######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.IslamFiQarnCishrin.Hindawi96468508 #META# Tags: history #META# ID: 96468508 #META# Title: الإسلام في القرن العشرين: حاضره ومستقبله #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - قوة غالبة‏ # 2 - وقوة صامدة‏ # 3 - عقيدة شاملة‏ # 4 - الإسلام والمسلمون في القرن التاسع عشر‏ # 5 - أمم غير مستقلة‏ # 6 - أمم أخرى‏ # 7 - الدعوات ونهضات الإصلاح‏ # 8 - المصلحون والمعلمون‏ # 9 - الساسة المصلحون‏ # 10 - الدعوات ونهضات الإصلاح في منتصف القرن العشرين‏ # 11 - في نظر الغرب‏ # 12 - آسيا وأفريقيا‏ # 13 - لو عاد محمد عليه السلام‏ # 14 - التراث الإسلامي ووسائل إحيائه في هذا العصر‏ # 15 - الغد‏ # 1 - قوة غالبة‏ # 2 - وقوة صامدة‏ # 3 - عقيدة شاملة‏ # 4 - الإسلام والمسلمون في القرن التاسع عشر‏ # 5 - أمم غير مستقلة‏ # 6 - أمم أخرى‏ # 7 - الدعوات ونهضات الإصلاح‏ # 8 - المصلحون والمعلمون‏ # 9 - الساسة المصلحون‏ # 10 - الدعوات ونهضات الإصلاح في منتصف القرن العشرين‏ # 11 - في نظر الغرب‏ # 12 - آسيا وأفريقيا‏ # 13 - لو عاد محمد عليه السلام‏ # 14 - التراث الإسلامي ووسائل إحيائه في هذا العصر‏ # 15 - الغد‏ # | الإسلام في القرن العشرين # | الإسلام في القرن العشرين # | حاضره ومستقبله # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | قوة غالبة # كان التقليد التاريخي في القرن السادس للميلاد أن تتقاسم العالم المعمور دولتان كبيرتان، ~~كلتاهما حرب للأخرى تنافسها ولا تأمنها، ولا تهدأ عن حربها فترة من الزمن إلا ريثما تستعد ~~لمعاودة الكرة بقوة من الجند والسلاح أعظم من القوة التي جردتها عليها في حروبها ~~الأولى. # وكانت الدولتان المتنافستان في ذلك القرن؛ دولة المشرق وهي دولة الأكاسرة، ودولة المغرب ~~وهي دولة القياصرة: فارس وبيزنطة، ولا ثالثة لهما في العالم المعمور بين القارات ~~الثلاث. # جهدت كل من هاتين الدولتين ألا تدع بقعة من البقاع المعمورة في القارات الثلاث بعيدة من ~~سلطانها أو قادرة على عصيانها. # وكانت بينهما صحراء جرداء تحفل الدولتان بما حولها، ولا تكترثان لما يجري في داخلها، ~~وامتد سلطان كل منهما إلى الجانب الذي يليه؛ فاتخذت فيه أتباعا يطيعونها، ويحتمون بها، ~~ويلوذون بجوارها: فارس تسيطر على الحيرة واليمن، وبيزنطة تسيطر على أرض غسان والبتراء، وتهم ~~أن تنصب لها أميرا على الحجاز يدين لها بالولاء، ويحرس لها طريق الشام من أوله في الجزيرة ~~العربية، ثم لا ms001 يعنيها الأمر عناية جد تنتهي فيه إلى عمل فاصل تجاوز به التردد والشروع، ~~فليس الأمر من الخطر عندها بحيث تفرغ منه على قرار. # أما الخطر الذي فرغت له كلتا الدولتين : فهو الخطر من إحداهما على الأخرى، والخطر من قبل ~~النهرين في العراق، ومن قبل النهر الكبير في وادي النيل. فلم تكن بقعة من هذه البقاع قد خلت ~~طويلا من جنود الدولتين منتصرين أو منهزمين، ولم تزل الحرب بينهما سجالا في هذه الأودية ~~وما جاورها، ولم تزل كل منهما على أمان من قبل الجزيرة الجرداء. # نعم، كان جيش من الفرس قد انهزم في وقعة «ذي قار» على طرف من أطراف تلك الجزيرة، ولكنها ~~هزيمة حرس في ولاية كما تخيلوها، وليست هزيمة دولة تنازل قرنا لها من دولة أخرى جديرة ~~بالخوف منها وحفز الهمم للتغلب عليها، ومثلها في عصورها الحديثة كمثل الهزائم التي أصيبت ~~بها الدولة البريطانية يوم كانت تدعى سيدة البحار أو يوم كان القائلون عنها يقولون: إن ~~الشمس لا تغيب عن أملاكها؛ هزائم تارة في حدود الأفغان أو عند أعالي النيل أو على طرف ~~القارة السوداء في الجنوب، ولكنها تنهزم فيها وتبقى بعدها سيدة البحار أو غالبة على كرة ~~الأرض بين مشارقها ومغاربها. # وكذلك كانت فارس بعد وقعة ذي قار، فلم تتبع هزيمتها بحذر أو احتراس من تلك الجهة، وظلت ~~على عهدها من الحذر حيث تخشى الخطر، فلا ترفع عينها عن بيزنطة وأتباعها في أودية الأنهار أو ~~بين أرجاء الهلال الخصيب، ولا تحسب هي ولا صاحبتها بيزنطة أن ثمة خطرا عليهما قط متوقعا ~~من جهة الجنوب. # فلما جاء كسرى رسول من قبل هذا الجنوب، وسأل عن شأن هذا الرسول، فقيل له: إنه نبي في ~~العرب يدعوه إلى دينه، ضحك غاضبا أو غضب ضاحكا، وأمر من يذهب إلى ذلك النبي الجسور فيأتيه ~~به حيا أو ميتا، ليلقى جزاءه على هذه الجسارة التي اجترأ بها على الشاهنشاه ملك ~~الملوك. # ولما تسامع القوم في الجزيرة العربية أن ذلك النبي يهم أن يحارب القيصر ms002 في عقر داره سخروا ~~وقالوا فيما بينهم: عساه يحسبها غزوة من غزوات البادية. # لا بل قيل ذلك، أو شبيه ذلك، وبعد ثلاثة عشر قرنا من القرن السادس الذي استعظموا فيه ما ~~استعظموا من جرأة النبي العربي على عروش الأكاسرة والقياصرة، فكان من المؤرخين المحدثين من ~~كتب تاريخ الوقائع التي دارت بين أتباع ذلك النبي وبين جبابرة الفرس والروم، ومن كتب في ~~تاريخه هزيمة أولئك الجبابرة أمام أولئك الأتباع، ولكنه حين روى النبأ عن رسل النبي إلى ~~كسرى وقيصر رواه وهو يتعجب، ويقول شبيها لما قيل يومئذ قبل النصر والهزيمة: عساه يحسبها ~~غزوة من غزوات البادية، أو عساه قد زهاه النصر في مكة والمدينة فلم يدر ما المدائن وما ~~القسطنطينية وراء الرمال والبحار. # إن أعجب العجائب لما ينقضي على وقوعه مئات السنين، ثم يتعاظم من يرويه حتى ليوشك أن يرتاب ~~فيه. # وكان ما جرى للدولتين - الفرس والروم - يومئذ أعجب العجائب في تواريخ الدول من قديم ~~وحديث؛ فقد هزمت الدولتان معا في بضع سنوات، ولم يأت الخطر عليهما من مكان تتوقعان خطره ~~إحداهما أو كلتاهما، بل جاء من المكان الذي هان شأنه حتى لم يحسب له حساب. # جاءت القوة التي هزمت الدولتين في وقت واحد من وراء الرمال، أو قل من وراء المجهول، أو من ~~وراء الغيب، ولا تعدو الحق فيما تقول. # قوة غالبة لم تصمد لها قوة. # قوة نجمت من حيث لا مخافة ولا مظنة، فما هي تلك القوة؟ وليست هي قوة دولة ولا قوة ~~سلاح! # قيل فيما قيل: إنها خشونة البادية غلبت ترف الحضارة ونعمة الرخاء، ولكن الدولتين اللتين ~~انهزمتا معا قد كانتا تحكمان الملايين ممن لا يعرفون من العيش غير خشونته وشظفه، وكانت ~~فارس تحكم من حولها قبائل لم تعرف غير الجبال، والقتال، وكانت بيزنطة تحكم على تخومها أشباه ~~تلك القبائل في خشونتها وقوة مراسها، وظلت تحكمها وتهزمها كلما أغارت عليها من غربها أو ~~شمالها، وبعد أن تلاحقت هزائمها في وقائعها مع أبناء البادية العربية، وسلمت بالهزيمة بعد ~~الهزيمة ms003 تسليم الخيبة والاضطرار. # وقيل فيما قيل: إنه احتقار العرب للعجم، وكل الناس عجم عند من ينطقون بالضاد. # ولكنه سلاح كان ينبغي أن يصدق من الجانبين، أو يغلب به العجم في بعض ميادينهم إن لم ~~يغلبوا به في الميادين كافة حيثما التقى الخصمان المتساويان في ذلك السلاح، بل لعل العجم ~~كانوا أشد احتقارا للعربي في تلك الحقبة على التخصيص، وقد حدث في إحدى وقعات العراق أن ~~زعيما عربيا ممن يلوذون بدولة فارس عرض على مهران قائد الفرس أن يتولى عنه حرب خالد بن ~~الوليد؛ لأن العرب أعلم بقتال العرب، فغضب جنود مهران؛ لأنهم سمعوه يقول لذلك الزعيم ~~العربي: «صدقت. لأنتم أعلم بقتال العرب، وأنتم مثلنا في قتال العجم»، وثاروا به يستعظمون أن ~~يقول «لذلك الكلب» ما قال، ولم يرضوا عن هذه المجاملة لمن يريد نصره حتى قال لهم: «دعوني، ~~فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر لهم، فإن كانت لهم على خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم ~~يبلغكم أعداؤكم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء». # ألا إن هذا «الاحتقار» سلاح موفور في المعسكرين، فإن كان للعرب نصيب كبير منه، فما كان ~~عند العجم منه فهو نصيب غير صغير. # على أن العرب الذين حاربوا الفرس والروم وانتصروا عليهم لم يكونوا جميعا من أبناء ~~البادية ولا من الناشئين على الشظف والشدة، بل كان منهم أبناء نعمة وثراء، وكان قائدهم ~~الأكبر - خالد بن الوليد الذي قال الزعيم العربي لقائد الفرس مهران إنه أعلم بقتاله - ~~مخزوميا من أغنى السروات في بني مخزوم ذوي الجاه العريض والثراء المستفيض؛ إذ كان جده - ~~كما ذكرنا في سيرته - المغيرة بن عبد الله الذي كان الرجل من بني مخزوم يؤثر أن ينسب إليه ~~فيسمى المغيرة تشرفا بالانتساب إلى الفرع الذي أناف على الأصول، وكان أبوه الوليد بن ~~المغيرة الملقب بالعدل وبالوحيد؛ لأنه كان يكسو الكعبة وحده سنة، وتكسوها قريش كلها كسوة ~~مثلها سنة أخرى، وكان عمه هشام قائد بني مخزوم في حرب الفجار، وبوفاته أرخت قريش كما تؤرخ ms004 ~~بالأحداث العظام، ولم تقم سوقا بمكة ثلاثا لحزنها عليه، وكان عمه الفاكه بن المغيرة من ~~أكر العرب في زمانه، له بيت للضيافة يأوي إليه من شاء بغير استئذان، وكان عمه أبو حذيفة أحد ~~الأربعة الذين أخذوا بأطراف الرداء، وحملوا فيه الحجر الأسود إلى موضعه من الكعبة، كما أشار ~~النبي عليه السلام قبل الدعوة الإسلامية. أما الذي فض النزاع بين القبائل على هذا الشرف حين ~~آذن التنافس بينها بالشر المستطير فهو عم آخر من أعمامه، وهو أبو أمية بن المغيرة الملقب ~~بزاد الراكب كما جاء في بعض الروايات، فقد أشار عليهم أن يكلوا الحكم إلى أول داخل من باب ~~المسجد؛ ليختار من بينهم من يرفع الحجر إلى مكانه، فارتضوا مشورته، وتم صواب المشورة بتوفيق ~~البشارة النبوية قبل إهلالها على العالم بسنين، ولقب أبو أمية زاد الراكب؛ لأنه كان يكفي ~~أصحابه في السفر مئونتهم فلا يتزودون بزاد، ولا يتم الكلام على تراث بني مخزوم حتى نضيف إلى ~~مزاياهم المختلفة مزية ملحوظة لها شأنها في كل مجتمع إنساني، وليس شأنها بالقليل في حياة ~~خالد على التخصيص. فقد كانت هذه القبيلة على كثرة الأقطاب بين رجالها مشهورة بجمال النساء ~~بين الحواضر العربية، وبقيت لها هذه الشهرة إلى ما بعد قيام الدولة العباسية؛ إذ كان يقال ~~لأبي العباس السفاح: «إن المخزوميات رياحين العرب، وعندك منهن يا أمير المؤمنين ريحانة ~~الرياحين.» # فإذا كان المقصود بترف الروم والفرس ترف الطبقة التي يخرج منها القادة والسادة فليس في ~~قادتهم من أحاطت به نعمة الثراء كما أحاطت بقائد المسلمين الأكبر في حربهم للدولتين، وهو ~~الذي سماه صاحب الدعوة الإسلامية بسيف الإسلام. # ولا ننسى أن الجيوش الإسلامية لم تصل إلى ميادين العراق وفلسطين حتى كانت قد انتصرت على ~~جيوش عربية من البدو والحضر قد نشأت مثل نشأتها، وتدربت على القتال مثل دربتها، وعرفت من ~~الترف والخشونة مثل ما عرفته في بداوتها وحضارتها. # ولا ننسى أن الظاهرة قد تكررت حيث لا عرب ولا روم، وحيث كان الفرس في صفوف المنتصرين مع ms005 ~~أمراء الإسلام، ففي القرن الثاني عشر للميلاد كان السلطان محمد غوري الأفغاني يحارب قبائل ~~«راجبوت» الهندية التي اشتهرت بالشجاعة والفروسية في العالم القديم من أقصى الديار الآسيوية ~~إلى أقصاها، وكان على رأسهم قائدهم «برتوي» الذي قيل عنه: إنه لم يعرف الهزيمة قط في منازلة ~~قرين، فانتصر الجيش الأفغاني بمن فيه من الأفغانيين والأتراك والفرس على جيوش الراجبوت بعد ~~حرب زبون كان النصر فيها سجالا بين الفريقين، وأوشك الأمير الغوري أن يقع في إحدى معاركها ~~أسيرا مثخنا بالجراح في قبضة عدوه العنيد. # وتكررت الظاهرة في المغرب؛ حيث كان المنهزمون من قبائل البربر التي لم تعرف في تاريخها ~~القديم غير الخشونة والقتال، وكان تكرارها في مواطن شتى دليلا على أن القوة التي انتصر بها ~~دعاة الإسلام لم تنبعث فيهم من خشونة البادية العربية، ولا من هوان شأن العجم على العرب، ~~ولا حاجة إلى قول قائل: إنها لم تنبعث من بأس الملك ولا من عدة السلاح. # فلا مناص إذن من الرجوع بها إلى السبب الذي اتفق عليه المؤرخون أو كادوا بعد التعلل لها ~~بجميع الأسباب. # لا مناص إذن من الرجوع بها إلى العقيدة التي حفزت أولئك المجاهدين على اختلاف الأقوام ~~والأزمان. # غير أن الرجوع بها إلى العقيدة لا يختم المطاف، ولا يغني عن مزية في هذه العقيدة تمتاز ~~بها بين العقائد الكثيرة التي سبقتها أو لحقت بها، ولم تنبعث منها قوة كهذه القوة، ولا ~~ظاهرة كهذه الظاهرة بعد تجريدها من العوامل الأخرى. # فما كانت جيوش الروم ولا جيوش الفرس خلوا من عقيدة يؤمنون بها ويقبلون على الموت في ~~سبيلها، وما كانت قبائل الهند أو آسيا الوسطى تجهل الدين أو تهمله في معيشتها اليومية فضلا ~~عن المراسم التي تصحب المتدين من مولده ولا تفارقه مدى الحياة. # أيقال إنها دفعة الدين الجديد ميزت عقيدة الإسلام على سائر العقائد في ذلك التنازع بين ~~الدول والأديان؟ # إن دفعة الدين الجديد ولا شك سبب لا يهمل في هذا المقام، وقد يسبق إلى الخاطر لتفسير قوة ~~الدعوة في القرن ms006 السابع للميلاد وفي القرن الثاني عشر يوم كان القائمون بالدعوة في آسيا ~~الوسطى أقواما من الأفغان والترك دخلوا حديثا في الدين. # لكن كم عقيدة جديدة صنعت مثل هذا الصنيع؟ وكم ظاهرة كهذه الظاهرة تكررت في تواريخ الدول ~~والأديان؟ # الفصل الثاني # | وقوة صامدة # إن العقيدة الإسلامية لم تكن قوة غالبة وحسب في إبان النشأة والظهور، ولكنها كانت قوة ~~صامدة بعد مئات السنين، ولا بد من تفسير لهذه القوة الصامدة كما لا بد من تفسير لتلك القوة ~~الغالبة، فإن القوة التي تصمد كالقوة التي تغلب في حاجتهما إلى التفسير، أو لعل القوة التي ~~تصمد أولى بالتفسير من القوة الغالبة؛ لأنها تدافع فتقوى على الدفاع حيث لا عدة عندها ~~للغلبة في معترك الصدام والصراع. # وصمود القوة الإسلامية في أحوال الضعف عجيب كانتصارها في أحوال الشدة والسطوة، ولا سيما ~~الصمود بعد أكثر من عشرة قرون. # ولقد تداولت الدول بقاع الأرض من القرن السابع للميلاد إلى العشرين: قامت دول إسلامية ثم ~~انهارت أمام المنافسين من أبناء دينها أو أبناء الأديان الأخرى، وحدث في فترة من الزمن خروج ~~المسلمين من أوروبا الغربية ودخولهم إلى أوروبا الشرقية، ودالت دولة دمشق وبغداد وقرطبة ~~والقاهرة، وقامت دولة الآستانة أو إسلامبول، ثم ظلت وحدها هذه الدولة كفؤا للدول الأوروبية ~~مجتمعات أو متفرقات حتى تداعت أركانها وتصدع بنيانها، وبقيت قائمة لاختلاف الطامعين في ~~ميراثها على تقسيمها، وتلاحقت الضربات على البلاد الإسلامية بين هزيمة واضطهاد وتمزيق ~~وتفريق حتى تمكن منها المستعمرون فلم تبق منها واحدة تنعم بقسط من حرية الحكم وسيادة ~~الاستقلال، ومن كان منها مستقلا كالدولة العثمانية أو الدولة الإيرانية أو الدولة ~~الحسينية بالمغرب الأقصى كان افتيات المستعمرين على حقوقها أشد وأقسى من افتياتهم على ~~البلاد التي فقدت حريتها واستقلالها، وانقضى القرن التاسع عشر كله والأمم الإسلامية مخذولة ~~متخاذلة، والدول المستعمرة غالبة متحكمة، وخيل إلى الناظرين أن الحاضر والمستقبل جميعا ~~للاستعمار، وأنه قد جمع القوة والعلم والحضارة فلا نجاة من قبضته للذين حرموا القوة والعلم ~~والحضارة، وأصبحوا في كل منها عالة ms007 على المستعمرين. # ثم انتهى القرن التاسع عشر، فكيف رأى الناس منتهاه؟ # الاستعمار يتراجع، ولا يظفر بغناء من سلطان المال والعلم والسلاح. # والإسلام تبرز له دولتان في آسيا عداد المسلمين في كل منهما يزيد على سبعين مليونا، وهما ~~دولتا إندونيسيا والباكستان، وسائر الدول في آسيا وأفريقيا تقترب من الحرية وتبتعد من ربقة ~~العبودية، وهذه هي قوة الصمود بعد أربعة عشر قرنا من الدعوة المحمدية، لا ينظر المؤرخ في ~~أطوارها على تعدد ظواهرها وأدوارها إلا وجب عليه أن يفترض لها سرا عجيبا كذلك السر ~~العجيب في صدر الإسلام: سر الغلبة من حيث لا تنتظر الغلبة على دولتي العالم في خمس ~~سنوات. # إن قوة الصمود هنا لعجيبة كقوة الغلبة هناك، ولعلها - كما قدمنا - أعجب من قوة الغلبة؛ ~~لأنها تملك الدفاع، ولا مال لديها ولا سلاح ولا علم ولا معرفة، لا بل تملك الدفاع ولا اتفاق ~~بينها على الدفاع. # وندع الصراع في مجال الدول المتداولة بين السطوة والخضوع وبين النصر والهزيمة، فإن قوة ~~العقيدة الإسلامية قد سرت مسراها في أرجاء العالم بمعزل عن حروب الدول وسياساتها، وعن عروش ~~العواهل وتيجانها، وفي أفريقيا اليوم مائة مليون مسلم لا شأن في إسلامهم لدولة أو سياسة، ~~وقريب من هذا العدد مسلمون في السومطرة وبلاد الجاوة، وقريب منه في الباكستان، وقد يكون في ~~الصين وما جاورها عدة كهذه العدة من الملايين. # وهؤلاء جميعا سرت فيهم عقيدة الإسلام بمعزل عن حروب الدول وسياساتها، وعن عروش العواهل ~~وتيجانها، أو كان للدول والسياسات شأن في إسلامهم من بعيد متقطع غير موصول ولا مقصود، ولعله ~~لو انحصر الأمر فيه لا يكفي لإسلام عدة من الناس تحسب بالألوف والمئات، ولا ترتفع إلى عشرات ~~الملايين فضلا عن مئات الملايين، ولو حسب جهاد المجاهدين في سبيل إسلامهم بعدد الرءوس التي ~~سقطت في ميدان القتال؛ لكان الرأس الواحد هنا عدلا في كفة الميزان الأخرى لمئات ~~الألوف. # هذه القوة، غالبة وصامدة، تتطلب تفسيرا غير كلمة العقيدة مجردة من خواصها ومزاياها، ولا ~~غنى لها عن مزية تهيأت لها ms008 ولم تتهيأ للعقائد الأخرى التي لم يعرف عنها مثل هذه الغلبة ومثل ~~هذا الصمود، وتلك حقيقة فطن لها الباحثون في انتشار الإسلام من أصدقائه وأعدائه على السواء، ~~فذهبوا جميعا يلتمسون الدواعي التي يسرت لهذه الدعوة ما لم يتيسر لغيرها، وهم متفقون على ~~انفرادها بالمزية الخاصة مختلفة في بيان تلك المزية على حسب اختلاف النية واختلاف الرغبة في ~~الحمد أو المذمة، ومنهم مبشرون يلجئون إلى المزايا التي تعينهم على الاعتذار كلما وضح عجزهم ~~عن تحويل المسلمين من دينهم أو وضح عجزهم عن مجاراة الدعاة الإسلاميين في نشر دينهم بغير ~~مشقة وبغير كلفة من المال والعتاد، ووسائل التدريب والتنظيم. # فمن أسباب انتشار الإسلام في القارة الأفريقية - عند فريق من هؤلاء الباحثين أو المبشرين ~~- أنه لا يمنع تعدد الزوجات، ولا يحول بين الرجل الأفريقي وطلاق زوجاته أو الاحتفاظ بما شاء ~~منهن كما يشاء. # ومن أسباب انتشاره عند الباحثين في سرعة الإقبال عليه بين الهنود: أنه سوى بين الطوائف ~~المنبوذة وغيرها من طوائف السادة والأشراف، فأقبل المنبوذون عليه زرافات، وبلغوا به من ~~المكانة الاجتماعية ما لم يكونوا بالغيه بالعقيدة المفرقة بين الطوائف والطبقات. # ومن هذه الأسباب عند الباحثين في سرعة انتشاره بين الأندلسيين: أنه صادف ثمة شعبا فقيرا ~~ساءت ظنونه بساداته من رجال الدنيا والدين، وأنكروا من أولئك السادات الدنيويين والدينيين ~~تعاليا عليهم، واشتغالا عنهم بلذتهم وأبهتهم، فرحبوا بأصحاب الدين الجديد، ودخلوا في ~~ملتهم؛ لأنها ملة لا تفرق بين السادة والعبيد. # ومن هذه الأسباب أنه دين بسيط سهل القواعد والأصول لا يحوج المتدين به بعد الإيمان ~~بالوحدانية وفرائض العبادة إلى شيء من الغوامض والمراسم التي يدين بها أتباع العقائد الأخرى ~~ولا يفقهون ما فحواها. # وهذه كلها - على أصح ما تكون - أسباب محلية أو أسباب موقوتة تصلح لتعليل انتشار الدين في ~~بيئة معينة أو في زمن معين، ولكنها لا تلازم انتشاره في جميع البيئات والأزمان، ومشكوك مع ~~هذا في صدق تعليل البيئة الواحدة كما قيل عن تعليل شيوع الإسلام بين الأفريقيين وقلة ~~إقبالهم على العقائد ms009 التي تحرم تعدد الزوجات. # فليس تعدد الزوجات من اليسر بحيث يقدر عليه من أراده بين أولئك الأفريقيين، ومن كان منهم ~~قادرا على تعديد زوجاته وسراريه فهو يعددهن حتى الساعة كائنا ما كان اعتقاده، أو كائنا ~~ما كان دينه بين الأديان الكتابية، وسائر القوم من غير ذوي القدرة على الجمع بين الزوجات ~~الكثيرات قلما يعنيه السماح له بزوجة أو أكثر من زوجة، وقلما يوجد في بيئته سجل يحصي عليه ~~عقود الزواج والطلاق، وقد أجمع الرحالون على صعوبة الاستعداد للزواج وتدبير المهر المطلوب ~~بين قبائل أفريقيا الوسطى، فلا يتأهل الشاب للبناء بالزوجة الواحدة إلا أن يكون ذا مال يحسب ~~بما عنده من رءوس الماشية والأنعام، ومن المستغرب حقا أن يتخيل المرء أفريقيا يدخل في ~~الدين ثم يخرج منه؛ لأنه حال بينه وبين البناء بزوجة جديدة غير التي ارتبط بها بعقد من ~~العقود على أيدي رجال الدين، وأغرب من ذلك أن نتخيل الأفريقي الأعزب منتظرا متسائلا لا ~~يدخل في الدين حتى يتبين ما يبيحه له أو يحرمه عليه من روابط الزواج. # وأيا كان أثر العلاقات الزوجية في انتشار الإسلام بين الأفريقيين، فمن المحقق أن هذه ~~المسألة خاصة لم يكن لها شأن في منافسة الأديان الأخرى قبل القرن السادس عشر للميلاد، فإن ~~تحريم تعدد الزوجات لم يرد في كتاب من كتب العهد القديم أو العهد الجديد، وكل ما ورد في ~~الإنجيل أن القس ينبغي ألا يزيد على زوجة واحدة إن لم يكن بد من الزواج، وقد جمع شارلمان ~~في القرن التاسع بين زوجتين، وزاد عدد زوجاته على خمس، كلهن بقيد الحياة غير من في القصر من ~~السراري والزوجات «غير الشرعيات». واعترف قبل مماته بعشرة من أبناء هؤلاء عدا الثمانية ~~الذين ولدوا له من زوجاته دسدراتا وهولجارد وفسترادا # 1 # وعدا الأبناء الذين ولدوا له ولم يعترف بهم؛ لأنهم كانوا على غير ما يحب من ~~سمات الأمراء. # ومن الأوهام الشائعة كما قلنا في كتابنا عن الفلسفة القرآنية:«إن الدين الإسلامي هو الدين ~~الوحيد الذي أباح تعدد الزوجات ms010 بين الأديان الكتابية؛ لأن الواقع الذي تدل عليه كتب ~~الإسرائيليين والمسيحيين أن تعدد الزوجات لم يحرم في كتاب من كتب الأديان الثلاثة، وكان ~~عملا مشروعا عند أنبياء بني إسرائيل وملوكهم فتزوجوا بأكثر من واحدة، وجمعوا بين عشرات ~~الزوجات والجواري في حرم واحد، ورورى وستر مارك # Westermayck # العالم الحجة في شئون الزواج على اختلاف النظم الإنسانية أن الكنيسة والدولة معا كانتا ~~تقران تعدد الزوجات إلى منتصف القرن السابع عشر، وكان يقع غير نادر في الحالات التي لا تعنى ~~بها الكنيسة عنايتها بزواج الأسر الكبيرة، وكل ما حدث في القرن الأول للمسيحية أن الآباء ~~كانوا يستحسنون من رجل الدين أن يقنع بزوجة واحدة، وخير من ذلك أن يترهب ولا يتزوج بتة، ~~فكانت الفكرة التي ذهبت إلى استحسان الزواج الموحد هي فكرة الاكتفاء بأقل الشرور، فإن لم ~~تتيسر الرهبانية فامرأة واحدة أهون شرا من امرأتين، وكانت المرأة على الإطلاق شرا محضا ~~وحبالة من حبالات الشيطان، بل أخطر هذه الحبالات، واستكثر أناس من آباء الكنيسة وفقهائها أن ~~تكون لها روح علوية، فبحثوا في ذلك، وأوشكوا أن يلحقوها بزمرة الحيوان الذي لا حياة له بعد ~~فناء جسده.» # ومن الواضح أن هذه المسألة بذاتها - مسألة الزواج والمرأة - لم تكن من المسائل التي تسبق ~~الدخول في دين من الأديان، وما من أحد في أفريقيا وفي سائر القارات رأى المسلمين منفردين ~~بإباحة الجمع بين النساء في البيت الواحد، وما من وثني على الفطرة أباح له الإسلام كل ما ~~يستبيحه من الشهوات على دين آبائه، وأولها المسكرات التي تفشو بين البدائيين، ويضيقون ~~بمنعها أشد من ضيقهم بمنع تعدد الزوجات، وما من عقبة قامت في وجه المسيحية بين الشرقيين أو ~~الغربيين؛ لأنها كانت تحض على الرهبانية أو تنظر إلى المرأة نظرتها إلى شيطان أو حبالة ~~شيطان. فإذا آمن المرء بفساد عقيدة آبائه وأجداده فلا مناص له من قبول الدين الذي كشف له ~~ذلك الفساد، ثم يعالج بعد ذلك طاقته على احتمال أوامره ونواهيه، ولا يرفض الأوامر لأنه ~~يعصيها، أو النواهي ms011 لأنه يقدر على اقترفها، بل يحاول أن يكف عن المعاصي والذنوب، ويرتقي في ~~الدين فوق مرتقاه. # ولو كان الإقناع المنطقي يكفي وحده لتعليل الظواهر الاجتماعية أو التاريخية لصح أن يقال: ~~إن الإسلام قد شاع بين طوائف المنبوذين في الهند؛ لأنه يرفع عنهم لعنة المذلة والحرمان. فهم ~~خلقاء أن يوازنوا بين منزلتهم في دين آبائهم وأجدادهم ومنزلتهم في الدين الإسلامي فيختاروا ~~أفضل المنزلتين، وقد وازنوا واختاروا فدخلوا أفواجا في الدين الجديد. # غير أن الإقناع المنطقي لا يكفي وحده لتعليل ظواهر الاجتماع وظواهر التاريخ فيما له ~~اتصال بأطوار السرائر على الخصوص، أو لعل الإقناع المنطقي يكفي المؤرخ في تعليل الظواهر ~~الاجتماعية والتاريخية إذا اعتمد عليه في كتابة التاريخ، ولم يجعل الناس جميعا معتمدين ~~عليه في أعمالهم، منقادين له في أحاسيسهم ودخائل وجدانهم. فمن المنطق الصحيح أن يرجع المؤرخ ~~بالحوادث إلى الأسباب الثابتة والعوامل المقنعة، وليس من المنطق الصحيح أن نتخيل الناس ~~جميعا منطقيين حين يؤمنون أو حين يكفرون، ومنطقيين في تمييز الحق والباطل من الدواعي ~~والأسباب. # والواقع في أمر المنبوذين الهنديين، وفي أمر المحرومين جميعا، أنهم لم يكونوا أضعف ~~إيمانا بعقيدتهم البرهمية من أبناء الطبقات العليا، ولم يثبت قط أن التحول إلى الأديان ~~الأخرى كان بينهم أكثر وأسرع مما كان بين الطبقات العليا، وربما وجد فيهم من يصبر على ~~قسمته؛ لأنه يعتقد أنها شرط من شروط الخلاص الأبدي، وكفارة على المساوئ التي سلفت منه في ~~أدوار الخلق الأولى، وربما كان من المحرومين في كل أمة من هو أثبت إيمانا على دينه من ذوي ~~النعمة والثراء؛ لأن جانب الوعد والأمل قوي في الدين، ونصيب المحروم من الوعد والأمل أوفر ~~من نصيب القانع المجدود. # وقد حدث حقا أن أناسا من المنبوذين رحبوا بالدين الإسلامي، ودخلوا فيه؛ لارتياح نفوسهم ~~إليه، ولحسن ما عاينوه من القدوة الصالحة في سيرة المسلمين الوافدين على بلادهم والمقيمين ~~بين ظهرانيهم، ولكننا لا نجد من أسانيد التاريخ ولا من أسانيد العقل ما يفهم منه أن الهنود ~~الذي أسلموا كانوا جميعا من ms012 طوائف المنبوذين، بل لا نجد في تلك الأسانيد ما يفهم منه أن ~~الأكثرين كانوا منهم ولم يكونوا من طبقات العلية وذوي الوجاهة في المجتمع أو في الدولة ~~الحاكمة، وقد تحول الهنود إلى الإسلام في بقاع الهند الغربية من أقصى الشمال إلى أقصى ~~الجنوب حيث يوجد المنبوذون وحيث لا يوجدون، وتحول أهل سومطرة وجاوة إلى الإسلام بهذه الكثرة ~~أو بأكثر منها وهم بوذيون يقل بينهم المنبوذون، وتكاد الروايات المحفوظة عن أخبار الإسلام ~~في الجزر الجاوية أن تجمع على ابتداء الإسلام بين الأمراء والقادة، ثم شيوعه بأمرهم ~~وهدايتهم بين رعاياهم الوثنيين، ولعلها هي القاعدة المطردة في معظم الأمم الآسيوية من سكان ~~الجزر إلى سكان القارة الوسطى، سواء من كان على الوثنية أو من دان في صباه ببعض الأديان ~~الكتابية؛ كما حدث في إسلام «تكودار خان» أحد سلاطين المغول بأرض فارس، وهو الذي نقل لنا ~~القلقشندي في صبح الأعشى كتابا منه إلى السلطان قلاوون بمصر يقول فيه: # إن الله - سبحانه وتعالى - بسابق عنايته، ونور هدايته، قد كان أرشدنا في عنفوان ~~الصبا وريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيته، والاعتراف بوحدانيته، والشهادة لمحمد - ~~عليه أفضل الصلاة والسلام - بصدق نبوته، وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من ~~عباده وبريته، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. # وقد أسلم على هذا النحو بعض زعماء القبائل الأثيوبية، فلم ينحصر إقبال الآسيويين ~~والأفريقيين على الإسلام في طبقة واحدة من الرعية أو الرعاة، وابتدأ التحول من العليا إلى ~~من دونها كما ابتدأ من الأتباع إلى السادة والرؤساء. # ومهما يكن من أثر الأسباب المحلية أو الموقوتة فلا بد من البحث عن سبب عام محيط بجميع هذه ~~الأسباب التي تختلف فيها بيئة عن بيئة وزمن عن زمن وحالة عن حالة، ولا بد من عامل واحد غير ~~هذه العوامل التي تحبب الإسلام تارة إلى الحاكم وتارة إلى المحكوم، وتفتح له السرائر في ~~نفوس الضعفاء وفي نفوس الأقوياء، وتجعله قوة تعين الغالبين على الغلب، وتعين المغلوبين على ~~الصمود والدفاع، ولا تخفى حقيقة هذا العامل بعد ms013 هذا الشمول، فإن حقيقته التي تتضح من إحاطته ~~بهذه العوامل كافة أنه عقيدة شاملة، وأنه بذلك حقق الصفة الكبرى للعقيدة الدينية على أتم ~~شروطها، فما كانت سريرة الإنسان لتطمئن كل الاطمئنان إلى اعتقاد يفرقها بددا، ويقسمها على ~~نفسها، ويترك منها جزءا لم تشمله بقوته ويقينه، وقد يخرج من سلطانه فيملكه سواه. # قلنا في ختام كتابنا عن عقائد المفكرين: إنه «لا التباس اليوم بين وازع الأخلاق ووازع ~~العقيدة الدينية، وليس اتفاقهما في الإباحة والتحريم أحيانا بالذي يمنع الباحث أن يعرف لها ~~صبغتها ويميز طبيعتها، فلا يخلط بين أوامر القانون وأوامر الأخلاق وأوامر الدين.» ~~«والغالب على الأوامر القانونية أنها إرادية تكتفي بتحقيق السلامة، ولا تذهب وراء الأسلم ~~الألزم إلى شوط بعيد، والغالب على الأوامر الأخلاقية أنها لدنية تعمل فيها الإرادة ~~شيئا، ولكنها لا تعمل كل شيء، بل يتولى الشعور أهم البواعث في أعمال الأخلاق، ويشاهد فيها ~~كثيرا نزوع إلى ما وراء السلامة واللزوم، وتفضيل للأجمل الأمثل من الأمور، فصاحب الوازع ~~الأخلاقي لا يقنع بفروض القانون، ولا يزال متطلعا إلى درجة أعلى من درجات القانعين باجتناب ~~العقاب والتزام أدنى الحدود.» ~~«أما الغالب على الأوامر الدينية أو آداب العقيدة فهو الشمول الذي يحيط بالإرادة والشعور ~~والظاهر والباطن، ولا يسمح لجانب من النفس أن يخلو منه، ولا يقنع بالسلامة أو بالجمال إلا ~~أن تكون معهما الثقة التي لا تتزعزع في صميم الحياة، بل صميم الوجود، ومن السهل أن يقال: ~~إن حاسة القانون تتولد في الإنسان؛ لأنه عضو في مجتمع، وإن حاسة الأخلاق تتولد فيه؛ لأنه ~~من أفراد النوع الإنساني كله، ولكن ليس من السهل أن يقال: إن الإنسان مهتم بمصيره في الكون؛ ~~لأنه عضو في المجتمع أو فرد من أفراد النوع، وإنما يتدين الإنسان؛ لأنه يهتم بمصيره ومعنى ~~وجوده، ويطلب له قرارا أوسع جدا من علاقاته الإنسانية أو علاقاته بالمجتمع، ويجب أن يطلب ~~عقيدة تحتويه، ولا يكتفي بعقيدة يحتويها ويريدها كما يشاء.» # وعلى هذا الشرط - شرط الشمول في العقيدة - يكون الإسلام هو العقيدة بين العقائد، ms014 أو هو ~~العقيدة المثلى للإنسان منفردا ومجتمعا، وعاملا لروحه أو عاملا لجسده، وناظرا إلى ~~دنياه أو ناظرا إلى آخرته، ومسالما أو محاربا، ومعطيا حق نفسه أو معطيا حق حاكمه ~~وحكومته، فلا يكون مسلما وهو يطلب الآخرة دون الدنيا، ولا يكون مسلما وهو يطلب الدنيا دون ~~الآخرة، ولا يكون مسلما لأنه روح تنكر الجسد أو لأنه جسد ينكر الروح أو لأنه يصحب إسلامه ~~في حالة ويدعه في حالة أخرى، رهينا بوساطة بينه وبين السماء يتولاها في المعابد سدنة ~~موكلون بالوساطة بين المخلوق والخالق وبين العابد والمعبود، ولكنما هو المسلم بعقيدته كلها ~~مجتمعة لديه في جميع حالاته وجميع حالاتها، سواء تفرد وحده أو جمعته بالناس أواصر ~~الاجتماع. # إن شمول العقيدة في ظواهرها الفردية وظواهرها الاجتماعية هو المزية الخاصة في العقيدة ~~الإسلامية، وهو المزية التي توحي إلى الإنسان أنه «كل» شامل فيستريح من فصام العقائد التي ~~تشطر السريرة شطرين، ثم تعيا بالجمع بين الشطرين على وفاق. # الفصل الثالث # | عقيدة شاملة # يبدر إلى الذهن أن الشمول الذي امتازت به العقيدة الإسلامية صفة خفية عميقة لا تظهر ~~للناظر من قريب، ولا بد لإظهارها من بحث عويص في قواعد الدين وأسرار الكتاب وفرائض ~~المعاملات، فليست هي مما يراه الناظر الوثني أو الناظر البدوي لأول وهلة قبل أن يطلع على ~~حقائق الديانة، ويتعمق في الاطلاع. # ومن المحقق أن إدراك الشمول من الوجهة العلمية لا يتأتى بغير الدراسة الوافية والمقارنة ~~المتغلغلة في وجوه الاتفاق ووجوه الاختلاف بين الديانات، وبخاصة في شعائرها ومراسمها التي ~~عليها المؤمنون في بيئاتهم الاجتماعية. # ولكن الناظر القريب قد يدرك شمول العقيدة الإسلامية من مراقبة أحوال المسلم في معيشته ~~وعبادته، ويكفي أن يرى المسلم مستقلا بعبادته عن الهيكل والصنم والأيقونة والوثن ليعلم ~~أنه وحدة كاملة في دينه، ويعلم من ثم كل ما يرغبه في ذلك الدين أيام أن كان الدين كله حكرا ~~للكاهن، ووقفا على المعبد، وعالة على الشعائر والمراسم مدى الحياة. # لقد ظهر الإسلام في إبان دولة الكهانة والمراسم، وواجه أناسا من الوثنيين أو ms015 من أهل ~~الكتاب الذين صارت بهم تقاليد الجمود إلى حالة كحالة الوثنية في تعظيم الصور والتماثيل ~~والتعويل على المعبد والكاهن في كل كبيرة أو صغيرة من شعائر العبادة، ولاح للناس في القرن ~~السابع للميلاد خاصة أن «المتدين» قطعة من المعبد لا تتم على انفرادها، ولا تحسب لها ديانة ~~أو شفاعة بمعزل عنه، فالدين كله في المعبد عند الكاهن، والمتدينون جميعا قطع متفرقة لا ~~تستقل يوما بقوام الحياة الروحية، ولا تزال معيشتها الخاصة والعامة تثوب إلى المعبد لتتزود ~~منه شيئا تتم به عقيدتها ولا تستغني عنه مدى الحياة. # لا دين بمعزل عن المعبد والكاهن والأيقونة، سواء في العبادة الوثنية أو في عبادة أهل ~~الكتاب إلى ما بعد القرن السابع بأجيال متطاولة. # فلما ظهر المسلم في تلك الآونة ظهر الشمول في عقيدته من نظرة واحدة، ظهر أنه وحدة كاملة ~~في أمر دينه يصلي حيث شاء، ولا تتوقف له نجاة على مشيئة أحد الكهان، وهو مع الله في كل ~~مكان، وأينما تولوا فثم وجه الله. # ويذهب المسلم إلى الحج فلا يذهب إليه ليستتم من أحد بركة أو نعمة يضفيها عليه، ولكنه يذهب ~~كما يذهب الألوف من إخوانه، ويشتركون جميعا في شعائره على سنة المساواة، بغير حاجة إلى ~~الكهانة والكهان، وقد يكون السدنة الذين يراهم مجاورين للكعبة خداما