثير من الشعراء، أشهرهم في عالم الشعر: الحسين بن ~~الضحاك، ودعبل الخزاعي، والبحتري، وعلي بن الجهم، وابن المعتز، وأبو عثمان ~~الناجم. # وليس لهؤلاء ولا لغيرهم ممن عاصروه وعرفوه، أو لم يعرفوه، أثر يذكر في تكوينه غير ~~اثنين، فيما نظن؛ هما: الحسين بن الضحاك ودعبل الخزاعي. # فقد كان ابن الرومي معجبا بالحسين يروي شعره، ويستملح أخباره، ويذكرها لأصحابه، وكان ~~ابن الرومي يافعا يحضر مجالس الأدب، ويتلقى دروسه، والحسين في أوج شهرته يتناشد أشعاره ~~أدباء الكوفة وبغداد ومدن العراق؛ حدث محمد بن الفضل الأهوازي قال: سمعت علي بن العباس ~~الرومي يقول: حسين بن الضحاك أغزل الناس وأظرفهم. فقلت: حين يقول ماذا؟ فقال: حين ~~يقول: # يا مستعير سوالف الخشف # اسمع لحلفة صادق الحلف # إن لم أصح ويلي ويا حربي # من وجنتيك وفترة الطرف # فجحدت ربي فضل نعمته # وعبدته أبدا على حرف # هكذا جاء في كتاب الأغاني. وجاء فيه أيضا عن ابن الرومي أنه قال: ~~«أنشدنا أبو العباس ثعلب قال: أنشدني حماد بن المبارك صاحب حسين بن الضحاك قال: ~~أنشدني حسين لنفسه: # لا وحبيك لا أصا # فح بالدمع مدمعا # من بكى شجوه استرا # ح وإن كان موجعا # كبدي من هواك أس # قم من أن تقطعا # لم تدع سورة الضنى # في للسقم موضعا # قال ابن الرومي: ثم قال لنا ثعلب: ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا.» # وروى عنه كتاب الأغاني روايات أخرى ms162 من هذا القبيل تدل كلها على الإعجاب والاستملاح، ~~ومثل ابن الرومي يعجب بشعر الحسين الأنيق الظريف المطبوع، ولكنه لا يمتزج بطريقته ولا ~~يتزيا بزيه؛ لأن طريقة الأناقة والصقل غير طريقة الإمعان والنفاذ التي طبع عليها ~~ابن الرومي، فأنت تلمح أثر هذا الإعجاب في أبيات من شعر ابن الرومي كقوله: # يا وجنتيه اللتين من وهج # في صدغيه اللذين من دعج # فتعلم أنه نظم هذا البيت وهو يذكر صيحة ابن الضحاك من «وجنتي صاحبه وفترة ~~طرفه.» # أو كقوله: # عيني شحا ولا تسحا # جل مصابي عن البكاء # ترككما الداء مستكنا # أصدق عن صحة الوفاء # فتعلم أنه نظمه وهو يذكر الأبيات التي روى في أولها لابن الضحاك: # لا وحبيك لا أصا # فح بالمدمع مدمعا # من بكى شجوه استرا # ح وإن كان موجعا # وابن الضحاك يقول: # كأنما نصب كأسه قمر # يكرع في بعض أنجم الفلك # وابن الرومي يقول: # فكأنها وكأن شاربها # قمر يقبل عارض الشمس # فهو كان معجبا بظرائف ابن الضحاك ملتفتا إليها، ولكنه لم يخرج عن طريقته التي طبع ~~عليها، ولم يزد في إعجابه على أن يقتبس منه بعض الخطرات الرشيقة، وهو شيء غير اقتباس ~~الطريقة والتشابه في السليقة. # وقد مات الحسين بن الضحاك وابن الرومي في التاسعة والعشرين، ولم نر في تاريخه ولا في ~~تاريخ الحسين ما يشير إلى تلاقيهما في بغداد، حيث عاش ابن الرومي معظم حياته، أو في غير ~~بغداد حيث كان يرحل ابن الضحاك. # أما دعبل فابن الرومي عارضه في موضعين؛ أحدهما: القصيدة الطائية التي نظمها دعبل حين ~~اتهم «خالدا» بسرقة ديكه وإطعامه لضيوفه، وقال في مطلعها: # أسر المؤذن خالد وضيوفه # أسر الكمي هفا خلال الماقط # بعثوا إليه بنيهم وبناتهم # ما بين ناتفة وآخر سامط # يتنازعون كأنهم قد أوثقوا # خاقان أو هزموا كتائب ناهط # أكلوه فانتزعت به أسنانهم # وتهشمت أقفاؤهم بالحائط # فزاد ابن الرومي فيها وأطالها، وبلغ بها نيفا وستين بيتا، وغير بعض ألفاظها، فمما ~~قال في معارضته وتمثل فيه كل مزاجه وملاحظاته: # طبخوه ثم أتوا به قد أبرمت # أوتاره ms163 لمنادف ومرابط # متجملا لدجاجه متجلدا # كتجلد المجلود بين ربائط # ولقد رمته يوم ذلك قدرهم # بغطائط من غليه وغطامط # حملوا عليه كل ماء عندهم # وفرات كوفتهم ودجلة واسط # وآها لذاك الديك بين مساقط # منه عهدناها وبين ملاقط # قوام أسحار مؤذن حارة ~~«وصال» زوجات كمي مآقط # ينفي مناعسه بنفس شهمة # ويشاهد الهيجا بجأش رابط # والموضع الآخر الذي عارض فيه دعبلا أبيات ثانية، قال دعبل في مطلعها: # أتيت ابن عمرو فصادفته # مريض الخلائق ملتاثها # فعارضها ابن الرومي وزاد عليها من أبيات: # قواف أبي الوغد إبريزها # فأخرجت للوغد أخباثها # أوابد قد أخنست قبله # كهول الرجال وأحداثها ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # ولا جرم لي إن أساءت جنا # ه مزرعة كان حراثها # ونشأ ابن الرومي ودعبل كذلك شاعر واسع الشهرة، جذاب السيرة؛ لغرابة أخلاقه ومخاطرته ~~وتطويفه في الآفاق، مستحسن الشعر بين من يؤثرون الفحولة اللغوية، مفضل على المحدثين من ~~طبقته، كما قال البحتري - وكان يتعصب له: «دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد؛ ~~لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم.» وكان دعبل فيما ~~عدا ذلك متشيعا لآل علي غاليا في تشيعه، فجذب ذلك كله نفس ابن الرومي الفتى نحوه، ~~وحبب إليه محاكاته ومجاراته، وربما كانت الرغبة في مجاراته إحدى دواعيه إلى ~~الهجاء. # ومات دعبل وابن الرومي في الخامسة والعشرين ولا نعلم أنهما تعارفا أو كان بينهما ~~لقاء. # هذان هما الشاعران اللذان عاصرا ابن الرومي، وكان لهما أثر يذكر في تكوينه، أما ~~الآخرون فالثابت أنه كان على معرفة وصحبة مع اثنين منهما، وهما: البحتري وأبو عثمان ~~الناجم، وعرف البحتري في بيت الناجم، وكان هذا صديقا له بقي على صداقته إلى يوم وفاته، ~~وراوية يحفظ شعره وأخباره، ويجري على طريقته في بعض تشبيهاته، فسأله البحتري أن يعرفه ~~إلى ابن الرومي ففعل، وجرت بين الشاعرين صحبة غير طويلة ولا وثيقة؛ لأن البحتري كان يدل ~~على ابن الرومي بمكانه من الخلفاء والأمراء، وكان ابن الرومي لا يطيق الصبر على ذلك، ~~فهجاه وعاب شعره واتهمه بالسرقة، فمن ms164 قوله فيه: # قبحا لأشياء يأتي البحتري بها # من شعره الغث بعد الكد والتعب # كأنها حين يصغي السامعون لها # ممن يميز بين النبع والغرب # رقى العقارب أو هذر البناة إذا # أضحوا على شعف الجدران في صخب # وقد يجيء بخلط فالنحاس له # وللأوائل ما فيه من الذهب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # عبد يغير على الموتى فيسلبهم # حر الكلام بجيش غير ذي لجب # ما إن يزال تراه لابسا حللا # أسلاب قوم مضوا في سالف الحقب # ثم عاد يذكره أيام رضاه ومودته، والفرق بين مسالمته وحربه، ويقول له بعد إقذاع ~~كثير: # يا بحتري لقد أقبلت منقلبا # يوم اكتسبت هجائي شر منقلب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # قد كنت تعرف مني في الرضى رجلا # حلو المذاقة، فاعرفني لدى الغضب # تعرف فتى فيه طورا مجتنى سلع # للمجتنين وطورا مجتنى رطب # ونظن أن المنافسة بينهما لم تكن وحدها سبب هذا الهجاء، وإنما آنس ابن الرومي إغراء من ~~العلاء بن صاعد بالبحتري؛ لأنه خاطبه في هذه القصيدة بما يظهر منه أن العلاء كان يستضعف ~~هجاء الشعراء للبحتري، ويبحث عمن يشد عليه ويفحمه كما يؤخذ من هذا البيت: # أراك لم ترض ما أهدى له نفر # من شتم أم لئيم خيمها وأب # فأرضى ابن الرومي نفسه وأرضى العلاء بهجائه، وكان رد البحتري عليه ما علم القراء من ~~إهدائه تخت المتاع وكيس الدراهم، وإبلاغه «أن الهدية ليست تقية منه، ولكن رقة عليه؛ ~~لأنه لم يحمله على ما فعل إلا الفقر والحسد المفرط.» # عرف ابن الرومي البحتري وابن الرومي شاعر مشهور بالافتنان في المعاني، والقدرة على ~~الهجاء، وكان البحتري يحب مجاراته في بعض قصائده، فقال له في أول لقاء بينهما: إنه عزم ~~على أن يعمل قصيدة على وزن قصيدته الطائية في الهجاء، فنهاه ابن الرومي عن ذاك؛ لأنه ~~ليس من عمله، فإذا كان بينهما اقتباس أو معارضة؛ فالبحتري هو المقتبس، وهو الراغب في ~~المعارضة، على أننا لا نخاله استعار من ابن الرومي شيئا يزيده في مذهبه الذي نبغ فيه؛ ~~لأنهما نمطان متباينان، ولكل منهما اعتداد بنفسه يكفيه ويغنيه. # أما علي بن ms165 الجهم - المتوفى سنة 249ه - فقد كان بينه وبين ابن الرومي برزخ واسع من ~~اختلاف المذهب في الدين والشعر، فابن الرومي متشيع وابن الجهم ناصبي يذم عليا وآله، ~~«ولا يلتقي الشيعي والناصبي» كما يقول ابن الرومي، وكان ابن الجهم شديد النقمة على ~~المعتزلة، وعلى «أهل العدل والتوحيد» منهم خاصة؛ يهجوهم، ويدس لهم، ويقول في زعيمهم ~~أحمد بن أبي دؤاد: # ما هذه البدع التي سميتها # بالجهل منك العدل والتوحيدا؟! # وابن الرومي كان مر بك من هذه الجماعة، فمذهبه في الدين ينفره من ابن الجهم، ولا ~~يرغبه في مجاراته ولو تشابها فيما عدا ذلك من المزاج والنزعة. لقد يهون هذا الفارق ~~ويسهل على ابن الرومي الإغضاء عنه وهو ناشئ يتلمس القدوة، ويخطو في سبيل الشهرة، ولكنك ~~تقرأ شعر ابن الجهم في فخره ومزاحه، فيخيل إليك أنك تقرأ كلام جندي يتنفج أو يعربد؛ ~~لخلوه من كل عاطفة غير عواطف الجند الذين يقضون أوقاتهم بين الفخر والضجيج واللهو ~~والسكر، وليس بين هذه الطبيعة وطبيعة ابن الرومي مسرب للقدوة، أو للمقاربة في الميل ~~والإحساس، ولا كان في شعر ابن الجهم شيء يشعر مثل ابن الرومي أنه يقتدي به ويحتاج إلى ~~مجاراته، فيميل به هذا الشعور إلى الإعجاب بالشاعر الذي أبعده عنه المذهب ~~والمزاج. ~~••• # وقد ولد ابن المعتز في سنة سبع وأربعين ومائتين، فلما أيفع وبلغ السن التي يقول فيها ~~الشعر، كان ابن الرومي قد جاوز الأربعين أو ضرب في حدود الخمسين، ولما نبغ واشتهر له ~~كلام يروى في مجالس الأدباء كان ابن الرومي قد أوفى على الستين، وفرغ من التعلم ~~والاقتباس، ولو انعكس الأمر وكان ابن المعتز هو السابق في الميلاد لما أخذ منه ابن ~~الرومي شيئا، أو لكان أفسد سليقته بالأخذ عنه؛ لأن ابن المعتز إنما امتاز بين شعراء ~~بغداد في عصره بمزاياه الثلاث، وهي: البديع والتوشيح، والتشبيه بالتحف والنفائس، وابن ~~الرومي لم يرزق نصيبا معدودا من هذه المزايا، ولم يكن قط من أصحاب البديع وأصحاب ~~التوشيح، أو أصحاب التشبيهات التي تدور على الزخرف، وتستفيد ms166 نفاستها من نفاسة ~~المشبهات. # ويجوز أن الشاعرين لم يتعارفا ولم يتلاقيا في مجلس؛ لأن ابن الرومي كان قليل الغشيان ~~جدا للمجالس التي كان يحضرها الخلفاء وولاة العهود، فضلا عن تفاوت السن والخطة، ~~وفضلا عن سبب آخر قد يكون من موانع اللقاء بينهما، وهو أن ابن الرومي هجا المعتز ومدح ~~المستعين حين تنازعا الخلافة وتقاتلا عليها، وكان ابن الرومي من حزب المستعين؛ لأن ~~بغداد كانت معه، وهي وطن ابن الرومي، ومحمد بن عبد الله بن طاهر كان ينصر المستعين، وهو ~~يومئذ أكبر ممدوحيه، ونحن نذكر هذا السبب الأخير للإحاطة به ولا نعيره كبير التفات؛ لأن ~~ابن المعتز كان طفلا رضيعا حين تقاتل أبوه وعمه، ولا يحتمل كثيرا أنه وعى بعد ذلك كل ~~ما قاله ابن الرومي في تلك الأيام. # ممدوحوه # لابن الرومي ممدوحون كثيرون يزيدون على الأربعين، يطول بنا البحث ولا ننتهي إلى غرض ~~يفيدنا فيما نحن فيه لو أننا أجملنا تواريخهم إجمالا سريعا، بله التفصيل والإنعام، ~~ولو كان للمدح في زمن ابن الرومي بواعث نفسية غير طلب العطاء لوجب أن نعنى بتراجم ~~الأشخاص الذين حركوا في نفس الشاعر تلك البواعث، واستحقوا منه إكباره وثناءه؛ لأن ~~العناية بتراجمهم في هذه الحالة عناية بالشاعر نفسه، وبواعث نظمه، ومعايير وصفه وثنائه، ~~ولكن الشعراء كانوا يمدحون ولا يقصدون من المدح إلا الإرضاء والتفنن في معاني التعظيم، ~~فمن العبث أن نحصي هنا تراجم لا تزيدنا علما بالشاعر، وليس العلم بها لذاتها مقصودا ~~في هذا المقام، وحسبنا أن نلم بتاريخ الأسرتين اللتين خصهما الشاعر بمعظم مدائحه، وكانت ~~له صلة طويلة بهما، وعلاقات مذكورة في ترجمة حياته، وهما أسرة آل طاهر وأسرة آل وهب، ~~وكلاهما من أكبر الأسر التي عرفت في تاريخ الوزارة والقيادة في الدولة العباسية. ~~••• # فآل طاهر أسرة قديمة تنتسب إلى أمراء الفرس الأولين، ويذكر منها في عالم الحرب والأدب ~~والنجدة أفراد كثيرون، وأول من نبغ منها واشتهر في عهد بني العباس: طاهر بن الحسين بن ~~مصعب بن رزيق بن ماهان. أسلم جده رزيق على ms167 يد عبيد الله طلحة الطلحات الخزاعي، والي ~~سجستان، فنسب إليه ولقب بالخزاعي لهذا السبب، لا لانتمائه إلى قبيلة خزاعة من جهة ~~النسب. # وقد ولد طاهر بقرية بوشنج من أعمال «مرو» سنة تسع وخمسين ومائة؛ حيث كان جده مصعب ~~واليا يتولى أعمال مرو مع أعمال هراة، ثم كان الخلاف بين الأمين والمأمون، فأبلى طاهر ~~في خدمة المأمون - الفارسي الأم - أحسن بلاء، وأخلص له، ونصح في ولائه وتوطيد ملكه، ~~فولاه خراسان وأطلق يده فيها، فأصبحت دولة طاهرية مستقلة في حكومتها لا تربطها ببغداد ~~إلا خطبة المنبر، وقيل: إن طاهرا قطع الدعاء للخليفة يوما فسمه خادم معه كان موكلا ~~به من قبل المأمون، فأصبح ميتا. # وكانت لآل طاهر مع ولاية خراسان ولاية الشرطة في بغداد، وهي من الولايات النافعة لذوي ~~النفود، فاجتمعت لهم أسباب القوة بين العاصمة وذلك الإقليم الخطير الشأن في حياة الدولة ~~العباسية. # وولد لطاهر ابنه عبد الله، فنشأ في رعاية المأمون نشأة فاضلة، وشابه أباه في النجدة ~~والإقدام، وبذه في الأدب والمروءة. تولى مصر، وأعطاه المأمون مال خراجها وضياعها لسنة، ~~فوهبه كله وفرقه في الناس، ورجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم ~~مقدمه فأنشده أبياتا قالها في هذا المعنى، وهي: # نفسي فداؤك والأعناق خاضعة # للنائبات أبيا غير مهتضم # إليك أقبلت من أرض أقمت بها # حولين بعدك في شوق وفي ألم # أقفو مساعيك اللاتي خصصت بها # حذو الشراك على مثل من الأدم # فكان فضلي فيها أنني تبع # لما سننت من الإنعام والنعم # ولو وكلت إلى نفسي عييت بها # لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم ~~«فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك مكرمة نلتها، ولا أحدوثة حسن عندها ذكرك، ~~ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت، ولم تقدر على لم شعثك وإصلاح حالك. وزال ما ~~كان في نفسه.» ويقال: «إن البطيخ العبدلاوي» المعروف بمصر منسوب إليه، ولعله نسب إليه ~~لأنه كان يستطيبه كما يقول ابن خلكان. # ولعبد الله شعر جزل وتلحين جيد، وهو القائل: «ينبغي أن يبذل العلم لأهله ms168 ولغير أهله؛ ~~فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله.» ومن كلامه: «سمن الكيس ونبل الذكر لا ~~يجتمعان.» # ومحمد بن عبد الله هذا هو الذي أدركه ابن الرومي ومدحه، وظن أنه ينفس عليه شعره فقال ~~له: # أتحسدني تجويد ريط نسجته # لتلبسه؟ يا للعجيب من الأمر! # تذكر - هداك الله - أني مادح # وأنك ممدوح، فلا تعد بي قدري # ونحسب أنه لم يظلمه؛ لأنه تعود أن ينظر في شعر مادحيه نظرة الناقد المتعصب: بعث إليه ~~حاجبه محمد بن أبي عون بأنوار من بستانه وريحان وكتب معه: # قد بعثنا بطيب الريحان # خير ما قد جني من البستان # قد تخيرته لخير أمير # زانه الله بالتقى والبيان # فوقع على ظهر رقعة: # عون يا عون قد ضللت عن القص # د وعميت عن دقيق المعاني # حشو بيتيك قد وقد، فإلى كم؟ # قدك الله بالحسام اليماني # 23 # وكان محمد عظيم النفوذ في الدولة تميل الخلافة حيث يميل، نصر المستعين فرجحت كفته على ~~أخيه المعتز، ودانت له بغداد وما وراءها، وأوشك أن يتفرد بالملك وحده، ثم ارتاب في ~~المستعين فتخلى عنه، فلم يجد المستعين بدا من خلع نفسه، وتمت الغلبة عليه لأخيه، ~~وينسب إليه أنه قال لما انهزم محمد بن خالد في بعض الوقائع بين جنود المستعين وجنود ~~المعتز: «لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره!» # ومات محمد في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين ومائتين؛ أي حين كان ابن الرومي في الثانية ~~والثلاثين، قال ابن الأثير: «في ليلة أربع عشرة من ذي الحجة انخسف القمر جميعه، ومع ~~انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكانت علته التي مات بها قروحا ~~أصابته في حلقه ورأسه فذبحته، وكانت تدخل فيها الفتائل، ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله ~~وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن طاهر، فلما مات تنازع ابنه ~~طاهر وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه، وتنازع عبيد الله وأصحاب طاهر حتى ~~سلوا السيوف ورموا ms169 الحجارة، ومالت العامة مع أصحاب طاهر، وعبر عبيد الله إلى داره ~~بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد لاستخلاف محمد، فكان أوصاه على عماله، ثم وجه المعتز ~~بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع بخمسين ألف ~~درهم.» # وعبيد الله هذا كان شاعرا كأخيه وأبيه وأكثر أفراد أسرته، وكان يقاول البحتري ~~ويناجزه، وهو الذي نظم ديوانا على الحرف في شكر العلاء صاعد، فعهد العلاء إلى ابن ~~الرومي بالرد عليه، وهو القائل: # إن الأمير هو الذي # يبقى أميرا بعد عزله # إن زال سلطان الولا # ية لم يزل سلطان فضله # وكان كأخيه محمد في نقد الشعر ولا سيما إذا مدح به غيره، فهو الذي سمى قصيدة ابن ~~الرومي النونية في مدح إسماعيل بن بلبل بدار البطيخ لكثرة ما ذكر فيها من أسماء ~~الفاكهة، فظرف في النكتة وإن لم ينصف في نقد القصيدة. # وقال ابن خلكان في ترجمته: «... كان عبيد الله المذكور أميرا ولي الشرطة ببغداد ~~خلافة عن أخيه محمد بن عبد الله، ثم استقل بها بعد موت أخيه، وكان سيدا، وإليه انتهت ~~رآسة أهله، وهو آخر من مات منهم رئيسا، وله من الكتب المصنفة: كتاب الإشارة في أخبار ~~الشعراء، وكتاب رسالة في السياسة الملوكية، وكتاب مراسلاته لعبد الله بن المعتز، وكتاب ~~البراعة والفصاحة وغير ذلك، وحدث عن الزبير بن بكار وغيره، وكان مترسلا شاعرا لطيفا، ~~حسن المقاصد، جيد السبك، رقيق الحاشية، ومن شعره ما ذكره ابن رشيق في كتاب العمدة، في ~~باب الاستطراد، قال: ومن الاستطراد نوع يسمى الإدماج، ونحو ذلك قول عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد: # أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا # وأسعفنا فيمن نحب ونكرم # فقلت له: نعماك فيهم أتمها # ودع أمرنا؛ إن المهم المقدم ~~... وله ديوان شعر، ونقتصر من نظمه على هذا القدر، وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين ~~ومائتين، وكانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاثمائة ببغداد ~~...» # ولعبيد الله أخ يسمى سليمان ms170 هو الذي هجاه ابن الرومي لأنه أخلف رجاءه في رد داره، ~~وكانت بينه وبين عبيد الله قطيعة وملاحاة شديدة، ثم اصطلحا، فخلد ابن الرومي هذا الصلح ~~في قصيدة دالية اقتبسنا منها فيما تقدم بعض أبيات. # وانتهت إلى عبيد الله رآسة قومه كما قال ابن خلكان، إلا أن دولتهم في خراسان ذهبت ~~منهم في أيامه، واستولى عليها في سنة تسع وخمسين ومائتين ذلك المخاطر الجريء يعقوب بن ~~الليث الملقب بالصفار من الصفر؛ لأنه كان في صباه تاجرا فقيرا يعمل في النحاس، ~~واقتصرت ولاية عبيد الله وسطوة قومه على الشرطة في بغداد، فكان هذا أول بوادر الزوال في ~~ذلك البيت المجيد، ولحق ابن الرومي من ذلك ما لا بد أن يلحقه منه، فضلا عن حسبانه عليه ~~من عثرات جده ودلائل شؤمه! ~~••• # أما أبناء وهب فكانوا أهل كتابة لا شأن لهم بالحرب وقيادة الجيوش، جاء في الفخري أنهم ~~كانوا «من قرية من أعمال واسط، وكانوا نصارى ثم أسلموا.» # وعملوا في الكتابة من مبدأ الدولة الأموية، ثم حظوا عند العباسيين فاشتهر منهم اثنان ~~هما: الحسن بن وهب بن سعيد وأخوه سليمان. # وكان الحسن كاتبا شاعرا ولاه محمد بن عبد الملك الزيات ديوان الرسائل، ومدحه أبو ~~تمام فولاه البريد في الموصل، وكانت بينه وبين أبي تمام صداقة، فلما مات هذا رثاه ~~بقصيدة يقول منها: # فإن تراب ذاك القبر يحوي # حبيبا كان يدعى لي حبيبا # لبيبا شاعرا فطنا أديبا # أصيل الرأي في الجلى أريبا # إذا شاهدته رواك فيما # يسرك رقة منه وطيبا # أبا تمام الطائي إنا # لقينا بعدك العجب العجيبا # فقدنا منك قرما لا نرانا # نصيب له مدى الدنيا ضريبا # ولم يزل الحسن مقربا مجددا حتى نكبه المتوكل مع ابن الزيات في سنة ثلاث وثلاثين ~~ومائتين. # وأخوه سليمان كتب للمأمون وهو في الرابعة عشرة، حدث ابنه عبيد الله عنه أنه قال: «كان ~~مبدأ سعادتي أني كنت وأنا صبي بين يدي محمد بن يزداد وزير المأمون - وكنا جماعة من ~~الصبيان بين يديه - إذا راح الليل إلى داره ms171 بات واحد منا في دار المأمون بالنوبة ~~لمهم عساه يعرض في الليل، وكانت ليلة نوبتي فخرج خادم وقال: ها هنا أحد من نواب ~~محمد بن يزداد؟ فقال الحجاب له: نعم! ها هو ذا، فأدخلني إلى المأمون، فقال لي: اعمل ~~نسخة في المعنى الفلاني، ووسع بين سطورها، وأحضرها لأصلح منها ما أريد إصلاحه، ~~قال: فخرجت سريعا وكتبت الكتاب بغير نسخة وبيضته وأحضرته إليه، فلما رآني قال: كتبت ~~النسخة؟ قلت: بل كتبت الكتاب، فقال: بيضته! قلت: نعم، فزاد في نظره إلي كالمتعجب مني، ~~فلما قرأه تبينت الاستحسان على وجهه ورفع رأسه إلي وقال: ما أحسن ما كتبت يا صبي! ~~ولكن أريد أن تقدم هذا السطر وتؤخر هذا السطر. وخط عليهما بقلمه، فأخذت الكتاب وخرجت ~~وجلست ناحية، ثم محوت السطرين وعملت ما أراد وجئته بالكتاب - وكان قد ظن أني أبطله ~~وأكتب غيره - فلما قرأه لم يعرف مبدأ المحو فاستحسنه، وقال لي: يا صبي! لا أدري من أي ~~شيء أعجب؟! أمن جودة محوك، أم من سرعة فهمك، أم من حسن خطك، أم من سرعتك؟! بارك الله ~~فيك! فقبلت يده وخرجت، وكان ذلك أول علو منزلتي، وصار المأمون لا يجري مهم إلا قال: ~~«هاتوا سليمان بن وهب».» # واستوزره المهتدي «ولقبه الوزير حقا؛ لأن من كان قبله كان غير مستحق للوزارة ولا ~~مستقل بها.» # 24 # استكتبه يوما عشرة كتب مختلفة إلى جماعة من العمال، فلما وضعت الكتب بين ~~يديه قال له وقد قرأها: أحسنت يا سليمان، ونعم الرجل أنت لولا المعجل والمؤجل! وذاك أن ~~سليمان كان إذا ولى عاملا أخذ منه مالا معجلا، وأجل مالا إلى أن يتسلم عمله ... ~~ونكبه الواثق وحبسه فقال - وفي هذا الشعر غناء: # نوائب الدهر أدبتني # وإنما يوعظ الأديب # قد ذقت حلوا وذقت مرا # كذاك عيش الفتى ضروب # ما مر بؤس ولا نعيم # إلا ولي فيهما نصيب # ثم خرج من الحبس ليلة مات الواثق، ولكنه كان مطموعا فيه لكثرة ماله، واشتهاره ~~بالرشوة، فقبض عليه الموفق، ومات في حبسه سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ms172 وقيل: سنة إحدى ~~وسبعين ... ولما قبض الموفق عليه وعلى ابنه عبيد الله تذاكر جماعة أنه إنما استكتبهما ~~ليقف منهما على دخائل موسى بن بغا وودائعه، فلما استقصى ذلك نكبهما لكثرة ما لهما، فقال ~~ابن الرومي وكان حاضرا: # ألم تر أن المال يتلف ربه # إذا جم آتيه وسد طريقه # ومن جاور الماء الغزير مجمه # وسد مغيض الماء فهو غريقه # 25 # وسليمان بن وهب هو أبو عبد الله وجد القاسم، وكلاهما وزر للمعتضد وتلقى مدائح ابن ~~الرومي الكثيرة، ولا سيما القاسم؛ فإنه كان له القسط الأوفر من جميع مدحه. # وكانت أول ولاية عبيد الله للوزارة في عهد المعتضد، ثم بويع المعتضد سنة تسع وسبعين ~~ومائتين، فأقره على وزارته، ولبث فيها إلى أن مات سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكان ~~كاتبا حاذقا وسائسا حصيفا، وفيه يقول الشاعر: # إذا أبو قاسم جادت يداه لنا # لم يحمد الأجودان البحر والمطر # وإن مضى رأيه أو حد عزمته # تأخر الماضيان السيف والقدر # وإن أضاءت لنا أضواء غرته # تضاءل النيران الشمس والقمر # من لم يبت حذرا من حد صولته # لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر # ينال بالظن ما يعيا العيان به # والشاهدان عليه العين والأثر # ويروى أنه «لما مات عزم المعتضد على أن يستأصل شأفة أولاده، ويستصفي أموالهم، فحضر ~~القاسم ابنه واستعان ببدر المعتضدي، وكتب خطابا بألفي ألف دينار فاستوزره ~~المعتضد.» # 26 # قال صاحب الفخري: «كان القاسم بن عبيد الله من دهاة العالم ومن أفاضل الوزراء، وكان ~~شهما فاضلا لبيبا محصلا كريما مهيبا جبارا، وكان يطعن في دينه ...» # وقال ابن خلكان: كان الوزير المذكور عظيم الهيبة، شديد الإقدام، سفاكا للدماء، وكان ~~الكبير والصغير منه على وجل، لا يعرف أحدا من أرباب الأموال إلا نقمه. وتوفي سنة إحدى ~~وتسعين ومائتين في خلافة المكتفي وعمره نيف وثلاثون سنة، وفي ذلك يقول عبد الله بن ~~الحسن بن سعد: # شربنا عشية مات الوزير # سرورا ونشرب في ثالثه # فلا رحم الله تلك العظام # ولا بارك الله في وارثه # وابن خلكان قد أخذ هذا الوصف ms173 من مروج الذهب للمسعودي، وفي هذا الكتاب أن القاسم قتل ~~عبد الواحد عم الخليفة المكتفي، والخليفة يجهل ذلك ولا يريده، وكان القاسم يغريه به، ~~«فوكل به من يراعي خبره، وما يظهر من قوله إذا أخذ الشراب منه، فسمع منه وقد طرب وهو ~~ينشد شعر العتابي: # تلوم على ترك الغنى باهلية # طوى الدهر عنها كل طرف وتالد # إلى أن يقول: # ذريني تجئني ميتتي مطمئنة # ولم أتجشم هول تلك الموارد # فإن نفيسات الأمور مشوبة # بمستودعات في بطون الأساود # وإن الذي يسمو إلى درك العلا # ملقى بأسباب العلا والمكايد # فقال له بعض ندمائه وقد أخذ منه الشراب: يا سيدي، أين أنت مما تمثل به يزيد بن ~~المهلب: # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد # حياة لنفسي مثل أن أتقدما # فقال له عبد الواحد: مه! لقد أخطأت الغرض وأخطأ ابن المهلب، وأخطأ قائل هذا البيت، ~~وأصاب أبو فرعون التميمي حيث يقول: # وما بي شيء في الوغى غير أنني # أخاف على فخارتي أن تحطما # ولو كنت مبتاعا من السوق مثلها # لدى الروع ما باليت أن أتقدما # فلما انتهى ذلك إلى المكتفي ضحك وقال: قد قلت للقاسم: ليس عمي عبد الواحد ممن تسمو ~~همته إليها ... أطلقوا لعمي كذا وكذا. فلم يزل القاسم بعبد الواحد حتى قتله.» # وكان القاسم مكروها على خلاف أخيه الحسن الذي كان يحبه الناس ويحسنون الظن به، فلما ~~مات الحسن قال أبو الحارث النوفلي: # قل لأبي القاسم المرزا # قابلك الدهر بالعجائب # مات لك ابن وكان زينا # وعاش ذو الشين والمعايب # حياة هذا كموت هذا # فلست تخلو من المصائب # قال أبو بكر الصولي النديم: «وقد رأيت أبا الحارث هذا وكان رجلا صدوقا.» # ونظم آخر في هذا المعنى فقال: # قل لأبي القاسم المرزا # وناد يا ذا المصيبتين # مات لك ابن وكان زينا # وعاش شين وأي شين # حياة هذا كموت هذا # فالطم على الرأس باليدين # ولكن عبيد الله أباهما كان على رأي يخالف رأي الناس في ولديه، فكان يقدم القاسم ~~ويهمل الحسن، حتى راجعه في ذلك ابن الرومي ms174 بقصيدة سبقت الإشارة إليها، ولعله رأى من ~~دهاء ابنه القاسم وغدره أنه أصلح للحكم في ذلك الزمان، وعلم أن الخلق الكريم أداة لا ~~تنفع في هذا الغرض، فأخر ابنه الحسن عن منزلة أخيه. # والقاسم هذا هو الذي أجمعت كتب التاريخ على أنه قتل ابن الرومي بالسم؛ لأنه أشفق من ~~فلتات لسانه. # وفاته # يقول ابن خلكان في تاريخ وفاة ابن الرومي: «توفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى ~~الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل: أربع وثمانين، وقيل: ست وسبعين ومائتين، ودفن في مقبرة ~~باب البستان.» # فأي هذه التواريخ صحيح؟ # إن الذين جاءوا بعد ابن خلكان تابعوه في هذا الشك الذي لا مسوغ له اعتمادا على ~~روايته بغير بحث في شعر الشاعر، ولا في كتب المؤرخين الذين سبقوا ابن خلكان. ولا مسوغ ~~لهذا الشك كما قلنا لأن ابن الرومي أثبت لنا أنه بلغ الستين، وعاش إلى ما بعد سنة ~~ثمانين إذ يقول: # طربت ولم تطرب على حين مطرب # وكيف التصابي بابن ستين أشيب # فهو لم يمت في سنة ست وسبعين على التحقيق، ولا يظن أن الستين هنا تقريبية لضرورة ~~الشعر، وأنها قد تكون خمسا وخمسين أو ستا وخمسين، فإنه ذكر الخمس والخمسين في موضع ~~آخر حيث قال: # كبرت وفي خمس وخمسين مكبر # وشبت فألحاظها ألمها عنك نفر # وليس من المعروف عنه أنه كان يعيا بنظم ما يريد. # ولو راجع ابن خلكان كتاب مروج الذهب للمسعودي لعرف منه أن ابن الرومي كان حيا بعد ~~ست وسبعين، فلا محل للقول بموته في تلك السنة؛ فقد جاء في تاريخ المعتضد من ذلك الكتاب ~~أن قطر الندى بنت خمارويه وصلت إلى مدينة السلام مع ابن الجصاص في ذي الحجة، # 27 # سنة إحدى وثمانين ومائتين؛ ففي ذلك يقول علي بن العباس الرومي: # يا سيد العرب الذي زفت له # باليمن والبركات سيدة العجم # إلى آخر الأبيات. وهذا فضلا عن مقطوعات أخرى نظمها الشاعر في العرس الذي احتفل به ~~الخليفة سنة اثنتين وثمانين. # فمن المحقق إذن أن ابن الرومي تجاوز ms175 سنة ست وسبعين، ولم يبق لنا إلا أن نبحث في ~~السنتين الأخريين؛ أي سنتي ثلاث وأربع وثمانين. # فعندنا تاريخ اليوم والشهر من أولاهما، وليس عندنا مثل ذلك من الثانية، وهذا مما يرجح ~~وفاته في سنة ثلاث وثمانين دون أربع وثمانين. # ويقوي هذا الترجيح أن مضاهاة التواريخ تثبت لنا أن جمادى الأخرى من سنة ثلاث وثمانين ~~بدأت يوم جمعة، فيكون يوم الأربعاء قد جاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى في تلك السنة، ~~كما جاء في تاريخ الوفاة. # وقد ضاهينا هذا اليوم على التاريخ الأفرنجي، فوجدناه يوافق الرابع عشر من شهر يونيو، ~~أي: يوافق إبان الصيف في العراق، وابن الرومي مات في الصيف كما يؤخذ من قول الناجم إنه ~~دخل عليه في مرضه الذي مات فيه وبين يديه ماء مثلوج، فيجوز لنا على هذا أن نجزم بأن أصح ~~التواريخ هو التاريخ الأول، وهو «يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث ~~وثمانين». ~~••• # والأقوال بعد ذلك مجمعة على موت ابن الرومي بالسم، وأن الذي سمه هو القاسم بن عبيد ~~الله أو أبوه. # ولكن الروايات في هذا الخبر لا تخلو من ضعف واضطراب، فالرواية التي أوردها ابن خلكان ~~تقول: «إن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، وزير الإمام ~~المعتضد، كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش، فدس عليه ابن فراش، فأطعمه خشكنانجة ~~مسمومة وهو في مجلسه، فلما أكلها أحس بالسم، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى ~~الموضع الذي بعثتني إليه، فقال له: سلم على والدي! فقال له: ما طريقي على النار ~~...» # وضعف هذه الرواية ظاهر؛ لأن عبيد الله بن سليمان مات في سنة ثمان وثمانين؛ # 28 # أي بعد آخر تاريخ فرض لموت ابن الرومي بأربع سنوات، فكان حيا عند وفاة ~~الشاعر، ولا معنى لأن يقول القاسم له: سلم على والدي. ووالده بقيد الحياة. # والرواية التي أوردها الشريف المرتضي في أماليه أصح من هذه الوجهة؛ لأنها تقول: إن ~~عبيد الله كان حيا عند موت ابن الرومي، وإنه ms176 هو الذي أوعز بقتله، ولكنها تقول أيضا: ~~إنه قد اتصل «بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر علي بن العباس الرومي وكثرة مجالسته لأبي ~~الحسين القاسم، فقال لأبي الحسين: قد أحببت أن أرى ابن روميك هذا. فدخل يوما عبيد الله ~~إلى أبي الحسين وابن الرومي عنده ، فاستنشده من شعره فأنشده وخاطبه، فرآه مضطرب العقل ~~جاهلا، فقال لأبي الحسين بينه وبينه: إن لسان هذا أطول من عقله، ومن هذه صورته لا تؤمن ~~عقاربه عند أول عتب، ولا يفكر في عاقبته، فأخرجه عنك، فقال: أخاف حينئذ أن يعلن ما ~~يكتمه في دولتنا، ويذيعه في تمكننا، فقال: يا بني، إني لم أرد بإخراجك له طرده، فاستعمل ~~فيه بيت أبي حية النميري: # فقلن لها سرا: فديناك لا يرح # سليما، وإلا تقتليه فألممي # فحدث القاسم ابن فراش بما جرى، وكان أعدى الناس لابن الرومي، وقد هجاه بأهاج ~~قبيحة، فقال له: الوزير - أعزه الله - أشار بأن يغتال حتى يستراح منه، وأنا أكفيك ذلك. ~~فسمه في الخشكنانج فمات ... قال الباقطاني: والناس يقولون: ما قتله ابن فراش وإنما قتله ~~عبيد الله.» # وضعف هذه الرواية ظاهر كذلك؛ لأن عبيد الله كان يعرف ابن الرومي سنوات، وقد مدحه ابن ~~الرومي وتردد عليه وتشفع لديه بين ولديه، فلا حاجة به إلى أن يطلب رؤيته قبل موته ~~ليختبره كما جاء في هذه الرواية. أما الأخبار الأخرى المنثورة في الكتب فهي مزيج مرتبك ~~من هاتين الروايتين. # ويصعب علينا أن نستخلص الحقيقة من الخلف والاضطراب، فإذا قلنا: إن عبيد الله هو ~~القاتل كما نقل الباقطاني، فيجوز على هذا الزعم أنه هو الذي قال له: سلم على والدي، ~~وليس ولده القاسم، فينتفي بذلك موضع الضعف في الرواية الأولى، ولكننا ننفيه بفرض لا ~~يجوز الاعتماد عليه. # وإذا أردنا أن نمزج بين الروايتين ونسقط منهما ما يجب إسقاطه، فالخلاصة منهما أن عبيد ~~الله خاف هجاء ابن الرومي، فأوعز إلى ابنه أن يسمه؛ لأنه كان أقرب إلى مخالطته ~~ومنادمته، ولا صحة لما بعد ذلك من حديث القاسم وابن ms177 الرومي، وإنما هو حديث غلبت فيه ~~فكاهة القصة على صدق التاريخ. ~~••• # بين هذه الشبهات المتضاربة شبهة تعرض للذهن، ولا يجوز إغفالها في هذا المقام، وهي ~~تبيح لنا أن نسأل: ألا يحتمل أن يكون حديث السم كله خرافة مخترعة لا أصل لها، وأن ابن ~~الرومي مات ميتة طبيعية تشتبه أعراضها بأعراض التسمم المعروفة في زمانه؟ فمن كلام ~~الناجم الذي زاره في مرض وفاته نعلم أنه كان يشكو من إلحاح البول، فلما لاحظ الناجم ذلك ~~قال: # غدا ينقطع البول # ويأتي الهول والغول # وأنه كان قد أعد ماء مثلوجا؛ لأنه «قلما يموت إنسان إلا وهو ظمآن»، وكان يقول فيما ~~روته الأمالي وهو يشرب ولا يروى: # وأراه زائدا في حرقتي # فكأن الماء للنار حطب # والظمأ وإلحاح البول عرضان من أعراض «مرض السكر»، وهو مرض يحدث لصاحبه التسمم، ولا ~~سيما بعد أكل الحلوى والإفراط فيها، وابن الرومي لم تكن تعوزه أسباب الإصابة به؛ لأنه ~~كان منهوما بالحلوى والأطعمة الثقيلة، مستسلما للشهوات، مسرفا في الشراب مع ضعف ~~أعصابه واعتلال جسمه، فمن الجائز أنه أصيب به فاشتد عليه في شيخوخته، وفصده الطبيب وفسد ~~الجرح كما جاء في رواية زهر الآداب، فأودى ذلك بحياته، ويسهل في هذه الحالة أن يشيع ~~حديث السم ولواحقه لما كان يعتري ابن الرومي من كثرة التوهم، أو لما كان مشهورا عن ~~القاسم من سوء الطوية والضراوة بالغدر والفتك، بحيث لا يكبر عليه قتل شاعر هجاه، فإذا ~~كان الموت قد حدث بعد وليمة في بيت القاسم، فهذا مما يؤكد التهمة ويصعب على الناس أن ~~يعللوه بغير السم والمكيدة، وإن كان الطعام وحده كافيا للقضاء على رجل جاوز الستين في ~~شيخوخة متهدمة مهملة، طالت إصابته بمرض دفين لم يكن علاجه ميسورا في أيامه. # هذه شبهة تعرض للذهن بين مختلف الشبهات، وكل قيمتها عندنا أنها مما لا يصح إغفاله في ~~تحقيق وفاة الشاعر، فهي احتمال كل ما فيه أنه غير مستحيل. ~~••• # أما أن القاسم كان أهلا لأن يغدر بابن الرومي، وأن ابن الرومي كان عرضة لغضب ms178 ذلك ~~الوزير الفاتك المغتال، فهو احتمال جد قريب، فالقاسم جريء مستخف بالدماء، وابن الرومي ~~قانط سريع الغضب، وليس أيسر من أن ينسى القاسم رجلا كابن الرومي حين أقبلت الدولة عليه ~~وعلى أبيه وعلى آله، وتبدلت مجالسهم الأولى، وأخذوا في شأن من الصولة والأبهة غير شأنهم ~~الذي كانوا فيه، وليس أيسر من أن يطمع ابن الرومي في عمل أو مرتب أو مكافأة تغنيه حين ~~أقبلت الدولة على ممدوحيه وأصحابه بالأمس في أيام التطلع والانتظار. ومن هنا يبدأ الغضب ~~فاللوم والوشاية، فالمبالغة في الجفاء فالهجاء من الشاعر، فالوعيد من الأمير الذي ليس ~~بين وعيده وإنجازه عائق من خوف ولا لمحاسبة ضمير، وسلسلة القصائد التي تشفع بها ابن ~~الرومي وسأل العمل واعتذر من أحاديث الوشاة سلسلة طويلة يسهل ترتيبها، لولا أنه لا ~~فائدة من هذا الترتيب. # فحسبنا منها أن القاسم سمع الوشايات التي تحدث بها جلساؤه ومنافسو ابن الرومي ~~والمحنقون عليه لهجائه، فأمعن في جفائه والإعراض عن توسلاته وشفاعاته، فلم يفلح ابن ~~الرومي في استعطافه بمثل قوله: # بلغ البغاة علي حيث أرادوا # والله كائدهم بما قد كادوا # وهو الشهيد على أني لم أقل # بعض الذي قد أبدءوا وأعادوا # وهب السعاة أتوا بحق واضح # أين الكرام؟ أبدلوا أم بادوا؟ ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # عفو الملوك عن الهجاة مدائح # مدحوا نفوسهم بها فأجادوا # ولم يفلح في استعطافه بأضعاف هذا الكلام، وهو كثير. # وحسبنا منها أن القاسم كان يتوعد ابن الرومي بالقتل، فقال الشاعر يقابل بين ما وشى به ~~السعاة إليه، وما وشوا به إلى القاسم: # تحدثت الأملاء أنك حابسي # على غير إجرام وأنك مغتالي # وما قيل إملاء الرجال وقالهم # بأسهل من قيلي عليك ومن قالي # ثم يستطرد إلى الترضي والاستعطاف: # إخالك لو عاينتني في حفيرتي # بكيت عظامي الباليات وأوصالي # وسرك أن أحيا كما كنت مرة # ببذل الفداء الجزل والثمن الغالي # فلا تجفني حيا ولا تبك رمتي # كمنصرف عني يسائل أطلالي # وتكرر وعيد القاسم بالقتل، فتكرر استعطاف ابن الرومي وتذكيره بسالف المودة: # أيقتلني من ليس لي منه ناصر # عليه، وأعواني ms179 عليه مكارمه؟ # أبى ذاك أن الحكم بيني وبينه # وأن علو القدر في يخاصمه # وقد طالت السعايات وطال التوسل، حتى اجتمع من ذلك ديوان غير صغير في حجمه، ولا في ~~معانيه وابتكاراته، وابن الرومي في كل ذلك لا يرى من القاسم إلا: # غضبا ألح من السحاب الأسحم # ورضى أعز من الغراب الأعصم # فضاق صدره وجاهره بالهجاء، وأفرغ كل ما في جعبته من قذع أخفه: # يا من إذا ما رأته عين والده # بين الرجال اتقاهم بالمعاذير # أقسمت بالله أن لو كنت لي ولدا # لما جعلتك إلا في المطامير # وقال في آل وهب عامة: # متى آل وهب يرتجي الري حائم # إذا كنتم ملاك سيل المحامد؟! # واتهمهم في إسلامهم؛ لأنهم كانوا قديما نصارى فأسلموا، فقال فيهم هذه ~~القصيدة: # وأحييتم دين الصليب وقمتم # بتشييد «بيعات» وهدم مساجد # وإبطال ما كان الخليفة جعفر # تخيره زيا لكل معاند # يشير إلى إبطالهم زي أهل الكتاب الذي أمر به الخليفة المتوكل في أيام غلوائه ونقمته ~~على أصحاب النحل جميعا وقراء الفلسفة وعلم الكلام. # فليس من المنتظر بعد هذه القطيعة وهذا الهجاء أن يتورع القاسم عن قتل ابن الرومي إذا ~~استطاعه، وهو مستطيعه كما استطاع قتل عم الخليفة بغير جريرة، ودبر لذلك تدبيره الذي لم ~~يعلم به الخليفة إلا بعد موته، ومتى توعد القاسم بالحبس والقتل، فليس هو بالذي يتردد في ~~إنجازه ووعيده، أو يعجز عنه، وليس ابن الرومي بالذي يتخذ الحيطة من مكيدة يراد بها، وهو ~~يسأل القاسم عطفا، وينخدع في ظواهره بغير عناء. ~~••• # وبقيت المرحلة بعد هذا قصيرة: # ذهب ابن الرومي إلى داره وهو يتوقع الموت ويتلمس الشفاء، و«لا مفر من الموت ولا من ~~قضائه المحتوم.» كما قال، وغلط عليه الطبيب أو عز عليه دواؤه، فكانت إصابة المقدار، ~~فتلقاه الموت آخر الأمر كما تلقته الحياة نفسا يساورها القلق، ويتوفز فيها الحس، ولا ~~تزال من خوف الألم في ألم: اطمأنت إلى القضاء المحتوم اطمئنانها، وأبت أن تطمئن إلى ~~آلامه وصرعاته، فاستحضرت المدية الرميضة تحاول أن تتعجل بها الموت إذا ms180 اشتدت عليها ~~سكراته، وأبطأ نزوله، ولم تخش من ذلك عقاب الدين، وله عليها ذلك السلطان المرهوب، ~~وللساعة عندها «هول دونه الهول»، وبعده حساب عسير لا شك فيه. # تلك خاتمة الترجمة التي استخرجناها من شعر ابن الرومي، وعثرنا فيها بتفاصيل ودقائق لا ~~تستخرج من شعر شاعر غيره، فكأنما انتزعها من قبضة العدم انتزاعا، وتشبث بها كما تشبث ~~بالحياة، فغلب عليها إهمال التاريخ غلبا ... والفضل في ذلك لتلك الملكة الفنية التي خلقت ~~لتحس وتعبر عما تحسه، وتسجل تعبيرها في سجل الفنون، والتي أرهفتها الأسقام ~~والآلام حتى أصبحت وسواسا يبالغ في تحريه واستيفائه كما يبالغ كل وسواس في التوكيد ~~والتقرير. # | هوامش # الفصل الرابع # | عبقرية ابن الرومي # فرغنا في الفصل السابق من حياة ابن الرومي لنتكلم في هذا الفصل عن عبقريته، وهي زبدة ~~حياته، والغرض الذي من أجله عاش ومن أجله يكتب الكاتبون عنه، فما تحرك في حياته حركة إلا ~~كان لعبقريته منها نصيب أوفى نصيب، حتى لكأنه كان لا يتحرك ولا يتنفس ولا يطعم ولا يشعر إلا ~~ليتخذ من ذلك كله مادة حياة، ويترجم ما عمل وما علم في قالب الفن ترجمة البر الأمين، وصفوة ~~القول في هذه العبقرية: إنها كانت عبقرية يونانية لولا الإفراط والانهماك، أو إنها كانت ~~عبقرية يونانية مكبرة الجوانب بعض التكبير. # ولسنا نصفها هذا الوصف لأنه تفسير سهل لهذه العبقرية النادرة؛ ولكن لأنه وصف موجز يدل على ~~أجزائها المختلفة بقليل من الكلمات. # فربما كان القول بأن ابن الرومي رجل حساس، متوفز الأعصاب، ملبي المزاج، نشأ في حضارة ~~زاهية فأجابته وأجابها، وأخذت منه وأخذ منها، فنبغ على ذلك المثال الفريد؛ لأنه لا بد في ~~الشعر من مثال فريد، ربما كان هذا أقل في العجب من تفسير عبقريته بأنها عبقرية يونانية، على ~~اعتبار أنها موروثة عن آبائه اليونان؛ إذ من هم آباؤه اليونان؟! لا ندري أهم إغريق الجزر ~~أم من إغريق البلاد المعروفة باسم اليونان، أم من إغريق آسيا الصغرى التي كانت تدور الحرب ~~فيها وحولها بين المسلمين ودولة الروم. ومن ms181 الصعب أن يحتاج إلى التفسير أن تقول: إن هؤلاء ~~الإغريق جميعا سليقة واحدة، وأمة واحدة، وعنصر واحد يتحدر منه الرجل، وينتقل إلى بيئة ~~أخرى، وينجب الأبناء في بيئته الجديدة، فيجتمع فيهم كل ما تفرق من خصائص العبقرية الفنية ~~التي تسمى الآن بالعبقرية اليونانية. # ثم نحن لا نعلم أن الإغريق في قديم عهدهم كانوا عنصرا واحدا ينتمي إلى سلالة واحدة؛ لأن ~~امتزاج الأنساب بينهم وبين الآسيويين ثابت لا شك فيه، واقتباسهم من عقائد الآسيويين وفنونهم ~~ولغاتهم ثابت كذلك أقطع ثبوت، ولا يمكن أن نجزم برأي في وراثة الفطرة الفنية، ولا سيما ~~الفطرة في الشعب كله حتى لو عرفنا الأصل الذي تحدر منه ابن الرومي بين أصول اليونان ~~الكثيرة؛ فقد كان في بلاد اليونان نفسها ألوف من أبناء الشعب اليوناني المحاطين بالبيئة ~~اليونانية في جميع ظواهرها وبواطنها، فلم ينبغ منهم في عصر ابن الرومي شاعر مثله، ولا نبغ ~~منهم في العصور السابقة التي أزهرت فيها آدابهم وفنونهم شاعر من طرازه في جميع خصائصه ~~وملكاته. فلو أننا نقلنا ابن الرومي من الأدب العربي إلى الأدب اليوناني لكان فذا في ~~أدبهم كما كان فذا في أدبنا، ولم تنقض الحاجة إلى تفسيره بهذه النقلة من أدب لغته إلى أدب ~~أصله، ولو أننا بحثنا عن مزية أصيلة في الفطرة اليونانية تنتقل مع الدم، وتسري في خلال ~~التكوين لأعيانا أولا أن نحصر هذه الفطرة، ثم أعيانا بعد ذلك أن نحصر هذه المزية. # فنحن لا نفسر عبقرية الشاعر حين نسميها بالعبقرية اليونانية، ولكننا نصفها في كلمات موجزة ~~وصفا يقربها إلى الأذهان، ويطبعها بهذا الطابع المعروف عند المطلعين على الآداب، وما من شك ~~في أن الشاعر الذي تحدر من أصل يوناني أيا كان مقره غير الشاعر الذي تحدر من أصل عربي ~~أيا كان مقره، ولكن التفريق بين هذه الشاعرين شيء، والقول بأن الشاعر لا يحس هذا الإحساس ~~ولا ينظم هذا النظم إلا إذا كان من أبناء اليونان شيء آخر؛ فحسبنا أننا نعرف ما نريد حين ~~نذكر العبقرية اليونانية، ولا ms182 نحاول بعد ذلك الخروج إلى تعليل الأصول والتعسف في تقسيم ~~خصائص الشعوب. # وإنما وصفنا ابن الرومي بهذه الصفة؛ لأنه صاحب عبقرية تعبد الحياة، وتحيا مع الطبيعة، ~~وتلتقط الصور والأشكال، وتشخص المعاني، وتقدم الجمال على الخير، أو لا تحب الخير إلا لأنه ~~لون من ألوان الجمال ، ثم هي تنظر إلى الدنيا نظرتها إلى المعرض المنصوب للتملي والمتعة، لا ~~نظرتها إلى الحصن المغلق أو الصومعة الموحشة أو غير ذلك من نظرات الأجيال والأديان، ولا ~~نعرف صفة أجمع لهذه الخصال كلها من صفة العبقرية اليونانية التي اتسمت بها في الجملة فنون ~~الإغريق؛ فقد كان الإغريق بجملتهم كما كان ابن الرومي بمفرده لو أن الإغريق كانوا يصيبون من ~~كل متعة بمقدار، وابن الرومي كان لا يعرف في أمر من الأمور مقدارا أقل من الإفراط ~~والانهماك. # عبادة الحياة # ولننظر أولا إلى حب الحياة الذي كان أول ما اشتهر به اليونان، وأول ما تستشفه من فن ~~هذه العبقرية الحية في كل جزء من الأجزاء، وكل حالة من الحالات، فابن الرومي كان من ~~أخلص محبي الحياة بين محبيها الكثيرين، أو كان - على الأصح الأوضح - من مدمني الحياة ~~بين شرابها غير المدمنين. # وحب الحياة خليقة نادرة وإن ظن أنها أعم شيء بين الناس وعامة الأحياء، فليس الحب ~~- سواء حب حياة أو حب شيء من أشيائها - سهلا رخيصا يطمع فيه كل من يريد، فمن الناس من ~~يحب الحياة كأنه مسوق إلى حبها، ومنهم من يحبها كأنه مأجور على عمله، ومنهم من يحبها ~~كأنما يحب شيئا غريبا عنه، ومنهم من يحبها كما «يحب» الحيوان الأعجم ما هو فيه، ومنهم ~~من يحبها حب العاشق الذي يختار معشوقه، أو يستوي عنده الحب على القسر والحب على ~~المشيئة؛ لأنه يريد ما يقسر عليه، ويأبى أن يفرض للفراق وجودا، أو يتوقع لهواه ~~تغييرا، فهو سعيد بأن يحب، وأن يسمح له بأن يحب، وهو يحب الحياة لأنه حي لا موت فيه ~~ولا عمل لكل حاسة في نفسه إلا أن تحس وتحيا وتستجد إحساسا وحياة، ولا ms183 تشبع من الإحساس ~~والحياة، وهكذا كان ابن الرومي يعبد الحياة عبادة لا يبتغي عليها أجرا غير ما يبتغيه ~~خلص العابدين، فكان حيا كله لا مكان فيه للموت إلا الخوف منه والتفكير فيه. # وإنك لتتابع أبياته الكثيرة في هذا الغزل، أو في هذه الفتنة، أو في هذا السكر، فيخيل ~~إليك أنه شارب قبض على الكأس يود أن يجرعها مرة واحدة من فرط التعطش والخوف عليها، لولا ~~أنه يستعذبها ويستطيبها، فيترشف منها رشفة بعد رشفة، ويعود إليها ينظر ما فرغ منها وما ~~بقي فيها، ويضن ويشتاق ويشعر بمرارة الفقد لفرط شعوره بحلاوة المتعة، فما نقصت من تلك ~~الكأس - الحياة - قطرة إلا أحس بطيبها، وأحس بألم فقدها، وعرف مقدارها، وقاس من الكأس ~~حيزها، وعاد يترشف لينسى فيزداد ذكرا على ذكر، وخسارة بعد خسارة، وأي ذكر؟ وأي خسارة؟ ~~وأي ألم؟ وأي فجيعة؟ # لعمرك ما الحياة لكل حي # إذا فقد الشباب سوى عذاب # فقل لبنات دهري: فلتصبني # إذا ولى بأسهمها الصياب # ومن هذه اللهفة بعد اللهفة تعرف كيف بلغ العشرين، وكيف بلغ الثلاثين، وكيف بلغ ~~الخمسين، وكيف بلغ الستين في قصائد شتى ومناسبات عدة لا موضع هنا لإحصائها، ولكنها تدلك ~~إذا راجعتها على مغالاته بهذه الوديعة، وضنه بتسليمها والتفريط فيها، وحرصه على ذخيرتها ~~حرص الشحيح الذي يود أن يزيد في ماله المحسوب وهو يراه ينقص ساعة بعد ساعة، ولمحة بعد ~~لمحة. # وهو إذا ذكر الشباب لم تكن صورة الشباب في ذهنه أنه فترة من الزمن، أو ظواهر من ~~المتعة والعافية، وإنما يذكره وهو ينفذ إلى صميمه وباطنه ولبابه الذي لا يحسب بالأيام، ~~ولا معول فيه إلا على جدة الشعور وجلاء الدنيا في بشاشتها الأولى كأنها الثمرة ~~المقطوفة، ولها من الشمس صبغة جديدة، ومن الطل مسحة غضة، ومن العصير المكنوز وليمة ~~تنادي الشهوة، وتفتح اللهوة. # فلا يعنيه أن يدوم له الشباب، وإنما يعنيه أن تدوم له الدنيا القديمة، وهي في جدة ~~البواكير وفي طرافة المفاجأة التي لا تذال، وإلا فما يغنيه أن يدوم الشباب والدنيا ~~أمامه ms184 مذالة المنظر مجرودة اللون، مسلوبة من تلك المفاجأة في كل نظرة، وفي كل ~~لقاء. # لو يدوم الشباب مدة عمري # لم تدم لي بشاشة الأوطار # أجل، هذا هو الشباب في صميمه وباطنه ولبابه، والشباب عنده أيضا أن يستقبل الحياة ~~لأنها لا تكون جديدة إلا بهذا الاستقبال . # أطالع ما أمامي بابتهاج # ولا أقفو المولي باكتئاب # والشباب عنده دولة يولى صاحبها على هذه الدنيا فتطيعه وتعطيه من خيراتها كل ما تملك ~~وكل ما يصبو إليه. # سقي الشباب وإن عفا # آثار معهده القتير # ما كان إلا الملك أو # دى تاجه وهوى السرير # والشباب عنده هو الحياة، لا فرق بين فقده وفقد الحياة إلا أن فاقد الشباب يعلم بموته، ~~وفاقد الحياة لا يعلم ولا يأسى على ما فات: # وفقد الشباب الموت يوجد طعمه # صراحا، وطعم الموت بالموت يفقد # والشباب عنده مفقود لا عزاء بعده إلا عزاء الموت القريب: # فما لي عزاء عن شبابي علمته # سوى أنني من بعده لا أخلد # وإن مشيبي واعد بلحاقه # وإن قال قوم: إنه يتوعد # والشباب عنده مبكي ولا يوفى البكاء إلا بالدم: # لا تلح من يبكي شبيبته # إلا إذا لم يبكها بدم # ومرثي لا ينقطع رثاؤه حتى الممات: # سأثني بآلاء الشبيبة باسطا # لساني بها حتى أحين فأقبضا # والخير الأكبر هو أن يحيا الإنسان، والشر الأكبر هو أن يموت، ولا سيئة عنده لهذا ~~الخير العميم إلا تنغيص ذلك الشر العميم. # سوءة للحياة والموت حتم # ولبذل الزمان واسترداده # وكل ما في الحياة من قلة الغبطة أن الأحياء يموتون: # كيف العزاء وما في العيش مغتبط # ولا اغتباط لأقوام يموتونا # متى نعش فبلى الأحياء يدركنا # وإن نمت فبلى الأموات يعفونا # وعلى هذا النحو يقول: # رأيت حياة المرء رهنا بموته # وصحته رهنا كذلك بالسقم # إذا طاب لي عيش تنغصت طيبه # بصدق يقيني أن سيذهب كالحلم # ومن كان في عيش يراعي زواله # فذلك في بؤس وإن كان في نعم # فالخلود الخلود، لا شيء دون الخلود يرضيه ويستقر عليه مناه، وإلا فبنو الحياة بائسون ~~محرومون؛ لأنهم لا ms185 يعيشون؛ لا لأنهم يعيشون كما يقول المتشائمون الذين لا يحبون هذا ~~الحب، ولا يعبدون هذه العبادة، ولا يحسون هذا الإحساس، وما تكلمنا بالمجاز حين قلنا: ~~إنه يعبد الحياة؛ لأنه - على ما في شعره في هذه الأبيات المفرقة في شتى القصائد - قد ~~كان يعلم ويقول: إن للحياة دينا يحرم ويحلل، ويأمر ويطاع ولو عارض أوامر الدين: # شربت وقد كان الشباب محللا # لي الراح ما كان الكتاب محرما # وقد طابق الشيب الكتاب فحرمت # على فيك تحريمين إن كنت مسلما # وذكر المحرمات في قصيدة أخرى فقال: # لم تحلل لمن أتاها ولكن # لم يحل دونها من الشيب حام # وأتى الآن دونها فهي اليو # م حرام علي كل الحرام # سوءتي إن أطعت شيبي فيما # لم أطع فيه حاكم الحكام # وعظ الله والكتاب فصمم # ت وأقدمت أيما إقدام # ونهى الشيب بعد ذاك فأسلم # ت وأحجمت أيما إحجام # فقد كان يدين في خوالجه بهذا الدين، ويستوحي منه شريعة التحليل والتحريم، وتهم خواطره ~~بالتبتل فيثنيه عنه هذا التبتل الذي لا تسكت دعوته ولا ينقطع رسوله: # أبى لأخي الدنيا التبتل أنها # لها زيفة في كل حين تزيفها # إذا ما جلاها في الرياض ربيعها # يروق عيون الناظرين رفيفها # وأخرى إذا ما أينعت ثمراتها # ورقت حواشيها وطاب خريفها # تراءى لنا في زخرفين كلاهما # إذا استوحف الأهواء طال وحيفها # وقد كان همه الأكبر أن يحيا؛ لأنه مهيأ النفس للإحساس بالحياة، ولو كان همه على ما به ~~من الخصاصة واللهفة أن يطلب القوت وينصرف إلى ذرائع العيش لما كان بالملوم. ~~••• # وتعلق ابن الرومي بالحياة أقل شيء غرابة، وأقرب شيء إلى طبيعة الأمور. نعم إنه كان ~~سقيم الجسم، عسير الرزق، مخيب الآمال، فكان أحرى لذلك أن يبغض الحياة، أو يحبها حب ~~المجبر الملوم، إلا أن المرء لا يحب الحياة على مقدار سعادته بها، واستجابة آماله فيها، ~~كما أن المرء لا يحب المرأة على مقدار ما ينال من حظوتها، ويغنم من إقبالها، بل يحب هذه ~~أو تلك كلما امتلأت بها نفسه، واشتغل بها حسه، واشتبكت ms186 بها ذكرياته، وامتزجت بها ~~رغباته، وابن الرومي كان صاحب نفس لا توصف إلا بأنها أداة مهيأة للنظر والسمع والتلقي ~~عن الوجود من حيثما ألقي إليه بأثر من آثاره، وخبر من أخباره دق أو جل، وأسعد أو ~~أشقى: # العين لا تنفك من نظر # والقلب لا ينفك من وطر # ومن أبهر ما يبهرك في هذه اليقظة الحسية حاسة اللون الذاكية المتوهجة، التي تطالعك من ~~كل وصف يصف به الوجوه أو الأزهار أو الكئوس أو الحلي أو الخمر، أو غير هذه المناظر التي ~~تلامس البصر بألوانها، فإنك قل أن ترى في وصف شاعر من شعراء العالم أجمع نظيرا لهذه ~~الحاسة الشفافة المتوفزة، التي تختلج لكل لمحة من لمحات اللون وكل شعاع من أشعة النور، ~~وتفطن إلى ألطف ما يبديه للعين من محاسن الامتزاج والمقابلة، وأصفى ما يجلوه من دقائق ~~المباينة والمشاكلة، فيصيح صيحة الوهل حين يرى الوجنة الحمراء إلى جانب الصدغ ~~الأدعج: # يا وجنتيه اللتين من وهج # في صدغيه اللذين من دعج # ما حمرة فيكما أمن خجل؟ # أم صبغة الله؟ أم دم المهج؟ # ويصيح هذه الصيحة كلما رأى هذا المنظر: # ليت شعري أسحر عينيك داء ال # قلب أم نار خدك الوهاج؟ # ويقول في مثل هذا المعنى: # تلقى جنى التفاح في وجناته # وترى جنى العناب في تطريفه # متعت منه مسامعي ومراشفي # بنثير لؤلؤه وماء رصيفه # ويصف قينة فلا يكاد يعرض من مناظرها لغير الألوان التي في وجهها وثيابها: # وقينة إن منحت رؤيتها # رضيت مسموعها ومنظرها # شمس من الحس في معصفرة # ضاهت بلون لها معصفرها # في وجنات تحمر من خجل # كأن ورد الربيع حمرها # ويقول في ساقية: # بنت كرم تديرها ذات كرم # موقد النحر مثمر الأعناب # حصرم من زبرجد بين نبع # من يواقيت جمرها غير خاب # فوق لبات غادة تترك الخا # لي من كل صبوة وهو صاب # تحمل الكأس والحلى فتبدو # فتنة الناظرين والشراب # وفي قينة: # وشرابنا وردية # لكئوسها شرر يطير # حمراء في يد أحمر الو # جنات ملثمة مهير # وفي مثلها: # إذا هي قامت في ms187 الشفوف أضاءها # سناها فشفت عن سبيكة سابك # وفي قيان مجتمعات: # لابسات من الشفوف لبوسا # كالهواء الرقيق أو كالسراب # ومن الجوهر المضيء سناه # شعلا يلتهبن أي التهاب # وليس ألطف من قوله في وصف الأعناب السود: # سود لهن من الظلماء ألوان # وفي العنب الأبيض: # لم يبق منه وهج الحرور # إلا ضياء في ظروف نور # أما الخمر فربما كان نصيب عينه من نشوتها أجمل لديه وأحب إليه من نصيب السكر عند ~~الشاربين؛ إذ تراه لا يصف سكرها كما يصف ألوانها وألوان أقداحها، بل هو يكاد يحسبها ~~لونا شائعا في الفضاء كما قال: # صفراء تنتحل الزجاجة لونها # فتخال ذوب التبر حشو أديمها # لطفت فقد كادت تكون مشاعة # في الجو مثل شعاعها ونسيمها # وكما قال في موضع آخر: # نضا الدهر عن أسآرها جل لونها # فغادرها من لونها في غلائل # ثوت تصطلي شمس الظهائر برهة # إلى أن أفادت بون شمس الأصائل # وهكذا يقول في الرياض التي: # توقد فيها كلما تلمع الضحى # كواكب يذكو نورها حين تشمس # أو في الشقائق التي هي: # ترف لأبصار كحلن بها # ليرين كيف عجائب الحكم # شعل تزيدك في النهار سنى # وتضيء في محلولك الظلم # أعجب بها شعلا على فحم # لم تشتعل في ذلك الفحم # وهكذا يقول في كل شيء. # وليست حاسة البصر متفردة بهذه القوة بين حواس ابن الرومي، ولا حظها من الذكاء والتوفز ~~بأوفر من حظ غيرها، فإن الرجل كان يسمع ويشم ويذوق ويتلمس، كما كان يبصر ويتصور، فلا ~~تقصر حاسة من حواسه عن أختها، ولا تشكو إحداهن كلاكا أو فتورا في حصتها من التمييز ~~والشعور، وهو القائل في وصف صوت: # صوت ندي وأنفاس مساعدة # كأنما نفس منهن أنفاس # يظل سامعه لدنا مفاصله # كأنما فترت أوصاله الكاس # وفي وصف مغنية: # مد في شأو صوتها نفس كا # ف كأنفاس عاشقيها مديد # وأرق الدلال والغنج منه # وبراه الشجا فكاد يبيد # فتراه يموت طورا ويحيا # مستلذ بسيطه والنشيد # فيه وشي وفيه حلي من النغ # م مصوغ يختال فيه القصيد # فكأنه قد بلغ في تحسس ms188 الصوت مرتبة الموسيقيين الذين يتمثلون للأنغام ألوانا وزخارف ~~وأوشية تكاد تنطبع في صفحة الخيال، أو تكاد تدركها العين لشدة بروزها في قرارة الوجدان. ~~وهو لا يدع لك أن تشرح أو تستخلص ما تقرؤه من كلامه حتى يقول لك بالعبارة الصريحة: إنه ~~يصل بين الرؤية والسماع ، ويترجم بين الحاستين فينقل إلى لغة العيون ما تضمنته لغة ~~الآذان. وإليك ما يصف به إحدى القيان: # ذات صوت تهزه كيف شاءت # مثلما هزت الصبا غصن بان # يتثنى فينفض الطل عنه # في تثنيه مثل حب الجمان # ذلك الصوت في المسامع يحكي # ذلك الغصن في العيون الرواني # ثم يستطرد إلى تمييز الأنغام فيقول: # جهوري بلا جفاء على السم # ع مشوب بغنة الغزلان # فيه بم وفيه زير من النغ # م وفيه مثالث ومثان # فتراه يجل في السمع حينا # وتراه يدق في الأحيان # رخمته ورقرقته وضاهى # فعلها الأحمران والأسمران # فهو يحكي ترقرق النهر في الري # ح لعيني ذي غيلة صديان # يلج السمع مستمرا إلى القل # ب بلا إذن ولا استئذان # وإنك إذا قرأت مدائحه الأخريات في القيان المحسنات، وأهاجيه في شنطف ودبس وأبي سليمان ~~ومن لا يجيد هذه الصناعة من المغنين والمغنيات؛ علمت أن له أذنا واعية تهفو إلى السماع ~~الجميل، وتنفر من السماع القبيح، وإذا قرأت مبتكراته في فضائل الأزهار والرياحين ولذة ~~الاستمتاع بروائحها، وتمييزه لمراتبها؛ علمت أنه كان يستروح من جمال مشموماتها مثلما ~~كان يستروح من جمال مناظرها، وإذا قرأت ما قال في الموز الذي «يدفعه البلع إلى القلوب»، ~~وفي المشمس الذي إذا رأيت بستانه «فأيقن بحق أنه لطبيب»، وفي الدجاجة التي تلوح له ~~سميطة صفراء دينارية، والتي «يكاد إهابها يتفطر»، أو قرأت مقطوعاته في القطائف والفطائر ~~واللوزينج والحلوى التي كان يقرظها ويفتن في تشبيهها؛ علمت كيف كان النهم بالمناظر ~~والطعوم بابا عنده للنهم بالطعام، بل حسبك من دليل على شراهة حاسة الطعم عنده وقوة ~~التذاذه بها قوله: إنه ما كان ليحفل بالموت أو ليجزع من القبر «لولا فواكه أيلول ~~...» # وحاسة اللمس في هذه الأداة الحسية ms189 اليقظى كحواس البصر والسمع والشم والطعم في الدقة ~~والرفاهة والانتباه، فها هو ذا يصف الريح الشمالية: # وشمأل باردة النسيم # تشفي حرارات القلوب الهيم ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # شاردة في الليل بالنميم # بين نشير الروض والخيشوم # كأنها من جنة النعيم # وها هو ذا يصف الليل في شهر أيلول: # يا حبذا ليل أيلول إذا بردت # فيه مضاجعنا والليل سجواء # وجمش القر فيه الجلد فائتلفت # من الضجيعين أحشاء فأحشاء # أو ها هو ذا يصف البارد: # ألذ من معتق الرساطون # وقهوتي قطربل وكركين # رجرجة من ماء ليل تشرين # كرونق السيف اليمان المسنون # باتت على طود نياف العرنين # تنفحها الريح برش ممنون # في شطر كوز صنع طب أفنون # أخضر في خضرة جرو اليقطين # ألست يا محرومها بمغبون؟ # فها هنا تلمس معه برد الهواء الذي «يجمش» الجلود والأحشاء، بل ها هنا يخيل إليك أن ~~لبرد الماء في «شطر الكوز» الأخضر ثقلا راسبا ينقع الغلة بالرجرجة قبل أن ينقعها ~~بالشراب، وأن الشاعر ما اختار «معتق الرساطون» من أسماء الخمر إلا لأنها كلمة مجسمة ~~أشبه بالرصاص البارد الذي ترى لاستقراره راحة كراحة الظمآن بعد الارتواء، ثم تعيد نظرك ~~في الأبيات فتعجب ما هي الحاسة التي لم تشترك في وصف هذه الأبيات؟! أهي حاسة البصر وهي ~~ترى للماء رونقا كرونق السيف اليمان المسنون، وترى خضرة الكوز كأنه جرو اليقطين، وترى ~~«شطر» الكوز وهو كأنما تفلق من برودة ما فيه، وترى صنعة الكوز فإذا هي صنع قادر صناع؟ ~~أم هي حاسة السمع وهي تصغي إلى رجرجة الماء ونفح الريح؟ أم هي حاسة الري وهو هنا ناقع ~~لا يبقي من الظمأ بقية في الصدور؟ أم هي حاسة الخيال وهو يرتفع بالكوز إلى رأس الطود ~~النياف العرنين، ويشبع القلب بالخمر المجلوبة من قطربل وكركين؟ فأوجز ما يقال في تصوير ~~ابن الرومي لهذا الكوز: إنه قد التهمه حسا بكل ما فيه من منظور ومسموع ومشروب ومتخيل ~~وملموس. # فهذه أيها القارئ نفس تامة الأداة تشعر شعورا شديدا بالحياة من حيثما واجهتها، ~~وتداخل الطبيعة في كل جزء من أجزائها؛ ms190 فقد عاش صاحبها يوما يوما من عمره، وناحية ~~ناحية من وجدانه، ولابس الحياة ولابسته. # ودامت الدنيا له غضة # كأنها الجارية الناهد # وليس الأمر كله حسا بالظواهر كذلك الحس الذي لا مذهب له وراء العيون والآذان ~~والآناف، ولا هو بالدقة التي ترهف الحواس إرهافا، فلا يكون قصاراها إلا أن تقابل بين ~~المرئيات والمسموعات، أو بين هذه وتلك وبين المشمومات والملموسات، كلا! فإن هذه اليقظة ~~الحسية لتصاحبها يقظة في الشعور الباطني تسري به في كل مسرى، وتنفذ به إلى كل منفذ، ~~وتترجم العواطف والأخلاق كما تترجم المناظر والألحان؛ فإذا تتبع «المكر» في خبايا ~~الفكر، فهو القائل في ذلك قولا لا يسبقه فيه شاعر: # لك مكر يدب في القوم أخفى # من دبيب المدام في الأعضاء # أو دبيب الملال في مستهامي # ن إلى غاية من البغضاء # أو مسير القضاء في ظلم الغي # ب إلى قاصد له بالتواء # وإذا جال الحزن في نفسه بدت منه على الكون غشاوة، ولاح له كأنما نفخ في الصور ~~ودمر كل عامر: # وأظلمت الدنيا وباخ ضياؤها # نهارا، وشمس الصحو حيرى على القمم ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وأبدى اكتئابا كل شيء علمته # وأضعاف ما أبداه من ذاك ما كتم # ثم عرف أنه هو الحزن الدخيل، وليست الدنيا البادية للعيان هي التي يراها بتلك النظرة ~~الشاحبة فقال: # كذاك أرى الأشياء إما حقيقة # بدت لي وإما حلم مستيقظ حلم # ولم يحلم اليقظان إلا وقد أتت # على لبه دهياء هائلة الفقم # وقد يتأمل المرأة، فإذا هو محيط - في بيت واحد - بسر «الأنوثة» كله، وبما في المرأة ~~من ضعف وقوة، وبما هنالك من العجب في أن تكون هذه المخلوقة العجيبة إنسانا كالرجل، وهي ~~والرجل جسدان مختلفان، وطبعان متباينان، وأن تكون غريبة عنه وهي قرينة له ما عن ~~مقارنتها محيص، وذلك كله ملحوظ في البيت الذي يقول فيه: # ومن عجائب ما يمنى الرجال به # مستضعفات لنا منهن أقران # ولا عجيبة هنا إلا العجيبة التي يحسها من أحس سر الأنوثة وسر الرجولة، وأحاط بالتوفيق ~~الغريب بين هذين الإنسانين، حيث يفترقان وحيث ms191 يلتقيان، واستوعب لغز «الجنس» ببديهة ~~واسعة لم يحجبها عن ذلك اللغز أن الجنسين أشيع ما يرى في عالم الإنسان والحيوان. # وأما وقد ذكرنا المرأة ولغز الجنس المنوط بها، فقد يكون من الواجب أن نعرف مقدار ما ~~شغلته من هذه النفس وحركته من هذا الإحساس، فإذا كان ابن الرومي عابدا للحياة، فالمرأة ~~ولا ريب كاهنة هذا المعبد التي تتم على يديها مراسم العبادة، ومحورها الذي تلتف حوله ~~الشعائر والقرابين، وإذا كان ابن الرومي نفسا تيقظت فيها أداة الحس والشعور، ففي ~~المرأة ولا ريب تلتقي أشد مغريات الحس، وأعمق بواعث الشعور، ولا بد من شأن لهذه ~~«المخلوقة» في حياة هذا الشاعر، فما هو هذا الشأن؟ وما حقيقته؟ وما مداه؟ وهل هو شأن ~~«المرأة»، أو هو شأن «امرأة» خاصة، أو أكثر من امرأة خاصة؟ وهل عشق؟ وهل أحب؟ وهل عرف ~~ما هو الحب الذي نعني به شيئا أكثر من العشق وأكثر من الغرام؟ # فأما هذا الشأن فقد كان، ولا يعقل إلا أن يكون، وما فرغ ابن الرومي قط من شأن النساء، ~~ولا كره الشيخوخة إلا لأنها تصده عن المرأة أو تصد المرأة عنه؛ فلأجلها قبل كل شيء كان ~~يخاف غائلة السن؛ ولأجلها قبل كل شيء كان يتمنى خلود الشباب: # أخشى كسادي على النساء إذا # أسننت والسن جمة الخبل # وإنني من كسادهن على # سني لأولى بالخوف والوجل # ولأجلها كذلك تمنى أن تنعكس أيام العمر فيتقدم فيه الهرم ويتأخر فيه الشباب: # فالعيش طعمان عند ذائقه # مر التوالي مستعذب الأول # من عسل تارة ومن صبر # لهفي لتأخير عقبة العسل # لو أنها أخرت لطاب بها ال # عيش وإن جاوزت شفا الأجل # وفي وسعك أن تقول: إنه عرف «العشق» الذي لا يعرفه إلا من نشبت علائقه بامرأة واحدة ~~دون سائر النساء، فوصف ما وجده من هذا العشق في غير موضع، وقال من ذلك: # قد كنت أبكي لأصحاب الهوى زمنا # فهل لي الآن من باك فيبكيني؟ # أهكذا يجد العشاق كلهم؟ # يا رحمتا للمحبين المساكين! # وقال: # الحب داء عياء لا ms192 دواء له # تضل فيه الأطباء النحارير # قد كنت أحسب أن العاشقين غلوا # في وصفه فإذا في القوم تقصير # سقيا لأيام لم أخبره تجربة # إلا بما وصفت عنه الأخابير # بل جرب الغيرة فقال في تهوينها على العاشق ما لا يقوله إلا غيور: # إذا خلة خانتك بالغيب عهدها # فلا تجعلن الحزن ضربة لازب # وهب أنها الدنيا التي أنت موقن # بفرقتها إذ أنت في شأن لاعب # فهو قد عشق وغار وكابد لوعة الرغبة التي يحصرها العشق في إنسانة واحدة بين سائر ~~النساء، وفارق وناجى وذكر، وقال من ذلك في معشوقة فارقها على أمل اللقاء: # أعلى العهد أنت أم حلت عنه # جعل الله قبل ذاك مماتي؟ # لست أنسى امتناع صبرك للتو # ديع والبين مؤذن بشتات # إلا أن هذا كله عشق وليس في حب. وقد يكفي الإحساس والعاطفة لإضرام العشق، وإغرام ~~المرء بامرأة يشتهيها ويغار عليها، ويشعر نحوها بذلك الشعور الفطري الذي ركب في عامة ~~الرجال وعامة النساء. أما الحب الذي نعنيه فلا يكفي فيه الإحساس والعاطفة، ولا بد فيه ~~من «الروحانية» أو الزهد والتضحية، ونكران النفس، ومن ثم نكران الحياة، ويقترن ذلك ~~بالتصوف والارتفاع بالمرأة إلى ما فوق مرتبتها في الطبيعة، وفوق حظها من محاسن الأجسام؛ ~~إذ الطبيعة لا تعرف في المرأة إلا أنها أنثى، وكذلك العاشق. أما المحب فإنه قادر على أن ~~يفيض من روحانيته نورا على من يحب، وأن يحفها بهالة علوية قد يهابها، وقد يخشع لها في ~~بعض المواقف خشوع المتنسكين. ولم يكن لابن الرومي نصيب من هذه الروحانية، ولا من ذلك ~~النور، فما كانت المرأة في حسه أو عاطفته إلا أنثى طبيعية، ومخلوقا جميلا فيه متعة ~~للأعين ومسرة للقلوب، ونساؤه كلهن نساء المتعة والمسرة على نسق واحد يلخصه مثل هذا ~~البيت: # حوراء في وطف، قنواء في ذلف # لفاء في هيف، عجزاء في قبب # وهو في هذا أيضا وفي «للعبقرية اليونانية»، وللصورة التي رسمها اليونان لجمال ~~«فينوس»؛ فقد كان اليونان طبيعيين في الجمال، وطبيعيين في العشق، ولم يكونوا روحانيين ~~في شعر ms193 ولا فلسفة ولا تصوير، وخلاصة الحب عندهم أنه نسخة من حب «خلوي ودفنيس» في غابة ~~حفلت بالألوف من نسخ هذا الحب بين أزواج الطير والحيوان، فإذا تنزه فهو حب عصفور ~~لعصفورة، أو ظبي لظبية، أو حيوان جميل لحيوانة جميلة يخلو من الكثافة، ويزدان بالخفة ~~والرشاقة ، ولكنه لا يخلو من «الجسدانية» ولا من «الطبيعية»، ولا يفارق الأرض ليصعد إلى ~~سماء «الروحانية» والنور، وإذا تنزه بعد ذلك فهو صداقة حامية يشترك فيها الفكر والذوق ~~والغريزة، ولا ينفسح فيها مجال كبير للنزاهة والتقديس. # حب الطبيعة # وتنتقل من ذاك إلى الخاصة الأخرى من خواص الطبيعة اليونانية، وهي حب الطبيعة. # فقد وصف الطبيعة شعراء كثيرون، ولم يمنحها الحياة إلا قليلون! أما الذين منحوها حياة ~~نحبها وتحبنا، ونعطف عليها وتعطف علينا، ونناجيها وتناجينا، فأقل من هؤلاء ~~القليلين. # وذاك أن الشاعر قد يؤخذ بأحمرها وأبيضها وأصفرها وأخضرها، ويفتن بما فيها من الزراكش ~~والأفانين، ثم لا يعدو بذلك أن يمدح شيئا قد يجد مثله في ألوان الحلي وأصباغ الطنافس ~~ونقوش الجدران، أو نحن نخطو وراء ذلك خطوة فنقول: إنه لا يعدو بذلك أن ينظر إلى دمية ~~فاتنة يروقه منها وجه مليح، وقوام ممشوق، وحسن مفاض على الجوارح والأوصال، ولكنه لا ~~يتطلع منها إلى عطف ولا يفتش فيها عن طوية. # وقد يستريح الشاعر إلى الطبيعة لأنها ظل ظليل، ومهاد وثير، وهواء بليل، وراحة من عناء ~~البيت، وضجة المدينة، فلا يعدو بذلك أن يستريح إليها كما تستريح كل بنية حية إلى الماء ~~والظل والهواء، كذلك تهجع السائمة في المروج، وكذلك تهتف الضفدع في الليلة ~~القمراء. # وقد يمنحها الشاعر حياة من عنده أو من عند الخرافات والأساطير، فإذا هي حياة بغيضة لا ~~تصلح للتعاطف والمناجاة، ولا يصدر عنها إلا الفزع والإحجام، ولا تقوم بينه وبينها إلا ~~الحواجز والعداوات. # أما الطبيعة التي تحب وتناجى، وينم التعاطف بين الشاعر وبينها عن ثروة غزيرة من ~~الشعر والشعور، فهي طبيعة الحور الخافقات في الهواء، والعرائس السابحات بين الأمواج، ~~والعذارى الراقصات في عيد الربيع، والجنيات الهامسات ms194 في رفرفة النسيم ورقرقة الغدير، ~~وحنين الصدى وحفيف الأغصان، أو إن شئت فقل: إنها هي الطبيعة العامرة بما في البروق ~~والرعود والسماوات والأعماق من بطولة وعظمة، ونضال جياش بالغضب الظافر، والسطوة ~~المجيدة، والخطر المثير، والشجاعة التي تقدم ولا تحجم، وترجو ولا تخاف، أو إن شئت ~~فقل: إنها هي الطبيعة التي تبث الإغراء في كل شيء حتى ليحذر الملاح لجة البحار؛ مخافة ~~أن تستهويه بنات الماء من وراء زرقة الأمواج، فيثب إلى أحضانها وكأنما يثب إلى أحضان ~~عروس طال بها عهد الغياب. # فعلى هذا النحو تنجلي الطبيعة للعبقرية التي تحبها وتمنحها الحياة، فليست هي دمية ولا ~~حلية، وليست هي مروحة للهواء ولا مجلسا للمنادمة، ولكنها قلب نابض وحياة شاملة، ونفس ~~تخف إليها، وتأنس بها، و«ذات» تساجلها العطف وتجاذبها المودة، ثم هي عمار لا خواء فيه، ~~وأسرة لا تبرح منها في حضرة قريب يناجيك وتناجيه، ويعاطيك الإخلاص وتعاطيه. # وقد كان ابن الرومي يحب الطبيعة على هذا النحو، ويستروح من محاسنها نفسا تتصبى ~~الناظر إليها، وتتبرج له «تبرج الأنثى تصدت للذكر»، ويرى وراء هذه الزينة التي تبدو على ~~وجهها عاطفة من عواطف العشق، تتعلق بها العفة والشهوة تعلقها بالعاطفة الإنسانية ~~الشاعرة: # فهي في زينة البغي ولكن # هي في عفة الحصان الرزان # ولا يقول هذا القول على سبيل الاستعارة اللفظية، ولكنه يقوله ويصف الطبيعة الوصف الذي ~~يقتضيه ذلك الشعور، ويمليه ذلك التصور، فيشف وصله لها عن شغف الحي بالحي، وشوق الصاحب ~~إلى الصاحب، وتسمع من تشبيبه بها رنة طرب أو شجو لا تخرج إلا من نفس مفعمة بأصداء ~~الطبيعة قد نفذت إلى طويتها، وشاركتها فيما تتخيله لها من حزن وسرور، فهو يحيا مع الشمس ~~الغاربة حين تضع على الأرض «خدا أضرع» من دهشة الفراق، وهو يحيا مع النوار حين تخضل ~~بالدمع عيونه، وتهبط مع الليل شجونه، وهو يحيا مع الذباب المغرد والطير الساجع في ساعة ~~الغروب التي يمتزج فيها الحنان الذائب بالشوق الخفيض، وهو ينتظم ذلك كله في أنشودة ~~واحدة لم تدع مزيدا لفن ms195 اللون والحركة، ولا مزيدا لوحي الخيال والسليقة: # إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت # على الأفق الغربي ورسا مذعذعا # وودعت الدنيا لتقضي نحبها # وشول باقي عمرها فتشعشا # ولاحظت النوار وهي مريضة # وقد وضعت خدا إلى الأرض أضرعا # كما لاحظت عواده عين مدنف # توجع من أوصابه ما توجعا # وظلت عيون النور تخضل بالندى # كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا # يراعينها صورا إليها روانيا # ويلحظن ألحاظا من الشجو خشعا # وبين إغضاء الفراق عليهما # كأنهما خلا صفاء تودعا # وقد ضربت في خضرة الروض صفرة # من الشمس فاخضر اخضرارا مشعشعا # وأذكى نسيم الروض ريعان ظله # وغنى مغني الطير فيه فسجعا # وغرد ريعي الذئاب خلاله # كما حثحث النشوان صنجا مشرعا # وهو يعرف الربيع حياة تتحرك في الوحش والطير، كما يعرفه زخرفا تتحلى به الأرض ~~والسماء؛ لأنه وليمة الحياة للأحياء. # تجد الوحوش به كفايتها # والطير فيه عتيدة الطعم # فظباؤه تضحى بمنتطح # وحمامه يضحى بمختصم # إن الربيع لكالشباب وإن # ن الصيف يكسعه لكالهرم # وهو ينتشي مع الطيور والأغصان إذا بعثت الشمال بتحيتها و: # هبت سحيرا فناجى الغصن صاحبه # موسوسا وتنادي الطير إعلانا # ورق تغني على خضر مهدلة # تسمو بها وتشم الأرض أحيانا # تخال طائرها نشوان من طرب # والغصن من هزه عطفيه نشوانا # وهو يستمع إلى الروضة في بكائها وشدوها إذ هي: # يتداعى بها حمائم شتى # كالبواكي وكالقيان الشوادي # من مثان ممتعات قران # وفراد مفجعات وحاد # تتغنى القران منهن في الأي # ك وتبكي الفراد شجو الفراد # وهو يفهم الشعر الذي لا ينشده صاحبه للأجر والصنعة: # لكن كما راقت القمري جنته # فظل يتبع تغريدا بتغريد # وهو يحسن الإصغاء إلى سر الحياة الكامنة في هذه الأرض، وينصت إلى ما يبوح به الربيع ~~في نجواها إذا: # لم يبق للأرض من سر تكاتمه # إلا وقد أظهرته بعد إخفاء # أبدت طرائف وشي من زواهرها # حمرا وصفرا وكل نبت غبراء # وهو يشتهي جمال الطبيعة من كل جارحة في نفسه إذا بدت للعين: # برياض تخايل الأرض فيها # خيلاء الفتاة في الأبراد # منظر معجب، تحية أنف # ريحها ريح طيب ms196 الأولاد # وقد بلغ من قوة هذا الإحساس فيه أن تجاوز حيز البديهة إلى حيز التفكير، كأنه التفت ~~إلى نفسه فأدرك من طول المراقبة وتواتر الإحساس المتشابه علة أنسه بالطبيعة، وعلم أنه ~~أانس مستمد مما يفيضه عليها من دلائل الحياة، فقال في أبيات يصف بها الأغصان: # تلاعبها أيدي الرياح إذا جرت # فتسمو، وتحنو تارة فتنكس # إذا ما أعارتها الصبا حركاتها # أفادت بها أنس الحياة فتؤنس # ولما شغف بالشباب ذلك الشغف المتوهج لم ينس معه الشغف بالطبيعة، ولم يفرق بين ربيعه ~~وربيعها، وبين ثمراته وثمراتها، بل خلع من شبابه عليها، وخلع من شبابها عليه ومزج ~~بينهما مزجا لا تخاله يكون إلا في مهجة واحدة، وجسد واحد؛ فإذا تذكر الشباب فاسمع ما ~~هذا الذي يذكره بالشباب: # يذكرني الشباب صدى طويل # إلى برد الثنايا والرضاب # وشح الغانيات عليه إلا # على ابن شبيبة جون الغراب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # يذكرني الشباب جنان عدن # على جنبات أنهار عذاب # تفيئ طلها نفحات ريح # تهز متون أغصان رطاب # إذا ماست ذوائبها تداعت # بواكي الطير فيها بانتحاب # يذكرني الشباب رياض حزن # ترنم بينها زرق الذباب # إذا شمس الأصائل عارضتها # وقد كربت تواري بالحجاب # وألفت جنح مغربها شعاعا # مريضا مثل ألحاظ الكعاب # يذكرني الشباب سراة نهي # نمير الماء مطرد الحجاب # قرته مزنة بكر وأضحى # ترقرقه الصبا مثل السراب # على حصباه في أرض هجان # كأن ترابها ذفر الملاب # له حبك إذا اطردت عليه # قرأت بها سطورا في كتاب # تذكرني الشباب صبا بليل # رسيس المس لاغبة الركاب # أتت من بعد ما انسحبت مليا # على زهر الربا كل انسحاب # وقد عبقت بها ريا الخزامى # كريا المسك ضوع بانتهاب # يذكرني الشباب وميض برق # وسجع حمامة وحنين ناب # فيا أسفا ويا جزعا عليه # ويا حزنا إلى يوم الحساب # أأفجع بالشباب ولا أعزى؟ # لقد غفل المعزي عن مصابي # تفرقنا على كره جميعا # ولم يك عن قلى طول اصطحاب # وكانت أيكتي ليد اجتناء # فعادت بعده ليد احتطاب # أيا برد الشباب لكنت عندي # من الحسنات والقسم الرغاب # بليت على الزمان وكل برد ms197 # فبين بلى وبين يد استلاب # وعز علي أن تبلى وأبقى # ولكن الحوادث لا تحابي # لبستك برهة لبس ابتذال # على علمي بفضلك في الثياب # ولو ملكت صونك فاعلمنه # لصنتك في الحريز من العياب # وهذا حنين إلى الطبيعة وشبابها، وحنين إلى العمر وشبابه لا تدري أين يبتدئ أحدهما ~~وأين ينتهي الآخر، فهما حنين واحد، وشباب واحد، وفاكهة واحدة، وروضة واحدة، وإنك لتذوق ~~الفاكهة فتذوق فيها طعم الشفاه والخدود، وتجد فيها مس الضفائر والنهود، وتجمع فيها بين ~~وليمة الحب ووليمة البستان بعد أن تسمعه يقول: # متع الظبي من جنى غصنك اللد # ن يمتعك منه قبل انخضاده # من عناقيده وتفاحه الغض # ورمانه ومن فرصاده # أو بعد أن تسمعه يقول: # أجنت لك الوجد أغصان وكثبان # فيهن نوعان: تفاح ورمان # وفوق ذينك أعناب مهدلة # سود لهن من الظلماء ألوان # وتحت هاتيك عناب تلوح به # أطرافهن قلوب القوم قنوان # غصون بان عليها الدهر فاكهة # وما الفواكه مما يحمل البان # ونرجس بات ساري الظل يضربه # وأقحوان منير النور ريان # ألفن من كل شيء طيب حسن # فهن فاكهة شتى وريحان # فلا افتراق عنده بين الطبيعة والشعور، يكاد لا ينظر إلى الحسان إلا تذكر الروضة ~~والبستان، أو يكاد لا ينظر إلى الروضة والبستان إلا بنظرة تثير الرغبة وتوقظ ~~الأشجان. # ولو كان للطبيعة في بلاد العراق ظواهر أخرى غير هذه الظواهر التي توزع وصفها في ~~قصائده ومقطوعاته؛ لقرأت له في تلك الظواهر الأخرى وصفا على هذا الأسلوب يحييها ~~ويناجيها، ويلهمها القول والعمل، ويزودها بالسير والأحاديث، كما ترى في الأساطير ~~المروية عن بلاد الرعود والبراكين والمغاور والآجام؛ لأننا لا نحسب هذه القريحة قادرة ~~على أن تتخيل شيئا من الأشياء بغير حياة، ولا على أن تفصل بين عالم الطبيعة وعالم ~~الحياة في أي البلاد. # التشخيص والتصوير # والقريحة المطبوعة على إعطاء الحياة مطبوعة كذلك على إعطاء الشخوص، أو على ملكة ~~التشخيص. # ولكننا نحب أن نستثني هنا ذلك التشخيص الذي تلجئ إليه ضرورة اللغة وتسهيل التعبير مع ~~علم المتكلم بما في كلامه من المجاز والمفارقة؛ ms198 فقد يتكلم الشاعر أو غير الشاعر عن ~~الشمس بضمير المؤنث، وعن القمر بضمير المذكر، وقد يسند إليهما فعال الأحياء العاقلة ~~وغير العاقلة، ولكنه بعد تعبير لفظي ليس وراءه تصور، وليس وراء التصور - إن كان - أثر ~~من الشعور، ولا سيما الشعور المتبادل بين طرفين متعاطفين . # وإنما المقصود بالتشخيص تلك الملكة الخالقة، التي تستمد قدرتها من سعة الشعور حينا، ~~أو من دقة الشعور حينا آخر، فالشعور الواسع هو الذي يستوعب كل ما في الأرضين والسماوات ~~من الأجسام والمعاني، فإذا هي حية كلها؛ لأنها جزء من تلك الحياة المستوعبة الشاملة، ~~والشعور الدقيق هو الذي يتأثر بكل مؤثر، ويهتز لكل هامسة ولامسة، فيستبعد جد الاستبعاد ~~أن تؤثر فيه الأشياء ذلك التأثير، وتوقظه تلك اليقظة وهي هامدة جامدة صفر من العاطفة ~~خلو من الإرادة. وهذا الشعور الدقيق هو شعور ابن الرومي بكل ما حوله، وسبب ما عنده من ~~قدرة الإحياء، وقدرة التشخيص؛ قدرة التشخيص التي هي ملكة مقصودة تكون عند أناس، ولا ~~تكون عند آخرين، وليست قدرة التشخيص التي هي حيلة لفظية تلجئنا إليها لوازم التعبير، ~~ويوحيها إلينا تداعي الفكر وتسلسل الخواطر. # خذ مثلا للمعاني «التشخيصية» التي يأتي بها اللفظ والمعاني التشخيصية، التي يأتي بها ~~الشعور من أبيات ابن الرومي في مشهد الشمس ساعة الغروب؛ فقد ينظر بعض الشعراء إلى الشمس ~~في هذا المشهد، فيجعلها حسناء مفارقة، وما دامت حسناء مفارقة فهي معشوقة أو عاشقة، وما ~~دامت معشوقة أو عاشقة فهناك قصة غرام تدور على هذا المعنى إلى حيث ينتهي بها المطاف؛ ~~وكل هذا لأن الشمس مؤنثة في اللغة العربية، وحسناء في تشبيهات الشعراء! فهي قصة مولدة ~~من لفظ عرضي قد يكون لها نصيب من الشعور، وقد لا يكون لها أقل نصيب. أما الشيء الذي لا ~~يمكن أن يخلقه اللفظ ولا التشبيهات ولا تسلسل الخواطر، فهو الشعور العميق بوحشة الغروب ~~وما ينعكس من ذلك الشعور العميق على الشمس من ترنيق وضراعة وانكسار ونظر يائس كنظر ~~المريض إلى العواد، ووجوم شائع بينها وبين عيون النور التي ms199 تغرورق على الأغصان لتدمع، ~~وتلحظ ألحاظا خشعا من الشجو والإغضاء، فلا بد إذن من شعور يسبق التشخيص، ويلقي عليه ~~ظله، ويثبت فيه من حياته، وأيا كان لفظ الشمس من التأنيث أو التذكير، وأيا كان ~~موقعها من تشبيهات الشعراء؛ فإن هذا الشعور لا يتغير ولا يضعف ولا يزول. # هذا الشعور هو الذي يسبق كل تشخيص لابن الرومي أو كل «صورة مشخصة» في شعره، سواء تكلم ~~عن بلد أو يوم أو خليقة، أو فترة من العمر، أو معنى محسوس أو غير محسوس. # فأنت تستخرج من بغداد «صورة مشخصة» حين يقول عنها: # بلد صحبت به الشبيبة والصبا # وليست ثوب العمر وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته # وعليه أغصان الشباب تميد # وأنت ترى للمهرجان والنيروز «شخصين» يشبان ويشيبان، ويدينان بالأديان، ويحدوهما ~~الشوق، وتلوح عليهما الهيبة حين يلوحان لك في قوله: # شبب المهرجان لهوك فيه # فغدا من غطارف الشبان # وكذاك النيروز رد عليه # بك شرخ الشباب ذي الريعان # ولذكرت ذا وذاك جميعا # سنن الملك في بني ساسان # عمرا برهة على دين كسرى # وهما الآن بعده مسلمان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # فعلى منظريهما هيبة العز # ونور الإسلام والإيمان # وأحباك حب مولى شكور # فهما وامقان بل عاشقان # كل يوم وليلة فرط شوق # ونزاع إليك يطلعان # فبهذا وذاك حتى يجيئا # غلة فوق غلة الظمآن # لو أصابا إلا الغلاط سبيلا # غالطا الحاسبين في الحسبان # أو يخلى عنان ذاك وهذا # سبقا موقتيهما في الزمان # ولودا إذا هما بك حلا # لو يقيمان ثم لا يرحلان # وعزيز عليهما أن يكونا # عنك لولا الإزعاج يرتحلان # لو أطاقا هناك للدهر قسرا # حرنا سائقيه أي حران # ولهنوات النفوس «شخوص» عنده يخاطبها وتخاطبه، ويعتب عليها وتعتب عليه، وتسمع بينه ~~وبينها هذا الحوار: # ليتني ما هتكت عنكن سترا # فثويتن تحت ذاك الغطاء # قلن: لولا انكشافنا ما تجلت # عنك ظلماء شبهة قتماء # قلت: أعجب بكن من كاسفات # كاشفات غواشي الظلماء # قد أفدتنني مع الخبر بالصا # حب أن رب كاسف مستضاء # قلن: أعجب بمهتد يتمنى # أنه لم يزل على عمياء # إلى آخر ms200 ذلك الحوار. # والشباب روح أو ملك يعيش كما يعيش الرجل وزميله مع الجان في بعض الأساطير. # أخي وإلفي وتربي كان مولدنا # معا وربتني الأيام حيث ربا # والود كائن حي يعالجه القتل أو يترك إلى الهرم فيموت: # أمت وديك عبطة فمه # دعه على رسله يمت هرما # والعوسج شرير «ملعون» يهجى ويسخر منه ويقال فيه: # عذرنا النخل في إبداء شوك # يذود به الأنامل عن جناه # فما للعوسج الملعون أبدى # لنا شوكا بلا ثمر نراه # تراه ظن فيه جنى كريما # فأظهر عدة تحمي حماه؟! # فلا يتسلحن لدفع كف # كفاه لؤم مجناء كفاه! # وإذا كانت هذه قدرة ابن الرومي على خلق الأشكال للمعاني المجردة، أو خلق الرموز لبعض ~~الأشكال المحسوسة؛ فإن القدرة التي سبق بها الشعراء في الأمم كافة - بغير شك ولا تردد - ~~هي قدرته البالغة على نقل الأشكال الموجودة كما تقع في الحس والشعور والخيال، أو هي ~~قدرته على التصوير المطبوع؛ لأن هذا في الحقيقة هو فن التصوير كما يتاح لأنبغ نوابغ ~~المصورين، فلست أعرف فيمن قرأت لهم من مشارقة ومغاربة أو يونان أقدمين وأوروبيين ~~محدثين، شاعرا واحدا له من الملكة المطبوعة في التصوير مثلما كان لابن الرومي في كل ~~شعر قاله مشبها، أو حاكيا على قصد منه أو على غير قصد؛ لأنه مصور بالفطرة المهيأة ~~لهذه الصناعة، فلا ينظر ولا يلتفت إلا تنبهت فيه الملكة الحاضرة أبدا، وأخذت في العمل ~~موفقة مجيدة، سواء ظهر عليها أو سها عنها، كما قد يسهو المصور وهو عامل في بعض ~~الأحايين. # إنما التصوير لون وشكل ومعنى وحركة، وقد تكون الحركة أصعب ما فيه؛ لأن تمثيلها يتوقف ~~على ملكة الناظر، ولا يتوقف على ما يراه بعينه ويدركه بظاهر حسه، ولكن تمثيل هذه الحركة ~~المستصعبة كان أسهل شيء على ابن الرومي وأطوعه، وأجراه مع ما يريد من جد أو هزل، وحزن ~~أو سرور. وقد مر بك وصفه لمشيته التي «يغربل فيها»، وللأحدب الذي شبهه بالمصفوع وهو ~~يتجمع ويتهيأ للصفع ويخشاه! فأضف إليه هنا وصفه لحركة الكتان في حقله: ms201 # وجلس من الكتان أخضر ناعم # توسنه داني الرباب مطير # إذا درجت فيه الشمال تتابعت # ذوائبه حتى يقال: غدير # ووصفه لحركة الرقاق في يد الصانع: # ما بين رؤيتها في كفه كرة # وبين رؤيتها قوراء كالقمر # إلا بمقدار ما تنداح دائرة # في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر # ووصفه للقمر في سريانه: # وأسفر القمر الساري فصفحته # ريا لها من صفاء الجو لألاء # ووصفه لحركة الري في النبات: # ويحور الخريف وهو ربيع # وتسور المياه في العيدان # ووصفه للحركة البطيئة في سير السحائب: # سحائب قيست بالبلاد فألفيت # غطاء على أغوارها ونجودها # حدتها النعامى مثقلات فأقبلت # تهادى رويدا سيرها كركودها # فإنك تقرأ هذه الأبيات وأمثالها مما سبق أو لم يسبق في هذا الكتاب، فيروعك منها - أول ~~ما يروع - صدق تمثيلها للحركة في الجملة والتفصيل، ليس أصدق من وصف ذوائب الكتان ~~بالغدير وهي تتلاحق مع الريح، ثم يتمم تصوير الحركة هنا تصوير اللون الأخضر، والملمس ~~الناعم والغيم الذي يسري على جلس الكتان مع الليل في وقت الوسن، ويسف بحواشيه المطيرة ~~إلى الأرض البليل، فالصورة كاملة لا تنقص منها سمة من سمات المكان والزمان والحركة، ولا ~~حظ من حظوظ العين واللمس والخيال، ومثلها صورة الرقاق وهي تكبر في لمح البصر كما ~~«تنداح» الدوائر في صفحة الماء، ومثلها صورة الليلة القمراء وهي كاملة متحركة من بداية ~~الإسفار إلى السريان إلى الصفحة الريا التي تطالعك بالامتلاء والنداوة إلى الصفاء ~~المحيط بكل هذا، فاللألاء المشرق على ذلك الصفاء. # ليس في البيت كلمة واحدة إلا لها مكانها من الصورة، ونصيبها من التلوين والتمثيل ~~والتبيين، ومثل ذلك المياه التي تسور في العيدان كأن لها وجيبا أو دبيبا يتتبعه ~~الناظر بعينه، ويصغي إليه بأذنه، والسحائب التي لا تفرق بين حركتها وركودها لأنها أطبقت ~~على أغوار البلاد ونجودها. وهات ما شئت من صور له في وصف الإنسان والحيوان والنبات ~~والجماد، فإنك لتجدن فيها كلها مثل هذا الصدق، ومثل هذه الحركة، ومثل هذه الحياة. وقد ~~يكون قولنا هذا من تحصيل الحاصل بعدما سلف من بيان إحساسه ms202 باللون، ويقظته لكل ما يراه ~~أو يسمعه أو يلمسه، أو يدركه من ظواهر الأجسام وبواطن العواطف والأخلاق، ولكنه تحصيل ~~حاصل غير مألوف ولا مستغن عن بعض الإبانة وبعض التفصيل. # ولو كان ابن الرومي مصورا لما استغرب منه هذا الولع بالألوان والظلال والأشكال ~~والحركات؛ لأنه كان لا يستطيع إذن أن يشرع في عمله قبل أن يلتفت إلى عناصر الصورة ~~المحسوسة، ويجيلها في روعه، ويهيئها للظهور على قرطاسه، أما الشاعر فلا ضرورة في نظم ~~الشعر تقسره على أن يلتفت هذا الالتفات الدقيق إلى كل لمحة من لمحات اللون والظل، وكل ~~صغيرة من صغائر الشكل والحركة، فإذا التفت إلى ذلك في عامة شعره بغير ضرورة قاسرة، ولا ~~طريقة مسبوقة، فإنما يلتفت إليه لأنه مطبوع على التصوير ينظر إلى حوله، فينطبع ما يراه ~~في حسه وإن دق وخفي، كما ينطبع النور البعيد الضئيل في مصور الفلكي المحكم ~~التركيب. # وبودنا أن نثبت الآن قصيدة «المهرجان» النونية برمتها؛ لأنها نموذج واف لشعر ابن ~~الرومي في هذا الباب، ولكنا نجتزئ منها بما يأتي، وفيه الدلالة الكافية على هذه الملكة ~~النادرة، قال: # يمن الله طلعة المهرجان # كل يمن على الأمير الهجان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # مهرجان كأنما صورته # كيف شاءت مخيرات الأماني ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وأديل السرور واللهو فيه # من جميع الهموم والأحزان # لبست فيه حفل زينتها الدن # يا وزافت في منظر فتان # وأذالت من وشيها كل برد # كان قدما تصونه في الصوان # وتبدت مثل الهدي تهادي # وادع الجيب عاطل الأبدان # فهي في زينة البغي ولكن # هي في عفة الحصان الرزان # كادت الأرض يوم ذلك تفشي # سر بطنانها إلى الظهران ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وتعود الرياض مقتبلات # ناعمات الشكير # 1 # والأفنان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # زخرفت يوم نعمه حجرات # جد موطوءة من الضيفان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # حجرات ميممات بناها # من فضول المعروف أكرم بان # لم يكن يقتني المساكن حتى # يتقن المجد أيما إتقان # فأذيلت فيها تهاويل رقم # قائمات بزينة المزدان # ثم قام الكماة صفين من كل # عظيم في قومه مرزبان # كلهم مطرق إلى الأرض مغض # وعلى سيفه هنالك حان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وتجلى على السرير جبين # ذو شعاع يحول ms203 دون العيان # يمكن العين لمحة ثم ينهى # طرفها عن إدامة اللحظان # فله منه حاجب قد حماه # كل عين ترومه بامتهان # فاستوى فوق عرشه بوقار # وبحلم من الحلوم الرزان # ثم قام الممجدون مثولا # ضاربين الصدور بالأذقان # ليس من كبرياء فيه ولكن # كل وجه لذلك الوجه عان # فثنوا سؤدد الأمير وعدوا # فيه آلاءه بكل لسان # حين لم يجشموا التزيد لا بل # ما تعدوا ما حصل الكاتبان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # فقضوا من مقالهم ما قضوه # ثم آبوا بالرفد والحملان # بعدما أرتعوا الأنامل فيما # لا تعداه شهوة الشهوان # من خوان كأنه قطع الرو # ض وإن كان في مثال خوان # فوقه الطير في الصحاف وحاشى # ذلك الطير من جفاء الجفان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # ثم سام الأمير سوم الملاهي # وخلا بالمدام والندمان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وقيان كأنها أمهات # عاطفات على بنيها حواني # مطفلات وما حملن جنينا # مرضعات ولسن ذات لبان # ملقمات أطفالهن ثديا # ناهدات كأحسن الرمان # مفعمات كأنها حافلات # وهي صفر من درة الألبان # كل طفل يدعى بأسماء شتى # بين عود ومزهر وكران # أمه دهرها تترجم عنه # وهو بادي الغنى عن الترجمان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أوتي الحكم والبيان صبيا # مثل عيسى بن مريم ذي الحنان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # لو تسلى به حديثة رزء # لشفى داء صدرها الحران # عجبا منه كيف يسلي ويلهي # مع تهييجه على الأشجان ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # فترى في الذي يصيخ إليه # أمرات المحزون والجذلان # فتأمل، فهل ترى في وسع المصور القدير أن يلتفت إلى لون أو ظل أو شكل أو خط أو حركة في ~~المهرجان لم يلتفت إليها ابن الرومي في هذه القصيدة؟ وتأمل الشاعر هل تراه في قصيدته ~~إلا كما قلنا في بعض مقالاتنا: «كالرسام الذي بسط أمامه لوحته، وأقبل على الوجوه ~~والأشكال يتفرسها، ويطيل النظر إلى ملامحها وإشاراتها وما تشف عنه من المعاني، وتشير ~~إليه من الدلائل، ويراقبها في التفاتاتها ومواقفها وحركاتها؛ لينثني بعد ذلك إلى لوحته، ~~فيثبت عليها ما توارد على بصره وقريحته من الألوان والمعارف والهيئات من حيث هي تحفة ~~فنية تستهوي الحواس والأذواق؟ # فهو يبدأ برسم زينة المهرجان، واختيال الدنيا بمنظرها فيه وبرود الوشي التي أذالتها ms204 ~~للناظرين، واللهو والسرور الذي شمل كل شيء، وأديل له من جميع الهموم والأحزان، ثم يرسم ~~حجرات الأمير بزخارفها وتهاويلها، وضيوفها الغادين إليها الرائحين منها، وقيام الكماة ~~صفا بعد صف مطرقين إلى الأرض، مغضين بالأبصار حانين على السيوف، ثم يرسم الأمير فوق ~~سريره وقد طلع على الجمع بوجه معيب يمكن العين منه لحظة، ثم ينهاها عن إدامة اللحظان، ~~ثم يذكر لك وقار الإمارة، وسمات الحلم والرزانة بين قوم يعنون له، ويجلون قدره من الحب ~~والتبجيل، لا من الصلف والكبرياء. # ثم يرسم المادحين بين يديه يرتلون عليه الثناء ضاربين الصدور بالأذقان، وينصرفون من ~~حضرته بالعطايا والحملان، بعدما شبعوا من خوان يلوح في مثل قطع الروض، وإن سمي بالخوان، ~~ثم يرسم القيان الكواعب الأبكار عاطفات على المزاهر عطف الأم على الرضيع بنهود مفعمات، ~~ولكنها صفر من درة الألبان، ثم يرسم أثر الغناء على وجوه السامعين، فإذا هو شجن وسلوى، ~~وأمرات من الحزن والجذل، وطرب يشوبه السكون وسكون يشوبه الطرب ... فلا تزال في القصيدة ~~تنتقل بين أبياتها من صورة إلى صورة، ومن منظر إلى منظر، ومن حركة إلى حركة حتى تأتي ~~عليها، وقد استعرضت في خيالك متحفا واسعا من الأشكال والخطوط عملت فيه القريحة ~~والنظر، واشترك فيه الفن والإحساس، وروى لك أصدق الرواية عن عين تلمح وتعي، ونفس تحس ~~فتستوعب، وخيال يدخر الجمال المنظور فيثري بالألوان والسمات ...» # زعموا أن بعضهم قال لابن الرومي: «لم لا تشبه كتشبيهات ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ ~~فقال للائمه: أنشدني شيئا من قوله الذي استعجزتني عن مثله، فأنشده قوله في ~~الهلال: # انظر إليه كزورق من فضة # قد أثقلته حمولة من عنبر # فقال: زدني. فأنشده قوله في الآذريون - وهو زهر أصفر في وسطه خمل أسود: # كأن آذريونها # والشمس فيه كالية # مداهن من ذهب # فيها بقايا غالية # فصاح: وا غوثاه! تالله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ذاك إنما يصف ماعون بيته، وأنا ~~أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا وصفت ما أعرف أين يقع قولي من الناس.» إلى آخر ~~القصة. # وقد ms205 تصح هذه القصة أو لا تصح، ولكنها على الحالتين تدل على رأي شائع في التشبيه بين ~~الذين كانوا يتعاطون الأدب في عصر ابن الرومي، وبين الذين يتعاطونه في هذه الأيام، ~~فلابن المعتز تشبيهات كثيرة أبلغ من هذه التي مرت في القصة، وأجمل وأنقى في المعنى ~~والديباجة، ولكنهم لا يختارون له في مقام التحدي والتعجيز إلا هذه الأبيات وأمثالها؛ ~~لظنهم أن نفاسة التشبيه إنما تقاس بنفاسة المشبه والمشبه به، وأن الغرض من التشبيه إنما ~~هو مضاهاة أبيض على أبيض، وأصفر على أصفر، ومستدير على مستدير، ومستطيل على مستطيل مما ~~يرى بالعين، ولا فضل فيه للشعور والتخيل، فالشاعر الذي يصف النجوم ويشبهها بالجواهر ~~والحلي هو الشاعر غير مدافع، وهو المثل الأعلى في هذه الصناعة. # ثم يليه الشعراء على حسب الأشعار في سوق المشبهات! وقصارى ما يطلبه الشاعر من ~~التشبيه أن يثبت لك أنه رأى شيئين من لون واحد، وشكل واحد، كأنك في حاجة إلى مثل ذلك ~~الإثبات الذي لا طائل تحته، فإما أنه أحس وتخيل وصور إحساسه، وتخيله باللفظ المبين ~~والخواطر الذهنية الواضحة، فليس ذلك من شأنه ولا هو مما يدخل عنده في باب البلاغة ~~والشاعرية، وهذا خطأ بعيد في فهم الوصف والشعر يخرج بهما عن القدرة النفسية إلى القدرة ~~الآلية التي تحكي المناظر الظاهرية، كما تحكيها المصورة الشمسية، فالمسافة عظيمة جدا ~~بين شاعر يصف لك ما رآه كما قد تراه المرآة أو المصورة الشمسية، وشاعر يصف لك ما رآه ~~وشعر به، وتخيله وأجاله في روعه وجعله جزءا من حياته. # وليس يعنيك أنت أن يكون الشاعر صحيح العين مطلعا على المرئيات المتشابهة ليتصل ما ~~بينك وبينه، ويقترب وجدانك من وجدانه، ولكنما يعنيك منه أن يكون إنسانا «حيا» يشعر ~~بالدنيا، ويزيد حظك من الشعور بها، وتلك هي مزية ابن الرومي في وصفه وتشبيهه، ومزيته في ~~شعره كله من أوائل شبابه إلى اليوم الذي مات فيه. وينبغي هنا أن نذكر مرة أخرى أن ملكة ~~الشعر غير ملكة الوصف، وليستا بشيء واحد كما يفهم كثير ms206 من القراء، فمن وصف وشبه ولم ~~يشعر فليس بشاعر، ومن شعر وأبلغك ما في نفسه بغير وصف مشبه، فلا حاجة به إذن إلى سرد ~~الصفات لتتم له ملكة الشاعرية. ~~••• # من ثم نقول: إننا قسمنا العبقريات الفنية إلى أقسام وفصائل، فخير ما نفهم به عبقرية ~~ابن الرومي أنها عبقرية يونانية على المعنى المفهوم بين قراء الآداب من هذه الكلمة؛ إذ ~~لا نعرف صفة لعبقرية ابن الرومي هي أوجز ولا أبين من هذه الصفة المجموعة في كلمة واحدة، ~~فإنه كان محبا للحياة في خفة وطفولة وأريحية دائمة، كالحب الذي عهدناه في جملة الفنون ~~اليونانية، وكان مشخصا لمحاسن الطبيعة وعناصرها، كما شخصتها أساطير اليونان، وولدت ~~منها بنات الماء وعرائس الغاب وأرباب السحب والبحار وغيرها من ولائد الذوق والخيال، ~~وكان مأخوذا بالجمال في كل شيء كما أخذوا به في كل شيء، مستغرقا في الحس الدنيوي كما ~~استغرقوا فيه. # أما أنه كان كذلك لأنه من سلالة اليونان، فذلك قول لا نجزم به ولا نجزم بنفيه؛ لأنه ~~يستطيع أن يكون كذلك ولو لم يكن من تلك السلالة التي اختلطت فيها سلالات الشرق والغرب ~~والشمال والجنوب، فما اختص اليونان بإبداع الفنون واستجلاء الجمال، ولا يحسن بأحد أن ~~يدعي ذلك لشعب من الشعوب، وكل ما امتازوا به على غيرهم أنهم منحوا الفنون حرية لم ~~تمنحها في الشعوب القوية التي توطدت فيها الدولة وتوطد فيها الدين، فاشتمل على العلوم ~~والفنون، وأحاطها بقيود المراسم والموروثات، فلما خضع اليونان لمثل هذا السلطان نضب ~~فيهم ذلك المعين الحر، وأخلدوا إلى المراسم والموروثات إلا قليلا من الحنين المتجدد ~~إلى الفن القديم، وامتياز اليونان بالحرية في الفن فضل عظيم. # ولكن ما مقدار ما يسري منه في الدم، ويثبت مع الغرائز، ويتنقل مع السلالات؟ وما هو ~~الحد الفارق بين اليونانية وغير اليونانية في الشعوب الكثيرة التي يتناولها اسم اليونان ~~في آسيا وأوروبا، وقبل التاريخ وبعد التاريخ؟ فأنت ترى أن القول بالوراثة اليونانية في ~~ابن الرومي ليس أسهل ولا أصوب من القول بانفراد هذه الظاهرة الغريبة ms207 التي لا تزول ~~غرابتها من بعض الوجوه، حتى لو ظهرت في بلاد اليونان، وقد يكون فيما مر بك من شرح مزاجه ~~ونشأته تعليل صالح لهذا الإحساس المتوفز، يساعد على تفسيره بعض التفسير، فحسبنا إذن من ~~كلمة العبقرية اليونانية أنها كلمة مفهومة في لغة الآداب، وإن لم تكن مفهومة في لغة ~~الأنساب. # | هوامش # الفصل الخامس # | فلسفة ابن الرومي # لكل شاعر كبير فلسفة للحياة، أو فهم لها على وجه من الوجوه، وهذه هي مزية الشاعر الكبير ~~على الشعراء الصغار. # فإذا قرأت عشرين شاعرا كبيرا، فأنت أمام عشرين نسخة من الدنيا، أو أمام عشرين مثالا ~~لها كل منها مخالف لغيره مستقل عنه في طريقة تمثيله؛ لأن الشاعر الكبير يشعر بكل شيء ~~حوله، فما من مظهر ولا مخبر إلا وله موقع من قلبه، وصدى في ضميره، ولأنه مستقل في إدراكه ~~وشعوره ينحو نحو نفسه، ولا ينحو نحو غيره، فإذا قرأت شعره فهناك الدنيا كلها ممثلة في ذلك ~~الشعر على طريقته التي لا تشبهها طريقة، ولا كذلك الشاعر الصغير؛ أي الشاعر الذي تضيق نفسه ~~بسعة الدنيا فلا يشعر إلا بجانب صغير من جوانبها الكثيرة، والذي يتبع غيره في إدراكه ~~وشعوره، فلا يثبت على قدميه لحظة إلا ريثما يتكئ على سند من سابقيه أو معاصريه، فإن هذا ~~الشاعر الصغير شذرة من الدنيا، وليس بمثال كامل للدنيا برمتها، وقد تكون هذه الشذرة أجمل ~~وأتقن، وأحب وأشهى من المثال الكامل في مساحته الواسعة ومنظره الجسيم، ولكنه شذرة على كل ~~حال أو خريطة بلد واحد لن تغنيك - بالغة ما بلغت من روائها وإتقانها - عن خريطة الأرض ~~الكاملة، وإن قصرت في الرواء والإتقان. # فمن الشعراء الكبار من يريك الدنيا كأنها معرض للجمال، أو يريكها كأنها متنزه للفرجة، أو ~~كأنها كعبة للعبادة، أو ميدان للقتال، أو طريق للعبور، أو ملعب للسرور، أو يريك الدنيا كما ~~هي. وذلك أكبر الشعراء وأعلاهم في مراتب الإلهام. أما الشاعر الذي تسأل نفسك بعد قراءته: ما ~~هي الدنيا؟ وما مثالها في خلدك؟ فلا تهتدي إلى جواب، ms208 فليس بالشاعر الكبير وإن عد في ~~المجيدين من الشعراء. # فلا بد للشاعر الكبير من إدراك الدنيا كلها، ولا بد لهذا الإدراك من صورة تختلف كثيرا أو ~~قليلا من سائر الصور، وهذا هو الذي نعنيه بفلسفة الشاعر، ولا نتخطاه إلى معنى الفلسفة ~~الشائع بين المفكرين، إذ لو قصدنا إلى هذا لوجب علينا أن نقول: إن الفلسفة أبعد المطالب عن ~~ابن الرومي، وإن ابن الرومي أبعد الناس عن الفلسفة، بل لوجب علينا أن نقول أكثر من ذلك: إن ~~قريحة ابن الرومي كانت نقيض القريحة التي يحتاج إليها الفيلسوف؛ لأن الفيلسوف يجرد كل شيء ~~ليراه بعين الفكر؛ حيث تلتقي الكليات، وتنعدم الفوارق والأجزاء، وابن الرومي كان يجسم كل ~~شيء ليراه بعيني الفنان في عالم الأنوار والأشكال والخطوط والحركات. # وربما خطرت للقارئ وساوس ابن الرومي وأوهامه وأسراره، فحسبه من أهل الباطن الذين ينظرون ~~إلى الدنيا نظرة الروحانية، وقرب ما بينه وبين الفلاسفة المجردين على هذا الاعتبار، فيجب ~~علينا كذلك أن نبادر إلى القول بأن ابن الرومي كان نقيض أهل الباطن المتعمقين، كما كان نقيض ~~الفلاسفة المجردين؛ لأن أهل الباطن يتجاوزون الظواهر إلى البواطن، ويحسبون الظواهر وهما أو ~~كذبا لا وجود له إلا في الحس المضلل المخدوع. أما ابن الرومي فكان يعكس الأمر، فيلبس ~~الأسرار ثوب الظواهر، ويلحق عالم الخفاء بهذا العالم المجسم المحسوس، فالباطنيون ينفون ~~الظواهر، ويثبتون الأسرار، وابن الرومي ينفي الأسرار ويثبت الظواهر؛ وكان يلحي الناس لأنهم ~~يغفلون عن نذير الخفاء ولا يتقونه كما يتقون نذير العيان؛ لأن الخفاء عنده إن هو إلا عيان ~~يراه ويلمسه ويتجنبه ويلقاه. # لقد كان الرجل «جديد» الإحساس في شبابه وهرمه، فعالمه أبدا عالم الطفولة الخالدة الذي ~~يطالع صاحبه أبدا ببهجة جديدة أو خوف جديد: طفولة خالدة، ولكنها مروعة لفرط ما ألح عليها ~~من السقم والألم، فهي في هذه المأدبة الإلهية التي تسمى بالدنيا، فاغرة الحس أبدا لكل ~~طارئ جديد من طوارئ الإغراء والترويع، طفولة لم تزدها السنون إلا إمعانا في الطفولة، ~~وإغراقا في اللعب، وشوقا إلى الحلوى، ms209 ورهبة من العصا، واحتيالا على هذه الرهبة، فلن ترى ~~في شعره كله قولة واحدة إلا هي قولة الطفل الكبير الذي يفهم أضعاف ما يفهم الكبار، ولكنه لا ~~يحس إلا كما يحس الأطفال. # أيتكلم عن الصبر؟ أيتكلم عن العزلة؟ نعم ويتكلم عن الزهد والعفة والتقوى وعما شئت من ~~الحكم والنصائح! وزد عليه أنه يتكلم عنها كلام النية والعقيدة لا كلام الخبث والرياء، ثم ما ~~هو إلا أن تعروه بادرة واحدة من بوادر الفرح أو الحزن، وغواية واحدة من غوايات الربيع أو ~~الخريف حتى تذهب جميع هذه الحكم والنصائح في الرياح، وينطلق الطفل الكبير مصفقا للمتعة ~~الجديدة، أو صارخا من الألم الجديد؛ لأن الكلمة العليا في هذه «الفلسفة» للإحساس الطارئ، ~~لا للفكر السابق أو الإحساس القديم. # أتسميها إذن فلسفة «أبيقورية» تنشد اللذة أينما كانت، وتهرب من الأمل أينما كان؟ إن كنت ~~تسمي الطفل الذي يتهافت على الحلوى ويجفل من العصا «أبيقوريا»، فلك أن تعد ابن الرومي في ~~جماعة الأبيقوريين، ولكن الأبيقورية - في رأيي - ليست «جدة» الإحساس المتفزز للمسرات ~~والآلام، وإنما هي فتور الإحساس واستكانة الشيخوخة إلى ما يريح، ونفورها مما يزعج ويثير، ~~وهي في معناها الشائع نقص في الإحساس، وليست بزيادة فيه، وإلا فهل تظن أبا نواس شعر بلذعة ~~الألم أو بنضرة السرور قط؟ هذا هو الأبيقوري في الأبيقوريين، وهو كما تعلم واحد من أولئك ~~المترفين الذين يطلبون اللذة ويشفقون من الألم؛ لأنهم فاترون فارغون، لا لأنهم مرهفو الحس ~~مفعمون بالحياة. # أما ابن الرومي فكان يألم ويسر؛ لأن حياته هي الألم والسرور؛ أو لأنه لا بد له من أن يحس، ~~ولا بد للإحساس من أن يكون بعض الألم وبعض السرور، وليس في وسعك أن تعطله من الإحساس بهذا ~~أو بذاك، إلا إذا عطلته من الحياة، وليس في وسعه هو أن يطلب اللذة باختياره، أو يجتنب الألم ~~باختياره؛ لأن الجدول الرقراق لا يطلب الصفاء، ولا يجتنب الكدر، وإنما يصفو ويكدر لأنه ماء، ~~ولن يكون إلا من الماء. # فعالم ابن الرومي هو عالم الطفولة ms210 الخالدة لا عالم الشيخوخة الوادعة أو عالم ~~«الأبيقوريين». # والطفولة الخالدة هي الإحساس الجديد بالألم، والإحساس الجديد بالسرور، ولقد دام له هذا ~~الإحساس الجديد كأحسن ما يدوم بعد فقد الشباب، ولكنه لفرط طمعه في الحياة كان لا يقنع إلا ~~بأن يجمع بين «بشاشة الأوطار» وقدرة الشباب ؟ # الفصل السادس # | صناعة ابن الرومي # قولا لمن عاب شعر مادحه # أما ترى كيف ركب الشجر؟ # ركب فيه اللحاء والخشب ال # يابس والشوك دونه الثمر # وكان أولى بأن يهذب ما # يخلق رب الأرباب لا البشر # يتفق لقارئ الشعر أن يعرض له في مطالعاته بيت غير منسوب إلى صاحبه، فينسبه إلى شاعر معروف ~~عنده، ثم يجد بعد البحث أن فراسته قد صدقت، وأن البيت لذلك الشاعر بغير خلاف، ولكنه قد يعلم ~~السبب الذي دعاه إلى نسبة البيت إليه، وقد يتعذر عليه أن يرد ظنه إلى سبب غير البداهة التي ~~لا تعلل؛ لأن سمات الشعراء التي تبدو في قصائدهم وأبياتهم بعضها ظاهر يسهل تتبعه والاستدلال ~~عليه، وبعضها خفي يجري في الكلام مجرى الملامح في الوجوه، تعرفها وتعرف بها الأبناء ~~والآباء، ولكنك لا تردها إلى سبب محدود. # وليس كل الشعراء ذوي ملامح واضحة يعرفهم بها القراء، ففي العربية مثلا ألوف من الشعراء ~~لا تعد منهم مائة بين أصحاب الملامح الواضحة التي تعرفهم بها في القصيدة الواحدة، بله البيت ~~الواحد، وفي طليعة هؤلاء من الشعراء المحدثين - غير ابن الرومي - المتنبي والمعري والشريف ~~الرضي، والبقية درجات في هذه الخصلة تعرفهم بسهولة حينا، ولا تعرفهم حينا إلا بعد جهد ~~وتحقيق. # بعض هذه الملامح أو العلامات نفسي لا نعود إليه في هذا الفصل؛ لأنه سبق في مواضع متفرقة ~~من الفصول المتقدمة، وبعضه لفظي يرجع إلى الصياغة وأسلوب التعبير والنزعة الفنية التي ينفرد ~~بها الشاعر بين الشعراء، وإن تساووا في الإجادة، كما ينفرد الجميل بين ذوي الجمال بسمة ~~خاصة تستحب فيه، وإن تساووا كلهم في الجمال. وهذا الذي نعنيه بالصناعة، ونتم به مباحث هذا ~~الكتاب. # فالعلامات البارزة في قصائد ابن الرومي هي طول نفسه، ms211 وشدة استقصائه المعنى واسترساله فيه، ~~وبهذا الاسترسال خرج عن سنة النظامين الذين جعلوا البيت وحدة النظم، وجعلوا القصيدة ~~أبياتا متفرقة يضمها سمط واحد قل أن يطرد فيه المعنى إلى عدة أبيات، وقل أن يتوالى فيه ~~النسق تواليا يستعصي على التقديم والتأخير، والتبديل والتحوير، فخالف ابن الرومي هذه ~~السنة، وجعل القصيدة «كلا» واحدا لا يتم إلا بتمام المعنى الذي أراده على النحو الذي ~~نحاه؛ فقصائده «موضوعات» كاملة تقبل العناوين، وتنحصر فيها الأغراض، ولا تنتهي حتى ينتهي ~~مؤداها، وتفرغ جميع جوانبها وأطرافها، ولو خسر في سبيل ذلك اللفظ والفصاحة. # ولا ريب أن هذا الاستقصاء كان سببا من أسباب الإطالة، ولكنه لم يكن كل السبب؛ لأن ابن ~~الرومي كان يطيل القصائد حفاوة بالممدوحين، وإكبارا لشأنهم، وإظهارا لعنايته بإرضائهم، ~~وكان يرى فرضا عليه للممدوح أن يستصعب ولا يستسهل، فإذا طرق القوافي السهلة اعتذر من ~~تقصيره، كما قال لعبيد الله بن عبد الله من قصيدة نيفت على سبعين ومائتي بيت: # كل مدح في غيركم فمثاب # ما أثيبت عبادة الأوثان # هاكها، لا أقول ذاك مدلا # قول ذي نخوة بها وامتنان # بين أثنائها مديح نفيس # من لبوس الملوك والفرسان # ذو قواف كأنها حلق الأصد # اغ في البيض من خدود الغواني # راق معنى ورق لفظا فيحكي # رائق الخمر في رقيق الصحان # إن تكن سهلة القوافي فليست # في المعاني بسهلة الوجدان # فابتذلها في يوم لهوك واعلم # أنها بعد من ثياب الصيان # وابسط العذر في ارتخاص القوافي # واتباعي سهولة الأوزان # أنت ألجأتني إلى ما تراه # بالذي فيك من فنون المعاني # أي وزن وأي حرف روي # لهما بالمديح فيك يدان # ضاق عن مأثراتك الشعر إلا # فاعلات مفاعل فاعلان # ليس مدح يفي بمدحك إلا # صلوات المليك في القرآن # لا ولا حمد كفء نعماك إلا # حمد سبع من الكتاب مثان # أو كما قال لأبي القاسم التوزي الشطرنجي من قصيدة ناهزت مائة وخمسين بيتا: # ولك العذر مثل قافيتي في # ك اتساعا فإنها كالفضاء # وتأمل فإنها ألف الم # د لها مدة بغير انتهاء # وله رأي ms212 في إطالة الشعراء وإطالته يقول فيه: # كل امرئ مدح امرأ لنواله # وأطال فيه فقد أراد هجاءه # لو لم يقدر فيه بعد المستقى # عند الورود لما أطال رشاءه # غيري فإني لا أطيل مدائحي # إلا لأوفي من مدحت ثناءه # وأعد ظلما أن أقل مديحه # عمدا وأسخط إن أقل عطاءه # على أنه كان يستريح إلى الإطالة كما يستريح الجواد الكريم إلى سعة المضمار؛ لأنها تشبه ~~لذة القدرة على النظم، والتمكن من اللغة، وتنفي ظنة العجمة التي كانوا يعيرونه بها، ~~ويتهمونه في شعره من أجلها. فلغبطة في نفسه - لا لإرضاء الممدوح وحده - كان يركب القوافي ~~الصعبة، ويتعمد رياضة الحروف العصية، فيذل له أعصاها حتى الثاء والخاء والذال والزاي والظاء ~~والغين والهاء، وغيرها من الحروف النادرة في الروي الناقصة في شعر أقدر الشعراء، وكانت فيه ~~غيرة القول، ونخوة المنافسة، وهمة الوثوب إلى الغاية، فكان هذا الجواد الكريم يأرن للسباق ~~كلما مرت به خيل السباق، فإذا سمع الكلام الجيد لم يبرح أن يعارضه بكلام من بحره وقافيته ~~ومعناه، ولم ينس أن يجرب قوته إلى جانب كل قوة، ويحرك شاعريته إلى جانب كل شاعرية؛ ففي ~~ديوانه معارضات كثيرة للنابغة وأبي مسلم وأبي نواس والحمدوني ودعبل وغيرهم ممن تروى لهم ~~الأبيات المستحسنة والحكم المأثورة، ومثل هذا لا يقصر في المضمار إذا نشطت القريحة، وتفتحت ~~أشواط الكلام. # وحبه هذا للمعارضة وتجربة القدرة هو الذي كان يدعو إلى النظم في هذا المعنى أو ذاك من ~~المعاني الطريفة التي كانت تروقه في شعر بعض الشعراء؛ كالمتأنق المغرم باللبس الجميل يستملح ~~الكساء على لابسه، فيود لو يكون له كساء من طرازه وصنفه، ولكنه لا يفكر في سرقته واغتصابه، ~~مثال ذلك: قال أبو تمام: # غربته العلى على كثرة الأه # ل فأضحى في الأقربين جنيبا # فأعجب هذا المعنى ابن الرومي فقال فيه: # رب أكرومة له لم نخلها # قبله في الطباع والتركيب # غربته الخلائق الزهر في النا # س وما أوحشته بالتغريب # وقال: # أعاذك أنس المجد من كل وحشة # فإنك في هذا الأنام غريب # وقال: # فآنس ms213 الله نفسا أنت صاحبها # فإنها من معاليها بمغترب ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # لولا عجائب لطف الله ما نبتت # تلك الفضائل في لحم ولا عصب # وقال: # وحيد فريد في المحامد آنس # بوحدته مستأثر بالفضائل # وقال: # الله يكلؤه والله يؤنسه # فإنه بمعاليه قد اغتربا # ويروي صاحب الأغاني بيتا آخر نظر إليه ابن الرومي مثل هذه النظرة؛ إذ يقول إبراهيم بن ~~العباس: # لفضل بن سهل يد # تقاصر عنها الأمل # فباطنها للندى # وظاهرها للقبل # فيقول ابن الرومي: # أصبحت بين خصاصة ومذلة # والمرء بينهما يموت هزيلا # فامدد إلي يدا تعود بطنها # بذل النوال وظهرها التقبيلا # وجاء في الجزء الثالث من زهر الآداب أن الحسين بن الضحاك أنشد أبا نواس قوله: # كأنما نصب كأسه قمر # يكرع في بعض أنجم الفلك # فنعر نعرة منكرة، فقال له الحسين: ما لك؟ فقد رعتني! قال: هذا المعنى أنا أحق به منك، ~~ولكن سترى لمن يروى، ثم أنشده بعد أيام: # إذا عب فيها شارب القوم خلته # يقبل في داج من الليل كوكبا # قال صاحب زهر الآداب: وقال ابن الرومي فكأن أحسن منهما: # أبصرته والكأس بين فم # منه وبين أنامل خمس # فكأنها وكأن شاربها # قمر يقبل عارض الشمس # فهذه المآخذ القليلة جدا في شعره تعاب، ولكنها أخلق بأن تعد من المعارضة والمسابقة، ولا ~~تعد من السرقة والغصب، أو هي على كل حال ليست من سرقة المعدم الذي لا رزق له إلا رزق غيره؛ ~~لأنها لو سقطت من شعره جملة، وسقط معها عشرة أضعافها لما نقصت ثروته، ولا مست قدرته على ~~التوليد والابتكار أقل مساس، ولو جازت المقاصة في هذا الباب لكان ابن الرومي دائنا طالبا، ~~ولم يكن مدينا مطلوبا؛ لأن ما أخذ من الشعراء أقل بكثير مما أخذه منه الشعراء. # وهناك المعاني الشائعة والنكات الشعبية العامة التي ليست لأحد، ولكنها لكل أحد؛ أي التي ~~يأخذ منها كل إنسان، ويضيف إليها كل إنسان، أو التي هي كالهواء يتساوى منه نصيب من يشاء، ~~فمن هذه المعاني الشائعة حتى في هذا الجيل، وحتى بين الأميين الذين لا يقرءون الشعر ms214 والأدب، ~~أن اللحية تشبه بالمخلاة، وينسب إلى سعيد بن وهب في كتاب الوزراء والكتاب أنه قال في قصة لا ~~محل لذكرها هنا: # قل لمن رام بجهل # مدخل الظبي الغرير # بعدما علق في خد # يه مخلاة الشعير # ليته يدخل إن جا # ء من الباب الكبير # وفي كنايته عن اللحية «بمخلاة الشعير» على هذه الصيغة ما يفيد أن النكتة «معهودة»، وأن ~~الإشارة إليها على هذا النحو غمزة مفهومة، فمن الخطل في النقد أن يقال: إن ابن الرومي عمد ~~إلى بيت سعيد بن وهب فسرقه حين قال: # علق الله في عذاريك مخلا # ة ولكنها بغير شعير # فإن سعيد بن وهب وابن الرومي في هذا الاقتباس يستويان، ويزيد ابن الرومي بتصرف جديد في ~~المعنى، وهو أن المخلاة فارغة. # وقد يلحق بهذا قول صاحب الصناعتين بعدما أورد البيتين الآتيين مثلا للمبالغة في ~~الهجاء: # يقتر عيسى على نفسه # وليس بباق ولا خالد # فلو يستطيع لتقتيره # تنفس من منخر واحد # فهو يقول: «والناس يظنون أن ابن الرومي ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه مما حكاه أبو عثمان ~~... أن بعضهم قبر إحدى عينيه وقال: إن النظر بهما في زمان واحد إسراف.» فصاحب الصناعتين أصاب ~~حين نفى ابتكار ابن الرومي للمعنى، ولكن من تراه أولى منه بفضل الابتكار؟ ولقد كان ابن ~~الرومي يخطئ لو أنه عدل عن نظم معناه هذا لأن أبا عثمان سبقه بتلك الحكاية، فحسبه منه أنه ~~تصرف فيه، وأنه مسح المبالغة عنه؛ لأنه لم يقل: إن «عيسى» يتنفس من منخر واحد، ولكنه قال: ~~إنه لو استطاع لفعل! # لكن الحذلقة التي لا يقاس إليها شيء من هذا هي زعم بعض النقاد أن ابن الرومي سرق البيتين ~~اللذين أنشأهما قبيل وفاته؛ وهما: # غلط الطبيب علي غلطة مورد # عجزت موارده عن الإصدار # والناس يلحون الطبيب، وإنما # خطأ الطبيب إصابة المقدار # فأبو عبد الله بن عبدوس الجهشياري صاحب «كتاب الوزراء والكتاب» يروي عن علي بن أبي طالب - ~~كرم الله وجهه - أنه قال: «إذا نقصت المدة كان الهلاك في العدة.» ثم يزعم ms215 أن ابن الرومي سرق ~~البيتين من هذه الكلمة، وصاحب زهر الآداب يزعم أنه أخذهما من يحيى بن خالد حين «دخل على ~~الرشيد فأخبر أنه مشغول فرجع، فبعث إليه الرشيد: خنتني فاتهمتني، فقال: إذا نقصت المدة كان ~~الحتف في الحيلة، والله ما انصرفت إلا تخفيفا.» # ولا نظن أن عصرا مضى من عصور الإسلام خلا من أناس يؤمنون بأن الحذر لا يغني من القدر، أو ~~يقول عامتهم كما يقول العامة في زماننا: «وقت القضا يعمى البصر.» فقول ابن الرومي: إن «خطأ ~~الطبيب إصابة المقدار» إنما هو عقيدته لا يزعم أحد أنه سرقها، إلا إذا زعم أن المسلم في هذا ~~العصر يسرق عقائده من المسلمين في العصور السابقة! ثم يبقى بعد ذلك أن قوله: «خطأ الطبيب ~~إصابة المقدار.» هو أبلغ تعبير جديد عن ذلك المعنى القديم. وما كان النقاد ليتورطوا في مثل ~~هذا النقد لولا أن التعسف في إظهار السرقات كان في زمن من الأزمان - أو في زمن الجمع ~~والتأليف - آيتهم على سعة الرواية والعلم بأقدار الشعراء. ~~••• # وتلاحظ في صناعة ابن الرومي لازمة الأفعال المزيدة والمشتقات التي يستخدم منها من جميع ~~الصيغ والأوزان: فأسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان، وصيغ التفضيل والمبالغة والصفات ~~المشبهة والمصادر تكثر في شعره كثرة لم نلاحظها في شعر غيره، ونحسب أن الإفراط في استخدام ~~المشتقات والأفعال المزيدة هو الوسيلة التي لا بد منها للشاعر العربي الذي يريد أن يتناول ~~المعنى من جميع نواحيه، ويتدرج به في مختلف درجاته؛ إذ ليس في اللغة العربية ظروف كالظروف ~~التي يشتقها الإفرنج من معظم الصفات والأسماء بإضافة صغيرة في أول الكلمة أو في آخرها فتدل ~~على المعنى المقصود، وتدل كذلك على اختلاف الدرجة والقوة في أداء ذلك المعنى؛ فإذا أراد ~~الشاعر العربي أن يلتفت إلى هذه الفروق، فلا بد له من الاستعانة على ذلك بالمشتقات والأفعال ~~المزيدة كما كان يفعل ابن الرومي، إلا أنه كان يسرف في جمعها معا حتى تنبو بها الأذن في ~~بعض الأبيات كقوله: # صاغة صواغة صيغا # بدعا لم تلق ms216 في خلد # أو قوله: # أبصر بيضاء في القذال فلا # نفر كنفر رأيته نفره # أو قوله: # يترك بالحول حول حولها # وهو سواء وموق مائقها # أو قوله: # قلت: إن تغلبوا بغالب مغلو # ب فحسبي بغالب الغلاب # وهي ركاكة منه كان ينساها في استطراده، وربما كان يهونها عليه وسواسه؛ لأن طبيعة الموسوس ~~لا تنفر من التكرار كما تنفر منه سائر الطبائع، على أنه كان يجمع بعض المشتقات والحروف ~~المتشابهة المخارج فتساغ - وقد تستحسن - في أصعب القوافي، كما قال في الجيمية: # سلام وريحان وروح ورحمة # عليك وممدود من الظل سجسج # ولا برح القاع الذي أنت ربه # يرف عليه الأقحوان المفلج # فإن للراء والحاء راحة في القلب تزداد بالتكرار، وتمهد لما بعدها من الظل الممدود، ~~والتضعيف المقبول في هذه القافية العصية، أو كما قال من قافية الخاء: # يا صارخا في جموع ليس تصرخه # للظالمين غدا في النار مصطرخ # أو من قافية الفاء: # ومنعم كالماء يشفي ذا الصدى # كشفائه ويشف مثل شفيفه # ويوقعه الاستطراد - ولك أن تقول: الاستغراق في المعنى - تارة في إهمال اللفظ، وتارة أخرى ~~في الأساليب النثرية التي لا ينفسح غيرها للإسهاب والإطناب والتفصيل والتفريع والمراجعة ~~والاستدراك، فينظم في هذه الحالة وكأنه ينثر، إلا أنه لا يخلو من الشاعرية، ولا يسف إلى ~~طبقة «المتن» المنظوم و«الألفيات» التي ليس فيها من الشعر إلا أنها موزونة مقفاة. # ومع هذا تستطيع أن تقول: إنه لم يجعل اللفظ شغلا شاغلا في صناعته، ولم يحفل به إلا ~~لأداء المعنى الذي يريده، فيخيل إليك وأنت تطرد في قراءته أنه يرتجل القصائد ارتجالا، ~~ويفيض بها فيضا لمطاوعة لفظه وغزارة مدده، فهو يجيد في تركيب أبياته وإحكام قوافيه، ولكنه ~~لا ينتزع الإجادة بالجهد والترويض، وما عليه إلا أن يعني ما يقول، فيقول ما يعني بغير إخلال ~~ولا التواء، وما عليه إلا أن يرسم فيجيء البناء على ما رسم، وتقوم الأركان على ما ~~دعم. # ومن الشعراء من تلمح له الكلمة في قصيدة وكأنها تمن على الشاعر بفضل وتستطيل بدالة؛ لأنها ~~أطاعته ولبت رجاءه، ms217 ورضيت بمقامها في حظيرته، فإذا بحثت عن أمثال هذه المفردات والتراكيب في ~~قصائد ابن الرومي، فلست واجدها هناك؛ لأن كلماته تقبل إلى مواضعها، وكأنها تعلم أن الفضل في ~~مقامها للشاعر لا لها، وأن الدالة في اختيارها له لا عليه، ومن ثم لم يشغل باللفظ ، ولم يبد ~~على معناه أثر الجهد فيه، وبهذا سلم من لعب الجناس اللفظي والمحسنات المموهة مع أنه نشأ في ~~العصر الذي نشأت فيه هذه المحسنات. وعجيب هذا منه وهو المتطير الذي كان يلقي باله إلى أقل ~~تجانس في الكلمات، وأضعف تشابه في الحروف؛ ليستخرج منه النذر والبشائر، ويعلق عليه القنوط ~~والأمل، ولكنه عجيب في الظاهر دون الحقيقة؛ لأنه إنما كان يبالي بالكلمات حين كان يأخذها ~~مأخذ المتطيرين، وهي حينئذ لها معنى عنده، ومن ورائها نبأ، وفيها شعور، فليست هي خواء ولا ~~تمويها، ولا بهرجا زائفا كبهرج العابثين والمزوقين، إنما كان يجانس لمعنى يراه هو، ~~ويراه من يتطير مثله، ولا يجانس لتزويق فارغ ولهو سخيف، فإذا لم يكن متطيرا فلا جناس ولا ~~اكتراث باللفظ إلا لما فيه من معنى ظاهر مستقيم، وما له من فصاحة ونضارة، أو يتفق له جناس ~~اللفظ كما كان يتفق للشاعر الجاهلي والشاعر المخضرم قبل عهد التنميق والصناعة، فلا غرابة في ~~أن نجد له أو لشاعر مخضرم مثل هذا البيت: # فيسبيك بالسحر الذي في جفونه # ويصبيك بالسحر الذي هو نافثه # أو مثل هذا البيت: # تصيبك إن حكمت وإن طلبنا # لديك العرف كنت حيا تصوب # أو مثل هذا البيت: # ليس ينفك طيرها في اصطحاب # تحت أظلال أيكها واصطخاب # وهكذا كان في كل تجنيسه الذي لا تعسف فيه، وليس هو بالكثير البارز في ديوانه الكبير، فإذا ~~جنس في غير ذلك فهو عابث متعمد للعبث، وليس بملفق محسنات ولا بطالب تزويق كما قال: # لو تلففت في كساء الكسائي # وتلبست فروة الفراء # وتخللت بالخليل وأضحى # سيبويه لديك رهن سباء # وتكونت من سواد أبي الأس # ود شخصا يكنى أبا السوداء # لأبى الله أن يعدك أهل ال # علم إلا ms218 من جملة الأغبياء # فالذي يقرؤه هنا لا يخطر له بتة أنه يزوق ويزخرف، ولا يشك لحظة في أنه يعبث ويهزل، وأنه ~~لا يحاول أن يبيع الناس بهرجا بثمن ذهب، وعرضا بثمن جوهر. # أما ما يستشهد به البديعيون من كلامه كقوله في غير الجناس: # آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم # في الحادثات إذا دجون نجوم # فيها معالم للهدى ومصابح # تجلو الدجى والأخريات رجوم # فهو أقرب إلى التقسيم الفلسفي منه إلى محسنات اللفظ وترصيعاته. # وغني عن القول أننا لم نقصد بما تقدم أن ابن الرومي كان على سذاجة الجاهليين والمخضرمين ~~في صوغ الشعر، وفهم فنون البلاغة، فإن هؤلاء كانوا يأتون بالقول البليغ ولا يعرفون علته، ~~وكانوا يطربون للشعر ولا يتوخون مذاهب نقده، وليس في وسع شاعر عباسي أن يكون كذلك بعدما ~~أولع القوم بالبحث في جميع العلل والأسباب، واصطلحوا في البلاغة على الحدود والأسماء، ~~وخرجوا من حالة «العفو» إلى حالة «الوعي»، ومن سهو الجنة التي كانوا غافلين فيها عن النعيم ~~والعذاب والخجل والعيب إلى يقظة الدنيا التي يؤخذون فيها بالتكاليف، ويدركون فيها المحاسن ~~والعيوب، وابن الرومي أولى ألا يكون على تلك السذاجة الجاهلية أو المخضرمة، وألا يسهو عن ~~محاسن كلامه وعيوبه، وهو الذي لم يسه قط عن شيء فيه، ولم يكن له من هم إلا أن يحصي خطرات ~~ذهنه وخلجات فؤاده، فهو شاعر ناقد، وبليغ له مذهب في البلاغة، ورأي في المعاني، وحجة في ~~الاختيار، ونوادره في ذلك قليلة، ولكن النادرة التي ننقلها بعد كافية للإبانة عن وجود هذه ~~الملكة فيه، وعملها في نقد كلامه ونقد كلام غيره؛ قيل: إنه سمع هذه الأبيات: # أيها الظبي المليح ال # قد مجدول مهفهف # أنا من ميلك في مش # يك مرعوب مخوف # لا تميلن فإني # خائف أن تتقصف # وهي لابن أبي فنن، # 1 # فقال في البيت الآخر: إنما أراد منه أن يميل من لينه ونعمة أعضائه، فأسرف حتى ~~أخطأ، وذلك أنه جعل اللين المفرط يتقصف، وإنما كان ينبغي أن يقول: لو عقد لانعقد من لينه، ~~فضلا عن أن يميل ms219 وهو سليم من التقصف، ثم أسرع إلى معارضة القائل بهذين البيتين: # أيها القائل: إني # خائف أن تتقصف # ليس هذا الوصف إلا # وصف مصلوب مجفف # فملكة الابتكار في ابن الرومي كانت مصحوبة بملكة الانتقاد، وفصاحته كانت فصاحة الذي يحاسب ~~نفسه ويحمل تكليفه، لا فصاحة غير المكلفين في جنة السهو والتوفيق! # كذلك لا يفهم من سهولة شعره وتدفقه، وأخذ بعضه بأطراف بعض أنه كان قليل التهذيب له ~~والرجعة إليه، فربما فرغ من القصيدة وأفضى بها إلى ممدوحه، ثم عاد إلى تنقيحها والزيادة ~~عليها، وردها مرة أخرى، كما فعل في المهرجانية التي تتبعها، وأطالها وكتب في ذلك يعتذر إلى ~~عبيد الله بن عبد الله. # قصيدة كرها مثقفها # عليك إن ثقفت على مهل # أعجلها الوقت عن رياضتها # فأقبلت ريضا على عجل ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # لم أحتشم كرها عليك ولا # سدي منها مواضع الخلل # لأنني عالم بأنك لا # تعتب فيما أصلحت من عمل # وليس مثلي ينام عن خلل # في مدح ممدوحه ولا زلل # على أنه - لطول رياضة الكلام الموزون - قد أسلست له طريقة في النظم يقسر بها المعنى على ~~الظهور، ولو اضطر إلى الحشو واللف والاعتراض، فلا تشعر إلا وقد استدار له البيت على أحسن ~~تركيب، وأصبح الحشو في يديه حسنا يزيد المعنى ولا يعيبه؛ فإذا أراد أن يقول: لا تكذب ~~الأخبار بالهوى، ولم يساعده الوزن، قال: # لا تكن بالهوى تكذب بالأخبار # ر حتى تهين ما لا يهان # فأكسب المعنى قوة لم تكن له في عبارته البسيطة؛ لأنه حين صاغ البيت هذه الصياغة كأنما ~~ينهى عن «خلق» التكذيب لا عن «فعل» التكذيب مرة واحدة أو مرات، فمعنى «لا تكن مكذبا ~~الأخبار بالهوى» غير معنى «لا تكذب الأخبار بالهوى»؛ لأن العبارة الأولى: تفيد زيادة في ~~النفي لا تدخل في مدلول العبارة الثانية؛ تفيد النهي عن «طبيعة» التكذيب، أو عن أن «يكون» ~~الإنسان مكذبا، ولا تقتصر على استنكار التكذيب في هذه الحادثة أو في تلك. # وإذا أراد أن يقول: إن البوم أفشل الطير، وحال الوزن دون هذا المعنى البسيط قال: ms220 # واعتبر أن أفشل الطير في الطير # وفينا كروسات البوم # فبلغ في إظهار فشل البومة ما لا تبلغه العبارة الأولى؛ لأنه بين فشلها بالنظر إلى مقاييس ~~الطير، وبالنظر إلى مقاييس بني الإنسان، فهي فاشلة كما يراها نظائرها في عالم الطيور، ~~وفاشلة كما نراها نحن في عالمنا الإنساني، وذلك معنى لا تجده في قول من يقول: إن البومة ~~أفشل الطوائر، وتلك كانت طريقته في الحشو «المبارك» المقبول، وفي تدوير النظم حتى يستدير له ~~على أحسن تقويم. ~~••• # وقد كان ابن الرومي كأبناء عصره يقدم الغزل بين يدي مدحه ووصفه جريا على سنة لم يكن في ~~ثقافة عصره ما يدعوه إلى استغرابها، والنظر في تنقيحها، إلا أنه يعمل هذه السنة ويتصرف في ~~تقديم الهجاء بالغزل، فلا يقصره على الوصف والمديح، فيخرج بذلك بعض الخروج من حكم التقليد ~~والمحاكاة العمياء، ويختار لصناعته بعض الاختيار. # ألم تر أنني قبل الأهاجي # أقدم في أوائلها النسيبا # لتخرق في المسامع ثم يتلو # هجائي محرقا يكوي القلوبا # وقد يتصرف غير هذا التصرف كما قال: # واشغل قريضك بالنسيب # وبالفكاهة والمزاح # كذلك كان يحكي أبناء عصره في تصعيب اللفظ وتعمد الغريب حين كان ينظم في الطرد، ووصف الأسد ~~وما إليه؛ لأن الشعراء العباسيين جعلوا الطرد خاصة معرضا للبداوة الشعرية، والفحولة ~~العربية، فكانوا في ذلك على حد ما يقال عربا أكثر من العرب، وجاهليين أكثر من ~~الجاهليين. # أما لفظه من حيث هو صحيح وخطأ، فلفظ عالم بالنحو مطلع على شواهد العربية ولا سيما في ~~القرآن، ومن هنا لم يذكر كلمة «أشياء» إلا ممنوعة من الصرف، وهي مصروفة في قول بعض ~~القياسيين من النحاة؛ لأنها جمع شيء، فهي أفعال جمع فعل، وليست فعلاء مؤنث أفعل