######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.JamilButhayna.Hindawi83851413 #META# Tags: biographies :: literary.criticism #META# ID: 83851413 #META# Title: جميل بثينة #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # عصر جميل‏ # مكانته في الصناعة الشعرية‏ # مزاجان‏ # بعض أخباره‏ # تمهيد‏ # عصر جميل‏ # مكانته في الصناعة الشعرية‏ # مزاجان‏ # بعض أخباره‏ # | جميل بثينة # | جميل بثينة # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # كتبت هذه الرسالة عن جميل بن معمر الذي شهر بثينة بحبه حتى اشتهر بها، فسمي جميل ~~بثينة، وكان في زمانه إمام العشاق العذريين غير مدافع، وأستاذ المدرسة الغزلية التي ~~تجري على طريقته في النسيب والتشبيب، وهي مدرسة الشعراء المحبين الموكلين بمحبوبة ~~واحدة، ينظمون الشعر فيها ولا ينظمونه في غيرها، وقلما يطرقون بابا من النظم ~~غير باب النسيب. # وقد اعتمدنا في أخباره على مصادر كثيرة، لم نر بينها ما هو أولى بالرجوع إليه، ~~والاعتماد عليه من كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني؛ لأنه أقرب إلى التمحيص ~~والتثبت فيما يرويه، فضلا عما تعودناه منه في أمثال هذه السير من الجمع ~~والاستيفاء. # والذي يبدو لنا من مجمل أخباره التي راجعناها أنه «شخص طبيعي»، تصدر منه الأقوال ~~والأعمال التي يعقل أن تصدر عن كل موصوف بمثل صفاته، وإن وقع فيها الخلط والاضطراب، ~~كما يقع في أخبار جميع الأحياء الذين نراهم رأي العين. # فهو سند صالح لمعظم أقواله وأعماله، كما أن أقواله وأعماله مادة صالحة «لتكوين» ~~شخص على مثاله، والترجمة لحياة كحياته. # فإذا قرأنا شعره وحوادث غرامه فهمناه، وإذا فهمناه سهل علينا أن نعود إلى ما قاله ~~وما قيل فيه، فنعرف منه الزيف والصحيح، ولو على سبيل الترجيح. # وفحوى ذلك كله أن ما قاله وما قيل فيه لا ينجلي بعد الغربلة والمضاهاة عن شخص ~~مستحيل، ولا عن أجزاء مفرقة لجملة شخوص كأنها الأشلاء التي لا تكمل لها صورة، وقد ~~تتعدد فيها الجوارح والأعضاء فوق ما يراد للبنية الواحدة. # ونعتقد أن شعراء العشق جميعا في عصر جميل يصدق عليهم من هذه السمات ما يصدق عليه، ~~مع اختلاف يسير في الوضوح والتحقيق. # فهم جميعا ثمرة عهد لا بد أن يثمرهم. وإنما وجه الغرابة أن تتهيأ أسباب ظهورهم ولا ~~يظهروا، وليس وجه الغرابة أنهم ظهروا في تلك البيئة وفي ذلك ms01 الزمان. # وقد تهيأت تلك الأسباب كل التهيؤ، كما لخصناها في بعض فصول هذا الكتاب، فهم إذن شخوص ~~طبيعيون، تحيط بهم أحوالهم الطبيعية، ومن هذه الأحوال الطبيعية أن يتعرضوا للخلط ~~والتناقض أو للروايات المتشابهات عن هذا وذاك. # فمن الطبيعي أن تختلط أخبار بعضهم ببعض؛ لأنهم جميعا عشاق، وجميعا من أهل الحجاز ~~وما حوله، وجميعا من أبناء عصر واحد، ينظمون بلغة عصر واحد، وينسجون على طريقة ~~واحدة، فإذا تشابهت أقوالهم وأخبارهم حتى جاز الاختلاط بينها، فلا غرابة في ذلك؛ بل ~~لعل الغريب ألا يقع الاختلاط مع هذا التشابه الكثير. # ومن الطبيعي أن تحتمل أخبارهم المبالغة إلى أقصاها؛ لأن المبالغة مقرونة بشهرة كل ~~«بطل» في باب من الأبواب، فلا يشتهر أحد بالشجاعة أو بالكرم أو بالمجون، إلا أضاف ~~إليه الناس كل ما يتصل بهذه الشهرة، وتنافسوا في التزيد عليها والتهويل فيها، وما من ~~بطل خرافي أضيف إليه من المبالغات فوق ما أضيف لعلي بن أبي طالب حتى حارب الجن، ~~ولحاتم الطائي حتى جاوز السفه، ولأبي نواس حتى استنفد موبقات الناس وأفرغ جعبة ~~الظرفاء أصحاب الملح والنوادر، وكلهم مع هذا شخوص طبيعيون، لا تمنعنا المبالغة أن ~~نردهم إلى قرار. # ومن الطبيعي أن تتناقض أخبار أولئك الشعراء والعشاق؛ لأنهم شخوص حقيقيون، يتعدد ~~الرواة عنهم والمتحدثون بأخبارهم، وليسوا من اختراع مخترع واحد، يصوغهم كلهم في قالب ~~واحد، ويعرضهم كلهم في مخيلة واحدة؛ فهم شخوص طبيعيون. # ولن يكونوا طبيعيين حتى يتعرضوا لمثل ما تعرضوا له من التناقض ~~والتشابه والمبالغة والإحالة. # وأقربهم إلى الطبيعة - فيما نرى - جميل صاحبنا في هذا الكتاب؛ فهو لا يتفق له وجود - ~~حيث وجد - إلا على الصورة التي تجملها لنا قصائده وأنباء رواته، وعلاقته بمعشوقته ~~بثينة مستقيمة على النهج الذي ينبغي أن تستقيم عليه، وإخلاصه لها أو إخلاصها له هو ~~الإخلاص الذي ينطوي عليه كل عاشقين مثلهما، لا هو في السماء، ولا هو في الخيال، ~~ولا هو فوق طاقة الناس، ولكنه الإنسان حيث كان، واحد في كل مكان وزمان. # وقد عنانا في هذا الكتاب ms02 أن نوفق بين البواعث النفسية والعوامل الطبيعية في سيرة هذين ~~العاشقين، وأن نفهم الأدب على مصباح من علم النفس ومن حقائق الطبيعة، فلا نرجع به إلى ~~لفظ تلوكه الأفواه، بل نرجع به إلى وشائج طبع تمتزج بالأبدان والأذهان. # | عصر جميل # عاش جميل في القرن الأول للهجرة. # وهو قرن حافل بأحداث السياسة، تحولت فيه الدولة ~~الإسلامية من نظام إلى نظام، ومن قطر إلى قطر، ومن سيرة إلى سيرة، فخرجت من الخلافة ~~إلى الملك الموروث، ومن الحجاز إلى الشام، ومن بساطة الحياة الدينية إلى بذخ المعيشة ~~الحضرية، التي جمعت بين بقايا حضارة الفرس وبقايا حضارة الروم. # وليس بنا في هذه العجالة أن نسجل حوادث العصر كله، أو نتعقبها من بدايتها إلى نهايتها ~~تعقب تفصيل أو تعقب إجمال، فكل أولئك لا يعنينا فيما نحن فيه إلا من طرف واحد؛ وهو ~~الطرف الذي يتصل بحياة شاعرنا جميل، ومن شابهه من الشعراء في بيئته وزمانه. # وأوجز ما يقال في تلك البيئة: إنها البيئة التي تخرج أمثال جميل من شعراء البادية ~~المحيطين بالحضارة الحجازية، والمتصلين بحواضر الإسلام في مصر والشام. # فالعصر الذي عاش فيه جميل بالحجاز كان عصر استئناف للحياة الحجازية قبل ظهور الدعوة ~~الإسلامية، ولكن على نحو جديد. # وكان المعول الأكبر في الحجاز على حياة المدن التي يقصدها الناس للتجارة وقضاء ~~المناسك السنوية، وقد طال عهد تلك المدن بالتجارة واستقبال القصاد، فاجتمع فيها ~~الثراء بأيدي السراة وأصحاب القوافل والأموال الغادية الرائحة بين رحلة الصيف ورحلة ~~الشتاء، واجتمع مع الثراء ما يتبعه أبدا من الترف واللهو والإباحة وإيثار الدعة ~~والرخاء. # ثم ظهرت الدعوة الإسلامية، فشغلت الناس عن ذلك كله بالجهاد بين المسلمين والمشركين، ~~ثم علت كلمة الدين في عهد النبي - عليه السلام - وفي عهد خلفائه الراشدين، فعز على ~~أصحاب اللهو والترف أن يتمادوا فيما كانوا فيه، فاهتدى منهم من اهتدى، واستتر منهم من ~~بقي على ضلاله، ووجد أكثرهم منصرفا له عن معيشته الأولى في هذه المعيشة الدينية ~~الجديدة، وفي شواغل السياسة والحرب التي كانت تزدحم بها ms03 عواصم الدولة الإسلامية، وهي ~~يومئذ عواصم الحجاز. # ثم ارتفعت رقابة الخلفاء الراشدين عن تلك العواصم، وتيسر للمترفين ما كان متعسرا قبل ~~ذلك من ضروب اللهو والمتعة، مع اختلاف محسوس تقضي به رعاية الدين. # وانتقلت الدولة من عواصم الحجاز إلى عواصم الشام، فتفرغ أولئك المترفون لحياة الفراغ ~~التي لا رقابة عليها، وربما تجاوز الأمر قلة الرقابة إلى التشجيع على حياة المجون ~~والبطالة؛ لأن أصحاب الدولة الجديدة كانوا يخشون من أبناء الرؤساء في الحجاز أن ~~ينصرفوا عن حياة الفراغ إلى حياة الجد والطموح، فليس في جدهم وطموحهم أمان للدولة ~~الجديدة، وإنما الأمان لها - كل الأمان - أن يلعبوا ويرتعوا، ويجتمعوا على اللغو ~~والفضول وإيثار الدعة والرخاء. # فاستأنفت الحواضر الحجازية تاريخا قديما طويلا في اللهو والمجون، وعادة «الظرف» ~~المأثور في عرف أولي النعمة أن يصبحوا، ويمسوا بين المنادمة والمسامرة، وأحبها ~~وأشيعها حديث الغزل ووشايات الغرام. # هذه الحياة عدوى لا يسلم منها من عاش فيها، ولو كان مطبوعا على الجد والطموح؛ لأنها ~~كالجو الذي يتنفس فيه كل متنفس يشاء أو لا يشاء، وغاية ما فيها من فروق أن البنية ~~السليمة تقوى على أنفاس ذلك الجو من حيث تضعف عنه البنية السقيمة، أما الهواء الذي ~~يتنفسونه جميعا فلا اختلاف فيه. # فمن أشجع الرجال الذين نشئوا في تلك البيئة، ولا ريب كان مصعب بن الزبير سليل الشجعان ~~ووريثهم في شمائل النبل والشمم والمضاء. # وكان له من الجد ما يشغله عن معيشة أهل البيئة التي نشأ فيها، وينجيه من أوهاق المتعة ~~التي يتمرد عليها من طبع على غراره، لو كانت هناك منجاة. # كان مع أخيه عبد الله صاحبي ملك ينافس ملك بني أمية، وتولى البصرة والكوفة والعراق ~~فضبط أمورها واستبقاها زمنا على الولاء له ولأهل بيته، ونهض عبد الملك بن مروان ~~لقتاله بنفسه، فأنفذ إليه الجيوش وراء الجيوش، فكان يبرز لها ويضربها ويفرق شملها، ثم ~~أوفد إليه أخاه محمد بن مروان يعرض عليه الأمان وولاية العراقين ما دام حيا وصلة من ~~المال تبلغ ألفي درهم، فأبى مصعب إلا ms04 أن يقاتل حتى يغلب أو يموت دون التسليم، وخذله ~~أصحابه طمعا في هدايا بني أمية، فما زال في البقية الباقية من أنصاره يقاتل ويغامر ~~حتى مات. # قيل: إن عبد الملك بن مروان جلس بعدها بين أصحابه يسألهم: من أشجع الناس؟ وهم ~~يروغون في الجواب، فقال لهم: بل أشجع الناس مصعب بن الزبير، عرضت عليه الأمان والمال ~~وولاية العراقين وعنده عائشة بنت طلحة أجمل النساء فأباها وآثر الموت على ~~التسليم. # وتلك شهادة عدو لا ينفعه أن يكتمها؛ لأنها أشهر من أن يحجبها الكتمان. # فالحق الذي يعرفه أعداء ذلك الرجل وأصدقاؤه أنه شجاع وأنه نبيل، وأنه لا يقرن بالجد ~~والطموح لذة من لذات الدنيا. # ومع هذا حسبنا أن نذكر له حكايتين اثنتين؛ لنذكر كيف شاع الغزل وأحاديث الغزل ومواقف ~~الغزل في البيئة التي نشأ فيها، وأحاطت به آدابها ودواعيها، فكل حديث عن الغزل ~~والتهالك عليه مصدق إذا قوبل بهاتين الحكايتين من هذا الرجل، الذي قل نظراؤه في الجد ~~والطموح. # إحداهما تتصل بشاعرنا جميل، وتدور على بيتين قالهما في صاحبته بثينة، وهما: # ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت # بالحجر يوم جلتها أم منظور # ولا انسلابتها خرسا جبائرها # إلي من ساقط الأرواق مستور # قيل: إن مصعبا سمع البيتين فود لو يعرف كيف جلتها. فأنبئوه أن أم منظور - التي ~~أشار إليها الشاعر - لا تزال بقيد الحياة ... فكتب في حملها إليه مكرمة. وحملت إليه، ~~ووصفت له تلك الجلوة فقالت: «ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحة، وضفرت ~~شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق - أي الطيب - ومر بنا جميل راكبا ناقته، فجعل ~~ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنها». # فقال لها مصعب: فإني أقسم عليك ألا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة، ففعلت، ثم ~~ركب مصعب ناقته وأقبل عليهما، وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه، ويسير حتى غاب عنها ثم ~~رجع. # أما الحكاية الأخرى فتدور على بيتين لتلميذ جميل - ونعني به كثير بن عبد الرحمن - ~~وهما: # وما زلت من ليلى لدن ms05 طر شاربي # إلى اليوم أخفي حبها وأداجن # وأحمل في ليلى لقوم ضغينة # وتحمل في ليلى علي الضغائن # وخلاصتها أن مصعبا أبصر الشعبي - الراوية المحدث المشهور - وهو في المسجد فأمره أن ~~يتبعه، وتقدمه وهو لاحق به، حتى دخل منزلا، ثم دخل إلى حجلة في المنزل ووقف الشعبي ~~ينتظر، فإذا جارية قد خرجت تقول له: إن الأمير يأمرك أن تجلس. فجلس على وسادة ~~وارتفع سجف الحجلة عن مصعب بن الزبير، ثم ارتفع السجف الآخر عن عائشة بنت ~~طلحة. # قال الشعبي: فلم أر زوجا كان قط أجمل منهما، ثم سألني مصعب: هل تعرف هذه؟ # قلت: نعم! # قال: ومن هي؟ # قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة. # قال: لا، ولكن هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر: # وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... # وأنشد البيتين ثم قال: إذا شئت فقم! # فلما كان العشي دخل الشعبي المسجد، فإذا الأمير جالس على سريره فيه، فاستدناه وسأله: ~~هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ # فقال الشعبي: لا والله. # قال الأمير: أفتدري لم أدخلناك؟ ... لتحدث بما رأيت. # ثم التفت إلى عبد الله بن أبي فروة، فأمره أن يعطيه عشرة آلاف درهم وثلاثين ~~ثوبا. # قال الشعبي: فما انصرف أحد بمثل ما انصرفت به: بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصار ~~ثيابا، وبنظرة من عائشة بنت طلحة! # وكلام العالم المحدث هنا يتمم كلام الأمير المكافح المقدام، كلاهما شاهد على شأن ~~الغزل في ذلك الجيل، حتى ليحسب العالم النظرة من الحسناء جائزة تقرن بعشرة آلاف درهم، ~~وحتى ليحكي الأمير مواقف الشعراء العشاق، ويود أن يتحدث الناس بغرامه، كما ~~يتحدثون بغرام أولئك الشعراء. # ومتى اشتغل مصعب بالغزل هذا الاشتغال، فقل ما شئت فيمن هو أفرغ للمنادمة والسمر ~~وأحاديث الحسان والعشاق، إنهم خلقاء ألا يفرغوا لحظة من هذه الأحاديث، وألا يزالوا ~~بحاجة إلى الشعراء المنشدين يرددونها نظما وغناء، وهي عندهم أحب ما يستحب فيه ~~الترديد. # ذلك شأن الحواضر الحجازية، وليست البادية من حولها بأقل غزلا أو نظما في الغزل من ~~الحواضر على اختلافها، وإن تباينت ms06 الأساليب والآداب. # فلا يفوتنا أن البادية أفرغ للغزل وأرحب به مجالا من الحاضرة، على غير ما يتبادر ~~إلى الذهن من الخطرة الأولى؛ لأن البدوي والبدوية يستعيضان بالغزل عن عشرات من ~~الملاهي الحضرية، التي تدور عليه وتحوم حوله في المدينة الكبيرة. # وإن شئنا أن نعرف حاجة البدو إليه، فلنذكر أنواع الفنون التي يستغرقها الحضريون في ~~صدد العلاقات بين الرجل والمرأة ولا يتاح نظيرها لأبناء البادية. # فالمسارح، والأندية، ودور الصور المتحركة، والقصص المطبوعة، والمراقص، والمنازه التي ~~يشترك فيها الرجال والنساء، والأغاني، والقصائد، وفروع كثيرة من التصوير والنحت ~~والنقش والزينة - كلها معارض لتمثيل الغزل بأنواعه في الحاضرة، ولا يقابلها في البادية ~~إلا غزل الشاعر بالحسناء، وما ينسج حوله من الأحاديث والدسائس والوشايات. # فالغزل وحده عند البدوي عوض عن هذه الأنواع المنوعة من أحاديث الرجل والمرأة في ~~المدينة العامرة، وهذا مع كثرة الشواغل في المدن وقلة الشواغل في البوادي، إلا ما كان ~~من رعي أو سقي يقربان بين الرجل والمرأة ويلجئانهما إلى الغزل ولا يشغلانهما عنه، ~~فضلا عن معيشة الفطرة بين الأحياء التي لا تنقطع فيها صلات الذكور والإناث، وليس ~~الإنسان بدعا بينها في هذه الغريزة الفطرية، فالبادية مهد الغزل قبل ~~الحاضرة. # وأيسر للمرء أن يتصور مدينة بغير شعر غزلي من أن يتصور بادية لا تنظم هذا الشعر في كل ~~حين. # إلا أن البادية تتقيد ببعض القيود التي تستدعيها معيشة البدو ولا تستدعيها معيشة ~~الحضريين؛ لأن «المنعة» ضرورة من ضرورات الحياة بين أهل البادية، ولا مناص لهم من ~~الاشتهار بمناعة الحوزة بين الأعداء والنظراء، وإلا طمع فيهم كل طامع واستباحهم كل ~~مستبيح، وأول حوزة يحميها الرجل هي المرأة، فمن شرف «البدوي» أن تكون فتاته منيعة ~~الحمى يتقاصر عنها لسان المتغزل، كما يتقاصر عنها سيف المغير، وهذا هو القيد الذي ~~يختلف به أهل البادية من أهل المدينة. # ولكنه قيد «سيئ الحظ» كجميع القيود التي تحيط بالغرائز، وتحبس من ناحية ما يطلقه ~~الطبع من ناحية أخرى. # فمنذ القدم والقيود التي تفرضها العادات تتوالى على الرجال والنساء ms07 بما يطاق وما لا ~~يطاق، ومنذ القدم والعرف مضطر إلى كثير من الإغضاء والتعامي عن تلك القيود، فهي ~~موجودة ومفتاحها موجود، ولا يزال القيد منها مقرونا بمفتاح. # فإذا حجرت العادات من ناحية جاءت الفنون فتسمحت من ناحية أخرى. وقد يغض الرجل المتدين ~~بصره إذا مرت به حسناء يخشى فتنتها، ولكنه يسمع بيتا في الغزل، وهو غاض عينيه، فلا ~~يغلق دونه أذنيه. # وقوانين البادية كجميع القوانين عرضة للتشديد والتخفيف وللرعاية والإهمال، وللمحاباة ~~والاحتيال. # فقد يطول عهد الرخاء بالقبيلة فتهدأ فيها سورة القتال وتضعف المغالاة بالمناعة وما ~~يتبعها من الغيرة والسطوة، وقد يطول بها عهد الفاقة، فيترخص أبناؤها وبناتها في ~~الأمور التي كانوا يتشددون فيها، ويستكينون للسبة التي كانوا يتذمرون منها، وقد تجاور ~~قبيلة قبيلة أقوى منها فتنزل على حكمها وتصبر