######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.IbrahimAbuAnbiya.Hindawi91929150 #META# Tags: biographies #META# ID: 91929150 #META# Title: إبراهيم أبو الأنبياء #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - خليل الرحمن وخليل الإنسان‏ # 2 - المراجع الإسرائيلية‏ # 3 - تعقيب على مراجع العهد القديم‏ # 4 - المراجع المسيحية‏ # 5 - المراجع الإسلامية‏ # 6 - مراجع الصابئة‏ # 7 - مصادر التاريخ القديم‏ # 8 - تذييل‏ # 9 - الأحافير والتعليقات‏ # 10 - اللغة‏ # 11 - مدن القوافل‏ # 12 - النبوة‏ # 13 - أنبياء من غير بني إسرائيل‏ # 14 - العقائد والشعائر‏ # 15 - الخلاصة‏ # 16 - العصر‏ # 17 - النشأة‏ # 18 - الجنوب‏ # 19 - الرسالة‏ # 20 - المعجزة‏ # 21 - خاتمة المطاف‏ # 1 - خليل الرحمن وخليل الإنسان‏ # 2 - المراجع الإسرائيلية‏ # 3 - تعقيب على مراجع العهد القديم‏ # 4 - المراجع المسيحية‏ # 5 - المراجع الإسلامية‏ # 6 - مراجع الصابئة‏ # 7 - مصادر التاريخ القديم‏ # 8 - تذييل‏ # 9 - الأحافير والتعليقات‏ # 10 - اللغة‏ # 11 - مدن القوافل‏ # 12 - النبوة‏ # 13 - أنبياء من غير بني إسرائيل‏ # 14 - العقائد والشعائر‏ # 15 - الخلاصة‏ # 16 - العصر‏ # 17 - النشأة‏ # 18 - الجنوب‏ # 19 - الرسالة‏ # 20 - المعجزة‏ # 21 - خاتمة المطاف‏ # | إبراهيم أبو الأنبياء # | إبراهيم أبو الأنبياء # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | خليل الرحمن وخليل الإنسان # في العالم اليوم أكثر من ألف مليون إنسان يدينون بالموسوية والمسيحية والإسلام، وهي ~~الأديان التي جاء بها موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وهم الأنبياء الثلاثة الكبار ~~الذين ينتمون جميعا إلى الخليل إبراهيم ... لا جرم # 1 # يسمى خليل الرحمن. # ولا جرم تتجمع الجهود كلها للبحث عن تاريخه المجهول في أغوار الأرض، فإن علم الأحافير ~~لم ينحصر في البحث عن تاريخ أحد قط كما انحصر في البحث عن تاريخ أبي الأنبياء، وما ~~تجردت البعوث إلى العراق وفلسطين ومصر لسؤال الأرض عن مكنون من أسرارها، كذلك السر ~~المكنون الذي ينطوي على أعمق أسرار الروح والضمير. # قال منقب من أولئك المنقبين الذين عرفوا باسم الحفريين: إن الناس قد بدءوا بالحفر في ~~الآثار طلبا للذهب ولقايا الحلي والجوهر، ثم عرف الناس شيئا أنفس من تلك المعادن ~~يبحثون عنه ويتهافتون على استخراجه وتحصيله؛ وهو التاريخ المقدس، أو تاريخ المعاني ~~العليا التي ترتفع به إلى السماء، ولها مستودع في جوف الرغام. # 2 # وكل شيء يغليه الإنسان يحفزه إلى ذلك السر الذي تقسمته الأرض والسماء. # فإلى ms001 جانب البحث عن أصول العقائد يبحث المنقبون في تاريخ الخليل عن فتوح لا نظير لها ~~في تاريخ الإنسان. # وقد أكثر المؤرخون من القول في أنباء الفتوح التي غيرت مجرى التاريخ، أو غيرت علاقة ~~الإنسان كله بالعالم الذي يحيط به ويحتويه. # ولكن المؤرخين لا يستطيعون أن يذكروا فتحا من تلك الفتوح أعظم عملا، وأبقى أثرا في ~~تاريخ الإنسان، من تلك الفتوح التي اقترنت بدعوة الخليل. # إن دعوة الخليل قد اقترنت بالتوحيد، واقترنت بميزان العدل الإلهي، واقترنت بإعلاء ~~العبادة إلى ما فوق الطبيعة والجثمان. # وهذه هي الفتوح التي لا نظير لها فيما تحدث عنه المؤرخون من فتوح الحياة الإنسانية ~~منذ أقدم عصورها إلى العصر الحديث. # لا نظير لها فيما فتحه الإنسان من هذا العالم حين سخر النار، أو سخر الحيوان، أو ~~سخر الكهرباء، أو سخر الذرة على جلالة فعلها وضآلة قدرها، وهي أقوى المسخرات فيما ~~عرفه إلى اليوم. # هذه فتوح فيما يملكه الإنسان. # أما تلك الفتوح ففيها ملاك الإنسان كله، فيما يعلمه وما لا يعلمه، وفيما يبديه وفيما ~~يخفيه. # تلك فتوح غيرت عالم الإنسان الظاهر وعالمه الباطن، وليس قصارى الأمر فيها أنها عبادة ~~جديدة أفضل من عبادات سبقتها، وإن كانت العبادة الفضلى غنما يغليه من يقتنيه، ويفديه ~~بكل ما يعيه وما لا يعيه. # كلا ... بل هي عبادة فضلى، وفكر فاضل، ونظر جديد إلى الكون وإلى الإنسان وبني نوعه في ~~وحدته وفي اجتماعه. # وهي فتوح تصحح مقاييس الفكر وتبدل علاقة الإنسان بنفسه وبدنياه، وتحسب من أجل ذلك في ~~سجلات العالم، ورياضات الخلق، وقوانين الاجتماع. # إن حقائق الكون الكبرى لن تنكشف لعقل ينظر إلى الكون كأنه أشتات مفرقة بين الأرباب، ~~يتسلط عليها هذا بإرادة، ويتسلط عليها غيره بإرادة تنقضها وتمضي بها إلى وجهة غير ~~وجهتها، فلم يكن التوحيد عبادة أفضل من عبادات الشرك وكفى؛ بل هو علم أصح، ونظر أصوب، ~~ومقياس لقوانين الطبيعة أدق وأوفى، ومن هنا صدرت كل فكرة عظيمة عن الكون من عقل ~~فيلسوف مؤمن بالوحدانية، وإن لم تبلغه دعوة الأنبياء. # أما ms002 ميزان العدل الإلهي فهو الذي أقام المساواة بين الناس على دعامتها الراسخة، وكل ~~ما عداها من دعامة فإنما هي دعائم القوة ممن يقدر عليها، سواء اقتدر عليها بسطوته ~~الباطشة، أو بتأليب الطوائف والجماعات، وما كان للعدل بين الناس من سبيل وهم يقيسون ~~بعضهم إلى بعض، ويطلبون المساواة بين أقوى الأقوياء منهم وأضعف الضعفاء. # فإذا ارتفع الميزان إلى اليد الإلهية، فهذا القوي مهما يبلغ من القوة، وذلك الضعيف ~~مهما يبلغ من الضعف ندان # 3 # متساويان، ومخلوقان أمام خالق واحد، ما زاد ~~من قوة أحدهما فهو من عطاء ذلك الخالق، وما نقص من قوة الآخر فهو من قضائه، ومن دواعي ~~رحمته وبلائه، وإليه المرجع في حسابه أو جزائه، فلا يدخله أحد في حساب غير ذلك ~~الحساب، ولا يعرضه أحد على ميزان غير ذلك الميزان. # وقد ارتفع الإنسان كله حين رفع عبادته من الطبيعة إلى ما فوق الطبيعة، وحين أصبحت ~~حاجته إلى المعبود شيئا أرفع من مطالب الأديان، وضرورات الغرائز والطباع. # كان أقل من الطبيعة فأصبح أعظم منها. # كان مسلوب الحيلة أمامها، فأصبح له من فوقها مرجع لا يعنيه غضبها ورضاها. # ولم يكن له إلا أن يخضع لها أو يحتال عليها. # فأصبح له أن يواجهها ويقف أمامها، بل على أكتافها. # أصبح له كيانه الأدبي في وجهها. # وليس الفتح المبين في هذا أنه يرى فيها ما يحسن وما لا يحسن، وما يرضاه ضميره وما لا ~~يرضاه. # وإن الواقع الذي لا مرية فيه أن الإنسان قد ملك الذرة الصغرى، فملك من الطبيعة قوتها ~~الكبرى، وأنه خليق بهذه القوة أن يضل ويطغى، ولكن اليقين الحق أنه لن يكبح ذلك ~~الطغيان من نفسه بقوة الطبيعة صغراها وكبراها، وإنما يكبحه - إذا قدر له أن ~~يكبحه - بسلطان من ذلك الفتح المبين، ما بقي له وما زاد عليه بعد آلاف السنين. # هذه الفتوح قد عرفت جميعا قبل عصر الخليل، ولكنها لم تقترن بدعوة قط في عالم النبوة ~~قبل دعوته عليه السلام. # وهذا هو الفارق المهم في العواقب وفي مراحل التاريخ. ms003 # أو هو الفارق بين دعوة النبي وبين غيرها من الدعوات. # فالتوحيد لم يكن مجهولا قبل عصر إبراهيم، وكذلك ميزان العدل الإلهي، وكذلك عبادة ~~«الحق» فوق الطبيعة وفوق مطالب الأبدان. # كان المصريون الأقدمون يؤمنون بالإله الواحد، وكان من معتقداتهم أن الروح في العالم ~~الآخر ميزانا يقدر لها الحسنات والسيئات، وكانت كلمة الله هي القوة التي تفعل ما ~~تريد. # ولكنها لم تكن دعوة نبوة ورسالة، ولعلها جاءت في زمن لم تتهيأ فيه النفوس للعلم ~~بالوحدانية، ونبذ الشرك، وتعدد الأرباب. # وكانت في جملتها دعوة كهان يسترون ما يعلمون، ولا يبوحون للناس بأسرار الديانة إلا ~~بمقدار. # وكان ميزان السماء يزن لكل روح حسناتها وسيئاتها، ويحسب الملوك من الأرباب الذين ~~يتصرفون في الأرواح خلال الحياة وبعد الممات. # ولما جهر «إخناتون» بدعوة التوحيد والمساواة بين عباد الله، صدرت دعوته من قصر الدولة ~~كأنها مراسيم الملك وقوانين الحكومة، ولم تلبث أن بطلت في قصر الدولة نفسه بمراسيم من ~~قبيل تلك المراسيم، وقوانين يطيعها الناس أشد من طاعتهم لتلك القوانين؛ لأنها تستعين ~~بدهاء الكهان وسلطان العرف والعادة. # وكان أناس من الحكماء يعرفون الله كأنهم يعرفون حلا مقنعا لمسألة الوجود، أو كأنهم ~~يعرفونه خالقا للكون، ولا يزيدون. # ومما لا ريب فيه أن عقيدة التوحيد قد سرت من مصر في صورة من الصور إلى بلاد المشرق، ~~ومنها بلاد البحر الأبيض ووادي النهرين. # ومما لا ريب فيه أنها كانت سر الخاصة وذوي الرسالة في المحاريب والقصور، وأن تعدد ~~الأرباب قد سرى منها كذلك إلى الشعوب سريان العرف والمحاكاة. # أما الإله الواحد الذي اقترن بدعوة إبراهيم، فلم يكن حل مسألة، ولم يكن سر أحبار ~~وحكماء، ولم يكن خالق الكون والناس ولا مزيد. # بل كان خالق الكون والناس، وحاكم الكون والناس، وكان منه الأمر والنهي، وإليه المرجع ~~والمآب. # كانت عبادته «مسألة حية» تمتزج بسرائر النفس، وتنبعث منها فضائل الخير، ولا تنزوي ~~عنها زاوية في الكون ولا في ضمير الإنسان. # كانت دعوته صرخة تسمع وتتجاوب بها الآفاق، ولم تكن لغزا يخفي ~~وتتحاجى # 4 # به ms004 العقول. # كانت صحبة البيت والطريق، وصحبة اليقظة والمنام، وصحبة العزلة والجماعة، وصحبة الحياة ~~قبل الميلاد وبعد الموت، ولم تزل حتى أصبحت وهي صحبة الخلود الذي لا يعرف ~~الفناء. # ولم تصبح كذلك قبل رسالة النبوة حين انبعث بها النبي أبو الأنبياء ... حين بشر بها ~~إبراهيم. # وما كان لنبوة واحدة أن تؤدي رسالة التوحيد وتفرغ منها في عمر رجل أو عمر جيل ... وإنما ~~هي نبوة بعدها نبوات. # ولو كانت دون ذلك خطرا لكفى أن تقوم بها دعوة واحدة، وأن تتكفل لها ببقائها، ولكان ~~بها الغنى عن التعقيب والتذكير. # ولكنها على خطرها هذا لا تتم في رسالة واحدة، ولا تستغني عن مرتقى بعد مرتقى، ثم عن ~~قرار بعد قرار. # وعاش الخليل ما عاش والتوحيد في قومه مشوب # 5 # بالشرك والضلال، وفارق الدنيا والخلفاء من بعده ~~يتقدمون وينكسون، ويستقيمون وينحرفون، ولم ينقض من بعده عهد إلا وهو ينبئ الناس أنها ~~نبوة تتلوها نبوات، وأنها أمانة موروثة في أعقابه لا تنقطع في جيل، ولا بد لها من ~~ورثة أبرار ... ومن شك في ذلك فإنما هو شاك في بداهة العقل، وضرورة الزمن، وحكم ~~التاريخ، فوق الشك في الكتب والأنبياء. # وإنما المستحيل في العقول أن تنفرد رسالة إبراهيم في أعقابه، فلا تأتي بعدها رسالة في ~~أولئك الأعقاب. # ولا دليل في العقول على نسب الأعقاب أقرب من هذا الدليل، ولا دليل على المرسلين منهم ~~أثبت منه عند النظر القويم. # فلو مضت رسالة إبراهيم بغير رسالة بعدها لكان هذا هو العجب المردود، ولو قام بتلك ~~الرسالات التالية فرع من غير أصله، ونبت من غير معدنه؛ لكان هذا أعجب وأولى بالرد ~~والارتياب. # ولا يعقل العقل إلا أنه نبي أبو الأنبياء، كما كان وكما ينبغي لا محالة أن يكون ... وكم ~~بين توحيد الأعقاب وبيت التوحيد كما تلقاه عصر الخليل من بون بعيد! إنه لأبعد من ~~مسافة الزمن بينهما، وليست مسافة الزمن بينهما بالشوط القريب ... ولكن الذي يبدأ لا بد ~~أن يبدأ، ولا بد أن يبدأ من خطوته الأولى ولا يبدأ من ms005 منتهاه. # وإلى ذلك المبدأ يرجع اليوم ألف مليون من بني الإنسان أو يزيدون، لا أول لهم في قداسة ~~الحياة غير ذلك الأول، ولا رائد لهم في موازين العدل والصلاح قبل ذلك الرائد ومن ~~خلف على أعقابه من الرواد. # ومن ذلك المبدأ شخص ذلك الركب الحاشد في طريقه إلى الله، وتقدم من اسم الله ذي العرش ~~إلى اسم الله الرحمن الرحيم. # إنه - لا جرم - خليل الرحمن ... وإنه - لا جرم - خليل الإنسان. # وسيرته في الصفحات التالية هي سيرة الخليلين، على هدي الأسلاف، وعلى هدي ~~الأعقاب. # وعلى هدي الأسلاف والأعقاب ينبغي أن تكتب كل دعوة عامة، وأن توصف كل بعثة نبوية ~~خوطب بها الناس على اختلاف المدارك والمعارف والطباع. # فنحن لا نتصور الدعوة في صورتها الحقيقية الشاملة إلا إذا عرفنا صورتها في نفوس ~~المخاطبين بها، سواء منهم من فهم أو من لم يفهم، ومن أحسن الاعتقاد أو أساء. # وعلى قدر العلم بالضلالة نفهم عمل الهداية التي أزالتها، أو عالجت أن تزيلها بما كان ~~لها من الجهد والوسيلة. # فلا غنى في دراسة تاريخ الخليل عن الإحاطة بما ورد عنه وقيل في شتى المصادر في مختلف ~~البيئات والعصور. # وينفعنا الخطأ هنا كما ينفعنا الصواب. # بل الخطأ هنا من الصواب أنفع؛ لأن رسالة النبي قائمة على إزالة خطأ وتبيين الضلالة ~~فيه، فعلى قدر ما نعلمه من جوانب الخطأ وخباياه، نعلم القوة التي تتصدى له، وتصلح ~~لعلاجه والغلبة عليه. # ولهذا نود أن نلم في كتابة هذه السيرة بكل طرف، وأن نذهب فيها إلى كل وجهة، ولا نقتصر ~~على المعتمد منها في مذهب واحد أو نحلة واحدة، سواء عرضنا لها من ناحية الأديان، أو ~~من ناحية المباحث والآراء التي رددتها التواريخ، وكشفت عنها البعوث الحفرية من القرن ~~الثامن عشر إلى الآن. # إن منهج البحث تمليه علينا طبيعة البحث نفسه، في الزمن الذي نكتبه فيه، ونحن ندرس ~~سيرة الخليل كما وضحت لنا منذ فاتحة القرن العشرين. ولقد أثار القرن العشرون في هذه ~~السيرة مشكلات لم يعرفها الأقدمون، وأتى فيها ms006 بمعلومات من بطون الحفائر وخفايا الآثار ~~لم تكن في حساب أحد ممن عرضوا لهذه السيرة قبل مائة سنة. # من هذه المشكلات التي أثارها القرن العشرون: وجود إبراهيم في التاريخ؛ هل هو شخصية ~~تاريخية، أو هو صورة من صور الخيال تجمعت حولها متفرقات العقائد من هنا وهناك؟ # ومن المشكلات التي أثارها هذا القرن: علاقة إبراهيم بمكة وبيت الله الحرام؛ هل ذهب ~~إبراهيم إلى مكة؟ وهل كانت له علاقة ببيت الله الحرام فيها، أو تلك علاقة لم تفهم ~~على سند صحيح من الواقع، ولم تنجل الدراسات العصرية عما يؤيدها بالدليل ~~المقبول؟ # ونحن نكتب هذه السيرة وأمامنا هذه المشكلات من مصادرها القوية، وأمامنا كذلك أسبابها ~~وأسباب الإعراض عنها والرد عليها. # ونجملها بداءة فنقول: إنها لا تقوم على سند من العلم، سواء كان الباحث الحديث ينفي ~~وجود إبراهيم جزما ويقينا، أو يشك في وجوده ولا يقطع باليقين إلى جانب النفي أو ~~جانب الإثبات. # فالذي ينفي وجود إبراهيم جزما ويقينا لا يستند إلى حجة واحدة من حجج العلم، ولا ~~يزيد على مجرد الإنكار، والذي يشك يبني شكه على أسباب لا يعتبرها العلم ولا العقل من ~~أسباب الشك في وجود شيء ... لأنه يستند في شكه على كثرة الأعاجيب والخوارق والأساطير ~~التي تخللت سيرة إبراهيم كما رواها الأقدمون. # ومثل هذا السبب لم يبطل وجود شيء قط، وإن كانت أعاجيبه وخوارقه وأساطيره مما ترفضه ~~جميع العقول في العصر الحديث. # فهذه الشمس يضرب بها المثل في الظهور والثبات، وليس أكثر من الخرافات التي رويت عن ~~مشرقها ومغربها، وعن نشأتها وحركتها، وعن الديانات التي تقدسها وتفرض عبادتها، وليس ~~أكثر في العصر الحاضر من الخلاف على عمرها، وحقيقة تكوينها، وأسباب حرارتها، وطبيعة ~~مادتها؛ لأنها هي طبيعة المادة على العموم. # والهرم الأكبر لا يمتري في وجوده أحد، ولم يذكر عن إبراهيم بعض ما ذكر عنه من ~~الأسرار. # ومن الزراية بالعلم أن يقوم الشك على غير أساس؛ فليست الحقيقة خصما لنا في محكمة ~~نقول له: تقدم أنت بجميع أسانيدك وإلا أنكرنا عليك دعواك. ms007 # وإنما الحقيقة قضيتنا نحن، وليست بدعوى خصم يلزمه الدليل ولا يلزمنا؛ فما لم يكن للشك ~~سبب فهو زراية بالعلم، وزراية بالعقل، وزراية بأمانة التفكير. # ومن السخف أن نلزم الأقدمين بالبرهان على سيرة إبراهيم ولا نلزم به أنفسنا، كأنهم ~~أصحاب الشأن كله ونحن ثمة غرباء متفرجون. # فلا موجب للجزم بإنكار وجود إبراهيم ولا للشك في وجوده اعتمادا على كشف جديد من كشوف ~~العلم في القرن العشرين. # أما علاقته بمكة والبيت الحرام، فالأمر فيها أعجب من أمر المختلفين على «شخصيته ~~التاريخية»؛ لأن الذين ينكرون تلك العلاقة لم يدعوا لها سندا من العلم ولا من ~~الكشوف العصرية، بل هم يعتمدون على بعض المصادر الدينية للجزم ببطلان المصادر الأخرى، ~~أو هم يعتمدون على المصادر الإسرائيلية للجزم ببطلان المصادر الإسلامية، ولا شأن ~~للعلم الحديث هنا، بل هو تمييز رواية دينية على رواية دينية تخالفها، ولا محل لإقحام ~~العلم العصري بين الروايتين. # بل هناك محل للتحفظ الشديد في قبول الرواية الإسرائيلية؛ لأنها امتزجت بسياسة الملك ~~والتنازع عليه، وكل دعوى المملكة الإسرائيلية في الزمن القديم قائمة على الأسلوب الذي ~~كتبت به سيرة الخليل في أيامه الأخيرة على التخصيص. # هذه نظرتنا إلى المشكلات التي طرأت على سيرة إبراهيم في القرن العشرين، وهذه نظرتنا ~~إلى المعلومات التي أتى بها من كشوفه وأحافيره وتعليقاته، ومبلغ حقها في تمحيص السيرة ~~أنها تفسر بعض الغوامض، ولكنها لا تنفي «الشخصية التاريخية»، ولا توجب الشك فيها ~~بحجة علمية. وسنرى أن المقابلة بين المعلومات الحديثة وروايات الكتب الدينية وروايات ~~الأقدمين تؤدي لنا عملا غير النفي والإنكار والتردد بين الشك واليقين؛ تؤدي لنا عمل ~~الغربال والمصفاة، ولا تنفي غير الحثالات # 6 # والقشور؛ ولهذا سنرجع في سيرة ~~الخليل إلى جميع مراجعها. # سنرجع إلى كتب الأديان التي لها علاقة بسيرة الخليل، وإلى كتب التواريخ وروايات ~~الأقدمين، وإلى كتب الباحثين في الحفائر والآثار، ولا سيما الكتب التي تعمد مؤلفوها ~~أن يبحثوا في مواطن السيرة ومظانها من الألف الثالثة قبل الميلاد، بين آثار العراق ~~وفلسطين ومصر والجزيرة العربية وغيرها من ms008 مظان السيرة التي تتاخم تلك الأقطار. # والأديان التي نرجع إلى كتبها ومصادرها هي: الإسرائيلية، والمسيحية، والإسلام، ~~والصابئة. هذه الديانة الأخيرة أقل الديانات ذكرا للخليل في كتبها، ولكنها احتفظت ~~ببقايا كثيرة من عقائد البابليين، وأخذت من الديانات الوثنية والكتابية في فارس ~~والعراق وفلسطين وجزيرة العرب، فهي مرجع لا يهمل عند الكلام على دعوة تتصل بجميع هذه ~~الديانات. # ومنهجنا في الأخذ من المراجع أن نقتبس ما جاء في كتب الدين، ثم نردفه بتفسيره من كلام ~~أهله، وكلام الثقات عند أصحابها، حتى نستخلص منها جميعا لباب السيرة فيها، ونستوفي ~~منها ما تعطيه من موضوعها. # وننتقل من كتب الأديان إلى التواريخ التي تعتمد عليها، وعلى المأثورات المروية، ثم ~~نشفع ذلك بمحصول التاريخ الذي استنبطه الحفريون وعلماء الآثار من البحث في المراجع ~~الأثرية. # ولا ننوي أن نقحم على هذه المراجع تعليقا لا يستلزمه سياقها، بل نمشي مع كل مرجع ~~مقبول أو غير مقبول حتى يقيم لنا معلما هاديا من معالم الطريق. وقد يجيء المعلم ~~الهادي من طريق الرفض كما يجيء من طريق القبول، فإن الذي يقول لنا: لا تسيروا من هنا ~~كالذي يقول لنا: سيروا من هناك، وكلها صالح للهداية واجتناب الضلال. # فإذا أوضحت هذه المعالم آخر الأمر لم تبق إلا الخلاصة التي يصح التعويل عليها، وعلى ~~قدر طول الطريق يكون القصد في ختامه؛ لأنه الختام الذي تعددت من أجله المعالم ~~والأعلام. # ونحن على رجاء مع القارئ أن تأتي هذه الخلاصة مصفاة من الشوائب والدخائل، وأن نستخرج ~~منها صفة الخليل كما صحت في النظر بعد المقابلة بين مصادرها وأجزائها، ونترك منها ما ~~لا سبيل إلى القول فيه على بينة، وعلى ضوء هذه المعلومات مجتمعات. # ونحن مبتدئون بالباب الأول فيما يؤخذ من كتب العهد القديم، ثم تابعوه بما يؤخذ من ~~كتب الأديان على الترتيب. # الفصل الثاني # | المراجع الإسرائيلية # أفاض سفر التكوين في سيرة إبراهيم عليه السلام، وأثبت مولده في «أور» الكلدانيين، ~~ورفع نسبه إلى سام بن نوح، فهو إبراهيم بن تارح بن ناحور بن سروج بن ms009 رعو بن فالج بن ~~عابر بن سالح بن أرفكشاد بن سام بن نوح. # وذكر أبناء تارح فقال: إنه ولد «إبرام وناحور وحاران، وإن حاران ولد لوطا ومات قبل ~~أبيه في أرض ميلاده: أور الكلدانيين.» # وإن إبرام وناحور اتخذا لهما زوجتين، اسمهما ساراي وملكة بنت حاران ... أما ساراي فهي ~~بنت تارح من زوجة أخرى كما جاء في الإصحاح العشرين على لسان إبراهيم: «وبالحقيقة ~~أيضا هي أختي ابنة أبي، غير أنها ليست ابنة أمي، فصارت لي زوجة.» # وجاء في الإصحاح الحادي عشر أن: «تارح أخذ إبرام ابنه ولوط بن حاران، وساراي، فخرجوا ~~معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا إلى أرض ~~حاران # 1 # وأقاموا هناك، وكانت أيام تارح مائتين وخمس ~~سنين، ومات في حاران.» # وجاء بعد هذا في الإصحاح الثاني عشر أن الرب قال لإبرام: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ~~ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك، وأعظم اسمك، وتكون ~~بركة، وأبارك من يباركك، ومن يلعنك ألعنه، وفيك تتبارك جميع قبائل الأرض. # فذهب إبرام كما قال له الرب، وذهب معه لوط. # وكان إبرام ابن خمس وسبعين سنة حين خرج من حاران، فأتوا إلى أرض كنعان ومعهم ذخائر ~~وعبيد وماشية، واختار إبرام سكنه من شكيم # 2 # إلى بلوطة مورة، وفيها الكنعانيون. # وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض. فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له، ثم ~~انتقل من هناك إلى الجبل ونصب خيمته شرقا من بيت إيل من المغرب، ولماي من الشرق، ثم ~~والى رحلته إلى الجنوب. # وحدثت مجاعة في الأرض، فانحدر إبرام إلى مصر، وقال لساراي امرأته وهو على مقربة من ~~مصر: إني علمت أنك امرأة حسنة المظهر؛ فإذا رآك المصريون قالوا: هذه امرأته. ~~فيقتلونني ويستبقونك، قولي: إنك أختي؛ ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسك من ~~أجلك. # فلما دخل إبرام مصر رأى المصريون أن المرأة حسنة جدا، ومدحها رؤساء فرعون لديه، ~~فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبرام خيرا بسببها، وصار له بقر وغنم ms010 وحمير ~~وعبيد وإماء وأتن وجمال. # فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة ... ودعا فرعون إبرام وقال له: ما هذا الذي صنعت بي؟ ~~لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت لي: هي أختي حتى أخذتها لتكون زوجتي؟ خذها ~~واذهب. ووكل به أناسا شيعوه إلى خارج الديار. # وعاد إبرام إلى بيت إيل حيث كانت خيمته قبل انحداره إلى مصر، ولم تحتمل الأرض إبرام ~~ولوطا ومن معهما من حاشية وماشية، واشتجر رعاتهما وحولهم الكنعانيون ~~والفرزيون. # 3 # فقال إبرام لابن أخيه: لا تكن مخاصمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك؛ إننا أخوان، ~~أليست الأرض أمامك؟ فاذهب حيث شئت. إن ذهبت شمالا ذهبت أنا إلى اليمين، وإن ذهبت ~~يمينا ذهبت إلى الشمال. ونظر لوط فرأى أمامه أرضا مخصبة كأرض مصر، فاختار دائرة ~~الأردن وارتحل مشرقا، ونقل خيامه إلى سدوم، وأهلها جد أشرار. # وبقي إبرام في كنعان فقال له الرب: ارفع عينيك وانظر في الموضع الذي أنت فيه من مشرقه ~~إلى مغربه، ومن شماله إلى جنوبه؛ فإنني معطيك جميع الأرض التي تراها ولنسلك من بعدك، ~~وأجعل لك نسلا كتراب الأرض لا يحصيه إلا من استطاع أن يحصي ترابها، فاضرب في الأرض ~~طولا وعرضا كما تشاء. # فنقل إبرام خيامه وأقام عند بلوطات ممرا التي هي جبرون، # 4 # وبنى فيها مذبحا للرب ... # ونشب قتال بين أمراء البادية والحضر في تلك البقاع، «فخرج ملك سدوم وملك عمورة وملك ~~أدمة وملك صبويم وملك بالع التي هي صوغر، ونظموا حربا معهم في عمق ~~السديم # 5 # مع كدرلعومر ملك ~~عيلام، وتدعال ملك جوييم، وإمرافل ملك شنعار، وأريوك ملك الإسار؛ أربعة ملوك من ~~خمسة. # وعمق السديم كان في آبار حمر كثيرة ... # فهرب ملكا سدوم وعمورة وسقطا هناك، والباقون هربوا إلى الجبل فأخذوا جميع أملاك سدوم ~~وعمورة وجميع أطعمتهم ومضوا. # وأخذوا لوطا ابن أخي إبرام ومضوا؛ إذ كان ساكنا في سدوم. # فأتى من نجا وأخبر إبرام العبراني، وكان ساكنا عند بلوطات ممرا الأموري، أخي أشكول ~~وأخي عانر، وكانوا أصحاب عهد مع إبرام، فلما سمع أن أخاه ms011 سبي جر غلمانه المتمرنين ~~ولدان بيته، وعدتهم ثلاثمائة وثمانية عشر، وتبعهم دان، ودهمهم ليلا هو وعبده فكسرهم، ~~وتبعهم إلى حوبة إلى الشمال من دمشق واسترجع ما أخذوه، واسترجع لوطا أخاه أيضا، ~~وسبى النساء والرجال ... # فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد رجوعه، وأخرج «ملكي صادق» ملك شاليم خبزا وخمرا، وكان ~~كاهنا لله العلي، فبارك إبرام وقال: # مبارك إبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض، ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك ~~إلى يديك، فأعطاه إبرام عشرا من كل شيء، وقال ملك سدوم: أعطني النفوس، أما الأملاك ~~فخذها لنفسك. # فقال إبرام لملك سدوم: رفعت يدي إلى الرب الإله العلي، مالك السماء والأرض، ولا آخذن ~~خيطا ولا شراك نعل ولا شيئا مما هو لك، فلا تقول: إنني أغنيت إبرام، ليس لي إلا ما ~~أكله الغلمان، وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي؛ عانر وأشكول وممرا، فلهم نصيبهم ~~يأخذونه، ثم خاطب الرب إبرام في الرؤيا قائلا: لا تخف يا إبرام، أنا ترس لك، وأجرك ~~عظيم. # قال إبرام: أيها السيد الرب، ماذا تعطيني وأنا ماض عقيما، ومالك بيتي هو اليعزر ~~الدمشقي. # 6 # وقال إبرام أيضا: إنك لم تعطني نسلا، وها هو ذا ابن بيتي وارث لي ... # فكان كلام الرب له: لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو وارثك. # ثم قاده إلى الخارج وقال: انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت ... هكذا يكون ~~نسلك. # فآمن بالرب، فحسبه له حسنة، قال له: أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك ~~هذه الأرض ترثها. # فقال: أيها السيد الرب، بماذا أعلم أنني أرثها؟ # قال: خذ عجلة ثلاثية، وعنزة ثلاثية، وكبشا ثلاثيا، ويمامة وحمامة. # فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط، وجعل كل شق مقابل صاحبه، وأما الطير فلم يشقه، وجعل ~~إبرام يزجر الجوارح التي تهبط عليها. # ولما صارت الشمس إلى المغيب وقع على إبرام سبات، ونزلت عليه رعبة عظيمة، فقال لإبرام: ~~اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا في أرض ليست لهم، يستعبدون فيها ويستذلون أربعمائة ~~سنة، ثم أدين الأمة التي تستعبدهم، ms012 فيخرجون بأملاك جزيلة، وتمضي أنت إلى آبائك بسلام، ~~وتدفن بشيبة صالحة، ثم يرجع نسلك في الجيل الرابع إلى ها هنا؛ إذ لم يتم بعد ذنب ~~الأموريين. # ثم غابت الشمس ورانت العتمة على الأفق، وإذا تنور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك ~~الشطور. # وفي ذلك اليوم قطع الرب # 7 # مع إبرام ميثاقه قائلا: لنسلك أعطي هذه ~~الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات: القينيين والقنزيين والقدمونيين ~~والحيثيين والفرزيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين.» ~~••• # ورجع الإصحاح السادس عشر إلى ساراي، فجاء فيه أنها لما لم تلد دفعت جاريتها المصرية ~~«هاجر» إلى إبرام وقالت له: هو ذا الرب قد أمسكني عن الولادة ... فادخل إلى جاريتي لعلي ~~أرزق منها بنين ... # فلما رأت هاجر أنها حبلت صغرت مولاتها في عينيها، فقالت ساراي لإبراهيم: ظلمي عليك! ~~دفعت جاريتي إلى حضنك فلما رأت أنها حبلت صغرت في عينيها، ويقضي الرب بيني ~~وبينك. # فقال إبرام لساراي: هو ذا جاريتك في يدك؛ افعلي بها ما يحسن في عينيك، فأذلتها ساراي، ~~فهربت من وجهها. # فوجدها ملاك الرب على عين الماء البرية، على العين التي في طريق ~~شور، # 8 # وقال: يا هاجر جارية ساراي! من أين أتيت؟ وإلى ~~أين تذهبين؟ فقالت: أنا هاربة من وجه مولاتي ساراي، فقال لها ملاك الرب: ارجعي إلى ~~مولاتك واخضعي تحت يديها، وقال لها ملاك الرب: تكثيرا أكثر نسلك فلا يحصى، وقال لها ~~ملاك الرب: ها أنت حبلى وتلدين ابنا وتدعينه إسماعيل؛ لأن الرب قد سمع لضراعتك، ~~وأنه يكون إنسانا وحشيا، # 9 # يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن ... # وكان إبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل ... # ولما كان إبرام ابن تسع وتسعين سنة «الإصحاح السابع عشر» ظهر الرب لإبرام وقال له: ~~أنا الله القدير، سر أمامي وكن كاملا؛ فاجعل عهدي بيني وبينك، وأكثرك كثيرا جدا، ~~فخر إبرام ساجدا، وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك، وتكون أبا ~~لجمهور من الأمم، فلا يدعى اسمك بعد ms013 اليوم إبرام، بل يكون اسمك إبراهيم: لأني أجعلك ~~أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما، ومنك ملوك يخرجون، وأقيم ~~عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا؛ لأكون إلها لك ولنسلك ~~من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا، وأكون ~~إلههم. # وقال الله لإبراهيم: وأما أنت فتحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم، هذا هو عهدي ~~الذي تحفظونه بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك، يختن منك كل ذكر، فيكون علامة عهد بيني ~~وبينكم. ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم، وليد البيت، والمبتاع بفضة من ~~كل ابن غريب ليس من نسلك، فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا، وأما الذكر الأغلف، ~~فتقطع تلك النفس من شعبها؛ أنه نكث عهدي. # وقال الله لإبراهيم: ساراي امرأتك لا تدعو اسمها ساراي، بل سمها سارة، وأباركها ~~وأعطيك أيضا منها ابنا، فخر إبراهيم ساجدا وضحك، وقال في قلبه: هل يولد لابن مائة ~~سنة؟! وهل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة؟! # وقال إبراهيم لله: ليس إسماعيل يعيش أمامك، فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابنا ~~وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي له عهدا أبديا لنسله من بعد ... # وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا؛ ~~اثني عشر رئيسا يلد، وأجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي أقيمه لإسحاق الذي تلده لك سارة في ~~هذا الوقت من السنة الآتية. فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم. # فأخذ إبراهيم إسماعيل ابنه وجميع ولدان بيته، وجميع المبتاعين بفضة وختنهم ... وكان ~~إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن، وإسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة. # وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفع عينيه ~~ونظر، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى ~~الأرض، وقال: يا سيد، إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عهدك، ليؤخذ قليل ماء ms014 ~~واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة، فآخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون؛ لأنكم ~~قد مررتم على عبدكم، فقالوا: هكذا نفعل كما تكلمت. # فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: أسرعي بثلاث كيلات دقيقا سمينا، اعجني ~~واصنعي خبز ملة. # 10 # ثم ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلا ~~رخصا # 11 # جيدا، ~~وأعطاه للغلام، فأسرع ليعمله، ثم أخذ زبدا ولبنا والعجل الذي عمله، ووضعها قدامهم، ~~وإذ كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا ... # وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي في الخيمة، فقال: إني أرجع إليك نحو زمان ~~الحياة - أي الربيع - ويكون لسارة امرأتك ابن. # وكانت سارة سامعة في باب الخيمة، وهو وراءه - وكان إبراهيم وسارة شيخين متقدمين في ~~الأيام، وقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء - فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد ~~فنائي يكون له متعة وسيدي قد شاخ؟ فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة؟ إنها قائلة ~~بالحقيقة: أتراني ألد وأنا قد شخت؟ فهل يستحيل على الرب بشيء؟ في الميعاد أرجع ~~إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن! # فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك! لأنها خافت، فقال: لا، بل ضحكت ... # ثم قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم، وكان إبراهيم ماشيا معهم ليشيعهم، فقال ~~الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به ~~جميع أمم الأرض! إني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ~~وليعملوا برا وعدلا، ويوفي الرب إبراهيم ما وعد. # وقال الرب: إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيئتهم قد عظمت جدا، إني نازل أرى هل ~~فعلوا حقا حسب صراخها الآتي إلي، وإلا فأعلم. # وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم ... # وأما إبراهيم فكان لم يزل قائما أمام الرب ... # فتقدم إبراهيم وقال: أفتهلك البار مع الأثيم؟ عسى أن يكون خمسون بارا في المدينة، ~~أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين؟ حاشا لك أن تفعل هذا الأمر! أديان كل ~~الأرض لا يصنع عدلا؟ # فقال الرب: إن وجدت في المكان خمسين ms015 بارا فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم. # فأجاب إبراهيم وقال: إني قد شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد، ربما نقص الخمسون ~~بارا خمسة، أتهلك كل المدينة بالخمسة؟ فقال: لا أهلك إن وجدت هناك خمسة ~~وأربعين. # فعاد يكلمه أيضا وقال: عسى أن يوجد هناك أربعون، فقال: لا أفعل من أجل الأربعين، ~~فقال: لا يسخط المولى فأتكلم: عسى أن يوجد هناك عشرون، فقال: لا أهلك من أجل العشرين، ~~فقال: لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط: عسى أن يوجد هناك عشرة، فقال: لا أهلك من ~~أجل العشرة. # وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم، ورجع إبراهيم إلى مكانه. # فجاء الملكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسا في باب سدوم، فلما رآهما لوط قام ~~لاستقبالهما وخر ساجدا وقال: يا سيدي، ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما، ~~ثم تبكران وتذهبان في طريقكما، فقالا: لا، بل بالساحة نبيت. # وتم الإصحاح التاسع عشر بقصة هلاك سدوم، ثم عاد الإصحاح العشرون إلى قصة إبراهيم فجاء ~~فيه: أنه انتقل من هناك إلى أرض الجنوب، وسكن بين قادش وشور وتغرب في جرار. ~~«وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي، فأرسل «إبيمالك» ملك جرار وأخذ سارة، فجاء ~~الله إلى «إبيمالك» في الحلم وقال له: ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها؛ فإنها ~~ذات بعل، ولم يكن «إبيمالك» قد اقترب منها، فقال: يا سيد، أتقتل أمة بارة؟ ألم يقل لي ~~هو: إنها أختي؟ ألم تقل هي نفسها: إنه هو أخي؟ بسلامة قلبي ونقاوة يدي فعلت هذا، فقال ~~له الله في الحلم: أنا أيضا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا، وأنا أيضا أمسكتك أن ~~تخطئ إلي؛ لذلك لم أدعك تمسها، فالآن رد امرأة الرجل فإنه نبي، وسيصلي لأجلك فتحيا، ~~وإن كنت لا تردها فإنك ومن لك ميتون. ~~... وأخذ إبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاها لإبراهيم، ورد إليه سارة امرأته، ~~وقال إبيمالك: هو ذا أرضي قدامك، تسكن منها ما حسن في عينيك، وقال لسارة: إني قد ~~أعطيت أخاك ألفا ms016 من الفضة. ها هو لك غطاء عيني. ~~... وصلى إبراهيم إلى الله، فشفى الله إبيمالك وامرأته وجواريه فولدن؛ لأن الرب كان قد ~~أغلق كل رحم لبيت إبيمالك بسبب سارة امرأة إبراهيم.» # ثم جاء في الإصحاح الحادي والعشرين أن سارة ولدت إسحاق، وختنه إبراهيم وهو ابن ثمانية ~~أيام، وكان إبراهيم قد أوفى على المائة، وقالت سارة: قد جعل الله لي ضحكا ، وجعل كل ~~من يسمع بأمري يضحك. ~~... ورأت ابن هاجر المصرية يمزح، فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها؛ لأن ابن هذه ~~الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم. # قال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام، ومن أجل جاريتك، واسمع كل ما ~~تقوله سارة؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل، وابن الجارية أيضا سأجعله أمة؛ لأنه ~~نسلك. # فبكر إبراهيم صباحا، وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا إياهما على كتفها ~~وصرفها. # فمضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار، ~~ومضت وجلست مقابلة بعيدا على مرمى القوس؛ لأنها قالت: لا أنظر موت الولد. فسمع الله ~~صوت الغلام، ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر؟! لا تخافي؛ لأن ~~الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو، قومي احملي الغلام وشدي يدك به؛ لأني سأجعله أمة ~~عظيمة. وفتح الله عينها فأبصرت بئر ماء، فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام، وكان ~~الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت ~~له أمة زوجة من أرض مصر. # وحدث في ذلك الزمان أن أبيمالك وفيكول رئيس جيشه كلما إبراهيم قائلين: الله معك في ~~كل ما أنت صانع، فالآن احلف لي بالله ها هنا أنك لا تغدر بي ولا بنسلي وذريتي، ~~وكالمعروف الذي صنعت إليك تصنع إلي وإلى الأرض التي تغربت فيها. # فقال إبراهيم: أنا أحلف. وعاتب إبيمالك في بئر الماء التي اغتصبها عبيده، فقال ~~إبيمالك: لم أعلم من فعل هذا الأمر، أنت لم ms017 تخبرني، وأنا ما سمعت سوى اليوم. # فأخذ إبراهيم غنما وبقرا وأعطى إبيمالك، فقطعا كلاهما ميثاقا. # وأقام إبراهيم سبع نعاج وحدها، فقال إبيمالك لإبراهيم: ما هي هذه النعاج التي أقمتها ~~وحدها؟ فقال: إنك تأخذ من يدي سبع نعاج؛ لكي تكون لي شهادة بأني حفرت هذه البئر؛ لذلك ~~دعا ذلك الموضع بئر سبع لأنهما هناك حلفا كلاهما. # فقطعا ميثاقا في بئر سبع، ثم قام إبيمالك وفيكول رئيس جيشه، ورجعا إلى أرض ~~الفلسطينيين، وغرس إبراهيم أثلا # 12 # في بئر سبع، ودعا هناك باسم الرب الإله ~~السرمدي، وتغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين أياما كثيرة.» ~~••• # وتأتي بعد ذلك قصة الفداء بإسحاق: ~~«وإن الله قد امتحن إبراهيم فقال له: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه - إسحاق - واذهب إلى ~~أرض المريا وأصعده هناك ... فبكر إبراهيم صباحا، وشد على حماره، وأخذ اثنين من ~~غلمانه معه وإسحاق ابنه، وشقق حطبا لمحرقة، وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له ~~الله. # وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد، فقال لغلاميه: اجلسا أنتما ~~ها هنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما. # فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين، فذهبا ~~كلاهما معا. # وكلم إسحاق إبراهيم أباه وقال: يا أبي، فقال: ها أنا ذا يا بني، فقال: هو ذا النار ~~والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: الله يرى له خروف المحرقة يا بني. ~~فذهبا كلاهما معا. # فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله، بنى إبراهيم هناك المذبح ورتب الحطب، وربط ~~إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب، ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه، ~~فناداه ملاك الرب من السماء، وقال: إبراهيم! إبراهيم! فقال: ها أنا ذا، فقال: لا تمد ~~يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا؛ لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك ~~وحيدك عني. # ورفع إبراهيم عينيه ونظر، وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ ~~الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه، فدعا ms018 إبراهيم اسم ذلك الموضع «يهوه يراه»، حتى إنه ~~يقال اليوم في جبل الرب يرى. # ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء، وقال: بذاتي أقسمت، إني - من أجل أنك فعلت ~~هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك - أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء، ~~وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، ~~من أجل أنك سمعت لقولي. # ثم رجع إبراهيم إلى غلاميه فقاموا وذهبوا جميعا إلى بئر سبع. # وحدث بعد هذه الأمور أن إبراهيم أخبر وقيل له: هو ذا ملكة قد ولدت هي أيضا بنين ~~لناحور أخيك: عوصا بكره، وتوزا أخاه، وفموئيل أبا آرام، وكاسدو، وحزوا، وفلداش، ~~ويدلاف، وبتوئيل، وولد بتوئيل رفقة ... هؤلاء الثمانية ولدتهم ملكة لناحور أخي إبراهيم: ~~وأما سريته - واسمها زومة - فولدت هي أيضا: طابح، وجاحم، وتاحش، ومعكة.» # وأنبأ الإصحاح الثالث والعشرون بموت سارة وهي في السابعة والعشرين بعد المائة؛ ماتت ~~في قرية أربع التي هي حبرون في أرض كنعان، فأتى إبراهيم ليندب سارة ويبكي عليها، وقام ~~إبراهيم من أمام ميته وكلم بني حث قائلا: أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك قبر ~~معكم لأدفن ميتي من أمامي، فأجاب بنو حث إبراهيم قائلين له: اسمعنا يا سيدي، أنت رئيس ~~من الله بيننا، في أفضل قبورنا ميتك، لا يمنع أحد منا قبره عنك ... # فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض، لبني حث، وكلمهم قائلا: إن كان في نفوسكم أن أدفن ~~ميتي من أمامي، فاسمعوني والتمسوا لي من عفرون بن صوحر أن يعطيني مغارة المكفيلة التي ~~له في طرف حقله، وبثمن كامل يعطيني إياها ... وكان عفرون جالسا بين بني حث، فأجابه على ~~مسمع من قومه لدى جميع الداخلين باب مدينته قائلا: لا يا سيدي، اسمعني: الحقل ~~وهبتك إياه، والمغارة التي فيه لك وهبتها ... # فسجد إبراهيم أمام شعب الأرض وكلم عفرون في مسامع شعب الأرض قائلا: بل إن كنت أنت ~~إياه فليتك تسمعني، أعطيك ثمن الحقل فأدفن ميتي هناك، فأجاب عفرون إبراهيم قائلا له: ~~يا سيدي، اسمعني: أرض بأربعمائة ms019 شاقل فضة ما هي بيني وبينك؛ فادفن ميتك. فسمع إبراهيم ~~لعفرون، ووزن إبراهيم لعفرون الفضة التي ذكرها في مسامع بني حث؛ أربعمائة شاقل فضة ~~جائزة عند التجار. ~~••• ~~«وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام، # 13 # وباركه الرب في كل شيء، وقال إبراهيم لعبده كبير ~~بيته المستولي على كل ما كان له: ضع يدك تحت فخذي، فأستحلفك بالرب إله السماء وإله ~~الأرض، ألا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم، بل إلى أرضي ~~وعشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحاق، فقال له العبد: ربما لا تشاء المرأة أن تتبعني ~~إلى هذه الأرض، هل أرجع بابنك إلى الأرض التي خرجت منها؟ فقال إبراهيم: احترز من أن ~~ترجع بابني إلى هناك: الرب إله السماء الذي أخذني من بيت أبي ومن أرض ميلادي، والذي ~~كلمني، والذي أقسم لي قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، هو يرسل ملائكة أمامك فتأخذ زوجة ~~لابني من هناك، وإن لم تشأ المرأة أن تتبعك تبرأت من حلفي هذا. أما ابني فلا ترجع به ~~إلى هناك، فوضع العبد يده تحت فخذ إبراهيم مولاه، وحلف له على هذا الأمر. # ثم أخذ العبد عشرة جمال من جمال مولاه، ومضى وجميع خيرات مولاه في يده، فقام وذهب إلى ~~آرام النهرين، إلى مدينة ناحور، وأناخ الجمال خارج المدينة عند بئر الماء وقت المساء، ~~وقت خروج المستقيات، وقال: أيها الرب، إله سيدي إبراهيم، يسر لي اليوم واصنع لطفا ~~إلى سيدي إبراهيم، ها أنا واقف على عين الماء وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء، ~~فليكن أن الفتاة التي أقول لها: أميلي جرتك لأشرب، فتقول: اشرب وأنا أسقي جمالك، هي ~~التي عينتها لعبدك إسحاق، وبها أعلم أنك صنعت لطفا إلى سيدي. # وإذ كان لم يفرغ بعد من الكلام، إذا رفقة التي ولدت لبتوئيل بن ملكة، امرأة ناحور ~~أخي إبراهيم، خارجة وجرتها على كتفها، وكانت الفتاة حسنة المنظر جدا، وعذراء لم ~~يعرفها رجل، فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت، فركض العبد للقائها وقال: اسقيني ~~قليل ماء من جرتك، فقالت: ms020 اشرب يا سيدي. وأسرعت وأنزلت جرتها على يدها وسقته، ~~ولما فرغت من سقيه قالت: أستقي لجمالك أيضا حتى تفرغ من الشرب. فأسرعت وأفرغت ~~جرتها في المسقاة، وركضت أيضا إلى البئر لتستقي. # فاستقت لكل جماله والرجل يتفرس فيها صامتا ليعلم أأنجح الرب طريقه أم لا. وحدث عندما ~~فرغت الجمال من الشرب أن الرجل أخذ خزامة ذهب وزنها نصف شاقل وسوارين على يديها ~~وزنهما عشرة شواقل ذهب، وقال: بنت من أنت؟ أخبريني هل في بيت أبيك مكان لنبيت؟ ~~فقالت: أنا بنت بتوئيل بن ملكة الذي ولدته لناحور، وقالت له: عندنا تبن وعلف كثير، ~~ومكان لتبيتوا أيضا، فخر الرجل وسجد للرب وقال: مبارك الرب إله سيدي إبراهيم، الذي ~~لم يمنع لطفه وحقه عن سيدي؛ إذ كنت أنا في الطريق هداني الرب إلى إخوة سيدي. فركضت ~~الفتاة وأخبرت بيت أمها بحسب هذه الأمور. # وكان لرفقة أخ اسمه لابان، فخرج لابان إلى الرجل خارجا إلى العين.» ~~••• # ويلي هذا «في الإصحاح الرابع والعشرين» وصف العبد ما حدث له حتى التقى بالفتاة «فأجاب ~~لابان وبتوئيل وقالا: من عند الرب خرج الأمر، لا نقدر أن نكلمك بشر أو خير، هو ذا ~~رفقة قدامك، خذها واذهب، فلتكن زوجة لابن سيدك كما تكلم الرب. وكان عندما سمع عبد ~~إبراهيم كلامهم أنه سجد للرب إلى الأرض، وأخرج آنية فضة وآنية ذهب وثيابا وأعطاها ~~لرفقة، وأعطى تحفا لأخيها ولأمها، فأكل وشرب هو والرجال الذين معه وباتوا، ثم قاموا ~~صباحا فقال: اصرفوني إلى سيدي، فقال أخوها وأمها: لتمكث الفتاة عندنا أياما أو عشرة، وبعد ذلك تمضي.» # واستشيرت الفتاة فقبلت أن تذهب مع العبد، فصرفوا رفقة أختهم ومرضعتها وعبد إبراهيم ~~ورجاله، وباركوا رفقة وقالوا لها: أنت أختنا، صيري ألوف ربوات، # 14 # وليرث نسلك باب مبغضيه. ~~«فقامت رفقة وفتياتها وركبن على الجمال وتبعن الرجل، فأخذ العبد رفقة ومضى. # وكان إسحاق قد أتى من ورود بئر لحي رئي؛ إذ كان ساكنا في أرض الجنوب، وخرج ليتأمل في ~~الحقل عند إقبال المساء، فرفع عينيه ونظر وإذا جمال ms021 مقبلة، ورفعت رفقة عينيها فرأت ~~إسحاق فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا؟ فقال ~~العبد: هو سيدي! فأخذت البرقع وتغطت، ثم حدث العبد إسحاق بكل ما جرى، فأدخلها إسحاق ~~إلى خباء سارة أمه، وأخذ رفقة فصارت له زوجة وأحبها، فتعزى إسحاق بعد موت ~~أمه.» ~~«وعاد إبراهيم - الإصحاح الخامس والعشرون - فأخذ زوجة اسمها قطورة، فولدت له زمران ~~ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا، وولد يقشان شبا، وددان، وكان بنو ددان أشوريم ~~ولطوشيم ولأميم، وبنو مديان عيفة وعفر وحنوك وأبيداع وألدعة؛ جميع هؤلاء بنو ~~قطورة. # وأعطى إبراهيم إسحاق كل ما كان له، وأما بنو السراي اللواتي كانت لإبراهيم، فأعطاهم ~~إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقا إلى أرض المشرق، وهو بعد بقيد ~~الحياة. # وهذه أيام سني حياة إبراهيم التي عاشها: مائة وخمس وسبعون سنة، وأسلم إبراهيم روحه ~~ومات بشيبة صالحة، شيخا شبعان أياما، وانضم إلى قومه، ودفنه إسحاق وإسماعيل ابناه ~~في مغارة المكفيلة في حقل عفرون بن صوحر الحثي الذي أمام ممرا.» ~~«... وهذه مواليد إسماعيل بن إبراهيم الذين ولدت هاجر المصرية جارية سارة لإبراهيم: ~~نبايوث بكر إسماعيل، وقيدار، وأدبئيل، ومشماع، ودومة، ومسا، وحدار، وتيما، ويطور، ~~ونافيش، وقدمة؛ هؤلاء هم بنو إسماعيل، وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم؛ اثنا عشر رئيسا ~~حسب قبائلهم، وهذه سنو حياة إسماعيل: مائة وسبع وثلاثون سنة. # وأسلم روحه ومات وانضم إلى قومه، وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر. # وهذه مواليد إسحاق بن إبراهيم ... ولد إبراهيم إسحاق، وكان إسحاق ابن أربعين سنة لما ~~اتخذ لنفسه زوجته رفقة بنت بتوئيل الآرامي، أخت لابان الآرامي، من فدان آرام. # وصلى إسحاق على الرب لأجل امرأته؛ لأنها كانت عاقرا، فاستجاب له الرب فحبلت رفقة ~~امرأته، وتزاحم الولدان في بطنها، فقالت: إن كان هكذا ففيم أنا عائشة؟ ... ومضت لتسأل ~~الرب، فقال لها الرب: في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب، ~~وكبير يستبعد لصغير. # فلما أكملت أيامها لتلد إذا في بطنها توءمان، فخرج الأول أحمر كله كفروة ms022 شعر، فدعوا ~~اسمه عيسو، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو، فدعي اسمه يعقوب، وكان إسحاق ~~ابن ستين سنة لما ولدتهما. # فكبر الغلامان، وكان عيسو إنسانا يعرف الصيد: إنسان البرية، ويعقوب إنسانا كاملا ~~يسكن الخيام. # فأحب إسحاق عيسو؛ لأن في فمه صيدا. # وأما رفقة فكانت تحب يعقوب. # وطبخ يعقوب طبيخا، فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا، فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا ~~الأحمر؛ لأني قد أعييت. لذلك دعي اسمه أدوم. # فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك، فقال عيسو: ها أنا ماض إلى الموت ... فما جدوى ~~البكورية؟ فقال يعقوب: احلف لي اليوم. فحلف له، فباع بكوريته ليعقوب، فأعطى يعقوب ~~عيسو خبزا وطبيخ عدس، فأكل وشرب ومضى.» # وتكرر في الإصحاح السادس والعشرين وصف الحادث الذي جرى لإبراهيم مع أبيمالك، فجاء فيه ~~أنه حدث «جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحاق إلى أبيمالك ملك ~~الفلسطينيين» ... «وسأله أهل المكان عن امرأته فقال: هي أختي؛ لأنه خاف أن يقول امرأتي ~~لعل أهل المكان يقتلونني من أجل رفقة؛ لأنها كانت حسنة المنظر. وحدث إذ طالت الأيام ~~هناك أن أبيمالك، ملك الفلسطينيين، أشرف من الكوة ونظر، وإذا إسحاق يلاعب رفقة ~~امرأته، فدعا أبيمالك إسحاق وقال: إنما هي امرأتك، فكيف قلت: هي أختي؟ فقال له إسحاق: ~~لأني قلت لعلي أموت بسببها، فقال أبيمالك: ما هذا الذي صنعت بنا؟ لولا قليل لاضطجع ~~أحد الشعب مع امرأتك فجلبت علينا ذنبا. فأوصى أبيمالك جميع الشعب قائلا: الذي يمس ~~هذا الرجل وامرأته موتا يموت.» # وفي الإصحاح التاسع والعشرين أن يعقوب تزوج راحيل بنت خاله لابان، وكانت عاقرا كما ~~جاء في الإصحاح الثلاثين، «فقالت: هو ذا جاريتي بلهة، ادخل عليها فتلد على ركبتي ~~وأرزق أنا أيضا منها بنين. فأعطته بلهة جاريتها زوجة، فدخل عليها يعقوب.» ~~«... وذكر الله راحيل، وسمع لها الله وفتح رحمها فحبلت وولدت ابنا، فقالت: نزع الله ~~عاري، ودعت اسمه يوسف.» ~~••• # وفي الإصحاح الثاني والثلاثين يسمى يعقوب إسرائيل، وذاك أنه بعد أن عاد من رحلته إلى ms023 ~~العراق «بقي وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق ~~فخذه، # 15 # فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته ~~معه، وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له: ما ~~اسمك؟ فقال: يعقوب! فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع ~~الله والناس وقدرت، وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك ؟ فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه ~~هناك، فدعا يعقوب اسم المكان فينئيل قائلا: لأني نظرت الله وجها لوجه.» ~~••• # وتذكر الإصحاحات التالية خبر المجاعة التي عمت الأرض، وتروي هجرة يعقوب وأبنائه إلى ~~مصر، حيث بيع يوسف وتولى عملا من أعمال الدولة في الجيل التالي لجيل إبراهيم كما ~~يؤخذ من هذا السياق، وقد انقسمت ذريته على أدوميين وإسرائيليين. # وفي العهد القديم عدا هذه السيرة المفصلة إشارات كثيرة إلى إبراهيم عليه السلام، ~~منها ما يذكره ليذكر عهد الرب له، ومنها ما يصفه ويصف بعض أخباره. # فمن الإشارات التي لها شأن في سيرته ما جاء في كتاب يشوع أول الرسل بعد موسى عليه ~~السلام، ففي الإصحاح الرابع والعشرين من هذا الكتاب يقول صاحبه عن ديانة ~~الآباء: # وقال يشوع لجميع الشعب: هكذا قال الرب إله ~~إسرائيل: آباؤكم سكنوا في عبر النهر منذ الدهر، تارح أبو إبراهيم وأبو ~~ناحور، وعبدوا آلهة أخرى، فأخذت إبراهيم أباكم من عبر النهر وسرت به في ~~كل أرض كنعان. # ووصف إبراهيم بخليل الله في كتاب الأيام الثاني - وهو على الأرجح من جمع النبي عزرا ~~- حيث يقول في الإصحاح العشرين: «ألست أنت إلهنا الذي طردت سكان هذه الأرض أمام شعبك ~~إسرائيل وأعطيتها لنسل إبراهيم خليلك إلى الأبد؟» # ووصف بهذه الصفة في الإصحاح الحادي والأربعين من كتاب أشعيا حيث يقول: «وأما أنت يا ~~إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته، نسل إبراهيم خليلي.» ~~••• # وتلك هي جملة العبارات التي تدخل في سيرة الخليل من كتب العهد القديم، وأكثرها ~~تفصيلا ما ورد في سفر التكوين من الكتب الخمسة التي يطلق عليها في الغالب ms024 اسم ~~التوراة. وقبل الانتقال إلى ما ورد عن الخليل في المراجع الإسرائيلية الأخرى؛ ~~كالتلمود والمدراش وما إليها، نشفع ما تقدم بكلمة لازمة عن تعليقات الشراح على سفر ~~التكوين والكتب الخمسة؛ فإن هذه التعليقات لا غنى عنها للباحث المستقصي عند مراجعة ~~الأسانيد المتعددة، ولها علاقة وثيقة بفهم السيرة كلها فيما تستمده من تلك ~~الأسانيد. # الفصل الثالث # | تعقيب على مراجع العهد القديم # اتفق شراح العهد القديم على تعدد النسخ التي جمعت منها كتبه الخمسة بصفة ~~خاصة. # وأهم هذه النسخ هي نسخة ألوهيم، ونسخة يهوا، ونسخة الكهنة أو المسجلين، ولا داعي في ~~هذا الصدد لإضافة النسخة المسماة بنسخة التثنية؛ لأنها تتناول الأسلوب اللغوي الذي لا ~~يسهل التبسط في خصائصه عند الكتابة عنه بلغتنا العربية. # سميت نسخة «ألوهيم» بهذا الاسم لأن «ألوهيم» هي الكلمة التي تطلق فيها على ~~الإله. # وسميت النسخة الأخرى باسم «يهوا» لأنه اسم الإله فيها. # وتسمى النسخة الثالثة باسم الكهنة أو المسجلين؛ لأنهم جمعوا كتب الشريعة وعنوا فيها ~~عناية خاصة بالشعائر والمراسم وأخبار الهيكل والعبادة. ومن هذه النسخ ما كتب على ~~أيام المملكة الإسرائيلية، ومنها ما كتب في المنفى بين النهرين، ومنها ما كتب قبل ~~الميلاد بنحو ثلاثة قرون، وأقدمها عهدا بينها وبين عصر الخليل ما يبلغ ألف ~~سنة. # وقد اجتهد الكهنة في تكملة الأجزاء التي بين أيديهم، فقابلوا بين الأخبار المتعددة، ~~وتمموا بعضها ببعض، وبقيت آثار المراجع المتعددة في مواضع نشير إلى بعضها بما فيه ~~الكفاية للمقابلة بين أخبار السيرة في جملتها. # ففي الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين يفسر اسم بئر سبع بما دار من الحديث بين ~~الخليل وأبيمالك: # سأل أبيمالك: ما هي هذه السبع النعاج التي أقمتها وحدها؟ # قال الخليل: إنك تأخذ من يدي سبع نعاج لكي تكون شهادة لي بحفر البئر. لذلك دعي ذلك ~~الموضع بئر سبع. # وفي الإصحاح السادس والعشرين من سفر التكوين يفسر اسم المكان بما ~~يلي: # وحدث في ذلك اليوم أن عبيد إسحاق جاءوا وأخبروه عن ~~البئر التي حفروا، وقالوا له: قد وجدنا ماء. ms025 فدعاها شبعة؛ لذلك اسم ~~المدينة بئر سبع إلى اليوم. # وفي الإصحاح الأول عن خلق الحيوان والإنسان: «فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها، ~~والبهائم كأجناسها، وجميع دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الله ذلك أنه حسن، وقال الله: ~~نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى ~~البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب عليها.» # وفي الإصحاح الثاني: «وجبل الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار ~~آدم نفسا حية، وغرس الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله، وأنبت الرب ~~الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر، جيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة.» # ونص الإصحاح الثامن عشر من سفر اللاويين على: تحريم الزواج بالأخت من الأب، أو من ~~الأم «المولودة في البيت، أو المولودة خارجا». # وفي الإصحاح الثالث عشر من سفر صمويل الثاني تقول تامار لأخيها أمنون: «والآن كلم ~~الملك لأنه لا يمنعني منك.» ~~••• # وقد أطال الشراح مقابلة المراجع، ولا سيما المراجع التي تذكر الأماكن والأعلام ~~والأعمار، وما يعنينا في هذا السياق هو ملاحظتهم التي خرجوا بها من المقابلة ~~والموازنة فيما يتعلق بسيرة الخليل. # فمنها أن اسم البلد الذي ولد فيه الخليل قد ورد في بعض النسخ، ولم يكن موجودا في نسخ ~~أخرى، فأضيف إليها للمضاهاة بينها. # ومن النسخ ما ورد فيه عهد الميراث لإبراهيم، ومنها ما لم يرد فيه هذا العهد قبل مولد ~~إسماعيل. # ويرى كثيرون من الشراح أن الأعلام قد تطلق على القبائل كما تطلق على رءوسها وآبائها، ~~ومن هنا ينعت إبراهيم بالعبراني، وينعت ابن أخيه بالآرامي، أو يختلف الفرعان من أصل ~~واحد، فتعمل إحدى القبائل في الصيد بالبادية، وتعمل أختها في الزرع والمدن حول ~~الحاضرة. # وقد بين الشراح على العموم أن الأعمار تناقصت في الكتب الأخيرة، وأن الوحي بالرؤيا في ~~هذه الكتب أعم من الوحي بالمشاهدة والمخاطبة. # وسنعود إلى استخلاص الفائدة من هذه المقابلات والتعليقات عند الكلام على تفصيلات ~~السيرة، بعد استيفاء مراجعها من الكتب الدينية والمصادر التاريخية ms026 وغيرها. # المشنا # أهم المراجع الإسرائيلية بعد التوراة هو كتب المشنا القديمة. ~~«فالمقرأ» هو ما يحفظ بالقراءة في الكتب، وهو نصوص التوراة المعتمدة. # و«المشنا» هو ما يحفظ بالذكر والاستظهار، ومنه التلمود على نشأته ~~الأولى. # وأصل مادة الكلمة من شنا أي كرر، وهي تقابل في العربية مادة ثنى، بمعنى أعاد ~~ثانية، واستعيرت للإعادة التي يراد بها حفظ الكلام المعاد. وترجع مأثورات ~~«المشنا» إلى أيام النفي في بابل، حيث أقامت عشائر من اليهود منفية عن ~~فلسطين. # وكان الغرض من «المشنا» تفسير التوراة والتعليق عليها، وتشتمل هذه التفسيرات ~~على عظات المعابد، وتأويلات الفقهاء، وشروح المفسرين ممن بلغوا مرتبة الرئاسة ~~في التعليم. # وقد حصرت المشنا في القرن الثاني للميلاد، ودونت بعد الاعتماد على الرواية أو ~~التعليقات المتفرقة، ومعظمها محفوظ بالعبرية العامية التي يفهمها المستمعون إلى ~~مواعظ البيع وأحاديث الفقهاء. # واشتملت عند جمعها على ستة أقسام، واشتملت هذه الأقسام على ثلاثة وستين فصلا، ~~واشتملت الفصول على نبذ تبلغ خمسمائة وثلاثا وعشرين، أضيفت إليها نبذة بعد ~~ذلك فبلغت خمسمائة وأربعا وعشرين. أما الأقسام الستة فهي: قسم الزرع، وهو خاص ~~بالمزروعات والمحصولات ومعاملاتها، وقسم الموعد، وهو خاص بأوقات المواسم ~~والأعياد، وقسم النساء، وهو خاص بالزواج والطلاق وما يتصل بهما من الأحوال ~~الشخصية، وقسم العروض والتعويضات، وهو خاص بسائر المعاملات والمحاكمات، وقسم ~~المقدسات، وهو خاص بشعائر العبادة، وقسم الطهارة، وهو خاص بالغسل والتطهير من ~~النجاسات التي حرم معها القيام بالفرائض الدينية. # وزيدت على المشنا في العصور الحديثة كتب من قبيلها تسمى ب «التصافوت»، من مادة ~~يصاف أي يضاف، ومعناها الإضافات. وأكثر هذه الإضافات من وضع الكهان الأوروبيين ~~إلى القرن الثاني عشر للميلاد. ولم تشتمل المشنا على جميع المأثورات، بل بقيت ~~خارجا منها أحكام تنقل بالرواية، وتعرف ب «البرايتا» أي البرانية. # وانتهى تمحيص المشنا القديمة إلى اختيار طائفة من الأحكام المتفق عليها تسمى ~~الجمارة، أي التكملة. # ومن مرويات المشنا والجمارة تجتمع كتب التلمود، وهي قسمان: تلمود بابل، وتلمود ~~فلسطين، ولكن التلمود لا يحتوي كل ما في المشنا والجمارة. # ويعرف بعض ms027 المأثورات الإسرائيلية باسم «المدراش» أو الدراسات، وتلك تتضمن ~~أقوال الفقهاء وحواشيهم على النصوص والمحفوظات، وأشهرها مدراش رباه التي تدور ~~كل دراسة منها على كتاب من كتب التوراة الخمسة، وقد تمت عند القرن السادس ~~للميلاد، وترجع في أسانيدها كما جاء فيها إلى أيام إبراهيم، ولكنها عند اليهود ~~على درجات؛ فمنها ما يعول عليه، ومنها ما هو من قبيل القصص التعليمية، والأمثال ~~الوعظية، تساق للاعتبار ولا يقصد بها التاريخ أو الاعتقاد. # ويظن بعض شراح الألمان، مثل جرنبوم # Grunbaum ~~، ~~آيا من المدراش نبذا منقولة عن اللغة العربية، ولكن المقابلة بين رواياتها ~~والروايات الإسرائيلية الأخرى تدل على مشابهة قريبة، وأنها على كل حال من مصادر ~~غير إسلامية. # بل يظن جرنبوم أن بعض العبارات ترجمة حرفية من القرآن الكريم، كما جاء في كتاب ~~من المدراش أن الله قال: ليوهب البرد والعزاء لخادمي إبراهيم. والكلمة فيها ~~معنى العزاء والراحة والسلام. # وسنشير إلى هذه الملاحظات في مواضعها، ونكتفي فيما يلي بالمراجع الضرورية - على ~~سبيل التمثيل - لكل أسلوب من أساليب الرواية والتدوين في المصادر الإسرائيلية، ~~ونبدأ بما له علاقة بسيرة الخليل من عهد الطوفان. ~~••• # يطلق اسم خليل الله وحبيب الله في الكتب الإسرائيلية على أنبياء غير إبراهيم، ~~أشهرهم موسى ويعقوب وسليمان، ويغلب على الكتب المتأخرة وصفه بالحبيب، ويعتقدون ~~أنه هو المقصود بقول أرميا في الإصحاح الحادي عشر: «حبيبي في بيتي.» # وفي كثير من كتب المدراش والتعليم يقال: إن الدنيا خلقت من أجله، وإن أبناء ~~نوح ضلوا عن سواء السبيل وعبدوا الأصنام، وكان جد إبراهيم يدعى «رو»، فسمى ~~ابنه «سيروج»، أي ذهبوا بعيدا. وصدق في هذه التسمية؛ لأن سيروج حين كبر وولد ~~له ابن سماه ناحور، وعلمه السحر والتنجيم وعبادة الأصنام. وكان الشيطان ~~«مسطما» يرسل أعوانه لكيد البشر، ويطلقهم على البذور وهي على وجه الأرض كأنهم ~~الغربان لتلتقطها وتفسدها؛ ولهذا سمى ناحور ابنه تيرح أو تارح. ويقول شراح كتاب ~~«اليوبيل» - أحد هذه الكتب التعليمية: إن الاسم بهذا المعنى غامض، ولكنه قد ~~يرجع إلى كلمة آرامية بمعنى المحو والشحوب. # وتزوج ms028 تارح من إيمتالي بنت كرناب، فرزقا إبراهيم، وكان مولده مرصودا في ~~الكواكب فاطلع عليه النمروذ، واستشار الملأ من قومه فأشاروا عليه بقتل كل طفل ~~ذكر، واستحياء البنات، وإغداق العطايا والجوائز على أهليهن ليفرحوا بمولد ~~البنات. # وأحس تارح أن امرأته حامل، فلما أراد أن يتحقق من ذلك صعد الجنين إلى صدر أمه، ~~فخوي بطنها ولم يظهر فيه الحمل، وهربت أمه حين جاءها المخاض فأوت إلى كهف ولدته ~~فيه، وتركته ثمة وهي تدعو له، فبقي ثلاث عشرة سنة لا يرى الشمس على رواية بعض ~~الكتب، ومكث في الكهف أقل من ذلك على روايات أخرى، وأرسل الله جبريل يرعاه، ~~فجعل الطفل يمتص أصابعه فيرضع منها ويكبر قبل الأوان. # وخرج من الكهف ليلا وهو في الثالثة فرأى النجوم فقال: هذه هي الأرباب. فلما ~~أشرقت الشمس قال: كلا، بل هذه هي الرب. فلما أفلت وظهر القمر قال: بل هو هذا. ~~فلما أفل قال: ما هذه بأرباب، إنما الرب المعبود هو الذي يديرها ويسيرها، ~~ويبديها ويخفيها. # وفي بعض الكتب أن أمه خرجت تتفقده بعد عشرين يوما حيث تركته، فوجدت في طريقها ~~صبيا ناميا فسألها: ماذا جاء بك إلى الصحراء؟ # فأنبأته بقصتها، وعرفها بنفسه، فدهشت وعجبت لطفل يكبر ويتكلم ولما يمض على ~~مولده شهر واحد. # قال لها: إنها قدرة الله الذي يرى ولا يرى. # ويظن جامعو الأساطير اليهودية أن وصف الله بهذه الصفة منقول من أصل عربي اطلع ~~عليه يهود الأندلس، ثم اختلفت تفصيلاته عند نقلها إلى العبرية. # قالت أمه وقد ازداد عجبها: أإله غير النمروذ؟ # قال: نعم يا أماه، رب السموات والأرض، ورب النمروذ بن كنعان؛ فاذهبي وبلغي ~~النمروذ ما سمعت. # وأنبأت زوجها تارح - وكان أميرا من أمراء الملك - فذهب إليه يطلب لقاءه، فأذن ~~له باللقاء، فسجد بين يديه، ولم يكن من عادتهم إذا سجد أحدهم بين يدي الملك أن ~~يرفع رأسه بغير أمره، فلما أمره الملك أن ينهض ويتكلم روى له القصة، ففزع وفزع ~~أعوانه ووزراؤه، ثم ملكوا جأشهم وقالوا له: علام هذا الفزع من ms029 صبي لا حول له ~~ولا قوة ومن أمثاله في المملكة ألوف وألوف؟! # قال لهم النمروذ: وهل رأيتم صبيا في العشرين يتكلم وينطق بمثل هذا ~~البيان؟ # وخشي الشيطان أن يسبق الإيمان إلى قلب الملك، فبرز لهم وأزال ما بهم من الروع، ~~وحرض الملك على قتل الصبي، فحشد له جندا من القادة والفرسان، وخرجوا إلى الكهف ~~الذي قيل لهم إن الصبي مختبئ فيه، فإذا بينه وبينهم سحب لا ينفذ النظر إلى ما ~~وراءها، وإذا بهم مجفلون لا يقدرون على الثبات. # فلما عادوا إلى النمروذ وشرحوا له ما عاينوه قال لهم: لا مقام لنا بهذه الديار! ~~وخرج من بلده إلى أرض بابل، فلحق به إبراهيم على جناح جبريل، ولقي هناك أبويه، ~~ثم بدأ بالدعوة إلى الله؛ الإله الأحد الذي لا إله غيره، رب السماوات ورب ~~الأرباب، ورب النمروذ، وأنذرهم أن يتركوا عبادة الصنم الذي صنعوه على مثال ~~النمروذ؛ فإن له فما ولكنه لا ينطق، وعينا ولكنه لا يبصر، وأذنا ولكنه لا ~~يسمع، وقدما ولكنه لا يسعى ولا ينفع نفسه ولا يغني عن غيره شيئا. # وأسرع أبوه إلى الملك يبلغه أن ابنه إبراهيم طوى مسيرة أربعين يوما في أقل من ~~يوم، ثم لحق به إبراهيم إلى قصر الملك فهز عرشه بيديه وصاح به: «أيها الشقي، ~~إنك تنكر الحق، وتنكر الله الحي الصمد، وتنكر عبده إبراهيم خادم بيته ~~الأمين.» # ويخاف النمروذ فيأمر تارح أن يعود بابنه إلى موطنه، ثم تتكاثر الروايات في ~~عشرات من المصادر من كتب المدراش والتفسيرات حول ما حدث بعد ذلك بين إبراهيم ~~وقومه، وبينه وبين الملأ والملك وكهنة الأرباب، مما تغني هذه الأمثلة عن تفصيله ~~واستقصائه، وبعضه كما تقدم معول عليه عند اليهود، وبعضه من قبيل ضرب الأمثال ~~بالنوادر والأعاجيب. # وليس من المطلوب أن نتتبع هذه القصص والنوادر؛ لأنها تستوعب ألوف الصفحات، ~~ولكننا نأخذ منها ما ينتظم في أغراض هذا الكتاب، ومنها ما يدل على تفكير ~~واضعيه، أو يفيد عند المقابلة بين المصادر المتعارضة، أو يلاحظ فيه الوضع ~~لطرافته الأدبية والفنية، ms030 أو يتمم صورة أخرى ناقصة في خبر من الأخبار. # فمما ورد في «مدراش رباه» أن أباه حنق عليه حين كسر الأصنام فخاصمه إلى ~~النمروذ، فسأله النمروذ: إن كنت لا تعبد الصور والمشبهات؛ فلماذا لا تعبد ~~النار؟ # قال إبراهيم: أولى من عبادة النار أن أعبد الماء الذي يطفئها. # قال النمروذ: فاعبد الماء إذن؟ # قال إبراهيم: بل أولى من عبادة الماء أن أعبد السحاب الذي يحمله. # قال النمروذ: إذن تعبد السحاب. # قال إبراهيم: وأولى من السحاب بالعبادة ريح تبدده وتسير به من فضاء إلى ~~فضاء. # قال النمروذ: فما لك لا تعبد الريح؟! # قال إبراهيم: إن الإنسان يحتويها بأنفاسه؛ فهو إذن أحق منها بالعبادة! # ومغزى الحوار أن عقل الإنسان قادر بالنظر في خلق الله أن يصل إلى معرفة الخالق، ~~وينكر عبادة الأوثان. # فلما أعيا النمروذ أن يخضعه سجنه ومنع عنه الطعام والماء، ومضى عليه عام في ~~غيابته، # 1 # فأيقن الحارس أنه قد مات، ~~ولكنه ناداه: يا إبراهيم، أأنت بقيد الحياة؟ فسمع جوابه: نعم، أنا بقيد ~~الحياة. # فأمر الملك بضرب عنقه، فلم يعمل فيه السيف ... فأوقد له نارا ودفع به إلى أحد ~~أعوانه ليقذف به فيها، فلما قاربها خرج من الأتون لسان من النار والتهم الجلاد ~~ولم يقترب من إبراهيم. # فتشاور الملأ عند الملك في أمره، فاتفقوا على إحراقه وإلقائه في النار من ~~منجنيق بعيد؛ مخافة من ألسنة النار، وضرع الملائكة إلى الله أن ينجيه، فأذن ~~لهم أن يعملوا لنجاته ما يستطيعون، ولكنه أبى أن يعتمد في نجاته على أحد غير ~~الله، وإذا بالجمر من حوله كأنه فراش من الورد والريحان. # ولم يصدق النمروذ أنها معجزة من الله، بل قال لإبراهيم: إنها من سحرك وحيلتك ... ~~أما الأمراء والوزراء فخذلوا الملك وآمنوا برب إبراهيم. # ولم تذكر التوراة أن إبراهيم ألقي في النار، وإنما ورد في سفر دانيال من ~~أخبار بابل أن نبوخذنصر غضب على ثلاثة من الفتية الصالحين؛ لأنهم لم يسجدوا ~~لصنم من الذهب ... «حينئذ امتلأ نبوخذنصر غيظا، وتغير منظر وجهه على شدرخ وميشخ ~~وعبدنغو ms031 ... وأمر بأن يحمى الأتون سبعة أضعاف ... وأمر جبابرة القوة في جيشه بأن ~~يوثقوا شدرخ وميشخ وعبدنغو، ويلقوهم في أتون النار المتقدة، ثم أوثق هؤلاء ~~الرجال في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم ولباسهم وألقوا في وسط أتون النار ~~المتقدة، والأتون قد حمي جدا، فقتل لهيب النار الرجال الذين رفعوا شدرخ وميشخ ~~وعبدنغو ... وهؤلاء الثلاثة سقطوا موثقين في وسط الأتون ... # حينئذ تحير «نبوخذنصر» الملك، وقام مسرعا وسأل مشيريه : ألم نلق ثلاثة رجال ~~موثقين في النار؟ فأجابوا وقالوا: نعم أيها الملك، قال: ها أنا ناظر أربعة رجال ~~محلولين يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر، ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة! ثم ~~اقترب نبوخذنصر إلى باب أتون النار المتقدة ونادى فقال: يا شدرخ وميشخ وعبدنغو، ~~يا عبيد الله العلي، اخرجوا وتعالوا! فخرجوا. واجتمعت ~~المرازبة # 2 # والشحن والولاة ومشيرو الملك ورأوا هؤلاء الرجال الذين لم تكن للنار قوة على ~~أجسامهم، ولم تحترق شعرة من رءوسهم، ولم تتغير سراويلهم، ورائحة النار لم تأت ~~عليهم، فأجاب نبوخذنصر وقال: تبارك إله شدرخ وميشخ وعبدنغو الذي أرسل ملاكه ~~وأنقذ عبيده الذين اتكلوا عليه.» # والشبه بين هذه القصة وقصة إبراهيم ظاهر، وسماع دانيال بها في بابل له دلالته ~~في هذا الصدد، ولكن بعض الشراح يزعم أن القصة لم تكن معروفة قبل يوناثان بن ~~عزييل، الذي كان يجهل البابلية فالتبس عليه معنى «أور»؛ لأنها بالكلدانية تعني ~~النار، وبالعبرية تعني النور، وظن أن نجاة إبراهيم من «أور الكلدانيين» يعني ~~نجاته من نار الكلدانيين. # ولكن هؤلاء الشراح ينسون أن القصة قديمة وردت في باب الفصحيات من القسم الثاني ~~من المشنا، وهو قسم المواعيد المواقيت، # 3 # وأنها ~~أطول أصولا وفروعا من أن تبنى على خطأ في ترجمة كلمة، ولا سيما الكلمة التي ~~يعرفها كل يهودي يذكر «أورشليم»، ويفهم معنى أور، ومعنى شليم، وهما معروفان ~~لأجهل القوم بالعبرية، ومن معانيها الشعبية الشائعة: دار السلام، على صواب أو ~~على خطأ. # وزعم شابيرا # Shapira # أن القصة من وضع كعب ~~الأحبار، ولا تعويل على أقوال شابيرا هذا؛ لأنه زور بعض ms032 الوثائق على المتحف ~~البريطاني، وانكشف تزويره فبخع نفسه في روتردام (1884). # ومن المعلوم أن ترجوم يوناثان - أي ترجمته - كان المعتمد الأكبر فيها على شروح ~~الربانيين، ولم تكن نقلا مباشرا من نصوص التوراة. # ولا بد أن يلاحظ هنا أن الكنيسة السريانية التي يعيش أتباعها في بلاد الكلدان ~~القديمة بين سورية والعراق، والتي اشتهر آباؤها بدراسة السريانية - وهي ~~الآرامية بعينها - لا تعتبر أن القصة ناشئة من غلطة في الترجمة، وتقيم لنجاة ~~الخليل من النار حفلا سنويا في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني. # على أنه من الراجح جدا أن اليهود رجعوا إلى المصادر العربية في رواية قصص ~~المدراش وما إليها؛ لأنهم كادوا أن ينحصروا في بلاد الدولة العربية من صدر ~~الإسلام إلى القرن الثالث للهجرة، وكادت بحوثهم الفقهية في ديانتهم أن تكون ~~اقتباسا من بحوث علماء الكلام المسلمين، وكادت اللغة العربية أن تكون معتمدهم ~~الوحيد في الثقافة العليا والثقافة العامة، حتى كانوا يكتبون العربية أحيانا ~~بحروف عبرية، ولكن الاحتراس واجب على أية حال من تلك العلل التي يستند إليها ~~بعض المستشرقين في نسبة الأخبار إلى المصادر العربية الإسلامية. # ومن أمثلة هذه العلل أن بعضهم يرد إلى المصادر الإسلامية قصص المدراش التي ~~تقول: إن جبريل هدى إبراهيم إلى عين ماء يغتسل فيها قبل العبادة؛ فإن التطهر ~~بالاغتسال قبل العبادة شعيرة قديمة في الأديان، وليست مقصورة على الوضوء في ~~الإسلام، وقد قيل: إن الصابئة محرفة من السابحة؛ لأنها تفرض الاغتسال في ~~شعائرها قبل كثير من العبادات، ولا بد من التفرقة بين المصادر العربية والمصادر ~~الإسلامية في كثير من الروايات، فقد يكون المصدر عربيا إسرائيليا لا علاقة ~~له بتاريخ الإسلام. ~~••• # ومن أشهر الروايات في النمروذ والخليل تلك القصة التي يعللون بها اختلاف الألسن ~~بين الأمم، وخلاصتها أن النمروذ هذا أراد أن يتحدى إله إبراهيم، فبنى له برجا ~~عاليا، وصعد عليه ليناجز # 4 # الله في سمائه، ثم طفق يرمي ~~السماء بالسهام حتى عاد إليه سهم منها وقد اصطبغ ~~بالنجيع # 5 # الأحمر، ~~فخيل إليه أنه أصاب مرماه، ولكنه ms033 لم يلبث أن سقط على الأرض وسقط معه قومه، ~~ونهضوا من سقطتهم وهم يتصايحون بكلام لا يفهمونه؛ لأن السماء أرسلت عليهم ~~سهاما من الصواعق زلزلت البرج وقوضت أركانه، وتركتهم في بلبال حائرين لا يدرون ~~ما يفعلون وما يقولون، ولا يفقه السامع منهم ما يقال له أو يفعله في حيرته. ~~قال الرواة: ولهذا سميت المدينة في موضع البرج «بابل» من تبلبل الألسنة ~~والأفكار. ~~••• # ويندر الاتفاق على أصل قصة واحدة من القصص التي تفيض بها كتب المدراش وحواشيها، ~~بل تروى الأسماء والأعلام أحيانا على روايات متعددة، ومن ذلك أنهم يذكرون ~~سارة باسم إسكاح # Iscah # ويقولون: «إنها مأخوذة ~~من النظر.» ويوحدون بين اسم إبراهيم واسم إيثان الإزراحي في المزمور التاسع ~~والثمانين، ويقولون: إن داود كتبه بمشاركة الخليل. # وللتوحيد بين الاسمين هنا دلالة خاصة؛ فإن إيثان الإزراحي منسوب إلى زارح، ~~وينطق في أوله على العادة في النطق بالساكن، وقد تكون الحاء والياء للنسبة كما ~~يقولون في «مزراحي» بمعنى مصري، ويكون إيثان منسوبا إلى آزر، وهو الاسم الذي ~~ذكر في القرآن كما سيأتي بيانه في المصادر الإسلامية. # ومن الواجب أن يلتفت هنا إلى المقاربة بين زارح وزارع وتارح، وقد تقدم أن لاسم ~~تارح علاقة بحبوب الزرع التي تلتقط قبل تمكنها من التربة. # فلا محل إذن لنقد الاسم كما جاء في القرآن الكريم اعتمادا على ذلك الاختلاف ~~اليسير في اللفظ القديم، وقد ذكر يوسبيوس # Eusobius ~~، المؤرخ المسيحي اليوناني، أن أبا إبراهيم الخليل ~~يدعى آثر، وزعم بعضهم - ومنهم سنكلر تسديل، صاحب كتاب مصادر الإسلام، وهو من ~~أشد المتعصبين قدحا في الإسلام - أن للاسم أصلا في الفارسية القديمة بمعنى ~~النار. ~~••• # ومن الاختلاف في الأخبار المدراشية التي اتصلت بالتاريخ: أن بعضها أنكر أن يقال ~~عن الخليل: إنه عالم بالنجوم، ردا على الربيين الأقدمين الذين زعموا أنه ~~كان يحمل في قلبه زيجا فلكيا يكشف به الغيب لمن يسألونه من ملوك الشرق ~~والغرب، فقال صاحب «مدراش رباه»: إنه نبي وليس بمنجم. واتصلت هذه الروايات ~~المدراشية بالتاريخ فقال يوسيفوس، المؤرخ الإسرائيلي المشهور: ms034 إن الخليل درس ~~علم النجوم، ولكن في مصر لا في بابل. واستند في ذلك على رواية أرتبانوس # Artapanus ~~، الذي زعم أنه أقام بمصر عشرين ~~سنة، واطلع على أسرار الكهانة وعلم الفلك وطوالع النجوم. وفي قصة أخرى لم ~~يذكرها يوسيفوس يقال: إن إبراهيم هو الذي علم المصريين الفلك ~~والتنجيم. # ولكن كتب المدراش تتفق على وصف الخليل بالسماحة والكرم والعطف على خلق الله من ~~الإنسان والحيوان، ومن أحاديثها في ذلك أن إبراهيم سأل ملكي صادق: كيف خرجت ~~سالما من سفينة نوح؟ فقال له: بالخير الذي فعلناه. # قال إبراهيم: وما الخير الذي تفعله في سفينته؟ هل كان في السفينة من فقير تسدي ~~إليه المعروف؟ إن نوحا قد حمل معه بنيه؛ فهل كان فيهم فقير؟ قال ملكي صادق: بل ~~كان معنا الحيوان والطير، وكنا لا ننام حتى نطعمها ونسقيها. # وقد عاش إبراهيم حياته يطعم الفقير، ويحسن إلى الإنسان والحيوان، ويفتح بابه ~~للضيفان، ولا يجلس إلى الطعام إلا إذا نادى على الرائح والغادي في الطريق ليجلس ~~معه إلى طعامه. # وما من علامة أدل على صدق النسب إلى إبراهيم من نظرة سليمة «لا تحسد»، ونفس ~~مطمئنة، وقلب وديع. # وتذكر «مدراش رباه» فيما تذكر أن إبراهيم شفيع أمته يوم القيامة، وأنه يقف على ~~باب جهنم فلا يدع إسرائيليا مختونا يدخلها. ومن عظمت سيئاته منهم وحرم ~~التوبة في آخرته فلن يدخل النار مختونا، بل توضع له جلدة من جلود الأطفال ~~الذين ماتوا قبل الختان، وصحت لهم نعمة الغفران. ~~••• # أما «سارة» فقد خصتها «المشنا» بقسط كبير من الأخبار والنوادر، ولم يخل منها ~~خبر أو نادرة من خلاف كثير. # فهي تارة أخت غير شقيقة لإبراهيم، وهي تارة بنت أخيه الذي مات قبل الهجرة إلى ~~كنعان. # وهي المرأة الوحيدة التي خاطبها الله، وهي نبية تنظر إلى الغيب وتدعو الله أن ~~ينقذ ذرية إبراهيم مما سيلقون من المحن والشدائد، ولكنها في مواطن كثيرة تعاقب ~~لمخالفة السنن وضعف اليقين. # ولم تخلق امرأة قط بجمال سارة، فأجمل النساء بالقياس إليها كالقرد الممسوخ، ~~وقد بلغ ms035 من فتنة جمالها أن إبراهيم لم يملأ منها عينيه، وإنما لمح خيالها في ~~الماء وهم يعبرون بعض الجداول إلى مصر، فخاف على فرعون وقومه فتنتها، وحملها في ~~تابوت وهم يعبرون تخوم الديار، وسأله عمال المكوس عما في التابوت فأنبأهم أنه ~~شعير، قالوا: بل نأخذ المكوس على قمح، قال: خذوا ما تشاءون، فعادوا يطلبون ~~الضريبة على بهار، فأجابهم إلى ما طلبوه. # فارتابوا فيما يخفيه، وأمروه أن يؤدي الضريبة على وسق التابوت ذهبا، فقبل ~~وأعطاهم سؤلهم، فحيرهم قبوله كل ما يسومونه أن يبذله، وخامرهم شك عظيم، ~~ففتحوا التابوت عنوة؛ فإذا بالنور يفيض من وجه سارة حتى يعم الديار، ويعشي عين ~~فرعون. ولما حاول فرعون أن يقترب منها رصد له حارسها من الملائكة فجعل يضربه ~~على يده كلما بسطها، وعلى قدمه كلما سعى إليها، وأصبح فإذا هو مصاب بالجذام ~~وبالعنة، وإذا بنذير من الله ليرسلن الوباء على فرعون وقومه إن لم يرجع سارة ~~إلى إبراهيم. # ويفسر بعض المدراش عقمها بأن الله أحب أن يسمع صلواتها، ويفسر عقمها في ~~مدراش آخر بأنها قد نزهت عن خلقة الرحم، ويروى في كثير من الحواشي أنها أرضعت ~~مائة طفل يوم ختان إسحاق. # وبعض الحواشي يتكلم عن فرعون إبراهيم وفرعون يوسف كأنهما ملك واحد. # فلما شكا فوطيفار إلى فرعون لأنه أقام عبده الذي اشتراه بعشرين دينارا حاكما ~~على مصر - يعني يوسف الصديق - قال يوسف: بل أنت اقترفت خطيئة عظمى يوم اشتريت ~~أميرا من نسل سام بالثمن كما يشترى العبيد، وإنما يشترى بالثمن أبناء كنعان، ~~وإن أردت برهانا على نسبي فدونك التمثال الذي صنعه فرعون لجدتي سارة، فهو ~~ينبئك بالشبه الذي بيني وبينها. ثم جاءوا بالتمثال فإذا بالشبه بينه وبين يوسف ~~جد قريب. # والكلام على أبي سارة يدور تارة على حاران وتارة على تارح، فمن أقوال الحواشي ~~عن حاران أنه احترق بالنار حين اقترب منها؛ لأنه قاربها ممتحنا لقدرة الله، ~~ومن أقوالها عن تارح أنه عاش حتى رأى إسحاق في الخامسة والثلاثين من ~~عمره. # وأشهر الروايات عن تارح أنه ms036 كان مثالا يصنع الأصنام، وأن إبراهيم اهتدى إلى ~~ضلال هذه العبادة لأنه رأى أباه يصنعها ويصلحها، وكان يبيعها لأبيه، فعجب للذين ~~يشترونها كيف يعبدون صنما مصنوعا بالأمس ومنهم من جاوز الخمسين؟! # وكان لناحور - أخي إبراهيم - صنم يسمى زيوكس # Zucheus ~~، وإلى جانبه صنم يسمى جوآف، وأولهما مصنوع من الذهب، ~~والثاني مصنوع من الفضة، وأما الأصنام الأخرى فمن الخشب أو الطين. # وحاور إبراهيم أباه وقد رأى الأصنام تحترق ذات يوم فقال له: يا أبت، إن النار ~~أحق بعبادتك من أصنامك؛ لأنها تحرقها، ثم قال: «بيد أني لا أحسب النار إلها؛ ~~لأن الماء يخمدها، ولا أحسب الماء إلها؛ لأن الأرض تبتلعه، ولا أحسب الأرض ~~إلها؛ لأن الشمس تجففها وتنشر على الكون كله أشعتها، ولا أحسب الشمس إلها؛ ~~لأن الظلام يحجبها، ولا أحسب القمر والنجوم التي تظهر في الظلام آلهة؛ لأنها ~~تحتجب عند طلوع النهار، وإنما الإله القدير على كل شيء هو خالق الشمس والقمر ~~والكواكب والأرض وما عليها، وخالقي وهادي إلى الحق المبين. # ولم يستمع إليه أبوه، فذهب إلى أمه وسألها أن تعد طعاما للأصنام، ثم أهوى على ~~الأصنام يحطمها ووضع القدوم في يد كبيرها، وأسرع أبوه على صوت الحطام فسأله: ~~ماذا دهاها؟ قال: هذا أنحى عليها فكسرها ولا يزال القدوم في يديه، فصاح به ~~أبوه: إنك لتكذب؛ فما في وسع هذا الصنم أن يفعل ما زعمت، قال إبراهيم: عجبا لك ~~يا أبتاه! تعبد هذه العجزة التي لا تقدر على ضرر ولا نفع. ثم وثب على الصنم ~~الكبير فأخذ القدوم من يده، وضربه فألقاه، وهرب من وجه أبيه.» # ونختم الاقتباس من المرويات الإسرائيلية برواية الكتاب الذي يسمونه سفر التكوين ~~الصغير، وينسبون إليه الدقة في إيراد التواريخ بأرقام السنين، والاعتدال في ~~أسلوب الكلام على المبالغات والتشبيهات الوثنية، ونعني به كتاب اليوبيل. # فهذا الكتاب يقول: إن نوحا عليه السلام توفي بأرض الكلدانيين سنة 1650 قبل ~~الميلاد، وأن تيرح أو تارح أبا إبراهيم ولد سنة 1806، وولدت زوجته «أدنا» ~~ابنه إبراهيم سنة 1876، وسماه «إبرام» على اسم أبي ms037 جدته لأمه - واسمها ملكة ~~- وهذا بحساب السنين من تاريخ الخليقة. ~~••• # وهذه الأخبار والنوادر تزدحم بها مئات الحواشي والتفاسير، ومعظمها مسطور في ~~المجلدات السبعة التي جمعت أساطير اليهود وسبقت الإشارة إليها، وكل ما عداها ~~فهو من قبيلها. # وحقيقتها التي نخرج بها منها جميعا أنها مرويات متواترة بالسماع، يتناقلها ~~الخلف عن السلف جيلا بعد جيل، ولا يظهر فيها الاعتماد على النصوص المكتوبة، ~~ولا سيما نصوص التوراة؛ لأنها تخالف هذه النصوص وتناقضها أحيانا، وبينها ولا ~~شك روايات متأخرة في تصورها وروايتها، ولكنها تبنى على قديم ثابت ولا تخلق ~~شيئا من لا شيء، فلا بد وراءها من أصل منقول غير الأصل المكتوب، وليست نصوص ~~العهد القديم هي الأصل الوحيد الذي تدور عليه هذه الحواشي والتعليقات. # الفصل الرابع # | المراجع المسيحية # المصادر المسيحية المتفق عليها بين الكنائس هي الأناجيل الأربعة وما يلحق بها من ~~أقوال الرسل والحواريين، وهي المعروفة بالعهد الجديد. # وهذه الكتب لم تزد شيئا على سيرة الخليل كما جاءت في سفر التكوين وبعض كتب العهد ~~القديم، ولكنها جاءت بتطور هام في دعوته كما تلقاها اليهود في عصر الميلاد. ويبدو هذا ~~التطور الهام في مسائل ثلاث من كبريات المسائل الدينية؛ وهي: مسألة الحياة بعد الموت، ~~ومسألة الوعد الإلهي للشعب المختار وعلاقته بالقومية أو الإنسانية، ومسألة الشعائر ~~وعلاقتها بالروحانيات والجسديات. # ففي عصر الميلاد كانت طائفة كبيرة من اليهود، وهي طائفة الصدوقيين، تنكر القيامة بعد ~~الموت، ولا ترى في الكتب الخمسة دليلا واضحا عليها، وكانت الطوائف الأخرى تؤمن ~~بالثواب والعقاب على الجملة، ولكنها لا تتوسع في وصفهما، ولا ترجع في هذا الوصف إلى ~~سند متفق عليه. # وكانوا إذا وصفوا سوء المصير عبروا عنه بالذهاب إلى الهاوية «شيول»، وإذا وصفوا ~~الرضوان قالوا عن الميت: إنه انضم إلى قومه أو اجتمع بقومه، وفي أذهانهم صورة غامضة ~~عن وجود هؤلاء القوم في عالم غير عالم الحياة الدنيا. # وانتشرت بين أهل فلسطين من اليهود وغيرهم عقائد المصريين في اليوم الآخر؛ لأنهم كانوا ~~يترددون على الإسكندرية، كما كان أهل الإسكندرية يترددون عليهم، ms038 ولم تكن في العالم ~~معاهد للثقافة والبحث أكبر من معاهدها، غير مستثنى من ذلك رومة ولا أثينا ولا المدن ~~الشرقية التي كان لها قبل ذلك شأن مذكور في العلم والفن والحكمة، وانتشرت بينهم كذلك ~~عقائد الفلاسفة اليونانيين في خلود الروح، والتمييز بينها وبين الأجساد التي يعرض لها ~~الفناء. # فلما ظهرت الدعوة المسيحية جاءت بوصف للعالم الآخر لم يكن معهودا في كتب اليهود، ~~ولكنه وصف لا سبيل لهم إلى الاعتراض عليه؛ لأنه قائم على قاعدة من دعوة إبراهيم؛ ففي ~~مسألة الحياة بعد الموت ضرب لهم السيد المسيح مثل إبراهيم ولعازر والرجل الغني في ~~العالم الآخر فقال: «كان إنسان غني يلبس الأرجوان والبز، وينعم كل يوم في رفاهة، وكان ~~عند بابه رجل مسكين مطروح مضروب بالقروح، يشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدته، ~~بل كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه، فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ~~ومات الغني ودفن، فرفع عينيه في الهاوية وهو يتعذب، ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في ~~حضنه، فنادى وقال: يا إبراهيم، ارحمني، وأرسل لعازر ليبل طرف أصبعه بماء ويبرد لساني؛ ~~لأني معذب في هذا اللهب. # فقال إبراهيم: يا ابني، اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك واستوفى لعازر بلاياه، ~~والآن هو يتعزى وأنت تتعذب، وفوق هذا بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت، حتى إن الذين ~~يريدون العبور من ها هنا إليكم لا يقدرون، ولا الذين من هناك يجتازون إلينا، فقال: ~~أسألك إذن يا أبت أن ترسله إلى بيت أبي؛ لأن لي خمسة إخوة يشهد لهم لكيلا يأتوا هم ~~أيضا إلى موضع العذاب هذا. # قال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم، فقال: لا يا أبي إبراهيم، بل إذا ~~مضى إليهم أحد من الأموات يتوبون، فقال له: إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء؛ ~~فمن قام لهم من الأموات فما هم بمصدقيه.» # 1 # والشراح يقولون: إن هذه العظة يجوز أن تكون خبرا، ويجوز أن تكون مثلا ضربه لهم ~~السيد المسيح من قصة معروفة لديهم، ويقول لوثر ~~كلارك # Lowther ms039 Clarke # شارح التوراة والإنجيل: إن اسم لعازر «اليعازر» معناه «إيل ~~آزر» أو الله أعان، وإنه من الأسماء التي قد تطلق على المجهولين عند ضرب الأمثال ~~«كما نقول في اللغة العربية: زيد وعمرو وبكر وخالد». وقد سبق مثله في كلام إبراهيم عن ~~خدام داره ... قال: وإن في مأثورات مصر قصة شبيهة عن مصير المحسن والمسيء يجوز أن تكون ~~معروفة بين يهود فلسطين، ولم يذكر اسم علم قط في مثل من أمثلة السيد المسيح غير هذا ~~المثل. # وأيا كان المعتمد من أقوال الشراح فلا خلاف بينهم على أمر واحد، وهو وصف الحياة ~~الأخرى وما فيها من الثواب والعقاب بهذه الصفة، فإنه معنى جديد لم يسبق له مثيل في ~~كتب العهد القديم، وإذا استثنينا كتاب المكابيين - وهو من الكتب المختلف عليها - فلم ~~تأت عبارة حضن إبراهيم أو غيره من الأنبياء بهذا المعنى في كتاب من كتب التوراة، قال ~~«جورج ستمبسون» # Stimpson # في مصنفه الذي سماه «كتاب عن ~~الكتاب»: # كان رجاء الحياة بعد الموت مقصورا في أيام ~~العهد القديم على البعث الذي سيعقب ظهور المسيح، ولكن الكلام عن السماء ~~والجحيم وحضن إبراهيم كان شائعا على عهد عيسى «عليه السلام» بين طوائف ~~من اليهود، ومن ثم مثل الغني ولعازر في إنجيل لوقا، وفيه يقول عيسى: فمات ~~المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ومن هذه العبارة أصبح إبراهيم ~~مرادفا لمعنى النعيم أو السماء. # وقد ورد في سفر أيوب أن نفسه سترى الله بغير الجسد، حيث يقول في الإصحاح التاسع عشر: ~~«وبعد أن يفنى جلدي هذا، وبدون جسدي، أرى الله» ... وورد في المزمور السادس عشر: «إنك ~~لن تترك نفسي في الهاوية» ... وورد في الإصحاح الثاني عشر من سفر دانيال: «وكثيرون من ~~الراقدين في تراب الأرض يستيقظون؛ هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار ~~...» # ولكن ورد في سفر التكوين أن الهاوية مصير جميع الموتى، وجاء على لسان يعقوب، في ~~الإصحاح السابع والثلاثين، وهو يبكي على يوسف: «وقال: إني أنزل إلى ابني نائحا إلى ~~الهاوية.» # وهكذا جاء على لسانه ms040 في الإصحاح الثاني والأربعين: «تنزلون شيبتي بحزن إلى ~~الهاوية.» # وجاء على لسان أيوب في الإصحاح الرابع عشر: «ليتك تواريني في الهاوية وتخفيني إلى أن ~~ينصرف غضبك، وتعين لي أجلا فتذكرني.» # وإنما يأتي البعث من القبور بعد ظهور المسيح كما جاء في الإصحاح السابع من سفر ~~دانيال: «والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطي لشعب قديسي ~~العلي.» # وكل ما ورد في العهد القديم باسم جهنم، فهو في الأصل العبري باسم شيول أو ~~الهاوية. # أما عقيدة الحياة بعد الموت للأبرار والأشرار، فقد وضحت في عصر المسيح على نحو لم يكن ~~معروفا قبله، ولم يكن المفهوم في ذلك العصر أن الأبرار يذهبون فعلا إلى صدر ~~إبراهيم، وإنما كان المقصود أن إبراهيم يرحب بذريته في عالم الرضوان. ~~••• # ومن العقائد التي ظهرت مع المسيحية أن رسالة إبراهيم روحية وليست جسدية، وأن المقصود ~~بذريته من يسيرون على نهجه، ويعملون بوصيته؛ فهي رسالة إنسانية وليست عصبية مقصورة ~~على قوم من الأقوام؛ ففي الإصحاح الثامن من إنجيل متى يقول السيد المسيح: # الحق أقول لكم: لم أجد في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا، وأقول لكم: إن ~~كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ~~ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة ~~الخارجية. # ومثل هذا في كلام يحيى المغتسل - أو يوحنا المعمدان: «... اصنعوا أثمارا تليق بالتوبة، ~~ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم: لنا إبراهيم أبا؛ لأني أقول لكم: إن الله قادر أن ~~يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم.» # وتكرر هذا المعنى من كلام السيد المسيح في إنجيل لوقا؛ حيث جاء في الإصحاح الثالث ~~عشر: # إني أقول لكم: إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا ~~يقدرون من بعد أن يكون رب البيت قد قام وأغلق الباب، وابتدأتم تقفون ~~خارجا وتقرعون الباب قائلين: يا رب، يا رب، افتح لنا ... يجيب ويقول لكم: ~~لا أعرفكم ... من أين أنتم؟ ... تباعدوا عنا يا جميع فاعلي الظلم. هناك يكون ~~البكاء وصرير الأسنان، متى رأيتم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وجميع الأنبياء ~~في ملكوت الله وأنتم مطرحون ms041 خارجا، ويأتون من المشارق ومن المغارب، ومن ~~الشمال والجنوب، ويتكئون في ملكوت الله، وهو ذا آخرون يكونون أولين، ~~وأولون يكونون آخرين. # وفي الإصحاح الثاني من إنجيل يوحنا أن المسيح قال لليهود الذين آمنوا به: «إنكم إن ~~ثبتم في كلامي، فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق والحق يحرركم.» فأجابوه: ~~إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط، فكيف تقول: إنكم تصيرون أحرارا؟ قال: الحق ~~الحق أقول لكم: إن من يعمل الخطيئة فهو عبد للخطيئة، والعبد لا يبقى في البيت أبدا، ~~أما الابن فيبقى إلى الأبد. # ثم قال: لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم! # وقال بولس غير مرة: إن الختان لا يجعل الإنسان ابنا لإبراهيم، وإنما أبناؤه من ~~يسلكون في خطوات الإيمان، وإن إبراهيم «أب لنا جميعا، والله جعله أبا لأمم ~~كثيرة.» # كما جاء في رسائل بولس إلى أهل رومية: «لأن الكتاب يقول: إن كل مؤمن به لا يخزى، ولا ~~فرق بين اليهودي واليوناني؛ لأن ربا واحدا للجميع» ... «وإن حكم الناموس يتم بالروح ~~لا بالجسد» ... «وإن اهتمام الجسم موت، وأما اهتمام الروح فهو الحياة والسلام.» ~~••• # وتوسع الشراح المحدثون في التعليق على أقوال بولس الرسول وأمثالها، فقال الدكتور جورج ~~دنكان # Duncan # في أحدث تفسيراته لرسالة بولس إلى أهل ~~غلاطية: «مما له بعض المغزى أنه في حين أن قصة ختان إبراهيم تقوم على المصدر المتأخر ~~لكتب التوراة الخمسة، الذي نسميه بنسخة الكهان، فإن معظم قصص إبراهيم ترجع إلى مصادر ~~نسخة يهوا وألوهيم التي تقترن بتعاليم الأنبياء الأولى، وهي تشف عن نزعة دينية لا ~~تخالف الشرعيات التي برزت خلال فترة النفي وحسب، بل تناقضها، ولا جرم تنزل هذه القصص ~~منزلة الرضى والإعجاب عند اليهود الذين كانوا في الأزمنة المتأخرة لا يعطفون على منهج ~~الشرعيين، ومن ثم كان الفيلسوف فيلون الإسكندري المشهور بالتوفيق الكبير. ويبدو في ~~الإصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين: أنه كان ذلك الحين اتجاه مستعد في بعض ~~البيئات لاعتبار حياة إبراهيم كلها دائرة حول الثقة بالغيب.» # يريد الشارح الحديث بالتوفيق الذي اشتهر ms042 به الفيلسوف فيلون، توفيقه على الخصوص بين ~~مذهب الروحيين المتعلقين بالإيمان ووجدان النفس، وبين الشرعيين أو الكهان الذين كانوا ~~يتشددون في المراسم والشعائر، وكل ما يعتمد في القيام به على الكهانة والوظائف ~~الهيكلية، ومنها الختان وأعمال الطهارة والكفارة. وهذه هي الشعائر التي كان كهان ~~إسرائيل يحرصون عليها في منفاهم ببابل إبقاء على معالم العبادة الاجتماعية، وخوفا من ~~نسيانها واندثارها إذا وكل الأمر كله إلى عقائد الوجدان في نفوس الآحاد متفرقين. وقد ~~كان فيلون مطلعا على نسخ التوراة الأولى، ومنها نسخة يشير فيها سفر التكوين إلى ~~إبراهيم باسم الخليل قبل أن تعرف هذه التسمية في كتب الأنبياء. # وقد نقل بولس بعض الشعائر من المدلولات الحسية إلى المدلولات النفسية الرمزية، وانفتح ~~الباب واسعا لهذا التحول منذ قال السيد المسيح: إن أعمال الإنسان هي التي تطهره أو ~~تنجسه. ثم مضى بولس في هذا الطريق على الرغم من معارضة بطرس وزملائه؛ لأنه أدرك أن ~~اشتراط الختان ومراسم البيع والهياكل لقبول الوثنيين في الدين الجديد عائق شديد يوشك ~~أن يصدهم جميعا عن الإصغاء إليه. وقد انتهى الأمر في القرون الحديثة إلى إسقاط هذه ~~المراسم في مذهب اليهود الذين سموا أنفسهم بالأحرار أو يهود الإصلاح، وشاع مذهبهم منذ ~~القرن التاسع عشر بين اليهود والغربيين. # وتتابعت تفسيرات الآباء للشعائر الجسدية بالرموز النفسية من القرن الأول للميلاد، ~~فأخذ بها معظم الكنائس الشرقية والغربية، وفيما يلي مثال من تفسيرات هذه الرموز منقول ~~من كتاب الدر الثمين في شرح سفر التكوين: # 2 # إن ~~الخطيئة هي غلفة # 3 # النفس، فإذا نحن تعمدنا ختن روح ~~القدس تلك الغلفة التي جعل الله غلفة اللحم إشارة إليها، وإنما غلفة ~~اللحم إذا اختتنت لا يمكن عودتها، وأما هذه الغلفة التي هي الخطيئة، فإذا ~~ختنها روح القدس يوم المعمودية وطهر الإنسان منها، فالشيطان يعود فيقاتله ~~بها، فينبغي له أن يقاتله دائما ولا يفعلها. # إلى أن يقول: أما قول الله لإبراهيم: إن ملوكا تخرج منك. فليس بملوك ~~أرضية يمتدح الله ويفخر، ولو كان الذي أمره الله بالختان ms043 قال له: إن ~~ملوكا تخرج منك، وحقق ذلك أن الذي يختتن الختانة الروحانية المتقدم ~~ذكرها، فعقله يكون ملكا وحاكما على أفكاره، وعلى شهواته ولذاته ~~... # وظلت أخبار التلمود والمدراش عن إبراهيم شائعة بين المسيحيين كما كانت شائعة قبل ~~الميلاد؛ لأنهم يرجعون إلى العهد القديم وشروحه وتفسيراته، ولكنهم اعتبروا أن بشائر ~~إبراهيم كلها مرهونة بظهور المسيح الذي يكون الخلاص على يديه، ومن أجل المسيح تلقى ~~إبراهيم تلك البشائر من الله، فانتشرت الكرامات والمعجزات التي نسبت إلى الأنبياء ~~والآباء قبل الميلاد انتشارا كبيرا في صدر المسيحية وزمنا طويلا بعد نشأتها ~~الأولى إلى ما بعد القرون الوسطى، وجعل الرواة المسيحيون يلحقونها بمعجزات المسيح، ~~ويحسبونها مقدمة لا تتم إلا بنتيجتها الموعودة، وهي دعوة المسيح إلى النجاة. # وعمد بعضهم إلى تفسير كتب العهد الجديد بهذه العقيدة في أقوال غير معتمدة، ولكنها سرت ~~بين السواد والعلية كما سرت من قبل تفسيرات العهد القديم. # فمن أمثلة ذلك عبارة وردت في رسالة بطرس الأولى؛ حيث يقول في الإصحاح ~~الثالث: # إن المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا ~~... مماتا في الجسد محيا في الروح، # 4 # وبالروح أيضا ذهب فوعظ الأرواح ~~التي في السجن، إذ عصت قديما حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام ~~نوح. # فبنى بعضهم على هذه العبارة قصة لا يعتمدها المفسرون الكتابيون، وقالوا في تفسيرها: ~~إن السيد المسيح هبط إلى الهاوية سنة ثلاث وثلاثين للميلاد، وأطلق منها أرواحا صالحة ~~ذهبت إليها قبل بعثته، ولم تكن لها جناية تعاقب عليها، ولكنها كانت في حاجة إلى ~~التطهير بماء العماد لتدرك نعمة النجاة. # وسرت هذه القصة من السواد إلى العلية من أمثال الشاعر الإيطالي الكبير دانتي أليجيري، ~~صاحب الكوميديا الإلهية، فقال في القصيدة الرابعة من الحوار بينه وبين الشاعر ~~الروماني القديم «فرجيل» قائده في طبقات الهاوية: # لم تكن ثمة شكاة تسمع إلا الأنين الذي يهز الأجواء الأبدية، وكان ينبعث من تلك ~~الأحزان التي لا عذاب فيها أحزان الجموع المتكونة من الأطفال والنساء والرجال، فقال ~~لي أستاذي: إنك لم تسأل ms044 عن هذه الأرواح التي تراها هنا، وأود أن أعرفك بها قبل أن ~~نتقدم في طريقنا: إنها لم تخطئ، وكان لها فضل، ولكنه لا يغنيها لحاجتها إلى العماد، ~~وهو الإيمان الذي أنت به تدين ... # فإنها تقدمت عصر المسيح فلم تعبد الله على سواء، ومن هذه الأرواح كنت المتحدث إليك ~~... # فغشي قلبي حزن عظيم عند سماعه؛ لأنني أعرف أناسا ذوي فضل كبير معلقين في تلك الطبقة ~~... # وقلت له: أخبرني يا أستاذي، أخبرني. وأردت اليقين من هذا الإيمان الذي يغلب كل خطأ: ~~ألم يخرج من هذا المكان أحد؛ خرج منه بفضله أو بفضل غيره وأدركته النجاة بعد ~~خروجه؟ # وفهم طوية كلامي فأجابني قائلا: لقد كنت هنا حين لمحت قادما جليلا عليه إكليل ~~النصر، فإذا هو قد بدأ فأخذ في الظل أبانا الأقدم - آدم - وابنه قابيل ونوحا وموسى ~~المشترع المطيع، ثم إبراهيم الأب وداود الملك، وإسرائيل وأباه وبنيه، ومنهم راحيل ~~التي صنع من أجلها الكثير، وأخرج غيرهم، وباركهم ونجاهم، وأعلم أن أحدا قبل هؤلاء لم ~~يكن نبيا. # وبهذه الصيغة وما شابهها سرت أخبار العهد القديم وتفسيراته بين المسيحيين، ثم تفرق ~~رأي الكنائس المسيحية في النظر إلى العهد القديم، فمنها ما يعتبره وحيا منزلا بجميع ~~تفصيلاته، ومنها ما يقصر الوحي على كتب الشريعة، وهي الكتب الخمسة التي تعرف بكتب ~~موسى، ومنها ما يعتبره كله أخبارا تاريخية أو وقائع مروية في صيغة شعرية. # وعلى حسب النظر إلى هذه الكتب يختلف النظر إلى إبراهيم من حيث اعتقاد العصمة أو ~~الخطيئة. # فمن أتباع الكنيسة الإنجيلية من ينقد مسلك إبراهيم حين قال: إن سارة أخته، ولا يبالي ~~أن يصرح بالنقد في كتب التدريس كما فعل الأستاذ وليام نكلسون؛ حيث قال في موسوعته ~~الموجزة عن التوراة تحت مادة إبرام: # إن مسلك إبرام هنا هو أحد ~~المواقف التي نميل إلى إسدال الستار عليها في سيرة هذا الرجل الجليل، لقد ~~كان عملا لا يوائم مقام تلك الشخصية العظيمة، ولا جرم ففي وجه الشمس ~~سفعات، ومثل هذا دليل على صدق تاريخ الكتاب، وأن ms045 مؤرخيه لم يستروا نقصا ~~قط في أحسن الناس. # 5 # ومن شراح الكنائس الأخرى من لا يلوم إبراهيم على هذا المسلك ويشيد به؛ لأنه أسلم نفسه ~~إلى مشيئة الله، وأيقن أنه لن يخذله، ولن يصنع ما يعاب، فهو آية على إيمانه وغلبة ~~الثقة بتدبير الله على وساوس الخوف والريبة في نفسه. # ويتوسط بعضهم بين النقد والإعجاب كما فعل الدكتور جويلبود # Guillebaud # فيقول: # إن هذه الخطايا سجلت بأيدي ~~فاعليها وبرضاهم وموافقتهم، وحفظها أبناؤهم وذراريهم من بعدهم؛ فلم كان ~~ذلك؟ إن شيئا من هذا لم يسجل على ملوك بابل ومصر، وتكاد سيرتهم أن تبدو ~~كاملة نقية من العيوب، وقد محيت من تلك الصور كل وصمة، وجليت فيها كل ~~زينة، ولكن من يا ترى من ذوي العقل السليم بعد هذا يود أن يتبع مثال ~~رمسيس أو نبوخذنصر، كما يود المسيحيون أن يدرسوا حياة إبراهيم ويعقوب ~~وداود؟ إن العلة غير بعيدة المنال، فإن أبطال العهد القديم أناس حقيقيون ~~لهم حس كحسنا، وشعور كشعورنا، وسيرتهم صادقة الخبر، وعيوبهم سافرة للنظر. ~~فمن هدف السيرة الأمينة يستطيع القارئ أن يبصر النذير، ويتقي مثل هذه ~~السقطة، ويغنم مع هذا شجاعة وإلهاما من قدوة الإيمان المنتصر في تلك ~~السير ... ~~••• # وكذلك تبدو لنا صورة الخليل كما تمثلت في المراجع المسيحية من كتب العهد الجديد، ومن ~~المرويات الشعبية التي تناقلتها الألسنة وسرت إلى كتب الأدب ذات الصبغة الشعرية إلى ~~ما بعد القرون الوسطى. # وقد عنيت المراجع المسيحية في العصر الحديث بناحية من تاريخ الخليل أهم من تلك ~~المرويات الشعبية في نظر القارئ العصري، وهي الناحية التاريخية. # فالمراجع المسيحية تشغلها هذه الناحية التاريخية في القرن الأخير، بعد أن شاعت بدعة ~~الشك في وجود أقطاب الأديان، وفي مقدمتهم إبراهيم وسلالته الأولون. # وليست الناحية التاريخية عامة هي التي تعنينا في هذا الباب؛ لأننا سنفرد لها بابا ~~خاصا يدور على الكشوف الحفرية والبحوث المتقابلة في أقوال المؤرخين ~~المحدثين. # ولكن الناحية التاريخية التي نعني بها في هذا الباب - باب المراجع المسيحية - هي ~~الناحية التي تفرغ لها الدارسون ms046 ليلحقوها بالكتب الدينية وشروح العهدين القديم ~~والجديد، فهي مقصورة على هذه الناحية، ومحورها الغالب عليها هو المضاهاة بين تواريخ ~~الكتب الدينية والمواقيت التي اتصلت بها من تواريخ الأمم الغابرة. ~~••• # فمن أحدث هذه المراجع كتاب «موجز التعليقات الحديثة على الكتاب»، من تأليف نحو ثلاثين ~~عالما من علماء اللاهوت في إنجلترا، وكلهم من المطلعين على كشوف الآثار التي لها ~~علاقة بتواريخ التوراة والأناجيل. # يذكر المؤلفون في الفصل الذي عنوانه «العالم في أيام إبراهيم»: أن لوحا من الألواح ~~التي كشفت بمدينة أور قد وجد عليه نقش باسم «إيراما»، يرجع على ما يظهر إلى زمن ~~سابق لزمان إبراهيم، ومن هذه الكشوف لوح آخر منقوش عليه شريعة حمورابي، وفيها أحكام ~~مماثلة لأحكام الشريعة الموسوية، ومع هذه الكشوف ألواح كتبت عليها جداول للضرب، ~~ومعجمات للمفردات اللغوية، وسجلات لأنظمة الحكومة، وأسانيد بما وصل إلى الهياكل من ~~حساب القرابين؛ فقد نشأ إبراهيم إذن في مدينة ليست بالهينة والعالم يومئذ ~~قديم. # ويشيرون في هذا الفصل إلى نقوش كشفت على جدار قبر من القبور الأثرية بقرية بني حسن ~~بمصر، يرجع تاريخها إلى سنة 2100 قبل الميلاد أو نحوها، وبين تلك النقوش صورة قافلة ~~مؤلفة من سبعة وثلاثين من الساميين بقيادة أبيشو # Abichua ~~، يحملون بضائع بلادهم ليستبدلوا بها غلة مصرية. # وأشاروا إلى كلمة «عبري» ومعناها فقالوا: إنها وجدت من آثار «رم سن» سلف حمورابي، كما ~~وجدت في نص من النصوص البابلية التي كشفت في بلاد الحيثيين الأقدمين من آسيا الصغرى ~~- وتسمى اليوم بوغاز كوي - ووجدت كذلك في نصوص حورانية عند بلدة توزي بالعراق، وكان ~~لها معنى أعم من معناها الخاص بعد ذلك بأبناء إسرائيل، ويفهم منه أن الكلمة كانت ~~مرادفة لكلمة الجنود الرحل الذين يستأجرهم قادة الجيوش. # قالوا: وإن عاصمة الحيثيين التي رفعت عنها الأنقاض سنة 1906 قد كشفت فيها ألواح ~~بالخط المسماري دلت على مفتاح اللغة الحيثية، وأن الحيثيين كانوا يتكلمون لغة هندية ~~جرمانية على مشابهة باللاتينية، وقد نزحوا من الشرق إلى آسيا الصغرى، وامتدت دولتهم ~~شرقا إلى الفرات، وجنوبا ms047 إلى قادش، وهم بنو «حث» الذين أشار إليهم إبراهيم في ~~الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين إذ يقول: «وكلم بني حث قائلا: أنا غريب ~~ونزيل عندكم؛ أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي.» # وقالوا: إن أسماء الملوك التي وردت في الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين قريبة من ~~بعض الأسماء التاريخية، فاسم إمرافل قريب من اسم حمورابي البابلي، وتدعال قريب من ~~تدخاليا الحثي، والأسماء الأخرى وجدت لها مشابهات من هذا القبيل، ولكن لا يوجد الدليل ~~القاطع على وحدة المسمى. # وكان الرعاة أو الهكسوس «هاك شاسو» يحكمون مصر من الأسرة الثالثة عشرة إلى الأسرة ~~السابعة عشرة، وفي هذه الفترة حدثت هجرة الآباء العبريين إلى الديار المصرية. ~~••• # ومن كتب التعليقات كتاب كالذي تقدم في موضوعه، إلا أنه أوسع شرحا وأحدث عهدا - لأنه ~~طبع طبعته المنقحة سنة 1952 - وعنوانه «تعليقات موجزة على الكتاب»، ومؤلفه جوزيف ~~أنجوس # Angus # من أكبر فقهاء اللاهوت. # يقول مؤلف هذا الكتاب: «إن الآثار تحتمل أن إمرافل - الذي حارب إبراهيم - هو حمورابي ~~الذي كان ملكا على بابل سنة 2000 قبل الميلاد، والحفريات المسمارية تربط بين اسمه ~~واسم معاصره «أري آكو» ... في حين أن كدلعومر يشابه قدار لعمار، بمعنى خادم لعمار، أحد ~~الأرباب الكبار في شرق الدجلة السفلى، واسمه منقوش على حجر من ألواح حمورابي، وكان ~~هذا قبل ارتباط أرض إسرائيل ببلاد شنعار بعدة قرون.» # قال المؤلف: وكانت مصر عند هجرة إبراهيم ثم هجرة يعقوب وآله خاضعة لحكم الرعاة ~~المكروهين الذين تسلطوا على مصر أكثر من خمسمائة سنة، ومن ثم كان الترحيب بإبراهيم ثم ~~الترحيب بيعقوب وإقطاع قومهم أرضا في البلاد. # قال: وفي عصر إبراهيم كانت في أرض فلسطين الجنوبية جالية من الحيثيين، ولكن عاصمتهم ~~كانت إلى الشمال تمتد، كما جاء في كتب العهد القديم، من لبنان إلى الفرات. # وقال عن «أور الكلدانيين» مدينة إبراهيم: إنها كانت في الموضع الذي يسمى الآن المقير ~~على الفرات الأدنى، ولم تكن في أورفة كما خطر لبعضهم من قبل لتشابه اللفظ بين أورفة ~~وأور. ms048 # وتقول تعليقات أبنجدون # Abingdon # التي اشترك في ~~تأليفها نحو سبعين عالما من علماء التاريخ الديني والتوراتي: # على ~~حاشية الهلال الخصيب انتشرت خلال الفترة التاريخية جماعات من القبائل ~~الرحل تشتغل بالصيد تارة، وبالغارات تارة أخرى، وبالمرعى بين هذا وذاك، ~~وهم الذين نسميهم في الزمن القديم بالآراميين، ومع استحالة الحياة ~~المستقرة على الزراعة، أو التجارة، أو تقسيم الحقول وسكنى المدن، في ظل ~~ذلك النظام الاجتماعي، يميل القوم إلى تجميع أنفسهم في جوار مركز من ~~مراكز الحضارة يعاملونه ويتجرون معه، وقد يتصلون معه ببعض الصلات ~~السياسية ... # وفي وسع أمثال هؤلاء القوم أن يعيشوا على إنتاج قطعانهم وصيدهم، ولكنهم ~~غالبا ما يعتمدون على صلتهم بالمدينة - كما يحدث اليوم في الجزيرة ~~العربية - لتحصيل غلات الحقل ومصنوعات المعمل بالمقايضة على مقتنياتهم ~~... # إن تاريخ العبريين الرسمي يبتدئ بقبيلة من هذه القبائل سكنت إلى جوار ~~مدينة أور في جنوب العراق، وعند نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد هاجر ~~فريق منهم إلى الشمال بقيادة رئيس يسمى تارح، كما جاء في الإصحاح الحادي ~~عشر من سفر التكوين. # وربما كان من أسباب هذه الهجرة اضطراب سياسي في جنوب العراق أصابت جرائره ~~معيشة أهل أور، ولعل هذا الاضطراب قد نشأ من تحول السيطرة السياسية من ~~المدن العراقية إلى قبائل عيلام، فلم تستقر عليه أحوال المعيشة والتجارة ~~في مدينة أور. وهذا الفرض يرجع بالحركة إلى ما بين سنة 2300 وسنة 200 قبل ~~الميلاد. وكيفما كانت الحقيقة، فالهجرة قد حصلت، ونزل القوم فترة بجوار ~~حاران إلى شمال الهلال الخصيب. # ومما يستحق الملاحظة أن كلا من أور وحاران كانت في القدم مركزا لعبادة ~~الإله - سن - إله القمر من معبودات الساميين، وسيلفانا اسمه مرة أخرى في ~~شبه جزيرة سيناء. # وظلت طوائف من القبائل تترحل غربا وجنوبا، حيث صادف بعضها أرض المرعى ~~والزرع وادي الفرات والأقاليم الجبلية المخصبة، فاستقروا في مدن أشهرها ~~دمشق، ومضت طائفة أخرى بقيادة إبرام بن تارح «وابن قد تكون هنا بمعنى ~~سليل»، إلى أن استقر بها السير البطيء عند فلسطين، وهي يومئذ في ظل ms049 ~~حكومات المدن المتفرقة، ولم تزل الهجرة في مجراها تارة إلى غرب الأردن، ~~وتارة إلى شرقه، وحينا من دمشق، وحينا من شرقها إلى الحدود المصرية، ~~وخلال ذلك تمر بنا قصة عن علاقة مباشرة بين مصر وهؤلاء البدو، وأخبار عن ~~العلاقات بين الآباء العبريين وسكان كنعان ~~المستقرين. # ثم يسترسل كاتب التعليقات فيقول: إن بعض العبريين وصل في هجرته إلى أرض جاثان بمصر، ~~ويرجح أن دخولهم لأول مرة كان على عهد دولة الرعاة أو الهكسوس بين القرن الثامن عشر ~~والسابع عشر قبل الميلاد على وجه التقريب. ~~••• # وترجح تعليقات هالي # Halley # الجيبية أن إمرافل هو ~~حمورابي أشهر ملوك البابليين، وأن كارثة سدوم وعمورة التي حدثت في عصر إبراهيم تقترن ~~بالخراب الذي قضى على سكان المدن هناك حوالي سنة 2000 قبل الميلاد، كما ظهر من كشوف ~~بعثة ألبرايت وكيلي # Albright and kyle # سنة ~~1924. # ويضع هالي للحوادث المصرية مقابلا من حوادث التوراة، فيضع عصر إبراهيم مقابلا ~~للأسرة الثانية عشرة حوالي سنة 3000 قبل الميلاد، وعصر يوسف مقابلا للأسرة السادسة ~~عشرة سنة 1800 قبل الميلاد، على سبيل الاحتمال، وعصر موسى مقابلا للأسرتين الثامنة ~~عشرة والتاسعة عشرة بين سنتي 1500 و1200 قبل الميلاد. # وتظهر الغرابة في تقديرات هالي ومدرسته عند الرجوع إلى عصر إبراهيم وعصر يوسف، ~~وبينهما في تقديره نحو ألف ومائتي سنة، والمعلوم أن يوسف ابن يعقوب، وأن يعقوب ابن ~~إسحاق بن إبراهيم. وهذا مع اعتماده أحيانا على نقوش الآثار، وحسبانه أن وفد الساميين ~~المرسوم على مقابر بني حسن قد يكون وفد إبراهيم على الفرعون سنوسرت، الذي يظن أنه كان ~~على عرش مصر في ذلك الحين. # ومن أصحاب التعليقات التوراتية المعروفين بالتحرج في التقدير لوثر كلارك # Clarke ~~، صاحب التعليقات التي تقع في ألف ~~صفحة كبيرة، وتجمع من أطراف المعلومات ما لم يجتمع في مرجع آخر بمثل حجمها. # 6 # فهذه التعليقات تضع عصر حمورابي حوالي سنة 1900ق.م، وعصر الآباء العبريين في كنعان ~~بين سنتي 1900 و1700ق.م، ونهاية عصر الهكسوس حوالي سنة 1550ق.م. # ويرجح كلارك - اعتمادا على الآراء الحديثة ms050 - أن عصر حمورابي متخلف عن عصر الوقائع ~~التي تنسب إلى إمرافل بمائة سنة أو أكثر، وأن إمرافل وحمورابي لا يدلان على شخص واحد، ~~وأن الغور العميق الذي تملؤه أمواج البحر الميت أقدم جدا من الوقت الذي قدر لخراب ~~المدن المذكورة في قصة إبراهيم، ويتساءل: ما هو الباعث الذي أتى بالملوك الخمسة إلى ~~الأردن جنوبا قبل مواجهة أعدائهم الذين يحاربونهم؟ وهو لا يستبعد أن يكون جيش من ~~البابليين والعيلاميين معا قد زحف على جهات في ذلك الموقع؛ لإرغام القبائل على أداء ~~الجزية أو الضريبة التي تفرض على رءوس القبائل. # ويعتمد كلارك على الظواهر الأرضية «الجيولوجية» كثيرا، فيرى أن العيون الحمر التي ~~أشار إليها الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين هي في الغالب من النفط، الذي يتكاثف ~~بالتبخر ويطفو على الماء كما كان يحدث على سطح البحر الميت، ولا مانع أن يشاهد على ~~وجه الأرض قبل امتلاء الغور بالماء، ويرتبط خراب المدن التي وردت قصتها في سيرة ~~إبراهيم بهذه الظواهر الأرضية التي يمكن أن تستقصى في يوم قريب، فيبنى على استقصائها ~~تحقيق محكم لتاريخ تلك الأحداث. # ويضارع هذا الكتاب في الصبغة العلمية الكتاب الذي ألفه جماعة «دراسة العهد القديم»، ~~واشترك في تأليفه أكثر من عشرة من علماء هذه الدراسات، وهو كتاب العهد القديم ~~والدراسة الحديثة. # يقول الأستاذ ألبرايت # Albright ~~، وهو أحد أصحاب ~~البعوث للكشف عن الآثار: # إن مسألة الهكسوس لا تزال على عسرها، ~~ولكنها آخذة في التكشف والإبانة عن الحوادث التالية، بعد البحوث التي ~~تناولها ونلوك وستوك كاتب هذه السطور، فنحن نعلم اليوم أنها لا بد أن ~~ترجع إلى الفترة بين سنتي 1720 و1550 قبل الميلاد، وأن قيادة الهكسوس في ~~يد الساميين، ولم تكن حورية أو هندية آرية كما كان بعض العلماء يقدرون ~~إلى زمن قريب ... # إلى أن يقول بعد استطراد وجيز عن مقبرة توت عنخ آمون: # ولكن أهم من هذا كله - ثقافيا - تلك الأوراق البردية التي كشفها شستر ~~بيتي # Beatty # من آثار عصر رمسيس، بما ~~احتوته من الدلالة على مدى النهضة ms051 الأدبية في ذلك العصر الذهبي، ونخص ~~منها بالذكر من حيث فائدتها لدارس التوراة: تلك القصائد الدرامية التي ~~تنبئ عن نظم أناشيد سليمان وإن خالفتها كثيرا في التفصيلات، وتلك ~~الترنيمة المقاربة لعقائد التوحيد التي تدل على استمرار التوحيد الشمسي ~~من العمارنة، بعد وقوف كهنة آمون له بالمرصاد. # ويقول هذا الكاتب، ومعه زميل من المشتغلين بالكشوف في فلسطين: # إن فلسطين لم تدخل في قصص التوراة قبل هجرة إبراهيم من حاران، ولا يمكن ~~بأي تقدير من التقديرات أن توضع تلك الهجرة في تاريخ سابق لنهاية الألف ~~الثالثة قبل الميلاد، وقد تأتي بعد ذلك بقرون، ويبدو واضحا من مأثورات ~~سفر التكوين أن هناك دورا متوسطا من العصر البرونزي بين القرن الحادي ~~والعشرين والقرن السادس عشر قبل الميلاد. # ويتحدث عن كشوف رأس شمرا في الشمال المقابل لجزيرة قبرص من شاطئ بحر الروم، أنها غيرت ~~الصورة التي كانت مرتسمة للحضارة الكنعانية في أذهاننا كل التغيير، وأنها أثبتت أن ~~حضارة كنعان كانت تمتد في العصر البرونزي المتأخر من غزة جنوبا إلى رأس شمرا شمالا ~~«أغاريت القديمة»، وأن اللغة والديانة والحضارة كانت واحدة في هذه البقاع، ولم يكن ~~اختلاف اللغة إلا من قبيل اختلاف اللهجات ... وأننا نرى اختلاف الصناعة الفخارية وغيرها ~~من البقايا المادية بارزا بينا عند الجانب الأسفل من نهر العاص؛ حيث تتضح الملامح ~~الحورية والأمورية في معالم الثقافة العليا، ولا يلحظ على الساحل مثل هذا ~~الاختلاف. # ثم يتحدث عن كشوف تل الحريري عند وادي الفرات الأوسط فيقول: ~~«إن الأستاذ أندري باروت وزملاءه أخرجوا من الأنقاض قصرا كبيرا من العصر البرونزي ~~الأوسط، كان مزدهرا في أواخر القرن الثاني عشر وفاقا للتقديرات التي تتقدم بعصر ~~حمورابي إلى ما بين سنتي 1728 و1686 قبل الميلاد. # وقد أخرجوا في هذا الموضع نقوشا فذة على الجدران وبقايا فنية أخرى، وفوق ذلك نحو ~~عشرين ألف لوحة، وأعشارا من اللوحات من القرن الثامن عشر قبل الميلاد، كلها باللغة ~~الأكادية التي تأثرت أحيانا باللغة الأمورية التي يتكلمها أبناء القبائل في ذلك ~~الإقليم ... وفائدة هذه ms052 الكشوفات التي كسرت الآن حواجز البحث في دراسات التوراة ستأتي ~~في أكثر الأحوال من طريق غير مباشر، ولكنها لا تنقص بذلك في قيمتها؛ إذ كانت الثقافة ~~العالمية في عصر الآباء العبريين وراء كل تطور في آسيا الغربية. # وسيصبح ميسورا لنا عما قريب أن نركب أجرومية اللغة الأمورية ومعجماتها من تلك ~~الأمورية الأكادية، التي كان يكتب بها كتاب ماري في الوادي الوسط من نهر الفرات. ~~ويظهر أن هذه اللغة التي تتخلل أسماء الأعلام هي لغة الآباء العبريين في لبابها، ~~وأنها على التحقيق لغة الكلام الذي نتمثله في أعلام الفلسطينيين الرحل والمقيمين، ~~التي وردت في الحفريات المصرية التي ترجع إلى القرنين العشرين والتاسع عشر قبل الميلاد.» # 7 # ثم يعرض الكاتب لكشوف تل العطشانة على نهر العاص الأسفل، وكشوف حماة على أواسط النهر، ~~فينوه منها على الخصوص بسيرة حياة الملك أدريمي المنقوشة على تمثاله، الذي يمكن ~~لتاريخه أن يكون قريبا من سنة 1450 قبل الميلاد. وفي هذه السيرة حوادث وقعت في سورية ~~الشمالية مشابهة للحوادث في قصة يوسف، ولعلها كانت تتجمع حول نواة من عصر الهكسوس، ~~وقد أشارت سيرة أدريمي إلى غيرة إخوته الكبار، وقحط السنوات السبع، وضروب من الحدس ~~لاستطلاع الغيب، ثم يعرض للكشوف التي أبرزت المنافسة بين حضارة الحيثيين والآراميين ~~وحضارة إسرائيل ودمشق. # وينتقل إلى كشوف الريحانية في الناحية الجنوبية من سهل أنطاكية، وما لها من القيمة في ~~الاستدلال على العصر الحديدي، وأهم ما فيها بقايا هيكل من القرن التاسع قبل الميلاد ~~على رسم قريب من رسم هيكل سليمان الذي بني في القرن العاشر. # ويستطرد إلى كشوف قليقية على مقربة من حدود سورية الشمالية، وأسانيدها ترجع إلى ما ~~بين سنتي 850 و650 قبل الميلاد، ولها شأنها في دراسة تطور اللغة العبرية. # ويتناول الأستاذ هينمان # Heinneman # من جامعة سانت ~~أندروز بحثا لغويا عن العبرية، فيقرر فيه أن الآرامية - وهي العربية الشمالية - ~~كانت سابقة في سورية وفلسطين لكل من اللغتين الكنعانية والعبرية، معتمدا على كشوف ~~رأس شمرا، وعلى المحسنات الكنعانية التي اشتملت عليها ms053 رسائل تل العمارنة، ويردها إلى ~~نحو 1375 قبل الميلاد. # ونختم هذه الشواهد بمرجعين تقليديين من مراجع هذا الموضوع؛ وهما: أطلس وستمنستر ~~التاريخي، وموسوعة وستمنستر المنقحة طبعة سنة 1944، وهما خاصان بجغرافية التوراة ~~والعهد الجديد وتاريخهما. وقد توفر على تأليفهما من وجهات النظر المتعددة نخبة من ~~علماء هذه المباحث المشتغلين في الكتب الأثرية والكتب العصرية، بدرسها في الآثار ~~والحفريات، وبالاطلاع على سجلاتها ومدوناتها. # وهذان المرجعان متفقان مع أحدث المراجع المتقدمة على تقريب عصر الآباء العبريين، ~~واستضعاف الأقوال التي توغل به في القدم، وقد وضع الأطلس التاريخي عصر إبراهيم بين ~~سنة 2000 وسنة 1700 قبل الميلاد، ووضع عصر حمورابي في ختام هذه الفترة، وعرض لقصة ~~سنوحي الموظف المصري الذي غادر بلاده «حوالي سنة 1900ق.م»، وعاش بين الأموريين في ~~سورية الشرقية، ولاحظ المشابهة بين الأمكنة التي أقام فيها سنوحي على نحو من البداوة، ~~وبين الأمكنة التي عاش فيها على هذا النحو آباء العبريين. # ورجح أن وفد الساميين المرسوم على مدافن بني حسن قدم إلى مصر في عصر القصة السنوحية، ~~وأن الدولة المصرية التي كانت قائمة بمصر هي الأسرة الثانية عشرة، وقد بسطت حكمها على ~~سورية وفلسطين، وأدارت حركة واسعة من التجارة البحرية بين مصر وقبرص وكريت وشواطئ ~~البحر الأحمر، وبلغت بحدودها الجنوبية إلى الشلال الثاني حيث أقامت حصن الحدود عند ~~سمنة، وكانت لها بعثات إلى سيناء للكشف عن معادن النحاس والفيروز، وأخرى إلى أرض ~~النوبة للكشف عن معادن الذهب. # وجاء في هذا الأطلس أن التاريخ حقق وجود بلاد في أرض حاران تطلق عليها أسماء كأسماء ~~آباء إبراهيم: فالج وسروج وناحور وتارح، وأن اسم حاران نفسه قريب من اسم أخ لإبراهيم، ~~وأن وحدة الاسم قد تأتي مصادفة في حالة شخص واحد، ولكنها هنا متفقة في أربعة أسماء ~~على الأقل في حيز محدود. والمهم في هذه الملاحظة أن كتاب الأطلس يحسبون أن هذه ~~البلاد حملت أسماء القبائل التي أنشأتها، أو أن القبائل أطلقت عليها أسماءها بعد ~~الاستيلاء عليها في القلاقل التي حدثت حوالي سنة 2000 قبل ms054 الميلاد. # واستطرد كتاب الأطلس من تشابه أسماء الآباء والمدن إلى الأسماء التي كانت شائعة بين ~~الأموريين، ومنها إبرام في صيغة «أبا مرام»، ويعقوب في صيغة يعقوب إيل، وذكروا أن اسم ~~قبيلة بنيامين وجد في ألواح الحفائر بوادي الفرات الأوسط، وأن حفائر توزي في وادي ~~الفرات الشمالي اشتملت على وصف عادات اجتماعية، تفسر عادات الإرث والزواج وأصنام ~~الأسرة «الطرافين» التي أشارت إليها كتب العهد القديم، وأن عصر تلك الحفائر يوافق ~~العصر الذي دون فيه الإسرائيليون كتب التوراة وما بعدها من الكتب القديمة، وهذا عدا ~~الآثار التي روت أخبار الطوفان وأخبار الخليقة مما لا نظير له في مأثورات مصر أو ~~كنعان. # ومن الطبيعي أن يعنى الأطلس بالمواقع الجغرافية في سياق التاريخ، وكذلك عني الأطلس ~~في سيرة إبراهيم بمواقع رحلاته إلى مصر في ذهابه وعودته، ومنها أرض الجنوب بين قادش ~~وشور، وتعرف الآن باسم وادي غزة، وهو واد كان له شأن في تاريخ بني إسرائيل إلى ما ~~بعد خروجهم من الديار المصرية. # أما الموسوعة التي تحمل اسم وستمنستر أيضا - مع اختلاف المؤلفين - فهي توافق المراجع ~~الحديثة كذلك في تقريب زمان الآباء، وتقرر أن وحدة اسم حمورابي واسم أمارفيل محل ~~مناقشة واعتراض في المباحث الأخيرة، وأن إلحاق إيل باسم أمارفيل مشكلة تستوقف أنظار ~~المتأخرين. # وبعد أن ذكرت أن تاريخ حمورابي وضع في عصور مختلفة بين سنة 2123 وسنة 1830 قبل ~~الميلاد، عادت فقالت: إن الكشوف الحديثة ترجح وضعه بين سنتي 1792 و1750 أو 1749، وأن ~~شريعته المشهورة مقاربة للشريعة الموسوية في سفر الخروج من التوراة، وأن أسلوب المواد ~~يتشابه في ابتداء الجمل كما تتشابه العقوبات، ولا سيما عقوبات القصاص، قالت: وبعيد أن ~~تكون شريعة حمورابي أمام المشرع العبري عند تدوين أحكامه، ولكن المحتمل أن الشريعتين ~~ترجعان إلى أصل سامي قديم. # وترى الموسوعة - اعتمادا على تقدير الأسقف يوشر - أن مولد إبراهيم يوافق سنة ~~1996ق.م، وأن طريق الجيوش التي حاربها إبراهيم، كما جاء في الإصحاح الرابع عشر من سفر ~~التكوين، كانت إلى الجنوب على حافة جلعاد وموآب. ms055 وتدل كشوف العالمين الأثريين ألبريت ~~وجلويك على أن هذا الطريق تخللته فيما مضى مدن هامة قبل سنة 2000ق.م، وظلت عامرة نحو ~~قرن أو قرنين لا أكثر. # وفي رواية سفر التكوين أن سدوم وعمورة دمرتا في حياة إبراهيم، ومن كشوف جلويك يظهر أن ~~المدن التي على هذا الطريق ظلت مقفرة إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولكنها في ~~القرن العشرين ق.م كانت محجة دينية حافلة بجوار المكان الذي يعرف الآن باسم باب ~~الدرعة. فمن المعقول إذن أن يكون مولد إبراهيم حوالي الزمن الذي قدره الأسقف يوشر، ~~وأن سدوم وعمورة خربتا حوالي سنة 1898 قبل الميلاد. # وتقول الموسوعة: إن اسم إمرافل - أحد الملوك الذين حاربهم إبراهيم - يصعب تعيين ~~صاحبه، كما يصعب تعيين زملائه الآخرين، ولكن هذه الأسماء جميعا لا يبدو عليها أنها ~~اختراع من مخترعات الخيال ؛ إذ ليست غارة الأمراء البابليين على فلسطين وما جاورها ~~أمرا نادرا في تلك الأيام. ~~••• # ونكتفي بما تقدم من هذه المراجع التاريخية التي ألحقناها بالمصادر المسيحية، وقد ~~ألحقناها بها لأن كتابها في جملتهم يدونون التاريخ من الجانب الذي به علاقة بكتب ~~العهد القديم والعهد الجديد، وتغلب عليهم رغبة في تدوينه على النحو الذي يصحح ~~أخبارها، وينقض مآخذ الناقدين عليها، فهو باب في التاريخ غير الباب الذي سنفرده ~~لأقوال المؤرخين للحوادث من الوجهة العامة. # وليس أهم من تمحيص هذه الأقوال لمن يريد أن يحقق سيرة الخليل عليه السلام؛ إذ هي ألزم ~~ما يلزم لمعرفة العقائد والشعوب في عصره، ومن هنا تنجلي حقيقة الرسالة وبواعثها، ~~ومبلغ الخلاف والوفاق بينها وبين ما حولها، وكل شيء يتوقف على تقدير أحوال الزمن بعد ~~تعيينه، وتقدير أحوال الشعوب في ذلك الزمن بعد التثبت من مواقعها وعلاقاتها. # وفيما أسلفناه بصيص من النور نرجو أن نضيف إليه بصيصا آخر يفيض على جوانب السيرة ~~جميعا، بعد الفراغ من تلخيص هذه الشواهد والمصادر. # الفصل الخامس # | المراجع الإسلامية # وتأتي مصادر الإسلام في ختام مصادر الأديان الكتابية، وسنرى أنه ما من شيء كالمصادر ~~الإسلامية يثبت قيام دعوة إبراهيم، بل ms056 يثبت وجود إبراهيم الذي شك فيه أصحاب بدعة الشك ~~في كل خبر قديم من غير سند يستندون إليه، ولا نعني هنا أدلة تاريخية تستمد من روايات ~~الأخبار، وإنما نعني دليل التسلسل المنطقي الذي يصدق حين تكذب التواريخ، كما سيأتي ~~بيان ذلك في موضعه. ونكتفي هنا بإيراد أخبار الخليل في المصادر الإسلامية؛ وهي: ~~القرآن الكريم، والحديث النبوي، والتفسير وما يلحق به على سبيل التفصيل أو ~~الاستطراد. # وردت أخبار الخليل في سور كثيرة بعضها أقرب إلى الإسهاب، وبعضها يميل إلى الإيجاز، ~~وهذه هي الآيات التي جمعت سيرته في بيان مفصل. # فمن سورة مريم: (41-48): # واذكر في الكتاب إبراهيم ~~ إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه ~~يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما ~~لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يا ~~أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب ~~من الرحمن فتكون للشيطان وليا * قال ~~أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا * قال سلام ~~عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا # 1 ~~* وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا ~~. # ومن سورة الأنبياء: (51-72): # ولقد آتينا إبراهيم ~~رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ~~* قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ~~* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين * فجعلهم ~~جذاذا # 2 # إلا كبيرا لهم لعلهم ~~إليه يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا ~~إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا ~~به على أعين الناس لعلهم يشهدون * ~~قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن ms057 كانوا ~~ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ~~إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على ~~رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون ~~الله أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا ~~آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني ~~بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به ~~كيدا فجعلناهم الأخسرين * ونجيناه ~~ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة # 3 # وكلا جعلنا ~~صالحين ~~. # ومن سورة الصافات: (83-113): # وإن من شيعته ~~لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكا # 4 # آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة ~~في النجوم * فقال إني سقيم * ~~فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلى آلهتهم ~~فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين * ~~فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما ~~تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ~~* فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين * وقال إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين * رب هب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * ~~فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت ~~الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن ~~هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح ~~عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك ~~نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحاق ~~ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ~~. # ومن سورة البقرة: (125-132): # وإذ جعلنا البيت ~~مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا ~~بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس ms058 المصير * ~~وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب ~~علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم * ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * ~~إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا ~~بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون ~~. # ومن سورة آل عمران: (93-97): # كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ~~إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله ~~الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون * قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين * إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا ~~. # ومن سورة البقرة: (258): # ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال ~~إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين ~~. # ومن سورة الأنعام: (74-83): # وإذ قال إبراهيم لأبيه ~~آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين * وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين * ~~فلما جن عليه الليل # 5 # رأى كوكبا قال هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما ~~رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن ~~لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما ~~تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه ms059 قومه قال أتحاجوني في الله ~~وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ~~ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ~~* وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات ~~من نشاء إن ربك حكيم عليم ~~. # ومن سورة إبراهيم: (35-41): # وإذ قال إبراهيم رب ~~اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم * ربنا إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون * ~~ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء * ~~الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء * رب ~~اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل ~~دعاء * ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ~~. # ومن سورة الحج: (26-27): # وإذ ~~بوأنا # 6 # لإبراهيم مكان ~~البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود * وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا # 7 # وعلى كل ~~ضامر # 8 # يأتين من كل فج ~~عميق ~~. # ومن سورة البقرة: (260): # وإذ قال إبراهيم رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير ~~فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ~~ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز ~~حكيم ~~. # ومن سورة الذاريات: (24-34): # هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * ~~فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين * ~~فقربه إليهم قال ألا تأكلون * فأوجس ~~منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت ms060 وجهها ~~وقالت عجوز عقيم * قالوا كذلك قال ربك ~~إنه هو الحكيم العليم * قال فما خطبكم ~~أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من ~~طين * مسومة عند ربك ~~للمسرفين ~~. # ومن سورة هود: (69-76): # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم ~~بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل ~~إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة ~~فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ~~* قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب * ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد * ~~فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ~~يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم ~~أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا ~~إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير ~~مردود ~~. # ومن سورة النحل عن دين إبراهيم : (120-121): # إن إبراهيم ~~كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى ~~صراط مستقيم ~~. # ومن سورة الأنعام عن دين إبراهيم والإسلام: (161): # قل ~~إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~. # ومن سورة آل عمران عن دين إبراهيم والإسلام وسائر الأديان: (65-68): # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا ~~تعقلون * ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون * ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين * إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين ~~. # هذه جملة الآيات التي جاء بها القرآن الكريم مطولة في سيرة إبراهيم، أو مشيرة إلى ~~دعوته وما فيها من سابقة للدعوة الإسلامية، ولا حاجة بمن يكتب عن الدعوة الإسلامية ~~إلى إبراز جانب منها لإثبات الانتقال من العقيدة المحصورة في عصبية خاصة إلى ms061 العقيدة ~~التي تعم كل أمة، وتخاطب كل ملة، فهذه المساواة بين الأمم هي صبغة الإسلام في كل جانب ~~من جوانب دعوته من مبدئها إلى ختامها. # أما أخبار إبراهيم في القرآن، فمنها ما تقدم في التوراة والمشنا، ومنها ما انفرد به ~~القرآن، ومداره على أمرين: # أحدهما: # خاص بالوقائع، وهو قيام إبراهيم وإسماعيل إلى جوار البيت ~~الحرام. # والآخر: # خاص بالنظرة الدينية، وهو على جانب عظيم من الدلالة في هذا المقصد؛ ~~لأنه يبين الفارق بين التجسيم والتنزيه في العبادة على مدى الزمن ~~الذي انقضى بين كتابة أسفار العهد القديم وقيام الدعوة ~~المحمدية. # فالضيوف الثلاثة الذين ورد ذكرهم في سفر التكوين كانوا يأكلون ويشبعون من الطعام، ~~وكان مفهوما من أسلوب بعض النسخ القديمة أن واحدا منهم هو الإله، ثم أصبح مفهوما ~~أنه ملك يتكلم باسم الإله ومعه صاحباه من السماء. # إلا أن القرآن الكريم يروي قصة هؤلاء الضيوف ولا يروي أنهم أكلوا وشبعوا، بل جلسوا ~~إلى الطعام ولم تصل أيديهم إليه، وسألهم إبراهيم أن يأكلوا فلم يفعلوا، فأوجس منهم ~~خيفة وعلم من ثم أنهم من غير البشر، وأن لهم شأنا غير شأن ضيوف الزاد ~~والمقام. # إن هذه النقلة ليست بالأمر الهين في تاريخ بني الإنسان؛ فإن النوع الإنساني قد انتقل ~~من استخدام مادة الحجر إلى استخدام مادة الحديد في عشرات الألوف من السنين، فهذا ~~الانتقال بين العقل الذي يقصر عن إدراك مخلوق سماوي يخالف الأجساد الحية في مطالبها ~~المادية، وبين العقل الذي تهيأ للتمييز بين الحياة الروحية والحياة المادية، هو ~~الانتقال الذي يؤرخ به عصران في حياة بني الإنسان، بينهما من الفارق أبعد جدا مما ~~بين عصر الحجر وعصر النحاس وعصر الحديد. ~~••• # وأهم المصادر الإسلامية بعد القرآن الكريم أحاديث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومنها طائفة عن ~~الخليل تصفه وتصف أعماله، وتلم بسيرته، وللفقهاء فيها خلاف؛ إذ كان بعضها ينسب ~~أمورا إلى الخليل لم يعهد في الأحاديث النبوية أن تنسبها إلى الأنبياء. # والحكم في هذا الخلاف أن الأحاديث التي يرويها الآحاد لا يجوز أن ms062 تخالف أصول ~~الاعتقاد؛ لأن الآحاد يجوز عليهم الخطأ والكذب، ومثل ذلك لا يجوز في العقيدة، ولا ~~سيما العقيدة التي يقررها الكتاب. # وقد أخذ الإمام الفخر الرازي بهذا الحكم في تفسيره، ودارت حوله مساجلة بين الشيخ عبد ~~الوهاب النجار ولجنة العلماء التي راجعت كتابه عن قصص الأنبياء، فقال رحمه ~~الله: # نص العلماء على أن الحديث إذا كانت روايته آحادا ~~وفيه نسبة المعاصي أو الكذب إلى الأنبياء يرد. # ففي شرح العصام على العقائد النسفية بعد أن ذكر وجوب اتصاف الأنبياء ~~بالصدق ما نصه: إذا تقرر هذا؛ فما نقل عن الأنبياء مما يشعر بكذب أو ~~معصية، فما كان منقولا بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر ~~فمصروف عن ظاهره إن أمكن، أو محمول على ترك الأولى، أو كونه قبل ~~البعث. # وجاء في الحاشية عليه قوله: فما كان منقولا بطريق الآحاد سواء بلغ حد الشهرة أو لا ~~فمردود؛ لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء. # ونحن نمهد بهذه الملاحظة للأحاديث التي ننقلها، ونختار من الأحاديث ما له علاقة بصميم ~~السيرة، وندع للقارئ أن ينظر فيها وبين يديه ما تقدم من أقوال الفقهاء. # ففي بعض الأحاديث أن إبراهيم كان أشبه الناس بالنبي عليهما السلام. # وعن أبي هريرة قال: قال النبي # صلى الله عليه وسلم # ليلة أسري به: «لقيت موسى، قال: فنعته، فإذا رجل - حسبته - ~~مضطرب رجل # 9 # الرأس، كأنه من رجال ~~شنوءة، # 10 # قال: ولقيت عيسى: فنعته النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: ربعة ~~أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني الحمام - ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به.» # وعن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس رضي الله عنهما، فذكروا الدجال فقال: إنه مكتوب بين ~~عينيه كافر، وقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك، ولكنه قال: «أما إبراهيم فانظروا إلى ~~صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم # 11 # جعد على جمل ~~أحمر مخطوم بخلبة # 12 # كأني أنظر إليه ~~إذا انحدر في الوادي يلبي.» # وعن جابر عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «عرض ms063 علي الأنبياء فإذا موسى عليه السلام ~~رجل ضرب من الرجال، # 13 # كأنه من رجال شنوءة، فرأيت عيسى ابن مريم عليه السلام فإذا أقرب ~~من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به ~~شبها صاحبكم.» # وعن ابن عباس: دخل النبي # صلى الله عليه وسلم # البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال: «أما هم فقد سمعوا ~~أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم؟» # وعن ابن عباس، أنه عليه السلام لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ~~ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام # 14 # فقال: «قاتلهم الله! والله إن استقسما بالأزلام ~~قط.» # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ~~ابن ثمانين سنة بالقدوم.» # وقال ابن عباس في قصة هاجر: «ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى ~~وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ~~ماء، فوضعهما هنالك، ووضع جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، ~~فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم ... أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه ~~أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: الله أمرك بهذا؟ ~~قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث ~~لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ربنا إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. وجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها ~~وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه ~~يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت ~~عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم ms064 تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا ~~بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت ~~المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات ... # قال ابن عباس: قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «فلذلك سعى الناس بينهما.» فلما أشرفت على ~~المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان ~~عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر ~~الماء، فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما ~~تغرف، قال ابن عباس: قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم!» وقال: ~~«لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا!» # 15 # قال: ~~فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن هذا بيت الله يبنيه هذا ~~الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه ~~السيول فتأخذ عن يمينه وشماله. # فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين على طريق ~~كداء، # 16 # فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا ~~عائفا # 17 # فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، ~~لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين، فإذا هم بالماء، فقالوا: ~~أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم. # قال ابن عباس: قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس.» فنزلوا ~~وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم ~~العربية منهم، وأعجبهم حتى شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء ~~إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: ~~خرج يبتغي لنا رزقا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، ~~وشكت إليه، قال: ms065 فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما ~~جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل ~~عنك فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: ~~نعم، وهو يقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك، قال إسماعيل: ذاك أبي، وقد أمرني ~~أن أفارقك؛ فالحقي بأهلك. فطلقها وتزوج من امرأة أخرى، وغاب عنهم إبراهيم ما شاء الله ~~ثم أتاهم فلم يجد إسماعيل، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا الرزق، ~~قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، ~~فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في ~~اللحم والماء، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه. فلما ~~جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، ~~فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: ~~نعم، وهو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، ~~أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة ~~قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم ~~قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: ~~أعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هنا بيتا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، ~~قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى ~~إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله ~~الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.» # هذه القصة التي رواها ابن عباس، وتخللها بكلمات للنبي عليه السلام، وهي أطول خبر عن ~~إبراهيم نقله رواة الحديث. # أما الأحاديث التي أشرنا إلى الخلاف ms066 عليها بين الفقهاء وعلماء الأصول، فمنها الحديث ~~التالي وفيه غنية: # حدث أبو هريرة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ~~ثلاث كذبات: اثنتين في ذات الله؛ قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدة ~~في شأن سارة، فإذا قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا ~~الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي؛ فإنك أختي في ~~الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل ~~الجبار، فأتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها ~~فأتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط ~~يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلت، ~~فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي؛ فلك عهد الله ~~ألا أضرك. ففعلت وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم ~~تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر ... قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها ~~إبراهيم عليه السلام انصرف فقال لها: مهيم؟ # 18 # قالت: خيرا؛ كف الله يد الفاجر، ~~وأخدم خادما.» # قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء! # وليس بعد القرآن والأحاديث النبوية من مصدر يصح أن يسمى إسلاميا غير أقوال ~~المفسرين. # وإنما تسمى أقوال المفسرين مصدرا إسلاميا حين تكون مقصورة على تفسير معاني القرآن ~~وألفاظه، أو الاستشهاد بالأحاديث النبوية، فأما ما عدا ذلك فلا ينسب إلى الإسلام، ~~وإنما المرجع فيه إلى الأخبار المروية عن النسابين وأصحاب الأخبار عامة، ومنهم اليهود ~~الذين أسلموا، والنسابون الذين توارثوا تواريخ أسلافهم بالسماع. # فمن اليهود الذين أسلموا كعب بن ماتع الحميري الذي اشتهر باسم كعب الأحبار، كان من ~~علماء اليهود في اليمن وأسلم في زمن أبي بكر، وعاش في المدينة زمنا ثم خرج إلى الشام ~~بعد ms067 مقتل عمر، فأقام بحمص ومات فيها، ومنهم وهب بن منبه، وهو من يهود اليمن أيضا، ~~وكان من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن، ثم أسلم وتوفي في عهد الدولة ~~الأموية، وكلاهما كثير الرواية والنقل عن الكتب الإسرائيلية، ويظن بهما أنهما وضعا ~~كثيرا مما روياه. # والمعلوم أن المسلمين في صدر الإسلام لم يتحرجوا من النقل عن أهل الكتاب إلا فيما ~~يناقض القرآن الكريم؛ لأن المسلم يؤمن بالكتب التي تنزلت قبل القرآن، ويؤمن بأن ~~العقائد التي تخالف عقيدته منها تحريف من الكهان والأحبار، وأنهم يجهلون بعض ما عندهم ~~من الآيات، ويخفون بعضها أو يتمحلون # 19 # له التأويل. # فإذا دخل عالم من علماء اليهود في الإسلام، ونفى من روايات دينه ما يخالف القرآن ثم ~~يتحرج المسلم أن يستمع إليه فيما ينقله عن كتبه، وأمن له، واعتبره من العلم الذي ~~سبقه إليه أهل الكتاب، وكذلك فعل كثير من المفسرين، وبالغوا في الطمأنينة إلى أولئك ~~الرواة، وفاتهم أنهم إن سلموا من سوء النية لم يسلموا من الجهل، وضعف السند ، وقلة ~~التثبت والتمحيص. # وكان الفاروق عمر والإمام علي رضي الله عنهما ينهيان كعب الأحبار عن الإفاضة في ~~رواياته وأساطيره، وسخر الفاروق منه حين زعم له أن مقتله مكتوب في التوراة، ولم يثبت ~~أحد من جلة الصحابة شيئا من تلك الأساطير، ولكن كعب الأحبار وأمثاله قد طاب لهم أن ~~يتحدثوا بتلك الأساطير التي ينفردون بدعواها، فأفرطوا فيها وجعلوا يطرقون السامعين ~~بجديد كلما نفد قديمهم المعروض، وآنسوا من السامعين إقبالا على هذه البضاعة التي لا ~~يزحمهم فيها أحد من المسلمين. # إلا أن المصادر الإسرائيلية لا تستوعب كل ما وعاه العرب قبل الإسلام من تواريخ ~~عقائدهم، ولا سيما العقائد التي تلصق بالكعبة ونشأتها، وإقامة الشعائر فيها، وأسباب ~~تلك الشعائر منذ أقدم عصورها. ومن الخطأ أن يقال: إن الروايات عن بناء الكعبة تلفيق ~~من اليهود لإرضاء العرب والتقرب إليهم، بتوحيد النسب بينهم والارتفاع بنسبهم جميعا ~~إلى جدهم إبراهيم؛ فإن نسبة العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم مكتوبة في سفر التكوين، ms068 ~~ومن العرب الذين كانوا يجهلون التوراة من كانوا ينسبون أنفسهم إلى «نبات» بن ~~إسماعيل، كما جاء في تاريخ ديودورس الصقلي المتوفى بعد منتصف القرن الأول ~~للميلاد. # وقد كانت الروايات ترتفع ببناء الكعبة إلى آدم وإلى الملائكة، ولا تقف بها عند ~~إبراهيم، وجاء فيما رواه التقي الفاسي، صاحب كتاب شفاء الغرام، أن الكعبة بنيت عشر ~~مرات: بناء الملائكة، وبناء آدم، وبناء أولاده، وبناء إبراهيم، وبناء العمالقة، وبناء ~~جرهم، وبناء قصي بن كلاب، وبناء قريش، وبناء عبد الله بن الزبير، وبناء الحجاج، ثم ~~قال: إن بناءها قبل إبراهيم لم يأت به خبر ثابت، وقال المسعودي: إن بناء الملائكة ~~وآدم وشيث لم يصح. # وأما بناء جرهم والعمالقة وقصي فهو ترميم، وتوسع الأزرقي، صاحب كتاب أخبار مكة، غاية ~~التوسع في هذه الروايات التي لم تستوعبها الإسرائيليات، ولا يمكن أن تستوعبها؛ لأن ~~تبجيل العرب للكعبة أقدم من هذه الإسرائيليات، وقد جاوز حدود جزيرة العرب إلى الهند ~~ومصر كما ذكر برتون في رحلته إلى الحجاز، ولا يزال الصابئة اليوم، كما كانوا قبل ~~الإسلام، يحسبونها من البيوت السبعة التي تناظر الكواكب السبعة، ويقولون: إنها بيت ~~أشرفها دارا وهو زحل، وستبقى في الأرض ما بقي زحل في السماء. # وسيأتي الكلام بشيء من التفصيل عن سلالة إبراهيم في البلاد العربية، ولا محل هنا لنقل ~~الروايات المختلفة التي اقتبسها المفسرون أو المؤرخون التفسيريون، سواء منها ما أخذوه ~~من الإسرائيليات وما أخذوه من حفظة الأنساب وبناء الأسلاف، فإنها جميعا على نحو ما ~~تقدم، ولكننا ننقل هنا ما فيه اجتهاد للمفسرين، أو ما فيه خبر يضاف إلى أخبار السيرة ~~ويعولون على روايته. # فالمفسرون الأوائل يقولون: إن النار لم تحرق إبراهيم؛ لأن الله سلبها خاصة الاحتراق، ~~والألوسي، صاحب روح المعاني، من المفسرين المتأخرين يقول: «وأيا ما كان فهو آية ~~عظيمة، وقد يقع نظيرها لبعض صلحاء الأمة المحمدية كرامة لهم؛ لمتابعتهم النبي الحبيب ~~صلى الله تعالى عليه وسلم، وما يشاهد من وقوعه لبعض المنتسبين إلى حضرة الولي الكامل ~~الشيخ أحمد الرفاعي - قدس سره - من ms069 الفسقة الذين كادوا يكونون لكثرة فسقهم كفارا؛ ~~فقيل: إنه باب من السحر المختلف في كفر فاعله وقتله؛ فإن لهم أسماء مجهولة المعنى ~~يتلونها عند دخول النار والضرب بالسلاح، ولا يبعد أن تكون كفرا وإن كان معها ما لا ~~كفر فيه ... # ولم يكن ذلك في زمن الشيخ الرفاعي - قدس سره العزيز - فقد كان أكثر الناس اتباعا ~~للسنة، وأشدهم تجنبا عن مظان البدعة، وكان أصحابه سالكين مسلكه، متشبثين بذيل ~~اتباعه قدس سره، ثم طرأ على بعض المنتسبين إليه ما طرأ ... قال في العبر: قد كثر ~~الزغل في أصحاب الشيخ قدس سره، وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق، من ~~دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات. وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، ~~فنعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم. # والحق أن قراءة شيء ما عندهم ليست شرطا لعدم التأثر بالدخول في النار ونحوه، فكثير ~~منهم من ينادي إذا أوقدت له النار وضربت الدفوف: يا شيخ أحمد يا رفاعي، أو يا شيخ ~~فلان؛ لشيخ أخذ منه الطريق، ويدخل النار ولا يتأثر منها دون تلاوة شيء أصلا، والأكثر ~~منهم إذا قرأ الأسماء على النار، ولم تضرب له الدفوف، ولم يحصل له تغير حال لم يقدر ~~على مس جمرة. # وقد يتفق أن يقرأ أحدهم الأسماء وتضرب له الدفوف وينادي من ينادي من المشايخ فيدخل ~~ويتأثر، والحاصل أنا لم نر لهم قاعدة مضبوطة، بيد أن الأغلب أنهم إذا ضربت لهم ~~الدفوف، واستغاثوا بمشايخهم وعربدوا؛ يفعلون ما يفعلون ولا يتأثرون. وقد رأيت منهم من ~~يأخذ زق الخمر، ويستغيث بمن يستغيث، ويدخل تنورا كبيرا، ويضطرم فيه النار فيقعد في ~~النار ويشرب الخمر، ويبقى حتى تخمد النار فيخرج ولم يحترق من ثيابه أو جسده ~~شيء. # وأقرب ما يقال في مثل ذلك أنه استدراج وابتلاء، وأما أن يقال: إن الله عز وجل أكرم ~~حضرة الشيخ أحمد الرفاعي - قدس سره - بعدم تأثر المنتسبين إليه كيفما كانوا بالنار ~~ونحوها من السلاح وغيره، إذا هتفوا باسمه أو اسم منتسب إليه في بعض الأحوال، ms070 فبعيد، ~~بل كأني بك تقول بعدم جوازه. وقد يتفق ذلك لبعض المؤمنين في بعض الأحوال إعانة له، ~~وقد يأخذ بعض الناس بيده ولا يتأثر لأجزاء يطلي بها يده من خاصيتها عدم إضرار النار ~~للجسد إذا طلي بها، فيوهم فاعل ذلك أنه كرامة ...» # والشيخ محيي الدين بن العربي يفسر الآية على أسلوب المتصوفة الذين يرمزون بالكلمات ~~إلى الأسرار فيقول: حرقوه أي اتركوه يحترق بنار العشق التي أنتم أوقدتموها أولا، ~~بإلقاء الحقائق والمعارف إليه، التي هي حطب تلك النار عند رؤيته ملكوت السماوات ~~والأرض بإرادة الله إياه كما قال: # وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض # وإشراق الأنوار ~~الصفاتية والأسمائية عند تجليات الجمال والجلال عليه من وراء أستار أعيانكم التي هي ~~منشأ اتقاء النار، وانصروا آلهتكم، أي معشوقاتكم ومعبوداتكم في الإمداد بتلك الأنوار، ~~وإيقاد تلك النار، إن كنتم فاعلين. # بأمر الحق «يا نار كوني بردا وسلاما بالوصول حال الفناء؛ فإن لذة الوصول تفيد الروح ~~الكامل، والسلامة عن نقص الحدثان، وآفة النقصان والإمكان، وأرادوا به كيدا؛ بإفنائه ~~وإحراقه ...» # ومن المفسرين المحدثين محمد علي الهندي الذي ترجم القرآن الكريم إلى الإنجليزية، ~~واجتهد في تفسير آياته فقال: إن الحادث - حادث الأصنام المحطمة - قد هاج ثائرة القوم، ~~وأوقد نيران ضغنهم، وإن الآية التالية تدل على أن النار نار كيد: وأرادوا به كيدا، ~~فجعلناهم الأخسرين. # ولعلهم أرادوا إحراقه فنجاه الله من تدبيرهم، ثم فسر الآية في سورة العنكبوت: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه ~~أو حرقوه فأنجاه الله من النار ~~. # فقال في تفسيرها: إن أعداءه عجزوا عن إحراقه، وكانوا يدبرون له القتل والإحراق فلم ~~يستطيعوا. # والإمام البيضاوي يفسر: فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، فيفهم من الآية أنه ربما ~~رأى مواقع النجوم واتصالاتها، أو نظر في عملها أو في كتابها، ثم يقول: ولا مانع منه ~~مع أن قصده إيهامهم وقد سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم الذي يعيدونه لأربابهم، فأراهم ~~أنه استدل بالنجوم - لأنهم كانوا منجمين - على أنه مشارف للسقم. وكان أغلب أسقامهم ~~الطاعون، ويخافون ms071 عدواه ... قال: وربما أراد أنه سقيم القلب لكفرهم، أو خارج المزاج عن ~~الاعتدال. # ومن الجديد في المصادر الإسلامية أن إبراهيم ولد على مقربة من دمشق، وأن آزر عم ~~إبراهيم ولم يكن أباه، قال صاحب بدائع الزهور في وقائع الدهور: «روى وهب بن منبه أن ~~إبراهيم الخليل # صلى الله عليه وسلم # بن تارح بن ناحور، وقال الحافظ السهيلي: إنه كان مولودا ~~ببلاد حوران، وقيل بقرية تسمى برزة من قرى دمشق في مغارة هناك معروفة، وفيها الدعاء ~~مستجاب ... قال الرواة: إن ساما وحاما ويافث أولاد نوح عليه السلام كانوا ثلاثة ~~أقسام؛ فكانت النبوة في أولاد سام، ومساكنهم الحجاز وما يليها، والقوة في أولاد حام، ~~ومساكنهم المغرب، والتجبر في أولاد يافث، ومساكنهم المشرق ...» # ومن المختلف عليه بين المفسرين والمؤرخين التفسيريين قرابة سارة وإبراهيم؛ فالحافظ ~~ابن كثير يروي أن المشهور أنها ابنة عم لإبراهيم يسمى هاران، ويقول ابن إسحاق ~~الثعلبي، صاحب قصص الأنبياء، نقلا عن أهل العلم بسير الماضين: إنها ابنة عمه ولا ~~يذكر اسمه ... # ويختلفون كذلك في ولد إبراهيم الذي أمر بذبحه، فمنهم من يرى أنه إسحاق، ومنهم من يرى ~~أنه إسماعيل، وجاء في قصص الأنبياء: أن محمد بن إسحاق روى عن محمد بن كعب القرظي أنه ~~كان يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل ... ولم يكن يأمره ~~بذبح إسحاق وله فيه من الله تعالى من الوعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا ~~إسماعيل، قال محمد بن كعب القرظي: فذكرت ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ إذ كنت ~~معه بالشام، فقال لي عمر: إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل ~~إلى رجل كان عنده من الشام - وكان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء ~~يهود - فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده، فقال له: أي ابني إبراهيم الذي ~~كان أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: والله يا أمير المؤمنين، إن اليهود لتعلم ~~ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ms072 على أن يكون أبوكم الذي أمر الله بذبحه؛ لما فيه ~~من الفضل الذي ذكر أنه كان منه بصبره على ما أمر به، فهم يزعمون أنه إسحاق؛ لأن ~~إسحاق أبوهم. # وسنرى فيما يلي أن هذا الاختلاف له جانب هام يفوق في أهميته جانب البحث التاريخي الذي ~~يراد به مجرد العلم باسم الذبيح من ابني إبراهيم، فإنه اختلاف يتعلق به اختيار الشعب ~~الموعود، ويتعلق به الحذف والإثبات في سيرة إبراهيم، ليتصل بذرية إسحاق، وينقطع عن ~~ذرية إسماعيل، أو ليثبت من سيرته كل ما يتعلق بإسرائيل، وينقطع منها كل ما يتعلق ~~بالعرب، وأن هذا النزاع قد بدأ قديما قبل تدوين نسخ التوراة التي كتبت في بابل، أي ~~قبل الميلاد بعدة قرون. # وواضح أن النزاع في أوله لم يكن نزاعا على العقيدة؛ فإن العهد القديم يروي عن ~~إبراهيم أنه قدم العشر لملكي صادق كاهن الله «العلي» أو عليون، الذي كان معبودا ~~لسكان فلسطين وما جاورها إلى الجنوب، وقد زار هيرودوت بلاد العرب الشمالية عند مدخل ~~مصر، وروى عنهم أنهم كانوا يعبدون الله تعالى # Arotal ~~، ~~واللات أو أيليلات # Alilat # منذ قرون سابقة للقرن ~~الخامس قبل الميلاد - وهو القرن الذي عاش فيه هيرودوت - فلم يكن النزاع على العقيدة ~~في نشأته إلا فرعا من فروع التنازع على الميراث، ولم يكن شأن الذرية الموعودة أو ~~المختارة إلا أنها تعزز دعواها في ذلك النزاع، وتنفي عنه من ينازعها عليه. # وهذه المشكلة التي عرضت لمحمد بن إسحاق القرظي قد صادفت فقهاء المسيحية من قبل كما ~~صادفت فقهاء الإسلام؛ إذ كيف يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق وهو ابنه الموعود الذي يخرج منه ~~شعب الله المختار؟ إن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يقول في الإصحاح الحادي عشر حلا ~~لهذه المشكلة: «إن إبراهيم بالإيمان قدم إسحاق وحيده الذي قيل له: إنه بإسحاق يدعى لك ~~نسل؛ إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات.» # وحل المشكلة على هذا الوجه جديد في المسيحية، لم ينظر إليه أحبار اليهود الذين ~~اعتبروا أن التضحية قائمة على تسليم إبراهيم ms073 بموت إسحاق، وأنه أطاع الله ولم يطع ~~قلبه، ولم يحفل بحنانه على ابنه الموعود. ويبقى من المشكلة جانب آخر، وهو وصف الابن ~~بالوحيد، فلم يكن إسحاق وحيدا مع وجود إسماعيل. أما إسماعيل فكان وحيدا قبل مولد ~~إسحاق. # إن فهم السيرة كما جاءت في الكتب الدينية، أو في كتب الشروح والتعليقات لا يتهيأ ~~للباحث ما لم يضع أمامه سر الاختلاف على إسحاق وإسماعيل. وما نقلناه هنا من المصادر ~~الإسلامية يوضح هذا السر بعض الإيضاح، وربما تم إيضاحه بما يلي من مصادر ~~التاريخ. # الفصل السادس # | مراجع الصابئة # تدين بعقائد الصابئة ملة يبلغ عدد أبنائها ستة آلاف بين رجل وامرأة وطفل، ولا يجاوز ~~بها المبالغ في عددها عشرة آلاف. # وهي على قلة عددها تستقل بلغة «مقدسة» خاصة، ولها كتابة أبجدية خاصة، وأحكام دينية في ~~معيشتها لا تشبه في جملتها دينا واحدا، ولكنها تشبه في بعض أجزائها كل دين. # ومن ثم كان لها شأنها في الدراسات الدينية. # ففيها ولا شك عقائد سابقة لجميع الأديان الكتابية، وعقائد سابقة لدين الخليل. # بل فيها - على رأي بعض الباحثين - بقية من الديانتين المختلفتين في عصر الخليل؛ لأن ~~الصائبة يدينون بمذاهب مختلفة يرد بعضها على بعض، ولا سيما مذاهب الكواكب والأصنام، ~~مما تواترت الأخبار بالاختلاف عليه بين قوم إبراهيم ومن حاربوهم واضطروهم إلى الهجرة ~~من بلادهم. # ويقول رايت # Wright ~~، صاحب كتاب المطالعة العربية: إن ~~حروفهم الأبجدية تشبه الحروف النبطية، وإن لغتهم تشبه لغة التلمود الذي كتب في بابل، ~~ويقولون هم: إن لغتهم الأولى سريانية، وإنهم كانوا بمصر على عهد الفراعنة الأول، ~~وتلقوا ديانتهم الأولى عن أحبارها، ثم هجروها حين تحول أهلها عن الدين ~~القويم. # والمحقق من أمرهم أنهم يرجعون إلى أصل قديم؛ لأن استقلالهم باللغة الدينية والكتابة ~~الأبجدية لم ينشأ في عصر حديث، ولهذا يفهم الدارسون للأديان أن تحقيق لغتهم وكتابتهم ~~يؤدي إلى جلاء الغوامض عن كثير من تاريخ الكلدان، في الزمن الذي قام فيه الخليل ~~بدعوته. ويؤكد هذا الفهم أن هؤلاء الصابئة يقيمون في الأقاليم الجنوبية من العراق ms074 حيث ~~أقام الخليل في رواية العهد القديم، ومنهم فئة تحج إلى حاران التي هاجر إليها، وينسب ~~إليها الصابئة الحرانيون. # ومع استقلال الصابئة باللغة الدينية والكتابة الأبجدية يشتركون مع أصحاب الأديان في ~~شعائر كثيرة، ولا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في إحدى ~~الشعائر؛ فهم يشبهون البراهمة والمجوس والأورفيين أصحاب النحل السرية، كما يشبهون ~~اليهود والنصارى والمسلمين، أو كما يشبهون الفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية في تفسير ~~الوجود والموجودات. # وهم كما يشبهون الجميع يخالفون الجميع. # وتعليل هذه المخالفة أنهم تشبثوا بأصل قديم لا يفارقونه. أما تعليل المشابهة فليس ~~بالعسير؛ فإن مقام الصابئة عند خليج فارس يجعلهم في طريق كل ملة يتردد أبناؤها على ~~ذلك الإقليم أو يقيمون فيه، وقد تردد عليه من قديم الزمن هنود وفرس وطورانيون وعرب ~~وسريان وفينيقيون، واتصل به أبناء البحار كما اتصل به أبناء الصحراء، فليس بالعجيب أن ~~تعلق بعقيدة الصابئة الأقدمين مسحة من كل ملة على طول الزمن وتتابع العهود. # فمن مشابهتهم للبراهمة أنهم يتحرجون من ملامسة غيرهم، ويتطهرون إذا لمسوا غريبا في ~~حالة من حالات العبادة. # ومن مشابهتهم لأصحاب العقائد الأورفية - أو السرية - أنهم يكتمون كتبهم أشد الكتمان، ~~ولا يباشرون شعائرهم مع الغرباء، ويتقاسمون الخبز المقدس علامة على الأخوة الروحية، ~~ويعتقدون أن الكون كونان، وأن الخلق خلقان؛ فالكون الظاهر غير الكون الباطن، ولكل ~~مخلوق في العلانية صورة محجوبة في عالم الغيب، حتى آدم وبنوه منهم أهل ظاهر وأهل باطن ~~لا يراهم من يعيشون في العلانية. # ومن مشابهتهم للمجوس أنهم يتوجهون إلى قطب الشمال وإلى الكواكب عامة، ولكنهم لا ~~يعبدونها، بل يحسبونها من مظاهر الروحانيات التي لا تبرز للعيان. # ومن مشابهتهم للمسيحيين أنهم يدينون بالعماد، ويبجلون يوحنا المعمدان أو يحيى ~~المغتسل، ولكن التعميد أعم عندهم من التعميد في المسيحية، ويندر منهم من يسكن بعيدا ~~من الأنهار؛ لحاجتهم كل يوم إلى العماد وإلى التطهير بالماء. # ومن مشابهتهم للمسلمين أنهم يقيمون الصلاة مرات في اليوم، ويقولون: إنها فرضت عليهم ~~سبعا، ثم أسقطها يوحنا عنهم، وأدخل ms075 بعضها في بعض، واكتفى منها بثلاث، ولكنهم لا ~~يسجدون في صلاتهم، بل يكتفون بالقيام والركوع، وهم يتوضئون قبل الصلاة، ويغتسلون من ~~الجنابة، ويعرفون نواقض الوضوء، ولكنهم يغالون فيها. # وعندهم ذبائح كذبائح اليهود، ويوم في ختام السنة كيوم اليهود، ولكنهم يحرمون الختان، ~~ولا يبنون لهم هيكلا قائما، بل يبنون الهيكل من القصب كما تبنى الخيام، موقوتا عند ~~الحاجة إليه في الأعياد، فكأنها بقية أو أصل لعيد الظلال وللهيكل المنقول. # ومنهم من ينتمي إلى كاظم بن تارح، وقد ذكرهم المقريزي بين الفرق المختلفة، وكأنهم ~~يقابلون دين إبراهيم بدين أخ له ينتمي إلى تارح، أبي إبراهيم في رواية العهد ~~القديم. # وهم ينكرون الأنبياء ويقولون: إن الله لا يخاطب أحدا من البشر، وإنما خلق الله ~~الروحانيات، أي الملائكة، ثم تلبست هذه الروحانيات بالكواكب النورانية، ولما احتاج ~~الأمر إلى أمثلة لهذه الكواكب يراها العباد حين يشاءون، صنعوا لها صورا من الأوثان، ~~وجعلوا اتجاههم إلى نجم القطب؛ لأنه ثابت في مكانه لا يختلف له فلك باختلاف ~~الأزمان. # ولهم أقوال في تنزيه العقل الإلهي تشبه أقوال الفلاسفة، ومنهم من يحرم الطعام الذي ~~حرمه أتباع فيثاغورس كالبصل، ويضيفون إليه أنواعا من الخضر كالكرنب ولحوم الحيوان ذي ~~الذنب؛ لأنهم يستوحون الغيب في الرؤيا، وهذه الأطعمة تمنع الرؤيا الصادقة. # والغالب أنهم عرفوا شيئا من أقوال حكماء اليونان من طريق القساوسة النسطوريين، الذين ~~هاجروا إلى جنوب العراق في صدر المسيحية هربا من الاضطهاد، وكان أكثرهم يعرفون ~~اليونانية ويقرءون الفلسفة، ولا سيما الرواقية والفيثاغورية، ولكن اتصال اليونان ~~ببلاد الكلدان أقدم من المسيحية ومن اليهودية. ومن الكلدانيين أخذ اليونانيون خصائص ~~الكواكب المعبودة، وحرمات المعابد التي تقام لها، وشعائر الطواف بها وحماية الضحايا ~~التي ترسل في حرم المعبد، وما إلى ذلك من العادات والعبادات، التي اندثرت بين الصابئة ~~المحدثين ضرورة لا حيلة لهم فيها؛ لأن إقامة الحرم في مكان مطروق إنما يقوم بقوة ~~الحاكم، وبناء المعابد إنما يقوم بوفرة المال وكثرة العدد، وهم قلائل متفرقون لا ~~يملكون الثروة ولا السلطان. ~~••• # والمشهور عن الصابئة أنهم ms076 يوقرون الكعبة في مكة، ويعتقدون أنها بناء هرمس أو إدريس ~~عليه السلام، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرءوا صفة ~~محمد عليه السلام في كتبهم، ويسمونه عندهم ملك العرب؛ لأن الشائع فيهم أنهم لا يؤمنون ~~بالأنبياء، إلا فرقة واحدة تذكر شيثا وإدريس وإبراهيم ويحيى المغتسل، ويحسبونهم تارة ~~من الأنبياء، وتارة من عباد الله الخلص الذين وصلوا بالرياضة والعبادة إلى مقام ~~الزلفى والإلهام. # وقد كان الباحثون يعجبون لتنويه القرآن الكريم بهذه الملة مع قلة عددها، وخفاء أمرها، ~~ولكن الدراسات الحديثة بينت للباحثين العصريين شأن هذه الملة في دراسات الأديان كافة، ~~فعادوا يبحثون عن عقائدها الآن وعقائدها في عصر الدعوة الإسلامية، وثبت لهم أنها تؤمن ~~بالله واليوم الآخر، وتؤمن بالحساب والعقاب، وأن الأبرار يذهبون بعد الموت إلى عالم ~~النور «آلمي دنهورو»، وأن المذنبين يذهبون إلى عالم الظلام «آلمي دهشوخا»، ويلبثون ~~فيه زمنا على حسب ذنوبهم، ثم ينقلون منه إلى عالم النور. # ولهم كتاب يسمونه «كنزة»، ولعله من مادة الكنز التي تفيد معنى النفاسة والكتمان؛ ~~لأنهم يقدسونه ويخفونه فلا يطلعون أحدا على أسراره. # إلا أن المتفق عليه أن اللغة التي كتب بها كتاب الكنزة وغيره من الكتب المقدسة عندهم ~~هي لغة سامية الأصل قريبة من السريانية، وتكفي نظرة في مصطلحاتهم للجزم بهذه الصلة ~~الوثيقة بين لغتهم واللغة العربية الحديثة، فضلا عن القديمة المهجورة. ~~••• # فمن كلماتهم ومصطلحاتهم «آلمي» بمعنى عالم، و«شماس» بمعنى شمس، و«هي» بمعنى حي، ~~و«روحايا» بمعنى روح، و«موشيهه» بمعنى المسيح، و«يهيه» بمعنى يحيى، و«قدموي» بمعنى ~~القديم، وحران «سفلايي» بمعنى السفلي، و«ترميد» بمعنى تلميذ، و«أسفر» بمعنى سفر، ~~«تنيائي» بمعنى الثاني، و«تليثائي» بمعنى الثالث، واسم الصابئة نفسه على ما يقول ~~بعضهم مأخوذ من السابحة؛ سموا به لكثرة الاغتسال في شعائرهم، وملازمتهم شواطئ ~~الأنهار من أجل ذلك، ولكنهم يطلقون على ملتهم اسم «مندالي» ولا يعرف من أين مأخذه ~~القديم، واشتقاق اسمهم من السبح أرجح من نسبة الاسم إلى السبأوث العبرية بمعنى الجنود ~~- جنود السماء - أي الكواكب، التي اشتهروا بعبادتها. # والأبجدية عندهم ms077 قريبة من أبجدية حساب الجمل على حسب ترتيبها في أبجد هوز حطي كلمن ~~إلخ؛ وهي: «آ، با، كا، دا، ها، وا، زا، ها، طا، ها، يا، كا، لا، ما، نا، سا، أي، يا، ~~صا، قا، را، شا، تا.» # ومن هذه الحروف ما يقارب مخارج الحروف التي تقابله في اللغة الفارسية؛ لأنهم تعودوا ~~نطقها منذ زمن قديم. # ولم يتيسر حتى اليوم كشف الستار عن بواطن معتقداتهم وشعائرهم؛ لأنهم يصطنعون التقية ~~ويوجبونها، ومن ذاك أنهم يحرمون الصيام باطنا كما اشتهر عنهم، ولكنهم يصومون جهرا، ~~ويروي ابن النديم في الفهرست أنهم يصومون ثلاثين يوما مفرقة على أشهر السنة، وقد ~~ينتفلون بصيام أيام النسيء الخمسة، ويروى عنهم أيضا أنهم يصومون خمسة أسابيع يأكلون ~~فيها الطعام نهارا وليلا، ويجتنبون أكل اللحوم المباحة لهم، وهي غير ذات الذنب، ~~ويقال: إن الصيام بنوعيه قديم عندهم يرجع إلى أيام البابليين. # وقد ذكرهم القرآن الكريم غير مرة، وجاء في سورة البقرة: (62): # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~. # ولا نعلم اليوم على التحقيق تفصيل عبادتهم في أيام الدعوة الإسلامية، ولكنهم كانوا ~~ولا يزالون ينزهون الله غاية التنزيه ويقولون: إن الكواكب ملائكة نورانية. ولم تكن ~~لهم هياكل ولا أصنام عند ظهور الإسلام، ولا بد عندهم من مخلوق متوسط بين الروحانية ~~والمادية يهدي الناس إلى الحق؛ لأن الروحانيات مخلوقة من كلام الله جل وعلا، دعاها ~~بأسمائها فوجدت، ولا يصل كلام الله إلى الناس إلا بوساطة مخلوق بين النور والتراب، ~~ترفعه الرياضة والهداية، وتؤثره نعمة الله. # وأقرب ما نشبه به هذه العقيدة أنها كالحوض الذي تصب فيه مسارب الماء من كل مورد، فإذا ~~أخذت ماءه فحللته وجدت فيه أثرا من كل مسرب، ولكنها توجد فيه على امتزاج، ولا بد من ~~الجهد لتصفيتها والرجوع بكل جزء من أجزائها إلى ينبوعه الذي صدر منه في أصله ~~البعيد. # وهكذا العقيدة الصابئية في امتزاج عناصرها وعلاقة كل عنصر منها ms078 بالعناصر الأخرى، ~~ولكنها على هذا الامتزاج مهمة جدا في البحث عن تلك العقائد، وبخاصة عقيدة ~~الخليل. # فهي مهمة من وجهة المكان؛ لأنها قديمة العلاقة بكل مكان تعلقت به سيرته عليه السلام، ~~من جنوب الفرات إلى شماله، إلى بلاد السريان، إلى بلاد النبطية من شمال ~~الحجاز. # وهي مهمة من وجهة زمانها؛ لأن لغتها المقدسة تشير إلى زمان متوسط بين اللغات القديمة ~~المهجورة واللغة السريانية الحديثة، ولم تكن لغة إبراهيم سريانية حديثة كالتي بقيت ~~إلى الزمن الأخير، ولم تكن إحدى اللغات المهجورة التي يجمع المؤرخون موادها مبعثرة ~~متفرقة، ولا يفهمون مفرداتها وتراكيبها وقواعدها؛ فإن تلك اللغات المهجورة قد انقطعت ~~صلتها بمن بعدها على خلاف لغة الخليل. # فإذا أشارت لغة الصابئة إلى زمن متوسط بين اللغات المهجورة واللغات السامية المتأخرة، ~~فهي إحدى القرائن التي يستعان بها على تعيين زمان الخليل. ~~••• # وهي مهمة من جهة موضوعها؛ لأنها ترينا ملتقى التوحيد القديم والوثنية القديمة، وفيها ~~بقايا الاصطدام بين العقيدتين، وقد يكون مدار الاختلاف بين عقيدة الخليل ومخالفيه حول ~~هذا المصطدم، فإن بقايا التنازع بين المعتقدات ظاهرة في العقائد الصابئية يكاد بعضها ~~أن يكون ردا على البعض الآخر، فلا وثنية ولا إيمان بالكواكب من جهة، ولا خلاص في ~~الوقت نفسه من الوثنية والإيمان بالكواكب على صورة من الصور، ولعل العقيدة الصابئية - ~~كما بقيت - خليط مجتمع من الجانبين بعد هجرة إبراهيم وشيعته من وطنهم القديم. # ومن هنا كانت نحلة الصابئة مهمة في دراسة الأديان على العموم، ودراسة دين إبراهيم على ~~الخصوص، وكان لها في ذلك شأن لا يناسب عددها القليل وعزلتها التي فرضتها على نفسها ~~وفرضتها عليها أحداث الأيام. # الفصل السابع # | مصادر التاريخ القديم # لم يبق من المراجع القديمة ما يضاف إلى الأبواب السابقة غير أقوال المؤرخين ~~الأقدمين. # وهؤلاء المؤرخون الأقدمون ينتمون إلى الأديان الكتابية الثلاثة، ويعول كل منهم على ~~كتب دينه، فلا يناقضها، وقد يزيد عليها ما ينطوي فيها ولا ينفيها، وقد يأتي في ~~أخبارهم ما يخالف كتب الأديان الأخرى، ويزيد عليها شيئا لا يسلمه من ms079 يعتقدونها، ولكن ~~التواريخ القديمة على العموم لم تعتمد على مصدر غير كتب الدين وتفسيراتها في كل ~~ملة. # وليس المقام هنا متسعا للإفاضة في النقل من كتب المؤرخين الأقدمين، فنحن نختار ~~مؤرخا من كل ملة يقتدي به المقتدون في بابه، ونكتفي بيوسيفوس من مؤرخي اليهود، وأبي ~~الفرج ابن العبري من مؤرخي المسيحيين، وأبي الفداء من مؤرخي المسلمين. ~~(1) تاريخ يوسيفوس ~~«سأتكلم الآن عن العبرانيين ... # فالج بن عابر ولد له رعوس، وولد لرعوس سيروج، وولد لسيروج ناخور، وولد لناخور ~~ثيروس # Therrus ~~، # 1 # وهو ~~أبو إبراهيم العاشر من سلالة نوح، ومولده في سنة 992 بعد الطوفان. ~~... وكان لإبرهيم أخوان: ناخور وآران. # وولد لآران «حاران» لوط وبنتان؛ هما: سارة وملكة، ومات في بلاد الكلدان في بلدة ~~تسمى أور الكلدانيين، وقبره هناك يرى إلى اليوم ... وتزوج ناخور بنت أخيه ملكة، ~~وتزوج إبراهيم بنت أخيه سارة، وكره ثيروس المقام بأور حيث فقد ابنه المحزون ~~عليه حاران، فهاجر منها إلى شاران «حران» بالعراق، حيث مات ثيروس، وله من العمر ~~مائتا سنة وخمس سنوات؛ إذ كان عمر الإنسان قد قصر، ولم يزل يقصر إلى عهد موسى، ~~فأصبحت غايته مائة وعشرين سنة، وهو عمر موسى. # ولد لناخور ثمانية من زوجته ملكة؛ وهم: عز، وبوغر، وبثوئيل، وخزام، وعنرو، ~~وآدلفاس، وآدفاس، وثبوئيل، وهؤلاء هم أبناؤه الشرعيون من زوجته ملكة، أما ~~أبناؤه الآخرون فهم: طباي، وجدام، وطاو، وماخاس من جاريته روما. # وولد لبثوئيل بنت اسمها رفقة، وولد اسمه لابان ... # ولما لم يكن لإبراهيم ولد شرعي تبنى لوطا، ابن أخيه حاران وأخا زوجته سارة، ~~وترك بلاد الكلدانيين وهو في الخامسة والسبعين؛ ليذهب إلى كنعان حيث أمره الله، ~~وحيث ترك ذريته من بعده. # وكان إبراهيم رجلا متيقظ الذهن في جميع الأمور، مقنعا لمن يسمعه، غير مخطئ في ~~فهمه واستدلاله، فأدرك من حقائق الفضائل ما لم يدركه سائر البشر، واعتزم أن ~~يصحح الأفكار التي شاعت بينهم عن الله ويغيرها، فكان من ثم أول من اجترأ على ~~المناداة بأن الله خالق الكون واحد، وأنه إذا وجد كائن ms080 آخر ينفع الناس فإنما ~~يفعل ذلك بإذنه، لا يفعله بقدرة من عنده. # وقد انتهى إلى ذلك من مراقبته لما يطرأ على الأرض والماء، والشمس والقمر، وسائر ~~الأجرام السماوية من عوارض التغير والتقلب، أو لاح له أن هذه الأجرام لو كانت ~~لها مشيئة لحكمت على نفسها، فأما وهي لا تملك نفسها، فكل ما تصنعه وكل ما ~~ينفعنا من صنيعها؛ فليس من عندها، بل من عند من يحكمها، وهو الجدير دون سواه ~~بالشكر والطاعة منا ... # والواقع أن هذه الأفكار هي التي أثارت عليه الكلدانيين والعراقيين، فرأى من ~~الخير بمشيئة الله ومعونته أن يرحل إلى أرض كنعان، وهناك استقر وبنى لله ~~مذبحا، وقدم عليه القربان. # ويذكر المؤرخ برسوس أبانا إبراهيم ولا يسميه حيث يقول: إنه في الجيل العاشر بعد ~~الطوفان عاش بين الكلدانيين رجل صدق متبحر في العلوم السماوية ... وزاد المؤرخ ~~هكتاتوس # 2 # على ذلك أنه ألف كتابا عنه، وقال ~~نقولا الدمشقي في الكتاب الرابع من تاريخه: إن إبراميس # 3 # حكم في دمشق، وكان مغيرا ~~قدم من أرض بابل من البلاد التي تسمى بلاد الكلدانيين، ولم يمض عليه زمن طويل ~~حتى هجرها وقومه إلى أرض كنعان - وتسمى اليوم يهودا - وفيها ذريته الذين سأكتب ~~عنهم في كتاب آخر، ولا يزال اسم إبرام مشهورا في إقليم دمشق حيث تسمى إحدى ~~القرى بمسكن إبرام. # ثم مضى زمن وأصاب كنعان القحط، وسمع إبراهيم برخاء المصريين، فاعتزم الهجرة إلى ~~مصر ليصيب من خيراتها، ويسمع ما يقوله أحبارها في أمر الله، وفي نفسه إذا علم ~~من كلامهم ما هو خير مما عنده أن يتقبله، أو يرى أن عقيدته خير مما عندهم ~~فيدعوهم إليها. # وأخذ سارة معه، وخاف ولع المصريين بالنساء، وأن يغصبه عليها الملك، ويقتله من ~~أجلها لجمالها، فأوصاها أن تقول: إنها أخته، وحدث بعد وصوله إلى مصر كل ما ~~توقعه، فتسامع الناس بجمال زوجته، ولم يقنع فرواثيس # 4 # ملك المصريين بالسماع، فهم بأخذها ~~لولا أن الله أحبط جريمته بما فشا في مصر من الوباء والقلاقل، ثم قرب الملك ms081 ~~قرابينه ليعلم حقيقة البلاء، فقال له الأحبار: إن البلاء من غضب الله؛ لأنه نوى ~~في نفسه أن يغتصب امرأة رجل غريب ... # ولما بلغ منه الرعب سأل سارة: من هي؟ ومن هو الرجل الذي جاءت به معها؟ فاعتذر ~~لإبراهيم حين علم جلية الخبر وقال له: إنه لم يتعلق بها إلا لظنه أنها أخته لا ~~زوجته، وإنما أراد أن يبني بها ولم يرد أن يغتصبها في نزوة من نزوات هواه، ثم ~~أغدق على إبراهيم ثروة جزيلة، # 5 # وطفق إبراهيم يباحث علماء مصر، وتزداد شهرته ~~بالعلم والفضيلة. # ولما رأى إبراهيم أن المصريين متشبثون بعادات شتى يخالف بعضهم بعضا من جرائها، ~~ويعادي بعضهم بعضا لأجلها؛ جعل يناقشهم فيها كل فريق على حدة، ويبدي لهم ~~جميعا أنها ليست على شيء من الحق، ويحل بذلك منهم محل الإعجاب، فيعلمون أنه لم ~~يكن على نصيب وافر من الفطنة وحسب، بل كان كذلك عظيم القدرة على إقناع سامعيه ~~في كل موضوع تناوله ببحثه، وقد أطلعهم على علم الحساب وقوانين الفلك، ولم يكن ~~أحد من المصريين على علم بها قبل مقدم إبراهيم، وإنما جاءت من الكلدان إلى مصر، ~~ثم من مصر إلى الإغريق. # ثم قسم الأرض بينه وبين لوط بعد عودته إلى أرض كنعان، وكان رعاتهم يتنازعون ~~المرعى في مكان واحد، فجعل لوطا يختار ما يشاء، ورضي هو بما تركه له من منخفض ~~الأرض في تابرو - حبرون - وهي أقدم من مدينة تانيس بسبع سنوات. # 6 # أما لوط فاختار السهل إلى ناحية نهر الأردن غير بعيد من مدينة سدوم، وكانت ~~مدينة عامرة قضى الله عليها بالخراب لما سنبينه في موضعه. # وكانت سدوم مزدهرة في العصر الذي سيطر فيه الآشوريون على آسيا، وغزرت ثروتها، ~~وتكاثر عدد شبابها، وحكم أرضها خمسة ملوك؛ هم: بالاس، وبالياس، وسينابان، ~~وسنفبر، وملك البالان، كل منهم في إقليمه. وزحف الآشوريون على هؤلاء الملوك ~~الخمسة بعد أن قسموا جيوشهم إلى أربعة أقسام، يقود كل جيش منها قائد غير قواد ~~الجيوش الأخرى، ثم ضربوا عليهم الحصار، ودارت المعركة بينهم، ms082 وفرض الآشوريون ~~جزية على الملوك السدوميين. # وخضع هؤلاء الملوك اثنتي عشرة سنة يؤدون الجزية التي فرضت عليهم، ولكنهم ثاروا ~~في السنة الثالثة عشرة، فجرد عليهم الآشوريون جيشا بقيادة أمرا بسيدس وأريوخ ~~وقدر لعومر وثدال، وعاث هؤلاء في سورية جميعا، وأخضعوا سلالة الجبارين، ثم ~~بلغوا سدوم وعسكروا في الوادي المعروف بحفرة القار؛ إذ كان الوادي كثير الحفر ~~حين كانت سدوم عامرة، ثم امتلأت الحفر بالماء بعد تدميرها، وأصبحت بحيرة تسمى ~~بالأسفلتية. وسأعود إلى خبر هذه البحيرة قريبا. # واشتبك السدوميون والآشوريون في قتال عنيف هلك فيه كثيرون، ووقع الباقون من ~~السدوميين في الأسر، وكان بين الأسرى لوط وقومه؛ لأنهم حالفوا ~~السدوميين. # وسمع إبراهيم بالنكبة فداخله الخوف على قريبه لوط، والإشفاق على أصحابه وجيرانه ~~السدوميين، واعتزم التعجيل بإنقاذهم، وخرج في الليلة الخامسة فانقض على ~~الآشوريين بالقرب من مدينة دان على إحدى شعبتي نهر الأردن، وفاجأهم قبل أن ~~يستعدوا بالسلاح، وذبح بعضهم وهم على فراشهم جاهلين بمصيرهم، وهرب الآخرون ~~الذين استلقوا على الفراش سكارى ولما يستغرقوا في الرقاد، فجد إبراهيم في ~~اقتفاء أثرهم حتى بلغ «أوبه» بأرض الدمشقيين، ودل بذلك على أن النصر لا يتوقف ~~على كثرة الأيدي، وأن الغيرة والصلابة تغلبان العدد الكثير؛ لأنه انتصر ~~بثلاثمائة وثمانية عشر من عبيده وثلاثة من أصحابه على ذلك الجمع الكبير، وأرسل ~~بقيتهم ناجين بالخزي إلى ديارهم. # ولما خلص إبراهيم السدوميين ومعهم قريبه لوط عاد في سلام، ولقيه ملك سدوم في ~~المكان المسمى بالوادي الملكي، واستقبله هناك ملك سليمي ملكي صادق، ومعنى هذا ~~الاسم: الملك الصديق، وهو اسم اشتهر به بين الجميع، فاختاروه كاهنا لله، ~~وأصبحت سليمي هذه المكان الذي عرف بعد ذلك باسم «أورشليم». # ورحب ملكي صادق بإبراهيم، ووسعه ومن معه في ضيافته، وجعل في أثناء الضيافة يثني ~~على إبراهيم، ويحمد الله الذي أسلم أعداءه إلى يديه، فقدم له إبراهيم عندئذ ~~عشر الغنائم، فقبل الهدية. أما ملك سدوم فقد رجا إبراهيم أن يستبقي له كل ~~الغنائم، ولم يطلب غير رعيته التي أسرها الآشوريون، فأبى إبراهيم أن ms083 يأخذ شيئا ~~غير طعام عبيده، ووهب بعض الغنائم لشركائه في القتال، وأولهم أسخون، والآخران ~~عنر ومامبر. # ورضي الله عن هذه المأثرة منه وقال له: إنه لن يضيع جزاءه على هذا العمل الطيب، ~~فأجاب إبراهيم: وأي شيء يسرني من هذا الجزاء إن لم يكن لي وريث بعدي؟ فأنبأه ~~الله أنه سيعقب ولدا تبلغ ذريته عدد النجوم في كثرتها، فقرب إبراهيم إلى الله ~~قربانا حسب أمره عند سماعه بهذه البشرى، وكان القربان على هذا النحو؛ إذ أخذ ~~عجلا ابن ثلاث سنوات، وحملا ابن ثلاث سنوات كذلك، ويمامة وحمامة، وذبحها وشطر ~~كلا منها شطرين ما عدا الطير، وقبل أن يقام المذبح، ولما تزل جوارح الطير ~~تحوم على الذبائح، متعطشة الدم، سمع صوتا إلهيا يقول له: إن ذريته ستلقى ~~الشر من جيرة مصر أربعمائة سنة، ولكنهم بعد العذاب يغلبون عدوهم، ويقهرون ~~الكنعانيين في القتال، ويملكون أرضهم ومدائنهم ... # وكان إبراهيم يعيش على مقربة من بلوطة عجيج، غير بعيد في أرض كنعان من مدينة ~~الحبرونيين، حيث أخزنه عقم زوجته فصلى لله كي يرزقه ولدا ذكرا، وأمره الله أن ~~يوقن من ذلك كما أيقن بالخير من طاعته لأمر الله الذي أمره بالهجرة من ~~العراق. # وأحضرت سارة بأمر الله إلى فراشه إحدى جواريها المصريات المسماة هاجر عسى أن ~~يرزق منها ذرية، فلما حملت اجترأت على إهانة سارة، واتخذت سمة الملكات كأنما ~~تصير حوزة إبراهيم كلها إلى ابنها الذي لم يولد، فأسلمها إبراهيم إلى سارة ~~تؤدبها، ولم تصبر هاجر على مذلتها فهربت، ودعت إلى الله، وأمرها أن تعود إلى ~~سيدها وسيدتها، ووعدها أن ترضى عن عيشها إذا هي غضت من كبريائها؛ لأنها لقيت ما ~~لقيته من جراء الاستطالة على مولاتها، وأنها إذا عصت أمر ربها هلكت، ولكنها إذا ~~عادت إلى البيت صارت أما لولد يملك تلك الأرض، فأطاعت وعادت إلى سيدها ~~وسيدتها فسامحاها، ووضعت بعد قليل ولدا سمته إسماعيل؛ أي المسموع من الله؛ لأن ~~الله استمع لصلاتها. # وكان إبراهيم قد بلغ السادسة والثمانين حين ولد له هذا الولد، وبلغ ms084 التاسعة ~~والتسعين حين تراءى له الرب وبشره بولد يرزقه من سارة، آمرا له أن يسميه ~~إسحاق، وموحيا إليه أن أمما عظيمة وملوكا سيخرجون من نسله، وأنهم يستولون ~~بالحرب على أرض كنعان كلها من صيدا إلى مصر، وعليهم أن يختتنوا لكيلا يختلطوا ~~بالأمم الأخرى، وأن يكون الختان في اليوم الثاني بعد الولادة. وسأبين فيما بعد ~~أسباب عادة الختان عندنا ... # وسأل إبراهيم عن إسماعيل: هل يعيش؟ فأنبأه الله أنه سيعيش ويعمر ويصبح أبا ~~لأمم عظيمة، فشكر إبراهيم لربه هذه النعم، واختتن هو وآل بيته جميعا وإسماعيل ~~الذي كان يومئذ في الثالثة عشرة، وكان أبوه في التاسعة والتسعين ...» # ثم مضى يوسيفوس يروي قصة سدوم، ونجاة لوط إلى صغير التي سميت بذلك لصغرها، وأن ~~بنتي لوط أشفقتا من هلاك الجنس البشري فولدتا لأبيهما موآب، ومعناها من الأب، ~~وعمان، ومعناه ابن السلالة، ومن ذريتهما أبناء سورية الشرقية والجنوبية. # ثم روى يوسيفوس مولد إسحاق وختانه في اليوم الثامن، وأن العرب يؤجلون الختان ~~إلى السنة الثالثة عشرة كما اختتن أبوهم إسماعيل، وأن سارة عادت فأصرت على ~~إقصاء هاجر وابنها، فخرجا إلى البرية، وكاد الغلام أن يموت عطشا تحت شجرة من ~~أشجار التنوب، لولا أن هدى الملك من الرب هاجر أمه إلى ينبوع ماء ~~قريب. # قال يوسيفوس: ولما بلغ الصبي مبلغ الرجال زوجته أمه مصرية من قومها، فولدت له ~~اثني عشر ولدا؛ هم: نبايوث، وقدار، وعبدئيل، ومبسام، ومشمع، وأدوم، وماسم، ~~وقدوم، وتيمان، وجثور، ونافش، وقدماس، واستولى هؤلاء على الأرض كلها من العراق ~~إلى البحر الأحمر، وسموا بالنباتيين «النبطيين»، وهم الذين سمي باسمهم جميع ~~أمة العرب وقبائلها؛ إكراما لشأنهم ولشهرة إبراهيم. # ثم بنى إبراهيم بعد ذلك بقطورة، وولد له منها ستة أبناء أقوياء على العمل، ~~سرعاء في الفهم؛ وهم: زمبران، وجزار، ومدان، ومديان، ولوشباق، وسوس، فأرسلهم ~~إبراهيم وأبناءهم يلتمسون لهم منازل على التروجلوديتس # Troglodytis ~~، وفي بلاد العربية السعيدة التي تمتد إلى ~~البحر الأحمر، ويقال: إن أفرون بن مدان جرد حملة على لوبيا واحتلها، وإن أبناء ~~أبنائه أقاموا هناك وسموا ms085 الأرض باسم أفريقا. # ثم ختم يوسيفوس قصة إبراهيم بنبأ وفاته، وقال: إن إسحاق وإسماعيل دفناه إلى ~~جوار سارة في مقبرة حبرون، وكان قد روى في ختام قصة سارة أن الكنعانيين تبرعوا ~~بدفنها على النفقة العامة، ولكن إبراهيم اشترى المدفن من إخرايم بأربعمائة ~~مثقال. ~~(2) ابن العبري # وإذا كان يوسيفوس مثلا للمؤرخ القديم من الوجهة الإسرائيلية؛ فابن العبري أبو ~~الفرج بن هارون، صاحب مختصر الدول، المتوفى سنة 1286، قد يكون المثل الوحيد ~~للمؤرخ القديم من الوجهة المسيحية في هذا الموضوع؛ لأنه إمام من أئمة الكنيسة ~~السريانية التي ينتشر أتباعها في مواطن إبراهيم، ويحفظون أخباره التقليدية منذ ~~القرن الأول للميلاد. # قال في كلامه عن دولة الأولياء - أي الآباء - في بني ~~إسرائيل: # ومن أئمتنا باسليوس وأفريم يزعمان أن من ~~آدم إلى عابر هذا كانت لغة الناس واحدة، وهي السريانية، وبها كلم ~~الله آدم. # وتنقسم إلى ثلاث لغات: أفصحها الآرامية، وهي لغة أهل الرها وحران ~~والشام الخارجة، وبعدها الفلسطينية، وهي لغة أهل دمشق وجبل لبنان ~~وباقي الشام الداخلة، واسمها الكلدانية النبطية، وهي لغة أهل جبال ~~أثور «آشور» وسواد العراق. ويعقوب الرهاوي يقول: إن اللغة لم تزل ~~عبرية إلى أن تبلبلت الألسن ببابل. # وفالغ بن عامر ولد له أرعو وعمره على الرأي ~~السبعيني # 7 # مائة وثلاثون ~~سنة، وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة، وجميع أيامه ثلاثمائة وثلاث ~~وأربعون سنة ... # وفي سنة مائة وأربعين لفالغ فلغت الأرض، أي قسمت قسمة ثانية بين ~~ولد نوح، فصار لبني سام وسط المعمورة: فلسطين والشام آشور وسامرة ~~وبابل وفارس والحجاز، ولبني حام التيمن كله، أي الجنوب: أفريقية ~~والزنج ومصر والنوبة والحبشة والسند والهند، ولبني يافث الجربيا، ~~أي الشمال: الأندلس والإفرنجة وبلاد اليونانيين والصقالبة والبلغار ~~والترك والأرمن. وبعد وفاة فالغ ثارت الفتن بين بنيه وبين يقطان ~~أخيه، وشرع الناس في تشييد الحصون. # وأرعو بن فالغ ولد له ساروغ وعمره على الرأي السبعيني مائة واثنان ~~وثلاثون، وعلى رأي اليهود اثنتان وثلاثون سنة، وجميع أيامه ~~ثلاثمائة وتسع وثلاثون سنة. # وفي سبعين سنة لأرعو قال الناس بعضهم ms086 لبعض: هلموا نضرب لبنا، ~~ونحرق آجرا، ونبني صرحا شامخا في علو السماء، ويكون لنا ذكر كي ~~لا نتبدد على وجه الأرض، فلما جدوا في ذلك بأرض شنعار، وهي ~~السامرة، ونمروذ بن كوش قات رافعي الصرح بصيده - أي جلب لهم القوت ~~- وهو أول ملك قام بأرض بابل، وهو الذي رأى شبه إكليل في السماء ~~واتخذ مثله ووضعه على رأسه، فقيل: إن إكليله نزل من السماء ... قال ~~الله تعالى: هذا ابتداء عملهم، ولا يعجزون عن شيء يهتمون به، سوف ~~أفرق لغاتهم لئلا يعرف أحدهم ما يقول الآخر. فبدد الله شملهم على ~~وجه الأرض، وأرسل رياحا عاصفة فهدمت الصرح، ومات فيه نمروذ ~~الجبار، وتبلبلت لغات الآدميين، ولذلك دعي اسم ذلك الموضع بابل ... ~~وبنى نمروذ ثلاث مدن: أرخ وخليليا - أي الرها ونصيبين - ~~والمدائن. # وساروغ بن أرغو ولد له ناحور وعمره على الرأي السبعيني تسع وسبعون ~~سنة، وعلى رأي اليهود تسع وعشرون سنة، وجميع أيامه مائتان وسنة ~~واحدة، وفي خمس وعشرين سنة من عمره كان جهاد أيوب الصديق على رأي ~~أروذ الكنعاني، وبنى أرمونيس ملك كنعان سدوم وغامورا على اسم ~~ولديه، ومدينة صاعر على اسم أمهما. # وترح بن ناحور ولد له إبراهيم، وعمره - على الرأيين جميعا - سبعون ~~سنة، وجميع أيامه مائتان وخمس وسبعون سنة، ومات بمدينة حران، وبنى ~~مورفوس ملك فلسطين مدينة دمشق قبل ميلاد إبراهيم بعشرين سنة، ~~ويوسيفوس يقول: إن عوض بن آرام بناها، ومن ها هنا يتفق التاريخان ~~السبعيني والعبراني. # وإبراهيم بن ترح ولد له إسحاق وعمره مائة سنة، وجميع أيامه مائة ~~وخمس وسبعون سنة، ولما أتت عليه خمس عشرة سنة استجابة الله في ~~العقاعق - أي الطيور - التي كانت تفسد في أرض الكلدانيين وتسحق ~~زروعهم ... وأحرق إبراهيم هيكل الأصنام بقرية الكلدانيين، ودخل هاران ~~أخوه ليطفئ النار فاحترق، ولذلك فر إبراهيم وعمره ستون سنة مع ~~أبيه ترح، وناحور أخيه، ولوط بن هاران أخيه المحترق، إلى مدينة ~~حران، وسكنها أربع عشرة سنة. # ثم خاطبه الله قائلا: انتقل عن هذه الديار التي هي ديار آبائك إلى ms087 ~~حيث آمرك، فأخذ سارة امرأته ولوط ابن أخيه وصعد إلى أرض كنعان، ~~وحارب ملوك كدرلعمر وقهرهم، وفي عودة من المحاربة اجتمع بملكيزدق ~~الكاهن الأعظم، وخر لوجهه بين يديه، وأعطاه عشرا من السلب، ~~وباركه ملكيزدق ... # وفي سنة خمس وثمانين من عمره، وعده الله أن يجعل نسله كعدد الكواكب ~~في السماء، وذريته كرمل البحار، فوثق إبراهيم بالله حق ~~الثقة. # وفي هذه السنة دخل إلى مصر، ووشي بحسن سارة امرأته إلى فرعون، ~~فسأل إبراهيم عنها فقال: هي أختي من أبي لا من أمي، ولم يكذب بقوله ~~هذا لأنها كانت ابنة عمه، فأقام جدهما مقام أبيهما. # فاحتازها فرعون إلى نفسه مختليا حتى تحقق أنها زوجته، فردها ~~إليه مع هدايا جزيلة، من جملتها هاجر المصرية أمة سارة، وتقدم ~~إليه بالانتزاح من بلده خوفا من أن يهجس في صدره هاجس سوء ~~ثانيا. # ولأنه لم يكن لإبراهيم ولد من امرأته سارة سمحت بجاريتها هاجر، ~~فوطئها إبراهيم وولدت له إسماعيل، واستهانت هاجر بسارة مولاتها ~~شامخة عليها بسبب ولدها، فأزاحتها سارة من عندها إلى القفر بغيظة ~~منها، فتراءى ملك الرب لهاجر قائلا: لا تيأسي من رحمة ربك؛ فإن ~~الله قد بارك على الصبي حين يخاطب أباه إبراهيم، وكان خاتمة البركة ~~باللغة السريانية هكذا: وأكبرته طب طب، وأعظمته جدا ~~جدا. # أقول قد اتفق في هذه الألفاظ سر عجيب لاح في عصرنا، وهو أنا إذا ~~جمعنا حروفها بحساب الجمل كان الحاصل ستمائة وستا وخمسين سنة، ~~وهي المدة من الهجرة إلى السنة التي قتل فيها آخر الخلفاء ~~العباسيين، وزوال الملك المعظم جدا عن آل إسماعيل. # وبعد مائة سنة مضت من عمر إبراهيم ولد له إسحاق من سارة، ولما حصل ~~لإسحاق تسع عشرة سنة أصعده إبراهيم لجبل نابو؛ ليضحي به ضحية لله ~~تعالى، ففداه الله بحمل مأخوذ من الشجرة وأنقذه ... # والحمل مثال لسيدنا يسوع المسيح له المجد الذي فدى العالم بنفسه، ~~ولذلك قال في إنجيله المقدس: إن إبراهيم كان يرجو أن يشاهد يومي، ~~فشاهد وسر، وقيل في تلك السنة: أتم ملكيزدق بناء أورشليم. ms088 # وفي ثماني وثلاثين سنة من عمر إسحاق، درجت سارة أمه وعمرها مائة ~~وسبع وعشرون سنة، وتزوج إبراهيم قنطورا ابنة ملك الترك. # ولما بلغ إسحاق أربعين سنة نزل اليعازر - وليد بيت إبراهيم - إلى ~~حران، وجاء برفقة زوجة إسحاق، ولما توفي إبراهيم دفن إلى جانب قبر ~~سارة زوجته في المغارة المضاعفة التي ابتاعها من عفرون الحيثاني ~~خوفا من عود الطوفان ... ~~(3) أبو الفداء # ونختار أبا الفداء من المؤرخين الإسلاميين؛ لأنه كتب في القرن الثامن، واعتمد ~~على كبار المؤرخين الموسوعيين من قبله، وقضى أيامه على صلة بأقطار العراق ~~العليا و«آشور» القديمة، وعلى علم بمراجع أصحاب السير فيها، فليس أقدر منه على ~~تلخيص تاريخ إبراهيم والتعقيب عليه من مصادره في زمنه ... # قال عن إبراهيم عليه السلام: «هو إبراهيم بن تارح، وهو آزر بن ناحور بن ساروغ ~~بن رعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقد أسقط ذكر قينان ~~بن أرفخشذ من عمود النسب، قيل بسبب أنه كان ساحرا فأسقطوه من الذكر، وقالوا ~~شالح بن أرفخشذ، وهو بالحقيقة شالح بن قينان بن أرفخشذ، فاعلم ذلك ... # وولد إبراهيم بالأهواز، وقيل: ببابل، وهي العراق، وكان آزر أبو إبراهيم يصنع ~~الأصنام ويعطيها إبراهيم لبيعها، فكان إبراهيم يقول: من يشتري ما يضره ولا ~~ينفعه! ثم لما أمر الله إبراهيم أن يدعو قومه إلى التوحيد دعا أباه فلم يجبه، ~~ودعا قومه، فلما فشا أمره واتصل بنمروذ بن كوش - وهو ملك تلك البلاد، وكان ~~نمروذ عاملا على سواد العراق وما اتصل به للضحاك، وقيل: بل كان نمروذ ملكا ~~مستقلا برأسه - فأخذ نمروذ إبراهيم الخليل ورماه في نار عظيمة، فكانت النار ~~عليه بردا وسلاما، وخرج إبراهيم من النار بعد أيام، ثم آمن به رجال من قومه ~~على خوف من نمروذ، وآمنت به سارة وهي ابنة عمه هاران. # ثم إن إبراهيم ومن آمن معه وأباه على كفره فارقوا قومهم وهاجروا إلى حران، ~~وأقاموا بها مدة، ثم سار إبراهيم إلى مصر وصاحبها فرعون، وقيل: كان اسمه سنان ~~بن علوان، ms089 وقيل: طوليس، فذكر جمال سارة لفرعون - وهو طوليس المذكور - فأحضر ~~سارة إليه وسأل إبراهيم عنها فقال: هذه أختي. يعني في الإسلام، فهم فرعون ~~المذكور بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فلما تخلى عنها أطلقه الله تعالى، ثم ~~هم بها فجرى له كذلك، فأطلق سارة وقال: لا ينبغي لهذه أن تخدم نفسها! ووهبها ~~هاجر جارية لها، فأخذتها وجاءت إلى إبراهيم، ثم سار إبراهيم من مصر إلى الشام، ~~فأقام بين الرملة وإيليا، وكانت سارة لا تلد، فوهبت إبراهيم هاجر، وواقعها ~~إبراهيم فولدت إسماعيل، ومعنى إبراهيم بالعبراني مطيع الله. # وكانت ولادة إسماعيل لمضي ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم، فحزنت سارة لذلك، ~~فوهبها الله إسحاق، وولدته سارة ولها تسعون سنة. # ثم غارت سارة من هاجر وابنها إسماعيل، وقالت: ابن الأمة لا يرث مع ابني، وطلبت ~~من إبراهيم أن يخرجهما عنها، فأخذ إبراهيم هاجر وابنها وسار بهما إلى الحجاز ~~وتركهما بمكة... وبقي إسماعيل بها وتزوج من جرهم امرأة ... # وماتت هاجر بمكة، وقدم إليه أبوه إبراهيم وبنيا الكعبة، وهي بيت الله الحرام، ~~ثم أمر إبراهيم أن يذبح ولده. وقد اختلف في الذبيح: هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ ~~وفداه الله بكبش. # وكان إبراهيم في أواخر أيام بيوراسب المسمى بالضحاك، وفي أوائل ملك أفريدون، ~~وكان النمروذ عاملا له حسب ما ذكرناه. # وكان لإبراهيم أخوان؛ وهما: هاران وناحور، ولدا آزر. # فهاران أولد لوطا، وأما ناحور فأولد بتويل، وبتويل أولد لابان، ولابان أولد ~~ليا وراحيل زوجتي يعقوب. ومن يزعم أن الذبيح إسحاق يقول: كان موضع الذبح بالشام ~~على ميلين من إيليا، وهي بيت المقدس. # ومن يقول إنه إسماعيل يقول: إن ذلك كان بمكة. # وقد اختلف في الأمور التي ابتلى الله إبراهيم بها، فقيل هي هجرته عن وطنه، ~~والختان، وذبح ابنه، وقيل غير ذلك. # وفي أيام إبراهيم توفيت زوجته سارة بعد وفاة هاجر - وفي ذلك خلاف - وتزوج ~~إبراهيم بعد موت سارة امرأة من الكنعانيين، وولدت من إبراهيم ستة نفر، وكان ~~جملة أولاد إبراهيم ثمانية: إسماعيل، وإسحاق، وستة من الكنعانية على خلاف ms090 في ~~ذلك ...» ~~••• # ثم انتقل المؤرخ إلى سيرة إسماعيل وإسحاق، فقال عن إسماعيل: «إنه ولد لإبراهيم ~~لما كان لإبراهيم من العمر ست وثلاثون سنة، ولما صار لإسماعيل ثلاث عشرة سنة ~~تطهر هو وإبراهيم، ولما صار لإبراهيم مائة سنة وولد له إسحاق؛ أخرج إسماعيل ~~وأمه هاجر إلى مكة بسبب غيرة سارة منها، وقولها: أخرج إسماعيل وأمه؛ لأن ابن ~~الأمة لا يرث مع ابني. وسكن مكة مع إسماعيل من العرب قبائل جرهم، وكانوا قبله ~~بالقرب من مكة، فلما سكنها إسماعيل اختلطوا به، وتزوج إسماعيل امرأة من جرهم ~~ورزق منها اثني عشر ولدا. # ولما أمر الله تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ببناء الكعبة - وهو البيت ~~الحرام - سار من الشام وقدم على ابنه إسماعيل بمكة، وقال: يا إسماعيل، إن الله ~~تعالى أمرني أن أبني له بيتا، فقال إسماعيل: أطع ربك، فقال إبراهيم: وقد أمرك ~~أن تعينني عليه، قال: إذن أفعل. فقام إسماعيل معه، وجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل ~~يناوله الحجارة، وكانا كلما بنيا دعوا فقالا: ربنا تقبل منا؛ إنك أنت السميع ~~العليم. # وكان وقوف إبراهيم على حجر وهو يبني، وذلك الموضع هو مقام إبراهيم، واستمر ~~البيت على ما بناه إبراهيم إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان بناء الكعبة بعد مضي مائة سنة من عمر إبراهيم بمدة، فيكون ~~بالتقريب بين ذلك وبين الهجرة ألفان وسبعمائة ونحو ثلاث وتسعين سنة. # وأرسل الله إسماعيل إلى قبائل اليمن وإلى العماليق، وزوج إسماعيل ابنته من ~~ابن أخيه العيص # 8 # بن ~~إسحاق، وعاش إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة، ومات بمكة ودفن عند قبر أمه ~~هاجر بالحجر، وكانت وفاة إسماعيل بعد وفاة أبيه إبراهيم بثمان وأربعين سنة ~~...» # ثم قال المؤرخ بعد أن استطرد إلى سيرة موسى الكليم: «وكان مولد موسى لمضي ~~أربعمائة وخمس وعشرين سنة ... إلى أن قال عن خراب بيت المقدس سنة عشرين من ولاية ~~بختنصر تقريبا، وهي السنة التاسعة والتسعون بعد التسعمائة لوفاة موسى ~~...» # الفصل الثامن # | تذييل # إلى هنا انتهت المصادر ms091 الدينية ومراجع التاريخ القديم التي رويت فيها سيرة الخليل ~~إبراهيم. # وهذه المراجع هي الأساس الذي يقوم عليه كل ما تجده في العصر الحديث من أخبار الحفريات ~~الأثرية وتعليقات المؤرخين عليها. # ومن الواجب أن نعرف مبلغ قوة هذا الأساس قبل أن ننتقل منه إلى البناء الذي يرتفع ~~عليه. # ففي تقديرنا أن هذا الأساس اليوم أقوى مما كان عليه عند المؤرخين العلميين قبل القرن ~~العشرين. # فقد كانت البدعة الشائعة في القرن الماضي أن التواريخ الدينية لا تصلح أن تكون أساسا ~~للتواريخ العلمية. # وكان يكفي أن تروى الحادثة وتنسب إلى سبب خارق للطبيعة ليقول المؤرخون العلميون: ~~إنها لم تحدث، ولا يعقل أن تحدث. ولا يقنعوا بالشك في السبب ومحاولة البحث عن سبب ~~آخر داخل التعليلات الطبيعية ... # وكان يكفي أن يقال: إن نبيا من الأنبياء عاش ثلاثمائة سنة أو نحوها ليقال: إنه لم ~~يوجد قط، فضلا عن أن يكون قد وجد وقد عاش أقل من عمره المذكور ... # كل هذا قد تغير في معيار البحث الحديث، أو وجب أن يتغير؛ لأنه مناقض للعلم نفسه ، عدا ~~ما هو ظاهر من مناقضته للدين. # فقد ثبت اليوم أن الأخبار الدينية سبقت المباحث الحفرية والمقارنات العلمية إلى تقرير ~~أحكام التاريخ التي صحت في رأي المتأخرين بالبراهين الحديثة ... # ومن أمثلة ذلك وحدة الأجناس السامية في نشأتها، فإن العلماء العصريين قد عرفوا هذه ~~الوحدة من المقارنة بين اللغات، ومن الدراسات الأخيرة في علم السلالات البشرية، ومن ~~تفسير الكتابة على الآثار المطمورة والهياكل المهجورة. # وهذه الدراسات جميعا من مستحدثات الزمن الأخير لم يستخرج منها العلماء دليلا ~~موثوقا به قبل مائة سنة. # فإذا احترم العالم حكمه وتقديره، وجب أن يفهم أن كلام الأمم السامية عن وحدة أصولها ~~يستند ولا شك إلى أصل عريق، وسند وثيق؛ لأنها تكلمت عن هذه الوحدة وهي لا تعرف شيئا ~~من مقارنات اللغات والأحافير، ولم يكن في وسعها أن تعرف شيئا عنها قبل ألوف ~~السنين. # فمن أين جاء لتلك الأمم أنها سلالة أصل واحد إن لم يكن لها مرجع ms092 تعول عليه، ولا يجوز ~~للعلم رفضه وإسقاطه من الحساب؟ # كذلك شاعت في القرن الماضي بدعة العلم - أو أدعياء العلم - الذين رفضوا كل خبر له ~~علاقة بالمعجزات وخوارق الطبيعة. # فإذا قال قائل: إن هذه المدينة دمرها الله لفسادها وعدوانها على أنبيائه؛ أسرع أولئك ~~الأدعياء فأبطلوا القصة كلها وقالوا: إنه لا مدينة ولا فساد ولا أنباء، وإن الأمر كله ~~حديث خرافة أو تلفيق خيال ... # فاليوم قد ثبتت وقائع لا شك فيها من تواريخ تلك المدن التي تواترت الأنباء الدينية ~~بتدميرها في الزمن القديم. # وقد تتابع التنقيب في وادي الأردن وشواطئ البحر الأحمر ورمال الأحقاف من جنوب بلاد ~~العرب، فظهر من الأحافير أنها كانت بلاد زلازل وأغوار وعوارض جوية تطابق ما وصفته ~~الكتب الدينية من أحوال عمارها وأحوال خرابها، وأن الزمن الذي وقعت فيه نكباتها قريب ~~من الزمن المقدور لقيام الأنبياء فيها، ولم ينحصر الأمر في دلالات الكوارث الطبيعية ~~والأعاصير، بل جاءت الدلالات الاجتماعية مصححة موضحة تعلم الباحثين الأناة والرصانة ~~قبل التعجل بالرفض والإنكار. # فلم يكن أبناء الشواطئ على البحر الأحمر يعلمون شيئا عن التواريخ التي كتبت ~~بالإغريقية واللاتينية ثم اندثرت في القرون الوسطى، وظلت مندثرة إلى أن تجددت وانتشرت ~~بين الأوروبيين والمطلعين على اللغات الأوروبية في العصر الحديث. # ولكن القدماء على شواطئ البحر الحمر تحدثوا عن المدن التي كانت تحتكر التجارة، ~~وتماكس # 1 # وتبالغ في إضافة الأرباح والإتاوات، ولم تأتها ~~هذه الأخبار من المراجع الإغريقية أو اللاتينية بطبيعة الحال، فلا بد من الاعتراف لها ~~بمرجع معول عليه، وليس من الجائز أن يتعجل العالم الأمين بالشك فيه ... # ومن أمثلة هذه الأخبار مثل الهزيمة التي حلت بأبرهة الأشرم صاحب الفيل، الذي ورد ذكره ~~في القرآن الكريم، وأن جيشه هلك بالطير الأبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، وقال أبو ~~عبد الله عكرمة مولى عبد الله بن عباس: إنهم أصيبوا بالجدري «وأن من أصابته الحجرة ~~جدرته.» # فهذا الخبر عن الجدري قد أيده من لم يرد تأييده من مؤرخي اليونان والرومان، فقد ذكر ~~الوزير بركوب Procobe ~~، من أبناء ms093 القسطنطينية، أن مرض ~~الجدري ظهر في مصر عند منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وروى بروس # Bruce ~~، الذي زار بلاد الحبشة في القرن الثامن عشر، أن ~~الأحباش يذكرون في تواريخهم كيف ارتد أبرهة، وأنه رجع عن مكة لما أصاب جيشه من المرض ~~الذي يصفونه بصفة الجدري، وكتب غير واحد من مؤرخي اليونان أن أبرهة زحف على مكة في ~~مركبة يجرها أربعة من الفيلة، وأن جيشه لم يعد منه إلا القليل لكثرة من مات منه ~~بالوباء، فأيسر ما يفهمه العالم الأمين من هذا وأشباهه أن المصادر القديمة قائمة على ~~أساس لا يجوز إهماله، وأن المستقبل خليق أن يفسر منه أكثر مما فسرناه حتى ~~اليوم. # وقد تمحصت مسألة الأعمار الطوال ووضعت في مواضعها من الدراسة التاريخية، فليس فيها ما ~~يعترض الباحث في تاريخ قديم أو تاريخ حديث، وهذه المسألة - أي مسألة الأعمار - قد ~~نوقشت كثيرا قبل القرن العشرين، وتساءل المتناقشون فيها: هل حساب السنين واحد بين ~~الأوائل والأواخر، أو هما حسابان مختلفان؟ # وضربوا لذلك مثلا بأيام الخليقة، فإن خلق العالم في ستة أيام يعني أياما غير الأيام ~~التي تحسب بطلوع الشمس وغروبها؛ لأن الشمس خلقت في اليوم الرابع، فلا بد أن يكون ~~معنى الأيام أنها أدوار لا تحسب بالشروق والغروب. # وتقرر أن الأوائل كانوا يحسبون للسنة رأسين: رأس السنة الزراعية، ورأس السنة ~~الديوانية، فربما اجتمع في العام الواحد رأسان للسنة على هذا الحساب ... # وظن بعضهم أن حساب السنين كحساب الأهلة عند الأوائل، ومن هؤلاء أبو العلاء المعري حيث ~~يقول: # ورأيت الحمام يأتي على العا # لم من قاهر ومن مقهور # وادعوا للمعمرين أمورا # لست أدري ما هن في المشهور # أتراهم فيما تقضي من الأيا # م عدوا سنيهم بالشهور # كلما لاح للعيون هلال # كان حولا لديهم في الدهور # وليس هذا الظن بالصواب؛ لأن الأوائل كانوا يعرفون حساب الأهلة وحساب الشمس منذ عهد ~~بعيد يرجع إلى ما قبل التاريخ. # واجتهد بعضهم فقال: إن الأعمار المقدرة هنا هي أعمار العشائر والدعوات النبوية، ~~وكثيرا ما يجري الحديث حتى ms094 اليوم باسم رأس العشيرة ويكون المقصود هو العشيرة كلها، ~~أو يقال ابن الشرق وابن الغرب وابن أوروبة وابن أمريكا، والمقصود هنا هو العشائر ~~بأجمعها. # وتوافق على هذه المذاهب من التأويل أناس من كل ديانة كتابية، فليست هي مقصورة على ~~المسلمين ولا على المسيحيين ولا على اليهود، بل يشترك فيها أصحاب الفقه من جميع ~~الأديان. # ونحن هنا لا حاجة بنا إلى الفصل في هذه التأويلات، وإنما أردنا بتمحيصها ووضعها في ~~مواضعها أن الاتفاق تام بين أصحابها جميعا على أمرين: # أولا: # أن تقدير الأعمار في كتب العهد القديم يزداد كلما تباعد الزمن بين ~~رواة الخبر وبين عصور المعمرين الذين تحسب أعمارهم، فكلما صغرت ~~المسافة بين الزمنين كان التقدير أقرب إلى العمر المألوف. # فعند كتابة العهد القديم كان قد انقضى على عهد موسى عليه السلام ~~نحو سبعة قرون، وانقضى على عهد إبراهيم عليه السلام نحو أحد عشر ~~قرنا، فحسب عمر موسى مائة وعشرين سنة، وعمر إبراهيم مائة وخمس ~~وسبعين سنة، ويزداد التقدير إلى أكثر من ذلك كلما أوغل الزمن في ~~القدم إلى ما قبل التاريخ . # فبهذه القاعدة أصبح تقدير الأعمار مساعدا على تقرير وقت الكتابة ~~وتقرير الفترات بين العهود، فلم يبطل حساب المراجع القديمة بهذا ~~الاختلاف بين الأوائل والأواخر في حساب الأعمار الطوال، بل جاء فيه ~~ما يساعد على الموازنة والقياس. # وثانيا: # يلاحظ أن حساب العهود بيننا وبين الأوائل لا يختلف كما يختلف حساب ~~الأعمار، فابن الأثير مثلا يقول اعتمادا على مصادره جميعا: إن ~~عهد إبراهيم مضى عليه ألفان وسبعمائة ونحو ثلاث وتسعين سنة قبل ~~الهجرة المحمدية. وهذه التقديرات لا تطيل العهود والفترات بينها ~~بنسبة الطول في أعمار الأفراد المعمرين، فإن هذا الحساب قريب من ~~حساب علماء الأحافير وطبقات الأرض الذين يقيسون الفترات بمقياس ~~تكوين الطبقات وتتابع الظواهر الجيولوجية. وسيأتي فيما بعد أن ~~التفاوت بين تقديرات علماء الأحافير أنفسهم، لا يقل عن التفاوت بين ~~تقدير ابن الأثير على حسب مصادره، وبين تقديرات هؤلاء العلماء ~~مجتمعين. # وأيا كان مقطع الرأي في هذه المسائل جميعا، ms095 فليس من أمانة التاريخ أن يستند إليها ~~أحد في نفي الأخبار المتواترة، ولا سيما أخبار العهود والدعوات، ولا تزال الأسانيد ~~الأولى أساسا قويا لتواريخ الأمم ترجح فيه دلائل الثبوت على دلائل البطلان. # وبهذا الوزن ننتقل من المصادر الأثرية إلى ما بعدها، ونعتمد على هذا الأساس، ثم لا ~~يمنعنا هذا الاعتماد أن نفرق بين الأسانيد في درجة القبول وميزان الترجيح ... # ولا ننتقل من الكلام عن المصادر الأثرية في جملتها حتى نضيف إليها مصدرا يستمد قوته ~~من السكوت، ولا يستمدها من البيان والإيضاح؛ فلا يخفى أن السكوت المتعمد يدل على ~~كثير، وربما كان في ميزان الصدق أدل من الكلام الذي يتعرض للتورية والمحال. # فإذا علمنا من بعض التواريخ أنها تسكت عمدا عن بعض الأمور؛ فقد علمنا شيئا صحيحا ~~يبين لنا تلك الأمور المسكوت عنها، وبخاصة حين نعلم سبب السكوت. # لقد سكتت مصادر اليهود عن حالة العرب الدينية كل السكوت، وترجع هذه المصادر إلى القرن ~~السابع قبل الميلاد. # وقد تعمدت هذه المصادر أن تخرج أبناء إسماعيل من حقوق الوعد الذي تلقاه إبراهيم من ~~الله، وقالت : إن هذا الوعد إنما هو حق لأبناء إبراهيم من سلالة إسحاق. # إن انتساب العرب إذن إلى إسماعيل قد كان تاريخا مقررا لا سبيل إلى إنكاره عند كتابة ~~المصادر اليهودية التي حصرت النعمة الموعودة في أبناء إسحاق ... # ولو لم يكن انتساب العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم تاريخا مقررا في ذلك العصر - عصر ~~كتابة المصادر اليهودية الأولى - لما كانت بهم حاجة إلى التمييز بين أبناء إسحاق ~~وأبناء إسماعيل؛ إذ كان يكفي أن يقال: إن النعمة الموعودة من نصيب أبناء إبراهيم ~~عامة؛ ليخرج من هذا الوعد من لم يكن من اليهود لا ينازعهم أحد في الانتساب إلى ~~إبراهيم. # لكن انتساب العرب إلى إبراهيم كان تاريخا مقررا كما هو واضح مما تقدم، فلم يكن في ~~الوسع إنكاره، ولم يكن ثمة مناص من التفرقة بين أبناء إبراهيم من سلالة إسماعيل ~~وأبناء إبراهيم من سلالة إسحاق. # وأكثر من ذلك أن كهان اليهود كانوا يحسون ms096 من العرب منافسة دينية، فضلا عن المنافسة ~~الدنيوية، فلو لم يكن للعرب حياة دينية يخشى الكهان منافستها؛ لكان يكفيهم أن يحصروا ~~وعد إبراهيم في أبنائه المؤمنين دون أبنائه الوثنيين الذين لا يعرفون الله الواحد ~~الأحد، فيخرج العرب بهذا الاستثناء من وراثة إبراهيم الروحية، ولا تدعو الحاجة إلى ~~أكثر من ذلك الاستثناء. # ولا شيء غير خطر المنافسة في النسب، وخطر المنافسة في العقيدة الدينية يلجئ الكهان ~~إلى حصر النعمة الموعودة في أبناء إسحاق دون أبناء إبراهيم. وقد لوحظ أن الكهان ~~يحصرون النسب شيئا فشيئا كلما أحسوا بخطر المنافسة على سلطانهم وسلطان هيكلهم على ~~الخصوص. # فخصصوا أبناء يعقوب بعد أن كان الوعد عاما شاملا لأبناء إسحاق أجمعين، وقالوا: إن ~~الإسرائيليين هم أبناء يعقوب دون غيره، وإسرائيل هو لقب يعقوب. # ثم انقسمت دولة اليهود إلى دولة في الشمال تسمى مملكة إسرائيل، ودولة في الجنوب ~~تسمى مملكة يهودا، فقال كهان الهيكل: إن النعمة الموعودة محصورة في أبناء ~~داود. # وقبل ذلك بزمن طويل كان اللاويون يحصرون الرياسة الدينية فيهم دون غيرهم؛ لأنهم ~~يقولون: إن اللاويين قبيلة موسى الكليم. # فاستثناء أبناء إسماعيل لم يحصل عبثا منذ القرن السابع قبل الميلاد على الأقل، ولا ~~بد من منافسة دينية ودنيوية دعت إلى هذا الاستثناء، وإلى السكوت عن الحالة الدينية ~~التي تخشى منها المنافسة، ويشعر بها الكهان. # ولعل المنافسة في الحقيقة كانت بين الإيمان ب «يهوا» والإيمان بالإيل أو الإله، فإن ~~العرب الأقدمين لم يذكروا «يهوا» قط بين أربابهم، وإنما ذكروا الإيل والإله والله ~~تعالى، وكان اليهود يعبدون الإيل كما يعبده العرب، ومن ذلك تسمية إسماعيل وإسرائيل ~~وبتوثيل، فلما تشابه النسب بالانتماء إلى إبراهيم، وتشابهت العبادة بالاتفاق على اسم ~~الإله، جدت الرغبة بالكهان في الاستئثار من جهة، والاستثناء من جهة أخرى، فحصروا ~~النعمة الموعودة في أبناء إسحاق، ثم في أبناء يعقوب، ثم في أبناء داود، جريا على ~~عاداتهم المطردة في أمثال هذه الأحوال. # ومهما يكن من أمر هذا التاريخ المسكوت عنه، فوجود النسبة إلى إسماعيل قديم لم تكن فيه ms097 ~~حيلة لليهود ولا للعرب. # فلو أراد العرب أن يخترعوا لما اخترعوا نسبة ينتمون بها إلى جارية، وتخص غيرهم ~~بالانتماء إلى السيدة المختارة. # ولو كان في وسع اليهود أن يحتكروا النسب إلى إبراهيم لما ذكروا شيئا عن نسبة غيرهم ~~إليه ... # فالانتساب إلى إبراهيم لم يكن مسألة اختراع واختبار، ولكنه كان مسألة تاريخ مقرر لا ~~بد من البحث فيه على هذا الأساس، ومن هنا قيمته التاريخية التي نضيفها إلى الأسانيد ~~القوية في سيرة الخليل. # ويقضي استيفاء البحث في الأخبار المسكوت عنها أن نشير هنا إلى المراجع التي ذكرتها ~~كتب العهد القديم، ولم يبق لها أثر بين هذه الكتب ولا بين غيرها من المراجع ~~الإسرائيلية. # فليست الكتب التي ضمت إلى العهد القديم هي كل كتب التوراة المعترف بها؛ لأن الكتب ~~التي جرى الاستشهاد بها على ألسنة الأنبياء من بني إسرائيل لم توجد كلها بين أسفار ~~التوراة، كما هو واضح من الشواهد الكثيرة التي نلم ببعضها في هذا السياق. # ففي ختام كتاب الأيام الأول يقول الكاتب: «وأمور داود الملك الأولى والأخيرة هي ~~مكتوبة في سفر أخبار صموئيل الرائي، وأخبار ناثان النبي، وأخبار إسرائيل، وأخبار جاد ~~الرائي، مع كل ملكه وجبروته، والأوقات التي عبرت عليه وعلى إسرائيل وعلى كل ممالك ~~الأرض.» # فهناك على هذا كتب تاريخية لم توضع بين كتب العهد القديم؛ لأن كتاب صموئيل موجود ~~بينها، ولا يوجد بينها كتاب للنبي ناثان ولا للرائي جاد. # وفي الإصحاح التاسع من كتاب أخبار الأيام الثاني أن «بقية أمور سليمان الأولى ~~والأخيرة إما هي مكتوبة في أخبار ناثان النبي، وفي نبوة إخيا الشيلوني، وفي رؤى يعدوا ~~الرائي على يربعام بن نباط.» # وقد تقدم أن كتاب ناثان غير موجود، وكذلك نبوءة إخيا الشيلوني ورؤى يعدوا الرائي، ~~فإنهما غير موجودين على انفراد أو على اتصال بغيرهما من الكتب المعروفة. # وفي الإصحاح الرابع عشر من كتاب الملوك الأول: «وأما بقية أمور يربعام: كيف حارب: ~~وكيف ملك؟ فإنها مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل.» # وجاء في الإصحاح السادس عشر من ms098 كتاب الملوك الأول: «إن بقية أمور يعشا وما عمل ~~وجبروته مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل!» # وليس في كتاب الملوك شيء عن هذه الأمور، ولا عن أمور تاريخية أخرى وردت الإشارة إليها ~~مردودة إلى نحو ثلاثين كتابا لم يبق منها أثر محفوظ. # ومن هذه الأمور ما هو منسوب إلى الإله كما جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من كتاب ~~العدد؛ حيث يقول الكاتب: «لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفة وأودية أرنون ~~ومصب الأودية.» أو كما جاء في الإصحاح العاشر من كتاب يشوع: «حينئذ كلم يشوع الرب يوم ~~أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل وقال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على ~~جبعون، ويا قمر على وادي إيلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه، ~~أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر؟» # وليس بين المراجع المحفوظة كتاب ياشر الذي أشير إليه في هذين الموضعين، وقد أشير إليه ~~في موضع آخر في كتاب صموئيل الثاني حيث يقول: «ورثى داود بهذه المرثاة شاءول ويغر ~~باثان ابنه، وقال: إن يتعلم بنو يهوذا نشيد القدس، هو ذا مكتوب في سفر ياشر.» # ويؤخذ من مراجع كثيرة كالكتاب الرابع لعزرا، وكتب الحكيم فيلون، وكتب آباء الكنيسة ~~الأولين، أن أسفارا غير الأسفار الخمسة كانت تنسب إلى موسى عليه السلام. # وصفوة القول في هذا الصدد أن المراجع الإسرائيلية قد سكتت عن بعض الأمور، ولم تستوعب ~~أمورا أخرى في سجلاتها المحفوظة؛ فليس من الجائز أن يعترض المعترضون على أمر من ~~الأمور التاريخية لأنه غير مذكور في تلك المراجع، وإذا جاز أن يذهب بعض السجلات من ~~تاريخ سليمان وأبنائه، فمن الجائز أن تذهب سجلات أقدم منها في التاريخ؛ كالسجلات التي ~~حفظت عن عهد إبراهيم، وهي أقدم منها بعدة قرون. # وإذا صرفنا النظر عن هذا كله، ولم نقدر أن هناك أخبارا مسكوتا عنها، وأخبارا ~~ضائعة، فالمسألة التي لا يصح الخلاف عليها عند المقابلة بين المصادر القديمة، هي نقص ~~المصادر اليهودية حتى في أخبار البلاد المجاورة لمملكة إسرائيل؛ فإن ms099 المصادر ~~الإسلامية أوفى بأخبار هذه البلاد من مصادر اليهود، ويكفي لتقرير ذلك أن كتب اليهود ~~لم تذكر قط أخبار عاد وثمود، وانفرد القرآن الكريم بذكرها مع ما جاء عنها في ~~المأثورات العربية. # ولولا أن اسم عاد واسم ثمود قد وردا في جغرافية بطليموس، لكان من اليسير على الذين ~~يحملون اسم الخرافة على أطراف ألسنتهم أن يزعموا أنها إحدى الخرافات، ولكن اسم ~~عاد # Oadita # واسم ثمود # Thamudita # قد وردا في جغرافية بطليموس، وليس موقعهما كما وصفه ~~الجغرافي الكبير بعيدا عن مملكة إسرائيل، فإذا كان بطليموس قد سمع بهما؛ فلا يعقل أن ~~يكون أمرهما مجهولا عند كتاب العهد القديم، وإنما المعقول أن السكوت عن كل رسالة ~~في أبناء إسماعيل هو المقصود. # ومن الواجب تقرير هذه الملاحظات قبل الانتقال إلى مصادر الأحافير وتعليقات المؤرخين ~~المحدثين. # الفصل التاسع # | الأحافير والتعليقات # البلاد والسكان # بلاد الشعوب التي تعرف بالسامية - أو على الأصح بالعربية - هي شبه جزيرة ~~العرب، ومن شبه جزيرة العرب هاجرت بعض القبائل إلى بلاد الهلال الخصيب بين وادي ~~الفرات والبحر الأبيض المتوسط، وهاجرت قبائل أخرى من جنوب شبه الجزيرة إلى ~~الحبشة في أفريقية. # والرأي الغالب أن الهجرة تتبع طريقها من جنوب الجزيرة إلى شرقها في محاذاة ~~البحر الهندي، فالخليج الفارسي، فنهر الفرات إلى أقصاه شمالا، ويرتفع بعض ~~المؤرخين بأول فوج من أفواج الهجرة العربية إلى القرن الثلاثين قبل الميلاد، ثم ~~تتابعت الأفواج من هذا الطريق إلى ما بعد التاريخ. # فالآشوريون والأكاديون والبابليون والكلدانيون هم أفواج متلاحقة على فترات ~~متباعدة تتراوح الفترة منها بين ستمائة سنة وألف سنة، وأقدمها ما أقام في ~~الشمال؛ لأن الأقاليم الشمالية في وادي النهرين كانت أخصب الأقاليم وأصلحها ~~للزراعة والمرعى، خلافا لأقاليم الجنوب التي كانت مغمورة بماء البحر الملح، ~~وظلت كذلك زمنا طويلا قبل أن ينحسر عنها الماء، وتصلح فيها الأرض للسكن ~~والزراعة، فلما انحسر عنها الماء أصبحت أعمر الجهات في وادي النهرين؛ لقيام ~~المدن على شواطئها، ووفرة الموارد فيها من التجارة والزراعة. # ومن شمال العراق، كانت قبائل المهاجرين الأوائل ms100 تنحدر إلى بادية الشام وإلى ~~شواطئ البحر الأبيض المتوسط على مقربة من صحراء سيناء. # فالقبائل العربية التي أقامت في فلسطين من شمالها إلى جنوبها إنما قدمت إليها ~~على الأكثر من الشرق لا من الجنوب، ولم يظهر لنا من الآثار ما يدل على هجرة ~~كبيرة من طريق الحجاز وشواطئ البحر الأحمر قبل الدعوة الإسلامية. # وسبب ذلك أن الحجاز - كما هو معلوم - واد غير ذي زرع، فلم يكن فيه من السكان ~~من يزحفون في حشد كبير لغزو البلاد الشمالية، وكان معظم الرحلة فيه للتجارة مع ~~القوافل التي تذهب وتعود، ولا يبقى منها في الشمال إلا العدد القليل، ولكنه مع ~~هذا كان طريقا غير منقطع من طرق التجارة القديمة؛ لأن سلوك القوافل بين اليمن ~~والعقبة على طريق البر أيسر من سلوكها بحرا مع قلة السفن، واعتماد العرب في ~~أسفارهم على الجمل الذي سموه بحق سفينة الصحراء. # وربما حدث مرات أن يوغل العرب الشماليون جنوبا كلما ضاقت بهم مساكنهم أمام ~~المغيرين عليهم، أو حاقت بهم نكبة من الزلازل والصواعق. وهي كثيرة في تلك ~~البقاع كما ظهر من آثارها الباقية إلى هذه الأيام. # ولهذا يعتقد المؤرخون أن اليمن هي مصدر العربية الأول، ويتلاقى هنا رأي ~~المؤرخين المحدثين ورأي المؤرخين الأقدمين من أهل الحجاز؛ إذ كانوا يقولون: إن ~~العرب العاربة هم أهل اليمن، ثم يليهم العرب المستعربون. # ولكن هذا الترتيب إذا صح من حيث النسب لا يصح من حيث الارتقاء باللغة العربية؛ ~~فإن اللغة العربية الأولى في اليمن لم تبلغ من الصقل والفصاحة وانتظام القواعد ~~ما بلغته لغة الحجاز، فهي نهاية الدورة بعد مطاف اللغة العربية من أقصى الجنوب ~~في شبه الجزيرة إلى أقصى الشمال في العراق، إلى الرقعة الوسطى بين العراق ~~والبحر الأبيض المتوسط، وهي لا تزال تنتفع وتتهذب في كل مرحلة من مراحل ~~المطاف. # على أن البقايا التي تخلفت منذ عشرات القرون قبل الميلاد لا تدع مجالا للشك في ~~وحدة اللغة بين الأقوام العربية في شبه الجزيرة العربية، وفي أرض الهلال ~~الخصيب، ويقول ألبرايت ms101 # Albright # في كتابه عن ~~أحافير فلسطين: # 1 # إن اللغات السامية المشهورة في القدم هي: الأكادية، الآشورية، البابلية، ~~والسامية الشرقية، والسامية الغربية، وتنقسم هذه إلى العربية الشمالية والعربية ~~الجنوبية؛ أي المعينية والسبئية والإثيوبية، ومعها لهجات شتى بعضها قديم وبعضها ~~حديث. وكل تقسيم من هذه التقسيمات فإنما هو مسألة اصطلاح، والتفرقة فيه أقل ~~جدا من التفرقة بين اللغات الهندية الجرمانية التي درسها الباحثون خلال القرن ~~أو القرن والنصف الأخير؛ إذ إن اللغات السامية القديمة - عدا الأكادية - تتقارب ~~في الأجرومية والنطق بحيث تشترك كل لهجة وما جاورها، ولا يلحظ الانتقال من لهجة ~~إلا كما يلحظ مثل هذا الانتقال اليوم بين اللهجات الفرنسية والجرمانية ... # ولما بدأ عصر الآباء العبريين عند مطلع الألف الثانية قبل الميلاد، لم يكد ~~الفرق بين اللغات يزيد على الفرق بين اللهجات العربية الأصيلة في هذه الأيام، ~~ولم تكن الأكادية نفسها منفصلة عن سائر اللغات السامية الغربية أكثر من ~~الانفصال بين المالطية والعراقية الحديثتين. # ويقرر علماء المقارنة الدينية مثل هذا عن التقارب بين عبادات العرب الأولين، ~~فيقول الأستاذ أندرسون في مجموعة العهد القديم والدراسات ~~العصرية: # 2 ~~«إن ~~إله الكنعانيين الأعلى - إيل - يعبد بأسماء متعددة بين الساميين الغربيين، ~~ويعرف باسم شداي، وإيل عليون، وسالم، وصادق، وحداد. ويرى إنجنل # Engenell # أن اسم يهوا واحد من هذه الأسماء كان ~~مهملا على عهد موسى، فأحياه موسى بدعوته، ثم امتزج اسم يهوا بالصيغ الأخرى، ~~ولا سيما صيغة إيل عليون في أورشليم، وتم هذا الامتزاج بسهولة لأنها عنوان على ~~إله واحد.» # ثم قال: «إن الوحدانية التي كانوا يدركونها في ذلك الزمن لم تكن وحدانية تفكير، ~~ولكنها كانت وحدانية تغليب لرب من الأرباب على سائر الأرباب.» # ويقول وولي # Woolley # صاحب أهم المباحث في تاريخ ~~إبراهيم: «إنه من المحتمل جدا، وإن لم يكن ثابتا ثبوت اليقين، أن اسم يهوا ~~كان معروفا عند بعض قبائل سورية الشمالية قبل زمان موسى بعهد ~~طويل.» # 3 # والظاهر أنهم كانوا إلى الزمن الذي كتب فيه المزمور الخامس والثلاثون بعد ~~المائة من المزامير المنسوبة إلى ms102 داود، يصفون يهوا بأنه «مفرق جميع ~~الآلهة.» # والظاهر كذلك أنهم كانوا إلى ما بعد خروجهم من مصر لا يزعمون أنهم مميزون على ~~القبائل الأخرى، بل يخطر لهم - كما جاء في الإصحاح الأول من سفر التثنية - أن ~~الرب «لبغضه لهم قد أخرجهم من أرض مصر؛ ليدفعهم إلى أيدي العموريين ويهلكهم على ~~أيديهم.» # وظاهر كذلك أن وحدة الأصل واللغة كانت توقع اللبس في تسمية القبيلة الواحدة أو ~~الشعب الواحد، فنسخة يهوا من العهد القديم تسمي سكان غرب الأردن بالكنعانيين، ~~ونسخة ألوهيم كانت تسميهم بالعموريين كما يرى من مراجعة الإصحاح الأول من سفر ~~القضاة. # ويعنينا في هذا الفصل أن نبرز هذا التشابه في السلالة العربية منذ أقدم العصور ~~التاريخية، فلم نعثر في مصدر واحد على خبر يفهم منه أن إبراهيم التقى بمن ~~يعارض عقيدته الإلهية بعد خروجه من موطنه الأول، وقد كانت في طريقه عبادات ~~محلية مختلفة، وأرباب محليون مختلفون، وشأن هؤلاء كشأن الأولياء والقديسين ~~الذين يتشفع بهم أبناء كل جهة في الأمم التي تؤمن بالوحدانية، فأبناء الجهة ~~يفضلون أولياءهم وقديسيهم، وقد يتحولون من جهتهم إلى جهة أخرى فلا ينكرون ~~التشفع بالأولياء والقديسين في الجهة التي تحولوا إليها؛ لأنهم أصحاب الحق ~~فيها. أما العقيدة الإلهية فهي واحدة أو متقاربة، ولولا ذلك لما كان الخليل ~~عليه السلام يوقر ملكي صادق، ويقدم قربانه لإله عليون كما روى سفر ~~التكوين. # إنما اشتد الخلاف الديني وخلاف العصبية بين أبناء هذه الشعوب عندما وقر في ~~أذهان طائفة من العبريين أنهم هم وحدهم ذرية إبراهيم المختارة، وكانت دعواهم ~~هذه طارئة لم يسمع بها إلا بعد أيام موسى بمئات السنين، وفي هذا يقول سفر ~~التثنية: «أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم ~~فاحترزوا جدا، لا تهجموا عليهم؛ لأني أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم، ولعيسو ~~قد أعطيت جبل سعير ميراثا ... طعاما تشترون منهم بالفضة لتأكلوا، وماء تبتاعون ~~منهم بالفضة لتشربوا ... # ومتى قربت إلى تجاه بني عمون لا تعادهم، ولا تهجموا عليهم؛ لأني أعطيك من أرض ~~بني ms103 عمون ميراثا، ولبني لوط قد أعطيتها، وهي أيضا تحسب أرض رفائيين، سكنوها ~~قبلا ... لكن العمونيين يدعونهم زمزميين: شعب كبير وكثير وطويل كالعناقيين، ~~أبادهم الرب من قدامهم، فطردوهم وسكنوا مكانهم إلى هذا اليوم ...» # هكذا كانت حال الشعوب المتفرعة على الأصول العربية، ولكنها لم تكن وحدها في ~~بقاع الهلال الخصيب أو بين النهرين؛ إذ كانت هذه البقاع مفتوحة للواردين من ~~الشرق والغرب والشمال، وما حدث في عهود التاريخ المعلومة قد حدث مثله في العهود ~~التي لم يدركها التاريخ؛ فقد نزح قوم من الشرق يدعون بالسومريين، وأناس من ~~الغرب يدعون بالحيثيين، وأناس من الشمال مجهولون يحسبهم المؤرخون تارة من ~~السومريين، وتارة من الحيثيين. # فالسومريون في الغالب من أصل مغولي، وسواء ثبت أنهم من المغول أو ثبت غير ذلك، ~~فالأمر الذي لا شك فيه أنهم من غير الساميين أو السلالة العربية؛ لأنهم كانوا ~~يتكلمون لغة غروية # Agglutinatine # بعيدة جدا ~~في أصولها وقواعدها من اللغات السامية الاشتقاقية، ومنها العربية # Inflectiona ~~. # ومن المقابلة بين صورهم وتماثيلهم، وبين الصور والتماثيل العربية في أرض بابل ~~وغيرها يبدو الفرق واضحا بين الملامح والقسمات، فضلا عن الفروق البعيدة في ~~الطبائع والعادات، ولكنهم لم يعرفوا باسم غير الاسم الذي أطلقه عليهم العرب ~~الأقدمون، وهو اسم السومريين؛ أي سمر الرءوس كما جاء في وصفهم على ~~الآثار. # والحيثيون على الأغلب آريون قدموا من الشرق إلى آسيا الصغرى قبل فجر التاريخ، ~~ولا بد أن يكون مقدمهم إلى آسيا الصغرى بعد احتلال الساميين للهلال الخصيب بقوة ~~لم يستطع الحيثيون أن يتغلبوا عليها، وإلا لما تجاوزوا هذه البقاع المخصبة إلى ~~ما وراءها. # ويذهب أناس من المؤرخين المحدثين إلى أن العموريين أيضا من الأقوام التي لا ~~تنتمي إلى سلالة سامية عربية، ومن هؤلاء المؤرخين العلامة سايس # Sayce # المشهور، وحجته في ذلك أن صورهم على معبد ~~رمسيس تخالف في اللون والقامة صور الأقوام الأخرى من أبناء آسيا الغربية، وهي ~~حجة لا تنهض وحدها أمام اللغة، وانقطاع الصلة بينهم وبين كل قطر من الأقطار ~~التي يفرض الفارضون أنهم قدموا ms104 منها، ولا يعقل أنهم قدموا من أوروبة عن طريق ~~أفريقية وهي خالية، ثم اختاروا بقاع فلسطين وسورية دون غيرها. # ولا يعقل كذلك أنهم حاربوا أبناء البلاد التي وقعت في طريقهم، وتغلبوا عليهم ~~واجتازوهم دون أن يسلبوهم أرضهم ويستقروا فيها. وليس أقرب إلى التقدير الصحيح ~~من مجيئهم في زمن قديم من الشرق عند وادي الفرات. ولعلهم ينتمون إلى الأرض ~~المعروفة باسم «إمرو» هناك، ولا اعتداد بلون البشرة أو طول القامة، فلم يثبت قط ~~أن الجو العربي منذ الأزمنة الخالية كان يستلزم السمرة والقصر، ولم يزل بين ~~أجناس الجنوب عمالقة غير العموريين. # ذلك مجمل الحال من حيث السكان في بلاد النهرين والهلال الخصيب، فمن شرق الدجلة ~~إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط عشائر عربية تقيم وتترحل، وينافس بعضها بعضا ~~على المرعى والمورد كلما ضاقت بها البقاع، أو جاءها من الجنوب وارد ~~جديد. # وكان السلطان الأكبر على هذه العشائر للدولة التي تقوم في العراق، سواء كانت ~~دولة الآشوريين أو الأكاديين أو البابليين، أو كانت دولة السومريين قبل هؤلاء ~~أجمعين؛ لأن هذه العشائر تقيم وتترحل في بقاع لا تنفصل عن بقاع النهرين، وربما ~~دخل بعض البقاع في حوزة مصر وتولاها حكام من قبل فرعون، وربما اقتدى بعض ~~العشائر بالمصريين في العادات والعبادات، وربما انتقل بعضهم إلى مصر مرتادين أو ~~متجرين فاقتبسوا كذلك من عاداتها وعباداتها، ولكن وحدة اللغة ووحدة المكان ~~ووحدة العادات كانت هي الغالبة على طول الزمن؛ ولهذا كان الولاة المصريون على ~~آسيا الغربية يكتبون إلى فرعون بالخط المسماري وعلى ألواح الطين المطبوخ، كما ~~كان يكتب البابليون والآشوريون ... # وحدث غير مرة أيام ضعف الدول أن تجترئ العشائر القوية عليها فتهزمها، وتنشئ ~~فيها دولتها، حدث هذا من العموريين والعيلاميين في وادي الفرات، وحدث من الرعاة ~~الذين اشتهروا باسم الهكسوس # 4 # في وادي النيل. ويرتبط تاريخ الخليل كما يلي بقيام هذه الدول، وانتقال هذه ~~العشائر من أماكنها كلما قامت لإحداها دولة مستقرة في الحواضر والعواصم، وهجرة ~~إبراهيم على اتصال وثيق بالزعازع التي تنشأ حتما من تبدل ms105 النظم، وتبدل ~~العبادات والكهانات، وحلول الجديد منها محل القديم، مع المساومة والمصالحة بين ~~النظام المقبل المعمول به والنظام المدبر المهجور. # ولكننا على كثرة الأحافير لا نجد بينها خبرا يعين لنا التاريخ في حادث من ~~الحوادث تعيين الجزم واليقين، ولم يهتد المنقبون إلى تاريخ منها إلا على وجه ~~التقريب، وبعد الموازنة والترجيح. # وعلة ذلك أن الدول الكبرى في تلك العهود لم تكن موحدة الحكومات، بل كانت منقسمة ~~موزعة يتولاها في الوقت الواحد ثلاثة أمراء أو أربعة أو أكثر من ذلك؛ فإذا حاول ~~المنقب أن يضع لهم ترتيبا متعاقبا لم يلبث أن ينكشف له من محفورات جديدة أنهم ~~كانوا في عصر واحد، ومن الأمثلة الكثيرة على هذا: أن المنقبين كانوا يعينون سنة ~~1940 قبل الميلاد لحكم حمورابي، ثم انكشفت أحافير «ماري» للأستاذ أندريه باروت # André Parrot ~~، فقدموها قرنا كاملا ~~إلى نحو سنة 1840؛ لأنهم وجدوا ملوكا معاصرين له وكانوا يحسبونهم سابقين له في ~~موطنه. # وفي مصر كان المظنون أن ترتيب الأسر متعاقب، ثم ظهر من النقوش المتوافقة في ~~الزمن أن الأسر الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة حكمت في عصر واحد بين ~~أقاليم الوجه البحري والصعيد، وأن الإصلاحات التي تمت في إقليم الشلال لم تكن ~~من عمل الهكسوس المعاصرين، وأن من هؤلاء الهكسوس من كان يرسل الهدايا والإتاوات ~~إلى ملوك الصعيد، ويقول المؤرخ بتري Petrie ~~: ~~إن الصورة التي على معبد بني حسن هي صورة رئيس من الهكسوس، وإن الكلمة مركبة من ~~هيك بمعنى أمير، ومن شو اسم القبيلة. # وإنه يضاهي اسم «خيان أو شر» المنقوش بين أسماء الملوك الشماليين على معبد ~~تحتمس الثالث بالكرنك، واسم خيان هذا خليق أن يقف عنده القارئ؛ لأنه قريب من ~~اسم ريان، الذي حسبه مؤرخو العرب الأقدمين بين أسماء ملوك الرعاة، ونتيجة هذا ~~التداخل في أزمنة الأسر الحاكمة أن يلتبس الأمر على المؤرخ عند تعيين أوقات ~~الحوادث، وتعيين اسم الأمير الذي تنسب إليه. # وقد مضى زمن على الهكسوس في الوجه البحري وهم رواد يطلبون المرعى والضيافة، ولا ~~يجسرون ms106 على المنازعة في الملك، فإذا وجدت لهم آثار سابقة لعصر دولتهم، فلا يلزم ~~من ذلك تعديل تاريخ الدولة؛ لأن دخول الهكسوس إلى مصر للمرعى والرحلة من مكان ~~إلى مكان، غير دخولهم بجموعهم وجنودهم للسيطرة وإقامة الملك بأسمائهم، وكل ما ~~يدل عليه السماح لهم بالدخول، وإهمال الحيطة في أمرهم أن فراعنة الصعيد كانوا ~~يومئذ في شاغل بالنزاع عن الحيطة والتحصين. # ولا داعي كذلك لتخطئة المؤرخين الذين نقبوا في فلسطين فعينوا للهكسوس تاريخا ~~غير تاريخ دولتهم بالديار المصرية، فإن زحف الهكسوس على جنوب فلسطين سابق ~~بالبداهة لقيام دولتهم بالوجه البحري من أرض مصر، فالمنقبون في مدينة أريحا ~~علموا من بقاياها أنها خربت بالزلازل وقذائف البراكين ثلاث مرات، وعلموا من ~~أساليب البناء، ونقش الفخار، وأثر التحلل على المنسوجات في طبقات الأرض متى كان ~~الموعد المقارب لكل كارثة من هذه الكوارث. # وفي الدور الثالث وجدوا مقابر للهكسوس، واستطاعوا أن يعينوا وقتا لوجودهم بأرض ~~كنعان حوالي سنة 1750 قبل الميلاد، وعلموا أن أمير «أريحا» تواطأ مع الهكسوس ~~على غزو مصر، وأن هؤلاء أقاموا معه موظفا يسمونه كاتب الوزير للرقابة على ~~البيادر وخزائن الغلال، وأن الفترة كانت فترة اضمحلال وهزال أصاب الدول في مصر ~~والعراق ، وشجع الرعاة والقبائل الرحل على غزوها وتوطيد أقدامهم فيها، فكان هجوم ~~الهكسوس على مصر معاصرا لهجوم قبائل البدو من عيلام وعمور على بابل، وكانت ~~الأرض التي في طريق مصر موزعة بين العمالقة الحيثيين واليبوسيين والعموريين، ~~وليس بينهم ذكر للعبرانيين. # إلا أن المنقبين الذين عينوا زمنا للهكسوس حوالي سنة 1750 لم يعرفوا من هم ~~هؤلاء الهكسوس على وجه التحقيق، ولكنهم استخلصوا من «خط السير» الذي اتبعوه بعد ~~خروجهم من مصر منهزمين، أنهم عادوا إلى مواطنهم في شمال سوريا، وأنهم على ~~الأرجح مزيج قديم من الآراميين والحيثيين، ولم يطل مقامهم بمصر أكثر من قرن ~~ونصف قرن، ثم تعقبهم المصريون ودمروا المدن التي تواطأت معهم على غزو الديار ~~المصرية، ومنها أريحا. وقد وجد المنقبون فيها بين الفصوص الكثيرة فص خاتم باسم ~~خاميس أو أحمس ms107 قاهر الهكسوس. # إلى هذا التاريخ لم يكن للعبريين الذين