######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.IbnSina.Hindawi72573693 #META# Tags: biographies #META# ID: 72573693 #META# Title: ابن سينا #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الدولة والفلسفة‏ # عقيدة الفيلسوف‏ # تعقيب‏ # الدولة والفلسفة‏ # عقيدة الفيلسوف‏ # تعقيب‏ # | ابن سينا # | ابن سينا # تأليف # عباس محمود العقاد # | الدولة والفلسفة # نشأ ابن سينا في ظل الدولة السامانية بخراسان. # وكانت خراسان وأقاليم فارس جميعا في ذلك العصر مستقلة عن الخليفة العباسي ببغداد يحكمها ~~الأمراء المتغلبون عليها ولا يدينون لخليفة بني العباس بغير الخطبة باسمه على المنابر في ~~صلوات الجمع والأعياد. # ولم تكن خطبتهم له عن إيمان بحقه في ولاية الأمر لأنهم كانوا - أو كان أكثرهم على الأقل - ~~يؤمنون بحق العلويين ويتشيعون لأئمتهم المستورين، وإنما يخطبون لخلفاء العباسيين لأنهم أضعف ~~شأنا من أن يجمعوا سلطان الحكم الفعلي إلى سلطان الخلافة الإسمية، بعد أن تفرد الأمراء ~~بالحكم في جميع الأقاليم. # ومن أمثلة ذلك أن أحمد بن بويه عاهد المستكفي على تقسيم الأمر بينهما، فيعترف للمستكفي ~~بلقب الخلافة ويعترف المستكفي له بلقب السلطان. ثم استكثر الخلافة على المستكفي فهم ~~بانتزاعها من العباسيين وإسنادها إلى العلويين، فقال له بعض الدهاة من خاصة صحبه: «إنك مع ~~خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ~~ولكنك إذا أقمت علويا في الخلافة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم ~~بقتلك لاستحلوا دمك وقتلوك ...» # ولما تولى الطاهريون أمر خراسان من قبل المأمون في إبان مجد الدولة العباسية كانت مصالحهم ~~مع العباسيين وقلوبهم مع العلويين، كما فعل سليمان بن عبد الله بن طاهر حين حارب الحسن بن ~~زيد في طبرستان، فانهزم اختيارا ليحتسب دماء الفاطميين. # وقد نشأت الدولة السامانية في ظل الدولة الطاهرية، لأن طاهر بن الحسين هو الذي ثبت نصر بن ~~أحمد بن أسعد بن سامان على ولاية سمرقند، ثم عقد له المعتمد العباسي على ما وراء النهر، ~~ابتدأت به الإمارة السامانية التي ولد ابن سينا في ظلها بعد نيف ومائة سنة من ~~نشأتها. # وقد كان الأمراء السامانيون يقاتلون العلويين في طبرستان وما جاورها، كما كان يقاتلهم ~~أبناء طاهر وأبناء بويه في بعض المواقف السياسية، ولكنهم ومن عاصرهم من ms01 أمراء فارس كانوا ~~يعلمون أن رعاياهم يدينون بالولاء للعلويين ويرحبون بالدعوة العلوية في كل مكان، ولا سيما ~~وراء النهر وخراسان، ولا تمنعهم كراهة الغلاة من الباطنية أن يصمدوا على ذلك الولاء. # ومتى ذكرت الدعوة العلوية فقد ذكرت معها مباحث النظر ومذاهب الفلسفة ومدارس الحكمة ~~والتصوف وكل دراسة يستعان بها على إنكار الظاهر المكشوف وتعزيز الباطن المستور. إذ كان ~~العلويون من أنصار التجديد لأنهم خصوم السلطان القائم والحالة الواقعة، وكانت الفلسفة ~~بفروعها المختلفة قد امتزجت بالسياسة واشتبكت على الخصوص بمسألة الخلافة والملك والإمامة، ~~فأصبح الإمام الحق شيئا والسلطان الغاصب شيئا آخر. وليس من محض المصادفات أن الفارابي كتب ~~فيما بين القرن الثاني والقرن الثالث يصف الإمام الصالح على سنة الفلاسفة فيجعله من ~~الأتقياء المعرضين عن المادة المقبلين على لذات الأرواح، ويقرن ذلك بما ينبغي له من قوة ~~العارضة ونفاذ الفطنة ومضاء العزيمة ومناقب العدل والعفة والفضيلة. فإن الفارابي قد نشأ ~~فيما وراء النهر حيث استفحلت الدعوة العلوية، وحضر الخلافة العباسية وهي شبح هزيل يؤذن ~~بالزوال. # والذي أجمله الفارابي في كلامه على فضلاء الأئمة قد فصلته رسائل إخوان الصفاء، ورجعت به ~~إلى نواميس الطبيعة في المعادن والحيوان والنبات. # ورسائل الإخوان صريحة في الدعوة إلى آل البيت حيث تقول: «اعلم يا أخي بأنا قد عملنا إحدى ~~وخمسين رسالة في فنون الآداب وغرائب العلوم وطرائف الحكم كل واحدة منها شبه المدخل ~~والمقدمات والأنموذج لكيما إذا نظر فيها إخواننا وسمع قراءتها أهل شيعتنا وفهموا بعض ~~معانيها وعرفوا حقيقة ما هو مقرون بها من تفضيل أهل بيت النبي لأنهم خزان علم الله ووارثو ~~علم النبوات تبين لهم تصديق ما يعتقدون فيهم من العلم والمعرفة.» # فانتشار المباحث الفلسفية لا يستغرب على الخصوص في عصر ابن سينا وفيما وراء النهر ~~وخراسان. لأن الدعوة العلوية كانت على أقواها في تلك الأطراف النائية، ولأن الفلسفة لذة ~~عقلية في كل مكان أو زمان. أما في تلك الأطراف النائية فقد كانت في ذلك الزمن مطلبا يستمد ~~القوة من قوة الأشواق العقلية وقوة ms02 المساعي السياسية وقوة الإيمان بالدين، وهي هناك على ~~مقربة من الهند ومهد المانوية حيث آمن الناس قديما بحلول الروح الإلهي في أجساد البشر ~~وآمنوا بتناسخ الأرواح وقداسة النساك والزهاد، فلا يستغربون ما ينسب إلى الإمام دون ذلك من ~~الصفات أو من الأسرار والكرامات. ~~••• # ومن الملاحظات التي لا تفوت المؤرخ في هذا الصدد أن كبار الفلاسفة المشرقيين جميعا كانوا ~~من أنصار الشيعة، وهم الكندي والفارابي وابن سينا. فقد كان جد الكندي - الأشعث بن قيس - ممن ~~قاتلوا مع علي وشهدوا معه معركة صفين، وكانت كندة كلها من خصوم الأمويين وشيعة الهاشميين، ~~وكان آباء الكندي ممن خرجوا على الدولة الأموية وجردوا من مناصبها ولبثوا مغضوبا عليهم في ~~زمانها. أما الفارابي فقد جمع بين التشيع والتصوف وآوى إلى دولة بني حمدان المتعصبة لآل ~~البيت، وحسبك من تشيع ابن سينا نشأته بين الإسماعيليين واسمه الذي يدل على نسب عريق في نصرة ~~آل علي وهو: أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ... # بل كان البيت الذي ولد فيه ابن سينا مركزا من مراكز الدعوة الإسماعيلية والمباحث ~~الفلسفية، ولم يكن قصاراهم منها الإيمان بها وكفى. قال فيما رواه عنه تلميذه الجوزجاني: ~~«وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ويعد من الإسماعيلية، وقد سمعت منهم ذكر النفس والعقل على ~~الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي ...» # وقل أن ذكر في ترجمة ابن سينا أمير أو وزير أو صاحب شأن إلا ذكر من شأنه أنه كان يقتني ~~مكتبة عامرة بأسفار العلم والحكمة، أو أنه كان من محبي هذه العلوم، ويعنون بها علوم المنطق ~~والنظر والدراسات الفكرية فيما وراء الطبيعة، أو أنه كان يجلس في يوم من الأيام للمناظرة ~~والمساجلة، أو أنه كان يفتح داره لمن يتوفر فيها على التأليف والتصنيف. # قال القفطي صاحب تاريخ الحكماء في ترجمة الإسكندر الأفروديسي رواية عن يحيى بن عدي ~~الفيلسوف: «إن شرح الإسكندر للسماع الطبيعي كله ولكتاب البرهان رأيتهما في تركة إبراهيم بن ~~علي عبد الله ... وعرضا بمائة دينار وعشرين دينارا، فمضيت ms03 لأحتال بالدنانير وعدت وأصبت ~~القوم قد باعوا الشرحين في جملة كتب على رجل خراساني بثلاثة آلاف دينار ... وكانت هذه الكتب ~~تحمل في الكم ...» # فإذا كان «رجل خراساني» يشتري لفافة من الورق بهذا الثمن الضخم لأنها شروح فلسفية، فقد ~~علمنا إذن كيف كان شأن الفلسفة بين النكرات فضلا عن الإعلام في خراسان. ~~••• # بعض العباقرة ينبغون في وطن من الأوطان أو في عصر من العصور، فيستغرب نبوغهم فيه. أما ابن ~~سينا فلا يستغرب نبوغه في عصره ولا في وطنه ولا في بيته، بل الغريب أن يكون العصر والموطن ~~والبيت على تلك الحالة ثم لا يظهر فيه نابغ فيلسوف. ~~(1) سيرة ابن سينا # كان عبد الله بن الحسين بن علي من أهل بلخ في بلاد الأفغان عاملا للدولة ~~السامانية، وكان يتولى من قبلها التصرف بأعمال قرية «خرمتين» من ضياع بخارى، وكانت إلى ~~جوار مركزه في عمله قرية أفشنة، فكان يزورها ويتعرف إلى بعض أهلها، ومنها تزوج فتاة ~~تسمى ستارة كما جاء في ابن خلكان، وفيها ولد لهما ابنهما «الحسين» الذي اشتهر بكنيته ~~العليا «ابن سينا» وأصبح اسمه أشهر الأسماء بين فلاسفة الشرق وأطبائه، ثم أصبح لقب ~~الشيخ الرئيس علما عليه لا ينصرف إلى سواه. # ولد في سنة 370ه/980م، وانتقل مع آله في السنة الخامسة من عمره إلى بخارى، وكان أبوه ~~من طائفة الإسماعيلية وهي يومئذ صاحبة مذهب في الخلق والوجود وتفسير الشرائع بالظاهر من ~~ألفاظها والباطن من معانيها، فنشأ الحسين الصغير وهو يستمع إلى المناقشات الفلسفية ~~والتأويلات الدينية في «النفس» و«العقل» وأسرار الربوبية والنبوة، وحفظ القرآن وهو دون ~~العاشرة من عمره، وتعلم اللغة على أبي بكر أحمد بن محمد البرقي الخوارزمي، وتعلم الفقه ~~على إسماعيل الزاهد. ومر ببخارى أبو عبد الله الناتلي الذي كان يعرف بالمتفلسف لاشتغاله ~~بالمنطق والرياضة، فاستنزله الوالد في منزله عسى أن ينتفع الناشئ النجيب بعلمه، فقرأ ~~عليه الحسين كتاب «ايساغوجي» في المنطق لصاحبه ملك الصوري المشهور بفرفريوس، وكتاب ~~المجسطي في علم الهيئة والجغرافية لبطليموس الجغرافي، وظهرت باكورة الفيلسوف في أوائل ms04 ~~صباه فإذا هو يناقش أستاذه في حد «الجنس» خاصة وهو من الحدود التي دار عليها مذهبه ~~الفلسفي وكان له فيها رأي فاصل بين أفلاطون وأرسطو، وعلم الأستاذ أن تلميذه قد تلقى عنه ~~كل ما هو قادر على إعطائه فاستأذن منصرفا إلى مطافه بالبلاد على سنة الدراويش ~~المتفلسفين في ذلك الزمان. واستتم الفيلسوف الصغير كل ما وجده بين يديه من علوم الحكمة ~~والمنطق والرياضة، فبلغ فيها الغاية وهو في الثامنة عشرة من عمره، وكان في أيام طلبه لا ~~ينام ليلة بطولها ولا يلتفت بالنهار إلى عمل غير القراءة والتحصيل، وربما غلبه النوم ~~فإذا هو يحلم بتلك المسائل بأعيانها وتتضح له وجوهها في منامه، وهي حالة يعرفها ~~الدارسون ولا تستغرب في رأي العلم الحديث؛ لأن الوعي الباطن يتنبه في هذه الحالة ~~فيتعاون العقلان ولا ينفرد العقل الظاهر بالتفكير. # ويعترف ابن سينا للفارابي بفضل كبير في تحصيل المعارف الإلهية، فقال: «قرأت كتاب ما ~~بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة ~~وصار لي محفوظا، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيست من نفسي وقلت هذا كتاب لا ~~سبيل إلى فهمه، وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد دلال مجلد ~~ينادي عليه، فعرضه علي فرددته رد متبرم معتقد أن لا فائدة من هذا العلم، فقال لي: ~~اشتر هذا مني فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه. فاشتريته فإذا هو ~~كتاب أبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته ~~فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب، بسبب أنه كان لي محفوظا على ظهر قلب، وفرحت ~~بذلك، وتصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء، شكرا لله تعالى ...» ولا يبعد أن ابن ~~سينا اطلع على مراجع الفلسفة والحكمة في اللغة اليونانية، وأنه تعلم هذه اللغة في صباه ~~من بعض الدعاة، وإن لم يبلغ هذا الظن مبلغ الخبر اليقين. # وكان من عادته إذا تحير ms05 في مسألة أن يتردد إلى الجامع ويصلي ويبتهل إلى «مبدع الكل» ~~حتى ينفتح له مغلقها ويتيسر عسيرها. ولم يعهد منه أنه ضاق بمسألة من المسائل في غير ~~الفلسفة الإلهية أو مباحث ما بعد الطبيعة. أما العلوم الأخرى فكان يجيدها ويزيد عليها ~~وينقح ما احتاج إلى التنقيح منها، واتفق له وهو دون الخامسة عشرة أنه اطلع على بعض ~~مراجع الطب فتعلق بها وعكف على قراءتها، وقال: «إن علم الطب ليس من العلوم الصعبة» فكان ~~يعتمد على نفسه في درسه تارة ويراجع أبا سهل المسيحي وأبا منصور الحسن بن نوح على ما ~~جاء في بعض الروايات تارة أخرى. فلم يبلغ السابعة عشرة حتى ترامت شهرته بالتطبيب ~~والتعليم في الآفاق الشرقية، وجاءه المنقطعون لهذا العلم يسألونه ويقرأون عليه، وكان ~~يعلمهم ويعالج المرضى حبا للخير والاستفادة بالعلم لا للتكسب وجمع الحطام، وعالج ~~الأمير نوح بن منصور وهو في السابعة عشرة فشفاه وأصاب حيث أخطأ مشاهير الأطباء، ~~فاستدناه الأمير وأذن له في الاطلاع على دار كتبه «وكانت ذات بيوت كثيرة، في كل بيت ~~صناديق كتب منضدة بعضها على بعض»، فرأى من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط ~~وظفر بفوائدها وعرف مرتبة كل رجل في علمه. # وكانت طريقته في الاطلاع - بعد أن تمكن من العلم - أن يتصفح ولا يتتبع حتى يمتحن قدرة ~~المؤلف بأصعب الموضوعات في الكتاب. # ولم يكن أعجب من سرعته في التحصيل غير سرعته في التدوين، ففي الثامنة عشرة ألف كتاب ~~«المجموع» إجابة لرجاء بعض مريديه، وأودعه خلاصة علوم عصره ما عدا الرياضيات، وقال في ~~كهولته: «كنت يومذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي ~~بعده شيء.» # أما سرعته في التدوين والتأليف فمن أمثلتها كما روى تلميذه الأمين - الجوزجاني - الذي ~~لازمه واستحثه على تأليف كتبه ونقل للخلف أصدق ما أثر عنه «أنه طلب منه إتمام كتاب ~~الشفاء، فاستحضر أبا غالب، وطلب الكاغد والمحبرة فأحضرهما، وكتب الشيخ في قريب من عشرين ~~جزءا على الثمن بخطه رءوس ms06 المسائل، وبقي فيه يومين. حتى كتب رءوس المسائل كلها بلا ~~كتاب يحضره ولا أصل يرجع إليه، بل من حفظه وعن ظهر قلبه، ثم ترك الشيخ تلك الأجزاء بين ~~يديه، وأخذ الكاغد فكان ينظر في كل مسألة ويكتب شرحها، فكان يكتب كل يوم خمسين ورقة حتى ~~أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات.» # بل ربما ألف الكتب في معضلات الفلسفة وهو مسافر، كما صنع في تأليف بعض فصول ~~النجاة. # وتولى أعمالا جليلة في الدول الشرقية فلم ~~تشغله عن شيء من مألوفه في التحصيل أو الكتابة أو اللهو والسماع. فكان يصرف أعمال ~~الدولة بالنهار، ويجلس للتدريس والكتابة بالليل ... «فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف ~~طبقاتهم وهيئ مجلس الشراب بآلاته ...» # قال الجوزجاني: «وكان الشيخ قوي القوى كلها، وكانت قوة المجامعة في قواه الشهوانية ~~أقوى وأغلب ... فأثرت في مزاجه، وكان الشيخ يعتمد على قوة مزاجه حتى صار أمره في السنة ~~التي حارب فيها علاء الدولة تاش فراش على باب الكرخ إلى أن أخذه قولنج - أي مرض في ~~الأمعاء الغلاظ - ولحرصه على برئه إشفاقا من هزيمة يدفع إليها ولا يتأتى له المسير ~~فيها مع المرض حقن نفسه في يوم واحد ثماني كرات، فتقرح بعض أمعائه ...» # وقد خوطب في ذلك فقال: إنه يحب الحياة عريضة قصيرة ولا يحبها ضيقة طويلة! # وتمت لابن سينا هذه الأمنية - إن صح أن تسمى أمنية - لأنه مات في نحو السادسة ~~والخمسين بالسنين الشمسية، وحفلت حياته بالحركة والعمل، كما حفلت باللهو والخطر. فلم ~~تكن الحياة العريضة الحافلة مما يسره ويوافق مرامه في جميع الأحوال، لأنه عاش في عصر ~~الانقسام والتنازع على الملك بين أمراء الأقاليم في الرقعة الشرقية من الدولة العباسية، ~~وكانت شهرته بالطب وشهرته بالعلم تغريان الأمراء بتقريبه وتزيين مجالسهم باسمه وفضله، ~~فدخل في منازعاتهم ولحقه من تقلب أحوالهم ما أرادوه وتعمدوه وما لم يريدوه ولم يتعمدوه. ~~فتعرض للقتل والسجن ونجا بنفسه غير مرة في زي الفقهاء تارة وفي زي الدراويش تارة أخرى، ~~وكثرت رحلاته بين خراسان وأصفهان ms07 وهمدان والري وجرجان، وكان بعض هذه الرحلات في صحبة ~~الأمراء والجند وهم يزحفون للقتال، وبعضها في خفية عن الأمراء والجند هربا مما يقصده ~~به هؤلاء وهؤلاء، وانعقدت له صلة وثيقة بجميع هؤلاء الأمراء ما عدا أمراء الدولة ~~الغزنوية؛ لأنه أعرض عن دعوتهم وبغضه فيهم أنهم جعلوا الدعوة إلى السنة ذريعة إلى البطش ~~بأصحاب المذاهب الأخرى ولا سيما الشيعة والمشتغلين بالفلسفة والرياضيات، ولعله لم يغفر ~~لهم قسوتهم على أصدقائه من أمراء الدولة السامانية، فإنهم غدروا بهم وعذبوهم وقد كانوا ~~لهم قبل ذلك من الخدم والأتباع، ولم يكن أحب إلى الأدباء والحكماء من أمراء آل سامان ~~لعطفهم على الفن والأدب وتشجيعهم للتأليف والتحصيل، وحسبهم عندهم أنهم رعاة الرازي ~~والفردوسي وأصحاب سمرقند التي نشرت صناعة الورق في بلاد المسلمين. # دالت الدولة السامانية هذه وابن سينا في الثامنة عشرة، ومات أبوه وهو في الثانية ~~والعشرين، فتقلب في البلاد ولحق بشمس الدولة البويهي في همدان وتقلد له الوزارة وأوشك ~~أن يستقر في جواره لولا أنه أغضب الجند من الديلم والترك، فثاروا عليه واعتقلوه وهموا ~~بقتله، فأنقذه الأمير منهم وراح الوزير الطبيب يلوذ بالديار مستخفيا في طلب الأمان حتى ~~هدأت الفتنة وعاود المرض الأمير فبحث عنه واعتذر إليه واستبقاه لمداواة جسده ونفسه بطبه ~~وعلمه وإيناسه. # ولما مات شمس الدولة برم الشيخ بالمقام في همدان وتاق إلى اللحاق بعلاء الدولة بن ~~كاكويه في أصفهان، واتهمه تاج الملك بمراسلة علاء الدولة فاعتقله في بعض القلاع أربعة ~~أشهر ... وفي ذلك يقول الشيخ وهو يدخل إلى معتقله: # دخولي باليقين كما تراه # وكل الشك في أمر الخروج # وفتح علاء الدولة همدان ثم رجع عنها فبقي الشيخ طليقا يدبر وسائل الخروج منها، حتى ~~سنحت له فرصة مؤاتية فخرج وأخوه وتلميذه وغلامان له في زي الصوفية، ورحب به علاء الدولة ~~أجمل ترحيب ورفع مقامه في مجلسه فكان أقرب المقربين إليه، ولم يفرط في صحبته على اتهام ~~الناس إياه بالزندقة لتقريبه الفيلسوف وإصغائه إليه. # وكان لحاق ابن سينا بعلاء الدولة وقد جاوز الأربعين واستوفى ms08 خبرته بالطبيعة الإنسانية ~~وبالمعرفة الإنسانية، فسكن إلى العمل ما وسعه السكون وأتم بعض كتبه الناقصة، وتوفر على ~~دراسة اللغة حتى علم من غوامضها وأسرارها ما غاب عن أساطينها في زمانه، وحفزه إلى ذلك ~~كلمة سمعها من أبي منصور الجبائي في مجلس علاء الدولة إذ خاض معه في حديث اللغة فقال له ~~الجبائي: «إنك فيلسوف وحكيم، وأما كلامك في اللغة فلا نرضاه.» فلم يزل يدرس الكتب ~~النادرة في أسرار العربية حتى واجه الجبائي بعد سنوات بما أفحمه واستغلق عليه. # وطاب له المقام بعد طول الفزع والشتات، فطمع تلاميذ الشيخ ومريدوه في عشرات من ~~المراجع والموسوعات التي كان الشيخ يتحين أوقات الطمأنينة والفراغ ليمليها عليهم ويفسر ~~من موضوعاتها ما استعجم عليهم. ولكنه كان قد لقي في جسمه عنتا من توالي المحن ومواجهة ~~الأخطار ومنازعة الحساد وفرط الإجهاد والتماس التفريج عن النفس بالمتعة والشراب، فاشتدت ~~به علة القولنج واعتراه الصرع حينا والصداع حينا، واعتمد العلاج الحاسم السريع كلما ~~أحس بالمرض لأنه لم يكن يصبر على طول