لها وله يدلونه حين ~~يطلب منهم الدلالة، ويتركهم إن شاء فلا سبيل لأحد منهم عليه. # فإذا توسع قليلا في العلم بشعائر الحج علم أن الحج لا يفرض عليه زيارة قبر الرسول، وأن ~~هذه الرسالة ليست من مناسك الدين، وأنها تحية منه يؤديها من عنده غير ملزم، كما يؤدي التحية ~~لكل دفين عزيز محبوب لديه. # وإذا توسع قليلا في مكان ذلك الرسول من الدين قرأ في القرآن الكريم: # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~[الكهف: 110، وفصلت: ~~6]. # وقرأ فيه: # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا إن عليك إلا البلاغ ~~[الشورى: 48]. # وقرأ فيه: # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن ms016 ~~تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ~~[النور: 54]. # وقرأ فيه: # وما أنت عليهم بجبار ~~[ق: 45]. # وقرأ فيه: # لست عليهم بمصيطر ~~[الغاشية: ~~22]. # وقرأ فيه: # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا ~~[سبأ: 28]. # وقرأ فيه آيات لا تخرج في وصف الرسالة عن معنى هذه الآيات. ~~••• # مر بنا أن فساد رجال الدين كان من أسباب انصراف أتباعهم عن دينهم، ودخولهم أفواجا في ~~عقيدة المسلمين. # مثل هذا لا يحصل في أمة إسلامية فسد فيها رجال دينها، فما من مسلم يذهب إلى الهيكل ليقول ~~لكاهنه: خذ دينك إليك، فإنني لا أؤمن به، ولا أرى في سيرتك مصداقا لأوامرك ونواهيك أو ~~أوامره ونواهيه. # كلا. ما من رجل دين يبدو للمسلم أنه صاحب الدين، وأنه حين يؤمن بالله يؤمن به؛ لأنه إله ~~ذلك الرجل الذي يتوسط بينه وبينه، أو يعطيه من نعمته قواما لروحه. # والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ~~* إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ~~ينبئك مثل خبير * يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~[فاطر: ~~13-15]. # نعم. كلهم فقراء إلى الله، وكلهم لا فضل لواحد منهم على سائرهم إلا بالتقوى، وكلهم في ~~المسجد سواء، فإن لم يجدوا المسجد فمسجدهم كل مكان فوق الأرض وتحت السماء. # إن عقيدة المسلم شيء لا يتوقف على غيره، ولا تبقى منه بقية وراء سره وجهره، ومن كان ~~إماما له في مسجده فلن ترتفع به الإمامة مقاما فوق مقام النبي صاحب الرسالة: النبي الذي ~~يبشر وينذر، ولا يتجبر ولا يسيطر، ويبلغ قومه ما حمل وعليهم ما حملوا، وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين. # ومنذ يسلم المسلم يصبح الإسلام شأنه الذي لا يعرف لأحد حقا فيه أعظم من حقه، أو حصة فيه ~~أكبر من حصته، أو مكانا يأوي إليه ولا يكون الإسلام في غيره. # كذلك لا ينقسم المسلم قسمين بين الدنيا والآخرة، أو بين الجسد والروح، ولا يعاني هذا ~~الفصام الذي يشق على النفس احتماله، ويحفزها ms017 في الواقع إلى طلب العقيدة، ولا يكون هو في ~~ذاته عقيدة تعتصم بها من الحيرة والانقسام. # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا ~~[القصص: 77]. # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * ~~ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ~~[الأحزاب: ~~4، 3]. # فإذا كانت العقيدة التي تباعد المسافة بين الروح والجسد تعفينا من العمل حين يشق علينا ~~العمل - فالعقيدة التي توحد الإنسان وتجعله كلا مستقلا بدنياه وآخرته شفاء له من ذلك ~~الفصام الذي لا تستريح إليه السريرة إلا حين تضطر إلى الهرب من عمل الإنسان الكامل في ~~حياته، وحافز له إلى الخلاص من القهر كلما غلب على أمره، ووقع في قبضة سلطان غير سلطان ربه ~~ودينه. # ومن هنا لم يذهب الإسلام مذهب التفرقة بين ما لله وما لقيصر؛ لأن الأمر في الإسلام كله ~~لله # بل لله الأمر جميعا ~~[الرعد: 31] # ولله المشرق والمغرب ~~[البقرة: 115]، # رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون ~~[الشعراء: 28]. # وإنما كانت التفرقة بين ما لله وما لقيصر تفرقة الضرورة التي لا يقبلها المتدين وهو قادر ~~على تطويع قيصر لأمر الله، وهذا التطويع هو الذي أوجبته العقيدة الشاملة، وكان له الفضل في ~~صمود الأمم الإسلامية لسطوة الاستعمار وإيمانها الراسخ بأنها دولة دائلة وحالة لا بد لها من ~~تحويل. # وقد أبت هذه العقيدة على الرجل أن يطيع الحاكم بجزء منه ويطيع الله بغيره، وأبت على ~~المرأة أن تعطي بدنها في الزواج لصاحبها وتنأى عنه بروحها وسريرتها، وأبت على الإنسان جملة ~~أن يستريح إلى «الفصام الوجداني» ويحسبه حلا لمشكلة الحكم والطاعة قابلا للدوام. # إن هذا الشأن العظيم - شأن العقيدة الشاملة التي تجعل المسلم «وحدة كاملة» - لا يتجلى ~~واضحا قويا كما يتجلى من عمل الفرد في نشر العقيدة الإسلامية. فقد أسلم عشرات الملايين ~~في الصحاري الأفريقية على يدي تاجر فرد أو صاحب طريقة متفرد في خلوته لا يعتصم بسلطان هيكل ~~ولا بمراسم كهانة، وتصنع هنا قدرة الفرد الواحد ما لم تصنعه جموع التبشير ولا سطوة الفتح ~~والغلبة، فجملة من أسلموا ms018 في البلاد التي انتصرت فيها جيوش الدول الإسلامية هم الآن أربعون ~~أو خمسون مليونا بين الهلال الخصيب وشواطئ البحرين الأبيض والأحمر، فأما الذين أسلموا ~~بالقدوة الفردية الصالحة فهم فوق المائتين من الملايين ، أو هم كل من أسلم في الهند والصين ~~وجزائر جاوة وصحاري أفريقيا وشواطئها إلا القليل الذي لا يزيد في بداءته على عشرات ~~الألوف. ~~••• # وينبغي أن نفرق بين الاعتراف بحقوق الجسد وإنكار حقوق الروح، فإن الاعتراف بحقوق الجسد لا ~~يستلزم إنكار الروحانية ولا الحد من سبحاتها التي اشتهرت باسم التصوف في اللغة العربية أو ~~اشتهرت باسم «الخفيات والسريات» في اللغات الغربية # Mysticism ~~. # إذ لا يوصف بالشمول دين ينكر الجسد كما لا يوصف بالشمول دين ينكر الروح، وقد أشار القرآن ~~الكريم إلى الفارق بين عالم الظاهر وعالم الباطن في قصة الخضر وموسى عليهما السلام، وذكر ~~تسبيح الموجودات ما كانت له حياة ناطقة وما لم تكن له حياة: # وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه ~~كان حليما غفورا ~~[الإسراء: 44]، وأشار إلى هذه الأشياء بضمير العقلاء، ~~وعلم منه المسلمون أن الله أقرب إليهم من حبل الوريد، وأنه نور السماوات والأرض، وأنه # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو ~~بكل شيء عليم ~~[الحديد: 3]. # وحسب المرء أن يتعلم هذا من كتاب دينه ليبيح لنفسه من سبحات التصوف كل ما يستباح في عقائد ~~التوحيد، ولعله لم يوجد في أهل دين من الأديان طرق للتصوف تبلغ ما بلغته هذه الطرق بين ~~المسلمين من الكثرة والنفوذ، ولا وجه للمقابلة بين الإسلام وبين البرهمية أو بين البوذية ~~مثلا في العقائد الصوفية. فإن إنكار الجسد في البرهمية أو البوذية يخرجهما من عداد العقائد ~~الشاملة التي يتقبلها الإنسان بجملته غير منقطع عن جسده أو عن دنياه. # وحسب المرء أن يرضي مطالبه الروحية، ولا يخالف عقائد دينه؛ ليوصف ذلك الدين بالشمول، ~~ويبرأ فيه الضمير من داء الفصام. # كذلك يخاطب الإسلام العقل، ولا يقصر خطابه على الضمير أو الوجدان، وفي حكمه أن النظر ~~بالعقل هو طريق الضمير إلى الحقيقة، ms019 وأن التفكير باب من أبواب الهداية التي يتحقق بها ~~الإيمان: # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله ~~مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~[سبأ: 46] # كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ~~[البقرة: 219]، وما كان الشمول في العقيدة ليذهب فيها مذهبا أبعد وأوسع من خطاب الإنسان ~~روحا وجسدا وعقلا وضميرا بغير بخس ولا إفراط في ملكة من هذه الملكات. # وفي مشكلة المشكلات التي تعرض للمتدين يعتدل المسلم بين الإيمان بالقدر والإيمان بالتبعة ~~والحرية الإنسانية، فمن عقائد دينه: # إن أجل الله إذا جاء ~~لا يؤخر ~~[نوح: 4] # وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ~~[فاطر: 11] # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ~~[آل ~~عمران: 145] # وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا ~~[النساء: 81]. # ومن عقائد دينه أيضا: # إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~[الرعد: 11]، # وما ~~كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ~~[هود: ~~117]. # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ~~[الشورى: 30]. # وليس في الإسلام أن الخطيئة موروثة في الإنسان قبل ولادته، ولا أنه يحتاج في التوبة عنها ~~إلى كفارة من غيره، وقد قيل: إن الإيمان بالقضاء والقدر هو علة جمود المسلمين، وقيل على ~~نقيض ذلك: إنه كان حافزهم الأول في صدر الإسلام على لقاء الموت وقلة المبالاة بفراق الحياة، ~~وحقيقة الأمر أن المسلم الذي يترك العمل بحجة الاتكال على الله يخالف الله ورسوله؛ لأنه ~~مأمور بأن يعمل في آيات الكتاب وأحاديث الرسول: # وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~[التوبة: 105] بل ~~حقيقة الأمر أن خلاصه كله موقوف عليه، وأن إيمانه بحريته وتدبيره لا يقتضي بداهة أن الله ~~سبحانه مسلوب الحرية والتدبير. # وأصدق ما يقال في عقيدة القضاء والقدر أنها قوة للقوي، وعذر للضعيف، وحافز لطالب العمل ~~وتعلة لمن يهابه ولا يقدر عليه، وذلك ديدن الإنسان في كل باعث وفي كل تعلة كما أوضحنا في ~~الفارق بين أبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المعري، وهما يقولان بقول واحد في عبث الجهد وعبث ~~الحياة. # فأبو الطيب يقول عن مراد النفوس: # ومراد ms020 النفوس أهون من أن # نتعادى فيه وأن نتفانى # ثم يتخذ من ذلك باعثا للجهاد والكفاح فيقول: # غير أن الفتى يلاقي المنايا # كالحات ولايلاقي الهوانا # والمعري يقول: إن التعب عبث؛ لأنه لا يؤدي بعده إلى راحة في الحياة، ولكنه يعجب من أجل ~~هذا لمن يتعبون، ويطلبون المزيد: # تعب كلها الحياة فما أع # جب إلا من راغب في ازدياد # وعلى هذا المثال يقال تارة: إن عقيدة القضاء والقدر نفعت المسلمين، ويقال تارة أخرى: إنها ~~ضرتهم وأوكلتهم إلى التواكل والجمود، وصواب القول أنهم ضعفوا قبل أن يفسروا القضاء والقدر ~~ذلك التفسير، وتلك خديعة الطبع الضعيف. # وتوصف العقيدة الإسلامية بالشمول؛ لأنها تشمل الأمم الإنسانية جميعا كما تشمل النفس ~~الإنسانية بجملتها من عقل وروح وضمير. # فليس الإسلام دين أمة واحدة، ولا هو دين طبقة واحدة، وليس هو للسادة المسلطين دون الضعفاء ~~المسخرين، ولا هو للضعفاء المسخرين دون السادة المسلطين، ولكنه رسالة تشمل بني الإنسان من ~~كل جنس وملة وقبيل: # وما أرسلناك إلا كافة للناس ~~بشيرا ونذيرا ~~[سبأ: 28] ... # قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض ~~[الأعراف: 158]. # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق ~~بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~~[البقرة: 136]. # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~[البقرة: 62]. # فهذه عقيدة إنسانية شاملة لا تخص بنعمة الله أمة من الأمم؛ لأنها من سلالة مختارة دون ~~سائر السلالات لفضيلة غير فضيلة العمل والصلاح. # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم إن الله عليم خبير ~~[الحجرات: 13]. # وفي أحاديث النبي عليه السلام أنه: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقرشي على حبشي إلا ~~بالتقوى.» # وليس للإسلام طبقة يؤثرها على طبقة أو منزلة يؤثرها على منزلة، فالناس درجات يتفاوتون ms021 ~~بالعلم، ويتفاوتون بالعمل، ويتفاوتون بالرزق، ويتفاوتون بالأخلاق: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات ~~[المجادلة: 11]. # لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم ~~[النساء: 95]. # والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق ~~[النحل: 71]. # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون ~~[الزمر: 9]. # وإذا ذكر القرآن الضعف فلا يذكره لأن الضعف نعمة أو فضيلة مختارة لذاتها، ولكنه يذكره ~~ليقول للضعيف: إنه أهل لمعرفة الله إذا جاهد وصبر وأنف أن يسخر لبه وقلبه للمستكبرين، وإلا ~~فإنه لمن المجرمين. ~~••• # يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا ~~أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا ~~للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~ بل كنتم مجرمين ~~[سبأ: 31، 32]. # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما ~~كانوا يحذرون ~~[القصص: 5، 6]. ~~••• # وما من ضعيف هو ضعيف إذا صبر على البلاء، فإذا عرف الصبر عليه فإنه لأقوى من العصبة ~~الأشداء. # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ~~[الأنفال: 66]. # فما كان الإله الذي يدين به المسلم إله ضعفاء أو إله أقوياء، ولكنه إله من يعمل ويصبر ~~ويستحق العون بفضل فيه، جزاؤه أن يكون مع الله، والله مع الصابرين. # بهذه العقيدة الشاملة غلب المسلمون أقوياء الأرض، ثم صمدوا لغلبة الأقوياء عليهم يوم دالت ~~الدول، وتبدلت المقادير، وذاق المسلمون بأس القوة مغلوبين مدافعين. # وهذه العقيدة الشاملة هي التي أفردت الإسلام بمزية لم تعهد في دين آخر من الأديان ~~الكتابية، فإن تاريخ التحول إلى هذه الأديان لم يسجل لنا قط تحولا إجماعيا إليها من دين ~~كتابي آخر بمحض الرضى والاقتناع؛ إذ كان المتحولون إلى المسيحية أو اليهودية قبلها في أول ~~نشأتها أمما وثنية على الفطرة لا تدين بكتاب، ولم تعرف قبل ذلك عقيدة التوحيد أو الإله ~~الخالق المحيط بكل شيء، ms022 ولم يحدث قط في أمة من الأمم ذات الحضارة العريقة أنها تركت عقيدتها ~~لتتحول إلى دين كتابي غير الإسلام، وإنما تفرد الإسلام بهذه المزية دون سائر العقائد ~~الكتابية، فتحولت إليه الشعوب فيما بين النهرين وفي أرض الهلال الخصيب وفي مصر وفارس، وهي ~~أمة عريقة في الحضارة كانت قبل التحول إلى الإسلام تؤمن بكتابها القديم، وتحول إليه أناس من ~~أهل الأندلس وصقلية كما تحول إليه أناس من أهل النوبة الذين غبروا على المسيحية أكثر من ~~مائتي سنة، ورغبهم جميعا فيه ذلك الشمول الذي يجمع النفس والضمير، ويعم بني الإنسان على ~~تعدد الأقوام والأوطان، ويحقق المقصد الأكبر من العقيدة الدينية فيما امتازت به من عقائد ~~الشرائع وعقائد الأخلاق وآداب الاجتماع. # وإبراز هذه المزية - مزية العقيدة الإسلامية التي أعانت أصحابها على الغلب وعلى الدفاع ~~والصمود - هو الذي نستعين به على النظر في مصير الإسلام بعد هاتين الحالتين، ونريد بهما ~~حالة القوي الغالب وحالة الضعيف الذي لم يسلبه الضعف قوة الصمود للأقوياء، إلى أن يحين ~~الحين، ويتبدل من حالتي الغالب والمغلوب حالته التي يرجوها لغده المأمول، ولئن كانت حالة ~~الصمود حسنى الحالتين في مواقف الضعف مع شمول العقيدة وبقائها صالحة للنفس الإنسانية في ~~جملتها وللعالم الإنساني في جملته؛ ليكونن المصير في الغد المأمول أكرم ما يكون مع هذه ~~القوة وهذا الشمول. # الفصل الرابع # | الإسلام والمسلمون في القرن التاسع عشر # (1) الإسلام # انتهى الإسلام في أوائل القرن التاسع عشر للميلاد إلى نهاية جزره من القوة النفسية ~~والقوة المادية؛ لأنه تلقى عن القرون الأربعة السابقة أثقالا من المتاعب والأدواء لم ~~تمتحن أمة من قبله بمثلها؛ كان بعضها كافيا للقضاء على دولة الرومان الشرقية ودولتهم ~~الغربية، وبعضها كافيا للقضاء على دول الفراعنة والأكاسرة في الزمن القديم، وإن في هذا ~~الميدان من ميادين المقارنة التاريخية لفارقا يبدو لنا في كثير من الصور بين عظمة ~~الدين وعظمة السياسة، فإن دول السياسة تذهب ولا تعود ولا يوجد بعدها من يحاول إعادتها، ~~ولكن دولة الدين - أو على الأصح قوة الدين - تبقى من ms023 وراء الأمم والحكومات كأنها ~~القوام الذي تتعاقب عليه بنية في أثر بنية، وهو باق يتجدد ولا يستسلم للفناء. # ولا نعرف من المؤرخين من يستغرب مصاب الإسلام بعد ما تلقاه من الضربات منذ القرن ~~العاشر إلى القرن التاسع عشر للميلاد، وإنما الغريب عندهم هو تلك القوة المنيعة التي ~~صابر بها الكوارث والشدائد زهاء تسعة قرون، ولم يزل بعدها «وحدة إنسانية» هائلة تتخذ ~~مكانها بين هيئات الأمم، ولا تزال على أمل وثيق في المزيد. # ونستطيع أن نتخيل تلك القوة المنيعة بنظرة سريعة نعرض فيها طائفة من الكوارث والشدائد ~~التي صابرتها وصبرت عليها، وهي محيطة بها من خارجها، وناجمة فيها من داخلها وبين ~~ظهرانيها. # فقد مضت القرون الأربعة بين القرن الحادي عشر والقرن الخامس عشر في منازلة الجيوش ~~الصليبية، ولم تكد هذه الحروب تنتهي حتى خلفتها حروب «المسألة الشرقية» وهي التي وقفت ~~فيها الدولة العثمانية - وكانت يومئذ دولة الخلافة - تناهض غارة بعد غارة من غارات ~~الدول الأوروبية التي تألبت عليها، وأطلقت عليها اسم «الرجل المريض»؛ لأنها كانت تتنازع ~~ميراثه وهو بقيد الحياة. # ولم تكد حروب المسألة الشرقية تنتهي بتنافس «الورثة» على بقية الميراث حتى أعقبتها ~~حملات الشركات وأصحاب الديون، ومعها حملات الاستعمار والتبشير. # وقبل الحروب الصليبية وبعدها كان العالم الإسلامي عرضة لأهول الغارات من قبل آسيا ~~الوسطى التي كانت ترسل الفوج بعد الفوج من عشائر التتر والمغول بقيادة جنكيز خان ~~وهولاكو وغازان وتيمورلنك وأتباعهم من القادة والأمراء، وهم لا يفهمون معنى الغلبة إلا ~~أنها قدرة على الفتك والتدمير، وأن أعظم المنتصرين من يقاس انتصاره بعدد من قتل من ~~المحاربين وغير المحاربين، وعدد ما ضرب من المدن والقرى في الطريق. ومنهم من كان يظهر ~~الإسلام ويغير على ممالكه؛ لأنها على زعمه تساس على خلاف شريعة الإسلام! # وفي خلال ذلك جميعه كانت الدولة الإسلامية تتسع وتمتد حتى ينقطع ما بينها من الصلة، ~~ويتعذر على القائمين بها أن يجمعوها إلى حكومة واحدة، وكان اتساع الآفاق يصحبه اختلاف ~~المواقع واختلاف السكان واختلاف المصالح والأهواء، فلا تلبث أن ms024 تتمزق وتتفرق، ثم تتعادى ~~وتتعاون على البغي والعدوان، ضربات لم تصمد لمثلها دولة من الدول الجامعة أو الدول التي ~~سميت بالإمبراطوريات في الزمن القديم. # وقد رأينا كثيرا من المؤرخين يوازنون بين أخطار هذه الضربات، ويجعلون الحروب ~~الصليبية في مقدمتها، أو يجعلونها فاتحة الضربات يتلوها ما تعاقب بعدها من الأخطار ~~والأخطاء. # وهذه الحروب - ولا نكران - كانت من أعظم الأخطار التي امتحنت بها الأمم الإسلامية، ~~ولكننا نعتقد أن الخطر فيها إنما كان على نقيض المفهوم من هذا الخطر في عرف الجملة من ~~مؤرخيها؛ لأنها في الواقع لم تنهك قوى الأمم الإسلامية، ولم تتركها موقنة بالهزيمة في ~~نظر نفسها، بل تركتها وقد أورثتها إفراطا في الثقة برجحانها وإفراطا في سوء الظن ~~بأعدائها، وقد كان هذا هو باب الخطر الجسيم إلى عدة قرون. # ومن آثار الحروب الصليبية التي لا تفوت أحدا من المؤرخين: أنها وقفت عوامل الشقاق ~~بين الأمم الإسلامية ردحا من الزمن، وأنها جاءت بالترك العثمانيين من أواسط آسيا إلى ~~أرض الروم، ودفعتهم إلى مقابلة الغارة بمثلها في صميم الديار الأوروبية، وأنها أيقظت ~~الشرق الإسلامي كله من تخوم الصين إلى جوف الصحراء الكبرى في القارة الأفريقية، وإن ~~أحمق الحمقى من الصليبيين كان أنفعهم وأقدرهم على إذكاء الحمية في نفوس الأمراء ~~والسلاطين، وإن منهم لمن شغله الملك فوق اشتغاله بالدين. # وقد كان يوسف صلاح الدين بطل الحروب الصليبية غير مدافع في نظر الأوروبيين ونظر ~~الشرقيين، ولكن الصفة التي كانت غالبة عليه - ولا شك - هي صفة الحلم الراجح والأناة ~~الهادئة وإيثار الكسب بالسلم والمطاولة على الكسب بالعنف والهجوم، إلا أن هذا الرجل ~~الحليم الرصين ثارت ثائرته حتى الجنون حين سمع بعزم «أرنولد» صاحب الكرك على فتح ~~الحجاز، وإعداده العدة في البر والبحر لاقتحام المدينة والمساس بالقبر الشريف، وسرى ~~وعيد «أرنولد» في المشرق كله، فنسي الخصوم خصومتهم والطامعون مطامعهم، وأقسم صلاح الدين ~~ليقتلن «أرنولد» بيده، فكانت وقعة «حطين» التي تعد من وقائع التاريخ الحاسمة، وظفر صلاح ~~الدين بشرذمة من الملوك والأمراء عفا عنهم جميعا إلا «أرنولد» ms025 هذا؛ فإنه لم يقبل فيه ~~شفاعة من أحد، وتناول سيفه وضرب عنقه بيده، وهو يقول: «برئت من شفاعة محمد إن قبلت في ~~هذا الأحمق شفاعة شفيع». # وقد استنكر الصليبيون أنفسهم حماقة «أرنولد» هذا ؛ لأنهم أدركوا أنها استثارت في نفوس ~~المسلمين كل قوة كامنة، وأكسبتهم وقعة «حطين» بعد هزيمتهم في الوقائع التي سبقتها، ~~وهكذا كان الشأن في أحمق الحماقات التي اقترفها شذاذ الصليبيين فإنها أفادت من أرادوه ~~بشرها، وارتدت على أصحابها، وعجلت بالتوفيق بين المتنازعين والمتنافسين، وقد بطلت ~~فيهم حيلة الموفقين. # وليس هذا الذي نعنيه من آثار الحروب الصليبية في نفوس المسلمين، فإنها آثار ظاهرة لم ~~يغفل عنها أحد من مؤرخي تلك الحروب. # ولكننا نعني الأثر الذي عاد بالضرر الوخيم بعد عصر الحروب الصليبية بقرنين أو ثلاثة ~~قرون، وهذا الأثر الوخيم العقبى: هو إفراط المسلمين في الثقة بأنفسهم وإفراطهم في سوء ~~الظن بالأمم الأوروبية وكل ما يأتي من نحوها، حتى أوشكوا أن يوقنوا أنها لا تأتيهم ~~يوما بشيء يحتاجون إليه، ولولا هذه الثقة لما خطر لرجل كسليمان القانوني في حصافته ~~واقتداره أن يتبرع بالامتيازات الأجنبية لأبناء الأمم الأوروبية الوافدين على بلاده، ~~ولم يكن في وسعها أن تقسره عليها لو لم يتبرع بها في غير اكتراث بعقباها. # إن الأمم الإسلامية قد أنكرت على الأوروبيين الذين قدموا في جيوش الصليبيين ضروبا من ~~الخشونة والجلافة حسبتها من البربرية التي تعافها وتشمئز منها، ورسخ في نفوسهم أن هؤلاء ~~القوم ليسوا بالمسيحيين؛ لأنهم لم يعملوا بوصية واحدة من وصايا المسيح التي يحفظها ~~المسلمون، وكان أنكر ما استنكروه: سماحهم بجلب النساء من بلادهم لمعاشرة الجند معاشرة ~~الأزواج بغير زواج، وكان أشد من ذلك نكرا لديهم: أنهم يعظمون الصور والتماثيل تعظيم ~~عباد الأصنام للطواغيت والأوثان، فلم ينظروا إليهم نظرة الأعلين إلى الأدنين وحسب، بل ~~وقرت في أخلادهم سخافة ما يدعون من حق المطالبة بشيء قط باسم المسيح عليه السلام، فهم ~~في دعواهم مبطلون، وهم غير أهل لتلك المطالبة لو كانوا صادقين. # مثل هذا الشعور قد يحيك بصدور الأمم ms026 في أوقات كثيرة فلا يضيرها؛ بل يمدها في قوتها ~~إذا خامرها في إبان النمو والصعود، ولكن الظروف التي تطورت إليها الحروب الصليبية لم ~~تكن من هذه الأوقات، بل صادفت على النقيض فترة ذات وجهين من قبل الشرق ومن قبل الغرب، ~~فكانت في الشرق فترة هبوط في النهضات العلمية، وكانت في الغرب فترى صعود في النهضة ~~العلمية الحديثة، قامت بعدها أوروبا مقام القيادة على هذه النهضة، وتخلف الشرق زمنا عن ~~اللحاق بها، وليس أخطر على الأمم من الاكتفاء بالذات والاعتزاز بالرجحان في أمثال هذه ~~الظروف. # هبطت النهضات العلمية في الشرق بعد القرن الثاني عشر على أثر الغارات التي تعاورته في ~~كل مكان، وانصبت كوارث هذه الغارات خاصة على معاهد العلم والمكتبات، فعصفت بالعشرات ~~منها ما بين بخارى وسمرقند ومرو وبغداد ودمشق وحمص، وسائر المدن التي اشتهرت بمعاهدها ~~ومكتباتها في الزمن القديم، ويحصى عدد الكتب التي احترقت خلال غارات التتر والمغول ~~وغارات الصليبيين بمئات الألوف، وعدد المعاهد والمكتبات بالعشرات والمئات، وانصرف ~~الأمراء وطلاب العلم عن العناية بالمدارس والمصنفات إلى التأهب والاستعداد لدفع ~~المغيرين ممن كانوا يتوقعون غاراتهم واحدة تلو أخرى بغير انقطاع، وكثرت مطالب الحكام من ~~المحكومين اضطرارا في أول الأمر، ثم اختيارا واعتسافا مع تمادي الزمن حتى ساءت الصلة ~~بين الحاكم ومحكوميه، وتراخى الزمن على أثر الحروب الصليبية، واستقرت الأحوال بعض ~~الاستقرار، فعاودت البلاد الإسلامية الوسطى شيئا من رخائها على طريق التجارة الهندية، ~~ثم انقطع هذا الطريق واتجه الرواد إلى غيره من الطرق حول القارة الأفريقية، فاجتمع سوء ~~الحكم إلى سوء الحال، وشاعت الشبهة عن حق وعن باطل بين الرعاة والرعية، وهذه هي الفترة ~~التي كان ينبغي فيها للشرق الإسلامي أن يطلب المعرفة، ويؤمن بضرورة العمل على التقدم، ~~أو يؤمن بمزايا العلم الحديث، ولكنها كانت - بحكم هذه الظروف جميعا - هي الفترة التي ~~أعرض فيها الشرق عن كل حديث، وعما يأتي على الخصوص من قبل القارة الأوروبية، فتأخر عن ~~ركب الحضارة العصرية زهاء قرن كامل، لو أنه استفاده ناهضا ومجاريا للنهضة في ms027 مضمارها ~~لما قصر عن اللحاق بالسابقين. # وجاءت المدارس العصرية من جانبين كلاهما مظنة للتهمة، وكلاهما موضع للحذر ~~والاتقاء. # جاءت المدارس العصرية على أيدي الحكومات التي بلغ التنافر بينها وبين المحكومين حد ~~العداء والاتهام بغير بحث ولا روية، فكان الناس يحسبون التلميذ المطلوب للمدرسة كالعامل ~~المطلوب للسخرة، أو كالجندي الذي يساق إلى المشقة والوبال في غير مصلحة أو ~~كرامة. # وجاءت المدارس العصرية أيضا على أيدي رسالات التبشير التي صارحت الناس في ظل ~~الامتيازات الأجنبية بغرضها من فتح المدارس وقبول التلاميذ بغير أجر في كثير من ~~البلدان؛ فأحجم المسلمون عن تعليم أبنائهم في مدارسها، وجاوزوا ذلك إلى سوء الظن بالعلم ~~نفسه، وسوء الظن بنية المعلمين وإيمان المتعلمين. # وانقطع ما بين المسلمين وعلومهم الأولى، فندر فيهم من كان يتعلم النافع منها؛ كالفقه ~~واللغة والأدب والرياضة، وانقطع ما بينهم وبين العلوم العصرية فنظر الكثيرون منهم إلى ~~علوم الجغرافيا والطبيعة والكيمياء كأنها الكفر البواح أو السحر المزيف، واتصل ما بينهم ~~وبين الخرافة والجهالة بهذا الانقطاع بينهم وبين العلم الصحيح قديمه وحديثه، فاصطبغ ~~فهمهم للدين بصبغة الجهل والتخريف، وطلبوا الخلاص من غير بابه، وتوسلوا للعمل فيه بغير ~~أسبابه، واتهموا الناصحين، وأسلموا مقادتهم للمدجلين والمحتالين. # في هذه الفترة كان الإسلام كما يفهم الجهلاء - والجهلاء هم الأكثرون في سائر الأمم - ~~مزيجا من الخرافة والشعوذة ومن الطلاسم والأوهام، ومن الوثنية وعبادة الموتى. # في هذه الفترة كان بعض المتعالمين من أدعياء المعرفة يحكم بكفر القائلين بدوران الكرة ~~الأرضية، ولا يتردد في تكفير من يسميها بالكرة. # وفي هذه الفترة كان طلاب الفتوى من مشارق الأرض ومغاربها يسألون عن الكبريت، هل يجوز ~~مسه؟ وهل يجوز قدح النار منه؟ وطبخ الطعام على تلك النار؟ أو يأثم من يمس «صنفرته» ~~لأنها من مادة نجسة تنقض الطهارة؟! # وفي هذه الفترة كان السائلون يسألون عن صناديق التوفير والادخار، وعن معاملات التجارة ~~من طريق المصارف والشركات، ويحسبون أن اللياذ بالأضرحة والتوابيت وترتيل الأوراد ~~والعزائم يغنيهم عن السعي والتدبير وعن الجهاد والاجتهاد. # وفي هذه الفترة على الإجمال كان ms028 المسلم يعيش في العالم كمن يمشي في خرابة مظلمة، لا ~~يدري من أين تسري إليه عقاربها وحياتها، ومتى تخرج عليه أشباحها وشياطينها، وانقلب ~~معنى الإسلام إلى معنى المخافة والاتهام؛ إذ كان أول معاني الإسلام أنه طمأنينة إلى ~~الخالق وخلقه، وكان هذا الإسلام الذي صار إليه المسلمون مخافة لا سلم ولا سلامة، ~~واتهاما لا تسليم فيه ولا مسالمة. # قلنا: إن الإفراط في الثقة بالنفس والاكتفاء بها كان فيما بعد الحروب الصليبية ~~مضارعا للإفراط في سوء الظن بالأعداء، وتوهم الاستغناء عنهم، والريبة بكل ما يأتي من ~~قبلهم، وقلنا: إنه اكتفاء بالذات وخيم المغبة في أمثال هذه الأحوال. # ونقول على الدوام: إنه ما من شر يخلو من بعض الخير، وما من ضرر مطلق إن كان معنى ~~الضرر المطلق أنه لا يقبل الترياق أو لا يحتويه في كثير من الأحايين. # هذه الفترة من الثقة العمياء لم تخل من فائدتها في المقاومة والأمل، في التبديل وفي ~~عدل الله بين عباده، ولم تكد تبلغ أقصى مداها من الأضرار حتى جاءت بعدها نكبة الاستعمار ~~بنقيض العبرة من دروس الحروب الصليبية؛ لأنها شككت المسلمين في كفايتهم واستغنائهم، ~~وشككتهم في رجحانهم وغلبتهم، وقام بين المسلمين من يقول لهم: إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن الغربيين نجحوا وتقدموا؛ لأنهم أخذوا بالوصايا والأحكام ~~التي كان المسلمون أولى بها لو عقلوا وصايا الدين وأحكامه. # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون ~~[البقرة: 216]. # فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا ~~[النساء: 19]. # نعم، وفي اصطدام الشرق الإسلامي مرتين بالقارة الأوروبية مصداق لهذه الآيات ~~البينات. # إنه سلم من الحروب الصليبية فاكتفى وقنع وغفل عما يحتاج إليه، وانهزم في وجه ~~الاستعمار فعرف حاجته وتيقظ لنقصه، واستقام على النهج الذي لا غنى له عن الاستقامة ~~عليه، وعادت به البأساء إلى «العقيدة الشاملة» التي ميزته بين عقائد الأديان، فهو في ~~مده اليوم عند منتصف القرن العشرين فإن لم يبلغ ms029 من مده اليوم ما يرجوه فقد ترك ~~المرحلة التي انتهى فيها إلى جزره في أوائل القرن التاسع عشر، وما في ذلك من ~~خلاف. ~~(2) المسلمون # بدأ القرن التاسع عشر وفي العالم من المسلمين نحو ثلاثمائة مليون، وانتهى وعددهم ~~حوالي أربعمائة مليون، موزعين بين آسيا وأفريقيا، وقليل منهم في أوروبا لا يزيدون على ~~خمسة عشر مليونا بين البلقان والقرم وألبانيا واليونان وقبرص ورودس وبلاد البشناق ~~وبولونيا وشواطئ بحر البلطيق في لتوانيا وفنلندا وما جاورها. # ويؤخذ من الإحصائيات الأخيرة أن عدد المسلمين في دولتي الهند يقارب تسعين مليونا، ~~وأنهم يبلغون في جزر السوند الكبرى وجزر السوند الصغرى وجزر الملوك التي تدخل في دولة ~~إندونيسيا نيفا وسبعين مليونا، ويختلف المقدرون لعددهم في الصين من خمسة ملايين إلى ~~مائة مليون، فتقويم جوثا يقدرهم بثلاثين مليونا، وجلال نوري بك صاحب كتاب (اتحاد ~~المسلمين) يقدرهم في داخل الحدود الصينية وفي منشورية وأنام وسيام والهند الصينية وفي ~~الجزر التابعة لإنجلترا من أرخبيل ملقا بنحو ستين مليونا، أما إحصاءات بعثات التبشير ~~فهي تقدرهم تارة بثلاثة ملايين وتارة أخرى بخمسة ملايين في داخل حدود الصين، ويرتفع ~~الرحالة عبد الرشيد إبراهيم بعددهم إلى مائة مليون، ويقول هانوتو أحد وزراء الخارجية ~~السابقين بفرنسا إنه: «قد انبعثت شعبة منه في الصين فانتشر فيها انتشارا هائلا حتى ~~ذهب بعضهم إلى القول بأن العشرين مليونا من المسلمين الموجودين في الصين لا يلبثون أن ~~يصيروا مائة مليون؛ فيقوم الدعاء لله مقام الدعاء لساكياموني.» # ويعقب السيد توفيق البكري على هذا في رسالته عن مستقبل الإسلام فيقول: إن تاجرا ~~بلوجيا جاء القاهرة في هذه الأيام، وكان قد ذهب إلى الصين مرارا «يؤكد القول بأن ~~مسلمي الصين يبلغون ثمانين مليونا، وأن علماءهم يهزءون بقول الأوروبيين إنهم أربعون ~~مليونا». # وقد تلقت الصحف الأوروبية برقية من الجماعة الإسلامية في الصين، أرسلتها أثناء حرب ~~الصين واليابان، تقول فيها: إنها تتكلم بلسان خمسين مليونا من المسلمين. # فلا مبالغة - مع ملاحظة هذه الإحصاءات جميعا - في تقدير مسلمي الصين اليوم بنحو ستين ~~مليونا، يضاف إليهم ms030 ثلاثون مليونا في التركستان وبخارى والقفجاق وغيرها من ولايات ~~روسيا الآسيوية، ويضاف إليهم خمسة عشر مليونا في إيران وبلاد الأفغان، وثلاثون مليونا ~~في بلاد العرب والعراق والشام وفلسطين وشرق الأردن وآسيا الصغرى، وبضعة ملايين في الجزر ~~التابعة لإنجلترا والولايات المتحدة، فلا يقل عدد المسلمين الآسيويين عن ثلاثمائة ~~مليون، وإن قل فهو بين مائتين وخمسين وثلاثمائة من الملايين. # أما في أفريقيا: فالتقدير المعتدل لهم يقارب مائة مليون، منهم خمسة وعشرون مليونا في ~~مصر والسودان، وعشرون مليونا في ليبيا وتونس والجزائر ومراكش، وعشرون مليونا في ~~الصحراء الغربية والسودان الفرنسي وبحيرة تشاد والشواطئ الغربية، ونحو عشرة ملايين في ~~زنجبار ومدغشقر والسواحل الشرقية والصومال، وسائرهم بين الحبشة وأوغندة وكينيا وأفريقيا ~~الجنوبية. # فليس من المبالغة أن يقدر عدد المسلين في العالم بأربعمائة مليون؛ أكثرهم في آسيا ~~وأفريقيا، وأقلهم في أوروبا، عدا ألوفا معدودة في العالم الجديد. # فهم جميعا بحكم موقعهم من أبناء العالم القديم، يقابلهم سكان أوروبا الغربيون الذين ~~نشأت بينهم الحضارة العصرية، ويصدق عليهم وصف واحد في المقابلة بينهم وبين الأوروبيين ~~المحدثين، فلا يقال عنهم: إنهم تقهقروا منتكسين إلى الزمن القديم، وإنما يقال عنهم: ~~إنهم وقفوا حيث تقدم غيرهم مع العلم الحديث، ولا ينسى المنصف في هذه المقابلة أن ~~الأوروبيين الذين تقدموا هم الأوروبيون الذين اتصلوا بالإسلام من قريب، وهم أبناء ~~أوروبا الغربية، ثم أبناء أوروبا الذين احتكوا بالإسلام في الحروب الصليبية، ولا نعني ~~أن أسباب التقدم تنحصر في هذه الصلة أو في هذا الاحتكاك، ولكننا نعني أن الإسلام لم يكن ~~قط قوة مهملة في حركة من الحركات الإنسانية سواء نشأت بين ظهرانيه أو نشأت في مواطن ~~أخرى، وإن المؤرخ المحقق لن يستقصي أسبابا للنهضات الإنسانية على اختلافها دون أن يرجع ~~بمرحلة منها إلى نهاية أو بداية في عالم الإسلام. # وفي هذا السياق ينبغي الالتفات إلى أمر واقع قلما يلتفت إليه المؤرخون من الغربيين أو ~~الشرقيين، وهو أن محاربة الإسلام كانت على الدوام نكبة على محاربيه من المستعمرين، فإن ~~السابقين إلى الشرق من المستعمرين ms031 الأوروبيين هم البرتغاليون والإسبان، ولكنهم