######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.InsanFiQuran.Hindawi20618509 #META# Tags: philosophy #META# ID: 20618509 #META# Title: الإنسان في القرآن #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # الكتاب الأول: الإنسان في القرآن‏ # المخلوق المسئول‏ # الكائن المكلف‏ # روح وجسد‏ # النفس‏ # الأمانة‏ # التكليف والحرية‏ # أسرة واحدة‏ # آدم‏ # الكتاب الثاني: الإنسان في مذاهب العلم والفكر‏ # عمر الإنسان‏ # الإنسان ومذهب التطور‏ # التطور قبل مذهب التطور‏ # أثر مذهب النشوء في الغرب‏ # مذهب التطور في الشرق العربي‏ # الدين ومذهب دارون‏ # سلسلة الخلق العظمى‏ # الإنسان في علم الحيوان وفي علوم الأجناس البشرية‏ # الإنسان في علوم النفس والأخلاق‏ # مستقبل الإنسان في علوم الأحياء‏ # عود على بدء‏ # تمهيد‏ # الكتاب الأول: الإنسان في القرآن‏ # المخلوق المسئول‏ # الكائن المكلف‏ # روح وجسد‏ # النفس‏ # الأمانة‏ # التكليف والحرية‏ # أسرة واحدة‏ # آدم‏ # الكتاب الثاني: الإنسان في مذاهب العلم والفكر‏ # عمر الإنسان‏ # الإنسان ومذهب التطور‏ # التطور قبل مذهب التطور‏ # أثر مذهب النشوء في الغرب‏ # مذهب التطور في الشرق العربي‏ # الدين ومذهب دارون‏ # سلسلة الخلق العظمى‏ # الإنسان في علم الحيوان وفي علوم الأجناس البشرية‏ # الإنسان في علوم النفس والأخلاق‏ # مستقبل الإنسان في علوم الأحياء‏ # عود على بدء‏ # | الإنسان في القرآن # | الإنسان في القرآن # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # إنسان القرآن هو إنسان القرن العشرين، ولعل مكانه في هذا القرن أوفق وأوثق من أمكنته في ~~كثير من القرون الماضية؛ لأن القرون الماضية لم تلجئ الإنسان إلى البحث عن مكانه في الوجود ~~كله، وعن مكانه بين الخلائق الحية على هذه الأرض، وبين أبناء نوعه وأبناء الجماعة التي يعيش ~~فيها من ذلك النوع، وبين كل نسبة ظاهرة أو خفية ينتمي إليها، كما ألجأه إلى ذلك كله هذا ~~القرن العشرون. # قديما كان الحكماء يجعلون شعارهم في نصيحة الإنسان: «اعرف نفسك!» وإنها لنصيحة قد ترادف ~~سؤالهم: من أنت؟ أو سؤالهم: ما اسمك؟ غير أن الإنسان إذا أجابه فإنما يجيبه باسم «باطني» ~~يعرفه بملامح وجدانه، وقسمات ضميره، ولا يقف عند تعريفه بالاسم الذي يختار اعتسافا من بضعة ~~حروف. # وهو على أية حال سؤال إلى «شخص» بعد شخص، قد يسمعه عشرون في الحجرة الواحدة ويجيبون عليه ~~عشرين جوابا متفرقات. # وقديما كانوا يزعمون أن أبا الهول كان يلقي سؤاله، فيهلك من ms001 لم يعرف جوابه. وكان سؤالا ~~عن الحيوان الذي يمشي على أربع في الصباح، وعلى اثنتين عند الظهيرة، وعلى ثلاث عند المساء، ~~فكان سؤالهم لغزا من ألغاز الأقدمين عن الإنسان في أطوار عمره، بين الطفل الذي يحبو على ~~أربع، والفتى الذي يعتدل على قدمين، والشيخ الذي يتحامل على عصاه. وهو لغز شبيه بطفولة ~~الإنسان كله؛ لا تبتعد المسافة بين جهله وعلمه، ولا بين الهلاك فيه والنجاة. # إلا أن القرن العشرين جمع الأسئلة، فلم يدع سؤالا عن نسبة من نسب الإنسان لم يطلب جوابه، ~~على نذير بالهلاك لمن جهل الجواب، وقد يكون هلاكا للجسد والروح. # ما مكان الإنسان من الكون كله؟ # ما مكانه من هذه السيارة الأرضية بين خلائقها الأحياء؟ # ما مكانه بين أبناء نوعه البشري؟ وما مكانه بين كل جماعة من هذا النوع الواحد، أو هذا ~~النوع الذي يتألف من جملة أنواع يضمها عنوان «الإنسان»؟ # وهي أسئلة لا جواب لها في غير «عقيدة دينية» تجمع للإنسان صفوة عرفانه بدنياه، وصفوة ~~إيمانه بغيبها المجهول، تجمع له زبدة الثقة بعقله، وزبدة الثقة بالحياة؛ حياته وحياة سائر ~~الأحياء والأكوان. # إن القرن العشرين كان حقيقا أن يسمى بعصر «الأيديولوجية»، أو عصر الحياة «على مبدأ ~~وعقيدة»؛ لأنه كلما ألقى على الإنسان سؤالا من أسئلته تلك لم يعفه من جوابه، ولم يسلمه إلى ~~جزاء أهون من جزاء الحيرة عند السكوت عليه؛ فإن يكن سكوتا عن الأجوبة جميعا؛ فهو الهلاك ~~المحدق بالأبدان والعقول. # وليس أكثر من «المبادئ والعقائد» التي نسمع عنها في هذا القرن ويسمونها بالمذاهب ~~و«الأيديولوجيات». # ولكن أجوبة القرن العشرين، مهما يكن من شأنها، فهي أجوبة العصر الذي يحل المشكلة الزمنية ~~ولا يتعداها إلى مشكلة الأبد: مشكلة ما مضى، وما أتى من الدهر، وما يأتي إلى غير نهاية، ولا ~~جواب لهذه المشكلة غير العقيدة الدينية التي تؤمن بها الإنسانية، فلا يغني فيها إيمان فرد ~~واحد بينه وبين ضميره، أو جواب سؤال واحد لمن يقول: من أنت؟ وماذا تعرف من نفسك بين عامة ~~النفوس؟ قصاراك أنك واحد منها ms002 بين ألوف الألوف، عاشوا ويعيشون وسيعيشون، ولا يسكتون عن تلك ~~الأسئلة عامة، ولا أمان لهم ولا لك إن سكتوا عليها. # هذه العقيدة الدينية توجد كما ينبغي أن توجد، وإنما الضلالة فيمن يريدها على غير سوائها ~~الذي تستقيم عليه، ولا تستقيم على سواه. # هذه العقيدة الدينية لا توجد اليوم لتنبذ غدا، ولا توجد على الأيام للعارفين دون ~~الجاهلين، وللعاملين دون الخاملين، ولمن يطلبون الخير للناس دون من يطلبون الخير لأنفسهم، ~~ولمن يعتقدون دراية ومحبة دون من يعتقدون تسليما ورهبة، ولمن يسعون سعيهم إلى العلم ~~والإيمان دون من يقعدون في مواطنهم منتظرين، وقد يقعدون وهم يجهلون أنهم قاعدون، ولا يعلمون ~~ما الخبر وما المنتظر، إن علموا أنهم منتظرون! # هذه العقيدة بنية حية، قوامها دهور وأمم، ومعايش وآمال، ونفوس خلقت ونفوس لم تخلق، ~~ونفوس يخلق لها تراثها قبل أن يصير إليها، وسبيلها جميعا أن تتهدى إلى قبلة واحدة: تنظر ~~إليها فتمضي قدما، أو تفقدها في الأفق فهي أشلاء ممزقة، كأنها أشلاء الجسم المشدود بين ~~مفارق الطريق. # إن القرن العشرين منذ مطلعه يعرض العقيدة بعد العقيدة على الإنسان وعلى الإنسانية، ولا ~~نعلم أنه عرض عليها حتى اليوم قديما معادا، أو جديدا مبتدعا هو أوفق من عقيدة القرآن، ~~وأوفق ما فيها أنها غنية عن الاختراع والامتحان، وأنها على شرط العقيدة الدينية من بنية حية ~~شملت ملايين الخلق، وثبتت معهم وحدها في كل معترك زبون يوم خذلتهم كل قوة يعتصم بها ~~الناس. ~~••• # ونحن ندعي في هذه الصفحات أن المنصف بين النصائح لا يستطيع أن ينصح لأهل القرآن بعقيدة في ~~الإنسان والإنسانية أصح وأصلح من عقيدتهم التي يستوحونها من كتابهم، وأن القرن العشرين ~~سينتهي بما استحدث من مبادئ ومذاهب و«أيديولوجيات» ولا ينتهي ما تعلمه أهل القرآن من ~~القرآن، وأن أهل هذا الكتاب يتدبرون القول فيتبعون أحسنه، إذا تدبروا فلم يأخذوا بعقيدة من ~~هذه العقائد التي يروجها دعاتها باسم المادية، أو الفاشية، أو العقلية، ويريدون بها أن ~~تكون على الزمن بديلا من العقائد الإلهية، ومن عقائد الغيب الذي ms003 يحسبونه معدوما، أو ~~موجودا كمعدوم. # وقد استمع الناس إلى المادية التاريخية فقالت لهم: إن الإنسان عملة «اقتصادية» في سوق ~~الصناعة والتجارة، تعلو وتهبط في طبقاتها بمعيار العرض والطلب، وصفقات الرواج والكساد. أما ~~الإنسانية فقد أنصتت إلى المادية التاريخية فقالت لها: إنها شيء لا وجود له مع طوائفها التي ~~تخلقها الأسعار والأجور. # واستمع الناس إلى الفاشية فقالت لهم: إن الإنسان واحد من عنصر سيد أو عنصر مسود، وإن ~~أبناء الإنسانية جميعا عبيد للعنصر السيد، والعنصر السيد قبل ذلك عبد للسيد المختار، بغير ~~اختيار. # واستمع الناس إلى «العقلية» فقال لهم قائل منها: إن «إنسانيتهم» كذلك شيء لا وجود له، ~~ووهم من أوهام الأذهان، وإن الشيء الموجود حقا هو الفرد الواحد! وبرهان وجوده حقا أن ~~يفعل ما استطاع من نفع أو أذى كلما أمن المغبة من سائر الأفراد والأحداث. # وغير جديد ما استمعوه من أهل العقائد الإلهية عن مكان هذا الإنسان من الأرض والسماء، ~~ومكانه من إخوته في آدم وحواء. # سمعوا أنه روح وجسد، ودنيا وآخرة، ينجو شطره بمقدار ما يهلك شطره، ويصح له الوجود بمقدار ~~ما صح له من عقبى الفناء. # وسمعوا أنه إنسانان؛ إنسان صحيح مقبول، وإنسان زائف مدخول. صحيح مقبول كل من اجتباه مولاه ~~على هواه، وزائف مدخول كل من خلقه ونفاه، ولعله لم يخلقه ودعاه إليه من دعاه. # وسمعوا أن الإنسان يولد بذنب غيره، ويموت بذنب غيره، ويبرأ من الذنب بكفارة غيره، ويمضي ~~بين النعمة واللعنة بقدر من الأقدار لا نصيب له فيه من عصيان أو طاعة، ومن إباء أو ~~اختيار. # وسمعوا من القرآن غير ذلك، فهم متدبرون يستمعون إلى العقل كما يستمعون إلى الإيمان إذا ~~اطمأنوا وثبتوا على اطمئنانهم إليه. # الإنسان في عقيدة القرآن هو الخليقة المسئول بين جميع ما خلق الله، يدين بعقله فيما رأى ~~وسمع، ويدين بوجدانه فيما طواه الغيب فلا تدركه الأبصار والأسماع. # و«الإنسانية» من أسلافها إلى أعقابها أسرة واحدة لها نسب واحد وإله واحد، أفضلها من عمل ~~حسنا واتقى سيئا، وصدق النية فيما أحسنه ms004 واتقاه. ~~••• # وفي الصفحات التالية كتابان في كتاب وجيز، نبدؤهما بعقيدة القرآن، فنعيد هذه الكلمات ~~القلائل في صفحات، ونتلوها بعرض مفيد لتاريخ البحث عن نشأة الإنسان في مذاهب الفكر والعلم، ~~أو مذاهب الحدس والخيال، ولا نزيد في سردها على الإلمام بما يصلح أن يكون محكا للنظر فيما ~~يؤخذ بالبرهان، أو يؤخذ بالإيمان عن حقيقة الإنسان. # الكتاب الأول # | الإنسان في القرآن # | المخلوق المسئول # ارتفع القرآن بالدين من عقائد الكهانة والوساطة وألغاز المحاريب إلى عقائد الرشد ~~والهداية. لا جرم كان «المخلوق المسئول» صفوة جميع الصفات التي ذكرها القرآن عن ~~الإنسان، إما خاصة بالتكليف أو عامة في معارض الحمد والذم من طباعه وفعاله. # ولقد ذكر الإنسان في القرآن بغاية الحمد وغاية الذم في الآيات المتعددة، وفي الآية ~~الواحدة، فلا يعني ذلك أنه يحمد ويذم في آن واحد، وإنما معناه أنه أهل للكمال ~~والنقص بما فطر عليه من استعداد لكل منهما؛ فهو أهل للخير والشر؛ لأنه أهل ~~للتكاليف. # والإنسان مسئول عن عمله - فردا وجماعة - لا يؤخذ واحد بوزر واحد، ولا أمة بوزر ~~أمة: # كل امرئ بما كسب رهين ~~(الطور: 21). # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ~~(البقرة: ~~134). ~~••• # أما مناط المسئولية في القرآن، فهو جامع لكل ركن من أركانها يتغلغل إليه فقه الباحثين ~~عن حكمة التشريع الديني، أو التشريع في الموضوع. # فهي بنصوص الكتاب قائمة على أركانها المجملة: تبليغ، وعلم، وعمل؛ فلا تحق التبعة على ~~أحد لم تبلغه الدعوة في مسائل الغيب ومسائل الإيمان: # ولكل ~~أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم ~~لا يظلمون ~~(يونس: 47). # وإن من أمة ~~إلا خلا فيها نذير ~~(فاطر: 24). # وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا ~~(الإسراء: 15). ~~••• # أما العلم فإن أول آية في الكتاب تلقاها صاحب الدعوة الإسلامية كانت أمرا بالقراءة، ~~وتنويها بعلم الله وعلم الإنسان: # اقرأ وربك الأكرم ~~* الذي علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم ~~(العلق: 3-5). # وأول فاتح في خلق الإنسان كان فاتحة العلم الذي تعلمه آدم وامتاز به على ms005 سائر ~~المخلوقات: # وعلم آدم الأسماء كلها ثم ~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~(البقرة: 31، ~~32). ~~••• # وأما العمل فهو مشروط في القرآن بالتكليف الذي تسعه طاقة المكلف، وبالسعي الذي يسعاه ~~لربه ولنفسه. # لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها ~~(البقرة: 286). # وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى ~~(النجم: 39). # فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره ~~(الزلزلة: 7، 8). # ورسل البلاغ هم أول المكلفين بالعلم والعمل، أممهم جميعا أمة واحدة هي «الأمة ~~الإنسانية»، وإلههم جميعا إله واحد هو رب العالمين: # يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون ~~(المؤمنون: 51، 52). # وفيما ذكر فيه الإنسان من آيات الكتاب وصف له وهو في الذروة من الكمال المقدور له ~~بما استعد له من التكليف، ووصف له وهو في الدرك الأسفل من الحطة التي ينحدر إليها بهذا ~~الاستعداد. وكل هذه الآيات توسع مفصل فيما ورد من نصوص الأمر والنهي، والعظة والتذكير، ~~والثواب والعقاب. # فالإنسان أكرم الخلائق بهذا الاستعداد المتفرد بين خلائق السماء والأرض من ذي حياة أو ~~غير ذي حياة: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في ~~البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا ~~(الإسراء: 70). # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ~~(التين: 4). # سخر لكم ما في السماوات ~~(لقمان: 20). # سخر لكم ما في الأرض ~~(الحج: 65). ~~••• # ولكنه ينفرد بين الخلائق بمساوئ لا يوصف بها غيره؛ لأن السيئة والحسنة - على السواء ~~- لا يوصف بها مخلوق غير مسئول. # فهذا المخلوق المسئول يوصف دون غيره من الخلائق بالكفر والظلم والطغيان والخسران ~~والفجور والكنود؛ لأنه دون غيره أهل للإيمان والعدل والرجحان والعفاف. # إن الإنسان لظلوم كفار ~~(إبراهيم: 34). # إن الإنسان ليطغى * أن رآه ~~استغنى ~~(العلق: 6، 7). # إن الإنسان لفي ~~خسر ~~(العصر: 2). # بل يريد الإنسان ~~ليفجر أمامه ~~(القيامة: 5). # إن الإنسان ~~لربه لكنود ~~(العاديات: 6). # وقد يذكر بالضدين في الآية الواحدة كما جاء في قوله تعالى: # لقد ms006 خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه أسفل سافلين ~~(التين: 4، 5). # ونقرأ في بعض التفاسير أن أسفل سافلين هو أرذل العمر، وهو يقتضي أن يكون «أحسن تقويم» ~~هو تقويم الطفل الوليد. # ونقرأ في غيرها أن أسفل سافلين هي الجحيم، فيكون لزاما أن الجنة هي المقصودة بأحسن ~~تقويم. # وفهم الكثيرون أن التقويم الحسن هو الصورة الظاهرة لاعتدال قوام الإنسان، وليس جمال ~~الخلق وحده مرتبطا باعتدال القوام، بل ترتبط به القدرة على العمل والإرادة، وهي قدرة ~~لم تخف علاقتها بصورته الظاهرة قبل عصر التشريح والعلم بوظائف الأعضاء، الذي أثبت ~~العلاقة الضرورية بين اعتدال القامة وجهاز النطق في الرأس والعنق وعمود الظهر وسائر ~~البدن، ثم زاد الناس علما بما يعنيه التقويم الحسن من فضائل العقل والجسد، ومن مزايا ~~الفطنة والجمال. # وإنما المعنى الموافق لسائر معاني الآيات، أن الجمع بين النقيضين في الإنسان ينصرف ~~إلى وصف واحد، وهو وصف الاستعداد الذي يجعله أهلا للترقي إلى أحسن تقويم، وأهلا ~~للتدهور إلى أسفل سافلين. # على أن الآيات التي قصر فيها القول على خلق جسد الإنسان لم تخل مما يوحي إلى المخلوق ~~المسئول أن أطوار خلقه السوي إعداد لما هو أشرف من حياته الحيوانية، وبرهان من براهين ~~التبليغ برسالة الغيب، عسى أن ينظر في الخلق فيرى فيه آثار الخالق الذي لا تدركه ~~الأبصار والأسماع: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ~~(المؤمنون: 12-14). # ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من ~~روحه ~~(السجدة: 6-9). # ومن آياته أن ~~خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ~~(الروم: ~~20). # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ~~(يس: ~~36). # ولا يسأل الإنسان عما يجهل، ولكنه يسأل عما علم، وعما ms007 وسعه أن يعلم، وما من شيء ~~في عالم الغيب أو عالم الشهادة هو محجوب كله من علم الإنسان، فما وسعه من علم فهو محاسب ~~عليه. # | الكائن المكلف # القرآن كتاب تبليغ وإقناع وتبيين، وقوام هذه الفضيلة فيه هذا التوافق التام بين ~~أركانه وأحكامه، وبين عقائده وعباداته، وبين حجته ومقصده، فكل ركن من أركانه يتنزل فيه ~~بأقداره، ويوافق في تفصيله سائر أركانه التي تتم به، أو يتم بها على قدر مبين. # ليس أتم ولا أعجب من التوافق بين تمييز الإنسان بالتكليف، وبين خطاب العقل في هذا ~~الكتاب المبين بكل وصف من أوصاف العقل، وكل وظيفة من وظائفه في الحياة ~~الإنسانية. # وخليق بالمسلم، وبكل دارس للأديان أن يتنبه إلى هذه الفضيلة التي تحسب لأول وهلة ~~كأنها شيء من الواقع البديهي لا يحتاج إلى التنبيه، ولكن حاجته إلى التنبيه إنما تظهر ~~عند المقارنة بين القرآن وبين جملة من الكتب الدينية الكبرى، في فضيلة التبليغ المقصود، ~~ونعني به التبليغ الذي يراد ويتناسب فيه البيان على حسب الأحكام والأركان. # في كثير من الأديان تقوم عليها دعائم الدين كله، ويرتبط بها نجاة الإنسان من الهلاك ~~أو ضياعه في هاوية المقت واللعنة، ثم تبحث عن هذه الأركان في كتاب الدين فإذا هي معروضة ~~فيه بين السطور، يحيلها المفسرون إلى حكم القرينة، ويجوز لمن شاء أن يحسبها من مصادفات ~~القول يتساوى السكوت عنها والنص عليها. # مثل هذا لا يعرف في حكم من أحكام الكتاب المبين، ولا في ركن من أركانه، بل المعروف ~~فيه على نقيض ذلك: أن تبليغه على قدر فريضته، وأن التوافق فيه على أتمه بين الأركان ~~التي تتلازم وتتكامل عن بيان مقدور لا محل فيه لفرض المصادفة، بل لا محل فيه لتجاهل ~~القصد مع رسالة من رسالات التبليغ. # مكان الإنسان في القرآن الكريم هو أشرف مكان له في ميزان العقيدة، وفي ميزان الفكر، ~~وفي ميزان الخليقة الذي توزن به طبائع الكائن بين عامة الكائنات. # هو الكائن المكلف. # هو كائن أصوب في التعريف من قول القائلين «الكائن الناطق ms008 »، وأشرف في التقدير. # هو كائن أصوب في التعريف من الملك الهابط، ومن الحيوان الصاعد، وأشرف في التقدير من ~~هذا وذاك. # ليس الكائن الناطق بشيء إن لم يكن هذا النطق أهلا لأمانة التكليف، وليس الملك الهابط ~~منزلة تهدي إلى طريق الصعود أو طريق الهبوط، وليس الحيوان الصاعد بمنزلة الفصل بين ما ~~كان عليه وما صار إليه، ولا بمنزلة التمييز بين حال وحال في طريق الارتقاء. # إنما الكائن المكلف شيء محدود بين الخلائق بكل حد من حدود العقيدة، أو العلم، أو ~~الحكمة، وحادث من حوادث الفتح في الخليقة موضوع في موضعه المكين بالقياس إلى كل ما ~~عداه. # أي شيء أعجب من هذه الخاصة المحكمة ينفرد بها القرآن بين تعريفات الفلسفة وتعريفات ~~الدعوة الدينية؟! # إنها عجيبة لا يدفع عجبها إلا أن تجري على سنتها من تبليغ الكتاب المبين. # إنها عجيبة لم تأت من مصادفات التضمين والتخمين؛ لأن الكتاب الذي ميز الإنسان ~~بخاصة التكليف هو الكتاب الذي امتلأ بخطاب «العقل» بكل ملكة من ملكاته، وكل وظيفة عرفها ~~له العقلاء والمتعقلون، قبل أن يصبح العقل «درسا» يتقصاه الدارسون كنها وعملا، ~~وأثرا في داخله وفيما خرج عنه، وفيما يصدر منه وما يئول إليه. # العقل وازع «يعقل» صاحبه عما يأباه له التكليف. # العقل فهم وفكر يتقلب في وجوه الأشياء وفي بواطن الأمور. # العقل رشد يميز بين الهداية والضلال. # العقل روية وتدبير. # العقل بصيرة تنفذ وراء الأبصار. # والعقل ذكرى تأخذ من الماضي للحاضر، وتجمع العبرة مما كان لما يكون، وتحفظ وتعي ~~وتبدئ وتعيد. # والعقل بكل هذه المعاني موصول بكل حجة من حجج التكليف، وكل أمر بمعروف، وكل نهي عن ~~محظور. # أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟ أفلا يبصرون؟ أفلا يتدبرون؟ أليس منكم رجل رشيد؟ أفلا ~~تتذكرون؟ # إن هذا العقل بكل عمل من أعماله التي يناط بها التكليف حجة على المكلفين فيما يعنيهم ~~من أمر الأرض والسماء، ومن أمر أنفسهم، ومن أمر خالقهم، وخالق الأرض والسماء؛ لأنهم: # يتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا ~~(آل عمران: 191). # أولم يتفكروا ms009 في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ~~(الروم: 8). # وقد ننقل تكاليف القرآن جميعا، وننقل عظاته جميعا إذا أردنا الشواهد على هذا ~~التوافق الموصول بين تمييز الإنسان بالتكليف في القرآن، وبين خطابه للعقل والفكر، ~~وتذكيره بالرشد والبصر وسائر ملكات التمييز في مصطلحات الأوائل والأواخر، ولكنها شواهد ~~حاضرة في ذهن كل قارئ لهذا الكتاب، وكل قادر على المقابلة بينه وبين غيره من كتب ~~الأديان، ولو لم يعبر منها غير صفحات معدودات. # ومن تمام التوافق بين أركان التبليغ في هذا الكتاب أن الأمر فيه يجري على هذه السنة ~~فيما أتى به فريدا غير مسبوق عن رسالة النبوة. # إنها الرسالة التي لم تعرف قط في التاريخ البشري قبل تمييز الإنسان بخاصة التكليف، ~~وإعداده لخطاب العقل وبينات الإقناع. # كانت الأمم - قبل البعثة المحمدية - تفهم أن النبوة استطلاع للغيب، وكشف للأسرار ~~والمخبآت، يستعان بها على رد الضائع، وإعادة المسروق أو الدلالة عليه، ويستخبرونها عن ~~طوالع الخير والشر، ومقادير السعود والنحوس. وكان من تلك الأمم من يحسب أن النبوة وساطة ~~بين المعبود وعباده للتشفع إليه بالهدايا والقرابين، وكانوا يطلبون وساطة الأنبياء ~~دفعا للنوازل التي يستحقونها وتنزل بهم؛ لأنها قضاء مبرم يتوقعه الصالحون العارفون، ~~ويسألون المعبود في دفعه قبل نزوله. # فجاءت نبوءة الإسلام بجديد باق لم تسبق له سابقة في الدعوات الدينية، بل لا حاجة ~~بعده إلى جديد ولا استطاعة للتجديد؛ لأنه يخاطب في الإنسان صفته الباقية، وخاصته ~~الملازمة، وهي خاصة النفس الناطقة بين عامة الأحياء، أو خاصة الضمير المسئول الذي يحمل ~~تبعته، ولا تغنيه عنها شفاعة ولا كفارة من سواه. # فهي نبوة فهم وهداية، وليست نبوة استطلاع وتنجيم، وهي نبوة هداية بالتأمل والنظر ~~والتفكير، وليست نبوة خوارق وأهوال تروع البصر والبصيرة، وتروع الضمائر بالتخويف ~~والإرهاب حيث يعييها قبول الإقناع. # إنها نبوة مبشرة منذرة لا تملك لهم نفعا ولا ضرا، ولا تعمل لهم عملا غير ما ~~يعملونه لأنفسهم بمشيئتهم إذا اهتدوا بهداية العقل المتدبر، والضمير السليم: # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ms010 ضرا إلا ما شاء ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون ~~(الأعراف: 188). # نعم، ولا إغراء ولا مساومة على جزاء بين الأخذ والعطاء: # قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل ~~يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ~~(الأنعام: ~~50). # وقد جاءت سمعة المعجزة ميسرة لصاحب هذه النبوة يوم مات ابنه إبراهيم وكسفت الشمس، فظن ~~الناس أنها كسفت لموته، وأبى النبي الصادق أن يسكت عليها، فتكلم ليعلمهم أن الشمس ~~والقمر آيتان لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته. # وقد بين للناس أن المعجزة لا تجدي من يكابر العقل، ويأبى الإصغاء إلى بينات ~~الإقناع: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ~~(الحجر: 14، 15). # ولقد تقدمت نبوة الإسلام دعوات كثيرة من أكبر الدعوات شأنا في تاريخ العقيدة، ~~ولكنك لو عرضتها على مؤرخ ينظر في أدوار التاريخ لم يستطع أن يختتم دور النبوة في تاريخ ~~الإنسانية بدعوة من تلك الدعوات على جلالة شأنها؛ لأنها جميعا قد بدأت وانتهت قبل أن ~~توجد في أذهان الناس فكرة الإنسانية العامة، وفكرة الإنسان المسئول المحاسب على أمانة ~~العقل والضمير. # فنبوات بني إسرائيل لم تزل مقصورة على سلالة بشرية واحدة تنعزل بحاضرها ووعود ~~مستقبلها عن سائر الأمم. وعيسى عليه السلام قد نقل الرسالة نقلة واسعة حين أدخل أبناء ~~إبراهيم بالروح في عداد أبنائه بالجسد، ولكنه أدى رسالته وبقي الإنسان بعده محتاجا أشد ~~الحاجة إلى رسالة تخلصه من الاعتماد على غيره في النجاة من أوزاره، والتكفير عن سيئاته، ~~والنهوض بتبعات صلاحه وتربية روحه. # ولن تفرغ أمانة النبوة في تاريخ الإنسانية قبل أن يوجد الإنسان الذي يخاطب بخطاب ~~العقل، ويحاسب بحسابه، ويحمل تبعاته على عاتقه، ويشترك على سواء بينه وبين إخوانه من ~~البشر في عبادة إله واحد هو رب العالمين، وليس بالرب الذي يخلق نعمته لسلالة واحدة من ~~خلقه، أو ms011 لعشيرة واحدة يدركها الخلاص بفضل لم تفضله، وحساب لم تضعه في موازينها بعمل ~~يمينها. # فلما جاءت نبوة التكليف، صح في حكم العقل أن تختم بها النبوة؛ لأنها حاضرة في كل وقت ~~يحضره الإنسان العاقل المسئول، وتحضره آيات الله لقوم يعقلون. # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح ~~والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون ~~(البقرة: 164). ~~••• # إن قيام النبوة على إقناع العقل المسئول بآيات الكون قد اختتم سلطان الأحبار والقادة، ~~كما اختتم سلطان النبوات بالمعجزات وخوارق العادات، فلا يعذر الإسلام إنسانا يعطل ~~عقله ليطيع السادة والمستكبرين، أو ليطيع الأحبار المتسلطين بسلطان المال والدين: # قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها ~~(النساء: 97). # قال الذين استكبروا ~~للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جاءكم بل كنتم مجرمين ~~(سبأ: 32). # يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ~~الله ~~(التوبة: 34). # اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله ~~(التوبة: 31). # فلا يسقط التكليف عن العاقل أن يطيع المتحكمين ~~بطغيان الحكم أو طغيان الكهانة، ولا يمنعه التكليف أن يسأل من يعلم إن كان لا يعلم؛ لأن ~~طلب العلم يحقق واجب التكليف ولا يعطله أو يلغيه، ويوجب على المتعلم أن يتبين من يسأل ~~وهو مسئول عما يفعل: # وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ~~(النحل: 43). # فإذا سمي ختام النبوة باسمه الحق في تاريخ الإنسان، فاسمه الحق أنه هو فاتحة عهد ~~الرشد في حياة الإنسانية الخالدة، قبل عهد الرشد الذي أخرجته القرون الوسطى بسبعة ~~قرون. # ومن عبث الجهالة أن يفهم هذا الميقات الجليل فهم العقول الصغار، فلا يعطى حقه من ~~الفهم ولا حقه من التقديس، وتسمع من يفسره في «عصر العلم» فلا يفهم منه إلا أنه ms012 «حكر» ~~الأثرة يغلقه النبي على من بعده، ويسيغ هذا السخف وهو صورة لا تقبل التصور عن هذا ~~النبي، كيفما تصوره الناظر إليه على حقيقته أو على دعواه؛ فهذا «الحكر» صنيع لا يصنعه ~~نبي أمر أتباعه بتصديق الأنبياء من قبله، وجهد جهده لينفي سلطان الغيب عن نفسه، ويطرد ~~سمعة المعجزة عن دعوته، وهي طيعة منقادة بين يديه؛ فإن جاز في حقه هذا «الحكر» المغتصب، ~~فهل يجوز في حقه أن يغتصبه من الله، وأن يأمن تكذيب الله إياه، وقدرته على إخلاف ~~دعواه؟ # إن اختتام النبوة لا يفهم هذا الفهم الصغير في عقل يطيق أن يدرك الواقع من أمر دعوة ~~عظيمة، ولا شأن عظيم، ولو كان احتكار النبوة باعث النبي إلى دعواه لما دخل فيها ذهاب ~~سلطان الأحبار والولاة، ولا دخل فيها ادعاء النبوة أصلا وهي لا تخول النبي ولا مدعي ~~النبوة أن يحجب المغيب المجهول من مشيئة الله. # ولكن الإيمان بالعقل المسئول هو الباعث البين الذي يفسر ما لم يفسره صغار العقول ~~من اختتام النبوة، واختتام الكهانة، واختتام سلطان الحاكمين على الضمير، وأن انتظامه ~~كله على هذه السنة المتفقة لهو الآية الناطقة بإرادة الله. # | روح وجسد # عقيدة الروح إحدى العقائد الغيبية في القرآن، والعقائد الغيبية أساس عميق من أسس ~~التدين تقوم عليه كل ديانة يطمئن إليها ضمير الإنسان، ولكن الفضيلة الأولى في عقائد ~~القرآن الغيبية أنها لا تعطل عقول المؤمنين بها، ولا تبطل التكليف بخطاب العقل ~~المسئول وهو يؤدي حق التمييز، وحق الإيمان والإسلام؛ إسلام الأمر كله إلى الخالق ~~المعبود. # وعقيدة الروح إحدى العقائد «الغيبية» التي نلمس فيها هذه الفضيلة كأنها من حقائق ~~الحس، وإن وجب على العقل الإنساني أن يؤمن بعلمه القليل فيها، وأن يسلم تسليم ~~الإيمان بأنها من علم الله. # ذلك بأن الإيمان بالروح لم يفرض على العقل البشري في القرآن الكريم نقيضة من النقائض ~~التي تشطره بين ضدين متدابرين، ولم يفصم النفس البشرية بفاصم من الحيرة بين الخلقتين: ~~خلقة الإنسان روحا مجهول القوام، وجسدا معروف المطالب والغايات، محسوس اللذات ms013 ~~والآلام. # فالروح والجسد في القرآن الكريم ملاك الذات الإنسانية، تتم بهما الحياة، ولا تنكر ~~أحدهما في سبيل الآخر، فلا يجوز للمؤمن بالكتاب أن يبخس للجسد حقا ليوفي حقوق الروح، ~~ولا يجوز له أن يبخس للروح حقا ليوفي حقوق الجسد، ولا يحمد منه الإسراف في مرضاة هذا ~~ولا مرضاة ذاك. وعلى الله قصد السبيل. # والقرآن الكريم ينهى عن تحريم المباح كما ينهى عن إباحة المحرم: # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون ~~(المائدة: 87، 88). # والقرآن الكريم يعلم المؤمن به أن يكسب الطيبات من صنع يده، وأن ينفق منها غير ~~مسرف في إنفاقه، وأن ينعم بالطيبات من ثمرات الأرض وخيراتها؛ لأنها نعمة مشكورة لا يحل ~~له أن يجتنبها: # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~(البقرة: 267). # يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون ~~(البقرة: 172). # ومن تمكين الإنسان في الأرض أن يبتغي فيها معيشته، ويسيم فيها مطيته، وأن يتخذ منها ~~زينته، ويتم بها عدته، ولا يزهد في شيء من خيراتها يخرجه لنفسه، أو تخرجه له الأرض من ~~فضل ربه: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة ويخلق ما لا تعلمون * وعلى الله قصد ~~السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين * هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه ~~شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ~~(النحل: 8-11). ~~••• # بل الزينة للعبادة واجبة كوجوبها لمقاصد الدنيا ومطالب المعيشة، والخطاب في هذا موجه ~~إلى بني آدم؛ لأنها نعمة مرضية من نعم الإنسانية، ومن تمييز الله لهذا الإنسان على سائر ~~الحيوان: # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق ms014 ~~(الأعراف : 31، 32). # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها ~~معايش ~~(الأعراف: 10). ~~••• # فهو من تمكين بني آدم بين خلائق الله، وهو من حق المعيشة الأرضية وواجب الحياة ~~الدنيوية، لا تناقض فيه بين روح وجسد، ولا تنازع فيه بين دنيا وآخرة، ولا فصام فيه ~~للذات الإنسانية يحار فيه العقل وتتمزق به أوصال الضمير. # وقوامه في خطاب التبليغ للإنسان من بني آدم كافة: # وابتغ ~~فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا ~~(القصص: 77). ~~••• # فليس السعي في سبيل الدنيا ضلالا عن سبيل الآخرة، وليس في القرآن فصام بين روح وجسد، ~~أو انشقاق بين عقل ومادة، أو انقطاع بين سماء وأرض، أو شتات في العقيدة يوزع «الذات ~~الإنسانية» بين ظاهر وباطن، وبين غيب وشهادة، بل هي العقيدة على هداية واحدة تحسن ~~بالروح كما تحسن بالجسد، في غير إسراف ولا جور عن السبيل: # ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ~~(النحل: ~~9). # إن القرآن الكريم بهذا الإلهام الصادق ينقذ العقل من نقائض التفكير، ولا ينجيه من ~~نقائض التكليف وحسب، أو من نقائض الحيرة بين العالمين في حقائق الدين، ولا مزيد. # فمن ضلال التفكير قديما، أنه ساق كبار العقول إلى ذلك الفاصل المعتسف بين عالم النور ~~والفلك الأعلى، وعالم التراب والأرض السفلى. # كل ما فوق القمر فهو صفاء وطهارة، وكل ما دون القمر فهو كدر ودنس، وكل ما هنالك فهو ~~جوهر خالص، وكل ما دونه فهو عرض مشوب، أو أعراض لا يصفو لها وجود ولو أشرق عليها عالم ~~النور. # وعلى مثل هذا «التفاضل» المسلم به بين النور والتراب، وبين الجوهر والعرض قد دار ~~كل ما دار قديما وحديثا - في الدين والعلم - من عزل أصيل بين الصفاء والكدرة، وبين ~~العقل والمادة، وبين الروح والجسد، وبين النقيضين من النور والظلام. # إن هذا الاعتساف في التفريق بين هذين الوجودين المتقابلين قد عطل العقل زمنا ~~طويلا عن فهم حقائق الحس، كما عطله - ولا يزال يعطله - عن فهم حقائق التكليف وحقائق ~~الأديان. # إن العقل ليعلم اليوم أن ذرات التراب وذرات الضياء من معدن ms015 واحد ، وأن الحجر اليابس ~~يتفتت فإذا هو شعاع، وأن الشعاع المنطلق ينعقد ويتقابل فإذا هو حجر، وأن الفيصل بين ~~ضياء الفلك وضياء العقل قائم لا شك فيه، ولكن لا شك كذلك في خفاء هذا الأمر على العلم ~~كخفائه على الإيمان. # فماذا يقول العالمون بالذرة من «المؤمنين» بالمادة دون الروح؟ # ماذا يقولون عن عقل «الدماغ»؛ كيف يرى ما لا تراه العين بشعاع الضياء؟ سيقولون علما ~~ما قال به قارئ الكتاب إيمانا حين قيل له عن الروح فسمع وصدق وقلبه مطمئن بالإيمان: # قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا ~~(الإسراء: 85). # | النفس # تكلم حكماء اليونان عن العقل والروح والنفس بمعانيها التي تنسب إلى الكون. # وتكلموا عن العقل والروح والنفس بمعانيها التي تنسب إلى الإنسان، ورتبوها على حسب ~~صفائها وعلو جوهرها، فكان العقل عندهم أولها وأشرفها؛ لأن جوهر العقل المطلق هو الله ~~جل شأنه، والعقل الإلهي هو العقل الفعال Poietikos # المنزه عن المادة والهيولي، وعنه يصدر العقل الإنساني أو العقل المنفعل Pothetikos ~~، ثم يأتي الروح والنفس بعد ذلك في ~~الصفاء والشرف. # فعندهم أن الروح أقرب إلى عنصر النور، وأن النفس أقرب إلى عنصر الهواء والتراب، ويقول ~~أتباع أفلوطين: إن العقل الإلهي فيض منعم صدر عنه «النفس»، ومنه صدر ما دونها من ~~الموجودات على ترتيب شرفها وصفائها، وهم يذكرون النفس بصيغة المذكر، ويتابعهم في ذلك من ~~كتبوا بالعربية وتابعوهم في مذاهبهم الصوفية. # والروح أرفع من النفس في درجات الوجود ودرجات الحياة عند أكثر حكماء اليونان، فمنهم ~~من ينسب النفس إلى الكائنات العضوية جميعا، ومنها كل نبات ينمو ويلد ويوصف ببعض صفات ~~الأحياء، فمعنى النفس عندهم على هذه الصفة مرادف لمعنى «الحركة الحيوية»، أو معنى القوة ~~التي تجعل أعضاء الجسم الحي مخالفة للأجسام المادية في قابلية النمو والتوليد، ونصيبها ~~من الإرادة أكبر من نصيب الجماد، وأصغر من نصيب الروح؛ فإنها لا تملك الانتقال من ~~المكان الذي هي فيه. # فالعقل والروح والنفس قوى حية على هذا الترتيب من الشرف والصفاء، والإنسان له نصيبه ms016 ~~من العقل، ولكنه دون العقل الفعال في جوهره وتنزهه عن المادة والهيولي، وله روح يعلو ~~به على سائر الموجودات، ونفس قد يقترب بها من الكائنات التي تنمو وتلد وتزيد على ~~درجات. # إن هذا الاختلاف بين هذه القوى في مصطلح الحكمة اليونانية، وفي لغة الكتاب المبين ~~يقاس من ناحية إلى كثافة المادة، ويقاس من ناحية إلى المثل الأعلى، وهو الله. # وقد يقاس الكمال في مصطلح الحكمة اليونانية إلى الجوهر بمقدار ارتفاعه، وإلى المادة ~~أو الهيولي بمقدار هبوطه. # ولكن كمال هذه القوى في لغة القرآن مقيس إلى كمال الله جل شأنه؛ فأرفعها وأشرفها ما ~~كان أقربها إلى الصفات الإلهية، وأدناها وأخسها ما كان أبعدها من تلك الصفات. # ومن المقابلة بين هذه القوى، كما ذكرت في الكتاب المبين، قد نتبين أن «الروح» هو ~~أقربها إلى الحياة الباقية، وأخفاها عن المدارك الحسية، وأنه الجانب الذي استأثر الله ~~بعلمه واحتجب عن أنبيائه؛ لأنه سر الوجود المطلق؛ لا قدرة للعقل الإنساني المحدود على ~~الإحاطة به ووعيه إلا بما يناسبه من الإشارة والتقريب: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا ~~(الإسراء: 85). # أما العقل والنفس في بيان القرآن الكريم، فالراجح أن النفس أقربهما إلى الطبع أو ~~القوة الحيوية التي تشمل الإرادة كما تشمل الغريزة، وتعمل واعية كما تعمل غير واعية، ~~وتأتي في مواضعها من الآيات الكثيرة مرادفة للقوة التي يدركها النوم، والقوة التي ~~يزهقها القتل، والقوة التي تحس النعمة والعذاب، وتلهم الفجور والتقوى، وتحاسب على ما ~~تعمل من حسنة وسيئة؛ فهي القوة التي تعمل وتريد مهتدية بهدى العقل، أو منقادة لنوازع ~~الطبع والهوى، وتوضع لها الموازين القسط يوم القيامة. # الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها ~~(الزمر: 42). # وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~(الأنعام: 60). # وإذا ذكر قتل النفس «في القرآن» فإنما هو قتل الإنسان أو الناس على حسب الخطاب إلى ~~الفرد أو الجماعة: # من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ms017 ~~(المائدة: ~~32). # ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما ~~(النساء: 29). # ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~(البقرة: 85). # ولكن الإنسان أعم من النفس؛ لأنه مسئول أن ينهاها: # وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن ~~الجنة هي المأوى ~~(النازعات: 40، 41). # فجملة هذه القوى من النفس والعقل والروح هي «الذات الإنسانية»، تدل كل قوة منها على ~~«الذات الإنسانية» في حالة من حالاتها، ولا تتعدد «الذات الإنسانية» بأية صورة من صور ~~التعدد؛ لأنها ذات نفس، أو ذات روح، أو ذات عقل، فإنما هي إنسان واحد في جميع هذه ~~الحالات، وهي تعبيرات عنها في جميع اللغات تقضي بها ضرورة الكلام عن كل قوة خفية تدرك ~~أعمالها ولا تدرك مصادرها. # وعلى هذا النحو تكلم الناس عن ملكات العقل والنفس والروح، وعما ينسب إليها من وعي ~~باطن ووعي ظاهر، ومن ضمير ووجدان وخيال وحافظة وبديهة وروية، إلى غير هذه الأسماء التي ~~تتعدد للتمييز بين الأعمال، وإن لم تتعدد في مصدرها المعلوم أو المجهول. # وقد ذكرت النفس في القرآن بجميع قواها التي يدرسها اليوم علماء النفس المتخصصون لهذه ~~الدراسات في موضوعاتها الحديثة. # فقوة الدوافع الغريزية تقابل النفس «الأمارة بالسوء»: # وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~(يوسف: ~~53). # وقوة النفس الواعية تقابل النفس الملهمة: # ونفس وما ~~سواها * فألهمها فجورها وتقواها * ~~قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ~~(الشمس: 7-10). # وقوة الضمير تقابل النفس اللوامة، وهي النفس التي يقع منها الحساب كما يقع عليها، ~~وجاء ذكرها من أجل ذلك مقرونا بيوم القيامة: # لا أقسم ~~بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة ~~(القيامة: 1، 2). # ثم ذكرت موصوفة بالإبصار والعلم بمواقع الأعذار: # بل ~~الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى ~~معاذيره ~~(القيامة: 14، 15). # وقوة الإيمان والثقة بالغيب تقابل النفس المطمئنة: # يا ~~أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية ~~(الفجر: 27، 28). # وفي كل موضع من هذه المواضع تذكر النفس الإنسانية بعامة هذه القوى، فتجمعها خاصة ~~واحدة هي خاصة الإنسان في القرآن، وهي - كما تقدم - خاصة الكائن المكلف المسئول. # كل نفس ms018 بما كسبت رهينة ~~(المدثر : 38). # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا ~~(الأنبياء: 47). # يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~(آل عمران: 30). # إذا السماء انفطرت * وإذا ~~الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ~~ما قدمت وأخرت * يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك ~~(الانفطار: 1-8). # وإذا النفوس زوجت * وإذا ~~الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت * ~~وإذا الصحف نشرت * وإذا السماء كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة ~~أزلفت * علمت نفس ما أحضرت ~~(التكوير: ~~7-14). # وجملة ما قيل في معنى «النفوس زوجت» أنها تقرن بمقوماتها وأعمالها، أو تضم إلى ~~أشباهها وقرنائها. # فحساب النفس من حساب الإنسان، ولكن الذات الإنسانية أعم من النفس ومن العقل ومن الروح ~~حين تذكر كل منها على حدة، فإن الإنسان يحاسب نفسه لينهاها عن هواها، ولكن الروح ~~من أمر الخالق الذي لا يعلم الإنسان منه إلا ما علمه الله، ويتوسط العقل بين القوتين، ~~فهو وازع الغريزة، ومستلهم لهداية الروح. # ولعلنا نفقه من هدي القرآن ترتيب هذه القوى في الذات الإنسانية، وعمل كل منها في ~~القيام بالتكليف وتمييز الإنسان بمنزلة الكائن المسئول. # فالإنسان يعلو على نفسه بعقله، ويعلو على عقله بروحه، فيتصل من جانب النفس بقوى ~~الغرائز الحيوانية ودوافع الحياة الجسدية، ويتصل من جانب الروح بعالم البقاء وسر الوجود ~~الدائم، وعلمه عند الله، وحق العقل أن يدرك ما وسعه من جانبها المحدود، ولكنه لا يدرك ~~الحقيقة كلها من جانبها المطلق إلا بإيمان وإلهام. # | الأمانة # وردت كلمة الأمانة والأمانات في خمسة مواضع من القرآن الكريم، وكلها بالمعنى الذي ~~يفيد التبعة والعهد والمسئولية، وخصصت هذا المعنى في آية من «سورة البقرة» بوديعة المال ~~وما إليه؛ إذ قال تعالى في سياق وثائق الديون: # يا أيها ~~الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب ~~كاتب أن يكتب كما علمه الله # إلى قوله تعالى: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته ms019 وليتق الله ربه ~~(البقرة: 282-283). # ففي هذه الآية خصصت الأمانة بما يؤتمن عليه المرء من الودائع والديون، ولكننا لا نخرج ~~من الآية بغير التذكير المؤكد بمعنى الأمانة العامة، وهي الحق والفريضة، ومنها حق العلم ~~وفريضته، فلا يجوز لمن علم علما أن ينسى حقه: # ولا يأب ~~كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~(البقرة: 282). # وكل ما ورد في غير سياق الديون والودائع فالحكم فيه عام وإن ورد على سبب خاص؛ لأن ~~مناسبات النزول لا تمنع سريان الحكم والتبليغ إلى جميع المخاطبين بآيات الكتاب، جاء في ~~سورة النساء: # إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل ~~(النساء: 58). # قال الإمام الزمخشري في الكشاف: «الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة، وقيل: نزلت في ~~عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادن الكعبة، وذلك أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين دخل مكة ~~يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة، وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: «لو ~~علمت أنه رسول الله لم أمنعه.» فلوى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يده، وأخذه منه ~~وفتح، ودخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وصلى ركعتين. فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ~~ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت الآية، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه، ~~فقال عثمان لعلي: «أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟» فقال: «لقد أنزل الله في شأنك قرآنا.» ~~وقرأ علي الآية، فقال عثمان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول ~~الله.» # ومضى الإمام الزمخشري في تفسير الآية إلى أن قال: «وقيل: هو خطاب للولاة بأداء ~~الأمانات والحكم بالعدل، وقرئ الأمانة على التوحيد.» # وفي الجلالين أن الآية «وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع». # ويقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: «إن الظاهر أنها نزلت قبل فتح مكة، وأن النبي ~~- عليه السلام - تلاها استشهادا.» # ومن تفسيرات المتأخرين تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري يقول: إن الأمانة «كل ما ~~اؤتمنتم عليه من قول ms020 أو عمل، أو مال أو علم، وبالجملة كل ما يكون عند الإنسان من النعم ~~التي تفيد نفسه وغيره»، وإن الخطاب موجه إلى الناس عامة، وإلى الحكام وولاة ~~الأمور. # وكذلك الأمانات والعهد فيما ورد في سورة «المؤمنون»: # والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~(المؤمنون: 8). # فهي تشمل كل ما يرعاه الإنسان من عهد وذمة، وهذا هو معنى الأمانات في سورة الأنفال، ~~وعلى هذا المعنى إجمالا يفهم كل تبليغ خوطب به الناس عامة، وإن تنزلت به الآيات ~~لمناسبة خاصة. # أما الأمانة التي عرضت على الخلق عامة فحملها الإنسان ولم يحملها أحد من خلقه، فهي ~~أعم من المناسبات الخاصة والمناسبات العامة بالنسبة إلى أحكام التبليغ؛ لأن الأمر فيها ~~أمر التكوين والاستعداد بالفطرة التي فطر عليها العاقل وغير العاقل، واستعد له الحي ~~وغير الحي، والمخاطب بالتبليغ وغير المخاطب. وفي هذا الموضع من القرآن الكريم ذكرت هذه ~~الفطرة مقرونة بفطرة الخليقة كلها، وذكرت ومعها صفة الإنسان التي تخصه بين عامة ~~المخلوقات حين يتقبل أعباءها ويحملها، وما كان ليحملها إلا أن يتعرض لتبعاتها؛ فهو ظلوم ~~جهول. # ظلوم لأنه يتعدى الحدود وهو يعرفها، وجهول لأنه يتعدى تلك الحدود وهو لا يعلمها، ~~وعنده أمانة العقل التي تهديه إلى علمها. وما من كائن غير الكائن العاقل يوصف بالظلم ~~والجهل؛ لأنه لا يعرف الحد الذي يتعداه، ولا تناط به معرفة الحدود، وإنما يوصف بالظلم ~~والجهل من يصح أن يوصف بالعدل والمعرفة، ومن يصح أن يسأل عن فعل يريده في ~~الحالين. # قال تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~(الأحزاب: ~~72). # وذكرت هذه الفطرة الإنسانية في موضع آخر من الكتاب، مع ذكر تكريم الإنسان وولايته ~~زمام الكائنات مفضلا على كثير من المخلوقات، فقال تعالى في سورة الإسراء: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا ~~(الإسراء: 70). # و«كثير ممن خلقنا» هذه الآية تشمل كل مخلوق لم يكن أهلا لأمانة الخير والشر، أو ~~لأمانة التكليف ms021 بما أودع فيه من فطرة التكوين . ~~••• # ولقد وضح معنى «الأمانة» في هذا الحكم العام وضوحا لا يقبل اللبس أو الانحراف بالفهم ~~عن جوهره المقصود، وهو التكليف، فمن لم يذكره من المفسرين بنصه ذكره بمقتضياته ~~ومتعلقاته، وهي ملازمة له لا تنفك عنه. # وهذه أمثلة من أقوال المفسرين الذين تناقلوا الرواية بالمعنى الذي فهم من كلمة ~~الأمانة منذ صدر الإسلام إلى القرن الرابع عشر للهجرة. # قال الإمام الزمخشري - المتوفى في سنة 528 للهجرة: «يريد بالأمانة الطاعة، فعظم ~~أمرها، وفخر شأنها، ويراد بها الطاعة لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة ~~الأداء، وعرضها على الجمادات، وإباؤها وإشفاقها مجاز، وأما حمل الأمانة فمن قولك: فلان ~~حامل للأمانة أو متحمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته، ويخرج ~~من عهدتها.» # وقال الفيلسوف الفخر الرازي - المتوفى سنة ست وستمائة للهجرة: « # إنا عرضنا الأمانة # أي التكليف، وهو الأمر بخلاف ما في ~~الطبيعة، واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السماوات ولا في الأرض؛ لأن الأرض ~~والجبل والسماء كلها على ما خلقت عليه: الجبل لا يطلب منه السير، والأرض لا يطلب ~~منها الصعود، ولا من السماء الهبوط، ولا في الملائكة؛ لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين ~~منهيين عن أشياء، لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا، فيسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه.» # قال الإمام الفيلسوف في تفسير حمل الأمانة: «لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله ~~تعالى: # أبى أن يكون مع الساجدين # من وجهين؛ ~~أحدهما: أن هناك السجود كان فرضا، وها هنا الأمانة كانت عرضا، وثانيهما: أن الإباء ~~كان هناك استكبارا، وها هنا استصغارا؛ استصغرن أنفسهن، بدليل قوله تعالى: # وأشفقن منها ~~، وقال بعضهم في تفسير الآية: إن المخلوق ~~على قسمين: مدرك وغير مدرك، والمدرك منه من يدرك الكلي والجزئي مثل الآدمي، ومنه من ~~يدرك الجزئي كالبهائم تدرك الشعير الذي تأكله ولا تفكر في عواقب الأمور، ولا تنظر في ~~الدلائل والبراهين، ومنه من يدرك الكلي ولا يدرك الجزئي؛ كالملك يدرك الكليات ms022 ولا ~~يدرك لذة الجماع والأكل. # قالوا: وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: # ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~، فاعترفوا بعدم ~~علمهم بتلك الجزئيات، والتكليف لم يكن إلا على مدرك الأمرين؛ إذ له لذات بأمور جزئية، ~~فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية هي مثل لذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته، وأما غيره فإن ~~كان مكلفا يكون مكلفا لا بمعنى الأمر بما فيه عليهم كلفة ومشقة، بل بمعنى الخطاب؛ فإن ~~المخاطب يسمى مكلفا كما أن المكلف مخاطب.» # وقال الإمام ابن كثير - المتوفى سنة 774 للهجرة: «عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة، ~~عرضها قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت ~~جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~الأمانة الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال؛ إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها ~~عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله ألا يقوموا بها، ثم ~~عرضها على آدم فقبلها بما فيها. # قال مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض، ثم أورد ~~الإمام ابن كثير أقوالا أخرى مروية بأسماء أصحابها، وعقب عليها قائلا: «إنها كلها ~~لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي ~~بشرطها.» ~~••• # وجاء في تفسير الإمام السيوطي - المتوفى سنة 911 للهجرة: « # إنا ~~عرضنا الأمانة ~~: الصلوات وغيرها، من فعلها له الثواب، ومن تركها ~~عليه العقاب.» # وقال الإمام محمد جمال الدين القاسمي - المتوفى سنة 1332 للهجرة: # عبر عنها بالأمانة تنبيها على أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين، ~~وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها ~~والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، ومعنى الآية أن تلك ~~الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام - التي هي مثل في ~~القوة والشدة - مراعاتها، وكانت ذات شعور ms023 وإدراك؛ لأبين قبولها وأشفقن ~~منها. # أما قوله تعالى: # وحملها الإنسان # أي عند ~~عرضها عليه إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده، أو بتكليفه إياها يوم ~~الميثاق؛ أي تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة، وهو إما ~~عبارة عن قبوله لها بموجب استعداده الفطري، أو من اعترافه بقوله: بلى، وقوله ~~تعالى # إنه كان ظلوما جهولا # اعتراض وسط ~~بين الجمل، وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده وتحمله؛ أي أنه ~~كان مفرطا في الظلم، مبالغا في الجهل، أي بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا ~~بموجب فطرتهم السليمة. # ونقل صاحب تفسير الجواهر زبدة هذه المعاني، ثم نقل تفسير الفيروزآبادي لمعنى حمل ~~الأمانة؛ إذ قال: «فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان؛ أي أبين أن يخنها وخانها ~~الإنسان.» قال: «والإنسان هنا هو الكافر والمنافق.» ~~••• # ولا نختم هذه المقتبسات قبل أن نعود إلى الاستدراك الذي بدأناها به، وهو الاتفاق على ~~معنى التكليف، وأن الاختلاف على المذام التي تترتب عليه إنما هو الدليل على معنى ~~الاستعداد الفطري للمذام وما عداها، أو على معنى الوقوع في المذمة بمجاوزة حدود التكليف ~~ظلما مع العلم بها، وجهلا مع القدرة على التعلم والاسترشاد في أمرها. # إلا أن معنى الاستعداد الفطري لا يخفى إذا روجعت الآيات التي ورد فيها ذكر صفات ~~«الإنسان» بمعنى جنس الإنسان؛ فإنه يذكر بهذه الصفات في مواضع كثيرة مع ذكر آيات ~~التكوين والخلق وتصريف قوى الطبيعة، فقد ذكر تكريم بني آدم مع السلطان على البر والبحر ~~والزرع والضرع والتفضيل على كثير من خلائق الله، وذكر ظلم الإنسان وجهله مع انفراده ~~بالفطرة المستعدة للتكليف بين خلق السماوات والأرض، وذكر في غير هاتين الآيتين بقوله ~~للخير والشر مع الإيمان بالجزاء، والتذكير بخلق الليل والنهار، وخيرات الأرض، وحساب ~~الأفلاك، ومن ذاك - وفيه الإشارة إلى أمثاله من الآيات: # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما * ويدع الإنسان ~~بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا * ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية ms024 الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ~~ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه ~~تفصيلا ~~(الإسراء: 9-12). # فقد ذكرت هنا فطرة الاستعداد للخير والشر مع ذكر الإيمان بالجزاء وتصريف الليل ~~والنهار، وعجلة الإنسان على حساب العواقب، وهو أهل للحساب، حساب الشاهد والغائب، وحساب ~~النور والظلام، وحساب السنين والأيام. # | التكليف والحرية # من شروط التكليف طاعة وحرية. # وهذه بديهية يغفل عنها كثير من المجادلين في قضية القدر، وفي قضية الإيمان، وفي قضية ~~التكليف والجزاء، فيقصرون النظر على شرط الحرية، ويهملون شرط الطاعة كأنه مناقض للجزاء، ~~وكأنه من اللازم عقلا أن يكون الجزاء مقرونا بالحرية المطلقة، وهي في ذاتها استحالة ~~عقلية بكل احتمال يخطر على البال في فهم خلق الإنسان؛ فمن بحث عن الإيمان بالتكليف غير ~~ناظر إلى شرط «الطاعة»، فلا جرم يضل عنه ولا ينتهي فيه إلى قرار؛ لأنه يبحث عن شيء آخر ~~ولا يبحث عن التكليف ولا عن الإيمان. # في القرآن خطاب متكرر إلى العقل، وبيان متكرر لحساب الإنسان العاقل على الخير والشر، ~~مع إسناد الإرادة إليه في استحقاقه للثواب والعقاب. # وفيه آيات صريحة تسند الإرادة إلى الله، وتقرر أنه - سبحانه وتعالى - هو الخالق ~~المقدر الذي يقدر الهداية والضلال، ويعطي كل شيء خلقه ويهديه، وهي آيات كثيرة مقصودة ~~بالتكرار، وإن لم تبلغ في الكثرة عدد آيات الخطاب والتكليف، وآيات التذكير بالعقل ~~والنظر والتمييز والتفكير. # فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم ~~(البقرة: 213). # قل أمر ~~ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون * ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ~~(الأعراف: 29، ~~30). # سبح اسم ربك الأعلى * الذي ~~خلق فسوى * والذي قدر فهدى ~~(الأعلى: ~~1-3). # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو ~~العزيز الحكيم ~~(إبراهيم: 4). # يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ~~يشاء ~~(إبراهيم: 27). ~~••• # وكثرة الآيات بهذا ms025 المعنى تبعد عن الذهن أن يكون فيها مجال للتأويل بغير معناها ~~الظاهر على اختلاف العبارة والمناسبة، فمعناها الظاهر الذي لا تأويل فيه أن الله - ~~سبحانه وتعالى - هو الفعال لما يريد، الذي يخلق عباده ويخلق ما يعملون. # أفي هذا تناقض في حكم العقل إذا نظرنا إلى الأمر كله نظرة المعقول، ولم نقصر النظر ~~إلى النصوص أو إلى واجب الاعتقاد بمقتضى هذه النصوص؟ # إن الرجوع بالقضية إلى أسسها المحتملة على كل احتمال ينفي التناقض، ويرينا كيف يكون ~~هذا الاعتقاد «حلا للمشكلة» من أسسها المفروضة جميعا، وخروجا من التناقض الذي ~~يلزمها على كل احتمال غير هذا الاحتمال. # وليكن الإنسان روحا وعقلا خلقه الله، أو يكن تركيبا عارضا من تراكيب المادة لم ~~يخلقه أحد، على قول المؤمنين بالمادة مجردة من الفكر والإرادة. # وليكن التكليف إرادة من عند الله، أو يكن ضرورة من قضاء الواقع لا يرتبط بها أمر ولا ~~جزاء. # فكيف يتصور العقل إرادة الإنسان على كل احتمال؟ # إنه لا يتصورها إرادة مطلقة من جميع القيود؛ لأن إرادة إنسان واحد تنطلق بغير قيد هي ~~قيد لكل إنسان سواه، وكيف يأتي هذا الإنسان الواحد بإرادته المطلقة منفردا بها بين ~~أمثاله المقيدين؟ # أما أن يوجد الناس جميعا بإرادة مطلقة لكل منهم على سواء، فهذه هي الإحالة العقلية ~~في الفرض والتقدير قبل الوصول بها إلى الإيجاد والتحقيق. # فإذا كانت الإرادة المطلقة هي إرادة الله، فخلق الناس مكلفين بغير إرادة لهم شيء غير ~~معقول وغير مقبول؛ لأن سقوط التكليف لا معنى له في هذه الحالة إلا أن يخلق الناس جميعا ~~متشابهين متماثلين متساوين في العمل الصالح الذي يساقون إليه كما تساق الآلات، فلا فضل ~~إذن للعاقل على غير العاقل، ولا تمييز للإنسان على الجماد المجرد من الحس، فضلا عن ~~الحيوان. # فإذا وجب تكليف الإنسان، فالعقل الإنساني لا يوجبه إلا كما ينبغي أن يوجب على حالة ~~واحدة لا سواها، وهي حالة الإرادة المخلوقة يودعها فيه الخالق كما ينبغي أن تودع، وهي ~~لا ينبغي أن تودع إلا على هذا الفرض ms026 الذي يدعو إليه القرآن. # إن الحرية المخلوقة حرية صحيحة كما ينبغي أن تكون في احتمال العقل المدرك المميز الذي ~~يهتدي بإذن الله لما اختلفوا فيه. # ولا يقال: إن الحرية التي تخلق ليست بحرية؛ فإن الحرية غير القيد، سواء كانا مخلوقين ~~أو مطبوعين، وسواء كانا من عالم الروح أو من عالم المادة عند التمييز بينهما، كما ~~تتمايز قيمة المعدن نفيسا وغير نفيس، وكلاهما مخلوق أو مصنوع؛ فإن صنعنا للآنية ~~الذهبية وللآنية النحاسية لا ينفي نفاسة الأولى، ولا يسوي بين الآنيتين المصنوعتين، ~~وليس في العقل شيء يسمى حرية مطبوعة تعلو على الحرية المخلوقة بالانطلاق من جميع ~~القيود؛ لأن الانطلاق من جميع القيود غير معقول وغير موجود. ~~••• # وإذا وجدت للمخلوقات العاقلة حرية أو وجدت لها إرادة، فلنرجع إلى العقل لنرى كيف ~~يتصورها العقل - أي عقل - وكيف تكون على احتمال واحد دون كل احتمال. # إنها لا تكون سواء في كل إنسان؛ لأنها إذا امتنع فيها خلاف القوة لم يمتنع فيها خلاف ~~الزمن والعمر، ولا خلاف المكان والجسد، ولا خلاف الصغر والكبر، ولا خلاف الحركة ~~والجمود. # وإذا امتنع فيها كل هذا الخلاف فليست هي بشيء؛ إذ ليست الموجودات التي لم تتمايز ولم ~~تتنوع بأشياء يقبلها التصور، بل هي عدم ينقطع عن الوجود، أو كائن لا تمييز فيه ولا ~~تكليف، ولا حسنة ولا سيئة، ولا ثواب ولا عقاب. # فإذا وجد المخلوق حرا ذا إرادة، فلا وجود له إلا بهذا الاختلاف في حكم العقل كيفما ~~كان حكم النصوص. # وإذا قضى العقل بهذا دون سواه، فالعقل هو الذي يتصور إرادة الله وإرادة الإنسان على ~~احتمال واحد دون سواه. # وحكم الإيمان هنا وحكم العقل متماثلان؛ إذ كان كل ما عدا حرية «الإيمان» فرضا غير ~~معقول، بل غير موجود. ~~••• # ونحن إذن في حل من القول بكفاية العقل وحده لتلقي خطاب التكليف؛ إذ كان المؤمن ~~والفيلسوف معا يذهبان بالعقل بين نقائض الفروض، فلا يستقران على فرض ممكن أو صالح غير ~~اعتماد التكليف على العقل، واعتماد العقل على الإيمان، والإنكار الجزاف يوقع ms027 العقل في ~~نقيضين، وهو تعطيل للعقل أفضل له من كل تعطيل. # وإنما تساورنا الحيرة في مسائل الإيمان عامة من خطأ شائع يوهم أناسا من المتدينين ~~والمنكرين: أن الإيمان على الدوام تسليم بما يأباه العقل وبما يتقبله - إذا تقبله - وهو ~~مغمض العين، مكتوف اليد، يتساوى منه النظر وترك النظر، بلا اجتهاد ولا محاولة ولا ~~موازنة بين ما يجوز وما يمتنع كل الامتناع. # هذا إيمان يلغي العقل ويلقي به بعيدا إلى طرف التصديق بغير سؤال ولا انتظار جواب؛ ~~فإما عقل ولا تصديق، وإما تصديق ولا عقل: ضدان لا يجتمعان. ~~••• # والفرق بعيد بين الإيمان الذي يلغي العقل، والإيمان الذي يعمل فيه العقل غاية عمله، ~~ثم يعلم من ثم أين ينتهي وأين يبتدئ الإيمان. # إن الإيمان هنا نتيجة لعمل العقل غاية جهده، وليس نتيجة لإهماله وإبطال وجوده. # والعقل يستطيع أن يصل إلى هذه النتيجة، فتلزمه حجة الدعوة إلى التصديق بالغيب ~~المجهول. # والعقل يستطيع أن يعلم بضرورة الإيمان؛ لأن إنكار هذه الضرورة نقيضة عقلية، وليس ~~بنقيضة للدين والعقيدة وحسب، ولا سبيل للعقل إلى الإيمان بموجود كامل مطلق الكمال يصح ~~أن يؤمن به غير الاعتراف بضرورة هذا الإيمان ولزومه - منطقا - قبل لزومه لهداية ~~الضمير. # فالموجود الذي يصح أن نؤمن به هو وجود كامل أبدي ليست له حدود. # والموجود الذي ليست له حدود لا يحيط به إدراك العقل المحدود. # فما النتيجة اللازمة لهذه الحقيقة التي لا شك فيها؟ # هي إحدى اثنتين: إما إنكار جزاف، وإما تسليم بحقيقة تفوق إدراك العقول. # الإنكار معناه أن سبب الإيمان الوحيد يكون هو السبب الوحيد لكل تعطيل. # والإنكار الجزاف يوقع العقل في نقيض، وهو تعطيل للعقل أفضل له من الإنكار. ~~••• # إن الموجود السرمدي الكامل المطلق الكمال هو الإله الذي نريده بالإيمان، وهذا هو حقه ~~في إيمان العقلاء بوجوده وربوبيته. # ولكن العقل المحدود لا يحيط بالوجود المطلق الذي ليست له حدود. # أفيقول العقل إذن: لا إيمان بهذا الموجود المطلق؛ لأنه الموجود الذي يصح في العقل أن ~~نؤمن به ونبحث عنه، ولا يصح في ms028 العقول إيمان بغيره؟ # العقل لا يقول هذا. # والعقل إذا قال بضرورة الإيمان على هذه الصفة، وبهذا الحق، لم يكن قد ألغى عمله وأبطل ~~وجوده، بل هو يبلغ بذلك غاية عمله، فهو عقل يزيد عليه إيمان. # إن العقل الذي يزيد عليه الإيمان هو العقل الذي خاطبه القرآن بالتكليف، أو هو العقل ~~المؤمن الذي تعنيه النبوة بالتذكير والتبشير، وهو المسئول أن يستمع إلى النبي المرسل من ~~عالم الغيب، فلا معذرة له بعد حجة الغيب والتسليم، وبعد حجة الشهادة والتفكير. ~~••• # ومع التسليم بهذا الموجود الكامل، لا يعرف عقل الإنسان تكليفا غير التكليف الذي ~~بسطته نصوص القرآن، فلا معنى للتكليف أصلا إن لم تكن فيه طاعة وحرية، ولا معنى للحرية ~~من وراء إرادة الخالق وإرادة المخلوق. # | أسرة واحدة # خيل إلى علماء القرن السابع عشر من الغربيين أنهم مطالبون بتغيير كتاب العلم من ~~الألف إلى الياء، وأن تعريف شيء من الأشياء بأنه من عقائد القرون الوسطى كاف لرفضه ~~ولإعادة بحثه، ثم إعادته إلى الاصطلاح بمدلول جديد. # وأول هذه التعريفات المتبدلة تعريف الإنسان حسب موضعه من هذا العالم؛ لأن الإنسان لم ~~يزل في كل عصر، وفي كل علم، وفي كل عقيدة مقياسا لما عداه من خلائق هذا العالم، بل ~~مقياسا للعالم أجمع، يتبدل النظر إليه كلما تبدل النظر إلى الوجود بأسره. # ولم يتبدل النظر إلى مركز الكرة الأرضية من الأجرام السماوية، حتى خيل إلى كثير من ~~الفلكيين والجغرافيين أن حقائق السماوات والأرضين قد تغيرت؛ لأن الكرة الأرضية مركز ~~الإنسان. # وقد أعيد النظر إلى مكان الإنسان من الخليقة كلها، فوضعه علماء الحيوان بموضع واحد مع ~~طبقة الأحياء التي عرفوها باسم الأوائل Primates # وهي ~~في الذروة من طبقات الحيوان اللبون. # وأعيد «تصنيف» هذا النوع الحيواني، فذهب بعضهم بعيدا في تقسيمه إلى عناصر، وإلى ~~الرجوع بكل عنصر منها إلى نوع من القردة الأوائل، كما سيجيء في الكلام على آراء ~~النشوئيين القائلين بالتطور والارتقاء. # والذين قالوا: إنه نوع واحد لم يرتابوا في تقسيمه إلى «عناصر» أو سلالات تكاد - لولا ~~التناسل ms029 فيما بينهما - أن تعتبر أنواعا مستقلة بتراكيب أبدانها وعقولها، بل قال بعضهم: ~~إن تجارب العلم لم تثبت إمكان التناسل بينها، ولم تنف إمكان التناسل بين بعضها وبعض ~~أنواع القردة المشابهة للبشرية، ويجب أن نتمهل قليلا قبل التحقق من أن السلالات ~~الإنسانية كلها قابلة للتوالد فيما بينها، كما يتوالد ذكور الحيوان وإناثه من النوع ~~الواحد بغير عائق للنمو في دور الحمل ودور الطفولة. # والذين قنعوا باختلاف العناصر والسلالات لم يقنعوا بالقليل من فوارق هذا الاختلاف؛ ~~فمنهم من كاد يجعل السلالة «الآرية» نوعا «سيكولوجيا» يضارع النوع «البيولوجي» في ~~الاختلاف، وفي قابلية «التفاهم» والتعامل و«تناسل» العواطف والأفكار. # وعادوا بعد الحرب العالمية الثانية إلى التراجع السريع في هذا «التصنيف»، الذي خيل ~~إلى أصحابه قبل جيل واحد أنه حقيقة واقعة تستغني بالنظر عن البرهان، وما كانوا ليسرعوا ~~هذا الإسراع في التراجع لولا بلاء «الإنسانية» بعواقب ذلك «التصنيف» الوبيل؛ لأنه ~~التصنيف الذي سوغ لعنصر من العناصر أن يستبيح السيادة على الأمم عنوة، وأن يستكثر حق ~~الآدمية على تلك الأمم التي لم يدخلها معه في قرابة الإنسان للإنسان. # فمن كبار علماء الأنواع في العصر الحاضر من يقول، كما جاء في كتاب «قرن من مذاهب ~~دارون»: «إن التفرقة بين عناصر النوع الإنساني اعتساف أو توسع في التعبير، فقد نقسم ~~النوع الإنساني إلى عنصرين كبيرين يسكن أحدهما في القارتين الآسيوية والأوروبية ~~والأمريكتين، ويسكن الآخر في أفريقية وبلاد الملايا والقارة الأسترالية، فإذا أردنا ~~المزيد من الحصر، فقد نقسمها حسب الألوان إلى بيضاء وصفراء وحمراء وسوداء وسمراء، ~~ونزيد حصرا فنبلغ بها ثلاثين، ولا يمنعنا أن نجعلهم مائتين إلا صعوبة التفاهم على هذا ~~التقسيم.» ~~••• # فحوى هذا أن فوراق العناصر فوارق أسماء وعناوين، وأن «الإنسان» أسرة واحدة على تعدد ~~أبنائها، وتعدد أقسامها، واختلاف الألقاب اللغوية التي تطلق على تلك الأقسام. ~~••• # فحوى هذا أن القرآن قد وضع الإنسان - علما ودينا - في موضعه الصحيح، حين جعل تقسيمه ~~الصحيح أنه «ابن ذكر وأنثى»، وأنه ينتمي بشعوبه وقبائله إلى الأسرة البشرية التي لا ~~تفاضل بين الإخوة فيها ms030 بغير العمل الصالح، وبغير التقوى. # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم إن الله عليم خبير ~~(الحجرات: 13). # وقد نسميهم باصطلاح الأسماء «أمما» كثيرة كلما تباعدت بينهم المواطن، وتحيزت بهم ~~الحدود، وتشعبت بينهم العقائد واللغات، ولكنهم قبل هذا الاختلاف أمة واحدة لها إله ~~واحد: هو رب العالمين. ~~••• # فإذا كانوا قد تعددوا شعوبا وقبائل كما جاء في الآية الشريفة، فإنما كان هذا التعدد ~~أقوى الأسباب لإحكام صلة التعارف بينها، وتعريف «الإنسانية» كلها بأسرار خلقها؛ فإن ~~تعدد الشعوب والقبائل يعدد المساعي والحيل لاستخراج كنوز الأرض، واستنباط أدوات ~~الصناعة، على حسب المواقع والأزمنة، وعلى حسب الملكات والعادات التي تتفتق عنها ضرورات ~~العيش والذود عن الحياة، فينجم عن هذا ما لا بد أن ينجم عنه من تعدد الحضارات، وأفانين ~~الثقافة، وتزداد «الإنسانية» عرفانا بأسرار خلقها، وعرفانا بخالقها، واقترابا فيما ~~بينها، وتضطر إليه اضطرارا لما تحسه من اشتباك منافعها، وسريان الضرر من قريبها إلى ~~بعيدها: # ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين ~~(الروم: 22). # وهذا هو حكم القرآن في وحدة بني الإنسان، وفي تدعيم هذه الوحدة بما يحسبه الناظر ~~المتعجل بابا من أبواب الإفراق والتباين، وهو تعدد الشعوب والقبائل واختلاف اللغات ~~والألوان: # وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون ~~(يونس: 19). # كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين ~~(البقرة: 213). # ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ~~(هود: 118). # ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ~~ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات ~~(المائدة: 48). # إن هذه الوحدة في صلة الإنسان مشدودة الأزر بالوحدة بين الناس كافة في الصلة بالله - ~~ربهم ورب العالمين - الذي يسوي بينهم، ويدينهم بالرحمة والإنصاف، ثم لا يقضي بينهم ~~فيما اختلفوا فيه إلا بقسطاس العدل، أيهم أحسن عملا وأقرب إلى التقوى واستباق الخيرات: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم ~~(البقرة: 163). # قل إنما ~~أنا بشر ms031 مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا ~~(الكهف: 110). # إن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ~~(الأنبياء: 92). # قل إنما يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ~~(الأنبياء: ~~108). # ولقد كان من الحق في ذمة العلم أن يتريث علماء المقابلة بين الأديان طويلا عند هذه ~~المرحلة العظمى في تاريخ العقيدة، وفي تاريخ الفكر، وفي تاريخ القيم الأخلاقية، بل في ~~تاريخ الحياة الإنسانية من مطلعها، في ظلمات الماضي المجهول، إلى هذا الأوج السامق الذي ~~ارتفعت إليه بعد ألوف السنين، وما كانت لترتفع إليه بعمل ولا عقيدة غير العقيدة في رب ~~واحد هو رب العالمين. # إنها لم تكن كلمة في موضع كلمة، ولم تكن صفة من صفات التقديس بديلا من صفة مثلها، ~~ولم تكن رمية من غير رام على لسان ناسك ذاهل يقول في تسبيح المعبود كيف يقول. # إنها لم تكن لفتة من لفتات الساعة تهيم بالنظر الشارد في تيه من السحر والكهانة، ثم ~~لا تبالي أن تعود إلى خلفها كما تعود إلى أمامها على غير هدى. # لو كانت كذلك لذهبت في غمار الكلمات والأوهام، ولم يبال من لفظ بها أو استمع إليها ~~أن يعيدها مرتين. # ولكنها كانت قبلة يستقبلها الإنسان على سواء لم يكن بالغه لو لم يعتدل إليه في ~~مطلع الطريق، وهيهات - على غير هذه القبلة - أن ينتظم للإنسان مسلك معقول إلى الرشد ~~والضمير. # إن قيم الأعمال والأخلاق لا قوام لها مع الإيمان برب هو رب هذا القبيل أو هذا الشعب، ~~بين من خلق الله من قبائل لا يختارها وشعوب لا ينظر إليها. # وإن هذه القيم لغو عند أناس يحيق بهم الذنب وما اقترفوه، ويهبط عليهم الغفران وما ~~صعدوا إليه، ويتقلبون بين النقمة والنعمة بغير جريرة من إثم، وبغير شفاعة من توبة، ~~وبغير نية للإساءة ولا نية للتكفير. # إن العالم الإنساني كلمة غير مفهومة عند من يدين برب غير رب العالمين، وإن قيم ~~الأخلاق كيل جزاف حين ms032 تنقطع الأسباب بين الحسنات والسيئات، وبين الثواب والعقاب، وإن ~~«الإنسانية» الجامعة شيء لا وجود له قبل أن يوجد «الإنسان المسئول». # وإنما توجد «الإنسانية الواحدة»، ويتساوى الإنسان والإنسان مع الإله الواحد الأحد، رب ~~الناس ورب العالمين أجمعين، أفضلهم عنده أتقاهم وأصلحهم وأسبقهم إلى الخيرات. # وما التقوى؟ # التقوى كلمة واحدة تجمع كل وازع يزع الضمير. # وأقدر الناس على أمانة التقوى أقدرهم على النهوض بالتبعة، وأعرفهم بمواضع المعروف ~~والمنكر، والمباح والمحظور. # والإنسان التقي مرة أخرى هو الإنسان «الإنسان». # ما هذه التقوى التي يتعلق بها كل فضل للإنسان عن رب العالمين؟ # لو شاء فلاسفة الأخلاق لعلموا ما هي هذه التقوى، وعلموا حقا أن موازينهم جميعا لا ~~تحسن الترجيح بين فضل وفضل، وبين قدرة وقدرة كما تحسنه هذه «التقوى» التي يحسبونها ~~«تسبيحة» من تسابيح المعابد، ويخيل إليهم أنها أفشل من أن تنفع العالم المحقق في ~~مقام الموازنة والتفضيل، فليس بين فاضل ومفضول قط من رجحان غير رجحان الأفضل في القدرة ~~على التبعة، بما طاب لهم من ألوان التبعات. # هي موضع الرجحان للعالم على الجاهل، وللرشيد على القاصر، وللذكي على الغبي، وللقادر ~~على العاجز، وللمهذب على الفدم، وللمجدود على المحروم، وللغني على الفقير، وللسيد على ~~العبد، وللحاكم على المحكوم، ولصاحب الخلق المكين على صاحب الخلق الهزيل، ولكل فاضل - ~~بالإيجاز - على كل مفضول، وما من ميزان آخر ينفع فلاسفة الأخلاق في طائفة من هذه الخصال ~~إلا خذلهم في طائفة غيرها، بل في أكثرها وأحوجها إلى الموازنة والتفضيل. # فليست «جملة» الإنسان ماثلة في تفضيل العلماء على الجهلاء، أو الراشدين على ~~القصر، أو الأذكياء على الأغبياء، أو غير هؤلاء على غير هؤلاء من الفاضلين على ~~المفضولين؛ فإن العالم يفضل الجاهل بالعلم ولا مراء، ولكنه قد يئوب مفضولا عند ~~المقابلة بينهما في باب من أبواب الخبرة، أو نزعة من نزعات الفطرة. # وهكذا كل راجح وكل مرجوح بميزان المال أو النسب أو الخلائق والعادات، ولكننا إذا ~~حكمنا بأن إنسانا يفضل إنسانا بالقدرة على تحمل التبعات، فهو الراجح لا مراء في كل ms033 ~~ميزان من موازين المفاضلة بين بني الإنسان، وكل قيمة تحسب للإنسان فهي داخلة في هذا ~~الحساب، فإن جاز أن تهمل ويبقى الإنسان بعدها أهلا للرجحان بالتبعات؛ فهي مهملة حقا ~~ولو كان لها شأنها في غير هذا الإنسان. # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~(الحجرات: ~~13). # صدق الله العظيم، إنه لهو القسطاس الذي ينشئ «للإنسانية» حقوق المساواة بين أبنائها ~~دينا وعلما، وفلسفة وشريعة، وإلهاما من الوحي الإلهي، وتمحيصا من البديهة ~~الإنسانية. # ومكان الوحي الإلهي في هذه المساواة أنها قد شرعت للإنسان شريعتها حقا من حقوق ~~الخلق والتكوين، ولم تشرعها له وسيلة من وسائل الحكم، وإجراء من «إجراءات» السياسة في ~~إبان الخطر المطبق خيفة من ثورة النفوس، وتنافسا على عدد الأصوات في معارك الانتخاب؛ ~~فإن أحدا ممن خولهم القرآن تلك المساواة لم يطلبها، ولم يكن لينالها قبل أن تنزل عليه ~~من وحي رب العالمين، ولكنها لم تنشأ في حضارة من حضارات العالم القديم أو الحديث إلا ~~كان وراءها حيلة، أو وسيلة سياسية، أو مراوغة تمليق وتسكين. # ولولا حروب أثينا وإسبارطة، وحروب رومة وفارس، وحروب الأمم في القرن العشرين، لما سمع ~~«ديموس» بشيء يسمى الديمقراطية، ولا رضخ «الديموقراطيون» المتأخرون بشيء لذوي المعاول ~~والمناجل، أو لذوي الألوان المجندين للمصانع والمعسكرات، ولا سمع العالم بمساواة بين ~~بني آدم لا فضل فيها لأحد منهم على أحد بغير العمل الصالح وتقوى الله. # | آدم # قصة آدم عليه السلام في القرآن هي قصة الإنسان الأول. # خلق من تراب، وارتقى بالخلق السوي إلى منزلة العقل والإرادة. # وتعلم من الأسماء فضلا من العلم ميزه على خلائق الأرض من ذي حياة وغير ذي ~~حياة. # وقضي له أن يكسب فضله بجهده، وأن يكون جهده غلبة لإرادته، وانتصارا لعقله على ~~جسده. # وقصة هذه النشأة الآدمية يستوفيها القرآن في هذه الآيات: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ~~(المؤمنون: 12). # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ ~~خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة ~~من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه ms034 من ~~روحه ~~(السجدة: 6-9). # وإذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ~~* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ~~له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~* إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~الساجدين ~~(الحجر: 28-31). # وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * ~~وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ~~فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم ~~إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين * وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا ~~اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(البقرة: ~~30-38). # هذه قصة «نشأة آدم» في القرآن. # وهي إحدى قصص الخلق والتكوين، وفي هذه القصص جميعا من أمر الغيب ما هو حق الإيمان، ~~وفيها من أمر الحياة الإنسانية ما يسعه خطاب العقل، ويتقبله بعلم منه يوافق الإيمان، ~~وهو العلم بقيم الحياة، أو العلم «بالقيم» العليا في حياة الإنسان وسائر ~~الأحياء. # ولباب القيم جميعا أن الفضيلة العليا إرادة وتجربة، وليست منحة يبطل فيها التصرف، ~~ويمتنع فيها التمييز. # فإذا جردنا من عالم التصور مخلوقا يعقل، ولكنه يحسن ويعجز عن الإساءة لأنه مصروف ~~عنها، ومخلوقا تأتي منه الحسنة كما تأتي منه السيئة لأنه لا يميز بينهما ولا يريدهما، ~~ومخلوقا تكلفه الحسنة جهدا ويريدها لأنه يعرف فضلها، ويصبر ms035 على المشقة في سبيلها، ~~فنحن قد ذهبنا بالتصور غاية مذهبه لنقف عند قصة آدم والملائكة ، وما في الأرض والسماء من ~~خليقة ذات حياة أو غير ذات حياة. # وعلينا أن نمعن بالتصور مدى آخر وراء هذا المدى من تاريخ الإنسان، وذلك هو المدى الذي ~~نطلع منه على «سياسة الخلق والتكوين» على كل صورة من الصور مرة أخرى في احتمال العقل، ~~أو في احتمال الفرض والتقدير. # إننا نعلم من سياسة الخلق أن الأجسام الحية نشأت على الكرة الأرضية قبل نشأة الإنسان، ~~فكادت أن تبلغ مبلغ الجبال الصغار، وثقل بعضها وزنا حتى أربى على مئات الأطنان، ثم ~~فنيت لأنها قصرت عن ملكة التدبير التي تروض بها هذه الأجسام الضخام، ولسنا نعلم شيئا ~~بغير السماع والإلهام عن خلائق العقل التي تفردت فيها العقول عن الأبدان. # والعقل الإنساني يأبى أن يصدق أن هذا الكون خلو من معدن العقل إلا أن ينبت عرضا في ~~جزء من مادة الأرض بعد نشوء الإنسان. # أقرب إلى تصديقه - ولا نقول أقرب إلى إيمانه وكفى - أن سياسة الخلق والتكوين تصرفت في ~~مقادير العقول، كما تصرفت في مقادير الأبدان إلى غاية ما تبلغه من الضخامة بمعزل عن ~~العقل وعن فضائل التمييز. # تلك سياسة الخلق التي أذنت للكائنات العاقلة في عالم الروح أن تعلم مداها من الرقي في ~~معارج الحياة، وأن تتلقى الأمر بالسجود للقيمة الجديدة التي تنفرج عنها أستار الغيب، ~~ويودعها الخالق هذا الكيان الموسوم بالإنسان. # ومن بديهة الإيمان أن تدع للدين حقه في تبليغ هذه النشأة إلى المؤمنين بالغيب، وأن ~~تدع للعقول حقها فيما وسعت من علم، وفيما وسعها من تعليم. إن النشأة الآدمية في القرآن ~~هي طريق الحياة من الأرض إلى السماء، أو هي طريق الكائن الحي من المادة الصماء إلى ~~الخلاق الحكيم. # ولا يأبى القرآن على المؤمن به أن يرسم مسلك الحياة من المبدأ إلى المصير على هذا ~~الطريق الخفي البين، فإنه لعلى الجادة في كل مكان يردها إلى الأرض ولا يقطعها عن ~~الله. # الكتاب الثاني # | الإنسان في مذاهب ms036 العلم والفكر # | عمر الإنسان # نبدأ هذه الفصول عن الإنسان في مذاهب العلم والفكر بفصل عام عن عمر الإنسان في هذا ~~العالم؛ لأن تقدير الزمن الذي مضى على ابتداء حياة النوع الإنساني مرتبط بكل بحث عن أصل ~~الإنسان في جميع المذاهب، ولا سيما مذهب النشوء أو التطور، وهو أول مذهب يتعين البحث ~~فيه واستقراء ما يقال عنه، تأييدا وتفنيدا، في تقرير مكان الإنسان من هذا الوجود، ~~ومكانه بعد ذلك من عامة الأحياء. # ونرى أن هذا المذهب أول المذاهب التي يتعين بحثها هنا لأنه أحرى أن يسمى «مذهب ~~مذاهب»، وأن يدرس على سعة تخرجه من حدود المذهب الواحد الذي يقصر على موضوعه الأصيل؛ ~~فإنه ما كاد يظهر وينتشر بين أصحاب الدراسات حتى عاد هؤلاء يحسبون أنهم مطالبون بإعادة ~~النظر في موضوعاتها؛ للمقابلة بين قواعدها ومقرراتها قبل انتشار مذهب التطور وبعده، ~~فكتبوا عن تطور العلم، وتطور الفن، وتطور الأدب، وتطور السياسة، وعن أبواب شتى من ~~الدراسات يقال فيها اليوم غير ما قيل بالأمس؛ تبعا للقوانين أو النظريات التي جاء بها ~~النشوئيون. # وسنبسط القول في هذا المذهب على وجه خاص، على قدر المستطاع، في حيز هذه الرسالة؛ لأنه ~~على كل فرض من الفروض دعوى في قضية الإنسان يستمع إليها ولا تهمل كل الإهمال، ولو ~~اعتقد الناظر فيها - كما نعتقد - أنها تقوم على آراء لا تلزم منها النتيجة التي وصل ~~إليها النشوئيون لزوم الحتم، ولكنها معلقة إلى حين. ولنبدأ بالكلام فيما يلي عن عمر ~~الإنسان بتقدير العلوم العصرية، ولا تناقض بين شيء منه وبين شيء مما ورد في آيات ~~القرآن. # لم يوجب القرآن على المسلم مقدارا محدودا من السنين لخلق الكون أو لخلق الإنسان، ~~ولا نعلم أن ديانة من الديانات الكبرى التي يؤمن بها أبناء الحضارة عرضت لتاريخ الخليقة ~~غير الديانتين البرهمية واليهودية. # والديانة البرهمية لا تقدر عمر الكون أو عمر الحياة بمقدار محدود من السنين؛ لأنها ~~تقول بالدورة الأبدية التي تتكرر فيها حياة الإنسان مع حياة الكون بغير أجل معروف في ~~البداية أو النهاية. ms037 وعند البرهميين أن الكون فلك كبير، يتم دورته المتكررة مرة في كل ~~ثلاثمائة وستين ألف سنة. وقد يزاد هذا القدر أو ينقص في تفسيراتهم الدينية على حسب ~~المقادير المضاعفة عندهم للدورة الشمسية، وهي عندهم مثل صغير للدورة الكونية الكبرى، ~~كلما انتهت دورة بدأت دورة أخرى من دورات الوجود السرمدي عودا على بدء إلى غير ~~انتهاء. # أما المصادر اليهودية، فهي على حسب تحقيق الفقيه الكبير «جيمس يوشر» - المتوفى سنة ~~1596 - تدل على ابتداء الخليقة في شهر أكتوبر سنة 4004 قبل الميلاد. وقد شرح أسانيده ~~التي بني عليها هذا التقدير في كتاب ضخم سماه السجلات القديمة والعهد الجديد # Annales Veteris et Novi Testamenti ~~. # وأضيف هذا التاريخ إلى نسخة التوراة التي ترجمت على عهد الملك «جيمس»، وبهامشها ~~تواريخ الحوادث المذكورة في متونها. # وظل هذا التاريخ معتمدا في طبعات التوراة المنقولة عن هذه النسخة إلى العهد الأخير، ~~ثم أجمع شراح الكتاب العصريون، يهودا ومسيحيين، على تقدير السنين والأيام التي وردت ~~في صدد الكلام عن الخليقة بمقادير غير مقادير السنين والأيام الشمسية، واستندوا إلى أن ~~اليوم الشمسي وأن السنة الشمسية تساوي مدة دوران الأرض حول الشمس مرة واحدة، فلا يمكن ~~أن يكون اليوم من أيام الخليقة الستة يوما شمسيا؛ لأن الشمس نفسها خلقت في اليوم ~~الرابع كما جاء في الإصحاح الأول من سفر التكوين: # وقال الله: لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات ~~وأوقات وأيام وسنين، وتكون أنوار في جلد السماء لتنير على الأرض، وكان كذلك. ~~فعمل الله النورين العظيمين: النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم ~~الليل، والنجوم، وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض، ولتحكم على النهار ~~والليل، وتفصل بين النور والظلمة. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح ~~يوما رابعا. # وانقضى القرن السابع عشر والثامن عشر دون أن يعرض لعلماء الغرب، من مباحث الدين أو ~~العلم، شيء يدعوهم إلى تقدير عمر للخليقة يزيد على ستين قرنا بحساب السنين الشمسية، ~~ثم تتابعت الكشوف عن ظواهر الطبيعة ms038 كيفما تناولتها العلوم الحديثة، فتضاءلت هذه القرون ~~الستون حتى أصبحت كلمحة البصر الخاطفة بالقياس إلى أعمار الكائنات السماوية والأرضية، ~~بعد أن عرف العلماء حساب الزمن بالسنة الضوئية، وتحققوا من النظر اليقين إلى بعض ~~الكواكب أنهم يرونها الآن بعد أن مضى على انطلاق الشعاع منها ملايين من السنوات ~~الشمسية. # وتبين من تحقيق أعمار بعض الأشجار أنها نبتت قبل ميلاد المسيح، وقبل دعوة موسى الكليم ~~وإبراهيم الخليل، وتبين من بقايا النبات المتحجر أنه كان ينمو على الأرض قبل مئات ~~الآلاف من السنين، وقامت تقديرات العلم في قياس أعمار هذه الكائنات على معايير محققة لا ~~تقل ثبوتا عن قياس الساعات بحركة الرمل أو الماء في الساعات الرملية والمائية؛ لأنهم ~~يبنون هذه التقديرات على المعلوم المحقق من سرعة الإشعاع المعدني، أو مدى الوقت اللازم ~~لتحول العناصر، وأمثال ذلك من المعايير التي تصلح للقياس عليها، كما يصلح العلم بمقدار ~~الرمل أو الماء ومقدار الوقت اللازم لانصبابه في صندوقه قياسا لساعات النهار والليل، ~~وكما يصلح العلم بحركات الكواكب قياسا للسنين والشهور. # وقد اشتركت العلوم جميعا في اتخاذ مقاييسها لتقدير أعمار الكائنات، فقاس النباتي عمر ~~الشجرة بحلقات جذوعها، وقاس الطبيعي أعمار البحار بمقادير الملح الذي أفرغته الأنهار ~~فيها، وقاس عالم الطبقات الأرضية أعمار الصخور بتحول المعادن أو استقرار الرواسب، أو ~~بإشعاع العناصر، أو بالأحافير المتحجرة من بقايا النبات والحيوان. وكلها معايير معقولة ~~توغل بأعمار بعض الكائنات رجوعا إلى دهور محسوبة بمئات الألوف من السنين، وتمعن في ~~القدم حتى تحسب بمئات الملايين. ~~••• # وأحدث المقاييس العلمية التي تقاس بها عصور ما قبل التاريخ مقياس الكربون المسمى ~~بكربون (14)، تمييزا له عن كربون (12) المسمى بمقدار وزنه الذري، فإن العالم الأمريكي ~~«ويلارد لبي» # Willard Libby ~~، صاحب الدراسات المأثورة في ~~الطبيعيات الذرية، وجد - قبيل منتصف القرن - أن نصف ذرات هذا الكربون تتحلل في الأجسام ~~الحية خلال خمسة آلاف وخمسمائة وثمان وستين سنة، يعمل فيها حساب فرق التقدير بنحو ~~ثلاثين سنة إلى الزيادة أو النقصان. # فإذا جمعت بقايا العظام أو الفحم الحجري، فمن الممكن ms039 وزن ما فيها من كربون (14)، ~~وتقدير الزمن الذي انقضت فيه حياة الكائن الحي الذي تخلفت عنه تلك البقايا على حسب ~~المقدار المتحلل من ذلك الكربون، فإذا كان هذا المقدار نصفا، فقد مات ذلك الكائن الحي ~~قبل خمسة آلاف وخمسمائة وثمان وستين سنة، وإذا كان ذلك المقدار ربعا، فقد انتهت حياته ~~قبل نحو أحد عشر ألفا ومائة وست وثلاثين سنة، ويزيد عدد القرون كلما نقصت نسبة البقية ~~الباقية من الكربون (14) بالمقابلة بينه وبين الكربون (12)، مع ذلك الفارق القليل الذي ~~يحسب فيه الحساب لخطأ التقدير. # وبهذه المقاييس الكثيرة التي تضبط حساب القرون كما يضبط حساب الأيام والليالي ~~بالساعات الرملية والمائية قفل تاريخ الإنسان على الأرض راجعا إلى ألوف القرون، بدلا ~~من العشرات أو الآحاد، ووضع علماء الطبقات والحفائر مقادير الأعمار المتطاولة لكل طبقة ~~من الطبقات الأرضية وجدت فيها بقايا الأجسام البشرية، وقدروا للطبقة الحجرية ثلاثة ~~أدوار بين عليا ووسطى وسفلى، يتراوح تاريخها بين خمسة وسبعين ألف سنة وستمائة ألف ~~سنة. # وتنسب إلى الطبقة العليا بقايا الإنسان التي وجدت في الأقاليم الغربية من القارة ~~الأوروبية، وإلى الطبقة الوسطى بقايا الإنسان التي وجدت في أواسط القارة، وأقدم من هذا ~~بقايا الإنسان التي وجدت في القارة الآسيوية بين الصين وبلاد الملايا، ومثلها في ~~القدم أو أقدم منها بقايا الإنسان في أقاليم الجنوب الأفريقية. # وآخر البقايا الإنسانية التي وجدت في القارة الأفريقية جمجمة وجدها الدكتور «ليكي» # Leakey # في شهر يوليو سنة 1959، ووجد معها بقايا ~~حيوانات يظن الدكتور أن صاحب الجمجمة كان يصطادها لطعامه، ويستخدم في صيدها أسلحة حجرية ~~وجدت آثارها على مقربة منه، وقد استقرت هذه الحفائر تحت مجرى «أولدفاي» بتنجانيقا، ~~وسمي هذا الإنسان باسم علمي معناه الإنسان ~~الزنجي # Zinianthropus ~~، ولقبوه في الدوائر العلمية بلقب «كاسر الجوز» لضخامة فكه ~~وضروسه، ويقدرون تاريخه بنحو ستمائة ألف سنة، حسب قياس الزمن بتلك المقاييس المتعددة، ~~ومنها حساب زمن التحجر، وزمن تكوين الطبقة، وزمن التطور في تركيب العظام، وزمن البقايا ~~التي تخلفت من عظام الفك والأسنان. # وليس من المحقق أن ms040 يوغل التاريخ في القدم إلى كل تلك الألوف من السنين، ولكن المحقق ~~أن إيغالها إلى تلك الدهور كلها أو ما هو أقدم منها ليس بالأمر المستغرب في أقيسة ~~الزمن، أو أقيسة أعمار الحياة الإنسانية، بعد وضوح الحقائق الثابتة عن قدم تاريخ ~~الخليقة من ظواهرها الأرضية وظواهرها السماوية على السواء. # والمحقق كذلك أن الإنسان القديم الذي دلت عليه تلك البقايا كان يستخدم الآلات ~~الحجرية، ويستعين في كفاح أعدائه من الحيوانات الضارية بنصيب من الذكاء لم يكن معهودا ~~في حيوان منها، فهو في أقدم عهوده مميز بالعقل والنطق، وهما صفتان إنسانيتان لا تنفصلان ~~عن استخدام الآلة، ولا عن الخاصة المميزة للحيوان الناطق من اعتدال القامة، ومطاوعة ~~اليد للإرادة في حالات المشي والوقوف، ولولا ذلك لما استطاع الإنسان أن يستخدم السلاح ~~وأن يصنعه لإصابة الحيوانات الضارية من بعيد. ~~••• # أما الإنسان في مجتمعات الحضارة فلم ينكشف، بعد، أثر يدل على تاريخ له قبل عشرة آلاف ~~سنة أو نحوها، ونعني بإنسان الحضارة ذلك الإنسان الذي عرف الشريعة ونظام المعاملة، ~~وسخر الحيوان كما سخر العناصر الطبيعية في مصالحه المشتركة. # وقد وجدت في وادي النيل آثار الإنسان المقيم الذي كان يستخدم الأدوات الحجرية، ويعول ~~على محاصيل الأرض في تدبير طعامه وأسباب معيشته، ولكن المتفق عليه أن هذا الإنسان لم ~~يكن يعرف الكتابة، ولم تكن نقوشه على الحجر من قبيل الرموز المصطلح عليها لنقل الأفكار ~~وتسجيل الوقائع، ولكنها أقرب إلى الطلاسم السحرية، أو إلى أشكال الزينة، وإنها - على ~~هذا - لتعتبر مقدمة لازمة لنشأة المزايا التي تحقق الصلاح، وتكفل لصاحبها الدوام في ~~ميدان التنازع. # وليس لنا أن نأخذ مأخذ اليقين بروايات الأقدمين عن ماضيهم البعيد في حياة الثقافة ~~والحضارة الرفيعة، ولكنها روايات لا تهمل في صدد الكلام عن تاريخ الإنسان، وليس لنا ~~كذلك أن ننقضها بغير دليل. # كان هيرودوت - الملقب بأبي التاريخ - يعيش في القرن الخامس قبل الميلاد، وهو يروي في ~~كتابه الثاني عن كهنة الفراعنة أنهم يقدرون تاريخ الدولة من عهد ملكها الأول بثلاثمائة ~~وواحد وأربعين جيلا، أي ms041 بنحو أحد عشر ألف سنة على حساب ثلاثة أجيال لكل قرن واحد، ~~ويعتقد بعض الباحثين المحدثين أنه تقدير غير مبالغ فيه، وأن مواقع بعض الهياكل تدل على ~~انقضاء زمن كهذا الزمن قبل عصر هيرودوت في مراقبة فلكية سمحت بملاحظة الفرق بين السنة ~~الشمسية في التقويم القديم، وهذه السنة الشمسية في تقويمنا الحديث، وهو فرق يبلغ سنة ~~كاملة كل ألف وأربعمائة وإحدى وستين سنة، ولا سبيل إلى إدراك هذا الفرق في أمة تجهل ~~الرصد والتسجيل، وتعجز عن مراقبة هذه الفروق دورا بعد دور في تاريخها ~~الطويل. # 1 ~~••• # ومما يذكر، ولا يهمل، في صدد الروايات المتواترة عن الأمم دراسة رواية أفلاطون عن ~~القارة المفقودة التي سماها القارة الأطلسية، وذكرها في كتابين من كتبه المحفوظة؛ هما: ~~كتاب «تيماوس» # Timaeus # و«كريتياس» # Critis ~~، وروى من أخبار أهلها أنهم تقدموا في ~~الحضارة تقدما لم يدركه أحد من بعدهم، ثم غاصت بأهلها تحت الأرض على أثر زلزال من ~~زلازل العصور الغابرة، التي يظهر من أخبار الأقدمين أنهم كانوا يحسبونها من عوارض ~~الطبيعة الدائمة، أو عوارضها الدورية. # وقد بحث طلاب الأسرار في مجاهل الماضي المدثور عن موقع القارة المفقودة، فرجح عندهم ~~أنها كانت في موضع المحيط الأطلسي بين شماله ووسطه، وأنها زالت في إحدى الكوارث الكونية ~~التي قدروا لوقوعها سنة 9564 قبل الميلاد، فلم يبق منها إلا بعض الجزر ~~البركانية. # وقد كان أفلاطون أحد رواة هذه الأسطورة، فلقيت من عناية الأخلاف اللاحقة ما لم تلقه ~~أساطير عصره، وجاء فرنسيس باكون، فيلسوف العلوم التجريبية، بعد القرون الوسطى، فسمى أحد ~~كتبه باسم «الأطلسية الجديدة»، ووصف فيه العالم الجديد كما يتمناه. # إلا أن الغالب على المحدثين أن يتبعوا في هذه الرواية منهجهم «التقليدي» في كل رواية ~~تخلفت من العصور الأولى، وانتقلت إلى العصور الأخيرة مع أساطير الأقدمين، فحسبوها جملة ~~واحدة في عداد تلك الأساطير. وهو منهج كانت له مسوغاته القانونية في مرحلة الانتقال بين ~~ظلمات القرون الوسطى ومطالع الكشف والتحقيق عند أوائل القرن التاسع عشر، ولكن استقرار ~~عصر الكشف والتجربة العلمية ms042 خليق أن يوطد الأقدام على بر الأمان، ويسمح للباحث بالتردد ~~في الإنكار كما سمح له من قبل بالتردد في القبول، بل بالتعجيل إلى الرفض بغير حجة ولا ~~موازنة بين مسوغات التكذيب ومسوغات التصديق. # ولعل الكشوف الكثيرة التي تعاقبت خلال القرن التاسع عشر، وتبين منها أن روايات ~~الأقدمين لم تكن كلها من قبيل الأساطير، قد أقنعت أكثر الباحثين بأن الرفض بغير برهان ~~أضر بالبحث من القبول بغير برهان؛ لأن الذي يجزم برفض خبر قديم إنما يحكم بالاستحالة ~~على الممكنات الكثيرة التي تجوز ولا تمتنع في العقول، وخير منه - عقلا - من يقبل شيئا ~~ممكنا، وإن لم يقم البرهان على وقوعه فعلا كما وقع غيره من الممكنات. # وإذا حق لهذه «الأسطورة» أن تشفع لها رواية أفلاطون، فقد يكون من شفاعتها الحديثة ~~التي تزكي تلك الشفاعة الموقرة أن المحيط الأطلسي ينبئ الباحثين المحدثين عن صدوع ~~واسعة، يدل عليها تقابل الخطوط بين شواطئه الشرقية وشواطئه الغربية، وقد تدل عليها ~~أغوار القاع وسلاسل المواقع المنهارة على امتداده طولا وعرضا بإزاء قارات العالم ~~القديم والعالم الجديد. وهذه كلها كشوف متأخرة لم يعرف عنها الأقدمون شيئا حين تناقلوا ~~أخبارهم عن قارتهم المفقودة. # على أن الكشوف الأثرية في السنوات الأخيرة قد خرجت بأساطير القارات المفقودة من عالم ~~الأسرار إلى عالم الآثار، وطالعتنا باسم قارة جديدة في محيط آخر غير المحيط الأطلسي، ~~ولكن يقابله في الموقع ويشبهه في الظواهر والأغوار، وتلك هي قارة «مو» # Mu ~~، التي ألف عنها الكولونيل جيمس شرشوارد # chruchivard # كتابيه باسم: «قارة مو المفقودة»، و«أبناء ~~مو»، ويروي فيهما أخبار حضارات سابقة لعصور التاريخ، يرجع بها قدما إلى أكثر من عشرين ~~ألف سنة قبل الميلاد، ويعزز دعواه برموز وإشارات يفسرها بمعانيها اللغوية، ولا يقنع ~~باعتبارها من أشكال الزينة ونقوش البناء؛ لأنه يرى أن الرسوم الهندسية لا تبلغ هذا ~~المبلغ عند أمة تجهل الكتابة ونقل الأفكار بالعلامات والخطوط. ~~••• # وعلى عهدة المؤلف ننقل خلاصة كتابه عن القارة المفقودة مقتبسة من مقدمته لكتابه الآخر ~~عن «أبناء مو»، وفيها يقول ما فحواه: ms043 # إن قارة (مو) كانت قارة واسعة تقع في المحيط الهادي بين أمريكا وآسيا، ويقع ~~وسطها إلى الجنوب قليلا من خط الاستواء، ويقدر طولها من الشرق إلى الغرب بستة ~~آلاف ميل ، وعرضها بين الشمال والجنوب بثلاثة آلاف ميل، وقد دهمها زلزال عنيف ~~قبل نحو اثني عشر ألف سنة، فابتلعتها لجج المحيط، وغاص معها إلى قراره نحو ستين ~~مليون إنسان. # ويستدل على وجود تلك القارة بالآثار الكتابية والروايات المتوارثة التي ~~يتداولها أناس من أبناء الهند والصين وبورما والتبت وكمبوديا وأواسط أمريكا، ~~ومنها نقوش ورقوم شوهدت في جزر المحيط الهادي، تؤيدها روايات الإغريق والمصريين ~~الأقدمين، وتتوافر حولها الأساطير بين بقاع الدنيا المترامية على أرجاء الكرة ~~الأرضية. # وقد خطا الإنسان خطواته الأولى في سبل التقدم والمعرفة قبل نحو مائتي ألف ~~سنة، وانتهى قبل نكبة القارة بالزلزال إلى شأو من الحضارة لم نصل إليه حتى الآن ~~في حضارتنا الراهنة؛ لأن حضارتنا لا تدعي لها عمرا أطول من خمسة آلاف سنة، وهي ~~مرحلة قصيرة بالقياس إلى الشأو الذي يدركه الإنسان العاقل بعد ممارسة الحضارة ~~والصناعة مائتي ألف سنة. وليست حضارات الأمم الشرقية العريقة من الهند إلى بابل ~~ومصر إلا ومضات الرماد المتخلف من حضارة تلك القارة الغريقة. # وقد فسر المؤلف ما عثر عليه من الرموز والرقوم، واعتمد في بعض تفسيراته على ~~كهان المحاريب البرهمية، وعلى حلول الطلاسم التي انتهى إليها قراء الكتابات ~~القديمة على آثار المغرب والمشرق، ومنها آثار المايا وآثار الفراعنة، ويقول ~~المؤلف: إنه لم يأت برأي من عنده في كل ما بسط القول فيه من أخبار تلك القارة، ~~ولكنه رأى ما يراه كل قارئ لتلك النقوش والرقوم، يتقبل طريقة حلها كما شرحها ~~مشفوعة بأسانيدها، وبالأدلة التي تؤكد معانيها، وقد ثبت له من تلك الأدلة أن ~~بعضها يمتد في الأزمنة الماضية إلى سبعين ألف سنة. # ولكن الآثار التي نقلت من قارة (مو) نفسها جد قليلة، وغاية ما أمكن العثور ~~عليه من الآثار المتصلة بها أثران رمزيان مصنوعان من البرونز، يرجع تاريخهما ~~على الأقل إلى نحو ms044 عشرين ألف سنة، إذا كانا من مخلفات الحضارة التي بقيت على ~~أرض القارة الآسيوية بعد الزلزال وقبل الطوفان، وقد يرجعا إلى آماد أبعد من ذلك ~~جدا إذا كانا من مخلفات (مو) التي نقلت إلى بلاد القارة الآسيوية. # والجديد في قصة هذه القارة كما رواها مؤلف كتابي القارة المفقودة وأبناء «مو»، أنها ~~تحدثنا عن الإنسان «المتدين» في تلك العصور السحيقة، وأنها تصف لنا هذا الإنسان ~~«مخلوقا» مميزا بين جميع المخلوقات، وتربط بين خاصة التدين وبين هذه المزية التي ~~تفرده بين أنواع الأحياء، على خلاف المفهوم من مذاهب النشوئيين الذين جعلوا الإنسان ~~نوعا من هذه الأنواع بغير مزية تفصله عنها سوى مزية الارتقاء. # وقد ألم المؤلف بمشابهات عارضة بين مجمل الكلام عن الخليقة، وعن نكبات الإنسان في ~~العصور الغابرة، كما جاءت في الآثار الأولى وفي كتب الأديان الباقية، وغاية ما نقوله عن ~~توكيدات المؤلف وتخميناته معا، أن مسألة الإنسان المتحضر قبل عصور التاريخ ليست مما ~~يهمل في سياق يعرض لتاريخ النوع الإنساني، ولمكان الإنسان من كتب الدين. # | الإنسان ومذهب التطور # القائلون بالتطور فرقتان: منهم من يعمم تطبيقه على الكون كله بما اشتمل عليه من مادة ~~وقوة، ومنهم من يقصره على عالم الكائنات العضوية التي تشتمل على النبات والحيوان ~~والإنسان، ولا تحيط بما عداها من الموجودات غير العضوية. # والقائلون بالتطور العام يواجهون مسألة الخلق، أو مسألة الإيمان بالخالق في كلامهم عن ~~العالم، وعن القوى المسيرة له من خارجه أو داخله، ولا مناص لهم من التعرض لهذه القوى ~~برأي من الآراء. # فالذين يقصرون التطور على الأحياء يرجعون في تعليل تطورها إلى عوامل الطبيعة وما ~~تشمله من مؤثرات البيئة والمناخ، وموارد الغذاء، ووسائل الحصول عليه، ولا يضطرهم القول ~~بهذا التطور إلى التعرض لما وراء هذه العوامل الطبيعية بإثبات أو إنكار؛ فقد تكون عوامل ~~الطبيعة في مذهبهم خاضعة لقوة عالية فوق الطبيعة، تودعها ما تشاء من النظم والنواميس، ~~ولا يتناقض القول بالنظم الطبيعية عندهم والقول بما وراء الطبيعة، على حسب العقائد ~~الدينية أو المذاهب الفلسفية. # أما ms045 تعميم التطور على الكون كله فلا بد أن يسبقه السؤال عن القوة التي تملك تسيير هذا ~~الكون منذ الأزل إلى غير نهاية، ولا بد للقائل بتعميم التطور من الفصل في مسألة البداية ~~والنهاية، وهي لا تنفصل عن مسألة الخلق والخالق في جملتها. # فإذا كان تطور الأحياء يرجع إلى عوامل البيئة الطبيعية، فماذا خارج الكون كله يرجع ~~إليه تطور الكون منذ البداية الأولى؟ وكيف يتفق القول بالتطور والقول بالأبدية التي لا ~~أول لها ولا آخر إذا قيل: إن الكون موجود بلا ابتداء ولا ختام؟ # إن أشهر القائلين بالتطور العام هربرت سبنسر (1820-1903) الذي عرف التطور بأنه ~~انتقال من البسيط إلى المركب، وقال عن تطور الحياة: إنه توفيق دائم بين مطالب البنية ~~الحية وبين ظروفها الطبيعية، ولهذا يحدث التغير للبنية، ثم يحدث لها التوسع والامتداد، ~~وتترقى في وظائفها تبعا لاتساعها وامتدادها. # وقد عرضت له قضية البداية الأولى فلم يدخلها في حدود الطبيعة، ولم يخرجها من ~~حدودها، ولكنه قسم الحقائق الكونية إلى قسمين بالنسبة إلى المعرفة الإنسانية؛ أحدهما: ~~حقائق الأشياء في ذواتها وفي أصولها الأولى، وهي القسم الذي لا يدرك ولا يتقبل الإدراك ~~بالأساليب العلمية، والآخر: حقائق الأشياء في ظواهرها المحدودة، وهي التي يستطيع عقل ~~الإنسان أن يدركها بالاستقراء والاستدلال، ويظهر فيها عمل التطور إما باستخراج الأحكام ~~العامة من المشاهدات المتفرقة، أو بتفسير هذه المشاهدات على حسب تلك الأحكام. # وأصحاب هذا الرأي من القائلين بالتطور العام - على ترددهم في مسألة الأصول الأولى - ~~لا يتجاهلون هذه الأصول، ولا يفوتهم أن القول بالتطور العام يوجب عليهم أن يرجعوا إلى ~~المؤثرات الكونية التي تصدر منها الآثار المتغيرة، وتفسر لنا أسبابها، وأن إطلاق القول ~~بالتطور من مبدأ الكون غير تخصيص التطور بالكائنات العضوية، وتفسيره بالرجوع إلى ~~العوامل التي تحيط بتلك الكائنات، وتفعل فعلها أو تنفعل معها بمشاركتها، ولكن أصحاب ~~التطور العام على مذهب سبنسر يسلمون بتلك المؤثرات الكونية، ويتركون البحث فيها عجزا ~~عن الوصول إلى النتيجة، فيقفون بالمعرفة الإنسانية عند الآثار التي يدركونها، ويحجمون ~~عما وراء ذلك ms046 فيسلكونه في عداد «المجهولات» التي لا تدرك بالحواس والعقول. # ويبقى أصحاب التطور العام الذين لا يذهبون مذهب سبنسر في تقسيم المعرفة الإنسانية بين ~~مدرك وغير قابل للإدرك، وهو قبل ذلك مذهب الفيلسوف الأيقوسي هاملتون (1788-1856)، ومذهب ~~الفيلسوف الألماني عمانويل كانت (1724-1804) في الظواهر والحقائق، أو في الأشياء كما ~~تحس وتدرك، والأشياء في ذواتها. # فأصحاب التطور هؤلاء فريقان يقفان من مسألة الأصول الأولى موقفين متقابلين متناقضين، ~~وتفسير هذه الأصول عند أحدهما - وهو فريق المؤمنين - أنها من صنع الخالق الحكيم، وأن ~~القوة التي تصدر عنها آثار التطور في الكون كله منذ بدايته لا بد أن تكون «قدرة» فوق ~~الطبيعة، وفوق الكون، تودعه ما تشاء من النظم والنواميس. # والفريق الآخر - وهو فريق الماديين المنكرين - يكتفي من التفسير بذكر العوامل التي ~~ينسب إليها التأثير، واعتبارها طبيعة في المادة لا تفسير لها إلا أنها وجدت هكذا، ولا ~~يمكن أن توجد على صورة أخرى غير التي وجدت عليها. # فإذا احتاج الفيلسوف المادي إلى القول بالحركة الدائمة قال: إنها عادة المادة في أصل ~~تكوينها، وإذا لزمه القول بالتغير مع الحركة قال: إن المادة المتحركة متغيرة بطبيعتها، ~~وإذا لزمه بعد ذلك أن يجعلها متغيرة من البساطة إلى التركيب، ومن النقيض إلى النقيض؛ ~~فهذا القول عنده هو وصف للواقع وتفسير له في وقت واحد، وكذلك يفسر التقدم والارتقاء ~~وهما يستلزمان الغاية المرسومة، والنتيجة المقصودة، ولكن الفيلسوف المادي يحسب أنه فرغ ~~من التفسير بوضع كلمة «الضرورة» هنا موضع كلمة الغاية المقصودة. # وليس عند الفيلسوف المادي تفسير لهذا التعدد الهائل في ظواهر الكون وأجزائه، مع ~~ابتداء تطوره من وقت واحد أو مبدأ واحد، وجريان هذا التطور على مادة واحدة وقوة واحدة، ~~وليس عنده معنى لهذا التقدم أو غاية يتقدم إليها غير انقضاء أجل الكون مرة بعد مرة، ~~كلما انقضت دورة من دوراته الأبدية بين التأخر والتقدم أو بين الهبوط والارتقاء. # وكل هذه الفلسفة المادية تتلخص في كلمة تشبه كلمة الطفل حين تسأله عن سبب شيء فيقول ~~لك: «هكذا» بغير سبب، أو ms047 تشبه كلمة الجاهل الذي تسأله عما وقع أمامه فيقول لك: «وقع ~~وحده»، ولا تفهم منه علة لوقوعه أوضح من قول المادي الفيلسوف: إن المادة تتغير لأنها ~~متغيرة، وتتقدم لأنها متقدمة، وتنتقل من البساطة إلى التركيب ومن النقيض إلى النقيض لأن ~~ذلك كله من طبائعها. # ولولا أن المادي الفيلسوف يقرر مذهبه في التطور ليصل منه إلى نتيجة في المستقبل ~~يوجبها على الناس وعلى الزمن؛ لتساوى تفسيره للتطور وسكوته عن تفسيره، ولكنه لو اختار ~~أن يتنبأ بنتيجة تناقض تلك النتيجة، واختار أن يفسر ذلك أيضا بأنه طبيعة من طبائع ~~المادة، وطور من أطوارها؛ لما كانت حجته في إحدى النبوءتين بأقوى من حجته في ~~الأخرى. ~~••• # والقائلون بتطور الكائنات العضوية، ممن يقصرون القول عليها ولا يعممون تطبيق التطور ~~على جميع الكائنات، يميلون - على الأغلب الأعم - إلى القصد في التفسيرات والتعليلات، ~~ويتجنبون البحث في الأصول الأولى مكتفين من الأسباب بما يخضع للتجربة، ويصلح للتقرير ~~بأساليب العلم الطبيعي الحديث. # وخلاصة مذهبهم أن أنواع الأحياء تتحول وتتعدد على حسب العوامل الطبيعية، وأنها ترجع ~~جميعا إلى أصل واحد، أو أصول قليلة، لعلها هي الخلايا البدائية. # وليس القول بتقارب الأنواع أو بتدرجها رأيا حديثا مجهولا قبل ظهور مذهب دارون أو ~~مذاهب النشوئيين العصريين على العموم، ولكنه رأي قديم قال به فلاسفة اليونان وعرفه ~~مفكرو العرب، كما سنبينه في فصل آخر من فصول هذا الكتاب، وإنما الجديد منه إسناده إلى ~~أسباب العلوم الطبيعية التي شاعت بين أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، ~~وابتدأ القول به مع ابتداء البحث العلمي على مناهج العلماء المحدثين. # قال به العالم النباتي السويدي كارل لينوس (1707-1778) # Carl ~~Linnaeus # الذي عني بتصنيف الأنواع والأجناس في دراسته للنباتات، ~~وبنى على هذا التصنيف رأيه في أنواع الأحياء على التعميم. # وقد كان لمباحث هذا العالم أثر واسع في البيئة العلمية الإنجليزية، فأنشئ المجمع ~~الليني في لندن بعد وفاته بعشر سنوات نسبة إليه. # وقال به بوفون العالم النباتي الفرنسي (1707-1788) # Buffon # الذي ألف كتابه المفصل عن التاريخ الطبيعي ms048 ~~بمعاونة الأستاذ دوبينتو # Daubenton # وآخرين، واتخذ من ~~تصنيف أنواع النبات رأيا يماثله في تصنيف أنواع الحيوان. # وكان من المعاصرين لهذين العالمين إراسموس ~~دارون # Erasmus Darwin ~~(1731-1802)، جد دارون الذي ينسب إليه مذهب النشوء والتطور، ~~فكان رائدا لحفيده في القول بالتقارب بين الإنسان والحيوانات العليا، وعاش معه في عصره ~~العالم الفقيه الأيقوسي، لورد منبودو (1714-1799) # Lord ~~Monboddo ~~، صاحب كتاب «أصل اللغة وترقيها» وكتاب «ما وراء الطبيعة ~~في العصور القديمة»، ومذهبه في تطور الإنسان ظاهر من بحثه عن الأسباب الطبيعية لتطور ~~اللغة، وعن العلاقة بين الطبيعة وما وراء الطبيعة عند الأقدمين. # ويتبين من المقابلة بين تواريخ ميلاد هؤلاء العلماء، أن جو العلم الطبيعي في القارة ~~الأوروبية من شمالها إلى جنوبها كان قد تهيأ لدراسة الحياة والأحياء على أساس الوحدة في ~~قوانين الطبيعة، ولم يكن ذلك مقصورا على السويد وفرنسا وإنجلترا، بل صح من روايات ~~مؤرخي العلوم عند الألمان والروس أن هذه الآراء وجدت من يقول بها على نحو من الأنحاء، ~~وإن كانت روايات هؤلاء المؤرخين لا تخلو من مداخلة الفخر بالسبق العلمي بين الأمم ~~الأوروبية. # ولكن مذهب النشوء لم يعرف بتفصيله قبل العالم الفرنسي لامارك (1744-1829) # Lamarck ~~، ثم العالمين الإنجليزيين: شارل دارون ~~(1809-1882)، وزميله ألفريد رسل والاس (1823-1913)، وعلى مباحث هؤلاء العلماء الثلاثة ~~يقوم أساس مذهب النشوء أو مذهب التطور بشقيه المقدمين في اعتبار العلماء إلى ~~اليوم. ~~••• # وكل من لامارك ودارون ووالاس يقول بتحول الأنواع، ويرد كثرتها إلى نوع واحد أو أنواع ~~قليلة، ولكنهم لا يتفقون على أسباب التحول، ولا على الصفات والوظائف التي تنتقل ~~بالوراثة متى تغيرت في تكوين الأفراد. # ففي رأي لامارك أن أعضاء الجسم الحي تتغير بالاستعمال، أو بالإهمال، أو بطارئ من ~~طوارئ المرض والإصابة، وأن الصفات المكتسبة التي تتولد من ذلك تنتقل بالوراثة، ولا تزال ~~تتباعد بين الأفراد حتى ينفصل كل منهما بنوعه المستقل الذي لا يقبل التناسل مع غيره، ~~وقد ضرب المثل بالزرافة، وافترض أنها - لطول قوائمها - كانت تأكل طعامها من أطراف الشجر ~~العليا، وتعودت أن تمط ms049 عنقها كلما تجردت الفروع السفلى من أوراقها حتى بلغ غاية ~~امتداده، وثبت على هذا الطول في أعقابها المتوالية. # والنشوئيون الذين يرفضون القول بوراثة الصفات المكتسبة يستدلون على بطلان هذا الرأي ~~ببعض الصفات المكتسبة التي شوهدت منذ أجيال كثيرة، ولم يشاهد لها أثر وراثي في الأجنة ~~والمواليد، ومنها أن نساء بورما تعودن منذ أجيال أن يطلن أعناقهن بالأطواق العريضة؛ ~~يضعن طوقا منها فوق طوق حتى تبلغ من الطول غاية الاحتمال، ولا تزال بناتهن يولدن ~~بأعناق لا تزيد في طولها على أعناق البنين الذكور. # ومنها أن عادة الختان عند اليهود لم تعقب أثرا وراثيا بعد استمرارها منذ ثلاثين ~~قرنا أو تزيد، ويشاهد مثل ذلك في ذرية الحيوان الداجن التي تعود المدجنون له أن ~~يقطعوا أذنابه، أو يستأصلوا بعض أعضائه، فإنها تولد بأعضاء كأعضاء آبائها وأمهاتها بعد ~~انقضاء عدة أجيال على تدجينها. # ويرى النشوئيون الذين يقولون بوراثة الصفات المكتسبة أن قصر الزمن الذي مر على هذه ~~المشاهدات - بالقياس إلى الآماد الطوال التي مرت على تطور الأنواع الحيوانية - لا يكفي ~~للجزم بامتناع الوراثة على إطلاقها، وأن إهمال الأعضاء بالقطع ليس من شأنه ضرورة أن ~~يورث ولو طال عليه الأمد؛ لأن المقصود بالإهمال ما يحدث أثرا في قوام البنية ~~الباقية، أو ينشأ عن حدوث هذا الأثر فيها. # ويلجأ النشوئيون - على رأي دارون ووالاس - إلى تعليل آخر لحدوث التحول في الأنواع، ~~فيعللونه بالانتخاب الطبيعي والانتخاب الجنسي، مع القول بتنازع البقاء؛ لزيادة المواليد ~~الحية على الموارد الكافية لتغذيتها ووقايتها. # فالزرافة - عندهم - لم تنقل صفة مكتسبة إلى ذريتها، ولكن أفراد الزراف ولدت قديما ~~وفيها تفاوت في الصفات كما يتفاوت الأفراد في جميع الأنواع، وبقي أطولها عنقا لأنه ~~استطاع أن يبلغ أعالي الشجر؛ حيث يقل الطعام ويقصر غيره من أفراد الزراف عن بلوغه. وهنا ~~يعمل الانتخاب الطبيعي عمله، فتبقى ذرية الزراف الطوال العنق، وينقرض ما عداها، ويعمل ~~الانتخاب الجنسي عمله مع الانتخاب الطبيعي؛ لأن الأفضل من ذكور الحيوان وإناثه يفضل ~~على غيره عند الجنس الآخر، فيعقب كلا الجنسين المفضلين ms050 ذرية تشبهه في الامتياز على ~~سائر الأفراد. # وليس مثل الزرافة في رأي دارون بأسعد حظا من هذا المثل في رأي لامارك؛ لأن ~~المعترضين عليه يقولون: إن قلة الورق على فروع الشجر السفلى يبيد صغار الزراف، كما ~~يبيد أنواع الحيوان التي تعيش مثله على العشب أو على الشجر القصار، وأن ذكور الزراف ~~أطول أعناقا - في الغالب - من إناثه، فهي خليقة أن تفنى مع غيرها من الزراف القصار ~~الأعناق. # إلا أن الأكثرين من النشوئيين يعتبرون هذا الخطأ سوء تمثيل من دارون، ولا يجعلونه ~~سببا كافيا لبطلان القول بالانتخاب الطبيعي؛ فلو أن دارون نظر إلى مزية القوائم ~~الطوال، ولم ينظر إلى مزية العنق الطويل لأمكن تعليل بقاء الزراف الممتاز بالقدرة على ~~الجري بفعل الانتخاب الطبيعي والانتخاب الجنسي في وقت واحد؛ لأنه يفلت من مطارديه، ~~ويسبق سائر الزراف إلى أماكن المرعى كلما اضطرته ندرة المرعى إلى الانتقال من مكان إلى ~~مكان، وقد صح تمثيل دارون بأنواع شتى من الحيوان غير نوع الزراف فلم يصادفه فيها مثل ~~هذا الاعتراض. ~~••• # وبعد المقارنة بين الرأيين - رأي لامارك ورأي دارون ووالاس - يتضح أنهما ينتهيان إلى ~~نتيجة متشابهة؛ وهي ضرورة القول في النهاية بوراثة الصفات المكتسبة على طول الزمن، فإن ~~لم تنتقل بعد اكتسابها في حياة فرد واحد، فهي منتقلة بعد التجمع والتمكن من فرد إلى فرد ~~يتم بينهما التوارث فجأة، أو على أثر التدرج البطيء، ولم يكن في ذهن دارون فرض معلوم ~~غير طول الزمن يوم خالف النشوئيين من قبله في تعليله لتحول الأنواع. # وكل ما هنالك أن دارون جرى على عادته من اجتناب الأحكام الإيجابية كلما أمكن تعليل ~~الظواهر المجهولة بالعلل السلبية؛ فهو يقول: إن الأنواع تبقى لأن أسباب الانقراض عجزت ~~عن إبادتها، بدلا من القول بمؤثرات معينة تخلق الصفات، وتؤدي إلى انتقالها بالوراثة، ~~وتكاد آراؤه في تنازع البقاء وفي الانتخاب الطبيعي والانتخاب الجنسي أن تنتهي إلى نتيجة ~~واحدة؛ وهي أن الأحياء بقيت لأنها لم تنقرض، وأن أسباب الفناء عجزت عن إبادتها كما ~~أبادت غيرها. # وهذه العادة ms051 الذهنية هي في وقت واحد مصدر القوة ومصدر الضعف في تفكير دارون، وفي هذا ~~الضرب من التفكير على عمومه؛ فإنها دليل على الأمانة الفكرية التي تحجم عن تقرير حكم ~~معين قبل ثبوته والإحاطة بحقيقته، وهي كذلك موضع النقص الظاهر؛ لأن العوامل السلبية لا ~~تقوم عليها دلائل الخلق والإنشاء، وإن قامت عليها أحيانا دلائل الزوال الذي يفيد زوال ~~فريق وسلامة فريق. # وقد كان خطأ النشوئيين في تقرير مسألة الوراثة نقصا لازما لمباحث العلم الطبيعي في ~~القرن التاسع عشر، أيا كان رأي العالم الذي يقرر هذه المسألة؛ لأن أسرار الوراثة لم ~~تعرف قبل تقدم علم الناسلات (أو الجينات) # Genetics ~~، ~~وظهور فعل الناسلة # Gene # والصبغية # Chormosome # في نقل الخصائص والفوارق الفردية من ~~الآباء والأمهات إلى الأبناء. # فكل صفة لا تكمن في الناسلة ولا تحتويها صبغية من صبغياتها؛ فهي صفة عارضة لا تنتقل ~~إلى الذرية بالوراثة، ويقول الأستاذ نيفيل جورج - أحد ثقات هذا العلم: إن الانتخاب ~~الطبيعي لأجل هذا لا يصلح لتعليل مذهب النشوء أو مذهب التطور؛ لأنه يعلل زوال غير ~~الصالح ولا يعلل نشأة المزايا التي تحقق الصرح، وتكفل لصاحبها الدوام في ميدان تنازع ~~البقاء، ثم تفتح الباب لعمل الانتخاب الطبيعي في المستقبل عند التفاوت في تلك المزايا ~~الموروثة بين الأفراد، وإنما تنشأ هذه المزايا بعمل من أعمال الطفرة # Mutation # يكفي لإحداث التغيير المطلوب في الناسلة ~~وفي صبغياتها التي تنقل تلك المزايا بالوراثة. وقد أمكن العلم بالخواص التي تنقلها كل ~~صبغية من الصبغيات في بعض أنواع النبات والحيوان، وأمكن التأثير في الصبغية بفعل ~~العقاقير أو الأشعة السينية، ويقال: إن الأشعة الكونية تفعل هذا الفعل إذا نفذت إلى ~~بذور النبات والحيوان، وبها يعللون التحول المفاجئ كما يعللون الاختلاف الطارئ على ~~النبات في الألوان والأحجام والأشكال. # وتجرى تجارب الأشعة الآن لإحداث التحول الموروث في أنواع من الذباب والفراش، وقد ~~تؤدي التجربة فعلا إلى ظهور خاصة في الحشرة تغير ذريتها فتخالفها بعض المخالفة، ويثبت ~~الاختلاف بعد ذلك على سنن الوراثة المعروفة بالمندلية، نسبة إلى «مندل» صاحب ms052 التجارب ~~المشهورة في وراثة الحبوب. # ومن هذه التجارب تجربة تأثير الأشعة السينية على ذباب الفاكهة المعروف باسم ~~الدرسفيلة # Drasophila ~~؛ فإن تعريض الذبابة منه ~~للأشعة يغير ذريتها، فتأتي مخالفة لها في لون العين أو في طول الجناح، ويثبت هذا ~~الاختلاف بعد ذلك في أجيالها المتعاقبة على السنة المندلية المقررة لتنظيم خطة ~~الوراثة على نسق معروف من الأعقاب إلى الأعقاب. ~~••• # ويتجدد الآن سؤال قديم ملازم لفكرة النشوء منذ انتشار مذاهبه قبل تقدم علم الناسلات: ~~فما هو مدى سريان التطور على الجنس البشري؟ هل هناك حد فاصل بين البشرية والحيوانية؟ ~~وإذا أمكن غدا تحسين أنواع الحيوان بمعالجة الناسلات، فهل يمكن استخدام هذه الوسائل في ~~تحسين صفات الإنسان الفكرية والروحية؟ # إن النشوئيين قد تساءلوا عن هذا الفاصل منذ قرروا آراءهم عن التطور على قواعد العلوم ~~التجريبية، وأجابوا عنه إجاباتهم على حسب عقائدهم مرة، وعلى حسب أمزجتهم مرة ~~أخرى. # فالعالم الفرنسي بوفون يقرر أن تقسيم الأنواع يتناول الإنسان من جانبه الحيواني، ~~ولا يعرض لجوانبه المميزة له في عقائد المؤمنين، ودارون يقول: إنه يتكلم عن الأطوار ~~التي تؤثر في جسد الإنسان، ولا شأن له بما عدا ذلك من الملكات الروحية التي يقررها له ~~الدين. # وهذه الأجوبة من النشوئيين ليست بالأجوبة الحديثة في بابها على ذلك السؤال القديم، ~~فإن ابن سينا مثلا كان يقرر مذهب الطب في الأمراض التي تنسب إلى فعل الجان ~~والأرواح الخبيثة أو الطيبة فيقول: إنه لا ينفي هذا الفعل، ولكنه ينظر إلى آثاره ~~الجسدية فيرى أنها تحدث الأعراض التي يعالجها بعلاجها الطبي الموصوف لها عند ~~الأطباء. # وليس النشوئيون جميعا على منهج بوفون ودارون، أو منهج ابن سينا وأصحابه من علماء ~~الزمن القديم، فإن بعض علماء النشوء المحدثين - وعلى رأسهم أرنست هكل - ينكرون كل نسبة ~~للإنسان غير نسبته إلى أنواع الحيوان، ويجعلون لهذه النسبة شجرة تجمع بينه وبين القردة ~~العليا، وتنزل في جذورها إلى القردة المذنبة التي تعيش في أمريكا الوسطى وأمريكا ~~الجنوبية # Marnasets ~~، وقلما تحتمل الجو في الأقاليم ~~الشمالية، ومن دونها الليمور # Lemur ms053 # قرد مدغشقر، وهو ~~موضوع في شجرة النسب دون قردة «المرموز» الأمريكية. # ويرتب النشوئيون القردة العليا - صعدا - من الجيبون إلى الأورانج إلى الشمبانزي ~~إلى الغوريلا، وقد يفرقون بينها في درجات الرقي بحسب اعتمادها على تسلق الأشجار، أو ~~المشي على أديم الأرض والقدرة على الوقوف واعتدال القامة عند السير على قدمين؛ فأدناها ~~ما كان اعتماده كله على التسلق ، ومعيشته كلها فوق الأشجار، وأعلاها ما استغنى عن تسلق ~~الأشجار واحتاج إلى استخدام يديه وهو ماش على قدميه؛ فإن نمو الدماغ مرتبط بدرجة ~~العمود الفقري وعظام العنق، ودرجة التصرف باليدين عن قصد وإرادة لتحقيق عمل من ~~الأعمال. # ويزعم هؤلاء النشوئيون أن «التطور» الإنساني له علامات تبدأ من قردة الليمور وقردة ~~المرموز المذنبة، وتتدرج صعدا إلى الإنسان حيث يزول الذنب، وينمو الدماغ، وتتحول ~~اليد إلى أداة صالحة للتناول غير مقصورة على المشي أو التعلق بفروع الأشجار. ومجمل تلك ~~العلامات أنها بوادر الجلوس والوقوف واختفاء الذنب ومخالب القدمين واليدين. # ويذهب أحد النشوئيين المحدثين إلى القول بأن نوع الإنسان سابق لأنواع القردة بمئات ~~الألوف من السنين، وأن القردة العليا أناسي ممسوخة فقدت أوائل الصفات البشرية، وانحدرت ~~في الصفات العقلية والجسدية إلى ما دون تلك المرتبة بكثير أو قليل. # وصاحب هذا الرأي هو الدكتور هرمان كلاتش # Klaatsch # الذي كان يدرس علم الإنسان بجامعة برسلو قبل الحرب العالمية الأولى، وعنده أن إنسان ~~جاوة، الذي وجدت بقاياه المتحجرة وأطلق عليه العلماء اسم Pithecanth ~~ropus ~~، هو المرتبة الوسطى التي صعد منها خلفاؤها إلى ما فوقها، ~~وهبط منها الخلفاء الآخرون إلى ما دونها. # ويزعم «كلاتش» أن الإنسان ينتمي إلى أصول متعددة، ولا ينجم كله من أصل واحد؛ ~~فالمغوليون وقرد الأورانج من أصل واحد، وزنوج أفريقية والشمبانزي والغوريلا من أصل آخر، ~~ولكنه زعم لا تؤيده المقابلة بين هذه الأحياء في الخصائص التشريحية. ~~••• # ومن المفارقات أن هؤلاء النشوئيين النسابين لم يبلغوا بالقرد ذلك الشبه الذي تصورته ~~طائفة من الأقدمين قبل انتشار القول بالتطور واشتباك الأنواع والأجناس؛ فإن تلك الطائفة ~~من الأقدمين تصورت أن جميع ms054 القردة أناسي ممسوخون عقلت ألسنتهم، وبقيت لهم أفهامهم، وليس ~~بينهم وبين الناس من فارق غير الفارق الذي يباعد بين الكائنات المشوهة والكائنات السوية ~~من أصل واحد، ولكن شجرة النسب تحتاج إلى علم التشريح لالتقاط المشابه التي ترجح القول ~~بوحدة الأصول الجسدية بين الإنسان وبين أقوم الخلائق من أنواع الحيوانات العليا. # يقول آرثر كيت - من أكبر النشوئيين المتأخرين - في كتابه شجرة نسب الإنسان: # إن الأستاذ وود جونس لفت النظر إلى بقاء علامات كثيرة في تركيب الإنسان قد ~~اختفت من تراكيب القردة العليا وعامة القرود، وإن هذه القرود العليا وسائر ~~القرود قد احتفظت بعلامات شتى زالت من تركيب الإنسان. ولست أرى أن هذه الشذوذات ~~تستدعي تعديل النسب التي رسمتها هنا، ولكني أرى أن تفسيرها ينبغي أن يلتمس في ~~زيادة العناية بفهم قوانين الوراثة؛ فإن الكائنات الحية أشبه بأشكال الفسيفساء ~~المتداخلة، ينتقل بعض أنماطها بالوراثة ويختفي غيرها؛ فالغوريلا تولد في ~~أكبادها الفصيصات التي تتولد في أكباد القرود، بينما تقترب كبد الأورانج أشد ~~الاقتراب في تركيبها المتماسك من كبد الإنسان، ولكننا ينبغي أن نفترض أن هذين ~~الحيوانين تحدرا منذ عهود بعيدة من سلف مشترك يشبه تركيب كبده كبد ~~الحيوان. # ثم يستطرد إلى بيان الشبه بين الإنسان والقردة الأفريقية فيقول: # إن الإنسان له على جانبي تجويفه الأنفي سلسلة من الجيوب تسمى بأسماء العظام ~~التي تجاورها، ولا يسعنا أن نعتقد أنها تتولد على حدة في نوعين من الحيوان، ~~ويوجد هذا النمط الإنساني في كل من الشمبانزي والغوريلا، وإن كانت الجيوب في ~~الغوريلا وحدها قد اتخذت لها نمطا آخر. # ومن الجائز أن نمطا آخر كان موجودا في أنف سلف الأورانج، ويصعب التحقق منه ~~بعد انتكاس تركيب الأنف كله في هذا العضو الكبير من أعضاء الحيوانات القردية ~~العليا. وقد عرف أن دم الغوريلا ودم الشمبانزي أقرب استجابة إلى الانفعال بدم ~~الإنسان من جميع الفقاريات. وتبلغ العلامات المشتركة بين الإنسان وكل من ~~الشمبانزي والغوريلا نسبة - إلى سائر العلامات التي أحصيتها - تقدر بثمانية ~~وسبعة أعشار في المائة؛ ولهذا أتوقع أن ms055 بقية من بقايا المتحجرات تنكشف يوما في ~~أفريقية تعتبر السلف المشترك بين الغوريلا والشمبانزي والإنسان. # هذه هي العلامات التشريحية التي انتهى إليها أصحاب شجرة النسب من النشوئيين ~~المتأخرين، وما عداها من العلامات ووجوه الشبه لا يعدو أن يكون إعادة لتصوير المشابه ~~العامة التي يلمحها النظر لأول وهلة بغير حاجة إلى تشريح الأعضاء. وقد أحصاها الأستاذ ~~«شابمان بنشر» Pincher # في كتابه عن تعليل التطور، ثم ~~عقب عليها قائلا: «إنه لا احتمال لتسلسل الإنسان من القردة كما نعرفها؛ لأن القردة ~~منفردة بتركيب خاص يستحيل تشريحيا أن يتطور منه تركيب الإنسان؛ إذ كان الإنسان قد نما ~~له خلال مليون سنة دماغ أكبر، وقامة أقوم، ويد - فوق هذا وذاك - أصلح للتناول والتصرف ~~بالاستعمال.» # وهذا الفاصل الحاسم هو قصارى مدى الاقتراب بين النوع البشري وسائر أنواع الأحياء ~~بمقياس التطور وعلم الوراثة، يعبر عنه النشوئي فيقول: إنه سبق مليون سنة، ليلحق به ~~مدى الفارق الروحي في تعبير الدين. # | التطور قبل مذهب التطور # إن اختلاط الأنساب بين أنواع الحيوان خاطر قديم توارثه الأقدمون من أزمنة مجهولة، ~~وندرت أمة من أمم السلف البعيد لم تتواتر فيها الأخبار والأساطير عن التناسل بين أنواع ~~الحيوان، أو بين الإنسان والحيوان، أو بين الإنس والجن، أو بين الإنس وأرباب الأساطير ~~المشبهين بالإنسان. ومرد هذه الأخبار والأساطير - على الأكثر - إلى جهل الأوائل بوظائف ~~الأعضاء، وجهلهم بالشروط الحيوية التي تلزم للحمل والولادة وإمكان التناسل بين الأزواج ~~المستعدة للتناسل في النوع الإنساني، فضلا عن سائر الأنواع، فكل ما يلد من نوعه صالح ~~عندهم للتوليد من الأنواع الأخرى من الأحياء. # وقد سبق القول بالتطور وتدرج الكائنات كما سبق القول بتحول الأنواع وتناسلها، ولكن ~~لعلة غير تلك العلة مردها - على الأرجح - إلى المفاضلة والترتيب بين الكائنات على حسب ~~حظها من الحياة، أو من مشابهة الأحياء، ثم نشأت علوم الكيمياء والطب والزراعة، فكان ~~للعلم عمله في التفرقة بين المواد الكيمية المعدنية والنباتية والحيوانية، واشترك ~~الأحياء وغير الأحياء في مباحث الكيمياء، ثم جاءت في مباحث المتأخرين مقابلة الكيمياء ~~العضوية ms056 بالكيمياء غير العضوية. # ومما يشبه القول بتطور الكائنات وتدرجها قول الفارابي في شرحه لأقوال المعلم الأول من ~~كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة»: # إن ترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولا أخسها، ثم الأفضل فالأفضل، إلى أن ~~تنتهي إلى أفضلها الذي لا أفضل منه، فأخسها المادة الأولى المشتركة، والأفضل ~~منها الأسطقسات المعدنية، ثم النبات، ثم الحيوان غير الناطق، وليس بعد الحيوان ~~الناطق أفضل منه. # ويذهب الفارابي على هذا الترتيب في التفرقة بين الإنسان والإنسان بمقدار حظه من القوة ~~الناطقة، فيجيز أن يكون بعض أشباه الآدميين بالصورة الجسدية غير محاسبين، أو غير أهل ~~للحياة الأخرى. # ويقول الكتبي # 1 # وهو يتكلم عن طبائع القرد: «إن هذا الحيوان عند ~~المتكلمين في الطبائع مركب من إنسان وبهيمة، وهو من تدريج الطبيعة من البهيمة إلى ~~الإنسان.» # ويقول القزويني صاحب «عجائب المخلوقات» بعد تقسيمه الأجسام إلى نام وغير نام، وهو ~~ما يقابل اليوم تقسيمها إلى العضوي وغير العضوي: إن «أول مراتب هذه الكائنات تراب، ~~وآخرها نفس ملكية طاهرة، فإن المعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء، وآخرها بالنبات، ~~والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره ~~بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الملكية.» # وهذا الانتقال من المشابهة بالجسد إلى المشابهة بالنفس شبيه باحتراس النشوئيين ~~المحدثين عند التفرقة بين الإنسان من جانبه الحيواني، والإنسان من جانبه الروحي، أو ~~جانب القوى الأدبية الوجدانية. # ويقول إخوان الصفاء في رسالتهم العاشرة: # اعلم - يا أخي - أن أول مرتبة النباتية أو دونها مما يلي التراب هي خضراء ~~الدمن، وآخرها وأشرفها مما يلي الحيوانية النخل؛ وذلك لأن خضراء الدمن ليست ~~بشيء سوى غبار يتلبد على الأرض والصخور والأحجار، ثم يصيبها المطر فتصبح ~~بالغداة خضراء كأنها نبت زرع وحشائش، فإذا أصابها حر الشمس نصف النهار تجف، ثم ~~تصبح بالغد مثل ذلك من نداوة الليل وطيب النسيم، ولا تنبت الكمأة ولا خضراء ~~الدمن إلا في أيام الربيع في البقاع المتجاورة لتقارب ما بينها. # وأما النخل فهو آخر مرتبة النبات مما يلي الحيوانية، ms057 وذلك أن النخل نبات ~~حيواني؛ لأن بعض أحواله وأفعاله مباين لأحوال النباتات وإن كان جسما نباتيا، ~~وفي النبات نوع آخر فعله أيضا فعل النفس الحيوانية، وإن كان جسما نباتيا، ~~وهو الأكشوت، وذلك أن هذا النوع من النبات ليس له أصل ثابت في الأرض كما يكون ~~لسائر النبات، ولا له ورق كأوراقها، بل هو يلتف إلى الأشجار والزروع والبقول ~~والحشائش ويمتص من رطوبتها، ويتغذى كما يفعل الدود الذي يدب على ورق الأشجار ~~وقضبان النبات. # وإن أدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة، وهو الحلزون، وهي ~~دودة في جوف أنبوبة تنبت في تلك الصخور التي تكون في بعض سواحل البحار وشطوط ~~الأنهار، وتلك الدودة تخرج نصف شخصها من جوف تلك الأنبوبة، وتنبسط يمنة ويسرة ~~تطلب مادة تغذي بها جسمها، فإذا أحست رطوبة ولينا انبسطت إليه، وإن أحست ~~بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من مؤذ لجسمها، ومفسد ~~لهيكلها، وليس لها سمع ولا بصر ولا شم إلا ذوق اللمس حسب. # وهكذا أكثر الديدان التي تكون في الطين في قعر البحر وعمق الأنهار؛ ليس لها ~~سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم؛ لأن الحكمة الإلهية لم تعط الحيوان عضوا لا ~~يحتاج إليه في وقت جر المنفعة أو دفع المضرة؛ لأنها لو أعطتها ما لا تحتاج إليه ~~لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها: فهذا النوع حيواني نباتي؛ لأنه ينبت جسمه ~~كما ينبت بعض النبات، ومن أجل أنه يتحرك بجسمه حركة اختيارية فهو حيوان، ومن ~~أجل أنه ليس له إلا حاسة واحدة فهو أنقص الحيوانات رتبة، وتلك الحاسة أيضا هي ~~التي يشاركها النبات فيها، وذلك أن النبات له حس اللمس حسب. # ويقول ابن مسكويه - من علماء القرن الرابع والخامس للهجرة - في كتابه «تهذيب الأخلاق» ~~بعنوان الأجسام الطبيعية: «إن الأجسام الطبيعية كلها تشترك في الحد الذي يعمها، ثم ~~تتفاضل بقبول الآثار الشريفة والصور التي تحدث فيها، فإن الجماد منها إذا قبل صورة ~~مقبولة عند الناس؛ صار بها أفضل من الطينة ms058 الأولى التي لا تقبل تلك الصورة، فإذا بلغ ~~إلى أن يقبل صورة النبات صار بزيادة هذه الصورة أفضل من الجماد. # وتلك الزيادة هي الاغتذاء والنمو، والامتداد في الأقطار، واجتذاب ما يوافقه من الأرض ~~والماء، وترك ما لا يوافقه، ونفض الفضلات التي تتولد فيه من جسمه بالصموغ، وهذه الأشياء ~~التي ينفصل بها النبات من الجماد، وهي حال زائدة على الجسمية التي حددناها وكانت حاصلة ~~في الجماد، وهذه الحالة الزائدة في النبات التي شرف بها على الجماد تتفاضل. # وذلك أن بعضه يفارق الجماد مفارقة يسيرة كالمرجان وأشباهه، ثم يتدرج فيها فيحصل له من ~~هذه الزيادة شيء بعد شيء، فبعضه ينبت من غير زرع ولا بذر، ولا يحفظ نوعه بالثمر والبذر، ~~ويكفيه في حدوثه امتزاج العناصر وهبوب الرياح وطلوع الشمس؛ فذلك هو في أفق الجمادات ~~وقريب الحال منها، ثم تزداد هذه الفضيلة في النبات فيفضل بعضه على بعض بنظام وترتيب، ~~حتى تظهر فيه قوة الإثمار وحفظ النوع بالبذر الذي يخلف به مثله، فتصير هذه الحالة زائدة ~~فيه ومميزة له عن حال ما قبله. # ثم تقوى هذه الفضيلة فيه حتى يصير فضل الثالث على الثاني كفضل الثاني على الأول، ولا ~~يزال يشرف ويفضل بعضه على بعض حتى يبلغ إلى أفقه، ويصير في أفق الحيوان، وهي كرام الشجر ~~كالزيتون والرمان والكرم وأصناف الفواكه، إلا أنها بعد مختلطة القوى؛ أعني أن قوى ~~ذكورها وإناثها غير متميزة، فهي تحمل وتلد المثل ولم تبلغ غاية أفقها الذي يتصل بأفق ~~الحيوان، ثم تزداد وتمعن في هذا الأفق إلى أن تصير في أفق الحيوان؛ فلا تحتمل ~~زيادة. # وذلك أنها إن قبلت زيادة يسيرة صارت حيوانا وخرجت عن أفق النبات، فحينئذ تتميز ~~قواها، ويحصل فيها ذكورة وأنوثة، وتقبل من فصائل الحيوان أمورا تتميز بها عن سائر ~~النبات والشجر؛ كالنخل الذي طالع أفق الحيوان بالخواص العشر المذكورة في مواضعها، ولم ~~يبق بينه وبين الحيوان إلا مرتبة واحدة، وهي الاطلاع من الأرض والسعي إلى الغذاء. وقد ~~روي في الخبر ما هو كالإشارة أو ms059 كالرمز إلى هذا المعنى، وهو قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أكرموا ~~عماتكم النخل؛ فإنها خلقت من بقية طينة آدم.» # ويستطرد ابن مسكويه إلى ذكر الحيوان بما يشبه قول المحدثين عن أسلحة الحيوان في تنازع ~~البقاء، فيقول: إن الحيوان «إن كان ضعيفا لم يعط سلاحا البتة، بل أعطي آلة الهرب ~~كشدة العدو والقدرة على الحيل التي تنجيه من مخاوفه، وأنت ترى ذلك عيانا من الحيوان ~~الذي أعطي القرون التي تجري له مجرى الرماح، والذي أعطي الأنياب والمخالب التي تجري ~~له مجرى السكاكين والخناجر، والذي أعطي آلة الرمي التي تجري له مجرى النبل والنشاب، ~~والذي أعطي الحوافز التي تجري له مجرى الدبوس والطبرزين. فأما ما لم يعط سلاحا ~~لضعفه عن استعماله، ولقلة شجاعته ونقصان قوته الغضبية، ولأنه لو أعطيه لصار كلا ~~عليه، فقد أعطي آلة الهرب والحيل بجودة العدو والخفة والختل والمراوغة؛ كالأرانب ~~وأشباهها. فأما الإنسان فقد عوض من هذه الآلات كلها بأن هدي إلى استعمالها ~~كلها.» # ثم يتدرج إلى أقرب الحيوان إلى الإنسان، وهو «الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه، ~~ويتشبه به من غير تعليم كالقردة وما أشبهها، ويبلغ من ذكائها أن تستكفي في التأدب بأن ~~ترى الإنسان يعمل عملا فتعمل مثله، من غير أن تحوج الإنسان إلى تعب بها ورياضة لها. ~~وهذه غاية أفق الحيوان التي إن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه، وصار في أفق ~~الإنسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق والآلات التي يستعملها، والصور التي ~~تلائمها. # ولا يقف التدرج عند أفق الإنسان، بل يتفاضل الناس بين أمم لا تتميز عن القرود إلا ~~بمرتبة يسيرة، وأمم تتزايد فيهم قوة التمييز والفهم إلى أن يصيروا إلى وسط الأقاليم، ~~فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم والقبول للفضائل، وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة ~~التي وكلها الله عز وجل بالمحسوسات، ثم يستعد بهذا القبول لاكتساب الفضائل واقتنائها ~~بالإرادة والسعي والاجتهاد الذي ذكرناه فيما تقدم، حتى يصل إلى آخر أفقه؛ فإذا صار إلى ~~أفقه اتصل بأول أفق الملائكة، وهذا أعلى مرتبة الإنسان. ms060 # وعندها تتأحد الموجودات ويتصل أولها بآخرها، وهو الذي يسمى دائرة الوجود؛ لأن ~~الدائرة هي التي قيل في حدها: إنها خط واحد يبتدئ بالحركة من نقطة وينتهي إليها بعينها. ~~ودائرة الوجود هي المتحدة التي جعلت الكثرة وحدة، وهي التي تدل دلالة صادقة برهانية على ~~موجدها وحكمته وقدرته ووجوده، تبارك اسمه، وتعالى جده، وتقدس ذكره». # إلى أن يقول مخاطبا طالب المعرفة: «وحدث لك الإيمان الصحيح، وشهدت ما غاب عن غيرك من ~~الدهماء، وبلغت أن تتدرج إلى العلوم الشريفة المكونة التي مبدؤها تعلم المنطق؛ فإنه ~~الآلة في تقويم الفهم والعقل الغريزي، ثم الوصول به إلى معرفة الخلائق وطباعها، ثم ~~التعلق بها والتوسع فيها، والتوصل منها إلى العلوم الإلهية، وحينئذ تستعد لقبول مواهب ~~الله عز وجل وعطاياه؛ فيأتيك الفيض الإلهي، فتسكن عن قلق الطبيعة وحركاتها نحو الشهوات ~~الحيوانية، وتلحظ المرتبة التي ترقيت منها أولا من مراتب الموجودات، وعلمت أن كل مرتبة ~~منها محتاجة إلى ما قبلها في وجودها. # وعلمت أن الإنسان لا يتم له كماله إلا بعد أن يصل إلى ما قبله، وإذا صار إنسانا ~~كاملا وبلغ غاية أفقه أشرق نور الأفق الأعلى عليه، وصار إما حكيما تاما تأتيه ~~الإلهامات فيما يتصرف فيه من المحاولات الحكمية، والتأييدات العلوية في التصويرات ~~العقلية، وإما نبيا مؤيدا يأتيه الوحي على ضروب المنازل التي تكون له عند الله تعالى ~~ذكره، فيكون حينئذ واسطة بين الملأ الأعلى والملأ الأسفل؛ ولذلك تكثر حاجات الناس إلى ~~المقومين والمنفعين.» # وفحوى كلام ابن مسكويه أن الترقي الطبيعي ينتهي إلى غاية وسع الطبيعة من ترقية الجسد، ~~وإتمام حسه وأعضائه، ثم يبدأ الترقي بالعقل والخلق من أفق الحيوان إلى ما هو أعلى وأرفع ~~وأقرب إلى الملأ الأعلى. # ولابن مسكويه بحث كهذا في كتابه «الفوز الأصغر» يبدأ فيه من البداءة، وهي ما سماه ~~بالمركز فيقول: «إن أول أثر ظهر في عالمنا هذا من نحو المركز بعد امتزاج العناصر الأولى ~~أثر حركة النفس في النبات، وذلك أنه تميز عن الجماد بالحركة والاغتذاء، وللنبات في ~~قبول الأثر مراتب ms061 مختلفة لا تحصى، إلا أنها مقسمة إلى ثلاث مراتب: الأولى والوسطى ~~والأخيرة؛ ليكون الكلام عليه أظهر.» ثم ينتهي كما انتهى بكلامه في تهذيب الأخلاق إلى ~~آخر مرتبة الحيوان، وهي «مراتب القرود وأشباهها من الحيوان الذي قارب الإنسان في خلقته ~~الإنسانية، وليس بينها إلا اليسير الذي إذا تجاوزه صار إنسانا». ~~••• # وأشار ابن خلدون إلى هذا التدرج - أو التطور - فترقى به من المعدن إلى القرد إلى ~~الإنسان، وعلل اختلاف الناس بتأثير الإقليم وأحوال المعيشة على الأبدان ~~والأخلاق. # قال: «إن عالم التكوين ابتدأ من المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان على هيئة بديعة من ~~التدريج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذور له، وآخر أفق ~~النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان، مثل الحلزون والصدف، ولم يوجد لها إلا ~~قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب ~~لأن يصير أول الأفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريجه ~~التكويني إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه ~~الحس والإدراك، ولم ينته إليه الفكر والروية بالفعل. وكان ذلك أول أفق الإنسان من ~~بعده، وذلك غاية شهودنا.» # وينفي ابن خلدون أوهام القائلين بنسبة الألوان والطبائع إلى الدعوات أو اللعنات ~~فيقول: إن «بعض النسابين ممن لا علم لهم بطبائع الكائنات توهم أن السودان - وهم ولد ~~حام بن نوح - اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه، وفيما جعل ~~الله من الرق في عقبه، ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التوراة، وليس فيه ذكر السواد، ~~وإنما دعا عليه أن يكون ولده عبيدا لولد إخوته لا غير. وفي القول بنسبة السواد إلى حام ~~علة من طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء، وفيما يتكون فيه من الحيوانات.» # ويقول في موضع آخر: «استولى الحر على أبدانهم وفي أصل تكوينهم، فكان في أرواحهم من ~~الحرارة على نسبة أبدانهم، وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية ms062 لما كان هواؤها ~~متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته.» # ويصحح بعض المتقدمين ما لعله سبق إلى الوهم من القول بتدرج الكائنات؛ إذ يخيل إلى ~~الجاهلين بمعناه أنه يعني الكائنات في درجة من مراتبه المترقية، وإنما حقيقته كما قال ~~الخازني: «إننا إذا قلنا: إن الإنسان بلغ حد الكمال وكان يوما عجلا، فصار حمارا، ~~فغدا حصانا، فأضحى بعده قردا ، فليس معنى ذلك أنه كان يوما عجلا فصار حمارا، فغدا ~~حصانا، فأضحى بعده قردا حتى صار في النهاية إنسانا.» # فليس عندهم من الضروري أن يكون كل كائن رفيع قد تنقل قبل ذلك بين أطوار الكائنات التي ~~هي دونه، وإن كان جميع المتكلمين في أطوار الكائنات الحية لا يمنعون إمكان التسافد بين ~~الحشرات والحيوانات المختلفة، كما جاء في كتب الحيوان جميعا، وأسهب فيه الجاحظ على ~~الخصوص إسهابا سلم فيه من كثير من خرافات المتقدمين عليه واللاحقين به في هذا ~~الباب. # وأكثرهم ترديدا لهذه الخرافات القزويني صاحب عجائب المخلوقات، فهو حافل بالأساطير عن ~~اختلاط أنواع الأحياء، وعن الخلائق الأسطورية التي انقرضت ولم يبق منها غير آثارها ~~وأخبارها، وعجائب المخلوقات التي تتوافر الأحاديث عن وجودها في الأطراف النائية التي لم ~~يصل إليها أحد غير من ضل طريقه، أو جنحت به السفن من الملاحين والمغررين. # وهذه الأساطير - كما قلنا في غير هذا الكتاب - # 2 # تنفعنا الآن أكثر مما تنفعنا حقائق تلك الكتب؛ ~~«لأنها هي البقية الباقية لنا من تلك الأوهام التي تسلطت على العقل البشري في أزمانه ~~الخالية، وهي المفتاح الذي ليس لدينا مفتاح سواه لخزانة المخيلة وما أكنته من تصورات ~~الإنسان ووجدانه، وما انطبع فيها من البدائه العميقة المتغلغلة»، التي عودتنا أن تنطق ~~بالأحاجي والألغاز، وتبهم حتى على صاحبها، وهو الذي أوجدها وصورها. # وهذا الكتاب الذي نحن بصدده مكتظ بتفصيل أنواع هذه الحيوانات، وما يشاكل منها في البر ~~والبحر؛ فمنها كلب الماء، وقنفذ الماء، وبقرة الماء، وفرس الماء، وزعموا أنها تلد من ~~خيل الأرض، ومنها إنسان الماء، ويشبه الإنسان إلا أن له ms063 ذنبا. وقد جاء شخص بواحد منه ~~- على قول القزويني - إلى بغداد، فعرضه على الناس، وذكر أنه في بحر الشام ببعض الأوقات ~~يطلع من الماء إلى الحاضرة إنسان، وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر، ويبقى أياما ثم ~~ينزل، فإذا رآه الناس يستبشرون بالخصب. # وحكى أن بعض الملوك حمل إليه إنسان مائي، فأراد الملك أن يعرف حاله، فزوجه امرأة، ~~فجاء منها ولد يفهم كلام الأبوين، فقيل للولد: ماذا يقول أبوك؟ قال: أذناب الحيوان كلها ~~على أسافلها، فما بال هؤلاء أذنابهم على وجوههم. ونقل عن يعقوب بن إسحاق السراج أن ~~رجلا ركب البحر فألقته الريح إلى جزيرة «فأتى قوم وجوههم كوجوه الكلاب، وسائر أبدانهم ~~كأبدان الناس». # وهذه الأساطير وما شاكلها قد تدرس على أنها تعبيرات من عمل المخيلة في فهم الصورة ~~البعيدة بزمانها أو مكانها، وقد تدرس على أنها ترجمان للوعي الباطن الذي استقر في أعماق ~~بديهة الإنسان وغرائزه الوراثية، ولا بد أن تدرس في جميع الأحوال لأنها مما يصح أن ~~يعتبر «مسودات» للإدراك الإنساني تظهر في كل عصر، ولا تزال في كل عصر معلقة بين الشك ~~واليقين، وبين الوهم والصدق في انتظار التصحيح والتنقيح. # | أثر مذهب النشوء في الغرب # قوبل إعلان مذهب النشوء في الغرب بثورة عاصفة من حملات الاستنكار والتكفير في ~~البيئات الدينية، ويرى بعد انقضاء أكثر من قرن على إعلان هذا المذهب، أن حملات ~~الدينيين عليه في البلاد الغربية لم تكن أحذق ولا أليق بالبحث الديني أو العلمي، من ~~أشباه هذه الحملات التي قوبل بها في بلادنا الشرقية يوم انتقل إليها للمرة الأولى، كما ~~سنبينه فيما يلي: # لقد حرم بعض معاهد العلم تدريس مذهب النشوء، فظل هذا التحريم باقي الأثر إلى ما بعد ~~الحرب العالمية الأولى بسنوات، وحوكم الأستاذ سكوب في دايتون (شهر يوليو سنة 1925) ~~لأنه خالف القانون الذي حرم تدريس المذهب لخروجه على العقيدة الدينية. وهذه بعض ~~الأسئلة والأجوبة التي سجلت أثناء المحاكمة بين محامي الدفاع وخبير الاتهام: ~~- هل تقرر أن كل ما ورد في التوراة ينبغي أن يقبل ms064 بتفسيره الحرفي؟ ~~- أنا أقرر أن كل ما ورد في التوراة ينبغي أن يقبل كما ورد فيها، وبعض ما جاء في ~~التوراة قد ورد في سياق التشبيه؛ كقوله: «إنكم ملح الأرض»، فلا أستلزم من ذلك أن ~~الإنسان كان ملحا، أو أنه كان له دم من الملح، ولكنني أفهمه كما أفهم معنى شعب الله ~~المختار. ~~- هل لك أن تخبرني، يا مستر بريان، كم عمر الكرة الأرضية؟ ~~- كلا يا سيدي، لست أدري. ~~- ولا على وجه التقريب؟ ~~- لست أحاول، ولعلي أقترب من تقدير العلماء، ولكنني أحب أن أدقق كثيرا قبل ~~الجواب. ~~- إنك لا تعبأ كثيرا بالعلماء. أتعبأ بهم حقا؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- أتعتقد أن الكرة الأرضية صنعت في ستة أيام؟ ~~- ستة أيام، نعم، ولكنها ليست أيام الأربع والعشرين ساعة. # وقد احتدم الجدل أثناء الاستجواب حتى اندفع الفريقان إلى التشهير بالعقائد الشائعة ~~والمذاهب العلمية التي كانت مباحة للناشرين، محرمة على المعلمين، وكان أثر الضجة التي ~~رددتها الصحف والأندية الثقافية حول هذه المحاكمة أن قانون التحريم سقط بالإهمال، ثم ~~بالإلغاء. # إلا أن الباحثين الدينيين عدلوا أخيرا عن التحريم بقوة القانون إلى مناقشة المذهب ~~بالبراهين العلمية، فأخذ منهم فريق في تفسير المذهب بالمعنى الذي يوافق الروايات ~~الدينية بمعانيها الرمزية، وأخذ الفريق الآخر في إنكاره بالأدلة العلمية التي استند ~~إليها العلماء ولا يزالون يستندون إليها إلى هذه الأيام. # فصدر عند الاحتفال بانقضاء ستين سنة على إعلان المذهب كتاب من كتب البحث العلمي على ~~الطريقة الدينية، ألفه الأستاذ ث.