######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.IbnRushd.Hindawi73941747 #META# Tags: biographies #META# ID: 73941747 #META# Title: ابن رشد #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - عصر ابن رشد‏ # 2 - ابن رشد في عصره‏ # 3 - جوانب ابن رشد‏ # 4 - منتخبات من آثار ابن رشد‏ # المراجع‏ # 1 - عصر ابن رشد‏ # 2 - ابن رشد في عصره‏ # 3 - جوانب ابن رشد‏ # 4 - منتخبات من آثار ابن رشد‏ # المراجع‏ # | ابن رشد # | ابن رشد # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | عصر ابن رشد # (1) الحركة العلمية # ولد ابن رشد في سنة 520 هجرية بمدينة قرطبة وهي لا تزال في عصرها الذهبي الذي جعلها ~~من عواصم الثقافة في التاريخ، فلا تذكر أثينا وروما والإسكندرية وبغداد إلا ذكرت ~~معهن قرطبة في هذا الطراز. # وقد كان مولده بعد وفاة الحكم الثاني المستنصر بالله بنحو مائة وخمسين سنة (366ه)، ~~وهو الخليفة الأموي الذي شغلته الثقافة قبل كل شاغل، وجعل همه الأول أن ينافس بعاصمته ~~عاصمة المشرق - بغداد - في عهد الخليفة المأمون، فجمع فيها من الكتب والكتاب ما لم ~~يجمع قبل ذلك في مدينة واحدة، وكان هو أسبقهم إلى قراءة ما يجمعه من الأسفار النادرة ~~من أقطار المشرق والمغرب. # قال ابن خلدون ما خلاصته: «... كان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ~~ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه، وبعث في كتاب ~~الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني - وكان نسبه في بني أمية - وأرسل إليه فيه ألف ~~دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرجه إلى العراق، وكذلك فعل مع ~~القاضي الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم وأمثال ذلك، وجمع بداره الحذاق ~~في صناعة النسخ والمهرة # 1 # في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى # 2 # من ذلك كله. واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من ~~بعده، إلا ما يذكر عن الناصر العباسي ابن المستضيء، ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى ~~أن بيع أكثرها في حصار البربر ...» # 3 # وكان أعيان السراة # 4 # والتجار يقتدون بالخلفاء في هذا الإقبال على اقتناء الكتب، سواء منهم من ~~يقرأ ومن لا يقرأ. قال الحضرمي: ms01 «أقمت مرة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه ~~وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط فصيح وتفسير مليح، ففرحت به أشد ~~الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلي المنادي بالزيادة علي، إلى أن بلغ فوق حده، ~~فقلت له: يا هذا! أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي. قال: فأراني ~~شخصا عليه لباس رئاسة، فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في ~~هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده ... فقال لي: لست بفقيه ولا أدري ~~ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع ~~يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه، ~~والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير ...» # 5 # وكان ابن رشد فخورا بهذه الخصلة في موطنه، فقال لزميله الفيلسوف ابن زهر يوما وهما ~~بحضرة المنصور بن عبد المؤمن من خلفاء دولة الموحدين: «ما أدري ما تقول، غير أنه إذا ~~مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب ~~بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية ...» # 6 # على أن هذين الفيلسوفين قد كانا في نفسيهما وفي آليهما، آية الآيات على مبلغ ذلك ~~العصر من ازدهار الثقافة، فكان العلم وراثة في أسرة كل منهما يتعاقبه منها جيل بعد ~~جيل، وكان الذاكرون إذا ذكروهم ميزوا بينهم باسم الجد والابن والحفيد، فيقولون: ابن رشد ~~الجد، وابن رشد الابن، وابن رشد الحفيد، ويزيدون في أسرة ابن زهر فيقولون: ابن زهر ~~الأصغر؛ تمييزا له من ابن زهر الحفيد. # وأعجوبة الأعاجيب في نشأة ابن رشد أنه نشأ في دولة الموحدين، وأنه تلقى التشجيع من ~~أحد خلفائهم على الاشتغال بشرح أرسطو وتفسير موضوعات الفلسفة على العموم، وكان موضع ~~العجب أن يأتي هذا التشجيع من أناس اشتهروا بالتزمت والمحافظة الشديدة على العلوم ~~السلفية، ومنهم من نسب ms02 إليه أنه أحرق كتب الفلسفة والبحث في مذاهب المتكلمين. # روى صاحب كتاب «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» عن بعض الفقهاء، قال: «سمعت الحكيم أبا ~~الوليد يقول غير مرة: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ~~ليس معهما غيرهما، فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي، ويضم بفضله إلى ذلك أشياء ~~لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ~~ونسبي أن قال لي: ما رأيهم في السماء؟ - يعني الفلاسفة - أقديمة هي أم حادثة؟ ... فأدركني ~~الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة، ولم أكن أدري ما قرر معه ابن ~~طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على ~~المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ~~ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين ~~بهذا الشأن المتفرغين له، ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك، فلما انصرفت ~~أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب.» # واستطرد صاحب المعجب قائلا: «أخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه، قال: استدعاني أبو ~~بكر بن طفيل يوما فقال لي: سمعت أمير المؤمنين يتشكي من قلق عبارة أرسطوطاليس أو عبارة ~~المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها ~~بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس، فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، ~~وإني لأرجو أن تفي به، لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك، وقوة نزوعك إلى الصناعة، ~~وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبرة سني، واشتغالي بالخدمة، وصرف عنايتي إلى ما هو ~~أهم عندي منه. قال أبو الوليد: فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم ~~أرسطوطاليس.» # 7 # ويزيد العجب عند مؤرخي هذا العصر - والمستشرقين منهم على الخصوص - أن هذا الخليفة ~~ينتمي إلى أسرة تدين بمذهب الظاهرية، وهو المذهب الذي ms03 يلتزم أصحابه ظاهر النصوص ~~ويتحرجون من التأويل، وقد توفي إمام هذا المذهب في المغرب - ابن حزم - بعد منتصف القرن ~~الخامس للهجرة ومذهبه شائع، وخلفاء الموحدين يرجحونه على سائر المذاهب، ويعتبره ~~المؤرخون المحدثون قطب المذاهب الرجعية مع إحاطته بمذاهب الفلاسفة، كما يعلم من كتابه ~~عن «الفصل في الملل والنحل». # كان ابن حزم هذا آية أخرى من آيات العراقة في البيوتات العلمية، ولكنها الآية التي ~~تمثل الثقافة من جانبها الآخر: جانب المحافظة - السلفية - وكراهة التوسع في البدع ~~الحديثة. # 8 # وكان ابن حزم هذا هو ابن حزم الابن «علي بن أحمد»، وأبوه أحمد بن سعيد، وابنه الفضل ~~أبو رافع، وكلهم من مشاهير العلماء الثقات في المعارف السلفية، وإقبالهم على العلم ~~إقبال الصادق في طلبه المستغني عن التكسب به، المجترئ بالرأي على من يخالفه؛ لأنه لا ~~يخشى من الجرأة على رزقه. جرت بين ابن حزم - الابن - وبين أبي الوليد الباجي مناظرة، ~~فقال الباجي: أنا أعظم منك همة في طلب العلم؛ لأنك طلبته وأنت معان عليه تسهر بمشكاة ~~الذهب، وطلبته وأنا أسهر بقنديل بائت السوق. قال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك؛ لأنك ~~إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلم ~~وما ذكرت؛ فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة. # وقد جنت عليه ملاحاته # 9 # للعلماء والرؤساء، وقلة مبالاته بغضب الغاضبين؛ فأحرقوا كتبه في إشبيلية، ~~وقال في ذلك: # فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي # تضمنه القرطاس بل هو في صدري # وقد كان تلميذه عبد المؤمن - رأس أسرة الموحدين - على مثل هذه الصرامة في الخلق، ~~وهذا اللدد # 10 # في الخصومة العلمية، وهذه الشدة في المحافظة على السنن السلفية، فموضع ~~العجب أن تكون هذه الأسرة هي حامية الفلسفة والبدع العلمية، وهي التي تشجع رجلا كابن ~~رشد على شرح أرسطوطاليس. ~~(2) الحركة السياسية وتأثيرها في الثقافة # ذلك في الحق عجيب، ولكنه العجب الذي مصدره الزيغ # 11 # عن السبب، وهو قريب بل جد قريب. # فقد أحصى المؤرخون ms04 - ولا سيما المستشرقين - علل الحركات الثقافية في المغرب عامة ~~غير علتها الحقيقية، وهي - بالإيجاز - ظهور الدعوة الفاطمية في إفريقية ~~الشمالية. # فظهور هذه الدعوة في المغرب قد غير فيه كثيرا من وجهات الثقافة والسياسة، وقد كان ~~له الأثر المباشر فيما شغل الأوروبيين بعد ذلك خلال القرون الوسطى من موضوعات الفلسفة ~~الدينية، وأهمها موضوعات النفس وخلودها، وموضوعات العقل وعلاقته بالخلق والخالق. # ولا يخفى أن الدعوة الفاطمية هي الدعوة الإسماعيلية بعينها؛ فإن الفاطميين ينسبون ~~إلى فاطمة الزهراء، أو ينسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق؛ تمييزا لهم من سائر ~~العلويين. # وقد كان الإسماعيليون يشتغلون بالفلسفة ويرجحون مذهب الأفلاطونية الحديثة، وهو مذهب ~~الفيلسوف أفلوطين Plotinus ~~(205-270م) الذي ولد ~~بإقليم أسيوط، وألقى دروسه في الإسكندرية ثم في روما، ومن أتباع الإسماعيليين الذين ~~نشروا هذا المذهب إخوان الصفاء - أصحاب الرسائل المنسوبة إليهم - ومنهم مسلم بن محمد ~~الأندلسي الذي نقل مذهبهم إلى البلاد الأندلسية. # وقد شاع مذهب الإسماعيلية شرقا وغربا في العالم الإسلامي، من جبال الأطلس إلى تخوم ~~الهند وآسيا الوسطى، وكان ابن سينا يقول: «كان أبي ممن أجاب داعي المصريين، ويعد ~~من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم ~~وكذلك أخي، وكانا ربما تذاكرا بينهما وأنا أسمع منهما وأدرك ما يقولانه، وابتدأا ~~يدعواني أيضا إليه، ويجريان على لسانهما ذكر الفلسفة والهندسة.» # 12 # لا جرم يتذاكر المستطلعون أحاديث هذا المذهب في إفريقية الشمالية كما تذاكروها في ~~بخارى وعلى التخوم الهندية، فقد جاء هذا المذهب إلى المغرب بقوة الدولة فوق قوة الدعوة، ~~وأصبح من شاغل أصحاب الدول أن يتعرفوه ويستطلعوا كنهه ويتبطنوا ما وراءه، وبخاصة ~~من كان كخلفاء الموحدين مهددا بسلطان الدولة الفاطمية، معنيا بما يعلنونه ويسرونه ~~من مذاهب السياسة أو الحكمة. # ولقد كان من آثار هذه الدعوة في المغرب عامة أن الخليفة الأموي بالأندلس عبد الرحمن ~~الناصر (300-350 هجرية/912-961 ميلادية) تلقب بأمير المؤمنين بعد أن أطلق هذا اللقب ~~على خلفاء الفاطميين، وجاء خلفه الحكم الثاني الملقب بالمستنصر بالله، فنافس خلفاء ~~الفاطميين أشد ms05 المنافسة في الاشتغال بالفلسفة والعلوم وتقريب الحكماء والأدباء، وأنفذ ~~إلى إفريقية جيشا قويا لتوطيد سلطانه في مراكش وإعلان الدعوة باسمه على ~~المنابر. # أما دولة الموحدين فقد كان الخطر عليهم من الدعوة الفاطمية - أو الدعوة الإسماعيلية ~~بعبارة أخرى - أشد وأقرب، فقابلوا دعوتهم بمثلها واجتهدوا في تعرف مذاهبهم الباطنية، ~~وكان رئيسهم «محمد بن تومرت» من قبيلة «مصمودة» البربرية، ولكنه كان يتلقب بالمهدي ~~وينتمي إلى آل البيت. ويقول ابن خلكان - وهو ممن ينكرون نسب الفاطميين - إن ابن ~~تومرت هو: «محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان ~~بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.» # 13 # فقد برز الموحدون إذن للفاطميين أو الإسماعيليين حتى في النسب والدعوة المهدية، ولما ~~اشتهر الإمام الغزالي في المشرق بإنكار الباطنية والرد عليها، قصد إليه ابن تومرت وحضر ~~عليه. وحكي كما جاء في كتاب «المعجب في أخبار المغرب»: «أنه ذكر للغزالي ما فعل ~~علي بن يوسف بن تاشفين من ملوك المرابطين بكتبه التي وصلت إلى المغرب من إحراقها ~~وإفسادها، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس، فقال الغزالي حين بلغه ذلك: ليذهبن عن قليل ملكه ~~وليقتلن ولده، وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا.» # وقد تم لابن تومرت ما أنبأه به أستاذه الغزالي، فأقام دولة الموحدين وندب لها صاحبه ~~عبد المؤمن بن علي الكومي (524-558ه/1129-1162 ميلادية)، ثم خلفه ابنه يوسف، ثم خلفه ~~ابنه يعقوب وتلقب بالمنصور بالله (580-595 هجرية/1184-1198 ميلادية)، وهو الذي اقترح ~~على ابن رشد تفسير كتب أرسطوطاليس وشرح مذاهب الفلسفة على الإجمال. # ويظهر التحدي والمناجزة بين الموحدين والإسماعيليين في مقابلة كل دعوى إسماعيلية ~~بمثلها من دعاوى ابن تومرت وخلفائه. # فقد انتسب إلى آل البيت كما ينتسبون، وتلقب بالمهدي كما يتلقبون، وقال عنه مريدوه: ~~إنه لم يكن أحد أعلم منه بأسرار النجوم وعلوم الجفر # 14 # والتنجيم، وهي العلوم التي اشتهر ms06 بها الإسماعيليون. # قال ابن خلكان: «إن محمد بن تومرت كان قد اطلع على كتاب يسمى الجفر من علوم أهل ~~البيت، وإنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس، وهو من ذرية ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، يدعو إلى الله ويكون مقامه ومدفنه بموضع من الغرب، هجاء اسمه ت ي ~~م ل ل، ورأى فيه أيضا أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه على يد رجل من أصحابه، ~~هجاء اسمه ع ب د م و م ن، ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله - سبحانه ~~وتعالى - في نفسه أنه القائم بأول الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان ابن تومرت يمر ~~بموضع إلا ويسأل عنه، ولا يرى أحدا إلا أخذ اسمه وتفقد حليته، وكانت حلية عبد المؤمن ~~معه، فبينما هو في الطريق رأى شابا قد بلغ أشده على الصفة التي معه، فقال له وقد ~~تجاوزه: ما اسمك يا شاب؟ فقال: عبد المؤمن. فرجع إليه وقال له: الله أكبر! أنت بغيتي، ~~ونظر في حليته فوافقت ما عنده.» # 15 # هذه القصة نترك ما فيها كله ويبقى منها ما لا سبيل إلى تركه، وهو استعداد الموحدين ~~للفاطميين بسلاحهم ومقابلتهم بمثل دعواهم، واستبطانهم لأسرار دعوتهم؛ لينهضوا لها بما ~~يجري في مجراها عن اعتقاد منهم، أو عن سياسة وتدبير، وكل شيء يجري تفسيره بعد ذلك على ~~أهون سبيل. # فالعلوم التي كانت مقبولة عند دولة الموحدين قد تتناقض وتتنافر، ولكنها تلتقي في مقصد ~~واحد وهو لزومها في تلك المناجزة وتلك المناظرة. # وبين الغزالي وابن حزم بون بعيد في التفكير ومذاهب النظر والمعرفة، ولكنهما يلتقيان ~~في كراهة الباطنية، فالغزالي يرد عليها ويفند أقوالها في الإمامة، وابن حزم يدين بظاهر ~~النصوص ويحرم التأويل مع وجود النص، والتأويل - كما هو معلوم - أصل من أصول ~~الإسماعيلية، يجيزونه بل يوجبونه ويرجعون به إلى علم الإمام بأسرار الغيب وبواطن ~~الآيات، ويضيف ابن حزم إلى ذلك أنه كان شديد التعصب للأمويين، ولم يكن يظهر هذا ~~التعصب لغير الأخصاء، ولكنه كان يظهر ms07 النقمة على الفاطميين الإسماعيليين ويؤلف كتابه عن ~~جمهرة أنساب العرب # 16 # فينكر انتسابهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ومن ثم إلى فاطمة ~~الزهراء. # ولا يبعد أن يكون الخلفاء الموحدون مؤمنين بأسرار النجوم، يبحثون عن الأفلاك والعقول ~~التي تديرها لينفذوا منها إلى خفايا تلك الأسرار، ويلفت النظر إلى هذا أول سؤال وجهه ~~الخليفة المنصور إلى ابن رشد، وهو: ماذا يقولون عن السماء؟ ~~••• # كانت دولة الموحدين أول دولة إفريقية تقف أمام الفاطميين موقف المناظرة في السياسة ~~والثقافة، أما قبل ذلك فالدولة الصنهاجية في تونس كانت تتولى الأمر بإذن الفاطميين من ~~القاهرة، ودولة الملثمين أو المرابطين التي نازعتها السلطان في المغرب الأقصى لم تكن ~~تدرس حين نشأتها شيئا من الثقافة أو من الدين، ومضى عليها زمن وهي مشغولة بحرب القبائل ~~البربرية والسودانية التي بقيت على الجاهلية، ولم يكد يستقر بها القرار على عهد يوسف ~~بن تاشفين حتى شغلت بالجزيرة الأندلسية واستقدمها ملوك الطوائف إلى الأندلس لنجدتهم ~~في حربهم مع ألفونس السادس ملك أراجون، وانصرفت جهودهم إلى هذه الناحية، وظلوا كذلك على ~~عهد علي بن يوسف بن تاشفين حتى زالت دولتهم ولما ينقض على وفاة هذا الأمير أكثر من ~~سنتين، وكان منهجهم في شئون الثقافة منهج البداوة في استنكار كل ما يحسبونه من البدع، ~~ومنه علم الكلام وبحوث الفقهاء في الحكمة الدينية؛ ولهذا أحرقوا كتب الغزالي وهي من ~~أفضل ما كتبه المتكلمون! # فالموحدون هم أول من ناظر الفاطميين (أو الإسماعيليين) في إفريقية الشمالية، وأول ~~من تعرف علومهم ومذاهبهم ليغلبهم في ميدانهم ويقابل دعوتهم بمثلها أو بما ينقضها ~~ويبطلها. ~~••• # وما من حركة ثقافية في ذلك العصر يراد تفسيرها بمعزل عن هذا العامل المهم - عامل ~~الدعوة الإسماعيلية - إلا تعذر التفسير أو وقع فيه الخطأ الكثير، ومن هذا القبيل تلك ~~المناقشات الطويلة حول مصدر الثقافة الإغريقية التي انتقلت من الشرق إلى أوروبا، أهو ~~إسرائيلي أم عربي؟ وموضع اللبس هنا أن الفيلسوف اليهودي ابن جبيرول (1021-1070) سبق ابن ~~رشد بمولده وكتابته، ولكن ابن جبيرول لم يكن له مصدر ms08 غير المراجع العربية، وفلسفته ~~الأفلاطونية الحديثة مستمدة من هذه المراجع، لم يسلم حتى من أخطائها الظاهرة وهي الخلط ~~بين مذهب أفلوطين ومذهب أرسطو في الربوبية؛ لأن طائفة من تواسيع أفلوطين ترجمت في ~~القرن الثالث للهجرة، ونسبت خطأ إلى أرسطو باسم أثولوجية أرسطوطاليس، وقد التبست ~~آراء ابن جبيرول بالآراء الإسلامية والآراء المسيحية التي نقلت عنها حتى حسبه بعض ~~الأوروبيين من فلاسفة المسلمين، وحسبه بعضهم من فلاسفة المسيحيين، ولم تتضح الحقيقة إلا ~~في القرن التاسع عشر حين كشف المستشرق الإسرائيلي سلمون مونك # Salomon munk ~~(1803-1867) # 17 # عن بعض المخطوطات، فتبين له أن الفيلسوف الذي يسميه الأوروبيون ~~أفيسبرون # Avicébron # هو نفسه ابن جبيرول، وأنه ~~إسرائيلي وليس من المسلمين ولا من المسيحيين. # وقد كان ابن جبيرول مسبوقا في الثقافة الإسرائيلية بفيلسوف آخر من اليهود نشأ في ~~الفيوم بمصر (892-942)، وتنقل بين مصر وفلسطين والعراق في إبان الدعوة الإسماعيلية ~~وملاحم الجدل بين المتكلمين والمعتزلة، وهم فلاسفة الإسلام الباحثون في مسائل التوحيد ~~والحكمة الدينية، وهذا الفيلسوف الإسرائيلي هو سعديا بن يوسف الذي اشتهر باسم وظيفته ~~جاعون (892-942)، وتتبع مساجلات المتكلمين والمعتزلة فطبقها على الديانة ~~الإسرائيلية، وألف كتابه «الإيمان والعقل» في موضوعات الخلق والتوحيد والوحي والقضاء ~~والقدر والثواب والعقاب وغير ذلك من موضوعات علم الكلام. # وقد كان للفلسفة في المغرب رواد قبل ابن رشد، أشهرهم ابن باجة أو ابن الصائغ الذي ~~توفي سنة 533 للهجرة، إذ كان ابن رشد في الثالثة عشرة من عمره، وابن باجة هو الذي يسميه ~~الأوروبيون # Avinpace # وهو أستاذ أبي الحسن علي بن عبد ~~العزيز الذي رحل إلى مصر بعد موت أستاذه في مدينة فاس، ونقل معه خلاصة من مؤلفاته إلى ~~مدرسة قوص بالصعيد الأعلى حيث مات ودفن، وقد كان ابن باجة على ديدن الكثيرين من علماء ~~عصره جامعا بين الأدب والفلسفة والطب، وقيل إن حسد الأطباء له - ممن كانوا يزاحمونه ~~في بلاط ابن تاشفين بمراكش - أغراهم به، فدسوا له عند الأمير ودسوا له السم في طعامه ~~فمات ولم يكن يجاوز الأربعين، ويعتبر ms09 ابن باجة بحق أول رائد لثقافة الإغريق في الأندلس؛ ~~فقد علق على كتب أرسطو وجالينوس، وترجمت تعليقاته إلى العبرية، وترجم إليها كتابه ~~عن تدبير المتوحد وفيه شرح سبيل الوصول إلى الله بالمعرفة والرياضة، ويجمع بين أساليب ~~الحكمة وأساليب التصوف، ويقسم أساليب «التوحد» الذي يعني العزلة، و«التوحد» الذي يعني ~~وحدة الأشباه المشتركين في مطالب الحكمة والفضيلة. # أما بعد ابن باجة فأشهر الفلاسفة هما الزميلان ابن الطفيل وابن رشد، وقد اجتمعا زمنا ~~في بلاط الموحدين، وكان ابن الطفيل أكبر من ابن رشد، ولكنه عاش بعده (توفي سنة 581 ~~للهجرة)، ولم ينكب مثل نكبته، بل قيل إنه كان يأخذ مرتبه مع الأطباء والمهندسين والرماة ~~والشعراء، ويقول كما جاء في كتاب «المعجب في أخبار المغرب»: لو نفق عليهم علم الموسيقى ~~لأنفقته عليهم ...! ~~(3) الحركة الاجتماعية # وابن طفيل هو صاحب قصة «حي بن يقظان» التي ترجمت إلى الإنجليزية في القرن السابع ~~عشر، ونسب إليها نشاط القصة في العصر الحديث، وفحوى قصة حي بن يقظان أن الإنسان قد ~~يصل إلى معرفة الله، ولو نشأ منفردا على جزيرة منعزلة لا يصحبه فيها أحد من بني نوعه، ~~ويتمم رأيه في هذه القصة مذهبه في التصوف وإمكان الاتصال بالله وإدراك الحقائق الربانية ~~برياضة النفس على الكشف والمناجاة. # 18 # ويبدو من أخبار ابن الطفيل وآثاره - على قلة هذه وتلك - أنه كان إلى مزاج الفنان ~~الظريف أقرب منه إلى مزاج الفيلسوف الحكيم، وأنه كان خبيرا بفنون المنادمة والمسامرة، ~~أثيرا عند أمير المؤمنين المنصور، لا يطيق هذا غيابه ولا يزال عنده أياما منقطعا عن ~~أهله، وكان هذا هو الغالب على حكماء ذلك العصر وأطبائه ما عدا ابن رشد؛ فقد كان ابن ~~ماجة يحسن فن النغم والإيقاع، وكان ينظم الموشحات ويلحنها ويغنيها، ومن موشحاته تلك ~~الموشحة التي قيل إن صاحب سرقسطة أقسم ساعة سماعها لا يمشين ناظمها ومنشدها إلا على ~~الذهب، وهي التي ختمها بقوله: # عقد الله راية النصر # لأمير العلا أبي بكر # ومن لباقته وحسن تصرفه في إرضاء الأمراء أنه أشفق من مغبة ms10 هذا القسم، فاحتال على ~~تنفيذه بأن جعل في نعله قطعة من الذهب! # 19 # وكان ابن زهر زميل ابن رشد في الطب والحكمة أبرع أهل زمانه في فن التوشيح وفن ~~التلحين، وله من الشعر الظريف ما يقل نظيره في بدائع الشعراء المنقطعين للهو ~~والمنادمة ، وهو صاحب الأبيات في المرآة: # إني نظرت إلى المرآة أسألها # فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا # رأيت فيها شييخا لست أعرفه # وكنت أعهد فيها قبل ذاك فتى # 20 # فقلت أين الذي بالأمس كان هنا # متى ترحل عن هذا المكان متى؟ # فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة # إن الذي أنكرته مقلتاك أتى # كانت سليمى تنادي يا أخي وقد # صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا # وله يتشوق إلى ولده بإشبيلية، وهو بمراكش: # ولي واحد مثل فرخ القطا # صغير تخلف قلبي لديه # 21 # وأفردت عنه فيا وحشتا # لذاك الشخيص وذاك الوجيه # 22 # تشوقني وتشوقته # فيبكي علي وأبكي عليه # وقد تعب الشوق ما بيننا # فمنه إلي ومني إليه # روى أبو القاسم بن محمد الوزير الغساني حكيم السلطان المنصور بالله الحسني، أن يعقوب ~~المنصور سلطان المغرب والأندلس سمع هذه الأبيات فرق للحكيم الظريف، وأرسل المهندسين ~~إلى إشبيلية، وأمرهم أن يرسموا بيت ابن زهر ويبنوا له بيتا مثله في مراكش، ففعلوا كما ~~أمرهم وفرشوا البيت بمثل فرشه وجعل فيها مثل آلاته، ثم أمر بنقل أولاد ابن زهر وحشمه ~~إلى تلك الدار، ثم أخذه معه إليها فدخلها فوجد ولده الذي تشوقه يلعب في فنائها، ~~وخيل إليه أنه في منام. # وهذه فنون من المنادمة والتحبب إلى الأمراء لم يكن ابن رشد يحسن شيئا منها، ولعله ~~كان أعلم أهل زمانه بالفلسفة والفقه وأجهلهم بفنون المنادمة والسياسة، وراض نفسه على ~~التوقر فبالغ في رياضتها، وأنف أن يروى له شعر يتغزل فيه؛ فأحرق ما نظمه في صباه، ~~وقد تقدم في تفضيله لقرطبة على إشبيلية أنه قال لابن زهر: إن المطرب الذي يموت في ~~قرطبة تحمل آلاته إلى إشبيلية لتباع فيها. وهو قول لا يخلو من التعريض والترفع، غير ~~ما نقل ms11 عنه كثيرا من سكينته وتورعه عن المزاح. # ومن المهم التنبيه إلى هذه الخصلة فيه وإلى مخالفته بها لنظرائه وأقرانه، فلا شك أن ~~جهله بفنون الندمان وجلساء الأسمار كان له شأن أي شأن في تعجيل نكبته التي لا ترجع كلها ~~إلى أحوال عصره، ولا تخلو من رجعة في بعض أسبابها على الأقل إلى أحواله. # | هوامش # الفصل الثاني # | ابن رشد في عصره # 520-595 هجرية/1126-1198 ميلادية ~~(1) حياة ابن رشد # أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، هو الفيلسوف الوحيد في ~~أسرة من الفقهاء والقضاة، كان أبوه قاضيا، وكان جده قاضي القضاة بالأندلس، وله فتاوى ~~مخطوطة لا تزال محفوظة في مكتبة باريس، تدل على ملكة النظر التي ورثها عنه حفيده، وقد ~~كانت تعهد إليه مع القضاء مهام سياسية بين الأندلس ومراكش، فكان يضطلع بها على الوجه ~~الأمثل، وتوفي سنة 520 للهجرة قبل مولد حفيده بشهر واحد. # وقد وردت ترجمة الحفيد الحكيم في مراجع متفرقة من كتب الأدب والتاريخ، وترجم له ابن ~~أبي أصيبعة في كتابه «طبقات الأطباء»، وهو مطبوع، وترجم له الذهبي والأنصاري وابن ~~الأبار في كتب مخطوطة، نشرت منها مقتبسات كافية بنصها العربي في ذيل كتاب لرينان عن ~~ابن رشد والرشدية # Averroès et L’Averroisme # طبع ~~بباريس الطبعة الثالثة سنة 1866، واطلعنا عليها في تلك الطبعة، وعليها جميعا نعتمد ~~في تلخيص ترجمة الفيلسوف. # نشأ بقرطبة وتعلم الفقه والرياضة والطب، وتولى القضاء بإشبيلية قبل قرطبة، ~~واستدعاه الخليفة المنصور أبو يعقوب وهو متوجه إلى غزو ألفونس ملك أراجون سنة إحدى ~~وتسعين وخمسمائة، فأكرمه واحتفى به وجاوز به قدر مؤسسي الدولة - دولة الموحدين - وهم ~~عشرة من أجلاء العلماء، فأجلسه في مكان فوق مكان الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ ~~أبي حفص الهنتاني، وهو صهر الخليفة (زوج بنته) ... ويظهر أن شهرة القاضي بالفلسفة قد ~~جعلته موضع النظر مع الحذر، فلما استدعاه المنصور ظن أهله وصحبه أنه عازله ومنكل به، ~~فلما خرج من عنده بعد تلك الحفاوة أقبل عليه صحبه يهنئونه، فقال لهم ms12 قولة حكيم: «والله ~~إن هذا ليس مما يستوجب الهناء به؛ فإن أمير المؤمنين قربني دفعة إلى أكثر مما كنت ~~أؤمل فيه أو يصل رجائي إليه.» # وكلمة كهذه تكشف عن بصيرة الرجل وصدق رأيه، كما تكشف عن سليقة المعلم فيه؛ فإنه لو ~~كان من أهل المنفعة بالمناصب لسره أن يؤمن الناس بزلفاه عند الخليفة، ولكنه علم ~~الحقيقة فآثر الإرشاد بتعليمها على الانتفاع بما اعتقده الناس من وجاهته، وأيقنوه من ~~عظم منزلته عند ذوي السلطان. # قال ابن الأبار: # 1 ~~«تأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة لم يصرفها في ترفيع حال، ولا جمع مال، ~~إنما قصرها على مصالح أهل بلده خاصة، ومنافع أهل الأندلس عامة.» # وقد صدقت فراسة ابن رشد؛ فإن الخليفة لم يلبث أن نكبه وأقصاه - كما سيأتي بيانه في ~~الفصل التالي - وأمره بملازمة «اليشانة»، وهي قرية كانت قبل ذلك مأوى لليهود، قيل إنه ~~نفي إليها؛ لأنه كان مجهول النسب بأرض الأندلس، وكان المظنون به أنه من سلالة بني ~~إسرائيل، وهو ظن لا سند له من الواقع على الإطلاق. وقد شهد ابن جبير لجده بالتقوى ~~والصلاح وصحة الدين حين هجاه في نكبته، فقال: # لم تلزم الرشد يا ابن رشد # لما علا في الزمان جدك # وكنت في الدين ذا رياء # ما هكذا كان فيه جدك # 2 # والمتواتر من جملة أخباره أنه كان شديد الإكباب على البحث والمذاكرة، لم يصرف ليلة من ~~عمره بلا درس أو تصنيف، إلا ليلة عرسه وليلة وفاة أبيه، وربما شغله ذلك عن العناية ~~ببزته # 3 # أو ادخار المال لأيام عوزه، # 4 # فكان يبذل العطاء لقصاده، ويلام أحيانا على البذل لمن لا يحبونه ولا ~~يكفون عن اتهامه، فيقول: إن إعطاء العدو هو الفضيلة، أما إعطاء الصديق فلا فضل فيه. ~~وقد أعطى مرة رجلا أهانه وحذره من فعل ذلك بغيره؛ لأنه لا يأمن بوادر غضبه. # على أنه كان يسامح في أمر نفسه ولا يسامح في أمر غيره، ومن ذاك قصته مع الشاعر ابن ~~خروف حين هجا أبا جعفر الحميري العالم المؤدب؛ ms13 فقد أوجع الشاعر ضربا وأنذره ألا يعود ~~لمثلها، ولو كان عفوه عن المسيئين إليه من قبيل المداراة لكانت مداراة الشعراء الذين ~~يهجون غيره أقرب وأحجى. # 5 # وأثر عنه في قضائه أنه كان يتحرج من الحكم بالموت، فإذا وجب الحكم أحاله إلى ~~نوابه ليراجعوه، وقد اجتمع له قضاء الأندلس والمغرب وهو دون الخامسة ~~والثلاثين. # ولم يذكر قط عن القاضي الفيلسوف خبر من أخبار التبسط لمجالس اللهو والطرب مما ~~استباحه جملة أبناء عصره، ومنهم طائفة من العلماء والحكماء، بل كان يتعفف عن حضور هذه ~~المجالس، وبلغ من تعففه عما لا يراه خليقا بعلمه ومكانه من القضاء أنه أحرق شعره ~~الذي نظمه في الغزل أيام شبابه، وعلى هذا كان يحفظ الجيد من الشعر ويرويه في مواطن ~~الحكمة وشواهد المثل. وحكى عنه أبو القاسم بن الطيلسان أنه كان يحفظ شعري ~~حبيب # 6 # والمتنبي، ويكثر التمثل بهما في مجلسه ويورد ذلك أحسن إيراد. # قال ابن الأبار: «كان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم جناحا.» # وكان هذا الخلق منه مطمع الطامعين في تواضعه وفي كرمه. دخل إليه أبو محمد الطائي ~~القرطبي، فتلقاه قائما كعادته في لقاء زائريه، فقال الشاعر: # قد قام لي السيد الهمام # قاضي قضاة الورى الإمام # فقلت قم بي ولا تقم لي # فقلما يؤكل القيام # وظاهر أن هذه الخلائق الطيبة قد تغني المعلم أو الفيلسوف أو القاضي في صناعته، ولكنها ~~لا تغني جليس الملوك في صناعة المنادمة والملازمة، بل لعلها تحرجه عندهم وتعرضه ~~لإعراضهم ومقتهم؛ لأن هذا التواضع فيه لم يكن عن ضعة ولا عن استكانة، بل كان عن كرم ~~وكرامة وشعور بالمساواة بين الناس في المجاملة وحسن المعاملة، فكان يخاطب الخليفة في ~~مجلسه فيقول له: يا أخي! وكانت أمانة التعبير العلمي أحق عنده بالرعاية من زخرفة القول ~~في ألقاب الملوك والأمراء، حيث لا محل لها بين تقريرات العلماء والفلاسفة، فلما شرح ~~كتاب الحيوان لأرسطو زاد عليه عند ذكر الزرافة أنه رآها «عند ملك البربر ...» ومثل هذا ~~اللقب هو الصدق الذي يجمل بالعالم في ms14 درسه وبحثه، ولكنه لم يكن جميلا عند الرجل الذي ~~يسمي نفسه ويسميه من حوله بأمير المؤمنين وأمير الدين، ولما بلغ الأمر مسمع هذا ~~الأمير لم يغن عن ابن رشد أنه تمحل # 7 # المعاذير، وقال إنه قد أملاها «ملك البرين» فصحفها النساخون حين نقلوها ~~إلى ملك البربر ... إذ كان سم الوقيعة قد سرى مسراه ووافق ما كان في نفس الأمير من الغيظ ~~لمناداته باسم الإخاء، فلم يدفع عنه عذر النديم ما جلبه عليه صدق العلماء. # أو لعله قد وافق في نفس الأمير غيظا آخر لم يكن صاحبنا الفيلسوف يلتفت إليه أو ~~يحسبه مما يعاقب عليه؛ فقد كان يصادق أخا الخليفة (أبا يحيى) والي قرطبة كما كان يصادق ~~الخليفة ... فلم يعدم واشيا يقول، وسامعا يسمع أن وراء هذه الصداقة للأخ عداوة مستترة ~~لأخيه، توشك أن تنكشف عن تمرد وعن ولاء للمتمردين. # ولما أراد الخليفة أن ينكبه لم يذكر في أسباب نكبته سببا من هذه الأسباب بطبيعة ~~الحال، بل أحال على الدين تبعة هذه النكبة كما سيأتي بيانه، وأعلن من ذنوب الفيلسوف ما ~~هو ذنب الأمير في باطن الأمر؛ لأنه تعلل عليه بإدمان النظر في كتب القدماء، وقد كان ~~أبو الأمير هو مغريه بالنظر فيها ومعالجة شرحها وتيسيرها لطلابها. ~~(2) نكبته وأسبابها # يحتاج المؤرخ في كل مصادرة فكرية أو دينية إلى البحث عن سببين: أحدهما معلن والآخر ~~مضمر، فقليلا ما كان السبب الظاهر هو سبب النكبة الصحيح، وكثيرا ما كان للنكبة - غير ~~سببها الظاهر - سبب آخر يدور على بواعث شخصية أو سياسية تهم ذوي السلطان، ويسري هذا ~~على الشعراء كما يسري على الفلاسفة، ويسري على الجماعات كما يسري على الآحاد. # لقد نكب بشار ولم ينكب مطيع بن إياس، وكلاهما كان يتزندق ويهرف # 8 # في أمور الزندقة بما لا يعرف، ولكن بشارا هجا الخليفة، ومطيع لم يقترف هذه ~~الحماقة، فنجا مطيع وهلك بشار. # ولم يكن ابن رشد أول شارح لكتب الأقدمين، فقد سبقه ابن باجة إلى شرح بعضها، وإن لم ~~يتوسع في هذا العمل مثل ms15 توسعه، ولكن ابن باجة كان يحسن مصاحبة السلطان، وابن رشد لم ~~يكن يحسن هذه الصناعة، فنكب ابن رشد ولم ينكب ابن باجة، ولم يغن عن الفيلسوف المنكوب ~~أنه شرح الكتب كما تقدم بأمر من أبي الخليفة. # وقد كتب المؤرخون كثيرا عن اضطهاد اليهود في دولة الموحدين، وقيل إنهم كانوا ~~مضطهدين تعصبا من رؤساء الدولة لمخالفتهم إياهم في الدين، وحقيقة الأمر أن الخليفة ~~كان يتهم الذين تحولوا منهم إلى الإسلام كما كان يتهم الباقين على دينهم، وكان يقول: لو ~~صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم، ولو صح عندي كفرهم ~~لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم، وجعلت أموالهم فيئا للمسلمين، ولكني متردد في أمرهم، وقد ~~كان بعضهم على صلة بخدمة الإفرنج. وجاء في كتب «بغية الملتمس» أنه كان في صحبة جيش ~~الأذفنش تجار من اليهود وصلوا لاشتراء أسرى المسلمين. # فلم يكن اضطهاد هذه الطائفة لمخالفتها في الدين، ولكنها اضطهدت لما خامر أصحاب الدولة ~~من الشك في مساعيها الخفية، ومنها ما يخشى ضرره على الجيش في إبان القتال، وأما في ~~غير هذه الحالة فلم يكن ثمة اضطهاد ولا مصادرة، وكان من اليهود من ارتقى إلى مناصب ~~الوزارة. # ولا نعتقد أن نكبة ابن رشد كانت شذوذا من هذه القاعدة في بعض أسبابها على الأقل إن ~~لم نقل في جميعها، وقد مر بنا أن المنصور أنكر منه مخاطبته إياه بغير كلفة، وأنه ~~ذكره في كتاب الحيوان باسم ملك البربر، وأنه كان وثيق الصلة بأخيه الذي كان يخشى من ~~منافسته إياه، وبعض هذه البواعث كاف لاستهداف الفيلسوف لغضب المنصور، ولكن المعروف عن ~~أمراء الموحدين أنهم كانوا يتحرجون من إيقاع العقاب بالناس لأمثال هذه الأسباب، فمن ~~الراجح أنه تعلل لعقاب ابن رشد بعلة ترضي ضميره وترضي جمهرة الشعب بالذريعة المقبولة ~~في أمثال هذه الأحوال. # فمن هذه الذرائع «أن قوما ممن يناوئه من أهل قرطبة ويدعي معه الكفارة في البيت ~~وشرف السلف سعوا به عند أبي يوسف، ووجدوا إلى ذلك طريقا بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص ms16 ~~التي كان يكتبها، فوجدوا فيها بخطه حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة بعد كلام تقدم: ~~فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة ... فأوقفوا أبا يوسف على هذه الكلمة، فاستدعاه بعد أن ~~جمع له الرؤساء والأعيان من كل طبقة وهم بمدينة قرطبة، فلما حضر أبو الوليد - رحمه الله ~~- قال له بعد أن نبذ إليه الأوراق: أخطك هذا؟ فأنكر ... فقال أمير المؤمنين: لعن الله ~~كاتب هذا الخط، وأمر الحاضرين بلعنه ...» # 9 # ونحن نعلم اليوم بعد دراسة أساطير اليونان أنهم كانوا يسمون الزهرة ربة الحب، ~~وأنهم أخذوا هذا من البابليين، وأن كلمة فينوس - أي الزهرة - مأخوذة من كلمة «بنوت»، ~~أي «بنت»، وكانت فاؤها تكتب باء في بعض الكتب اليونانية القديمة، وأن هذا كله لا ~~يتعدى المجاز، كما يقول القائل منهم رب البحر وربة الغاب وربة الغناء وأشباه هذه ~~الأسطورات، ولا يبعد أن الأسطورة قد رويت في كتب ابن رشد كما نقلها عن اليونان على ~~هذا المثال ... أما أن يكون ابن رشد معتقدا ربوبية الزهرة ربة الحب أو ربة غيره ~~فذلك بعيد، جد بعيد. # وقيل في أسباب النكبة إن حساد ابن رشد دسوا عليه أناسا من تلاميذه يستملونه شرح ~~الكتب الفلسفية، فشرحها لهم ونقلوها عنه كأنها من رأيه وكلامه، وأشهدوا عليها مائة شاهد ~~ثم رفعوها إلى الخليفة، وطلبوا عقابه لانحلال عقيدته، فنكبه وألزمه أن ينزوي في قرية ~~اليشانة (لوسينا) بجوار قرطبة ولا يبرحها. # فإذا صح حدوث هذا في إبان اشتغال الخليفة بحرب الإفرنج وتوجسه من أهبة الخارجين ~~عليه في الخفاء، فالأرجح أنه هو ذريعة النكبة؛ لأن الغضب الديني يحتدم في إبان ~~العداوات الدينية، فلا يتحرج الخليفة من إرضاء الناس وإرضاء ضميره وإرضاء هواه في مثل ~~هذه الحال، وقد نكبت مع ابن رشد طائفة من القضاة والفقهاء وذوي المناصب، لا يبعد أن ~~يكون الخليفة قد ظن بهم الظنون وشك في ممالأتهم لمنافسيه ومناظريه، ولم يتسع له ~~الوقت لاستقصاء مظان التهمة، ولا كان في وسعه أن يسكت عن قضية الثائرين باسم الغيرة على ~~الدين، فلحقت به النكبة من ms17 هذا الطريق. # وجاء في ترجمة الأنصاري له: «حدثني الشيخ أبو الحسن الرعيني - رحمه الله - قراءة ~~عليه ومناولة من يده، ونقلته من خطه قال: وكان قد اتصل - يعني شيخه أبا محمد عبد ~~الكبير - بابن رشد المتفلسف أيام قضائه بقرطبة وحظي عنده فاستكتبه واستقضاه. وحدثني - ~~رحمه الله - وقد جرى ذكر هذا المتفلسف وما له من الطوام في محادة الشريعة - فقال: إن ~~هذا الذي ينسب إليه ما كان يظهر عليه، ولقد كنت أراه يخرج إلى الصلاة وأثر ماء الوضوء ~~على قدميه، وما كدت آخذ عليه فلتة إلا واحدة، وهي عظمى الفلتات، وذاك حين شاع في المشرق ~~والأندلس على السنة المنجمة أن ريحا عاتية تهب في يوم كذا وكذا في تلك المدة تهلك ~~الناس، واستفاض ذلك حتى جزع الناس منه واتخذوا الغيران والأنفاق تحت الأرض توقيا لهذه ~~الريح، ولما انتشر الحديث بها وطبق البلاد واستدعى والي قرطبة إذ ذاك طلبتها وفاوضهم في ~~ذلك، وفيهم ابن رشد - وهو القاضي بقرطبة يومئذ - وابن بندود، فلما انصرفوا من عند ~~الوالي تكلم ابن رشد وابن بندود في شأن هذه الريح من جهة الطبيعة وتأثيرات الكواكب. ~~قال شيخنا أبو محمد عبد الكبير - وكنت حاضرا - فقلت في أثناء المفاوضة: إن صح أمر ~~هذه الريح فهي ثانية الريح التي أهلك الله تعالى بها قوم عاد؛ إذ لم تعلم ريح بعدها ~~يعم إهلاكها. قال: فانبرى إلي ابن رشد ولم يتمالك أن قال: والله وجود قوم عاد ما كان ~~حقا؛ فكيف سبب هلاكهم؟ فسقط في أيدي الحاضرين وأكبروا هذه الزلة التي لا تصدر إلا عن ~~صريح الكفر والتكذيب لما جاءت به آيات القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه ...» # وقصة عبد الكبير هذه لم يرد لها ذكر في سياق الاتهام والمحاكمة، وقد كان الاستناد ~~إليها أولى من تصيد التهم واختلاس الأوراق والبحث فيها عن المعاني المتشابهة؛ لأن ~~الكلمة قد بدرت من ابن رشد - إذا صحت قصة عبد الكبير - على مسمع من «حاضرين» ~~كثيرين. # ومن الغريب حقا أن تبدر تلك ms18 الكلمة من ابن رشد مع التزامه لشعائر الدين قبل النكبة ~~وبعدها، وقد كان صاحب القصة يراه - كما قال - يخرج إلى الصلاة وعلى قدميه أثر الماء، ~~وقد اعترف كاتب المنشور الذي أذاع حرمان ابن رشد بهذا الحرص على التزام الشعائر، فقال: ~~«إنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونهم بباطنهم وغيهم وبهتانهم ...» ~~وقد ثابر على حضور الصلاة في المسجد بعد النكبة ، وأخبر عنه أبو الحسن بن قطرال، فقال: ~~«إن أعظم ما طرأ عليه في النكبة أنه دخل وولده عبد الله مسجدا بقرطبة - وقد كانت صلاة ~~العصر - فثار لهما بعض سفلة العامة فأخرجوهما ...» وكان يقول في درس الطب: «من اشتغل ~~بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله.» # فصدور الكلمة التي نقلها عبد الكبير عن ابن رشد غريب غاية الغرابة من رجل يظهر ذلك ~~الورع ويلتزم الشريعة ذلك الالتزام، ولو كان يفعل ذلك من باب الرياء والمداراة، فإن ~~متعمد الرياء أحرص على بدواته # 10 # وسهواته من المخلص الذي يأمن الريبة ولا يتكلف الاحتراس مع الناس. # إلا أن التمحل باسم الدين لم يكن بالنادر في ذلك الزمن، وقد عرفنا شواهده المكتوبة ~~في كلام رجل من أهل العلم كالفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان، فإنه رضي عن ابن باجة ~~فقال عنه إنه: «نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره الأعصار، ~~وتأرجت من طيب ذكره الأمصار.» # ثم سخط عليه فقال: «هو رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين ... نظر في تلك التعاليم، ~~وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم.» # فإذا جاز هذا من رجل كالفتح بن خاقان في رجل يحسن مسايرة الناس كابن باجة، فليس ~~بالبعيد أن يصيب ابن رشد طائف من تلك التهم، وهو في تزمته وصدقه للعلم ومكانته العالية ~~عرضة لنقمة الكاذبين والحاسدين. # ولا نعني أن كتبه لم يكن فيها ما يساء فهمه أو ما يفهمه المخالف فينكره، ولكننا نعني ~~أن سر التهمة كلها بعيد من هذه العلل، وأن للنكبة باطنا غير ظاهرها، ليس من العسير أن ~~نستشفه من مجمل ms19 أحواله وأحوال زمانه وأميره. # فمن مجمل أحواله أنه كان رجلا يحسن المساجلة ولا يحسن المنادمة، ولا يبالي تزييف ~~لغة «البلاط» في سبيل تحقيق لغة العلم ورفع الكلفة من مجالس الباحثين فيه، ولو كانوا من ~~الملوك والأمراء. ومما يصح أن يشار إليه من لواحق هذا أنه غفل عن مكانة الغزالي عند ~~ملوك الموحدين، وهو أستاذ أستاذهم الأكبر، فرد عليه دفاعا عن الفلاسفة ، ولم يبال في ~~هذا الدفاع أن ينسب إليه المغالطة. # ومن مجمل أحوال الزمن أنه كان زمن العداوات الدينية، وكانت أخطار الحروب فيه بين ~~المسلمين والإفرنج على أشدها، فكان من أصعب الأمور على الحكام أن يتعرضوا لغضب العامة ~~إذا وقع في وهم هؤلاء أن قاضيا من أعظم القضاة يشتغل بالعلوم التي يرتابون بها ~~ويحسبونها من الكفر والضلالة، وقد اشتهر عن ابن رشد أنه كان مصادقا لأخي الخليفة، ~~وتبين من تاريخ تلك الفترة أن المنافسة فيها على الملك كانت حربا ضروسا لا تنقطع ~~في وقت من الأوقات، فلا يبعد أن ينكب الخليفة ابن رشد؛ اتهاما له بمشايعة أخيه، ~~واتهاما لأخيه بمصاحبة الفلاسفة وإضمار الكفر والضلالة. # أما عفو الخليفة عن ابن رشد بعد ذلك فليس تفسيره بالعسير؛ فإنه قد عفا عنه عقب عودته ~~من الأندلس إلى مراكش، وبعد زوال الغاشية ووضوح الحقيقة في ظنونه بأخيه وجلساء أخيه. ~~وقد قيل إنه أقبل على الفلسفة التي تجنبها حينا فأكثر من الاطلاع على كتبها، فإذا وافق ~~ذلك شفاعة الشافعين في الحكيم المغضوب عليه فقد وضح سر النكبة وسر العفو، ولم يكن فيه ~~غريب غير مألوف من خلائق الملوك وخلائق الدهماء مع الحكماء والفضلاء. # | هوامش # الفصل الثالث # | جوانب ابن رشد # (1) آثار ابن رشد # لا ندري ماذا أحرق من تلك الشروح عند نكبة الفيلسوف، وماذا أعان الزمن على ضياعه ~~بعد موته، ولكن البقية الباقية منها تدل على شروح متعددة لا على شرح واحد لكل كتاب ~~تناوله من كتب الفلسفة أو الطب بالتفسير والتيسير؛ فقد كان من دأبه على ما يظهر أن ~~يتناول الكتاب بالشرح المطول، ثم بالشرح ms20 الوسيط، ثم بالإيجاز الذي لا يقترن بشرح ~~كثير. وقد سرد ابن أبي أصيبعة أسماء هذه الشروح، ومنها تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة، ~~وتلخيص كتاب الأخلاق، وتلخيص كتاب البرهان، وتلخيص كتاب السماع الطبيعي، وشرح كتاب ~~السماء والعالم وكتاب النفس، وكلها من فلسفة أرسطو، ومنها في الطب تلخيص كتاب الأسطقسات ~~(أي: العناصر والأصول)، وكتاب المزاج، وكتاب القوى الطبيعية، وكتاب العلل والأعراض، ~~وكتاب التعرف ، وكتاب الحميات، وأول كتاب الأدوية، والنصف الثاني من كتاب حيلة البرء، ~~وكلها لجالينوس. # ولم يكن ابن رشد يعرف اليونانية، ولكنه اعتمد على المترجمات التي نقلت من الشرق إلى ~~الأندلس، وعلى أستاذه أبي جعفر هارون الطبيب المشارك في الحكمة وعلم الكلام. # ومن تآليفه في الطب غير هذه الشروح كتاب الكليات، وقصد أن يجمع فيه الأصول الكلية، ~~وأن يعهد إلى صديقه ابن زهر أن يتممه بكتاب في الأمور الجزئية «لتكون جملة كتابيهما ~~كتابا كاملا في صناعة الطب»، وقد أشار إلى ذلك في ختام كتابه، فوعد باستيفاء الجزئيات ~~في «وقت نكون فيه أشد فراغا لعنايتنا في هذا الوقت بما يهم من غير ذلك، فمن وقع له ~~هذا الكتاب دون هذا الجزء وجب أن ينظر بعد ذلك في الكنايش - أي: الكناشات والتعليقات - ~~وأوفق الكنايش له الكتاب الملقب بالتيسير الذي ألفه في زماننا هذا مروان بن زهر، ~~وهذا الكتاب سألته أنا إياه وانتسخته، فكان ذلك سبيلا إلى خروجه». # ولابن رشد شرح على أرجوزة لابن سينا في الطب، وتعليقات من قبيل المذكرات توجد منها ~~أوراق متناثرة في بعض المكتبات الأوروبية. # وله من التواليف - عدا الشروح: رد على تهافت الفلاسفة للغزالي سماه «تهافت التهافت»، ~~ورسالة في التوفيق بين الحكمة والشريعة سماها «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من ~~الاتصال»، ورسالة في نقد براهين المتكلمين والمتصوفة سماها «الكشف عن مناهج الأدلة في ~~عقائد الملة»، وكتاب في «الفحص هل يمكن العقل الذي فينا - وهو المسمى بالهيولاني - أن ~~يعقل الصور المفارقة أو لا يمكن ذلك، وهو المطلوب الذي كان أرسطوطاليس وعدنا بالفحص عنه ~~في كتاب النفس»، ومقالة في أن ms21 ما يعتقده المشاءون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا ~~في كنيته وجود العالم متقارب في المعنى، ومقالة في المقابلة بين آراء أرسطو وآراء ~~الفارابي، وغير ذلك تعليقات وردود على ابن سينا وابن باجة وابن الطفيل في مسائل النفس ~~والعقل والاتصال بالعقل الفعال، وما قيل عن قدم العالم وحدوثه، هي أقرب إلى المقالات ~~القصار منها إلى المطولات. # وهناك قوائم بأسماء مؤلفاته التي لا تزال محفوظة في مكتبة الإسكوريال بأسبانيا لا ~~حاجة إلى إثباتها هنا؛ لأن موضوعاتها الفلسفية جميعا داخلة في هذه الموضوعات التي ~~اشتهر الفيلسوف بشرحها أو الكتابة فيها. # أما كتبه في الفقه، فالمعروف منها كتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، وهو مرجع لم ~~يزل معتمدا بعد نكبة مؤلفه يضرب به المثل في الشعر للإجادة والطموح، كما قال ابن ~~زمرك بعد وفاة ابن رشد بأكثر من مائتي سنة: # أمولاي قد أنجحت رأيا وراية # ولم تبق في سبق المكارم غاية # فتهدي سجاياك ابن رشد نهاية # وإن كان هذا السعد منك بداية # سيبقى على مر الزمان مخلدا # وترجم أكثر المؤلفات الطبية والفلسفية إلى اللاتينية والعبرية، وضاعت أصول الكثير ~~منها وبقيت ترجماتها، ومنها ما هو محفوظ إلى اليوم في مكتبات سويسرا وباريس بنصه ~~العربي مكتوبا بحروف عبرية. # أما الكتب الميسرة للقارئ العربي بمصر وما جاورها، فهي في الفقه كتاب «بداية ~~المجتهد» وهو مطبوع، وفي الفلسفة كتاب «تفسير ما بعد الطبيعة»، وتلخيص كتاب «المقولات» ~~و«تهافت التهافت» وكلها مطبوع. # وله رسالة لطيفة في تلخيص كتاب الخطابة لأرسطو مطبوعة بالقاهرة، وتوجد من مؤلفاته ~~بدار الكتب المصرية مخطوطة لشرحه على أرجوزة الطب لابن سينا، ومخطوطة لجوامع كتاب النفس ~~لأرسطو. # وقد طبع معهد فرانكو بالمغرب الأقصى كتابه «الكليات» في الطب منقولا بالمصورة ~~الشمسية، مشفوعا بوصف بعض العقاقير والأدوية التي وردت فيه إشارة إليها. # وهذه المجموعة الميسرة للقارئ العربي بمصر تجزئه في الإلمام بجوهر «الرشدية» في ~~جوانبها المختلفة؛ لأنها تشمل أقوالا له في الطب والفقه والفلسفة، كما تشمل طرائقه في ~~التأليف والشرح والتلخيص. ~~••• # ومن المحقق أن آثاره الباقية أقل من آثاره ms22 التي انتشرت في أيام حياته، فقد أحرق ~~منها في حياته شيء وحرم بعد مماته شيء، وعجل الكمد بأجله فلم ينفعه العفو عنه والرجوع ~~به إلى سابق مكانته، ومرض بعد استدعائه إلى مراكش والعفو عنه مرضه الذي مات به «ليلة ~~الخميس التاسعة من صفر، سنة خمس وتسعين وخمسمائة، بموافقة