######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.IslamWaHadaraInsaniyya.Hindawi13920718 #META# Tags: history #META# ID: 13920718 #META# Title: الإسلام والحضارة الإنسانية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - مولد الفلسفة الإسلامية1‏ # 2 - المسلمون والمؤتمر الإسلامي1‏ # 3 - براهين الإيمان عن طريق براهين الشكوك1‏ # 4 - هذه هي الأغلال1‏ # 5 - دور من أدوار التاريخ في الكتابة عن الأندلس الإسلامية1‏ # 6 - الاختراعات بين العلم والدين‏ # 7 - الموفق الموفق1‏ # 8 - المادية تنهدم1‏ # 9 - إفلاس مذهب لا طاقة «للمادية الشيوعية» بالبقاء1‏ # 10 - تحدي الإله ومعناه1‏ # 11 - رماد ولا نار1‏ # 12 - الإنسانية من ماضيها إلى مصيرها1‏ # 13 - العالم العربي اليوم1‏ # 14 - ديمقراطية رعاوية في شمال الصومال1‏ # 15 - إسبانيا المغربية1‏ # 16 - في مطالع الأعوام: نظرة إلى التنجيم في العالم المتمدن1‏ # 17 - الحج قبل الإسلام وبعده1‏ # 18 - أفغانستان وانتشار الإسلام في الهند‏ # 19 - العلية الجديدة في نيجيريا1‏ # 20 - مراكش مستقلة1‏ # 21 - الدعوات الإسلامية والإسلام ووحدة الجماعة1‏ # 22 - أطلس العالم العربي والشرق الأوسط1‏ # 23 - خاتم الأنبياء‏ # 24 - ديانات العالم السبع العظمى1‏ # 25 - كلام عن الإسلام والعرب في كتابين حديثين1‏ # 26 - الصحافة في الإسلام1‏ # 27 - الاقتصاد السياسي في الإسلام (1)1‏ # 28 - الاقتصاد السياسي في الإسلام (2)1‏ # 29 - الأزهر أحوج إلى اختيار مدرسيه منه إلى مال يواسيه1‏ # 30 - الجامعة المصرية والأزهر الشريف لا يهمهما لمن يكون ~~الغلب‏ # 31 - كتاب جديد عن الرسول1‏ # 32 - الثقافتان1‏ # 33 - عود إلى الثقافتين1‏ # 34 - الروحانية بين الأنبياء الثلاثة1‏ # 35 - الإسلام والحضارة الإنسانية‏ # مقدمة‏ # 1 - مولد الفلسفة الإسلامية1‏ # 2 - المسلمون والمؤتمر الإسلامي1‏ # 3 - براهين الإيمان عن طريق براهين الشكوك1‏ # 4 - هذه هي الأغلال1‏ # 5 - دور من أدوار التاريخ في الكتابة عن الأندلس الإسلامية1‏ # 6 - الاختراعات بين العلم والدين‏ # 7 - الموفق الموفق1‏ # 8 - المادية تنهدم1‏ # 9 - إفلاس مذهب لا طاقة «للمادية الشيوعية» بالبقاء1‏ # 10 - تحدي الإله ومعناه1‏ # 11 - رماد ولا نار1‏ # 12 - الإنسانية من ماضيها إلى مصيرها1‏ # 13 - العالم العربي اليوم1‏ # 14 - ديمقراطية رعاوية في شمال الصومال1‏ # 15 - إسبانيا المغربية1‏ # 16 - في مطالع الأعوام: نظرة إلى التنجيم في العالم المتمدن1‏ # 17 - الحج قبل الإسلام وبعده1‏ # 18 - أفغانستان وانتشار الإسلام في الهند‏ # 19 - العلية الجديدة في نيجيريا1‏ # 20 - مراكش مستقلة1‏ # 21 - الدعوات الإسلامية والإسلام ووحدة الجماعة1‏ ms001 # 22 - أطلس العالم العربي والشرق الأوسط1‏ # 23 - خاتم الأنبياء‏ # 24 - ديانات العالم السبع العظمى1‏ # 25 - كلام عن الإسلام والعرب في كتابين حديثين1‏ # 26 - الصحافة في الإسلام1‏ # 27 - الاقتصاد السياسي في الإسلام (1)1‏ # 28 - الاقتصاد السياسي في الإسلام (2)1‏ # 29 - الأزهر أحوج إلى اختيار مدرسيه منه إلى مال يواسيه1‏ # 30 - الجامعة المصرية والأزهر الشريف لا يهمهما لمن يكون ~~الغلب‏ # 31 - كتاب جديد عن الرسول1‏ # 32 - الثقافتان1‏ # 33 - عود إلى الثقافتين1‏ # 34 - الروحانية بين الأنبياء الثلاثة1‏ # 35 - الإسلام والحضارة الإنسانية‏ # | الإسلام والحضارة الإنسانية # | الإسلام والحضارة الإنسانية # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # لئن كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - أكبر من حملوا لواء الدفاع عن ~~الإسلام في عصره، فإن المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد يعتبر بحق في طليعة المنافحين ~~عن الإسلام في هذا الجيل. # ونظرة شاملة إلى إنتاجه الأدبي، الواسع الأفق ، المتعدد النواحي والأغراض، تريك مدى ~~اهتمامه بالشئون الإسلامية. فمن تحليل لنفسيات عباقرة الإسلام، وتبيان لمآثرهم الخالدة، إلى ~~جلاء لوقائع التاريخ الإسلامي، إلى تصحيح وتصويب، وأحيانا تأييد وتثبيت لما كتبه الغربيون ~~عامة، والمستشرقون خاصة، عن الإسلام ونبيه، وتناولوا فيه مختلف القضايا والمبادئ ~~الإسلامية. # وهذا الكتاب ثمرة من ثمرات إنتاجه الأدبي الإسلامي، يجمع بعض ما تناثر من مقالاته في بطون ~~الصحف والمجلات. وفيه يبرز العقاد منافحا مكافحا في ثلاث جبهات: # جبهة الغرب؛ حيث يقف بالمرصاد لكل ما تخرجه المطابع من كتب تتحدث عن الإسلام ~~وتاريخه وحضارته، فيرد الشارد، ويعري ذوي النوايا السيئة، والأغراض الخفية، غير ~~مقصر عن الثناء على أرباب النزاهة ورواد الحقيقة. # وجبهة الجدال والمنطق والبحث العلمي الدقيق؛ حيث يرشد الضال ويهدي المتجافي ~~عن الحق، ويقوم غير المستقيم في نظرته إلى الإسلام وحضارته. # وجبهة المترددين الشاكين، والمنكرين لمزايا الروح؛ حيث يقلب الشك إلى يقين، ~~والتردد إلى قرار. # ولنا ملء الثقة في أن يجد فيه القراء بعامة، والمهتمون بالشئون الإسلامية بخاصة ما ترتاح ~~إليه نفوسهم، وتطمئن به ضمائرهم. # الفصل الأول # | مولد الفلسفة الإسلامية1 # لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ms002 حتى لو دخلوا في حجر ضب ~~لاتبعتموهم ... # حديث شريف # صدق الرسول الكريم. # فإن تاريخ المذاهب والفرق في الإسلام قريب الشبه بتاريخها في المسيحية، وقريب الشبه ~~بتاريخها قبل ذلك في الإسرائيلية، بل هو قريب الشبه بتاريخ كل عقيدة دينية انتقلت من دور ~~الإيمان إلى دور الشرح والتفسير أو دور التوفيق بين النصوص وما يستلزمه العقل من معاني ~~النصوص، لا فرق في هذا التطور بين دين ودين إلا من حيث السرعة أو تراخي الزمن قبل ظهور ~~الأطوار المتعاقبة، فهي في الإسلام أسرع، وهي في المسيحية أقل من ذلك سرعة، وهي في اليهودية ~~أبطأ من كلتا الديانتين الكتابيتين، لأسباب معقولة تقتضي ذلك التفاوت في سرعة الانتقال من ~~دور الإيمان إلى دور الشرح والتفسير. # فالتأويلات الفلسفية لم تظهر في الديانة اليهودية قبل «فيلو» الإسكندري المعاصر للسيد ~~المسيح، أما الخلاف على نصوص التوراة بين السامريين وغيرهم فقد ظهر في أواخر القرن الخامس ~~قبل الميلاد، ثم انقضت تسعة قرون بعد الميلاد حتى اتسعت فجوة الخلاف بين القرائين ~~والربانيين؛ أي القائلين بالتزام الحرف وهم القراءون، والقائلين بجواز التفسير وهم ~~الربانيون، وكان الخلاف بينهم في مسائل العقيدة الكبرى مناسبا لكل خلاف بين المتشددين ~~والمتجاوزين، فكان القراءون يقولون بالجبر، والربانيون يقولون بالاختيار، ويقاس على ذلك كل ~~ما بين الفريقين من وجوه الخلاف. # ولم يكن «فيلو» من الفلاسفة المنقطعين للفلسفة أو المتفرغين للمنطق والعلوم العقلية، بل ~~كان يمزج بين الدين والفلسفة، ويزعم أن الفلسفة كلها مأخوذة من نصوص التوراة، ولكنه يجتهد ~~في تأويل تلك النصوص؛ بحيث تتسع للمعاني الفلسفية التي تعلمها واطمأن إليها بعقله، ويجعل ~~الكلمات رموزا وإشارات إلى القضايا المنطقية والمعاني المجردة، فهو مؤمن بالتوراة ومؤمن ~~بالمنطق الذي تستلزمه المدارك الإنسانية، ولا محيص له بين الإيمانين من تحويل الكلمات إلى ~~رموز وإشارات؛ لئلا يكفر بالعقل أو يكفر بالدين. # وقد نظر «فيلو» إلى الأوصاف الحسية التي وصف بها الإله في كتب التوراة، فلم يقبلها على ~~ظاهرها، ولم يستطع أن يرفضها؛ لاطمئنانه الموروث إلى دين آبائه وأجداده، فقال: إنها رموز ~~ومجازات ms003 تقرب المعاني إلى الذين يفهمون بالحس ولا يدركون المعاني المجردة بالرياضة ~~والتفكير، وانفتح له باب التأويل، فذهب في التجريد إلى أبعد مداه، وأنكر الصفات الإلهية؛ ~~لأن الصفة حد والله منزه عن الحدود، بل نزه الله عن التأثير في مادة الكون؛ لأن المعنى ~~الإلهي أشرف من جميع الأجساد المادية، فإذا أثر فيها فإنما يكون هذا التأثير بالواسطة التي ~~يودعها الله في بعض القوى الإلهية، واحتال على تأويل الصفات بأنها نفي للنقص الذي لا يتصوره ~~العقل في حق الخالق العظيم، فهو قادر لأنه ليس بعاجز، وعالم لأنه ليس بجاهل، وغني بنفسه؛ ~~لأنه ليس بمفتقر إلى أحد، وهو في قدرته وعلمه وغناه مقام فوق كل مقام يتخيله العقل من صفات ~~الإنسان، وكل ما يستطيعه العقل الإنساني من القربى إلى الله أن يدركه بالرياضة، ثم يدركه ~~بالعلم، ثم لا يغنيه كلاهما عن الإلهام الذي يختص به سبحانه وتعالى من يشاء من عباده ~~الخلص المقربين. ~~••• # وكان أوريجين # Origenes # أكبر المجتهدين السابقين من أصحاب ~~القول بالتفسير والتأويل في الديانة المسيحية، ولم تظهر دعوته مع ذلك قبل القرن الثالث ~~للميلاد. # شغل أوريجين كما شغل فيلو بمسألة النصوص والتوفيق بينها وبين المعقولات، ومن عجيب ~~الأمر أن هذا المجتهد الجريء على النصوص قد بلغ من الإيمان بالنص الحرفي في كلمة من الإنجيل ~~مبلغا لم يبلغه - قبله ولا بعده - أشد المؤمنين بالنصوص الحرفية في دين من الأديان، ~~فخصى نفسه لأنه قرأ في إنجيل متى أنه «يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم، ويوجد ~~خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من استطاع أن يتبتل ~~فليفعل.» # ومن ثم يرى أن أوريجين لم يكن من الفلاسفة المنقطعين للفلسفة، بل كان من المؤمنين ~~المتبتلين الغلاة في النسك والعبادة، ولكنه تعلم الفلسفة وأدرك البداءة العقلية، فاضطره فرط ~~الإيمان إلى التوفيق بينها وبين نصوص الكتب الدينية، ولا سيما النصوص التي تشير إلى بنوة ~~السيد المسيح ودلالة الثالوث والتوحيد. فقال: إن البنوة كناية عن القربى، وفهم معنى ~~الكلمة التي كانت في البدء فهم ms004 الرجل الذي اطلع على مذهب هيرقليطس ومذهب أفلاطون؛ لأن الأول ~~يقول: إن الدنيا تتغير أبدا فليس لها وجود حقيقي وراء هذه الظواهر غير وجود الكلمة المجردة ~~أو العقل المجرد الذي لا ينقطع عن تدبيرها، ولأن أفلاطون يقول بسبق الصور المعقولة على ~~الأجسام المحسوسة، فجاء أوريجين بعدهما ليقول: إن السيد المسيح هو مظهر العقل الخالد تجسم ~~بالناسوت، وإن ظهوره في الدنيا حادث طبيعي من الحوادث التي يتجلى بها الإله في خلقه، واجتهد ~~في تأويل النصوص، فجعل للكتب الدينية تفسيرين: أحدهما صوفي للخاصة، والآخر حرفي لسائر ~~الناس، وبشر بخلاص خلق الله جميعا في نهاية الأمر حتى الشياطين، ولم يكن ينكر الشياطين ~~أو ينكر قدرة السحرة على تسخيرها في الإضرار بالناس، ولكنه - من عجب التناقض في الطبع ~~الإنساني - كان يرى أن الأسماء العبرية - دون غيرها - هي الأسماء التي تجدي في الاستدعاء ~~والتسخير، وينسى أنه جعل للأسماء والحروف هنا سلطانا على الكون يقصر عنه سلطان المعاني ~~والمسميات. # وخلف أوريجين تلميذان قويان، هما آريوس في الإسكندرية، ونسطور في سورية، فمضيا في ~~التأويل والتوفيق بين النصوص والمعاني، ولكنهما اختلفا بينهما أشد الاختلاف يخلقه اللدد ~~والشحناء، وتراميا كما ترامى أتباعهما زمنا بتهمة الكفر والجحود؛ لأن آريوس كان يقول بأن ~~المسيح إنسان حادث، ونسطور كان يؤمن بالطبيعة الإلهية في المسيح، ويأبى التسوية بينه وبين ~~الله في الدرجة والقدم، ودخلت العوامل السياسية في هذا الخلاف فدفعت به إلى أقصى ~~مداه. # وهذه كلها - كما رأينا - مذاهب في الدين تصطبغ بالصبغة الفكرية، ويمتزج فيها الإيمان ~~بالتفكير. أما مذاهب الفلسفة المسيحية التي تصدى لها المفكرون من غير رجال الدين، فلم تظهر ~~في العالم المسيحي قبل انقضاء عدة قرون، وتأخر ظهورها إلى ما بعد ظهور الفلسفة الإسلامية في ~~أوروبا الغربية. ~~••• # على أن الفرق والمذاهب لم يتراخ بها الزمن في الإسلام كما تراخى بها في اليهودية ~~والمسيحية، ولم ينقض جيل النبي نفسه حتى ظهرت مسألة النص والتفسير، ولحقت بها المسائل التي ~~اقترنت بها في كل عقيدة دينية، كمسألة القضاء والقدر، ومسألة الظاهر والباطن، ومسألة ms005 الصفات ~~الإلهية، وما ينبغي للروح من الصفات بمعزل عن عالم المادة أو عالم الأجساد. # ويتوقف فهم الحقائق في هذه الحركة كلها على فهم البواعث التي أوجبت السرعة هنا، وسمحت ~~بالإبطاء والإرجاء هناك. # فاليهودية عند نشأتها لم تنهض لها ضرورة قاضية بالتعجل في التفسير والتأويل؛ لأن اليهودية ~~نفسها كانت بمثابة فلسفة تجريدية بالقياس إلى العقائد الوثنية والأديان المجسمة التي نشأت ~~بينها؛ إذ كانت تدعو إلى التوحيد وعبادة الإله المجرد في السماء بين أناس يعبدون الأوثان ~~ويجسمون الأرباب. # وكان أنبياء اليهود يتلاحقون واحدا بعد واحد، فيشغل النبي الأمة بأقواله عن تفسير ~~أقوال الذين سبقوه إلى استنزال الوحي من الله. # وينبغي أن نذكر هنا أن الدينين الكتابيين العظيمين اللذين ظهرا بعد اليهودية؛ إنما كانا ~~تعديلين في نصوص الدين اليهودي ومعانيه، فهما خليقان أن يشغلا كل فراغ كان متسعا لتفسير ~~النصوص ومحاولة التوفيق بين المنقول والمعقول . # وقد تلاحقت الهجرة والتشتيت على الأمة اليهودية منذ أيامها الأولى، وأصابتها المحن من ذوي ~~قرباها، ونزل بها الحيف من الدول القوية المسلطة عليها، فاشتدت في نفوسها العصبية القوية، ~~ونفرت كل النفور من البدع الأجنبية، وتحصنت دونها بحصن منيع من العزلة الروحية والفكرية؛ ~~فأحجمت عن الفلسفة التي تطرقت إليها من جانب الإغريق وجانب المشارقة الفارسيين والهنديين، ~~ولم تكن هذه الفلسفة على هذا قد تكاملت في بلاد الإغريق أو تفرقت منها بين الأقطار الشرقية؛ ~~لأنها لبثت في دور التكون والتكامل والتعليق والتذييل إلى ما بعد ميلاد المسيح. # أما المسيحية قد تأخر تدوين كتبها إلى أواخر القرن الثاني للميلاد، وكان معظم هذه الكتب ~~مسطورا باللغة الإغريقية، فلا يطلع عليها سواد المسيحيين. وقد كانت جمهرة المسيحيين في ~~أوائل الأمر من عامة الناس الذين يقنعون بالإيمان اليسير، ولا يتعمقون في النصوص ولا في ~~التأويلات، فلما آمن المتعلمون بالدين الجديد، كان اختلافهم مقصورا على بيئات الدرس ~~والثقافة، إلى أن قام في العالم المسيحي ملوك يجلسون على العروش، فخرج الخلاف المدرسي إلى ~~معترك السياسة الزبون، ونجمت الفرق والمذاهب، وهي في أحضان الدولة تعتمد على بأس ms006 الملوك ~~والأمراء من أحد الطرفين أو من كلا الطرفين، أو من جميع الأطراف في بعض الأحوال. # أما الإسلام فقد كان الاستعداد فيه لظهور الفرق والمذاهب على غير ما رأينا في اليهودية ~~والمسيحية من جميع الوجوه. كانت الأسباب مهيأة لظهورها منذ الجيل الأول سواء من جانب ~~الفلسفة أو من جانب المشكلات اللاهوتية التي شغلت عقول الباحثين بين اليهود ~~والمسيحيين. # كان الإسلام خلوا من الكهانة التي تستأثر بالدرس والتأويل، وكان القرآن صريحا في الأمر ~~المتكرر بالنظر والتفكير، وكان القرآن كتابا محفوظا في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فلم يطل ~~العهد بالمسلمين في انتظار التدوين والاتفاق على نصوص الكتاب. وكان المسلمون يؤمنون بأن ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # خاتم النبيين، فلا ينتظرون نبيا آخر يتم الرسالة أو يغنيهم عن الاجتهاد ~~في معاني الكتاب أو معاني الأحاديث النبوية. # ولم يجهر محمد # صلى الله عليه وسلم # بالدعوة الإسلامية حتى كانت مشكلات المذاهب المتقدمة قد ملأت آفاق ~~الشرق العربي، وانعقدت عليها الأقوال من طوائف المختلفين هنا وهناك، وتسرب الكثير منها إلى ~~الجزيرة العربية قبل الدعوة الإسلامية، سواء منها أقوال الفلاسفة وأقوال رجال الدين من جميع ~~النحل والأجناس، وأشار القرآن الكريم إلى الخلاف بين الأديان المتعددة، فجاء فيه من سورة ~~الحج: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ~~. وأشار إلى ~~الدهريين، فجاء فيه من سورة الأنعام: # وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ~~، وجاء فيه من سورة الجاثية: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يظنون ~~. بل أشار في سورة آل عمران إلى تأويل المتشابه من ~~الكتاب، فقال: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~. # وكان بعض المسلمين يسمعون بالتوراة، ولم يطلعوا ms007 عليها، ولكنهم سمعوا أنها أنبأت بظهور ~~النبي وبغير ذلك من أحداث آخر الزمان، وأن الأحبار يخفون هذه النبوءات إمعانا منهم في ~~الكفر والضلالة وحب الرئاسة في الدنيا، وقال لهم كعب الأحبار: «ما من الأرض شبر إلا مكتوب ~~في التوراة التي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة.» # وفهم المسلمون أن هذه الأسرار لا يعقل أن تودع في التوراة ولا تودع في القرآن؛ لأن الله ~~لم يفرط في الكتاب من شيء، وإنما تبذل هذه الأسرار لأهلها، وإنما سبيلهم في معرفتها أن ~~يتوسلوا بالتقوى، ويستعينوا بمن سبقهم من أحبار الأمم الأولى، ويستدرجوهم بالمحاسنة ~~والنصيحة إلى الكشف عنها، فلم يكن لطلاب المعرفة بد من الدخول في معترك الفرق الدينية بين ~~من يزعم أنه على الحق، ومن يقال إنه على الضلال. # ولما انتشر الإسلام كان انتشاره في الرقعة التي جمعت كل هذه الفرق والمذاهب، وشهدت بينها ~~مجالس المناظرة ومصارع النزاع والقتال، وكانت الفلسفة الإغريقية قد بلغت أوجها في آسيا ~~الغربية، ومدرسة الإسكندرية، وترددت أقاويلها ومناقضاتها ما بين مصر وسورية والعراق وأطراف ~~البلاد الفارسية، حيث يتصدى للتعليم أطباء النساطرة ومعهم كتب الإغريق في الحكمة والتصوف ~~والمنطق والجدل وأشباه هذه الموضوعات، فلم يبق سبب من الأسباب التي تنشئ الفرق والمذاهب إلا ~~وقد تهيأ للظهور من جميع نواحيه عند قيام الإسلام. # على أن السبب الذي طوى كل هذه الأسباب جميعا هو قيام الدولة مع قيام الدين الإسلامي في ~~وقت واحد، وهو ما لم يحدث في بني إسرائيل ولا في عالم المسيحية، وعليه تدور الخلافات بين ~~الفرق جميعا من قريب أو بعيد. # فالنزاع على الدولة بين علي ومعاوية مرتبط بنشوء الخوارج ونشوء الشيعة، ومرتبط كذلك بنشوء ~~القدرية والمرجئة، والقائلين بالرجعة وتناسخ الأرواح، ومذهب أهل الحقيقة وأهل الشريعة، وما ~~استتبعه من فرق الباطنية وأصحاب الرموز والأسرار، على تفاوت نصيبهم من الحكمة الدينية، أو ~~الحكمة الفلسفية. # ويستطاع رد الخلاف هنا إلى محور واحد، وهو الخلاف بين أنصار الواقع وأنصار التغيير، أو ~~بين أنصار المحافظة ms008 وأنصار التجديد حيث كان. # روي عن يزيد بن معاوية وقد حمل إليه رأس الحسين أنه سأل من حوله وهو يشير إلى الرأس ~~الشريف: «أتدرون من أين أتي هذا؟ إنه قال: أبي علي خير من أبيه، وأمي فاطمة خير من ~~أمه، وجدي رسول الله خير من جده، وأنا خير منه، وأحق بهذا الأمر، فأما أبوه فقد تحاج أبي ~~وأبوه إلى الله، وعلم الناس أيهما حكم له، وأما أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من ~~أمي، وأما جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولا ~~ندا، ولكنه أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: # قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~[آل عمران: 26].» # فمن خدمه الواقع هذه الخدمة الجلى لا جرم يؤمن بأن «الواقع» هو قدر الله وقضاؤه الذي ~~يدان به العباد. # ومن خالفه في ذلك لا جرم يعتصم بالرأي والتفسير؛ ليفهم القدر الإلهي على الوجه الذي ينهض ~~به دليله، ويسقط به دليل خصمه. # ومن ثم تنفرج الطريق بين طلاب الواقع وطلاب التغيير في كل مجال. # فطلاب الواقع يقولون بطاعة السلطان القائم، وطلاب التغيير يقولون بطاعة الإمام المستتر، ~~ويقولون بعلم الظاهر وعلم الباطن، أو بعلم الحقيقة وعلم الشريعة، أو بالفرق بين الكلام ~~الواضح الذي يفهمه الدهماء والكلام الخفي الذي يفطن له ذوو البصر والاطلاع. # ويروى عن الإمام الباقر أنه قال: «إن اسم الله الأعظم ثلاثة وتسعون حرفا يعرف منها ~~سليمان حرفا واحدا، تكلم به فأتي إليه بعرش مملكة. ونحن عندنا منها اثنان وسبعون حرفا، ~~وحرف عند الله استأثر به في عالم الغيب وحده.» # ويدور على هذا المحور من جانب آخر خلاف القائلين بإسلام بني أمية والقائلين بتكفيرهم ~~والقائلين بإرجاء الحكم عليهم إلى يوم القيامة، وهم أصحاب الفرقة التي اشتهرت باسم المرجئة ~~من أوائل فرق الإسلام. # ويغلو من هنا فريق كالخوارج، فيكفرون عليا ومن والاه، ومن هنا فريق كالسبائية، فيؤلهون ~~عليا، وينكرون القول بموته، وإنما شبه للناس؛ فقتل ابن ملجم شيطانا تصور ms009 بصورته، وصعد ~~علي إلى السحاب، فالرعد صوته، والبرق سوطه، وموعده يوم يرجع فيه إلى الأرض فيملؤها عدلا ~~ويقضي على الظالمين. أو يقولون كما يقول البنانية أتباع بنان بن سمعان: إن روح الله حلت ~~في علي، ثم في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بنان، أو يقولون بتناسخ ~~الأرواح من آدم إلى علي وأولاده الثلاثة، أو يقولون - كما قالت الإمامية - إن الله قد حل ~~في إمام بعد إمام إلى أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية، وإنه لم يقتل، ولا يجوز ~~عليه الموت، وفيه روح الله. # ويكثر الكلام بين هذه الفروض والظنون على ماهية الروح وماهية الحقيقة الإلهية وما ينبغي ~~لله جل وعلا من التنزيه وما يمتنع في حقه من التجسيم والتشبيه، وتمتزج النوازع الذهنية ~~بنوازع المصلحة والسياسة والعواطف المكبوتة، فيستمد كل منها عونا من الآخر على الإقناع ~~واستجلاب الأنصار والأشياع. # ومن البديه أن دعاة التغيير يتقون - جهدهم - سلطان الواقع حيث هو قائم عزيز الجانب مبثوث ~~العيون، فابتعدوا من دمشق الشام، واتخذوا لهم ملاذا مأمونا عند أطراف الدولة الشرقية فيما ~~وراء النهر خاصة، كما كانت تسمى في تلك الأيام. # هنالك لم يكن أحد من المتعلمين يشتغل بالأمور العامة دون أن يعرض له البحث في الشريعة ~~والحقيقة، والظاهر والباطن، وأقوال المختلفين على القضاء والقدر وعلى صفات الله وحرية ~~الإنسان وماهية النفوس والأرواح، وما يصح أن يفرض عليها من العقاب أو تجزى به من الثواب، ~~وكل أولئك هو موضوع الفلسفة الأصيل، وقد تسرب إلى خراسان من مراكز الدولة الإسلامية ومن ~~تراث الأمم الخالية، ثم أعانه جوار الهند بمورد آخر من موارد الحكمة والعلم التي لا تزال ~~مشغولة بأشباه هذه البحوث. # ولما ذهبت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية لم تتبدل الحال في تلك الأرجاء؛ لأن ~~العلويين والعباسيين على السواء خبراء بالمذاهب والتفسيرات، وكلهم من أنصار النظر ~~والاستدلال. وقد قامت الدعوة في الشرق باسم آل النبي، قبل أن تقوم صريحة باسم بني العباس، ~~ثم زيد على الأطراف التي تتطلع إلى التغيير ms010 طرف آخر في أفريقيا الغربية بعد قيام الدولة ~~العباسية، فقامت هنالك دعوة الفاطميين، وعرفت سبيلها إلى أقصى المشرق حيث كان الناس يؤثرون ~~العلويين على العباسيين، ولا سيما بعد تشريد أبناء علي وحرمانهم واضطهادهم في أيام بني ~~العباس. # فأصبحت الأطراف الشرقية وكرا يسمع فيه كل صوت من أصوات البحث والنظر والاستدلال. # الفصل الثاني # | المسلمون والمؤتمر الإسلامي1 # أمام الإسلام اليوم مطلبان ضروريان لا يحتملان التسويف والتهاون، وهما «حماية الذات» أمام ~~المطامع الأجنبية، والتعاون على تحصيل وسائل التقدم والارتقاء. # وربما كان المطلب الثاني فرعا من المطلب الأول؛ لأن الأمة التي تهمل وسائل التقدم ~~والارتقاء في العصر الحاضر تحتاج إلى حماية ذاتها ولا تجد وسيلة الحماية. # أما المطامع الأجنبية التي تواجه الشعوب الإسلامية، فهي درجات في القوة وفي الخطر. # فمنها ما هو مقصور على السيادة السياسية، وما يتصل بها من السيطرة على موارد البلاد ~~ومرافقها الزراعية والصناعية والتجارية، وسائر هذه المرافق الاقتصادية على الإجمال. # ومنها ما يتجاوز السيادة السياسية وتوابعها إلى السيطرة على العقائد والأخلاق والعادات ~~والنظم الاجتماعية، وهو شر ضروب الاستعمار كافة. # ومنها ما يصيب جالية أو جاليات متنقلة إلى بلاد أخرى، ولا تتعرض له الأمة برمتها في داخل ~~بلادها. # وكل هذه الأخطار تحتاج إلى التعاون بين الأمم الإسلامية، وقد يكون التعاون فيها لازما مع ~~شعوب غير إسلامية، ولكنها معرضة لمطامع الدول الواقعة في طريق المستعمرين السياسيين وغير ~~السياسيين. # والأمم الإسلامية فيها «شبه حصانة» أمام السيطرة الأجنبية بأنواعها، سواء منها ما كان ~~مقصورا على السيادة السياسية أو ما كان عاما شاملا للعقائد والأخلاق والعادات والنظم ~~الاجتماعية. # كتب جون جنتر # John Gunther # كتابا عن «داخل أفريقيا» على ~~مثال كتبه عن داخل أوروبا، وداخل آسيا وداخل أمريكا اللاتينية وداخل الولايات المتحدة، ~~وتكلم عن أفريقيا الاستوائية التابعة لفرنسا، فقال: إن شعوبها لا تطلب الآن على الأقل أن ~~تنفصل من فرنسا، بل لعلها تتطلب زيادة الاتصال بها؛ لأنها معدودة من الفرنسيين، ولها حقوق ~~انتخابية تخولها أن ترسل المندوبين عنها إلى برلمان باريس، ثم قال: إن هذه الشعوب ms011 تخالف ~~الشعوب الأفريقية في الشمال؛ لأن هذه تطلب الانفصال، ولا ترضى بالاندماج في بنية الشعب ~~الفرنسي، ولا بالسياسة التي سماها تدريب الأفريقيين على أن «يصبحوا فرنسيين!» # ما الفارق بين الشعوب الاستوائية والشعوب الإفريقية التي تقيم على شواطئ البحر الأبيض ~~المتوسط أو على مقربة منها؟ # الفارق هو الحضارة الإسلامية العريقة، فهذه الحضارة قد حفظت لكل أمة تحضرت بها «كيانا» ~~قويا لا يسهل هضمه وإدماجه في كيان آخر أجنبي عنه، وهذا الكيان القوي هو الذي وقف في وجه ~~الاستعمار حيث كان، واستفاد منه المسلمون وغير المسلمين؛ لأن الاستعمار خطر على الأمم ~~الشرقية جميعا من كل نحلة وبغير فارق بين الأديان والأجناس. # وهذه المقاومة القوية هي التي يسميها المستعمرون جمودا من المسلمين في وجه التقدم ~~والارتقاء، وليست هي في الواقع جمودا من هذا القبيل، ولكنها محافظة على «الكيان القومي» ~~يحميه أن يقع فريسة سهلة بين براثن المستعمرين، ويستفيد منه ضحايا الاستعمار في مختلف ~~الأقوام والأديان. # ولكن الاستعمار السياسي - على خطره - لا يصيب الأمم في مقاتلها كما يصيبها الاستعمار الذي ~~يشمل العقائد والأخلاق والعادات والنظم الاجتماعية، فإن هذا الاستعمار يصيب الأمة في كيانها ~~الصميم، ولا يبقى لها بعد ذلك «شخصية» تذود بها خطرا يهددها في حاضرها أو مستقبلها. ~~••• # والأمم الإسلامية أشد الأمم تعرضا لعداوة هذا الاستعمار الذي يعادي جميع الأديان في ~~الواقع، ولكنه يعادي الدين الإسلامي بصفة خاصة؛ لأنه نظام اجتماعي وآداب معيشية في وقت ~~واحد، وله مبادئ فكرية كالمبادئ التي يسمونها في العصر الحاضر بالأيديولوجي # Ideology # تقوم عليها الآداب والعلاقات كما تقوم عليها عقائد الدين ~~ووجهات النظر إلى أصول الحياة. # لهذا كانت كراهة الاستعمار الشيوعي للأمم الإسلامية كراهة مضاعفة؛ لأنه يجد فيها عقبات في ~~وجه السيادة الأجنبية وعقبات أخرى في وجه العقائد والآداب التي يفرضها عليها مخالفة للدين، ~~ويحاول أن يلغي مبادئها الفكرية والخلقية بمبادئ أخرى تناقضها، وتهدمها، ولا تبقى بقية منها ~~صالحة لمقاومة أو متشبثة بكيان. # وهناك ضروب من الاضطهاد يلقاها المسلمون جاليات متفرقة في البلاد الأخرى، كالجالية ~~الآسيوية الإسلامية التي يزيد ms012 عددها على سبعين ألفا في أفريقيا الجنوبية، وتحرم حقوق ~~الانتخاب باسم الفوارق العنصرية التي لا تلاحظ في معاملة اليهود، وهم أصل الفوارق العنصرية ~~التي ابتدعت من أجلها كلمة # Anti-semitism ~~«عداوة ~~الساميين». # وصف روبرت جون هذه الجالية في كتابه «خلال أفريقية مالان» يعني «مالان» رئيس الوزراء ~~السابق، فقال: إنهم على فقرهم غاية في الأمانة وإنه زار مسجدا من مساجدهم، فسقطت منه ورقة ~~وهو يلبس حذاءه، ومضى في طريقه مسافة غير قصيرة، وإذا ببنت صغيرة تعدو وراءه لتعيد إليه ~~الورقة التي لم يلتفت إليها. # وعلى هذا الفارق في الأخلاق تحسب على القوم فوارق اللون أو العقيدة، ولا يسمح لهم بحق ~~واحد من الحقوق السياسية التي يشاركون بها بعض المشاركة في حكومة البلاد، وربما كان آباؤهم ~~فيها قبل أن يعرفها أحد من البوير أجداد «مالان». # فالعالم الإسلامي في العصر الحاضر أمام أخطار مشتركة تتطلب منه أن يشترك في مقاومتها ~~واتخاذ الحيطة منها، وهذه الأخطار هي: # أولا: # خطر الاستعمار الذي يهدد كيان الأمة في سيادتها وعقيدتها وأخلاقها ~~وآدابها. # وثانيا: # خطر الاستعمار الذي يهدد سيادة الأمة السياسية ويسيطر من ثم على ~~مواردها ومرافقها. # وثالثا: # خطر الاستعمار الذي ليس له سيادة فعلية على البلاد ولكنه يرمي إلى توجيه ~~سياستها بالوسائل الاقتصادية أو وسائل النفوذ الدولي على اختلافها. # ورابعا: # خطر التفرقة العنصرية بين الجاليات الإسلامية وغيرها من الجاليات في ~~البلاد الأخرى. # واشتراك الأمم الإسلامية في هذه الأخطار يوجب عليها الاشتراك والتعاون في دراستها ~~والاتفاق على الوسائل المستطاعة لاجتنابها والتغلب عليها. ~~••• # ولهذا يجيء المؤتمر الإسلامي في أوانه، وربما صح أن يقال: إن المؤتمر الإسلامي يتجدد الآن ~~في الوقت الملائم؛ لأن الإسلام قد فرض على المسلمين في موسم الحج مؤتمرا عاما تشترك فيه ~~جميع الأمم، وقد أفاد هذا المؤتمر فوائده التي لا تنكر، ولكنه لم يأت بجميع فوائده في بعض ~~العصور؛ لأن السيطرة «المستبدة» كانت تصيب الأمم الإسلامية أحيانا من سادتها المسلمين، ~~وكان الإمام الإسلامي «عبد الرحمن الكواكبي» يتخيل هذا المؤتمر تخيلا في موسم الحج؛ لأن ~~تحقيقه في الواقع ms013 لم يكن من المستطاع، وليس كتابه «أم القرى» إلا مؤتمرا من هذا ~~القبيل. # ثم سعى المسلم الروسي الكبير «إسماعيل غصر نسكي» في عقد المؤتمر الإسلامي العام عند أوائل ~~هذا القرن، وساعده السادة العثمانيون؛ لأنه يحارب الدولة الروسية، ولم يتنكر له المستعمرون ~~الإنجليز؛ لأن محاربة النفوذ الروسي في آسيا توافق سياستهم، ولبثت الفكرة منسية أو مهملة ~~حتى جددتها قضية فلسطين فاجتمع المؤتمر الإسلامي للدفاع عن فلسطين عدة مرات. # أما المؤتمر الإسلامي القادم فشأنه غير شئون المؤتمرات السابقة؛ إذ هو المؤتمر العام ~~الأول الذي تشترك فيه الأمم الإسلامية بمحض اختيارها بعد استقلال الكثير منها وثبوت المكانة ~~السياسية لها في محيط السياسة العالمية على اتساعها، ومهمته في مكافحة الاستعمار بأنواعه لا ~~تقل عن مهمته في مكافحة الضعف والجمود والأخذ بوسائل التقدم والارتقاء، فليس في العصر ~~الحاضر من يحمي نفسه وهو متخلف في ميدان المعرفة والقوة. # الفصل الثالث # | براهين الإيمان عن طريق براهين الشكوك1 # ترد إلي على الدوام رسائل صريحة من الشباب المثقف الحائر في شئون العقيدة. وموضع ~~الصراحة في هذه الرسائل أن أصحابها يعربون في غير مواربة عن شكوكهم في مسائل الدين: من ~~الإيمان بالله إلى صلاح بعض الفرائض والعبادات. # ولست أتشاءم بهذه الصراحة؛ لأنها دالة على أمور كثيرة تدعو إلى التفاؤل وحسن الأمل في ~~الضمائر المتفتحة للمعرفة وسلامة الإدراك. # تلك صراحة تدل على تعقل شبابنا لعقائدهم الروحية، وعلى استعدادهم للانتقال فيها من حالة ~~التقليد إلى حالة التبصر والاجتهاد. # وتدل - مع هذا - على امتعاض نفوسهم من حالة الشك والحيرة، بدلا من التذرع بها إلى الهجوم ~~على «الإباحية الأخلاقية» واستحلال ما لا يحل في الدين ولا في عرف التدين الذي تقوم عليه ~~أسس الآداب الإنسانية. # وتدل، بعد هذا وذاك، على أدب في الطبع يعصمه من داء الغرور، ويلهمه أن يطلب المزيد من ~~العلم حيثما تطلع إليه، ويندر في المصابين بداء الغرور من يحسب أنه بحاجة إلى علم في مسائل ~~الحياة الكبرى غير الذي يهجس بخاطره ويقع منه موقع القبول، بغير بحث ولا محاولة للمزيد ms014 من ~~الفهم والإيضاح. # وبين الرسائل التي وردتني أخيرا من هذا القبيل رسالتان: إحداهما بتوقيع «م. ا. زيدان»، ~~والأخرى يرجو صاحبها أن أرمز إليه بحرفي «س. ع» إذا استجبت لرجائه وكتبت في مجلة «الأزهر» ~~عن موضوع سؤاله. # يقول صاحب الرسالة الأولى: «تقدمت للالتحاق بكلية الطيران؛ لأحقق أمنيتي في أن أكون أحد ~~أفراد القوات المسلحة، ونجحت في الكشف الطبي مع القلائل الذين ينجون منه في قومسيون القوات ~~الجوية، ثم رسبت أخيرا في كشف الهيئة التي لم يرسب فيها أحد إلا أنا. أتدري لماذا؟ لأن ~~قلبي على اليمين!» # ويختم صاحب الرسالة كلامه متسائلا: ألست معي أن الله يتسبب في عذاب البشر؟ أستحلفكم ~~بالله أن تقنعوني بالآية التي تقول: # وعسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم ~~[البقرة: 216]. # أما صاحب الرسالة الثانية «س. ع» فسؤاله عن «معرفة المؤمنين بالله، لم لا يدركونها ~~بظهور الله لهم علانية بدلا من هذا التخبط من قديم الزمن في ظلمات الجهل ومنازعات الغضب ~~والتعصب بين المنكرين والمؤمنين، وبين المؤمنين أنفسهم من أنصار كل دين، بل من أنصار الدين ~~الواحد على اختلاف المذاهب والتفاسير ...» # ولقد كشفت لي تجاربي في دراسة الشكوك الدينية عن طريق قريب إلى أن الإيمان لا يطول النظر ~~فيه كما يطول النظر في البراهين الفلسفية التي يقوم عليها العلم بوجود الله. # كشفت لي هذه التجارب عن يقين لا أرتاب فيه، وهو اليقين بسهولة الخلاص، من براهين الشكوك ~~الدينية أو براهين الإلحاد؛ لأن ظهور البطلان في هذه البراهين أيسر من البحث في براهين ~~الفلاسفة على تحقيق وجود الله: وهي براهين المنطق التي لا تصبر عليها جميع العقول. # فمن اليسير أن نفهم - بعد قليل من البحث - أن إنكار وجود الخالق لشيوع النقص والعذاب في ~~عالم المخلوقات هو إنكار ضعيف السند، غير قابل للتصور الصحيح عند إمعان النظر فيه. # وأيسر من ذلك إظهار البطلان في تحقيق معرفة الله برؤية العيان، أو ما هو من قبيل رؤية ~~العيان. # فإذا كان وجود الخالق يستلزم خلو الخلق من النقص والعذاب فلنجتهد في تصور العالم ms015 على هذه ~~الصورة، فلا نلبث أن نفهم أنها هي المستحيل بعينه على كل فرض من الفروض. # أولا: كيف يمكن أن يكون المخلوق كاملا كمال الخالق الذي لا يعوزه شيء من ~~الأشياء؟ # ذلك هو المستحيل الذي لا تتعلق به إرادة الله، ولا يجوز لنا أن نتطلبه من قدرة الله؛ لأن ~~قدرة الله التي لا نهاية لها هي التي توجب أن يكون المخلوق المحدود بزمانه ومكانه دون ذلك، ~~وتمنع أن يوجد في التصور إله كامل مخلوق إلى جانب الإله الكامل الخالق لجميع ~~الأشياء. # ولنتعسف التصور - إن استطعنا - فنقدر أن المخلوقات يمكن أن توجد ناقصة، وأن تكون مع نقصها ~~سعيدة لا ترجو شيئا، ولا يفوتها رجاء ترجوه إذا جاز هذا في حق الكائن السعيد الظافر بكل ما ~~يريد. # فهل توجد هذه المخلوقات السعيدة دفعة واحدة بلا ولادة ولا نمو ولا وقوف بالنمو عند حد ~~محدود؟ # وإذا وجدت هذه المخلوقات السعيدة، فهل تكون سعادتها من نوع واحد لا فرق فيه بين هذا ~~المخلوق وذلك المخلوق، كأنها نسخة مكررة في جميع الصفات والأحوال؟ وهل تتم لها سعادتها بغير ~~مجهود منها وغير سبب من بواعث نفوسها وبغير فرق بين من ولد بالأمس ومن يتبعه في ~~الميلاد؟ # وهل يتبعه ذلك التابع في الميلاد صغيرا يشعر بالنقص أو لا يشعر به ولا يشعر بما ~~عداه؟ # أما إذا تفرقت هذه المخلوقات في أنواع السعادة، فكيف تتفرق دون أن يكون هذا المخلوق ~~مستمتعا بمزية ليست للآخرين من المخلوقات؟ # وهل تكون المخلوقات جيلا واحدا، ثم يكون هذا الانفراد بالخلق إنصافا للأجيال التي تظهر ~~بعد العدم على سنة التتابع بين الوالدين والمولودين؟ # إن خطأ الشك الذي يقوم على افتراض العالم على صورة من هذه الصور هو أظهر الأخطاء بعد ~~النظر اليسير. # فكمال المخلوقات لا يدل على وجود المنفرد بالكمال المطلق الذي لا يتكرر ولا يقبل ~~التكرار. # بل نقص المخلوقات هو الذي يدل على ذلك الكمال على كل وجه قابل للتصور والتقدير. # وإذا تصورنا الخلق بهذه الصورة التي لا صورة غيرها في الإمكان، ms016 فمن اليسير أن نفهم كيف ~~نرجو شيئا لا يتحقق، وكيف نجهل ما نرجوه، ولا ندري بكل ما يضمره الغيب لنا من عواقب هذا ~~الرجاء. # ويستحلفني السيد «م. ا. زيدان» أن أقنعه بالآية التي تقول: # وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~[البقرة: 216]. # فلا أراني بحاجة إلى مثل بعيد عني، ولا عن الواقعة التي رواها صاحب الرسالة عن نفسه، ~~وكانت سببا لشكواه من المقادير. # لقد أردت في مطلع شبابي كما أراد السيد زيدان أن أنجح في امتحان كامتحانه لإتمام الدراسة ~~بالديار الأوروبية، وكانت الجامعة المصرية في نشأتها الأولى هي التي نظمت ذلك الامتحان على ~~يد رئيسها سعد زغلول لتخريج الأساتذة المرشحين للتدريس فيها بعد عودتهم من الجامعات ~~الفرنسية والإنجليزية، وقد فاتني النجاح في الامتحان لسبب من الأسباب الشكلية كما فات السيد ~~زيدان، فأظلمت الدنيا في عيني يوم ذاك، ونعيت على الدنيا كلها خيبة الرجاء، وظننت أنه هو ~~الرجاء الأول والأخير في الحياة، ولكنني اليوم - بحمد الله - غير نادم على ما فات وغير عاتب ~~على المقادير. بل قد علمت بعد قليل أنني لم أعتب على سعد زغلول، ولم أحمله جريرة الخيبة ~~فيما رجوت، وكنت في مقدمة المدافعين عن عمله بالجامعة المصرية يوم أنكره عليه المنكرون غير ~~منصفين ولا متحرجين. # أما الشك في وجود الله لأنه لا يظهر لنا عيانا، فهو أضعف الشكوك التي تساور العقول في ~~أمر الأديان السماوية وفي أمر كل دين يؤمن فيه المعتقد برب معبود. # هل تريدها معرفة إنسانية أو تريدها معرفة من طبيعة غير طبيعة الإنسان فيما يعرفه ويتعرف ~~عليه من الأشياء؟ # إننا لا نعرف أوضح شيء في عالم المحسوس؛ لأنه يرينا نفسه جليا واضحا للعيان. # وهذه الشمس لا ترى العين شيئا أوضح منها ولا يزال التعرف عليها حتى اليوم مبدئيا من ~~أوله كأننا نراها لأول مرة في عصر العلوم والكشوف. # وليس بالمعقول - إنسانيا - أن تكون حقيقة الحقائق الكبرى أقل أسرارا أمام العارفين ~~والمتعرفين من أقرب المحسوسات إلى الوضوح بغير أسرار ولا بقية للتعرف عليها بعد نظر ~~العيان. ms017 # ولكننا نعتسف التصور مرة أخرى ونحاول أن نتصور كيف تتأتى المعرفة بالله عيانا لجميع ~~المخلوقات في جميع الأوقات. # فهل يتجلى الله لعباده مرة في القدم، ثم ينتقل هذا التجلي بالرواية والحكاية إلى الخلفاء ~~والأعقاب؟ # وهل ينقله من رأى الله عيانا إلى خلفائهم وأعقابهم نقلا يتساوى فيه الخبر ويتساوى فيه ~~اليقين بالرواية على مثال لا يتطرق إليه الشك والخلاف؟ وإذا حدث هذا، فمن أين لنا أن ~~الخلفاء والأعقاب تقبل هذه المعرفة على صورتها المثلى ولا تشك فيها كما يشك المنكرون ~~للأنبياء والمرسلين؟ # فإن لم يستقم هذا التصور في العقول، فهل يستقيم فيها أن يتجلى الله لكل جيل في زمان بعد ~~زمان! وهل يغني التجلي في الجيل بعد الجيل عن التجلي مرة بعد مرة، بعد ألف مرة، لكل مولود ~~جديد في كل جيل جديد؟ # وإذا تكرر هذا التجلي خاصا بكل مولود، فهل تتساوى المخلوقات في كنه الإيمان وفي درجة ~~الإيمان ، بل في كنه العيان ودرجة العيان؟ # وإذا أمكن أن يتكرر العلم بحقيقة الحقائق على السواء وعلى هذا المثال، فماذا بقي للنفوس ~~والضمائر من الفارق بينها وبين الآلات الصماء في تعليق الصور وإدراك المعرفة واجتهاد ~~الضمائر والعقول؟ # إن إيمانا كهذا لا تختلف خصائصه عن خصائص الأجسام المادية التي لا معنى فيها لعقيدة من ~~العقائد ولا لاتفاق أو اختلاف على هذا الدين أو ذاك. # ونكتفي بما تقدم لتقرير الفكرة التي أردنا أن نقررها بهذا المقال، ومجمل الرأي فيها أن ~~الشك في براهين الإلحاد أيسر أمام العقل من براهين الشك في الإيمان. # فهاتان حجتان من أشيع الحجج التي نسمعها من المتشككين اعتراضا على الدين: حجة الألم ~~في الدنيا، وحجة الاستدلال على وجود الله برؤية العيان، نوازن بينهما وبين ما يقابلهما، فلا ~~نطلب من المعترضين أن يذهبوا بعيدا في التفكير إذا وقفوا عند القول بأن العالم كما يريده ~~المعترضون أصعب تصورا وأشد ظلما للمخلوقات من العالم كما يتصوره المتدينون المؤمنون بوجود ~~الله على غاية ما ينتهي إليه تصور العقل البشري من الحكمة والقدرة. # ونحن أوثق ما ms018 نكون يقينا بأن سائر البراهين التي تخطر للمعترضين تجري هذا المجرى، وتنتهي ~~عند القياس إلى مثل هذه النهاية، وكلها كافية للاقتناع بأن براهين الشك والإلحاد أظهر خطأ ~~من براهين اليقين والإيمان. # الفصل الرابع # | هذه هي الأغلال1 # المسلمون في حاجة إلى جرعات قوية من قبيل هذه الجرعات التي ناولهم إياها صاحب الفضيلة ~~الأستاذ عبد الله علي القصيمي في كتابه «هذه هي الغلال»؛ لأن الذين يحجمون عن مساعي الحياة ~~اعتقادا منهم بتحريمها إنما يخرجهم في هذا الوهم عاملان ضروريان، وهما عظة الحوادث وعظة ~~المرشدين، وأحق الناس بإسداء هذه العظة إليهم من يصححون لهم الوهم بإسناد من الكتاب والسنة ~~النبوية، ومن يرشدونهم لأنهم متدينون يفهمون الدين على وجهه المستقيم، لا لأنهم ينكرون ~~الأديان، فلا يلتقون بهم في أصل من أصولهم التي يتقبلون منها الحجة والدليل. # والكتاب بحق كما وصفه مؤلفه الفاضل «ثورة في فهم العقل والدين والحياة»؛ لأنه يهجم على ~~سلطان غشوم هو سلطان الجهل، ومعقل حصين هو معقل العادة، وجحفل مجر هو جحفل الغوغاء وأشباه ~~الغوغاء. فيرفع السيف والمعول بغير رهبة ولا هوادة، ويعتمد سيفا واحدا ومعولا واحدا في ~~هذه الثورة الجريئة، وهما سيف اليقين ومعول البرهان. # فهو يشن الغارة الشعواء على من يقدسون البلاهة، ويوجبون على الناس الكسل باسم الاتكال على ~~الله، ويحرمون تعليم المرأة وتدريبها على فرائض الأمومة والرعاية الاجتماعية، ويوهنون ثقة ~~الإنسان بنفسه، وينكرون الحكمة القديمة والعلم الحديث، ويزعمون أن الزمن يتأخر ولا يرجى فيه ~~من أبناء اليوم والغد رجاء يضيفونه إلى تراث السلف ومآثر المتقدمين. # وقد استند في كثير من معارض النقد على آيات من الكتاب، وأمثلة من سير الأنبياء، وأسانيد ~~من المنطق السليم، ولم يبال بالسمعة الموروثة ولا بالأنصاب المرفوعة ولا بالأكاذيب ~~المتواترة، فهاجم أناسا يحسبون من الأئمة المقدسين عند العامة وأشباه العامة، وذب عن ~~فلاسفة غير مسلمين لم يشهدوا عهد الأديان الكتابية مثل أرسطو وأفلاطون. # فلما روى هذه الأبيات: # من أنت يا رسطو ومن # أفلاط قبلك «يا مبلد» # ما أنتمو إلا الفرا # ش رأى السراج وقد ms019 توقد # 2 # فدنا فأحرق نفسه # ولو اهتدى رشدا لأبعد # مهد لها قائلا: إنهم «قالوها في مذمة أولئك الرجال الذين حاولوا في عصور سحيقة أن يضعوا ~~اللبنات الأولى في بنيان هذه الحضارة ...» وعقب عليها مستنكرا أن يكون هؤلاء الرجال ~~الباحثون «حكمهم حينما أرادوا الدنو من المعرفة ومن العلم؛ حكم الفراش الذي يرى النور ~~المتوقد فيثب عليه». # ثم استطرد بعد صفحات فقال: «ومن البلاء حقا أنهم لم يقصروا عند امتداح الجهالة بل قاموا ~~- ببلاهة كثيفة - يمتدحون الجنون والبله والبله والمجانين ... وهنالك قسم كبير من الأولياء ~~كتبوا في الطبقات يسمون بالمجاذيب أو بالأولياء المجاذيب، وقد أورد الشعراني في كتابه طبقات ~~الأولياء الكبرى أسماء طوائف كثيرة من هؤلاء المجذوبين، وكذلك صنع غيره.» # أما الفصل الذي تناول فيه موضوع المرأة بعنوان: إنسان هي أم سلعة؛ فقد قابل به بين أقوال ~~المتطرفين في الحجر عليها وأقوال المتطرفين في تخويلها حقوق العمل والحرية، ووقف بين ~~الطرفين وسطا يعدل بين هؤلاء وهؤلاء، ولكني أحسبه لو خير بينهما لآثر الإطلاق على التكبيل ~~بقيود الحجر والجمود. # ونحن نوافق الأستاذ القصيمي على الهدف الذي يرمي إليه، وعلى الآفة التي يشكو منها، ولكننا ~~نخالفه في بعض الآراء كما نخالفه في بعض العبارات، ولا نخص منها بالذكر هنا إلا جانبا ~~واحدا يلتبس فيه الرأي، ويبدو فيه الظاهر على وجه غير وجهه الباطن، أو وجهه الذي نطلع ~~عليه بعد المراجعة والموازنة بين الحقائق المتقابلة. فرب حقيقة تقابلها حقيقة أكبر منها، ~~ورب ناحية نراها وحدها فإذا هي مستنكرة، ونراها في مكانها من مجموعة النواحي المختلة، فإذا ~~هي لازمة لا غناء عنها. # هذا الجانب الذي نخصه بالذكر في هذا المقام هو كلام الأستاذ على فلسفة التصوف؛ إذ يقول: ~~«إن وجه الخطأ في هذه الفلسفة أنهم اعتقدوا أن الروح والجسد عالمان مستقلان متعاديان، وأن ~~كلا منهما حرب للآخر، وأن كلا منهما أيضا إنما ينمو ويزكو على حساب الآخر، فإذا أهين ~~أحدهما وعذب نما الآخر وترعرع، وقام بوظيفته خير قيام، وإذا أكرم وأريح وأجم أصاب الآخر ~~بالعكس ... وهذه ms020 فلسفة عقيمة لا تقف أمام الحقائق. فإن الروح مهما اختلف في حقيقتها وفي ~~تفسيرها تزكو وتقوى وتقدر على أداء وظيفتها إذا صح الجسم وقوي واستراح، وتضعف وتخبو وتعجز ~~عن القيام بعملها إذا مرض الجسم أو تعب أو عجز ... وهذه حقيقة هي اليوم فوق مذاهب الشك، وفي ~~استطاعة الرجل العادي أن يعلم صدق هذا بالملاحظة والاستقراء.» # ونحن نقول: إن هذه حقيقة لا شك فيها. # ولكننا نقول: إنها ليست كل الحقيقة، أو ليست بالحقيقة التي تستغني عن الرجوع بها إلى جملة ~~الحقائق في الملكات الروحية والجسدية. # ولعلنا نستعجل الغاية التي نرمي إليها بالإشارة إلى حقيقة أخرى مجسمة لا شك فيها. فما ~~القول مثلا في الإنسان الذي يقبل على الجسد وحده فيجعله أصلب من الفولاذ وأقدر على حمل ~~الأثقال وجرها من الفرس والبعير؟ أيقال إن هذا الإنسان قد زاد قوة الروح بزيادة قوة الجسد؟ ~~أيقال إنه مثل يحتذيه كل إنسان ولا يصيب الأمة نقص في الملكات إذا اقتدى به كل فرد من ~~أبنائنا؟ # لا يقال ذلك، ولا يقال مع ذلك أنه مثل ضار وخيم العاقبة على أبناء الأمة، بل يقال إنه ~~لازم ومطلوب ومعقول، وإن «القصد الحيوي» في تربية الإنسانية يسمح للرياضة البدنية أن تصطفي ~~لها أفرادا من هذا الطراز، ويسمح للرياضة الروحية أن تصطفي لها أفرادا من طراز آخر، ولا ~~تسمح لهذه ولا لتلك بتعميم حكمها على جميع الآحاد. # هذا «القصد الحيوي» هو الحقيقة الكبرى التي تقابل تلك الحقيقة المبسوطة في كتاب ~~الأستاذ. # فالملكات الإنسانية أكثر وأكبر من أن ينالها إنسان واحد. # ولكنها ينبغي أن تنال. فكيف يمكن أن تنال؟ # إنها لا تنال إلا بالتخصص والتوزيع، ولا يتأتى هذا التخصص أو هذا التوزيع إذا سوينا بينها ~~جميعا في التحصيل، وألزمنا كل واحد أن تكون له أقساط منها جميعا على حد سواء. # ولا يقتصر القول هنا على الملكات العقلية أو الروحية التي لا يسهل إحصاؤها ولا تحصيلها، ~~ولكننا نعم به هذه الملكات ومعها ملكات الحس والجسد، وهي محدودة متقاربة في جميع ~~الناس. # فهذه ms021 الملكات الجسدية - فضلا عن الملكات العقلية والروحية - قابلة للنمو والمضاعفة إلى ~~الحد الذي لا يخطر لنا على بال ولا نصدقه إلا إذا شهدناه. # وقد رأينا ورأى معنا ألوف من أبناء هذا البلد رجلا أكتع يستخدم أصابع قدمه في أشياء يعجز ~~الكثيرون عن صنعها بأصابع اليدين: يكتب بها ويشعل عيدان الثقاب ويصنع القهوة ويصبها في ~~الأقداح ويشربها ويديرها على الحاضرين، ويسلك الخيط في سم الإبرة ويخيط الثوب الممزق، ويوشك ~~أن يصنع بالقدم كل ما يصنع باليمين أو باليسار. # ورأينا ورأى معنا ألوف من هذا البلد لاعبي البليارد في المسابقات العامة يتسلمون العصا ثم ~~لا يتركونها إلا بعد مائة وخمسين إصابة أو تزيد، ولعلهم لا يتركونها إلا من تعب أو مجاملة ~~للاعبين الآخرين، وهم يوجهون بها الأكر إلى حيث يريدون، ويرسلونها بين خطوط مرسومة لا ~~تدخل الأكر في بعضها، ولا تحسب اللعبة إذا لم تدخل في بعضها الآخر، بحيث لو قال لك قائل: إن ~~هؤلاء اللاعبين يجرون الأكر بسلك خفي لجاز لك أن تصدق ما يقول. # ورأينا من يقذف بالحربة على مسافات فتقع حيث شاء، ورأينا من ينظر في آثار الأقدام فيخرج ~~منها أثرا واحدا بين عشرات ولو تعدد وضعه بين المئات. ورأينا من يرمى بالأنشوطة في الحبل ~~الطويل فيطوق بها عنق الإنسان أو الحيوان على مسافة أمتار. # هذه هي الملكات الجسدية المحدودة، وهذه هي آماد الكمال الذي تبلغ إليه بالتخصص والمرانة ~~والتوزيع. # فما القول إذا حكمنا على الناس جميعا أن يكسبوا أعضاءهم ملكة من هذه الملكات؟ # إننا نخطئ بهذا أيما خطأ، ونعطلهم به عن العمل المفيد. # ولكننا نخطئ كذلك كل الخطأ إذا عاقبنا إنسانا لأنه أتقن ملكة من هذه الملكات الجسدية، ~~ولو جار في نفسه على ملكات أخرى يتقنها الآخرون. # فإذا كنا جاوزنا بالقوى الجسدية حدودها المعهودة بالمرانة والتخصيص، فما الظن بالقوى ~~الروحية أو العقلية وهي لا تتقارب في الناس ولا تعرف الحدود. # وإذا كان طالب القوة الروحية يجور على جسده فلماذا نلومه وننحي عليه ونحن لا نعاقب ~~اللاعب إذا جار ms022 على روحه أو عقله في سبيل إتقان لعبة أو تدريب عضو أو تزجية فراغ؟ # إذا لمنا من يجور على جسده لأنه يضر الناس إذا اقتدوا به أجمعين، فمن واجبنا أن نلوم كل ~~ذي ملكة وكل ذي عمل وكل ذي فن وكل ذي رأي من الآراء، فما من واحد بين هؤلاء إلا وهو يضر ~~الناس إذا اقتدوا به أجمعين. # ومما لا جدال فيه أن نوازع الجسد تحجب الفكر عن بعض الحقائق الاجتماعية؛ فضلا عن الحقائق ~~الكونية المصفاة. # ومما لا جدال فيه أن شواغل العيش وهموم الأسرة عائق عن بعض مطالب الإصلاح في الحياة ~~اليومية، فضلا عن الحياة الإنسانية الباقية على مر الدهور. # ومما لا جدال فيه أن طالب القوة الروحية كطالب القوة البدنية له حق كحق المصارع، ~~والملاكم، وحامل الأثقال في استكمال ما يشاء من ملكات الإنسان، ولسنا على حق إذا أخذنا عليه ~~أنه جار على جسده أو لذات عيشه؛ لأننا لا نلوم المصارع إذا نقصت فيه ملكة الفن أو ملكة ~~العلم أو ملكة الروح. # ولو أصبح كل الناس مصارعين لفسد كل الناس. # ولكن لا بد من المصارعة مع هذا، ولا بد من المتفرغين لها إذا أردنا لها البقاء. # ولو أصبح الناس كلهم متصوفين معرضين عن شواغل الدنيا لفسدت الدنيا، وبطل معنى الحياة ~~ومعنى الزهد في الحياة. # ولكن لا بد من هذه النزعة في بعض النفوس، وإلا قصرنا عن الشأو الأعلى في مطالب الروح، ~~وفقدنا ثمرة «التخصص» أو ثمرة «القصد الحيوي» الذي ينظم لنا ثروة الأرواح وثروة العقول ~~وثروة الأبدان. # فنحن لا نفند الحقيقة التي بسطها الأستاذ القصيمي في كتابه الجريء على الباطل. # ولكننا نقابل حقيقته بالحقيقة التي توازنها وتتمم لها موازينها، ونقول: إن الإفراط في ~~العناية الروحية كالإفراط في العناية الجسدية بلاء إذا عم جميع الناس، ولكن البلاء الذي هو ~~أعظم منه وأقسى على الناس جميعا أن يبطل فيهم «الاختصاص» ولو كان الإفراط من مستلزماته؛ ~~لأن «الإنسانية» كلها تستفيد من زيادة ملكاتها، وهي لا تزيد إلا بنقص في بعض الآحاد ms023 ~~المعدودين. # الفصل الخامس # | دور من أدوار التاريخ في الكتابة عن الأندلس الإسلامية1 # أعجب من زوال دولة الإسلام في الأندلس بقاء آثارها سارية حتى اليوم في كل ناحية من نواحي ~~الحضارة الأوروبية، ويكفي أن نذكر من آثارها قيام دعوة الإنسانيين منذ القرن الثاني عشر ~~للميلاد، ثم قيام دعوة النهضة ودعوة الإصلاح الديني وما يليها من الثورات الاجتماعية ~~والسياسية، لنعلم بعد هذا الإجمال السريع أن آثار الإسلام في الأندلس قد أحاط بأصول كل حركة ~~من حركات الثقافة الغربية الحديثة. # وقد كان للمؤرخين الأوروبيين مواقف مختلفة، متناقضة، في تقدير تلك الآثار بين الإنكار ~~والاعتراف، وبين التهوين والإكبار. # كان موقف العداء والمحاربة أسبق تلك المواقف في عصر «التعصب الديني» من بقايا القرون ~~الوسطى. فكان القائمون على ثقافة الغرب يتبعون خطة «الإخفاء والطمس» لمصادرة العلوم ~~الإسلامية، ويتعمدون مطاردتها وإبعادها، وإن شهدوا بفضلها واعترفوا بمحاسنها؛ لأنها مصدر ~~قوة للإسلام وآية من آيات «سحره» الذي يجتذب إليه قلوب المتعلمين من غير المسلمين. # ومضت القرون الوسطى ببقاياها فجاء بعدها عصر الكشف والتنقيب عن المجهولات في كل باب من ~~أبواب المعرفة الإنسانية. فانكشفت في هذا العصر مفاخر الحضارة الإسلامية في الشرق والغرب، ~~وكان للحضارة الأندلسية نصيبها الأوفر من عناية القوم لاتصالها بمواطنهم في صميم القارة ~~الأوروبية، وهنا تفرقت مواقف المؤرخين والنقاد من الغربيين مع تفرق المقاصد والمصالح أو ~~تفرق النظرات والآراء. # فمنهم من كان ينظر إلى موضوعه من خلال النزاع بين الكنيسة والمنشقين عليها، فينتصر لمن ~~حرمتهم الكنيسة واضطهدتهم، وفي مقدمتهم أحرار الفكر المتأثرون بالثقافة الإسلامية، ولا بد - ~~مع الدفاع عن هؤلاء - من الدفاع عن فلاسفة الإسلام وعلمائه وقادة الفكر والمعرفة في ~~بلاده. # ومنهم من كان ينظر إلى هذا الموضوع التاريخي من خلال النزاع على حقوق السلطة القائمة ~~فيتخذ من المواقف ما يناسب هواه: إن كان من أعوان السلطة فهو من المحافظين الجامدين، وإن ~~كان من أعوان الحرية فهو في الجانب المقابل للمحافظة والجمود. # ومنهم من كان يعمل لحساب الاستعمار السياسي، فهو ينكر فضائل الإسلام أو يشهد لها الشهادة ms024 ~~التي تقف عند حدود الماضي ولا تتعداها إلى الحاضر الذي غلبت فيه سيادة المستعمرين. فلا حرج ~~عنده من الشهادة للإسلام بالعظمة التي صلحت في زمانها لتعظيم قومها، ولكنها ذهبت مع زمانها ~~فهي الآن في خبر كان. # منذ الحرب العالمية الثانية تغيرت هذه المواقف جميعا، وخلفتها مواقف أخرى أقرب إلى ~~الإنصاف والاستقلال النظري؛ لأنها تصدر من بواعث «عامة» يقل فيها التوجيه والإملاء ويستلم ~~أصحابها مطالب النشر ورغبات القراء، ويجرون مع العصر في مجراه الغالب عليه، وهو «النزعة ~~العالمية» التي تؤثر الاطلاع على شئون العالم قديمها وحديثها وتتوسع في طلب الأخبار ~~والمعلومات من جميع المصادر والجهات. # فالذين يكتبون اليوم عن الأندلس الإسلامية يجمعون بين النزعة العالمية ونزعة «الهواية ~~الشخصية»، ولا ينسون مطالب النشر التي تتحرى ميول القراء ولا تقوم على التوجيه والإملاء من ~~جانب الدول، أو جانب الهيئات التي تشبهها في اصطناع الدعاية. ~~••• # من أحدث المؤلفات التي ظهرت في هذا الدور - سنة 1958م - كتاب «الأندلس» أو «إسبانيا في ظل ~~المسلمين» لمؤلفه الأستاذ أدوين هول # Edwin Hole # المستشرق ~~المعروف. # عمل هذا المؤلف بمصر وسوريا وتركيا والبلقان، ثم اغتنم فرصة العمل في وكالة «ملقة» ~~القنصلية، فعكف على دراسة الحضارة الأندلسية من قريب، وقضى في هذه الدراسة زهاء خمس سنوات، ~~خرج منها بهذا الكتاب الموجز الذي يقع في نحو مائتي صفحة، ويشتمل على أحداث الأقوال والآراء ~~في تاريخ هذه الحضارة. وجملة ما يقال عن أقواله وآرائه أن الرجل أنصف حضارة الأندلس ~~الإسلامية فيما فهمه وتأتى له أن يحكم عليه، ولكنه جهل منها بعض جوانبها - ولا سيما جانب ~~الشعر والأدب - فأحال فيه التبعة على غيره، وبلغ بذلك غاية ما يستطيعه جاهل الشيء من إنصافه ~~وتقديره. # يكاد المؤلف أن يقول عن جانب الثقافة من حضارة الإسلام في الأندلس إن الدولة الإسلامية قد ~~صنعت الخوارق في ترقية العقول والأذواق، وإن ولاة الأمر فيها كانوا يعدون عدو الجياد حيث ~~سار اللاحقون بهم في خطوهم الهزيل، فيتعثرون وهم يدرجون. # ففي كلمة «الكتاب» تتلخص المعجزة التي صنعتها الدول الإسلامية في القارة ms025 الأوروبية. قال ~~المؤلف عن مكتبة الخليفة «الحكم»: إن عدد كتبها ومجاميعها قدر بنحو أربعمائة ألف كتاب ~~ومجموعة. وقد حاول الملك الفرنسي شارل الملقب بالحكيم بعد الحكم بأربعة قرون أن ينشئ ~~مكتبته، فلم يستطع أن يجمع فيها أكثر من تسعمائة كتاب، ستمائة منها تبحث في اللاهوت. # وقد تجاوبت آفاق القارة الأوروبية من مشرقها إلى مغربها بسمعة الخلفاء المسلمين في طلب ~~العلم والتحصيل والحرص على اقتناء الكتب النفيسة والمدونات النادرة، فكان «الكتاب» أعز ~~الهدايا التي يخطب بها ود الخليفة بين ملوك القارة وأمرائها، وكانت السفارة الناجحة في بلاط ~~قرطبة سفارة الملك الذي يزود رسوله بتحفة من تحف العلم والحكمة، ويقول المؤلف في سياق كلامه ~~عن الكتب: «إن الرغبة في المعرفة كانت مستفيضة لا حدود لها، وقد حدث أن الإمبراطور البيزنطي ~~أرسل إلى عبد الرحمن الثالث كتاب «ديو سقريدس، في العقاقير»، فعهد إلى جامعة الطب بترجمته ~~وحل رموزه، وكان الحكم بن عبد الرحمن نفسه من كبار العلماء يشترك في البحث بالوفود إلى ~~أطراف البلاد لشراء المخطوطات ودعوة العلماء إلى بلاطه؛ حيث يعاملون معاملة السخاء ~~والحفاوة، فأصبحت إسبانيا قطبا قويا يجذب أساطين العلم من كل مكان.» # وظل الكتاب في المغرب الإسلامي ذخيرة مضنونا بها على الضياع حتى في أيام الإدبار والأفول ~~بعد زوال الدولة في شبه الجزيرة الأندلسية. فلما استولى الإفرنج على سفينة محملة بالكتب ~~والأمتعة لمولاي زيدان المراكشي في القرن السابع عشر، أرسل الأمير يطلب الكتب، ولم يحفل بما ~~عداها من حمولة السفينة، ويقول المؤلف: إن المسألة أحيلت على محكمة التفتيش، وأرادت هذه ~~المحكمة أن تبدي بعض السماحة في جوابها على الأمير المغربي، فقررت أن ترد إليه كتب العلم ~~والجغرافيا وما إليها، وأن تحجز الكتب الدينية التي قد تعزز سطوة الإسلام، ورفع الأمر إلى ~~مجلس الوزراء فرفض أكثر أعضائه اقتراح محكمة التفتيش، وأشاروا بإحراق الكتب العلمية ~~والدينية على السواء، وتوسط النبيل المستنير المركيز دي ~~فيلادا # De Velada # عند الملك؛ لإنقاذ هذه الذخيرة، فأمر الملك بحبسها وإغلاق الأبواب ~~عليها في مكان حصين. # ويفيض المؤلف ms026 في استقصاء أخبار المكتبة الأندلسية من مصادرها، ولكنه يعنى في شرحه لآثارها ~~وتعاليمها بجانب يقل المعنيون به من المؤرخين الغربيين، فلا يدع القارئ يفهم من الإفاضة في ~~ذكر الكتب والمطلعين عليها أن المدرسة الأندلسية مدرسة معقولات ومحفوظات، قصاراها أن تخرج ~~الفقهاء والحكماء وتحشو أذهانهم بمسائل العلم والأدب أو بمسائل الطب والهندسة وصناعات ~~المرافق النافعة، ولا يدع القارئ يفهم أن المقبلين على المطالعة في إبان الدولة كانوا من ~~تلك الزمرة التي يطلق عليها الأوروبيون اسم «ديدان الأوراق»، بل المفهوم من نوادر الكتاب ~~وطرائفه أن الاطلاع على تلك الأوراق قد كان زادا من أزواد المعيشة الصالحة، والحياة ~~الإنسانية: حياة الحس والعاطفة، وحياة السلوك المهذب والكياسة العلمية وما توحيه من آداب ~~المعاشرة الطيبة في البيئة الإسلامية وغيرها من البيئات الأوروبية، ولعل السياسة التي اشتغل ~~بها المؤلف في مهام القناصل والرسل المحنكين الذين يتولون أعمالهم بين الأعداء والأصدقاء في ~~أيام الحروب والقلاقل التي اتجهت به إلى البحث عن نصيب «الأندلسي المثقف» من مهام ~~«الدبلوماسية» في تلك العصور المحفوفة بالظلمات والأخطار. # نقل المؤلف عن مخطوطة وجدت بمدينة فاس مما اطلع عليه المستشرق ليفي بروفنسال أخبار أول ~~سفارة تبودلت بين الإمبراطور البيزنطي تيوفيلوس والخليفة عبد الرحمن الثاني، فقال في فصل ~~العلاقات الخارجية: # أراد تيوفيلوس أن يثير حفيظة عبد الرحمن الثاني فذكره بذبح العباسيين لآبائه ~~وأحب أن يرضيه بالزراية من خلفاء بغداد، فلم يسمهم بالأسماء التي اشتهروا بها ~~كالمأمون والمعتصم، بل نسبهم إلى أمهاتهم من جواري القصور، ولكن الزناد لم ينقدح؛ ~~لأن آباء عبد الرحمن نفسه لم يكونوا ممن ينكرون التسري بالإماء، فأجابه جوابا ~~مفرغا في قالب المجاملة مع التحفظ والاحتجاز، ووكل أمر السفارة إلى الشاعر النابه ~~يحيى بن الحكم البكري الذي كان لرشاقته وجماله يلقب بالغزال ... # قال المؤلف: # وقوبل الوفد في القسطنطينية بالحفاوة الملكية، ولكن الإمبراطور أضمر في نيته أن ~~يضطر الغزال إلى الانحناء بين يديه على الرغم مما هو معلوم من تعذر ذلك. فأمر بفتح ~~باب صغير في غرفة العرش لا يدخله القادم قائما. فلما ms027 أقبل الغزال جلس عند الباب ~~وتقدم زاحفا حتى بلغ ساحة العرش فنهض على قدميه، وكان الإمبراطور قد أحاط نفسه ~~بعرض حافل بالأسلحة والنفائس يريد أن يروع السفير ويهوله، ولكنه لم يرع ولم يستهول ~~ما رآه بل مضى على أثر وقوفه في إلقاء رسالته، وسلم الإمبراطور خطاب مولاه وودائع ~~التحف والهدايا من المصنوعات والآنية الفاخرة، فكان لها أجمل الوقع في نفس ~~الإمبراطور وكفلت للوفد الأندلسي طيب المقام وحسن الخدمة. # واهتم السفير اهتمامه الخاص بأهل البلد فحير علماءهم بالمشكلات الفكرية ~~والمناقشات الذكية، وكال الضربات الموفقة لقادتهم وفرسانهم، وشاع خبره حتى انتهى ~~إلى مسامع الملكة فأرسلت تستدعيه إلى حضرتها ومثل أمامها فسلم منحنيا وأمعن ~~النظر إليها كالمشدوه، فأمرت الترجمان أن يسأله: أتراه يمعن النظر إليها لجمالها أو ~~لغرابة مرآها؟ فكان جوابه الحاضر: أنه قد رأى الحسان حافات بمليكه فلم ير منهن من ~~تضارعها في جمالها، ودار الحديث بعد ذلك على هذه النغمة المحبوبة، واستجابت الملكة ~~لرجاء الغزال أن تسمح له برؤية الحسان من خواتين المملكة، فجعل ينظر إليهن من ~~الفروع إلى الأقدام، ثم قال ليلقي بحكمه المنتظر: إنهن في الحق لجميلات، ولكن لا ~~وجه للمقارنة بينهن وبين الملكة التي تتنزه محاسنها وشمائلها عن النظيرات، ولا يحسن ~~وصفها غير المجيدين من الشعراء، وعرض عليها أن ينظم هذا الوصف في قصيد من شعره ~~يتغنى به الأندلسيون، فوثبت الملكة فرحا ومنحته هدية نفيسة من حلاها، فأبى أن ~~يأخذها وقال: إنه على نفاستها وعلى اعتزازه بما تمنحه الملكة من هدية كائنة ما ~~كانت، يحسب أنها قد وفته فوق حقه من النعمة، ومنحته غاية ما في الوسع أن تمنحه ~~بسماحها له أن يتملى النظر إلى طلعتها، وأنها شاءت أن تضاعف له العطاء فحسبها أن ~~تزيده حظا من النظر إليها. ولم تكن الملكة تنتظر ما هو أحب إليها من ذلك، فلم تزل ~~تدعوه إلى مجلسها كل يوم لتسأله عن مشاهداته ورحلاته وما وعاه من التواريخ والقصص، ~~ثم تبعث إليه بعد انصرافه بالتحف الثمينة من الأنسجة والعطور ... ~~••• # وليس في كتاب ms028 «الأندلس في ظل الإسلام» غير القليل مما لم يرد في المطولات من أخبار الترف ~~والبذخ وظواهر الرغد والرخاء التي اشتهر بها في ذلك الفردوس المفقود، ولكن هذا الكتاب ~~الحديث يورد أنباء البذخ والترف، ويتخللها هنا وهناك بنادرة أو عبرة تنم على إدراك لمعنى ~~الحياة، موكل بالصفو الرفيع من لذات الروح وأشواق العاطفة الإنسانية، يتفقده الأندلسي ~~المثقف ولو خلصت له متعة الجاه والثراء، ومسرة الملك والسطوة. فكان عبد الرحمن الناصر «يقيم ~~نفسه مقام الحكم المطاع بين ملوك المسيحية، ويستقبل في عزته وعليائه وفودهم المتنازعة، كما ~~يستقبل الملوك أنفسهم أحيانا وقد حنوا أعناقهم العصية لمراسم الاستقبال في بلاط الخلافة. ~~ولكنهم وجدوا بين أوراقه بعد وفاته أنه لا يذكر من أيام حكمه الطويل - نحو خمسين سنة - غير ~~أربعة عشر يوما يعدها من أيام الصفو التي لا تشوبها سحابة». ~~••• # كانت حضارة متاع ونعمة، وكانت حضارة عقل وفهم وعاطفة. # كانت حضارة «إنسانية» كاملة، تلك الحضارة التي وصفها صاحب كتاب «الأندلس في ظل الإسلام» ~~متوخيا لها الإنصاف غاية ما يستطيعه الكاتب الأوروبي المعتز بحضارته العصرية في القرن ~~العشرين. # أما الذي فاته أن ينصفه من تلك الحضارة فهو الذي فاته أن يفهمه من خيرة المأثورات عنها، ~~وهو بلاغتها الشعرية الشائقة: بلاغة الموشحات والألحان. # يقول صاحب الكتاب في الفصل الذي خصصه للكلام على الشعر الأندلسي: «إن أكثر هذه المنظومات ~~مما لا يطيقه العقل الغربي، وهو رأي يصرح به الخبراء بتلك المنظومات، ولا نعرف من هو أحق ~~بالحكم عليها من جارسيا جوميز # Garcia Gomez # الذي يجمع بين ~~الأستاذية في العلم والذوق عقده للكلام على ابن قزمان أحد الشعراء المتأخرين: إن الصناعة ~~اللفظية هي موضع العناية الكبرى في الأدب العربي، بين نثر مقيد بالأسجاع وبين ألوان من ~~المجازات والأشباه والطلاوات واللوازم، تعوزها الحرارة والشعور، وكأنما هي كلها عرض من ~~العروض المقنعة بالبراقع، حيث البسمات لآلئ والعيون أزهار بنفسجيات والرياحين جواهر ~~والجداول سيوف. وإن القارئ ليجتهد اجتهاده بين ترجمات بير Peres # أو شاك # Schack # فينوء ذهنه بما يطبق ~~عليه من النسق ms029 المتفق المتواتر! خصور كالأغصان تنبثق من آكام الرمال، أو شاعر يشبه نفسه ~~بالطير الذي أثقل ندى الممدوح جناحيه فأعياه أن يطير، أو برق يومض بين الغمام كأنه ضرام ~~العشق في قلب الشاعر يتوهج من خلل دموعه، ونصفها - أو أكثر من نصفها - قوالب منقولة يحكيها ~~النظامون من وحي الذاكرة.» # وهذا الخطأ الذريع في الحكم على الشعر العربي شائع غالب على أقوال المستشرقين، نفهمه ولا ~~نرى صعوبة في فهمه إذا ذكرنا أن الغالب على هؤلاء المستشرقين أنهم من زمرة الحفاظ يشغلون ~~بجانب «الحفظ» من الأدب ولا يشتغلون بلباب الأدب في لغاتهم ولا في لغات غيرهم من المشارقة ~~أو المغاربة. فهم لا يحسنون الحكم على شاعر من أبناء جلدتهم، وأحرى بهم ألا يحسنوا الحكم ~~على الشعراء من أبناء اللغات التي تخالف لغاتهم في تراكيبها ومصطلحاتها، ومن أبناء الأمم ~~التي تخالف أممهم في أمزجتها وعاداتها، وقد ينظر الكثيرون منهم إلى القصيدة الرائعة فيقفون ~~عند مجازاتها ويشعرون ب «الربكة» التي يشعر بها عندنا من يقول مثلا: هات الأسطوانة! فيحضر ~~له السامع قرصا من أقراص الغناء المسجل، فيختلط عليه الأمر بين ما توقعه من لفظ الكلمة وما ~~رآه بعد ذلك من حقيقة المسمى. # وكذلك يشعر المستشرق بالربكة؛ حين يتوقف بذهنه عند مجازات التشبيه فيحسبها مقصودة لذاتها ~~ويتقيد بقشورها اللفظية دون ثمراتها وبذورها، فلا يدري كيف يطرب العربي لهذا الشعر ولا ~~يحاول أن يرجع بالعجب إلى نفسه قبل أن يتهم أمة كاملة بضلال الحس وسوء التعبير، وهي - فيما ~~يعلم - من الأمم التي تفخر بلسانها وتنكر العجمة من ألفاظها ومعانيها. # ولقد كان من أقرب التفسيرات إلينا أن نرجع بأخطاء المستشرقين في فهم الشعر العربي إلى ~~الفارق الأبدي «المزعوم» بين أذواق الشعراء في لغاتنا وأذواق الشعراء في لغاتهم على ~~تباينها، وكنا نستقرب ذلك التفسير لولا أننا نعلم أن قراءنا يتذوقون شعرهم كما يتذوقون ~~شعرنا، وأن الفوارق الكلامية لا تحول دون ظهور المعاني الإنسانية لمن يلتمسها في مواطنها ~~ويتحرى أن يزنها بموازينها، وأن ينفذ إلى بواطنها. فليس بين الأذواق الإنسانية ms030 من فاصل في ~~تمييز فنون البلاغة الخالدة، وإنما هو الفاصل بين «الحفظ» والذوق يحول دون الفهم الصحيح في ~~اللغة الواحدة، فضلا عن اللغات المتعددة، وهذا هو الفاصل بين المستشرقين «الحفاظ» وبين ~~محاسن الشعر العربي في ظواهره وخفاياه. # على أن العذر ممهد لمن لا يستحسن؛ لأنه يجهل ولا يدعي أنه يعلم، وإنما اللوم على من يسيء ~~النية قبل أن يسيء الفهم، فلا يرجى منه إنصاف. # الفصل السادس # | الاختراعات بين العلم والدين # الإنسان يحب الجديد؛ لأنه إزاءه بين فرجة تشرح الصدر وتسر الخاطر، ولكنه في أحوال كثيرة ~~ينفر من الجديد، بل يبلغ من نفوره أن يرتاع منه ويرتاب بظواهره وخوافيه، وينظر إليه كأنه ~~طامع مقتحم يريد أن ينتزع منه ذخيرة يحرص عليها. # هل في ذلك تناقض؟ نعم فيه تناقض، ولكن في الظاهر دون الحقيقة، وما أكثر ما تقلب الإنسان ~~في شعوره وهواه، ولكنه في موقفه أمام الجديد يحبه لأسباب وينفر منه لأسباب أخرى سواها، فهو ~~في الحقيقة بين حبه ونفوره؛ لأن أسباب الحب غير أسباب النفور. # إننا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدنا أننا نحب الجديد ونقبل عليه في معظم أحوالنا، فإذا ~~نفرنا منه وحذرناه فلا بد أن يكون فيه شيء يمس ذات المعيشة أو يمس المصالح والأرزاق، أو يمس ~~العقائد الدينية والأوهام التي يدخلها بعض الناس في عداد المعتقدات، فإذا كان في الجديد ~~مساس لعذابنا في المعيشة أقلقنا وطرد النوم من عيوننا، ونقول إنه يطرد النوم من عيوننا ~~حقا وفعلا، ولا نقوله من جانب التعبير بالمجاز، فإن الكثيرين منا إذا غيروا سكنهم نفر ~~النوم من أعينهم وإن كان المسكن الجديد أدعى إلى الراحة من مسكنهم الذي ألفوه، وربما حالت ~~العادات بين الإنسان وبين منفعته عند الصدمة الأولى من صدمات التغيير. # ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك أننا في مصر تعودنا أن نزرع القطن ونفضله في مناطقه على ~~محاصيل الحبوب، واتفق في أيام الحرب العالمية أن كسدت سوق القطن، وبارت تجارته، وقلت ~~محاصيله، وأن زراعة القمح أصبحت من الضرورات وزادت منافعها على منافع الزراعة ms031 القطنية، ~~وأصبح شراؤه مضمونا بالثمن المطلوب؛ لأن الدولة تشتريه وتشجع زراعته. ولكن الزراع الذين ~~طال عهدهم بزراعة القطن ترددوا كثيرا قبل أن يقتنعوا بتغيير ما ألفوه، وفضل أناس منهم أن ~~يجازفوا بزراعة القطن؛ لأنهم ألفوه وتعودوا أن يستعدوا له في موسمه على أن يزرعوا القمح ~~المضمون؛ لأنه يكلفهم تغيير العادات المألوفة. # أما الجديد الذي يهدد الناس في مصالحهم وأرزاقهم فلا غرابة في نفورهم منه قبل اطمئنانهم ~~إليه. ونحن اليوم يخيل إلينا أن أمم العالم وقفت في التاريخ تدق الطبول فرحا واستبشارا ~~باختراع البخار، ولكن الواقع أن الملاحين حطموا أول سفينة سارت بالبخار، ولما ساد البخار ~~وكثرت الآلات التي تدار به لم يعد فيه جديد، ودخل في عداد المألوفات، وتبين يومئذ أن البخار ~~لا يعرقل الأيدي العاملة كما خطر للمتخوفين منه عند ظهوره، وأن الأيدي التي تعمل فيه أضعاف ~~الأيدي التي كانت تعمل في السفن والمركبات. # إلا أن المخترعات الجديدة قد تمس هذا النفر فتكون ثورتهم عليها أشد من ثورتهم على تغيير ~~عادات المعيشة وتهديد المصالح والأرزاق، والمشاهد بالتكرار أن المخترعات الجديدة ليست كلها ~~مما يثير الأوهام أو يرى فيه الجهلاء مساسا بالعقائد ومناقضة لأحكام الدين، لكن الغالب على ~~العقول أنها تهاب كل ما يتعلق بتكوين الإنسان، أو يتعلق بنظام الأفلاك، أو نظام السماء؛ لأن ~~خلق الإنسان وتسيير الفلك من أمر الله. # في القرون الوسطى كان الموت عقابا عاجلا لكل من يحاول أن يشرح جسم الإنسان؛ لأنهم ~~اعتقدوا في تلك العصور أن المشرحين يختلسون سر الحياة وينازعون الله جل وعلا في أمر الروح. ~~وفي العصور الحديثة، فزع الجهلاء من سماع صوت الإنسان خارجا من آلات الحديد والخشب، وحدث ~~في بعض قرى الريف عند ظهور الجراموفون أن دعيا من أدعياء الدين حطم الجراموفون وأوشك أن ~~يبطش بسامعيه؛ لأنهم يستمعون إلى الشيطان. # وفي بعض البلدان ذهب فريق من الفضوليين إلى دار الإذاعة، وحاولوا إغراء المذيع ليطلعهم ~~على المكان الذي يخبئ فيه الشياطين وينقل منه أصواتهم من وراء الستار، وكان ولي الأمر ~~حكيما عاقلا ms032 فأراد أن يقضي على هذا الوهم بدليل محسوس لا يمتري فيه السامعون، قال: «هل ~~يقرأ الشيطان آيات الله؟» # قالوا: «كلا». فأسمعهم من المذياع القرآن الكريم ومحا بذلك ظنونهم في خديعة الإذاعة ~~الأثيرية، فهي على التحقيق ليست من عمل الشياطين. # ومسألة النفس وتنشيط الصدر باستنشاق الهواء وتنبيه القلب بالنبض بعد فتوره، وفتح الدماغ ~~لتصحيح عيوبه وأمراضه؛ كل أولئك كان في عصر الجهلاء افتراء على قدرة الله أو ادعاء للقدرة ~~الإلهية، ثم تعلموا بالخبرة وفهموا حقيقة هذه التجارب العلمية، ففهموا أنها من علم الله وأن ~~الله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، فلا يكون علم الإنسان إلا دليلا على قدرة ~~الله. # وفي الأيام الأخيرة يتحدث الناس بالأقمار الصناعية، فكان من الممكن أن تسمى بغير هذا ~~الاسم، فيقال عنها كما يقال في لغة الفلك إنها توابع صناعية للأرض، وتنتهي المشكلة باختلاف ~~الأسماء، ولكن تسمية الجسم الطائر في الفضاء باسم القمر أوهمت فئة من الجهلاء أن هذا ~~الاختراع ادعاء لقدرة الله ومشاركة له سبحانه وتعالى في ملك السماء. # ويسرنا أن نقول: إن هؤلاء المتوهمين قليلون، بل جد قليلين، فلا نظن أنهم يبلغون عشر ~~أمثالهم قبل مائة سنة أو قبل مائتين، لو أن هذا الجسم المسمى بالقمر ظهر في تلك الأيام، ~~وهذه علامة من علامات التقدم في مدى جيلين أو ثلاثة أجيال. ~~••• # سألت بائعا في دكان بدال، هل رأيت القمر الذي تحدثوا عنه في الصحف؟ # قال في غضب: «لم أره، ولن أراه، ولا أريد أن أراه». # قلت: ولم يا صاح؟ # قال: «يشاركون الله في سمائه ثم أنظر بعيني إلى فعلتهم!» # قلت: هل يستطيع أحد أن يشارك الله في سمائه؟ # فصاح: «كلا! كلا!» # وبدا عليه كأنه تنبه من غفوة أو غفلة، ثم قال: «ولكن ما لهم وللسماء يتطلعون إليها، ألا ~~يكفيهم ما في الأرض حتى يتطلعوا إلى سماء الله؟!» # قلت: مهلا يا صاح، فإن الأرض لله والسماء لله، وليس الفضاء الذي وصل إليه القمر الصناعي ~~إلا قيراطا من ألوف القراريط، فهو من الأرض وإليها، وقد ms033 وسعت الأرض مخترعات الإنسان، ~~فلماذا يضيق بها الفضاء؟ وأين يأمن الإنسان من قدرة الله، وهو أقرب إليه من حبل ~~الوريد. # فهدأت غضبة الرجل وقال: جزاك الله خيرا، فقد أرحتني وما كنت أظن إلا أن القيامة قائمة ~~بين يوم وليلة، وأن الصواعق ستنقض علينا من كل مكان. فالحمد لله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # إن هذا الرجل البريء ومن على شاكلته معذورون فيما يتوهمون؛ لأنهم يجهلون معنى السماء ولا ~~يدرون معنى مشاركة الله في سمائه. ولكن اللوم حق اللوم على من يعرف طرفا من العلم ثم يتوهم ~~أن الأقمار والصواريخ تهدم عقيدة من عقائد الدين، أو تكشف عن رأي جديد يزعزع الإيمان ويلقي ~~الشك على قواعد الأديان. # فالأقمار الصناعية وما إليها جديدة في الصناعة وليست جديدة في النظريات العلمية، وما من ~~نظرية علمية يقوم عليها هذا الاختراع كانت مجهولة عند أحد من العارفين بقوانين الحركة ~~وعوامل الطاقة المادية، ولو كانت الشركات أو المصانع التجارية تشتغل بأمثال هذه المخترعات ~~لظهرت الأقمار الصناعية قبل هذه السنة بسنوات كثيرة، ولكن الشركات والمصانع التجارية تنفق ~~أموال حملة الأسهم فيما يعود بالكسب المالي، وإنما تتصدى لهذه المخترعات غير التجارية أمم ~~كبيرة تستطيع أن تنفق مئات الملايين في التجارب والمحاولات؛ ولا تتصدى جميع الدول لذلك، ولو ~~كان لديها أقدر العلماء وأبرع المخترعين؛ ولهذا كانت هذه التجارب والمحاولات محصورة في ~~دولتين اثنتين، ولم تكن عامة حيث وجد العلماء والمخترعون. # ولقد شهدت أمم العالم في القرن الأخير مئات من المخترعات بعضها أغرب في نظرياته وتطبيقاته ~~من الصواريخ والأقمار الصناعية. ولم يقل أحد إنها بدعة في الدين، أو إنها تزعزع ركنا من ~~أركان العقيدة في دين من الأديان. # هذه المستحدثات لا اعتراض عليها من جانب الإيمان، وإنما يأتي الاعتراض عليها وعلى التوسع ~~فيها من جانب المفكرين في الحرب والسلام، وكل من أصحاب الآراء يبيحها ويرحب بها، أو يخشاها ~~ويتشاءم منها على حسب ما يراه، فمنهم من يرحب بها لأنها معرفة جديدة، ولا يجوز للإنسان أن ~~يغلق أبواب المعرفة بها. ms034 ومنهم من يخشى أن يستخدمها المحاربون في القتال فلا تبقي ولا تذر، ~~ولا ينتهي القتال بها إلا بنهاية الحضارة الإنسانية وانتكاس بني آدم إلى عهود الهمجية ~~والجهالة العمياء. # والذين يتفاءلون ويتشاءمون يعتقدون بحق أن خطر الأسلحة الميكروبية أعظم جدا من أخطار ~~الصواريخ والأقمار الصناعية؛ لأن سلاح الميكروبات مستطاع لأكثر دول الأرض، لا يتوقف على ~~ضخامة المعامل ولا على وفرة الأموال، فإذا انطلقت القذائف الميكروبية بجراثيم الطواعين ~~والأوبئة فشت في الأرض وفتكت بالمحاربين والمسالمين ولم تمنعها الحواجز والحدود، فهي موفورة ~~لكل أمة ذات صناعة أو غير ذات صناعة، وهي خطر أعظم من خطر القذائف الذرية. فمن دواعي ~~التفاؤل، بل من دواعي الأمل، أن يكون الإنسان قادرا على تقييدها واتقاء دورها في الحرب ~~الماضية، فهو في المستقبل أحرى أن يقيد الأسلحة الذرية، وأن يستخدم الطاقة الذرية سلاحا ~~لمكافحة الفقر والقحط ونقص المواد الغذائية، وربما كانت هذه الأقمار مفيدة في يوم قريب في ~~تنظيم المد والجزر أو تنظيم ذوبان الجليد في المناطق القطبية أو تنظيم السحب والأمطار ~~ووسائل الري في الصحاري المهجورة والسهول القاحلة. # الفصل السابع # | الموفق الموفق1 # الإمام المصلح الشيخ محمود شلتوت # في كتابات الإمام الفقيد - الشيخ محمود شلتوت - كلمات لها طابعها الذي تتميز به بين ~~أمثالها من الكلمات في كتابات غيره، ممن ينهضون بأمانة الدراسة الدينية. # ولعل أبرز هذه الكلمات في كتاباته وفي أحاديثه «كلمة الشخصية». # يلحقها بوصف العقيدة، ووصف الفرائض المقدسة، بل يجعل العقيدة - كما يجعل الفريضة - معلما ~~من معالم شخصية الأمة، وشخصية الإنسان في حياته الباطنة وحياته الظاهرة. # قال رحمه الله في مفتتح مقاله عن رسالة الأزهر: «إن للإنسان في هذه الحياة - فردا كان أم ~~جماعة - شخصيتين، حسية ومعنوية، ولا يحظى بالوجود الكامل إلا إذا نال حظه من الشخصيتين. ~~وشخصية الفرد الحسية يكونها اللون والطول والعرض، وشخصيته المعنوية يكونها إيمانه ومبدؤه ~~وهدفه في الحياة، وما له من عقل وتدبير وثبات ومثابرة في سبيل مبدئه وهدفه.» # ثم قال عن شخصية الأمة الحسية: «إنها ترجع إلى إقامتها في الإقليم الذي نشأت ms035 فيه وإلى ~~الأصل الذي تنتسب إليه» ... «أما شخصيتها المعنوية فهي ترجع إلى روابطها القلبية والعقلية ~~والشعورية، وعلى قدر ما يكون لها من التأثر بتلك الروابط المتفاعلة والحرص عليها وعلى ~~معارفها التي تكونها، وعلى الإيمان بمصدر تلك المعارف، يكون لها بين الأمم من آثار الوجود ~~المعنوي.» # وكتب عن الصلاة في فصل من فصول «الإسلام عقيدة وشريعة»، فقال عنها: «إنها العنصر الثاني ~~من عناصر الشخصية الإيمانية.» # وعلى هذه الوتيرة كانت كلمة «الشخصية» تتردد في أحاديثه للدلالة على قوام كل «وجود» حق ~~يتميز به عقل الإنسان وضميره في حياته الروحية، وهي لمحة من لمحات التعبير الباطني تدل على ~~معناها، وتدل مع هذا المعنى على مقدار شعوره بكرامة الشخصية واقترانها بحق الإنسان وواجبه ~~وبالتبعة التي تناط بها الحقوق والواجبات، وتقرر له موقفه من الشخصيات الإنسانية الأخرى في ~~إبداء الرأي والاضطلاع بأعباء الدعوة والإقناع. # هذه واحدة من خصال العقل المجتهد، بل هي أولى تلك الخصال في كل ترتيب لكفايات المجتهدين. ~~من كان له رأي وعلم ولم يكن له نصيبه الأوفى من هذه الخصلة فلا سبيل له إلى الاجتهاد؛ لأنه ~~يلقى العائق الأول عن أداء وظيفة الاجتهاد من قبل نفسه، ويحجم عن العمل في سبيله قبل أن ~~يصده غيره عن تلك السبيل. # وتلك هي الخصلة التي توافرت للأئمة الأسبقين من أصحاب الرأي والقياس في الشريعة، وبفضل ~~الثقة التي كانت تملأ نفوسهم من هذه الخصلة كانوا يقولون لمن يستكثر عليهم التعقيب على أهل ~~العلم من الصحابة والتابعين: إنهم رجال ونحن رجال. # وإذا اجتمع الاجتهاد في كلمات معدودات صح أن يقال إنه هو القدرة على الرجوع إلى روح ~~القرآن الكريم، أو إنه بعبارة أخرى تفسير المذاهب بمعاني القرآن الكريم، وليس هو تفسير ~~القرآن الكريم بمعاني المذاهب أو بنصوصها أو بأقوال الرواة فيها. # ولقد كان هذا هو إيمان الإمام الفقيد بالكتاب المبين، وكان هذا هو منهجه في الاحتكام ~~بالمذاهب إلى آياته وأحكامه، مستقلة عما يضاف إليها من شروح المختلفين وتأويلات أصحاب الرأي ~~وأصحاب اللغة من المفسرين. # وقد لخص العالم ms036 الفاضل الدكتور محمد البهي هذا المنهج في تقديمه لتفسير الإمام الفقيد، ~~فقال: «التفسير الذي نقدمه اليوم للمسلمين هو تفسير للمسلمين أجمعين، لا لمذهب معين من ~~المذاهب الفقهية، ولا للون من ألوان العقيدة الكلامية، ولا لاتجاه خاص من اتجاهات أهل ~~الظاهر أو أهل الباطن.» # ثم تعرض للمنهج الذي اختاره الأستاذ المفسر واقتدى فيه بالمعلم المصلح العظيم محمد عبده، ~~فقال: إنه منهج «جعل السورة وحدة واحدة، يوضح مراميها وأهدافها وما فيها من عبر ومبادئ ~~إنسانية عامة»، وإنه لا يقحم فيه على القرآن من رأي خارج عنه، أو مصطلح انتزع من مصدر آخر، ~~فجعل كلمات القرآن يفسر بعضها بعضا، كما أطلق الحرية للقرآن في أن يدلي بما يريد دون أن ~~يحمل على ما يراد. # وبهذه المثابة يصبح تفسير القرآن للمسلمين جميعا، وعليه يقام أساس التوفيق بين المسلمين ~~أجمعين، وهي أمانة لا يضطلع بها غير أهلها من القادرين على الاستقلال بالفهم وعلى مواجهة ~~الخلاف بما ينبغي للمجتهد من الشجاعة الصادقة ووسائل الإقناع بإحسان، وما ينبغي للمجتهد ~~المعلم خاصة من الصمود إلى غاية التعليم، وغاية المعهد العلمي الذي يتولاه. # وصف الإمام الفقيد رسالة الجامع الأزهر معهد العلم الإسلامي الأكبر فقال في بضع كلمات: ~~«إنه معهد الدين وحصن اللغة المكين.» # ومن أراد هذه الرسالة للجامع الأزهر فقد عرف من قبل رسالة القرآن الكريم، بل عرف المعجزة ~~الكبرى لهذا الكتاب في ناحية إعجازه التي لا مراء فيها، وهي معجزة الأثر الخالد التي نستطيع ~~نحن - أبناء هذا