يسمون أنفسهم بأبناء إسرائيل أي أثر بين ~~القبائل التي في طريق مصر، ولم يذكر لهم اسم في أثر من الآثار التاريخية قبل ~~سنة 1220 قبل الميلاد. # في هذا الأثر يروي الفرعون مرنفتاح خبر حملته التأديبية على عسقلان وجزير ~~ويوانام وإسرائيل، ويقول: إنه محا إسرائيل فلم تبق منها باقية، ويؤيد خبره هذا ~~أن النصب الذي أقيم بعد ذلك مسجلا لانتصار رمسيس الثالث على العموريين ~~والفلسطينيين والحيثيين سنة 190 قبل الميلاد، لم يرد فيه ذكر لإسرائيل. # وعصر إبراهيم قبل هذه الفترة على التحقيق، فمن القرن الثاني عشر إلى القرن ~~الثامن عشر قبل الميلاد لم يكن لإبراهيم وذريته مقام في غير الجنوب عند جيرار ~~أو وراءها جنوبا، ولم يكن لإبراهيم مقام في حبرون، ولهذا يرجح الدكتور ~~«كامبيل» أن إبراهيم لم يدفن في مغارة مكفيل بحبرون على مقربة من أورشليم، ولكن ~~الذين انتسبوا إليه تعلقوا بذكرى هذا المدفن لتسويغ دعواهم في مملكتهم، ولا بد ~~هنا من إبراهيمين أحدهما جاء بعد الآخر بزمن طويل. ~~••• # ويذهب الدكتور كامبيل بعيدا جدا في هذا الفرض، فيشير إلى ورود اسم إبراما في ~~الآثار البابلية، وقد ورد في خلال قصة زراعية حيث قيل : إن إبراما استأجر ثورا ~~للزرع من أحد الفلاحين، ولا شأن لإبراما هذا بسيرة الخليل، ولكن الدكتور كامبيل ~~يسرد أسماء أخرى في الأحافير قريبة من هذا الاشتقاق، ومنها «أبرمراما»، وهو على ~~رأي الدكتور قد يكون أمرمرابي الذين هو أمورابي بعينه، وهو لا شك جد من جدود ~~العموريين الذين ملكوا بابل، وكانت منهم شعبة تملك بيت المقدس وحبرون بجوارها، ~~فلما امتزج العموريون والعبريون، واشتركوا في العبادة وفي السيادة، صعد ~~العبريون بنسبهم إلى جد مدفون في حبرون يسمى إبرام، وذكروا أن قبره مشترى ~~بالمال من ملوك الأرض # 5 # الأصلاء، ~~فليس في دفنه ثمة عدوان ولا ادعاء. # وقصة الإبراهيمين قد لجأ إليها كاتب منقب لا يغلو في فروضه على هذا المثال، وهو ~~السير ليونار صاحب كتاب إبراهام والكشوف الأخيرة، فقد رجح أن ms108 إبراهام غير ~~إبرام، وقال: إن تسمية الحفيد باسم الجد كانت مألوفة جدا في البلاد البابلية، ~~كما يظهر من مقابلة أسماء الملوك من أسرة واحدة، فإذا كان لإبراهيم جد باسم ~~إبرام، كما جاء في كثير من الروايات، فالأقرب إلى المألوف أن المتأخرين بعد ~~عصره جمعوا بين أخبار الاثنين، ووصلوا عمر أحدهما بعمر الآخر فبلغوا بهما مائة ~~وخمسا وسبعين سنة. # وغير بعيد أن يكون العبريون المتأخرون قد تكلموا عن إبراهيمين لا عن إبراهيم ~~واحد، فهذا التاريخ الغامض قد زاده اختلاطا على اختلاط دعوى الطائفة العبرية، ~~التي تنتسب إلى إبراهيم، أنها ذريته التي ترثه في الأرض والسماء، وأنها ورثت ~~أرض فلسطين من أيام إبراهيم، مع أنهم كانوا إلى أيام موسى يشترون المرعى ~~والمورد فيها بالفضة، ولم يستطيعوا أن يدخلوا فلسطين إلا بعد ضعف العموريين ~~والحيثيين والهكسوس. # ومن حقائق التاريخ المطردة أن الملك هو بلاء القبائل الرحل، فلما ملك الحيثيون ~~والهكسوس ضاعوا واندحروا، ولما هجم العموريون على بابل فملكوها ضاعوا واندحروا ~~في بابل وفي بيت المقدس، ولما دخل العبريون أنفسهم بيت المقدس وملكوا فيها ~~ضاعوا واندحروا، وحاق # 6 # بهم ما حاق بالقبائل الأولى. # فالملك هو نهاية كل قبيلة من تلك القبائل، وقد ظلت كلها قبائل نامية إلى أن ~~ملكت، فانتهت بذلك إلى دورها الأخير. # وعلى هذه السنة عاش العموريون والكنعانيون والحيثيون، وعاش معهم العبريون قلة ~~ضعيفة إلى أقصى الجنوب من تلك البقاع، فكان وطن إبراهيم عند سيناء وشمال ~~الحجاز، وكان الجنوب مفتوحا له وأيسر له من الشمال، حيث تجول القبائل التي بلغ ~~من قوتها أن تغير إحداها على بابل، وتغير الأخرى على مصر، فأيسر من إجلائها عن ~~أرضها أن يبقى حيث هو، أو يمعن في الجنوب ويستقبل الحجاز. # وعبرة التاريخ هنا: أن المتحذلقين الذين خطر لهم أن ذهاب إبراهيم إلى الحجاز ~~أعجوبة ملفقة يرون بالنظر الصادق أنها هي التقدير الصحيح، وأن الأعجوبة هي ~~اتجاهه من الجنوب إلى الشمال. # الفصل العاشر # | اللغة # ربما كان من المفاجآت عند بعض الناس أن يقال لهم: إن إبراهيم عليه ms109 السلام كان ~~عربيا، وإنه كان يتكلم اللغة العربية. # ولكنها الحقيقة التاريخية التي لا تحتاج إلى فرض غريب، أو تفسير نادر غير ترجمة ~~الواقع بما يعنيه، وإنما الفرض الغريب أن يحيد المؤرخ عن هذه الحقيقة لينسب إبراهيم ~~إلى قوم غير قومه الذين هو منهم في الصميم. # وليس معنى هذا بالبداهة أنه كان يتكلم العربية التي نكتبها اليوم، أو نقرؤها في كلام ~~الشعراء الجاهليين ومن عاصرهم من العرب الأقدمين؛ فلم يكن في العالم أحد يتكلم هذه ~~اللغة في عصر إبراهيم، ولا في العصور اللاحقة به إلى القرن الرابع أو الثالث قبل ~~الميلاد. # وإنما اللغة العربية المقصودة هي لغة الأقوام التي كانت تعيش في شبه الجزيرة العربية، ~~وتهاجر منها وإليها في تلك الحقبة، وقد كانت لغة واحدة من اليمن إلى مشارف العراق ~~والشام وتخوم فلسطين وسيناء. # ولقد عرفت تلك اللغة حينا باسم اللغة السريانية غلطا من اليونان في التسمية؛ لأنهم ~~أطلقوا اسم آشورية أو آسورية على الشام الشمالية، فشاعت تسمية العربية باسم ~~السوريانية والسريانية من المكان الذي أقامت فيه بعض قبائل العرب الوافدة من شبه ~~الجزيرة منذ أقدم العصور، قبل عصر إبراهيم بزمن طويل. # واشتملت هذه اللغة السريانية في بعض الأزمنة على عدة لغات، لا تختلف فيما بينها إلا ~~كما اختلفت لهجات القبائل العربية قبل الدعوة الإسلامية، ومن هذه اللغات لغة آرام ~~وكنعان وأدوم وموآب ومديان وما جاورها في الأقاليم الممتدة بين العراق وسيناء. وربما ~~كانت المفاجأة أشد على من يسمع أن الخليل لم يكن عبريا من العبريين. # فقد مضى زمن طويل والناس يفهمون أن العبرية واليهودية كلمتان بمعنى واحد، ولم تكن ~~اليهودية قط مرادفة للعبرية في معنى صحيح. # فالعبرية في نحو القرن العشرين قبل الميلاد كانت كلمة عامة تطلق على طائفة كبيرة من ~~القبائل الرحل في صحراء الشام، وكان من أبناء هذه القبائل من يعمل كالجنود المرتزقة ~~هنا وهناك حسب المواقع والمناسبات، وبهذا المعنى وردت كلمة العبري والإبري والهبيري ~~وما قاربها لفظا في أحافير «تل العمارنة وفلسطين وآسيا الصغرى والعراق، وجاءت بهذا ms110 ~~المعنى في الكتابات المسمارية والفرعونية»، ولم يكن لليهود وجود في ذلك الحين. # ولما وجد اليهود وانتسبوا إلى إسرائيل كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية: إنها لغة ~~كنعان، ثم انطوت العبرية في الآرامية التي غلبت على القبائل جميعا بين فلسطين ~~والعراق، مع اختلاف يسير بين الآرامية الشرقية والآرامية الغربية. # وأصبحت العبرية لهجة تختلف بنطق بعض الحروف كما تختلف القبائل بنطق الشين والكاف، أو ~~نطق الميم واللام إلى هذه الأيام. # ففي الإصحاح الثاني عشر من سفر القضاة يقول: «كان رجال جلعاد يقولون له: أأنت من ~~إفرايم؟ فإن قال: لا، كانوا يقولون له: قل شبولث، فيقول: سبولث، فكانوا يأخذونه ~~ويذبحونه.» # ولما كشف حجر موآب المشهور # 1 # وجدت الكتابة عليه قريبة جدا من العبرية، وهو يرجع ~~إلى القرن التاسع قبل الميلاد. # وقد أقام هذا الحجر ملك موآب ميسا بن شموس، وقال فيه: إن الإله شموس «أي الشمس» نصره ~~على إله إسرائيل، وإنه بنى هيكل بعل معون، وذكر «اشتار شموس» في موضع آخر، كما قال: ~~إنه جر محاريب «يهوا» أمام ربه المعبود، وكان هذا الرب راضيا عنه بعد جفاء وعقاب، ~~وظهر من أحافير اليمن والعراق والشام وفلسطين أن أسماء الإله واحدة في جميع هذه ~~البلاد، ففي كلامها اسم بعل والرب وإيل وصادق بمعنى المعطي الوهاب، ومن هذا التشابه ~~اسم ملكي صادق في فلسطين، واسم إيل صادق في معين وحضرموت. # ومن أقوى الأشياء دلالة على العلاقة بين إبراهيم والحجاز: أن اسم بعل يطلق كثيرا ~~على الإله في ديانات جميع القبائل، ما عدا القبائل التي دانت بدعوة إبراهيم وخلفائه، ~~فإن إطلاق اسم البعل على الإله مكروه فيها، لا يذكرونه إلا عرضا في تركيب الأسماء ~~التي يتوارثها الناس بغير نظر إلى معناها. وقد ورد اسم البعل في ديانات الجزيرة ~~العربية ما عدا ديانة الكعبة أو ديانة الحجاز، ومن قال: إن اسم «هبل» تصحيف لاسم ~~«يهوا بعل» لم يستند إلى دليل ولا قرينة معقولة؛ إذ لا معنى لتصحيف الكلمة في اسم ~~الصنم مع وجودها في اللغة بمعنى السيد أو ms111 الزوج إلى اليوم. # ولو كانت الكلمة منسية لما كان بالتصحيف من غرابة، وأما وهي مفهومة معروفة فتصحيفها ~~في اسم صنم معبود غير معقول، وأبعد من هذا القول أن يقال: إن «هبل» منحوت من كلمة ~~«يهوا» وكلمة «بعل»؛ فإن الدعوة إلى يهوا تناقض الدعوة إلى بعل، ومن آمن بهذا لم ~~يؤمن بذاك، إلا أن يقال: إن اسم «يهوا» مأخوذ من لغة العربية الحجازية أو الجنوبية، ~~وينبغي لمن يقول هذا أن يستشهد بأمثلة لوجود الكلمة مفردة ومقترنة ببعل في أثر ثابت، ~~وليس لهذا الأثر وجود. # ويرجح بعضهم أن اسم إبرام يتألف من أب ورام، وأن رام هنا بمعنى أحب، فاسم إبرام إذن ~~يعني محبوب الله، وهو وصف يوافق تلقيبه بخليل الله، ويستبعد ~~مرجليوث # 2 # أن تكون «رام» من مادة الرفعة كالرامة التي تطلق ~~على القرية في البناء العالي، وتجمع على رام كما تجمع ساعة على ساع، وحالة على حال، ~~وحانة على حان. # وينقل مرجليوث عن جليزر # Glaser # أن الملك الحميري ~~شرحبيل يعفور ذكر اسم الله في الحجر المنقوش على سد مأرب، فسماه «بعل السمائين ~~والأرضين»، وأنهم عرفوا التوحيد في منتصف القرن الخامس للميلاد، وينقل عن دسو # Dussaud # أن الأحافير النبطية التي ترجع إلى القرن ~~الثالث قبل الهجرة تدل على تقارب شديد بين الآرامية والعربية الفصحى. # وقد لوحظ التقارب بين اللغات أو اللهجات العربية فيما هو أقدم من ذلك كثيرا، بحيث لا ~~يحسب تاريخه بأقل من ألفي سنة قبل الميلاد؛ فإن أداة التعريف، وضمير المتكلم والغائب، ~~وكلمات النفي والنهي، وتصريف الأفعال مشتركة في اللغة العربية واللغة الآشورية التي ~~تنسب إليها السريانية كما تقدم ... # وهذا التقارب هو الذي أوحى إلى الأستاذ دويرتي أن يترجم اسم «دمقي اليشو» بحبيب الله، ~~من المقة بمعنى الحب، والإيل بمعنى الله، وضمير الإضافة، وجاء فلبي فظن أن هذا الاسم ~~يطابق في الزمن والصفة اسم الخليل إبراهيم، وأن الخليل كان ملكا من الملوك الذين ~~حكموا جنوب العراق عند الخليج الفارسي؛ لأن الأقوال متواترة بمقام الخليل هناك في أور ~~الكلدانيين، ولأن ms112 اسم «دمقي اليشو» ورد في الآثار البابلية بين عدة ملوك يسمون بملوك ~~الشاطئ، أو ملوك الأرض البحرية. # 3 # وهو اصطلاح ~~لهم يطلقونه على العرب من سكان تلك الجهات. # وهذا التقارب في اللغة والكتابة يفض لنا - فيما نعتقد - خلافا شديدا دخل فيه ~~المهاجمون للإسلام والمدافعون عنه حول نسب الخليل إبراهيم واسم أبيه. # فقد جاء في القرآن الكريم: # وإذ قال إبراهيم لأبيه ~~آزر ~~، فاتخذ المهاجمون للإسلام من ذلك دليلا على الخطأ في تسمية أبي ~~الخليل، وقالوا: إن اسمه تارح كما ورد في العهد القديم. # وجاء بعض المفسرين من المسلمين فحاولوا طويلا أن يجعلوا لكلمة «آزر» موضعا من ~~الإعراب، أو مدلولا يبطل ذلك الانتقاد، ويردون به تخطئة المهاجمين ... # والواقع أن هذه التخطئة لا محل لها عند النظر في أصول الأسماء، فإن إبراهيم قد انحدر ~~إلى أرض كنعان من أرض آشور، واعتقد شراح الكتب الإسرائيلية، في غير موضع، أن الآباء ~~الأولين كانوا ينسبون إلى بلادهم أو أممهم كما يقال عن ابن مصر، وابن أوروبة، وأبناء ~~الشرق، وأبناء الغرب، وأبناء النيل. # فإذا نسب إبراهيم إلى آشور، فمن الجائز جدا أن يكون تارح وآزر لفظين مختلفين لاسم ~~واحد، سواء كان هذا الاسم علما على رجل أو على الجد القديم الذي تنسب إليه أمة آشور، ~~وكثيرا ما انتسب القوم إلى اسم جد قديم كما يقال في النسبة إلى عدنان وقحطان. # ونظرة واحدة في كتابة اسم آشور ونطقها إلى اليوم في العراق وسورية تقرب لنا هذا ~~الاحتمال الذي يبدو بعيدا لأول وهلة. # فقد كتبت آشور تارة آزور، وتارة آثور، وتارة آتور بالتاء، وتارة آسور بالسين ... # ولا يخفى أن اللغات السامية لم تكن تكتب لها حروف علة إلى زمن قريب، وأن الإغريق ~~الذين أطلقوا اسم «آسورية» على وطن إبراهيم من نهر الفرات إلى فلسطين ينطقون الياء ~~الإغريقية بين الواو والياء؛ ولهذا تكتب لوبيا بالواو كما تكتب بالياء، وتنطق سيرية ~~بالياء في اللغات الأوروبية، وتنطق سورية بالواو في اللغات الشرقية. # ولا يخفى كذلك أن كلمة تارح تنطق تيرح على لسان ms113 الكثيرين من الناطقين باللغات ~~السامية، وتنطق تيرا وتيره عند الذين لا يستطيعون النطق بالحاء. # فإذا لاحظنا ذلك كله، فليس أقرب من تحويل آتور وآتير إلى تيره وتيرح، وقد وردت في ~~تاريخ يوسيفوس بغير الحاء، ووردت في تاريخ يوسبيوس آثور، وهو مكتوب باليونانية، وقد ~~ورد في التوراة اسمان بمعنى الأميرة، أحدهما بالحاء، وهو سارح «46 تكوين»، والآخر ~~بغير الحاء، وهو سار أو سارة. # ومؤدى هذا أن «آزر» هي النطق الصحيح الذي عرف به اسم آسور القديم، وأن تيره وتيرح هي ~~نطق الذين يكتبونها آتيره وآتيرح، وينطقون بكلمة آتور بين الواو والياء. # روى صاحب «المزهر» عن الأصمعي أن رجلين «اختلفا في الصقر، فقال أحدهما بالصاد، وقال ~~الآخر بالسين، فتراضيا بأول وارد عليهما، فحكيا له ما هما فيه فقال: لا أقول كما ~~قلتما؛ إنما هو الزقر. وعلى هذا يتخرج جميع ما ورد من التداخل نحو قلى يقلى وسلى ~~يسلى.» # وإذا اختلفت الحروف في اللهجة العربية الواحدة هذا الاختلاف، فلا محل للجزم بالتخطئة ~~حين تختلف السين والزاي، أو التاء والثاء في لغات تباعدت بينها الآماد. # وأيا كان القول في نسبة إبراهيم إلى آزر بمعنى آسور، فهو أقرب من القول بأن أباه ~~سمي تارح من الحزن أو من الكسل، وليس عليه دليل من وقائع التاريخ والجغرافية ولا من ~~الاشتقاق. # وتفيد هذه الملاحظة فائدة جلى في معرض آخر من معارض سيرة الخليل، فلم يكن تاريخ ~~إبراهيم في الإسلام مستمدا من المصادر اليهودية، كما زعم بعض المتسرعين من رواة ~~الأخبار الدينية غير الإسلامية، وإلا لما كان أيسر من تسمية أبيه تارح أو تيرح أو ~~تيره وما شابه هذه التصحيفات، ولما كان هناك سبب قط لتسميته بآزر على أي ~~توجيه. # وإنما هذا بينة من بينات شتى على أن دعوة إبراهيم لم تصل إلى الحجاز من مصادر ~~اليهود. # والبينة الكبرى التي تأتي من مباحث اللغة هي التقارب الشديد بين لغة الحجاز ولغة ~~النبط أو النباتيين الذين ينتمون إلى نبات من أبناء إسماعيل. # فقد عقد اللغويون مقارنات كثيرة بين لهجات ms114 العربية القديمة التي بقيت إلى ما قبل ~~الإسلام، فظهر من هذه المقارنات أن التقارب بينها يقاس بالزمان ولا يقاس بالمكان، ~~فقد يكون الجاران مختلفين غاية الاختلاف، وقد يكون التشابه قريبا جدا بين طائفتين ~~تسكن إحداهما إلى أقصى الجنوب، وتسكن الأخرى إلى أقصى الشمال. # فالحميريون كانوا يقيمون بأقصى الجنوب من الجزيرة العربية، والآشوريون كانوا يقيمون ~~بأقصى الشمال من العراق، ولكن التشابه بين لهجة حمير ولهجة آشور أقرب جدا مما بين ~~اللهجة الحميرية واللهجة القرشية بمكة، والمسافة بين اليمن والحجاز أقرب ~~المسافات. # فاللغة الحجازية لم تتطور من اللغة اليمانية مباشرة، وإنما جاء التطور من العربية ~~القديمة إلى الآشورية إلى الآرامية إلى النبطية إلى القرشية، فتقاربت لغة النبط ولغة ~~قريش من هذا السبيل، وكان التقارب بينهما في الزمان، أو في درجات التطور، ولم يكن ~~تقاربا يقاس بالفراسخ والأميال. # هذه هي البينة الكبرى من مباحث اللغة على قرابة أهل الحجاز من النبطيين أو النباتيين ~~أبناء إسماعيل، ولم تكن هذه القرابة من اختراع النسابين أو فقهاء الإسلام، ولكنها ~~كانت قرابة الواقع التي حفظتها أسانيد اللغة والثقافة، واستخرجتها من حجارة الأحافير ~~والكشوف الحديثة. # ومما يدعو إلى احترام روايات النسابين في هذا الباب أنهم عرفوا الحقيقة التي كشفها ~~علماء الأحافير في الزمن الأخير، فقال ابن عباس: «نحن معاشر قريش من النبط.» # هذا من جهة الأصل واللغة، ومن جهة الكتابة يقول الشاعر المنتصر بن المنذر ~~المديني: # ملوك بين حطي وسعفص في الندى # وهوز أرباب الثنية والحجر # وربما اختلفوا في مسألة الكتابة؛ لأنها طارئة لم يتعلمها منهم غير القليلين. أما ~~النسب ومرجعه إلى نبات والنباتيين، فالتوافق فيه واضح بين رواية النسابين وتحقيق ~~الأحافير. # الفصل الحادي عشر # | مدن القوافل # أكثر غوامض التاريخ يخلقها المؤرخون؛ لأنهم ينظرون إلى التاريخ كأنه حسبة أرقام ~~لإحصاء السنين والأيام، أو كأنه أطلس مواقع ومعالم، أو كأنه سجل حوادث وأنباء، ولو ~~أنهم واجهوه على قاعدة واحدة، وهي أنه وصف نفوس إنسانية، وأن حوادثه وأنباءه ومعالمه ~~ومواقعه، وكل ما يحسب فيه من السنين والأيام إنما هو تبع ms115 لوصف النفوس الإنسانية، لما ~~بقي فيه غموض، أو بقي فيه الغموض الذي يغمض علينا لسبب مجهول. # وقد غمض على المؤرخين شيء كثير من أحوال الرسالات النبوية؛ لأنهم لم يرقبوا حالة ~~مشتركة في جميع هذه الرسالات، وهي الحالة النفسية التي تكون عليها الأمم في طور واحد، ~~وذلك هو طورها حيث تتصل البداوة والحضارة، فلم تتهيأ النفوس للرسالة النبوية في حالة ~~قط كما تهيأت لها وهي قائمة بين البداوة والحضارة، ولم يعرف التاريخ رسالة نبوية في ~~الحضارة دون غيرها، أو في الصحراء المنعزلة دون غيرها، وإنما عرفت هذه الرسالات على ~~الدوام في مدينة حولها صحراء، أو في صحراء على مقربة من مدينة؛ ولهذا كانت مدن ~~القوافل وما في حكمها أحق الأماكن بالدراسة من جانبها هذا الذي يرشحها لقيام الدعوات ~~الدينية. # لم اختص الله الأمم السامية بالرسالات النبوية؟ لم لم تظهر هذه الرسالات في ~~الهند أو في الصين أو في القارة الأوروبية؟ لم كانت هذه الرسالات هي الدور الذي ~~تهيأت له أمة واحدة في وسط العالم؛ أمة وسطا كما نعتها القرآن الكريم؟ # تلك أسئلة غامضة تظل في غموضها حتى ننظر في الأحوال النفسية التي يكون عليها الإنسان ~~بين الحضارة والبداوة، ولا تهيئه لها الحضارة على انفراد، ولا البداوة على انفراد، بل ~~لا بد فيها من التقاء الشعورين، وامتزاج المجتمعين، ولم يحدث قط أنهما التقيا وامتزجا ~~على هذا النحو في غير البلاد التي قامت عليها الحضارات الأولى، وظلت زمنا طويلا ~~جامعة بين الصحراء والمدينة والأقطار المتحضرة، كأنها خلقت للنهوض بهذه الأمانة، ثم ~~نهضت بها ونشرتها في جميع أنحاء العالم، فهي دورها الأكبر بين سائر الأدوار التي ~~توزعتها الأمم والعصور. # لماذا كانت مدن القوافل أو المدن القريبة من الصحراء أصلح البلاد للرسالة ~~النبوية؟ # إنها صلحت لذلك لأن الأحوال النفسية التي تتوافر فيها لا تتوافر في حضارة العمران ~~المتصل، ولا تتوافر في الصحراء المنعزلة، ولا تتم أسبابها الحسنة ولا أسبابها السيئة ~~في بيئة أخرى كما تتم في المدينة حولها الصحراء، فأما القطر الذي يتصل عليه العمران ms116 ~~فهو مختلف من هذه الناحية، وأما الصحراء التي تنعزل عن العمران فهي من هذه الناحية ~~مختلفة كذلك. وسنرى أوجه هذا الاختلاف في عرض موجز لهذين الطرفين المتقابلين، ثم نعود ~~إلى الوسط الذي يلتقيان لديه. # إن القطر الذي تتصل فيه الحضارة، وتتلاحق فيه مظاهر العمران يعطينا المشترعين ~~والكهان، ولا يعطينا الأنبياء المرسلين أو الرسل. # ففي هذا القطر يسري العرف، وترتقي العادات الاجتماعية، ويستقر نظام القانون ~~والمعاملة، وقد يتقدم أهله في إدراك العقائد الدينية من طريق تقدم المجتمع، وتقدم ~~الثقافة ومعاهد التعليم. # بل هو قد يتقدم قبل البداوة إلى إدراك عقيدة الوحدانية؛ لأن الدول الكبار تنشأ في ~~مبدأ أمرها من قبيلة تتسلط على قبائل أصغر منها، ثم يجتمع من القبائل شعب كبير يتسلط ~~على شعوب أصغر منه، فتقوم دولة الحضارة من امتزاج هذه القبائل والشعوب، وتتقدم إلى ~~الإيمان بالوحدانية كلما اشتركت في عبادة واحدة يفرضها الشعب الذي سادت عبادته على ~~مختلف العبادات. # فالقبيلة القوية تفرض على القبائل الصغيرة أن تطيع ربها، كما تفرض عليها أن تطيع ~~أميرها، ثم يجتمع من هذه القبائل شعب كبير يفرض على الشعوب التي دخلت في حوزته أن ~~تطيع ربه، وأن تدين بديانته، ولا تزال كذلك حتى يتوحد لها رب معبود تدين له جميعا، ~~وتؤمن بوحدانيته، وتؤمن بسيادته على جميع الأرباب زمنا حتى يبطل التعدد، ويستقر ~~التوحيد. # إن دولة الحضارة التي تقوم على هذه الأسس قد تسبق البداوة إلى الإيمان بالوحدانية، ~~ولكن مسألة الدين فيها تئول إلى سلطان الكهان، وهم أعداء الأنبياء، وعداوتهم لهم ~~تتكشف للعيان حتى في الأمم التي تعودت أن تتلقى الرسالات النبوية منذ عهد ~~بعيد. # فلما توطد سلطان الكهنوت في بني إسرائيل، خرج من الكهان أنفسهم من يتنبأ وينكر دعوة ~~النبوة على غير أصحاب الكهانة، وقال زكريا صاحب آخر كتاب - قبل الأخير - من كتب العهد ~~القديم: ~~... يقول رب الجنود: إني أقطع أسماء الأصنام من ~~الأرض فلا تذكر بعد، وأزيل الأنبياء أيضا والروح النجس من الأرض، ~~ويكون إذا تنبأ أحد بعد أن أباه وأمه - والديه - يقولان ms117 له: لا تعيش ~~لأنك تكلمت بالكذب باسم الرب، فيطعنه أبوه وأمه - والداه - عندما يتنبأ، ~~ولا يلبسون ثوب شعر لأجل الغش، بل يقول: لست أنا نبيا، أنا إنسان فالح ~~الأرض؛ لأن إنسانا اقتناني من صباي، فيقول له: ما هذه الجروح في يديك؟ ~~فيقول: هي التي جرحت بها في بيت أحبائي. # ويحدث أحيانا أن يتصدى الكاهن للنبي حماية لعرش الملك، كما فعل الكاهن أمصيا حين وبخ ~~النبي عاموس وأنذره بالرحيل من بيت إيل: «فأرسل أمصيا كاهن بيت إيل إلى يربعام ملك ~~إسرائيل قائلا: قد فتن عليك عاموس في وسط بيت إسرائيل، لا تقدر الأرض أن تطيق كل ~~أقواله؛ لأنه هكذا قال عاموس: يموت يربعام بالسيف ويسبى إسرائيل عن أرضه، فقال أمصيا ~~لعاموس: أيها الرائي، اذهب، اهرب إلى أرض يهوذا، وكل هناك خبزا، وهناك تنبأ، وأما ~~بيت إيل فلا تعد تتنبأ فيها بعد؛ لأنها مقدس الملك، وبيت الملك. # فأجاب عاموس وقال لأمصيا: لست أنا نبيا ولا أنا ابن نبي، بل أنا راع وجاني جميزة، ~~فأخذني الرب من وراء الضأن، وقال لي الرب: اذهب تنبأ لشعبي إسرائيل.» # وقد ينقسم الكهان والأنبياء إلى معسكرين عند الاختلاف على ولاية العهد، كما حدث عندما ~~وثب «أدونيا» بن داود لاغتصاب العرش ... «وأعد لنفسه عجلات وفرسانا وخمسين رجلا ~~يجرون أمامه، ولم يغضبه أبوه قط قائلا: لم فعلت هذا؟ وهو أيضا جميل الصورة جدا، ~~وكان كلامه مع أبياثار الكاهن، وأما ناثان النبي فلم يدعه.» # وحدث في أوقات شتى أن مساومة السياسة وصلت إلى الإيمان بالإله المختار، فترك الملوك ~~عبادته وعبدوا «البعل» وصنعوا له التماثيل، فتزوج آخاب، ملك إسرائيل، بنت ملك صيدا ~~«وسار وعبد البعل وسجد له، وأقام مذبحا للبعل في بيت البعل الذي بناه في ~~السامرة.» # وحدث هذا من أحد أبناء داود، فلم يستقم آحاز في عيني الرب كداود أبيه، «بل سار في ~~طريق ملوك إسرائيل، وعمل أيضا تماثيل مسبوكة للبعليم.» # 1 # وكان النبي أرميا ينعى على الأنبياء أنهم يتواطئون على نسيان اسم الإله «كما نسي ~~آباؤهم اسمي لأجل البعل». ms118 واستمرت هذه المساومات إلى عهد النبي هوشع الذي تخيل أمة ~~إسرائيل مزفوفة إلى «يهوا»، لا تدعوه باسم البعل، وتنزع أسماء البعليم من ~~فمها. # حدث هذا بين بني إسرائيل، ولم يطل بهم عهد الملك والاستقرار، ولم يزل أكثرهم رعاة ~~يتنقلون في البادية، ولم يزل من هؤلاء الرعاة أناس يجهرون بالنبوة بين حين وحين، ~~فليست دعوة النبوة بالدعوة التي تشيع وتجتذب إليها الأسماع في مواطن الحضارة القديمة، ~~بعد استقرار العمران فيها بعاداته وآفاته مئات السنين أو ألوف السنين، وليس بالنادر ~~في هذه المواطن أن يعلم الكهان حقيقة الوحدانية ويتركوا الشعب وشأنه يعبد الأصنام ~~والأرباب المتعددة، ويتخذ له في كل إقليم ربا مقصورا عليه، ويستبقون إله الدولة ~~الأكبر لمراسم الدولة الكبرى في الأعياد والمواكب التي يشهدها أصحاب التيجان ورؤساء ~~الكهان. # وإذا شاع الفساد في مواطن الحضارة، فالمسألة في هذه الحالة مسألة تشريع وقانون، أو ~~مسألة تنظيم وتدبير، وربما حالت ألفة العادات الفاسدة دون التنبه لإصلاحها بالتشريع ~~أو بالتنظيم. # وأوضح الأمثلة على موقف الحضارة بالنسبة للدعوات الدينية هو مثل الملك إخناتون ~~بالديار المصرية، فإن دعوة إخناتون بلغت بالتوحيد أعلى مرتقاه في تلك العصور، وبلغت ~~بتنزيه الإله غاية لم تدركها حتى اليوم بعض الأمم في البلاد الشرقية أو الغربية، ~~ولكنها دعوة جاءت من طريق الأوامر والقوانين ، ولم تلبث أن ذهبت بذهاب الملك الذي أصدر ~~تلك الأوامر والقوانين، ثم عادت الحضارة إلى مجراها كأنها لم تنحرف عنه في عهد الملك ~~الراحل طرفة عين. # فليست بلاد العمران المتصل مهدا صالحا للرسالة والنبوة، فما حال الصحراء التي انقطع ~~ما بينها وبين العمران كل الانقطاع؟ # إن لم يكن شأنها في أمر الرسالة النبوية شأن العمران المتصل فما هو بأصلح منه ولا ~~أيسر. # فليس في الصحراء التي انقطع ما بينها وبين العمران من شريعة غير شريعة العدوان، ولا ~~عمل للقبائل فيها غير الإغارة والاستعداد لدفع الغارات من الآخرين، وربما تفاهموا على ~~آداب الجوار والمهادنة كأنها من التدبيرات العملية التي لا ترتقي إلى طبقة الفضيلة ~~والعقيدة، وربما تحلى بعض الناس فيها ms119 بمناقب الشجاعة والسخاء وما إليها من مناقب ~~الميادين، وشمائل السيادة والرئاسة. أما أن يتعارف المقاتلون المنقطعون عن العمران ~~على الحقوق والفضائل، وخلائق الصلاح والاستقامة التي ينشرونها باسم الإله، ويستمعون ~~وحيها من نذر السماء، فذلك من وراء التخيل فضلا عن التفكير. # وقد عرفت في البداوة حالات قريبة من عقيدة التوحيد، ولكنها لم تعرف حتى كان أصحابها ~~معروفين لأهل العمران في المدن المجاورة، ولولا ذلك لما اتصل خبرها ~~بالتاريخ. # فحالة البداوة التي ترشح أصحابها لعقيدة التوحيد هي حالة البدوي المترقي من عبادة ~~الجن والعفاريت، الذين ينتشرون في كل موطن، إلى عبادة رب كريم يرعاه حيث سار وحيث ~~أقام، فهذه الحالة من البداوة ترشح صاحبها للإيمان بالإله الموجود في كل مكان؛ لأن ~~الإيمان بإله «محلي» محصور في مكان واحد عبث ينفر منه طبعه، ولا يلائم مطالب عيشه، ~~ولا يتكفل له بالأمان الذي يتطلع إليه في حله وترحاله. # وكثير من أهل البادية الأقدمين من يجمعون بين عقيدة التوحيد وبين الوثنية على نحو ~~يوافقهم في حالتي المقام والمسير، فيتخذون لهم تماثيل يحملونها معهم، ويرمزون بها إلى ~~الإله، وقد بقيت هذه التماثيل عند قبائل بني إسرائيل إلى ما بعد أيام داود عليه ~~السلام، وهي التماثيل التي كانوا يسمونها بالطرافين، ويقتنيها أصحاب كل بيت كما ~~يقتنون اللوازم المنزلية # ولكن هذا التوحيد كتوحيد أهل الحضارة الذي تقدم ذكره، كلاهما لا يخلق الجو الذي يلائم ~~الرسالة النبوية، ولا بد لهذا الجو من شيء يأخذه من البداوة، وشيء يأخذه من الحضارة، ~~ولم يتحقق ذلك في غير مدينة القافلة وما إليها. # لا بد من النخوة الحية التي تتوقد بما تعتقد، وتحس في أعماقها أن العقيدة حياة ~~تحياها، وليس قصاراها أنها تدبير من المجتمع، أو قانون من الدولة. # لا بد من بساطة التصديق الذي لا يعرف التردد، ولا يحسن اللف والدوران، وتخريج ~~الكلمات، وتزييف الشعائر والأحكام. # لا بد من الاستغراق في الإيمان على وجهة واحدة لا تتحمل، ولا تتأول، ولا تجعل العقيدة ~~أجزاء مفرقة تتوزعها النصوص والفتاوى، وتتعاورها # 2 # المتون والشروح. # لا ms120 بد من الجمع بين سهولة التغيير وصعوبة التغيير في وقت واحد، وهذه خصلة تتيسر ~~للبداوة ولا تتيسر في الحضارة، فليس أكثر من التغيير في حياة البدوي؛ لأنه أبدا على ~~عزم السفر والانتقال، وليس أكثر من الثبات في حياة البدوي؛ لأنه محافظ على عهد الآباء ~~والأجداد ينوط # 3 # الفخر كله بما بقي له من ~~التراث القديم. # وهذه هي حصة البداوة في تهيئة الجو للرسالة النبوية. # أما حصة الحضارة، فهي أصول الاستقرار، وقواعد الشريعة، وحماية المعاملة، وأسباب السخط ~~والثورة والدعوة إلى التغيير. # وهذه الأسباب موفورة في مدينة القافلة من جوانبها الحسنة ومن جوانبها السيئة على ~~سواء، وعندها حصتها وافية لقيام الدعوة النبوية في زمان بعد زمان. # فمن الأسباب الحسنة التي تهيأت بها مدينة القوافل للرسالة النبوية: «شقة الحرام» أو ~~الحرم المقدس، أي المكان الذي تبطل فيه العداوات، ويتلاقى فيه الناس من كل ملة ونحلة ~~على سلام. # فهذا الحرم المأمون من مأثورات المدائن المطروقة بحكم موقعها، وتشعب الموارد منها ~~وإليها. # وقديما نشأت مدائن كهذه بين دولتين متناظرتين على عداء دائم لا يهدأ إلا في تلك ~~المدائن المطروقة، كمدينة تدمر أو بعلبك في موقعها بين دولة القياصرة من الغرب، ودولة ~~الأكاسرة من الشرق، ويتبع هؤلاء وهؤلاء أخلاط من كل قوم، وكل لغة، وكل عقيدة، وبينهم ~~ما لا بد أن يكون بين هذه الأخلاط من التنافر، أو من الخصومة، أو من التراث والدخول، ~~أو من التزاحم في المصالح والتجارات، فإن لم يكن هنالك ملاذ يأمنه الجميع، وحرم يتسع ~~لعبادة كل عابد، وولاء كل حاكم، تقطعت العلاقات، وأحجم الوارد، وبارت التجارة، وكسدت ~~الأسواق. # ومن المدائن ما يقوم في أمة واحدة متفرقة القبائل والبطون يتربص بعضها لبعض في كل ~~موقع وكل موسم، ولا غنى لها عن موقع واحد في موسم معلوم تنسى فيه هذه الفوارق، ~~ويتلاقى الناس فيه للمعاملة والمعاونة لا للقتال والانتقام. # فهذه الشقة الحرام أحد الأسباب الحسنة التي تتهيأ بها المدائن على حافة الصحراء ~~لرعاية الحرمات، وفهم القداسة في البيع والمناسك، وكفى بكلمة «البيعة» نفسها ms121 دليلا ~~على فضل المدائن المطروقة في رعاية حرم العبادة من أقدم العصور، وكفى بكلمة ~~«الاحترام» دليلا على الصلة بين هذه المحرمات وبين شعور التوقير والرعاية. # ومن الأسباب الحسنة تقرير الحقوق، وإقامة القواعد في المعاملات، وتواضع المختلفين ~~والمؤتلفين على مبادئ الأخذ والعطاء، والذمة والوفاء، وعمل الحاضر للغائب والقريب ~~للبعيد على ثقة واطمئنان. # وليس في وسع أحد أن يزعم أن الحقوق والقواعد التي يتعارف عليها الناس في مدن القوافل ~~تصان في كل صفقة، وتحفظ في كل علاقة، فقد يكون الغش فيها أكثر من الصدق، والخداع ~~فيها أكثر من الأمانة، ولكنها على أسوأ الأحوال ملزمة للمشتركين فيها، لا يجترئ ~~القوي على الجهر بنكرانها والعدوان عليها، سواء كان العدوان على قوي مثله، أو على ~~ضعيف غير مرهوب الذمار. # ومن الأمثلة التاريخية على ذلك حرب الفجار وحلف الفضول في مكة المكرمة، وهي من أكبر ~~مدن القوافل، ومن أعظم النماذج لها في جميع ما ذكرناه. # ففي حرب الفجار أجاز زعيم من هوازن قافلة للنعمان بن المنذر على غير العرف المتفق ~~عليه، اعتزازا بعزته ومنعته، ومكانة النعمان بن المنذر في الأمم العربية، فهاجت لها ~~حرب استمات فيها الفريقان حتى شد بعضهم نفسه بالحبال لكيلا يفر من القتال. # وفي حلف الفضول كان سبب الحلف أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة ، فاشتراها منه العاصي ~~بن وائل، وحبس عنه حقه، فاستعان عليه الزبيدي جماعة من الرؤساء فلم يعينوه، فوقف ~~الرجل على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وصاح يطلب الغوث، فمن جراء ذلك اجتمعت هاشم ~~وزهرة وتيم بن مرة في دار ابن جدعان، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة ~~مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه، ثم مشوا إلى العاصي بن وائل فانتزعوا منه ~~سلعة الزبيدي فدفعوها إليه، وقال أحدهم: # سيعلم من حوالي البيت أنا # أباة الضيم نمنع كل عار # وقال ابن قتيبة: إن قريشا قد سبقها إلى مثل هذا الحلف قبيلة جرهم، فتحالف منهم ~~ثلاثة؛ هم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، وفضل بن الحارث، فسمي لهذا ms122 حلف الفضول، ~~وجاءت قريش فسمت حلفها بهذا الاسم؛ لأنه مقصود لما قصده الأحلاف الأولون. # وليس بالقليل ما تعلمته الأمم من إقامة «الحوزة» التي يدين لها الجميع بالرعاية، ~~ويتعودون عندها أن يجعلوا الذمم والعهود في حماية الإله المعبود، ومن الجائز أن تعدد ~~الأرباب، وتناقض الدعاوى في موطن واحد يجاور فيه كل دير نقيضه، قد فتح الأعين على ما ~~وراء ذلك من السخرية والتهافت، ولا سيما أعين الطارئين العابرين من أهل البادية ~~الدارجين على البساطة واجتناب المتناقضات. # أما الأسباب السيئة التي أوجبت قيام الدعوات النبوية في تلك المدن، فهي أسباب قوية ~~كثيرة لم تكن توجد يومئذ في غيرها بهذه القوة وبهذه الكثرة. # وأقوى تلك الأسباب مساوئ الاحتكار والاستغلال؛ فإن تجارة العالم إذا توقفت على مدينة ~~هنا ومدينة هناك؛ صارت في كل مدينة إلى فئة قليلة من السادة وأصحاب اليسار يحتكرون ~~المقايضة والنقل، ويبرعون في أساليب المماسكة، ورفع الأسعار، وزيادة الضرائب والأجور ~~على الرجال والمطايا وجند الحراسة، ويغتنم هؤلاء المحتكرون فرصتهم، فيخدعون البسطاء، ~~ويحتالون على الأصول والشرائع، ويأخذون باليمين والشمال من الوارد والصادر، والغادي ~~والرائح، ولا حيلة للتجار فيهم ولا لناقلي التجارة؛ لأنهم قابضون على الزمام، وليس في ~~قدرة دولة أن تحاربهم إلا بالاشتباك في الحرب مع دولة أخرى، أو بإنفاق أموال في الغزو ~~والحصار تزيد على الأموال التي يغتصبها المحتكرون أو يختلسونها، وقد يغلو هؤلاء ~~المحتكرون في الجشع والتحكم حتى يدفعوا الدول إلى المجازفة بالغارة مرة تريحها من ~~مرات. # كذلك صنع أنتيجون خليفة الإسكندر مع أهم هذه المدن في زمانه، وهي سلع «أو البتراء»، ~~فجرد عليها حملتين ولم يفلح في غزوها، وهاجمها تراجان بقوة كبيرة فدمرها، وحول ~~الطريق منها إلى بصرى، ولم يبق من حولها غير مدن صغار. # واشتهرت سدوم بين هذه المدن بالظلم وسوء المعاملة، وسلب الغرباء، ~~وتدليس # 4 # القضاء، وفي قضائها يقول ~~المعري: # وأي امرئ في الناس ألفى قاضيا # ولم يمض أحكاما كحكم سدوم # ومن أمثلة هذا القضاء في احتياله على الشريعة: أن رجلا اسمه حضور رأى طارئا غريبا ~~أعجبه، ms123 في رحله بساط ملون، فدعاه إلى منزله ليبيت فيه، وسرق منه البساط، فلما طلبه ~~الرجل قال له: إنك حالم، وإن تفسير البساط الملون في الرؤيا أنك تزرع أرضا ينمو فيها ~~النبت من كل لون، ثم ساقه إلى القاضي ليعطيه أجره على تفسير رؤياه، فقضى له بالأجر ~~المطلوب. # ومن أمثلتها أنهم سرقوا اليعازر خادم إبراهيم عليه السلام، فلما أخذ بتلابيبهم ضربوه، ~~ورماه أحدهم بحجر وساقه إلى القاضي يطلب منه أجره على فصده، ولم يخلصه من حكم ~~القاضي إلا أنه ضربه بحجر وأسال دمه، ثم قال له: إنني نزلت عن أجري كي تعطيه ~~لغريمي! # وفي المشنا أسماء يزعمون أن اليعازر هذا أطلقها على قضاة سدوم، وهي شقارة أي الكاذب، ~~وشقرورة أي المحتال، وكذبان أي المزور، ومضل دين أي المتجانف في دينونته وقضائه، وليس ~~أكثر من حكايات التدليس التي تروى عنهم في كتب المشنا والمدراش. # ولا ينسى القارئ أن الجريمة الكبرى التي أحصاها القرآن الكريم على أهل مدين - ومدائن ~~الحجر عامة - أنهم يختلسون ويطففون الكيل: # وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ~~بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين ~~(هود: 84-85). # ولا يلبث الترف أن يجني جنايته على هؤلاء المحتكرين فيغريهم بكل مفسدة، ويجلب على ~~بلادهم كل فاسد، وشر هذه المفاسد في أعين أبناء الفطرة من قبائل البادية رذائل ~~الشذوذ، وتدنيس غريزة النسل التي تصونها تلك القبائل على فطرتها، ولم توجد مدينة من ~~مدائن القوافل سلمت من هذه الرذائل، حتى قالت كتب المدراش: إن طوفان نوح إنما كان من ~~جرائر هذا الشذوذ في قومه، وإنه كان فاشيا في بيت المقدس يوم أنذر النبي حزقيال قومه ~~بالنفي، أو بالسبي والتشريد. # 5 # هذه الأسباب جميعا هي التي هيأت مدن القوافل للدعوات الدينية؛ لأنها دعوة تتهيأ ~~أسبابها بين الحاضرة والبادية، ولا بد لها من التقاء هذه وتلك، ولا ms124 غنى لها عن صفات ~~المدينة وصفات الصحراء، ولحكمة بالغة قال النبي صلوات الله عليه: «ما من نبي إلا وقد ~~رعى الغنم.» ولحكمة بالغة قامت مدينة القوافل بدورها في تاريخ بني الإنسان، فنشأ ~~الحكماء والنساك في الصين والهند على مثال كنفشيوس وبوذا، ولم ينشأ فيهم الأنبياء ~~المرسلون والرسل المجاهدون؛ إذ كانت أمانة النبوة المجاهدة شيئا غير أمانة الإصلاح ~~والتعليم، وما عهدنا سورة العقيدة تملأ الوجدان كله، وتشغل الحياة كلها كما عهدناها ~~في المرسلين إلى الأقوام الذين عاشوا على هذه الرقعة الوسطى من العالم، وتلقوا ~~عقائدهم كأنهم يصلون الأرض بالسماء صلة اللحم والدم، ولا يحسبونها سمة من سمات الأدب ~~والمعرفة وكفى، أو نصا من نصوص الشريعة والنظام وحسب، أو نهجا من مناهج السلوك ولا ~~زيادة. # وأحسب لو أننا بدأنا دراسة التواريخ الدينية في الشرق العربي على ضوء هذه الحقيقة، ~~منذ بداءة النظر في هذه التواريخ؛ لما تسرع المتسرعون بالنفي والإنكار تارة، والفهاهة ~~وسوء الفهم تارة أخرى، بل كان من الميسور لهم أن يربطوا الدعوات الدينية كما ترتبط ~~الحلقات في السلسلة الواحدة، وأن يملئوا فراغ التاريخ بما يسده، بدلا من خلق الفراغ ~~حيث لا فراغ. # إن بعض الفلكيين قد عرفوا أماكن الكواكب المجهولة قبل اختراع المجاهر المكبرة؛ لأنهم ~~قدروا موقعها من الفلك بحساب المدارات والأحجام. # وقد عرف بعض الكيميين أماكن عناصر لم يشهدوها في الطبيعة؛ لأنهم قدروا نسبة الكهارب ~~والنواة فيها إلى العناصر المشهودة. # ولو أننا تتبعنا سلسلة الدعوات في مواقعها وتواريخها لما قال المشككون: إن إبراهيم لم ~~يوجد، بل قالوا: هنا مكان لإبراهيم لا بد أن يشغل، واستطاعوا بالبحث والمقارنة ~~وتعليق النتائج بمقدماتها أن يربطوا بين أور وآشور، وبيت المقدس وجاشان، والبتراء ~~ومكة؛ لأنها نسق واحد يدل الأخير منه على الأول، كما يتقدم الأول منه في زمانه ووضعه ~~على الأخير، فكلها دعوات لا بد فيها من شخص الرسول، ولا بد فيها من عنصري الحضارة ~~والبداوة، ولا بد فيها من تمام المجزوء، ووصل المقطوع، واطراد مراحل التطور على ~~نهجه الوحيد، وليس له نهج ms125 وحيد أصلح من نهجه الذي هيأته أسباب الدعوات موقعا بعد ~~موقع، كما تعينت مواقع الكواكب في دراسة الفلك، ومواقع العناصر في دراسة ~~الكيمياء. # أو لعلنا نصل إلى النتيجة من درب قريب إذا اعتمدنا على قياس التاريخ بمقياسه الذي لا ~~يقبل الخطأ، وهو تصور الحوادث كما يرسمها الواقع والعقل. # فإن هذا المقياس شبيه بمقياس العمليات الحسابية في التمييز بين الخطأ والصواب، وما ~~علينا إذا أردنا أن نمتحن حادثة تاريخية أو سلسلة من الحوادث التاريخية، إلا أن نسأل ~~أنفسنا: كيف ينبغي أن تحدث؟ فإذا ارتسمت لنا على الترتيب الذي يقبله العقل ويطابق ~~الواقع؛ فذلك هو الامتحان الصادق، وما نستخلصه منه هو الصواب كأصدق ما يمكن أن يصوره ~~تاريخ الحوادث لمن لم يشهدها شهادة العيان. # إذا كانت دعوات النبوة متصلة بمدائن القوافل، فليس أولى من بلاد النهرين في العصر ~~القديم أن تبدأ منها الدعوة الأولى، ثم تتلوها المدن الأخرى على حسب مكانتها ومكانها ~~من حيث النظر إلى الطرق العالمية، ومظاهر الحضارات المختلفة. # فالدول القديمة بين النهرين لم يكن لها نظام غير النظام الذي اشتهر في علم السياسة ~~باسم نظام «حكومات المدائن»؛ لأنه يقوم على مدن أربع أو خمس من العواصم العظمى تحيط ~~بها البادية، التي تزرع مرعاها، أو ترعى ماشيتها في المزارع الطبيعية، وتسافر ~~بالقوافل على حسب مراحلها، ويجوز أن تتغلب دولة واحدة على جميع هذه المدن إلى فترة ~~قصيرة، كما يجوز أن تتفرق وأن تنفرد كل منها بحكومتها، ولكنها على الحالتين مدائن ~~تحيط بها البادية، وتعتمد على نقل التجارة من أقصى العالم المعمور إلى أقصاه في ~~الأزمنة القديمة. # وترتيبها على حسب مكانتها ومكانها في وادي النهرين، وفي العالم كله، يبدأ من مدينة ~~«أور» في الجنوب، وينتهي إلى مدينة «آشور» شمالا، ثم يتجه غربا وجنوبا إلى فلسطين ~~ومدن خليج العقبة فالحجاز، حيث تلتقي قوافل الشمال وقوافل الجنوب. # فمدينة «أور» أهم هذه المدائن؛ لأنها تتلقى التجارة من البحر ومن البر، وتنقلها من ~~الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، كما تنقلها بين الجنوب والشمال. ms126 # ويليها في مكانها ومكانتها مدينة آشور؛ لأنها تأخذ من الجنوب وتوزع على ما حولها، وقد ~~تصل قوافلها إلى أقصى الشمال من القارة الأوروبية كما تصل إلى آسيا الصغرى وأوروبة ~~الشرقية. # وفي مدينة «أور» بدأت دعوة إبراهيم، وإلى مدينة «آشور» انتقلت، ولم يطل بها القرار في ~~هذه النقلة العاجلة. # وهنا كان مبدأ الدعوة النبوية التي لم يكن لها نظير في غير هذه البقاع من أوطان الأمم ~~العربية الأولى. # ويطرد الترتيب بزمانه كما يطرد بمكانه، فمن آشور إلى حبرون أو بيت المقدس، إلى مدن ~~خليج العقبة، إلى مدينة الحجاز المقدسة، وعندها نهاية المطاف. # جاء في تاريخ مكة قبل أيام إسماعيل أن مضاض بن عمرو كان يعشر «أي يفرض ضريبة العشر» ~~على من دخل مكة من شمالها، وأن السميدع كان يعشر على من دخل مكة من أسفلها. # وجاء في العهد القديم أن الخليل قدم العشر لصاحب بيت المقدس «ملكي صادق»؛ لأنه سادن ~~الإله العلي في محرابها الأعلى. # نظام واحد في مدن القوافل يدل عليه هذان التاريخان المنفصلان. # وتتوالى الدعوات النبوية بعد ذلك على حسب المكانة بين مدن القوافل، وعلى حسب المكان ~~من بقاع الهلال الخصيب والجزيرة العربية. # فلما بدأ تاريخ الدعوة النبوية من أور إلى آشور، إلى بيت المقدس، إلى مدن الجنوب، ~~كانت هذه المدن الجنوبية على غايتها من الازدهار، وعلى غايتها من الفساد، وكان لها ~~دورها الذي انتهى بكوارث الزلازل أو الهزيمة. # وبقيت شواهدها في خرائبها تنطق بما كان بينها من صلات ومعاملات. # ففي البتراء محاريب الحجارة السود التي تساقطت من السماء، وفيها هيكل البنت أو الربة ~~المصرية «إيزيس»، وما إيزيس؟ أتكون هي العزى التي عبدت زمنا في الجنوب؟ # تكون أو لا تكون؛ فالرواة الذين أرخوا ظهور الأصنام في الكعبة المقدسة بمكة لم ~~يدرسوا الآثار المصرية، ولم يدرسوا الأحافير التي درسها العصريون في القرن العشرين، ~~ولكنهم أرخوا الأصنام فقالوا: إن سيد مكة في زمانه «عمرو بن لحي» سافر إلى الشام وعاد ~~منها بطائفة من الأصنام، وإن أبناء إسماعيل بالحجاز تعودوا عبادة الأنصاب؛ ms127 لأنهم ~~كانوا يحملون معهم الحجارة المقدسة للتبرك بها كلما ابتعدوا من الحرم، ثم انتقلوا من ~~التبرك بها إلى عبادتها مع طول الزمن، وكانت روايتهم هذه مصدقة لما فعله أتباع ~~إبراهيم وموسى وسائر الأنبياء في الأماكن الأخرى، فهكذا تحولوا من عبادة الإله الواحد ~~إلى عبادة الأنصاب والتعاويذ والتماثيل والطرافين. ~~••• # وسواء صح هذا كله أو لم يصح، فالصحيح الذي لا شك فيه أن الصلة الدينية والثقافية ~~واللغوية والتجارية لم تنقطع قط بين النبطيين والمكيين، وأننا لو سلكنا التاريخ ~~الديني طردا وعكسا، ثم سلكناه عكسا وطردا، لما كان له من مسلك أقوم وأثبت من ~~بدايته ونهايته بين «أور» في جنوب العراق ومكة في وسط الحجاز! # وإذا كان التاريخ يرتسم على هذه الصورة معقولا موافقا للواقع، أو ما ينبغي أن يقع، ~~فلا وجه للشك فيه، بل الوجه كل الوجه أن نلتمس من طريقه هذا أسباب اليقين. # الفصل الثاني عشر # | النبوة # عثر الباحثون في آثار بابل وآشور على كلمات كثيرة في الألواح المسمارية من مصطلحات ~~علم الفلك القديم، ومنها أسماء المنازل والبروج ومجاميع الكواكب والنجوم. # وأكثر الباحثين في الآثار البابلية والآشورية معنيون بمباحث التوراة وتواريخ ~~الأنبياء، لعلاقتها بأرض بابل أيام الخليل، ثم أيام السبي بعد عصر الخليل بأكثر من ~~ألف سنة، فهي علاقة تمتد من أقدم العصور الأثرية إلى أحدثها؛ أي من قبل عصر الخليل ~~إلى ما بعد عصر الميلاد. # فعاد الباحثون إلى كتب العهد القديم يعارضون عباراتها على الكلمات المسمارية، ولا ~~سيما الكلمات التي تطلق على الشئون السماوية، فتوقفوا عند كلمات مختلفة كانوا يمرون ~~بها ولا يلتفتون لمعنى فيها غير ظاهر معناها، وعن لبعضهم أن بعض الأنبياء من ~~العبرانيين كانوا على علم بالفلك، وأن النصوص التي كتبت بها نبوءاتهم تثبت علمهم به ~~على نحو قاطع، أو على ترجيح يقرب من اليقين. # وليس لإبراهيم كما هو معلوم نصوص محفوظة منسوبة إليه، ووجدت نبوءات يعقوب فعارضوها ~~على معلوماتهم من اللغة المسمارية، واختاروا منها ما كان من قبيل الطوالع الفلكية، ~~وهي الطوالع التي احتواها الإصحاح التاسع والأربعون ms128 من سفر التكوين، وفيها ينبئ يعقوب ~~أبناءه بما يصيبهم في آخر الأيام، فتراءى لهم أن التوافق بين ألفاظها ومنازل السماء ~~أوضح من أن يعزى إلى المصادفة، وهذا هو الإصحاح الذي وجهوا إليه معظم البحث في كلام ~~يعقوب: # ودعا يعقوب بنيه وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام، اجتمعوا واسمعوا ~~يا بني يعقوب واصغوا إلى إسرائيل أبيكم. # رءوبين أنت بكري، قوتي وأول قدرتي، فضل الرفعة وفضل العز، فائرا كالماء لا ~~تتفضل. # شمعون ولاوي أخوان، آلات ظلم سيوفهما، في مجلسهما لا تدخل نفسي، بمجتمعها لا تتحد ~~كرامتي؛ لأنهما في غضبهما قتلا إنسانا، وفي رضاهما عرقبا ثورا. # يهوذا إياك يحمد إخوتك، يهوذا جرو أسد، جثا وربض كأسد وكلبوة، من ينهضه، لا يزول قضيب ~~من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب، رابطا بالكرمة ~~جحشه، وبالجفنة ابن أتانه، غسل بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه. # زبولون عند ساحل البحر يسكن. # يساكر حمار جسيم رابض بين الحظائر. # دان يدين شعبه كأحد أسباط إسرائيل، يكون دان حية على الطريق، يلسع عقبي الفرس فيسقط ~~راكبه إلى الوراء. # جاد يزحمه جيش، ولكنه يزحم مؤخره. # أشير خبزه سمين، وهو يعطي لذات ملوك. # نفتالي ايله مسبية يعطي أقوالا حسنة. # يوسف غصن شجرة مثمرة على عين، فمررته ورمته واضطهدته أرباب السهام، ولكن ثبتت بمتانة ~~قوسه، وتشددت سواعد يديه. # بنيامين ذئب يفترس، في الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يقسم نهبا. # هذه الطوالع درست باستفاضة وتدقيق، وكتب خلاصة درسها الأستاذ إيرك بروز في كتابه ~~«طوالع يعقوب وبلعام»، # 1 # فانتهى منها إلى وحدة بين كل اسم من أسماء الأسباط وبين برج من أبراج السماء. # فرءوبين الفائر كالماء يقابل برج الدلو، وقد جاء في مدراش التكوين أن أباه قال له: ~~جعلت نفسك دلوا، وبرج الدلو في منطقة البروج على صورة إنسان قائم باسط يديه، وآخذ ~~بإحداهما كوزا مقلوبا ليسكب منه الماء، وفي الكلمة جناس بين كلمة رأب، بمعنى نام، ~~واسم رءوبين. # و«شمعون ولاوي أخوان» طالع يشير إلى برج التوءمين، وهو ms129 برج إله الحرب زجال عند ~~البابليين، ويصورون أحدهما وفي يديه خنجر، والآخر في يديه سلاح شبيه بالمنجل، وإلى ~~هذا تشير كلمة «آلات الظلم التي في سيوفهما»، وتشير عرقبة الثور إلى برج الثور الذي ~~يتعقبه التوءمان في السماء كأنهما يطاردانه ويعرقبان رجليه. # و«يهوذا ربض كأسد وكلبوة» إشارة إلى برج الأسد، وقد كان عند البابليين برجان؛ أحدهما: ~~برج الأسد أرجولا، والثاني: أرماح، وهو أحد نجوم الدب الأكبر، وأمام الأسد في البروج ~~علامة الملك # Seonis Rogulus ~~، وإلى هذا يشار بالقضيب ~~الذي تخضع له ملوك، و«زبولون عند ساحل البحر يسكن» إشارة إلى برج الحوت، وكان عند ~~البابليين على صورة أصبعين منفصلتين؛ إحداهما ترمز إلى الدجلة # Diglat ~~، والأخرى إلى الفرات Purattu ~~. # ويساكر إشارة إلى برج اليحمور «حمار جسيم رابض بين الحظائر». ويلفت الباحثون النظر ~~إلى التشابه بين اللون الأشقر وبين يشاكر أو يساكر، وإلى ورود اليحمور بمعنى حمار ~~الوحش ومعنى الظبي في اللغة العربية. # و«دان حية على الطريق يلسع عقبي الفرس» والمراد صورة الحية الشمالية أو عنق الحية، ~~وموقعه إلى شمال برج العقرب. # أما قوله: «يلسع عقبي الفرس» فالإشارة فيه إلى النعائم الصادرة # Saguittaru ~~، وصورتهما كالسنتاؤر الذي له جسم ~~فرس ورأس إنسان، ويضعون السلاح على مقدمه وعلى مؤخره، وقد يكون في هذا تفسير طالع ~~«جاد» الذي يأتي بعد «دان» ويزحمه جيش، ولكنه يزحم مؤخره، وأشير طعامه سمين، والكلمة ~~العبرية «لحم»، وتنصرف إلى برج السرطان، وإلى جانبه علامة الملك، ومن ثم يعطي لذات ~~ملوك. # وعلى هذا النمط يمضي علماء الأحافير في تفسير هذه الطوالع، ومن تفسيراتهم ما هو قريب، ~~ومنها ما هو بعيد معتسف؛ لارتباط الجناس اللفظي تارة بمدلول الفلك، وتارة بمدلول ~~النسب والتاريخ. # وقد صنعوا مثل ذلك في دراسة طوالع بلعام كما جاءت في الإصحاح الثالث والعشرين وما ~~بعده من سفر العدد، وقد اشتملت على تكرير عدد السبعة، وعلى اسم الثور والحمل والظبي ~~والأسد، وعلى طوالع الأمم التي ليست من إسرائيل، وعارضوا المصطلحات الفلكية على أقوال ~~الأنبياء الآخرين، وثبت على الأقل من هذه المعارضات أن ms130 معرفة الفلك كانت شائعة عند ~~كتاب هذه الطوالع، سواء كتبت على أيام الأنبياء الذين نسبت إليهم، أو كتبت بعد ~~أيامهم عندما تحقق بعض الطوالع، أو بدا أنه متحقق عما قريب. # فإذا صحت هذه التخريجات - كلها أو بعضها - فهذا موضوع من الموضوعات التي تطابقت فيها ~~الأحافير وأخبار التواريخ الأثرية والتواريخ القديمة؛ إذ كانت هذه التواريخ مجمعة على ~~معرفة الأنبياء الأوائل بالنجوم، وإن اختلفوا في المقصود بعلم النجوم. # وندع المبالغات من قبيل مفاخر يوسيفوس ودعواه أن إبراهيم هو الذي علم أحبار المصريين ~~أسرار الكواكب وحساب الفلك، فليس الخبر كله في هذه المسألة خبر تواريخ وروايات؛ لأن ~~العقل يفرض بغير حاجة إلى التواريخ والروايات أن يكون رؤساء القبائل المترحلة على علم ~~بمواقع النجم، ومطالع الأفق، ومهاب الأنواء، وقد كان الأنبياء الأوائل رؤساء لقبائلهم ~~لا تبرم هذه القبائل أمرا من الرحلة والإقامة إلا بمشورتهم وتوجيههم، ومقام الأنبياء ~~في بابل حيث يرقب الناس الكواكب؛ لأنهم يعبدونها، ولأنهم يربطون بها مواسم الزرع ~~والري خليق أن يشغلهم بها للمحاجة في شئون العبادة، وللنظر في شئون المعاش. # وقد جاء في القرآن الكريم أن إبراهيم كان ينظر في النجوم، وأن يوسف كان يعبر الرؤيا، ~~وأن موسى كان يطلع على سحر الكهان، فمن موافقات الأحافير أنها تأتي بالسند المكتوب ~~الذي يشرح لنا تفصيلات هذه الأخبار، ويكاد أن يعين لنا الوقت الذي كتبت فيه طوالع ~~الأنبياء؛ لأن تقسيم بروج الفلك قد مر في أدوار متلاحقة من تاريخ بابل، بعضها محدود ~~على وجه التقريب. # والحد الفاصل بين النبوة والكهانة في السلالة العبرية مرسوم أو كأنه مرسوم، فكان ~~الأنبياء هم أول من تولى أمر الدين في أمم السلالة العربية، وكانوا يسوسون أمر الدنيا ~~فيما تتطلبه الرئاسة، ومنه علم النجوم. # ثم افترق عمل النبي وعمل الكاهن، ووقع بينهما العداء أحيانا كما رأينا في غير هذا ~~الفصل، فأصبحت الكهانة وظيفة تعارض النبوة في كثير من الأوقات، وهنا الفارق الأعظم ~~بين النبوة والكهانة. # فالكهانة وظيفة، ولكن النبوة ليست بوظيفة، ولم يحدث قط أن أحدا عين نبيا ms131 لعمل ~~النبوة كما حدث كثيرا تعيين الكهان لعمل الكهانة. # إن النبوة التي تنفصل من الكهانة خاصة لم تتكرر في غير السلالة العربية، فما من ديانة ~~كبرى أو صغرى في أنحاء العالم إلا يستطيع المؤرخ أن يحيلها كلها من مبدأ التاريخ إلى ~~عمل الكهان، وما من كهانة إلا وهي وظيفة قابلة للتعيين. # أما ديانات الأنبياء فلا وجود لها في غير السلالة العربية، والاختلاف بينها وبين ~~الديانات الأخرى أن النبي لا يعنيه أحد، ولا ينبعث بأمر أحد، ولكنه ينبعث بباعث واحد ~~من وحي ضميره ووحي خالقه، وقد يأتي ليصدم العبادات التي يقوم الكهان على شعائرها ~~ومراسمها، وهم أنفسهم مرسومون معينون. # والفرق بين النبي وبين الكاهن في جوهر العمل أوسع جدا من الفرق بينهما في التعيين ~~والاختيار، فالكاهن موكل بالشعائر والمراسم والأشكال، يحرص عليها ويأبى أن يشاركه ~~أحد فيها. # ولكن النبي تعنيه روح الدين وحقيقته في الضمير قبل هذه الشعائر والمراسم ~~والأشكال. # سريرة الإنسان هي وجهة النبي وغايته من التبشير والإنذار، وأما الكاهن فوجهته نظام ~~المجتمع وتقاليد الدولة وما إليها من الظواهر أو الواجبات العامة. # ولم تخل الديانات الكبرى من أحبار معينين يوجبون على الناس الاستقامة، ويحذرونهم غضب ~~الإله على الذين ينحرفون عن سبيلها. # ولكن الإله هنا أشبه برئيس الديوان الذي يجري الأحكام وفقا للمأثور من نظام الدولة، ~~والكاهن أشبه بمندوبه وأمين سره في المحاسبة على الشريعة: كلها مسألة نظام ومجتمع، ~~وكلها مراسم وتقاليد. # أما النبي فالعالم الذي يصوره لنا أسرة حية، والإله قائم على ذلك العالم لأنه على صلة ~~قريبة بكل من فيه من خلقه، وكل كائن من تلك الخلائق رهين # 2 # برضاه وغضبه، وذو شأن في دعوة الدين مقدم على ~~شأن المجتمع والدولة، وأهمه وأصدقه ما كان في الضمائر والنيات. # والنبي ذو شأن حي في دعوته يلعج نفسه ولا يريحه دون أن يبرئ منه ذمته، وليس كذلك ~~جماعة الكهان الذين لهم محل مستقر، وعمل راتب، وعلاقة بالناس كعلاقة المصالح ~~والأشغال. # وهنا أيضا نرجع إلى «القبيلة»، ولا سيما القبيلة في حالة الشعور ms132 بالخطر كائنا ما ~~كان، فضلا عن الخطر الأبدي الذي يحيق بالحياة وما بعد الحياة. # فلا ينتظر من المصلح أو المعلم أو الكاهن في بلاد الحضارة والعمران أن تخامره نخوة ~~اللحم والدم كما تخامر النفس التي تعودتها في كل شعور، وفي كل علاقة، ولم تعرف حالة ~~غيرها فيما بينها وبين الناس. # إذا كان هذا الطابع ملازما لبعثات الرسالة حول مدن القوافل جميعا، فقد عرفنا ما ~~نفتقده إذا افتقدنا سرا من أسرارها، وعرفنا كيف نتتبع آثارها إذا انقطعت الصلة بين ~~سوابقها ولواحقها، فلا نخبط على ضلال، ولا نضيع البحث في شكوك محيرة للسالك، لا موجب ~~لها على هذا المهيع المسلوك. # الفصل الثالث عشر # | أنبياء من غير بني إسرائيل # كلمة النبي عربية لفظا ومعنى: # عربية لفظا؛ لأن مادة النبأ والنبوءة أصيلة في اللغة. # وعربية معنى؛ لأن المعنى الذي تؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى؛ فهي ~~تجمع معاني الكشف والوحي والإنباء بالغيب والإنذار والتبشير، وهي معان متفرقة تؤديها ~~اللغات الحديثة بكلمات متعددة، فالكشف مثلا تؤديه في اللغة الإنجليزية كلمة # Revelation ~~، والوحي تؤديه كلمة # Inspiration ~~، واستطلاع الغيب تؤديه كلمة # Divination # أو # Oracle ~~، ولا تجتمع كلها في معنى النبوة كما ~~تجتمع في هذه الكلمة باللغة العربية. # وقد وجدت كلمة النبوة في اللغة العربية غير مستعارة من معنى آخر؛ لأن اللغة العربية ~~غنية جدا بكلمات العرافة والعيافة والكهانة وما إليها من الكلمات، التي لا تلتبس في ~~لسان العربي بمعنى النبوة كما تلتبس في الألسنة الأخرى عند أصل التسمية، واشتقاق ~~المعاني الجديدة من الألفاظ القديمة. # فكلمة النبي تدل على معنى واحد لا تدل على غيره، خلافا لأمثالها من الكلمات في كثير ~~من اللغات. # والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بها؛ لأنهم كانوا يسمون ~~الأنبياء الأقدمين بالآباء، وكانوا يسمون المطلع على الغيب بعد ذلك باسم الرائي ~~والناظر، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار. # وقد أشارت التوراة إلى ثلاثة أنبياء من العرب غير ملكي صادق الذي لقيه الخليل عند ms133 بيت ~~المقدس، وهؤلاء الأنبياء الثلاثة هم: يثرون، وبلعام، وأيوب، ومنهم من يقال: إنه ظهر ~~قبل اثنين وأربعين قرنا، وهو أيوب. وقصة بلعام تروي لنا ما حدث بين شيوخ مديان ~~«مدين» بعد خروج بني إسرائيل من مصر، فإن بالاق ملك موآب قد استعان عليهم بالنبي ~~بلعام من تخوم العراق ليبطل دعواهم باسم النبوة، ويدحض أقوالهم بأقوال من قبيلها، ~~فجاء بلعام وحكم بتفضيل عبادة الله على عبادة بعل الذي كان يومئذ معبودا ~~للموآبيين. # وأما يثرون فهو نبي مدين قبل خروج بني إسرائيل من مصر، ويظن بعض الشراح أنه هو شعيب ~~المشار إليه في القرآن، ولعل شعيبا هو قريبه «هوباب» أو شوباب بمعنى محبوب الله، ~~وبين النطق العربي والنطق العبري تقارب محسوس، ومن شراح التوراة من يقول: إن «يثرون» ~~لقب وليس باسم يدعى به نبي مدين، فلا يبعد إذن أن يكون شعيب اسمه الذي لم ~~يذكروه. # ومجمل القصة مع قصة بلعام يفيد أن النبوة كانت معهودة متكررة في تلك الأرض قبل خروج ~~بني إسرائيل من مصر، وأيام أن كان موسى سائحا في الأرض لم يتلق الوحي ولم يرجع إلى ~~مصر ليخرج بقومه منها ... أما أيوب فالرحالة برترام توماس، صاحب كتاب «مفزعات وكشوف في ~~بلاد العرب» # Alarms and Exploration in Arabia ~~، يحسبه ~~من أهل عمان، وغيره يحسبه من أهل نجد، وزمنه متباعد بين المؤرخين وشراح ~~التوراة. # ومنهم من استعان بعلم الفلك على تحديد زمنه؛ لأنه ذكر النعش والجبار والثريا ومخادع ~~الجنوب في القبة السماوية، وفي إشارته إلى عين الثور وقلب العقرب من منازل الفلك ما ~~يفهم منه زمان تلك المقارنات على تقدير الفلكيين المحدثين، وقد ذكر المفسر ~~هالس # Hales # أن هذه المقارنات تجعل تاريخ أيوب ~~قريبا من سنة 2300 قبل الميلاد. # ومما يقرب هذا التقدير ويدل على اتصال أيوب بالبلاد المصرية: أنه ذكر الأهرام ~~والمدافن التي يبنيها الملوك لأنفسهم، ولكنه إذا لم يبلغ هذا الحد من القدم فلا شك ~~عند جمهرة الشراح في سبقه لعهد الخروج من مصر، وحجتهم على ذلك أنه لم يشر ms134 بكلمة ~~واحدة إلى الخروج، ولا إلى خراب المدن التي دمرتها الزلازل بجواره، ولم يرد ذكر ~~«يهواه» في صلب كتابه، وإنما ورد في المقدمة والذيل، وهما مضافان بعد عصره كما هو ~~راجح عند الشراح. # ولم تكن حجته قط في الخلاص وطلب الرحمة أنه يعتمد على موعد الله للآباء والأسلاف، وقد ~~جاء في مزامير داود وأمثال سليمان كلام يشبه كلامه كأنه مقتبس منه، فهو من أقدم ~~الأنبياء في الجزيرة العربية، وكلهم متفقون على أنه من أبنائها وإن اختلفوا في مكانه ~~بين شمال نجد وشرق العقبة. # ومن جامعي التوراة من يضع سفره بين كتب موسى وكتاب يوشع وسائر الأنبياء من بني ~~إسرائيل، وهكذا وضعه جامع النسخة السريانية من كتاب العهد القديم. ~~••• # وقد كان أيوب يعرف الكتابة، ولكنه أشار إلى أقدم أدوات الكتابة كما هي معهودة بمصر: ~~نقش بالحديد على الحجر، وليست طبعا على الطين المحروق، أو خطوطا على الأوراق ~~والجلود، ما عدا طين الخاتم الذي كان يطبع في البلاد الشرقية جميعا على نحو ~~واحد. # أما عقيدة أيوب كما تفهم من سفره المجموع في العهد القديم فغاية في السمو والكرم ~~والتنزيه. # إنه ينكر عبادة الشمس والقمر، ويصف الله القدير بأنه أعلى من السماوات، وأعمق من ~~الهاوية، وأعرض من البحر، وسوى بين الحر والعبد قائلا: «أوليس صانعي في البطن ~~صانعه وقد صورنا واحد في الرحم؟» ويحمد من الغني أن يكون أبا للفقراء، وأن تكتئب ~~نفسه على المساكين، وأن يبكي لمن عسر يومه، ويستعيذ بالله أن ينظر إنسان إلى امرأة ~~غير امرأته، وأن يطمع في مال غير ماله. # وأجل من ذلك شأنا في تاريخ العقيدة الدينية، أنه كان أول من نص على البعث في كتب ~~العهد القديم، وكانت تربيته الإلهية التي انتهى منها إلى هذه العقيدة تربية طويلة صبر ~~فيها على نكبات المرض والبوار وخيانة الأقربين والأبناء، وتدرج من القول بالزوال ~~والعدم إلى القول برؤية الله بعد فناء الجسد، فكان في أول السفر يقول: «الذي ينزل إلى ~~الهاوية لا يصعد.» ويقول: «الإنسان يضطجع ولا يقوم.» و«إذا ms135 مضت سنوات قليلة أسلك في ~~طريق لا أعود منها.» ويتساءل: «إن مات رجل أفيحيا؟» ثم انتهى من هذه التجارب إلى ~~الأمل في خلود النفس ولقاء الله «فبعد أن يفنى جلدي هذا، وبدون جسدي، أرى ~~الله.» ~~••• # وعلى الجملة يبدو سفر أيوب غريبا في وضعه وموضوعه بين أسفار العهد القديم، ولم يكن ~~من عادة بني إسرائيل أن يجمعوا في التوراة كتبا لغير أنبيائهم المتحدثين عن ~~ميثاقهم وميعادهم، ولكنهم جمعوا هذا السفر مع الأسفار المشهورة لأنهم وجدوه في بقاع ~~فلسطين الجنوبية محفوظا يتذاكره الرواة، وحسبه بعضهم من كلام موسى، وبعضهم من كلام ~~سليمان، ولا عجب أن يشيع هذا الكتاب العجيب حيث تسامع به الناس؛ فإنه عزاء صالح ~~للمتعزين، وعبرة صالحة للمعتبرين، ولا تزال قصة أيوب منظومة شائعة يتغنى بها شعراء ~~اللغة العربية الدارجة في مصر والشام، ولا نعرف كتابا من كتب التوراة ظفر في رأي ~~النقاد الغربيين بالإعجاب الأدبي الذي ظفر به سفر أيوب، فقال توماس كارلايل عنه: «إنه ~~واحد من أجل الأشياء التي وعتها الكتابة، وإنه أقدم المأثورات عن تلك القضية التي ~~لا تنتهي، قضية الإنسان والقدر والأساليب الإلهية معه على هذه الأرض، ولا أحسب أن ~~شيئا كتب مما يضارعه في قيمته الأدبية.» # وقال فيكتور هيجو: «إنه ربما كان أعظم آية أخرجتها بصيرة الإنسان.» # وقال شاف # Schaff ~~: «إنه يرتفع كالهرم في تاريخ الأدب ~~بلا سابقة وبغير نظير.» # أما بلعام ويثرون فقد ذكر الأول في كتب العهد القديم لأنه نصر بني إسرائيل في ~~الخصومة بينهم وبين الموآبيين، وذكر الثاني لما بينه وبين موسى من المصاهرة، وما كان ~~له من الفضل في تعليمه نظام الحكم وسياسة القبائل، وغيرهم ولا شك كثيرون لم يذكروا في ~~المراجع اليهودية؛ إذ كانت هذه المناسبات لا تستوعب تاريخ البقاع بين تخوم العراق ~~وتخوم العقبة وما وراءها من أرض الجنوب. # وهذا بعض القرائن على مكانة النبوة في أرض الجنوب مما يلي سيناء والحجاز، ومن القرائن ~~الأخرى في كتب العهدين القديم والجديد يفهم بغير تردد أن تلك البقاع كانت وجهة ~~الأنبياء ms136 في كل عصر تحدثت عنه تلك الكتب؛ فإبراهيم توجه إلى جيرار، وموسى توجه إلى ~~مدين «مديان»، وبولس الرسول قال في كتاب غلاطية: إنه ذهب إلى بلاد العرب قبل أن يأتي ~~إلى دمشق، ولم يفتأ بنو إسرائيل إلى عهد المسيح ينعون على الشمال أنه لا يخرج منه شيء ~~حسن، وينتظرون النبوءات من برية الجنوب. ~~••• # ويجب أن يتأنى المؤرخ طويلا عند ملاحظة هذه القرائن المتعددة؛ فهي في تاريخ الخليل ~~دليل على الوجهة التي يجب أن يبحث عنها المؤرخ إذا أراد البحث الصحيح عن مسلك الخليل ~~في أيامه الأخيرة، فإنما يكون مسلكه المعقول إلى طريق الجنوب، ولا يعقل له مسلك إلى ~~بيت المقدس يستقر عليه قراره؛ فإن المصادر الإسرائيلية نفسها تقول: إنه كان غريب ~~الدعوة والموطن في حبرون، وإنه اشترى مدفنه من الحيثيين. وما لم تكن له دعوة ولا موطن ~~في الأرض فالجنوب الذي اتجه إليه، واتجه إليه أصحاب الدعوات النبوية، أحرى أن يكون ~~قبلته ومرجعه. وليس من الغريب أن تتعمد المصادر اليهودية إغفال هذه القبلة والتعلق ~~ببيت المقدس بعد أن قام فيها عرش داود؛ فإنها الدعوة التي يقومون بها، ويسقطون ~~بنفيها. وفي ذلك وحده تفسير يغني عن كل تفسير. # الفصل الرابع عشر # | العقائد والشعائر # من الألف الثالثة إلى الألف الثانية قبل الميلاد، أقام في البلاد العربية أناس من ~~أتباع كل عقيدة دينية عرفت في تلك العصور. # وكان مركزها الأكبر في بلاد النهرين ، حيث تتابعت الدول فتتابعت معها الديانات ~~والشعائر ومراسم العبادة. # عبدت فيها الكواكب، وعبدت فيها الملوك، وعبدت فيها قوى الطبيعة، وعبدت فيها الأرباب ~~العليا التي تعم عبادتها رجال الدولة، وعبدت فيها الأرباب المحلية التي يدين بها ~~أبناء كل إقليم على حدة، ولا تشترك الأقاليم جميعا في عبادتها. # وقامت الشعائر على اختلافها مع كل دين من هذه الأديان، فعرفوا الضحايا البشرية كما ~~عرفوا القرابين من غلات الزراعة في مواسمها، وعرفوا الصلوات في الهياكل بقيادة ~~الكهان، كما عرفوا الصلوات في البيوت أو في المدافن الملحقة بها، وعرفوا الديانات ~~التي تؤمن بالروح والجسد، كما ms137 عرفوا الديانات التي تؤمن بالجسد ولا تذكر شيئا عن ~~الروح، أو التي تؤمن بأن الروح يلصق بالأعضاء فلا ينتقل إلى العالم الآخر ما دام ~~للجسد بقية باقية. # ومنهم من كان يفهم أن العالم الآخر ناحية من هذا العالم الأرضي، أو هاوية في أعماقه، ~~ومن كان يفهم أنه آت بعد حين في آخر الزمان. # وشوهد من الآثار والأحافير أن هذه الديانات تتغير كلما تغيرت الدولة القائمة في ~~مكانها، فيقضي الدين الجديد على بعضها، ويستبقي بعضا منها أو يحوله إلى صورة ~~أخرى. # ومعظم هذه الشعائر والعبادات له علاقة بدعوة الخليل إبراهيم؛ إما بالإقرار أو ~~بالإنكار والتحويل. # وسبيل الباحثين إلى تصفية هذه الشعائر والعبادات عسير، بل جد عسير؛ لاختلاط الأزمنة ~~واختلاط الشعوب واختلاط البقايا في العصر الواحد، فلا ندري على التحقيق ما كان من ~~عقيدة هذا الفريق وما كان من عقيدة غيره، ولا وسيلة إلى الجزم بالقديم منها ~~والحديث. # ويصدق هذا على العقائد والشعائر التي يقبلها أناس ويستنكرها أناس آخرون، ولكنه لا ~~يصدق على العقائد والشعائر التي يمكن أن يقبلها أتباع العبادات المتناقضة في وقت ~~واحد، كالحج، وقد كان مفروضا في الجاهلية وظل مفروضا في الإسلام مع اختلاف العقيدة ~~والحكمة فيه، وكالقول عن أصل الخليقة، وقد اتفقت فيه الأديان الكتابية على الجملة، ~~وظهر من الآثار والأحافير أنه كان من عقائد الأمم الغابرة قبل الأديان الكتابية، وما ~~لم يأت نص بالمخالفة فليس ما يمنع تعاقب الأديان على قول واحد في هذه الأمور. # والمتواتر في سيرة الخليل إبراهيم أنه شهد عبادات الأقوام في عصره من أرض النهرين إلى ~~وادي النيل، وأنه تنقل بين أقطار تتناقض في بعض العبادات، وتتلاقى في بعضها على اتفاق ~~قريب أو بعيد، فإذا نظرنا فيما أبقى وفيما ترك، وعارضناه على المشهور من عبادات أولئك ~~الأقوام، فليس من العسير أن نستخلص رسالته عليه السلام، وما فيها من الجديد والقديم، ~~ومن الوفاق أو الخلاف. # وحاصل ما يقال هنا قبل تلخيص العقائد والعبادات في زمانه: أن ظهوره عليه السلام قد ~~كان ولا ريب على ms138 مفترق من الطرق يختلف فيه الجيلان في البيت الواحد، فضلا عن الملتين ~~أو القطرين. # وهذه طائفة من العقائد والشعائر التي كانت لها علاقة بدعوته، وينبغي النظر فيها قبل ~~التصفية التي نخلص منها إلى بيان رسالته ورسالة الخالفين من بعده. ~~(1) قصة الخليقة # وجدت قصة الخليقة منقوشة بالخط المسماري على الألواح التي عثر عليها المنقبون ~~عند مدينة الموصل، ونقلوها إلى المتحف البريطاني بلندن حيث تعاون المفسرون على ~~تفسيرها، وهذه خلاصتها: # ويلي هذا بعد كلام مفقود أو مطموس في الألواح المكسورة، كلام عن الخلق في اليوم ~~الرابع حيث صنع منازل لأعظم الأرباب، وصنع بروج الفلك على صور الحيوان، وقسم ~~السنة إلى أربعة فصول، وإلى اثني عشر شهرا في كل فصل منها ثلاثة شهور، وجعل ~~فيها أيام المواسم والأعياد. ~~«وصنع للسيارات منازل تشرق فيها وتغرب، ولا يصدم بعضها بعضا في الطريق، ووضعها ~~في منازل بعل وحي. # وأقام لها مواصد على جوانبها، وأغلاقا على اليمين واليسار. # وأقام في الوسط نيرين، أقام القمر يسيطر على الليل ويسير فيه إلى مطلع الفجر، ~~وقدس في كل شهر أياما، ليبرز في غرة الشهر قرنيه وينير أجواز السماء.» # ثم يلي هذا كلام ناقص عن اليوم السادس يتلى بعد إتمامه على الوجه الآتي: ~~«واجتمعت الأرباب وخلقت الوحوش والأنعام والدواب، ومنها جماعة بيتي «أنا آشور ~~السماء» ... وكانت فيه بهجة. # والإله المشرف جعل فيها اثنين ...» ~~••• # وفي المتحف البريطاني لوح عليه صورة شجرة جلس إلى جانبها رجل وامرأة، ووراء ~~المرأة حية، وقد بسطا يديهما إلى ثمرتين بأسفل الأغصان. # وفحوى قصة خلق الإنسان أن الإله مردوخ فاتح الإله «آيا» رب الماء العذب، فأفضى ~~إليه بأنه سيخلق الإنسان من دمه وعظمه، وأمر حاشيته أن تضرب عنقه ليسيل دمه، ~~فنجم منه الإنسان، ولم يمت الإله مردوخ؛ لأن الإله لا يموت، ولكن الإنسان قضي ~~عليه بالموت بعد ذلك لأنه طمح بآماله إلى خلود كخلود الأرباب. ~~(2) قصة الطوفان # وتؤلف قصة الطوفان البابلية من اثني عشر فصلا على حسب البروج، وراوي القصة ~~يسمى «أسدبار»، وقد عبر بحر الموت ليصعد إلى ms139 السماء، ويلقى زستور الذي ارتفع ~~إليها بعد نجاته من الطوفان، والباقي من ألواح هذه القصة في المتحف البريطاني ~~يحكيها على هذا المثال. ~~«ابن بيتا واصنع سفينة تحفظ النبات والحيوان، واخزن البذور واخزن معها بذور ~~الحياة من كل نوع تحمله السفينة، وليكن طولها ستمائة قدم في ستين عرضا، وتدخل ~~السفينة وتحكم إغلاقها، وتضع في وسطها الحبوب والمتاع والأزواد والخدم والجند، ~~وتضع فيها كذلك أجناس الوحش لتحفظ ذريتها ... ~~... وقال الله ليلا: إني سأرسل السماء مدرارا، فادخل إلى جوف السفينة وأغلق ~~عليك بابها، وتغطى وجه الأرض وهلك كل ما عليه من الأحياء، وفار الماء حتى بلغ ~~السماء، ولم ينتظر أخ أخاه، ولم يعرف جار جاره، ستة أيام وستة ليال والريح ~~تعصف، والأنواء تطغى، ثم كان اليوم السابع فانقطع المطر، وسكنت العاصفة التي ~~ماجت كموج الزلزال. سكنت العاصفة، وانحسر البحر، وانتهى الطوفان، وعج البحر بعد ~~ذلك عجيجه، واستحال الناس طينا، وطفت أجسادهم على وجه الماء. # ثم استوت السفينة على جبل نيزار، وأرسلت أنا الحمامة فذهبت وعادت ولم تجد من ~~مقر تهبط عليه، فأرسلت عصفور السمانة فعاد وما هبط على مكان، وأرسلت الغراب ~~فراح ينهش الجثث الطافية ولم يرجع، ثم أطلقت الحيوانات في الجهات الأربع، وبنيت ~~على رأس الجبل مذبحا، فقربت لديه قربانا وفرقته في آنية سبعة، وفرشت حوله ~~الريحان، وشمت الأرباب رائحة جيدة فاجتمعت على القربان، ونظرت أعاظم الأرباب من ~~بعيد، وارتفعت أقواس السحاب تحييها عند اقترابها.» # وقد علم المنقبون أن هذه القصة منسوخة من مصدر قديم أقدم منها، فهذه الألواح لا ~~يقل تاريخها عن ألفين وخمسمائة سنة، والمصدر الذي نقلت منه يرجع إلى أوائل ~~الألف الثالثة قبل الميلاد. # وعلم المنقبون في جميع آثار الأرض، التي كشفت في العالم القديم أو العالم ~~الجديد، أن قصة الطوفان عامة لا تنفرد بها الآثار البابلية، ولا يقل تاريخها في ~~القدم عن تاريخها. ~~(3) عبادة الكواكب # ومن كلامهم عن الخليقة والطوفان نعلم أنهم كانوا يؤمنون بإله عظيم خلق الآلهة ~~الصغار، وقدر لها منازلها في السماء. # وهذه الآلهة الصغار هي ms140 الأجرام العلوية، وأشهرها القمر، وقد عمت عبادته بلاد ~~الساميين «أو العرب الأوائل» من وادي النهرين إلى سيناء، ويسمونه سين، ومنها ~~أخذ اسم سيناء، ولعله في الأصل من مادة السنى والسناء. # وكان له اسم علم في وادي النهرين هو «نانار»، وهو الذي يتوجهون إليه بالعبادة، ~~وكان له مركز في مدينة «أور» بلد الخليل إبراهيم، ومركز في شمال العراق، ومعه ~~هناك إله آخر يسمونه مردوخ أو المريخ. # وفي صلواتهم للقمر يقولون: «يا رب، يا من قدرته الوهابة تمتد ما بين السماء ~~والأرض، ومن يجلب الغيوم والمواسم، ويسهر على الأحياء، ومن يعظم في السماء ~~عالية وصيته، ومن يعظم في الأرض عالية وصيته، ومن تسبح له الأرواح السماوية ~~والأرواح الأرضية، مشيئتك أنت في السماء مشرقة، ونسألك أن تكشف لنا مشيئتك على ~~الأرض؛ فإن مشيئتك تطيل الحياة، وتبسط لها الرجاء، وتشمل كل كائن شمولا ~~عجيبا، وأنت تجري العدل على قضاء الإنسان، وما من أحد ينفذ إلى سرها أو يقيس ~~عليها ... أنت رب الأرباب ما لك من شبيه ولا نظير ...» # وكانوا منذ أقدم العصور على عهد السومريين «أو الشمريين» يرفعون الصروح لرصد ~~الكواكب واستطلاع الطريق، وهي الصروح التي يسمونها «زجراث» أو أماكن عالية. ~~ويعلل المؤرخون المنقبون ذلك بنشأة السومريين في بلاد جبلية، وأن الجبل والشرق ~~والبلد يطلق عليها في لغتهم اسم واحد هو «كور»، ومعناه في العربية قريب من هذا ~~المعنى؛ لأنه يطلق على مجتمع القرى ، # 1 # وعلى العمامة، ~~وعلى الكارة التي تحمل على الرأس أو الكتف. # وكانت هياكلهم المبنية ترصد للأرباب السماوية، وتنصب فيها التماثيل بأسمائها، ~~ومن هنا عبادة الأصنام. # وأشهر الكواكب المعبودة بعد القمر كوكب الزهرة «عشتار»، وكوكب المريخ «مردوخ»، ~~وينسبون إلى الزهرة أنها ربة الحب لتألقها وزهوها وتقلب أحوالها، وينسبون إلى ~~المريخ أنه رب الحرب لاحمرار لونه كلون الدماء. # على أنهم عبدوا الشمس قديما باسم «شماس»، وإن لم تكن عبادتها عامة بينهم كعموم ~~عبادة القمر. # ويقول وولي # Woolley # في كتابه عن إبراهيم، وهو ~~من أشهر علماء الأحافير: # إن الآلهة كانوا عند السومريين على ms141 ما يظهر ثلاث طبقات: الآلهة العظيمة التي ~~تخصص لها هياكل الدولة، والآلهة التي دونها، وهي التي تقام لها المعابد في ~~مسالك الطرق، ودون ذلك آلهة الأسرة، والأغلب على الآلهة العظيمة أنها كانت تشخص ~~قوى الطبيعة؛ كالشمس والقمر والماء والأرض والنار والبرق والنضال والخصب ~~والموت، وعندها تكمن جميع القوى، ويكون التفوق بينها على حسب أحوال الربانية ~~المتعددة. وقد كانت لها أقاليم تغلب العبادة لكل منها على إقليم، ومن ثم لا ~~يفرض الولاء الكامل له في غير ذلك الإقليم؛ ففي أور عبادة نانار، وفي أريكة ~~عبادة أشتار، وقد يتنازعان فتصبح كل قوة مشلولة من جراء ذلك النزاع. # والآن وقد غلبت مدينة لارسا على إقليم الجنوب فقد أصبح شماس إله الشمس خليقا ~~أن يبسط سلطانه على المدن الأخرى التي دخلت في طاعته، وأصبحت سطوة بابل مرادفة ~~لسطوة مردوخ، ولم يكن في السماء قرار ولا برهان إلا بمقدار ما في الأرض من ~~البشر، كلا ولا كانت ثمة شريعة للأخلاق أرفع من شريعتهم. # وقد كانت لهم حجة إلى الشمال لاعتقادهم أنه مركز القطب الثابت، ولكن التنازع ~~بين دول الشمال ودول الجنوب حال دون الاتفاق على عبادته، ويظهر أن الصابئين أو ~~السابحين الذين ظلوا يعبدونه في الجنوب بقيت نحلتهم في مكانها على خلاف مع من ~~حولها. ~~(4) عبادة الملوك # وفي متحف أشمول # 2 # بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من ~~بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة ~~الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكا، وكانت مدة حكمهم جميعا أربعة ~~وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات. # وكتاب الألواح مجمعون على أن الملوك الأوائل الذين حكموا بعد الطوفان قد ~~هبطوا من السماء إلى الأرض لحكمها، بعد أن طهرها الله وعاقبها على ~~فسادها. # فهم أرباب سماويون تجب عبادتهم على الرعايا. # وأشهر من حكم منهم في مدينة «أور» أورنامو # Ur Nammu # صاحب الصرح الشاهق الذي أقيم لعبادة القمر، وله ~~تمثال نقل إلى متحف بنسلفانيا بأمريكا. # وقد خلفه ابنه دنقي أو شلقي - على حسب اختلاف ms142 المنقبين في أساليب ترتيب الحروف ~~والنطق بها - وهو أحد العواهل السومريين الذين فرضوا عبادتهم على جميع البلاد ~~توحيدا للدولة، وزوج بنته لأمير عيلام «غير بعيد من السليمانية في بلاد ~~الكرد في العهد الحاضر» ليضم إليه الإمارات المجاورة، واتخذ أصحاب الأقواس ~~الطوال من جند أور، وخرج بهم وبالفرق القوية من البلاد الأخرى إلى الشمال لغزوه ~~وإلحاقه بدولته، فامتدت مملكته من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال بوادي النهرين. ~~ويقدر المؤرخ المتخصص لهذه الحقبة «باتريك كارلتون» في كتابه عن الدول المدفونة ~~أنه تولى الملك سنة 2276 قبل الميلاد. # ولم يكن دنقي بالوحيد الذي فرض عبادته على البلاد كلها، بل كان هذا شأن جميع ~~الملوك الذين أخضعوها لسلطان واحد، ومن لم يفلح في إخضاعها قنع بالعبادة من ~~رعاياه حيث ينفرد بالسطوة في بعض الأقاليم، أو قنع بالكهانة الأولى بين رؤساء ~~الدين. # ولم يتعاقب على «أور» من هؤلاء العواهل كثيرون؛ لأن العواهل الذين ضموا البلاد ~~جميعا إلى دولتهم قلائل متناثرون بين الأزمنة المتباعدة، ومنهم السومريون ~~والأكاديون والبابليون. # إلا أن مدينة «أور» عرفت عبادات شتى غير عبادة القمر وعبادة العواهل، ومن هذه ~~العبادات عبادة الأسرة بدلا من الدولة، شاعت مع ضعف الدولة وسقوط هيبتها، وقلة ~~الرغبة في الإنفاق على الضحايا والقرابين التي تقدم على محاريبها، فاكتفى الناس ~~ببيوتهم يدفنون موتاهم فيها، ويتقربون كلهم بمثل طعامهم وهم أحياء بين ~~ظهرانيهم. وقد كانت أعمال الحفر تبرز للمنقبين طبقة بعد طبقة من أعماق الأرض ~~ومن أعماق التاريخ في وقت واحد، ومن قيمة القربان تبدو قيمة الثقة بالأرباب، أو ~~تطور العبادة بين الماديات والمعاني الروحية. ~~(5) الضحايا البشرية # وتدل الأحافير على قدم الضحايا البشرية في العبادات التي سبقت عهد الساميين ~~بوادي النهرين وبقاع الهلال الخصيب، وأنها بقيت إلى ما بعد وفود الشعوب السامية ~~إلى تلك البقاع. # وتدل الأحافير بمدينة «أور» على قدم تلك العادة في عبادة الملوك خاصة؛ إذ كان ~~الملوك يدفنون ومعهم حاشيتهم ووزراؤهم، ولا يبدو من هيئة جثمانهم أنهم ماتوا ~~على الرغم منهم، فليس منهم من وجدت جثته وفيها ms143 أثر الذبح أو الخنق أو القتل ~~بالضرب العنيف، ولهذا يعتقد «وولي» في كتابه «أور الكلدانيين» # Ur of the Chaldess # أنهم كانوا يتجرعون ~~باختيارهم عقارا ساما يخدرهم ويميتهم؛ لإيمانهم بالانتقال مع الملوك الأرباب ~~إلى حالة في السماء كحالتهم في الحياة الأرضية. # ووجدت على بعض أختام الطين صور آدميين يلبسون قناعا يشبه رأس الحيوان، ~~والمظنون أن هذا الزي كان مقدمة للذبح الرمزي، وإجراء الشعائر مجرى التمثيل ~~المقدس في الاحتفالات العامة، ولا سيما الاحتفال بعيد رأس ~~السنة. # 3 # ووجد في حفائر «أور» تمثال جدي مربوط مقيد في شجرة، لعله رمز لاستبدال الضحية ~~الحيوانية بالضحية البشرية، وتاريخه في تقدير «وولي» سابق لعصر الخليل بألف ~~وخمسمائة سنة. # ولكن الضحية البشرية بقيت إلى ما بعد أيام موسى عليه السلام، ويتضح هذا من ~~الإصحاح الثاني والعشرين في سفر الخروج؛ حيث حرم على بني إسرائيل أن يعطوا ~~أبكار أبنائهم قربانا إلى الله، ويتضح أيضا من الإصحاح العشرين من سفر ~~اللاويين؛ حيث ينص على عقوبة الرجم لمن يعطي ابنه قربانا للرب. # ومع هذا كان بعض أمرائهم ينذر أبناءه ليحرقهم على المذبح قربانا إلى الله، كما ~~فعل يفتاح ونذر «نذرا للرب قائلا: إن دفعت بني عمون ليدي؛ فالخارج الذي يخرج ~~من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة يكون للرب، وأصعده ~~محرقة.» # 4 # ونعى عليهم النبي أرميا أنهم «بنوا مرتفعات ليحرقوا بنيهم وبناتهم ~~بالنار.» ~~(6) الختان # وروى هيرودوت أبو التاريخ أنه سأل الفينيقيين والسوريين عن عادة الختان فقالوا: ~~إنهم أخذوه من المصريين، وإن المصريين كانوا يتحرون به النظافة ~~والطهارة. # وحقيقته التي تدل عليها المقارنة بين العادات أنه اختصار لعادة الضحية البشرية ~~نشأ مع تقدم الإنسان في الحضارة والمدنية. # ففي أقدم العصور كان الفاتح المنتصر يقتل الأسرى قربانا على محراب إلهه، ثم ~~تدرجوا من قتلهم إلى قطع أعضائهم، وتدرجوا من قطع أعضائهم إلى قطع غلفتهم، ~~وجعلوا ذلك علامة على تسليم الأعداء بالهزيمة. # ولهذا بدأ الختان بالرجال، ولم تنشأ عادة الختان بالنساء إلا بعد ذلك بزمن ~~طويل. # وانتقل الختان من اعتباره علامة تسليم لإله ms144 الأعداء، إلى اعتباره علامة تسليم ~~للإله الذي يعبده أبناء القبيلة، وعندئذ وجب على النساء كما وجب على ~~الرجال. # ومن بقايا عاداته الأولى أن شاءول اشترط على داود أن يقدم له مائة غلفة من ~~الفلسطينيين مهرا لبنته ميكال، فقدم له مائتين، كما جاء في الإصحاح الثامن عشر ~~من سفر صمويل الأول. # وليس بالصحيح أن الإسرائيليين اعتبروه علامة لقبيلتهم تميز الإسرائيلي من ~~غيره، وإنما الصحيح أنهم اعتبروه علامة تسليم لربهم، وفرضه المكابيون على ~~الأدميين والآتوريين حين هزموهم، وجاء في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر ~~التكوين: أن أبناء يعقوب أوجبوا على الرجل الذي اغتصب أختهم دينا أن يختتن هو ~~وقومه الكنعانيون. ~~(7) المعابد والمحاريب # لم يعرف عن قوم إبراهيم - أو المنتسبين إليه على الأصح - أنهم أقاموا لهم ~~هيكلا قبل الهيكل الذي بناه سليمان عليه السلام. # وكان الخليل يبني المحاريب على الأماكن العالية، ويختار للمحراب موضعا إلى ~~جوار الشجر والماء، ثم تعددت المحاريب فتعددت المعبودات، وحسب العامة أن كل ~~محراب منها قد أقيم لمعبود غير المعبودات في المحاريب الأخرى، وخلطوا بين أرباب ~~كل إقليم، فعبدوا الأوثان التي كان يعبدها أبناء البلاد الأصلاء من قبلهم، وخيف ~~عليهم الاختلاط والفناء فيمن حولهم من الشعوب، فاجتمعت كلمة الحكماء على تحريم ~~بناء المحاريب في الأماكن العالية، وقصر العبادة والقربان وجميع المراسم الكبرى ~~على هيكل واحد، وكان هذا الهيكل في مبدأ الأمر خيمة تحمل، ثم بني بالحجارة على ~~رسم الخيمة وتقسيمها. # ولم يكن هذا هو الأثر الوحيد من آثار نظام المعابد في وادي النهرين، فقد بقيت ~~عبادة الأسرة زمنا طويلا ممثلة في عبادة الأوثان التي تسمى بالطرافين، وكانوا ~~يعتقدون أن حيازة الطرافين تحفظ لمن يحوزها حقوق الأسرة من الرئاسة إلى البركة ~~والميراث، ولهذا أخذت راحيل الطرافين معها قبل الهجرة من حرانة، وظلوا يحتفظون ~~بالطرافين بين ذخائر الأسرة المقدسة إلى ما بعد السبي كما يؤخذ من الإصحاح ~~العاشر في سفر زكريا. ~~(8) العالم الآخر # ولا يخلو دين أمة قديمة من الإيمان بعالم آخر غير عالم الأحياء؛ لأن الإيمان ~~بالأرواح والأطياف شائع بين ms145 القبائل البدائية الأولى، وكلهم كانوا يعتقدون أن ~~الإنسان يبقى بعد موته لأنهم يرونه في أحلامهم، ومن هنا جاءت عبادة ~~الأسلاف. # ولكن الإيمان بالعالم الآخر نوعان: نوع ينظر إلى العالم الآخر كأنه جزء من هذا ~~العالم المشهود، ينتقل إليه الميت للإقامة فيه، وأكثر الأمم القديمة يسميه ~~الهاوية، ويجعله تحت الأرض بعيدا من النور. # ونوع ينظر إلى العالم الآخر ويؤمن بأنه عالم الحساب والجزاء والتفرقة بين ~~الأبرار والأخيار، وأنه هو عالم الخلود والحياة الباقية بعد الحياة الفانية في ~~هذه الدنيا. # وبين هاتين العقيدتين في العالم الآخر عقيدة متوسطة تجمع بين اعتقاد الهاوية ~~واعتقاد الخلود، فالموتى جميعا يذهبون إلى الهاوية، ثم ينجو منهم في آخر ~~الزمان من يدينون بالإله الحق، فيعودون إلى حياة كحياة الدنيا، ويتم قضاء الموت ~~الأبدي على الآخرين. # وكانت الديانة البابلية من النوع الأول. # وكانت الديانة المصرية من النوع الثاني. # وكان العبريون يأخذون بجزء من هذه وجزء من تلك، ويدينون بالعودة إلى الدنيا في ~~آخر الزمان، وأن غيرهم من الأمم لا يعودون. # وتراجع الصلوات البابلية اليوم فلا يرى فيها شيء يشير إلى النعيم في العالم ~~الآخر، وإنما ينحصر الدعاء في طلب الخيرات الدنيوية، وطول العمر، والسلامة من ~~الأمراض والأحزان. # وكانت طائفة من البابليين الأقدمين تعتقد أن الروح تلازم الجسد بعد الموت، فلا ~~تزال عالقة به محيرة بين هذا العالم والعالم الآخر حتى يبلى رفاته ولا تبقى منه ~~بقية تعلق بها؛ ولهذا كانوا يتركون الموتى للجوارح والوحوش تنهشهم وتبيدهم؛ ~~لتستريح الأرواح من عذاب الحيرة بين الدنيا والآخرة. ~~(9) التوحيد # والتوحيد كذلك توحيدان: # توحيد الإيمان بإله واحد خلق الأحياء وخلق معهم أربابا آخرين. # وتوحيد الإيمان بإله واحد لا إله غيره. # ولم تعرف أمة قديمة ترقت إلى الإيمان بالوحدانية على هذا المعنى غير الأمة ~~المصرية، فعبادة «أتون» التي دعا إليها إخناتون قبل ثلاثة وثلاثين قرنا كانت ~~غاية التنزيه في عقيدة التوحيد كما عرفها الأقدمون. ومن علماء المصريات - وفي ~~طليعتهم برستيد وويجال - من يرى بعد المقابلة بين صلوات إخناتون والمزامير ~~المنسوبة إلى داود: أن حكماء ms146 الإسرائيليين كانوا يطلعون على أسرار المحاريب في ~~مصر، ولا سيما الأسرار التي كانت محجوبة عن الدهماء؛ إذ كانت أسرار الديانة ~~العليا مقصورة على كبار الأحبار وتلاميذهم المختارين. # ومن أسماء الملوك في بلاد العرب الجنوبية يبدو أنهم عرفوا الوحدانية التي يغلب ~~فيها إله واحد على سائر الآلهة، واسم إيلومي إيلوم الذي تولى الملك في بابل ~~الجنوبية معناه أن الله هو الإله الحق، ويقول عبد الله فلبي في كتابه سوابق ~~الإسلام: «إن هذه الكلمة هي شهادة الوحدانية في طورها الأول، ومن مرادفاتها في ~~أسماء الشعب إيل رب، وإيل ملك، وإيل راب، وكلها من قبيل القول بأن الله هو ~~الرب، وأنه هو الملك، وأنه هو الرئيس المطاع، ولا يقال هذا إلا لتغليب إله واحد ~~على سائر الآلهة، أو لنفي صفة الإلهية عن سواه.» ~~(10) الشرائع # ويلحق ببحث الشعائر والعبادات بحث الشرائع والآداب الاجتماعية، وقد وجد العمود ~~الذي نقشت عليه شريعة حمورابي كاملا ما عدا سطورا مطموسة أمكن إتمامها من ~~مصادر أخرى. # وتتضمن هذه الشريعة عقوبة الإغراق للسحر والخيانة الزوجية، والإحراق لمن يختلس ~~مالا من بيت محترق - وكان للنهر في هذه الشريعة قداسة يمتحنون بها من يلقونهم ~~فيه من السحرة والمسحورين - وفيها عقوبات القتل على السرقة والاغتصاب، ومن ~~غرائبها أنها تعاقب البنت البريئة بذنب والدها؛ «فإذا ضرب رجل بنت إنسان حر ~~ضربا أسقط حملها؛ فعليه عشرة مثاقيل من الفضة غرامة لإسقاط حملها، فإن ماتت ~~فبنته تقتل # 5 ~~...» # ولا يشبه هذه الأحكام فيما رواه العهد القديم غير عقوبة عاخان ؛ لأنه سرق من ~~غنائم القتال في وقعة عاي التي انهزم فيها الإسرائيليون، «فأجاب عاخان يشوع ~~وقال: حقا إني قد أخطأت إلى الرب إله إسرائيل ... رأيت في الغنيمة رداء ~~شنعاريا نفيسا، ومائتي مثقال من الفضة، ولسان ذهب وزنه خمسون مثقالا، ~~فاشتهيتها وأخذتها، وها هي مطمورة في الأرض وسط خيمتي والفضة تحتها ... فأخذ يشوع ~~عاخان بن زارح الفضة والرداء ولسان الذهب، وبنيه وبناته، وبقره وحميره، وغنمه ~~وخيمته، وكل ماله وجميع إسرائيل معه وصعدوا بهم إلى وادي عخور، فقال يشوع: ms147 كيف ~~كدرتنا يكدرك الرب في هذا اليوم؟ فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة، وأحرقوهم بالنار ~~ورموهم بالحجارة - وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم، فرجع الرب عن ~~حمو غضبه # 6 ~~...» # ومن أحكام حمورابي في مسائل الزواج تحريم تعدد الزوجات من طبقة واحدة، وتحريم ~~الزواج من الجواري إذا رزق الرجل أولادا من زوجته المكافئة له في طبقته، أو ~~من إحدى جواريها. # المادة 144: # فإذا تزوج رجل من كاهنة وأعطته جارية، فولدت له الجارية ~~أولادا، فلا يجوز له أن يتزوج من سرية. # المادة 145: # وإذا تزوج رجل من كاهنة ولم تلد له، وأراد أن ~~يتزوج من سرية وأن يئويها في بيته؛ فهذه السرية لا تكون مع ~~زوجته في منزلة واحدة. # المادة 146: # وإذا تزوج رجل من كاهنة وأعطته جارية، فولدت له الجارية ~~أولادا وجعلت نفسها في منزلة السيدة لأنها حملت أولادا؛ ~~فلا يجوز للسيدة أن تبيعها، بل تقيدها وتبقيها مع ~~الخدم. # ولا يجوز حرمان ابن السرية من ميراث أبيه بعد الاعتراف ~~بنسبه. # المادة 170: # فإذا كان لرجل أولاد من زوجته وكان له أولاد من سريته، وكان ~~قد ناداهم بأبنائي في حياته، وعدهم مع أبنائه من زوجته، ثم ~~ذهب لقضائه، فالأبناء من الزوجة والأبناء من السرية ~~يتقاسمون الميراث على السواء، ويختار أبناء الزوجة القسمة ~~والاقتراع. # وتجري المقارنة كثيرا بين شريعة حمورابي والشريعة العبرية، ويزعم بعض الفقهاء ~~من علماء اليهود المعاصرين أن الشريعة العبرية تخالف شريعة حمورابي في تمييز ~~الأصغر بالميراث، فالأستاذ جوزيف جاكوب يعلل تفضيل إسحاق على إسماعيل، وتفضيل ~~يعقوب على عيسو ، وتفضيل يوسف على إخوته، بأن الشريعة العبرية كانت لذلك العهد ~~تأخذ بالحكم الذي كان شائعا في بعض الشرائع الأولى: وهو اختصاص الابن الأصغر ~~بالحصة الوافية من الميراث # Ultimageniture ~~. # قال هذا الفقيه: إن مؤرخي العهد القديم لم يدركوا معنى هذه السنة القديمة، ~~فحاولوا أن يصححوها بالتعليلات التي خطر لهم أنها كفيلة ~~بتصحيحها، # 7 # ولكن القاعدة ~~تطرد اطرادا لا يمكن تعليله بالمصادفة، فلما قدم يوسف ولديه منسي وإفرايم إلى ~~أبيه يعقوب ليتلقيا بركته؛ حول الجد يمينه إلى إفرايم، ms148 ويساره إلى منسي. ~~وهكذا تولى داود الملك وهو أصغر أبناء أبيه، وكان جده فارز أصغر التوءمين ~~اللذين ولدتهما تامار بنت يهودا. وقد اتبع داود هذه السنة فولى سليمان ~~عرش الملك من بعده وهو أصغر من أخيه أدوناي. # ويخطر لبعضهم أن هذه السنة قديمة في عشيرة الخليل، وأنه هو صلوات الله عليه ~~كان أصغر من أخيه. ~~••• # وإلى هنا نقف بالمقتبسات من تواريخ الأحافير والتعليقات عليها؛ لأن كشوف ~~الأحافير الأخرى لا تعنينا في موضوع هذه الرسالة، وليس فيها ما يبنى عليه رأي ~~في سيرة الخليل على فرض من شتى الفروض. # الفصل الخامس عشر # | الخلاصة # الآن وقد انتهينا من معالم الطريق، كما رسمتها لنا المصادر والتعليقات، يصح أن نبدأ ~~بتلخيص السيرة على هدي تلك المعالم، ويحق لنا أن نقرر «أولا» أن قرائن الثبوت في ~~سيرة الخليل أقوى جدا من كل قرينة للشك ينتحلها من يتحدث باسم العلم، والعلم من ~~حديثه براء. # فالذي يقول: إن وجود الخليل مشكوك فيه من الوجهة العلمية يظلم العلم، ويحمله جريرة لا ~~يحملها؛ لأن سيرة الخليل ليست من السير التي يشك فيها العالم، بل هي سيرة يبحث عنها ~~العالم إن لم يجدها؛ إذ كانت الدعوات النبوية سلالة واحدة يرتبط اللاحق منها بالسابق، ~~ولا يمكن الرجوع ببداءة لها أصدق من بداءتها بدعوة إبراهيم. ~~••• # إن الدعوات النبوية التي بدأتها دعوة إبراهيم سلالة لم يظهر لها نظير في غير الأمم ~~العربية والأمم السامية، وقد ختمت بدعوة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وجاءت دعوة محمد متممة لها، ~~فلا تفهم واحدة منها منفصلة عن سائرها، بترتيب كل منها في زمانها، وعلاقة كل منها ~~بمكانها، فلا لبس فيها من جانب العصر ولا من جانب البيئة. # دعوات لم تظهر في العالم كله على غير هذا النسق؛ لأنها ارتبطت بظاهرة غير متكررة حول ~~مدن القوافل التي اختصت بها بلاد الأمم العربية، وكانت بداءتها في زمانها وعلى ترتيب ~~مكانتها الجغرافية حيث نشأ الخليل إبراهيم، فهي نشأة لازمة في موقعها وفي عصرها. ~~والنشأة التي من هذا القبيل تواجه العلم ms149 بحقيقة ضرورية، فلا شك فيها، بل يكون موقفه ~~منها على نقيض الشك من طرف إلى طرف؛ لأنه يبحث عنها إن لم يجدها، وعليه أن يجدها وأن ~~يهتدي إليها. # ومن قرائن الثبوت - كما أسلفنا - أن هذه الدعوات النبوية نسبت إلى أصل واحد، وهو ~~السلالة السامية، قبل أن يعرف الناس علم المقارنة بين اللغات، وقبل أن يعرفوا علامات ~~الوحدة في التصريف والاشتقاق، وقواعد النحو، وحركات النطق، وأجهزة الكلام، فلم يكن في ~~وسع الذين قالوا بوحدة أصلها قبل مئات السنين أن يخترعوا هذه النسبة لو لم تكن نسبة ~~صحيحة في مراجع لا تخترع، ولا يسهل اختراعها. ~~••• # وعلم المقابلة بين الأديان حديث كعلم المقابلة بين اللغات، فإذا جاء هذا العلم الحديث ~~مطابقا للأخبار الأولى عن ديانة القوم في عصر إبراهيم؛ فتلك قرينة ثبوت وليست بقرينة ~~شك، ومن خالف ذلك فهو لا يفرق بين الشك والثبوت. # لم يكن من السهل أن توجد في وطن واحد عبادة الكواكب وعبادة الأصنام وعبادة الملوك، ~~وأن تتعدد الأرباب مع تمييز رب منها على سائرها. # ليس من السهل أن يوجد هذا الخليط من العبادات في وطن واحد، فقد يجهل الناس التوحيد ~~ويعبدون الشمس والقمر، أو يعبدون القمر دون الشمس، أو يعبدون القمر ولا يعبدون المريخ ~~والزهرة. # وقد يجهل الناس التوحيد ويعبدون الأصنام، ولا يعبدون معها الملوك، وقد يعبدون أربابا ~~كثيرة ولا يميزون ربا منها على سائرها. # أما عبادتها جميعا في وطن واحد فهي حالة لا يمكن اختراعها ما لم تكن حقيقة ~~واقعة. # ونحن قد علمنا اليوم أنها حقيقة واقعة لأننا فككنا ألغاز الكتابة، واستخرجنا أسرار ~~الأحافير، وعلمنا منها تسلسل العبادات، واختلاط السكان والحدود، وتطور العقائد على ~~حسب أحوال المعتقدين. # وقد علمنا اليوم أن عبادة القمر سابقة لعبادة الشمس، خلافا لبادرة الظن الأولى؛ إذ ~~يسبق إلى الخاطر أن الشمس أكبر وأحق أن يبدأ بها في العبادة. # بل علمنا اليوم أن رب الأرباب عند اليونان هو كوكب المشتري، وليس الشمس أو القمر، ~~ولهذا يطلقون عليه اسم جوبيتر، ويستمدون هذا الاسم من كلمتين ms150 بمعنى أبي الآلهة # Dawes Pater ~~. # وفي القرآن الكريم (الأنعام 76-78): # فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا ~~أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال ~~هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى ~~الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت ~~قال يا قوم إني بريء مما تشركون ~~. # ومما علمناه اليوم أنهم أقاموا للكواكب تماثيل لا تغيب عن أبصارهم إذا غابت الكواكب، ~~فعبدوها مع عبادة الكواكب علي سبيل التقريب والتمثيل. # وفي القرآن الكريم: (الأنبياء: 52): # إذ قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون ~~. # وفيه: (الصافات: 95-96): # قال أتعبدون ما تنحتون ~~* والله خلقكم وما تعملون ~~. ~~••• # وما علمناه اليوم من مقابلات الأديان أن التوحيد جاء بعد تعديد الأرباب وتمييز واحد ~~منها، وأن أهل بابل خاصة كانوا يرون في قصة الخليقة أن الإله الأكبر خلق الأرباب كما ~~خلق سائر الموجودات الأحياء وغير الأحياء، وتوحيد الإله على هذا النحو هو الذي يسمونه ~~في العصر الحديث بالهينوثيزم # Henotheism ~~، ويطلقونه ~~على طور خاص من أطوار التوحيد البدائي لم يكن لزاما أن يوجد في كل أمة. # وفي القرآن الكريم (الأنبياء: 58): # فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ~~. # وفيه: (الأنبياء: 62-63): # قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ~~. # أما عبادة الملوك في بابل القديمة، فنحن نعلم اليوم أنهم كانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم ~~هبطوا من السماء بعد الطوفان؛ لأننا قرأنا الآثار وكشفنا عن الأحافير، وادعاء الملوك ~~أنهم آلهة يملكون زمام الحياة والموت وارد في القرآن الكريم: (البقرة: 258): # إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال ~~أنا أحيي وأميت ~~. ~~••• # هذه المطابقات نعلمها اليوم من الكشوف والأحافير، وسواء آمن العالم العصري بالقرآن أو ~~لم يؤمن به، فالمسألة هنا هي مسألة التفرقة بين قرائن الثبوت وقرائن الشك في سيرة ~~إبراهيم، فليس من قرائن الشك على كل حال أن تروى أخبار العبادة عن عصر إبراهيم على ~~الوجه الذي ms151 حققته الكشوف الحديثة، وعلى خلاف القصص التي تخترع اختراعا بغير سند من ~~الواقع؛ لأن الاختراع لا يجمع بين الحقائق المتفرقة من عبادات القوم، وهي عبادة ~~الكواكب، وعبادة الأصنام، وعبادة الملوك وتعديد الأرباب مع تمييز واحد منها على ~~الآخرين، وهي المرحلة البدائية في طبيعة التطور بين التعديد والتوحيد. # قلنا في مقدمة هذا الكتاب: إن الشك في وجود إبراهيم لا يستند إلى سبب؛ لأن الغرائب ~~والخوارق لم تبطل وجود شيء قط، ومنها أثبت ما في السماء؛ وهو الشمس، وأثبت ما في ~~الأرض من صنع الإنسان؛ وهو الهرم الأكبر. # ويحق لنا بعد ما قدمناه أن نقول على الأقل: إن أسباب الثبوت أقوى من أسباب الشك ~~جميعا إن كانت له أسباب. # الفصل السادس عشر # | العصر # معظم المنقبين يعينون تاريخ إبراهيم في زمن متوسط بين أوائل القرن الثامن عشر وأواخر ~~القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ويجعلونه معاصرا لدولة الرعاة في مصر ودولة العموريين ~~في العراق. # وولادة الخليل في هذه الفترة ترجحها الكشوف والأحافير، كما ترجحها النتائج التي تمثلت ~~في سيرته عليه السلام، وكلها دلائل على تنازع السيطرة، وتنازع العقائد، واضطراب ~~الأمور، والاضطرار إلى الرحلة الدائمة من أور إلى آشور إلى فلسطين إلى مصر إلى بيت ~~المقدس ثم إلى صحراء الجنوب. # وتقترن زلازل الطبيعة وزلازل السياسة، فلا يستقر لأحد من المقيمين في ديارهم قرار، ~~فضلا عن القبائل الرحل في طلب المرعى وطلب الأمان. # سقطت دولة بابل وغلبتها عليها قبائل عيلام من الشرق وقبائل عمور من الغرب، وعاش ~~العموريون والعيلاميون تارة في قتال، وتارة في حلف مزعزع؛ خوفا من دولة الآشوريين في ~~الشمال. # وسقطت دولة مصر وغلبتها قبائل الرعاة، ثم بقيت على خوف وحذر من الشرق ومن فراعنة ~~الجنوب الذين احتفظوا بعروشهم في الصعيد. # وليس أشقى من حياة العشائر الصغيرة بين هذه القلاقل وهذه المنازعات، التي يشترك فيها ~~المغامرون من أبناء العشائر الكبرى وهم يزحفون للسيطرة على الدول كلما سنحت لهم ~~الفرصة العاجلة، ولا يقنعون بالتحول من بقعة إلى بقعة طلبا للمراعي والأمان. # وكانت عشيرة الخليل صغيرة ms152 ولا شك بالقياس إلى العموريين والرعاة وسائر القبائل التي ~~تحتل بقاع الهلال الخصيب. # ولو لم تكن صغيرة لما أمكن أن تهاجر من جنوب العراق إلى شماله، إلى شاطئ البحر الأبيض ~~المتوسط، إلى مصر إلى فلسطين كرة أخرى في حياة زعيم واحد. # وقد ألجأتها المجاعة إلى مصر، ولم تلجأ قبيلة أخرى إلى مثل هذه الهجرة من القبائل ~~التي أصيبت بالمجاعة في صحراء فلسطين. # وحدث غير حادث يدل على قلة هذه العشيرة في عددها وقوتها، وأنها ظلت على هذه القلة بعد ~~أيام إبراهيم وفي أيام يعقوب ... ومن أبرز الشواهد على ذلك في حياة البداوة خاصة: أن ~~جيرانها كانوا يجترئون على نساء زعمائها، فطمع أبيمالك في سارة، واعتدى شكيم على ابنة ~~يعقوب، وكانت العشيرة نزيلة إلى جوار الأقوياء الذين يضيفونهم، أو يأبون ضيافتهم كما ~~يشاءون. # وليس أشق من حياة عشيرة صغيرة بين العشائر الكبرى في أيام الزعازع وتقلب السلطان، ولا ~~سيما الحياة إلى جوار البابلية، وكل سلطان جديد هناك فهو رب جديد يدين الناس ~~بالعبادة، ويسومهم أن يسجدوا له، ولا يقنع منهم بطاعة الرعية للرعاة. # وقد حفظ لنا سفر دانيال مثلا من شتى الأمثلة على قيام هذه العبادات مع قيام ~~السلاطين؛ فإن السلطان الجديد يعلن ولايته بالطبول والزمور، ويفرض على كل مستمع أن ~~يسجد لتمثاله على قارعة الطريق، ومن أبى السجود أحرقوه بالنار. ~~«فنبوخذنصر الملك صنع تمثالا من ذهب طوله ستون ذراعا، وعرضه ستة أذرع، ونصبه في ~~بقعة دورا في ولاية بابل، ثم أرسل ليجمع المرازبة والشحن والولاة والقضاة والخزنة ~~والفقهاء والمفتين وكل حكام الولايات ؛ ليأتوا لتدشين التمثال، ونادى المنادي قد ~~أمرتم أيها الشعوب والأمم والألسنة، عندما تسمعون صوت القرن والناي والعود والرباب ~~والشيطر والمزمار، أن تخروا وتسجدوا لتمثال الذهب، ومن لا يخر ويسجد ففي تلك الساعة ~~يلقى في أتون النار ...» # وحفظت لنا الألواح الآشورية صورة جيجو ملك إسرائيل «سنة 842 قبل الميلاد» وهو ساجد ~~يقبل الأرض بين يدي شلمنصر، ومن ورائه أمراء دولته يحملون الجزية صاغرين ... ومن كان ~~يتقاضى الملوك أن يسجدوا ms153 له عند تقديم الطاعة ولا جرم يتقاضى الملوك أن يسجدوا له ~~ويعبدوه، وبخاصة حين يؤسس دولة جديدة قامت على أنقاض دولة ذاهبة، ولا بد له من توطيد ~~هيبته، وقمع المخالفين له، وأولهم الذين ينكرون دينه كما ينكرون دنياه. # والحوادث التي أحصاها لنا الرواة من سيرة إبراهيم خليقة أن تحدث في مثل تلك الفترة، ~~سواء منها ما حدث في العراق أو ما حدث في الطريق إلى وادي النيل. # وربما صح أنه عاصر حمورابي أو كان في عصر قريب من عصره، ولكن الأحوال لم تتغير قبل ~~عصر حمورابي وبعد ولايته بسنوات، فهي أحوال الدولة المتبدلة والسيطرة المتقلبة، ومن ~~علاماتها الكبرى أنها تدعو حمورابي إلى نقش أحكام شريعته، وإقامة الأنصاب التي تذكر ~~الناس بتلك الأحكام، ولا يكون ذلك إلا آية من الآيات على أن الشريعة قد نسيت وهانت ~~واحتاجت إلى تذكير. # إن كانت شريعة جديدة فموعدها القمين بها زمان كذلك الزمان. # وقد كان إبراهيم زعيم قبيلة بادية، وكان تهافت العروش، وتبدل العبادات والكهانات من ~~حوله خليقا أن يريبه في أمرها، وأن يحبب إليه النجاة من طوارقها وطوارئها، وكانت ~~القبائل القوية حول العواصم تتنازع السلطان، فهي في شاغل بالسيطرة عن العبادة. أما ~~العشيرة الصغيرة فهي مغلوبة على مرافقها وعلى ضمائرها، ولا عصمة لها إلا أن تعتصم ~~بإله أقوى من الغالبين ومن المغلوبين: إله لا تحصره هياكل العاصمة وتماثيلها، ولا ~~يتغير من بادية إلى بادية فوق بطاح الصحراء وتحت قبة السماء ... # إن وجود إبراهيم في عصر كذلك العصر حقيقة لا غرابة فيها، ولا محل فيها لاختراع ~~المخترعين. # الفصل السابع عشر # | النشأة # من الحقائق ما ينبذه السامع لأنه على قربه لم يلتفت إليه. # كان جندي أوروبي يقدح في الشرق وأبنائه وكل ما فيه أثناء الحرب العالمية الأولى، ~~ويقول: إنه مباءة السوء فلا يخرج منه شيء حسن، ولا يأتي منه خير ... # وقال له محدثه: إنك تدين بدين جاء من الشرق! # فوجم الرجل وأخذته الدهشة؛ لأنه لم يتنبه إلى هذه الحقيقة لحظة واحدة طول حياته، وهو ~~يدين بدين ms154 السيد المسيح، ويستمع إلى الإنجيل كلما ذهب إلى الكنيسة ... # ومثل هذه الحقيقة ما ذكرناه آنفا عن نسبة إبراهيم العربية؛ فإنها أصح نسبة ينسب ~~إليها، ولكنها تبدو لمن يسمعها كأنها غريبة يقال لمن يزعمها: من أين جئت بهذه ~~الأحدوثة التي لم نسمعها قبل الآن؟! # فلا يقال عن إبراهيم: إنه إسرائيلي؛ لأن يعقوب هو أول من تسمى بإسرائيل، ويعقوب حفيد ~~إبراهيم. # ولا يقال عن إبراهيم: إنه يهودي؛ لأن اليهودي ينسب إلى يهودا رابع أبناء يعقوب، ولم ~~يكن ينسب إليه إلا بعد أن أصبح اسمه علما على الإقليم الذي قسم له عند تقسيم الأرض ~~بين أبناء يعقوب. # ولا يقال عنه: إنه عبري إذا كان المقصود بالعبرية لغة مميزة بين اللغات السامية ~~تتفاهم بها طائفة من الساميين دون سائر الطوائف، فإن إبراهيم كان يتكلم بلغة يفهمها ~~جميع السكان في بقاع النهرين وكنعان، ولم تكن العبرية قد انفصلت عن سائر اللغات ~~السامية في تلك الأيام. # وقد يقال عنه: إنه سامي ينتمي إلى سام بن نوح، ولكنها نسبة إلى جد وليست نسبة إلى ~~قوم، وقد تكلم باللغة السامية أناس كالأحباش ليسوا من السريان، ولا من الآراميين ولا ~~الحميريين. # فإذا فتشنا عن نسبة لإبراهيم لم نجد أصدق من النسبة العربية، كما كانت العربية يومئذ ~~بين جزيرة العرب وبقاع الهلال الخصيب. # وأصح التقديرات أنه نشأ في أسرة حديثة عهد بالهجرة من شمال اليمن إلى جنوب العراق، ~~وكانت هذه الأسرة مع الذين جاءوا من «أرض البحر»، كما كان البابليون يسمون العرب ~~المقيمين على مقربة من خليج فارس. وقد وردت أسماء العرب التي لا شك فيها بين الأسر ~~المالكة في جنوب بابل خلال عهد طويل يحيط بعصر إبراهيم على أقدم تقديراته، فلم يمض ~~على أسرته بمدينة «أور» زمن يفصله من عشيرته البادية، وينسيها معيشة البداوة التي ~~تستجيب للهجرة من أقصى الجنوب في العراق إلى أقصى الشمال، ومن جملة أخباره يتبين أنه ~~عليه السلام قد نشأ على مفترق طريق بين جميع العهود. # مفترق طريق بين عهد الكنانة وعهد النبوة، ومفترق طريق ms155 بين إباحة القرابين البشرية ~~وتحريمها، ومفترق طريق بين التعديد والتوحيد، ومفترق طريق بين الإيمان بالهاوية ~~والإيمان بالحياة الأخرى. # ومفترق طريق في عبادة الأسرة الواحدة، فلا تلبث الأسرة الواحدة أن تختلف بين طريقين: ~~أب وابنه، وأخ وأخوه. # وتاريخ بابل يومئ إلى عصر قريب من القرن التاسع عشر قبل الميلاد يصح أن تفترق فيه ~~جميع هذه الطرق. # ففي حوالي هذه الفترة ضاعت هيبة الهياكل، وسقطت مكانة كهانها، وندرت القرابين في ~~محاريب الدولة، وتحولت إلى مدافن الأسرة حيث تسكن الأسرة مع موتاها في دار ~~واحدة. # وحوالي هذه الفترة تعاقبت الدول، وتناقضت أوامر العبادة، وتصارع الأرباب فاستحقوا ~~سخرية العباد أجمعين. # وانتهى قبل ذلك عهد الملوك الذين كانوا يسومون وزراءهم وحواشيهم أن يدفنوا أنفسهم ~~معهم وهم بقيد الحياة، وبطل إيمان العلية بالحياة بعد الموت في جوار هؤلاء الملوك، ~~فتفتحت الأذهان لسماع شيء جديد عن اليوم الآخر ومعنى الخلود بعد الفناء. # ولعل الصابئة كانوا في ذلك العصر يدينون بالبقايا المصفاة من هذه العبادات، ولعلهم ~~خلطوا من أجل ذلك بين إنكار الكهانة وإنكار النبوة، فإذا جاءهم إبراهيم بأول دعوة ~~نبوية لم يميزوا بينها وبين الكهانة التي أنكروها على كهان الهياكل المتداعية ~~والمحاريب الدائرة. ولعل إبراهيم قد يئس منهم فاتجه إلى قبلتهم العليا شمالا حيث ~~كانوا يتجهون إلى نجم القطب أثبت النجوم، عسى أن يستمع إليه أصحاب القبلة، وأن يكونوا ~~على استعداد للتفرقة بين الكهانة والنبوة، فلا يشق عليهم أن يفهموا وحي الله إلى ~~النبي كما شق عليهم أن يفهموا أن الكهان يتلقون الوحي من الله، وليس بالعسير علينا في ~~العصر الحاضر أن نصور لأنفسنا معيشة أبناء العشائر بين الحاضرة والبادية. # فرؤساء العشيرة يقيمون بالمدن، وتستبقيهم الدولة فيها، ولا تضن عليهم بالرئاسة التي ~~تعينهم على حكم العشيرة في بداوتها، وأبناء العشيرة يروحون ويغدون بين الصحراء ~~والحاضرة ليعرضوا على أولئك الرؤساء مطالبهم عند ذوي السلطان، ويعقدوا صفقات القوافل ~~أو يبتاعوا حاجتهم في حلهم وترحالهم، فلا تنقطع الصلة بينهم وبين رؤسائهم، ولا تنقطع ~~خصوماتهم التي تلجئهم إليهم، وما انقطعت خصومات ms156 أهل البادية قط بين أنفسهم أو بينهم ~~وبين العشائر من حولهم، فهم أبدا على مطلب من الحكام وشفاعة عند الرؤساء. # وأقلق ما تكون حياة العشيرة البادية حيث تطغى عليها عشيرة أقوى منها، ويبلغ من قوتها ~~أن تسيطر على الدولة في عواصمها، وهكذا كانت حياة العشيرة التي تولاها إبراهيم وأبوه ~~أيام طغت على مدينة «أور» أفواج من العيلاميين وأفواج من العموريين، ولم ينفتح أمامها ~~سبيل الهجرة غير سبيل الشمال. # ومن اليسير أن نتخيل هنا حنكة الأب وثورة الفتى بين تداول الدول وتساقط الحكومات، ~~فالأب يتابع سادات الوقت، ويجري معهم فيما يجرون فيه، والابن يأبى إلا ما اعتقد، ~~وينفر من المراء والرياء، ويحفزه إلى الشمال أمل في صلاح العقيدة، وأمل في صلاح ~~الحكومة، ثم ينقاد الأب بعد طول اللجاج؛ لأن الحنكة لا تغني عنه شيئا مع فساد ~~الأحوال، وتفاقم الخطر من الأقوياء عن اليمين وعن اليسار. # وإذا صح أن أبا إبراهيم كان أمينا لبيت الأصنام، وكان يصنع الأصنام على يديه؛ فليست ~~الحنكة وحدها هي التي تدعوه إلى المحافظة على تقاليد العبادة القائمة، بل له مع ~~الحنكة داع آخر من المصلحة والمنزلة الاجتماعية، ويغلب إذن أن يكون إبراهيم قد تربى ~~للإمامة الدينية، وتعلم العلوم التي كانت شائعة بين طبقة الرؤساء الدينيين، ومنها علم ~~الفلك والطب والتعاويذ ورقي الأسماء. # واسم إبراهيم من الأسماء التي تنبئ عن نشأة دينية؛ لأنه - على أرجح معانيه - يفيد ~~معنى حبيب الله. وقد كان قدماء السريان يطلقون اسم رأس الأسرة مجازا على الإله ~~المعبود، فيسمونه الأب تارة، والعم تارة أخرى، وربما كان العم أغلب على هذا المعنى؛ ~~لأن الرجل ينادي كل شيخ مبجل ب «يا عم ويا عماه» ... ومن هنا اسم عمرام وإبرام، ركب ~~كلاهما من العم والأب، ومن كلمة رام التي تعني المحبة. ولعل التغيير الذي طرأ على اسم ~~إبرام إنما استحدث لكي يفيد معنى حبيب الله بدلا من حبيب الإله الذي كان يعبده ~~أبوه في معابد الوثنية. # وعلى أن التعليم لم يكن مقصورا على أبناء الكهان؛ فإن المثقفين ms157 الأثريين كشفوا عن ~~أبنية ضخام كانت معدة للمكتبات والمدارس العليا، ولم يكن من النادر أن يتعلم أبناء ~~العلية دروس الفلك والرياضة والتشريع التي ترشحهم لمناصب الدولة. واهتداء إبراهيم إلى ~~حقائق الأجرام العلوية من طريق الفلك أمر معقول في زمانه على الخصوص؛ فإنه زمان تبددت ~~فيه هالات الربوبية من حول الملوك، وهبطت فيه منزلة الكهانات العليا، وتصارعت فيه ~~العقائد بين غالبة ومغلوبة، وبين متأصلة في العواصم ومقتحمة عليها، ونظر فيه المثقفون ~~إلى الكواكب نظرة جديدة فجعلوها صورا للأرواح النورانية، ونزلوا بها من علياء ~~الربوبية إلى مرتبة الخلائق المسخرة في الملأ الأعلى؛ فإن لم يكن مذهب الصابئة قد تم ~~واستقر في ذلك العهد، فقد كانت له بداءة تحوم على هذه المعاني وتستشرف لما وراءها، ~~لولا ذلك لما بقيت السريانية القديمة لغة مقدسة في كتب هذه النحلة؛ إذ كانت السريانية ~~القديمة أعرق من السريانية المتشعبة منها، ولا يمكن أن تنعزل الطائفة الصابئية بتلك ~~اللغة الأولى ما لم تكن بداءتها ممعنة في القدم إلى ما قبل تدوين اللهجة السريانية ~~الحديثة. # ومن البديهي أن العقائد التي تدعمها الدولة لا تنهدم بضربة واحدة، ولا تولي أدبارها ~~لكل منكر يجترئ عليها، فقد لقي إبراهيم عنتا شديدا من تلك العقائد المتداعية، وأشد ~~ما تكون العقيدة دفاعا عن نفسها حين يشتد الخطر عليها، وتحس في قرارة حصنها أن ~~الضربة تصيبها وتزلزل أركانها. # وينبغي للناقد العصري أن يلمح شيئا يستوقفه في قصة إبراهيم ووعيد الدولة له بالإحراق ~~إن لم ينته عن تسفيه أربابها. # فمن المسلم أن الإحراق عقوبة مقررة في شريعة بابل، وأن النار لم تكن مجهولة في بلد ~~من بلاد الأنبياء الآخرين، ولكنهم لم يتعرضوا للإحراق في غير أرض بابل، ولم يرد خبر ~~قط عن نبي غير إبراهيم توعده قومه بإحراقه، ومنهم من نشأ في بلاد تحرق القرابين الحية ~~في المحاريب، فليست أخبار الأنبياء إذن مما يرسل جزافا، أو مما تنقطع فيه المناسبة ~~بين النبي والبلد الذي يبعث إليه. # وسيأتي الكلام عن معجزات إبراهيم في موضعه، ولكن موضع الالتفات ms158 هنا لمن يصطنع الدراسة ~~العلمية أن يلاحظ شواهد هذا الانفراد بعقوبة الإحراق في قصة إبراهيم دون قصص ~~الأنبياء. # والعبرة من هذه الملاحظة وأمثالها أن الناقد العلمي مسئول أن يتقصى من الأخبار الأولى ~~مقدار ما فيها من الثبوت، وليست مهمته كلها أن يأباها جميعا لأنه وجد فيها شيئا ~~يأباه. # الفصل الثامن عشر # | الجنوب # انفردت المصادر الإسلامية بأخبار إبراهيم في الحجاز، وعلق بعض المؤرخين الغربيين ~~على هذه الأخبار بشيء كثير من الدهشة والاستنكار، كأن المصادر الإسلامية قد نسبت إلى ~~إبراهيم خارقة من خوارق الفلك، وأسندت إليه واقعة بينة البطلان بذاتها وغير قابلة ~~للوقوع ... ووضح من أسلوب نقدهم أنهم يكتبون لإثبات دين وإنكار دين، ولا يفتحون عقولهم ~~للحقيقة حيث تكون، فضلا عن الاجتهاد في طلب الحقيقة قبل أن يوجههم إليه المخالفون ~~والمختلفون. # أما الواقع الغريب حقا فهو طواف إبراهيم بين أنحاء العالم المعمور ووقوفه دون ~~الجنوب لغير سبب، بل مع تجدد الأسباب التي تدعوه إلى الجنوب ولو من قبيل التجربة ~~والاستطلاع. # ولم يكن لإبراهيم وطن عند بيت المقدس، سواء نظرنا إلى وطن السكن، أو وطن الدعوة، أو ~~وطن المرعى، فالمتواتر من روايات التوراة أنه لم يجد عند بيت المقدس مدفنا لزوجه، ~~فاشتراه من بعض الحيثيين. # أما الدعوة الدينية فقد كانت الرئاسة فيها لأحبار إيل عليون، وكان إبراهيم يقدم العشر ~~أحيانا إلى أولئك الأحبار. # ومن كان معه أتباع يخرجون في طلب المرعى، فلا بد لهم من مكان ~~يسيمون # 1 # فيه إبلهم وماشيتهم بعيدا عن المزاحمة ~~والمنازعة، وهكذا كان إبراهيم يعمل في أكثر أيامه كما تواترت أنباؤه في سفر التكوين، ~~فلا يزال متجها إلى الجنوب. # هناك أسباب دينية غير هذه الأسباب الدنيوية توحي إليه أن يجرب المسير إلى الجنوب، حيث ~~يستطيع أن يبتني لعبادة الله هيكلا غير الهياكل التي يتولاها الكهان والأحبار من ~~سادة بيت المقدس في ذلك الحين، فقد بدا له أن إقامة المذابح المتعددة فتنت أتباعه، ~~وجعلتهم يتقربون في كل مذبح إلى الرب المعبود بجواره. ومثل هذه الفتنة بعد عصر ~~إبراهيم قد أقنعت ms159 حكماء الشعب بحصر القربان في مكان واحد، فاتخذوا له خيمة وانتظروا ~~الفرصة السانحة لبناء الهيكل حيث يقدرون على البناء. # فإن كان هذا الخاطر لم يخطر قط في نفس إبراهيم، فذلك هو العجيب الذي يستوقف النظر من ~~سيرة رسول وزعيم، ولكن الرسالة والزعامة معا توحيانه إليه ولو مرة من المرات وهو على ~~أهبة الرحلة والاستطلاع. # ومثل ذلك الخاطر خليق أن يتجه به إلى الجنوب ثم إلى الجنوب؛ إذ لم يبق له مكان لهذه ~~التجربة غير الجنوب، بعد أن هجر العراق وعاد من مصر ولم يجد عند بيت المقدس حوزة يقام ~~فيها هيكل مقصود. # وواضح من تواتر روايات التوراة والمشنا والتلمود أن اللهج ببيت المقدس إنما جاء ~~متأخرا بعد عصر إبراهيم وعصر موسى بزمن طويل، وأنه جاء مع عصر المملكة الإسرائيلية، ~~وعملت فيه السياسة عملها المعهود. # فبعد موسى بعدة قرون بقيت أورشليم في أيدي اليبوسيين، واستولى بنو بنيامين على ~~جيرتها، ولكنهم لم يطردوا منها اليبوسيين ... «فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين في ~~أورشليم إلى هذا اليوم» أي إلى الأيام التي كتب فيها سفر القضاة من العهد ~~القديم. # ثم تغلب بنو يهوذا على المدينة فدمروها وأحرقوها ولم يقيموا فيها، وعاد اليبوسيون ~~فجددوا بناءها وسكنوها إلى أيام الملك شاءول، ثم استولى عليها داود فاتخذوها عاصمة، ~~وبنى فيها سليمان هيكلها المشهور. # وبعد هذا جاء ملك من ذرية إبراهيم، وهو «يهواش» ملك إسرائيل، فهدم سور أورشليم وأخذ ~~كل الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة في بيت الرب، وفي خزائن بيت الملك والرهناء ~~ورجع إلى السامرة # 2 ~~... ثم اضطجع يهواش مع آبائه، أي مات مرضيا عنه ... # فلم يكن لأورشليم هذا الشأن في حياة إبراهيم ولا في حياة موسى، ولم يكن لها هذا الشأن ~~من القداسة بين جميع بني إسرائيل حتى في عهد داود ... أما «الجنوب» المسكوت عنه، فقد ~~كان له شأنه من القداسة إلى أيام أرميا وما بعدها، وكانت كلمة «تيمان» مرادفة لكلمة ~~الحكمة والمشورة الصادقة، وهي تقابل كلمة «يمن» في اللغة العربية بجميع معانيها، ~~ومنها الإشارة إلى الجنوب؛ ms160 ففي سفر التثنية يقال على لسان موسى: «جاء الرب من سيناء ~~وأشرق لهم من جبل السعير.» # وفي سفر حبقوق: «الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران.» # وأوضح من ذلك قول أرميا متسائلا في مراثيه: «ألا حكمة بعد في تيمان؟ هل بادت المشورة ~~من الفهماء!» # وأيسر ما يستوحيه طالب الحقيقة أن يتساءل: كيف يكون هذا الجنوب موصدا في وجه ~~إبراهيم؟ وكيف يطوف الأقطار جميعا ولا ينفتح له الباب الذي لا موصد عليه؟! إن كان ~~أحد الطريقين مفتوحا أمامه فليس هو طريق بيت المقدس، بل طريق الحجاز. # وفي هذا الطريق سلك الأنبياء، وذكرت المصادر الإسرائيلية منهم من بلغ مدين، وذكرت ~~منهم من لعله أقام في نجد، أو لعله أقام وراءها من البلاد العربية ... ولم تذكر المصادر ~~الإسرائيلية صالحا ولا هودا ولا ذا الكفل ولا غيرهم من الأنبياء. # فموضع التساؤل هو السكوت عن الناحية، وليس هو الذكر الذي توحيه البداهة، ويوحيه ~~المعلوم من أطوار البعثات الدينية والرسالات النبوية. # ونقول: إن السكوت موضع تساؤل، وهو في الحقيقة غني عن التساؤل: لأنه معلوم السبب ~~والغاية، وحسبنا من التساؤل أن ينتهي بنا إلى سبب معلوم، وغاية مرسومة. # إنما العجب من ذوي الدعوى باسم البحث العلمي أن ينتظروا الخبر ممن يقضي على دعواهم ~~كلها إذا رووه، ويثبت دعواهم كلها إذا نفوه. # ومن الذي يكتم مسير إبراهيم إلى مكة إن لم يكتمه الذين ينقضون دعواهم كلها بإثبات ذلك ~~المسير؟ # على أن الباحث الذي يتحرى المعرفة لا يصح أن يقف عند النفي ثم يسكت على ذلك ولا يحاول ~~الإثبات ما استطاع. # ها هنا رواية عن نشأة الكعبة في الحجاز على عهد إبراهيم، فمن ينكرها فعليه أن يثق ~~أولا من أسباب إنكارها، وعليه بعد ذلك أن يعرفنا بما هو أصح في التاريخ وأولى ~~بالقبول. # ونفرض أن إبراهيم لم يصل إلى الحجاز لأن المصادر الإسرائيلية لم تذكر رحلته إلى ~~الحجاز، ووقفت بها عند جيرار وقادش وبلاد أدوم. # ونفرض أن هذا سبب كاف لنفي الرحلة من الوجهة العلمية، فهذه الكعبة قائمة ms161 تحتاج إلى ~~بان يبنيها، فمن الذي بناها؟ # إن روايات هؤلاء القوم الأميين - قوم مكة في الجاهلية - تذكر لنا أن مكة عمرت قديما ~~بأناس من اليمن ثم أناس من النبط، وكل معلوم عن أحوال الحجاز يعزز هذه الروايات، فإن ~~أقام مقيم في مكة فسبيله أن يأتي إلى وسط الحجاز من الطرفين، وهما: طرف اليمن في ~~الجنوب، وطرف النبط في الشمال. # لكن أهل اليمن - في اليمن - لا يخلقون لغير بلادهم قداسة تعفي # 3 # على شأنها بين الشعوب ~~العربية، وقد حدث منهم غير مرة أنهم نظروا إلى الكعبة نظرتهم إلى منافس خطر؛ فهموا ~~بهدمها وتحويل الحجاج إلى معبد يقوم عند العرب مقامها. # أما النبط في الشمال فمكة هي طريقهم، ولا مزاحمة عليها منهم، وآثارهم الباقية في ~~البتراء تنطق بالمشابهة بينهم وبين الحجازيين في العبادة واللغة والسلالة، ~~والنسابون من الحجاز يقولون: إنهم نبط، وإنهم أخذوا الأصنام من النبط، وجميع ~~المصادر بعد ذلك تقول: إن النبط هم ذرية نبات بن إسماعيل. # ومن النظر العلمي أن يجتهد الباحث هذا الاجتهاد، وأن يلتفت إلى كل باب من هذه ~~الأبواب؛ لأن الالتفات إليها واجب عليه، ومن التقصير أن يكون أمامه باب واحد يبحث فيه ~~عن الحقيقة التاريخية، ثم يهمله ليستخرج منه غاية ما يخرجه من الثبوت أو من الفرض ~~والاحتمال. # أما الأمر الذي لا يتفق مع العلم ولا مع الواقع، فهو القول بأن إبراهيم لم يذهب إلى ~~الحجاز؛ لأن المصادر الإسرائيلية خلو من هذا الخبر، ثم يكتفي القائل بقوله فلا يضع ~~أمامنا بديلا منه أولى بالأخذ به. # إن إبراهيم صاحب دعوة دينية، وليس في المصادر الإسرائيلية ما يدل على أنه قد صنع ~~شيئا لنشر دعوته، وكل ما ورد عنه في هذا الكتاب أنه أقام مذبحا في كل منزل من منازل ~~الطريق، ثم ترك البلاد جميعا في رعاية الأحبار الذين كانوا مؤمنين ب «إيل عليون» قبل ~~وفوده إلى كنعان، وليس في ذلك مقنع لصاحب دعوة دينية يغادر دياره في سبيل هذه ~~الدعوة. # فأقرب ما يرد على الخاطر أن إبراهيم ms162 قد ذهب إلى حيث يصنع شيئا باقيا في سبيل دعوته، ~~ولا مذهب له إذن إلى غير الحجاز. وهذه هي تتمة السيرة التي لا بد منها في حياة نبي ~~ينتمي إليه سائر الأنبياء، وإلا كانت نسبة الدعوة إليه من أعجب الأمور. # وقد جاء في المأثورات جميعا أن إبراهيم شهد عصر الكوارث والرجوم في مدن فلسطين ~~الجنوبية، وبقيت آثار البتراء «سلع» إلى اليوم، وفيها أنصاب من هذه الرجوم في أماكن ~~العبادة، حفظوها تذكيرا لأنفسهم بقضاء الله؛ لأنها هبطت من السماء عقابا ~~للمذنبين. # ولم يذكر مصدر من المصادر أن إبراهيم كان يحمل معه حجرا من هذه الأحجار، ولكنه إذا ~~تعمد أن يقيم مذبحا باقيا على طريقته، فالحجر من النيازك أحق أن يحتفظ به من سائر ~~الحجارة، وليس من اعتساف # 4 # التفسيرات أن يقال: إن الحجر الأسود ~~نقل من البتراء عند بناء الكعبة، وقد تبين بعد ذلك أنهم نقلوا كثيرا من طريق ~~البتراء بعد اتخاذ الكعبة بيتا للأصنام قبل الإسلام ببضعة أجيال، وليس من المسائل ~~العرضية أن تتشابه الحجارة في قوام تركيبها، وهي تختلف في بنيتها المعدنية والصخرية ~~كما هو معلوم. # وربما سميت مكة وبكة باسم البيت الذي بني فيها؛ لأن البك والبكة كانا يطلقان على ~~البيت في اللغة السامية الأولى، ومنها بعلبك بمعنى بيت البعل، وربما كانت من مادة ~~القربان في السبئية والحبشية؛ لأنهم كانوا يطلقون المقربة على المحراب المقدس، ~~وبطليموس الجغرافي قد ذكرها باسم مكربة # Macaraba # نقلا عن أهل اليمن، ولكن التصحيف هنا بعيد، ولا تسمى البلدة باسم القربان فيها إلا ~~إذا أصبحت محجة لقصادها من المؤمنين بكعبتها، وقد مضى على السبئيين زمن وهم يعيشون ~~في شمال الجزيرة، فلم يذكروها بهذا الاسم في آثر من الآثار. # وفي مقاييس الكعبة شاهد لا يجوز إهماله عند البحث في أصل بنائها، فإنها قد بنيت مرات ~~كما هو معلوم، وكان البناة في كل مرة يحافظون على معالمها القديمة حيث أمكنت ~~المحافظة عليها، وقد تعذر عليهم أن يحافظوا على أبعاد جوانبها لدخول الحجر «بكسر ~~الحاء» فيها تارة، ms163 وخروجه منها تارة أخرى، ولكنهم حافظوا على ارتفاعها كما جاء في ~~أكثر الروايات، وارتفاعها الآن سبع وعشرون ذراعا، أو خمسة عشر ~~مترا، # 5 # ولن تكون الخمسة عشر مترا سبعا وعشرين ذراعا ~~إلا إذا كان الذراع بالمقياس المقدس عند قوم إبراهيم؛ لأنه كما حققه الأستاذ ~~جريفس # Greaves ~~، الخبير المتخصص في المقاييس ~~الأثرية، يزيد على واحد وعشرين قيراطا «بوصة» وثلاثة أرباع القيراط، ويقاس بالتقريب ~~عند مضاهاة الأبنية القديمة التي قدرت بالذراع. # هذه القرائن المتجمعة يجب أن تستوقف نظر الباحث المنزه عن الغرض، وأيسر ما فيها ~~أنها تدفع الغرابة عن رحلة إبراهيم إلى الحجاز، وأنها هي وحدها تحقق له صفة العمل على ~~الدعوة الدينية. # وقد جاء الإسلام مثبتا رحلة إبراهيم إلى الحجاز، وأثبتها ولا شك بعد أن ثبتت مع ~~الزمن المتطاول؛ لأن انتساب أناس من العرب إلى إبراهيم قد سبق فيه التاريخ كل اختراع ~~مفروض، ولو تمهل به التاريخ المتواتر حتى يجوز الاختراع فيه لأنكرت إسرائيل انتساب ~~العرب إلى إبراهيم، وأنكر العرب أنهم أبناء إبراهيم من جارية مطرودة، وليس هذا غاية ~~ما يدعيه المنتسب عند الاختراع. # الفصل التاسع عشر # | الرسالة # إن تاريخ الأديان لا يرسم لنا خطا واحدا يفصل بين عهدين كلاهما مخالف للآخر كل ~~المخالفة. # فما من عقيدة دينية ظهرت للناس طفرة بغير سابقة، وما من عهدين من عهود الأديان إلا ~~وبينهما تمهيد وتعقيب، ولكن الأمانة التي اضطلع بها الخليل إبراهيم حادث جديد لم ~~تعرف له سابقة فيما وعيناه من تاريخ الدين. # وذلك الحادث الجديد هو أمانة الرسالة النبوية؛ أمانة نفس حية تخاطب نفوسا حية باسم ~~الإله الذي يتوجه إليه عباده في كل مكان. # أمانة نفس تخاطب النفوس، ولا تخاطبهم من وراء المحاريب والهياكل، ولا بسلطان من نظام ~~الدولة أو نظام الكهانة، ولكنها نداء ضمير إلى ضمير. # وهذه هي الدعوة التي قلنا إنها تستلزم وجود «هداية شخصية»، أو تستلزم وجود إبراهيم ~~متصلا بمن بعده؛ لأنها سلالة من دعوات لا يتصورها العقل على غير مثالها الفريد في ~~تواريخ الأديان. # ولولا أن الشكوكيين باسم ms164 البحث والنقد يعملون عمل الآلات في شكهم، وفي بحثهم ونقدهم، ~~لفهموا أن الشخصية الخرافية جائزة في نظام الكهانات، أو نظام هياكل الدولة؛ لأنها نظم ~~قائمة على «موظفين» دينيين، يحل أحدهم محل الآخر بلا اختلاف، ولكن الدعوة النبوية على ~~المثال الذي بدأ به الخليل إبراهيم هي عمل لا غنى فيه عن الشخصية الحقيقية، ولا عن ~~التتابع الذي ينعقد بين الشخصيات من سلالة واحدة، وما من حلقة في هذه السلسلة الحية ~~إلا وهي تتطلب الحلقة التي قبلها والتي بعدها على السواء. # كانت دعوة إبراهيم هي الفتح الجديد في تاريخ العقيدة. # فلم يبدأ إبراهيم عقيدة التوحيد، ولم يبدأ عقيدة الفداء، ولم يبدأ عقيدة البقاء، ~~ولكنه بدأ بالدعوة النبوية فاصطبغت العقائد بصبغتها حتى كأنها لم تسمع قط قبل ذلك في ~~عهود الكهانات والهياكل. # وقد أصابت النكسة كل عقيدة نادى بها الخليل قومه في عصره، فانقلبوا إلى عبادة الأصنام ~~وجهلوا سر الفداء وسر البقاء، ولكن البداءة قد بدئت وسارت في طريقها، لولا أنها بدئت ~~لما تبين أحد موضع النكسة فيما بعد ذاك. ~~••• # كان توحيد إبراهيم إيمانا بإله يعلو على ملوك الأرض ونجوم السماء، ويتساوى عنده ~~الخلق جميعا؛ لأنه أعلى من كل عال في الأرضين أو في السماوات، ولكنه قريب من كل ~~إنسان. # ولم يكن «يهوا» إله إبراهيم؛ لأن قوم إبراهيم لم يذكروا يهوا من بعده قبل خروجهم إلى ~~سيناء، كما صرحت بذلك كتب التوراة الأولى. # ولكنه كان هو الإله «الإيل»، وإليه ينسب ابنه إسماعيل. # وكان هو العلي «عليون»، وعلى محرابه قدم قربانه إلى ملكي صادق بعد نزوله ~~بكنعان. # فهو إله لا فرق عنده بين وطن قديم أو وطن جديد، ولا فضل لديه لعشيرة إبراهيم على ~~عشيرة ملكي صادق، ولا على غيرها من عشائر بني آدم بغير التقوى والإيمان. # إن هذا التوحيد قد رفع مكانة الإنسان في ميزان الخليقة، فليس في الكون إلا خالق ~~ومخلوق، وهو أشرف مخلوق عند الله بفضيلة واحدة؛ وهي فضيلة الضمير الذي يميز بين الخير ~~والشر، وعمل الخير هو وسيلته إلى الله. ms165 # جاء إبراهيم في مفترق الطريق بين استباحة القرابين البشرية وبين تحريمها، ولكنها لم ~~تحرم لأنها أغلى من أن تقدم. # وإنما حرمت لأن الله أرحم وأكرم. # ورأى إبراهيم في رؤياه أنه يؤمر بذبح ابنه وأعز ما في الحياة عنده. # رأى ذلك وهو يعلم أن الأرباب تتقاضى عبادها مثل هذه الضحية، وأن تقريب الأوائل من ~~الأولاد والأوائل من كل نتاج حق مفروض على كل أسرة لرب الأوثان والأصنام، أيكون ~~إبراهيم أبخل على ربه من عابد الوثن؟ أيكون الوثن أحق بالضحية من خالق الأرض ~~والسماء؟ # أيرتاب إبراهيم في أمر الله وهو ينظر إلى شريعة العبادة من حوله، وإن كانت شريعة شر ~~وضلال؟! # إن العصيان هنا نزول بالإله الأعلى عن مرتبة الأوثان والأصنام. # فلتكن الطاعة تنزيها للإله الأعلى عن ذلك الإسفاف، ويفعل الإله بالآباء والبنين ما ~~يريد. # قال حكيم من حكماء الغرب: # 1 # إن الدين هو الآمر الوحيد الذي يحق له أن يأمر ~~الإنسان بما يناقض الأخلاق؛ لأنه يرفعه أوجا بعد أوج في معراج الخلق الشريف ... إن ذبح ~~الأب وليده نقيض الرحمة، ولكن إيمان الإنسان بعقيدة أعز عليه من ولده ومن نفسه غنيمة ~~أقوم وأعظم من رحمة الآباء للأبناء. # فلا ينبغي أن يضن الإنسان بشيء في سبيل هذه العقيدة. # ولا ينبغي أن يبطل القربان بالإنسان لأن الله لا يستحقه كما استحقته أوثان الجهالة، ~~بل يبطل لأن الله أرحم وأعظم من أن يتقبله، فهو أعظم وأكرم من الأوثان. # وارتفاع الإنسان بهذه العبادة هو ارتفاع آخر يضاف إلى ارتفاعه بالتوحيد ~~والتنزيه. # ارتفاع من جانب القوة لا من جانب الضعف، وسمو بالرحمة وبالعبادة إلى أعلى ~~عليين. # قلنا عن أيوب عليه السلام: إن حياته كانت تربية دينية من تجاربها الأولى إلى ختامها، ~~فعلم في ختامها ما لم يكن يعلمه في أولها، ولم يذكر البعث حين كان يتمنى الهبوط إلى ~~الهاوية التي لا يصعد منها من هبط إليها، ولكنه ذكره بعد اختبار طويل، وبلاء شديد، ~~فقال: «بعد أن يفنى جلدي هذا، وبدون جسدي، أرى الله.» # ويصدق هذا القول على ms166 حياة إبراهيم في عقائده جميعا؛ لأنه اختبر حياة الشرك، واختبر ~~شعائره وفرائضه، وخلصت له الهداية بالخبرة والهداية الإلهية. # وأصدق ما يكون ذلك على البعث خاصة، فإنه لمن مواضع التأمل أن يكون إبراهيم هو النبي ~~الوحيد الذي ذكر القرآن الكريم أنه سأل ربه كيف يحيي الموتى: # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~(البقرة: 260). # ولم يرو القرآن الكريم خبرا كهذا عن نبي غير إبراهيم، فإنه إذن لمن مواضع التأمل ~~التي ينبغي أن يلتفت إليها من يصطنعون الاستقصاء باسم العلم والتاريخ. # فالحق أن عقيدة البعث خفية في كتب التوراة، وأن خفاءها هذا دليل على أنها بقيت زمنا ~~بعد إبراهيم مجهولة غير مفهومة. # وإذا اعتمدنا البحث التاريخي وحده، لم يجز في العقل أن يكون إبراهيم قد ذهب إلى مصر ~~وعاد منها ولم يسمع بعقيدة الحياة بعد الموت. # فمن ذرية إبراهيم يوسف، وقد كان له صهر في كهان المحاريب المصرية، ومنهم موسى، وله ~~علم بمدارس مصر وأسرارها، وغير معقول أن يكون إبراهيم قد خرج من أرض الكلدان إلى مصر ~~ولم يخطر له أن يسائل حكماءها في أمر العقيدة، وقد كانت في الوجه البحري - حيث تنزل ~~القبائل الوافدة - محاريب كثيرة يتقرب منها ملوك الرعاة، ويشتركون في شعائرها مع ~~رؤساء الدين. # فلا يجوز في العقل أن يكون إبراهيم قد ذهب إلى مصر وعاد منها ولم يسمع بعقيدة الحياة ~~بعد الموت، وأصوب من هذا أن نفهم أن كتب العهد القديم دونت بعد السبي أو نفي اليهود ~~إلى بابل، فطال العهد بينها وبين دعوة إبراهيم، وطالت عصور النكسة بعد اختلاط ~~العبادات الإلهية والوثنية، ومنها عبادات بعل وعشتروت. # وساعد على خفاء العقيدة بالحياة بعد الموت أنها لم تورث عن إبراهيم مفصلة منتظرة عن ~~سابقة متتابعة، فجاز أن يكتب المدونون في سفر الجامعة: «إن ما يحدث لبني البشر يحدث ~~للبهيمة ... كلاهما من التراب وإلى التراب يعود. من يعلم روح بني البشر؛ هل هي تصعد إلى ~~فوق؟ وروح البهيمة هل هي تنزل ms167 إلى أسفل، إلى الأرض؟! ولا شيء خير من أن يفرح الإنسان ~~بأعماله؛ لأن ذلك نصيبه ...» # وانقضت قرون قبل أن يسمع من دانيال «أن الراقدين في تراب الأرض يستيقظون؛ هؤلاء ~~للحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار ...» # وجاء عصر السيد المسيح ولما ينحسم الخلاف بين طوائف بني إسرائيل التي تقول بالحياة ~~الأخرى، وطوائفهم التي تنكرها وتتحدى المؤمنين بها أن يؤيدوها بسند من كتب التوراة، ~~وضرب السيد المسيح المثل بالعازر والرجل الغني، وفيه إشارة إلى النعيم والعذاب بعد ~~الموت، فكان عقيدة من عقائد الأناجيل لم تتقرر على هذا الوجه في كتب التوراة. # وقد مضى زهاء عشرين قرنا بين عصر إبراهيم وعصر المسيح، ومضى زهاء أربعين قرنا بينه ~~وبين هذا الزمن الذي غلب فيه أتباعه على أقطار الدنيا، ولكن أمرا ابتدئ قبل تلك ~~القرون لم يكن لينتهي إلى هذه النهاية لو لم يبدأ ذلك الابتداء. # ولم يكن ذلك الأمر عقيدة التوحيد، أو عقيدة الفداء، أو عقيدة الثواب والعقاب، فقبل ~~ذلك ما سمع الناس بتلك العقائد على نحو من الأنحاء. # وإنما سمي أبا الأنبياء؛ لأنه كان رائد الدعوة النبوية في العالم الإنساني بأسره، ~~وكأنها الرسالة الخاصة من خالق الكون إلى كل مخلوق من بني آدم وحواء. # الفصل العشرون # | المعجزة # قلنا في صدر هذه الرسالة: إن الاهتداء إلى عقيدة التوحيد كان فتحا علميا صحح نظر ~~الإنسان إلى الكون والحياة، ولم يكن قصاراه # 1 # أنه فتح ديني يصحح إيمانه واعتقاده؛ «لأن ~~حقائق الكون الكبرى لن تنكشف لعقل ينظر إلى الكون كأنه أشتات مفرقة بين الأرباب، ~~يتسلط عليها هذا بإرادة، ويتسلط عليها غيره بإرادة تنقضها وتمضي بها إلى وجهة غير ~~وجهتها ، فلم يكن التوحيد عبادة أفضل من عبادة الشرك وكفى، بل هو علم أصح، ونظر أصوب، ~~ومقياس لقوانين الطبيعة أدق وأوفى ...» # ونقول في ختام الرسالة: إن الإيمان بإمكان المعجزة فتح كفتح عقيدة التوحيد؛ لأنه يخلص ~~العقل من حجر الحالة الواحدة التي تغلق عليه أبواب الاحتمال غير باب واحد، هو الواقع ~~المحدود كما يراه. # إن عقل الفيلسوف «ديكارت» قد نظر ms168 في الممكنات والمستحيلات، فتقرر عنده أن تغيير ~~الحقائق الرياضية نفسها ممكن غير مستحيل، وأن تغيير العقل الذي ندرك به تلك الحقائق ~~ممكن كذلك غير مستحيل. # وعلماء العصر قد تخلصوا من ربقة # 2 # القوانين التي ~~سميت زمنا بقوانين الطبيعة، ووقر في أذهان أجيالها أنها تقيد الظواهر الطبيعية، فلا ~~يستطيع العقل أن يفسرها بغيرها ... # فالقانون الطبيعي اليوم فرض من فروض، وقد تصلح الجاذبية زمنا لتفسير حركات الأفلاك، ~~ثم تأتي النسبية فيثبت لبعض العلماء أنها أصلح لتفسيرها من الجاذبية، ومهما يبلغ من ~~دقة القانون الطبيعي فهو لا يحصر كل حقيقة، ولا بد من جزء غير محصور موكول إلى ~~التقدير والترجيح. # والإيمان بإمكان المعجزة نظر متصرف يصل إليه المؤمن بعقيدته ولم يبلغ مبلغ ديكارت في ~~عمق الفلسفة أو مبلغ العلماء في تمحيص القوانين الطبيعية ... فإذا سأل سائل: هل يمكن أن ~~تجري المادة على غير هذه الصورة؟ فالذي يقول بالإمكان أصدق نظرا ممن يجيب بالاستحالة ~~والامتناع، وأصوب في وزن الكون جملة واحدة ممن يفرضون عليه صورة محدودة من أقدم آباده ~~إلى غاية آزاله - إن كانت للآزال غاية - فالمعجزة ممكنة وليست مستحيلة. # لأن مواد الكون كله ترجع إلى أصل واحد، وليست خصائص هذه المواد مجعولة فيها بإرادتها، ~~وليست كل خاصة منها مستقلة عن سائرها، فإذا جاز أن يتشكل الأصل الواحد بجميع هذه ~~الأشكال، فاختلافها جائز في أحوال غير هذه الأحوال، ولا وجه على الإطلاق للجزم ~~باستحالة هذا الاختلاف. إن الذي أودع في الأصل الواحد كل هذه الصور قادر على أن يودعه ~~صورا أخرى، وعلى الذي يجزم بالاستحالة أن يقيم الدليل. أما القائل بالإمكان فالواقع ~~هو دليله الذي يقيس عليه . # فليس المقياس الحق للمعجزة أن تسأل: هل هي ممكنة أو غير ممكنة؟ كلا، بل المقياس الحق ~~أن تسأل عن حكمتها ولزومها، فإن الذي يدبر الكون كله يتنزه عن العبث، فلا يصنع شيئا ~~لغير حكمة، ولا تفوت هذه الحكمة إدراك الناس ما داموا هم المقصودين بإدراكها. # ذلك هو مقياسنا للمعجزات، وذلك هو المقياس الذي اعتمدناه في كتابتنا عن ms169 الرسل ~~والدعوات الدينية، وخلاصته التي نعيدها في هذه السيرة أن دعوة إبراهيم تفسرها حوادث ~~عصره، وتاريخ قومه من قبله ومن بعده، وإرادة الله في هذه الحوادث هي إرادة الله في كل ~~معجزة، فليس في القول بهذه أو بتلك إخلال بقدرة الله على جميع الحالات. # ونحن لا نستحسن أسلوب المفسرين الذين يفترضون الفروض لتيسير قبول المعجزة؛ فإن ~~المعجزة متى وقعت لا بد أن تكون معجزة، ولا بد أن يكون الناس في النظر إليها بصراء ~~بحقيقتها غير مخدوعين فيها. # فالإيمان الصحيح أن المعجزة ممكنة، والإيمان الصحيح أنها ممكنة لحكمة. # ومن الحق أن نبرز حكمة الله في الحوادث كما نبرزها في المعجزات، وهذا الذي نصنعه في ~~دراسة الدعوات الدينية، ومنها دعوة الخليل. # الفصل الحادي والعشرون # | خاتمة المطاف # وينتهي المطاف بقصة الخليل إلى العصر الحاضر. # وينتهي إلى العالم الحديث وفيه ألف مليون إنسان، يقرءون قصتهم وقصة آبائهم وأجدادهم ~~في العقيدة الإلهية حين يقرءون قصة الخليل. # ومن مبدئها كان مبدؤهم في الإيمان بالوحدانية. # ومن مبدئها وهي تمتزج بكل ما استطاع آباؤهم وأجدادهم أن يمزجوها به من صوابهم وخطئهم، ~~ومن علمهم وجهلهم، وصدقهم ووهمهم، ومن أفكارهم وأساطيرهم، ومن كل ما يفقهون وما لا ~~يفقهون تراث ضخم غاية في الضخامة. # فكيف انتهى به المطاف بعد أربعة آلاف سنة، أو دون ذلك، أو فوق ذلك بقليل؟ ~~••• # كيف توزن كفتاه: كفة الصواب والعلم والصدق والإنكار، وكفة الخطأ والجهل والوهم ~~والأساطير؟ # إنها النفس البشرية بما لها من قوام صالح وغير صالح. # وإنها لن تنفصل شطرين يوضع أحدهما في كفة، ويوضع الآخر في كفة تقابلها. # بل خذها جملة أو انبذها جملة، ووازن بين الغنم والخسارة في الحالتين. # ومن يفطن لما حوله يفطن لهذا الشأن في كل عقيدة عظيمة، وكل فكرة عظيمة، وكل فاتحة ~~عظيمة تتلوها الخواتيم على قدرها من العظمة. # فالنوع البشري لم يشرب قط فكرة عظيمة مع جرعة ماء، ولم يستكمل عقيدة عظيمة بين ليلة ~~وصباح. # وندع الغيب وعلوم الأبد وننظر إلى الدنيا المشهودة ومادتها التي تتناولها الأيدي كل ~~يوم. ms170 # فمن أقدم القدم نظر الإنسان في بنية المادة، ثم انقضى عشرون ألف سنة يصيب فيها ويخطئ ~~ولما يدرك خصائص الذرة جميعا، ولما يفقه من خصائصها التي عرفها سرا لها وراء ~~القشور. # وندع الزمن وتياراته الخفية وننظر إلى المكان وتياراته التي تقاس وتكال. # يهبط ماء النيل ماء طهورا من السماء، ويخترق الثرى فيأخذ من كل ما فيه من تراب ~~وأذى، ومن صفاء وكدر، ويستفاد من الخليط كما يستفاد من الصفاء. # وهكذا كل ما يعبر طبيعة الإنسان وطبيعة الأرض، وطبيعة الدنيا وما فيها من أتربة ~~الزمان وأتربة المكان. ~~••• # تقبلها جملة أو ترفضها جملة، وتوازن بين الغنم والخسارة في الحالتين. # وازعم - إن شئت - أنه غنم أنت مخدوع فيه، ولكن تزعم أيضا أنك مخدوع في حب حياتك، ~~فليست هي أفضل حياة، مخدوع في حب نسلك، فليس هو أولى بالبقاء في جميع الأحياء ... مخدوع ~~في هذه الألوان والأصوات، فليست هي ألوانا ولا أصواتا، ولكنها هزات في الفضاء أو ~~هزات في الهواء، وأنت مع هذا لا تعرف شيئا ما لم تعرفها بهذه الأسماء. # ولقد مرت بنا في أبواب هذه الرسالة أخلاط من طبائع الملايين يمزجون بها عقائد ~~الروح، وأقداس الضمير، ولا ينفصل المزيج من المزيج في روح ولا ضمير. # من يقبلها جملة يبقى له تاريخ الإنسان كما كان، وكما هو الآن، ومن يرفضها جملة ماذا ~~يبقى لديه؟ # إن عليه أن يذكر ماذا يرفض ليذكر ماذا يبقى. # إنه لا يرفض الدنيا بتواريخ الدول والحضارات وكفى. # إنه ليرفض هذه ويرفض معها كل بارقة أمل، وكل نفحة عزاء، وكل هاجسة سر، وكل ركن من ~~أركان الثقة والعزيمة أخذه الإنسان من الدين، وأخذ منه أعمالا وأحلاما، وخلائق ~~وأطوارا، وبواعث وأفكارا لا تحصيها الأوراق كما تحصي تواريخ الدول ~~والحضارات. # ولا يزال في جوانب الأرض من يعبد الحجر. # ولا يزال في جوانب الأرض من يقدح النار من الحجر. # ولا غضاضة من هذا وذاك على ودائع الكهرباء في الكون، ولا على عقيدة التوحيد في أعلى ~~مراتب التنزيه. # وإن في العالم اليوم لمن يعيش ms171 فيه وكأنه لم يولد فيه إنسان يسمى إبراهيم. ~~••• # وربما بقي في العالم شبيه هذا الرجل بعد ألف سنة. # بل ربما كان هذا الرجل خيرا من ألوف يضلون بالنبوءات والأنبياء حيث يهتدي ~~المهتدون. # ولكنهم يسقطون من الحساب. # ويذكر في الحساب ألوف الملايين في مائة جيل يقرءون قصة ضمائرهم حين يقرءون قصة إنسان ~~واحد مضى ولم يمض لسبيله، بل مضى على سبيله دعاة وهداة، ولا يزالون ماضين ~~وحاضرين. # أليس هذا الإنسان حبيب الإنسان؟ # أليس هذا الإنسان حبيب الرحمن؟ ms172