لم ~~يثبتوا في الشرق طويلا؛ لأنهم ذهبوا إليه بسمعة العداء للإسلام، وكان الإسبان يسمون ~~المسلمين في جزر الهند بالمور متابعة لما عهدوه من تسمية المسلمين بالمراكشيين، وكان ~~البرتغاليون أول من نزل بجزائر السوند الكبرى وجزائر السوند الصغرى وما بينهما من ~~الجزائر التي يكثر فيها المسلمون، فلما تنافس البرتغاليون والإسبان وغيرهم من أبناء ~~أوروبا الغربية وأمريكا دارت الدائرة على الأولين؛ لأنهم وجدوا العداء من المسلمين حيث ~~نزلوا بينهم، وهكذا كان نصيب روسيا في آسيا الشمالية حيث اشتهرت بعداوة الخلافة ~~الإسلامية، فقد كان موقف المسلمين منها في التركستان ومنشورية والصين الشمالية الغربية ~~عقبة من أقوى العقبات التي رصدت لها في ذلك الطريق. # هذه القوة التي لم تسقط يوما من حساب السياسة العالمية لن تسقط اليوم من هذا الحساب، ~~وقد توضع السياسات الظاهرة والخفية لحربها وإقصائها من الميدان، ولكنها تتغلب على هذه ~~السياسات حين تنقلب الأمور على غير إرادة الساسة والمقدرين؛ لأن العقيدة الدينية أثبت ~~من برامج السياسة وخططها الظاهرة والخفية، بل هي أثبت من الجغرافية وما يسمونه حديثا ~~بالسياسة الجغرافية؛ لأن العقيدة الدينية تحول السكان حيث تثبت معالم الأرض ورواسي ~~الجبال. # ونحن نستطرد هذا الاستطراد في مقدمة الكلام على المسلمين في القرن التاسع عشر؛ لأنه ~~يعيد إلى الأذهان أخطاء المقدرين وأصحاب السياسات قبل مئات السنين، ويجعل هذه الأذهان ~~على استعداد لانتظار أخطاء أخرى من هذا القبيل قد ينكشف عنها الزمن بعد آن قريب. ~~••• # انقسم العالم في بداءة القرن التاسع عشر إلى حضارة حديثة في الغرب، وحضارات قديمة في ~~الأقطار الآسيوية والأفريقية، وكان المسلمون - إلا القليل منهم - في هذه الأقطار تخلفوا ~~عن ركب الحضارة في الصناعات والمخترعات والعلوم الحديثة، وأصابهم هذا التخلف في مرافقهم ~~جميعا، ومنها الزراعة والتجارة التي كان قوامها الأكبر على الملاحة الشراعية؛ فتراجعت ~~شيئا فشيئا أمام ملاحة البخار، وتراجعت كذلك عن سيادة البحار. # ولما تقدمت مرافق الصناعة والتجارة في الغرب تقدمت معها وسائل التنظيم والإدارة، وبقي ~~الشرقيون جميعا، والمسلمون منهم، متخلفين في هذه الوسائل إلى ms032 ما قبل نهاية القرن ~~التاسع عشر بقليل. # وأصبح العالم الإسلامي في مقدمة الأهداف التي تصوبت إليها حملات الغرب الثلاث، وهي ~~حملات التبشير والاستغلال والاستعمار، ويتقدم التبشير هذه الحملات في ترتيب الزمن لا في ~~الخطر والأثر؛ فإنه قد بدأ مع الحروب الصليبية حوالي القرن الثاني عشر، وكان في كثير من ~~الأقطار رائدا لحملة الاستغلال وحملة الاستعمار. # أما العالم الإسلامي من وجهة النظر إلى مركزه السياسي: فقد كان معظمه عند أوائل القرن ~~التاسع عشر في حوزة الدول الأجنبية، ولم يبق فيه من الدول التي كانت على نصيب من ~~الاستقلال في عرف السياسة غير دول ثلاث، وهي الدولة العثمانية التي سميت بدولة الخلافة ~~من عهد السلطان سليم، والدولة الإيرانية، والدولة الشريفية بالمغرب الأقصى. # ولم تكن هذه الدول على شيء من الاستقلال في غير الظاهر؛ لأنها لم تكن تملك من حقوق ~~التصرف في سياستها الداخلية أو الخارجية ما تملكه الدول المستقلة، وأكبرها وأقواها - ~~وهي الدولة العثمانية - كانت عرضة للتدخل الدائم من قبل الدول الكبرى في كل شأن من ~~شئونها؛ إذ كانت هي محور المسألة الشرقية التي تتلخص في عبارة واحدة وهي: تقسيم بلاد ~~الشرق «أولا» بين روسيا وفرنسا وإنجلترا، ثم تلحق بهذه الدول كل دولة أثبتت لها وجودا ~~في ميدان الاستعمار أو في ميدان السياسة العالمية على الإجمال كالنمسا وبروسيا وإيطاليا ~~وإسبانيا. # الدولة العثمانية # وكانت المسألة الشرقية قائمة على محو الدولة العثمانية، ولكن الدول التي تعنيها ~~هذه المسألة لم تكن على اتفاق في طريقة التنفيذ، ولم تكن على اتفاق كذلك في العجلة ~~أو الأناة، ولم تكن على اتفاق بينها في نصيب كل منها من تركة «الرجل المريض» كما ~~سميت الدولة العثمانية في ذلك الحين. # فروسيا كانت تتعجل التقسيم لتحتل القسطنطينية ومضايق البسفور والدردنيل، وفرنسا ~~كانت تتوسط بين العجلة والأناة؛ لأنها كانت تكتفي بلبنان وسورية وبيت المقدس، ولا ~~تحرص على تقويض الدولة العثمانية من رأسها، وإنجلترا كانت تطمح إلى طريق الهند، ولا ~~تأبى عند الضرورة أن تساعد فرنسا؛ لتستعين بها على صد روسيا والحيلولة بينها ms033 وبين ~~بلاد البحر الأبيض، وحاولت كل منها أن تتخذ لها صفة الرعاية لجميع المسيحيين ~~بالديار الشرقية، وكانت روسيا وفرنسا قد حصلتا على اعتراف من السلطان العثماني بهذه ~~الصفة؛ أولاهما: لرعاية الكنيسة الإغريقية، والأخرى : لرعاية الكنيسة اللاتينية، ~~فحاولت إنجلترا في أواخر القرن التاسع عشر أن تضيف إلى ألقاب التاج لقب الحارس ~~للديانة المسيحية، ولكن المسيحيين أنفسهم في الشرق الأدنى لم يعترفوا لها بهذه ~~الصفة؛ لأن أتباع الكنيسة الإنجيلية كانوا يومئذ جد قليل بين الشرقيين. # ولم تجد هذه الدول صعوبة في إقلاق الدولة العثمانية؛ لأنها كانت تستخدم سلاح ~~الامتيازات الأجنبية حين تشاء وكيفما تشاء، وكان القرن التاسع عشر عصر الحركات ~~الوطنية في بلاد المغرب والمشرق، فلم يكن من العسير على الدول أن تجد المطاوعين لها ~~في ثورتها على الحكم التركي سواء من المسيحيين وغير المسيحيين، ومنهم مسلمون يطلبون ~~الاستقلال أو ينقمون على الإدارة التركية، ولكن الأمر الجدير بالنظر أن السياسة ~~الجهنمية لم تتورع عن خلق المذابح في المكان المطلوب وفي الآونة المطلوبة، فحدثت ~~مذابح أرمينية ومذابح لبنان ومذابح الإسكندرية على هذا التقدير كلما كانت لازمة ~~لتنفيذ إحدى الخطط التي ترسم قبل ذلك بسنوات أو شهور، وكانت هذه المذابح هي التي ~~تدعو إلى التدخل من جانب الدول الكبرى، أما المذابح في روسيا أو في البلقان فلم ~~يعرض لها أحد بمجرد الاحتجاج فضلا عن التدخل أو التهديد بالاحتلال. # واصطلحت علل الضعف والجمود والخلل جميعا على الدولة في النصف الثاني من القرن ~~التاسع عشر، فانهزمت جيوشها في ميادين لم تتعود فيها غير النصر العاجل قبل هذه ~~الفترة، ولما أرادت أن تدرب جيوشها على النظام الحديث تمردت فرق «اليني شاري» التي ~~كانت هي نفسها تجديدا على النظم الحديثة في حينها كما يدل عليه اسمها، فقمعتها ~~وكادت أن تستأصلها بالقليل الذي دربته على الأساليب العصرية، قبل أن يتم لديها من ~~الجيوش العصرية ما يغنيها في حروبها المتتابعة، وكانت قد استكثرت من عقد القروض ~~لسداد نفقات هذه الحروب، وإشباع نهمة السلاطين والأمراء الذين أفسدهم الضعف ~~والاستبداد، فانغمسوا في ms034 الترف والبذخ، وكلفوا بلادهم ما لا تطيق من الضرائب ~~والإتاوات، وأفضى سوء السياسة المالية إلى إعلان الإفلاس والعجز عن أداء فوائد ~~الديون (في سنة 1874) في مواعيدها، واعتمد ساسة الباب العالي في مقاومة الدول صواحب ~~الديون وصواحب الامتيازات على المضاربة بينها ومنح الامتيازات الاقتصادية تارة لهذه ~~وتارة لغيرها، وقد كانت الدولة البروسية تبرز شيئا فشيئا إلى ميدان السياسة ~~العالمية، ولا سيما بعد حرب السبعين التي انتصرت فيها على فرنسا، فاتخذ منها ساسة ~~الباب العالي ذريعة للتخويف والتهديد، ورحبوا بالاتفاق معها على إصلاح المواصلات ~~الداخلية فمنحوها (في سنة 1888) امتيازا بمد الخط الحديدي إلى أنقرة بعد امتداده ~~في المجر إلى القسطنطينية، وأتبعوا هذا الامتياز بامتياز آخر لمد الخط إلى قونية ~~على أن تخترق السكة آسيا الصغرى إلى الشام وبغداد، ولم تقف الدولة الإنجليزية ~~مكتوفة اليدين أمام هذا الخطر الذي يقترب من الهند، ولكنها اضطرت إلى التراجع ~~والسكوت حين لمحت من بروسيا بوادر الاتفاق عليها مع فرنسا على هذا الجانب من جوانب ~~المسألة الشرقية، وعلى التدخل في القضية المصرية؛ لمطالبتها بالجلاء عن مصر تحقيقا ~~لوعدها. # ومن خطوط المواصلات الهامة التي تمت في بلاد الدولة بين منتصف القرن التاسع عشر ~~ونهايته؛ قناة السويس (سنة 1869) وسكة حديد الحجاز (من سنة 1900 إلى 1908) وهي ~~السكة التي تجاوبت بأخبارها دوائر الاستعمار على أنها تعبئة من تعبئات الجامعة ~~الإسلامية. # وإلى هذه الآونة كانت كل دولة ذات أثر في المسألة الشرقية قد انتزعت لها قطعة من ~~بلاد تركيا في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا، ما عدا بروسيا التي سيطرت في هذه الآونة ~~على الأقاليم الألمانية بأجمعها، فاغتنم عاهلها «ولهلم الثاني» هذه الفرصة للتقرب ~~من تركيا ومن العالم الإسلامي بأسره، وزار الآستانة وبيت المقدس، ونادى في بعض خطبه ~~بصداقة دولته للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين بين بقاع المشرق، ونظر ساسة الترك ~~إلى دولة أوروبيا يعتمدون عليها في تنظيم جيشهم، فلم يطمئنوا بطبيعة الحال إلى ~~روسيا، ولم يجدوا عندها الكفاية الفنية لهذه المهمة، ولم يطمئنوا إلى إنجلترا؛ لأن ~~وزيرها جلادستون أعلن غير مرة ms035 وجوب «طرد الترك» بقضهم وقضيضهم من كل بقعة في ~~أوروبا، فرحبوا بالمساعدة الألمانية على تنظيم الجيش وتدعيم الأسطول على حذر، ولم ~~يكن عبد الحميد داهية بني عثمان لينسى مؤتمر برلين ومرامي الألمان في الوقت المعلوم ~~نحو المشرق، ولم تغب عنه الدعوة العسكرية والثقافية التي نجحت بين الألمان ~~المعاصرين، واتخذت صيحتها (إلى الشرق) شعارا تردده، وتعلق عليه الآمال في توسيع ~~ملك الجرمان، واستيلائهم على طريقهم من برلين إلى آسيا الصغرى إلى أواسط آسيا، ولم ~~يخف عليه ما وراء حملة العاهل الجرماني على الآسيويين، وتحذير الغرب من يقظتهم، ~~وتأليبه الأوروبيين على الشرق كله باسم الحذر من الخطر الأصفر، فتوخى في سياسته على ~~الدوام أن يجنح إلى كل دولة من دول الاستعمار بمقدار، وترك بعده ساسة تربوا في ~~مدرسته (حتى من أقطاب تركيا الفتاة) ينهجون نهجه في مسلكهم بين تلك الدول، فكان ~~الكثيرون منهم يميلون إلى الحيدة عند اشتباك الحرب العالمية الأولى، وليس بالصحيح ~~أن ساسة الترك كانوا مجمعين يومئذ على دخول الحرب إلى جانب دولتي المحور، ولكن ~~الصحيح أن دول أوروبا الغربية استثارت الترك إلى محاربتها؛ لتضمن بذلك معاونة الروس ~~إلى النهاية طمعا في القسطنطينية، وتضمن معونة المتربصين بالرجل المريض من دول ~~البحر الأبيض المتوسط وسائر الدول الطامحة إلى الشرق الأدنى، وقد يفيد في بيان ~~الأعاجيب من خفايا سياسة الاستعمار أن نومئ هنا - على غير تأييد ولا تفنيد - إلى ما ~~قيل عن دسائس المستعمرين التي أحكموا تدبيرها للتعجيل بالثورة الروسية بعد سقوط آل ~~رومانوف، فلعلهم لم يجدوا لهم مخلصا أوفق من هذا للتحلل من الاتفاق مع آل رومانوف ~~على دخول القسطنطينية. # إيران # كان على عرش إيران في مفتتح القرن التاسع عشر شاه من أسرة قاجار - اسمه فتح علي ~~شاه - تولى الملك بعد عمه أغا محمد الذي اشتهر بصرامته وقسوته على إخضاع ثوار الكرج ~~وخراسان، وقد سمي فتح علي باسم رأس الأسرة، ولكنه لم يكن على نصيب من خلائق ~~المؤسسين والفاتحين غير الطمع وحب الفخفخة، فاغتر بمظاهر التعظيم التي أحاطه بها ~~رسل الدول ms036 الأجنبية، وراقه أن يرى بلاطه قبلة للسفراء والوفود من ملوك الغرب، ~~فاستسلم لهذا الغرور، وتحالف مع بريطانيا العظمى على الأفغان؛ لاسترجاع أقاليم فارس ~~الشرقية، وأملى له في مجاراة السياسة البريطانية أن روسيا انتزعت من فارس بلاد ~~الكرج تلبية لطلب أميرها جورج الثاني عشر، فاستقبل الشاه مندوب شركة الهند الشرقية ~~سيرجون ملكولم، وعقد معه محالفة سياسية تجارية تتعهد فيها الشركة بإمداد فارس ~~بالسلاح والمال في حالة الاعتداء عليه من جانب الأفغان أو فرنسا، ويتعهد فيها الشاه ~~بألا يعقد صلحا مع الأفغان ما لم تنزل هذه عن مطالبها في الهند، وقد تمكن الشاه من ~~صد الغارة الروسية على «أروان» في سنة 1804 بمعاونة الضباط الإنجليز وضغط السياسة ~~الإنجليزية، ثم أبرم في أواخر سنة 1814 - بعد نكبة نابليون - محالفة عامة تتعهد ~~فيها فارس بإلغاء جميع الاتفاقات مع الدول المعادية لإنجلترا، وتتعهد فيها إنجلترا ~~بنقدها مائة وخمسين ألف جنيه وتبادل المعونة في حالة الدفاع. # ولم تمض على هذه المعاهدة بضع سنوات حتى التحمت فارس وتركيا في الحرب التي انتهت ~~بصلح أرضروم، ثم حاربت روسيا على أثر احتلال هذه لبعض الأقاليم المتنازع عليها، ~~فانهزمت وتخلت عن أروان وتبريز (1827) وخذلتها إنجلترا في هذه الحرب، فاستدارت ~~بسياستها إلى مجاراة روسيا. وأخرجت البعثة العسكرية الإنجليزية التي قدمت إليها ~~لتدريب جيشها على النظم الحديثة، وهاجمت «هرات» ثم تفاهمت مع حكام الهند على فك ~~الحصار عنها، وفي سنة 1856 شهرت إنجلترا الحرب على فارس - إذ عادت إلى مهاجمة هرات ~~واستولت عليها - فاحتل الإنجليز بوشير والمحمرة، وتراجع الجيش الإيراني عن أرض ~~الأفغان، ثم تم الاتفاق على الحدود الأفغانية الإيرانية. # وفي سنة 1864 أنشئ أول خط تلغرافي بين بغداد وطهران وبوشير على اعتباره «توصيلة» ~~للخطوط الهندية، وافتتح خط أوديسة وتفليس وطهران بعد ذلك ببضع سنوات. # واستمر السباق بين إنجلترا وروسيا على كسب الامتيازات والرخص من الحكومة ~~الإيرانية، فلما حصل البارون دي روتر على امتياز باستغلال بعض الموارد الإيرانية ~~وارتهان المكوس الجمركية، أسرع الروس إلى إحباط هذا الامتياز، وحصلوا على الإذن ~~بإنشاء فرقة ms037 القواذق وإلحاقها بجيش إيران. ثم احتلوا مدينة «مرو» واستولوا على بلاد ~~التركمان (سنة 1884)، وتجددت مساعي الماليين الإنجليز فمنحوا امتيازا بافتتاح نهر ~~قارون للملاحة، ومنح البارون دي روتر هذه المرة امتيازا بإنشاء المصرف الإمبراطوري ~~مع الترخيص له باستغلال المناجم في إيران ما عدا مناجم الذهب والفضة (سنة ~~1889). # وبعد هذا الامتياز بسنة واحدة حصلت إحدى الشركات على امتياز الدخان المشهور الذي ~~تصدى جمال الدين الأفغاني لإحباطه، ثم تمادى الشاه (ناصر الدين) في الاقتراض وبذل ~~الرخص ورهن الموارد، ومنها قرض إنجليزي في مقابلة رهن المكوس الجمركية بالخليج ~~الفارسي، فتمكن جمال الدين من إثارة القوم عليه، وإغرائهم بعصيانه واغتياله على ~~البعد والقرب، فقتل في سنة 1896، وقيل: إن قاتله صاح به وهو يضربه: (خذها من جمال ~~الدين). # وجلس ابنه مظفر الدين على العرش؛ فأصبحت إيران في عهده نهبا مقسما بين النفوذين ~~ومساعي المستغلين من الجانبين، فتقدم بنك الخصم الفارسي - وهو فرع من وزارة المالية ~~الروسية - بإقراض الحكومة نيفا وعشرين مليون روبية في مقابلة مكوس الجمارك بجميع ~~أنحاء البلاد ما عدا خليج فارس، واشترط على الحكومة أن تصفي القرض الإنجليزي، ولا ~~تتقبل قروضا أخرى مدى عشر سنوات (في سنة 1900). # واحتاج الشاه إلى قرض آخر بعد سنتين فأمدته به الحكومة الروسية في مقابلة الترخيص ~~لها بمد السكة الحديد من جلفة إلى تبريز فطهران، وأوشك الاتفاق أن يتم على مد الخط ~~إلى شواطئ الخليج لولا المقاومة الشديدة من جانب الإنجليز، تعززها مساعي الماليين ~~على يد «دارسي» من زيلاندة الجديدة لإغناء خزانة إيران على معونة الروس، فانعقد ~~الاتفاق بين دارسي # D’ arcy # وحكومة إيران على ~~الترخيص له باستخراج النفط من منابعه التي كشفت بعد ذلك بمسجد سليمان، وحصة الحكومة ~~من الأرباح ست عشرة في المائة عدا رسوم الامتياز وحصة بقيمتها من أسهم ~~الشركة. # ولما كثرت المطالب والرهون على مكوس الجمارك وضعت الإدارة كلها في عهدة نوس ~~البلجيكي، وكادت الدولة أن تشهر إفلاسها، وتفاقم سخط الشعب؛ فثار على الشاه وعلى ~~وزيره عين الدولة المسئول عن سياسة القروض والرخص والرهون، ولاذ ms038 الثوار بمبنى ~~السفارة البريطانية (يوليو سنة 1906) فأسرع الشاه إلى عزل عين الدولة والمناداة ~~بالدستور، وكظمه الغيظ فمات بعد افتتاح مجلس النواب بأسابيع (ديسمبر سنة ~~1906). # أما الدولتان المتنافستان على أسلاب فارس؛ فإنهما قابلتا إعلان الدستور بالاتفاق ~~الودي المشهور باتفاق سنة 1907، فاعترفت روسيا بمصالح إنجلترا في الخليج الفارسي، ~~واعتبرت الجزء الجنوبي الشرقي في المملكة «دائرة نفوذ بريطانية» وسلمت إنجلترا ~~باعتبار الجزء الشمالي منها دائرة نفوذ روسية، وتركت بين الدائرتين بقعة مفتوحة ~~لكلتا الدولتين، وختمتا الاتفاق بتوكيد الحرص على استقلال البلاد وسيادتها! # ولم تمض على هذا الاتفاق سنة واحدة حتى كان الشاه الجديد «محمد علي» ألعوبة في ~~أيدي الروس؛ لأنه آثر الخضوع للدولة الأجنبية على الخضوع لأحكام الدستور. # فأغلق المجلس، واعتقل أعضاءه وأنصاره، وأعلن الحكم العرفي، وأمعن في المتظاهرين ~~تقتيلا وتشريدا، واستعان بالجيش الروسي على قمع الثوار في تبريز، وكانت قوتهم ~~فيها غالبة على قوة الشاه. # ثم اغتنمت إنجلترا الفرصة فعملت على إنشاء الشركة الإنجليزية الفارسية لاستغلال ~~امتياز دارسي باستخراج النفط في جزيرة عبدان، واشتد غليان الشعور الوطني فهجم ~~الزعيم البختياري علي قولي خان على طهران وخلع الشاه، ثم ظهرت السياسة الأمريكية في ~~الميدان فقدم إلى طهران مستر مورجان شستر # Shuster # بطلب من المجلس؛ لتنظيم الإدارة المالية، وافتتح عمله بإنشاء فرقة عسكرية في خدمة ~~الخزانة، وتطمين إنجلترا بدعوة ضابط بريطاني لقيادة تلك الفرقة، فأطلقت روسيا الشاه ~~من مأواه وأرسلته إلى «إستر أباد» وأغارت على الشمال منذرة المجلس بالتقدم إلى ~~الجنوب إن لم يبادر إلى طرد شستر ومرءوسيه؛ فرفض المجلس إنذارها، وأصر على ~~استبقائه، وظهرت فجأة في طهران جماعة من الرؤساء ذوي النفوذ بين القبائل؛ فأغلقوا ~~المجلس، وقبضوا على أزمة الحكومة ومن ورائهم قوة الدولة الروسية، وظلت فارس في قبضة ~~الروس إلى ما بعد إعلان الحرب العالمية الأولى. # مراكش # كانت مراكش في بداءة عصر الاستعمار أول هدف للمستعمرين؛ لأنها كانت على أقرب نظرة ~~من دول الاستعمار في أوروبا الغربية، وكانت في الزاوية المقابلة لأوروبا الغربية ~~تشرف على البحر الأبيض وعلى المحيط الأطلسي؛ فكانت في ms039 هذا الموقع مطمح الأنظار أمام ~~فرنسا وإسبانيا وإنجلترا، ولكن فرنسا لم تتقدم إليها؛ لأنها كانت مشغولة بحروبها في ~~القارة، وكانت تعلم أن إنجلترا لا تطيق دولة كبيرة على العدوة المقابلة لجبل ~~طارق، وإسبانيا وصلت إلى أوائل القرن التاسع عشر وهي تلهث من الإعياء وتكاد بعد ~~تنازع طلاب الملك فيها أن تصبح في عداد المستعمرات الخاضعة لغيرها. أما إنجلترا ~~فكان جبل طارق يغنيها في ذلك الموقع عن العدوة الأفريقية، وكان همها أن تبقي مراكش ~~في يد أبنائها وفي حوزة حكومة لا تقوى على منازعتها، وكانت وجهتها الأولى أن تحتل ~~البحر الأبيض من شرقه عند مجاز التجارة الهندية، فلم تشأ أن تحسب عليها مراكش بدلا ~~كبيرا في سوق المساومات الاستعمارية، واتفق بعد ظهور ألمانيا في ميدان الاستعمار ~~وانتصارها على فرنسا أن المسألة بحذافيرها طرحت على مائدة المؤتمرات الدولية، ~~فتفاهمت فرنسا وإنجلترا على التعاون المشترك في قضيتي مراكش ومصر، واستقر الرأي على ~~تقسيم مراكش بين فرنسا وإسبانيا والمنطقة الدولية. # وقد بدأ القرن التاسع عشر ومراكش على شيء من القوة بالقياس إلى بلاد إفريقية ~~الشمالية، فتصدى زعماؤها لمقاومة الفرنسيين بالجزائر بعد أن سلمت الدولة العثمانية ~~بمركز الفرنسيين فيها، وزحف الجيش المراكشي إلى تلمسان مستثيرا قبائل العرب ~~والبربر في طريقه، واستطاع «أبو معزى» المراكشي أن يقتحم الجزائر بعد احتلالها بخمس ~~سنوات، ولم يتمكن القائد الفرنسي من مقاومته إلا بنجدة قوية جاءته من فرنسا، ولكن ~~سلطان مراكش لم ينقطع عن مناوشة فرنسا بعد هزيمة أبي معزى وأسره، إلى أن تلاقى ~~الجيش المحتل وجيش السلطان في سنة 1844؛ فمنيت جيوش السلطان بهزيمة منكرة اضطربت ~~لها جوانب المغرب، ونبهتها من غفلتها؛ فنهضت لإصلاح الجيش، وتثمير المرافق الوطنية، ~~ووافق ذلك قيام السلطان «مولاي الحسن» بالملك - وهو من أقدر سلاطين المغرب - فأحسن ~~التصرف في مواجهة الدول المستعمرة والاستفادة من تنافسها وتنازعها، وأدخل الأساليب ~~العصرية على دواوين الحكومة ومعامل الصناعة ومدارس التعليم، وأكثر من إيفاد البعثات ~~إلى جامعات الغرب؛ لتخريج الخبراء في الشئون الفنية والعسكرية، ومن فضائح ~~الاستعمار: أن الدول الموقعة على ms040 معاهدة مدريد احتجت عليه حين اتصل بالآستانة لمثل ~~هذا الغرض، واعتبرت ذلك منه اشتراكا في حركة دينية معادية لا تنظر إليها بعين ~~الارتياح والاطمئنان، واستنكرت تجديد العلاقة بين حكومة الآستانة وحكومة طنجة، ~~والتمهيد لتبادل السفارات بينهما؛ لأنه يغير الوضع السياسي الذي اتفقت تلك الدول ~~على أن تلاحظ فيه بقاء الحالة الراهنة. # ولم ينته القرن التاسع عشر حتى كانت دول الاستعمار في موقف يسمح لها بالتفاهم ~~على هذه القضية العسيرة. فبريطانيا تحسب حساب اليقظة الوطنية في مصر فتجنح إلى ~~مسالمة فرنسا، وفرنسا تسترضي إيطاليا وتعدها بالإغضاء عن مطامعها في ليبيا، والنمسا ~~تطمع في بلاد البشناق من تراث الدولة العثمانية، وألمانيا تعلم أن الحرب العالمية ~~دون وصولها إلى مقام في المغرب الأقصى؛ لمعارضة إنجلترا وفرنسا، وترضى بنصيبها في ~~الكونغو وبلاد التوجو من القارة الأفريقية. # وفي هذه الأثناء توفي السلطان الحسن وخلفه السلطان عبد العزيز، والمغرب الأقصى في ~~أشد مآزقه وأحوجها إلى الحزم والحنكة، فعبث في مقام الجد وسوأ سمعته في العالم ~~الإسلامي فضلا عن العالم الأوروبي بما كان يشتغل به - أو يتلهى به على الأصح - من ~~سفساف الأمور، وأرسل إلى مصر وغيرها في طلب المغنيين والراقصات، وأطمع الدول في ~~العدوان على بلاده بهزله وغرارته، فانعقد مؤتمر الجزيرة (سنة 1906) في أسوأ الظروف ~~بالنسبة إلى المغرب، وشهده مندوبون من قبل السلطان وافقوا على ما تقرر فيه باتفاق ~~الدول التي اشتركت فيه، وعدتها بضع عشرة دولة، وكانت قرارات المؤتمر في ظاهرها ~~مؤيدة لاستقلال مراكش وسيادتها، ولكنها ناطت بفرنسا مهمة الحراسة وتنظيم إدارة ~~الشرطة، فكان هذا الاعتراف بالاستقلال والسيادة من قبيل اعتراف إنجلترا وروسيا ~~باستقلال إيران ذودا للدول الأخرى عنها وانفرادا بالنفوذ فيها، ومعنى الحراسة ~~الفرنسية مع هذا الاستقلال: هو إطلاق يد فرنسا شيئا فشيئا في البلاد، وتحريم ~~التعرض لها على غيرها. # وشبت الثورة الوطنية على أثر مؤتمر الجزيرة؛ لعجز السلطان، واسترساله في لهوه، ~~وإسراعه إلى إقرار الوضع الجديد في بلاده، فبويع السلطان عبد الحفيظ بعده، وتعهد ~~قبل مبايعته بمقاومة السيطرة الأجنبية، وإعلان الاحتجاج على قرارات ms041 مؤتمر الجزيرة. ~~فتعلل الفرنسيون بهذه المقاومة للعهود الدولية، وأغاروا على العاصمة وأعلنوا ~~الحماية، فكان إعلانها في تلك الآونة (1912) أول خطوة من الخطوات الحثيثة التي دفعت ~~بالعالم إلى الحرب العالمية الأولى، ثم انطلقت يد فرنسا بعدها في شمال أفريقيا بغير ~~معارضة من الدول المنهزمة التي كانت تحول بينها وبين التبسط في مطامع ~~الاستعمار. # الفصل الخامس # | أمم غير مستقلة # وهكذا تطورت الحوادث بالدول الإسلامية المستقلة خلال القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن ~~العشرين. # أما الأمم التي كانت في حكم غيرها خلال هذا القرن؛ فشأنها في حاضر الإسلام ومستقبله لا ~~يقل عن شأن الدول المستقلة، سواء بكثرة عددها ومواقع بلادها ومكانتها من عالم الحضارة، ~~وأكثر المسلمين عددا على هذا الترتيب هم: مسلمو الهند ومسلمو الجزر الشرقية (إندونيسيا) ~~ومسلمو الصين. # الهند # في أوائل القرن التاسع عشر ثبت حكم الإنجليز في الهند، وخيل إلى الأكثرين أنه قد صار ~~فيها معلما من معالم الإقليم كالجبال والأنهار، وتندر المتندرون بموعد خروجهم منها، ~~فرددوا تلك الكلمات المشهورة عن المواعد التي تضرب لوقوع المستحيل، ومنها: أنهم يخرجون ~~في الثلاثين من شهر فبراير، أو يخرجون حين يلتقي أحدان، أو حين يلتقي المشرق والمغرب، ~~وهيهات يلتقيان. # وإذا كان ثمة أحد في الهند كان يؤمن بخروج الإنجليز منها لا محالة فهم مسلموها؛ لأنهم ~~على يقين بوعد كتابهم أنهم هم الأعزة إذا استقاموا من أمورهم، ولا يغير الله ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم. # وقد شعر المستعمرون بصعوبة مراس هذه الأمة، ودخلوا الهند والدولة التي تقودها في ~~أيدي المسلمين، فحاربوهم، وعملوا على إضعافهم، وصرح أحدهم لورد إلنبرو # Ellenbr ough # بعداوتهم فقال: «ليس في وسعي أن أغمض ~~عيني عن اليقين بأن هذا العنصر الإسلامي عدو أصيل العداوة لنا، وأن سياستنا الحقة ينبغي ~~أن تتجه إلى تقريب الهنديين» وجهر لورد إلفنستون # Elphinstone # في سنة 1858 بوجوب التفرقة بين المسلمين والهنديين في إدارة ~~البلاد، وهي الخطة التي نادى بها كاتب المجلة الآسيوية قبل ذلك بنيف وثلاثين ~~سنة. ~~«وكان المسلمون في إبان دولتهم قانعين من الحياة العامة ms042 بالوظيفة الحكومية، وذادهم عن ~~الاشتغال بالصيرفة أنهم يحرمون الربا، وعن ملك الأرض أن الأرض لم تكن مملوكة لأحد ~~ولكنها كانت متروكة للزراع والجباة الذين يؤدون للحكومة حصتها من الضرائب، وكان أكثر ~~هؤلاء الجباة من البرهميين المشتغلين ببيع الغلال وتصريفها، فلما أصدر الإنجليز قانونا ~~لتسوية مسائل الأرض الزراعية جعلوا هؤلاء الجباة ملاكا، وجعلوا الزراع أجراء في أرضهم، ~~واعتمدوا على هذا النظام زمنا لتحصيل الضرائب ومحاسبة الجباة عليها، فاجتمع الحرمان من ~~الوظائف والحرمان من الأرض على إقامة العزلة بين المسلمين وغيرهم في الحياة الاجتماعية.» # 1 # ثم زاد المسلمين ضعفا: أنهم حرموا وسائل التعليم الحديث؛ لأن المدارس الحديثة كانت ~~في أيدي المبشرين، وأن البراهمة بالغوا في عزلة الطوائف والطبقات بعد انتشار الإسلام ~~بين صفوفهم، وشرح ذلك أحدهم الأستاذ لونيا مدرس التاريخ وعلم السياسة بكلية هولكار ~~فقال: «إن المسلمين أول قوم أغاروا على الهند، ولم تستوعبهم حياة القارة الهندية المرنة ~~التي لا تني تمتد وتنطوي على المغيرين، وقد أغار قبلهم كثيرون كالإغريق والسيثيين ~~والمغول والمجوس وغيرهم، وانطووا في الغمار بعد أجيال قليلة انطواء تاما بأسمائهم ~~ولغاتهم وعاداتهم وعقائدهم وأزيائهم وآرائهم، وفنيت جموعهم في الواقع خلال المجتمعات ~~الهندية إلا المسلمين؛ فإنهم لم يزالوا في الهند طائفة منفصلة، ورفضت نياتهم المتشددة ~~في الوحدانية كل هوادة في قبول الشرك والأرباب المتعددة، ومن ثم عاش المسلون والبرهميون ~~في أرض واحدة دون أن يمتزجوا، ولم تفلح محاولة من المحاولات في وضع القنطرة على الفجوة، ~~وما برح المسلمون خلال القرون التالية يولون وجوههم شطر الكعبة بمكة، وينفردون بشريعتهم ~~ونظام إدارتهم ولغتهم وأدبهم وأضرحتهم وأوليائهم.» # وشهد المؤلف بفضل المسلمين في تعليم أهل الهند مبادئ المساواة، ولكنه قرن هذه الشهادة ~~بقوله: «إن إحدى النتائج التي نجمت من حكم المسلمين في الهند أن المجتمع قد انقسم في ~~عهدهم قسمة رأسية، وكان قبل القرن الثالث عشر ينقسم ولكن قسمة غير رأسية، ولم تستطع ~~البوذية ولا الجينية أن تحدثا مثل هذا الانقسام؛ لأنهما ما عتمتا أن اندمجتا في ~~المجموع بسهولة وسرعة، على حين أن الإسلام ms043 قد شق المجتمع من الأسفل إلى الأعلى شطرين ~~متقابلين: براهمة ومسلمين. فنشأ في أرض واحدة مجتمعان متوازيان متغايران في جميع ~~طبقاتهما قل أن تصل بينهما علاقة في المعيشة أو معاشرة، واشتدت محافظة البرهميين أمام ~~غيرة الإسلام في نشر دعوتهم الدينية، فاندفعوا مع خوفهم وحرصهم على حماية مجتمعهم، ~~والمبالغة في قيود الطبقات والطوائف وما إليها من القيود الاجتماعية.» # وهذه القيود الاجتماعية تشمل الطعام والشراب والأعراس والمآتم بما فيها من مباحات عند ~~قوم محرمات عند آخرين. # وازدادت هذه العزلة بعد شيوع المقاومة الوطنية بين الهنديين؛ لأن زعيمها الأكبر طيلاق ~~بنى دعوته صراحة على تخليص الهند من الغرباء، وإلغاء اللغة الأردية، وإبطال القوانين ~~التي تحترم شعائر المسلمين، ونظر إلى المسلمين نظرته إلى الإنجليز، ثم نهجت على سنته ~~جماعة الغلاة الذين جهروا بضرورة القضاء على كل أثر للإسلام في الهند، وندبوا أحدهم ~~لقتل غاندي؛ لأنه كان يوصي بغير هذه الخطة في معاملة المسلمين. # إن الأستاذ لونيا الذي اقتبسنا ما تقدم من كلامه لم يعلل نجاح الإسلام حيث أخفقت ~~البوذية والجينية، ولو أنه علل هذا النجاح بعلته الصحيحة لأظهر الخطأ البين في قول ~~القائلين: إن الإسلام قد شاع بين المنبوذين؛ لأنه خولهم حقوق المساواة بينهم وبين سائر ~~الطبقات؛ فإن البوذية كانت خليقة أن تنجح مثل هذا النجاح لو كان مرجعه إلى معاملة ~~المنبوذين، وإنما يتجلى هنا سر نجاح الإسلام الذي أجملنا بيانه فيما تقدم من هذه ~~الرسالة؛ وهو شمول العقيدة الإسلامية وعلاجها النفس الإنسانية من داء الفصام الذي ~~يقلقها، ولا يريحها إلا باعتزال الدنيا، وحل المشكلات بتجاهلها والخروج منها، فهذا ~~الشمول هو مصدر القوة الغالبة والقوة الصامدة في المسلمين، وهو هو البقية التي بقيت لهم ~~في الهند بعد زوال الدولة، وزوال المناصب الكبرى والوظائف الصغرى، والحرمان من ثروة ~~الأرض والمال، ومن زاد العلم الحديث والخبرة العملية، والعزلة أمام الحكومة المسيطرة ~~وأمام الكثرة التي تربو على ثلاثة أضعاف، ومن أعماق هذه العقيدة الشاملة نجمت لهم عدة ~~الخلاص حين لم يبق للهندي المسلم من عدة غير أنه ms044 مسلم وكفى، وتحركت بينهم أقدر دعوة ~~للإصلاح برعاية السيد أحمد خان، ويرجع مبدؤها إلى إنشاء جماعته العلمية في عليجرة (سنة ~~1861) ثم إنشاء صحيفته «تهذيب الأخلاق» وكلية عليجرة بعد رحلته إلى إنجلترا (سنة ~~1870). # وتشعبت حركات الدعاة الإسلاميين في الهند خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر على ~~حسب اتساع الأقاليم والمشارب، فظهر فيها من اتخذ من ابتداء القرن الرابع عشر للهجرة حجة ~~للظهور بدعوة الإصلاح، ثم دعوة المهدية على قول من قال: إنه يظهر على رأس كل مائة سنة ~~داع يجدد شباب الدين، ومن هؤلاء غلام أحمد خان القادياني الذي نشر في أوائل القرن ~~الهجري كتابه «براهين الأحمدية» ثم ادعى أنه المسيح المنتظر بعد بضع سنوات، ثم ادعى ~~(سنة 1904) أنه أقنوم كرشنا وأقنوح الروح الإلهي كله؛ فاتبعه في أول الأمر طائفة من ~~المصدقين، ثم انقسم أتباعه فريقين؛ فريق يدين بنبوته، وفريق يحسبه من المصلحين ويرفض ~~ما يروى عنه من دعوى النبوة والحلول، وقد أحيط ظهور القادياني بالشبهات؛ لأنه لقي من ~~تشجيع الحكام البريطانيين ما لم يكن مألوفا منهم في معاملة أمثاله، ثم جاءت فتواه ~~بقبول الحكم الأجنبي وتفسير أمر الجهاد على هوى الحكومة مرجحة عند الأكثرين لتلك ~~الشبهات، وإنما استحق الخلاف عليه أن يقوى؛ لأن هذه الفتوى حملت على محمل التقية، وهي ~~مقبولة في اعتقاد بعض الفرق من الشيعة منذ لقي الدعاة إلى أهل البيت ما لقوا من عسف ~~الأمويين والعباسيين. # على أن الهند - مع بعدها في المشرق - كانت تتجاوب بكل صدى قريب أو بعيد من الدعوات ~~الإسلامية في بلاد العرب، فسرعان ما ظهرت دعوة ابن عبد الوهاب بجزيرة العرب حتى تردد ~~صداها في البنغال (سنة 1804) واتبعتها طائفة الفرائضية بنصوصها الحرفية. فاعتبرت الهند ~~دار حرب إلى أن تدين بحكم الشريعة، ثم تردد صدى الدعوة الوهابية بعد ذلك بزعامة السيد ~~أحمد الباريلي في البنجاب، وأوجب على أتباعه حمل السلاح لمحاربة السيخيين، وتقدمهم في ~~القتال حتى قتل (سنة 1831) ونهض من بعده تلميذه «كرامة علي» فاتصل بطريقة الفرائضية، ~~وأفتى بأن البلاد الإسلامية تجب فيها ms045 صلاة الجمعة ولا تحسب من ديار الحرب وإن كان الحكم ~~فيها لغير المسلمين. # وترامت إلى الهند أنباء الدعوة المهدية في السودان، وبخاصة بعد وقعة «هكس» المشهورة، ~~وانهزام القائد الإنجليزي فيها، فقد حذر الإنجليز مغبة هذه الدعوة، ونشروا في أرجاء ~~الهند مئات الألوف من فتاوى العلماء المنكرين لها، وذهب بعض ساستهم إلى الزعيم المصري ~~«أحمد عرابي» في منفاه بسيلان يسألونه عن مهدي السودان، فكان جوابه لهم من جنس السؤال، ~~وقال لهم: إن المهدي في الإسلام هو كل من هداه الله. # وقد تطلعت الهند إلى دعوة جمال الدين الأفغاني كما تطلعت إلى الدعوات التي سبقتها، ~~وصح فيها أنها كانت لاتساعها وتعدد بيئاتها أصلح الميادين لتجربة النافع والضار من ~~حركات العاملين باسم الدين، فثبت من تجاربها جميعا أن أصلح الحركات وأدومها أثرا هي ~~حركات التجديد التي تجاري العصر ولا تنقطع عن أصول الدين، وأخفقت فيها حركات الجامدين ~~المتشبثين بالحروف، كما حبطت فيها حركات المبتدعين الذين انقطعوا عن الأصول، وخرقوا في ~~العقيدة خرقا يخالف جوهر الإسلام. # ولقد بدأ القرن العشرون والمسلمون في الهند يتطلعون إلى دولة الخلافة، ثم أسفرت الحرب ~~العالمية الأولى عن شدة في الحركة الوطنية لم تكن معهودة من قبلها، ثم بلغت هذه الشدة ~~قصواها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتعاقبت التجارب التي يراد بها تسليم الوطنيين ~~زمام الحكم حتى استقرت على التجربة الأخيرة بقيام دولتي الهند والباكستان. # إندونيسيا # وإذا كانت الهند أوفى الميادين بتجارب الحركات الدينية فالجزر الإندونيسية أوفى ~~الميادين بتجارب الاستعمار بأنواعه ومشتقاته؛ لأنها كابدت ضروب الاستعمار التجارية ~~والزراعية والثقافية والسياسية، واختبرت أساليب البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين ~~والإنجليز، واليابانيين، وعاصرت