عاشر دجنبر»، فدفن بجبانة ~~باب تاغزوت، ثم نقل رفاته إلى قرطبة حسب وصيته، فدفن بها في روضة سلفه بمقبرة ابن ~~عباس. # واختلفوا في تاريخ وفاته؛ فقال ابن الأبار: # 1 ~~«وامتحن بأخرة من عمره فاعتقله السلطان وأهانه، ثم عاد فيه إلى أجمل رأيه ~~واستدعاه إلى حضرة مراكش، فتوفي بها يوم الخميس التاسع من صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ~~قبل وفاة المنصور الذي نكبه بشهر أو نحوه، ودفن بخارجها، ثم سيق إلى قرطبة فدفن بها ~~مع سلفه - رحمه الله. وذكر ابن فرقد أنه توفي بحضرة مراكش بعد النكبة الحادثة عليه ~~المشتهرة الذكر، في شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وغلط ابن عمر فجعل وفاته ~~تاسع صفر سنة ست وتسعين، ومولده سنة عشرين وخمسمائة، قبل وفاة جده القاضي أبي الوليد ~~بأشهر.» # والأصح على أرجح الروايات، ومع مضاهاة التقويم الهجري على التقويم الميلادي أنه توفي ~~في التاريخ الذي ذكره الأنصاري آنفا، وقد أعقب ذرية لم يشتهر منهم غير ولده عبد الله ~~الذي تعلم الطب كأبيه وعمل في بلاط الخلفاء. ~~(2) فلسفة ابن رشد # أو على الأصح إنهما فلسفتان لا فلسفة واحدة: فلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيون في ~~القرون الوسطى، وفلسفة ابن رشد كما كتبها هو واعتقدها ودلت عليها أقواله المحفوظة ~~لدينا. # وفلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيون في القرون الوسطى يلاحظ عليها ثلاثة ~~أمور: # أولها: # أنهم اعتمدوا في فهم فلسفته على شروحه لأرسطو وتلخيصاته لبعض كتبه، ومهما يكن ~~من إعجاب ابن رشد بأرسطو فآراء الفيلسوف العربي لا تطابق آراء الفيلسوف الإغريقي في كل ~~شيء. # وثانيها: # أنهم اعتمدوا على تلك الشروح والتلخيصات مترجمة إلى اللغة اللاتينية أو ~~العبرية، ولا تخلو الترجمة من اختلاف. # وثالثها: # أن فلسفة ms23 ابن رشد ذاعت بين الأوروبيين في إبان سلطان محكمة التفتيش التي ~~كانت تتعقب الفلسفة العربية الأندلسية على الخصوص، وتحرم الاشتغال بالعلوم التي تخالف ~~أصول الدين في تقديرها، فمن الطبيعي أن تنسب إلى ابن رشد كل معنى يسوغ ذلك التحريم ~~ويقيم الحجة على صوابه، وأن تؤكد كل فكرة تلوح عليها المخالفة وإن جاز تأويلها على عدة ~~وجوه. # أما فلسفة ابن رشد كما كان يعتقدها، فالمعول فيها على كتبه ك «منهاج الأدلة» و«فصل ~~المقال»، وعلى آرائه التي يبديها في سياق مناقشاته، كتلك الآراء التي قال بها في ردوده ~~على الغزالي من كتاب «تهافت التهافت»، ثم على آرائه في شرحه للمقولات وتفسير لما بعد ~~الطبيعة، وما شابه هذه الآراء في الكتب الأخرى التي يتيسر الوصول إليها. # وبين الفلسفتين: فلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيون في القرون الوسطى، وفلسفته كما ~~اعتقدها؛ مواضع اختلاف يمس الجوهر أحيانا أو يسمح بتفسير آخر في غير تلك ~~الأحيان. ~~••• # لخص الأستاذ موريس دي ولف آراء ابن رشد في كتابه عن تاريخ فلسفة القرون ~~الوسطى # 2 # فقال: «كانت إسبانيا في القرن العاشر ملتقى أجناس كثيرة مختلفة أشد اختلاف؛ ~~فكان اليهود والمسيحيون في دول المسلمين يعيشون جنبا إلى جنب مع العرب ... وساعد هذا على ~~جعل إسبانيا مركزا لحركة فلسفية قوية إلى القرن الثالث عشر. # ويرجع أصل الفلسفة العربية الإسبانية إلى القرن التاسع حين جدد ابن مسرة آراء ~~أمبدوقليس المزعومة، ونجد في القرن الحادي عشر اسمي ابن حزم القرطبي وابن باجة ~~السرقسطي ... وكان الأخير مؤلف كتب في المنطق، ورسالة في النفس وشروح عدة لأرسطو، وكتاب ~~عن هداية المتوحد يصور درجات الاتصال عند المتصوفة، ونجد كذلك اسم ابن الطفيل وعنده مثل ~~هذه الميول الصوفية. # ولكن أحدا من هؤلاء الفلاسفة لم يبلغ مبلغ ابن رشد في ذيوع الصيت ... ولم يكن لإعجابه ~~بأرسطو حد ... ولكن لا يفهم من هذا أن فلسفته إنما هي نسخة من الفلسفة الأرسطية. # ويمكننا أن نقسم شروح أرسطو التي تركها ابن رشد إلى ثلاثة أقسام: الشروح الكبرى، ~~والشروح الصغرى، والمختصرات أو ms24 المقتبسات، فالشروح الكبرى تتابع الأصل متابعة دقيقة ثم ~~تشفعها بالتفسير المستفيض، والشروح الأخرى أكثر تركيزا وتنظيما في معالجة الموضوعات ~~وترتيبها، وتورد عليها مناقشات وإضافات شخصية لا يسهل استخراج الآراء المنسوبة إلى ~~أرسطو من خلالها، وإنما يتبع ابن رشد فيلسوف استاجيرة بغاية الدقة في المنطق ~~وحده.» # ثم استطرد المؤلف إلى تلخيص فلسفة ابن رشد بعد بيان كتبه التي كانت متداولة بين ~~قراء اللاتينية، فقال: # إن وجود الكائن الأعلى - الله - هو موضوع فلسفة ما بعد الطبيعة، وإثبات وجوده ~~قائم بالبراهين الفعلية، وهو الذي تصدر عنه العقول منذ الأزل، وكل موجود غير ~~الله لا يفسر وجوده بغير عمل خالق، فليست العقول صادرة على التتابع واحدا بعد ~~الآخر على حسب مذهب ابن سينا، بل هي من خلق الله أصلا، وإنما يأتي تعددها من ~~أنها لا تتساوى في الكمال والصفاء، وهي في الخارج متصلة بالأفلاك، فالسماوات ~~جملة من الأفلاك كل منها له صورة # 3 # من أحد العقول، والمحرك الأول يحرك الفلك الأول، وهذا يحرك الأفلاك ~~الأخرى إلى القمر الذي يحركه العقل الإنساني؛ لأنه يتصل بمداركنا ومعقولاتنا ~~وله عمل على اتصال بما فوق الطبيعة كما في مذهب ابن سينا. # والمادة قديمة مع الله؛ لأن العدم لا يتعلق به عمل خالق ... وهي عاجزة عن ~~العمل، ولكنها ليست خواء تناط به الصور كما في مذهب الأفلاطونية الحديثة، بل هي ~~قابلية عامة تشتمل على الصور المحتلفة، ومع حضور هذه المادة القديمة يخرج ~~منها الخالق قواها العاملة، وينشأ العالم المادي من أثر هذا الخلق الدائم، ولا ~~بد من تتابع هذه الحركات بلا بداية ولا نهاية. # والعقل الإنساني - وهو آخر سلسلة الأفلاك - هو صورة غير مادية، أبدية، منفصل ~~من الآحاد، متحد في جملته، وهذا العقل هو العقل الفعال والعقل الهيولاني أو ~~العقل الممكن معا. والعقل الإنساني في أفراد النوع البشري جميعا واحد لا ~~ينفصل بانفصال الأشخاص، ولا يتغير بتغير الذات # Objective ~~، وهو النور الذي يضيء النفوس ~~البشرية ويكفل للبشر مشاركة لا تتبدل في الحقائق الأبدية. # والمعرفة العقلية # 4 # في الإنسان الفرد ms25 تجري على النحو الآتي: فالعقل بتأثيره في أشكال ~~الحواس التي تخص كل إنسان يتصل بذلك الإنسان حسب استعداده من غير أن يلحقه نقص ~~بهذه الصلات المتعددة، وأول درجة من درجات هذا التعقل تحدث في الإنسان ما ~~يسمى بالعقل المكتسب، وبه يشترك العقل الخاص المنفصل في مدركات العقل العام ~~المتحد، وهناك اتصالات أخرى بين عقل الإنسان والعقل العام، وهي الاتصالات التي ~~تأتي من إدراك الماهيات المفارقة، وأعلاها وأرفعها ما يأتي من المعرفة اللدنية ~~ووحي النبوة. # ويستتبع هذا القول أن الحياة بعد الموت عامة غير شخصية، ويفنى كل شيء في ~~الإنسان إلا عقله الذي ليس هو بجوهر مستقل، بل هو عقل النوع البشري كله، عام في ~~جميع آحاده. # وكثير من آراء ابن رشد يخالف المعتقدات الإسلامية، والواقع أنه نبذ لأن ~~الخليفة اتهمه بانحلال العقيدة ... على أنه لم يكن جاحدا منكرا للدين، بل عنده ~~أن الدين يصور الحقائق الفلسفية على أسلوب المجاز، وهو يميز بين التفسير ~~الحرفي لنصوص القرآن وبين معانيها التي يدركها الحكماء ويرتفعون بها وحدها إلى ~~الحقائق العليا، ومن واجب الفلسفة أن تنظر فيما هو من تقليد الدين، وما هو من ~~القضايا التي تحتمل التفسير، وعلى أي وجه يكون تفسيرها. وقد تسنى لابن رشد ~~على هذه القاعدة أن يوفق بين القول بحدوث العالم على مذهب الغزالي، والقول ~~بقدمه على مذهب المشائين، وله رسالة خاصة يحاول بها هذا التوفيق، وفيها ~~أول إيحاء بمذهب الحقيقة المزدوجة التي توسع فيها الرشديون اللاتين ~~فأفرطوا في تطبيقه. ~~••• # وهذا تلخيص أمين لفلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيون في القرون الوسطى، لخصه عالم ~~بالمصادر من المخطوطات والمطبوعات، وجاء فيه بما شغل القوم من تلك الفلسفة عدة قرون، ~~ولم يهمل فيه إلا مسألتين، هما: مسألة علم الله بالجزئيات، ومسألة صفات الله. أما مسألة ~~علم الله بالجزئيات فلعله أهملها لأنها لم تكن أصيلة في فلسفة ابن رشد، وأما مسألة صفات ~~الله، فلعل الأوروبيين في القرون الوسطى أهملوها لأن إيمان العالم المسيحي بالأقانيم ~~الثلاثة في إله واحد لم يجعل تعدد الصفات ms26 مشكلة لاهوتية لها من الشأن ما كان لهذه ~~المسألة عند المتكلمين والمعتزلة من المسلمين، وابن رشد لم يطلع على كتب المعتزلة ~~كما قال في كتابه عن منهاج الأدلة، فمن ثم لم يتوسع في هذا الموضوع. # وأصاب مؤلف تاريخ الفلسفة في القرون الوسطى حين قال: إن فلسفة ابن رشد كانت تخالف في ~~بعض مسائلها ما عليه جمهرة الفقهاء من المسلمين، وقد حصر الإمام الغزالي في آخر كتابه ~~«تهافت الفلاسفة» أهم المسائل التي دار عليها الخلاف بين الفقهاء والفلاسفة وقيل فيها ~~بتكفير هؤلاء، وهي ثلاث مسائل: إحداها مسألة قدم العالم وأن الجواهر كلها قديمة، ~~وقولهم إن الله لا يحيط علما بالجزئيات الحادثة من الأشخاص، والثالثة إنكارهم بعث ~~الأجساد وحشرها. # وقبل تلخيص مذهب ابن رشد في كل مسألة من هذه المسائل الثلاث نجمل آراء الفلاسفة ~~الإلهيين فيها، ونعني بهم الفلاسفة الذين يؤمنون بوجود الإله تمييزا لهم من الفلاسفة ~~الماديين من الأقدمين والمحدثين. # فالفلاسفة الإلهيون الذين قالوا بقدم العالم - وعلى رأسهم أرسطو - لم يكن منهم أحد ~~قط يقول بقدم العالم ويعني بذلك أن وجود العالم مساو لوجود الله، وإنما يقولون إن ~~وجود العالم متعلق بإرادة الله، وإرادة الله قديمة لا تراخي لما تريده، وإن العالم لم ~~يسبقه زمان؛ لأن الزمان من حركته. # أما علم الله بالجزئيات، فلم يوجد فيلسوف إلهي قط ينكر إحاطة الله - سبحانه وتعالى ~~- بالجزئيات أو الكليات، وإنما ينزهون علم الله أن يكون كعلم الإنسان؛ فإن علم الإنسان ~~تابع للأشياء التي يعلمها، وهو يعلمها جزءا جزءا ثم يحكم عليها جملة، ويستخرج من علم ~~الجزئيات علمه بالكليات. # والفلاسفة ينزهون علم الله أن يكون كهذا العلم، ويقولون إن الله محيط بالجزئيات قبل ~~وقوعها، على نحو أشرف وأكمل من العلم الذي يتاح للإنسان ويكون في كل حال تابعا لما ~~يعلمه متوقفا عليه. # أما البعث، فإن الفلاسفة الماديين لا يؤمنون ببعث الأجساد ولا ببعث النفوس، وليس من ~~الفلاسفة الإلهيين من ينكر بعث الأجساد إنكارا منه لقدرة الله على بعثها، ولكنهم ~~يقولون إن الأرواح المفارقة أشبه بالعالم ms27 الأعلى، ومن آمن بالله وآمن بقدرة الله ~~وآمن بالبعث فما هو من الملحدين. # وأما مسألة الصفات التي لم يذكرها الغزالي مع تلك المسائل الثلاث، فلم تكن موضوع بحث ~~عند الفلاسفة الإغريق، ولم يكن لها شأن كبير عند فلاسفة الأوروبيين في القرون الوسطى، ~~ولكنها أثارت الجدل الطويل بين علماء الكلام والمعتزلة والفلاسفة من المسلمين، ومثار ~~الجدل فيها أن بعض الفلاسفة يقولون: إن صفات الله هي غير ذاته، وإن الصفات ليست بزائدة ~~على ذات الله؛ لأن ذاته - سبحانه وتعالى - كاملة لا تتعدد، وغير هؤلاء الفلاسفة يردون ~~عليهم ليوافقوا بين تعدد الصفات ووحدانية الله. # وقد كانت لابن رشد آراء في كل مسألة من هذه المسائل، ليست مطابقة كل المطابقة لما ~~فهمه الأوروبيون في القرون الوسطى، وليست مغايرة لها كل المغايرة، ولكنها آراء كان ~~الفيلسوف حريصا جد الحرص على أن يلتزم بها حدود دينه، ولا يخرج بها عما يجوز للمسلم أن ~~يعتقده وأن يعلمه للمسلمين، وسنرى مبلغ ما أصابه من التوفيق في هذا المجال، وهذه هي ~~خلاصة آرائه في هذه المسائل وفي غيرها من مسائل الحكمة والعقيدة، معتمدين فيها على ~~نصوصه العربية التي بين أيدينا، غير معولين فيها على مصدر من المصادر الأجنبية. # قدم العالم # يقول ابن رشد عن قدم العالم في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من ~~الاتصال»: «وأما مسألة قدمه أو حدوثه، فإن الاختلاف فيها عندي بين المتكلمين من ~~الأشعرية وبين الحكماء المتقدمين يكاد يكون راجعا للاختلاف في التسمية، وبخاصة عند ~~بعض القدماء؛ وذلك أنهم اتفقوا على أن هاهنا ثلاثة أصناف من الموجودات: طرفان ~~وواسطة بين الطرفين، فاتفقوا في تسمية الطرفين واختلفوا في الواسطة. # فأما الطرف الواحد فهو موجود وجد من شيء غيره، وعن شيء أعني عن سبب فاعل ومن ~~مادة، والزمان متقدم عليه ... وهذه هي حال الأجسام التي يدرك تكونها بالحس، مثل ~~تكون الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك، فهذا الصنف من الأصناف ~~اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة (هكذا). # وأما الطرف المقابل لهذا فهو موجود ms28 لم يكن من شيء، ولا عن شيء ولا تقدمه زمان، ~~وهذا أيضا اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته قديما، وهذا الموجود يدرك ~~بالبرهان، وهو الله تبارك وتعالى، وهو فاعل الكل وموجده، والحافظ له سبحانه ~~وتعالى قدره. # وأما الصنف من الوجود الذي بين هذين الطرفين، فهو موجود لم يكن من شيء ولا تقدمه ~~زمان، ولكن موجود عن شيء أي عن فاعل، وهذا هو العالم بأسره ، والكل منهم متفق على ~~وجود هذه الصفات الثلاث للعالم، فإن المتكلمين يسلمون أن الزمان غير متقدم عليه أو ~~يلزمهم ذلك؛ إذ الزمان عندهم شيء مقارن للحركات والأجسام. # وهم أيضا متفقون مع القدماء على أن الزمان المستقبل غير متناه، وكذلك الوجود ~~المستقبل، وإنما يختلفون في الزمان الماضي والوجود الماضي؛ فالمتكلمون يرون أنه ~~متناه، وهذا هو مذهب أفلاطون وشيعته، وأرسطو وفرقته يرون أنه غير متناه كالحال في ~~المستقبل، فهذا الموجود الآخر الأمر فيه بين؛ إنه قد أخذ شبها من الوجود الكائن ~~الحقيقي ومن الوجود القديم، فمن غلب عليه ما فيه من شبه القديم على ما فيه من شبه ~~المحدث سماه قديما، ومن غلب عليه ما فيه من شبه المحدث سماه محدثا. # وهو في الحقيقة ليس محدثا حقيقيا ولا قديما حقيقيا؛ فإن المحدث الحقيقي ~~فاسد ضرورة، والقديم الحقيقي ليس له علة. ومنهم من سماه محدثا أزليا وهو ~~أفلاطون وشيعته؛ لكون الزمان متناهيا عندهم من الماضي. # فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر، فإن الآراء ~~التي من شأنها هذا يجب أن تكون في الغاية من التباعد ... ~~... وإن ظاهر الشرع إذا تصفح ظهر من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم ~~أن صورته محدثة بالحقيقة، وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين - أعني غير ~~منقطع - وذلك أن قوله تعالى: # وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء # يقتضي بظاهره وجودا قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، ~~وزمانا قبل هذا الزمان - أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك. ~~وقوله تعالى: ms29 # يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات # يقتضي أيضا وجودا ثانيا بعد هذا الوجود، وقوله ~~تعالى: # ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان # يقتضي بظاهره أن السماء خلقت من شيء. # والمتكلمون ليسوا في قولهم أيضا في العالم على ظاهر الشرع بل متأولون؛ فإنه ~~ليس في الشرع أن الله كان موجودا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نصا أبدا، ~~فكيف يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع منعقد عليه ...» # 5 # وقد تناول الغزالي هذه المسألة في تهافت الفلاسفة، فقال إن وجود الزمان قبل وجود ~~العالم غير لازم، «ولو كان الله ولا عيسى مثلا، ثم كان الله وعيسى لم يتضمن اللفظ ~~إلا وجود ذات وعدم ذات، ثم وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث وهو ~~الزمان». # فأجابه ابن رشد، فقال: «صحيح، إلا أنه يجب أن يكون تأخره عنه ليس تأخرا ~~زمانيا.» # إلى أن قال: «وهذا كله ليس يبين هاهنا ببرهان، وإنما الذي يتبين هاهنا أن ~~المعاندة غير صحيحة.» # ونرى أن ابن رشد يقول هنا إن المسألة غير برهانية، ولكن فلاسفة الأوروبيين في ~~القرون الوسطى يعيدون هذا القول ويحسبونه ردا عليه، كما فعل القديس توما ~~الإكويني # 6 # في الفصل الذي عقده على مبادئ الخليقة من كتابه مجمل ~~اللاهوت # The ~~Summa Theologiea # فإنه ذكر قول أرسطو في قدم العالم، ثم أشار إلى كلام ~~له في كتاب الجدل، فقال: «والوجه الثالث - أي من وجوه الرد على قدم العالم - أنه ~~قال صريحا: إن ثمة مسائل جدلية لا يتأتى حلها بالبرهان كمسألة قدم ~~العالم.» # وقد ردد ابن رشد نقده لبراهين معارضيه فقال: «إن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في ~~حدوث العالم قد جمعت بين هذين الوصفين معا، أعني أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها، ~~ولا هي مع هذا برهانية؛ فليست تصح لا للعلماء ولا للجمهور.» # 7 # وتناول في كتابه «منهاج الأدلة» هذا المبحث من رسالة أبي المعالي الموسومة ~~بالنظامية، حيث يقول أبو المعالي: «... إن العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على ~~مقابل ما ms30 هو عليه حتى يكون من الجائز مثلا أصغر مما هو، وأكبر مما هو، أو بشكل ~~آخر غير الذي هو عليه، أو عدد أجسامه غير العدد الذي هو عليه، أو تكون حركة كل ~~متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها، حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى ~~فوق، وفي النار إلى أسفل ... وإن الجائز محدث وله محدث، أي: فاعل صيره بإحدى ~~الحالتين.» # فأجاب ابن رشد على هذا بما فحواه أن المصنوع لحكمة إنما يكون على الوجه الذي ~~يحقق تلك الحكمة، ولا يكون عبثا - تنزه الخالق عن العبث - ثم قال: إن «ما ~~يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء شبيه بما يعرض لمن ينظر في ~~أجزاء المصنوعات من غير أن يكون من أهل تلك الصنائع، وذلك أن الذي هذا شأنه قد سبق ~~إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات أو جلها ممكن أن يكون بخلاف ما هو عليه، ويوجد ~~عن ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله - أعني غايته - فلا يكون في ذلك ~~المصنوع عند هذا موضع حكمة، وأما الصانع والذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك، فقد ~~يرى أن الأمر بضد ذلك، وأنه ليس في المصنوع إلا شيء واجب ضروري، أو ليكون به ~~المصنوع أتم وأفضل إن لم يكن ضروريا فيه، وهذا هو معنى الصناعة والظاهرات ~~المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع، فسبحان الخلاق العظيم». # 8 # وواضح من مذهب ابن رشد في جميع كتبه أنه لا خلاف في خلق الله للعالم، ولكن ~~الخلاف في سبق الزمان للعالم، أو أن الزمان والعالم وجدا معا، وعند ابن رشد أن ~~العالم قديم؛ لأنه موجود بمشيئة الله ولا راد لمشيئته، وليس لها ابتداء. # وموضع اللبس في مذهب ابن رشد أنه لم يفرق بين الزمان والأبدية، وهما ~~مختلفان. # فالزمان لا يتصور إلا مع الحركة، والأبدية لا تتصور مع الحركة بحال من الأحوال؛ ~~إذ الكائن الأبدي لا يتحرك من مكان إلى مكان ولا من زمان إلى زمان، وليس ms31 قبله شيء ~~ولا بعده شيء فيتحرك مما قبله إلى ما بعده. # ومذهب أفلاطون في الزمان أصح من مذهب معارضيه؛ فإنه يرى أن الزمان محاكاة ~~للأبدية، أنعم الله به على الموجودات؛ لأنها لا تستطيع أن تشبه الله في صفة الدوام ~~بلا ابتداء ولا انتهاء، وكلام الإمام الغزالي حين قال إن وجود العالم بعد وجود الله ~~لا يقتضي وجود الزمان بينهما غاية في الدقة؛ فإن هاهنا ذاتين فقط، ولا محل لفرض ~~وجود الزمان بين الوجود الأول والوجود الثاني، وإنما هو - كما قال - من أغاليط ~~الأوهام. # علم الله بالجزئيات # أما القول بأن الله لا يعلم الجزئيات، فلم يحفل ابن رشد به كثيرا؛ لأن هذا القول ~~«ليس من قولهم» - أي الفلاسفة - كما قال في آخر كتاب «تهافت التهافت»، وعرض لهذه ~~المسألة في كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، فقال: «إن أبا ~~حامد - أي الغزالي - قد غلط على الحكماء المشائين فيما نسب إليهم من أنهم يقولون ~~إنه - تقدس وتعالى - لا يعلم الجزئيات أصلا، بل يرون أن الله - سبحانه وتعالى - ~~يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا؛ وذلك أن علمنا معلول للمعلوم به، فهو محدث بحدوثه ~~ومتغير بتغيره، وعلم الله سبحانه بالوجود على مقابل هذا، فإنه علة للمعلوم الذي ~~هو الموجود ... وكيف يتوهم على المشائين أنهم يقولون إنه سبحانه لا يعلم بالعلم ~~القديم الجزئيات، وهم يرون أن الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارات بالجزئيات الحادثة في ~~الزمان المستقبل، وأن ذلك العلم المنذر يحصل للإنسان في النوم من قبل العلم الأزلي ~~المدبر للكل والمستولي عليه. وليس يرون أنه لا يعلم الجزئيات فقط على النحو الذي ~~نعلمه نحن بل ولا الكليات، فإن الكليات المعلومة عندنا معلولة أيضا على طبيعة ~~الموجود، والأمر في ذلك بالعكس؛ ولذلك ما قد أدى إليه البرهان أن ذلك العلم منزه ~~عن أن يوصف بكلي أو بجزئي، فلا معنى للاختلاف في هذه المسألة، أعني في ~~تكفيرهم أو لا تكفيرهم ...» # 9 # وواقع الأمر أن مذاهب الفلاسفة الإلهيين لم يرد فيها قط ما يدعو إلى هذه ~~الشبهة، وأن ms32 ابن رشد على الخصوص كان في طليعة القوم تنزيها لعلم الله، بل إنه قال ~~في غير موضع من كتبه: إن علم البرهان نفسه إنما هو من وحي الله. # خلود النفس # ولتمحيص القول بخلود النفس عند ابن رشد ينبغي الرجوع إلى مذهب أرسطو في النفس ~~والعقل؛ لأنه إذا صح ما قيل من أن توما الإكويني نصر أرسطو، فأصح من ذلك أن ابن رشد ~~حنفه - أي: جعله مسلما حنيفا - واجتهد في تنقيته من كل ما يخالف العقيدة ~~الإسلامية غاية اجتهاده. # وقد أعان ابن رشد على ذلك أن كلمة الروح عندنا تشمل معنى النفس والعقل معا في ~~معظم معانيها، فالنفس تقرن بالشر والذنب في كلامنا، وقلما تقرن الروح بمثل ذلك، ~~فإذا قيل نفس شريرة على العموم، فمن النادر أن يقال ذلك عن الروح وعن الروحاني؛ لأن ~~الروحانيات أشرف وأصفى من ذاك. # وقد تكلم أرسطو عن النفس والعقل في كتاب الأخلاق وفي كتاب النفس، ووضح في كلامه ~~عن العقل أنه ينطبق أيضا على الروح كما قال في كتاب الأخلاق عن السعادة العليا ~~للإنسان وهي سعادة التأمل، ثم قال: «مثل هذه الحياة ربما كانت أرفع جدا مما ~~يستطيعه الإنسان؛ لأنه لا يحيا هذه الحياة باعتباره إنسانا، بل يحياها بمقدار ما ~~فيه من النفحة الإلهية، والفرق بين هذه النفحة الإلهية وبين تركيبنا الطبيعي كالفرق ~~بين عمل ذلك الجانب الإلهي وعمل الفضائل الأخرى، وإذا كان العقل إلهيا فالحياة ~~على مثاله إلهية بالنسبة إلى المعيشة الإنسانية. وعلينا ألا نتبع أولئك الذين ~~ينصحون لنا ما دمنا بشرا أن نشتغل بهموم البشر، وما دمنا فانين أن نعمل عمل ~~الفانين، بل علينا ما استطعنا أن نعمل عمل الخالدين، وأن نحفز كل عرق من عروقنا حتى ~~نسمو إلى مرتبة أرفع ما فينا - وإن قل وصغر - لأقدر وأكمل من كل شيء ~~عداه.» # 10 # أما النفس عند أرسطو فتكاد أن تكون في أكثر مصطلحاته مرادفة للوظيفة الحيوية؛ ~~ولهذا ينسب إلى النبات نفسا نامية، وإلى الحيوان نفسا شهوانية، ويسخر من ~~فيثاغوراس الذي يقول إن نفس ms33 الإنسان قد تنتقل إلى الحيوان، ويرى أن السؤال عن ~~العلاقة بين النفس والجسد كالسؤال عن العلاقة بين الشمعة وصورتها؛ فلولا صورة ~~الشمعة لكانت شحما ودهنا ولم تكن شمعة، ولولا نفس الإنسان لكان الإنسان لحما ~~وعظاما وعصبا ولم يكن بالإنسان. # وعنده أن النفس جوهر بالمعنى الذي يقابل «الماهية» التي تميز الشيء من ~~غيره. # وبعد أن بسط القول