######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.JawaizAdabCalamiyya.Hindawi19725020 #META# Tags: literature #META# ID: 19725020 #META# Title: جوائز الأدب العالمية: مَثَل من جائزة نوبل #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # جوائز الأدب العالمية‏ # أكبر من الجائزة‏ # التفاوت بين الأمم في جوائز «نوبل»‏ # شروط جديدة لجائزة نوبل الأدبية‏ # الجائزة والأدب النسائي‏ # جائزة نوبل وموضوعات الأدب‏ # رافض الجائزة‏ # المستحق بين المستحقين‏ # تاجور‏ # درجات المثل الأعلى في جائزة نوبل‏ # باسترناك‏ # جائزة الكاتب وجائزة الكتاب‏ # خاتمة المطاف‏ # مقدمة‏ # جوائز الأدب العالمية‏ # أكبر من الجائزة‏ # التفاوت بين الأمم في جوائز «نوبل»‏ # شروط جديدة لجائزة نوبل الأدبية‏ # الجائزة والأدب النسائي‏ # جائزة نوبل وموضوعات الأدب‏ # رافض الجائزة‏ # المستحق بين المستحقين‏ # تاجور‏ # درجات المثل الأعلى في جائزة نوبل‏ # باسترناك‏ # جائزة الكاتب وجائزة الكتاب‏ # خاتمة المطاف‏ # | جوائز الأدب العالمية # | جوائز الأدب العالمية # | مثل من جائزة نوبل # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # | صاحب الجائزة: ألفريد نوبل1 # اسم يدوي في العالم مع دوي المفرقعات، ويدوي في العالم مرة على الأقل كل سنة مع أصحاب ~~الشهرة العالمية في السياسة والعلم والأدب، ووراء ذلك الدوي سيرة للرجل ظاهرة، وأخرى ~~باطنة هي التي تعنينا؛ لأننا نعرف منها صاحب الجوائز، ونعرف منها بواعث عمله الباقي الذي ~~تناط به ذكراه: رجل وديع لطيف قضى حياته يشعر بالفراغ، ويتشاغل بالعمل الدائب عن هذا ~~الفراغ، ولا يحس بنفسه خلوا من شواغل العمل إلا ليحس في ضميره بخيبة الأمل، ويحس في جسده ~~بالوهن والحاجة إلى السكينة والعزلة. # طلب إليه أخوه لدفيج نوبل أن يكتب تاريخ حياته، فكتب إليه ما فحواه: إن له نصف حياة في ~~الواقع، وإن هذا النصف كان حقيقا أن يتولاه عند ولادته طبيب من محبي الخير، يكتم أنفاسه ~~ساعة بدرت منه الصيحة الأولى على أبواب الدنيا. # وأراد - بسليقته الأدبية - أن يسطر ترجمته في صورة بطاقة من بطاقات الشخصية فسطرها على ~~الصورة التالية: # ألفريد نوبل: # نصف إنسان # Demi-man # ضئيل، كان ينبغي ~~أن يتاح له طبيب طيب يقضي عليه يوم قدم صارخا إلى دنياه. # مزاياه: # ينظف أظافره، ولا يحب أن يثقل على أحد. # نقائصه وأخطاؤه: # بغير أسرة، كئيب، سيئ الهضم. # أهم رغباته: # ورغبته الوحيدة ألا يدفن بقيد الحياة. # خطاياه: # لا يعبد إله «المامون»! # حوادث حياته الهامة: # لا ms01 شيء. # بطاقة حزينة، فيها مسحة ساخرة، لا يخطر لأحد من المطلعين على حياة الرجل من أهله وصحبه ~~أنه كان مدعيا فيها للتواضع، أو متكلفا للظهور بمظهر الترفع عن الشهرة وبعد الصيت ... وإن ~~الناس - اليوم وقبل اليوم - ليعجبون كيف تخلو حياته من شيء هام يذكره في «بطاقته الشخصية»! ~~وكيف تكون أمنيته الوحيدة في الحياة أن يدفن بعد الموت ولا يدفن بقيد الحياة! وحبذا لو لم ~~يكن دخلها ولم يعرف ما يتمناه فيها وما يحذره منها منذ اللحظة الأولى. # والعجب من هذا حق، ولكنه يزول كلما رجعنا إلى أنفسنا، ولمسنا الفارق في أعمالنا بين ما ~~يهمنا وما يهم الناس فيها، فقد تكون الجوهرة الغالية حلية يتنافس عليها الذين يشترونها، ~~والذين يلبسونها، والذين ينظرون إليها، ولكنها عند الذي يصقلها ويعدها للتنافس عليها: إنما ~~هي تعب الليل والنهار، وعمل من أعمال الحاجة والاضطرار. # وقد كان ألفريد نوبل يعيش حقا في فراغ أليم: بينه وبين وجدانه، وبينه وبين أقرب الناس ~~إليه، وكان هذا الفراغ الأليم هو «أهم شيء» في حياته، إن أردنا أن نعرف الباعث له إلى خلق ~~الاهتمام، وإلى خلق الاهتمام في إبان الحياة، وهو خير عنده من الاهتمام بالذكريات وبالآثار ~~بعد زوال الحياة. ~~••• # وإن هذا الفراغ الذي أضجره على عيشته، وأسخطه على الواقع الملموس في دنياه لعجيب عند من ~~ينظرون إلى شهرة الرجل، ويسمعون بأعماله ومخترعاته، ويعرفون شيئا عن ثرائه ووفرة أرباحه من ~~مصانعه التي انتشرت بين عواصم الغرب وهو في عنفوان شبابه، ولكنه فراغ لا يعجب له من يعلم ~~أنه قضى عمره منذ طفولته دون العاشرة، ولم يمتلئ فؤاده قط من شعور الوطن ولا شعور السكن، ~~ولا شعور الحب والثقة بإنسان من عشرائه وشركائه، ولا بمبدأ من المبادئ التي كانت تروج ~~دعواها بين الناس في زمانه، وهو أعلم من سواه بحقائق هذه الدعوى وراء الستار. # فقد فارق وطنه في طفولته؛ ليلحق بأبيه في عاصمة روسيا التي اختارها مركزا لتجربة ~~مشروعاته ومخترعاته، ثم قضى سائر عمره إلى يوم وفاته متنقلا بين روسيا وأمريكا ms02 وإنجلترا ~~وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وعواصم الدول، أو ضواحي النزهة والاستشفاء، وأتقن في رحلاته هذه ~~ثلاث لغات غير لغته الأصلية، وهي الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ولكنه كان في «حياته ~~اللغوية» مثالا للغربة والانقطاع عن وشائج الفكر في أعماق النفس البشرية، وقد ظهر ذلك من ~~إخفاقه في محاولاته الأدبية، فكان ينظم الشعر بالإنجليزية، فيجيد غاية الإجادة التي يملكها ~~الناظم الغريب عن اللسان والبيئة، ثم يعود إلى لغة الأم - كما يقال أحيانا عن لغة الوطن - ~~فإذا هو غريب عنها يحاول أن يودعها سرائر وجدانه، فكأنه ينقلها من لسان إلى لسان، ومن ~~بديهة إلى بديهة؛ وكأنه في هذه المحاولة يوسط أحدا بينه وبين نفسه قبل أن يوسط الترجمان ~~بينه وبين القراء. # وشعر السري العالمي بالحاجة إلى طمأنينة السكن: إلى «البيت» الذي يأوي إليه الأب والابن ~~والقرين والقريب، ولا تفلح في بنائه الأموال والأمتعة إن لم تتوطد له أركانه الأربعة بين ~~حنايا الصدور. # وكان يتمنى أن يسلم هذا البيت إلى الفتاة التي يهواها، ولكنه فقدها في إبان صباها، ثم ~~أوفى على السن التي ينظر فيها إلى تقرير مصيره «البيتي» قبل فوات أوان التفكير في هذا ~~المصير، وأوشك أن يجد ربة البيت التي توافقه في سنه، وتوافقه في مزاجه، وتوافقه في ~~عمله، فعملت عنده النبيلة «برتا كنسكي» النموسوية كاتبة لرسائله ومديرة لبيته، وكانت في ~~الثالثة والثلاثين وهو في الثالثة والأربعين، فلما أحس ذات يوم أنه يحبها ويرتضيها قرينة ~~لحياته لم يشأ أن يستغل حاجتها إليه وأن يفاتحها بهواه قبل أن يتبين جوابها المنتظر لما ~~سيعرضه عليها في غير حرج ولا اضطرار إلى المواربة، فسألها: أهي طليقة القلب؟ ولم يكن جوابها ~~إلى اليأس ولا إلى الأمل؛ لأنه علم منها أنها أحبت فتى من نبلاء بلادها، وأحبها الفتى فنهاه ~~أهله عن الاقتران بها؛ لفقرها وتفاوت السن بينه وبينها، وأنها هجرت وطنها لتنسى، ولعلها ~~وشيكة أن تنسى ... ولكنه ذهب في رحلة من رحلاته فكتبت إليه في غيبته تستودعه وتعتذر إليه من ~~سفرها قبل عودته، ثم علم أنها استجابت لدعوة عاجلة ms03 من فتاها ، وأنه تمرد على مشيئة أسرته ~~فتزوج بها وأرجأ إعلان الزواج إلى أن يقنع الأسرة بقبوله. وقضي على السري العالمي مرة ~~أخرى أن يأوي إلى العالم كله، ولا يأوي إلى بيت. ~~••• # وقد ربح ألفريد نوبل منذ شبابه ثروة عريضة من مخترعاته ومقاولاته، وربح في كهولته ثروة ~~أعرض منها وأوسع انتشارا بين حواضر العالم وعواصم الدول ومراكز الحياة الاجتماعية، فلم ~~تعطه الثروة العريضة في شبابه وكهولته تلك الثقة التي يفتقر إليها ويود أن يطمئن إلى ركن ~~من أركانها؛ لأنه كسب الثروة من صناعة «المتفجرات»، وهي يومئذ تنوء بأوزار قضية التسليح ~~وقضية السلام، وتتجسم بين أيدي العاملين فيها فضائح الرياء والسمسرة والرشوة ومكائد ~~الجاسوسية. # ومن سخرية الحظ أن ثروة نوبل جلبت له شيئا مذكورا من ألقاب الدول التي جرى العرف على ~~تسميتها بألقاب الثقة والتقدير، أو ألقاب الجدارة والاستحقاق؛ فزادته شكا ولم تزده ثقة، ~~ونقل عنه أنه كان يقول: إنه مدين لألقابه من حكومات الشمال لبراعة طباخه، وللمعدات ~~الأرستقراطية التي كانت تقدر براعة ذلك الطباخ، وأنه مدين بألقابه الفرنسية لصداقة أحد ~~الوزراء، وبألقابه من أمريكا الجنوبية لزيارة هذا الرئيس، أو لولع ذلك الرئيس بتمثيل أدوار ~~التشريف والإنعام. # 2 # وهكذا تكشف لنا هذه الصفحة الباطنة عن رجل وديع، لطيف المزاج، بحث عن الطمأنينة والثقة ~~فلم يجدها في حياته، فتعزى بالعمل لتحقيق الطمأنينة والثقة بعد مماته، وحرص على تقدير ~~العاملين لهما وشعورهم بهذا التقدير وهم بقيد الحياة، وما العمل لتحقيق الطمأنينة والثقة ~~إلا العمل - بعبارة أخرى - لتحقيق السلام والإيمان بالمثل الأعلى؛ مناط الثقة التي لا ~~يدركها المشغولون بالواقع المحدود، ويزيده كلفا بهذه الغاية أنه اخترع شيئا يصلح للتعمير ~~في نطاقه الواسع، فلم يلبث أن رآه بين أيدي الناس سلاحا من أسلحة الحرب والدمار، فهو يرصد ~~المال الذي ربحه من هذه الصناعة؛ للتكفير عن سوء أثرها في أيدي ساسة الأمم وزبانية ~~الحروب، وما كان له من باب للتكفير غير هذا الباب إلا إلغاء ما صنع، ومحو ما اخترع، وليس ~~ذلك بالنافع ولا بالمستطاع. # أما ms04 سيرته الظاهرة فقد أصاب حين قال: إنها لا تشتمل على حدث ذي بال، فإن «المتفجرات» لها ~~دويها الذي يزعج الأسماع، ولكنها عند من يخترعها لا تعدو أن تكون سلسلة من الأرقام ~~والمعادلات، وتجارب المحاولة والتنفيذ. # اضطرت الحياة أباه - عمانويل نوبل - أن يعمل وهو يقارب الرابعة عشرة، ثم أصابه نحس ~~الطالع فاحترق بيته الذي اقتناه، وصفرت يده من المال والصفقة، فغادر ستوكهلم سنة 1837 إلى ~~العاصمة الروسية، وألفريد - صاحب الجوائز - يومذاك في الرابعة من عمره، وبقيت ربة الأسرة في ~~أرض الوطن مع أطفالها الصغار - وهم ثلاثة أبناء - مضطلعة وحدها بتربيتهم وتدبير معيشتهم في ~~غيبة أبيهم، وفي انتظار الفرج من تلك المغامرة في البلد المجهول. # ووصل ألفريد إلى بطرسبرج وهو دون العاشرة، لم يختلف قبلها إلى مدرسة من مدارس التعليم ~~المنتظم غير بضعة شهور، فعوض هذا النقص بالدروس التي كان يتلقاها على أستاذه الخاص في داره، ~~ثم انقطعت هذه الدروس أيضا وهو في السادسة عشرة، فتعلم باجتهاده وفطنته كل ما وعاه من تلك ~~المعارف التي أعانته على الاختراع والإدارة، وتحصيل ما حصل من ثقافة جعلته ندا ~~مشهودا له بالفضل بين أصحابه وعشرائه من نخبة العظماء. # وتحل بالأسرة كارثة جديدة تذهب بمصنع ألفريد وأخيه الصغير إميل (1864)، ولم يفق أبوه من ~~جرائرها حتى قضى نحبه (سنة 1872)، ونهض ألفريد بالعبء كله في تجديد المصنع، والإشراف على ~~معاملاته ومعاملات أسرته بين الأقطار التي زارها، وتعرف إلى أقطاب الأعمال فيها أثناء ~~رحلاته أيام الطلب والاستطلاع. # ويتكشف معدن الرجل من قدرته على توسيع أعماله والنهوض من كبواته مع سوء ظنه بالناس عامة ~~وبأقرب المقربين إليه بعد تجربتهم في أيام سعده ونحوسه، ومفاجآت رواجه وكساده. # وأدل من ذلك على معدن هذه النفس القوية أنها احتفظت بقوتها بين متاعب القلب والجسد، متاعب ~~القلب حرفا ومعنى؛ لأنه كان مصابا بالذبحة الصدرية، ومتاعب الجسد من فرط الجهد ومن سوء ~~الغذاء، أو من قلة هذا الغذاء الصالح الذي كانت تسمح به معدته الواهية. # وفي سان ريمو بإيطاليا في العاشر من شهر ديسمبر سنة ms05 1896 توفي ألفريد نوبل، بعد أن حقق ~~مبادئه، فلم يحفل بنصيب الآحاد من ميراثه كما حفل بنصيب الجماعات، ومنه نصيب خدامها في ~~ميادين الصناعة والصحة والأخلاق. # وأعلنت وصيته بعد أيام من موته، ولكنها لم توضع موضع التنفيذ إلا بعد انقضاء أربع سنوات، ~~وكان هذا التأخير من الأمور المنتظرة؛ لأنها تتطلب إجراءات شتى: قانونية وعملية، يتبعها ~~وكلاء التنفيذ بغير إرشاد من صاحب الوصية، ولا سابقة من وصية قبلها، يهتدون بها، ويعملون ~~على مثالها. ~~••• # وبدأت اللجنة جوائزها الأدبية منذ السنة الأولى في القرن العشرين، وكان أول المختارين لها ~~الشاعر المفكر الفيلسوف «رينيه سولي برودوم» عضو الأكاديمية الفرنسية؛ «تقديرا لتفوقه في ~~الأدب، ولا سيما الشعر الذي يتسم بالروح المثالية السامية والإتقان الفني والتوفيق النادر ~~بين الضمير والعبقرية.» # | جوائز الأدب العالمية # إن التحدث عن جوائز الأدب العالمية موضوع حاضر في كل وقت، متصل في كل موسم من مواسم ~~الثقافة، وهو - على هذا - شائق ومفيد، تفضل باقتراحه خبراء الإذاعة العارفون بمطالب ~~المستمعين، فحمدت اقتراحهم واستجبت إليه. # يحب الناس بالطبع حديث الجوائز، كما يحبون كل منظر من مناظر السباق والمباراة في ميادين ~~النشاط الفكري أو ميادين الرياضة البدنية؛ لأنه يحفز النفس إلى التطلع، ويستنهضها إلى طلب ~~العلم بأسباب السبق والشعور بالنقيضين المتقابلين، فوز السابق وتخلف المسبوق. # وفائدة النظر في أحكام المحكمين بين المتسابقين أبلغ وأكبر من لذة الشوق والاستطلاع ~~إلى أسباب الفوز وأسباب الحرمان، فإن هذه الأحكام ميزان صادق لأمانة الفكر، ونزاهة الضمير، ~~وصحة المعرفة، وما من دراسة للنفس البشرية أصلح من أحكام المحكمين في جوائز الأدب ~~لمراقبة العقل والنفس والضمير معا بين مهب الأهواء، وشبهات الأغراض، ونوازع المعرفة ~~والجهل، وأعراض التقلب والاستقرار؛ لأن التمييز على ضوء العقل وهدى البصيرة بين ثمرات ~~القرائح الإنسانية هو المحك الصادق لكل فضيلة من فضائل الفهم النافذ، والخلق القويم، ~~والقدرة على مغالبة الأهواء والشهوات؛ وفائدة الناظر في هذه الأحكام هي فائدة العلم ~~بالطبيعة الإنسانية في قمتها العليا: وهي قمة الإدراك والإنصاف. # وجوائز الأدب العالمية كثيرة في العصر الحاضر، يتشعب الكلام ms06 عليها جميعا، فلا ينتهي إلى ~~نتيجة محدودة، ويغني عن تتبعها في وقت واحد أن نقصر الكلام على مثال منها يصدق عليه ما ~~يصدق عليها، فإذا اكتفينا منها بأقدمها وأشيعها وأعمها غرضا وأكبرها أثرا ففي ذلك بلاغ ~~يغني عن التوسع والاستقصاء. # جائزة «نوبل» السويدية هي الجائزة التي تصدق عليها هذه الصفة بغير خلاف. # وليس الكلام على جائزة «نوبل» بالشيء الجديد ... فقد كثر الكلام في كل عام على تاريخها، ~~وتاريخ صاحبها، وتواريخ الفائزين بجوائزها، كما كثر التعليق على اختيارها بين الموافقة ~~والمخالفة، وبين الاستحسان والإنكار، ولنا أن نقول: بل بين التبرئة والاتهام. # ولكننا نحب أن نختار للكلام عليها بابا من التعليق والتعريف: بابا غير مطروق، أو بابا ~~لم يطرقه الطراق من قبل حتى لا مفتتح فيه للعودة إليه، حينا بعد حين. # إن أحكام لجنة الجائزة السويدية ميزان لثمرات القرائح والأذواق. # وتعليقا على أحكامها في هذه الصفحات هو «وزن الميزان» إذا شئنا أن نجمعه في ~~كلمتين. # ما معيار هذا الميزان؟ # ما مبلغه من الدقة؟ # ما مبلغه من الصواب؟ # ما هو مبلغ التعويل عليه من ناحية الكفاية العلمية أو كفاية المعرفة والدراية؟ # هل هو مثل عال لما تبلغه الجوائز العالمية من الصواب والإنصاف؟ أو هناك فوق هذا المثل ~~مثل أعلى منه وأقرب إلى التقدير الصحيح؟ # إن الإجابة عن هذه الأسئلة بالآراء النظرية شرح يطول. # ولكن المقارنة العلمية أقرب من ذلك إلى التفاهم المتفق عليه، وسبيل المقارنة العلمية هو ~~الموازنة بين أسماء معلومة معروفة القدر عند الجميع من المستحقين للجائزة، وممن لهم من ~~أصحاب الشهرة العالمية التي تمحصت مع الزمن، وتساوت فيها الموازين بغير خلاف كبير. # ولنقابل إذن بين عشرة من الذين استحقوا الجائزة وعشرة من الذين لم يستحقوها، وليكونوا ~~جميعا من الأدباء العالميين الذين اشتهروا منذ قيام اللجنة السويدية بأعمالها؛ أي منذ ~~أوائل هذا القرن العشرين. # أما العشرة الذين نذكرهم بغير ترتيب أو مفاضلة فهم: «كاردوتشي، كيلنح، رومان رولان، ~~جالزورتي، تاجور، أناتول فرانس، برناردشو، برجسون، أندريه جيد، هنجواي.» # هؤلاء هم العشرة الفائزون. # أما غير ms07 الفائزين فهم كذلك بغير ترتيب ولا مفاضلة: أميل زولا، بول يورجيه، لون تولستوي، ~~توماس هاردي، محمد إقبال، نقولا كزانزاكس، بلاسكو أباتير، أميل فاجيه، بنديتو كروشه، روبرت ~~فروست. # ويلوح لنا هنا معيار المقارنة الواقعية لأول وهلة؛ لأن سماع الأسماء كاف للموازنة ~~المتفقة بين الأحكام والأقدار. # فمما لا شك فيه أن المتروكين على الجملة لا ينتقصون في معيار من معايير الشهرة ~~والاستحقاق عن الفائزين، ويجوز عند الكثيرين أن يكون المتروكون - على الجملة - أرجح في ~~ميزان الشهرة والاستحقاق من جملة الفائزين. # وإذا جاز الخلاف في هذه الموازنة فهناك أسماء أخرى من الذين فازوا بالجائزة، لا يختلف ~~اثنان في تقديرهم عند المقارنة بينهم وبين من ذكرناهم من الفائزين أو المتروكين. # وهذه عشرة أسماء، نذكرها كذلك بغير ترتيب ولا مفاضلة، وهم: يونتوييدان الدنمركي، وسيلانيا ~~الفنلندي، ولالنس الأيسلاندي، وأسكندر يوتين الروسي، وسلفانور كواسمورو الإيطالي، وهيد ~~نستام السويدي، وجون بيرس الفرنسي، وإيفواندريش اليوغسلافي، وايشيجاري الإسباني، وبول هيس ~~الألماني. # فلا محل للتردد الطويل في حقيقة يجزم بها كل من يستمع إلى هذه الأسماء من المطلعين على ~~أسماء الأدباء العالميين الذين توطدت لهم أركان الشهرة على ممر الزمن: إن هؤلاء الفائزين ~~لم يرتفعوا إلى مكانة المتروكين بتقدير الصيت الذائع ولا بتقدير النبوغ المتفق عليه. # ولا محل - بعد ذلك - للتردد في حقيقة مثلها لا بد أن تترتب عليها؛ وهي أن جائزة نوبل ~~ليست شهادة محققة برجحان من ينالها على من تتخطاه، وإن كثيرين ممن لم ينالوها أرجح قدرا، ~~وأثبت فضلا، وأشيع ذكرا من الفائزين بها، فما معنى هذا التفاوت البين في أحكام ~~اللجنة؟ # هل معناه أنه خطأ راجع إلى المحاباة وتحكم الأهواء؟ # هل معناه أنه خطأ، ولكن لا يرجع إلى المحاباة بل إلى نقص في موازين النقد ~~والتمييز؟ # هل معناه أنه علامة على القصور في كفاية اللجنة لأداء مهمتها؟ # أيصح أن تكون لجنة أخرى أقدر منها على النهوض بهذه المهمة العالمية؟ # ظاهر الأمر أن هذه الظنون نتيجة لازمة لذلك التفاوت البين في أحكام اللجنة ~~وتقديراتها. # ومهما يكن من مقطع اليقين ms08 في هذه الظنون فالمسلم به ، في غير تردد، أن لجنة نوبل ليست ~~بالمعصومة من عوارض المحاباة والخطأ ولا من النقص في معايير النقد والتمييز، ولكنه حكم لا ~~تنفرد به اللجنة السويدية وحدها ولا تسلم منه، على عمومه جماعة من بني الإنسان في كل زمان ~~وفي كل مكان. # فإذا حسبنا للجنة قسمتها من الضعف الإنساني الذي لا محيد عنه، فمن الإجحاف بها أن ~~تحال عيوب التفاوت في الأحكام كلها إلى اختيارها، وأن تلقى التبعة كلها عليها في ترجيح ~~المجروحين وتطفيف ميزان الراجحين ... فإن هناك ظروفا كثيرة من طبيعة العمل في ذاته تعفي ~~اللجنة من تبعات التفاوت في الحكم، وتجعل هذا التفاوت في بعض أحواله ضربة لازب لا حيلة لها ~~- ولا لغيرها من لجان التحكيم - فيها. ~~••• # أول هذه الظروف أن اللجنة مقيده بشرط مقدم على سائر الشروط في الكتابة التي تستحق ~~الجائزة؛ وهو خدمة السلام والاتجاه بالكتابة إلى وجهة المثل الأعلى. # وسبب هذا الشرط - كما هو معلوم - أن مؤسس الجوائز «ألفريد نوبل» كان من مخترعي صناعة ~~الديناميت، وكان يشفق من استخدام هذه المادة المهلكة في أعمال التسليح، فوقف من ماله حصة ~~كبيرة لاستغلالها في الأغراض السلمية، والإنفاق من أرباحها على هذه الجوائز لمن يستحقونها ~~في خدمة السلام وتحقيق آمال الإنسانية، بين الممتازين من الأدباء والعلماء وأقطاب ~~السياسة. # ولا يندر - على هذا الاعتبار - أن ينال الجائزة كاتب متوسط يتوافر له هذا الشرط، ~~ويحرمها كاتب أقدر منه وأوسع شهرة في زمانه، ولكنه متشائم أو منصرف إلى الهدم وإثارة ~~الخصومات في مقاصد الفتح والاستعمار. ~~••• # مسألة أخرى تحسب من قيود اللجنة التي تضطرها إلى التفاوت في أحكامها؛ وهي أنها تعطي ~~جوائزها لمن يستحقونها في عشرات السنين، ولا تقصرها على سنة واحدة - فلا يندر في هذه الحالة ~~أيضا أن يظفر بها من هو أقدر منه وأوفى نصيبا من الشهرة العالمية - لأنه لم يبلغ مكانته ~~إلا بعد سنوات. # وسبب غير هذا من دواعي التفاوت في أحكام اللجنة، وهو أنها - في الواقع - لجان عدة، وليست ~~بلجنة واحدة في تكوين ms09 أعضائها، فإن الذين يحكمون اليوم في الجوائز غير الذين كانوا يحكمون ~~فيها قبل خمسين سنة ... ومن هنا يأتي الاختلاف لا محالة في الأذواق والأفكار. # ومن أهم أسباب التفاوت في الأحكام أن اللجنة مرتبطة بالحكومة في دولتها؛ لأن جوائزها ~~تصدر من هيئات رسمية، وتوزع في محافل يشهدها رؤساء الدول؛ فمن العسير على اللجنة أن تتجاهل ~~مواطن الحرج السياسي في علاقة الدولة بسائر الدول الكبرى والصغرى، وبخاصة في مسألة السلام، ~~أو مسألة التمييز بين من يخدمه ومن يجني عليه. # وشبيه بذلك موقف اللجنة في توزيع الجوائز بين الأمم، فربما تعمدت أن تتخطى أديبا كبيرا ~~في أمة كثر فيها المستحقون للجائزة، وتعمدت أن توجهها إلى من هو دونه في أمة أخرى، حذرا ~~من مظنة المحاباة. # وبعض هذه الأسباب صالح لتسويغ كثير من المفارقات في تقدير اللجنة، ولكنه لا يصلح لتسويغها ~~جميعا؛ لأن التفاوت يحصل أحيانا بين أديبين متساويين في جميع مزايا الترشيح والترجيح، ~~ويحصل كذلك أن تتغاضى اللجنة عن نزعة التشاؤم في بعض الكتاب ولا تتغاضى عنها في غيره، وأن ~~تنظر إلى السلوك «الشخصي» مرة، ولا تنظر إليه مرة أخرى، وقد يكون الاعتماد على الواقع في ~~بيان هذه المفارقات أولى من الاعتماد على الرأي والنظر ... وفي تجارب اللجنة خلال السنين ~~غناء عن مناقشة الآراء والنظرات، مما سنبينه في الصفحات التالية إن شاء الله. # | أكبر من الجائزة # تقدم أن جوائز الأدب العالمية تتعرض للتفاوت في أحكامها لأسباب شتى غير المحاباة ~~وغير الخطأ في التقدير. # تتعرض للتفاوت في الأحكام أحيانا؛ لأنها مقيدة بشروط تلاحظ إلى جانب الإجادة الفنية ~~والمقدرة الأدبية؛ أو لأنها تمتد بأعمالها زمنا طويلا تختلف فيه الأذواق والمقاييس من سنة ~~إلى سنة، ومن حقبة إلى حقبة ... فضلا عن تغير الأعضاء المحكمين جيلا بعد جيل. # ولكن بعض الحالات التي يظهر فيها التفاوت ظهورا بينا لا تكفي لتفسيرها - أو ~~لتفسيرها كلها على الأقل - ولا بد من الرجوع إلى الواقع مرة أخرى لتفسير تلك الحالات التي ~~يعوزها التفسير، بل التفسير الكثير. # وأصلح الأسماء للاختيار في هذا ms10 الصدد، تلك الأسماء التي برزت على الأفق بروزا لا يخفى ~~على أحد، وصح فيهم قول القائلين: إنهم أكبر من الجائزة بالقياس إلى الحد الوسط بين ~~مستحقيها، وليس قصارى القول فيهم اليوم أنهم يستحقونها أو لا يستحقونها. # ونكتفي بأربعة منهم في هذا الحديث، نختارهم من أمم متعددة، تجنبا للأمور العارضة التي ~~قد تنحصر في أمة واحدة. # هؤلاء الأعلام الأربعة هم: هنريك إبسن النرويجي، وليون تولستوي الروسي، وأميل زولا ~~الفرنسي، وتوماس هاردي الإنجليزي، وقد كان الثلاثة الأولون في أوج شهرتهم في السنة الأولى ~~من القرن العشرين، وهي السنة التي بدأت فيها أعمال اللجنة، وكان توماس هاردي في الحادية ~~والستين من عمره مكتمل الشهرة في القصة، صاعدا إلى ذروة الاعتراف والتقدير في الشعر، وإن ~~لم يدرك فيه تلك المكانة الأدبية التي انتهى إليها إبسن وتولستوي وزولا. # كان إبسن في مطلع القرن العشرين علم المسرح الأوروبي الجديد غير منازع، وكانت مؤلفاته ~~كلها قد شاعت في أرجاء العالم، وفرغ النقاد من التنويه بها ومن إحلالها محلها بين المأثورات ~~المسرحية، بعد هدوء الحملات الشعواء التي أثيرت حولها عند ظهروها، ولكنه نرويجي من ~~السكندنافيين كأعضاء اللجنة السويدية المحكمة في جوائز نوبل، وكانت اللجنة تستهل عملها في ~~سنتها الأولى، وتريد أن تقرر لجائزتها مكانة الحكم المحترم في الأرجاء العالمية، وليس مما ~~يحقق لها هذه الصفة أن يفهم الناس من الخطوة الأولى أنها هدية من أبناء الشمال إلى أبناء ~~الشمال، وهذا إن سمعوا بها في أرجاء العالم، وهي محصورة في حدودها الضيقة باحتفالاتها ~~ومظاهراتها وزيارات المدعوين إليها، فانصرفت اللجنة عن هذه الجهة القريبة منها، واتجهت ~~بنظرها إلى الأفق الأوروبي الواسع، وإلى أفق باريس خاصة، وهي كما كانوا يسمونها إلى تلك ~~الآونة عاصمة الثقافة الغربية، واختاروا لجائزتهم الأدبية الشاعر الفرنسي «سولي برودوم» ~~زعيم المدرسة المثالية في عصره، وفاقا للشرط الأول من شروط صاحب الجائزة، وابتعدت بذلك عن ~~شبهة العصبية المحلية، التي كانت تلحق بها وتلازمها لو ابتدأت بواحد من أبناء السويد ~~والنرويج. # وانقضت السنة الأولى والثانية، ثم عاد إبسن إلى ms11 رأس القائمة، وزال المحظور بتوجيه الجائزة ~~سنة إلى شاعر فرنسي، وسنة بعدها إلى مؤرخ ألماني؛ بل كثرت الأقاويل بعد السنتين الأوليين ~~حول حرمان أبناء الشمال من حقهم في السمعة العالمية، ورأت اللجنة أنها تستطيع أن تنصفهم ~~بغير حرج من تلك الشبهة المحظورة، ولكن قائمة الترشيح قد ظهر فيها اسم آخر مع اسم إبسن من ~~صميم أبناء النرويج، وهو الشاعر القصاص المسرحي بجورنسون بجور نستجيرن. # كلاهما نرويجي، فمن منهما تفضله اللجنة السويدية عن الآخر؟ # إبسن ولا شك أكبر وأشهر، ولكن زميله كان من قادة الحركة الوطنية في بلاده، وكانت بلاده ~~يومئذ تنازع دولة السويد في قضية الوحدة، ولا تزال دولة السويد ترجو أن تصالحها، ولا تحب ~~أن تزيدها من أسباب الخلاف ودواعي المطالبة بالانفصال، فاعتقدت اللجنة السويدية أن حرمان ~~بجورنسون من الجائزة سيفسر بين أبناء قومه بأنه عقوبة له على موقفه من القضية الوطنية، ~~وخطر لبعض الأعضاء أن تقسم الجائزة بين الأديبين الكبيرين، فعارضهم أكثر الأعضاء ~~استعظاما لقدر كل منهما أن يجاز بنصف جائزة، وحذرا من أن يقال: إن نصف الجائزة هو ~~كل ما استحقه أبناء الشمال. # ولما استقر الرأي على الموازنة بينهما لاختيار واحد منهما، كانت الكفة الراجحة إلى جانب ~~بجورنسون، لما تقدم من موقفه في القضية الوطنية، وكان الأستاذ «ويرسين» أقوى الأعضاء نفوذا ~~يعارض - من مبدأ الأمر - في اختيار إبسن، فاتخذ من شهرته السابقة سببا لترجيح زميله عليه، ~~إذ كان بجورنسون في أوج قدرته على الإنتاج وخدمة الفن والمجتمع، وكان إبسن يومئذ شعلة تنطفئ ~~كما قال ... وربما كان السبب الصحيح لمعارضة «ويرسين» أنه كان لا يعترف بالفضيلة المثالية ~~لهنريك إبسن، وكان يعيب عليه تشجيع الإباحة والتمرد في تصويره لبعض أشخاصه من الرجال ~~والنساء، كما يعيب عليه قلة عنايته بالأسلوب. ~~••• # أما «تولستوي» فقد كان اسمه هو الاسم الوحيد المنتظر باتفاق الآراء في السنة الأولى من ~~عمل اللجنة، وكان أدباء السويد قبل غيرهم من أدباء القارة أول من احتج على اللجنة بعد إعلان ~~نتيجتها، فكتب اثنان وأربعون من كتاب السويد وشعرائها ms12 خطابا مفتوحا إلى المصلح الكبير ~~يحيونه فيه، ويعتذرون من تغافل اللجنة عنه، وتجدد البحث في ترشيحه في السنوات التالية، ~~ولم تتفق الآراء على قرار قبول، ثم عدلت اللجنة عن البحث في هذا الترشيح بعد أن أعلن ~~«تولستوي» رأيه في الجوائز المالية التي يكافأ بها حملة الأقلام، وبعد أن علمت اللجنة أنه ~~سيرفض الجائزة، ويأبى أن يشار إلى بعض عمله باستحقاقها، واستثناء أعماله الأخرى في هذا ~~القرار. # والأسباب المطوية وراء هذه الأسباب المنشورة لا تخفى، بعد المقابلة بين جميع الفروض ~~والاعتبارات. # فالسبب الأول يرجع إلى النفور القديم بين أبناء السويد وولاة الأمر في الدولة الروسية، ~~وهو نفور من طمع القياصرة في بلادهم يقترن به شعور الحذر من إغضابهم وخلق الأزمات من جراء ~~إثارتهم ومواجهتهم بالعداء والمقاومة. # وقد خيف أن يكون تعظيم «تولستوي» تحديا مكشوفا للحكومة القيصرية، ومناصرة صريحة للثورة ~~عليها. # ولما احتدم السخط على اللجنة في بلادها وفي غير بلادها كان لا بد لها من عذر تدفع به عن ~~خطتها حيال هذا المصلح الروسي المحبوب، فكان عذر «ويرسين» الذي تقدم ذكره أن تولستوي يدعو ~~إلى الفوضى، ويفرط في إنكار الحضارة ورفض الثقافة للعودة إلى ما يسميه بالرجعة إلى أحضان ~~الطبيعة، فإذا أجيزت أعماله بغير تمييز ففي ذلك إجازة لهذه الدعوة، وإذا ميزت اللجنة بعض ~~أعماله ونصت على استثناء غيرها فقد يسوءه ذلك، فيهين اللجنة برفض جائزتها ورفض حكمها ... ثم ~~جاء تصريح تولستوي باستنكار الجوائز المالية على إطلاقها في خلال هذه الضجة، فانفض الخلاف ~~بهذا التصريح. # وتبقى بعد ذلك حقيقة لا بد أن تخطر على البال، فقد كان في وسع اللجنة - من بادئ الرأي ~~- أن تبني تقريرها على أعماله التي ترتضيها دون أن تشير إلى غيرها، وهي إذا قالت: إنها ~~تقدر كفايته الفنية وجهوده الإنسانية وصدقه في الغيرة على الإصلاح لم يكن لزاما عليها أن ~~تنص على كلام بذاته يخالف ما ترتضيه، ثم يفهم الناس - بداهة - أنها لا ترتضي كل ما يدعو ~~إليه. # على أن المسألة الشكلية كان لها شأنها في تجاوز ms13 تولستوي أول مرة؛ لأنه لم يكن مرشحا ~~للجائزة بالطريقة القانونية، ولم تكن اللجنة في السنوات الأولى تبيح لنفسها أن تتولى ~~الترشيح من عندها مع وجود الترشيحات الخارجية، وإنما أباحت ذلك بعد تجربتها لمسألة ~~«تولستوي» بقليل. ~~••• # وقد كان ترشيح «أميل زولا» مستوفى في شكله القانوني غاية الاستيفاء، وكان بين يدي اللجنة ~~منذ جلساتها الأولى، تدعمه التزكية القوية من عالم له خطر كبير في حساب مؤسسات نوبل ~~الكيموية، وهو العلامة «پيير برتلو» نابغة الكيمياء المشهور. # ولقد كان لاسم «أميل زولا» يومئذ دوي متجاوب الأصداء بين أرجاء العالم، بعد خطابه ~~الجريء الذي أذاعه في الصحف بعنوان «إني أتهم»، وكال فيه التهم يمينا وشمالا للوزراء ~~والقضاة والقادة والساسة والمحققين، ولم تمض سنتان على إذاعة ذلك الخطاب حين تقدم ترشيحه ~~لجائزة الآداب العالمية، تلك الجائزة المشروطة بخدمة المبادئ المثالية، وأولها مبادئ العدل ~~والحرية. # ولكن ترشيح «أميل زولا» رفض منذ البداءة بغير عناء ... لم؟ ما من سبب واحد يمكن أن ~~يلقي عليه اللوم كله؛ بل هناك أسباب مشتبكة مشتركة يعد منها من شاء خطأ النقد واختلاف ~~النظر بين العصور، كما يعد منها عوامل السياسة ودفع الشبهات ومجاملة المقامات المرعية في ~~تقدير اللجنة. # لقد كان معروفا عن ألفريد نوبل - وهو أديب له مذهب في الأدب - أنه شديد النفور من مذهب ~~«الطبيعيين» الذين يقودهم «زولا» في اللغة الفرنسية، وكان يرميهم بالخشونة وجلافة الذوق ~~التي لا تتفق مع الأريحية المثالية، وكان دفاع زولا عن دريفوس قد ألقى به في معمعة الحرب ~~التي عرفت يومئذ باسم «عداوة السامية»، وجعلته خصما صريحا للدولة الفرنسية، ولم تكن ~~محاكم فرنسا قد أعلنت براءة دريفوس في السنة الأولى من القرن العشرين؛ لأنها أعلنت بعد ذلك ~~بخمس سنوات، ولم يكن أنصار المذهب الطبيعي في الشمال قد غلبوا على خصومهم من المثاليين ~~والرومانسيين، فاشتركت هذه العوامل جميعا في إنكار فضل ثابت، ليس من ينكره في هذه ~~الأيام. # أما قصة «توماس هاردي» فهي قصة مبدأ وقصة حظ في وقت واحد، كان اقتراح اسمه يتكرر سنة بعد ~~سنة، ms14 ويتكرر رفضه في كل مرة لسبب واحد، وهو روح التشاؤم الذي تغلب على رواياته وأشعاره، ثم ~~عدلت اللجنة عن اعتبار التشاؤم مناقضا للمبادئ المثالية أو المبادئ الإنسانية، ولبثت على ~~هذا الرأي إلى السنة التي أجازت فيها أناتول فرانس، وهو لا يقل في تشاؤمه الساخر عن هاردي، ~~ثم عرض اسم هاردي مع اسم الشاعر الأيرلندي وليام تبلر ييتس في إبان العطف على النهضة ~~السلتية، وقيل في ترجيحه على هاردي: إن الاعتراف بفضل هاردي قد تأخر حتى أصبح الاعتراف به ~~الآن مذكرا بالإهمال، لا بالتقدير. ~~••• # ظروف متشعبة، مشتبكة، تعمل أحيانا على حجب الجائزة العالمية عن أشهر الأدباء العالميين، ~~ويصح أن يقال - كما قيل مرارا - إن ظروف الجوائز العالمية قد تحجبها عمن هم أكبر منها، ~~ولا لوم على أحد بعينه في النهاية! # | التفاوت بين الأمم في جوائز «نوبل» # ظهر لنا - فيما سبق - أن أحكام اللجنة عرضة للتفاوت الكبير بين المستحقين وغير ~~المستحقين. # وظهر لنا إلى جانب ذلك أن هذا التفاوت لا يرجع كله إلى سوء القصد أو سوء ~~التقدير. # ولكن له أسبابا أخرى: أهمها أن اللجنة مقيدة بشرط إنساني أخلاقي، لا بد لها من ~~ملاحظته عند المفاضلة بين الأدباء بالمزايا الفنية والأدبية، وذلك الشرط هو خدمة قضية ~~السلام والمثل الأعلى. # ومن تلك الأسباب ارتباط اللجنة بالدولة، فلا تستطيع أن تسقط من تقديرها حساب العلاقات ~~السياسية والدبلوماسية في مسألة ترتبط بقضية السلام. # ويذكر من هذه الأسباب أن أحكام اللجنة موزعة على عشرات السنين، ويجوز لهذا أن يكون ~~المستحق لها في هذه السنة أقل من زميل له فاته أن ينالها قبل بضع سنين. # ومن هنا تتعرض الموازنة بين الأدباء لكثير من التفاوت في مزايا الفن والأدب، ويمكن أن ~~تنعقد المقارنة بين عشرة نالوا الجائزة وعشرة لم ينالوها، فإذا بالمحرومين أحق بها من ~~الفائزين. ~~••• # لكن التفاوت في الأحكام غير مقصور على أفراد الأدباء؛ بل يتفق في كثير من الأحيان أن ~~تتفاوت الأمم في حظها من عناية اللجنة لأسباب غير فنية أدبية، ولا إنسانية أخلاقية، كما ~~اتفق ms15 ذلك كثيرا في الجوائز التي كانت من نصيب أمم الشمال، وهي الأمم التي اشتهرت باسم أمم ~~السكندناف. # وأمم السكندناف - كما هو معلوم - هي بهذا الترتيب: السويد، والنرويج، والدنمرك، وفنلاندة، ~~وجزيرة أيسلانده! # وقد أصابتها الجوائز بهذا الترتيب أيضا، فمنحت السويد أربع جوائز، ومنحت كل من النرويج ~~والدنمرك ثلاث جوائز، ومنحت كل من فنلاندة وجزيرة أيسلانده جائزة واحدة. # وكأنما لوحظ أن الدنمرك تخلفت في المضمار بعد السنوات الأولى، فمنحت جائزتها لأديبين في ~~سنة واحدة، وهي سنة 1917 إحدى سنوات الحرب العالمية. # وقد كانت هذه الرعاية لأمم الشمال مقصودة من السنة الأولى، فكان اسم «إبسن» في مقدمة ~~الأسماء التي عرضت لابتداء الاحتفال بالجائزة عند نشأتها، ولكن اللجنة كانت حريصة على تحقيق ~~الصفة العالمية لجوائزها، وكان الابتداء بأنه من أمم الشمال خليقا أن يفقدها انتباه ~~العالم إليها في أول تجربة من تجاربها، فلما مضت السنة الأولى والثانية، لم تشأ السويد أن ~~تبدأ بنفسها، وكان من مساعيها في ذلك الحين أن تحسم الخلاف بينها وبين