الاستعمار من أيامه الأولى في الشرق إلى أيامه الأخيرة ~~على النحو الذي صار إليه في القرن العشرين، ولا نظن أن خطة من خطط الاستعمار اتبعت في ~~ناحية من أنحاء العالم لم يتبع لها شبيه في هذه الجزر التي تعد بالألوف. # ولعل هذه الجزر أصلح مكان لتقرير الحقائق عن سر انتشار الإسلام بين الأمم التي كانت ~~تدين بغيره قبل وصوله إليها. ففي ms046 كل موضع فيها تصحيح لأوهام من يزعمون أنه دين ينتشر ~~بالسيف ولا ينتشر بغيره، وفي كل موضع دليل من الواقع على فعل القدوة الحسنة في انتشاره ~~بغير عنف؛ بل بغير اجتهاد في الدعوة أكثر الأحيان، وحيثما وجد التجار والرحالون من ~~العرب على شواطئ هذه الجزر فهناك مسلمون على المذهب الذي يأتمون به من مذاهب الأئمة ~~الأربعة، وإذا كان الترك على الأغلب يأتمون بمذهب أبي حنيفة، وكانت للعشائر التركية ~~دولة في الهند، فالدولة لم تصل إلى الجزر بسلطانها وقوتها، بل وصلت إليها بالمسافرين من ~~تجارها، ومهاجريها، ولهذا يوجد الحنفيون حيث وجد هؤلاء التجار والمهاجرون، ويوجد إلى ~~جانبهم أتباع المذهب الشافعي الذين اقتدوا بالعرب القادمين من بلادهم غرباء بغير دولة ~~ولا صولة تكره الناس على مذهبها في شئون العقيدة، وهي أعصى الشئون على الإكراه. ومع ~~هؤلاء وهؤلاء يوجد الشيعة حيث لم توجد قط دولة ذات سلطان تدين بمذهب من مذاهبها، ولم ~~يزد عدد العرب في القرن التاسع عشر على ثلاثين ألفا في جميع جزر الأرخبيل، ولكن ~~المسلمين يقاربون سبعين مليونا من أبناء البلاد الأصلاء وبعض الهنود. # وهذه البلاد من أغنى أقطار العالم بالمحصولات الزراعية، ينمو فيها القصب والبن والشاي ~~والأرز والبطاطس، وتنبت فيها الأشجار التي تخرج الأصماغ المختلفة ومنها صمغ المطاط، ~~وأشهر محصولاتها: الأبازير والتوابل التي تهافتت عليها أوروبا، ومن أجلها حاول الرحالون ~~في القرن الخامس عشر أن يصلوا إلى منابتها من المغرب، فانكشفت لهم القارة الأوروبية على ~~غير انتظار، وسميت جزرها بجزر الهند الغربية مقابلة لهذه الجزر التي كانت تعرف باسم جزر ~~الهند الشرقية. # لا جرم كانت قبلة المستعمرين الأول، وصحبت الاستعمار من أول بعثاته إلى عهده ~~الأخير. # وأبناء هذه البلاد يتكلمون لغة واحدة هي لغة الملايا، وشيوع هذه اللغة بينهم مع شيوع ~~الإسلام هو الذي وحدهم وعودهم الشعور بقومية واحدة، على الرغم من الجهود التي بذلت ~~للتفرقة بينهم بإحياء اللهجات الإقليمية، وتشجيع «الأبجديات» التي تلائم كل لهجة منها، ~~ومن مفارقات الزمن أن الاستعمار قد زود هذه اللغة، على غير قصد ms047 منه، بالأبجدية ~~اللاتينية التي رسمت لها كتابة واحدة لا يسهل تنويعها وتفريقها على حسب اللهجات في ~~معاهد التعليم الحديث. # جاءها البرتغاليون عند ختام القرن الخامس عشر، ولم يعرفها الهولنديون إلا بعد قرن ~~كامل، ثم تبعهم الإنجليز والفرنسيون، وظفر الهولنديون بمعونة أبناء البلاد؛ لأنهم ~~جاءوهم بعد البرتغاليين ، فحالفهم الوطنيون للخلاص من هؤلاء وإقصائهم عن أسواق المشرق، ~~وتكاثرت شركات التجارة الهولندية تنافسا على الربح الغزير الذي استأثرت به الشركة ~~الأولى، فوحدت حكومة هولندا بين هذه الشركات، وجمعتها إلى شركة واحدة هي شركة الهند ~~الشرقية الهولندية، وقد تعاقدت هذه الشركة في مطلع القرن السابع عشر مع مملكة بنتام على ~~احتكار التجارة في موانئها وأسواقها، وإعفائها من الضرائب، وإمدادها بالجند والعدة ~~اللازمة لصد الشركات الأوروبية الأخرى، إذا أدى إغلاق الموانئ دون سفنها إلى الاعتداء ~~على بلاد المملكة. # ولما وفد التجار الإنجليز على الجزر كان الهولنديون قد أسرفوا في مطالبهم، فرحب القوم ~~بالإنجليز، وأعانوهم على الشركة الهولندية، ولكن هذه لم تلبث أن عادت بقوة بحرية كبيرة، ~~وحاصرت الموانئ، ومنعت خروج السفن منها، ثم تغلبوا على جزيرة جاوة، وافتتحوا عهد ~~استعمارهم بإنشاء مدرسة في العاصمة «جاكرتا» تتبعها كنيسة، واغتنموا فرصة النزاع بين ~~الأمراء، فضربوا بعضهم ببعض، وكادوا ينهزمون لولا المعونة الوطنية التي أسعفتهم مرارا ~~في أشد أوقات الحاجة إليها. # إلا أن التنافس التجاري بين المستعمرين قد اضطر الشركة إلى التحول من التجارة إلى ~~الزراعة، واضطرها التنافس كذلك إلى الإكثار من بناء السفن الحربية، والاستعداد بالأسلحة ~~والذخائر، ووقعت الحرب بين الدولتين الهولندية والإنجليزية؛ فكسدت تجارة الشركة، ولجأت ~~إلى الاستدانة، ونزلت على كره منها عن عقود الاحتكار التي اتفقت عليها مع الوطنيين، ثم ~~احتلت فرنسا أرض هولندا في أثناء الحرب الفرنسية الإنجليزية، فاستولى الإنجليز على ~~مستعمرات هولندا جميعا، وآلت البلاد إلى شركة الهند الشرقية الإنجليزية حتى أوائل ~~القرن التاسع عشر، فسعى بعض الأمراء والمصلحين إلى الحاكم الإنجليزي لإقناعه بتوحيد ~~الإمارات الإندونيسية في شبه ولايات متحدة تتولاها هيئة نيابية، فلم يقبل مجلس الشركة ~~في لندن هذا الاقتراح! واستعاض عنه ms048 بالإكثار من الحكومات المحلية، وإلغاء قوانين ~~السخرة، وتخفيف بعض الضرائب، واحتكار تجارة الملح لتعويض خزانة الشركة عن الضرائب ~~الملغاة. # ولما عاد إلى هولندا استقلالها بعد انهزام نابليون أمام الجيش الإنجليزي الهولندي في ~~وقعة «واترلو» طالبت بمستعمراتها المختلفة فردت لها، وأظهر القادة العسكريون ~~المسيطرون على تلك المستعمرات عصيانا «متفقا عليه» حتى تم الاتفاق بين الدولتين (سنة ~~1824) على تسوية تحفظ لإنجلترا جزءا من المستعمرات، وتعيد سائرها إلى الحكومة ~~الهولندية. # وعادت الإدارة الهولندية إلى السخرة، وزيادة الضرائب، وحرمان البلاد من غلاتها ~~ومحاصيلها، فتعاقبت الثورات مع المجاعات والأزمات الاقتصادية، وكاد السخط على الحكومة ~~المستعمرة أن يعصف بها لولا استغلال الوقيعة بين أمراء الممالك، وتأليب صغارهم على ~~كبارهم، وانقياد صغارهم للدسيسة الأجنبية خوفا على سلطانهم المحدود من غلبة الأمراء ~~الكبار عليهم، ولم تهدأ هذه القلاقل إلا في السنوات الأولى من القرن العشرين، ثم أذعنت ~~هولندا كما أذعن غيرها من دول الاستعمار لمطالب النهضات الوطنية بعد الحرب العالمية ~~الأولى، فاستجابت للشعب الإندونيسي إلى بعض حقوق الحكومة الذاتية، وقامت المجالس ~~النيابية في هذه البلاد لأول مرة في ظل الاستعمار. # ويرجع فضل النهضة الوطنية إلى يقظة المسلمين، وتأسيس أول جماعة من جماعات الإصلاح ~~باسم «شركة إسلام» وهي الجماعة التي انضوت إليها جماعات متعددة بعد ذلك باسم «مسجومي» ... ~~كلمة منحوتة من «مجلس سجورو مسلمين إندونيسية» # Madjelis Sjuro Muslimin ~~Indonesia ~~. # وأكثر القائمين بهذه الدعوة من تلاميذ الشيخ محمد عبده، وقراء تفسيره بمجلة المنار؛ ~~لأنهم استفادوا من تجارب الإصلاح السابقة على مقربة منهم في الهند، واتفق نشاطهم ~~للإصلاح بعد توافر أسبابه في إبان دعوة الأستاذ الإمام بالديار المصرية، وهي دعوة تعول ~~على تعزيز الجامعة الإسلامية من الوجهة الثقافية، ولا تشتد في طلبها من الوجهة السياسية ~~على طريقة جمال الدين، وقد تمحصت التجارب خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر بعد ~~حركة الجامعة الإسلامية الأولى، وبعد حركة الخلافة في الهند، فأسفرت عن رجحان المنهج ~~القويم الذي اختاره الأستاذ الإمام رحمه الله. # الصين # ومسلمو الصين لهم تاريخ يتناقلونه عن السلف وتغلب عليه الصحة، ms049 وإنما يرجع الخطأ فيه ~~إلى تعديل التقاويم الصينية من حين إلى حين، بحيث تتسع في بعض العصور لفرق عشرين أو ~~ثلاثين سنة تزيد تارة وتنقص أخرى، وعلى حسب التاريخ الذي يتناقلونه يكون الإسلام قد دخل ~~إلى الصين بعد الهجرة النبوية بقليل، وقد هزم المسلمون الفرس والروم معا بعد الهجرة ~~النبوية بجيل واحد، فأرسل كلاهما إلى الصين يستغيثون بابن السماء، ويهولون له في خطب ~~هذا العدو الظافر؛ ظنا منهم أن هذا التهويل يحفزه إلى المبادرة بإغاثتهم في الطريق ~~حرصا على حدود الصين، فكان هذا العاهل أحذر مما حسبوه، ودعته استغاثة الروم بعد ~~استغاثة الفرس إلى مسالمة هذه القوة الجديدة، فأوفد رسله إلى الخليفة عثمان، وقابل ~~الخليفة هذا التقرب بمثله، فأوفد إليه بعثة قوبلت بالحفاوة والترحاب. # وقبل أن يمضي قرن واحد على هذه الزيارات عرضت لبلاط الصين تلك المشكلة التي حيرت ~~سفراء الغرب وقهارمة البلاط في مملكة ابن السماء بعد أكثر من عشرة قرون، حين اشترط ابن ~~السماء على السفراء أن يتقدموا إليه راكعين، وعز على هؤلاء السفراء أن يحيوه بتحية أكبر ~~من تحياتهم لملوكهم فإن العاهل «سوان تسنج» غره ما سمعه عن اضطراب أحوال الدولة ~~الإسلامية، فجرد على تخومها جيشا كبيرا يريد أن يدحر به جيش قتيبة بن مسلم الرابض على ~~تلك التخوم. فانهزم، وأمر قتيبة الرسل الذين أنفذهم إلى بلاط ابن السماء أن يعرضوا عليه ~~الإسلام أو الجزية أو مواصلة القتال. فدخل هؤلاء الرسل على ابن السماء لأول مرة مترفعين ~~عن السجود منذرين متوعدين، ثم مات الخليفة الوليد، وقتل قتيبة، وأجزل العاهل عطاء الجيش ~~الإسلامي، وأذن لهم بالبقاء في بلاده، فسموا باسم القبيلة الصينية التي كانت إلى جوارهم ~~ودانت بالإسلام مقتدية بهم، وهي قبيلة هوى شوي، ولا يزال المسلمون جميعا يعرفون باسم ~~«هوى هوى» في جميع بلاد الصين. # ويؤخذ من سجلات أسرة تانج أن الدولة كانت تمنح الأسر الإسلامية المقيمة في «سيانغو» ~~خمسمائة ألف أوقية من الفضة كل سنة، وهو عطاء فرضته الدولة على نفسها مكافأة لهم على ~~نجدتهم للعاهل ms050 «سوتسنج» الذي ثار به الجند بعد إكراه أبيه على النزول عن العرش، فاستنجد ~~بالخليفة العباسي أبي جعفر فأمده ببضعة آلاف جندي هزموا الثوار، وأقروه على عرشه، ~~فاستبقاهم في أرضه (سنة 757) ومن هؤلاء ومن سبقهم من جنود قتيبة تناسل المسلمون في غرب ~~الصين. # إلا أن المسلمين قد دخلوا الصين من غير طريق الغرب، ولم ينقطع تجارهم وسياحهم ~~والملاحون منهم عن زيارة موانئ الجنوب في كانتون وما جاورها، وأوغل بعضهم إلى داخل ~~البلاد من الجنوب والغرب والشمال مع القبائل الرحل، فلم يخل منهم إقليم في الأقطار ~~الصينية على الإجمال، ويسمى المسلمون في الشمال الغربي عند قانصوه وشنسي بالتنجان، أي: ~~المنتقلين إلى الدين الجديد، ويسمون في سنكيانج بالترك؛ لأنهم من السلالات التركية في ~~التركستان، ويسمون في يونان بالبنشاي، وهم من سلالة الترك والعرب وأهل الصين الأقدمين، ~~وليس هؤلاء جميعا من سلالة المسلمين الأولين، بل منهم أناس من أبناء الصين آثروا ~~الإسلام إعجابا بأهله، ومنهم من كان آباؤهم يبيعونهم في أعوام المجاعة فينشئون بين ~~المسلمين على عقيدتهم، ولم يحل تحريم المسلمين أكل الخنزير وتعاطي الخمر والمخدرات ~~دون اجتذاب جيرانهم إلى دينهم بالقدوة الحسنة والمعاملة المرضية والأمانة في التجارة ~~والزراعة، فأسلم كثيرون بغير إكراه على قلة اكتراث الصينيين بالتحول من دين إلى دين؛ ~~لأنهم لا يبالون ما يعتقدون إذا تركت لهم عبادة الأسلاف ورعاية التقاليد في الشعائر ~~وآداب السلوك. # وقد شقي المسلمون في الصين بحكم أسرة المانشو في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ~~وعلمت هذه الأسرة الواغلة تاريخ المسلمين في نصرة الأسرة المخذولة، فأشفقت من ثورتهم، ~~وتعللت لهم بالعلل التي تصطبغ بصبغة الدين لتنفير البوذيين منهم، فحرمت عليهم ذبح البقر ~~(سنة 1731) مع أنها تبيح ذبح الخنازير، وظنت أنها ترضي بذلك طوائف البوذيين، وترضي سائر ~~أهل الصين الذين يبيعون الخنزير، ويسرهم أن يضطر المسلمون إلى أكله بعد تحريم لحوم ~~البقر عليهم، فثار المسلمون، وتتابعت ثوراتهم، وهزموا جنود الحكومة في معارك كثيرة؛ ~~ومنها معركة في التركستان الصينية قتل فيها ألفان وانتحر الوالي خوفا من القصاص (سنة ~~1863)، وفي ms051 هذه الآونة استقل البطل التنجاني يعقوب بك بحكم التركستان، وأوشك أن ينفصل ~~بها وبالإقليم المجاور لها لولا أنه مات فجأة (سنة 1877) واختلف أتباعه وقادة جنده، ~~فتلاحقت بعده المذابح والثورات، إلى أن سقطت دولة المانشو، وكان لثورات المسلمين في ~~الغرب والشمال أثر في إسقاطها، وتحريض الناقمين منها على مهاجمتها. # وقد أحس المستعمرون الشرقيون والغربيون وطأة الصينيين المسلمين في حروب تلك الدول مع ~~الصين، وكانت اليابان أول من تعرض لبأسهم في حربها مع الصين (سنة 1875) فخطبت ودهم ~~وتقربت منهم جهرة وخفية، ثم أوفدت سفراءها من أمراء البيت المالك إلى دار الخلافة؛ ~~لتستميل إليها المسلمين الصينيين في خصوماتها مع أسرة المانشو ومع الروس في وقت واحد، ~~وكانت أسرة المانشو قد حرمت على المسلمين الاتصال بالعالم الخارجي؛ فتعذر عليهم أداء ~~فريضة الحج، ولكنهم كانوا يتحايلون على الخروج لأداء هذه الفريضة بمختلف الحيل، فلما ~~أحست بمساعي الدول بينهم، وتسلل الدعاة إليهم من اليابان والروس والترك وحكومة الهند - ~~ضربت حولهم السدود، وحظرت العودة على من يغادر منهم البلاد للحج أو لطلب العلم، فنشأت ~~بينهم عادة غريبة وهي عادة الحج بالنيابة، وتوافد عليهم فقراء المسلمين من الأمم ~~القريبة؛ لينوبوا عنهم في الحج بأسمائهم، خوفا من النفي الدائم إذا غادروا البلاد بغير ~~إذن الحكومة، ولم تخل القيود من أثرها المحمود. فإنها ضاعفت عنايتهم بدراسة الدين وحفظ ~~القرآن؛ فكثر بينهم من يعرفون لغته، ويقرءون بها قراءة المجتهد في أرض معزولة عن ~~الثقافة العربية، وتعزى إلى هذه الفترة نهضة التجديد بين مسلمي الصين الغربية، وهي ~~كسائر النهضات مقبولة عند فريق، مستنكرة أو مشتبه فيها بين فريق المحافظين على كل ~~قديم. # ولا يزال مسلمو الصين في غمرة من جرائر الظلم الذي حاق بهم على عهد الأسرة المنشوية، ~~ولم يرتفع عنهم كثيرا بعد قيام الجمهورية، ولكنهم على أية حال كانوا في مطلع القرن ~~العشرين قوة لا تهمل في حساب أحد يعنيه أمر الصين كلها، ولهذا جعلتهم الجمهورية عنصرا ~~من العناصر الخمسة التي يقوم عليها بناء النظام الجديد. # الفصل السادس # | أمم أخرى # تلك ms052 في العالم الإسلامي أكبر الجماعات التي بقيت إلى ختام القرن التاسع عشر في حكم غيرها، ~~وهي جماعات كبيرة حتى بالقياس إلى أكبر الجماعات من حولها؛ إذ ليست الصين مثلا على عقيدة ~~واحدة بملايينها الأربعمائة، ففيها الطاويون والبوذيون وأتباع كنفشيوس، وطوائف شتى لا تقيم ~~شعائرها في بيعة واحدة، وقد تواترت الأدلة على الرغبة في الإقلال من عدد المسلمين بين هؤلاء ~~في جميع الإحصاءات الحكومية وغير الحكومية، ولم تتبدل هذه الرغبة بعد إعلان الجمهورية، فقال ~~دكتور ليمان هوفر معتمدا على مراجع الحكومة العامة: إن عددهم يتراوح بين سبعة ملايين ~~وعشرة، وكشف الأستاذ أحمد علي الباكستاني عن خطأ هذا الإحصاء معتمدا على عدة مراجع، منها ~~دليل الصين الرسمي في سنة 1943، فإن تعداد سنكيانج وحدها في ذلك الدليل 4360020 وتعداد ~~قانصوه 6255467 وتعداد شنسي 9799617 وكلها بلاد إسلامية أكثر من فيها مسلمون، وهذا عدا ~~مسلمي يونان وشنغهاي ونتغسية وهم هناك قلة كبيرة، وعدا المسلمين بوادي اليانجستي، وقد ذكر ~~ولز وليامس إحصاءهم في كتابه الذي ظهر قبل خمسين سنة (1883) فقدرهم بناء على ذلك الإحصاء ~~بعشرة ملايين، ولا حاجة إلى شواهد أخرى أو إلى استقصاء سائر الأقاليم لإثبات تلك الرغبة في ~~الإقلال من عدد المسلمين الصينيين، فقد يرى بعضهم أن الجماعة الإسلامية التي كان ولاة الأمر ~~الصينيون يودون الإكبار من شأنها لم تذكر كل الحقيقة حين كتبت - بإذن ولاة الأمور - أنها ~~تمثل خمسين مليونا من الصينيين. # ووفرة العدد هنا لها شأنها الخطير في قارة كالقارة الآسيوية يتقدم اعتبار العدد فيها ~~اليوم على كل اعتبار. # وهناك شأن آخر لا بد من الالتفات إليه في كل كلام يتعلق بالجغرافية الإسلامية، فلا يخفى ~~أن البلاد الإسلامية تبتعد عن شواطئ البحار بتدبير أو بغير تدبير، وذلك مصدر ضعف لها في بعض ~~المواقع ومصدر قوة لها في المواقع الأخرى، فالمسلمون في وسط آسيا قوة؛ لأنهم هناك ميزان ~~القارة الداخلية لا يتم أمر من الأمور في سياسة العالم التي ترتبط بتلك المواقع إن لم يحسب ~~فيه حسابهم قبل كل حساب، ولكنهم في ms053 الجزر الهندية الشرقية يملكون الشواطئ فلا يهمل شأنهم في ~~كل سياسة عالمية لها علاقة بحرية، وهم في الباكستان شرقا وغربا يتوسطون البر والبحر، فلا ~~تنفصل سياسة القارة الآسيوية بعد النظر إلى هذه الاعتبارات كافة عن سياسة الإسلام. # وتعاصر هذه الجماعات الإسلامية الآسيوية أمم شتى لا تساويها في العدد، ولكنها ملحوظة ~~المكانة والمكان لغير ذلك من الاعتبارات، وفي طليعتها وادي النيل والبلاد العربية. # وادي النيل # فوادي النيل قضى القرن التاسع عشر كله - اسما ورسما - في حوزة الدولة العثمانية، ~~ولكنه كان قبل قيام الدولة العثمانية وبعد انحسار ملكها محور العالم الإسلامي، لجملة ~~أسباب تدور على الدين تارة وعلى السياسة أو الثقافة تارة أخرى. # فقد كانت القاهرة تحسب عاصمة الإسلام، وكان ملوك الإفرنج يخاطبون سلطانها باسم أمير ~~الإسلام إذا انتحل أحدهم لنفسه لقب الإمارة على المسيحيين، وكانت مصر طليعة الجيوش ~~الإسلامية في مقاومة الصليبيين، وبيت المقدس تابع لها في أيام تلك الحروب، ومضى زمن على ~~العالم الإسلامي في القرون الوسطى وهو لا يعرف قبلة لعلوم الدين أولى بالرحلة إليها من ~~الجامع الأزهر، وعظمت مكانتها أمام الغرب بعد الحروب الصليبية في عهد الاستعمار، وفي ~~عهد المسألة الشرقية، فكان الفيلسوف الألماني «ليبنتز» يغري لويس الرابع عشر بفتح مصر ~~للقضاء على المستعمرات الهولندية، ويقول له: إن هولندا لا تجسر حينئذ على معاداته؛ ~~لأنها تجر عليها غضب العالم المسيحي إذا حاربته وهو مشغول بفتح معقل الإسلام، ولما فكرت ~~الدول في أمر قناة السويس كان المركيز دار ~~جنسون # Dargenson # يروج للمشروع من الناحية الدينية فيقول: إنه فتح صليبي لجميع ~~المسيحيين. # وشاءت الحوادث، كما شاء حكم الموقع، أن تسبق مصر بلاد العالم الإسلامي إلى الحضارة ~~الحديثة؛ لأنها تنبهت إلى مزايا هذه النهضة عند وصول الحملة الفرنسية إليها بقيادة ~~نابليون بونابرت قبيل ابتداء القرن التاسع عشر، وكانت في حقيقتها حملتين: حملة عسكرية، ~~وحملة علمية يشترك فيها جلة العلماء من المختصين الثقات في كل علم حديث. # ويعتبر القرن التاسع عشر في مصر بمثابة الأزمة النفسية التي تصاحب سن الرشد في بواكير ms054 ~~الشباب، فاعتلجت فيها النفس المصرية بتجارب النكسة والتقدم وعوامل الأسر والحرية، ~~واستهلت أمة مصر سنواته الأولى بحركة من حركات الاستقلال تمثلت في إجماع القادة على عزل ~~الوالي العثماني، وترشيح وال يختارونه ليخلفه على شرطهم من الاستقامة في الحكم والتعفف ~~عن الحرمات والأموال، فتولى الأمر «محمد علي» ولجأ إلى النظم الحديثة في إدارة الدولة، ~~وتثمير الأرض، والانتفاع بماء النيل، ولولا إسرافه في العدة لتوسيع ملكه لأدركت البلاد ~~أضعاف ما أدركته من المنعة والتقدم بعد القضاء على عصابة المماليك. # وقد استفادت مصر في هذا القرن من الحضارة الأوروبية، وأوشكت أن تخلص لها فوائدها لولا ~~بقايا الامتيازات الأجنبية، وأثقال الديون، وشطط الولاة وعجزهم من أيام عباس الأول إلى ~~أيام توفيق بن إسماعيل، وفي عهد هذا تفاقمت بواعث السخط والنقمة، فثارت الأمة تطلب ~~الإصلاح، وتعالج أن تفك قيودها بتقييد سلطان الولاة، فتذرعت بريطانيا (العظمى) باختلال ~~الأمن في مصر لضرب الإسكندرية واحتلال القطر كله، ولم تنس أن تثير العصبية والطمع في ~~الغرب بدعوى حماية المسيحيين وحراسة حقوق أصحاب الديون، ولم يحدث قط أن مسألة الديون ~~سوغت احتلال شبر من الأرض في أوروبا أو أن اضطهاد المخالفين في الدين ضيع استقلال أمة ~~من غير الشرقيين. # وكان القرن التاسع عشر - كما أسلفنا - بمثابة الأزمة النفسية التي تصاحب سن الرشد في ~~بواكير الشباب، فحدثت فيه نكبة الاحتلال الأجنبي، وحدثت فيه قبل الاحتلال وبعده نهضة ~~الحرية في وجه الدولة صاحبة السيادة وهي الدولة العثمانية، وفي وجه حكام مصر وهم سلالة ~~محمد علي، وفي وجه السيطرة الفعلية وهي سيطرة المستعمرين، ويحسن بالمؤرخ الذي يعنيه ~~الاستقصاء في النهضات الفكرية على الخصوص أن يقرر في ثقة ويقين أن العصبية العمياء لم ~~تكن قط عاملا فعالا في حوادث مصر الهامة. فقد كان شعور مصر إسلاميا كلما أحس ~~العصبية من الغرب في عدائه للأمم الإسلامية، ولكن الهتاف بالسخط على «العثمانلي» كان ~~على لسان الخاصة والعامة، يدل عليه أن جماهير العامة كانت تنادي في أواخر أيام المماليك ~~مستنجدة بالمتولي لهلاك العثمانلي، وكان هتافها الذي لا ms055 يعقل أن يصدر من غير العامة «يا ~~متولي يا متولى. تخرب بيت العثمانلي»، وبعضهم يتعلم ويتخرج فيستبدل المتجلي بالمتولى، ~~وهو وما جرى مجراه مسطور في تواريخ مصر بأقلام المصريين والأجانب، وأقلام المسلمين وغير ~~المسلمين. # أما الخاصة: فمنهم الحزب السياسي الذي نادى «بمصر للمصريين» قبل نهاية القرن التاسع ~~عشر بعشرين سنة، وعلى رأسهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده أستاذ رجال الدين من ~~المصلحين، وأحد أصدقائه وتلاميذه سعد زغلول قائد الثورة بعد الحرب العالمية الأولى، ~~وكان وكيلا للهيئة النيابية التي تألفت في أوائل القرن العشرين باسم «الجمعية ~~التشريعية» وأثبتت أن الجماعات النيابية تنال منزلتها ومقدرتها على قيادة الأمم بفضل من ~~فيها من الأعضاء لا بمقدار ما لها من الحقوق في النصوص والأحكام. # البلاد العربية # ومن تاريخ الإصلاح الإسلامي في جزيرة العرب يبدو أن الإصلاح في العالم الإسلامي يخلق ~~حيث توافرت دواعيه على حسب البيئة. فهو سابق في المجتمعات التي تدور فيها المعيشة على ~~بساطة البداوة وما شابهها، وهو كذلك سابق في المجتمعات الحضرية التي تشعبت جوانبها، ~~وتركبت عناصرها، فلا يصلح لها ما يصلح للبداوة، وكل ما هنالك أن الإصلاح فيها يتأخر به ~~الزمن؛ لأنه يستلزم من الدواعي العلمية والاجتماعية ما لم يكن لزاما في البيئات ~~البدوية. # فالنهضة في مصر بدأت عند أوائل القرن التاسع عشر، ولكنها بدأت في الجزيرة العربية قبل ~~ذلك بنحو ستين سنة بالدعوة الوهابية التي تنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبدأت نحو ~~هذا الوقت في اليمن بدعوة الإمام الشوكاني صاحب كتاب «نيل الأوطار»، وكلاهما ينادي ~~بالإصلاح على نهج واحد: وهو العود إلى السنن القديم ورفض البدع والمستحدثات في غير ~~هوادة، وإنما تسامع الناس بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وظلت الدعوة الشوكانية ~~مقصورة على قراءة كتب الفقه والحديث؛ لأن الوهابيين هدموا القباب والأضرحة في الحجاز، ~~واصطدموا بجنود الدولة العثمانية في إبان حربها مع الدول الأوروبية التي اتفقت على ~~تقسيمها، ومثل هذا الاصطدام قد أودى بدولة علي بك الكبير في مصر، فانتقض عليه أعوانه، ~~وتمكن منه حساده بعد ms056 محالفته لروسيا في حرب الخلافة الإسلامية. # ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية، ولا في أرجاء العالم ~~الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجار، وسرت تعاليمه إلى ~~الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأعجب المسلمين أن سمعوا أن علة ~~الهزائم التي تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وأنهم خلقاء أن ~~يستجدوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع، والعودة إلى دين السلف الصالح في ~~جوهره ولبابه. # أما سياسة الاستعمار: فلم يفتها في هذه المرحلة أن تستغل التمرد على الدولة العثمانية ~~كما تستغل التنازع بين أمراء الجزيرة في داخلها وعلى شواطئها، فسارعت بريطانيا العظمى ~~إلى التعاقد مع أمراء الشواطئ على نوع من الحماية الخفية، وأحكمت عقودها هذه بعد فتح ~~قناة السويس، ومد السكك الحديدية إلى العراق، فلم ينقض القرن التاسع عشر حتى كانت قد ~~أحاطت الجزيرة العربية بحلقات من هذه الإمارات التي تخضع لها، وتعمل لها في السر ما لا ~~تستطيعه في العلانية. # الهلال الخصيب # والهلال الخصيب وسط بين مصر والجزيرة العربية في نهضة الإصلاح الديني ومجاراة الحضارة ~~الحديثة، فالمسلمون في بلاد الهلال الخصيب يشعرون بالحاجة إلى التغيير، ولكنهم لا ~~يلتمسونه في بساطة القديم، ولا تتوافر لهم الوسائل لالتماسه في العلوم الحديثة، وتقيدت ~~أحوالهم بأحوال الدولة التركية، فتعلم منهم من تعلم في المدارس التركية، وقدم بعضهم إلى ~~الجامع الأزهر بمصر أو تلقى العلم على منهاجه من علماء بلده. # ولما تسابقت الدول الغربية إلى فتح المدارس في لبنان وسورية لم يقبل عليها المسلمون؛ ~~لاعتقادهم أن التعليم فيها وسيلة للتبشير، وهو أمر لا يخفيه رؤساء تلك المدارس بعد ~~انقضاء جيلين على افتتاحها، ومنهم رئيس جامعة كبيرة يقول: إن التعليم خير الوسائل في ~~التبشير والتنصير. # ومن خدام الاستعمار: طائفة تمهد له بخدمة اللغة العربية تشجيعا لثورة العرب على دولة ~~الخلافة، واحتيالا على نفث بعض المغامز في طيات الكتب التي تنشرها، وإن خدام اللغة ~~هؤلاء لشاهد من شواهد شتى على أن ms057 العلم لا يخلو من الخير وإن ساءت النية عند ~~ناشريه. # وجملة الحال في بلاد الهلال الخصيب عند أواخر القرن التاسع عشر أنها تتقدم في نهضة ~~إسلامية تتوسط بين منهج محمد بن عبد الوهاب ومنهج محمد عبده، وأن هذه النهضة يمتزج فيها ~~طلب الحرية وطلب التجديد كأنها جيش ذو جناحين يذهب الجناح السياسي منهما بعيدا ، ويصطنع ~~الجناح الديني شيئا من الأناة والمحافظة. # وفي داخل هذا الهلال الخصيب فرق من المسلمين كالمناولة والدروز يحسبون من غلاة ~~الشيعة، ويذهبون إلى أقوال في مسألة الحلول ومسألة الإمامة يخالفهم فيها السنيون ~~والشيعة المعتدلون، وتكاد كل فرقة منهما أن تنطوي على عزلتها، إلا أفرادا منهم يقصدون ~~إلى معاهد العلم الحديث في لبنان ومصر والديار الأوروبية. # إفريقية الشمالية # أما في إفريقية الشمالية، فقد احتلت فرنسا الجزائر في سنة 1830، واحتلت تونس في سنة ~~1881، وسلكت في كل منهما السياسة التي تبصر من لا يبصر بأساليب الاستعمار سواء منه ما ~~ينتحل المبادئ الديمقراطية أو ينتحل الدعوة الدينية. # فنابليون الثالث قد منح المسلمين في الجزائر حقوقا كحقوق المواطنة، وهو عاهل مطلق ~~اليدين، ثم جاء غمبتا داعية الحرية فحرم المسلمين هذه الحقوق، وضاعفها لليهود. # وحكومة فرنسا وهي تنادي باعتزالها للدين تضع في «الميزانية» التي عجزت مواردها عن ~~مصروفاتها بابا واسعا لمعونة المبشرين في إفريقية الشمالية، ويعلن وزيرها في البرلمان ~~أن «السياسية اللادينية» تقف عند حدود فرنسا ولا تتخطاها إلى المستعمرات. # وقد ابتدأ القرن العشرون في الجزائر وتونس بنهضة من نهضات التقدم يستعجلها المجددون، ~~ويستمهلها المحافظون، ولم يبق من المحافظين في نهاية القرن التاسع عشر من يحرم الدستور؛ ~~لأنه بدعة مستمدة من الشرائع الغربية، ولكن أنصار القديم من هذا يتحرجون مما يتوسع فيه ~~أنصار التجديد. # وتم احتلال المستعمرين لإفريقية الشمالية باحتلال طرابلس في سنة 1911، فكانت الغنيمة ~~هذه المرة من نصيب الإيطاليين، وسمعت في إيطاليا قبيل الزحف على طرابلس أناشيد ~~«الصليبية» في نغم جديد، ولكنها سمعت أيضا بعد ذلك بزهاء ثلاثين سنة تمجيدا لغزوة ~~الحبشة، وابتهاجا بتخليص أثيوبية القديمة من «الهمج» الذين دنسوا دين ms058 المسيح! # مسلمو الحبشة # ومن أكبر المجاميع الإسلامية في القارة الأفريقية مسلمو الحبشة، وعدتهم مع المسلمين ~~في الصومال وإريترية لا تقل عن ستة ملايين. # وتجمع التواريخ التي كتبها الشرقيون والغربيون عن الحبشة في القرن التاسع عشر على سوء ~~حالهم واضطهادهم، وقد أمر أحد ملوكهم يوحنا بتنصير سكان الحبشة جميعا ومنهم المسلمون، ~~وجاء في إحدى الرسائل التي كتبها جوردون إلى أخته «أن يوحنا - ويا للعجب - يشبهني ~~تعصبا للدين وله رسالة سينجزها، وهي تنصير جميع المسلمين.» # 1 # وقد أشار ترمنغهام في كتابه عن «الإسلام في الحبشة» إلى أعمال يوحنا هذا فقال في صفحة ~~122: «إن بعض المسلمين تحولوا إلى بلاد الغالا أو المنخفضات الإسلامية أو البلاد ~~الوثنية حيث ينشرون دينهم، وبعضهم تنصر، ولكنه تنصر لا يعني لديهم إلا القليل؛ إذ كان ~~مقصورا على التعميد وأداء العشر، وقد قال الكاردينال ماسيا # Massaia ~~: إنه رأى بعينه أناسا منهم يخرجون من الكنيسة التي عمدوا فيها ~~إلى المسجد ليزيلوا أثر العمادة على يد الإمام.» # 2 # وبعد أن قتل هذا الملك في حربه مع الدراويش حسنت أحوال المسلمين بعض الشيء، ولكنهم ~~تعرضوا لمظالم شتى يذكرها السياح من الأوروبيين كما ذكرها السياح الشرقيون في كتب ~~الرحلات الحديثة. # السودان # ونريد بالسودان هنا جملة الأقطار الأفريقية التي يقطنها الزنوج، وفيه مسلمون في ~~جماعات قليلة أو متفرقون بين بواديه وقراه. # وموقف الحكومات الأجنبية في أقطار هذا السودان جميعا هو موقف المقاومة كما يؤخذ من ~~تقارير المبشرين والسياح من الأوروبيين، وقد تمنع هذه الحكومات رسالات التبشير من دعوة ~~المسلمين إلى النصرانية، ولكنها تيسر لهم عملهم كل التيسير في بلاد الوثنيين، فتبيح لهم ~~السفر إلى أقصى الجهات، وتحرمه على الجلابة والفقهاء وأصحاب الخلوات. # 3 # وصرح القس «شو» في سنة 1909 «بأن قبائل الوثنيين ما لم تدخل في المذهب الإنجيلي ~~قريبا، فهي حتما صائرة إلى الإسلام.» # وعقب ترمنغهام على هذا في كتابه عن محاولة المسيحية مع الإسلام في السودان، فقال في ~~صفحة 38: «ولكن هذا الخطر قد زال الآن.» # ويفهم من كتاب «السودان المتغير» # The Changing Sudan ms059 # تأليف ولسون كاش # Cash # أنه ما من قائد أو رائد أرسلته ~~مصر إلى أعالي النيل في القرن التاسع عشر بإيعاز من الدول إلا من رواد التبشير على وجه ~~من الوجوه. # التبشير على الإجمال # وبعد هذه الخلاصة العاجلة عن موقف الإسلام من الاستعمار في القرن التاسع عشر على ~~الخصوص، نوجز الموقف الذي تقفه منه جماعات التبشير بعد تجربة قرن كامل في مختلف ~~الأقطار. # فالتقارير التي كتبها رسل التبشير مجمعة على صعوبة تحويل المسلم عن معتقده إلى دين ~~آخر، وأكثر هؤلاء المبشرين تابعون لكنيسة روما أو للكنيسة الإنجيلية، ومنهم من يجتهد في ~~تحويل المسيحيين الشرقيين إلى مذهبه؛ لأن التحول من مذهب إلى مذهب في ديانة واحدة أيسر ~~من التحول من ديانة إلى أخرى. # وربما شجر النزاع بين المبشرين من المذهبين في أواسط أفريقيا وفي الشرق الأقصى من ~~آسيا، وربما انتهى أمرهم جميعا بين المسلمين إلى الكف عن الدعوة والاكتفاء بالقدوة ~~والتعليم على أمل النجاح بهما حيث أخفقت الدعوة الصريحة كما ذكر داعيتهم الكبير ~~ترمنغهام في كتابه عن محاولة المسيحية مع الإسلام في السودان. # وجملة الموقف الآن أن جماعات التبشير قد فرغت أو كادت من اتخاذ الإسلام هدفا لدعوة ~~التنصير، وهي تنظر إليه الآن نظرتها إلى منافس خطر في بلاد الوثنيين من الآسيويين ~~والأفريقيين، وإذا أمنت خطره فقد تستريح إليه للتعاون على مقاومة الدعوة إلى المذاهب ~~الهدامة أو مذاهب الإلحاد، وبخاصة في البلاد التي تصطدم لديها الكتلتان الشرقية ~~والغربية. # ويبدو لنا أن هذه الجماعات في الشرق إنما تطيل رسالتها لاستبقاء الإتاوات المخصصة لها ~~في بلادها، ولو كان بقاؤها على قدر نجاحها في التبشير؛ لعدلت عنه منذ عهد بعيد. # ولكن هذه الجماعات التي تمدها الإتاوات والحبوس من بلادها تتخفى بغرضها المدخول وراء ~~كل غرض ظاهر من التعليم أو التطبيب أو الإحسان، ولها أساليب ملتوية لمحاولة التأثير، ~~نذكر منها أسلوبا صغيرا اختبره كاتب هذه السطور في تشجيع بعض ذوي الأقلام، وغمط ~~الآخرين ممن يحذرون خدمتهم الثقافية، فلا يخفى على أحد في الشرق العربي أن كل ms060 ترتيب ~~للكتاب العشرين الذين تشيع كتبهم بين قراء العربية لا بد أن يرد فيه اسم كاتب هذه ~~السطور في آخر القائمة على الأقل إن لم يرد في أولها، ولكن إحدى هذه الجماعات زعمت أنها ~~تعني بترتيب الكتب العربية التي تقرأ في الشرق فلم يأت بينها ذكر لكتاب واحد ألفناه، ~~ولم تصنع شيئا بهذا السفساف إلا أن تدل على النية المدخولة والتواء الأسلوب، ومن دلالة ~~كهذه يظهر ما وراء هذه الجماعات من الغرض، وإن ابتعدت عنه في الظاهر غاية ~~الابتعاد. # الفصل السابع # | الدعوات ونهضات الإصلاح # أتى على الأمم الإسلامية حين من الدهر لم تكن شيئا مذكورا. # حرمت العلم والثروة والسلاح والحرية والمكانة السياسة، وهي عدة الأمم في تنازع ~~البقاء. # والويل للأمم التي تحرم هذه العدة في الحالتين. # والويل لها إذا أحست نقصها، والويل لها إذا غفلت عنه، ولم تفطن لمصابها. فإن إحساسها ~~بالنقص في جميع هذه العدد يذلها وييئسها، ويهون عليها الخضوع لغيرها، والاستسلام لسوء ~~مصيرها. # أما الغفلة عن النقص فهي أشد عليها من الإحساس به إن كانت هناك حالة أشد من حرمانها العلم ~~والثروة والسلاح والحرية والمكانة السياسية؛ لأنها تزيد عليها حرمانا آخر لا تزال له بقية ~~فيها، وهو الحرمان من محاولة التبديل إن كان للمحاولة سبيل. # ويحدث في بعض هذه الأحوال أن تتماسك الأمة بعض التماسك لاعتصامها بكبرياء الجنس أو ~~بكبرياء الدم والسلالة، وهي كبرياء تخامر النفوس بغير حجة، وتداخل الجاهل مداخلة العارف أو ~~أشد وأقوى. # فالجنس الأصفر ينظر إلى الأمم الأخرى كأنها الغريب المتطفل على العالم؛ لأن أوطانها في ~~عرفها هي مركز العالم ومحوره، فلا محل في خارجه لغير المتطفلين