في خصائص النفس في كتابه عنها تكلم عن العقل، فقال: إنه ~~أعلى من النفس، وإنه على ما يبدو له «جوهر مستقل مودع في النفس وغير قابل ~~للفناء». # ثم قال: «وليس لدينا بعد بينة في أمر العقل والملكة المدركة، ويبدو أن العقل ~~نفس - أو روح - مختلفة تماما كاختلاف ما هو باق دائم وما هو زائل فان، وهي وحدها ~~صالحة للوجود بمعزل عن سائر القوى النفسانية، وكل ما عداها من الأجزاء النفسية ~~فظاهر مما أسلفناه أنه غير قابل للوجود المنفصل خلافا لما يقول به كثيرون.» # ودليل أرسطو على بقاء العقل وصلاحه للوجود المنفصل أن الحقيقة العقلية لا تتوقف ~~على الأشخاص، ولا تنقص بنقص هذا الشخص أو ذاك، فهي مستقلة منزهة عن الفناء الذي ~~يصيب الأشخاص. # أما ابن رشد فنحن نورد كلامه هنا في مواضع مختلفة، ثم نعقب عليه بالخلاصة التي ~~تستفاد منه في جملته. # نقل في كتابه «تهافت التهافت» كلام الغزالي في الرد على القائلين بفناء النفس، ~~فقال: «ما قاله هذا الرجل في معاندتهم هو جيد، ولا بد في معاندتهم أن توضع النفس ~~غير مائتة كما دلت عليه الدلائل العقلية والشرعية، وأن يوضع أن التي تعود هي أمثال ~~هذه الأجسام التي كانت في هذه الدار لا هي بعينها ... وذلك أن ما عدم ثم وجد فإنه ~~واحد بالنوع لا واحد بالعدد.» # وقال قبل ذلك بقليل عن وصف العالم الآخر كما يدركه جمهور الناس: «... تمثيل المعاد ~~لهم بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية، كما قال سبحانه: # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من ~~تحتها الأنهار ~~، وقال النبي عليه السلام: «فيها ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ms34 ولا خطر بخاطر بشر.» وقال ابن عباس: (ليس في الدنيا من الآخرة إلا ~~الأسماء).» # وأشار قبل ذلك إلى قول أرسطو إن الشيخ لو كان له عين كعين الشاب لأبصر كما يبصر ~~الشاب، وإن هذا قد يكون معناه أن قوة النظر ضعفت هنا لضعف الآلة لا لضعف القوة ~~النفسية. ثم قال: «ويستدل على ذلك ببطلان الآلة أو أكثر أجزائها في النوم والإغماء ~~والسكر والأمراض التي يبطل فيها إدراكات الحواس، فإنه لا يشك أن القوى ليس تبطل في ~~هذه الأحوال، وهذا يظهر أكثر في الحيوانات التي إذا فصلت بنصفين تعيش، وأكثر النبات ~~هو بهذه الصفة مع أنه ليس فيه قوة مدركة. فالكلام في أمر النفس غامض جدا، وإنما ~~اختص الله به من الناس العلماء الراسخين في العلم؛ ولذلك قال سبحانه مجيبا في هذه ~~المسألة للجمهور عندما سألوه بأن هذا الطور من السؤال ليس هو من أطوارهم في قوله ~~سبحانه: # ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~، ~~وتشبيه الموت بالنوم في هذا المعنى فيه استدلال ظاهر في بقاء النفس من قبل أن النفس ~~يبطل فيها فعلها في النوم ببطلان آلتها ولا تبطل هي، فيجب أن يكون حالها في الموت ~~كحالها في النوم؛ لأن حكم الأجزاء واحد، وهو دليل مشترك للجميع لائق بالجمهور في ~~اعتقاد الحق، ومنبه للعلماء على السبيل التي منها يوقف على بقاء النفس، وذلك بين ~~من قوله سبحانه: # الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها ~~.» # وقد كرر ابن رشد قوله بغموض مسألة الروح في كتابه «فصل المقال» وعاب قوما ~~متفلسفين في زمانه حيث يقول: «شهدنا منهم أقواما ظنوا أنهم تفلسفوا وأنهم قد ~~أدركوا بحكمتهم العجيبة أشياء مخالفة للشرع من جميع الوجوه - أعني لا تقبل تأويلا ~~- وأن الواجب هو التصريح بهذه الأشياء للجمهور، فصاروا بتصريحهم للجمهور بتلك ~~الاعتقادات الفاسدة سببا لهلاك الجمهور وهلاكهم في الدنيا والآخرة.» # وقال ابن رشد في كتاب «تهافت التهافت» يرد على الغزالي حيث ينفي أن الواحد لا ~~تأتي ms35 منه الكثرة: «إن هاهنا من الخيرات خيرات ليس يمكن أن توجد إلا يشوبها شر، ~~كالحال في وجود الإنسان الذي هو مركب من نفس ناطقة ونفس بهيمية.» # وقال في «تهافت التهافت» أيضا: «الفاعل المطلق ليس يصدر عنه إلا فعل مطلق، ~~والفعل المطلق ليس يختص بمفعول دون مفعول، وبهذا استدل أرسطاطاليس على أن الفاعل ~~للمعقولات الإنسانية عقل متبرئ عن المادة - أعني من كونه يعقل كل شيء - وكذلك استدل ~~على العقل المنفعل أنه لا كائن ولا فاسد من قبل أنه يعقل كل شيء.» # أما كثرة العقول المفارقة - أي المجردة في اصطلاح عصرنا - فتعليلها كما قال في ~~هذا الكتاب أنه «يشبه أن يكون السبب في كثرة العقول المفارقة اختلاف طبائعها ~~القابلة فيما تعقل من المبدأ الأول، وفيما تستفيد منه الوحدانية الذي هو فعل واحد ~~في نفسه كثير بكثرة القوابل له، كالحال في الرئيس الذي تحت يده رئاسات كثيرة، وهذا ~~يفحص عنه في غير هذا الموضع، فإن تبين شيء منه وإلا رجع إلى الوحي ...» # أما الوحي فقد قال فيه: «إن الذي يقول به القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنما هو ~~عن الله - تبارك وتعالى - بتوسط موجود روحاني ليس بجسم، وهو واهب العقل الإنساني ~~عندهم، وهو الذي تسميه الحدث منهم العقل الفعال، ويسمى في الشريعة ملكا.» # وقال كذلك ناقلا عن الفلاسفة: «معنى ما حكاه عن الفلاسفة من هذا الدليل هو أن ~~العقل يدرك من الأشخاص المتفقة في النوع معنى واحدا تشترك فيه، وهي ماهية ذلك ~~النوع، من غير أن ينقسم ذلك المعنى بما تنقسم به الأشخاص من حيث هي أشخاص من المكان ~~والوضع والمواد التي من قبلها تكثرت، فيجب أن يكون هذا المعنى غير كائن ولا فاسد ~~ولا ذاهب بذهاب شخص من الأشخاص التي يوجد فيها هذا المعنى؛ ولهذا كانت العلوم أزلية ~~غير كائنة ولا فاسدة إلا بالعرض، أي من قبل اتصالها بزيد وعمرو ... قالوا: وإذا ~~تقرر هذا من أمر العقل وكان في النفس، وجب أن تكون النفس غير منقسمة بانقسام ~~الأشخاص، وأن تكون أيضا معنى ms36 واحدا في زيد وعمرو، وهذا الدليل في العقل قوي؛ لأن ~~العقل ليس فيه من معنى الشخصية شيء، وأما النفس فإنها وإن كانت مجردة من الأعراض ~~التي تعددت بها الأشخاص، فإن المشاهير من الأشخاص يقولون: ليس تخرج من طبيعة الشخص ~~وإن كانت مدركة، والنظر هو في هذا الموضع.» # قال هذا ناقلا عن الفلاسفة، وقال إنه موضع نظر؛ لأنه ووجه بالحجة القوية من ~~قبل الغزالي كعادته في قوة البرهان؛ حيث قابل بين اتفاق العقول في الفهم واتفاق ~~الحاسة الواحدة في الرؤية عشرات المرات، فقال: إن وحدة الرؤية بين الحواس لا تدل ~~على أن العين واحدة في جميع الناس. # وعرض للكلام عن العقل الهيولاني - وهو العقل الذي يرى المتأخرون من أتباع أفلوطين ~~أنه يقبل الصور كما تقبلها الهيولى، وينسبونه إلى الهيولى والمادة الأولى من أجل ~~ذلك - فقال: «إن العقل الهيولاني يعقل أشياء لا نهاية لها في المعقول الواحد، وما ~~جوهره هذا الجوهر فهو غير هيولاني أصلا؛ ولذلك يحمد أرسطو أنكساغوراس في وضعه ~~المحرك الأول عقلا أي صورة بريئة من الهيولى، ولذلك لا ينفعل عن شيء من الموجودات؛ ~~لأن سبب الانفعال هو الهيولى، والأمر في هذا في القوى القابلة كالأمر في القوى ~~الفاعلة؛ لأن القوى القابلة ذوات المواد هي التي تقبل أشياء محدودة.» # ورد على قول الغزالي إن الفلاسفة ينكرون حشر الأجساد، فقال: «هذا شيء ما وجد ~~لواحد ممن تقدم فيه قول ... وإن الشرائع كلها اتفقت على وجود أخروي بعد الموت ~~وإن اختلفت في صفة ذلك الوجود ... وكذلك هي متفقة في الأفعال التي توصل إلى السعادة ~~التي في الدار الآخرة، وإن اختلفت في تقدير هذه الأفعال، فهي بالجملة لما كانت تنحو ~~نحو الحكمة بطريق مشترك للجميع كانت واجبة عندهم؛ لأن الفلسفة إنما تنحو نحو تعريف ~~سعادة بعض الناس العقلية، وهو من شأنه أن يتعلم الحكمة، والشرائع تقصد تعليم ~~الجمهور عامة، ومع هذا فلا نجد شريعة من الشرائع إلا وقد نبهت بما يخص الحكماء ~~وعنيت بما يشترك فيه الجمهور ... «وكل» مناقض للأنبياء - صلوات الله عليهم ms37 - وصاد ~~عن سبيلهم فإنه أحق الناس بأن ينطلق عليه اسم الكفر، ويوجب له في الملة التي نشأ ~~عليها عقوبة الكفر.» ~~••• # ويؤخذ مما تقدم من كلام ابن رشد وما نقله عن الفلاسفة غير معقب عليه بنفي أو ~~مناقضة؛ أنه كان يؤمن بأن النفس الناطقة جوهر مجرد لا يقبل الفناء، وأن لها سعادة ~~في المعاد تشبه سعادة الفناء في الله التي يؤمن بها الصوفية، أما النفس الحيوانية ~~فهي متعلقة بحياة الإنسان في هذه الدنيا، وليست هي محل العقل والروح، ويؤمن بعد هذا ~~بأن الروح من أمر الله، فلا يجب الخوض في الكلام عنها بما يخالف الوحي ويناقض ~~الأنبياء. # وابن رشد يرى أن العقل المفارق - أي المجرد - لا يفعل في المادة ولا ينفعل بها، ~~ولكن هناك عقلا متوسطا بين نفس الإنسان وبين العقل الفعال هو واسطة الاتصال، ~~ومنه يتلقى الإنسان فهم المعاني المجردة أو الصور المفارقة، وهذا العقل المتوسط هو ~~الذي يسمى بالعقل الهيولاني؛ لأنه قابل للصور مثل الهيولى. ~~••• # تلك هي المسائل الكبرى التي أثارت الجدل في عصر ابن رشد وفيما تلاه من القرون ~~الوسطى، وهي: مسألة قدم العالم، ومسألة علم الله بالجزئيات، ومسألة النفس ~~وبقائها. # وثمة مسألتان أخريان ثار حولهما شيء من الجدل، ولكنه لم يبلغ هذا المبلغ من العنف ~~وطول الأمد، وهما: مسألة الصفات الإلهية، ومسألة الحقيقتين. # وقد أسلفنا أن مسألة الصفات الإلهية لم تكن مشكلة عسيرة في العالم المسيحي إلى ~~جانب البحث في الأقانيم الثلاثة، أما عند المتكلمين والمعتزلة وفلاسفة المسلمين فقد ~~كانت مثار خلاف شديد، أكثره فيما نظن راجع إلى أن الصفة باللغة اليونانية واللغة ~~اللاتينية تفيد معنى الشرط أو الخاصة المقومة للموصوف، أو الواسطة التي يعرف بها ما ~~لا يعرف بذاته، خلافا لمعناها العربي الذي لا يفيد شيئا من ذلك. # فليس من العجيب إذن أن تثير عند أهل التوحيد ذلك الخلاف لتمحيص معناها، وتنزيه ~~الوحدانية عن مسألة الصفات رأيا قريبا مما قدمناه في الكلام على العلم ~~بالجزئيات والكليات. # فينبغي على المؤمن الموحد أن يؤمن بصفات الله، وأن يؤمن ms38 كذلك بأنها ليست كصفات ~~الإنسان. # فإن الإنسان له قابليات للكرم والحلم والرحمة والعدل وسائر الصفات الحميدة، ولكن ~~القابليات تحتاج إلى من يوجدها ومن يخرجها من القوة إلى الفعل، وهذا إن جاز في ~~حق الإنسان فليس مما يجوز في حق الله. # ومن أمثلة كلامه في هذا المبحث قوله: «أما قوله: # لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~، فإن معناه لا يفعل فعلا ~~من أجل أنه واجب عليه أن يفعله؛ لأن من هذا شأنه فيه حاجة إلى ذلك الفعل ... ~~والبارئ سبحانه وتعالى يتنزه عن هذا المعنى، فالإنسان يعدل ليستفيد بالعدل خيرا في ~~نفسه لو لم يعدل لم يوجد له ذلك الخير، وهو سبحانه وتعالى يعدل لا لأن ذاته تستكمل ~~بذلك العدل؛ بل لأن الكمال الذي في ذاته اقتضى أن يعدل، فإذا فهم هذا ظهر أنه لا ~~يتصف بالعدل على الوجه الذي يتصف به الإنسان ...» # 11 # فلا نكران للصفات، وإنما النكران للمشابهة بين صفات الإنسان وصفات الله، وإنها ~~تشترك في الأسماء كالرحمة والعدل والعفو والكرم، ولكنها لا تشترك في ~~المدلولات. # أما مسألة الحقيقتين، فخلاصتها أن حقيقة الشرع وحقيقة العلم والحكمة شيء واحد ~~يختلف في العبارة ولا يختلف في الجوهر، وقد صرح ابن رشد بأن «الفلسفة تفحص عن كل ~~ما جاء في الشرع، فإن أدركته استوى الإدراكان، وكان ذلك أتم في المعرفة، وإن لم ~~تدركه أعلمت بقصور العقل الإنساني عنه، وأن يدركه الشرع فقط ...» # 12 # وقد قال ابن رشد في صدر كتابه «فصل المقال»: «إن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في ~~الموجودات واعتبارها ... والاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم ~~واستخراجه منه، وهذا هو القياس.» # وقال: إن موضوع الفلسفة هو البحث في التوحيد وحكمة الوجود، خلافا لقول ابن سينا ~~إن موضوع الفلسفة هو البحث في «الموجود من حيث هو موجود»، أي: البحث في كنه ~~الوجود. # غير أن ابن رشد يقول إن الوصول إلى المعرفة إن تم لأناس بالكشف والرياضة الصوفية ~~فتلك مزية خاصة وسائلها لا تعم جميع الناس، وإنما معرفة العقل هي المعرفة ms39 ~~الإنسانية التي تسمو بالعارفين إلى منزلة الوصول وإدراك الحقائق والماهيات، وهو ~~أعلى ما يقدر للإنسان من مراتب الكمال، وعنده أن البرهان وحي إلهي ولكنه ليس كوحي ~~النبوة؛ إذ كل نبي حكيم، وليس كل حكيم معدودا من الأنبياء. ~~••• # ولم يمض بحث ابن رشد في الحقيقتين صفوا عفوا بغير ضجة في القرون الوسطى؛ لأن ~~الباحثين المتمردين تذرعوا به إلى التفرد بمباحث الفلسفة، وإن خالفت النصوص التي ~~يفسرها آباء الكنيسة على حسب المتواتر عندهم، فجاء زمن كان فيه القول بالحقيقتين ~~من المحرمات أو دلائل الزندقة والهرطقة التي تجر على صاحبها لعنة الحرمان. ~~••• # هذه خلاصة عاجلة لفلسفة ابن رشد فيما بعد الطبيعة وفي طرف من النفسيات، وقد كانت ~~له - كما تقدم - مشاركات في الرياضة والطبيعيات، وكان يقول إن هذه العلوم مما ~~يعين على معرفة الموجد والموجودات. ومن أمثلة كلامه في فضل الرياضة قوله: «... لو ~~فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة، ورام إنسان واحد ~~من تلقاء نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وأبعاد بعضها عن بعض لما ~~أمكنه ذلك، مثل أن يعرف قدر الشمس من الأرض وغير ذلك من مقادير الكواكب، ولو كان ~~أذكى الناس طبعا إلا بوحي أو شيء يشبه الوحي، بل لو قيل له إن الشمس أعظم من الأرض ~~بنحو مائة وخمسين ضعفا أو ستين، لعد هذا القول جنونا من قائله ...» # 13 # وله في المسائل الطبيعية تقريرات نعرض لها فيما سنختاره له من مباحثه الطبية، وكل ~~هذه المعلومات عنده: «حكمة الله تعالى في الموجودات وسنته في المصنوعات ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا، وبإدراك هذه الحكمة كان العقل عقلا في الإنسان، ووجودها هكذا ~~في العقل الأزلي كان علة وجودها في الموجودات ...» # 14 ~~••• # ونحسب أن إنصاف الحكمة الإنسانية القديمة يتقاضانا هنا أن نعقب على الآراء التي ~~عرضناها بكلمة لعلها لازمة لتقويم الفكر الإنساني في العصر الحاضر وفي كل زمن، ~~ولعلها إنصاف لمداركنا قبل أن تكون إنصافا لمدارك الأقدمين. # فالذين يبسمون سخرية من كلام الأقدمين في العقول المفارقة، عليهم أن ms40 يذكروا أننا ~~صنعنا مثل صنعهم، فزعمنا وجود الأثير في الفضاء لنعلل به مسير الشعاع وسريان النور، ~~ولا دليل عليه غير الفرض والتقدير، ولعل سيأتي يوم يبسم فيه الخالفون من فرضنا ~~للأثير كما يبسم بعضنا اليوم من فرض الأقدمين للعقول المفارقة، تفسيرا للصلة بين ~~الكائنات العلوية وبين الموجودات على هذه الغبراء. # والذين يبسمون سخرية من كلام الأقدمين عن سيطرة العقول على الأفلاك، عليهم أن ~~يصطنعوا كثيرا من الأناة والحياء، فإن أقطابا من علماء الرياضة والطبيعة اليوم ~~يقررون أن الموجودات كلها معادلات رياضية في عقل الخالق جل وعلا؛ لأن عناصر المادة ~~كلها تنحل إلى ذرات، والذرات كلها تنحل إلى شعاع، وكل أولئك ليس له من مادة غير ~~النسب والأعداد، وهي في باب التجريد أشد إمعانا من العقول المفارقة التي تصورها ~~الأقدمون. # ولسنا نستبعد أن يعود الخالفون يوما إلى فلاسفة الأقدمين ليتخذوا من تفكيرهم ~~قواعد للإدراك الصحيح في عالم الجواهر والماهيات، أو في عالم الحقائق الأبدية التي ~~لا ينقضي البحث فيها بانقضاء زمانهم وانقضاء هذا الزمان. ~~(3) أثر الفلسفة الرشدية # اشتهر أرسطو بين الأوروبيين في القرون الوسطى باسم الفيلسوف، فإذا ذكر الفيلسوف ~~بغير اسم في كتاب من كتب تلك العصور فأرسطو هو المقصود. # واشتهر ابن رشد باسم الشارح أو المعقب # Commentator # فإذا قيل: الشارح أو المعقب في كلام من كلامهم فابن رشد دون غيره هو المقصود. # وقد عرف ابن رشد متعلمي القوم بالمعلم الأول وهو لا يعرف اليونانية، ولم يكن شيء من ~~كلام أرسطو قد ترجم إلى اللاتينية أو لغة من اللغات الأوروبية قبل عصر ابن رشد غير ~~كتب المنطق، ثم تنبه علماؤهم إلى ترجمته بعد ذيوع اسم ابن رشد، فطلب القديس توما ~~الإكويني من صديقه «وليام مويربك» # Moerbeke # أن ينقل ~~جميع كتبه فنقلها، # 15 # ولم يظهر بعد نقلها أن ابن رشد قد أخطأ في شيء من لباب الفلسفة، ولم يحصوا ~~عليه غير هفوات من الغلط ببعض الأسماء لتشابه نطقها، وسائر شروحه بعد ذلك لا غبار عليه ~~من جهة المعنى، وقد يقع العارف باليونانية ms41 في أخطاء أكثر من الأخطاء التي لوحظت على ~~الفيلسوف القرطبي، ما لم تكن له فطنة كفطنة ذلك الفيلسوف. # وحسب الرجل شهادة لروحه أن الكتب التي نقلت من اليونانية مباشرة لم تغن عنه، ~~فبعد أن حرم أسقف باريس دراسته في جامعتها، وسماه رأس الضلال في منتصف القرن الثالث ~~عشر، عادت هذه الجامعة نفسها بعد قرن فأخذت على أساتذتها المواثيق ألا يعلموا فيها ~~شيئا لا يوافق مذهب أرسطو كما شرحه ابن رشد، وأصبحت كتبه مادة لا تنفد للدرس والمناقشة ~~في البيع # 16 # والأديرة والجامعات. # وعلى الرغم من تحريم الاشتغال بالدراسات الدنيوية أو العالمية على الرهبان، أقبل على ~~دراسة ابن رشد ومناقشته والاستفادة منه قطبان إمامان في رهبنة الدومينيين ورهبنة ~~الفرنسيسيين، وهما توما الإكويني الذي سبقت الإشارة إليه، وروجرز باكون # 17 # رائد المدرسة التجريبية التي تممها سميه فرنسيس باكون. # 18 # وقد كان من الرهبان من يتحدى أوامر رؤسائه ويمضي في دراسة ابن رشد بعد تحريمها، كما ~~فعل سيجر دي برابان (1235-1282) # Siger de Brabant # وكان ~~أستاذا بجامعة باريس، ولم يقلع عن دراستها ونشرها إلا مضطرا بعد صدور الأمر من ~~روما (سنة 1266) بتأييد أسقف باريس في قرار التحريم. # وكانت كتب ابن رشد وشروحه تترجم وتنشر في الجامعات بأمر ملك من الملوك المستنيرين ~~في ذلك الزمن، لم يكن يبالي ما يقال عنه في المجامع الدينية، وهو فردريك الثاني ملك ~~صقلية وحامي العلم والأدب في زمانه (1194-1250)، فإنه كلف العالم الأيقوسي ميخائيل ~~سكوت بترجمة الشروح وأرسلها إلى جامعة بولون وجامعة باريس كأنها مفروضة على طلبة ~~الجامعات. # ولم يبق في القرن الثالث عشر وما بعده أوروبي يشتغل بالثقافة أو يسمع بأحاديثها ~~إلا عرف شيئا عن ابن رشد وأعجب به أو رد عليه، ولو لم يكن من الفلاسفة والمنقطعين ~~للعلوم. # فذكره دانتي الشاعر في الكوميديا الإلهية، وناقشه في مسألة الروح (1265-1321). # وذكره الناسك سفونرولا # Savonarola ~~(1452-1498) وسماه ~~بالعقل الرباني # 19 # واستهدف للسخط من جراء الثناء عليه. # وما من مدرسة فلسفية نشأت في أوروبا بعد القرن الثالث عشر إلا ms42 أمكن أن تنتسب من قريب ~~أو بعيد إلى الثقافة الرشدية، سواء بالاطلاع على تلك الثقافة أو بالاطلاع على تعليقات ~~المعلقين عليها، نقضا واستنكارا أو تأييدا وإعجابا من كلا الطرفين. # فمدرسة الحقيقيين # Realists # ومدرسة الاسميين # Nominalists # إنما هما طرفان في موضوع واحد فتح ابن ~~رشد أبوابه، فلم تزل مفتوحة بعده عدة أجيال، ذلك الموضوع هو النفس الفردية والنفس ~~النوعية، وما يقال عن الوجود الحقيقي في الأشخاص أو في العقول المفارقة. # فالحقيقيون يرون أن النوع هو الوجود الحقيقي الذي يوجد الأشخاص لتمثيله في العالم ~~المحسوس، والاسميون يرون أن وجود النوع إنما هو اسم أو كلمة ما لم يقترن بوجود ~~الأشخاص. # وقد كان اثنان من تلاميذ روجرز باكون - تلميذ الثقافة العربية - يعالجان هذه المسألة ~~من طرفها، وهما سكوتس # Scots ~~(1266-1308) مؤيد القول ~~بحقيقة النوع، وأكهام # Ockham ~~(المتوفى سنة 1349) ~~مؤيد القول لحقيقة الشخص أو الفرد ومسخف القائلين بحقيقة النوع، وحسبك من بعد الأثر ~~الذي أعقبته هذه المناقشة أن لوثر كان يفخر فيقول: أستاذي العزيز أكهام. # وقد دارت بين فلاسفة القرون الوسطى مساجلات مسهبة حول قدرة الله وعلم الله، أو حول ~~الإرادة والفكرة، لا نظن أنها مرت دون أن تدخل في تفكير المطلعين عليها لحينها ~~والمطلعين على حواشيها وذيولها في العصور الحديثة، ومنهم الفيلسوف الألماني الكبير آرثر ~~شوبنهور (1788-1860) صاحب القول بفلسفة الإرادة والفكرة، وأن الرجوع إلى الفكرة هو غاية ~~السعادة التي يرجوها الإنسان؛ لأن الفرد رهن الزوال، ولا بقاء لغير العقل الذي يترفع عن ~~عالم الواقع أو عالم الإرادة. # ويقول النقاد من الإسرائيليين وغيرهم إن سبنوزا الفيلسوف الإسرائيلي الكبير ~~(1632-1677) أخذ من موسى بن ميمون معاصر ابن رشد، وإن موسى بن ميمون أخذ من الفلسفة ~~الرشدية، ولا سيما الإلهيات وما بعد الطبيعة، ويقررون أن أثر الفلسفة الرشدية في مذاهب ~~الفلسفة اليهودية ظاهر كأثرها في مذاهب الفلسفة المسيحية، وإن اختلفوا في المدى ~~والمقدار. # 20 # ولا نظن أن مذهب ليبنتز # Leibniz ~~(1646-1716) في ~~الممكنات المجتمعة بعيد من مذهب ابن رشد في الممكنات المخلوقة لحكمة إلهية، فخلاصة ms43 مذهب ~~ليبنتز أن تغيير ممكن واحد ليس بالمستحيل، ولكن تغيير الممكنات التي يتمم بعضها بعضا ~~ويتعلق بعضها بغرض البعض الآخر هو المستحيل؛ ولهذا كان يقول عن هذه الدنيا إنها أحسن ~~دنيا ممكنة، وهذا بعينه هو كلام ابن رشد حين رد على القائلين بجواز تغيير الممكنات، وإن ~~هذا العالم كله جائز أو غير واجب الوجود فهو قابل للتغيير، فإن جواب ابن رشد على هذا ~~القول كما قدمناه أن المخلوقات التي خلقها الله على صورة من الصور لحكمة يريدها لا ~~يمكن أن تتغير، وإلا كان خلقها على تلك الصورة عبثا، والعبث مستحيل في حق الله. # وللفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم # Hume ~~(1711-1776) ~~كلام عن المعجزات وكلام عن الأسباب قريب جدا من كلام ابن رشد # 21 # في براهين المعجزات، ومن كلام الغزالي الذي يرد عليه، ومذهب الغزالي في ~~الأسباب معروف، وهو أن السبب على اصطلاحنا في العصر الحاضر «ظاهرة» تقترن بالشيء وليست ~~هي علة وجوده، وهو مذهب يوافق آراء العلماء المحدثين الذي يقررون أن كلمة العلم هي وصف ~~الظواهر المقترنة، وليس من مهمته أن يصل إلى العلل ولا سيما العلة الأولى. # ولدافيد هيوم غير ما تقدم رأي في الشخصية الإنسانية يقارب من بعض الوجوه رأي أرسطو ~~كما جاء في شروح ابن رشد، وكثرت فيه أقوال المؤيدين والمعارضين في القرن الرابع عشر وما ~~بعده إلى أيام هيوم، ومؤدى رأي هيوم هذا في الشخصية الإنسانية أنه يراقب نفسه كثيرا ~~ويتعمق في المراقبة، فلا يحس وراء الانفعالات الحسية والخواطر المنتزعة منها شيئا يدل ~~على كيان مستقل يسمى النفس أو الذات، ويشبه هذا الرأي أن يكون كرأي أرسطو في الشخصية ~~الإنسانية خلوا من العقل الإلهي؛ فإنها عنده جسم له وظائف جسدية أو نفس نامية ونفس ~~شهوانية، ولا حقيقة وراء ذلك إذا استثنينا العقل الذي هو عام غير منقسم ولا منفصل في ~~ذات شخص من الأشخاص. # وأقرب من هيوم إلى عصرنا وليام جيمس إمام مذهب البرجمية (1842-1910) الذي يقول في ~~مبادئ علم النفس: # أعترف بأنني في اللحظة التي أتحول ms44 فيها إلى مباحث ما وراء الطبيعة، وأحاول أن ~~أزيد من التعريف، أرى أن القول بضرب من العقل العام # Anima ~~Mundi # يفكر فينا جميعا هو رأي مأمول على الرغم من صعوباته ~~خير من القول بجملة من النفوس الفردية المنقسمة تمام الانقسام. # لا بل عندنا في العصر الحاضر من علماء النفس المشغولين بدراسات النفس الإنسانية ~~وعللها وطباباتها، رجل مثل مايرسون # Myerson # صاحب ~~كتاب «متحدث عن الإنسان» # Speaking of man # يدير كتابه ~~هذا الذي صدر سنة 1952 على دراسات في الشخصية الفردية وفي العقل والنفس والجسم، ~~يخيل إليك - لولا مصطلحاتها العصرية - أنها منسوخة من بعض شروح ابن رشد أو المعقبين ~~عليه. # ومن الفلسفات العصرية كفلسفة الوجودية # Existentialism # ما يكثر فيه الكلام عن الوجود # Essence # والماهية، وعما يسميه بعضهم وجودا ~~«صادقا» # Being # تمييزا من مطلق الوجود # Existence # فيسبق إلى خاطر المأخوذ بهذه المصطلحات لأول ~~وهلة أنها بدعة من بدع أوروبا الحديثة، ما هي في الواقع إلا تكرير لمصطلحات قديمة ~~وضعت في غير موضعها، وهذا مثال لما جاء منها في كتاب التهافت لابن رشد حيث يقول: ~~... إن لفظ الوجود يقال على معنيين: أحدهما ما يدل عليه الصادق، مثل قولنا هل ~~الشيء موجود أم ليس بموجود؟ ... والثاني ما يتنزل من الموجودات منزلة الجنس ~~... ~~... وأما هذا الرجل - أي الغزالي - فإنما بنى القول على مذهب ابن سينا، وهو ~~مذهب خطأ؛ وذلك أنه يعتقد أن الآنية - أي كون الشيء موجودا - شيء زائد على ~~الماهية خارج النفس، وكأنه عرض فيها. ~~... وإن اسم الموجود يقال على معنيين: أحدهما على الصادق، والآخر على الذي ~~يقابله العدم، وهذا هو الذي ينقسم إلى الأجناس العشرة، وهو كالجنس لها ... ~~والموجود الذي بمعنى الصادق هو معنى في الأذهان، وهو كون الشيء خارج النفس على ~~ما هو عليه في النفس، وهذا العلم يتقدم العلم بماهية الشيء - أعني أنه ليس يطلب ~~معرفة ماهية الشيء حتى يعلم أنه موجود - وأما الماهية التي تتقدم علم الموجود ~~في أذهاننا فليست في الحقيقة ماهية، وإنما هي شرح معنى اسم من الأسماء، فإذا ms45 ~~علم أن ذلك المعنى موجود خارج النفس علم أنها ماهية وحد، وبهذا المعنى قيل في ~~كتاب المقولات: إن كليات الأشياء المعقولة إنما صارت موجودة بأشخاصها، وأشخاصها ~~معقولة بكلياتها. وقيل في كتاب النفس: إن القوة التي بها يدرك أن الشيء مشار ~~إليه وموجود غير القوة التي بها ماهية الشيء المشار إليه، وبهذا المعنى قيل: إن ~~الأشخاص موجودة في الأعيان والكليات في الأذهان، فلا فرق في معنى الصادق في ~~الموجودات الهيولانية والمفارقة ... # وهذه المصطلحات تحتلف في مدلولها كاختلاف معنى «الصادق» من زيادة «المفهوم» في ~~الكليات إلى معنى الصادق كما يريدونه حديثا، ويطلقونه على الموجود الذي يدرك الماهيات ~~والكليات، ولكن القول في الوجود والماهية، وأن معرفة الموجود لا تتوقف على العلم ~~بماهيته قول من أقدم ما كتب في معاني هذه المصطلحات. # ولا نعني أن هذه الآراء جميعا وليدة الاططلاع على شروح ابن رشد بنصوصها أو ترجماتها، ~~ولكننا نعني أن الفيلسوف الجدير باسم الفيلسوف في العصر الحديث لا يخلو أن يكون قد اطلع ~~على مذاهب القرون الوسطى، أو على التعقيبات التي أوحتها إلى الخالفين وابتعثتها في عقول ~~المفكرين، وليس في العصر الحاضر من اشتغل بالفلسفة ولم يطلع على أطوار المذاهب ~~الفلسفية وسوابق الآراء حول أصول المسائل الكبرى فيما وراء الطبيعة، ويكفي أن يكون قد ~~اطلع على خلاصة هذه الأطوار لتنعقد الرابطة بينه وبين السلف الذي لا فكاك منه، ولا ~~سيما السلف الذي وضع الأساس ثم تعاقبت بعده أدوار البناء. # وذلك هو المقصود ببعد الأثر الذي أحدثته شروح ابن رشد في زمانها وبعد زمانها، ولا ~~نخال فيلسوفا أو شارحا كان لكلامه من الشيوع والتأثير ما كان لهذا الشارح ~~العظيم. # إنها لعبرة ليس لها مكان أحق من مكان الكلام على تاريخ فيلسوف حكيم. # لو كان الاعتبار بالحوادث من عادات الإنسان، بل من عادات المشتغلين بالحكمة من الناس، ~~لما صودر بعد ابن رشد كتاب واحد، ولا آمن أحد بجدوى المصادرة في تفنيد الآراء. # فقد رزق ابن رشد أنصارا ومعجبين من أصحاب الأديان الثلاثة لم يرزق مثلهم فيلسوف ms46 ~~قبله ولا بعده، وهو هو الذي كان له مصادرون ومضطهدون من أتباع كل دين وخدام كل سلطان، ~~ولو أن المصادرين عملوا قصدا وعمدا على نشر آرائه وشروحه لفاتهم بعض النجاح وأخطأهم ~~بعض التدبير. ~~(4) قوة الأثر # رزق ابن رشد حظا آخر غير بعد الأثر واتساع مداه، وهو قوة الأثر وعمق البحث فيه ~~وشدة الخلاف عليه. # فربما كان بعد الأثر واتساع مداه مسألة مسافات وأبعاد، ولكن قوة الأثر وعمق البحث ~~فيه وشدة الخلاف عليه شيء آخر يقاس بدوافع الحياة والحركة النفسية ولا يقاس بالسنين ~~والأمكنة. # وهو شيء في آفاق النفوس والعقول، وليس في آفاق الفضاء أو صفحات الأوراق. وقد رزق ~~ابن رشد من هذا الحظ النادر أوفى نصيب، فما ظهرت فلسفته في مكان إلا انتصب فيه ميدان ~~كفاح، وكان الكفاح عنيفا والاستبسال فيه من الجانبين على غايته في مجال الرأي ~~والعقيدة. # فلم يحفظ لنا تاريخ الفكر مساجلة بين حكيمين في قوة المساجلة التي دارت بين ابن رشد ~~والغزالي ومضاء سلاحها ونفاذ حججها وبراهينها، ثم تمت هذه المساجلة برد الإمام ابن ~~تيمية (661-728ه/1263-1328م) الذي ناقش فيه براهين «مناهج الأدلة»، ووضع لعلم المنطق ~~الإسلامي كتاب الرد على المنطقيين أو الرد في الحقيقة على العلوم الحديثة في زمانه، ~~ومنها حساب الكواكب والنجوم. # ودامت هذه المعركة بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة إلى القرن التاسع للهجرة والقرن ~~الخامس عشر للميلاد، فعهد السلطان محمد الفاتح العثماني إلى عالم زمانه خوجه زاده ~~(المتوفى سنة 893 للهجرة) بالموازنة بين كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي وكتاب «تهافت ~~التهافت» لابن رشد، فوضع في ذلك كتابه المشهور، وهو مطبوع بالقاهرة مع الكتابين في مجلد ~~واحد. # أما في أوروبا فلم تنقطع المناقشة في الفلسفة الرشدية من القرن الثالث عشر إلى القرن ~~السادس عشر، ثم كان لها استئناف في القرن التاسع عشر على يد المؤرخ الباحث إرنست رينان ~~(1823-1892) صاحب كتاب حياة المسيح وكتاب ابن رشد والرشدية وغيرهما من كتب البحث ~~والتاريخ. # وشملت المعركة معسكر اللاهوت المسيحي ومعسكر اللاهوت الإسرائيلي في وقت واحد. # فعلى الرغم من تحريم ms47 المجمع الكنسي لهذه المباحث في أوائل القرن السادس عشر (1512) ~~ظلت المعركة محتدمة طوال ذلك القرن، ولم تزل كذلك حتى اختتمت بالمساجلة الكبرى بين ~~المتفلسفين الإيطاليين أشليني # Achillini # وبومبوناتسي Pomponatzzi # ولولا نشأة المباحث ~~العلمية الحديثة وانصراف العقول إليها بعد القرن السابع عشر لما انقطع ذلك ~~السجال. # وتتابعت في العالم الإسرائيلي مساجلات كهذه أو أشد منها عنفا، كان المعارضون فيها ~~لابن رشد يستندون إلى كتاب الغزالي «تهافت الفلاسفة» في الرد عليه. ~~••• # ونحسب أن سر هذه القوة في معارك الفلسفة الرشدية أنها اشتملت على مباحث ترتبط ~~بالعقائد الدينية، وأنها ظهرت عند نهاية عصر التقليد وبداية عصر الاجتهاد، فكان لها ~~شأنها عند الأحبار والعلماء، وبين المقلدين والمجتهدين. # وقد شاءت لهذه الفلسفة «قوتها الحيوية» أن تعاود الظهور بيننا في الشرق العربي، وفي ~~أوائل القرن العشرين، فدارت حولها مساجلة طويلة بين الأستاذ الإمام محمد عبده والأديب ~~الألمعي فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة، وكانت هذه المساجلة في حينها حديث المحافظين ~~والمجددين بين أبناء البلاد العربية والإسلامية من مراكش إلى التخوم الهندية. # ولعل هذه المساجلة تهدينا إلى أسباب اتساع الخلف وانفراج مسافته بين المتناقشين في ~~هذه المسائل وأشباهها؛ فإن اتساع الخلف بينهم إنما يأتي على الأغلب الأعم من اختلاف ~~المراجع التي يعتمدون عليها، وهذا الذي حدث في مناقشة الأستاذ الإمام والأستاذ فرح ~~أنطون، فلم يكن أحدهما يعتمد على مراجع الآخر في مسألة من مسائل الفلسفة الرشدية أو ~~الفلسفة الإسلامية على التعميم. # قال الأستاذ الإمام: «وأما العقل الأول فليس كما تقول الجامعة؛ فإن العقل الأول جوهر ~~مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك ~~الأطلس، ونفس ذلك الفلك تدبر حركاته الجزئية، وعقل آخر هو العقل الثاني، وعن هذا العقل ~~الثاني صدر الفلك الثامن المسمى عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض، وعن هذا ~~العقل صدرت المادة العنصرية، وإليه يرجع ما يحدث في عالمها.» # وهذا كله صحيح بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام في المشرق على الجملة، ولكن ابن رشد كان ~~يعتمد على شرح أرسطو ms48 مباشرة، ويفسره برأيه لا بآراء الفلاسفة المشرقيين، ويقول من كتاب ~~«تهافت التهافت» في مسألة تعدد العقول: «ولسنا نجد لأرسطو ولا لمن شهر من قدماء ~~المشائين هذا القول الذي نسب إليهم إلا لفرفريوس الصوري # 22 # صاحب مدخل علم المنطق، والرجل لم يكن من حذاقهم.» # أما الأستاذ فرح أنطون فكان جل اعتماده على تخريجات رينان، ولم يتوسع في الاطلاع على ~~كتاب التهافت وغيره توسع استقصاء، وقد صرح بذلك حيث قال: «... لا مناص للكاتب العربي ~~اليوم من أخذ تلك الفلسفة عن الإفرنج أنفسهم ... فأخذنا كتابا للمستر مولر، عنوانه: ~~فلسفة ابن رشد ومبادئه الدينية، وكتابا آخر عنوانه: ابن رشد وفلسفته، وهو للفيلسوف ~~رينان المشهور.» # فقد كانت المصادر إذن مختلفة، وكان أكثرها مرويا عن صاحبه مأخوذا من خلاصة كلامه، ~~ولو توحدت المصادر مع حسن النية لما تباعدت بين المتناظرين في هذه المسألة ولا في ~~غيرها شقة الخلاف. # ولتمام الفهم للعوامل التي تبعث القوة في هذه المساجلات، نرجع إلى عهد هذه المساجلة ~~الأخيرة - وهي كسابقاتها تجمع بين مسائل الفلسفة ومسائل الدين - فإنها بدأت في أوائل ~~القرن العشرين (سنة 1902)، أي على مفترق الطريق بين عهد التقليد وعهد الاجتهاد، وفي ~~إبان الحركة التي أيقظت العقول لمواجهة الحياة في العصر الحديث. ~~(5) خاتمة # إلى هنا تنتهي الصورة التي أردنا أن نبرزها للشارح الكبير، ونرجو أن نكون قد أبرزنا ~~بها صورة صحيحة لعقل ابن رشد في شتى مشاركاته، وهي الفلسفة والطب والفقه، وما يتخللها ~~من معارف موزعة كالعلم الطبيعي وما إليه في زمانه. # وهذه الصورة صحيحة فيما نرجو إذا كانت قد صورت عقل ابن رشد في أحسن عمله، وهو عقل قد ~~امتاز بصدق الفهم وجودة الاستيعاب والأمانة في التعلم والتعليم. # لقد كان من تمام فهمه أنه شغله بما يحسنه ويسمو به على نظرائه؛ فلا جرم كان شغله ~~الأكبر بالشرح والتحصيل، ولم يشغل نفسه كثيرا بالابتداع والابتكار. # وقد كان لفيلسوفنا عقل يغلب عليه المنطق والبحث العلمي، ويقل فيه نصيب النظر الصوفي ~~الذي تروعه رهبة المجهول، كأنه يشعر به عن كثب ويشعر به ms49 على الدوام. # وهذه خصلة تظهر لنا في كثير من المناقشات بينه وبين الغزالي؛ فإن ابن رشد لا يقصر عن ~~الغزالي في شيء من الاحتمالات المنطقية والتقديرات العقلية، ولكن الغزالي الصوفي يحس ~~شيئا وراء ذلك ويضعه في ميزانه عند تفكيره، وإن لم يحصره بالدقة التي تحصر بها جميع ~~المعقولات مما لا يحيطه الغيب ولا يظلل عليه الخفاء. # ولولا هذه الخصلة في عقل ابن رشد لما خطر له - كما قال في صدر شروحه على كتاب ما بعد ~~الطبيعة - أن أرسطو «يظن» أنه قد أدرك الحقيقة كلها في هذا الجانب من بحثه، ولكنه كان ~~صاحب عقل منطقي علمي يقف عند حدود ما يعرف، ومن أمانته لما يعرف أنه ترك التصوف لذويه، ~~ولم يجعله عرفانا ميسرا لكل من يدعيه. # عقل الشارح الفاهم الأمين غير مدافع. # ذلك مكانه في تاريخ الفكر الإنساني، وقد بلغ به قصارى أثره، وغاية قدره، وإنه لأثر ~~كبير وقدر عظيم. # | هوامش # الفصل الرابع # | منتخبات من آثار ابن رشد # تشتمل المنتخبات من آثار ابن رشد في الصفحات التالية على مقتبسات من كتاباته في الموضوعات ~~التي كانت له فيها مشاركة كبيرة، وهي الفلسفة والطب والشريعة. # ونتحرى في هذه المقتبسات أن تكون نماذج لطرائقه المختلفة في الكتابة؛ وهي التأليف ~~والتفسير والتلخيص، ونبقي في عباراته على الأخطاء اللغوية وهي قليلة. # ولابن رشد في موضوع الفلسفة والحكمة الإلهية مؤلفات وتفسيرات وتلخيصات، اقتبسنا نموذجا ~~لكل منها في الصفحات التالية. # كما اقتبسنا نموذجا للتلخيص والتفسير في موضوع الطب، وقد كانت ملخصاته في هذا الموضوع ~~«تأليفات ملخصة» أو «ملخصات مؤلفة»؛ لأنها تأليف يعتمد فيه على معلوماته معززة ~~بتجاربه، فهو طريقة وسط بين التأليف والتلخيص. # أما الشريعة؛ فالمقصود بما اقتبسنا دلالته على إحاطة الفيلسوف بمذاهبها المتعددة، فليست ~~حكمته الإلهية حكمة رجل خلو من العلم بفقه الدين وأصول الشريعة، بل هي حكمة عالم ديني ~~عريق في هذه المعرفة، سبقه إلى تحصيلها أبوه وجده، وكان كل منهم علما في الفقه ~~والقضاء. # وألزم ما يلزم الاطلاع عليه بين يدي فلسفة ابن رشد هو ms50 منهاجه في الاستدلال والتأويل، وفي ~~التوفيق بين مسائل الفلسفة ومسائل العقيدة، ويبين منهاجه هذا مما اقتبسناه من كتابه: «فصل ~~المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، وكتابه: «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد ~~الملة»، وهما رسالتان صغيرتان مطبوعتان بالقاهرة. # ويلاحظ أن التأويل عنده من واجب الحكيم أو من حقه، على شريطة العلم والقدرة على استقصاء ~~أحكام الشريعة، وذلك واضح من هذه السطور: ~~(1) ابن رشد الفيلسوف # حدود التأويل # إذا كان هذا هكذا، فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ~~ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به، فإن كان مما ~~سكت عنه فلا تعارض هناك، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه ~~بالقياس الشرعي. # وإن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى ~~إليه البرهان فيه أو مخالفا، فإن كان موافقا فلا قول هناك، وإن كان مخالفا ~~طلب هناك تأويله. # ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة ~~المجازية، من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء ~~بشبيهه أو سببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عودت في ~~تعريف أصناف الكلام المجازي. # وإذا كان الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية؛ فكم بالحري أن يفعل ~~ذلك صاحب العلم بالبرهان؟ # فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف بالبرهان عنده قياس يقيني، ونحن نقطع ~~قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع فذلك الظاهر يقبل التأويل ~~على قانون التأويل العربي، وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن، ~~وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجربه، وقصد هذا المقصد ~~من الجمع بين المعقول والمنقول، بل نقول إنه ما من منطوق به في الشرع مخالف ~~بظاهره لما أدى إليه البرهان، إلا إذا اعتبر الشرع وتصفحت سائر أجزائه وجد في ~~ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل أو ms51 يقارب أن يشهد. # ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ~~ظاهرها، ولا أن تخرج كلها من ظاهرها بالتأويل، واختلفوا في المؤول منها وغير ~~المؤول. # فالأشعريون مثلا يتأولون آية الاستواء وحديث النزول، والحنابلة تحمل ذلك على ~~ظاهره، والسبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتباين ~~قرائحهم في التصديق، والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين ~~في العلم على التأويل الجامع بينها، فإلى هذا المعنى وردت الإشارة بقوله تعالى: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات # إلى قوله: # والراسخون في العلم ~~. # 1 # إلى أن يقول: # هذا النحو من الظاهر إن كان في الأصول فالمتأول له كافر، مثل من يعتقد ~~أنه لا سعادة أخروية هاهنا ولا شقاء، وأنه إنما يقصد بهذا القول أن يسلم ~~الناس بعضهم من بعض في أبدانهم وحواسهم، وأنها حيلة، وأنه لا غاية للإنسان ~~إلا وجوده المحسوس فقط، وإذا تقرر هذا فقد ظهر لك في قولنا إن هاهنا ~~ظاهرا في الشرع لا يجوز تأويله، فإن كان تأويله في المبادئ فهو كفر، ~~وإن كان فيما بعد المبادئ فهو بدعة. وهاهنا أيضا ظاهر يجب على أهل ~~البرهان تأويله، وحملهم إياه على ظاهره كفر، وتأويل غير أهل البرهان له ~~وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة، ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث ~~النزول؛ ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - في السوداء إذ أخبرته أن الله ~~في السماء: أعتقها فإنها مؤمنة. إذ كانت ليست من أهل البرهان. # ثم قال: # الناس على ثلاثة أصناف: صنف ليس هو من أهل التأويل أصلا، وهم الخطابيون ~~الذين هم الجمهور الغالب، وذلك أنه ليس يوجد أحد سليم العقل يعرى من هذا ~~النوع من التصديق. # وصنف هو من أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون بالطبع فقط أو بالطبع ~~والعادة. # وصنف هو من أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة - ~~أعني صناعة الحكمة - وهذا التأويل لا ينبغي أن يصرح به لأهل الجدل فضلا عن ~~الجمهور، ومتى ms52 صرح بشيء من هذه التأويلات لمن هو من غير أهلها - وبخاصة ~~التأويلات البرهانية لبعدها عن المعارف المشتركة - أفضى ذلك بالمصرح ~~والمصرح له إلى الكفر، والسبب في ذلك أن مقصوده إبطال الظاهر عند من ~~هو من أهل الظاهر وإثبات المؤول، فإذا أبطل الظاهر عند من هو من أهل ~~الظاهر ولم يثبت المؤول عنده أداه ذلك إلى الكفر إن كان في أصول ~~الشريعة. # فالتأويلان ليس ينبغي أن يصرح بها للجمهور، ولا يثبت في الكتب ~~الخطابية والجدلية. # التصوف # ورأيه في المعرفة التي يمكن أن تدرك بالتصوف بين في كتاب «الكشف عن مناهج ~~الأدلة» حيث يقول: # أما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية - أعني مركبة من مقدمات ~~وأقيسة - وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في ~~النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب، ~~ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة، مثل قوله تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله # ومثل ~~قوله تعالى: # والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا # ومثل قوله تعالى: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # إلى أشباه لذلك كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى. ونحن نقول: إن هذه ~~الطريقة - وإن سلمنا وجودها - فإنها ليست عامة للناس بما هم ناس، ولو كانت ~~هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر، ولكان وجودها بالناس ~~عبثا. # والقرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار، وتنبيه على طرق ~~النظر. # نعم لسنا ننكر أن تكون إماتة الشهوات شرطا في صحة النظر، مثل ما تكون ~~الصحة شرطا في ذلك، لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها، ~~وإن كانت شرطا فيها، كما أن الصحة شرط في التعلم وإن كانت ليست مفيدة ~~له. # ومن هذه الجهة دعا الشرع إلى هذه الطريقة، وحث عليها في جملتها حثا على ~~العمل، لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم. # البرهان العقلي على وجود الله # ثم انتقل من الكلام على طريقة المتصوفة إلى طريقة المعتزلة، فقال: # أما المعتزلة، فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف ms53 منه ~~على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق ~~الأشعرية. ~~... وإذا استقرئ الكتاب العزيز وجدت - أي أدلة وجود الباري - تنحصر في ~~جنسين: أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من ~~أجلها، ولنسم هذه دليل العناية. # والطريقة الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء، مثل اختراع الحياة في ~~الجماد، والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذه دليل الاختراع. # فأما الطريقة الأولى فتبنى على أصلين: أحدهما أن جميع الموجودات التي ~~هاهنا موافقة لوجود الإنسان، والأصل الثاني أن هذه الموافقة هي ضرورة من ~~قبل فاعل قاصد لذلك مريد؛ إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة ~~بالاتفاق. ~~... فقد بان من هذه الأدلة على وجود الصانع أنها منحصرة في هذين الجنسين: ~~دلالة العناية ودلالة الاختراع، وتبين أن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما ~~طريقة الخواص ... وطريقة الجمهور. وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل، ~~أعني أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك ~~بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء فيزيدون على ما يدرك ~~من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى ~~لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدركه العلماء من معرفة أعضاء الإنسان ~~والحيوان هو قريب من كذا وكذا آلاف منفعة. # وإذا كان هذا هكذا، فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية، وهي التي ~~جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب. # والعلماء ليس يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط، ~~بل ومن قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه؛ فإن مثال الجمهور في ~~النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم ~~بصنعتها ... # المعجزة # أشرنا في الكلام على أثر الفلسفة الرشدية إلى المشابهة بين رأي دافيد هيوم في ~~المعجزة ورأي ابن رشد، وخلاصة رأي دافيد هيوم أن طريقة المعجزة غير طريقة البرهان، ~~وأن الحاسب إذا عرف - مثلا - أن مجموع اثنين واثنين أربعة لا تختلف حسبته؛ لأنه ~~يشهد بعد ذلك خارقة من الخوارق، وأن الجاهل قد يرى الحيلة فتلتبس عليه ~~بالمعجزة. ms54 # وإذا قوبل بين هذا الرأي وبين رأي ابن رشد فيما يلي، بدا أن المشابهة بينهما ~~أكبر من مشابهة المصادفة والاتفاق. وقد نقلت فلسفة ابن رشد والمناقشات فيها إلى ~~اللغة اللاتينية، فليس من البعيد أن يكون دافيد هيوم قد اطلع على شيء منها في ~~الترجمات اللاتينية، ويتعزز هذا الظن إذا أضفنا إلى الكلام في المعجزة كلامه في ~~الأسباب، وقد كان الكلام في الأسباب موضع مناقشة بين ابن رشد والغزالي، ترجمت ~~كلها إلى اللاتينية. # أما رأي ابن رشد في المعجزة فخلاصته: ~~(1) # أن وسيلة العارف إلى الإيمان بصدق النبي هي معرفة الحق في دعوته، ~~وليست هي رؤية الخوارق. ~~(2) # أن المعجزة ممكنة؛ لأن قدرة الله على عمل يعجز عنه الإنسان أمر لا ~~ينكره مؤمن بالله. ~~(3) # أن المعجزة مقنعة على اعتبار أن المشاهد لها يرى أنها عمل لا يقدر ~~عليه غير الإله، فلا بد له إذن من الإيمان بالله قبل الإيمان ~~بالإعجاز. ~~(4) # أن الإسلام لم تكن من حجته المعجزات، بل كانت معجزته آيات القرآن ~~الكريم، وفيه يقول تعالى: # وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون ~~. # وهذا هو نص كلامه من كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة»: ~~... ذلك أنه ليس يصح تصديقنا للذي ادعى الرسالة عن الملك إلا متى علمنا ~~أن تلك العلامة التي ظهرت عليه هي علامة الرسل للملك، وذلك ما يقول الملك ~~لأهل طاعته: إن من رأيتم عليه علامة كذا من علاماتي المختصة بي فهو رسول ~~من عندي. أو بأن يعرف من عادة الملك ألا تظهر تلك العلامات إلا على رسله. ~~وإذا كان هذا هكذا فلقائل أن يقول: من أين يظهر أن ظهور المعجزات على أيدي ~~بعض الناس هي العلامات الخاصة بالرسل؟ فإنه لا يخلو أن يدرك ذلك بالشرع أو ~~بالعقل، ومحال أن يدرك هذا بالشرع؛ لأن الشرع لم يثبت بعد، والعقل أيضا ~~ليس ممكنه أن يحكم أن هذه العلامة هي خاصة بالرسل، إلا أن يكون قد أدرك ~~وجودها مرات كثيرة للقوم الذين يعترف برسالتهم، ولم تظهر على أيدي ~~سواهم. # وذلك أن ms55 ثبوت الرسالة ينبني على مقدمتين: إحداهما أن هذا المدعي الرسالة ~~ظهرت على يديه المعجزة، والثانية أن كل ما ظهرت على يديه معجزة فهو نبي، ~~فيتولد من ذلك بالضرورة أن هذا نبي. # فأما المقدمة القائلة: إن هذا المدعي الرسالة ظهرت عليه معجزة، فلنا أن ~~نقول: إن هذه المقدمة تؤخذ من الحس، بعد أن نسلم أن هاهنا أفعالا تظهر ~~على أيدي المخلوقين نقطع قطعا أنها ليست تستفاد لا بصناعة غريبة من ~~الصانع، ولا بخاصة من الخواص، وأن ما يظهر من ذلك ليس تخيلا. # وأما المقدمة القائلة إن كل من ظهرت على يديه المعجزة فهو رسول؛ فإنما ~~تصح بعد الاعتراف بوجود الرسل، وبعد الاعتراف بأنها لم تظهر قط إلا على ~~من صحت رسالته. # وإنما قلنا إن هذه المقدمة لا تصح إلا ممن يعترف بوجود الرسالة ووجود ~~المعجزة ؛ لأن هذا طبيعة القول الخبري، أعني أن الذي تبرهن عنده مثلا أن ~~العالم محدث فلا بد أن يكون عنده معلومات بنفسه أن العالم موجود، وأن ~~المحدث موجود. # إلى أن يقول: ~~... فمن هذه الأشياء يرى أن المتكلمين ذهب عليهم هذا المعنى من وجه دلالة ~~المعجز ... وليس في قوة العقل العجيب الخارق للعوائد الذي يرى الجميع أنه ~~إلهي أن يدل على وجود الرسالة دلالة قاطعة، إلا من جهة ما يعتقد أن من ~~ظهرت عليه أمثال هذه الأشياء فهو فاضل، والفاضل لا يكذب، بل إنما يدل على ~~أن هذا رسول إذا سلم أن الرسالة أمر موجود، وأنه ليس يظهر هذا الخارق على ~~يدي أحد من الفاضلين إلا على يد رسول. وإنما كان المعجز ليس يدل على ~~الرسالة؛ لأنه ليس يدرك العقل ارتباطا بينهما إلا أن يعترف أن المعجز فعل ~~من أفعال الرسالة؛ كالإبراء الذي هو فعل من أفعال الطب، فإنه من ظهر منه ~~فعل الإبراء دل على وجود الطب وأن ذلك طبيب. # وأنت تتبين من حال الشارع # صلى الله عليه وسلم # أنه لم يدع أحدا من الناس ولا ~~أمة من الأمم إلى الإيمان برسالته وبما جاء به بأن قدم ms56 على يدي دعواه ~~خارقا من خوارق الأفعال، مثل قلب عين من الأعيان إلى عين أخرى، وما ظهر ~~على يديه # صلى الله عليه وسلم # من الكرامات الخوارق فإنما ظهرت في أثناء أحواله من غير ~~أن يتحدى بها، وقد يدلك على هذا قوله تعالى: # وقالوا ~~لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # إلى قوله: # قل سبحان ~~ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # وقوله تعالى: # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون ~~، وأما الذي دعا به الناس ~~وتحداهم به هو الكتاب العزيز، فقال تعالى: # قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا ~~، وقال: # فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات ~~، وإذا كان الأمر هكذا فخارقه # صلى الله عليه وسلم # الذي تحدى به الناس وجعله دليلا على صدقه فيما ادعى من رسالته هو ~~الكتاب العزيز. # ثم يقول: ~~... قال - عليه السلام - منبها على هذا المعنى الذي خصه الله به: ما من ~~نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما على مثله آمن جميع البشر، ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا يوم ~~القيامة. وإذ كان هذا كله كما وصفنا؛ فقد تبين لك أن دلالة القرآن على ~~نبوته # صلى الله عليه وسلم # ليست هي مثل دلالة انقلاب العصا حية على نبوة موسى - عليه ~~السلام - ولا إحياء الموتى على نبوة عيسى ... فإن تلك وإن كانت أفعالا لا ~~تظهر إلا على أيدي الأنبياء، وهي مقنعة عند الجمهور، فليست تدل دلالة قطعية ~~إذا انفردت؛ إذ كانت ليست فعلا من أفعال الصفة التي بها سمي النبي ~~نبيا، وأما القرآن فدلالته على هذه الصفة هي مثل دلالة الإبراء على الطب، ~~ومثال ذلك لو أن شخصين ادعيا الطب، فقال أحدهما: الدليل أني أسير على ~~الماء. وقال الآخر: الدليل أني أبرئ المرضى. فمشى ذلك على الماء وأبرأ ~~هذا المرضى، لكان تصديقنا بوجود الطب للذي أبرأ المرضى ببرهان، وتصديقنا ~~بوجود الطب للذي مشى على الماء ms57 مقنعا من طريق الأولى والأحرى، ووجه الظن ~~للذي يعرض للجمهور ذلك أن من قدر على المشي على الماء الذي ليس من وضع ~~البشر فهو أولى أن يقدر على الإبراء الذي هو من صنع البشر. # وقد ختم الفيلسوف كلامه عن المعجزة بالتفرقة بين إقناع الخارقة وإقناع البرهان، ~~وكرر هذا المعنى في رده على الإمام الغزالي؛ حيث يقول: # وليعرف أن طريق الخواص في تصديق الأنبياء طريق آخر قد نبه عليه أبو ~~حامد في غير ما موضع، وهو الصادر عن الصفة التي بها سمي النبي نبيا، ~~الذي هو الإعلام بالغيوب ووضع الشرائع الموافقة للحق والمفيدة من الأعمال ~~ما فيه سعادة جميع الخلق ... # ما بعد الطبيعة # كتاب ما بعد الطبيعة أهم كتب أرسطو التي اختارها ابن رشد للشرح والتفسير، تدل ~~إشاراته إلى الكتب السابقة على أن المعلم الأول قد درس موضوعه بعد نضجه وتكرار ~~النظر فيه، فضلا عن اسم الكتاب الذي يفيد أنه مكتوب بعد الفراغ من كتاب ~~الطبيعيات. # والترجمة التي شرحها ابن رشد وفسرها دقيقة في جوهرها تكاد أن تكون حرفية عند ~~المقارنة بينها وبين التراجم المنقولة عن اليونانية، وأكثر ما يلاحظ عليها أنها ~~لا تلتفت إلى الطرائف اللفظية التي هي أشبه بالحلية منها بصميم المعنى، ومثال ذلك ~~في الفقرة التي ننقلها بعد أن أرسطو يقصد بالباب أن كل إنسان يستطيع أن يصل إليه، ~~ولكن ليس كل إنسان قادرا على أن يصيب منه هدفا بعينه، وهذا هو نص العبارة باللغة ~~الإنجليزية: # 2 # Since the truth seems to be like the proverbial door ~~which no one can fail to hit, in this respect it must be easy, but ~~the fact that we have a whole truthandnot the particular part we aim ~~at shows the difficulty of it. # وتؤخذ على الترجمة أيضا عسلطة لا ضرورة لها، ومن أمثلتها في العبارة ~~المتقدمة قول المترجم: «... إن كان أدرك شيئا منه فإنما أدرك يسيرا، فإذا جمع ما ~~أدرك منه من جميع من أدرك ما أدرك منه كان للمجتمع ms58 من ذلك مقدار ذو قدر، فيجب أن ~~يكون سهلا من هذه الجهة ...» # ومحصل ذلك أننا لو أخذنا من كل من أدرك يسيرا من الحق ما أدركه، اجتمع من ذلك ~~قدر ليس باليسير. # ونحن مختارون فيما يلي أول عبارة من الكتاب فسرها ابن رشد للدلالة على طريقته ~~في التفسير، وهي طريقة تجمع بين تفسير اللفظ وتفسير المعنى، وتفسير الفكرة الفلسفية ~~التي ينطوي عليها ذلك المعنى، ولكنه لم يسلم من بعض العيوب التي ألمعنا ~~إليها. # افتتحت ترجمة إسحاق # 3 # بالعبارة التالية: # إن النظر في الحق صعب من جهة، سهل من جهة، والدليل على ذلك أنه لم يقدر ~~أحد من الناس على البلوغ فيه بقدر ما يستحق، ولا ذهب على الناس كلهم، لكن ~~واحد واحد من الناس تكلم في الطبيعة، وواحد واحد منهم إما أن يكون لم يدرك ~~من الحق شيئا، وإما أن كان أدرك شيئا منه فقد أدرك يسيرا، فإذا جمع ما ~~أدرك منه من جميع من أدرك ما أدرك منه، كان للمجتمع من ذلك مقدار قدر، ~~فيجب أن يكون سهلا من هذه الجهة، وهي الجهة التي من عادتنا أن نتمثل فيها ~~بأن نقول: إنه ليس أحد يذهب عليه موضع الباب من الدار، ويدل على صعوبته أنه ~~لم يمكن أن يدرك بأسره ولا جزء عظيم منه، وإذا كانت الصعوبة من جهتين فخليق ~~أن يكون إنما استصعب لا من جهة الأمور بأعيانها، لكن سبب استصعابها إنما هو ~~منا؛ وذلك أن حال العقل في النفس منا عندما هو في الطبيعة في غاية البيان - ~~يشبه حال عيون الخفاش عند ضياء الشمس. # وقد فسر ابن رشد هذه العبارة، فقال: # لما كان هذا العلم هو الذي يفحص عن الحق بإطلاق، أخذ يعرف حال السبيل ~~الموصلة إليه في الصعوبة والسهولة؛ إذ كان من المعروف بنفسه عند الجميع أن ~~هاهنا سبيلا تفضي بنا إلى الحق، وأن إدراك الحق ليس بممتنع علينا في أكثر ~~الأشياء، والدليل على ذلك أننا نعتقد اعتقاد يقين أنا قد وقفنا على الحق في ~~كثير من ms59 الأشياء، وهذا يقع به اليقين لمن زاول علوم اليقين. # ومن الدليل أيضا على ذلك ما نحن عليه من التشوق إلى معرفة الحق، فإنه لو ~~كان إدراك الحق ممتنعا لكان الشوق باطلا، ومن المعترف به أنه ليس هاهنا ~~شيء يكون في أصل الجبلة والخلقة وهو باطل. # فلما كان من المعترف به - وبخاصة عند من وصل إلى هذا العلم - أن لنا ~~سبيلا إلى معرفة الحق، أخذ يعرف حال هذه السبيل في الوعورة والسهولة، ~~فقال: إن النظر في الحق صعب من جهة، سهل من جهة. # ثم أخذ يحتج لوجود هاتين الصفتين في هذه السبيل، فقال: «والدليل على ذلك أنه لم ~~يقدر أحد من الناس على البلوغ منه بقدر ما يستحق ولا ذهب على الناس كلهم، والدليل: ~~أما على صعوبته؛ فإنه لم يلف واحد من الناس وصل منه - دون مشاركة غيره له في الفحص ~~- إلى القدر الواجب في ذلك، وأما على سهولته فالدليل عليها أنه لم يذهب على الناس ~~كلهم؛ لأنه - ولو وجدنا كل من بلغنا زمانه لم يقف جميعهم على الحق ولا على شيء له ~~قدر من ذلك - لكنا نرى أنه عسر ولم نقض بالامتناع لمكان طول الزمان المحتاج إلى ~~الوقوف فيه على الحق، فكان قصر الزمان الذي وقف فيه على الحق، إما كله وإما ذو قدر ~~منه، يؤذن بسهولته.» # ولما ذكر هذا من أحوال الناس أخذ يذكر عن حال الناس في ذلك الزمن الذي وصل إليه ~~خبره، فقال: «لكن واحد واحد تكلم في الطبيعة، وواحد واحد منهم إما أن يكون لم يدرك ~~من الحق شيئا، وإما إن كان أدرك شيئا منه فإنما أدرك اليسير، فإذا أدرك ما جمع ~~منه من جميع من أدرك ما أدرك منه كان للمجتمع من ذلك مقدار ذو قدر.» # يريد: وإنما قلنا هذا الذي قلنا في نحو إدراك الحق؛ لأننا لما تصفحنا حال من كان ~~قبلنا في العلوم ممن وصلنا خبرهم وجدناهم أحد رجلين: إما رجل لم يدرك من الحق ~~شيئا، وإما رجل أدرك منه شيئا يسيرا، ولما ms60 أخبر بهذا قال: «فقد يجب أن يكون ~~سهلا من هذه الجهة، وهي الجهة التي من عادتنا أن نتمثل فيها بأن نقول: إنه ليس أحد ~~يذهب عليه موضع الباب من الدار.» # يريد: وإذا تقرر أنه سهل من جهة وصعب من جهة، فقد يجب أن يكون سهلا من هذه ~~الجهة، وهي أنه في كل جنس من أجناس الموجودات أشياء تتنزل منها منزلة باب الدار من ~~الدار، فإنها لا تخفى على أحد كما لا يخفى موضع باب الدار على أحد، وهذه هي المعارف ~~الأول التي لنا بالطبع في كل جنس من أجناس الموجودات. # ولما ذكر جهة السهولة أعاد ذكر جهة الصعوبة، فقال: «ويدل على صعوبته أنه لم ~~يمكن أن يدرك بأسره ولا جزء عظيم منه.» يريد: من أول الزمان الذي وصله خبره إلى ~~زمانه، وكأنه إشارة منه إلى أنه أدرك الحق أو أعظمه، وأن الذي أدرك منه من كان ~~قبله بالإضافة إلى ما أدرك هو منه هو جزء قليل، إما كل الحق وإما أكثر الحق، ~~والأولى أن يظن أنه أدرك الحق كله، أعني بكل الحق القدر الذي في طبع الإنسان أن ~~يدركه بما هو إنسان. # ثم قال: «وإذا كانت الصعوبة من جهتين فخليق أن يكون إنما استصعب لا من جهة الأمور ~~بأعيانها، لكن سبب استصعابها إنما هو منا، وذلك أن حال العقل في النفس منا عند ما ~~هو في الطبيعة في غاية البيان يشبه حال عيون الخفاش عند ضياء الشمس.» # يريد: وإذا كانت صعوبة إدراك الموجودات توجد في وجهين، فخليق أن تكون الصعوبة في ~~الأشياء التي في الغاية من الحق - وهو المبدأ الأول والمبادئ المفارقة # 4 # البريئة من الهيولى - من قبلنا نحن لا من قبلها في أنفسها؛ وإنما كان ~~ذلك كذلك لأنه لما كانت مفارقة كانت معقولة في أنفسها بالطبع، ولم تكن معقولة ~~بتصييرنا إياها معقولة؛ لأنها في أنفسها معقولة كحال الصور الهيولانية على ما ~~تبين في كتاب النفس، وذلك أن الصعوبة في هذه هي من قبلها أكثر مما هي من ~~قبلنا. # ولما ms61 كانت حال العقل من المعقول حال الحس من المحسوس، شبه قوة العقل منا ~~بالإضافة إلى إدراك المعقولات البريئة من الهيولى بأعظم المحسوسات التي هي الشمس، ~~إلى أضعف الأبصار وهو بصر الخفاش، لكن ليس يدل هذا على امتناع تصور الأمور ~~المفارقة كامتناع النظر إلى الشمس على الخفاش، فإنه لو كان ذلك كذلك لكانت الطبيعة ~~قد فعلت باطلا بأن صيرت ما هو في نفسه معقول بالطبع للغير، ليس معقولا لشيء من ~~الأشياء، كما لو صيرت الشمس ليست مدركة لبصر من الأبصار. # الحياة الكاملة حركة # والعبارة التي تقدمت مثال صالح لأسلوبه في الشرح، ويلحق بالشرح أسلوبه في ~~المناقشة لبيان فكرة، أو الدفاع عنها، ونختار له مثالين من مناقشاته للغزالي في ~~حركة السماء، وفي حقيقة الأسباب. # والمناقشة في حركة السماء قائمة على قول الأقدمين إن الأجرام السماوية تتحرك ولا ~~تسكن؛ لأنها «حيوانات» روحانية، وإنما يعرض السكون للحي المادي من جهة فساد الجسد؛ ~~ولهذا تطلب الأجرام السماوية الحركة حيث تكون، ويتم لها كمال الحياة بتمام ~~الحركة. # فقال الغزالي ساخرا بهذا القول: «إن طلب الاستكمال بالكون في كل أين يمكن أن ~~يكون له، حماقة لا طاعة! # وما هذا إلا كإنسان لم يكن له شغل، وقد كفي المئونة في شهواته وحاجاته، فقام وهو ~~يدور في بلد أو في بيت، ويزعم أنه يتقرب إلى الله تعالى، وأنه يستكمل بأن يحصل ~~لنفسه الكون في كل مكان أمكن، وزعم أن الكون في الأماكن ممكن له، وليس يقدر على ~~الجميع بينها بالعدد فاستوفاه بالنوع، فإن فيه استكمالا وتقربا، فيسفه عقله ~~ويحمل على الحماقة، ويقال: الانتقال من حيز إلى حيز، ومن مكان إلى مكان ليس كمالا ~~يعتد به أو يتشوف إليه، ولا فرق بين ما ذكروه وبين هذا.» قال ابن رشد يرد على ~~كلام الغزالي: # قد يظن أن هذا الكلام لشخصه يصدر عن أحد رجلين: إما رجل جاهل، وإما رجل ~~شرير، وأبو حامد مبرأ من هاتين الصفتين. # ولكن قد يصدر من غير الجاهل قول جاهلي، ومن غير الشرير قول شريري، على ~~جهة ms62 الندور، ولكي يدل هذا على قصور البشر فيما يعرض لهم من الفلتات، فإنه ~~إن سلمنا لابن سينا أن الفلك يقصد بحركته تبديل الأوضاع، وكان تبديل أوضاعه ~~من الموجودات التي هاهنا هو الذي يحفظ وجودها بعد أن يوجدها، وكان هذا ~~الفعل منه دائما؛ فأي عبادة أعظم من هذه العبادة؟ لو أن إنسانا تكلف أن ~~يحرس مدينة من المدن من عدوها بالدوران حولها ليلا ونهارا، أما كنا نرى ~~أن هذا الفعل من أعظم الأفعال قربة إلى الله تعالى؟ أما لو فرضنا حركة هذا ~~الرجل حول المدينة للغرض الذي حكى هو عن ابن سينا من أنه لا يقصد في حركته ~~إلا الاستكمال بأينات غير متناهية لقيل فيه إنه رجل مجنون، وهذا هو معنى ~~قوله سبحانه: # إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا ~~. # أما قوله: «إنه لما لم يمكنها استيفاء الآحاد بالعدد أو جميعها، استوفتها ~~بالنوع.» فإنه كلام مختل غير مفهوم. # الأسباب # أما مسألة الأسباب؛ فالمعلوم أن الغزالي يرى أن الأسباب ظواهر تقارن المسببات ~~وليست هي علتها، وهو رأي يوافقه عليه العلم الحديث الذي يكتفي بوصف الظواهر ولا ~~يدعي استقصاء عللها، وقد أجمل الغزالي رأيه هذا في كتابه «تهافت الفلاسفة»؛ حيث ~~قال: # الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا، ليس ضروريا ~~عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هكذا، ولا إثبات أحدهما متضمنا ~~لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما ~~وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل: الري والشرب، ~~والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وحز ~~الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا ... ~~إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وإن ~~اقترانها بما سبق من تقدير الله - سبحانه - لخلقها على التساوق؛ لا لكونه ~~ضروريا في نفسه غير قابل للفوت، بل لتقدير. # وفي المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون حز الرقبة، وإدامة ~~الحياة مع حز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع ms63 المقترنات. # وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته. # والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالا واحدا وهو ~~الاحتراق والقطن مثلا مع ملاقاة النار، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما ~~دون الاحتراق، ونجوز حدوث انقلاب القطن رمادا محترقا دون ملاقاة النار، ~~وهم ينكرون جوازه ... والمشاهدة تدل على الحصول عنده، ولا تدل على الحصول به، ~~وأنه لا علة سواه؛ إذ لا خلاف في أن ائتلاف الروح بالقوى المدركة والمحركة ~~في نطف الحيوانات ليس يتولد عن الطبائع المحصورة في الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة، ولا أن الأب فاعل الجنين بإيقاع النطفة في الرحم، ولا ~~هو فاعل حياته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي فيه، ومعلوم أنها موجودة ~~عنده ولم يقل أحد إنها موجودة به ... # وقال ابن رشد يرد عليه: # أما إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات، فقول سفسطائي، ~~والمتكلم بذلك إما جاحد بلسانه لما في جنانه، وإما منقاد لشبهة سفسطائية ~~عرضت له في ذلك، ومن ينفي ذلك فليس يقدر أن يعترف أن كل فعل لا بد له من ~~فاعل. # وأما أن هذه الأسباب مكتفية بنفسها في الأفعال الصادرة عنها، أو إنما تتم ~~أفعالها بسبب من خارج إما مفارق أو غير مفارق، فأمر ليس معروفا بنفسه، ~~وهو مما يحتاج إلى بحث وفحص كثير. # وإن ألفوا هذه في الشبهة الأسباب الفاعلة التي يحس أن بعضها يفعل بعضا ~~لموضع ما هاهنا من المعقولات التي يحس فاعلها؛ فإن ذلك ليس بالحق، فإن التي ~~لا تحس أسبابها إنما صارت مجهولة ومطلوبة من أنها لا يحس لها أسباب. فإن ~~كانت الأشياء التي لا تحس لها أسباب مجهولة بالطبع ومطلوبة، فما ليس بمجهول ~~فأسبابه محسوسة ضرورة، وهذا من فعل من لا يفرق بين المعروف بنفسه ~~والمجهول، فما أتى به في هذا الباب مغالطة سفسطائية. # وأيضا فماذا يقولون في الأسباب الذاتية التي لا يفهم الموجود إلا ~~بفهمها؟ فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات هي التي اقتضت ~~الأفعال الخاصة بموجود موجود، وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء ~~وأسماؤها وحدودها، ms64 فلو لم يكن لموجود موجود فعل يخصه لم يكن له طبيعة تخصه، ~~ولو لم يكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد، وكانت الأشياء كلها ~~شيئا واحدا؛ لأن ذلك الواحد يسأل عنه: هل له فعل واحد يخصه أو انفعال ~~يخصه، أو ليس له ذلك؟ فإن كان له فعل يخصه فهنا أفعال خاصة صادرة عن طبائع ~~خاصة، وإن لم يكن له فعل يخصه واحد فالواحد ليس بواحد، وإذا ارتفعت طبيعة ~~الواحد ارتفعت طبيعة الموجود، وإذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم. # وأما هل الأفعال الصادرة عن موجود موجود ضرورية الفعل فيما شأنه أن يفعل ~~به، أو هي أكثرية، أو فيها الأمران جميعا؛ فمطلوب يستحق الفحص عنه، فإن ~~الفعل والانفعال الواحد بين كل شيئين من الموجودات إنما يقع بإضافة ما من ~~الإضافات التي لا تتناهى، فقد تكون إضافة تابعة لإضافة؛ ولذلك لا يقطع على ~~أن النار إذا دنت من جسم حساس فعلت ولا بد؛ لأنه لا يبعد أن يكون هنالك ~~موجود يوجد له إلى الجسم الحساس إضافة تعوق تلك الإضافة الفاعلة للنار، مثل ~~ما يقال في حجر الطلق وغيره، ولكن هذا ليس يوجب سلب النار صفة الإحراق ما ~~دام باقيا لها اسم النار وحدها. وأما أن الموجودات المحدثة لها أربعة ~~أسباب: فاعل ومادة وصورة وغاية، # 5 # فذلك شيء معروف بنفسه، وكذلك كونها ضرورية في وجود المسببات ~~وبخاصة التي هي جزء من الشيء المسبب - أعني التي سموها قوم مادة وقوم ~~شرطا ومحلا - والتي يسميها قوم صورة وقوم صفة نفسية. # والمتكلمون يعترفون بأن هاهنا شروطا هي ضرورية في حق المشروط، مثل ما ~~يقولون: إن الحياة شرط في العلم، وكذلك يعترفون بأن للأشياء حقائق وحدودا، ~~وأنها ضرورية في وجود الموجود؛ ولذلك يطردون الحكم في الشاهد والغائب على ~~مثال واحد، وكذلك يفعلون في اللواحق اللازمة لجوهر الشيء، وهو الذي يسمونه ~~الدليل، مثل ما يقولون إن الإتقان في الموجود يدل على كون الفاعل عاقلا، ~~وكون الموجود مقصودا به غاية، ما يدل على أن الفاعل له ms65 عالم به، والعقل ~~ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها، وبه يفترق من سائر القوى ~~المدركة؛ فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. # وصناعة المنطق تضع وضعا أن هاهنا أسبابا ومسببات، وأن المعرفة بتلك ~~المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها. # فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له؛ فإنه يلزم ألا يكون هاهنا ~~برهان واحد أصلا، وترتفع أصناف المحمولات الذاتية التي منها تأتلف ~~البراهين. # ومن يضع أنه ولا علم واحد ضروري، يلزمه ألا يكون قوله هذا ~~ضروريا. # وأما من يسلم أن هاهنا أشياء بهذه الصفة وأشياء ليست ضرورية وتحكم النفس ~~عليها حكما ظنيا وتوهم أنها ضرورية وليست ضرورية، فلا ينكر الفلاسفة ~~ذلك. فإن سموا مثل هذا عادة جاز، وإلا فما أدري ماذا يريدون باسم ~~العادة؟ هل يريدون أنها عادة الفاعل أو عادة الموجودات أو عادتنا عند الحكم ~~على هذه الموجودات؟ ومحال أن يكون لله تعالى عادة؛ فإن العادة ملكة ~~يكتسبها الفاعل توجب تكرر الفعل منه على الأكثر، والله - عز وجل - يقول: # فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن ~~تجد لسنة الله تحويلا ~~، وإن أرادوا أنها عادة ~~للموجودات، فالعادة لا تكون إلا لذي نفس، وإن كانت في غير ذي نفس فهي في ~~الحقيقة طبيعة تقتضي الشيء، إما ضروريا وإما أكثريا. # وأما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات؛ فإن هذه العادة ليست ~~شيئا أكثر من فعل العقل الذي يقتضيه طبعه، وبه صار العقل عقلا. # وليس تنكر الفلاسفة مثل هذه العادة، فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته ~~معنى إلا أنه فعل وضعي، مثل ما نقول: جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا، ~~ويريد أنه يفعله في الأكثر، وإن كان هذا هكذا كانت الموجودات كلها وضعية، ~~ولم يكن هنالك حكمة أصلا من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم. # فكما قلنا لا ينبغي أن يشك في أن هذه الموجودات قد تفعل بعضها بعضا ومن ~~بعض، وأنها ليست مكتفية بنفسها في هذا الفعل بل بفاعل من خارج فعله، شرط في ~~فعلها ms66 بل في وجودها فضلا عن فعلها. # وأما جوهر هذا الفاعل أو الفاعلات ففيه اختلاف الحكماء من وجه ولم ~~يختلفوا من وجه؛ وذلك أنهم كلهم اتفقوا على أن الفاعل الأول هو بريء عن ~~المادة، وأن الفاعل فعله شرط في وجود الموجودات بوساطة معقول له هو غير هذه ~~الموجودات، فبعضهم جعله الفلك فقط، وبعضهم جعل مع الفلك موجودا آخر ~~بريئا من الهيولى، وهو الذي يسمونه واهب الصور. والفحص عن هذه الآراء ليس ~~هذا موضعه، وأشرف ما تفحص عنه الفلسفة هو هذا المعنى ... ~~(2) ابن رشد وكتاب «الخطابة» لأرسطو # ومن الكتب التي عالجها ابن رشد كتاب ترجح نسبته إلى أرسطو - وهو كتاب الخطابة - وقد ~~اتبع فيه ابن رشد طريقة التلخيص، وكان تعويله فيه على الترجمة الحرفية، ومثالها ترجمة ~~أسماء الحكومات أو السياسات كما قال: # والسياسات بالجملة أربع: السياسة الجماعية، وسياسة الخسة، وسياسة التسلط، ~~وسياسة الوحدانية وهي الكرامية. فأما الجماعية، فهي التي تكون الرئاسة فيها ~~بالاتفاق والبخت لا عن استئهال. وأما خسة الرئاسة، فهي التي يتسلط فيها ~~المتسلطون على المدنيين بأداء الإتاوة والتغريم، لا على جهة أن تكون نفقة ~~للحماة والحفظة # 6 # ولا عدة للمدينة على ما عليه الأمر في السياسات الأخرى، بل على جهة ~~أن تحصل الثروة للرئيس الأول، فإن جعل لهم حظا من الثروة كانت رياسة الثروة، ~~وإن لم يجعل لهم حظا من الثروة كانت رياسة التغلب وكانوا بمنزلة العبيد ~~للرئيس الأول. وأما جودة التسلط فهو التسلط الذي يكون على طريق الأدب والاقتداء ~~بما توجبه السنة، وهذا التسلط صنفان: رياسة الملك، وهي المدينة التي تكون ~~آراؤها وأفعالها بحسب ما توجبه العلوم النظرية، والثانية رياسة الأخيار، وهي ~~التي تكون أفعالها فاضلة فقط وهذه تعرف بالإمامية، ويقال إنها كانت موجودة في ~~الفرس الأول فيما حكاه أبو نصر (الفارابي). # وأما وحدانية التسلط، فهي الرياسة التي يحب الملك أن يتوحد فيها بالكرامة ~~الرياسية، وألا ينقصه منها شيء بأن يشاركه فيها غيره، وذلك يفيد مدينة الأخيار ~~... # فجودة التسلط - أي: الحكومة الأرستقراطية - مأخوذة من المعنى الحرفي لكلمة ~~أريستوس # Aristos ms67 # بمعنى الأحسن، وخسة الرياسة ~~مأخوذة من المعنى الحرفي لكلمة أليجوس، بمعنى القلة والضآلة، وقد يكون من أسباب وصفها ~~أنها متصفة مع هذه التسمية برداءة الحكم وسوء الرياسة، ووحدانية التسلط مأخوذة من ~~المعنى الحرفي لكلمة مونو # Mono # بمعنى الواحد، ويقاس ~~على ذلك سائر المصطلحات. # وطريقة التلخيص عند ابن رشد كما تدل عليها هذه الرسالة هي استيعاب المعنى وكتابته بعد ~~ذلك على لسان الملخص، فيجيز فيه أن يعزز المعنى بشاهد من عنده كما فعل في الإشارة إلى ~~قول أبي نصر في الحكومة الفارسية، وإن كان أرسطو قد ذكر حكومة الفرس في كلامه على ~~السياسة الفارسية. # وهذه صفحات من كتاب الخطابة كما لخصه ابن رشد في رسالته الصغيرة، وهي مطبوعة في ~~القاهرة منذ أربعين سنة: # إن صناعة الخطابة تناسب صناعة الجدل؛ وذلك أن كليهما يؤمان غاية واحدة، وهي ~~مخاطبة الغير. # وكل من تكلم في هذه الصناعة ممن تقدمنا، فلم يتكلم في شيء يجري من هذه ~~الصناعة مجرى الجزء الضروري، والأمر الذي هو أحرى أن يكون صناعيا، وتلك هي ~~الأمور التي توقع التصديق الخطبي، وبخاصة المقاييس التي تسمى في هذه الصناعة ~~الضمائر، وهي عمود التصديق الكائن في هذه الصناعة . # فلو كان إنما يوجد من أجزاء الخطابة الشيء الذي هو موجود الآن منها في بعض ~~المدن، لما كان لما تكلم هؤلاء فيه من الخطاب جدوى ولا منفعة، ورأي من ~~رأى أن استعمال جميع الأشياء التي يراد تثبيتها بطريق الخطابة هو ~~الصواب. # وقد يجب أن تكون السنن هي التي تحدد أن الأمر جور أو عدل، وتفوض أن الأمر وجد ~~من هذا الشخص أو لم يوجد إلى الحكام. # وبالجملة فتفوض إليهم الأمور اليسيرة، وذلك لشيئين: أما أولا؛ فإنه قلما ~~يوجد حاكم يقدر أن يميز الأمور على كنهها، فيضع أن هذا الأمر جور وهذا عدل، ~~إلا في الأقل من الزمان. # وأكثر الحكام الموجودين في المدن في أكثر الزمان ليس لهم هذه القدرة. # وأما ثانيا؛ فلأن الوقوف على أن الشيء عدل أو جور يحتاج واضع السنن فيه إلى ~~زمان ms68 طويل، وذلك لا يمكن في الزمن اليسير الذي يقع فيه التناظر في الشيء بين ~~يدي الحكام. # وإذا كان الأمر كذلك فمعلوم أن هؤلاء الذين تكلموا في الأشياء التي من خارج - ~~أعني في صدور الخطب، وفي الاقتصاص، وفي الانفعالات وما يجري هذا المجرى - لم ~~يتكلموا في شيء يجري في الخطابة مجرى الجزء، وإنما تكلموا في أشياء تجري مجرى ~~اللواحق، ومن أجل أنه معلوم أن الأشياء المنسوبة إلى هذه الصناعة إنما يقصد بها ~~التصديق والاعتراف من المخاطب بالشيء الذي فيه الدعوى. # وللخطابة منفعتان: إحداهما أن بها يحث المدنيين على الأعمال الفاضلة، ~~والثانية أنه ليس كل صنف من أصناف الناس ينبغي أن يستعمل معهم البرهان في ~~الأشياء النظرية التي يراد منهم اعتقادها، وليس واجبا أن نرى أنه قبيح ~~بالإنسان أن يعجز عن أن يضر بيديه، ولا نرى أنه قبيح أن يعجز عن أن يضر بلسانه ~~الذي المضرة به مضرة خاصة بالإنسان. # فهذه الصناعة التي ذكرنا منافعها. # والخطابة هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة، وليس ~~كما ظن الذين ذكرنا أنهم تكلموا في الخطابة أن الفضيلة والأناة إنما هي نافعة ~~في باب الانفعال فقط. # ومقدمات القياسات الخطبية قد تكون ضرورية، وذلك في الأقل، وتكون ممكنة، وذلك ~~في الأكثر. # وكما يوجد الاستقراء والقياس في صناعة الجدل والبرهان، كذلك يوجد المثال في ~~الخطابة، وقد يجب أن يفعل هاهنا في هذه الأشياء مثل ما فعل في كتاب الجدل، ~~وكلما كان القول أكثر عموما كان أكثر مؤاتاة وتأتيا لأن يستعمل في أشياء ~~كثيرة، وكلما كان أقل عموما كان أحرى أن يكون جزءا من صناعة مخصوصة. # ولما كانت هذه الصناعة قياسية؛ فمعلوم أنه يجب أن تكون فيها مقدمات من ~~الضرورة الداعية لهذه الأشياء ومقدار الحاجة إليها، يقف الخطيب على مقدار ما ~~يحتاج أن يشير به في واحد من هذه الأشياء. # وأجناس القول الخطبي ثلاثة: مشوري، ومشاجري، وتثبيتي. # وغاية الأول النافع والضار، وغاية الثاني الجور والعدل، وغاية الثالث الفضيلة ~~والرذيلة. # والأمور التي يشير بها الخطيب: منها ms69 ما يشير به على أهل المدينة بأسرهم، ~~ومنها ما يشير به على واحد من أهل تلك المدينة أو جماعة. فأما الأشياء التي ~~تكون فيها المشورة في الأمور العظام من أمور المدن، فهي قريبة من أن تكون خمسة: ~~أحدها الإشارة بالعدة المدخرة من الأموال للمدينة، والثاني الإشارة بالحرب أو ~~السلم، والثالث الإشارة بحفظ البلد مما يرد عليه من خارج، والرابع الإشارة بما ~~يدخل في البلد ويخرج عنه، والخامس الإشارة بالتزام السنن. # والذي يشير بالعدة يحتاج أن يعرف ثلاثة أمور: أحدها غلات المدينة ما هي؟ كيما ~~إن نقص من الفاضل منها للعدة شيء أشار بالزيادة فيها. والثاني أن يعرف نفقات ~~أهل المدينة كلها. والثالث أن يعرف أصناف الناس الذين في المدينة، فإن كان فيها ~~إنسان بطال أو عاطل أشار بتنحيته عن البلد، وإن كان هنالك عظيم من النفقات في ~~غير الجميل أو في غير الضروري أشار بأخذ ذلك الفضل من المال منه؛ فإنه ليس يكون ~~الغناء بالزيادة في المال، بل والنقصان من النفقة. # وأما المشير بالحرب أو السلم؛ فإنه يحتاج أن يعرف قوة من يحارب ومقدار الأمر ~~الذي ينال بالمحاربة، وحال المدينة في وثاقتها وحصانتها وضعف أهلها وقوتهم، وأن ~~يعرف شيئا من الحروب المتقدمة ليصف لهم كيف يحاربوا (كذا) إن أشار عليهم ~~بالحرب، أو يعرفهم بما في الحرب من مكروه إن أشار بترك الحرب. # وقد يحتاج لأن يعرف ليس حال أهل المدينة فقط، بل وحال من في تخومه وثغوره، ~~أعني كيف حالهم في هذه الأشياء، وحالهم مع عدوهم في الظفر به والعجز عنه، فإنه ~~يأخذ من هاهنا مقدمات نافعة في الإشارة عليهم بالحرب أو السلم، ويحتاج مع هذا ~~أن يعرف الحروب الجميلة من الحروب الجائرة، وأن يعلم حال الأجناد هل هم ~~متشابهون في القوة والشجاعة والرأي وإجادة ما فوض إلى صنف منهم من القيام بجزء ~~جزء من أجزاء الحرب، أعني أن يكونوا في ذلك متشابهين، فإنهم ربما كثروا ~~وتناسلوا، حتى يكون فيهم من لا يصلح للحرب أو للجزء من الحرب الذي فوض ms70 إليه ~~القيام به. # وقد ينبغي مع ذلك أن يكون ناظرا ليس فيما أفضت إليه محاربتهم فقط، بل وفيما ~~أفضت إليه حروب سائر الناس من المتقدمين المشابهين لهم، فإن الشبيه يحكم منه ~~على الشبيه، أعني أنه إن كان أفضت الحروب الشبيهة بحربهم إلى مكروه أن يشير ~~بالسلم، وإن كانت أفضت إلى الظفر أن يشير بالحرب. # وأما حفظ البلاد فإنه يحتاج المشير بالحفظ أن يعرف كيف تحفظ البلاد، وما ~~مقدار الحفظ المحتاج إليه في طارئ طارئ، وكم أنواع الحفظ، ويعرف مع هذا المواضع ~~التي يكون حفظها بالرجال، وهي التي تسمى بالمسالح، فإن كان الحفظ لتلك ~~المواضع قليلا زاد فيهم، وإن كان منهم من لا يصلح للحفظ نحاه كمن ليس يقصد ~~قصد المحاماة عن المدينة، بل يقصد قصد نفسه. # وينبغي له أن يحفظ أكثر من تلك المواضع الخفية - أعني التي المنفعة بحفظها ~~أكثر - فمن عرف هذا فقد يمكن أن يشير بالحفظ، وأن يكون خبيرا بالبلاد التي ~~يشير بحفظها. # وأما الإشارة بالقوت وسائر الأشياء الضرورية التي تحتاجها المدينة، فإنه ~~يحتاج المشير فيه أن يعرف مقدارها، وكم يكفي المدينة منها، وكم الحاضر الموجود ~~في المدينة، وهو الفاضل عن أهل المدينة ، وما الأشياء التي ينبغي أن تدخل وهو ما ~~قصر عن الضروري؛ لتكون مشورته وما يعهد به على حسب ذلك. # فإنه قد يحتاج المرء أن يحفظ أهل مدينته لأمرين: أحدهما لمكان ذوي الفضائل، ~~والثاني لمكان ذوي المال الذين هم من أجل ذوي الفضائل. # والحافظ للمدن يحتاج بالجملة أن يكون عارفا بجميع هذه الأنواع ~~الخمسة. # وأما النظر في وضع السنن والإشارة بها فليس بيسير في أمر المدن؛ فإن المدن ~~إنما تسلم ويلتئم وجودها بالسنن، وليس يئول الأمر في هذه السياسة - أعني سياسة ~~الحرية - إلى سياسة الأخساء من قبل استرخاء السنن ولينها، وإن كان ذلك هو ~~الأكثر، بل ومن قبل الإفراط؛ فإن كثيرا من الأشياء إذا أفرطت بطل وجودها كما ~~يبطل وجودها من قبل الضعف والتقصير، ومثال ذلك أن الفطس # 7 # إذا أفرط وتفاقم كان قريبا من أن ms71 يظن أنه ليس هنالك أنف، وإذا كان ~~غير مفرط قرب من الاعتدال. # ويحتاج مع ذلك أن يعرف السنن التي وضعها كثير من الناس فانتفعوا بها. # فهذه هي الأمور العظمى التي بها يشير المشيرون على أهل المدن، والذين تكلموا ~~في هذه الصناعة فلم يتكلموا من هذه الأشياء إلا فيما يجري مجرى الأمور الكلية، ~~مثل أنهم قالوا: ينبغي للخطيب أن يعظم الشيء الصغير إذا أراد تفخيمه، ويصغر ~~الشيء الكبير إذا أراد تهوينه، وينبغي له ألا يأذن في الأشياء التي تفسد صلاح ~~الحال، وفي الأشياء التي تعوق عن صلاح الحال إلى ضده، ولم يقولوا ما هي الأشياء ~~التي يعظم بها الشيء أو يصغر، ولا ما هي الأشياء التي توجب اختلال صلاح الحال ~~أو تعوقه أو تتجاوزه إلى ضده. # فأما صلاح الحال فهو حسن الفعل مع فضيلة وطول من العمر، وحياة لذيذة مع ~~السلامة والسعة في المال مع حرية، بشرط أن يكون الإنسان متمتعا، أي ملتذا ~~لا حافظا للمال فقط أو منميا. # ومن الأمور النافعة في اليسار والفاعلة له الأشجار المثمرة والغلات من كل ~~شيء، واللذيذ من هذه هو ما يجنى بغير تعب ولا نفقة، وأما فضيلة الجسد فالصحة، ~~وذلك أن يكونوا عارين من الأسقام البتة، وأن يستعملوا أبدانهم؛ لأن من لا ~~يستعمل صحته فليس تغبط نفسه بالصحة. # وأما الحسن فإنه مختلف باختلاف أصناف الإنسان، فحسن الغلمان وجمالهم هو أن ~~تكون أبدانهم وخلقهم بهيئة يعسر بها قبولهم الآلام والانفعال؛ ولذلك كان الناس ~~يرون فيمن كان مهيئا نحو الخمس المزاولات أنه جميل؛ لأنه مهيأ بها نحو الخفة ~~والغلبة، وأما البطش فإنه قوة يحرك المرء بها غيره كيف شاء. # وأما فضيلة الفخامة فهو أن يفوت كثيرا من الناس ويجاوزهم في الطول والعرض ~~والعمق، وتكون مع ضخامته حركاته غير متكلفة لجودة هذه الفضيلة. # وأما الهيئة التي تسمى بالجهادية؛ فإنها مركبة من الفخامة والجلد ~~والخفة. # وأما الشيخوخة الصالحة؛ فإنها دوام الكبر مع البراءة من الحزن، وأما كثرة ~~الخلة وصلاح حال الإنسان بالإخوان؛ فذلك أيضا غير خفي. # وأما صلاح ms72 الجد فهو أن يكون الاتفاق لإنسان ما علة لوجود الخير له. # والفضائل - وإن كانت غايات - فهي أيضا خيرات في أنفسها ونافعة في الخير، وقد ~~ينبغي أن نخبر عن كل واحد من هذه، وكيف هي خير في أنفسها، وكيف هي فاعلة ~~للخير. # ومن النافعات بذاتها الملكات الطبيعية التي يكون الإنسان بها مستعدا ~~لأشياء حسنة، مثل الذكاء والحفظ والتعلم وخفة الحركات، والعلوم والصنائع ~~والسير المحمودة. # فهذه هي الخيرات التي يعترف بها، ويجتمع على أنها خيرات ونافعات. # ومن الاصطناعات النافعة والأفعال التي يعظم قدرها عند المصطنع إليهم أن يختار ~~الإنسان إنسانا عظيم القدر من جنس ما من الناس، له أيضا عدد عظيم القدر في ~~جنس آخر من الناس، فيفعل بعدد ذلك الإنسان الشر وبأصدقائه الخير، مثل ما عرض ~~لأوميروش مع اليونانيين وأعدائهم، فإنه قصد إلى عظيم من عظماء اليونانيين في ~~القديم فخصه بالمدح وأصدقاءه من اليونانيين، وخص عدوا له عظيما بالهجو هو ~~وقومه المعادين اليونانيين في حروب وقعت بينهما، فكان رب النعمة العظيمة بذلك ~~عند اليونانيين، وعظموه كل التعظيم، حتى اعتقدوا فيه أنه كان رجلا إلهيا، ~~وأنه كان المعلم الأول لجميع اليونانيين. # فمن هذه الوجوه يأخذ الخطيب المقدمات التي منها يقنع أن الشيء نافع أو غير ~~نافع، ويستبين أن الشيء الذي هو مبدأ ليس يلزم أن يكون أعظم من الشيء الذي هو ~~له مبدأ؛ وذلك أن الإرادة مبتدأ الخير، وفعل الخير أعظم من إرادة الخير، والذي ~~يحكم به الكل من الجمهور أو الأكثر أو ذوي الألباب والأخيار الصالحين أنه خير ~~وأفضل؛ فهو أفضل بإطلاق، وفي نفسه، إذا كان حكمهم في الأشياء بحسب فطرهم وكانوا ~~ذوي لب، لا بحسب ما استفادوه من الآراء من خارج. وما اختاره الكل آثر مما لا ~~يختاره الكل من الجمهور، وما اختاره أيضا كثير من الناس آثر مما يختاره القليل ~~من الناس، وما اختاره أيضا الحكام الأول - أعني الذين لا يأخذون الأحكام من ~~غيرهم وهم الشراع - أفضل مما لم يختاروه. # والفضلاء الأبرار الذين جرت العادة أن يأخذ عنهم الجميع ms73 أو الأكثر فحكمهم ~~أفضل. # ومن الصنف المقبول القول من الناس جدا جدا الصنف الذين كراماتهم أعظم؛ ~~لأن الكرامة لما كانت مكافأة الفضيلة كان المرء كلما عظمت فضيلته ظن به أنه قد ~~عظمت فضيلته. # والصنف من الناس الذين نالتهم المضرة العظيمة والشقاء الكبير لمكان الفضائل ~~هم أيضا مقبولو القول جدا جدا بمنزلة سقراط وغيره. # وقسمة الشيء إلى جزئياته يخيل في الشيء أنه أعظم؛ ولذلك لما أراد أوميروش ~~الشاعر أن يعظم الشر الذي لحق المدينة أخذ بدله جزئياته، فذكر قتل الأولاد ~~والنوح عليهم وحرق المدينة ... إلخ إلخ. # وكذلك الترتيب قد يخيل في الشيء أنه أعظم وهو عكس هذا. # ولما كانت الأشياء الأعسر وجودا في نفسها، والأقل وجودا يظن بها أنها ~~أفضل، كانت الأشياء الكثيرة الوجود في نفسها والسهلة الوجود قد ترى عظيمة في ~~المواضع التي يقل وجودها، أو في الأزمنة التي يقل وجودها فيها أيضا، أو في ~~الأسنان من الناس التي يقل وجودها فيها. # وحد الأشياء التي يتعمد بها المدح أنها التي إذا فعلت بجهل أو بغلط لم تمدح ~~أصلا، والتي يتعمد بها الحقيقة هي الأشياء التي كيفما فعلت فقد حصلت على ~~التمام؛ ولذلك كان حسن قبول الشيء الجميل آثر من فعل الشيء الجميل. # إلى أن يقول: # وأما بعد هذا فنحن قائلون في النقيصة والفضيلة والجميل والقبيح؛ لأن هذه هي ~~التي يمدح بها ويذم، ومن أجل أنه يعرض كثيرا أن يمدح الناس والروحانيون ~~(أي: الأرواح العليا) بالفضيلة وبأشياء غير الفضيلة، وليس يعرض هذا في مدح ~~هؤلاء فقط، بل وفي مدح الأشياء المتنفسة وغير المتنفسة. # والجميل هو الذي يختار من أجل نفسه، وهو ممدوح وخير ولذيذ من جهة أنه ~~خير. # والفضيلة هي ملكة مقدرة لكل فعل هو خير من جهة ذلك التقدير أو يظن به أنه ~~خير. # وأما أجزاء الفضيلة؛ فالبر أي العدل العام، والشجاعة، والمروءة، والعفة، وكبر ~~الهمة، والحلم، والسخاء، واللب، والحكمة، وسائر الأشياء التي يمدح بها مما ~~عدا الفضيلة، فليس يعسر الوقوف عليها. # وفعل الأشياء التي هي خيرات على الإطلاق كذلك ms74 مما يمدح به، ولذلك كان ~~التعصب للأشياء التي تكسب المجد، والمحاماة عنها قد تجعل المتعصب لها والمحامي ~~عنها من أهل الفضائل التي لا تحصل للإنسان إلا بمجاهدة كبيرة للطبيعة، مثل ~~العفاف والشجاعة وغيرهما. والإنعام على الغير إذا لم يستفد المنعم منه شيئا ~~هو مما يمدح به. # ومن الشرف ألا يحتاج الإنسان إلى آخرين، بل يكون مكتفيا بنفسه، وقد ينبغي ~~أن نأخذ في المدح والذم الأمور القريبة من الفضائل والنقائص، وهي النقائص التي ~~قد توجد عنها أفعال الفضيلة، أو الفضائل التي قد توجد عنها النقائص. ومثال ~~النقائص التي توجد عنها أفعال الفضائل فتوهم أنها فضائل، العي # 8 # الذي قد يكون عنه أفعال الحليم، فيوهم به أنه حليم، والبله الذي قد ~~توجد عنه أفعال ذوي السمت، فيتوهم بذلك أنه ذو سمت. # ومثال ما يوهم به أنه نقيصة وليس بنقيصة، ما يعرض للكبير الهمة من أن يتجافى ~~عن الأمور اليسيرة، فيظن به أنه يغلط وينخدع. # وقد ينبغي أن يكون المدح بحضرة الذين يحبون الممدوح، ومن المدح بالأشياء التي ~~من خارج مدح الآباء وذكر مآثرهم، ومدح المرء بما تسمو إليه همته من المراتب، ~~وإنما يكون المدح على الحقيقة بالأفعال التي تكون على المشيئة ~~والاختيار. # وجودة البخت التي قيل إنها السعادة على ما يراه الجمهور، هي وسائر الأشياء ~~الاتفاقية التي يمدح بها واحدة في الجنس، وليست هي والفضائل واحدة بالجنس، بل ~~كما أن صلاح الحال جنس للفضيلة - أعني محيطا بها - كذلك ما يحدث بالاتفاق جنس ~~يحيط بالسعادة، وهذان الجنسان يدخلان جميعا في باب المدح وباب المشورة. # ثم يختم التلخيص قائلا: # وينبغي أن يستعمل في المدح الأشياء التي يكون بها عظم الشيء وتنميته، وهو ~~أن يخيل في الشيء أنه بالقوة أشياء كثيرة، وذلك إذا قيل إنه أول من فعل هذا، ~~أو إنه وحده فعل هذا، أو إنه فعل في زمان يسير ما من شأنه أن يفعل في زمان ~~كثير، فإن هذه كلها إنما تفيد عظم الفعل، والذين شأنهم أن يتشبهوا بالممدوحين ~~الذين في الغاية، ويقيسوا أنفسهم ms75 معهم دائما، فقد ينبغي أن يشبهوا بأولئك، وأن ~~يجروا مجراهم في المدح وإن لم يكونوا وصلوا مراتبهم، فإن فضائلهم في نمو دائم، ~~ومقايسة الإنسان نفسه مع غيره لا تصح إلا من الرجل الفاضل. ~~(3) ابن رشد الطبيب ~~(3-1) الطب # تكلم غير واحد من مترجمي ابن رشد عن علومه ومشاركاته، فقالوا إنه كان طبيبا ~~فقيها يرحل إلى فتواه في الطب كما يرحل إلى فتواه في أحكام الشريعة، وقد كان عمله ~~في القضاء مقترنا بعمله في الطب عند أمراء الموحدين، ولم تكن الفلسفة ولا شك ~~تستغرق كل وقته، ولكنها - ولا شك أيضا - كانت غالبة على تفكيره ملموسة في كثير من ~~آرائه الطبية، وربما كانت آراء أرسطو - حيث عرض للكلام عن القلب والدماغ وعلاقتهما ~~بالنفس الحية والعقل المجرد - أرجح عنده من كلام جالينوس، مع إحاطته بكل ما وصل إلى ~~الأندلس باللغة العربية من كلام هذا الطبيب العظيم. # ومن أمثلة ذلك رأيه في مصدر الحركة من جسم الإنسان، فهو خلاصة مذهب أرسطو في وجود ~~الله ووجود العالم؛ إذ كان أرسطو يقول عن الله إنه «المحرك الأول»، وإن حركة المادة ~~لا بد أن تأتي من شيء غير مادي لا يتحرك، وإلا لزمت نسبة الحركة إلى مادة بعد مادة، ~~والعقل لا يستقر إلى الدور والتسلسل في الأسباب الماضية. # وابن رشد يقول عن مصدر حركة الجسم في الصفحات الأولى من كتاب «الكليات»: # تبين في العلم الطبيعي أن كل متحرك له محرك، وأن المحرك إذا كان جسما ~~فإنه إنما يحرك بأن يتحرك؛ فلذلك ما يحتاج المحرك إذا كان جسما إلى محرك ~~آخر، فإن كان هذا أيضا جسما مر الأمر إلى غير نهاية، أو يكون هاهنا ~~محرك يحرك لا بأن يتحرك، وذلك بألا يكون جسما، فهذا أحد ما يظهر منه أن ~~المحرك الأقصى للحيوان في هذه الحركات ليس بجسم أصلا، وأنه قوة نفسانية، ~~ولننزلها - كما قلنا - القوة المخيلة إذا اقترنت إليها النزوعية ووقع هنالك ~~إجماع. # وإن هذا المحرك الذي ليس بجسم ملزم ضرورة أن يكون المتحرك الأول عنه ~~جسما، وذلك ms76 بأن يكون المتحرك عنه كالهيولى له وهو له كالصورة؛ إذ ليس يمكن ~~في المحرك الأقصى للحيوان ألا يكون في غير هيولى، كما يقال إن هاهنا مبادئ ~~لهذه الصفة. وإذا كان ذلك كذلك فلننظر أي جسم هو ذلك الجسم، وهو ظاهر أنه ~~الحرارة الغريزية التي في أبدان الحيوان؛ ولذلك متى بردت الأعضاء بطلت ~~حركتها. # وبالجملة فهو من البين بنفسه، ومما قيل في العلم الطبيعي، أن أحد ما ~~يؤخذ في حد هذه الحركات هي الحرارة الغريزية، وبخاصة أفعال الغذاء، وهذا ~~مما لا خلاف فيه. # لكن جالينوس يرى أن ينبوع هذه الحرارة هو الدماغ، وأنها تنبث منه في ~~الأعصاب إلى جميع البدن، وأما أرسطو فيرى أن الدماغ خادم في هذا الفعل ~~للقلب على جهة خدمة الحواس - أعني أنه يعدلها - وأن هذه الحرارة ينبوعها ~~القلب. وقد يمكن أن نبين ذلك بمثل البيانات التي تقدمت، وذلك أنه يظهر ~~أن الماشي في حين مشيه تنتشر في بدنه حرارة لم تكون قبل، والعضو الذي شأنه ~~أن تنتشر منه الحرارة في جميع البدن هو القلب لا شك فيه؛ ولذلك متى طرأ على ~~الإنسان شيء يفزعه وانقبضت الحرارة الغريزية إلى القلب، ارتعشت ساقاه حتى ~~إنه ربما سقط ولم يقدر أن يتحرك، وإذا كان ذلك كذلك فالقوة المدبرة الأولى ~~في هذه الحركة - وهي التي تقدر هذه الحرارة في الكمية والكيفية - هي في ~~القلب ضرورة. وأيضا فقد يقر جالينوس وجميع الأطباء أن القوة النزوعية في ~~القلب، والدماغ خادم لها على أنه معدل لها، وسواء توهمت التعديل بجرم العصب ~~أو بروح نفساني يسري فيه لا فرق بينهم، إلا أنه ليس من العصب شيء يظهر فيه ~~روح على ما يقوله جالينوس إلا العصبتان المجوفتان اللتان تأتيا في العينين، ~~وأما المتحرك الأول عن الحار الغريزي فإن جالينوس يرى أنه للعضل، أما في ~~الأعضاء التي ليس فيها عظام ولا هي مفاصل فبنفسه، وأما في المفاصل ~~فبالأوتار النابتة من العضلة إلى طرف العظم، وذلك أن العضل إذا انقبض إلى ~~نفسه انجذب ذلك الوتر؛ ولأنه مربوط بطرف ms77 العظم يتحرك ذلك العظم بحركته، ~~وإذا كان للعضو حركتان متضادتان كانت له عضلات متضادة الموضع تجذبه كل ~~واحدة منها إلى ناحيتها وتمسك المضادة لها عن فعلها، فإن عملت كلاهما في ~~وقت واحد استوى العضو وتمدد وقام. # مثال ذلك الكف إذا مدها العضل الموضوع في ظهرها انثنت إلى خلف، وإن مدته ~~جميعا استوت وقامت. # والعضل الموجود في البدن كما قلنا عن رأي جالينوس خمسمائة عضلة وتسع ~~وعشرون عضلة ... إلخ. # هذا مثال من تفكير الفيلسوف في الطب، أو مثال من موازنته بين رأي أستاذه الفلسفي ~~وأستاذه الطبي، فإنه مع إنصافه في عرض الآراء يبدو مرجحا لحجة الفلاسفة على حجة ~~الأطباء. # ولم يكن ابن رشد في طبه ناقلا مكتفيا بالنقل، بل كان يضيف إلى الآراء والصفات ~~المنقولة شيئا من تجاربه، سواء فيما يرجع إلى فهم العلة أو إلى وصف العلاج، ومن ~~ذلك أنه يقابل تمثيل بقراط وجالينوس للإقليم المعتدل بوطنهما اليونان، فيجعل ~~الأندلس مثلا لاعتدال الإقليم، ويتصرف في الحكم بما يرجحه حيث تتعارض ~~الآراء. ~~••• # ونحن ناقلون من كلامه في الطب نموذجا لتأليفه ونموذجا لشرحه، فمن نماذج تأليفه ~~ما ننقله من كتاب «الكليات»، ومن نماذج شرحه ما ننقله من تفسيره لأرجوزة ابن سينا ~~في الطب، وهي مخطوطة بدار الكتب المصرية. ~~(3-2) صناعة الطب # قال في مقدمة «الكليات» يعرف صناعة الطب: ~~... إن صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة يلتمس بها حفظ بدن ~~الإنسان وإبطال المرض، وذلك بأقصى ما يمكن في واحد واحد من الأبدان، فإن ~~هذه الصناعة ليس غايتها أن تبرئ ولا بد، بل أن تفعل ما يجب بالمقدار الذي ~~يجب وفي الوقت الذي يجب، ثم تنتظر في حصول غايتها كالحال في صناعة الملاحة ~~وقود الجيوش. # ولما كانت الصنائع الفاعلة - بما هي صنائع فاعلة - تشتمل على ثلاثة ~~أشياء: أحدها معرفة موضوعاتها، والثاني معرفة الغايات المطلوب تحصيلها في ~~تلك الموضوعات، والثالث معرفة الآلات التي تحصل بها تلك الغايات في تلك ~~الموضوعات؛ انقسمت باضطرار صناعة الطب أولا إلى هذه الأقسام الثلاثة: ~~فالقسم الأول الذي هو ms78 معرفة الموضوعات يعرف فيه الأعضاء التي يتركب منها ~~بدن الإنسان البسيطة والمركبة، ولما كانت الغاية المطلوبة هنا صنفين حفظ ~~الصحة وإزالة المرض، انقسم هذا الجزء إلى قسمين: أحدهما يعرف فيه ما هي ~~الصحة لجميع ما به تتقوم، وهي الأسباب الأربعة التي هي العنصر والصورة ~~والفاعل والغاية وجميع لواحقها، والقسم الثاني يعرف فيه ما هو المرض أيضا ~~بجميع أسبابه ولواحقه. # ولما كان أيضا ليس في معرفة ماهية الصحة والمرض كغاية في حفظ هذه وإزالة ~~هذا، انقسم هذان الجزءان أيضا إلى