######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.JuhaDahikMudhik.Hindawi14685395 #META# Tags: literature #META# ID: 14685395 #META# Title: جحا الضاحك المضحك #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - الكلمة والضحكة‏ # 2 - لماذا نضحك؟‏ # 3 - ثلاثة آراء في الضحك‏ # 4 - الضحك في الكتب الدينية‏ # 5 - الإنسانية والفكاهة‏ # 6 - جحا ونوادره‏ # 7 - 60 نادرة‏ # 8 - موازين غير محكمة‏ # 9 - جحا في الأدب‏ # 10 - خلاصة تاريخية‏ # 1 - الكلمة والضحكة‏ # 2 - لماذا نضحك؟‏ # 3 - ثلاثة آراء في الضحك‏ # 4 - الضحك في الكتب الدينية‏ # 5 - الإنسانية والفكاهة‏ # 6 - جحا ونوادره‏ # 7 - 60 نادرة‏ # 8 - موازين غير محكمة‏ # 9 - جحا في الأدب‏ # 10 - خلاصة تاريخية‏ # | جحا الضاحك المضحك # | جحا الضاحك المضحك # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | الكلمة والضحكة # الكلمة أكبر الفتوح الإنسانية في عالم الكشف والاختراع، لو لم يخترعها الإنسان لوجب أن ~~يخترع ما يساويها وينوب عنها؛ لأنه لا حياة له بغير التفاهم بينه وبين أبناء نوعه، ولا ~~تفاهم على شيء من الأشياء بغير الكلمة أو ما يدل دلالتها ... # أنقول على شيء من الأشياء وكفى؟ # كلا، بل نعمم القول على الأشياء وما ليس بشيء من الأشياء، ونضرب المثل بيوم الأربعاء أو ~~يوم الخميس أو يوم من الأيام في الشهر الأول من السنة الحاضرة. # ما هو ذلك اليوم؟ وما هو ذلك الشهر؟ وما هي تلك السنة؟ # يصعب علينا أن نسميها شيئا من الأشياء يتأتى لنا أن نشير إليه كما نشير إلى كل شيء نراه ~~أو نحصره. # مسافة من الفلك تدور فيها الأرض حول نفسها، وليست هي بالمسافة الثابتة التي تعود إلى ~~مكانها في مجرى المنظومة الشمسية من أجواز الفضاء! # شيء أو لا شيء ... # ولكنه على ذلك اسم لا بد منه لمن يذكر التاريخ، ولمن يعمل في ساعته الحاضرة، ولمن ينظر ~~إلى المستقبل ويقرر له المواعيد والمواقيت. # والاسم في اللغة هو الذي استطاع أن يصطاد للعقل هذه المسافة المجهولة من الفضاء الأبدي ~~ويعطيها الدلالة التي لا غنى عنها. # ولكنها ليست بالدلالة الوحيدة التي لا غنى عنها. # كل ما تدل عليه اللغة لا غنى عنه للإنسان، ومنه هذه المحسوسات التي نلمسها ونراها بالعين، ~~كالطريق والمركبة والكرسي والإناء، فإننا نجرب الاستغناء عن اللغة يوما ونحاول أن ms001 نتفاهم ~~عليها وهي غائبة عنا لا نستطيع أن نشير إليها. # لا سبيل! # وصدق القرآن الكريم، كل علم هو علم الأسماء، والله علم آدم الأسماء كلها؛ لأنها هي ~~العلم الإنساني من مبدئه إلى منتهاه. # إلا أنه علم الإنسان. # وكل علم للإنسان يعرض له النقص من بعض نواحيه، فإذا قال لنفسه: لا بد لي من اللغة! فلا ~~ينس أن يقول لنفسه: نعم. وحذار من هذه اللغة؛ فإن النفع منها للعقل عظيم جد عظيم، ولكن ~~الضرر منها غير قليل وغير مأمون. # من منافعها أنها تحصر المارد المنطلق فتحبسه في القمقم المرصود مطيعا حيث يراد. # ومن أضرارها أنها تحبس المردة الكثيرة في قمقم واحد؛ فتنطلق مرة واحدة حيث يراد واحد ~~منها، وتنحبس مرة واحدة حيث نريد أن نطلق منها هذا وندع منها ذاك. # عودتنا اللغة أن نحسب كل اسم علما على شيء واحد، وكثيرا ما يكون هذا الاسم كالقمقم ~~الذي يحتوي فيه عشرات المردة بعلامة واحدة، وما من شبه بينها غير تلك العلامة لضرورة ~~التمييز والتقسيم. # تعودنا أن نسأل: ما العلم؟ ما الفهم؟ ما الحس؟ ما الضمير؟ وتعودنا أن نسأل: كيف نعلم؟ ~~ما وسيلة الفهم؟ ولماذا نحس؟ وما بالنا نصغي للضمير؟ # تعودنا ذلك، وتعودنا أن نجيب بجواب واحد، وكأننا نسأل في جميع هذه الأحوال عن شيء ~~واحد. # وما نسأل في الحقيقة إلا عن أشياء كثيرة تنبئ عنها كلمة واحدة. # ما نسأل في الحقيقة إلا عن عشرين ماردا أو أكثر من عشرين، يجمعهم القمقم الواحد الذي ~~نشير إليه. # وفي سياق هذه الرسالة - رسالتنا عن حكمة جحا أمير المضحكين - نسأل كما تعودنا من كل كلمة: ~~ما الضحك؟ # ولماذا نضحك؟ # وما الضحك بشيء واحد ... # وما نضحك بسبب واحد ... # وما نفكر في الضحك على نحو واحد ... # ولكنها الكلمة التي لا غنى عنها، ولا أمان منها كذلك ما لم نعرف سر الرصد المسحور. # وها نحن أولاء في هذه الرسالة نعرف سر هذا الرصد في كلمة واحدة - كلمة الضحك - لنعرف منها ~~أمير المضحكين بين المضحكين، ونعرف منها أضاحيكه بين أشتات ms002 المضحكات. # الضحك ضحوك عدة إذا صح هذا التعبير، وليس بضحك واحد ونحن نضحك لأسباب كثيرة، ولسنا نضحك ~~لسبب فرد لا يتعدد، ويوشك أن يكون لكل حالة من حالات ضحكتها التي تصدر عنها ولا تصدر عن ~~حالة غيرها، كأنما هي لغة كاملة على أسلوبها في التعبير. # هناك ضحك السرور والرضا، وهناك ضحك السخرية والازدراء، وهناك ضحك المزاح والطرب، وهناك ~~ضحك العجب والإعجاب، وهناك ضحك العطف والمودة، وهناك ضحك الشماتة والعداوة، وهناك ضحك ~~المفاجأة والدهشة، وهناك ضحك المقرور، وضحك المشنوج، وضحك السذاجة، وضحك البلاهة، وما ~~يختاره الضاحك وما ينبعث منه على غير اضطرار. # بل ربما كان لكل مضحكة من هذه المضحكات ألوان لا تتشابه في جميع الأحوال. # فالضاحك المسرور قد يكون سروره زهوا بنفسه واحتقارا لغيره، وقد يكون سروره فرحا بغيره، ~~لا زهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين. # والضاحك الساخر قد يضحك من عيوب الناس؛ لأنه يبحث عن تلك العيوب ويستريح إليها، ولا يتمنى ~~خلاص أحد منها، وقد يضحك من تلك العيوب؛ لأنه ينفس عن عاطفة لا يستريح إليها عامة بين ~~إخوانه الآدميين، ولا خاصة في أحد يعنيه من أولئك الإخوان. # والضاحك من عيوب السخف والحماقة قد يضحك من السخيف الأحمق أو يضحك من الذي يحكيه في ~~سخافته وحمقه، فيعرف كيف يحكيه، وكلاهما باعث من بواعث الضحك مخالف لغيره في أثره وداعيه ~~ومعناه. # هذه المسألة وضعت موضع التجربة العلمية بعد انتشار الصحافة، وتنوع موضوعاتها، واختصاص ~~طائفة منها بموضوع الفكاهيات والمضحكات، وتنافس الكتاب في ابتداع فن جديد من أساليب ~~الفكاهة والضحك، كلما ألف القراء أسلوبا منها وسئموه أو اشتاقوا إلى غيره، فظهرت ~~الفوارق بين النكات التي تدعو إلى الضحك، وتمايزت بأسمائها وعلاماتها، وأوشك الكتاب ~~الفكاهيون أن يتمايزوا بالتفوق في كل باب من هذه الأبواب، واستطاعوا أن يفرقوا بينها ~~بالتعريفات أو بالحدود المفهومة. # ولعلنا نطالب هؤلاء الكتاب بما ليس عندهم إذا سألناهم أن يرجعوا بهذه الفكاهات المختلفة ~~إلى مصادرها من الطبيعة البشرية والعلل الفلسفية، ولكننا نستطيع أن نعتمد على تجربتهم في ~~التنويع والافتنان؛ لأنه ms003 عمل يزاولونه كل يوم، ويعرفون خطوات الانتقال فيه من فن إلى فن، ~~ومن أسلوب إلى أسلوب، ولو لم يكن هذا الاختلاف في الأساليب إلا اختلافا في التعبير ~~والتنميق. # ومن أمثلة الاجتهاد في التفرقة بين موضوعات الضحك والفكاهة كتاب مزاج الفكاهة # The Humour of Humour # لمؤلفه إيفان إيسار # Evan Esar # الذي اشتغل زمنا بكتابة الفكاهات وتقسيمها ~~وترتيب أقسامها، وأراد بكتابه هذا من عنوانه إلى خاتمته أن يكون تطبيقا لآرائه واختباراته؛ ~~لأن العنوان نفسه يشتمل لعبا بالألفاظ كاللعب الذي يدخل في النكات الجناسية؛ لأن كلمة ~~«هيومر» بالإنجليزية تأتي بمعنى المزاج، وتأتي بمعنى الفكاهة، وتدل على أخلاط الجسم في مذهب ~~الأقدمين، كما تدل على وسائل تعديل هذه الأخلاط بالدواء أو بتطييب الخواطر وتنزيه ~~النفوس. # ولا تحصى أفانين الضحك والفكاهة كما شرحها المؤلف في كتابه، ولكننا نشير إلى بعضها على ~~سبيل التمثيل، وندع للقارئ أن يقيس عليها من تجاربه ما يشاء. ~~••• # فمن هذه الأفانين «الملاحظة المزدوجة أو الملاحظة اللاذعة»، ومثالها كلمة تقال عن الزواج ~~من أجل المال: «إنه يصلح أبا لها بسنه، وزوجا لها بثروته»، أو كلمة تقال عن البخيل: «إنه ~~يضع نقوده في الحشية ليجد تحته شيئا يستند إليه.» # ومن هذه الأفانين «الآبدة»، أو العبارة الشاردة، والفرق بينها وبين الملاحظات السابقة ~~أنها أقرب إلى المثل السائر الذي يسهل تعميمه ولا يخص أحدا بعينه. وأما الملاحظات السابقة ~~فأكثرها يقال عن الأشخاص أفرادا بغير تعميم، ويدور على شئونهم ولا يدور على المواقف ~~والأطوار. # ومن أمثلة النكتة الآبدة أو العبارة الشاردة أن «الأخلاق طلاء تمسحه الخمر»، وأن «السن ~~تخون أصحابها»؛ لأنها تدل على السنين، وأن «الحكيم حين تقنعه حكمته بأن يتزوج يصبح الأحمق ~~زوجا وله أبناء»، وأن «لابس النظارة منظره بغيرها أحسن ونظره بغيرها أقبح»، وأن الأمريكيين ~~أحرار لأنهم «يأخذون» حريات كثيرة! # ومنها اللغز، وعماده على المغالطة، أو على جمع المتشابهات التي تختلف في الحقيقة أبعد ~~اختلاف. # ومثاله أن يسأل السائل: «لماذا وضعوا واشنطون على تل؟» فيجيب المجيب: «لأنه مات». # أو يسأل السائل: «ما ذلك الشيء ms004 الذي يصنعه الرجل واقفا وتصنعه المرأة جالسة ويصنعه ~~الكلب على ثلاث؟» # والجواب: «المصافحة أو تحية السلام عند اللقاء». # ومن أفانين الفكاهة الجناس اللفظي، وهو يشبه اللغز في السؤال والتورية. # يسأل السائل: «ما وجه الشبه بين الفلاسفة والمرايا؟» # والجواب: «التأمل والنظر!» # أو يسأل السائل: «ما وجه الشبه بين الكتاب والشجرة؟» # والجواب: «كلاهما له ورق!» # أو يسأل السائل: «ترى هل يحاسب الرجل على قتل الوقت إذا حطم الساعة؟» # والجواب: «كلا، إذا ضربت الساعة أولا». # ومن هذه الأفانين المساجلة والمحاورة، وقد يكون السائل فيها هو المجيب. # تقول لي: «لماذا تشرب الخمر؟ ... قل لي ماذا تقترح أن أصنع بها؟» # وتسألني: «أي الدجاج أطول رقادا؟ كيف؟ ألا تعلم؟ ... الذي مات!» # ومنها الظن المختلف، وهو يتوقف على الموقف، وتعدد المشتركين فيه، ووجود اللبس الذي يدعو ~~إلى اختلاف الظنون، ومثاله قصة عن أربعة في مقصورة قطار: فتاة حسناء، وامرأة عجوز، وكهل ~~فرنسي، وضابط ألماني أثناء احتلال الألمان باريس. ودخل القطار نفقا فسمع في المقصورة صوت ~~قبلة وصفعة، ثم خرج القطار من النفق وهم صامتون وعلى وجه الضابط الألماني أثر صفعة، فقالت ~~المرأة العجوز لنفسها: «ما أطهرها من فتاة!» وقالت الفتاة الحسناء لنفسها: «عجبا له! ~~يقبل العجوز ولا يقبلني؟» وقال الضابط الألماني: «يا له من فرنسي خبيث! غنم القبلة، ~~وغنمت أنا الصفعة!» وقال الفرنسي: «لقد نجوت بها، قبلت ظاهر كفي وصفعت الألماني، ولم ~~يتهمني أحد!» # ومنها النادرة، وهي نكتة لا بد لها من قصة تتعلق بصناعة أصحابها أو بعملهم وقواعده ~~المتعارف عليها. كان مارك توين - الكاتب الفكاهي المشهور - يعمل في إحدى الصحف، وتكاد ~~الديون تستغرق مرتبه، وكان من عادته أن يهمل كل إنذار يأتيه من صاحب دين، واتفق يوما أن ~~كاتبا من مساعديه كان إلى جانبه وهو يهم بأن يلقي بعض هذه النذر في سلة المهملات، فنبهه ~~الكاتب قائلا: «انتظر يا سيدي، فإن في ظهر الورقة كلاما يقول فيه صاحب الدين إنه سيقاضيك ~~إن لم تسرع إلى السداد» فقال له مارك توين كأنه ماض في عمله: «ألا تعلم ms005 يا صاح أن الورقة ~~التي تكتب على وجهين تهمل في هذا المكان؟!» ~~••• # ومنها الكلمة التي تقال وتفهم على معنيين؛ أحدهما يسر، والآخر يزعج أو يخيف. وتشبهها ~~كلمات الجناس كلما دلت على نقيضين. # يقول الرجل لزميله في بلاد «النيام نيام» آكلة البشر: «إن الزعيم يريدك للغداء». # أو يقول فرنكلين وهم يكتبون وثيقة الاستقلال: «يجب أن يتعلق بعضنا ببعض وإلا تعلقنا على ~~انفراد». # أو يقول الشيطان: «الفضيلة في الوسط»، وهو يجلس بين رجلين من رجال السياسة! # أو يقول قدح الماء للبرشامة: «تقدمي وأنا بعدك»، وفيها مثل لظاهر التحية وباطن الاشتراك ~~في البلاء! # أو تقول الفتاة لمن يغازلها: «أنا كالقاطرة، إن لمستني صرخت!» # ومما أحصاه الفكاهيون المعاصرون من أساليب التعبير الفكاهي أسلوب القلب والعكس، ومن ~~أمثلته: «إن الحب يذهب بالزمن، وإن الزمن يذهب بالحب»، ومنها: «إن بعضهم يحب أن يشاهد الصور ~~المتحركة، وبعضهم يشاهد الصور المتحركة ليحب»، ومنها: «إن الإنسان يخلق المتاعب، وإن ~~المتاعب تخلق الإنسان»، ومنها: «إن من يتعمق إلى أساس الأمور ترفعه الأمور إلى الذروة ~~العليا»، ومنها: «ليس الضحك بداية سيئة للصداقة ولكنه نهاية حسنة». # وتكرار الكلمة في مواضعها فن من فنون الفكاهة، كتكرار ذكر الذكاء في هذه العبارة: «الفتاة ~~الذكية أذكى مما يبدو عليها؛ لأن الفتاة الذكية لا تبدي ذكاءها ...» # أو هذه العبارة: «غير المتوقع يقع أحيانا حين لا تتوقع من المرء ما هو خليق أن يقع ~~منه». # أو هذه العبارة: «علينا أن ننسى أنفسنا لنشعر بالسعادة، ولكننا لا نسعد إذا نسينا أن ننسى ~~أنفسنا». # والنسيان المعهود في العلماء والمعلمين يضحك أو يحسب من أسباب الفكاهة، وتروى لذلك قصص ~~كثيرة هذه أمثلة منها: # جلس أستاذ في مكتبه بالمنزل وهو في قلق شديد على زوجته التي أدركها المخاض، وإذا بقريبة ~~له تقتحم المكتب لتبشره بولادتها وتصيح به: «إنه ولد» ... ويكون قد ذهل عما حوله فيسألها: ~~«وماذا يريد؟!» # وذهب أستاذ إلى طبيب فقال له: «أخرج لسانك»، ثم قال له: «لسانك في حالة حسنة، ولكن ما هذا ~~الطابع الذي عليه؟» فابتسم الأستاذ وقال: ms006 «أهو هناك وأنا أحسبني وضعته على الغلاف؟!» # وأكذوبة إبريل وما جرى مجراها فن من هذه الفنون الفكاهية. يقول مارك توين: «إن أول إبريل ~~يوم واحد في السنة يذكرنا بغفلتنا في جميع الأيام ...» # ويقول المتندرون بهذا اليوم: إن الذين يولدون فيه يكتمون تاريخ ميلادهم ليثبتوا وجودهم ~~ويستريحوا من ولع الناس بتذكيرهم ما يحاولون كتمانه، وكذلك من يولد في اليوم التالي أو ~~اليوم السابق ... ولكنهم يطلقون اسم مغفل إبريل على كل ضحية تجوز عليه الأكاذيب في يوم مجعول ~~لهذه الأكاذيب. # والعثرة اللسانية أو القلمية تضحك وتهيئ النفس للفكاهة، ومن قبيلها قول بعض الخطباء على ~~إثر حفلة موسيقية من الحفلات التي لا تكثر في القرى: «إنها لحسن الحظ حفلة نادرة»، ويشبه ~~هذه العثرة أن طبيبا كتب شهادة وفاة فوضع اسمه في موضع سبب الوفاة بدلا من موضع ~~التوقيع! # والغلطة مع حسن النية تثير الغيظ فيمن يصاب بها وتثير الضحك فيمن يشاهدها، وإحدى النوادر ~~المروية عن هذه الغلطات أن صاحب حانة كان يقف وراء البنك في حانته إذ هجم عليه قادم مستعجل ~~وسأله في لهفة: «أعندك شيء يزيل الفواق؟» فلم يجبه صاحب الحانة ولكنه ضربه بالفوطة المبلولة ~~على وجهه، فنظر الرجل إليه شزرا وهم أن يبطش به لولا أن بادره صاحب الحانة معتذرا، ~~وقال له إنني أرحتك بهذه الضربة من الفواق ... ثم ظهر أن الرجل لم يكن به فواق، وإنما طلب ~~الشراب الذي يزيله لزوجته التي كانت في السيارة عند الباب! # وقد يتبع الغلطة حسن التخلص فتضيف إليها فكاهة على فكاهة. # أخذ بعض المدعوين إلى إحدى الولائم في حديث مع جارته، وأحب أن يبدأه بالغيبة والنقد؛ ~~لأنها من الأحاديث المحبوبة في أمثال هذه المجتمعات، فأنحى بالذم والوقيعة في رجل لا يعرفه ~~على مسافة منهما، وفاجأته السيدة قائلة: «ويحك! إنك تعني زوجي!» قال: «نعم، ولهذا ~~أكرهه!» # وأراد طبيب مستشفى المجانين أن يتصل برقم يحتاج إلى التحدث مع صاحبه على عجل، فجن جنونه ~~لإهمال العاملة ومراوغتها في الجواب، وصاح بها محتدما: «ويلك! أتعلمين من أنا؟» قالت: ms007 «لا، ~~ولكني أعلم أين أنت!» # والغلطة المطبعية إحدى الغلطات الفكاهية أو المضحكة، وهي خاصة بكل لغة، وقلما تصلح ~~للترجمة إلى لغة أخرى، ولكننا نضرب لها الأمثلة بما عرفناه من غلطات المطبعة عندنا، وإحداها ~~غلطة الصفاف في نقل السطور بين إعلانات الزواج وإعلانات الوفيات، فإذا بالخبر يقرأ أن ~~العروس تقبل التهنئة من المدعوين ثم شيعوه بالرحمات والدعوات! # وحدث في الاحتفال برفع الستار عن تمثال نهضة مصر أن حكمدار العاصمة وقف على مقربة من كبار ~~الرؤساء وقبعته على رأسه ومنشته في يده؛ فعلقنا على ذلك في كتابة أخبار الحفلة، واضطربت ~~السطور بين يدي الصفاف فجرى الخبر على هذا المثال: «وحضر فلان وفلان وصاحب الفضيلة الأستاذ ~~الأكبر شيخ الجامع الأزهر، ولوحظ عليه أنه كان يلبس قبعته ويعبث بمنشته وهو على مقربة من ~~كبار ولاة الأمور.» # وكتب بعض المخبرين حديثا مع مستر فريدريك، فإذا به يسمى مستر فريد بك! # وغلطات المطبعة من هذا القبيل لا تحصى في جميع اللغات، ولكنها تزداد في اللغة العربية ~~لتشابه بعض الحروف. # وحسن التخلص وحده قد يحول الموقف من الغضب إلى الضحك، ولو عرف السامع أنه ملفق للخلاص من ~~الحرج واللوم. # ذهب عريس مع عروسه إلى محطة السكة الحديد للسفر إلى ضاحية يقضيان فيها شهر العسل، ثم عاد ~~إلى عروسه من شباك التذاكر ومعه تذكرة واحدة فصاحت به مغضبة: ما هذا يا عزيزي؟ تذكرة ~~واحدة؟! # فما كان أسرع منه إلى الاعتذار بالكلمة الوحيدة التي تخطر على البال، ولا يخفى على الزوجة ~~أنها عذر مختلق للخلاص من هذا المأزق الأليم في مطلع شهر العسل. قال: ما هذا يا عزيزتي؟ لقد ~~أنسيتني نفسي! # وفوجئ موظف في مصرف وقد أغمض عينيه وكاد أن يستسلم للنعاس، قال الرئيس: «أنائم في أول ~~النهار؟» # قال الموظف «اليقظ»: «على رسلك يا سيدي الرئيس، ألا أستطيع أن أغمض عيني لحظة للصلاة قبل ~~بدء العمل؟» ~~••• # ويذكرون من ضروب الضحك خيبة الحيلة وارتدادها على صاحبها، أو ظهور الخديعة على من يفرط في ~~الذكاء فلا يلبث أن يبدو لنفسه ولغيره ms008 كأنه مفرط في الغباء. # دخل رجل على طبيب في «عيادته» فاعتقد الطبيب أن الزائر مريض يطلب العلاج، وأراد أن يوحي ~~إليه بمقدار أجرته في غير مساومة، فعمد إلى التليفون وأداره وراح يقول لمحدثه المزعوم: ~~«نعم! أنا الدكتور جونسون، إنني مشغول جدا ... تسأل عن القيمة المطلوبة؟ إنها كما أخبرتك ~~خمسمائة ريال ... وأنت تذكر هذا؟ حسن ... إلى اللقاء إذن!» # ثم وضع سماعة التليفون والتفت إلى الزائر متسائلا: «ماذا أستطيع أن أصنع لك يا ~~سيدي؟» # فأجابه الزائر: «لا شيء، إنني موظف مصلحة التليفونات الذي طلبت لإصلاح تليفونك!» # وكان موظفان يعملان في مكتب واحد، يفرغ أحدهما من عمله نحو الساعة الرابعة كل يوم، ويبقى ~~الآخر بعده ساعتين أو أكثر لإنجاز عمله، فسأل هذا صاحبه ذات يوم: «كيف تنجز عملك في هذا ~~الموعد؟!» قال صاحبه: «إنني لا أنجزه أيها الزميل، ولكنني كلما صادفت مسألة معضلة كتبت على ~~الورقة: «يعرض على مستر سمث»، ولا بد أن يكون في هذا المكتب «مستر سمث» واحد على كل ~~حال!» # فخلع صاحبه سترته ونظر إليه متحديا وهو يقول كمن نشط من عقال: «الآن تبقى أنت للساعة ~~السادسة ... أنا مستر سمث الذي تجهله، فاعرفه بعد اليوم!» # ومن أساليب الفكاهة الأقضية التي يسمونها بالأقضية السليمانية: # اتهم رجل بالسرقة، فأراد المحامي أن يجر القاضي إلى شرك يغريه بالوقوع فيه، وتحذلق في ~~دفاعه متعمدا فقال: «إنكم تعاقبون رجلا كاملا بعمل ذراع واحدة هي التي جذبت السلعة ~~المأخوذة من وراء القضبان.» # قال القاضي وهو يظن أنه أوقع المحامي في شركه: «حسن! نحن نحكم على الذراع بالسجن ستة ~~أشهر، ولينطلق صاحبها حيث يريد.» # فخلع المتهم ذراعه المصنوعة وهم بالانصراف! # والمفارقة إحدى هذه المضحكات، وعلى نحوها نصيحة الناصح: «لا تقص على الأصلع حكاية يقف ~~لها الشعر، فهو جهد ضائع»، وعلى نحوها تحذير المحذر: «لا تقتل الرجل الذي قبل زوجتك ~~اليوم، فإنك لم تقبلها منذ سنة!» # ويأتي الضحك من تناقض المعاني الكثيرة في هذا التحذير. # فمنها أن الرجل الذي قبل الزوجة لقي عقوبته التي تساوي القتل. # ومنها أنه ms009 قام بواجب أهمله الزوج. # ومنها أنه لازم في المستقبل. # ومنها أشباه ذلك كثير ... # وعلى نحوها: «إن غاية الكسل أن تستيقظ عند الفجر لكي تجد وقتا طويلا للدوران». # والصورة الهزلية في الكلام أهم هذه المضحكات، ومن هذه الصور أن فلانا بلغ من طول وجهه أن ~~الحلاق يتقاضاه أجر الحلاقة ضعفين، وأن فلانا بلغ من ضخامته أن ظله وقع على رجل فمات، وأن ~~فلانا بلغ من طوله أنه يصعد على كرسي ليغسل أسنانه! # وسرعة الجواب مع المغالطة فيه لون من ألوان الفكاهة وتهيئة النفس للضحك. # مصور له أولاد قباح، يداعبه ناقد فيعجب له كيف يصنع أولاده بهذا القبح ويصنع صوره بذلك ~~الجمال. # والمصور يجيب: «لا عجب يا سيدي، أولادي أصنعهم في الظلام وصوري أصنعها في النور!» # وتقول فتاة لزميلتها: «لقد رفضت الزواج من فلان، وهو منذ ثلاثة أشهر عاكف على ~~الشراب.» # فتقول الزميلة وهي تصطنع الجد في الجواب: «هذا الذي نسميه مبالغة في إحياء ~~الأفراح!» # وتهزأ سيدة من زميلتها المؤلفة فتسألها: «من الذي ألف لك كتابك الأخير؟ إنه بديع!» # وجواب المؤلفة من جنس السؤال: «سرني والله أنه أعجبك، من الذي قرأه لك؟» ~~••• # وتعد «المقالب» من بواعث الضحك، وهي الأكذوبة التي توقع السامع في بعض الغرم أو بعض ~~التعب، دون أن يصحبها ضرر أليم، والمبالغة فيها كاختلاق أخبار النعي، والاعتدال فيها ~~كالدعوة إلى وليمة، ولا وليمة! أو تقديم الحلوى وفيها دواء ... غير مطلوب. # ومن الفكاهة إتباع الحكمة بحكمة أخرى توافق مقدماتها ولا تخطر في الحسبان، ومن أمثلتها أن ~~الألفة في الحب تولد الاحتقار ... والأطفال، وأن الفتاة التي تشبه الكتاب المقروء توضع مثله ~~على الرف، وأن تفاحة في اليوم تبعد عنك الطبيب، ولكن بصلة في اليوم مفعولها أكيد ... تبعد عنك ~~كل إنسان، وأن اثنين لازمان للشجار، ولازمان أيضا للزواج، وأن المال ينطق ... والمال ~~يخرس! # والسخرية إحدى هذه الألوان، ومن السخرية أن يقول القائل جادا كأنه يعني ما يقول: «ما ~~بال فلان ينتقم مني كل هذا الانتقام؟! إنني لم أحسن إليه كل هذا الإحسان؟!» # وذهب ms010 فتى إلى شباك البريد، فوجد الموظفتين في شاغل عنه بحديث طويل عن زي فستان السهرة ~~الذي كانت تلبسه إحداهما، فتأنق الفتى في الوصف والرجاء، وطلب إلى إحداهما أن تتفضل بإعطائه ~~طابعا قرمزي الوسط وردي الحافة منقوش الأطراف والجوانب، ومشغولا كله، ولا يساوي مع هذا ~~أكثر من ثلاثة مليمات! # والمحاكاة باب من أبواب السخرية، تتشابه الأمثلة عليها، ويدخل فيها التهكم ~~والمجاراة. # خلا أحد المدعوين بإحدى المدعوات في سهرة الرقص فقبلها، واستجابت لقبلته لحظة غير ~~قصيرة، ثم قالت له بعد أن افترقت شفتاها وشفتاه: «أتعلم أنها أول قبلة رضيت بها في حياتي؟» ~~فقال الفتى كأنه يجاريها: «نعم، لأنك على ما يظهر ورثت الشيء الكثير بغير تعليم.» # وتحدث بعض الجلساء في دعوة عامة عن الثروة ووسائل جمعها، كأنه يوهم السامعين أنه من ~~أصحابها، فأثنت إحدى الجالسات على سرعة فهمه؛ لأنه يعرف الكثير عن المكاسب مع قلة ما ~~يكسب! ~~••• # والنصائح المطردة، مع القياس الظاهر، مع استحالتها بعد التأمل اليسير، أحد هذه الأقسام ~~التي اصطلحوا على تقسيمها في الصحافة الفكاهية، ومن قبيلها هذه النصائح: # قل لا لمن يهمون بالزواج. # وقل لا لمن يهمون بالطلاق. # وقل لا لمن يهمون بالموت. # وقل لا لمن يهمون بالولادة. # ويتمشى على أسلوب هذه النصائح الهازلة جواب رجل أصيب بالزكام وأشار عليه صديق بوصفة ~~ناجعة، فقال له: «نعم، اليوم أعمل بوصفة جونس، وغدا بوصفة سميث، وبعد غد بوصفة براون، فإن ~~بقيت مني بقية لوصفتك يوم الأحد فهو دورك!» # وقد تطرد الوصايا التالية مع هذا النسق من النصيحة: # لا تطرد الذبابة من جبهة امرأتك بمطرقة! # لا تقلق إذا علمت أن كل شيء يذهب في الغسيل، حتى البدلة! # لا تنتفخ وأنت تعلم أن الصفر أسمن الأرقام! # لا تحمل هم الزبدة، إنك تصنعها من حشائش الأرض، متى تيسرت البقرة! # لا تتردد في بذل النصيحة، لا أحد سيسمعها. # لا تعمل بنصيحة، وأولها هذه! ~~••• # وعندهم فكاهة يسمونها فكاهة «قبل وبعد» مدارها على المقابلة بين هذين الطرفين في مسائل ~~الزواج على الخصوص، وهذه أمثلة منها: # قبل الزواج ms011 تقبل الفتاة الفتى لتربطه، وبعد الزواج تربطه لتقبله. # قبل الزواج يأخذ الرجل بيد المرأة حبا، وبعد الزواج يأخذ بيدها دفاعا عن ~~النفس. # قبل الزواج يقول الرجل: لا بد أن ينفذ أمري في منزلي أو أعرف السبب، وبعد ~~الزواج يعرف السبب! # قبل الزواج يسعى الرجل إلى المرأة، وبعد الزواج يسعى للمرأة! # قلما يكون الرجل بالمزايا التي تراها فيه المرأة قبل الزواج، وقلما يكون ~~بالعيوب التي تراها فيه بعد الزواج. # في بعض البلاد الشرقية لا يرى الزوج امرأته قبل الزواج، وفي البلاد الغربية ~~لا يراها بعده! # ويلحق بهذه الزوجيات تهكم المحدثات والمحدثين من بنات «الدقة القديمة» كما يقال في مصر ~~باللغة «البلدية»، ومنه أمثال هذه المقارنة: # البنت من الدقة القديمة تحمر إذا خجلت، وبنتها العصرية تخجل إذا ~~احمرت! # والبنت من الدقة القديمة كانت تذهب إلى المدينة وتقف عند جماعة الشابات ~~المسيحيات، أما بنتها العصرية فإنها تذهب إلى المدينة ولا تقف عند شيء! # والبنت من الدقة القديمة كانت تشعر بالإهانة إذا عرض عليها الشراب، وأما ~~بنتها العصرية فتبلع الإهانة. # والبنت من الدقة القديمة كانت لا تجسر على تناول يد فتاها، ولكن بنتها ~~العصرية لا تجسر على تركها. # والرجل من الدقة القديمة له رأس يصلح للحسابات، ولكن ابنه العصري له عين تنظر ~~إليها! # وهم يصطلحون على تسمية إنسان مشهور ينسبون إليه الحكمة التي يخترعونها لساعتها من قبيل ~~قول الشرقيين «قال الراوي» عند إسناد الكلام الذي يعلم السامعون أنهم مخترعوه. # وأشهر هؤلاء الحكماء المختارين للإسناد الصادق والمدعى حكيم الصين كونفشيوس. # فمن كلامه المزعوم، قال كونفشيوس: «الرجل الذي يسوق بيد واحدة يصطدم بالكنيسة.» # وهم يعنون بذلك خطر الزواج؛ لأن الرجل الذي يسوق بيد واحدة يخاصر امرأة معه في سيارة ~~باليد الأخرى. # ومن كلامه المزعوم، قال كونفشيوس: «الفتاة التي لها مستقبل تحذر الرجل الذي له ~~ماض.» # ومن كلامه: «الرجل الذي يغازل المرأة على المصعد ليس في مستواها!» # ومن الأضاحيك ضرب المزاح الفارغ الذي يشبه ما يسمى في الزجل العربي الحديث بالدور ~~المجنون. # يسأل السائل محدثه: «ألم أرك ms012 في بلدة بفالو؟» # فيجيبه محدثه: «لم أذهب قط إلى تلك البلدة.» # ويعود السائل فيقول: «ولا أنا!» # ويجري الحوار بين اثنين على هذا المنوال: ~~- ماذا تصنع؟ ~~- أبحث عن ورقة ضائعة. ~~- أين سقطت منك؟ ~~- في الشارع الثامن والثلاثين. ~~- لكننا في الشارع الأربعين! ~~- نعم، أعلم ذلك، ولكن هنا نور! # والحكمة التي «يفلت» منها درسها محسوبة في هذه الأضاحيك: # تقص المدرسة على الأطفال قصة الحمل الذي لم يسمع كلام أمه فأكله الذئب، فيقول أحد ~~الأطفال في براءة أو في خبث: «والحمل الذي سمع كلامها أكلناه نحن!» # أو يقول المدرس لتلاميذه الصغار: «إن العصفور المبكر يلتقط الدودة.» # فيقول أحدهم: «والدودة المبكرة يلتقطها العصفور!» # ومن المفيد أن نلاحظ هنا أن هذه «التقسيمات» لا تبدو غريبة للقارئ العربي الذي ألم ~~بعلوم البيان والمعاني والبديع؛ لأن الكثير منها مقرر بتعريفاته وأمثلته وشواهده في تلك ~~العلوم، وما من قارئ عربي ألم بعلوم البلاغة بعض الإلمام إلا وهو يعرف التورية والمقابلة ~~والمشاكلة والهزل الذي يراد به الجد، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف، والإضمار ~~في مقام الإظهار، وإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، والتشبيه الملفوف والمفروق، والفصل ~~والوصل، والقلب والالتفات والتغليب، والكناية والتحريف والتصحيف. # كل هذا مألوف للقارئ العربي من بلاغة لغته، كما يألف من كتب الصناعة اللغوية جميعا محكم ~~القول في جوامع الكلم والفرائد والأوابد والمثل السائر واللحن الذي يحسب من الألغاز، ~~والألغاز التي تحسب من ضروب الرمز أو الإيهام والتعمية. # إلا أننا لم نشأ أن نطلق هذه التقسيمات والتعريفات على ضروب الفكاهة المصطلح عليها بين ~~المشتغلين بالكتابة الصحفية وما إليها؛ لأن مصطلحات الصناعة اللغوية وضعت في لغة العرب ~~لتمييز درجات البلاغة ومعانيها، ولم توضع هذه المصطلحات الحديثة عند الغربيين لشيء من ذلك ~~وإنما وضعت للتفرقة بين موضوع وموضوع من مادة الصحافة الفكاهية. # وأمر آخر يباعد بين هذه المصطلحات الحديثة وبين مصطلحات علوم البلاغة العربية، وذاك أن ~~المصطلحات الحديثة لفنون الأضاحيك لم تزل على فجاجتها الأولى، ولم تبلغ بعد من الدقة في ~~الأسماء والتعريفات والشواهد مبلغ نظائرها في ms013 علوم البديع والمعاني والبيان، وقد يختلط ~~بعضها لاتفاقه في مصدر الشعور وأثره، فلا يتم التعريف بينها إلا بحكم العادة بين المشتغلين ~~بعمل واحد يعرفون مواده وأجزاءه بالإشارة والنظرة العابرة، ولا يلزم أن يقيموا الحدود بينها ~~بالفواصل المنطقية أو النفسانية. # على أن الاختلاف بين عناوين الفكاهات - ولو بحكم العادة - جدير أن نتوقف عنده وننظر ما ~~يليه من التعريفات والتقسيمات التي ترجع إلى اختلاف في أصول الموضوعات أو اختلاف في طبيعة ~~الشعور، وسوف يأتي الوقت الذي نميز فيه بين ضحكة وضحكة كما نميز بين كلمة وكلمة، ونعني بذلك ~~تمييز الفهم والتفسير ولا نقصر الأمر على الشعور والتلبية النفسانية، فإننا الآن نميز ~~بشعورنا بين ضحكات مختلفات كما كان آباؤنا وأجدادنا يميزون بينها بتبادل الشعور والتلبية ~~بين نفس ونفس، وليس هذا ما يعنيه طلاب التمييز بين أفانين الفكاهات والمضحكات في الدراسات ~~العصرية، سواء قصدوا من هذا التمييز تيسير العمل بين المشتركين فيه كما يتيسر للعاملين في ~~حانوت واحد أن يميزوا أنواعه بحرف مرقوم على الرف أو علامة منقوشة على الصندوق، أو قصدوا من ~~هذا التمييز أن ينفذوا إلى ينابيع الشعور المتعمقة في النفس البشرية، حيث تصدر المضحكات ~~والمبكيات وتكمن أسباب الغرائب والمألوفات، وما ينبغي لنا أن نزعم أننا نفهم نفوسنا حق ~~فهمها ونحن نجهل الفرق بين ما يضحكها وما يبكيها وما يقع منها موقع الألفة أو موقع الغرابة ~~في أعمق الأعماق. # وربما كان اسم «الضحك» مغريا بالاستخفاف منافيا للجد في بواعثه ومعانيه. # ولكن البحث عن أسباب الضحك جد كأصدق الجد الذي يعرفنا بنفوسنا كما يعرفنا بها أعظم ~~العظائم وأفدح المحزنات، بل ربما كان الأمر «المحزن» يسير التعليل؛ لأننا لا نحار فيه ولا ~~يخفى علينا أنه يرجع إلى حب السلامة وكراهة الضرر والإصابة، وربما كان لنا - نحن الآدميين - ~~شركاء في الشعور بالمحزنات بين الحيوانات العليا وبعض الحيوانات الدنيا؛ لأن الحزن عندها ~~بمثابة رد الفعل الجسداني لكل ألم وكل مكروه. أما الضحك فليس من سهولة التفسير بهذه ~~المنزلة، ولا سيما الضحك الذي يتشعب ويتفرع وتتباعد مصادره ms014 من النفس أو تتقارب - مع التفرقة ~~بينها في الأسماء - حتى يلتبس موضوع منها بموضوع وعنوان بعنوان. # هذه عوارض نفسية يختص بها الإنسان ولا يشاركه فيها حيوان من الحيوانات السفلى أو العليا، ~~بل يعتقد الكثيرون من علماء الأجناس البشرية أن القبائل البدائية من الناس لا تضحك ولا تدرك ~~الضحك، وأن هذه الظاهرة المترقية في سلم الإنسانية لا تشاهد بين الهمج إلا بعوارض العصبية ~~التي لا تدخل في حيز الإرادة، كأنها ضحكة المقرور أو ضحكة المتشنج، وحتى هذه الضحكات التي ~~تشبه العوارض المرضية لا تشاهد بين الهمج على كثرة تجعلهم يلتفتون إليها ويسمونها بكلمة من ~~كلماتهم القليلة، فهي والتخبط من الصرع عندهم سواء. # لا جرم يجد الفلاسفة غاية الجد في النظر إلى الضحك وأسبابه منذ عهد بعيد، ولا يجدون ~~اليوم وغدا في هذه الدراسة بين نفسانيين واجتماعيين ونقاد للفنون والآداب. # ونحن في هذه الرسالة نريد أن نعرف «جحا» ونريد أن نعرف الإنسانية كلها بهذه ~~المعرفة. ~~••• # وربما كان بعض ما تقدم من التعريفات مفيدا لنا في وضع جحا بموضعه من الحياة الإنسانية؛ ~~حيث كانت في كل مجتمع وكل حقبة وكل عنصر وكل قبيل، فإن بعض هذه التعريفات يرينا أن «جحا» ~~ليس بالغريب المجهول في بيئة من البيئات التي تضحك كما نضحك، وتستغرب من نوادر جحا وبوادره ~~ما نستغرب، وبعض الأمثلة التي تقدمت نستطيع أن ننسبها إلى جحا، فلا تخالف في معدنها ما ينسب ~~إليه، وهذه إحدى العلامات على سريان الضحك مسرى اللغة بين بني الإنسان، فهو كاللغة يؤدي ~~لجميع الناس معاني مشتركة يتقاربون بها على تباعد المنازل والأجناس، وهو كاللغة يختلف بين ~~وطن ووطن وبين جنس وجنس، كما يختلف بين قائل وقائل في مناهج التعبير بين المتكلمين بلسان ~~واحد في أسرة واحدة. # وسنعرف «جحا» حقا حين نعرف لماذا يضحك الناس عامة بغير اختلاف، ونعرف لماذا يضحكون خاصة ~~من شيء دون شيء، ومن إنسان دون إنسان. # وسنجد «جحا» واحدا، ولكنه «جحا» الناس أجمعين؛ لأن الناس أجمعين يضحكون منه وإن لم يظهر ~~في غير موطن ms015 واحد أو مواطن متشابهة تحسب كالوطن الواحد؛ لأن الإنسان حيوان ضاحك حيث كان، ~~ولعله ضحك آلاف السنين ولم يفهم بعد أسباب الضحك على جليتها، وسنرى - بعد - مقدار ما فهمه ~~ويفهمه. # وسنضحك من بعضها وهي صحيحة أو باطلة، فنتعلم من الضحك كيف نتلقى تلكم الأسباب. # الفصل الثاني # | لماذا نضحك؟ # بعض الناس يحبون المتعة ولا يعنيهم لماذا يستمتعون بها، وبعضهم تتم متعته بها إذا عرف ~~أسبابها. # قلت في الكلام عن سارة وهمام من قصة سارة: «تتسرب إلى المنزل أنباء الأصيل بالاستقراء لا ~~بالمشاهدة في معظم الأيام، فيقرآن أو يسمعان بعض الأغاني، أو يلعبان الدومينة قليلا، وهي ~~لعبة تحذقها سارة، ويعتقد همام أنها أصح الألعاب وأشدها مطابقة للحياة؛ فالشطرنج والضامة ~~يعولان على الحيلة، وكل شيء فيهما مكشوف بعد ذلك، والنرد يعول على المصادفة والذكاء، وكل ~~شيء فيه مكشوف بعد ذلك، والورق إما مصادفة وإما صراع قلما يشبه صراع الحياة ... أما الدومينة ~~ففيها حساب للمصادفة، وفيها حساب للتدبير، وفيها حساب لليقين، وفيها حساب للظنون، وفيها ~~حساب للغيب الذي تجهله أنت وخصمك، والغيب الذي تجهله أنت ويعرفه خصمك أو يجهله هو وتعرفه ~~أنت، وللعيان الذي يعرفه كل من يشاء، ولها قوانين تمنعك أن تتحرك على هواك، ولها حرية تمنحك ~~الخيار بين ما في يديك. # قالت سارة يوما، بعدما استعادته شرح فلسفة الدومينة للمرة الخامسة أو السادسة أو ~~السابعة: أولا تستمتع بشيء إلا أن تكون له فلسفة؟ # قال: لا، بل أنا أستمتع بالشيء ثم أبحث عن فلسفته، وإنني لأبحث عن فلسفته كما يجيل الشارب ~~الكأس في جميع جوانب فمه ولهواته، كي لا يبقى جانب من النفس لا يأخذ نصيبه من متاعه، فأحسه ~~وأعمله وأذكره وأفكر فيه وأستقصي معناه ...» # وأقول في صدد البحث عن أسباب الضحك: إنني أشبه هماما في هذه الخليقة، وإنني أحب أن أفهم ~~ما أحسه وأن أحس ما أفهمه، وإنني جريت على ذلك في البحث عن أسباب الضحك منذ بدأت الكتابة ~~وتدوين الخواطر والأفكار بين الخامسة عشرة والعشرين، ولهذا أذكر هذه العادة فيما نحن ms016 بصدده؛ ~~لأنني إذا مررت بما اعتقدته من أسباب الضحك قبل العشرين وبعد العشرين، وفي خلال النظر ~~والمطالعة والتجربة اليوم؛ تدرجت بهذه الأسباب في أطوار طبيعية تعين على المقارنة والتتبع ~~والوصول إلى النتيجة. # كانت لي في نحو السادسة عشرة مفكرة يومية أدون فيها خواطري وتعليقاتي، جمعتها بعد ذلك ~~باسم «خلاصة اليومية»، وحذفت منها عند الطبع كثيرا من الخصوصيات التي ترتبط بتلك الخواطر ~~لا أذكره الآن. # وأحسبني قد كتبت فيها عن المضحكات أكثر مما بقي فيها بالنسخة المطبوعة، ولكنني لاحظت فيها ~~أن المضحكات أكثر من الضحك، وقلت بهذا المعنى في الصفحة السادسة عشرة من النسخة المطبوعة: # إن المضحكات ليست بالقليلة، ولكن الذين يحسنون صناعة الضحك هم القليلون، فليس من ~~الضروري أن نفتش عن الرجل من أمثال موليير لنغرب في الضحك؛ فإن في كل رجل من الذين ~~نراهم ونعاشرهم موطنا للنقص، وفي كل عمل موضعا للكلفة والتصنع. والوادع الناعم ~~البال - ولو كان مغمورا بالشقاء - ذلك الرجل الذي يعرف كيف يفطن إلى مواطن الغرور ~~والرياء من أعمال الإنسان، فإنه لا يطبق فمه ما دام يفتح عينيه. # وهنا كنت أقرن أسباب الضحك بملاحظة النقص والادعاء والغرور والكلفة التي يحاول صاحبها أن ~~يخدع الناس عن الحقيقة، وهي واضحة لمن يلتفت إليها. # ولا أذكر أنني تحريت الترتيب عند طبع الخواطر والمفكرات، ولكنني أجد في الصفحة الثالثة ~~والأربعين هذه الخاطرة عن الضحك، وفيها أقول: إن «للضحك عدة أسباب، أكثرها يدور حول محور ~~واحد هو الاغتباط بأنفسنا، إما بما نحسه من كمالها أو بسلامتنا من النقص الذي نكشفه عن ~~سوانا ...» ~~«ولما كان الإنسان لا يضحك إلا سرورا برجحانه فهو يضحك في الأحوال التي رجحانه فيها ~~معروف غير محدود؛ فالرجل المعروف المكانة ليس يضحك من تصرف الصعلوك الوضيع وإن كان مضحكا ~~في ذاته، إلا إذا كان يسخر من أهل طبقة ليباهي بطبقته أو من أهل بلاد ليباهي ~~ببلاده.» ~~«وقد يضحك الإنسان من نفسه إذا كان الاستهزاء لا يناله وحده ... فلما كان ملوك أوروبا ~~وأمراؤها وسواسها وقوادها مجتمعين في سنة 1815 ms017 في فيينا وهم واثقون أنهم أحكموا الشبكة ~~على بونابرت وقد جلسوا يصلحون ما أفسده ويعيدون ما درسه من معالم أوروبا؛ أعلن في المجلس ~~أن الرجل قد أفلت من جزيرة ألبا وأنه قد عاد ثانية إمبراطورا على فرنسا، فوجموا هنيهة ثم ~~ارتفعت لهم ضحكة طويلة عالية كأنما يقول كل منهم: إن هذا الكورسيكي لم يعبث بي وحدي، بل عبث ~~بنا جميعا.» # ويلي هذه الخاطرة عن الضحك خاطرة عن البكاء قلت فيها: إن الإنسان «يبكي لغير ما يضحك له: ~~يبكي حين يظهر به النقص والعجز ظهورا لا سبيل إلى المداجاة فيه، يبكي في المواضع التي يشعر ~~لديها بالقهر التام ويتحقق له تجرده من الحول والقوة حيالها.» ~~«في تلك المواضع يقول المسلم متمثلا: لا حول ولا قوة إلا بالله. كأنه لا يريد أن يكون ~~ضعيفا إلا أمام الله الذي يتساوى الناس عزيزهم وذليلهم في الضعف أمام حوله وطوله، والأطفال ~~المستضعفون أكثر الناس بكاء لأنهم أقلهم اقتدارا ... على أن عدم البكاء لا يفيد في أكثر ~~الأحيان القدرة على دفع المصاب، فإن من أصحاب المظاهر والأبهة من يترفع عن البكاء ويتكلف ~~الجلد والسكون حتى في الفجائع الفادحة كأنهم يأبون الإقرار بالانقهار على كل حال.» # الضحك والبكاء نقيضان # في هذه الخاطرة حسبت أن الضحك والبكاء نقيضان، وأن الإنسان يبكي لغير ما يضحك له، ~~ومدار الضحك والبكاء معا على الغبطة بالنفس أو نقيضها، فإذا اغتبط الإنسان بنفسه ضحك، ~~وإذا شعر بالمهانة والنقص بكى. # وليست هذه المقابلة بالصحيحة في جميع نواحيها؛ إذ نحن لا يضحكنا كل شيء لا يبكينا، ~~وقد يكون الشيء مضحكا ومبكيا كما يقول أبو الطيب: # وكم ذا بمصر من المضحكات # ولكنه ضحك كالبكا # والأصح أن الضحك لغة تعبر عن كثير من الحالات كما قدمنا في الفصل السابق، وليس من ~~اللازم أن يقابله البكاء في كل حالة، وقد قال الشاعر بيرون وغيره: «إنني أضحك لكي لا ~~أبكي.» كأنما يقولون إن الضحك بدل من البكاء في بعض الأحوال، ويشبه هذا من بعيد قولنا ~~في تلك الخاطرة إن ms018 بعض الناس يتكلفون الجلد والسكون حتى في الفجائع الفادحة، كأنهم ~~يأبون الإقرار بالانقهار. # ونقول إنه شبه بعيد؛ لأن الذي يضحك «لكي لا يبكي» يضحك حقا ولا يتكلف الجلد، بل ~~يقدر على الضحك لأنه يكشف من أسبابه ما ليس يكشفه غيره، أو لأنه يوسع النظر إلى المسألة ~~ولا يحصرها في أضيق حدودها، فهو ضاحك لأسباب أوسع من الأسباب التي تبكي غيره، وإن لم ~~تتناقض هذه الأسباب وتلك الأسباب. # وقد كان آخر ما دونته في خلاصة اليومية عن الضحك كلمة في الصفحة السادسة والثمانين، ~~فحواها أن قوة الاستحضار في الذهن لها شأن في الشعور بالمضحكات وغيرها، «فمن أهل هذا ~~الخاطر السريع من تبلغ به قوة الاستحضار أن يستحضر أمرا مضى فيضحك أو يبكي كما كان ~~الأمر قد وقع له فعلا في ذلك الحين ...» # وفي ختام هذه الخاطرة أقول: إن «الرحمة ليست إذن حيلة اخترعها الضعفاء لمصلحتهم كما ~~افترض النيتشيون، ولكنها طبيعة من طبائع الإنسان، والفرق فيها بينه وبين الحيوان فرق ~~بين دماغ ودماغ، فذهن الإنسان لارتقاء تركيبه يأخذ الشبيه بالشبيه، وذلك ما لم يصل إليه ~~الحيوان.» # وفحوى هذه الآراء في مجموعها أن الشعور بالمضحكات والمحزنات ملكة إنسانية وجدت في ~~الإنسان ولم توجد في الحيوانات؛ لأنه يدرك المشابهة ويحس بالتعاطف ويستدعي الخواطر من ~~قريب أو بعيد. # ملكة السخرية # ولست أحصي تطور هذه الآراء خلال الفترة التي تلت طبع «خلاصة اليومية» سنة ~~1912. # ولم أقصد خلال هذه الفترة إلى كتابة شيء أبسط فيه القول عن أسباب الضحك في عمومه، ~~وإنما كنت أعود على الموضوع كلما استدعاه التعقيب على مسألة تمت إليه، كسخرية أبي ~~العلاء والصور الفكاهية «في المرآة» من تأليف الأستاذ عبد العزيز البشري رحمه ~~الله. # فابتدأت القول عن ملكة السخر عند المعري سائلا: لم يسخر الإنسان؟ # ثم أجبت قائلا: «إنه ينظر إلى مواطن الكذب من دعاوى الناس فيبتسم، وينظر إلى لجاجهم ~~في الطمع وإعناتهم أنفسهم في غير طائل فيبتسم، وهذا هو العبث، وذاك هو الغرور.» ~~«فالعبث والغرور بابان من أبواب السخر، بل هما جماع ms019 أبوابه كافة، وكل ما أضحك من ~~أعمال الناس فإنما هو لون من ألوان الغرور أو ضرب من ضروب العبث، وكثيرا ما يلتقيان، ~~فإن الغرور هو تجاوز الإنسان قدره، والعبث هو السعي في غير جدوى، ولا يكون هذا في أكثر ~~الأحيان إلا عن اغترار من المرء بنفسه وتعد منه لطوره.» ~~«والناس يعلمون ذلك بالبداهة، فهم يعلمون أن الغرور والعبث مادة الضحك وجرثومته التي ~~يتفرع منها كل مضحك من الأعمال والأقوال، ويجربون ذلك كل يوم في مداعباتهم لصغارهم ~~وامتحانهم لقوة أطفالهم، يقبض الرجل كفه لابنه الصغير على غير شيء، فيأخذه بأن يفتحها ~~ويعده بكل ما يجد فيها إذا هو قوي على فتحها، فيجاهد الطفل في ذلك ما يجاهد: يقوم ~~ويقعد، ويشتد ويحتد، ويلتوي ويعتدل، ويرفع أصبعا بعد أصبع، فإذا الذي رفعه قد عاد ~~فأطبق مرة أخرى، ويعييه الجهد فيركن إلى الملق والخديعة، وهو في كل هذا يحسب نفسه ~~قادرا على أن يغلب أباه عنوة وقسرا أو يغلبه خديعة ومكرا، وهذا هو الغرور.» ~~«ثم تلين تلك القبضة فيفتحها فإذا هي خاوية وإذا بذلك العناء الذي أجهده وبهره قد ذهب ~~سدى، وهذا هو العبث، ومن هذا وذاك تضحكنا الطفولة وتعجبنا غرارتها وكبرياؤها ونتخذها ~~تسلية ولهوا، ولكن هل يضحكنا من الكبار شيء غير هذا؟ وهل مهازل الحياة ومساخر التمثيل ~~إلا صورة مكبرة من هذه اللعبة الصبيانية وسذاجة مركبة من هذه السذاجة ~~البسيطة.» # وإذا كان هذا معدن السخر وأصل الدعابة، فما أجدر رجلا كصاحب رسالة الغفران أن يكون ~~ساخرا! بل ما أجدره ألا يكون له عمل في الحياة غير السخر! إنه رجل استخف بالحياة ~~جمعاء، وهانت عليه الدنيا بما وسعت، فما من دعوى من دعاوى الناس تتنزه عن الغرور في ~~اعتقاده، وما من غاية من غايات الناس لا تنتهي في تقديره إلى عبث فارغ وخديعة ظاهرة؛ ~~كلهم مغرور وكلهم عابث متعلق من الأقدار بمثل تلك القبضة التي يعييه أن يفض أصبعا منها ~~... حتى إذا فضها أو خطر في وهمه أنه فضها لم يجد ثم شيئا، أو ms020 وجدها ملأى بما يشبه ~~الفراغ سخية بما ليس يختلف عن الحرمان ... وكلهم محتقب عدة لا تنجع ومتقلد سلاح لا ~~يصيب: # ورب كمي يحمل السيف صارما # إلى الحرب والأقدار تلهو وتسخر # لا، بل هبه وصل بسيفه الصارم وقاتل وظفر وسلم، فماذا عساه يغنم؟ ألعله الثناء على ~~الأفواه؟ أو لعله عرش مملكة؟ ... إن كان ذاك - وقل أن يكون - فلعمر أبي العلاء ما قصارى ~~الثناء والسمعة؟ # وما يبالي الميت في لحده # بذمه شيع أو حمده # وما العروش والدول؟ وما الملوك والأقيال؟ فلكم غبر على هذه الأرض من جيل وزال من مجد ~~أثيل وملك عريض طويل. # وكم نزل القيل عن منبر # فعاد إلى عنصر في الثرى # وأخرج من ملكه عاريا # وخلف مملكة بالعرا ~~... وهل نسينا أن القبر يضحك من تزاحم الأضداد؟ فهكذا تتشابه الأمور فإذا الهزل كالجد ~~وإذا الحلم كالعيان! # وشبيه صوت النعي إذا قي # س بصوت البشير في كل ناد # لا، بل هو كل شيء ككل شيء، هو العلم كالجهل والحق كالباطل والهدى كالضلال. # وقد زعموا الأفلاك يدركها البلى # فإن كان حقا فالنجاسة كالطهر # فعلام إذن يزعج الإنسان نفسه؟ وبأي شيء يحفل؟ وما اجتهاده في التدبير والتقدير ~~وتغيير ما كان بما سيكون؟ إلا أننا لنسعد ونشقى عبثا، ونسعى ونسكن عبثا، ونرجو ونقنط ~~عبثا، ونبكي ونضحك عبثا، ومن وراء ذلك كله هاتف يهتف بنا في غير رفق ولا رحمة: # تقفون والفلك المحرك دائر # وتقدرون فتضحك الأقدار # مرد النكتة # كانت كتابة هذا الفصل بعد طبع خلاصة اليومية بإحدى عشرة سنة، وبعد كتابته بأربع سنوات ~~عقبت على كتاب «في المرآة» للأستاذ البشري الذي يقول في مقدمته: # إن مرد النكتة إلى خلل في القياس المنطقي بإهدار إحدى مقدماته أو تزييفها، أو ~~بوصلها بحكم التورية ونحوها بما لا تتصل به في حكم المنطق المستقيم. فتخرج ~~النتيجة على غير ما يؤدي إليه العقل لو استقامت مقدمات القياس ... وهذا الذي يبعث ~~العجب ويثير الضحك والطرب، فالنكتة بهذا ضرب من أحلى ضروب البديع، ولا يعزب عنك ~~كذلك أن النكتة إذا لم ms021 تكن محكمة التلفيق متقنة التزييف بحيث يحتاج في إدراكها ~~إلى فطنة ودقة فهم؛ خرجت باردة مليخة لا طعم لها في مساغ الكلام. # وكان تعقيبي على مقدمة الأستاذ البشري أنه على صواب في جزء واحد من أجزاء هذا ~~التعريف، وهو الذي يقول فيه إن الخلل في القياس المنطقي مضحك وإن التزييف والتلفيق ~~داعية من دواعي السخرية، أما الجزء الذي نراه على غير الصواب فيه فهو قوله إن النكتة هي ~~التي تشتمل على الخلل أو على التلفيق والتزييف؛ لأن اشتمال النكتة على خلل في القياس ~~يسقطها ويلحقها بالهذر والمجانة، والذي نظنه نحن أن النكتة تضحكنا لأنها تفضح الخلل ~~وتهتك الدعوى الملفقة وتطلعنا على سخافة العقول التي لا يستقيم تفكيرها ولا تطرد حجتها، ~~ومن ثم تكون النكتة هي المنطق الصحيح وهي الحجة المفحمة وهي البرهان الذي يرجح ~~بالبراهين في معرض الجدال. ~~«... وقد يسأل سائل: ولماذا تضحكنا النكتة السريعة ولا يضحكنا القياس المفصل والفضيحة ~~المبسوطة؟! فجواب هذا قد يوجد في تعليل هربرت سبنسر للضحك وهو خير تعليل وقفنا عليه في ~~كتب المعاصرين، ولا نقصد هنا إلا تعليل حركة الضحك الجسدية لا تعليل أسباب الضحك؛ فإن ~~السبب الذي يذكره برجسون مثلا رجيح صالح لتفسير كثير من علل المضحكات، ونعني رأيه الذي ~~يذهب فيه إلى أننا نضحك من كل تصرف في الإنسان يشبه التصرف الآلي الخالي من التفكير، ~~ونحن مع هذا نقول إن التماس علة واحدة لجميع الضحك خطأ لا يؤدي إلى رأي صائب؛ لأن الضحك ~~وإن كان اسمه واحدا إلا أنه ليس بظاهرة واحدة حتى يكون له سبب واحد.» ~~«ونعود إلى رأي سبنسر بعد هذا الاستطراد فنقول: إن الضحك عنده ينشأ من تحول الإحساس ~~فجأة من الأعصاب إلى العضلات، فإن من المقرر في النفسيات أن الإحساس إذا اشتد وألحف على ~~الأعصاب تجاوزها إلى العضلات فظهر عليها في حركة عنيفة أو رقيقة على حسب قوته واشتداده، ~~فإذا حبس الإحساس في طريقه فجأة تحول بغير إرادتنا من الأعصاب إلى أسهل العضلات حركة ~~وأسرعها تأثرا وهي عضلات الوجه ms022 والشفتين ثم عضلات العنق والرئتين، فتتحرك بالابتسام أو ~~بالضحك أو بالقهقهة أو بالوقوف والاختلاج عند من يغلبه الضحك وتهتز له عضلات الجسم كله. ~~والدليل على ذلك أننا نضحك إذا غلبنا الإحساس وتحول من العصب إلى العضل أيا كان ~~الموحي به والباعث عليه، فنضحك من الغيظ والألم ونضحك الضحكة الهستيرية التي يفرج بها ~~المكروب عن أعصابه المكظومة كأنما يخفف عنها بنقل شيء من ضغط الإحساس عليها إلى ~~العضلات، فالضحك هو الانتقال فجأة من الإحساس إلى الحركة العضلية، والنكتة السريعة ~~تضحكنا لأنها تفاجئ التفكير بحالة غير مرتقبة وتعجله عن انتظار النتيجة في طريقها ~~الممهد المألوف. ومن الأمثلة التي أوردها سبنسر للمضحكات منظر جدي يظهر على المسرح فجأة ~~بين حبيبين يتناجيان ... فإحساس النظارة هنا يمشي في طريق الغزل وينتظر أن يمشي فيه إلى ~~نهايته المناسبة له ويوجه الذهن إلى هذه الناحية، ولكنه لا يلبث أن يلمح الجدي على ~~المسرح حتى يحتبس في موضعه ويتحول على غير انتظار إلى ناحية أخرى، فيندفع الإحساس من ~~الأعصاب إلى العضلات وتحدث الحركة التي نسميها الضحك حين يختلج بها الفم والرئتان ... وفي ~~كل نكتة شيء من هذا التحول الذي مثل له سبنسر، ينجم عن المفاجأة بما ليس في الحسبان ~~ويتلخص في إظهار نتيجة غير النتيجة التي تبدر إلى الذهن لأول نظرة من الشيء المضحوك ~~منه.» ~~«فالنكتة الصادقة هي الحجة التي تظهر لنا فساد الأقيسة المختلفة واضطراب النتيجة التي ~~تأتي في غير موضعها وتلتوي على مقدماتها، وهذه هي النكات التي تفيد النفس لأنها تروح ~~عنها، وتفيد الذهن لأنها ضرب من المرانة على التفكير السريع وشحذ للفهم وتقويم له على ~~المنطق السديد. ولنكتة واحدة يفهمها الطالب حق الفهم خير من مائة درس في المنطق ~~يقرؤها ويعيدها وهو لا يحسن القياس ولا يفقه الدليل.» ~~«وكتاب الأوصاف المضحكة يعتمدون في نكاتهم على ملكات كثيرة قد يناقض بعضها بعضا، ~~وقد لا يجتمع منها ملكتان لكاتب واحد، فمنهم من يعتمد على ملكة السخر وهو يحتاج إلى ~~الذكاء وإدراك الفروق، وقد يصحبه شيء من الجد ms023 والمرارة، ومنهم من يعتمد على الدعابة وهي ~~تحتاج إلى مرح في الطبيعة مرجعه في الغالب إلى المزاج لا إلى الدرس والتعليم، ومنهم من ~~يعتمد على الهزل وهو خلق ينشأ عن جهل بتقدير عظائم الأشياء، وقد يستحل الضحك في جلائل ~~الخطوب، ومنهم من يعتمد على العطف وهو يرضي الإنسان عن نقائص الناس ويضحكه كما يرضى ~~الوالد الشفيق عن جهل وليده الصغير، وخير هذه الملكات وأعلاها ملكة السخر يمازجها ~~العطف، وهي عبقرية لا تقل في اقتدارها على تجميل الحياة وتثقيف النفوس والأذواق عن ~~عبقرية الفلسفة وعبقرية الشعر والتلحين.» # وقد عن لي غير مرة بعد كتابة الفصل المتقدم عن النكتة (في سنة 1927) أن أتوفر على ~~تصنيف كتاب واف أبسط فيه منادح البحث عن مصادر الأحاسيس التي تمتزج بالفنون والآداب ~~كالإحساس بالجمال والإحساس بالجلال والإحساس بالمقدس والإحساس بالمليح Pretty # والإحساس بالمضحك على أنواعه، ولكنني وجدت ~~الوقت يضيق عن استيعاب هذا البحث لضخامته وصعوبة مسالكه، وجدته في اللغة العربية وسائر ~~اللغات، فجعلت ألمس هذا الموضوع متفرقا من حين إلى حين، وكان أهم ما لمسته في مسألة ~~الفكاهة وتوضيح أقسام السخرية من حيث النية؛ إذ يكون منها ما يلجأ إليه الساخر كأنه ~~يفتش عن العيوب الإنسانية مستريحا إلى وجودها وبقائها، ويكون منها ما يلجأ إليه الساخر ~~آسفا مضطرا كالأب الذي يعرف عيوب ولده ويبالغ فيها ويفرط في التأنيب فيقول له إنه لا ~~يفلح ولا يرجى، وهو في الواقع أول من يرجو له الفلاح ويتمنى لو يكذب ظنه في تلك ~~العيوب. # ووقفت بالبحث حيث وقفت في الكلام على النكتة ورأي سبنسر وبرجسون فيها، وأعني أنني ~~وقفت في البحث كتابة ولم أقف به عناية بالموضوع واطلاعا على آراء خبرائه وذوي الاختصاص ~~بفنونه، وكنت كلما توسعت في استيعاب آراء الخبراء وتواريخ هذه البحوث من أوائلها بدا لي ~~أن فهم «المضحك» كما فهمته لأول الأمر مقابلا للمبكي أو المحزن بداءة طبيعية لهذه ~~البحوث، فإن الفلاسفة الذين تكلموا عنه قبل أربعة وعشرين قرنا إنما تحركوا من هذه ~~النقطة، فوضعوا التراجيدية أو ms024 المأساة مقابلة للكوميدية أو المهزلة، وضموا الجد والبكاء ~~جميعا في تعريف المأساة كما ضموا الهزل والعبث جميعا في تعريف المهزلة، وكذلك فعل ~~أفلاطون وفعل أرسطو من بعد، واقتدى بهما كل من تصدى لتحليل فنون المسرح والشعر عامة مع ~~قواعد الخطابة والبلاغة في جميع هذه الأغراض. # يبدأ فهم المضحكات على هذا النحو الذي تغلب عليه المقابلة الاسمية بين الضحك والبكاء، ~~ثم يتفرع الضحك ويتشعب وتلوح منه الأفانين التي لا يقابلها البكاء في كل حالة، بل يدخل ~~فيها ويحسب منها في بعض الحالات. # الفيلسوف الباكي والفيلسوف الضاحك # وقبل أن نأخذ في تلخيص آراء أفلاطون وأرسطو لا ننسى من السابقين لهما في تاريخ ~~الفلسفة اليونانية اسمين متناقضين كان كلاهما مادة من مواد الضحك وشاهدا من الشواهد ~~التي يسوقها المعنيون بتعريفاته وتقسيماته، وهما الفيلسوف هيرقليطس المولود في القرن ~~السادس قبل الميلاد، والفيلسوف ديمقريطس المولود في القرن الذي يليه. # فالأول كان يلقب بالفيلسوف الباكي؛ لأنه كما زعموا كان دائم البكاء لا ترقأ له عين ~~ولا يبتسم له ثغر، ولا يزال ناعيا على قومه سوء ما صنعوا وما يصنعون في أمورهم العامة ~~والخاصة. # والثاني كان يلقب بالفيلسوف الضاحك؛ لأنه كما زعموا كان دائم الضحك لا يكف عن ~~الابتسام أو القهقهة ولا يكرثه خطب من الخطوب جل أو هان. # وقد قال جوفنان الشاعر اللاتيني الساخر إن العجب لهيرقليطس أعظم من العجب لزميله، فإن ~~دوام الضحك - صحيحا أو متكلفا - لا يشق على أحد يريده، وأما العجب كله فمن ذلك ~~الفيلسوف الذي يجد في عينيه معينا لا ينضب من الدموع، ويحزن جدا أو يتكلف الحزن ~~تمثيلا ولهوا حيثما وجد مع الناس. # والقصة كلها «مزدحمة» بشواهد الضحك ومعارض البحث في حقائقه وأكاذيبه. # فمن من الرجلين يا ترى أدعى إلى الضحك عند الناظرين إليه؟ # أنضحك من دائم البكاء أم نضحك من دائم الابتسام والقهقهة؟ # يخيل إلى الأكثرين أن الرجل الذي لا ينقطع بكاؤه أدعى إلى الضحك من الرجل الذي لا ~~ينقطع ضحكه وابتسامه، وأنهما - بعد - موضوع صالح جدا للدعابة والسخرية. # وأول ms025 ما يرد على الذهن من أسباب ذلك أن الضحك الدائم والبكاء الدائم كلاهما غير ~~معقول. # وهنا نذكر أن الإنسان حيوان ناطق وحيوان ضاحك، وأنه استأثر بالنطق وبالضحك؛ لأنهما ~~مقياسان مشتركان للعقل وللمعقول ... وهنا نذكر أيضا أن النكتة وسيلة لإظهار الخلل ~~المنطقي وأن كل الفرق بينهما أن النكتة تفاجئنا بإظهار الخلل وأن الدليل المنطقي يسترسل ~~في إظهاره بغير مفاجأة. # ثم يرد على الذهن أن الضحك الدائم والبكاء الدائم كلاهما إفراط وخروج من الجد إلى ما ~~عداه، وما عدا الجد يلتقي بالضحك ولو في بعض الطريق. # وغني عن القول أن الفيلسوفين لم يكونا على الصفة التي تفهم من كلمة الفيلسوف الباكي ~~والفيلسوف الضاحك، وأنهما تعرضا لهذه الزيادة في الوصف؛ لأنهما مبالغان أراد الناس أن ~~يكشفا هذه المبالغة منهما فوصلا بها إلى غايتها المستحيلة، وصنعا لهما بذلك الوصف صورة ~~هزلية تشبه الصور التي يتعمد فيها الرسامون الفكاهيون إبراز الملامح الشاذة بتكبيرها ~~والخروج بها عن جميع مألوفاتها. # ولقد كان هيرقليطس يترجم عن سخطه أحيانا بحركات صبيانية ليست من البكاء ولا الحزن في ~~شيء، فكان يلعب مع أطفال ليسأله الشيوخ فيجيبهم بأن الأطفال أعقل منهم في تدبير اللعب؛ ~~لأنهم لم يصنعوا في ألاعيبهم ما صنعه الشيوخ المحنكون في أحق الأمور بالجد ~~والرصانة. # وكان ديمقريطس يسيح في الأرض من بلاده إلى مصر والحبشة وفارس والهند وكل قطر معمور، ~~وكانت الدنيا على أيامه قائمة قاعدة تهون فيها مصائب الآحاد إلى جانب المصائب التي تحيق ~~بالدول والشعوب، فكان يضحك من أولئك الذين يستسلمون للأحزان ولا يعتبرون بما حولهم من ~~عادات الزمن وصروفه، حيث ارتحل وحيث أقام، وقيل من نوادر جرأته بالسخرية أنه اجترأ بها ~~على «دارا» جبار الفرس وهو يسيح في بلاده؛ فإن هذا الجبار أحزنه أن تموت له جارية يحبها ~~فوعده ديمقريطس بإحيائها بعد دفنها، وقال له إن الأمر لا يتطلب أكثر من كتابة ثلاثة ~~أسماء على القبر فتعود الجارية إلى الحياة، وسأله «دارا» في لهفة: «وما تكون هذه ~~الأسماء؟» فأجابه الفيلسوف وهو يصطنع الجد: «أسماء ثلاثة ms026 لم يفقدوا أحدا من ~~الأعزاء.» # وكان هذا هو العزاء ... # ولا ريب أن البديهة الإنسانية كانت من قبيل الحديد الذي يفل الحديد، فهي التي لقي ~~منها الفيلسوفان جزاءهما من جنس العمل : سخر كلاهما من قومه فأرسله قومه في التاريخ على ~~ذلك «الكاريكاتور» بين ضاحك دائم الضحك، وباك دائم البكاء. # وهذا أيضا باب من أبواب المضحكات التي انطوت عليها قصة الفيلسوف: باب الصورة الهزلية ~~أو الكاريكاتور. # ثم يجيء الشاعر الساخر جوفنال فيغمض باختياره عن هذه المبالغة؛ لأنها توافق «القافية» ~~كما نقول في النكتة العربية، وما كان للشاعر الساخر أن يجد بين يديه هاتين الصورتين ثم ~~يردهما إلى سواء الخلقة ليضيع منه المجال الصالح للتهكم على الموصوفين ~~والواصفين. # فلسفة الضحك # على أن هذين الفيلسوفين المضحكين قد زودا فلسفة الضحك من سيرتهما ورسمهما بزاد لم ~~تتزوده تلك الفلسفة من عقلين كبيرين كعقلي الفيلسوف أفلاطون وتلميذه الفيلسوف أرسطو، ~~وهما أعظم فلاسفة اليونان، ولم يعرض لفلسفة الضحك بعدهما عقل أكبر من عقليهما إلى ~~اليوم. # وكان خليقا بأفلاطون وأرسطو أن ينفذا إلى جوهر الموضوع في فلسفة الضحك وأسبابه لو ~~أنهما قصدا إلى الموضوع في صميمه، وأرادا أن يستوعبا الفروض والاحتمالات في أسباب الضحك ~~وأنواع المضحكات، ولكنهما لم يقصدا هذا المقصد ولم يتكلما عنه إلا عرضا في سياق ~~البحث عن المدينة الفاضلة والبحث عن الشعر وأقسام الروايات الشعرية. # فأفلاطون ذكر المضحكين والمضحكات وهو يبحث عن مكانهم في مدينته الفاضلة أو جمهوريته ~~المثالية التي أراد أن يقصرها على الأفاضل والمأمونين وأن يجنبها عوارض النقص والرذيلة، ~~فبدا له أن الشعر موكل بالجانب الضعيف من الإنسان بغير تفرقة بين شعر المأساة وشعر ~~الملهاة. # فالإنسان الكريم يأبى أن يستسلم للبكاء إذا أصيب في عزيز عليه، ولكنه لا يبالي أن ~~يبكي وأن يحزن إذا رأى هذا المنظر معروضا عليه في رواية فاجعة؛ لأن البكاء يخدعه في ~~هذه الحالة ويوقع في روعه أنه يبكي لغير مصابه ويغلب على نفسه في سبيل غيره. # والإنسان الكريم يأبى أن يفوه بالأضاحيك أو الخبائث المضحكة، ولكنه يستسلم للضحك ms027 إذا ~~سمعها محكية في رواية هزلية يمثلها المسرحيون أمامه. # وليس بالحسن على كل حال أن يكون في الجمهورية الفاضلة إنسان يغلب على وقاره ضحكا أو ~~بكاء بله الأناسي الذين يصورون الأرباب في عليين مغلوبين على هذه الصورة، ويقول ~~أفلاطون: إن الإنسان الكريم لا يعرف الجد إلا بالهزل، وإنه من الحسن أن يشهد مناظر ~~الهزل من العبيد والأجراء المسخرين ولا ينغمس فيها بنفسه. وقد أثنى على المصريين لأنهم ~~يعلمون الأبناء الموسيقى والرقص قياما بالشعائر الهيكلية، ولكنهم لا يسمحون للشعراء ~~بخلط الألحان بالأغاني المبتذلة والقصائد الموزونة على رقص الخلاعة والمجون، وقد كانت ~~خلاصة رأيه في كتاب «الجمهورية» وكتاب «القوانين» أن الشعراء يحسنون صناعة الشعر ~~ويستحقون من أجل ذلك أكاليل الغار، ولكنهم يلبسونها ويخرجون من المدينة الفاضلة إلى حيث ~~يشاءون. # ولم يذكر أفلاطون سبب الضحك إلا في كلمات قليلة خلال هذه المباحث الأخلاقية، وهو يرى ~~في تلك الكلمات أن الضحك مرتبط بالجهل الذي لا يبلغ مبلغ الإيذاء، وأن الشعراء يضحكوننا ~~حين يحاكون أولئك الجهلاء؛ ولكنهم إذا طرقوا موضوع الملحمة أو المأساة عظموا الطغيان ~~وجعلوا رواياتهم حكاية لأعمالهم، فلا أمان لهم في محاكاة الجهل ولا في محاكاة ~~الطغيان. # وأرسطو أدق من أستاذه في تعبيراته عن أقسام الشعر؛ لأنه وضع فيها مبحثا خاصا يتبع ~~فيه المسرحيات المضحكة من أصولها منذ كانت ضربا من الهجاء والأغاني الشهوانية إلى أن ~~أصبحت موضوعا للإضحاك والتسلية؛ ولهذا جاءت في الترجمات العربية باسم الأهاجي ~~والتهريجات، ولم يبتدعوا لها اسما يقابل اسم «الكوميدية» كما صنعنا في العصر الحديث؛ ~~إذ سماها بعضهم بالمهزلة وبعضهم بالملهاة، وعربها بعضهم بلفظها اليوناني فسماها ~~«الكوميدية». # وعند أرسطو أن المضحك ضرب من الدميم أو المشوه لا يبلغ درجة الإيلام أو الإيذاء، وفي ~~نبذة منسوبة إليه من رسالة مقطوعته طبعها كيبل # Kaibel # في برلين سنة 1899 يقول: # إن الملهاة تطهر النفس كما تطهرها المأساة؛ لأن النفس المطبوعة على الرحمة أو ~~على حسن الذوق تجد في المأساة والملهاة منصرفا لما تنطوي عليه من العطف والشوق ~~إلى الكمال واجتناب التشويه. ms028 # وكلا الفيلسوفين قد تطرق إليه الخطأ من فهم المأساة والملهاة على أنها نوع من التقليد ~~والمحاكاة؛ لأن الشعر المسرحي يعرض الفواجع بتمثيل أناس يحاكون المصابين بها في حركاتهم ~~وأقوالهم، وكذلك يفعل بالمضحكات والملهيات. # وأفلاطون من أجل هذا ينزل بالمقلدين إلى الدرجة الثالثة، فيقول: إن الصورة الفضلى هي ~~صنعة الله ثم يحكيها الصانع الخبير بالصناعة، ثم يأتي الشاعر فيحكي عمل هذا الصانع ~~حكاية بعد حكاية. # ولم يلتفت أرسطو إلى منزلة الشعراء المقلدين إلا في سياق كلامه عن الأخلاق والاستطراد ~~منه إلى أخلاق الهجائين أو الذمامين، فلم يكن من همه أن ينشئ مدينة فاضلة يبيح ~~المقام فيها لأناس ويحرمه على آخرين. # وليس في هذا الخطأ عيب على عقل الفيلسوفين الكبيرين؛ لأنهما بادئان في طريق لم ~~يسبقهما إليها سابق من الخبراء أو غير الخبراء، ولكن العجيب منهما حقا أن يحسبا الفن ~~تقليدا أو محاكاة ولا يحسباه خلقا وابتداعا من الشاعر على التخصيص، ومع أن كلمة ~~الشاعر تفيد معنى الصانع أو الخالق باللغة اليونانية. # ونقول: إن هذا عجيب من الفيلسوفين حقا؛ لأنهما كانا يستطيعان أن يعلما أن وصف كرسي ~~في الشعر أصعب من عمل كرسي بصناعة النجارة، وأن النجار الذي يعمل ألف كرسي لا يستطيع أن ~~ينظم بيتا واحدا من القصيدة التي تنظم في وصف أحد كراسيه، وهكذا يستطيع الرسام أن ~~يصور كوبا من الفخار ولا يستطيع الفخاري الذي يصنع الآنية الفخارية جميعا أن يخرج ~~صورة لكوب صغير منها. # وقد زاغ هذا الفهم الخاطئ بالفيلسوفين عن أسباب الضحك في تفصيلاتها؛ لأنهما التفتا ~~إلى فكرة التقليد فجعلها أحدهما إسفافا دون صناعة الصانع، وجعلها الآخر طلبا للمعرفة ~~يكاد أن يتساوى فيه المقلد ومن يشهد التقليد، ويسر بالنظر إليه، ولم ينظر كلاهما بعين ~~الشاعر لينفذ إلى مواطن الضحك فيما يتحراه من الصور المضحكة ومن تنويع عرضها ~~وتمثيلها. # لكنهما على هذا الخطأ الذي لا ينجو منه كل مبتدئ قد نجحا في التعريف بسبب الضحك ~~نجاحا غير قليل؛ لأنه كان أساسا لما بناه التابعون كما كان أساسا لنقد ~~الناقدين. ms029 # فالقول بأننا نضحك من العمل لأنه ينم على جهل لم يبلغ درجة الإيذاء والإيلام، أو أننا ~~نضحك من العمل لأنه يعرض لنا تشويها لم يبلغ هذه الدرجة؛ كلاهما قول يؤخذ به للمناقشة ~~والتعقيب ولا يرفض كله جملة واحدة في تعريف من تعريفات المحدثين. # وكل ما نعترض به على التعريفين أن الإنسان قد يتبلد شعوره عن الألم والضحك في وقت ~~واحد، فليس كل إنسان يرى التشويه ولا يؤلمه يضحك منه؛ لأنه قد يكون بليدا يخفى عليه ~~التشويه والألم في آن. # وإنما الخلو من الألم شرط لكل استمتاع بشيء من الأشياء حتى ما كان من قبيل المتعة ~~المادية؛ إذ كان الألم على الأقل صارفا للشعور عن سبيل المتعة، إن لم يكن مناقضا ~~للشيء المضحك أو للشيء الجميل أو للشيء الجليل. # ونضرب المثل لذلك بإنسان مشوه ينظر إليه صاحب الإحساس المرهف فيدرك ما يعانيه، وينظر ~~إليه الطفل الغر أو الرجل الجلف فيهزأ به أو يولع به للضحك منه وإضحاك الناس ~~عليه. # فلا يجوز أن تفهم من ذلك أن الرجل الحساس غير صالح للضحك وغير خبير بالمضحكات؛ لأنه ~~قد يحس منها ما يجهله الأطفال الأغرار والرجال الأجلاف، بل يجوز أن نقول إن الطفل الغر ~~والرجل الجلف لا يعرفان ما يضحك ولا يعرفان ما يؤلم في وقت واحد. ~~••• # وندر من فلاسفة القرون الوسطى من نظر إلى الضحك نظرة جدية ورآه في حكمة جديرا بالبحث ~~عنه وعن أسبابه، لانصرافهم إلى البحث في الأصول الدينية وأسرار ما وراء الطبيعة. ولعل ~~فلاسفة اليونان الأقدمين كانوا على هذا الرأي ولم يبحثوا بعض البحث في الضحك وأسبابه ~~إلا في طريق بحثهم عن التراجيدية والكوميدية مع رجوع هذه في أساسها إلى سير الأرباب ~~وشعائر الدين ومحافل الأعياد الوثنية. # إلا أننا قد نعثر بين الآونة والأخرى على فيلسوف من فلاسفة القرون الوسطى بحث في معنى ~~الضحك لاتصاله من بعض أطرافه بمباحثه الأخلاقية أو اللاهوتية، وأحق هؤلاء بالالتفات إلى ~~رأيه في هذا المبحث يوسف ألبو # Joseph Albo ~~(1380-1445)، وتوماس هوبز # Thomas Hobbes ~~(1588-1679). ms030 # فيوسف ألبو فيلسوف إسرائيلي ممن درسوا فلسفة الأندلس الإسلامية واقتبس منها في كتابه ~~عن المبادئ والأصول، وتكلم عن الضحك لأنه مذكور في كتب «التوراة» ومنسوب إلى الأنبياء ~~ومنهم إبراهيم الخليل. # قال: «الضحك - وبالعبرية سحوق - كلمة مرادفة لكلمات في معناها، وتدل على الفرح كما ~~جاء عن إبراهيم أنه خر على وجهه وضحك، ومعنى ذلك أنه كان فرحا بما سمع.» ~~«وقد يدل الضحك على السخرية والاستهزاء كما يقول القائل: إنني ضحكة للجار، وربما ~~امتزج معنى الضحك والسخرية كما جاء أن الذي يستوي على السماء - الله - يهزأ بهم؛ إذ كان ~~الضحك أحيانا دليلا على الشعور باحتقار من يستحق الاحتقار، وهكذا يشعر من يلحظ نقصا ~~في كلام أحد أو عمله ويشعر بتفوقه عليه لأنه لا يقع في مثل ذلك النقص، فإنما يتولاه ~~الضحك؛ لأنه يرى الآخر يقول أو يعمل ما لا يجمل بالإنسان ووقاره.» ~~«وعلى هذا النحو ينسب الضحك إلى (الله) في التعبير المتقدم، وسببه أنه يسمع القائلين ~~يقولون: هلموا نمزق شملهم. وهي كلمات لا يجمل بالبشر أن ينبسوا بها. على حد قول ~~الربانيين إن سبب المشابهة بين نشيد أبسالوم وأخبار يأجوج ومأجوج أنه لو سأل سائل: هل ~~من الممكن أن يتمرد العبد على مولاه؟ لكان الجواب: وهل من الممكن أن يتمرد الولد على ~~أبيه؟ وقد حدث هذا فمن الممكن إذن أن يحدث ذاك.» ~~«وواضح من ثم أن ذلك المقال مما لا يحسن بإنسان أن يقوله وإلا كان أهلا للازدراء ~~والسخرية، وبهذا المعنى ينسب الضحك إلى الإله وإلى الإنسان.» ~~«ويضحك الإنسان أحيانا إذ يخدع غيره في أمر كان ينبغي أن يحذره المخدوع وينتبه إليه، ~~ومن ثم يرجع سبب الضحك في جميع الحالات إلى الشعور بالتفوق في نفس الضاحك حين يرى غيره ~~يقع في حماقة وأمر ينبئ عن جهالة. ويقول العلماء إن الضحك خاصة إنسانية كما يقولون إن ~~أسبابه مجهولة، ويعنون بذلك أننا لا نعلم لماذا يكون الضحك مصحوبا بحركات جسدية معينة، ~~ولماذا يحدث الضحك عند لمس الإبط أو بعض المواضع الحساسة من الجسد، على ms031 أن حدوث الضحك ~~من السخرية معروف جد المعرفة كما بينا في شرح الآية.» # وظل هذا الرأي مأخوذا به في تفسير الضحك إلى أوائل العصور الحديثة، وهو على التقريب ~~رأي الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي يرجع بكل خليقة أو عاطفة ترضي الإنسان إلى ~~شعوره بالقوة والامتياز والرجحان، ويرى أن الأخلاق الإنسانية المحمودة تدل جميعها على ~~القوة في صورة من صورها؛ فالكرم والشجاعة والصبر والعزة والفضائل جميعها لا تنال حمد ~~الإنسان ما لم تكن مقرونة بالقدرة والدلالة عليها، وتتساوى الأخلاق النبيلة والعواطف ~~الرفيعة في هذه الخصلة، بل تتساوى فيها الأعمال الإرادية وغير الإرادية كالضحك في صورته ~~العقلية وصورته الجسدية، فإنما يضحك الضاحك؛ لأنه يحس من نفسه انتصارا مفاجئا أو مزية ~~مفاجئة، ولا بد من شعور النصر أو الامتياز فيما يضحك الإنسان ويرضيه. # وهذا هو الرأي الذي توافقت عليه أقوال المتكلمين عن الضحك من عصر الفلسفة اليونانية ~~إلى العصر الحديث، ولا حاجة إلى انتظار التعقيب الأخير على جملة الآراء لإظهار الخطأ في ~~هذا التعليل الذي يصح في جانب واحد من المضحكات ولا يصح في جميع جوانبها، فإن الإنسان ~~قد يضحك أحيانا حين يشعر أنه قد انخدع كما يضحك من غفلة غيره حين تجوز عليه الخديعة ~~البينة، وليس في هذا دليل على الشعور برجحانه، بل هو دليل على شعور برجحان غيره ~~عليه. # والمثل القريب على ذلك ما تقدم عن الضحك «الإجماعي» في مؤتمر الساسة الذين جلسوا ~~لتضييق الخناق على نابليون ثم جاءهم الخبر فجأة بانطلاقه من جزيرة ألبا وعودته إلى ~~فرنسا، فهذا موقف مغلوبين لا موقف غالبين، ولا يستقيم تفسيره بشعور الرجحان أو الانتصار ~~من جانب الضاحكين. # وكل ما يثبت في جميع الحالات أن هناك مفاجأة وأن المفاجأة تخالف الحالة المطردة أو ~~الاتجاه الذي يجري فيه الشعور، وبهذا يسهل تفسير الضحك ممن جلسوا ينظمون القارة ~~الأوروبية بعد اعتقال نابليون كأنما هذا الاعتقال أمر مفروغ منه ثم تقع المفاجأة بما ~~يخالف الحسبان. # إفراط المحدثين # وإذا كانت الشكوى من الثقافة القديمة قلة البحث في الضحك وأسبابه، ms032 فقد يكون الإفراط ~~في هذا البحث شكوى القارئ من الثقافة الحديثة؛ لأنها توشك أن تتطلب منه تخصصا ثقافيا ~~مقصورا عليها، وقد أثبت برجسون نحو أربعين مرجعا من الكتب والأصول ألم بها في ~~رسالته عن الضحك، ويمكن أن يزاد عليها ثلاثة أضعافها من المراجع المتفرقة عن فلسفة ~~المضحكات عامة أو عن موضوعات الفكاهة والنكتة في مزاج هذه الأمة أو تلك أو في آدابها ~~ومأثوراتها. # ويعود هذا الإفراط في الكتابة عن الضحك إلى باعثين جديدين في العصور الحديثة: أحدهما ~~نشأة علم الذوق أو علم الجمال الذي ينظر في الفروق بين الجميل والجليل والمضحك كما ~~تعرضها الفنون الجميلة ولا سيما التمثيل، وكأنما كان اهتمام المحدثين بالتمثيل ورواياته ~~وأدواره تجديدا لاهتمام أفلاطون وأرسطو بالتراجيدية والكوميدية، وملكات الشعراء الذين ~~يكتبون في المحزنات والمضحكات، والملاحم الكبرى عن الأرباب والعبادات وما استطردت إليه ~~من موضوعات لا علاقة لها بالدين، وقد تناقضه وتخالف الأدب الواجب للمعبودات وشعائر ~~العبادة. فإن عودة الأدب المسرحي في العصور الحديثة كانت فاتحة البحوث الفنية والفلسفية ~~في الموضوع من جميع جوانبه وأطرافه، فكان البحث فيه عن المضحك والمبكي والحسن والقبيح ~~مقرونا بالبحث عن المقدس والقداسة في شعور الإنسان وفي الكائنات التي يقدسها ويرتفع ~~إليها بالإجلال والابتهال، واستدعى تمثيل هذه الكائنات شعرا ونحتا وتصويرا أن توضع ~~لها الحدود والتعريفات وتقام الفواصل بينها وبين ما يلتبس بها من المتشابهات أو ~~المتناقضات. # هذا أحد الباعثين الجديدين إلى إفراط المحدثين في الكلام على الضحك وتعليل أسبابه ~~وتطبيقه على الفنون المتجددة في الزمن الحديث. # أما الباعث الآخر فهو شيوع البحث في التطور ومذهب النشوء ... فإن هذا المذهب يفسر ~~تعبيرات الإنسان عن خوالجه وعواطفه بما يوافق طبيعته الحيوانية، ويتقصى وجوه الشبه ~~ووجوه الاختلاف بينه وبين سائر الأحياء في هذه التعبيرات، ويراقب ملامحه ليربط بينها ~~وبين وظائفه الجسدية واستعداد هذه الوظائف لتلبية العوامل الداخلية والعوامل ~~الخارجية. # ولا يسع الإنسان إلا أن يبتسم لتناقض النتائج التي وصل إليها أقطاب هذا المذهب بعد ~~بحثهم في ظاهرة الضحك والفكاهة، فإن العالمين العظيمين اللذين توافيا ms033 - بغير التقاء ~~بينهما - إلى تحقيق ظواهره وشواهده قد ذهبا إلى الطرفين المتقابلين في تعليل الضحك ~~والفكاهة. # فمن رأي ألفرد رسل ولاس # Alfred Russel Wallace # أن ~~الضحك وسائر الخصائص الإنسانية التي ينفرد بها النوع الإنساني لا تقبل التفسير ~~بالانتخاب الطبيعي وتطور أنواع الحيوان، وهو يتساءل كيف يفسر لنا الانتخاب الطبيعي ~~ملكات الرياضة والموسيقى والإحساس بما فوق الطبيعة، ويعود فيقول: إن ملكة الفكاهة من ~~هذا الطراز بين الخصائص الإنسانية؛ لأنها تحتاج جميعا إلى تفسير غير تفسير الصراع على ~~الحياة وتنازع البقاء، ولو كانت من هذه الأسلحة في النوع الإنساني لما كان مفهوما كيف ~~يتجرد منها معظم الناس ولا تتوافر لغير العدد القليل منهم في أرقى الحضارات، ولا كان ~~مفهوما كيف يتجرد منها الهمج والأوائل الفطريون كما يتجرد منها الأكثرون بين ~~المتحضرين، فهي كما قال في تطبيقه المذهب الدارويني على الإنسان أخلق بأن تفسر ~~بالمنحة الإلهية التي يختص بها الخالق بعض الطبائع الموهوبة، ولن تقبل التفسير بغير ذلك ~~ولو باعتساف شديد. # ومن رأي داروين أن الضحك قد يوجد بمعزل عن التفكير كما يلاحظ على البلهاء وصغار ~~الأطفال الذين يضحكون ليعبروا عن حالة الرضا والارتياح ولا يصحبون ذلك بفكرة أو خاطرة ~~ذهنية، والأصحاء من الراشدين تعتريهم حالات الضحك لأسباب غير أسبابه في الطفولة، ويصدق ~~هذا على الضحك ولكنه لا يصدق على الابتسام، وكأنما يعبرون بالضحك عن حالة مقابلة لحالة ~~البكاء الذي يقترن بالشدة والكآبة العقلية كما يقترن بالخوف والغضب، ولعل شيئا من ~~الغرابة المفاجئة مع شيء من الشعور بالتفوق هو أشيع الأسباب لضحك الكبار الراشدين، ومن ~~الواجب ألا تكون الظروف على جانب عظيم من الخطر والجسامة، فإن الرجل الفقير - مثلا - ~~لا ينتظر منه أن يضحك إذا سمع فجأة أنه كسب مقدارا كبيرا من المال، ولكن العقل إذا ~~هاجه الشعور بالمسرة وطرأت عليه خاطرة صغيرة غير متوقعة، فالنشاط العصبي يفرج عن نفسه ~~بتحريك العضلات تلك الحركة التشنجية الخفيفة التي نسميها الضحك. قال في كتابه عن ~~تعبيرات العواطف في الإنسان: # إن الجنود الألمان أثناء حصار باريس ms034 كانوا يندفعون إلى الضحك لكل تفاهة من ~~تفاهات النكتة بعد طول التعرض للخطر الشديد. ويقول مستر هنتون من سان فرنسسكو: ~~إنه كان يتناوبه الصياح والضحك وهو على التلال عند الباب الذهبي معرض ~~لأفدح الأخطار. وهكذا يشاهد على الأطفال الصغار وهم يهمون بالبكاء أن بكاءهم ~~يتحول إلى ضحك حين يطرأ أمامهم طارئ غير متوقع، مما يفهم منه أن الضحك يفيدهم ~~في تصريف فيض الجهد العصبي الذي يحسونه على تلك الحال. # وينظر داروين إلى أسلوب المجاز حيث يقول القائل: إن الخيال دغدغته فكرة مضحكة، فيلاحظ ~~أن دغدغة الخيال مماثلة لدغدغة الجسد ويتخذ المثل من ضحك الأطفال و«تشنج» أجسامهم ~~الصغيرة بفعل الدغدعة ثم يلاحظ أن القردة العليا تبدر منها أصوات مرددة في مثل هذه ~~الحالة، ويعود فيفرق بين الضحك من فكرة مازحة والضحك من أثر الدغدغة إلا في أمر واحد هو ~~أن يكون الفكر في حالة راضية، فكما أن الطفل يصيح ولا يضحك إذا دغدغه رجل غريب واشتدت ~~عليه حركة الدغدغة، كذلك ينبغي أن يكون الفكر بعيدا من الجفوة والشعور بالاكتراث ~~والاهتمام، وتحدث الدغدغة الجسدية في المواضع التي لا تتعرض كثيرا للمس، ولا يكون موضع ~~الدغدغة معروفا قبلها، وكذلك تحدث الدغدغة الفكرية من خاطر غير معهود ولا معروف قبل ~~ذلك، ويبدو أن عنصر الطروء أو المنافرة الذي يجري في سياق التفكير هو العنصر القوي في ~~تكوين المضحكات. # ثم يراقب داروين عوارض الضحك على الوجه والجسم ويحصيها إحصاء دقيقا في تتابعها على ~~حسب الرخاوة أو العنف في الشعور، ويقرر أن الشعور العنيف كله يتخذ تعبيرا واحدا في ~~حالتي الحزن والسرور، وأن مشاهدة ذلك ميسورة لمن يراقب العصابيين (الهستيريين) والأطفال ~~لسرعة تأثرهم بأنواع الإحساس؛ فإنهم يتراوحون بين الضحك والبكاء في الوقت الواحد، ~~وينتقلون من الشعور إلى نقيضه لأنهما عندهم متقاربان. وشأن القبائل الفطرية عند داروين ~~كشأن الأطفال في هذه الخصلة؛ لأنه رأى في جزر ملقة نساء يبكين إذا أغربن في الضحك، وروى ~~أقوال السائحين عن سكان أستراليا الأصلاء، فقال إنهم يقفزون ويصفقون وتغرورق أعينهم ~~بالدموع ms035 وهم مرحون ضاحكون، ثم قال: إن الأستراليين والأوروبيين يتشابهون في ضحكهم ~~جميعا من رؤية المحاكاة. ومن القبائل الفطرية في جزيرة سيلان أناس لا يضحكون لمنظر قط ~~من المناظر المضحكة - فيما رواه هارتشورن # Hartshorne ~~- ~~لأنهم يقولون إذا سألوا مستغربين: وما الذي يدعو إلى الضحك في هذا أو ذاك؟ إلا أن ~~الابتسام والضحك في جميع الأمم يجريان في مسلك واحد فلا يستطاع وضع الحد الحاسم في ~~الحركات أو المعاني بين دواعي الضحك ودواعي الابتسام. # وظاهر من دراسة داروين كلها للتعبيرات الإنسانية والحيوانية أنه يتجه بمراقبته إلى ~~العوارض الجسدية التي تعم جميع بني الإنسان وقد تعم بعض الحيوان في بعض الأحوال، ~~والعوارض الجسدية أدق لديه من العوارض الأخرى التي لا يسهل ضبطها وتعميمها، ولا يسهل ~~كذلك تعليلها بالانفعالات المشتركة بين الناس من جانب وبين الناس والأحياء العليا من ~~الجانب الآخر. وهو على خلاف زميله في مذهب النشوء والتطور - ألفرد ولاس - موكل بالتعميم ~~والأشباه الشائعة دون تلك الملكة الخصوصية التي يرى صاحبه أنها مزية محدودة لا ~~يفسرها تنازع البقاء كأنها ملكة الإدراك الرياضي والبداهة الموسيقية وما إليها، فبينما ~~يهبط داروين إلى عوارض الضحك التي يقل فيها التفكير كضحك الأطفال والعصابيين والقبائل ~~الفطرية؛ يرتفع ولاس إلى ملكة الفكاهة العالية التي يمتاز بها آحاد من النوابغ قلما ~~يزيد عددهم على عدد العباقرة الذين يكشفون خفايا الحقائق الرياضية ودقائق النسب ~~الموسيقية، ويعلمون الناس كيف يفهمونها ويدركونها بعقولهم وبصائرهم فلا يتيسر للكثيرين ~~أن يجاروهم على فهمها وإدراكها. # والنزعة الوجدانية هي سر الاختلاف في النظرة إلى المضحكات بين العالمين الكبيرين؛ ~~فداروين يبحث عن وحدة الأنواع الحيوانية فيهبط إلى مواطن الشبه بين أرقى الأحياء وأقل ~~الناس، ويعقد الصلة بين هؤلاء وهؤلاء بوحدة العوارض الجسدية التي تصاحب الضحك من تأثير ~~الدغدغة أو تأثير المشاهدات الحسية. ويعنيه أن يراقب عوارض الدغدغة في القردة التي ~~تتأثر بعض المواضع في أجسامها باللمس المفاجئ على غير المألوف. # وكل هذا لا يفسر الملكة التي يعنيها زميله ولاس ويعلو بها إلى الطبقة التي ينفرد بها ~~الآدميون، بل ms036 ينفرد بها آحاد من الآدميين؛ لأن نزعته الوجدانية تتجه إلى الإيمان بالروح ~~الإلهي ومزاياه التي يفيضها على الأرواح الإنسانية كلما تهيأت لها بهداية ~~السماء. # ولم يزعم داروين أنه فسر الضحك كله واستوعب الكلام في أسرار المضحكات على اختلافها، ~~وإنما أراد منها ما تثبته التعبيرات المحسوسة وتطرد فيه الملاحظة اطرادا يقبل ~~التعميم. # ويقال هذا أيضا عن الفلاسفة الذين درسوا الضحك من ناحية علم الذوق أو علم الجمال، ~~فإنهم تناولوه من وجهة المقابلة بينه وبين الأحاسيس الجميلة أو الجليلة أو المقدسة ولم ~~يستوعبوا أصوله وتفريعاته في دراسة مستقلة تحيط به في معانيه الفنية ومعانيه ~~الحيوية. # فخلاصة رأي كانت # Kant # أن الضحك ينشأ من التوقع الذي ~~ينتهي فجأة إلى غير طائل، وخلاصة رأي شوبنهور أن الضحك في جميع الأحوال نتيجة للمفاجأة ~~بإدراك عدم التناسب بين الشيء المضحك والشيء الذي يخطر على البال أنه يشبهه، وخلاصة ~~آراء الباحثين في الجميل والجليل عامة أن المضحك هو النزول بالجليل - أو الوقور - فجأة ~~إلى الابتذال والإسفاف، وأنه في جملته نوع من الحطة # Degradation # يسرع الذهن في الالتفات إليه. # وليس من اليسير أن نستقصي هنا كل ما قيل في تعريفات الضحك وأسبابه، فإن الجمع الذي ~~يدل على طائفة قليلة من نماذج التفكير أجدى من إحصاء التفصيلات التي تتبعثر بغير رابطة ~~بينها تدور على محور معلوم. # ونرى أننا قد نستغني عن تتبع الآراء المبعثرة في تعليل الضحك إذا اجتزأنا منها بتلخيص ~~ثلاثة آراء نموذجية، هي رأي سبنسر العالم الإنجليزي، وبرجسون الفيلسوف الفرنسي، وفرويد ~~الطبيب النمسوي صاحب مذهب النفسانيات الحديث. # فرأي سبنسر رأي عالم نشوئي يفصل رأي داروين وينقحه ويزيد عليه من الوجهة العلمية ~~الطبيعية. # وبرجسون فيلسوف ينظر إلى الوجهة الاجتماعية ولا يهمل الوجهة الفنية، وإن كان يوجزها ~~ولا يستقصيها. # وفرويد ينظر إلى الدخائل النفسية مع ارتباطها بالمجتمع وعلامات الصحة والمرض في ~~الآحاد. # وقل أن يوجد رأي في الضحك لا يلتقي بهذه الآراء في جزء من الأجزاء. # الفصل الثالث # | ثلاثة آراء في الضحك # كتب سبنسر رأيه بعنوان فزيولوجية ~~الضحك # The ms037 Physiology of Laughter ~~. # وهو عنوان يدل على مدار البحث كله، ويؤخذ منه أن الباحث أراد أن يفسر عوارض الضحك الجسدية ~~وارتباطه بالأفكار والأحاسيس التي تستدعيها. # وفكرته تشابه فكرة داروين في أساسها، ولكنه يخالف القائلين بأن الضحك محاولة عضلية للتخلص ~~من شعور مكرب أو غير محتمل، ويخالف القائلين بأن الضحك يتولد من الشعور المفاجئ بالغبطة ~~والرضا عن النفس بما يوحي إليها من السلامة أو الرجحان. # ويقول سبنسر: إن هذا كله قد يحدث ولا يحدث معه الضحك، وإنه لا بد لتمام العوارض جميعا من ~~التحول المفاجئ من سياق إلى سياق في وجهة الشعور. # يشتغل الموسيقي بتوقيع قطعة من ألحان موسيقى بيتهوفن مثلا فيعطس أحد الحاضرين عطسة قوية ~~يسمعها الحاضرون خلال التوقيع فيضحكون، ليس في الاستماع إلى الموسيقى شعور مكرب تتخلص منه ~~النفس بالضحك، ولكن الذي حدث أن العطسة غيرت مجرى الشعور أو حبسته عن المضي في طريقه ~~المألوف، فتنقله هذه المفاجأة من أعصاب الحس إلى العضلات، ويحدث الضحك من جراء هذا ~~الانتقال. # ويقف العاشقان على المسرح يتناجيان ويتغاضبان أو يتراضيان، وإذا بجدي يضل طريقه ويذهب إلى ~~العاشقين فيقطع عليهما وعلى النظارة هذه المناجاة، فيحدث من هذه المفاجأة ما أحدثته العطسة ~~القوية أثناء سماع الموسيقى، ويضحك النظارة الذين كانوا يرقبون منظر المناجاة ولم يكن فيه ~~ما يكربهم أو يحبون التخلص منه بالضحك، وإنما يغلبهم الضحك لانتقال الشعور من وجهته ~~المطردة، ولا بد له إذن أن ينتقل من أعصاب الحس إلى العضلات. # يقول سبنسر: ولا يحدث هذا لجميع السامعين إذا كان فيهم من يستغرقه الشعور بالموقف ولا يدع ~~فيه بقية للانتقال منه والالتفات إلى غيره، فإن هؤلاء قد يغفلون عنه أو يغضبون لتنبيههم من ~~الشعور الذي هم مستغرقون فيه. # ويقول سبنسر: إن المؤثرات لها في الإنسان ثلاثة منافذ: منفذ الحس، ومنفذ الفكر، ومنفذ ~~الحركة العضلية، وإنها كلها قابلة للتحول من منفذ إلى منفذ سواء بدأت بالتفكير أو بدأت ~~بالحس أو بدأت بحركة من العضلات. # فالرجل الذي يهرب من الخطر الداهم يجري وتشتغل عضلاته بهذه ms038 الحركة، ولكن هذه الحركة ~~العضلية لا تستغرقه ولا تمنعه أن يفكر في الخطر والحيلة التي يحتالها أو العمل الذي يعمله ~~للنجاة منه. # فإذا كان الخوف أهون من الخوف على الحياة فربما انصرف بالحركة وأصبحت الحركة ضربا من ~~الرياضة التي يتشاغل بها الإنسان عن حالته النفسية. # والطفل يصفق إذا فرح؛ لأن شعوره ينتقل من الأعصاب إلى العضلات، وربما فرك الرجل الكبير ~~كفيه في مثل هذه الحالة؛ لأنه تعود هذا الشعور أو تعود أن يتحول عنده إلى الفكر كما ~~يتحول إلى العضلات. # ومما يدل في رأي سبنسر على أن الضحك من حركات رد الفعل أو من الحركات الانعكاسية أنها ~~حركات لغير قصد أو حركات غير مقصودة بإرادة صاحبها، كأنها غمضة العين للوقاية أو رعشة البرد ~~التي لا يريدها المقرور. # ويتبسط سبنسر في وصف تأثير هذه الانفعالات غير الإرادية، فيرى أن تأثير الشعور قد يعطل ~~تفكير الخطيب على الرغم منه وهو واقف أمام الجماهير يحس وجودها ويخشى أن يتلعثم أمامها أو ~~لا ينال موافقتها وإعجابها، ولو أنه وقف ليلقي خطابه أمام الكراسي الخالية لانطلق تفكيره ~~بغير عائق من الحس والشعور، وهاهنا ثلاثة عوامل مشتركة في التأثير على الخطيب: عامل الحس إذ ~~يرى الجماهير، وعامل الشعور إذ يخشى التقصير والخيبة، وعامل الفكر الذي يشغل الحس والشعور ~~جانبا منه فلا ينطلق مع اشتراكها كما ينطلق على انفراد. # فالسريان بين منافذ الحس والتفكير والحركة