المشردين. # والجنس الأسود يعيب على جميع الأمم أنها لا تأخذ بعاداته ومراسمه، واليونان الأقدمون ~~كانوا يحسبون الناس ما عداهم في زمرة واحدة هي زمرة البرابرة، والمصريون يحسبون الناس ~~واليونان منهم أجلافا مستوحشين، والعرب يسمون غيرهم عجما، والعجم يأنفون من عيشة الصحراء ~~كأنها مسبة لمن يقبلها ومسبة لمن يفضلها على غيرها. # وكان للأمم الإسلامية أن تلوذ بهذه الكبرياء لولا ms061 أنها تنتمي إلى جميع الأجناس، وقد تنتسب ~~في رقعة واحدة إلى البيض والسود والصفر كما تنتسب إلى الآريين والساميين والحاميين، وأعلم ~~من فيها يعلم أنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى. # ففي هذه المحنة التي مرت بالأمم الإسلامية في عصر الاستعمار لم تكن لها غير عصمة واحدة: ~~وهي عصمة الدين. # عصمها؛ لأنها لم تهلك هلاك الأمم التي حرمت مقومات الحياة، وعدد الكفاح، فاستسلمت ~~ويئست، وأيقنت أنها أقل من سائر الأمم في جميع الصفات، وأنها محتاجة من تلك الأمم إلى كل ~~شيء. # عصمها؛ لأنها لم تهلك هلاك الأمم التي تجهل حاجتها، وتغفل عن نقصها؛ لأن نزولها منزلة ~~العبودية كاف وحده لتعريفها بتبدل حالها وقبولها ما ليس ينبغي أن تقبله وتستقر عليه. # بقي لها شيء يوحي إليها أنها ليست ضائعة محرومة من كل شيء بعد حرمانها العلم والثروة ~~والسلاح والحرية والمكانة السياسية. # ولم يكن هذا الشيء كبرياء الجنس العمياء، أو كبرياء الحيوانية في الإنسان؛ بل كان شيئا ~~يليق بالإنسان لأنه منوط بأشرف مزاياه، وهي مزية الضمير والوجدان. # بقي لها الإيمان بدينها. # بقي لها الإيمان بأنها في حالة لن تدوم، وأنها قمينة أن تغيرها لو غيرت ما بنفسها، وأن ~~الله يريد منها هذا التغيير، ويعينها عليه. # ولم يزل الإسلام منذ كان يعلم المسلم أنه مطالب بعلم الدين وعلم الدنيا، وأن نبي الإسلام ~~- فضلا عمن هو دونه - قد يقول لمن يهديهم: إنكم أعلم بأمور دنياكم. # وانحلت المعضلة الكبرى على هذه الصورة التي لا صعوبة فيها على النفس المسلمة، ففي وسع ~~الدول المستعمرة أن تتغلب بسلاحها، وفي وسع الأمم الإسلامية أن تدفعها بمثل ذلك السلاح إذا ~~ملكته، وعليها أن تملكه بأمر دينها. # هذه العصمة هي سر العقيدة الوافية الذي تلوذ به حين تخذلها كل عصمة، وهو قيمة حقيقية لا ~~تفرط فيها أمة متى وجدتها، ولا يكون التفريط فيها إلا علامة على الوهن والانحلال. # ولم تشعر الأمم الإسلامية بمثل هذا الشعور قبل عصر الاستعمار. # لم تشعر به في عهد الحروب الصليبية؛ ms062 لأنه خرجت منها، وهي مالكة لبلادها منفردة بانتصارها ~~وارتداد المغيرين عليها. # ولم يكن ثمة فارق في عدد القتال بينها وبين الصليبيين، فيدخل في روعها أنها مطالبة ~~باقتباسه مفتقرة إليه. # ولم يكن في أحوال الصليبيين ما تغبطهم عليه؛ بل كان الأكثرون منهم على حالة، يترفع عنها ~~بنو الحضارة، ويحسبونها من التخلف والهمجية. # أما صدمة الاستعمار فلم تكن من هذا القبيل، ولم تكن بالصدمة العابرة التي تمر في ساعتها، ~~ولا تترك بعدها عبرة للمعتبر ولا أثرا للمتأثر؛ بل كانت هي الصدمة الماثلة أمام كل نظر، ~~الملحة في كل حين، المتجددة في كل جهة، المعاودة على نحو واحد في جميع الأقطار، وعلى ~~اختلاف التجارب والأحداث. # وقد تقدم في خلاصة أحداث القرن التاسع عشر أن هزائم تركيا وإيران ومراكش ومصر كانت هي ~~نقطة التحول في تواريخ تلك الأمم، وأن الجامدين على القديم لم يؤمنوا بضرورة التحول إلا بعد ~~هزيمة من هذه الهزائم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. # وسيتبين من «رد الفعل» الذي أعقب هذه الهزائم أن «العالم الإسلامي» لم يزل بنية حية ~~تستجيب للمؤثرات، وتستبقي منها ما صلح وأجدى. # وتلك هي العلامة الصادقة على كل بنية حية. # علامتها أن تستجيب للمؤثرات، وأن تعالجها بما يصلح ويجدي، فلا يبقى في البنية عارض من حقه ~~أن يطرد وينفى. # إن رد الفعل الذي أعقب الهزائم أمام الاستعمار قد تنوع بكل نوع يخطر على البال، فكانت منه ~~الدعوة إلى معاودة القديم على قدمه، وكانت منه الدعوة إلى البدعة التي لم تسبقها سابقة، ~~وكانت منه الدعوة إلى حفظ الأصول واقتباس الجديد على توافق واتصال، وكانت منه الدعوة ~~الغالية والدعوة المعتدلة، فلم تستبق البنية الحية من جميع هذا إلا ما هو جدير بالبقاء، ~~ودلت البنية الحية بذلك على نصيبها من الحياة. # وسنعلم الأصلح من هذه الدعوات في خلاصة سريعة لما أرادته، ولما حققته، ولما تركته بعدها ~~غير قابل للتحقيق أو قابلا له على مدى من الزمن قد يقصر وقد يطول. # الدعوة الوهابية # كان أول هذه الدعوات في تاريخ ms063 ظهورها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ولد في ~~أوائل القرن الثاني عشر للهجرة ببلد العيينة من نجد في جزيرة العرب. # وسبق هذه الدعوة في تاريخها يرجع إلى بساطة المجتمع الذي ظهرت فيه، وإلى ابتعاده في ~~داخل شبه الجزيرة عن عوائق الحياة العصرية بين الأمم الإسلامية الأخرى التي تختلط فيها ~~عوامل السياسة والاجتماع. # وقد ترجم له المولى محمود الألوسي صاحب تفسير «روح المعاني» وهو بعض مريديه، فقال: ~~إنه «ابن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن ~~عمر بن معضاض بن ريس بن زاخر بن محمد بن علي بن وهيب التميمي النجدي صاحب الدعوة ~~المشهورة.» قال: «وقد نشأ الشيخ محمد في بلد العيينة من بلاد نجد في حجر أبيه الشيخ عبد ~~الوهاب بن سليمان القاضي في بلدة العيينة في زمن إمارة عبد الله بن محمد بن حمد بن عبد ~~الله بن معمر المشهور صاحب العيينة التي تزخرفت في أيامه، وذلك قبل انتقال الشيخ عبد ~~الوهاب إلى بلد حريملة من بلاد نجد. فقرأ الشيخ محمد على أبيه الفقه على مذهب الإمام ~~أحمد بن حنبل، وكان الشيخ محمد في صغره كثير المطالعة لكتب التفسير والحديث والعقائد، ~~فصار ينكر على أهل نجد كثيرا من الأمور، فلم يسعفه على ذلك أحد وإن استحسن إنكاره بعض ~~الناس، فسافر من بلده العيينة إلى حج بيت الله الحرام، فلما قضى نسكه صار إلى المدينة ~~فأخذ فيها عن الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلد المجمعة ~~المعروفة في ناحية سدير من نجد، والشيخ عبد الله هو والد الشيخ إبراهيم مصنف كتاب ~~«العذب الفائض في علم الفرائض.»» # وروى الألوسي في الهامش أن محمد بن عبد الوهاب كان عنده يوما فقال له: تريد أن أريك ~~سلاحا أعددته للمجمعة؟ قال محمد بن عبد الوهاب: نعم. قال: فأدخله منزلا فيه كتب ~~كثيرة، فقال: هذا الذي أعددت لها. # ثم استطرد الألوسي فقال: إن الشيخ محمد بن ms064 عبد الوهاب أنكر استغاثة الناس بالنبي # صلى الله عليه وسلم # عند قبره، ثم رحل إلى نجد، ثم إلى البصرة يريد الشام، فلما ورد البصرة أقام ~~فيها مدة، وأخذ على العالم الشيخ محمد المجموعي من أعلى المجموعة محلة من محال البصرة، ~~فأنكر أيضا أشياء كثيرة على أهل البصرة فأحس الناس به فآذوه وأخرجوه وقت الهجيرة، ولحق ~~بعض الأذى بالشيخ محمد المجموعي أيضا لمؤاتاته للشيخ محمد، فلما خرج الشيخ محمد بن عبد ~~الوهاب هاربا من البصرة، وتوسط الطريق فيما بين البصرة وبلد الزبير في وقت الصيف في ~~شدة الحر، وكان ماشيا على رجليه، كاد يهلك من شدة العطش، فوافاه رجل من أهل بلد الزبير ~~يسمى أبا حميدان، ووجده من أهل العلم، فسقاه الماء، وحمله على حماره حتى أوصله إلى بلد ~~الزبير. ثم إن الشيخ محمدا أراد السفر إلى الشام، فضاق زاده، فانثنى عزمه عن الشام ~~فقصد الأحساء فنزل بها عند الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي ~~الأحسائي. ثم خرج من الأحساء وقصد بلد حريلمة من نجد، وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قد ~~انتقل إليها من بلد العيينة سنة تسع وثلاثين ومائة وألف بعد وفاة عبد الله بن معمر صاحب ~~العيينة في الوباء الذي وقع بها فأفناها، وتولى فيها بعده ابن ابنه محمد بن حمد الملقب ~~بخرفاش، فوقع بينه وبين الشيخ عبد الوهاب منازعة، فعزله عن قضاء العيينة، وجعل مكانه ~~أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله النجدي قاضيا، فانتقل الشيخ عبد الله إلى ~~بلد حريلمة، ولما وصل الشيخ محمد إلى بلد حريملة لازم أباه، وقرأ عليه، وأظهر الإنكار ~~على أهل نجد في عقائدهم، فوقع بينه وبين أبيه منازعة وجدال، وكذلك وقع بينه وبين الناس ~~في بلد حريملة جدال كثير، فأقام على ذلك مدة سنتين حتى توفي أبوه الشيخ عبد الوهاب سنة ~~ثلاث وخمسين ومائة وألف. # ثم أعلن الشيخ محمد بالدعوة والإنكار على الناس، وتبعه أناس من أهل حريملة واشتهر ~~بذلك، وكان رؤساء بلد حريملة قبيلتين ms065 أصلهما قبيلة واحدة، وكل منهما يدعي الرئاسة، وليس ~~في البلد رئيس يحكم على الجميع، وكان لإحدى القبيلتين عبيد يقال لهم الحميان، وهم أهل ~~الفساد، فأراد الشيخ محمد أن يمنعهم من فسقهم وفجورهم، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن ~~المنكر، فهم العبيد ليلا بقتل الشيخ محمد خفية، فلما تسوروا عليه من وراء الجدار علم ~~بهم بعض الناس فصاحوا بهم، فانتقل الشيخ محمد من بلد حريملة إلى العيينة ورئيسها يومئذ ~~عثمان بن حمد بن معمر، فتلقاه بالقبول وأكرمه وحاول نصرته، وقال لعثمان: إني أرجو إن ~~أنت قمت بنصر (لا إله إلا الله) أن يظهرك الله وتملك نجدا وأعرابها، فساعده عثمان، ~~فأعلن الشيخ محمد بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشدد في النكير على الناس، ~~فتبعه بعض أهل العيينة، وقطع أشجارا كانت تعظم في تلك النواحي، وهدم قبة قبر زيد بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - عند الجبيلة، فعظم أمره، فبلغ خبره إلى سليمان بن محمد بن عزيز ~~الحميدي صاحب الأحساء والقطيف وما حوله من العربان، فأرسل سليمان كتابا إلى عثمان وكتب ~~فيه: إن المطوع الذي عندك قد فعل ما فعل وقال ما قال، فإذا وصلك كتابي فاقتله، فإن لم ~~تقتله قطعنا خراجك الذي عندنا في الأحساء، وكان خراجه ألفا ومائتين ذهبا وما يتبعها ~~من طعام وكسوة. # فلما ورد الكتاب إلى عثمان لم تسعه مخالفته، فأرسل إلى الشيخ محمد وأخبره بكتاب ~~سليمان، وقال له: لا طاقة لنا بحرب سليمان، فقال الشيخ محمد: إنك إن نصرتني ملكت نجدا، ~~فأعرض عنه عثمان، وأرسل إليه ثانيا أن سليمان قد أمرنا بقتلك في بلدنا، فشأنك ونفسك ~~وخل بلادنا، وأمر فارسا يقال له الفريد الظفيري بإخراجه من البلد، فركب الفارس جواده ~~والشيخ يمشي على رجليه أمامه وليس معه إلا المروحة، وذلك في أشد الحر من الصيف، فهم ~~الفارس بقتله في الطريق، فكف الله يده عنه لما أصابه من الرعب والخوف العظيم وخلى سبيل ~~الشيخ، فصار الشيخ إلى الدرعية، وكان ذلك سنة ستين بعد المائة والألف، ووصل إليها وقت ~~العصر، فنزل في ms066 بيت عبد الله بن سويلم العريني، فلما دخل عليه ضاقت به داره، وخاف على ~~نفسه من محمد بن سعود صاحب الدرعية، فوعظه الشيخ وسكن جأشه وروعه، وقال: سيجعل الله لنا ~~ولك فرجا، فاستقر فأراد أن يخبر محمد بن سعود بحاله ويرغبه في نصرته، فالتجأ إلى أخويه ~~مشاري وثنيان ولدي سعود وزوجته موخي بنت أبي وحطان من آل كثير، وكانت ذات عقل وفهم، ~~فأخبروها بحال الشيخ وصفته من الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقذف الله ~~محبة الشيخ في قلبها، فأخبرت زوجها محمد بن سعود بحاله، وقالت له: إن هذا الرجل أتى ~~إليك، وهو غنيمة ساقها الله تعالى إليك، فأكرمه وعظمه، واغتنم نصرته، فقبل قولها، وألقى ~~الله محبته في قلبه، ورغبوا محمد بن سعود في زيارته لعل ذلك يكون سببا لتعظيم الناس له ~~وإكرامه، فسار محمد بن سعود إليه، فلما دخل عليه في بيت ابن سويلم رحب به، وقال: أبشر ~~بالخير والعزة والمنعة، فقال له الشيخ: «وأنا أبشرك بالعز والتمكين والغلبة على جميع ~~بلاد نجد، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد ~~والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.» # واستطرد الألوسي إلى تعاهد الرجلين على النصرة؛ إذ قال الشيخ للأمير: «أما الأولى: ~~فامدد يدك، فمدها وقبضها، وقال له: الدم بالدم والهدم بالهدم # 1 ~~... وأما الثانية: فلعل الله تعالى يفتح عليم الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو ~~خير منه، أي من خراج أهل الدرعية. فبايع محمد بن سعود الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ~~الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى استقامة الشعائر.» # إلى أن قال: «ثم أمر أهل الدرعية بالمقاتلة معهم، فامتثلوا أمره، وقاتلوا أهل نجد ~~والأحساء دفعات كثيرة إلى أن أدخلوهم إلى طاعتهم، وحصلت إمارة بلاد نجد وقبائلها جميعا ~~لآل سعود بالغلبة، وكان الشيخ كثير العطايا بحيث كان يهب كل ما غنمه الجيش مع كثرته إلى ~~رجلين أو ثلاثة، وفي تاريخ ابن بشر إلى حمد ms067 وابنه عبد العزيز، وكانت الغنائم تسلم بيده، ~~ثم هو يضعها حيث يشاء، ويعطيها إلى من يشاء، ولا يأخذ أمير نجد شيئا من ذلك إلا بأمره، ~~ولما فتحوا الرياض من بلاد نجد، واتسعت بلادهم، وأمنت الطرق، وانقاد لهم كل صعب - عرض ~~الشيخ أمور الناس وأموال الغنائم إلى عبد العزيز الأمير، وانسلخ الشيخ، وتفرغ للعبادة ~~وتعليم العلم، ولكن لا يقطع عبد العزيز الأمير ولا أبوه أمرا ولا ينفذ حكما إلا بأمر ~~الشيخ محمد، وتوفي الشيخ المشار إليه في سنة ست بعد المائتين والألف، وهي السنة التي ~~غزا فيها سعود بن عبد العزيز ناحية جبل شمر، وأخذ أهله، وكسب منهم أموالا كثيرة منها ~~ثمانية آلاف بعير، وقتل منهم عدة رجال، فأخرج خمسها وقسم الباقي على جيشه.» # قال الألوسي: «وله من التصانيف كتب كثيرة، منها: كتاب التوحيد، وتفسير القرآن، وكتاب ~~كشف الشبهات ... وغير ذلك من الرسائل والفتاوى الفقهية والأصولية، وأعقب أربعة أولاد كلهم ~~من أجلة العلماء، وهم الشيخ حسين والشيخ عبد الله والشيخ علي والشيخ إبراهيم، تغمدهم ~~الله برحمته أجمعين.» # والكتاب الذي تضمن دعوة الشيخ من هذه الكتب التي ذكرها المولى الألوسي هو كتاب ~~«التوحيد ... حق المولى على العبيد» وفيه يحصي الشيخ الذنوب التي تكفر صاحبها وتعتبر ~~شركا بالله، وأكثرها من البدع والخرافات، والمغالاة بتعظيم الأحبار، والأولياء، ومن ~~الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، ومن الشرك: اتخاذ الرقى ~~والتمائم للوقاية والتبرك بالشجر والحجر، والذبح لغير الله والنذر لغير الله والاستعاذة ~~بغير الله، والعبادة عند القبور، وأن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من ~~دون الله، وأن الكهانة والعيافة والتطير والتنجيم من الشيطان، وأورد الشيخ الآيات ~~والأحاديث التي تحرم الاستسقاء بالأنواء، وأنكر على المتصوفة تأويلاتهم وخوارقهم، ~~واستشهد على تحريم الصور بما ورد عن مسلم: # ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي. # 2 # ويقول النبي عليه السلام في رواية عائشة: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون ~~بخلق الله.» وحذر من المغالاة في تعظيم النبي عليه السلام مستشهدا بقول أنس: إنا ناسا ms068 ~~قالوا يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «أيها الناس قولوا ~~بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق ~~منزلتي التي أنزلني الله عز وجل.» # وكان الشيخ ينكر الغلو، ويستشهد بقول الرسول عليه السلام: «إياكم والغلو، فإنما أهلك ~~من كان قبلكم الغلو»، وقوله عليه السلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك ~~المتنطعون.» # ولا آخر للمناقشات التي دارت حول دعوة ابن عبد الوهاب مقابلة لتفسير بتفسير أو لآية ~~بآية أو لحديث بحديث أو مخالفة لما يفهم من مقاصد هذه الآيات وهذه الأحاديث، فلا يعنينا ~~هنا أن نفصلها أو نخوض مع الخائضين في جدلها، ولكننا نرى في جملة ما تصفحناه من الآراء ~~المتقابلة أن الإجماع منعقد أو يكاد على استنكار البدع والخرافات التي ذكرها ابن عبد ~~الوهاب، ولكن الخلاف على الشرك والتكفير، أو على درجة الشرك الذي يخرج صاحبه عن الملة، ~~وأكبر من خالف الشيخ في ذلك أخوه الشيخ سليمان صاحب كتاب الصواعق الإلهية، وهو لا يسلم ~~لأخيه بمنزلة الاجتهاد والاستقلال بفهم الكتاب والسنة، ويقابل تفسيراته بتفسيرات تذهب ~~في غير مذهبها، ويعتمد على ابن تيمية وابن القيم في مناقشة أخيه، فيقول: إن من أصول أهل ~~السنة المجمع عليها كما ذكراها «أن الجاهل والمخطئ من هذه الأمة يعذر بالجهل والخطأ حتى ~~تتبين الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحا لا يلتبس على مثله، أو ينكر ما هو معلوم ~~بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا جليا قطعيا يعرفه كل من ~~المسلمين.» ويرى أن البدع التي يمر بها الأئمة جيلا بعد حيل ولا يكفرون أصحابها لا ~~يكون الكفر فيها من اللزوم الذي يوجب القطع به ويستباح من أجله القتال، ويقول في ذلك: ~~«إن هذه الأمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد في زمان أئمة الإسلام، وأنكرها من أنكرها ~~منهم، ولا زالت حتى ملأت بلاد الإسلام كلها وفعلت هذه الأفاعيل كلها التي تكفرون بها، ~~ولم يرو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفروا بذلك، ولا ms069 قالوا هؤلاء مرتدون، ولا أمروا ~~بجهادهم، ولا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم أنتم، بل كفرتم من لم يكفر ~~بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها. أتظنون أن هذه الأمور من الوسائط التي يكفر فاعلها ~~إجماعا، وتمضي قرون الأئمة من ثمانمائة عام، ولم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنها ~~كفر؟ نبهنا الله وإياكم من الضلال.» # وظاهر من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتا، فاشتد كما يشتد من ~~يدعو غير سميع، ومن العنت إطباق الناس على الجهل، والتوسل بما لا يضر ولا ينفع، والتماس ~~المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد غبر على البادية زمان يتكلون ~~فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلا ~~بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقا على الدعاة أن ~~يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية أنها صرفتهم عن ألوان من البدع ~~والخرافات، ولكن المهم في الإصلاح أن ينصرفوا عن الجهل الذي يوقعهم في بدع غير تلك ~~البدع، وخرافات غير تلك الخرافات، وأن يكون النهي على قدر الضرر الزائل وعلى قدر النفع ~~المنتظر، وهذا ما بقي للزمن أن يحكم فيه بعد دعوة ابن عبد الوهاب. # السنوسية # وتقارب الوهابية في عصرنا دعوة أخرى في البادية هي السنوسية التي تنسب إلى السيد محمد ~~بن علي السنوسي الخطابي الذي ولد ببلدة مستغانم من بلاد الجزائر (سنة 1787). # والدعوتان تتشابهان في حماسة الدعوات البادية، وفي نبذ البدع والخرافات، والرجوع ~~بالإسلام إلى الكتاب والسنة، ولكنهما تختلفان بعد ذلك في أمور كثيرة. # فليست السنوسية مذهبا ولا نحلة، ولا نقضا لمذهب من المذاهب، وإنما هي «أخوة» في ~~الله أو طريقة يتبعها من شاء من المسلمين، ولا يطلب منه عند اتباعها غير قراءة الفاتحة ~~على العهد، واتباعها على درجات أولها درجة الخواص ثم الإخوان ثم المنتسبون، ولا فرق بين ~~هذه الدرجات في غير العلم والإخلاص وحسن السيرة والولاء للآخرين، ولا يشترط في درجاتها ~~العليا أن تنحصر في البيت ms070 السنوسي؛ بل يكون منهم الأقرباء وغير الأقرباء. # والسنوسي مجتهد، ولكنه يتبع مذهب الإمام مالك إلا في القليل الذي صح عنده أنه أقرب ~~إلى السنة، ولا يتصدى بالنقض لأحد من الأئمة؛ بل كان أبغض الأشياء إليه - كما قال الشيخ ~~محمد بن عثمان الحشايشي في رحلته - أن يسمع مقالة السوء في إمام أو غير إمام، وقد تعرض ~~للقتل من جراء اجتهاده، وألمع الأستاذ الإمام محمد عبده إلى ذلك في كتابه عن الإسلام ~~والنصرانية؛ إذ يقول: «ألم يسمع السامعون أن الشيخ السنوسي كتب كتابا في أصول الفقه ~~زاد فيه بعض مسائل على أصول المالكية، وجاء في كتاب له ما يدل على دعواه أنه ممن يفهم ~~الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، وقد يرى ما يخالف رأي مجتهد أو مجتهدين فعلم بذلك أحد ~~المشايخ المالكية، وكان المقدم من علماء الجامع الأزهر الشريف، فحمل حربة وطلب الشيخ ~~السنوسي ليطعنه بها؛ لأنه خرق حرمة الدين، وتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين، وربما كان ~~يجترئ الأستاذ على طعن الشيخ السنوسي بالحربة لو لاقاه، وإنما الذي خلص السنوسي من ~~الطعنة، ونجى الشيخ المرحوم من سوء المغبة، وارتكاب الجريمة باسم الشريعة: هو مفارقة ~~السنوسي للقاهرة.» # وقد اجتهد الشيخ في مذهبه بعد أن حضر دروس الفقه والتفسير والحديث في بلده وفي مراكش، ~~ولقي العلماء بمصر ومكة واليمن، وصاحب بعض أئمة الطرق في المغرب والمشرق، ثم ضاقت به ~~سبل الدعوة تحت نظر الحكومة العثمانية التي كانت تتوجس من أمثال هذه الدعوات، فعكف على ~~زاويته البيضاء، واختار لمقامه واحة جغبوب وبنى بها مسجدا ومدرسة للعلوم الدينية، ~~واستصوب أن ينشر طريقته بنشر الزوايا في أرجاء العالم الإسلامي؛ فانتشرت حيثما استطاع ~~بين برقة وطرابلس ومصر والسودان وبلاد العرب، واطلعنا في كتاب «سنوسي برقة» الذي ألفه ~~برتشارد على أسماء مائة وست وأربعين مدينة وقرية فيها زوايا للطريقة، ويوشك أن يكون ~~شيوخ هذه الزوايا مرجعا لأتباعهم في أمور الدين والدنيا يرشدونهم إلى الفرائض ~~والواجبات، ويفضون خصوماتهم، ويكفونهم عن الشر كما قال ابن مقرب: # فكم من حريم قد أباحوا ms071 وأجحفوا # بمال غني لا يخافون عاديا # فأرشدهم للرشد من حل بينهم # فلا زال مهديا ولا زال هاديا # وكم بدوي في الفلا خلف ناقة ~~«يجول» على الأعقاب أشعث حافيا # تلقاه في مهد الضلالة هاويا # فأصبح نجما في الهداية عاليا # وكم من جهول أسود اللون خلقة # كساه لباس العلم أبيض صافيا # ولا تبيح السنوسية الغلو في تقديس المشايخ الأحياء أو الأموات، ولا تأذن لأتباعها أن ~~يذكروا ميتا عند قبره بغير الدعاء له والترحم عليه، ولكنها لا تمنع اللياذ بالمقامات ~~للعظة والتبرك، وشرعتها في ذلك أنها نشأت حيث كانت مقامات المرابطين من عهد الأندلس ~~فأرادت أن تجددها، ولا تشعر أهل الصحراء بالتقحم عليها. # وكان الشيخ السنوسي - بخلاف الغالب على مشايخ الطرق - خبيرا بأحوال السياسة ~~العالمية، فوقر في ذهنه أن النابلطان، أي الإيطاليين، مغيرون لا محالة على برقة في يوم ~~قريب، فأوغل بمقامه إلى واحة الكفرة على طريق السودان؛ ليشرف من ثم على تعليم أهل ~~الصحراء جنوبا وشمالا وشرقا وغربا، ويهيئ في جوف الصحراء ملاذا لمن تقصيهم غارات ~~المستعمرين عن السواحل ومدن الحضارة. # وتوفى الشيخ سنة 1859 فدفن بالجغبوب حيث بنى مزاره الكبير، وخلفه على إمامة الطريقة ~~ابن أخيه السيد أحمد الشريف. # وقد كان أثر الطريقة السنوسية في المغرب والسودان والصحراء الكبرى أثرا صالحا في ~~جملته، وشهدنا ما لأبناء الشيخ وعشيرته من السلطان الروحي بين أهل البادية في رحلتنا ~~الانتخابية يوم كنا نرشح للنيابة عن الصحراء، فرأينا من هذا السلطان ما لم تبلغه القوة ~~ومخافة السطوة، وحدث مرة أن واحدا من أصحابنا ألقى على جمع من البدو إلى جوار بيت ~~السيد السنوسي بمرسى مطروح أكوابا من الورق المقوى لشرب الماء، فتهافتوا عليها، وتعذر ~~على الجند أن يفضوهم بالحسنى، فما هو إلا أن نهض السيد إبراهيم، وناداهم إلى قراءة ~~الفاتحة حتى تركوا ما هم فيه جميعا، وقاموا يتبعونه في تلاوتها، ثم أومأ إليهم ~~فانصرفوا بسلام. # ويرى العارفون بالصحراء أن هذا السلطان الروحي ينبسط إلى جوفها الأقصى، ويهدي أبناءها ~~مع حسن التعهد والقوامة إلى سبيل الصلاح ms072 والتعمير. # طرائق أخرى # وقد عاصرت الوهابية والسنوسية حركات كبيرة أكثرها من قبيل الطرائق و«الأخوات» ~~التي تنشر الزوايا والخلوات في البوادي الشاسعة كالصحراء الغربية وما يليها، ومنها ~~طرائق تضارع في كثرة أتباعها الوهابية والسنوسية، ولكنها نمط آخر من الحركات الإسلامية ~~التي لا ترتبط بحوادث القرن التاسع عشر أو القرن العشرين خاصة، ويصح أن تظهر قبل ثلاثة ~~قرون أو أربعة كما يصح أن تظهر بعد العصر الحاضر في بيئاتها التي تلائمها فليست هي من ~~قبيل رد الفعل للعوارض السياسية أو الاجتماعية التي أصابت الدول الإسلامية في القرون ~~الأخيرة؛ لأن أمثالها من حركات الاعتكاف قد ظهر قبل ستمائة سنة، وشعاره الغالب عليه «دع ~~الخلق للخالق» بخلاف الحركات الأخرى التي تتصدى لشئون السياسة بالتأييد أو بمقاومة تهيئ ~~العدة للمستقبل في هذا الميدان. # وأكبر الطرائق التي عاصرت الدعوة السنوسية على وجه التقريب طريقتان: إحداهما: شاعت في ~~المغرب وشواطئه، ثم في السودان وآسيا الصغرى وهي الطريقة التجانية، والأخرى: شاعت في ~~الحجاز، ثم في مصر والسودان، وهي الطريقة الميرغنية. # وتنسب الطريقة التجانية إلى تجان بالمغرب حيث أقام إمامها الشيخ «أحمد محمد المختار» ~~الذي ولد بقرية «عين ماضي» سنة 1737 ميلادية، وكان في شبابه من أتباع الطريقة الشاذلية، ~~ثم دعا إلى طريقته بعد أن جاوز الأربعين، من آداب الطريقة: أنها لا تناهض الحكم القائم، ~~ولا يعني أتباعها بعد الولاء لشيخها بتغيير السلطان حيث كان، فمنهم من بايع الدولة ~~الشريفية بمراكش، ومنهم من بايع محمد سعيد باشا بمصر واعتبره من الزمرة التجانية، ومنهم ~~من كان يسفر بين سلطان دارفور والسلطان العثماني عبد المجيد، ولكنهم لا يقبلون الهوادة ~~في مسألة الولاء للشيخ الكبير، ويرتابون أشد الريب فيمن يشرك في ولائه أحدا غير إمام ~~طريقته كأنه قابل لأن يتدرج من ذلك إلى المشاركة في ولائه لنبيه وخالقه، وقد قال صاحب ~~كتاب الرماح، وهو من كتبهم المعدودة، إن «من أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده ألا ~~يشرك في محبته غيره، ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه، ويتأمل ms073 ~~ذلك في شريعة نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن من سوى رتبة نبيه # صلى الله عليه وسلم # برتبة غيره من النبيين ~~والمرسلين في المحبة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع، فهو عنوان ~~على أن يموت كافرا إلا أن تدركه عناية ربانية.» # ويعرف أتباع التجانية في السودان باسم «الفلاتة» وهو الاسم الذي يطلق في الغالب على ~~الغرباء المهاجرين من شواطئ إفريقية الغربية، ومن أتباعها من يقيم الآن في آسيا الصغرى، ~~ويحاول أن يسترد حريته في نشر الدعوة إلى الطريق وإلى شعائر الدين. # ويرجع الفضل الأكبر في انتشار الطريقة الميرغنية إلى السيد محمد عثمان الميرغني ~~المتوفى سنة 1853 ميلادية، أحد تلاميذ السيد أحمد بن إدريس بالحجاز، وقد زامله في هذه ~~التلمذة السيد السنوسي الكبير، وكلاهما عالم فقيه واسع التحصيل، ولكن الميرغني أقرب إلى ~~خلائق العزلة والتعمق في الأسرار الصوفية، وزميله السنوسي أقرب إلى خلائق الدأب ~~والمجاهدة والسياسة العملية، ولهذا كان الملوك والأمراء يتتبعون أخباره، ويخشون بأسه من ~~سلطان القسطنطينية إلى سلطان دارفور، وكان المحافظون من العلية والرؤساء في الحجاز ~~يميلون إلى الطريقة الميرغنية، ويوجسون خيفة من شيوع السنوسية بين أهل البادية العربية ~~والبادية المغربية، ولم يتفق التلميذان بعد شيخهما الكبير ولكنهما لم يتنازعا في مكان ~~واحد، وانقسم الميدان لهما بغير تقسيم. # كان الشاغل الأكبر للسيد محمد عثمان في شبابه أن يبحث عن الحقيقة الصوفية حيثما وجد ~~سبيلا إليها، فاتبع الطريقة النقشبندية، ثم الطريقة القادرية، ثم الطريقة الجنيدية، ثم ~~الطريقة الشاذلية طريقة أستاذه أحمد بن إدريس، وقد ندبه أستاذه للدعوة باسمه في مصر ~~والسودان، فبرح الحجاز إلى القصير، وقصد إلى أسوان من طريق النيل، فانتشرت دعوته بين ~~النوبيين، وبرح مصر من ثم إلى السودان، ونجح نجاحا طيبا بين أهل دنقلة وكردفان، ~~واتبعه كثيرون من قبائل البجاة. # ثم قفل إلى الحجاز، وواظب على حضور الدروس، وملازمة أستاذه الكبير إلى يوم وفاته (سنة ~~1837) ولكنه أحس العداء ممن كانوا ينافسونه في مكة، فعكف على العبادة بالطائف، واكتفى ~~بجهود ولديه في نشر الدعوة؛ إذ اتجه السيد محمد ms074 سر الختم إلى اليمن، واتجه السيد الحسن ~~إلى سواكن فالتف به المريدون من قبائل بني عامر والحلانقة وأكثرهم من البجاة. # ولم تظهر في العهد الحديث طريقة أكبر من هذه الطرق الثلاثة: وهي السنوسية والتجانية ~~والميرغنية، ويستلفت النظر أن هذه الطرق جميعا تشيع بين السنيين، وقلما تشيع بين ~~الشيعة ولا سيما الشيعة الإمامية، ولعلها بين السنيين بديل من اعتقاد الشيعة في الإمامة ~~المنتظرة بشروطها الخاصة التي يصعب ادعاؤها بغير ادعاء المهدية، وهي دعوة كبيرة يشتد ~~الشيعة أنفسهم في محاسبة من يجترئ عليها، فلا يتيسر برهانها، ولا تخلو من المخاطرة؛ ~~لأنها تصطدم بسلطان الدولة وسلطان الدين. # الفصل الثامن # | المصلحون والمعلمون # السيد أحمد خان # تقدم أن النهضة الإسلامية في القرن التاسع عشر قد اتسعت لكل تجربة من تجارب الإصلاح: ~~إصلاح بالعودة إلى القديم، وإصلاح بالتجديد، وإصلاح بإحياء الحماسة الدينية، وإصلاح ~~بمجاراة الحضارة العصرية، ودعوات يقوم بها الثائرون وأخرى يقوم بها المتطهرون ~~المعتكفون، وغير هذه وتلك دعوات يقوم بها المعلمون والمهذبون، وسنرى أن هذه الدعوات - ~~دعوات المعلمين المهذبين - كانت ألزم دعوات الإصلاح، وأبقاها أثرا، وأوفقها لكل زمان ~~ومكان، وأبعدها من أن تضيع عبثا كيفما كانت أحوال الأمم التي تنجم فيها، وتنمو بين ~~ظهرانيها. # وقد ظهرت في أهم البيئات التي ينبغي أن تظهر فيها، وفي الزمن الذي ينبغي أن تظهر ~~فيه. # ظهرت في الهند وفي مصر وفيما بينهما من بلاد الشرق الأوسط، وكان قادتها على هذا ~~الترتيب الزماني: السيد أحمد خان الهندي، والسيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده ~~المصري، وهو المصلح المخضرم بين عصر الجمود وعصر اليقظة والتقدم. # ولد السيد أحمد خان سنة 1817 بمدينة دلهي بالهند، ولا تزال للدولة المغولية بقية ~~فيها، وكانت أسرته لأبيه وأمه من كبار المتصلين بها، وخاله فريد الدين أحد وزرائها، وقد ~~أنعم عليه بهادر شاه - آخر ملوكها - بلقب «أستاذ الحرب» بعد وفاة والده، ولما يبلغ ~~العشرين. # وكان التقليد المرعي بين مسلمي الهند مقاطعة الوظائف في ظل الحكم الإنجليزي، ولكن ~~نشأة أحمد خان بين رجال الدولة رشحته لولاية الوظائف، ms075 فلم يرفض الوظيفة التي عرضت عليه ~~في سلك القضاء. # وانفجرت ثورة الهند «1857» وهو قاض في بجنور، فحال جهده بين الثوار وقتل المسالمين ~~والنساء، ولم يمنعه ذلك أن يؤلف كتابه في أسباب الثورة فيلقي تبعتها على الإدارة ~~الإنجليزية، ويدحض ما قيل من تدبير هذه الثورة في بلاد الأفغان بإيعاز من الحكومة ~~الروسية؛ «لأن أسبابها الوطنية كافية لنشوبها مغنية عن كل تدبير يتسلل إليها من خارج ~~البلاد الهندية»، روي عن السيد أحمد خان، وهو طفل صغير، أنه دعي مع أنداده وأهليهم إلى ~~بلاط بهادر شاه فنودي عليه مع التلاميذ الذين استدعاهم الملك لتشجيعهم ومكافأتهم فلم ~~يجب، وتكرر النداء ولا جواب، ثم وجده رجال الحاشية منزويا في مكان قريب، فسألوه: لم ~~لم تجب حين نودي باسمك بين زملائك، فلم يحجم أن يذكر السبب الصحيح، وهو أنه انتظر وطال ~~انتظاره فاستسلم للنوم! # وضحك رجال الحاشية، وظنوا أنه سبب لا يقال في حضرة ملك، فلم يشأ الصبي الصغير أن ~~يتلطف في الاعتذار، ويتعلل بسبب غير هذا السبب الصحيح. # ولم يتغير أحمد خان بعد أن جاوز الأربعين، فإنه كاشف أبناء قومه بعلة جمودهم، ولم ~~يقبل قط أن يتملقهم، ويخفي عنهم أسباب قصورهم وعجزهم، وصارح الدولة الحاكمة بأسباب ~~الثورة، وما يقع عليهم من تبعاتها، وصارح أبناء قومه بتبعاتهم، فكانت خلاصة هذه التبعات ~~في رأيه أنهم «نائمون». # وقد وصف السيد أحمد خان بالأناة والحذر، وكاد المترجمون له أن يصفوه بالمبالغة في ~~أناته وحذره، ولكنهم لو وصفوه بالإقدام أو الهجوم لوجدوا الدلائل على ذلك أظهر وأكثر من ~~دلائل الأناة إن كان معنى الأناة أن يتخلف المستأني عن العمل في حينه، فما توانى أحمد ~~خان عن مصارحة الإنجليز بتبعاتهم وعيوب إدارتهم، وما توانى عن مصارحة قومه بجمودهم ~~وعجزهم ووسائل الخلاص من نكبتهم، وما توانى بعد ذلك عن مصارحة الهند كلها بتنظيم الحياة ~~النيبابية فيها على النحو الذي يصلح لجميع أبنائها مع تعدد النحل وتفاوت النسبة في ~~توزيع السكان، ولكنه كان يتأنى حين يخشى مغبة العجلة ولا يؤمن بجدواها، وكانت هذه ms076 ~~الأناة منه أدل على الشجاعة من الهجوم السريع؛ لأنه كان يغضب بها أضعاف من يرضيهم ~~بالتعجل في غير جدوى. # وقد عرف مكامن الضعف في قومه، ولم تخف عليه مكامن القوة في الدولة الغالبة على وطنه، ~~فجزم بضرورة التعليم الحديث، ثم بدأ بإرسال ابنه إلى الجامعات الإنجليزية، واعتزم أن ~~يصحبه إليه ليطلع بنفسه على حقائق الحضارة الأوروبية في بلادها، وقد لخصها في جوهرها ~~أحسن تلخيص، فجمع حقائقها النافعة في كلمتين: وهما العلم والخلق، ورأى أن الشباب المسلم ~~لا يكسب الخلق المتين بغير دين، فلخص برنامج الإصلاح عنده في الدين المستنير، وجعل ~~شعاره كله كلمة واحدة يعيدها مرات وهي: علم، ثم علم، ثم علم، أو تعلم، ثم تعلم، ثم ~~تعلم، بغير انقطاع عن التعلم أو التعليم. # ولما توفي وهو في الحادية والثمانين كان للمسلمين في الهند مدرسة كلية عالية ومدارس ~~حديثة متفرقة، وكان لهم ما