######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.KhulasaYawmiyyaWaShudhur.Hindawi49305370 #META# Tags: literature #META# ID: 49305370 #META# Title: خلاصة اليومية والشذور #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة‏ # 1 - خلاصة اليومية‏ # 2 - الشذور‏ # كلمة‏ # 1 - خلاصة اليومية‏ # 2 - الشذور‏ # | خلاصة اليومية والشذور # | خلاصة اليومية والشذور # تأليف # عباس محمود العقاد # | كلمة # من أراد أن يقرأ عن الناس والعالم ما يسره، فليخلق للكتاب ناسا جددا في عالم ~~جديد. # تدور هذه النبذة على نقط ثلاث: # أولا: # أن كل ظواهر هذا الكون، علويها وسفليها، ظاهرها وباطنها نتيجة تفاعل ~~«القوى» المختلفة، وكذلك الأمر في الاجتماع البشري. # ثانيا: # أن اللذة والألم، وبعبارة أعم، المنفعة والضرر هما الدعامتان اللتان ~~عليهما تقوم كافة الأخلاق البشرية. # ثالثا: # أن الإنسان حيوان راق، ولكنه لا يزال حيوانا، فمن كان فخورا بعالمه ~~شديد الاعتداد بإنسانيته فهي لا تروقه وربما نفر منها طبعه، ومن كان يقرأ ~~ليقتنع أكثر مما يقرأ ليرضى فإياه عنيت بنشر هذه اليوميات. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | خلاصة اليومية # الجامعة الإنسانية # إن انفراد كل صقع بخصوصية تميزه عن سواه، وتقدم الناس إلى الاشتراك جميعا في الحاجة ~~إلى تلك الخصوصيات بنسبة اتساع مطالبهم تبعا لتقدم العمران؛ مما يدل على أن كل الناس ~~مرتبطون بكل الأرض، وأن حواجز الأوطان ستطمس معالمها لتصير الأرض الوطن العام لنوع ~~الإنسان. # وهذه الحركة الاقتصادية التي جاذبت بين أبعد الشعوب لتبادل المنفعة ستؤدي حتما إلى ~~توحد المصالح العامة بين الأمم؛ بحيث تتضامن كلها في الانفعال بالعوامل الاقتصادية التي ~~تؤثر على بعضها، وهو ما يؤذن بانقضاء الحروب وسيادة السكينة والسلام. # وما زالت العوامل الاجتماعية منذ القدم تقذف بالإنسان في دائرة أشبه بزرد الماء يتسع ~~محيطها شيئا فشيئا؛ فيشمل في كل دور ما كان خارجا عنه في الدور الذي تقدمه، فأن تكون ~~القبيلة من العائلة والشعب من القبيلة والأمة من الشعب والجامعة من الأمة يؤذن بأن ~~الخطوة التالية ستتقدم بنا إلى الغاية التي طالما اشتغل كبار المصلحين لتحقيقها؛ وهي ~~دخول أمم الأرض جمعاء تحت لواء جامعة واحدة، وهي الجامعة الإنسانية. # الفضيلة والرذيلة # الفضيلة والرذيلة كلمتان لما اصطلح جماعات الناس على الاعتراف به أو إنكاره باعتبار ~~نفعه أو ضرره، والمعروف والمنكر وهما من مرادفاتهما في العربية ms01 تؤديان هذا المعنى تمام ~~الأداء، فما كان يعد فضيلة عند قوم يعد رذيلة عند قوم آخرين تبعا لما ينجم عنه من ~~النفع أو الضرر عند كل منهما، وربما العمل الواحد في الأمة الواحدة يعتبر فضيلة في ~~هذا الزمن أو ذاك ورذيلة في زمن آخر. # انحطاط الشرق # علة انحطاط الشرقيين أنهم جعلوا لتنازع البقاء ميدانين، فلم يبالوا أن يخسروا الصفقة ~~في هذا العالم