طبيعي في المؤثرات النفسية، وكلها تجري في ~~مجراها الطبيعي من الفكرة إلى الحس والحركة، أو من الحس إلى الحركة والفكر، أو من الحركة ~~إلى الأحاسيس والأفكار. # غير أن الحس أو الفكر لا ينتقل إلى العضل إلا في غياب الحس والفكرة التي من قبيله، فإذا ~~كان الألم شديدا جدا يستوعب الشعور كله فهو لا ينتقل إلى العضلات عند المفاجأة؛ لأنه يجد ~~طريقه في اتجاه الشعور بغير عائق يصده عن مجراه. # ويستطيع من شاء أن يحقق ذلك بمنظر يذكره أو يتخيله على وفاق المألوف من تجاربه ومشاهداته: ~~إذا جلس الناس في مأتم وحدثت على ms039 مشهد منهم مفاجأة مضحكة فقد يضحك الغرباء عن المأتم، وقد ~~يضحك الصغار الحاضرون وإن كانوا من أهل الميت، ولكن الكبار المفجوعين لا يضحكون؛ لأن ~~شعورهم يفيض في مجراه ولا تشغله المفاجأة المضحكة حتى تنتقل من الحس إلى حركة العضلات، ~~وربما أثارهم وأغضبهم أن يروا أمامهم أحدا يضحك وهم مغلوبون بالأسى والفجيعة. # وملاحظة سبنسر هذه مهمة جدا في تصحيح التعريفات الأخرى، ومنها تعريف أفلاطون وأرسطو ~~وغيرهم للضحك؛ إذ يقولون: إنه نتيجة الشعور بالسخف أو التشويه الذي لم يبلغ مبلغ الإيلام ~~والإيذاء. # فالألم مانع للضحك؛ لأنه يشغل الشعور بغير المضحكات، ومتى اشتغل الشعور بشيء آخر لم يشعر ~~الإنسان بالجمال ولا باللذة ولا بالسرور، وليس الأمر هنا خاصا بالمضحكات دون المحاسن ~~واللذات والمسرات. # إن المفاجأة التي تعوق الإحساس عن مجراه وتحوله إلى العضلات كافية وحدها للضحك ولا حاجة ~~معها إلى استثناء الألم؛ لأن الألم استثناء لكل شعور وليس بالاستثناء للمضحكات دون ~~سواها. # أما إذا كان الإحساس من القوة بحيث لا تعوقه المفاجأة فإنه يجترفها في طريقه ولا يتحول ~~إلى العضلات، ولا يحدث الضحك من ثم على الرغم من جميع المفاجآت. # وإذا قال قائل عن جدول الماء: إنه يجري ما لم يعقه عائق؛ فهو لا يقول لنا شيئا عن طبيعة ~~الماء دون غيره، فهكذا يحدث لكل متحرك أنه لا يتحرك مع وجود العائق في طريقه، سواء في ذلك ~~حركة الماء وحركة البخار وحركة السهم وحركة القذيفة من أقوى المدافع والراميات. # وكذلك يكون من قبيل تحصيل الحاصل أن يقال: «إن الضحك يحدث ما لم يمنعه الألم»؛ فإن الألم ~~يحجب الشعور بالمضحكات وغير المضحكات، يحجب المتعة بالنكتة كما يحجب المتعة بالجمال والجلال ~~واللذة وبدائع الفنون على الإجمال. # ويؤكد هذا ما لاحظناه آنفا على تعريف أرسطو الذي يشترط في الدمامة المضحكة ألا تبلغ ~~حد الإيلام؛ فإن الإنسان البليد لا يتألم ولا يفطن للضحك في وقت واحد، وإذا جمعنا اثنين ~~أحدهما مرهف الإحساس والذهن والآخر ثقيل الإحساس والذهن فلا يلزم أن يكون هذا أكثر فطنة ~~للضحك من ذاك ms040 لأنه بطيء الألم، بل يبطئ شعوره بالألم وشعوره بالضحك في وقت واحد، ويغفل عن ~~التشويه كله بجميع درجاته فلا يلمحه ولا يحسه في درجة من الدرجات. # ومن ثم ننتهي بعد ما تقدم إلى الثقة من شرط واحد في المضحكات وهو شرط المفاجأة التي تتحول ~~بالشعور عن مجراه ، فإذا كان الشعور جاريا في مجراه - كشعور الحزن العميق - فالمفاجأة لا ~~تدفعه إلى الضحك، وإذا كان في المجلس نفسه أحد لا يبلغ منه الحزن ذلك المبلغ من العمق ~~والاستغراق فإنه يضحك من المفاجأة؛ لأنها تستطيع أن تتحول بالمنظر أو المسمع من حس الأعصاب ~~إلى حركة العضلات. # رأي برجسون # والرأي الثاني بين الآراء النموذجية هو رأي هنري برجسون الفيلسوف الفرنسي صاحب مذهب ~~دفعة الحياة. # ورأيه في الضحك أنه في وقت واحد تطور منطقي وحاسة اجتماعية. # فنحن نضحك إذا رأينا إنسانا يتصرف تصرف الآلة ويقيس الأمور قياسا آليا لا محل فيه ~~للتمييز المنطقي، ولكننا نضحك في الجماعة عامة ولا نضحك منفردين؛ لأن الضحك تنبيه ~~اجتماعي أو عقوبة اجتماعية لمن يغفل عن العرف المتبع في المجلس، أو في المحفل، أو في ~~الهيئة الاجتماعية بأسرها. # والضحك عند برجسون إنساني بمعانى الكلمة جميعا؛ فلا يشاهد في غير الإنسان، ولا ~~يستثيرنا الضحك في غير عمل إنساني أو عمل نربطه بالإنسان. # فنحن لا نضحك من منظر طبيعي أو من جماد كائنا ما كان إلا إذا ربطناه بصورة إنسانية ~~وجعلناه شبيها بإنسان نعرفه، أو منسوبا إلى عمل من أعمال الناس، وقد نضحك من قبعة ~~نراها فلا يكون الضحك من القبعة، بل من الإنسان الذي يلبسها ونتصور هيئته فيها. # ومن شروط الأمر المضحك عند الفيلسوف أن يكون عملا إنسانيا بغير معنى، أو يكون ~~المعنى فيه مطردا على طريقة آلية كأنه من أعمال الأدوات المجردة من التفكير. # ومن شروط الأمر المضحك عنده أن يحصل في جماعة أو يرتبط بالتصرف في الجماعة؛ فقلما ~~يضحك الإنسان على انفراد إلا إذا استحضر العلاقة الاجتماعية في ذهنه، وقلما ننظر إلى ~~أحد يضحك على انفراد إلا خامرنا الشك ms041 في عقله ما لم يكن له عذر نعلمه، فلا يزال الضحك ~~على انفراد محتاجا إلى اعتذار وتوضيح. # لهذا يقرر برجسون أن الضحك مرتبط بالتصرف المنطقي وبالحاسة الاجتماعية في وقت واحد؛ ~~فهو وسيلة من وسائل المجتمع لحمل أبنائه على التصرف فيه تصرف الراشدين الذين يفقهون ~~معنى ما يصنعون . # ويفسر الفيلسوف أنواعا كثيرة من الضحك على ضوء هذه الشروط، فيقول مثلا: إن مرونة ~~الحركة تهم الأطفال كثيرا، فهم يضحكون من كل حركة تصطدم بغير وعي ويفقد فيها المرء ~~قدرته على المرونة، ويقول: إن كل خلل في الحركة يضحكنا إذا قارنا بين الخلل الواقع، ~~وبين اللباقة التي يستدعيها تمام الخلقة والتكوين والتصرف المعهود. وكثيرا ما يضحكنا ~~شرود الذهن؛ لأن الإنسان الذاهل ينسى عقله وحاسته الاجتماعية ويتكلم أو يعمل على غير ما ~~تقتضيه الحالة التي هو فيها. # ويومئ الفيلسوف إلى مناظر المحاكاة فيقول: إن المحاكاة تضحكنا لأنها عمل يشبه عمل ~~الآلات، وتضحكنا لأنها تلفت النظر إلى الغفلة أو التناقض في الإنسان المحكي لأنه شبيه ~~بالآلات، وإذا رأينا وجهين يتشابهان تشابها تاما ضحكنا؛ لأننا نتصور أنهما مصنوعان ~~في قالب واحد كما تصنع الوجوه التمثيلية. # ويضحكنا أن يتحكم الجسد في العقل والإرادة تحكما غير مناسب للموقف الحاضر، فنضحك من ~~الخطيب الذي تغلبه الحماسة والعطاس في وقت واحد، ويضحكنا أن نرى أمامنا أحدا يطبق على ~~الأحياء أحكام الآلات، وهذا هو سر ضحكنا من الطبيب الذي يقول للمريض: إن موته باطل. ~~لأنه لم يجر على وفاق الأصول المتبعة. # ويضحكنا الرجل الذي تتكرر في كلامه لازمة محفوظة نتوقعها فنضحك حين نسمعها. # وهذا المثل من أمثلة برجسون جدير بالانتباه إليه؛ لأنه يرجح رأيه على آراء القائلين ~~بشرط المفاجأة في الضحك. # فالرجل الذي يكرر لازمة واحدة يضحكنا حين نسمع ما ننتظره منه، فلا يقال إذن إنه ~~يضحكنا بالمفاجأة، بل يصح فيه رأي برجسون وهو الرأي الذي خلاصته أن المضحك من أعمال ~~الإنسان هو الذي ينساق فيه انسياق الآلات. ~~••• # ونحن نستدرك ما يستدرك من هذه الآراء في أثناء تلخيصه، وقبل الانتقال إلى ms042 التعقيب ~~الأخير عليه؛ لأننا نحب أن ننتهي إلى النتيجة خالصة من الاعتراض والاستدراك خالية من ~~اللبس ودواعي الإطالة في المناقشة والتمحيص. # والمثل الذي يجب الانتباه إليه من أمثلة برجسون يرجح رأيه على رأي القائلين بالمفاجأة ~~لأول وهلة، ولكنه لا يلبث أن يعود بنا إلى القول بالمفاجأة من جانب آخر. # فمشابهة الآلات هي في ذاتها مفاجأة مستغربة من الآدميين العقلاء؛ ولهذا يتفق القولان ~~ولا يتناقضان. ويجوز أن يقال إن المفاجأة ومشابهة الآلة شيء واحد، وإن مشابهة الآلة ~~باب من أبواب المفاجأة لا يستوعبها ولا يمنع الضحك من غيرها. # وأما الضحك من تكرار اللازمة التي ننتظرها فهو لا يدل قطعا على نفي المفاجأة أو على ~~الضحك من الشيء لأنه منتظر ... بل هو نوع من استعادة الضحك السابق كما نبتسم عندما يمر ~~بخاطرنا تمثيل دور مضحك شهدناه من قبل ونود أن نعيده ونتملاه من جديد. # وهذا المثل - بالذات - أصلح الأمثلة لتوضيح الحقيقة في هذا الخلاف. # فاللازمة المتكررة لا بد أن تتكرر حتى تصبح لازمة ملحوظة، وحين نبدأ بالاستماع إليها ~~لا نلاحظ أنها لازمة تعاد في مناسبة وفي غير مناسبة إلا إذا سمعنا صاحبها يتكلم في ~~مسائل شتى ويعيد لازمته على اختلاف هذه المسائل وتناقضها، ومتى ثبت لدينا أنها لازمة ~~وانتظرناها فإنما نحن نستعيد ضحكا سابقا ولا ننشئ الضحك لأول مرة، ويصدق على هذا ~~النوع من الضحك أنه من قبيل استعادة المناظر التي سبق لنا أن ضحكنا منها وأحببنا أن ~~نتملاها ونرجع إليها حينا بعد حين. ~~••• # ونستطرد بعد هذا في سرد الأمثلة المتعددة التي ينطبق عليها رأي برجسون، ومنها غير ما ~~تقدم مثل الشاطر الذي يغلب بالشطارة، أو مثل الفخ الذي يقع فيه واضعه، فإن هذا الشاطر ~~- على شطارته - يتصرف كالآلة حين ينعكس عليه عمله وهو أحق من سواه بالاحتراس ~~منه. # وهذا المثل - كالمثل السابق - يمكن تفسيره برأي برجسون ورأي القائلين بالمفاجأة معا؛ ~~لأننا نتوقع من الشاطر أن يغلب غيره بالحيلة ونشعر بالمفاجأة حين يقع غير المتوقع وهو ~~انخداعه بما يخدع به الناس. # ويعلل ms043 برجسون ضحك الكثيرين من النكتة الجناسية بأنها تحول الذهن من المعنويات إلى ~~الحسيات؛ لأن الكلمتين المتجانستين تتشابهان في اللفظ وتختلطان في المعنى، فيتصور ~~السامع الحركات الجسدية وهو يفكر في المعاني الأخلاقية أو الذهنية، وهذا الضحك يشابه ~~الضحك من الخطيب الذي تأخذه الحماسة لفكرة من الأفكار ثم يغلبه العطاس؛ فإنه في هذا ~~الموقف مغلوب لضرورات جسده الآلية ويتصرف على الرغم منه كما تتصرف الآلات. # وعلى هذا النحو مواجهة الذهن بكلمتين متجانستين إحداهما مادية والأخرى معنوية، وتلحق ~~بالجناس كلمات الكناية والاستعارة والمجاز وسائر الكلمات التي تواجه الذهن بصورتين ~~إحداهما لائقة بالإنسانية والأخرى غير لائقة، كأن يقال عن أحد: إنه من أهل اليسار، أو ~~إنه فنان، أو إنه جبل، أو إنه طويل الباع. # والحاسة الاجتماعية عند برجسون أعم من جميع الأسباب؛ فالضحك إذن ملكة اجتماعية يراد ~~بها تصحيح الخطأ في معاملة الجماعة، وهو يتناول الأخطاء التي لا تبلغ حد الإجرام؛ لأن ~~المجتمع يعالج هذه بالجزاء القانوني أو بالانتقام، ويتناول الأخطاء التي ينبو عنها ~~الذوق كل النبو مع سوء النية؛ لأن المجتمع يداوي هذه بالنفور والاشمئزاز، وإنما يكتفي ~~بالضحك من الأخطاء التي يسهو فيها الإنسان عن التقاليد الاجتماعية على غير قصد وبغير ~~نية سيئة، فهذه الأخطاء يكفي في التحذير منها أن يتعرض صاحبها للضحك وأن يكون هذا ~~الضحك عقوبة على قدر الإساءة العارضة، فيحسب في هذه الحالة كأنه قانون خفيف، حيث لا ~~حاجة لتطبيق القانون الذي يحمي المجتمع من الجرائم والأضرار الجسام. # بل يكاد يكون الضحك عقابا اجتماعيا خفيفا لمن يدينون بالأحكام الحرفية ويطبقون ~~القواعد في دقة وصرامة توحي إلى الذهن أن الذي يطبقها آلة لا تفكر ولا تحس بما تصنعه ~~ولا تفرق بين جزاء وجزاء وتقدير وتقدير. # ففي هذه الحالة يكون الضحك تصحيحا للأحكام المبالغ في «دقتها الحرفية»؛ لأنها صفة ~~آلية لا تليق بالقياس المنطقي والتقدير السليم. # وزبدة الأمثلة جميعا في رأي برجسون تلخص أسباب الضحك في حماية المنطق الإنساني ~~وحماية الحاسة الاجتماعية على الخصوص، فكلما هبط الإنسان من مرتبة التصرف المنطقي الذي ms044 ~~يناسب علاقاته الاجتماعية كان ذلك مثيرا للضحك منه لتنبيهه إلى تقصيره، على شريطة ~~الوقوف بهذه الأخطاء عند حد لا يبلغ الإجرام ولا يدخله سوء النية، بل يخلو من كل قصد ~~يقصده الكائن العاقل المتصرف، فيرتد إلى الحركة الآلية التي تتجرد من المقصد في جميع ~~الحركات. # رأي فرويد # بقي من الآراء النموذجية رأي سيجموند فرويد # Freud # الطبيب النفساني صاحب المذهب المشهور الذي شاع وشاعت مصطلحاته على الألسنة حتى أصبح ~~حديث الوعي الباطن والعقد النفسية ومركب النقص وما إليها من أحاديث الخاصة والعامة، ~~وكاد هذا المذهب أن يستأثر بتفسير خفايا النفس البشرية في مسائل الأخلاق والعادات ~~والبواعث الفردية والاجتماعية. # وقد أفرد الطبيب النفساني رسالة مسهبة للكلام على النكتة ومدلولاتها الاجتماعية ~~والفنية ومواطن الشبه بينها وبين الأحلام والرؤى في الوظيفة التي تؤديها للفرد ~~والجماعة. # وزبدة رأي فرويد أن النكتة ضرب من القصد الشعوري والعملي يلجأ إليه الإنسان في ~~المجتمع ليعفي نفسه من أعباء الواجبات الثقيلة ويتحلل من الحرج الذي يوقعه فيه الجد ~~ولوازم العمل، وأن النكتة تشبه الحلم في أساليبه وهي التورية والتأويل والاختزال والمسخ ~~والتلفيق؛ أي جمع الصورة الواحدة من أجزاء صور متفرقة لا تجتمع في الواقع. # والناس يقولون عن الرجل: «إنه يمزح»، أو يقولون عنه: «إنه يحلم» على السواء حين ~~يريدون إعفاءه من المؤاخذة ولا يريدون الجد معه في المحاسبة والتحقيق، وكأنما يحتال ~~المرء بالفكاهة على بلوغ أمر لا يبلغه بالحجة والدليل، وكذلك يحتال في أحلامه على تحقيق ~~الأماني التي تفوته في اليقظة وتشغل باله على غير جدوى، فهو يستعين بالنكتة أو بالحلم ~~على صعوبة واحدة وهي تيسير الواقع والإعفاء من الكلفة والمشقة. # وقد أورد في رسالته أمثلة كثيرة سنشير إلى بعضها، ونكتفي هنا بنادرة واحدة من النوادر ~~الفكاهية التي تساوي الأحلام في رفع الكلفة والسماح لقائلها أو سامعها بما هو محظور ~~عليه إذا جد في القول وعبر عن غرضه بالكلام الصريح: # رجلان من أصحاب الملايين صنعا صورة لهما عند رسام مشهور، وعرضت الصورتان في ~~معرض عام وبينهما فجوة تتسع لصورة ms045 ثالثة، فقال أحد الناظرين وهو يتأمل الصورتين ~~وينظر إلى الفجوة التي بينهما: هاهنا متسع لصورة السيد المسيح. # وسمع الواقفون كلمته وعلموا أنه يقول عن صاحبي الملايين إنهما لصان؛ لأن ~~القصة المسيحية تقول إن السيد المسيح وضع على الصليب بين لصين، وعلموا أيضا ~~أنه يعني أنهما يستحقان الصلب كما استحقه أولئك اللصان، ولكنهم ضحكوا. وسمع ~~صاحبا الصورة ما قيل فلم يجدا سبيلا إلى مؤاخذته أو رفع أمره إلى القضاء، ~~ولعلهما لو فعلا لاتهمهما الناس بالجلافة وجرا على نفسيهما من السخرية ما ~~كانا في غنى عنه. # ويريد فرويد منا في هذه النادرة وأشباهها أن نتخيل قائل النكتة وهو يحلم ويعزي نفسه ~~عن الحرمان من الثراء، فإنه سيخلق في منامه قصة يتمثل فيها صاحبي الملايين مشهرين بين ~~الناس بالسرقة أو مسوقين إلى ساحة القضاء أو مغلقين وراء جدران السجون، فيعمل الحلم عمل ~~النكتة في ترضية الرجل بأسلوبين مختلفين يصدران عن باعث واحد لغاية واحدة. # ويسرد فرويد أنماطا من النكتة تشترك بين الجناس والمغالطة ورد الحيلة بحيلة من ~~قبيلها والتفاهم على الكذب والأجوبة المسكتة وكشف السر على غير قصد وغيرها من المضحكات ~~مما ينطبق عليه تعليله بسهولة، أو ينطبق في صعوبة وتعسف. # وهذه أنماط منها ننقلها بغير ترتيب، ونبدأ منها بنادرة تشبه النوادر التي تروى عن ~~«قره قوش» وتصلح للدلالة على وحدة المنطق الفكاهي بين الناس على تباعد الأقطار ~~والأجناس. # يروى في بعض قرى المجر أن حدادا اقترف جريمة يعاقب عليها بالموت، فحار قاضي القرية ~~في أمره؛ لأنه الحداد الوحيد في القرية ولا تستغني عنه بغيره إذا نفذ فيه الحكم، ثم ~~اهتدى بعد التفكير إلى حل المشكلة بإعدام الطرزي بدلا منه لأن القرية فيها ~~طرزيان! # ومن الأقوال المضحكة التي استشهد بها فرويد قول الشاعر هايني في امرأة يعيبها في قالب ~~الثناء فيقول إنها تشبه تمثال الزهرة «فينوس»؛ لأنها مثلها عتيقة جدا، ومثلها بغير ~~أسنان، ومثلها في البقع البيضاء على بشرتها الصفراء. # وشبيه بهذا الثناء المعكوس قول القائل عن رجل يهجوه إنه يشبه جميع العظماء، ms046 فهو ~~كالإسكندر ينحرف رأسه إلى جانبه، وكيوليوس قيصر يكمن شيء في شعره على الدوام، وهو يفرط ~~في شرب القهوة إفراط ليبنتز، وينسى الأكل والشراب إذا جلس على المائدة كأنه إسحاق ~~نيوتن، ويحتاج كما يحتاج إسحاق نيوتن إلى من يوقظه، وهو يلبس الشعر المستعار كالدكتور ~~جونسون، ويترك سراويله مفتوحة كمؤلف دون كيشوت. # ومن نوادر فرويد عن اليهود - وهو يهودي - أن يهوديا رأى على لحية زميله بقايا طعام ~~فقال له: «إنني أستطيع أن أذكر لك الصنف الذي أكلته بالأمس»، قال زميله: «حسن، قل ودعنا ~~نسمع»، فقال له صاحبه المتعالم: «إنك أكلت فولا»، فسخر منه آكل الفول وقال: «كلا، إنك ~~غلطان يا هذا، فإنني أكلته أول من أمس!» # وتلاقى يهوديان في القطار فسأل أحدهما الآخر: «إلى أين تذهب؟» فأجابه الآخر: «إلى ~~كراكاو»، فغضب السائل وعاد يقول: «لماذا تكذب علي؟! إنك تعلم أنك إذا قلت لي إنك ذاهب ~~إلى كراكاو فهمت أنا أنك ذاهب إلى لمبرج، ولكني أعلم في هذه المرة أنك ذاهب حقا إلى ~~كراكاو ... فلماذا هذا الكذب؟» # ويذكر فرويد من فن النكتة أسلوبا يعتمد على اللعب بلفظة واحدة تجعل من هدفها أضحوكة ~~سهلة، ومن قبيل هذه النكات قول مزاح مشهور: «إن فلانا له مستقبل عظيم وراءه!» وقوله ~~عن وزير زراعة أخفق في عمله فعاد إلى حقله: «إنه عاد إلى مكانه أمام المحراث!» # ويذكر أسلوبا يعتمد على اللعب بصفة واحدة تختلف مراميها، كما قيل عن فتاة كانت على ~~اتصال بجميع رجال الجيش: «إنها تذكرنا بدريفوس؛ لأن الجيش لا يصدق ببراءتها.» # ويذكر المغالطة في الجواب، ومن قبيلها أن رجلا قصد إلى أحد المحسنين وأفهمه أنه في ~~عسرة شديدة وأنه يحتاج إلى قرض يسير للنجاة من كارثة محققة. وبعد إعطائه القرض بساعة ~~رآه المحسن اتفاقا في مطعم من مطاعم الطبقة العليا وأمامه صحفة من السمك الفاخر فقال ~~له مؤنبا: «أهكذا تنفق المال الذي تستعيره للضرورات لتأكل به الصحاف الفاخرة؟» ~~فأجابه المحتال وكأنه دهش من سؤاله: «عجبا لك يا سيدي! متى تظنني آكلها إن كنت لا ms047 ~~آكلها مفلسا، ولا آكلها وفي يدي ثمنها؟» # وعلى هذا النمط قصة مدرس في إحدى القرى مولع بالشراب لم يزل يدمن السكر حتى اعتزلته ~~جميع الأسر ونفر منه تلاميذه، فنصح له صديق قائلا: «إنك تستطيع أن تجمع عندك تلاميذ ~~القرية جميعا لو تركت الشراب، فلماذا لا تحاول وتجرب؟» فأجابه المدرس السكير: «على ~~رسلك يا هذا، إنما أعطي الدروس لأجد الشراب، فهل تراني أترك الشراب لأعطي ~~الدروس؟» # وقريب من هذا اللعب بالمقابلة قول القائل في تفاهة الحياة: «إنها نصفان نقضي نصفها ~~الأول متطلعين إلى الثاني، ونقضي نصفها الثاني متأسفين على الأول!» # وسمع فولتير قصيدة روسو الشاعر الفرنسي الذي كتبها يوجه فيها الخطاب إلى الأجيال ~~المقبلة، فعقب عليها قائلا: «هذا خطاب لا يصل إلى المرسل إليه.» # وللأجوبة المسكتة نصيب وافر من أساليب الضحك عند فرويد، وهذه أمثلة منها: # كان القيصر أغسطس يسيح في أرجاء ملكه فلمح شخصا يشبهه كل الشبه، فسأله: أكانت أمك ~~تعمل في بيتنا؟ # فأجابه الشبيه الجريء: كلا، بل كان أبي! # وكان بعض الوعاظ الأمريكيين ينادي بحقوق السود في بلد ليس فيه كثير من السود، فقال له ~~رئيسه: لم لا تذهب إلى كنتكي حيث يقيم أصحابك؟ فسأله الواعظ المسئول: ألست يا مولاي ~~تعمل لإنقاذ الأرواح من النار، فلماذا لا تذهب إلى جهنم؟! # ويتخلل الأمثلة كلها نوادر متفرقة تعتمد على الجناس اللفظي الذي لا ينقل من لغة إلى ~~لغة ولا حاجة إلى نقله لكثرة هذه الفكاهات الجناسية في اللغات جميعا ولا سيما العربية، ~~ثم يختم الرسالة بتلخيص لتقسيم المضحكات إلى ثلاثة أقسام: النكتة # Wit ~~، والهزل # Comic ~~، والدعابة # humour ~~. # وكلها مما يفسر عنده بالقصد في القوى النفسية، ولكن النكتة قصد في العاطفة التي ~~يكلفنا كبتها الكثير من مجهود النفس، والهزل قصد في الفكر والمنطق، وأما الدعابة فهي ~~قصد في الإحساس، وإننا نتطلب هذه الأفانين جميعا بعد سن الطفولة التي لا تعرف ~~المفارقات المضحكة ولا تقدر على تفكير النكتة ولا تحتاج إلى الدعابة لتشعر ~~بالسعادة. # وإلى هنا يبدو لنا أن الأمثلة التي استشهد بها ms048 رائد المدرسة النفسية الحديثة لا ينطبق ~~عليها تفسيره في جميع الأحوال، وأن القصد في الشعور أو التفكير قد يتحقق بالنكتة ~~أحيانا ولكنه لا ينشئها ولا هي متوقفة عليه. # ولنرجع إلى نادرته عن اليهودي الذي قابل زميله في القطار وسأله عن وجهته فصرح له ~~بذهابه إلى كراكاو وعتب عليه زميله لهذا الكذب ؛ لأنه كان سيذهب فعلا إلى كراكاو ولم ~~تجر العادة بذكر الوجهة الحقيقية في إجابة أمثال هذا السؤال. # فلا قصد في هذه النادرة ولا ادخار، وليس فيها موضع لزيادة في المقال أو الاتهام، ~~ولكنها تضحك السامع؛ لأنها تفاجئه بغرابة اللوم لهذه المناسبة، فإن السامع يسمع اللوم ~~على الكذب فلا يخطر بباله أن الكذب في عرف المتحدثين هو الجهر بالصدق الصراح، ثم يفاجأ ~~بسبب اللوم فتكون المفاجأة عماد الفكاهة هنا كما كانت عماد الفكاهة في جميع النوادر ~~التي استشهد بها فرويد من المغالطات أو التحريفات أو الأجوبة المسكتة، وليس في الجواب ~~المسكت قصد في الشعور أو القول، ولكنه مثل واضح للمفاجأة على الخصوص حين يكون السائل ~~على ثقة من إحراج المسئول فلا يلبث أن يأتيه الجواب السريع فيرتد الحرج إليه. # ويجوز لنا بعد هذه التعليقات الموجزة أن نفهم أن رأي برجسون ورأي فرويد لا يناقضان ~~تفسير الضحك من الوجهة الجسدية كما أجمله داروين في كتاب «التعبيرات»، وفصله سبنسر في ~~مقاله عن الضحك من الوجهة الفزيولوجية، وأنهما لا يغنيان عن ذلك التفسير في النهاية، ~~سواء كان سبب الضحك فكرة أو مشاهدة حسية؛ لأن نتيجته هي أن يتأثر الجسد به على النحو ~~الذي ذهب إليه سبنسر وداروين من قبل. # مفاجأة تحبس الفكر أو الشعور عن مجراه فيتحول عنه إلى العضلات، ويبدأ الأثر في أسهل ~~هذه العضلات حركة، ثم يسري إلى غيرها من عضلات الجسم كله إذا اشتد الباعث على ~~الضحك. # ولا تناقض بين هذا وبين قول برجسون: إننا نضحك من الإنسان إذا تصرف في حركاته وأقواله ~~تصرف الآلة الصماء. فإن هذا التصرف يفاجئنا بشيء لم ننتظره من إنسان عاقل تجري أعماله ~~على حكم ms049 المنطق الفطري الذي طبع عليه الإنسان المسمى بالحيوان الناطق أو الحيوان ~~المنطقي بعبارة أخرى، فنحن ننتظر عملا منطقيا فنرى أمامنا عملا آليا على غير ~~انتظار أو على خلاف المنتظر، وهذه هي المفاجأة التي ترجع بنا إلى تفسير داروين وسبنسر، ~~وقد ضحك الإنسان من النقائض المفاجئة قبل شيوع الآلات وخلق له جهاز الضحك قبل احتقاره ~~التشبه بالآلة. # وقول برجسون: «إن الضحك تنبيه اجتماعي لمن يذهلون عن آداب البيئة.» لا ينقض هذا ~~السبب؛ لأنه فائدة من فوائد الضحك لا تفسر أسبابه ولكنها تدل على غاية من غاياته، ~~والفرق ظاهر بين الأسباب والغايات. # ويرجع بنا رأي فرويد إلى المفاجأة كما يرجع بنا رأي برجسون إليها، فإن استخدام الضحك ~~أحيانا في «الاقتصاد الشعوري» هو أيضا من قبيل الفوائد التي نستفيدها منه، وليست ~~الفوائد كما تقدم مبطلة للأسباب. # وليس في النوادر التي تمثل بها فرويد نادرة واحدة تخلو من المفاجأة وتغنينا عن تفسير ~~سبنسر أو تفسير داروين، فالجواب المسكت مفاجأة، والحيلة التي ترتد على صاحبها مفاجأة، ~~والتخلص السريع بالمغالطة التي تخالف المنطق المألوف مفاجأة، وتكذيب الجواب الصادق لأن ~~الصدق غير مألوف من صاحبه مفاجأة، وسائر النوادر التي نقلناها أو لم ننقلها ترجع بنا ~~إلى علة المفاجأة من أقرب طريق. # وقد فرق الباحثون في الضحك بين كثير من المضحكات لاختلاف أسمائها كما تختلف كلمات ~~السخرية أو الاستهزاء أو الدعابة أو الفكاهة. # فإذا استرسل الناظر في تتبع هذه الفروق وجد في النهاية أنها تئول إلى فروق بين أنواع ~~الضاحكين وليست فروقا بين أنواع الضحك في أصوله، فالضحك كله مفاجأة تتحول بالفكرة أو ~~الشعور عن مجراه. # ولكن السخرية التي تؤلم الناس أو تكشف عيوبهم ومثالبهم هي ضحك الشرير الخبيث. # والاستهزاء الذي يتعالى صاحبه على الناس هو ضحك المتكبر الذي غلظت نفسه فلا يبادلهم ~~الشعور، أو هو ضحك العابث الذي يستخف بكل شيء ويجد الناس وهو ناظر إلى جدهم بغير ~~اكتراث. # والدعابة التي يشترك فيها الضاحك والمضحوك منه هي ضحك القلب الطيب الذي يسر نفسه ويسر ~~غيره بما يكشفه ms050 من هفواتهم أو يعرضه من نقائضهم، فلا يحسون أنه يفردهم بتلك النقائض أو ~~يأخذ تلك الهفوات مأخذ الشماتة والخيلاء. # والفكاهة التي تمثل لنا المضحكات هي ضحك الفنان أو الناقد الذي يصور لنا دواعي الضحك ~~ويبدع في تصويرها وتمثيلها، فهو مضحك وليس بأضحوكة، أو هو واضع الضحك وليس بموضوع ~~للضاحكين. # وهذه كلها فوراق بين الضاحكين وليست فوارق بين أنواع الضحك في الصميم. # ومن الشائع جدا أن يقترن بالضحك شعور الغبطة بتفوقنا على الآخرين، ولكن لا يندر أن ~~نضحك من أنفسنا إذا فوجئنا بالهزيمة التي لا نتوقعها في موقف نظن فيه أننا نحكم ~~الشباك لغيرنا فإذا هو قد أفلت من تلك الشباك وأوقعنا فيها. # ومن هذه الهزيمة المفاجئة ضحك الساسة والأمراء حين بلغهم إفلات نابليون من جزيرة ألبا ~~وعودته إلى فرنسا، وهم يحسبون أنهم وضعوه في القفص وجلسوا بعده يقررون مصير القارة ~~الأوروبية من بعده. # ولو أنهم فوجئوا بنابليون يحاصرهم في مؤتمرهم ويهددهم لساعته في أرواحهم أو عروشهم ~~لما ضحكوا كما ضحكوا وهم آمنون في تلك الساعة. # إلا أن هذا لا ينفي أن المفاجأة مضحكة، وأن السامع البعيد يضحك منها وإن لم يضحك منها ~~الساسة والأمراء المحاصرون لاشتغال شعورهم بالخطر القريب؛ ولهذا يبقى عنصر المفاجأة ~~قائما في تفسير أسباب الضحك. ويختلف الأمر بحسب الضاحكين في الشعور بالخطر ساعة ~~المفاجأة، فمن كان قريبا شغله الخوف عن الضحك، ومن كان بعيدا لم يشغله عنه خوف عاجل ~~يغطي على شعوره في تلك الساعة. # ويتساوى في هذا الشعور بالضحك والشعور بالجمال والشعور باللذة، فلو كان المعروض على ~~مؤتمر الساسة فتنة من فتن الزهرة ربة الجمال وحاصرهم العدو المهدد لحياتهم؛ لشغلهم ~~الخطر عن الشعور بذلك الجمال الفتان، ولو كانت مائدة طعام جمعت ما لذ وطاب بين ~~أيديهم ثم حوصروا ذلك الحصار لشغلهم الخطر كذلك عن طلب الطعام اللذيذ وعن طلب ~~القوت. # فلا يلزم إذن أن نقول إن الشيء المضحك هو الشيء المشوه الذي لم يبلغ درجة الإيلام؛ ~~لأن بلوغ درجة الإيلام يعطل كل شعور ولا يعطل الشعور ms051 بالمضحكات دون سواها. # وصحيح - بعد هذا - أن نجمل التفسيرات جميعا فنقول إن الضحك ينجم عن مفاجأة تتحول ~~بالفكر وبالشعور عن مجراه، وإن الاختلاف بين السخرية والاستهزاء والدعابة والفكاهة لا ~~يلجئنا إلى البحث عن اختلاف في أنواع الضحك؛ لأنه هو في لبابه اختلاف بين ~~الضاحكين. # الفصل الرابع # | الضحك في الكتب الدينية # في القرآن الكريم # لا يتقابل شعوران من طرفي التعظيم والاستخفاف كما يتقابل الشعور بالمقدس والشعور ~~بالمضحك في النفس البشرية. # ولا يوجد لنا مرجع نعتمد عليه في هذه المقابلة الواقعية أولى بالرجوع إليه من ~~الكتب المقدسة، ولا سيما الكتب التي تسوق العبرة من القصص والأمثال وتروي الأخبار عن ~~الضحك والضاحكين من مختلف الطبائع والأمزجة وفي مختلف المناسبات. # وهذه الأخبار متكررة في القرآن الكريم، وكلها شاهد محكم للعالم النفساني يركن إليه في ~~تفسيره لأطوار النفس البشرية، حيث تبرز حقيقة الضحك مع سياق الكلام عنه في كلام مقدس؛ ~~لبروز الفارق بين الشعورين: شعور القداسة في موضعها، وشعور الضحك بشتى معانيه. # جاءت الإشارة إلى الضحك في القرآن الكريم مرة في قصة إبراهيم، ومرة في قصة سليمان ~~عليهما السلام. # ففي قصة إبراهيم يقول إبراهيم حين زاره الملائكة فلم يعرفهم وخافهم، ثم بشروه ~~بولادة إسحاق من زوجته سارة: # فلما رأى أيديهم لا ~~تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ~~إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة ~~فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا إن هذا