هو أهم من ذلك وألزم؛ وهو الوجهة المرسومة، ومعالم الطريق ~~التي لا تخفى على ذي عينين، وقد خطا السيد أحمد خان هذه الخطوة التي أحجم عنها معاصروه؛ ~~لأنهم لا يعرفونها ولا يجسرون عليها، فعرفها ولم يحجم عنها، وقال من قال: إنها لخطوة ~~عظيمة واستصغرها آخرون، فقالوا: إنه قد أطال الأناة فيها، ولكنهم مجمعون على أنها هي ~~الخطوة التي لا بد منها في البداءة، فلا تتأتى الخطوات التالية إلا بعد الإقدام عليها، ~~وقد أقدم عليها، فاتبعه في الطريق من يؤثر العجلة ومن يؤثر الأناة. # جمال الدين # والمعلم الأكبر جمال الدين من أبناء الأقاليم الوسطى، بين الهند والبلاد العربية ~~وبلاد الدول العثمانية، وكأنما شاءت العناية أن يولد حيث يتوسط العالم الإسلامي، ويتولى ~~فيه دعوة الإصلاح والتعليم من أقصاه إلى أقصاه. # والقول المشهور إنه هو وآباؤه وأجداده من أبناء الأفغان، ويقال غير هذا إنه ولد بقرية ~~«أسد أباد» في جوار همذان من بلاد فارس، ثم انتقل إلى الأفغان، وتعمد إخفاء نسبته ~~الفارسية بعد أن تجرد لدعوة الإصلاح في العالم الإسلامي كافة، وتوقع من شاه العجم أن ~~يطالب بتسليمه؛ لأنه من ms077 رعاياه، فضلا عن غلبة المذاهب السنية على البلاد التي خاطبها ~~بدعوته، ومنها بلاد الترك ومصر وسائر البلاد العربية. # إلا أنه لا خلاف في نشأته منذ صباه في بلاد الأفغان، وفيها تعلم الفقه على مذهب أبي ~~حنيفة، ودرس علم الكلام وهو خلاصة الفلسفة الدينية، كما أحاط بالميسور من علوم الرياضة ~~والهندسة في كتب الأقدمين، وكان في أخريات أيامه يعرف الفرنسية والتركية وقليلا من ~~الإنجليزية، عدا الفارسية والعربية التي كان يتكلم الفصيح منها بلهجة الفرس ~~المستعربين. # وإذا لخصت رسالة جمال الدين في كلمتين فرسالته بالإيجاز هي «الجامعة الإسلامية»؛ ولكن ~~الجامعة الإسلامية كما أرادها جمال الدين شيء غير الجامعة الإسلامية التي يراد بها ~~توحيد الحكومات، وضمها جميعا إلى حكومة واحدة، وإنما يتوقف فهم هذه الجامعة على مراجعة ~~أحوال الأمم التي درج جمال الدين، وهو يستمع إلى أخبارها، ويشترك في شئونها، وهي بلاد ~~الأفغان وإيران، وقبائل الترك ومن ورائهم دولة بني عثمان، ومن حولهم مطامع الاستعمار ~~ودسائسه في أوج سلطان المستعمرين من البريطان والروس بعد اجتياحهم للهند، وأواسط آسيا ~~بزمن قليل. # فقد فتح السيد عينيه على بلاد الأفغان وفارس، وهي على أعنف ما يكون من التنازع ~~والبغضاء، وكانت حكومة الهند البريطانية تستغل الخلاف بين الأمتين في المذهب والخلاف ~~بينهما على الحدود كما تستغل حاجتهما إلى المال والسلاح، فتغري إحداهما بالأخرى، وتبذل ~~لها من مالها وسلاحها ما تقوى به على جارتها، وتشترط عليها ألا تعقد الصلح معها حتى ~~تأذن لها، وإلا قطعت عنها المدد والمعونة، وكانت حكومة الهند لا تأذن بالصلح إلا أن ~~تكون الدولة المغلوبة قد نزلت عن دعواها في الحدود الهندية. # وربما سكن القتال بين الأفغان والفرس على مقربة من الهند لينشب بين الفرس والترك من ~~قبل العراق وبحر الخزر بإيعاز من الروس أو طلاب الرخص الاقتصادية، وينتهي القتال من هنا ~~وهناك بغنيمة للإنجليز أو للروس، وخسارة على الأفغان والفرس والترك أجمعين. # وقد وضع جمال الدين يده على الداء كله حينما أدرك أن العلاج السريع لهذه المحنة إنما ~~يبدأ بالتوفيق بين الأمم الإسلامية، ms078 وكف المطامع والدسائس عن بلادها، وكان يشق عليه ~~كثيرا أن يرى هذه الأمم كما قال: «متحدين على الخلاف مختلفين على الاتحاد مطاوعين ~~للمستعمرين والمستغلين جادين في خدمتهم كأنها فريضة من فرائض الدين.» # فعقد عزيمته على رسالة واحدة يتحراها مدى الحياة، وهي حسم الخلاف بين الأمم ~~الإسلامية، وإيصاد الأبواب على المستعمرين والمستغلين حتى تنقطع المطامع التي تسول لهم ~~العدوان على الأمم الإسلامية، وإيقاع الفتنة والشقاق بين حكوماتها وطوائفها. # وهذه هي الجامعة الإسلامية كما أرادها جمال الدين، وفي سبيلها رحل إلى الهند وبلاد ~~العرب والآستانة ومصر وروسيا وفرنسا وإنجلترا، وخرج من الهند مرة، على رواية مستر بلنت ~~المستشرق الأيرلندي، قاصدا إلى الولايات المتحدة ليتجنس بالجنسية الأمريكية ويستثير ~~الأمريكيين على الإنجليز والروس، وكان قد سمع بمساعي الأمريكيين في الشرق الأقصى فخطر ~~له أن يستخدمها في قضيته، ولكنه أقام أشهرا في الولايات المتحدة على قول مستر بلنت، ~~فعدل عن عزمه، ولم يتمم ما نواه من رحلته، ولعله عرف بالخبرة الواقعة أنه يعلق الرجاء ~~حيث لا رجاء. # وقد خطر لجمال الدين يوما أن يرسل تلميذه ومريده الشيخ محمد عبده إلى السودان؛ ~~لتنظيم الثورة المهدية، وتحويلها إلى خدمة الجامعة الإسلامية، وخطر له في مصر أن يسقط ~~الخديو إسماعيل، ويقيم فيها الجمهورية؛ بل خطر له أن يحرض على إسماعيل من يغتاله عسى أن ~~يجد من خليفته توفيق مستمعا لنصائحه ووصاياه. # وقد توسل جمال الدين في رسالته بكل وسيلة تملكها يداه، فأصدر في أوروبا صحيفة «العروة ~~الوثقى» وصحيفة «ضياء الخافقين» وأنشأ في مصر محفلا ماسونيا بعيدا من سيطرة المحافل ~~الأجنبية، وقيل: إنه ألف في مكة المكرمة جماعة «أم القرى» وهم بالسفر إلى نجد لقيادة ~~الحركة الوهابية، ولم يهدأ قط في حياته عن عمل مستطاع يحقق به رسالة الجامعة الإسلامية، ~~واتهمه السلطان عبد الحميد بالعمل في الآستانة على استمال الخديو عباس الثاني إلى تنفيذ ~~مساعيه يوم زارها في ضيافة السلطان. # ثم أصيب بالسرطان فمات به (سنة 1897) وحظر السلطان الاحتفال بجنازته، فلم يشيعه إلى ~~مقره الأخير غير آحاد معدودين، وفارق ms079 الحياة، ولم تتحقق مساعيه؛ لأنها أكبر من أن ~~تحققها جهود جيل واحد، غير أنه أحسن بذر البذور فلم تمت في تربتها الصالحة، وحق لمترجمه ~~أن يقول: إن تاريخ الشرق الإسلامي في ثوراته على الحكم المطلق وعلى مطامع الاستعمار ~~والاستغلال لن ينفصل عن تاريخ الدين. # محمد عبده # هؤلاء المصلحون المعلمون الثلاثة نشئوا كنشأة الإخوة في أسرة واحدة: ولد السيد أحمد ~~خان في سنة 1817، وولد السيد جمال الدين في سنة 1839، وولد الشيخ محمد عبده 1849، وكان ~~بينهم من التخصص على غير قصد ما يشبه توزيع الوظائف في المهمة الواحدة؛ فتولى كل منهم ~~عمله الذي يستطيعه حيث يستطاع، ولم يكن للعالم الإسلامي غنى عن واحد منهم في موضعه، أو ~~في مهمته كما فرضتها عليه دواعي الإصلاح. # ولقب الشيخ محمد عبده بحق «الأستاذ الإمام»؛ لأن هذا اللقب يلخص رسالته في الإصلاح ~~بين زميليه أحمد خان وجمال الدين. # فهو مصلح معلم كالسيد أحمد خان، ولكنه يزيد عليه بالإمامة الدينية التي لم يتهيأ لها ~~السيد أحمد، ولم يرشح نفسه لها؛ بل قصر جهوده كلها على إيقاظ المسلمين، وتنبيههم إلى ~~حاجتهم من العلم الحديث. # فالشيخ محمد عبده أستاذ إمام، ورسالته هي التعليم والإمامة في وقت واحد، وفحواها أنه ~~خرج من تجاربه كلها بنتيجة واحدة وهي فساد الجو السياسي من حوله، فلم يبق له أمل في ~~إصلاح المسلمين بالوسائل السياسية، وآمن برسالته «العلمية الدينية» كل الإيمان، فانصرف ~~بعزيمته كلها إلى رفع الحجر عن العقول بإجازة الاجتهاد لمن يقدر عليه، وتفسير المسائل ~~الدينية تفسيرا يطابق العلم الحديث. # وتبدو هذه الكلمات سهلة هينة لمن يقرؤها في العصر الحاضر، ولكنه يعرف صعوبتها - بل ~~خطرها - إذا عرف أن القول بدوران الأرض كان يعرض القائل به لتهمة الكفر والتواطؤ مع ~~أعداء الدين على إفساده، وأن استخدام التليفون حرج شديد؛ لأنه قد يكون من آلات الشيطان، ~~وأفاعيل السحرة «المتشيطنين». # وقد بدا للأستاذ الإمام عبث السياسة، وهو يعاون السيد جمال الدين في مساعيه ~~الأوروبية، فكان يعاود له المشورة بتركها، والإقبال على تعليم المصلحين والمرشدين، وكان ~~يقول ms080 له حينا بعد حين: إننا إذا علمنا عشرة، وأرسلناهم في أرجاء العالم الإسلامي، فعلم ~~كل منهم عشرة من مريديه أصبح في العالم الإسلامي مائة مرشد، فألف مرشد بعد ثلاثين أو ~~أربعين سنة؛ وذلك أوثق وأوفق من عملنا الضائع بين الساسة والأمراء، وكان السيد جمال ~~الدين يستمع إليه مرة، ويحتد في جوابه مرة أخرى فيقول له: إنك لمن المثبطين. # وقد بدأ الشيخ محمد عبده حياته بالتعليم بعد حصوله على درجة العالمية من الجامع ~~الأزهر. فألقى بعض الدروس (سنة 1879) في دار العلوم، ثم طاحت به شبهات السياسة، فأخرج ~~منها، وألزم المقام بقريته «محلة نصر» بإقليم البحيرة، ثم أفرجت عنه وزارة رياض، ووكلت ~~إليه الإشراف على تحرير الصحيفة الرسمية فأدركته الثورة العرابية وهو في تلك الوظيفة، ~~وقد اشترك في الثورة حتى أفلت العنان من يديها، فأنف من خذلانها في أحرج مآزقها، وأصابه ~~ما أصاب رجالها من عقوبات السجن والنفي إلى خارج البلاد، فاتخذ من النفي فرصة لنشر ~~الدعوة إلى الحرية الفكرية، وضاق به المقام في بيروت، فلحق بأستاذه جمال الدين في ~~باريس، وتعاونا معا على إصدار صحيفة «العروة الوثقى» فلم تتم عشرين عددا حتى ضربت ~~حولها السدود في البلاد الإسلامية، فتعذر المضي في إصدارها، واختار الشيخ محمد عبده أن ~~يشخص إلى تونس عسى أن يتسع لها فيها مجال العمل؛ لما كان بين الدولتين الفرنسية ~~والإنجليزية يومئذ من التنافس على اجتذاب أقطاب المسلمين، فلم يلبث غير قليل حتى خاب ~~ظنه، وأزمع الرحلة إلى بيروت ليقيم فيها مشتغلا بالدراسات الأدبية، وفي هذه الفترة عكف ~~على شرح نهج البلاغة ومقامات البديع، وترجم من الفارسية رسالة أستاذه جمال الدين في ~~الرد على الدهريين. # ثم عفي عن المنفيين فعاد إلى القاهرة، وتولى القضاء قاضيا، فمستشارا بالمحكمة ~~العليا، وشغله في وظيفته بالقضاء الأهلي أن ينظر في إصلاح المحاكم الشرعية، وفي تجديد ~~نظام التعليم بالجامع الأزهر، فأشار بتأليف مجلس من المختصين يشرف على شئونه العلمية ~~والإدارية، وندب للعمل في هذا المجلس عند تأليفه، ثم اختير لمنصب الإفتاء، فلم ينقطع في ms081 ~~هذا المنصب عن إلقاء الدروس بالجامع الأزهر، وإصلاح التعليم فيه. # واستفاضت شهرة الشيخ في العالم الإسلامي من تخوم الصين ومراكش إلى إفريقية الجنوبية، ~~واعتمد عليه المسلمون في استجازة ما يجوز وتحريم ما يحرم، وهم بين الحضارة الحديثة ~~وجمود الجامدين حائرون فيما يأخذون وما يدعونه من أمور الدنيا والدين، ويدل على استفاضة ~~هذه الشهرة فتوى «الترنسفال» التي أقامت الدنيا وأقعدتها عدة شهور؛ لأنه أفتى فيها ~~بتحليل طعام أهل الكتاب ولبس ملابسهم، كما أفتى بالإجازة في أمر صناديق التوفير توضيحا ~~للمقصود من تحريم الربا المضاعف بنص القرآن الكريم، وقد كانت الأسئلة تتقاطر على ~~«المفتي» من أرجاء العالم الإسلامي، فيبادر إلى الإجابة عنها على ما في الجواب أحيانا ~~من العنت والاصطدام بجهالة الجامدين ومنافعهم الموروثة في كل قطر من أقطار المشرق ~~والمغرب، ولا يغلو من يقول إنه فارق الدنيا - وهو في الخامسة والخمسين من عمره - وله في ~~كل بلد إسلامي دليل ينير الطريق من فتاواه ودروسه وسيرته التي ارتفع بها مكانا عاليا ~~من النزاهة النادرة والخلق المتين. # الفصل التاسع # | الساسة المصلحون # وعلى الجملة ينبغي أن يقال: إن هؤلاء المصلحين المعلمين قد عملوا غاية ما في الوسع ~~للإصلاح والتنبيه وإقامة القدوة المثلى لمن تابعهم من المصلحين والمنبهين. # إلا أن الحقيقة الواقعة تستوجب علينا أن نقول: إن أعمال ثلاثة أو ثلاثين من المصلحين ~~المعلمين لم تكن لتبلغ هذا المدى البعيد من حث العالم الإسلامي واستنهاضه لو لم يكن لهم ~~سميع مجيب من جيشان الشعور بين المسلمين، وإن يكن جيشانا مبهما يتخبط بين غواشي الظلم ~~والظلام. # وفضل العقيدة هو الفضل الأكبر في إعداد النفوس للاستماع من المصلحين، والإيمان بوجوب ~~التغيير، والاتجاه إلى وجهته القويمة، ومن ثم وجدت في الحكومات الفاسدة نفسها عوامل اليقظة ~~والانتباه إلى التغيير أو الإصلاح، فوجد في إيران وزير كميرزا تقي خان يحاول أن يحد من ~~سلطان الشاه ناصر الدين، ووجد في تركية رجال كأحمد مدحت يحاولون مثل هذا من السلطان عبد ~~الحميد، ووجد في مصر رجال كمحمد شريف وأحمد رياض قبيل انفجار ms082 الثورة العرابية، ووجد في ~~المغرب أمثال خير الدين، ولم يكن وجودهم مصادفة ولا فلتة من الفلتات العارضة؛ بل كان علامة ~~من علامات الزمن لا بد لها من معقبات وآثار. ~~(1) المهديون # من أقوى الدلائل على عمق الأثر الذي تركته ضربات الاستعمار في أرجاء العالم الإسلامي ~~هذه الظاهرة المتفقة التي تواترت في تلك الأرجاء، ولما ينقض على هجوم الاستعمار جيل ~~واحد، خلاصة هذه الظاهرة: أن رد الفعل بعدها قد برز بكل نوع من أنواعه في تلك الأرجاء، ~~فلم يكن في العالم الإسلامي كله بلد خلا كل الخلو من إحداها. # فكما توزع العالم الإسلامي دعوات المعلمين المصلحين كذلك توزع دعوات الساسة وأصحاب ~~الطرق الصوفية ودعوات التجديد أو العودة إلى القديم الصحيح، وتخليصه من شوائب البدع ~~والخرافات، ثم توزعته كذلك دعوات أخرى من نوع آخر، وهي دعوات المهديين الذين زعموا أنهم ~~مبعوثون على موعد، وأنهم رسل الخلاص والنجاة، فظهر منهم من ظهر في الهند، وظهر منهم من ~~ظهر في الرقعة الوسطى من أرض فارس، وظهر غيرهم في وادي النيل، ومن قبل رأينا أن هذه ~~الأقطار هي التي أخرجت للعالم الإسلامي السيد أحمد خان والسيد جمال الدين الأفغاني ~~والشيخ محمد عبده المصري، وأخرجت كذلك رواد السياسة والوزراء. # ظاهرة تدل على قوة الأثر، وتدل كذلك على حياة البنية التي تستجيب لكل فعل برده الذي ~~يناسبه في حينه، وليست البنية هنا إلا العقيدة التي هي مرجع تلك القوة وتلك ~~المقاومة. # والمهديون نوع آخر من الدعاة، ولكنه نوع له محله وأوانه كيفما كان. # وأشهرهم في عصر الاستعمار ثلاثة: هم ميرزا علي الملقب بالباب، وقد ظهر في إيران، ~~وميرزا غلام أحمد القادياني وقد ظهر في الهند، ومحمد أحمد عبد الله وقد ظهر في ~~السودان. # والغالب - على اعتقاد المؤرخين - أن المهديين قوم خادعون يتعمدون الكذب في دعوتهم، ~~ويسرون غير ما يعلنون من طلب الإصلاح والعناية بشئون الدين. # ولكن الكذب المحض في أمثال هذه الدعوات أمر غير معقول، والأقرب عندنا إلى المعقول في ~~أمرهم، أنهم عاشوا في فترة انتظار متفق عليها، ms083 وأنهم نشئوا نشأة «صوفية» في أكثر ~~الأجيال، فاشرأبت نفوسهم أن يكون الرجاء المنتظر على أيديهم، وربما ساورهم الظن أنهم ~~مندوبون لتحقيق الرجاء، فأشفقوا أن ينكلوا عن هذه الندبة، وأقدموا خوف المخالفة، وأملا ~~في صدق الوعد مع العمل والجهاد، ثم طوتهم الشبكة المعقدة من هواجس ضمائرهم، ومما أحاط ~~بهم من عقائد أتباعهم من ضرورات المواقف المتلاحقة التي لا يسهل الخلاص منها، فأسلموا ~~أنفسهم للحوادث، واعتذروا لها بحسن المقصد وسلامة النية، أو كان منهم من يلج في ~~المكابرة والمغالطة؛ لأنه لا يأمن التراجع ولا يقدر عليه، ومنهم من يخالطه الوسواس ~~فيفعل أفعال المجانين. # ونحسب أن الباب أشد هؤلاء ثقة بنفسه في البداية وأقلهم ثقة بها في النهاية، ولهذا كان ~~أبعدهم عن العقيدة السوية في الإسلام. # الباب # وأول نشأة البابية في عصر الاستعمار شيخ يسمى الحاج كاظم الرشتي الجيلاني، ولد في ~~أول القرن الثالث عشر للهجرة (سنة 1205) وتتلمذ على يد الشيخ أحمد الإحساني الذي ~~ولد في البحرين، وجال في بلاد فارس، وتلقى الدروس عن الفلاسفة والمتصوفة، ودان ~~بمذهب الحلول مع تغليبه لمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية. # وقد أخذ كاظم الرشتي مبادئ الفلسفة والتصوف عن هذا الشيخ الذي تنسب إليه الفرقة ~~«الشيخية» وتعلم من أستاذه أن المهدي المنتظر سابح في عالم الروح يوشك أن يظهر ~~بالجسد خلافا لاعتقاد الإمامية أنه محتجب بجسده إلى أن يحين يوم الفرج الموعود، ~~وكان من تلاميذ الحاج كاظم فتى يسمى علي محمد، يتنسك وتعاوده حالات الوجوم ~~والغيبوية، فتسمى باسم باب المهدي أو باب الدين، قال: إن المهدي إنما يأتي إلى ~~الدنيا بعد اجتماع الخلق على كلمة تتوافق فيها عقائد الإسلام والمسيحية واليهودية ~~والوثنية، وبث بين أصحابه عقيدة كعقيدة الحلول يزعم من آمن بها أن جسده يستنزل إليه ~~الروح المتشبه به من الشهداء والقديسين، وسبقه أصحابه إلى دعواه فزعموا له أنه تلبس ~~بروح الإمام علي - رضي الله عنه - فنادى من ثم بأنه هو المهدي الموعود، وأنه صاحب ~~كتاب يسمى البيان، هو المشار إليه في القرآن بقوله تعالى: # الرحمن * علم القرآن ms084 * خلق ~~الإنسان * علمه البيان ~~[الرحمن: ~~1-4]. # وتلا على الناس سورا من هذا الوحي، فعابوا عليه أخطاءه النحوية، فتعلل لها بعلة ~~توائم دعوته التي تحلل المؤمنين بها من قيود العقائد السالفة، وقال: إن الكلمات ~~لما علمها الله آدم عصت كعصيانه، فعاقبها الله وقيدها بقيود الإعراب، ثم أذن له ~~أن يطلقها، فهي بعد اليوم في حل من تلك القيود! # وقال ميرزا عبد الحسين صاحب الكواكب الدرية في تاريخ ظهور البابية والبهائية : إن ~~حضرة الباب وضع كتاب البيان، ورتبه على تسعة عشر واحدا، وقسم كل واحد إلى تسعة عشر ~~بابا، والآن نقول: إن أبواب هذا الكاب تكون إذن من حيث الجملة والمجموع ثلاثمائة ~~وواحدا وستين بابا، وهذا العدد ينطبق على مجموع أعداد حروف (كل شيء) إذا استخرجت ~~بحساب الجمل، وقد خصص حضرته الواحد الأول لنفسه، والثمانية عشر واحدا الباقية ~~لكبار الصحابة لكل منهم واحدا، ولما كان حاصل جمع أعداد حروف (ص) إذا استخرجت ~~بحساب الجمل ثمانية عشر؛ لذلك سمي أصحابه المشار إليهم حروف (ص) ونسب انتشار الحركة ~~الروحية ونفخ الحياة الإيمانية - التي برزت، وظهرت تحت ظل البيان - إلى تلكم ~~الأصحاب، ولكن حضرته لم يكمل بقلم كتابة جميع هذه الأبواب، وإنما تمم كتابة آحاد ~~ثمانية وتسعة أبواب من الواحد إلى التاسع فقط تاركا كتابة البقية الباقية، ويتضح ~~لكل من يطلع على كتاب البيان، ويتصفح ما كتبه الحضرة أن حضرته عهد بمهمة إتمام بقية ~~الكتاب إلى حضرة بهاء الدين، وكذلك كل من طالع كتاب البيان، ودرسه بإمعان، وسبر غور ~~مطالبه تبين له أن الكتاب لا يرمي إلى تشريع كامل مستقل بنفسه، ولا إلى أحكام قائمة ~~على حدة دونت لتقوم باحتياجات أمة في دورة كاملة من دورات الزمن، وإنما يفهم منه ~~أمران: الأمر الأول: حل نظريات اعتقادية إسلامية ومشكلات مهمة أصولية من مثل الرجعة ~~والساعة والقيامة والحياة والموت والجنة، والنار ونحوها، وغير خاف أن هذه المواضيع ~~من حيث التفسير والفهم كانت منذ القدم موضع مباحثات علماء الإسلام ومجادلاتهم، ~~ومنشأ اختلافهم في الرأي. # مثال ذلك: أن جمهورا ms085 فهموا من القيامة أنها حشر الموتى بأجسادهم الأولية بعد ~~قيامهم من هذه الأجداث الترابية، وذهب آخرون إلى تفسيرها بظهور المهدي المنتظر، ~~واحتشاد الناس تحت لواء أمره، ونيلهم الحياة الإيمانية من الإيمان به والإيقان ~~بصدقه، والتخلق بالأخلاق الفاضلة الإلهية، وكذلك اختلفوا في معنى الرجعة: فذهبت ~~قبائل إلى أنها عبارة عن رجعة الأئمة السابقين بأجسادهم، ولم تزل هذه القبائل تتصور ~~ذلك إلى اليوم، وآخرون توصلوا إلى خرق حجب الظواهر وإماطة البراقع عن وجوه الحقائق ~~والسرائر، واعتقدوا أن المغزى من الرجعة هو رجوع الآثار والصفات التي كانت كالمعنى ~~الذي يفهم من قول القائل عند امتداح فتى بالشجاعة إن فلانا رجعة رستم «وهو بطل ~~الفرس المشهور». # وفي هذه النبذة ما يكفي للوقوف على نهج الباب في تأسيس قواعده وعقائده، وهي مزيج ~~من أسرار التصوف والتنجيم، وتأويلات الباطنية، ومحاولات التوفيق بما هو أقرب إلى ~~التلفيق. # أما فرائض البابية: فالصلاة عندهم ركعتان في الصباح، والكعبة عندهم مسجد في ~~شيراز، ثم البيت الذي ولد فيه الباب بمدينة تبريز، والصوم شهر من آخر نزول الشمس ~~ببرج الحوت؛ ليوافق عيد الفطر يوم النوروز أول الحمل، ويجوز الزواج من اثنتين ولا ~~يجوز الطلاق، وشرب الخمر والتدخين محرمان، ولا حرج في شرب الشاي والقهوة، وهذه ~~الأحكام تسري بعدد حروف «المستغاث» بحساب الجمل إلى نيف وألفي سنة، ثم يظهر بإذنه ~~إمام آخر يعيد النظر في جملة تلك الأحكام. # ونقل الدكتور ميرزا محمد مهدي خان في كتابه مفتاح باب الأبواب أنه «كان من جملة ~~دعاته امرأة فتية بارعة الجمال متوقدة الجنان فاضلة عالمة تسمى بأم سلمة # 1 # من بنات أحد المجتهدين في العجم، وكانت متزوجة بمجتهد آخر، طلقت نفسها ~~من زوجها على خلاف حكم شريعة الإسلام، وآمنت بذلك الرجل - أي الباب - عن غيب، وكانت ~~تكاتبه ويكاتبها، فكان يخاطبها في مكاتباته بقرة العين فلقبت بذلك، ولما وقعت ~~المحاربة بين البابيين وعساكر الدولة في مازندران جيشت جيشا قادته مكشوفة الوجه، ~~وسارت أمامه طالبة إعانتهم، وفي أثناء الطريق قامت في الناس خطيبة، وقالت: أيها ~~الناس! إن ms086 أحكام الشريعة الأولى - أعني المحمدية - قد نسخت، وإن أحكام الشريعة ~~الثانية لم تصل إلينا، فنحن الآن في زمن لا تكليف فيه بشيء ... فوقع الهرج والمرج، ~~وفعل كل الناس ما كان يشتهيه من القبائح، ثم قبض عليها، وألبست البرقع جبرا، وحكم ~~عليها بأن تحرق حية، ولكن الجلاد خنقها قبل أن تلعب النار بالحطب الذي أعد ~~لإحراقها.» # ويختلف في نسب الباب، ولكنه على الأشهر ينتمي إلى أب بزاز يسمى ميرزا رضا وأم ~~تسمى خديجة، وكان مولده أول المحرم سنة 1235 هجرية، ومات أبوه قبل فطامه، فرباه ~~خاله ميرزا سيد علي التاجر، وعلمه الفارسية والعربية وإتقان الخط. أما أتباعه: ~~فيزعمون أنه لم يتعلم، وإنما كان أميا يكتب بإلهام من الله، وقد شغل في صباه ~~بالرياضات الصوفية، وتسخير روحانيات الكواكب، وقيل: إنه كان يصعد في بلدة أبو شهر ~~إلى أعلا البيت عاري الرأس، ويمكث في الشمس في الهجيرة إلى العصر حيث تبلغ الحرارة ~~درجة اثنتين وأربعين (سنتجراد) ثم تعتريه من جراء ذلك نوبات، ويعيد الكرة أياما ~~على هذه الحال حتى أشفق خاله من عقبى هذه الرياضات الشاقة، فأرسله إلى كربلاء أملا ~~في شفائه على أيدي الأئمة والمجتهدين، ولكنه أمعن هنالك في رياضاته، وتراءت له ~~الأشباح في خلواته، فكاشف أناسا صدقوه؛ لأنهم كانوا على رقبة الإمام الموعود، ثم ~~استفحل أمره، واجترأ أتباعه على نشر دعوته، وتهديد من يخالفهم في معتقده، وهبت ~~الثورة باسمه في زنجان ومازندران وتبريز، وعرض أمره على العلماء، فتحرج بعضهم من ~~الحكم بقتله؛ لعله أن يكون مخالطا في عقله غير مسئول عن فعله، وأفتى غيرهم بوجوب ~~القتل اتقاء للفتنة، فسجن ثم قتل (في سنة 1850) وحدث عند إطلاق الرصاص عليه، في زعم ~~البابيين، أنه ظل واقفا؛ لأن الرصاص قد أصاب قيوده، ولم يصبه في مقتل، ولكن شهود ~~الحادث من غير البابيين يقولون: إنه مات، وألقيت جثته في خندق فأكلتها ~~السباع. # وكان الباب قد أوصى قبل اعتقاله باتباع خليفته ميرزا يحيى الذي نعته بصبح أزل، ~~فانتقل صبح أزل إلى بغداد، ومعه أخوه ميرزا حسين ms087 علي الملقب بالبهاء، ثم اختلفا، ~~فانقسمت الطائفة إلى فرقتين تعرف إحداهما باسم الأزلية، وتعرف الأخرى باسم ~~البهائية، ونشط كلاهما للدعوة في البلاد الإسلامية وغيرها، ولم يبق من أتباعهما في ~~العصر الحاضر غير القليل. # مهدي السودان # أشرنا فيما تقدم إلى علامات كثيرة من علامات التوقع والاستعداد في العالم ~~الإسلامي عند أواسط القرن التاسع عشر بعد اصطدام الشرق بغزوات الاستعمار، ونضيف إلى ~~هذه العلامات علامة أخرى في هذا الصدد نلمحها في التجاوب السريع بين بلدان المسلمين ~~لكل خبر من أخبار الدعوات والحركات العامة، وبخاصة ما كان من أخبار الثورة ~~والتغيير، فلم يكد داعية البابية يلقى مصرعه حتى تسامع بهذا المصير مسلمو الهند ~~وإفريقية الشرقية والوسطى على التخصيص، وهي قديمة الصلة ببلاد إيران، لا تنقطع عنها ~~أخبارها من صدر الإسلام، وقد ترجع هذه الصلة إلى حقبة طويلة قبل البعثة ~~المحمدية. # ولو كان الباب قد انتصر في معاركه مع جند الحكومة الإيرانية لكان هذا الانتظار ~~خليقا أن يوصد الطريق على من يطمحون إلى ادعاء المهدية بعده، ولكن خذلانه على نقيض ~~ذلك قد فتح الطريق في الهند وإفريقية ومواطن شتى لمن يطمحون إلى نصيب يكون خيرا من ~~نصيبه، ويؤمنون في سريرتهم بصلاحهم وصلاح أوقاتهم للقيام بالرسالة المهدية. # وكان أقوى من تصدى للقيام بالرسالة المهدية بعد الباب: «محمد أحمد» الذي اشتهر ~~باسم المهدي السوداني، ويلفت النظر في هذا المقام أن دعوته الأولى كانت باسم الإمام ~~الثاني عشر الذي يترقبه الشيعة الإماميون، وقد نشأ بين أهل الطريق، وقرأ أشراط ~~الساعة في كتب محيي الدين بن عربي، واطلع على قول ابن حجر والسيوطي: إن من هذه ~~العلامات خروج صاحب السودان، ولم يكن في السودان يومئذ من يشك في اقتراب الساعة؛ ~~لسوء الحال، وشيوع الفساد، واجتراء المفسدين على الجهر بمنكراتهم حتى اجترأ بعضهم ~~على زفاف الغلمان بدلا من النساء، فلما انهزمت الدعوة المهدية في إيران تهيأت ~~الأذهان في البلدان الأخرى لقبول دعوة غيرها يكتب لها النجاح، ووافق ذلك سخطا ~~عاما بين كبار الزعماء الذين كانوا يتجرون بالنخاسة وبين العامة ms088 الذين أرهقتهم ~~الضرائب وبين التجار الذين كسدت مرافقهم؛ لاضطراب المواصلات، وتتابع المنازعات بين ~~مصر والسودان والحبشة، فتهيأت العقول للإصغاء إلى دعاة الإصلاح أو دعاة التغيير كيف ~~كان. # وينتسب المهدي إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقال: إن أجداده ~~الأقربين أقاموا بإقليم المنيا زمنا بعد مقامهم إلى جوار الفسطاط، ثم انتقل بعضهم ~~إلى بلاد النوبة، ثم استقروا في دنقلة، ثم انتقل أبوه عبد الله إلى الخرطوم فعمل ~~فيها بصناعة السفن، وتوفي بقرية كررى إلى جوار أم درمان. # وقد ولد له ابنه محمد من زوجته آمنة (سنة 1845) وفي مكان مولده خلاف، إلا أنه على ~~القول الأشهر قد ولد بجزيرة لبب، ومات أبوه وأمه وهو صغير. # ودرج الطفل الصغير في موطن يكثر فيه أبناء الطريق، وهو يطيل التفكير في يتمه، وفي ~~المشابهة بينه وبين النبي عليه السلام باسمه واسم أبيه وأمه، فمال إلى النسك ~~والعبادة، وحفظ القرآن ودرس الفقه وطرفا من التاريخ، وأخذ نفسه بالرياضة الصارمة؛ ~~فاجتنب الملاهي، وحرم على نفسه ما يستباح من غشيان مجامع الطرب والغناء، وكانت ~~صرامته هذه مثار الخلاف بينه وبين أستاذه الشيخ محمد الشريف أحد مشايخ الطريقة ~~السمانية؛ لأنه سمح لتلاميذه ومريديه بالغناء والرقص في الاحتقال بختان أبنائه، ~~فأنكر عليهم محمد أحمد هذه المجانة، وغضب عليه أستاذه ففارقه، ولاذ بشيخ آخر من ~~شيوخ الطريق بجزيرة أبا إلى أن استقل بالمشيخة، وناهز الأربعين، ووافق ذلك لقاءه ~~للشيخ عبد الله التعايشي من المشتغلين بالتنجيم، فطابق ما عنده من علامات الحروف ~~والحساب على ظهور المهدي، وتبادلا التشجيع والتعاون على بث الدعوة باسم المهدي ~~الموعود ووزيره «صاحب الخرطوم» كما جاء في بعض النبوءات. # وبعد وقائع بينه وبين جنود الحكومة تم له الظفر بالحملة المعروفة باسم حملة هكس، ~~وهي حملة لم يكن لها نظام، ولا مدد من الذخيرة والمال، بل كان جنودها يجمعون جزافا ~~من المجندين المرفوضين في القرعة العسكرية، وكانت الحكومة البريطانية تعوق مصر عن ~~إرسال المال اللازم والعدة الضرورية لتسيير الحملة إلى كردفان، فلم تستطع أن ترسل ms089 ~~لقائدها غير أربعين ألف جنيه من المائة والعشرين ألفا التي طلبها، وأبرق اللورد ~~جرانفيل من لندن إلى القاهرة في السابع من شهر مايو سنة 1883 يعلن «أن حكومة جلالة ~~الملكة غير مسئولة بحال من الأحوال عن حملة السودان التي تولتها الحكومة المصرية ~~بأمرها، ولا هي مسئولة عن تعيين القائد هكس أو أعماله»، ونشب الخلاف بين قادة ~~الحملة؛ لقلة وسائل النقل، وصعوبة التخلف في وقت واحد بعد أن تسامع أهل السودان ~~جميعا بتأهب الحكومة لتجريد حملتها منذ عدة شهور، واستبد هكس برأيه في اختيار ~~الطريق مع ندرة الماء، وارتياب الخبراء بأمانة الأدلاء. فوقع الجيش في كمين بعد ~~كمين، ثم فوجئ بضعفي عدده من الدراويش، وهو على غاية الجهد من العطش والجوع والتعب، ~~فلم يفلت منه غير آحاد معدودين، وكان عدد الدراويش أكثر من عشرين ألفا قتل منهم ~~بضع مئات، وبلغ القتلى من الحملة المصرية نحو عشرة آلاف. # كانت هذه الكارثة ذريعة لإكراه الحكومة المصرية على إخلاء السودان، فانحصرت القوة ~~التي رفضت الإخلاء بقيادة جوردن في مدينة الخرطوم، ثم انقطع عنها المدد تنفيذا ~~لسياسة الإخلاء، وتمهيدا لإعادة فتح السودان باسم جديد، فاضطرت المدينة بعد اليأس ~~من النجدة إلى التسليم. # وقد تقدم أن القوم عاشوا ردحا من الزمن يترقبون ظهور المهدي المنتظر، ويتخيلون ~~أنهم يلمسون حولهم أشراط الساعة من عموم الفساد وسوء الحال وغلبة الكفر على ~~الإيمان، وقد شهدوا انتصار صاحبهم على الجيوش التي حسبوها من قبل قوة لا تغلب، فكان ~~هذا حسبهم من دليل على صدق دعواه، ومن بقي من دهمائهم منكرا لهذه الدعوى، فإنما ~~كان ينكرها؛ لأنه يأتم بإمامة لا تقبلها ولا تقول في علامات المهدية بقولها، ومنهم ~~أتباع الميرغنية والسنوسية والتجانية، وبعضهم كان يستمع إلى فتاوى العلماء خارج ~~السودان بإنكار هذه المهدية. # ويبدو أن صاحب الدعوة قد توطدت في نفسه الثقة برسالته ممن عاينه حوله من دلائل ~~الإيمان به، وانتظار الفلاح على يده، فأكثر من كتابة الكتب إلى الأمراء والملوك ~~يدعوهم إلى تصديقه، وينذرهم عاقبة الكفر به، وأشفق أن يلتقي ms090 أتباعه خارج السودان ~~بمن يشككهم فيه؛ فحظر الخروج، وحرم الذهاب إلى الحج، وأقنعهم بكفاية الحج إلى ~~مقامه، ومن أمثلة كتبه التي كان ينشر بها رسالته قوله في منشور عام: «أخبرني سيد ~~الوجود # صلى الله عليه وسلم # بأن الله جعل لي على المهدية علامة، وهي الخال على خدي الأيمن، ~~وكذلك جعل لي علامة أخرى تخرج راية من نور، وتكون معي في حالة الحرب يحملها عزرائيل ~~عليه السلام فيثبت الله بها أصحابي وينزل الرعب في قلوب أعدائي، فلا يلقاني أحد ~~بعداوة إلا خذله الله، هذا وقد أخبرني سيد الوجود # صلى الله عليه وسلم # بأن من شك في هديتك فقد ~~كفر بالله ورسوله كررها # صلى الله عليه وسلم # ثلاث مرات، وجميع ما أخبرتكم به من خلافتي على ~~المهدية فقد أخبرني به سيد الوجود # صلى الله عليه وسلم # يقظة في حالة الصحة، وأنا خال من ~~الموانع الشرعية لا بنوم ولا جذب ولا سكر ولا جنون، بل متصف بصفات العقل أقفو أثر ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالأمر فيما أمر به والنهي عما نهى عنه، وليكن في معلومكم أني ~~من نسل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأبي حسني من جهة أبيه وأمه، وأمي كذلك من جهة ~~أمها، وأبوها عباسي، والعلم لله إن لي نسبة إلى الحسين.» # ولم يطل بقاء محمد أحمد بعد سقوط الخرطوم، فأصابته حمى التيفوس، وتوفي صيف سنة ~~1885، وكانت آخر كلماته: «... إن النبي # صلى الله عليه وسلم # اختار الخليفة عبد الله الصديق خليفة ~~لي، وهو مني وأنا منه، فأطيعوه ما أطعتموني، أستغفر الله.» # القادياني # كان من أسباب ذيوع الأخبار عن مهدي السودان في البلاد الآسيوية، ولا سيما الهند ~~والصين، أنه هزم القائدين هكس وجوردون، وكان أولهما من قواد الجيش الإنجليزي الذين ~~اشتركوا في قمع الثورة الهندية سنة 1857، وثانيهما من الضباط الدوليين الذين ~~اشتركوا في تدريب الجيش الصيني على النظام الحديث، وقمع الثورة على حكومة ~~بكين. # فلما قتل هكس وجوردون في حروبهما مع مهدي السودان طارت الأنباء بوقائعه إلى كل ~~مكان، وخشيت ms091 الحكومة البريطانية عاقبة الإيمان به، ولما تهدأ عقابيل الثورة في ~~الهند، فكان هذا على الأرجح باعثا من بواعث عطفها على الحركة القاديانية الهندية ~~عسى أن يكون الإيمان بصاحبها ميرزا غلام أحمد صارفا للقوم عن تصديق المهدي ~~السوداني، ومعززا للعقائد الحديثة التي كان يبثها بين أتباعه، وقوامها إسقاط فريضة ~~الجهاد بالسيف، وإيجاب الجهاد بالإقناع والبرهان. # وقد كان مولد ميرزا غلام أحمد سنة 1839 بقرية قاديان من أسرة عريقة آلت بها الحال ~~إلى الخمول والفاقة بعد الثروة، فتعلم في مكتب القرية، وعمل في وظيفة حكومية صغيرة، ~~وشب وهو يسمع الأقاويل عن كرامات أبيه، ومنها أنه كان يعرف المولود من أبنائه قبل ~~أن يولد ويسميه باسمه، وقد سمى أبناءه جميعا بأسماء النبي وألقاب الأمراء، فمنهم ~~سلطان أحمد ومحمود وبشير أحمد وولي الله ومبارك أحمد، وبنت تسمى بعدة أسماء من ~~أسماء نساء آل البيت. # نشأ الغلام منقبضا عن الناس جانحا إلى العزلة، ومطالعة الأسفار القديمة من كتب ~~الشيعة والسنة وكتب الأديان الأخرى، وقد لقي في سياحته من أنبأه بموافقة أحواله ~~وأحوال زمنه لعلامات المهدي المنتظر، وجعل من هذه العلامات: خسوف القمر وكسوف ~~الشمس، وانتشار الوباء وخروجه من المشرق، وسبق الدعاة الكذابين لدعوته، ولم يقصر ~~علاماته على الكتب الإسلامية؛ بل ذكر منها ما جاء في الإصحاح الحادي والأربعين من ~~سفر أشعيا، وفي «الجاماسبي» من كتب المجوس، فلما حدث الخسوف والكسوف في شهر رمضان ~~(سنة 1894 ميلادية) كانت هذه الآية عنده وعند أتباعه برهانا من الله على أنه هو ~~صاحب الزمان الموعود. # وقد زعم أنه المسيح المنتظر، وألف كتابا سماه: «البراهين الأحمدية على حقيقة ~~كتاب الله القرآن والنبوة المحمدية» وفسر ظهر المسحاء الذين يظهرون بعد الإسلام ~~بأنهم هم الأولياء ورثة الأنبياء، وقال إنه محدث، ولم يثبت أنه ادعى النبوة إنما ~~دعواه - على قول الأكثرين من أتباعه - إنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة، وقد جاء ~~في باب إزالة الأوهام: «لا أدعي