ليغنموها في العالم الآخر، وساعدهم على ترك الاشتغال بشئون هذا العالم أن ~~خصب الطبيعة في الشرق قد جعل طلب الضرورات المعيشية مما لا يلجئ إلى التدافع والزحام، ~~كما هي الحالة في الأصقاع التي لا يأتي فيها استثمار الرزق وتوفير أسباب الحياة إلا ~~بوسائط الكد والاستنباط، فكانت الدعة والرخاء من أكبر العوامل التي صرفتهم عن عالمهم ~~إلى تطلب السعادة الكمالية في سواه. # جنون النبوغ # إذا كان الجنون بنوع ما عبارة عن مخالفة ما جرى عليه العرف بين الناس فالنبوغ نوع من ~~الجنون، فإن النابغة يستهين بالتقاليد المرعية بين الجمهور؛ لأنه لا يعرف وجها للتمسك ~~بها، إما لأنها عقيمة في ذاتها أو لأنها كانت صالحة أو ضرورية في زمن من الأزمان، ثم ~~عادت غير ضرورية في الوقت الحاضر. # التشبيه الشعري # ملكة التشبيه تقوى حيث تضيق دائرة الأشياء؛ فإن المتكلم يحاول أن يقرب إلى سامعه ما ~~لا يعرفه وهو كثير بتشبيهه بشيء مما يعرفه وهو قليل؛ ومن ثم كان أهل البدو والريف ~~أقدر على التشبيه من الحضريين وسكان الأمصار، ولقد كان الشاعر دائما أسبق من العالم في ~~التاريخ؛ فإن الإنسان يحس أولا ثم يفكر، فتسخو القرائح في عهد البداوة، وينبغ ~~الشعراء في الأنحاء التي لم يستبحر فيها العمران أكثر مما ينبغون في غيرها. # إرادة المصري # المصريون لم يشعروا بافتقارهم إلى الإرادة إلا بعد أن قسرتهم المزاحمة الأجنبية على ~~الأعمال التي للإرادة دخل فيها، فأما قبل ذلك فكانت أعمالهم من أغنى الأعمال عنها، فلا ~~اعتدال الجو ولا ارتفاع النيل ولا امتناع الآفات ولا جودة المحصول مما يترتب على توجيه ~~إرادة الزارع، بل ms02 كل ما يحتاج إليه في صناعته شغل آلي شاق بعيد عن إشراف القوى ~~العقلية. # بقايا الحيوانية في الإنسان # العواطف عبارة عن انفعالات جسدانية لا سلطان لأعمال العقل عليها، وهي في الإنسان ~~راجعة إلى أقدم عهده بالهمجية، بل بالحيوانية الأولى أيام كانت كل أمياله وأطواره ~~أفعالا تقوم بها وظائف جسده من تلقاء نفسها حسب مطالبها من سد جوعة أو قضاء شهوة أو ري ~~ظمأ أو دفع أذى؛ فالرجل الهمجي، ومثله الجاهل الفطري، ليست مدركته إلا مجموعة إحساسات ~~عالية أو خسيسة، ليس للنظر والتروي مجال بينها، وما كان في جميع حالاته إلا آلة تقذف ~~بها طبيعته حيث شاءت، ولكنه في المجتمعات الراقية حيث يرتبط الرجل مع بقية الأفراد ~~بواجبات وأصول جبرية ولا يعود حيوانا مرسلا مع أهوائه وشهواته، يضطر بحكم البيئة إلى ~~الضغط على عواطفه انصياعا لأحكام المصلحة والعقل، ويزداد كلما ازداد الإنسان حاجة إلى ~~التعقل والاستغناء عن قوة الساعد في حفظ ذاته. # فالقليل الذي بقي من عواطفنا وأميالنا اللدنية التي لا تجيبنا إذا سألناها لماذا ~~مصيره إلى التواري والاختفاء حتى يسود حكم العقل على جميع أعمال الإنسان. # العمل والأمل # الغربي والشرقي يتشابهان في أن لكل منهما غرضا من حياته، ولكنهما يتفاوتان في ~~التوفيق بين الأمل والقدرة على تحقيقه، فالغربي