العصر - أن ندركها وأن يكون إدراكنا لها أقوى وأوضح ممن سبقونا إلى العلم ~~بمعجزة الكتاب المبين. # معجزة الأثر في ألف وأربعمائة سنة أقوى وأوضح من معجزته التي شهدها أبناء القرن الأول، ثم ~~شهدها أبناء القرون الأولى بعد عصر الدعوة. فإننا اليوم نستطيع أن ندرك تلك المعجزة التي لا ~~نظير لها، والتي تقاصرت عنها الهمم ووقفت دونها دعوات الأفراد والأمم، وتم بها ما يتم بعمل ~~إله وقول إله، وهيهات أن يتم بجهد الإنسان بغير معونة الله: # أربعمائة مليون من بني آدم فرقتهم ms037 الأجناس واللغات والبقاع والأزمان، وجمعتهم ~~كلمات القرآن. # وكلمات حفظت اللغة التي نزلت بها وليست هذه اللغة هي التي حفظتها، ولم يتفق ~~قط للغة من اللغات أن عاشت بكتاب واحد مدى هذه السنين، فلم تعش لغة اليونان ~~خمسمائة سنة بكتاب هوميروس، ولم تعش لغة اللاتين بعض هذه السنين بلغة فرجيل ~~وهوراس، وذهبت لغة فارس ولغة الهند وفيها من الكتب ما لا يقرؤه اليوم غير كهان ~~المحاريب، وماتت لغات أخرى كانت تعيش قبل الإسلام، وبقيت لغة القرآن حية في ~~عالم الديانة وفي عالم الكتابة وفي عالم الثقافة، وستحيا غدا كما حييت بالأمس ~~إلى ما شاء الله، وصح فيها قول الأستاذ الفقيه: «إنها ليست في هذا المقام عربية ~~الإقليم والجو ولا عربية النسب إلى أصل ينتسب إليه الجنس ... وصارت عربية الشخصية ~~المعنوية المكونة من عنصري العروبة والإسلام ...» # ولما تكلم عن غايته من التعليم في المعهد الأكبر الذي تولاه قال: «نريد تخريج تبريز لأئمة ~~في اللغة وفروعها وأئمة في الفقه وأصوله، نريده تخريجا أساسه النظر العميق والاجتهاد ~~العلمي الذي يكون الشخصية الفقهية والشخصية اللغوية العربية، لا نريده تخريجا نلتزم فيه ~~مخلفات الماضي من آراء ومذاهب، بل يجب أن نجتهد وأن نؤمن بأن حاجة اليوم في الفقه واللغة ~~وعقائد الدين غيرها بالأمس، وأن نؤمن بأن فضل الله في كل ذلك لم يكن وقفا على ~~الأولين.» # ونستعير من أسلوب الفقيد فنقول: إن الاجتهاد كما أراده هو الاجتهاد بعناصر «شخصيته» على ~~تمامها كما ينبغي أن يضطلع به المجتهد في جميع العصور، وهو أتم من ذلك بالنسبة إلى عصرنا ~~هذا الذي نعيش فيه، وبالنسبة إلى العصر المقبل الذي يواجهه المجتهدون عما قريب. # فما من عنصر من عناصر الاجتهاد إلا قد ظهر له في هذا العصر باعث يستدعيه لم يكن ظاهرا ~~بهذا الجلاء وهذه الضرورة في عصر من عصوره الماضية. # فها هنا عنصر النظرة الموحدة إلى الكتاب المبين في العصر الذي ارتفعت فيه حواجز الاستعمار ~~الأجنبي، ووجب أن تحل في مكانها روابط القربى بين أمم الإسلام على تباعد الديار ms038 وتباعد ~~الشيع والمذاهب التي لا بقاء لها، مع توحيد النظرة إلى كتاب المسلمين أجمعين. # وها هنا عنصر اللغة في عصر النهضة العربية، وقوامها كله نهضة الثقافة العربية التي تتحد ~~بها ثقافة الإسلام في جميع اللغات. # وها هنا عصر «الاستقلال» في عصر الحرية الفكرية أو عصر «الإنسان» الحر في الجماعة الحرة، ~~وقد مضت الجماعات في طريقها إلى الخلاص من طغيان الاستبداد وطغيان الاستقلال. # وها هنا العصر الذي أصبح فيه معهد الإسلام الأكبر كما قال الشيخ - رحمه الله: «يضم ~~السوداني، والمغربي، والحبشي، واليمني، والشامي، والفلسطيني، والإندونيسي، والتركستاني، ~~والسعودي، والأفغاني، والتركي، والروسي، واليوناني، واليوغسلافي، والكردي، والعراقي، ~~والإيراني، والسيامي، والباكستاني، والفلبيني، والملاوي، والبرمي، والأردني، واللبناني، ~~والزنجباري، والأوغندي، والليبي، والتونسي، والجزائري، والمراكشي، والإريتري، والسنغالي، ~~والصومالي، والنيجيري». إلى غير هؤلاء ممن وفدوا إليه أو يتوافدون مع الأيام بلا انقطاع. لا ~~جرم كان من بشائر الأمل - كما أسلفنا في غير هذا الموضع - أن ينهض الشيخ شلتوت بمشيخة ~~الأزهر في الزمن الذي تفتحت فيه الطرق بين البلاد الإسلامية بعد أن تحررت من الطغيان ~~الأجنبي عليها وبين هذا المعهد الذي لا معهد في العالم الإسلامي أولى منه بضم الشمل، وتقريب ~~مسافة الخلف بين المسلم والمسلم حيثما كان في أقاصي البلدان. # ومن عرف الإمام الفقيد عرف أنه قد تزود لهذه الرسالة بزاد غير علمه الغزير وشجاعته ~~الصادقة، وهو زاد القلب الطيب والسجية الكريمة تجمع الخصوم على الألفة والثقة كما تجمع ~~الأصحاب والأنصار. # ولقد عرفنا الشيخ الأكبر سنوات في مجمع اللغة العربية، فتعودنا أن نعرفه «قرآنيا» في ~~دراسته لأسرار اللغة، قبل أن نعرفه «لغويا» في دراسته لأسرار القرآن، وكنا نسمعه يقول: إن ~~القرآن معجز بما هو به قرآن، ويعني بذلك نسقه الذي ينتظم ألفاظه ويوحي من معانيها بما ليس ~~في مفردات الكلم ولا في أجزائه التي يقتضيها الإعراب في كل عبارة. فليست الكلمة الواحدة هي ~~محل الإعجاز، وليس محل الإعجاز هو الكلمتين أو الكلمات الثلاث التي تتم بها جملة الفعل ~~والفاعل أو المبتدأ والخبر والجار والمجرور أو المضاف والمضاف إليه، ولكنه ms039 نسق دقيق يتخطى ~~لوازم العلاقة بين الألفاظ في النحو والصرف إلى لوازم العلاقة بين المعنى والوجدان، وبين ~~الوحي والبصيرة، مما لا تدركه ولا تبلغ إليه بلاغة الإنسان. وبهذه البصيرة المتفتحة تسنى له ~~أن يفهم القرآن كتابا للمسلمين جميعا يرجعون إليه فيرجعون إلى مصدر واحد يبطل فيه الخلاف، ~~أو يختلف فيه المختلفون، ولكن كما يختلف العقل الواحد بينه وبين نفسه في وجهات نظره بين حين ~~وحين، وبين اعتبار واعتبار. # وبهذه النظرة «القرآنية» عمل الشيخ الأكبر في تنظيمه للدروس بمعاهد التعليم، كما عمل على ~~هذه الهداية في علاقته بالأمم الإسلامية وعلاقته ببلاد العرب أجمعين. والجديد في خطته على ~~هذه الجادة القديمة أنه فهم أن اللغة العربية، أو اللغة القرآنية، شيء يتعلمه العربي المسلم ~~كما يتعلمه المسلم غير العربي، فلم يكن على المسلمين غضاضة في هذه المساواة الشاملة، ولم ~~يكن للعربي إيثار على غيره؛ لأن عروبته في هذا المنهج هي عروبة القرآن الذي يتساوى فيه ~~المسلم والمسلم من كل جنس، وبكل لسان. # ولئن مضى الإمام المجتهد ولم يعقب برنامجه المفضل للتطبيق الشامل «العملي» في المستقبل ~~الذي سيواجهنا عما قريب؛ لقد عمل وعلم وأعقب المثال الذي يهتدي به من عمل معه ومن تعلم ~~على يديه، ومن يقدر على مجاراته في اجتهاده والزيادة عليه بما يتهيأ لهم من وسائلهم ولم ~~يتهيأ له في حياته، وإنهم لكثيرون بعون الله يجزيهم الله وإياه. # الفصل الثامن # | المادية تنهدم1 # سئل رهط من علماء الغرب عن مصير الإنسان، فقال العالم المشهور «سير جوليان هكسلي» ما ~~فحواه: إن أدوار التطور الكبرى قد انتهت بالنسبة إلى النوع الإنساني، إلا ما يكون منها ~~خاصا بالدماغ والفكر، فإن النوع الإنساني لا يزال قابلا في هذه الوجهة للمزيد من التقدم ~~والنماء، وليس المنظور أن يكون هذا التطور «عضويا حيويا» في بنية الدماغ، فإن حكم ~~الدماغ من حيث النماء الجسدي كحكم سائر الوظائف الحيوية ... ولكن الأفكار التي تتولد من مباحث ~~العلم والفن على الأجيال المتعاقبة تزيد محصول الإنسان من المعرفة فتزداد قدرته على التفكير ~~الصحيح تبعا ms040 لذلك، ويحدث التجاوب بين العارفين في البيئة الواحدة فيصحح بعضهم تفكير بعض، ~~ويأتي من تجمع الأفكار وتصحيحها ما هو منتظر للنوع الإنساني في مجموعه من تطور العقل وصحة ~~التفكير. # والذين خالفوا السير جوليان هكسلي في تطور الدماغ من البنية الجسدية لم يخالفوه في ~~اعتقاده أن التقدم سيأتي من معالجة التفكير، وأن مرانة الذهن على التفكير في مصاعب الحياة ~~هي التي يرتبط بها النماء في حجم الدماغ وفي قدرته على الفهم والإدراك، ثم في تعوده أن يعمل ~~بداهة وارتجالا ما يعمله اليوم بعد التنبه والاجتهاد. # وقرر هكسلي وموافقوه من العلماء والمفكرين الذين سئلوا عن مصير الإنسان أن هذه الآراء ~~جميعا أبعد ما تكون عن «المادية» أو عن تلك الفلسفة التي تربط مصير الإنسان بجسده، ~~وبالمعيشة المادية التي تعيشها الجماعة وتفرضها على عقول أفرادها. # فلا عمل للمادية في توجيه مستقبل الإنسان، وإنما هي الأفكار والعلوم مناط التقدم كله، ~~ومناط الاتجاه - من ثم - إلى أطوار من الرقي والنماء تعلو على أطواره اليوم. # وعقب المفكرون الدينيون على هذه الآراء فوافقها الكثيرون منهم، ولكنهم قالوا: إن نجاة ~~النوع الإنساني مما يهدده غدا لن يكون معلقا بأفكاره العلمية ولا بمباحثه في شئون الفلسفة ~~الطبيعية؛ لأن هذا النوع الإنساني إنما يأتيه خطر الفناء من جانبين اثنين: أحدهما كوارث ~~الكون الكبرى ولا حيلة له في دفعها بعلومه وفلسفاته، والجانب الآخر كارثة الحرب الذرية، وهي ~~بعض آثار التقدم العلمي، ولن يكون خلاص النوع الإنساني منها على يد العلم المتقدم؛ لأنه هو ~~مصدر الخطر ووسيلة الكارثة المرهوبة، وسلاح الحرب الشعواء التي تودي بحياة هذا النوع أو ~~تبقي ما بقي منه في حالة كحالات الهمجية الأولى. وقد سئل أينشتين مرة: ماذا يكون سلاح الحرب ~~العالمية الرابعة إذا كانت الذرة هي سلاح الثالثة؟ فقال جادا غاية الجد وساخرا غاية ~~السخرية: تكون سلاحها الحجارة! يشير بذلك إلى رجعة الإنسان كرة أخرى إلى العصر الذي سبق عصر ~~القوس والسيف، فضلا عن عصر الطيارة والصاروخ. # قال أولئك المفكرون: إن الخطر إذا كان من نفس الإنسان ms041 فلا نجاة له بعلوم العقل ومخترعات ~~الصناعة، وإنما تكون نجاته بعلم من عالم الروح تنتفع به الضمائر والعقول. # إنما تكون نجاته بالدين، وبالإيمان الديني والعقيدة الإلهية، ولا نجاة له في غير هذا ~~الطريق. # وكل هذه الآراء من أقوال كبار المفكرين إنما تهدم المادية باسم الفكر والمعرفة، وتعتمد ~~على الفارق بين جانب الإنسان العقلي وجانبه الجسدي لترجيح القول باعتماده في تقدمه بعد ~~اليوم على الناحية الفكرية منه، أو على الناحية التي تأتي من تجمع المعلومات والانتفاع بها ~~في حياته العلمية. # ولكن الفلسفة المادية - فيما نرى - لن تنهدم من ناحية التفكير وحده، ولا من ناحية الدماغ ~~المفكر دون النظر إلى مادة بدنه ومادة الكائنات الطبيعية من حوله، بل تنهدم الفلسفة المادية ~~لا محالة من كل نظرة واقعية ننظرها إلى حقيقة تركيبها مستقلة عن الفكر، بل عن الدماغ وهو ~~محمول على المادة من بعض نواحيه. # إن المادة نفسها ليس لها قوام أصيل يقاس بغير مقاييس الفكر المحض، كما تقاس الفكرة عن ~~الروح وعن عالم التجريد والمجردات. # فقد كان العلماء وغير العلماء يقيسون المادة بالشبر أو بالشعرة وبالقصبة أو القيراط ~~وبالمتر أو جزء من ألف من المتر، وكان هذا كله مما يوصف بالامتداد ويدخل في العقل الإنساني ~~بقياس الامتداد في الفضاء أو الامتداد في الزمان، ولكن هذا الامتداد من ناحيته الزمنية أو ~~المكانية يزول اليوم أمام المقاييس التي تقاس بها ذرات المادة وخلايا الحياة في تركيباتها ~~الجسدية، ويوشك أن يعود العلم بالمقاييس جميعا إلى شيء لا امتداد له كالنقطة الهندسية التي ~~يعرفها الرياضيون بأنها شيء لا طول له ولا عرض ولا عمق ولا اتساع ولا امتداد على الإجمال ~~وأنها مع ذلك أساس جميع الأبعاد. # لقد وصلنا اليوم إلى القياس بوحدة الأنجستروم # Angstrom ~~، ~~وهو قياس واحد على عشرة آلاف من الميكرون # Micron ~~. # وما الميكرون بالنسبة إلى المقاييس التي تفهم بالامتداد؟ # الميكرون هو جزء واحد من ألف ألف جزء من المتر الواحد. # فهناك إذن أشياء يبلغ من دقتها أن تقاس أو تحسب بحساب جزء من عشرة ms042 آلاف مليون من أجزاء ~~المتر الواحد ... # فما الفرق في التصور بين هذا الجزء وبين المعاني الذهنية التي تدرك بالتقدير الرياضي أو ~~التقدير الفلسفي المجرد من كل مادة محسوسة؟ إن هذا الفرق ينتهي بما نسميه «المادة» إلى ~~نهاية لا تدرك بغير التقدير والتفكير، بل يسهل تقدير الروح والتفكير فيها بمقياس المعاني ~~الذهنية، ويظل إدراكنا لوحدة الأنجستروم صعبا عسيرا لاختلاطه اللاحق به من عالم ~~المحسوسات. # ويقال أيضا في الكلام عن تفجر الذرة: إن هذه الشرارة تنقدح في جزء من عدة آلاف جزء من ~~الدقيقة، وإنها تصل بالإشعاع إلى جزء من عدة آلاف جزء من السنتيمتر بسرعة الشعاع. # فكيف يدرك هذا الجزء بحساب الامتداد الزمني أو حساب الامتداد في الفضاء؟ # إن دقة واحدة تستنفد الثانية، ونحن نقسم الثواني إلى ثوالث، فلا نتصور كيف تكون الدقة بعد ~~انقسامها إلى ستين ثالثة، فكيف نتصور الجزء من الآلاف الكثيرة بحساب هذا الامتداد؟! # وماذا بقي من الفارق بين حقيقة المادة وحقيقة الروح؟ وماذا بقي من الفرق بين نهاية عالم ~~الخفاء ونهاية عالم الشهود على يد التجارب العلمية ولا نقول على يد السبحات الصوفية أو ~~التجليات الروحية؟ # على أن هذه الأجزاء المادية التي تحسب بالملايين لا تدرك بالبصر الإنساني حين تتجمع تحت ~~المنظار الكبير، وإنما تدرك إذا عولجت بالأصباغ الكيمية، ثم ظهرت لونا تلمحه العين ولم ~~تظهر بغير هذه الصورة إلا مقدورة مفروضة بعلم الحساب. # وكذلك تدرك الناسلات وتدرك الصبغيات التي سميت بهذا الاسم؛ لأن الصبغة هي الوسيلة الوحيدة ~~التي تقرب الملايين منها إلى عالم الإدراك أو عالم المحسوسات. # وإلى هنا يمكن أن يقال: إن العالم المحسوس يشملها ما دامت الصبغة تظهر منها الملايين أو ~~أضعاف الملايين. # ويصح هذا القول إذا كانت الصبغة تظهر لنا الخصائص التي تحتويها الناسلة الواحدة من جملة ~~هذه الملايين. # والناسلة الواحدة لا تظهر منها خاصة واحدة للصبغة ولا للحساب؛ لأن هذه الخاصة لا تنتقل ~~دفعة واحدة من الخلية إلى مكانها المقدور في تكوين جسم الإنسان، بل تنتقل ثم تنقسم مرة ثم ~~تنقسم ألوف ms043 المرات، ثم تخرج منها في كل مرة صورة بعد صورة بعد مئات الصور يتولد منها في ~~النهاية كل ما احتوته واشتملت عليه قبل هذه التقسيمات. # فالناسلة التي يتولد منها الجنين وتنشئ في النهاية لون العين أو لون الشعر أو لون البشرة، ~~لا تنتقل بهذه الخاصة مباشرة أو على صورة واحدة، ولكنها تخرج منها خاصة بعد خاصة بعد أخرى ~~على الترتيب الذي لا يختلف في حالة من الحالات، وتمضي الناسلات بخواصها المختلفة في حيزها ~~الصغير فلا يختلط بينها عمل واحدة بعمل الأخرى، ولا يتيسر للنظر ولا للصبغة ولا للحساب أن ~~يفصل في لمحة واحدة بين هذه الأحوال. # فإذا كانت الصبغة تدخل عشرات الملايين من هذه الجزيئات في عالم الحس بالمنظار الكبير، ~~فأين من عالم الحس تلك الخاصة التي تفرقت في كل جزء من هاتيك الجزيئات التي لا ترى بالصبغة ~~ولا بغير الصبغة! # كل ما يلزمنا لإدراك المعاني المجردة يلزمنا هنا لإدراك الناسلة بخاصتها التي كمنت فيها ~~وراء العين ووراء الحدس ووراء الحساب. # وعلى هذه الوتيرة تنتهي المادة على أيدي الماديين في صميم علومهم التي عزلوها قديما عزل ~~الأبد عن عالم المعنى وعالم الروح وعالم الخفاء. # ولقد صح عند الذين استخدموا المادة لنكران كل عالم غير العالم المحسوس، أن القرن التاسع ~~عشر كان عصر الكفر بما وراء الطبيعة أو بما وراء المادة، وعصر الإيمان بالمادة دون سواها ~~ودون ما وراءها، وأصح من ذلك أن القرن العشرين هو عصر الكفر بالمادة وعصر العودة إلى ما ~~وراءها، وعلى أساس المقررات المادية يجوز للباحث «الطبيعي» أن يقول: لعل القرن الحادي ~~والعشرين سينفذ بالعقول والضمائر إلى عالم الروح من خلال الذرة على شعاع من نور. # الفصل التاسع # | إفلاس مذهب لا طاقة «للمادية الشيوعية» بالبقاء1 # قام المذهب الشيوعي في روسيا قبل نهاية الحرب العالمية الأولى منذ اثنتين وأربعين ~~سنة. # فكل من في روسيا اليوم من رجال ونساء ولدوا في ظل هذا المذهب، وتربوا على عقائده ~~وآدابه، وانعزلوا منذ طفولتهم إلى أن جاوزوا سن الرشد عن كل مذهب ms044 يعارضه أو يصده عن طريقه، ~~لا يستثنى منهم أحد غير الشيوخ الذين ناهزوا الستين وما بعدها. # فالذين بلغوا الأربعين من الرجال والنساء ولدوا بعد إعلان المذاهب بسنتين، فلم يعرفوا ~~مذهبا غيره منذ تعلموا النطق بالحروف. # والذين بلغوا الخمسين كانوا عند قيام المذهب في الثامنة من العمر، فتعلموا القراءة في ~~مدارسه ولم يتعلموا شيئا قبل أن يتعلموه ويعيشوا عليه. # والذين ناهزوا الستين كانوا في نحو الثامنة عشرة يوم قام المذهب الشيوعي في بلادهم، مضى ~~عليهم ثلاث سنوات منها في الحرب العالمية، وبلغوا الأربعين فالخمسين فما فوقها وهم شيوعيون ~~ظاهرا وباطنا، أو شيوعيون بالتعليم والتربية والمعيشة، لا يعرفون مذهبا يخالف الشيوعية ~~ويدعو إلى عمل ينقضها. # أمة كل من فيها من رجال ونساء وشيوخ وشبان وأطفال تخضع للدعوة الشيوعية وللتربية ~~الشيوعية، ولا تسمع شيئا يعارض الشيوعية. # فإذا قلنا: إن الثورة الشيوعية أبقت على أحد من غير أنصارها فالذين أبقت عليهم هم الآحاد ~~المتفرقون أبناء الستين وما فوقها، لا يقدرون على مناهضة المذهب بدعوة ولا نفوذ ولا وسيلة ~~عملية أو أدبية يحسب لها حساب. # والفرض مع هذا بعيد الاحتمال. فإن الثورة الشيوعية أعلنت منذ قيامها «أن من ليس معها فهو ~~عليها»، وأبادت كل من توقف عن تأييدها وإن لم يكن له عمل في مقاومتها. ولكنه سواء كان فرضا ~~بعيد الاحتمال أو مقبولا في الحسبان لا ينتهي إلى نتيجة ذات بال، وكل ما ينتهي إليه أن ~~يكون عدد المخالفين للشيوعية في قلوبهم بضعة ألوف معزولين عن وسائل النفوذ بين الملايين من ~~الرجال والنساء الأشداء يقودون أزمة الأعمال والآراء. # مائة وخمسون مليونا، أو يزيدون، كلهم مولودون في ظل المذهب منقطعون عن مذاهب العالم، ~~عائشون في جوه نيفا وأربعين سنة. # تلك «وحدة مذهبية» لم يعرف لها نظير في تواريخ الأمم منذ كانت، وتلك فرصة أتيحت للثورة ~~الشيوعية لم تتهيأ قط لحركة من حركات المبادئ والدعوات الاجتماعية، فلو كان في هذا المذهب ~~الشيوعي صلاح للاستقرار على دعائم الحرية وضمان الحقوق، لوجب الآن أن يكون على غاية من ~~الاستقرار ms045 والطمأنينة، وأن يكون ولاته جميعا من الكفاة القادرين على تدبيره، المخلصين في ~~تنفيذه، الصادقين في الإيمان به والقيام على شئونه، وإلا فكم من الزمن يكفي لتخريج الكفاة ~~المخلصين الصادقين، ومن أي المذاهب تستعيرهم الشيوعية، إن كانت لا تستطيع أن تنشئهم في ~~مهادها بين أبناء العشرين إلى أبناء الستين؟ # نعم، يجب أن تكون للمذهب اليوم حكومته الحرة المطمئنة وحكامه الكفاة المخلصون! # فهل هذا هو الواقع المشاهد في البلاد الروسية؟ هل هذا هو الواقع المشاهد في أقوال الروس ~~أنفسهم، بل في أقوال حكام الروس أنفسهم، فضلا عن أقوال الأعداء والمعارضين؟ # كلا، ليس هذا هو الواقع المشاهد كما يصفه حكام الروس، ولا يفرغون من وصفه وإعادة وصفه منذ ~~عهد ستالين إلى عهد خروشيف الأول والأخير. # ستالين قضى على المئات والألوف بتهمة الخيانة والغدر بالشعب والعدوان على مصالحه وشريعة ~~حكمه، وخليفته خروشيف يقول إنه كان ظالما عاتيا سفاحا يخوض في دماء الأبرياء ويفتري ~~الكذب على خدام الأمة الأمناء، ولكن خليفته هذا لم يلبث أن صنع بشركائه في الحكم مثل صنيع ~~ستالين، ولم يزل يقتل وينفي ويعزل ويلقي تهم الخيانة على زملائه وأعوانه قبل أن يفرغ من ~~حملته على السياسة التي سماها سياسة البغي والإجرام والتلفيق والافتراء. # أعادل زعيمه ستالين أم ظالم؟ وصادق خليفته أم كاذب؟ # كلا الأمرين سواء. # إن كان ستالين عادلا، فهناك ألوف من رؤساء الشيوعية خونة أنذال مفسدون. # وإن كان ستالين ظالما، فهناك حكومة تتولى أمور البلاد على سنة الإرهاب والغش ~~والتضليل. # أما خروشيف فصدقه طامة وكذبه طامتان، ومحاكاته لستالين بعد الحملة عليه دليل عجيب في تأصل ~~الشر على أركان الدولة إلى أعمق الجذور. # إن صدق هذا الرجل يدمغ المذهب الشيوعي في أساس تكوينه؛ لأنه يرينا أن الحكم الشيوعي يخول ~~الحاكم المستبد طغيانا لم يخوله أعتى القياصرة في أظلم عصور الظلم والاستغلال. # وأشد من ذلك أن يكون كاذبا على زعيم وعلى أمة وعلى حكومة كاملة ولا يفتضح له كذب ولا ~~يمتنع عليه بعد ذلك أن يتمادى في السياسة التي أنكرها كاذبا على ms046 جميع هؤلاء. # وعلى أي وجه من الوجوه لا مفر من الجزم بأن الشيوعية أفلست في سياسة مجتمعها غاية الإفلاس ~~الذي يصاب به مذهب مجعول لسياسة المجتمعات، وأن الشيوعيين في بلاد كلها شيوعيون لا يقدرون ~~بعد أربعين سنة أن يجدوا للحكم إلا باغيا كاذبا سفاحا، بين قائم منهم بالأمر أو معزول، ~~وأن نظام الشيوعية من أساسه شر من كل نظام عرف في ظل الاستبداد ورأس المال؛ لأنه لا يأبى أن ~~تتولاه أداة حكومية قائمة على الإرهاب والتضليل، يتأتى فيها للحاكم الفرد ما ليس يتأتى من ~~قبل لأمثال نيرون وجنكيزخان. # هذا هو الواقع الذي تبديه لنا أعمال الحاكمين في روسيا وأقوالهم، ولا حاجة به إلى رأي ~~يقول به عدو أو ناقد من بعيد. # مذهب قامت على قواعده أمة كاملة من الرضيع إلى الشيخ الذي جاوز الخمسين، ولم يزل حكامه ~~بين خونة وظلمة، ولم يزل في وسع الإرهاب والتضليل أن يتيح لحاكمه المطلق أن يجني على ~~الأرواح والأعراض والأرزاق كما يشاء. # ومن الواضح أن التضليل هنا يستند إلى الإرهاب ولا يقوم على براعة الحيلة التي تجوز على ~~غير المضطر للخضوع. فإن دعواهم - ظالمين ومظلومين - على السواء أظهر من أن يقبلها سامع بريء ~~من الخوف أو التغفيل. # وليس هذا هو الواقع الذي تنكشف عنه نتائج الحكم في صميم البلاد الروسية وحدها، بل هو ~~الواقع في كل مكان بسطت عليه روسيا شيئا من نفوذها وحسبته بين ملحقاتها. ونظرة عاجلة على ~~المستعمرات الروسية، وأشباه المستعمرات الروسية ترينا أنهم لا يبسطون نفوذهم على بلد يفصلهم ~~منه حاجز من الحواجز الجغرافية. فكل مستعمراتهم وأشباه مستعمراتهم؛ آسيا وأوروبا، تقع من ~~بلادهم على مد الذراع من قوة الإرهاب المسلح، ولم يستطيعوا بالتضليل وحده أن يستغنوا عن ~~الإرهاب المسلح أو الجاسوسية المسلحة؛ ولهذا تمكن «تيتو» في يوغسلافيا من الخروج عليهم ~~والاستخفاف بأنظمتهم وتعليماتهم، فتحداهم وأفلح في تحديهم، وهو يدين مع هذا بمذهب من ~~المذاهب الاشتراكية! # وكلما استطاع هؤلاء الشيوعيون أعداء الاستعمار والاستغلال - كما يقولون - أن يخضعوا بلدا ~~غريبا بقوة السلاح، حكموا ms047 فيه القمع والإرهاب تحكيما لا يستبيحه شر المستعمرين في ~~القرون الغابرة ولا في هذا القرن العشرين، فالبلاد التي دخلها المستعمرون تعاني من عسفهم ما ~~يثيرها عليهم للمقاومة والانتقاض، ولكنها على أية حال تقاوم ويسمع لها صوت وتذاع لها في ~~العالم قضية. أما حيث نزل الروس فلا بقية بعد السيف للمقاومة والانتقاض، وخطتهم هنالك للمحق ~~والإبادة لن تكون أرحم من خطتهم في صميم بلادهم. أين بلجانين؟ أين بريا؟ أين ملنكوف؟ أين ~~مولوتوف؟ أين قبل هؤلاء مئات ومئات من الأنداد والنظراء، وممن تخشى محاسبتهم أو مقاومتهم في ~~وقت من الأوقات؟ إن الحاكم الذي يزيل هؤلاء عن طريقه في وضح النهار لن يترك في بلاد ~~المغلوبين رأسا يرتفع للحساب والمقاومة، ولن يدع فيها أحدا يهم بالحركة أو يقدر عليها إن ~~هم بها. # غول من الوحشية والشيطانية تبلى به الأمم في هذا الزمن، ولا سلامة لها منه إلا بالقضاء ~~عليه، وتلك هي «تصفية الختام» للمذهب الذي ملك أمة فلم يقدر على حكمها بغير الإرهاب ~~والتضليل، ويريد أن يحكم الأمم جميعا - والعياذ بالله - على هذا المنوال. # الفصل العاشر # | تحدي الإله ومعناه1 # من أنباء الملاحدة الماركسيين أن أحدهم وقف في إحدى محطات الإذاعة فنادى «الله»: إنه ~~ليتحداه إن كان موجودا لينسفن هذا البلد وليمحون تلك الدولة، أو فليعلم الناس جميعا أنه ~~خرافة ليس لها وجود. # إن هذا الملحد المتحدي لا يفهم ما يفهمه الناس من كلامه بغير حاجة إلى التأويل ~~الطويل. # إنهم يفهمون منه مبلغ ما يدركه الملحد الماركسي من معنى الربوبية ومعنى القدرة ومعنى ~~«السلطة» على التعميم. # فهو لا يفهم من تحديه الإله على هذا الوجه إلا أن الإلهية سلطة غاشمة يثيرها التحدي، فلا ~~يسعها إلا أن تظهر قدرتها أو تنزل عن كل حق في إثبات وجودها. # فهذا الملحد الماركسي لا يعقل أن يوجد الإله ويقدر على كل شيء ثم يترك من يتحداه سليما ~~بعد ذلك طرفة عين، دون أن ينكل به ويعجل برد تحديه إليه. # وما الذي يمنع السلطة الغاشمة أن تبطش بمن ينكرها؟ ms048 # لا يمنعها عنده إلا مانع واحد، وهو أنها كما قال ذلك الملحد الماركسي خرافة ليس لها ~~وجود. # هذا هو الفهم الوحيد الذي يفهمه لمعنى الإلهية من يفوه بذلك التحدي على مسمع من العالم، ~~وهو يحسب أنه قد أفحم به من يؤمنون بالله. # وإلا فكيف يفوه بذلك التحدي عاقل يفهم أن الإلهية «سلطة» لها نظام ولها حكمة ولها مشيئة ~~تتبعها ولا تنحرف عنها لاستثارة أو استرضاء؟ # من كان يؤمن بأن الإلهية سلطة لها نظامها وحكمتها فمن اليسير عليه أن يعلم أنه لا يهزها ~~بتحديه فيخرجها من ذلك النظام ويذهلها عن تلك الحكمة. # وقد يسع الطفل الصغير أن يكف عن مثل هذا التحدي لأبيه إذا عرف له صفة من صفات العقل ~~والحكمة، فليس بالطفل الذكي من يقول لأبيه: إن كان لك قدرة اضرب فلانا حتى يهلك أو انهض ~~بهذا الحمل حتى آذن لك بإلقائه! # فمن اليسير على الطفل الذكي أن يدرك أن أباه خليق ألا يجيب هذا التحدي على هواه، ولا ينفي ~~ذلك عنه أنه ذو قدوة وأنه يستطيع أن يهلك فلانا وأن ينهض بالحمل المقصود إذا أراد. # فالملحد الماركسي أسخف من الطفل حين يخطر له أن يتحدى إلها حكيما يضع الأشياء في ~~مواضعها كما يقدرها، فيزعم أنه «غير موجود»؛ لأنه لو كان موجودا لأبطل تلك الحكمة وأوقع ~~الخلل في ملكه، خوفا من الريب في وجوده، وفرارا من الملحدين أو المؤمنين أن يظنوا به ~~الظنون. # ومن كان يفهم الإلهية على أنها سلطة رشيدة فلن يتحداها أن تفعل غير ما أرادت أن تفعله منذ ~~الأزل، وغير ما تريد أن تفعله إلى آخر الزمان؛ لأنه إذا استطاع بكلمة من كلمات التحدي ~~والاستثارة أن يغير ما تأبى تغييره، فذلك هو البرهان الذي ينفي وجودها أو ينفي حكمتها على ~~أقرب الفروض. # فلو شاء الله أن ينكشف وجوده للفكر والضمير كما تنكشف الأشياء لجميع الأبصار، لفعل ذلك ~~بإرادته منذ وجدت الأفكار والضمائر والأبصار، ولم ينتظر حتى يفعله منقادا للخوف من الاتهام ~~أو طمعا في التملق والثناء. # ولقد ms049 يحق للملحد الماركسي أن يسأل في هذا المقام: ولم لا يشاء؟ ولم يترك الناس ينكرون ~~ويثبتون أو يبحثون ويرتابون؟ ولم لا يكشف لنا جميعا حقيقة وجوده على نحو يبطل فيه الخلاف ~~وتزول الفوارق ويمتنع الشك والضلال؟ # إن هذه الأسئلة أقرب إلى العقل من ذلك التحدي الأحمق الذي يثبت حماقة صاحبه ولا ينفي حكمة ~~الإله. # ولكنها أسئلة لا تحتمل اللجاجة فيها بعد قليل من التبصر والروية، بل بعد قليل من التصور ~~إذا استطاع السائلون أن يتصوروا كيف يكون هذا الإيمان، وكيف تكون الضمائر التي تهتدي ~~إليه. # إنها لا تكون إلا كما تكون الآلات أو كما تكون العجماوات. # إن العلم بوجود الله كما نعلم بوجود المنظورات بالعين يلغي الضمائر والعقول، ويبطل جهود ~~النفس الإنسانية في امتحان الخير والشر والهداية والضلال. # والمعرفة بحاسة البصر معرفة يتساوى فيها الإدراك كما يتساوى إدراك الآلة وإدراك الحيوان، ~~فهل هذه هي المعرفة التي تليق بالإنسان المسئول عن ضميره، الباحث عن هدايته المترقي بسعيه ~~واجتهاده؟ وهل يطلبون أن يتساوى الناس في مدركات الضمير وحدها ، أو يطلبون أن يتساووا في ~~مدركات الحواس وملكات الأجسام والأفهام ومقادير الأعمار والأيام؟ وهل هذا العالم الإنساني ~~الذي يتألف من نسخة واحدة متكررة هو عندهم عالم المثال المنشود، وهو العالم الذي تثبت به ~~حكمة الله ووجوده ويستقيم عليه أمر الوجود؟ # إن أهون ذرة من التراب لا تعطينا حقيقتها الكاملة في لمحة عين، ولا نستغني في عرفانها ~~والانتفاع بها عن جهود العمل والتفكير والتحليل لندرك منها بعض ما يدرك ولا نقول كل ما ~~يدرك؛ لأننا نجهل كنه الذرة الترابية وغير الترابية حتى الآن، ولعلنا سنجهل هذا الكنه في ~~قراره ومداه إلى أن يشاء الله. # ويحدث هذا ولا يرى فيه الملحدون الماركسيون عجبا منكرا ولا شذوذا عن الوضع الصحيح ~~والرأي السديد، بل يقيسون التقدم الذي يدعونه بمقدار ما حصلوه ويحصلونه من هذه الحقائق ولو ~~كانت معلقة بأهون الأشياء. # وإن الشمس على جلائها لتخفى عليهم الآن بعد أن خفيت على الأقدمين دهورا بعد دهور، ولقد ~~كانوا يحسبونها ms050 كقرص الغربال فأصبحوا يعرفون اليوم أنها أكبر من الأرض والقمر والسيارات، ~~وكانوا يحسبونها تدور فأصبحوا يعلمون أن الأرض هي التي تدور، وكانوا يجهلون سرعتها ~~ومسافاتها فأصبحوا يعلمون الآن كم هي بالدقائق وكم هي بالأميال. # إلا أنهم لا يزالون يجهلون منها أضعاف ما عرفوه، ولا يزالون يبحثون عن مصدر حرارتها ~~فيخلطون بين النقيضين ويزعمون مرة أنه من تكوين العناصر، ومرة أخرى أنه من تفتيت العناصر ~~وانشقاقها، ولا يدرون على التحقيق هل يندفع اللهب من باطنها إلى ظاهرها أو يرتد من ظاهرها ~~إلى جوفها، ولا يستغربون من نظام الكون أن تكون شمسه الساطعة بهذا الخفاء، وأن تحار فيها ~~العقول هذه الحيرة، وهي أم الضياء! # فما بالهم يريدون من الحقيقة الإلهية أن تكون أقرب منالا من حقائق هذه الكائنات التي لا ~~يدعون لها عظمة الربوبية ولا جلالة الأبدية! # وما بالهم ينتظرون من حقيقة الحقائق أن تحيط بها لمحة عين، ويستنكرون السعي إلى غاية ~~الحقائق من متناول السماع والأبصار! # إن العلم بوجود الله مطلوب، ولكنه علم لا قيمة له إذا كان يلغي العقول ويعطل الضمائر ~~ويبذل لمخلوق لا فضل له في إدراك أقرب الحقائق وأبعدها على الآلة والحيوان. # وقبل أن ينتقد الناقد ما ينتقده من هذه العظائم الجلى، عليه أن يتعلم كيف يقترح وكيف ~~يصحح ما ينتقده ولا يرتضيه. # إن بحث العقول والضمائر عن الله منتقد عندهم وغير مفهوم. # فلنقل ما يقولون هنيهة نسألهم: وما هو المفهوم المنزه عن الانتقاد؟ أهو إدراك الله بغير ~~بحث؟ أو الاستغناء عن البحث في أمر الله وحده أو في جميع الأمور؟ وهل عندهم أن الإله ~~الموجود الحكيم هو الإله الذي تقاد مخلوقاته الكبرى أو الصغرى بحبال الغريزة على غير فهم ~~ولا محاولة ولا تمييز بين ما يظهر وما يخفى، وبين ما يكبر وما يصغر، وبين ما تتصرف فيه ~~المدارك وما يسلبها التصرف والاختيار؟ # أهذا عندهم هو الإله الموجود الحكيم؟ تعالى الله عما يصفون! # فما من شيء هو أثبت لوجود الله من تنزيه مخلوقاته عن هذا العطل في العقول ms051 والضمائر، وما ~~نتحداهم أن يؤمنوا وهم غير أهل للإيمان، وإنما نتحداهم أن يتصوروا إلها حقيقا بالعبادة ~~على الصورة المرتضاة لديهم، فإنهم ليعلمون إذن راغمين أن الإله الذي لا يستحق البحث هو ~~الإله الذي يأباه العقل السليم، وأن الإله الذي نبحث عنه لهو الإله الموجود. # الفصل الحادي عشر # | رماد ولا نار1 # يقول الشيوعيون: إنهم كفروا بالأديان لأنهم درسوا التاريخ وفسروه، ودرسوا الأديان وعرفوا ~~خباياها. # فإذا ثبت من كلامهم أنهم لم يدرسوا التاريخ ولم يدرسوا الأديان، فالأمر الذي لا شك فيه ~~إذن أنهم أناس مأجورون مسخرون، وأنهم من أخس طغام الأجراء؛ لأنهم لا يبالون قداسة ~~الدين ولا شناعة الكفر في سبيل المال الحرام. # وقد نشر بعض اللصقاء بالإسلام في العراق رسالتهم التي سموها «بالرسالة الرمادية» وترجموها ~~- أو ترجمت لهم - من لغة أجنبية، فثبت منها أنهم أجهل خلق الله بتاريخ بلادهم وما جاورها ~~فضلا عن تواريخ الأمم الأخرى، وثبت منها إلى جانب هذا أنهم لا يعرفون شيئا عن تاريخ مكة ~~وتاريخ النبي عليه السلام؛ لأنهم يذكرون «اللخميديين» ولا يعرفون أنهم اللخميون أقرب العرب ~~الأقدمين إلى وادي النهرين، ويذكرون قبيلة «السقيف» وهي ثقيف قبيلة الحجاج الثقفي أشهر من ~~حكم العراق، ويذكرون القريشيين ولا يوجد إنسان على شيء من الاطلاع على تاريخ مكة وتاريخ بيت ~~النبي فيها يجهل من هم القرشيون أو ينسبهم تلك النسبة التي تنم عن جهل باللغة كالجهل ~~بالتاريخ. # أهؤلاء مسلمون درسوا تاريخ دينهم فأنكروه وبعد أن عرفوا خباياه، أم هم أذناب فتنة مسخرون ~~يهرفون بما لا يعرفون، ويقترفون الكفر البواح وهم لا يبالون ما يفعلون؟ # لا حاجة إلى البحث عن التاريخ للعلم بحقيقة هذا الكفر وحقيقة هذه الدعوة، فإن الحقيقة ~~التي ينطق بها كل حرف من حروف الرسالة «الرمادية» أنهم «كفار للبيع» ... دراهم معدودات من كل ~~باذل مال، ولا بد أن يكون بيعا رخيصا وصفقة خاسرة؛ لأنها صفقة جهل يصطفق عليها ~~جهلاء. # وفيما يلي أمثلة شتى تدل على أن هؤلاء «الباحثين العلميين التقدميين العارفين بالتاريخ ~~والدين» لم يطلعوا على كتاب الإسلام، ms052 ولم يكلفوا أنفسهم مداراة جهلهم بالرجوع إليه بعد وصول ~~الرسالة الرمادية إلى أيديهم، لأن المهم في الأمر أن تصل النقود إلى تلك الأيدي وعلى الدين ~~والدنيا بعدها العفاء! # يقول الرماديون: «واحتفظ الإسلام أيضا بعبادة الأرواح والجن في حين أن أسماء الآلهة ~~القديمة أصبحت نعوتا لله. وهكذا أصبح اسم الإله رحمانا الذي كانت تمارس طقوسه قبل أن ينشر ~~مسيلمة تعاليم الحنفيين في مكة ويثرب واليمن.» # هكذا يقال بكل ثقة الجاهل المكابر، ولو كلف أصحاب هذا المقال أنفسهم نظرة فيما جاء من ~~القرآن الكريم عن الجن لقرءوا فيه من سورة الأنعام: # وجعلوا لله ~~شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~ سبحانه وتعالى عما يصفون ~~، وقرءوا فيه من سورة الصافات: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون * سبحان الله عما ~~يصفون ~~. # ولم يقرءوا فيه كلمة واحدة عن الجن توجب لهم عبادة أو رعاية في أعناق المسلمين. # أما تعاليم «الحنفيين» كما قالوا فمتى نشرها مسيلمة في مكة والمدينة؟ ومتى دان المكيون ~~باسم الرحمان وقد اعترضوا في صلح الحديبية على ابتداء الكلام باسمه، ولم يقبلوا البسملة في ~~مفتتح الكلام؟ # ومن هو هذا الإله صاحب الطقوس والشعائر التي استعارها النبي # صلى الله عليه وسلم # من اليمانيين؟ أكانت ~~هذه الطقوس والشعائر عبادة وحدانية كالتي جاء بها الإسلام؟ فمن هو النبي الذي جاء بها إلى ~~أهل اليمن، ولماذا أحجم هؤلاء عن الدعوة الإسلامية التي استعيرت منهم وجاءتهم باسم ربهم ~~المعبود فيهم؟ # أم ترى كان «الرحمان» صفة مستعارة من اليمن، فمن أين يا ترى استعيرت صفات الله التي ~~جاوزت التسعين؟ # كل ما في هذه الأسطورة أنها تخريفة من تخريفات اثنين من المستشرقين موردتمان ومولر # Mordtman and Muller # يفهمان الأسماء العربية كما ~~فهم بعضهم اسم أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه سمي بذلك لأنه كان والد الفتاة البكر التي ~~بنى بها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~! أو كما فهم بعضهم اسم الصعيد فقال إنه سمي بذلك لأنه مصر ~~«السعيدة»؛ أي # Egypt Felix ~~، أو كما ms053 فهم بعضهم معنى القصيدة ~~فقال: إنها سميت بذلك لأنها معنى مقصود! # هذان المخرفان خلطا في قصة سخيفة عن البسملة، يدعي رودويل # Rodwel # مترجم القرآن أنه فهمها من دراسته للكتاب وفهم - من ثم - لماذا ~~بدئت السور ب «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم عدل النبي عن ابتداء السور بها في أخريات ~~أيامه، فقال رودويل هذا في هامش الصفحة الحادية والسبعين بعد المائة من ترجمته: «إن الكفار ~~سمعوا محمدا يبتهل قائلا: يا الله يا رحمن. فحسبوا أنه يدعو إلهين اثنين، ولما سقط هذا ~~الابتداء من سور القرآن الأخيرة أصبح مفهوما أن محمدا كان يريد أن يقرن اسم الرحمن باسم ~~الله، ثم خشي أن يحسبهما الناس إلهين اثنين فأمسك بعد ذلك عن ذكر الرحمن.» # ثم قال رودويل: «إن الحميريين كانوا يصفون أربابهم بهذا الاسم، ولكن جذور هذه الكلمة غير ~~موجودة في اللغة الحبشية.» # أرأيت دراسة التاريخ؟ أرأيت دراسة الدين؟ أرأيت التحقيق العلمي التقدمي الذي يخرج المؤمن ~~من دينيه ويذهل الموقن عن يقينه؟ # إن محمدا قد ترك البسملة وأسقطها من السور الأخيرة لأنه خاف من اسم الرحمن المستعار أن ~~يشارك اسم الله في عبادات المسلمين، فما هي السور الأخيرة التي سقط منها اسم الرحمن؟ وكم ~~سورة هي؟ ولماذا لم يحذف هذا الاسم من بقية السور التي بدئت بالبسملة، ولم تزل مقروءة ~~محفوظة في حياة النبي وبعد وفاته صلوات الله عليه؟ # إن العلامة اللبيب مترجم القرآن ودارس اللغات العاربة والمستعربة قد فهم كل هذا من ورود ~~سورة واحدة هي سورة التوبة بغير بسملة، وسببه كما يعلم كل مطلع على الكتاب أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يأمر بها، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «إن البسملة فيها رحمة وأمان، وهذه نزلت ~~لرفع الرحمة والأمان عن المشركين.» فلما نزلت ولم يسمع المسلمون البسملة في مستهلها تحرجوا ~~من وضعها، وحسب بعضهم أنها مكملة لسورة الأنفال كما هو معلوم. # ومثل هذا التحرج البالغ في إثبات كلمات الكتاب المبين خليق أن يعلم المفترين أنه كتاب ~~لا يزاد فيه حرف ms054 لم يسمع في موضعه، ولو سمع مثله في كل سورة، ولكن الافتراء أسهل شيء على ~~هؤلاء الجهلاء المضللين، فلا حرج عندهم بعد علمهم بهذه الأمانة الإسلامية في نقل القرآن أن ~~يهذروا في كراستهم الرمادية قائلين: «إن هذا الكتاب يحتوي على 114 فصلا بأطوال مختلفة، ألف ~~في عهد الخلفاء، فقد وجدت حتى في القرن التاسع أو العاشر نسخ من هذا الكتاب تختلف عن النسخة ~~الشرعية ... ولم يستطع مؤلفو القرآن إخفاء تلك الاعتراضات بل اكتفوا بحذف بعض الكلمات غير ~~المقبولة.» # ولا أدل على سهولة التهجم عند هؤلاء الناس من علمهم بهذا الحذر الشديد في جمع آيات ~~القرآن، ثم ادعائهم أن الخلفاء يجترئون على تأليفه وأن المسلمين ظلوا إلى القرن العاشر ~~للهجرة ينقحونه ويحذفون منه ويضيفون إليه، فلو كان لهم ذرة من التحقيق التاريخي الذي ~~يزعمونه لما أقدموا على هذه الدعوى بغير سند من الواقع يثبتونه ويثبتون حجته والبينة عليه، ~~وأقل ما ينبغي من السند الصحيح في مثل هذه الدعوى أن يكونوا على علم باسم الخليفة الذي ~~اشترك في التأليف المزعوم، وعلى علم بنص الآية التي مسها التنقيح مع موجباته ودواعيه، أو مع ~~بيان الوسائل التي استطاع بها الخليفة «المؤلف» أن يخفي الأمر على قراء الكتاب المتداول في ~~أيدي الملايين والمحفوظ في صدور الألوف. فأين هو هذا السند؟ وأي سند أقل منه يكفي للاجتراء ~~على تلك الفرية بتلك الثقة؟ # ومن سوء النية والإصرار على الاتهام والتخبط في التهم بين المتناقضات أن هؤلاء الناس ~~الرماديين يعلنون أن القرآن الكريم غير قاطع في تحريم الربا ولا يسألون أنفسهم ولا يخطر لهم ~~أن أحدا سيسألهم: وكيف يكون النص على تحريم أمر من الأمور إذا كانت نصوص القرآن في أمر ~~الربا غير قاطعة في تحريمه؟ # فالآيات القرآنية التي يعلقون عليها تقول: # يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون ~~. # فكيف تراهم يكتبون نص التحريم ms055 ليكون النص قاطعا فيه؟ # إنهم يقولون في كراستهم: «إن بعض آيات القرآن تحرم المراباة حماية للفقراء والمحتاجين، ~~وكان ذلك جزءا من سياسة الأنبياء لجلب رضى الفقراء. وتعتبر السياسة ناقصة، فما الفائدة من ~~تحريم المراباة عند وجود الآية: # وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ~~[البقرة: 279].» # وتعجب حين تقرأ هذا التعليق فلا تدري ماذا فهموا منه؟ هل يفهم منه أحد أن القرآن يبيح ~~الربا لأنه يزجر من يأخذه ولا يبيح له غير أخذ الدين من مدينه بغير زيادة؟ أهذا هو النص ~~الذي يبطل فائدة التحريم؟ فما هو النص الذي يفيد فيه؟ # ولا يخفى تخبط القوم في الاتهام بكل وسيلة، بل في الاتهام بالحجة ونقيضها في وقت ~~واحد. # فهل جاء الإسلام من إقطاعيين يحافظون على مصالح الاستغلال والمراباة بالأموال؟ # هل جاء الإسلام من هؤلاء أو هو قد جاء من الفقراء والمحتاجين ليرضيهم ويغضب المرابين ~~والمستغلين؟ # ينبغي أن يكون قد جاء من هؤلاء ومن هؤلاء في وقت واحد، وأن يكون الاتهام قائما على كل ~~حال، ولا لزوم للدليل في أية حال، بل لا لزوم للالتفاف إلى التناقض بين الدليلين، لأن ~~الالتفاف إلى تناقضهما يسقط الاتهام، وماذا يصنع القوم بغير اتهام كيفما كان، ببرهان أو ~~بلا برهان؟ # ويوشك القوم أن يلحقوا بالقرآن كل خبر من أخبار الدول الإسلامية يدخل في شعائر الدين أو ~~ينسب إلى ذي شأن أو غير ذي شأن من المسلمين. # قالوا عن ثروة الخلفاء: «إنها لم تقتصر على المال فحسب، بل شملت بعض المخلفات الثمينة ~~كالسيف والعصا والعباءة التي قيل إنها كانت تعود إلى النبي محمد. وقد أثبت تحقيق علماء ~~البرجوازيين أن تلك المخلفات كانت مزورة. فقد ذكر «بيريت» في كتابه «الإسلام» في صحيفة 14 ~~مجلد 17 نشر في برلين سنة 1928 بأن الأدلة تجعلنا نشك في صحة الأسطورة القائلة بإعطاء ~~الرسول لعباءته إلى الشاعر كياجو بن ذكير، والتي كانت الأساس لاعتبار الإسلام لتلك العباءة ~~إحدى الذخائر، ولا يوجد في أي من المراجع القديمة حتى في كتاب ابن هشام ms056 كلمة واحدة عن ~~إعطاء العباءة أو تقديسها، ولم تذكر هنا شيئا عن المضاربات التي دارت حول هذه الذخيرة. فقد ~~بيعت عباءة الرسول عدة مرات بربح، وعرضت للجمهور بعد احتراقها في بغداد على يد المغول سنة ~~1258م في مسجد العبادة المقدسة في إسطنبول، وليست أسطورة هذه العباءة بفريدة بين غيرها من ~~الطلاسم والدكاكير في الإسلام وفي غيره من الأديان الأخرى.» # فالذين نشروا هذه الكراسة الرمادية من اللصقاء بالإسلام في العراق يجهلون اسم كعب بن زهير ~~الشاعر المشهور، وينقلونه في مصادرهم المحققة باسم «كياجو بن ذكير» ويدلون بذلك حقا على ~~أنهم غربلوا التاريخ، وفسروه، ونفذوا إلى أسراره ومضامينه، ولم ينكروا الدين إلا لأنهم ~~فهموه حق فهمه من هذه الدراسة التاريخية على أوفاها! # وهؤلاء هم الذين عرفوا تاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم # وعرفوا كل ما روي عنه من الحقائق والأباطيل، ~~فعرفوا من بينها شاعرا لم يخلقه الله يسمى كياجو بن ذكير، وعرفوا بعلمهم الزاخر أنه اسم ~~عربي يتسمى به العرب في صدر الإسلام. # وهؤلاء هم أصحاب الإلحاد المفسرون الماديون للتاريخ ولا شيء عندهم غير المادة ~~والتاريخ. # فإذا صح كل ما قالوه ونشروه عن هذا «الكياجو» العربي فما هو ذنب الإسلام؟ وما هو ذنب ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؟ وما هو ذنب المؤرخين أو ذنب، مؤرخ النبي، ابن هشام؟ # بردة قيل إن النبي خلعها على شاعر معلوم أو مجهول، ولم يقدسها النبي ولا جاء في كتب دينية ~~أنها من المقدسات أو المحفوظات للتقديس والتبريك. فماذا في وجود هذه البردة من مطعن في ~~الكتاب أو في السنة أو في شرائع المسلمين؟ # وإذا ظهر أحد - مثلا - بخطاب صحيح أو مدسوس على كارل ماركس فتغالى به أتباعه وتوارثته ~~المتاحف بأثمانه وما فوق أثمانه، فماذا في ذلك من التنفنيد للمادية والماديين ومن البرهان ~~المتين على بطلان هذا الدين؟ وما الذي يوجب على المؤمنين بالمادية الاقتصادية أن يدحضوا هذه ~~الإشاعة الشيوعية أو البرجوازية؟ # كان للنبي # صلى الله عليه وسلم # بردة خلعها على شاعر. لم يكن للنبي # صلى الله ms057 عليه وسلم # بردة خلعها على ~~شاعر. # كان بعض الناس يصدقون في هذه الرواية أو يكذبون فيها، وكانوا يستغلونها على الحالين ~~فيحسنون أو يسيئون استغلالها. # على كل فرض من هذه الفروض، وماذا فيها جميعا من النقد العلمي الذي يتحراه طلاب الحقيقة ~~عن دعوة الإسلام؟ بل ماذا يصنع الشيوعيون اليوم في متاحفهم التاريخية إذا عرض عليهم أثر من ~~تلك الآثار النبوية للشراء؟ أليس في متاحفهم ما يشترى لقيمته الأثرية بالمال الطائل والجهد ~~الجهيد؟ أليس الضريح الذي شيدوه للزعيم لينين تراثا له تكاليفه وله حجاجه وطلاب البركة ~~لديه؟ أليس في متاحف العلوم المادية حول الكرة الأرضية مخلفات وموروثات تحسب أثمانها ~~بالألوف والمئات، وتفتح أبوابها كل يوم للزائرين والزائرات والمعجبين والمعجبات؟ فلماذا ~~يضنون بشرف كهذا الشرف أو بخير كهذا الخير على المسكين «كياجو بن ذكير»؟ # أما إنه لشاعر بليغ هذا الكياجو الذي لا هو في الأحياء ولا في الأموات. # إنه لشاعر يكفي اسمه المختلق لتمزيق الكراسة الرمادية على رءوس ناشريها، وإظهارهم ~~بحقيقتهم التي يكتمونها وإن لم يجهلوها. # حقيقتهم أنهم تجار في سوق الجهل والضلال يبيعون جهلهم لمن هو أجهل منهم، لأنه يشتريه ~~بالمال، وهو عندهم رب الأرباب وموئل الآمال. # الفصل الثاني عشر # | الإنسانية من ماضيها إلى مصيرها1 # ماضي الإنسانية مسافة شاسعة، بعيدة الآماد والأطراف، سواء حسبناها بالأيام، أو بالأماكن، ~~أو بالأنفس، أو بالأوراق المكتوبة عنها، لن يكون الحساب إلا بالملايين وأضعاف ~~الملايين. # ولكننا نحسب مع هذا أنها، على اتساعها وامتدادها، قابلة للتلخيص في سطرين، إذا كان لها ~~معنى. # فإذا كانت حياة الإنسانية عبثا، ولم يكن لها وجهة ولا نظام، فذلك مما يقال في سطر ~~واحد. # وإذا كانت ذات وجهة منتظمة فهذه الوجهة تتلخص في فكرة كبيرة، وهذه الفكرة الكبيرة توضع في ~~كلمات معدودات، ولو بالعنوان. # هذه المحاولة هي التي حاولها عالم من أكبر علماء التاريخ في زماننا، إن لم يكن من أكبر ~~علمائه في جميع الأزمنة، وهو الأستاذ «أرنولدتوينبي» صاحب الكتاب المشهور ب «دراسة في ~~التاريخ». # بدأ المؤلف العلامة تأليف هذا الكتاب في سنة ms058 ألف وتسعمائة وإحدى وعشرين، بعد نشوب الحرب ~~العالمية الأولى بسنتين، وأتمه وأصدر آخر أجزائه قبل ختام السنة الماضية، فانقضى عليه في ~~تأليفه ثلث قرن كامل، وتم الكتاب كله في عشرة أجزاء لا تقل صفحاتها عن سبعة آلاف صفحة، ولم ~~ينته من أجزائه الأخيرة حتى بدا له أن يعيد النظر في بعض الآراء التي ظهرت في الأجزاء ~~الأولى، ولكن المهمة شاقة والتكاليف كثيرة. فتبرع له بعض المعاهد العلمية بالنفقة اللازمة ~~للسياحة في مواطن الحضارات الدائرة والإقامة حيث تلزم الإقامة زمنا بين آثار المكسيك ~~والشرقين الأقصى والأدنى، ولا تنتهي هذه السياحات التاريخية قبل سنتين من ظهور آخر جزء في ~~الكتاب. # مجهود من مجهودات الجبابرة، وعلم واسع يؤهل صاحبه للحكم على دلالة التاريخ الإنساني من ~~مبتدئه إلى عصره الحاضر، أو يؤهله لاستخراج الوجهة المرتسمة من حوادث التاريخ، ثم استخراج ~~الفكرة التي تتجلى فيه عصرا بعد عصر وحضارة بعد حضارة ونزاعا بعد نزاع وسلاما بعد سلام، ~~وهذا هو الذي سميناه تلخيص التاريخ الإنساني في سطر أو سطرين. فما هي الفكرة التي يلخصها ~~السطر والسطران في رأي هذا المؤرخ الكبير؟ ما هو الرأي الذي يراه في تاريخ الإنسانية أحق ~~علماء التاريخ بإبداء هذا الرأي في القرن العشرين؟ # خلاصة هذا الرأي سطر واحد وهو «أن التاريخ هو طريق الإنسانية إلى الله». # هذا هو الإجمال الذي شرحه المؤرخ الكبير في سبعة آلاف صفحة، وقرر في ذلك الشرح أن تواريخ ~~الأمم والحضارات والعقائد والأخلاق لا معنى لها إن لم يكن معناها هداية النفس الإنسانية إلى ~~حرية الضمير برعاية الإله. # فكل أمة، وكل حضارة، وكل عقيدة فإنما تأتي لترفع في الطريق مصباحا صغيرا أو كبيرا ينير ~~الطريق وينير ساحة الكون كله للعلم بحقائق الوجود، أو للعلم بحقيقة الحقائق وهي مصدر الخلق ~~والتدبير في الوجود. # ومن تقريرات المؤرخ الكبير أن الإنسان قد يصطنع الأعمال والحرف ويخلق العلوم والمعارف، ~~ولكنه لا يخلق عقيدته الدينية بل تأتيه العقيدة مفروضة على سريرته وشعوره، قابلة للبحث في ~~بعض جوانبها غير قابلة لشيء سوى التسليم ms059 في جوانبها الكبرى، ولهذا تسخره العقيدة ولا يسخرها ~~كما يهوى، وإن خيل إليه أنه يعمل في تسخيرها بهواه. # وضرب المثل لذلك بعقيدة الإسلام: أراد الفرس الذين دخلوا الإسلام أن يستخدموها في إحياء ~~القومية الفارسية، فاستخدمتهم هي في توطيدها ودراسة معارفها، وجاء المغول إلى بلادها من ~~أقصى الشرق ليقيموا «سلطتهم» على أركانها، فأصبحوا حراسا لتلك الأركان، ولا يتأتى تسخير ~~عقيدة ما إلا إذا غلبتها عقيدة أقوى منها وأحق بالعمل في تاريخ الإنسانية، فليس أقوى من ~~الإيمان على تسيير الإنسان والارتقاء به على معارج الحضارة في طريقه إلى الله. # وعند العلامة «توينبي» أن هذه «المهمة» الأبدية مهمة «تعاون» بين الحضارات والعقائد، ~~يؤدي كل منها بعض الواجب لتحقيق الواجب كله في النهاية، ولكن هذا الواجب يكبر مع الزمن كلما ~~كبر الإنسان، فلا يزال الإنسان في سعي متواصل، ولا يزال متطلعا إلى الكمال. # وستأتي القرون بعد القرن العشرين فلا تذكر منه أنه قرن الصناعة الكبرى، ولا أنه قرن ~~الطيارة وعجائب المخترعات، كلا، بل لا تذكر منه أنه قرن الذرة والقذيفة الذرية، وإنما تذكر ~~منه أنه القرن الذي أصبحت فيه الدعوة إلى «الأخوة الإنسانية » موضوعا من موضوعات العلم ~~والعمل، وبرنامجا من البرامج الواقعية التي يتعاون عليها الأقوياء والضعفاء، ولا يستغني ~~فيها قوي عن ضعيف. # هذه هي أمانة الماضي لدى القرن العشرين في رأي مؤرخ القرون والأجيال، فما هي أمانة القرن ~~العشرين يا ترى لدى القرن الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين أو ما يلي من القرون؟ # هل جاء القرن العشرون يا ترى ليحمل لها الهلاك والدمار في قذائفه الذرية؟ أم جاء لها ~~بمصير أكرم وأسلم من هذا المصير؟ # وهنا ننتقل من ماضي الإنسانية إلى مصيرها. # ننتقل إلى المصير بمثل السرعة التي انتقلنا بها - مع العلامة توينبي - من مواضي ~~الإنسانية جميعا إلى وجهتها المرسومة. # ولكننا لا ننتقل في صحبة توينبي ودراسته التاريخية، بل ننتقل بين الحاضر والمصير في صحبة ~~المئات من المتسائلين الحائرين، وإن العلماء بين الحائرين لأكثر من الجهلاء، وإن الحكماء ~~لأكثر من الحمقى. # مئات من ms060 الناس يتساءلون اليوم: ما مصير الإنسانية؟! # وكلما حدث حادث في كتلة الشرق أو كتلة الغرب عادوا إلى السؤال المتكرر المتحير: ما مصير ~~الإنسانية؟ ما مصير الإنسانية؟ # هل تنفجر براكين الحرب العالمية؟ # وإذا انفجرت هذه البراكين فهل يستخدمون فيها القذائف الذرية؟ # وإذا استخدموا فيها القذائف الجهنمية فما نتيجتها بالنظر إلى المنهزمين؟ وما نتيجتها ~~بالنظر إلى المنتصرين؟ وما نتيجتها بالنظر إلى سائر الأمم التي لا تحسب مع هؤلاء ولا مع ~~هؤلاء؟ # بل يتساءل المتسائلون المتحيرون: هل يكون في تلك الحرب المرهوبة منتصر ومنهزم؟ وهل تبقى ~~من الدنيا بقية تساوي ثمن النصر وتكافئ وبال الهزيمة؟ # ويحق للمتسائل العالم قبل الجاهل، والحكيم قبل الأحمق، أن يحار في العاقبة وأن يفزع من ~~المصير. # فمن المتفق عليه أن قذيفة «هيروشيما» تعد سلاحا مأمونا بالقياس إلى القذائف المجهزة ~~للاستعمال في الوقت الحاضر. فإن لم تكن هذه القذائف مجهزة فعلا ففي الإمكان أن تجهز ~~القذيفة التي تساوي في قوتها خمسة وعشرين ألف ضعف وزيادة من قذيفة هيروشيما. # ومن المتفق عليه أن أخطار القذيفة الجهنمية لا تنحصر في موضعها، ولا في المقصودين بها، ~~لأنها ترسل في الهواء ذرات من القوة الإشعاعية تعود فتنحدر إلى الأرض غبارا صاعقا لا يبقي ~~ولا يذر. # ومن المتفق عليه أن مجال الاختراع متسع متجدد، وأن القذيفة الهيدروجينية ستتبعها أنواع ~~شتى من القذائف، وأن استخدام العناصر الأخرى في توليد الطاقة الذرية قد يتيسر غدا لأمم ~~كثيرة، ولن يكون استخدام هذه الطاقة مقصورا على عنصرين أو ثلاثة. ويومئذ تقل تكاليف ~~القذائف، وتتسع ميادينها، وتتفاقم أخطارها، وتصبح القذيفة الموجودة اليوم كأنها سلاح الأمس ~~بالنسبة إلى أسلحة القرن العشرين. # فما مصير الإنسانية بعد هذه النذر والأراجيف؟ # لا فائدة من منع السلاح، بل الفائدة المرجوة كلها معلقة - في رأي الخبراء - على منع الحرب ~~بأنواعها، أو منع الحرب العالمية بكل ما يستطاع. # فهل منع الحرب العالمية مما يستطاع؟ # وإذا لم يكن مستطاعا فهل يستطاع منع السلاح الذري وتحريم القذائف الذرية في جميع ~~الميادين؟ # إن سوابق الدول في الحروب لا تبشر ms061 بالخير، ولكن سابقة واحدة يرجى أن تبعث التفاؤل في ~~نفوس طلاب الخير، وهي تحريم الغازات السامة وإجماع الدول على اجتنابها في الحرب الأخيرة، ~~فإذا كانت الدول المتقاتلة قد فهمت أن الغازات الخانقة خطر لا يؤمن، فهي أحرى أن تفهم الخطر ~~الأكبر، وأن تحرص على اجتنابه حرصا أشد وأبقى من حرصها على اجتناب تلك الغازات. # وعبرة أخرى قد تميل بالدول إلى الحذر من الحروب، وهي خسارة المنتصرين في الحروب واضطرارهم ~~إلى معونة المنهزمين والمنكوبين، في عالم متشابك متضامن، لا ينفرد فيه بالضرر صاحب قوة أو ~~صاحب مال. # ونكاد نقول: إن ساسة الدول يدفعون بالأمم إلى الانتحار إذا أقدموا على الحرب العالمية، ~~واستخدموا فيها القذائف الذرية. ومتى استطاع ساسة الأمم أن يدفعوا إلى الانتحار، فهم والأمم ~~التي تطيعهم أهل للهلاك والدمار. # إن الصورة التي تتمثل لنا أبشع من أن نتصورها قياسا على ما عرفناه من كوارث الماضي ~~والحاضر، وتكاد تخرج بنا من حيز الواقع إلى حيز الخيال المستحيل، ولو أن صورة تستحيل في ~~العقل لفرط بشاعتها لاستحالت هذه الصورة المنكرة، ولكن البشاعة المفرطة لا تمنع شيئا أن ~~يكون إذا كان وقوعه من الممكنات، وكل ما لدينا من أسباب الطمأنينة أن نقارن بين المصيرين ~~أيهما أقرب إلى الإمكان: مصير الإنسانية إلى الانتحار أو مصيرها إلى التغلب على قوة السلاح ~~بقوة الحكمة وقوة الأخلاق مجتمعين. ومن حسن الرجاء وحسن التقدير معا أن نرجح المصير ~~المأمون على المصير المحذور. # إن المادة الصماء لن تخلق الإنسان؛ لأن الشيء لا يخلق ما هو أحسن منه وأكمل. فلنعد إلى ~~خلاصة التاريخ الإنساني متفائلين: إن التاريخ الإنساني - كما قال أكبر المؤرخين العصريين - ~~إنما هو طريق الإنسانية إلى الله. وفي هذا الطريق يستطيع العقل أن يخلق اختراعا من جنس ~~القذيفة الذرية يقاومها ويكبح شرورها يستبقي منافعها، ويستطيع العقل أن يأخذ بزمام المادة ~~وعناصرها ليقترب بها إلى الله. # الفصل الثالث عشر # | العالم العربي اليوم1 # «العالم العربي اليوم» # 2 # اسم كتاب بالإنجليزية ألفه الأستاذ مورو ~~بيرجر # Morroe Berger # أستاذ علم الاجتماع بجامعة ms062 برنستون والمشرف على برنامج دراسات الشرق ~~الأوسط في تلك الجامعة. # ويقع كتابه هذا في قرابة خمسمائة صفحة حافلة بالمعلومات الواقعية عن العالم العربي، ~~مستمدة من مراجع الإحصاء والمشاهدة، معروضة على أسلوب النظر العلمي في جملتها، ولكنها تنظر ~~من وجهة نظر غربية كلما رجع الأمر إلى اختلاف التقدير. # والكتاب مفتتح بفصول متعددة عن القومية العربية في الزمن القديم، والقومية العربية في ~~الزمن الحديث، وعن العلاقة بين هذه القومية وبين الإسلام بعد بعثة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وموجز ما ~~يقال فيها: # إن الإسلام تقبل كثيرا من شعائر اليهودية والمسيحية، ولكنه نقلها إلى العالم ~~العربي، ثم استبدل أواصر العقيدة بأواصر النسب والعصبية التي كانت تجمع قبائل العرب ~~كما كانت تفرق بينها. # والمؤلف يصف الديانة الإسلامية بأنها ديانة «مستقيمة بسيطة» أو بعبارة أخرى «مباشرة في ~~اتجاهها غير معقدة» وأنها لاستقامتها وبساطتها لا تزال إلى الآن سهلة الاتجاه إلى ~~«الجاهليين» في القارة الأفريقية، ولكنه يعود فيقول: إن تقدمها بين هؤلاء الجاهليين، لا ~~يرجع إلى مجهود مقصود من جانب الإسلام باعتباره قوة عالمية مركزة؛ كما يرجع إلى القدوة ~~المباشرة التي تأتي من اتصال المسلمين بغير المسلمين في أرجاء القارة الأفريقية. # والموضوع المهم في الكتاب كله هو موضوع الدين الإسلامي والحركات التي يسميها الغربيون ~~بالعلمانية أو الدنيوية # Secular # وتسمى أحيانا ~~«باللادينية» عند المقابلة بين سلطة الكهنوت ورجال اللاهوت وسلطة الدولة والحكومة. # ويقرر المؤلف أن الإسلام لم يواجه الخرافات «اللادينية» للمرة الأولى. # فقبل احتكاك المسلمين بالعالم الغربي في القرن العشرين كانت لهم صلات كثيرة بالأمم ~~التي خالفتهم في العقيدة وفي آداب الحضارة، وآخر هذه الصلات من وجهة المبادئ الاجتماعية ~~الفكرية ودساتير السياسة والحكم صلة الإعجاب بالثورة الفرنسية، وما نجم عنها بين المسلمين ~~من التنبه لحقوق الفرد وحقوق حرية التفكير ودعوات التجديد والتخلص من القديم. # إلا أن الجديد في الحركة اللادينية الأخيرة أنها «داخلية» في العالم العربي الإسلامي ~~وليست بالخارجية الطارئة عليه من غير قومه وبلاده. # فقد كان المسلم يواجه ثقافة اليونان وثقافة الدول الأوروبية وثقافة الثورة الفرنسية ms063 وهو ~~يستعد لها بالمقاومة على سنة الأمم مع الطارئ الغريب، أو الطارئ الذي يستدعي المقاومة لأنه ~~يتغلب عليها، ثم يخضعها لسيطرته على غير إرادة منها. # أما «اللادينية» بعد جلاء الحكام الأجانب عن البلاد فمصدرها من الداخل لا من الخارج كما ~~كان منذ أوائل القرن الثاني عشر إلى أوائل القرن العشرين، وليس لها من يقاومها غير ~~المحافظين الذين يكرهون الجديد أو المحافظين الذين يقربون بين القديم والجديد، ويسميهم ~~الغربيون بالمستحدثين أو «المودرنيست» # Modernist ~~. # ومن أهم فصول الكتاب فصل عقده المؤلف للبحث عن الإسلام في ناحية التشريع هل هو عقيدة ~~دينية دنيوية أو هو كغيره من الديانات التي تنفصل فيها عقائد الإيمان عن شئون الحياة ~~ومزاولات المعيشة ولا سيما شئون الحكم والسياسة؟ # وربما ورد السؤال على صورة أخرى فيقال: هل أحكام التشريع في القرآن مسألة نظام وإدارة ~~حكومية؟ أو هي مسألة أخلاق وسلوك ديني يستحق به المسلم حسن الجزاء في الآخرة؟ # قال المؤلف في الصفحة الحادية والأربعين: «إن الصلة المكينة بين الإسلام والمجتمع العربي ~~نشأت كما رأينا منذ قام محمد - صلوات الله عليه - بخلق دولة تنتظم العقائد الدينية ~~والمعاملات التي في الأصل عليها العرب، وقد شمل الإسلام على الدوام كل جوانب الحياة ~~الاجتماعية باعتباره قسطاس أخلاق وآداب، ولكنه لم ينجح قط في تقرير شريعة متناسقة من ~~العلاقات بين الناس في مجتمعات المسلمين المختلفة. وقد نبه يوسف شاخت - وهو الباحث الحجة في ~~هذا المطلب - إلى رأي يقول: إن النبي لم يحاول تبديل العرف القانوني عند العرب، بل أراد أن ~~يعلم الناس كيف يعملون في الحياة الدنيا لكي يظفروا برجحان الكفة في حساب الآخرة.» # قال مؤلف الكتاب ما فحواه: إن الإسلام لا يكون على هذا الاعتبار دينا دنيويا، أو شريعة ~~اعتقاد معيشة «علمانية» في وقت واحد؛ لأن المعاملات كما يوجبها على المسلم هي فرائض أخلاق ~~وعبادة لا يلزم من اتباعها أن تكون دستورا للإرادة العلمية في نظم الحكومات. # ولكن الكثيرين من الغربيين يحسبون أنه قانون عملي، لأنه يوصي بما يوصي به من الأحكام ~~والآداب ms064 التي تتناولها القوانين. # والمشكلة «العلمانية» في العصر الحاضر كما يراها المؤلف هي محاولة المسلم المستنير أن ~~يدرك الحقيقة ويحسن تطبيقها عملا في هذا الموضوع. # فهل يعتبر هذا المسلم أن دينه تكفل للمسلمين بنظام المعيشة والحياة العملية، كما تكفل ~~لهم بشئون الإيمان والعبادة؟ أو يتبع في نظام المعيشة قانونا موضوعا لا يرتبط بنصوص ~~الكتاب؟ # إن المؤلف يقسم المستحدثين أو «المودرنيست» أمام هذه القضية إلى طائفتين؛ طائفة سابقة من ~~أبناء الجيل الماضي، وطائفة لاحقة من أبناء هذا الجيل. # والفرق بينهما أن أبناء الجيل الماضي الذين درسوا علوم الحضارة الغربية قد درسوها في ~~ديارها، وعاشوا بين أهلها، وكانوا قلة ضئيلة بالقياس إلى من نشأ بعدهم من المتعلمين ~~العصريين، فعادوا إلى بلادهم غرباء عنها، وكادت الصلة بينهم وبين الجمهرة الكبرى من ~~مواطنيهم أن تنقطع كل الانقطاع. # والطائفة التالية من تلاميذ الحضارة الغربية قد عرفوها وهم في أوطانهم لم يفارقوها، وقد ~~عرفوها في دور التعليم كما عرفوها في بيئات المعيشة الحضرية على الأكثر؛ لأن هذه البيئات قد ~~تغيرت مع الزمن وتشابهت مظاهرها في مدائن الشرق ومدائن الغرب على نحو يقارب التشابه بين ~~مظاهر الحضارة في أمم الغرب نفسه، حسب اختلاف مواقعها وتقاليدها. # وقد ضعفت دواعي المقاومة للحضارة الغربية بين أبناء هذا الجيل لهذا السبب الواضح، ولسبب ~~آخر يرجع إلى تقدم المسلمين في سبيل الاستقلال عن سلطان الحكم الأجنبي، فإن مقاومة الحضارة ~~الأوروبية كانت فيما مضى وجها من وجوه التمرد على أبناء تلك الحضارة القابضين على أزمة ~~الحكم والإدارة. فلما زال هذا السلطان، أو خفت وطأته، زال معه سبب كبير من أسباب العداء ~~للتجديد العصري والاستحداث في فهم الدين. # ويختم المؤلف صفحات الكتاب بأسطر قليلة يقول فيها: إن مستقبل العرب سيكون من صنع أيديهم ~~بعد اليوم، وسيتولونه ويتولون أمور دينهم ودنياهم كما يفهمونها، وسيكون للجمهرة الكبرى شأن ~~لا يتجاهله المصلحون بين ظهرانيهم، لأن هذه الجمهرة قد أصبح لها خطرها المحسوس، وإن تكن في ~~بعض البلدان قد أصبحت مهمة في تقرير سياستها قبل أن تتدرب على ولاية ms065 الأمر بأيديها. # قال المؤلف قبل أن يستطرد إلى الفصل الأخير عن التجديد أو الاستحداث وعلاقته بالجماهير: # إن الحكومات الغربية في الشرق الأدنى لا تستطيع أن تجد بين العرب طوائف ذات صبغة ~~ديمقراطية حقة - ليبرالية - تسندها وتؤيدها، وكذلك يرى الباحثون في الإسلام من ~~الغربيين أنه لا أمل للإسلام المتجدد على الرغم من اعترافهم باعتقادهم في الإسلام ~~قوة الخلق والحيوية. # ويتحفظ المؤلف في إبداء رأيه بين هذه الآراء، ولكنه لا يجزم برفض ذلك الرأي الذي يرويه ~~عمن سماهم بالباحثين في الإسلام من الغربيين، ولا نخاله يستطيع أن يخلص من عادة الوزن ~~بالميزانين في القضية الواحدة كلما تعلقت بالشرق والغرب في شئون العقائد ومذاهب ~~الاجتماع. # فهؤلاء الباحثون الغربيون يقدرون أن «استغراب» المسلم أو أخذه بنظام من نظم الحضارة ~~الغربية لا يتأتى على غير وجه واحد: وهو الإعراض عن دينه أو الانقلاب عليه. # فأما استغراب المسيحية فغير مستحيل مع بقاء الغربيين على ديانتهم وهي شرقية كالإسلام في ~~مصدرها، وكأنما وجدت هذه الديانة «الشرقية» غريبة منذ اللحظة الأولى ولم «تستغرب» مرات في ~~كل عهد من عهود التاريخ، وأول هذه المرات لم يجاوز القرن الأول للميلاد عند انتقالها من ~~فلسطين إلى آسيا الصغرى ثم بلاد اليونان، وآخرها فروع المذاهب «الإنجيلية» في العالم ~~الجديد، وهي في أصلها «استغراب» في بلاد أوروبا الوسطى واستغراب في أمم الشمال وأمم ~~السكسون. # والمسلم في حساب هؤلاء الباحثين الغربيين يبدو لهم كأنه شخص واحد ولد في عهد البعثة ~~المحمدية، وهو بعينه يولد ويعاد ميلاده من جيل إلى جيل، ومن أمة إلى أمة، كذلك «اليهودي» ~~التائه الذي تزعم الأساطير أنه عاش منذ أيام السيد المسيح ويعيش إلى يوم عودته في آخر ~~الزمان! # فهذا المسلم في عهد البعثة المحمدية هو المسلم الذي يتكرر ميلاده على عهد التابعين، ثم ~~على عهد الأمويين، ثم على عهد الأندلسيين، ثم على عهد الحضارة الأوروبية في القرن العشرين! ~~فإما أن يحمل معه زمانه قبل أربعة عشر قرنا أو ينتقل إلى زمان آخر فلا يبقى على عقيدة ~~الإسلام. # ولو نظر ms066 هؤلاء الباحثون هذه النظرة بعينها إلى علاقة الحضارة بديانات الأمم على اختلافها ~~لاستقاموا على جادة البحث وإن أخطئوا التقدير. نعم إنهم يستقيمون على جادة البحث لو ~~قالوا مثلا: إنهما طريقان لا تلتقيان في كل عقيدة وكل أمة: طريق الحضارة والعلم وطريق ~~التدين والإيمان. # يستقيمون على جادة البحث النزيه وإن أخطئوا الفرض والتقدير. # ولكن الأمر الذي يستحيل عندهم هو بقاء المسلم وحده على التدين مع أخذه بأسباب الحضارة، ~~ولهذا نقول عنهم: إنهم يزنون بميزانين، لا يساوون بين الحكمين في القضية الواحدة. # إنهم لا يقولون: إن الانتماء إلى الدين على سنة التدين في جميع العصور مستحيل على أمم ~~الحضارة العصرية. # كلا! إنهم لا يقولون ذلك، فلماذا يقولون: إن حضارة المسلم وتدينه هما المستحيل بين أمم ~~العالم وحضاراته؟ # يقولون ذلك لأنهم يذكرون غيرهم ولا يذكرون أنفسهم حين يتحدثون عن المشرق والمغرب، وأول ما ~~ينسونه أن الديانة المسيحية التي بقيت في الغرب هي ديانة شرقية المنبت، شرقية الأصول ~~والجذور، شرقية الروح والفطرة، ولكنها استغربت مع الزمن مرة بعد مرة، ووجدوها غربية قبل أن ~~يظهروا هم إلى عالم الوجود غربيين. # الفصل الرابع عشر # | ديمقراطية رعاوية في شمال الصومال1 # هذا الكتاب واحد من مئات الكتب التي تصدر اليوم تباعا عن القارة الأفريقية باللغات ~~الأوروبية. وقد بدأ التأليف في هذا الموضوع بالإجمال عن القارة في عمومها تاريخا واقتصادا ~~وسياسة وأخلاقا وعادات أو عبادات في المجلد الواحد والمجلدين، ثم تشعبت البحوث، واتسع نطاق ~~العناية بها بين قراء الغرب حتى بلغ بها التخصص والتحديد أن يصدر المجلد الضخم عن شعائر ~~القبيلة الواحدة في القطر الواحد، مع التزام الشعائر الدينية الاجتماعية دون غيرها من شئون ~~تلك القبيلة فيما يتصل بالجغرافيا أو السياسة أو العلاقات التجارية والاقتصادية، وصدرت عن ~~الصومال وحدها - في شمالها دون سائر جهاتها - مؤلفات عدة يستغرق بعضها مئات الصفحات، ومنها ~~هذا الكتاب في «دراسة الأحوال الرعاوية والسياسية بين أبناء الشمال» وقد فرغ لتأليفه «أ. م. ~~لويس» بعد أن قضى عشرين شهرا في الرحلة بين أقاليم القبائل التي خصها ms067 بالكتابة في هذا ~~المجلد، واطلع قبل الرحلة وبعدها على مراجع شتى من رحلات السياح والجغرافيين والمستطلعين. ~~ولا ننسى أن البحث عن «أحوال الإسلام» يتقدم البحوث في كل كتابة عن القارة الأفريقية وعن ~~الأقاليم التي يسكنها المسلمون أو يجاورونها بين أرجاء القارة من أقصى الشمال إلى أقصى ~~الجنوب، وقد تعد الكتابة عن هذه الأقاليم التي يسمونها «قرن أفريقيا» كتابة خاصة بالإسلام ~~والمسلمين، سواء اتصلت بحوثها بالأقطار الإثيوبية أو بالجنوب الذي يسكنه أناس على دين ~~الفطرة وتتخلله الدعوة الإسلامية أو دعوة المبشرين من حين إلى حين. # والمؤلف لا يخفي إعجابه بغيرة أبناء الصومال على العقيدة الإسلامية، ويقول في مقدمة ~~كتابه: «إن الغريب عن الديار لا يسعه أن يتجنب الشعور بإخلاصهم الصادق لعقيدتهم الدينية ~~وامتزاج الفخر بالإسلام عندهم والفخر بالانتساب إلى السلالة الوطنية. ولا يجهل الصوماليون ~~أنهم شعب من شعوب كثيرة تدين بهذا الدين، ولكنهم يتخذون من حماستهم له أداة لإبراز ما هم ~~مطبوعون عليه من الشعور العميق بكرامة الأنساب.» # ويقول الرحالة: إن المسلم الصومالي ينتمي - عادة - إلى إحدى الطرق الصوفية، ويرعى فيها ~~النظام الدقيق الذي يمتاز به الصوماليون في اجتماعاتهم العامة، سواء منها اجتماعات القبيلة ~~لتدبير المصالح المشتركة أو اجتماع أبناء الطريق لإقامة الشعائر والعبادات. ولكن الصومالي ~~قد يجمع بين طريقتين في وقت واحد، ويؤدي شعائره في كلتا الطريقتين؛ لأنهما تتفقان في اتباع ~~السنة وقضاء الفرائض المرعية في أحكام القرآن، وقد يقع الخلاف بين الطريقتين إذا اشتبكت ~~أسبابه بأسباب الخلاف على مسائل المجتمع أو مسائل القبيلة «الرعاوية»، ولكنه خلاف قليل ~~الحوادث إذا قيس بالخلاف على المذاهب في غير هذه الديار. # ومما يجد من أضرار هذا الخلاف أن مشايخ الطرق مسئولون في العرف العام عن التوفيق بين ~~الخصوم والإصلاح بين القبائل وولاة الأمور فيها أو في البلاد الحضرية التي انفصلت بعض ~~الانفصال عن تقاليد الريف والبادية، وليس لأحد من وجوه القوم مكانة تعلو مكانة رجل الدين ~~بين قبائل الصوماليين، ولكن العرف الصومالي يدين بتقسيم «السلطات» بين مكانة الشيخ ومكانة ~~رئيس العشيرة أو سلطان ms068 الإمارة، فإذا استجاب المتخاصمون إلى وساطة الإمام الديني فالعهود ~~التي تبرم بينهم إنما يتم إبرامها على أيدي الرؤساء والسلاطين، ويتولى الإشراف على تنفيذها ~~وكلاؤهم وأعوانهم الاجتماعيون، إلا أن يصل الأمر إلى التحكيم على وجه من وجوه الخلاف المتفق ~~عليها فلا يرى الجميع بدا من قبول الاحتكام إلى أئمة الدين. # ويحترم الصوماليون ذكرى الآباء والأجداد، ويقيمون الأضرحة والمزارات لكل جد عظيم من جدود ~~القبيلة المذكورين، ويتفق في هذه الحالة أن يكون مزار الجد العظيم كمزار الولي الديني في ~~القداسة والتوقير وإقامة الموالد إلى جواره مع التصدق بالذبائح والقرابين في كل موسم مشهود، ~~يحضره أبناء ذلك الجد كما يحضره غيرهم من المقيمين إلى جوار المزار. ولعل هذا الاشتراك بين ~~شعائر القداسة وشعائر الولاء قائم على اشتهار أولئك الأجداد بفتح البلاد للدعوة الإسلامية ~~واستحقاقهم للذكرى بفضل الغيرة على الدين والقدرة على تمكين السلطان السياسي لعشيرة من ~~العشائر الوطنية أو عشائر المهاجرين الأولين. # ويدل اسم الكتاب «ديمقراطية رعاوية» # A Pastoral Democracy # على الغرض الأول من تأليفه، فهو وصف النظام الديمقراطي الفطري في بلاد القبائل الراعية، أو ~~قبائل الرعاة التي تحسب فيها الثروة بعدد ما تملكه من الأنعام والماشية وقطعان الحيوان على ~~الإجمال. وقد يصف المؤلف مجالس الحكم والمشاورة في هذه القبائل كما يصف علاقات الحكم ~~بالمحكومين وعلاقات القبائل المتعددة بعضها ببعض في السلم والحرب وأيام الرخاء وأيام الجدب ~~والشدة، فيخلص من مشاهداته الكثيرة إلى الإيمان بصدق العنوان «الديمقراطي» حين يطلق على ~~سياسة القبائل وآدابها الاجتماعية، وإن تكن «ديمقراطية» فطرية تدين بالعرف المأثور قبل أن ~~تدين بالنص المكتوب. # ويقول المؤلف: إن مصالح القبيلة «الرعاوية» لها اعتبارها الأول عند تطبيق الأحكام والحقوق ~~وبخاصة في مسائل الدية والثأر ومسائل التوريث والتمليك، ويحرص أبناء الصومال على تطبيق ~~أحكام الميراث كما شرعها الإسلام، فتعطي المرأة حقوقها على حسب هذه الأحكام، ولكنها لا ~~تتولى رعاية الإبل ولا حيازة الأرض المخصصة للرعي والسقاية، وقد تملك الماشية وتملك الدار ~~والمسكن من مخلفات الآباء والأزواج، ولكنها - هي باختيارها - لا تطالب بولاية أمر الإبل ms069 ~~والمراعي والسقايات، ولعلها تؤثر ذلك لأن الملكية هنا تستتبع الحماية بالسلاح ~~والاستعداد لدفع الغارة وصد العدوان والانتقال من حوزة إلى حوزة كلما وجبت الرحلة من حمى ~~إلى حمى آخر، تبعا لأحوال الخصب والجدب أو أحوال الري والجفاف. # ومما يجعل للملكية في هذه الحالة حكما خاصا لا تنهض المرأة بأعبائه أن تدبير الغارة ~~موكول إلى نظام صارم لا يعفى منه أحد من القادرين على حمل السلاح، فإذا وجب القتال، وتخلف ~~عنه أحد من شبان القبيلة فهو عرضة لاستباحة ملكه من الأنعام والماشية، وإذا اجترأ جماعة من ~~القبيلة على شن الغارة على قبيلة أخرى بغير إذن الزعيم حق له أن يعاقبهم ويحرمهم ~~غنيمتهم، إلا إذا تقدموا بأنفسهم مختارين لقسمة الغنيمة بينهم وبين إخوانهم الذين خالفوهم ~~ولم يشتركوا في اغتنامها، فقد يشفع لهم ذلك في رفع العقاب وتخفيف التعويض المفروض. # وقد تحول الصوماليون من سكان بقاع الشمال من نظام المراعي إلى نظام الأرض الزراعية، فكان ~~لذلك أثره في تعديل أطوار المعيشة وأحكام الديمقراطية الرعوية، ولكنه تعديل ظاهر لم يتعمق ~~إلى أصول العادات والأخلاق. # ويستطرد المؤلف في حديثه عن العرف الاجتماعي إلى الحديث عن الشعر الصومالي ووظيفة الشاعر ~~الاجتماعية بين البادية والحاضرة، فإذا هي صورة أخرى من صور الحياة العربية في عصورها ~~الأولى؛ لأن الشاعر يثير النخوة للقتال ويستفز الغضب للأخذ بالثأر ورد العدوان بالعدوان، ~~وقد يلجأ إليه أحيانا في تهدئة الثوائر الجامحة وتزيين الصلح والمسالمة كلما جنح الحكماء ~~ورؤساء الدين إلى علاج المشكلة بالتوفيق والترضية، ولا يندر في أغراض الشعر عند الصوماليين ~~نظم القصائد حمدا للأولياء وترتيلا لأناشيد الدعاء والثناء على عباد الله الصالحين. ومن ~~أمتع فصول الكتاب تلك الصفحات التي يروي فيها المؤلف طرفا من سير الشيوخ والنساك الذين ~~قادوا الثورة على الحكم الأجنبي كما قادوا الثورة على فساد الأخلاق ومساوئ التفرنج بين أناس ~~من الصوماليين بعد احتكاكهم بالجاليات الأوروبية، فإن أحاديث المؤلف عن أولئك الشيوخ ~~والنساك تصحح التاريخ المفترى عليهم، وتدفع شبهة الهوس التي علقت بهم من روايات ~~الصحفيين عنهم، وأولهم ms070 «الملا محمد عبد الحسن» الذي لقبوه بالملا المجنون، وما كان به من ~~جنون إلا أن يكون الجنون عندهم فرط الغيرة على الصلاح وفرط الغضب من دسائس التبشير ~~والاستعمار. # وأهم ما في الكتاب من وجهة النظر على الحياة العصرية تحقيق المؤلف عن الأحزاب السياسية ~~وأسباب التقارب أو التباعد بين أعضائها، وخلاصته أن العصبية القبلية هي الصلة الكبرى التي ~~تربط بين الهيئات السياسية في الشمال، وأن العوامل المحلية ونفوذ «الشخصيات» التي تهيمن ~~عليها تحل محل هذه الصلة في الأقاليم «غير الرعاوية» وأن المذاهب الأوروبية التي نجحت في ~~اجتذاب بعض الصوماليين إليها إنما نجحت لتوكيدها شريعة المساواة بين الأجناس البشرية أو ~~لتوكيدها مبادئ الديمقراطية بين الحكومات ورعاياها. ولا يخفى أثر الإسلام في كل عامل من هذه ~~العوامل بين المسلمين وغير المسلمين. # الفصل الخامس عشر # | إسبانيا المغربية1 # لأنريك سوردو # كتاب «إسبانيا المغربية» موضوع في وصف حضارة الأندلس على عهد الدول الإسلامية، وأكثر ~~العناية فيه منصرفة إلى وصف حضارة العمران وحضارة المعيشة وما تتسع له من مظاهر العرف ~~والعادة ومظاهر العلاقات بين أبناء المدينة وأبناء الأسرة، وأكثر ما يكون ذلك في مدنها ~~الثلاث الكبرى، وهي قرطبة وأشبيلية وغرناطة، وإن كان المؤلف يلم أحيانا بما يتصل من قريب ~~بهذه الحضارة في المدن الأخرى من قبيل طليطلة وقادش وبلنسية، وما عداها من أطراف ~~الريف. # ويعجب القارئ وهو يتصفح هذا الكتاب ويقلب ما احتواه من الرسوم والنقوش والصور والتماثيل ~~التي بولغ في الاعتناء بها على مثال لا يقع النظر على ما يشبهه في غير الآثار المقدسة عند ~~أبناء الغرب من المسيحيين. # ماذا يزيد عليه الكاتب العربي الأصيل لو كتب في هذا الموضوع وأراد أن يودع فصوله وثنايا ~~سطوره ما يجيش في صدره من خوالج الحنين والفخر والإعجاب بآثار ذلك الماضي العزيزة على بنيه؛ ~~إذ يكاد القلم العربي أن يقصر عن الزيادة عما أودعه المؤلف كتابه من تلك الخوالج الناطقة ~~خلال السطور في غير تكلف ولا انتباه، ولولا خطرات هنا وهناك يلوح فيها أن المؤلف مخالف ~~للعرب في دينه ms071 ولغته وجنسه لسبق إلى ذهن القارئ أنه يستمع إلى أغنية من أغاني الحنين الذي ~~قيل في زمانه: # جادك الغيث إذا الغيث همى # يا زمان الوصل بالأندلس # لم يكن وصلك إلا حلما # في الكرى، أو خلسة المختلس # ويبدو مما يورده المؤلف من بعض الأمثال الجارية على الألسن إلى اليوم أنه ليس بالغريب ~~المنفرد بين أبناء قومه بتلك الأحلام التاريخية، فإنه يذكر أن أبناء غرناطة في هذا العصر لا ~~ينسون الأسوة بمصاب غرناطة العربية كلما حزبتهم فاجعة قومية يتطلبون فيها حسن الأسوة، فإنهم ~~يرددون بينهم كلمة تسير في لفظها ونغمتها مسير الأمثال، ويقولون: «لقد كانت البلية ~~بغرناطة أفدح وأنكى» كأنهم ورثوا هذه الكلمة عن ألسنة العرب، ثم تنقلوها بغير تبديل فيها، ~~أو كأنهم ذكروا البلد، ونسوا من هم أولئك المصابون فيه، ولا حاجة بهم إلى جهد من الذاكرة ~~يلفتهم إلى هذا النسيان، لأن معالم المعيشة البيتية في أكثر العواصم الإسبانية على عهد ~~العرب لا تزال على ذلك العهد إلى اليوم، سواء في تنظيم طرقاتها أو تقسيم بيوتها والانتقاع ~~بمساكنها، وكأنما بقيت محارم الحجاب على حالها كما كانت تبنى في أيام العرب، فلا تزال ~~المنافذ بين الغرف والحجرات وبين الشارع والسوق كأنها تلك المنافذ التي تستر وراءها مقاصير ~~الحريم. # ويحاول المؤلف، لو استطاع أن ينسى من سبق العرب إلى إقامة الحضارة بتلك البلاد، ومنهم ~~أسلاف من الرومان والقوط، ولكنه ينازع القلم إلى ذكراهم ليقول: إن العرب قد صنعوا ما لم ~~يصنعوه، وقد سبقوهم في شوط الارتقاء، وإن لحقوا بهم في أزمنة التاريخ، فيقول عن صناع ~~الأندلس اليوم: إنهم لا يزالون ينتفعون بما تعلموه من العرب والبربر من صناعات النسيج ~~والفخار والآنية والجلود وصياغة المعادن وتزيين الأخشاب، ويثبت للرومان فضلهم في تنظيم ~~موارد الماء للري والشرب والسقاية، ولكنه يعود فيقول: إن غلبة «الماء» في النوافير وفي ~~الجداول المصنوعة وفي الحدائق العليا والسفلى إنما كان ظاهرة «الصحراء» التي يبلغ الماء ~~فيها ما ليس يبلغه في مكان، من إرواء غلة الأعين والصدور. # ويشيد المؤلف بما اتسمت ms072 به الحضارة العربية من قوة الشعور بالحياة الحسية والحياة الفكرية ~~في آن. # ويطيل الوقوف عند ظاهرة «الطرب» للسماع ونغمات الأصوات والآلات، فيروي ما يرجحه بعضهم من ~~أنها أصل كلمة «الطربادور» التي تطلق على الشعراء المنشدين بين جنوب فرنسا وشمال البلاد ~~الإسبانية، ويشير إلى ما تخيله بعضهم من أنها تتصل بمادة «طاب» العربية بمعنى «طيب العيش ~~وطيب الشعور»، ثم يعدو فيقول: إن هذا الشعور الذي يدل على قابلية النفس للامتلاء بالحيوية ~~والإحساس بجمال الحياة لم يخلقه اليوم غير ثورة الحس في حلبات مصارعة الثيران، وغير أناشيد ~~الرقص في الحانات، تتخللها صيحات «ووللي. ووللي» عند النشوة والاستحسان، وما هي إلا تحريف ~~لكلمة الجلالة التي كان من عادة العربي أن يهتف لإبداء إعجابه بكل جميل: الله. الله. # ويسرف المؤلف في تعظيم هذه «الحاسة» الجميلة عند العربي فيروي من أقاصيصها ما يصدق وما لا ~~يصدق من أخبار الخلفاء والأمراء، ويغفل من ذلك ما قيل عن شق الثياب والصياح بنداء الباعة ~~والخروج عن الحشمة والعربدة على الندماء، ويضيف إلى ذلك ما يرويه عن أمراء بغداد ودمشق ~~وأمراء المغرب وأفريقيا، وأعجبه ما رواه عن رجل من حاشية الملوك التي تحسن ضبط الشعور في ~~مواقف الطرب والغضب ، فنقل عن أحدهم أنه نسي نفسه؛ فهجم على المغني في حضرة الملك، وأخذ في ~~تقبيله، وعرض نفسه بذلك للقتل العاجل؛ لأن ذلك المغني كان سجينا متهما بالخروج على ~~الأمير، واحتال على إسماع الملك بعض غنائه لعله يعفو عنه ويستبقيه. # أما الحياة الفكرية فقد أطنب المؤلف في سرد أخبارها، كما أطنب في سرد أخباره عن الحياة ~~الفكرية الحسية. ومن ذاك أن قرطبة كان فيها مائة وسبعون امرأة يكسبن رزقهن بنسخ الكتب غير ~~الرجال، وأن المدينة كانت تخرج في كل سنة ما لا يقل عن ستين ألف كتاب من المصنفات المنسوخة ~~أو المنقولة أو المؤلفة، وأن عدد الكتب في بعض المكتبات التي جمعها خليفة من الخلفاء لم يكن ~~يقل عن أربعمائة ألف كتاب، وكانت منها كتب كثيرة في غير المباحث الدينية، أثارت ms073 جماعة من ~~الفقهاء المتزمتين فأرضاهم المنصور بإحراق المئات منها. # ويرى المؤلف أن الثقافة العربية غلبت على كل ثقافة تقدمتها في بلاد الأندلس المغربية، ~~ولكنها كانت في بعض المدن تنتزع المدينة من صبغتها الرومانية التاريخية لتقيم فيها نمطا من ~~الحضارة يغلب فيها التوازن بين الغرب والشرق كما غلب من قبل في القسطنطينية وعواصم الدولة ~~البيزنطية. # وانتقل المؤلف من الثقافة عامة إلى ثقافة الفنون الجميلة، فنفى كل ما يشاع في الغرب عن ~~تحريم الإسلام للاشتغال بالفن الجميل. وقال: «إن الغرب تشيع فيه فكرة عامة فحواها أن ~~الديانة الإسلامية تحرم كل التحريم صور الأحياء، وكل ما ثبت ثبوت اليقين في هذا المعنى أن ~~التماثيل الدينية محرمة في هذه الديانة، وفيما عدا ذلك لم ترد في القرآن آية واحدة تؤيد ما ~~يشيع بين الغربيين، وإنما ورد في الأحاديث النبوية التي يرجع استقصاء الكثير منها إلى القرن ~~الحادي عشر للميلاد ما يفيد استنكار التصوير.» # ثم يتوسع المؤلف في بيان الموانع التي تقبل فيها الرسوم والنقوش مع انتفاء شبهة العبادة ~~والتقديس. # ويشتمل الكتاب على أكثر من مائة صفحة كبيرة محلاة بالصور الملونة أو بالنقوش الهندسية ~~المحكمة، تلحق بها الشروح التاريخية والتحليلات الفنية، ويوشك أن تحيط بكل ما بقي في بلاد ~~الأندلس من الآثار الإسلامية ولا سيما المساجد والقصور، وتظهر في بعضها نقوش الكلمات ~~العربية واضحة للقراءة مع تتبع الخطوط بينها وبين ما حولها من رسوم الزينة وعقود البناء، ~~وهي - فيما نرى - أفصح من كل ما اقترن بها من الشروح والتحليلات في الارتفاع بإعجاب ~~المعجبين إلى ذروة الشعور بجمال تلك الحضارة، وغاية الاستحسان لذلك الذوق الفني الذي انبعثت ~~منه، وفرط الحنين إلى تصور العهد الذي كانت فيه هذه الآثار عمارا حيا يزدحم بمن فيه، ~~وتحيط به الدنيا المقبلة وهي مترعة بالنعمة والرخاء. ~~••• # وكتاب «إسبانيا المغربية» الذي أخرجه طابعوه في هذا الوضع من الزخرف الجميل والأناقة ~~الفنية إنما هو حلقة من سلسلة متناسقة معدة لإبراز الآثار الفنية في مثل هذا الموضوع، ونعني ~~به موضوع المخلفات المأثورة في مدن ms074 