جارتها النرويج في ~~قضية الوحدة الوطنية، فاتجهت الجائزة اتجاها «تلقائيا» - كما يقال - إلى أديب النرويج ~~الذي اشتهر اسمه في تلك القضية، وهو الشاعر الناثر بجور نستجيرن بجورنسون. # والحرص على شمول الأمم السكندنافية بالجائزة ظاهر من مراجعة أسماء المؤلفين وأسماء الكتب ~~أو الموضوعات، بغير حاجة إلى التوسع في التفصيل. # ففيما عدا أديبا أو أديبين، لم يعرف أحد من أولئك ~~خارج بلاده في نطاق عالمي واسع. # ولم يتحقق لواحد منهم موقف ممتاز في شرط الجائزة الأول، وهو خدمة قضية السلام والمثل ~~الأعلى، ولا تحققت له المزايا الفنية على ذلك المثال الرائع، الذي يسوغ الإغضاء عن ذلك ~~الشرط بعض الإغضاء أو كل الإغضاء. # فالأدباء الذين ميزتهم اللجنة من أمم الشمال هم: بجورنسون من النرويج، وسلما لاجرلوف وهيد ~~نستام من السويد، وكنوت هامسون وسيجريد أندسيث من النرويج، وأريك كارلفلد من السويد، ~~وسيلانيا من فنلاندة، وجنسين وجيلروب # Giellerup # وبنتو ~~بيدان من الدنمرك، ولاكسنس من أيسلانده، ولاجر كفيست من السويد. # وكلهم على فضلهم وكفايتهم لم يرتفعوا ms16 إلى منزلة فوق منزلة الطبقة الوسطى بمقياس الشهرة ~~العالمية، ولم ترفعهم إلى ما فوق تلك الطبقة شهرتهم العالمية التي أحاطت بهم بعد منح ~~الجائزة، ويغلب على الظن أنهم لو نشئوا في غير بلاد السكنداف، لما تتبعتهم اللجنة حيث كانوا ~~بهذه العناية وهذا الاستقصاء. # على أنها لم تنس رعاية السمعة العالمية مع هذه الرغبة الدائمة في مجاملة الأمم ~~السكندنافية، ورعاية أواصر القرابة والجوار بين أمة السويد وسائر تلك الأمم التي شملتها في ~~أوائل القرن العشرين جامعة «النورديك» أو الشمالية، بعد أن شاعت على الألسنة في تقسيم ~~العلاقات العنصرية. # فقد اتخذت اللجنة من الظروف العالمية مسوغا لاختصاص بلاد الشمال بثلاث جوائز في ثلاث ~~سنوات متواليات، فبدأت في إبان الحرب العالمية الأولى بتوجيه الجائزة إلى أديب من الأمة ~~الفرنسية التي كانت في مقدمة الأمم المشتركة في القتال: وهو رومان رولان المعروف بجرأته ~~النبيلة في الدعوة إلى السلام، ثم اتخذت من الحرب الكبرى مسوغا لاجتناب الأمم المشتركة ~~فيها، ومنحت الجائزة سنة 1916 أديبا من السويد، ومنحتها في السنة التالية أديبين من ~~الدنمرك، ووقفتها سنة، ثم عادت إلى أمم الشمال فوجهتها سنة 1920 إلى أديب من ~~النرويج. # أما أسباب منح الجائزة في جميع هذه السنين، فالهدف المقصود فيها أظهر وأدل على الرغبة في ~~الاختصاص؛ لأنها - جميعا - من الأسباب التي يصل إليها طالبها بعد البحث عنها، وليست من ~~الأسباب التي يفرضها على اللجنة وفاؤها بجميع الشروط واتفاق الآراء عليها بغير بحث مقصود، ~~فاعتبرت الدعوة إلى مذهب من مذاهب علم الجمال مرشحا للجائزة التي منحتها الأديب السويدي ~~هيد نستام عضو المجمع المشرف على هيئة التحكيم، وقالت في تحيتها له: «إنها تقدر عظمة شأنه ~~في الدعوة إلى عهد جديد في فنوننا الجميلة.» وهي مزية خاصة باللغة السويدية. # وقالت عن الأديب الأيسلاندي: «إنها تمنحه الجائزة لكتابته الملحمية الحية التي جددت فن ~~القصص الأيسلاندي القديم.» # وقد كان تعدد أسباب المنح خليقا أن يفتح الأبواب أمام اللجنة للاختيار من بلدان كثيرة ~~في كل آونة، ولكنها عددت الأسباب وحصرت الجائزة في اثنين ms17 من بلد واحد حين اختصت بها الدنمرك ~~سنة 1917. # فقالت عن جيلروب # Giellerup ~~«إنها تقدر في هذا الشاعر ~~المفكر وفرة محصوله في فن القصة مع التنوع والنزعة المثالية.» وقالت عن زميله بوتبدان Pontoppidon # الذي أسهب في بحث مشكلات الروح الإنسانية، ~~وأنها قدرته لما امتاز به من الأوصاف القيمة للحياة الحاضرة في بلاده. # وألطف ما يلاحظ من الرغبة في المجاملة والاسترضاء بين الأختين الكبيرتين في الزمرة ~~السكندنافية، أن اللجنة لم تشأ أن تختار سيدة من السويد دون أن يكون للنرويج نصيب مثل ~~نصيبها في رعاية الجنس اللطيف، فلحقت سيجريد أندست النرويجية بسلما لاجرلوف السويدية، بعد ~~فترة عشر سنوات. ~~••• # فهناك - إذن - ميزانان في يد لجنة نوبل، تزن بهما؛ ميزان لأمم الشمال، وميزان آخر لسائر ~~الأمم. # وهناك تفاوت لا شك فيه، ولكنه في عرف المنصفين تفاوت شبيه بالعدل إن لم يكن هو العدل ~~بتمامه ... لما فيه من رعاية الجوار وحسن المعونة الذي لا ينتظر من غير هذه الناحية، فإن لم ~~يكن عدلا كل العدل فهو إحسان من أجمل الإحسان، وبخاصة لما فيه من المحافظة على قيمة ~~الجائزة عند النظر إلى معايير الفن الصحيح، فإن الجوائز السكندنافية لم توجه إلى أحد خلو ~~من مزايا الإتقان. ~~••• # إلى الناحية الأخرى من الجوار أمة مقصودة بالاجتناب، تقابل هذه الأمم المقصودة ~~بالرعاية. # فمن قبل أيام «نوبل» كانت السويد تنظر إلى روسيا القياصرة نظرة الحذر، وبدأت لجنة نوبل ~~عملها في أوائل هذا القرن بين موقفين: موقفها إزاء الأدب القيصري وهي تخشاه، وموقفها أمام ~~أعداء القياصرة وهي تخشى أن تغضب القياصرة بتشجيعهم والعطف عليهم، ثم بقي الجوار على قلق ~~بين السويد وجارتها الكبرى بعد الثورة التي أزالت عرش آل رومانوف. # فمنذ أنشئت الجائزة لم ينلها أديب من الروس، وقد ~~كان إيفان بونين الذي نالها سنة ثلاث وثلاثين روسيا من البيض، ولكنه كان ينتمي إلى الجنسية ~~الفرنسية حين وجهت إليه. # ورضيت اللجنة عن باسترناك سنة ثماني وخمسين (1958) لمساهمته في مجال الشعر العصري، ومجال ~~التراث القصصي في الأدب الروسي. # ولكن الشاعر الذي أرضى ms18 نقاد السويد لم يرض الكثرة من نقاد بلاده، كما يذكر ~~القراء . # على أن هذا الموقف الخاص من الجارة الكبيرة قد تبعته مواقف مثله من أمم كبيرة أخرى، ~~فكان له شأنه في استقلال بعض الدول بجوائزها من الطبقة الأولى، كما حدث في روسيا السوفيتية، ~~وألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، وغيرها من بلاد العالمين القديم والجديد. # | شروط جديدة لجائزة نوبل الأدبية # صدرت الطبعة الجديدة من الكتاب الجامع الذي تطبعه مؤسسة نوبل، وتسجل فيه تاريخ المؤسسة، ~~وتاريخ جوائزها، ومعها بعض التفاصيل عن أعمالها وتقاريرها. # وقد وصلت هذه الطبعة بتاريخ الجوائز إلى سنة إحدى وستين (1961) واشتملت على تعقيبات ~~النقاد التي انتهوا إليها بعد المقابلة بين ظروف الجوائز ومستحقيها، منذ نشأة الجائزة في ~~مطلع القرن العشرين. # وخلاصة هذه التعقيبات - من الوجهة العملية - أن الجائزة الأدبية يجب أن تقتصر على ~~التشجيع المستحق في موضعه، وأن تمنح للذين يقدمون الأمانة الفكرية على المكاسب المادية، ~~ويترفعون عن مجاراة الأهواء المبتذلة طلبا لرواج السوق، ووفرة الربح من أقرب طريق. # فالقيمة المادية التي تقدر لجوائز نوبل - بحسب مواردها السنوية - لا تزال أكبر قيمة ~~بين جوائز العالم، وهي - كما هو معلوم - تتغير من سنة إلى سنة تبعا لموارد المؤسسة، ~~واختلاف قيمة العملة، ولكنها تتراوح على الدوام بين ثلاثين ألف دولار وأربعين ألفا أو تزيد ~~قليلا. # ويلاحظ تقرير المؤسسة أن هذا المبلغ - على ارتفاعه بالنسبة إلى الجوائز العالمية - قد ~~يظفر به الكاتب العصري الرائج ثمنا للعرض على اللوحة البيضاء أو أجهزة التلفزيون، وقد يربح ~~أضعافه من تأليف القصة، ثم من تحويلها إلى التأليف المسرحي، ثم من إخراجها على اللوحة ~~البيضاء وأجهزة التلفزيون، وغير ذلك من وسائل الإذاعة، وتداول النشر بين المعارض العامة، ~~وبين الأندية الخاصة والبيوت. # فإذا نظر الكاتب إلى وفرة العائدة فالقيمة التي ينالها من مؤسسة نوبل ليست بالمطمع ~~الذي يغريه، أو يزين له تفضيل الجد والأمانة في خدمة الفكر والفن على مجاراة الأهواء، ~~ومسايرة السوق، واغتنام تلك الأرباح. # وإذا تذكرنا أن جائزة نوبل قلما تصل إلى الأديب ~~في منتصف الطريق، وأن ms19 جميع الأدباء قد تلقوها وهم على أوج الشهرة في بلادهم أو في ~~بلاد العالم أجمع - فالقيمة المادية بالنسبة إلى هؤلاء لا تحسب من المعونة الضرورية عند ~~مسيس الحاجة إليها، ولا تحسب من ضروب الإغراء التي تبعث القريحة الأدبية إلى تغيير ~~الوجهة، أو القناعة بشرف السمعة، وحسن الجزاء، ولعل المؤسسة لم تنس - وهي تراجع هذه ~~الظروف - قصة برناردشو، ولا عبارته التي قالها للمؤسسة حين رد إليها جائزتها قبل نيف ~~وثلاثين سنة ... # فإنه اقترح على المؤسسة أن تنفقها في ترويج الأدب المشترك بين اللغتين السويدية ~~والإنجليزية ... أما هو - كما قال - فقد وصل إلى الشاطئ، فلا حاجة به إلى طوق ~~النجاة. # وما قاله برناردشو يصدق على الأكثرين ممن فازوا بالجائزة بعد أن جاوزوا منتصف الطريق، ~~ولا سيما أبناء الأمم الكبيرة. # فالأديب الذي يبلغ غاية الشهرة في أمة صغيرة، قد تأتيه هذه المعونة المادية، كما تحقق ~~له معنى التشريف الأدبي في وقت واحد؛ لأنها تشيع ذكره في أنحاء العالم، بعد انحصاره بين ~~حدود بلاده. # أما الأديب الذي يكتب باللغة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية، فهو يكتب ~~للملايين من القراء ويضمن الشهرة العالمية، مع ضمان الشهرة القومية، ويستغني عن الجائزة بما ~~فيها من العون، وما فيها من التشريف أو توسيع نطاق الشهرة على السواء. # بل ربما صدق على أدباء الأمم الصغيرة في العصر الحاضر كل ما يصدق على أدباء ~~الأمم الكبيرة؛ لأن عالم التمثيل على المسرح، وعلى اللوحة البيضاء يزدحم بأسماء ~~الكتاب الذين نشئوا في رومانيا، أو سويسرة، أو إسبانيا، أو أقطار أمريكا الجنوبية ... ومن ~~هؤلاء الكتاب من يطلبهم المخرجون والناشرون، ويبحثون عنهم وهم في ديارهم، طلبا للغرائب، ~~والتماسا للبدع الطارئة على الأسماع والآذان، وإشباعا لرغبة الكشف والاستطلاع التي ~~يتنافس فيها المخرجون والناشرون. # فلا حاجة بالأديب في البلد الكبير أو البلد الصغير إلى المعونة المادية من جوائز نوبل، ~~ولا معنى للقيمة الأدبية - قيمة التشريف والتمجيد - إذا استحقها الأديب بمجرد الرواج ~~والشيوع، وتساوت الكتابة التي تتطلبها بضاعة السوق، وتجد الباحثين عنها والمكافئين عليها ~~بين المخرجين والناشرين، ms20 وهم يعملون لحساب شركات تملك الملايين، وتربح مما تنفقه على ~~المسرحيات والصور المتحركة أضعاف ما يربحه المؤلفون، ويربحه معهم المخرجون ~~والناشرون. # ومحصول التفكير في ذلك كله أن مؤسسة نوبل ترى إعادة النظر في أسباب منح الجائزة؛ ~~تحقيقا لفائدتها الأولى: وهي تقدير الأمانة الفكرية في خدمة الفن والثقافة، وتجنيد القرائح ~~في ساحة الجهاد الشريف للسعي إلى المثل العليا. # ولم يذكر نقاد المؤسسة موضوع الأدب الذي يقصدونه بإعادة النظر في قيمة الجائزة، ولكنه ~~- كما هو واضح - كل أدب يرتفع إلى الذروة في البلاغة وأمانة التفكير، ولكنه يقصر عن الكسب ~~في معترك الزحام على إرضاء الأهواء والشهوات، ويعجز عن ادخار الثروة لصاحبه بحساب شباك ~~التذاكر، ونسخ البيع وأبواق الدعاية. # وتكاد الموضوعات من هذا القبيل أن تسمي نفسها لمن يطلب أسماءها ... فإذا استثنينا ~~القصة التي تثير الغريزة، والمسرحية التي تثير اللغط، وتجتذب النظارة بأعاجيب العرض ~~والتشكيل، واستثنينا معها ضروب التهويل على السذج والجهلاء بالمصطلحات والأسرار، فالذي يبقى ~~بعد ذلك لا يعدو موضوعا واحدا: وهو الأدب البليغ من المنظوم والمنثور، يستند إلى شيء في ~~النفس الإنسانية غير شهوة الغريزة: يستند إلى الذوق السليم، والضمير المستقيم. # ومما لا ريب فيه أن الجوائز العالمية ستفقد وظيفتها إذا كان مقياسها هو مقياس الشهرة لا ~~أكثر ولا أقل، وكان مقياس الشهرة هو مقياس الرواج والكسب في سوق الساعة. # وأضيع ما تكون الجائزة العالمية إذا هي نافست أرباب هذه السوق في تجارتهم التي يحسنونها، ~~وينقطعون لتجاربها ومنوراتها، فإن الناظر إلى المثل الأعلى، وإلى القيم الإنسانية الباقية ~~لا يستطيع أن يحقق شروط الكمال، وشروط الربح، والرواج في صفقة واحدة، ومهما يفعل فإن ~~المتجرين بالأدب سيعرفون كيف يجتذبون إليهم طلاب الربح ورواد الشهرة، ولا يعنيهم بعد ذلك ~~أمر الذين يفضلون الإتقان على النجاح، ويقنعون بخمول الذكر إذا كلفتهم الشهرة العاجلة ~~أن يخونوا أمانة الفكر التي يؤمنون بها. # وربما كان في وسع الناشرين والمخرجين أن يسخروا وسائلهم الخاصة لترويج البضاعة ~~الكاسدة في سوق الأدب الرخيص؛ لأنهم يخاطبون جمهور هذا الأدب بما يقنعه ويرضيه، ms21 ولا ~~يتوقف إقناعهم إياه على صحة التمييز، وتمام المعرفة؛ لأن «الموضوعات » في بضاعة الأدب ~~كالموضوعات في الملابس والأزياء، تتوقف على معرفة تامة وتمييز صحيح. # ومنذ سنتين دخلت الأساليب الاقتصادية إلى سوق الجوائز الكبرى في أوسع مجال، ونظمت عملها ~~على قواعد التجارة العالمية التي تقتضيها أحوال الزمن ومطالبه العملية، وليس من اللازم أن ~~تتجه هذه الجوائز إلى غير المستحقين للتقدير والتشجيع، أو غير المؤمنين بالمثل العليا، ~~وأمانة الرسالة الإنسانية، ولكن اللازم فيها أن تنظر إلى الرواج قبل كل شيء، ثم يأتي بعد ~~ذلك دور الإتقان والكمال. # تألفت هيئة واحدة تضم إليها مندوبين من دور النشر في كل من إسبانيا، وفرنسا، ~~وإيطاليا، والسويد، والنرويج، والدنمرك، وهولنده، وتتصل بدارين كبيرتين من دور النشر في ~~إنجلترا والولايات المتحدة، وقد ينضم إليها في المستقبل ناشرون من أمم أخرى. # هذه الهيئة تضمن - مقدما - أن يطبع الكتاب الذي تختاره في بلاد تابعة لأربع عشرة ~~دولة، وتضمن ترجمته إلى عشر لغات أو أكثر من ذلك - إذا اقتضى الأمر - في وقت واحد، وتضمن ~~وسائل الإعلان والتوزيع في الصحف التي تقرأ بتلك اللغات، فلا تعطي جائزتها إلا وهي على ثقة ~~من تعويضها السريع أضعافا مضاعفة، وقد تقترح هي الموضوع على الكاتب كلما أنست من السوق ~~العالمية رغبة فيه واستعدادا لقبوله. # وابتدأت هذه الهيئة بتوزيع جوائزها - واسمها جوائز فورمنتر # Formentor ~~- سنة إحدى وستين (1961) وهي السنة التي فكرت فيها مؤسسة نوبل في ~~إعادة النظر إلى شروط الاختيار للمحافظة على قيمة الجائزة المثالية، ولعل ظهور هذه الأساليب ~~الاقتصادية في سوق النشر كان له شأنه في ذلك التفكير. # والقسط الأول من جائزة فورمنتر يساوي عشرة آلاف ريال، تتبعه أقساط متوالية من موارد ~~البيع، والتوزيع، والعرض في الصور المتحركة، وقد كانت من نصيب كاتب إسباني اسمه سنيور جوان ~~جارسيا هورتلانو، لم يصدر له غير كتاب واحد قبل كتابه المختار، عنوانه # Tormenta de vearono ~~«تورمنتا دي فيرانو» أي عذاب ~~الصيف. # وجائزة نوبل تفقد وظيفتها - ولا ريب - إذا بنت ترشيحاتها على هذه القواعد الاقتصادية، ~~ولكنها تقوم بوظيفة ms22 لا ينافسها فيها ناشر ولا مخرج، إذا وجهت عنايتها إلى أدب يضمن البقاء ~~ولا يضمن الرواج على الدوام، وفي مجال القصة التمثيلية، والشعر الرفيع، والبلاغة الجميلة، ~~والثقافة الإنسانية متسع لهذا الاتجاه الجديد. # | الجائزة والأدب النسائي # نال جائزة نوبل للآداب نحو ستين أديبا، من مطلع القرن العشرين إلى السنة الماضية، وقد ~~توقفت الجائزة في بعض السنوات لأسباب تتعلق - على الأكثر بالحرب العالمية - ونالها أكثر من ~~واحد في بعض هذه السنين. # من هؤلاء الأدباء الستين أربع كاتبات: هن سلما لاجرلوف السويدية، وجرازيا ديلادا ~~الإيطالية، وسيجريد أنديست النرويجية، وپيرل بك الأمريكية. # وقد كانت (1909) أول سنة ظهر فيها اسم المرأة بين المرشحين لهذه الجائزة العالمية، وقالت ~~اللجنة في شهادتها التي تذكر فيها أسباب استحقاق الجائزة أنها تمنحها إياها «تقديرا للنزعة ~~المثالية الرفيعة، وملكة الخيال الحي، والفطنة الروحية التي اتسمت بها كتابتها.» # واختيرت الكاتبة الإيطالية جرازيا ديلادا # Grazia Deledda # بعد ذلك بثماني عشرة سنة، فنالت الجائزة سنة سبع وعشرين (1927) للسنة التي قبلها، وقالت ~~اللجنة: إنها استحقتها «بكتابتها التي توحيها الروح المثالية، مع وضوح الحس في تصوير الحياة ~~في الجزيرة التي هي وطنها - جزيرة سردينية - إلى مزية العمق والعطف التي تتناول بها ~~المشكلات الإنسانية على الإجمال». # وفي السنة التالية؛ سنة ثماني وعشرين (1928) وجهت الجائزة إلى الكاتبة النرويجية ~~سيجريد أندست # Sigrid Undset ~~«على الخصوص لقدرتها على ~~وصف الحياة في البلاد الشمالية خلال القرون الوسطى». # وفي سنة ثماني وثلاثين (1938) منحت الجائزة كاتبة أمريكية هي پيرل بك Pearl Buck # ولم ينلها قبلها أحد من الأمريكيين غير الكاتب ~~المشهور «سنكلر لويس» سنة ثلاثين (1930). # وقالت اللجنة: «إنها استحقتها بما لها من المقدرة الثرية بوصف حياة الريف في بلاد الصين ~~وصفا صادقا على مثال قصص الملاحم، مع كتابة السير التي تحسب من آيات التراجم.» # فالكاتبات الأربع، كلهن من نوابغ أدباء القصة، أو الرواية المطولة. # وكلهن من أدباء المدرسة المثالية، وهي المدرسة التي قد تصف الواقع الصادق بغير كلفة، ~~ولكنها تتجنب الواقعية المبتذلة. # وكلهن يكتبن بهذا الأسلوب، سواء كتبن في موضوعات العصر الحاضر ms23 أو موضوعات الأزمنة ~~الخالية، وسواء كانت كتابتهن عن أوطانهن أو عن أوطان أخرى، كالبلاد الصينية. # وإذا روجع تاريخ الأدب