ب. بيشوب وسماه «النشوء ~~منتقدا»، # 1 # ولم يتزحزح فيه عن نصوص ~~الكتب، ولكنه أخرج من هذه النصوص ما يتناول الفترات التي تضطرب فيها روايات التاريخ؛ ~~كالفترة بين الفيضان ووفود الخليل إبراهيم إلى كنعان، وأخرج منها الفترات التي لا ~~تتعارض فيها النصوص والشواهد الجيولوجية، ثم بنى انتقاده للمذهب على مطالبة النشوئيين ~~بالدليل؛ لأن العصور الجيولوجية لم تتكشف قط عن إنسان يخالف في تكوينه الثابت تكوين ~~النوع الإنساني في صورته الحاضرة، ولم تبق من آثار الطوارئ الجيولوجية بقية من أنواع ~~الأحياء الأولى، بل ms065 يرجح أن أقدم هذه العصور لا يعود بنا إلى مسافة أبعد من منتصف ~~الطريق، كما رأى والاس شريك دارون؛ حيث يقول في كتابه عن عالم الحياة: # إنه لمن المحتمل جدا أن السجلات الجيولوجية الباقية لا تحملنا إلى أبعد من ~~منتصف العمر الذي عمرته الحياة على الكرة الأرضية. # فليس في السجلات الجيولوجية دليل ولا قرينة تؤيد القول بتطور الإنسان من نوع آخر، ~~وأهم من ذلك أنه لا يوجد أمامنا دليل يؤيد تحول الأنواع في عالم الحيوان أو عالم ~~النبات، وإن تشابه الأجنة الذي يتخذه بعض النشوئيين دليلا على التشابه القديم بين ~~أنواع الحيوانات دليل مكذوب؛ لأن صور الأجنة الصحيحة لا تبرز هذا الشبه، وما عدا ذلك من ~~الصور المتشابهة فهو مزور باعتراف واضع تلك الصور العالم الألماني أرنست هكل؛ فإنه أعلن ~~بعد انتقاد علماء الأجنة له أنه اضطر إلى تكملة الشبه في نحو ثمانية في المائة من صور ~~الأجنة لنقص الرسم المنقول. # ولم يدع بيشوب دليلا علميا بغير تعقيب عليه يستند إلى أقوال العلماء المختصين، ~~فقال: إن حصان الحفريات على أقدم صورة لها يثبت من نسبته إلى نوع الخيل غير الأسنان، ~~وإن الطائر الذي قيل إنه الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور لم يتبعه قط في تسلسل ~~الحفريات طائر ذو أسنان. # وأيا كان نظام التطور بالنسبة إلى الخالق، فالعالم النشوئي الأمين على علمه لا ~~يتخذه سببا من أسباب الإلحاد، وكذلك كان والاس مؤمنا بالعقل المدبر كما قال في كتابه ~~عن عالم الحياة؛ إذ يقرر جازما باعتقاده: «إن ما تتطلبه - إطلاقا - ولا مناص من ~~الاستدلال عليه، هو ذلك العقل الذي هو أسمى وأعظم وأقوى من كل هذه العقول المتفرقة التي ~~نراها حولنا، وإنه لعقل لا يقدر على تسيير هذه القوى العاملة في الأنواع الحية وعلى ~~إرشادها وتدبيرها وحسب، بل إنه لهو بذاته ينبوع تلك القوى والعوامل، وينبوع لما هو ~~الأساس الأول لكل ما في هذه العوالم المادية.» ~~••• # ويؤخذ من متابعة الفترات التي يستعاد فيها النقاش حول أصل الإنسان أنها ترتبط بالمحن ~~«الروحية» التي ms066 تثيرها مشكلات العالم الكبرى، وأكبرها في القرن العشرين مشكلة الحرب ~~العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وقد تكون المناسبة لاستعادة النقاش تاريخية ~~من قبيل الذكريات الموقوتة بالعشرات أو بالمئات من السنين، ولكنها إنما تستعاد في هذه ~~المناسبات ببواعث الشكوك والمنازعات التي تصاحب الحروب العالمية والفتن ~~الاجتماعية. # ولهذا كانت نهاية الحرب العالمية الثانية دورا من أهم أدوار البحث في مذهب النشوء ~~بما دعت إليه من بحوث متشعبة في تنازع البقاء وإرادة القوة، وفي تفسير التاريخ بالعوامل ~~الاقتصادية أو العوامل الفكرية والروحية، وفي هذه السنة - سنة 1945 - تدفقت الكتب التي ~~تعرض لهذه المباحث بأقلام علماء الطبيعة وعلماء اللاهوت، ولكن مؤلفات اللاهوتيين في هذه ~~الفترة لم تكن دون مؤلفات العلماء الطبيعيين في حجج العلم، وشواهد التجربة، وصدق النظر ~~في أقوال الأنصار والخصوم. # ولعل أجمعها فيما اطلعنا عليه كتاب «الله والإنسان ~~والكون»، # 2 # الذي توفر على تأليفه نخبة من ~~الباحثين الدينيين يعرضون وجهات النظر «الكاثوليكية» في تحقيق كل فلسفة تبحث في الأصول، ~~ومنها: أصل المادة، وأصل العقيدة، وأصل الإنسان، وأصل النظام الاجتماعي، وما يتشعب عن ~~هذه الأصول من البحث في مشكلة الشر، وتاريخ الكنيسة، ورأس المال، والمادية الماركسية، ~~وغيرها من مشكلات الإنسان التي تتوالى في كل زمان بأسلوب وعنوان. ~~••• # وقد استفاد مؤلفو هذه المجموعة من جميع المعارك العلمية التي انتشرت بعد الحرب ~~العالمية الأولى، ولم تكن متداولة بين الكتاب اللاهوتيين في الربع الأول من القرن ~~العشرين، وأمعنوا في التفصيلات التشريحية التي كانت مجملة في الفوارق الواسعة بين تركيب ~~القرد وتركيب الإنسان، ولا سيما الفارق المميز للإنسان الناطق، وهو قوام الفصل بين ~~النوع الآدمي وعامة الأنواع العليا. # فهذا الفارق الواسع في الملكات العقلية يقابله فارق دقيق في تكوين الدماغ يبين ~~استحالة النطق بغير هذا التركيب الإنساني الخاص بدماغ الإنسان دون سواه؛ فالرأس ~~الإنساني يحتوي جميع المناطق التي وضعناها في رءوس القردة، ولكنها تتخصص بمناطق أخرى ~~تسمى بالمناطق الثانوية، أبرزها تلك المنطقة الخاصة بمراكز الألفاظ الكلامية، وهي ~~مستحيلة بغير الاتصال الوثيق بأجهزة الكلام من عضلات الوجه والفم ms067 والبلعوم مع جهاز ~~التنفس، سواء من جانب حركات الحس ومراكز اللمس والسمع، بل البصر كذلك. # فهناك مركز للنطق في مقدمة مراكز الحركة في الوجه، ومراكز بصرية للكلام في المنطقة ~~الجدارية، ومراكز سمعية في الفص الصدغي، وفقدان مراكز الحركة يستتبع العجز عن الحركات ~~المتقابلة الضرورية للنطق بغير تعطيل عمل اللسان والشفتين، كذلك تستتبع آفات البصر ~~عجزا عن قراءة الكلمة المكتوبة، كما تستتبع آفات السمع عجزا عن فهم الكلمة الملفوظة ~~وإن تيسر سماعها، ويضاف إلى هذه المراكز مراكز أخرى خلفية يرى بعضهم أنها مقر لأدق ~~الوظائف السيكولوجية. ولا يوجد غير الشمبانزي بين القردة المعاصرة حيوان له مناطق ~~ثانوية ذات امتداد جد ضعيف. ~~••• # وعلى هذه الوتيرة المطردة يؤدي هؤلاء العلماء اللاهوتيون أمانة «العلم الطبيعي» ~~لإبراز مواضع الشبهة في أدلة مذهب النشوء وقرائنه التي ترتفع إلى قوة الدليل، فهم ~~يوسعون الفارق غاية التوسع المحتمل في حدود المقررات العلمية، ولا يدعون فارقا خفيا ~~منها؛ وضحوه وكبروه وبلغوا به غاية الشك، وباعدوا غاية البعد بينه وبين مرجحات ~~اليقين، ولم يقصروا ذلك على الأدلة أو القرائن التي يستند إليها النشوئيون للقول بتحول ~~النوع الإنساني من الأنواع الدنيا، بل شملوا به كل دليل وكل قرينة تدعم فروض التحول بين ~~نوع ونوع من الحشرات والأسماك والزواحف والطيور والفقاريات، ومنها المتسلقات وغير ~~المتسلقات. ~~••• # وقوبل مذهب النشوء باعتراض شديد بين علماء الطبيعة الذين ناقشوه بالأدلة العلمية، ~~وطلبوا من دعاته دليلا محسوسا على فعل الانتخاب الطبيعي في تحول الأنواع، ولا سيما ~~نوع الإنسان؛ فالمعترضون عليه - طلبا للأدلة الطبيعية - لا يقلون عددا ولا اعتراضا ~~عن المعترضين اللاهوتيين. # وقد أيده أناس من كبار علماء الطبيعة وتحمسوا لتأييده، فكان تحمسهم له باسم حرية ~~الرأي أشد من تحمسهم له إيمانا بحقيقته، واعترافا بكفاية براهينه، فمن هؤلاء العلماء، ~~بل من أشدهم حماسة له توماس هكسلي، صديق دارون وصهره ومدره # 3 # المذهب كله في حياته؛ فإنه لم يزعم قط أن أدلة الانتخاب الطبيعي المؤيد لتحول الأنواع ~~كافية لتقرير هذه النتيجة، وإنما كان يقول: إن الانتخاب الطبيعي يفسر لنا ms068 جملة من ~~الظواهر والمشاهدات تبقى بغير تفسير لو لم نتقبل مبادئ الانتخاب الطبيعي، كما عرضها ~~دارون بعد تعديله لآراء لامارك. # ويرى العالم البيولوجي الكبير أن نظرية التطور على أساس الانتخاب الطبيعي إنما هي ~~نظرية منطقية، وليست بالنظرية التي تعتمد على شواهد التجربة والأدلة الحسية، قال في رده ~~على هربرت سبنسر: «إننا لن نستطيع أن نثبت بالمشاهدة عملية الانتخاب الطبيعي»، وإن قول ~~هربرت سبنسر: «إنه إما أن تحدث وراثة للصفات المكتسبة، أو لا يحدث تطور على الإطلاق»، ~~إنما هو دليل منطقي، وليس بالدليل التجريبي، وهو مع ذلك ليس بالدليل الملزم في قضايا ~~المنطق؛ لأن تعليل التطور بغير وراثة الصفات المكتسبة ليس بالفرض المستحيل. ~~••• # وبقيت هذه العقدة عصية الحل على القائلين بالتحول النوعي إلى اليوم، فلم يتقدم أحد من ~~النشوئيين عند الاحتفال بذكرى كتاب «أصل الأنواع» (1958) بدفع حاسم لشكوك المترددين في ~~قبول تحول الأنواع. وقد كتب دوبزانسكي # Dobzansky ~~، أشهر ~~المختصين بالبيولوجية النوعية، فصلا عن الأنواع بعد دارون في مجموعة «قرن من دارون»، # 4 # فلم يحاول ~~تهوين القضية، ولكنه زاد أسبابا جديدة لبيان الصعوبات التي تحول دون تلاقي الناسلات ~~والصبغيات في أرحام أفراد الحيوان المتميزة، وزاد أسبابا أخرى لبيان الصعوبات التي ~~تحول دون تلاقي الفردين من نوع واحد أخذ في التباعد والاختلاف، ومن ذلك نقص الألفة ~~بين الذكور والإناث كلما ابتعدت أشكالها، ولو بقيت ناسلاتها وصبغياتها قابلة للتزاوج ~~والانقسام إلى تمام تكوين الجنين. ~~••• # وآخر ما نعلم من أطوار هذه المشكلة أن البحث عن الحلقة المفقودة ينتقل الآن من سلسلة ~~الأنواع إلى سلسلة الناسلات # Genes # والصبغيات، وأن الأمل ~~في الوصول إلى هذه الحلقة من استقصاء تاريخ الناسلات Phylogeny # أقرب في رأي البيولوجيين من استقصاء تاريخ الأنواع. # وقد ألف الأستاذ برنارد رينش، أستاذ علم الحيوان بجامعة ميونستر، كتابه عن «التطور ~~فوق مستوى الأنواع»؛ # 5 # ليشرح هذه الفكرة، ويبين أن ~~عزل النوع إنما يتم بانعزال ناسلاته، وأن البحث في تاريخ تغير الناسلات هو مرجع البحث ~~الأصيل؛ للوصول إلى الحلقة التي تفصل بين ما تقدمها وما تلاها، ms069 وتنشئ شروطا جديدة ~~للنسل والوراثة، فتعتبر بذلك حدا فاصلا بين نوعين. # فليس من السهل أن ننتظر تحول الأنواع بعد تطورها، وابتعاد أواخرها من أوائلها الموغلة ~~في القدم، ولكننا إذا اكتشفنا سر تطور الناسلات وانعزالها بخصائص التوريث دفعة واحدة أو ~~على درجات متقاربة، فها هنا محل الحلقة المفقودة في سلسلة الأنواع. # | مذهب التطور في الشرق العربي # من خصائص مذهب دارون - على ما يظهر - أن يشيع على نحو واحد قبل الوقوف على شروحه ~~وبراهينه، وأن يثير ضروبا متقاربة من الاعتراض في مواطن العقيدة والثقافة العامة؛ فإنه ~~لقي في الشرق العربي مثل ما لقيه من التحريف والاعتراض في البلاد الأوروبية، وتتابعت ~~أدوار السماع به، ثم الإشاعة عنه، ثم الرد عليه بين المفكرين وقراء العلم الشرقيين، ~~كما تتابعت قبل ذلك بين مفكري الغرب وقرائه، وتكرار هذا كله في الشرق العربي كأنه يحدث ~~للمرة الأولى، ولم تنقشع شبهاته عن حقائقه إلا بعد الثورة المفاجئة التي يظهر - كما ~~أسلفنا - أنها مقدمة لا بد منها، وأثر من آثار الصدمة الشعورية المفاجئة لا محيص ~~عنه. # وقد تصدى للرد عليه في الشرق الإسلامي عامة، والشرق العربي خاصة، نخبة من المفكرين ~~وقادة الإصلاح والمجتهدين من أتباع جميع الأديان الكتابية، وناقشوه - كما شاع لأول وهلة ~~بين الغربيين من قبل - كأنه مذهب يستلزم إنكار الخلق، ويزعم أن القردة جدود البشر ~~أجمعين، فكل إنسان حديث فهو نسل متأخر لقرد قديم. # وقلما يتصور القارئ العصري أن مذهبا كمذهب التطور يشيع في الشرق العربي قبل مائة ~~سنة، ويتصدى للرد عليه عدد من الكتاب كذلك العدد الذي بقيت لنا بعض كتاباته، وانطوى ~~أكثرها في زوايا المطبوعات المهجورة من المصنفات والنشرات الصحفية؛ لأن القارئ العصري ~~يحسب أن مذهب التطور قد وصل إلى الأمم الشرقية وهي في «جاهلية»؛ لا تبلغها دعوة عالم أو ~~مفكر من أبناء الأمم الأجنبية. # ولكن الواقع أن «جاهلية» القرن التاسع عشر لم تكن في شرقنا العربي حجابا دون المذاهب ~~الفكرية التي يطلع عليها الأوروبي المثقف في حينها، ولم يكن مذهب كمذهب التطور لينعزل ~~في ms070 حيز محدود بين جدران وطن واحد وهو يتحدث عن نسب الإنسان حيثما كان، في زمن لم يتحدث ~~فيه الناس عن شيء كما تحدثوا عن مفاخر الأمم بالأصول الإنسانية، وبالأنساب التي يدعيها ~~السادة لأنفسهم، وينكرونها على الرعايا المستعبدين. ~~••• # وسنختار في هذا الفصل أمثلة من مناقشة المذهب كما فهمه في ذلك العصر أصحاب الاجتهاد ~~ورواد الفكر من المسلمين والمسيحيين، ومنهم أهل السنة والشيعة، وأتباع الكنائس ~~الشرقية والغربية في بلاد العالم العربي، وقد وصلت أصداء الردود التي كتبها المشهورون ~~من أولئك المفكرين إلى أطراف البلاد الإسلامية في الهند والصين. # قال السيد جمال الدين الأفغاني - من أئمة المصلحين من أهل السنة - في كتاب «الرد على ~~الدهريين»: # رأس القائلين بهذا القول دارون، وقد ألف كتابا في بيان أن الإنسان كان ~~قردا، ثم عرض له التنقيح والتهذيب في صورته بالتدريج على تتالي القرون ~~المتطاولة، وبتأثير الفواعل الطبيعية الخارجية؛ حتى ارتقى إلى برزخ أوران ~~أوتان، ثم ارتقى من تلك الصورة إلى أول مراتب الإنسان، فكان صنف النيمنم وسائر ~~الزنوج، ومن هناك عرج بعض أفراده إلى أفق أعلى وأرفع من أفق الزنجيين، فكان ~~الإنسان القوقاسي. وعلى زعم دارون هذا، يمكن أن يصير البرغوث فيلا بمرور ~~القرون وكر الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثا كذلك. # فإن سئل دارون عن الأشجار القائمة في غابات الهند، والنباتات المتولدة من ~~أزمان بعيدة لا يحدها التاريخ إلا ظنا، وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها ~~تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد، فما السبب في اختلاف كل منها عن ~~الآخر في بنيته، أو أشكال أوراقه، وطوله وقصره، وضخامة ورقته، وزهره وثمره، ~~وطعمه ورائحته وعمره، فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة ~~المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه. # وإن قيل له: هذه أسماك بحيرة أورال وبحر كسبين تشاركها في المأكل والمشرب، ~~وتسابقها في ميدان واحد، ترى فيها اختلافا نوعيا وتباينا بعيدا في الألوان ~~والأشكال والأعمال؛ فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ فلا أراه يلجأ في ~~الجواب إلا ms071 إلى الحصر. # وهكذا لو عرضت عليه الحيوانات المختلفة البنى والصور والقوى والخواص، وهي ~~تعيش في منطقة واحدة، ولا تسلم حياتها في سائر المناطق من الحشرات المتباينة في ~~الخلقة، المتباعدة في التركيب، المتولدة في بقعة واحدة، ولا طاقة لها على قطع ~~المسافات البعيدة؛ فماذا تكون حجته في علة اختلافها؟ بل إذا قيل له: أي هاد ~~هدى تلك الجراثيم في نقصها وخداجها؟ # وأي مرشد أرشدها إلى استتمام هذه الجوارح والأعضاء الظاهرة والباطنة ، ووضعها ~~على مقتضى الحكمة، وإيداع كل منها قوة على حسبه، ونوطها بكل قوة في عضو أداء ~~وظيفته، وإيفاد عمل حيوي مما عجز الحكماء عن درك سره، ووقف علماء الفسيولوجيا ~~دون الوصول إلى تحديد منافعه؟ وكيف صارت الضرورة العمياء معلما لتلك الجراثيم، ~~وهاديا خبيرا لطرق جميع الكمالات الصورية والمعنوية؟ فلا ريب أنه يقبع قبوع ~~القنفذ، وينتكس بين أمواج الحيرة يدفعه ريب ويتلقاه شك إلى أبد الآبدين. # وكأني بهذا المسكين وما رماه في مجاهيل الأوهام ومجاهيل الخرافات إلا قرب ~~المشابهة بين القرد والإنسان، وكان ما أخذ به من الشبهة الواهية ألهية يشغل ~~بها نفسه عن آلام الحيرة وحسرات العماية. # وإنا نورد شيئا مما تمسك به، فمن ذلك أن الخيل في سيبيريا وبلاد الروسية ~~أطول وأغزر شعرا من الخيل المولدة في البلاد العربية، وإنما علة ذلك الضرورة ~~وعدمها. ونقول: إن السبب فيما ذكره هو عين السبب لكثرة النبات وقلته في بقعة ~~واحدة لوقتين مختلفين حسب كثرة الأمطار وقلتها، ووفور المياه ونزورها أوجد علة ~~النحافة ودقة العود في سكان البلاد الحارة، والضخامة والسمن في أهل البلاد ~~الباردة؛ بما يعتري البدن من كثرة التحلل في الحرارة، وقلته في البرودة. # ومن واهياته ما كان يرويه دارون من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما ~~واظبوا على عملهم هذا قرونا صارت الكلاب تولد بلا أذناب؛ كأنه يقول حيث لم تعد ~~للذنب حاجة كفت الطبيعة عن هبته، وهل صمت أذن هذا المسكين عن سماع ~~خبر العبرانيين والعرب وما يجرونه من الختان ألوفا من السنين؛ لا يولد مولود ~~حتى ms072 يختن، وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختونا إلا لإعجاز. # ولما ظهر لجماعة من متأخري الماديين فساد ما تمسك به أسلافهم نبذوا آراءهم، ~~وأخذوا طريقا جديدة، فقالوا: ليس من الممكن أن تكون المادة العارية عن الشعور ~~مصدرا لهذا النظام المتقن، والهيئة البديعة، والأشكال العجيبة، والصور ~~الأنيقة، وغير ذلك مما خفي سره وظهر أثره، ولكن العلة في نظام الكون علويه ~~وسفليه، والموجب لاختلاف الصور، والمقدر لأشكالها وأطوارها وما يلزم لبقائها، ~~تتركب من ثلاثة أشياء: متيير، وفورس، وانتليجانس؛ أي مادة وقوة وإدراك. # وظنوا أن المادة بما لها من القوة، وما يلامسها من الإدراك تجلت وتنجلي بهذه ~~الأشكال والهيئات، وعندما تظهر بصورة الأجساد الحية، نباتية كانت أو حيوانية، ~~تراعي بما يلابسها من الشعور، وما يلزم لبقاء الشخص وحفظ النوع، فتنشئ لها من ~~الأعضاء والآلات ما يفي بأداء الوظائف الشخصية والنوعية، مع الالتفات إلى ~~الأزمنة والأمكنة والفصول السنوية. # هذا أنفس ما وجدوا من حلية لمذهبهم العاطل، بعدما دخلوا ألف جحر وخرجوا من ~~ألف نفق، وما هو أقرب إلى العقل من سائر أوهامهم، ولا هو بالمنطبق على سائر ~~أصولهم؛ فإنهم يرون كسائر المتأخرين أن الأجسام مركبة من الأجزاء الديمقراطيسية ~~- نسبة إلى ديمقراطيس - ولا ينطبق رأيهم الجديد في هذا النظام الكوني على رأيهم ~~في تركيب الأجسام، وذلك لأنه يلزم عن القول بشعور المادة أن يكون لكل جزء ~~ديمقراطيسي شعور خاص، كما يلزم أن تكون له قوة خاصة ينفصل بها عن سائر الأجزاء؛ ~~إذ لا يمكن قيام العرض الواحد وحدة شخصية بمحلين، فلا يقوم علم واحد بجزأين ولا ~~بأجزاء. # وبعد ذلك، فإني سائلهم: كيف اطلع كل جزء من أجزاء المادة مع انفصالها على ~~مقاصد سائر الأجزاء، وبأية آلة أفهم كل منها باقيها بما ينويه من مطلبه؟ وأي ~~برلمان أو أي سنات - مجلس شيوخ - عقدت للتشاور في إبداع هذه المكونات العالية ~~التركيب، البديعة التأليف؟ وأنى لهذه الأجزاء أن تعلم وهي في بيضة العصفور ~~ضرورة ظهورها في هيئة طير يأكل الحبوب، فمن الواجب أن يكون له منقار وحوصلة ~~لحاجته ms073 في حياته إليهما؟ # وبعد كتابة «الرد على الدهريين» بنحو ثلاثين سنة، ظهر كتاب نقد «فلسفة دارون» لمؤلفه ~~الشيخ «محمد رضا آل العلامة التقي الأصفهاني»، وهو باحث فاضل من علماء الشيعة بكربلاء ~~المعلى، تحرى النظر في مجموعة وافية من مراجع مذهب النشوء العربية والإفرنجية التي ~~وصلت إلى الشرق الإسلامي بعد كتابة «الرد على الدهريين»، ولم يقنع بما اطلع عليه من هذه ~~المراجع، بل أرسل في طلب غيرها من المراجع المستحدثة، ولكنه ألف كتابه ولم ينتظر ~~وصولها إليه لولا «الباعث الديني»، كما جاء في مقدمة الكتاب. # حيث يقول: إن دارون وسائر رؤساء هذه الفلسفة ألفوا كتبا غير موجودة عندنا، «وكان ~~الحزم تأخير تصنيف هذا الكتاب إلى زمن وصولها لولا الباعث الديني، وظننا أنه يوجب علينا ~~المسارعة، ولا يبعد أن يكون قد منعنا صغرى دليل قد فزع هؤلاء من إثباته، أو كبرى حجة ~~مذكور في كتبهم برهانا، وأنا أقترح عليهم أن يخابرونا بما يجدونه منه ومن أمثاله لننظر ~~فيه، ولهم علينا أن نستعمل الإنصاف لا المكابرة.» # ولم يقصد المؤلف بالباعث الديني أن يقصر ردوده على مناقشة الآراء التي تخالف الديانة ~~الإسلامية دون سائر الديانات، ولكنه أراد أن ينقض أدلة الإلحاد التي تعارض الإيمان ~~بالله وبالعقائد الإلهية على إجمالها، وقد قال في كلمته الخاصة بالمؤمنين: «ليعلم أن ~~كتابي هذا موضوع للدفاع عن الدين المطلق في قبال اللادين المحض، لا للانتصار لدين على ~~دين؛ ولهذا تراني أدفع ما استطعت عن أديان لا أنتحلها، ومذاهب لا أقول بها؛ لأن أحد ~~هؤلاء لا يثلب دينا إلا وقصده ثلب الأديان عامة، ولا يزري على شريعة إلا ليسري إزراؤه ~~إلى الشرائع قاطبة.» # وأنصف المؤلف مذهب النشوء فلم يحسبه من مذاهب الإلحاد والتعطيل؛ لأن القول بالنشوء لا ~~يقتضي إنكار الخالق، وإنما يتسرب إليه الإلحاد من تفسيرات الماديين لمقدماته على الوجه ~~الذي يوافق نتائجهم المقررة عندهم قبل ظهوره، فيقول المؤلف عن فلسفة النشوء والارتقاء: ~~إنها «ليست مما ينافي الدين؛ إذ الذي يجب علينا اعتقاده هو أن جميع الموجودات بأراضيها ~~وسماواتها، وما ms074 فيها من صنوف المخلوقات من نباتاتها وحيواناتها، والبشر على صنوفها ~~واختلاف لغاتها، صنع إله واحد قادر حكيم قد وسع كل شيء علما، وأتقنه صنعا، خلق جميع ~~الأصناف من جميع الأنواع عن قصد واختيار. # وهذا أمر متفق عليه في جميع الأديان، وأما كيفية الخلق، وأن هذه الأنواع كلها خلقت ~~خلقا مستقلا، ووجدت من كتم العدم ابتداء، وأنها لم تتغير عما وجدت عليه في أوائل ~~الخلق؛ فهذا أمر لم يرد فيه نص صريح من الكتاب، ولا متواتر من السنة، وسواء كانت آباء ~~الجمل جمالا أو كانت ضفادع تنق في الماء، والجد الأعلى للفيل فيلا أو «سنونوا» يطير ~~في الهواء؛ فإن أدلة الصنع عليهما في الحالين ظاهرة، وفيها على وجود الصانع الحكيم آيات ~~باهرة؛ ففرصة الملاحدة بهذه الآراء وجعلها أساسا للإلحاد من أغرب الأشياء.» # ثم يقول المؤلف: إن هذه الآراء «ليس فيها إلا بيان ترتيب المخلوقات وكيفية الصنع ~~فيها، ومتى كان أهل الدين ينكرون ذلك، ويدعون أن الله تعالى خلق جميع الأشياء في وقت ~~واحد خلقا مستقلا عن الآخر؟ وهم يرون الله تعالى بلطيف حكمته، وبديع صنعته يخلق ~~الثمر من الشجر، والشجر من النواة، ولا يجعل العنب حلوا إلا بعدما يجعله حامضا، ولا ~~يجعله حامضا إلا بعدما يجعله مرا.» # ويستطرد المؤلف إلى تلخيص آراء النشوئيين الذين آمنوا بالخالق، ثم يرجع إلى أقوال ~~الأقدمين من الهمج الذين انتسبوا إلى القردة كما انتسبوا إلى غيرها من الحيوان، ويرجع ~~بعد ذلك إلى أقوال أئمة المسلمين الذين عرفوا الشبه بين الإنسان والقرد، ولم يذهبوا ~~مذهب دارون في تعويله على وجوه الشبه، وإعراضه عن وجوه الخلاف، فيقول: «إن أئمة ~~المسلمين وعلماءهم ذكروا ما هو أغرب وأقرب.» # ويستشهد بكتاب التوحيد الذي أملاه الإمام جعفر الصادق على المفضل بن عمر الجعفي، ومنه ~~على رواية المؤلف: «تأمل خلق القرد وشبهه بالإنسان في كثير من أعضائه، أعني الرأس ~~والوجه والمنكبين، وكذلك أحشاؤه أيضا شبيهة بأحشاء الإنسان، وخص مع ذلك بالذهن ~~والفطنة التي بها يفهم من سائسه ما يومئ إليه، ويحكي كثيرا مما ms075 يرى الإنسان يفعله؛ حتى ~~أنه ليقرب من خلق الإنسان وشمائله أن يكون عبرة للإنسان نفسه، فيعلم أنه من طينة ~~البهائم وسنحها؛ إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، وأنه لولا فضيلة فضل بها في الذهن ~~والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا أخرى تفرق بينه وبين ~~الإنسان؛ كالخطم، والذنب المسدل، والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد ~~أن يلحق بالإنسان لو أعطي مثل ذهن الإنسان وعقله ونطقه.» # وينتقل المؤلف إلى كلام الدميري؛ إذ يقول عن القرد: إنه «أشبه الإنسان في غالب ~~حالاته؛ فإنه يضحك ويطرب، ويغني ويحكي، ويتناول الشيء بيده، وله أصابع مفصلة إلى أنامل ~~وأظافر، ويقبل التلقين والتعليم، ويأنس بالناس، ويمشي على رجليه حينا يسيرا، ولشعر ~~عينيه الأسفل أهداب، وليس ذلك لشيء من الحيوان سواه؛ فهو كالإنسان، ويأخذ نفسه بالزواج ~~والغيرة على الإناث - وهما خصلتان من مفاخر الإنسان - فإذا زاد به الشبق استمنى بفيه، ~~وتحمل الأنثى أولادها كما تحمل المرأة ... وفيه من قبول التأديب والتعليم ما لا ~~يخفى.» # ويذكر المؤلف أن إخوان الصفاء بلغوا بوصف هذه المشابهة ما لم يبلغه دارون؛ حيث قالوا: ~~إن القرد «لقرب شكل جسمه من جسد الإنسان صارت نفسه تحاكي النفس الإنسانية»، ثم يعقب على ~~هذه التشبيهات جميعا فيقول: إن الإنسان كما يشابه القرد في أشياء يشابه غيره من ~~الحيوان في غيرها، «بل لعل في الحيوانات الدنيا من شبه الإنسان أقساما لا توجد في ~~العليا، فلا يصح الاعتماد على مجرد المشابهة. وهذا الأستاذ الشهير «كوفييه» يقول: إن ~~إدراك القرد ليس أرقى من إدراك الكلب إلا قليلا، وإذا سلمنا أن من لوازم المشابهة ~~التحول، فكيف يتعين تحول الإنسان عن حيوان نشأ عنه القرد؟ فلعل الإنسان تحول قردا! ~~وهذا ما نص عليه الذكر الحكيم». # وبعد مناقشة المؤلف قرينة الشبه الظاهر بين الإنسان والقرد، مضى يناقش القرائن ~~الأخرى التي يستند إليها النشوئيون للقول بتحول الأنواع، وتحول النوع الإنساني من بينها ~~عن أصله المشترك بينه وبين الفقاريات العليا، فنهج في مناقشته على هذا ms076 المنهج الذي ~~يستمد الدليل من أصول الجدل المنطقي تارة، ومن تجارب للواقع تارة أخرى، وأفادته ~~مطالعاته المتفرقة لمراجع المذهب فلم يخطئ مواضع الحجة الواقعية أحيانا، مع اعتماده ~~الغالب على منهج النقائض الجدلية. # ومن قبيل ذلك أنه عمد إلى دليل من أقوى أدلة النشوئيين، وهو بقاء الأعضاء الأثرية - ~~كالثندوة - في ذكور الإنسان، فتساءل: «لا أدري لماذا بقي أثر عار الخنوثة ظاهرا في ~~الإنسان، ولم يبق فيما هو أدون منه في سلم الارتقاء كذوات الحافر؟» ولم ينس أن يستدرك ~~على هذا الاعتراض بما أسنده إلى ما قال الشيخ الرئيس في الشفاء: # إن الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان، وذكور ذوات الحافر لا ثدي لها إلا ما ~~يشبه أمهاتها، وينزع إليها كما يعرض مرارا في الخيل. # وجملة رأي المؤلف أن ما يسمى بالأعضاء الأثرية يدخل في باب «الشذوذات» التي تعرض ~~لتركيب بعض الأحياء وهي أجنة في بطون أمهاتها، أو تعرض لها خلال نموها، وعدد من ذلك ~~ما يولد وله أربع أيد، أو ما يولد وله جوف واحد ورأسان وأربع أقدام، أو ما يولد ~~وقلبه في غير موضعه، ثم قال متسائلا: «فهل يمكن تعليل هذه الشواذ المشنوعة بحيوانات ~~كانت كذلك في العصور الجيولوجية، فانتقلت إلى هؤلاء التعساء بناموس «الأتافيسيم»؟ فإن ~~لم يمكن ذلك؛ فلتكن الشواذ التي فيها بعض الشبه بالحيوانات من هذا القبيل.» # ومنهج المؤلف في نقد الانتخاب الجنسي - وهو سبب هام من أسباب التطور - كمنهجه فيما ~~تقدم، فهو يبدأ بالانتخاب الجنسي في النبات ويسأل: كيف يقع الانتخاب الجنسي بين ~~النباتات التي لا يتوقف تلقيحها على الحشرات والطيور؟ وكيف تميز الحشرات والطيور ما هو ~~جميل وما هو أجمل؟ ثم يقول: «إن العجماوات قليلة الإدراك لما في المصنوعات الجميلة من ~~الجمال، حتى أن بعضهم جعل ذلك أعظم فارق بين الإنسان وبينهما، وكان الأستاذ هكسلي ممن ~~يذهب هذا المذهب.» # قال: «ثم هب أن هذه الحيوانات الملحقة عذرية الهوى والغرام، وهائمة بالجمال كعروة بن ~~خزام، ولكنها لا تريد مغازلتها، بل تطلب رزقها المقسوم لها، وعند أي نبات ms077 وجدته لقحته ~~حسنا كان أو قبيحا، فلا أدري بم يعلل هذا الحسن والانتظام في الفواكه والأثمار، وما ~~فيها من الطعم المحبوب، والنكهة الطيبة ونحوهما مما لا يوجد إلا بعد التلقيح؟» # ثم أنحى المؤلف على أساس مذهب التحول؛ لأنه قائم على افتراض تعدد الأنواع بعد ~~انفرادها أو قلتها، وليس هذا الافتراض باللازم ضرورة من قياس العقل، ولا من نتائج ~~الواقع: «ومن الطريف في هذا الرأي أنه كما يمكن أن يعلل به القول باتحاد أصول الأنواع ~~أو قلتها، كذلك يمكن القول بعكس ذلك والتعليل له أيضا، فيقال: إن أصول الأحياء كانت ~~في بدء الخلق أفرادا متباينة بأقصى ما يكون من التباين وعدم التشابه، فلم يزل كل حي ~~يخلف نسلا يشبهه بناموس الوراثة، ويباينه بناموس المباينة، لكن بما يقربه إلى فرد ~~آخر. # فلم تزل تلك المباينات مع الأجداد تزيد المشابهات مع سائر الأفراد، وتنازع البقاء ~~يلاشي الضعيف، والطبيعة تنتخب القوى حتى صارت التباينات التي قلنا: إنها مع غير ~~المشابهات ثابتة، فتألفت منه الأنواع الموجودة، وله شواهد على مذهب هؤلاء، فالحية مثلا ~~تعد الآن من جنس الدبابات، ولا تجتمع معها في الأصل، بل أصلها من ذوات الأرجل، وقل مثله ~~في الحيوانات المنحطة التي يذكرها بخنر وغيره، فإنها الآن تؤلف جنس المنحطات وهي بعيدة ~~في الأصل منها.» # قال: «وهذا الاحتمال وإن لم أجد أحدا قال به في أصول الأنواع، ولكنه أحد القولين ~~المشهورين في أصل اللغات. وعند العلماء مذهبان شهيران؛ الأول: أن لغات البشر متشابهة، ~~وهي كلها من أصل واحد، وهذا الأصل قد تفرع وتنوع فتولدت منه لغات البشر المختلفة، فما ~~اللغات سوى لهجات من لغة واحدة، ولكنها بعدت عن الأصل كثيرا، وتغيرت بالزيادة ~~والنقصان، والنحت والحذف؛ حتى بعدت بعضها عن بعض هذا البعد الشاسع، وتعذر رد بعضها إلى ~~بعض لفقد الحلقات الكثيرة من بينها، والمذهب الثاني: أنه كانت للغات البشر أصول مختلفة ~~بحسب عدد طوائفها، وأنه مع الزمان اقتربت هذه اللغات بعضها من بعض، فتمازجت وتشابهت ~~بتمازج أهلها وتشابههم إلخ. وعند الكاتب أن المذهب ms078 الثاني أقرب إلى الصحة وأقدر على حل ~~المشكلات من الأول.» # وتابع المؤلف بحثه في النشوء، فاستطرد منه إلى البحث في الارتقاء وسأل: «أي معنى ~~لارتقاء ذوات الأربع عن الطيور، وارتقاء الإنسان عن ذوات الأربع مع اشتراك الكل في حصول ~~التغير؟» # وانتهى المؤلف إلى أن المذهب كله ناقص الإسناد، لا توجد فيه حجة قاطعة غير قرائن ~~الترجيح والتغليب، ولا غنى له عن المزيد من البحث والتنقيب، كما قال بعد أكثر من ~~خمسمائة صفحة على هذا المنهج مستندا إلى قول فيرسو العالم الألماني: «إنه في بعض طوائف ~~الناس صفات يشاركهم القرد فيها، كما في بروز الفك وفطس الأنف؛ مما يجعل العلاقة قريبة ~~بين تلك الطوائف والقرود حتى يحتمل ارتقاؤها من القرود. # ولكن بين الاحتمال والقطع بونا شاسعا؛ لأن الصفات المشار إليها لا تقوم نوع ~~القرد، بل المقوم له خواص أخرى، وكل قدة من جلده كافية لتمييز نوعه من غيره من الأنواع، ~~ولا أظن أن واحدا من المشرحين يرتاب في ذلك، والفرق بين الإنسان والقرد واضح جدا؛ ~~حتى أن كل قطعة من الواحد كافية ليستدل منها على النوع المقطوعة منه؛ فالأدلة على ~~النشوء الفعلي قاصرة جدا لا يبنى عليها حكم، ولا بد من أن يزيدنا البحث والتنقيب ~~للوقوف على أدلة أخرى قوية.» ~~••• # ويتبين من مراجعة «المكتبة النشوئية» في الشرق العربي، أن الاهتمام بالمذهب كان على ~~أشده بين أتباع الكنائس الكاثوليكية والكنائس الإنجيلية؛ لأنها هي الكنائس التي تصدى ~~علماء اللاهوت منها لمناقشة مذهب دارون عند إعلانه في موطن ظهوره، وشاركهم في ذلك علماء ~~الطبيعة المسيحيون ممن أنكروا المذهب، واستندوا في إنكاره إلى الأدلة العلمية، وطالبوا ~~النشوئيين بمزيد من الأدلة القاطعة لإثبات نظرياتهم؛ لأنها نظريات تنقض بعض المقررات ~~الدينية، ولا يكفي في مثل هذه الحالة أن تستند النظرية إلى الترجيح والتغليب، أو إلى ~~الظن والتقدير. # وقد يعزى إلى هذا السبب كثرة الدراسات التي تعرضت لمذهب النشوء من الناحية الدينية، ~~أو من الناحية العلمية، بأقلام فضلاء الكنائس الكاثوليكية والإنجيلية من كتاب اللغة ~~العربية، وبخاصة في البلاد ms079 التي كان اللاهوتيون يشرفون على معاهد التعليم فيها، ويأخذون ~~بزمام ثقافتها وآدابها. # ونحن نختار هنا من الدراسات النشوئية التي كتبت باللغة العربية، ولا نستقصيها ~~لكثرتها وخروج معظمها عن موضوعه، ولم نجد بينها ما هو أولى من دراسات الأساتذة إبراهيم ~~الحوراني، والأب جرجس فرج صفير الماروني، والأسقف خير الله أسطفان، والدكتور حليم عطية ~~سوريال، ومنهم من كتب عن هذا المذهب قبل خمس وسبعين سنة، وأحدثهم كتابة عنه من تصدى ~~لمناقشته بعد ظهور كتب الدكتور «شبلي شميل» في موضوعه، وهي مؤيدة للنشوئيين المنكرين ~~للأديان. # فالأستاذ إبراهيم حوراني - وهو عالم لغوي مطلع على المباحث العلمية - ألف في الرد ~~على مذهب دارون رسالة «مناهج الحكماء في نفي النشوء والارتقاء»، ثم أتبعها برسالة «الحق ~~اليقين في الرد على بطل دارون»، وطبعها ببيروت (سنة 1886) ردا على مناقشة الدكتور ~~«شبلي شميل» لرسالته الأولى، فصب حملته الكبرى على موطن الضعف في المذهب، وهو افتقاره ~~إلى الدليل القاطع، وتعويله على الشواهد التي توحي بالرأي، ولا تستأصل الشكوك أو تسكت ~~المعترض المطالب بدليل لا يضعفه الاحتمال. # وقد آثر الأستاذ حوراني أن يؤخر رأيه حتى يسوق بين يديه آراء علماء الطبيعة المخالفين ~~لدارون في القول بتحول الإنسان عن غيره من الحيوان، قال: «إن العلماء لم يثبتوا مذهب ~~دارون، وكذلك نفوه وطعنوا فيه مع علمهم أنه بحث فيه عشرين سنة، ومنهم العلامة «ونشل»، ~~مع أنه من أشد الناس ميلا إلى القول بالارتقاء بفعل الله، ومنهم العلامة ولاس قال ما ~~خلاصته: إن الارتقاء بالانتخاب الطبيعي لا يصدق على الإنسان، ولا بد من القول بخلقه ~~رأسا. # ومنهم الأستاذ فرخو قال: إنه يتبين لنا من الواقع أن بين الإنسان والقرد فرقا ~~بعيدا، فلا يمكننا أن نحكم بأن الإنسان سلالة قرد أو غيره من البهائم، ولا يحسن أن ~~نتفوه بذلك، ومنهم «ميفرت» قال بعد أن نظر في حقائق كثير من الأحياء: إن مذهب دارون لا ~~يمكن تأييده، وأنه رأي من آراء الصبيان، ومنهم العلامة فون بسكوف، قال بعد أن درس هو ~~وفرخو تشريح المقابلة بين الإنسان ms080 والقرد: إن الفرق بين البشر والقرود أصلي وبعيد ~~جدا. # ومنهم العلامة أغاسيز، قال في رسالة في أصل الإنسان تليت في ندوة العلم الفكتورية ما ~~خلاصته: إن مذهب دارون خطأ علمي باطل في الواقع، وأسلوبه ليس من أساليب العلم بشيء، ولا ~~طائل تحته، ومنهم العلامة هكسلي، وهو من اللاأدرية وصديق لدارون، قال: إنه بموجب ما لنا ~~من البينات، لم يتبرهن قط أن نوعا من النبات أو الحيوان نشأ بالانتخاب الطبيعي أو ~~بالانتخاب الصناعي، ومنهم العلامة تندل، وهو كهكسلي، قال: إنه لا ريب في أن الذين ~~يعتقدون الارتقاء يجهلون أنه نتيجة مقدمات لم يسلم بها، ومن المحقق عندي أنه لا بد ~~من تغيير مذهب دارون.» # ويقسم الأستاذ حوراني أنصار مذهب النشوء إلى ثلاث فرق: معطلة ولاأدرية وإلهية، «أما ~~المعطلة فهي التي نفت الخالق سبحانه وقالت بقدم المادة، وأما اللاأدرية فهي التي لم ~~تتعرض لنفي الخالق ولا لإثباته، وأما الإلهية فهي التي اعترفت بواجب الوجود تعالى، ~~وقالت بأنه خالق المادة والحياة، وانقسمت هذه الفرقة إلى اثنتين، ظنت إحداهما الإنسان ~~ابن القرد أو صنوه، ومنها دارون، وقالت الأخرى بأن الله خلق الإنسان من البدء إنسانا، ~~ومنها العلامة ولاس، وعلماء هذه الفرقة أصحاب النشوء الإلهي التي قالت بإمكانه، وصرحت ~~بعدم البرهان على وقوعه، وبأن عليه اعتراضات لم تدفع دفعا مقنعا.» # ثم أورد الأستاذ حوراني إحصاء بعض علماء الحفريات عن الأنواع التي وجدت في باطن ~~الأرض، فقال: إن ثمانية وعشرين في المائة منها أنواع لم تتغير، وسبعة في المائة أنواع ~~مهاجرة، وخمسة وستين في المائة لا سلف لها. وأما الأنواع التي نشأت بالتغير أو الأنواع ~~الجديدة فلا وجود لها في شيء من بقايا الحفريات. # ويرد الأستاذ حوراني على استدلال النشوئيين بتشابه الأجنة بين الإنسان وبعض الحيوان، ~~فيقول: إن علة هذا التشابه «بساطة التكوين وقصر النظر؛ بدليل أن التباين يعظم على توالي ~~اقترابها من كمال التكوين، فلا ينشأ من بيوض الإنسان أو أجنته سوى أناس، ولا ينشأ من ~~بذرة اللوزة إلا لوزة». # ويحيل النشوئيين إلى بحث التيرانولوجيا ms081 - أي المشوهات - لتفسير الأعضاء الأثرية التي ~~تثبت بعد ولادة الجنين، ومن أمثلتها «الأعنش»، أي من له ست أصابع، وهو من أبسط الأمثلة، ~~والأشوه المزدوج؛ كهيلين وجوديث، وهما الأختان الهنغاريتان المشهورتان، كانتا ملتصقتين ~~بالمتنين والأفخاذ والأحقاء، ولدتا سنة 1701 وعاشتا اثنتين وعشرين سنة، وكانتا مختلفتي ~~السجايا والأخلاق. # وقال عن الانتخاب الطبيعي: إنه لا يمكن أن يكون أس الارتقاء الداروني؛ لأن الطبيعة ~~إنما تؤثر في الموجود، وليس لها أن توجد المعدوم، فيمكنها أن تعمي العيون، ولكنها لا ~~تستطيع أن توجد البصر «ويقتضي مذهب دارون أن لا تجمع الأنواع الدنيا والعليا، بل تتعاقب ~~وتسبق الأولى الثانية أبدا، ولكن ذلك الاجتماع ثبت في المنقرضات والأحياء». # وأضعف ما في ردود الأستاذ حوراني قوله عن قدم الإنسان؛ إذ يقتضي مذهب دارون أن يكون ~~الإنسان قديما جدا: «ولكنه تبين لأشهر العلماء وأكابرهم من النشوئيين وغيرهم أنه ~~أحدث الأحياء، وأنه كان منذ بضعة آلاف سنة، وأثبت العلامة دوسون أنه كان في ثاني العصر ~~الجليدي، وهو المعروف بالأكثر أحدثية، وفصل ذلك في خطبة له في الإنسان قبل زمن التاريخ، ~~وقال الدكتور هويدن: نظرت أربع فرق مستقلة من الجيولوجيين في زمن نشوء الإنسان، فاتفقت ~~على أنه نشأ منذ ما بين ستة آلاف وسبعة آلاف سنة.» ~~••• # وفي إبان احتدام المناقشة بين منكري المذهب ومؤيديه، أصدر الأب جرجس فرج صفير ~~الماروني، مدرس الفلسفة بالمدرسة اللبنانية في قرية شهوان، (1890) كتابا نهج فيه منهج ~~الحوار بين خصمين، سمى أحدهما بالإنسان القردي، وسمى الآخر بالإنسان الآدمي، وأدار ~~الحجاج بينهما على هذا المثال، مع اختصار بعض التفصيلات: # الآدمي ~~: # أين تجدون أشكال الانتقال من يد قرد إلى رجل إنسان؟ أفهل عثر على ذلك أحد ~~علمائكم؟ فإن لم تعثروا على شيء من ذلك؛ فالإنسان القردي لا يكون له ~~وجود. # القردي ~~: # إن المباحث البالونتولوجية «الحفرية» - والحق يقال - لم تأت بما يعرب عن ~~تسلسل بين الإنسان والقرد أو أحد أنواع الحيوانات، على أن أساتذتنا قد أجمعوا ~~على أنه من المحتمل أن من الحيوانات التي على شكل حصان البحر ما يتحول ms082 إلى ~~حيوان قوائمه على شكل قوائم الخنزير، وأن منها ما قد يتحول إلى الماعز، ومنها ~~إلى الخرفان ... إلخ. # الآدمي ~~: # فإن كان ذلك من طوالع المحتمل لا من أمارات اليقين، فأين العلم الحقيقي الذي ~~تعولون عليه؟ # القردي ~~: # نعم، إننا لم نجد إلى الآن أثرا إلى الإنسان القردي، غير أن العلم لم ينه ~~قضاءه. # الآدمي ~~: # ولكن ماذا يكون هذا العلم الذي يقضي بخلاف الواقع؟ فإننا نرى الأنواع لا ~~تتغير عن ذاتها وإن كثرت فيها الأنسال، فإذا قلت: لا فارق بين النوع والنسل ~~أسكتتك العلائم الفزيولوجية، ونحن نحصرها في أمر وهو النتاج. # القردي ~~: # ومن يمكنه أن يرسم تخوم النوع والعلماء لا يكادون يتفقون على شيء منه؟ # الآدمي ~~: # أويكون الجهل في أصل شيء أو في علته حجة في إنكار وجوده؟ أفنفقه ما للعلائم ~~الجوية والأرضية من الأسباب والعلائق ونحن مع ذلك لا ننكر وجودها؟ إنا نعلم أن ~~المولود من قران الفرس والحمار لا يكون إلا عاقرا، فنقول: لا بد من فرق نوعي ~~في مولده، أفجهلنا في رسم حدوده يمكننا من إنكار وجوده؟ # القردي ~~: # إلا أني أعرف من أصحابكم من يقول بإمكانية مذهب التحول. # الآدمي ~~: # لا نجهل أن البعض من أصحاب الإيمان يحبون أن يوفقوا بين التحول والإيمان، ~~فيقولون: إن الله سبحانه قد جبل آدم من تراب قد عركه كثير من المولدين من ~~الخازباز إلى آخر حيوان ذي أربعة قوائم، فأخذ الله هذا الحيوان الأخير من ~~السلسلة المتحولة، وهو القرد، ونفخ فيه النفس البشرية، وعليه فيكون آدم نتاج ~~عمل محول وخالق معا. وأبين لك في غير مفاوضة كيف يعمه هؤلاء في الضلال ... ~~ومن العجيب كيف لا يفقهون أن هذا المذهب إنما تنفيه الفلسفة نفسها كما سبق ~~بيانه. # القردي ~~: # أوهل تنفيه الفلسفة لو افترضنا تدخل الله عند انتقال كل من الأنواع كما ~~تدخل عند خلق الإنسان؟ # الآدمي ~~: # إذا افترضت تدخل الله سبحانه كان لا بد من تعويض نفس بنفس؛ أما هذا التعويض ~~فيتم إما بوجود القرد الأول الذي تكون، أو في بداية الانتشار، وكلا ~~الافتراضين لا ms083 يتحقق. أما الأول فلأنه يفترض قتل الحي ثم إقامته، أو ملاشاته ثم ~~إقامة آخر بدله. # القردي ~~: # قرأت في كتب بعض أصحاب مذهب التحول أن التمايز إنما ينتج من عمل صدفة يدور ~~عليها الانتخاب الطبيعي، فما قولك فيه؟ # الآدمي ~~: # قد سبقهم إلى مثل هذا القول غيرهم من الملحدين الذين يؤيدون المادة، ونحن ~~نوقفك على أدلة تذكر ما يعولون عليه من فعل الصدفة في تمايز الكائنات. # إن الصدفة لا تقع إلا في الأشياء التي يمكن لها أن تكون على خلاف ما هي؛ فقد يمكن ~~للطاولة التي يصنعها النجار أن تكون مربعة أو مدورة، أما الأشياء التي هي من الضرورة، ~~ودائما، فلا يمكن لها أن تحدث بطريق الاتفاق، ولكن من الأشياء ما لا يمكن له أن يكون ~~على خلاف ما هو، مثل: الجواهر البسيطة، وذوات الأشياء وحقائقها، ومثل الأعمال التي تصدر ~~عن فاعل لا يصادمه في فعله شيء كالجاذبية، مع قطع النظر عن كل مانع يصادمها في فعلها، ~~وعليه فإن هذه الأشياء لا تقع عليها الصدفة؛ أتظن أن للصدفة أن تجعل الكلب حمارا، ~~والحمار كلبا؟ # ونحن نشاهد أن الحركات والأفعال إنما تلي تمايز الأشياء ولا تسبقها؛ أولا ترى أن ~~السفينة لا تتحرك ولا تجري قبل أن يجعل كل من آلاتها في موضعه على هيئة من التمايز ~~لا ينبغي أن يشوبه أدنى خلل؟ ~~••• # ويفضي هذا الحوار إلى عجز «الإنسان القردي» عن الجواب، فيتبعه صاحب الكتاب بمناقشة ~~مطولة لمذاهب الماديين يستند فيها إلى حجج الفلسفة اللاهوتية، ويقرر فيها أن العلوم ~~الطبيعية وحدها لا تكفي لتحقيق النظر في أصل الوجود من حيث هو موجود، ولهذا سمى البحث ~~عن أصل الوجود بما بعد الطبيعة؛ لأنه «ينبغي أن يقرأ هذا العلم بعد الوقوف على علم ~~الطبيعيات، والمراد به علم يبحث عن الوجود من حيث هو موجود؛ أي عن ذات الأشياء بقطع ~~النظر عن معنياتها وأحوالها الخاصة التي ينحاز بها الشيء عما سواه، أو علم يبحث به عن ~~الأسباب الأخيرة للوجود والمعرفة، فإن كليهما لا ينفصلان؛ لأن مبادئ المعرفة ms084 والعلم ~~العالية المطلقة إنما هي التي تمكننا من الوقوف على أسباب الوجود؛ ولذلك فإنه يكون علم ~~العلوم». ~~••• # ولا نعلم أن كتابا في هذا الموضوع بقلم باحث مسيحي من كتاب اللغة العربية ظهر قبل ~~كتاب «صفوة علم اليقين في حقيقة مذهب دارون»، لمؤلفه الأسقف خير الله أسطفان، ناظر ~~مدرسة عين ورقة، الذي ألفه بعد الكتاب السابق بأكثر من ثلاثين سنة؛ (1929)، أعيد في ~~خلالها طبع مؤلفات الدكتور شبلي شميل في هذا المذهب، ونشط البحث بين الأوروبيين في ~~نظريات النشوء عامة، على أثر البحوث المتضاربة في نظريات تنازع البقاء وإرادة القوة، ~~وما إليها من «الفلسفات» التي أثارتها الحرب العالمية الأولى ومشاكل العلم والاجتماع ~~فيما بين الحربين العالميتين. # وقد أشار الأسقف إلى الأطوار التي مرت بمذهب دارون منذ إعلانه إلى تلك السنة، فنقل ~~كلاما عن العالم الألماني إدواردفون هارتمان قال فيه: إنه «في سنة 1860 كانت مقاومة ~~الأفذاذ من العلماء الشيوخ لنظرية دارون شديدة، وفي سنة السبعين أخذت هذه النظرية تنتشر ~~في كل صقع تقريبا، وفي سنة الثمانين كان نفوذ المذهب الداروني عاما ومطلقا حتى كاد ~~يبلغ بسموه سمت الرأس، وفي سنة التسعين بدأت بعض الشكوك تعتلي، وبعض المقاومات تظهر، ~~وعلامة التصدع والانهدام تبينت واتضحت، وفي العقد الأول من الجيل العشرين بدأت أيام ~~المذهب أن تكون معدودة، وكان بين مضاديه وداحضي حججه من أعلام العلماء: إيمر، ~~وغوستاف وولف، وردي فريز # Vrise ~~، وفون والشتين # Wallstein ~~، وفليشمان # Flischmann ~~، ورينك # Rienk ~~، وغيرهم ~~كثيرون.» # وبعد هذا التمهيد عرض الأسقف للبحث من الناحية اللاهوتية فقال: «إن البحث العلمي ~~عندما يأتي بنتائج واقعية أكيدة تجتمع ساعتئذ كلمة العالم المسيحي وغير المسيحي عليها، ~~على غير تضاد ولا تناف. وهذا هو عين الصواب والرشد؛ لأن الحق لا يغاير الحق، ولا ~~يتساهل لاهوتيو الكنيسة الكاثوليكية، كما أنهم لا يسلمون لأخصامهم القائلين بالمذهب ~~الداروني المحض. وهذا بعض الواجب عليهم بالنظر إلى ما يناقض حقائق الوحي المقدس، غير ~~أنهم متى رأوا من بعض الوجوه اتفاقا بين اللاهوت ونظرية النشوء كانوا من هذا القبيل ~~ليني الجانب ms085 لطفاء هينين. # فمن هؤلاء العلماء الأهوناء المتئدين الأب واسمان الجرمني الشهير بعلم طبائع الحشرات، ~~الميال إلى الاعتقاد بنظرية نشوء الأنواع المعتدلة، القائل بأن أنواعا كثيرة من النبات ~~والحيوان نشأت من أنواع طبيعية أصيلة أبدعها رب الطبيعة الخلاق؛ كالأرانب الأليفة ~~والبرية والحمار والفرس والكلب والثعلب إلخ؛ فإنك بهذا ترى أن مبدأ الخلق والإبداع لبث ~~غير ممسوس البتة، فإذا حل تصور اشتقاق الأنواع الجديد بالتحدر والتسلسل محل التصور ~~القديم لثبات الأنواع على عدم التغير؛ كانت حكمة الباري في الجديد أمجد منها بالقديم، ~~من وجه أنه عز نواله وجل جلاله وضع في الطبيعة الآلية قوى تؤهلها لتحذير ونشر صور ~~جديدة لموجودات حية، بدون افتقار إلى توسط أو تدخل قدرة الله المبتدعة للكون ونواحيه، ~~والمعتنية بحفظها وإدارتها. # وحينما تتصادم نظرية ما مع التعليم المسيحي تصادما واضحا غير قابل للشك، يجب وقتئذ ~~رفض هاتيك النظرية وطرحها مطلقا، وبناء على هذا؛ كل من قال بمبدأ نشوئي ينفي به ~~الخلقة قطعا بدون رجعة يجب أن يضرب بقوله ومبدئه عرض الحائط، وكل نظرية تنكر خلقة ~~العالم بستة أيام يراد بها ستة أدوار أو ست مدد يجب أن تطرح، وكل قول بأدوار طويلة مرت ~~وانقضت بين تكوين الأرض وخلق الإنسان هو قول معقول؛ لهذا هو مقبول؛ لأنه ليس في الكتاب ~~الكريم ما ينافيه أو ينقضه. # أما بالنظر إلى أصل الإنسان، فالكاثوليك مقيدون بنص سفر التكوين، ويمكنهم التوسع ~~بتفسير كلمة الكتاب من جهة الجسد؛ فقد ارتأى بعضهم أن المقصود بقوله: جبله من تراب ~~الأرض، أنه قضى ورسم الصورة وهيأ الهيئة، وليس كما يجبل الفاخوري الجرة والإبريق. ~~وأما من جهة النفس، فالتعليم الكاثوليكي والفلسفة الصادقة الرصينة يلزماننا أن نقف عند ~~الاعتقاد الراهن الثابت بأن أنفسنا روحية بحتة، وبذا تفترق وتمتاز جوهريا عن نفس ~~الحيوان.» # وتلي هذه المقدمة براهين الأسقف التي بنى عليها رفض تحول الإنسان عن غيره من الحيوان، ~~وهي تتلخص في المطالبة بالحلقة المفقودة، وهي «لم ير لها أثر أو عين بين الأحياء ولا ~~بين الأموات، لا في الأحافير ولا ms086 في المتحجرات». # ثم سأل الأسقف: «إذا ثبت مذهب النشوء هل يناقض الدين؟» فكان جوابه: «إننا نجيب مع ~~العلماء النزيهين المجردين من الأغراض والأهواء بالنفي، وإنه لا يضاد مقاصد الخالق ~~وغاياته.» واستشهد ببحث للدكتور مكوشي يقول فيه: «إن النشوء بجميع مذاهبه لا ينفي ~~مقاصد وغايات البارئ عز وجل، فالأستاذ هكسلي النشوئي الكبير والمادي المعروف بين الناس ~~النبهاء سلم بكون النشوء لا يلزم منه نفي مقاصد الله، وإن ترتب أو توقف مخلوق ~~على آخر أو عملهما معا لإتمام مقصد جيد، أو إكمال غاية حسنة؛ كالحياة للنبات، وطيب ~~العيش للإنسان والحيوان، لهو دليل واضح عند كبار العلماء على مقاصد الله؛ فالذي يصنع ~~آلة تعمل هي آلة مثلها، لهو أحذق وأقدر وأحكم من الذي يصنع آلة تقتصر على العمل المقصود ~~منها ولا تتعداه.» ~~••• # وفي سنة (1937)، ألف الدكتور حليم عطية سوريال، الطبيب الأول لسجن أسيوط، كتاب ~~«تصدع مذهب دارون والإثبات العلمي لعقيدة الخلق»، نبه فيه إلى خطأ يسبق إلى بعض ~~الأذهان، وهو اعتقادهم أن إنكار مذهب النشوء مقصور على رجال الدين؛ فإن من كبار العلماء ~~الطبيعيين من يرفضه كالأستاذ فيالتون # Vialleton ~~، عميد ~~كلية الطب بجامعة مونبليه وأستاذ علم الأجنة فيها، والأستاذ كاترفاج، مدير متحف التاريخ ~~الطبيعي بباريس، وهو القائل: «إننا لا نعلم كيف تكونت الأنواع الحية، إننا نعلم فقط ~~أنها غير قابلة للتحول، وإننا على يقين بأن دارون ولامارك لم يكتشفا الناموس الحقيقي ~~لطريقة تكوينها.» # ثم سرد الدكتور سوريال أسماء بعض الأساطين من علماء الطبيعة المعارضين لمذهب التحول، ~~وخلاصة رأيهم في الاختلاف بين الأنواع «أن جميع تلك العوامل لا يمكنها أن تغير نوعا من ~~الأنواع الحية إلى نوع آخر، وكل التغيرات التي يمكنها أن تحدثها سطحية لا تمس التركيب ~~الجوهري للحيوان أو النبات، وبعضها باثولوجية - مرضية - تقود إلى انقراض النوع، ولقد ~~قال العالم الإيطالي روزا: إن الاختبار الاصطناعي الذي جربه بنو الإنسان في خلال الستين ~~سنة الماضية دليل عظيم ضد نظرية دارون.» # ويقرر الدكتور أن الحلقة المفقودة ناقصة بين طبقات الأحياء، وليست بالناقصة بين ~~الإنسان ms087 وما دونه فحسب؛ «فلا توجد حلقات بين الحيوانات الأولية ذات الخلية الوحيدة ~~والحيوانات ذوات الخلايا المتعددة، ولا بين الحيوانات الرخوة ولا بين المفصلية، ولا بين ~~الحيوانات اللافقرية والفقرية، ولا بين الأسماك والحيوانات البرمائية، ولا بين الأخيرة ~~والزحافات والطيور، ولا بين الزحافات والحيوانات الثديية. وقد ذكرتها على ترتيب ظهورها ~~في العصور الجيولوجية». # ثم قال بعد الاستشهاد بكثير من أمثال هذه الملاحظات العلمية: «إن هناك مسألة منطقية ~~بسيطة، وهي معرفة كيف استطاع المخلوق، الذي يعتبره التحوليون الحلقة المفقودة بين القرد ~~والإنسان، أن يعيش بين الحيوانات الضارية التي تحيط به؛ فإن أصحاب نظرية النشوء يقولون: ~~إن هذا المخلوق كان أضعف عقلا من الإنسان الحالي؛ فكيف يمكن لمخلوق ضعيف الجسم، وضعيف ~~العقل أن يعيش وحوله الأسد والفيل والدب والنمر وغيرها من الحيوانات المفترسة؟» # ويعتبر نقاد مذهب دارون أن مشكلة الحلقة المفقودة بين الأنواع - كما شرحها الدكتور ~~سوريال - هي مشكلة المشاكل في تمحيص هذا المذهب إلى اليوم، وأنها لا تزال على قوتها ~~وإقناعها بعد انقضاء مائة سنة على ظهور كتاب أصل الأنواع، واستئناف التعليق عليه بين ~~خصوم المذهب وأنصاره، الذين استجمعوا غاية ما استطاعوا لحل هذه المشكلة عند الاحتفال ~~بذكرى مرور القرن على ظهور ذلك الكتاب. ~~••• # ونحن نكتفي بالردود المتقدمة لأنها تمثل مناحي التفكير عند رجال الدين في مناقشة مذهب ~~النشوء، وهي: ~~(1) # منحى الجزم بالرفض ببطلان المذهب في جملته وتفصيله؛ لأنه مناقض للدين غير ~~مستند إلى أدلة قاطعة. ~~(2) # منحى الرفض لنقص الأدلة مع تعليق النتيجة بانتظار الأدلة المقنعة، ~~والإيمان بأنه - إذا ثبت - لا يقضي بتكذيب العقيدة الدينية والعقلية في ~~الخالق. ~~(3) # منحى القول بأن الأدلة العلمية التي يوردها العلماء لنفيه والتشكيك فيه ~~أرجح من الأدلة العلمية التي يوردونها على تأييده. ~~••• # أما أنصار مذهب النشوء في الشرق العربي فقد كان أشهرهم وأفصحهم بيانا الدكتور شبلي ~~شميل، وقد كاد أن يسبق دارون وأصحابه إلى الأخذ بالنظريات النشوئية على علاتها، وقد سبق ~~الماديين الغربيين إلى نفي كل صفة روحية أو غيبية في الإنسان؛ إذ قال في مقدمة ترجمته ~~لشرح ms088 بخنر على مذهب دارون: «إن الإنسان على رأي هذا المذهب طبيعي؛ هو وكل ما فيه مكتسب ~~من الطبيعة. وهذه الحقيقة لم يبق سبيل للريب فيها اليوم، ولو أصر على إنكارها من لا ~~يزال مفعول التعاليم القديمة راسخا في ذهنه رسوخ النقش في الحجر. # فالإنسان يتصل اتصالا شديدا بعالم الحس والشهادة، وليس في تركيبه شيء من المواد ~~والقوى يدل على اتصاله بعالم الروح والغيب؛ فإن جميع العناصر المؤلف منها موجودة في ~~الطبيعة، وجميع القوى التي فيه تعمل على حكم قوى الطبيعة؛ فهو كالحيوان فزيولوجيا، ~~وكالجماد كيماويا، والفرق بينه وبينها فقط بالكمية لا الكيفية، والصورة لا الماهية، ~~والعرض لا الجوهر؛ فالإنسان يحس، والحيوان يحس، والإنسان يدرك، والحيوان يدرك، ونواميس ~~التغذية واحدة فيهما، غير أن الإنسان يدرك أكثر من الحيوان؛ لأنه أكمل تركيبا من ~~الحيوان.» # وكانت ردود الدكتور شبلي شميل على مناقشته تكرارا لردود دارون وبخنر وغيرهما من ~~القائلين بتحول الأنواع، وفحواها: ~~(1) # إن التباينات بين الأنواع لا تزيد على التباينات بين أفراد النوع الواحد ~~إلا بالوراثة، وهذه أثر ثابت لا يحكم عليه بالفترة المعلومة من تاريخ ~~الإنسان؛ لأنها ثبتت بعد انقضاء مئات الملايين من السنين. ~~(2) # وإن أنصاف الأنواع من شأنها أن تعيش وتنقل ميراثها إلى زمن طويل؛ لأن ~~التوريث مرتبط بتمام الجهاز المميز للنوع، وهو لا يتم في أنصاف الأنواع، ~~ولكن قد يدل عليه التناسل بين بعض الحيوانات كالخيل والحمير، أو الكلاب ~~والذئاب، وقد يدل عليه «اكتشاف الطير العجيب - الأركوبتركوس - الذي وصل بين ~~طائفتين من الحيوان منفصل بعضهما عن بعض انفصالا تاما، وهما: الطيور ~~والحشرات». ~~(3) # إن العلماء يخطئون في وضع حدود الأنواع، وقد ذكر دارون «أن النباتي ~~الإنجليزي وستن يذكر 182 نباتا إنجليزيا عدها غيره أنواعا مع أنها ~~تباينات، وقد قال هوكر في هذا المعنى ما نصه: إن النباتيين يعدون الآن من ~~8000 إلى 15000 نوع من النبات؛ فالنوع إذن غير محدود.» ~~(4) # إن التحولات لا ينبغي أن يبحث عنها في الأنواع الحاضرة؛ لأن كلا منها ~~تطور عن أنواع سابقة له في سلسلة هي ms089 التي كان يمكن أن يجري بينها التحول في ~~أوانه، ولكن الأنواع الحاضرة تباعدت عن أصولها؛ فابتعدت الأشباه المتحولة ~~فيما بينها. # ولا ننسى - عند تقدير عوامل العناد بين الطرفين - أن الدكتور شبلي شميل إنما يواجه ~~بهذه الخصومة اللدود سلطان رجال الدين، فانساق من هذه الخصومة إلى خصومة الأديان، ورأى ~~- كما قال في مقدمة الترجمة - أن «الملل والديانات أصلها واحد، وقيامها في الدنيا إنما ~~هو لعاملين: حب الرئاسة في الرؤساء، وارتياح المرءوس إلى حب البقاء، وكلاهما لما في ~~الإنسان من محبة الذات ؛ فسطا دهاة الناس على ساذجي العقول منهم، فساد البعض وسيد على ~~البعض الآخر، وتم بذلك غرض الفريقين.» # وخاطب رؤساء الدين قبل ختام المقدمة قائلا: «سوف يتولى ما بقي، ولربما كان حظكم من ~~ذلك في الشرق أطول جدا لولا أن الغرب باسط فوقه يديه، ولا تعللوا النفس بما في ~~التاريخ من سقوط بعض الأمم ألقت إليكم مقاليد أحكامها، وسلمتكم زمام أمورها، فإنه وإن ~~حصل ذلك إلا أنكم لن تبلغوا أمانيكم؛ لتوفر معدات التقدم في العلوم والصنائع، وانتشار ~~ذلك بواسطة الطباعة.» ~~••• # وبعد، فهذه شذرات من التعليقات الدينية والعلمية التي قوبل بها مذهب التطور في الغرب ~~وفي بلاد الشرق العربي، نحسب أننا أتينا فيها على كل رأي من آراء الباحثين الدينيين ~~والعلميين في هذا المذهب، وأن الكتب التي اخترناها للاقتباس منها تمثل جوانب التفكير ~~جميعا في هذا الموضوع. # وقد مضى أكثر من سبعين سنة على ظهور أقدم الكتب التي ذكرناها في هذه العجالة، ومضى ~~نحو ثلاثين سنة على أحدثها، فإذا أردنا أن نعود إليها لنحكم عليها حكم الزمن الممحص ~~للآراء، فالذي نراه اليوم أن الدينيين قد وقفوا الموقف المنتظر منهم في معارضة ~~النشوئيين الماديين، فليس من المنتظر أن يقابل إنكار الدين بغير الإنكار من أهل الدين، ~~وقد أصاب العلامة الشيخ محمد رضا حين قال: إنه يدفع الشبهات عن العقيدة الإلهية في كل ~~ملة، ولا يقصر دفاعه على عقيدة الإسلام. ~~••• # ولكن الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع من الوجهة الدينية قد أخطئوا - دينيا ~~وعلميا - في ms090 إنكارهم باسم الدين أمورا لا تزال قيد البحث بين الإثبات والنفي، ويجوز ~~أن تسفر بحوث الغد عن إثباتها بما يقطع الشك فيها، كما يجوز أن ينفيها بما يزيل مواضع ~~الخلاف فيما بين عقائد الدين وحقائق العلوم، وقد كان لبعضهم عذره لقلة المعلومات ~~الصحيحة التي وصلت إليهم عن مذهب دارون ومذهب التطور على العموم، وكان لبعضهم عذر مثل ~~هذا العذر قد يسوغ اندفاعهم إلى درء الخطر عن العقائد الإلهية يوم تعجل ثراثرة التقليد، ~~فهجموا على المذهب على غير علم به كعادتهم في الهجوم على كل جديد مستغرب، وانتحلوه ~~للثرثرة بأحاديث الإلحاد والمروق، فكان تعجلهم هذا داعيا إلى مقابلتهم بتعجل مثله من ~~الدينيين. # بيد أنه - ولا ريب - تعجل وخيم العاقبة، قد ظهرت عواقبه الوخيمة مرة بعد مرة منذ ~~ابتدأ العلم الحديث في نشر كشوفه المتوالية، ووجب الاتعاظ بعواقب التصدي للمباحث ~~العلمية وهي في معرض التحقيق بين الإثبات والنفي، أو التغليب والاستضعاف، وقد علم رجال ~~الدين في الغرب ماذا كان من أثر تحريمهم للقول بدوران الأرض حول الشمس، وإيجابهم تعليم ~~النشء أن الشمس تدور حول الأرض كأن وجود الخالق جل وعلا مرتبط بدوران هذه أو تلك، وكل ~~في فلك يسبحون. # لقد كان في ذلك التعجل من رجال الدين عظة لهم تنهاهم أن يعيدوا مثل هذه الغلطة في ~~التصدي للمذاهب العلمية التي لم ينقطع الشك في ثبوتها أو بطلانها، وقد ينقطع الشك غدا ~~بما يثبت على منكريها أنهم كانوا مخطئين في فهم الدين والعلم على السواء، فإن زلزال ~~المادية الذي اضطرب له الغرب اضطرابه العنيف لم يكن له حجة على العقائد الإلهية أقوى من ~~هذه الحجة على الدين، كما تصوره المتعجلون من «المؤمنين» على غير يقين. ~~••• # ويشبه هذا الخطأ المنكر خطأ آخر لم ينفرد به الدينيون، بل شاركهم فيه زمرة من العلماء ~~لم يحسنوا التمييز بين قضايا العلم وقضايا الحقوق «المدنية» أو الجنائية في المحاكم ~~ودواوين التشريع؛ فصاحب الدعوى في المحكمة أو الديوان مطالب بإثبات دعواه لأنها مصلحته ~~الخاصة، وفيها - إذا لم تثبت - إضرار ms091 بمصالح الآخرين، ولكن الدعوى العلمية ليست كذلك، ~~ولا يصح أن يناط أمر إثباتها بمن يدعيها وحده، وهي مصلحة الناس أجمعين، ومن ينكرها بغير ~~حق يضر بالناس أجمعين. # وقد أفرط النقاد جدا في التشبث بمسألة الأنواع الوسطى، ولم يصطنعوا الأناة ليدركوا ~~ما في هذه الحجة من الضعف والعنت، ويعلموا أن التشبث بها إلى هذا الحد إحراج للخصم من ~~قبيل إحراج الخصوم المتنازعين على دعاوى المحاكم والدواوين. # فكيف يخطر على بال الناقد المخلص أن الأنواع الوسطى تبقى لها ذرية، مع العلم بأن ~~الوراثة لا تتم قبل استكمال خصائص النوع؟ وكيف يفوتهم أن يلمحوا هذه الحقيقة، ويرتبوا ~~عليها ما ينبغي أن يترتب عليها من التريث والانتظار، وهم يرون اليوم أمثلة بارزة من ~~توقف النسل بين الخيل والحمير، أو بين الذئاب والكلاب؟ # وإذا كان القائل بالنشوء يعجز عن إقامة الدليل على تناسل النوع المتوسط، فكيف يحال ~~هذا العجز إليه ولا يحال إلى الواقع الذي لا حيلة له فيه؟ إن كثيرا من الأحياء الباقية ~~إلى اليوم لم يبق منها أثر يدل على وجودها في عصور الحفائر المطمورة بين طبقات الأرض، ~~فإذا جاز هذا في أمر الأنواع التي بقيت، ولا شك في بقائها إلى اليوم، فكيف نستكثره على ~~أنصاف الأنواع التي لم تستكمل خصائص النسل والتوريث؟ # فليس من الرأي السليم - دينا ولا علما - أن يرتيط رفض النشوء بعجز النشوئيين عن ~~إبقاء أنواع وسطى من الحيوان غير قابلة بطبيعتها للبقاء والتوريث. # وقد يحدث غدا أن يوجد الدليل الممكن على النوع المتوسط، أو توجد الوسيلة الممكنة ~~للتلقيح بين الأنواع المتقاربة، فتعود إلينا قصة دوران الأرض ودوران الشمس بخطر على ~~الدين والعلم لا داعية له غير التعجل والعنت في الخصومة الفكرية، وإنه لعنت معيب يجوز ~~في خصومات المال، ولكنه يحرم أشد الحرمان في خصومات الأفكار والآراء. ~~••• # وفي كتاب تدور موضوعاته على حكم القرآن الكريم في شأن الإنسان يعنينا هنا أن نسأل: هل ~~يصيب الذين يحرمون باسم الإسلام مذهب النشوئيين المؤمنين بالخالق؟ # وليس يخالجنا كثير من الشك ولا قليل في ms092 خلو كتاب الإسلام مما يوجب القول بتحريم هذا ~~المذهب؛ فقد يثبت غدا أن المذهب صحيح كله أو باطل كله، أو يثبت أن بعضه صحيح وبعضه ~~باطل، ولكن كتاب الإسلام لا يصد عن سبيل العلم في أية وجهة من هذه الوجهات، كما سنبينه ~~في موضعه من الفصل الأخير. # | الدين ومذهب دارون # نعود فنقرر في هذا الفصل ما ختمنا به الفصل السابق، فنقول: إن مذهب التطور، أيا كان ~~تفسير القائلين به لنشأة الأنواع، ليس فيه ما يصح أن يستند إليه الملحدون لإبطال الدين، ~~أو إنكار الخالق، أو القول بخلو الكون من دلائل القصد والتدبير. # وقد نسب القول بنشأة الأنواع من أثر الانتخاب الطبيعي والانتخاب الجنسي إلى عالمين ~~كبيرين من علماء القرن التاسع عشر؛ هما: شارلز دارون، وألفريد رسل ولاس، ولم يكن أحد ~~منهما منكرا لوجود الله. # فأولهما - شارلز دارون - كان يقول: إنه يستريح إلى الإيمان بوجود الإله في هذا الكون ~~الكبير، ولكنه يرى أن شعوره هذا لا يلزم أحدا أن يشعر به مثله، ولا يبلغ من شأنه أن ~~يكون حجة علمية تقنع المنكرين. # كتب في سنة (1897) إلى الأستاذ فرديس، صاحب كتاب «صور من الشكوك»، يقول جوابا على ~~سؤاله: «إنني في أشد أحوال التردد لم أكن قط ملحدا إذا كان معنى الملحد إنكار وجود ~~الله، وأرى على العموم - وبخاصة مع تقدم السن - أنني أحرى أن أسمى (لاأدريا)، وأن ~~هذا الاسم أقرب إلى الصواب في وصف تفكيري.» # وقال في خطاب كتبه إلى طالب هولندي (في الثالث من أبريل سنة 1873): # يبدو لي أن استحالة القول بأن هذا الكون العجاب العظيم، وما انطوى عليه من ~~شعورنا الواعي إنما كان وليد المصادفة، هو أكبر سند للقول بوجود الله، ولكنه ~~سند لا أستطيع أن أقرر قوة إقناعه، كما لا أستطيع أن أغضي عن المشكلة التي تنجم ~~مما يتخلل هذا العالم من الآلام. # وكتب إليه طالب ألماني في سنة 1879 يسأل عن عقيدته الدينية، وعن العقيدة التي يدعو ~~إليها الأخذ بمذهب التطور، فكلف أحد ذويه أن يجيبه ويجيب غيره ms093 ممن يوجهون إليه هذه ~~الأسئلة قائلا: # إن مستر دارون يعتذر لكثرة الرسائل التي ترد إليه ولا يتيسر له الرد عليها ~~جميعها، ويود أن يقول: إن مذهب التطور يوافق كل الموافقة إيمان المؤمن بالله، ~~غير أننا يجب أن نذكر أن الناس يختلفون كثيرا في تعريفهم لما يعنونه ~~بالإله. # ويفهم من خلاصة رأيه في سيرته التي كتبها بقلمه، أنه لا يفرق بين كتب العهد ~~القديم وكتب الديانة الهندية من حيث نسبتها إلى الوحي الإلهي، وأنه لم يقم لديه الدليل ~~على حدوث هذا الوحي في التاريخ، ولكنه إذا أراد أن ينظر إلى المسألة الإلهية من جانب ~~الانتخاب الطبيعي؛ فإن أنواع الأحياء كانت خليقة أن تضرب عن تجديد وجودها، واستمرار ~~نسلها لو كانت شرور الحياة أكبر من حسناتها. وهي الحجة التي يستند إليها الملحدون في ~~إنكارهم للمقاصد الإلهية. # وكان دارون على تردده في مسائل الغيب يشعر بقداسة الدين، ويحرص على رعاية شعور ~~المتدينين، ولا يرتضي من العلماء أن يقحموا مذاهبهم على ضمائر الناس فيما اطمأنوا إليه ~~من عقائدهم الروحية، فلما أراد كارل ماركس أن يهدي إليه كتابه عن رأس المال؛ كتب إليه ~~معتذرا وقال من رسالة محفوظة الآن بمعهد ماركس وإنجلز في موسكو: «إنني أشكر لك رسالتك ~~الودية، وأفضل أن يكون هذا الجزء من الكتاب غير مهدى إلي مع شكري لهذه التحية؛ إذ ~~كان إهداؤه إلي يتضمن على وجه من الوجوه إقراري لما في سائر الكتاب الذي لا علم لي ~~به. وإنني - مع غيرتي على الدعوة إلى حرية الفكر في جميع المسائل - أرى، صوابا أو خطأ، ~~أن المناقشات المباشرة التي تناقض المسيحية والإيمان بوجود الله قلما يكون لها أثر على ~~جمهرة الناس، وأن خير وسيلة لتحقيق الحرية الفكرية أن تتقدم العقول تبعا لتقدم العلوم؛ ~~ولهذا أراني أتجنب الكتابة في أمور الدين، وأقصر كتابتي على المباحث العلمية.» # وعاش دارون بقية حياته على هذا الرأي، مؤمنا بأن مذهبه لا يقتضي من العقل أن ينفي ~~وجود الله، ولا أن يمس عقائد المؤمنين بوجوده، وأن الإيمان بأية ديانة ms094 من الديانات لا ~~يتوقف على الفصل في قضية التطور إلى الرفض أو إلى القبول. # أما «ألفريد رسل ولاس» شريك دارون في القول بتعدد الأنواع من أثر الانتخاب الطبيعي ~~وعوامل البنية الطبيعية، فقد كان مؤمنا قوي الإيمان بوجود الإله، وكانت مراقبته لعوامل ~~الطبيعة سببا لتصديقه بالمعجزات وخوارق العادات؛ لأنه كان يستخلص من فعل هذه العوامل ~~في الطبيعة أنها لا تجري على هذا المجرى لزاما، بحكم العقل أو بحكم التفكير المنطقي، ~~وأنها كان يجوز أن تجري على مجراها هذا، أو على مجرى آخر يساويه ويماثله في حكم العقل ~~والأقيسة المنطقية، وإنما هي الإرادة الإلهية التي أوجبت هذا النظام نتيجة لتلك ~~العوامل، فليست المعجزة التي يريدها الله أغرب من نظام العوامل المطردة في ظواهر الكون، ~~ومرجعها جميعا إلى الإرادة الإلهية على اطراد أو على استثناء. ~~••• # ومن عقيدة صاحبي المذهب في مسائل الغيب، نفهم أن العلماء والمفكرين في الغرب ينقسمون ~~هذا الانقسام، وأن القول بأن عالما من العلماء أو فيلسوفا من الفلاسفة يقبل مذهب ~~التطور، على تعدد معانيه، لا يدلنا على رأي محدود يراه في الدين المسيحي، أو في الدين ~~عامة؛ لأنه يجوز أن يكون من المؤمنين، كما يجوز أن يكون من المنكرين أو المترددين، حسب ~~المنهج الذي ينهجه في تفكيره وأساليب استدلاله. # ومن المفكرين والعلماء من كان يجعل التطور أساسا لعقيدته الروحية أو الفكرية، وأشهر ~~هؤلاء بين فلاسفة القرن العشرين «برجسون» الفرنسي، و«هويتهد» الإنجليزي، وهو عدا ~~اشتغاله العميق بالبحوث الرياضية والفلسفية رجل من رجال الدين، وعالم من علماء ~~اللاهوت. # ويكثر بين العلماء الطبيعيين من يعتبرون التطور دليلا على النظام، ويعتبرون النظام ~~دليلا على وجود الخالق، ومنهم أعضاء في مجمع العلوم الملكي؛ كالأستاذ «جلادستون» الذي ~~يقول: «كثير منا نحن المسيحيين من رجال العلم من يدركون أن هناك وحدة في النظام، ووحدة ~~في الغاية، تبدوان من خلال النظر إلى خلائق الله، ونحن ندين بأن مذهب دارون عن بقاء ~~الأنسب لا يبطل فكرة التدبير الإلهي، أو فكرة النظام المقصود، بل يؤكد هذه الفكرة، ~~ويمهد لنا سبيل ms095 النظر إلى الوسائل التي اختارتها العناية الإلهية لتدبير مقاصدها منذ ~~القدم، فنرى أنها نتيجة قانون منتظم، وليست مجرد سلسلة من المفاجآت المتفرقة.» ~~••• # أما المنكرون من علماء الطبيعة، فحجتهم في الإنكار أن العقيدة الدينية تقوم على ~~الخوارق والمعجزات، وأنه لا سبيل إلى التوفيق بين عقيدة تقوم على خرق قوانين الطبيعة، ~~وبين علم يقوم على تفسير الكائنات بما تقتضيه هذه القوانين. # وأشهر القائلين بهذا الرأي بين علماء الطبيعة «إرنست هيكل» الألماني، و«توماس هكسلي» ~~الإنجليزي، وهو أقرب إلى الاعتدال في الإنكار من زميله. # فهيكل يقول: «إن العقيدة الدينية تعني دائما تصديق معجزة خارقة، وهي بهذه المثابة ~~قائمة على مناقضة ينقطع الرجاء في التوفيق بينها وبين عقيدة العقل الطبيعية، وهي - على ~~خلاف سنن العقل - تذهب إلى فرض العوامل فوق الطبيعية، ويحق من أجل ذلك لمن يشاء أن ~~يسميها خرافية، أو غير طبيعية، وإن ذلك الوحي المدعى الذي تأسست عليه عقائد المسيحية ~~ليس مما يتفق مع أثبت النتائج التي وصل إليها العلم الحديث.» # وهكسلي يقول: «إننا - أمام الأمور التي لا شك في بعدها عن الاحتمال - لا نقول إننا ~~محقون في طلب البرهان المقنع لتصديق وقوع المعجزة الخارقة، بل نقول: إن الواجب الأدبي ~~يتقاضانا أن نجد هذا البرهان قبل أن نأخذ تلك المعجزة الخارقة مأخذ الجد والاعتبار، ~~ولكننا إذا كنا - بدلا من الوصول إلى ذلك البرهان المقنع - لا نرى أمامنا إلا حكايات ~~نجهل كيف نشأت ومتى نشأت بين أناس يستطيعون أن يصدقوا كل التصديق أن الشياطين تتلبس ~~بأجسام الخنازير؛ فإنني أصرح بأن شعوري إنما هو شعور الدهشة من أن أرى الإنسان العاقل ~~ينظر إلى شهادة هؤلاء نظرة جدية.» ~~••• # وعلى مثل هذا المحور يدور الخلاف بين الفريقين اللذين يتفقان في قبول مذهب التطور، ~~ولكنهما لا يتفقان في الحكم على دلالته من الوجهة الدينية، ولكن هذا الاختلاف لا يرجع ~~إلى المذهب في ذاته، وإنما يرجع إلى طريقة النظر إليه وطريقة التفكير التي تعودها ذهن ~~العالم أو الفيلسوف، فربما خرج الذهنان بنتيجتين متناقضتين من فكرة واحدة يراها أحدهما ~~برهانا ms096 على وجود الله، ويراها الآخر مغنية عن البحث في إثبات وجود الله. # وقد سأل نابليون بونابرت أكبر علماء الفلك في زمانه - لا بلاس - عن مكان العناية ~~الإلهية في حركات الأفلاك، فكان جوابه أنه لا يرى لها مكانا فيما يعلمه من تلك ~~الحركات، كأنه يقول: إن قوانين الحركة وحدها تفسر دورة الفلك تفسيرا يغني عن النظر إلى ~~علة أخرى وراءها، وهو أسلوب من التفكير يناقض أساليب الذهن الذي يراقب دورة الفلك، ~~ويعلم أن العقل لا يستلزم حصولها على هذا الوجه دون غيره، وأنه لا بد إذن من البحث عن ~~الإرادة التي اختارت لها هذا الوجه من الحركة فانتظمت عليه. # ولعل الفارق بين هذين النمطين من التفكير يتعلق بالنظرة إلى النظام والمعجزة، فمن كان ~~من القائلين بالتطور، مؤمنا بالعناية الإلهية؛ فطريقته في التفكير أن يستدل بانتظام ~~الخلق على وجود الخالق، وأن يرى بعد ذلك أن المعجزة لا تستغرب مع الإيمان بالقدرة ~~الإلهية والحكمة التي تستدعيها، إذا كان هناك ما يستدعي صنع المعجزات في رأيه. # ومن كان من القائلين بالتطور، معطلا للعقيدة الدينية؛ فطريقته في التفكير أن التوفيق ~~متعذر بين تفسير الكائنات بالقوانين الطبيعية، وبين خرق هذه القوانين لإثبات عقائد ~~الدين. # لكن الرأي الأخير الغالب على علماء اللاهوت المسيحيين أن معارضة الرؤساء من رجال ~~الدين لمذهب التطور، عند إعلانه قبل مائة سنة، لم يكن من سداد الرأي في شيء، وأن هذه ~~المعارضة ينبغي أن تحسب على أصحابها، ولا تحسب على الديانة المسيحية التي لا تأبى ~~التفسير على وجه موافق لمذهب التطور على أقواله المتعددة، ويعبر عن هذا الرأي في ~~كتاب مؤلف لهذا الغرض عالم من أكبر علماء الرياضة وعلماء اللاهوت المعاصرين، وهو ~~الأستاذ كولسون، عضو مجمع العلوم الملكي وصاحب كتاب «العلم والعقيدة المسيحية»، ومدار ~~الرأي فيه كله على هذه الفكرة، سواء فيما يرجع إلى مذهب التطور أو إلى غيره من مذاهب ~~العلم الحديث. # | سلسلة الخلق العظمى # سلسلة الخلق العظمى مذهب يوازي مذهب التطور، ويتمشى معه في معظم الطريق، ولكنه لا ~~يبتدئ معه من ms097 البداية، ولا ينتهي إلى الغاية. # وصفوة القول بسلسلة الخلق العظمى أن الوجود درجات متفاوتة في ترتيب الضعة والشرف، ~~تبتدئ من المادة الأولى التي لا صورة لها، وترتفع إلى مرتبة الوجود الإلهي الذي تمحض له ~~العلم والخير، فهو علم لا يعرض له الجهل، ولا يحتجب عنه سر، وخير لا يشوبه الشر ولا يقع ~~له في إرادة. # وهذه السلسلة العظمى كاملة في انتظامها لكل حلقة من حلقات الوجود، وكل قابلية من ~~قابليات الصفات والأعراض، فلا تفرغ السلسلة العظمى من إحدى هذه الحلقات، ولا يعقل أن ~~توجد في الإمكان قابلية لشيء قط ولا توجد في الواقع مع حلقة من حلقات الوجود السفلي أو ~~العلوي. ~~••• # والرائد الأكبر لهذا المذهب بين الأقدمين أفلاطون الملقب بالحكيم الإلهي، فهو الذي ~~وضح هذا المذهب توضيحا فلسفيا، وبناه على حجة عقلية، وهي أن الإله - وهو خير محض - ~~يأبى له كرمه أن يضن على شيء، كائنا ما كان، بنعمة الوجود، فمهما يبلغ من حقارة شأنه ~~فهو مستحق لحصته من الوجود في مرتبته من الخلق، ومستحق لأن يصعد من هذه المرتبة إلى ما ~~فوقها بنعمة من الله، وبما ركب في طبائع الأشياء من شوق إلى الكمال. # والراجح أن هذا المذهب وصل من الهند إلى حكماء اليونان من طريق العبادات السرية التي ~~عرفت باسم النحل «الأورفية»، وأسبق ناقليه من كبار الفلاسفة اثنان؛ هما: فيثاغوراس ~~وإمبدوقليس، وكلاهما يقول بتناسخ الأرواح، ويتنطس في معيشته على نظام الرياضة الصوفية ~~والرياضة البدنية، وبين أتباعهما من كان يجمع بين التقشف ومراس الرياضة البدنية، ويفوز ~~في مبارياتها العامة. # وقد كان فيثاغوراس يجتنب أكل اللحوم، ويقسم الأغذية إلى: صالحة للروح، وغير صالحة لها ~~لأنها بهيمية، وكأنه كان يحرم أكل اللحوم لأنها مأكل السباع، ويحرم أكل الفول وما ~~إليه لأنه مأكل البهائم، ويحسب أن الأرواح تنتقل بين الأجساد لترتفع أو تهبط في درجات ~~الخلق ومراتب البهيمية والروحانية، وله من الأقوال المقتضبة ما يشبه مذهب الهند في ~~الدورات الأبدية التي يحسبونها بعدد مقدور من ألوف السنين، مع قسمة السنين إلى شمسية ms098 ~~وكونية. ~~••• # وجاء بعده إمبدوقليس، فقسم درجات المادة، واعتبر العناصر الأربعة أشرفها وأعلاها، ~~وسماها بالجذور قبل أن تعرف باسم العناصر وتسمى بعنصر النار، وعنصر الهواء، ~~وعنصر الماء، وعنصر التراب. # والعالم - عند أصحاب القول بالسلسلة العظمى - عالمان: كبير وصغير، فالعالم الكبير # Macrocosm # هو الكون كله بما اشتمل عليه من ~~كائنات علوية وسفلية، ومن مراتب روحية وبهيمية ومادية، والعالم الصغير # Microcosm # هو الإنسان؛ لأنه يحتوي في تكوينه كل عنصر وكل مادة ~~وكل درجة، ويتقبل الارتفاع إلى صفات العلم والخير، أو صفات العقل والتدبير التي تمت ~~للإله على أكملها وأرفعها، كما يتقبل الهبوط إلى مرتبة البهيمية وما دونها، وفي الإنسان ~~شيء من خصائص الأجسام المادية، وشيء من خصائص الأجسام النباتية، وشيء من خصائص الأجسام ~~الحيوانية، وشيء من خصائص الروح الذي يكون للملائكة بغير جسد، وشيء من المعرفة التي ~~يقترب بها من الصفات الإلهية. # وقد انتقل مذهب السلسلة العظمى من الهند واليونان إلى العرب، وانتقل من العرب إلى ~~متصوفة الأوروبيين، وكان من تلاميذ الحكمة العربية رجل تسنم عرش البابوية في آخر سنة ~~قبل نهاية القرن العاشر (999م)، وهو سلفستر الثاني، وظهرت آثارها في أقوال القديس توما ~~الإكويني وألبرت الكبير، «ويرى الأستاذ آسين بلاسيوس الإسباني أن نزعات دانتي الصوفية، ~~وأوصافه لعالم الغيب مستمدة من محيي الدين بن عربي بغير تصرف كثير، ومن المعلوم أن أول ~~الفلاسفة الصوفيين من الغربيين - جوهان أكهارت الألماني - نشأ في القرن التالي لعصر ابن ~~عربي، ودرس في جامعة باريس، وهي الجامعة التي كانت تعتمد على الثقافة الأندلسية في ~~الحكمة والعلوم». # 1 # ولعل أكهارت هو أسبق المقتبسين من المتصوفة الغربيين لقول ابن عربي: إن الله هو ~~الوجود الحق، وإن كل ما عداه من موجود فوجوده عارية. وهو قول في جملته يعيد إلى الذهن ~~قول أفلاطون: إن الله هو مقياس كل حقيقة، ردا على بروتاجوراس Protagoras # الذي كان يقول: إن الإنسان هو مقياس الوجود، وإن الله ~~أنعم على الإنسان بالحياة «الزمنية»؛ لأن الزمن محاكاة للوجود الأبدي الذي اختص به ~~الإله دون سواه، وليس بين ms099 القولين تناقض في النهاية؛ لأن أفلاطون يعود فيجعل العقل - ~~صفة الله العليا - درجة يبلغها الإنسان، ولا يدركها من دونه من المخلوقات، ولكنه قد ~~يعلو بالعقل فوق مرتبة المادة التي تمتزج بالعقل في تكوين الإنسان. ~~••• # وقد كان لفلسفة أرسطو نصيب غير قليل من الأثر في توجيه عقول الأوروبيين منذ القرون ~~الوسطى إلى مذاهبهم أو أقوالهم، في سلسلة الوجود العظمى؛ لأنه رتب الموجودات على حسب ~~نصيبها من الحس، وقارب بين النبات والحيوان فجعلهما مشتركين في «النفس» النامية، وكاد ~~أن يجعلها رتبة من رتب العقل يتوسط فيها النبات بين الجماد والحيوان، ولم يكن في تصنيفه ~~للكائنات فاصل حاسم بين الحيوان وما دونه؛ لأن «التولد الذاتي» كان في تقديره من ~~الممكنات، وانقضت بعده القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث قبل أن تظهر للعلماء استحالة ~~تولد الحيوان من غير الحيوان. # وتقبل اللاهوتيون الأوروبيون فكرة السلسلة العظمى كما وصلت إليهم من مفكري العرب ~~ومتصوفتهم، فلم يجدوا فيها تناقضا ينكرونه بين القول بخلاص الإنسان بالإيمان، وقول ~~سقراط وأفلاطون: إن العقل هو الصفة الإلهية التي يتحلى بها الإنسان، ويعلو بها من أفق ~~الخلائق الدنيا إلى أفق النعمة الإلهية، وإن الإنسان بمعرفته للأشياء يحتويها ويملكها، ~~ويؤتمن على تدبيرها محاكاة لقدرة الله على تدبير الخير لمخلوقاته؛ فإن التناقض بين خلاص ~~الإنسان بالإيمان، وخلاصه من أوهاق المادة بالعقل والمعرفة، يبطل ويزول متى اعتقد ~~المفكر أن العقل الرشيد سبيل إلى الإيمان بالله، والتعويل على البركة الإلهية في تطلعه ~~إلى النجاة والخلاص. # ولم يصطدم الرأيان من بعض الجوانب إلا بعد ظهور فلسفة إبيلارد (1079-1142م)، الذي ~~فسر السلسلة العظمى بأنها لازمة ضرورية تستوعب كل الممكنات، فيستحيل أن يوجد شيء غير ~~ما هو موجود؛ لأن الخالق في علمه وقدرته يعلم جميع الممكنات، ولا يعجز عن تحقيق ممكن ~~منها يتعلق بعلمه وإرادته، فأنكر عليه معاصره برنارد دي كليرفو (1091-1153)، داعية ~~الحرب الصليبية الثانية، ذلك التفسير وقال: إنه يناقض ما ينبغي أن نؤمن به من غضب الله ~~على الخطيئة والرذيلة، ومن إنعامه بالخلاص على الخطاة. # وكان القديس توما ms100 الإكويني (1226-1274) يميل إلى تأييد برنارد في اعتراضه على تفسير ~~إبيلارد، ويكاد يعيد ردود الغزالي على ابن رشد في مثل هذه المناقشة، فيقول: إن خلق ~~الله لهذه الموجودات على سنتها التي أودعها فيها لا ينفي قدرته على خلق غيرها زائدا ~~عليها، ولا ينفي قدرته على خلقها مرة أخرى في صورة غير هذه الصورة، فليس انتظام سلسلة ~~الخلق مانعا أن تنتظم لها حلقات غير هذه الحلقات، وسلسلة غير هذه السلسلة مع استيعاب ~~الله لجميع الممكنات؛ لأن التبديل في الممكنات غير مستحيل. # وجاء بيكوديلا ميرندولا (1463-1494) Pico Della ~~Mirandola # فقال بما كان يقوله المتصوفة المسلمون من قبول الإنسان ~~لأرفع المراتب وأدناها، وأن كل مخلوق قد يلتزم مكانا من سلسلة الخلق لا يعدوه إلى ما ~~فوقه، إلا الإنسان؛ فإنه