لشيء عجيب ~~[هود: 70-72]. # فهنا خوف فاطمئنان فبشرى مفاجئة على غير انتظار، فتعجب لا تملك سارة أن تجهر به ~~فتقول: # إن هذا لشيء عجيب ~~. # كل عوامل الضحك النفسية التي ظهرت للباحثين النفسانيين في تفسيراتهم تعرضها هذه الآية ~~الكريمة على نسقها المتتابع فتأتي بالضحك حيث يأتي الضحك مطردا في مواضعه المختلفة من ~~تحول الشعور طمأنينة بعد خوف، ومعرفة بعد نكران، وبشارة بما ليس في الحسبان من الولادة ~~بعد سن اليأس وخيبة الأمل في الذرية زمنا طويلا تعتلج فيه النفس بأشتات من ms052 دواعي ~~الحزن والعزاء والغيرة والتسليم. # ولا تغني هنا كلمة «سرت، أو كلمة استبشرت، أو فرحت» في مكان كلمة «ضحكت»؛ فإن ~~الضحك هو الأثر الملائم لهذه الحالة التي تشابكت فأصبحت في قرارة النفس حالات ~~متناقضات. ~~••• # وجاء في القرآن الكريم عن قصة سليمان عليه السلام: # حتى إذا ~~أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ~~* فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~[النمل: 18-19]. # فهاهنا عوامل الضحك على سجيتها ماثلة في نقائضها الدقيقة ومصاحباتها التي تقترن بها ~~على حسب هذه المناسبة دون غيرها، وهي مناسبة مخالفة في بعض أجزائها لمناسبة الضحك في ~~قصة إبراهيم. # هنا الفارق الشاسع بين ضآلة النمل وبين ضخامة الملك الذي أوتيه سليمان. # وهنا عجب سليمان من ظن النملة أنه لا يدري بموقعها ولا يشعر بها ولا يفهم عنها ما ~~تقول. # وهنا رضي سليمان بما تفيضه نعمة الملك العريض في نفسه من السعة والغبطة وتلهمه من ~~الشكر والخشوع، وكل ذلك آت من حيث لا ينتظر، من نملة ضئيلة تخشى أن تحطم هي وواديها كله ~~ولا يشعر بهم سليمان العظيم. # وورد الضحك في آيات متفرقة بمعنى السخرية والاستهزاء، فجاء في سورة المطففين: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين * ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * ~~على الأرائك ينظرون ~~[المطففين: 29-35]. # فالضحك هنا مقترن بالتغامز الخفي، كأنما يحسب المستهزئون أنهم يستغفلون المؤمنين ~~الذين يمرون بهم فيسخرون منهم بالتغامز بينهم، ويضحكون إذا التفت إليهم المؤمنون على ~~حين فجأة فلا يملكون إخفاء العبث والسخرية، كما يحدث دائما بين المتغامزين إذا انكشفوا ~~وامتنع عليهم الكتمان والتمادي في الاستهزاء من وراء الأنظار. # والضحك الأخير يأتي حين لم يكن في الحسبان؛ لأن الكفار كانوا يضحكون فإذا بهم قد ~~انقلب عليهم الأمر فهم أضحوكة ms053 للضاحكين، وهؤلاء وادعون على الأرائك ينظرون. # وجاء في سورة الزخرف: # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين * فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها ~~يضحكون ~~[الزخرف: 46-47]. # وضحك المفاجأة هنا واضح من طلب الآيات ثم إخلاف ظن موسى - عليه السلام - لأنهم عبثوا ~~به وهو ينتظر منهم بعد مجيئهم بالآيات أن يؤمنوا ، فإذا هم يفاجئونه بما لم ينتظر من ~~إصرارهم على الكفران. # ولا بد في كل ضحك من الشعور بالمفاجأة في الضحك أو فيمن يتعرض للضحك، فهو شعور ملازم ~~للمضحكات من طرفيها. # وفي سورة النجم عن نوح عليه السلام: # وقوم نوح من قبل ~~ إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة ~~أهوى * فغشاها ما غشى * فبأي ~~آلاء ربك تتمارى * هذا نذير من النذر ~~الأولى * أزفت الآزفة * ليس لها ~~من دون الله كاشفة * أفمن هذا الحديث ~~تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * ~~وأنتم سامدون * فاسجدوا لله واعبدوا ~~[النجم: 52-62]. # ففي هذه الآيات يحسب الرسول أنه يأتيهم بما يبكيهم فلا يحسون داعية للبكاء ويستغربون، ~~فينتقل بهم الاستغراب من أحاديث الرسول عن نذير الآزفة المطبقة إلى الأمان الذي ~~يتصورونه ولا يحسون غيره. وبين هذين النقيضين المتباعدين يتعجب القوم ويضحكون، موقف لا ~~وسط فيه بين البكاء والضحك، فإما أن يحس السامع نذير الآزفة فيبكي، أو يستغربها ~~ويستبعدها فيضحك تعجبا من كلام القائل واطمئنانه إلى الأمان الذي يقال لهم إنهم مهددون ~~فيه. # والضحك من البلاء الذي لا يحسه السامع ويحس نقيضه كالضحك من البلاء الذي يحسه ويحس ~~أنه ناج منه، وقد تكرر ذكر الضحك بهذا المعنى فجاء في سورة التوبة عن المخلفين الذين ~~فرحوا بمقعدهم عن القتال: # فرح المخلفون بمقعدهم ~~خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم ~~أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا ~~قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ~~[التوبة: 81-82]. # وهذا الضحك أيضا مقرون بالسماع عن الخطر مع الشعور بالأمان، فهو - كما تقدم - ~~كالشعور بالخطر حيث يغلب اليقين بامتناعه أو يمتنع بعد ms054 نذير لا يخيف. # وقد ورد في القرآن الكريم ذكر الضحك بمعنى السرور؛ لأنه يلازمه في معظم دواعيه ~~ومظاهره. # وورد ذكر السخرية والاستهزاء، وهما في أكثر الآيات بمعنى الاستخفاف والكبرياء، أو ~~بمعنى التردد بين حالتين: حالة ظاهرة وحالة باطنة تناقضها، ولا يخفى أن نقل الشعور بين ~~هاتين الحالتين سبب من أسباب الضحك على اختلاف الضاحكين: # وإذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله ~~يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~[البقرة: ~~14-15]. # وما من آية ورد فيها ذكر السخرية إلا كان فيما تحتويه شعور قوم فارغين باجتهاد ~~الأنبياء وندائهم في غير طائل على ما يبدو لأولئك الفارغين، ويتكرر هذا الضرب من ~~السخرية في قصة نوح؛ لأنه من جهة ينذر ويحذر ويتوعد بالغضب المحيق، وهم من جهتهم وادعون ~~غافلون يمرون به وهو جاهد في عمل الفلك فيتضاحكون: # ويصنع ~~الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه ~~عذاب مقيم ~~[هود: 38-39]. # وكلا الجانبين - جانب نوح وجانب قومه - فيه أمان مع خوف يتناقضان، وفيه ثقة تناقض ~~الثقة التي تقابلها، فكلاهما عنده سبب للسخرية بين هذين النقيضين. # في التوراة # وقد مر بنا استشهاد الفيلسوف العبري بالتوراة عن ضحك الإله ممن يغترون بقدرتهم ~~ويعتزمون أمورا يجترئون عليها ثم يعجزون عنها. # وهذا الشاهد مأخوذ من المزمور الثاني الذي يقول ناظمه إنه يسمع دعوى المغرورين فيضحك ~~لأنه أخبر منهم بما يريده الرب على عرشه، وهذا نص المزمور: # لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل؟ # قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه، لنقطع قيودهما ~~ولنطرح عنا ربطهما. # الساكن في السماوات يضحك. # الرب يستهزئ بهم، وحينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه. أما أنا فقد ~~مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي. # إنني أخبر من جهة قضاء الرب. # فالضحك هنا يترجم عن حالتين متناقضتين: إحداهما غرور ظاهر بالقوة، والأخرى حقيقة هذا ~~الغرور العاجز ms055 الذي لا قبل له بما يدعيه. # والاختلاف بين هاتين الحالتين هو مثار الضحك مجازا بالنسبة للإله، وحقيقة بالنسبة ~~إلى الإنسان. # وجميع ما ورد في العهد القديم عن الضحك فإنما يفهم الضحك فيه بمعنى الاستهزاء ~~والسخرية إذا كان من المنكرين، وبمعنى الاستغراب والدهشة إذا كان من المؤمنين. # وجميع هذه الشواهد ينحى على المستهزئين؛ لأنهم يستكبرون ولا يصدقون، فهم يستهزئون ~~بالأنبياء لأنهم يرونهم بأعينهم مدعين القدرة ظاهرا وعلى غير شيء في الباطن، والأنبياء ~~يستهزئون بهم؛ لأنهم يرون الحقيقة معكوسة من جانبهم على أولئك المنكرين المستكبرين، ~~فهؤلاء المنكرون المستكبرون هم الذين ينتفخون على هواء، ويرى النبي صورتهم المنتفخة ~~وصورتهم الخاوية فيرى منهم تناقضا يوحي بالاستهزاء، ولا سيما حين يغتر أصحابه ~~فيستهزئون بالعارفين. # ففي سفر أشعيا يقول النبي عن الأمراء والسادة: «اسمعوا كلام الرب يا رجال الهزء، ~~ولاة هذا الشعب الذي في أورشليم.» # وفي «الأمثال» من الإصحاح الأول كلام عن ضحك الشماتة والاستهزاء يقول فيه صاحب السفر: ~~«إني دعوت فأبيتم ومددت يدي وليس من يبالي، بل رفضتم كل مشورتي ولم ترضوا توبيخي، فأنا ~~أيضا أضحك عند بليتكم، أشمت عند مجيء خوفكم.» # وليس أكثر في كتاب «الأمثال» من الإشارة إلى الاستهزاء بمعنى الكبرياء والغرور ~~والجهالة، ومن الإشارة إلى جزاء المستهزئ وأثره السيئ في قومه وحكمة تأديبه لينتفع ~~الحمقى بعبرته ويزدجروا بالنظر إلى مصيره. # قال: المستهزئ يطلب الحكمة ولا يجدها. # وقال: المنتفخ المتكبر اسمه مستهزئ عامل بفيضان الكبرياء. # وقال: اضرب المستهزئ فيتذكى الأحمق. # وقال: بمعاقبة المستهزئ يصير الأحمق حكيما. # وقال: المستهزئون يفتنون المدينة، أما الحكماء فيصرفون الغضب. # وقال: الابن الحكيم يقبل تأديب أبيه، والمستهزئ لا يسمع انتهارا. ~~••• # وكتاب «الأمثال» أكثر الكتب في العهد القديم إشارة إلى الهزء والاستهزاء وهو تكرار ~~يوافق طبيعة السفر كله؛ لأن الأمثال سفر الحكمة والتجربة وهما نقيض الاستهزاء الذي ~~يستخف صاحبه بجميع الأمور ولا يزال كذلك حتى تهديه تجارب الأيام إلى الاعتبار بالحوادث ~~وبعد النظر في عواقب الأمور، فإذا هو ينظر إليها كما قال الشاعر العربي: # أمور يضحك السفهاء منها # ويبكي من ms056 عواقبها اللبيب # وليس في كتب العهد القديم كتاب تكررت فيه الإشارة إلى الاستهزاء كما تكررت في كتاب ~~«الأمثال»، ولكنه جاء في بعض الكتب على ندرة واختلاف يسير في المعنى، وكادت قصة سارة في ~~سفر التكوين أن تنم عن ضحك بمعنى الاستغراب والاستعظام؛ لأنها لا تستهزئ بالبشارة ~~ولكنها تستغربها ولا تطمئن إليها لأول وهلة، ولهذا يروي الإصحاح الثالث عشر عنها أنها ~~ضحكت في باطنها وأنها أنكرت الضحك حين سمعت من ضيوف إبراهيم سؤالا فيه شيء من صبغة الملام: # وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي في الخيمة، فقال: إني أرجع إليك نحو ~~زمان الحياة - أي الربيع - ويكون لسارة امرأتك ابن. وكانت سارة سامعة في باب ~~الخيمة وهو وراءه، وكان إبراهيم وسارة شيخين متقدمين في الأيام، وقد انقطع أن ~~يكون لسارة عادة كالنساء فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي ~~تنعم وسيدي قد شاخ؟ فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة قائلة: أفبالحقيقة ألد ~~وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ~~ويكون لسارة ابن، فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك؛ لأنها خافت، فقال: لا، بل ~~ضحكت. # فالمواضع التي ورد فيها الضحك في كتب العهد القديم إنما كانت تنديدا بخليقة ~~الاستهزاء والسخرية، أو كانت بمعنى الاستهزاء الذي يرد الاستهزاء على أصحابه، ومن هذا ~~القبيل ما ينسب إلى الإله أو إلى عباده الصالحين. # وبهذا المعنى نسب إلى أيوب حيث جاء في سفره: «لا ترفض تأديب القدر؛ لأنه هو يجرح ~~ويعصب، يسحق ويداه تشفيان، في ست شدائد ينجيك وفي سبع لا يمسك بسوء، في الجوع يفديك من ~~الموت وفي الحرب من حد السيف، ومن سوط اللسان، فلا تخاف من الخراب إذا جاء ... تضحك على ~~الخراب والمحل ولا تخشى وحوش الأرض.» # وهنا يعود أيوب فيهزأ بالخراب والمحل بعد أن كان ضحكة لهما أو ضحكة للهازلين الذين ~~حسبوه فريسة لهما وحسبوا ألا نجاة له من مصابه بهما وبغيرهما من ضروب المحنة ~~والبلاء. # لا جرم يقال عن الضحك بمعنى ms057 الاستهزاء، كما جاء في الأمثال: «إنه في الضحك يكتئب ~~القلب وعاقبة الفرح حزن»، أو كما جاء في الجامعة: «إن الحزن خير من الضحك؛ لأنه بكآبة ~~الوجه يصلح القلب.» # ولم يذكر الاستهزاء بخير في كتب العهد القديم إلا أن يكون ردا على المستهزئين ~~وعقابا للسخرية والمجون. # على أن الضحك قد ورد في العهد القديم بمعنى السرور مقابلا للحزن مصحوبا بالغناء ، ~~كما جاء في المزامير بعد رد السبي: «إننا ... حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكا وألسنتنا ~~ترنما.» # ولا يلزم في هذا المعنى تفسير الضحك بالأسباب التي أجملناها فيما تقدم، ولكنه - على ~~هذا - لا يخلو من الشعور بالنقيض بعد النقيض؛ إذ ينتقل المرء من الأسر إلى الطلاقة، ~~فيعبر عن فرحه بالضحك والغناء. # في الإنجيل # أما في العهد الجديد فقد جاء ذكر الضحك في إنجيل لوقا على لسان السيد المسيح حيث يقول ~~وقد رفع عينيه إلى تلاميذه: # ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال طوباكم أيها المساكين؛ لأن لكم ملكوت الله. ~~طوباكم أيها الجياع الآن؛ لأنكم تشبعون. طوباكم أيها الباكون الآن لأنكم ~~ستضحكون. # وهنا يأتي الضحك مقابلا للبكاء ولا يخلو من دواعي الضحك في جميع الأحوال وأهمها تبدل ~~الحالة والمقابلة بين النقيضين. ~~••• # وهذه الشواهد من هذه الكتب الدينية التي يقرؤها المؤمنون بها ويقدسون ما فيها خير ما ~~يستشهد به على طبيعة الضحك في حالات متعددة؛ لأن هذه الدواعي تبرز في مواضعها بروزا ~~واضحا بما يقابلها من شعور القداسة، وتنبئنا عن أناس متباعدين في الأزمنة والأمكنة ~~والطبائع والأخلاق، فنعلم أن الإنسان إنسان في كل زمان ومكان، وأن الضحك خاصة إنسانية ~~تعم بني الإنسان. # الفصل الخامس # | الإنسانية والفكاهة # أيا ما كان القول في تعريف الضحك وتعليله، فمن أصح الأقوال مع جميع التعريفات ~~والتعليلات أن الضحك - كما قال برجسون - ملكة إنسانية من طرفيها، فلا يضحك إلا إنسان، وما ~~من شيء يضحكنا إلا أن يكون «إنسانيا» في صورة من صوره، ولو على سبيل التشبيه. # ولنا أن نقول إن الإنسان حيوان ضاحك، كما نقول إن الإنسان حيوان ناطق. # أفنعني بذلك أن كل إنسان ms058 يضحك بلا استثناء؟ # كلا، إلا كما نعني أن كل إنسان ينطق ويفكر ويتكلم بلا استثناء. # فهناك خرس لا ينطقون، وهناك بله لا يفكرون، وهناك صغار أو همج تتولاهم الغرائز على نحو ~~قريب من سيطرة الغرائز على الأحياء التي لا تساوي البشر في الخلق أو في الذكاء. # ولكننا مع ذلك نقول إن الإنسان حيوان ناطق، ونريد بذلك أنه ناطق «بالقوة » على اصطلاح ~~المناطقة، أو بالاستعداد العام في أبناء نوعه كما نقول في عرف المصطلحين، وكذلك يقال إن ~~الإنسان حيوان ضاحك، ومنه جماعات بدائية لا تفهم الضحك ولا تدري موقعه من أعمال الناس، ولا ~~تميز بين المضحكات وغيرها من الأعمال المخالفة للمألوف؛ لأن مخالفة المألوف بين أبنائها ~~ظاهرة نادرة جدا لانطباعهم على العرف المتوارث الذي لا يخالفونه إلا وقعوا في محظور ~~«المحرمات» ... مع قصورهم عن المقارنة التي تتضح منها النقائض ومواطن الضحك أو ~~الاستغراب. # ولعل هذا العجز عن الضحك في هذا الطور من أطوار الإنسانية معزز لقول القائلين: إن الضحك ~~خاصة إنسانية لا يشترك فيها عامة الأحياء، فلا يضحك الإنسان وهو - بعد - قريب من أطوار ~~الحيوانية في حكم الغريزة وغلبة العادة على التفكير، وإذا رجعنا إلى تفسير برجسون في هذا ~~الصدد فلا محل للمفاجأة هنا من جريان الإنسان على سنة الآلات في اطراد العمل بغير تفكير، ~~فإن القبائل البدائية المغرقة في الهمجية تجري كلها على هذه السنة، ولا يكون فيها مخالفا ~~للمألوف إلا الذي يشذ بالتصرف على خلاف الوتيرة المطردة والنهج المرسوم. # أما بعد هذا الطور من الهمجية البدائية فالشعوب جميعا تعرف الضحك وتعرف واضعه وموضوعه ~~بالتجربة العملية، وإن لم تعرفهما بالتفسير والتقسيم. # ونريد بواضع الضحك من يخلقه بتمثيل المضحكات واختراعها وحكايتها كالفنانين ~~والندماء. # ونريد بموضوع الضحك من يكونون أضحوكة الناس بالغفلة أو النقص أو التصرف المتناقض الذي ~~يحول شعور ناظره من وجهة إلى وجهة على حين غرة على الإجمال. # الأمم الضاحكة # وقد جرت عادة المعاصرين على وصف بعض الأمم بالفكاهة وتجريد بعضها منها، أو وصفها ~~بجهلها وبطء الإحساس بها عند المقابلة ms059 بينها وبين الأمم «الفكاهية». # والثابت الذي لا شك فيه عن جميع الأمم أنها أخرجت نوابغ الفكاهة في جميع أجيالها، ~~وأنها في العصر الحاضر تمثل الفكاهيات وتعرضها على جمهرة من أبنائها، فلا توجد أمة ~~متحضرة لها تاريخ قديم خلت من نوابغ الفكاهة ومن آثار هؤلاء النوابغ في الآداب ~~والفنون. # ولكننا نرى أن إحصاء النوابغ هنا لا يفيدنا كما يفيدنا دليل الأمثال التي يتداولها ~~الناس ويتوارثونها جيلا بعد جيل، فإن آثار النوابغ قد تكون مقتصرة عليهم وعلى فئة من ~~قرائهم أو من القادرين على الاستمتاع بفكاهتهم، ولكن الأمثال الشائعة ترجمان صادق ~~لتفكير الأمة وشعورها وطريقتها في التعبير عن تجاربها، وهذه الطريقة تكاد أن تتفق في ~~جميع الأمم أو تتقارب غاية التقارب في المضامين والمرامي وإن لم تتقارب في اللفظ ~~والتركيب. # وهذه أمثال الأمم بين أيدينا تقترن فيها الحكمة، أو تأتي فيها الحكمة من طريق الفكاهة ~~على أسلوب تمتزج فيه السخرية بالتهكم والعطف والدعابة، وتؤخذ فيه الحكمة مأخذ الجد ~~والمزاح في وقت واحد؛ لأنها تشير إلى عواقب الخطل والحماقة إشارة التعقيب بعد مرور ~~المئات من الأمثلة والقرائن والمناسبات، فهي تتكلم في أمان بعد فوات الضرر وقبل وقوعه ~~على المقصودين بالنصيحة والتذكير. # وعلى سبيل التمثيل بالواقع نستشهد هنا بالأمثال في أمتين من أمم المشرق وأمتين من أمم ~~المغرب، يقال عن إحداهما إنها أمة ذات فكاهة أو أمة فكاهية، ويقال عن الأخرى إنها لا ~~تفطن للفكاهة وإنها اشتهرت بالجهامة وأخذ الأمور كلها بالجد والصراحة التي لا تعرف ~~التورية والتلميح. # ففي المشرق أمة الفرس مشهورة بالنكات القديمة والحديثة من عهد الحضارة الكسروية، وأمة ~~اليابان مشهورة بالكد والدأب والانصباب على العمل والتكليف. # وفي المغرب تقابل هاتين الأمتين الأمة الفرنسية في صفة الفكاهة، والأمة الألمانية في ~~صفة الجد والجهامة. # وهذه طائفة من أمثلة الأمة الفارسية - التي يقال عنها إنها فرنسا الشرق - نتبعها ~~بطائفة من أمثلة الأمة اليابانية بغير اختيار بين صفحات الكتب الجامعة لأمثال هاتين ~~الأمتين. # أمثال فارسية # الصدق والسكر زميلان. # الحب والعطر لا يختبئان. # الخادم الجديد أسبق ms060 من الغزال. # ليس القلب مائدة تبسط لكل ضيف. # الذهب والحجر من معدن واحد في الصندوق. # الخائط عريان والإسكاف حاف. # الجاهل لا نفع فيه، لا هو إنسان ولا هو حمار. # يبيع الجلد قبل صيد الغزال. # من دواعي الرثاء أن تنفق الذهب في الطلاء. # لا لزوم للسمك في بركة بلا ماء. # الكلام يلد الماء والأمطار تلد الثلوج. # ما الفائدة؟ عندما أستطيع لا أعرف وعندما أعرف لا أستطيع! ~~••• # وهذه متفرقات بعددها - اثنا عشر - من أمثال الأمة اليابانية في معارض شتى من حكمة الحياة: # الحب لا يميز بين «الميكاد» والفلاح. # قد ترى السماء من ثقب إبرة. # صدر الإنسان أصون الصناديق لأسراره. # نصف الناس يضحكون من النصف الآخر، والنصفان حمقى. # إذا تقدمت الحماقة رجعت الحكمة. # أعتى العواصف لا تثير الموج في أعمق الآبار. # ما من شجرة تحمل الأرز مطبوخا. # لا السكير يدري بعار الخمر ولا المفيق يدري بسلطانها. # لا يرجع الضحك بما أذهبه الغضب. # المبالغة في التحية ازدراء. # أجمل الغلال نبت في حقول الآخرين. # اقرص نفسك تعلم لماذا يصيح المقروص. # والأمة الفرنسية أشهر أمم الغرب بالفكاهة فيما تداولته الألسنة من شهرة الأمم. وهذه ~~متفرقات من أمثالها: # لا تذهب الفضيلة بعيدا إلا أن يكون الغرور في ركابها. # حب الذات أبرع المتملقين. # المذنب المحبوب سرعان ما تنكشف براءته. # خيال بلا علم أجنحة بلا أقدام. # الحمقى القدماء أحمق من إخوانهم المحدثين. # البساطة المفتعلة تكلف مطلي. # لا يقول عن الحظ إنه أعمى إلا الذي لا يراه. # تزيدنا السن حمقا كلما زادتنا حكمة. # أصدقاؤنا الأعزاء يقولون كما نقول. # الحب مملكة المرأة. # للقلب منطق لا يعرفه المنطق. # الذي يحسن الحساب لا يثق في حساب. ~~••• # وتلي هذه الأمثال الفرنسية طائفة في مثل عددها من الأمثال الألمانية، وهذه هي: # سفينة وتدها من الذهب ترسو في كل ميناء. # إن لم تكن مطرقة فكن سندانا. # الكيس الفارغ لا يقف مستقيما. # بطن فارغ أشجع من رأس ملآن. # الضرير أقل عثرات من البصير. # من بدأ بالألف انتهى إلى الياء. # التخمة أقتل من الجوع. # طريق الشحاذ لا ضلال ms061 فيه. # آدم وحواء أكلا التفاحة، ونحن نطالب بقائمة الحساب. # امرأتان طيبتان في الدنيا: إحداهما ماتت والأخرى مفقودة! # المرأة التي لا يصحبها أحد يصحبها الجميع. # يضحك من الندوب من لم يعرف الجراح. ~~••• # وهذه اثنا عشر مثلا من كل أمة مشهورة بالفكاهة أو مشهورة بالجهامة، غير أننا لو ~~جعلناها عشرة أضعافها لما تغيرت نسبة الموازنة بينها، ولا خرجنا منها بتفضيل حاسم لأمة ~~على أمة حين نقتبس فكاهة الأمم من تجاربها وأمثالها، فكلها سواء في مزج الجانب المضحك ~~بالجانب الحكيم من تجارب الحياة المتكررة. ولا شك أن هذه التجارب وهذه التعبيرات عنها ~~أدل على ملكة الفكاهة الشائعة بين بني الإنسان من الأقوال المتفرقة على ألسنة ~~الآحاد. ~~••• # وهناك مقياس آخر للفكاهة الشائعة بين بني الإنسان نرجع فيه إلى مواسم الفكاهة التي ~~تعرض لجميع الأمم في حالات متماثلة، وهي حالات التنفيس عن الحرج أو حالات التمرد ~~والاحتجاج على البدع الشائعة، ولا سيما البدع التي حان لها أن تزول أو تبدلت دواعيها ~~بتبدل الأحوال. # وشعوب الصقالبة في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى من الشعوب التي اشتهرت بجهل النكتة ~~وخشونة الفطرة وقلة الفطنة لكل معنى في القول غير معناه الصريح الذي يفهم على وجه واحد ~~ولا يفهم على وجهين كما يغلب على جميع المضحكات. # إلا أن هذه الشعوب قد رويت عنها نوادر في موسم الحرج لا تفضلها من نوعها نوادر ~~الشعوب الغربية في أمثال هذه المواسم. # وهذه متفرقات من تلك النوادر مأخوذة من الصحف أو من مجاميع الفكاهة العالمية التي ~~تصدر من حين إلى حين وتتمثل فيها أمزجة الأمم التي تروى تلك النوادر عنها على غير قصد ~~من جامعيها: # أرادت إذاعة روسية أن تطلع الفلاحين على أجهزة الإذاعة، وأن يشترك كل منهم في إرسال ~~الحديث إلى العالم بكلمة واحدة لا يزيد عليها، فلما تقدم الفلاح الأول وسئل أن ينادي ~~بالكلمة الوحيدة صاح بملء فيه: النجدة! # وطاف مفتش من مفتشي الدعاية بين الفلاحين المتذمرين فقال في بعض القرى للشاكين من قلة ~~الطعام والكساء: «ماذا تقولون؟ أتشكون من أبدع المذاهب ms062 الاجتماعية من أجل لقمة وخرقة، ~~فماذا عساكم قائلين لو رأيتم الأفريقيين العراة الذين لا يعرفون الخبز ولا الطعام ~~المطبوخ في مجاهل القارة السوداء؟!» # فحك أحد السامعين رأسه وقال: «أظن يا حضرة الرفيق أن هؤلاء سبقونا إلى أبدع المذاهب ~~الاجتماعية!» # وساح تاجر مجري في روسيا والأقاليم المجاورة لها، فجعل يرسل التذاكر البريدية إلى ~~أصحابه كلما نزل بعاصمة من العواصم، فكتب في التذكرة الأولى: تحيات من موسكو الحرة، ~~وكتب في التذكرة الثانية: تحيات من وارسو الحرة، وكتب في التذكرة الثالثة: تحيات من ~~براغ الحرة، ثم صمت شهرا وجاءت إلى أصدقائه من باريس تذكرة يقول فيها هذه المرة: تحيات ~~من الحر رابينوفتش! # واقترب غريب في بودابست من جندي الشرطة ليسأله عن الساعة، فنظر الشرطي إلى النوافذ ~~وقال له: «إنها الثامنة وثلاثون دقيقة بالضبط.» # فعجب الزائر الغريب وفاتحه بعجبه قائلا: «كيف عرفتها وأنت لم تنظر في ساعتك؟» # قال الشرطي: «هذه النوافذ المغلقة في هذه اللحظة دليل على ميعاد الإذاعة ~~الأجنبية!» # واجتمع ثلاثة مساجين في أحد المعسكرات فقال أولهم همسا: أنا هنا لأنني متهم ~~بمشايعة راداك، وقال الثاني: أنا هنا لأنني متهم بتأييد راداك، وقال الثالث: أنا هنا ~~لأنني راداك. # 1 # وقد نقلت عن الألمان في أيام هتلر حكايات يتداولها الشعب الألماني من قبيل التمرد ~~والاحتجاج على شدة الحجر أو على البدع الاجتماعية، ونختار حكاية من كل منها تنبئ عن ~~سائرها. # فمن حكايات التمرد على الحجر وسوء الحال أن ~~رجلا ضاقت به الدنيا، فعول على الانتحار، واشترى حبلا ليشنق نفسه فانقطع الحبل ونجا ~~الرجل من الموت؛ لأن الحبل «ارساتز» أي تقليد صناعي ... فاشترى سما من صيدلية وضاعف ~~المقدار فلم يمت؛ لأن السم «ارساتز» أي تقليد صناعي للمواد التي تصنع منها السموم ... ~~واشترى مسدسا وأطلقه على نفسه فلم يمت؛ لأن المسدس والرصاص كله «ارساتز» لا يميت ... ~~فلما يئس من الموت عدل عن الانتحار، وأجمع عزيمته على البقاء واحتمال الحياة على ~~علاتها، وذهب إلى مطعم أكل فيه وشرب وأفرط في أكل اللحوم وشرب الجعة تعويضا لما فاته ms063 ~~من متعة الحياة في اليومين السابقين فمات في هذه المرة؛ لأن الطعام والشراب ~~«ارساتز!» # وشاع بين الفتيات زي الملابس القصيرة التي تكشف عن الصدور والسواعد والسيقان، وعاد ~~أحد الأزواج إلى بيته في بعض تلك الأيام فاستقبلته زوجته متهللة وقالت له: أتدري يا ~~فلان؟! إنهم يبيعون الفساتين بالتقسيط على عشرة أقساط، وقد انتهزت الفرصة واشتريت ~~فستانا يوفر عليك سداد ثمنه الكبير دفعة واحدة. # فنظر الزوج إلى امرأته التي كادت أن تبدو أمامه بغير كساء، وقال وهو يظهر الموافقة ~~على مضض: أظن أن هذا هو القسط الأول من الفستان! # النوادر القراقوشية # إن الاستعداد لتأليف الفكاهة التي تنفس بها الأمم عن صدورها في أوقات الحرج يكاد ~~يتساوى بين جميع الأمم ومنها - أو في مقدمتها - الأمم التي لم تشتهر بالنكتة واشتهرت ~~على نقيض ذلك بأنها تجهلها ولا تحسنها. # ونقول إن هذه الأمم في مقدمة الأمم التي تؤلف النكات في هذا الغرض؛ لأنها في الغالب ~~هي الأمم التي تبتلى بالحرج وتعز عليها حرية القول، فلا يوجد في العصر الحاضر نظير لهذه ~~النوادر في الأمم التي تملك حرية النقد وتجهر بآرائها في حكومتها وحكامها، ولا محل ~~للمقارنة بين الشعوب الأوروبية في هذا الباب من أبواب الفكاهة؛ لأنها لا تتساوى في ~~ظروفه ودواعيه، وإنما تستطاع المقارنة بين النكات المتقدمة والنكات التي شاعت في مصر ~~على عهد «قراقوش»، ودونها «ابن مماتي» في كتابه المسمى «الفاشوش في حكم قراقوش» ~~وليست كلها من تأليفه وابتكاره، بل هي مما يشيع مجهول المصدر ثم يقاس عليه ويظل في طي ~~الكتمان إلى حين. # وإحدى هذه النوادر أو النكات قد سبق لها نظير في النوادر التي استشهد بها فرويد وهي ~~نادرة الحداد المحكوم عليه بالموت. # قيل إن غلاما لقراقوش قتل نفسا فحكم عليه بالشنق، ثم تشفع لديه الشفعاء وقالوا له: ~~إنه حدادك ينعل لك الفرس ويخدمك، فإن شنقته لم تجد غيره، فنظر قراقوش ناحية الباب ووقعت ~~عينه على رجل قفاص فقال: هذا القفاص لا حاجة بنا إليه، فاشنقوه في مكان الراكبدار. وهي ~~وظيفة الغلام ms064 الحداد عنده! # وعلى هذا المثال تجري النوادر «القراقوشية» التي أثبتها «ابن مماتي» في كتابه أو ~~تناقلها الرواة على لسان غيره. # ومنها نادرة الرجل الذي أوثقه الناس وحموله حيا ليدفنوه وهو يصيح في النعش مستغيثا ~~بقراقوش، فلما سمعه قراقوش ترك المشيعين يمضون به وقال له: ويحك! لا أصدقك وأكذب مائة ~~من ورائك! # وقيل إن قراقوش نشر قميصه فوقع القميص من الحبل ، فتصدق بألف درهم وقال: لو كنت ألبسه ~~ساعة وقوعه لانكسرت. # وقيل إن جنديا نزل في مركب، وكان به فلاح وزوجته وهي حامل في سبعة أشهر، فصدمها ~~الجندي وأسقط حملها، فأخذ زوجها بتلابيبه وقاده إلى قراقوش، فقضى على الجندي أن يأخذ ~~الزوجة ويطعمها ويكسوها ولا يعيدها إلى زوجها إلا وهي حامل في سبعة أشهر! # وشكا إليه مدين أنه يجمع دينه ويذهب به إلى صاحب الدين فلا يجده، ثم يأتي هذا فيطالبه ~~ويلح عليه وهو خالي الوفاض لا يملك السداد، فأمر قراقوش بحبس صاحب الدين حتى يعرف ~~المدين موضعه متى جمع المال المطلوب منه، ولا يضيع الدين على صاحبه بين البحث ~~والتأجيل! # وكان لقراقوش باز يصيد به، فطار الباز ولم يعد إليه، فأمر بإغلاق أبواب المدينة ليرجع ~~الباز إليه إذا أغلقت جميع الأبواب! # وشكا إليه الفلاحون بردا أصاب القطن وأتلفه والتمسوا منه أن يعفيهم من الضريبة ذلك ~~العام، فأبى أن يعفيهم لأن القطن إنما أصيب بالبرد لإهمالهم وقلة درايتهم، ولو زرعوا ~~معه صوفا لما أصابه التلف من برد الشتاء! ~~••• # ومن باب هذه الحكايات عن قراقوش حكايات كثيرة يتناقلها المصريون عن الحكم التركي في ~~عصر المماليك وبعد عصرهم إلى أيام الخديو إسماعيل. # ومنها أن حاكما تعود أن يقترض مالا من بعض الصيارفة ويكتب له وثيقة به ثم يأمره ~~بابتلاعها إذا جاءه في الموعد مطالبا بحقه، ولا يزال يقترض ويأبى السداد على هذا النحو ~~ويضيف الدين الجديد إلى الديون القديمة حتى يئس الصيرفي من سداد جميع الديون، فلما ~~استدعى الصيرفي بعد ذلك جاءه ومعه ورقة شفافة ورجاه أن يكتب الوثيقة عليها؛ ليسهل عليه ~~ابتلاعها ms065 في موعد السداد. # ومنها أن واليا كان يجمع الضرائب ولا يقبل عذرا في تأخيرها، ولا يزال يقول لمن ~~يعتذر بقلة المال: ماذا؟ أليس لديك أربعون ريالا ...؟ # وعلم القوم من تكرار هذه «الأربعين» أن الرجل يملك أربعين ريالا فلا يصدق أن أحدا ~~لا يملكها مثله، ونقبوا عن دفائنه حتى عثروا بالثروة المجهولة، أو المعلومة، فلم يضرب ~~الوالي بعدها أحدا يماطل في الضريبة، وجعل يقول لكل معتذر: من أين لك أربعون ريالا يا ~~مسكين؟ ... أنا لا أملك ريالا واحدا من الأربعين! # ومنها أن واليا كان يصلي في أخريات أيامه، ويتبع الصلاة بالدعاء والنحيب، ويسأل الله ~~أن يكفر له ذنوبه لأنه قتل أربعة. # وسمعه زميل له فأدهشه أن يستعظم هذا الذنب اليسير وينحب هذا النحيب من أجل أربعة ~~قتلهم وهم في حسابه عدد غير كبير، فقال له كأنه يؤنبه: ألم تقتل في حياتك غير أربعة يا ~~أغا؟ # قال: «لا يا صاحبي ... أربعة من الترك، أما الفلاحون فلا عداد لهم فيما أذكر!» وأشباه ~~هذه النوادر لو أحصيت لاجتمع منها مجلدات تربو على العشرات من أمثال كتاب الفاشوش عن ~~حكم قراقوش، وهي جميعا من تأليف أمة مشهورة من قديم الزمن «بالقفش» والنكتة السريعة، ~~فإذا قوبلت هذه النوادر بنوادر الأمم التي لم تشتهر بالفكاهة في أوروبا الحديثة؛ ظهر من ~~المقابلة أن الاستعداد متقارب أو متساو بين جميع الأمم، وإنما تزيد النكتة المصرية ~~بطابع خاص بها، وهو الجمع بين التنفيس عن الحرج وبين وصف الحاكمين بالغفلة والبلاهة، ~~وسبب هذا الفارق أيضا راجع إلى الظروف الاجتماعية، لا إلى طبيعة الضحك في النفس ~~الإنسانية، فإن الحاكم الذي تصيبه النكتة المصرية من غير أهل البلد فلا ضير من اتهامه ~~بالغفلة والبلاهة واعتزاز المحكومين على الحاكمين بالفطنة والدراية، ولكن هذا الاعتزاز ~~في أوروبا الحديثة يصيب المحكومين كما يصيب الحاكمين لأنهم من عنصر واحد، فلا حاجة في ~~النكتة هنا إلى أكثر من التنفيس عن الحرج وتمثيل الحجر على الألسنة والأقلام. # فكاهات عهود التحول # وأتم من هذه المواسم الفكاهية التي تنفس بها الأمم ms066 عن صدورها فكاهة أخرى أعم وأبقى ~~أثرا لأنها تشمل العهود المتحولة في حضارة واسعة تحيط بأمم كثيرة، وتأتي هذه الفكاهة ~~في أوانها حين تؤذن العهود بالتحول لتزعزع أركانها وزوال مقوماتها، فينبري لها نابغ ~~ملهم في فن النقد الفكاهي يجسمها في «شخصية» مخترعة يجعلها هدفا للسخرية والتسخيف، أو ~~يعمد إلى شخصية خيالية قائمة يلبسها ذلك الثوب ويودعها بقايا النفاق والتكلف والتقاليد ~~الخاوية التي تتخلف بعد أجيال عدة في أعقاب العهود الدائلة التي آذنت شمسها ~~بالأفول. # من هذه العهود المتحولة عهد الفتك وإشباع البطون والشهوات في القرن الخامس عشر ~~للميلاد، وقد تصدى له الأديب الفرنسي رابليه # Rabelais ~~(1494-1553)، فمثل ملوكه وأبطاله في شخصيتين خالدتين إحداهما شخصية جارجنتوا # Gargantua # الذي يلتهم الآدميين والأنعام نهما ولا ~~يشبع ولا يكف عن الطعام، والأخرى شخصية بكروشول Picrochole # الذي ضربت نفسه بالعدوان وهانت عليه النفس البشرية، يزهقها ~~لقليل من المال، أو لنزوة من نزوات الساعة، أو لغير شيء غير العتو والطغيان. # وليس أدل من اصطحاب هذه المساوئ في العهود الدائلة من آيات القرآن الكريم في سورة ~~الفجر حيث تنعى دول التبابعة والفراعنة والجبابرة جميعا في أمثال هذه العهود: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ~~ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد ~~* وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا ~~في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد ~~[الفجر: 6-14] إلى قوله تعالى: # بل ~~لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام ~~المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما ~~[الفجر: 17-20]. # وهذه المفاسد التي جمعتها هذه الآيات هي بعينها مفاسد العهد الذي يمثله جارجنتوا في ~~النهم ويمثله بكروشول في الفتك والعدوان، وكلاهما بعد ذلك باغ نهم على زيادة البغي في ~~أحدهما وزيادة النهم في الآخر. ~~••• # ومن العهود المتحولة عهد الفروسية في القرن السادس عشر بين نبلاء الإسبان على الخصوص، ~~فإن هذا العهد قد شاخ وشاه حتى بطلت فيه النخوة والحماسة، فأصبحت أكذوبة خاوية يتعلق ~~المخدوعون بظواهرها أو الجامدون ms067 على بقاياها. وقد تصدى لهذا العهد كاتب إسباني من طراز ~~رابليه هو سرفانتز # Cervants # صاحب كتاب دون كيشوت الذي ~~تضمن من أمثال العرب وكلماتهم المأثورة ما يكاد يسلكه في عداد الكتب العربية، ولم يكن ~~ذلك عبثا أو لغوا، بل كان من تمام التعبير عن العهد الآفل؛ لأنه وافق شيوع التقاليد ~~العربية بين الإسبان وأمم القارة الغربية. # ويعاصر هذه العهود أو يسبقها بقليل عهد الألاعيب «الشريرة» الذي فشا بين الولايات ~~الألمانية على أيام النبلاء الذين قيل فيهم إنهم نصف أمراء ونصف قطاع طريق. وتمثلت ~~ألاعيب هذا العهد في شخصية القروي أولنسبيجل # Eulenspiegel # الذي كان كالمسخ المشوه في تصوره لأولئك العابثين ~~المحتالين الأشرار، ويقال إنه عاش في برونزويك وإن توماس مورنر # Murner ~~(1475-1530) الذي جمع نوادره بعد ذيوعها نحو قرن من الزمان، ~~ولم تثبت نسبة الكتاب إليه، ولكن ثبت ذيوع النوادر قبل ذلك بغير خلاف. # ثم جاء الكاتب البلجيكي شارل دي ~~كوستيه # Charles de Coster ~~(1827-1879)، فاستعار هذه الشخصية وأودعها روحا فلمنكية مرحة ~~كادت أن تجعلها نموذجا للطبيعة الفلمنكية في سذاجتها التي آذنت بالتحول عند نهاية ~~القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. # وخاتمة المطاف في هذه المواسم الفكاهية كتاب «أعاجيب البارون منشهاوزن» الذي ألفه ~~الكاتب الألماني رودلف أريك راسب # Raspe ~~، وأدار حوادثه ~~أو نوادره على شخصية واقعية عاش صاحبها في القرن السابع عشر وعاد بعد خدمته في الجيش ~~الروسي يصدع الأسماع بأخبار البطولة التي يرويها عن نفسه، وخوارق الشجاعة والدهاء التي ~~امتاز بها في وقائع الحرب والسفارة بين الملوك والأمراء، ومنهم أمراء المشرق في ~~الآستانة والقاهرة. # تلك الشخصية الواقعية هي شخصية كارل فردريك منشهاوزن (1720-1797) نموذج المفاخر ~~المدعاة بين عصر السيف وعصر البندقية والمدفع، وإحدى أعاجيبه أنه نسي النار التي يشعل ~~بها البارود، فأوقد زناد البندقية بضربة على عينه أطارت منها الشرر فانطلق الرصاص ... ~~وإحدى هذه الأعاجيب أنه أراد الخروج من القلعة المحصورة فركب القذيفة التي أطلقت عليها ~~فعادت به أدراجها إلى حيث أراد. وكانت أعاجيب منشهاوزن هذا خاتمة العهد الذي راجت ms068 فيه ~~أباطيل البطولة بعد عصر الفروسية وقبل عصر السلاح الحديث، وراجت فيه على الجملة أخبار ~~السياحات والرحلات مما يصدقه العقل أو لا يقبل التصديق. # وهذه فكاهات ظهرت لمناسبات متشابهة بين فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وتقبلتها ~~الأمم من المغربيين والمشرقيين حيث تداولتها أيدي القراء بمختلف اللغات، ومن هذه الأمم ~~من اشتهرت بالفكاهة، ومنها من اشتهرت بجهلها وبطء الالتفات إليها، ولا يسع الناقد عند ~~المفاضلة أن يرجح النكتة في إحداها على النكتة في سواها، فربما كان بعض النكات في ~~أعاجيب منشهاوزن أبرع من نكات دون كيشوت، وربما كانت النكتة الإسبانية أحيانا أبرع من ~~النكتة الألمانية، وعامتها من نسق واحد وطبقة واحدة تؤدي رسالتها في مناسباتها وتسجل ~~الحقيقة التي أسفرت عنها المقابلة بين الفكاهات القومية، ودلت على أن الضحك - كالمنطق - ~~مزية إنسانية توجد بالقوة كما توجد بالفعل حيث يوجد الإنسان، وأن اختلافها إنما هو ~~اختلاف بين الظروف والبيئات قبل أن يكون اختلافا بين الطبائع والأصول. ~~••• # على أن طبائع الإنسان العامة لا تمحو الفوارق بين المجتمعات في مواقعها المتباينة، ~~ولا تمحو الفوارق بين المجتمع الواحد في الأزمنة المختلفة والأحوال المتناقضة، وليس من ~~الطبيعي أن تكون الأمة الوادعة كالأمة الكادحة، أو الأمة الغنية كالأمة الفقيرة، أو ~~الأمة التي طال عهدها بالحضارة ومؤنساتها كالأمة التي تحضرت بعد وحشة أو مرت بها ~~الحضارة ناشئة متقطعة، ولا تتشابه في الجد ولا الفكاهة أمة تمرست بالمظالم والشدائد ~~وأمة لم تتمرس بها إلا عرضا في الآونة بعد الأخرى. # فمهما تتفق طبائع الإنسان فستبقى بعد ذلك بقية للصبغة القومية في الجد والفكاهة، وفي ~~العلم والعمل، وفي التفكير والذوق، وفي الضرورات والكماليات. # فوارق الأمم في الفكاهة # ونحن في هذه الرسالة نجمل القول في أصول الفكاهة لنستطرد منها إلى فكاهة جحا أو ~~الفكاهة المنسوبة إليه في الأمم التي عرفته وتمثلت بحكاياته، وهي الأمة العربية والأمة ~~الفارسية والأمة التركية. وكادت هذه الأمة - أي الأمة التركية - أن تستأثر به من معظم ~~نوادره حتى قيل إن جحا المشهور اليوم إنما هو جحا جديد من مخلوقات البديهة ms069 التركية ~~تنقطع الصلة بينه وبين جحا القديم الذي عرفه العرب في أمثالهم ورجع به التاريخ إلى صدر ~~الإسلام، فلا يجمع بينهما غير التسمية باسم واحد. # وأيا كان منشؤه من الأمة التركية فهناك «جحا» تنسب إليه الحكايات في اللغة ~~العربية واللغة الفارسية، فإذا عنينا بفوارق الأمم في الفكاهة والمضحكات فليس من غرضنا ~~في هذه الرسالة أن نستقصي الفوارق في جميع الأمم، ولا حاجة بنا إلى أكثر من تمييز ~~الفوارق في خصائص الفكاهة بين السليقة العربية والسليقة الفارسية والسليقة التركية، ~~فربما أعانت هذه الفوارق على إسناد الحكايات إلى كل أمة من هذه الأمم حسب سليقتها ~~الغالبة عليها، ولا يكون هذا الإسناد بعد كل محاولة في ميسورنا الآن إلا على سبيل ~~الترحيب والتقريب دون الجزم والتوكيد. ونحن في هذا كمن يقول إن فلانا عربي لأنه أسمر، ~~فيقول شيئا يستحق أن يقال لأنه لا يستحق أن يهمل، ثم لا يجاوز هذا الحد إلى توكيد ~~النسبة مع احتمال وجود البشرة السمراء أو المسمرة بين الشعوب الشقراء، واحتمال وجود ~~البشرة البيضاء بين العرب وغيرهم من الشعوب السمراء. # وعلى هذا النهج من التغليب والترجيح نستطيع أن نميز سليقة الأمة في عامة شئونها، ثم ~~غير السليقة التي تنتظر منها في معارض الفكاهة؛ لأن الصورة الفكاهية نسخة من الصورة ~~المحسوسة مبالغ فيها على مثال المبالغة في هذا الضرب من التصوير المشهور في اللغات ~~الأوروبية باسم الكاريكاتور ... وقد وجد هذا الكاريكاتور بالتعبير اللغوي في جميع الأمم ~~قبل أن يوجد بالخطوط والرسوم. # فمن الوصف الصادق لسليقة الأمة العربية أن نقول إنها أمة شعرية منطقية، ومن الوصف ~~الصادق لسليقة الأمة الفارسية أن نقول إنها أمة صوفية دبلوماسية، ومن الوصف الصادق ~~لسليقة الأمة التركية أن نقول إنها أمة عملية واقعية ... # وإلى أين تنتهي المبالغة «الكاريكاتورية» بالخيال والمنطق؟ # تنتهي إلى الوهم والقياس مع الفارق أو مع الفوارق الكثيرة. # أما المبالغة الكاريكاتورية في السليقة الصوفية فقد تنتهي إلى المحال والمحاولة، وأما ~~هذه المبالغة في السليقة العملية الواقعية فقد تنتهي إلى تحصيل الحاصل والحذلقة بما هو ms070 ~~مفهوم مستغن عن التعريف. # وقد أعطانا الشاعر التركي المستعرب - ابن سودون اليشبغاوي من أدباء القرن التاسع بمصر ~~والشام - مثلا للسليقة التركية لا نظير له فيما نعلم من نظم شعراء العرب والترك ولا ~~شعراء الأمم الغربية؛ لأن أولئك الشعراء يعطوننا المثل فنأخذه من طريق التحليل ~~والاستنتاج، ولكن ابن سودون يعطينا المثل على غير قصد منه بمنظوماته التي تعدو تحصيل ~~الحاصل، ويرسم لنا «الكاريكاتور» بيده ولا يدع لنا أن نرسمه ونستوحي ملامحه من خلال ~~الألفاظ ومعانيها. # ونكتفي هنا بقصيدتين من شعره الذي أراد به الإضحاك بمحاكاة أدعياء المعرفة الذين لا ~~يزيدون في حكمتهم على تعريف المعروف. # وإحدى القصيدتين على قافية الألف المقصورة وهي: # إذا ما الفتى في الناس بالعقل قد سما # تيقن أن الأرض من فوقها السما # وأن السما من تحتها الأرض لم تزل # وبينهما أشياء إن ظهرت ترى # وإني سأبدي بعض ما قد علمته # لتعلم أني من ذوي العلم والحجى # فمن ذاك أن الناس من نسل آدم # ومنهم أبو سودون أيضا، وإن قضى # وأن أبي زوج لأمي، وأنني # أنا ابن لها والناس هم يعرفون ذا # وكم عجب عندي بمصر وغيرها # فمصر بها نيل على الطين قد جرى # وفي نيلها من نام بالليل بله # وليست تبل الشمس من نام بالضحى # بها الفجر قبل الشمس يظهر دائما # بها الظهر قبل العصر، قبل بلا مرا # وبالشام أقوام إذا ما رأيتهم # ترى ظهر كل منهم وهو من ورا # بها البدر حال الغيم يخفى ضياؤه # بها الشمس حال الصحو يبدو لها ضيا # ويسخن فيها الماء في الصيف دائما # ويبرد فيها الماء في زمن الشتا # وفي الصين صيني إذا ما طرقته # يطن كصيني طرقت سوا سوا # بها يضحك الإنسان أوقات فرحه # ويبكي زمان الحزن فيها إذا ابتلى # وفيها رجال هم خلاف نسائهم # لأنهم تبدو بأوجههم لحى # والقصيدة الأخرى البائية التي يقول فيها: # عجب عجب عجب عجب # بقر تمشي ولها ذنب # ولها في بزبزها لبن # يبدو للناس إذا حلبوا # لا تغضب يوما إن شتمت # والناس إذا شتموا غضبوا ms071 # من أعجب ما في مصر يرى # الكرم يرى فيه رطب # أوسيم بها البرسيم كذا # في الجيزة قد زرع القصب # زهر الكتان مع البلسا # ن هما لونان ولا كذب # كيهود في دير خلطوا # بنصارى حركهم طرب # وقناطر أم الخمس بها # ماء في الحفرة ينسرب # والمركب مع ما قد وسقت # في البحر بطرف تنسحب # والخيمة قال الناس إذا # نصبت فالحبل لها طنب # البيض إذا جاعوا أكلوا # والسمر إذا عطشوا شربوا # الناقة لا منقار لها # والوزة ليس لها قتب # الوز يبيض بثقبته # وينام عليه فينثقب # والوز الفقس بأرض بلق # س كذا في المقس له زغب # لا بد لهذا من سبب # حزر، فزر، ما ذا السبب؟ # وستمر بنا فيما يلي ألوان من النوادر المنسوبة إلى جحا يحسب بعضها من نوادر تحصيل ~~الحاصل، ويحسب بعضها من نوادر الوهم أو القياس مع الفارق، وبعضها من نوادر المحال ~~والمغالطة. ويساعدنا هذا التقسيم على الرجوع بها إلى مصادرها مع التحفظ والتماس القرائن ~~الأخرى من التاريخ والمناسبات والشواهد النفسية أو الاجتماعية. # ونبدأ قبل البدء بعرض النوادر وتقسيمها فنقول إنه تقريب لا نرجو أن نبلغ به مبلغ ~~الجزم والتوكيد، ولكننا لا نرى من أمانة البحث أن يهمل أو يصرف عنه النظر، فلعله بعد كل ~~ما يقال عن أحكامه «التقريبية» أصدق الموازين الميسرة لنا في هذا المبحث وما جرى مجراه ~~من الروايات المشاعة بلا إسناد تبلغ مبلغ الجزم والتوكيد. # الفصل السادس # | جحا ونوادره # جحا ... غير واحد # شيء واحد ثابت كل الثبوت في أمر جحا. # ذلك الشيء الثابت - قطعا - أنه لم يكن جحا واحدا ولا يمكن أن يكونه؛ لأن النوادر ~~التي تنسب إلى جحا لا تصدر من شخص واحد، ولا تزال دواعي اليقين باستحالة هذه النسبة ~~واضحة في كل قرينة وكل رواية يجوز الاعتماد عليها في تحري الوقائع ومن تنسب ~~إليه. # يستحيل أن تصدر هذه النوادر عن شخص واحد لأن بعضها يتحدث عن أناس في صدر الإسلام، ~~وبعضها يتحدث عن أناس في عصر المنصور العباسي أو عصر تيمورلنك أو ما بعده من ms072 العصور ~~بأجيال. # ويستحيل أن تصدر عن شخص واحد لاختلاف الشخصيات التي تصورها في مجموعها، فمنها ما يكون ~~التغفيل فيه من جحا، ومنها ما يكون فيه جحا صاحب الذكاء النادر والطبع الساخر الذي يكشف ~~عن الغفلة ويتندر على البلاهة، ومن هذه الشخصيات من تتمثل فيه الحماقة بغير مراء، ومنها ~~من يتحامق ويبدو في كلامه وتمثيله أنه يتكلف ما يعمل وما يقول استهزاء منه بمن يدعون ~~الحكمة والذكاء. # ويستحيل أن تصدر هذه النوادر عن شخصية واحدة لتباعد البيئات التي تروى عنها سواء في ~~الأمكنة أو العادات والأخلاق، فقد يروى بعضها عن فارس، ويروى بعضها عن بغداد أو ~~الحجاز أو آسيا الصغرى أو غيرها من البلدان الشرقية. # بل ربما قيل عن جحا إنه نصر الدين التركي، وقيل عنه إنه أبو الغصن العربي الفزاري، ~~وقيل عنه إنه من النوكى الهاكعين، كما يقال عنه إنه من أصحاب الحالات والكرامات من ~~المتسترين بالولاية وهم يجهرون بالهذر والبلاهة. # ويستحيل أن تصدر هذه النوادر عن «جحا» وحده كائنا ما كان؛ لأنها تنسب - بعينها - إلى ~~المجانين من أمثال هبنقة وبهلول، أو إلى الأذكياء من أمثال أبي نواس وأبي ~~العيناء. # ويزاد على هذه الإحالات جميعا أن طبيعة الفكاهة تختلف بين تحصيل الحاصل والقياس مع ~~الفارق والمحاولة والمحال، مما يجوز أن يتفق عرضا في نادرة أو قليل من النوادر، ولكنه ~~لا يتفق في العشرات والمئات. # ونحن قد نقرأ عن جحا في كتاب واحد فنفهم أنه شخص موجود أو قابل للوجود؛ لأنه متناسق ~~الأخبار مطبوع في تفكيره وتعبيره على غرار واحد، ثم نقرأ عنه في كتاب آخر فنرى صاحب ~~الكتاب مضطرا إلى تسويغ نوادره المتناقضة بإسنادها إلى المختلقين والمنتحلين، أو ~~بافتراء المفترين على «جحا» للنكاية والتشهير. # يقول الميداني صاحب كتاب الأمثال: «هو رجل من فزارة كان يكنى أبا الغصن، ومن حمقه أن ~~عيسى بن موسى الهاشمي مر به وهو يحفر بظهر الكوفة موضعا، فقال له: ما لك يا أبا الغصن؟ ~~قال: إني قد دفنت بهذه الصحراء دراهم ولست أهتدي إلى مكانها. فقال ms073 عيسى: كان ينبغي أن ~~تجعل عليها علامة. قال: قد فعلت. قال: ماذا؟ قال: سحابة في السماء كانت تظلها ولست أرى ~~العلامة. # ومن حمقه أيضا أنه خرج من منزله يوما بغلس فعثر في دهليز منزله بقتيل، فضجر به ~~وجره إلى بئر منزله فألقاه فيها، غير أن أباه أخرجه وغيبه وخنق كبشا حتى قتله وألقاه ~~في البئر. ثم إن أهل القتيل طافوا في سكة الكوفة يبحثون عنه فتلقاهم جحا فقال: في دارنا ~~رجل مقتول، فانظروا أهو صاحبكم؟ فعدلوا إلى منزله وأنزلوه في البئر، فلما رأى الكبش ~~ناداهم وقال: يا هؤلاء! هل كان لصاحبكم قرن؟ فضحكوا ومروا. # ومن حمقه أن أبا مسلم صاحب الدولة لما ورد الكوفة قال لمن حوله: أيكم يعرف جحا فيدعوه ~~إلي؟ فقال يقطين: أنا ... ودعاه، فلما دخل لم يكن في المجلس غير أبي مسلم ويقطين، فقال: ~~يا يقطين، أيكما أبو مسلم؟» # ثم يقول الميداني بعد ذلك: «وجحا اسم لا ينصرف لأنه معدول من جاح مثل عمر من عامر. ~~يقال جحا يجحو جحوا إذا رمى، ويقال: حيا الله جحولك؛ أي وجهك.» ~~••• # وجحا هنا، كما وصفه الميداني، شخصية مفهومة متناسقة، لعل الخبر الذي جاء عن أبيه في ~~خلال الكلام عنه يفسر بالوراثة ما فيه من خلة الحماقة؛ لأن جحا لم يصنع شيئا يزيل ~~الشبهة في أمر القتيل بنقله من الدهليز إلى البئر، وأباه لم يصنع شيئا يزيل الشبهة ~~بوضع الكبش في مكانه، وكان لكل منهما مندوحة عما صنع لولا الحماقة في الأب ~~وفتاه. # أو لعل الخبر عن اشتهار اسم جحا حتى سمع به أبو مسلم يفسر لنا وضع الروايات عنه بين ~~الفرس أو اعتباره بينهم علما على البلاهة والفكاهة يسندون إليه ما شابه نوادره من ~~الفكاهات الفارسية، فليس في خبر جحا هنا غرابة بما نسب إليه أو نسب إلى غيره، ولك ~~أن تقبل هذا الخبر دون أن تحتاج بعده إلى توفيق أو تأويل. # ولكنك تقرأ عن جحا في غير كتاب الأمثال فلا ترى كتابا واحدا يستغني عن شيء من ~~التوفيق والتأويل، ms074 لغرابة الأخبار التي ترامت عنه وتلقفها الرواة فحاروا كيف يضعونها في ~~موضعها بين أخبارهم ومن تروى عنهم تلك الأخبار. # ومن الإطالة على غير طائل في غرضنا من هذه الرسالة أن نحيط بكل ما وصف به جحا في ~~كتب الأدب العربي، فإن المحصل منه كله أنه تناقض لا يستقر على قرار، ولكننا نجتزئ بما ~~كتبه ابن الجوزي إذ يقول في أخبار الحمقى والمغفلين إنه - أي جحا - «روي عنه ما يدل على ~~فطنة وذكاء، إلا أن الغالب عليه التغفيل، وقد قيل إن بعض من كان يعاديه وضع له حكايات. ~~وعن مكي بن إبراهيم: رأيت جحا رجلا كيسا ظريفا، وهذا الذي يقال عنه مكذوب عليه، ~~وكان له جيران يمازحهم ويمازحونه فوضعوا عليه.» # وهكذا يسمع عن الرجل ما يدل على ذكاء وما يدل على تغفيل، ويوفقون بين الذكاء والتغفيل ~~فيحسبون أن نوادر التغفيل من وضع المفترين عليه، وغير ابن الجوزي أناس يحسبون أنه من ~~أصحاب الحالات والكرامات يتكلم ولا ينبغي أن يؤخذ عليه كلامه بظاهره؛ لأنه يتعمد فيه ~~إخفاء الأسرار الإلهية بهذه المضحكات والخزعبلات، وقد حسبه بعضهم من التابعين رواة ~~الحديث ثم شكوا في حقيقة اسمه كما شكوا في حقيقة مسماه. # وأما بعد ظهور جحا التركي، الملقب بخوجة نصر الدين، فالحكايات عنه تنسب إلى رجل واحد، ~~وهي مما يمكن أن ينسب إلى عشرة متباعدين في الزمان والمكان والعقل والمزاج، وبعض هذه ~~الحكايات متأخر إلى ما بعد اختراع الساعات التي تحمل في الجيب، وبعضها متقدم إلى أيام ~~الصحابة والتابعين. # نوادر له ولغيره # ومما لا ريب فيه - قطعا - أن رجلا واحدا لا يمكن أن تصدر عنه جميع هذه الحكايات ~~ولو كانت متناسقة متساوقة تدل على عقل واحد ومزاج واحد وتتحدث عن فترة واحدة وبيئة ~~واحدة. فإننا إذا فرضنا وجود هذا الرجل وجب ألا يكون له عمل إلا أن يأتي بتلك النوادر ~~والأضاحيك، ووجب ألا يكون لعشرائه وأصحابه عمل غير النقل عنه وإثبات هذه الأحاديث ~~المنقولة، وهو ما لم يحدث في حياة الهداة الأعلام الذين تنقل عنهم ms075 الإشارات فضلا عن ~~الكلمات. # فالعجب أن تكون حكايات جحا من رجل واحد، ولكنه لا عجب على الإطلاق في توارد هذه ~~الحكايات وتلاقيها من أبعد المصادر، ومهما يخطر على بالنا من غرابة ذلك فالواقع يزيل كل ~~غرابة فيه، ويرينا أن هذا الفيض من الحكايات - وما هو أغرب منه - يتلاقى من أقاصي ~~أوروبا إلى أقاصي أفريقيا إلى أقاصي القارة الآسيوية على امتدادها. # ومثال ذلك قصة تروى عن جحا وعن أبي نواس وعن رابليه الفرنسي الذي تقدمت الإشارة إليه ، ~~وفحواها أن تاجرا بخيلا رأى طارقا فقيرا يتبلغ بالخبز القفار على رائحة شوائه أو ~~طبيخه فطالبه بثمن هذه الرائحة، وحار الفقير في أمره حتى أنقذه حلال المشكلات بحل من ~~قبيل دعواه؛ لأنه رن أمامه قطعا من الدراهم وقال له خذ رنين هذه الدراهم ثمنا لرائحة ~~شوائك! # ومن الذي روى هذه النادرة عن أبي نواس؟ # لم يروها كتاب بغداد أو دمشق أو القاهرة، بل رواها الكاتب الإنجليزي إنجرام # Ingram # في كتابه عن أبي نواس وأساطيره كما سمعها باللغة ~~السواحلية واللغة العربية في أفريقيا الشرقية، وهذه ترجمة القصة كما نقلناها في كتابنا ~~عن أبي نواس، قال إنجرام ما ترجمته بحرفه على وجه التقريب: # إن تاجرا ذبح معزة ومر به مسكين، فجلس إلى جانب القدر لعله يستسيغ الخبز ~~القفار باستنشاق رائحتها، ثم لقي التاجر فقال له: إنك أيها السيد قد أحسنت ~~إلي أمس إذ منحتني رائحة معزتك فاصطنعت بها هنيئا. فأخذ التاجر بتلابيبه ~~وهو يقول له: الآن علمت كيف ضاعت النكهة من لحمها، فقد اختلستها أنت إذن ولا ~~ندري. وساقه إلى هارون الرشيد - وقد كان شديد المحاباة للتجار - فحكم على ~~المسكين بتغريمه اثنتي عشرة روبية يأخذها التاجر ثمنا لنكهة ذبيحته، وخرج ~~المسكين يبكي لأنه لا يملك فلسا من هذه الغرامة، فوجد أبا نواس في الطريق ~~وعطف عليه أبو نواس حيث علم منه سبب بكائه، ووعده أن يساعده، ثم أعطاه اثنتي ~~عشرة روبية وأوصاه أن يغدو بها إلى السلطان ولا يؤديها له حتى يحضر هو مجلسه. ~~ثم كان ms076 الغد فجاء إلى المجلس ورأى المسكين يعد الدراهم فأخذها منه ورنها على ~~الأرض، وسأل التاجر: أسمعت رنينها؟ قال: نعم. ومد يده إلى الدراهم يريد أن ~~يقبضها، فرده أبو نواس وصاح به: حسبك، لقد وصل إليك الثمن رنينا برائحة، فإذا ~~كان المسكين قد شبع من رائحة طعامك فأنت حري أن تملأ يدك من رنين دراهمه، وترك ~~الروبيات للمسكين، وانصرف إلى داره. # هذه نادرة تروى في سواحل أفريقيا الشرقية، ويتحدثون فيه بالروبيات وهم يذكرون نقود ~~بغداد، وهذه النادرة بشيء من التصرف فيها تروى في قصص جحا وتروى في قصص رابليه. # ومن النوادر ما يتوارد في خرافات إيسوب وحكايات ألف ليلة، كحكاية الحمار والثور مع ~~صاحب الزرع، وقد جاءت في أوائل ألف ليلة بالعبارة الآتية: # اعلمي يا ابنتي أنه كان لبعض التجار أموال ومواش، وكان له زوجة وأولاد، وكان ~~الله تعالى أعطاه معرفة الحيوانات والطير، وكان مسكن ذلك التاجر الأرياف، وكان ~~عنده في داره حمار وثور، فأتى يوما الثور إلى مكان الحمار فوجده مكنوسا ~~مرشوشا وفي معلفه شعير مغربل وهو راقد مستريح، وفي بعض الأوقات يركبه صاحبه ~~لحاجة تعرض له ويرجع على حاله، فلما كان في بعض الأيام سمع التاجر الثور وهو ~~يقول للحمار: هنيئا لك ذلك، أنا تعبان وأنت مستريح تأكل الشعير مغربلا ~~ويخدمونك، وفي بعض الأوقات يركبك صاحبك ويرجع، وأنا دائما للحرث والطحن. فقال ~~له الحمار: إذا خرجت إلى الغيط ووضعوا على رقبتك الناف فارقد ولا تقم ولو ~~ضربوك، وامتنع عن الأكل والشرب يوما أو يومين أو ثلاثة، فإنك تستريح من التعب ~~والجهد. وكان التاجر يسمع كلامهما، فلما جاء السواق إلى الثور يعلفه أكل منه ~~شيئا يسيرا فأصبح السواق يأخذ الثور إلى الحرث فوجده ضعيفا، فقال له التاجر: ~~خذ الحمار وحرثه مكانه اليوم. فلما رجع آخر النهار شكره الثور على تفضلاته ~~حيث أراحه من التعب ذلك اليوم، فلم يرد عليه الحمار جوابا وندم أشد الندامة، ~~فلما كان ثاني يوم جاء المزارع وأخذ الحمار وحرثه إلى آخر النهار، فلم يرجع ~~الحمار إلا ms077 مسلوخ الرقبة شديد الضعف، فتأمله الثور وشكره وحمده، فقال الحمار: ~~اعلم أني لك ناصح، وقد سمعت صاحبنا يقول: إن لم يقم الثور من موضعه فأعطوه ~~للجزار ليذبحه ويعمل جلده قطعا، وأنا خائف عليك ونصحتك والسلام. فلما سمع ~~الثور كلام الحمار شكره وقال: في غد أسرح معهم. ثم إن الثور أكل علفه بتمامه ~~حتى لحس المذود بلسانه، فلما جاء النهار خرج التاجر وزوجته إلى دار البقر ~~وجلسا، فجاء السواق وأخذ الثور وخرج، فلما رأى الثور صاحبه حرك ذنبه وبرطع، ~~فضحك التاجر حتى استلقى على قفاه. # هذه القصة جاءت متصلة بغيرها في ألف ليلة وليلة لمناسبة تجر وراءها مناسبة أخرى على ~~الأسلوب المطرد في تسلسل الروايات بألف ليلة وليلة، ولكنها جاءت في خرافات أيسوب ~~منفردة، على اختلاف المغزى، بالعبارة التالية: # كانت معزة وحمار في حوزة صاحب واحد، وكانت المعزة تغار من الحمار لأنه كان ~~وافر الطعام يكفيه ويفيض منه، فقالت له: إن حياتك نصب دائم، تدير الطاحون وتحمل ~~الأثقال، فأنصح لك بأن تجمح يوما وتسقط في حفرة تستريح بعدها، فعمل الحمار ~~بنصيحة المعزة وأصيبت رجله إصابة بالغة من جراء سقطته، وأرسل صاحبه في طلب ~~البيطار ليسأله رأيه، فوصف البيطار للحمار مرقا من طحال معزة وقال إنه دواء ~~صالح لعلاج دائه، فذبحوا المعزة لمداواة الحمار. # والمغزى من هذه الحكاية أن «من نصب فخا لغيره جر البلاء على نفسه». وفي خرافات ~~أيسوب نوادر أخرى يقل فيها التحوير ويتقارب فيها المغزى، مما تناقله المشارقة عن جحا ~~وأمثاله، ومنها ما لم يرد في الخرافات القديمة كأنه أضيف إليها بعد عصر أيسوب أو بعد ~~العصر المفروض له ولخرافاته، ومنها ما هو قديم منقول عن الحكمة الموضوعة على ألسنة ~~الحيوان، وهي شائعة في الشرق من الصين والهند إلى البلاد العربية على اتساعها وتباعد ~~أقطارها. # ولا نرانا في حاجة إلى انتظار عصر المطبعة أو عصر التأليف وتداول الكتب بين الأمم ~~لتعليل هذا التوارد بين النوادر والحكايات في المشرق والمغرب، وبين القارات الثلاث من ~~العراق إلى الأندلس وفرنسا إلى أفريقيا ms078 الشرقية؛ فإن انتقال هذه النوادر على طرق ~~الرحلات والقوافل أسبق جدا من كل تأليف أو طباعة. وقد كان الرحالون يطوفون البلاد من ~~أقصى العالم المعمور إلى أقصاه ولا سمر لهم في الرحلة أشهى ولا أدل على حنكة السائح ~~وطول عهده بالترداد على البلاد من أحاديث الحكمة والفكاهة وأطوار الناس وغرائب ~~الأقطار. # خذها شرودا في البلاد مقيمة # سمرا لذي سمر وزاد مسافر # فإذا سمعت القصة في بغداد لم يكن بعيدا عليها أن تسمع في بلاد الشمال من أوروبا أو ~~بلاد الجنوب من أفريقيا مع قوافل الرحالين والسياح الذين يسمرون بها في سهراتهم، ~~ويتنافسون عليها بين المأثور عن أقوامهم وأوطانهم، وليس العجيب أن تسري هذه النوادر هذا ~~السريان المستفيض بين مرامي السياحة ومطارح السفر، بل العجيب أن يكون للرحالين والسياح ~~حديث غيرها في لياليهم الطوال كلما فرغوا من أحاديث العمل وما إليه. # ولا ينتظر منا بعد هذه الفوضى الجحوية أن نبت في نسبة النوادر كلها أو بعضها إلى ~~صاحبها؛ لأن صاحبها غير واحد، ولأن أصحابها المتعددين ضروب من الخلق تصلح النوادر ~~لأحدها كما تصلح لآخر، ولكننا نستطيع أن نقسمها على ثقة إلى أقسامها الواضحة من حيث ~~الدلالة أو من حيث «الدور» الذي تؤديه، ومنها ما يمثل الذكاء والحكمة، وما يمثل البلاهة ~~والحماقة، وما يمثل التباله والتحامق أو التغابي، ولا يقع اللبس كثيرا بين هذه الأقسام ~~أو بين هذه الأدوار. # وسنختار فيما يلي عشرين نادرة في كل قسم من هذه الأقسام أو كل دور من هذه الأدوار، ثم ~~نتبعها ببعض القرائن التي تساعدنا على نسبتها إلى أقوامها مع التحفظ والتوسع في هذه ~~النسبة الجزافية، وأما النسبة إلى الآحاد من أصحاب اسم «جحا» أو غير أصحابه فنعرض ~~لقرائنها الممكنة بعد ذلك على قدر المستطاع. # الفصل السابع # | 60 نادرة # من نوادر الذكاء والحكمة والحماقة والبلاهة والتحامق والتباله ... ~~(1) نوادر الذكاء والحكمة ~~(1-1) آل خبرة # كان جحا يتولى القضاء، فجاءه رجل يستغيث به لأنه وجد طنبوره المسروق، مع بائع في ~~السوق، وأراد أن يأخذه منه فادعاه السارق ms079 لنفسه وأنكره، فأرسل جحا في طلب البائع ~~المتهم، وسأل صاحب الطنبور عن شهوده، فجاءه بشاهدين، أحدهما صاحب حانة، والآخر ماجن ~~متبطل بغير عمل. # وشهد الشاهدان بأنهما يعرفان الطنبور ويعرفان أنه للمدعي، وعلامته أن فيه كسرا ~~بأعلاه ورباطا بأسفله، وليست مفاتيحه محكمة الشد والحركة. # وطابقت العلامة وصف الطنبور، ولكن السارق طلب تزكية الشاهدين وقال إن شهادة ~~الخمار والماجن لا تقبل في الشريعة. # قال جحا: نعم، وأما حين تكون الدعوى على طنبور، فالخمار والماجن أصلح ~~الشهود! ~~(1-2) من راقب الناس # كان لجحا ولد يعصيه كلما أمره بعمل، ويقول لأبيه: وماذا يقول الناس عنا إن ~~عملناه؟! # وأراد جحا أن يلقنه درسا ينفعه، ويعلمه أن رضا الناس غاية لا تدرك، فركب حماره ~~وأمر ابنه أن يتبعه، ولم يمض غير خطوات حتى مر ببعض النسوة فشتمنه وقلن له: أيها ~~الرجل، أما في قلبك رحمة؟! تركب أنت وتدع الصبي الضعيف يعدو وراءك؟! # فنزل جحا عن الحمار، وأمر ابنه بركوبه، ومضى مسافة غير بعيدة، ثم مر بجماعة من ~~الشيوخ يستشرقون، فدق أحدهم كفا بكف، ولفتهم إلى هذا الرجل الأحمق وهو يقول ~~ويعيد: لمثل هذا فسد الأبناء، وتعلموا عقوق الآباء ... أيها الرجل، تمشي وأنت شيخ، ~~وتدع الدابة لهذا الولد، وتطمع بعد ذلك أن تعلمه الأدب والحياء؟ # قال جحا لولده: أسمعت؟ تعال إذن نركب الحمار معا. # وما هي إلا لحظة، حتى مر بهما جماعة من أصدقاء الحيوان صاحوا بهما: أما تتقيان ~~الله في هذا الحيوان الهزيل؟ أتركبانه معا، وكل منكما يزن من اللحم والشحم ما ~~يزيد على وزن الحمار؟! # قال جحا لولده: الآن نمشي معا ونرسل الحمار أمامنا، لنأمن سوء القالة من النساء ~~والشيوخ وأصدقاء الحيوان. # وما هي إلا لحظة أخرى حتى مر بهما طائفة من «أولاد البلد» الخبثاء، فجعلوا يعبثون ~~بهما ويقولون لهما: والله ما يحق لهذا الحمار إلا أن يركبكما أو تحملاه وتريحاه من ~~وعثاء الطريق! # فمال جحا إلى شجرة، وأخذ منها فرعا متينا وربط فيه الحمار، وحمل الفرع من طرف ~~ووضع الطرف الآخر على كتف ولده، ms080 فإذا البلد كله وراء هذا الركب العجيب، وإذا ~~بالشرطي يفض هذا الزحام ليسوقهما إلى البيمارستان. # قال جحا لابنه في طريقهما مع الشرطي: هذه يا بني عاقبة من يستمع إلى القال ~~والقيل، ولا يعمل عملا إلا ابتغى به مرضاة الناس! ~~(1-3) إحصاء المنافقين والرقعاء # كان جحا دائم الشكوى من أهل بلده، يقول لكل من لقيه منهم أو من الغرباء عنهم إنهم ~~كلهم منافقون رقعاء. # ولامه هذا وراجعه ذاك، فعمد إلى إقناع اللائمين والمناقضين بأسلوبه في الإقناع: ~~أسلوب المشاهدة والعيان، فخلع باب الدار وحمله على ظهره وقال لأول مناقض له في ~~تشهيره بأهل البلد: تعال معي واحسب! وعند منعطف الطريق صاح به صائح من أهل البلد ~~وهو يضحك: ما هذا الذي تحمله على ظهرك يا جحا؟ # قال جحا لصاحبه: هذا واحد، أتراه لا يعرف الباب الطويل العريض الذي يسأل ~~عنه؟ ~~(1-4) العصا تحمل الأرجل # حمل جحا إوزة مشوية إلى الأمير، وغلبه الجوع ورائحة الشواء في الطريق، فأكل إحدى ~~رجليها، ثم وضعها بين يدي الأمير، فسأله عن الرجل الناقصة أين ذهبت! # قال: لم تذهب إلى مكان، وإنما الإوز كله برجل واحدة في هذا البلد. ثم تقدم ~~بالأمير إلى نافذة القصر وأشار إلى سرب من الإوز قائم على قدم واحدة كعادته في وقت ~~الراحة، فدعا الأمير بجندي من حرسه وأمره أن يشد على سرب الإوز بعصاه، وما كاد يفعل ~~حتى أسرع الإوز يعدو هنا وهناك على قدميه. # قال الأمير: أرأيت؟ إن إوز هذا البلد أيضا خلق بقدمين ولم يخلق بقدم ~~واحدة! # قال جحا: مهلا أيها الأمير، لو شد أحد على إنسان بهذه العصا لجرى على ~~أربع! ~~(1-5) تماطل الله وتستدين # جلس جحا يبيع زيتونه فساومته امرأة، واستكثرت على الزيتون الثمن الذي طلبه، وقالت ~~له: إذا أردت أن تبيعني بالثمن الذي أخبرتك به مؤجلا، فأنت تعرف زوجي وهو فلان بن ~~فلان. # وناولها جحا زيتونة لتذوقها وتعرف جودة الصنف وحقه من الثمن، فاعتذرت بأنها صائمة ~~لأنها مرضت من سنة وأفطرت في شهر رمضان! # قال جحا: الآن ms081 بطل الخلاف، لا مساومة ولا تأجيل، أتراك تماطلين الله سنة ولا ~~تماطلينني إلى يوم القيامة؟! ~~(1-6) تيمور في الآخرة # وسأله تيمورلنك الطاغية المشهور: أين ترى يكون مثواي في الآخرة يا خوجة نصر ~~الدين؟ # فقال جحا ولم يتردد: وأين ترضى أن تكون، إن لم تكن مع جنكيزخان والإسكندر وفرعون ~~والنمروذ؟ ~~(1-7) ثمن طاغية # وسأله تيمورلنك، وقد أخذه معه إلى الحمام، وخلع ملابسه إلا مئزرا يديره على ~~وسطه: بكم تشتريني الآن لو عرضت عليك في السوق يا خوجة نصر الدين؟ # قال: بخمسين دينارا. # قال تيمور: ويحك! إن ثمن هذا المئزر خمسون دينارا. # قال جحا: وهذا هو الثمن الذي حسبته! ~~(1-8) الحساب المهضوم # وأراد تيمور أن يصادر أموال الحاكم بمدينة «آق شهر» فاتهمه باختلاس أموال ~~الديوان، وأبرأ الحاكم بذمته بالحساب المكتوب على دفاتر الديوان الغلاظ، فأخذها ~~تيمور من يده ومزقها وأمره بابتلاعها، ثم أحال حكم المدينة إلى الخوجة نصر ~~الدين. # وحان موعد الحساب، فجاءه الخوجة نصر الدين بجلود مطوية نشرها فوجد في طيها رقائق ~~من الخبز مكتوبا عليها الحساب بالحلوى. # قال تيمور: ما هذا؟ # قال الخوجة: هذا الذي يحتمله جوفي يا سيدي؛ لأنني شيخ فان ولست فتى ضليعا ~~كحاكمك القديم. ~~(1-9) أيهما أحب إليه # وكانت له زوجتان، فجلس معهما يتسامر، وطاب لهما أن تحرجاه، فسألتاه: أيهما أحب ~~إليه؟ # قال: أنتما معا حبيبتان إلى قلبي! # قالتا: لا، إنك لا تستطيع أن تضحك منا بهذه المراوغة، وأمامك هذه البركة نخيرك في ~~إغراق إحدانا بها، فمن منا تلقي بها في الماء الآن؟ # وحار في أمره هنيهة، ثم التفت إلى الزوجة الأولى وقال لها: أذكر أنك تعلمت ~~السباحة قديما يا عزيزتي! ~~(1-10) المكان الأمين في الجنازة # وسئل: أيهما أفضل؟ المسير خلف الجنازة، أو المسير أمامها؟ # قال: لا تكن في النعش، وسر حيث تشاء. ~~(1-11) القبلة الأمينة # وسئل: وماذا يستقبل السابح إذا نزل في الماء؟ # فقال: يستقبل المكان الذي عليه ملابسه. ~~(1-12) الفضول # ولقيه بعض معارفه في الطريق فقال له: إني رأيت الساعة رسولا يحمل مائدة حافلة ~~بالطعام ms082 الفاخر. # قال جحا: وماذا يعنيني؟ # قال صاحبه: إنهم يحملونه إلى بيتك. # قال: وماذا يعنيك؟ ~~(1-13) التقوى المهلكة # وسكن في دار، فشكا إلى صاحبها أنه يسمع قرقعة في سقفها. # قال صاحب الدار: لا تخف، إنه يسبح الله. # قال: وهذا الذي أخشاه، تدركه رقة فيسجد علينا! ~~(1-14) حدود الأبوة # وسئل جحا: هل يولد للرجل بعد بلوغ الستين؟ # قال: يجوز! # قيل: وبعد بلوغ الثمانين؟ # قال: يجوز. # قيل: وبعد بلوغ المائة؟ # قال: نعم، إذا كان له جار في العشرين! ~~(1-15) العمامة القارئة # وعرض عليه رجل كتابا بالفارسية ليقرأه فتعلل برداءة الخط، ورد له الكتاب. # قال صاحب الكتاب محنقا: وعلام إذن تضع هذه العمامة على رأسك كأنها ~~الرحى؟ # فخلع الشيخ العمامة، ووضعها جانبا، وقال له: دونك العمامة فاسألها، فإنها صاحبة ~~العلم الذي تبغيه! ~~(1-16) تحويل الجزاء # وصفع رجل «جحا» على قفاه بعرض الطريق يريد أن يسخر منه: فأخذ جحا بتلابيبه إلى ~~القاضي ولم يقبل منه اعتذاره بالخطأ فيه؛ لأنه ظنه من أصدقائه الذين يمازحونه بمثل ~~هذا المزاح الثقيل. # وكان الرجل العابث من معارف القاضي فأحب أن ينجيه من العقاب، وحكم لجحا بأن يصفعه ~~كما صفعه أو يتقبل منه عشرة دراهم على سبيل الجزاء أو التعويض. # وطمع جحا في الدراهم فسأل القاضي المدعى عليه: أمعك الدراهم؟ وفطن صاحبنا لغرض ~~القاضي فقال: كلا، ولكنني أحضرها بعد قليل من البيت. # وأذن له القاضي بالانصراف لإحضار الدراهم، فذهب ولم يعد. وطال الانتظار على جحا، ~~فأدرك حيلة القاضي واقترب منه كأنه يهمس في أذنه، ثم صفعه صفعة عنيفة، وقال له وهو ~~ينصرف: إذا عاد إليك الرجل بالدراهم، فخذها حوالة مني إليك. ~~(1-17) دعوى بدليلها # وادعى الولاية، فسأله السامعون عن كرامته، فقال: أتريدون مني كرامة أعظم من علمي ~~بما في قلوبكم جميعا؟ # قالوا: وما في قلوبنا؟ # قال: كلكم تقولون في قلوبكم إنني كذاب! ~~(1-18) من يلد يموت # واستعار حلة كبيرة من جاره. ثم أعادها إليه وفيها حلة صغيرة، فسأله جاره: وما ~~هذه؟ قال: هذه بنتها، ولدتها عندنا. فتقبلها جاره ولم ينكر ms083 عليه. # ثم استعارها مرة أخرى ولم يردها، فلما سأله عنها، قال: البقية في حياتك، إنها ~~ماتت عندنا في النفاس ... رحمها الله. # قال صاحب الحلة متعجبا: أيموت النحاس؟ # قال جحا: من يلد يموت، وقد يموت في النفاس. ~~(1-19) ثمن الضرورة # وعطش في طريقه، وهو بمنقطع من الماء في الصحراء، فمر به أعرابي يحمل قربة، عرض ~~عليه جحا أن يبيعها إياه فلم يقبل بأقل من خمسة دراهم، فاشتراها جحا، وجلس يأكل من ~~طعام دسم كان معه، واستضاف الأعرابي فأعطاه من الطعام ما أشبعه وأظمأه، فسأله شربة ~~من القربة، فلم يقبل جحا بأقل من خمسة دراهم، وباع الشربة بثمن القربة ! ~~(1-20) ثمن الحمار! # وضاع حماره، فأقسم ليبيعنه إن وجده بدينار واحد، ثم وجده وندم على حلفه، ولم يشأ ~~أن يحنث في قسمه، فاحتال عليه ليبر باليمين، ويحفظ على نفسه ثمن الحمار، وعرض ~~الحمار في السوق وقد ربط إلى عنقه حذاء قديما، فجعل ينادي عليه: الحمار بدينار ~~والحذاء بعشرة دنانير، ولا يباعان على انفراد! ~~(1-21) الكرام قليل # أمره الوالي أن يعد مجانين البلد، فقال: بل أعد لك العقلاء، ومن عداهم كثيرون لا ~~يحصرون. ~~(1-22) يقضي على القاضي # جاء الشرطي برجلين إلى مجلس القضاء، وجحا عند القاضي يحدثه في بعض شئونه، فعرض ~~الشرطي قضية الرجلين، وقال إنه وجد في الطريق بين بيتيهما أقذارا ممنوعة، وادعى ~~كل منهما أن جاره مطالب بإزالتها؛ لأنه هو الذي وضعها في عرض الطريق. # وأراد القاضي أن يعبث بجحا ليسخر منه ويفضح دعواه؛ لأنه كان يدعي العلم ويتصدى ~~للإفتاء، فأحال عليه القضية، وسأله أن يقضي فيها بالحق بين الرجلين. # فقبل جحا مقترح القاضي، وسأل الشرطي: هل كانت الأقذار أقرب إلى دار هذا أو دار ~~ذاك؟ # قال الشرطي: إنها كانت في الوسط بينهما. # قال جحا: إنما يزيلها إذن مولانا القاضي؛ لأنها في الطريق العام، ومولانا القاضي ~~هو المسئول عن المدينة. # 1 ~~(2) نوادر الحماقة والبلاهة ~~(2-1) على قدر الوضوء # توضأ جحا، ولم يكفه الماء لإتمام وضوئه، وبقيت رجله اليسرى بغير وضوء، فقام يصلي ms084 ~~برجله اليمنى ولا يضع اليسرى على الأرض. # فسألوه: ما بالك تقف على رجل واحدة؟ # قال: الأخرى غير متوضئة! ~~(2-2) أنا مكرر # رأى رجلا في الطريق لا يعرفه، فتبسط معه في الحديث، ورفع الكلفة بعد عبارة أو ~~عبارتين. # فعجب الرجل وسأله: ألك بي معرفة فترفع الكلفة هكذا بيني وبينك؟! # قال: بل حسبتك أنا؛ لأن ثيابك كثيابي ومشيتك كمشيتي، ولكنك لست أنا كما علمت ~~الآن! ~~(2-3) ترويج زوجة # وحاول أن يبيع بقرة له فأعياه بيعها، فرآه دلال في السوق، تكفل له ببيعها إذا ~~أسلمه إياها وأعطاه الجعل المعلوم، وقبل جحا، فأخذ الدلال ينادي على البقرة، ويذكر ~~منافعها ومحاسنها، ومنها أنها حبلى في ستة أشهر. # ثم جاء الخواطب إلى داره يخطبون بنته ويتطلعون إلى محاسنها، فتذكر الصفة التي ~~روجت سوق البقرة، وقال للخواطب: هي كما ترون وزيادة أنها حبلى في شهرها ~~السادس. ~~(2-4) يريح كما يراح # ورأوه يركب حمارا ويحمل خرجه على كتفه، فضحكوا منه ورموه بالعبث والدعابة، وقال ~~له قائل منهم: ألا تعرف كيف تضع الخرج تحتك أو أمامك ولا ترهق نفسك بحمله وأنت ~~راكب؟ # قال: عدل من الله، أراضي الحمار من حمل نفسي بأن أريحه من حمل خرجي! ~~(2-5) أكبر خوخة # وكان في منديله فاكهة، فسأله بعضهم: ما هذا الذي في منديلك يا جحا؟ # قال: لا أقول لكم، ولكني أعطيكم أكبر خوخة إذا عرفتموه. # قال السائل: إنه خوخ؟ # فانطلق قائلا: أي ملعون أنبأكم بأمره وهو مصرور؟! ~~(2-6) أحجية محلولة # ورأى بعضهم أن يمتحنه فقال له: إن عرفت ما في منديلي أعطيتك واحدة منه تكفي لعمل ~~عجة مليحة. # قال: صفه لي ولا تذكر اسمه. # قال صاحبه: إنه أبيض وفي وسطه صفار. # قال جحا: الآن عرفته، إنه لفت حشوتموه جزرا! ~~(2-7) الحمد الله # وضاع حماره فطفق يصيح وهو يسأل الناس عنه: ضاع الحمار والحمد لله. # قيل له: فهل تحمد الله على ضياعه؟ # قال: نعم، لو أنني كنت أركبه لضعت معه ولم أجد نفسي. ~~(2-8) أربعون يوما من رمضان # وكان من عادته إذا صام ms085 يوما في رمضان أن يلقي بحصاة في جرة، ورأته ابنته فألقت ~~في الجرة ملء كفيها من الحصى، وهي تظن أنها تساعده. # وسأله الجيران يوما: كم بقي من رمضان؟ # قال: أما ما بقي فلا أعرفه، ولكني عليم بما مضى من أيامه. ثم عد الحصى، فزاد ~~على مائة وعشرين حصاة. # قال بينه وبين نفسه: لو أنبأتهم بهذا العدد لسخروا مني، ولكني أنزل به إلى ~~أربعين. # ثم خرج لهم يقول: مضى من الشهر أربعون يوما على التقريب. # فتضاحكوا منه، وتضاحك هو منهم وهو يقول: إنه شهر طويل على الصائمين، فماذا تصنعون ~~لو أنبأتكم بالعدد الصحيح؟! ~~(2-9) الشمس والقمر # وسألوه: أيهما أنفع: الشمس أو القمر؟ # فلم يتمهل وأجابهم بيقين: إنه القمر ولا مراء. # فسألوه : ولم؟ # قال: لأن الشمس تطلع في النهار حين يستغني عنها الناس، وأما القمر فلا يطلع إلا ~~في الظلام على حين الحاجة إليه. ~~(2-10) البحث في النور # ورأوه يبحث في أرض لا شيء فيها، فسألوه: عم تبحث؟ # قال: خاتم سقط مني. # قالوا: وهل سقط هنا وليس في الأرض أثر للخواتم؟ # قال: بل سقط في الزقاق الذي هناك. # قالوا: وما بالك لا تبحث عنه حيث سقط؟ # قال: وأي جدوى للبحث في الظلام؟ ~~(2-11) حمار ممسوخ # اشترى حمارا واقتاده بزمام طويل، فتغفله لصان، ذهب أحدهما بالحمار، وربط الآخر ~~نفسه في مكانه. # والتفت جحا فرأى إنسانا في مكان الحمار. # فاستعاذ بالله، وسأله: أين الحمار؟ # قال: أنا الحمار، أعادني الله إنسانا ببركتك كما كنت بعد أن مسخت حمارا لدعاء ~~والدتي علي. # فبارك له جحا، وأطلقه وهو يوصيه بطاعة أمه ويحذره العودة إلى إغضابها، وجر الغضب ~~من الله عليه بدعائها. # ثم عاد إلى السوق بعد برهة ليشتري حمارا غير ذلك الإنسان الممسوخ فرأى الحمار ~~بعينه في يد الدلال، فمال على أذنه وهمس فيها قائلا: لن تنفعك بركتي بعد مسختين، ~~ولن أشتريك وأنت بهذا العصيان! ~~(2-12) نصف بنصف وتتم الدار # وكان يشارك على دار، فباع نصفها الذي يملكه ليشتري بثمنه النصف الآخر، وتخلص له ~~الدار بغير شريك! ms086 ~~(2-13) دابة على رمح # ونام في الخلاء ومعه عكاز طويل ركزه ووضع صرة النقود على رأسه لكيلا ينالها ~~أحد. # فرآه لص وعرف غفلته، فأخذ النقود ووضع في موضعها روث دابة، وتيقظ جحا فوجد الروث ~~في مكان الصرة، فلم يعجب لسرقة النقود ولكنه عجب للدابة التي استطاعت أن تصعد على ~~عكاز لتصنع به ذلك الصنيع. ~~(2-14) مكافأة معقولة # وحمل إلى تيمور رمانات باكورة ظهرت في غير أوانها، فرضي عنه تيمور وأرضاه. # ثم طمع في جائزة أخرى، فجمع رءوسا من اللفت ليهديها إليه، فقال له بعض جيرانه إن ~~اللفت لا يصلح لإهداء الملوك، فاذهب إليه بنخبة من التين فهو ألطف وأحلى. # واستكبر تيمور أن يهدى إليه التين وهو يملأ الأسواق، وأحب أن يكف جحا عن طمعه، ~~فأمر الجند أن يقذفوه بالتين واحدة بعد واحدة. # فوقف جحا يتلقى الضربات على رأسه وعلى وجهه وعلى عينيه وأنفه وهو يضحك ويدعو ~~للجار الذي أسدى إليه النصيحة الصادقة. # واشتد عجب تيمور من ضحكه ودعائه، فأمر الجند أن يمسكوا عن ضربه، ليسأله عن سر ذلك ~~الضحك وذلك الدعاء. # قال: إنه سر عظيم، لو كان اللفت في موضع هذا التين، لتهشم رأسي وانفقأت ~~عيناي! ~~(2-15) بروج نامية # وسألوه: ما طالع نجمك؟ # قال: ولدت والشمس في برج التيس. # قالوا: لا يوجد في السماء برج يسمى برج التيس، ولكنك تعني برج الجدي. # قال: أفمن مولدي إلى اليوم لا يصبح الجدي تيسا؟ ~~(2-16) كيف يعرف يمينه؟ # وانطفأت شمعة في داره فطلبت منه زوجته أن يناولها إياها من يمينه، قال: يا حمقاء، ~~وكيف أعرف يميني من شمالي في هذا الظلام؟ ~~(2-17) أدب مع التلاميذ # وركب بغلته مستدبرا رأسها فسأله تلاميذه: لماذا لا تعتدل في ركوبك يا ~~مولانا؟ # قال: هذا هو الاعتدال، أدير ظهري لرأس البغلة ولا أديره لرءوس الآدميين! ~~(2-18) يسمع صوته من بعيد # ورأوه يوما وهو يغني ويجري، فسألوه: ما بالك تغني وتجري؟ # قال: أحب أن أسمع صوتي من بعيد! ~~(2-19) لماذا ينتشرون؟ # سألوه: لماذا ينتشر الناس في جوانب الأرض، ولماذا ms087 يذهبون ذات اليمين وذات اليسار ~~كل صباح؟ # فتأمل قليلا ثم قال: لو ذهبوا إلى ناحية واحدة، لمالت بهم الأرض وانكفأت بهم في ~~هاوية ليس لها قرار! ~~(2-20) لماذا لا تأكله؟ # ومر بفرن تتصاعد منه رائحة الخبز الساخن وهو يشتهيه، ولا يقدر عليه لخلو يده، ~~فاتجه إلى الفران وسأله: ألك كل هذه الرغفان؟ # قال: نعم. # قال: ولماذا لا تأكلها يا أحمق؟ ~~(3) نوادر التحامق والتباله # وهذه نوادر منسوبة إلى جحا تتوسط بين الحكمة البينة والحماقة البينة، لا نقتصر في ~~اختيارها على النوادر التي يصطنع فيها الحماقة ويتكلفها كأنه يمثلها ويستعيرها، ولكننا ~~نختار من هذه النوادر كما نختار من النوادر التي لا تحسب بطبيعتها من الحكمة ولا تحسب ~~من الحماقة، ولكنها تتوسط بينهما وتغلب عليها هذه مرة وتلك أخرى، وكلها قد نسبت إلى جحا ~~كما نسبت بموضوعها أو بمغزاها إلى ذوي السمعة الفكاهية من أمثاله. ~~(3-1) أحمق وأحمقان # رآه الطحان يأخذ من قفف الناس ويضع في قفته، فصاح به: ما هذا يا جحا؟ # قال جحا: لا تؤاخذني فإنني رجل أحمق. # قال الطحان: لو كنت أحمق لأخذت من قفتك ووضعت في قفف الناس! # قال: ويحك! أنا أحمق واحد، ولو صنعت كما تقول لكنت أحمقين! ~~(3-2) ما لا يغتفر # ولقيه بعضهم يلهو فقال له: أنت هنا تلهو وامرأتاك تقطع إحداهما الأخرى؟ # ولم يشأ أن يدع مجلسه فسأل الرجل متضاحكا: أقالت إحداهما للأخرى شيئا يتعلق ~~بالعمر؟ # قال: كلا. # قال: إذن لا داعي للوساطة، فإنها مشكلة سليمة! ~~(3-3) مرق مرق المرق # جاءه ضيف ريفي ومعه أرنب فأكرمه وشيعه كما استقبله بالحفاوة والتحية. # ثم مضى أسبوع وجاءه ضيف من بلدة صاحب الأرنب وقال له إنه جاره القريب. # ثم مضى أسبوع أو أسبوعان وجاءه من تلك البلدة جيران كثيرة يزعمون جميعا أنهم ~~جيران الرجل في داره أو حقله أو دار أحد من أهله. # فأجلسهم جميعا على السماط وجاءهم بطست كبير فيه ماء غال، وأومأ إليهم قائلا: ~~تفضلوا فكلوا من مرق مرق الأرنب، يا جيران جيران صاحب الأرنب المشئوم! ~~(3-4) ms088 بلبل ولا كالبلابل # وصعد على شجرة يقطف من ثمرها، فحضر صاحب البستان وفاجأه وهو على تلك ~~الحال. # قال صاحب البستان: من أنت يا هذا؟ # قال جحا: أنا بلبل أتنقل على الأغصان. # قال صاحب البستان: أسمعنا إذن من غنائك أيها البلبل العجيب. # فتغنى جحا بصوت لا يسمع ولا يشبه تغريد البلبل، وقال صاحب البستان: ما هذا ~~بتغريد بلابل. # قال جحا: هاتها واسمعها، ألم تقل إنني بلبل عجيب؟ ~~(3-5) مصيبة أكبر من مصيبة # ونظر تيمور إلى وجهه في المرآة بعد أن تنعم وتعود معيشة القصور فانقبض لمنظره ~~القبيح، ولمح وزيره انقباضه فأخذ يواسيه على عادة الوزراء بما يسري عنه، وقال له ~~فيما قال: مثلك أيها الخاقان الأعظم لا يأسى على جمال الوجوه وقد أعطاك الله بسطة ~~في الجسم وبسطة في القوة وبسطة في الثروة والسلطان، وإنما يأسى على جمال الوجوه ~~النساء وأشباه النساء من الرجال. # فانبسطت أسارير الطاغية، وابتسم راضيا عما قاله الوزير، ولكنه التفت إلى الخوجة ~~نصر الدين فرآه يبكي ويستخرط في البكاء. # قال له: ما خطبك يا خوجة نصر الدين؟ أنا صاحب المصيبة تسليت وأنت تأبى أن ~~تتسلى؟ # قال جحا: معذرة يا مولاي، إن مصيبتي أكبر من مصيبتك أضعافا مضاعفة. أنت نظرت إلى ~~وجهك مرة فانقبضت، فماذا أصنع أنا الذي أنظر إليك بالليل والنهار مرات؟ ~~(3-6) نقل # دخل لص منزله وحمل بعض أثاثه، فحمل هو بقية الأثاث حتى دخل وراء اللص إلى ~~داره. # ونظر اللص وراءه فرآه يدخل الدار، فسأله: من أنت يا هذا؟ # قال: أنا صاحب هذه الدار التي نقلتنا إليها! ~~(3-7) كلهم محقون # اختصم رجلان من أصدقائه وجاءه أحدهما يعرض عليه شكواه، فقال له: إنك محق في ~~شكواك أيها الصديق. # وجاءه الصديق الثاني في اليوم التالي فعرض عليه شكواه فقال له كما قال لخصمه: أنت ~~محق أيها الصديق. # وكانت امرأته تسمع القصتين فسخرت منه قائلة: يا لك من منافق! خصمان مختلفان، ~~وكلاهما محق في شكواه؟! # قال: ولماذا تغضبين؟ أنت محقة أيضا فيما تقولين؟ ~~(3-8) تنقلب الدنيا # وأراد أن ms089 يتزوج، فبنى دارا تتسع له ولأهله، وطلب من النجار أن يجعل خشب السقوف ~~على أرض الحجرات، ويجعل خشب الأرض على السقوف، فراجعه النجار دهشا ولم يفهم ما ~~يعنيه. # قال جحا: أما علمت يا هذا أن المرأة إذا دخلت مكانا جعلت عاليه سافله؟ اقلب هذا ~~المكان الآن يعتدل بعد الزواج. ~~(3-9) خروف على عيبه # وأرسله أبوه يشتري له رأس خروف مشوي بأقل من ثمنه، فأكل في الطريق لسانه، ثم ~~راودته نفسه فأكل عينيه، ثم أكل أذنيه، ثم أكل شواته (جلدة رأسه) ومخه، وذهب به إلى ~~أبيه جمجمة نخرة. # فجعل أبوه يقلبها ويسأله: أين مخه؟ # فيقول جحا: كان مجنونا بغير عقل. # فيسأله: وأين عيناه؟ # فيقول جحا: كان أعمى. # ويسأله: وأين شواته؟ # فيقول جحا: كان أقرع. # ويسأله: أين لسانه؟ # فيقول: كان أخرس أعجم. # قال أبوه: فاذهب رده إلى صاحبه. # قال: إنما اشتريته بقليل الثمن على البراءة من كل عيب. ~~(3-10) العقاب قبل الذنب # وناول بنته الصغيرة جرة تملؤها، وحذرها أن تكسرها، وأنذرها لئن كسرتها، ليصفعنها ~~هكذا، وأردف الإنذار على الأثر بصفعة قوية أبكتها. # فنظر إليه عابر طريق ولامه على ضرب البنت الصغيرة في غير جريرة، وقال له: أتضربها ~~قبل أن تكسرها؟ # قال: يا أحمق، إنما ضربتها لتعرف ألم العقاب فتحذره، وأما بعد كسر الجرة فما ~~الفائدة من ضربها؟ ~~(3-11) العائل الأكبر # سأله الأمير: كم عيالك؟ # قال: سبعة! # فأعطاه لكل من عياله مائة درهم، وخرج جحا، ثم عاد إليه على الأثر وهو يقول: ~~نسيت واحدا أيها الأمير أنفق من مالي عليه كما أنفق على هؤلاء. # قال الأمير: من يكون يا ترى؟ # قال: أنا أكبر عيالي أيها الأمير. ~~(3-12) يأكلون بالضرب # وذهب إلى قونية، فاعترضه في طريقه دكان حلوى تعرض فيه أصناف الفطائر والفاكهة ~~المسكرة صابحة شهية فأهوى عليها يأكل منها بلا استئذان، وأهوى صاحب الدكان عليه ~~بالعصا يريد أن يحول بينه وبين حلواه، فتغابى جحا وراح يثني على أهل قونية، ولم يزل ~~يقول: يا لكم يا أهل قونية من قوم كرام، تطعمون الناس بالعصا ms090 والكرباج! ~~(3-13) ماذا يفعل الحذاء؟ # ولبس حذاء جديدا، فنظر إليه بعض الشطار وأرادوا أن يحتالوا عليه ليسرقوه، ~~فسألوه: أتستطيع أن تصعد على هذه الشجرة وتأتي بشيء من ثمرها؟ # قال: نعم، فكم جعلتم؟ # فأعطوه ما تيسر لهم وانتظروا أن يخلع حذاءه ليصعد، فلم يفعل، بل صعد على الشجرة ~~ومعه حذاؤه تحت إبطه. # قالوا: وماذا تصنع بالحذاء على الشجرة؟ # قال: إذا ألقيت إليكم الثمر فماذا يعنيكم من الحذاء؟ أما أنا فلعلي أجد لي طريق ~~سفر من أعلى الشجرة فأذهب ولا أعود إليكم. ~~(3-14) لولاك يا كمي # وذهب إلى وليمة بثياب العمل، فطرده الخدم من الباب، فعاد إليهم بثيابه المدخرة، ~~وعليه حلة من الحلل التي يخلعها عليه الأمراء، فأكرموه وتقدموه إلى مكان المائدة، ~~فغمس كمه في الصحان واحدة بعد واحدة، وطفق يقول له كأنه يناجيه: «كل، كل يا كمي، ~~فلولاك ما وصلت إلى هذا الطعام! ~~(3-15) ماذا أضاعت؟ # وقيل له: إن امرأتك أضاعت عقلها، فأطرق يتأمل، وقام إلى داره يبحث فيها. # قالوا: ماذا تصنع يا جحا؟ # قال: إنكم تقولون إنها أضاعت شيئا، ولن يكون ذلك الشيء عقلها، فإنني لا أعرف لها ~~عقلا تضيعه! ~~(3-16) بالدور # وقيل له: إن امرأتك تتردد على البيوت وتطيل المكث فيها. # قال: غير صحيح، ولو كان صحيحا لوصلت إلى دارنا. ~~(3-17) أصدق من الحمار! # ورجاه بعض جيرانه أن يعيره حماره، فاعتذر له بذهابه إلى الغيط ثم نهق الحمار وهو ~~يكلمه، فعاتبه الجار قائلا: أليس هذا حمارك ينهق في الدار، وأنت تزعم أنه ذهب إلى ~~الغيط؟ # قال: سبحان الله! تكذبني وتصدق الحمار؟ ~~(3-18) يصلح لكل شيء # وسأل امرأته، وقد جاءها برطل من اللحم: لماذا يصلح هذا؟ # قالت: يصلح لكل شيء! # قال: فاطبخي عليه إذن كل شيء. ~~(3-19) قسمة الله # واختاره قوم للقسمة بينهم فسألهم: أترضون قسمة الله أو قسمة عبيده؟ # قالوا: بل قسمة الله. # فأعطى أحدهم درهمين، وأعطى الثاني دينارين، وأعطى الثالث لحافا، وأعطى الرابع ~~سريرا عليه خشبة، واستبقى سائر التركة بين يديه. # قالوا: ويلك! أهذه قسمة الله؟ # قال: انظروا ms091 حولكم تفهموا قسمة الله وحكمة الله. ~~(3-20) منوم موصوف # وطلبت منه امرأته أن يعود إليها في طريقه من المسجد بدواء منوم لطفلهما الذي ~~يؤرقهما بالبكاء والصياح. # فعاد وليس معه غير الكتاب الذي يقرؤه. # قالت: لعلك نسيت الدواء؟ # قال: معاذ الله، هذا هو الدواء، وقد جربته اليوم في الكبار فناموا جميعا، فجربيه ~~أنت في الصغار. # الفصل الثامن # | موازين غير محكمة # هذه النوادر الستون التي تقدمت في الفصل السابق تصور لنا أقسام النوادر التي تنسب إلى ~~جحا، وقد تنسب إلى غيره، ومنها ما ينبئ عن حكمة ظاهرة، وما ينبئ عن بلاهة ظاهرة، وما ينبئ ~~عن بلاهة مستترة بين الحكمة والبلاهة. # وتندر بينها النادرة التي لم تنسب إلى مصادر متعددة من الحكماء والحمقى والمحمقين، وبعضها ~~يروى عن أناس في الغرب الحديث كالنادرة التي تروى عن الشجار بين المرأتين، فإن الأولى تروى ~~عن نابليون وطبيبه، والثانية تروى عن سن الولادة في الرجل، والنادرة التي تروى عن جولد ~~سميث الكاتب الإنجليزي المشهور الذي قيل فيه إنه أحمق الناس إلا حين يتناول القلم، فهو إذن ~~من أحكم الناس. # قيل إن نابليون سأل طبيبه حين كان مشغولا بأمر ولاية العهد: «هل يولد للرجل في الستين؟ ~~وهل يولد له في السبعين، وهل يولد له في الثمانين؟» فكان جواب الطبيب عن ابن الستين نعم، ~~وعن ابن السبعين نعم في الندرة، وعن ابن الثمانين أنه يولد له إذا كان له جار في ~~العشرين. # وقيل إن امرأة جولد سميث وأخته تشاجرتا وهو غائب عن المنزل، فأدركه أحد جيرانه وأنبأه ~~بأمر هذه المشاجرة، فسأله: هل قالت إحداهما للأخرى أنت شوهاء. قال الجار: كلا. قال: إذن هي ~~مشاجرة مأمونة. # وقد سبقت الإشارة إلى نوادر متشابهة بين الفكاهة المصرية والفكاهة في المجر وأوروبا ~~الوسطى، ولا يصعب تعليل ذلك بتوارد الخواطر في الجواب البسيط على سؤال واحد أو سؤالين، وقد ~~يعلل الكثير منه باطلاع الغربيين على النوادر التي ترجمت لهم في العربية في القرون الوسطى، ~~وقد يكون المتشابه من تلك النوادر إضافة جديدة في الكتب ms092 المطبوعة لم تتداولها ألسنة الناس ~~قبل ذلك. # إلا أن النوادر التي لا شك في مصدرها الشرقي كثيرة بين النوادر المنسوبة إلى جحا وأمثاله، ~~وهي على الجملة نوادر الزوجتين والقضاة الدينيين والضيافات التقليدية ونوادر الصيام والصلاة ~~والفتاوى وما هو من قبيلها. # فهذه لا شك في مصدرها الشرقي من تخوم الصين إلى آسيا الصغرى ووادي النيل، فأين هو معيار ~~النسبة الصحيحة بين كل هؤلاء الأقوام والأمصار والأقطار؟ # في النسبة التاريخية بعض المعايير النافعة على غير حسم ويقين؛ لأن النادرة قد تقع في ~~القرن الثاني أو الثالث وتصحف بعد ذلك لتوائم القرن الذي نقلت إليه، وما لم تكن مكتوبة في ~~مرجع معروف التاريخ فلا سبيل إلى الجزم بنسبتها إلى زمن من الأزمنة على وجه اليقين. # والمعيار الآخر «تقريبي» كالمعيار التاريخي لا ينتهي بنا إلى الحسم ولا يسلم من اللبس ~~والاشتباه، وذلك معيار الخصائص القومية التي نميزها بالظن ونقارب بالظن بينها وبين النوادر ~~التي توائمها ولا توائم غيرها. # وقد أسلفنا أن طبيعة الفرس تغلب عليها الصوفية والمحاولة الدبلوماسية، وأن طبيعة الترك ~~يغلب عليها تحصيل الحاصل مبالغة في الواقع، وأن طبيعة العرب يغلب عليها الخيال والقياس ~~المنطقي، وتبالغ بها الفكاهة فتجنح بها إلى الوهم والقياس مع الفارق الواحد أو الفوارق ~~الكثيرة. # أفلا يعقل أن العبقرية التي أخرجت لنا القول بتسخير الجسم والأعضاء لحالات الروح تخرج لنا ~~مع الفكاهة - والمحاولة الدبلوماسية - قصة الإوزة التي يخلق لها الخوف رجلين، والرجل الذي ~~يخلق له الخوف أربعا إذا عدا وراءه من يشد عليه بالعصا؟ # جائز أو راجح، وهذا غاية ما هناك، ومثلها نادرة الولد العاق الذي مسخته دعوة أمه حمارا ~~ثم عاد إلى الآدمية ببركة الشيخ. # وكذلك يعقل أن تحصيل الحاصل يخرج لنا في بلاد الترك قصة المرأة التي يقال لزوجها إنها ~~تدور في البيوت، فيأخذ بالواقع - المفرط - ويقول: لو صح ذلك لدخلت إلى بيتنا. ~~••• # ومثل هذه القصة قصة الرجل الذي يصطنع التعمية ويعلن أنه يعطي أكبر «خوخة» في المنديل لمن ~~يخبره بما فيه، ومثلها قصة الرجل الذي يضربونه ms093 لأنه يأكل الحلوى فيحمدهم لأنهم يكرهونه على ~~الأكل بالسوط والعصا. # كذلك يعقل أن القياس مع الفارق يخرج لنا نادرة الرجل الذي باع نصف الدار ليشتري النصف ~~الآخر وتخلص له الدار بنصفيها، فما كل شراء يجمع للشاري بين النصفين ولكنه قياس مع الفارق ~~لشراء على شراء، والحماقة التي أدخلت في روع صاحبها أن السحابة علامة صالحة للحفرة التي ~~تحفر تحتها؛ هي بعينها التي ترى على الرمح روثة فلا تفهم منها إلا أن الدابة صعدت على ~~الرمح، لا يبقى عليها إلا البحث في طريق الصعود. # هذه معايير تقريبية لا نأخذ بها ولا نهملها؛ لأن إهمالها إهمال لدراسة واسعة من دراسات ~~العصر قابلة للمزيد من التوسع والأحكام. # وقد تعمدنا أن نختار بين النوادر السابقة طائفة من أشهر النوادر بين العامة والخاصة في ~~البلاد العربية؛ لأنها اشتهرت حتى أصبحت علما على جحا دون غيره من جمهرة الناس التي ~~تتناقل النوادر والأحاجي من فم إلى فم ولا ترجع إلى الكتب والأوراق، فليس من الجائز أن ~~تسقطها من كتاب يدور فيه الكلام على جحا وما ينسب إليه من النوادر والحماقات، ومعظم نوادر ~~جحا من قبيل هذه النوادر الساذجة في تأليفها وموضع الحكمة فيها، ولعلها ثلاثة أرباع ~~المجموعة التي بلغت قرابة ستمائة، وعتها الطبعة التركية كلها إلا القليل الذي تناثر من صدر ~~الإسلام إلى أيام الدولة العباسية بين كتب الأدب والفكاهة، وفيها من الأسلوب الأدبي والذوق ~~الفني ما ليس في معظم النوادر الشائعة، فإن هذه النوادر الشائعة أقرب إلى النفاية التي ~~تتناقلها العجائز لتسلية الأطفال ومن هم في مثل مداركهم من السذج والجهلاء، وموضعها بين ~~المحفوظات الشفوية التي يسميها الغربيون بالفولكلور أوقع من موضعها بين كتب الأدب والفكاهة ~~الفنية. # الفصل التاسع # | جحا في الأدب # جحا في الأدب، أو على الأصح النوادر الجحوية في الأدب؛ لأن هذه النوادر على أنواعها ~~موزعة بين زمرة من الحمقى والمحمقين بدأت الكتابة عنهم من القرن الأول للهجرة، واشتهر ~~منهم في الأدب العربي رهط يبلغ العشرة ويزيد عليها، منهم هبنقة الأحمق، وباقل العيي، ms094 وأشعب ~~الطفيلي، وماني الموسوس، وأبو العبر المتحذلق، ومزبد المديني، والحموي الشاعر، وغيرهم من ~~المحتالين بالحماقة أو التطفيل أو الخلاعة، وليس فيهم من الخلة الجحوية إلا اتساع كلمة ~~الغفلة للاشتقاق بين غافل ومتغفل ومتغافل، على بعد ما بين هذه المشتقات من المعاني ~~والألوان. # وهؤلاء الذين وردت أخبارهم في كتب الأدب أرفع في طبقة «الذوق الفني» من جحا في جملة ~~نوادره وأخباره، فليس فيهم من يسف بأضاحيكه إلى الصبيانية أو السذاجة السخيفة كما يلاحظ على ~~الكثير من نوادر جحا التي وصلت إلينا مضافا إليها نوادر المجموعة التركية، وهي محيطة بما ~~وضعه الترك وما وضعه غيرهم من عامة الشعوب الشرقية الإسلامية، وبعضه مما وضعه غير المسلمين ~~من جيران الترك العثمانيين - كالأرمن - ونسبوه إلى جحاهم المسمى عندهم باسم «أرتين». # وعلة هذه النقاوة فيما أثبته المؤلفون المتأدبون ~~أنهم أسقطوا البارد الغث من النوادر، ولم يثبتوا إلا ما فيه معنى وله طعم في مذاق الأديب ~~والفنان، فلا تجد - مثلا - في تلك النوادر ما تحسبه من تأليف الصبيان أو أشباه الصبيان من ~~السذج والجهلاء، وما فيه دليل على الغفلة أو التغافل فهو دليل عليهما بحق في عرف الذكي ~~اللبيب، وليس مما يكثر فيه الخلط ليحسب من الغفلة أو التغافل في عرف الصغار ~~والأغرار. # ولو كانت كل النوادر الجحوية من قبيل نوادر المزبد أو الحموي لكانت طرازا من هذا الفن لا ~~يعدله طراز في لغة من اللغات، ولكانت بابا من أبواب الدراسات الصادقة للفكاهة الفنية ~~والعوارض النفسية التي يعتمد عليها من يجد في البحث عن شواهد التحليل. # فمن كلام الحمدوني حين لاموه على التحامق: «إن حماقة تعولني خير من عقل أعوله.» # ومن أضاحيك المزبد أنه هم بتطليق امرأته فذكرته طول الصحبة، فقال لها: «والله ما لك ذنب ~~غيرها.» # ومن أضاحيكه أنه سمع عن صيام يوم بمثابة صوم سنة، فصامه إلى الظهر وأفطر، وقال: «حسبي من ~~الثواب ستة أشهر، نحسب منها شهر رمضان.» # ولو اجتمعت ستمائة نادرة من هذا الطراز لكانت كما أسلفنا ذخيرة لا تعدلها ذخيرة في آداب ms095 ~~العالم، ولكنها لا تجتمع بطبيعتها ولا مناص من اختلاطها بالسخف والهراء كلما تناقلها العديد ~~الأكبر من عامة الرواة، وأضافوا إليها ما يخترعونه باجتهادهم على حسب مداركهم، أو ما ~~يستدركون به الفوات والنسيان. # والكتب التي جمعت هذه النوادر المنتقاة تعد من أمهات كتب الأدب إلى أيام الدولة العباسية، ~~ثم يعرض لها الإسفاف والابتذال فيما بعد ذلك من جراء الشيوع والذيوع أو من جراء الهزال ~~والاضمحلال في دور المهانة والجمود. # وأشهر هذه الكتب نثر الدرر للآبي، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والمحاضرات لأبي القاسم ~~الراغب الأصفهاني، والبيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وأخبار الحمقى ~~والمغفلين لابن الجوزي، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وفوات الوفيات لابن شاكر، وذيل زهر ~~الآداب للحصري، والمستطرف للأبشيهي، وثمرات الأوراق لابن حجة الحموي، وحلبة الكميت للنواجي. ~~ثم يلي هذه الطبقة كتاب الفاشوش في حكم قراقوش لابن مماتي، وكتاب مضحك العبوس لابن سودون ~~المجنون، ويستطرد الإسفاف بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر للهجرة، وفيه ظهرت مجاميع النوادر ~~المنسوبة إلى جحا منقولة عن أخلاط الألسن في كل أمة تناقلت هذا الاسم بين الأمم ~~الشرقية. # الأدب الجحوي بعد النهضة الشرقية # وقد ازدهر الأدب الجحوي بعد النهضة الشرقية الحديثة، فظهرت المؤلفات عنه على مناهج ~~شتى، يقتبس بعضها من نوادره للأغراض التعليمية، ويستخدم بعضها هذه «الشخصية» لأغراض ~~النقد الاجتماعي على طريقة جحا في التحامق والحكمة التي تجري على ألسنة المجانين، ~~ويعنى بعضها بالإحصاء التاريخي والاستقصاء في تدوين الروايات والأسانيد، ويرجع هذا ~~الازدهار في الأدب الجحوي بعد عصر النهضة الحديثة إلى العناية بإحياء الآثار السلفية، ~~كما يرجع إلى شيوع النقد الاجتماعي بأسلوب الجد والفكاهة. # ولقد نبهت النهضة الشرقية أناسا من الأجانب المقيمين في الشرق - كما نبهت الشرقيين - ~~إلى استكشاف طبائعه وملامحه وألوان شعوره وتفكيره، فكان من هذه الألوان البادية هذا ~~اللون من الفكاهة الشعبية التي تدور حول «شخصية جحا» الساذجة ونوادره التي يتداولها ~~الشعب للسخر منها أو للسخر بها، وقام اثنان بترجمة نوادر جحا إلى الفرنسية باسم «كتاب ~~جحا الساذج» هما ألبرت عداه وألبرت ms096 جوسيبوفيشي # Albert Ades and A. ~~Josiponici # الذي كان من موظفي القصر الملكي، وممن حضروا بعض الدروس ~~الإسلامية في الأزهر الشريف، وكان مولده بالقسطنطينية سنة 1892 فكانت له معرفة بالتركية ~~والعربية واطلاع على نوادر جحا في مصادرها المختلفة، وأما صاحبه ألبرت عداه فقد ولد ~~بالقاهرة سنة 1893، وتعلم في مدارسها وحضر بعض الدراسات الأزهرية، وأمكنه أن يفهم ~~النوادر في لهجتها الشعبية أو لهجتها المعربة الشبيهة بالشعبية. # وقدم الكتاب المترجم إلى قراء الفرنسية الأستاذ أكتاف ميربو # Mirbcau # بكلمة موجزة كتبها في أثناء الحرب العالمية (25 أكتوبر سنة ~~1916) وقال فيها إن المؤلفين لا يشرحان شيئا؛ لأن الحياة لا تشرح نفسها، وما كان ~~«جحا» إلا فلذة من الحياة الشرقية تعيش ولا تحتاج حيث تعيش إلى تفسير؛ لأن النوادر لا ~~تبحث لنا عن غير المألوف أو عن الخوارق والغرائب، وإنما تعطينا مألوفات الحياة الدارجة ~~بغير بحث ولا انتقاء، وإذا بدا فيها أثر من الغرابة فإنما ترجع هذه الغرابة إلى اختلاف ~~الجيل مع تشابه الشخصيات وتكرار أمثالها في كل جيل. # وما كاد هذا الكتاب يظهر بالفرنسية حتى ترجم إلى اللغات الأوروبية وأقبل عليه ~~المثقفون لأنه معرفة يستزيدونها، كما أقبل عليه عامة القراء لأنه يروقهم بفكاهته ووقائع ~~الحياة الممثلة فيه، ومن هذه التراجم ترجمة بالإنجليزية ظهرت باسم جحا الأحمق # Goha the fool ~~، أو جحا الغر «البسيط». # وآخر ما ظهر من الكتب الأوروبية عن جحا كتاب مغامرات بخارى الذي ألفه الكاتب الروسي ~~ليونيد سولفييف # Leonde Soloviev ~~(سنة 1938) وترجمه ~~إلى الإنجليزية تاتيانا شيبونينا # Shebunina # في هذه ~~السنة، واتخذ المؤلف من شخصية جحا في هذا الكتاب داعية جوالا يضطرب في البلاد الآسيوية ~~هربا من ظلم الحكام، وكراهة للمقام، ويمضي هنا وهناك ليشهر بالنظم الحكومية التي ~~ترهق الناس بالضرائب وتلتمس لها أسبابا من الهباء لا تعفي منها المقيم ولا المترحل بين ~~الأرض والسماء، ومثال هذه المعاذير التي تنتحل لتحصيل الضرائب أن المكاسين استوقفوا ~~جحا على باب مدينة ليسدد الضرائب عمن ينوي أن يزورهم فيها، فلما قال للمكاسين إنه لا ~~يقصدهم للزيارة بل ms097 للعمل والتجارة طالبوه بالضريبة ضعفين: إحداهما للعمل المربح والأخرى ~~للزيارة «الضمنية»؛ لأن من يتجر مع قوم يزورهم بغير مراء. # ونخال أن القراء الغربيين أقبلوا على نوادر جحا لأنها وافقت عندهم نماذج من الشخصيات ~~المضحكة يألفونها ويتناقلون حكاياتها الصحيحة أو الموضوعة. وربما كانت نوادر جحا نفسه ~~قد تسربت إلى الغرب بالتنقل والرواية الشفوية والاطلاع على الكتب العربية في أصولها أو ~~ترجمتها، ولا يبعد أن يكون كثير من هذه النوادر قد انتقل من المغرب إلى أبناء جزيرة ~~مالطة الذين يتحدثون في لغتهم الممتزجة بالعربية عن شخصية كشخصية جحا تسمى عندهم جهان، ~~وهو تصحيف يسير كتصحيف كثير من الأسماء العربية التي يتسمى بها أبناء تلك الجزيرة. أما ~~اسم «جوكا» المشهور باللغة الإيطالية فلا نخاله من قبيل هذا التصحيف كما خطر لبعضهم؛ ~~لأن مادة «جوكا» بمعنى المزاح والضحك شائعة في اللغات الغربية اللاتينية والسكسونية، ~~ومنها كلمة «الجوكندا» لصورة موناليزا الخالدة بمعنى «المبتسمة» من عمل ليوناردو دافنشي ~~الفنان الكبير. # وقد أشرنا فيما تقدم إلى شخصيات في الغرب تشبه شخصية «جحا » في جانب الحكمة تارة وفي ~~جانب الحماقة تارة أخرى، ولا ننسى في هذه العجالة أبقيت هذه الشخصيات لأنها باقية ~~إلى يومنا هذا عنوانا لصحيفة سيارة باسم «البنش» Punch # المختزل من اسم Punchinello # من بقايا التمثيل الصامت في ~~العصور الوسطى أو «القرقوز» المعروف عندنا بصندوق الدمى والألاعيب؟ # والتناقض كثير في رد هذه الكلمة إلى أصلها القديم، فمن الشائع في الأسانيد الشعبية ~~الإيطالية أن الاسم مصحف من اسم مهرج سخيف يسمى بتشيو دانيلو Puccio daniello # كان معروفا في القرون الوسطى ثم اتخذوا اسمه علما ~~على صناعة التهريج. # ولا سند لهذه الرواية غير الإشاعة والمشابهة في اللفظ مع الاختزال والتصحيف. والأرجح ~~أن الاسم مصحف من اسم بنشيوس بيلات Pontius Pilate # أو بيلاطس الذي حدثت في عهد ولايته محاكمة السيد المسيح، فقد كانت هذه «الشخصية» محور ~~السخرية والإهانة في المسرحية الدينية التي كانت تمثل محاكمة السيد المسيح وتعرض أعداءه ~~في صورة رمزية يقابلها النظارة بالتهكم والاستهزاء. وقد يكون وصف ms098 القرقوز بالسواد - كما ~~يسمى باللغة التركية - منظورا فيه إلى هذه المسرحية «السوداء»، أو مأخوذا من الستار ~~الأسود الذي يحجب الدمى والألاعيب. وهكذا تنتقل الشخصيات والمناظر بين الشعوب ثم تنعزل ~~في كل أمة بخصائصها بعد نسيان وسائل الانتقال. # وأيا كان مصدر هذا «البنش» فهو باق إلى اليوم يصغي الناس إلى فكاهاته متفرعة ~~متجددة، متطورة، كما نقول بمصطلحات زماننا وقلما يعنيهم أن يتتبعوها إلى جذرها ~~القديم. ~~••• # ومن أطوار الشعوب في تناقل الفنون أو الموضوعات الفنية أن نهضة الشرق نبهت ~~الأوروبيين إلى تراث الشرقيين القديم، وأن عناية الأوروبيين نبهت إليه أناسا من ~~الشرقيين الذين يكتبون باللغات الأوروبية، فوضع الأستاذ عسكر نحاس باللغة الفرنسية ~~كتابا سماه «تأملات ابن جحا» يحاكي فيه الابن أباه بالحكمة المازحة والدعابة الحكيمة، ~~ومن أمثاله قوله عن المرأة «إنها خلقت في الرجل الأنانية لتحقيق مطالبها»، وأن «امرأة ~~واحدة تبحث عن سيد، ولكن امرأتين معا تبحثان عن فريسة»، وأن «الرجل الشرير في عين ~~المرأة الخائنة هو السمكة التي ترفض الطعم»، وأن «المرأة تعذب رجلها عقابا له على أنها ~~شيء لا غنى عنه لديه». # وسينشأ لجحا بعد ابنه هذا حفدة وأبناء حفدة، ولا نظنهم جميعا قالوا - بعد - كلمتهم ~~الأخيرة باللغة العربية، أو التركية، أو بسائر اللغات، فإنهم خالدون بخلود النفس ~~البشرية بين كل قبيل. # الفصل العاشر # | خلاصة تاريخية # والخلاصة من الناحية التاريخية - وهي أقل النواحي ثبوتا وأهمية في هذا المبحث - أننا ~~نستطيع أن نتقبل أبا الغصن جحا كما ذكره الميداني في أمثاله كأنه شخصية تاريخية لا غرابة في ~~وجودها، ولا داعية للشك في إمكان وقوع النوادر المنسوبة إليها، فإن الذين يشبهون أبا الغصن ~~هذا في غفلته وسهواته يوجدون في كل بيئة، وفي كل زمن، وإن تنوعت المناسبات والأحوال التي ~~تكشف للناس عما طبعوا عليه من الغفلة. # ويلحق بأبي الغصن أناس على شاكلته لم يشتهروا مثل اشتهاره ولم يسمع بهم الأمراء والولاة ~~كما سمعوا باسمه وخبره، فيطلق الناس عليهم اسم جحا نبزا أو تشبيها أو تغليبا أو تفيهقا ~~بالحكاية النادرة التي تدل على ms099 علم بأخبار السلف إذا رويت عن مشهور متقدم، ولا تدل على شيء ~~من ذلك إذا رويت عن سكان البلد في ساعتهم الحاضرة، ويعمل الوضع و«القفش» عملهما أثناء ذلك ~~فيجتمع من النوادر الجحوية ما تصح نسبته إلى شخصية قديمة أو حديثة، وما تصح نسبته إلى أحد ~~غير وضاعه ومخترعيه من الرواة والملفقين. # ونحن في عصرنا هذا قد شهدنا نشأة أمثال هذه الشهرة الصحيحة والمخترعة وشهدنا تطورها من ~~مبدئها إلى مصيرها بعد عشرين أو ثلاثين سنة، وكان «الفضل» في ذلك للصحافة الأسبوعية المضحكة ~~التي كانت تقوم في أوائل القرن العشرين على «القفش» والملحة المخترعة. ويعلم الكتاب والقراء ~~والمستمعون أنها تلفيق يعتمد على أصل ضعيف، وأنها براعة في صناعة «القفش» ويتنافس فيها ~~أولئك الصحفيون، وهم ولا ريب خلفاء الندماء الذين كانوا يتولون هذه الصناعة في صدر الدولة ~~الإسلامية وما يليه من العصور قبل نشأة الصحافة. # رأينا الأديب «إبراهيم الدباغ» يأكل في مأدبة فلم نلحظ عليه شيئا من النهم الذي اشتهر به ~~بين المتندرين، وسألنا صاحبا له فقال إنها أكلة واحدة أو أكلات قليلة بعد جوع أكسبته هذه ~~الشهرة الباطلة. وأنت تعلم أنه كثير السخرية والاستهزاء بالأدعياء من محترفي الأدب والصحافة ~~الذين يتزاحمون على مجالس الأغنياء. فانتهزوا «فرصة» هذا النهم الموقوت للقصاص والوقيعة ~~وملئوا الصحف الأسبوعية «بالقفشات الدباغية» حتى أصبح «الدبغ» كلمة في اللغة الدارجة تطلق ~~على النهم، وقد ظلت هذه الكلمة تحمل معناها المستعار إلى يومنا هذا، وأصبحنا نسمع من يقول ~~عن أحد من الناس إنه «دباغ» وهو لا يعرف أصلا لهذه التسمية. # وقد حكينا ما رأيناه من الشيخ الدباغ وما سمعناه من صديقه لصاحب إحدى الصحف الأسبوعية ~~التي أولعت «بالقفش» له والتلفيق عليه، فقال: «لا تنخدع به فتدعوه إلى طعام، فإنما يكف ~~الرجل يده عن الأكل وهو مشتاق إليه ليدحض كلامنا عنه ويغرر بالحاضرين فيقعون في الشرك، ~~ويندمون حيث لا ينفع الندم.» # فلم ندر - ونحن معاصرون لصاحب الشهرة من شهروه بها - أي القولين نصدق، وأي القفشات يعتمد ~~على الواقع، وأيها يستمد من ms100 الفكاهة والخيال. # واشتهر رجل آخر في تلك الآونة بالمبالغة في الادعاء - أي بالفشر كما يقولون في اللهجة ~~البلدية - وكان حقا يدعي ويبالغ في دعواه، وكان ظريفا يحسن التخلص من المأزق إذا امتحن ~~بمن يتعقبه بالنقد والسخرية، وكان إلى هذا وذاك على يسار يطمع فيه طلاب الاشتراكات للصحف ~~الأسبوعية في ذلك الحين، فامتلأت هذه الصحف بدعاويه وبالدعاوي المقيسة عليها مع التوسع ~~والإغراب، وأصبح اسمه كذلك علما على «الفشر» يكاد يلغي هذه الكلمة لولا أنها متأصلة في ~~الأقوال والأقاويل. # فلا غرابة في نشأة النوادر الجحوية سواء صحت نسبتها أو لم يصح منها إلا القليل. # وكل ما جاء في الكتب العربية من هذه «الجحويات» فلا غرابة في نشأته، ولا غرابة فيه من كل ~~وجه إلا في التناقض بين الغفلة والتغافل في أخبار الرجل الواحد، ولا سيما الأخبار التي ~~تتحقق صفات صاحبها ويثبت أنه من المجانين المسلوبين الذين لا يحسنون تدبير «التغافل»، ولا ~~تجيء منهم الحكمة إلا فلتة غير مقصودة في القليل من الأحايين. # الخوجة نصر الدين التركي # أما جحا التركي المسمى بالخوجة نصر الدين فالمنسوب إليه يملأ مئات الصفحات، وبين ~~أيدينا كتاب بالتركية مطبوع في الآستانة بالحرف الدقيق (سنة 1328 هجرية) يقع في مائتي ~~صفحة وخمس وخمسين، ولا يستوعب كل ما نسب إلى جحا أو إلى الخوجة نصر الدين من نوادر ~~الحكمة أو نوادر الغفلة والبلاهة. # والأمر الذي لا شك فيه أن كثيرا من هذه النوادر وضعت بالتركية ولم تنقل عن العربية، ~~وأنها ترجع إلى شخص عاش في بلاد الترك ولم تكن نشأته على الأقل في بلاد أخرى. # ويدعونا إلى الجزم بذلك أن النوادر تشتمل على جناس يوجد في الألفاظ التركية ولا يوجد ~~في ألفاظ لغة أخرى، كالجناس بين جل وكل في نادرة المسامير والخطوط مع لفظ الكاف كما ~~تلفظ الجيم في بعض الكلمات، والجناس بين جمع أيوب وكلمة «أيب» بمعنى حبل في نادرة يحذر ~~فيها الخوجة نصر الدين أبناء بلده من الإفراط في تسمية أبنائهم باسم أيوب، أو كالجناس ~~في الاصطلاح على ms101 تسمية المطر بالرحمة وقولهم عن نزول المطر إنه رحمة نزلت «رحمة انيور» ~~من عند الله. # ويدعونا إلى الجزم بتأليف الترك لكثير من هذه النوادر أنها تذكر المدن والأقاليم في ~~آسيا الصغرى وما جاورها بخصائصها المشهورة إلى هذه الأيام. # ويرجح لدينا أن نصر الدين شخصية تركية غير منقولة عن الأمم الأخرى أنه نشأ في آسيا ~~الصغرى حيث تنتشر جماعات الدراويش الدينيين من قبل الإسلام، وحيث يعهد في آحاد من هؤلاء ~~الدراويش أن يخلطوا خلط المجاذيب ويفتوا فتوى العلماء والفقهاء، وأن يلوذوا بمظاهر ~~التخليط أحيانا بغية السلامة من بطش الحكام المغيرين على البلاد، وقد يلوذ بهم عامة ~~الناس إيمانا بكراماتهم وشفاعاتهم ليدفعوا عنهم مظالم الطغاة، فيحتالون على استرضاء ~~الظالم بالفكاهة أو بالوعظ المقبول أو بالتخليط الذي ينالون به ما طلبوه من الحاكم إذا ~~أضحكوه واستطاعوا في وقت واحد أن يلمسوا في نفسه موطن التقوى والخوف من الله ومواطن ~~الرضا والسرور. ~~••• # والخوجة نصر الدين مشهور بكراماته وكرامات ضريحه في مقبرة «آق شهر» بعد وفاته بزمن ~~طويل، ويذكر الناس أضاحيكه فيضحكون منها ولكنهم يحيلونها إلى حالات أهل الجذب بين عالم ~~الأسرار وعالم العيان، أو يحيلونها إلى حب التقية والاحتيال على الموعظة الحسنة ~~بالأسلوب الذي يؤدي إلى مرماه ويعفيه من عقباه. # والشك الأكبر إنما يعرض لهذه السيرة من أطباق النوادر الكثيرة فيها على اجتماع الخوجة ~~نصر الدين بتيمورلنك أثناء غزوته لبلاد الروم، والمشهور أن الخوجة نصر الدين توفي سنة ~~673 أو سنة 683 هجرية، فهو قد توفي قبل مولد تيمورلنك بأكثر من نصف قرن، ولا يعقل أنه ~~رآه وحضر مجالسه إلا إذا كانت وفاته حوالي سنة (1405م) التي توفي فيها تيمور. # ولا يسهل التوفيق بين هذه الروايات إلا على فرض من فرضين: أحدهما خطأ المتأخرين في ~~تعيين السنة التي توفي فيها الخوجة نصر الدين، والثاني أن تيمورلنك لقي شيخا آخر على ~~شاكلة الخوجة نصر الدين فتداخلت الروايات وعلقت البقية الباقية منها بالاسم ~~المشهور. # وأيا كان صواب النسبة في بعض النوادر التي تحتمل الخلاف فهناك جملة ms102 من النوادر لا ~~اختلاف في وضعها بعد عصر تيمورلنك وبعد العصر المفروض للخوجة نصر الدين، وهي النوادر ~~التي وردت فيها الإشارة إلى المخترعات الحديثة كالبندقية وساعة الجيب، أو كالنوادر التي ~~تكذبها وقائع التاريخ العثماني وتاريخ آسيا الصغرى على الخصوص. ~~••• # ومن الواجب أن نسلم - بداءة - بوضع العدد الأكبر من النوادر التركية أو نقلها من رواة ~~الأمم الأخرى؛ لأن حصولها كلها من رجل واحد أمر لا يسيغه العقل ولا يروى له نظير في ~~السوابق التاريخية، فلو أن هذا الرجل عاش ليخلق تلك النوادر وعاش الناس معه ليسجلوها، ~~لما اجتمع من أضاحيكه تلك المئات التي تملأ المجلدات، ولا استطاع أن يأتي بما فيها من ~~النقائص العقلية والخلقية، فضلا عن نقائص الجغرافيا والتاريخ. # فوضع العدد الأكبر من النوادر أمر مفروغ منه لا يجوز أن يحتج به المحتج على بطلانها ~~واختلافها من أصولها، ولعل هذه النوادر الموضوعة أصح في الدلالة على أزمنتها وبيئاتها ~~من وقائع السجلات والأرقام. # قيل إن بين الجليل الرهيب والمضحك المغرب قيد شعرة أو لمحة عين، ولا شك في هذه ~~الحقيقة من الوجهة النفسية كما تقدم ؛ لأن الهول يتحول فجأة إلى الضحك بطارئ من طوارئ ~~التغيير والتبديل التي تتعاقب في أيام النصر والهزيمة والقيام والسقوط بين الجبابرة ~~وأصحاب الدولات. ~~••• # ولا شك في هذه الحقيقة - أيضا - من الوجهة التاريخية إذا رجعنا إلى عصر تيمورلنك ~~وأشباهه في تواريخ المشرق والمغرب، فليس أحفل بالأضاحيك من عصور التقلب وعصور الشدائد ~~والأهوال. # وظاهرة أخرى من الظواهر الناطقة في النوادر الموضوعة تنبئنا عن زمانها الذي فشت فيه ~~وشاع اختراعها بين جميع الطبقات. # فمنذ القرن السادس للهجرة (والثاني عشر للميلاد) هبطت المعرفة من ذروة الكرامة، وأصبح ~~العارف الأريب من يحتال على رزقه بالمجون والمنادمة والتحامق والتشبه بالجهلاء وأصحاب ~~الجدود من ضعاف العقول، وشاع القول «بحرفة الأدب» مغنية عن القول ببؤس العالم ~~الأديب. # في أوائل هذا العهد ظهرت مقامات الحريري التي يجمع بطلها بين البؤس والبلاغة والبراعة ~~في الحيلة، وفيها تواتر النظم في شكوى الزمان مقرونة بشكوى الأدب والعجب من ms103 قسمة ~~الأرزاق، وهذه هي الناحية الأدبية من تلك الشكايات وتلك الحيل «الإنشائية» أو الفنية. ~~وأما الناحية الاجتماعية العامة فآيتها هذه النوادر التي تعد بالمئات ولا تظهر فيها ~~براعة اللبيب الأريب إلا في الاحتيال على أكلة أو في الاحتيال على دفع المحتالين ~~الطامعين في قوته الهزيل. ~~••• # وبين قصص جحا قصة عن تقسيم الأرزاق يسأل فيها جحا من ندبوه للقسمة هل يريدون قسمة ~~الله أو قسمة العبيد، فلما حكموه في توزيع الحظوظ بينهم على قسمة الله أعطى هذا ما لم ~~يعط ذاك وفاوت بينهم أكبر المفاوتة في الأقسام. وما كانت هذه النوادر لتشيع بين العامة ~~من رواة «الجحويات» لو لم تكن لها مصادرها المتواترة من بعيد. # على أن النوادر «الطعامية» تنم على وجه خاص عن سذاجة في الحيلة ترجع نسبتها إلى طوائف ~~المحرومين من الجهلاء الذين يتأسون بذوي المعرفة والتقى ولا تسعفهم القدرة على ~~الاختراع، فغاية جهدهم هذا الذي ابتدعوه وأحبوا تعظيمه وتحقيق الأسوة فيه بنسبته إلى ~~العارفين، وجاءت هذه النوادر الطعامية مجاوبة للمقامات الإنشائية وللقصائد المنظومة في ~~شكوى الزمان والعجب من قسمة الأرزاق، ولم يعرف هذا كله في عصر من عصور الشرق كما عرف ~~بعد القرن السادس للهجرة، وبعد إدبار الدولة العباسية، واجتياح تيمورلنك للعالم الشرقي ~~من تخوم الصين إلى شواطئ بلاد الروم. ~~••• # ونودع الآن جحا والجحويات ونحن نحمد للضاحك المضحك أنه أعار اسمه - عامدا وغير عامد ~~- لبابا من الدراسة النفسانية والاجتماعية لم يكن ميسورا لنا بغيره، ولن يبخسه شيئا ~~من الحمد أن يكون على وفاق مع التاريخ أو على افتراق من كل تاريخ. ms104