العلاج. # وقد أصابته أزمة الداء وهو في رحلة فنقل إلى أصفهان، ولم يزل يعالج نفسه حتى قدر على ~~المشي وحضر مجلس علاء الدولة «لكنه مع ذلك لا يتحفظ ويكثر التخليط في أمر المجامعة ... ~~فكان ينتكس ويبرأ كل وقت ... ثم قصد علاء الدولة همدان فسار معه الشيخ فعاودته في الطريق ~~تلك العلة ... وعلم أن قوته قد سقطت وأنها لا تفي بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه وأخذ ~~يقول: المدبر الذي كان يدبر بدني قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع المعالجة.» # ولعل الخطر الذي كان يلاحق الفيلسوف في حياته يبدو لنا على أشده من شيء واحد: هو هذا ~~الحرص على شهود مجلس الأمير وهو ينازع نفسه مخافة الوشاية والمكيدة في غيابه، وإنه ~~يومئذ لعند أولى الأمراء بحسن ظنه والاطمئنان إليه. فلولا أنه لا أمان حيث كان لما خشي ~~على مكانته، إن لم نقل على حياته من غياب يوم أو أيام. # ولم يلبث أن غلبه المرض على الخوف والحذر فنفض ms09 يديه من الدنيا «واغتسل وتاب وتصدق بما ~~معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم كل ثلاثة أيام ختمة. ~~ثم مات ...» ولعله لم يسلم من الوشاية في مرض وفاته إن صح أنه مات محبوسا كما جاء في بعض ~~الروايات. # وكانت وفاته يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ولم يجاوز بحساب ~~السنين الهجرية ثماني وخمسين. # ولم يلبث أن طرأ على سيرته ما طرأ على سير أمثاله من أفذاذ العبقريين الذين ذاعت ~~شهرتهم في حياتهم. فجللته القداسة ورويت عنه الأعاجيب والكرامات، وأصبح ضريح الفيلسوف ~~المتهم في عقيدته مزارا يطيف به المتبركون المتوسلون، وخيل إليهم أن صاحب الضريح له ~~غير جسد واحد أو أن الناس يتنازعون جسده في كل مكان. فقيل إنه دفن بهمدان، وقيل إنه دفن ~~بأصفهان، وزعم بعض الأوروبيين أنه دفن بالمغرب في الأندلس بسعي ابن رشد وتدبيره، وأعجب ~~من ذلك ما ورد في قصة طبعت بمصر عن سيرة «أبي علي ابن سينا وأخيه أبي الحارث» وجاء ~~فيها أن الفيلسوف قد عمر إحدى وثمانين سنة ودفن بسمرقند، وأنه لما شعر باقتراب الموت ~~استنحت في قالب من المرمر على شكل صورته وأعلم تلميذه جاماس الحكيم أن يخفي أمره إذا ~~مات وليفعل ما يأمره به ... وفعل جاماس بالوصية وأخذ جثة ابن سينا ووضعها في جرن من ~~الرخام ... ولكن تلميذه تفكر أن ابن سينا إذا عاد إلى الحياة دام إلى القيامة وهو شهير في ~~العلوم فلم يبق لتلميذه اسم ولا رسم، فالأولى تركه على هذه الحالة، ثم كسر جاماس ~~الزجاجة السابقة وأخفى الحمام وترك ابن سينا على حالته تلك وانطلق إلى سبيله ... أما صوت ~~ابن سينا فكان يسمع والناس يتعجبون ... قال الراوي: «إن الحمام المسمى ميزار معمور إلى ~~وقتنا هذا، وقد كنت توجهت حين سياحتي إلى سمرقند وأتيت إلى الحمام في وقت التجميد ~~وأصغيت فسمعت صوته من داخل خلوة قليلا قليلا فاستمعت زمنا طويلا فإذا تزاحمت الناس ~~قل الصوت ...» # أما معجزات الرجل الصحيحة فأشهرها وألزمها للباحث في ms10 فلسفته وأدلها على علمه كتاب ~~الشفاء في الإلهيات والطبيعيات، وكتاب النجاة وهو مختصر الشفاء، ويقال إنه تركه ناقصا ~~فأتمه تلميذه الجوزجاني الذي سبقت الإشارة إليه، وكتاب منطق المشرقيين، ويرجح أنه جزء ~~من الكتاب المسمى بالحكمة المشرقية، وأثبته الجوزجاني وابن طفيل وابن رشيد تارة باسم ~~الحكمة المشرقية وتارة باسم الفلسفة المشرقية، وكان الشيخ الرئيس يريد أن يختص به ~~العلية ويقول عنه: «إننا ما جمعناه لنظهره إلا لأنفسنا والذين يقومون منا مقام أنفسنا.» ~~وينقض به بعض آراء المشائين التي ألفها «متعلمو كتب اليونانيين ألفا عن غفلة وقلة فهم» ~~ولكن الكتاب لا يوجد تاما. وما طبع منه بمصر مقصور على المنطق وهو كاف في الدلالة على ~~منحاه. # ومن ألزم الكتب لمن يدرس ابن سينا كتاب «الإشارات»، وهو قسمان: قسم في المنطق وقسم في ~~الإلهيات، وقد يستغني به من يطلب الإلمام دون التطويل. # وله غير ذلك عجالات وقصص ورسائل كثيرة في أغراض شتى من الحكمة والفقه والرياضيات ~~والتصوف والأدب، طبع الكثير منها ولا يزال بعضها مخطوطا في المكتبات الشرقية ~~والأوروبية، وأشهرها جميعا قصة الطير وقصة حي بن يقظان، وقصيدة النفس ورسالة في القضاء ~~والقدر، وفي المبدأ والمعاد، وفي الأخلاق، وفي القوى الإنسانية وإدراكاتها، وفي الأجرام ~~العلوية، وفي الحدود، وفي إثبات النبوات وتأويل الرموز، وفي العشق، وفي الزيارة، وفي ~~وقوف الأرض بالفضاء، وليس من العسير الحصول على المطبوع من هذه الرسائل والقصص ~~والعجالات. ~~••• # أما في الطب فكتاب القانون هو عمدة المعارف الطبية التي علمها ابن سينا لمريديه، ~~وكانت له ملحقات في تجاربه ومعالجاته نوى أن يثبتها فيه فضاعت فيما ضاع من أوراقه بين ~~غارات الجيوش ورحلات الفرار. وقد جرى أمر هذا الكتاب على سنة المبالغة بين الدهماء ~~والخاصة على السواء. فأما الدهماء فقد رأينا كيف اعتقدوا القدرة في ابن سينا على إحياء ~~الجسوم بعد موتها، وأما الخاصة فقد جعلوه مرجع الطب أربعة قرون في الجامعات الأوروبية، ~~وقال فيه ابن زهر الطبيب الأندلسي إنه لا يساوي الورق الأبيض الذي كتب عليه. ومقطع الحق ~~بين هذه المبالغات ms11 أنه كتاب لم يكن في زمان ما هو خير منه وأجدى في شئون الطب ~~والعلاج. ~~••• # وقد أفاد ابن سينا بصلاته الشخصية كما أفاد بالتأليف والتصنيف، فاتصل به البيروني ~~الذي قال فيه الأستاذ «ساخاو» الألماني: إنه أكبر عقل ظهر في تاريخ بني الإنسان، وكان ~~يسأله سؤال المستفيد - وإن تنكر له فيما بعد - وهو أكبر منه سنا وله ذلك الشأن الذي ~~تدل عليه تلك الشهادة من المتأخرين. واتصل به أبو سعيد بن أبي الخير أمام المتصوفة في ~~زمانه وسأله كذلك سؤال المستفيد قبل أن تقع بينهما الجفوة لاختلاف النزعة والمزاج، ~~ولقيه ابن مسكويه الفيلسوف الأخلاقي المشهور، وتتلمذ له أبو عبيد الجوزجاني وأبو القاسم ~~الكرماني وأبو عبد الله المعصومي وأبو الحسن بن طاهر بن زيلة وبهمنيار بن المرزبان، ~~وعده عمر الخيام من أساتذته وهو من أبناء الجيل اللاحق بجيله ... وكلهم من أصحاب النظر في ~~الحكمة والطبيعيات والرياضيات، وبقي منهم من بقي على ولائه ولكنه ابتلي في أكثرهم كما ~~يبتلى كل متفوق مناضل محسود. # وكان المعجبون به على الجملة أكثر من محبيه، لأنه رزق أسباب الحسد من جميع نواحيه، ~~فكان رجلا عظيم الذكاء عظيم الشهرة عظيم الاعتداد بالنفس عظيم النشاط، ممتلئا ~~بالحياة، لا حيلة له في اجتناب مراتب الرفعة لأنه طبيب مشهور وفيلسوف مشهور، فلو ترك ~~الأمراء والرؤساء لما تركوه. ومن كان هذا شأنه في عصور المنازعات فلا مناص له من أن ~~ينازع الناس وينازعوه، فقد أعدته جبلته وجبلة زمانه للمغالبة والمصاولة، فوقرت له هذه ~~الصفة في نفوس الناس من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون: سمع كلمة من نظير يتعالى عليه ~~باللغة فلم يهدأ حتى غلبه فيها، واحترقت المكتبة السامانية فوقع في روع أهل بخارى أنه ~~أحرقها لينفرد بما علمه منها ولا يدانيه أحد بمثل علومه، وما زال ديدن الناس مع من ~~يحسون منهم المغالبة أن يعاملوهم بقول القائل: «اصرعه قبل أن يصرعك» أو «تغد به قبل أن ~~يجعلك عشاءه» ... فلا جرم وقع في خاطر غلمانه أن يهلكوه قبل أن يهلكهم، لأنهم ~~خانوه ms12 ! # قال بعض حاسديه يشمت به بعد وفاته: # رأيت ابن سينا يعادي الرجا # ل وبالحبس مات أخس الممات # فلم يشف ما ناله بالشفاء # ولم ينج من موته بالنجاة # يريد أنه مات «بداء الحبس» يعني القولنج، أو يريد أنه مات محبوسا كما قيل في بعض ~~الروايات، ولا حيلة لابن سينا في معاداة الرجال فإنه لو سالمهم لحاربوه، ولو نسي أنه ~~أسد لما نسوا أنهم كلاب، كما قال ناقد غربي امتحن ببعض ما امتحن به الشيخ ~~الرئيس. ~~(2) مشكلات الفلسفة # قبل أن نلم بآراء ابن سينا في مشكلات الفلسفة يستدعينا المقام أن نلم بتلك المشكلات ~~ثم نلم بالتفسيرات التي حلت بها في مذاهب المتقدمين عليه. # ونقول «المتقدمين عليه» ونعني بهم أولئك الذين سبقوا ابن سينا إلى مثل موضوعاته وكان ~~لهم أثر في تفكيره واعتقاده؛ لأن مذاهب الفلاسفة جميعا أكثر من أن يحيط بها الإحصاء في ~~عجالة واحدة، ولو من قبيل الإجمال. # ففي العالم من المذاهب الفلسفية بقدر ما نبغ من الفلاسفة ... ولكنها تنقسم عادة إلى ~~قسمين شاملين وهما: قسم الفلسفة المادية؛ وهي التي يرى أصحابها أن مادة العالم في غنى ~~عمن يدبرها من خارجها، وقسم الفلسفة الإلهية؛ وهي التي يرى أصحابها أن المادة لا تستغني ~~عن قدرة عاقلة «غير مادية» تستمد منها حركتها. # وأشد المذاهب المادية إمعانا في مناقضة الفلسفة الإلهية هو مذهب المادية الثنائية # Dialectical Materialism # الذي يتلخص في أن ~~المادة قديمة متحركة بذاتها مشتملة على العناصر التي تنشئ منها الحياة والعقل حسب ~~الطبيعة المستكينة فيها ... ومن قوانينها اجتماع الأضداد فيها ريثما يتغلب ضد منها على ~~ضده بغير انقطاع لهذه المغالبة الدائمة، وأن الصفة «الكمية» فيها تتحول إلى الصفة ~~«الكيفية» فتنشأ الحياة كما ينشأ العقل من هذا التحول، إما على التدريج وإما طفرة كما ~~تظهر بعض أنواع النبات من الأنواع الأخرى، فلا توجد «كيفية» إلا وهي نتيجة التغير في ~~الكمية، ولا توجد حالة قط إلا وهي تنطوي على ما يناقضها، فلا تبلغ تمامها إلا ظهر منها ~~النقيض الذي تنطوي عليه. وهذا عندهم هو ms13 تفسير ظهور الحياة من المادة العمياء التي لا ~~تشبهها، وهو كذلك تفسير ظهور العقل في الحياة كلما تطورت فيها الكميات والكيفيات على ~~النحو المتقدم. أي نحو الانتقال بين الضد والضد والتحول من صفات الكمية إلى صفات ~~الكيفية. ومن تعبيراتهم المجازية أن للقوة المادية «عمقا» يتجلى في هذه الخصائص ~~العقلية والمعنوية التي تقترن بالحياة. وهم يؤمنون بالدور الدائم في المادة الأولية، ~~فيقول إنجلز # Engels # من أساطين هذا المذهب: «إن المادة ~~تتحرك في دورات أبدية تستتم كل دورة منها مداها في دهر من الزمان تلوح السنة الأرضية ~~إلى جانبه كأنها عدم: دورة تلوح فيها فترة التطور الأعلى ونعني بها فترة الحياة العضوية ~~التي يتوجها الوعي الذاتي شيئا صغيرا بالقياس إلى تاريخ الحياة وتاريخ الوعي نفسه: ~~دورة تكون فيها كل هيئة خاصة من هيئات المادة سواء كانت شمسا أو سديما أو كانت ~~حيوانا أو نوعا من أنواع الحيوان، أو كانت تركيبا كيميا أو انحلالا كيميا - ~~أبدا في تحول وانتقال: دورة لا يدوم فيها إلا المادة المتغيرة أبدا وإلا ناموس التغير ~~الأبدي والحركة الأبدية ... ومهما تتكرر هذه الدورة ويبلغ من قسوة تكرارها في الزمان ~~والمكان، أو مهما تطلع فيها من شموس وأرضين ثم تغرب بعد حين، أو مهما يطل الانتظار قبل ~~أن تبرز هنا أو هناك منظومة شمسية أو كوكب تتهيأ عليه البيئة للحياة العضوية، ومهما ~~ينشأ أو ينقرض من الخلائق قبل أن تنجم بينها أحياء تفكر بأدمغتها وتجد لها ملاذا يسمح ~~لها بالحياة ولو إلى فترة وجيزة، فإننا مع هذا لعلى يقين أن المادة في كل تغيراتها تظل ~~أبدا واحدة وأبدا كما هي، وأنها لن تفقد صفة من صفاتها، وأن تلك الضرورة الحديدية ~~التي تقضي بزوال أرفع زهرات المادة - وهي القوة المفكرة - هي بعينها تقضي بميلادها كرة ~~أخرى في زمان آخر ...» ~~••• # ولسنا هنا في صدد الرد على المادية الثنائية أو المذاهب المادية على اختلافها، ولكننا ~~نتكلم عن فيلسوف «إلهي» من غير الماديين، فعلينا أن نجمل موقف الفلسفة الإلهية من أمثال ~~هذه الآراء. # فالإلهيون ms14 الأقدمون يقولون بأن الحركة الأزلية مستحيلة؛ لأن الحركة هي الانتقال من ~~مكان إلى مكان أو من حالة إلى حالة، فقبل الحركة توجد الحالة أو يوجد المكان. وليس قبل ~~الأزل سابق يسبقه في المكان أو الزمان. وإذا قيل إن المكان سابق للحركة الأولى فكأنما ~~نقول إن المكان زمان قبل الزمان. # ويرد على المادية الثنائية في مسألة الأضداد بأنها قد جعلت المشكلة حلا وسكتت على ~~ذلك، وهو خلف لا يعقل السكوت عليه. إذ ما هي المشكلة في رأي العقل وفي التعليلات ~~الفلسفية؟ هي التناقض وقيام الأضداد! وأين هي المشكلة إذا كان التناقض هو الحل ~~المقبول؟ # ويرد عليهم بأن الثنائية مفهومة حين يتقابل العقل والمادة أو تتقابل الروح والمادة. ~~أما أن تكون مادة ومضادة لمادة في طبيعتها، فهذا هو موضع العجب لا موضع التفسير. وعلى ~~الماديين الثنائيين أن ينتظروا سؤالا لا بد له من جواب وهو: لماذا قدروا أن الحياة ~~والقوة الفكرية تظهران في الوقت الذي ظهرتا فيه؟ # إن المسألة ليست بمسألة مقدار من السنين أو الدورات. يقال مثلا إن عشرة آلاف سنة لا ~~تكفي فتكفي عشرون ألف سنة، أو إن عشرين ألفا لا تكفي فلا بد من ضعفها أو ضعفيها، أو أن ~~مائة ألف سنة لا تكفي فلا بد من مليون سنة أو مليونين أو أكثر من ذلك بما يقاس أو لا ~~يقاس. فإن عدد السنين والدورات منذ الأزل إلى وقت ظهور الحياة لا يدخل في إحصاء ولا ~~يقبل الإحصاء. # فالمسألة إذن ليست مسألة مقدار من السنين والدورات، ولكنها مسألة خاصة في طبيعة ~~المادة متأصلة فيها منذ كانت من أزل الآزال. فكيف نسمي هذه الخاصة التي لا تسمح بظهور ~~الحياة أو العقل مثلا إلا في سنة كذا ألف قبل الميلاد؟ # ولماذا كل هذا الهروب من تقرير وجود العقل قبل المادة؛ إذا كان تقرير وجود المادة قبل ~~العقل يصل بنا إلى هذه الإحالات ويلجئنا في أول خطوة إلى التسليم بالأضداد؟ # وكيف تكون المادة قوة عمياء منذ الأزل ثم يطرد التقدم فيها من هذه ms15 الحركة العمياء إلى ~~حركة النبات ثم حركة الحيوان ثم حركة العقل في الحيوان عند بلوغه مرتبة الإنسان؟ أيسمى ~~هذا تقدما مطردا بغير هداية في عقل سابق؟ أم ننكر أنه تقدم مطرد لنهرب من القول بسبق ~~العقل والحياة؟ # إن فاقد الشيء لا يعطيه كما قال الأولون. وقد كانت شفاعة الماديين الثنائيين إذا ~~أنكروا العقل الخالق أن يقفوا عند المحسوسات وأن يحلوا المشكلات التي لا يحلها العقليون ~~والإلهيون، أما أن يجعلوا المشكلة حلا وأن يستبيحوا لأنفسهم مجاوزة المحسوسات ليقولوا ~~بالدورات الأبدية والفروض المستغربة فذلك غير مفهوم إلا على وجه واحد، وهو أن الغرض ~~الهبوط كلما أمكن الهبوط. والقول بالمادة أهبط من القول بالعقل ... فلنقل إذن بالمادة ولو ~~تطوحنا في المغيبات التي لا يقوم عليها دليل وبدأنا الحل بالأضداد التي هي نهاية ~~الأشكال. ~~••• # والفلسفة الإلهية لا تخلو من المشكلات العويصة التي يكثر الخلاف بين الفلاسفة على ~~عرضها وتفصيل حلولها وتأويلاتها. ولكن الفرق بين الفلسفة الإلهية والفلسفة المادية في ~~هذا أن الفلسفة الإلهية لم تغلق الباب ولم تختم الأشكال بإقرار الأشكال، وتركت الباب ~~مفتوحا لمن يبتغي الوصول من طريق التأمل أو طريق الرياضة الروحية أو طريق الاستشراف ~~للكشف والإلهام. # أما هذه المشكلات فيمكن تلخيصها في هذه المسائل الأربع وهي: ~~(1) # وجود العالم. ~~(2) # وجود النفس. ~~(3) # وجود الشر. ~~(4) # حرية الإنسان. # فيسألون: كيف وجد العالم؟ هل وجد بعد أن لم يكن؟ وبعبارة أخرى: هل هو حادث من ~~العدم؟ # فإذا كان حادثا من العدم فأين محل العدم مع وجود الله جل وعلا وهو كلي ~~الوجود؟ # وهل الإرادة الإلهية التي قضت بأحداثه حادثة أو قديمة؟ إن الله قديم لا يتغير، فليس ~~يجوز في حقه حدوث الإرادة؛ لأن حدوثها إنما يكون لما هو أفضل أو لما هو مفضول، وكلاهما ~~ممتنع بالنسبة إلى الله. # ثم يبحثون في القدرة الإلهية ومعنى اتصاف الله بالقادر على كل شيء ... فهل القدرة على ~~كل شيء معناها القدرة على المستحيل؟ إذن يكون المستحيل والممكن شيئا واحدا في العقل ~~وهما مختلفان ... أم تكون القدرة غير متعلقة بالمستحيل؟ إذن ms16 يسأل السائل: من أين جاءت ~~الاستحالة؟ أمن مشيئة الله أم من طبيعة الشيء؟ فإن كانت من مشيئة الله فالذي يثبت ~~الاستحالة يمحوها إذا شاء، وإن كانت من سبب آخر فكيف يتصور العقل شيئا غير إرادة الله ~~يمنع ويجيز في المعقولات والموجودات؟ # تلك خلاصة وجيزة لمسألة العالم وحدوثه بإرادة الله واتصافه سبحانه وتعالى بالصفات ~~التي تتجلى في الخلق والمخلوقات. # أما «النفس» فهم يسألون عنها أهي جوهر مجرد أم جسد من الأجساد؟ # فإذا كانت جوهرا مجردا فكيف تدبر الجسد وأين تحل فيه بالعرض الذي هي منزهة عنه؟ وإن ~~كانت جسدا فما الفرق بينها وبين الجسد الذي تحل فيه؟ وهل تفنى كما تفنى الأجساد وتتعرض ~~للتحلل والفساد كما تتعرض أجساد الأحياء وأجرام الجماد؟ # ويعودون إلى السؤال عن الجوهر المجرد: متى يدخل جسم الجنين؟ وإلى أين مصيره بعد ~~مفارقة جثمانه؟ وهل نفس الولد قطعة من نفس الوالد أو كلتاهما مستقلة وجدت منذ القدم بلا ~~تقديم ولا تأخير؟ # أما مسألة الشر ووجوده في العالم فهم يسألون: كيف يوجد في العالم ما يسمى شرا على ~~اختلاف معانيه؟ # إذا قيل إن وجود العالم من وجود الله فوجود الله منزه عما يأباه، وإذا قيل إن وجود ~~العالم من العدم فالعدم فيه الخير والشر على السواء ولا يكون إذا كان إلا بإرادة ~~المريد؟ # فهل الشر موجود أو غير موجود؟ # وأناس آخرون يعرضون المسألة على وجه آخر فيسألون: هل الشر صحيح أو غير صحيح؟ وهل هو ~~يوافق الخير أو هما نقيضان لا يتفقان؟ وهل الأخيار كالأشرار إذا قلنا إن سر الخير وسر ~~الشر لا يتناقضان؟ # أما مسألة الحرية الإنسانية فليست هي من محض المسائل الفلسفية التي تعضل على المفكرين ~~الذين يقصرون البحث على موضوعها ولا يتجاوزونه إلى ما وراءه، ولكنها من مسائل الفلسفة ~~الدينية الكبرى؛ لأنها تربط بينها وبين حساب الإنسان على أعماله وما يستحقه في الحياة ~~الأخرى أو في الحياة الدنيا من الثواب والعقاب. # فالثواب والعقاب مقرران في جميع الأديان. ولهذا يسأل الفلاسفة الدينيون: ما نصيب ~~الإنسان من الحرية ms17 في أعماله؟ هل هو حر في عمل الخير والشر كما يريد؟ وهل يكون حرا في ~~أعمال الحياة من خلقت له الحياة؟ وإذا كان مسيرا في أعماله كما هو مسير في وجوده ~~فكيف يحيق به العقاب أو كيف يحق له الثواب؟ # إن العدل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. ومسألة الحرية الإنسانية في مذاهب الفلسفة ~~الدينية هي مسألة التوفيق بين العدل الإلهي وبين الثواب والعقاب في الدار الآخرة أو في ~~كلتا الدارين. ~~••• # تلك خلاصة سريعة لمشكلات الفلسفة الإلهية كما عرضت لابن سينا في حياته وعرض لها في ~~كتبه وأقواله. وقد حلها الفلاسفة الذين تقدموه وكان له فيها رأي مستقل عنهم في بعض ~~الحلول. ويطول بنا الشرح لو تناولنا حلولهم كلها في التقديم لفلسفة ابن سينا وما استقل ~~به عنهم من الآراء، فإنما نجتزئ هنا بحلول الفلاسفة الذين كانت بينهم وبينه صلة وثيقة ~~من التمهيد والتعليم، وهم أفلاطون وأرسطو وأفلوطين والفارابي وبعض فرق الإسماعيلية وبعض ~~المتفلسفة من قدماء الهند وفارس، وسنتبع هذا الفصل بإجمال حلول هؤلاء الفلاسفة في هذه ~~المشكلات. ~~(3) حلول الفلسفة # يعد أفلاطون أكبر الفلاسفة «الإلهيين» بين اليونان؛ لأنه أول من وضع بينهم مذهبا ~~مفصلا يجعل «الفكرة» مقدمة على المادة، سابقة لها في المرتبة وفي الزمان. # ولكنه على هذا ليس بأول الفلاسفة الذين عالجوا البحث في مسألة الفكرة والمادة؛ لأنه ~~نبغ في عالم الفلسفة بعد أن تقررت فيه آراء طاليس وفيثاغورس وبارمنيدس وهيرقليطس، وبعد ~~أن ساهم كل منهم بحصته في محصول الحكمة الإلهية وورثها عنهم أفلاطون وتابعوه، فولد ~~أفلاطون وطلاب الفلسفة يعرفون أن «الروح» موجود وأن المادة غشاء باطل لأنها تتغير ولا ~~تستقر على حقيقة ثابتة، وأن «المركب» يتغير ولا يبقى على حالة واحدة غير «الجوهر ~~البسيط» ... وأن المادة والروح عنصران مختلفان، وأن الجسد حجاب يحول بين العقل وبين ~~الخلوص إلى عالم الكمال وهو عالم الروح، وأن الدنيا بأسرها توجد وتزول في دورات تتبعها ~~دورات بغير انتهاء. # وهذا فضلا عما استفاده من أستاذه سقراط ورواه عنه في كتبه ومحاوراته، وهو طبقة ms18 واحدة ~~تمثل لنا الفلسفة الإلهية كما وصلت إليه في جيل الأستاذ والتلميذ. # وقد تصرف هؤلاء الفلاسفة الأسبقون في الحكمة الإلهية بالرأي والاجتهاد، ولكنهم أخذوا ~~جميعا من الديانات القديمة التي تلقاها اليونان مباشرة من بين النهرين ومصر وفارس ~~والهند! أو اتصلوا بها من طريق الديانة «الأورفية» في آسيا الصغرى، وهي مزيج من ديانات ~~الهند ومصر والمجوس؛ لأن الديانة الأورفية تشتمل على كل عنصر من عناصر العقائد التي ~~لخصناها في الأسطر السابقة، ولا سيما الرياضة الروحية وبطلان المادة وتناسخ الأرواح، ~~ففيها جرثومة حية لكل رأي قال به طاليس وبارميندس وهيرقليطس، ثم قال به بعدهم سقراط ~~وأفلاطون. # ولا نرى في زبدة المحصول كله ما هو أحق بالتنويه في هذا الصدد من نتيجتين اثنتين: ~~أولاهما، الاعتقاد بقصور المادة وعجزها عن الاستقلال بالحركة ونسبة كل حركة فيها إلى ~~مصدر غير مصدرها، حتى قال «طاليس» بوجود روح في المغناطيس لأنه يحرك الحديد. وثانيتهما، ~~الاعتقاد بالثنوية الروحية والمادية في الإنسان وفي الأرض والسماء ... فإن هاتين ~~النتيجتين داخلتان في كل فلسفة يونانية أو غير يونانية، من ذلك العصر إلى أحدث ~~العصور. # وسنرى موضع هاتين النتيجتين فيما يلي من كل حل من حلول الحكماء للمشكلات الفلسفية كما ~~نلخصها بعد، وفي مقدمتها حلول أفلاطون. ~~(3-1) أفلاطون # العالم والله # ولا ننسى ونحن نلخص أقوال أفلاطون في الله والعالم أن فكرة التوحيد كما ~~نعرفها الآن في عقائد الأديان لم تكن معروفة على عهد ذلك الفيلسوف، وأن العالم ~~وحده كان هو الواقع الماثل أمام الحس والعقل والخيال، وكل ما عداه فهو استخلاص ~~وتفسير يجتهد فيه كل مجتهد بما يراه، ولا يسلم في اجتهاده من أثر العقائد ~~الوثنية والكهانات الخرافية والتقديرات العلمية التي كانت تحدق يومئذ بالمفكرين ~~وغير المفكرين. # فليس لنا إذن أن ننتظر من أفلاطون فكرة واضحة عن توحيد الله كما وصفته ~~الأديان الكتابية بعد عصره، وإنما كان يتكلم عن الله تارة وعن الآلهة تارة ~~أخرى. ولا يفرض وجود إله واحد يفوق هذه الآلهة جميعا إلا من قبيل القياس ~~العقلي، الذي يقضي بتفضيل ms19 الأفضل فالأفضل ثم اجتماع الفضيلة العليا في واحد لا ~~يتعدد، وهو إله الآلهة ورب الأرباب. # واسم الله في اليونانية هو ثيوس # Theos # أو ~~زيوس كما شاع في اللغات الأوروبية ... وتفسير أفلاطون للكلمة يدل على إدراكه ~~لفكرة الله في أصلها الأصيل. فهو يزعم أنها مأخوذة من ثيو # Theo # بمعنى «أنا أجري أو أتحرك» في اللغة اليونانية. فالمادة ~~بحاجة إلى من يحركها ويعطيها الحياة وليست بحاجة إلى من يخلقها في نظر أفلاطون، ~~وهي من ثم بحاجة إلى الله. # فالله هو محرك المادة ومخرجها إلى هذا النظام الذي نراه في السماوات ~~والأرضين. والله - لأنه عقل - لا يوجد مادة بل يوجد عقلا تستمد منه المادة ~~الحركة والإدراك وتندفع به في معارج الكمال. # والله خير محض فلا يصدر منه إلا الخير، ولا يخلق إلا الخير، وإنما الشر الذي ~~يقع في الكون من خلق الأرباب التي تسمى بالأرباب المخلوقة، ومن نقص المادة وهي ~~تحاول الارتفاع إلى مرتبة الكمال، أو إلى مرتبة العقل المجرد؛ لأن الله منعم ~~جواد منحها الشوق إلى الكمال. فهي أبدا في اشتياق إليه، وهي أبدا صاعدة ~~متسامية كلما اتجهت من التجسد إلى التجريد. # وهي بظواهرها باطلة متغيرة. # وهي بحقيقتها صحيحة خالدة. # وهذه «الحقيقة» هي لب لباب الفلسفة الأفلاطونية، لأنه يميز بها على طريقته ~~الخاصة بين موجودات الحس والموجودات «المعقولة» التي تتمثل للعقل ولا تتمثل ~~للإحساس. # فكل ما يقع عليه الحس فهو في رأي أفلاطون وهم باطل أو محاكاة للحقيقة الخفية، ~~أو محاولة لإبراز معنى من المعاني المستورة. # ومثال ذلك هذا الشجر الذي نراه: فهذه الشجرة مثمرة، وهذه الشجرة ذابلة، وهذه ~~الشجرة خضراء، وهذه الشجرة يابسة، وهذه سامقة، وهذه قاصرة، وكل منها فيه نقص عن ~~الشجرة المثالية التي لا نقص فيها، فأين هي هذه الشجرة المثالية؟ هي في عالم ~~المعنى أو في عالم العقل. وهي وحدها التي لها وجود صحيح لا يعتريه التبدل ولا ~~تصيبه عوارض الزمان ولا يزال قائما في العلم الإلهي تحكيه الأشجار المحسوسة ~~وتتبدل وتزول وهو منزه عن التبديل والزوال. # وهذه ms20 الحقائق المعنوية هي التي يسميها أفلاطون بالصحائح أو المثل، وقد تعرف ~~عند المناطقة بالكليات # Universals # وتقابلها ~~الجزئيات Particulars # وهي هذه الموجودات ~~الباطلة في رأي أفلاطون. # ومن عادة أفلاطون أن يعزز آراءه بالأمثلة والأساطير التي تقربها إلى تلاميذه، ~~فهو يضرب المثل للدنيا وحقائقها وموجوداتها بكهف يقيم فيه الناس وهم مقيدون ~~يستقبلون فيه جدارا لا يتحولون عنه، ووراءهم نار تعكس الظلال من خارج الكهف ~~على ذلك الجدار. فالأشباح التي يرونها على الجدار هي هذه الموجودات أو هذه ~~الجزئيات التي تحكي الحقيقة وليست هي بها، وإن كانت تحكيها ... أما الصور الصحيحة ~~فلن يراها الناظر إلا إذا أطلق نفسه من قيود ذلك الكهف وخرج منه إلى النور. ~~ومعنى ذلك أننا محبوسون في كهف الجسد لا نرى من الحقائق إلا أشباحها المحاكية ~~لها، فإذا خلصنا من ذلك الحبس إلى عالم «العقل المجرد» فهناك الحقائق الخالدة ~~التي لا تتوقف على المكان ولا تمسها عوارض الزمان، ولا يصيبها النقص والتبديل ~~كما يصيب الأشباح المتراقصة على الجدار المطوي في الظلمات. # والعقل المجرد الذي يدرك هذه الحقائق أرفع قدرا من الفهم الذي يدرك ~~المعلومات الملابسة للأجساد، فهما عقلان لا عقل واحد في الإنسان، أو هما نفسان ~~إحداهما أقرب إلى التجريد والأخرى أقرب إلى التجسيم. # ولم تخف على أفلاطون نقائض هذا الرأي ومفارقات القول بوجود الصحائح المجردة ~~بمعزل عن الأجسام المادية، فقد وجه إليها في بعض محاوراته مناقضات لا تقل في ~~قوتها وإقناعها عن المناقضات التي هاجمه بها خصوم رأيه. ولكنه يري أن الفكرة في ~~أساسها صحيحة كافية لتفسير العلاقة بين عالم العقل وعالم المادة، وإن تعذر ~~تطبيقها في جميع الأحوال، لأن المجردات لا تنحصر في وعينا كما تنحصر فيه ~~المحسوسات. # وليس في مذهب أفلاطون أن الله خلق جميع هذه المحاولات المادية التي تتفاوت في ~~مراتب الخير والجمال، ولكنه يؤمن بأرواح وسطى بين الله والإنسان كأنها الملائكة ~~في الأديان الكتابية ويسميها الأرواح ~~الصانعة # Demiurges # وينسب إليها التشبه بالإله الواحد الصمد في خلق الخير ~~والجمال، وهو يرى أن الأرواح تعمر الكواكب ms21 السيارة وتحركها في أفلاكها ~~المنتظمة، وأنها تتوخى الدوران لأن الكون كله مستدير، وإنما كان مستديرا لأن ~~المتشابه خير من المتنافر أو الذي لا تتشابه أجزاؤه. والكرة المستديرة هي أوفى ~~الأشكال بتشابه الأجزاء. # أما قدم العالم أو حدوثه فأفلاطون يقول بأن «الزمان، هو محاكاة للأبدية، أو ~~هو الأبدية التي تسمو إليها منزلة المخلوقات، فالله سرمد منزه عن التحيز والأجل ~~المحدود، لا أول له ولا آخر، ولا مكان له ولا زمان. وهو - بكرمه وإنعامه - قد ~~شاء للمخلوقات أن تتشبه به في صفات الكمال، فأراد لها الدوام وأحب أن يعصمها من ~~الدثور والفناء، ولكنه لا يخلع عليها دوام «الأبدية» لأن دوام الأبدية صفته جل ~~وعلا، فهو لا يخلعها وهي لا تنتقل من المنعم بها إلى المنعم عليه. فأعطاها دوام ~~الزمان لأنه أكمل دوام ترتقي إليه المخلوقات. وأبدع الفلك والزمان معا، فشمل ~~بهما جميع مخلوقاته. ومن هذا يظهر أن المادة الأولى أو الهيولى كما يسميها ~~الفلاسفة أقدم من الفلك وأقدم من الزمان.» # وجود النفس # أما النفس فهي موجودة في رأي أفلاطون كما تقدم: وجدت في عالم العقل أو المعنى ~~أو في عالم الصحائح والمثل الذي أجملنا القول فيه. فهي تعرف الحقائق بالتذكر ~~ولا يحجبها عنها إلا حجاب الحسد وضلال الحس والشهوة، وهي خالدة لا تموت لأنها ~~جوهر بسيط لا يتحلل كما يتحلل الجسد المركب، ولكنها تلابس المادة في حياتها ~~الجسدية ثم تفارقها إلى عليين لتعيش بين الأرباب والملائكة والأرواح، ومصيرها ~~مقدور بمصير المادة التي تلابسها، فإن هبطت مع مادة الجسد صارت إلى جسم حيوان ~~أو حشرة أو مخلوق حقير، وإن ترفعت عن مادة الجسد صعدت إلى الرفيق الأعلى، وعادت ~~إلى عالم الخلد والكمال. # ويبدو من كلام أفلاطون عن النفس أو عن الروح أنها طراز ثالث من الموجودات ~~المعقولة والموجودات المحسوسة؛ لأنها تشترك مع كليهما في حياتها الجسدية. فتعقل ~~ثم تعمل مع الجسم في أداء الوظائف الحيوية كالخوالج العليا والأحاسيس الرفيعة ~~والشهوات الجثمانية. وقد يجعل أفلاطون لهذه الوظائف المختلفة أماكن مختلفة من ~~بنية الإنسان. فالنفس ms22 العاقلة في الدماغ، والنفس الحاسة في الصدر، والنفس ~~المشتهية في الأحشاء. ولا يفهم من هذا أن النفس نفوس ثلاث أو أنها منقسمة إلى ~~عناصر ثلاثة، وإنما يستخلص منه أن النفس لا تعمل في عالم المعقولات كما تعمل في ~~عالم المحسوسات والمشتهيات، لأنها تلتقي في بعضها بقيود لا تلتقي بها في بعضها ~~الآخر. فهو اختلاف في القدرة على التجرد بغير عائق أو بعائق كبير أو صغير، وليس ~~بين هذا الرأي في النفس وبين رأي البراهمة فيها فرق كبير. # وجود الشر # والشر في الدنيا موجود ولكنه من ضرورات المادة في قصورها ومحاولتها التي ~~تشرئب بها إلى ما هو أكمل وأعلى. أما الله فلم يخلق ~~إلا الخير ولا يصدر عنه إلا الخير، وكأنما ~~قصور المادة طبيعة فيها عند أفلاطون لأنها قاصرة بذاتها معارضة لما يحركها ~~ويسمو بها على طبيعتها. وهنا يبدو من أقواله في هذا الموضوع أن إرادة الله لا ~~تبطل الضرورات ولكنها تقربها إلى الخير والكمال بما تضفي عليها من عالم الحق ~~والعدل والتنزيه. فإذا كان سبب الأمر من عالم العقل فالله يوحي إليه فيتلقى عنه ~~وحيه، وإذا كان سبب الأمر من عالم الضرورة أو عالم المادة فهو معارض للعقل، ~~ومنه العناد والشر والفساد. # حرية الإنسان # وواضح من فحوى هذه الآراء أن أفلاطون لا يقرن بين مسألة العدل الإلهي ومسألة ~~الحرية الإنسانية كما يفعل الباحثون في مسألة القضاء والقدر من المؤمنين ~~بالأديان الكتابية؛ لأنه لا يرى أن الله يظلم الإنسان بما يصيبه من ضرورات ~~المادة ونقائض الأجساد، بل يعطيه الخير والجمال ويعينه على المادة الغليظة ~~ويطهره بالغلبة على شهواتها ونزواتها وضروراتها، ويهب له النفس المجردة لينتصر ~~بها على النوازع المتلبسة بالتجسيم ونقائض الجسوم. ~~(3-2) أرسطو # والمعروف عن أرسطو أنه تلميذ أفلاطون، بل أكبر تلاميذه وأكبر فلاسفة اليونان ~~وفلاسفة الزمن القديم غير مدافع. ويرى بعض المحدثين أنه نمط مقابل لنمط التفكير ~~الأفلاطوني يتممه تارة ويتم به تارة أخرى. وهو رأي صحيح إذا أردنا به التفرقة بين ~~جملة الأفكار الأرسطية وجملة الأفكار الأفلاطونية في ms23 جميع المباحث والموضوعات. ~~ولكنه إذا قصرناه على الفلسفة الإلهية لا يبلغ هذا المبلغ من التقابل ولا سيما ~~التقابل بين القطبين المتعارضين؛ لأننا نستطيع أن نقول إن الفلسفة الإلهية عند ~~أرسطو وعند أستاذه موحدة الأساس موحدة الآفاق مع زيادة في المنطق ونقص في الخيال ~~والاعتقاد في جانب التلميذ الكبير، وتثبت لنا هذه المشابهة من المقارنة بين رأييهما ~~في العالم والروح ومسألة الشر ومسألة الحرية الإنسانية. # العالم # فأرسطو يرى كما يرى أفلاطون أن الهيولى لا تحتاج إلى موحد ولكنها تحتاج إلى ~~محرك ترجع إليه أسباب جميع حركاتها، وأنها قديمة وإن كان إثبات قدمها بالبرهان ~~غير مستطاع. # والمتحركات لا بد لها من محرك، ولا بد لهذا المحرك من محرك غيره، وهكذا إلى ~~نهاية يستقر لديها العقل لأن العقل لا يستقر إلى الدور والتسلسل في الأسباب ~~الماضية. # فما هي هذه النهاية التي يحسن لديها الاستقرار؟ # إنها ليست حركة أخرى، لأن الحركة الأخرى تستلزم حركة قبلها كما تقدم. فهي إذن ~~شيء يحرك غيره ولا يتحرك، لأن الحركة تحول بالكيفية أو تحول بالكمية أو تحول ~~بالمكان ... وليست حركة من هذه الحركات بالأمر الذي يجوز في حق الكائن الأول أو ~~العلة الأولى. # فالكائن الأول ينبغي عقلا أن يكون واحدا غير متجزئ؛ لأن الأجزاء تسبق الكل ~~المتجمع منها، كاملا لأنه لا ينتظر شيئا من خارجه يستوفيه، محضا لا تشوبه ~~مادة لأن المادة تفتقر إلى من يحركها، قديما بغير بداية أو نهاية لأن البدايات ~~جميعا لا بد أن تنتهي إليه. # ويستطرد أرسطو على هذا النحو في تصور الحقيقة الإلهية حتى يزعم أن الكائن ~~الأول - أو الله - غير عالم بالكليات والجزئيات. لأن العلم بالكلية يأتي بعد ~~العلم بالجزئية ولأن العلم بالجزئيات يقع أجزاء على أوقات متفرقات، ولكن علم ~~الله هو عقله لنفسه، وهو السعادة العليا لأنه لا يعقل إذن إلا الكمال المطلق ~~بغير حاجة إلى شيء يستوفيه من المعلومات. ويقتضي تسلسل التفكير على هذا النحو ~~عند أرسطو أن الله غير مريد لأن الإرادة اختيار وطلب، ولأن الاختيار تردد ~~والطلب فاقة ms24 وافتقار ... # وهذا الكائن الأول هو العلة الأولى لحركة الهيولى، ولكن لا يفهم من هذا أنه ~~أقدم من الهيولى بالزمان بل أقدم منها بالذات كما يكون السبق بين المعقولات. ~~فالنتيجة العقلية تلي المقدمة ولكنها لا تخلق بعدها في الزمان. والعالم كله لا ~~يخلق في زمان لأن الزمان لا يوجد قبل العالم، ولو وجد قبل العالم لكان معنى ذلك ~~أنه زمان قبل الزمان، وإنما الزمان مقياس حركة العالم فهو والحركة ~~مقترنان. # والله يحرك العالم لأنه غاية العالم وقبلته التي يسعى إليها، وهذا يقتضينا ~~شرح الأسباب في مذهب أرسطو وهي أربعة: (1) مادة الشيء كالورق في الكتاب، و(2) ~~فاعل الشيء وهو مؤلف الكتاب، و(3) صورة الشيء وهي ماهية الكتاب التي تجعله ~~كتابا وبغيرها لا يطلق عليه اسم الكتاب، و(4) غاية الشيء وهي التي من أجلها ~~يوضع الكتاب أو هي القراءة والتعليم والاطلاع. # والغاية عند أرسطو هي أهم هذه الأسباب وإن جاءت في النهاية، والله هو علة ~~الموجودات الأولى لأنه هو غايتها التي تسعى إليها وتنشدها وتشتاقها، وتتحرك في ~~هذا السبيل من الهيولى إلى الصور المترقية في درجات الكمال. # فكل وجود فهو حركة. # وكل حركة فهي حركة إلى الله. # لأن الحركة عند أرسطو هي انتقال المادة من الهيولى إلى الصورة، ولا يفهم من ~~ذلك أن الهيولى توجد بغير صورة أو أن الصورة توجد بغير الهيولى، بل يفهم منه أن ~~الصورة تسفل في المادة حتى تنزل إلى مرتبة الجمادات الخسيسة التي يخيل إلينا ~~أنها لا صورة لها على الإطلاق، وإن الصورة تعلو بالهيولى حتى ترتقي إلى مرتبة ~~الكائنات التي يخيل إلينا أنها لا مادة لها على الإطلاق وربما كانت صورة شيء ~~مادة لشيء آخر. فالخشب له صورة تميزه من صور الجمادات الأخرى، ولكنه هو نفسه ~~مادة لصورة التمثال. # وكلما ارتقت المادة في الصورة اقتربت من الله؛ لأن الله هو الصورة «المحض» ~~التي لا تمتزج بها الهيولى بحال. # فالله لا يريد العالم. # بل العالم هو الذي يريد الله لأنه يحتاج إليه، ويرتفع إلى الكمال كلما اقترب ~~منه. ms25 # وكل متحرك إلى طلب الكمال فهو «عاقل» فينجذب إلى العقل الأول ويرتفع إليه ~~بالشوق المكنون فيه، ولهذا لزم في الكواكب أن تكون لها عقول. # ويجب أن نفهم الصورة كما يريدها أرسطو على معناها الصحيح. فليست صورة الإنسان ~~مثلا هي الشكل الذي تعرضه لنا الصورة الشمسية ولا هي الشكل الذي يعرضه لنا ~~التمثال المنحوت، ولكنها هي كل تركيب الإنسان الذي يميزه من المادة أو يميزه من ~~الموجودات الأخرى، أو هي «ماهيته» التي يصبح بها إنسانا وبغيرها يزول عنه وصف ~~الإنسان. # وقد أنكر أرسطو «المثل» الأفلاطونية وإن كانت براهينه في إنكارها ليست بأقوى ~~من براهين أفلاطون صاحب الفكرة وشارحها، وربما كان أقوى برهان لأرسطو في هذا ~~الصدد أن الشيء باختلاف أجناسه وتقسيماته يحتاج إلى أمثلة عليا متعددة لا إلى ~~مثل واحد. فالمثل الأعلى للإنسان الفيلسوف ماذا يكون؟ أيكون حيوانا مثاليا ~~أو إنسانا مثاليا أو فيلسوفا مثاليا أو مادة مثالية، إلى آخر المثاليات ~~التي يحكيها؟ وكيف يكون المثال معينا أو قابلا للتعيين مع أنه عام لا يخصص ~~بما يجعله مستقلا بكيانه؟ ومع أن هذا هو الفرق بينه وبين الخاص المستقل ~~بالكيان، كيف يكون شيئا مستقلا وهو مشابه لجميع الأشياء؟ # على أن أرسطو هرب من «المثل» الأفلاطونية ووقع في «الصور» التي تستقل عن ~~الهيولى ... فإن «الصورة» لا تخلق الهيولى والهيولى لا تخلق الصورة، بل كلاهما ~~عنده موجود يلتقي بغيره فيتصورهما العقل بعد هذا الالتقاء، وليس يخرجه من ~~المشكلة وصفه «الهيولى» التي لا صورة لها، بأنها موجودة بالقوة ووصفه الهيولى ~~المصورة بأنها موجودة بالفعل. فإنهما على كل حال موجودان غير معدومين. # وخلاصة مسألة العالم عند أرسطو أن الله أعطى «الهيولى» الحركة، فاستفادت ~~الصورة، ولا تزال الحركة ترتقي بالصورة في معارج الكمال فتختفي الهيولى كلما ~~برزت الصورة. وترتقي الصور كلما توارت فيها فوضى الهيولى أو المادة الأولى، حتى ~~يوشك أن تكون صورة محضا، ولكنها لا تكونها؛ لأن الصورة المحض هي الله الواحد ~~المتفرد بالكمال. ولهذا يستغني عن الحركة ويقال فيه إنه المحرك الذي لا يتحرك؛ ~~لأنه ms26 لا يطلب بالحركة صورة أعلى، فإن له المثل الأعلى. # ومن اللازم أن نذكر هنا أن أرسطو يستلزم ~~وجود «جواهر» أخرى غير الله تحرك غيرها ولا تتحرك؛ لأن الحركات أكثر من الأجسام ~~المتحركة، فلا بد أن ننتهي بحساب الفلك كما كانوا يفهمونه إلى محركات ثابتة في ~~الفلك الأعلى، وهو يعتمد في هذا القول على الفلكيين المعتبرين في زمانه لأن علم ~~الفلك أقرب العلوم إلى الفلسفة. إذ كان يبحث في جواهر يتناولها الحس ولكنها لا ~~تفنى. أما الرياضيون كعلماء الحساب والهندسة فليست في علومهم جواهر يبحثون ~~عنها. ومن أقوال بعض الفلكيين وهو يودكسس # Eudoxuis # تبلغ الثوابت في الفلك خمسة وخمسين، ولكنها تنقص في ~~قول كاليباس # Callipus # إلى سبعة وأربعين ... لأنه ~~يضم بعض الأفلاك إلى بعض تلك الجواهر السماوية. # النفس # والنفس عند أرسطو جوهر أو صورة، لأن الصورة هي التي تجعل للجسم «ماهيته» ولا ~~ماهية للإنسان بغير النفس الناطقة ... فالنفس هي جوهر الإنسان أو هي صورة الإنسان ~~التي يحسب بغيرها من الهيولى أو من الأجسام ذوات الصور الأخرى. # ولعلنا نسمي النفس باسمها الصحيح عند أرسطو إذا قلنا إنه يعني بها القوة ~~الحيوية؛ لأنه يجعل للنبات نفسا، وللحيوان نفسا، ويقرن بين نفس الإنسان وجسده ~~فيقول في كتاب الروح: إن السؤال عن النفس والجسد هل هما واحد؟ عبث، كسؤال من ~~يسأل: هل الشمع والشكل الذي يطبعه فيه القالب واحد ... وقد سخر في هذا الكتاب من ~~فيثاغورس وتناسخ الأرواح لأن النفس والجسد في رأيه منفصلان. أو على الأقل جزء ~~من النفس ملازم للجسد يهلك بهلاكه ... ويبدو الترادف بين معنى النفس ومعنى القوة ~~الحيوية من وظائف النفس الأربع التي يرتبها أرسطو: من القوة الغذائية إلى القوة ~~الحسية إلى القوة الإرادية إلى القوة الذهنية وهي أرقاها وأقربها إلى ~~التجريد. # وإذا تكلم عن الجوهر الخالد في الإنسان «فالعقل» هو المعنى الذي يتبادر إلى ~~الذهن من كلامه قبل النفس أو الروح. فعنده مثلا أن الجواهر ثلاثة: جوهر محسوس ~~هالك كالنبات والحيوان، وجوهر محسوس غير هالك لأنه لا يتغير إلا بالحركة ms27 دون ~~غيرها كالأجسام السماوية، وجوهر ليس بمحسوس ولا بهالك كالنفس الناطقة في ~~الإنسان أو الجوهر العاقل فيه. # لكن هذا الجوهر العاقل في الإنسان لا تناط به «الفردية» لأنه عام في جميع ~~العقلاء، فالناس يختلفون أفرادا بالميول الجسدية فيحب هذا الفاكهة ويحب غيره ~~الخضر ويحب غيرهما اللحم أو البقول، ولكنهم يتفقون على حقائق الحساب وحقائق ~~العلم المجردة وإن فكروا فيها متباعدين بالمكان والزمان. فالعقل جوهر باق لا ~~يزول لأنه مجرد بسيط، ولكنه بقاء لا يناط بآحاد الناس، ولا يكون إلا للعموم؛ ~~لأنه ليس بعقلي ولا بعقلك أفرادا منفصلين، إذ كانت أحكام العقل في جميع ~~العقلاء سواء. # ومع هذا لا يرتقي العقل في الإنسان هذا المرتقى إلا بقبس من العقل الفعال؛ ~~لأن عقل الإنسان الذي يدرك الوجود الخارجي عقل قابل أو منفعل وإنما يترقى من ~~ذلك إلى إدراك المجردات أو الكليات بحركة نحو العقل الفعال، وهو مرجع جميع ~~المعقولات. # الشر # وإذا كان هذا هو تفسير أرسطو لوجود العالم ووجود الله فلا اعتراض عليه إذن ~~بوجود الشر أو بمنافاته لحكمة الله؛ لأن الله لم يضع الشر في العالم، وإنما كان ~~علة لحركة العالم بالشوق إليه كما يكون المحبوب علة لاشتياق المحب وتحركه إلى ~~لقائه، وهو صاحب الفضل في ارتقاء الهيولى إلى الصورة، وارتقاء الصور إلى ~~الكمال؛ لأنه هو الغاية، فهو العلة الأولى لارتقاء الموجودات. # حرية الإنسان # ومن الواضح أن الإرادة الإنسانية لا تصبح في رأي أرسطو مشكلة تحتاج إلى ~~التوفيق بينها وبين العدالة الإلهية. إذ كان الله نفسه في مذهب أرسطو منزها عن ~~أن يريد ما يقع للإنسان أو ما يقع من الإنسان، فهو لا يريد شيئا لأنه لا يحتاج ~~إلى شيء أو لأن الإرادة تغير وحركة، ولا حركة لله بالكيف ولا بالكم ولا ~~بالمكان. ~~(3-3) أفلوطين # وثالث الثلاثة الذين كان لهم الشأن الأكبر في مذهب ابن سينا هو أفلوطين إمام ~~الأفلاطونية الحديثة، الذي ولد في أوائل القرن الثالث للمسيح (204م) بإقليم ~~أسيوط. # وليس أفلوطين من طبقة أفلاطون وأرسطو في العبقرية الفلسفية أو ms28 ملكات المنطق ~~والتفكير، ولكنه يضارعهما أو يفوقهما في بعد الأثر واتساعه بين المشغولين بالفلسفة ~~الإلهية؛ لأن العناصر التي أدخلها في مذهبه أو فى من جميع العناصر التي دخلت في ~~مذهب أرسطو أو مذهب أفلاطون. فقد ختمت المباحث الفلسفية واحتدمت المباحث الدينية ~~يوم تصدى أفلوطين لحل المشكلات المختلفة التي عرضت لطوائف الفلاسفة وفقهاء ~~الأديان. # طمح مع أفلاطون، ودرس منطق أرسطو، ونمت قبله فلسفة الرواقيين والأبيقوريين، وشاعت ~~في عصره فلسفة «العارفين». # 1 # وسمع مجادلات الآباء المسيحيين، وتعلم في الإسكندرية ورحل إلى البلاد ~~الفارسية، وأقام برومة وهي على حالة تقلق الضمائر الإنسانية وتستفزها إلى طلب ~~القرار في عالم الإيمان. فدخل في حسبانه من عناصر الفلسفة الإلهية ما لم يدخل في ~~حسبان فيلسوف قبله، ولاحظ من المقلقات الفكرية ما لم يلاحظه المناطقة أو الروحانيون ~~في العصور التي تقدمته. فكان لمذهبه هذا الشأن بين المشغولين بتلك المسائل الإلهية ~~من جميع الأديان، سواء منهم الإسرائيليون أو المسيحيون أو المسلمون، وأصبح حلقة ~~الاتصال بين جميع هؤلاء المفكرين؛ لأنهم يلتقون به في طريق واحد حيثما اتجهت بهم ~~الآراء والفروض. # ومن أمثلة هذا الملتقى الجامع مذهبه في الله والعالم على التخصيص. # العالم # فهو يتمشى مع أرسطو في مقدماته التي انتهت به إلى العقل المجرد والعلة ~~الأولى، ولكنه يتجاوزه أشواطا بعيدة في التنزيه والتجريد. فيرى أن الله - أو ~~الأحد - من وراء الوجود ومن وراء الصفات، لا يعرف ولا يوصف، ولا يوجد في مكان ~~ولا يخلو منه مكان، وكماله هو الكمال الذي نفهمه بعض الفهم بنفي النقص عنه. ~~وهيهات أن نفهمه بإثبات صفة من الصفات؛ لأننا نستطيع أن نقول إنه لا يكون هكذا، ~~ولكننا لا نستطيع أن نقول إنه «هكذا يكون». # وقد يتصل به الإنسان في حالة الكشف والتجلي حين تتجاوز الروح جسدها كما يقول، ~~ولكنها حالة لا تقبل التأمل والتفكير، فإذا انقضت فقد يثوب الإنسان بعدها إلى ~~عقله فيتأمل ويفكر، وينحدر بذلك من مقام «الأحد» إلى مقام «العقل» الذي هو ~~دونه، لأن الأحد فوق العقل وفوق المعقول. # ويقول أفلوطين كما ms29 يقول أرسطو إن الله أو«الأحد» لا يشغل بغير ذاته؛ لأنه ~~مستغن بذاته كل الاستغناء . # أما العالم فقد نشأ من صدور العقل عن «الأحد» وصدور النفس عن العقل، وصدور ~~المحسوسات عن النفس في اتصالها بالهيولى أو المادة الأولى. # وتفصيل ذلك أن «الأحد» عرف ذاته وتأملها، فكان «العقل» من هذا التأمل، وإن ~~العقل يعقل الأحد فهو أحد مثله، وإن كان دونه في مرتبة الوحدانية، ثم يعقل ذاته ~~فينشأ من عقله لذاته عقل دونه وهو «النفس» ... أو هو القوة الخالقة التي أبدعت ~~هذه المحسوسات. # ومن البديه أن صدور الجسم من الجسم ينقصه ويخرج شيئا منه ينتقل من المعطي ~~إلى الآخذ فينقص بانتقاله. أما صدور الفكرة من العقل فلا تنقصه ولا تجرده من ~~شيء فيه، وعلى هذا المثال نفهم صدور العقل عن «الأحد» الذي لا يعتريه نقص بحال ~~من الأحوال. # والنفس - وهي المرتبة الثالثة في الوجود عند أفلوطين - تتجه إلى العقل فتنسجم ~~معه في مقام التجريد والتنزيه، وتتجه إلى «الهيولى» فتبتعد عن التجريد ~~والتنزيه؛ ولهذا تخلق الأجسام وتضفي عليها الصور على سبيل التذكر لما كانت ~~تتأمله، وهي في عالم القدرة الكاملة أو عالم الصور المجردة. فهذه المحسوسات، ~~وهي كالظلال للمعقولات قبل أن تبرزها النفس في عالم المحسوسات، أو هي كأطياف ~~الحالم وهو يستعيد بالرؤيا ما كان يبصره بالعيان. # فالمحسوسات كلها أوهام وأحلام، وكلها غشاء باطل يزداد بعدا من الحقيقة كلما ~~ابتعد من العقل وانحدر في اتصاله بالهيولى طبقة دون طبقة، فإن العقل دون ~~«الأحد» والنفس دون العقل، والمحسوسات دون النفس، وهكذا تهبط الموجودات طبقة ~~بعد طبقة حتى تنحدر إلى «الهيولى» التي لا نفس معها، وهي معدن الشر في العالم؛ ~~لأنها سلب محض يحتاج أبدا إلى الخلق: وهو الإيجاد أو الإيجاب. # النفس # وقد صدرت النفس الفردية من النفس الكلية، ولها كالنفس الكلية التي صدرت منها ~~اتجاهات. فهي باتجاهها إلى النفس الكلية إلهية صافية، وباتجاهها إلى المحسوسات ~~والأجساد حيوانية شهوية. وليست النفس عند أفلوطين ملازمة للجسد كما يقول أرسطو، ~~بل هي جوهر منفصل عنه سابق له ms30 كالمثل الأفلاطونية، فلا تقبل الفناء، ولا يحصرها ~~الزمان أو المكان، وهي تصدر من النفس الكلية اضطرارا كما صدرت النفس الكلية من ~~العقل الأول. مستجيبة لطبيعة الإصدار في ذلك العقل، وللشوق الهيولاني الذي ~~يترفع بالهيولى إلى منزلة المحسوسات فالمعقولات. # الشر # والشر في العالم هو «الهيولى» لأنها سالبة تنزل بالمعقولات والروحيات التي ~~تلابسها. ولا محيد عن الشر مع وجود الهيولى وقدمها وضرورة الملابسة بينها وبين ~~العقل والنفس في دور من أدوارها. وعلى النفس أن تجاهدها وتنتصر عليها وعلى ~~شهواتها، فإن أفلحت عادت إلى النفس الكلية خالصة مخلصة، وإن لم تفلح عادت إلى ~~الجسد مرة أخرى، ولقيت في كل مرة جزاءها على الذنوب التي اقترفتها في حياتها ~~الجسدية الماضية. ويجري الجزاء دقة بدقة على سنة العين بالعين والسن بالسن ~~والجروح قصاص. فمن قتل أمه مثلا يعود إلى الحياة الجسدية امرأة ويقتله ابنه ~~تكفيرا عن ذنبه وإبراء له من وصمته التي تلزمه ملابسة الهيولى حتى يتطهر ~~منها. # الحرية الإنسانية # ولا حرية للإنسان كما رأيت؛ لأن وجوده ضرورة يستلزمها الصدور وملابسة ~~الهيولى. ولكنه يقاوم تلك الضرورة بجهاد الشهوات، فيترقى من مرتبة التأمل إلى ~~مرتبة الكشف، وينتقل من شتات الحس إلى استجماع العقل إلى وحدة «الأحد» ورضوان ~~الكمال، فتجزيه ضرورة الارتقاء عن ضرورة الانحدار. ولا محل بينهما لشيء من ~~الاختيار، وإن قال به أفلوطين في بعض الأحيان. ~~••• # ولا بد لنا من التنبيه هنا إلى حقيقة يعرفها كل من راجع فلسفة أفلوطين في ~~مواضعها المتفرقة، وهي أن مذهبه أعصى المذاهب الفلسفية على التلخيص؛ لكثرة ~~العناصر التي دخلت فيه وحاول التوفيق بينها وهي عصية على التوفيق، ولأنه لم ~~يترك بعده كتبا مفصلة تشرح للناس نقائضه ومواطن الغموض من آرائه، إذ كان ~~تعويله الأكبر على أثره الشخصي البالغ على ما يظهر من سيرته وسير مريديه. فقد ~~بلغ من قوة هذا الأثر أن أناسا من السراة الذين كانوا يستمعون إليه باعوا ~~قصورهم وجواهرهم وحطامهم ليلحقوا به وينتصروا على غواية المال والشهوات، وخطر ~~له أن يجرب هذا السلطان الشخصي الساحر في ms31 إصلاح الحكم وإقامة جمهورية فاضلة على ~~قواعد الجمهورية الأفلاطونية، لولا أن فساد الحكم في عصره قد تخطى كل رجاء في ~~الإصلاح. # وهذا الأثر الشخصي هو الذي أبقى للناس مذهبه وتفصيلات آرائه؛ لأن مريديه ~~وأتباعه كانوا ينسون أنفسهم ويذكرونه، ومنهم من كان يتورع عن تسميته مكتفيا ~~بالإشارة إليه كما يشار إلى المعبود المنزه عن الأسماء، ولولا اثنان منهم على ~~الخصوص لما عرف الخلف شيئا كثيرا عنه ولا سيما قراء العربية، ونعني بهما ~~فرفريوس والإسكندر الأفروديسي. # أما فرفريوس فهو لقب «ملك الصوري» الذي كان عبدا فتحرر، وسمي ملكا رمزا ~~للحرية بعد الاستعباد ... وكان معلمه الأول يداعبه باسم بورفيري أو الأرجوان لأنه ~~لباس الملوك، وهو الذي لخص مذهب أفلوطين في الكتاب المسمى بالتاسوعات وألف ~~«ايساغوجي» في المنطق وهو المرجع الذي اعتمد عليه المشارقة في دراسة منطق أرسطو ~~بعد التوفيق بينه وبين أقوال أفلوطين. وأما إسكندر الأفروديسي فالذي يعنينا من ~~آثاره في هذا المقام كتاب «الثاؤلوجيا» كما عرف بين فلاسفة المسلمين، وهو موجز ~~التاسوعات الثلاث الأخيرة، وكان المعتقد بين فلاسفة المسلمين أنه من كتب أرسطو ~~في الإلهيات. وقد كان إسكندر أول من تكلم عن العقل الهيولاني في الإنسان، وقال ~~بأنه يتوقف في خروجه من القوة إلى الفعل على مدد من العقل الفعال، وهو العقل ~~المشرف على ما تحت القمر وعلى عالم الإنسان فيه، وسمي بالهيولاني تشبيها له ~~بالهيولى التي تقبل الصور من غيرها. وكان من رأي الإسكندر أن انتظام العالم ~~قديم لأن النظام لا يلزم منه حتما أن يسبقه «عدم نظام». وإنما يسبقه الله ~~بالذات لا بالزمان. ~~(3-4) الفارابي # والفارابي هو أول الفلاسفة المسلمين الذين تتلمذ لهم ابن سينا نوعا من التلمذة ~~كما تقدم، فقرأ له وانتفع بما قرأ في فهم مضامين الفلسفة اليونانية. وكان «المعلم ~~الثاني» معلما كاملا له في معضلات الفلسفة الإلهية بجملتها؛ لأنه أضاف مسائل ~~الحكمة الدينية إلى مسائل الحكمة المنطقية، وأدخل مسألة التوفيق بين العقل والوحي ~~في حسابه، وقد كانت من المسائل الحديثة في الإسلام، فلم يبل فيها أحد بلاء ms32 الفارابي ~~ولا جاوز أحد فيها مداه الذي انتهى إليه وإن اتبعه في هذا المجال كثيرون ... ومن ~~توفيقاته أنه سمى العقل الفعال بالروح الأمين، وسمى العقول بالملائكة، وسمى الأفلاك ~~التي فيها العقول بالملأ الأعلى، وقال إن صفات الله الأزلية هي المثل ~~الأولى. # والذي اتفق عليه جلة الثقات أن فلسفة الفارابي فلسفة إسلامية لا غبار عليها، فلم ~~ير فيها جمهرة المسلمين المعنيين بالبحث الفكري حرجا ولا موضع ريبة، ولا نخالها ~~تغضب متدينا بالإسلام أو بغيره من الأديان. # العالم # فالمعلم الثاني يبرئ المعلم الأول - وهو أرسطو - من إنكار خلق العالم، ويفسر ~~آراءه التي لخصناها من قبل على وجه يرضاه المؤمنون بالله والنبوات. # فالله عنده هو «السبب الأول» والسبب الأول واجب الوجود لأن العقل يستلزم ~~وجوده ولا يستطيع أن ينفيه بحال. # فكل شيء له سبب، وكل سبب له سبب متقدم عليه، وهكذا إلى السبب الأول الذي لا ~~يتقدمه سبب من الأسباب. وإلا وقعنا في الدور والتسلسل وهما باطلان. # وهذا السبب الأول «واحد» لا يتكرر، بسيط لا يتغير؛ لأنه لو تكرر أو تغير ~~لاختلف ووجب البحث عن سبب لاختلافه، وقد انتهت إليه جميع الأسباب. # هذا السبب الأول هو علة وجود كل موجود. # ولا يمكن أن يكون «العالم» هو السبب الأول؛ لأنه متكرر متغير، فلا بد له من ~~سبب متقدم عليه. # ومن ثم تنقسم الموجودات إلى قسمين: قسم «واجب الوجود» يستلزم العقل وجوده لا ~~محالة، وهذا هو السبب الأول، أو هذا هو الله سبحانه وتعالى، ويوصف بكل صفات ~~الكمال دون أن يقتضي ذلك التعدد؛ لأن نفي النقائص المتعددة لا يقتضي التعدد، بل ~~هو صفة واحدة معناها الكمال. # وقسم مفتقر إلى سبب، ووجوده ممكن، ولكنه ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود ~~بالفعل بسبب واجب، فهو مخلوق على هذا الاعتبار. # قال الفارابي ينفي الظنة عن أرسطو في إنكار القول بخلق العالم: «ومما دعاهم ~~إلى ذلك الظن أيضا ما يذكره في كتاب السماء والعالم أن «الكل» ليس له بدء ~~زماني، فيظنون عند ذلك أنه يقول بقدم العالم، وليس الأمر ms33 كذلك؛ إذ قد تقدم فبين ~~في ذلك الكتاب وغيره من الكتب الطبيعية والإلهية أن الزمان إنما هو عدد حركة ~~الفلك وعنه يحدث، وما يحدث عن الشيء لا يشتمل ذلك الشيء. ومعنى قوله إن العالم ~~ليس له بدء زماني أنه لم يتكون أولا فأولا بأجزائه كما يتكون البيت مثلا أو ~~الحيوان الذي يتكون أولا فأولا بأجزائه؛ فإن أجزاءه يتقدم بعضها بعضا ~~بالزمان، والزمان حادث عن حركة الفلك، فمحال أن يكون لحدوثه بدء زماني، ويصح ~~بذلك أنه إنما يكون عن إبداع الباري جل جلاله إياه دفعة واحدة بلا زمان، وعن ~~حركته حدث الزمان.» # وعلى هذا يكون الخلق في رأي المعلم الثاني هو الإخراج من الإمكان إلى الفعل، ~~ويكون الوجود بالفعل مصاحبا للزمان. أما الوجود بالقوة فهو في علم الله الذي ~~لا زمان ولا مكان؛ لأن الله أبدي لا أول له ولا آخر، وإنما يقترن الزمان ~~بالموجودات والمتحركات. # وهذا ولا ريب اجتهاد من المعلم الثاني في تفسير كلام المعلم الأول، ولكنه ~~استحسن هذا الاجتهاد لأنه قرأ كتاب «الثاؤلوجيا» أو الربوبية كما سماه وظنه من ~~تواليف أرسطو ... وهو على ما تقدم من آراء أفلوطين وتفسير ملك الصوري وإسكندر ~~الأفروديسي. ولهذا استطرد الفارابي بعد الكلام السابق قائلا: «ومن نظر في ~~أقاويله في الربوبية في الكتاب المعروف بأثولوجيا لم يشتبه عليه أمره في إثباته ~~الصانع المبدع لهذا العالم. فإن الأمر في تلك الأقاويل أظهر من أن يخفى، وهناك ~~تبين أن الهيولى أبدعها الباري جل ثناؤه لا عن شيء وأنها تجسمت عن الباري ~~سبحانه ثم ترتبت ...» # وهذا في الحقيقة مستمد من كلام أفلوطين وتوسع فيه إسكندر الأفروديسي، ثم جاء ~~المعلم الثاني فتوسع في كلام الأفروديسي وزاد عليه ما يوفق بينه وبين الدين - ~~ولا سيما في مسألة «العقول» والأفلاك التي هي عند الفارابي من ملائكة الله. ~~ويؤخذ من شرح الفارابي لبعض كلام «زينون» الفيلسوف الرواقي أنه اعتمد عليه أكبر ~~اعتماد في مسألة العقول. # ولهذا كان مذهب الفارابي جامعا بين مذهب أرسطو عن الحركة ومذهب أفلوطين عن ~~الصدور ومذهب ms34 أفلاطون عن «المثل» الأبدية ومذهب الرواقيين في النفس العاقلة ~~وانبثاثها في الأجسام ... فمنذ الأزل وجدت الأشياء في علم الله وهذا هو علة ~~وجودها، والله جل وعلا يعقل «فالعقل الأول» صادر عنه فائض من وجوده، وهذا العقل ~~الأول هو الذي يحرك الفلك الأكبر وتأتي بعده عقول الأفلاك المتوالية إلى العقل ~~العاشر الذي يعقد الصلة بين الموجودات العلوية والموجودات السفلية. # فالوجود إذن ثلاث مراتب: أولاها الوجود الإلهي، وثانيتها وجود هذه العقول ~~المتدرجة، وثالثتها وجود العقل الفعال. ومن هنا نفهم كيف تعددت الكثرة عن ~~الواحد الذي لا يتعدد، وكيف جاءت الصلة بين المعاني المجردة والمحسوسات. # ثم تصدر النفس من العقل الفعال فهي بالمرتبة الرابعة، وتأتي «الصورة» وهي أقل ~~من النفس وأشرف من المادة فهي بالمرتبة الخامسة، وتتلوها جميعا المادة في ~~العالم الأسفل فهي أخس الموجودات، ولولا قبولها للصورة لكانت معدومة ~~بالفعل. # النفس الإنسانية # فالنفوس الجزئية من فيض العقل الفعال، وهي جواهر تتلبس بالأجسام، ومن هذه ~~الجواهر النفسية ما يتلبس بالأجرام السماوية وتحسب من الملائكة، ومنها ما يتلبس ~~بجسم الإنسان، وما يتلبس بجسم الحيوان، ثم بأجسام النبات، ودونها المعادن، ~~والاسطقسات الأربعة وهي النار والهواء والماء والتراب، وهي مبادئ الأجسام ~~المركبة التي تتولد منها صنوف المواليد والتراكيب. # ويرى الفارابي مع أرسطو «أن النفس استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة ~~بالقوة»، وإنما يكون ذا حياة بالفعل من فيض العقل عليه. # فالنفس تمام الجسد. # والعقل تمام النفس. # وعلى حسب اتصال العقل بالحياة الجسدية يترقى من العقل الهيولاني إلى العقل ~~بالملكة إلى العقل المستفاد، إلى العقل بالفعل وهو الذي يتلقى المعارف المجردة ~~من العقل الفعال. # والعقل الهيولاني هو عقل الغريزة والإحساس، ويكاد الإنسان والحيوان يتساويان ~~فيه. # والعقل بالملكة هو عقل المعلومات التي تحصل من التجارب الحسية والمعارف ~~المتلبسة بالماديات. # والعقل بالفعل هو عقل الكليات المجردة، وهو نفحة من العقل الفعال، وفيض ~~متسلسل من الوجود الأول، أو من الله. # ويترقى الإنسان إلى هذا العقل بالاستعداد له والمثابرة على الارتقاء في درجات ~~المعرفة من الطبيعيات إلى الرياضيات إلى الإلهيات. ms35 وقد يصل العقل إلى هذه ~~المرتبة بالوحي والإلهام كما يصل الأولياء والأنبياء. فالنبوة والحكمة طريقان ~~إلى الله: هذه بالتعليم وتلك بالإلهام. # والنفوس لا تترك سدى في هذه العوالم السفلية؛ لأن الشوق يحفزها إلى طلب ~~الكمال، واللطف من جانب الكائنات العليا يجذبها إليها فترتفع بدافع منها وبجاذب ~~من العقول العليا. وإنما كان العقل الإنساني ميالا إلى جمع الصور لأنه يحب ~~الارتقاء إلى مصدر الصور وهو العقل الفعال؛ ولأن العقل الفعال يحب أن يعيد ~~الصور المفرقة في الأجسام إلى مصدرها منه وينبوعها فيه. # ومتى رجع العقل بالفعل إلى العقل الفعال فذلك هو النعيم المقيم والخلود ~~الموعود، وتزداد لذة النفوس بالتجمع في مصدرها كما تزداد لذة النفس الواحدة ~~بتجمع الصور وائتلاف المعاني في معقولاتها. أما النفس التي تنحط أبدا فلا ~~ترتقي هذا المرتقى ... فهي في عذاب واصب وشعور دائم بالانفصال يؤلمها كما يتألم ~~الإنسان للبتر والاعتلال. وقد ينحدر بها الإسفاف مع الأجساد فتهوي إلى الدرك ~~الأسفل الذي ليس بعده نزول غير نزول العدم بالقوة أو الوجود بالقوة، وهما ~~متساويان؛ لأن الوجود بالقوة هو الذي يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد، فإن شئت قلت ~~هو معدوم بالقوة وإن شئت قلت هو بالقوة موجود ويتساويان. # الخير والشر # وليس في العالم شر فيما تجاوز هذا الفلك الأدنى - فلك القمر - وهو فلك ~~الممكنات. # فالموجودات الواجبة لا يصدر منها ضرورة غير الخير، والعقول العليا هي من ~~الموجودات الوجوبية لأنها على اتصال متفاوت بواجب الوجود. فكل ما يصدر عنها خير ~~محض لا يشوبه الشر ولا تخالطه الرذيلة. وبهذا ينكر الفارابي أقوال النجوميين في ~~سعود الكواكب ونحوسها، ويبرئها من كل سوء. # أما السوء فإنما يكون في عالم الممكنات التي لا وجوب فيها، وهي هذه الموجودات ~~السفلية التي تتلبس بالهيولى وتنغمس فيها، ويحد بعضها بعضا فلا تزال في نقص من ~~هذه الحدود. # وقد نزع الفارابي منزعا عجيبا في تفسير العدل بين المخلوقات، فسبق القائلين ~~بالتطور وحق الأصلح في البقاء بمئات السنين، فقال إن الناس إذا تمايزوا ... ~~«فينبغي بعد ذلك أن يتغالبوا ms36 ويتهارجوا، والأشياء التي يكون عليها التغالب هي ~~السلامة والكرامة واليسار واللذات، وكل ما يوصل به إلى هذه، وينبغي أن يروم كل ~~طائفة أن تسلب جميع ما للأخرى من ذلك وتجعل ذلك لنفسها ويكون كل واحد من كل ~~واحد بهذه الحال. فالقاهرة منها للأخرى على هذه هي الفائزة وهي المغبوطة وهي ~~السعيدة، وهذه الأشياء هي التي في الطبع إما في طبع الإنسان أو في طبع كل ~~طائفة، وهي تابعة لما عليه طبائع الموجودات الطبيعية. فما في الطبع هو العدل. ~~فالعدل إذن التغالب. والعدل هو أن يقهر ما اتفق منها، والمقهور إما أن قهر على ~~سلامة بدنه هلك أو تلف وانفرد القاهر بالوجود، أو قهر على كرامته وبقي ذليلا ~~ومستعبدا تستعبده الطائفة القاهرة وينفع ما هو الأنفع للقاهر في أن ينال به ~~الخير الذي عليه الغالب ويستديم به. فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا من ~~العدل، وأن يفعل المقهور ما هو أنفع للقاهر هو أيضا عدل. فهذه كلها هي العدل ~~الطبيعي وهي الفضيلة ...» # فالشر من عالم الإمكان لا من عالم الوجوب. # وهو كذلك لأن عالم الإمكان يكثر فيه النقص وتتزاحم فيه الحدود. ومع هذا يكون ~~التزاحم أو التغالب سببا للعدل والصلاح، ويأتي منه الخير لمن هو أولى بالخير، ~~إلى أن تخلص النفوس إلى عالم «الوجوب» أو عالم العقل المحض، فينتفي الشر العارض ~~ويصمد الخير الأصيل. # الحرية الإنسانية # وقد وضح نصيب الإنسان من الحرية في هذه الفلسفة الفارابية، وتبين لنا من ~~مستلزماتها أن الوجوب مقترن بواجب الوجود وبالصدورات والفيوض التي تنبثق من ~~وجوده على وجه اللزوم. # ولكن الفارابي على هذا يؤمن بالدعاء والصلاة؛ لأنه يؤمن بأن الله يوحي إلى ~~العقل الفعال أن يستجمع الصور وأن يصطفي العقول التي تتجه إليه بقدر مقدور. ~~فعسى أن تكون الرياضات والصلوات من توجيه ذلك القدر المقدور. وقد حفظت له دعوات ~~يقول في بعضها: «... اللهم ألبسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء وسعادة الأغنياء ~~وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء. اللهم أنقذني من عالم الشقاء والفناء واجعلني من ~~إخوان الصفاء وأصحاب الوفاء وسكان ms37 السماء مع الصديقين والشهداء، أنت الله الذي ~~لا إله إلا أنت. علة الأشياء ونور الأرض والسماء. امنحني فيضا من العقل الفعال ~~يا ذا الجلال والإفضال، هذب نفسي بأنوار الحكمة وأوزعني شكر ما أوليتني من ~~نعمة. أرني الحق حقا وألهمني اتباعه، والباطل باطلا واحرمني اعتقاده ~~واستماعه. هذب نفسي من طينة الهيولى إنك أنت العلة الأولى ...» ~~••• # ولعلنا في غنى عن التنبيه إلى ما نتوخاه من هذه الملخصات والمقابلات، فنحن ~~نقصرها على الجانب الذي يتناول مشكلات الفلسفة الإلهية دون غيرها، وليس من ~~شأنها استقصاء المذهب من جميع أطرافه ولا التعريف بصاحبه في جميع دراساته وإلا ~~لضاق بنا المجال دون تلخيص الفارابي ودراساته في هذه الصفحات؛ لأنه كتب في ~~المنطق والطبيعيات والرياضيات كما كتب في الطب والأخلاق والسياسة، وبرع في الفن ~~كما برع في العلم. فقيل عن إتقانه للموسيقى إنه واضع القانون، وإنه كان إن شاء ~~أضحك وإن شاء أبكى، وإن شاء أيقظ الهاجعين وإن شاء أنام المتيقظين، وبهر الناس ~~بطول الباع في علوم زمانه حتى زعموه يتكلم بسبعين لسانا من ألسنة الأمم، ونقل ~~هذا الزعم عنهم ابن خلكان. ومن عجائب نظراته العلمية أنه كان لا ينكر الكيمياء ~~أصلا ولا يمنع تحول المعادن لأنها كلها من مبادئ واحدة تختلف بالتركيب. ~~••• # وقد عاصر الفارابي أكبر علماء الكلام بين المسلمين وهم أبو الحسن الأشعري ~~وأبو منصور الماتريدي والطحاوي، وكانت نشأة الأول في العراق والثاني في سمرقند ~~والثالث بمصر، ومعنى ذلك أن الاشتغال بالبحث المنطقي قد عم المسلمين جميعا في ~~أوائل القرن الثالث، من معتزلة ومتكلمين وفلاسفة وفقهاء، بين جميع الأقطار ~~والأقوام. وربما كان الفارابي والمتكلمون معا قد تابعوا المعتزلة في تقسيم ~~الموجودات إلى ضرورية وممكنة لأنهم قالوا به قبله وقبل الأشعرية. # وقد كان موضع البحث بينهم هو تلك المشكلات الفلسفية التي لخصنا أقوال ~~الفلاسفة المتقدمين فيها، وكان أكثر البحث في مشكلتين منها: وهما صفات الله ولا ~~سيما الكلام ثم الحرية الإنسانية وهي مشكلة القضاء والقدر في اصطلاح أصحاب ~~الأديان. # فالمعتزلة يؤولون الصفات ويرون أن الوحدة لا ms38 تقبل التركيب، وأن القول بوجود ~~صفات قائمة بالذات الإلهية منذ الأزل هو إشراك له سبحانه وتعالى في القدم، ~~وتعليق لتلك الصفات بعالم الزمان والمكان حيث تتجلى أفعال تلك الصفات على ~~اختلاف بين صفة منها وصفة وبين حال منها وحال، ويقولون في تأويل الصفات إنها ~~تتعدد بآثارها ولا تتعدد بمصدرها لأنه واحد لا يقبل التعديد. # وعلماء الكلام - أو الصفاتية كما يعرفون بين المتكلمين - يقولون إن الله عالم ~~قادر مريد، ولا معنى للعالم إلا أنه ذو علم ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة ولا ~~للمريد إلا أنه ذو إرادة، فليست الإرادة أو القدرة أو العلم شركاء للذات ولكنها ~~تقتضي تعريف الله بأنه عالم وقادر ومريد. ثم إنهم يقولون بتعدد الصفات وقيامها ~~منذ الأزل بالذات، ويتساءلون: هل يعلم الله بقادريته أو يقدر بعالميته؟ فالعلم ~~والقدرة إذن صفتان لا صفة واحدة كما يقول المعتزلة وإنما يعلم الله علما ليس ~~متميزا عن ذاته، ويقدر بقدرة ليست متميزة عن ذاته، وهي على حد قول مالك بن أنس ~~صفات «معلومة والكيفية مجهولة والإيمان بها واجب» لا تشابه بين صفات الخلق ~~وصفات الخالق لأنه جل وعلا «ليس كمثله شيء» ولا شريك له في ملكه. ومتى ذكرت ~~صفاته فيجب أن تذكر بينها مخالفته للحوادث، فيبطل الاعتراض بقياس هذه الصفات ~~الإلهية على الصفات التي نعهدها في سائر الموصوفات. # ويؤمن المتكلمون بأن الله خلق الإنسان وخلق له الاختيار وخلق الأعمال، وقدر ~~في سابق علمه ما يكون من الخير والشر لحكمة لا نعلمها وعدل لا اعتراض عليه. فهو ~~الموجب لكل شيء ولا يجب عليه شيء من الأشياء. وكل ما في الشرائع من الفرائض ~~سمعي توجبه إرادة الله ولا يوجبه العقل لأن العقل نفسه من صنع موجب ~~الأشياء. # ويمنع المعتزلة أن يرى الله لأن الرؤية لا تكون إلا لمحسوس، ولكن المتكلمين ~~يجيزون رؤية كل موجود على اعتبار أن الرؤية نوع من العلم، وأن العلم يحصل بغير ~~اتصال النور بين الرائي والمرئيات. وكذلك تختلف الطائفتان في كلام الله، فيرى ~~المعتزلة أنه مخلوق بالألفاظ، ويرى ms39 المتكلمون أنه قديم كصفة الكلام في الله، ~~وإن فرقوا بين اللفظ وبين تلك الصفة الإلهية . # ويختلف الأشعري والماتريدي في بعض الأحكام، أو - على الأصح - في بعض ~~التعبيرات. فإذا التمسنا بينهما فرقا مجملا جاز أن يقال: إن الأشعري كان أقرب ~~إلى النص وأن الماتريدي كان أقرب إلى التأويل. ويدل على الفارق بينهما جواب هذا ~~السؤال: بماذا وجب الدين؟ فالمعتزلة تقول بالعقل، والأشعري وأصحابه يقولون ~~بالأمر الإلهي، والماتريدي وأصحابه يقولون بالأمر الإلهي، وهو أمر تفهمه ~~العقول. # ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ أن الماتريدي كان أقرب الأئمة المتكلمين إلى موطن ~~ابن سينا؛ لأنه نشر مذهبه في سمرقند وتوفي قبل مولد ابن سينا بنحو ثلاثين ~~سنة. # وقد اشترك الفارابي في هذه المباحث فكان رأيه في الصفات أقرب إلى رأي ~~المعتزلة والفلاسفة، وكان رأيه في الحرية الإنسانية أقرب إلى رأي الأشعرية؛ ~~لأنه كما قدمنا يقول بالوجوب من الموجود الأول إلى سائر الموجودات، ما عدا ~~العالم السفلي الذي يقع فيه الوجود بالإمكان، وهو مع ذلك على صلة بالعقل ~~الفعال، وليس العقل الفعال عند الفارابي غير الروح القدس أو الروح ~~الأمين. # أما رؤية الله فلا يمنعها الفارابي «فالحق الأول لا يخفى عليه ذاته، وليس ذلك ~~باستدلال. فجائز على ذاته مشاهدة كماله من ذاته، فإذا تجلى لغيره مغنيا عن ~~الاستدلال، وكان بلا مباشرة ولا مماسة كان مرئيا لذلك الغير، حتى لو جازت ~~المباشرة تعالى عنها لكان ملموسا أو مذوقا أو غير ذلك. وإذا كان في قدرة ~~الصانع أن يجعل قوة هذا الإدراك في عضو البصر الذي يكون بعد البحث لم يبعد عن ~~أن يكون تعالى مرئيا يوم القيامة من غير تشبيه ولا تكييف ولا مسامتة ولا ~~محاداة، تعالى عما يشركون.» ~~••• # وبقيت فرقة دينية لها خطرها في نشأة ابن سينا لأنه نشأ في بيته وهو يسمع ~~أقوالها في العقل والنفس كما تقدم فيما رواه عن أبيه وأخيه، وهي فرقة ~~الإسماعيلية أو الباطنية التي تنتمي إلى الفاطميين، وهذه هي أقوالها في الله ~~والعالم والنفس والعقل كما رواها الشهرستاني في كتابه ms40 الملل والنحل حيث قال: «... ~~وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج، فقالوا في الباري تعالى إنا لا نقول هو موجود أو ~~لا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، وكذلك في جميع الصفات، فإن ~~الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينه وبين سائر الموجودات في الجهة التي أطلقنا ~~عليه. وذلك تشبيه، فلم يكن الحكم بالإثبات المطلق والنفي المطلق، بل هو إله ~~المتقابلين وخالق الخصمين، والحاكم بين المتضادين. ويقولون في هذا أيضا عن ~~محمد بن علي الباقر أنه قال: لما وهب العلم للعالمين قيل هو عالم ولما وهب ~~القدرة للقادرين قيل هو قادر، فهو عالم وقادر بمعنى أنه وهب العلم والقدرة لا ~~بمعنى أنه قام به العلم والقدرة أو وصف بالعلم والقدرة ... قالوا: وكذلك نقول في ~~القدم إنه ليس بقديم ولا محدث، بل القديم أمره وكلمته والمحدث خلقه وفطرته: ~~أبدع بالأمر العقل الأول الذي هو تام بالفعل ثم بتوسطه أبدع النفس الثاني الذي ~~هو غير تام، ونسبة النفس إلى العقل إما بنسبة النطفة إلى تمام الخلقة والبيض ~~إلى الطير، وإما نسبة الولد إلى الوالد، والنتيجة إلى المنتج، وإما نسبة الأنثى ~~إلى الذكر، والزوج إلى الزوج ... قالوا: ولما اشتاقت النفس إلى كمال العقل احتاجت ~~إلى حركة من النقص إلى الكمال، واحتاجت الحركة إلى آلة الحركة، فحدثت الأفلاك ~~السماوية وتحركت حركة دورية بتدبير النفس أيضا، فتركبت المركبات من المعادن ~~والنبات والحيوان والإنسان، واتصلت النفوس الجزئية بالأبدان، وكان نوع الإنسان ~~متميزا عن سائر الموجودات بالاستعداد الخاص لفيض تلك الأنوار، وكان عالمه في ~~مقابلة العالم كله، وفي العالم العلوي عقل ونفس كلي وجب أن يكون في هذا العالم ~~عقل شخص وهو كل، وحكمه حكم الشخص الكامل البالغ ويسمونه الناطق وهو النبي، ونفس ~~مشخصة هو كل أيضا وحكمها حكم الطفل الناقص المتوجه إلى الكمال أو حكم النطفة ~~المتوجهة إلى التمام أو حكم الأنثى المزدوج بالذكر ويسمونه الأساس وهو الوصي ... ~~قالوا: وكما تحركت الأفلاك بتحريك النفس والعقل والطبائع كذلك تحركت النفوس ~~والأشخاص بالشرائع بتحريك النبي، والوصي في كل زمان ms41 دائر على سبعة سبعة حتى ~~ينتهي إلى الدور الأخير ويدخل زمان القيامة وترتفع التكاليف وتضمحل السنن ~~والشرائع، وإنما هذه الحركات الفلكية والسنن الشرعية لتبلغ النفس إلى حال ~~كمالها، وكمالها بلوغها إلى درجة العقل واتحادها به ووصولها إلى مرتبته فعلا، ~~وذلك هو القيامة الكبرى ... ويحاسب الخلق ويتميز الخير من الشر والمطيع من ~~العاصي، وتتصل جزئيات الحق بالنفس الكلي وجزئيات الباطل بالشيطان المبطل، فمن ~~وقت الحركة إلى السكون هو المبدأ، ومن وقت السكون إلى ما لا نهاية له هو الكمال ~~...» ~~••• # وفي هذا المذهب الإسماعيلي كما نرى آثار من العقائد الدينية ومن مذاهب أرسطو ~~وأفلاطون وأفلوطين، ومن حكمة الهند كما تمثلت قديما في بعض آراء فيثاغوراس، ~~وتمثلت حديثا في بعض آراء أفلوطين، وفيه شيء من المعتزلة وشيء من المتكلمين، ~~ودليل على حالة الأفكار والعقائد في الزمن الذي نبغ فيه الشيخ الرئيس، وفي ~~البيئة التي تنسم لديها أول نسمات الحياة. ~~(3-5) مذهب ابن سينا # أولئك هم أسلاف ابن سينا الفكريون على وجه الإجمال. # وسنرى من ملخص مذهبه مقاربة ملحوظة بينه وبين كل واحد منهم في بعض الأمور: فهو ~~يقارب الفارابي في التوفيقات الدينية، ويقارب فرفريوس والأفروديسي في الرموز ~~الصوفية، ويقارب أرسطو في التفكير المنطقي، ويقارب أفلاطون في النزعة ~~الفنية. # ومن مقاربته لأفلاطون أنه يصطنع مثله أسلوب الأساطير الرمزية لتوضيح ما يريد أو ~~الكناية عما يرمي إليه. كما صنع في رسالة حي بن يقظان ورسالة الطير، وهو يرمز إلى ~~النفس الإنسانية واشتباكها بشهوات هذا العالم للتطهر بالعمل والرياضة ... وهذا نموذج ~~منها على لسان طائر يروي قصة وقوعه في الشرك «... برزت طائفة تقتنص فنصبوا الحبائل ~~ورتبوا الشرك وهيئوا الأطعمة وتواروا في الحشيش، وأنا في سربة طير إذ لحظونا فصفروا ~~مستدعين، فأحسسنا بخصب وأصحاب. ما تخالج في صدورنا ريبة، ولا زعزعتنا عن قصدنا ~~تهمة، فابتدرنا إليهم مقبلين، وسقطنا في خلال الحبائل أجمعين، فإذا الحلق ينضم على ~~أعناقنا والشرك يتشبث بأجنحتنا، والحبائل تتعلق بأرجلنا، ففزعنا إلى الحركة فما ~~زادتنا إلا تعسيرا، فاستسلمنا للهلاك وشغل كل واحد منا ما ms42 خصه من الكرب عن ~~الاهتمام لأخيه، وأقبلنا نتبين الحيل في سبيل التخلص زمانا حتى أنسينا صورة أمرنا، ~~واستأنسنا بالشرك واطمأننا إلى الأقفاص، فاطلعت ذات يوم من خلال الشبك فلحظت رفقة ~~من الطير أخرجت رءوسها وأجنحتها عن الشرك وبرزت عن أقفاصها تطير وفي أرجلها بقايا ~~الحبائل لا هي تؤدها فتعصمها النجاة ولا تبينها فتصفوا لها الحياة، فذكرتني ما كنت ~~أنسيت ونغصت علي ما ألفته، فكدت أنحل تأسفا أو ينسل روحي تلهفا، فناديتهم من ~~وراء القفص أن اقربوا مني فوقفوني على حيلة الراحة، فقد أعنتني طول المقام. فتذكروا ~~خدع المقتنصين فما زادوا إلا نفارا ...» إلى آخر الأسطورة على هذا النسق من الرمز ~~والإيماء إلى مجاهدات النفس في سبيل الخلاص من أوهاق الشهوات. # فلم يكن نصيب أفلاطون بالقليل في تنشئة الشيخ الرئيس وإن كان المشهور عنه أنه ~~خليفة أرسطو بين المناطقة في المشرق والمغرب. فالواقع أنه كذلك، وأنه مع ذلك قريب ~~إلى أفلاطون قرابتين: إحداهما مزاجه الفني وملكة الخيال التي كانت قوية فيه حتى ~~اعتقد أن الكواكب لها نفوس ومخيلات، والأخرى قراءته للفارابي وهو من المعظمين ~~لأفلاطون والمؤمنين بالأفلاطونية الحديثة. # ولا يدل هذا على أنه كان متقيدا بمذهب أستاذ أو أكثر من أستاذ من هؤلاء الأسلاف ~~الفكريين والروحيين؛ لأنه كان يعارضهم كما كان يجاريهم ويوافقهم، وكانت أكثر ~~معارضاته