لا يتقيد بمكان من السلسلة العظمى غير المكان الذي يرتضيه ~~لنفسه، علوا إلى مرتبة الملائكة المقربين، أو سفلا إلى مرتبة البهائم ~~والحشرات. # وعاد البحث في مكان الإنسان بعد كشف كوبرنيكوس لدوران الأرض حول الشمس، وتجدد ~~المناقشة عن مركز الخليقة وعن مكان الإنسان على هذا المركز المختار؛ فقد يجوز أن يكون ~~للعالم الأرضي نظراء له من العوالم السماوية، وأن يكون لتلك العوالم سكانها من الخلائق ~~العقلاء، ولكن هذه المناقشة لم تزعزع أساس الفكرة التي تسلسل الموجودات من أدناها إلى ~~أعلاها في العالم المعروف، وفي كل عالم يمكن أن يعرف قياسا عليه، وظلت فكرة السلسلة ~~العظمى غالبة على الباحثين في مركز الإنسان من الخليقة، وقال بها فلاسفة الشعراء كما ~~قال بها فلاسفة الحكمة والدين إلى زمن قريب، وعلى أساس هذه الفكرة نظم الشاعر الإنجليزي ~~إسكندربوب (1688-1744) قصيدته الكبيرة التي سماها: مقالة عن الإنسان، وقال فيها يخاطب ~~الإنسان: # اعرف إذن نفسك، ولا تدع الإحاطة بعلم الله # إن دراسة الإنسان المثلى هي الإنسان # قائما على برزخه هذا من الحالة الوسطى # مخلوقا عاقلا في ظلمة، عظيما في خشونة # أعلم من أن يكون «شكوكيا» لا يدري # وأضعف من أن يكون «رواقيا» يصبر # معلقا بين العمل والراحة # معلقا بين الإلهية والبهيمية ms101 # معلقا يتردد بين إيثار عقله أو بدنه # يولد ولكن ليموت، ويعلم ولكن ليخطئ # يحيط به الجهل نقص علمه أو زاد # ويختلط أمره في فوضى من الفكر والشهوة # وهو هو الذي يسيء إلى نفسه أو يتجنب الإساءة # مخلوقا نصفه ليرتفع ونصفه لينحدر # سيدا لجميع الأشياء وفريسة لها جميعا # وهو الحكم الوحيد فيما هو حق وباطل، ولكنه يضطرب في خطأ دائم # ولا يزال فخر الخليقة، وسخريتها، ولغزها الغامض، في آن # وهذا هو مكان الإنسان الأوسط، بين حلقات هذه السلسلة العظمى «التي إذا انكسرت إحداها ~~وقع الخلل في سائرها». # وجاء بعده شاعر آخر هو جيمس تومسون صاحب قصيدة الفصول (1700-1748)، فنظم الوجود من ~~طرفي هذه السلسلة العظمى «بين الكمال الذي لا حد له، وبين حافة الهاوية السفلى والعدم ~~المرهوب». ~~••• # وتوقف البحث في سلسلة الخلق العظمى بعض التوقف بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل ~~القرن التاسع عشر، ولكنه لم ينقطع، ولا نعتقد أن الانقطاع عن البحث يعرض لمسألة الإنسان ~~ومركزه من الكون في زمن من الأزمان، وإنما انقطع البحث فترة يسيرة، ليتجدد بكل ما ~~يستطاع من قوة مع البحث في مذهب التطور، وفي علوم الأحياء عامة، وعلم الإنسان خاصة، ~~على هذا النطاق الواسع الذي يشمل اليوم علم الحياة أو «البيولوجي»، وعلم الحيوان ~~«الزولوجي»، وعلم الأجناس البشرية «الأنثولوجي»، وعلم الإنسان «الأنثروبولوجي»، عدا ~~مباحث شتى تتصل بالمعلومات العامة عن الإنسان ومركزه بين الكائنات في آراء علماء ~~الطبيعة، وآراء الفلاسفة والمفكرين. ~~••• # ونعود إلى السلسلة العظمى عند العرب الذين نقلوا أهم مصادرهم إلى الأوروبيين، فنقول: ~~إنهم عرفوها - كما تقدم - من مصادر شتى، ولم يجعلوها دستورا عاما يحيط بالموجودات، ~~ويقرر للإنسان مكانه على مذاهب القائلين بتلك السلسلة؛ لأن مكان الإنسان كما ورد في ~~آيات القرآن الكريم أغناهم عن القول بمكان له ينسبه إلى سلسلة الخلق، ويلحقه بها لزاما ~~على طريقة الأقدمين في إلحاقه بغير الخلائق الآدمية. # وإنما عرفت لحكماء العرب أقوال تشير إلى ترتيب السلسلة في مواضع متفرقة من بحوث ~~العلم أو الدين. # ومنها ترتيب آفاق الموجودات كما تقدم ms102 في فصل «التطور قبل مذهب التطور» من هذا ~~الكتاب. # ومنها الكلام على «النفس والروح والعقل» والتفرقة بين مراتبها، ابتداء من النفس التي ~~كان أرسطو يجعلها قوة مشتركة في الخلائق النامية، إلى الروح التي تعلو على النفس في هذا ~~الاعتبار، ويمتاز بها الإنسان عما دونه، إلى العقل، وهو الصفة الإلهية التي يتحلى بها ~~الإنسان، ويقترب بها من أفق الخالق أو المحرك الذي تقترب منه الموجودات بمقدار حركتها ~~إليه، وأشرفها حركة الإنسان إلى المعرفة، وشوقه إلى الكمال. ~~••• # وعرف القول بالعالم الأكبر والعالم الأصغر بين المتصوفة، كما جاء في أبيات تنسب إلى ~~الإمام علي بن أبي طالب، ولم تتحقق نسبتها إليه، ومنها عن الإنسان: # دواؤك فيك وما تشعر # وداؤك منك وما تفكر # وتزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # ووافق القول بنجاة الإنسان بعقله ما ورد في آيات القرآن الكريم من الأمر بالتفكير ~~والتدبر، فقال به كثيرون من حكماء الإسلام، ثم فرق المتصوفة والمتنسكون بين ضربين من ~~المعرفة؛ أحدهما يستقيم بصاحبه على سنن الهداية، والآخر يلتوي به دون قصد السبيل، وكذلك ~~قال ابن مسكويه بعد كلامه المتقدم في فصل آخر: # إن هذا الشوق ربما ساق الإنسان على منهج قويم وقصد صحيح، حتى ينتهي إلى غاية ~~كماله، وهي سعادته التامة، وقلما يتفق ذلك. وربما اعوج به عن السمت والسنن، ~~وذلك لأسباب كثيرة يطول ذكرها، ولا حاجة بك إلى علمها الآن وأنت في تهذيب خلقك. ~~فكما أن الطبيعة المدبرة للأجسام ربما شوقت إلى ما ليس بتمام للجسم الطبيعي؛ ~~لعلل تحدث به، وآفات تطرأ عليه، بمنزلة من يشتاق إلى أكل الطين وما جرى مجراه، ~~مما لا يكمل طبيعة الجسد، بل يهدمه ويفسده. # كذلك أيضا النفس الناطقة ربما اشتاقت إلى النظر والتمييز الذي لا يكملها ولا ~~يشوقها نحو سعادتها، بل يحركها إلى الأشياء التي تعوقها وتقصر بها عن كمالها، ~~فحينئذ يحتاج إلى علاج نفساني روحاني كما احتاج في الحالة الأولى إلى طب طبيعي ~~جسماني، ولذلك تكثر حاجات الناس إلى المقومين والمنفعين، وإلى المؤدبين ~~والمسددين؛ فإن وجود ms103 تلك الطباع الفائقة التي تنساق بذاتها من غير توقف إلى ~~السعادة عسرة الوجود، لا توجد إلا في الأزمنة الطوال والمدد البعيدة. # وهذا الأدب الحق الذي يؤدينا إلى غايتنا يجب أن نلحظ فيه المبدأ الذي يجري ~~مجرى الغاية، حتى إذا لحظت الغاية تدرج منها إلى الأمور الطبيعية على طريق ~~التحليل، ثم يبتدئ من أسفل على طريق التركيب. وينبغي أن يعلم أن كل إنسان معد ~~نحو فضيلة ما، فهو إليها أقرب، وبالوصول إليها أحرى، ولذلك تصير سعادة الواحد ~~من الناس غير سعادة الآخر، إلا من اتفق له نفس صافية وطبيعة فائقة، فينتمي إلى ~~غايات الأمور ، وإلى غاية غاياتها، وأعني السعادة القصوى التي لا سعادة ~~بعدها. # ويرى المتصوفة أن المعرفة معرفتان كما يرى الحكماء من أمثال ابن مسكويه، ولكنهم ~~يقسمونها إلى معرفة لدنية ومعرفة كسبية، ويقصدون بالمعرفة اللدنية ما يدركه الإنسان ~~بالإلهام والاستشراق، ويهتدي إليه برياضة النفس وقمع الجسد، وهي معرفة غير معرفة ~~التعليم والدراسة، على حد قول سعيد بن أبي الخير فيما روى من كلامه عن ابن سينا: «إن ما ~~يرى على ضوء المصباح وصل إليه هذا الأعمى بعكازه.» # ويتممه قول ابن سينا عن الحدس الصادق أنه حالة يقابل بها عقل الإنسان مصدر العقول ~~جميعا، فيدرك بالإلهام والتوفيق ما ليس يدرك ابتداء بالدرس والبرهان. ~~••• # وفي غير هذا الفصل بيان لمذهب حجة الإسلام الإمام الغزالي في حكمة الموجودات، وحكمة ~~خلق الإنسان بين خلائق السماوات والأرضين، وهو أمثل ما يقال عن سلسلة الخلق العظمى ~~بتفسير أهل السنة، على هدى القرآن الكريم. # | الإنسان في علم الحيوان وفي علوم الأجناس البشرية # الإنسان من الفقاريات # Vertedrates ~~، ومن الأوائل Primates # بين الفقاريات. وهذه الأوائل تسمى أحيانا ~~بالبشريات # Anthropoids ~~، وتشمل الإنسان والقردة ~~العليا، وهي الغوريلا، والأورانج، والشمبانزي، والجيبون. # ويختص الإنسان من بين البشريات باسم يميزه وهو اسم الإنس # Hominidae ~~، كما تختص القردة على عمومها باسم النسانيس # Simidae ~~، فيفرقهما هذان الاسمان، حيث يجمعهما اسم البشريات. # ويرى بعض علماء الأحياء أن اسم الإنس يطلق على الكائن الذي وجدت بقية من جمجمته ms104 في ~~حفائر جاوة، وأطلق عليه الدكتور دبوا # Dubois # الذي وجد ~~تلك البقية Pithecanthropus Erectus ~~؛ لدلالة بقاياه على ~~اعتدال قامته، وامتيازه باتساع الدماغ على البشريات، ولكن الرأي الغالب اليوم أن النوع ~~الإنساني بمزاياه التي بقيت له اليوم مخالف في الخصائص الإنسية لصاحب تلك الجمجمة، وأن ~~هناك اختلافا غير قليل بين أناسي الحفائر من قبيله، وبين الإنسان الذي يطلق عليه اليوم ~~اسم الحيوان الناطق أو العارف أو المميز # Homo Sapiens ~~، ~~من الكلمتين اللاتينيتين: «هومو» بمعنى بشر، و«سابيين» بمعنى ذي فهم، أو ذي إدراك، أو ~~ذي كياسة. ~~••• # وننقل هنا خصائص النوع الإنساني في علم الحيوان كما أثبتها أقدم الكتب العلمية التي ~~بحثت مذهب التطور باللغة العربية، وعنيت بإيراد أوجه الاعتراض عليه، وأوجه الاختلاف بين ~~الإنسان وغيره من البشريات من الوجهة التشريحية، كما قررها علم الحيوان قبل نهاية القرن ~~التاسع عشر، ونعني به كتاب «تنوير الأذهان في علم حياة الحيوان والإنسان»، لمؤلفه ~~الدكتور بشارة زلزل. وقد صدر الإذن بطبعه من نظارة المعارف بالآستانة بتاريخ 13 رجب سنة ~~1297، وتم طبعه بعد ذلك بمطبعة مجلة الجامعة في الإسكندرية. # قال المؤلف في الصفحة (167) من المجلد الأول: # فإذا نظر إلى الإنسان على سبيل المقابلة بتلك القرود التي هي لا شك أقرب ~~الحيوانات إليه، يرى أن الإنسان ماش منتصب القامة على قدميه؛ لأن سلسلة ظهره ~~مقوسة في العنق وفي الظهر وفي الصلب، وليس للقردة شيء من ذلك. وعلة ذلك - على ~~ما قال بعض المدققين - زيادة نمو الدماغ؛ لأنه يؤدي إلى كبر القحف، فتتغير ~~الجلسة؛ بدليل عدم استوائها في الأطفال. وبناء عليه تكون موازنة الرأس للبدن ~~سببا لاستواء الجمجمة على العمود الفقري. # وقالوا: إن الأقواس الثلاثة المذكورة تكون في المتمدنين أوضح مما هي في ~~المتوحشين. وعلى الجملة فإن موازنة الرأس مع البدن في أكثر الحيوانات اللبونة ~~تناط بالأربطة العنقية، وهي قوية جدا فيها، وفي القردة بالعضلات المتينة التي ~~تندغم في القذال والسناسن (النتوءات الشوكية)، وهي فيها أطول وأغلظ مما في ~~الإنسان بضعفين، ويتوقف عليها وعلى الرأس حفظ الرأس على الوضع ms105 الأفقي فلا يضغط ~~على الصدر لذلك. # وليس الأمر كذلك في الإنسان؛ لأن ثقل جمجمته يتكافأ مع ثقل البروز الوجهي، ~~فيستوي الرأس على الهامة بدون أن يكون للعضلات والأربطة العنقية إلا المحافظة ~~على الموازنة المذكورة، ومقاومة ميل الرأس إلى الأمام؛ ولذلك كانت هذه الأربطة ~~في الإنسان ضعيفة، قال الأستاذ بروقا Procea # وتابعه كثيرون: إن السبب في انتصاب قامة الإنسان واستوائه ماشيا على قدميه ~~إنما هو نمو الدماغ؛ لأن هذه المشية تجعل اليدين مطلقتي الحركة، والنظر متجها ~~إلى الأفق. # وطفل الإنسان يشبه الدبابات؛ لأنه عديم الأقواس الفقرية، فلا يظهر القوس ~~العنقي إلا متى ابتدأ الطفل يضبط رأسه في الجلسة التي يعود عليها، وذلك في ~~الشهر الثالث من عمره. وفي السنة الثانية غالبا يتكون القوس الظهري من جراء ~~فعل العضلات الظهرية والصلبية للقطر السفلي للعمود الفقري، وذلك إذ يبتدئ الطفل ~~يدرج. # وبالجملة فإن الخاصة التي يصدر عنها حسن تقويم الإنسان، ويتوقف عليها امتيازه ~~على سائر الحيوان، وتتفاوت بحسبها مراتب الأمم في المدنية إنما هي نمو الدماغ، ~~وزيادة حجم الجمجمة. وقد أجمع الباحثون على أن معدل وزن الدماغ في الأوروبيين ~~يكون متوسطه في الرجال 1360 غراما، وفي النساء 1200 غرام، وأعلاه 1675 غراما، ~~وأدناه 1025 غراما، وما نقص عن ذلك يدل على البلاهة لعلة أو آفة. # والقرود الشبيهة بالإنسان أكبر الحيوانات دماغا، ومعدل وزنه المتوسط فيها ~~360 غراما، وغاية ما بلغه في الأورانج 420 غراما. وقد عد ذلك من الشواذ. ~~وعلى قدر نمو الدماغ تزداد سعة القحف ويقل البروز الوجهي، والفرق بين الإنسان ~~والحيوانات من هذا القبيل أوضح من أن يبين، فإذا نظرت إلى جمجمة إنسان من ~~الأعلى لا ترى البروز الوجهي، بخلاف ما إذا نظرت إلى جمجمة القردة وغيرها من ~~الحيوانات. # وإذا نظرت إلى جمجمة القرد من جانب ترى الوجه شاخصا إلى الأمام يؤلف خطا ~~مستطيلا، وذلك من الخصائص البهيمية. ويستدل على معرفة درجة هذا البروز ~~بالزاوية الوجهية، وفضلا عن ذلك فإن الجزء الوجهي للعظم الوجني قليل النتوء في ~~الإنسان بخلاف ما هو ms106 عليه في القرود، إذا نظرت إلى الجمجمة من الوراء لا ترى ~~الثقب المؤخر في جمجمة الإنسان، وتراه كله أو قسما منه في جمجمة ~~القرود. # وهذه الأعراف الدالة على الشراسة والصفات البهيمية في القرود غير موجودة في ~~الإنسان، وهي لازمة فيها عن نمو العضلات المضغية التي يترتب عليها تحريك الفكين ~~الضخمين، وعن نمو عضلات القذال التي يتوقف عليها إسناد الرأس على العنق. ومعلوم ~~أن قحف الحيوان الصغير لا يتسع لاندغام هذه العضلات فيه، فحيث وجدت اضطرت ~~النسيج العظمي في إبان نموه أن يهيئ لها مندغما، فنشأ عرفا. والدليل على ذلك ~~أن هذه الأعراف لا توجد في القرود الصغيرة. # ومثل ذلك يقال عن النتوءات الشوكية البارزة في عنق الغول، ولما كانت هذه ~~الأعراف والنتوءات أصغر في الأورانج مما هي في سائر القرود لم يتوازن رأسه على ~~بدنه، فيرى الخطم الثقيل مدلى على صدره، ولذلك خص بالأكياس الحنجرية ~~تلطيفا لضغط خطمه على مجرى الهواء. أما الجيبون فخطمه صغير، وأعرافه قليلة ~~النتوء، والأكياس الحنجرية غير موجودة فيه، فهو أقرب القرود إلى الإنسان، ولكن ~~طول ذراعيه يبعده كثيرا عن الإنسان؛ لأنه يتوكأ عليهما في مشيه كما يتوكأ ~~الإنسان على هراوته. # ومن الخصائص الفارقة بين الإنسان والقرود إبهام الرجل؛ فهو في القرود أشبه ~~بإبهام اليد؛ لأنه يقاوم كلا من الأصابع ويلامسها، وهو ليس كذلك في الإنسان؛ ~~لأنه يناسب فيه حالة المشي وانتصاب القامة، كما أنه يناسب في القرد حالة ~~التسلق والإمساك. # ومن هذه الخصائص تباين شكل الأسنان وحجمها؛ فأسنان الإنسان بالنسبة إلى جسده ~~أصغر مما هي في القرود، وإذا تأملت في الصورة راعتك من منظر الغول أنيابه. أما ~~النواجذ والطواحن في هذه الحيوانات فكبيرة جدا، بالنسبة إلى طول القسم الوجهي ~~من الجمجمة، وما عدا ذلك فإن وضع الأسنان في نسخ الإنسان على نسق منتظم خلافا ~~لما يرى في القرود؛ حيث يتخلل نابي الفك العلوي وثناياه خلاء تتداخل فيه ~~أسنان الفك، والخصائص المميزة لإنسان تزداد وضوحا بتقدم المدنية والعمران؛ لأن ~~اختلاف طرق المعاش يؤدي إلى تنويعها، فتبتعد ms107 عن الحالة الطبيعية كما ترى في ~~أقواس العمود الفقري، فإنها في المتمدنين أكثر وضوحا مما هي في ~~المتوحشين. # وترجع علوم الإنسان إلى علم الحيوان لدراسة تواريخ البشر الاجتماعية، كما ~~ترجع إليه أحيانا في دراسة تقدمهم الثقافي منذ وجد الإنسان بخصائصه المعروفة ~~للحيوان الناطق # Homo Sapiens ~~، وقبل وجود هذا ~~الإنسان في العصور السحيقة التي استخدمت فيها الآلات على شيء من الخشونة ~~البدائية. ويشيع - من أجل هذا - أن هذه العلوم قد تأثرت بمذهب التطور كما بسطه ~~لامارك، وكما بسطه دارون من بعده، ولكن الأصح أن المعلومات المتشعبة التي ~~تجمعت من درس الحفائر وطبقات الأرض، ورحلات الجغرافيين واللغويين بين أرجاء ~~العالم القديم والعالم الحديث قد كان لها أثرها البين في مذهب التطور وفي ~~سائر العلوم الإنسانية المتعددة، ومنها: علم السلالات، وعلم الإنسان، وعلم ~~الاجتماع، وعلم النفس، وعلوم المقارنة بين اللغات. # ومحصل هذه المعلومات المتشعبة بين العلوم الإنسانية أن البشر وجدوا وانتشروا على جهات ~~متقاربة من العالم القديم منذ العصر «الميوسيني» # Miocene # قبل نحو مليوني سنة، وأنهم كانوا يومئذ على ~~حالة متوسطة بين الحيوان الناطق وطبقة بشرية دون هذه الطبقة، ثم تميزت خصائص الإنسان ~~بعد ابتداء العصر الجليدي منذ نحو مليون سنة، ولكن الإنسان الذي استخدم الآلات، وصاغها ~~من العظام والحجارة لا يعرف له تاريخ جلي قبل مدة تتراوح في تقدير العلماء بين مائتي ~~ألف ومائة ألف سنة. # وكانت بداية انتشار الجماعات الإنسانية بين القارات الثلاث منذ العصر الحجري الأول، ~~ثم تلاه العصر الحجري الحديث الذي تميز فيه الإنسان بأكبر مزاياه، وهي الحياة ~~الاجتماعية، والقدرة على استخدام الآلات والنار، وتسخير سائر المخلوقات، وتدجين الأوابد ~~على مراحل متتابعة؛ أولاها مرحلة تدجين الكلب للاستعانة به في الصيد، وتأتي بعدها ~~مرحلة تدجين الماشية والحمار والحصان؛ للاستعانة بها في الزراعة وفي الانتقال من مكان ~~إلى مكان حيث يوجد الكلأ والماء. # وفي هذه المراحل ملك الإنسان زمام الخليقة، وبلغ المنزلة التي استحق بها أن يسمي ~~نفسه سيد المخلوقات، وتمهد له سبيل السيطرة على الحيوان والنبات وظواهر الطبيعة حينما ~~احتاج ms108 إليها، ويعتقد بعض علماء السلالات البشرية أن الإنسان تقدم شأوه الأول في صراعه ~~للحيوان وظواهر الطبيعة، ثم تقدم شأوه الثاني - والأهم - في صراعه بينه وبين أبناء ~~نوعه، واتسع الفارق بين ملكاته في شأوه الأول وملكاته في شأوه الثاني بمقدار اتساع ~~الفارق بين الحيلة التي تلزم للتغلب على الحيوان، والحيلة التي تلزم للتغلب على أمثاله ~~من الآدميين، ثم تلزم لابتداع وسائل أخرى للتغلب كلما تساوى الناس في وسائلهم ~~المشتركة. # وقد كان الناس قبل شيوع الآلات وتدجين الحيوانات سلالة واحدة، لا تختلف في الملامح ~~والألوان، ولا يظهر بين بقاياهم الأثرية ما يدل على فارق عنصري كالفوارق التي تختلف بها ~~اليوم سلالات البشر من سكان العالمين القديم والحديث. ~~••• # ولكن ابتداء التغالب بين البشر فرق مواقع السكن ، وفتح الطريق لاختلاف السلالات على ~~حسب الإقليم والمناخ والقدرة العقلية على الاحتفاظ بالمسكن، أو على الهجرة منه إلى ~~غيره، ويعزى إلى هذا التفرق ظهور السلالات الأربع المشهورة، وهي التي تسمى عند ~~علماء السلالات بأسماء مختلفة، أوضحها أسماء ألوان البشرة؛ وهي: البيضاء، والسمراء، ~~والصفراء، والسوداء. وقد أحصى بعض العلماء أربعة وثلاثين لونا تتراوح من الشقرة إلى ~~السواد الفاحم، ولكنها كلها تئول إلى تلك السلالات الأربع عند التمييز بينها بأشكالها ~~وملامحها الجسدية. # وأبرز الفوارق بين السلالات - غير لون البشرة - شكل الشعر والأنف والفك وطول القامة، ~~وقد تعرف القرابة بين السلالات التي انفصلت بين القارات بما بينهما من التقارب في شكل ~~الشعر دون غيره، فيرجحون أن سكان أمريكا الأصلاء وسكان آسيا الشرقية من أصل واحد؛ لما ~~بينهم من التشابه في استقامة الشعر وخشونته، ولونه الضارب إلى السواد، وقد أمكن اليوم ~~تعليل أبرز الفوارق بين سلالات البشر بأسباب المناخ والأقاليم، فنسب الأنف الأفطس ~~والجلد الأسود إلى فعل الحرارة، كما نسب الأنف الأقنى الطويل والجلد الأبيض إلى برد ~~الإقليم، واحتياج سكانه إلى وقاية الرئة، واستغنائهم عن الصبغة الجلدية حيث يلطف وقع ~~الأشعة على البشرة. وبمثل هذا السبب يعللون اختلاف الشعر بين النعومة والتموج، وبين ~~الخشونة والتجعد، وبين الشعر الحريري والشعر الصوفي في ms109 الشكل والملمس، ولا يصعب تعليل ~~خاصة عنصرية واحدة بعلة أو مجموعة من العلل ترجع إلى المناخ وأحوال المعيشة. # إلا أن الفوارق الفكرية أصعب من هذه الفوارق الجسدية تعليلا بأسباب المناخ وأحوال ~~المعيشة، وأبرزها فوارق اللغة؛ لأنها قابلة للضبط والتقسيم، أو هي أدنى إلى التقسيم ~~بالضوابط والعلامات من فوارق التفكير والبواعث النفسية، وقد تكون علامات اللغة مما ~~يستعان به على جلاء الفوارق الفكرية، وفوارق الشعور والاعتقاد. # واللغات - في تصنيف بعض علمائها - قد تنقسم على حسب الأجناس والسلالات التي تتكلمها، ~~ولكنه تقسيم يقع فيه الاختلاط؛ لاشتراك الأمم في لغة واحدة أو عائلة لغوية واحدة، مع ~~انتمائها إلى أصول متباعدة في أجناسها وعناصرها. وخير من هذا التقسيم أن تقسم اللغات ~~على حسب تكوينها وتكوين الكلمات وقواعد النحو في مفرداتها وتركيبها، وهو تقسيم يضبط ~~الفوارق بينها ضبطا كافيا للموازنة بينها، والمقابلة بين عوامل التقدم وعوامل الجمود ~~والتأخر في تراكيبها وتعبيراتها. # وتنقسم اللغات من حيث التكوين إلى لغات النحت، ولغات التجميع، ولغات الاشتقاق؛ فلغات ~~النحت هي التي تتكون فيها الأسماء والأفعال والصفات بإدخال المقاطع الصغيرة عليها أو ~~إلحاقها بها، وتسمى هذه اللغات بالغروية في اصطلاح الأوروبيين: # Agglutinative ~~. # ولغات التجميع هي اللغات التي يقع فيها النحت، ويعمل فيها التنغيم عمله في اختلاف ~~المدلول مع الزيادات التي تدخل على الكلمات أو تضاف إليها، ومن فروع هذه اللغات ما ~~تتكون أسماؤه وأفعاله في جملة تتألف من عدة مقاطع مرتبة أو غير مرتبة، على نسق واحد في ~~جميع الكلمات، ويغلب على اللغات التي تتكون هذا التكوين أن تسمى بالمجمعة Polysynthetie ~~، مع وصفها بالغروية إلى جانب ~~التجميع. # ولغات الاشتقاق هي اللغات التي يعم فيها الفعل الثلاثي في كل مادة، وتجري قواعد الصرف ~~فيها على المخالفة بين الأوزان بحسب معانيها، ويكثر فيها اختلاف الحركة في أواخر ~~الكلمات على حسب موقعها من الجملة. ~~••• # ويشيع النحت في اللغات الهندية الجرمانية، كما يشيع التجميع في اللغات المغولية ولغات ~~القبائل الأمريكية الأصيلة. أما الاشتقاق فهو من خصائص اللغات السامية. وتكاد اللغة ~~العربية أن تنفرد من ms110 بينها بعموم الاشتقاق واطراده، مع مراعاة الحركة على أواخر الكلمات ~~حسب مواقعها من الجمل المفيدة. # وربما اتفق اللغويون على قواعد عامة عملت في تطور هذه اللغات جميعا، ولا تختص بها ~~لغة منها دون سائرها، ومن هذه القواعد العامة: أن الكلمات الانفعالية التقليدية أسبق من ~~الكلمات الإرادية الفكرية، ويريدون بالكلمات الانفعالية ما يصدر عن الإنسان عفوا من ~~الأصوات والصيحات التي تعبر عن الفرح أو الفزع أو الدهشة، وما تكون الكلمة فيه أحيانا ~~من قبيل المحاكاة الصوتية # Onomatopaeic ~~؛ كاسم البلبل، ~~والككو، وألفاظ الدق والقطع والوسوسة وما جرى مجراها. # ويريدون بالكلمات الإرادية الفكرية كل ما يقصده المتكلم ويجري فيه على القياس ~~والاستعارة وإطلاق القاعدة الواحدة على المتشابهات لفظا، أو لفظا ومعنى. # وأكمل اللغات على سنة التطور والتقدم في الثقافة تلك اللغات التي انتظمت ~~قواعدها الصوتية Phonologie ~~، و قواعدها الصرفية # Morphologie ~~، و قواعد التراكيب والعبارات # Syntax ~~، ويضاف إلى الظواهر الصوتية والصرفية ~~والعبارية في قياس تطور اللغات ظاهرة التمييز والتخصيص في الصفات إجمالا، وفي المفردات ~~على التعميم؛ كالتمييز بين المذكر والمؤنث والجماد، وبين المفرد والمثنى والجمع، وبين ~~جمع القلة وجمع الكثرة، وبين الصفات العارضة والصفات اللازمة. وهي جميعها من المزايا ~~التي لا يحق لكاتب اللغة العربية أن يمر بها عرضا إذا جاز ذلك لمن يكتفي بسرد العلامات ~~اللغوية ويغفل دلالتها، عند تطبيقها على لغته وقواعدها. # ففي صدد الكلام على التطور الإنساني، وعلى تطور الإنسان الناطق بصفة خاصة، يحق للباحث ~~أن يشير إلى دلالة الدراسات اللغوية على مكان اللغة العربية من التطور وتحقيق الخاصة ~~الإنسانية الكبرى، وهي خاصة النطق والتعبير. # فقيام اللغة على القواعد الفكرية دليل لا شك فيه على سبق اللغة وتقدمها على لغات ~~الارتجال الجزاف في وضع الكلمات، سواء بالمحاكاة الصوتية أو بالتكرار على غير قياس، ~~وشيوع القاعدة في فعل كل مادة، وفي تصريف الأسماء والصفات منها دليل على سبق التفكير في ~~التعبير، وتعميمه على الأحداث والمعاني غير موقوف على أصوات الانفعال والمحاكاة، ويتبع ~~ذلك شيوع الاستعارة، وإمكان الجمع بين الوضع الحقيقي والوضع المجازي ms111 في كلام المتكلم ~~لتوسيع المعاني، وبناء الكلمات على المضاهاة بين المدلولات. # وفي قدم الإنسان الناطق # Homo Sapiens # أقوال متفرقة ~~يأخذ كل فريق من علماء الأجناس البشرية بقول منها، ويبتعد بعض الابتعاد عن قول ~~مخالفيه. # ورأى بيري واليوت سميث أن الثقافات البدائية في العالم المعمور تنتمي إلى أصل واحد، ~~وهو أصل الثقافة بوادي النيل، ومنه انحدرت إلى القبائل القريبة، ثم إلى القبائل ~~البعيدة، فتخلفت معها، وانتكست بانتكاسها، أو تقدمت بتقدمها، على حسب نصيبها من ~~التقدم. # ورأي الأكثرين أن نطاق الثقافة الأولى أوسع من ذلك في أصوله، وأنه يشمل الحوض الشرقي ~~للبحر الأبيض المتوسط، ووادي النهرين، وأقاليم الشمال من الهند والصين. # والرأي الذي يأخذ بالمفهوم المنطقي، ولا يتكلف الاستقصاء والمقارنة بين الآثار يحكم ~~بضرورة تقدم الإنسان الناطق حيثما وجد في بقعة من بقاع الأرض، ولو لم ترتبط هذه البقاع ~~برابطة جغرافية أو عنصرية تدل عليها الآثار والمخلفات، ولا مانع عند أصحاب هذا الرأي من ~~استقلال ثقافة المكسيك وثقافة اليابان، وإن جاز الاتصال بينهما قديما قبل عصور ~~التاريخ. ~~••• # والآن، وقد مضت هذه الأشواط الطوال على الإنسان الناطق، وعلى ثقافاته المتوالية، ~~يعتقد علماء الدراسات البشرية أن هذا «النوع» يقوم على مفترق الطرق بين وجهات الأمس ~~جميعا، وبين قبلة في الغد المجهول قد تستقيم به على نهج غير مسبوق، وتشرع له دستورا ~~من العلاقات بين أقوامه وآحاده لم يعرف لها مثال في حضاراته الغابرة أو حضاراته ~~المعاصرة. # إن الأشواط الغابرة قد انقضت - كما تقدم - على مرحلتين شاسعتين استغرقتا مئات الألوف ~~من السنين: مرحلة الصراع مع الطبيعة، ومرحلة الصراع بين الإنسان والإنسان للغلبة على ~~سيادة العالم المعمور. # ولا تزال المرحلتان ماضيتين في عملهما السياسي والاجتماعي، وفي عملهما الفكري ~~والأخلاقي؛ فإن تسخير الذرة إنما هو امتداد لاستخدام النار بدأ قبل التاريخ ولم ينته ~~إلى غايته حتى أواسط القرن العشرين، وإن الصواريخ الموجهة بين القارات إنما هي امتداد ~~السلاح الحجري قبل ألوف القرون، ويتساءل المستطلعون للغد - من علماء الدراسات البشرية ~~وغيرهم - هل من جديد؟ # فإن يكن شك في ms112 الجديد المجهول، فالأحوال المكشوفة للنظر تنبئنا أن القديم غير ~~القديم، وأن التغيير الذي طرأ على القديم إنما هو هذا التقارب الدائم بين أجزاء العالم، ~~وهذا التشابك المتغلغل إلى الأعماق في مصالح الأمم والجماعات، وهذه الوحدة العالمية ~~التي لا تنفصل فيها جماعة من الناس بخطر يصيبها، ولا يصيب معها القريب والبعيد من ~~الجماعات، شعوبا كانت أو طوائف وطبقات. # بقي الصراع بين الأمم، وتغير منه أنه كان بالأمس صراعا بين أمتين لتغليب إحداهما ~~على العالم المعمور حول الأمتين؛ فأصبح اليوم صراعا بين شطرين من أمم العالم كله ~~لتغليب نحلة اجتماعية أو «أيديولوجية» على العالم كله بسلاح القوة أو سلاح الدعاية. ~~ومصير هذا الصراع هو الغد المجهول الذي يطالع الإنسانية بإحدى حالتين: وحدة عالمية تجري ~~فيها دساتير الحكم والتفكير والأخلاق على سنة «التضامن» والتسامح ، ولو بين ~~المتخالفين في تفصيلات هذه الدساتير، أو حرب جائحة تئول بالثقافة والآداب النفسية ~~والعقلية إلى الشتات والانتكاس، وتعود بالأمم إلى أوائل شوط جديد يعيدها كرة أخرى إلى ~~جاهليتها المتروكة منذ دهور. # وعلى العلم اليوم أن يرصد ذلك البعث، أو تلك القيامة، بما يفتح له من وسائل النظر إلى ~~الواقع المعلوم والغيب المجهول. # | الإنسان في علوم النفس والأخلاق # أوسع المذاهب الأخلاقية تحتويه فكرة الحيوان الاجتماعي التي عبر عنها أرسطو بقوله: ~~«إن الإنسان مدني بالطبع.» وجعلته نموذجا وحيدا في الكون حين وصفته بأنه «حيوان ~~ناطق»، ثم وصفته بأنه حيوان اجتماعي تلازم فيه صفة النطق صفة الاجتماع. # فليس بين الأحياء على وجه الأرض حيوان يوصف بالنطق وبالفطرة الاجتماعية غير ~~الإنسان. # واسم «الإنسان» وحده باللغة العربية يغني عن مذهب؛ لأنه اسم يعتبر هذا الكائن الوحيد ~~أساسا للألفة الاجتماعية حين تنسب لغيره. وقد لعب الشعراء بما في الكلمة من الجناس ~~اللفظي فقال أبو تمام: # لا تنسين تلك العهود فإنما # سميت إنسانا لأنك ناسي # وقال غيره: # وما سمي الإنسان إلا لنسيه # ولا القلب إلا أنه يتقلب # ولكن المقابلة بين الكلمات قديما وحديثا تبين لنا عن أصل هذا المعنى؛ فالمكان ~~الأنيس هو الذي يسكنه الناس، ms113 والحيوان الأنيس هو الذي يألف الإنسان في مسكنه، وغير ذلك ~~من الأمكنة أو الخلائق فهو المكان الموحش، وسكانه هم الوحوش. # ويسري هذا المعنى إلى اللهجات البدوية الحديثة، فيطلق أهل البادية في الصحراء الغربية ~~اسم «العشرية» على الشاطئ المأهول، ويطلقون اسم الخلاء على ما وراء ذلك من رمال الصحراء ~~التي لا تزرع ولا ترعى، ولا يسكنها الإنسان ولا الحيوان في عشرة طويلة. # إن الحضارة الأوروبية - منذ عهد الفلسفة الإغريقية - لم تهتد إلى مذهب محيط ~~«بالإنسان الأخلاقي» أوسع من هذا المذهب، ولا أقرب منه إلى لباب المذاهب الأخرى التي ~~ظهرت بعده في هذه الحضارة. # أما الحضارة العربية فصفة الإنسان في لغتها وتفكيرها ألصق به من أن تكون مذهبا ~~تقابله مذاهب أخرى في معناه أو غير معناه. إن صفة الإنسان في هذه الحضارة العربية هي ~~اسمه الذي لا ينفك عنه، وما من عجب أن «تنبت» هذه الصفة من البادية حيث يتضح الفاصل بين ~~خصائص الإنس وخصائص الوحشة غاية الاتضاح. # وتكاد كل حضارة كبيرة أن تمتاز بطابعها في تعريف الإنسان الأخلاقي، أو الإنسان صاحب ~~الضمير الذي يناط به الحساب، ويوصف بالحميد أو بالذميم من الأعمال والعادات. # فالإنسان في الحضارة الإنسانية هو ظاهر وباطن كالوجود الذي خلق فيه، وظاهره تحكمه ~~قوانين السلوك العملي، ويقاس بالمقاييس الاجتماعية وبكل ما ترتبط به مصالح المجموع Pluralistie ~~، وتسمى هذه القوانين بآداب الميامزا # Miamsa ~~، ويظن أنها وفدت إلى الهند مع الشعوب الفاتحة ~~التي جاءتها «بأدب العمل والحركة»، فتميزت فلسفتها بهذا الطابع بين فلسفات الانزواء ~~والهرب من الحياة. # وباطن الإنسان يستقبل باطن الوجود، ويسمون فلسفته بالسانيسا # Sannyasa ~~، أي فلسفة التجرد من المادة، وطلب الخلاص من لعنة الولادة ~~والموت بإنكار الجسد، وقمع الشهوات الدنيوية، والعزوف عن صغائر الحاجات وكبائرها على ~~السواء. ويوشك أن يكون كل مذهب «فصامي» على هذا النحو مستمدا في النهاية من أصوله ~~الهندية، وإن كانت نهاية المذهب إلى «اليوجا» التي تجعل الجسد والطبيعة كلها تبعا ~~للرياضة الروحية. # وحضارة الصين تميز الإنسان بالمعرفة، وتوافق الحضارة الأوروبية التي جعلته «حيوانا ~~ناطقا» ms114 اجتماعيا، كما توافق تعريفه العلمي الذي يعني أنه مخلوق مميز، ومخلوق صاحب ~~ذوق وإحساس # Homo Sapiens # على حد اسمه المأخوذ من ~~اللاتينية. # ولكن المعرفة في مذاهب الصين وهي «الزن» # Zen # ليست ~~علوما منفصلة المقدمات والنتائج، مشروحة القضايا والبراهين، وإنما هي حالة كحالة الرشد ~~الذي يبلغه الشيخ المحنك بالنسبة لغرارة الطفولة، قوامها القدرة على مقابلة الحوادث ~~والأشياء مقابلة التصرف الرشيد، لأسباب قد تعرف عند الشرح والتفصيل، وتعرف لها ~~براهينها وأسانيدها بالمعاني والكلمات، ولكنها حاضرة قبل ذلك حضورا ساكنا رصينا في ~~الذهن بغير معان أو كلمات، وشعارها عند الحكماء «إن من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا ~~يعرف». # وهذا «الإنسان في مذاهب الحضارات الكبرى مقبول بتعريفاته وصفاته في جميع الديانات ~~والعقائد الروحية، ففي وسع العالم الديني أن يقول بصفة جامعة من هذه الصفات دون أن يعرض ~~لمناقشتها، أو يناقض اعتقادها الديني بتفسيرها على معنى من مختلف معانيها، وفي وسع ~~العالم المادي أن يفسر صفات الإنسان على حسب هذه التعريفات، دون أن يلتمس لها مرجعا ~~وراء المادة والطبيعة محالا إلى عالم الغيب، أو ملموسا مدركا في عالم ~~الشهادة. # ففي وسع كل قائل بمذهب من هذه المذاهب أن يعلل أخلاق الإنسان جميعا بتنازع البقاء مع ~~أبناء نوعه، أو مع الطبيعة وعناصرها. # وفي وسعه أن يعلل الأخلاق الإنسانية جميعا بغريزة حفظ النوع على سعتها، أو بالغريزة ~~الجنسية في نطاقها المحدود بعلاقات الجنسين. # وفي وسعه أن يعلل تلك الأخلاق بطلب القوة والسيادة، أو بطلب الأمن والدعة، أو ~~باستيحاء الطبيعة وتصوير الإنسان كل ما يحسه في خلده بصور الأحلام ومخلوقات ~~الخيال. # وإنما يبرز خلاف الرأي بين الدينيين والماديين حين يبحثون في الملكات الفكرية التي ~~تناط بها الأخلاق في كل تعريف من هذه التعريفات: هل تناط بحياة روحية من مصدر وراء ~~الطبيعة والمادة، أو هي منوطة فيه بوظائف الحياة الجسدية التي لا فرق بينه وبين الحيوان ~~فيها غير فرق الدرجة و«الكيفية»؟ # مثال رأي الماديين يقول به ريدلي # Ridley # صاحب كتاب ~~الإنسان في حكم ~~العلم # Man, The Verdict of ms115 Science ~~، ويستند فيه إلى آراء جماعة من علماء الكيمياء الحية وعلماء ~~البيولوجي وعلماء الاجتماع، ويوجزه في بضعة أسطر فيقول: «إن الإنسان - وإن كان قد أبان ~~عن قوى عقلية نفسية تعلو كثيرا على قوة يبين عنها كائن حي سواه - لا يزال نوعا ~~حيوانيا له قرابته بالخلائق السفلى، ولم ير الإغريق الأقدمون داعيا إلى فصل الإنسان ~~عن جمهرة الكائنات الحية التي كانوا يشاهدونها حولهم، وقد أدخله أرسطو في نطاق برنامجه ~~الحيوي مع سائر الحيوان والنبات.» # وجاء لينوس (1707-1778) بعد قرون عدة فنشر كتابه عن نظام الطبيعة سنة (1735)، وعد ~~فيه نوع الإنسان بين أنواع الحيوان، وقد عده في طبعة الكتاب الأولى بين ذوات الأربع ~~من القردة والدب الرسيف ... وبوفون الفرنسي معاصر لينوس وضع الإنسان في المملكة ~~الحيوانية، واجترأ على أن يحتمل نسبته مع القرد إلى أصل واحد، وكان هذا أكثر مما يطاق ~~في عرف السلطة الدينية الفرنسية، فخيروه بين النبذ وبين تعديل رأيه. وهو تخيير لم يتعرض ~~له لينوس في البلاد السويدية. # وقد وضع الإنسان وضعه المحكم في تعريف «الزولوجيين»، فجعلوه بين أعلى الأحياء، وهي ~~ذوات الفقاريات، وجعلوه بين هذه في ذروتها، وهي الحيوانات اللبون، وأعلاها بعد ذلك طبقة ~~الأوائل التي تشمل القردة والنسانيس. وهم يقسمون الأوائل أقساما؛ أعلاها القسم البشري # Homo ~~، وهو القسم الذي كان ينتمي إليه بعض الأحياء ~~ممن بقيت آثارهم في حفائر الطبقات الأرضية، ولكن الإنسان الحديث وحده هو الذي يصدق عليه ~~اسم البشر الناطق، أو الحيوان العارف. ~~••• # فالماديون من البيولوجيين والزولوجيين والترولوجيين يرون أن الارتفاع بالإنسان إلى ~~ذروته المتفردة في تقسيمات الحيوان كاف لفهم الفارق الكبير بينه وبين الأوائل Primates ~~، وبين هذه الأوائل وما دونها من أقسام ~~الفقاريات وما دون الفقاريات، ولا حاجة - مع هذا الفارق في الدرجة - إلى فارق آخر من ~~عالم وراء المادة والطبيعة، وهو فارق الروح. # وقد اشتهر في أواسط القرن العشرين علماء بيولوجيون من رجال الدين المسيحيين يسلمون كل ~~درجة من درجات هذا التقسيم، ولكنهم يقولون: إن الفارق لا يفهم إلا على وجه واحد، وهو ms116 ~~أن الفوارق جميعا بين درجات الأحياء إنما ينتهي إلى التدرج بينها في الاستعداد للعقل ~~والوجدان، وإن أرفع درجة يرتقي إليها الحيوان الأعجم لا تمنع أن تكون إعدادا للبنية ~~الحيوانية أن تتلقى ما فوق ذلك من ملكات العقل والوجدان. # وأشهر القائلين بهذا الرأي الأب بيير ~~تيلهارد دي شاردين Pierre Telilhard de chardin # البيولوجي المتخصص لدراسة علم الحياة والحفريات، ~~وأحد الذين أسهموا في كشف إنسان بكين، وألقوا الدروس العلمية في المعاهد الكبرى، ومنها ~~معهد اليسوعيين العالمي بالقاهرة، وكتابه «ظاهرة الإنسان» # The Phenomenon of Man # أحد الكتب العلمية الفلسفية التي عدت في أواسط ~~القرن العشرين بعض معالم الطريق في اتجاه الفكر الحديث. # وقد سلم فيه تقسيمات علم الحياة وعلم الأحياء حرفا حرفا، ثم عقب عليها سائلا: ~~«إذا كانت قصة الحياة لا تعدو أن تكون حركة إلى الوعي وراء نقاب من تركيب الأجهزة ~~العضوية، فالنتيجة اللازمة حتما عند بلوغ التركيب غايته المقاربة للإنسان: أن يتمثل ~~هذا الاقتراب في ابتداء ظاهرة الأهبة السيكولوجية، وبزوغ ظاهرة الذكاء، ومن ثم يلقى ~~الضوء على «المفارقة الآدمية» نفسها؛ لأننا قد نشعر بالحيرة إذا لاحظنا قلة الفارق ~~التشريحي بين الكائن البشري وبين من دونه من البشريات، على الرغم من سموه العقلي في ~~بعض مظاهره؛ فإنه فارق يقل حتى نكاد نتخطاه على الأقل من جانب أصوله، ولكن أليس هذا ~~بعينه ما ينبغي أن ينتظر؟» # ويجلو هذا الرأي بالأمثلة المحسوسة عالم آخر متدين، هو الأستاذ روسل هاريسون الذي ~~يقول في كتابه عن مصير الإنسان: «إننا لا نعرف الموسيقى إذا عرفنا كل دقيقة وجليلة من ~~الأخشاب والمعادن والأوتار التي تدخل في تركيب العود والقيثار والبيان. وبعض علماء ~~الحياة يراقبون تعذية الحيوان، ويلاحظون أن العواطف تتأثر ببعض الأغذية فتنتقص أو تزيد. ~~لاحظوا أن الفأرة التي يقل المنجنيز في غذائها تهمل صغارها ولا تعطف عليهم. وإنه لحسن ~~منهم أن يلاحظوا هذا ويصلوا منه إلى زيادة حصة الحيوان من ذلك الغذاء، ولكنهم إذا ~~جاوزوا ذلك فقالوا: إن عاطفة الأمومة هي مقدار معلوم من المنجنيز فهم مخطئون، ms117 وخطؤهم في ~~هذا الرأي كخطأ القائل: إن نغمات الموسيقى أخشاب وأوتار.» # ويتبدل منحى الاستدلال المنطقي والعلمي، إذن، بهذا التفسير لمذهب النشوء القائل ~~بارتقاء الحيوان، والتشابه بين كل درجة من درجاته وما دونها وما فوقها في الاستعداد ~~لأهبة العقل والوجدان، فلا بد أن يحدث ذلك للوصول إلى الجهاز الحيواني الصالح للنهوض ~~بمطالب الروح والوجدان. وينقلب الأمر على الماديين فيصبح المادي وهو المسئول أن يقول ~~للمعترضين عليه من رجال الدين: لماذا يكون معيار التقدم زيادة الوعي على درجات تناسب ~~الترقي في تركيب البنية العضوية؟ وكيف يتأتى هذا الانتظام في الأداة وفي النتيجة إن لم ~~يكن هنالك طريق مرسوم لغاية مقدورة؟ # ومن العلماء غير الدينيين من أقنعته هذه الحجة بعض الإقناع، ووافقت مذهبه في اقتباس ~~«الديانة» من العلم، أو «الديانة بلا وحي» كما يسمونها في اصطلاحهم المتفق عليه # Religion Without Revelation ~~، فقال علم من أعلامهم، ~~وهو السير جوليان هكسلي، في تقديمه لكتاب ظاهرة الإنسان: «إننا معشر بني آدم نحتوي في ~~أنفسنا كل ما في الأرض من الإمكانات الهائلة، وفي مقدورنا أن نزيد ما يتحقق منها على ~~شريطة الازدياد من العلم والمحبة.» # وتكاد هذه الأسطر أن تكون نسخة معنوية من كلمات الختام التي انتهى إليها السير جوليان ~~هكسلي في كتابه «قناني جديدة لخمرة جديدة»؛ إذ يقول: # إن صورة الإنسانية المتطورة أعانتني على أن أرى - من وجهة المبدأ على الأقل - ~~أن الدين والعلم قد يتفقان، وقد هدتني إلى مخارج من العطف والفكر يحق لنا أن ~~نطلق عليها اسم الدين، ولكنها كانت لولا ذلك خليقة أن تكبت وتترك نسيا ~~منسيا؛ فهي بهذه المثابة تعلمنا كيف يسهم العلم في تقدم الدين. وقد قرر جدي ~~في مقالة عن اللاأدرية كلاما في هذا الصدد كأنه غني بذاته عن البرهان، فقال: ~~إن كل إنسان ينبغي أن يعطي سببا للإيمان الذي يؤمن به، وإن عقيدتي لهي الإيمان ~~بالإمكانات الإنسانية، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى شرح أسبابها. # على أننا نجترئ بأحدث الأقوال التي انتهى إليها غلاة الماديين بيانا لمزية العقل في ms118 ~~الحيوان الناطق، فلا نحسب أنهم قد استطاعوا أن يدعوا له مزية أقل من مزية الروح في ~~ارتباطها بالحياة، أو بالمؤثرات الحيوية على وظائف البنية الإنسانية على الخصوص، وربما ~~كان تعويلهم على دلالة الجهاز العصبي في الحيوان عامة، وفي الإنسان خاصة، أشد من تعويل ~~العلماء المتدينين على دلالة الارتقاء إلى الملكات الروحية بمقدار الارتقاء في التراكيب ~~الجسدية. # فالأستاذ بافلوف المشهور بتجاربه الجسدية النفسية يقول: «كلما أحكم كيان الجهاز ~~العصبي في بنية الحيوان كان أقرب إلى التركز، وكان أقدر على المزيد من التأثر بوظائفه ~~العليا على التوزيع والتنظيم في أعمال البنية كلها.» # وقد أثبت زملاء بافلوف وتلاميذه أن بقاء الحياة بعد توقف نبض القلب مرهون بسلامة ~~المخ، الذي يحتفظ بسلامته بعد توقف النبض بنحو ست دقائق، وأن الوعي الإنساني له أثره ~~حتى في تأثير السموم القاتلة، جاء في كتاب «مسالك العلم» الذي طبع في موسكو سنة 1956: # من العقاقير السامة القوية التسميم مادة البوتاسيوم سيانيد، وهي سريعة الفعل ~~تقتل على الأثر بمقاديرها الكبيرة، وتسمم جميع الخلايا؛ لأن الخلايا تحت ~~تأثيرها لا تتشرب الأكسجين ولا تتنفس، وإذا حقنت به عروق قطة ماتت على الأثر ~~كأنها أصيبت بصاعقة. وقد حقنت به اثنتا عشرة قطة فماتت ست منها خلال بضع ~~ثوان، ولكن الست الباقية لم تتأثر كأنما حقنت بماء، وهي الست التي خدرت ~~بالأثير المعقم أثناء الحقن. # 1 # إلا أن سلطان الوعي على الإنسان قد بلغ درجته العليا، ويقول بافلوف فيما رواه عنه ~~الكتاب نفسه: «عندما بلغ تطور العالم الحيواني منزلة الإنسان نشأت إضافة هامة جدا في ~~جهاز النظم العصبية العليا؛ ففي الحيوان تتمثل وقائع العالم - على الأعم الأغلب - بما ~~تحدثه من المنبهات التي تصل إلى المخ، فتبعث التنبيه إلى حواس النظر والسمع وسائر ~~الحواس الحيوانية. وهذه أيضا هي المنبهات التي تصل إلينا عن طريق المؤثرات والأحاسيس ~~والخواطر من العالم الطبيعي، أو العالم الاجتماعي الذي يحيط بنا، ما عدا المؤثرات التي ~~ينفرد بها الإنسان، وتؤدي له وظيفة التنبه لذلك التنبيه.» # ولا يدعى «للحيوان الناطق» ولا للحيوان ms119 ذي الروح مزية أكبر من هذه المزية، فهي تكاد ~~أن تقرر للروح سلطانا على الجسد كسلطان «اليوجا» المعروف عند نساك الهند، وتكاد أن ~~تجعل الأخلاق جميعا مسائل عقلية تملك التأثير الأكبر - إن لم نقل التأثير المطلق - في ~~كيان الإنسان، وفيما هو أهل له من أهبة العقل والوجدان. # | مستقبل الإنسان في علوم الأحياء # إن العلم الطبيعي حذر في تقرير مذاهبه وأحكامه، وأكثر ما يستبيحه لنفسه إذا وصل إلى ~~شيء لم يثبت لديه كل الثبوت، ولم ير من أمانة العلم كتمانه وإخفاءه، أن يعلنه على أنه ~~ظن مرجح، وأن موضع الشك فيه قابل للدفع والتوضيح بدليل منتظر يذكر أسباب انتظاره. وكذلك ~~فعل دارون عند إعلانه لنظريته في تحول الأنواع. # وإذا وازنا بين حذر العلم في الحكم على الماضي وحذره في الحكم على المستقبل المحدود، ~~فهو في الحكم على المستقبل أحذر وأقرب إلى التردد، بل إلى التوقف عن مجرد الظن إلا ~~مشفوعا بالاعتذار. ويرى هذا الاختلاف بين حذره من أحكام الماضي وحذره من أحكام ~~المستقبل فيما قرره عن فعل التطور أمس وفعل التطور غدا؛ فإن علماء النشوء استباحوا ~~لأنفسهم أن يرجحوا وقوع تحول الأنواع وتقدم الإنسان جسدا وعقلا منذ ألوف السنين، ~~ولكننا لا نعلم أن واحدا منهم أباح لنفسه أن يتنبأ بتطور واحد سيحصل غدا لا محالة، أو ~~بتحول واحد مرجح لا يقابله ترجيح مثله إلى النقيض. # وعذرهم في هذا التهيب مفهوم، وهو أدل شيء على أن دلائل التطور الماضي لم تزد عند ~~القائلين بها على أن تكون بعض الظنون الراجحة، ولم تبلغ عند عالم جدير بصفة العلم أن ~~تكون علم يقين. # عذرهم أن العالم يرسم الطريق كلما تكلم على الماضي ليس إلا، ولكنه ينشئ الطريق ويتمشى ~~فيه كلما أنشأ جزءا منه حين يسير إلى المستقبل، ولا يتساوى من يفتح طريقا ومن لا يزيد ~~عمله على رسم طريق. # إن كان بين علماء العصر من يحق له أن يعلن رأيا جازما عن مستقبل التكوين الإنساني ~~كما يتمثله علم الحياة، فذلك هو «البيولوجي» الكبير الأستاذ ms120 «مداوار» # Madawar ~~، صاحب جائزة نوبل للعلم الطبيعي «سنة ~~1960»، وصاحب البحوث العالية في تهيئة جسم الإنسان لقبول الأجسام الغريبة التي تنفر ~~منها خلاياه، على الرغم من تقسيم الآدميين إلى فصائل وعائلات في تكوين الدم وأنسجة ~~الخلايا، فإنه قد تبين له من تجارب يضيق بها الحصر أن الفرد الإنساني وحدة لا تتكرر في ~~مكونات بدنه، وأن كل حكم على بنيته من طريق التقسيم إلى فصائل وعائلات، فهو تقسيم قابل ~~للخطأ عند إجراء التجارب الطبية لنقل الأنسجة والأعضاء من بنية إلى بنية. # وقد سئل هذا العالم الكبير أن يلقي محاضرات ريث # Reith # عن (سنة 1959) فقال: إنه لم يكن ليبلغ به الادعاء أن يلقي هذه ~~المحاضرات بعنوان مستقبل الإنسان، لولا أنه عنوان مقترح عليه، ولكنه على هذا لم ينفرد ~~بالرأي في مسألة من مسائل البحث المقترح، ولم يعلن رأيا واحدا قبل أن يراجع في موضوعه ~~زملاءه الثقات في مسائل ذلك الموضوع على التخصيص، وقد ذكرهم بأسمائهم في تمهيده ~~للمحاضرات. وبعد أن ذكر فكرة «البيولوجيين» الذين يحسبون أن تعدد النماذج الفردية قد ~~يحول دون التوليد لإخراج النسل على نمط مقدور، مضى يقول: «إن الأمر يدعو إلى التساؤل: ~~هل يتأتى لإنسان أن يمضي متطورا غدا كما تطور بالأمس، أو أن هناك أسبابا تدعو إلى ~~الظن بأن هذا التطور قد بلغ أقصى مداه؟» # وطفق الأستاذ يقلب وجوه النظر ويعادل بينها حتى بلغ نهاية محاضراته وهو لم يجزم قط ~~بمصير محدود، سوى أنه رجح بعض الفروض، ولم ينس أن يذكر أنها فروض تحيط بها الشكوك ~~والاحتمالات. # قال مثلا: إن الإحصائيات في بريطانيا العظمى دلت على تكاثر نسبة المواليد الذكور بعد ~~الحروب، وإن بعضهم فسر ذلك بأن الطبيعة تعمل لتعويض النقص على عادتها في كثير من ~~المشاهدات، فهو تفسير ليس بالغريب، ولكنه قد يبطل اليقين به أن هذه الزيادة أيضا قد ~~شوهدت في أمم لم تفقد أبناءها في الحرب، ولم تكن من الأمم المقاتلة. # وقابل الأستاذ بين طرائق الإحصاء، ومنها طريقة المقارنة بين سنة وسنة، وهي غير وافية ~~بالمقارنة ms121 الدقيقة، وبين طريقة اختيار طائفة من الرجال والنساء وتسجيل ما يحدث لهم على ~~مدى الفترات الطوال، كل عشرين أو ثلاثين سنة، وقال: إنها طريقة لم تكن ميسرة الوسائل ~~قبل السنين الأخيرة، ولكنها تيسرت الآن لانتظام الإحصاء في شتى مظاهر الحياة، ومنها ~~تسجيل نسبة الجنسين، وتسجيل معدل العقود الزوجية، وسن الذكر وسن الأنثى عند الزواج، ~~وتسجيل هذه السن عند ولادة كل مولود أو مولودة. وهذه الطريقة تفيد ما لا تفيده الطريقة ~~الأولى عند تعليل تعويض المواليد للوفيات؛ لأنها تبين الوقت الذي تحدث فيه أوائل ~~المواليد، وتبين للقائمين بالإحصاء هل يزيد العدد لزيادة الخصوبة العائلية، أو ~~لزيادة الوقت المحدود للإحصاء. # ولم يتقبل العالم البيولوجي بالارتياح عبارة المتشائمين الذين يفهمون من كلمة ~~الانحدار أو هبوط الاستعداد الحيوي أن النوع الإنساني سينحدر حتى ينقرض، وقال: إن ~~العبارة «متحف من النقائض»؛ فإننا إذا استطعنا بالعناية أن نحتفظ إلى اليوم بأناس كانوا ~~- لولا ذلك - قد أصبحوا أمواتا قبل عشر سنوات، فنحن كيفما كانت الحال نعيش اليوم ولا ~~نعيش قبل عشر سنوات، كذلك يمكن أن تعصف نازلة من النوازل بالعقاقير التي تداوي بعض ~~الأمراض، فلا يكون مآل ذلك إلا أن الذين سيموتون غدا قد يموتون اليوم بدلا من ~~ذلك. # ومن دواعي تصعيب النبوءة عن المستقبل أن التغييرات المحتملة بين أفراد البشر أكثر ~~جدا من التغيرات التي تقع فعلا، وأن اختلاف اثنين من البشر في الواقع قد يعني قبل ~~ذلك افتراض عشرات من الأفراد مختلفين كذلك الاختلاف، أو أبعد وأخفى. ومن أقدم الأسباب ~~المعلومة عند الجينيين # Geneticists # لاحتمالات التغيرات ~~المتعددة ما يسمى بقابلية المقايضة بين الصبغيات، وهي عملية يمكن أن تتم إذا كانت ~~كلتا الصبغتين مماثلة للأخرى تماثلا يميل بها إلى الامتزاج، ثم إعادة الامتزاج على ~~أشكال طارئة مبتدعة. # وربما جاء اليوم الذي يستطيع فيه الكيميون والطبيعيون الحيويون أن يحدثوا هذا ~~الامتزاج، وخليق بهذا أن يذكرنا أهمية التحول ~~الفجائي # Mutation # وما يترتب على إمكان إحداثه من تغيير النسل بالانتخاب ~~الصناعي. # والمشاهد من أطوار جراثيم «البكتريا» أن لها خاصية ms122 عجيبة، وهي خاصية الاحتياط لمعالجة ~~الأضرار التي قد تطرأ في المستقبل، وربما وجدت في الناس خاصة كهذه يدل عليها نجاة فريق ~~منهم من الأوبئة والعلل المنتشرة، وكمون ضرب من المناعة يزود خلاياهم الناسلة بمثل ذلك ~~الاحتياط لمقاومة آفات المستقبل. وقد يدهش السامع - بعد كل ما عرف عن الوراثة - أن يعلم ~~أنه لم توجد بعد فكرة وافية عن الأمور التي تفعل والأمور التي تجتنب لتحسين نتائج ~~الحيوان بالانتخاب الصناعي. # ويؤخذ من استطراد العالم البيولوجي في أمثال هذه العوامل الجينية أن العلم بها يفتح ~~آفاقا من فروض التغييرات المحتملة يقصر عنها وسع النبوءة والتوقع، وأن الاستعانة ~~بالمعارف المستحدثة تمكن الإنسان من معرفة وسائل التحسين في الذرية، ووسائل اتقاء ~~الانحطاط فيها، ولكن هذه الوسائل لم تضبط - بعد - على يقين من نتائجها. # ولكن ترقية النسل لا تعتمد كلها على ضبط هذه الوسائل الجينية؛ لأن هناك وسائل التفكير ~~أو وسائل الخصائص التي قد تنتقل بالوراثة من الدماغ. # قال الأستاذ مداوار في محاضرته الأخيرة: # إنني في هذه المحاضرة الأخيرة سأبحث في الكائنات البشرية عن وسيلة جديدة - ~~غير الوسيلة الجينية - للوراثة والتطور مبنية على خصائص وحركات مصدرها ~~الدماغ. # وإن وجود هذه الوسيلة أمر تعرفونه جيد المعرفة، فلم يكن البيولوجيون هم أول ~~من أفضى إلى الإسراع إلى التصديق بأن الكائنات البشرية ذات أدمغة، وأن الأدمغة ~~تحدث فروقا شتى، وأن الإنسان قادر على أن يؤثر في الأعقاب الآتية بوسيلة غير ~~الوسيلة الجينية. وإن كثيرا مما قرأت في أقوال البيولوجيين ليلوح عليه أنه لا ~~يفيدنا بشيء يزيد على ما ذكرت لكم، وإني لأحس أن البيولوجي مطالب بأن يسهم ~~بنصيب يساعد على فهم الأصول البعيدة التي تتفرع عليها الأخلاق وضروب السلوك، ~~وهو ما أحاوله الآن. ولا بد أن تأتي هذه المحاولة مستندة إلى التفكير الصلب لا ~~إلى التفكير «الناعم»، وأعني بذلك تفكيرا يعرف له حيز واقع، وتدرك له ~~تفصيلات بينة، مقابلا للتفكير الذي يجد متنفسه في الكلمات المونقة، والعبارات ~~المفخمة الشعرية. # وأراني أقارب الوضوح البين إذا عبرت عن ذلك بمثال محسوس، ms123 وأسألكم أن تعيدوا ~~إلى الذكر ذلك الفارق الهام بين الصندوق العازف والجهاز الحاكي ~~«الجرامفون». # فالصندوق العازف جهاز يحتوي قالبا أو أكثر من قالب من قوالب الجرامفون، يعيد ~~للسمع كل ما أودعه عند لمس زر معلوم، وأسمي لمس ذلك الزر بالباعث أو المحرض، ~~وهو باعث مقصور على القالب الذي يؤدي إلى سماعه، فهو مؤثر واحد يأتي بأمر واحد ~~بينهما هذه العلاقة المتبادلة. وإنني أبعث الصندوق بلمس الزر - أي زر - إلى ~~إحداث نغمة موسيقية، ولكنني إذا اخترت زرا معينا، فالباعث هنا يدعوه إلى ~~إحداث نغمة دون سائر النغمات الموسيقية، والتوجيهات الموسيقية في هذه الحالة ~~جزء من الصندوق، وليست جزءا من البيئة المحيطة به، وكل ذلك راجع إلى تركيب ~~الصندوق، فليس ضغطي على الزر توجيها للصندوق في أداء نغماته الموسيقية. # والآن تقابلون بين هذا وبين عمل الجرامفون أو أية أداة أخرى تؤدي لنا النغمات ~~الموسيقية: إن لدي قوالب موسيقية أقوم بتحريك بعض المفاتيح، وأضع القالب على ~~الجرامفون، والقالب منقول إليه من البيئة المحيطة؛ فذلك باعث كباعث الصندوق ~~العازف إلى أداء الأنغام الموسيقية، ولكنه يضيف إلى الباعث هناك شيئا أكثر من ~~ذلك، وهو الخطوط المرسومة التي تمر بها الإبرة فتبعث منها الأنغام المؤداة، ~~وليس لدى الجرامفون مصدر للتوجيهات الموسيقية، وإنما هو القالب الذي جاء إلى ~~الجرامفون من البيئة الخارجية، فكانت علاقتي به - إذن - علاقة تعليمية، لأنني - ~~بمعنى من المعاني - قد علمته كيف يؤدي النغم المسموع. # ونحن في الحالتين صنعنا الصندوق، وصنعنا الجرامفون، وأعددنا كلا منهما ~~للعمل الذي يؤديه، ولكن هذه الحقيقة لا تقدم ولا تؤخر في مغزى الاختلاف ~~بين عمل هذه الأداة وعمل تلك؛ فلنذكر هذا الاختلاف فيما يلي من ~~المقارنات. # منذ عشر سنوات، اتجه البيولوجيون إلى العلم بأن الأجهزة الحية العليا أشبه ~~بالصندوق العازف منها بالجرامفون، وأن كل ما كنا نحسبه من قبل حركات تعليمية هو ~~في الواقع حركات تنبيهية ليس إلا، أي أن تحريك الكائن الحي يحدث شيئا هو نتيجة ~~تركيبه وليس - كما كان مظنونا - نتيجة شيء من الخارج، فليست الآثار المستقرة ms124 ~~في الجهاز الحي خطوطا مرسومة على قالب يديره ذلك الجهاز، ولكنها آثار جينية ~~مودعة في الصبغيات وحوامض الخلايا. # واسمحوا لي أن أبين بعض الأمثلة لهذه الحقيقة: فأقدم الأمثلة وأشيعها مثل ~~التغيير الذي يعتري جمهورا من الناس عرض له التطور، فكيف نصنف البواعث التي ~~تفعل فعل التطور في الأجهزة الحية؟ إن النظرية اللاماركية التي تقول بوراثة ~~الصفات المكتسبة، هي على أعمها تنظر إلى البواعث التعليمية، وتعني أن البيئة ~~على نحو من الأنحاء قادرة على إعطاء تأثيرات تعليمية للأجهزة الحية، وأن هذه ~~التأثيرات إذا سرت في البيئة سريانا حسنا أمكن أن تنتقل بالوراثة إلى ~~أعقابها. # فالحداد الذي طالما ضرب به المثل لتعزيز هذه الملاحظة، يستفيد قوة في ذراعيه ~~من طرق الحديد، فتؤثر هذه القوة في الخلايا التي تنشئ بذوره المنوية، وتنتقل من ~~ثم إلى أبنائه، فيولد هؤلاء الأبناء وفيهم استعداد لتربية الأذرع القوية، ولست ~~أفيض في مناقشة التجارب التي تكررت لامتحان العوامل اللاماركية، وحسبي أن ~~أجملها فأقول: إنها جميعا أسفرت عن نتائج غير لاماركية، ودلت على مؤثرات ~~تنبيهية وليست تعليمية. # ومثل آخر من الأمثلة الشائعة هو مثل البكتريا إذا أعطيت طعاما غير طعامها ~~المألوف، أو تعرضت لعقار مضر بقوامها، فإنها في هذه الحالة قد توفق بين ~~قوامها وبين الطعام الجديد، أو تزيل ضرر العقار وتلغي مفعوله. وقد سميت هذه ~~العملية زمنا باسم تدريب البكتريا، على اعتبار أنها عملية قادت البكتريا إلى ~~تعلم طريقة جديدة لتوليد الخمائر من طعامها، ولكنها تسمية لم تلبث طويلا حتى ~~تبين خطؤها، وتبين أن هذه العملية وسيلة تنبيهية وليست بالوسيلة التعليمية؛ ~~فليس في وسع البكتريا أن تنشئ خميرة غير التي هي مفطورة على إنشائها، وكل ما ~~حدث عند تغيير الطعام أنه نبه الاستعداد الذي لم يكن له منبه قبل ذلك، وهو ~~استعداد كامن في التركيب، وليس بالتعليم المستفاد من فعل الطعام أو ~~العقار. # ويصدق هذا على تطور الحيوان، فقد كثر الجدل زمنا بين أنصار القول بالتنبيه ~~وأنصار القول بالتعليم؛ إذ كان الأولون يرون أن كل تطور فإنما هو ms125 نشر لما كان ~~مطويا هناك، وكان المتطرفون منهم - وطالما تعرضوا للسخرية - يرون أن بذرة ~~النسل إنما هي إنسان صغير. أما الآخرون فعندهم أن العوارض التي تعمل في تكوين ~~الجنين إنما هي بواعث تعرض له مما حوله. ولعل الحقيقة وسط بين هذين الطرفين، ~~فالعوامل الجينية تتم لأنها كامنة هناك، ولكن استيفاءها رهين بالعوامل ~~الخارجية عنها. # وإلى نحو سنتين كنا نشعر أن ضربا من النمو يتم في أجهزة الحيوانات العليا ~~بفعل البيئة، على اعتبارها موجها أو معلما، على النحو الذي نشاهده عند ~~تلقيح الأنسجة بمادة خارجية يؤدي إلى إنشاء البنية لمادة بروتينية خاصة، أغلب ~~ما يكون عملها أن تحول دون تلك المادة والإضرار بالبنية؛ مما يكون له أثره في ~~الوقاية من عدوى الأمراض. # ومع البوادر التي توحي بأن هذه العملية تعليمية أخذ كثيرون من البيولوجيين ~~يشكون في ذلك، ويعتقدون أنها لا تعدو أن تكون تنبيهية في جوهرها. ونعود إلى ~~الصندوق العازف مرة أخرى. # وبعد، فأي ظفر يتاح لنا لو أمكن البنية أن تتلقى التعليم من البيئة، وأن ~~نجعل هذه البيئة قادرة على أن تعلمها ولم يكن قصارى قدرتها أن تنبه ما ~~فيها؟ ربما قال لنا زائر قدم إلى هذا الكون من كون غريب عنه قبل بضعة ملايين ~~من السنين: نعم، إنه لظفر عظيم، وإنني لألمح سره، وأفهم أن هذا السر يحل مسألة ~~التوفيق والموافقة بين الحي والبيئة، ويجعل الكائنات الحية مهيأة للنمو والتطور ~~على صورة أوفى وأسرع من صورة التطور بفعل الانتخاب الطبيعي، لولا أنها صعبة ~~جدا، وأنها ليست مما يستطاع. # إلا أنكم تعلمون أنها استطيعت، وأن هنالك جهازا قابلا لأن يتلقى التعليمات ~~من الخارج، وهو جهاز الدماغ. # وإننا لنعلم القليل من أسرار هذه المسألة، وهو ما نفهم منه مقدار تعقدها ~~واشتباك وظائفها؛ فإن تطور الدماغ قد كان آية رائعة في هذا الوجود، وهو - ولا ~~ريب - أعظم الآيات بعد آية الحياة نفسها. # على أنني أظن أن الدماغ إنما نشأ في مبدأ أمره كذريعة للتنبيه، وأن السلوك ~~الغريزي إنما هو ذلك السلوك الذي ms126 تستجيب به البنية لتنبيه المؤثرات الخارجية، ~~فإذا لقحت دجاجة بهرمونات الذكر أخذت هذه الدجاجة في سلوك - كسلوك الديك - لم ~~يكن أصله بعيدا من تكوينها. # ولكن وظائف الدماغ العليا تستجيب للمؤثرات التعليمية، فنحن نتعلم، ولا يقف ~~الأمر عند هذا الحد، بل يسري من جيل إلى جيل كما تسري الخطابات المتسلسلة التي ~~تبدأ بكتابة خطاب إلى أحد الناس، وتسأله أن يبعث به إلى غيره ويوصي ذلك ~~الغير بأن يبعث به كذلك إلى آخر وآخر، إلى غاية الشوط الميسور؛ فيتعلم الأب ~~ويعلم ابنه كيف يعلم حفيده وابن حفيده، وهكذا على مدى الأجيال. # ومن المهم جدا أن نميز بين أربعة أدوار في تطور الدماغ؛ أولها: الجهاز ~~العصبي، وقد نشأ لتنبيه البنية، ثم دور الدماغ، وفيه تتلقى الكائنات الحية ~~التعليم من الخارج، ثم دور الوراثة من طريق غير الطرق الجينية يأتي من قدرة ~~الدماغ الدقيق التركيب على شيء أكثر من تلقي التعليم، وهو تسليمه إلى آخرين. ~~وإنه لعامل خاص بالنوع الإنساني، لعله قام بعمله الهام منذ خمسمائة ألف سنة. ~~أما الدور الرابع فهو شديد الشبه بالدور المتقدم، ولكنه لا يماثله تمام ~~المماثلة، ونعني به دور التطور الذي يشمل الجماعة كلها، وقد تضاعف عمله منذ ~~مائتي سنة. # ونسأل بعد هذا: ما الذي نستفيده مما تقدم؟ فنقول: إن الاغترار بالمشابهات ~~خطر؛ لأنه يغض من أثر الاختلافات، فالمشابهة بين تطور الفرد وتطور الجماعة لا ~~يجعلهما عملية واحدة في مجرى الحوادث ولا في عواقبها؛ فصناعة الحداد تورث ولا ~~شك، ولكن وراثتها من طريق الناسلات والصبغيات - أو ما نسميه بالطرق الجينية - ~~غير مستطاعة. # وفائدة التمييز بين التطور الفردي وتطور الجماعة أن نبعد عن أذهاننا فكرة ~~القوانين الطبيعية التي تعمل في الحالتين على سنة التغييرات الجينية، أو ~~الفكرة التي تقول لنا: إن الجماعة لا بد أن تولد وأن تموت كما يتعاقب الموت ~~والولادة على الكائنات الحية، أو الفكرة التي توحي إلينا ترك الجهد في تحسين ~~الجماعة اعتمادا على أن الطبيعة أخبر وأدرى. # ونحن إذن نستطيع أن نهذب الطبيعة، ولكن استطاعتنا هذه ms127 مرهونة بمقدار ما ~~نملك من وسائل الغوص على أسرارها وخفاياها، ومثابرتنا على زيادة محصولنا من ~~العلم بما يجري فيها. ولست أقول: إن الإنسان مدفوع بغريزة تحفزه إلى الكشف ~~والاستطلاع، وإنه مسخر أبدا في طلب الحقيقة، فإن الحيوان أيضا مزود بما يمكن ~~أن يسمى على الإجمال حبا للتطلع أو التجسس، ولكن هذه الغريزة وإن بلغت ~~غايتها من الإحكام والقوة لا تقيدنا، ولا ينبغي أن نكون مدفوعين دفعا إلى ~~الاستطلاع. # وإن أولئك الذين يبسطون لنا قوانينهم عن مقاصد الطبيعة يقاربون حدود الخطر ~~والوبال، وما علينا إلا أن نذكر عاقبة الدعوى التي زعم أصحابها أن الإنسان مزود ~~أبدا بنزعة النضال والقتال ونحن نقابل بيننا وبين أنواع الحيوانات الأخرى؛ ~~فنرى على التحقيق أن الفارق بيننا وبينها في هذه الخصلة هو: أن الأجراس التي ~~تدق لنا دقات التنبيه إنما هي كأجراس الماشية بجبال الألب معلقة بأعناقها، فلا ~~لوم على أحد سوانا إذا لم نسمع منها ما يرضينا. # هذه خلاصة مقتبسة من كلام العالم البيولوجي اقتباسا تحرينا فيه تصوير معناه، ولم ~~نلتزم حروف نصوصه، ومجمل هذا المعنى أن مستقبل الإنسان الطبيعي مستكن في كيانه، وأنه ~~يملك وسائل التهذيب الاجتماعي، ولكنه لا يقدر على إحداث أثر لم تكن مولداته مطوية في ~~استعداده، وأن الأجراس التي تدق له دقات الخطر على حياته النوعية أو الفردية هي نفسها ~~جزء من تلك الحياة، وكذلك العلاج الذي يحتال به على الخطر، بعد الانتباه إليه، إنما هو ~~من عقار أرضه ووصفات طبه. # دواؤك منك وما تشعر # وداؤك منك وما تفكر # وقبل الأستاذ مداوار بخمس عشرة سنة، عند نهاية الحرب العظمى تقدم للإجابة على هذا ~~السؤال عن مستقبل الإنسان عالم بيولوجي من المؤمنين بالنشوء والتطور، يضارع مداوار في ~~منزلته العلمية وشهرته العالمية، فكتب عن القدر ~~الإنساني # Human Destiny # سلسلة من البحوث الحديثة على منهج غير منهج زميله المتأخر؛ ~~لأنه يفترض الغاية المرسومة للتطور، ويرد مقاصده جميعا إلى عناية إلهية تتلخص حكمتها ~~الهادية في أنها «تريد»، ولكنها تعلم الخلائق أن تريد لنفسها، وأن تترقى ms128 بالإرادة ~~على حسب جهودها مع الهداية التي تلهمها، ولكنها لا تلهمها إلا لكي تعينها بالإلهام على ~~أن تعمل عملها وتسلك سبيلها. # ومؤلف كتاب «القدر الإنساني» هو العالم البيولوجي الجليل، ليكونت دي نوي # De Nouy ~~، الذي يقول: إن استمرار النشوء والقول ~~بالمصادفة مفارقة لا تعقل. وهو يشبه مجاري النشوء في الكون بجداول البحيرة التي ~~تنصب من فوق الجبل إلى مستقرها في الأودية، فتمر بالصخور والرمال وتلتقي أو تفترق، ~~وتحمل معها ألوانا من الرواسب والطوافي تخالف بينها آخر الأمر، حتى كأنها ينابيع لم ~~تصدر من أصل واحد، ولم تجر على سنة واحدة، والواقع أنها ليست كذلك، وأنها في أصلها ~~من بحيرة واحدة، وفي حركتها خاضعة لقوة واحدة هي قوة الجاذبية. # وعند «دي نوي» أن نظرية لامارك عن التوفيق بين البنية والبيئة، ونظرية دارون عن ~~الانتخاب الطبيعي، ونظرية التحول الفجائي في رأي نودين-دي فري # Nudin-De Vries ~~- كلها صالحة للمساهمة في تفسير عوامل النشوء ~~والتطور. # قال: «ونعيد مرة أخرى أن التطور لن يكون مفهوما إلا إذا سلمنا أنه خاضع لغاية ، وأنها ~~غاية بعيدة مقدورة.» # ثم ختم بحوثه قائلا: # إن بعضهم قد يرى أننا على مسافة بعيدة من اليوم الذي يصبح فيه الإنسان وقد ~~تطور التطور الذي يجعله أهلا لأن يشعر بضميره، وألا يكون كل حقه في المعاملة ~~أن يعامل كما يعامل الطفل القاصر، وربما صح هذا، ولكنه - إذا صح - كان خليقا ~~أن يصبح سببا للاتجاه بجهوده إلى تلك الغاية. # وإن الإنسان المتطور قد بلغ حالة من نمو الضمير تيسر له أن يوسع أفق النظر، ~~وأن يلمح الدور العظيم الذي يضطلع به في إنجاز غايات التطور، فليس الإنسان كذلك ~~الحيوان الأعمى الذي يعمل في أعماق البحر ولا يدري أنه يبني بعمله جزيرة ~~مرجانية سوف تعمر بالكائنات التي هي أصلح منه وأعلى؛ لأن الإنسان يعمل وهو يعلم ~~أنه رائد للسلالة المقبلة التي ستكون على وجه من الوجوه وليدة سعيه ~~وجهده. # وعلى كل إنسان أن يذكر أن القانون قد كان، وسيبقى كما كان، وأن يناضل، وأن ~~النضال ms129 لم يهدأ لأنه تحول من الميدان المادي إلى ميدان الروح، وعليه ألا ~~ينسى أن كرامته، باعتباره كائنا آدميا، ينبغي أن تصدر من جهاده في تحرير ~~نفسه، وأن ينقاد في ذلك الجهاد لأعمق البواعث من قرارة وجدانه، ولا ينسى أبدا ~~أن الشرارة الإلهية كامنة في تلك القرارة، في قرارته دون غيره، وأنه هو حر قادر ~~على أن يهملها وأن يقتلها، قدرته على أن يقترب من الله، وأن يعرب عن غيرته على ~~العمل مع الله، والعمل في سبيل الله. # ولقد آل تطور الإنسان عند غير البيولوجيين إلى تطور الإنسان الصانع، وقيام الصناعة ~~الكبرى مقام الصناعات الصغيرة التي بدأت منذ مئات القرون، فجعلت الإنسان سيد الخليقة ~~حين جعلته قادرا على العمل بيديه، واختراع الآلة المصنوعة لإنجاز عمله. وستفعل الصناعة ~~الكبرى بأيدي المجاميع البشرية فعل الأداة الحجرية قبل مئات القرون بيد الإنسان الأول، ~~إذ لم تكن له قدرة على الحيوان الأعجم غير تلك الأداة. # ولا نخال أن أحدا عبر عن هذا الرأي تعبيرا أدنى إلى الفهم من تعبير الأستاذ رسل ~~هاريسون في كتابه «ماذا يكون الإنسان؟» فإنه ترك لغة «بابل» الحديثة: لغة البلبلة ~~العلمية بين الفروض الصريحة والفروض المبهمة، والمقابلات من هنا والمعارضات من هناك، ~~ووضع أمل التطور حيث ينبغي أن يوضع، إن كان له موضع على الإطلاق، وذلك هو موضعه في ~~«الشخصية الإنسانية». # فلا مستقبل للإنسان إن لم يكن مستقبلا لشخصيته الكاملة، ولا تطور لهذه الشخصية إن لم ~~تكن شخصية «ذات جوانب»، ولم تكن جوانبها براء من النقص والخلل. # إن الشخصية الإنسانية عاطفة وعقل وضمير، وليست مجرد أعضاء ووظائف وخلايا وأعصاب. ~~ومعنى تطور الإنسان في الذهن أن تتم له هذه الشخصية بعدما نبتت له بذورها مع أطواره ~~الماضية، وليس في الواقع ما يمنع «الشخصية الإنسانية» أن تتحقق كما تحققت في الذهن فكرة ~~قابلة للتمام. # | عود على بدء # بعد هذا الشوط في عرض المذاهب والآراء عن الإنسان، نسأل على ثقة من الجواب: هل صحيح ~~أن القرآن يلقي بالإنسان غريبا منقطعا في القرن العشرين؟ # والجواب ms130 الذي لا تردد فيه: أن القرآن - على النقيض من ذلك - يضع الإنسان في موضعه ~~الذي يتطلبه، فلا تسعده عقيدة أخرى أصح له وأصلح من عقيدة القرآن؛ لأن عصر العلاقات ~~العالمية لا يتطلب «مواطنا» أصح وأصلح من الإنسان الذي يؤمن بالأسرة الإنسانية، ~~ويستنكر أباطيل العصبية ومفاخر العنصرية؛ ليعترف بفضل واحد متفق عليه في كل أرض، وبين ~~كل عشيرة آدمية؛ وهو فضل الإحسان في العمل واجتناب الإساءة، وليس لهذا العصر حق على ~~بنيه أصح وأصلح من حق الشعور «بالمسئولية»، والنهوض بأمانة التكليف، والاحتكام إلى ~~العقل في كل ما يسعه العقل، ثم اطمئنان الضمير إلى الخير فيما خفي عليه من شئون الغيب ~~المجهول، ولا بد في كل عصر حديث أو قديم من غيب مجهول. # إن القرآن يعطي القرن العشرين إنسانه الذي ليس من إنسان أصلح منه وأصح لزمانه، فإذا ~~آمن هذا الإنسان بالله وبالنبوة؛ فليس أصح ولا أصلح لعصر الوحدة الإنسانية من الإيمان ~~برب واحد للعالمين، وبنبوة تختم النبوات بعد الإيمان بهذا الإله الواحد؛ لتسلمه إلى ~~عقله وضميره، وتسأله عن إصلاح نفسه وإصلاح دنياه بما يدعوه إليه قوام الروح والجسد، ~~وطيب الحياة في الدنيا والآخرة. # وإذا كان هذا هو إنسان القرآن بحرفه ومعناه، فلا حاجة بالناقد المنصف إلى حظ كبير من ~~الترفع لينظر من عل إلى أولئك المتعاملين المتوقرين، أولئك الذين يزعمون أنهم قابلوا ~~بين العقائد فخرجوا منها بمقطع الرأي، وقال لهم مقطع الرأي هذا: إن القرآن نسخة مكررة - ~~بل مشوهة - من هذه الديانة أو تلك الديانة، وإنه لم يحدث بعدها جديدا في عالم الروح ~~وعالم العقيدة، وهو الذي هدى العالم في أمر الإله، وفي أمر النبوة، وفي أمر الإنسان إلى ~~هذا الفتح المبين، وما من بقية في لباب العقيدة بعد هذا الجديد الدائم في أمر الحقيقة ~~الإلهية، وأمر الرسالة والهداية، وأمر الكائن الحي المميز بين مخلوقات الله أجمعين، وهو ~~هذا الإنسان الذي تخاطبه الأديان. ~~••• # وقد رأينا مدى الموافقة بين عقائد الحكماء وآيات القرآن في كثير مما عرضناه أو أشرنا ~~إليه فيما تقدم. ms131 وقد نرى - أهم من ذلك - أن آيات القرآن تفسح للعقل الإنساني كل طريق من ~~طرق البحث والتأمل، فلا تصده عن طريق قط يترقب منه معرفة نافعة توافق المعارف الشائعة ~~أو تناقضها، فما من طريق يسلكه الباحث الصادق هو طريق مغلق أمامه بحكم من أحكام القرآن، ~~إلا أن يكون الطريق الذي لا يفتحه يوما دينا يدعو إلى الله، وهو طريق الإلحاد. # ففيما تقدم من شروح حكماء الإسلام ما هو أعجب من فروض النشوئيين، بعد القرن التاسع ~~عشر، عن الأحياء ودرجاتها من البهيمية إلى القرد إلى الإنسان. وللنشوئيين المحدثين آراء ~~قد يستمدون تأييدها - لو شاءوا - من آيات قرآنية فسرها بعضنا تفسيرا يتقبله القائلون ~~بتنازع البقاء، وبقاء الأصلح، وتتابع الأطوار: # ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ~~(البقرة: 251). # فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض ~~(الرعد: 17). # وقد خلقكم أطوارا ~~(نوح: 14). # فهل من الواجب على المؤمن بالقرآن أن يلتمس فيه تأييدا لأصحاب «النظريات» والفروض في ~~كل عصر يظهرون فيه؟ نقول: «كلا ولا ريب»؛ لأنها قد تثبت كلها أو بعضها، وقد يطرأ عليها ~~النقض أو التعديل بين جيل وجيل، ولكن القرآن يعمل عمل الدين الصالح إذا سمح للعقل أن ~~يلتمس الحقيقة مع كل فرض من الفروض، وترك له أن ينتهي بها إلى نهاية شوطه مسئولا عن ~~نتيجة عمله، وعما يفيد أو لا يفيد من جهوده ومحاولاته، فليس من عمل الدين أن يتعقب هذه ~~الفروض والنظريات في معرض الجدل؛ لتأييد تفسير، أو خذلان تأويل، وحسبه أنه يملي للعقل ~~في عمله، ولا يصده عن سبيله، فهذا هو الوفاق المطلوب بين العقيدة والبحث، وبين الإيمان ~~والتفكير. # فإذا أخطأ من يقحم القرآن في تأييد النظرية العلمية قبل ثبوتها، فمثله في الخطأ من ~~يقحم القرآن في تحريمها وهي بين الظن والرجحان، وبين الأخذ والرد، في انتظار البرهان ~~الحاسم من بينات العقل أو مشاهدات العيان. # وقد أخطأ هذا الخطأ جهلاء الدين والعلم الذين حرموا القول بدوران الأرض، وهو أثبت ~~من وجودهم على ظهرها، وأخطأ مثلهم من ms132 حرموا القول بجراثيم الوباء وهي - فيما تبين بعد ~~ذلك - إحدى حقائق العيان. # ومذهب التطور - خاصة فيما يتعلق بتحول الأنواع - لم يثبت بالدليل القاطع؛ لأن أنصاره ~~لم يذكروا حتى الآن حيوانا واحدا تحول من نوع إلى نوع بفعل الانتخاب الطبيعي، أو بفعل ~~تنازع البقاء وبقاء الأصلح، ولكن بطلان القول بهذا الانتخاب لم يثبت كذلك بالدليل ~~القاطع على وجه من الوجوه، وليس في القرآن ما يوجب علينا أن نقول ببطلان الانتخاب ~~الطبيعي؛ لأن خلق الإنسان من الطين لا ينفي التحول إلى غير الطين، ولا يوجب علينا القول ~~بكيفية الخلق من الطين على صورة من صور التركيب، وإنما نعلم من القرآن أن الله بدأ خلق ~~الإنسان من طين. # ثم جعل نسله من سلالة من ماء ~~مهين ~~(السجدة: 8). # وفي آية أخرى: # من سلالة من طين # فلا اختلاف بين ~~هذا وبين التحول الذي يثبت - إذا ثبت - على وجه من الوجوه. # ومذهب النشوء - مع سائر العلوم الحديثة - يقول لنا عن المستقبل البعيد أضعاف ما قاله ~~لنا عن الماضي البعيد: هل يتطور الإنسان في المستقبل مع قوانين الوراثة العلمية أو لا ~~يتطور؟ وهل يعرف العلماء مسلكه في طريق التطور أو لا يعلمون؟ # من رجع إلى القرآن ليعلم حكمه في التطور المقبل وجده على العهد به يملي للعقل، ولا ~~يصده عن طريق يرجى منه النفاذ إلى علم مجهول. وفيما تقدم كلام نقلناه عن أهل العلوم ~~«المختصة» بتطور الأحياء وقوانين التوريث، نلتفت إليه فنعلم أن قوانين «الناسلات ~~والصبغيات» في الأرحام لم تنبئهم بخبر يهدي إلى مصير معلوم، وأثبت ما عندهم من نبأ أن ~~الغد كله مرهون بميراث العقل والمشيئة والإيمان. # فالذي يعرفه علماء الأجنة وقوانين الوراثة غير قليل بالنظر إلى ما كان معروفا من ذلك ~~قبل مائة سنة، ولكنهم - كثر أو قل - لا ينفعهم في تنظيم عمل الوراثة بالانتخاب أو ~~اللقاح في ظلمات الأرحام، وإنما ينفعهم أن يحسنوا هداية «الإنسانية» إلى خير ما تستطيعه ~~العقول المميزة إذا صدقت النية على حب الخير، وأجمعت العزم على استخلاص الذرية المختارة ~~بالتعليم ms133 والإرشاد، وجعلت مسألة التقدم و«بقاء الأصلح» مسألة فهم واعتقاد أدنى إلى ~~البلاغ من لقاح الأصلاب والأرحام. # ونخال أن القرن العشرين لم يكن في غنى عن هذه الهداية من علماء النشوء، ولكنها ~~الهداية التي تعلمها من القرآن من تعلم (أن صلاح الإنسان فكر وأمانة وإيمان)، و(أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون). # ونعيدها كلمات موجزة في ختام هذه الصفحات عن الإنسان في عقيدة القرآن، وفي عقائد ~~الأقدمين والمحدثين: إن القرن العشرين لم يضع الإنسان في موضع أكرم له، وأصدق في وصفه، ~~من موضعه عند أهل القرآن بين خلائق الأرض والسماء، وبين أمثلة من أبناء آدم وحواء: ~~موضعه بين خلائق الأرض والسماء أنه المخلوق المميز الذي يهتدي بالعقل فيما علم، ~~وبالإيمان فيما خفي عليه. # وموضعه بين آدم وحواء أنهم إخوة من عشيرة واحدة، أكرمها من كرم بما يعمل من حسن، ~~ويجتنب من سوء، وأفضلها من له فضل بما كسبه وما اتقاه، لا يدان بعلم غيره، ولا ينجو ~~من وزره بغير عمله: # تلك أمة قد خلت لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون ~~«صدق الله العظيم» (البقرة: 141). ms134