الحضارات التي يطول الحنين إليها بين أبناء العصر الحديث ~~حنين القلوب والضمائر تارة وحنين العقول والأذواق تارة أخرى، ومنها أثينا اليونانية، ~~والبندقية وبومبي اللاتينيتان، وبكين الصينية، ومن العواصم الإسلامية مكة المكرمة # Mecca the ~~Blessed # والمدينة المنورة # Maidina the Rodiant # ملحوظا في ترجمة اسميهما أن ~~يكون كل منها متبوعا بصفته التي اشتهر بها في اللغة العربية. # ولم نطلع بعد على هذين الكتابين الأخيرين، ولا ندري كيف يهتدي مؤلفاهما إلى التمييز بين ~~ما في المدينتين من معالم القداسة ومعالم الحضارة، ولكننا نعتقد مما اطلعنا عليه من نماذج ~~هذه السلسلة أن عرض الحضارة العربية على هذه الصورة في الغرب أصلح لتعريف الغربيين بمفاخرها ~~من نشر التواريخ المفصلة، لأن الالتفات إلى مظاهر الفخامة المحسوسة وآيات الفن الرائعة أعم ~~وأقوى بينهم من الالتفات إلى مآثر الروح والضمير. # الفصل السادس عشر # | في مطالع الأعوام: نظرة إلى التنجيم في العالم المتمدن1 # كان علم النجوم في زمن من الأزمنة الغابرة يسمى بالعلم السماوي، أو العلم العلوي، أو ~~العلم الإلهي. وكان علما واحدا ينطوي على عدة علوم: أولها علم الدين، لأن الأقدمين كانوا ~~يعبدون الكواكب، ويخصون كل نجم بالربوبية على جزء من أجزاء الطبيعة أو قوة من قواها. # ومن علوم النجوم «علم الفلك» الذي يبحث في حركات الكواكب ومواقيت طلوعها ~~واحتجابها. # ومنها علم الملاحة لاعتماد السفن على رصد الكواكب واختلاط الأمر يومئذ بين دراسة الفلك ~~ودراسة الظواهر الجوية على إطلاقها. # ولقد كان علم الزراعة يرتبط بعلم الفلك لاعتقاد الزراع قديما أن المحاصيل الزراعية تنمو ~~بفضل البروج والمنازل السماوية التي تشرف عليها وتقترن أحيانا بمواعيد الأمطار ~~والفيضانات. # وأما العلم الذي كان في الواقع يغطي على علوم الفلك جميعا فهو «علم التنجيم» أو علم ~~الطوالع وما تنطوي عليه من أرصاد السعود والنحوس. فقد كانت كلمة التنجيم إذا أطلقت تعني في ~~عرف الأكثرين علم النظر في الغيب واستطلاع السعود والنحوس، وتدبير أسباب الوقاية التي يزعم ~~المنجمون بطلاسمهم وأباطيلهم أنها تنفع في هذه الأمور. # ولقد مضى الزمن، وتقدم الناس أو تقدم المتمدنون منهم، ms075 فتركوا عبادة النجوم وعرفوا الحقائق ~~عن علوم الملاحة والزراعة، وعرفوا ما لم يعرفوه قط - من قبل - عن حركات الأفلاك ومنازل ~~الفضاء، فأصبح للفلك علم مستقل غير علوم اللاهوت وعلوم الملاحة والزراعة، وانقطعت الصلة ~~تماما بين هذا العلم الواسع وتلك الخزعبلات التي كانت تسمى بعلم التنجيم، واضطر علماء ~~الغرب أن يفصلوا بينهما في لغاتهم، أصبح علم «الأسترونومي»؛ أي علم الفلك، غير علم ~~«الأسترولوچي» الذي يطلق على التنجيم. # وكان المظنون أن أبناء الغرب المتمدنين قد فرغوا من أمر التنجيم وخرافاته، وقد عرفوا ~~من حقائق الأفلاك في هذا الزمن ما يعرفونه عن تلك الخرافات التي صدقها أسلافهم، لجهلهم ~~بأقرب الكواكب إليهم وخلطهم بين مواقع النجوم التي ترى بالعين المجردة، وهم لا يعرفون ~~أبعادها ولا يدركون آفاتها. # أما اليوم والأرصاد الفلكية تكشف الآفاق إلى مدى الملايين من السنين الضوئية وعلماء الفلك ~~يعرفون عن تكوين الكواكب مثل ما يعرفون عن تكوين هذه الكرة الأرضية، ويتحدثون عن السفر إلى ~~تلك الكواكب كما يتحدثون عن الممكنات أو عن الصعوبات التي تقبل التذليل، فلا ندري كيف يعقل ~~الإنسان المتمدن أن أسرار السماء والأرض في الحاضر والمستقبل، يكشفها المنجمون الجهلاء ~~وينبئ عنها من غاب عنه كل كشف جديد من كشوف السماء، ولكن الواقع العجيب أن المصدقين ~~بالتنجيم اليوم بين المتمدنين في الغرب يزيدون كلما ازدادت كشوف الفلك الحديث، وأننا لا ~~نزال نتلقى من المطبوعات الأوروبية والأمريكية أشتاتا من التقاويم والمجلات وجداول الأرصاد ~~والطوالع، مخصصة كلها لمسائل التنجيم ونبوءات الحاضر والمستقبل، ودلالات الأفلاك على مصائر ~~العظماء ومقادير الدول والحكومات، وفي كل لغة من اللغات الحية تصدر التقاويم السنوية، وتصدر ~~المجلات الدورية، وتصدر الكتب والمصنفات وتصدر دوائر المعارف ومراجع التاريخ، وينتظم صدورها ~~كما ينتظم صدور أمثالها من المطبوعات المخصصة لمباحث العلوم والآداب والفنون، ويشتريها طلاب ~~الطوالع بالأثمان الغالية التي تزيد أحيانا على أثمان كتب العلم والصناعة ودراسات الفنون ~~والصناعات. # وقد عنيت إحدى المجلات السيارة بإحصاء هذه الظاهرة العجيبة، فتبين لها أن الاهتمام ~~بالتنجيم في ازدياد، وأن الأمم الأوروبية والأمريكية لا تقل ms076 عن أبناء القارات الأخرى في ~~إقبالها على قراءة كتب التنجيم، وعلى استشارة المنجمين في أخطر الشئون، ومنها مشروعات ~~التجارة والاقتصاد، واختيار الشركاء والأزواج. # وإذا صح الإحصاء الذي اعتمدته المجلة فقد ازداد عدد المقبلين على استشارة المنجمين في ~~الولايات المتحدة - بعد الحرب العظمى - من ثلاثة ملايين إلى عشرة ملايين، وأصبح عدد المكاتب ~~المفتوحة لقراءة الطوالع يقارب خمسة آلاف، ويقدر عدد المؤمنين بالطوالع الفلكية في ألمانيا ~~بنسبة سبعة وعشرين في المائة من مجموعة سكانها، وأن رجال السياسة في إيطاليا كثيرا ما ~~يزورون مكاتب المنجمين تحت جنح الظلام ليسألوهم عن طوالع الأحزاب والحكومات، وأن دور ~~الملاحة في اليابان لا يندر أن تستشير المنجمين لاختيار الساعة الملائمة لإنزال السفن ~~الجديدة إلى الماء، وأن الناشرين اليابانيين وزعوا في سنة واحدة ثمانية ملايين نسخة من ~~خرائط الطوالع التي تسمى بالأصطرلاب، وأن في إيطاليا عشرين مجلة منتظمة لا تنشر شيئا غير ~~النبوءات وما يتعلق بها من أسئلة القراء وأجوبة المنجمين، وأن طائفة غير قليلة من أصحاب ~~الأعمال يتذاكرون إلى اليوم مقدرة المنجمة إيفانجلين ~~آدمز # Evangelin Adams # التي كانت تقنع مورجان صاحب الملايين بنبوءاتها عن تقلبات السوق، ولا ~~يبالون من أجل ذلك أن يجازفوا بأموالهم معتمدين على أرصاد المنجمين والمنجمات. # وقد أرادت المجلة أن تلتزم جانب الحيدة العلمية في رواية تلك الأخبار، فنقلتها على علاتها ~~ولم تظهر للقارئ أنها تستخف بها ولا تصدقها وتطمئن إليها، ولكنها نقلت كذلك أخبارا أخرى عن ~~بعض المنجمين بمثل هذه الأمانة في الحكاية، وفيها ما فيها من التشكيك على الأقل بفريق من ~~المحترفين لصناعة التنجيم. # قالت: إن ثلاثة من سبعة من كبار المنجمين المشهورين رسموا خريطة السيارات الشمسية فوضعوا ~~الأسفل منها في موضع الأعلى، ولا تدري المجلة - كما تقول - أعن جهل كان ذلك أم ~~إهمال؟ # وقالت عن عالم برازيلي أنه ضجر من إلحاح بعض الناشرين عليه ليرسم له خريطة سماوية ومقرونة ~~بالطوالع، فتخلص منه بإحالته إلى سكرتيرة ليقنعه أو يريحه من إلحاحه، فاخترع له السكرتير ~~خريطة من عنده نقلها من بعض المهملات المهجورة، ms077 ولا تزال هذه الخريطة المخترعة تباع وتستشار ~~في مهام الأمور. # ويتساءل كاتب البحث عن التنجيم: ترى ماذا يصنع المنجمون في أمر التوائم الذين يتشابهون ~~بأسماء الأمهات والآباء وساعات الميلاد وأماكن الولادة، ولا يمكن أن يتفقا في حوادث ~~الحياة؟ # ويعجب الكاتب: لماذا يذكر الناس قليلا من الأخبار التي تصح ببعض التأويل بل لا تصح إلا ~~مع التعسف في التأويل، ثم هم لا يذكرون عشرات الأخبار التي كذبت كل الكذب، ومنها أخبار ~~المنجمين في القرون الوسطى عن نهاية الدنيا وهي قائمة بعد تلك النبوءات لا تزال؟ # إلا أن المجلة في الواقع قد بالغت في احترام تلك الخرافات وفي مناقشتها كما يناقش الجد ~~الذي تخفى أباطيله أو تحتاج إلى بحث يكثر فيه القال والقيل. # إن الأساس الذي يقوم عليه التنجيم قد تهدم، ولم يبق للمطلع على أبسط بسائط الفلك ذرة من ~~الشك في بطلانه. # فهم يبنون علوم التنجيم على السيارات السبع، ويعدونها فيخطئون؛ لأنهم يحسبون القمر من ~~السيارات وليس هو منها، ولا يحسبون الكرة الأرضية وهي في وسطها. # وكان المنجمون الأقدمون يجهلون ثلاثا من السيارات؛ لأنها لم تكشف قبل اختراع المنظار ~~المقرب أو التلسكوب، وهي أرانوس الذي كشفه وليام هرشل سنة 1871، ونبتون الذي كشف في منتصف ~~القرن الماضي، وبلوطس الذي كان معروفا بالظن، ولم يعرف على وجه التحقيق قبل سنة 1930. وأدل ~~من ذلك على جهل المنجمين الأقدمين أنهم يذكرون بروج الفلك ويذكرون سلطان كل برج منها كأنه ~~ثابت في مكانه، لأن معلوماتهم عن دائرة البروج ترجع إلى ما قبل الميلاد بمائة وخمسين سنة، ~~ولأن الفلكيين قبل ذلك التاريخ كانوا يحسبون أن مدار الأرض فيها ثابت على اتجاه واحد، ولكن ~~الفلكي هيباركس # Hipprchus # أثبت أن البروج تنتقل من ~~أماكنها، وثبت بعد ذلك أن خط البروج انتقل قبل ألفي سنة من برج الحمل إلى برج الميزان، وأنه ~~الآن ينتقل من برج الحوت إلى برج السنبلة، ولا تزال تتقهقر حقبة بعد حقبة حتى تعود إلى ~~أماكنها، فلا يتم انتقالها إلا مرة في كل ستة وعشرين ألف ms078 سنة، ولا تتفق طوالع المواليد ~~اليوم وطوالعهم قبل ألف سنة ولا قبل مائة سنة، لأن مواضعها في أفلاك البروج لا تزال في ~~انتقال واختلاف. # هذه الحقائق الفلكية قد أصبحت أكثر من مجرد حقائق علمية يدرسها الرياضيون في مراصدهم، ~~لأنها وقائع تلمس آثارها كل يوم في أرصاد الأجرام السماوية وأدوار المذنبات وحساب الكسوف ~~والخسوف، وبها يستطيع الفلكيون أن يقدروا بالساعة والدقيقة مواقيت الحوادث الماضية في ~~المنظومة الشمسية كما يقدرون أمثالها بعد ألف سنة، وكل حقيقة منها تنقض أباطيل المنجمين عن ~~السيارات والبروج وعن الشمس والقمر من غير السيارات، وتثبت لنا أن أولئك المنجمين قد جهلوا ~~ظواهر الفلك الواضحة فضلا عن أسراره المستورة عن النظر أو في مجاهل الغيب. # فهم لم يكشفوا السيارات نفسها فضلا عن أن يستعينوا بها على كشف الحاضر والمستقبل من ~~حوادث الدنيا وضمائر الناس. # وهم قد جهلوا مراكز الأرض بين الأجرام السماوية، فضلا عن مراكز الأحياء والأموات الذين ~~يعيشون، أو كانوا يعيشون على ظهرها. # وهم قد جهلوا أن البروج تنتقل من أماكنها فضلا عن الأماكن التي تتسلط عليها تلك البروج ~~كما يزعمون، ومنها يتنبئون بتقلب الناس في الحل والترحال، وما يعترضهم في أسفارهم من السعد ~~والنحس أو من الكسب والخسارة، وإن العلم الذي يخطئ فيما يعلمه الآن كل إنسان هيهات أن يحيط ~~بالمجهول الذي لا يعلمه أحد، ولا يتأتى علمه لغير علام الغيوب. # إلا أن التنجيم الذي يقبل عليه المتمدنون في هذا العصر يعلمنا شيئا يعنينا جدا أن ~~نعرفه عن أسرار النفس البشرية في كل زمن وفي كل بلد، ويبين لنا خفايا الضمير التي تبين على ~~غير قصد من المنجمين ولا من طلاب التنجيم. # إن عبرة الإقبال على التنجيم في عصر العلم أن النفس البشرية لا تحب أن تنقطع عن عالم ~~الغيب ولا تشعر بأن الظواهر المكشوفة تغنيها عما وراء الحجاب من مقادير الوجود، وقد يشبع ~~العلم رءوس الناس ولكنهم لا يزالون بقلوبهم جياعا إلى غذاء آخر يستمدونه من قوة أخرى، وهو ~~الذي يلتمسونه من هنا وهناك بين ms079 الصواب والخطأ وبين الهداية والضلال. # إن التنجيم باطل، ولكن شوق النفس البشرية إلى المجهول صحيح، وليس من النافع لها أن تكف عن ~~طلبه، ولكن من النافع لها أن تميز بين طريق الهداية وطريق الضلال، وأن تطلب الحق حيث يطلب ~~وإن طالت بها شقة الطريق. فليس يضيرها إذا استقامت على الجادة أن تطول الطريق. # ولا ندري ما هي النسبة العددية التي تظهر لنا بالمقارنة بين الأمس واليوم، هل يزيد ~~الإقبال على التنجيم في بلادنا أو ينقص؟ وهل يصدق علينا ما ترويه المجلة الغربية عن العالم ~~الغربي أو لا يصدق على ذلك المثال؟ # ولكننا ندري - إن شاء الله - ما يجب علينا في هذا المقام. # ندري أننا سبقتنا الغرب إلى معرفة التنجيم آلاف السنين، فمن حقنا أن نسبقهم إلى العلم ~~بأباطيله، وأن نقنع منه بنصيبنا في الماضي، فلا نشاركهم في بقيته الباقية بعد اليوم. # الفصل السابع عشر # | الحج قبل الإسلام وبعده1 # الحج فريضة قديمة في الديانات، ولم يوجد قط إلا في ديانة كبيرة، لأنه يستلزم انتشار ~~الديانة في أماكن متعددة كما يستلزم قدمها وانتظام العمل بها في الأزمنة المتعاقبة عاما ~~بعد عام أو موسما بعد موسم، ولا يتهيأ هذا وذاك إلا لديانة قد تأصلت في مكانها ~~وزمانها. # وأشهر الديانات القديمة التي وجدت فيها فريضة الحج اثنتان: ديانة البراهمة في آسيا ~~الشرقية، وديانة بني إسرائيل في آسيا الغربية. # أما الحج في الديانة البرهمية فلا صلة له بالإسلام، ولا مشابهة بينه وبين الفريضة ~~الإسلامية في مناسكها ولا في حكمتها؛ لأنه يقوم على عقيدة تناسخ الأرواح والتطهر من الأوزار ~~في هذه الحياة استعدادا لرجعة الروح إلى جسد أكمل وأنقى، وعند البراهمة أن الحاج يذهب إلى ~~نهر «الكنج» ليغتسل فيه، فيتطهر من ذنوبه ويرجو بهذا التطهر أن يعاد إلى حياة أشرف من حياته ~~الحاضرة في هذه الدنيا. # وذلك كما قدمنا أصل من أصول الحج بعيد من العقيدة الإسلامية، ولا وجه فيه للمقارنة بين ~~العقيدتين وإثبات مواضع التطور بينهما مع اختلاف الزمن وتجدد البعثات. # أما الحج في ديانة ms080 بني إسرائيل فمرجعه الأقصى إلى دعوات إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وموسى ~~عليهم السلام، وهو السابقة التي لحق بها الإسلام ليتمها ويصححها، ومن هنا تتأتى المقارنة ~~بين فريضة الحج كما بقيت عند بني إسرائيل، وبين هذه الفريضة كما أقرها الإسلام فأبقى منها ~~ما أبقى، ونسخ منها ما نسخ، ثم تبين في بدء هذا التطور مبلغ التقدم الذي جاء به الإسلام في ~~شعائر الدين ومناسك العبادة. # وأول الفوارق التي يتبين منها مدى هذا التطور أن الحج في بني إسرائيل إنما كان وسيلة ~~لتدعيم سلطان الهيكل وكهانه، وإنما كان في أهم مناسكه فرصة لتزويد أولئك الكهان بالضرائب ~~والإتاوات والقرابين، وقد صرحت بذلك مأثوراتهم كما رووها في العهد القديم، وفيه «إنه إذا ~~قرب أحد قربانا يأخذ الدقيق ويسكب عليه الزيت ويجعل عليه لبانا ويأتي به إلى بني هارون ~~الكهنة ويقبض منها ملء قبضته من دقيقها وزيتها مع كل لبانها، ويوقد الكاهن تذكارها على ~~المذبح لتنبعث منه رائحة سرور للرب، والباقي من التقدمة هو لهارون وبنيه». # ومن أكبر الفوارق بين الحج كما دان به بنو إسرائيل وبين فريضته التي دان بها الإسلام أن ~~مواسم الحج الإسرائيلية كلها مواسم زرع وحصاد، أو كما جاء في العهد القديم: # ثلاث مرات تعيد لي في السنة: عيد الفطير ... وعيد الحصاد ... وعيد الجمع في نهاية ~~السنة ... # وفي جميع هذه الزيارات تؤدى الإتاوة لكهان الهيكل ... «ولا تظهروا ~~أمامي فارغين ...»! # ومن سخافات المبشرين والمستشرقين أنهم يأخذون على الإسلام رمي الجمرات، وينسون أن شعائر ~~الضحية كما يرتبها الكهان الإسرائيليون تتجاوز الاعتراف بوجود الشيطان إلى تقديم القربان ~~إليه، فإذا كان يوم الكفارة جاءوا بجديين وفضلوا أحدهما بالقرعة فتقربوا به إلى الله، ثم ~~تقربوا بالآخر إلى عزازيل؛ أي الشيطان. # وأبعد من ذلك عن نزاهة التوحيد أنهم يتصورون الذبيحة طعاما للإله جل وعلا، فيقولون: إنه ~~سبحانه وتعالى يتنسم منها رائحة الرضى، وإنها سرور له متاع! # ولقد خطا الإسلام بالضمير الإنساني شوطا بعيدا في جميع هذه المناسك والعبادات. # فالمسلم لا يحج إلى الكعبة ليعزز فيها سلطان الكهان أو ms081 ليقدم إليهم القرابين والإتاوات، ~~وإنما هي فريضة للأمة وفي مصلحة الأمة وعلى شريعة المساواة بين أبناء الأمة، وهي بهذه ~~المثابة فريضة اجتماعية تعلن فيها الأمم الإسلامية وحدتها، والمساواة بين الكبير والصغير ~~أمام الله وعند بيت الله. # وليس المقصود بالضحية في الإسلام أنها طعام للكهان أو طعام للإله أو قربان لكسب الرضا من ~~عزازيل، ولكنها صدقة أو سخاء من النفس في سبيل العبادة يشير بها الإنسان إلى واجب التضحية ~~بشيء من الدنيا في سبيل الدين، متجشما لذلك مشقة الرحلة وتكاليفها جهد المستطيع. # ويمتاز الحج في الإسلام بدلالته الروحية التي لا ترتبط بمواسم الزرع والحصاد، فإنه يتفق ~~في جميع المواسم والمواعيد، ويأتي في الشتاء أو الصيف كما يأتي في الربيع، وهو بهذا المعنى ~~علاقة سماوية روحية تناسب مقصدها الأسمى من تحقيق الرابطة بين الأمم التي تدين بعقيدة واحدة ~~في أرجاء الكرة الأرضية، على تباعد مواقعها واختلاف أجوائها وفصولها، فهو رابطة من روابط ~~السماء تؤمن بها أمم وحدتها العقيدة السماوية وإن فرقت بينها شتى المطارح ~~والبقاع. # والواقع أن فرائض الإسلام جميعا تقوم على الصلة الاجتماعية مع قيامها في الوقت نفسه على ~~ضمير الفرد بينه وبين الله. # والحج أظهرها وأجهرها بهذا المعنى، ولكنه كذلك معنى يظهر في كل فريضة من فرائضه الخمس ~~المشهورات، فمن قال : «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله» فإنما هو إشهاد ~~تلاحظ فيه الجماعة كما تلاحظ فيه ضمائر الأفراد، وليست صلاة الجماعة منسية مع الصلوات التي ~~ينفرد بها المسلم إذا تعذر عليه الاجتماع، وفريضة الزكاة لا تكون إلا في مجتمع يتعاون فيه ~~الغني والفقير، وصيام رمضان ينتهي بالعيد الذي يجتمع فيه المسلمون كافة، فما من فريضة إذن ~~في الإسلام إلا وهي فريضة الأمة بأسرها على نحو من الأنحاء. # ولقد طال بحث المؤرخين الغربيين عن أصول الحج إلى الكعبة قبل الإسلام، وتواترت الأقوال ~~بتعدد الأبنية التي كانت من قبيلها في الجزيرة العربية، ومنها كعبة صنعاء التي يقال إنها ~~كانت في موضع مسجد غمدان وكعبة نجران التي كشفها ms082 الرحالة المعروف الشيخ عبد الله فلبي (في ~~سنة 1936) وغير هاتين الكعبتين مما ورد في بعض الأخبار الضعاف بغير سند من دلائل ~~الثقات. # وأيا كان القول الفصل في تاريخ الماضي فالحج الإسلامي في عصرنا هذا هو الفريضة الوحيدة ~~الباقية من قبيلها في جميع الأديان الكتابية. # فهيكل بيت المقدس قد تهدم منذ القرن الأول للميلاد، ولم يرد في الأناجيل المسيحية نص على ~~مكان مقدس مفروض على المسيحيين أن يحجوا إليه، وكل ما عرف بعد القرون الأولى فإنما اتبع فيه ~~الخلف سنة الملكة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين التي قيل إنها وجدت الصليب الأصيل في ~~فلسطين عندما توجهت إليها لزيارة آثار السيد المسيح، وهي قصة يكفي للدلالة على قيمتها ~~التاريخية أن رواتها جميعا نقلوها بعد عصر الملكة هيلانة، وأن مؤرخ العصر الأكبر ~~يوسيبيوس # Eusebius # لم يشر إليها بكثير أو قليل على شدة ~~اهتمامه باستقصاء الأخبار التي لا تذكر بالقياس إلى هذا الخبر العظيم. # ثم تتابعت القرون والدول التي تنتسب إلى المسيحية تتذرع بالأماكن المقدسة لترويج مطامعها ~~السياسية، فروسيا القيصرية تدعي حمايتها على مذهب الكنيسة الشرقية، وملوك فرنسا يدعون ~~حمايتها على مذهب الكنيسة الغربية، ولما ذهب هؤلاء الملوك وتبعتهم دولة الجمهورية ~~«اللاتينية» كانت الغيرة على الحج في عهدها على أشدها وأقواها ونشأت في أيامها صحيفة الحاج Pelerin # التي بلغ المطبوع من أعدادها مئات الألوف ~~وامتلأت صفحاتها بأنباء المعجزات والكرامات التي تشاهد في أرض الميلاد، وتضافرت الدولة ~~والكنيسة على ترويجها خدمة لمطامع الاستعمار. # ثم تقلبت الأيام حتى رأينا دعاة الاستعمار يسلمون الأماكن المقدسة إلى أيدي ~~الصهيونيين! # أما فريضة الحج الإسلامي فقد بقيت لها رسالتها التي لا عبث فيها ولا موضع للمكر والدسيسة ~~من ورائها، وإن رسالتها اليوم في العالم الإسلامي لأعظم وألزم من رسالاتها في جميع الأزمنة، ~~لأنها العهد المجدد في كل عام بين شعوب الإسلام، وفي عصرهم أحوج ما يكونون فيه إلى الوفاق ~~والوئام. # الفصل الثامن عشر # | أفغانستان وانتشار الإسلام في الهند # في مقالنا عن استقلال الأفغان، قلنا: إن الخالق سبحانه وتعالى هو الذي كتب ms083 وثيقة ~~الاستقلال للأمة الأفغانية حين أودع العزة في نفوس هذه الأمة العريقة، وخلقها عصية على ~~الفاتحين، وأعصى من ذلك كثيرا على الحاكمين المستعمرين. # وللتاريخ مواضع استفهام عن أطوار الأمم تخطر للسائل، ويلتمس الجواب عنها من هداية فكره، ~~ومن دلالة الحوادث والمقابلة بين نقائضها وأشباهها. # وبعض مواضع الاستفهام هذه في تاريخ الأفغان أنها قوية، تصير على الشدائد، وتقتحم المكاره، ~~ولكنها قنعت من القوة في أكثر العصور، بأن تجعلها أداة لحفظ الحرية ومناعة الحوزة، قليلا ~~ما جعلتها أداة للغلبة والطموح إلى توسعة الملك وبسط السلطان على الآفاق المترامية من ~~حولها. # لم تكن هذه نظرتها إلى القوة، ولم تكن لها نظرة إليها كنظرة الفاتحين من أبناء الأمم ~~المشهورة بالإقدام وشدة المراس وقلة الاكتراث بمخاطر الحروب والفتوح؛ ليس عن قصور في الهمم ~~ولا عن زهد في العظمة كما كانت مفهومة في أزمنة الفتح والغلبة. # ولكنها ظاهرة من ظواهر التاريخ يفسرها موقع الأفغان، ثم يفسرها الدور الذي اختارته لنفسها ~~بين دول المشرق الكبرى، وقد كانت كلها محيطة بالأفغان من الشرق والغرب والشمال ~~والجنوب. ~~••• # كانت الأفغان شعب قبائل متعددة لا تلتقي في وحدة حكومية، وكانت الدول من حولها ~~«إمبراطوريات» شاسعة الأطراف: بين إمبراطورية أبناء السماء، وإمبراطورية الراجات، ~~وإمبراطورية الفرس أيام استقلالها وأيام دخلت مع العرب في دولة واحدة هي دولة ~~الإسلام. # فماذا تصنع الأفغان بين هذه الدول الكبار؟ # إذا استطاعت أن تؤلف بين قبائلها للمحافظة على استقلالها ودفع الطغيان عنها، فقد وفت ~~بحق الكرامة وأدركت منها ما يعز على سواها في مكانها. # ولكنها استطاعت هذا وزيادة. # استطاعت أن تتولى شئونها وأن تتولى معها مهمة الرئاسة الفعالة في كل دولة اشتركت فيها، ~~واستطاعت مع هذا أن تنهض للفتح في جوارها كلما دعتها إليه ضرورات الموقف أو حوافزه التي لا ~~تهمل في زمانها. ~~••• # واستطاعت ذلك كله على ثلاث صور بينة في تاريخها مع الدول الإسلامية: # أولها: # أنها كانت ميزان الدولة التي تترجح في كفة البقاء أو كفة الزوال. # فالدولة الأموية زالت، وقامت في مكانها الدولة العباسية، يوم أعرضت ms084 ~~خراسان عن الأولى وجنحت إلى الثانية، والدولة العباسية عادت فضعفت وتعرضت ~~للزوال، يوم فقدت معونة خراسان. # والصورة الثانية: # التي أثبتت بها مكانها في الدولة أنها أخرجت للعباسيين بيوت الوزارة ~~والولاية من البرامكة والطاهريين والسامانيين. # والصورة الثالثة: # أنها تكفلت لدولة بغداد بفتح الهند ونشر الإسلام فيه، فكان جانبها هو ~~الجانب الوحيد الذي اتسع بالفتح وانتشار الإسلام، يوم كانت جوانب الدولة ~~الأخرى تنتزع منها قطعة بعد قطعة، ويجور عليها الأعداء من خارجها أو ~~المتمردون المنتقضون عليها من داخلها. # والدول الأفغانية الثلاث التي نهضت بفتح الهند هي دولة بني «سبكتكين» ودولة الغوريين ~~ودولة آل قيلجي، ولا سيما علاء الدين. ~~••• # وليس سبكتكين من صميم أبناء الأفغان، ولكن نشأته أفغانية ودولته أفغانية وقوته التي اعتمد ~~عليها في نجاح حكمه ونجاح فتوحاته أفغانية، ولا يمكن أن تعرف بنسبة أخرى إذا وجب أن تنسب ~~إلى قبيل أو نظام. # إن الإسلام دخل الهند من طريقين: طريق الفتوح وطريق الرحلة والتجارة. # وبعد فتح السند في أيام الأمويين لم تعرف للإسلام فتوح ذات بال غير الفتوح التي قامت بها ~~الدول الأفغانية، ولكنهم في الواقع لم ينشروا الإسلام بالسيف، بل كان السيف يفتح لهم باب ~~البلد، وتتكفل السياسة الرشيدة والمعاملة الحسنة بالبقية التي يعمل فيها الإقناع وحسن ~~القدوة ما لا تعمله السيوف والعروش. ~~••• # ولقد كان نصر المسلمين في الهند آية، عند الهنود، من آيات المشيئة الإلهية، وكثير ممن ~~آمنوا منهم بصدق الإسلام إنما أقنعهم بمصدره الإلهي أنه انتصر على جيوش تفوقه في العدد ~~والعدة، وتقيم في مواطنها ومعاقلها بين موارد تموينها وأمداد الجند والمال المتوالية عليها، ~~وكانت فتوح الإسلام أشهر من فتوح القادة الأقدمين الذين بقيت في الهند ذكراهم مقرونة ~~بالإعجاب والرهبة، ولا استثناء في ذلك للإسكندر في أوج شهرته، فإن الإسكندر لم يصل إلى ~~«الدكن» التي وصل إليها قادة الأفغان، ولم يبق بعده أثرا من فتوحه كما بقيت آثار الفاتحين ~~من المسلمين في حياتهم وبعد حياتهم، ولا تزال باقية فيها إلى هذه الأيام. # فلم يكن قادة الدول الأفغانية فاتحين للبلدان ms085 وكفى، ولكنهم كانوا فاتحين للقلوب وفاتحين ~~للعقول، وربما اجتمع في بلاط أمرائهم - في جيل واحد - أقطاب من طبقة الفارابي والبيروني ~~والفردوسي والعنصري والعسجدي وأبو بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني، وما زالوا يقربون ~~إليهم في كل وطن فتحوه صفوة أبنائه من الحكماء والفضلاء على اختلاف النحلة واللسان، ومن ~~آثار فتوحهم أنهم نقلوا إلى الهند لغة من أشيع لغاتها الحاضرة، وهي اللغة «الأردية» التي ~~يتكلمها من المسلمين وغير المسلمين عدد لا يضارعه عدد المتكلمين بإحدى لهجاتها ~~الإقليمية. # وعرف خلفاء بغداد هذا الفضل لقادتهم المفلحين، فكان من الألقاب التي خلعوها عليهم لقب ~~أمين المملكة ويمين الدولة فضلا عن ألقاب السلطنة والإمارة، وفي واحد من هؤلاء يقول أبو ~~الفتح البستي يرثيه: # قلت إذ مات ناصر الدين والدو # لة حياه ربه بالكرامة # وتداعت جموعه بافتراق # هكذا هكذا تكون القيامة # ولكنها قيامة كانت تقيم الموتى وتبعث الحياة ويتلوها عمار وازدهار في مختلف ~~الأقطار. # وبعد، فموضع الاستفهام عن قوة الخلق الأفغاني هذا جوابه: إنه خلق قوي لم يعوزه الطموح، ~~وعلو الهمة، ولكنه أثبت نصيبه من الطموح وعلو الهمة في خير صورة تلائمه وتنفعه ويؤدي بها ~~أمانته القومية. # كان شعبا من قبائل لم تجمعها في عهد الدول المحيطة بها وحدة حكومية، وأحاطت بها دول كبار ~~كدولة أبناء السماء ودولة الراجات ودولة الأكاسرة والخلفاء. فإن لم تقنع بحريتها وحماية ~~حوزتها فلا بد لها من الغلبة على الصين والهند وأرجاء الدولة الإسلامية، وإن قنعت بحريتها ~~وحماية حوزتها فقد وفت بحق الكرامة. # ولكنها وفت بحق الكرامة وزادت عليه، فحفظت وجودها في حدودها، وأثبتت وجودها وراء تلك ~~الحدود مما وراء النهر شرقا إلى ما وراء النهرين غربا، وفتحت بلادا يسكنها الآن من ~~المسلمين عشرة أمثال أبنائها في وطنهم العريق. # الفصل التاسع عشر # | العلية الجديدة في نيجيريا1 # ألف هذا الكتاب الأستاذ هيو سميث مدرس علم الاجتماع وعلم الأجناس البشرية بكلية بروكلن، ~~وساعدته في تأليفه الأستاذة مابل سميث مدرسة علم الاقتصاد بكلية مدينة نيويورك، واسم الكتاب ~~«العلية الجديدة في نيجيريا» يشير إلى موضوعه، وهو ms086 استقصاء تاريخ الطبقة المتعلمة التي ~~تستولي الآن على مقاليد الحكم في بلاد نهر النيجر بعد إعلان استقلالها منذ شهر أكتوبر من ~~السنة الميلادية الماضية (1960). # وقد تناول المؤلفان دراسة أحوال النيجيريين المسلمين بمقدار مساسها بهذا الموضوع في حدوده ~~الواسعة، فهما لا يبحثان في الدين الإسلامي ولا في شعائر الإسلام الدينية، ولكنهما يبحثان ~~في الأحوال الإسلامية التي كان لها أثر اجتماعي سياسي في تكوين طبقة الرؤساء والقادة بين ~~النيجيريين، ولا سيما أبناء الشمال من بلاد نهر النيجر؛ لأنها مقر العشائر المسلمة ~~هناك. # ألمع المؤلفان في مقدمة البحث، إلماعا خفيفا إلى الفارق بين الشمال والجنوب في عناصر ~~الدراسة العامة التي تحيط بأطراف هذا الموضوع، فإن استجماع هذه العناصر في الجنوب سهل ميسور ~~من الوجهتين الجغرافية والاجتماعية، لأن مواصلاته الطبيعية كثيرة مفتحة الأبواب، وشئونه ~~الاجتماعية لا تخفى على الأوروبيين بعد انتشار التبشير بين العشائر الوثنية وتحويل بعض ~~أبنائها إلى المذاهب المسيحية، ومنهم من ارتقى إلى مناصب القساوسة والأساقفة، ومن أهلته ~~معلوماته الحديثة التي استفادها من مدارس المبشرين لولاية الوظائف الحكومية والاختلاط ~~بالرؤساء البريطان وسائر النزلاء. # أما بلاد النيجر الشمالية فمواصلاتها الطبيعية غير ممهدة، ولم يذكر المؤلفان أن الحكومة ~~الأجنبية أهملت تذليل صعوباتها؛ لحذرها من التقريب بين عشائرها، وقلة اطمئنانها إلى رؤسائها ~~الدينيين المسلمين، وندرة الموظفين من أبنائها لإعراضهم عن مدارس التبشير، ولكن هذا الإهمال ~~من جانب الحكومة ملحوظ من مراجعة فصول الكتاب وإن لم يذكره المؤلفان. # ويضاف إلى صعوبة المواصلات صعوبة أخرى اجتماعية، هي انتظام العلاقات السياسية والحكومية ~~في أنحاء الشمال على قواعد العادات الإسلامية، ومنها الحجاب وشرائع الزواج والطلاق ~~والميراث، وقد يكون منها قلة الاختلاط بين قادة المجتمع ورؤساء الدواوين، وندرة العارفين ~~باللغة الإنجليزية من أبناء الشمال في أول عهد الاستعمار، خلافا للجنوبيين الذين أقبلوا ~~على هذه اللغة وغيرها من اللغات الأوروبية واستخدموها للتفاهم بينهم عند تعذر التفاهم ~~باللهجات الوطنية. # ويرجع المؤلفان إلى أقوال المؤرخين عن أصول العلية الأولين، فيذكران أقوال المرجحين ~~لقدومهم من بلاد البربر وأقوال الآخرين الذين رجحوا أنهم طوائف من ms087 أبناء صعيد مصر هاجروا ~~إلى المغرب ثم إلى الجنوب منذ ستة قرون، ولكن المحقق في العصور التاريخية القريبة أن قبائل ~~زغاوة زحفت خلال القرن السابع للميلاد إلى وادي النيجر، فاستولت على مقاليد الحكم حول بحيرة ~~شاد وما جاورها من الأقاليم الزراعية، وأشاعت بين هذه الأقاليم لغة وطنية تمتزج فيها ~~العربية والبربرية وتستخدم الآن لتبادل المعاملات التجارية من غانا إلى بلاد الكاميرون، وقد ~~كانت ذبابة مرض النوم حائلا دون القبائل المغيرة التي تعتمد على الخيل في غزواتها؛ لأنها ~~تصيب الخيل كما تصيب الإنسان. # وقد أطلق اسم «الفلانية» على المسلمين الوافدين ومن دخل معهم في الإسلام، وظهر منهم من ~~تسمى باسم أمين المؤمنين، وهو «ساركن مسلى» في تلك اللغة الممزوجة بكثير من الألفاظ العربية ~~والبربرية، وتعتبر عشيرة «الهوسا» الفلانية أقوى طوائف النيجر الشمالية، تعيش معها أكثر من ~~عشرة بطون صغيرة يدين معظم أبنائها بغير الإسلام. # والفوارق بين الشمال والجنوب - كما تدل عليها معلومات المؤلفين - تتلخص في فارق واحد ~~يشملها وقد يغني القارئ العجلان عن تفصيلها: وذاك أن الآداب الدينية في الشمال أقوى وأعم من ~~الآداب الوطنية أو النزعة القومية، وعلى نقيض ذلك تشتد المطالب الوطنية في الجنوب وتضعف ~~المقاومة الدينية، وهو أمر معقول يوافق المنتظر من أناس ليست لهم ديانة ذات «دعوة» ~~تقاوم دعوة المبشرين، وليس بينهم عشيرة واحدة تستطيع أن تعمم عقائدها الدينية أو أساطيرها ~~الموروثة، بين جميع القبائل التي بقيت على الوثنية. ويأتي بعد هذا الفارق الشامل فارق آخر ~~يشمل الأقاليم الشمالية ويكاد أن يضم الاعتبارات المحلية الجغرافية إلى اعتبارات العقيدة ~~والألفة الاجتماعية، وذلك أن طوائف المسلمين المعروفة باسم الفلانية تعودت أن تأوي إلى ~~المدن المسورة وهي على الأغلب الأعم تخلق أسباب الوحدة «المدنية» بين سكانها ولو كانوا من ~~نحل متعددة، فإذا كان الدين الغالب هنالك بين أبناء المجتمع المدني دينا قويا يقابل دعوة ~~التبشير بالمقاومة أو يقابلها بدعوة تماثلها، فمن الطبيعي المنتظر في هذه الحالة أن تسودها ~~الآداب الدينية الغالبة وأن تسري غيرة الكثرة العظيمة على عقيدتها إلى شركائهم ms088 في الوطن من ~~قبائل الوثنيين، دفاعا عن كيانهم الاجتماعي أو السياسي مع جيرانهم من أبناء الكثرة القوية، ~~أو المسلمين. # وقد أحس الشماليون بما يتعرضون له من هضم حقوق الوطنية وجرائر الابتعاد عن وظائف الدولة ~~إذا طال اعتزالهم لمدارس التعليم الحديث، فنهضوا لتدارك هذا النقص وأسسوا (سنة 1923) جماعة ~~أنصار الدين، ثم نشروا فروعها في المدن الكبيرة وتمكنوا من الإشراف على المدارس الحكومية ~~وغير الحكومية، ونشطت منهم هيئة - على مثال النقابات - لجماعة المعلمين، فأصبحت نواة للحركة ~~السياسية وأسهم القائمون بها في الحركة الوطنية سواء إلى جانب الحكومة أو إلى جانب ~~المعارضة، بعد قيام الحكم الدستوري وإعلان الاستقلال. # وتتألف العلية الشمالية من جماعة المتعلمين ومن كبار التجار وأصحاب المزارع والموظفين ~~وربما سرى إليهم شيء من وعي «الطبقة» على اعتبارهم جميعا حكاما أو مرشحين للحكم قبل إعلان ~~الاستقلال أو بعد إعلانه، ولكنهم على الرغم من وحدة الطبقة لا ينفصلون عن قبائلهم ولا يزال ~~أدب التوقير والرعاية بين شيوخهم وشبانهم، وبين كبارهم وصغارهم، يجري على سنة الأسرة ~~العريقة ولا يسمح للنزعات المتطرفة بالظهور. # ومن الأحاديث التي نقلها المؤلفان في هذه المسألة، وفيما يرتبط بها من مسائل الدرجات ~~الاجتماعية؛ حديث منسوب إلى زعيم تنقل بين البلاد الأوروبية بضع سنوات، وسئل عن آثار حياة ~~المدنية في آداب قومه، فقال: «إن الناس يفدون إلى المدن طلبا للعلم أو طلبا للمال أو رغبة ~~في المعيشة على مثال أفضل وأيسر من معيشة القرية الريفية العتيقة، ولكنهم يظلون على الرغم ~~من هذه الشواغل مستمسكين بعادات الاحترام والرعاية لكبراء السن والمقام، ويحبون أن يحتفظوا ~~بالتراث القديم.» # وقال زعيم آخر من أسرة حاكمة: «إن الشعور بأواصر العشيرة يتغلغل أعماقنا وتقوم عليه قواعد ~~حياتنا السياسية، وهو القوة المسيطرة في البلاد النيجيرية الآن.» ~~••• # والمؤلفان ينسبان إلى التقاليد الإسلامية تخلف الشمال في حركة المقاومة، أو حركة المعارضة ~~للحكم الأجنبي، ويقولان بعد الإشارة إلى النظام الإقطاعي: «إن بلاد الشمال الإقطاعي يندر ~~فيها المتعلمون من الطبقة العالية وهم - على الجملة - حذرون متأدبون، بل خاضعون أحيانا في ~~علاقتهم بالحكام ms089 البريطانيين. ومما يؤخر ظهور النزعة المستقلة بينهم أن المناصب الكبرى هناك ~~يشغلها البريطانيون وقد عودتهم مأثوراتهم الإسلامية عادات الاحترام من التسليم والسجود ~~والانحناء وخلع النعال، حتى ليغلب عليهم دون التفات منهم إلى ما يصنعون أن يبادروا إلى ~~توقير كل من هو أرفع مقاما كيفما كان.» # وأغرب ما في هذا التعليل أن يفهم المؤلفان أن خشوع المسلم في صلاته يعوده أن يسجد لغير ~~الإله المعبود، وقد كان الأحرى بينهما أن يعلما حقيقته فلا يفوتهما أن هذا الخشوع في موقف ~~العبادة خليق أن يذكر الإنسان باجتناب عبادة الإنسان، ويحذره من التورط في الكفر بالتسوية ~~بين الصلاة للخالق والصلاة للمخلوق، ولكنهما لو ذكرا للخضوع أو للخشوع سببا آخر لكشفنا عن ~~سبب لا يرضيهما أن يعترفا به وما فيه من المساس بالحكم الأجنبي ونظام التبشير وعلاقته ~~بالسياسة الاستعمارية في البلاد الأفريقية والبلاد الإسلامية منها على التخصيص. # فالسياسة البريطانية تقوم في المستعمرات على الحذر من أصحاب الدولة الأقدمين، وعلى الحذر ~~قبل ذلك من الثقافات الاجتماعية التي تقاوم ثقافة الأجنبي وتوحي إلى أبنائها مذهبا من ~~مذاهب الحكم والنظام، يعارض المذهب الطارئ عليهم من أساسه ويستطيع أن يزود المحكومين بنظام ~~يناظره ويتحداه. وقد صرح أساطين الاستعمار البريطانيون بخطتهم السياسية - الهندية - هذه غير ~~مرة، فقال لورد ألنبرو: «ليس يسعني أن أغمض عيني عن اليقين بأن هذا العنصر الإسلامي عدو ~~أصيل العداوة لنا، وأن سياستنا الحقة ينبغي أن تتجه إلى تقريب الهنديين.» # وهذه الخطة بعينها هي الخطة التي جرت عليها السياسة الاستعمارية بين الأفريقيين كلما ~~صادفتهم كثرة إسلامية تجاورها قلة متفرقة من الوثنيين أو غير المسلمين على العموم، فإنهم ~~يتعمدون إقصاء الرءوس المطاعين بين العشائر المسلمة ولا يبالون أن يتبعوا خطة السماحة ~~والإغضاء مع القبائل الوثنية المتفرقة؛ لأنها لا تستطيع أن تقابلهم بإجماع متجانس يخافون ~~عقباه. فإذا تولى وظائف الدواوين من أهل نيجيريا الشمالية أناس مستضعفون لا يجدون لهم ~~رءوسا من أبناء جلدتهم يطيعونها ويأتمرون بأمرها، فهذه هي ذلة المستضعف أمام السادة ~~الأجنبيين، ولا حيلة للواحد أو الاثنين أو ms090 الثلاثة من علية الوطنيين المقبولين عند أولئك ~~السادة غير الخشوع والاستسلام. وقد يكون الخشوع والاستسلام ديدنا معروفا عنهم قبل أن ~~يظفروا برضوان المستعمر واطمئنانه، فيعهد إليهم بالوظيفة المرموقة ولو كانت ذات شأن خطير ~~يخشاه المستعمر إذا تولاه المحكمون غير المأمونين. # واطردت هذه الخطة السياسية إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تقرر نظام الوصاية ~~والانتداب فاضطر الحكام الأجانب إلى اتباع النظم الدستورية والتعاون مع الزعماء الوطنيين ~~الذين تنتخبهم شعوبهم ولا يتأتى للحاكم الأجنبي أن يتخطاهم مهما يبلغ من تلفيق الدساتير ~~وتزوير الانتخابات، فكان الاعتراف بزعماء المسلمين قضاء محتوما لا سبيل إلى اتقائه بغير ~~الحيلة والمحاسنة، وكان من أساليب هذه المحاسنة أنهم أخذوا يرحبون بأبناء العلية الأولين ~~ويشجعونهم على إتمام دروسهم بالجامعات الإنجليزية، وثابروا عدة سنوات على اختيار أربعة من ~~طلاب الجامعات في كل سنة يتكفلون بهم ويسندون إليهم كبار المناصب بعد عودتهم إلى بلادهم، ~~ومنهم السيد أبو بكر طفاوة أول رئيس وزارة تولى رئاسة الحكومة الاتحادية بعد إعلان ~~الاستقلال منذ ستة شهور. # وقد أراد الاستعمار أمرا وأراد الله غيره، فكان أسبق النيجيريين إلى ولاية الحكم بين ~~أبناء وطنهم، أولئك الذين أقصاهم المستعمرون عنه، ودبروا بالأمس تدبيرهم الطويل لنفيهم عن ~~الكبير والصغير من وظائف الدواوين. # الفصل العشرون # | مراكش مستقلة1 # الأستاذ روم لاندو أستاذ الدراسات الإسلامية ودراسات إفريقية الشمالية في جامعة المحيط ~~الهادي بمدينة كليفورنيا، وهو سائح باحث قديم عهد بالبحث في مسائل الديانة عامة، والديانة ~~الإسلامية خاصة، وله مؤلفات كثيرة في هذه المسائل على تعدد أبوابها، وبعضها مقصور على البحث ~~في الحياة الإسلامية كما عرفها بين المسلمين من أبناء المغربين الأدنى والأقصى حيث قضى ~~سنوات من حياته، ولا يزال يقضي ما اتسع له من الوقت في إحدى حواضرها. # وفضيلة هذا المؤلف في كتاباته عن المسلمين أنه يشغل نفسه بالتفتيش عن الجانب السليم أو ~~جانب الأمل من الحياة الدينية والدنيوية بينهم، وليس كل شغلانه بالتفتيش عن الجوانب التي ~~تبعث التشاؤم من الناحية الإسلامية وتبعث التفاؤل من الناحية الأخرى التي تقابلها: ناحية ~~أولئك ms091 الذين يتربصون بالإسلام الدوائر من كتاب التبشير والاستعمار. # وعلى سنته هذه جرى في الكتابة عن حالة المسلم العصري المثقف، وغير المثقف، في البلاد ~~المراكشية بعد استقلالها، وبخاصة فيما يتراءى للمراقبين الأوروبيين الذين يزورون البلاد ~~وينظرون إلى أثر الحضارة والحرية على قوة العقيدة الدينية بين الشبان المتعلمين، وقد كتب ~~أحد السائحين الإنجليز مقالا زعم فيه أن طوالع الأحوال كما رآها أخيرا تدعو إلى اليقين ~~بانفضاض البلاد عن الدين وإقبالها على المراسم الأوروبية بعد سنوات قليلة فيما يتعلق بنظم ~~الحكم ونظم المعيشة التي تتصل بالمعاملات الأجنبية، سياسية كانت أو اجتماعية. # فكتب الأستاذ لاندو يرد على ذلك السائح بما وعاه من مشاهداته الكثيرة، ومنها أحاديث ~~المتعلمين في وليمة بمدينة مراكش حضرها وذكر أن الحديث على المائدة أوشك أن يدور على موضوع ~~واحد وهو موضوع التصرف، ثم قال: # شجعني موضوع هذا الحديث على إثارة السؤال عن حالة الإسلام في مراكش المستقلة، ~~فبعثت كلماتي حماسة عظيمة وكاد الحاضرون أن ينطقوا بالكلام معا دفعة واحدة. ثم ~~تكلم الحاكم نفسه - وهو أوفرهم نصيبا من التربية الأوروبية - فأفضى بما يعتبر ~~الرأي الفصل المتفق عليه بين الحاضرين، وفحواه أن السائح الأجنبي يستحيل عليه أن ~~ينفذ إلى حقيقة الحياة الدينية الإسلامية. فإن الشاب المراكشي قد يشرب ويطلق لسانه ~~بالحديث في مظاهر المعيشة الأوروبية، ولكنه إنما يفعل ذلك حبا للظهور أو لاختيار ~~نوع غريب من المعيشة، وقد يتخلف عن الذهاب إلى المساجد، ولكنه يؤدي الصلوات في ~~مواقيتها ويدين بالمهم الأساسي من الفرائض الدينية، وإذا احتاج إلى الهداية الروحية ~~في أزمات ضميره فإنما يتجه بطلب هذه الهداية إلى القرآن. ولا تزال علاقاته بأبويه ~~وبأهله وبما يؤمن به من فضيلة أو رذيلة هي تلك العلاقات التي يستوحيها من الآداب ~~الإسلامية. وربما خطر له أن يوقع في روع صاحبه الأوروبي أنه رجل (متقدم) يتخلى عن ~~القديم ليأخذ بالجديد، ولكنه ضرب من الدفاع عن الذات أمام الغريب؛ إذ هو على يقين ~~أن هذا الغريب يجهل حقيقة الإسلام ويعتبره في عرفه مرادفا للرجعية. على أن الغرباء ms092 ~~الأجانب إنما يسمعون هذه الأحاديث من فئة قليلة بين الذين يقال عنهم إنهم ~~فكريون # Intellectuals # ويجوز أن يكون بعضهم قد ~~تحول عن ديانته ليدين بالمذاهب الهدامة. إلا أن هؤلاء الفكريين المزعومين لا يمثلون ~~أحدا في الأمة المراكشية في حياتنا اليومية ... # وقد سرد الأستاذ لاندو في الكتاب أحاديث شتى سمعها من الشبان والشابات، وروى جملة من ~~المشاهدات التي مر بها اتفاقا من العواصم وقرى الريف، ومن أعجبها عنده أنه كان يتحدث إلى ~~فتاة متعلمة تحسن الكلام بالفرنسية كإحدى الفرنسيات، وكانت تشترك في أحاديث المجلس وهي ~~مقنعة بقناعها التقليدي، فسألها: كيف توفقين بين عادة البرقع وهذه الآراء العصرية التي ~~تجهرين بها؟ فكان جوابها أن الإنسان لا يعتقد ما يعتقده بملابسه وأنها تستطيع أن ترفع ~~القناع، ولكنها لا تحب أن تؤلم أباها وأمها بعمل لا يستريحان إليه. وحكى أنه يركب أحيانا ~~إلى منازه المدن فيرى الفتى الناشئ ينزل عن مطيته في موعد صلاة المغرب ينتحي جانبا ويؤدي ~~صلاته قبل مواصلة السفر إلى وجهته. وحكى عن طائفة الاتباع والخدم الذين عرفهم في بيته أو في ~~بيوت أصحابه أنهم يعاشرون الأجانب زمنا، ولكنهم يقومون بفرائضهم ولا يشربون الخمر أو ~~يأكلون المحرمات. # ولم يستطع الرجل أن يحكم على الذين حادثهم واختبر شئونهم من أبناء البلاد بحكم واحد ~~يشملهم جميعا، ولكنه استطاع أن يقول: إن الأوروبيين المتعجلين يخطئون الظن خطأ بعيدا إذا ~~اعتزوا بظواهر الفرنج وحسبوها علامة على المروق من العقيدة، فإن الظواهر خداعة في مسائل ~~الدين التي تنطوي عليها الضمائر خلال عصور المحنة، وليست هي بالعلامة الصادقة على الشعور ~~الخفي الذي لا يدركه صاحبه أحيانا، فضلا عن الغرباء من أبناء وطنه أو أبناء الأوطان ~~الأجنبية. # فربما شوهدت الغيرة على الإسلام بين أناس يهملون الشعائر ويخالفون الفرائض ولا يحرصون ~~على التقاليد، وربما كانت الغيرة الوطنية التي تحتدم في نفوس الكثيرين من الساسة ~~المتطرفين قبسا من غيرة المسلم على حماه وعلى تاريخه القديم، ولا يجوز أن يفهم الأوروبي أن ~~المسلم يتخلى عن نسبته إلى الإسلام إذا لاح عليه ms093 أنه قد تخلى عن بعض الشعائر ~~والتقاليد. # والذي نحب أن نزيده على تعليقات الأستاذ لاندو أن أمثال هذه الظنون التي تخامر بعض الكتاب ~~عن الإسلام قد سلفت في الأزمنة الخالية غير مرة منذ أوائل الدولة الأموية إلى هذه الأعوام ~~الأخيرة، وقد خفيت على مؤرخي القرون الخالية دلالتها العارضة ودلالتها الدائمة، فخطر لهم في ~~كل مرة أنها نذير بزوال الدين أو عرض من أعراض النهاية التي يقدرونها لكل عقيدة كما ~~يقدرونها لكل حضارة أو لكل نظام من نظم الاجتماع، ولو أن المتأخرين استفادوا من عبر الماضي ~~لاجتنبوا الخطأ في رأي واحد بين سائر الآراء، وهو خطأ الظن بأنها «الشيخوخة» قد عرضت للدين ~~نفسه وآذنت بانتهاء حياة الإسلام إلى ما تنتهي إليه كل حياة. فإن العرض الواحد لا يكون من ~~أعراض الشيخوخة عشر مرات. # حدث في أواخر أيام الخلفاء الراشدين أن المسلمين الذين انتقلوا إلى البلاد المفتوحة فتنوا ~~بمحنة الحضارات المنحلة، وقارفوا بعض منكراتها، وهجروا بعض عاداتهم، فخيل إلى أعدائهم كما ~~خيل إلى بعض الغلاة منهم أنها نذر الضياع على قول فريق، ونذر القيامة على قول آخرين، وجاء ~~«رد الفعل» كما نقول في اصطلاح هذه الأيام غلوا من الخوارج في التشديد وإمعانا من ~~الأعداء في الدس الخفي أو في العدوان الظاهر، ثم انقضت الدولة كلها - وهي أول دولة إسلامية ~~- وقامت بعدها دولة العباسيين على أساس من الغيرة للدين والنخوة لبيت النبوة، وتكررت هذه ~~الظاهرة على مثال أخطر وأكبر في إبان دولة العباسيين، فإن احتكاك العالم الإسلامي من جميع ~~الأجناس بدعا كهذه البدع التي يذكرها السائحون المعاصرون، ويرد عليهم الأستاذ لاندو بما ~~أجملناه. كان الرجل منهم يتظرف بالزندقة ليقال عنه إنه من التقدميين على اصطلاحنا في هذه ~~السنين، وكان الفكريون المزعومون يلقى بعضهم بعضا بالسؤال عما يعتقده مذهبا له كأنما كانت ~~عقائد المذاهب ضربة لازب مع العقيدة الإسلامية العامة كما قال ميسرة بن حسان السمري يسأل ~~ابن أبي الشيخ: # دخلتنا الشكوك يا ابن أبي شي # خ بأي الأديان أنت تدين # وإلى أيها تميل ms094 أبا جع # فر كم ذا الهوي وذا التلوين؟ # وكان «التظرف» يقضي على أدعيائه أن يخلطوا الهزل بالجد في دعاوي المجون والحكمة وشواغل ~~الأدب وغير الأدب كما قال ابن الرومي في صاحبه أبي علي البصري: # قولا لطوط أبي علي # بصرينا الشاعر المنجم # المنذر المضحك المغني # الكاتب الحاسب المعلم # الفيلسوف العظيم شأنا # العائف القائف المعزم # الماهن الكاهن المعادى # في نصر إبليس كل مسلم # وظن «السائحون» قديما من قبيل السائحين حديثا أن العالم الإسلامي مرق من الإسلام ~~وانطفأت غيرة الإنسان على حوزته من قلوب المسلمين، ولكن العالم الإسلامي - هذا بعينه - قد ~~وقف بعد ذلك بحقبة قصيرة في وجه الغارة الصليبية، وجاء بشعوبه من أقصى المشرق لرد الغارة ~~بمثلها إلى قلب القارة الأوروبية. # ولما مضت على هؤلاء المسلمين في شرق القارة الأوروبية بضعة قرون خيل إلى بقايا الصليبيين ~~أنهم قد «نضجوا» للتبشير، وقد أصبحوا على استعداد للنزول عن شريعتهم، كما نزلوا عن أحكام ~~معاملاتهم في تلك الامتيازات «الأجنبية» التي سموها من أجل ذلك «بالتنازلات» # capitulations # أو التسليمات! # ولكن هذه التنازلات بعينها كانت بعد ذلك صيحة الثورة على السيطرة الأوروبية، حتى زالت ~~الآن ورجعت عنها الدول الأوروبية بدلا من رجوع الإسلام بعدها عن غيرها من معالمه ~~وتقاليده. # فإذا كان شيوع التقاليد الحديثة أحيانا باعثا من بواعث الأسف ودليلا من أدلة التهاون، ~~فتلك حالة توجب على المسلمين، ولا ريب، أن يبدلوا بها ما هو أوفق منها للآداب الإسلامية، بل ~~للآداب الإنسانية التي تخالفها التقاليد المعيبة كما تخالف حقيقة الإسلام. # ولكن التشاؤم منها يزيد على قدرة الصالح إذا خيل إلينا أنه تشاؤم من مصير الدين كله، ~~ويزيد تفاؤل المتربصين به أيضا عن قدرة الصالح لهم إذا اعتبروه «عرضا إسلاميا» ولم ~~يفهموا من حقيقته قبل ذلك أنه عرض أجنبي يسري من جانبهم ويوجب عليهم أن يتشاءموا لأنفسهم ~~ولا يقصروا شؤمه على مستقبل الإسلام. # الفصل الحادي والعشرون # | الدعوات الإسلامية والإسلام ووحدة الجماعة1 # عرضت صحيفة «التايمز» الأدبية لكتابين عن الإسلام في عدد واحد، وهو العدد الصادر في ~~الحادي عشر من ms095 شهر أغسطس الماضي (سنة 1961). # والكتابان هما: كتاب «الدعوات الإسلامية» # Moslem ~~Devotions # لمؤلفته السيدة كونتسانس بادويك، وكتاب «الإسلام ووحدة ~~الجماعة» # Islam and the Intepation of Society # لمؤلفه ~~الدكتور مونتجومري وات، أشهر المؤلفين عن الإسلاميات من المستشرقين الإنجليز في الوقت ~~الحاضر. # ينقسم كتاب الدعوات إلى ثلاثة أقسام: قسم الدعوات والصلوات المفروضة، وقد جمعت فيه ~~المؤلفة آيات القرآن الكريم، ومن التحيات ودعوات القنوت، التي تتلى في الصلوات الخمس وفي ~~غيرها من صلوات يؤديها المسلم أحيانا وإن لم تكن من أركان العبادة. # والقسم الثاني: يشتمل على دعوات توافق دعوات الصلاة وتضاف إليها من قبيلها على سبيل ~~التوسع والتفسير. # والقسم الثالث: تسبيحات مستقلة يتعبد بها المسلم على انفراد أو مع الجماعة، وأكثرها من ~~دعوات الصوفية باللغة العربية وغير العربية. # والمؤلفة تسمي هذه الأقسام الثلاثة بأسماء ترتضيها وتفضلها للدلالة على غرضها، فمنها قسم ~~داخل الصلاة المفروضة، وقسم على عتبة الصلاة المفروضة، وقسم خارج هذه الصلاة يختاره، ولا ~~يلزم أن يكون من باب الفرائض ولا من باب السنة النبوية، بل يجوز لكل مسلم أن يختار له ~~عبارته وعنوانه ومناسبته على حدة أو مع إخوان له في الطريق وفي حلقات الأذكار ~~الخاصة. # وجملة ما اختارته المؤلفة مقبول عن جماعة المسلمين مع اختلاف المذاهب، إلا طائفة منه ~~يتمادى بها الشطط إلى القول بالحلول أو القول «بوحدة الوجود» على النهج الذي يرفضه أهل ~~السنة بالإجماع، وهو ذلك النهج الذي يوشك أن يتطوح بأهله إلى تأليه الكون بمظاهره المادية ~~وبواطنه الخفية، وليس هذا القسم من الدعوات بالكثير وإن كان ناقد الكتاب يقول: إن دعواته ~~أقرب إلى تسبيحات المتصوفة منه إلى العبادات العامة أو العبادات المقررة للجميع، وهي على حد ~~تعبيراتهم «العبادات الأرثوذكسية». # ويقول ناقد الصحيفة الأدبية: «إن نشر هذه الدعوات بين المسيحيين، وهي مما يغلب عليه اللطف ~~المستحب؛ خليق أن يقرب أسباب التفاهم بين الديانات فيما هو أقرب الأمور إلى جوهرها جميعا ~~وهو العبادة. وإن العبادة الإسلامية بأسلوبها الصوفي على الخصوص لتحمل كثيرا من معاني ~~المشابهة والمشاركة بينها وبين العبادة المسيحية.» ms096 # ويمضي الناقد قائلا: «ولم تقصر المؤلفة اختيارها على هذا النوع - يعني نوع الدعوات ~~الصوفية الخالصة - بل هي تعرض لنا ما يلتبس بشيء من الكثافة في أوراد المتصوفين المعاصرين، ~~وإن هذين النمطين من أنماط الدعوات الصوفية ليظهران معا بين المسلمين كما يظهران متصاحبين ~~في تقاليد أكبر الكنائس الغربية.» # نقول: إن عيب هذا الكتاب وأمثاله أن مؤلفيها يحشرون فيها كل ما ينقلونه عن الإسلام إلى ~~صعيد واحد، ولا يكتفون بالجانب الخالص منه متعللين بدعوى الحيدة واجتناب التحيز لهذا الفريق ~~أو ذاك فيما ينسبونه إلى أتباع الديانة التي هم غرباء عنها متهمون بالغرض إذا تشيعوا لفريق ~~من أتباعها على غيره. ولولا هذا الخلط الذريع لكانت هذه الدعوات عنوانا صالحا للديانة ~~الإسلامية في جوهرها، وهو جوهر العبادة كما قال ناقد الكتاب. # وعندنا أن الإسلاميات التي تنشر في الغرب تحتمل الترتيب والتقديم بالأولية من وجهة النظر ~~الإسلامية، فأجدرها بالنشر - وأولها في هذا الترتيب - أمثال هذه الدعوات والصلوات، على ~~شريطة السلامة من شوائب التصوف الكثيف، كما وصفه ناقد الكتاب، ومن شوائب التصوف المدخول ~~الذي تطرق إلى الإسلام من بقايا الديانات الشرقية الخالية، ومنه ذلك الإغراق في دعوى الحلول ~~ودعوى «الإلهية الكونية» التي تسمى عند أصحابها بوحدة الوجود، ولا ينكر المسلم أن يؤمن ~~بالتجلي الإلهي في آيات الكون بين السموات والأرضين، فإنه مأمور بالبحث عن هذه الآيات بنصوص ~~الكتاب ووصايا الأحاديث النبوية، ولكنه ينكر أن يؤمن بالوثنية الكونية التي تصدق على من ~~يؤله الكون كما تصدق على من يؤله جزءا من أجزائه، فهو في تنزيهه للوجود الإلهي لا يرفض ~~عقيدة من العقائد كما يرفض هذه «الوثنيات». # فإذا سلم كتاب الدعوات الإسلامية من أوراد أدعياء الصوفية، ومن لوثة الحلول، ووحدة ~~الوجود، فكل ما بقي منها فهو الدين الحق على أفضل ما يكون في عقل الإنسان وضميره، وليس لدين ~~من الأديان دعوات، أو صلوات ترتقي إلى أفق من التنظيم أرفع من أفقها الذي ارتفعت إليه في ~~الإسلام. # ففي البرهمية سبحات من التصوف الروحاني تعلو إلى الذروة بين الدعوات الدينية، ms097 ولكنها ~~تفارق التوحيد دائما كلما أوغلت في أعماق العقيدة أو رجعت إلى التشبيه بالقوى الطبيعية. ~~وكثيرا ما ينتهي بها أسلوبها في التنزيه إلى فناء كالعدم يتساوى فيه الوجود المطلق ~~و«اللاوجود» على الإطلاق! # وفي غير البرهمية من الديانات الكبرى أوصاف للإله تهبط بالخالق إلى مشابهة الخليقة وتنسب ~~إليه أفعالا كأفعال أرباب الديانات الأولى، وهذه جميعا شوائب للإيمان بالربوبية يتنزه ~~عنها الإسلام ولا تخفى على غير المسلمين، بل يحسبها بعضهم غلوا في «الإبعاد بين الخلق ~~والخالق»! # ودعوات الإسلام حقيقة أن تسكت المتخرصين عليه ممن يتهمونه بالمادية أو بالوقوف عند حدود ~~الحياة «العملية» التي تتجافى بالمسلمين عن صفاء الروح وتلصقهم بنعيم الأرض حتى حين يتصورون ~~نعيم السماء. # ولو أن كتاب الدعوات الإسلامية خلا من الدعوات المدخولة لكان في الطليعة من الكتب التي ~~يحق لها النشر بين الأوروبيين من وجهة النظر الإسلامية، ولكننا نستكثر على مؤلف غير مسلم أو ~~مؤلفة غير مسلمة أن يعمل لإبراز الإسلام على هذه الصورة المثلى، وحسبه أنه يعف عن محاسنه ~~فلا يطمسها. ~~••• # أما الكتاب الآخر عن الإسلام ووحدة الجماعة فقد كتبنا عنه منذ شهرين في مجلة منبر ~~الإسلام، وخلاصته في بضعة سطور أن الدعوة المحمدية كانت دعوة تجديد بين أناس غير محافظين، ~~لأن كفار قريش كانوا قد تبدلوا في معيشتهم وخالفوا سنن البداوة العربية من قبلهم، ولكن ~~الفارق بين تجديدهم وتجديد الإسلام أن الإسلام أعطى ضمير الفرد «مثلا أعلى» يستقيم عليه ~~وجوده بين أبناء قومه وبين بني الإنسان عامة، وأنه أعطى الجماعة الإسلامية كيانا يسمى ~~«الأمة» ويجعل لها من ثمة قبلة واحدة وإمامة واحدة تثبت على تقلبات الأيام وصروف ~~التاريخ. # وإنما نعود إلى الكتاب على هذه الصفحات لنعلق على تعليق الصحيفة الإنجليزية، فإن ناقد ~~التاريخ - على خلاف العادة في هذه الصحيفة - قد أنحى على الكتاب ومؤلفه إنحاء يكاد أن ينحدر ~~إلى الإهانة والتنديد، ولعله بهذا المسلك العجيب يعزز الشبهة التي تساور أذهان قراء الصحيفة ~~في السنوات الأخيرة، وهي شبهة الهوى المصبوغ بصبغة التطرف الاجتماعي الذي يقترن أحيانا ~~بالإسرائيليات ونزعات ms098 الهدم والفوضى في الفن والأدب، وكأنما استحق الدكتور مونتجومري ذلك ~~الإنحاء عليه من ناقده المتطرف لأن كتابته في نظره قد تحسب من قبيل المحاباة للإسلام، وإن ~~تكن في نظر القارئ المسلم دون حق الإسلام في التعظيم والتحقيق. # وأكبر مآخذ الناقد على مؤلف الكتاب أنه نسي «قابلية الدين» للمفارقات وهو يكتب عن الإسلام ~~وعن النظم السياسية والاجتماعية في تاريخه، فاستعظم على الإسلام أن ينجو من الاتهام بمصادمة ~~الواقع ومخالفة المعقول، كأنه كان يطالب المؤلف بتكرار المقال عن جمود النظام الاجتماعي في ~~الإسلام؛ لأنه لم يقرر مبادئ الاجتماع التي تتابعت بعد قيام دعوته لينقض بعضها بعضا إلى ~~هذا الزمن الأخير، وليس تعليقنا على هذا التعليق إنكارا لما ادعاه عن موقف الإسلام من ~~المذاهب الاجتماعية التي ظهرت منذ قيامه ولا تزال تظهر إلى اليوم، ولكننا نعلق عليه لنقول: ~~إن الإسلام قد استوفى شرط الدين حقا؛ لأنه عقيدة تثبت على تقلب المذاهب الاجتماعية ولا ~~تزول مع كل عقيدة منها، وقد يزول نظام رأس المال ويزول غيره من النظم التي تعاديه أو ~~تواليه، ولكن الإسلام يقيم للمجتمع نظاما قويما لا يعنيه تبدل الأسماء حين يكفل له تحريم ~~الاحتكار ويوجب فيه إنصاف العاملين ومعونة العاجزين عن العمل، وأيما نظام يمتنع فيه كنز ~~الذهب والفضة وتداول الثروة بين الأغنياء، ويلتزم فيه المجتمع بأعباء الضعفاء والمحرومين، ~~فهو نظام إسلامي مشروع، وهو كذلك نظام إنساني متجدد، والمسلمون الذين يطبقونه أناس مفروض ~~فيهم أنهم خلائق عاقلة، تنطلق أيديها بتدبير مصالحها ولا تملى عليها قبل ولادتها إملاء ~~الحروف والبنود، لكي تطاع على السماع، ولا تسمح لمن تملي عليهم بموقف غير موقف الخضوع ~~والاتباع. # الفصل الثاني والعشرون # | أطلس العالم العربي والشرق الأوسط1 # ظهر في العهد الأخير أطلس العالم العربي والشرق الأوسط باللغة الإنجليزية، وفيه نحو ~~أربعين خريطة جغرافية للبلاد العربية وبلاد الشرق الأوسط على العموم، مع بيان مرسوم لمواطن ~~المسلمين في قارتي آسيا وأفريقيا وبعض المواقع الأخرى من العالم المصطلح على تسميته بالعالم ~~القديم. # واختتم الأطلس ببحث مطول عن تاريخ العرب والإسلام ms099 كتبه الأستاذ بكنجهام # beckingham # أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة منشستر، وقال ~~في فذلكته ما خلاصته: # ويمكن أن يقال عن يقين: إن هناك عوامل ثلاثة مهمة كلها جديد بحيث يصح عقلا أن ~~نترقب منها بداءة صفحة أخرى من صفحات التاريخ العربي، وهذه العوامل الثلاثة هي ~~الوطنية وحركة التصنيع والحركة «العلمانية» أو حركة الانطلاق من الصبغة ~~الدينية. # ففي القرن التاسع عشر أخذت الوطنية من الطراز الأوروبي تعمل عملها بين أبناء ~~البلاد العربية الذين تلقوا شيئا من التعليم على المنهج الأوروبي، وكان الكثيرون ~~منهم ضباطا عسكريين، وبدأت الحركة على أقواها في سوريا ومصر ... وقد أعقب سقوط ~~الدولة العثمانية قيام عدد من الحكومات العربية يحد استقلالها حدا شديدا نظام ~~الوصاية من قبل بريطانيا العظمى وفرنسا، ويحول دون اتحادها الوطني تنازع البيوت ~~المالكة ومنافستها، ولم تتقرر روابط التعاون بين هذه الحكومات حتى في مواجهة ~~الصهيونية، ولا كان زوال البيوت المالكة قاضيا على منازعاتها ومنافساتها، ولكن لا ~~خلاف في استطاعة الدعوات الوطنية أن تثير الشعور في البلاد، وبخاصة بين أبناء الجيل ~~الجديد، يكاد هذا الشعور أن يكون بينهم أقوى من الشعور بالإسلام. # أما حركة التصنيع فقد كانت ضربة لازب بعد الاحتكاك بالغرب، وبعد أن تحولت مواطن ~~آبار النفط من بلاد فقيرة إلى بلاد من أغنى جهات العالم المعمور، وقد أصبح الناس في ~~الجزيرة العربية حيث بقيت أحوال المعيشة على ما كانت عليه قبل الإسلام جمهرة من ~~«البرولتارية» الحديثة؛ أي جمهرة الصناع الفقراء في مراكز التصنيع. وقد اشتركت كل ~~من حركة الوطنية وحركة التصنيع لظهور الروح «العلمانية» التي أضعفت العقيدة ~~الإسلامية ضعفا لم تصب بمثله في جميع أدوارها التاريخية، ولو أن الوطنية العربية ~~على الإجمال تجنح إلى موالاة الإسلام أكثر من جنوحها إلى أية عقيدة أخرى. ومن ~~المألوف الشائع أن ترى أناسا من العرب يدافعون عن ديانتهم مدافعة الغيرة والحماسة ~~مع إهمالهم لأداء فرائضها والقيام بشعائرها، وهي ظاهرة لا نراها مقصورة على ~~الإسلام. # وإن طائفة من الأفكار ذات الأثر الفعال في العالم العربي لهي اليوم وليدة الحضارة ~~الأوروبية، ms100 فإن فكرة الدولة الوطنية ذات السيادة كانت هي المثل الأعلى الذي توخاه ~~الزعماء الوطنيون عند ثورتهم على السيطرة الأوروبية، وقد أفلحوا في تحقيق استقلالهم ~~السياسي باتباع الأساليب الإدارية وأساليب التنظيم والدعاية، ومناورات السياسة ~~الفنية والصناعية الحديثة، وإن محاولتهم أن ينهضوا بذلك كله دون مساس بتقاليدهم ~~العربية والإسلامية لجديرة أن تكسبهم احترام الأمم الأخرى كما يكسبهم عطفها ~~... # ونرى كما يرى - فيما نحسب - أن صاحب هذه الدراسة يتحرى البحث العلمي في ملاحظاته على ~~تاريخ العرب والإسلام في العصر الحديث، وأن الخطأ إنما عرض له من جانب مذهب التفكير ولم ~~يعرض له من جانب سوء النية. # فهو على عادة الكثيرين من المؤرخين المتأخرين يخلط عند الكلام - على حركات التاريخ العربي ~~- بين الوطنية والقومية، وهما على اقتراب الشبه بينهما مختلفان بالنشأة والطبيعة، وقد يقال ~~في التفرقة بينهما على وجه السرعة أن الوطنية أقرب إلى السياسة والاجتماع، وأن القومية أقرب ~~إلى العنصر والسلالة، وأن الوطنية بمعناها في مصطلح العلوم السياسية ظاهرة متأخرة نشأت في ~~الغرب بعد انحلال الدولة المقدسة وانفصال الحكومات عن سلطان الكنيسة، مع ضعف النبلاء أصحاب ~~الإقطاع وتقرير الحقوق للشعوب بجميع طبقاتها. أما القومية فهي بين العرب على الخصوص سابقة ~~لتكوين الشعوب على الوضع الحديث، ومنها القومية التي جمعت قبائل العرب في وقعة ذي قار ~~لمحاربة فارس، ومنها كذلك قومية القبائل التي ساعدت بني قومها العرب المسلمين عند فتح ~~فلسطين وفتح مصر؛ إذ كان عمرو بن العاص ينتقل بجيشه من حدود فلسطين إلى المنزلة إلى الفيوم ~~ولا يهتم بحماية ظهره من جنود الروم، اعتمادا على معونة القبائل العربية في تلك ~~الأقاليم. # ولا يزال اسم الأمة باللغة العربية دليلا على صحة فهم هذه الكلمة ورجحانها بالاصطلاح ~~العلمي على الكلمة الأوروبية التي تجعل الوطنية علاقة اشتراك في أرض المولد، فإن الأمة بلغة ~~الضاد تجعل الوطنية مرهونة بوحدة الوجهة والأمانة، ولا تعلقها بموطن الميلاد كما تتعلق به ~~عند الأوروبيين في اصطلاحها الحديث. # وعلى هذا الاعتبار يخطئ المؤرخ الذي يتوهم أن الشعور القومي بين العرب طارئ جديد ms101 يخشى منه ~~على قوة العقيدة الدينية، فإنه كان على أقوى ما يكون في صدر الإسلام بعد فتوح الإسلام ~~الأولى، ومن أجل هذا قيل إن الشعوبية بين شعوب الإسلام غير العربية كانت بمثابة رد الفعل ~~لقيام الدولة أولا على العنصر العربي دون غيره من عناصر الدولة المتعددة. ~~••• # والوهم في مسألة «العلمانية» أظهر من هذا الوهم في مسألة الشعور الوطني أو الشعور القومي، ~~إذا كان المقصود بالعلمانية ما يقابل عندهم «الطقوس الكهنوتية» أو مراسم السلطة التي يفرضها ~~رجال الدين على الدولة. # فالإسلام لم يعرف قط شيئا من قبيل الطقوس الكهنوتية منذ قيام النبي # صلى الله عليه وسلم # بالأمر ~~وقيام خلفائه به من بعده. ولم يرفض خلفاء بني العباس إدارة الميزانية في دولتهم على حساب ~~السنة النيروزية، بل لم يرفضوا الاحتفال بالنيروز في موسمه المألوف عند الأقدمين، ولم يتبع ~~أحد من الخلفاء أو الأمراء المسلمين طقوسا كهنوتية في شئون الولاية أو في شئون المعيشة ~~العامة، بل كانت أزياؤهم وتقاليدهم على سنة الأمم في عهودهم، فارسية وتركية، ومتشبهة بالفرس ~~والترك في أزيائها وتقاليدها، وقد كان خلفاء الأندلس قدوة للأوروبيين في المعيشة ~~«العلمانية»، ومنهم تعلم هؤلاء الاستقلال عن طقوس الكهنوت وشعائر السلطة المفروضة من جانب ~~رجل الدين، وليست الكسوة ذات «الجكتة والبنطلون» أول كسوة غريبة قبلها المسلمون بعد اتصالهم ~~بشعوب العالم من المشرق إلى المغرب، وليس في العصر الحاضر «علمانية» لم تسبق لها مثيلات ~~كثيرة منذ قيام الدعوة المحمدية دون أن تصيب العقيدة بالضعف أو تمس الولاء للدين في قلوب ~~أبنائه، ولعل الصليبين في أشد أيام العصبية الدينية بين المعسكرين قد تعلموا من «علمانية» ~~المسلمين أضعاف ما تعلمه المسلمون من علمانية الغرب في زمانهم، ولم يحدث قط أن الإسلام كان ~~يوما ما أشد إحساسا بوجوده مما كان أيام الحروب الصليبية، ولا نستثني من ذلك جماعة ~~المسلمين الذين خضعوا لدولة بيت المقدس نحو قرن من الزمان، ولم يطمع في إسلامهم أحد من ~~حكامهم العلمانيين ولا الكهنوتيين. ~~••• # ولا شك أن الأستاذ بكنجهام كان يكتب كلامه عن التصنيع ms102 وفي ذهنه منشور ماركس وإنجلز إلى ~~طبقة العمال بين جميع الطبقات، وهو ذلك المنشور الذي جعل عهد «التصنيع» في النهاية ختاما ~~لعهود الوطنية والدين، وخيل إلى كاتبه أن طبقة العمال التي سموها بالبرولتارية مارقة ~~جميعا من الدين ومن كل إيمان بالله والرسل بعد شيوع التصنيع في أمم الحضارة ~~الأوروبية. # ولكن هذه النبوءة المادية لم تصدق بين عمال الغرب نفسه إلا بمقدار محدود كان من الجائز أن ~~ينحرف عن الدين في قطر من الأقطار لم يسمع بالصناعة العصرية ولم يخضع قط لنظام التصنيع ~~الحديث، فإن المتدينين من عمال البلاد الأوروبية والأمريكية يزيدون كثيرا على المنحرفين ~~منهم عن الدين، وعدد الكتب الدينية التي تنتشر بينهم يزيد على أضعاف أمثالها قبل عهد ~~التصنيع، وليس عند المؤرخين الاقتصاديين حجة على أن العقائد «الصورية» ظاهرة خاصة بزماننا ~~هذا دون الأزمنة الخالية، فلا تزال أوصاف المجتمع الأوروبي في القصص قبل مائتي سنة تمثل لنا ~~«التدين» في تلك الأيام على مثال من «العادات الصورية» لا تختلف عنه عادات العصر كثيرا بين ~~جماعات المتدينين المحسوبين في زمرة المتحللين من فرائض التدين الصحيح. # ويعلم الأستاذ بكنجهام - ولا ريب - أن الحركة النقابية في بلادنا الشرقية لم تكن وليدة ~~التصنيع الحديث؛ لأن نقابات الصناع وأصحاب الحرف شاعت في القاهرة على عهد الفاطميين شيوعها ~~اليوم في لندن وباريس وواشنطن، وكانت هذه النقابات قوام المواكب الدينية التي تخلفت بقاياها ~~إلى العصر الحاضر، فلم ينقطع ما بينها وبين المعالم الدينية لارتباطها بتقاليد الحرفة، ~~وافتراقها عن الطوائف الأخرى من أتباع رجال الطرق ورواد المساجد والأضرحة، بل كان هؤلاء ~~جميعا «موكبا» واحدا في كل احتفال عام، يتسم بسمات العبادة، أو يقوم على ذكرى من ~~الذكريات الدينية. ~~••• # إن العوامل الثلاثة التي أحصاها الأستاذ بكنجهام لها خطرها الذي لا يجهل ولا يهمل، ولكنها ~~على جدة أشكالها وأسمائها ليست بالعوارض الجديدة كل الجدة في تاريخ الإسلام، فقد سبقت لها ~~في هذا التاريخ مثيلات كثيرات ترددت عليه حقبة بعد حقبة، وتركت آثارها حينا أو ذهبت بغير ~~أثر يذكر، وسيمر الإسلام ms103 بعوامل اليوم كما مر بمثيلاتها قبل اليوم بسلام. # الفصل الثالث والعشرون # | خاتم الأنبياء # محمد رسول الله وخاتم النبيين: عقيدة يصدقها المسلم تصديقه بعقائد الدين، ولكنه يفهمها ~~كذلك فهم المرء للحقائق العلمية والقضايا المنطقية، لأنه إذا فهم النبوة بصفاتها المقررة في ~~الإسلام علم أنها نبوة تختم بها النبوات، وتفتتح بها في التاريخ الإنساني رسالة الرشد ~~والضمير والإلهام. # إن ختام النبوات خاصة محمدية، ولكنها خاصة لا يستأثر بها محمد # صلى الله عليه وسلم # لنفسه؛ لأن الخاصة ~~التي يقتضيها تاريخ الأمم جميعا تعم كل مؤمن بالدين وكل مجيب للدعوة، ولا تخص صاحب الدعوة ~~في حياته ولا بعد مماته. # وقد يفهم المسلم ذلك بغير مشقة، ولكنه على وضوحه للمؤمنين بالرسالة المحمدية يساق عند ~~غيرهم من المتدينين ومنكري الأديان مساق الغرابة، ويسيء بعضهم فهمه، كما يسيء أدبه، فيزعم ~~أنها أثرة لصاحب الدعوة يغلق بها أبواب النبوة على سواه كما يغلق صاحب السطوة الملك على من ~~يليه من غير أهله أو يصطفيه. # ولا حاجة في هذا المقام إلى مناقشة المنكرين في أمر الإيمان بختام النبوة ولا بنفعها في ~~زمن من الأزمان، فلا فرق عندهم بين الزمن الذي يبدءون بإنكار كل نبوة فاتحة قبل أن ينكروها ~~خاتمة، ولا يقولون بضرورة النبوة ولا بنفعها في زمن من الأزمان، فلا فرق عندهم بين الزمن ~~الذي يستجاب فيه للأنبياء والزمن الذي لا يستجابون فيه، وكلاهما عندهم زمن يستمتع فيه لشيء ~~لا يجوز الإصغاء إليه. # لكن المتدينين الذين يستغربون ختام النبوة إنما يستغربون في الواقع أمرا ينساق إليه ~~المصدقون بالنبوات سواء فطنوا إليه عن فهم وروية أو أخذوه مأخذ العادة التي لا تحتاج من ~~معتادها إلى التعليل. فقد آمن بختام النبوة كل من آمنوا بنبوات التوراة، وقد ختم بعض هؤلاء ~~دعوات الدين جميعا بما دانت به سلالة واحدة لا يوحي الله إلى غيرها ولم يوح إلى أحد من ~~قبلها فيما اعتقدوه ويعتقدونه حتى اليوم. # وليس إيمان المسلم بخاتم النبيين على نحو من هذه الغرابة في التصديق ولا في التكفير؛ لأن ~~النبوة ms104 التي ختمت النبوات في عقيدة المسلم هي الدعوة التي تدوم مدى الزمن؛ لأنها تكل ~~العقيدة إلى العقل وتقيم العقيدة على الإيمان برب واحد هو رب العالمين. # كانت الأمم قبل البعثة المحمدية تفهم أن النبوة استطلاع للغيب وكشف للأسرار والمخبآت، ~~يستعينون بها على رد الضائع وإعادة المسروق أو الدلالة عليه، ويستخبرونها عن طوالع الخير ~~والشرر ومقادير السعود والنحوس. # وكان من تلك الأمم من يحسب أن النبوة وساطة بين المعبود وعباده للتشفع وتسليم ~~القرابين. # وكانوا يطلبون وساطة الأنبياء دفعا للنوازل التي يستحقونها أو تنزل بهم لأنها قضاء مبرم ~~يتوقعه الصالحون العارفون ويسألون المعبود في رفعه قبل نزوله. # فجاءت نبوة الإسلام بجديد باق لم تسبق له سابقة في الدعوات الدينية، ولا حاجة بعده ~~إلى جديد ولا استطاعة فيه للتجديد، لأنه يخاطب في الإنسان صفته الباقية وخاصته الملازمة، ~~وهي خاصة النفس الناطقة بين الأحياء، وخاصة الضمير المسئول الذي يحمل تبعته ولا تغنيه عنها ~~شفاعة ولا كفارة من سواه. # إنها نبوة فهم وهداية وليست نبوة استطلاع وتنجيم، وإنها نبوة هداية بالتأمل والنظر ~~والتفكير وليست نبوة خوارق وأهوال تروع البصر والبصيرة وتروع الضمائر بالخوف والرهبة حيث ~~يعيبها قبول الإقناع. # إنها نبوة مبشرة منذرة لا تملك لهم نفعا ولا ضرا، ولا تعمل لهم عملا غير ما يعملونه ~~لأنفسهم بمشيئتهم إذا اهتدوا بهداية العقل المتدبر والضمير السليم: # قل ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن ~~أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~. # نعم، ولا إغراء ولا مساومة على قربان أو جزاء بين الأخذ والعطاء: # قل ~~لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ~~. # وقد جاءت سمعة المعجزة ميسرة لصاحب هذه النبوة يوم مات ابنه إبراهيم وكسفت الشمس فظن ~~الناس أنها كسفت لموته، وأبى النبي الصادق أن يسكت عليها، فتكلم ليعلمهم: «إن الشمس ~~والقمر آيتان ... لا تخسفان ms105 لموت أحد ولا لحياته.» # وخليق بذوي العقل وأولي الألباب، أن يصدقوا هذا النبي حين يقول لهم: إن المعجزة لا تنفع ~~من لا ينتفع بعقله وضميره # ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ~~. # فإذا جاء النبي بهذه الرسالة التي تكل الإنسان إلى «خاصة إنسانية» لا تفارقه وتعطيه ~~البينة من شهوده فيما يراه حوله ولا يغيب عن حسه وفكره، فأين تنتهي هذه الرسالة؟ وماذا ~~تعمل الرسالة التي تأتي بعدها لتنسخها وتخلفها؟ إنها لا تعمل إلا أن تنسخ العقل أو تعود به ~~كرة أخرى إلى القرون الأولى، وليست هذه ولا تلك بدعوة يحتاج إليها إنسان من الراشدين بعد أن ~~وكل إلى هداه، فمن لم يكن من الراشدين فحاجته إلى المعلم الذي يدله على ما فاته من هداية ~~النبوة ألزم من حاجته إلى نبي جديد معيد لما تقدمه، كأنه يسقط واجب التعليم. # ولقد تقدمت نبوة الإسلام دعوات كثيرة من أكبر الدعوات شأنا في تاريخ العقيدة، ولكنك لو ~~عرضتها على مؤرخ ينظر في أدوار التاريخ - كائنا من كان معتقده في الدين - لم يستطع أن ~~يختتم دور النبوة في تاريخ الإنسانية بدعوة من تلك الدعوات على جلالة شأنها وبعد أثرها في ~~العصور اللاحقة بعصرها، لأنها جميعا قد بدأت وانتهت قبل أن توجد في أذهان الناس فكرة ~~الإنسانية العامة وفكرة الإنسان المسئول المحاسب على أمانة العقل والضمير. # فنبوات بني إسرائيل لم تزل مقصورة على سلالة بشرية واحدة تنعزل بحاضرها ووعود مستقبلها عن ~~سائر الأمم، وعيسى - عليه السلام - قد نقل الرسالة نقلة واسعة حين أدخل أبناء إبراهيم ~~بالروح في عداد أبنائه بالجسد، ولكنه أدى رسالته وبقي الإنسان بعده محتاجا أشد الحاجة إلى ~~رسالة تخلصه من الاعتماد على غيره في النجاة من أوزاره والتكفير عن سيئاته والنهوض بتبعات ~~صلاحه وتربية روحه، ولن تفرغ أمانة النبوة في تاريخ الإنسانية قبل أن توجد للإنسانية فكرة ~~عامة في نفوس أبنائها، ولن تختتم النبوات قبل أن يوجد الإنسان الذي يخاطب بخطاب العقل ~~ويحاسب ms106 بحسابه ويحمل تبعاته على عاتقه ويشترك على سواء بينه وبين إخوته من البشر في عبادة ~~إله واحد هو رب العالمين أجمعين، وليس بالرب الذي يخلق نعمته لسلالة واحدة من خلقه أو ~~لعشيرة واحدة يدركها الخلاص بفضل لم تفضله، وحساب لم تضعه في موازينها بعمل ~~يمينها. # فلما جاءت نبوة الإسلام صح في حكم العقل أن تختتم بها النبوة لأنها حاضرة في كل وقت يحضره ~~الإنسان العاقل المسئول وتحضره آيات الله لقوم يعقلون: # إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من ~~السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من ~~كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~. # ونقول: إن ختام النبوة - بعد الدعوة المحمدية - قد صح في حكم العقل، ولنا أن نقول كذلك: ~~إنه قد صح في حكم الواقع والتاريخ، فإن العالم الإنساني الذي تعاقبت فيه النبوات قبل محمد # صلى الله عليه وسلم # لم تظهر فيه نبوة مسموعة بعده، ولم يظهر فيه غير أدعياء النبوة الذين ذهبوا ولم ~~يستمع إليهم أحد في حياتهم أو بعد مماتهم، ولم يظهر فيه من أولئك الأدعياء أنفسهم من يستند ~~إلى رسالته لا يحيلها إلى النبوة الإسلامية بقواعدها وأركانها. ~~••• # إن اختتام محمد للنبوات عقيدة يصدقها المسلم بوحي إيمانه، ولكنها كذلك حقيقة علمية يفهمها ~~بفكره ويشهد دلائلها في العصور الغابرة كما يشهدها في عصره مؤتمرا بأوامر دينه. # وإنه ليطيب للكثيرين من أبناء العصر الحاضر الفخورين بعلومهم ومخترعاتهم أن يهتفوا ~~قائلين: «نحن في عصر العلم، نحن في عصر العقل، نحن في عصر الحقائق الواقعة، نحن في عصر آيات ~~الطبيعة.» # فليهتفوا بذلك ما طاب لهم أن يهتفوا، وليذكروه ويعيدوه تحديا لما شاءوا من النبوات إلا ~~النبوة التي ختمت جميع النبوات؛ لأنها هي قالت للناس قبل أربعة عشر قرنا ما يقولونه الآن، ~~وهي أوحت إليهم أنهم يعيشون بعد اليوم بهداية بصائرهم، وما يبصرونه من آيات تلك الهداية في ~~مشاهد الطبيعة، وأسرار الخلق، ms107 وبراهين العيان. # وكل أعجوبة من أعاجيب العلم فهي جزء من معجزات هذا الدين، الذي جاء به خاتم النبيين: # وأبصرهم فسوف يبصرون ~~[الصافات: ~~175]. # الفصل الرابع والعشرون # | ديانات العالم السبع العظمى1 # أحرى بهذا الكتاب أن يسمى معرضا دينيا على الورق؛ لأنه يجمع أكثر من خمسين ومائتي صورة ~~فنية لمناسك الأديان في أنحاء العالم، حيث يقيم أتباع الديانات السبع المشهورة: وهي ~~البرهمية والبوذية ديانتا أهل الهند، والطاوية والكنفوشية ديانتا أهل الصين، والإسلام ~~والمسيحية واليهودية. # ألف الكتاب لمجلة الحياة # Life # المصورة طائفة من ~~المتخصصين للمباحث الدينية تناول كل منهم البحث في ديانة يدرسها ويطلع على مراجعها، ~~واستغرقت بحوثهم أكثر من سنتين زيدت عليها تنقيحات وتصحيحات استغرقت بضعة أشهر، ثم ظهر ~~الكتاب أخيرا على صورة طيبة في شكله وموضوعه وجاءت فصوله التي كتبت عن الإسلام على أطيب ما ~~ينتظر من الباحث غير المسلم حيث يتصدى للكتابة عن هذا الدين وأهله في معترك الخصومات ~~السياسية والمذهبية التي تثير العداء له في كثير من علاقاته بالدول والشعوب. # وأطيب ما في تلك الفصول من هذه الوصية أن كتابها يورد الاعتراضات الشائعة عن الدين ~~الإسلامي ويرد عليها أحيانا بما ينقضها ويجلو حقيقتها، ويوفق إلى الرأي الصواب في معظم ~~أقواله. # بدأ بقوله عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إنه لا يسمي نفسه المخلص، ولا يقول إنه المسيح المنتظر، ~~ولكنه بشر يبلغ الناس رسالته الإلهية، وليس في نشأة هذا الدين غموض ولا مجال للخبط بالظنون؛ ~~لأنه انبثق في ضحوة التاريخ الساطعة وانتشر بين أمم الأرض بقوة الإعصار، وسر انتشاره ودوامه ~~أنه عقيدة سهلة واضحة متمكنة فيما تثبته للناس من أصول الإيمان، وهو أكثر من دين شعائر ~~وعبادات؛ لأنه إلى جانب ذلك أدب حياة وشريعة سلوك تنظم معيشة الإنسان على مثال لا نظير له ~~في الحضارة الغربية. # ومن أسباب قوة هذا الدين أنه عند اتباعه الكلمة الأخيرة من وحي الله، وهو يتقبل الديانات ~~الكتابية التي سبقته، ولكنه يعلم أتباعه أنها اجتمعت صحيحة خالصة من الحواشي والأوشاب في ~~آيات القرآن، ولم ينشئ القرآن ms108 كهانة ولا مراسم هيكلية تلجئ المسلم إلى وساطة زمرة من ~~الأحبار والرؤساء، لأن فرائضه المعروفة الواضحة مما يؤديه كل مسلم بينه وبين الله بغير حاجة ~~إلى الوسطاء. # يقول كاتب فصول الإسلام في الكتاب: «إن بعض عادات العرف في البلاد الإسلامية تحسب من ~~دلائل الرجعية عند الغربيين، ولكن النبي نفسه رفع شأن المرأة ولم تكن قيودها الثقيلة مما ~~يفرضه القرآن، وإنما جاءت من توليدات بعض المتأولين في عصور النكسة والجمود، وقد أنكر ~~الإسلام وأد البنات ووضع الحدود لتعدد الزوجات بعد أن كان مستباحا في أيام الجاهلية ~~بغير حدود.» # وتكلم المؤلف عن نحل الصوفية فأشار إلى بعض نحلها التي يعترض عليها أهل السنة، ثم قال: ~~«إن الصوفية انتعشت واستقامت بهداية الأفكار التي بثها الإمام الغزالي، وهو عبقري ديني ولد ~~بإحدى قرى فارس سنة 1058 ميلادية، ويحسبه المسلمون اليوم في عداد الأولياء القديسين، ويبلغ ~~عدد المتصوفة بين المسلمين نحو ثلاثة في المائة ينتمون إلى طرق متعددة مختلفة ~~الدرجات.» # ثم وصف الكاتب أذكار بعض الدراويش المنتسبين إلى الصوفية بصفات منكرة، يشاركه في إنكارها ~~جملة المسلمين، ولكنه عاد بأكثر التقاليد الصوفية إلى العادات المستعارة من غير ~~المسلمين. # واستطرد إلى التبشير بالدين الإسلامي بين غير المسلمين فقال: «إن الإسلام، إلى زمن متأخر، ~~لم يكن له جماعات منظمة للتبشير، لأن هذا الدين الذي جعل المسلم في غنى عن الوساطة بينه ~~وبين ربه قد جعله كذلك داعيا إلى دينه حيث كان وإن لم تكن له جماعة ينتمي إليها ويتقيد ~~بنظامها لنشر الدعوة، إلا أن الدلائل تشير إلى عناية حديثة من جانب المسلمين بأنظمة التبشير ~~المسيحية، وقد أصبح الجامع الأزهر - ذلك المعقل الثقافي الذي صمد للتيارات الغربية وحال بين ~~مؤثراتها وبين العالم الإسلامي - ينشط الآن لتدريب فئة من أبنائه كل سنة للعمل في هذا ~~الميدان. ولاحت علامات النشاط لهذا العمل من جانب النحل المتشعبة في الإسلام، ومنها نحلة ~~الأحمدية التي تبعث الرسل إلى أوروبا والشرق الأقصى وأقطار أفريقيا الشرقية.» # قال الكاتب: «إن في القارة الأفريقية اليوم نحو ستين مليون ms109 مسلم من نيف ومائتي مليون عدة ~~أبناء القارة: وإذا تزاحم المبشرون من المسلمين والمسيحيين كسب التبشير الإسلامي عشرة كلما ~~كسب التبشير المسيحي واحدا من الوثنيين، ويشيع بين سكان أفريقيا الغربية - ولا سيما ~~نيجيريا - أن الإسلام دين الرجل الأسود، وأن المسيحية دين الرجل الأبيض، وأجدر من ذلك ~~بالالتفات أن المسلمين في الهند وباكستان حيث تزيد عدتهم على عدة إخوانهم في كل مكان آخر قد ~~تحول أكثرهم عن العقيدة التي تقضي بنبذ بعض الطوائف إلى العقيدة التي تبسط سنة المساواة ~~بين جميع المؤمنين، وهناك علامات شتى على أن الإسلام يتحرك من سباته الطويل، ففي كل أمة ~~إسلامية دعوة إلى إحياء الإسلام سياسيا وروحيا وثقافيا بمختلف الأساليب، وقد أعيد ~~بناء مئات من المساجد في البلاد التركية بعد مصادرة أتاتورك للتعاليم الدينية، وزادت نسبة ~~الطلبة الدينيين في إيران بمقدار أربعين في المائة بين سنة 1951 وسنة 1955، وتتراءى في ~~أفريقيا الشمالية علامات من هذا القبيل، ولا يخلو بلد بين بلاد المسلمين اليوم من شعور ~~القلق من جراء الاحتكاك الدائم بالحضارة الغربية. وقديما كان المسلمون يقابلون الحضارات ~~المخالفة بقلة الاكتراث حينا وبالنفور حينا وبالانطواء في جملة الأحيان، أما في الآوانة ~~الحاضرة فالإسلام مجتهد في التوفيق بينه وبين مستحدثات الحضارة، ولا يجمد على القديم ~~المفقود غير العدد النزر من المعتصمين المتشبثين بالتقاليد المهجورة، وبين الفريقين طائفة ~~ثالثة ترى أن إحياء الإسلام من داخله عمل مستطاع للوقوف حيال الغرب موقف الأنداد الأكفاء، ~~متعاونين على شرعة التعاون والاستقلال.» # ويعرض المؤلف بعد ذلك للدور المنتظر من الإسلام بين الديمقراطية والشيوعية، لأنه وسط في ~~الموقع ووسط في العقيدة ووسط في المصلحة بين المعسكرين، ثم يؤكد قيام الفوارق بين مبادئ ~~الثقافة الإسلامية ومبادئ الديمقراطية، ولكنه يخلط في تقديره فيخيل إليه أن المسلم غير بعيد ~~من الشيوعية إذا عز عليه أن يجد في الديمقراطية رضاه. # ويختم كلمته عن الدعوة الإسلامية بقوله: «لا ريب أن الوجهة التي سيتجه إليها الإسلام ~~سيكون لها أثرها العميق في مصير العالم الإنساني، وتتوقف هذه الوجهة على مقدار نجاح ms110 ~~المسلمين في التوفيق بين عقيدتهم ومقتضيات الزمن والتاريخ، ومن ثم يدرك المسلمون أن ~~قضيتهم العظمى هي قضية العقيدة الروحية، ويذكرون كلمة النبي حين قال لأصحابه بعد مرجعهم من ~~إحدى الوقائع: إنهم عادوا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد الضمير.» # ويلي هذا الفصل عن الدعوة صفحات من ترجمة القرآن الكريم، يخصصها الناقل للسور والآيات ~~التي تعرف القراء الأوروبيين بآداب الكتاب ووصاياه المميزة له بين وصايا الأديان الكتابية، ~~ويغلب عليه في جملة ما ينقله أن ينحو بالمقارنة بينها جميعا منحى الإنصاف ولا يتعمد فيها ~~أن يبتر الشواهد للإيحاء بالمغامز والشبهات. # إلا أننا نترقب كثيرا ونغلو في الثقة بفهم القوم لحقائق هذا الدين إذا ترقبنا من منصفيهم ~~أن يصبحوا مسلمين متحرجين في تنزيه العقائد الإسلامية عن المظان التي قد تخفى على أناس من ~~المقلدين بين أتباع هذا الدين، فلا يزال هذا المؤلف وغيره ممن يحسنون القول في الإسلام ~~إجمالا يتوهمون أن النعيم الموعود لا يعدو أن يكون ألوانا من لذات الحس ومتعه من متع ~~الطعام والشراب، ثم يتوهمون أن الإسلام قد انفرد بتصوير النعيم على هذه الصورة بين الأديان ~~الكتابية، ويتناسون أوصاف الكتب الأخرى من القرون الأولى إلى ما بعد القرون الوسطى لكل متاع ~~موعود في عالم الجزاء والثواب، وقد يأبون أن يفهموا أن الإجماع منعقد بين العارفين بالكتاب ~~على اختلاف الصفات والموصوفات بين الدنيا والآخرة، ولكنهم سواء وقفوا بالفهم دون معنى ~~التنزيه الواجب، لأنهم يجهلون أو لأنهم يستريحون إلى المعنى القريب المبذول، قد بلغوا ~~طاقاتهم من إحسان النية وإحسان المقال. # الفصل الخامس والعشرون # | كلام عن الإسلام والعرب في كتابين حديثين1 # كتابان من المطبوعات الحديثة قرأت فيهما كلاما عن الإسلام والعرب، وعن تقدير الحضارة ~~العربية. # فتحت أحدهما فوجدت في صدره فصلا مطولا بعنوان: «إسلام القرن العشرين»، فخطر لي أن ~~المؤلف يتكلم عن تطور الإسلام في هذا القرن ويشرح آراء المجددين المصلحين من أئمته أو عادات ~~المسلمين المعاصرين، مع المقابلة بينها وبين عادات المسلمين في القرون التي سبقت القرن ~~العشرين. # ولكنني لم ms111 أقرأ من الفصل بضعة أسطر حتى ظهر لي أن المؤلف إنما يتكلم عن الشيوعية ~~الماركسية ويحذر العالم الغربي من أخطارها؛ لأنها - كما يقول - غزوة جديدة تهدده في كيانه ~~كما هدده الإسلام في القرن السابع للميلاد! # وإنه لتضمين من المؤلف أوضح وأبلغ من التصريح، لأنه يعلن رأيه ورأي قرائه المقصودين في ~~موقفهم من الإسلام، ويبين لنا أن هناك قوما من بني جلدته يحسون أن اسم الإسلام نذير بالخطر ~~يكفي أن يذكر لهم ليدركوا أنهم مهددون بما يوقظ النائم وينبه الغافل ولا يحتاج إلى ~~نذير. # وفرغت من الفصل فلم أجد فيه وجها من وجوه المشابهة غير أن الإسلام دعوة والشيوعية دعوة، ~~أو هي كما سماها «دين دنيوي» يقوم على عقيدة «إيمانية» تجري مع الشعور ولا تجري مع المنطق ~~والمعرفة البرهانية، وهذا كل ما هنالك من مشابهة بين النذيرين! # وقد زعم المؤلف أن خطة ستالين في «تشييع» القارة الآسيوية أو إكراهها على قبول الشيوعية ~~ليست إلا تكرارا لخطط القادة الآسيويين أمثال محمود الغزنوي وطغرل بك وألب أرسلان، وأن هذه ~~الخطط جميعا تعتمد على سلاح الدولة وسلاح العقيدة وتتخذ العقيدة أحيانا وسيلة لقلب الدولة ~~كما تتخذ الدولة أحيانا وسيلة لقلب العقيدة. # لكن ما هو وجه الشبه بين دعوة تصحح المجتمع أو تعالج أدواءه وبين دعوة تهدم المجتمع ولا ~~تبقي منه بقية تربط بين حاضره وماضيه؟ # وما هو وجه الشبه بين دعوة تحصي عدد الضحايا من أعدائها ومقاوميها فلا يزيد على بضعة ألوف ~~في مائة سنة، وبين دعوة تحصي عدد ضحاياها في موطنها وحده فيزيد على عشرين مليونا في بضع ~~سنوات؟ # وما وجه الشبه بين الصديق والفاروق، وبين لينين وستالين؟ # إن كل شيء في الإسلام والشيوعية يختلف أشد الاختلاف غير اسم الدعوة أو اسم العقيدة، إن صح ~~وصف المؤلف للشيوعية بأنها عقيدة دنيوية. # ولكن الشبه المهم الذي جمعه المؤلف تحت عنوان فصله إنما هو في «النذير» الصريح باسم ~~الدعوتين، وكفى به عنوانا يغني عند قرائه المقصودين، وعندنا نحن، عن صفحات ومجلدات! ~~••• # هذا الكتاب اسمه «الشيوعية ms112 من وجهة العلوم الاجتماعية والنفسية» واسم مؤلفه الأمريكي جول ~~مونيروت، ويقول مقرظوه: إنه ناقد ثاقب النظر يرمي بنظره إلى بعيد! # أما الكتاب الآخر فاسمه «العرب» واسم مؤلفه «هاري أليس»، وهو كاتب صحفي قضى في الشرق ~~الأوسط حقبة غير قصيرة مشتغلا بمراقبة الأحوال ومراسلة الصحف العلمية، وكتابه أشبه بكتب ~~الدراسة فيما يعرض له من التاريخ القديم، وأشبه بمقالات السياسة فيما انتهى إليه في ختام ~~فصله الأخير. # يبدأ المؤلف تاريخه الموجز من العصور السابقة للأديان الكتابية، ويعتبر تاريخ العرب أصلا ~~لتواريخ الحضارات التي عمرت طويلا بين النهرين وبين البحرين؛ أي البحر الأحمر وبحر ~~الروم. # ثم يوجز الكلام عن دعوة الإسلام فيقول، بعد خليط من الحقائق والأوهام: إن سنة 732م وافقت ~~ذكرى وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فبلغت بدعوته أقصى المغرب وكادت أن تصل إلى أقصى المشرق، ولم يكن ~~السيف وحده قوام الدعوة، بل كان كثير من أبناء البلدان المفتوحة يقبلون على الإسلام ~~لتفضيلهم إياه على عقائدهم، أو لأن الدخول في الإسلام يرفع عنهم الضرائب التي تجبى من غير ~~المسلمين، ولكن لا يفهم من ذلك أن المسلمين الذين دخل آباؤهم في الإسلام فرارا من الضريبة ~~كانت عقيدتهم الإسلامية هينة عليهم، بل كان هؤلاء المسلمون يذودون عن دينهم مستميتين ~~مستشهدين كلما هوجمت ديارهم بعد سقوط «الإمبراطورية» حوالي القرن الثالث عشر ~~للميلاد. # قال: «وإن العرب الذين كانوا قبل الإسلام بدوا جفاة جلبوا إلى دولتهم الواسعة هديتين ~~جليلتين : إحداهما الديانة التي بشر بها محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، والأخرى اللغة العربية، فأصبح اللسان ~~العربي واسطة المعاملة كما أصبح واسطة التعليم والتثقيف، فزاد عدد الكتب التي كانت تظهر ~~باللغة العربية بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر للميلاد على جملة الكتب التي ظهرت يومئذ ~~بجميع اللغات الأخرى ...» # ولم يخالف المؤلف ديدن زملائه في خصلتين ملازمتين لأكثر الكاتبين عن الإسلام والعرب من ~~الأوروبيين، فإنه ليستريح إلى الإقلال من عدد المتكلمين باللغة العربية فيحصيهم بنحو خمسين ~~مليونا وهو يستطيع أن يعلم بغير حاجة إلى البحث الطويل أن خمسين مليونا ms113 يتكلمون العربية ~~يعيشون في أفريقيا الشمالية وحدها دون سائر الأمم الأفريقية الأخرى وراء مراكش والجزائر ~~وتونس وليبيا ووادي النيل، ولا يقل المتكلمون باللغة العربية إلى الغرب من القارة الآسيوية ~~عن ثلاثين مليونا بين جزيرة العرب ووادي النهرين وسائر أقطار الهلال الخصيب، وقد يبلغ ~~العارفون بالعربية من غير العرب عدة ملايين. # والخصلة الأخرى التي ينساق إليها المؤرخ الغربي عن سوء فهم منه للظواهر الفنية أحيانا هي ~~التطفيف من نصيب الذوق العربي الخالص من نهضة الفنون والثقافة في الدول الإسلامية أو ~~«الإمبراطورية» الإسلامية كما يسميها. # فقد يكون المهندسون أجانب عن السلالة العربية الخالصة، ولكن الذوق العربي بلا جدال هو ~~الذوق الذي غلب على هندسة المعمار في كل قطر من أقطار المشرق والمغرب، وما من أحد ينظر إلى ~~العمدان والأقواس التي تحمل القباب ثم يشك في قيامها جميعا على أساس من إلهام «النخلة» ~~بقوامها المديد النحيل وقبتها المعرشة وأقواسها المتناسقة على جهاتها الأربع، وليس التقابل ~~بين الأشكال الهندسية على النسق المعروف عند الإفرنج باسم «الأرابيسك» إلا تكرارا في فن ~~البناء للتقابل بين القوافي والأعاريض والشطور في فن القريض. # ولا نكران لنقد الناقدين من جهابذة الفن الذين يأخذون على فن «المعمار» العربي خلوه من ~~صور الكائنات الحية ومن صور النبات في أكثر الأحايين، ولكن هؤلاء النقاد ينسون أن مذهب ~~المعمار العربي قابل للدفاع عنه من الجانب الفني الخالص، وإن ظنوا أن الدفاع عن هذا المذهب ~~مقصور على الجوانب الدينية، فقد رأى الفيلسوف الكبير «عمانويل كانت» أن الفن الخالص يتمثل ~~في المعمار العربي وحده، وقلما يتمثل على هذا النحو في فنون المعمار الأخرى؛ لأن جماله ~~مستمد من جمال الأشكال غير مستعار من الصور والأشباه التي يقاس جمالها بغير مقاييس الهندسة ~~ومقاييس البناء، ومن الإنصاف للذوق العربي أن نذكر أن أشكال الهندسة أقرب إلى قوام الجدار ~~والسقف والعمود الحجري من الصور الحيوانية أو النباتية، فإذا حسنت التحلية بصور الأحياء أو ~~صور النبات فأحرى أن يوكل ذلك إلى نقش الرسوم التي تعلق بألواحها على الجدران، كأنها بعض ms114 ~~الأثاث الجميل بين سائر المقتنيات الفنية التي تحتويها الحجرات والبيوت. # وما دام الأمر لا يرجع إلى فقدان التعاطف بين الإنسان وسائر الخلائق الحية فلا معابة فيه ~~على الذوق ولا على الشعور، ولكنه تقسيم لمواضع الجمال الفني حيث ينبغي أن توضع من جدران ~~البيوت أو مقتنيات البيوت. # أما أن تجريد المعمار العربي من الرسوم الحية لم يكن يرجع إلى فقدان التعاطف بين العربي ~~وسائر الخلائق الحية، فهو حقيقة لا تخفى على من يروي القليل من الشعر العربي فضلا عن ~~الكثير، فإن الشاعر الذي لا ينسى الناقة ولا الفرس ولا الربيع والمرعى قبل عصر الحضارة ~~خليق أن يحس الحياة والأحياء تحت قبة السماء، ولا ينتظر أن يخلق إحساسه بها تحت قباب ~~الهياكل والقصور. # وينتقل المؤلف من حديثه عن عصر الحضارة إلى حديثه عن قضايا العصر الحاضر، فلا يفوته أيضا ~~أن يدلي بدلوه في تلك السخافة التي تعاهد عليها زملاؤه الصحفيون، أو المؤرخون العصريون من ~~أبناء الغرب كلما ذكروا قضية فلسطين، فهي عندهم قضية كسبتها عصابات إسرائيل من الأمم ~~العربية في ميدان القتال وانتصرت فيها بجيشها وسلاحها على دول العرب مجتمعات، ولم يكن أحد - ~~بعيدا عن الشرق الأوسط - يجهل أن إسرائيل كانت تحارب بسلاح الدول الغربية ومالها، وكانت ~~تلقى التشجيع من تلك الدول فتزحف على الأرض المحرمة ويصبح احتلالها تلك الأرض «أمرا ~~واقعا» و«حقا مكتسبا»، على حين يضطر العرب إلى الجلاء عن أماكنهم بأمر السادة المسلطين ~~على حكوماتهم وجيوشهم، ثم يقتل وسطاء الهيئات الدولية الذين يكفون إسرائيل عن العدوان أو ~~يترددون في استجابتها إلى دعواها، فلا ينالها من جراء قتلهم جزاء ولا يحول بينها وبين ~~المزيد من معونة السلاح والمال. # إن البعيدين عن الشرق الأوسط يعلمون ذلك فلا ينساقون إلى القول بانتصار إسرائيل عن حسن ~~نية، ولا يقررون هذه السخافة إلا وهم يتعمدون المغالطة ويسترون الجريمة المشتركة بين ~~حكوماتهم وعصابات الصهيونية العالمية، فإذا بدرت تلك السخافة من مقيم في الشرق الأوسط مطلع ~~على الأخبار من مصادرها، فهو في الواقع يبتدع تلك السخافة ويعمل ms115 على ترويجها ولا يتورط فيها ~~مضطرا إليها بعد اختراعها وترويجها. # وبيت القصيد من هذا كله ينجلي عند ختام الكتاب من الأسطر القليلة التي عقب بها المؤلف على ~~كلامه عن النفط في البلاد العربية، وعن القوة التي تستفيدها هذه البلاد من تزاحم الأمم على ~~آبارها وإدراكهم لخطر مراكزها في معترك السياسة العالمية، وهذه أسطر الختام منقولة بحروفها: ~~... كلما ازدادت ثقة العرب وجب عليهم أن يثقوا بشعوب الغرب التي تعودوا أن يسيئوا ~~بها الظنون منذ أيام الوصاية والانتداب، وعلى الغربيين - من جانبهم - أن يذكروا أنه ~~قبل قرون عديدة سبقت وصول الرجل الأبيض إلى أمريكا كان العرب سادة الدنيا وزعماء ~~حضاراتها. # الفصل السادس والعشرون # | الصحافة في الإسلام1 # الجرائد الآن قوة لا تستبدل بغيرها، وليس من عصرنا هذا ما ينوب عنها إذا محيت منه، فقد ~~وجدت لمركزها الذي شغلته من قبل وتشغله الآن، وليس عندنا ما ينازعها عليه أو ينازعه ~~عليها. # بلغت من التأثير على عقول الناس والمكانة من المجتمع أن قراءتها أصبحت عملا من الأعمال ~~اليومية لا يقصر فيه المغرمون بها وهم عادة من أرقى الناس فكرا وأشدهم حرصا على تحقيق ~~معنى الإنسانية فيهم. ومعناها أن الإنسان مدني بطبعه، يميل إلى كل ما يجمعه بالناس، ويعمل ~~على التقرب منهم بغريزته. ومن شأن هذا الميل أن يحمل صاحبه على الاهتمام بأخبار الناس لأنه ~~واحد منهم يهمه ما يهمهم وهو لا يجد بغيته هذه إلا في الصحافة. لذلك أفرد لها العالم ~~المتمدن من وقته ساعتين وهما ثلث وقت العامل ووقت المتعلم. وثلث وقت الوكل الذي لا يعنى في ~~غير الراحة. وإذا نزعنا إلى المجاز في التعبير قلنا: إن حركة الأفلاك ودوران الكواكب شهرا ~~من السنة بما يتخلل ذلك من هطول السحاب، ونجوم النبات، وهبوب الرياح وتقلب الأحوال، وتداول ~~الليل والنهار، وقف على الصحافة لا دخل فيه لعمل غيرها، ومع ذلك فلا يكون المجاز هنا قد ~~تعدى الحقيقة بكثير، فإن الواقع ما نرى ونقول. ~~••• # تقسمت الأنباء بين الماضي والمستقبل والحاضر! فاختص التاريخ بعلم الماضي، والنبوءة بعلم ms116 ~~المستقبل، واختصت الصحافة بالحاضر! فإذا استغنى العالم عن التاريخ والاستبصار بحوادثه ~~ووقائعه بما كمل من خبرته وارتقى من عقله، أو كانت النبوءة قد قفل بابها وسدل حجابها، فلم ~~نعد نسمع عن نبي يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيما لديه، فهو لا يستغني عن الصحافة؛ لأنها نبأ ~~الحاضر الذي لا يتجرد منه الإنسان إلا إلى حاضر آخر. # فالصحافة - هذه القوة العاملة - أصبحت من مستلزمات الرقي وضروريات الحياة الأدبية، فلا ~~يخلو منها إلا مجتمع ناقص لم تتوافر فيه شروط الاجتماع، ولا نعلم ماذا كان يكون حال مصر ~~وماذا كان يحل محل هذه النهضة العالية والحماسة السياسية المبثوثة بين جميع الطبقات المصرية ~~إذا لم تنشر فيها الجرائد الآن. # ومما يدل على افتقار العالم إلى هذه القوة أنه لم يستقم أمره بدونها منذ بدأ يرقى ويفهم ~~معنى الاجتماع، وإنما كانت تتقمص أشباحا مختلفة غير الشبح الذي تظهر فيه في العصر ~~الحاضر. # غاية الشعور هي تنبيه الشعور والحث على عمل الواجب ولفت الناس إلى ما يحيق بهم من الأخطار ~~سواء كانت من أثر العادات أو من مناوأة الأعداء، وقد تحققت هذه الغاية بأساليب متباينة ~~ووسائط تتناسب مع حالة العصور الأدبية، فتمثلت أولا في الخطابة. كأن يشعر العالم أو ~~الأديب بنقص في المجتمع الذي يعيش فيه، أو بحاجة مواطنيه إلى الجهاد وغيره من مقومات الحياة ~~في تلك الأزمان، فيحشد الجموع إلى ميادين البلد ويلقي عليهم خلاصة أفكاره، فيجرهم إلى العمل ~~بها بما للخطابة من قوة التأثير، فكانت الخطابة عندهم بمقام الصحف السياسية منا. # ثم تمثلت في التدريس، فكان يؤدي وظيفة المجلات العلمية عندنا، ويندر أن يتعدى العلوم ~~والآداب إلى السياسة إلا في قضية تتماس فيها السياسة بالعلم أو يضطر فيها المعلم إلى إبداء ~~رأيه في شئون مملكته لتلامذته، وقد كان بينهم أبناء الملوك والأعيان؛ أي الذين تنفعهم دروس ~~السياسة الممزوجة بالعلم. ~~••• # ولم يعر عن الخطابة شعب من الشعوب خصوصا العرب، على أنهم ما كانوا يعرفون في جاهليتهم ~~طريقة التدريس لقلة معلوماتهم، فتوافرت عزائمهم إلى الخطابة، فبرعوا فيها ms117 وأعطوها قسطا من ~~الإتقان وأقاموا لها النوادي والمجامع على مثال ما كان عند أمتي اليونان والرومان، وقد ~~فاقوهم في بلاغة المعاني وسلامة التعابير. # ولما جاء الإسلام اتسعت دائرة معارفهم وحركت عقولهم المعضلات الشرعية لأول مرة، ثم ~~العلمية بعد أن تقدموا وعربوا كتب حكماء اليونان وغيرهم من أساطين الحكمة في الأمم ~~القديمة، فاهتدوا إلى التدريس وبث الأفكار بواسطته، وكانوا يرحلون إلى المدرسين من قطر إلى ~~قطر، بل من قارة إلى قارة، حتى تفرغ لهذا العمل كثير من العلماء الأجلاء، فاجتمعت عندهم ~~بذلك دعائم الصحافة كما هي عند بقية الأمم، ورجحوها بأن دينهم يعينهم على التمكن منها، فإن ~~الإسلام قرر مبدأها ووصف نموذجها وصف أعلم معاصريها. # فقال الكتاب العزيز: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة من اتقاه الناس لشره.» # وقال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يرضي بها جلساءه يهوي بها في نار جهنم.» # ولا ريب أن هذا أوضح تعريف للصحافة، فما هي على أكمل حالاتها إلا دعوة إلى الخير وأمر ~~بالمعروف ونهي عن المنكر. يتفرغ لها جماعة اختصاصيون سماهم القرآن أمة. ومن أهم نموذجاتها ~~عند العصريين ألا تكون أداة تخويف يهدد بها الأعداء، أو فرشاة مجاملة ومحاباة يتقرب بها إلى ~~الملوك والأمراء، بل تكون عند ضمير صاحبها وعقله، وهذا منصوص في الحديثين الشريفين بحيث ~~تنطبقان على الصحافة أكثر مما على الأفراد. # فلو وجدت المطابع في زمن علماء الإسلام الأولين، أو لو وجدوا هم في زمن المطابع، لما ~~تأخروا عن الائتمار بأمر الله ولتوفقوا إلى استخدام الصحافة بمعناها المعروف. # ومثل أمامك رجلا عالما يريد أن يهدي الناس إلى ما فيه خيرهم، كيف يهتدي إلى ذلك ويعمم ~~مبادئه بين الناس يغير الصحافة وعنده معداتها، وبين يديه القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ~~يقتبس من آدابها. لا شك أن أول ما يخطر بباله إنشاء صحيفة سياسية يطلع عليها الناس عامة ~~ليكون نفعها أعم، وفائدتها أتم. # وغير ذلك، فمن مبادئ الإسلام ms118 إلقاء خطبة أسبوعية في كل مسجد على جموع المصلين، وقد قالوا: ~~إن صلاة الجماعة تقدر بسبعين صلاة يؤديها المصلي منفردا، وذلك ترغيبا في سماع هذه الخطب، ~~ودعوة للناس إلى حضورها للاتعاظ بما فيها، وما هذا إلا بمثابة صحيفة أسبوعية تصدر من كل ~~مسجد مشتملة على النصائح والتحذيرات، فلا ينقصها إلا الطبع، أما النشر فهي حاصلة ~~عليه. # فترى أن الإسلام أشار إلى الصحافة بمعناها الحقيقي، وأن صحافة الإسلام لا تختلف عن ~~الصحافة العصرية إلا في أنها غير مطبوعة، أو أنها حسب اصطلاح الصحافيين كانت في تلك العصور ~~وفي ذلك الدور تمثل للطبع في هذا العصر. # الفصل السابع والعشرون # | الاقتصاد السياسي في الإسلام (1)1 # الاقتصاد السياسي علم يبحث عن تكوين الثروة العامة في المملكة، وكيفية تصريفها حتى تعود ~~بالربح على المملكة التي نشأت منها، وهو بهذا الاعتبار يحسبه بعض الناس أنه إن جاء في مصلحة ~~مملكة فلن يجيء في مصلحة الأخرى، أو كان في منفعة فرد فلا يكون فيه نفع لفرد آخر، والحقيقة ~~أنه علم ينفع كل من تمسك بنظرياته وأحسن استعمالها، فمتى كان البائع ملما به عارفا ~~بأسراره عرف كيف يروج تجارته وينتفع بأرباحها، ومتى كان الشاري كذلك وقف عند الحد الذي ~~يتجاوز منفعته، فلم يتورط في الشراء إلى ما يتعداها وبهذا يحفظ التوازن بين الاثنين. # ولا فرق بين الاقتصاد المنزلي والاقتصاد السياسي إلا في أن الأول يتعلق بالأفراد يمضون ~~فيه على ما يسعد حالهم وحال المتصلين بهم، والثاني يتعلق بالحكومات تمضي فيه على ما يسعد ~~حالها وحال رعيتها. # فالأول يكلف الأفراد أنفسهم بأنفسهم وهم منقادون إلى ذلك بداعي الحاجة الشخصية، ~~والثاني تكلف به الحكومات من قبل رعاياها، ورعاياها هم أولئك الأفراد، فالصلة بين ~~العلمين متينة تكاد تجعلهما علما واحدا إذا كان الأمر كذلك، فعلم الاقتصاد قديم جدا عمل ~~به الناس منذ تفرقت مناحي كسبهم، وقد عرفوه عملا وعلما، إذ لا يعقل أن واحدا يتجر ويصنع ~~إلا وهو متيقن من فائدته في ذلك، وأن آخر يشتري أو يستعيض ما لم يكن ms119 في حاجة إلى ما يشتريه ~~أو ما يستعيض به، غير أنه كان على أكمل أنواعه بالنسبة لتلك العصور حين اخترعت النقود وميز ~~الناس قيم الأشياء بالنسبة لبعضها من جهة وبالنسبة للذهب والفضة من الجهة الأخرى، فتوحدت ~~مطالبهم واتجهت نفوسهم إلى أمر واحد وهو اقتناء الذهب والفضة، فابتدعوا لذلك الأساليب ~~وانتجعوا الطرائق، وفصلوا كل ما يؤدي إلى ذلك الغرض من أقرب الطرق، وبينوا كل ما يحول دونه ~~من العوائق، فحصل من مجموع أفكارهم في هذا الصدد علم يشبه علم الاقتصاد العصري من بعض ~~الوجوه. # اخترع النقود وحد المطالب وشغل الأفكار على اختلاف منازعها بشيء واحد ليس يعسر على الناس ~~أجمعين إذا اتجهت أفكارهم إلى ذلك الشيء أن يمحصوه ويجعلوه للعيان كأحسن ما يكون، وقد فعلوا ~~فأصبحت الأموال وطرق توزيعها ووسائل استثمارها معلومة عندهم تمام العلم. ولا أظن أن التاجر ~~في القرن العشرين أحكم في معاملاته وتعميماته من التاجر في القرن التاسع أو العاشر مثلا، ~~بل ربما كان هذا أحكم لبعده عن المضار، والمجازفة التي تحدق بتاجر هذا القرن. هذا بالنسبة ~~للأفراد، أما الأمم فلم تنتبه إلى الاستفادة من علم الاقتصاد على صورة واضحة قائمة على ~~دعامة ثابتة إلا حوالي القرن السابع عشر، وذلك لا يمنع أن تكون في القرون الأولى استفادت من ~~تجارب الأفراد ما يمكنها به تسيير أعمالها على شيء من الضبط والحكمة، ولا يمنع أيضا أن ~~يكون هداتها وكتابها قد بحثوا في هذا الباب، فظهر لهم من بحثهم بعض قواعد وقضايا اتخذها ~~الملوك والولاة قوانين يراعونها في تدبير ممالكهم. قال ابن خلدون في مقدمته: «فإذا استديم ~~الرخص في سلعة أو عرض من مأكول أو ملبوس ولم يحصل للتاجر حوالة الأسواق، فصد الربح والنماء ~~بطول تلك المدة وكسد سوق ذلك الصنف، فقعد التجار عن السعي فيها وفسدت رءوس أموالهم، واعتبر ~~ذلك أولا بالزرع، فإنه إذا استديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره لقلة الربح فيه ~~وندارته أو فقده، فيقعدون المدة وكسد سوق ذلك الصنف، فقعد التجار عن السعي فيها ms120 وفسدت عن ~~النماء في أموالهم، ويعودون عن الإنفاق على رءوس أموالهم وتفسد أحوالهم، ويتبع ذلك فساد حال ~~المحترفين بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولا، وكذا يفسد ~~حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعا، فإنها تقل جباياتهم من ~~ذلك.» # وقال: «واعلم أن التجارة محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع وبيعها بالغلاء أيا ~~كانت السلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش، وذلك القدر الثاني يسمى ربحا، فالمحاول لذلك ~~الربح إما أن يختزن السلعة ويتحين بها حوالة الأسواق من الرخص إلى الغلاء فيعظم ربحه، وإما ~~بأن ينقلها إلى بلد آخر تنفق فيه تلك السلعة»، إلى أن قال: «ويمكن حصر التجارة في كلمتين: ~~شراء الرخيص وبيع الغالي.» وقال أيضا: «الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف ~~الرخيص وكذلك الغلاء المفرط، وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط وسرعة حوالة الأسواق، وعلم ~~ذلك يرجع إلى القواعد المعتبرة بين أهل العمران، وإنما يحمد الرخص من الزرع لعموم الحاجة ~~إليه.» # وقال: «إن احتكار الزرع لتحين أوقات الغلاء مشئوم يعود على فائدته بالتلف والخسران.» هذه ~~آراء ابن خلدون في الثروة ومذاهب استعمالها لو جئنا نتقدها لما أملنا أن نأخذ عليه أكثر مما ~~أخذوا على أول من وضع علم الاقتصاد في القرن السابع عشر، بل لرأينا أنفسنا مضطرين في بعض ~~النقط إلى الثناء عليه لتقريره قواعد لا تزال مرعية في هذا العلم إلى الآن. # نأخذ عليه قوله: «ويتبع ذلك فساد الحال المحترفين بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة ~~من الحرث إلى صيرورته مأكولا»؛ لأنه متى رخص القمح أو غيره من نتاج الأرض كثر الإقبال عليه ~~واشتراه من لم يعتد شراءه، فينشأ عن ذلك أن المطاحن والمخابز يروج عملها، ويزداد عدد ~~الواردين عليها، لا كما يقول هو أنها تكسد حالها وتفسد أعمالها. ومع ذلك فقد أصاب في قوله ~~عن صانعي المحاريث والفئوس وقاطعي الخشب المستعمل في تلك الآلات، فإنهم تبور صناعتهم ريثما ~~تتجدد همة الفلاح ويعوض ما خسر، وأصاب أيضا ms121 في تقرير مبدأ التضامن بين الأفراد واشتراكهم ~~في الضر والنفع ما داموا مجتمعين في صعيد واحد يتبادلون التجارة ويتجاذبون المنافع بينهم. ~~ونأخذ عليه قوله في تعريف التجارة: «هي شراء الرخيص وبيع الغالي»؛ لأنه قول ينطبق على ~~التاجر فقط ولا يشمل غيره، والتعريف العصري أكمل وأعم وهو: «بالمبادلة تدفع ما تستغني عنه ~~وتأخذ ما أنت في حاجه إليه»، ولكنه كان في معرض التكلم عن الصنائع صناعة صناعة، فربما لم ~~يصرف فكره إلى التعميم إلا أننا إذا أردنا إنصافه فلا يسعنا إلا الإعجاب بقوله هذا: «الرخص ~~المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف وكذلك الغلاء المفرط، وإنما معاش الناس وكسبهم في ~~التوسط»، فهو لا يتعدى ما ثبت عندنا الآن من أنه لا تستقيم حالة السوق إلا بتساوي المعروض ~~والمطلوب، والاقتصاديون لم يقروا على هذا المبدأ إلا بعد جدال عنيف نشب بينهم، وكان كل منهم ~~يذهب فيه مذهبا، وابن خلدون قد سبقهم في تقريره، كذلك نعجب بقوله: «إن احتكار الزرع لتحين ~~أوقات الغلاء مشئوم يعود على فائدته بالتلف»، فقد ظهر أن الاحتكار أصل الغلاء، والغلاء يغرر ~~بالعقول ويذهب بها مذاهب الضلال، ويجرها إلى الخطأ في أحكامها. وهذه أزمة مصر لم تحدث إلا ~~من ارتفاع أسعار الأرض ارتفاعا لا أساس له وإقبال الناس على اقتناء الأراضي بلا تدبر أو ~~حساب. # الفصل الثامن والعشرون # | الاقتصاد السياسي في الإسلام (2)1 # تلك آراء كاتب، أما الملوك فكانوا يعرفون من علم الاقتصاد مثل ما يعرفونه هذا أو أكثر. ~~قال المأمون: «الناس أربعة: ذو سيادة أو صناعة أو تجارة أو زراعة، فمن لم يكن منهم كان ~~عيالا عليهم.» # وهذا التقسيم هو المأثور الآن بين الناس، وإذا كان أول مؤسسي علم الاقتصاد أجهد نفسه ~~وأعمل فكره حتى قال: إن الأرض منبع الثروة وإن غير الفلاح عالة عليه، فقد قال المأمون قبله: ~~إن الناس سادة وصناع وتجار وزراع، ومن ليس كذلك فهو عيال عليهم، فكان قوله موافقا لآخر رأي ~~من آراء القرن العشرين عن توزيع العمل. # أما الإسلام من حيث هو شرع ms122 ودين فقد ألم بكثير من قواعد الاقتصاد مما لو جمع وأفردت له ~~الأبواب والفصول لصح أن يكون هديا يسترشد به في مشكلات الاقتصاد ومعضلاته. وقد كلف ~~الدائنين به بفروض وواجبات إذا علموا بها كان من أثرها في معاملاتهم أن ينتظم السوق ويترتب ~~سير الأعمال ترتيبا يقلل من شكوى المفلوكين، ويخفف من تعب المنهوكين، ويبطل الغش الذي يضيع ~~أجر العامل، ويربي حظ الخامل، ويدخل بين الناس فيفصم عراهم ويفسد عليهم أعمالهم. فإذا نظرنا ~~إلى الإسلام وقوانينه الاقتصادية فإنما ننظر إلى وازعين؛ وازع إرشادي يقود الناس إلى ما ~~فيه صلاح دنياهم، ووازع باطني يحذرهم آونة بعد أخرى من الغش والخداع، ويلفتهم إلى نقاء ~~الذمة وطهارة النفس وطلب ما يستحقونه على عملهم بلا طمع ولا زهد، ومتى بطلت التجارة ~~المغشوشة لم تكسد التجارة المتقنة، ولم يتحسر عامل على عمله، أو يأخذ بائع فوق حقه، أو يمس ~~شار في ماله، وهذا نهاية ما يصل إليه الانتظام في الأعمال. # وسائل إحداث الثروة في الإسلام هي التجارة والصناعة والزراعة، قال تعالى: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم ~~من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون ~~. أي أن في إرسال الرياح ما يبشركم بنزول المطر وهو ~~دم الزرع، فينمو ويثمر ويكون لكم من جناه ما تحملون به الفلك (وهو ابن الصناعة) إلى الجهات ~~الأخرى لتبتغوا من فضله (التجارة)، ولعلكم تراقبون الله في أعمالكم؛ فتشكرونه على ما وفقكم ~~إليه مما فيه فائدتكم، ولا يذهب قارئ إلى أن هذا خصيص بالعرب، فإن العرب لم يكن من عاداتهم ~~حمل تجاراتهم في السفن، بل كانت سفنهم الجمال يركبونها ويحملون عليها رحالهم، كذلك لم تكن ~~معائشهم تتوقف على الزرع، فإن بلادهم حفراء جفراء، أو هي واد غير ذي زرع كما قال القرآن ~~الكريم، فكانوا يشيمون البرق للتفاؤل أكثر مما يشيمونه للاستمطار، وكانوا ينتظرون المطر ~~للاستقاء أكثر مما ينتظرونه لري المروج والمزارع، فأمره تعالى عام لعموم خلقه لا لفئة معينة ~~منهم. # وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «سافروا تغنموا»، وهو أمر ms123 يظهر في أول الأمر أنه تحصيل حاصل لأن العرب ~~كانوا يسافرون بلا تكليف من أحد وكانوا يسافرون للتجارة أيضا، فما معنى هذا الأمر؟ # ولكن الإسلام قد جاء مبطلا لكل ما كانت عليه الجاهلية، وكان ينتظر أن يمنعهم عن التجارة ~~كما منعهم عن غيرها من ضروب الكسب كالميسر والأزلام، فإقراره لهم عليها يعد أمرا جديدا ~~وتكليفا من تكاليف الإسلام، كما أنه يعد تنبيها للخامل الذي ركن إلى الكسل واستنام ~~للخمول، فيحفزه إلى مسابقة العاملين في ميدان الكسب والعمل، ويفهمه أن هذا من واجبات الدين ~~وموجبات اليقين، ويؤخذ من هذا التكليف أنه يرشدهم إلى استبدال ما يفيض عن حاجاتهم بما ~~يحتاجون إليه من البلاد الأجنبية، والمبادلة من أهم قواعد الاقتصاد. # أما رأس المال وهو رأس علم الاقتصاد فقد قال عنه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «تزود من صحتك لسقمك ومن ~~غناك لفقرك ومن شبابك لهرمك»، ويفهم من هذا الحديث الشريف أنه لم يعين رأس المال بالذهب ~~والفضة، بل تركه على إطلاقه، يجوز على كل ما ينجي صاحبه من العدم، فكما يصح أن يقال: إن ~~التزويد من الصحة للسقم هو بتوفير النفقة التي تلزم في حالة المرض، كذلك يصح أن يقال: إنه ~~يكون بتعلم الطب للعلاج به عند لزومه، وكما يمكن أن يكون التزود في حالة الغنى باقتصاد شيء ~~من الدخل لأيام العوز والفاقة، كذلك ممكن أن يكون بتعلم الصنائع والتدرب عليها لتغنيه عن ~~بسط يده بالسؤال إذا ضاقت به الحال، وكما يجوز أن يتزود الشاب لهرمه بادخار المال، كذلك ~~يجوز أن يتزود بالعلم والمعرفة ليستعملهما في جلب خير أوفر بتعب أقل وهو الغرض الذي أسس ~~لأجله علم الاقتصاد. # وبعد أن فصل الإسلام موارد الرزق والسبل المؤدية لها وبين استحالة تساوي الناس في العمل ~~والكسب أراد تعزية الفقراء منهم لئلا يجد الحسد إلى قلوبهم منفذا، فقال تعالى: # يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من ~~خير # كناية عن تقسيم العمل بين الناس، فلا يحسد أحدهم الثاني على ما سبق إليه ~~من المنفعة لأنه تمييز ms124 تقتضيه طبيعة العمران. # ثم أقبل عليهم جميعا يعلمهم كيفية إنفاق الثروة، فقال: # ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ~~، والخير هو ما ~~ترتاح له الذمة ويرضى به الضمير، وقال: # ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا ~~. ثم شملهم بنصيحة عامة تنفع التاجر والصانع وصاحب المال، وهي: # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~. ~~ولو عمل الناس بهذه الوصية لألفيت أغلب من يشكو ساكتا، فالعامل الفقير يرضى بحظه؛ لأنه غير ~~مبخوس الأجر، والتاجر يقنع بما يصله؛ لأنه قيمة بضاعته، والشاري يسر؛ لأن موفي الكيل راجح ~~الوزن، والثقة تتبادل بين الجميع؛ لأن الغش مرفوع من بينهم، والمعاملة تسري على أحسن نمط؛ ~~لأن الثقة في الوسط، وهذه نتيجة لا يستطاع الوصول إليها بعلم من العلوم. # فإذا أضفنا إلى ما تقدم تحريمه من التحلي بالذهب على حين لا خطر في ذلك إلا استخدام أتعاب ~~الناس فيما لا ينفعهم، علمنا أن الإسلام ينظر إلى كل ما يحيط بالناس في دينهم ودنياهم، ~~فأثبته وشرح علاجه في القرآن، وقد رأينا علماء الاقتصاد يقررون أنه لا يصلح للعملة إلا ~~الذهب والفضة، وينددون بمن يستعملها في غير ذلك، فهل رجع العالم ثلاثة عشر قرنا أم تقدم ~~القرآن كل تلك القرون. # الفصل التاسع والعشرون # | الأزهر أحوج إلى اختيار مدرسيه منه إلى مال يواسيه1 # الجامع الأزهر على قيد خطوة من الراكب والراجل، ولكنه على بعد ألف سنة من المفكر؛ وذلك ~~لأنه لا يزال كما هو يلقي دروسه على النسق الذي كان يلقي به أفلاطون دروسه في غابته وأرسطو ~~بين تلامذته، وقد أغرى أساتذته بكل قديم حتى لو علموا كيف كان يعلم آدم أبناءه لعدلوا عن ~~خطتهم الحالية في التعليم إلى تلك الخطة، وإنا ليؤسفنا أن يكون الأزهر الشريف أثرا من ~~الآثار لا حظ له من الغرض الذي أسس لأجله؛ لأننا نريد أن تكون مصر وطن الإسلام الثاني ~~بحق، ونريد أن نستأهل اللقب ms125 الذي أطلقه علينا المسلمون في الشرق والغرب، وهو أننا حفظة ~~العلم الإسلامي وأعلام الدين وأقطاب الشرق إلى آخر ما يقولون عنا. # أقيم الأزهر لغرضين: أولهما أن يحفظ ما عساه أن يندثر من آداب اللغة العربية، وثانيهما أن ~~يهدي الناس إلى أقوم السبل في أمر دينهم، فهل هو قائم بهذه المهمة كما ينتظر منه؟ # كلا: فإن الإنسان يتعلم الأدب ليكون كاتبا أو شاعرا، ونحن لا نكاد نطبق أصابع اليدين ~~على شعراء الأزهر وكتابه. ويتفقه أحدنا في الدين ليعرف الناس في أمور معاشهم على ما يقضي ~~به نصوصه وأحكامه، وما عهدنا في الأزهريين من تصدى لتطبيق آية من القرآن على مشروع معاصر ~~مفيد، ولا رأيناهم أتوا بشيء جديد غير ما أخلق جدته الزمن وأبلته الأيام. # فهل هكذا يكون الأزهر؟ هل هكذا يكون المعهد الذي يؤمه طلاب العلوم الدينية من حيث تشرق ~~الشمس ومن حيث تغرب؟ هل هكذا تكون المدرسة التي تضم بين جدرانها أكثر مما تضمه ثكنات الجنود ~~في القطر المصري والسودان. # لا والله ولو كان غاية ما يطمح إليه مؤسسة أن يكون على هذه الحال، لما استحق منا ومن ~~المسلمين إلا أن يصفوه بالخرق والحمق وتبذير أموال المسلمين فيما لا يجدي، لا بالسداد ~~والحكمة والاقتصاد. # نبهنا إلى ذلك ما قرره مجلس الأزهر الأعلى في جلسته الأخيرة برئاسة الجناب العالي ~~الخديوي، فقد تقرر فتح اعتماد جديد بخمسة وعشرين ألف جنيه لإصلاح الأزهر، ونحن على ثقة من ~~أن هذا الاعتماد وما تقدمه إنما قرر بنية صرفه في وجوهه، ولكن الذي يدهشنا أننا لا نزال نرى ~~الأزهر كما كنا نراه قبل عشرين عاما مع ما يؤكده سمو الخديوي المرة بعد المرة من أنه لا ~~يهتم الآن بشيء قدر اهتمامه بإرجاع الأزهر إلى عهده الأول، أيام كان منفجر العلم ومنبثق ~~العرفان. # ولقد علمتنا الحوادث أن الأزهر لا ينقصه المال ولا معدات التدريس، وإنما ينقصه المدرسون ~~الذين يحسنون تلقين الدروس على النمط الذي يفهمه المبتدئون، فأحلنا إخفاق المصلحين في ~~مسعاهم إلى إبقاء من يصلح ومن لا ms126 يصلح من العلماء في مراكزهم التي كانوا يشغلونها من قبل، ~~ورجحنا أن الأزهر سيبقى كما هو اليوم إن لم يتداركه المصلحون من هذا الباب، فقد علت شكوى ~~الطلاب من المدرسين وكيفية إلقاء الدروس وإهمال القائمين بالإصلاح تنفيذ برامجها حتى ~~الاثنتي عشرة غرفة التي أنشئت حديثا لم يتناول الإصلاح منها إلا اثنتين؛ وهما الثانية عشرة ~~والحادية عشرة، وبقي العشرة الأخرى على الطراز القديم في التدريس والمرتبات والمدرسين وكل ~~ما يتعلق بذلك، على شكوى الطلاب من كل ذلك، وما سمعنا طالبا أو عالما يشكو قلة المال أو ~~تفاهة المرتبات. # فخير للمجلس الأعلى أن يشذب الأزهر من أمثال هؤلاء. وإن أدركتهم الشفقة بهم ~~فليعين لهم دخلا يتعيشون منه، وإلا فالمال ضائع هدرا، وخير أن تخسر عشرة آلاف جنيه ~~في معاشات العلماء المتقاعدين من أن تخسر كل اعتماد يفتح من الآن إلى يوم الدين. # هذا ما نشير به الآن على المجلس ولنا عودة إن شاء الله إلى هذا الموضوع. # الفصل الثلاثون # | الجامعة المصرية والأزهر الشريف لا يهمهما لمن يكون ~~الغلب # في البلاد المصرية الآن جامعتان متناظرتان: أولاهما على وشك الدخول إلى ميدان المناظرة، ~~وهما الجامع الأزهر والجامعة المصرية. # ووجه الشبه بينهما أن دروسهما متقاربة، وإن ظهرت أبعد ما يكون شبها ببعضها، فإن كل ما في ~~الأزهر علوم كلامية سواء كانت منطقا أو بلاغة أو غير ذلك، وكذلك الجامعة، فليس يتكلف ~~مدرسوها أن يحملوا أداة من أدوات المعامل لشرح الدرس عليها ، اللهم إلا لسانهم والكتاب، ~~فالأول مدرس الآداب اليونانية والعربية، والثانية تدرس أدب الإنجليز والفرنسيس وغيرهم من ~~الأمم المتحضرة الحديثة، والأول يعتذر عن إلحاق العلوم العصرية بعلومه بأنه ديني لا يجوز أن ~~يشتغل إلا بالعلوم الدينية، والثانية تعتذر عن ذلك بحداثة عهدها وعدم انتظام معداتها، ~~وهما عنصران متناقضان عن جرم واحد. # ولقد أملت الأمة المصرية في الأول وترقبت منذ عهد بعيد تحقيق أملها، ولا يزال في صدرها ~~بقية رجاء في حصول النفع منه، وهي تهتم الآن بوضع ثقتها في الجامعة لولا أنها لم تر منها ms127 ~~حتى الساعة ما يحملها على ذلك. # من البديهي أن أيهما كان الأسبق إلى إدخال العلوم النافعة فيه كان له الفوز على منافسه، ~~فلنغمض أعيننا ساعة أو سنة أو حقبة، ثم نفتحها عليهما وهما على ما نحب وتحب البلاد المصرية ~~فماذا نرى؟ # أما الأزهر فإنه سيكون جامعة للعلوم الدينية بأنواعها وآداب اللغة العربية بفروعها، يضاف ~~إلى ذلك الرياضة والفلسفة الحديثة والكيمياء والطبيعة والفلك والتاريخ والطب والهندسة ~~بمعناها الشامل، وبالإجمال كل ما تشتمل عليه دوائر المعارف عند الإفرنج ~~بالإنسكلوبيديات. # وأما الجامعة فإنها ستتولى كل تلك العلوم إلا العلوم الدينية الإسلامية، فإنها ستنقصها لا ~~محالة؛ إذ ليس في الموفدين من قبلها إلى أوروبا من أرسل بقصد التوفر على هذه العلوم ~~وإتقانها، ولو كان فيه من هذه وجهته لما صح أن يوفد إلى أوروبا إلا إذا كان الغرض من ~~إرساله أن يشتغل بالنسيان لا بالتحصيل. # فالأزهر على هذا التقرير سيخرج من ميدان المناظرة فائزا مستجمعا لكل ما يوجد ثقة ~~الناس به! # ولكننا إذا نبذنا الغرضيات جانبا وأخذنا بالواقع الممثل أمام أعيننا رأينا عكس النتيجة ~~التي قدمناها، وذلك لأننا اشترطنا أن يكون التفضيل بينهما راجعا إلى سبق أحدهما الآخر في ~~توسيع نطاق دروسه، والذي يبدو لنا ولكل من يستطيع استخدام بصره وبصيرته أن الجامعة ستسبق ~~الجامع، فبينما هي ترسل الإرساليات خارج القطر، وبينما هي تطلب العلم ولو بالصين، يجثم ~~الأزهر بمكانه إلى جانب سيدنا الحسين وهو لا يريد، بل ولا يحدث نفسه بالخروج قيد شبر عما ~~وضعه له الأقدمون؛ لأنه يعتبر خروج الإنسان عن الحد الذي وضعه له أجداده وأسلافه بمثابة ~~خروج الفلك عن الدائرة التي رسمتها له القدرة الإلهية، فإذا قيض الله له رجلا طويل الباع ~~يمد يده إلى ما وراء العصور الوسطى فينشله من ظلماتها إلى هذا العصر المنير كان به، وإلا ~~فهو سكيت كل ميدان، قريع كل رهان. # يقول قائل: كيف يتداركه رجل وقد حاول الرجال إصلاحه فأخفقوا واجتمعوا على تهذيبه فما ~~اتحدوا حتى تفرقوا؟ كيف يكون في حاجة إلى رجل واحد ms128 وأنت ترى أمامك رجالا كلما قوموه من ~~جانب تداعى من الجانب الآخر؟! # الأمر من البساطة بحيث لا يحتاج إلى روية أو إمعان نظر، فنحن نقول: إنه في حاجة إلى ~~رجل واحد؛ لأن رجلا واحدا بيده كل ما يراه الناس كفيلا لإصلاح الأزهر؛ في وسعه أن يرسل ~~على نفقة الأوقاف إرسالية علمية: نصفها من طلبة المدارس ونصفها من طلبة مدرسة دار العلوم أو ~~مدرسة دار القضاء الشرعي، ويحضر هؤلاء في جامعات أوروبا ما يناسب إدخاله إلى الأزهر، يتلقون ~~العلوم الحية الضرورية، ولا بأس بالمنطق الحديث، لا ذلك المنطق البالي الذي سوى بين ~~الإنسان والأعجم فجعله في حاجة إلى القصور وأفسد على متعلميه ملكة الحكم، فأصبحوا ولا طاقة ~~لهم بتصور البديهي: وهو أن الغرب إنما ارتقى بالعلوم العصرية، وأن الشرق لا ينتظر أن يدركه ~~إلا إذا نهج نفس طريقه وعدل عن تلك السبيل النكباء. # مثل هؤلاء إذا عادوا إلى الأزهر بعد سنين معدودة أغنوه عن بعض أساتذته الحاليين الذين لا ~~يصلحون للتدريس، وحفظوا عليه مزيته التي كادت تنمحي، وتقدموا به إلى حيث يقارن بأكبر جامعة ~~في العالم، ولا نخال أن ذلك يستدعي من النفقات أكثر مما تستدعيه هذه الاعتمادات التي تواترت ~~أنباؤها وتعددت أسماؤها، وكلها اسم على غير مسمى وظهارة بلا بطانة وقول بلا عمل. # الفصل الحادي والثلاثون # | كتاب جديد عن الرسول1 # من رأي فريق من كبار المفكرين أن الفترة التي تمر بها البلاد اليوم فترة إمعان في ~~التفكير ، وأن مناقشة المسائل السياسية العليا ينبغي أن تتأخر بضعة أيام أو أسابيع، ~~حتى تتبين الغايات التي تصل إليها المفاوضات، من هذا الفريق كان كبار المفكرين ~~الأستاذ العقاد. # وقد أراد الأستاذ الكبير أن يطبق هذا الرأي، فرغب أن تكون أولى مقالاته في هذه ~~الآونة على صفحات «السياسة» مقالة تتصل أوثق الصلات بالشئون الفكرية، وليس من شك أن ~~الأستاذ العقاد قد أتاح لقراء العربية بهذا الاتجاه فرصة حرموا منها طويلا. # المحرر # لما ألف الدكتور هيكل باشا كتابه عن «حياة محمد»، وألفت كتابي عن «عبقرية محمد»، ms129 لم يقع ~~هذا التأليف موقع الاستحسان عند فريق من أدعياء الأدب والثقافة؛ لأن موضوع محمد - كما زعموا ~~- موضوع قديم لا يجوز لأبناء العصر الحاضر أن يحفلوا به ولا يحسن بأنصار «التقدم» أن يرجعوا ~~إليه. # وحقيقة الأمر أن هؤلاء الأدعياء لا ينكرون الكتابة في تاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأنها كتابة ~~قديمة أو كتابة محرمة على أبناء القرن العشرين، ولكنهم ينكرونها، لأنهم يضيقون بكل ناحية ~~روحية في تاريخ الإنسان، ويعلمون أنها عقبة قائمة تعترضهم في سبيلهم الذي ينساقون فيه ~~ويندفعون إليه بوحي من سادتهم المتحجبين وراءهم من دعاة المذاهب المادية وأعداء كل رفيع أو ~~عظيم في الضمائر والأرواح، وهم يكشفون أنفسهم كلما أنكروا الكتابة عن أعلام الإنسانية ~~وهداتها، وبشروا بالكتابة في موضوع واحد لا يجوز لأصحاب الأقلام عندهم أن يتجاوزوه: وهو ~~موضوع الطعام والشراب، كأنما الطعام والشراب أحدث الأشياء في العالم الإنساني، وإنهما ~~لسابقان للإنسان نفسه إيغالا في القدم إلى أقدم عصور الأحياء والحشرات. # أما العظمة الروحية التي تتجلى في الكتابة عن الهداة وأبطال الإصلاح والإرشاد، فهي موضوع ~~خالد لا تنقضي جدته في زمن من الأزمان، ولعل الشرقيين عامة والمسلمين خاصة لم يكتبوا عن ~~محمد # صلى الله عليه وسلم # في هذا العصر الحديث بعض ما كتبه عنه الأوروبيون والأمريكيون، ولا يزالون ~~يكتبون إلى هذا العام. # ومن مصداق ذلك كتاب جديد عن «الرسول»، طبع في مدينة نيويورك سنة 1946، ولم ينقض على ظهوره ~~هنالك شهران. # ومعنى ذلك أن المطابع الأمريكية التي تحيط بها شواغل العالم كله في الآونة الحاضرة لا ترى ~~في تلك الشواغل ما يصرفها عن تاريخ نبي يدين به الشرقيون ولا يدين به الأمريكيون، ولا تحسب ~~أن القراء في الغرب يضنون على هذا الموضوع الجليل بساعات أو أيام ينفقونها في الاطلاع عليه، ~~وهم قائمون قاعدون في معترك السياسة الدولية ومعترك المشكلات الاقتصادية ومعترك الحياة ~~العصرية بكل ما تتسع له هذه الحياة من المطالب والمنازعات. # هذا الكتاب الجديد عن محمد # صلى الله عليه وسلم # هو كتاب «الرسول» # The ~~Messenger # الذي ألفه ms130 الكولونيل بودلي صاحب كتاب «الريح في الصحراء» ~~وكتاب «الصحاري المرحة» وغيرهما من الكتب في الموضوعات الشرقية، وقد اختار اسم الرسول ~~عنوانا لكتابه هذا لأنه الاسم الذي يوصف به محمد في كل نداء للصلاة، حين يهتف المؤذنون في ~~الآفاق أن «لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». # وقد يكفي هذا الكتاب للتنويه به أنه «رد عملي» على أولئك «المتحيونين» الذين يريدون أن ~~يحصروا النفس الآدمية في أضيق الحدود وأسفل الدركات، ويحاولون أن يخدعوا مسامع الشرقيين ~~باسم الحضارة الحديثة ومطالب العصر الحديث، ولكنه في الواقع يستحق التنويه به لغير هذا ~~السبب ولأسباب كثيرة؛ إذ كان طريف التأليف طريف المصادر طريف البواعث إلى العناية به ~~والتأهب له قبل إبرازه في حيز الكلمات والصفحات. # فالكولونيل بدولي صاحبه رجل وافر الحظ من معارف الحضارة الأوروبية والحياتين السياسية ~~والعسكرية، تعلم في أيتون وساندهرست، وعمل في الهند، واشترك في الحرب العظمى، وساهم في ~~مؤتمرات فرساي، واطلع على الخفايا الدولية من وراء الحجب والأسداد، فثقلت على ضميره مساوئ ~~السياسة وأوضارها، ولزمته الكآبة، وأفضى بذات نفسه إلى صديقه لورنس المعروف في البادية ~~العربية، فأشار عليه بأن يعتزل أوروبا ويأوي إلى بلاد يعيش فيها على الفطرة، كبلاد العرب ~~وأطراف الصحراء، فعمل بنصيحة صديقه وراح يتنقل في الصحراء العربية زهاء سبع سنوات، وهذا ~~الكتاب الأخير بعض ثمرات هذه السنوات. # وكتاب «الرسول» طريف في مصادره كما هو طريف في أسباب تألفيه؛ لأن صاحبه لم يعول فيه على ~~المراجع الكتابية، بل على المراجع الشفوية يتتبعها حيث عاش الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ويتفهمها من ~~وحي المكان ومن النفاذ إلى بداهة العروبة في مواطنها الأولى، غير متوسع في الاطلاع ولا ~~متعرض لمواطن الجدل والخلاف. وقد اكتفى من الكتب بالقرآن الكريم، ثم بما تيسر له من ~~المصنفات بعد الفراغ من تكوين رأيه وتصوير شعوره وخياله، فآثر الإحساس بحياة الرسول على ~~التعمق في أقوال القائلين عنه من المسلمين وغير المسلمين. # ولا ينتظر القارئ من صاحب كتاب الرسول أن يؤمن بالإسلام كما يؤمن به المسلمون؛ لأنه ms131 على ~~ما يبدو من كلامه ينظر إلى الأديان جميعا نظرة المستقل عن الشعائر والمراسم التي هي مثار ~~الخلاف بين دين ودين. # إلا أنه حسن النية في تقدير فضائل الرسول والرد على ناقديه من منكري دينه أو منكري ~~جميع الأديان. # فهو يحيل الأوروبيين الذين يتعرضون لزواج النبي أو لجهاده بالسيف على سير الأنبياء كما ~~وصفهم العهد القديم، ولا سيما سيرة داود وسليمان. # وهو يقول للذين يطالعون القرآن مترجما إلى اللغات الأوروبية ويعجبون من إعجاب المسلمين ~~به أن القرآن كتاب حي لم يوضع للمطالعة وتزجية الفراغ، وإنما للتبشير والإيحاء والتذكير، ~~ولن يتذوقه المطالع المتصفح كما يتذوقه السامع المصيخ إليه بظاهر حسه وباطن نفسه؛ لأنه ~~يتطلب الإيمان ويتحدث إلى المؤمنين. # وأشار إلى وصف الجنة كما جاء في القرآن الكريم، فقال: إن القديسين المسيحيين قد وصفوا ~~نعيم السماء بمثل هذا الوصف في القرن الرابع بعد المسيح، فقال القديس أفرايم في أناشيد: ~~«إنني قد نظرت إلى منازل الصالحين في النعيم، فرأيتهم مضمخين بالعطر الزكي تتأرج منهم ~~الطيوب وتنعقد عليهم أكاليل الرياحين والثمرات ... فمن عف عن معاقرة الخمر على الأرض تشوفت ~~إليه الخمر من كروم السماء، ومن عصم نفسه عن الشهوات تلقته الحسان في أحضانها الطهور؛ لأنه ~~ترهب ولم يمرغ نفسه بأحضان المحبة الأرضية.» # وأشار إلى وصف جهنم كما جاء في القرآن، فقال: إنها لا تشبه اللعنة الأبدية التي أعدت ~~للكافرين في رأي اليهود والمسيحيين؛ لأنها لا تيئس النازلين بها من الغفران واستحقاق الجنة ~~بعد التكفير عن خطاياهم بالعذاب. # وبهذه النية الحسنة نظر في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # وفي دعوته وفي المقابلة بين العقيدة ~~الإسلامية وغيرها من العقائد الكتابية، فلم يكتب كما يكتب المسلم المؤمن بالدعوة المحمدية، ~~ولا كتب كما يكتب المنكر المتحامل الذي يتعصب لدينه ويتعمد القدح والإجحاف. # وإذا جاز أن نرتب المؤلف الواحد في درجات متتاليات، فصاحب كتاب الرسول قد كان شاعرا ~~فسائحا فمؤرخا فناظرا في الأديان بنظرة المتصوف الحديث، فغلب الشعر فيه على التاريخ وغلب ~~التاريخ الشعري فيه على التمحيص والاعتقاد. ms132 # وجاء كتابه بعد هذا كله في أوانه ليقنع بعض الشرقيين على الأقل بأن «تاريخ محمد» شيء خالد ~~يشتغل به أصحاب الشواغل في وقت يمتلئ فيه الحاضر بما ينسي كل قديم، لو كان نسيان كل قديم ~~مما يليق بكرامة الآدميين. # الفصل الثاني والثلاثون # | الثقافتان1 # من مباحث اليوم في دوائر الثقافة الإنجليزية مسألة الثقافة الإنسانية في العصر الحاضر، ~~وأصح من ذلك أنها مسألة الثقافتين التي يخشى منها على الثقافة الإنسانية، ويريدون بهما ~~ثقافة العلوم والصناعات من جانب وثقافة الآداب والفنون من جانب آخر، وكلتاهما نافعة إذا لم ~~تنفرد بالفكر الإنساني كل الانفراد، ولكنها ناقصة النفع بل وشيكة أن تضر؛ إذا حجبت عن الفكر ~~ما عداها من متممات التهذيب والتقويم. # أثار هذه المسألة في الأيام الأخيرة الأديب «سيرشارل سنو» في محاضرة من محاضراته المسموعة ~~القيمة، ولخص فيها مشكلة الإنسان المتعلم في القرن العشرين، فإن اتساع ميادين المعرفة مع ~~شيوع التخصص في حدوده الضيقة شطر الإنسان - كما يقول - شطرين، وجعله نصف إنساني لا يكتفى به ~~في حسن الفهم وحسن التقدير وحسن التصرف، وقد عزله عن الفطرة التي تعتمد على العرف السليم ~~ولم يعوضه عنها ما يغنيه ويهديه، لأنه أعطاه النظر من ناحية واحدة، وهو أخطر ~~الأنظار. # ولم نسمع في هذا العالم محاضرة كان لها من الصدى ما كان لهذه المحاضرة منذ إلقائها إلى ~~اليوم، أو محاضرة تلاحق التعقيب عليها كما يتلاحق من تعقيبات الصحافة والإذاعة والأندية ~~الفكرية في موضوعها، وهو موضوع الثقافتين. # قال الأديب جون شارب في إذاعته: إنها أخطر بحث عن التعليم تناوله الباحثون منذ صدر تقرير ~~هادو # Hadaw # قبل ثلاثين سنة. # قال ناقد الملحق الأدبي لصحيفة التيمس: إن الفراغ بين القوتين ليس من الأمور المزهود ~~فيها، فلولا الفراغ لما أمكن سريان الشرارة الكهربائية، ولولاه لما تحركت السيارة التي ~~نركبها، فإذا وجد فراغ بين نوعين من التعليم فليس من الحتم أن يئول ذلك إلى ضرر أو خسارة، ~~وإنما الواجب أن يأتي الفراغ في الموضوع الملائم وبالقدر المطلوب. # ثم عاد الناقد المطلع إلى مسالة ms133 الفراغ بين الثقافتين العلمية والفنية في العصر الحاضر ~~فقال: إنها في الحق من المشكلات الجسام يخففها إلى حين أن الإنسان المهذب في زماننا - سواء ~~كان من العلميين أو الفنيين - لا يكتفي بنصيبه من العلم أو الفن، ولا يستغني عن شاغل من ~~شواغل الرياضة البدنية أو من شواغل الموسيقى كالعزف على آلة من آلاتها والاستماع إلى ~~أدوارها المحفوظة في قوالبها المسجلة، أو الاستماع إلى طرائف الإذاعة في مختلف ~~الموضوعات. # إلا أنه ينتمي على الرغم من هذا العزاء الموقوت لو تعالج هذه المشكلة بما يجمع الفائدة من ~~كلتا الثقافتين، ويكفل اللقاء للشطرين الإنسانيين في بنية واحدة لا تشتكي الزيع والانحراف ~~في نظرتها إلى دنياها. # وقال الفيلسوف الرياضي الكبير برتراند رسل من كلمة نشرتها مجلة المساجلة: إن القطيعة بين ~~الثقافتين لم تبلغ في الأزمنة الماضية ما بلغته الآن، إذا كانت القنطرة بين العدوتين قائمة ~~على طول أو على قصر، ولكنها في الحقبة الأخيرة يوشك أن تنقصم فلا تلتقي إحداهما بالأخرى، ~~ولا تسلم الثقافة من كلفة الادعاء والحذلقة، كما يحدث دائما عند الشعور بالنقص والرغبة في ~~مداراة الجهل والسذاجة. # ويرى بعض المعقبين أن العلة ناشئة من تراكم الفضول والحشو على مواد الثقافة جريا مع ~~التقليد والعادة، فلو أعيد النظر في برنامج التعليم لم يتعذر إصلاح الخطأ وتصفية الفضول ~~وإبقاء البقية الصالحة من ثقافة العلم وثقافة الفن التي لا يصعب تحصيلها على المتعلم، مع ~~إعطاء التخصص حقه في عصره. # والذي نراه في جملة ما طالعناه من مباحث هذه المشكلة أن العلة فيها عند الغربيين راجعة ~~إلى سبب أصيل لم يبتدئ في هذا القرن العشرين ولم تأت به الدراسة العلمية أو الحركة الصناعية ~~في هذه السنوات منذ أربعين أو خمسين سنة. # إن العلة فيما نرى راجعة إلى قسمة الثقافة عند القوم إلى ثقافة إلهية وثقافة إنسانية، ~~وراجعة قبل ذلك إلى قسمة الإنسان بين هذا العالم وبين العالم السماوي، وإلى المقابلة بينهما ~~كما تتقابل مملكة السماء ومملكة العالم الدنيوي، أي مملكة الشيطان. # فمن قبل هذا العصر - عصر ms134 العلم والصناعة - كان الأوروبيون يقسمون الثقافة إلى قسم العلوم ~~اللاهوتية وقسم العلوم التي سموها بالإنسانية تمييزا لها من علوم اللاهوت وما يلحق بها من ~~دراسة تعين عليها، وقد سرى هذا التقسيم منهم إلى الشرق مع سريان الحضارة إلينا من بلادهم، ~~فسمعنا بيننا من يتحدث عن العلوم الدينية والعلوم الدنيوية. # فالدين الإسلامي يأمر المسلم بالنظر في السماوات والأرض؛ ليعلم كل العلم عندنا واحدا ~~يطلبه المتعلم لدينه ودنياه ما يؤدي إليه النظر فيهما وفيما بينهما، ويأمره بأن ينظر في ~~سريرة الإنسان وفي أحوال الأمم فلا يفوته العلم بالإنسان الفرد ولا بالجماعات ~~البشرية. # وأثر هذا الإحساس «بالوحدة الذهنية» أن تتم ثقافة المتعلم، ويسلم العقل من داء الفصام ~~الثقافي الذي يفصل بين روحه وبدنه وبين دينه ودنياه. # وأثره في تاريخ التفكير أن نرى تلك الثقافة الواحدة في العالم الفقيه الفيلسوف الأديب، مع ~~اشتغال بالطب أو بالوزارة أو بسياسة الأمور العامة، ولا نرى له نظيرا في الأزمنة الحديثة، ~~ولم نر له من قبل نظيرا في الأزمنة الغابرة؛ لأن الثقافة فيها بطبيعتها كانت تنحصر بين ~~حدودها التي لا تتفرق أو لا تدعو إلى التخصيص، لقلة محصولها في مختلف العلوم. # ولم تتأثر قواعد هذه الثقافة التامة بانتقال المسلمين إلى البلاد الغربية، بل هي أثرت ~~هناك في تلاميذها من الغربيين، فرفعت أمامهم أمثلة نادرة من «الإنسان المثقف» كما ينبغي أن ~~يكون. # من أمثلة أبو بكر بن زهر الذي يقول فيه صاحب نفح الطيب: «هو عين ذلك البيت وإن كانوا كلهم ~~أعيانا علماء، ورؤساء حكماء وزراء.» # ويقول فيه صاحب المطرب من أشعار أهل المغرب: «كان شيخنا الوزير أبو بكر بن زهر بمكان من ~~اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين، وكان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف ~~على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العلياء عند أهل المغرب، ومع سمو النسب وكثرة الأموال ~~والنشب.» # وصاحب هذه المعارف والرئاسات هو الذي يقول من الشعر في شوقه إلى طفله الصغير: # ولى واحد مثل فرخ القطا # صغير تخلف قلبي ms135 لديه # نأت عنه داري فيا وحشتا # لذاك الشخيص وذاك الوجيه # تشوقني وتشوقته # فيبكي علي وأبكي عليه # وهو الذي يقول وقد نظر في مشيبه إلى المرآة: # إني نظرت إلى المرآة إذ جليت # فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا # رأيت فيها شييخا لست أعرفه # وكنت أعهده من قبل ذاك فتى # فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا؟ # متى ترحل من هذا المكان متى؟ # فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة: # إن الذي أنكرته مقلتاك أتى # كانت سليمى تنادي يا أخي وقد # صارت سليمى تنادى اليوم يا أبتا # وهو الذي يقول في إحدى موشحاته: # سلم الأمر للقضا # فهو للنفس أنفع # واغتنم حين أقبلا # وجه بدر تهللا # لا تقل بالهموم لا # كل ما فات وانقضى # ليس بالحزن يرجع # ومثل هذا الشعر يسلك بقائله في عداد النخبة من شعراء عصره وشعراء كل عصر، لو أنه تخصص ~~للشعر ولم يزد عليه فضلا من أفضال العلم أو الحكمة أو الرئاسة. ولكنه زاد عليه من كل فضل ~~ما يسلكه بين خاصة أهله، ولم يفرضه عليه واجب من واجبات المنصب ولا حاجة من حاجات النفس إلى ~~المال والمتعة، بل ترك من المتعة بمقدار ما استفاد من حكمة وأدب: متعة لا يبذل فيها هذا ~~الثمن من يجهل كيف يكون متاع الأرواح والألباب. # ولقد كان هذا التوسع في المعرفة من نصيب البيوت والأسر، ولم يكن من نصيب نابغة فيها ~~يعدونه فلتة الفلتات النادرة بين أبنائها، فليس بالنادر بينهم أن يتعاقب على النبوغ ثلاثة ~~أجيال يميزون بينهم باسم الأب والابن والحفيد؛ لأنهم كلهم في شهرة العلم والنبوغ ~~سواء. ~~••• # إن «ثقافة التامة» على هذه السنة مستطاعة في كل زمن، مستطاعة في زماننا هذا على الوجه ~~الأمثل مع وفرة علومه وتعدد ألوان الثقافة فيه؛ لأنه كما تعددت فيه ألوان الثقافة تعددت فيه ~~وسائل نشرها وتقريبها والوصول إليها في مصادرها، فمن لم يتسع وقته للاطلاع على المطولات لم ~~يضق به الوقت عن الإلمام بالوسيط أو الوجيز في ضروريات المعرفة، ومن فاته الاطلاع لم يفته ~~الشهود والاستماع، ومن فاته كل ms136 ذلك لم تفته مراجعة الصحف ومناقشة العارفين ومتابعة الأخبار ~~مع السؤال والاستفسار. # وليس المطلوب بالبداهة إلغاء التخصص ولا الوقوف بالمعرفة الخاصة دون الغاية من الاستقصاء، ~~فإن الإجادة في عمل الإنسان المثقف لا تنال بغير هذا الاستقصاء إلى غاية مداه المستطاع، ~~ولكن إتقان التخصص هو الذي يوجب على صاحب العلم والفن أن ينطلق من قيوده ولا يغلق عليه ~~أبواب علمه وفنه، فلا سبيل إلى إتقان شيء من الأشياء وراء الجدران المحكمة والأبواب ~~المقفلة، ولا يعرف الحسن من يراه في وجه واحد، أو يعرف سكنى الدور من لم يخرج قط من داره، ~~أو يعرف عقله من لم يعرف عقولا أخرى لا مشابهة بينها وبينه. # فمن أجل التخصص نعرف ما حوله، وقوام الأمر من المعرفة الصحيحة في عصر «التخصص» أن نعرف كل ~~ما يعرف من علم واحد، وألا نجهل الصلة بينه وبين سائر العلوم، فلا نلتقي بأصحابها لقاء ~~الغرباء من عالم آخر، وما هو في الحقيقة غير العالم الذي نعيش فيه. # وزينة الثقافة، بل ضرورتها القصوى، ألا يكون المرء عالما في بابه وأميا في سائر ~~الأبواب، فإن هذه الأمية في نقصها وسوء مغبتها أجدر بالمحو من أمية الجاهل بالألف ~~والباء. # الفصل الثالث والثلاثون # | عود إلى الثقافتين1 # عرضنا في إحدى مقالاتنا بمجلة «الأزهر» لمشكلة الثقافتين عند الأمم الغربية، والمقصود بها ~~مشكلة الانفصال بين ثقافة العلم وثقافة الأدب. واتساع الهاوية فترة بعد فترة بين تفكير ~~العلماء وتفكير الأدباء وأصحاب الآراء النظرية، مما ينذر بإصابة «الشخصية الإنسانية» في هذا ~~العصر بداء كداء الفصام، ويجعل الإنسان الناشئ على إحدى هاتين الثقافتين دون الأخرى كأنه ~~نصف إنسان. # وقد كانت هذه المشكلة مدار البحث في سلسلة المحاضرات الفلسفية التي ألقاها الكاتب - ~~العلمي الأدبي - الأستاذ سنو # snow # في شهر مايو الماضي، ~~فثارت حولها ضجة من النقاش والنقد والتعقيب لم تنقطع إلى هذه الأيام؛ لأن المشكلة - على ما ~~هو ظاهر - ليست من المشكلات التي ينتهي الفصل فيها بسلسلة من المحاضرات، أو بطائفة من ~~الآراء تنشر ثم تطوى بعد أسابيع أو شهور، ms137 ولا مناص فيها من اتباع القول بالعمل على منهاج ~~متفق عليه، فإن لم يبلغ التفاهم عليه مبلغ الاتفاق فلا أقل من أن يكون صالحا للتنفيذ ~~والتقرير. # وقد عاد الأستاذ سنو إلى بحثه في مقال نشرته مجلة المساجلة # encounter # في عددها الصادر في شهر فبراير الماضي، أراد بمقاله هذا أن يلم ~~أطراف المناقشة ويعقب عليها بخلاصة رأيه بعد عرض أقوال الموافقين والمخالفين من الباحثين ~~قبله أو بعده في مشكلة الثقافتين، وقد جمعهم إلى طوائف ثلاث: موافقين في الرأي والنتيجة، ~~وموافقين في الرأي مخالفين في النتيجة، ومخالفين يعارضون نظرته كل المعارضة في وصف المشكلة، ~~ويرون أن العصر الحديث كالعصر القديم في تعدد الثقافات، مع اختلاف الموضوع والمقدار. # ولا يعنينا هنا تفصيل أسباب الخلاف بين آراء الموافقين والمعارضين: فذلك شرح يطول ولا ~~علاقة له بالناحية التي نحول إليها البحث من أمر الثقافة الإسلامية. # ولكننا نجتزئ بالإشارة إلى رده المجمل على المخالفين، ثم بالإشارة إلى الحل الذي يقترحه ~~لعلاج المشكلة من الوجهة العامة. # فالمخالفون يقولون: إن الحال لم تتغير في جوهرها من أيام عصر النهضة إلى اليوم. فلو تلاقى ~~عالم فقيه وشاعر فنان قبيل القرن السادس عشر لما كان بينهما من التفاهم والتقارب أكثر مما ~~يكون بين علماء العصر الحاضر وأدبائه أو مفكريه النظريين. # وجواب الكاتب على هؤلاء أنه لا يسلم بأن المسافة بين الفريقين كانت على هذا البعد منذ ~~ثلاثة قرون، ولا يقول: إن العلم والأدب كانا قريبين متلاقيين في القرن السادس عشر، ولكنه ~~يقول: إن القنطرة بينهما كانت موجودة مستقرة، وهي اليوم تتهدم شيئا فشيئا وتوشك أن تزول، ~~وأنه على أية حال لا يريد أن تقام القنطرة وتظل قائمة لمن يعبرها، ولا يعجز أحد عن عبورها ~~إذا أراد. # أما حل مشكلة الثقافتين من الوجهة العامة عند الكاتب فهو تعميم التصنيع في المجتمعات ~~الحديثة، ولا بد - على رأيه - من الاختيار بين البدائية الهمجية وبين تصنيع المجتمع وتعويد ~~الناس جميعا أن يعيشوا معيشة الحضارة العلمية، فيصبح التثقف العلمي حقيقة واقعة يزاولها ~~الناس في البيوت ms138 والأسواق وفي ميادين الرياضة البدنية والنفسية، وفي حينها تحول الإنسان بين ~~العمل الصالح واللهو البريء؛ لاضطرارهم إلى استخدام الآلات. # والكاتب، فيما نعتقد، مصيب من الجانب الذي ينظر إليه، وهو جانب «الإنسان الغربي» وارث ~~العلم والأدب في البلاد الأوروبية أو الأمريكية من القرون الأولى بعد الميلاد. # فقد عاش هذا الإنسان على الدوام في ميدانين متقابلين من عالم الثقافة، ميدان الروح وميدان ~~الجسد، أو ميدان ملكوت السماء وميدان ملكوت الأرض، وكان الانفصال بين الميدانين بعيد الأمد ~~يكاد ينتهي إلى عالمين متناقضين: أحدهما ملعون منبوذ هو هذا العالم المشهود، والآخر مقدس ~~مطلوب ولكنه غائب وراء الحواس، بل وراء العقول التي تتصرف في الأمور الدنيوية. # وليس الانفصال بين العلم والأدب في القرن التاسع عشر وما بعده إلا ميراثا منقولا من ذلك ~~الفاصل القديم، ولا غنى في هذه الحالة عن تقريب القواعد قبل تقريب البناء الذي يقام ~~عليها. # ولهذا لا غنى عن سؤال يجاب عليه قبل البحث في الحلول العامة المقترحة، سواء منها حل ~~الكاتب الإنجليزي وحل غيره من المفكرين العلميين والنظريين. # هذا السؤال هو: ما الرأي في «الشخصية الإنسانية» على أي وضع من الأوضاع الاجتماعية في ~~العصر الأخير: عصر وحضارة العلم الحديث أو عصور الزراعة والعلاقات الاقتصادية على ~~اختلافها؟ # هل «الشخصية» الإنسانية هي موضع التربية والتثقيف وغرضهما؛ ومدارهما في جميع الأحوال، أو ~~أن موضع التربية والتثقيف وغرضهما ومدارهما شيء آخر لا يبالي مصير هذه الشخصية؟ # إن الإسلام لا مشكلة فيه من جهة الثقافة على أنواعها؛ لأن «الضمير الإنساني » هو المسئول ~~دنيا وأخرى عما يعمله الإنسان وما يعلمه، وعما يدين به في نجواه وما يدين به بينه وبين ~~غيره. # والتربية في الإسلام هي تهذيب هذه «الشخصية»، وتزويد قواها الفكرية والبدنية معا بكل ما ~~يصلحها للعلم والعمل. # وكل تربية ينالها الإنسان فهي امتداد لقوة من قواه، سواء منها قوة البدن وقوة الروح، ~~وإنما تعرف قيمتها بميزان القوة التي تمدها وتزيدها وتهيئها للعمل في الحياة الخاصة أو ~~الحياة الاجتماعية العامة. # فالتربية الصناعية تجعل للإنسان يدا أقوى من ms139 يده أو قدما أقوى من قدمه، أو بصرا أقوى ~~من بصره، أو سمعا أقوى من سمعه، وهي تربية ضرورية نافعة لا غنى عن تعميمها بين الناس في ~~المجتمعات الحديثة، ولا غنى لهذه المجتمعات عنها في عصر الصناعة والمخترعات. # هذه التربية الصناعية قوة تمنح الإصبع قدرة على أن يحرك الجبال بالضغط على زر صغير، وتمنح ~~العين قدرة على النظر بالمجاهر والمناظير إلى دقائق الخفاء وإلى آفاق السماء. # ولكن هذه القوى جميعا لن تبلغ في القيم الإنسانية مبلغ القدرة التي ترفع ضميره، وتوليه ~~من الشعور والفكر وسيلة توسع أمامه آفاق الحياة، وتبسط بين يديه كونا أعظم من الكون الذي ~~يعيش فيه جسده، ووجودا أتم من الوجود الذي يلابسه بأعضائه البدنية ولو بلغت غاية مداها من ~~بسطة وامتداد. # إن «زرا» يضغطه الإنسان بإصبعه قد يمنحه قوة ألف إصبع أو آلاف من الأصابع تحسب ~~بالملايين، ولكن «الشخصية الإنسانية» لا تتوقف عليه، وقد تصنعه للإنسان شخصية أخرى فيعمل به ~~كل عمله المطلوب، فليس من الضروري أن يكون صانع الزر هو المنتفع به أو هو المتعلم لتركيبه ~~واستخدامه، ولا شأن له في إتمام «كيانه الإنساني» ولا في الارتفاع به إلى ما هو أهل له من ~~مراتب الكمال. # لكن القدرة الروحية إذا عرف بها الإنسان مزايا الخير والجمال، وتذوق بها محاسن الحياة ~~الفكرية والعاطفية تتوقف على «الشخصية» التي تستطيعها ولا تصنعها لها شخصية أخرى كما تصنع ~~الأزرار والمجاهر والمناظير. # وهذا هو الفارق بين تربية وتربية، وبين إنسان مثقف وإنسان ناقص التثقيف ، أيا كان نظام ~~المجتمع وأيا كان حظه من التصنيع. # فإذا وجب التصنيع فإنما يجب لتمكين الإنسان من الانتفاع بصناعات عصره وتوزيع منافع ~~الصناعات بين جميع أبناء المجتمع على سنة الإنصاف والتعاون في المصلحة والخير، ولكن المجتمع ~~الذي سيصنع الأزرار والمجاهر والمناظير لأبنائه لا يعطيهم كل شيء ولا يزودهم بمقومات الحياة ~~التي يحتويها كل ضمير بينه وبين الله وبين الناس، ولا يستطيع أن يعول فيها على معمل من ~~معامل التصنيع يتكفل بتوريد الضمائر لأبنائه كما تتكفل المعامل ms140 بتوريد هذه الأداة أو ذلك ~~المخترع المصنوع. # ولن تتم في مجتمع من المجتمعات ثقافة عالية جديرة بأن تسمى ثقافة إنسان ما لم تكن ثقافة ~~شاملة يتم بها قوام «الشخصية الإنسانية» بريئة من داء الفصام موفورة الحظ من الضمير والجسد، ~~ومن العلم والأدب، ومن مطالب الأذواق ومطالب العقول. # الفصل الرابع والثلاثون # | الروحانية بين الأنبياء الثلاثة1 # الأديان الثلاثة: الإسرائيلية والمسيحية والإسلام، ظهرت كلها بين السلالات السامية وكان ~~أنبياؤها جميعا من الساميين. # والإجماع منعقد على هذا بين المؤرخين كافة، نعني انتساب موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ~~إلى هذه السلالة، يشذ عنهم «فرويد» العالم النفساني الإسرائيلي المشهور، فهو ينسب موسى إلى ~~الجنس المصري القديم، وبعض الباحثين يقولون: إن الجنس المصري القديم منحدر من الأصول ~~الأوروبية. # ويشذ عنهم في أمر المسيح أولئك الدعاة الجرمانيون الذين يعتسفون الأنساب لكل عظيم فيردونه ~~إلى الأصل الجرماني أو السلالة الآرية على التعميم، فهؤلاء الدعاة يزعمون أن صفات المسيح ~~المتواترة أقرب إلى الملامح الآرية الشمالية، وينظرون من جهة أخرى إلى الملامح الفكرية أو ~~الأدبية، فيزعمون أن الروحانية التي تظهر في أقوال السيد المسيح أكبر وأرفع من طاقة ~~«السلالة السامية» التي يحسبونها مقصورة على الماديات الملموسة والمطالب الأرضية ~~القريبة. # وكلا القولين - قول فرويد وقول الدعاة الجرمانيين - لا يؤيده دليل قاطع ولا يتعدى الأخذ ~~بالظنون. # فمن المستبعد أن يكون موسى مصريا، ثم تجتمع له زعامة الإسرائيليين من جميع القبائل ~~والبطون في الديار المصرية، ومن السخف أن يكون المسيح «آريا» تطبيقا لقاعدة يخترعها دعاة ~~الجرمانية، ثم يسندونها بالظنون ويعودون فيسندون الظنون بتلك القاعدة المخترعة. # وعلى هذا يصح أن ينعقد الإجماع - كأصح ما انعقد في مسألة من المسائل - على أن البيئة ~~السامية هي البيئة التي ظهرت فيها الأديان الثلاثة، وأن موسى وعيسى ومحمدا جميعا من ~~سلالات الساميين. # ألهذه المزية الجنسية دلالة عامة! وهل نشأت الأديان الكبرى الثلاثة بين أبناء الجنس ~~السامي لسبب عنصري يخص هذه السلالة، أو لسبب نفساني يرجع إلى طبيعة العقيدة الدينية؟ # تكلم في ذلك المتكلمون فأثبتوا وأنكروا كما يحبون أو يكرهون، ms141 فمن قائل: إن العقل السامي ~~بفطرته مستعد للاعتقاد غير مستعد للتفكير أو الخلق الفني والنظرات الفلسفية المجردة، ومن ~~قائل: إن العقيدة الدينية نفسها طور من أطوار الزعامة العنصرية التي تطور فيها الساميون إلى ~~مداها الأقصى، قبل أن يخرج الآريون الشماليون من نظام القبيلة الأولى. # ولا يتسع المقام للتقصي في أقوال المثبتين والمنكرين، فحسبنا أن نقف في أول الطريق على بر ~~الأمان، فنقول: إن العقائد الدينية ظهرت في السلالات السامية يوم كانت تظهر فيهم جميع ~~المعارف الكونية والنهضات الثقافية، فلا محل لتخصيص الأديان هنا بالعنصر السامي أو اتخاذ ~~هذه الخاصة دليلا عنصريا من تلك الأدلة الكثيرة التي تختلط بالعصبيات. # كانت الدول الكبرى كلها قائمة في الرقعة الغربية من القارة الآسيوية، وهي الرقعة التي ~~أقام فيها الساميون منذ مئات الأجيال، فشاعت المعارف الكونية من هذا الوطن القديم، ولم ~~ينحصر الأمر يومئذ في ظهور العقائد دون غيرها من النهضات أو الفتوح في عالم الروح. ~~••• # نحن لا ننكر الفوارق العنصرية ولا نستخف بآثارها في اختلاف الأمزجة والأخلاق وتباين ~~المشارب والميول، ولكننا لا نحب أن نعزو إلى الفوارق العنصرية إلا الذي يثبت ثبوتا قويا ~~أنه راجع إليها. فلا نقول: إن «العقائد» سليقة سامية إلا إذا تبين أن الآريين بمعزل عن ~~العقائد، وأن الساميين لا يمتازون بغيرها، وأن المسألة محصورة فيهم على مدى العصور وليست ~~مسألة عصر ومناسبة زمانية أو مكانية. # كذلك نرجع إلى الروحانية بين الأديان الثلاثة، فلا نجعل العنصرية حكما فيها قبل أن ~~نستنفد العوامل الأخرى جميعا، وإن جاز أن يذكر الاستعداد العنصري بين عوامل شتى يحسب لها ~~حسابها في هذا الموضوع. # فالذي يقال مثلا: إن السيد المسيح - عليه السلام - كان صاحب دعوة روحانية لا تشتغل بشئون ~~الدنيا ولا بالمطالب العملية التي تحتاج إلى وضع النظم وفرض الشرائع، وأن علة ذلك في رأي ~~بعض الباحثين أن المسيحية تشابه العقائد الآرية التي جعلت الدين للروح والضمير ولم تجعله ~~لمطالب الجسد أو مطالب الحياة الاجتماعية والنظم السياسية. # وهذا الذي يقع فيه الخلاف الكثير. # فاهتمام السيد المسيح ms142 - عليه السلام - بالجانب الروحي من الدين لم يصرفه أولا عن الجوانب ~~الأخرى التي تناولتها سائر الأديان، ولم يكن لفارق عنصري بين الذين خوطبوا بالدعوة المسيحية ~~والذين خوطبوا بالدعوة الإسلامية أو الدعوة الموسوية. # واهتمام السيد المسيح بالجانب الروحي ليس معناه - من الوجهة الأخرى - أن هذا الجانب لم ~~ينل حظه من الاهتمام في دعوة محمد أو دعوة موسى - عليهما السلام - وإنما معناه أنه جانب من ~~الجوانب الكثيرة التي عني بها الإسلام خاصة، وكان لها سهم في العناية من وصايا الأنبياء ~~الذين ظهروا في بني إسرائيل. # وقبل أن نحصر الأمر في علة «الاستعداد العنصري» نعود إلى العلل المختلفة، فنسأل: ألم تكن ~~هنالك علل أخرى جعلت رسالة السيد المسيح أقرب إلى الروحانيات منها إلى العمليات والشئون ~~الدنيوية؟ # فإذا سألنا هذا السؤال لم نستطع أن نقول: إن السامية أو الآرية هما الحد الفاصل في هذا ~~الموضوع. # فقد كانت هنالك علل كثيرة خليقة أن تقصر الدعوة المسيحية الأولى على مواعظها الأخلاقية ~~التي أوشكت أن تقتصر عليها. # فمن تلك العلل أن بني إسرائيل كانوا أصحاب شريعة دينية مفصلة في شئون الحقوق والمعاملات ~~قبل أن تتجه إليهم دعوة السيد المسيح، وكانت آداب القائمين على تلك الشريعة هي موضع العهدة ~~أو موضع الحاجة إلى الإصلاح، فلا جرم تتجه إليهم الدعوة من هذه الناحية ولا تتجه من ناحية ~~التشريع المفصل في شئون الحكم وشئون المعيشة، بل كان من قول السيد المسيح الصريح أنه لا ~~ينقض الناموس ولكنه يثبته ويزكيه. # ومن تلك العلل أن السيد المسيح ظهر في بلاد يحكمها الرومان ويتولى إدارتها أولئك القوم ~~الذين اشتهروا بالنظم والشرائع وتبويب الأوامر والقوانين، وما لم تكن الدعوة المسيحية ثورة ~~سياسية معززة بقوة الجند والسلاح، فلا سبيل في بدايتها إلى تفصيل الشرائع وانتزاع سلطان ~~الحكم من أيدي القابضين عليه، وإنما السبيل الأوحد أن تنصلح الأخلاق والضمائر بالعظة ~~والهداية الروحية على السنة التي اختارها السيد المسيح ويختارها في مكانه كل داع إلى دين ~~جديد يتذرع إلى دعوته بالإقناع لا بالسلاح والصراع. # فهذه العلة كافية ms143 لتعليل الصبغة الروحانية التي غلبت على المسيحية، وإنها لأقرب إلى ~~تعليلها من الرأي القائل باقتباس المسيحية من العقائد الهندية أو الآرية في جملتها؛ لأن هذا ~~الرأي يلجئنا إلى إقامة فاصل بين ساميين وساميين، ولا يبطل الاعتراض الذي يرد في هذا الصدد ~~حين يسأل السائل: وماذا كانت الدعوة المسيحية صانعة إذا هي فرضت الشرائع بغير حكومة وبغير ~~ثورة مسلحة وبغير موافقة من أصحاب الأمر بين الرومان أو بني إسرائيل؟ # أما الإسلام فلم يكن معقولا أن ينحصر في المواعظ الروحانية دون غيرها؛ لأن العرب لم ~~يدينوا بشريعة عامة مفصلة قبل الإسلام تغنيهم عن تشريع جديد، ولأن الإسلام قد تولى الحكم ~~كما تولى الهداية النفسية، فلا مناص هنا من إقامة الحدود وبيان الحقوق وتقرير الحكم في كل ~~شأن من شئون المعيشة تتولاه الحكومات. # وكذلك موسى - عليه السلام - في قيادته للقبائل الإسرائيلية؛ لأنه كان في مقام الزعيم الذي ~~يسوس تلك القبائل بالشرائع المرعية في زمانه والشرائع التي اقتضاها خروجه من ديار مصر إلى ~~ديار كان فيها لبني إسرائيل موطن قديم، فاهتم بتسجيل الشرائع المصرية والإسرائيلية ~~والموسوية، واهتم إلى جانب ذلك بمصالح قومه؛ لأن العمل الأكبر الذي تصدى له إنما هو إنقاذ ~~إخوانه في العنصر والعقيدة، فهو عمل «وطني» مقدم في زمانه على الوصايا الإنسانية العامة ~~التي تشمل الأمم كلها كما تشملها كل نصيحة أخلاقية أو موعظة روحية. # وهذه العلة كافية أيضا لتعليل الصبغة العملية التي غلبت على الدعوة الموسوية، فأصبحت ~~شيئا غير المسيحية في الروحانية أو البشارة الإنسانية التي تخاطب جميع الأمم كما تخاطب بني ~~إسرائيل. ولا حاجة في هذا المقام إلى التفريق بين ساميين وآريين، أو التفريق بين طائفة من ~~السلالة السامية وطائفة أخرى، إذ لو كان موسى آريا وكان أبناء إسرائيل آريين لما سلك غير ~~مسلكه معهم في شئون التشريع والمصالح الوطنية أو المصالح العنصرية. # ونعود فنقول: إننا لا ننكر الفوارق بين العناصر والأقوام، ولكننا ننكر الفوارق التي ~~يفرضها بعض الباحثين المتعسفين بغير دليل ولا قرينة راجحة، ونحب أن نقيم البحث في ms144 أسرار ~~العقائد وأسرار نجاحها في زمانها ومكانها على العلل الكونية التي جرى عليها نظام الوجود؛ ~~لأن الأسرار الإلهية التي توحي بها الأديان لن تناقض المعقول من سنن الكون وفطرة ~~الأشياء. # الفصل الخامس والثلاثون # | الإسلام والحضارة الإنسانية # الإسلام دين إنساني عام، أو دين عالمي كما نقول في اصطلاح العصر الحديث، يخاطب الأمم ~~جميعا فلا يفرق بين أمة وأمة بفارق الجنس أو اللون أو اللغة، فكل إنسان في جوانب الأرض أهل ~~لأن يأوي إلى هذه الأخوة الإنسانية حيث شاء وحين شاء. # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا ~~. # وأرسلناك للناس رسولا وكفى ~~بالله شهيدا ~~. # هكذا أعلنها القرآن الكريم دعوة عامة منذ ألف وأربعمائة سنة، وهكذا أعلنها النبي # صلى الله عليه وسلم # وخلفاؤه الراشدون وتابعوهم الأبرار في صدر الإسلام، ولم يمض ربع قرن من التاريخ الهجري حتى ~~قامت بينات الواقع على حقيقة هذه الدعوة الإنسانية الإسلامية، فدان بالدين الجديد أناس من ~~جميع الأقوام والسلالات، ولم تنقض على الهجرة ثلاثة قرون حتى كان في عداد المسلمين ساميون ~~وآريون وحاميون وطورانيون، عرب وفرس وترك وهنديون وصينيون وأفريقيون من السود ~~والإثيوبيين. # هذه هي البينة العلمية الواقعية على «عمومية» الدين، وهي بينة ينفرد بها الإسلام بين ~~الأديان الكتابية وغير الكتابية، وينبغي أن ننظر إليها من وجهتها الصحيحة لنعرف حقا أنها ~~مزية قد انفرد بها الإسلام. # إن دينا من الأديان الأخرى لم يكسب أمة ذات كتاب عريقة في الحضارة، وإنما كانت الأديان ~~مقصورة على العصبية القومية أو على تحويل الوثنيين الذين درجوا على عبادة الأصنام وما يشبه ~~الأصنام من رموز القوى الطبيعية. # فالموسوية قصرت دعوتها على العبريين أو اليهود، ولما قام المكابيون ليكرهوا قبائل البادية ~~على قبول الشعائر اليهودية كانت هذه القبائل وثنية مغرقة في الجهالة، وكان المكابيون يؤمنون ~~بإلاله «يهوا» ملكا تجب له الطاعة على رعاياه، وكانوا من أجل هذا يسمون أمراءهم رؤساء كهان ~~ولا يسمحون لهم بلقب الملك وشاراته ومراسمه، فإكراه القبائل على قبول سلطان «يهوا» إنما كان ~~عندهم بمثابة الخضوع السياسي الذي يلزم الأجانب والغرباء ms145 كما يلزم أبناء الأمة وأهل ~~السلالة. # والبرهمية ظلت ديانة قومية عنصرية حتى خرجت منها النحلة البوذية، فنجحت في تحويل الوثنيين ~~إليها في الصين واليابان، ولم تحول إليها قط أمة ذات كتاب. # والمسيحية حولت إليها الرومان وغيرهم من الغربيين أو الشرقيين، ولكنهم كانوا جميعا من ~~الوثنيين الذين وقفوا عند خطوات الدين الأولى، ولم يجاوزوها إلى عقائد أهل الكتاب. # أما الإسلام فقد حول إليه على خلاف ذلك أعرق الأمم في الحضارة وفي الإيمان بالعقيدة ~~الكتابية، فأسلمت فارس وأسلمت مصر، وهما على التحقيق أعرق أمم العالم يومئذ في تاريخ ~~الحضارة، وأولاهما كانت تؤمن بالله واليوم الآخر والحساب والعقاب وغلبة الخير على الشر ~~وخلود الروح، وثانيتهما كانت تدين بالمسيحية وتحمل لواءها في العالم القديم. # هذه المزية ينفرد بها الإسلام بين جميع الديانات، وهي آية العالمية والصلاح لدعوة الأمم ~~جمعاء، سواء منها الأمم المغرقة في الحضارة والدين أو الأمم التي لم تبلغ بعد مبلغ الارتقاء ~~في التحضر والاعتقاد. # إن هذه الحقيقة خليقة أن تذكر على الخصوص في عصرنا الحديث؛ لأننا سمعنا فيه أناسا من ~~المبشرين يعترفون بغلبة الدعوة الإسلامية في أواسط القارة الأفريقية ويسلمون أنها نجحت حيث ~~لم ينجحوا، وشاعت بغير تبشير حيث يخفقون بعد التبشير سنوات، ولكنهم يعتذرون لأنفسهم بعذر ~~يقبلونه ولا يقبله الواقع: وهو موافقة الإسلام للقبائل المتأخرة بطبيعته، وأنه قريب المأخذ ~~عند «البدائيين» من سلالات القارة السوداء! وليس أصلح لتفنيد هذا العذر من تلك الحقائق التي ~~أثبتها التاريخ، أو من تلك المزية التي انفرد بها في الإسلام بين الأديان، فدخلت في دعوته ~~أعرق الأمم حضارة بعد خلاصها من الوثنية الأولى عدة قرون، ولم يحصل ذلك قط في تاريخ ~~دين. # وتزداد هذه الحقائق ثبوتا ووضوحا كلما رجعنا إلى تاريخ الدعوة الإسلامية بين البلاد ~~الآسيوية، فإنها لم تعتمد على القتال ولم تعتمد على التبشير بقدر اعتمادها على القدوة ~~الحسنة والأمثلة العملية، فلا تذكر الوقائع الحربية إلى جانب العدد الذي دان بالإسلام من ~~أهل الهند والصين والملايا، وعدتهم نحو مائتي مليون، وكل ما يرويه التاريخ ms146 عن القتال بين ~~المسلمين وغيرهم في تلك الأرجاء فإنما حدث بعد أن أصبح المسلمون معدودين بالملايين، وإنما ~~هو في جميع الأحوال قتال سياسة وليس بقتال إكراه على الدين. # إن الوقائع العملية هي الشهادة للإسلام بالصبغة الإنسانية العالمية، ولا حاجة بالدين إلى ~~شهادة أخرى متى ثبت له من تاريخه الأول أنه يضم إليه شعوبا من جميع السلالات والعقائد، ومن ~~جميع الأطوار في الحضارة والمعيشة البدائية، وأن كتابه يخاطب الناس كافة، ويوجه الرسالة إلى ~~كل سامع. # هذه الخاصة الإنسانية باقية في صميم الإسلام يواجه بها الحضارة العصرية كما واجه بها ~~حضارات العصور الأولى، وهي التي صبغت تلك الحضارات بالصبغة الإسلامية، وهي التي جعلت تاريخ ~~العالم من القرن السادس للميلاد إلى القرن الخامس عشر تاريخ الفكر الإسلامي والآداب ~~الإسلامية، ولم ينفصل التاريخان بعد ذلك؛ لأن الإسلام فقد «خاصته» التي لازمته عدة قرون، ~~ولكنهما انفصلا لأن المسلمين تخلفوا عن الركب، وأصبحوا «غير مسلمين» إلا باللقب ~~والعنوان. # يقول المؤرخ «تويبني»: إن المسلمين يواجهون حضارة العصر بنزعتين متناقضتين: إحداهما ~~يسميها النزعة الهيرودية وينسبها إلى هيرود ملك اليهود الذي قابل حضارة الرومان بمشابهة ~~الرومان في السكن والملبس والمعيشة، والأخرى نزعة الغلاة، وينسبها إلى نساك إسرائيل الذين ~~كانوا يصرون على القديم، وينكرون كل مخالفة للعادات والموروثات. # ولو أراد الأستاذ «توينبي» أن يتوسع في الأمثلة لعمم القول على الطبيعة الإنسانية في ~~مواجهة كل حديث ومقابلة كل تغيير. # فالهوادة والتشدد طبيعتان في النفس البشرية تبرزان في كل عصر وتتقابلان أو تتناقضان أمام ~~كل دعوة، وقد ظهرت هاتان الطبيعتان في طوائف المسلمين منذ الصدر الأول للإسلام، فكان منهم ~~أبو ذر الغفاري المتقشف المتنسك كما كان منهم الصحابة الذين أقبلوا على معيشة الحضر ~~واليسار، وقال المسعودي عن بعضهم: «إن الثمن الواحد من متروك الزبير بلغ بعد وفاته خمسين ~~ألف دينار، وإنه خلف ألف فرس وألف أمة، وإن غلة طلحة من العراق بلغت ألف دينار كل يوم، وإن ~~عبد الرحمن بن عوف كان على مربط ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من ms147 الغنم، وإن منهم من ~~بنى دورا بالحجاز والشام والإسكندرية.» إلى آخر ما روي من أخبار تغلب فيها المبالغة على ~~التقدير الصحيح. # ونحن في العصر الحاضر نعرف الرخصة والهوادة كما نعرف الشدة والصرامة، ونواجه الحضارة ~~الأوروبية بالنزعتين معا أو نتوسط بينهما تارة مع المحافظة وتارة مع التجديد، ومن لم يتوسط ~~منا تشبث بالمحافظة حتى الجمود أو اندفع مع التجديد حتى أصبح كالمنبت عن الطريق، وأحسب هذه ~~النزعات جميعا كانت - على اختلافها الذي نشهده اليوم - في تاريخ كل دعوة ومواجهة كل تغيير، ~~فهي طبيعة الناس لا تتبدل ولا تختلف مع الأزمنة بغير الصور والأشكال، وحسبنا أن نرى في ~~الإسلام متسعا لها مع الحضارة العصرية كما اتسع لها من الحضارات الأولى، فإنما يغني ~~المسلمين من الإسلام أن يظل كما كان عقيدة إنسانية عامة، وأن يكون الإنسان مسلما حقا حين ~~يتشدد ومسلما حقا حين يترخص، فلا يقطعه الإسلام عن زمنه ولا عن مزية من مزايا حضارته ~~ومعارفه وصناعاته، ولا يكون المسلم الحق غريبا مع حضارة الغرب الحديث وهو لم يكن غريبا مع ~~حضارة الفراعنة والفرس والروم. # لقد كان الإسلام عقيدة «إنسانية» ودعوة عالمية يوم تقطعت الأسباب بين الأمم وتمزقت ~~الأنساب بين بني آدم وحواء، فاليوم والدعوة الإنسانية على كل لسان خليق بالإسلام أن يجعلها ~~في كل قلب، وأن ينفذ بها إلى كل ضمير. ms148