لهم فيما بينهم وبين الدين من خلاف، فلم يكن لمذهبه الفلسفي من حدود غير ~~العقيدة الدينية، وهي صحيحة عنده في جوهرها الأصيل لا خلاف بينها وبين القضايا ~~العقلية في غير الظواهر والعروض ... # وهذه هي خلاصة الحلول التي ارتآها ابن سينا لمشكلات الفلسفة الإلهية كما أجملناها ~~فيما تقدم. # العالم # عند ابن سينا - كما عند أرسطو - أن المادية الأولية والصورة والعدم هي الأصول ~~الثلاثة التي تصدر عنها كل الأجسام الطبيعية، والعالم مخلوق لم يحدث في ~~زمان. # يقول ما فحواه: إن هذه الكائنات إما أن تكون «ممكنة الوجود جميعا» وإما أن ~~تكون جميعها واجبة الوجود. # ومحال أن تكون ممكنة الوجود جميعا؛ لأن الممكن يحتاج إلى علة تخرجه من ms43 حيز ~~الإمكان إلى حيز الفعل. # ومحال أن تكون واجبة الوجود جميعا؛ لأنها بين متحركة تحتاج إلى محرك، وبين ~~مركبة تحتاج إلى علة لتركيبها، ولا بد أن تسبقها أجزاؤها. # فهي إذن بعض ممكن الوجود. # وبعض واجب الوجود. # وواجب الوجود هو الذي لا نتصور عدمه؛ لأن عدمه يوقعنا في المحال. # ومن المحال أن يكون واجب الوجود مسبوقا؛ لأن الذي يسبقه يكون إذن أولى ~~بالوجوب. # ومن المحال أن يكون مركبا لأن أجزاء المركب تسبقه وتحتاج إلى فاعل للتركيب ~~والإيجاد. # فهو أول، وهو جوهر بسيط منزه عن التركيب. # ولم يكن ابن سينا مبدعا في كلامه عن واجب الوجود، أو ممكن الوجود، لأن ~~الفارابي قد سبقه إليه، كما سبقه المعتزلة وبعض المتكلمين. # ولكن ابن سينا قد أبدع تقسيم الوجود إلى واجب بذاته، وممكن بذاته ولكنه واجب ~~لغيره. # وبذلك وفق بين القائلين بقدم العالم وخلقه. فإن العالم ممكن بذاته، ولكنه ~~واجب بغيره؛ لأنه كان في علم الله. وما كان في علم الله لا بد أن يكون. # وليس العالم حادثا في زمان لأن الزمان وجد مع العالم: تحرك العالم فوجد ~~الزمان مع هذه الحركة، وإنما كان وجوده لأنه وجد في علم الله فأخرجه الله من ~~الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، والله قديم بالذات، سرمد لا يحيط به وقت ولا ~~محل. فالعالم كما كان في إرادة الله قديم، وكما كان بالحركة مسبوق بذات الله، ~~وهو سبق سرمدي لا يحده الزمان. # وهنا يقول ابن سينا بالحركة الأولى كما قال أرسطو بها أو بالعلة الأولى: ~~فالمحرك الأول هو علة الحركة. # والحركة هي علة الزمان. # والزمان والفلك إذن مخلوقان على السواء. # وابن سينا - كأرسطو - يقسم الحركة إلى طبيعية ونفسانية، فالحركة الطبيعية ~~مثالها حركة التنقل وهي التي تجذب الأجسام بالطبيعة إلى مركز العالم أو مركز ~~الكرة الأرضية، ومن لوازم هذه الحركة أنها تطلب شيئا وتهرب من شيء، وليست ~~الحركة المستديرة - أي حركة الفلك - من هذا القبيل، فإن كل نقطة مطلوبة ومهروب ~~منها، فهي حركة نفسانية أو هي حركة عقول، ويدل على أن ms44 الحركات الفلكية حركات ~~عقول - غير الدليل المتقدم - أنها لا تتناهى وإن كل جسم فله نهاية فكل حركة من ~~جسم فلا بد لها من نهاية. # ومذهب ابن سينا في الكائنات العلوية أنها عقول وأنها ذات إدراك، وذات خيال، ~~وهو بهذا يخالف الإسكندر الأفروديسي؛ لأن الإسكندر يرى أن الخيال منوط بتخيل ~~الأشياء لطلب السلامة منها، وأن الفلك خالد لا يقبل العطب والفساد، ولا حاجة به ~~إلى الخيال. # لكن العقول العلوية في مذهب ابن سينا قريبة من ترتيب العقول في مذهب الإسكندر ~~الأفروديسي واتباع أفلوطين، وهم يلجئون إليها لتفسير وجود الكثرة من الواحد ~~الذي لا يتعدد: وهو الله. # فالمحرك الأول قد صدر عنه محرك الفلك الأعظم، وهو العقل الأول. # والعقل الأول صدر عنه الفلك الأعظم والعقل الثاني. # وهكذا إلى العقل التاسع، ثم العقل الفعال وهو العقل العاشر الذي يسيطر على ~~العالم الأرضي وما تحت فلك القمر، وعنه تصدر النفوس والأجسام في عالم ~~الإنسان. # وكل عقل تصدر عنه نفس تناسبه في الشرف والتنزه عن المحسوسات. # فالواجب الأول يوحي إلى العقول، والعقول توحي إلى النفوس، والنفوس تؤثر في ~~الأجرام العلوية، وهذه تؤثر في الأرض أو فيما تحت فلك القمر. # وهكذا تكون حركة الفلك حركة عقل يشتاق إلى مصدره الأول. # بل تكون كل حركة شوقا إلى مصدرها وصعودا إلى المصدر الأول وهو الله جل وعلا ~~وتنزه عن الشركاء والأنداد. # فهو الوجود المحض، والحق المحض، والخير المحض، والعلم المحض، والقدرة المحضة، ~~من غير أن يدل كل معنى مفرد على صفة على حدة؛ لأن هذه الصفات تستلزم سلب ألوان ~~من النقص لا توجد في الكمال، وهو واحد لا يتعدد. فإذا قلنا واحد فإنما نعني ~~الوجود مسلوبا عنه القسمة والشريك، وإذا قلنا «جوهر» فإنما نعني الوجود ~~مسلوبا عنه الكون في موضوع، وليس في هذا ولا في أمثاله موجب للكثرة ~~والمغايرة. # أما الصفات الثبوتية أو الإيجابية، فإذا قلنا إن الله قادر فمعنى ذلك أن وجود ~~غيره يصدر عنه على النحو المتقدم، وإذا قلنا إن الله مريد فإنما نعني أن واجب ms45 ~~الوجود مبدأ لنظام الخير كله وهو يعقل ذلك، وأنه غير مسلوب الإرادة. # قال: «فإذا عقلت صفات الأول الحق على هذه الجهة لم يوجد فيها شيء يوجب لذاته ~~أجزاء أو كثرة بوجه من الوجوه.» # وقد وقف بعض الفلاسفة عند قول أرسطو إن الله لا يشغل بما دونه فقالوا إن الله ~~يعقل ذاته فهو عقل ومعقول وعاقل، وإنه لا يعلم الجزئيات لأن العلم بها خاص ~~بالعقل المحدود الذي يتأثر بالحوادث والمعلومات بعد وقوعها، وإنه لا يعلم ~~الكليات لأن العلم بها منتزع من العلم بالجزئيات. فقال ابن سينا بل يعلم الله ~~كل ما وقع أو يقع في ملكه، إذ ليس علمه بالأشياء لأنها حصلت بل هي قد حصلت لأنه ~~علم بها منذ الأزل فكان علمه بها سببا لحصولها. ولكنه علم يخالف علم الإنسان ~~كما يختلف المحدود وغير المحدود. وابن سينا في رأيه هذا قريب من أستاذه ~~الفارابي بعيد من أرسطو وأفلوطين. # النفس # وحد النفس عند ابن سينا «أنها كمال أول لجسم طبيعي آلي أو جسم طبيعي ذي ~~حياة». # فالجسم الحي يمايز غير الحي بنفسه لا ببدنه، فالنفس إذن صورة له أو ماهية ~~والصورة أو الماهية هي الكمال الذي تتحقق به الذات. وكل كمال فهو منقسم إلى ~~قسمين: الكمال الذي هو مبدأ الأفاعيل، والكمال الذي هو ذات الأفاعيل، والأول هو ~~الكمال المؤثر والثاني هو الكمال المتأثر. # وقد قال: «جسم طبيعي» تمييزا له من الجسم الصناعي، وقال: «جسم آلي» تمييزا ~~له من الجسم الذي يعمل بغير الآلات، وقال إنها «كمال أول» لأنها هي التي تؤثر ~~وليست هي الحركة الآتية من التأثير. # والنفس عنده كما هي عند أرسطو «قوى» تتفاوت من النفس النباتية التي تقوم ~~بالتغذية والنمو والتوالد، إلى النفس الحيوانية التي تقوم بهذه وبالإرادة معها، ~~إلى النفس الإنسانية وهي النفس الناطقة، ولها مشاعر ظاهرة كالبصر والسمع والذوق ~~والشم واللمس وما إليها مما تحس به الصلابة واللين والخشونة والملامسة، وهذه ~~الحواس هي التي تنقل إلى النفس صور الأشياء الخارجية. # وللنفس ملكات باطنة هي المصورة ~~والمفكرة والوهم ms46 والحافظة أو الذاكرة، والمتصورة هي الحس المشترك الذي يؤلف بين ~~آثار الحواس المختلفة، ويجمع ما تفرق من المعاني والصفات. # والإنسان والحيوان يدركان الجزئيات بالحواس، ولكن الإنسان وحده هو الذي يدرك ~~الكليات بالنفس الناطقة بغير حاجة إلى الجسد والأعضاء. # فالنفس الإنسانية لها قوتان، عاملة تدبر البدن، وعاقلة ولها مراتب: «فأولها ~~كونها مستعدة لقبول الصور العقلية وهذه المرتبة مسماة بالعقل الهيولاني، ~~وثانيها أن تحصل فيها التصورات والتصديقات البديهية وهي العقل بالملكة، وهذه ~~الملكة مختلفة بحسب كمية تلك البديهيات وبحسب كيفية قوة النفس على الانتقال ~~منها إلى المطالب، وثالثها أن يحصل الانتقال من تلك المبادئ إلى المطالب ~~الفكرية البرهانية، إلا أن تلك الصور لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث إذا ~~شاء الإنسان أن يستحضرها فعل ذلك. وهذه هي مرتبة العقل بالفعل، ورابعها أن تكون ~~تلك الصورة العقلية حاضرة بالفعل ينظر إليها صاحبها وهي المسماة بالعقل ~~المستفاد.» # والعقل بالفعل يتجه إلى العقل الفعال متى شاء. أما الاتصال التام بالعقل ~~الفعال فهو العقل المستفاد، وهو عقل النفس القدسية التي ترتقي إلى منزلة ~~العارفين والصديقين. # وليست النفس متحيزة ولا حالة في المتحيز؛ لأنها لا تنقسم بانقسام الجسم ولا ~~تتوقف عليه. فالمشار إليه بقولي: «أنا» باق في أحوال الجسد كلها سواء في نموها ~~أو ذبولها، وقد يكون الإنسان مدركا للمشار إليه بقولي: «أنا» حالما يكون ~~غافلا عن جميع أعضائه. و«الآنية» لا تتوقف على حقيقة خارجية ولا على شعور ~~بالأعضاء الجسدية، فابن سينا في إثبات وجود النفس على هذه الصورة سابق للفيلسوف ~~الفرنسي ديكارت الذي يبطل الشك في الوجود بقوله: «أنا أفكر أنا موجود»، ويعتبر ~~هذه الحقيقة أولى الحقائق الغنية عن الإثبات، وهو سابق له بالقول بأن الإيجاد ~~فيض دائم من قدرة الله. فلا تدوم للموجود صفة الوجود بمجرد إيجاده، بل يكسبها ~~على التجدد وعلى الدوام. # ويرى ابن سينا أن نفس الإنسان تصدر عن العقل الفعال وتدخل في الجنين عندما ~~يتهيأ الجسد لقبولها، وأنها تعود إليه بعد مبارحة الجسد متى بلغت مرتبة النفس ~~القدسية من طريق الدراسة ms47 أو من طريق الرياضة، ولا تزال النفوس تخلق من العقل ~~الفعال وتعود إليه بغير انتهاء ، لأن عدم التناهي غير ممتنع عند ابن سينا في ~~المجردات التي لا تتحيز وليست بذات وضع في المكان. وكما قال في رسالة المعاد: ~~«إن مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا ولكن جئنا وبالقهر نمكث ~~وبالقهر نخرج وإنما جئنا بها للتمحيص والتطهير ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين، وطهارة النفس إنما تكون بالعمل الشرعي والعلم الإلهي ... كما أن طهارة ~~الجسد من النجاسة إنما تكون بالماء أو بالتراب.» # والجنة عند ابن سينا هي فلك العقل الفعال وما فوقه من البروج، وأما النار فهي ~~ما دون ذلك حيث تختلط النفس بأوشاب الأرض وتقصر عن الصفاء الذي تبلغه العقول ~~بالترقي من العقل الهيولاني إلى العقل المستفاد. # وقد نظم ابن سينا بعض هذه المعاني في قصيدته العينية التي يقول في ~~مطلعها: # هبطت إليك من المحل الأرفع # ورقاء ذات تعزز وتمنع # محجوبة عن كل مقلة عارف # وهي التي سفرت ولم تتبرقع # وصلت على كره إليك وربما # كرهت فراقك وهي ذات تفجع # وجملة القول إن ابن سينا يقول بالنفس الفردية وبقائها بعد فراق الجسد على نحو ~~مما يقول به أستاذه الفارابي، خلافا لأتباع أرسطو الذين لا يعرفون للنفس ~~الإنسانية وجودا مستقلا بعد الحياة، ولا بعث بعد الموت إلا للنفس الإنسانية ~~التي لها استعداد للخطاب. أما النفوس التي ملكتها القوة الغضبية والقوة ~~الشهوانية فحكمها حكم الحيوان «ومن عدم فيضه فلا بعث بعد الموت فإذا مات ~~فكينونته قد ماتت وسعادته قد فاتت، وثوابه في العالم الأدنى حصول آماله، ولا ~~ثواب له في العالم الأعلى.» # الخير والشر # ويجوز لنا أن نلخص مذهبه في الخير والشر بأنه «ليس في الإمكان أبدع مما كان» ~~وهو كذلك قريب من كلام الفارابي في هذا الموضوع. # فليس في وسعنا أن نتصور العالم الذي نحن فيه خيرا محضا وكمالا محضا، لأنه ~~لو كان كذلك لما كان عالمنا هذا ولا كان فيه محل لممكنات الوجود ولا للفوارق ~~بين الأشياء. # وليس ms48 في وسعنا أن نتصوره شرا محضا ونقصا محضا، لأنه لو كان كذلك لكان ~~عدما أو قائما على الفساد، ولا يقوم كون على فساد. # فلم يبق إلا أن نتصوره عالما يراد فيه الخير قصدا وأصلا ويأتي فيه الشر ~~عرضا لضرورة يقتضيها الخير. # وهكذا العالم الذي نحن فيه. # فلا تكون النار نافعة إلا إذا أمكن حصول الضرر منها بالإحراق، ولا يكون ~~السحاب ضارا بحجبه الشمس عنا إلا لتنفعنا في غير هذه الحالة أو من جراء هذه ~~الحالة. وقد يكون الشر نقصا كالجهل والضعف والتشويه في الخلقة، وقد يكون ألما ~~وغما من إصابة أو فوات مطلوب، وكل هذا لا يتأتى اجتنابه في عالم يتسع ~~للممكنات، لأن الشيء الذي هو «ممكن الوجود» ناقص لا محالة. إذا كان قابلا ~~للعدم مترددا بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل. فإما أن يوجد هكذا أو يمتنع ~~وجوده كل الامتناع. # فالخير أصيل في العالم والشر عارض من لوازم الخير المتاح للممكنات. # وهو على هذا أقل من الخير في جملته، ولولا ذلك لما كان للعالم قوام «فإن الشر ~~إنما يصيب أشخاصا، وفي أوقات، والأنواع محفوظة، وليس الشر الحقيقي يعم أكثر ~~الأشخاص إلا نوعا من الشر.» # ويقول ابن سينا: «إن الشر إنما يوجد فيما تحت فلك القمر وجملة ما تحت القمر ~~طفيف بالقياس إلى سائر الوجود.» ~~«وليس الخير المحض إلا الواجب الوجود لذاته» ... «أما الممكن الوجود بذاته فليس ~~خيرا محضا لأنه ذاته بذاته لا يجب لها الوجود. فذاته بذاته تحتمل العدم، وما ~~احتمل العدم بوجه ما فليس في جميع جهاته بريئا من الشر والنقص ...» # فعالمنا هذا أفضل العوالم على هذا الاعتبار. # لا يمكن أن يكون خيرا مما هو عليه مع بقاء الممكنات فيه. # ولولا عناية الله به لكان شرا مما هو عليه، ولاختل ما فيه من نظام، وانحل ~~ما فيه من مساك. # ومؤدى ذلك أن الشر عرض، وأن هذا العرض ضرورة لاستكمال الخير، وإنه على هذا ~~قليل في العالم الأرضي إلى جانب الخير الكثير الذي يدل عليه تماسك الموجودات، ~~وأن العالم الأرضي ms49 كله طفيف إلى جانب الوجود الشاسع في الأفلاك العلوية ~~والعوالم الغيبية. # وليس في الإمكان أبدع مما كان. # الحرية الإنسانية # إلا أننا نظن أن البحث في الحرية الإنسانية أو في مسألة القضاء والقدر هو ~~الذي أوحى إلى ابن سينا أن يقول: # لقد طفت في تلك المعاهد كلها # وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر # على ذقن، أو قارعا سن نادم # فإنه يرى أن النفس مكرهة على دخول الجسد، مكرهة على فراقه، وإنها لم تخلق ~~العوائق التي تصدها عن الترقي في معارج الكمال، وإن التفاوت بين مقادير النفوس ~~لا شك فيه، فلا حيلة للنفس الإنسانية في تقديره، ولا حيلة لها في رزقها لأنه ~~مقسوم كما قال في بعض شعره: # فلا تجشعن فما إن ينال # من الرزق كل سوى قسطه # فكيف تسعد نفس فترقى إلى عليين، وتشقى نفس فلا تزال في القرار المهين. # لم ينته ابن سينا في كل كلامه على الثواب والعقاب إلى نتيجة غير التسليم؛ ~~لأنه يؤمن بالعدل في نظام الوجود، وبالخير المحض من واجب الوجود، فلا يقع في ~~الدنيا ظلم ظاهر إلا كان له وجه باطن من العدل، ولا يجري الشر إلا في مجرى ~~الخير، ولا تنتهي الأمور إلا إلى أفضل النهايات. # وذلك هو الإيمان. # | عقيدة الفيلسوف # وإذا سئلنا رأينا عن عقيدة «ابن سينا» لم نشك في أنه كان من المؤمنين بالله وبالنبوءات لا ~~مراء. # لأن مذهبه في العالم وموجده لا يشتمل على جانب واحد يناقض العقيدة الدينية في أصولها، بل ~~هو مما يوافق العقيدة الدينية ويدعو إليها، ولا نعلم أن أحدا قال في ضرورة النبوءات ما ~~قاله ابن سينا حيث جعلها «وظيفة حيوية» في بنية المجتمع الإنساني، وقرر أن الحاجة إلى النبي ~~«أشد من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين وتقعير الأخمص من القدمين وأشياء ~~أخرى من المنافع التي لا ضرورة لها في البقاء، بل أكثر ما فيها أنها تنفع في البقاء. ووجود ~~الإنسان الصالح لأن يسن ويعدل ممكن كما كان سلف منا ms50 ذكره. فلا يجوز أن تكون العناية الأولى ~~تقتضي تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أسها ... فواجب إذن أن يوجد نبي، وواجب أن يكون ~~إنسانا، وواجب أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم ~~فيتميز عنهم؛ فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها. فهذا الإنسان إذا وجد وجب أن يسن للناس في ~~أمورهم سننا بأمر الله تعالى وإذنه ووحيه وإنزاله الروح القدس عليه.» # ومن واجب النبي في رأي ابن سينا أن يخاطب الناس على قدر عقولهم وألا يشغلهم بما يختلط ~~عليهم «ويجب أن يعرفهم جلالة الله تعالى وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء التي هي عندهم ~~عظيمة وجليلة ويلقي إليهم منه هذا القدر، أعني أنه لا نظير له ولا شبه ولا شريك. وكذلك يجب ~~أن يقرر عندهم أمر المعاد على وجه يتصورون كيفيته، وتسكن إليه نفوسهم. ويضرب للسعادة ~~والشقاوة أمثالا مما يفهمونه ويتصورونه، وأما الحق في ذلك فلا يلوح لهم منه إلا أمرا ~~مجملا، وهو أن ذلك شيء لا عين رأته ولا أذن سمعته، وأن هناك من اللذة ما هو ملك عظيم ومن ~~الألم ما هو عذاب مقيم» إلى آخر ما أوجزه في كتاب النجاة، ومنه يتبين أنه لا ينقض النبوءات ~~بما يعتقده عامة الناس، بل يرى ذلك مصلحة للأكثرين منهم وواجبا على أصحاب النبوءات ~~لإقناعهم وتهذيب طبائعهم. وقد كان ابن سينا يصلي ويدعو الله، ويستلهمه بالصلاة أن يهديه إلى ~~معضلات الفلسفة كلما أشكل عليه أمر مغلق أو قضية مستعصية، فهو لا يقطع الصلة بين الله ~~والإنسان ولا بين النفس والجسد، ولا يمنع تأثير النفس في المادة، فلا يستبعد كما قال في ~~ختام الإشارات «إتيان العارف بما يخرق العادة في الأمور السفلية، وذلك لأن الأجرام السفلية ~~قابلة لهذه الصفات، والنفس الناطقة ليست بجسم ولا حالة في الجسم، فإذا لم يبعد وقوعها بحيث ~~تقدر على التأثير في هذا البدن لا يبعد وقوعها بحيث تقوى على التصرف في مادة هذا العالم ~~العنصري لا سيما على قولنا إن ms51 النفوس الناطقة مختلفة بالماهية، فلا يبعد أن تكون الماهية ~~المخصوصة التي لنفسه تقتضي تلك القدرة ... وصاحب النفس القوية إن كان خيرا رشيدا فهو ذو ~~معجزة من الأنبياء وكرامة من الأولياء، وقد يصير ذلك الذكاء والصفاء سببا لازدياد تلك ~~القوة حتى يبلغ الأمر الأقصى، وإن كان شريرا واستعمل تلك القوة في الشر فهو الساحر الخبيث ~~...» # وقد حذر أتباعه في ختام الإشارات أن يعجلوا إلى التكذيب فقال: «قد يبلغك عن العارفين ~~أخبار تكاد تأتي بقلب العادة فتبادر إلى التكذيب، وذلك مثل ما يقال إن عارفا استسقى للناس ~~فسقوا واستشفى لهم فشفوا ودعا عليهم فخسف بهم وزلزلوا أو هلكوا بوجه آخر ودعا لهم فصرف ~~الوباء والموتان والسيل والطوفان أو خضع لبعضهم سبع، ولم ينفر عنه طير، ومثل ذلك مما لا ~~يأخذ في طريق الممتنع الصريح. فتوقف ولا تعجل، فإن لأمثال هذه أسبابا في أسرار الطبيعة ~~...» # ويخطر لبعض المرتابين أنه كان يكتب