التي تمنع ~~من الصرف، فمن المواضع التي وردت فيها الكلمة قوله: «حرمت بالمشيب أشياء حلت.» وقوله: ~~«قبحا لأشياء يأتي البحتري بها.» وقوله: # فيك أشياء لو وجدن قديما # نظمتها الملوك في التيجان # وقوله: # فيك أشياء من يواليك مسر # ور بها والعدو منها مغيظ # وقوله: # وإليك الشكاة منها ومن أش # ياء ms221 تبتز ذا الحجا معقوله # وقوله: # يا حور ما للحبيب يفعل بي # أشياء لا يستحلها الحرج # وقوله: # وفيه أشياء صالحات # حماكها الله والرسول # وإنما تابع المفسرين في هذا ولم يتابع القياسيين من النحاة؛ لأن كلمة أشياء وردت في سورة ~~المائدة ممنوعة من الصرف، إذ جاء في الآية: # يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم # بفتح ~~الهمزة في أشياء، وتعليل المفسرين لذلك «أن أشياء هنا اسم جمع كطرفاء، غير أنه قلبت لامه ~~فجعلت لفعاء، وقيل: أفعلاء حذفت لامه جمع لشيء كهين أو شيء كصديق فخفف.» وهذه المخالفة ~~للنحاة القياسيين هي كما ترى أدل على العلم منها على الخطأ، فلم يكن ابن الرومي ممن يسهل ~~وقوعهم في الخطأ النحوي، وإلا ظهر منه ذلك في مواضع شتى مع إطالته وإكثاره، وجرأته على ~~تذليل النحو لمراده، ونقول: جرأته لأننا لا نعد من خطأ الجهل قوله: # دعني وإيا أبي علي # الأعور المعور الخبيث # إذ لا يخفى على المبتدئ أن «إيا» ضمير فصل يتصل بالضمائر الموصولة، ولا يتصل في الكلام ~~الفصيح بالأسماء، فابن الرومي إذا وصل الضمير المفصول بالاسم لا يفعل ذلك جهلا بالقاعدة ~~التي يعلمها المبتدئون، وإنما يفعله وهو مجترئ عليه عالم بمكان هذه الكلمة من الخطأ ~~والصواب. وعلى ذكر التجوز في صرف الممنوع ومنع المصروف نقول: إن ابن الرومي كان من أقل ~~الشعراء تجوزا في «عروضه»، وأكثرهم حرصا على أوزانه، ولا بأس بأن نذكر له هنا بيتين ~~قالهما في مرض وفاته، ورواهما عنه أبو عثمان الناجم؛ وهما: # أبا عثمان أنت قريع قومك # وجودك للعشيرة دون لومك # تمتع من أخيك، فما أراه # يراك ولا تراه بعد يومك # فقد ذكرهما المعري في رسالة الغفران، فعاب عليهما أنهما مقيدان وقال: «وما علمت أنه جاء ~~عن الفصحاء هذا الوزن مقيدا إلا في بيت واحد يتداوله رواة اللغة، والبيت: # كأن القوم عشوا لحم ضأن # فهم نعجون قد مالت طلاهم # وهذا البيت مؤسس، والذي قاله ابن الرومي من غير تأسيس.» # والحق أنه لا خلل في وزن ms222 البيتين من حيث العروض، وإنما كان المعري في نقده هذا أشبه ~~بالفقهاء منه بالأدباء، ولو اختل البيتان أشد خلل لما قيست بهما صناعة ابن الرومي في جميع ~~شعره؛ لأن المرء لا يقاس بنظم مرتجل يلقى به إلقاء وهو يجود بنفسه. ~~••• # وقد تلاحظ على ابن الرومي تعبيرات كالتي تسمى في عصرنا هذا بالتعبيرات الإفرنجية في مثل ~~البيت: # كما لو هجاكم شاعر حل قتله # كذاك فأوفوا مادحا دية القتل # وقد يلاحظ ذلك في إكثاره الهتفات مثل قوله: «ضلة! ضلة»، «سوأة، سوأة»، و«في سبيل الشيطان ~~منك نصيبي» إلى أشباه ذلك من اللفظات الكثيرة في تعبيرات اللغات الأوروبية، فيرد على الخاطر ~~أنه كان لهذا يعرف الإغريقية ويتأثر بها في أسلوبه، أو يرد على الخاطر أن هذه التعبيرات من ~~أثر العجمة في سليقته، والعادة في لسانه، ولكنها ملاحظة لا تستلزم هذه النتيجة، ولا نستطيع ~~أن نعززها بملاحظات أخرى من قبيلها، ومن السهل جدا أن نقول: إن أمثال تلك التعبيرات ~~القليلة سرت إلى ابن الرومي من دراسة الكتب المترجمة، ومعالجة التدليلات المنطقية في كلامه ~~ومساجلاته، وإن الهتفات مألوفة فيمن كان له مزاج كمزاجه المتوفز، عربيا كان أو أعجميا ~~بلا خلاف؛ ذلك أسهل من القول باللغة الأعجمية الذي استضعفناه فيما تقدم من الكلام على تعليم ~~الرجل ومعلوماته. ~~••• # في أي باب من أبواب الشعر كان ابن الرومي يجيد خاصة؟ # سؤال لا بد أن يخطر لنا في معرض الكلام على صناعته وأسلوبه، وأرى أن الكثيرين سيقولون - ~~أو قد قالوا: إنه هو باب الهجاء؛ لأنه اشتهر به وشاع أنه مات بسببه، فلنعلم إذن أنهم مخطئون ~~في هذا الحكم؛ لأن ابن الرومي كان يجيد في أبواب الشعر كلها على حد سواء، ويعطي قصائده ~~جميعا بمقدار واحد من عنايته وإتقانه. # وخذ مثلا أقواله في الحكمة، وهي أقل ما اشتهر به، تجد له مئات من الأبيات التي تسير مسير ~~الأمثال، وتخرج من عداد تلك الأفكار المطروقة التي يتفيهق بها من يحبون الاشتهار بالبيت ~~الحكيم والمثل السائر، ولو أننا رجعنا إلى أبياته التي مرت ms223 بنا في هذا الكتاب لما ألفينا ~~بينها تفاوتا في الطبقة بين غرض وغرض، وباب وباب، وإنما اشتهر بالهجاء لأن الهجاء أشهر ~~وأسير؛ لا لأنه يجيد فيه أكثر من إجادته في المديح أو في الغزل أو الصفات، فلو أن الألسن ~~تتساير بالوصف البارع كما تتساير بالهجاء اللاذع لغطى وصف ابن الرومي على هجائه؛ لكثرة ما ~~قال وأجاد في الوصف حتى خلال قصائد الهجاء. # وأغرب من هذا الاستواء في طبقة القول أنك تقرأ الأبيات التي مرت بك في هذا الكتاب فتحسب ~~أنها نظمت كلها في عمر واحد، ولا تدري أيها شعر الشباب وأيها شعر الكهولة والشيخوخة، إلا ما ~~يندب فيه شبابه ويتبرم بسنه، فانظر مثلا إلى الأبيات التالية: # قل لأيوب والكلام سجال # والجوابات ذات يوم تدال # اسكتوا بعدها فلا تذكروا الشؤ # م، حياء، فأنتم الآجال # إن شؤمي فيما تقولون عزا # ل، ولكن شؤمكم قتال # بالذي أدرك المؤيد منكم # وابن سعدان تضرب الأمثال # زرتموه والصالحات عليه # مقبلات فأدبر الإقبال # حين درت له أفاويق دنيا # ه دلفتم له فكان الفصال # إن شؤما حلت به عقدة المل # ك لشؤم تزول منه الجبال # ليس بدعا من الحوادث أن يع # زل وال وتخفق الآمال # إنما البدع أن تزول أمور # لم يكن يهتدي إليها الزوال # كالذي حاق بالمؤيد منكم # بعدما نوطت به الآمال # ذلك الشؤم يا بني أم شيخ # يمكن القائلين فيه المقال # ذاك شؤم فيه سمام الأفاعي # ناجز النقد، ليس فيه مطال # ذاك شؤم كالسيل عفى على الفط # ر جلال كما يكون الحلال # ذاك شؤم لو جاور البحر يومي # ن لأمسى وليس فيه بلال # فهذه قطعة نظمها في نحو الثلاثين من عمره؛ لأنها نظمت في نكبة «المؤيد»، فقابل بينها وبين ~~القطعة التالية التي نظمها وهو في الخامسة والخمسين: # كبرت وفي خمس وخمسين مكبر # وشبت، فألحاظ ألمها عنك نفر # إذا ما رأتك البيض صدت وربما # غدوت وطرف البيض نحوك أصور # وما ظلمتك الغانيات بصدها # وإن كان من أحكامها ما يجور # أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا # بعينيك عنك ms224 الشيب فالبيض أعذر # إذا شنئت عين الفتى وجه نفسه # فعين سواه بالشناءة أجدر # أو قابل بينهما وبين هذه القطعة التي نظمها قبيل وفاته على لسان العزير: # أيادي بني الجراح عندي كبيرة # وأكبر منها أنها لا تكدر # هم القوم ينسون الأيادي منهم # عليك، ولكن المواعيد تذكر # وإن كنت قد أهملت بعد رعاية # وأغفلت حتى قيل: أشعث أغبر # وقلدت شغلا ضره لي معجل # سريع، وأما نفعه فمؤخر # أروح وأغدو فيه أنصب عامل # وأصفره كفا، فكم أتصبر؟! ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # أيعطش أمثالي وواديك فائض # ويجدب أمثالي وواديك أخضر؟! # أبى ذاك أن الطول منك سجية # وأنك بيت الحمد بالطول تعمر # وأنك لم تؤثر على الحق لذة # بحكم هوى، فالحق عندك مؤثر # وما زلت تختار الأمور بحكمة # فأفضلها الأمر الذي تتخير # فانظر حين تقرن هذه الأبيات بعضها ببعض هل ترى بينها من تفاوت في الصناعة، أو اختلاف في ~~روح الشعر، ونسج الكلام، وطريقة التركيب، وتناول المفردات؟ فهي وغيرها من قصائده التي نظمت ~~من العشرين إلى الستين طبقة واحدة من هذه الناحية، لا تستطيع أن تتحقق فيها مزية سن على سن، ~~ولا فترة على فترة، وتعليل ذلك صعب في الشعراء المطبوعين غير ابن الرومي. أما هو فلا صعوبة ~~في تعليل هذا الاستواء في تركيبه، والتشابه في روحه ونسجه؛ لأنه ينسج من غزل واحد وبضاعة ~~واحدة، وهي الشعور الجديد أو شعور الطفولة الفنية التي لازمته في حياته من المبدأ إلى ~~النهاية، فلم يتغير فيه إلا القليل بعدما درس نصيبه من اللغة والعلم، واستوفى مادته من الفن ~~والصياغة، وكأنه الشجرة التي نضجت مبكرة، وبلغت تمامها، ورسخت في تربتها، فثمرتها اليوم ~~كثمرتها بعد سنوات عشر أو بعد عشرين وثلاثين. ولا عيب في ذلك إلا أن تكون الثمرة بسرا لا ~~خير فيه. أما إذا كانت ثمرة جنية كأطيب الثمر في النضرة والحلاوة، فالتبكير إذن أصلح من ~~التأخير، والبقاء على طبقة واحدة أحب وأكمل من التغيير. # فالكلمة الأولى والأخيرة في هذا العبقري النادر أنه كان شاعرا في جميع حياته، حيا في ~~جميع شعره، وأن ms225 الشعر كان لأناس غيره كساء عيد وحلة موسم، ولكنه كان له كساء كل يوم وساعة، ~~بل كان له جسما لا تكون بغيره حياة. # خاتمة # بالكلام عن صناعة ابن الرومي تمت الصورة التي استخرجناها له من مجموعة شعره، ومتفرق ~~أخباره، وحسبنا أن نتمم هذه الصورة لنكون قد بلغنا الغاية من وضع هذا الكتاب، وأقمنا - ~~في عرض الطريق - أوضح الأدلة المحسوسة على وحدة المقاييس بين تعبيرات الشعر وتعبيرات ~~الحياة. ونحسب أننا قد أقمنا هذا الدليل في وقت الحاجة إليه عند قراء الأدب الغربي ~~بيننا قبل قراء الأدب العربي وحده بفرعيه من قديم وحديث؛ لأننا نعيش في عصر شاع فيه بين ~~كثير من الأوروبيين أن الشعر شيء بمعزل عن خوالج الحياة، وأننا لا ينبغي أن ننتظر منه ~~مطلبا آخر غير الرونق والطلاوة، وما إلى ذلك من ظواهر قسامة لا تتجاوز البشرة إلى ما ~~وراءها من قلوب ونفوس وضمائر. # وغير عجيب أن يشيع هذا الرأي الفائت بين الأوروبيين في العصر الذي نحن فيه، وهو عصر ~~السآمة و«الفردية» وآداب الصالونات والمجالس، إذ ماذا تنتظر من شعر يقرؤه إنسان قد سئم ~~المثل العليا، وكذب بالأغراض الرفيعة، وفترت فيه قوة العقيدة؟ وماذا تنتظر من شعر ~~يقرؤه إنسان تفرض عليه «الفردية» أن يظل فردا معزولا بين أفراد معزولين؟ وماذا تنتظر ~~من شعر يقرؤه إنسان أنيق لا يريد أن يسمع من جليسه في الصالون أو النادي أو القهوة إلا ~~شقشقة لسان وأحاديث فراغ؟ إنك لا تنتظر من هذا الإنسان أن يتطلب في الشعر ما يتطلبه ~~الإنسان الذي تنشط نفسه للعقيدة، ولو نشاط المكافحة والثوران، أو يطلبه الإنسان الذي ~~تتصل بينه وبين الأحياء من حوله وشائج دم لا تزال تنقل منه إليهم كما تنقل إليه، أو ~~يتطلبه الإنسان الذي يحس أن الكون مجال حياة وأسرار يولد فيه مخلوقا حيا عريق الأصول ~~في آباد ليس لها نهاية، لا عضوا في «صالون»، أو جليسا في قهوة، أو سميرا في سهرات ~~مجون. # كلا، إنك لا تنتظر من إنسان السآمة والفردية والصالون أن يقرأ ms226 شعرا كالذي يقرؤه ~~إنسان النشاط القلبي والوشائج الآدمية والكون الأبدي المستهول الوضوح والخفاء على ~~السواء، فغير عجيب - كما قلنا - أن يشيع رأي أصحاب الرونق والطلاء في هذا العصر، وما ~~بقي فيه للإنسان من مطلب عزيز متفق عليه غير مطلب الراحة الملساء والهدوء الناعم من ~~مزعجات الجهاد. # فإذا كنا - مع استخراج صورة ابن الرومي من شعره - قد وفقنا لإظهار الوحدة العامة بين ~~الشعر والحياة، أو بين الفن والحياة كلها، فذلك حسبنا من مقصد جدير بالالتفات، خليق أن ~~يتقرر بيننا قبل أن يشيع في أذواقنا رأي السأم والأثرة وأناقة المتبطلين. # لكننا نرجو أن نكون قد وفقنا لإرضاء التاريخ إلى جانب إرضاء التصوير، وإرضاء الوحدة ~~بين الشعر والحياة، وحسبنا في هذا أيضا أننا سندع ترجمة ابن الرومي هنا خيرا مما ~~تسلمناها من شتات الماضي صحة في الأخبار، ورجحانا في الاحتمالات. ومن هذه الأخبار ~~أخبار تتعلق بمولده ووفاته، وأخبار أخرى تتعلق بأخلاقه ومعيشته، ومنها أخبار تلقاها ~~الناقلون بالتسليم وجرت في التراجم مجرى المقررات، ولا مصدر لها إلا خطأ عارض في طبع ~~بعض التواريخ، كالخبر الذي ينقل عن ابن خلكان ويقال فيه: إن المتنبي روى عن ابن الرومي ~~شعره، وبينهما ما بينهما من بعدي الزمان والمكان، فيأخذه الناقلون ويقبله منهم من يقبل، ~~ويحار فيه من يحار، وإنما هو اسم «المسيبي» حرفه الطابعون إلى اسم «المتنبي»، فسرى ~~الخطأ سريانه في الكتب الحديثة بلا شذوذ ... وغير ذلك كثير ليس يغنينا في صدد هذه الخاتمة ~~أن تحصيه، وما شاكله ونحا نحوه في جميع المصادر والمنقولات؛ لأننا نقصد إلى تصحيح ما ~~لاح لنا خطؤه، ولا نقصد إلى إحصائه على المخلصين. ~~••• # وبعد فمن تمام التعريف بابن الرومي أن نختم كتابنا بمختارات له لم نعتمد فيها الدلالة ~~التاريخية التي توخيناها في شواهد الفصول السابقة، ولا ريب أن هذه الشواهد معرض حسن ~~تبدو فيه شاعرية المترجم في نواح كثيرة منوعة، ولكننا نعتقد أن المختارات التي تقرأ ~~لذاتها لا لموقعها من الترجمة أحرى أن تتمم المعرفة بشاعريته من جميع نواحيها، وها هي ~~أولاء ms227 تلك المختارات معروضة فيما يلي؛ لتدل على معدن شعره لا على أحسن ما فيه: ~~(1) الطبيعة والحياة # الربيع شباب الطبيعة # ضحك الربيع إلى بكى الديم # وغدا يسوي النبت بالقمم # ما بين أخضر لابس كمما # خضرا، وأزهر غير ذي كمم # متلاحق الأطراف متسق # فكأنه قد طم بالجلم # 2 # متبلج الضحوات مشرقها # متأرج الأسحار والعتم # تجد الوحوش به كفايتها # والطير فيه عتيدة الطعم # فظباؤه تضحى بمنتطح # وحمامه تضحى بمختصم # والروض في قطع الزبرجد وال # ياقوت تحت لآلئ تؤم # طل يرقرقه على ورق # فكأنه در على لمم # حشد الربيع مع الربيع له # فغدا يهزز ثابت الجمم # 3 # والدولة الزهراء والزمن المز # هار حسبك شافيي قرم # إن الربيع لكالشباب وإن # ن الصيف يكسعه لكالهرم # أشقائق النعمان بين ربى # نعمان! أنت محاسن النعم # غدت الشقائق وهي واصفة # آلاء ذي الجبروت والعظم # ترف لأبصار كحلن بها # ليرين كيف عجائب الحكم # شغل تزيدك في النهار سنا # وتضيء في محلولك الظلم # أعجب بها شعلا على فحم # لم تشتعل في ذلك الفحم # وكأنما لمع السواد إلى # ما احمر منها في ضحى الرهم # 4 # حدق العواشق وسطت مقلا # نهلت وعلت من دموع دم # هاتيك أو خيلان غالية # أضحت بها الوجنات في ذمم # يا للشقائق إنها قسم # تزهى بها الأبصار في القسم # ما كان يهدي مثلها تحفا # إلا تطول بارئ النسم # السحاب # متهلل زجل، تحن رواعد # في حجزتيه، وتستطير بروق # سدت أوائله سبيل أواخر # لم يدر سائقهن كيف يسوق # فسجا، وأسعد حالبيه بدرة # منه - سواعد ثروة وعروق # وتنفست فيه الصبا فتبجست # منه الكلى، فأديمه معقوق # حتى إذا قضيت لقيعان الملا # عنه حقوق بعدهن حقوق # طفقت رواياه تجر مزادها # فوق الربى، ومزادها # 5 # مشقوق # وتضاحك الروض الكئيب لصوبه # حتى تفتق نوره المرتوق # وتنسمت نفحاؤه فكأنه # مسك تضوع، فأره مفتوق # وتغرد المكاء فيه كأنه # طرب تعلل بالغناء مشوق # روضة # وروضة عذراء غير عانسة # جادت لها كل سماء راجسة # رائحة بالغيث أو مغالسة # فأصبحت من كل وشي لابسة # خضراء ما فيها خلاة يابسة # ضاحكة النوار ms228 غير عابسة # كأنها معشوقة مؤانسة # فيها شموس للبهار وارسة # كأنها جماجم الشمامسة # تروقك النورة منها الناكسة # بعين يقظى وبجيد ناعسة # لؤلؤة الطل عليها فارسة # وخرم # 6 # في صيغة الطيالسة # يحكى الطواويس غدت مطاوسة # كأنما تلك الفروع المائسة # تغمسها في اللازورد غامسة # وصفوة النعمان والقوابسة # من ناصع الحمرة ريا قالسة # 7 # تكاد تحت الظلمات الدامسة # تهوي إليها كل كف قابسة # النرجسي # يا حبذا النرجس ريحانة # لأنف مغبوق ومصبوح # كأنه من طيب أرواحه # ركب من روح ومن روح # يا حسنه في العين يا حسنه! # من لامح للشرب ملموح # كأنما الطل على نوره # ماء عيون غير مسفوح # الهاجرة في الصحراء # وهاجرة بيضاء يعدي بياضها # سوادا كأن الوجه منه محمم # أظل إذا كافحتها وكأنني # بوهاجها دون اللثام ملثم # بديمومة لا ظل في صحصحانها # ولا ماء لكن قورها # 8 # الدهر عوم # ترى الآل فيها يلطم الآل مائجا # وبارحها المسموم للوجه ألطم # خابط الليل في الفيافي # وليل - غشا ليل من الدجن فوقه - # فليس لنجم في غواشيه منجم # عفا جلبه آي الهدى من سمائه # وأعلامه من أرضه فهي طسم # لبست دجاه الجون ثم هتكته # بوجناء ينميها غرير وشدقم # 9 # عذافرة تنقض من كل زجرة # كما انقض مردي # 10 # المنجنيق الململم # يخوض عليها لجة الهول راكب # هو السيف إلا أنه لا يثلم # نجيب من الفتيان فوق نجيبة # من العيس، في بهماء والليل أيهم # فريدين، يمضيها وتمضيه في الدجى # كسمراء يمضيها وتمضيه لهذم # يريها الهدى حدسا، وتنجو برحله # ودون الهدى سد من الليل مبهم # على ظهر مرت # 11 # ليس فيه معرج # ولكن مخب للركاب ومسعم # 12 # ينوح به بوم وتعزف جنة # فيعوي لها سيد ويضبح سمسم # 13 # يخال بها من رز هذا وهذه # إذا اختلف الصوتان عرس ومأتم # تعسفته إما لخفض أناله # وإما سآم الخفض، والخفض يسأم # الأسفار # أذاقتني الأسفار ما كره الغنى # إلي، وأغراني برفض المطالب # فأصبحت في الإثراء أزهد زاهد # وإن كنت في الإثراء أرغب راغب # حريصا جبانا أشتهي ثم أنتهي # بلحظي جناب الرزق لحظ المراقب # ومن ms229 راح ذا حرص وجبن فإنه # فقير أتاه الفقر من كل جانب # تنازعني رغب ورهب كلاهما # قوي وأعياني اطلاع المغايب # فقدمت رجلا رغبة في رغيبة # وأخرت رجلا رهبة للمعاطب # أخاف على نفسي وأرجو مفازها # وأستار غيب الله دون العواقب # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي! # ومن أين والغايات بعد المذاهب # سفر البر # ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة # رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب # وصبري على الإقتار أيسر محملا # علي من التغرير بعد التجارب # لقيت من البر التباريح بعدما # لقيت من البحر ابيضاض الذوائب # سقيت - على ري - به ألف مطرة # شغفت لبغضيها بحب المجادب # ولم أسقها، بل ساقها لمكيدتي # تحامق دهر جد بي كالملاعب # إلى الله أشكو سخف دهري؛ فإنه # يعابثني، مذ كنت، غير مطايب # أبى أن يغيث الأرض حتى إذا ارتمت # برحلي أتاها بالغيوث السواكب # سقى الأرض من أجلي فأضحت مزلة # تمايل صاحيها تمايل شارب # لتعويق سيري أو دحوض مطيتي # وإخصاب مزور عن المجد ناكب # فملت إلى خان مرث بناؤه # مميل غريق الثوب لهفان لاغب # فلم ألق فيه مستراحا لمتعب # ولا نزلا، أيان ذاك لساغب؟ # فما زلت في خوف وجوع ووحشة # وفي سهر يستغرق الليل واصب # يؤرقني سقف كأني تحته # من الوكف تحت المدجنات الهواضب # تراه إذا ما الطيب أثقل متنه # تصر نواحيه صرير الجنادب # وكم خان سفر خان فانقض فوقهم # كما انقض صقر الدجن فوق الأرانب # ولم أنس ما لاقيت أيام صحوه # من الصر فيه والثلوج الأشاهب # وما زال ضاحي البر يضرب أهله # بسوطي عذاب جامد بعد ذائب # فإن فاته قطر وثلج؛ فإنه # رهين بساف تارة وبحاصب # فذاك بلاء البر عندي شاتيا # وكم لي من صيف به ذي مثالب! # ألا رب نار بالفضاء اصطليتها # من الضح يودي لفحها بالحواجب # إذا ظلت البيداء تطفو إكامها # وترسب في غمر من الآل ناضب # فدع عنك ذكر البر، إني رأيته # لمن خاف هول البحر شر المهارب # كلا نزليه صيفه وشتاؤه # خلاف لما أهواه غير مصاقب # لهاث مميت تحت بيضاء سخنة # وري مفيت تحت أسحم صائب ms230 # يجف إذا ما الريق أصبح عاصبا # ويغدق لي والريق ليس بعاصب # فيمنع مني الماء واللوح جاهد # ويغرقني والري رطب المحالب # وما زال يبغيني الحتوف مواربا، # يحوم على قتلي، وغير موارب # فطورا يغاديني بلص مصلت # وطورا يمسيني بورد الشوارب # إلى أن وقاني الله محذور شره # بعزته، والله أغلب غالب # فأفلت من ذؤبانه وأسوده # وخرابه إفلات أتوب تائب # السفر بحرا بدجلة # وأما بلاء البحر عندي فإنه # طواني على روع من الروح واقب # 14 # ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه # ولكنه من هوله غير ثائب # ولم لا؟ ولو ألقيت فيه وصخرة # لوافيت منه القعر أول راسب # ولم أتعلم قط من ذي سباحة # سوى الغوص والمضعوف غير مغالب # فأيسر إشفاقي من الماء أنني # أمر به في الكوز مر المجانب! # وأخشى الردى منه على كل شارب # فكيف بأمنيه على نفس راكب # أظل إذا هزته ريح ولألأت # له الشمس أمواجا طوال الغوارب # كأني أرى فيهن فرسان بهمة # يليحون نحوي بالسيوف القواضب # فإن قلت لي: قد يركب اليم طاميا # ودجلة عند اليم بعض المذانب # 15 # فلا عذر فيها لامرئ هاب مثلها # وفي اللجة الخضراء عذر لهائب # فإن احتجاجي عنك ليس بنائم # وإن بياني ليس عني بعازب # لدجلة خب ليس لليم إنها # تراءى بحلم تحته جهل واثب # تطامن حتى تطمئن قلوبنا # وتغضب من مزح الرياح اللواعب # وأجرافها رهن بكل خيانة # وغدر ففيها كل عيب لعائب # يرانا إذا هاجت بها الريح هيجة # تزلزل في حوماتها بالقوارب # نوائل # 16 # من زلزالها نحو خسفها # فلا خير في أوساطها والجوانب # زلازل موج في غمار زواخر # وهدات خسف في شطوط خوارب # ولليم أعذار بعرض متونه # وما فيه من آذيه المتراكب # ولست تراه في الرياح مزلزلا # بما فيه - إلا في الشداد الغوالب # وإن خيف موج عيذ منه بساحل # خلي من الأجراف ذات الكباكب # ويلفظ ما فيه، فليس معاجلا # غريقا بغت يزهق النفس كارب # يعلل غرقاه إلى أن يغيثهم # بصنع لطيف منهم خير صاحب # فتلقى الدلافين الكريم طباعها # هناك رعالا عند نكب النواكب # مراكب ms231 للقوم الذي كبا بهم # فهم وسطه غرقى وهم في مراكب # وينقض ألواح السفين فكلها # منج لدى نوب من الكسر نائب # وما أنا بالراضي عن البحر مركبا # ولكنني عارضت شغب المشاغب ~~(2) الطرد والقنص # صبر الطير # وقد أغتدي للطير والطير هجع # ولو أوجست مغداي ما بتن هجعا # بخلين تما بي ثلاثة إخوة # جسومهم شتى وأرواحهم معا # مطيعين أهواء توافت على هوى # فلو أرسلت كالنبل لم تعد موقعا # إذا ما دعا منا خليل خليله: # بأفديك، لباه مجيبا فأسرعا # كأن له في كل عضو ومفصل # وجارحة قلبا من الجمر أصمعا # فثاروا إلى آلاتهم فتقلدوا # خرايط حمرا تحمل السم منقعا # محملة زادا خفيفا مناطه # من البندق الموزون قل وأقنعا # وقد وقفوا للحائنات # 17 # وشمروا # لهن إلى الأنصاف ساقا وأذرعا # وجدت قسي القوم في الطير جدها # فظلت سجودا للرماة وركعا # فظل صحابي ناعمين ببؤسها # وظلت على حوض المنية شرعا # طرايح من سود وبيض نواصع # تخال أديم الأرض منهن أبقعا # نؤلف منها بين شتى، وإنما # نشتت من ألافها ما تجمعا # فكم ظاعن منهن مزمع رحلة # قصرنا نواه دون ما كان أزمعا! # وكم قادم منهن مرتاد منزل # أناخ به منا منيخ فجعجعا! # كأن بنات الماء في صرح متنه # إذا ما علا روق الضحى فترفعا # زرابي كسرى بثها في صحانه # ليحضر وفدا أو ليجمع مجمعا # تريك ربيعا في خريف وروضة # على لجة بدعا من الأمر مبدعا ~~(3) أدوات القتل # الرماة # لهم عدة تكفيهم كل عدة # بنات المنايا والحني الموتر # يزلون عن أكباد كل حنية # خفافا مع الآجال تعلو وتقصر # نواها نواهم في المنايا كأنما # مواقعها فيما يشاءون تقدر # لها ألسن ما تستفيق لهاتها # يكاد لعاب الموت منهن يقطر # سيف # خير ما استعصمت به الكف عضب # ذكر حده، أنيث المهز # ما تأملته بعينيك إلا # أرعدت صفحتاه من غير هز # مثله أفزع الشجاع إلى الدر # ع فعالى به على كل بز # ما يبالي أصممت شفرتاه # في محز أو جازتا عن محز ~~(4) مجالس الشراب واللهو # القيان والأتراك «في مجلس القاسم» # أظل إذا شاهدت ms232 يوم نعيمه # كأني في الفردوس فوق الأرايك # بمرأى من الدنيا جميل ومسمع # لدى ملك بالحق، لا متمالك # تحث الحسان المحسنات كئوسه # بمدح له قد سار جم المسالك # من الوضح اللعس الشفاه كأنما # يفهن بأفواه الظباء الأوارك # يرفعن أصواتا لدانا وتارة # ينمنمن وشيا غير وشي الحوائك # كفلن لنا لما اصطففن حيالنا # بترحيل أضياف الهموم السوادك # 18 # فما برحت تهدى إلينا عجائب # 19 # عجائب تصبي كل صاب وناسك # فتاة من الأتراك ترمي بأسهم # يصبن الحشا في السلم لا في المعارك # كأن زمير القاصبات أعارها # شجاه وسجع الباكيات الضواحك # ظللنا لها نصبا تشك قلوبنا # بذاك الشجا الفتان لا بالنيازك # وما «جلنار» بالمقصر شاؤها # ولا المتعدي قصد أهدى المسالك # لطيفة قد الثدي تسند عودها # إلى ناجم في ساحة الصدر فالك # تطامن عن قد الطوال قوامها # وأربى على قد القصار الحواتك # ورقاصة بالطبل والصنج كاعب # لها غنج مخناث وتكريه فاتك # أتيح لها في جسمها رفد رافد # وإن نالها في خصرها نهك ناهك # إذا هي قامت في الشفوف أضاءها # سناها فشفت عن سبيكة سابك # سبايا إليهن استباء عقولنا # ممالك ملكن اقتدار الممالك # السوداء الحسناء «في مجلس عبد الملك بن صالح» ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # سوداء لم تنتسب إلى برص ال # شقر ولا كلفة ولا بهق # ليست من العبس الأكف، ولا ال # فلح الشفاه الخبائث العرق # بل من بنات الملوك ناعمة # تنشر بالدل ميت الشبق # في لين سمورة تخيرها الفراء # أو لين جيد الدلق # 20 # تذكرك المسك والغوالي وال # سك ذوات النسيم والعبق # هيفاء زينت بخمص محتضن # أوفى