جزأين آخرين: أحدهما يعرف فيه كيف تحفظ ~~الصحة، والثاني كيف يبطل المرض. # ولما كانت الصحة أيضا والمرض ليسا بينين بأنفسهما من أول الأمر، احتيج ~~أيضا إلى تعرف العلامات الصحية والمرضية، وصار هذا أيضا أحد أجزاء هذه ~~الصناعة. # وإذا كان ذلك كذلك فباضطرار ما انقسمت هذه الصناعة إلى سبعة أجزاء ~~عظمى: # الجزء الأول: # يذكر فيه أعضاء الإنسان التي شوهدت بالحس، البسيطة ~~والمركبة. # والثاني: # تعرف فيه الصحة وأنواعها ولواحقها. # والثالث: # المرض وأنواعه وأعراضه. # والرابع: # العلامات الصحية والمرضية. # والخامس: # الآلات، وهي الأغذية والأدوية. # والسادس: # الوجه في حفظ الصحة. # والسابع: # الحيلة في إزالة المرض. # ونحن نقصد في ترتيبها هاهنا إلى هذه القسمة؛ إذ كانت هي القسمة الذاتية ~~لها. # ثم أشار إلى الصناعات التي (تتسلم عنها) صناعة الطب كثيرا من مبادئها، فقال: # إن هذه الصنائع بعضها نظرية وهي العلم الطبيعي، وبعضها عملية، وهذه منها ~~صناعة الطب التجريبية، ومنها صناعة التشريح. # فأما العلم الطبيعي؛ فإنه تتسلم منه كثيرا من أسباب الصحة والمرض، ولا ~~سيما الأسباب القديمة، كالأسطقسات (العناصر) وغيرها. # وأما صناعة الطب التجريبية فإنه يستفيد منها معرفة قوى أكثر الأدوية، فإن ~~الذي يدرك منها بالقياس نزر بالإضافة إلى ما يحتاج من ذلك، بل سبيل هذه ~~الصناعة الطبية القياسية أن تعطى أسباب ما أوجدته الطريقة ~~التجريبية. # وأما صناعة التشريح فإنها تتسلم منها كثيرا من أجزاء موضوعاتها، ولما ~~كان صاحب الصناعة ليس يمكنه أن يعلم المبادئ المتسلمة في تلك الصناعة، بل ~~إن كان فمن حيث هو صاحب صناعة أخرى؛ ms79 وجدت تلك المبادئ في صناعته من حيث هي ~~مشهورة، وبخاصة في التي لا يتفق له فيها الوقوف على اليقين في جميع ~~أجزائها، كتجربة الأدوية، فإنه بالإضافة إلى الوقوف على هذا الجزء من ~~الصناعة استقصى بقراط العمر الإنساني في قوله: العمر قصير، وأما في الجزء ~~القياسي منها فليس هنالك قصر. # وكذلك الأمر في زماننا هذا في كثير من الأعضاء المشاهدة بالتشريح؛ إذ ~~كانت هذه الصناعة قد دثرت. # وينبغي أن تعلم أن صاحب العلم الطبيعي يشارك الطبيب؛ إذ كان بدن الإنسان ~~أحد أجزاء موضوعات صاحب علم الطباع، لكن يفترقان بأن هذا ينظر في الصحة ~~والمرض من حيث هي أحد الموجودات الطبيعية، وينظر الطبيب فيهما من حيث يروم ~~حفظ هذه وإزالة هذا؛ ولذلك يحتاج الطبيب بعد معرفة الكليات التي تحتوي ~~عليها هذه الصناعة إلى طول مزاولة، وحينئذ يمكن أن يوجدها في المواد، فإن ~~الكليات المكتوبة في هذه الصناعة يلحقها عند إيجادها في المواد أعراض ليس ~~يمكن أن تكتب، فإذا زاول الإنسان أعمال هذه الصناعة حصلت له مقدمات تجريبية ~~يقدر بها أن يوجد تلك الكليات في المواد، وذلك كالحال في الصنائع العملية ~~التي تستعمل الروية. # وأرسطو يخص هذه من بين الصنائع العملية بالقوى ، ومن هنا يظهر أن ما قيل ~~في حد الطب من أنه معرفة الصحة والمرض والأشياء المنسوبة إليهما أنه حد غير ~~صحيح؛ وذلك أنه أسقط من هذا الحد الفصل الذي به يتميز نظر صاحب هذا العلم ~~من نظر صاحب العلم الطبيعي، وكذلك أيضا لا يلتفت إلى ما يقولونه من الحال ~~التي ليست بصحة ولا مرض، فإنه ليس بين ضرر الفعل المحسوس و(لا ضرره) وسط، ~~وإنما يختلف بالأقل والأكثر، وليس المتوسط بين الضدين أن يكون كل واحد ~~منهما في جزء غير الجزء الذي فيه الآخر، ولا في زمن غير الزمن الذي فيه ~~الآخر، وهذا بين مما قيل في العلم النظري ... ~~(3-3) أمراض الدماغ # أكثر أمراض الأعضاء الباطنة التي تحتاج إلى الاستدلال عليها هي: إما أورام وإما ~~سوء مزاج مادي أو غير مادي. # والدماغ ms80 يعرض له أصناف سوء المزاج - أعني الحار والبارد، والرطب واليابس - ويستدل ~~على واحد واحد منها بالعلامات الدالة على غلبة ذلك المزاج على الدماغ، مثل حمرة ~~الوجه وسخونة الملمس التي تدل على غلبة الدم، وتخص سوء المزاج الحار أو البارد ~~أنهما يتبعهما الوجع المسمى صداعا، إلا أنه في المزاج الحار أحد. # وأما الرطوبة واليبوسة فليس يكون عنهما وجع، بل إنما يكون عن الرطوبة ثقل فقط، ~~وقد يستدل على الرطوبة بثقل الرأس وكثرة النوم وكدر الحواس، وعلى اليبوسة بأضداد ~~هذه الأعراض. # وربما كان هذا المزاج العارض للرأس حادثا فيه حدوثا أوليا، وربما كان من عضو ~~آخر، وأكثر ذلك إنما يكون عن المعدة، ويستدل على ذلك بالصداع الذي يهيج عند ~~تهوع # 9 # المعدة أو خلوها عن الطعام أو فساد الأغذية فيها، وبالجملة إنه يزيد ~~مرض الدماغ بتزيد مرضها وينقص بنقصانه. # وربما كان بمشاركة العرقين السباتيين كما يعترى في الصداع المسمى شقيقة، ويستدل ~~عليه بالعلامات الدالة على امتلاء الرقبة. # وربما كان ذلك بمشاركة جميع البدن، ويستدل عليه بالعلامات الدالة على أحد صنفي ~~الامتلاء. # ويحدث بالدماغ جميع أصناف الأورام الحارة والباردة، والاستدلال هنا على العضو ~~الآلم وعلى المرض قد يكون من الأفعال الخاصة به؛ وذلك أن الدماغ إذا أصابته مثل هذه ~~الآفة أصابه بسببها اختلاط ذهن ملازم، وإنما قلنا ملازم فرقا بينه وبين الاختلاط ~~الذي يكون بمشاركة عضو آخر كالذي يعرض من ورم الحجاب. # فأما كيف يستدل من هذه الأمراض الداخلة على الأفعال على نوع المرض الفاعل لذلك؛ ~~فإن الذي يكون منها صفراويا يعرض لصاحبه خيالات ردية، ويخيل إليه كأن زئيرا على ~~ثيابه فهو يلتقطه، ويصيبهم سهر، وإذا انتبهوا انتبهوا مذعورين. وأما الذي يكون عن ~~الدم؛ فإن السهر فيهم يكون أقل ويعرض لهم ضحك وانبساط، كما أن الذي يكون من الصفراء ~~يكون مع غضب وسوء خلق. وأما الذي يكون من السوداء؛ فإن فساد الذهن فيه يكون مع ~~جزع شديد وخوف وبكاء. وأما الذي يكون عن البلغم؛ فإنه يكون عنه تعطل في القوى ~~النفسانية ... ~~(3-4) بعض ms81 الأغذية # الفواكه # وأما الفواكه فأفضلها التين والعنب. # التين: # والتين في مزاجه حار رطب، يخمل بالمعدة ويلين البطن، وفيه ~~جلاء بحسب ما فيه من اللبنية، وأفضله أتمه نضجا. # العنب: # وأما العنب فإنه حار، حرارته قليلة، رطب باعتدال، يخصب البدن ~~بسرعة، إلا أنه يكون عنه رياح في الهضوم كلها، بخلاف التين فإن ~~الرياح المتولدة عنه إنما هي في المعدة والأمعاء. # وأما الزبيب فحار رطب، منضج، نافع للكبد، وأما نبيذه فهو ~~أضعف في أفعاله من الخمر، وهو بالجملة ينوب منابها. # التفاح: # التفاح الحلو حار باعتدال، رطب، والحامض بارد يابس، خاصته ~~تقوية الأعضاء الرئيسية، وهو يقوي الدماغ بالشم، وهذا كله ~~بعطريته، وهو مما يولد رياحا غليظة في الهضم الثاني والثالث، ~~حتى إنهم زعموا أنه ربما كان سببا للسل؛ وذلك أنه يخرق الرياح ~~المتولدة عنه شرايين الرئة ... هكذا حكاه أبو مروان بن زهر، ولكن ~~شرابه ليس يتولد عنه هذه النفخة. # الكمثرى: # أما الذي لم يدرك منه نضج فبارد يابس، وأما الذي أدرك فمعتدل ~~أو مائل إلى البرد قليلا؛ لأنه مركب من حلاوة وحمضة، وقبض ~~أفعاله الثوالث قبض البطن، وخاصته قطع العطش. # السفرجل: # أغلظ جوهرا من الكمثرى وأكثر قبضا؛ ولذلك صار برده أكثر، ~~وخاصته أنه يشد النفس وينفع من الخفقان شمه كما ينفع الكمثرى، ~~وهو في ذلك أقوى. # الرمان: # منه الحلو ومنه الحامض، وكلاهما رطبان، إلا أن الحلو أرطب ~~وأحر، ويكون منه نفحة يسيرة، وخاصته أنه يمنع الأغذية من أن ~~تفسد في المعدة. # الخوخ: # بارد رطب يحدث أخلاطا زجاجية، خاصته أنه إذا شم نفع ~~المغشي، ينفع أكله من بخر المعدة، وأما لب نواه فإنه يجلو ~~الوجه، ودهنه ينفع من ثقل الصمم، وعصارته تقتل الديدان. # المشمش: # وأما المشمش فإن مزاجه يقرب من مزاج الخوخ، إلا أنه ليس فيه ~~خواص الخوخ. # العبقر: # هذا نوعان أبيض وأسود، وكلاهما إذا أدرك بارد رطب، يكثر برد ~~الصفراء ويرخي فم المعدة بعض إرخاء. # البقول والحبوب # الباقلى: # إما أن يكون معتدلا في الحر والبرد، وإما أن يكون مائلا إلى ~~الحر قليلا، وبذلك صار ms82 يحلل الأورام بالجلاء الذي فيه وينضجه، وهو ~~كثير الرطوبة؛ ولذلك يتولد عنه نفخ كثير، وليس في الطبخ قوة على ~~إذهاب نفخته ولو طبخ كل الطبخ كما يقول جالينوس، وزعموا أن خاصته ~~الإضرار بالفكر، وأن من تمادى عليه لا يرى رؤيا صادقة. # الحمص: # حار باعتدال، رطب ذو نفخة أيضا، وأفعاله الثوالث أنه يزيد في ~~المني، ويدر البول والطمث، ويفتت الحصى الأسود منه، والذي يؤكل منه ~~رطبا يولد في المعدة والأمعاء فضولا كثيرة، والمقلو منه ومن ~~الباقلى أقل نفخة، إلا أنه أعسر هضما، اللهم إلا أن يخلخله ~~الإنقاع قبل ذلك، وخاصته تحمير البشرة، وذلك ضرورة لكثرة ما يتولد ~~عنه من الروح ولذلك يعين على الباه. # العدس: # بارد يابس، يولد دما أسود، ويطفئ الدم الملتهب، ولا سيما إذا ~~طبخ بالخل، وأفعاله الثوالث أنه يقطع الباه ويولد ظلمة البصر، ~~وهو إذا سلق بالماء حابس للبطن. # الترمس: # يابس أرضي مر، فإذا نقع في الماء حتى تذهب مرارته كان غذاء ~~طيبا، وهو إذا استعمل مرا قتل الأجنة وأخرج الحيات من ~~الجوف، ويدر البول، ويفتح أفواه البول. # الأرز: # غليظ الجوهر، قريب من الاعتدال في الحر والبرد، يقطع الإسهال، ~~وهو غذاء لذيذ إذا طبخ باللبن. # اللوبياء: # إلى الحرارة ما هي، والرطوبة، تخصب البدن وتدر البول والطمث، ~~وتلين البطن وخاصة الأحمر منه، وتري أحلاما وتغزر الرأس. # الدخن: # بارد يابس، عاقل للبطن، قليل الغذاء. # الذرة: # باردة يابسة، قليلة الغذاء. # الجلبان: # بارد يجفف، قليل الغذاء. ~~(3-5) الرياضة # الرياضة هي حركة الأعضاء إرادة ما. # وذلك (أولا) للأعضاء التي شأنها أن تتحرك بهذه الحركة، وهي جميع الأعضاء التي ~~لها حركة إرادية. # و(ثانيا) للأعضاء التي تجاوز هذه، وهي الأوردة وآلات الغذاء. # ولما كانت الرياضات هي حركات الأعضاء كان منها جزئي وكلي؛ وذلك أن منها ما هي ~~رياضة لجميع البدن، وهي الحركة الكلية لجميع الحيوان، ومنها ما هي رياضة مخصوصة ~~بعضو ما، مثل: أن الصوت رياضة الرئة، والقيام والقعود رياضة للصلب، ولن يخفى على ~~من كان عالما بحركة الأعضاء أي رياضة تخص عضوا عضوا، فهذا ms83 أحد ما تنقسم إليه ~~الرياضة من جهة الأعضاء أنفسها. # والرياضة منها قوية ومنها خفيفة، وكل واحد من هذين إما أن يكون عن نقلة المرتاض ~~أعضاءه بعضا، وهو يوجد فيها السريعة والبطيئة. # وإما أن يكون مقاومة بينه وبين محرك آخر يثبت في مكان ويأمر غيره أن ينزعه منه، ~~ومن هذا النوع إشالة الحجر وغير ذلك، وهذه ليس يوجد فيها السرعة والبطء، وربما ~~اجتمع في الرياضة السرعة والقوة، كالذين يطفرون بالحراب. # والرياضة المعتدلة فعلها بالجملة تنمية الروح الغريزية، وتدفع الفضول عن آلات ~~الغذاء وتحليلها وتطيب الأعضاء أنفسها، وهي في هذا المعنى أفضل شيء تنمى به ~~الحرارة، ... # وهذه إذا استعملت بعد تمام الهضم نفعت هذه المنفعة التي ذكرنا، وأما متى ~~استعملت والغذاء غير منهضم لن يؤمن عن استفراغ الأعضاء أنفسها أن تجتذب الغذاء ~~إليها غير منهضم. # وبالجملة فالقوة الهاضمة إنما يكمل فعلها بالسكون، كما أن القوة الدافعة إنما ~~يكمل فعلها بالحركة؛ ولهذا كان وقت الرياضة هذا الوقت، وعلامة هذا الوقت أن يكون ~~البول منصبغا أترجيا # 10 # لا شديد الحمرة، ومقداره في القوة هو أن يبتدئ البدن يعرق والنفس ~~يتصاعد. # وأما الرياضة القوية فإنما تستفرغ من البدن أكثر مما تحتاج إليه، فهي بذلك تضعف ~~كما نرى ذلك في أصحاب المهن القوية. # وأما الضعيفة فإنها لا تستفرغ كل ما يجب استفراغه؛ فلذلك كانت زائدة في الأعضاء ~~ومنمية للأبدان. # وأما أن الرياضة بالجملة مصحة عظيمة، وأنها أشد من عدم الرياضة، فذلك بين من ~~حال المقصورين في السجون؛ فإنها تصفر وجوههم وتفسد سحنهم وتخل أفعالهم الطبيعية ~~كلها، وليس يظهر هذا في الإنسان فقط، بل وفي جميع الحيوانات المقصورة، كالطيور في ~~الأقفاص وغير ذلك ... ~~(3-6) شرح أرجوزة الرئيس # وفيما يلي مثال من شرحه في الطب، مقتبس من رسالته في التعقيب على أرجوزة ابن ~~سينا، وهو من كلامه في تدبير الطفل في بطن أمه وبعد ولادته: # الطفل يحفظ في بطن أمه # كي لا تصيبه آفة في جسمه (كذا) # يريد أنه ينبغي أن تحفظ الأم كي لا تصيبها ضربة فينحل ms84 عضو من أعضاء الطفل. # والظئر أن تطعمه أو تسقيه # فاختر له مدة سن التربية # يقول: والظئر التي تطعمه أو تسقيه فأخير ما له من التربية أن تكون حسنة المزاج من ~~أجل لبنها، إن كان يريد بالظئر المرضعة، وإن كان يريد غير المرضعة فمعناه أن تكون ~~عارفة بتدبير الأطفال، أعني بتغذيتهم وإحمامهم وغير ذلك مما يحتاج إليه ~~الطفل. # واحفظ على الحامل في معدتها # كي لا يرى الفساد في شهوتها # ولما كان الحوامل يعرض لهن كثيرا انقلاب المعدة، وذلك في أول حملهن، ويعرض لهن ~~شهوات غير طبيعية، يقول: احفظ عليها في معدتها بأن تطعمها المقوية للمعدة القاطعة ~~للشهوة الردية. # ويصلح الدم وينقى الفضل # ذاك الذي يكون منه الطفل # إن هاجها دم فلا تفصدها # بل بالبرود واللطاف اقصدها # يريد: واسقها ما يروق الدم ويصفيه، وإن هاج بها الدم فلا تفصدها واستعمل عوض ذلك ~~المبردات للدم والمنظفة له، وإن أمر ذلك لأنه يخاف من الفصد أن يسقط الجنين. # تدبير الطفل في خاصته: # ادهنه بالقابض عند شده # حتى ترى صلابة في جلده # وحمه تنظفه من أخلاطه # ووسط الشد على قماطه # يقول: ادهنه بالأدهان القابضة عند شد قماطه، وحمه بالماء الحار المعتدل ~~الحرارة، ولينظف من الأوساخ، واجعل شد القماط عليه متوسطا. وجالينوس ~~يأمر بأن يسحق الملح ويذر على الأطفال حين يولدون. # ألزمه في يقظته الضياء # كيما يرى النجوم والسماء # كثر له الألوان بالنهار # لكي تقويه على الإبصار # هذه وصية في رياضة بصره وتقويته بالاستعمال؛ وذلك أن كل عضو يقوى بالاستعمال، ~~وذلك أن يلزم في يقظته المواضع المضيئة، وأن يجعل بحيث يرى السماء والنجوم، وأن ~~يكثر له الألوان الملونة. # ناغيه بالأصوات في تعليم # كيما تقويه على التكليم # هذه وصية باستعمال آلات السمع منه وإعداده لأن يتكلم؛ وذلك أن الأطفال من شأنهم ~~أن يروضوا محاكاة المتكلم كما يفعل الطير الذي يقبل تعليم الكلام. # وامنعه أن يفصد أو أن يسهلا # حتى يرى أنفاعه قد اعتلا # وما اعترى من ورم أو حب # فلا تقابله له بجذب # يقول: والطفل لا ينبغي ms85 أن يفصد ولا أن يسهل، وإن اقتضت ذلك طبيعة المرض، حتى ~~يتجاوز سن المنفعة، وهو أن يبلغ الرابع عشر من السنين أو الخامس عشر. وأما ~~قوله: # وما اعترى من ورم أو حب # فلا تقابله له بجذب # فلا أدري ماذا يريد بالجذب، فإن كان يريد بالجذب تسييل المادة إلى غير جهة العضو ~~الورم، وذلك بالفصد المضاد فهو منطو في نهيه عن الفصد، وإن كان يريد أنه لا ينبغي ~~أن تجعل عليها الأدوية الجاذبة فهذه وصية تعم الأطفال وغيرهم من الأورام والحبوب، ~~ولعل الأطفال بذلك أحق لرطوبة أمزجتهم. # وقد تناول ابن رشد شرح كلام ابن سينا في ذكر أمزجة الأزمنة، أي الفصول، ~~فقال: # أقول في الزمان بالتقدير # إذ لا سبيل فيه للتحرير # فللشتاء قوة للبلغم # وللربيع هيجان للدم # والمرة الصفراء للمصيف # والمرة السوداء للخريف # لما تكلم في أصناف أمزجة الإنسان أراد أن يتكلم في أصناف أمزجة الزمان؛ فقوله: ~~(فللشتاء قوة للبلغم) يريد أن مزاج الشتاء بارد رطب كمزاج البلغم، ولذلك البلغم ~~يتولد فيه. # وقوله: (وللربيع هيجان للدم) يريد أن الربيع حار رطب على طبيعة الدم، ولذلك الدم ~~يكثف فيه. # وقوله: (والمرة الصفراء للمصيف) يعني أنها تتولد فيه؛ لأنها حارة يابسة، كما أنه ~~حار يابس. (والمرة السوداء للخريف) يعني أن طبيعة الخريف هي طبيعة السوداء؛ ولذلك ~~السوداء تتولد فيه. # وما قاله في الربيع من أنه حار رطب هو الحق، خلافا لرأي جالينوس في كتاب المزاج؛ ~~لأنه صرح هناك أن الربيع معتدل بالمعنى الذي يقال عليه معتدل، أي الذي توجد فيه ~~الكيفيات على السواء. # ولم توجد للموجودات فيه أفعال الحياة التي سببها الحرارة والرطوبة بأولى من فعل ~~ضد الحياة، التي سببها البرد واليبس؛ لأنها لو تقاومت فيه القوى لم ينسب إليه توليد ~~خلط من الأخلاط لا دم ولا غيره. # وبالجملة لا نشوء ولا كون لكل ما مزاجه شبيه بمزاجه كالدم. وجميع الكائنات التي ~~توجد في هذا الوقت فقد يجب ضرورة أن يكون حارا رطبا، ويكون معتدلا؛ لأنه وسط ~~بين الصيف والشتاء. # وكون الفصول لا ms86 توجد إلا أربعة وكذلك الأخلاط على أن الأمزجة أربعة، أعني ~~المركبة. # ولو وجد مزاج معتدل بمعنى أن الأسطقسات (العناصر) فيه متساوية، لما وجد لهذا ~~المزاج فعل منسوب إلى الكيفيات الأول، وكانت له صورة واحدة. ~~(4) ابن رشد الفقيه # وابن رشد الفقيه كابن رشد الطبيب، وابن رشد الفيلسوف، محصل يحيط بموضوعه ويستقصي ~~الأكثر الأهم من أصوله وفروعه، وقد كان على مذهب الإمام مالك كأكثر أهل المغرب، ولكنه ~~كان يتتبع المذاهب في المسائل الخلافية، وله كتاب في الفقه سماه: «بداية المجتهد ~~ونهاية المقتصد» يدل اسمه على منحاه في التأليف؛ فإنه نافع للمبتدئين المجتهدين ~~وللمحصلين المتوسعين، وقد ذكر ابن أبي أصيبعة وغيره كتاب المقدمات في الفقه بين كتب ابن ~~رشد الحفيد، وهو خطأ يسهل التنبه إليه لمن ألقى نظره على الكتابين؛ إذ هما في موضوع ~~واحد على نسق متقارب من التوسط بين الإسهاب والإيجاز، ومن المستبعد أن يشتغل مؤلف ~~واحد بوضع كتابين في موضوع واحد على هذا المثال. وقد ترجم المقري لابن رشد الجد في كتاب ~~«أزهار الرياض في أخبار عياض»، وذكر من تواليفه كتاب المقدمات لأوائل كتب المدونة، وكان ~~ابن رشد الحفيد يشير في «بداية المجتهد» إلى كتاب المقدمات فيقول: «كما حكاه جدي رحمة ~~الله عليه في المقدمات»، فهو على التحقيق من مؤلفات الجد لا من مؤلفات الحفيد. # ونحن ناقلون هنا كلامه في القضاء على سبيل المثال لإحاطته وتدوينه ورأيه في مهام ~~عمله. # قال في كتاب «الأقضية» من «بداية المجتهد»: # والنظر في هذا الباب فيمن يجوز قضاؤه، وفيما يكون به أفضل، فأما الصفات ~~المشترطة في الجواز فأن يكون حرا مسلما بالغا ذكرا عاقلا ~~عدلا. # وقد قيل في المذهب: إن الفقه يوجب العزل ويمضي ما حكم به. # واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد؛ فقال الشافعي: يجب أن يكون من أهل ~~الاجتهاد. ومثله حكى عبد الوهاب # 11 # عن المذهب، وقال أبو حنيفة: يجوز حكم العامي. قال القاضي: وهو ظاهر ~~ما حكاه جدي رحمة الله عليه في المقدمات عن المذهب؛ لأنه جعل كون الاجتهاد فيه ~~من ms87 الصفات المستحبة. وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة؛ فقال الجمهور: هي شرط في ~~صحة الحكم. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال. قال ~~الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء. قال عبد الوهاب: ~~ولا أعلم بينهم اختلافا في اشتراط الحرية، فمن رد قضاء المرأة شبهه بقضاء ~~الإمامة الكبرى، وقاسها أيضا على العبد؛ لنقصان حريتها، ومن أجاز حكمها في ~~الأموال فتشبيها بجواز شهادتها في الأموال، ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء ~~قال: إن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز، إلا ما ~~خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى. # وأما اشتراط الحرية فلا خلاف فيه، ولا خلاف في مذهب مالك أن السمع والبصر ~~والكلام مشترطة في استمرار ولايته، وليست شرطا في جواز ولايته؛ وذلك أن من ~~صفات القاضي في المذهب ما هي شرط في الجواز، فهذا إذا ولي عزل وفسخ ~~جميع ما حكم به، ومنها ما هي شرط في الاستمرار وليست شرطا في الجواز، فهذا إذا ~~ولي القضاء عزل ونفذ ما حكم به، إلا أن يكون جورا. # ومن هذا الجنس عندهم هذه الثلاث صفات. # ومن شرط القضاء عند مالك أن يكون واحدا، والشافعي يجيز أن يكون في المصر ~~قاضيان اثنان إذا رسم لكل واحد منهما ما يحكم فيه، وإن شرط اتفاقهما في كل ~~حكم لم يجز، وإن شرط الاستقلال لكل واحد منهما فوجهان: الجواز والمنع. قال: ~~وإذا تنازع الخصمان في اختيار أحدهما وجب أن يقترعا عنده. # وأما فضائل القضاء فكثيرة، وقد ذكرها الناس في كتبهم، وقد اختلفوا في ~~الأمي: هل يجوز أن يكون قاضيا؟ والأبين جوازه؛ لكونه - عليه الصلاة ~~والسلام - أميا، وقال قوم: لا يجوز، وعن الشافعي القولان جميعا؛ لأنه يحتمل ~~أن يكون ذلك خاصا به لموضع العجز، ولا خلاف في جواز حكم الإمام الأعظم، ~~وتوليته للقاضي شرط في صحة قضائه، لا خلاف أعرف فيه. # واختلفوا من هذا الباب في نفوذ حكم من رضيه المتداعيان ممن ليس بوال على ~~الأحكام؛ فقال ms88 مالك: يجوز، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز، وقال أبو ~~حنيفة: يجوز إذا وافق حكمه حكم قاضي البلد. # وأما فيما يحكم فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من الحقوق كان حقا لله أو ~~حقا للآدميين، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى، وأنه يعقد الأنكحة ~~ويقدم الأوصياء. وهل يقدم الأئمة في المساجد الجامعة؟ فيه خلاف. وكذلك هل ~~يستخلف، فيه خلاف في المرض والسفر، إلا أن يؤذن له. # وليس ينظر في الجباة ولا في غير ذلك من الولاة، وينظر في التحجير على السفهاء ~~عند من يرى التحجير عليهم. # ومن فروع هذا الباب: هل ما يحكم فيه الحاكم يحله للمحكوم له به، وإن لم يكن ~~في نفسه حلالا؟ وذلك أنهم أجمعوا على أن حكم الحاكم الظاهر الذي يعتريه لا يحل ~~حراما ولا يحرم حلالا، وذلك في الأموال خاصة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه ~~شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار.» # واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقده بالظاهر الذي يظن الحاكم أنه حق ، وليس ~~بحق؛ إذ لا يحل حرام ولا يحرم حلال بظاهر حكم الحاكم دون أن يكون الباطن كذلك. ~~هل يحرم ذلك أم لا؟ فقال الجمهور: الأموال والفروج في ذلك سواء، لا يحل حكم ~~الحاكم منها حراما ولا يحرم حلالا، وذلك مثل أن يشهد شاهدا زور في امرأة ~~أجنبية أنها زوجة لرجل أجنبي ليست له بزوجة، فقال الجمهور: لا تحل، وإن أحلها ~~الحاكم بظاهر الحكم، وقال أبو حنيفة وجمهور أصحابه: تحل له، فعمدة الجمهور عموم ~~الحديث المتقدم، وشبهة الحنفية أن الحكم باللعان ثابت بالشرع، وقد علم أن أحد ~~المتلاعنين كاذب، واللعان يوجب الفرقة ويحرم المرأة على زوجها الملاعن لها ~~ويحلها لغيره، فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم، وكذلك إن كانت ~~هي الكاذبة؛ لأن زناها ms89 لا يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء، والجمهور أن ~~الفرقة هاهنا إنما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب. # والقضاء يكون بأربع: بالشهادة واليمين والنكول والإقرار، أو بما تركب من ~~هذه، ففي هذا الباب أربعة فصول. # | هوامش # | المراجع # أهم المراجع العربية # تهافت التهافت. # فصل المقال ... # الكشف عن مناهج الأدلة ... # بداية المجتهد ونهاية المقتصد. # تفسير ما بعد الطبيعة. # تلخيص كتاب المقولات. # تلخيص كتاب الخطابة لأرسطو. # شرح أرجوزة الطب لابن سينا. # الكليات. # مقدمة ابن خلدون. # نفح الطيب. # المعجب في تلخيص أخبار المغرب. # إخبار العلماء بأخبار الحكماء. # وفيات الأعيان. # جمهرة أنساب العرب. # قصة حي بن يقظان. # كتاب الأخلاق لأرسطو. # إلخ إلخ ... # أهم المراجع الأجنبية # Renan: A verroès et l’Averroisme ~~. # Maurice de Wulf: History of Medievel Philosophy ~~. # Joseph Maccabe: Splendour of Moorish Spain Legacy of ~~Israel ~~. # William James: Principles of Psychology ~~. ms90