ذلك ويقول من باب المداراة والتقية خوفا على حياته من ~~ثورة العامة ومعارضة الفقهاء المتشددين، وهو خاطر واهم لا موجب له على الإطلاق، وإنما يصح ~~أن يخطر على البال إذا كانت هذه الآراء مخالفة لمقتضى مذهبه الفلسفي أو مخالفة لقوانين ~~الطبيعة في تقديره، ولكنها لا تخالفها ولا تناقضها في كثير ولا قليل. # فابن سينا كان يعتقد أن التصرف في الأجرام الفلكية بالتغيير عن مجاريها مستحيل، ولكنه كان ~~يعتقد أن عقولها تؤثر فيما دونها من العقول إلى العقل الفعال الذي يسيطر على العالم الأرضي ~~وما تحت القمر من الموجودات. # واعتقاده في العالم الأرضي أنه عالم الفساد وعالم الإمكان أو أنه هو العالم الذي يجوز فيه ~~التغيير والانحراف، وأن المرجع في ذلك إلى العقل الذي يسبغ الصور على الهيولى ويعطيها بذلك ~~الوجود فتخرج من القوة إلى الفعل، وتعلو صعدا أو تهبط سفلا على حسب ما يعتريها من غلبة ~~العقل أو غلبة المادة والهيولى. # وقد أسلفنا أن العقل المستفاد في الإنسان على صلة تامة بالعقل الفعال، فهو يملك من القدرة ~~على إسباغ الصور وخلعها أو ms52 تحويل الموجودات من صورة إلى صورة مثل ما يملكه العقل الفعال، ~~ويرى ابن سينا أن النفوس تؤثر في أجسادها وفي غيرها من الأجساد بقوة واحدة؛ لأنه لا مانع من ~~تأثيرها في الأجساد الأخرى إذا كانت تؤثر في أجسادها وهي غير متحيزة فيها ولا تنقسم ~~بانقسامها. # فالذي يفهم المؤثرات الأرضية هذا الفهم لا يمتنع عليه عقلا أن يقبل تغيير العادات على ~~النحو الذي ينسب إلى أصحاب الكرامات. # وقد نسبت إليه أشعار في مناجاة الكواكب واستلهام عطارد، ولا نستبعدها لأنه استلهام للعقول ~~وليس هو بمستغرب من الفيلسوف. # كقوله: # عطارد قد والله طال ترددي # مساء وصبحا كي أراك فأغنما # فها أنت فامددني قوى أدرك المنى # بها والعلوم الغامضات تكرما # ووقني المحذور والشر كله # بأمر مليك خالق الأرض والسما # إلا أن القوم قد غلوا في تعلقه برصد الكواكب حتى نسبوا إليه قصيدة رائية تنبئ بغارة التتر ~~وغلبة الملك المظفر عليهم في أرض كنعان، مطلعها: # احذر بني من القرن العاشر # وانفر بنفسك قبل نفر النافر # ومنها: # يفنيهم الملك المظفر مثل ما # فنيت ثمود في الزمان الغابر # ويبيدهم نجل الإمام محمد # بحسامه الماضي الجزار الباتر # ولربما أبقى الزمان عصابة # منهم فيهلكهم حسام الناصر # إلى آخر القصيدة التي أثبتها ابن الأثير في تاريخه وقال: «وكان الاعتماد بما في هذه ~~القصيدة من كتاب الجفر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والله أعلم أن يكون ~~الشيخ الرئيس قال هذه القصيدة أو غيره.» # ولو جزم ابن الأثير بأنها منحولة لابن سينا لما كان عليه من تثريب؛ لأن ابن سينا مات قبل ~~وقوع هذه الحوادث بأكثر من مائتي سنة، ولم يثبتها أحد في كتابه خلال هذه السنين. # ولا نعرف كلاما صحت نسبته إلى الفيلسوف حاول فيه كشف الغيب من طريق التنجيم، وإنما يعرض ~~لقوة الحروف الحسابية من قبيل الولع بالألغاز الرياضية التي يولع بها كبار الرياضيين شحذا ~~للخاطر وتحريضا للملكة. فقابل بين الأحرف الأبجدية وبين الموجودات العلوية والسفلية، وجعل ~~لكل حرف دلالة ثم وفق بين هذه الدلالات وبين ms53 الحروف التي وردت في أوائل السور القرآنية، ~~فاستقامت له فكرة مقبولة واعتمد من أجلها ذلك التوفيق العجيب ولم يعتمده للتنجيم أو لتسخير ~~القوى الطبيعية للحروف كما يفعل السحرة والمشعوذون، وقد ألف رسالة خاصة عن الحروف باعتبارها ~~أصواتا طبيعية تختلف باختلاف حركات العضلات في الصدر والحلق والفم وتأثير تلك الحركات في ~~الهواء. # ومن أمثلة ذلك أن الألف يساوي الواحد، فهو رمز للباري جل وعلا، وأن الباء رمز للعقل، ~~والجيم رمز للنفس، والدال رمز للطبيعة، وهكذا إلى نهاية سلسلة الموجودات وهي المادة ~~العنصرية. واستخلص من ذلك أن الكاف والعين والهاء والصاد والقاف وغيرها من الحروف في أوائل ~~السور هي حاصل ضرب الحروف الدالة على تلك الموجودات بعضها في بعض على الحساب الذي تحراه، ~~وإنها أقسام من قبيل الأقسام التي بدئت بها بعض السور مذكورة بالأسماء. # ونحن ننفي التنجيم عن ابن سينا ولا ننفي عنه الإيمان بإمكان علم الغيب والإخبار ~~بالمغيبات، فإن المسألة عنده قضية فلسفية وليست بمسألة تصديق وتسليم؛ لأنه يقول بأن علم ~~الله بالأشياء في الأزل هو سبب وجودها في الزمان، ويقول بصدور العقول العلوية من الله، وأن ~~عقل الإنسان إذا ترقى في مراتب الكمال والصفاء بلغ مرتبة العقل المستفاد وهو على اتصال دائم ~~بالعقل الفعال، فلا جرم بعلم الأمور قبل وقوعها ويكون له سلطان على إيجادها وإخراجها من ~~القوة إلى الفعل، ولا يكون اعتقاد الفيلسوف هذا الرأي غريبا كأنه من قبيل التصديق الذي لا ~~يليق بالمفكرين، فإنما هو قضية منطقية تنتهي إلى هذه النتيجة من طريق الفلسفة لا من طريق ~~التصديق. # وقد يتصل الإنسان بالعقل الفعال من طريقين في رأي ابن سينا لا من طريق واحد. # يتصل به من طريق التأمل الصادق والفكر الصحيح، ويتصل به من طريق النسك والرياضة ~~الروحية. # والطريق الأولى طريق الفلاسفة والحكماء، والطريق الثانية طريق النساك والصالحين. # ولابن سينا سبحات يفهم منها أنه راض نفسه على التصوف في بعض أيامه، وأنه حاول الكشف عن ~~الحقائق متوسلا بالصلاة والزكاة والكف عن الشهوات، وكانت له علاقة بأكبر المتصوفة ms54 في زمانه ~~«أبي سعيد بن أبي الخير»، وهو رجل يتعالى على خلافات الشعائر الدينية ويشطح ذلك الشطح ~~البعيد في التسوية بين ضروب العبادات، وكان أبو سعيد يسأله ويستفسره في معضلات الفلسفة ~~ويطلعه على ذات نفسه كأنه من الواصلين الذين لا تحجب عنهم هذه الأسرار. # إلا أن الرجل لم يخلق لعزلة التصوف، وطمأنينة الخلوات، ولكنه خلق لزحام الدنيا ومجاذبة ~~الحوادث ومكافحة الرجال، وغلب فيه سلطان العقل على سلطان الروح، فتراه حتى في وصيته التي ~~يكتبها إلى إمام المتصوفين يذكر السفر «بالعقل» إلى الملكوت ويتخذه مرقاة لطالب الوصول إلى ~~اللاهوت، فلا عجب تنقطع المودة بينه وبين أبي سعيد ويعود أبو سعيد فيقول فيه: # قطعنا الأخوة عن معشر # بهم مرض من كتاب «الشفا» # فماتوا على دين رسطالس # وعشت على سنة المصطفى # وحق لابن سينا أن يؤثر طريقه على طريق أبي سعيد، لأن هذين البيتين لا ينمان على خلق يرجح ~~به المتصوف على الفيلسوف. ~~••• # ومن الواجب أن نختم الكلام عن مذهب ابن سينا وعقيدته بكلمة موجزة عن قدره أو عن أثره في ~~الثقافة الإنسانية، سواء في عالم الفلسفة أو عالم المنطق والعلوم الطبيعية. # فالحاسدون لسمعته يقولون كما قال ابن سبعين غير متحرج ولا متحفظ: «إنه مسفسط كثير الطنطنة ~~قليل الفائدة، وما له من التآليف لا يصلح لشيء.» # والعارفون بفضله يعتمدون عليه ولو كانوا ممن يدينون بغير دينه. فإن إثباته للنفس الفردية ~~وخلودها كان من الدعائم التي استند إليها أكبر علماء اللاهوت كالقديسين توما الأكويني ~~وألبرت الكبير، وكان الإقبال عليه بقدر الإعراض عن ابن رشد في موضوع «النفسيات» على ~~التعميم. # وقد كانت ملاحظاته الطبيعية - من قبيل ملاحظاته على قوس قزح وعلاقته بأحوال السحاب - محل ~~إعجاب من باكون إمام المدرسة التجريبية. وكانت طبيعياته من أسباب الفتوح العلمية الحديثة؛ ~~لأنها ظلت في جامعات أوروبة موضعا للدرس والمراجعة مع بحوثه الطبية عدة قرون. # وأقل ما يقال في الرجل إنه لم يترك ثقافة بني الإنسان كما وجدها حين نشأ في هذه الدنيا. ~~فكان له توجيه العقول شأن لو زال ms55 لزال معه شيء غير قليل من تراث المعرفة والتفكير. # مسائل أخرى # تناول ابن سينا بالمنطق والفلسفة كثيرا من المسائل الذهنية والروحية، ويمكن أن يقال ~~إن المنطق كان في عرف ابن سينا آلة سلبية تعصم من الزلل وتساعد على اجتناب الخطأ، وإنما ~~تدرك الحقائق بهداية الحكمة ونور البصيرة، فهي مصباح والمنطق ميزان. # وفي المنطق، والفلسفة الإلهية، مسائل لها شأن خاص في مذهب ابن سينا، كمسألة الكليات ~~ومسألة المعرفة؛ لأنهما تقترنان باسمه في كتب هذه المباحث مع سبق الكلام فيها من قبله، ~~لما ألقى عليهما من لمحاته الشخصية التي لا تلتبس بملامح غيره. # فالكليات كما قدمنا هي موجودات مفارقة - أو مجردة - سابقة لوجود الجزئيات في مذهب ~~أفلاطون. # وهي عند أرسطو لا وجود لها في خارج الذهن لأنها منتزعة من تصور الجزئيات. # أما ابن سينا فرأيه في هذه المسألة وسط بين رأي الحكيمين الكبيرين؛ لأنه يرى أن ~~الكليات موجودة قبل الجزئيات، وموجودة فيها، وموجودة بعدها. فوجودها قبل الجزئيات في ~~علم الله أو في العقل الإلهي الذي لا يغرب عنه مثقال ذرة مما في السماء والأرض، ووجودها ~~في الجزئيات لأن «الشجرية» موجودة في جميع الأشجار والكوكبية موجودة في جميع الكواكب ~~والإنسانية موجودة في جميع الناس. أما وجودها بعد الجزئيات ففي عقولنا نحن الذين ~~نشاهدها ونعرفها من معرفة المفردات التي تدخل تحت عنوان واحد، أو من معرفة الأخبار ~~والأنواع والفضول والآحاد كما يقول المناطقة. # ويترتب على هذا الرأي في الكليات والجزئيات رأي ابن سينا في المعرفة وأسبابها. # فعند أفلاطون أن المعرفة «تذكر» لأن النفس قد شهدت هذه الحقائق الخالدة قبل حلولها في ~~الجسد، فهي تذكرها كلما أفاقت من غاشية المادة واتصلت بعالم العقل والروح. # وعند أرسطو أن المعرفة مشاهدة واستقراء وتفكير مبني على المشاهدة والقياس. # ورأي ابن سينا وسط بين الرأيين في هذه المسألة كما هو وسط بينهما في مسألة الكليات، ~~فالمعرفة عنده قسمان: معرفة فكر ومعرفة حدس. فمعرفة الفكر من المشاهدة والقياس، ومعرفة ~~الحدس من فيض العقل الفعال في العقل الإنساني على سبيل الوحي ms56 والإلهام. # الطبيب # كان الشيخ الرئيس يحب أن يتحدث إلى تلاميذه عن أيام تلمذته وتحصيله، فكان يقول لهم عن ~~تحصيله لعلم الطب: «ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه. وعلم الطب ليس من ~~العلوم الصعبة، فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم ~~الطب، وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، ~~وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة ~~...» # ويؤخذ من هذا أن الفلسفة والرياضيات كانت عند الشيخ الرئيس بالمنزلة الأولى التي ~~تتقدم على الطب والعلوم الطبيعية، وهو ترتيب موافق لرأيه في تقديم الإلهيات والمعارف ~~المجردة على المعارف النفعية أو الملتبسة بالأجسام. إلا أن المسألة على ما يظهر مسألة ~~استعداد لا مسألة رأي في ترتيب العلوم، فهو يفضل الفلسفة والرياضيات لأنه يشعر في ~~دراستها بكل قواه ويستغرق بها جهد ملكاته، فيلذ له مراسها ويستمتع منها برياضة ذهنية لا ~~يستمتع بها من غيرها، ويشتغل بالطب فلا يستغرق جهده كله فيه؛ لأنه يفرغ له جانب ~~الملاحظة وجانب الذاكرة من تفكيره، ويستسهله من أجل ذلك وليس هو بالسهل على ~~سواه. # نعم لم يكن هذا العلم الواسع بالسهل على سواه في زمانه، وحري به ألا يكون سهلا في ~~الزمن الذي كان الطبيب فيه طبيبا لجميع الأمراض مطالبا بالنظر والعمل في وقت واحد، ~~ومع هذا بذل أناس غاية جهدهم وقصارى سعيهم في تحصيل ذلك العلم ولم يبلغوا فيه شأو ابن ~~سينا ولا اقتربوا من شأوه؛ لأنه كان طبيب العصر غير مدافع في الشرق كله، ثم انتقلت ~~تواليفه إلى الغرب فأصبح طبيب العالم بأسره زهاء أربعة قرون، ولم يشتهر أحد بهذه ~~الصناعة مثل تلك الشهرة العالمية بغير استثناء أحد من أيام بقراط وجالينوس. # عالج أمير بخارى وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم ترجم كتابه «القانون» في أواخر ~~القرن الثاني عشر للميلاد إلى اللغة اللاتينية فأصبح مرجعا للدراسات الطبية في جامعات ~~أوروبة ms57 من أقصاها إلى أقصاها. فكان يدرس في جامعتي مونبلييه ولوفان إلى منتصف القرن ~~السابع عشر ، وكان هذا الكتاب وكتاب المنصوري للرازي عمدة الأساتذة في جامعة فينا وجامعة ~~فرنكفورت طوال القرن السادس عشر، وترجم إلى العبرية فتداوله الإسرائيليون المشتغلون ~~بالطب بين أرجاء العالم بأسره، وتكررت طبعاته حتى قاربت أربعين طبعة ما بين ظهور فن ~~الطباعة وبداية القرن السادس عشر، وتعدد طبع الكراسات المقتبسة منه غير طبعاته الكاملة ~~فلم تدخل في حساب، وكانت النسخة اللاتينية التي ترجمها جيرارد الكريموني في سنة 1187 ~~رديئة الترجمة، فأعيد النظر فيها وتجشم العلماء كل مشقة لمراجعتها وتنقيحها؛ لأنهم يرون ~~الكتاب جديرا بالصبر على المشقات الجسام في سبيله، وينظرون إليه كما ينظرون إلى وحي من ~~السماء. # قال نوبرجر # Neuburger # في كتابه المطول عن تاريخ ~~الطب: «إنهم كانوا ينظرون إلى كتاب القانون كأنه وحي معصوم، ويزيدهم إكبارا له تنسيقه ~~المنطقي الذي لا يعاب ومقدماته التي كانت تبدو لأبناء تلك العصور كأنها القضايا المسلمة ~~والمقررات البديهية.» # وإنما تبوأ كتاب ابن سينا هذه المكانة الرفيعة، بين المراجع العالمية، بحق لا نزاع ~~فيه؛ لأنه كان أوفى مرجع من مراجع الطب القديم، وظل كذلك إلى عهد الموسوعات العصرية ~~قبيل القرن التاسع عشر بقليل، واجتمعت له مزايا الإحاطة والتحري والاستقصاء والتنسيق، ~~فاشتمل على تراث أمم الحضارة في أصول الطب وفروعه من شرح الأعراض إلى وصف العلاج إلى ~~سرد أسماء العقاقير والأدوية، ومواطن الجراحات وأدوات الجراحة، مع قدرة على الترتيب ~~الموسوعي قل نظيره في زمانه واقتدى بها المقتدون إلى مطالع عهد العلم الحديث. # وقد كان طب القرون الوسطى مشوبا بالكهانة من ناحية، وبالشعوذة والسحر من ناحية أخرى، ~~وكانت الأبخرة والتعاويذ مقرونة بالأدوية والعقاقير في علاج جميع الأمراض. ولم يكن من ~~العجيب أن يستدرج ابن سينا إلى هذه الأوهام، بحكم مذهبه في النفوس والأرواح واتصالها ~~قبل الموت وبعد الموت بأجسام الأحياء، فلا عجب على هذا المذهب أن تكون عللا للأمراض، ~~وأن يلتمس لها العلاج عند السحرة والأولياء، ولكنه استطاع بقدرة عقله أن يفصل بين ~~فلسفته ms58 وطبه فصلا علميا دقيقا، في موضوع الطب والعلاج، سواء منه ما تعلق بالأجسام ~~أو ما تعلق بالنفوس والعقول. فلم ينكر تأثير الأرواح العلوية أو السفلية في الجسم الحي. ~~ولكنه قرر أن الطبيب لا يعرف الأمراض إلا من حيث هي عوارض جسدية، وحالة من أحوال ~~المزاج، فلما شرح أعراض «المالنخوليا» قال: إن بعض الأطباء ينسبونها إلى الجن. ثم قال: ~~«... ونحن لا نبالي من حيث نتعلم الطب أن ذلك يقع عن الجن أو لا يقع بعد أن نقول: إنه إن ~~كان يقع من الجن فيقع بأن يحيل المزاج إلى السوداء، فيكون سببه القريب السوداء، ثم ليكن ~~سبب تلك السوداء جنا أو غير جن ...» # بل هو يسلك «العشق» في عداد الأمراض بما له من الأعراض الجسدية، ثم يصف الحيلة في ~~علاجه - وقد روى أنه جربها وأفاد بها - فيقول: «والحيلة في ذلك أن يذكر أسماء كثيرة ~~تعاد مرارا، وتكون اليد على نبضه، فإذا اختلف بذلك اختلافا عظيما، وصار شبه المنقطع ~~ثم عاود وجربت ذلك مرارا علمت أنه اسم المعشوق، ثم يذكر كذلك السكك، والمساكن، والحرف، ~~والصناعات، والنسب، والبلدان. ويضيف كلا منها إلى اسم المعشوق ويحفظ النبض حتى إذا ~~كان يتغير عند ذكر شيء واحد مرارا جمعت من ذلك خواص معشوقه من الاسم والحيلة والحرفة ~~وعرفته، فإنا قد جربنا هذا واستخرجنا به ما كان في الوقوف عليه منفعة.» # ثم يصف العلاج، فإذا هو يذكر فيه التغذية الصالحة، والمنومات التي لا ضرر فيها مع ~~العوامل النفسية على اختلافها. # وقد ذكر أحمد بن عمر بن علي النظامي، في مقالاته الأربع طريقة نفسية حسنة اتبعها ~~ابن سينا في علاج فتى من آل بويه خولط في عقله، وتوهم أنه بقرة سائمة، فصار يمشي على ~~أربع ويخور خوار الأبقار ويصيح بمن حوله: اقتلوني، اقتلوني، واطبخوا أكلة لذيذة من ~~لحمي! فأوصى ابن سينا تلميذا له أن يقف على مسمع من الفتى المريض فينادي: ها هو ذا ~~الجزار مقبل إليك، ثم دخل ابن سينا، وفي يده مدية كبيرة، وهو يقول: أين هذه ms59 البقرة ~~لأذبحها؟ ثم أمر بالفتى فألقي على الأرض وأوثق بالحبال ووضعت المدية على عنقه، ثم نهض ~~الطبيب ، وهو يقول: كلا، إنها بقرة عجفاء، لا تساوي مؤونة الذبح حتى تعلف وتسمن ... وكان ~~هذا هو العلاج المطلوب؛ لأن الفتى المخبول كان قد صدف عن الطعام وأهمل نفسه، فزاده نقص ~~التغذية هزالا على هزال وخبالا على خبال. فلما أكل ما ينفعه ويغذيه عاد إليه العقل مع ~~الصحة والاعتدال. ~~••• # ومن هذه الأمثلة: نعرف بعض الشيء عن منهج ابن سينا في طبه وعلاجه. فلا نستعظم تلك ~~المكانة العالمية على طبيب يباشر الطب على أنه علم طبيعي، بعيد من الأوهام والخرافات، ~~ويستعين في علاجه بذلك النظر الصائب وتلك الفطنة الوحية ويحيط بعوارض الأعضاء، ولا ينسى ~~مداخل النفس في تصحيح الأجسام. # قال الأستاذ كمستون # Cumston # في كتابه (تاريخ الطب من ~~عهد الفراعنة إلى القرن الثاني عشر): # ما على الإنسان إلا أن يقرأ جالينوس، ثم ينتقل منه إلى ابن سينا ليرى الفارق ~~بينهما. فالأول غامض، والثاني واضح كل الوضوح، والتنسيق والمنهج المنتظم سائدان ~~في كتابة ابن سينا ونحن نبحث عنهما عبثا في كتابة جالينوس. # ثم تناول الأستاذ جملة من التصحيحات التي أدخلها ابن سينا على طب الأقدمين: في عوارض ~~الجنون، والفالج، وأمراض الكبد، والصدر، والجراحات، وعلاقة بعض الأمراض بالخمر، فإذا هي ~~خطوات أجيال خطاها رجل واحد قليل النظير ... فلا جرم يقول الأستاذ كمستون: «لعله لم يظهر ~~قبله ولا بعده نظير لهذا النضج الباكر، وهذه السهولة الممتنعة، وهذه الفطنة الواسعة، ~~مقرونة بمثل هذه المثابرة في مثل هذا الأفق الفسيح.» # الأديب # قال الجوزجاني تلميذ الشيخ الرئيس: ~~... كان الشيخ جالسا يوما من الأيام بين يدي الأمير علاء الدولة، وأبو منصور ~~الجبائي حاضر، فجرى في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور ~~إلى الشيخ، يقول: إنك فيلسوف وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضينا بكلامك ~~فيها. فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، ~~واستهدى كتاب تهذيب اللغة من خراسان: من تصنيف أبي منصور ms60 الأزهري، فبلغ الشيخ ~~في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها، وأنشأ ثلاث قصائد ضمنها ألفاظا غريبة من ~~اللغة، وكتب ثلاثة كتب: أحدها على طريقة ابن العميد، والآخر على طريقة الصابي، ~~والآخر على طريقة الصاحب، وأمر بتجليدها وإخلاق جلدها. ثم أوعز إلى الأمير فعرض ~~تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي، وذكر أنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء ~~وقت الصيد، فيجب أن تتفقدها وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه ~~كثير مما فيها، فقال له الشيخ: إن ما تجهله من هذا الكتاب فهو مذكور في الموضع ~~الفلاني من كتب اللغة. وذكر له كثيرا من الكتب المعروفة في اللغة كان الشيخ ~~حفظ تلك الألفاظ منها. وكان أبو منصور مجزفا فيما يورده من اللغة غير ثقة ~~فيها، ففطن أبو منصور: أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، وأن الذي حمله عليه ما ~~جبهه به في ذلك اليوم، فتنصل واعتذر إليه، ثم صنف الشيخ كتابا في اللغة سماه: ~~(لسان العرب)، لم يصنف في اللغة مثله، ولم ينقله إلى البياض حتى توفي، فبقي على ~~مسودته لا يهتدي أحد إلى ترتيبه. # وذلك كله شبيه بأخلاق الشيخ الرئيس، ومعهود أعماله، ووثبات همته في طلب المعرفة ~~والتفوق فيها على النظراء، وما كان مطلب من مطالب العلم على عهده ليتوفر عليه ثلاث ~~سنوات، دون أن يوفي فيه على الغاية ويتمكن بين أساطينه وثقاته. فلا جرم يقول مفتخرا ~~بالبلاغة في بعض شعره: # أما البلاغة فاسأل بي الخبير بها # أنا اللسان قديما والزمان فم # وهو فخر لا ينفرد فيه بالشهادة لنفسه؛ لأنها شهادة يزكيها أبناء زمانه وتقوم الأدلة ~~عليها من شعره ونثره، ويرشحه لاستحقاقها أنه حفظ القرآن قبل العاشرة من عمره، وانطبع ~~لسانه على فصاحته من باكر صباه، ثم أضاف إليه ما أضاف من محصول الآداب العربية ~~والفارسية، فحق له أن يلقب بين الفلاسفة بالفيلسوف الأديب، وإن كان الأدب وحده لا يرتفع ~~به إلى مثل مكانه في زمرة الحكماء. # فلو حسب الشعر وحده لابن سينا لحسب به بين أوساط الشعراء ولو ms61 تفرغ له لعله كان بالغا ~~منه فوق هذه المرتبة الوسطى أو معدودا في الرعيل الأول بين أدباء المشرق من الأرومة ~~الفارسية، ولكنه لم يخلق للشعر على ما نرى، فلم يخطئ في النصيب الذي أعطاه إياه من ~~وقته، ولم يكن يعطيه من وقته إلا بمقدار تسلية المتسلي وتفكهة الحكيم وبطالة ~~المشغول. # ومن هنا جاءته في شعره مزية غير مقصودة: وهي أنه استغنى عن التكسب به أو عن نظمه في ~~الأغراض المفتعلة، فكان ينظمه فيما يحسه من أحوال حياته، وكان شعره كله دالا عليه في ~~مختلف حالاته، مطبوعا بطابع مزاجه ودخيلة شعوره، متصلا بأسلوب تفكيره وطريقته في ~~النظر إلى الأمور. # فكان الرجل محسودا مزاحما في ميدان الغلبة والطموح، فإذا شكا حسد الحاسدين ~~قال: # عجب لقوم يحسدون فضائلي # ما بين عيابي إلى عذالي # عتبوا علي فضلي وذموا حكمتي # واستوحشوا من نقصهم وكمالي # إني وكيدهم وما عبثوا به # كالطود يحقر نطحة الأوعال # وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه # هانت عليه ملامة الجهال # وإذا نظر إلى الذين سبقوه في حظوظ الحياة قال: # لا تحسدنهم إن جد جدهم # فالجد يجدي، ولكن ما له عصم # ليسوا وإن نعموا عيشا سوى نعم # وربما نعمت في عيشها النعم # الواجدون غنى، العادمون نهى # ليس الذي وجدوا مثل الذي عدموا # وكان محبا لمتعة الجسد فكان شعوره بالشيب خليقا بمن تحرمه السن صفوة ذلك المتاع. ~~فنظم في هذا المعنى أبياتا من أفضل شعره كقوله: # تنفس في عذارك صبح شيب # وعسعس ليله، فكم التصابي؟ # شبابك كان شيطانا مريدا # فرجم من مشيبك بالشهاب # أو كقوله: # الشيب يوعد والأيام واعدة # والمرء يفتر، والأيام تنصرم # أو كقوله: # هو الشيب لا بد من وخطه # فعرضه، وأخضبه، أو غطه # أأقلقك الطل من وبله؟ # جزعت من البحر في شطه! # وكان فخورا فأحسن الفخر في أبيات منها: # إني وإن كانت الأقم تخدمني # كذاك يخدم كفى الصارم الخذم # ومنها: # إني عظمت فليس مصر واسعي # لما غلا ثمني عدمت المشتري # ومنها: # بأي مأثرة ينقاس بي أحد؟ # بأي مكرمة تحكيني الأمم # وأحب الخمر، فمن ms62 قوله فيها: # صبها في الكأس صرفا # غلبت ضوء السراج # ظنها في الكأس نارا # فطفاها بالمزاج # ومدحها مدح الفيلسوف فقال: # شربنا على الصوت القديم قديمة # لكل قديم أول، وهي أول # ولو لم تكن في حيز قلت إنها # هي العلة الأولى التي لا تعلل # وقال فيها وفي المرأة التي كان يحبها كما يحب الخمر: # أساجية الجفون، أكل خود # سجاياها استعرن من الرحيق # هي الصهباء مخبرها عدو # وإن كانت تناغي عن صديق # وهو عالم بالطبيعيات، فلا ينساها في شعره كما قال: # أشكو إلى الله الزمان فصرفه # أبلى جديد قواي وهو جديد # محن إلي توجهت فكأنني # قد صرت مغناطيس وهي حديد # وهو حكيم لا يرى للحياة معنى بغير المعرفة فهو يقول: # هذب النفس بالعلوم لترقى # وذر الكل فهي للكل بيت # إنما النفس كالزجاجة والعلم # سراج وحكمة الله زيت # فإذا أشرقت فإنك حي # وإذا أظلمت فإنك ميت # وعنده ما عند جميع الفرس من حب الجناس والمحسنات، فلا ينساها في بيت نظمه كما ~~قال: # تنبه وحاذر أن ينالك بغتة # حسام كلامي أو كلام حسامي # وهذه الأبيات وأمثالها إن لمن تكن من خيرة الشعر، فهي شعر ابن سينا لأمراء. وهي شعر ~~يستحسن من فيلسوف، وقد يستحسن من غير فيلسوف! # أما نثره فقد كان على ثلاثة أساليب: أسلوب مرسل، وأسلوب فلسفي، وأسلوب منتقى يحتفل به ~~احتفال المنشئين. # وأسلوبه المرسل فصيح سائغ وهو أسلوبه في معظم مؤلفاته. # وأسلوبه الفلسفي تكثر فيه العسلطة لغير ضرورة إلا أن قراء الفلسفة قديما يشجعونها ~~لأنها تخصصهم بنمط لا يشبههم فيه سائر المتكلمين. # ولكنه يتأنق في إنشائه، ويحتفل بأسلوبه فلا يخطر لك وأنت تقرأه متأنقا محتفلا أنه ~~هو بعينه صاحب تلك العسلطة الفلسفية ... ومن أمثلة إنشائه البليغ، قوله: في رسالة القضاء والقدر: # ما لي أراك غير ذي العهد الذي عهدته، وغير ذي الإلف الذي عرفته. أراك زمر النشاط # 1 # ذابل الورق ممصوص النقى # 2 # معقول الأسلة # 3 # رائب النفس واجم السحنة، بعد عهدي بك ضرمة تلتهب ونبعا تموج ~~وإعصارا تعصف، وشفرة هذاذة الغرب، وجوادا ms63 غير مكبوح الجماح ... ~~... فقلت كذلك للدهر ضربات أخياف ... فإنه ليكسو، ثم ينضو، ويخلع ثم يخلع، ~~والتغيير ديدنه، والتبديل هجيراه ... # وقد استقام له هذا الأسلوب كلما توخاه في مقاماته الفلسفية فلم يسبقه سابق من أصحاب ~~المقامات في حلبة التنميق والإنشاء وربما أقصر بعضهم عن شأوه في جزالة اللفظ وفخامة ~~العبارة. ولم ينطو على معنى وراء الجزالة والفخامة كمعناه. # ومما لا ريب فيه أن أناسا كثيرين عاشت أسماؤهم بالأدب وحده في تاريخ الثقافة ~~العربية. ولم يكن لهم في النثر ولا في الشعر محصول أنفس من هذا المحصول. # مشاركات شتى # ويصح أن يقال إن ابن سينا قد شارك في جميع علوم عصره، فلم يكن في زمانه فرع من فروع ~~الثقافة الإنسانية لم يساهم فيه بقسط وافر ولم يذكر له فيه رأي معدود. # سئل وهو في الحادية والعشرين أن يؤلف لبعض الطلاب موسوعة موجزة في العلوم، فألف كتاب ~~«المجموع» وألم فيه بكل علم معروف يومئذ ما عدا الرياضيات. # ومن العلوم التي ساهم فيها مساهمة الثقات علم الهيئة والرياضيات على اختلافها. فزاد ~~على المجسطي أشكالا ومسائل لم يسبق إليها، وأورد على إقليدس بعض الشبهات، وشك فيما ذهب ~~إليه أرسطو من تشابه الثوابت وتساوي أبعادها واتحاد مراكزها في كرة واحدة. فقال في ~~الشفاء: «على أني لم يتبين لي بيانا واضحا أن الكواكب الثابتة في كرة واحدة أو في ~~كرات ينطبق بعضها على بعض، إلا بإقناعات، وعسى أن يكون ذلك واضحا لغيري ...» # ومن مقرراته أن الأرض متحركة، وأنه لا مانع من وقوف جسم في الفضاء لأنه لا بد له من ~~مكان حيث كان. فإذا امتنع وقوفه فلا بد لذلك من سبب، وهو انجذاب الأشياء إلى مركز ~~العالم أو مركز الكرة الأرضية. # وقرر أن النور ليس بجسم ولكنه كيفية في جسم ... «وإن كان له انتقال فذلك بالتجدد، لا أن ~~شيئا واحدا بعينه ينتقله» ... وهو أقرب الأقوال إلى مذهب العصريين في حركة النور في غير ~~خلاء. # وقد وكل إليه علاء الدولة تصحيح الخلل في التقاويم التي عملت بحسب الأرصاد ms64 القديمة، ~~فأوشك أن يفرغ من تصحيحها لولا انقطاع العمل بالأسفار تلو الأسفار والأزمات في أثر ~~الأزمات. ~~••• # واشتغل بالطبيعيات كالظواهر الجوية وعلم طبقات الأرض وما إليه. ومن أمثلة تحقيقاته في ~~هذه الأغراض كلامه على الزلازل في الشفاء حيث يقول: «أما الزلزلة فإنها حركة تعرض لجزء ~~من أجزاء الأرض بسبب ما تحته، ولا محالة أن ذلك السبب يعرض له أن يتحرك ثم يحرك ما ~~فوقه. والجسم الذي يمكن أن يتحرك تحت الأرض ويحرك الأرض إما جسم بخاري دخاني قوي ~~الاندفاع كالريح كما يشق الخوابي إذا تولد في العصير، وإما جسم مائي سيال، وإما جسم ~~هوائي، وإما جسم ناري، وإما جسم أرضي. وأما الجسم الناري لا يحدث تحت الأرض وهو نار ~~صرفة، بل يكون لا محالة في حكم الدخان القوي وفي حكم الريح المشتعلة، والجسم الأرضي لا ~~تعرض له الحركة أيضا إلا بسبب مثل الذي عرض لهذا الجسم الأرضي فيكون السبب الأول ~~الفاعل للزلزلة ذلك. وأما الجسم الريحي ناريا كان أو غير ناري فإنه يجب أن يكون هو ~~المنبعث تحت الأرض الموجب لتموج الأرض في أكثر الأمر.» # وعلى هذا النحو من التحري تقررت في كتبه - ولا سيما الشفاء - فوائد قيمة عن تكوين ~~الجبال والمعادن والحجارة، واجتمعت له ملاحظات عن الظواهر الجوية كالرياح والسحب وقوس ~~قزح لم يكن له في وسع معاصر له أن يزيد عليها حرفا واحدا في باب المراقبة ~~والتسجيل. # وعرف حقيقة النظر وتكلم على زاوية الإبصار، وقد كان بعض الأقدمين يحسبون أن النظر ~~إنما يكون بخروج شيء من العين يقع على المنظورات. ~~••• # وعني بالموسيقى سماعا، وعني بها دراسة نظرية، فأقامها على قواعد الرياضة والملاحظات ~~النفسية، وأصلح فيها غير قليل. ~~••• # وانصرف زمنا إلى الفقه وتفسير سور القرآن الكريم، ولكنه كان يفسر القرآن ليستخرج منه ~~مصاديق لآرائه الفلسفية التي لخصناها. فلا جرم كان الرجل موسوعة حية وعبقرية ملهمة، ولا ~~جرم تغيرت العلوم والمعارف، ولا يزال ذلك العقل جديرا بأن يسمى بالعقل الفعال ... لأنه ~~فعل في مجال الثقافة الإنسانية قصارى ما تفعله العقول. # | تعقيب ms65 # يخرج القارئ من الصفحات المتقدمة بنتيجتين لا اختلاف عليهما، وهما: # إن المقررات العلمية التي اقترنت بالفلسفة القديمة قد تغيرت في العصور المتأخرة، ولا سيما ~~مقرراتهم في علم الفلك والعلوم الطبيعية، وأن مشكلات الفلسفة لا تزال كما كانت أكبر من جهود ~~الفلاسفة وأضخم من الحلول التي انتهت إليها تلك الجهود. # والذي نحب أن نضيفه إلى هاتين النتيجتين في هذا التعقيب أن أخطاء العلم القديم لا تغض من ~~شأن الفلسفة القديمة ولا الفلاسفة الأقدمين؛ لأن موضوع الفلسفة هو «الوجود» ومسائله ~~الأبدية، وهذه شيء ومعارف الناس عن الموجودات المتعددة شيء آخر. فمسائل الوجود الأبدية، ~~باقية بعد مسائل العلم القديم ومسائل العلم الحديث على السواء، ولا يزال فلاسفة اليوم حيث ~~كان فلاسفة الأمس في هذا الموضوع الخالد المتجدد، وهم يرجعون إلى كثير من حلول الفلسفة ~~القديمة للاستنارة بها والقياس عليها. # ومن الواجب ألا نبالغ في تسخيف الآراء الفلسفية التي اقترنت بما فهمه الفلاسفة الأقدمون ~~في الفلسفة والطبيعة؛ فإنهم استنبطوا القول بالعقول لتفسير سريان الفكر إلى المادة الجسدية، ~~ونحن قد استنبطنا القول بالأثير لنفسر به سريان النور من الأفلاك إلى الفضاء. وزعموا أن ~~الأجسام كلها من الماء، ونحن إلى عهد قريب كنا نقول إن الأجسام كلها من الهدروجين. وقد سخر ~~منا الكثيرون بالمثل الأفلاطونية وبالصور الأرسطية، ولكننا نقول بحق إن الوظيفة تخلق العضو ~~فهي كالمثل السابقة للأعضاء. # وكل هذا لا يقدم ولا يؤخر في أحكام المنطق ولا في موضوع الفلسفة الأصيل وهو (الوجود) الذي ~~لا يغيره تغير الآراء في الموجودات. ~~••• # أما المشكلات الفلسفية فنعتقد أن الأقدمين بالغوا كثيرا في مسألة منها فاستنفدت منهم ~~أعظم الجهود: وهي مسألة الاتصال بين العقل والمادة. # فإنهم جزموا بأن هذا الاتصال مستحيل بغير واسطة. ونحن لا ندري من أين جاءت هذه الاستحالة ~~إذا كنا لا نعرف ماهية العقل على التحقيق ولا ماهية المادة على التحقق؟ وعندنا أن القول بأن ~~العقل يؤثر في المادة أيسر جدا من القول بأن الكائنات في وجود واحد تتألف من أصلين ~~متناقضين أو منعزلين، وأن التأثير ms66 بينهما معدوم. # ويغلب على ظننا أن مصدر هذه الفكرة كلها إنما هو العقيدة الثنائية التي أخذها اليونان ~~وغيرهم عن المجوس الأقدمين ، وهي عقيدة الإلهين: إله النور وإله الظلام، وإله الخيروإله ~~الشر، أو إله الإيجاد وإله الإفساد. # وهي عقيدة يتوهم بعضهم أنها حلت المشكلة على وجهة معقولة وليست هي من العقل الصحيح في ~~شيء؛ لأن وجود إلهين سرمديين كلاهما واجب الوجود غير محدود البداية ولا النهاية مستحيل. ~~فأحدهما يحد الآخر، وكل محدود لا يكون سرمدي الوجود. # ووجود الخير الأبدي لا تترتب عليه استحالة منطقية. أما وجود الشر الأبدي فهو قول بوجود ~~العدم، بل بما هو أسخف من وجود العدم، لأنه عدم يستطيع التعديم، أو شيء «سالب» يكون له ~~إيجاب وعمل، ويكون مستغنيا بذاته في وجوده ... فهو واجب الوجود! أو واجب العدم لو ~~ينصفونه! # فالخير المطلق وجود، والشر المطلق عدم، والعدم لا يكون فضلا عن أن ينسب إليه التكوين: ~~وقد يوجد الشر في المحدودات لأن المحدود لا بد فيه من نقص. أما الشر في إله سرمدي غير محدود ~~فذلك أعجب ما يخطر في الأذهان. # لكن هذه العقيدة سرت إلى النحلة «الأورفية» في آسيا الصغرى، ثم ظهر البحث في العقل ~~والمادة، وفي الخير والشر، وهي غالبة على عقول اليونان. فجمعا بين الشر والهيولى وبين الخير ~~والعقل، وفصلوا بين الطبيعتين فصلا سرمديا واحتاجوا إلى كل تلك الجهود للكشف عن واسطة ~~لتأثير العقول في الأجسام، ولم ينتهوا منها إلى قرار مفيد، إلا هذه الثنائية التي لا تفسر ~~شيئا من الأشياء، وهي أحوج الأشياء إلى تفسير. # لقد كان «زينون» الأيلي حكيما حقا في نقائضه عن المادة وتقسيم الأجزاء، لأنه أثبت ~~حقيقة واحدة؛ وهي أن تصورنا للمادة ضلال لا شك فيه. # قال: إننا لو قسمنا جسما إلى نصفين ثم قسمنا النصف إلى نصفين ومضينا في القسمة هكذا فلا ~~بد أن نمضي إلى غير نهاية وهو مستحيل، أو لا بد أن نصل إلى جزء لا يتجزأ وهو كذلك مستحيل، ~~وكل تصور محال فهو باطل بلا جدال. # وقد ظهر ms67 أن الرجل كان على حق، لأن أجزاء المادة تنتهي إلى جزء صغير يتجزأ ولكنه ينقلب إلى ~~حركة إشعاع لا يحدها الجسم الذي كانت فيه. # فصورة المادة في أذهاننا صورة باطلة، فكيف نعلم ما يؤثر فيها وما لا يؤثر فيها على وجه ~~التحقيق؟ # والذي يثبت في روعنا أن الكائنات خلق واحد يدور حول «الوحدانية» ولا فرق بينها غير الفرق ~~بين التعميم والتخصيص. # فالتعميم مظهر المادة، والتخصيص مظهر العقل والحياة. # فالمادة في أبسط صورها شعاع «عام» لا فرق فيه بين مكان ومكان من الفضاء. # وكلما اقتربت من العقل دخل فيها التركيب ودخلت فيها «الفردية» تبعا للتركيب. # والفرق بين أدنى الأحياء وأعلاها هو الفرق في درجات «الفردية» أو في درجات الوعي الفردي ~~الذي يقابل الوجود كله بالإدراك والاستيعاب. # فالنبات قليل الفردية لأن الشجرة فيه قليلة التميز من شجرات نوعها، والحيوان أرقى منها ~~لأن التعميم فيه أقل من التخصيص، والإنسان أرقى من النبات والحيوان لأن الفرد فيه يتخصص ~~كلما ارتفع بعقله حتى يكون له وعي مميز بالاستقلال عن جميع العوارض الأخرى، أو عن جميع ~~العموميات. # هذا الارتقاء في الفردية هو الاقتراب من الوحدانية، أو من الواحد الأحد الذي ليس له شريك، ~~وهذا هو المعنى الذي يسوغ لنا أن نقول إن الإنسان مخلوق على صورة الله. # ومتى ارتفع الوعي إلى هذا الأوج فتلك هي مرتبة الكمال وتليها مرتبة الاتصال التي يسميها ~~المتصوفة بالفناء في الله. # وهذا ارتقاء مطرد لا فجوة فيه من مصدر التعميم إلى أعلى التخصيص، ومن شعاع النور إلى ~~الوحدانية التي ليس لها شريك وهي غاية الغايات، ومن نور محدود إلى نور ليس له ~~انتهاء. # وقد يفسر لنا هذا الرأي خطوات التاريخ التي ترتقي فيها «الحرية الفردية» على اطراد لا ~~نكوص فيه، ويفسر لنا ما اعتقدناه من أن الحرية هي الجمال لأنها لا تكون إلا مع النظام ~~والتميز بين الأشياء، ويفسر لنا ارتقاء العبادات بارتقاء الحرية من التعديد إلى ~~التوحيد. # وعلى هذا المعنى لا نفهم لماذا يمتنع التأثير من المعقولات في الماديات؟ ولماذا ms68 تنعزل ~~المادة والعقل كأنهما من خلق إلهين متناقضين أو كأنهما في كونين منفصلين؟ # ولا بد في المسائل الأبدية من وقفة واحدة في النهاية، نقف عندها ونقول: إلى هنا انتهى سبح ~~العقول. # وذلك أول ما يؤمن به العقل في هذا الموضوع؛ لأن الإحاطة إنما تكون إحاطة بالمحدود الذي ~~يقبل إقامة الحدود والتفريقات. أما السرمد الذي لا أول له ولا آخر فلن يقاس على شيء ولن ~~يقاس شيء عليه، ولا بد من وقفة في النهاية لديه. # إن أرسطو يخال أنه تجاوز هذه الوقفة حين قال إن الأفلاك ذوات عقول وأنها تتحرك حركة ~~المريد لأنها تشتاق إلى مصدر العقول. # ولكنه لم يتجاوز الوقفة خطوة واحدة بهذا التعليل. إذ كيف أصبحت الأفلاك ذات عقول؟ هل ~~تحركت وعقلت أو هي قد عقلت وتحركت؟ إن قيل إنها تحركت فعقلت فالحركة إذن من غير العقل، وإذا ~~كانت قد عقلت فتحركت فالعقل فيها وليس له مصدر من غيرها، وإن كانت قد تلقت العقل من الله ~~فقد تأثرت المحسوسات بالمعقولات. # وهنا الوقفة التي لا يتجاوزها أرسطو إلى ما وراءها، وأيسر منها أن يقال إن «الوجود ~~الإلهي» لا يقاس عليه وإن قدرته لا تقبل الحدود لأنها قدرة ليس لها ابتداء ولا انتهاء ولا ~~غاية قصوى في الاستطاعة. بل هي قدرة لا يمتنع عليها أن تخلق للإنسان عقلا غير عقله يجيز ما ~~لا يجيزه الآن. # ومن ثم نتبين أن «العقيدة الدينية» هي أقرب الفلسفات إلى المعقول، وليس قصارى الأمر فيها ~~أنه أمر تصديق وإيمان. # لا بد من وقفة في كل تفسير للوجود. # فوقفة المؤمن أصح من وقفات الفلاسفة في النهاية: كل ما هو محدود فقد يحيط به القياس، ولا ~~إحاطة بما ليست له حدود و«الباري» قديم سرمد لا يحده الزمان ولا المكان. ليس كمثله شيء. ~~وهنا يحسن الوقوف. # ألأنه عقيدة وكفى؟ # كلا، بل لأنه منطق سليم، ولأنه نهاية شوط العقول. ms69