عليه نهود معتنق # غصن من الأبنوس ألف من # مؤتزر معجب ومنتطق # يهتز من ناهديه في ثمر # ومن دواجي ذراه في ورق # أكسبها الحب أنها صبغت # صبغة حب القلوب والحدق # فانصرفت نحوها الضمائر وال # أبصار يعنقن أيما عنق # يفتر ذاك السواد عن يقق # من ثغرها كاللآلئ النسق # كأنها والمزاح يضحكها # ليل تفرى دجاه عن فلق # سمحاء كالمهرة المطهمة الد # هماء تنضو أوائل السبق # الشراب في الخمائل # وصفراء بكر لا قذاها مغيب # ولا سر من ms233 حلت حشاه مكتم # ينم على الأمرين فرط صفائها # وسورتها حتى يبوح المجمجم # هي الورس في بيض الكئوس وإن بدت # لعينك في بيض الوجوه فعندم # مذاق ومسرى في العروق كلاهما # ألذ من البرء الجديد وأنعم # إذا نزلت بالهم في دار أهله # غدا الهم وهو المرهق المتهضم # أقامت ببيت النار تسعين حجة # وعشرا يصلى حولها ويزمزم # سقتني بها بيضاء فوها وكأسها # شبيها مذاق عند من يتطعم # لدى روضة فيها من النور أعين # ترقرق دمعا بل ثغور تبسم # يضاحك روق الشمس منها مضاحك # مدامعه من واقع الطل سجم # كمستعبر مستبشر بعد حزنه # لبين خليط قوضوا ثم خيموا # يغازلني فيها غزالان منهما # ربيب الفيافي والربيب المتوم # إذا نصبا جيديهما فكلاهما # سواء وأبريق لدي مقدم # 21 # ثلاثة أظب نجرها غير واحد # لذى اللهو فيها كلها متنعم # غزال وأبريق رذوم وغادة # تحرك من أوتارها وتنغم ~~(4) الموسيقى والغناء # في وحيد المغنية # يا خليلي تيمتني وحيد # ففؤادي بها معنى عميد # غادة زانها من الغصن قد # ومن الظبي مقلتان وجيد # وزهاها من فرعها ومن الخد # ين ذاك السواد والتوريد # أوقد الحسن ناره في وحيد # فوق خد ما شانه تخديد # فهي برد بخدها وسلام # وهي للعاشقين جهد جهيد # لم تضر قط وجهها وهو ماء # وتذيب القلوب وهي حديد # ما لما تصطليه من وجنتيها # غير ترشاف ريقها تبريد # مثل ذاك الرضاب أطفأ ذاك # الوجد لولا الإباء والتصريد # 22 ~~••• # وغرير بحسنها قال: صفها! # قلت: أمران هين وشديد # يسهل القول: إنها أحسن الأش # ياء طرا ويعسر التحديد # شمس دجن كلا المنيرين - من # شمس وبدر - من نورها يستفيد # تتجلى للناظرين إليها # فشقي بحسنها وسعيد # ظبية تسكن القلوب وترعا # ها وقمرية لها تغريد # تتغنى كأنها لا تغني # من سكون الأوصال وهي تجيد # لا تراها هناك تجحظ عين # لك منها ولا يدر وريد # من هدو وليس فيه انقطاع # وسجو وما به تبليد # مد في شأو صوتها نفس كا # ف كأنفاس عاشقيها مديد # وأرق الدلال والغنج منه # وبراه الشجا فكاد يبيد # فتراه يموت طورا ويحيا # مستلذ بسيطه ms234 والنشيد # فيه وشي وفيه حلي من النغ # م مصوغ يختال فيه القصيد # طاب فوها وما ترجع فيه # كل شيء لها بذاك شهيد # ثغب # 23 # ينقع الصدى وغناء # عنده يوجد السرور الفقيد # فلها الدهر لاثم مستزيد # ولها الدهر سامع مستعيد # في هوى مثلها يخف حليم # راجح حلمه، ويغوي رشيد # ما تعاطي القلوب إلا أصابت # بهواها منهن حيث تريد # وتر العزف في يديها مضاه # وتر الرجف فيه سهم شديد # وإذا أنبضته للشرب يوما # أيقن القوم أنها ستصيد # معبد في الغناء وابن سريج # وهي في الضرب زلزل وعقيد # عيبها أنها إذا غنت الأحرا # ر ظلوا وهم لديها عبيد # واستزادت قلوبهم من هواها # برقاها، وما لديهم عبيد ~~••• # وحسان عرضن لي قلت: مهلا # عن وحيد فحقها التوحيد # حسنها في العيون حسن وحيد # فلها في القلوب حب وحيد # ونصيح يلومني في هواها # ضل عنه التوفيق والتسديد # لو رأى من يلوم فيه لأضحى # وهو المستريث والمستزيد # ضلة للفؤاد يحنو عليها # وهي تزهد حياته وتكيد # سحرته بمقلتيها فأضحت # عنده والذميم منها حميد # خلقت فتنة غناء وحسنا # ما لها فيهما جميعا نديد # فهي نعمى يميد منها كبير # وهي بلوى يشيب منها وليد # لي حيث انصرفت منها رفيق # من هواها، وحيث حلت قعيد # عن يميني وعن شمالي وقدامي # وخلفي، فأين عنه أحيد؟ # سد شيطان حبها كل فج # إن شيطان حبها لمريد # ليت شعري إذا أدام إليها # كرة الطرف مبدئ ومعيد # أهي شيء لا تسأم العين منه؟ # أم لها كل ساعة تجديد؟ # بل هي العيش لا يزال متى استع # رض يملي غرائبا ويفيد # منظر، مسمع، معان من الله # و، عتاد لما يحب عتيد # لا يدب الملال فيها، ولا ين # قض من عقد سحرها توكيد # حسنها في العيون حسن جديد # فلها في القلوب حب جديد ~~••• # أخذ الله يا وحيد لقلبي # منك ما يأخذ المديل المقيد # حظ غيري من وصلكم قرة العي # ن، وحظي البكاء والتسهيد # غير أني معلل منك نفسي # بعدات خلا لهن وعيد # ما تزالين نظرة منك موت # لي مميت، ونظرة ms235 تخليد # نتلاقى فلحظة منك وعد # بوصال، ولحظة تهديد # قد تركت الصحاح مرضى يميدون # نحولا وأنت خوط يميد # ضافني حبك الغريب، فألوى # بالرقاد النسيب فهو طريد # عجبا لي إن الغريب مقيم # بين جنبي، والنسيب شريد # قد مللنا من ستر شيء مليح # نشتهيه فهل له تجريد؟! # هو في القلب وهو أبعد من نج # م الثريا فهو القريب البعيد # رثاء بستان المغنية # إنا إلى الله راجعون لقد # غال الردى سيرة من السير # ما أولع الدهر في تصرفه # بكل زين له ومفتخر # يعدو على نفسه فيسلبها # إلا عتاد المعد ذي النمر # كم ملبس لا يعاب هتكه # عن جلدة منه شثنة الوبر # 24 # أودى ببستان وهي حلته # فقد غدا عاريا من الحبر # أطار قمرية الغناء عن الأرض # فأي القلوب لم يطر # لله ما ضمنت حفيرتها # من حسن مرأى وطهر مختبر # أضحت من الساكني حفائرهم # سكنى الغوالي مداهن السرر # مطيبي كل تربة خبثت # ومؤنسيها بشر مجتور # يا حر صدري على ثلاثة أم # واه هريقت في الترب والمدر # ماء شباب ونعمة مزجا # بماء ذاك الحياء والخفر # لو يعلم القبر من أتيح له # لا نحفر القبر غير محتفر # أو لأباها فصان حينئذ # عن رمسه درة من الدرر # إن ثرى ضمها لأفضل مح # جوج لصب وخير معتمر # أقسمت بالغنج من ملاحظها # وسحر ذاك السجو والفتر # لو عقرت حول قبرها بقر ال # أنس مكان القلاص والمهر # والدر نظم على الترائب من # هن وأشكاله من العتر # وانتحرت في فنائه بهم ال # حرب وصيد الملوك من مضر # ثم سقيت الدماء تربتها # لم أشف ما في الفؤاد من وحر # نفسك يا نفس فانحري أسفا # فإن هذا أوان منتحر # ما حسن أن تذوب مهجتها # ومهجتي لم ترق ولم تمر # لا ينكر الدهر بعد مهلكها # هلك ذوات الجلال والخطر ~~••• # بستان يا حسرتا على زهر # فيك من اللهو، بل على ثمر # بستان لهفي لحسن وجهك # والإحسان صارا معا إلى العفر # بستان أضحى الفؤاد في وله # يا نزهة السمع منه والبصر # بستان ما منك لامرئ عوض # من ms236 البساتين لا ولا البشر # بستان أسقيت من مدامعنا الد # مع، وأعقبت عقبة المطر # بل حق سقياك أن تكون من الص # بهاء صهباء حمص أو جدر # بل من رحيق الجنان يقطب بال # مسك، سلالاته، بلا عكر # بل من نجيع القلوب يمزج بال # عطف وصفو الوداد لا الكدر # يا نعمة الله في بريته # أصبحت إحدى فواقر الفقر # يا غضة السن يا صغيرتها # أمسيت إحدى المصائب الكبر # أنى اختصرت الطريق يا سكني # إلى لقاء الأكفان والحفر # أنى تجشمت في الحوادث ما # جشمت من كره ذلك السفر # أحميك من مورد قصدت له # لا ينتهي ورده إلى صدر # يا شمس زهر الشموس، يا قمر ال # أقمار حسنا يا زهرة الزهر # أبعد ما كنت باب مبتهج # للنفس أصبحت باب معتبر # أصبحت كالترب غير راجحة # به وقد ترجمين بالبدر # أصابنا الدهر فيك أكمل ما # كنت، فما رزؤنا بمجتبر # لم تقتحمك العيون من صغر # ولا قلتك النفوس من كبر # فكيف تسلوك والأسى أبدا # في كبر، والسلو في صغر # كل ذنوب الزمان مغتفر # وذنبه فيك غير مغتفر # تبتل العود عند فقدكم # وازدجر اللهو كل مزدجر # وغاب عنا السرور بعدكم # واحتضر الهم حين محتضر # وفاض ماء النعيم يتبعكم # وانهمر الدمع كل منهمر # فإن سمعنا لمزهر وترا # حن، فهاتيك عولة الوتر # أما ولؤم البلى وقسوته # لقد محا منك أحسن الصور # يا بشرا صاغه المصور من # نور على سنة من الفطر # بل من شعاع العقول حين ترى ال # غيب بعين الذكاء والعبر # لا تحسبوني عنيت بعدكم # إلى هديل الحمام في الشجر # لا تحسبوني أنست بعدكم # عنكم بشمس الضحى ولا القمر # لا تحسبوني استرحت بعدكم # إلى نسيم الشمال بالسحر # لا تحسبوا العين بعدكم سرحت # في مسرح من مسارح النظر # يأبى لها ذاك أن ناظرها # في شغل بالسهاد والعبر # وكيف بالنوم للمباشر أط # راف حمات الحياة والأبر # سقيا ورعيا لعيشة معكم # أصبحت من عهدها بمفتقر # أمتعني دهرها بغبطته # على الذي كان فيه من قصر # كانت لياليه كلها سحرا # وكان أيامهن كالبكر # لهو أطفنا ببكر ms237 لذته # وما فضضنا خواتم العذر # ولم ننل من جناه نهمتنا # وإن حظينا بمونق الزهر # كم قد شربت الرضاب في قبل # كانت، ولكن شربت بالغمر # 25 # جدوى فم فيه لؤلؤ وجنى # نحل بماء السحاب في النقر # غناؤه يشتكي حرارته # وريقه يشتكي من الخصر # كنتم لنا فتنة من الفتن ال # غر بلا شهرة من الشهر ~~••• # كأنني ما طلعت مقبلة # علي يوما بأملح الطرر # في كفك العود وهو يؤذن بال # إحسان إيذان صادق الخبر # إذ مشيكم مذكري غناءكم # مشى الهوينى سواكن البقر # وإذ فسادي بكم يذكرني ~~«لنفسدن الطواف في عمر» # 26 # كأن عيني ما أبصرتك ضحى # في مجلسي، والوشاة في سقر # كأنها ما رأتك كالملك ال # أصيد في التاج يوم مبتهر # يا أحسن العالمين حاسرة # وأكمل الناس عند معتجر # كأنها ما رأتك صادحة # والصدح الورق عكف الزمر # يسمعن أو يستفدن منك شجا # والتمر يمتار من قرى هجر # كأنني ما اقترحت ما اقترحت # نفسي، فساعفتني بلا زور # 27 # كأنني ما استعدت مقترحي # يوما فكررته بلا ضجر # وصنت خدا كساه خالقه ال # حسن، فصعرته عن الصعر # ولو تكبرت كنت معذرة # والمسك ما لا يعاف بالذفر # كأنني ما نعمت منك بمر # تاح نعيم ولا بمبتكر # رضيت من منظر بطيف كرى # يعرو، ومن مسمع بمدكر # لولا التعزي بذاك آونة # لانفطر القلب كل منفطر # 28 ~~••• # ما انتهك الدهر قبلكم لذوي ال # لهو حريما في البدو والحضر # أبكيك بالدمع والدماء بل الت # سهاد بل بالمشيب في الشعر # بل بنحول العظام محتقرا # ذاك وإن كان غير محتقر # بل باجتناب الشفاء بل بتوخ # ي النفس ما يتقى من الضرر ~~••• # لا أسأل الله حسن مصطبر # فإنه عنك لؤم مصطبر # وحزن نفسي عليك من كرم # وهو على من سواك من خور # وقد يعزى الفؤاد أنك في # جنة عدن غدا وفي نهر # سيشفع الحور فيك أنك من # هن بذاك الدلال والحور # هجاء أبي سليمان المغني # ومسمع لا عدمت فرقته # فإنها نعمة من النعم # يطول يوم إذا قرنت به # كأنني صائم ولم أصم # إذا تغنى ms238 النديم ذكره # أخذ السياق # 29 # الحثيث بالكظم # يفتح فاه من الجهاد كما # يفتح فاه لأعظم اللقم # مجلسه مأتم اللذاذة وال # قصف، وعرس الهموم والسدم # 30 # ينشدنا اللهو عند طلعته: ~~«من أوحشته البلاد لم يقم» # 31 # كأنني طول ما أشاهده # أشرب كأسي ممزوجة بدمي # تشهده فرط ساعتين فين # سيك عهودا لم تؤت من قدم # يريك ما قد عهدت في أم سك ال # أدنى كشيء في سالف الأمم # عشرته عشرة تبارك في ال # أعمار لولا تعجل الهرم # إذا الندامى دعوه آونة # تنادموا كأسهم على ندم # نبرد حتى يظل ينشدنا: # هل بالديار الغداة من صمم! # يستطعم الشرب أن يقال له: ~~«أحسنت!» والقوم منه في وكم # 32 # وكيف للقوم بالتصنع؟ لا # كيف ولو صوروا من الكرم # يظهر في وجهه إساءته # كأنها مسحة من الحمم # يسود من قبح ما يجيء به # حتى كأن قد أسف بالفحم # يرتاح منه إلى الأذان كما # يرتاح ذو شقة إلى علم # يشدو بصوت يسوء سامعه # تبارك الله بارئ النسم # أبح فيه شذور حشرجة # منظومة في مقاطع النغم # نبرته غصة وهزته # مثل نبيب التيوس في الغنم # لو قدس الله ذو الجلال به # لم يرفع الله طيب الكلم # يفزع الصبية الصغار به # إذا بكى بعضهم ولم ينم # يقسو له القلب حين يسمعه # على أحبائه بلا جرم # أحلف بالله لا شريك له # فإنها غاية من القسم # ما عرف الله قبله أحدا # ما فضل نعمائه على النقم # هجو شنطف # شنطف يا عوذة السموات وال # أرض وشمس النهار والقمر # إن كان إبليس خالقا بشرا # فأنت - عندي - من ذلك البشر # صورك المارد اللعين فأع # طتك يداه مقابح الصور # هجو كتيزة # شاهدت في بعض ما شاهدت مسمعة # كأنما يومها يومان في يوم # تظل تلقي على من ضم مجلسها # قولا ثقيلا على الأسماع كاللوم # لها غناء يثيب الله سامعه # ضعفي ثواب صلاة الليل والصوم # ظللت أشرب بالأرطال لا طربا # عليه بل طلبا للسكر والنوم ~~(6) مناعم الخوان # طلاب المآدب ~~(قصيدة فيها وصف ودعابة قالها في أبي شيبة بن الحاجب، ms239 وكان قد دعاه واستتر ~~عنه.) # نجاك يا ابن الحاجب الحاجب # وأين ينجو مني الهارب؟! # أبعد إحرازك إيماننا # هاربتنا واعتذر الحاجب؟ # يا عجبا إذ ذاك من حالة # دافعنا فيها هو الجاذب # حقا لقد أوليتنا جفوة # يمحل منها البلد العاشب # انظر بعين العدل تبصر بها # أنك عن منهاجه ناكب ~~••• # لهفي وقد جاءتك جفالة # كل مغذ ساغب لاغب # من كل شذان الحشا لهسم # 33 # يأكل ما لا يأكل الحاسب # فكاه كالعصرين من دهره # كلاهما في شأنه دائب # ذي معدة ثعلبها لاحس # وتارة أرنبها ضاغب # تعلوه حمى شره نافض # لكن حمى هضمه صالب # كأنما الفروج في كفه # فريسة ضرغامها دارب # وإن غدا الشبوط قرنا لهم # فخد شبوطهم التارب # أقسمت لو أنك لاقيتهم # نابك من أضراسهم نائب ~~••• # أبشر بكر عاجل إنني # بالثار في أمثالها طالب # لا تحسبني عنك في غفلة # عودي وشيك أيها الصاحب # قلت لصحبي حين راوغتهم: # لا تحزنوا، قد يشهد الغائب # سيصنع الله لنا في غد # إن كان أكدى يومنا الخائب # كروا على الشيخ بتطفيلة # عن عزمة كوكبها ثاقب # وإن زواه منكم جانب # فلا يفتكم ذلك الجانب # جوسوا عليه الأرض واستخبروا # حتى يروح الخبر العازب # لا تنجون منكم فراريجه # لا وهب المنجى لها الواهب # لا تفلتن منكم شبابيطه # لا أفلت الطافي ولا الراسب # جدوا فقد جد بكم لاعبا # وقد يجد الرجل اللاعب # وليكن الكر على غرة # والصيد في مأمنه سارب # مقالة قمت بها خاطبا # وقد يصيب الغرة الخاطب ~~••• # فاعتزم القوم على غارة # ساند فيها الراجل الراكب # يهدي أبو عثمان كردوسها # 34 # هذاك، ذاك الطاعن الضارب # يرقل والراية في كفه # قد حفها الرامح والناشب ~~••• # والقوم لاقوك فأعدد لهم # ما يرتضي الآكل والشارب # يسر فراريجك مقرونة # بها شبابيطك يا كاتب # تلك التي مخبرها ناعم # تلك التي منظرها شاحب # واذكر بقلب غير مستوهل # يعروه من ذكرى القرى ناخب # أنك من جيران قطربل # وعندك اللقحة والحالب # فاسق حليب الكرم شرابه # إذ ليس من شأنهم الرائب # أحضرهم البكر التي ما اصطلت # نارا، فكل خاطب راغب # تلك التي ما ms240 بايتت راهبا # إلا جفا قنديله # 35 # الراهب # تلك التي ليس لها مشبه # في الكاس إلا الذهب الذائب # أو أمها الكبرى # 36 # التي لم يزل # لليل من طلعتها جانب # حققها بالشمس أن ربيت # في حجرها، والشبه الغالب # أعجب بتلك البكر محجوبة # مكروبة يجلى بها الكارب # مغلوبة في الدن مسلوبة # لها انتصار غالب سالب # بينا ترى في الزق مسحوبة # إذ حكمت أن يسحب الساحب # تقتص من واترها صرعة # ليس لها باك ولا نادب # إلا حمام الأيك في أيكة # أو عازف للشرب أو قاصب # ذات نسيم مسكه فائح # وذات لون ورسه خاضب # هاتيك هاتيك على مثلها # حام ولاب الحائم اللائب # والنقل والريحان من شأنهم # فلا يعب فقدهما عائب # ولا تنم عن نرجس مؤنس # يضحك عنه الزمن القاطب # ريحان روح منهب عطره # والروح إذ ذاك هو الناهب # لم يقلح الصيف له صفحة # ولا سقاه عوده الشاسب # 37 # وزخرف البيت كما زخرفت # روضة حزن جادها هاضب # واجلب لهم حسناء في شدوها # لكل ما سرهم جالب # محسنة ليست بخطاءة # طائرها الهادل لا الناعب # بيضاء خودا ردفها ناهد # غيداء رودا ثديها كاعب # مملوكة بالسيف مغصوبة # لها دلال مالك غاصب # تستوهب الجيد إذا أتلعت # من ظبية أفزعها طالب # نعيم من نادمها دائم # وبرح من فارقها واصب # كأنها والبيت مستضحك # والعود في قبضتها صاخب # أدمانة تنزب في روضة # جاوبها خشف لها نازب # 38 # واصبب عليهم تحفا جمة # يحمى بهن الموعد الكاذب # واغرم لهم من بعد ذا كله # ما نقل الملاح والقارب # وتب من الذنب الذي جئته # فقد يقال # 39 # المذنب التائب # كيما يقولوا حين ترضيهم: # يا حبذا المنهزم الثائب ~~••• # أعتب بيوم صالح فيهم # ليس على أمثاله عاتب # ولا يكن يوما إذا ما انقضى # صيح به: لا رجع الذاهب # عجل لهم ذاك ولا تهجهم # ولا يثب منك بهم واثب # فليس من يأدب إخوانه # مؤدبا للقوم بل آدب # أخلفنا نوءك موعوده # فلا تصبنا ريحك الحاصب # حاشاك أن يلقاك مستمطر # ومزنك الصاعق لا الصائب # اللوزينج «وهو حلواء تشبه القطائف تؤدم بدهن اللوز» ms241 # لا يخطئني منك لوزينج # إذا بدا أعجب أو عجبا # لم تغلق الشهوة أبوابها # إلا أبت زلفاه أن يحجبا # لو شاء أن يذهب في صخرة # 40 # لسهل الطيب له مذهبا # يدور بالنفخة في جامه # دورا ترى الدهن له لولبا # عاون فيه منظر مخبرا # مستحسن ساعد مستعذبا # كالحسن المحسن في شدوه # تم فأضحى مطربا مضربا # مستكثف الحشو ولكنه # أرق قشرا من نسيم الصبا # كأنما قدت جلابيبه # من أعين الفطر الذي قببا # يخال من رقة خرشائه # 41 # شارك في الأجنحة الجندبا # لو أنه صور من خبزه # ثغر لكان الواضح الأشنبا # من كل بيضاء يحب الفتى # أن يجعل الكف لها مركبا # مدهونة زرقاء، مدفونة # شهباء، تحكي الأزرق الأشهبا # ملذ عين وفم، حسنت # وطيبت حتى صبا من صبا # ذيق لها اللوز فلا مرة # مرت على الذائق إلا أبى # وانتقد السكر نقاده # وشاوروا في نقده المذهبا # فلا إذا العين رأتها نبت # ولا إذا الضرس علاها نبا # الشبوط # فلا يبعد الشبوط من متلبس # ظهارته الحسنى، ومن متجرد # إذا نش في سفوده عند نضجه # وأخرج من سرباله المتورد # فتي رعى مرعى بدجلة مخصبا # أبى أن يراه زائد غير محمد # إلى أن أصابته من الدهر نوبة # وقد صار أقصى منية المتجود # فأصدره الصياد عن خير مورد # وأورده الشواء أخبث مورد # وجاء به الحمال أطيب مطعم # إلى الطيب المنفاق غير المصرد # ويا حبذا إمعاننا فيه ناضجا # كما جاء من تنوره المتوقد # وإني لمشتاق إلى عود مثله # وإن كنت أبدي صفحة المتجلد # الدجاجة # وسميطة صفراء دينارية # ثمنا ولونا زفها لك حزور # 42 # عظمت فكادت أن تكون إوزة # ونوت فكاد إهابها يتفطر # ظلنا نقشر لحمها عن جلدها # وكأن تبرا عن لجين يقشر ~~(7) الفواكه # فواكه أيلول # لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت # من كل نوع ورق الجو والماء # إذن لما حفلت نفسي متى اشتملت # علي هائلة الجالين غبراء # الموز # إنه «الفوز» مثل ما فقده «المو # ت» لقد بان فضله لا خفاء # ولهذا التأويل سماه «موزا» # من أفاد المعاني الأسماء # رب فاجعله لي صبوحا وقيلا ms242 # وغبوقا وما أسأت الغذاء # وأرى - بل أبت - أن جوابي: # لا تغالط، فقد سألت البقاء # نكهة عذبة وطعم لذيذ # شاهدا نعمة على نعماء # لو تكون القلوب مأوى طعام # نازعته قلوبنا الأحشاء # إنني للحقيق بالشبع السا # ئغ من أكله وإن كان ماء # كرمة العنب الرازقي # ورازقي مخطف الخصور # كأنه مخازن البلور # لم يبق منه وهج الحرور # إلا ضياء في ظروف نور # لو أنه يبقى على الدهور # قرط آذان الحسان الحور # له مذاق العسل المشور # ونكهة المسك مع الكافور # وبرد مس الخصر المقرور # باكرته والطير في الوكور # وعذر اللذات في البكور # بفتية من ولد المنصور # أملأ للعين من البدور # حتى أتينا خيمة الناطور # قبل ارتفاع الشمس للذرور # فانقض كالطاوي من الصقور # بطاعة الراغب لا المجبور # ثم جلسنا مجلس المحبور # على حفافي جدول مسجور # 43 # أبيض مثل المهرق المنشور # أو مثل متن المنصل المشهور # ينساب مثل الحية المذعور # بين سماطي شجر مسطور # فنيلت الأوطار في سرور # وكل ما نقضي من الأمور # تعلة عن يومنا المنظور # ومتعة من متع الغرور ~~(8) المرأة والحب # النساء # أجنت لك الوجد أغصان وكثبان # فيهن نوعان تفاح ورمان # 44 # وفوق ذينك أعناب مهدلة # سود لهن من الظلماء ألوان # 45 # وتحت ذلك عناب تلوح به # أطرافهن قلوب القوم قنوان # 46 # غصون بان عليها - الدهر - فاكهة # وما الفواكه مما يحمل البان # ونرجس بات ساري الطل يضربه # وأقحوان منير النور ريان # 47 # ألفن من كل شيء طيب حسن # فهن فاكهة شتى وريحان # ثمار صدق إذا عاينت ظاهرها # لكنها حين تبلو الطعم خطبان # 48 # بل حلوة مرة، طورا يقال لها: # شهد، وطورا يقول الناس: ذيفان # 49 # يا ليت شعري، وليت غير مجدية # إلا استراحة قلب وهو أسوان # لأي أمر مراد بالفتى جمعت # تلك الفنون فضمتهن أفنان؟ # تجاورت في غصون لسن من شجر # لكن غصون لها وصل وهجران # تلك الغصون اللواتي في أكمتها # نعم وبؤس وأفراح وأحزان # يبلو بها الله قوما كي يبين له # ذو الطاعة البر ممن فيه عصيان # وما ابتلاهم لإعنات ولا عبث # ولا ms243 لجهل بما يحويه إبطان # لكن ليثبت في الأعناق حجته # ويحسن العفو، والرحمن رحمن # ومن عجائب ما يمنى الرجال به # مستضعفات لنا منهن أقران # مناضلات بنبل لا تقوم له # كتائب الترك يزجيهن خاقان # مستظهرات برأي لا يقوم له # قصير عمرو، ولا عمرو ووردان # من كل قاتلة قتلى، وآسرة # أسرى، وليس لها في الأرض إثخان # يولين ما فيه إغرام وآونة # يولين ما فيه للمشغوف سلوان # ولا يدمن على عهد لمعتقد # أنى وهن كما شبهن بستان؟ # يميل طورا بحمل ثم يعدمه # ويكتسي ثم يلفى وهو عريان # امتزاج روحين # أعانقها، والنفس بعد مشوقة # إليها، وهل بعد العناق تدان؟ # وألثم فاها كي تموت حزازتي # فيشتد ما ألقى من الهيمان # وما كان مقدار الذي بي من الجوى # ليشفيه ما ترشف الشفتان # كأن فؤادي ليس يشفي غليله # سوى أن يرى الروحين تمتزجان # لمحة التوديع # رب كعاب في حجاب لم تزل # مثل الغزال عنقا ومكتحل # لم تكتحل مقلتها سوى الكحل # ولا تحلى جيدها سوى العطل # ما زلت منها في مطال وعلل # حتى إذا ما قدر البين نزل # خلست منها نظرة على وجل # آخرها أولها من العجل # ثم أجنتها غيابات الكلل # الشباب الراحل # أبين ضلوعي جمرة تتوقد # على ما مضى أم حسرة تتجدد؟ # خليلي ما بعد الشباب رزية # يجم لها ماء الشئون ويعتد # فلا تلحيا إن فاض دمع لفقده # فقل له بحر من الدمع يثمد # ولا تعجبا للجلد يبكي، فربما # تفطر عن عين من الماء جلمد # شباب الفتى مجلوده وعزاؤه # فكيف وأنى بعده يتجلد؟ # وفقد الشباب الموت، يوجد طعمه # صراحا، وطعم الموت بالموت يفقد # رزئت شبابي عودة بعد بدأة # وهن الرزايا بادئات وعود # سلبت سواد العارضين وقبله # بياضهما المحمود إذ أنا أمرد # وبدلت من ذاك البياض وحسنه # بياضا ذميما لا يزال يسود # لشتان ما بين البياضين معجب # أنيق، ومشنوء إلى العين أنكد # تضاحك في أفنان رأسي ولحيتي # وأقبح ضحاكين شيب وأدرد # 50 # وكنت جلاء للعيون من القذى # فقد جعلت تقذى بشيبي وترمد # هي الأعين النجل التي كنت تشتكي # مواقعها ms244 في القلب، والرأس أسود # فما لك تأسى الآن لما رأيتها # وقد جعلت مرمى سواك تعمد # تشكى إذا ما أقصدتك سهامها # وتأسى إذا نكبن عنك وتكمد # كذلك تلك النبل من وقعت به # ومن صرفت عنه من القوم مقصد # 51 # إذا عدلت عنا وجدنا عدولها # كموقعها في القلب، بل هو أجحد # تنكب عنا مرة، فكأنما # منكبها عنا إلينا مسدد # كفى حزنا أن الشباب معجل # قصير الليالي، والمشيب مخلد # إذا حل جارى المرء شأو حياته # إلى أن يضم المرء والشيب ملحد # أرى الدهر أجرى ليله ونهاره # بعدل، فلا هذا ولا ذاك سرمد # وجار على ليل الشباب فضامه # نهار مشيب سرمد ليس ينفد # وعزاك عن ليل الشباب معاشر # فقالوا: نهار الشيب أهدى وأرشد # وكان نهار المرء أهدى لسعيه # ولكن ظل الليل أندى وأبرد # أأيام لهوي هل مواضيك عود؟ # وهل لشباب ضل بالأمس منشد؟ # أقول وقد شابت شواتي، وقوست # قناتي، وأضحت كدنتي # 52 # تتخدد # ودب كلال في عظامي أدبني # جنيب العصا أنآد أو أتأيد # وبورك طرفي، فالشخوص حياله # قرائن - من أدنى مدى - وهي فرد # ولذت أحاديثي الرجال وأعرضت # سليمى وريا عن حديثي ومهدد # وبدل إعجاب الغواني تعجبا # فهن روان يعتبرن وصدد # لما تؤذن الدنيا به من صروفها # يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنها # لأفسح مما كان فيه وأرغد؟! # إذا أبصر الدنيا استهل كأنه # بما سوف يلقى من أذاها يهدد # وللنفس أحوال تظل كأنها # تشاهد فيها كل غيب سيشهد ~~••• # لعبت بأولى الدهر، فاغتال شرتي # بأخرى حقود، والجرائم تحقد # فصبرا على ما اشتد منه، فإنما # يقوم لما يشتد من يتشدد # يذيق الفتى طوري رخاء وشدة # حوادثه والحول بالحول يطرد # وما لي عزاء عن شبابي علمته # سوى أنني من بعده لا أخلد # وأن مشيبي «واعد» بلحاقه # وإن قال قوم إنه «يتوعد» # دمعة على الشباب # لا تلح من يبكي شبيبته # إلا إذا لم يبكها بدم # عيب الشبيبة غول سكرتها # مقدار ما فيها من النعم # لسنا نراها حق رؤيتها # إلا زمان الشيب والهرم # كالشمس لا تبدو ms245 فضيلتها # حتى تغشى الأرض بالظلم # ولرب شيء لا يبينه # وجدانه إلا مع العدم # حلم زائل # رأيت سواد الرأس واللهو تحته # كليل وحلم بات رائيه ينعم # فلما اضمحل الليل زال نعيمه # فلم يبق إلا عهده المتوهم ~~(9) الأحداث السياسية # مصرع أبي الحسين يحيى من أحفاد علي # أمامك فانظر أي نهجيك تنهج # طريقان شتى: مستقيم وأعوج # ألا أيهذا الناس طال ضريركم # بآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا # أكل أوان للنبي محمد # قتيل زكي بالدماء مضرج # تبيعون فيه الدين شر أئمة # فلله دين الله قد كان يمرج # 53 ~~••• # بني المصطفى! كم يأكل الناس شلوكم؟ # لبلواكم - عما قليل - مفرج # أما فيهم راع لحق نبيه # ولا خائف من ربه يتحرج # لقد عمهوا ما أنزل الله فيكم # كأن كتاب الله فيهم ممجمج # 54 # ألا خاب من أنساه منكم نصيبه # متاع من الدنيا قليل وزبرج ~~••• # أبعد المكنى بالحسين شهيدكم # تضيء مصابيح السماء فتسرج # لنا وعلينا، لا عليه ولا له، # تسحسح أسراب الدموع وتنشج # وكيف نبكي فائزا عند ربه # له في جنان الخلد عيش مخرفج # 55 # وقد نال في الدنيا سناء وصيتة # وقام مقاما لم يقمه مزلج # 56 # فإن لا يكن حيا لدينا فإنه # لدى الله حي في الجنان مزوج # وكنا نرجيه لكشف عماية # بأمثاله أمثالها تتبلج # فساهمنا ذو العرش في ابن نبيه # ففاز به والله أعلى وأفلج # أيحيى العلى لهفي لذكراك لهفة # يباشر مكواها الفؤاد فينضج # لمن تستجد الأرض بعدك زينة # فتصبح في أثوابها تتبرج؟ # سلام وريحان وروح ورحمة # عليك وممدود من الظل سجسج # ولا برح القاع الذي أنت جاره # يرف عليه الأقحوان المفلج # ويا أسفي ألا ترد تحية # سوى أرج من طيب رمسك يأرج # ألا إنما ناح الحمائم بعدما # ثويت وكانت قبل ذلك تهزج # ألا أيها المستبشرون بيومه # أظلت عليكم غمة لا تفرج! # أكلكم أمسى اطمأن مهاده # بأن رسول الله في القبر مزعج؟! # فلا تشمتوا وليخسأ المرء منكم # بوجه كأن اللون منه اليرندج # 57 # فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم # 58 # غداة التقى الجمعان والخيل تمعج # لأعطى يد ms246 العاني، أو ارتد هاربا # كما ارتد بالقاع الظليم # 59 # المهيج # ولكنه ما زال يغشى بنحره # شبا الحرب حتى قال ذو الجهل: أهوج # وحاشا له من تلكم غير أنه # أبى خطة الأمر الذي هو أسمج # وأين به عن ذاك؟ لا أين إنه # إليه بعرقيه الزكيين محرج # كأني به كالليث يحمي عرينه # وأشباله لا يزدهيه المهجهج # كدأب علي في المواطن قبله # أبي حسن والغصن من حيث يخرج # كأني أراه والرماح تنوشه # شوارع كالأشطان تدلى وتخلج # كأني أراه إذ هوى عن جواده # وعفر بالترب الجبين المشجج # فحب به جسما إلى الأرض إذ هوى # وحب بها روحا إلى الله تعرج # أأرديتم يحيى؟! ولم يطو أيطل # 60 # طرادا ولم يدبر من الخيل منسج # تأتت لكم فيه منى السوء هينة # وذاك لكم بالغي أغرى وألهج # تمدون في طغيانكم وضلالكم # ويستدرج المغرور منكم فيدرج # أجنوا بني العباس من شنآنكم # وأوكوا # 61 # على ما في العياب وأشرجوا # 62 # وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم # فأحر بهم أن يغرقوا حيث لججوا # نظار لكم أن يرجع الحق راجع # إلى أهله يوما فتشجوا كما شجوا # على حين لا عذرى لمعتذريكم # ولا لكم من حجة الله مخرج # فلا تلقحوا الآن اللواقح بينكم # وبينهم إن اللواقح تنتج # غررتم لأن صدقتم أن حالة # تدوم لكم والدهر لونان أخرج # لعل لهم في منطوي الغيب ثائر # سيسمو لكم والصبح في الليل مولج # بمجر تضيق الأرض من زفراته # له زجل ينفي الوحوش وهزمج # 63 # إذا شيم بالأبصار أبرق بيضه # بوارق لا يسطيعهن المحمج # 64 # توامضه شمس الضحى فكأنما # يرى البحر في أعراضه يتموج # يؤيده ركنان ثبتان: رجله # وخيل كأرسال الجراد وأوثج # 65 # عليها رجال كالليوث بسالة # بأمثالها يثنى الأبي فيعنج # 66 # تدانوا فما للنقع فيهم خصاصة # تنفسه عن خيلهم حين ترهج # فلو حصبتهم بالفضاء سحابة # لظل عليهم حصبها يتدحرج # كأن الزجاج اللهذمياب فيهم # فتيل بأطراف الرديني مسرج # يود الذي لاقوه أن سلاحه # هنالك خلخال عليه ودملج # فيدرك ثأر الله أنصار دينه # ولله أوس آخرون وخزرج # ويقضي «إمام الحق» ms247 فيكم قضاءه # تماما وما كل الحوامل تخدج # وتظعن خوف السبي بعد إقامة # ظعائن لم يضرب عليهن هودج # مه! لا تعادوا غرة البغي بينكم # كما يتعادى شعلة النار عرفج # 67 # أفي الحق أن يمسوا خماصا، وأنتم # يكاد أخوكم بطنة يتبعج # تمشون مختالين في حجراتكم # ثقال الخطى أكفالكم تترجرج # وليدهم بادي الضوى، ووليدكم # من الريف ريان العظام خدلج # بنفسي الألى كظتهم حسراتكم # فقد علزوا قبل الممات وحشرجوا # 68 # وعيرتموهم بالسواد ولم يزل # من العرب الأمحاض أخضر أدعج # ولكنكم زرق يزين وجوهكم # بني الروم! ألوان من الروم نعج # أبى الله إلا أن يطيبوا وتخبثوا # وأن يسبقوا بالصالحات ويفلجوا # وإن كنتم منهم وكان أبوكم # أباهم فإن الصفو بالرنق يمزج ~~••• # لعمري لقد أغرى القلوب ابن طاهر # ببغضائكم ما دامت الريح تنأج # 69 # سعى لكم مسعاة سوء ذميمة # سعى مثلها مستكره الرجل أعرج # فلن تعدموا ما حنت النيب فتنة # تحش كما حش الحريق المؤجج # وقد بدأت لو تزجرون بريحها # بوائجها من كل أوب تبوج # 70 ~~••• # بني مصعب! ما للنبي وأهله # عدو سواكم، أفصحوا أو فلجلجوا # دماء بني عباسكم وعليهم # لكم كدماء الترك والروم تهرج # يلي سفكها العوران والعرج منكم # وغوغاؤكم جهلا بذلك تبهج # وما بكم أن تنصروا أولياءكم # ولكن هنات في القلوب تنجنج # 71 # ولو أمكنتكم في الفريقين فرصة # لقد بينت أشياء تلوي وتحنج # إذن لاستقدتم منهما وتر فارس، # وإن ولياكم فالوشائج أوشج # أبى أن تحبوهم يد الدهر ذكركم # ليالي لا ينفك منكم متوج # وإني على الإسلام منكم لخائف # بوائق شتى بابها الآن مرتج # وفي الحزم أن يستدبر الناس أمركم # وحبلهم مستحكم العقد مدمج ~~••• # نظار فإن الله طالب وتره # بني مصعب! لن يسبق الله مدلج # لعل قلوبا قد أطلتم غليلها # ستظفر يوما بالشفاء فتثلج ~~(10) شخصيات وأعلام # بطل الشطرنج «في أبي القاسم التوزي الشطرنجي» # يا أخي يا أخا الدماثة والرق # ة والظرف والحجى والدهاء # أترى الضربة التي هي غيب # خلف خمسين ضربة في وحاء # ثاقب الرأي نافذ الفكر فيها # غير ذي فترة ولا إبطاء # ويلاقيك سبعة فيظلو ms248 # ن على ظهر آلة حدباء # تهزم الجمع أوحديا وتلوي # بالصناديد أيما إلواء # وتحط الرخاخ بعد الفرازي # ن فتزداد شدة استعلاء # ربما هالني وحير عقلي # أخذك اللاعبين بالبأساء # ورضاهم هناك بالنصف والربع # وأدنى رضاك في الإرباء # واحتراس الدهاة منك وإعصا # فك بالأقوياء والضعفاء # عن تدابيرك اللطاف اللواتي # هن أخفى من مستسر الهباء # بل من السر في ضمير محب # أدبته عقوبة الإفشاء # فإخال الذي تدير على القو # م حروبا دوائر الإرحاء # وأظن افتراسك القرن فالقر # ن منايا وشيكة الإرداء # وأرى أن رقعة الأدم الأح # مر أرض عللتها بدماء # غلط الناس لست تلعب بالشط # رنج لكن بأنفس اللعباء # أنت جديها، وغيرك من يل # عب إن الرجال غير النساء # لك مكر يدب في القوم أخفى # من دبيب الغذاء في الأعضاء # أو دبيب الملال في مستهامي # ن إلى غاية من البغضاء # أو مسير القضاء في ظلم الغي # ب إلى من يريده بالتواء # أو سرى الشيب تحت ليل شباب # مستحير في لمة سحماء # دب فيها لها، ومنها إليها # فاكتست لون رثة شمطاء # تقتل الشاه حيث شئت من الرق # عة طبا بالقتلة النكراء # غير ما ناظر بعينيك في الدس # ت ولا مقبل على الرسلاء # بل تراها وأنت مستدبر الظه # ر بقلب مصور من ذكاء # ما رأينا سواك قرنا يولي # وهو يردي فوارس الهيجاء # رب قوم رأوك ريعوا فقالوا # هل تكون العيون في الأقفاء # والفؤاد الذكي للمطرق المعر # ض عين يرى بها من وراء # تقرأ الدست ظاهرا فتؤدي # ه جميعا كأحفظ القراء ~~(11) طبائع وشمائل # في يحيى بن علي المنجم # رب أكرومة له لم نخلها # قبله في الطباع والتركيب # غربته الخلائق الزهر في النا # س، وما أوحشته بالتغريب # ألمعي يرى بأول ظن # آخر الأمر من وراء المغيب # لا يروي ولا يقلب كفا # وأكف الرجال في تقليب # يدرك الطلب بالبديهة دون ال # عقب، قبل التصعيد والتصويب # حازم الرأي ليس من طول تجري # ب، لبيب وليس عن تلبيب # لين عطفه فإن ريم منه # مكسر العود كان جد صليب # في القاسم # عجبت ms249 لمن حزمه حزمه # تكون يداه يدي حاتم # عجبت لمن جوده جوده # تكون له عقدة الحازم # عجبت لمن حلمه حلمه # تكون له صولة الصارم # عجبت لمن حده حده # تكون له رأفة الراحم # أرى كل ضد إلى ضده # من الخير في طبعه السالم ~~(12) رسائل استعطاف وعتب # عتب على سوء مقابلة # قرأت في وجهك عنوانا # آذنني بالغدر إيذانا # تالله أنسى ما ذكرت الصبا # بل ما ذكرت الله لهفانا # يوم التقينا فتجهمتني # تجهم المديون ديانا # وكيف أنسى ذاك مستيقظا # ولست أنسى ذاك وسنانا # طلعت من بعد فأوهمتني # أنك قد عاينت شيطانا # لاقيتني ساعة لاقيتني # أثقل خلق الله أجفانا # كأنما كنت تضمنت لي # رد شبابي كالذي كانا # أو طم بحر الصين في طرفة # أو كسح أروند وثهلانا # أو كل ما لم يستطع فعله # عيسى ولا موسى بن عمرانا # يا حسن الوجه لقد شنته # فاضمم إلى حسنك إحسانا # أنت ملول حائل عهده # تصبغك الساعات ألوانا # تصرم ذا الوصل وتضحى إلى # من يحتوي وصلك ظمآنا # حتى إذا واصل صارمته # أو سمته صدا وهجرانا # وتستلين الدهر ذا خشنة # فظا، وتستخشن من لانا # وتعقد الوعد، فإنجازه # خلف إذا إنجازه آنا # حتى إذا أنجزته مرة # مننته سرا وإعلانا # وما أحب الواعدي مخلفا # كلا ولا الممتن منانا # حذرتني الناس فقد أصبحت # نفسي لا تألف إنسانا # أهنتني جدا فأعززتني # رب امرئ عز بأن هانا # إلى آل وهب # تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا # نبال العدى عني فكنتم نصالها # وقد كنت أرجو منكم خير ناصر # على حين خذلان اليمين شمالها # فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي # ذماما فكونوا لا عليها ولا لها # قفوا موقف المعذور عني بمعزل # وخلوا نبالي والعدا ونبالها # هي النفس إما أن تعيش بغبطة # وإلا فغنم أن تزول زوالها # طلبت لديكم بالعتاب زيادة # وعطفا فأعتبتم بإحدى البوائق # فكنت كمستسق سماء مخيلة # حيا، فأصابته بإحدى الصواعق # أأحييتني بالأمس ثم تميتني # برفضي وإقصائي، وحقي أن أدنى # ولو أنني أحييت ميتا عشقته # لحسن الذي أثرت فيه من الحسنى ~~(13) هجاء # شيء ليس له وجود # قل لابن بوران ms250 إن كان ابن بوران # فإن شكي فيه جل إيماني # يا باطلا أوهمتنيه مخايله # بلا دليل ولا تثبيت برهان # ما أنت إلا خيال طاف طائفه # وما هجائيك إلا هجر وسنان # قد كنت أحسبه شيئا فأهجوه # حتى أزاح يقيني فيه حسباني # في إسماعيل بن بلبل # صبرا أبا صقر فكم طائر # خر صريعا بعد تحليق # زوجت نعمى لم تكن كفأها # فصانها الله بتطليق # وكل نعمى غير مشكورة # رهن زوال بعد تمحيق # لا قدست نعمى تسربلتها # كم حجة فيها لزنديق! # كيمياء الجد # عجب الناس من أبي الصقر إذ ول # ي بعد «البطالة» الديوانا # ولعمري ما ذاك أعجب من أن # كان علجا فصار من شيبانا # إن للجد كيمياء إذا ما # مس كلبا أحاله إنسانا # يفعل الله ما يشاء ، كما شا # ء، متى شاء، كائنا ما كانا # تأبين! # أقول إذ هتف الداعي بمصرعه: # لبيك! لبيك! من داع بتبيين # نعيت من جمدت غزر العيون له # فلم تفض عبرة من عين محزون # ومن يقل له الداعي بمغفرة # وينشد الناس فيه بيت يقطين # فإن تصبك من الأيام جائحة # لم نبك منك على دنيا ولا دين # يا منكرا ونكيرا أوجعاه فقد # خلوتما بقليل الخير ملعون # بعدا وسحقا له من هالك نطف # مشوه الخلق من نسل الشياطين # اعتزال الهجاء # يا من قسا لما شكو # ت إلى تطوله زماني # واعتدني - لما رخصت # عليه - من سقط المعاني # سأصون مالك عن يدي # وأصون عرضك عن لساني # آليت لا أهجو طوا # ل الدهر إلا من هجاني # لا بل سأطرح الهجا # ء وإن رماني من رماني # أمن الخلائق كلهم # فليأخذوا مني أماني # حلمي أعز علي من # غضبي إذا غضبي عراني # فلأصبرن وأكظمن # وإن لظى غيظي كواني # لكنني سأحب نف # سي إذ قلاني من قلاني # وأريدها كل الإرا # دة إذ أباني من أباني # وأرى مكاني إن تعا # مه من تعامه عن مكاني # حتى يراني الله كي # ف صيانتي قدري وشاني # ويعولني فعيالتي # حق عليه كما يراني # وليغذوني بالكرار # مة إنه قدما غذاني # وسأستعين على الفرا # ق الصبر ms251 إن شوق دعاني ~~(14) صور ممسوخة # يصف نفسه # من كان يبكي الشباب من جزع # فلست أبكي عليه من جزع # لأن وجهي بقبح صورته # ما زال بي كالمشيب والصلع # إذا أخذت المرآة، سلمني # وجهي - وما مت - هول مطلعي # شغفت بالخرد الحسان وما # يصلح وجهي إلا لذي ورع # كي يعبد الله في الفلاة، ولا # يشهد فيه مساجد الجمع # أكول # وأما يد البصري في كل صفحة # فأقلع من سيل وأغرف من رفش # 72 # أأوعده بالشعر وهو مسلط # على الإنس والجنان والطير والوحش؟ # ألم أره لو شاء بلع تهامة # وأجبالها، طاحت هناك بلا أرش! # 73 # على أنه ينعي إلى كل صاحب # ضروسا له تأبى على الثور والكبش # يخبر عنها أن فيها تثلما # وذلكم أدهى وأوكد للجرش # ألم تعلموا أن الرحا عند نقرها # وتجريشها تأتي على الصلب والهش # فلا تقبلوا ذاك التفارق، واحذروا # شباه، ولو أمسى مسجى على نعش # مقارنة # وجهك يا عمرو فيه طول # وفي وجوه الكلاب طول # مقابح الكلب فيك طرا # يزول عنها ولا تزول # وفيه أشياء صالحات # حماكها الله والرسول # والكلب واف وفيك غدر # ففيك عن قدره سفول # وقد يحامي عن المواشي # وما تحامي ولا تصول # وأنت من بيت أهل سوء # قصتهم قصة تطول # وجوههم للورى عظات # لكن أقفاءهم طبول # نستغفر الله قد فعلنا # ما يفعل المائق الجهول # ما إن سألناك ما سألنا # إلا كما تسأل الطلول # صمت وعيت فلا خطاب # ولا كتاب ولا رسول # مستفعلن فاعل فعول # مستفعلن فاعل فعول # بيت كمعناك ليس فيه # معنى سوى أنه فضول # الغث السمين # لنا صديق كلا صديق # غث على أنه سمين # من أقبح الناس، لا أحاشي # من كان منهم ومن يكون # إذا بدا وجهه لقوم # لاذت بأجفانها العيون # كأنه عندهم غريم # حلت عليهم له ديون # وهو على ما وصفت منه # متهم وده ظنين # كبرياء الحجاب # وكم حاجب غضبان كاسر حاجب # محا الله ما فيه من الكسر بالكسر! # عبوس إذا حييته بتحية # فيا لك من كبر ومن منطق نزر # يظل كأن الله يرفع قدره # بما حط ms252 من قدري وصغر من أمري # إذا ما رآني عاد أعمى بلا عمى # وصم سميعا ما بأذنيه من وقر # ومن شيم الحجاب أن قلوبهم # قلوب على الآداب أقسى من الصخر # يخافون أن يحظى سواهم بحظهم # فهم من سؤال السائلين على وحر # ثقيل # كان للأرض مرة ثقلان # فلها اليوم ثالث بفلان # أتقي غصة اسمه، علم الله، # فأكني عن ذكره بالمعاني # يا ثقيل الثقال أقذيت عيني # ليت أني كما أراك تراني # من يكن عانيا بحب حبيب # ففؤادي ببغضك اليوم عاني # بارد ثقيل # يا أبا القاسم الذي ليس يدري # أرصاص كيانه أم حديد # أنت عندي كماء بئرك في الصي # ف ثقيل يعلوه برد شديد # في أخرق # وأخرق تضرمه نفخة # سفاها وتطفئه تفله # فأخلاقه تارة وعرة # وأخلاقه تارة سهله # أصدقاء كثيرو السلام # ولي أصدقاء كثيرو السلام # علي وما فيهم نافع # إذا أنا أدلجت في حاجة # لها مطلب نازح شاسع # فلي أبدا معهم وقفة # وتسليمة وقتها ضائع # وفي موقف المرء عن حاجة # تيممها شاغل قاطع # ترى كل غث كثير الفضو # ل، مصحفه مصحف جامع # يحدثني من أحاديثه # بما لا يلذ به السامع # أحاديث هن كمثل الضري # ع، آكله أبدا جائع # أولئك لا حيهم مؤنس # صديقا، ولا ميتهم فاجع ~~(15) تجاريب وعظات # الظنون # يا أخي، أين ربع ذاك اللقاء؟ # أين ما كان بيننا من صفاء؟ # كشفت منك حاجتي هنوات # غطيت برهة بحسن اللقاء # تركتني ولم أكن سيئ الظ # ن أسيء الظنون بالأصدقاء # قلت لما بدت لعيني شنعا # رب شوهاء في حشا حسناء # ليتني ما هتكت عنكن سترا # فثويتن تحت ذاك الغطاء # قلن لولا انكشافنا ما تجلت # عنك ظلماء شبهة قتماء # قلت أعجب بكن من كاسفات # كاشفات غواشي الظلماء # قد أفدتنني - مع الخبر بالصا # حب - أن رب كاسف مستضاء # قلن أعجب بمهتد يتمنى # أنه لم يزل على همياء # كنت في شبهة فزالت بنا عن # ك فأوسعتنا من الإزراء # وتمنيت أن تكون على الحي # رة تحت العماية الطخياء # قلت تالله ليس مثلي من و # د ضلالا وحيرة باهتداء # غير أني ms253 وددت ستر صديقي # بدلا باستفادة الأنباء # قلن هذا هوى فعرج على الح # ق وخل الهوى لقلب هواء # ليس في الحق أن تود لخل # أنه الدهر كامن الأدواء # بل من الحق أن تنفر عنهن # وإلا فأنت كالبعداء # إن بحث الطبيب عن داء ذي الدا # ء لأس الشفاء قبل الشفاء # دونك الكشف والعتاب فقوم # بهما كل خلة عوجاء # وإذا ما بدا لك العر # 74 # يوما # فتتبع نقابه بالهناء # 75 # قلت في ذاك موتكن، وما المو # ت بمستعذب لدى الأحياء # قلن ما الموت بالكريه إذا كا # ن بحق فلا تزد في المراء # طينة الناس # واعلم بأن الناس من طينة # يصدق في الثلب لها الثالب # لولا علاج الناس أخلاقهم # إذن لفاح الحمأ اللازب # اعتزال الناس # ذقت الطعوم فما التذذت كراحة # من صحبة الأشرار والأخيار # أؤحب قوما لم يحبوا ربهم # إلا لفردوس لديه ونار؟! # المعدم في أمان # ما راح مغبونا بصفقة خاسر # من باع متعة فائت بأمان # أمن امرؤ من رزء شيء فاته # والمدركوه مراقبو الحدثان # وكفى عزاء لامرئ من فائت # ألا يخاف عليه صرف زمان # القناعة # إذا ما كساك الله سربال صحة # ولم تخل من قوت يحل ويعذب # فلا تغبطن المترفين فإنهم # على حسب ما يكسوهم الدهر يسلب # من هو الكريم؟ # ليس الكريم الذي يعطي عطيته # على الثناء وإن أغلى به الثمنا # بل الكريم الذي يعطي عطيته # لغير شيء سوى استحسانه الحسنا # جزاء الإحسان # ولقد كافأ بالنعمى امرؤ # كافأ النعمى بإخلاص الوداد # إن يكن نول نيلا من يد # فلقد نول نيلا من فؤاد # الدرهم والسيف # لم أر شيئا صادقا نفعه # للمرء كالدرهم والسيف # يقضي له الدرهم حاجاته # والسيف يحميه من الحيف # الشرير # وليس بشرير ضليع بحجة # رمى باطلا بالحق حين يخاصم # ولا واسم عرض امرئ كان ناله # بسوء، وإن لامته فيه اللوائم # وما بي زهد في التفضل إنه # لفضل، ولكن للرجال شكائم # ولكنما الشرير من عم شره # وسولم بدءا فأتلى لا يسالم # وعاد بإذعان له وتودد # أخوه فلم تنفعه تلك التمائم # وكافأ إحسانا بسوء ms254 ولم يزل # يراجم بالمكروه من لا يراجم # الظلم # لانتقام المظلوم أربى على الظا # لم، من ظلمه على المظلوم # صاحب الظلم إن تأملت كالرا # تع في المرتع الوبيل الوخيم # يجتلي أمره فيعلم أن قد # باع ليل الكرى بليل السليم # 76 # فهو من لوم نفسه حين يخلو # في عرام وفي عذاب أليم # قد أمرت حياته وشجته # برحاء النديم والتنديم # لو تجافى الخصيم عنه وأغضى # لكفاه بنفسه من خصيم # الملام # لا تكثرن ملامة العشاق # فكفاهم بالوجد والأشواق # إن البلاء يطاق غير مضاعف # فإذا تضاعف كان غير مطاق # لا تطفئن جوى بلوم إنه # كالريح تغري النار بالإحراق # السلو # أبت نفسي الهلاع لرزء شيء # كفى شجوا لنفسي رزء نفسي # أتهلع وحشة لفراق إلف # وقد وطنتها لحلول رمس # الصبر # أرى الصبر محمودا وفيه مذاهب # فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب؟! # هناك يحق الصبر، والصبر واجب، # وما كان منه كالضرورة أوجب # هو المهرب المنجى لمن أحدقت به # مكاره دهر ليس منهن مهرب # لبوس جمال، جنة من شماتة، # شفاء أسى، يثنى به ويثوب # إغراء المثيب # وتولى الشباب فازددت ركضا # في ميادين باطلي إذ تولى # إن من ساءه الزمان بشيء # لأحق امرئ بأن يتسلى # الفناء # إذا اختط قوم خطة لمدينة # تقاضتهم أضعافها للمقابر # وفي ذاك ما ينهاهم أن يشيدوا # وأن يقتنوا إلا كزاد المسافر # الحرب الأهلية # وما قتل بعض الحي بعضا بناهك # قواه إذا ما جاء حي يحاربه # وما لطم بعض الموج في البحر بعضه # بمانعه تغريق من هو راكبه # يجنون الحرب وغيرهم وقودها # رأيت جناة الحرب غير كفاتها # إذا اختلفت فيها الرماح الشواجر # كذاك زناد النار عنها بنجوة # ولكنما تصلى صلاها المساعر # الإغضاء إلا عن الخلصاء # يا أبا القاسم الذي كنت أرجو # ه لدهري قطعت متن الرجاء # لا أجازيك عن غرورك إيا # ي غرورا وقيت سوء الجزاء # بل أرى صدقك الحديث وما ذا # ك لبخل عليك بالإغضاء # أنت عيني، وليس من حق عيني # غض أجفانها على الأقذاء ~~(16) الشعر # دفاعه عن شعره # قلت لمن قال لي عرضت على ms255 ال # أخفش # 77 # ما قلته فما حمده # قصرت بالشعر حين تعرضه # على مبين العمى إذا انتقده # ما قال شعرا، ولا رواه، فلا # ثعلبه كان، لا ولا أسده # فإن يقل إنني رويت، فكالد # فتر جهلا بكل ما اعتقده # أرمت زيني بأن تعرضني # لمدحه، فالذليل من عضده # أم رمت شيني بأن تعرضني # لثلبه، فالسليم من قصده # 78 # أنشدته منطقي ليشهده # فغاب عنه عمى وما شهده # وقال قولا بغير معرفة # إفكا، فما حل إفكه عقده # شعري شعر إذا تأمله ال # إنسان ذو الفهم والحجى عبده # لكنه ليس منطقا بعث الله # به آية لمن جحده # ولا أنا المفهم البهائم والط # ير سليمان قاهر المرده # ما بلغت بي الخطوب رتبة من # تفهم عنه الكلاب والقرده # وحسب قرد أراه يحسدني # أن يسكن الله قلبه حسده # لا خفف الله عنه من حسدي # وزاده الله فوقه كمده # ولا تزل صورتي إذا طلعت # لناظريه قذاه بل رمده # حمله على البحتري # الحظ أعمى ولولا ذاك لم نره # للبحتري بلا عقل ولا أدب # قبحا لأشياء يأتي البحتري بها # من شعره الغث بعد الكد والتعب # كأنها حين يصغي السامعون لها # ممن يميز بين النبع والغرب # رقى العقارب، أو هذر البناة إذا # أضحوا على شعف الجدران في صخب # وقد يجيء بخلط فالنحاس له # وللأوائل ما فيه من الذهب # يسيء عفا، فإن أكدت وسائله # أجاد لصا شديد البأس والكلب # عبد يغير على الموتى فيسلبهم # حر الكلام بجيش غير ذي لجب # ما إن تزال تراه لابسا حللا # أسلاب قوم مضوا في سالف الحقب # شعر يغير عليه باسلا بطلا، # وينشد الناس إياه على رقب # يقول مستمعوه الجاهلون به # أحسنت يا أشعر الحضار والغيب # والحكم فيه مبين غير ملتبس # لو ريم فيه خلاف الحق لم يصب # إذا أجاد فأوجب قطع مقوله # فقد دهى شعراء الناس بالحرب # وإن أساء فأوجب قتله قودا # بمن يميت إذا أبقى على السلب # التأسي # خليلي قد عللتماني بالأسى # فأنعمتما لو أنني أتعلل # وما راحة المرزوء في رزء غيره # أيحمل عنه بعض ما يتحمل؟ ms256 # وضرب من الظلم الخفي مكانه # تعزيك بالمرزوء حين تأمل # لأنك يأسوك الذي هو كلمه # بلا جرم، لو أن جورك يعدل # حلم اليقظة # المرء في حال التيقظ هاجع # يرنو إلى الدنيا بمقلة حالم # وأخو الحجا أبدا يجاهد طبعه # فتراه وهو محارب كمسالم # التكلف # في الناس ذو حلم يسفه نفسه # كيما يهاب وجاهل يتحلم # وكلاهما تعب يحارب شيمة # غلبت فآض بحملها يتألم # الدهر الشاعر # الناس كالشعر تلقى الأرض جائشة # بالجمع يزجى، وخير منهم رجل # والدهر شاعر آفات يفوه بها # للناس يفكر تارات ويرتجل # الحزم # إذا طرف من حبلك انحل عقده # تداعت وشيكا بانتقاض مرائره # 79 # فلا تغفلن أمرا وهى منه جانب # فيتبعه في الوهي لا شك سائره # الأصدقاء # عدوك من صديقك مستفاد # فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه # يحول من الطعام أو الشراب # إذا انقلب الصديق غدا عدوا # مبينا والأمور إلى انقلاب # ولو كان الكثير يطيب كانت # مصاحبة الكثير من الصواب # وما اللجج الملاح بمرويات # وتلقى الري في النطف العذاب # جمع المال # المال يكسب ربه ما لم يفض # في الراغبين إليه سوء ثناء # كالماء تأسن بئره إلا إذا # خبط السقاة جمامه بدلاء # في الثقال # ليس حمد الجفون في مريها النو # م ولا نفيها أذى الأقذاء # إنما حمدها إذا هي حالت # بين طرف العيون والبغضاء # المنى # حرك مناك إذا همم # ت فإنهن مراوح # لا تيئسن فإن رز # ق الله غاد رائح # حظه من الشعر # ويح القوافي ما لها سفسفت # حظي كأني كنت سفسفتها # ألم تكن هوجا فسددتها؟ # ألم تكن عوجا فثقفتها؟ # كم كلمات حكت أبرادها # وسطتها الحسن وطرفتها! # ما أحسنت إن كنت حسنتها # ما ظرفت إن كنت ظرفتها # أنحت على حظي بمبراتها # شكرا لأني كنت أرهفتها # فرققته حين رققتها، # وهفهفته حين هفهفتها # وكثفت دون الغنى سدها # حتى كأني كنت كثفتها # أحلف بالله لقد أصبحت # في الرزق آفتي وما افتأتها # لم أشكها قط بتقصيرة # فيها، ولا من حيفة حفتها # حرمت في سني وفي ميعتي # قراي من دنيا تضيفتها # لهفي على الدنيا ms257 وهل لهفة # تنصف منها إن تلهفتها؟ # كم آهة لي قد تأوهتها # فيها، ومن أف تأففتها! # أغدو ولا حال تسنمتها # فيها، ولا حال تردفتها # | هوامش ms258