على نزوات أهلها، وقد تجاور الحاضرة ~~فتجري على سنة الحضريين في الرفق والدماثة، وتنزل شيئا فشيئا عن الجفوة والخشونة، ~~وكل أولئك كان يحدث في القبائل الحجازية على عهد جميل. # كان منها من استغنى عن القتال بعد أن تكلفت الدولة القائمة بصيانة الحقوق ومنع ~~العدوان وجزاء المعتدين. # وكان منها من طال فيهم الغنى كآل جميل، ومنها من قل غناهم وجاوروا من هم أقوى منهم ~~كآل بثينة، وكانوا جميعا يختلفون إلى الحواضر، ويتشبهون بظرفائها، وينكرون الخشونة ~~على البادية وأهلها. # فاتسع ميدان الغزل حاضرا وباديا، وظهر شعراء النسيب بنوعيه، تغنيا بامرأة واحدة ~~كما يغلب على شعراء البادية، أو تغنيا بالحسان جميعا كما يغلب على شعراء الحاضرة، ~~وتهيأ العصر لطائفة من شعراء المدرستين على رأسهم عمر بن أبي ربيعة يتغنى بحسان مكة ~~وكل حسناء تقبل عليها، وجميل بن معمر يتغنى بصاحبته بثينة ويعيش ويقضي نحبه على ~~هواها. ~~••• # وما فتئت البادية العربية منذ القدم ميدانا فسيحا للقوالين والرواة؛ لأنهم سلاح من ~~أسلحتها ومصلحة من مصالحها وثقافة أدبية تعدل عندها ثقافة الفنون والآداب والتواريخ ~~في أمم الحضارة. # ولها معهم عرف ذو وجهين يجري على الرياء والمداراة، ولا سيما في الغزل والفخر ~~الحماسي. وهما قوام الشعر البدوي أو ms08 قوام كل شعر على الفطرة عنيت بحفظه الجماعات ~~الأولى. # فهي تحرم الغزل ببناتها ولكنها تحفظ للأعقاب منظومات شعرائها، ولو كان عرفها في هذا ~~الباب ذا وجه واحد لما بقيت لنا قصيدة من قصائد العشاق ولا خبر من أخبارهم، ولا قصة ~~من قصص الشعراء الواصفين والحسان الموصوفات. # ولكنهم كما رأيناهم قد عنوا بكل كلمة قالها شاعر في حسناء وبكل مساجلة بين عاشقين ~~كأنها من وثائق التاريخ التي لا تنسى، وما ذاك لأنهم يحبون الرياء أو يقصرون في كراهة ~~المحظورات، فإنهم في الواقع يبلغون من كراهتها أقصى ما في وسعهم أن يبلغوه، ولكنهم ~~يفعلون ذلك؛ لأن بواعث الحب في الفطرة الإنسانية أقوى من أن يكبحها العرف أو يقضي ~~فيها بقضاء واحد، فلا بد من التجوز والإغضاء، أو لا بد هنا من عرف ذي وجهين. # أما الفخر الحماسي فموضع الرياء فيه مع شعرائهم أنهم يزدرون الشاعر ويفخرون بكلامه، ~~فربما ارتفعت قبيلة بكلام شاعر، وهو بينهم في مكان غير رفيع، وربما كان تحريمهم زواج ~~الفتاة بمن ينظم فيها الغزل ضربا من ازدراء الشعراء، كما كان ضربا من حماية العرض ~~ومنع الذمار. إلا أنهم في الفخر كانوا أصرح منهم في الغزل والنسيب؛ فربما اجتمعت ~~القبائل علانية لسماع شاعرين يتراجزان ويتناجزان، ويذكران الأعراق والأوطان، ولم تأذن ~~بإعلان الغزل على هذا النحو ولا بتناقله بينهم إلا من وراء أذن السامع وعين ~~المشيح. # وقد كان لجميل حظه الوافي من الحالين في الغزل والفخر على السواء، فسارت الركبان ~~بأحاديث هواه و«تجمعت الأعاريب أرسالا» لسماع أراجيزه في الفخر بذويه، وخرج من حلبة ~~الفن بنصيبين متناقضين: فأما شخصه فقد جنى عليه شعره، وحال غزله بينه وبين صاحبته على ~~ما كان له بين قومه من مكانة وثراء، وأما شعره فقد ظفر بكل عناية في وسع قبيلة بادية، ~~ولا سيما الغزل الذي منعوه وأوشكوا من أجله أن يقتلوه. # ومهما يكن من عرف العصر والقبيلة فقد كان عرفا يسمح بغزله ويستدعيه ويستبقيه، أو كان ~~عرفا صالحا لتشجيع العاشقين، وإن لم يكن صالحا بينهما لوئام ms09 الزوجين. # وتاريخ الآداب لا يجمع عقود الزواج ولا دعوات الزفاف، ولكنه يجمع الشعر الذي قاله ~~العاشق ولو جنى عليه؛ وهكذا صنع بشعر جميل. # من هما؟ # جميل بن عبد الله بن معمر من بني عذرة من قضاعة التي تسكن بالحجاز على طريق مصر ~~والشام، وأمه من «جذام»، وهي تسكن في الجانب الشمالي من هذه الطريق. # ويلتقي نسبه ونسب صاحبته بثينة عند جدهما حن بن ربيعة، ثم يختلفان على ما ~~بينهما من تقارب النسب في قوة العشيرة وصلاح الحال. # فكان قومه أعز من قومها، وكان أبوه «ذا مال وفضل وقدر في أهله» يلقب بصباح ~~ويحسب له في بطون قضاعة كلها حساب كبير. # ومن هيبته بين هذه البطون أن السلطان أهدر دم جميل إن وجده أهل بثينة في ~~دورهم، فوجدوه عندهم مرات ولم يجترئوا على قتله، بل جعلوا يعذرون إليه وإلى ~~أبيه مرة بعد مرة مخافة حرب لا قبل لهم بها بين العشيرتين، إلى أن أغلظ له أبوه ~~القول من تتابع الشكوى إليه، فكف عنها ما استطاع، ثم رجع إلى سيرته معها بعد ~~حين. # ولعله استغنى بجاه أبيه وماله عن قصد الولاة والأمراء بالمديح طلبا للجوائز ~~والهبات، حتى كان بعضهم يستدعيه إلى مدحه، فيعدل عن ذاك إلى الفخر بقومه في ~~حضرته، كما حدث بينه وبين الوليد بن عبد الملك حين سافر معه، ثم رجز مكين ~~العذري بالوليد قائلا: # يا بكر هل تعلم من علاكا # خليفة الله على ذراكا # فطمع الوليد أن يمدحه جميل، ودعاه أن ينزل فيرجز، فنزل فقال مفتخرا: # أنا جميل في السنام من معد # في الذروة العلياء والركن الأشد # والبيت من سعد بن زيد والعدد # ما يبتغي الأعداء مني ولقد # أضري بالشتم لساني ومرد # أقود من شئت وصعب لم أقد # فغضب الوليد وقال له: اركب لا حملك الله! # ومن جملة سيرته يظهر أنه كان كما قال صعبا لا يقاد، أو كان على شيء من العناد ~~والخيلاء، فكان يستعظم أن يجترئ عليه أحد بمناداته باسمه في الطريق، وحدث ~~بعضهم أنه كان في ms10 رهط من علية القوم عند شعب «سلع» بالمدينة ... ~~«إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين، طوال، يقود راحلة عليها بزة حسنة ... فصاح ~~به عبد الرحمن بن أزهر: هيا جميل! هيا جميل! ... فالتفت مستكبرا يسأل: من هذا؟ ~~فلما عرف عبد الرحمن قال: قد علمت أنه لا يجترئ علي إلا مثلك! ثم جلس فأنشدهم ~~حتى بدا له أن يقوم «فاقتاد راحلته موليا». # والبزة الحسنة - على ما يظهر من جملة سيرته أيضا - كانت من لوازمه التي اشتهر ~~بها ولا سيما في المحافل، حتى لقد كان يحسب متنكرا إذا مشى في البادية بزي ~~الرعاة، وقال بعض أصحابه: «قدمت من عند عبد الملك بن مروان وقد أجازني وكساني ~~بردا كان أفضل جائزتي، فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها، فاستخرجت بردي ~~الذي من عند عبد الملك وقلت أصلي مع الناس. فلقيني جميل - وكان صديقا لي - ~~فسلم بعضنا على بعض وتساءلنا ثم افترقنا. فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي ~~فقال: البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمل به، فإن بيني وبين جواس ~~الشاعر مراجزة ... قلت: لا، بل هو لك كسوة، وكسوته إياه ... فلما أصبحنا جعل ~~الأعاريب يأتون أرسالا حتى اجتمع منهم بشر كثير، وحضرت وأصحابي، فإذا بجميل قد ~~جاء وعليه حلتان ما رأيت مثلهما على أحد قط، وإذا بردي الذي كسوته إياه قد جعله ~~جلا لجمله ...» # فالرجل الذي يتخذ خلعة من الخليفة يزهى بها صاحبها جلا لجمله، ويلبس خيرا ~~منها، رجل ولا شك مفرط الخيلاء معني بحسن البزة وأناقة الكساء، وقد ترجع هذه ~~الخيلاء إلى النشأة العزيزة في بيوت الرئاسة بالبادية، فليس أقرب إلى الخيلاء ~~من أبناء هؤلاء الرؤساء، ولا سيما الذين رزقوا منهم جمال السمت وروعة المظهر ~~كما رزق جميل. # إلا أنها على هذا خليقة مطبوعة فيه لها مرجع غير التدليل والنشأة في بيوت ~~الرئاسة، كما يؤخذ من بعض أوصافه، فقد ذكر صاحب له من أهل تيماء أنه كان معه ~~يحدثه ويستمع له «إذ ثار وتربد وجهه ووثب نافرا مقشعر الشعر متغير اللون » حتى ms11 ~~أنكره. # فهذه الخليقة الجامحة التي لا يملكها صاحبها هي على التحقيق مرجع من مراجع تلك ~~الخيلاء التي اشتهر بها جميل، وقد توافق الطبع والنشأة والمظهر على إملاء ~~لصاحبنا في خيلائه، فغير عجيب مع هذا كله أن يتحامق ويحمق، فلا يستتر حمقه حيث ~~يريد وحيث لا يريد. # وكيف يخفى حمق جميل وهو القائل: # لا لا أبوح بحب بثنة إنها # أخذت علي مواثقا وعهودا # أيقول هذا البيت رجل رشيد كائنا ما كان قصده وذاهبا ما ذهب في معناه؟! # إنه كان مضرب المثل بحق على حماقة «كاتم السر» الذي يقسم ألا يبوح به، وهو في ~~قسمه على الكتمان قد باح! ~~••• # فجملة المفهوم من أوصافه وأخباره أنه كان فتى من الفتيان الذين تكتب لهم - أو ~~تكتب عليهم - حياة الغرام. # فكان وسيما قسيما طويل القامة عريض المنكبين مدللا في نشأته منظورا إليه في ~~بزته وعزة قومه، على ضعف في الخلق والعقل، يقعد به عن عظائم الأمور، ولا يكبح ~~جماحه أن بدأت به غواية الهوى، فتمادت به إلى منتهاها، وكذلك رشحته النشأة ~~والخلقة والخليقة ليكون جميل بثينة، وجاء العصر والجوار فزكيا هذا الترشيح ~~وأوسعا له من مداه، فهو في دوره الذي تمثل لنا به في عالم الشعر غير ~~غريب. ~~••• # أما صاحبته بثينة فقد وصفها جميل بعين المحب ووصفها غيره كما يراها كل من رآها، ~~فخلص لنا من جملة هذه الصفات أنها كانت «أدماء طوالة»، كما قال عمر بن أبي ~~ربيعة، وأنها تفرع النساء طولا، كما قال الرجل الذي حمل إليها نعي ~~جميل. # ومن كلام عمر وجميل معا يبدو لنا أنها كانت على سنة البدويات في التأبي ~~والدلال الذي يشوبه الجفاء؛ فلما تصدى لها عمر بن أبي ربيعة، خرجت له في ~~مباذلها لا تحفله وقالت له: «والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد ~~قتلهن الوجد بك!» # وقال جميل: # ولست على بذل الصفاء هويتها # ولكن سبتني بالدلال وبالبخل # فهي معشوقة بدوية صالحة «لدورها» المشهور مع جميل، وقد زادنا جميل معرفة ~~بتفصيلات ملامحها فقال : «إنها ms12 لطيفة طي الكشح ذات شوى خدل»، وكرر هذا الوصف ~~مرات فقال: # إلى رجح الأكفال هيف خصورها # عذاب الثنايا ريقهن طهور # ووصف ثغرها مرة أخرى فقال: # مفلجة الأنياب لو أن ريقها # يداوى به الموتى لقاموا من القبر # وعمم الوصف فذكر جيدها وعينها في بيت يقول فيه: # وأحسن خلق الله جيدا ومقلة # تشبه في النسوان بالشادن الطفل # وفي بيت آخر يقول فيه: # لها مقلتا ريم وجيد جداية # وكشح كطي السابرية أهيف # فإذا أعطينا «الوصف التقليدي» حقه من هذه الأبيات بقي لنا منها أن بثينة كانت ~~حسناء بدوية، لم يثقلها ترف الحاضرة، ولم يعرقها شظف العيش، فهي رشيقة معتدلة ~~الخلق سامقة القوام مستحبة الملامح لمن يراها، مفتونا بها أو غير ~~مفتون. # ومن بعض أحاديث كثير عن إشارات جميل لبثينة وفطنتها إلى معناها وردها عليها ~~لساعتها، يبدو لنا أنها كانت من الذكاء على نصيب يسعف الفتاة في مواقف الغرام، ~~وهو نصيب غير نادر بين جميع الفتيات. # إلا أنها «شن وافق طبقه» في علاقتها بجميل، فكانت لا تخلو من حماقة وخفة ~~يلاحظها من يحادثها، وقيل: إنها دخلت على عبد الملك بن مروان «فرأى امرأة خلفاء ~~- أي حمقاء - مولية، فقال لها: ما الذي رأى فيك جميل؟ قالت: الذي رأى فيك ~~الناس حين استخلفوك». # ومثل هذه الحماقة لا تظهر في الكهولة إلا كان لها أساس أصيل من بداية العمر، ~~وبخاصة في عهد الغواية والشباب. ~~••• # وقد كان جميل يحاول أن يقتدي في وصفها بابن أبي ربيعة في وصفه لنسائه المترفات ~~المنعمات، فيقول عنها وعن أترابها: # إذا حميت شمس النهار اتقينها # بأكسية الديباج والخز ذي الخمل # ولكنها محاكاة لا تلبث أن تنكشف وينكشف باطلها كما ينكشف كل زيف وتلفيق، فبثينة ~~هذه من بنات «بني الأحب» الذين قال فيهم جميل حين غضب: # إن «أحب» سفلة أشرار # حثالة عودهم خوار # أذل قوم حين يدعى الجار # والذين قال فيهم حين توعدوه مشيرا إلى عجزهم عن قتله؛ لأنهم لا يقدرون على ~~الحرب ولا على الدية: # إذا ما رأوني طالعا من ثنية # يقولون من ms13 هذا وقد عرفوني # يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا # ولو ظفروا بي خاليا قتلوني # وكيف ولا توفي دماؤهم دمي # ولا مالهم ذو ندهة فيدوني # وليست هي غضبة هجاء يقال فيها بالحق وبالباطل؛ لأنهم بالواقع لم يجترئوا على ~~حماية عرضهم من جميل حتى بعد أن أهدر السلطان دمه لهم إن رأوه في بيوتهم، وكان ~~قصارى ما يصنعه زوجها أن يشكوه ويشكوها إلى أبيها وأخيها، وقصارى ما يصنعه هذان ~~أن يتعرضا لها، فيشد عليهم جميل بالسيف فيهربا أو يشكواه إلى أبيه ويعذرا إليه، ~~وقد أربيا على حد الأعذار. # وكأنما كانت وسامة جميل مزية من مزايا كثيرة حببت إليها هواه، ولم تكن هي ~~المزية الأولى والأخيرة. كان ماله على ما يبدو من كلامه بعض هذه المزايا؛ إذ لا ~~محل لقوله إن لم يكن هذا كذاك: # ولو أرسلت يوما بثينة تبتغي # يميني وقد عزت علي يميني # لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها # وقلت لها بعد اليمين سليني # سليني مالي يا بثين فإنما # يبين عند المال كل ضنين # ولقد كان يرحل ويعود فيتهمها بصلة جديدة ثم لا تبالي هي أن تلمح إلى هذه الصلة ~~في بعض مناجاتها إياه. # وقد تزوجت برجل أعور ضعيف المنة لا يروقها ولا تهابه ولا تشعر بحماه، فلولا ~~أن «بني الأحب» كانوا في ذلك الحين كما وصفهم لما كان زواجها بذلك الرجل خير ~~زواج ترتضيه، بعد أن حيل بينها وبين الزواج بجميل. # ونحن نعلم أنها تزوجت ولا نعلم أن جميلا قد تزوج إلى أن مات، وقد تكون أوفى ~~النساء له ثم تتزوج؛ لأن أمرها إلى غيرها، وهو لا يتزوج؛ لأن أمره بين يديه، ~~ولكنها لم تكن من الوفاء بحيث يقدح الزواج وحده في ذلك الوفاء، ولعلها إحدى ~~الكثيرات اللاتي يصدق فيهن وصف كثير تلميذ جميل: # ألا إنما ليلى عصا خيزرانة # إذا غمزوها بالأكف تلين # عشق جميل وبثينة # كل ما قرأناه عن جميل، أو قرأناه من كلام جميل، يدل على طبيعة العلاقة التي ~~كانت بينهما، وهي العلاقة التي تكون بين الرجل والمرأة، وتتعطل فيها ms14 الإرادة ~~بعض التعطيل أو كل التعطيل، أو هي العلاقة التي نسميها العشق والغرام. # ومن الواجب أن نذكر هنا أن العلاقات الإنسانية كلها تستتبع شيئا من تقييد ~~الإرادة قل أو كثر؛ فالصديق لا يفارق صديقه بمحض اختياره، والشريك لا ~~يفارق شريكه ولا مندوحة عن فراقه، وكذلك الزميل أو الزوج أو صاحب الطريق، ولكن ~~التفرقة هنا ضرورية بين تعطيل وتعطيل وبين تقييد وتقييد، فالذي يتعاطى دواء ~~ينفعه أو ينتظر منه النفع يصعب عليه أن يتركه ويكف عن تعاطيه، والذي تعود ~~التدخين يصعب عليه كذلك أن يتركه ويكف عن تعاطيه، ولكن الفرق بين تقييد الإرادة ~~في الحالتين واضح كل الوضوح. # ففي الحالة الأولى يفكر الإنسان في العواقب وفي المنافع، فلا يقدم على ~~الامتناع. # وفي الحالة الثانية يفكر الإنسان أو لا يفكر فالنتيجة سواء، بل هو قد يفكر ~~ويؤمن بالضرر، ويمتلئ يقينا بفائدة الامتناع، ثم لا يمتنع ولا يفلح أحيانا لو ~~حاول الامتناع. # وهذا هو الفرق بين القيود التي يفرضها «الهوى» والقيود التي يفرضها الرأي أو ~~المصلحة. # فالتدخين «هوى» من البداية إلى النهاية، وعندما يبدأ الإنسان في تعود التدخين ~~يكون قد بدأ في الهوى أو أراد الهوى إن صح هذا التعبير، وليس كذلك من يتناول ~~الدواء أو يتناول الطعام، أو يتناول حتى اللون المحبوب لديه من ألوان ~~الطعام. # وتعطيل الإرادة أصيل في الهوى كله ولا سيما الهوى الذي نسميه بالعشق أو نسميه ~~بالغرام؛ لأن المرء يرتبط فيه بإرادة شخص آخر، فهو مقيد بهذا الارتباط الذي لا ~~تتفق فيه الإرادتان في جميع الأحيان. # ثم يتقيد الشخصان معا بإرادة النوع كله أو بالإرادة القاهرة التي تتمثل في ~~الغريزة النوعية، وتتغلب كثيرا على إرادة العاشقين، وإن اتفقا على حالة من ~~الحالات. # ثم يتقيدان بالعرف الذي يفرضه المجتمع وتفرضه الآداب والأخلاق فوق ما تفرضه ~~الطبيعة من طريق الغريزة النوعية. # ثم يتقيدان بظروف المعيشة وأحوال الدنيا التي تتاح على وفاق الهوى أو لا ~~تتاح. # فإذا تميز العشق بين سائر العلاقات الإنسانية بخاصة من الخواص الظاهرة، فأكبر ~~ما يتميز به ms15 هذا التقييد الشديد لإرادة العاشق من جملة نواحيه. # وقد يبلغ به هذا التقييد لإرادته أن يحول بينه وبين فهم إرادته فلا يعلم ماذا ~~يريد فضلا عن أن يعلمه ويعجز عنه، فإذا به قد انقسم على نفسه كما ينقسم المعسكر ~~الواحد إلى ضدين متحاربين، ولا غنيمة لأحد منهما في الانتصار؛ إذ هو انتصار لا ~~يخلو في الحالتين من خسار. # وينتهي به الأمر إلى البقاء على حاله عجزا عن تغييره لا سرورا به ولا رغبة ~~فيه، فهو لا يتعلق بمعشوقه؛ لأنه راض عن هذه العلاقة، يلتذها ويتشهاها ويتذوق ~~النعمة والهناءة فيها، ولكنه يتعلق به؛ لأنه عاجز عن فراقه، مقيد بضروب من ~~العادات والوساوس لا حيلة له فيها ولا قدرة له عليها. # ومثله في ذلك مثل المدمن الذي يتعاطى السموم ولا يجهل بلواها، ولكنه يقلع عنها ~~فلا يقر له قرار، فيمضي فيها وهو كاره لها يبحث ما استطاع عن سبيل ~~النجاة. # وقد قيل لجميل كل سبب يوجب عليه، لو ملك اختياره، أن يسلو بثينة ويقلع عن ~~هواها، فكان جوابه لكل سبب من هذه الأسباب أنه لا يستطيع! ولم يكن جوابه أنه ~~يجهل تلك الأسباب أو أنه يعرفها ولا يراها موجبة عنده للتفكير في السلو ~~والفراق. # قال له أبوه: «يا بني! حتى متى أنت عمه في ضلالك، لا تأنف من أن تتعلق بذات ~~بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل، ثم تقوم من تحته إليك فتغرك بخداعها ~~وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها، فيكون قولها ~~لك تعليلا وغرورا، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة ... ~~إن هذا لذل وضيم! ما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك، فأنشدك الله إلا ما ~~كففت وتأملت أمرك؛ فإنك تعلم أن ما قلته حق، ولو كان إليها سبيل لبذلت ما ~~أملكه فيها، ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له، وفي النساء عوض.» # وهذا كلام مقنع لا ينكره منكر، ويعلم جميل أنه حق كما قال أبوه. # فإذا علم المرء ms16 هذا ولم يعمل به فليس لذلك إلا علة واحدة وهي شلل الإرادة، وأنه ~~في حال كحال المريض الذي لا يملك الشفاء، بل ربما كان شرا من هذا المريض في ~~استسلامه لدائه؛ لأن المريض قد يريد الشفاء ويتوسل إليه بوسائله التي في يديه، ~~ولكن العاشق الذي برح به العشق، كما برح بجميل مشلول الإرادة حتى عن التوسل بما ~~يستطيع أن يحاوله من وسائل الشفاء. # وهكذا كان جواب جميل لنصيحة أبيه، فقال له: «إن الرأي ما رأيت والقول كما ~~قلت» ثم قال: «ولكن هل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع قلبه هواه؟ أو ملك أن يسلي ~~نفسه؟ أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه؟ والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو ~~أزيل شخصها من عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاء بليت به لحين ~~قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام بهم ولو مت كمدا، وهذا جهدي ~~ومبلغ ما أقدر عليه.» # وقال له ابن عمه روق مقالة الند للند الذي يفهمه ويستثير نخوته بالمناظرة في ~~الفتوة والمقاربة في السن: # إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع ~~كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها، وإنك منها بين فجور أرفعك عنه، ~~أو ذل لا أحبه لك، أو كمد يؤدي إلى التلف، أو مخاطرة بنفسك لقومها ~~إن تعرضت لها بعد إعذارهم إليك، وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك ~~فيها وتجرعت مرارة الحزم حتى تألفها، وتصبر نفسك عليها طائعة أو ~~كارهة ألفت ذلك وسلوت. # وهذا كلام كله حزم وسداد، ولكن متى كان الهوى في اشتداده إلا مخالفة للحزم ~~والسداد؟ # فما نصح أب فتاه بأحكم ولا أصوب من النصيحة التي سمعها جميل من أبيه. # وما استثار ند ندا بأبلغ ولا أهيج للنخوة من هذا الكلام الذي قاله له ابن ~~عمه. # ولكنه أجاب هذا وذاك بجواب واحد هو العجز والبكاء، وقال لابن عمه كما قال ~~لأبيه: «يا أخي، لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا ، ولكني ms17 لا أملك الاختيار ~~وما أنا إلا كالأسير لا يملك لنفسه نفعا.» # أو كما قال في شعره: # هي السحر إلا أن للسحر رقية # وإني لا ألفي لها الدهر راقيا # وأكد ذلك أوثق التأكيد حين حاول أن ينفيه فقال: # يقولون مسحور يجن بذكرها # وأقسم ما بي من جنون ولا سحر # ولم يلبث أن كشف عن السحر كله والجنون كله حين أردف هذا البيت ببيت تال يقول ~~فيه: # وأقسم لا أنساك ما ذر شارق # وما هب آل في معلمة قفر # وإنما يقسم هذا القسم من هو مجنون ومسحور، أو من سماهم الناس بالمجانين؛ لأنهم ~~لا يملكون ما يريدون، ويوشك أن يكرهوا إرادة الخلاص لو ملكوه، فهم في حبهم ~~للمعشوقة التي هم مفتونون بها على حد قول المتنبي في افتنان الأحياء عامة ~~بالحياة: # وإذا الشيخ قال أف فما مل # حياة وإنما الضعف ملا # لا يشكون العشق؛ لأنهم يطلبون الفكاك منه، وإنما يشكونه؛ لأنهم يطلبون الفكاك ~~من ألمه إن استطاعوه، وإلا فالبقاء فيه مع ألمه حين لا يستطيعون. ~~••• # وظاهر أننا - في قصة جميل وبثينة - أمام عارض نادر من عوارض العلاقة الغرامية؛ ~~لأن المشاهد المتواتر أن هذه العلاقة تجري في مجراها بين كثير من الرجال ~~والنساء، دون أن تصل إلى هذه اللجاجة الموبقة التي وصل إليها جميل. # ولا شك أن الغرائز النوعية أقوى من إرادة الفرد إذا تحكم النزاع بينهما، وبلغ ~~مبلغ الصدام الذي لا محيص فيه من الغلبة لإحداهما، ولكن المسألة هي أن ~~الغريزة النوعية والإرادة الفردية لا تبلغان هذا المبلغ من النزاع والصدام إلا ~~لعارض طارئ ليس بالمتكرر في جميع الأحوال، وهذه هي الندرة التي يدل وقوعها على ~~شذوذ في الفرد أو شذوذ في الأحوال التي تعرضت لها علاقته الغرامية. # فالعشق أصيل في طبائع الإنسان إذا نحن رددناه إلى الغريزة النوعية، بل هو أصيل ~~في طبائع بعض الأحياء من الطير والوحش، كما ظهر من تلازم بعض الأزواج واقتصار ~~بعض الذكور على بعض الإناث، بغير تبديل إلى أمد طويل. # ولكن الغريزة النوعية لم تخلق لشقاء ms18 الأفراد ضربة لازب، ولا يلزم من خدمتها ~~النوع أنها تمحق الفرد وتتقاضاه حقه من الهناءة والحرية في جميع الأحوال، ولا ~~سيما إذا تحققت مصلحة النوع بغير هذه التضحية التي لا توجبها خدمة فرد ولا خدمة ~~نوع. # فإذا اصطدمت الغريزة والإرادة الإنسانية على اطراد دائم مدى الحياة، فهنالك ~~شذوذ لا محالة في هذه الإرادة أو في الأحوال التي أحاطت بها ولابستها، وذلك هو ~~الشذوذ النادر الذي نشاهد مثلا من أمثلته الواضحة في قصة جميل. # والأغلب - فيما يبدو لنا - أن علة هذا الشذوذ راجعة إلى جميل نفسه قبل مرجعها ~~إلى الأحوال، التي أحاطت به وبمعشوقته بثينة. # فقد اصطلحت عليه أسباب كثيرة توهي من إرادته وتعرضه للعجز عن مقاومة هذه المحنة ~~التي غلبته على رأيه. # فكان مدللا قليل التمرس بالمصاعب كما يغلب على عامة المدللين، وكان وسيما ~~تميل به وسامته إلى التصدي لهذه الأهواء والتفرغ لها والوقوف على طريقها، وكان ~~المزاج الفني - أو مزاج الشاعرية - معوانا له على التمادي في هذه الغواية ~~واستيحاء المقاصد الشعرية منها، وبخاصة حين أغناه اليسار عن معالجة الشعر في ~~أبواب المديح والرحلة إلى الأمراء والرؤساء، وكان فارغ الوقت لا تملأه الشواغل ~~بما ينسيه أو يسليه أو يقسم وقته بين عمله وهواه، وكان مع هذا ضعيف الرأي قليل ~~الحزم كما ذكرنا في فصل آخر من فصول هذه الرسالة، وهي أسباب في جملتها كافية ~~لتعليل تلك الندرة التي جعلته من أبطال العشق المعدودين في آداب اللغة العربية، ~~ويضاف إليها العصر وأثره والبيئة وحكمها، وكلاهما كان مما يمد في دواعي هذه ~~الفتنة، وينحي بينه وبين وسائل الخلاص منها. # وقصة هواه لبثينة قصة من أراد الوقوع في الهوى، ثم وقع فيه، وليست بقصة من ~~أوقعته المصادفة وحاول الخلاص من البداية فامتنع عليه. # فكان في أول عهده بالعشق يهوى «أم الجسير» أخت بثينة الكبيرة، ثم لقي بثينة ~~فشتمته واستملح شتمها، فانصرف من تلك اللحظة عن أختها إليها، وذلك إذ ~~يقول: # وأول ما قاد المودة بيننا # بوادي بغيض يا بثين سباب # وربما دل ذلك ms19 على خليقة من الخلائق التي نفهم بها لجاجته في علاقته الغرامية ~~على نحو يندر جدا بين الأقوياء ذوي الغلبة من الرجال. # فمن خلائق بعض الضعفاء أن تغريهم الإساءة والحرمان، وتزيدهم كلفا على كلف بمن ~~أحبوا من النساء، ولا سيما المرأة التي تحسن أن تمزج المنع بالإغراء والإطماع ~~بالإقصاء، وفي هذا يقول من قصيدة أخرى: # ولست على بذل الصفاء هويتها # ولكن سبتني بالدلال وبالبخل # فالسباب استهواه والبخل سباه ولج به في هواه، وتلك أبدا آية من آيات العجز ~~وضعف الثقة بالنفس وتعليق تلك الثقة بمشيئة غيره، إن أقبلت عليه معشوقته رضي عن ~~نفسه واستراح إلى هذا الرضى، وإن أعرضت عنه ظل في حيرة وابتئاس لا يزولان إلا ~~أن يزيلهما إقبال جديد، وأما هو فليس بقادر على أن يستغني برأيه، أو يستمد ~~الثقة من قرارة نفسه، ولو قدر على ذلك لكان إعراض المعشوقة عنه داعيا من أكبر ~~دواعي القطيعة والجفاء، ولكان في وسعه أن يعرض عنها، ويكف عن التعلق بها، ولا ~~يضيره ذلك أو يشعره بنقص في طمأنينته النفسية؛ لأنها طمأنينة لا تتعلق بمشيئة ~~سواه. # وفي بعض الضعفاء خليقة قريبة من هذه الخليقة أو هي هي في مظهر من مظاهرها ~~المختلفة، ونعني بها «حب التعذيب» والحنين إليه، ومن هؤلاء من يلتمسون الضرب ~~والإيجاع في بعض الأحيان ويسعون إليه، وقد يستأجرون من يضربهم ويوجعهم، كما ~~يصنع أناس من أصحاب هذه الخليقة في بعض العواصم الأوروبية، ويقترن ذلك دائما ~~بالنزعات الجنسية على نحو من الأنحاء. # فإذا كان جميل من أصحاب هذه الخليقة فهواه على تلك الصورة مفهوم، وأسباب ~~اللجاجة في الهوى عنده أكثر من أن تحتاج إلى مزيد. # أقبلت بثينة على وادي «بغيض»، وفيه إبل جميل؛ لترد الماء مع جارة لها، فنفرت ~~الإبل عن المورد، فسبها جميل وسبته، فكان هذا أول التعارف بينهما وأول الغرام، ~~ونسب بها منذ ذلك اليوم بعد أن كان ينسب بأختها أم الجسير. # وقيل: إن جميلا خرج في يوم عيد والنساء إذ ذاك يتزين ويبدو بعضهن لبعض ~~ويبدون للرجال ، فوقف ms20 على بثينة وأختها أم الجسير في نساء من بني الأحب؛ ورأى ~~منهن منظرا عجيبا فقعد معهن وعشق بثينة، ثم راح ومعه فتيان من بني الأحب ~~عرفوا في نظره حبها ووجدوا عليه، وقال ينسب بها من أبيات: # عجل الفراق وليته لم يعجل # وجرت بوادر دمعك المتهلل # لن تستطيع إلى بثينة رجعة # بعد التفرق دون عام مقبل # ثم علمت بثينة أنه نسب بها فحلفت بالله لا يأتيها على خلاء إلا خرجت إليه ولا ~~تتوارى منه. # وهنا موضع آخر للعجب أو للملاحظة: لم نسب بها وهو لا يجهل أن النسيب يحول بينهما وبين الزواج، كما جرت سنة ~~البادية التي لا تخفى عليه؟! # أغلبته النزعة الفنية حتى حجبت عنه الغاية ~~من غرامه؟! أم هي نزوة أخرى من نزوات ضعف الرأي ومطاوعة الغواية العاجلة؟! أم ~~كان حديث العشق والغزل غرضا مقصودا لذاته، لا يفكر معه في زواج ولا ~~اتصال؟! # أيسر ما يقال في هذا المسلك: إنه مسلك لا حزم فيه؛ وإنه خليق أن يلقي بصاحبه في ~~تلك المحنة التي ابتلي بها وساق نفسه إليها. # وقد حيل فعلا بين جميل وبثينة فلم يتزوجا، طلبها للزواج، وتزوج بها رجل آخر ~~قيل في وصفه: إنه دميم أعور، وظهر من أخباره في قصة جميل أنه كانت له زوجة ~~قبلها، وأن بثينة لم تعش معه طول حياتها، وذلك هو نبيه بن الأسود العذري ~~الذي قال فيه جميل: # لقد أنكحوا جهلا نبيها ظعينة # لطيفة طي الكشح ذات شوى خدل # فهي زيجة لا تغتبط بها الفتاة، وليس من شأنها أن تقطع الصلة ما بين بثينة وجميل، ~~بل لعلها أحرى أن توثقها وتمكن من عراها، ولا سيما إذا كان الزوج مشنوءا ~~لفتوره وخوره وقلة حميته وعجزه عن إرهاب غريمه، كما كان مشنوءا لدمامته وتفاوت ~~السن بينه وبين عرسه، وكذلك كان نبيه بن الأسود فيما وصفته لنا الروايات ~~المختلفة، كلما ألم جميل بالحي وطرق بيوت بثينة وأهلها، فلم يجاوز غضب نبيه ~~أن يشكوها إلى أبيها وأخيها. # وكأنما اتفقت الدواعي جميعا على إطالة العلاقة بين ms21 العاشقين فطالت، ولم ~~يقطعاها معا حتى قطعها الموت، وتخللها ما لا بد أن يتخللها من قرب وبعد، ولقاء ~~وجفاء، ووشاية وغيرة، وفرص موالية وأخطار معادية، مما نقله إلينا الرواة أو لم ~~ينقلوه، ومما صدقوا أو لم يصدقوا فيه، ومما تناقضوا في نقله ولا حاجة بنا إلى ~~اتفاقهم عليه. # فبعض هذا التناقض يثبت القصة في جملتها ولا ينفيها؛ لأنه يرينا أن القصة ~~واقعة ينقلها أناس كثيرون ويسمعونها من شتى المصادر، وليست بالاختراع الموضوع ~~الذي يلفقه قاص فيقدر على التوفيق بين أجزائه والمقابلة بين أطرافه. # وبعض هذا التناقض يرجع إلى تقديرات النقاد أو القراء فيما يحكمون به على الحب، ~~وما يجوز فيه ولا يجوز، فيستبعدون الخير الذي هو بعيد عن الحب في تقديرهم، ~~ويميلون إلى اتهام الرواة فيه بالوضع أو قلة التحقيق. # من ذلك مثلا أن صديقنا الدكتور طه حسين يرى من دواعي التشكيك في قصة جميل، ~~أنه غدر بصاحبته مرة، وأن «الغدر لا يمكن أن يصدر عن حبيب عذري كما ~~نفهمه». # فأحصى الدكتور ألوان الشكوك ومنها اللون الثاني وهو كما قال: # شيء من الغدر لا يمكن أن يصدر عن حبيب عذري كما نفهمه، ولا كما كان يفهمه ~~القدماء، زعموا أن أهل بثينة أذاعوا في الناس أن جميلا لا ينسب بابنتهم ~~وإنما ينسب بأمة لهم، فغضب جميل لهذه المقالة وأراد أن يكذبها، فواعد بثينة ~~والتقيا ذات ليلة فتحدثا، ثم عرض عليها جميل أن تضطجع فمانعت ثم قبلت وأخذها ~~النوم، فلما استوثق جميل من ذلك نهض إلى راحلته فمضى وأصبح الناس، فرأوا بثينة ~~نائمة في غير بيتها فلم يشكوا في أنها كانت مع جميل، وقال جميل في ذلك شعرا. ~~أتظن أن مثل هذا الخبر يمكن أن يكون حقا، وأن رجلا كجميل كان يحب بثينة ~~حبا كالذي نجده في شعره، يستطيع أن يعرضها لمثل هذه الفضيحة؟ # فتقدير الدكتور هنا لحب جميل وما ينبغي أو لا ينبغي لمثل حبه، هو الذي أظهر ~~التناقض في هذه القصة وجنح به إلى تكذيبها. # أما إذا أخذنا بتقدير غير ms22 هذا التقدير، فلا تناقض ولا موجب إذن للتكذيب. # وعندنا نحن أن حب جميل لا يمنع أن يعرضها لتلك الفضيحة؛ لأنها لا تتجاوز معنى ~~قصيدة من القصائد الكثيرة التي تغنى فيها بحبها ولقائها ومناجاتها، ثم أرسلها ~~في أفواه الرواة تطوف البادية والحاضرة، حيث قدر لها المطاف. # وجميل على ما يظهر من شعره يهتم بالنسيب والقالة حتى ليجازف في سبيلها بحظه كله ~~من معشوقته وهو عالم بهذه المجازفة، فينسب بها وقد علم أن هذا النسيب يحرمه ~~أن يتزوج بها ويقسمها لغيره من طلابها. ونحن مع هذا نصدق حبه ونصدق نسيبه ولا ~~نقول: لو كان محبا حقا لترك النسيب بالمحبوبة ليظفر بها ولا يفقدها. # فالتناقض في القصة التي استشهد بها الدكتور طه تقديري يزول - أو يزول مؤداه - ~~متى اختلف التقدير. # وربما اختلف التقدير فكان من أسباب توكيد الخبر أو ترجيحه ولم يكن من أسباب ~~استبعاده ونفيه؛ لأن الرجل الذي يشغله النسيب هذا الشغل الشاغل يكرثه حقا أن ~~يقال: إنه يتغزل بأمة شائهة وإنه مسلوب العقل مضيع الحياة في هواها، ويهون عليه ~~أن يعلن حقيقة هواه، ولا يهون عليه أن يحتمل هذه الوصمة المهينة، وعلالته في ~~ذلك أنه لا يخشى ضررا من الفضيحة على من يهوى؛ لأنها قد اشتهرت قبل ذلك ~~بملاحقته لها، ولم يصبها مصاب من ذويها، غير الشكاية والزجر الذي لا ~~يضيرها. # والزهو بعد عنصر من عناصر العشق لا سبيل إلى نكرانه والاستخفاف بإغرائه ~~وتحريضه. # فالعاشق قد يحتمل النكبة الفادحة ولا يحتمل الغض من مكانته في نفس معشوقه، ~~والشك في هذه المكانة هو أكبر لواعج الغيرة، والحرص عليها هو أقوى أواصر ~~المحبة، وقد يجازف بمنفعته وراحته ولا يجازف بلقاء تهمة تغض من تلك المكانة ~~وتذيلها وتسقطها عنده وعند غيره. # فجميل صاحب النسيب الذي ضيع في سبيله بثينة كلها ليس بعجيب منه أن يعرضها ~~لفضيحة لا تضيرها، في سبيل كرامة هواه وكرامة نسيبه وكرامة نسبه وأهله. # وقد ينبغي ذلك في الهوى العذري أو لا ينبغي فيه ولا في هوى من الأهواء، ولكن من ms23 ~~هو العاشق الذي يعمل ما ينبغي ولا يعمل ما دونه؟! # إنه قد يريد أن يتحامى الضرر الذي يحيق به هو ولا يملك أن يتحاماه، وقد يريد أن ~~يدرأ الفضيحة عن نفسه ولا يملك أن يدرأها، فلا نحاسبه بما يريد، ولا بما ينبغي ~~في عرفه وعرف الناس، وإنما نحاسبه بما يساق إليه، وبما هو مغلوب عليه، وليس ~~بمستبعد على مغلوب أن يعمل عملا لا يرضاه ساعة عمله، وقد يأتيه وهو نافر منه ~~ساعة يأتيه. ~~••• # ومن النقائض التي تنجم عن تقدير القراء والنقاد أنهم ربما رأوا للهوى العذري ~~صفة الكمال، ثم يرون هذا الهوى في كلام جميل وأخباره على صفة أخرى. # فالهوى العذري - كما شاع على ألسنة واصفيه - هوى بعيد من الجسد ونزعاته، باق ~~ما بقيت الحياة، ثم هو لا يزال قانعا على مدى الحياة بالنظر والحديث ~~والمناجاة، وقد يتورع عن الملامسة والتقبيل كأنه صلة قائمة بين روحين لا يتمثل ~~لهما جثمان. # وقد وصف جميل هواه على هذه الصفة في بعض ما نسب إليه، فقال: # لا والذي تسجد الجباه له # ما لي بما دون ثوبها خبر # ولا بفيها ولا هممت به # ما كان إلا الحديث والنظر # وقال يصف ليلة له مع بثينة: # خليلان لم يقربا ريبة # ولم يستخفا إلى منكر # وقال عباس بن سهل الساعدي: «دخلنا على جميل وهو يحتضر، فنظر إلي وقال: يا ابن ~~سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر، ولم يزن، ولم يقتل النفس، ولم يسرق، وهو ~~يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قلت: أظنه قد نجا، فمن هذا ~~الرجل؟ قال: أنا ... قلت: ما أحسبك سلمت وأنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة. فعاد ~~يقسم: لا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، وأكثر ما كان مني أن ~~أسند يدها إلى فؤادي أستريح ساعة.» # ووصفوا لقاءه إياها فقالوا إنه كان إذا أقبل حتى كان غير بعيد دعته إلى الجلوس ~~فكأنه لصق بالأرض ... «ثم يسلم عليها ويسألها عن حالها وتسأله هي مثل مسألته ، ثم ms24 ~~تقرب إليه جاريتها الطعام فيأكل، وتستنشده ما قال فيها فينشدها، ولا يزالان ~~يتحدثان لا يقولان فحشا ولا هجرا حتى إذا قارب الصبح، ودع كل منهما صاحبه ~~أحسن وداع، وانصرفا وكل منهما يمشي خطوة، ويلتفت إلى صاحبه حتى يغيبا ~~...» # وعلى ذلك انقضت السنون بعد السنين يفترقان ما يفترقان ثم يلتقيان هذا اللقاء، ~~حتى افترقا إلى غير لقاء. # إلا أن أخبارا أخرى في سيرة جميل تصرح بمبيته عندها واضطجاعه معها، وقد صرحت ~~قصائده غير مرة بالتقبيل والعناق، كما قال: # تجود علينا بالحديث وتارة # تجود علينا بالرضاب من الثغر # وكما قال: # كأن فتيت المسك خالط نشرها # تقل به أرادنها والمرافق # تقوم إذا قامت به من فراشها # ويغدو به من حضنها من تعانق # وأشباه ذلك في شعره غير قليل. # وربما حلف لها في بعض شعره أنه لم «يمس جلدا غير جلدها» حيث يقول: # حلفت يمينا يا بثينة صادقا # فإن كنت فيها كاذبا فعميت # إذا كان جلد غير جلدك مسني # وباشرني دون الشعار شريت # فهي كانت تتصل به وتتهمه بالاتصال بغيرها، وهو أيضا لم يكن يكتم الشك فيها ~~وإلقاء الريبة عليها، وله في ذلك كلام صريح يقول منه: # تظل وراء الستر ترنو بلحظها # إذا مر من ~~أترابها من يروقها # ويقول: # بثينة قالت يا جميل أربتني # فقلت كلانا يا بثين مريب! # وأريبنا من لا يؤدي أمانة # ولا يحفظ الأسرار حين يغيب # بعيد على من ليس يطلب حاجة # وأما على ذي حاجة فقريب # أو يقول مبكتا لها: # لحا الله من لا ينفع الوعد عنده # ومن حبله إن مد غير متين # ومن هو ذو وجهين ليس بدائم # على العهد حلاف بكل يمين # ولست وإن عزت علي بقائل # لها بعد صرم يا بثين صليني # أو يقول مبكتا نفسه: # وإني لأستحيي من الناس أن أرى # رديفا لوصل أو علي رديف # وأشرب رنقا منك بعد مودة # وأرضى بوصل منك وهو ضعيف # وإني للماء المخالط للقذى # إذا كثرت وراده لعيوف # وبلغه يوما أن بثينة استبدلت به حجبة الهلالي فقال: # فيا بثن إن ms25 واصلت حجبة فاصرمي # حبالي وإن صارمته فصليني # ولا تجعليني أسوة العبد واجعلي # مع العبد عبدا مثله وذريني # وحدث كما جاء في سيرته أنه سافر إلى الشام مرة فاتصلت بثينة بعده بحجبة هذا ثم ~~طلب منها حجبة حين عاد جميل أن تصارحه بتركها إياه وتغيرها عليه، فقالت أو قيل ~~على لسانها: # ألم تر أن الماء غير بعدكم # وأن شعاب القلب بعدك حلت # فأجابها وقد علم ما تريد: # فإن تك حلت فالشعاب كثيرة # وقد نهلت منها قلوصي وعلت # وكان لبثينة فتى من بني عمها يتحدث إليها، فاستراب به جميل وذهب يتحدث إلى ~~غيرها، «وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه» حتى غلبه الأمر، فأقبل ~~على البيت الذي كان يجتمع فيه معها، وأقبلت هي إليه ولم تبرز له، وجعل كل منهما ~~يطالع صاحبه، فأنشأ يقول: # لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة # وفي النفس حاجات إليك كما هيا # وإني لتثنيني الحفيظة كلما # لقيتك يوما أن أبثك ما بيا # ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني # أظل إذا لم أسق ريقك صاديا # فرقت له بثينة وقالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله! ثم اصطلحا، ~~فسألته بثينة أن ينشدها قوله: # تظل وراء الستر ترنو بلحظها # إذا مر من أترابها من يروقها # فأنشدها إياها، فبكت وقالت: كلا يا جميل! ومن ترى أن يروقني غيرك؟ # فتلك جملة من الأخبار المتفرقة تفضي بنا إلى نتيجة ظاهرة وهي أن الهوى بين ~~جميل وبثينة لم يكن خلوا من نزعات الجسد، ولم يكن خلوا كذلك من الشك والريبة ~~وتهمة الخيانة من الجانبين، فماذا نقول في ذلك؟ أنقول: إنه تناقض؟ نعم! هو ~~تناقض لا شك فيه، ولكنه تناقض في طبيعة العاطفة نفسها أو في حالاتها ~~وتعبيراتها، وليس هو مع ذلك بمانع حصولها؛ لأنها تحصل متناقضة الحالات ~~والتعبيرات، وكذلك العواطف جميعا لا تلتزم الدقة المنطقية في جميع ~~الأوقات. # فجائز جدا أن يكون جميل قد أعلن براءته في بعض شعره، وجائز أن يكون جميل قد ~~كشف الحقيقة في بعضه الآخر، وجائز جدا ms26 أن يكون عذريا فيما اعتقد ونوى، وأن ~~تخالطه النزعات الجسدية فيما طغى به الهوى. # ذلك كله جائز جدا وهو الذي يحصل كل يوم ولا نزال نراه حيثما التفتنا ~~إليه. # يحصل كل يوم أن ينوي الإنسان البراءة ويقع في الريبة على غير وده، ويحصل كل يوم ~~أن يعبر عن هذا وعن ذاك في حينه، ولا يكون ذلك نافيا لما حصل، بل مؤيدا لما ~~تعودنا حصوله كل يوم، ولا سيما إذا علمنا أن صاحب القصة إنسان لا يملك ~~مشيئته، ولا يزال محاولا يضطرب في محاولاته، فيود حينا ما يأباه في آخر، ~~ويستنكر في يومه ما كان ارتضاه في أمسه، ولعله يعود فينكره في غده. # وإنما نحن نفرط في التصديق إذا فهمنا أن قبيلة من القبائل تصف هواها بالبراءة ~~التي لا يطرقها الزغل فيكون هذا الوصف عاصما لكل فرد من أفراد القبيلة، مبطلا ~~لكل خبر يخالف تلك الصفة. # ونفرط كذلك في التصديق إذا فهمنا أن الرجل ينوي الأمانة فيكون معنى ذلك أنه ~~لم يخالف الأمانة مختارا أو مضطرا إلى المخالفة، ونحن متناقضون في هذا ~~الفهم؛ لأننا نلمس كل يوم ما يناقضه ولا يستقيم في طريقه. # فجميل وبثينة إنسانان كسائر الناس، لا نحكم على عمل من أعمالهما بالمناقضة ~~وننفيه إلا إذا ناقض الطبيعة البشرية وكذب ما تواتر من أخبار الناس. # وكل ما يبدو لنا من أخبارهما أنهما كانا عاشقين يلج أحدهما في عشقه ويقبل ~~الآخر منه هذه اللجاجة. # فكان جميل يتابع بثينة وكانت بثينة تقبل منه هذه المتابعة؛ لأنها تألفه وتؤثره ~~على زوجها وتستعز بهيامه ونسيبه بين أترابها. # ويجوز أنها عرفت غيره كما يجوز أنه عرف غيرها، بل يجوز أنها كانت تعتمد عليه في ~~بعض حاجاتها، كما تعتمد المرأة على الرجل الذي يهواها، فكان الهوى بينهما على ~~طباق الأرض، ولم يكن بالهوى السابح في أجواز الفضاء، وكانا إنسانين في كل حالة ~~من حالاتهما، كما يكون كل إنسانين بدويين في ذلك الزمن وفي تلك البيئة، وعند ~~ذلك لا نرى في أخبارهما ما يناقض الواقع أو ms27 يستبعده العقل أو يخالف ما يجري في ~~علاقات الغرام. # أما الهوى العذري فقصاراه أنه كان أمنية لهما وأمنية لكل قبيلة تعتز بالمنعة ~~والصيانة في بناتها، إن جرى الواقع بما يخالفه فهو الواقع الذي يخالف أبدا كل ~~عرف نصبو إلى تحقيقه، فما زال من دأب المثل الأعلى - أو من دأب الأماني ~~الاجتماعية - أنها تراد وتخالف ولا يزال الناس يريدونها ويخالفونها، فلا ينفيها ~~ذلك بل يدل على وجودها. # وقد اتفقت أسباب شتى على توكيد هذا العرف في قبيلة بني عذرة وجيرانها؛ فهي ~~قبيلة بادية توكل إليها أحيانا حراسة الطرق بين الحجاز وما جاوره من شماله، ~~ففيها طبيعة البداوة أن تعتز بالمنعة والصيانة ولا تعترف بالشبهة في بناتها ~~ومحارمها، وفيها رغبة الحفاظ على هذه السمعة التي تحتاج إليها وتأبى أن تمس ~~فيها، وإلا ديس حماها وبطلت حراستها وتخطاها من يعتمد عليها. # وهي مع هذا قبيلة تجاور الحجاز وتعرف الإسلام وتنكر ما ينكر من إثم وتفرض ما ~~يفرض من حدود، فليس بمباح عندها أن تتصل المرأة بغير زوجها، وليست إباحة ذلك ~~فعلا بمانعتها أن تنكرها وتبرأ منها في حياتها الاجتماعية. # ونحسب أن المنعة في العشق أو الاستعصام في العلاقات بين الرجال والنساء مصلحة ~~طبيعية نوعية، بل مصلحة «فزيولوجية» كما نستطيع أن نسميها في العصر الحديث، ~~وليست بمصلحة اجتماعية في القبيلة أو مصلحة دينية يوجبها الدين وحده ولا يوجبها ~~شيء غيره على أتباعه. # فإذا كانت آداب العشق هي الآداب التي تكشف الفضائل النوعية في العاشقين معا؛ ~~فالاستعصام لازم فيها والتجمل بالعفة ضرورة من ضروراتها؛ لأن الاستسلام للشهوات ~~ضعف لا يرشح صاحبه للبقاء ولا يدل على استحقاقه للحب والإيثار. # وإذا قال اليوم بعض الثراثرة المتعجلين: إن العقائد القديمة هي التي كانت ~~وحدها توجب الاستعصام على الفتيان والفتيات، وأنهم خلقاء أن يحمدوا الإباحة متى ~~تحرروا من ربقة العقائد القديمة، فهؤلاء الثراثرة المتعجلون لا يفقهون ما ~~يقولون. # إن الفتى والفتاة يجب أن يستعصما ولو لم يؤمنا بدين من الأديان الكتابية أو ~~غير الكتابية؛ لأنهما في دور العشق يعرضان ms28 فضائل النوع فيهما، وليس من فضائل ~~النوع أن ينساق الفتى أو الفتاة لأول غواية، وأن تكون الشهوة هي كل ما يصبي ~~الواحد منهما من زميله. # فالطبيعة والدين معا يدعوان إلى العصمة بين العاشقين، وينكران التدفع إلى ~~الشهوات في غير مساك ولا ممانعة، وخليق أن يتأكد ذلك في القبيلة البدوية التي ~~تهمها المنعة وتجاور كعبة الدين وتجري على سنة الطبيعة، فلا يضعف فيها ذلك ~~التوكيد إلا لعارض يوهي الحوزة ويبيح المحظور، أو على انحراف يتغاضى عنه العرف، ~~ويزعم أنه لا يقره ولا يراه. # فما اشتد من عصمة العرف بين العذريين فمعقول لا ينقض ما توجبه السنن الطبيعية، ~~وما جاء في سيرة جميل وبثينة خلافا لذلك العرف أو وفاقا له فمعقول كذلك في ~~خلافه ووفاقه؛ لأن مخالفة العرف شيء يقع ولا يمتنع، وشيء له أسباب في الحياة ~~الفردية كالأسباب التي أوجبت العرف في الحياة الاجتماعية. # وقد أجملنا الإشارة إلى هذه الأسباب وتلك الأسباب، فخلص لنا منهما أن جميلا ~~وبثينة عاشقان طبيعيان، وأن ما جرى بينهما وروي عنهما لا يناقض ما يكون ولا ~~ما كان، ولن يوجدا على غير ما وصفا، حيث وجدا في تلك البيئة وفي ذلك ~~الزمان. # أحسن الغزل # كان العرف الشائع بين نقاد الغزل في الشعر العربي إلى عهد قريب: أن أحسن ~~الغزل هو ما حسن فيه وصف المحبوب، وأربى على الغاية في إسباغ المحاسن عليه، فمن ~~جعل محبوبه عصمة في الجمال لا يمسه نقص، ولا يلحق به عيب، فهو أغزل ممن وصفه، ~~فظهر من وصفه إياه أنه معيب في بعض نواحي خلقه وخلقه، ومن قال: إن محبوبه ~~كالشمس أغزل ممن قال فيه: إنه كالبدر أو كوكب من كواكب الليل، التي تبلغ مبلغ ~~البدر والشمس في الإشراق والجمال. # وهذا كما يرى من النظر اليسير خلط ذريع بين أمور كثيرة: خلط بين الاستحسان ~~والعشق وهما مختلفان؛ لأن الاستحسان قد يأتي من العاشق وغير العاشق، ولا يلزم ~~من عشق الرجل امرأة من النساء أنها في نظره أجمل من كل امرأة رآها ، فربما ms29 عرف ~~عيوبها وعرف محاسن غيرها، فأحبها بعيوبها ولم يحبب صاحبة المحاسن المفضلة في ~~عينيه. # وخلط بين هوى الشخصية وهوى الصفات، فمن شروط العشق الأولى أنه يميز للعاشق ~~شخصية واحدة بين جميع الشخصيات التي يراها، فهو يحل «الشخصيات» لفرد من أفراد ~~الجنس في محل أعلى وأرفع من الصفات التي تعم بحسنها كل من اتصف بها، ويرجع هذا ~~التمييز إلى أسباب كثيرة لا تقتصر على استحسان الجمال، منها تقارب العواطف، ~~ومنها المصادفة التي تجمع بين العاشقين في أحوال مهيأة للتعلق والالتفات ثم ~~للألفة والهيام، ومنها إحساس النقص في العاشق وما يتممه من مزايا المعشوق، ~~ومنها قدرة المعشوق على إعزاز مكانته في قلب العاشق، وإن لم تكن له فتنة ~~جمال. # ثم هو خلط بين خصائص المعشوق وخصائص العاشق ... # فالجمال شيء يخص المعشوق ويدل عليه، ولا يلزم من تفوق المعشوق في الصفات ~~المحبوبة أن يتفوق العاشق في الصفات المحبة، وأن يكون كلامه مثلا لكلام ~~المحبين. # فمن المحقق إذن أن أحسن الغزل ليس هو أحسن الثناء على المحبوب، وقد يكون ~~غزلا جيدا - أو شعرا غراميا جيدا - وفيه هجو وإقذاع. # ثم ينبغي أن نذكر هنا أن العشق اضطرار وليس باختيار، فالعاشق لا يلازم ~~معشوقه؛ لأنه يختار ملازمته؛ بل لأنه لا يستطيع فراقه ولو أساء إليه، فإذا رأى ~~منه السيئات وبقي على عشقه، فذلك أدل على قوة العشق من البقاء مع الاستحسان ~~والاختيار؛ إذ لا فضل ولا قوة عشق لمن يبقى على الشيء؛ لأنه مستحسن لديه، وقد ~~يكون فضل العاشق وقوة عشقه في عرفانه السيئات والسخط عليها ثم حبها مع هذا ~~وذاك، فيكون هجاؤه أحيانا أدل على عشقه من ثنائه؛ لأنه العشق الذي يغلبه على ~~ما يريد. # فالمدرسة التي تجعل الثناء والاستحسان مقياس الإجادة في الغزل تجهل الغزل ~~الجيد، وتخلط بين جميع تلك الأمور. ~~••• # وهناك مدرسة أخرى تجعل «الرقة» والمبالغة فيها مقياسا للغزل ~~والمتغزلين. # فالذي يجعل قلبه موطئا لقدم محبوبه أغزل ممن يجعل خده - ليس إلا - موطئا ~~لقدمه. # والذي يبكي الليل والنهار أغزل ممن يبكي الليل ويكفكف ms30 دمعه بالنهار. # والذي يتذلل ويتضرع أغزل من الذي يثور ويتبرم، والذي يشبه المرأة في كلامه معها ~~هو على مذهبهم أصلح الرجال لعشق النساء! # وهذا الرأي من سخف الضعف والاضمحلال، الذي ابتلي به الشرقيون في زمن من ~~الأزمان. # فالعشق أقوى غريزة تختلج بها البنية الإنسانية، وهو لم يخلق للذة العاشقين ~~ونعيمهما حتى يكون كل ما فيه لينا ونعمة ورقة، ولكنه خلق لبقاء النوع واستدامة ~~الحياة، فربما ذهب العاشقان معا ضحية له في بعض الأحيان، وربما غلب فيه الجماح ~~والسورة فطغى جانب الغضب على جانب الرضى، وجارت القسوة على الرقة، وظهر المحبان ~~في مظهر أشبه بصراع الأعداء منه بملاطفة الأوداء؛ لأن كليهما مسوق مغلول ضعيف ~~الحيلة في النجاء. # وإنما نعرف أحسن الغزل حين نعرف مبعث الغزل من طبيعة الأحياء. # فالغزل - قبل كل شيء - خاصة من خواص الذكور في الإنسان وفي جميع الأحياء؛ لأن ~~الذكور هي التي تبتدئ الغزل وتتعارك في طلب الإناث، وكل ما تصنعه الأنثى من دور ~~طبيعي في الغزل أن تتعرض له وتلبيه وتستجيب إليه. # ومتى بلغ الذكر سن التغزل فآية ذلك أن يغلظ صوته ويخشوشن، وتشتد فيه دوافع ~~السطوة والطراد. # فالصفات التي تجعل الغزل صالحا للإصغاء إليه والوقوع في موقعه هي الصفات التي ~~تجعل الرجولة صالحة لما تستبق إليه، وهي صفات ليس فيها تأنث ولا ضراعة ولا ~~خفوت. # وقد عرضنا لهذا البحث في مقال من مقالات كتابنا «الفصول» وعقبنا على رأي دارون ~~فقلنا: إنه تلمس «علة الطرب من ناحية الرقة والرخامة، فعسر عليه الوصول إلى ~~مصدرها، وقال في كتابه (أصل الإنسان): لو سأل سائل: ما بال بعض الألحان ~~والأوزان يرتاح إليه الإنسان وأنواع من الحيوان؟! لما كان في وسعنا أن نجيب عن ~~ذلك إلا بجواب السؤال عن سبب ارتياحها إلى بعض المذوقات والمشمومات». # ثم قلنا: إننا «إذا تلمسنا علة الطرب أولا من جهة التأثر بقوة الصوت وجدنا ~~الجواب عن ذلك السؤال سهلا قريبا، وأمكننا أن يجيب من سألنا: لماذا يؤثر أعمق ~~الأصوات ارتجافا وتمييدا وأكثرها تنوعا وتجويدا؟ فنقول له: ms31 لأنه ترجمان ~~العاطفة الشديدة، والعاطفة من شأنها أن تبعث العاطفة، ولا يزال الغناء كذلك حتى ~~يتعلم الناس الكلام، وينعقد الصوت ألفاظا، فيتدفق الغزل من النفس المحتدمة ~~تدفقا عارما ويكون أجهر الرجال رغبة أهيجهم لرغبة المرأة وأبلغهم إلى نفسها ~~كلاما وأغلبهم على طبعها سلطانا ...» # واستطردنا من ذلك إلى أن العشق في طبيعته الأولى بعيد عن الرفق والسلاسة، ~~وإنما هو شواظ لاذع يلتف دخانه بناره، ويلتهب شوقا إلى وقوده، فإن أصابه خمد ~~وعاد الشاعر يترنم بهناءة نفسه ويغتبط بالراحة من سورة طبعه، وإن لم يصب وقودا ~~كان نقمة لا تطاق، وأي رقة في قول المجنون: # كأن فؤادي في مخالب طائر # إذا ذكرت ليلى يشد بها قبضا # كأن فجاج الأرض حلقة خاتم # علي فما تزداد طولا ولا عرضا ~~«إن قلب السامع لينقبض، وإن صدره ليحرج لهذا الوصف، ومع هذا أي شعر أبرع من ~~هذا الشعر وأي شاعر أطبع وأعشق من المجنون؟» # وليس العشق الصادق حين يشب أواره وتتأزم حلقاته بالعاطفة التي يود صاحبها ~~دوامها ويستريح إلى مناجاتها، كلا، وإنما هو غمة مطبقة يود المبتلى بها لو ~~تنقضي لساعتها، ويقوم في نفسه عراك لا تهدأ ثائرته، ولا يهنأ بالغلبة فيه؛ لأنه ~~هو الغالب وهو المغلوب، وكأنما ينزع نفسه من نفسه، فيضيق ذرعا ويغوث من كرب ~~هذا النزاع: نزاع الحيرة التي يقول فيها المجنون: # فوالله ما في القرب لي منك راحة # ولا البعد يسليني ولا أنا صابر # ووالله ما أدري بأية حيلة # وأي مرام أو خطار أخاطر ~~«وكان كاتيولس الشاعر الروماني يدعو الآلهة قائلا: أيتها الآلهة، إن كانت لك ~~رحمة بالقلوب الصديعة المشفية، فبحق براءتي عليك إلا ما نظرت إلى عذابي، ورثيت ~~لما بي، ومسحت عني هذا الوباء الماحق، والبلاء اللاحق، وهذه اللوعة التي تسربت ~~رعدتها في عروقي فنفت الهناءة عن قلبي.» # وهي رعدة عروة التي يقول فيها: # وإني لتعروني لذكراك رعدة # لها بين جلدي والعظام دبيب # ووهلة المجنون التي يصفها بقوله: # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما # أطار بليلى طائرا كان في صدري # فإن طاوعته ms32 نفسه في نزاعه ذاك وإلا حنق عليها، وذهب به الحب إلى كره ذلك ~~المخلوق المسلط عليه، الذي حرمه نعمة الطمأنينة، وجلب عليه هذا الشر، وفرق بينه ~~وبين نفسه، فيحب ويكره في آن، وربما تمنى لحبيبه الموت لعل اليأس منه أن يشفيه ~~كما قال جنادة العذري: # من حبها أتمنى أن يلاقيني # من نحو بلدتها ناع فينعاها # كيما أقول فراق لا لقاء له # وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها # ولو تموت لراعتني وقلت ألا # يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها ~~«وكان كاتيولس يقول: إني لأكره وأحب، تسألني كيف ذلك؟ من يدري! ولكني أحس ~~بحقيقة هذا الأمر وشدة برحائه.» # وكذلك كان يقول المجنون: # فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنى # فزني بعينيها كما زنتها ليا # وإلا فبغضها إلي وأهلها # فإني بليلى قد لقيت الدواهيا ~~«وليس في نعت الحب بالداهية شيء من الرقة والدماثة، ولكنها حقيقة اتفق عليها ~~شاعران ليس بينهما جامعة من ذوق لغة، أو مشرب قوم، أو وحدة زمن، ولكنهما اجتمعا ~~على عاطفة إنسانية صادقة، بل اتفق عليها كل شاعر عالج من العشق ما عالجه هذان ~~الشاعران.» # وأحيانا يثوب العاشق إلى نفسه فيبدو له كأنه مختار في شغفه وسلوته، وكأن ~~الأمر لا يعني غيره، فإن شاء سدر في الحب وإن شاء صدف، وإن شاء مضى مع قلبه وإن ~~شاء وقف، فلا ينشب أن يستيقن عجزه وقلة حيلته، وأن الأمر فوق يده ووراء مشيئته، ~~وهذا الذي يصفه جميل؛ إذ يقول: # ألا قاتل الله الهوى كيف قادني # كما قيد مغلول اليدين أسير ~~«وهنا يخيل إليه أو إلى الناس أن قوة فوق قوة الإنسان تقهره على مشيئته، ~~وأن رقية من رقى السحر أو طائفا من طوائف الجن يحول بينه وبين حريته، كما ~~خيل إلى ذلك الشاعر الروماني حين قال: أيتها الساحرة ... لئن جملتك طلاسمك في ~~عيني لتعلمن أن الوجد أطول أجلا من الإجلال، وإني لأهواك ولست بعد إلا ~~محتقرا لك، وإن عد هذا ضربا من الخبال.» # وكما يقول المجنون: # هي السحر إلا أن للسحر رقية # وإني ms33 لا ألقى لها الدهر راقيا # أو كما يقول جميل: # يقولون مسحور يجن بذكرها # فأقسم ما بي من جنون ولا سحر # وما الجنون والسحر إلا ما به، وإلا فهل للعشق وصف أصدق من أنه مزيج من جنون ~~وسحر؟ هل هو إلا جنون يعتقل العقل ويهزأ بالحذر ويطير مع الأهواء، فإن ثقلت ~~عليه النهى أزاحها عن عاتقه ومضى لطيته؟ ألا يعرف العاشق ما يوبقه ولكنه لا ~~يحيد عنه؟ ويبصر ما يشفيه وهو يأبى أن يذوقه؟ ~~... ومن محاسن جميل وإخوانه من الشعراء الغزليين أمانتهم في الإعراب عن النفس ~~والبث بالعاطفة. انظر إلى قوله: # أرى كل معشوقين غيري وغيرها # يلذان في الدنيا ويغتبطان # وأمشي وتمشي في البلاد كأننا # أسيران للأعداء مرتهنان ~~«فهكذا ظن جميل، وهكذا يظن كل عاشق يسمع بلذة العشق ولا يرى أين هي، فيحسب أنه ~~هو الشقي وحده وأن العشاق كلهم سعداء، والحقيقة أن العشق لا يخلو من الشقاء ~~أبدا، ولو خلا منه لكان أشبه باللهو الذي يتشاغل به البطالون والمجان ~~...» ~~••• # وأول ما يستخلص من هذه المشاهدات وهذه الحقائق أن الغزل الحسن شيء لا يشترط ~~فيه استحسان شمائل المحبوب والمبالغة في إطرائها، وأنه كذلك شيء لا يشترط فيه ~~الترقق والشكوى وضراعة الخطاب، وإنما هو التعبير الصادق عن الحب، كما خلقه الله ~~في نفوس الأحياء، وهو بهذه المثابة شيء أعظم من حياة الإنسان نفسه؛ لأنه يتناول ~~الغرائز النوعية كلها والطبائع الكونية كلها، ولا يقتصر على فرد من الأفراد في ~~حالة من الحالات، فهو كالبحر اللجي الذي تتيه فيه العقول ويتسع للنقائض ويعج ~~بضروب من المفاجآت ليس لها انتهاء. # هو ظفر حيوي؛ لأنه استيلاء شخصية على شخصية أخرى تنضوي إليها وتفتح لها أبواب ~~الشعور بالدنيا على مصاريعها، فهو إذن غبطة وفرح وانتشاء. # وهو تضحية؛ لأنه مطلب نوعي تهمل فيه منافع الفرد ولذاته وأمانيه، فهو إذن يأس ~~وشدة وبلاء. # وهو لذة؛ لأن الطبيعة تحتال على الفرد أحيانا لتوقعه في حبائلها، فتريه لذته ~~فيما تقوده إليه من أغراضها، فهو إذن نعيم وطرب وترنيم. # وهو حسرة ؛ لأنه ms34 يربط مسرات الدنيا كلها بمخلوق واحد لا ينوب عنه مخلوق آخر، فهو ~~إذن نعمة مهددة بالضياع والقلق في كل حين. # وهو عراك ووئام وظفر وتسليم، واختيار وإكراه، وعزة وذل، وقسوة ورحمة، وخشونة ~~ولين. # وهو كما خلق في الغرائز جارف عنيف، وكما تعهدته الحضارة مهذب مصقول، ولا يزال ~~بين الغريزة والصقل قابلا للوثبة المفاجئة من النقيض إلى النقيض، لا ينقاد ~~للعنان مرة إلا جذبه مرة أو مرات، فكأنه منطلق بغير عنان. # مثل هذا الفيلم الزاخر من الحياة النوعية والحياة الفردية حمق أسخف الحمق أن ~~يحصره المتبطلون من مصطنعي النقد في قالب واحد أو هيئة واحدة أو لون لا يتبدل، ~~فمن حصره هذا الحصر وسامه هذا السوم، فأقل ما يقال فيه: إنه يلغو بما لا ~~يدريه. # ونحن لا يفوتنا أن نستحضر هذه الحقيقة إلا فاتنا أن نحكم الحكم الصحيح على كل ~~غزل وكل عاطفة غزلية، وكل علاقة إنسانية تستند إلى طبائع الأحياء. # فجميل - ~~مثلا - أبطل المبطلين في عشقه وغزله عند مدرسة «الاستحسان» أو مدرسة الرقة حين ~~قال: # رمى الله في عيني بثينة بالقذى # وفي الغر من أنيابها بالقوادح # لأنه سأل الله تشويه ما هو حسن في عيني حبيبته وثغرها وهما أجمل ما يتمنى له ~~الجمال في وجه محبوب، ولأنه تجافى الرقة كلها حين دعا عليها ذلك الدعاء الغليظ ~~الذي يدعو به العدو على ألد أعدائه. # ولكن هذا البيت مع هذا أدل على عشق جميل من عشر قصائد غزلية تفيض بالرقة ~~والثناء؛ لأنه دليل على حب برح به وحار في الخلاص منه وغلب على مشيئته فيه، ~~وظن أن البلاء كله من جمال تلك العيون وجمال تلك الثنايا، فلم يبق له من حيلة ~~إلا أن يسأل الله إتلاف هذا الجمال عسى أن يطيق بعد ذلك سلوه والراحة من بلواه، ~~أما قبل ذلك فلا حيلة له ولا طاقة بالسلو والنسيان. # هذا أعمق الحب وأصدق الغزل، ولك أن تقول: إنه غزل صادق من رجل سيئ، أو إنه غزل ~~صادق من رجل طيب في سورة اليأس والحيرة، ms35 فهذا حق لا غبار عليه ... أما أن يكون ~~مبطلا في عشقه وغزله؛ لأنه تمنى تلك الأمنية، فذلك من اللغو الذي لا صدق ~~فيه. # ولك أن تقول: إنها أمنية رجل تغلب عليه «الأنانية»، ويلتمس الراحة بما استطاع ~~من وسيلة، ولو كان فيها بلاء لمن يهواه، إلا أنك لا تنسى أنه تمنى تلك الأمنية؛ ~~لأنه أحب وضاق ذرعا بحبه، وبلغ أقصى ما يبلغه العاشق من التعلق بالمعشوق، ~~والعجز عن الفكاك من إرهاقه، فهي - إن شئت - «أنانية» ذميمة، لا ترضى عنها ~~الأخلاق الكريمة، ولكنه حب قوي وتعبير صادق عنه، وهذا هو المرجع في قياس الشعر ~~وتحقيق العاطفة، ولا مرجع سواه. # وفي شعر جميل ما ينم على الأنانية لا مراء، كقوله في الرائية المشهورة: # فلا نعمت بعدي ولا عشت بعدها # ودامت لنا الدنيا إلى ملتقى الحشر # فهو يتمنى البقاء معها إلى ملتقى الحشر، ولكنه يأبى عليها الحياة بعده، ويسأل ~~الله أن يموتا معا إذا قضى الله أن يعجل بموته. # ولكنها «أنانية» لا تخص جميلا بين العشاق فيما نراه؛ فما من عاشق يسره أن ~~يتخيل معشوقته وقد نعمت بعده بحب غيره، وما في هذه الأمنية من دليل على قلة ~~الحب وكراهة المحبوب، بل فيها دلائل على فرط الحب والاستغراق فيه، ونحسب أن ~~بثينة أرضاها هذا من دعائه فوق ما كان يرضيها دعاء السلامة لها والنعمة في هوى ~~العشاق بعده؛ لأنها تحس ببداهة الأنوثة أنه يسر ببقائها ونعمتها بعد موته؛ لأنه ~~قليل الغيرة عليها في الحياة وبعد الممات. # وللشعراء العشاق من مدرسة جميل فلتات مستغربة من هذا القبيل، أو لعلها أغرب ~~جدا في هذا الباب من فلتات جميل، ولا سيما الفلتات التي أحصوها على تلميذه ~~الأكبر كثير بن عبد الرحمن. # فقد أصبح كثير أضحوكة الأضاحيك بين الشعراء والنقاد؛ لأنه قال: # ألا ليتنا يا عز من غير ريبة # بعيران نرعى في الخلاء ونعذب # كلانا به عر فمن يرنا يقل # على حسنها جربى تعدى وأجرب # إذا ما وردنا منهلا صاح أهله # علينا فما ننفك نرمى ونضرب # وددت وبيت ms36 الله أنك بكرة # هجان وأني مصعب ثم نهرب # نكون بعيري ذي غنى فيضيفنا # فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب # وعيره نظراؤه حين شاعت هذه الأبيات، فقالوا له: «ويلك! تمنيت لها ولنفسك الرق ~~والجرب والرمي والطرد والمسخ، فأي مكروه لم تتمن لها ولنفسك؟ لقد أصابها منك ~~قول الأول: «معاداة عاقلة خير من مودة أحمق!» # وصدقوا والله ما من أمنية هي أدعى إلى الضحك والسخرية من هذه الأمنية التي ~~سألها كثير. ولكن من قال: إن كثيرا لم يكن مضحكا وسخرة حتى يستغرب منه أن ~~يتمنى هذه الأمنية، وأن ينظمها في تلك الأبيات وهو صادق التعبير؟ # فقد وصفه بعضهم فقال: «رأيته في الطواف فمن قال لك: إنه يزيد على ثلاثة أشبار ~~فكذبه!» ووصف بعض عشرائه حماقته فقال: إن كثيرا لقيه فسأله: ماذا يقول الناس ~~عني؟ فأجابه: إنهم يزعمونك المسيح الدجال ... قال كثير: عجبا، والله إني لأحس في ~~عيني بعض الضعف منذ اليوم! # فمثل هذا الرجل يستغرب منه إذا غلبته العاطفة أن يعبر عن نفسه، فلا تفلت منه ~~أمثال تلك الأبيات، فهذا موضع الغرابة وليس موضعه أنه يصدق في التعبير عن ذات ~~نفسه، كما صدق في التعبير عما تمناه. # عاشق زري المنظر، مستحمق العقل، ضعيف الحيلة، يزاحمه الناس على محبوبته، ويخشى ~~أن يغلبه كل مزاحم عليها؛ لأنه أجمل منه منظرا وأقدر على الإغواء والإغراء، ثم ~~تنغصه الوساوس، وينظر في وسيلة يأمن بها على صاحبته فيتركها الناس له ويتركونه ~~لها، فلا يجد من وسيلة قط غير ابتلاء عزة بالبلاء الذي يزهد الناس فيها ويقصرها ~~على حبه وولائه دون غيره، فيبتعد الناس عن عزة، وتبتعد هي عنهم ضرورة لا محيد ~~لها ولا لهم عنها، أما أن يبعدهم هو أو يبعدها، فقد علم أنه لا يستطيع ولا يملك ~~من فتنة ولا حيلة تعينه على ما يريد. فماذا هو صانع؟! أيتركها؟! إنه لا يقوى ~~على تركها ... أيحميها؟! إنه لا يقوى على حمايتها، فلا عجب إذن أن يخطر له ذلك ~~الخاطر، وأن يتمنى الشيء الوحيد الذي يصون له محبوبته ms37 بمأمن من الغواة ~~والمزاحمين، وهو ما تمناه وصدق في تمنيه. # ويخيل إلينا أن كثيرا قد رأى البعيرين الموصوفين رؤية العيان؛ لأنه منظر لا ~~يندر أن يصادفه الناظر مرات حيث عاش كثير، فوقع له أن هذين البعيرين سعيدان، ~~حيث يسرحان ولا يطلبهما مالك ولا راع، ولا هما سائلان عن علف وشراب، فتمنى ~~السعادة على هذا المنوال، وشهدها بالعين قبل أن يتمناها في الخيال. # أتقول: إنه سخيف؟ نعم! هو سخيف لا مراء، ولكنه محب يصدق في التعبير عن حبه، ~~ويدل عليه دلالة لا اصطناع فيها، فلا محل للخلط إذن بين سخف القائل وصدق ما ~~قال، ولا محل كذلك لاتهام عاطفته بما كان من رداءة تمنيه؛ لأنه أحب فنغصه الحب ~~وحيل بينه وبين التماس الراحة من غير هذه الطريق. # وها نحن أولاء قد رأينا عشاقا يتمنون الموت لمن يحبون، وعشاقا يتمنون التشويه ~~لمن يحبون، وعشاقا يتمنون الخلاص ممن يحبون، ورأينا أنهم أحبوا وصدقوا التعبير ~~عن الحب، وإن عيبت عليهم الأثرة أو الغفلة أو الجفاء. فلا غرابة إذن في شعر ~~غرامي تعوزه الضراعة والشكاية، أو يعوزه الثناء والاستحسان، ولا شرط للغزل ~~الصادق إلا التعبير عن الشعور، الذي يختلج في قلب صاحبه كائنا ما كان الرأي ~~فيه وفي خلقه وعقله وأمانيه. # | مكانته في الصناعة الشعرية # نشأ جميل نشأة أدبية صالحة لموطنه وعصره، وتخرج في مدرسة الشعر كأحسن ما يتخرج الشاعر ~~بالحجاز في القرن الأول للهجرة، فكان - كما جاء في كتاب الأغاني - «راوية هدبة بن ~~خشرم، وكان هدبة شاعرا وراوية للحطيئة، وكان الحطيئة شاعرا راوية لزهير وابنه»، ~~فاجتمعت له الرواية والشعر مسلسلة من أساتذة فحول مشهود لهم بين الرواة ~~والشعراء. # وكان بعض المشهورين بعلم الشعر في زمنه يفضلونه على الشعراء كافة، ويقولون أنه أشعر ~~أهل الإسلام والجاهلية. # فروي عن نصيب الشاعر أنه قال: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها بالشعر فقيل لي: ~~الوليد بن سعيد بن أبي سفيان الأسلمي، فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسان وعبد ~~الرحمن بن أزهر، فإنا لجلوس إذ طلع علينا ms38 رجل طويل بين المنكبين، طوال، يقود راحلة ~~عليها بزة حسنة. فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن أزهر: يا أبا جبير، هذا ~~جميل؛ فادعه لعله أن ينشدنا. فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل! هيا جميل! فالتفت فقال: ~~من هذا؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر. فقال: قد علمت أنه لا يجترئ علي إلا مثلك. ~~فأتاه، فقال له: أنشدنا. فأنشدهم: # نحن منعنا يوم أول نساءنا # إلى آخر الأبيات ... ثم ~~قال له: أنشدنا هزجا. فسأل: وما الهزج؟ لعله هذا القصير؟ قال: نعم. فأنشده: # رسم دار وقفت في طلله # كدت أقضي الحياة من جلله # حتى فرغ من القصيدة، ثم اقتاد راحلته موليا. ~~«فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام. فقال ابن حسان: نعم والله، وأشعر أهل ~~الجاهلية، والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه. فقال عبد الرحمن بن الأزهر: ~~صدقت!» # ثم قال نصيب: وأنشدت الوليد فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، والله ما زاد ~~عليها. # ذلك رأي المتأدبين المشهود لهم بعلم الشعر في عصره، ولعلهم غلبوا فيه النظر إلى العشق ~~والنسيب على النظر إلى فنون الشعر كله، ففي هذا - ولا ريب - مجال لمن يشاء أن يقدم ~~جميلا على شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام إلى زمانه؛ إذ ليس في الجاهلية من اشتهر ~~بالعشق والنسيب خاصة كما اشتهر بعض الشعراء في القرن الأول للهجرة، وليس في شعراء ~~القرن الأول للهجرة من يرتفع على المقابلة بينه وبين جميل في أغراضه ومعانيه، فإذا ~~قال القائل على هذا الاعتبار: إن جميلا أشعر أهل الإسلام والجاهلية، فليس في قوله ~~غلو كبير، وإن جاز فيه الخلاف. # ومع تعدد الآراء في هذا يمكن الاتفاق على أن جميلا كان ملحوظ المكانة بين شعراء ~~زمانه، وكان معترفا له بالإجادة والأستاذية إلى ما بعد زمانه، كما يظهر ذلك من نظر ~~الشعراء المبرزين إلى معانيه واقتباسهم من أقواله. # لقي الفرزدق كثيرا بقارعة البلاط - بالمدينة - فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، أنت ~~أنسب العرب حين تقول: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل ms39 # يعرض له بسرقته من جميل؛ حيث يقول: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى على كل مرقب # فأجابه كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول: # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا # وإن نحن أومأنا ~~إلى الناس وقفوا # وهذا البيت أيضا مسروق من قول جميل: # نسير أمام الناس والناس خلفنا # فإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # وهذان شاعران بارزان من أبناء عصر جميل يعترفان فيما بينهما بالاقتباس من معاني جميل، ~~وهو اقتباس لا يخلو من شهادة وإكبار ودلالة على مكانة ملحوظة بين الشعراء. # وقد بقيت له هذه المكانة إلى ما بعد عصره عند أناس من شعراء العصر العباسي في طبقة ~~الفرزدق وكثير، فروي أن ابن الحسين المهلبي لقي أبا العتاهية، فاستنشده من شعره ~~فأنشده: # يا صاحب الروح ذي الأنفاس في البدن # بين النهار وبين الليل مرتهن # لقلما يتخطاك اختلافهما # حتى يفرق بين الروح والبدن # لتجذبني يد الدنيا بقوتها # إلى المنايا وإن نازعتها رسني # لله دنيا أناس دائبين لها # قد أرتعوا في رياض الغي والفتن # كسائمات رواع تبتغي سمنا # وحتفها لو درت في ذلك السمن # قال ابن الحسين المهلبي: فكتبتها ثم استنشدته من شعره في الغزل، فقال: يا ابن أخي، ~~إن الغزل يسرع إلى مثلك، فقلت له: أرجو عصمة الله - جل وعز - فأنشدني: # كأنها من حسنها درة # أخرجها اليم إلى الساحل # كأن في فيها وفي طرفها # سواحرا أقبلن من بابل # لم يبق مني حبها ما خلا # حشاشة في بدن ناحل # يا من رأى قبلي قتيلا بكى # من شدة الوجد على القاتل # فقلت له: يا أبا إسحاق، هذا قول صاحبنا جميل: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # فقال: هو ذاك يا ابن أخي، وتبسم! # وأقل ما يدل عليه هذا وأشباهه أن شعر جميل كان يقرأ ويستحسن ويقتدى به في معناه، ~~وأنه ينال هذا الاستحسان عند فحول الشعراء فضلا عن الشداة المبتدئين، وهذه مكانة ~~«الأستاذية» لا مراء. # وقد يزكي هذه المكانة أن الذين شهدوا بها كان بينهم ms40 أناس عرفوا بالخيلاء وشدة ~~الاعتداد بالقدرة الشعرية بين النظراء، ومنهم من كان يستحمق لفرط خيلائه كالشاعر ~~العاشق كثير، وهو أحرى الناس بمنافسه جميل. # فمن خيلائه أن عمر بن أبي ربيعة والأحوص ونصيبا اجتمعوا في مكان، فأرسلوا إليه ~~راويته يدعونه إليهم، فأكبر الأمر وسأل صاحبه متبرما: أما كان عندك من المعرفة بي ما ~~كان يردعك عن إتياني بمثل هذا؟ ... قل لابن أبي ربيعة: إن كنت قرشيا فإني قرشي، وإن ~~كنت شاعرا فأنا أشعر منك ... قال راويته: هذا إذا كان الحكم إليك. فقال: وإلى من هو؟ ~~ومن أولى به مني؟ ... ثم رجع الرسول إليهم فأخبرهم بما سمع منه، فضحكوا ثم نهضوا معه، ~~فدخلوا عليه في خيمة، فوجدوه جالسا على جلد كبش، فما أوسع لهم من مجلسه. # فهذا الشاعر على خيلائه كان لا يني قائما قاعدا بالشهادة لجميل وتفضيله عن نفسه، ~~حيث يسأل وحيث لا يسأل، وهو مزهو بالسماع منه والرواية عنه والتتلمذ عليه. # سأله نصيب: أجميل أنسب أم أنت؟ فقال: وهل وطأ لنا النسيب إلا جميل! # وسئل مرة أخرى فقال: وهل علم الله - عز وجل - ما تسمعون إلا منه؟ # وربما نقلوا عن كثير في صدد إعجابه بجميل ما نستبعد صدقه سواء قاله أو لم يقله، ~~كزعمهم أنه ذكر يوما أنه يروي لجميل ثلاثين قصيدة لا يعرفها الناس، وأنه أمات له ألف ~~قافية لينتحلها ويدعيها لنفسه؛ فإن ميدان جميل لا يتسع لألف قافية تسرق، ولا ~~لثلاثين قصيدة تسقط من جملة شعره، وهو محدود الأغراض متشابه الأنماط، وإنما يفهم من ~~هذا الكلام - إن صدر من كثير - أن فخره بالرواية عن جميل أكبر من فخره بشعره الذي ~~ينسب إليه، ولولا مكانة جميل عنده وعند الناس لما وقع في خاطره وجرى على لسانه هذا ~~الفخار. # ولا نحسب أن أحدا ناظر جميلا على قصد منه - أو على غير قصد - كما ناظره عمر بن ~~أبي ربيعة الذي كان كثير يستطيل عليه. # فقد كانت المناظرة بينهما طرائق متعددات لا طريقة واحدة، فكان كلاهما شاعرا، وكلاهما ~~مشهورا بالنسيب، وكلاهما إماما ms41 لأمثاله من المتغزلين، فكان جميل في عصره إمام ~~العشاق المقصورين على معشوقة واحدة، وكان عمر بن أبي ربيعة في عصره إمام المشغوفين ~~بمغازلة النساء، وكانا فوق هذا التقابل في شتى الطرائق متقابلين في تمثيل البداوة ~~والحضارة، وفي عزة النسب وعراقة الأصول، فهما متناظران يقترنان في الميزان كلما عرض ~~الناقد لشعراء ذلك الزمان، وقد تلاقيا وتناشدا وقيل: إن جميلا سمع منه اللامية ~~التي فيها: # جرى ناصح بالود بيني وبينها # فقربني يوم الحصاب إلى قتلي # فقال: هيهات يا أبا الخطاب! لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي، وما خاطب النساء ~~مخاطبتك أحد، وقام مشمرا. # ونميل نحن إلى قبول هذه الرواية؛ لأن الشاعرين قد تشابها في معان هي أقرب إلى نمط ~~ابن أبي ربيعة منها إلى نمط جميل. # فقال جميل: # إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤها # دعاء حبيب كنت أنت دعائيا # وقال عمر: # إذا خدرت رجلي أبوح بذكرها # ليذهب عن رجلي الخدور فيذهب # وقال أيضا: # أهيم بها في كل ممسى ومصبح # وأكثر دعواها إذا خدرت رجلي # وهو من القصيدة التي سمعها جميل وشهد من أجلها لعمر بالسبق في مخاطبة النساء، والبيت ~~أقرب إلى كلام الذين تعودوا محادثة النساء منه إلى كلام العاشق المقصور على معشوقة ~~واحدة، كذلك قال جميل: # وهما قالتا لو أن جميلا # عرض اليوم نظرة فرآنا # بينما ذاك منهما رأياني # أعمل النص سيره الزفيانا # وهو أشبه بقول عمر وبفعله أيضا وخلائقه؛ حيث يقول: # بينما يذكرنني أبصرنني # دون قيد الميل يعدو بي الأغر # قلن تعرفن الفتى قلن نعم # قد عرفناه وهل يخفى القمر # وقد قيل: إن عمر بن أبي ربيعة أنشد بثينة تلك الأبيات الثلاثة من كلام جميل فقالت: ~~«إنه استملى منك فما أفلح، وقد قيل: اربط الحمار مع الفرس، فإن لم يتعلم من جريه تعلم ~~من خلقه.» # ومن قصائد جميل المشهورة رائية مطلعها: # أغاد أخي من آل سلمى فمبكر # أبن لي أغاد أنت أم متهجر # وهو كمطلع عمر في قصيدته الرائية التي هي أفضل شعره؛ حيث قال: # أمن آل نعم أنت غاد ms42 فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # والقصيدة كلها مما قيل: إن جميلا سمعه من شعر عمر، فأقر له وأثنى عليه. # وفي الديوانين قطعة جيمية رويت لعمر ورويت لجميل، منها هذه الأبيات: # قالت وعيش أخي وحرمة والدي # لأنبهن الحي إن لم تخرج # فخرجت خيفة قولها فتبسمت # فعلمت أن يمينها لم تحرج # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # وهو كلام فيه من عبث المجون والمماحكة بين عمر وصويحباته، وليس فيه من جد العشق الذي ~~كان بين جميل وبثينة، ولا هو مما يوافق فخر جميل باقتحام المنازل والمناجزة لمن ~~يترصدون له بالسيوف حول بيت بثينة، ومنهم أبوها وأخوها كما جاء في بعض الأخبار، وتكرر ~~في سيرته على روايات مختلفات. # فالذي نرجحه أن جميلا كان يحب أن يحكي عمر في بعض ما قال، ولكننا لا نرجح هذا ~~الترجيح لنخلص منه إلى تقديم عمر على جميل في الصناعة الشعرية، فهما فيها متكافئان ~~يختلفان حينما اختلفا في المزاج والخليقة، ولا يدعو ذلك إلى تفضيل أحدهما على الآخر ~~في صناعة النظم والتعبير، وإنما نحمل اقتباس جميل من عمر على اقتداء البدوي بأهل ~~الحضارة حيثما كان وكانوا، ولا سيما إذا كان الحضري شاعرا مقبول الشعر بين العلية ~~والمترفين من أبناء المدينة وبناتها، وهم أهل الطبقة التي تروع من البدو خاصة من كان ~~قريبا إلى معيشة المدن غير منقطع لخشونة البادية، على مثال جميل. ~~••• # فهما إذن في الشعر ندان متكافئان، جميل وعمر بن أبي ربيعة. وقد خرجا معا بالغزل كله ~~من ناحيتيه في القرن الأول للهجرة بأرض الحجاز بين حاضرة وبادية، فلو زال شعر الغزل ~~في تلك البيئة وفي ذلك العصر جميعا، فلم يبق منه إلا ما نظم هذان الشاعران لأغنانا ~~عن كل ما عداه في الدلالة على حالة المرأة وحالة النساء، كما ينعتها العاشق وزير ~~النساء. # وقد يبدو على شعر جميل إذا قوبل بشعر عمر أنه أفحل وأجزل وأبلغ في الصناعة الشعرية ~~وأجمل، وذلك فيما يبدو لنا التباس بين فحولة المزاج وفحولة الشعر لا يثبت ms43 على ~~التمحيص. فمن المألوف أن يظهر الجد في شعر العاشق الذي ينسب بامرأة واحدة ويعيرها كل ~~قلبه وهواه، ولا يظهر مثل هذا الجد في شعر الرجل الذي يقضي زمانه كله في التحدث إلى ~~النساء والتنقل بينهن، وقل أن يسلم رجل كهذا من اصطناع التأنث، ولو لم يكن مطبوعا ~~عليه، فيسري التأنث إلى كلامه وتتوارى منه قوة الفحولة التي تقترن بالجد حيث ~~كان. # ومع هذا لم يسلم جميل ممن يأخذ عليه التأنث في نصف بيت هو قوله: # ألا أيها النوام ويحكمو هبوا # أسائلكم هل يقتل الرجل الحب # فالشطر الأول كما قال صالح بن حسان «أعرابي في شملة»، والشطر الثاني «مخنث يتفكك من ~~مخنثي العقيق». # ولكن نصف بيت ولا مئات من الأبيات ليس فيها أعرابي واحد في شملة، ومعظم أبياتها هوادج ~~تسفر عن حسان مدللات وأخدان حسان مدللات! وذلك ديوان ابن أبي ربيعة في جملته على ~~التحقيق. # ويشبه الالتباس بين فحولة المزاج وفحولة الشعر التباس آخر يعرض لكثير من المعجبين ~~بنسيب جميل، فهو عندهم إمام الشعراء؛ لأنه إمام المحبين، وقد سئل عنه نصيب فقال: ذاك ~~إمام المحبين، وهل هدى الله - عز وجل - لما ترى إلا بجميل؟ # وجائز أن يكون صدق الحب سببا من أسباب جودة الشعر الذي يعبر عنه، ولكن صدق الحب ~~وجودة التعبير يظلان بعد هذا شيئين مختلفين، فيصدق المحب ولا يجيد الشعر، ويجيد ~~الشاعر ولا يبلغ مبلغ ذلك المحب الصادق في وجده وشوقه ووفائه ... إن أحدهما لسبب ~~للآخر - ونعني الحب والتعبير - ولكنهما قد يفترقان كما يتفقان. # ولا يزال الحكم على عشق جميل وغزل جميل وشعر جميل يتطلب الحكم على ثلاثة أشياء لا على ~~شيء واحد، وإن لم يكن من الضروري أن تتناقض هذه الأشياء. # فالذين قالوا: إنه أشعر أهل الإسلام والجاهلية؛ لأنه أصدق المحبين يخطئون؛ إذ ربما ~~ثبت له أنه أصدق من أحب في زمانه، ولم يثبت له أنه أصدق من تغزل، فضلا عمن هجا ومدح، ~~كما أراد بعض النقاد في زمانه أن يقول. # وحقيقة الرأي الذي يدل عليه شعره، ms44 فيما نعتقد أنه كان شاعرا يجمع بين البلاغة ~~والسهولة، ويرتقي في الصناعة الشعرية مرتقى لا يعلو عليه شاعر من أبناء عصره، وهم ~~على الإجمال فطريون في هذه الصناعة، لهم مزايا الفطرة وعيوبها في آن، ولا سيما ~~العيوب التي لها اتصال بكل صناعة من الصناعات. # ومن مزايا الفطرة الصدق والبساطة وقرب الأداء، ومن عيوبها النقص والسذاجة وقلة ~~الإتقان. ومن رأينا أن شعراء الجاهلية وشعراء القرن الأول للإسلام كانوا جميعا ~~أوفر الشعراء حظا من مزايا الفطرة وعيوبها على السواء؛ فهم أصحاب معنى مستقيم ولغة ~~قوية وشعور لا بهرج فيه ولا التواء، وهم إلى جانب هذا مبتدئون متعثرون في صوغ الشعر، ~~لم يصلوا بالقصيدة ولا بالأغنية إلى مبلغ الإتقان ووحدة المدلول، ولعلهم لم يبلغوا في ~~ضرب من الشعر مبلغه من الإتقان غير الرجز؛ لأنه مفكك بطبيعته، لا يحتاج إلى تنسيق ~~وانسجام. # وما زال الإتقان الصناعي يزداد، والشعور الفطري ينقص حتى تناهيا زيادة ونقصا في ~~أواخر عهد العباسيين، فأصبح الإفراط في الصناعة بهرجا، والإفراط في ضعف الشعور ~~الفطري تكلفا واصطناعا، وتلاقى هذا وذاك في الغثاثة المزيفة التي لا هي صناعة جيدة ~~ولا فطرة جيدة، ولكنها مسخ للصناعة والفطرة لا خير فيه. # فالشعراء العباسيون - مثلا - أجود صناعة من الشعراء الأمويين والمخضرمين، وأنأى منهم ~~عن استقامة الفطرة وبساطة التعبير، ولا استثناء لأحد من الأمويين والمخضرمين ~~والجاهليين في ضعف الصنعة، الذي يأخذ كل منهم بنصيب منه حتى شعراء المعلقات. # وشأن جميل في هذا شأن غيره من أبناء عصره وسابقيه: يأتي بالكلام السهل البسيط؛ لأن ~~معناه سهل بسيط، ولأنه يملك القدرة الفنية التي يعمد بها إلى المعاني المركبة فتسلس ~~له، فإذا هي مجلوة في ثوب من البساطة يخدع السامع حتى ليحسبه خلوا من كل ~~تركيب. # وقلما تجاوز الأبيات في القصيدة الواحدة، واعتمد الإطالة إلا تعثر والتفت بمن يتحدث ~~عنه بين الخطاب والغياب وضمير المفرد وضمير الجمع في نفس واحد، كما قال: # فإن تبيني بلا جرم ولا ترة # وتولعي بي ظلما أي إيلاع # فقد يرى الله أني قد أحبكم ms45 # حبا أقام جواه بين أضلاعي # لولا الذي أرتجي منه وآمله # لقد أشاع بموتي عندها ناع # أو كما قال: # إلى الله أشكو لا إلى الناس حبها # ولا بد من شكوى حبيب يروع # ألا تتقين الله فيمن قتلته # فأمسى إليكم خاشعا يتضرع # وقد يخطئ في قواعد اللغة أو يتجوز في أبيات غير قليلة، منها قوله في قصيدة من أشهر ~~قصائده: # فإن لم تكن «تقطع» قوى الود بيننا # ولم تنس ما أسلفت في سالف الدهر # فسوف يرى منها اشتياق ولوعة # يبين وغرب من مدامعها يجري # ومنها قوله: # ولو أن «داع» منك يدعو جنازتي # وكنت على أيدي الرجال حييت # وهو في هذا وعمر بن أبي ربيعة وغيرهما من شعراء عصرهما سواء أو متقاربون. # وفي حيز هذه القدرة الفنية يبدع غاية الإبداع الذي يتاح لشاعر قديم أو حديث، فلا يقول ~~شاعر في البيت والبيتين أو الأبيات القلائل أبلغ من قوله في تعذر نسيان ~~الحبيب: # ولو تركت عقلي معي ما طلبتها # ولكن طلابيها لما فات من عقلي # أو قوله لمن يقدحن في صاحبته ليحللن عنده في محلها: # ولرب عارضة علينا وصلها # بالجد تخلطه بقول الهازل # فأجبتها بالرفق بعد تستر # حبي بثينة عن وصالك شاغلي # لو أن في قلبي كقدر قلامة # فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي # ويقلن إنك قد رضيت بباطل # منها فهل لك في اعتزال الباطل # ولباطل ممن أحب حديثه # أشهى إلي من البغيض الباذل # أو قوله في حيرته بين حبه لغيرها وحب غيره من المحبين: # سلا كل ذي ود علمت مكانه # وأنت بها حتى الممات موكل # فما هكذا أحببت من كان قبلها # ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل # أو قوله في الفراق: # كأني سقيت السم يوم تحملوا # وجد بهم حاد وحان مسير # على أنني بالبرق من نحو أرضها # إذا قصرت عنه العيون بصير # وإني إذا ما الريح يوما تنسمت # شآمية عاد العظام فتور # ألا يا غراب البين لونك شاحب # وأنت بروعات الفراق جدير # فإن كان حقا ما تقول فأصبحت # همومك شتى والجناح كسير # ودرت بأعداء ms46 حبيبك فيهم # كما قد تراني بالحبيب أدور # أو قوله في تمني الصلة الدائمة بصاحبته حيا وميتا ثم سخطه على لجاجة الحب بعد ~~هذا: # أعوذ بك اللهم أن تشحط النوى # بثنة في أدنى حياتي ولا حشري # وجاور إذا ما مت بيني وبينها # فيا حبذا موتي إذا جاورت قبري # عدمتك من حب! أما منك راحة # وما بك عني من توان ولا فتر؟ # ولهذه الأبيات الأخيرة لا نستغرب مبالغته التي تندر في شعره وشعر أبناء عصره؛ حيث ~~يقول: # إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت # جزعت لنأي الدار منها وللبعد # أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد # سواها وحب القلب بثنة لا يجدي # تعلق روحي روحها قبل خلقنا # ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد # فزاد كما زدنا فأصبح ناميا # وليس إذا متنا بمنتقض العهد # ولكنه باق على كل حالة # وزائرنا في ظلمة القبر واللحد # ففي هذه المبالغة مسحة من شطحات ابن الفارض وأضرابه، ولكن المبالغة هنا تتسلسل وتتدرج ~~وتنمو على جذورها حتى تبلغ ذروتها، ولا غرابة فيها ولا تناقض بين أعلاها وأدناها، فمن ~~قال البيت الأول قال الأبيات التي تليه كما يصعد النفس مطيلا فيه حتى ~~يستوفيه. # إلا إن الذي يأباه الذوق والعقل أن تنسب إلى جميل أبيات، كهذه الأبيات التي ضمت إلى ~~ديوانه: # خليلي إن قالت بثينة ما له # أتانا بلا وعد؟ فقولا لها: لها # أتى وهو مشغول لعظم الذي به # ومن بات طول الليل يرعى السها، سها # بثينة تزري بالغزالة في الضحى # إذا برزت لم تبق يوما بها بها # لها مقلة كحلاء نجلاء خلقة # كأن أباها الظبي أو أمها مها # دهتني بود قاتل وهو متلفي # وكم قتلت بالود من ودها دها # فهذا كالانتقال من الشملة العربية إلى ثياب المرافع قبل أن تخلق المرافع بقرون، ولو ~~جاز أن يقول جميل مثل هذه الأبيات مرة لوجب أن تتكرر نظائرها في قصائده هنا وهناك؛ ~~لأن المحسنات من هذا الطراز عادة تجر لا محالة إلى الإدمان. # وقياسا على هذا كله ما جاوز الصدق الفطري ms47 والبلاغة السهلة والجد في وصف الشعور، فهو ~~منحول له وليس بالنسج الذي يندس بين لحمته وسداه. # إنما الرجل ابن زمانه في معناه وصناعته، وله من الإمامة بين شعراء العشق في ذلك ~~الزمان مكان لم ينازع فيه؛ لأن عيوبه أقل من عيوبهم ومزاياه أظهر من مزاياهم، وشعره ~~في جملته يجمع خير ما قالوه. # وهنا يحسن بنا أن نقيد «خير ما قالوه» بما قالوه في النسيب دون غيره، فالحق أنه لم ~~يأت بطائل في الهجاء ولو بالقياس إلى معاصريه، أو لعل الذي نظم في هذا الباب ورجح به ~~على الشعراء في رأي نقاد عصره قد ذهب به الزمن، ولم يصل إلينا مع سائر شعره، وهو ظن ~~ضعيف. # | مزاجان # قدمنا في الفصل السابق أن شعر جميل إذا قوبل بشعر عمر يبدو أنه أفحل وأجزل، وأنه ~~أبلغ في الصناعة وأجمل، ثم قلنا: إن هذا فيما يبدو لنا «التباس بين فحولة المزاج ~~وفحولة الشعر لا يثبت على التمحيص». # ومن الحسن أن نعرض ببعض الوصف والتمييز لمزاج الشاعر الذي تتعلق به هذه الفحولة ~~الفنية، فجملة ما يقال فيه - بسياق هذه المقابلة - أنه كان يحتاج إلى البأس والسيف في ~~معيشته وعشقه، فهو بدوي يعيش مع آله في طريق تحميها الدولة، وتكل حمايتها أحيانا إلى ~~سكانها من أهل البادية؛ لأنها تتوسط بين الحجاز ومصر والشام، فمن واجبه - إن لم يكن ~~من طبعه - أن يحمل السيف، ويعتز بالمنعة وصيانة الحوزة. # وهو إلى هذا عاشق مشغوف بامرأة واحدة لا تغنيه عنها امرأة غيرها، فلا بد له منها وإن ~~حيل بينه وبينها ولا غنى له عن المجازفة والتقحم بالقوة في سبيلها. # ولم نسمع من أخبار عمر بن أبي ربيعة أنه احتاج إلى القوة مرة واحدة، بل علمنا من ~~أخباره أكثر من مرة أنه تعرض لبعض الحسان وألحف عليهن بالتوسل والمطاردة، فرددنه حتى ~~أعيتهن الحيلة معه، ثم ظهرن مع رجل من أوليائهن يتقلد السيف فتجاهلهن عمر، ومضى في ~~طريقه، وقنع من الغنيمة بالذهاب. ثم تمثل المتمثلون: # تعدو الذئاب على من لا كلاب ms48 له # وتتقي مربض المستأسد الضاري # ولا جرم يكون هذا شأن عمر وشأن حبه؛ فقد كان من أهل حاضرة يعيش فيها الرجل حياته كلها ~~ولا تلجئه ضرورة يوما إلى تقلد سلاح، وهو في معظم ما يرتاده من صويحباته طالب جلسة ~~ومحادثة إن تيسرت فهي فكاهة ساعة ثم تنقضي إلى نسيان أو تسجلها قصيدة أو قصيدتان، وإن ~~تعسرت فلا موضع للسيف في هذا الميدان، وغير هذه الحسناء كثيرات بين الحسان. # أما جميل فكان السيف فخره وفخر آله من قبيلة أبيه أو قبيلة أمه، ولم يفخر قط إلا تغنى ~~بالمنعة وحماية الحرم والنساء، فمن قوله في هذا المعنى: # نحن منعنا يوم أول نساءنا # ويوم أفي، والأسنة ترعف # ويوم ركايا ذي الجذاة ووقعة # ببتيان كانت بعض ما قد تسلفوا # يحب الغواني البيض ظل لوائنا # إذا ما أتانا الصارخ المتلهف # ومن قوله في أخواله جذام: # جذام سيوف الله في كل موطن # إذا أزمت يوم اللقاء أزام # همو منعوا ما بين مصر فذي القرى # إلى الشام من حل به وحرام # وتواترت الأنباء في قصة عشقه باقتحامه وقلة مبالاته بأهل عشيقته المترصدين لقتله، ~~وقيل فيما قيل من ذلك أنه استدعاها يوما وعلم أهلها فتجمعوا لمفاجأته، ثم جاءه من ~~ينذره وينبئه بنبأ القوم فاستكبر الهرب، وقال لمنذريه: «والله ما أرهبهم، وإن في ~~كنانتي ثلاثين سهما والله لا أخطأ كل سهم منها رجلا منهم. وهذا سيفي والله ما أنا ~~به رعش اليد ولا جبان الجنان.» # وذكر الهيثم بن عدي فيما رواه صاحب الأغاني: «أن جميلا طال مقامه بالشام ثم قدم ~~وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة ~~في لقائه، وواعدته لموضع يلتقيان فيه، فسار إليها وحدثها طويلا وأخبرها خبره بعدها. ~~وقد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل ~~فانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب، وناشدته بثينة الله إلا انصرف، وقالت له: إن ~~أقمت فضحتني، ولعل الحي أن يلحقوك. فأبى وقال: أنا مقيم وامضي أنت وليصنعوا ms49 ما ~~أحبوا. فلم تزل تناشده حتى انصرف.» # وغير هاتين القصتين كثير يردد ما فيهما من المغامرة والتحدي وقلة المبالاة، وقد تصح ~~هذه القصص جميعا أو يصح بعضها دون سائرها أو لا تكون فيها قصة واحدة صحيحة، ولكن ~~الحقيقة التي قصدنا إلى بيانها تبقى بعد ذلك قائمة في مكانها، وهي أن حب جميل ~~يتطلب مزاجا فيه الجد والفحولة ولو كان «دور تمثيل» على مسرح من مسارح الفنون، فلو ~~أننا تركنا الواقع جانبا، وتخيلنا أن جميلا وعمر ممثلان في رواية مسرحية، يمثلان ~~ما روي لنا من أخبارهما، لما استطعنا أن نخرج جميلا إلى المسرح بغير سيفه، ولا ~~وجدنا من حاجة إلى السيف في دور عمر وصويحباته. # فالمزاج هنا حقيقة فنية وإن لم يكن بالحقيقة الطبيعية، ولا يبعد أن يكون جميل شجاعا ~~مقتحما، كما جاء في بعض أنبائه، إلا أنه على ما نعتقد كان مستطيعا أن «يمثل دوره» ~~في مسرح الحياة بغير حاجة إلى شجاعة أكثر من الشجاعة الظاهرة، التي يتلبس بها الممثل ~~أو تتلبس هي به إلى حين. # فقد كان يقتحم ويعلم أنه آمن، وكان يبقى حيث لا حاجة به إلى البقاء بعد افتضاح الأمر ~~وانطلاق صاحبته؛ لأنه لا يخشى العاقبة إذا أدركه المتعقبون؛ إذ كان أهله أعز من أهل ~~بثينة، وكان طالبوه يضعفون عن حرب قبيلته، ولا يقدرون على الدية إن رضي بها المطالبون ~~بثأره، وهو نفسه قد ذكر ذلك في بعض قصائده: # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي # وهموا بقتلي يا بثين لقوني # إذا ما رأوني طالعا من ثنية # يقولون من هذا وقد عرفوني # يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا # ولو ظفروا بي خاليا قتلوني # وكيف ولا توفي دماؤهم دمي # ولا مالهم ذو ندهة فيدوني # فهو قد كان في حاجة إلى الاقتحام، ولكنه كان اقتحاما سهلا عليه موافقا لحاله وحال ~~بثينة وأهلها، فاقتحم ما أمن وسلم، وما كان الخطر من بثينة وأهل بثينة، فلما تجاوز ~~ذلك إلى الخطر من مطاردة السلطان وإهدار بأمر الوالي الذي يقدر عليه وعلى قبيلته رجع ~~إلى ms50 الأناة، وهرب إلى اليمن كما قيل. # وليس يطلب من جميل ولا من عاشق في موضعه أن يكافح السلطان بشجاعته وينهض للدولة ~~ببأسه، فمن الجائز مع هذا أن يكون شجاعا، وأن يترك دياره إلى اليمن إذا لم يكن له بد ~~من زيارة بثينة فيقتل، أو من معالجة السلو وهو قريب منها فلا يطيق. # إلا أنه لم تكن به حاجة إلى أكثر من الشجاعة التمثيلية في دوره الحقيقي وفي روايته ~~الواقعة، وهذه الشجاعة التمثيلية كافية لاصطباغ شعره بصبغة الفحولة التي تظهر فيه، ~~ولا تظهر في شعر ابن أبي ربيعة. # أما إذا أعرضنا عن البحث في شجاعته لبيان هذا الفارق بينه وبين المتغزلين بالنساء ~~عامة، واعتمدنا أن نعرفها لنعرفه على حقيقته، ونخلص إلى ناحية من نفسه قد تعين على ~~فهمه وفهم عشقه وشعره، فالذي يلوح لنا أنه كان شجاعا بين قومه ككل بدوي يشجع في حمى ~~الجماعة وفي ذمار القبيلة، فإذا حاربوا حارب، وإذا اجترأ فإنما يجترئ بقلوب المئات ~~والألوف من ورائه، ولكنه لا يخلو من رقة تقعد به عن النضال العنيف والمعارك الدامية، ~~وفي بعض قوله ما يدل على ذلك؛ حيث يقول: # يقولون جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل عندهن شهيد # أو حيث يقول: # يقولون صب بالغواني موكل # وهل ذاك من فعل الرجال بديع # وقالوا رعيت اللهو والمال ضائع # فكالناس فيهم صالح ومضيع # فلا هو للجهاد في غزوة ولا هو للجهاد في طلب ثروة، وليس كذلك الرجال الأقوياء الذين ~~يحبون، فلا يشغلهم حبهم عن الجهاد حيث تنفتح أمامهم أبواب الجهاد، بل يكون حبهم ~~مثيرا للعزيمة، فيما طبعوا على اعتزامه من طلب المجد، أو طلب العلو على الأقران ~~بالمال والجاه، ويبعد جدا أن يملك الهيام على أحد من هؤلاء عقله ووقته وهموم عيشه ~~حتى يفرغ له ويعيا بأمره، ويرضى بالضياع كما رضي جميل. # وفي بعض أوصافه ما ينم على هذه الرقة الضعيفة فيه كما تنم عليها أخباره ودلالات شعره، ~~فكان له مظهر يروع الناظر ، ولكنه ms51 كان عرضة للنوبات التي تعتريه فجأة، وقد تدل على مرض ~~في القلب والأعصاب، فذكر بعض أصحابه أنه كان جالسا معه يحدثه «إذ ثار وتربد وجهه ~~ووثب نافرا مقشعر الشعر متغير اللون» حتى أنكره صاحبه. # فهذه حالة غير سليمة، ولعله مات بعلة من عللها قبل أن يمعن في الشيخوخة، فقد علمنا من ~~شعره أنه عاش حتى شاب ولا تزال بثينة في سن العشق والجمال، ثم مات وهي كذلك لا تزال ~~فتية، فكانت وفاته - ولا ريب - في كهولة دون الشيخوخة الفانية، وكانت لعلة من علل ~~الضعف التي لا تدل على بنيان وثيق، وإن كان هذا لم يمنعه أن يجد في حب بثينة أقوى ~~الجد في هذا المقام. # | بعض أخباره # قابلنا بين جميل وعمر بن أبي ربيعة في أكثر من خصلة واحدة من خصال الفن والحياة؛ إذ ~~الحقيقة أنهما متقابلان يوشك أن يتناظرا في جميع الخصال: بداوة وحضارة، وعكوف على ~~محبوبة واحدة وتشبيب بجميع الحسان، وعاطفة تغلب فيها الحاسة الإنسانية حيث كانت، ~~وعاطفة تغلب فيها حاسة الطبقة الاجتماعية التي منها الشاعر، وكلا الشاعرين صادق فيما ~~يمثله أو فيما يحكيه. # وإنهما ليتقابلان في أخبارهما كما يتقابلان في تلك الخصال التي أشرنا إليها. # فأخبار عمر مفهومة من ديوانه؛ لأنه ينظم فحواها ولا يدع منها إلا بعض التفاصيل، ~~وأخبار جميل تحتاج إلى الرواة والناقلين؛ لأن الذي نظمه منها في ديوانه قليل الغناء ~~في باب الأخبار، وإنما يدل على سيرته من طريق التفسير والتعقيب. # واختلاف العاطفتين يتأدى بنا إلى علة الفارق بينهما في هذه الخصلة كما يتأدى بنا إلى ~~علل الفوارق بينهما في جميع الخصال. # فابن أبي ربيعة كان له في كل يوم خبر وعلاقة، وكان همه الأكبر أن يتحدث إلى الحسان ~~ويتحدث عن الحسان، فلا عجب في اتساع ديوانه للأخبار المنظومة التي هي متعته ~~وهجيراه. # أما جميل فعاطفته خبر واحد، إن لم ينظم في الحنين والشكوى فلا نظم عنده، ولا تأتيه ~~الأخبار التي ينظم فيها إلا حين يطرأ طارئ يغير مجرى تلك الحياة الرتيبة، كما قال ms52 حين ~~خرج عليه أهل بثينة: # ولست بناس أهلها حين أقبلوا # وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا # وقالوا جميل بات في الحي عندها # وقد جردوا أسيافهم ثم وقفوا # أو كما قال حين وقف متذكرا على الأطلال: # بينما هن بالأراك معا # إذ بدا راكب على جمله # فتناظرن ثم قلن لها # أكرميه حييت في نزله # ولا غنى مع شعره عن نتف من أخباره التي تناقلها الرواة، وهي مما يزكيه شعره ويثبته في ~~الجملة، وإن عرضت له الزيادة والاختراع في التفصيل، وعلى هذا النحو هذه النخبة ~~التالية من أخباره الكثيرة التي توخينا فيها الدلالة عليه، وتجنبنا التكرار فيما يشبه ~~ما اخترناه. ~~(1) بين نظيرين # لقي عمر بن أبي ربيعة جميلا في طريقه إلى الشام، فاستنشده من شعره فأسمعه من ~~قوله: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # ثم قال له: أنشدني أنت يا أبا الخطاب، فأسمعه قصيدته العينية التي ~~أولها: # ألم تسأل الأطلال والمتربعا # ببطن حليات دوارس بلقعا # فلما بلغ إلى قوله: # فلما تواقفنا وسلمت أشرقت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما عرفنني # وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا # وقربن أسباب الهوى لمتيم # يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # فصاح جميل واستخذى وقال: ألا إن النسيب أخذ من هذا، وما أنشد بعد ذلك ~~حرفا. # فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلم عليها. فامتنع جميل واعتذر بإهدار ~~السلطان دمه إن وجدوه عندها، وأشار له إلى أبياتها. فتقدم عمر حتى وقف على ~~الأبيات وتأنس حتى كلم. فقال: يا جارية! أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة ~~مكاني، فخرجت إليه بثينة في مباذلها وهي تقول: والله يا عمر لا أكون من نسائك ~~اللائي يزعمن أن قتلهن الوجد بك، فانكسر عمر، ونظر فإذا امرأة أدماء ~~طوالة. ~~(2) بين الأستاذ وتلميذه # والتقى جميل وكثير فتذاكرا النسيب، فقال كثير: يا جميل، أترى بثينة لم تسمع ~~بقولك: # يقيك جميل كل سوء أما له # لديك حديث أو إليك رسول؟ # وقد قلت في حبي لكم وصبابتي # محاسن شعر ذكرهن يطول # فإن ms53 لم يكن قولي رضاك فعلمي # نسيم الصبا يا بثن كيف أقول # فما غاب عن عيني خيالك لحظة # ولا زال عنها والخيال يزول # فقال جميل: أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك: # يقول العدا يا عز قد حال دونكم # شجاع على ظهر الطريق مصمم # فقلت لها والله لو كان دونكم # جهنم ما راعت فؤادي جهنم # وكيف يروع القلب يا عز رائع # ووجهك في الظلماء للسفر معلم # وما ظلمتك النفس يا عز في الهوى # فلا تنقمي حبي فما فيه منقم # ثم بكيا قطعة من الليل وانصرفا. ~~(3) جلتها أو لم تجلها؟ # كان أهل بثينة يأتمنون عليها عجوزا منهم يقال لها: أم منظور، فجاءها جميل ~~يسألها أن تريه بثينة، فقالت: لا والله، لا أفعل وقد ائتمنوني عليها. فتوعدها ~~ليضرنها ... قالت: المضرة والله في أن أريكها. فخرج من عندها وهو يقول: # ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت # بالحجر يوم جلتها أم منظور # ولا انسلابتها خرسا جبائرها # إلي من ساقط الأرواق مستور # فما كان إلا قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان فاتهموا أم منظور وهي تقسم لهم ~~فلا يصدقونها! # وقيل في رواية أخرى: إن مصعب بن الزبير أنشد هذين البيتين فقال: لوددت أني ~~عرفت كيف جلتها؟ فأخبروه أن أم منظور هذه حية، فكتب في حملها إليه مكرمة، ~~وسألها عن الجلوة فقالت: ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحة، وضفرت ~~شعرها، وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق - أي الطيب - ومر بنا جميل راكبا ~~ناقته، فجعل ينظر إليها بمؤخر عينيه، ويلتفت إليها حتى غاب عنا. فأقسم عليها ~~مصعب لتجلون امرأته عائشة بنت طلحة مثل ما جلت بثينة، ففعلت. وركب مصعب ناقته ~~وأقبل عليها، وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينيه، ويسير حتى غاب عنهما ... ثم ~~رجع. ~~(4) يتهمها ولا يتهم بأمة # أشاع أهل بثينة أن جميلا إنما يتبع أمة لهم؛ ليدفعوا عنهم الوصمة ويصموه، ~~فواعد جميل بثينة حتى لقيها ببرقاء ذي ضال، وتحادثا ليلا طويلا حتى أسحرا، ~~فاقترح عليها أن ترقد فقالت: ما شئت! على أني خائفة أن نكون ms54 قد أصبحنا، فوسدها ~~جانبه ثم اضطجعا ونامت، وانسل مستويا على راحلته، وأصبحت في مضجعها، فرآها ~~الحي راقدة عند مناخ راحلة جميل، وفي ذلك يقول: # فمن يك في حبي بثينة يمتري # فبرقاء ذي ضال علي شهيد ~~(5) لغة واحدة # قال كثير: لقيني جميل مرة فسألني: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي الحبيبة - ~~أعني بثينة. # فسألني: وإلى أين تمضي؟ # قلت: إلى الحبيبة - أعني عزة. # فقال: لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعدا من بثينة. # فاستحييت أن أرجع وعهدي بها الساعة، وألح قائلا: لا بد من ذلك. # فسألته: متى عهدك ببثينة؟ فقال: في أول الصيف وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم، ~~فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها، فلما أبصرتني أنكرتني، فضربت بيديها إلى ~~ثوب في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب في الماء، وتحدثنا حتى ~~غابت الشمس، ثم سألتها الموعد، فأنبأتني أن أهلها سائرون، ولم أجد أحدا آمنه ~~فأرسله إليها. # قال كثير: فاقترحت عليه أن آتي الحي، فأتمثل بأبيات من شعر أذكر فيها هذه ~~العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها، فوافقني، وخرجت حتى أنخت بالقوم، فسألني ~~أبوها: ما ردك؟ قلت: ثلاثة أبيات عرضت لي، فأحببت أن أعرضها عليك، وأنشدته ~~وبثينة تسمع: # فقلت لها: يا عز أرسل صاحبي # إليك رسولا والموكل مرسل # بأن تجعلي بيني وبينك موعدا # وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل # وآخر عهدي منك يوم لقيتني # بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل # فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: اخسأ، اخسأ. فقال أبوها: مهيم يا بثينة! ~~قالت: كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية. ثم صاحت بالجارية ابغينا من ~~الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له! # فقلت: أنا أعجل من ذلك، ورحت إلى جميل فأخبرته، فعلم أن الموعد الدومات، ~~وخرجنا حتى أتيناها، ثم جاءت بثينة مع بنات خالتها الثلاث، فما برحنا حتى برق ~~الصبح، فما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك، ولا رأيت مثل علم أحدهما بضمير ~~الآخر. ~~(6) خداع سهل # سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها، وقالت لهما: ms55 إن جميلا عندها الليلة! ~~فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه، ~~ثم قال لها: يا بثينة! أرأيت ودي إياك وشغفي بك، ألا تجزينيه؟ # قالت: بماذا؟ # قال: بما يكون بين المحبين. # فأجابته مغضبة: يا جميل، أهذا تبغي؟ والله لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن عاودت ~~تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا. # فضحك وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبني ~~إليه لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما ~~استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي: # وإني لأرضى من بثينة بالذي # لو أبصره الواشي لقرت بلابله # بلا، وبأن لا أستطيع، وبالمنى # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي # أواخره لا نلتقي وأوائله # فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من ~~لقائها. ~~(7) سكرة وصحوة # رصد جميل بثينة في نجعة لأهلها، حتى إذا صادف منها خلوة في ليلة ظلماء ذات غيم ~~وريح ورعد، سكر ودنا منها وحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها، ففزعت وقالت: ~~«والله ما حذفني في هذا الوقت بحصاة إلا الجن!» وفطنت بثينة فصرفتها ناحية من ~~منزلها، وبقيت مع بثينة أم الجسير أختها وأم منظور. فقامت إلى جميل، ~~فأدخلته الخباء معها وتحدثا طويلا، ثم اضطجع واضطجعت إلى جنبه، فذهب النوم ~~بهما حتى أصبحا. # وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها، فرآها نائمة مع جميل، فمضى ~~لوجهه حتى خبر سيده. # ورأته ليلى أخت بثينة، وكانت قد عرفت خبرها وخبر جميل تلك الليلة، فاستوقفته ~~كأنها تسأله عن حاله، وبعثت بجارية لها تحذر صاحبتها، فجاءت الجارية فنبهتهما، ~~وصاحت بثينة بجميل، وقد تبينت الصبح: نفسك! نفسك! وهو غير مكترث لتخويفها يتمثل ~~لها بقوله: # لعمرك ما خوفتني من مخافة # بثين ولا حذرتني موضع الحذر # فأقسم لا يلفى لي اليوم غرة # وفي الكف مني صارم قاطع ذكر # فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت متاع البيت، ms56 وأفهمته أنها إنما تسأله ذلك خوفا ~~على نفسها من الفضيحة لا خوفا عليه. # ففعل كارها، ونامت هي كما كانت وإلى جانبها أم الجسير. ثم أقبل زوجها، ومعه ~~أبوها وأخوها يأخذ بأيديهما، ولا يشك في أنه سيطلعهما على ريبة كما أنبأه ~~غلامه. فلما كشفوا الثوب إذا أم الجسير حيث كانوا ينظرون جميلا! فخجل الزوج، ~~وصاحت أختها ليلى: قبحكما الله! أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور ~~- تعني زوج بثينة - بكل قبيح؟ # قال راوي القصة: وأقام جميل عند بثينة حتى أجنه الليل ثم ودعها، وانقطعا عن ~~اللقاء إلى أن نسيت القصة. ~~(8) بين سلطانين # كان عامر بن ربعي بن دجاجة واليا على بلاد عذرة، فشكا إليه أهل بثينة جميلا ~~وقالوا: إنه يهجوهم ويغشى بيوتهم وينسب بنسائهم، فأباحهم دمه إن وجدوه عندهم، ~~ونجا جميل بنفسه إلى اليمن فلم يزل بها حتى عزل ذلك الوالي، وانتجع بنو عذرة ~~ناحية الشام فارتحل إليهم. ~~(9) بثينة تنقد # لقي جميل بثينة بعد تهاجر طال بينهما، فتعاتبا مليا، ثم قالت بثينة: ويحك يا ~~جميل! أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول: # رمى الله في عيني بثينة بالقذى # وفي الغر من أنيابها بالقوادح # فأطرق طويلا يبكي، ثم قال: بل أنا القائل: # ألا ليتني أعمى أصم تقودني # بثينة لا يخفى علي كلامها # فقالت له: ويحك! ما حملك على هذه المنى؟! أوليس في سعة العافية ما كفانا ~~جميعا؟! ~~(10) خاتمة هوى # روى أيوب بن عباية قال: خرجت من تيماء في أغباش السحر، فرأيت عجوزا على أتان، فتكلمت فإذا أعرابية ~~فصيحة، فقلت: ممن أنت؟ قالت: عذرية. # فأجريت ذكر جميل وبثينة فقالت: والله إنا لعلى ماء لنا بالخباب وقد تنكبنا ~~الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز، وقد خرج رجالنا لسفر ~~وخلفوا معنا أحداثا، فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون إلى جوار ~~منهم، فلم يبق غيري وغير بثينة، إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا. فسلم ~~ونحن مستوحشون وجلون، فتأملته ورددت السلام فإذا جميل! # قلت: أجميل؟ # قال: إي والله! # وإذا به لا ms57 يتماسك جوعا، فقمت إلى قعب لنا فيه أقط مطحون، وإلى عكة فيها سمن ~~ورب فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا. فأصاب منه، وقمت إلى ~~سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه وتراجعت نفسه. # فقلت له: لقد بلغت ولقيت شرا فما أمرك؟ # قال: أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرصة. ~~فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم وأنا عامد إلى مصر. فتحدثنا ساعة ثم ~~ودعنا وشخص، فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه، فزعموا أنه قال حين حضرته ~~الوفاة: # صرح النعي وما كنى بجميل # وثوى بمصر ثواء غير قفول # ولقد يجر الذيل في وادي القرى # نشوان بين مزارع ونخيل # قومي بثينة فاندبي بعويل # وابكي خليلك دون كل خليل # وتحدث من شهد موت جميل بمصر أن جميلا دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كل ما ~~أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك! ... إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي ~~فاعزلها جانبا، ثم كل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بني الأحب من عذرة، فإذا ~~صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلتي هذه واشققها، ثم اعل على ~~شرف وصح بهذه الأبيات: # صرح النعي وما كنى بجميل # وثوى بمصر ثواء غير قفول # إلى آخر الأبيات الثلاثة المتقدمة. # قال الرجل: فلما واريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتمت ~~الأبيات حتى برزت إلي امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا وبرزت أمامهن كأنها ~~بدر قد برز في دجنة وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني فقالت: يا هذا! والله لئن ~~كنت صادقا لقد قتلتني، ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني! # قلت: والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته. فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت ~~وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ~~ساعة، ثم قامت وهي تقول: # وإن سلوي عن جميل لساعة # من الدهر لا حانت ولا حان حينها # سواء علينا يا جميل بن ms58 معمر # إذا مت بأساء الحياة ولينها ~~(11) مختارات من شعره # دعاء # فيارب حببني إليها وأعطني ال # مودة منها، أنت تعطي وتمنع # وإلا فصبرني وإن كنت كارها # فإني بها يا ذا المعارج مولع # تمتعت منها يوم بانوا بنظرة # وهل عاشق من نظرة يتمتع؟ # كفى حزنا للمرء ما عاش أنه # ببين حبيب لا يزال يروع # لذة الظلم! # رد الماء ما جاءت بصفو ذنائبه # ودعه إذا خيضت بطرق مشاربه # أعاتب من يحلو لدي عتابه # وأترك من لا أشتهي وأجانبه # ومن لذة الدنيا وإن كنت ظالما # عناقك مظلوما وأنت تعاتبه # الميت المبعوث # وما بكت النساء على قتيل # بأشرف من قتيل الغانيات # فلما مات من طرب وسكر # رددن حياته بالمسمعات # فقام يجر عطفيه خمارا # وكان قريب عهد بالممات # الزمن المحابي # أما كنت أبصرتني مرة # ليالي نحن بذي جوهر # وإذ أنا أغيد غض الشبا # ب أجر الرداء مع المئزر # وإذ لمتي كجناح الغرا # ب ترجل بالمسك والعنبر # فغير ذلك ما تعلمين # تغير ذا الزمن المنكر # وأنت كلؤلؤة المرزبان # بماء شبابك لم تعصري # قريبان مربعنا واحد # فكيف كبرت ولم تكبري # داء وطب # ارحميني فقد بليت فحسبي # بعض ذا الداء يا بثينة، حسبي # لامني فيك يا بثينة صحبي # لا تلوموا، فالحب قرح قلبي # زعم الناس أن دائي طبي # أنت والله يا بثينة طبي! # كدر ومطروق! # وإني لأستحيي من الناس أن أرى # رديفا لوصل أو علي رديف # وأشرب رنقا منك بعد مودة # وأرضى بوصل منك وهو ضعيف # وإني للماء المخالط للقذى # إذا كثرت وراده لعبوف # من هي؟ # قناة من المران ما فوق حقوها # وما تحته منها نقا يتقصف # لها مقلتا ريم وجيد جداية # وكشح كطي السابرية أهيف # وفاء لله! # فما وجد العذري عروة إذ قضى # كوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي # على أن من قد مات صادف راحة # وما لفؤادي من رواح ولا رشد # يكاد فضيض الماء يخدش جلدها # إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد # وإني لمشتاق إلى ريح جيبها # كما اشتاق إدريس إلى جنة الخلد # لقد لامني فيها ms59 أخ ذو قرابة # حبيب إليه في ملامته رشدي # وقال: أفق، حتى متى أنت هائم # ببثنة فيها قد تعيد وقد تبدي # فقلت له: فيها قضى الله ما ترى # علي، وهل فيما قضى الله من رد # فإن كان رشدا حبها أو غواية # فقد كان ما قد كان مني على عمد # لقد لج ميثاق من الله بيننا # وليس لمن لم يوف لله من عهد # فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها # ولا لي علم بالذي فعلت بعدي # وما زادها الواشون إلا كرامة # علي، وما زالت مودتها عندي # أفي الناس أمثالي أحبوا فحالهم # كحالي أم أحببت من بينهم وحدي # وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما # لقيت بها أم لم يجد أحد وجدي # محب أكول # ويعجبني من جعفر أن جعفرا # ملح على قرص ويبكي على جمل # فلو كنت عذري العلاقة لم تكن # بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل # صرخة # فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها # مقالة واش أو وعيد أمير # فلم يحجبوا عيني عن دائم البكا # ولن يملكوا ما قد يجن ضميري # إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى # ومن حرق تعتادني وزفير # ومن كرب للحب في باطن الحشا # وليل طويل الحزن غير قصير # سأبكي على نفسي بعين غزيرة # بكاء حزين في الوثاق أسير # وكنا جميعا قبل أن يظهر النوى # بأنعم حالي غبطة وسرور # فما برح الواشون حتى بدت لنا # بطون الهوى مقلوبة لظهور # لقد كنت صعب النفس لو دام وصلنا # ولكنما الدنيا متاع غرور # لو أن امرأ أخفى الهوى عن ضميره # لمت ولم يعلم بذاك ضميري # عند ذلك # هي البدر حسنا والنساء كواكب # وشتان ما بين الكواكب والبدر # لقد فضلت حسنا على الناس مثلما # على ألف شهر فضلت ليلة القدر # عليها سلام الله من ذي صبابة # وصب معنى بالوساوس والفكر # أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه # وأصبر؟ ما لي عن بثينة من صبر # وما لي لا أبكي وفي الأيك نائح # وقد فارقتني شختة الكشح والخصر # يقولون مسحور يجن بذكرها # وأقسم ما بي من جنون ولا سحر ms60 # ذكرت مقامي ليلة البان قابضا # على كف حوراء المدامع كالبدر # فكدت ولم أملك إليها صبابة # أهيم وفاض الدمع مني على نحري # تجود علينا بالحديث وتارة # تجود علينا بالرضاب من الثغر # فيا ليت ربي قد قضى ذاك مرة # فيعلم ربي عند ذلك ما أمري # وعد ممطول # يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت # يتبع صداي صداك بين الأقبر # إني إليك بما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغني المكثر # تقضى الديون وليس ينجز موعدا # هذا الغريم لنا، وليس بمعسر # ما أنت والوعد الذي تعدينني # إلا كبرق سحابة لم تمطر # ليت # لقد ذرفت عيني وطال سفوحها # وأصبح من نفسي سقيما صحيحها # ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت # يجاور في الموتى ضريحي ضريحها # فما أنا في طول الحياة براغب # إذا قيل قد سوي عليها صفيحها # أظل نهاري مستهاما ويلتقي # مع الليل روحي في المنام وروحها # فهل لي في كتمان حبي راحة؟! # وهل تنفعني بوحة لو أبوحها؟! # جهاد # إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي # من الحب قالت: ثابت ويزيد # وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به # تولت وقالت: ذاك منك بعيد # فلا أنا مردود بما جئت طالبا # ولا حبها فيما يبيد يبيد ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # ومن يعط في الدنيا قرينا كمثلها # فذلك في عيش الحياة رشيد # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها # ويحيا إذا فارقتها فيعود # يقولون جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد؟ # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل عندهن شهيد # في الصلاة # أرى كل معشوقين غيري وغيرها # يلذان في الدنيا ويغتبطان # وأمشي وتمشي في البلاد كأننا # أسيران للأعداء مرتهنان # أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها # لي الويل مما يكتب الملكان # ضمنت لها ألا أهيم بغيرها # وقد وثقت مني بغير ضمان # ألا يا عباد الله قوموا لتسمعوا # خصومة معشوقين يختصمان # وفي كل عام يستجدان مرة # عتابا وهجرا ثم يصطلحان # يعيشان في الدنيا غريبين أينما # أقاما، وفي الأعوام يلتقيان # وما صاديات صمن يوما وليلة # على الماء يغشين العصي حوان # لواغب لا يصدرن عنه لوجهة # ولا هن من برد ms61 الحياض دوان # يرين حباب الماء والموت دونه # فهن لأصوات السقاة روان # بأكثر مني غلة وصبابة # إليك، ولكن العدو عداني # اليمين وما ملكت # ولو أرسلت يوما بثينة تبتغي # يميني ولو عزت علي يميني # لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها # وقلت لها بعد اليمين سليني # سليني مالي يا بثين فإنما # يبين عند المال كل ضنين # فمالك لما خبر الناس أنني # غدرت بظهر الغيب لم تسليني # لأبلي عذرا أو أجيء بشاهد # من الناس عدل أنهم ظلموني # لي الله من لا ينفع الوعد عنده # ومن حبله إن مد غير متين # ومن هو ذو وجهين ليس بدائم # على العهد حلاف بكل يمين # ولست وإن عزت علي بقائل # لها بعد صرم يا بثين صليني # نعي نفسه # صرح النعي وما كنى بجميل # وثوى بمصر ثواء غير قفول # ولقد يجر الذيل في وادي القرى # نشوان بين مزارع ونخيل # بكر النعي بفارس ذي همة # بطل إذا حم اللقاء مذيل # قومي بثينة واندبي بعويل # وابكي خليلك دون كل خليل ~~(12) أبيات مفردة في معان مختلفة # لو ... ولا # وددت ولا تغني الودادة أنها # نصيبي من الدنيا وأني نصيبها # بدل مطلوب # أفي كل يوم أنت محدث صبوة # تموت لها؟ بدلت غيرك من قلب # الصدق أنجح # حلفت لكيما تعلميني صادقا # وللصدق خير في الأمور وأنجح # شتان المرادان # أريد صلاحها وتريد قتلي # وشتى بين قتلي والصلاح # داء مزمن # علقت الهوى منها وليدا فلم يزل # إلى اليوم ينمى حبها ويزيد # لا قرار # إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت # جزعت لنأي الدار منها وللبعد # زهد! # رفعت عن الدنيا المنى غير ودها # فما أسأل الدنيا ولا أستزيدها # تفويض # فمريني أطعك في كل أمر # أنت والله أوجه الناس عندي # دعوة أم دعاء # وعاذلين ألحوا في محبتها # يا ليتهم وجدوا مثل الذي أجد # عذر أو ظلم # لو تعلمين بما أجن من الهوى # لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري # خبر مكتوم! # أموت وألقى الله يا بثن لم أبح # بسرك والمستخبرون كثير # موعد في السماء # أقلب طرفي في السماء لعله # يوافق طرفي ms62 طرفكم حين ينظر # ليس كمثلها! # لا حسنها حسن ولا كدلالها # دل ولا كوقارها توقير # جفون قصيرة # كأن المحب قصير الجفو # ن لطول الليالي، ولم تقصر # الموطن الغرامي # فإن يك جثماني بأرض بعيدة # فإن فؤادي عندك الدهر أجمع # قليل نافع # إن القليل كثير منك ينفعني # وما سواه كثير غير نفاع # حجته لها # وبين الصفا والمروتين ذكرتكم # بمختلف، والناس ساع وموجف # جلد جاموس # وما يبتغي مني عداة تعاقدوا # ومن جلد جاموس سمن مطرق # ماذا يقولون؟ # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا # سوى أن يقولوا إنني لك عاشق # غير خوار # فلو كنت خوارا لقد باح مضمري # ولكنني صعب القناة عريق # علامة # فإن وجدت نعل بأرض مضلة # من الأرض يوما فاعلمي أنها نعلي # ثقل محبوب # وتثاقلت لما رأت كلفي بها # أحبب إلي بذاك من متثاقل! # التحول حزم # وإن التي أحببت قد حيل بينها # فكن حازما، والحازم المتحول # لعلها # وقالوا نراها يا جميل تبدلت # وغيرها الواشي فقلت لعلها # آلة الصيد # ولكنما يظفرن بالصيد كلما # جلون الثنايا الغر، والأعين النجلا # صلح على انفراد # فإن تك حرب بين قومي وقومها # فإني لها في كل نائبة سلم ms63