النبوة وما أنا إلا محدث»، وقال في منشور أبريل سنة ~~1897: «لعنة الله على كل من ادعى ms092 النبوة بعد محمد». # ومدار الرسالة القاديانية كلها على التوفيق بين الأديان، وتدعيم السلام بين ~~الأمم، وفي كلام القادياني ما يشبه القول بالحلول فهو يتلبس بروح السيد المسيح وروح ~~كرشنا رب الخير عند البراهمة، كما يتلبس بأرواح غيرهم من الصالحين، وقد توفي سنة ~~1908، فانقسم أتباعه إلى فريقين: فريق يسمى: الأحمدية، وهم الذين يؤمنون بإمامته ~~ولا يؤمنون بنبوته، وفريق يسمى: القاديانية، وهم القائلون بنبوته وحجتهم التي ~~يقابلون بها عقيدة الإسلام في ختام النبوة بعد البعثة المحمدية أن «خاتم» التي وردت ~~في القرآن الكريم إنما وردت بفتح التاء بمعنى الزينة ... وينكرون قراءة ورش بكسر ~~التاء متشبثين بقراءة حفص عن طريق عاصم، ولكن الفرقة الأخرى تورد من كلامه ما يبطل ~~دعوى النبوة على غير معنى المجاز، وتستشهد بآخر كلامه في حقيقة الوحي، ونصه ~~بالعربية: «وما عنى الله من نبوتي إلا كثرة المكالمة والمخاطبة، ولعنة الله على كل ~~من أراد فوق ذلك، أو حسب نفسه شيئا، أو أخرج عنقه من الربقة النبوية، وأن رسولنا ~~خاتم النبيين، وعليه انقطعت سلسلة المرسلين، فليس من حق أحد أن يدعي النبوة بعد ~~رسولنا المصطفى على الطريقة المستقلة، وما بقى بعده إلا كثرة المكالمة، وهو بشرط ~~الاتباع لا بغير متابعة.» # ويبدو أن الفرقة القاديانية كانت أقرب الفرقتين إلى هوى الدولة البريطانية؛ لأنها ~~لم تكن تعارض الحكومة، ولم تتورع عن اشتراط الطاعة لها على من يدخلون في زمرتها، ~~وقد كتب أحدهم في كتاب فارسي باسم «تحفة شاه زاده ويلز» يقول فيه وهو يدعو ولي ~~العهد إلى الإسلام: «إن هذه التحفة تقدم إليك من الجماعة التي صبرت على مصائب شتى ~~ثلاثين سنة أو أكثر على أيدي أعدائها وذويها من جراء ولائها لجدتك الموقرة الملكة ~~فكتوريا، ثم جدك العظيم الإمبراطور السابق إدوارد السابع، ثم والدك الجليل ~~الإمبراطور الحالي، ولم تكن قط طالبة مكافأة حكومية، وما زال منهج هذه الجماعة من ~~يوم تأسيسها أن تطيع الحكومة القائمة، وتنكب عن جميع أنواع الفتنة والفساد، وأن ~~مؤسسها عليه السلام كان وضع شرطا من شروط المبايعة التي ms093 لا تسمح لأحد أن ينضم ~~إليها إلا على عهد العمل بها، وهو أن تطاع الحكومة القائمة.» # ويعتذر أصحاب هذه السياسة برعاية الضرورة والتوسل بسلطان الدولة إلى تيسير ~~الدعوة، ولكنها قوبلت بالنقد الشديد من أتباع القادياني أنفسهم بعد نشاط نهضة ~~الاستقلال، وقيام الدعاة إلى نصرة الخلافة، وكان لهذا الانقسام السياسي أثره الأكبر ~~في تفرق أتباع الطائفة إلى أكثر من فرقتين، على كونهم جميعا لا يزيدون على مائة ~~ألف أو نحوها، ولهم مع هذا التفرق إيمان وثيق بصدق دعوتهم، ودأب عظيم على نشرها في ~~العالم بمختلف اللغات. ~~(2) تعقيب # أولئك المهديون الثلاثة أنماط متقاربة للدعوة المهدية في عصر الاستعمار، يتشابهون أو ~~يختلفون على حسب ما أحاط بهم في بلادهم من دواعي الاستعمار وموانعه، وعلى حسب المذهب ~~الذي توارثوه من أسلافهم، والتربية التي هيأت أفكارهم وعقائدهم، فهم أبناء ماضيهم ~~وحاضرهم في مواضع الشبه بينهم ومواضع الخلاف، ولا يلوح لهم في الوقت الحاضر مستقبل ~~يرتبط بمستقبل الإسلام غير ما انتهوا إليه. # ونحن كلما أمعنا في استقصاء سيرتهم، وما تأثروا به من أحوال زمانهم، بدا لنا أن ~~التاريخ يظلمهم إذا وصفهم بالدجل المتعمد، وفرغ منهم على هذه الصفة، فإنهم على الأغلب ~~الأعم من ظواهرهم مسوقون إلى دعوتهم على الرغم منهم، وربما انساقوا إليها وهم مؤمنون ~~بها، ثم دار بهم دولاب الحوادث دورته التي لا فكاك منها، فاستعصى عليهم الفكاك من ~~وثاقه، وأصبح الرجوع عن الدعوة بعد ذلك أخطر عليهم وعلى أتباعهم من المضي فيها. # يفيض العصر الذي ينشئون فيه بحوافز الترقب والأمل واليقين بالتغيير الذي لا محيص منه، ~~وقد تكون عوامل هذا التغيير موصوفة لديهم بارزة لهم في الصورة التي يتخيلونها كما تبرز ~~صور السحاب لمن يحاول أن يرتق فتوقها على مثال مرسوم. # وبين هذه الهواجس والقلاقل تنو النفوس القلقة المتشوفة، فيتفق حتما لزاما أن يكون ~~منها من يتعلق بالغيوب، ويروض عقله على استصلاح خفاياها، وتطول مناجاته لنفسه وتساؤله ~~عن واجبه، فيخطر له أنه مندوب لأمر جسام يروقه أن يصبح أهلا له، ويخيفه أن يكون هو ms094 ~~المقصود به، ثم ينكل عنه خوفا من تبعاته وأهواله، وكلما طالت به المناجاة والتساؤل ~~تمكن الخاطر منه، وتلمس الخلاص من شكوكه بالمزيد من الرياضة والاستعداد، عسى أن يلهمه ~~الغيب سبيل الرشاد، ويجلو له حقيقة الأمر الذي هو في ريب منه، وإذا احتجبت عنه آيات ~~الإلهام فترة فليس بالعجيب في هذه الحالة بين الأمل والخوف أن يذكر فترات الحيرة التي ~~مرت بالرسل الكرام، ويحسبها من ضروب الامتحان والتمحيص في انتظار الموعد الموقوت، وقد ~~يصادفه بين هواجس هذه الحيرة من ينفضها عنه ببارقة رجاء وكلمة تشجيع، فيتشبث بها ~~ويستصعب إهمالها، وما أسرع النفس إلى التشبث بأمثال هذه العلالة في أمثال هذه المآزق ~~والأزمات. # ثم يخطو الخطوة الأولى فلا يعدم من يخطوها معه ويسبقه إلى ما بعدها، ثم تدفعه ~~المصادفات تارة وتصده تارة حتى يتوسط الطريق، وتنسد وراءه شيئا فشيئا منافذ الرجوع، ~~إن فكر في الرجوع، ولن يلبث بعد ذلك أن يعلق بدولاب الحوادث فتوحي إليه أمرها بحكم ~~الضرورة قبل أن يوحي إليها، فإن خامره شك فلعله يحسب في هذه المرحلة أن المصلحة في ~~التقدم أكبر وأضمن من المصلحة في التراجع والنكوص، ويزعم لضميره أنه إنما يريد الخير، ~~ولا يحاسبه الله إلا بما نواه. # على أن العبرة من هذه الحركات جميعا أن ضجتها أعظم جدا من جدواها، وأنها تجشم ~~الأمم كثيرا ولا تنفعها ببعض ما تتجشم من أهوالها ومتاعبها، وتنجلي الغاشية وقد حبطت ~~الحركة في أول أغراضها، وأضافت نحلة جديدة إلى النحل التي أرادت أن تمحوها وتدمجها في ~~كيانها، وقد تنشعب الحركة شعبا شتى بين أتباعها ومريديها، وهي لم تتحرك أول الأمر إلا ~~على أمل التوفيق بين النحل التي تنازعت ضمائر الناس قبلها. # ولو وضعت كل هذه الدعوات في الميزان لرجحت عليها جميعا دعوة التعليم والتقويم، وهي ~~أقلها ضجة وأطولها أمدا وأبقاها ثمرة، ففي كل ما أجملناه من الدعوات ونهضات الإصلاح لم ~~ينتفع الإسلام بمنفعة محققة أثبت وأعظم من منفعة التعليم على هدي العقيدة النيرة والخلق ~~المكين، ولم يخدم الإسلام أحد في العصر ms095 الحديث كما خدمه المعلمون من طراز أحمد خان ~~وجمال الدين ومحمد عبده، ويشبههم في النفع بين أهل البادية دعاة السلوك الحسن ~~والاستقامة من أصحاب الطرق المخلصين. # وخير خدمة للإسلام تجلت لنا في ضوء تجاربه من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن ~~العشرين هي الخدمة التي تكفل للمسلم أن يؤمن بعقيدته، ولا يتخلف عن عصره في علومه ~~ومعارفه ومقتضيات أعماله، أو هي خدمة التوفيق بين الدين وعلوم التقدم، وغاية ما نلاحظ ~~على أساليب التوفيق أننا لا نستصوب التعجل بتفسير الكتاب على الوجوه التي تتراءى لأول ~~وهلة من نظريات العلم وفروض العلماء المحدثين؛ لأن النظريات تتبدل وشواهد الواقع تتراءى ~~في كل حقبة على غير صورتها في الحقبة التي تسبقها أو التي تليها، ومثال ذلك تفسير ~~السماوات السبع بالسيارات السبع في المنظومة الشمسية، وقد ينكشف كما انكشف فعلا بعد ~~سنوات أن السيارات والنجيمات عشر، ولا حصر للشهب الصغار التي تشرق وتغرب في هذا ~~المدار. # وعبرة الدعوات جميعا منذ أواسط القرن التاسع عشر أنها تنحصر في كلمتين قال بهما رائد ~~الهند وإمام مصر، وهما: العلم والإيمان. # الفصل العاشر # | الدعوات ونهضات الإصلاح في منتصف القرن العشرين # تتعدد المقاييس التي يقاس بها تقدم الأمم، ويأتي في طليعتها مقياس الحرية، ومقياس ~~الحضارة، ومقياس الحالة النفسية. # وبهذه المقاييس جميعا تبدو دلائل التقدم على الأمم الإسلامية عند المقابلة بين ما كانت ~~عليه في منتصف القرن التاسع عشر وما صارت إليه في أواسط القرن العشرين، وتبدو هذه الدلائل ~~كذلك بارزة بينة عند المقارنة بين ما هي عليه الآن وبين ما كانت عليه في أوائل القرن منذ ~~خمسين سنة. # فالمسلمون الذين يعيشون في بلاد مستقلة أو شبيهة بالمستقلة، يزيدون على خمسة أضعاف ~~المسلمين الذين يخضعون لحكم دولة أجنبية. # ومهما يكن من شأن الاستقلال الواقعي أو الشكلي فمن الغباء أن يقال: إن الاستقلال كعدم ~~الاستقلال كائنا ما كان، ومن الحذلقة أن يستشهد على ذلك بخضوع الأمم المستقلة كثيرا أو ~~قليلا لسلطان الدول القوية بحكم الضعف أو الاضطرار. # فالصبي القاصر يخضع لوصاية ms096 وليه، والرجل الراشد لا يفعل كل ما يريد، ولا يزال في حياته ~~الراشدة خاضعا لذوي السلطان عليه بحكم الضعف أو الاضطرار، ولكن لا يقال - من أجل هذا - إن ~~الصبي والرجل الراشد سواء لأنهما، كليهما، لا يعملان كل ما يريدان. # وقد خرج معظم الأمم الإسلامية من ربقة السيادة الأجنبية، وأصبحت لها مشيئة إلى جانب مشيئة ~~الأقوياء. أو أصبح الأقوياء مضطرين إلى التماس الحيلة والذريعة للتوفيق بين المشيئتين، وهذه ~~خطوة في الطريق لا بد منها قبل ما يليها من الخطوات. # أما الأمم التي لا تزال خاضعة للسيطرة الأجنبية ففي كل منها نهضة قومية، ووعي متيقظ يقلق ~~المسيطرين عليها، وتنبئنا حوادث الماضي القريب أن السيطرة ترجع إلى الوراء مع الزمن، ولا ~~ترجع اليقظة بعد المسير ولو إلى غير شوط بعيد. # في آسيا ظفرت إندونيسيا باستقلالها، ولا تزال أمامها مشاكلها الكثيرة، ومنها: ازدحام ~~السكان، وشيوع الأمية، وحاجة الأمة إلى الخبراء الكثيرين في الإدارة وتدبير الثروة، وانفصال ~~بعض أجزائها، وتنازع الآراء والأحزاب على سياستها. # وقد ظفرت الباكتسان بكيانها السياسي، ولا تزال أمامها مشاكلها الكثيرة، ومنها تباعد ~~شطريها وحاجتها إلى موارد الماء في كشمير، وخلافها مع الهند ومع الأفغان. # وفي الصين عشرات الملايين من المسلمين متيقظون يشعرون بخطر واحد وحقوق واحدة، وعلى التخوم ~~بين الصين والهند ملايين آخرون خاضعون لسلطان الدولة الروسية يخشون على ضمائرهم كما يخشون ~~على ديارهم ومعالم أوطانهم، وتقوم الأفغان وإيران مستقلتين إلى جانب هذه الأمم، وفي كل ~~منهما كفايتها، وفوق كفايتها من مشكلات السياسة والمعيشة. # ولا خطر من جميع هذه المشكلات. # ولن يجيء اليوم الذي تستريح فيه الأمم من أمثال هذه المشكلات أو تعيش في حقبة من الزمن ~~بغير مشكلة كبيرة أو صغيرة. # إنما الخطر الأكبر أمة بغير إيمان وبغير معرفة، فإذا بقي للأمة إيمانها، ومعرفتها فكل ما ~~أصابها بعد ذلك هين مأمون العاقبة بعد حين. # ولس الخطر كله من الأعداء، وليس الأمان كله من الأصدقاء أو الأبناء. # فقد يجيء الخطر على الإيمان من غلاة التجديد، وقد يجيء الخطر على المعرفة من ms097 غلاة الجمود، ~~قد يتقابل هؤلاء وهؤلاء على قوة واحدة فيسري إلى الأمة شلل لا تنفع معه معرفة ولا ~~إيمان. # ومن وجوه الرجاء، أو العزاء، بين المشكلات الجسام التي تستقبلها الأمم الإسلامية أنها لا ~~تحمل العبء كله، ولا تنفرد بالعمل على دفعه أو تخفيفه؛ لأن سنن الحوادث أن تأتي بالنجدة كما ~~تأتي بالعقبة، وأن العامل لا ييأس من مفاجآت الغيب، وإن كان لا يأمن الغدرات من تلك ~~المفاجآت. # لقد كان على إندونيسيا شوط بعيد مع هولندا، وشبكة الاستعمار التي تمكن لها في مستعمراتها، ~~ثم ابتليت هولندا باليابان فأخرجتها، ثم ابتليت اليابان بالهزيمة فخرجت مكرهة، وتركت سلاحها ~~للثوار في سبيل الحرية، ثم اضطر المنتصرون من الأمريكيين والإنجليز إلى مداراة الشعوب ~~الآسيوية، ونفس بعضهم على بعض أن تخلف هولندا على تلك الغنيمة الضخمة، فإذا بالاستقلال يسعى ~~إلى أندونيسيا كما سعت إليه، ثم تبقى الكفاية لمشكلات الحكم والمعيشة، وهي لا تعضل قوما ~~كأبناء تلك الأمة كادوا أن يستأثروا بالتجارة والملاحة في بحار الهند قبل زحف المستعمرين ~~عليها. # وكان على الباكستان شوط بعيد مع الدولة البريطانية والكثرة البرهمية، ثم تغير الموقف في ~~القارة الآسيوية بعد هزيمة اليابان، وبعد كساد التجارة البريطانية في المشرق، وبعد التزاحم ~~الجديد بين الروسيين والأمريكيين على القارة في شرقها الأقصى، فإذا بالاستقلال يسعى إلى ~~الباكستان كما سعت إليه، ثم تبقى مشكلة كشمير، وتبقى بإزائها صناعة في الهند تتوقف على ~~الباكستان وصناعة في الباكتسان تتوقف على الهند، ومصلحة مشتركة تلجئ الجانبين إلى المصالحة، ~~وخطر من جانب الصين الشيوعية يفتح الأعين هنا وهناك. # وثمة عامل جديد في سياسة الدول القوية، لم يكن له خطر قبل منتصف القرن العشرين، وذلك هو ~~عامل العقيدة في المجتمع. # فلم تكن دولة من دول الاستعمار تبالي شيئا بعد غلبتها العسكرية والسياسية على بلد من ~~البلاد المستضعفة، ولكنها اليوم تبالي ما يعتقده الشعب، وتعلم أن هذه العقيدة عامل هام في ~~الترجيح بين المستعمرين من كتلة المشرق وكتلة المغرب، وقد تعودوا المبالاة بالإسلام، وما ~~تحتويه عقيدته من المقاومة أو المسالمة ms098 للمذاهب الاجتماعية، فليست السطوة بقوة السياسة أو ~~بقوة السلاح هي كل ما تباليه الدول الكبرى في منازعاتها، وقد يخافون من هذه السطوة أن تدفع ~~بالمسلمين إلى جانب وتصرفهم عن جانب، فيبنون علاقاتهم بهم على هذا الأساس. # والفرق بين الكتلتين: أن الأمريكيين والإنجليز لا يستطيعون أن يجعلوا الأمة المسلمة ~~أمريكية أو إنجليزية، أما الكتلة الشرقية فإذا جعلت أمة من الأمم شيوعية لم تكترث بعد ذلك ~~بجنسها وعقيدتها؛ لأن الشيوعية تبطل الأوطان والأديان. # وفي آسيا دولتان قديمتان هما إيران وتركية، وكلتاهما في شقة الصدام بين الكتلتين يحميهما ~~هذا الصدام أن تقعا في قبضة هذه أو تلك، ولكنها حماية مانعة وليست بالحماية العاملة، فلا بد ~~من سند لها في بنية الأمة، ولا بد من قيام هذا السند من الإيمان والمعرفة. # ويقال اليوم: إن تركية تعود إلى الدين بعد ثورة مصطفى كمال على تقاليدها الدينية، ولكن ~~تركية في الواقع لم تفارق الدين حتى يقال: إنها تعود إليه، وكل ما حدث إنما هو تغيير في ~~مراسم الحكم لم يتغلغل قط إلى ضمير الأمة، وقد يكون الاعتدال بين ثورة مصطفى كمال وتقاليد ~~الجامدين أصلح لتركية من أيام الخلافة المتداعية وأيام الثورة الكمالية الأولى. # أما الأمم العربية فقد وضع لها الغرب إسفينا في صميم بنيتها يوم أقيمت بينها دولة ~~إسرائيل، ولن تؤمن العقبى ما بقي فيما بينها هذا الصدع الوبيل، وتتسلل منه المفاسد والمطامع ~~إلى جوفها. # ولكن إسرائيل على قوة الدول التي تسندها لا تعيش ولا تتمكن في موضعها بين أمم تقاطعها ~~وتبعد المسافة بين مواردها ومصادرها، وباب الأمل في هذا الجانب أن المصير لا يعدو حالة من ~~حالتين: إما أن تسيطر إسرائيل على أمم العرب ونهضتها، وإما أن تنخذل دون هذا المطلب العصي ~~فتنهار أو تقبع في أضيق حدودها، وأصعب هاتين الحالتين: سيطرة إسرائيل على أمم ناهضة تتقدم ~~ولا تنكص على أعقابها. # والإسلام في القارة الأفريقية يشغل شواطئها على البحرين الأبيض والأحمر، وعلى المحيطين ~~الأطلسي والهندي. فكل الشواطئ الأفريقية يقطنها مسلمون ما خلا الجانب الغربي إلى ms099 الجنوب، ~~ويتخللها المسلمون في جوف الصحراء الكبرى كما يتخللونها في أواسطها من السودان إلى أعالي ~~النيل. # وتنصب قوة الاستعمار كلها على القارة الأفريقية في الوقت الحاضر، فعلى الإسلام عبء كبير ~~ينهض به في وجه هذا الاستعمار. # ومهما يكن من تفاوت القوى المتنازعة في هذه القارة فليس السؤال هنا: من يقدر على الغلبة؟ ~~بل هو من يقدر على البقاء بعد طول الصراع؟ # ونخال أن الجواب لا يقبل الخلاف، فلن يبقى المستعمرون ويزول أبناء البلاد، ولن يستطيع ~~المستعمرون مهما عملوا أن يخرجوا أبناء البلاد عن أجناسهم وعقائدهم ليدمجوهم في غمارهم ~~أفريقيين «مغتربين». # وقد تطول المسافة على الشعوب الأفريقية قبل بلوغ المرحلة التي تخرج الاستعمار، ولكن ~~الاستعمار يحمل من جراثيم الفناء ما يعاون المنكوبين به على الخلاص منه، وليس اللازم أن ~~يتساوى الأفريقيون والمستعمرون في العلم والثروة والحول والحيلة، وإنما اللازم أن يضيق ~~المستعمرون بقهر الأفريقيين، وقد يضيقون بهم قبل أن يتساوى الفريقان في هذه الصفات بزمن ~~طويل. # ومصر - في طليعة الأمم الأفريقية - تمضي قدما إلى هذه المرحلة، وتقترب منها حقبة بعد ~~حقبة منذ أوائل القرن العشرين. فلم تمض من هذا القرن عشر سنوات متعاقبة دون أن تتدرج فيها ~~من حالة إلى حالة أفضل منها، فخرجت من السيادة العثمانية، ثم خرجت من الحماية البريطانية، ~~ثم تخلصت من حكم الملكية الرثة التي صار بها الزمن إلى أسوأ أطوارها في عهد فاروق ربيب ~~الفساد، ابن أحمد فؤاد صنيعة الحماية، ابن إسماعيل رائد الخراب والاحتلال، وإذا اطردت ~~مراحلها عشر سنوات بعد عشر سنوات على هذه الخطى فليس الرجاء في مرحلتها التي تقود فيها ~~القارة الأفريقية ببعيد. # وعلى شواطئ البحرين الأبيض والأحمر أمم من هذه القارة تتيقظ وتتحفز، وتوشك أن تبلغ ~~المرحلة التي تعنت فيها الاستعمار كما يعنتها، ومن آمالها: وحدة المغرب ووحدة وادي النيل، ~~وأيا كان مآل هذه الآمال في عالم السياسة فمناط الأمر كله أن يتم لها حظ الأمم المستقلة ~~في المعرفة والكرامة، وكل وضع من أوضاع السياسة بعد ذلك مرضي ومقبول. # الفصل الحادي عشر ms100 # | في نظر الغرب # منذ القرن الأول للهجرة لم يعرف العالم حقبة من حقب التاريخ خلا فيها الغرب ممن يهتمون ~~بالإسلام على نحو من الأنحاء، ولكن الذي يعنينا في هذه العجالة هو اهتمام الغرب بالإسلام في ~~عصر الاستعمار، وقد كان على الأغلب اهتماما يروده الباحثون من وجهة النظر العسكرية أو ~~السياسية أو الاقتصادية أو الدينية، فلم يهتم الغرب بالإسلام قط من وجهة نظر عامة أو من ~~وجهة نظر علمية في القرن الثامن عشر أو القرن التاسع عشر، وإنما التفت الغربيون إلى دراسة ~~الإسلام من هذه الوجهة - وجهة النظر العلمية - منذ أوائل القرن العشرين، وهي مع هذا لا تخلو ~~من غرض، وإن تخفى الغرض فيها أحيانا وراء نقاب. # فمن أواخر القرن التاسع عشر إلى اليوم تقوم الجامعات والمعاهد في هولندا وفرنسا وإنجلترا ~~والولايات المتحدة لدراسة أحوال المسلمين، وأسرار العقيدة الإسلامية على أضواء العلم ~~الحديث، وينشئ بعض الجامعات كراسي لهذه الدراسة أو قاعات لإلقاء المحاضرات، وانتداب ~~المختصين لإلقاء سلاسل من هذه المحاضرات سواء كانوا من الأساتذة فيها أو ممن يعلمون في ~~الجامعات الأخرى. # وسنجمل في هذا الفصل أقوالا متفرقة من مباحث المختصين الذين صوروا الإسلام للغرب كما ~~فهموه، فإننا إذا عرفنا كيف يفهموننا عرفنا كيف يكون موقفهم منا، وكيف يكون موقفنا منهم، ~~ولو كانت المحاولة «علمية» تدور عليها دراسات علماء. ~~••• # افتتحت جامعة شيكاغو قاعة محاضراتها الإسلامية منذ نحو خمسين سنة (1906) فحصر المحاضر ~~الأول - دنكان بلاك مكدونالد - أهم الموضوعات التي يمكن أن يدور عليها البحث في ثلاثة، وهي ~~الشخصية المحمدية، ومدارس التصوف، وأطوار الأمم الإسلامية في حركة التجديد. # وصفوة ما انتهى إليه في هذه الموضوعات الثلاثة أن الشخصية المحمدية لا تزال بعد أربعة عشر ~~قرنا مصدر المدد المتصل في تقوية المسلم، وأن الصوفية قد خلقت منفسا للعقيدة الفردية التي ~~يدين بها المسلم المستقل بتفكيره واعتقاده عن سلطان الشيوخ وسلطان الجماهير، وأن أطوار ~~المسلمين تختلف اختلافا لا بد منه بين أناس ينتمون إلى كل جنس وكل أصل من الأصول البشرية، ~~ولكن الإسلام قد أوجد بينهم ms101 أخوة عامة قل أن يوجد لها نظير في أتباع الكنيسة الواحدة، وقد ~~طبعت هذه المحاضرات بعنوان «الموقف الديني والحياة الدينية في الإسلام». # 1 # ومن الدارسين لموقف الإسلام في القرن العشرين المؤرخ الكبير أرنولد توينبي # Toynbee # في محاضراته عن «العالم والغرب» التي ألقيت سنة ~~1952، وفي محاضرات أخرى عن حركة التجديد التي سماها بالهيرودية وحركة التجديد المقابلة التي ~~سماها بالآسية. # وعند توينبي أن المسلم يواجه الغرب اليوم كما واجه الإسرائيلي حضارة روما واليونان قبل ~~ألفي سنة، ولا يعني بذلك أنه جامد على أساليب ذلك العصر، بل يعني به أن من المسلمين من ~~يقاوم الحضارة الأوروبية بالاقتباس منها كما فعل هيرود في عصر السيد المسيح، ومنهم من ~~يقاومها بالمحافظة الشديدة والإصرار على القديم بنصه وحرفه. # وقد ذكر الانقلاب التركي وما تلاه من الحركة الكمالية نحو الغرب، فقال: إن التجديد التركي ~~قد تطور هذا التطور؛ لأن التجديد كله قد بدأ من ناحية العسكريين على أثر الهزائم المتوالية ~~التي منيت بها الدولة العثمانية، فاتخذ صبغة التنفيذ العسكري بعد هزيمة الأخيرة في الحرب ~~العالمية الأولى. ثم قال ما فحواه أن النظام العسكري قد اقترن بالنظام النيابي الذي علقت ~~جذوره على ما يظهر بالتربة الإسلامية، وفضل العقلية الإسلامية على العقلية الأوروبية في ~~أخوة الدين. فإنها في هذا العصر الذي تقاربت فيه المسافات قمينة أن تحشد الإسلام صفا ~~واحدا أمام غزوات الشيوعيين، وقد نوه بالرسالة التي تؤديها اللغة العربية في هذا الموقف، ~~وهي لغة الكتابة على اختلاف اللهجات بين مراكش وإيران ومسقط وزنجبار. ~~••• # وصنف الأستاذ جب # Gibb # أستاذ العربية بجامعة أكسفورد عدة ~~رسائل تدور بالتفصيل أو بالإجمال على هذا الموضوع. # وملاحظته الأولى: هي أن التجديد في الإسلام يبدأ من جانب «العلمانيين» أو الدنيويين ~~خلافا لتجديد الغرب الذي يتولاه رجال الدين، وأن المسلمين العصريين يعتمدون على مكانة ~~الإمام محمد عبده لتسويغ جهودهم التي لا يرضى عنها الجامدون كلما حاولوا التقريب بين ~~الإسلام والحضارة الحديثة، وتعليل ذلك عنده أن المسلم المتعلم على المنهاج الأوروبي هو الذي ~~يعرف ما يستفاد من ms102 علوم الغرب وحضارته، وهو منهاج لم يفتح أمام الشيوخ قبل الجيل ~~الجديد. # ويرى الأستاذ جب أن التجديد ينتشر في العواصم، وقلما يسري إلى الأقاليم النائية في جوف ~~البلاد. # ويلاحظ أن المجددين في مصر قد يتأولون الأحاديث النبوية، ولكنهم لا يجترئون كما اجترأ بعض ~~مجددي الهند على المناقشة في التنزيل، ولا سيما المناقشة حول تنزيل القرآن بلفظه أو بمعناه، ~~ولم يعلل الأستاذ جب هذا الاختلاف، ولم يذكر له أمثلة كثيرة في الهند أو غيرها، ولكننا نظن ~~أن خاطر التنزيل بالمعنى إنما يخطر لمن يتعودون أن يفهموا القرآن بمعناه، أو يترجموا هذا ~~المعنى مع قراءته بالحروف العربية، وقليل جدا مع هذا من يعلق التجديد بهذا الضرب من ~~التأويل. ~~••• # وممن ألفوا عن الإسلام في الهند خاصة الأستاذ ولفرد كانتويل سميث # Welfred ~~Cantwell Smith # مدرس ~~التاريخ الإسلامي بجامعة عليجرة. # وأهم ما لاحظه: أن دعاة التجديد يهتمون بإثبات «قابلية الإسلام» للتحضر والتمدين، ويشيدون ~~بفضله على حضارة الغرب من عهد دخوله الأندلس إلى عهد الحروب الصليبية، وأن بعض المجتهدين - ~~وسمى منهم أبا الأعلى المودودي - يؤمنون بأن الإسلام نظام الكون، وأن العالم العلوي يمشي ~~على نظامه، فيصح أن يقال عن الشمس والقمر والكواكب أنها كائنات مسلمة؛ بل يصح أن يقال عن ~~تكوين الملحد نفسه إنه في «كيانه الجسدي» يتبع نظام الخلق فيتبع من ثمة أحكام ~~الإسلام. # وينزع الأستاذ سميث إلى التفسيرات الاقتصادية في عقائد الطبقات، فيقول: إن «الشخصية ~~النبوية» هي مدار العقيدة حيث يلتمس المسلم في العصر الحاضر «مثلا أعلى» لمسلكه وأدبه ~~وقواعد خلقه، وإن المساس بالنبي عليه السلام يثير المسلم أشد من ثورته على من يمس الربوبية، ~~ولا يقصد بذلك أن مقام النبوة أعظم عنده من مقام الإله، فهذا ممتنع كل الامتناع في الإسلام، ~~ولكنه قد تعود أن يسمع بالملحدين المنكرين لوجود الإله، ولم يتعود أن يواجهه أحد بالقدح في ~~نبيه، ولو لم يكن من المتدينين بدينه، وهذه الحركة الواسعة قد عرفت خاصة بتعظيم شخص الرسول ~~صلوات الله عليه حتى سميت باسم حركة «السيرة» وأصبح قوامها ms103 الإعجاب والاقتداء بسيرة النبي ~~في حياته الخاصة والعامة، وهنا يستطرد الأستاذ إلى تعليلاته الاقتصادية فيقول: إن الطبقة ~~الوسطى في جميع الأمم «فردية» أو معنية بالشخصية الفردية، ومن ثم اتجه الشعور الديني عند ~~المتعلمين - ومعظمهم من الطبقة الوسطى - إلى «شخصية» تملك إعجابهم، وتقنع المتدين بجدارتها ~~للقدوة والأمانة، فكانت «الشخصية المحمدية» هي مدار هذا الشعور وقبلة هذا التفكير. # وليس من غرضنا أن نطيل التعقيب خلال تلخيص الآراء الغربية عن الإسلام، ولكننا نحسب أن ~~الخطأ هنا لا يحتاج إلى إسهاب في التعقيب عليه ؛ لأن الاهتمام بذوات الأولياء والقديسين يشيع ~~في كل أمة بين العامة وسواد الناس أشد من شيوعه بين الميسورين المتوسطين ممن يسميهم أصحاب ~~التفسير الاقتصادي بالبرجوازيين، ونرى أن تعظيم النبي عام بين المسلمين في هذا العصر، وأن ~~كتابة السيرة المحمدية عامة كذلك بينهم في كل أمة، فلا عجب أن تعم البلاد التي كان للشخصية ~~الإنسانية فيها مكانة بارزة في كل عقيدة من أقدم العصور، وهذا عدا ما هو مأثور من طبيعة ~~الإنسان؛ إذ تدرك القداسة متمثلة في صورة واضحة قبل أن تتمثلها في عالم التجريد. ~~••• # وبين أحدث الكتب عن الإسلام كتاب الأستاذ تريتون # Tritton # أستاذ الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، وقد اختار للمسلم المعاصر مثالين؛ أحدهما: ~~هندي، وهو الشاعر الصوفي محمد إقبال، والآخر: مصري، وهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ~~وهو يحاول أن ينفذ إلى طبيعة إدراك الماضي والحاضر والقديم والجديد في ذهن إقبال، فيقول: إن ~~الزمن المطلق عنده كل عضوي شامل لا نتركه خلفنا، بل هو يتحرك معنا ويعمل في حاضرنا، ثم ~~يقول: إن الإسلام يعطي كلا من العالمين - الدنيا والآخرة - حقهما، وفي وسع المسلم العصري ~~أن يعيد النظر في الإسلام كله دون أن ينقطع عن الماضي، وله أن يراجع أحكام المعاملات ~~والشريعة؛ لأن باب الاجتهاد مفتوح لا يزال. # قال: وقد أدى ضغط الآراء الغربية إلى تغيير واحد في التفكير الإسلامي، فإن المسلمين في ~~القرون الوسطى كانوا يتجاهلون قواعد التفكير الأخرى، فأصبحوا اليوم معنيين بالرد على وجوه ~~الاعتراض التي تأتي ms104 من غيرهم، وهم يجتهدون ليثبتوا أن الإنسانية الصادقة والآداب القويمة ~~والعقل السليم تلقى أرفع تعبيراتها في شريعة الإسلام وأحكامه، ويسلمون أن ديانتهم اليوم ~~ليست على ما يحبون، وأن الإصلاح ضرورة لا محيص عنها، ولكنهم يصرون على أن الإسلام دون غيره ~~هو الذي يصلح لمطالب النوع الإنساني، فقد تغيرت الأحوال، ووجب أن تتغير معها النظرة إلى ~~الديانة، وقد كان أثر الغزالي في الشيخ محمد عبده قويا يبدو واضحا في فهم الدين على أنه ~~عقيدة باطنة حيوية من شئون السريرة، وأن الشعائر الخارجية ثانوية مضافة إليها، وقد أخذت ~~طائفة من الذين يدعون على العموم تلاميذ الشيخ تنقاد لمذهب الحنابلة، فتجمعت من ذلك دعوة ~~إلى رفض البدع المستحدثة، والعود إلى سلامة العقيدة الماضية، وتضمنت هذه الدعوة برامج إصلاح ~~في الشئون الدينية والاجتماعية والاقتصادية تثبت قابلية الإسلام للتدين به في الأحوال ~~الحاضرة، وهؤلاء التلاميذ يتجهون إلى أهداف مختلفة؛ بعضها وطني قومي، وبعضها مدرسي ينظر إلى ~~الحرية العقلية، وبعضها يقدم الإصلاح الديني ويعتبره مبدأ لكل إصلاح، ومنهم من يصبح ~~بانقياده للنزعة الحنبلية محافظا في بعض الأمور أشد من المحافظين، وتنصل الصبغة الغزالية ~~عن حياتهم، وإنهم ليعتقدون أنهم معتدلون يتوسطون بين البساطة التي ترجع بقوتها كلها إلى ~~التسليم الأعمى في طوائف الدهماء وبين المتطرفين من دعاة التقدم الذين يجنحون إلى الحرية ~~العقلية المطلقة، والاتجاه إلى الحضارة العصرية، ونظم الحكم الحديث، والشريعة الوضعية، ~~ويؤكدون أن الإسلام إذا فسر كما يفسرونه يتكفل بالحل الوحيد لمشكلات المجتمع والسياسية ~~والدين. # وانتقل تريتون إلى مسألة الخلافة فقال: «إن إلغاء الترك للخلافة صدم العالم الإسلامي، وإن ~~كانت الخلافة قد صارت منذ زمن بعيد اسما على غير مسمى، ولكنها كانت عندهم ذات قيمة عاطفية، ~~ومنهم من يؤثر إيجاد الخلافة بأية صبغة روحية خادمة للشريعة لا حاكمة مسيطرة عليها، وإنما ~~وظيفة الخليفة أن يراقب القيام بحكم الشرع، ولا يستطاع ذلك بغير سلطان وراءه، ومثل هذا ~~الخليفة أدنى إلى أن يكون كالإمام عند الشيعة، إلا أنه لم توجد قط ولا توجد الآن أداة معترف ~~بها ms105 تتولى اختياره، وأقرب ما يكون إلى هذه الأداة فتاوى الفقهاء بغير صفة رسمية، وهم لا ~~يعينون بل يرتقون إلى مكانتهم بالمعرفة ووجاهة الشخصية كأنهم المثل المحسوس لاتفاق الجماعة، ~~ويعتبر الوطنيون الذين يعتقدون أن خلاص الإسلام مرهون بإقامة الحكومات المستقلة أناسا من ~~الوجهة النظرية مقترفين لخطيئة التفرقة بين صفوف الجماعة، ولكن الحكومات المنفصلة قد وجدت ~~قديما دون أن تفصم وحدة الجماعة، وليس ما يمنع أن يعود الأمر كما بدأ، ويومئذ يصدق على ~~عالم السياسة ما روي عن النبي حيث يقول: إن الاختلاف بين أمتي رحمة.» ~~«وربما تأثر المسلمون بإجلال النصارى للمسيح فرفعوا مقام النبي إلى أوج المثل الأعلى، ~~وجعلوا الدين محاكاة له في سيرته، ولم تزل نظرة المسلمين إلى نبي الإسلام تتنوع من حقبة إلى ~~أخرى، ولكن النبي نفسه كان يقول: إنه إنما هو رسول وإنسان من البشر، وليس في يديه أن يصنع ~~المعجزات.» # وختم تريتون هذا الفصل قائلا: إن الفجوة بين مدرسة التجديد ومدرسة المحافظة لا تزال على ~~اتساع لا يأذن بالمراجعة التي دعا إليها محمد إقبال، وكلتاهما مع هذا قد تثوب إلى القرآن ~~الذي يوحي إلى المدرستين أن الله ليس كمثله شيء، وأنه أقرب إليهم من حبل الوريد. ~~••• # واشترك نحو عشرة من الباحثين الغربيين والشرقيين في دراسات متفرقة عن الثقافة والمجتمع في ~~أمم الشرق الأدنى # Near Eastern Culture and Society # فقال ~~أحدهم الأستاذ عبد الخالق عدنان أديوار - وهو تركي: إن حركة التجديد العصرية بدأت بدعوة ضيا ~~شوق آلب المسماة بحركة «يني مجموعة» أو الجماعة الجديدة، وغايتها أن تنشئ في الإسلام ~~توفيقا كالتوفيق بين المسيحية والحضارة العصرية على مبادئ اللوثرية، ولكن غلطة شوق آلب ~~كانت على الأغلب غلطة لغوية في الترجمة؛ إذ كان من سوء حظه أنه ترجم كلمة الدنيوي أو ~~العلماني # Laic # باللاديني، فنفر المحافظون من مذهبه على ~~اعتباره زندقة مناقضة للدين، في حين أن الكلمة لا تعني اللادينية بل تعني «غير الكهنوتية» ... ~~ولو أنها ترجمت بهذا المعنى لما نفر منها المسلمون؛ لأنهم يسلمون أن ديانتهم خلو من سلطان ms106 ~~الكهنوت، ثم جاء الاندفاع في سبيل «التغرب» فبلغ من سورته حدا أخرجه من الدعوة الفكرية ~~إلى حالة تشبه الحتمية الحكومية في سبيل «اللادينية» وانقلبت الآية من تعصب قديم إلى تعصب ~~جديد لا يسمح بالتمحيص وحرية المناقشة. # ولخص حبيب أمين الكوراني حركات التجديد في ثلاث دعوات كبرى: هي دعوة جمال الدين المنادي ~~بالجامعة الإسلامية على أساس التقريب بين الإسلام والعلم، ودعوة الوهابيين على أساس العودة ~~إلى السلف الأول، ودعوة الشيخ محمد عبده على أساس العمل بمقتضيات العصر كما يسوغها التفسير ~~الحديث لأحكام الإسلام. # وتكلم كويلر يونج # Cuyler Young # عن ثورة السخط في إيران ~~على المادية والإباحية، وعزاهما إلى سوء المعيشة الدنيوية لا إلى سوء العقيدة الدينية، ~~وقال: إن تحسين المعيشة ونشر التعليم خير علاج للمشكلة النفسية مع تذليل صعوبة اللغة ~~المختلفة بين الأقاليم. # ومن الكتب التي درست الإسلام دراسة علمية على اتصال بمساعي المبشرين كتاب «قنطرة إلى ~~الإسلام» # Bridge Islam # لصاحبه إريخ بتمان # Erich Bethmann # وكتاب «طوالع الإسلام» # The prospects of Islam # لصاحبه لورنس بروان # Laurence Browne ~~. # أما الأول: فيصرح بإخفاق التبشير، وينعى على الحضارة الغربية أنها نفرت المسلمين من ~~المسيحية، ويشتد في نقد الروايات السيمية؛ لأنها أدخلت في روع المسلم الشرقي أنها تمثل حياة ~~الأمم المسيحية، فنظروا إليها نظرة طالب التسلية، ولم ينظروا إليها نظرة طالب ~~الإصلاح. # وكأنما خشي من أنصار التبشير إعراضا عن المعونة فلام الذين ينصحون بالتحبب إلى الشرق من ~~طريق التعليم والإحسان والتطبيب، وقال: إن الذهن الشرقي مطبوع على التفكير الديني ~~«الثيولوجي» فهو لا يفهم الإصلاح على غير هذه القاعدة، وما لم يكن هنالك حافز ديني فالأمر ~~عنده من الشواغل العرضية التي لا تستحق الجهد ومحاولة التبديل، وإنه لرأي في الحق جد عجيب؛ ~~لأنه الرأي الذي ينقلب على صاحبه، ويقنع أنصار التبشير بضياع المسعى وخيبة الرجاء في كل ~~تغيير يتوقف على تغيير العقيدة أو تغيير «الذهن» بما اشتمل عليه. # وأما لورنس براون: فمحاولته كلها متجهة إلى تكذيب القول بعقم المساعي التي تبذل في «تبشير ~~المسلمين»، وهو لا ms107 ينكر أن المسلمين الذين يصبئون عن دينهم جد قليلين، ولكنه يرى أن المسألة ~~هنا مسألة الطبقة لا مسألة العقيدة، وأن أبناء الطبقات الميسورة من المسلمين كأبناء هذه ~~الطبقات في جميع الملل والنحل، قوم قد استقروا على عاداتهم الاجتماعية وعلاقاتهم العائلية، ~~فلا مطمع في تحويلهم عن هذه العادات أو قطعهم لهذه العلاقات، ولكن المطمع كبير في الطبقات ~~البائسة كما ظهر من نتائج التبشير بين الهنود المحرومين، كما ظهر في رأيه بين المتنصرين ~~الهنود الذين يرجح