الغربي في نصف القرن الماضي، فليس بين كاتباته من هي أحق ~~بالتنويه والتقدير من هؤلاء الكاتبات المختارات، فليس لواحدة منهن قرينة لها في وطنها، ولا ~~في غيره من أوطان الغرب من بنات جيلها، وقد تنعقد المقارنة بينهن وبين نوابغ القصة من ~~الرجال والنساء، فلا يتخلفن وراء الصفوف في هذا المجال. # إلا أن الفضل في هذا الإنصاف إنما هو فضل الزمن الذي يحكم حكمه الباقي، بعد خلافات ~~الحاضر ومنازعات الآراء، أو هو الفضل الذي نعرفه اليوم بعد عرض التاريخ زهاء خمسين سنة، ~~وليس هو الفضل الذي ظهر للنقاد والمحكمين في حينه، قبل تزكية الأيام وانقضاء الخلاف ~~والمختلفين في كثير من الأحيان. # فالمحكمون في لجنة نوبل لم يعرضوا هذه السنين كلها مجتمعات في مقارنة واحدة، وإنما ~~نظروا إلى كل جائزة على حدة في سنتها بحسب المرشحين فيها. # ولم يقصدوا أن يميزوا الأدب النسائي بين ألوان أخرى من الأدب، فإن كل سنة من هذه السنين ~~قد كان لها مرشحوها العديدون من الرجال، ولم يكن في أكثرها وجه للمقارنة بين كاتبة وكاتبة ~~أخرى في بلادها أو غيرها. # ولكن الذي حدث أن هذا الإنصاف لم يأت بغير خلاف شديد، وبغير تردد كثير، ولم يظهر وجه ~~الحق - بعد هذا التردد الكثير - إلا حين حكم الزمن، وتيسر التقدير الصحيح بالمقارنة التي لم ~~تتيسر في أوان الجائزة، وإلا حين اتسعت آفاق المقارنة على مدى العشرات من السنين، ولم تكن ~~هذه الآفاق تتسع في حينها لغير العام بعد العام. # ولدت «سلما لاجرلوف» سنة ألف وثمانمائة وثماني وخمسين، ونالت الجائزة وهي في الحادية ~~والخمسين، وأصيبت وهي في الثالثة بمرض في العظام، سلمت منه بعد العلاج الطويل بقدم عرجاء ~~وبدن هزيل، وأقعدتها العلة عن الحركة الطلقة، فانصرفت إلى المطالعة والدرس في السن التي ~~تنصرف فيها البنات للعب، وتعلم الرقص وفنون الرياضة، فحاولت الكتابة ولما تجاوز ~~العاشرة بكثير، ونظمت الشعر وهي في الخامسة ms24 عشرة، وتوفرت على التعليم الجامعي وهي في ~~الثانية والعشرين، وعولت على الاستعداد الكامل لصناعة التعليم في أعلى مراحلها بالبلاد ~~السويدية، على الرغم من ثروتها التي كانت تسمح لها بالمعيشة في دعة ورخاء، بغير عمل لكسب ~~العيش والارتزاق. # وقد مارست صناعة التعليم فعلا إلى سنة خمس وتسعين (1895) ... ثم انتابتها أزمة من أزمات ~~الشك والتشاؤم، فاضطربت حياتها أيما اضطراب، وانتابتها الحيرة في حياتها الخاصة، وحياتها ~~الفكرية، فاعتزلت وظيفتها في التعليم، وأزمعت الرحلة إلى بيت المقدس لزيارة الأرض المقدسة، ~~وكادت أن تعقد النية على الإقامة فيها مدى الحياة، لتعيش إلى جوار الحرم الذي ولد فيه ~~السيد المسيح كما عاش على سنة النسك والفداء. # ولكنها تحولت بالنسك إلى عالم الفكر والتأليف، وكتبت روايتها المطولة باسم «أورشليم»، ~~فأودعتها كل ما اختلج في صدرها من لواعج الشك والقلق، وكل ما استقرت عليه - بعد ذلك - ~~من عقائد الطمأنينة والإيمان. # ولما قاربت الخمسين أراد المعجبون بأدبها من أبناء وطنها أن تكون الجائزة تحيتها في عيد ~~ميلادها، فعارضهم مواطنهم الكبير ويرسن، رئيس المجمع الأدبي واللجنة المحكمة في الجوائز ~~الأدبية، وكان من خطته أن يتجنب شبهات المحاباة لبلاد الشمال، وإن ترشيح الشاعر ~~الإنجليزي سوينبرن في تلك السنة أولى وأكرم من اختصاص الكاتبة السويدية بها، ولو كانت من ~~حقها بالكفاية الفنية ... على أنه كان ينكر هذا الحق، وكان يرى أن غرابة البدعة وغلبة ~~العاطفة على حكم النقد الصحيح، كان لهما فعلهما في ترشيح الكاتبة السويدية؛ إذ كان يأخذ ~~عليها ما يسميه بتكلف الشعور ومجاراة العرف في الوساوس الدينية. # وحالت معارضة ويرسن دون صدور القرار من اللجنة باختيارها سنتين متواليتين، ثم أعيد ~~الترشيح آخر مرة بتأييد قوي من جمهرة القراء في بلاد السويد، وبلاد الشمال عل الإجمال، ~~فرجحت كفة المرشحين على كفة المعارضة من الرئيس وأنصاره، وتقرر بعد خمس سنوات من منحها ~~الجائزة أن تختار عضوا في لجنة الجوائز، فلم تزل فيها صوتا مسموعا إلى يوم وفاتها، ~~سنة ألف وتسعمائة وأربعين. # أما الكاتبة النرويجية التي كانت الثانية من بلاد الشمال في سجل ms25 الجائزة، فقد منحت ~~الجائزة وهي في الثانية والأربعين، وقد كان للشعور الديني شأنه في معارضة ترشيحها؛ لأنها ~~عدلت عن المذهب البروتستانتي إلى مذهب الكنيسة الكاثوليكية وهي في الثالثة والأربعين، ~~ولكن هذا الشعور الديني قابله باعث من بواعث الشعور السياسي لم يزل يتجه إليها، لاختيار ~~كاتبة نرويجية بعد الكاتبة الأولى التي اختيرت من بلاد السويد، وزكاه موقف آخر لها من ~~مواقفها الوطنية أثناء الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من الزعازع الداخلية، فكانت لها ~~شفاعة من هذه البواعث المختلفة تزيد على شفاعة الفن والقيمة الثقافية، على رجاحة هذه القيمة ~~بمقياس النقد الأدبي، ومقياس العلم الواسع بتاريخ البلاد. # أما الكاتبة الإيطالية جرازيا ديلادا فقد عرض اسمها مرات قبل أن تمنح الجائزة في ~~سنة 1927 عن السنة التي قبلها، وقد اختارها مجمع الآداب في رومة عضوا من أعضائه الخالدين ~~سنة ست وعشرين (1926)، ولعله كان تعويضا لها، ولسمعة الأدب الإيطالي، بعد العلم بإهمال ~~ترشيحها في اللجنة السويدية. # وقد نالت پيرل بك الجائزة وهي في السادسة والأربعين، ولم تكن عطلا من الألقاب والجوائز ~~قبل أن تتجه إليها جائزة نوبل في سنة ثمان وثلاثين (1938)، فإنها كانت تتلقى ألقاب ~~الجامعات من كل صوب، وكانت أول امرأة تختار لمجمع الفنون والآداب في بلادها، ويظهر من ~~صيغة الشهادة التي أجيزت بها أنها استمدت معظم أسباب الترشيح من ترجمتها لأبويها المبشرين ~~في الشرق الأقصى، وأن الإعجاب برواياتها الصينية قد تأخر إلى سنة ثمان وثلاثين، ثم كان ~~للعوامل الدولية أثرها الواضح في ترشيح الكاتبة التي تعطف على الصين لجائزة من جوائز السلام ~~... إذ كانت اليابان يومئذ تتحدى هيئة الأمم لتطلق يدها في سياستها نحو الصين. ~~••• # فلم تكن طريق المرأة إلى الجائزة طريقا مفروشة بالورود، ولم يكن إنصاف اللجنة لها عملا ~~من أعمال التحقيق، وإنما كان عملا من أعمال التوفيق. # وهذه أيضا ظاهرة من الظواهر العجيبة التي تستدعي الانتباه في أعمال الهيئات العالمية، ~~فإنها لا تستطيع أن تنعزل عن تيار التاريخ من حولها، ولا مناص لها من تسجيله وتمثيله، وهي ~~تجاريه أو تعارض ms26 مجراه. # | جائزة نوبل وموضوعات الأدب # تشتمل وصية نوبل على خمسة أنواع من الجوائز: هي جائزة علم الطبيعة، وجائزة علم ~~الكيمياء، وجائزة الطب والتشريح، وجائزة السلام، وجائزة الأدب. # ولم تعين الوصية موضوعا خاصا من موضوعات، ولكن الموضوعات التي اصطلح عليها العرف ~~عند كتابة الوصية هي: الشعر، والرسائل البليغة، والقصة بأنواعها، ومنها النادرة والحكاية ~~والرواية المطولة، والمسرحية المنظومة الملحنة، والمسرحية المنثورة. # ولكن اللجنة توسعت في موضوعات الأدب، فشملت بها أبوابا من الكتابة لم تكن مما يحسب ~~إذا قسمت الموضوعات بعناوينها العامة، فأدخلت فيها الفلسفة والتاريخ والدراسات النفسية ~~الأخلاقية. # وربما صح أن نرجع بالنموذج الأدبي في عرف اللجنة، إلى النموذج الذي كان مختارا ~~مفضلا في عرف نوبل صاحب الجائزة، وقد كان نموذجه الأعلى الشاعر الإنجليزي شلي، من أقطاب ~~الشعر العالمي في القرن التاسع عشر: وهو شاعر غنائي جميل الأسلوب بليغ التصوير، ينظم ~~الملاحم في الإشادة ببطولة الثورة التي تطمح إلى تقرير حقوق الإنسان، ومنها ملحمة برومثيوس ~~الذي تحدى رب الأرباب في أساطير اليونان، وعلم الإنسان كيف يحمل أسرار النار والنور، ~~ولا نرى من مراجعة أسماء الشعراء الذين خصتهم اللجنة بجوائزها أنها اختارت شاعرا من غير ~~هذا الطراز، وإن لم يكونوا جميعا من طبقة «شلي» أو من الناظمين في جملة موضوعاته، فربما ~~كان منهم من قصر نظمه على القصائد الغنائية، ومن نظم المسرحيات للتمثيل والتلحين، ~~ولم ينظمها على أسلوب الملاحم في شعر الأقدمين. # وقد ظل نصيب الشعر أوفر الأنصبة بين موضوعات الأدب إلى اليوم، وأجازت اللجنة شعراء من ~~الناظمين بأكثر اللغات الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، ~~والإسبانية، وأجازت شعراء من السويد، والنرويج، والدنمرك، والبلجيك، وأجازت شاعرا من غير ~~الأوروبيين هو شاعر الهند رابندرانات تاجور. # وتأتي القصة بعد الشعر في هذا الترتيب، فليس بين الناثرين المجازين من لم يسهم بقلمه ~~في نوع من أنواع القصص على اختلافه، وقل في الشعراء أنفسهم من لم يكن له قصص منظوم، أو ~~قصص في قالب الرواية التمثيلية. # ويلاحظ الغرض الإنساني في كل لون من ألوان القصص المختار، ms27 فلا تخلو قصة من العناية بحالة ~~اجتماعية، ولا بد - مع العناية بالحالة الاجتماعية - من عناية خاصة بنفس الإنسان، أو ~~بضمير الإنسان ... وقلما أجيزت قصة لم تعرض لمشكلة الحياة النفسية في المجتمع، ومشكلة النفس ~~البشرية في نجواها، بينها وبين ضميرها الذي لا سلطان للمجتمع عليه ... وقد تكون أزمة الضمير ~~العالمي، وأزمة الضمير الخاص بين الإنسان ووجدانه، هما المدار الأكبر لكل عمل قصصي ~~نوهت به لجنة الجائزة إلى اليوم. # وقد ترخصت اللجنة أحيانا في شرط الغاية المثالية من القصة، فإذا فعلت ذلك فإنما يدعوها ~~إليه أن المرشح للجائزة عظيم المكانة، عظيم الشهرة، وأن محاسنه الفنية تغطي على ذلك ~~النقص، ويوشك أن تكون هي نفسها غاية مثالية في عالم الذوق والجمال. # ومن هذا القبيل فن أناتول فرانس الذي حالت آراؤه «الشكوكية» زمنا دون ترشيحه، ثم ارتفعت ~~به مكانته وجمال أسلوبه أخيرا فوق هذا الاعتبار. # ولهذه المزية الفنية أجازت اللجنة مؤرخا كبيرا مرة، وفيلسوفا كبيرا مرة ~~أخرى. # أما المؤرخ فهو ثيودور ممسين # Mommsan # الألماني، أكبر ~~المؤرخين للدولة الرومانية في عصره، وهو كاتب فخم الأسلوب نافذ البصيرة مثالي النزعة، ~~فضلته اللجنة على هربرت سبنسر العالم الفيلسوف الإنجليزي؛ لأنه - بعد الموازنة في ~~المزايا الفكرية والفلسفية - يمتاز بأسلوب الكتابة، ولا يضارعه هربرت سبنسر في هذه ~~المزية. # وأما الفيلسوف الذي ألحقته اللجنة بالأدباء فهو هنري برجسون، أشهر الفلاسفة المثاليين ~~في عصره، وقد لاحظت اللجنة في اختياره من بين الفلاسفة أنه يدعو إلى «المثالية الروحية» في ~~زمن غلبت فيه النزعة المادية على أقلام الكتاب والمفكرين، وأنه يحتفل ببلاغة الأسلوب في ~~زمن غلب فيه طابع الابتذال والإسفاف على أساليب الأدباء، وهناك فيلسوف سبق برجسون إلى ~~الجائزة الأدبية بنحو عشرين سنة، وذلك هو رودلف يوكن # Eucken # الفيلسوف الألماني الذي قالت اللجنة: «إنه عرف بالجد في البحث عن الحقيقة، وبالنظر ~~الثاقب، والبصيرة الواسعة، والتصوير الذي يجمع بين الحرارة والقوة، وأنه استخدم ذلك كله في ~~جلاء العالم على البروز في تلك السنة لو لم تظهر فلسفته مترجمة إلى اللغة السويدية قبل بضعة ~~شهور، ms28 فكان اشتغال الأذهان بها بين أساتذة الجامعة مرجحا له على سائر الترشيحات، ومن هؤلاء ~~الأساتذة محكمون في اللجنة لهم صوت مسموع.» # وقد وقع اختيار الفلاسفة والمؤرخين للجائزة الأدبية موقع الاستغراب بين نقاد الأدب، ~~وأولهم المعجبون بموضوعات الفلسفة والتاريخ؛ لأنهم حسبوه خروجا عن الموضوع، ولم يحسبوه ~~تكريما في غير موضعه، من الوجهتين الفلسفية والتاريخية، وكان من دواعي هذا الاستغراب أن ~~اللجنة أهملت في كل سنة من تلك السنين أعلاما نابهين في صميم الكتابة الأدبية، فلم تكن ~~مضطرة إلى تجاوز العالم الأدبي لاختيار المرشحين من عالم الفلسفة والتاريخ. # لكن اختيار «الأشخاص» قد لقى في بعض السنين ما لم يلقه اختيار الموضوعات، أو الخروج ~~بالجائزة من موضوعها في سنوات معدودات، على رأي النقاد. # فلما أعلن اسم شرشل في سنة ثلاث وخمسين (1953) سبق إلى الأذهان أنها جائزة السلام، ~~فاستغرب الناس أن توجه هذه الجائزة إلى رجل كان في طليعة قواد الحرب وساستها، وكان ~~من أكبر الدعاة إلى التسليح والاستعداد للحرب، دفاعا أو هجوما، قبل الحرب العالمية ~~الثانية، وهو صاحب الأمثولة المعروفة عن السباع التي اجتمعت للاتفاق على أنواع السلاح التي ~~يمتنع استخدامها، فاقترح الأسد أن يحرم كل سلاح غير الأنياب والأظفار، واقترح العقاب ~~تحريم كل سلاح غير المخالب، ومضى كل سبع يحرم كل سلاح غير سلاحه، إلى أن ضمهم الدب في عناق ~~مطبق وبيل ... وفي الأمثولة ما فيها من السخرية بمؤثرات السلام والدعوة إلى نزع ~~السلاح. # فلما أعلن أن الجائزة للأدب لا للسلام، وشاعت أسباب الاختيار من الناحية الأدبية، لم ~~يتغير شعور الاستغراب مع اتفاق الآراء على تقدير المزايا الفنية في كتابة السياسي الكبير؛ ~~لأن هذه المزايا جميعا كانت معروفة مقدورة قبل الحرب العالمية، وكانت تراجمه وفصوله ~~وخطبه كلها شائعة متداولة قبل سنة الجائزة بأكثر من عشر سنين. # ولما أعلن اسم الطبيب «شويتزر» قبل ذلك بسنة، سبق إلى الأذهان أنها جائزة الأدب ليست ~~بجائزة السلام، فلما عرف الناس أن الطبيب الفيلسوف كوفئ على خدمة السلام لما يتولاه من ~~أعمال التطبيب والتبشير في القارة الأفريقية، ms29 عاد الناس إلى ذكر الفلاسفة الذين استحقوا ~~جائزة السلام بما كتبوه وما عملوه، ومنهم برتراند رسل مواطن شرشل ونظيره في المنزلة ~~الاجتماعية. # وهذه أمثلة بينة للغرائب التي تثيرها مسألة الموضوعات كلما اقترنت ببعض الأسماء؛ لأنها ~~تلقي في الأذهان أن المناسبة مقترنة بالشخصية المختارة، أشد من اقترانها بالموضوع أو ~~بموعد الاختيار. # وقد تقدم أن مسألة الموضوع محل نظر جديد في السنتين الأخيرتين، وأن المشرفين ~~على توزيع الجوائز الأدبية يخشون أن تنقضي وظيفة الجائزة، وأن تذهب الفائدة المرجوة منها ~~إذا بقيت موضوعاتها مطلقة عامة بغير تمييز؛ لأن قيمة الجائزة المالية لا تساوي بعض ما يكسبه ~~كاتب القصة الرائجة من نشرها وتمثيلها وإذاعتها وعرضها على اللوحة البيضاء، وتصويرها ~~للتلفزيون. # فليس في قيمة الجائزة المالية من الإغراء ما يصرف طالب الكسب عن الكتابة المربحة في ~~موضوعات القصة والمسرحية، وسائر الموضوعات التي تروج هذا الرواج. # وقد تقضي هذه الظروف على اللجنة أن تعود إلى نموذج نوبل المختار، وهو نموذج الشاعر ~~المثالي الذي يؤثر جمال البلاغة، وعلو العاطفة الإنسانية على بضاعة السوق. # فلعل هذا الموضوع - موضوع الشعر الإنساني البليغ - هو النموذج الوحيد الذي يرتفع فيه ~~الأديب إلى القمة، ثم يقصر جزاؤه منه عن مقدار الجائزة بحساب المال. # | رافض الجائزة # ولد برناردشو في سنة 1856، واختارته لجنة نوبل لجائزتها الأدبية سنة 1925 ... فكان يناهز ~~السبعين، ويتسنم ذروة الشهرة العالمية حين وصلت هذه الجائزة إليه. # ولهذا الأديب الغريب قصة غريبة - مع الجائزة - كسائر قصصه وأطواره في حياته، وفي أعماله، ~~ومن أجلها نخصه بحديث مستقل من سلسلة هذه الأحاديث عن جوائز نوبل الأدبية. # فهو الوحيد الذي رفض هذه الجائزة بين المئات ممن نالوا جوائز نوبل على اختلافها، وكانت ~~حجته في رفضها أنه في غنى عنها؛ لأنه وصل إلى بر الأمان، فلا حاجة به إلى عوامة ~~النجاة. # والحجة - كما يبدو - حجة ظاهرة تخفي ما وراءها، فإن جائزة نوبل ليست من جوائز التشجيع، ~~التي يراد بها تنشيط السابحين في طريقهم إلى بر الأمان، وإنما هي جائزة تتويج وتقدير، ~~ينالها القليلون ممن بلغوا ms30 الغاية واستقروا على القمة، ولا حاجة بواحد منهم إلى عوامة ~~النجاة في طريقه إلى الشهرة، ولو كانت الجائزة مقصودة للتشجيع لما كان فيها الكفاية للمئات ~~والألوف الذين يبدءون طريقهم أو يجاهدون في عبور عقباته قبل النهاية، وهم عدد لا يحصى في ~~بلاد الأمم الغربية. # فبرناردشو لم يرفض الجائزة لهذا السبب، ولكنه رفضها؛ لأنه رأى - بحق - أنها تخطته عدة ~~سنوات، ووصلت قبله مرات عديدة إلى أناس لا يساوونه في نظر الناس، ولا في نظر نفسه، وقد كان ~~هو - على رجاحة قدره - يرتفع بهذا القدر فوق مستواه بكثير. # فمن نالوا الجائزة قبله «فلادسلاوريمون» البولوني، وجاسنتو بنافنتي الإسباني، وكنوت هاسون ~~النرويجي، وكارل سبتلر السويسري، وبتوبدان الدنمركي، وبول هيس الألماني، وكلهم ممن يصح أن ~~يقال فيهم: إنهم نكرات إذا قيسوا إليه بمقاييس الشهرة العالمية أو القيمة الأدبية. # وممن نالها قبله من أعلام الأدب أناتول فرانس الفرنسي وموريس مترلنك البلجيكي، وهما ~~نظيران له يعز عليه أن يتخلف عنهما سنوات، بعد أن ظهرت له أكبر مؤلفاته التي لم يظهر له - ~~بعد توجيه الجائزة إليه - ما هو أعظم منها وأحق بالتقدير. # وممن نالوا الجائزة قبله بسنتين شاعر أيرلنده وليام ياتس، وهو اختيار يغض من قدر ~~برناردشو بصفة خاصة ... لأنه أيرلندي كويليام ياتس، وليس له من الجهود في ميادين الأدب أو ~~ميادين الإصلاح ما يقرن بجهود برناردشو في هذه الميادين، وكثيرون غير برناردشو يشعرون ~~بالغضاضة عليه من تأخيره، بعد تقديم من ذكرناهم، ومن لم نذكرهم في هذا الحديث ... ولا استثناء ~~في ذلك للعلمين البارزين اللذين يعتبران أشهرهم جميعا في مجال الآداب العالمية ~~وهما: مترلنك، وأناطول فرانس، فإن مترلنك أضيق أفقا من برناردشو في ميادين الإصلاح ~~والثقافة العامة، وفي كتابة أناطول فرانس من شوائب السخرية المتشائمة ما يؤخذ عليه ~~بمقاييس اللجنة السويدية قبل غيرها، عند المقارنة بينه وبين «شو» في إيمانه برسالة ~~الإصلاح. # وإذا نظرنا إلى الناحية العالمية في جهود الإصلاح فقد كانت لبرناردشو كفته الراجحة ~~في هذه الجهود، وقد يتسع المقام هنا لباب من أبواب المقارنة، يأتي في ms31 مكانه في سياق هذه ~~الدراسة. # فإن برناردشو قد تطوع بالحملة الشعواء على السياسة البريطانية بعد فاجعة دنشواي، وألف ~~في موضوعها كتابه بعنوان: «جزيرة جون بول الأخرى» مقدما له بتلك الفصول المسهبة، التي ~~أثبت فيها شناعة الحكم، وبطلان التهم المنسوبة إلى الفلاحين، وضمنها من التحقيقات ~~الطبية والشواهد العيانية ما لا يحتمل المغالطة والتمويه، ولم يمض شهور على ظهور هذا ~~الكتاب حتى وجدت الدولة البريطانية نفسها مضطرة إلى إعلان توبتها في العالم عن هذه الخطيئة ~~المنكرة، فعزلت لورد كرومر معتمدها المسئول عنها، وحاولت بعد عزله أن تنهج لسياستها نهجا ~~جديدا للتقرب من أبناء هذه البلاد. # يقارن هذا بمسلك أناطول فرانس في دور من أدوار القضية المصرية، فإنه سئل أن يقدم كتابا ~~باللغة الفرنسية نشره الوفد المصري في أثناء اجتماع مؤتمر الصلح بباريس، وأراد أن يستفيد ~~من شهرة الكاتب الكبير في لفت أنظار المؤتمرين إليه، فكتب مقدمته في صفحتين صغيرتين، وتقاضى ~~عن هاتين الصفحتين ألف جنيه، سلمت إليه قبل كتابة المقدمة بأيام! # فالغرابة في قصة برناردشو مع الجائزة تنقلب إلى استغراب لعمل اللجنة نفسها، بعد بيان ~~الحقيقة. # وقد كان هذا التأخير غريبا في نظر الناس، ولم يكن غريبا في نظر برناردشو إلى نفسه، وقد ~~نفسر نحن هذه الغرابة بتفسير واحد لا نعرف لها تفسيرا أقرب منه إلى القبول: وهو زعامة شو ~~للثورة الاشتراكية في البلاد الإنجليزية، فإن اللجنة السويدية - وهي تمثل معهدا من معاهد ~~رأس المال - لم تعترف قط بحق الجائزة لصاحب دعوة اشتراكية، ولم تعدل عن هذا الموقف إلا في ~~الزمن الأخير، بعد سريان الدعوة الاشتراكية إلى بلادها، اعتصاما بها من خطر الانقلاب ~~الماركسي الذي اقترب منها، ولولا ذلك لما تغير موقفها من تقدير برناردشو وتقدير الثورة ~~الفابية التي كان من زعمائها. # إلا أن غرائب برناردشو تتراءى على أطرفها وأظرفها عند النظر إلى مقاييسه هو في تقدير ~~نفسه، وتقدير أدبه بموازين الآداب العالمية: قديمها وحديثها. # تقدم أنه كان من زعماء الدعوة الاشتراكية في البلاد الإنجليزية، وتلك هي الدعوة التي ~~انتهت بقيام حزب ms32 العمال ووصوله إلى الاستقلال بالوزارة بعد الحرب العالمية الأولى. # فلما أراد رئيس الوزارة أن يعلن اعترافه بفضل برناردشو على الحزب، وعلى وزارته، كاشفه ~~بعزمه على كتابة اسمه في قائمة الشرف، أو قائمة الرتب والنياشين، وسأله أن يختار الرتبة ~~التي يرتضيها لنفسه أول هذه الرتب - وهي رتبة الفارس التي يلقب حاملها بلقب سير - كما هي ~~العادة في نظام التدرج بهذه الألقاب. # ولكن صاحبه لم يلبث أن سأله: هل في وسعك أن تطلب لي لقب البرنس أو لقب الديوك؟ إن ~~هذه الألقاب لا تطلب ولا أرى أنني أقل ممن يحملونها، إذا دخلنا في باب الرتب والنياشين ~~... فخير لنا أن نبتعد من هذا الباب! # أما الرتب الأدبية فقد كان برناردشو يطمح فيها فوق لقب البرنس، ولقب الديوك، بل فوق لقب ~~الملك، إذا كان في الأدب ملوك. # وربما صح أن يكون للأدب ملك يعترف له بتاج الشعر والمسرح «برنسات القلم ودوقاته» في ~~البلاد الغربية، وفي طليعتها البلاد الإنجليزية، وهو وليام شكسبير. # وعند برناردشو أن وليام شكسبير لا يساوية ولا يدانيه، وقد قال مرة: إنه لو كانت له فكرة ~~في كتابة روايات كروايات شكسبير لألفها جميعا في بضعة شهور. # وسمعه ناقد فقال متهكما: أرأيت: لو كانت له فكرة؟! ... ويعني الناقد أن برناردشو لا يملك ~~الفكرة التي تعينه على محاكاة شكسبير. # أما برناردشو فمعناه أن روايات شكسبير لا تستحق أن تكتب في عصره؛ لأنها روايات لم تكن ~~لها رسالة إلى أبناء العصر عند تأليفها، ولكنه هو يؤلف الرواية، ويقصد بها أن تؤدي له ~~رسالة في التعريف بحقائق الدنيا، أو حقائق النفس الإنسانية، ولو لم تكن مقصورة على مشاكل ~~الاجتماع أو على العقد النفسانية في الطب الحديث. # وندع لبرناردشو دعواه على شكسبير، فإنها بينة البطلان، وقد عرف الناس من رواياته كل ما ~~يعرفهم به شاعر من أسرار الحياة الاجتماعية وأسرار الحياة النفسية، وكان تصويره لأسرار ~~البلاط ودسائس القصور مقدمة فعالة للثورة التي نشبت بعد وفاته بأقل من جيل، وكان لها أثرها ~~في تقييد سلطان الملوك وفرض الرقابة ms33 القومية على القصور. # ندع هنا دعوى برناردشو على شكسبير، ولا ندع دعواه لنفسه بين معاصريه، فإنه - في الحق - لم ~~يجاوز بها قدره الذي يعرفه المعجبون به وبأولئك المعاصرين، وليس بين الذين تقدموه إلى ~~الجائزة خلال عشر سنوات أحد يساويه في مقدرته الفنية، أو في كفايته الأدبية، ومن ساواه في ~~فنه وأدبه لم يكن كفؤا له في غيرته على الحق وإخلاصه لحب الخير والإصلاح. # ويؤخذ من محاضر الجلسات التي نشرتها لجنة نوبل أخيرا أنها كانت تشعر بأن الجائزة تصل ~~إليه متأخرة، وإن لم تكن متأخرة جدا على رأي أمين السر فيها؛ لأنها - على رأيه - لم تصل ~~بعد فوات الأوان. # لكن الفرصة كانت سانحة لموقف من المواقف الصياحة التي يحبها رجل المواقف المسرحية على ~~مسرح الفن، ومسرح الحياة، ففي تاريخ الأدب الإنجليزي موقف مأثور لحكيم من أكبر الحكماء ~~المحدثين في جميع العصور، وهو موقف الدكتور صمويل جونسون مع النبيل الأديب لورد شسترفيلد، ~~وكان الدكتور جونسون قد شرع في تأليف معجمه الخالد في نحو اللغة الإنجليزية، وهو يطمع في ~~معونة اللورد الأديب، فأعرض عنه اللورد بعد أن تلقاه بادئ الرأي بالمجاملة المعسولة من طرف ~~اللسان، وأبت على الحكيم أنفته التي اشتهر بها أن يعاود اللورد بالطلب أو الزيارة حتى أتم ~~تأليف المعجم، وعلم اللورد أنه وشيك الظهور، فعز على اللورد - حينئذ - أن يفوته شرف ~~الرعاية لهذا العمل الجليل، وأبدى - من جانبه - العناية به والسؤال عنه، ولكن الحكيم العزوف ~~لم ينس الهوان الذي قوبل به غير مرة وهو يطيل الانتظار في قاعة الاستقبال بقصر اللورد، فلا ~~يؤذن له بالمثول بين يديه، فكتب إليه خطابه الذي تداولته تواريخ الأدب منذ ذلك الحين، وصاغه ~~بتلك البلاغة التي عهدت في أحاديث الحكيم وكتاباته، فافتتحه بالاعتذار عن قبول الكرم الرفيع ~~من قبل العظماء؛ لأنه لا يعرف كيف يتقبله إذ كان لم يتعوده، فلا يدري كيف يكون الشكر؛ ~~لأنه لم يدر كيف يكون الإحسان! واختتمه بتلك الكلمات التي تلقى بها برناردشو منحة نوبل، ~~فقال بعد الإشارة إلى حماة الآداب ms34 من النبلاء: «أليس حامي الأدب - يا سيدي - هو ذلك الذي ~~ينظر إلى السابح الذي يحاول النجاة بحياته فلا يعنيه أمره، حتى إذا بلغ الساحل أغرقه ~~بالمعونة؟ إن لفتة اللورد لو تقدمت برهة لكانت غوثا، ولكنها تأخرت حتى وصلت إلى غير حافل ~~بوصولها ... تأخرت حتى أصبحت في الحياة فريدا لا أسعد بها غيري، ومعروفا لا حاجة بي إلى ~~تعريف.» # وقد ذاع خبر ذلك الخطاب البليغ في تاريخ الآداب؛ لأنه يسجل مرحلة الرعاية الأدبية من جانب ~~الأمراء والنبلاء، ويذيع اليوم جواب شو؛ لأنه يسجل الموقف بعينه بعد انتقال الرعاية من ~~الأمراء والنبلاء إلى القراء والنقاد. # | المستحق بين المستحقين # يتناول البحث في استحقاق الجائزة - جائزة نوبل الأدبية - وجوها شتى من وجوه النقد ~~والنظر، وقد تناولته هذه الصفحات من بعض هذه الوجوه، ولعله قد تبين منها كما تبين من غيرها ~~أن مسألة الاستحقاق هذه إنما هي - في النهاية - مسألة درجات وظروف، وليست من مسائل الحاسم ~~بين الصواب والخطأ، وبين حسن التقدير وسوء التقدير. # فليس بين أدباء الجائزة جميعا أديب واحد مجرد من مزايا الاستحقاق على اختلافها، وإنما ~~يختلفون في درجات الاستحقاق وظروفه الموقوتة. # فيتفق في سنة من السنين أن يكون الأديب الذي استحقها بفنه وخدمته لقضية السلام أقل شأنا ~~من أديب آخر معاصر له في أمة أخرى، له من الفضل ما يعلو به على زميله المختار، سواء في ~~تقدير العمل الفني أو تقدير العمل الإنساني لخدمة السلام، ويتفق أن يكون الحكم كله للظروف ~~الموقوتة دون غيرها، ومنها اجتناب الشبهات من توجيه الجائزة سنتين أو ثلاث سنوات متواليات ~~إلى أمة واحدة، ومنها اجتناب الأزمات الدولية التي تتقيها لجنة التحكيم، لارتباطها في ~~مراسمها بالدولة السويدية، ومنها اغتنام الفرصة قبل فواتها، مراعاة للسن أو تقلب الأحوال ~~الموضعية. # ويصعب على لجنة التحكيم - مع مراعاة هذه الظروف - أن تجد في كل سنة أديبا عالميا ~~توافرت له شروط الجائزة جميعا في درجاتها العليا، فمن توافر له شرط البراعة الفنية قد يقصر ~~عن المرتبة العليا في خدمة قضية السلام، ومن تم ms35 له هذان الشرطان قد يزاحمه أديب آخر أصلح ~~منه للجائزة في ذلك العام من ناحيتها الدولية؛ لأن اختياره بعيد من مشاكل السياسة وأزماتها، ~~ولا سيما في أوقات الحروب أو أيام المنازعات التي تنقسم فيها الدول إلى معسكرات ~~وأحزاب. # ومن هنا يجوز كثيرا أن تتجه الجائزة إلى أديب دون أدباء الطبقة الأولى في جميع المزايا ~~والشروط، ولكن الظروف التي أشرنا إليها لا تلجئ اللجنة يوما إلى إهمال المزايا والشروط في ~~جميع درجاتها وطبقاتها، فمن لم يكن أديبا من الطراز الأول في قدرته الفنية ورسالته ~~الإنسانية فهو أديب له قيمته التي لا تنكر في كل من العمل الفني والعمل الإنساني، ولكن بغير ~~مقارنة بينه وبين نظرائه الراجحين عليه. # لا جرم يكثر بين أدباء الجائزة من استحقها بشيء من التجاوز عن جميع شروطها، ويندر جدا ~~أن يستحقها الأديب في سنة من السنين بغير تجاوز عن شرط من تلك الشروط، مستوفيا لمزية ~~الفن، ومزية الرسالة الإنسانية، ومزية الفضيلة الخلقية، والشمائل الشخصية، في ~~أرفع طبقاتها. # ولا نظن أن الآراء تتفق على أكثر من أديب أو أديبين تمت لهما هذه الصفة النادرة بين ~~جميع مستحقيها، منذ ابتدائها في أول القرن العشرين إلى هذه الآونة. # ولا نملك الفصل بين جملة الآراء في هذه الموازنة العالمية، ولكننا إذا سئلنا عن اثنين ~~نفردهما بهذه الصفة، ونقدر الموافقة عليهما - بإجماع الآراء - لم نستطع أن نذكر غير اسمين ~~اثنين: أحدهما رومان رولان، والآخر رابندرنات تاجور، وسنخصه بكلمة مستقلة في هذه الصفحات؛ ~~لأنه يدعو إلى التعقيب من وجهة النظر الشرقية في اعتبار الشرقيين، واعتبار نقاد اللجنة ~~ونقاد الغرب عامة، عند تمييز الأدب الشرقي في ميزان الآداب العالمية. # أما «رومان رولان» فهو مثل نادر من أمثلة التقدير العجيب، وفي مقاييس النقد كلها، لا ~~في مقاييس اللجنة السويدية وحدها. # لقد كان صورة حية لبطل روايته الكبرى «جان كرستوف» الذي قال فيه: «إنه كان يتلقى اللوم ~~كثيرا، ويتلقى الحمد كثيرا، ولكنه كان في جميع الحالات أهلا للتنويه والاهتمام.» # لم يأت زمن من الأزمان كان رومان ms36 رولان فيه مستمتعا بالمحبة العامة بين نقاده أو قرائه، ~~ولكن لم يأت كذلك زمن قط كان فيه محروما من التجلة والتوقير. # كان له معجبون بفنه وخلقه ينظرون إليه نظرة التقديس. # وكان له خصوم يتفجرون غيظا عليه، وأشد ما يغيظهم منه أنهم عاجزون عن المساس به في كرامته ~~وأصالة فنه، مضطرون إلى الاعتراف له بالفضل والنبوغ وسلامة الضمير. # وقبل أن يلجئه الحقد عليه إلى اعتزال وطنه والإقامة في سويسرة، كانت الأكاديمية الفرنسية ~~تمنحه أكبر جوائزها الأدبية. # وقد توقفت اللجنة السويدية عن منح جوائزها في سنوات الحرب العالمية الأولى، وقصرتها في ~~تلك السنوات على أبناء الأمم الشمالية، ولكنها استثنت رومان رولان - وحده - فمنحته جائزتها ~~بعد اشتعال الحرب العالمية بسنتين. # ومن عجائب التقدير في شأنه أنه كان عرضة للحنق العنيف عليه من الفرنسيين والألمان على ~~السواء، مع أنه هجر بلاده أثناء الحرب؛ لأنه لم يميز في توجيه دعوته إلى السلام بين هؤلاء ~~وهؤلاء. # ومثله في العجب أن نعرض أسماء مؤيديه، ومحبيه من أقطاب الأدب في الأمم الأوروبية، ومنهم ~~أناطول فرانس مواطنه الساخر، وجبرائيل دانتزيو الإيطالي المتهجم، وستيفان زفايج النمسوي ~~المطرود من وطنه، وتولستوي الحكيم الروسي، ومكسيم جوركي رائد الثورة الروسية، وغاندي قديس ~~الهند، والفريقان المتعارضان في الأكاديمية السويدية. # وربما كان أعجب من ذلك تعدد الجوانب التي أحاط بها في تراجمه ودراساته، بين النحاتين ~~والموسيقيين والسياسيين والثائرين، وبين المرضي عنهم والمغضوب عليهم من رجال ~~الدين. # سر هذا العجب في نظرات الناس إليه وفي نظرته هو إلى الناس، خصلة واحدة من أشرف الخصال ~~وأندرها في بني الإنسان: وهي الإخلاص المحض، الذي لا تشوبه شائبة، ولا ترتقي إليه المطاعن ~~والأكاذيب، فمهما يبلغ من حقد المحنقين عليه فليس في وسعهم أن يتهموه، وإذا وسعهم أن ~~يتهموه لم يجدوا من يصدقهم، ولا من يستند في تصديقه إلى سند مقبول. # وكان إخلاصه لفنه كإخلاصه لعقيدته، بل كان فنه عقيدة من عقائد الأخلاق، وكانت عقيدته ~~فنا من فنون الجمال. # كان إنسانا قبل أن يكون فنانا، وكان المثل الأعلى للإنسان هو ms37 مناط الإيمان والرجاء في ~~عقله وقلبه: يرتفع به من حضيض الحيوانية المادية، لينزع به إلى آفاق البطولة والفداء؛ لأن ~~إنفاق العمر في الحياة الحيوانية مسخ وتشويه، وبذل العمر فيما يعلو بالإنسان عن مراغة ~~الحيوان هو الجمال. # وقد سلمت غيرته الإنسانية من الآفات التي تبتلى بها الغيرة في كثير من الناس، ونعني بها ~~آفات الحرج والضيق، أو آفات الحماسة الهوجاء، أو آفات التعصب والصرامة، فلم يكن إدراكه ~~لعظمة البطولة في النفس الإنسانية ليحول دون إدراكه لضريبة الضعف التي لا تنجو منها نفس من ~~النفوس، ولم يكن إعجابه بقوة البطل ليحول دون عطفه على موطن الضعف فيه. # وبهذه السجية السمحة صور لقرائه أبطال التاريخ كما صور أبطاله وبطلاته في قصص الخيال، ~~فليس بين أبطال الواقع وأبطال القصة المؤلفة مخلوق آدمي يتجرد من صلة العطف بيننا وبينه بما ~~يستحقه من الإعجاب، أو يستحقه من العطف والمعذرة. # قالت الأكاديمية السويدية في أسباب ترشيحه: إنها رأت منحه الجائزة «تحية لنزعته المثالية ~~العالمية في أعماله الأدبية، وتقديرا لعاطفته الكريمة، وحبه للحق في تصويره للنماذج ~~المختلفة من الشخصيات الإنسانية.» # ولما عرض اسمه على اللجنة الأولى كان له منافس يقاربه في المقدرة الفنية: وهو الأديب ~~الإسباني بيريس جالدوس Perez Galdos ~~... ولكن الأكاديمية في ~~جلستها العامة وسعت دائرة النظر إلى شروط الجائزة الإنسانية، ومؤهلاتها الشخصية فانفرد ~~رولان بالتقدير، وكان آخر من منح الجائزة من غير أمم الشمال في سنوات الحرب العالمية، ~~إلى نهايتها. # وربما كانت مقدرته القصصية في كتابة الملاحم كافية وحدها لاستحقاقه الجائزة من الوجهة ~~الفنية؛ لأنه ألف أكبر الملاحم القصصية في عصره: وهما قصة جان كرستوف في عشرة أجزاء، وقصة ~~الروح المسحور في سبعة أجزاء، ولكنه أضاف إلى هذه المقدرة في فن القصة مقدرة مثلها في فن ~~المسرح، ومقدرة تفوقها في فن التراجم والسير، ودراسة التاريخ الذي يشمل نقد الأدب ~~والفنون الجميلة، كما يشمل نقد العقائد والمذاهب الأخلاقية. # وربما كان توحيده لمشارب الأذواق في الفنون الجميلة كافيا وحده للاعتراف له بفضل الدعوة ~~إلى الأخوة الإنسانية في عالم ms38 الجمال وعالم الروح، ولكنه أضاف إلى هذه الرسالة الروحية ~~رسالة عملية في خدمة السلام بكتاباته الصريحة التي عرضته للنقمة في وطنه وغير وطنه، ~~وباشتغاله المباشر بأعمال الصليب الأحمر وأعمال الوساطة الجريئة لتمهيد أسباب الصلح بين ~~المتقاتلين. # وربما كانت آراؤه وحدها كافية لتقديره من وجهة الفن ووجهة التفكير، ولكنه أضاف إلى ذلك ~~مثالا عاليا من الشمائل الشخصية قلما يؤثر عن أصحاب الآراء في حياتهم الخاصة. # وإذا انعقدت المقارنة الوافية بين رولان وكبار المستحقين للجائزة من أبناء وطنه، ظهرت له ~~هذه المزية الكبرى التي يسمى من أجلها بالمستحق بين المستحقين. # فاللجنة السويدية قد تجاوزت لأناطول فرانس عن شرط التفاؤل في الإيمان بالمثل العليا ~~... # وتجاوزت لأندريه جيد عن شرط الإيمان بحقائق الحياة؛ لأنه يلخص فلسفته كلها في قوله الجامع ~~عن الحياة، وهي أنها لا تعطينا حقائق نصدقها، ولكنها تعطينا أشياء نحبها ونتعلق ~~بهواها. # ولكنها لم تتجاوز لرومان رولان عن شرط من شروط الفن، ولا من شروط الأخلاق، ولا من شروط ~~الرسالة الإنسانية، ولم تستطع أن تكرر ذلك أكثر من مرة أو مرتين. # ومن هنا تبدو لنا صعوبة النجاح في تحقيق الشروط العالمية، إلا مع التسليم فيها بفوارق ~~الدرجات والظروف. # | تاجور # تاجور شاعر الهند الأكبر، هو - بلا خلاف - أحد الأفذاذ العالميين القلائل، الذين استحقوا ~~جائزة «نوبل» بجميع شروطها، وفي مقدمتها الشروط المثالية، أو الشروط الإنسانية. # وقد رأينا في مناسبات كثيرة أن لجنة «نوبل» تجاوزت عن الشرط المثالي أحيانا مع كثير من ~~نوابغ الأدباء، فلم يكن أدباؤها جميعا يدعون إلى المثل الأعلى الرفيع، ولم يكن هؤلاء ~~الأدباء جميعا ممن يخدمون قضية السلام، أو قضية الإخاء الإنساني في العالم بأسره، بل لم ~~يكن هؤلاء الأدباء جميعا متفائلين مؤمنين بصدق الرجاء في مستقبل بني الإنسان، ولكن ~~اللجنة كانت تضطر - في بعض السنين - إلى التجاوز عن هذه المثالية؛ لصعوبة وجودها في عصور ~~الأزمات الدولية والمنافع الواقعية، مستعيضة عنها برعاية المثل الأعلى في مطالب الجمال ~~الفني والذوق السليم. # وقد ذكرنا - فيما تقدم - اسم «رومان رولان» مثلا فريدا للذين استحقوا ms39 الجائزة بجميع ~~شروطها، بل استحقوها بهذه الشروط في حياتهم الشخصية، كما استحقوها في حياتهم الفكرية ~~والاجتماعية، ونذكر الآن اسما آخر يضارع اسم رومان رولان في هذه الخصلة وهو اسم ~~تاجور. # كان فن تاجور وحده كافيا لاستحقاق الجائزة في أرفع درجاتها؛ لأنه كان واحدا من الآحاد ~~القلائل الذين استطاعوا أن يجمعوا بين البساطة والعمق في المنظوم والمنثور، وقد جمع بينهما ~~في الشعر الغنائي، كما جمع بينهما في شعر القصة والملحمة، وكانت له - إلى جانب الشعر - ~~مشاركة فى كتابة القصة القصيرة، والقصة المطولة، وكانت له مشاركة مثلها في مطالب الفلسفة ~~والحكمة ومقاصد الرأي والهدايا الخلقية. # أما إيمانه بالمثل العليا في معتقداته وأفكاره، فهو أكبر وأقوى من أن يكون إيمان تفكير ~~أو إيمان دراسة، إنما هو سليقة مطبوعة يشع منها الإيمان كما يشع النور من الكوكب الساطع، أو ~~كما يشع العطر من الزهرة الزكية، وكانت حياته الشخصية تطبيقا عمليا لإيمان وجدانه ~~وضميره، بل كانت حياة كل إنسان عند آية من الآيات الكونية على رجاء الله، وهو القائل «كل ~~مولود جديد يصل إلى عالمنا هذا هو آية حية تقول لنا: إن الله لم ييأس من بني ~~الإنسان.» # عقيدته في الله هي عقيدة المحبة التي تتسع لجميع خلائق الله، وهي ترجمة هندية لمذاهب ~~حكيمنا محي الدين بن عربي، حيث يقول: # لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه داني # فأصبح قلبي قابلا كل صورة # فديرا لرهبان ومرعى لغزلان # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه، فالحب ديني وإيماني # ومذهب تاجور في سماحة القصيدة كهذا المذهب الصوفي بلفظه ومعناه، ولعله اطلع على مثله في ~~منظومات أستاذه الشاعر «كبير» الهندي المسلم، الذي تتلمذ له نخبة من شعراء الهند وشاعراتها ~~البرهميين والبوذيين. # ولقد كانت سماحته الروحية أوسع أفقا، وأعمق قرارا من سماحة أولئك المفكرين الذين ~~اجتهدوا في توحيد الأديان؛ أو في التقريب بينها للتأليف بين شعائرها ومراسم عباداتها؛ إذ ~~كان تاجور يؤمن بأن الناس قاطبة أهل لمحبته، بغير حاجة إلى إلغاء الفوارق بينهم لاستحقاق ~~هذه ms40 المحبة. # ولما حضر إلى القاهرة زاره بعض إخواننا من دارسي الحكمة والفلسفة، نذكر منهم الأستاذين ~~مصطفى عبد الرازق، ومنصور فهمي، وسألوه رأيه في تأليب الجهود بين حكماء الشرق لتوحيد ~~العقائد الدينية وإبطال الفوارق المذهبية، عملا على التخلص من آفة التعصب التي تمزق أوصال ~~الوئام بين شعوب المشرق. # فنظر إليهم مليا، ثم قال مبتسما: وهل ترونهم يعجزون عن الحب، وهم على غير دين؟ إن ~~الله أعظم من أن تحصره عقيدة واحدة، وإن عباد الله يتجددون ويتكاثرون، ولكن الله جل ~~وعلا «محبته» شاملة لهم أجمعين. # فالسماحة المثالية لم تتوافر في أحد ممن أجازتهم لجنة نوبل كما توافرت في الشاعر الشرقي ~~الحكيم، ولم يكن استحقاقه لها بالشروط الفنية دون استحقاقه لها بشروطها الفنية: شروط ~~البلاغة والبيان. # ومع هذا وقع اختيار تاجور موقع المفاجأة عند الكثيرين، وقد كان أوضحهم عذرا أولئك الذين ~~لم يفهموه ولم يقدروا على إدراك مزاياه، أما الذين فهموا فضله وأدركوا حظه في البلاغة ~~والبيان، فربما كانت لجنة «نوبل» هي المسئولة الأولى عن استغرابهم لفوزه بالجائزة، التي لم ~~يقربها من قبله أحد من غير الأوروبيين. # فقبل تاجور لم يخطر للجنة نوبل أن تبحث عن مرشح لجوائزها في غير القارة الأوروبية، ولم ~~ترشح لها أحدا من أبناء القارتين الأمريكتين، ولا من أبناء سائر القارات. # فلما جاءها ترشيح تاجور بحثت هذه المسألة لأول مرة: هل ترفض منحه الجائزة؛ لأنه لا ينتمي ~~إلى القارة الأوروبية؟ # لا بد لها من نص في وصية نوبل تبني عليه هذا القرار، وهي لم تجد هذا النص في الوصية، ~~ولم تجد قرينة تدل عليه، فتنبهت لأول مرة إلى جواز منح الجائزة غير الأوروبيين؛ وكان ~~الحكيم الشرقي الكبير أول مصحح لذلك الوهم الذي غلب على جو اللجنة بحكم العادة؛ قبل أن ~~يدعوها داعي العمل إلى إعادة النظر فيه. # وكأنما أرادت اللجنة أن تكفر عن وهمها الأول، فكانت مباحثها كلها في أمر تاجور محاولات ~~متلاحقة لرفع الموانع الموهومة التي تقام من هذا القبيل، ورفضت كثيرا من وجوه الاعتراض ~~التي تقدمت إليها ms41 لتنحية تاجور وإيثار غيره من المرشحين عليه. # قال أحد الأعضاء في تقريره: إن الجمال في معاني تاجور قد يكون ميراثا قوميا من الشعر ~~الصوفي في وطنه، وليس الشعر الصوفي في تاريخ الهند بقليل، فإذا شاءت اللجنة أن تتحرى ~~الإنصاف فقد يطول الوقت قبل الجزم بأصالة الشاعر فيما نظم من معانيه الروحية. # وبحثت اللجنة بين أعضائها فلم تجد غير عضو واحد يستطيع أن يقرأ منظومات الشاعر باللغة ~~البنغالية، ولم تجد غير القليل من شعره منظوما بالإنجليزية أو مترجما إليها. # ووازنت اللجنة بين ترشيحات كثيرة جاءتها في تلك السنة؛ فوجدت بينها ترشيحات كثيرة من ~~هيئات أدبية عريقة، ولم تجد غير مرشح واحد لتاجور، هو الأستاذ توماس مور أحد أعضاء الجمعية ~~الملكية البريطانية، ولم يرشحه باسم الجمعية، ولكنه رشحه باسمه، ولم يقدم مؤلفات الشاعر ~~كلها، مكتفيا بالقليل المترجم إلى اللغة الإنجليزية منها. # ورجحت - آخر الأمر - كفة تاجور على سائر المرشحين، وبينهم علم من أعلام الأدب الفرنسي ~~الحديث، هو الأديب المؤرخ الفيلسوف أميل فاجيه. # وزالت كل غرابة في هذا الترشيح بعد المفاجأة الأولى؛ لأن عبقرية الشاعر، وفضائله النفسية ~~والفكرية قد كانت فوق منال الشبهات، ولم تلبث كتبه التي أخذت في الشيوع بعد ذلك أن قررت له ~~تلك المكانة التي عمت جمهرة القراء، بعد أن كانت مقصورة على النقاد المتخصصين. # إلا أن الغرابة لم تنته عند الاعتراف بهذا الحق لتاجور، فإن السؤال الذي تتابع على كل ~~لسان في الهند، وسائر بلاد المشرق، لا يزال حتى اليوم مترددا متكررا بغير جواب. # لم لم تعترف اللجنة بمثل هذا الحق لمواطن تاجور ونظيره في المكانة الأدبية محمد ~~إقبال؟ # لم لم تتكلف اللجنة في سبيل الانتباه إلى اسمه بعض ما تكلفته في إنصاف تاجور؟ # إن أعضاء اللجنة قد تنبهوا إلى علاقة تاجور بتراث الشعر الصوفي في بلاده، وأن أصالة إقبال ~~في شعر التصوف أعرق من أصالة زميله البرهمي، فيما استقاه - على الأقل - من ينبوع الصوفيه ~~الإسلامية؛ بل يظن بعض اللغويين الشرقيين أن اسم تاجور نفسه قد يرجع إلى أصل ms42 عربي إسلامي؛ ~~لأنه ينطق بالهندية «ذاكور» أو قريبا من ذلك، وهو بمعنى الذاكرة، أو الدارس، أو ~~الأستاذ. # ونحن لا نأخذ بهذه التأويلات، ولكننا لا نشك في مكانة إقبال الفنية إذا وزنت بموازين ~~الأدب الروحي، كما وزنت عبقرية تاجور. # ولا يقال: إن «إقبالا» قد انقطع أو كاد أن ينقطع للدعوة الإسلامية؛ فإن دعوة الشاعر ~~لنصرة دينه أو وطنه لم تكن قط حائلا دون تقديره وتعظيمه في نظر اللجنة، وبخاصة تلك الدعوة ~~التي تتجرد من نوازع العداء والبغضاء، وتتنزه عن عداوة الإنسان من وراء عداوة الأديان ... ~~ولقد أجازت اللجنة طبيبا فيلسوفا من القائمين بدعوة التبشير في القارة الأفريقية، ولم تكن ~~جائزة الأدب، بل جائزة السلام هي التي استحقها الدكتور ألبرت شوتيزر ... وهو لم يعمل قط في ~~قضية من قضايا السلام الدولية! # على أن «محمد إقبال» لم يكن معدودا في الهند نفسها داعية إسلاميا يختص به المسلمون ~~دون سائر الهنود؛ لأنه كان يدعى إلى الجامعات البرهمية للمحاضرة فيها، وكان الراجات ~~البراهمة يستقبلونه في بلادهم ويدعونه إلى قصورهم، وفي جامعة ميسور التي زارها بدعوة من ~~المهراجا قال أستاذ الجامعة: «إن المسلمين يقولون: إن إقبالا لهم، والحق إنه لنا ~~جميعا، ولا يخص منا جماعة أو دينا، فإذا افتخر المسلمون بأنه أخوهم في الدين فنحن فخورون ~~بأنه أخونا في القومية الهندية.» # وأدعى إلى العجب في التمييز بين الشاعرين المواطنين - أن «تاجور» كان بحاجة إلى تنبيه ~~من العارفين بقدره بين الغربيين، أما إقبال فقد كان غنيا عن التنبيه إليه في بيئات الغرب ~~الأدبية، وفي بيئات المستشرقين المشتغلين بدراسات الإسلام، أو دراسات الشرق على العموم، وقد ~~عرف في إنجلترا كما عرف في ألمانيا وفرنسا، ونال لقب الفروسية من الدولة البريطانية كما ~~ناله تاجور، ولم تنقطع أخباره عن معهد من معاهد الثقافة العليا في بلاد الشمال، وقديما كان ~~ملك من ملوك الشمال رائدا مقدما بين رواد الاستشراق. # لقد كان تاجور أول من تأذى بهذا اللغط الذي فتحت اللجنة السويدية أبوابه، ونفذ منه أعداء ~~السلام للإيقاع بين أبناء الأمة الواحدة، ms43 وقد تحدث تاجور بذلك في مناسبات شتى، وأشار إليه ~~في تأبينه لزميله الكبير، حيث قال: «إن شهرة إقبال الواسعة ترجع إلى ما احتواه شعره من نور ~~الأدب الخالد، ومما يؤسف له أن يضع النقاد أدبي وأدب إقبال موضع المناقشة، ويبثوا بين ذلك ~~أغلاطهم، وهو أمر لا يجمل بالأدب الفسيح الذي يخاطب النوع الإنساني كله.» ~~... ثم انطوت السنون، وتجددت أسباب أخرى للقيل والقال بعد قضية إقبال وتاجور، ومهما يكن من ~~عذر للجنة في إهمالها لإقبال قبل إجازة زميله ومواطنه، فإن الإصرار على هذا الإهمال بعد ذلك ~~غير مفهوم. # | درجات المثل الأعلى في جائزة نوبل # ينظر النقاد إلى جائزة نوبل نظرة أخلاقية نفسية، إلى جانب نظرتهم العامة إلى محاسن الفن ~~والأدب؛ لأن مؤسسة نوبل - كما تقدم - قد وضعت جوائزها - في أساسها - في خدمة السلام، ورعاية ~~المثل العليا في القضايا الإنسانية، وقد جعلت محاسن الفن والأدب مناسبة من المناسبات ~~الكثيرة لتحقيق تلك الغاية، مع غيرها من مساعي العلماء والمصلحين، وزعماء الأمم وأقطاب ~~السياسة فيها. # فإذا روجعت جوائز عشرين سنة، أو ثلاثين سنة على التوالي، فتلك في الواقع مراجعة لأطوار ~~الأمم الغربية في النظرة إلى الحياة، وفي مقدار الأمل الإنساني فيها، أو في مقدار الثقة ~~عندها بالمطالب المثالية، وبالمستقبل القريب والبعيد في عهدها الحاضر، وفي الواقع الملموس ~~في تقريرها. # وقد روجعت جوائز ستين سنة بهذه النظرة الأخلاقية الإنسانية، فكانت لها دلالتها الصادقة ~~على تطور العصر الحديث في الإيمان بالمثل الأعلى، وكانت خلاصة هذه الدلالة الصادقة أن ~~درجات المثل الأعلى تهبط من فترة، وأن عصر الطيران يحلق بالإنسان في أجواء الفضاء، ولا ~~يحلق به في أجواء الرجاء، ولا يخلق له جناحين للوثوب إلا ليستقر بقدميه على قرار من ~~الأرض؛ قلما يطمئن إليه. # ومنذ أواخر القرن الماضي عرف الإنسان في الغرب طبقات ثلاث من المثل العليا، تهبط كل ~~طبقة منها عما فوقها، ولا يطول بها القرار في مكانها، ولكنها تنتهي آخر الأمر إلى القرار ~~الذي لا حيلة لها فيه؛ لأنها لا تستطيع أن تهبط إلى ما ms44 دونه، ولا تفقد الأمل فيه إلا يأسا ~~من كل قرار، ومن كل مصير، فإما صعود بعد ذلك على ثقة جديدة غير الثقة الضائعة، وإما قنوط ~~ينذر بالفناء . # كان للمثل الأعلى - في أوساط القرن الماضي - جو رفيع واسع الأرجاء يتصل بالعقيدة ~~الدينية، ويرتقي صعدا إلى السماء؛ ولا حدود للرجاء في الكمال مع الإيمان بالإله القادر ~~على كل شيء. # وكان المتدينون، وغير المتدينين سواء في تلك الفترة؛ لأنهم ولدوا جميعا في جو العقائد ~~الموروثة، فمن خرج منهم على العقيدة لم يخرج عن تراث الآباء والأجداد، ولم ينس الرجاء في ~~الكمال، ولا الثقة بالمصير، ذهابا مع التقليد، ومجاراة العرف الشائع، وإن لم يخطر في ~~باله أنه سائر على نهج المقلدين. # وغلبت الشكوك على العقائد في معظم الأمم الغربية، فتحولت الأنظار من السماء إلى الأرض، ~~وبحث المؤمنون بالواجب عن شيء يوجبون على أنفسهم أن يؤمنوا به فلم يجدوا قبلة للإيمان ~~غير قبلة الإنسانية جمعاء ... فمن شاء منهم أن يفهم لحياته معنى فالعمل للإنسانية هو كل ~~معناه الذي بقي لديه، وهو كل ما يستحق عنده التضحية في سبيله، والجهاد من أجله، وكل ما ~~يعلو به على عبادة الذات وخسة النفس المطوية على الأنانية وشهوات الحاضر المحدود. # ثم تحطم كيان الإنسانية في مصطدم عنيف من حروب وثورات الشعوب والطبقات، فضاع الأمل في ~~الإنسان الخالد بين صيحات المتعصبين للعنصر، وأباطيل المروجين للدول، وأصحاب السلطان، ~~وشكايات الداعين إلى الطبقة والطائفة دون الأمة والجماعة، واستحال الإيمان بالإنسان في هذا ~~الجو الذي شاعت فيه عداوة الإنسان للإنسان، وشاعت معها ذرائع العداوة والبغضاء على كل لسان، ~~فمن يثبت في نفسه بقية الإيمان بشيء فإنه لا يبحث عنها في السموات، ولا في الأرضين، ولكنه ~~يبحث عنها في نفسه، وينشدها في أعماق ضميره؛ ولم يكن من المصادفات في الغرب كله، أن تشيع ~~في هذه الفترة دراسات علم النفس، وأن يصبح طب الروح دينا تفتح له المحاريب، ويتولاه ~~كهان من العصر الحديث، كأنهم في البحث عن الأسرار والخفايا رهط من كهان ~~الأولين. # فالجيل المعاصر ms45 من الغربيين لا يحلق في الفضاء ليبحث عن مثله الأعلى، ولكنه يتعمق في ~~أغوار نفسه ليسأل هنالك عن الرجاء، أو ليخلق فيها الرجاء الذي يقدر عليه، وشعار الحياة عنده ~~أن الإيمان هو موضع الاختيار الوحيد: بين الثقة والبقاء، وبين اليأس والضياع، وما دام له ~~وجود فثقة الموجودين أولى به من ضياع اليائسين. # إن طلاب المثل الأعلى في هذا العصر - وفي مقدمتهم جماعة نوبل - يقنعون بهذا النصيب ~~المتواضع من طبقات المثل العليا، وحسبهم من الحياة الإنسانية أنها ليست بفراغ ولا خواء، وأن ~~الحي الجدير بها قادر على أن يملأها بشيء يشغله؛ أي شيء غير اليأس والظلام. # وبطل معنى التفاؤل والتشاؤم من مصير الإنسانية، بطل المصير الإنساني عند المتفائلين من ~~أبناء هذا الجيل؛ لأنهم لا يطيلون النظر إلى هذا المصير، وكل ما يطيلون النظر فيه هو حياة ~~النفس الإنسانية: هل يستطيع المؤمن بالحياة أن يملأها بشيء؟ وهل هناك شيء يملأ الحياة ولا ~~يستحق منهم أن يحرصوا عليه، ويقنعوا به ويعرضوا عما سواه؟ # فالأدباء العالميون الذين خصتهم لجنة نوبل بجوائزها في السنوات الأخيرة - كلهم معدودون ~~عندها من المثاليين؛ لأنها قنعت منهم بنصيب متواضع من التفاؤل؛ هو غاية المستطاع في غيبة ~~الإيمان بالمثل العليا ... على حد قول القائل: شيء خير من لا شيء! # وخلاصة هذا النصيب المتواضع أنهم غير يائسين، ولا هاربين من الحياة، وأنهم لا يقولون ~~بفراغ الوجود. # فليس بين أولئك الأدباء أحد يبشر بمعنى للحياة الإنسانية، وليس منهم من يطمح إلى ~~الكمال طموح الثقة والإقبال. # وليس منهم من يعشق الحياة أو يفتتن بمحاسنها، وغاية ما يقال فيهم أنهم يصبرون عليها، ~~ويحتملونها بحلوها ومرها على علاتها، وقد يوجد فيهم من يقول للحياة كلمة التحية ~~والمجاملة، ولكن ليس فيهم من ينظم فيها قصائد الغزل، ويتحدث عنها حديث الهوى ~~والهيام. # وفي رأينا أن الأمثلة أقرب إلى الإيضاح من نقل الآراء والصفات، وأنها كلما تفرقت من ~~المصادر المختلفة كان ذلك أدنى إلى فهم الفكرة على سعة وإنصاف. # وهؤلاء ثلاثة من أشهر الأدباء العالميين الذين استحقوا الجائزة ms46 في سنوات الستين، وهم ~~همنجواي الأمريكي، الذي نالها سنة أربع وخمسين (1954)، وخيمنيز الإسباني، الذي نالها سنة ست ~~وخمسين (1956)، وألبرت كامي الفرنسي، الذي نالها سنة سبع وخمسين؛ وهم يمثلون آداب لغات ~~ثلاث، ويمثلون معها أمزجة قومية لا يقل الاختلاف بينها عن الاختلاف بين لغاتها: وكلهم مع ~~هذا مثاليون على شعار واحد؛ شعار القائلين: «شيء خير من لا شيء.» # فالأديب الأمريكي همنجواي قد أعياه البحث عن قضية يؤمن بواجب الجهاد فيها بالقلم والسيف، ~~وجرب الجهاد في الحرب الأهلية الإسبانية، فعرف بعد التجربة أنه قد ضل الطريق، وأن قضية ~~الإنسانية غير قضية الصراع بين مذاهب اليمين، ومذاهب اليسار، ولكنه عرف أيضا أن البحث ~~عن الطريق هو نفسه غاية مقصودة كيفما كانت النهاية، فكانت تجربة الحب في رواية «وداع ~~السلاح» صورة من صور الجد في الحياة، وكانت تجربة الحركة الرياضية صورة أخرى تغني عن التأمل ~~والتفكير على غير طائل، كأنها تجعل الحركة الحيوية ضربا من الحرية الروحية أسلم عاقبة من ~~الركود أو الانتظار، وقد كان الجندي الجريح في رواية «وداع السلاح» قدوة للمتقدمين في ~~الانتقال بالعاطفة من اللهو والمتعة إلى الجد والإخلاص: عشق الجندي الجريح ممرضته فظن أنها ~~متعة من متع اللهو في إجازة عابرة بين المستشفى والميدان، ولما أحس بعطفها الإنساني ~~عليه أحس من جانبه بوفاء الشاكر لذلك العطف الكريم، أحس للعلاقة بين الإنسان والإنسان ~~بكرامة ترتفع بها عن لهو الساعة، وعن متاع الجسد، وانكشفت له ناحية من نواحي الجد في علاقة ~~الإنسان بالإنسان، وخلص له من تجارب الحرب والسلم، وتجارب الرياضة والحركة، أن في الدنيا ~~شيئا جديرا بالاهتمام. # والأديب الإسباني خيمنيز هانت عليه الحياة المادية في القرن العشرين، واستكثر على الصناعة ~~أن تمسخ حياة الإنسان، وأن يوشك بين يديها أن يستحيل معها إلى آلة بين الآلات، وأشفق أن ~~يصل هذا الإنسان يوما إلى القمر فيحسبه بين الأضواء الصناعية إعلانا منيرا عن بضاعة من ~~بضائع الشركات. # ولم يحتقر الشاعر الوجداني عظمة الصناعة، ولكنه أشفق أن تجور على عظمة الطبيعة الحية، ~~فاستمد من هذه ms47 الطبيعة جمالا يحيي الصانع والمصنوع، واقترب بالمدنية الصناعية من المنظر ~~الريفي، الذي يذكر المخلوق الآدمي بأنه مخلوق غير مصنوع، وأنه - على جذور هذا الكون - شريك ~~لطير الهواء وزهر الربيع. # والأديب الفرنسي ألبرت كامي صريح في إنكار معنى الحياة، ولكنه يقول: إن الحياة إذا ~~أعطتنا علاقات نحبها، ونشغل بها أذواقنا وضمائرنا، فليس من اللازم أن تعطينا حقائق نصدقها ~~أو نرفضها، ولا من اللازم أن نجعل أغراضنا في حياتنا غرضا للكون كله يتوقف عليه معناه؛ ~~فليس الكون كله سخيفا خلوا من المعنى كما يقول المتشائمون، ولكنه يسخف أمامنا إذا خلطنا ~~بين الغرض في حياتنا المحدود والغرض من هذا الوجود الذي لا نعرف أوله ولا منتهاه؛ وعند كامي ~~- كما عند همنجواي - أن الروح الإنساني قد يبيد، ولكنه لا ينخذل، وهو مالك لزمامه، قابض ~~على عنانه بيديه. # وقد ذكرت لجنة نوبل أسبابها لمنح هؤلاء جوائزها فذكرت منها الحيوية الناشطة، وذكرت منها ~~الروحانية العالية، وذكرت منها النخوة الأخلاقية، ولكنها استغنت بهذه المزايا الفنية، وهذه ~~المزايا الخلقية عن كل عبارة تشير إلى المثل العليا أو إلى «الآيديالزم» بمعناها ~~المشهور. # ويكاد الرأي الأخير في حساب اللجنة أن ينتقل بالمسألة من المقابلة بين الرجاء المثالي ~~والواقع اليائس إلى مفاضلة أخرى توافق ظروف الزمن في العصر الأخير، وهي المفاضلة بين العمل ~~الإيجابي والعبث الفارغ، أو بين الاعتراف بقيمة من القيم للحياة الإنسانية وبين إنكار كل ~~قيمة وإلغاء كل فضيلة من فضائل الجد والقدرة على الحياة. # وبهذه النظرة إلى جوائز نوبل الأدبية يحسبها النقاد ميزانا صالحا لوزن التطور الأخلاقي ~~في العالم الغربي من عام إلى عام، ولسان حال اللجنة بعد تجارب هذه السنين: «إذا لم يكن ما ~~تريد فأرد ما يكون.» # وهو كذلك لسان حال الحضارة الغربية في عهدها الأخير. # | باسترناك # في موسوعة المعرفة اليهودية كلمة عن جوائز نوبل قالت فيها: إن اليهود - وأنصاف اليهود - ~~الذين نالوا جوائز نوبل، قد بلغت نسبتهم نحو اثني عشر في المائة من مجموع الفائزين بها في ~~بلاد العالم المتمدن، هي تعني بأنصاف اليهود من ms48 كان لهم أمهات يهوديات. # وقد صدرت موسوعة المعرفة اليهودية في سنة ست وأربعين (1946)، ولا تزال النسبة في ازدياد، ~~بمن يضاف إليها بعد صدور الموسوعة. # وهذه نسبة كبيرة تجاوزت النسبة التي يلاحظ فيها عدد اليهود في العالم، وهم أقل من عشرين ~~مليونا في بلاد العالم كله، ولعلهم أقل من ذلك بكثير. # وتزداد هذه النسبة إذا لوحظ عددهم في الدوائر العلمية التي ينتسب إليها أكثر اليهود ~~الفائزين بالجائزة، فربما كانوا لا يزيدون على جزء من خمسين جزءا من عدد زملائهم ~~المسيحيين، وربما بلغت نسبتهم أكثر من خمسين في المائة من أبناء ملتهم المشتغلين بعلوم ~~الطبيعة والكيمياء، ومعنى ذلك أن نصف علماء اليهود في أنحاء العالم المتمدن قد وصلوا إلى ~~جوائز نوبل العلمية، وهنا يظهر الفارق الكبير بين نسبتهم ونسبة غيرهم بحساب واحد، فإن الذين ~~نالوا هذه الجوائز من غير اليهود ينقصون عن واحد في المائة من عدد العلماء العالميين، وهم ~~عدة ألوف. # ولم يظهر مثل هذه النسبة في الجوائز الأدبية؛ لأن الأدباء اليهود الذين وصلوا إلى الشهرة ~~العالمية أفراد معدودون، يحسبون على أصابع اليد الواحدة، ولم يكن أحد منهم في طبقة الأعلام ~~النابهين من أمثال أناتول فرانس، وبرناردشو، وبيراندلو، وبرتراندرسل ... فلو أنهم أخذوا ~~الجائزة الأدبية لكان معنى ذلك أن النسبة تبلغ فيهم مائة في المائة، وأن اللجنة ~~السويدية تميزهم على من هم أرجح منهم قدرة وشهرة من غير اليهود، ولعل اللجنة أدركت أن ~~محاباة هؤلاء حاصلة بغير حاجة إلى وساطتها في دوائر النشر والإعلان؛ لأن أنصاف اليهود من ~~أمثال رلكنه، وكافكا، وسارتر، قد زاحموا من هم أفضل منهم في ملكات الشعر والقصة، وقد كان ~~ذلك حسبهم من المحاباة، فلا حاجة باللجنة السويدية إلى توريط نفسها في هذا المجال، وبخاصة ~~عند النظر إلى الشروط المثالية الإنسانية، فإنهم منها على النقيض مما اشترطه مؤسس الجائزة ~~من شروط القيم الأخلاقية والمثل العليا. # وقد استحق الجائزة كاتب كبير له قدره الراجح الذي لا اختلاف عليه، وهو الفيلسوف اليهودي ~~برجسن، ولكن الاستثناء في أمره واضح من ناحية ms49 غير ناحية الشهرة والقدرة الفنية، وتلك هي ~~ناحية الموضوع الذي اختير من أجله، وهو موضوع الفلسفة؛ إذ كان بين الشعراء والروائيين وكتاب ~~المسرح والفن الجميل من هو أولى منه بشروط الجائزة الكتابية، فكان تفضيل موضوع الفلسفة على ~~موضوعات الأدب الفني هو باب الاستثناء في أمر هذا الكاتب الكبير. # إن هذه القضية جديرة بحصتها في التعليق في كلام يقال عن الجائزة وتقديراتها ومواضع ~~الملاحظة عن أسباب المحاباة أو الإجحاف عليها، وليس لذلك من مناسبة أقرب إلى موضوعها من باب ~~خاص تستدعيه قصة باسترناك في هذا الكتاب؛ وهي القصة التي أثارت من اللغط حولها ما لم ~~تثره جائزة أدبية في سنة من السنين. # وقد ثار اللغط حول هذه الجائزة - بحق - في بلاد العالم، ولم تنفرد البلاد الروسية بهذا ~~اللغط كما يعلم جمهرة القراء. # إن أدباء الروس لم يظفروا بنصيب من جوائز نوبل منذ نشأتها، ولا استثناء لذلك في أمر ~~تولستوي أشهر أدباء الروس في عصره، بل أشهر أدباء الغرب جميعا في العصر الحديث. # ولما أجيز الكاتب الروسي «إيفان بوتين» في سنة ثلاث وثلاثين لم يكن ذلك الكاتب روسيا ~~بحسب التبعية السياسية في ذلك الحين، ولكنه كان من رعايا الدولة الفرنسية، وكان من ~~المهاجرين البيض المنفيين من وطنه الأصيل. # فلما أعلن اسم الفائز سنة ثمان وخمسين، وعرف الناس أنه بوريس باسترناك، كان موضع ~~دهشتهم من النبأ أنه أول أديب روسي مقيم في بلاده، خصته اللجنة السويدية بجائزتها التي ~~لم تخص بها من قبله تولستوي، ولا أحدا ممن لا يساوون تولستوي، ولكنهم يساوون باسترناك، ~~ويرجحون عليه. # وتساءلوا: ما هي المزية الخارقة التي خرجت باللجنة السويدية من قاعدتها المطردة ~~إلى هذا الاستثناء الغريب؟ # إن الموسوعة اليهودية - التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال - لم تذكر اسم باسترناك ~~الشاعر؛ لأنه لم يكن علما من أعلام الأدب في سنة صدورها: سنة ست وأربعين (1946) ... ولكنها ~~ذكرت اسم أبيه؛ لأنه المصور الذي زين بالرسوم قصة البعث لتولستوي. # وقد تسربت له إلى الغرب شهرة محدودة بنظم الشعر، على طريقة وسط ms50 بين طريقة الرمزيين وطريقة ~~المستقبليين، ولكنه كان أقل زملائه شهرة في البلاد الأوروبية إلى العام الذي نال فيه ~~الجائزة، بعد ظهور روايته «الدكتور زيفاجو» باللغة الإيطالية سنة سبع وخمسين، وكان ظهورها ~~بالترجمة الإيطالية، ورفضها في بلاد الشاعر بلغتها الروسية سببا من أسباب الالتفات إليها، ~~والتساؤل عن موقف الشاعر من برنامج الأدب كما قرره اتحاد الأدباء الماركسيين، ولم يكن ~~باسترناك من أعضاء هذا الاتحاد. # وتعتبر قصة «الدكتور زيفاجو» عملا جيدا في باب القصة المطولة، ولكنها لا ترتفع إلى ~~القمة في هذا الباب بمزية من مزايا الروائيين الأفذاذ في العالم الغربي، أو في اللغة ~~الروسية على الانفراد، وهي في جملتها مزايا الوعي الإنساني الواسع، والعبقرية الخلاقة في ~~رسم الشخوص والأبطال، والدراما المطبوعة بسياق الحوادث، واستخراجها من ينابيعها الحيوية في ~~نفوس الناس، وظروف العصر الذي يعيشون فيه ... فلم تبرز في القصة مزية فنية تعلو على مزايا ~~المتوسطين من كتاب الرواية، وهي مطابقة الوصف للواقع المحسوس، وتمثيل الأحياء على ~~امتلائه بدوافع الحياة اليومية، وتسجيل التاريخ بسلسلة من التجارب العملية، لا يحيط بها ~~إدراك واسع، ولا تتعمق إلى القرار البعيد من وراء الحركة السطحية، ولكنها في أسلوب باسترناك ~~حركة سطحية، يزينها بعض الوشي من نسيج الشعر والخيال. # أما الشروط المثالية، أو الشروط الروحية التي تعنى بها لجنة نوبل فلم تكن رواية باسترناك ~~خالية منها؛ لأن الترفع عن ابتذال الحياة بالأغراض المادية صريح على وجه الرواية، ملموح بين ~~سطورها، مفهوم من تفصيلاتها، وفي بعض العبارات التي وردت بين ثنايا الحوار أقوال جريئة في ~~انتقاد آراء الماديين، الذين يؤمنون بعقيدتهم على السماع والتقليد، ويهرفون بما لا ~~يعرفون، وهم يحسبون أنهم ثائرون على المقلدين المحافظين ... ولكن هذه الأقوال لم تتجاوز نقل ~~التجارب على علاتها، ولم يكن فيها ما يحسب من الجرأة، لو كتب بلغة غير الروسية، أو كتب ~~لأناس يرفضون الماركسية، أو يقفون منها موقف الحيدة. # كل هذه المزايا لم تكن كافية لترشيح الكاتب للجائزة بين عشرات النظراء من أبناء الأمم ~~الأوروبية والأمريكية، وقد تكفي لترشيح أحد من ms51 الفرنسيين، أو من الألمان، أو الطليان، أو ~~الإنجليز، ولا تتبعها تلك الضجة التي تبعت إعلان الجائزة في سنة ثمان وخمسين؛ لأن لجنة نوبل ~~لم تتجنب أمة من هذه الأمم، ولم تتحرج من توجيه جوائزها إلى أدبائها مرتين، وأكثر من ~~مرتين ... ولكن مثار الدهشة أن تصبح مزايا باسترناك كافية لاختياره بين أدباء لغته بعد نحو ~~ستين سنة، لم يسبقه فيها سابق إلى تلك الجائزة بين أقطاب بلاده العالميين. # واللجنة تقول في أسباب اختصاص باسترناك: إنها منحته جائزتها «لمساهمته الهامة في كل من ~~ميدان الشعر المعاصر، وميدان التراث الروسي العظيم في باب القصة.» # ولكن شعر باسترناك قد كان معروفا قبل سنوات، وتراث القصة في اللغة الروسية بدأ قبل ~~باسترناك بأكثر من مائة سنة، ولم تلتفت إليه اللجنة حين التفتت إلى الكاتب الكاتب الروسي ~~إيفان بونين؛ لأنه كان من كتاب القصة القصيرة التي لا يبتدئ بها الباحث عن تراث القصة ~~باللغة الروسية ... وهذا إذا صرفنا النظر عن انتساب بونين إلى الجنسية الروسية، واعتزاله ~~الإقامة في بلاده قبل نيله الجائزة بسنوات. # فإذا كانت هذه المرشحات المعلنة قاصرة عن تعليل هذا الاختصاص العجيب، غير مغنية ~~عن البحث وراءها لتمييز باسترناك وتمييز روايته في حساب اللجنة، فالعذر واضح لمن ~~يعلل ذلك بالعلة الوحيدة الباقية بين يديه: وهى أن باسترناك كاتب يهودى المولد، وأن ~~مسألة اضطهاد اليهود من المسائل التي تتخلل روايته في غير موضع، ويتفق في ذلك الحين أنها ~~كانت تثير القيل والقال حول بعض القضايا والتهم، وراء حدود البلاد الروسية. # وإذا احتاجت هذه العلة إلى علة أخرى تساندها، ولا تحصرها في ناحيتها اليهودية، فتلك العلة ~~الأخرى هي نقد التجارب المادية، والزراية بمن ينتحلون عقائدها على التقليد والسماع. # ولا بد من الإشارة هنا إلى حقيقة تاريخية تفسر هذا النفوذ اليهودي في دوائر معهودة من ~~أمم الشمال: هي دوائر التجارة العالمية، ودوائر العملة الأجنبية، التي لا يخفى شأنها في كل ~~موطن تتصل مبادلاته بما وراء البحار. # فمنذ القرون الوسطى كانت بلاد الشمال ملاذا مفتوحا لليهود، وللطوائف الخارجة ms52 على سلطان ~~الكنيسة الكاثوليكية؛ إذ كانت بلاد الشمال بين البلاد التي انفصلت عن تلك الكنيسة، وفتحت ~~أبوابها لمن يخشون البقاء في جوارها، وبين الأمم التابعة لمذهبها في الدين، ومسلكها في ~~السياسة، ونزل اليهود منزلهم المرعي، حيث تتسع الفرص لصفقات التجارة الدولية، ولمبادلات ~~العملة من وراء البحار. # ويذكر القراء أن محافل إسرائيل لم تخل قط - إلى هذه الأيام - من وفود الشمال، التي ~~تشترك في الاحتفال بأعياد أورشليم وتل أبيب، تسجيلا لحوادث اليهود مع النازيين ... وقد يذكر ~~القراء أيضا أن زعماء إسرائيل يتلقون الدعوة تباعا لقضاء الرحلات في أرجاء الشمال، على ~~مثال لم يتكرر في عامة البلاد الأوروبية التي حاربت النازيين. # ولسنا نميل إلى القول بأن هذه المحاباة لباسترناك كانت عملا من أعمال القصد والتدبير ~~والتفاهم المكشوف بين أعضاء اللجنة المحكمين، ولكننا نخاله أثرا من آثار الجو الشعوري، ~~الذي يخلقه كل نفوذ قديم، لا سيما النفوذ الذي يتغلغل في شعاب المعاملات، خارج البلاد ~~وداخلها ... ولولا هذا «الجو الشعوري» لما بحثت اللجنة عن باسترناك، ولولاه لبحثت عن غيره ~~بمؤهلاته، وما هو أكبر من مؤهلاته، في حيث تشاء الصهيونية العالمية، وحيث لا تشاء. # | جائزة الكاتب وجائزة الكتاب # مما اطلع عليه قراء الصحف - في أثناء متابعة هذه المقالات - نبأ يقال فيه: إن إحدى ~~جهات النشر والطباعة تستعد لمشروع كبير، تتوفر فيه على نقل المؤلفات التي استحق بها الأدباء ~~العالميون جوائز نوبل الأدبية منذ سنتها الأولى. # وقد سئلت عن هذا النبأ، وهو - في الحق - نبأ يستدعي بعض الإيضاح والتعليق، أو يستدعي ~~السؤال عن هذه المؤلفات للعلم بأسمائها وموضوعاتها، وتيسير الاختيار منها لمن يرغبون في ~~ترجمتها، ومن ينتظرونها بترتيبها، على حسب تأليفها، أو على حسب مواقيت إجازتها. # ولا نظن أن رواة الخبر في الصحف يعنون أن الناشرين يعتزمون ترجمة الكتب التي ألفها ~~الأدباء العالميون، ممن استحقوا الجوائز الأدبية في جميع سنواتها؛ لأنهم استحقوا الجوائز ~~بما نهضوا به من رسالة أدبية شاملة لجميع ما ألفوه، ولم يحصل في حالة من الحالات أن ~~أديبا عالميا أجيز لكتاب واحد من ms53 كتبه، وهو ما لم يحصل في حالة واحدة، على ما ~~نعلم من سجلات اللجنة السويدية، وهي محفوظة بتفصيلاتها في محاضرها، وفي التقارير ~~الوافية التي تذيعها. # فالأساس في إجازة الأدباء أنهم يمنحون الجائزة لجملة ما كتبوه، وتعتبرها مؤسسة نوبل ~~تتويجا لأعمالهم، وتقديرا لرسالتهم في خدمة الفن والأدباء المثالية، وأهمها عند المؤسسة ~~أدب السلام والرجاء: أدب الإيمان بمصير الإنسانية ورعاية حقوقها. # وإذا روجعت أسباب الإجازة من سنواتها الأولى لم نكد نعرف منها اسم كتاب واحد مذكور باسمه ~~دون سائر الكتب التي ظهرت بقلم مؤلفه، إلا إذا كان فيه تخصيص لمزية شائعة في سائر ~~مؤلفاته. # فصاحب الجائزة في السنة الأولى، سولي برودوم الشاعر الفيلسوف الفرنسي، ميزته اللجنة ~~«تقديرا لتفوقه في الأدب، ولا سيما الشعر الذي يتسم بالروح المثالية السامية، والإتقان ~~الفني، والتوفيق النادر بين الضمير والعبقرية.» # واتجهت الجائزة في السنة الثانية إلى الفيلسوف المؤرخ الكبير تيودور مومش؛ «لأنه أعظم ~~المؤرخين الأحياء في زماننا، مع التنويه بعمله في تاريخ رومة.» # وكان صاحب الجائزة في السنة الثالثة شاعر النرويج الأكبر بجورستون؛ «تقديرا لعمله الشعري ~~العظيم النبيل في جوانبه المتعددة، مع امتيازه بالوحي المبتكر، وصفاء الروح.» # وفي السنة الرابعة أجيز الشاعر الفرنسي رمسترال: «لسلاسته الرائعة، وإجادته الفنية التي ~~صور بها مناظر وطنه، وحياة الريف» وقاسمه جائزة السنة شاعر إسبانيا إشيجاري # Echegary # لبراعته، وإحاطته، واقتداره، مع استقلاله، ~~وإبداعه في إحياء تراث الدرامة الإسبانية. # وكان «تقدير العظمة في تأليف الملاحم التاريخية» سبب اختصاص الروائي البولوني سينكفيش ~~بجائزة سنة 1905، وهي السنة الخامسة. # وكان اختصاص الشاعر الإيطالي العظيم كردوتشي في السنة السادسة؛ «إجلالا لمثابرته، وروعة ~~أسلوبه، وملكته الغنائية التي بدت في آياته المنظومة، فضلا عن سعة معارفه، ومباحثه ~~النقدية.» # وفي السنة السابعة لجائزة نوبل حصل عليها أشهر شعراء الإنجليز في عصره رويار دكبلنج؛ ~~«لقوة الملاحظة، والتخيل المطبوع، والوعي المتيقظ، والتصوير الصادق.» # وحصل عليها أول مستحقيها من الفلاسفة رودلف يوكني الألماني في سنة 1908؛ «لأنه عرف ~~بالجد في البحث عن الحقيقة، وبالنظر الثاقب، والبصيرة الواسعة، والتصوير الذي يجمع بين ~~الحرارة والقوة، ولأنه ms54 استخدم ذلك كله في جلاء العالم على الصورة المثالية.» # وكانت سلما لاجرلوف صاحبة الجائزة سنة 1909 أول امرأة نالتها، وأول من نالها من السويد؛ ~~«لأنها - كما قالت اللجنة - لمست أشرف شمائل أمنا السويد، كما لمست أكرم الشمائل ~~الإنسانية.» # وفي السنة العاشرة للجائزة خصت بها اللجنة الأديب الألماني بول فون هيسي؛ لأنها «تقدر ~~فنه الممتاز بالجودة، والروح المثالية الذي توفر عليه في جهاد طويل قيم، وهو يدأب على ~~نظم الشعر الغنائي، وكتابة الدرامة، والرواية، والنوادر القصار ذوات الشهرة ~~العالمية.» # وهذه هي أسباب منح الجائزة في عشر سنوات متواليات، لم تذكر فيها اللجنة كتابا خاصا ~~من كتب هؤلاء الأدباء، ولم تخالف هذه