انتماؤهم في الأصل إلى أجداد كانوا يدينون بنحلة من نحل الإسلام. # وقد ظهر باللغة الإنجليزية كتاب عن الإسلام والغرب، ثم ترجم إلى العربية باسم الإسلام في ~~نظر الغرب، ونشر منذ شهور قليلة، وقام بترجمته الدكتور إسحق موسى الحسيني من فلسطين. # يقول الأستاذ «فيليب حتى»: إن الطرفين من المحافظين والمجددين يتباعدان، وبينهما جماعة ~~وسطى «تواجه عملية اختيار دائم» يتيسر من المسائل الفنية والعلمية، ويتعسر في مسائل المجتمع ~~ومشكلات المعيشة أو المشكلات الاقتصادية، ويقول: إن المتفرنجين من الترك قد غيروا لباس ~~الرأس، ولكنهم لا يستطيعون أن يغيروا ما في داخل الرأس بمجرد لبس القبعة وخلع الطربوش، ~~ويختم كلمته قائلا: إن الدول العربية ليست جزءا من آسيا، وعلى الغرب أن يقنع تلك الدول ~~التي ترغب في توطيد التفاهم مع الغرب أنها تنتسب إلى تلك الثقافة، أي إلى الثقافة ~~الغربية! # ويسهب الدكتور بايرد دودج المدير السابق للجامعة الأمريكية في إيراد الأمثلة من تفسيرات ~~الشيخ محمد عبده على المطابقة بين الإسلام والعلم الحديث؛ ومن مسائل العلم الحديث التي أشار ~~إليها: مسألة التطور والجراثيم، ومسائل الاقتصاد التي تتناول المعاملة بالربا وما إليها، ~~ولكنه يقول: إن الناشئة تنبذ فرائض دينها «ويلوح لي أن هوليوود قد أثرت في الجيل الحاضر من ~~المسلمين أكثر من تأثير مدارسهم الدينية.» # ثم يقول: «واليوم قد أصبحت القومية ذات الصبغة المادية عنصرا قويا في الفكر الإسلامي ~~والمجتمع، وهذا يؤدي إلى مناهضة فكرة الوحدة الإسلامية أو الخلافة، وكون الإسلام أخوة منظمة ~~- فالقومية قد حلت محل المظهر الديني للوحدة الإسلامية إلى ms108 حد كبير، وغني عن البيان أن ~~الشبان المسلمين الذين لا يبالون بالإسلام باعتباره نظاما عظيما هم الذين يغلب عليهم ~~اعتناق الشيوعية.» # وزبدة كل هذه الآراء، ما كان منها لمحض العلم أو ما كان منها منظورا فيه إلى التبشير ~~والسياسة، أن الغربي مشغول بأمر الإسلام شغلان من يشعر بيقظته، ويترقب ما وراء هذه اليقظة، ~~فلا يخرجها لحظة من حسابه، وأهم ما يهمه أن يعلم كيف يقف الإسلام غدا من مجاميع الأمم ~~الغربية والشرقية، وكيف يكون مسلكه إذا التحمت المعسكرات ثم افترقت عن هزيمة هذا وانتصار ~~ذاك. # ويقابل هذه النظرة، أو هذه النظرات من الغرب، نظرة أو نظرات مثلها من جانب المجموعة ~~الأممية التي تسمى بالكتلة الشرقية، وتدل نظراتها جميعا على تناقض غير مطرد في وجهته. ~~فيرحبون حينا بنشاط القوميات؛ لأنها تفرق بين المسلمين في البقاع المتقاربة، ويرحبون حينا ~~آخر بنشاط الوحدة الإسلامية؛ لأنهم يخشون العصبية القومية، ولا ييأسون من تفسير الدين بما ~~يوافق دعوتهم الاجتماعية. # وإذا صرفنا النظر عن «اهتمام البواعث» أو عن الشغلان الذي يبعث إليه حب المعرفة وحب ~~الانتفاع بهذه المعرفة في توجيه السياسات وتقرير المواقف الدولية، فالحقيقة البينة أن ~~الاهتمام شامل لجماهير الأقوام غير مقصور على معاهد العلم ومراجع السياسة، وإحدى ظواهر هذا ~~الاهتمام شيوع الطبعات الشعبية من ترجمة القرآن الكريم، وأبلغ من دلالة هذا الشيوع أن يقول ~~رجل من رجال الدين، وهو يقدم المختارات من آي القرآن، إنه إذا لم يكن كتابا فهو ~~صوت قوي حي # Astrony Living Voice # وهو غاية ما ينتظر ~~ممن ينكر الكتاب. # 2 # الفصل الثاني عشر # | آسيا وأفريقيا # وكل بحث في مستقبل المسلمين يستتبع البحث في مستقبل القارتين آسيا وأفريقيا على الخصوص؛ ~~لأن تسعة أعشار المسلمين يسكنون هاتين القارتين، وحولهما تحوم اليوم مطامع الاستعمار ~~والاستغلال والتبشير. # وجملة ما يقال في آسيا: إن شعوبها أضخم من أن تبتلع في بنية شعب آخر، وجملة ما يقال في ~~أفريقيا: إنها أبعد أصلا من أن تندمج في الغرب وهي قائمة على تربتها. # إنما ينظر في هذه وتلك ms109 إلى عاقبة السيطرة الثقافية، ولا نعني بالسيطرة الثقافية سيطرة ~~العلم الحديث، فإن الأمم التي تتقدم في العلم الحديث لا تقع تحت سيطرة أمة من جراء ذلك، وقد ~~تتغلب بعلمها على السيطرة الأجنبية إن كانت واقعة في قبضتها. # وإنما نعني بالسيطرة الثقافية سيطرة العقيدة من جانب المذاهب الاجتماعية أو من جانب ~~التبشير. # إن الدول الكبرى التي تتجاذب سياسة العالم هي الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وروسيا ~~الشيوعية. # والظاهر من سياسة بريطانيا في القرن العشرين أن تتراجع عن آسيا، وعن الشرق الأقصى خاصة، ~~وتترك ميدان السباق فيه للروس والأمريكيين، ثم تلوذ بمفترق الطرق بين القارات الثلاث في ~~آسيا الغربية، أي في بلاد العرب التي تمتد من العراق إلى البحر الأبيض والأحمر. # أما السيطرة الروسية: فهي تقوم على نشر الشيوعية، وهي مذهب لا يوافق الإسلام في أساسه، ~~ولكن الإسلام يغني عنه إذا اتبع المسلمون قواعد المساواة والإنصاف، وعملوا بأصول دينهم في ~~التوسط بين التهالك على الدنيا والإعراض عنها، وينبغي أن نذكر في هذا المقام أن بلاد الروس ~~وما جاورها هي قطعة من أوروبا أخذتها آسيا من زمن غير بعيد، وقد يحدث في المستقبل تكرار ~~لهذه الظاهرة على صورة أخرى، ويكون للإسلام شأن كبير في هذا التكرار. # وتتسابق الدولتان الروسية والأمريكية على المناجم وينابيع النفط ونقط الاستحكام في هذه ~~القارة الواسعة، ومآل كل ذلك حتما إلى أبناء البلاد؛ لأن حبل الزمن أطول من حبل المال ~~وحبال السياسة، وذلك على شرط واحد وهو الاحتفاظ بكيان الأمة وقوامها، وليس في آسيا قوة ~~روحية أقدر من الإسلام على حفظ الكيان والقوام للأمة التي تؤمن بدينه. # أما بلاد العرب حيث تتراجع الدولة البريطانية: فقد أحيطت بحلقات من المشيخات والسلطنات ~~تتعاقد معها بريطانيا على ضروب من الحماية المقنعة، وتحسب من وراء ذلك حساب المواصلات، ~~وآبار النفط، ومواضع الاستحكام العسكري في حالة الحرب العالمية، ولكنها لا تهمل حساب ~~التبشير، ولا تنكر مسعاه في حمايتها، وهذه عبارة في سلسلة السيطرة العالمية تدل على ~~كثير. # يقول هارولد ستورم في كتابه: «إلى أين يا ms110 جزيرة العرب»: # 1 # إن قبائل الجبال وراء ظفار - وهم من سلالة مخالفة كل المخالفة - تستخدم لهجات غير ~~عربية كالشحرية والمهرية والبوطهارية والخرسوسية، وكل لهجة من هذه اللهجات لا ~~يفهمها المتكلمون باللهجات الأخرى، وقد تمكن العالم اللغوي الألماني الدكتور ~~مكسمليان بثنر # Bethner # من رسم اللهجتين الشحرية ~~والمهرية بالكتابة، وهما على ما يلوح لي على قرابة من إحدى اللغات الهندية، حيث تدل ~~بعض الروايات على هجرة سابقة من الهند إلى ظفار، ولا تزال ثمة عادات قريبة من عادات ~~الهنود، وقد اضطررت إلى استخدام مترجم بين هذه القبائل حين عشت في بلادها، وتبين لي ~~من صعوبة اللغة أن العمل بينها - أي عمل التبشير - عسير. # ولما كانت ظفار على بعد خمسمائة ميل من مسقط تحت سيادة سلطانها، فكل محاولة ~~لتكوين العمل هنا تستلزم لا محالة رجوعا إلى العمل الذي تأسس في مسقط نفسها، ويدعو ~~موقف السلطان الودي في الوقت الحاضر إلى الأمل في الانتفاع بهذه الفرصة لإنجاز شيء؛ ~~إذ تتنقل بعثات التبشير بغير عائق في عمان، ويرجى من تعزيز مركز مسقط مزيد من ~~العمل، وهناك في داخل عمان قبائل لا حكم عليها للسلطان نجحت بعثات مسقط في حمل ~~رسالة الإنجيل إليها على نطاق أوسع مما تيسر قبل الآن في أي مكان. # أما القارة الأفريقية: فقد أحيطت كذلك بحلقات من الجهات الأربع تسيطر عليها الدولة ~~البريطانية، وتكاد المصنفات الكثيرة عن هذه القارة أن تجمع على اعتبارها في عالم الاستعمار ~~«حظيرة خاصة» بريطانيا (العظمى)، وأحد هذه المصنفات صريح بهذا المعنى في عنفوانه، وهو ~~«أفريقيا إمبراطورية بريطانيا الثالثة» # Empire Africa; Britain’s ~~Third # من تأليف جورج بادمور Padmore ~~. # وقد ظهر باللغة الإنجليزية في السنوات الأخيرة أكثر من مائة كتاب عن القارة الأفريقية، ~~وبعض عناوينها ينم على مبلغ الأمل والحذر من هذه الجهة التي أحاط بها الظلام إلى أوائل ~~القرن العشرين. # من عناوين هذه الكتب عنوان: «الأمل في أفريقيا» لمؤلفه آلبورت، وعنوان: «أفريقيا الغربية ~~الجديدة» لأربعة مؤلفين، وعنوان: «الأفريقي اليوم وغدا» لمؤلفه ديديرنج وسترمان، وعنوان: ~~«قضية الحرية الأفريقية» لمؤلفه ms111 جويس كاري، وعنوان: «أفريقيا تنهض» لمؤلفه و. م مكميلان، ~~وعنوان: «قارة الغد» لمؤلفه بطرس بن ولوسي ستريث ... وهكذا وهكذا عشرات من التصانيف الجديدة ~~تتلوها عشرات. # وما من كتاب من هذه الكتب خلا من ذكر الإسلام، والتحدث عن سهولة انتشاره بين الشعوب ~~الأفريقية، ونجتزئ بنماذج من هذه الإشارات للدلالة على السياسة التي قد توحيها معلومات ~~القوم عن أثر هذا الدين في مستقبل الأفريقيين. # يصف وستر مان دين الإسلام وصفا غريبا يعلل به قابلية الشعوب الفطرية للإصغاء إلى دعوته، ~~فيقول عنه: إنه دين مذكر أو دين ذو رجولة # Masculine # يعجب ~~الأفريقي ببساطته وقوته، ثم يقول: «إن المسلم لا يهبط إلى مثل هذا الاقتداء الخاضع الذي ~~يهبط إليه الزنجي الوثني، فبينما يفخر الزنجي الوثني إذا أتيح له أن يلف نفسه بخرقة عتيقة ~~يلقيها الأوروبي إليه، ويعرض نفسه للسخرية بهذه القدوة الهزلية - لا يخطر على بال المسلم أن ~~يستبدل ملابس الأوروبيين بردائه الفضفاض وقلنسوته السعفية.» # ويضيف إلى ذلك أن الإسلام متى بدأ في مكان لم ينتظر مددا من الخارج للتوسع في جوار ذلك ~~المكان، فمعظم التبشير به أفريقي لا يحتاج إلى معونة من غير الأفريقيين. # وقد ألف الأستاذ نادل # Nadel # النمسوي - أستاذ علم الأجناس ~~البشرية بجامعة النمسا الوطنية - كتابا مفصلا عن عقيدة النيوب في بلاد النيجر وأثر ~~الإسلام فيها، قال فيه: «إن الإسلام يطوي جميع العقائد والشعائر، ويلحق به الأتباع، ولا ~~يدعهم شراذم هنا هناك، ويتطلب الإيمان التام، ولا يكتفي بعلامات الموافقة ~~والمجاراة.» # ويقول البروفسور مكميلان في كتابه «أفريقيا تنهض» # Africa ~~Emergent ~~: «إن الجانب الإسلامي في بلاد النيجر قد أنمى فيه ما يحسب ~~الآن ثقافة مقررة بمعنى الكلمة الصحيح، وقد تلقت هذه الطوائف حكمة جمة قد يكون القليل منها ~~اليوم هو الحقيق بأن ينسى.» # وبديه أن كل اعتراف من هذه الاعترافات يستتبع وراءه خطة الحذر والحيطة للمستقبل، ولكن ~~المستقبل سيكشف للأفريقيين ولا ريب حيلته في مقاومة هذه الخطط أو محاذرتها، واتقائها من ~~جانبه. # أما الأمل الذي يتخايل أمام المستعمر البريطاني في هذه القارة فهو ms112 تأليف دولة شاسعة من ~~ولايات متحدة تتصل كل مجموعة منها مع المجاميع الأخرى بصلة المحالفة، وقد شرح صاحبا كتاب ~~«قارة الغد» برامج هذه الولايات، وقالا: إن مصلحة الأوروبي والأفريقي فيها لا تتعارضان ولا ~~تتناقضان بل تتوازيان، وإن أفريقيا إما أن تحكم على هذا المثال أو تصير في نصفها الجنوبي ~~على الأقل وطنا مدمجا في الشعوب الشرقية التي تهاجر إليها وأكثرها من الهنود، وقد تطمع ~~الشيوعية في استخلاصها لها من مصير كهذا أو مصير كذاك. # ويوشك الرأي الغلب على هذه المصنفات أن يتجه إلى غاية واحدة: وهي ادخار أفريقيا لتزويد ~~الأمم الغربية بمواد الغذاء وخامات الصناعة، مع بعض الرجاء في العثور على المعادن والزيوت ~~في باطن أرضها، حيث يتيسر تصنيعها إلى جانب مناجمها. # وقليل من الكتاب الغربيين من يطيب له أن ينظر بعينيه جميعا مفتوحتين إلى الغد الذي لا ~~مهرب منه في قارة «الغد» كما يسمونها. فمهما يبلغ من نجاح خطط الاستعمار أو التبشير، فلن ~~تكون إفريقيا في النهاية لغير الأفريقيين، ومن داخلها سيخرج لهم من ينتزع سيادتها من ~~أيديهم، ومن يناصبهم العداء؛ لأنهم قد استأثروا دونه زمنا بهذه السيادة، ولا يسره يومئذ ~~أنهم استعمروه أو بشروه. # الفصل الثالث عشر # | لو عاد محمد عليه السلام # من الأماثيل التي تعاد ولا تمل أمثولة للكاتب الروسي (ديستيفسكي) عن السيد المسيح ومحكمة ~~التفتيش في قصة الإخوة كرامزوف. # وخلاصة الأمثولة: أن السيد المسيح عاد إلى الأرض، وأخذ في وعظ الشعب وتبشيره بالملكوت، ~~فأقبلوا عليه، واستمعوا له، وأوشكوا أن ينفضوا عن وعاظهم ودعاتهم المعهودين، فأشفق هؤلاء ~~على مكانتهم، وأوعزوا إلى رئيس محكمة التفتيش فاعتقله وتوعده بالمحاكمة والحكم عليه لتضليله ~~الشعب والانحراف به عن تعاليم السيد المسيح! ... وقال له: إن هؤلاء الذين يقبلون عليك اليوم ~~هم أول الثائرين عليك، وأسبق المبادرين إلى تنفيذ القضاء فيك. # أمثولة تعاد ولا تمل؛ لأن العبرة بها لا تنقضي في حقبة واحدة، ولا تزال عبرة الدهر كله في ~~أحاديث المصلحين والمفسدين. # ولم يبالغ الكاتب العظيم في تخيله، فإنما يكون مبالغا لو كان ms113 ما تخيله بعيدا أو غريبا ~~في بابه، ولكنه في الواقع أقرب شيء إلى الاحتمال مع هذه البشرية التي تختلط فيها الشيطانية ~~والخنزيرية والحمارية في وقت واحد، فلا تزال حربا على من ينفعها، وألعوبة في أيدي العابثين ~~بها، وإن كرروا العبث بها كل يوم مرات بعد مرات. # لو عاد السيد المسيح لأنكره كثيرون ممن يعيشون باسمه وينتحلون هدايته. # ولو عاد محمد عليه السلام لكان له نصيب كذلك النصيب ممن يرفعون العقيرة بهداية الإسلام، ~~والإسلام بريء منهم، وكل ما هنالك من خلاف أن المسألة لا تمر بتلك السهولة التي توهمها رئيس ~~محكمة التفتيش، أو من يتصدى في الإسلام لمثل عمله، وأنه سيندم على فعلته ندما يكفر عن ~~سيئاته، إن كانت سيئاته مما يقبل التكفير. # وأسأل نفسي كيف ينتفع المسلمون على أحسن وجوه النفع بعودة النبي عليه السلام فترة قصيرة ~~من الزمن؟ وما هي المسائل التي يرجعون بها إلى شخصه الكريم، فيسمعون منه فصل الخطاب ~~فيها؟ # أسأل نفسي فتخطر لي مسائل خمس يرجع فيها إلى شخصه الكريم، ويغني جوابه فيها كل الغناء، ~~فلا لجاجة ولا اختلاط، ولا حاجة إلى الاجتهاد والتأويل من مجتهد أو مقلد، وما أشبه الاجتهاد ~~والقليد في هذا الزمن! # تلك المسائل الخمس هي: مسألة الأحاديث النبوية، ومسألة الروايات في قراءة الكتاب المجيد، ~~ومسألة الخلافة والملك، ومسألة الرسالة والنبوة بعد خاتم المرسلين، ومسألة المذاهب ~~الاجتماعية الحديثة وحكم الإسلام عليها وقول نبي الإسلام فيها. # مسألة الأحاديث النبوية # إن رجال الحديث قد بلغوا الغاية من الاجتهاد المشكور في جمع الأحاديث وتبويبها وتقسيم ~~رواتها وأسانيدها، وقد جعلوا من أقسامها الثابت والراجح والحسن والمقبول والضعيف ~~والمشكوك فيه والمرفوض، وجعلوا لكل قسم شروطه وعلاماته، فأصبح الحديث بفضل هذه الشروط ~~والعلامات علما مستقلا يتفرغ له علماء مستقلون. # وبعد كل هذا الجهد المشكور لا تزيد الأحاديث الثابتة على عشر الأحاديث المتداولة في ~~الكتب وعلى الألسنة. # وكلمة واحدة من فمه الشريف عليه السلام ترد الأمور جميعا إلى نصابها: «لم أقل هذه ~~الأحاديث!» وينتهي القيل والقال، ويبطل الخلاف والجدال، ويبطل ms114 معهما بلاء أولئك ~~المحدثين الذين يستندون إلى الحديث الكاذب في التضليل وترويج الأباطيل. # قراءات القرآن # ومسألة الروايات القرآنية دون مسألة الأحاديث في أشكالها ونتائج الاختلاف عليها، فإن ~~الروايات التي لم يتفق عليها القراء لا تغير شيئا من أحكام القرآن، ويمكن الأخذ بها ~~جميعا، ولا ضرر في ذلك ولا ضرار. # إلا أنها لا تحتمل أقل اختلاف مع وجود النبي الذي تنزل عليه القرآن، فما يقوله فيها ~~فهو مجتمع القراءات ومرجع الروايات، ومتى استمع الناس إلى تلاوته - في عصر التسجيل - ~~فتلك ذخيرة الأبد في ذاكرة الأجيال، وسيبقى صوته بتلاوة القرآن أول ما يسمعه السامعون ~~في مجالس الذكر الحكيم. # الخلافة والملك # وتأتي مسألة الخلافة، بل معضلة الخلافة. # تلك المعضلة التي سالت فيها بحور من الدماء وجداول من المداد، وبقيت وراء كل انقسام ~~نذكره في الإسلام حين نذكر السنة والشيعة والإماميين والزيديين والإسماعيليين ~~والنزاريين، وحين نذكر الهاشميين والأمويين والعباسيين والفاطميين وغيرهم وغيرهم من ~~المنقسمين وأقسام المنقسمين، بم أوصيت يا رسول الله في أمر الخلافة؟ وهل أوصيت بها ~~دينية أم دنيوية؟ وهل تريدها اليوم على هذه أم على تلك من صفاتها وأحكامها؟ # فإذا قال عليه السلام أوصيت بكذا ولم أوص بكذا، فكأنما مسح بيده الشريفة على تلك ~~الصفحات والمجلدات؛ فإذا هي بيضاء من غير سوء، وإذا هي بقية من بقايا الماضي تحال إلى ~~دار المحفوظات للعبرة والحذر، أو يلقي بها حيث لا حس ولا خبر. # وكفى الله المؤمنين شر القتال، وذكرى القتال. # الرسالة بعد خاتم المرسلين # والخطب أهون من ذلك جدا في مسألة الرسالة والنبوة بعد خاتم المرسلين، فإن المخالفين ~~للإجماع في هذه المسألة واحد من كل خمسمائة مسلم، وسينتهي خلافهم عما قريب. # ولكن إذا انتهى بكلمة من الرسول الذي يؤمن به المسلمون جميعا فتلك هي النهاية ~~الفاصلة، وقد تمنع في المستقبل أضرارا لا يقاس عليها ضررها في الوقت الحاضر، وخير من ~~واحد ينشق على خمسمائة أن يتفق الخمسمائة فلا ينشق منهم واحد! # المذاهب الاجتماعية الحديثة # وما قولك يا رسول الله في دعاة المذاهب العصرية ms115 من اجتماعية أو غير اجتماعية؟ # لا حاجة إلى السؤال عن الديمقراطية، فإن سابقة الإسلام فيها أصلح من كل سابقة. # ولا حاجة إلى السؤال عن الفاشية، فإن الإسلام يمقت الجبارين والمتجبرين. # ولا حاجة إلى السؤال عن الشيوعية الماركسية، فإنها ملعونة في كل دين. # وإنما يسأل النبي عليه السلام في الاشتراكية، فيقول ما قاله القرآن حيث نهى أن تكون ~~الثروة دولة بين الأغنياء، ثم يسأل عن شرحها، فيتلقاه منه المسلمون على أقوم المناهج ~~وأسلم الحلول. # وتأتي على الهامش أسئلة عن ترجمة القرآن، وعن حقوق المرأة، وعن دعاوى المدعين في ~~الأحكام والقوانين باسم الدين، وعن أحاديث شتى مما يتحدث عنه الصحفيون وأشباه ~~الصحفيين. # ويسمع من النبي عليه السلام في أولئك كله جواب يغني عن ألف جواب أو عن كل ~~جواب. # ونعود إلى محكمة التفتيش، وما يشبه محكمة التفتيش بين المسلمين. # إن كاتب هذه السطور آخر من يؤمن بإقناع العقول، أو بسلطان البرهان في الإقناع. # إن كاتب هذه السطور قد رأى بعينيه أناسا أغرب وأصفق ممن ينكرون الشمس في رائعة ~~النهار. # وليس بالمستحيل عندي أن يعاندك المعاند ويكابرك المكابر في «اثنين واثنين يساويان ~~أربعة، وفي واحد وواحد يساويان اثنين». # بل ليس بالمستحيل عندي أن يكابرك المكابرون في معنى الواحد ومعنى الاثنين، وأن هذا ~~خمسة وليس بواحد، وذلك صفر وليس برقم من الأرقام. # فإذا عاد النبي عليه السلام وقضى قضاءه في أحكام الإسلام، فلا والله لا يعدم الناس من ~~يشكك في كلامه وبيانه، وفي ملامح وجهه، وعلامات جثمانه، ولا والله لن يسلس المقاد ممن ~~يلج في العناد، ويضيع عليه الجاه أو الغنى بما قضاه الرسول، وتلقاه الناس منه ~~بالتسليم والقبول. # غير أنه، فيما نحسب، عناد لا ينفع أصحابه، ولا يطمعون في الرجاء منه حتى تفجأهم ~~الحوادث بالندم عليه، وصلى الله على محمد في الأولين والآخرين، فما هو إلا أن يعود فلا ~~تعز عليه هداية المهتدين ورياضة الذين لا يهتدون، فلا يصدون أحدا عن الدنيا ولا عن ~~الدين! # الفصل الرابع عشر # | التراث الإسلامي ووسائل إحيائه في ms116 هذا العصر # إحياء التراث الإسلامي لا بد له من عملين متلازمين يتوقف أحدهما على الآخر. # أحدهما: نشر الكتب والآثار الإسلامية في جميع الأقطار التي تقرأ لغة العرب. # والثاني: إيجاد الرغبة في قراءة هذه الكتب والإحاطة بهذه الآثار، أو تنشيط هذه الرغبة إذا ~~كانت موجودة على حالة من الضعف والفتور؛ إذ لا يكفي نشر الكتب والآثار لإحياء التراث ~~الإسلامي إذا نحن نشرناها بين أناس لا يحفلونها، ولا يقبلون عليها، ولا يشعرون بالحاجة إلى ~~دراستها والإلمام بها. # وكثيرا ما تكون طريقة النشر سببا من أسباب الترغيب في القراءة والتنشيط إليها، وكثيرا ~~ما تكون الرغبة في القراءة والنشاط إليها سببا من أسباب العناية بالنشر والتوفر على وسائله ~~المثلى، ومن ثم نقول: إن إحياء التراث الإسلامي يحتاج إلى عملين متلازمين، وإن كل عمل من ~~هذين العملين يتوقف على الآخر. # وعندنا أن الوسيلة المثلى لإيجاد الرغبة في إحياء التراث الإسلامي هي مزجه بالحياة ~~الحاضرة وتحويله إلى مجراها، فلا يشارفه الإنسان كما يشارف متحفا قديما للآثار المحفوظة؛ ~~بل يشارفه كما يدخل في معترك الحياة، وينغمس في تيار الشعور والعاطفة، وليس ذلك بعسير إذا ~~حسنت المطالعة وحسن الاختيار وحسن التنبيه. ~~••• # فالتراث الإسلامي عامر بسير العظماء والأبطال، وكل واحد من هؤلاء العظماء والأبطال له ~~حياة، وله أشواق، وله هموم، وله وثبات بين الرجاء وبين النجاح والإخفاق، ونعيد هذه الحقيقة ~~بعبارة أخرى فنقول: إن كل عظيم من عظماء الأمم الإسلامية وكل بطل من أبطالها صالح، لأن يصبح ~~مدار قصة أو حادثة كهذه القصص أو كهذه الحوادث التي نقرؤها ونشاهدها، فتهز نفوسنا، وتنطبع ~~في خواطرنا، وتصبح حية بحياتنا عصرية بانتقالها إلى عصرنا ومشابهتها الوقائع والأحداث التي ~~تجري بيننا. # التراث الإسلامي عامر بالحركات الاجتماعية التي تحتاج منا إلى فهم جديد وتفسير جديد، فإذا ~~استخرجنا هذه الحركات الاجتماعية وعرضناها وفسرناها على الوجه الأمثل، فسنرى يومئذ أنها ~~حركات حية تشبه كل الشبه ما نراه بأعيننا أو ما نقرؤه في الأنباء البرقية والصحف السيارة، ~~وسنرى يومئذ أن عالم التاريخ الماضي وعالم الحياة الحاضرة يلتقيان ms117 أقرب التقاء، ويتعاونان ~~في إفهامنا حقيقة الماضي والحاضر على السواء، فرب مسألة عصرية لا نفهمها حق فهمها إلا إذا ~~قارناها بمسألة مثلها في العهود الغابرة، ورب مسألة غابرة لا نفهمها حق فهمها إلا إذا ~~ضاهينا بين أسباب اليوم وأسباب الأمس، ورجعنا إلى البواعث المشتركة بين ما كان وبين ما هو ~~كائن، فنحس ونحن نقرأ أننا لا ننتقل إلى عالم التاريخ الدابر؛ بل ننقل التاريخ الدابر إلى ~~عالمنا الذي نعيش فيه، ونضطرب بالرجاء والكفاح في نواحيه. # والتراث الإسلامي عامر بالفكاهات والنوادر والأحاديث التي لا زمان لها؛ لأنها إنسانية ~~تصلح لكل زمان، ولا تختلف باختلاف البلدان والأطوار، فإذا بحثنا عنها وجمعناها وجدنا أنها ~~صالحة لوقتنا كما كانت صالحة لأوقاتها التي جرت فيها؛ لأن الطبيعة الإنسانية في أساسها قلما ~~يطرأ عليها التغير في عناصر الفكاهة والعبرة ومقاييس الفطنة والبلاغة، فالنادرة البارعة ~~والجواب السريع والفكاهة الحسنة والكلمة النافذة هي بنت كل زمان يعيش فيه الإنسان، وليس ~~بالمتغير عليها مع تغير التواريخ إلا طريقة العرض والتناول دون المعدن الأصيل. # والتراث الإسلامي عامر بالشعر «الغنائي» والمقطوعات الباهرة، والشواهد السيارة، ومنها ما ~~ليس يحتاج إلى غير النقل والتعليق اليسير، ليلقى نصيبه من الرواج والإعجاب، ومنها ما يحتاج ~~إلى تعليق يجعل الفائدة منه فائدتين والرغبة فيه رغبتين، يقرؤه القارئ ليستوعب محاسنه فهذه ~~فائدة، ويقرؤه ليدرك الفرق بينه وبين ما يقابله من آداب الأمم الأخرى أو من آداب العرب في ~~العصر الحاضر فهذه فائدة أخرى. # وهذه عندنا هي وسائل «إحياء التراث الإسلامي» أي نقله إلى عالم حياتنا وتحويله إلى مجرى ~~زماننا، وتمثيله للقراء كي يشارفوه، كما يشارفون الدنيا الحية، لا كما يشارفون المتاحف ~~المزوية. فهو يحيا بنا ونحن نحيا به في آن. ~~••• # من الذي يقوم بهذا الواجب؟ # جماعات أو أفراد لا يستغنون عن جهد الجماعات، وسنبين لحضرات القراء فيما يلي أن الأدب ~~العربي خاصة - سواء أكان قديما أم حديثا - أحوج الآداب إلى جهود الجماعات التي لا تغني ~~فيها أعمال الأفراد المتفرقين. # فعلى الحكومات قبل كل شيء أن تقبل في ms118 بلادها المختلفة على إحياء ما عندها من المخطوطات ~~المتروكة أو المطبوعات الكاسدة، وعليها أن تربط بين هذا العمل وبين قوانين الإنتاج الناجح ~~في سوق الأعمال الاقتصادية، فلا تلقي به إلى موظفين مطمئنين إلى مرتب مضمون كيفما كان مصير ~~عملهم من النجاح أو الخيبة، بل تنوط به أناسا يعنيهم رواجه وكساده، ويهتمون به اهتمام ~~الزارع بمحصوله والتاجر بكسبه، وتجعله مقرونا إلى بعض الشركات على نحو تشترك فيه الغيرة ~~على الأدب والغيرة على الرواج. # وهناك أقسام كثيرة لإحياء التراث الإسلامي غير مجرد الطبع والإذاعة، فمن الكتب ما يطبع ~~كما كتبه مؤلفوه، ومنها ما يختار منه الأصلح والأدنى إلى التشويق، ومنها ما يشفع بالتعليق ~~أو التفسير، ومنها - وهو أصعب الأقسام جميعا - ما يحتاج إلى المقارنات بينه وبين نظائره في ~~الأمم الأخرى، وإلى الملاحظات عن البواعث والأسرار التي لا يقتصر العلم بها على العلم ~~بالشئون الإسلامية. # وعلى الحكومات إلى جانب هذا أن تهتم بإقامة المؤتمرات والمحافل في مناسباتها المتجددة، ~~كذكرى الأدباء والعلماء والعظماء، وافتتاح المعاهد التي تعني جميع الناطقين باللغة العربية، ~~وتكريم النابهين وتبادل الزيارات، وما إلى ذلك من المناسبات التي تلفت الأنظار وتجذب ~~الأسماع وتخلق بواعث الرغبة في الاطلاع. # وقد أسلفنا أن الأدب العربي أحوج الآداب إلى جهود الجماعات؛ لأن اللغة العربية موزعة بين ~~أقطار عدة وحكومات شتى على خلاف اللغات الأخرى التي تشتمل كل منها على أمة واحدة أو أمتين ~~كبيرتين تستغني إحداهما عن الأخرى. # فالكتاب الإنجليزي له - على سبيل التمثيل - مائة ألف قارئ يتبعون حكومة واحدة ويتعاملون ~~بنظام واحد، ويتبادلون الأخذ والعطاء في ظل دولة واحدة، ويكفي أن يطبع الكتاب في لندن أو في ~~نيويورك ليعتمد على قرائه في أنحاء الدولة البريطانية أو في أنحاء الولايات المتحدة بغير ~~حاجة إلى أمة خارجة عن هذا النطاق. # أما الكتاب الذي يطبع في القاهرة، فلا بد له من طابع قادر على معاملة أناس متفرقين في ~~عشرة أقطار، وحكومات بينها من الاختلاف مثل ما بين مراكش والعراق، أو ما بين سورية ~~والسودان، أو ما بين ms119 طرابلس وحضرموت، وأين هو القلب الواحد الذي يحرك الدم في جميع هذه ~~الشرايين من أدناها إلى أقصاها إن لم يكن قلبا كبيرا يتجاوز طاقة الفرد الواحد إلى طاقة ~~الجماعة القوية بالمال والنفوذ؟ # بل خذ مصر وحدها تعلم أن الجهود الثقافية فيها تكاد تنحصر في القاهرة، ولا تتعداها إلى ~~سائر المدن الموزعة بين الأقاليم، فالإسكندرية خلو من مكتبة عربية كبيرة، ودع عنك طنطا ~~والمنصورة وأسيوط وأسوان، ويرجع هذا إلى قيام الأفراد بالطبع والنشر دون الشركات الواسعة ~~النطاق، فإن الشركة تستطيع أن تسير الباعة في الأقاليم مرة كل أسبوع أو مرة كل شهر لتوزيع ~~الألوف المطلوبة من الكتب هناك، ولكن الفرد الواحد لا يستطيع أن يدير مكتبة في البلدة ~~الصغيرة من أجل عشرين نسخة من كل كتاب جديد لا يدري متى يكون صدوره، ولا من يتولى إصداره، ~~وهل هو صاحب المكتبة التي يعاملها أو هو صاحب مكتبة غيرها، وقس على ما تقدم سائر المصاعب ~~والعراقيل. # وخلاصة الرأي: أن إحياء التراث الإسلامي إنما يتأتى بأعمال ثلاثة هي: ~~(1) # إظهار ذلك التراث. ~~(2) # تنشيط الرغبة فيه بتحويله إلى مجرى الحياة الحاضرة وتقريبه من شواغل الأذهان ~~والنفوس في الزمن الحديث. ~~(3) # تنظيم النشر والتوزيع على أيدي جماعات قوية يتسنى لها ما ليس يتسنى للأفراد ~~من توحيد المعاملة، وتوسيعها بين الجهات المتنائية والحكومات المتباينة، وسيكون ~~هذا العمل العظيم مفيدا للقائمين به ولأبناء الأمم العربية كافة، أيا كان ~~معنى الفائدة الذي نتوخاه. # الفصل الخامس عشر # | الغد # والغد غيب مجهول. # ولا حاجة بنا إلى التنجيم عن حوادثه وصروفه، فإنه بأية حال لن يخلو من الحوادث والصروف، ~~ولن تخلو حوادثه وصروفه من سلم وحرب، ونصر وهزيمة، ودول تعلو ودول تهبط، وعلاقات تتصل ~~وعلاقات تنفصل، وصداقة تنقلب إلى عداوة، وعداوة تنقلب إلى صداقة، وتكرار على نسق الماضي ~~وبدع جديد كأنه من الماضي المتكرر، فما خلا زمن قط من بدع جديد. # إنما نحن آمنون إذا واجهنا الغد المجهول بعدته، وإنما نحن مستعدون له بخير ما نستطيع إذا ~~خرجنا من الماضي الطويل بعبرته الوافية، وعبرته ms120 الوافية أن العقائد أثبت من السياسات، وأن ~~الأمم أثبت من الدول، وأن الجاهل أعدى لأمته من أعدى أعدائها، وما نكب الإسلام قط من حرب ~~صليبية أو من حرب استعمار كما نكب من أبنائه الجهلاء. # ولنرجع إلى ألف سنة مضت منذ ابتدأت الحروب الصليبية لنرى مصداق هذه العبر واحدة بعد ~~واحدة. # كفى أن نرجع إلى أول هذا القرن العشرين، ولما ينصرم منه غير نصفه أو أكثر من نصفه بسنوات. ~~فقد كانت في أوله دول يخشى منها على قارة كاملة، وكانت فيه دول تشبثت بكل بقعة من بقاع ~~المشرق أقصاه وأدناه، وكانت فيه دول تعتزل العالم القديم، وتطلب من العالم القديم أن ~~يعتزلها، فتغيرت المواقف، وتغيرت السياسات، وتغيرت الدول، وتغيرت العلاقات، وقاتل الناس في ~~صفوف ثم قاتلوا في غير تلك الصفوف، ولم تتغير معالم الأرض، ولكن تغيرت الحدود، وتغيرت الدول ~~التي تقوم بين تلك المعالم والحدود، فمهما تكن السياسة فالعقيدة أثبت منها. # ومهما تكن الدولة فالأمة هي الباقية. # ومهما يكن الخطر فالجهل في كل معترك ومع كل خصم أو منازع هو أخطر الأخطار. # وإذا بقي للإسلام إيمانه والمؤمنون به على هدى وبصيرة، فلا خطر عليه من أقوياء اليوم ولا ~~من أقوياء الغد المجهول، وأخطر من كل خطر أن يتخلف مكان العلم والبصيرة، ويتقدم مكان الجهل ~~والغباء. # ومثل من أمثلة الجهل والغباء أن يطول اللجاج، ويحتدم الهياج على التحريم والتحليل، ومحصول ~~ذلك كله أهون من خطر اللجاج وخطر الشقاق والهياج. # إن الجهل الذي يغري صاحبه بتحريم البرق، واتهام العاملين في الكهرباء بمحالفة الشيطان لهو ~~أخطر على الإسلام من كل حلال وحرام. # ولقد تطول الأقاويل في حل التماثيل وتحريمها، وفيما هو تمثال وليس بصورة، أو ما هو صورة ~~وليس بتمثال، ولكن التماثيل والصور على اختلاف أوصافها وتعريفاتها قد وجدت بين أبناء ~~الأديان المسيحيين واليهود والبراهمة والبوذيين، ولم نسمع قط أنهم سجدوا لتمثال بطل عظيم، ~~أو تعبدوا لضريح نابغ مشهور، وليست عقيدة المسلم بأضعف من عقائد الأديان عن مدافعة هذه ~~الأخطار إن خيفت منها الأخطار، ms121 فلا يمتنعن البحث في الحلال والحرام ولا في الصحيح والباطل ~~من عقائد المعتقدين، ولكنه إذا بذل فيه من الجهد فوق حقه، وأضعاف خطره، فذلك هو الخطر ~~الأكبر، وذلك هو الجهد العقام، واحتفاظ المسلم بإيمانه أمام هذه المحرمات أيسر جدا من ~~احتفاظه بالإيمان أمام جاهل يكفر القائلين بدوران الأرض أو تسخير الكهرباء أو الاستماع إلى ~~المذياع من غير ذي صوت منظور، ثم يزعم أنه يفتي بحكم الدين فيصدقه من يجهل الدين، ويكفر ~~بالدين من يحمل عليه جريرة فتواه. # ولا خطر على المسلمين أوبل من هذا الخطر، فإذا اتقوه وعاذوا بالإيمان على علم وبصيرة فلا ~~خطر عليهم من الدول والسياسات، ولا من ذوات اليمين ولا من ذوات اليسار. # ولا ينسين المسلمون أنهم مجموعة من الأمم في عصر المجموعات، وإن لم يكن عصر الجامعات كما ~~عرفت قبل هذا القرن العشرين. # ولا ينسين المسلمون أنهم مجموعة من أمم العالم، فإن العالم لا ينسى هذه الحقيقة، ولا يزال ~~يذكرها ويتذاكرها، ويرتب عليها ما يرتبه من الخطط والمواقف بإزائها. # وعصر المجاميع غير عصر الجامعات، أو هكذا تتمثل لنا المجاميع والجامعات باصطلاح الزمن مع ~~التقارب بينها في مادة اللغة العربية، فالمجموعة قائمة سواء أرادها أصحابها أو لم يريدوها، ~~والجامعة لا تقوم إلا إذا أريدت لغرض مقصود، وغالبا ما يكون هذا الغرض وحدة في الحكم أو في ~~السياسة أو في مشروع من مشروعات المحالفة والمعاهدة. # والإسلام شاء أو لم يشأ مجموعة بين مجاميع الأمم الكبرى في القرن العشرين، وليست مجاميع ~~الأمم مقصورة على الكتلة الشرقية التي يتزعمها الروس، أو الكتلة الغربية التي يتزعمها ~~الأمريكيون والإنجليز، ولكنها أكثر من ذلك، وأحق أن تعرف جميعا أو يعرف بعضها على سبيل ~~التمثيل، ثم يقاس عليه. # فالمجموعة الشرقية والمجموعة الغربية معا تتخللهما مجموعة واحدة يمكن أن تسمى بمجموعة ~~الكنيسة الرومانية، ويظهر موقف المجاميع في هذا العصر من موقف الكنيسة الرومانية بين ~~الكتلتين. # إن الكتلة الغربية يقودها إنجيليون، والكتلة الشرقية يقودها أناس يقضون على الكنيسة ~~الروسية الكبرى، ومن هنا يتميز موقف الكنيسة الرومانية، ms122 وتحرص على بقاء أتباعها من أمم ~~العالم على حدة في الشئون الروحية، ومن هنا أيضا تظهر في أمريكا الجنوبية وفي أوروبا ~~الوسطى وأوروبا الغربية برامج في السياسة لا تنضوي كل الانضواء إلى الكتلتين، ولا تنفصل ~~عنهما كل الانفصال. # ومجموعة الأمم الإسلامية مقصودة، ولا بد أن تقصد، بخطة واحدة في بعض الأحوال. # فإذا غفلت عن هذا الأمر الواقع أصابها ما يصيب كل غافل عن الأمر الواقع، ولكنها لا تتنبه ~~له بداهة لتجتمع على عدوان في الاستغلال أو على عدوان في التبشير، وإنما تتنبه له لتدفع ~~العدوان من هذه الجوانب كافة، وتجعل لها صوتا مسموعا في كل سياسة تصاب بها على سوء النية ~~أو حسنها، وتربأ بنفسها أن تكون بحيث كانت تيم في رأي الشاعر: # ويقضى الأمر حين تغيب تيم # ولا يستأمرون وهم شهود # ومتى استطاعت هذه المجموعة العالمية أن تسهم في أمانة «الإنسانية» وأن تعطيها من عندها، ~~ولا تعيش عالة عليها، وأن تؤدي رسالتها للحضارة والسلام، وأن تفرض وجودها على من يهملونها، ~~ولا يحسبون حسابها، فذلك حق الإسلام منها، وحقها هي من الإسلام. # وإمامها على الدوام «إيمان على هدى وبصيرة» ولا خذلان لمن يقتدي بهذا الإمام. ms123