السنة بعد ذلك إلى السنة الأخيرة، ولا نظنها تخالفها ~~بعد اليوم ما دامت تقيم جوائزها على أساسها الذي استقرت عليه، وهو تقدير الرسالة الإنسانية ~~التي ينهض بها الكاتب المختار، وليس من الاستثناء تنويهها بعمل المؤرخ الفيلسوف مومش في ~~تاريخ رومة؛ لأن التواريخ الرومانية - على اختلاف أبوابها - كانت هي رسالة العمر كله في ~~حياة هذا المؤرخ الفيلسوف، وقد عرفته بهذه الرسالة أمم الشمال قبل منحه الجائزة، كما عرفته ~~بها أمته الألمانية؛ فتبرعت له الدنمرك، وهو دون الثلاثين، بهبة مالية تعينه على زيارة رومة ~~لجمع رسومها الأثرية، وعينته دولة بروسيا، وهو دون الأربعين، مديرا لمتحف الآثار ~~الرومانية، وامتدت بحوثه إلى كل جانب من جوانب التاريخ الروماني، كإحصاء أنواع العملة ~~النقدية في أرجاء الإمبراطورية، وتقسيم مبادئ التشريع الإدارية في دواوينها، ومراجعة ~~بقاياها المهجورة في أنحاء سويسرة، وغيرها من أقطار أوروبة التي بسطت نفوذها عليها. # فكتاب تاريخ رومة لم يكن منفردا بالتنويه في تقدير اللجنة؛ لأنه عمل مستقل بموضوع مادته ~~بين أعمال المؤرخ الفيلسوف، وإنما كان محل التنويه؛ لأنه جزء من رسالته، وعنوان لسائر ~~مباحثه وموضوعاته، وكلها موضوع واحد داخل في مدلول ذلك العنوان. ~~••• # ويعود الأمر في ذلك كله - أو معظمه - إلى طبيعة الجائزة العالمية، وطبيعة ~~اختصاصها. # أو يعود الأمر إلى الوظيفة التي تؤديها الجائزة، والقاعدة التي بنيت عليها. # فإن نظام التخصيص والتوزيع قد ms55 سرى إلى الجوائز، كما يسري إلى كل شيء في هذا العصر: عصر ~~توزيع العمل وتقسيم الملكات والكفايات. # لقد بدأت شائعة متشابهة، ثم تخصصت بعد طول العهد بتطبيقها، فتطرقت إلى أنواع شتى، لا يغني ~~نوع منها عن سواه، ولا تصلح جائزة منها بديلا عن جائزة أخرى. # وأشهر هذه الأنواع العصرية نوعان: جائزة التقدير، وجائزة التشجيع. # فالجائزة التقديرية يدل اسمها على وظيفتها وغايتها، فإن الكاتب إنما يستحق التقدير لأعمال ~~كثيرة، وعهد طويل بالإنتاج الأدبي الناضج، والخبرة الفنية التي يستقل فيها بقدرته وبحقه في ~~التقدير، ويسمى التقدير أحيانا بالتتويج؛ لأنه يأتي بعد أمد طويل تاجا على رأس أعماله ~~جميعا، وتنويها برسالته الفكرية التي تبين فيها قدرته، وقد تتبعها مؤلفات أخرى له، ولكنها ~~لا تزيد في قيمة العمل، وإن زادت في العمل والمقدار. # أما الجائزة التشجيعية كما يدل عليها اسمها، فهي دليل على الأمل في إنتاج الكاتب لما هو ~~خير من عمله الذي كوفئ عليه، واستنهاض له لبلوغ المنزلة التي يستحق عليها التقدير والثناء ~~على جملة أعماله، وأكثر من ينالون هذه الجائزة من الناشئين الموهوبين الذين يستحقون النجاح، ~~ولا يدركونه بغير تنبيه من ذي شهادة يوثق بها في هذا المقام. # وهناك حالة ثالثة تتوسط بين التقدير والتشجيع، وهي الحالة التي يجب فيها التنويه بعمل فني ~~ممتاز، يأتي به كاتب جاوز سني التشجيع، ولم ينته من أداء رسالته الكاملة في عالم التأليف ... ~~وهذه هي حالة «الكتاب الواحد» الذي يدل على التفوق والامتياز، ولكنه لا يحتوي في موضوعه، ~~ولا في غايته رسالة حياة. # وتكاد جميع الجوائز الأخرى أن تدخل في نطاق نوع من هذه الأنواع الثلاثة، ولكنها تعود ~~كلها فتنقسم إلى قسمين: أحدهما قسم الجوائز العالمية المتكررة، والآخر قسم الجوائز القومية، ~~متكررة كانت، أو ذات غرض محدود. # ولا محل لجوائز التشجيع ولا جوائز الكتاب الواحد في نظام الهيئات العالمية، التي تكرر ~~جوائزها في كل عام. # لأن أمة الأديب الناشئ أولى من العالم كله أن تبدأ بتشجيعه، وكذلك ينبغي أن تبتدئ الأمة ~~بمكافأة المؤلف الذي يجيد العمل ms56 في بحث محدود، ولا ترتبط إجادته هنا برسالة عامة، تنسب إلى ~~إنسان جاوز حدود القومية إلى حدود العمل المشترك بين جميع الأمم، وبين جميع بني ~~الإنسان. # هذا العمل الإنساني المشترك رسالة عامة، تتولى الهيئات العالمية إجازة العاملين في ~~ميدانها، وتتولاها على التخصيص حين تكون مشروطة بشروطها الإنسانية، إلى جانب شروطها الفنية، ~~ومنها رعاية المثل العليا، وتأييد قضية الإخاء والسلام. # وعلى هذا الاعتبار تكون مؤسسة نوبل قد لزمت حدود اختصاصها، حين وضعت جوائزها تقديرا ~~للأدباء من ذوي الرسالة الكاملة في سبيل الإنسانية، ولم تضعها للتشجيع، أو للمكافأة على ~~الإجادة في تأليف كتاب. # ولا نعلم أن هيئة غير الهيئات القومية كافأت أحدا على الإجادة في تأليف كتاب واحد، ~~فإذا وجدت هيئة عالمية تكافئ الأدباء في جميع الأمم على كتاب معلوم؛ فالغالب أن تكون ~~لهذه الهيئة وجهة اقتصادية تجارية تهتم بالترويج والعرض، ولا يهمها كثيرا أن تعرض على ~~الكاتب رسالة إنسانية أو رسالة إنسانية كاملة، والغالب أيضا أن تبدأ هذه الهيئة ~~الاقتصادية باختيار المؤلف والتوصية بموضوعه والاتفاق بين الأمم على المطابع التي تنشره، ~~وعلى دور الصور المتحركة التي تعرضه، وعلى اللغات التي يترجم إليها، والحقوق التي ~~تترتب على ترجمته واستغلاله، وهي - أي الهيئة الاقتصادية - تعتمد على الاتفاقات الدولية في ~~مسائل العملة، وحقوق التصدير والتوريد، وتكثر بين أعضائها من المساهمين في الشركات الدولية؛ ~~لتعميم النشر والعرض في أوسع مجال من بلاد العالم. # وقد نظرت مؤسسة نوبل إلى الغرض الأدبي، ولم تنظر إلى استغلال كتاب معين من الناحية ~~التجارية، فكانت جوائزها جوائز رسالة عامة، ولم تكن جوائز عمل محدودة. # نعم، إن صاحب الجائزة قد يكون له عمل أفضل من سائر أعماله، وقد يقع الاختيار على هذا ~~العمل للترجمة والتعريف بمكانة المؤلف ورسالته العامة، ولكن الوسيلة التي تناسب هذه الجائزة ~~هي وسيلة المختارات والمجاميع، وهي الإحاطة بالنخبة المنتقاة من جملة آثاره في مجموعة ~~واحدة، يطلع عليها القارئ، فيطلع على رسالة الكاتب في الفن والأدب، ورسالته في خدمة ~~الإنسانية. # | خاتمة المطاف # ونأتي إلى خاتمة هذه السلسلة عن ms57 تلك الجائزة العالمية، وهي - كما نعلم - أشهر جوائز ~~العالم وأقدمها، وهي كذلك أصلحها لغرضين من أغراض البحث في هذا الموضوع، هما البحث في دلالة ~~الجائزة على تطور الحياة الفكرية والنفسية في أكثر من ستين سنة، بدأت بالسنة الأولى من ~~القرن العشرين. # وثاني أغراض البحث التي تصلح لها هذه الجائزة قبل غيرها هو الدلالة على وظيفة الجوائز ~~العالمية في جملتها، ووظيفة الجوائز بأنواعها، بين عالمية وقومية، وبين دائمة متكررة وعارضة ~~محدودة، تنقضي بانقضاء مناسبتها. # ونقول: إن جائزة نوبل تدل على تطور الحياة النفسية، كما تدل على تطور الحياة الفكرية، ~~بأنها مشروطة بشروط أخرى غير شرط الإجادة والإتقان في أعمال الفن والأدب، وتلك هي شروط ~~العمل لقضية السلام والثقة بالمثل الإنسانية العالية، وهي مسألة أخلاقية نفسية، تتغير ~~النظرة إليها، ويتغير الشعور بها بين زمان وزمان، وبين قبيل وقبيل من أمم الحضارة. # ولهذا قصرنا الكلام في جميع هذه الأحاديث على هاتين الدلالتين: دلالة التطور في مقاييس ~~الأدب والأخلاق، ودلالة الوظيفة العامة التي تؤديها الجائزة العالمية. # فلم نقصد إلى إفاضة القول في تراجم الأدباء؛ لأنه شرح يطول، ولا تحتمله هذه الصفحات إلا ~~في حيز ضيق مخل بفائدة الترجمة، وأنفع من الإلمام به في حيزه الضيق أن يرجع إليه في ~~مطولاته أو مختصراته عند الحاجة إليها. # ولم نقصد إلى الإفاضة في التعليق على مؤلفات الأدباء؛ لأن الشروح الطوال في هذا الباب ~~ألزم من شروح التراجم والسير، ومواضعها - عند الحاجة إليها - ميسورة في كل لغة يكتب بها ~~النقاد ومؤرخو الآداب. # إنما كان من اللازم أن نشير إلى ترجمة الأديب، أو إلى مؤلفاته، كلما كان في ذلك إشارة ~~إلى ظروفه الخاصة التي جعلته موضع التمييز والمحاباة، وموضع الإهمال والإجحاف. # وقد أشرنا - فيما سبق - إلى ظروف كثيرة تفسر لنا أسباب التفاوت في أحكام اللجنة التي توزع ~~جوائز نوبل الأدبية، ثم تفسر لنا كيف تتفاوت هذه الأحكام أحيانا، لأسباب غير الخطأ في ~~التقدير، وغير الاستسلام لأهواء النفوس البشرية في علاقات الأفراد والجماعات، وجائزة نوبل ~~شديدة الصلة بالأهواء السياسية التي ms58 لا يسهل إغفالها؛ لأنها على صلة رسمية بموقف حكومتها ~~بين الحكومات. # وجملة ما نوجزه في هذه الخلاصة الختامية من أسباب التفاوت جميعا، أنها ضرورية لا مهرب ~~منها في كل جائزة عالمية متكررة. ~~«أولا» لأنها تنظر في أعمال المؤلفين خلال سنوات متوالية في أمم مختلفة، وقد يستحقها في ~~هذه السنة من هو أقل استحقاقا لها قبل عشر سنوات، وقد يحرمها اليوم من كان أهلا لها لو ~~تقدم به الزمن، أو تأخر به، بين أقران غير الأقران، وفي موضوع غير الموضوع. # ولا بد أن يتفاوت التقدير «ثانيا» لأن المحكمين يتغيرون، وتتغير الأذواق والمقاييس ~~معهم بين حقبة وحقبة، وبين مدرسة ومدرسة من مدارس النقد والتفكير. # وتتفاوت الأحكام، «ثالثا» لأن اللجنة مضطرة إلى اجتناب الشبهات، والحذر من تمييز أمة ~~واحدة بين الأمم بنصيب من الجوائز يزيد على نصيب غيرها عند المقارنة العامة، ولو كثر ~~المستحقون بالمصادفة في أمة واحدة، وقل أمثالهم من المستحقين - بالمصادفة أيضا - في أمة ~~تناظرها، ولا تتخلف عنها في ميادين الثقافة أو ميادين العمل لقضية السلام ومبادئ ~~الأخلاق. # فلو اتفق أن اللجنة خصت بجوائزها أديبين من أمة واحدة في سنتين متقاربتين، فمن أكبر ~~الحرج لها أن تعود إلى تلك الأمة بجائزة ثالثة في السنة التالية، وأكبر الظن أنها تتحول ~~بها عمدا إلى أديب في أمة أخرى لا يساوي نظيره في الأمة الأولى، إذا جرت بينهما الموازنة ~~على غير هذا الاعتبار. # وتتفاوت الأحكام «رابعا» كلما اعترضت أزمات السياسة والحروب في وسط الطريق، فإن حكومة ~~السويد تحتفل بتسليم الجوائز احتفالا رسميا يحضره ملك البلاد، فلا يسع اللجنة الأدبية ~~أن تحكم لأديب مستحق للجائزة، يعتبر الحكم له حكما لأمته، أو لقضية بلده، في معركة ~~الخصومات الدولية، وهي تستحكم بين الدول الكبرى بين حين وحين. # وعلى هذه الحيطة من جانب اللجنة لم تسلم من الشبهات بغير الحق في كثير من السنين، فقد كان ~~زعماء ألمانيا النازية يعتبرون حكمها لخصومهم اتهاما للنازية بمحاربة السلام، وقد تكرر ذلك ~~حتى أصبح ترشيح الأديب الألماني نفسه للجائزة عملا مستنكرا ms59 في نظر حكومته، وأعلنت الدولة ~~النازية أنها تحرم على الأدباء أن يتقدموا لنيل الجائزة أو يقبلوها، وصدر مثل هذا الأمر من ~~حكومات شتى، كانت في موقف دولي كموقف النازيين والفاشيين، ولم يكن لهذه الحكومات بد من ~~إنشاء جوائز كبرى لأدبائها الممتازين، تساوي جائزة نوبل في طبقة التقدير، وإن لم تكن ~~مساوية لها بحساب المال. # وقد يحدث التفاوت في جوائز نوبل لأسباب «محلية» لها أصولها التاريخية في بلاد السويد، فقد ~~كانت هذه البلاد ملاذا لكل مغضوب عليه من أعداء الكنيسة البابوية منذ القرون الوسطى، ولا ~~سيما اليهود، وقد غلب النفوذ اليهودي على معاملاتها الدولية؛ لأنها أمة كثيرة العلاقات ~~بالتجارة الخارجية، ومبادلات العملة على الخصوص، وهي سوق لا يبتعد عنها السماسرة من اليهود ~~حيثما استقر بهم المقام، لا جرم كان لليهود حظ من جوائز نوبل يفوق نسبتهم العددية بكثير، ~~وغلب ذلك على جوائز العلوم قبل جوائز الأدب، فربما صح أن يقال: إن عدد العلماء اليهود ~~الذين ظفروا بها لا يقل عن نصف عددهم في العالم بأسره، وربما صح - فوق ذلك - أن اللجنة لم ~~تنصف أحدا قط من خصوم اليهود، وممن لا يناصرون الصهيونية العالمية أو يقفون منها موقف ~~الحذر والاشتباه. # وطرأت في السنوات الأخيرة أسباب للاستغناء عن جائزة نوبل، وإنشاء الجوائز التي تناظرها ~~غير أسباب الشكوى من التحيز المقبول. # تلك هي الأسباب الاقتصادية التي يهتم بها الناشرون من أصحاب العلاقات الدولية، فإن هؤلاء ~~يريدون أن تكون الجائزة العالمية في موضوع يروج في عالم المطبوعات «السوقية» أو عالم العرض ~~على اللوحة البيضاء، ويريدون قبل ذلك أن يكون لهم رأي في اختيار الموضوع، وترجيح جانب ~~القصة والمسرحية منه على سائر الموضوعات، وهذه هي الأسباب الاقتصادية التي دعت بعض الشركات ~~إلى إنشاء جائزة دولية ينالها من يعمل بمقترحاتها، ويضمن - مع قيمة الجائزة - أن تتولى هذه ~~الشركات ترجمة كتابه إلى بضع لغات، وأن تطبعه وتحفظ حقوق طبعه في عدة أقطار. ~~••• # على أن التفاوت في أحكام اللجنة لا يتنحى بها عن مكانها الملحوظ في الدلالة على تطور ms60 ~~الحياة الأدبية، وتطور الأخلاق ومقاييس النظر إلى المثل العليا، فإن علامات التطور قد ~~تستفاد من التفاوت في الحكم، كما تستفاد من اطراد الأحكام على وتيرة واحدة، وقد ~~يكون البحث في هذا التفاوت معرضا من معارض الأطوار الهامة في معايير النقد وأساليب الترجيح ~~والتمييز، وربما استطاعت اللجنة بإرادتها أن تخالف الصواب في تقدير المزايا الفنية، وتفضيل ~~الحسن منها على ما هو أحسن منه، ولكنها لا تستطيع بإرادتها أن تخطئ في الدلالة على أخلاق ~~زمانها، ولا على نظرات أهله إلى المثل العليا، ومطامح الإنسانية في آمالها، فإذا جاز أن ~~يكون للجنة حكم أدبي لا يمثل عصره، فمن البعيد أن تخلق مثلا أعلى في قيم الأخلاق، يجاوزه ~~كثيرا إلى الصعود أو إلى الهبوط. ~~••• # إن أسباب التفاوت في أحكام الأدب كثيرة متعددة، ولكن أسباب التفاوت في أحكام الأخلاق ~~كبيرة واسعة المسافة؛ لأنها مسافة ما بين الأرض والسماء، بتعبير الحقيقة لا بتعبير ~~المجاز. # كان في الغرب - عند إنشاء الجائزة - بقية من النظرة ~~الدينية إلى المثل الأعلى ... والمثل الأعلى في الدين يرتقي إلى سماء الله، ولا حدود للكمال ~~الذي يرتفع به الرجاء في الله. # وكان الأوروبي في القرن التاسع عشر يطمح مع نيتشه إلى أفق السوپر مان، الذي يعلو على طبقة ~~الآدميين علو الإنسان على طبقة القرود، أو كان الأوروبي - في ذلك القرن - يتغنى مع كارليل ~~بعظمة البطل الأروع، الذي يحل من النفوس محل العبادة والتقديس، فلما غلبت عقيدة الواقع ~~المادي على نفوس الناس في القرن العشرين، هبط المثل الأعلى من سمائه، واستغنى الضمير ~~الأوروبي بالطيران في أجواز الفضاء عن اللحاق بآفاق عليين. # ثم أصبح قصارى الأمل في مصير الإنسان أن يروض نفسه على مواجهة اليأس، والتسليم بضرورة ~~الوجود؛ تسليم قوامه الضرورة المقضية، ولا قوام له من الرجاء فيما وراء العيان، ولا في نحلة ~~البطولة أو نحلة السوبر مان. # وكان آخر ذوي الأفكار من مستحقي الجائزة أديبا يتكلم بلغة الفلسفة، كأنه السياسي الذي ~~يتكلم بلغة «الدبلوماسية» حين يقول: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. ms61 # وهكذا انتهى المطاف برسالة نوبل في طلاب المثل الأعلى، ولا نخاله مرتفعا إلى قمة تعلو ~~على هذه القمة، إلى مدى سنوات مقبلات. ~~••• # وبعد فإننا نختتم هذه الدراسة ونحن نتسمع على بعض الأفواه سؤالا لا غرابة فيه، ولا سيما ~~ممن قرأ لنا - قبل اليوم - كثيرا في موضوع هذه الجائزة. # لماذا عنينا بموضوع هذه الجائزة غير مرة؟ # ومن الواجب أن يجاب هذا السؤال لتصحيح النظر إلى البحث كله، لا لمجرد الإيضاح في مسألة ~~شخصية؛ لأن جلاء الحقيقة عن بواعث البحث جلاء للحقيقة عن الآراء التي تنبعث منها. # ونوجز البيان فنقول: إننا لم نعرض قط لموضوع الجائزة إلا استجابة لسؤال أو اقتراح. # قيل في الصحف يوما: إن زميلنا الأستاذ توفيق الحكيم استعار قصة «حمار الحكيم» من قصة ~~الشاعر الإسباني خيمنيز، وسألني المختلفون عن رأيي فكتبته، وأجملت القول عن الفارق بين ~~الروايتين، فاستتبع ذلك اقتراحا من مؤسسة ثقافية كبيرة للكتابة عن الشاعر الإسباني، وعن ~~الجائزة ومستحقيها، وظهر من ثم كتابي عن الشاعر الأندلسي والجائزة العالمية. # وسألتني قبل ذلك صحيفة أدبية عن حق الشاعر الهندي تاجور في الجائزة، فكان مقالي عنه ~~جوابا لذلك السؤال. # ولبيت اقتراح الفضلاء من نقاد الإذاعة والمشرفين على برامجها، فأعددت للإذاعة هذه ~~الأحاديث، ولا محل للسؤال عن بواعثي للحديث عنها؛ إذ يكون الباعث إليه خاطرا من خواطر ~~المقترحين. # والواضح المحقق أننا لم نشتغل بحديث الجائزة؛ لأننا نطلبها، فربما توافر لنا من ظروف ~~طلبها ما لم يتوافر لغيرنا ... ومن تلك الشروط أن تطلب باسم هيئة رسمية أو مجلس نيابي أو ~~جماعة علمية، وقد عملنا في تلك المجالس والهيئات منذ نيف وثلاثين سنة، وكان من رأي بعض ~~الرؤساء أن يذكروني بين مرشحيها، فكنت - مع شكري لهم - أفصح لهم عن رأيي في شروطها وموقفي ~~منها، وآخر من صارحته بهذا الرأي منذ سنوات: زميلنا توفيق الحكيم. # أما وقد خرجت بنفسي من هذه المظنة فليس من الجائز أن تختم مقالات نوبل وجائزته بغير ~~إشارة إلى موقف لجنته من أدباء العربية، وليس من الدعوى التي ينكرها المنصفون ms62 أن هؤلاء ~~الأدباء فيهم من هو أولى بالجائزة ممن تخيرتهم اللجنة في سنوات كثيرة، ولا سيما السنوات ~~الأخيرة، وربما كان لذلك خطره من قبل ... ولكنه أمر لا خطر له في عهدنا هذا، عهد يستعيد فيه ~~الشرق ثقته بنفسه، فلا يضيره أن يرى الغرب فيه وفي أدبه غير ما يراه، وأن له في تقديره ~~للرأي الأول والأخير. ms63