إذا طمح إلى أمر عمد إليه من طريقه، ~~فالجندي يحاول أن يكون قائدا والدرزي تاجرا والصانع صاحب معمل وهلم جرا، أما ~~الشرقي فأمله مبهم غامض لا تتميز له وسيلة ولا تتضح إليه سبيل. يحب كل إنسان أن يكون ~~أحسن إنسان كما لو كان يحب ذلك لإنسان سواه؛ أي من غير أن يأخذ للأمر أهبته أو يدبر له ~~عدته، فكثر في أقاصيصنا ذكر أمثال: شبيك لبيك، وبساط الريح، وطاقية الإخفاء، وقضيب ~~السحر، ومسحوق الكيمياء، وغيرها مما يرد في ألف ليلة والأحاجي التي يقصها عجائزنا على ~~أسماع صغارنا قبل أن تفتح لهم أبواب الآمال، فينشئون على التراخي والتواكل وترك ~~تحقيق أمانيهم إلى المصادفة والاتفاق. # الفيلسوف # ليس الفيلسوف صاحب المذهب الشاذ أو المبدأ الغريب، ولا ms03 هو بالرجل الواسع الاطلاع أو ~~المتفوق على غيره في ملكاته ومواهبه. الفيلسوف الحقيقي هو الباحث الذي لا ينشد إلا ~~الحقيقة، ينشدها لا ليراها في شكل منتظم أو هيئة مرموقة أو ينظر إليها في ظل مبدأ من ~~المبادئ فيكيفها كما ترسم مخيلته وتوحي إليه موروثاته ومعتقداته وأغراضه، ولكن لتظهر ~~أمامه كما هي بالوجه الذي تظهر به في كل آن عارية عن غواشي البراقش والزركشات، وهو ~~المفكر الذي لا يتسلط عليه رأي من الآراء أو يملك ذهنه غرض من الأغراض، بل يأخذ في ~~البحث سواء لديه على أي نتيجة طلع منه، فليس فيلسوفا ذلك الباحث الذي يقدم على موضوعه ~~برأي مبدئي يتشيع إليه فيما هو بصدده، أو ذلك السفسطائي الذي لا هم له من أبحاثه إلا ~~أن يجد له برهانا يسند إليه ما تلقاه من غيره عن طريق الوراثة أو التلقين. # الحسد # ليس الحاسد هو الذي يطمع أن يساويك بأن يرقى إليك، بل هو الذي يريد أن تساويه بأن ~~تنزل إليه؛ ومن هذا القبيل الرجل العياب الذي يتتبع عورات الناس وسقطاتهم لينزل بهم إلى ~~مستواه ويتغافل عن حسناتهم عمدا؛ لأنه يعلم من نفسه العجز عن الإتيان بمثلها. # المطالعة والتجارب # التجارب لا تقرأ في الكتب، ولكن الكتب تساعد على الانتفاع بالتجارب. # الشعر والألفاظ # الشعر صناعة توليد العواطف بواسطة الكلام، والشاعر هو كل عارف بأساليب توليدها بهذه ~~الواسطة، يستخدم الألفاظ والقوالب والاستعارات التي تبعث توا في نفس القارئ ما يقوم ~~بخاطره - أي الشاعر - من الصورة الذهنية. والألفاظ نوع من اختزال المعاني تشير إلى ما ~~لا يمكن وروده منها على اللسان، أو هي رموز يقترن كل منها بخواطر وملابسات تتيقظ في ~~الذهن متى طرقه ذلك اللفظ، ولا يشترك فيها معه لفظ آخر وإن ترادفا في ظاهر المعنى، ~~فالمترادفات لا تتشابه في المدلول تماما، والكلمة في لغة لا تفيد معنى مقابلتها في لغة ~~أخرى؛ فليست المعاني منطوية في أحرف كلماتها، ولكنها ترمز إليها، ولا مجرد النطق بكلمة ~~يكفي لاستحضار معناها عند كل من يسمعها على السواء، ms04 فتختلف الكلمة الواحدة في قوة ~~استحضار المعنى باختلاف مدلولاتها وملابساتها عند السامعين، والتفطن إلى هذا الفرق ~~الدقيق بين معاني الألفاظ والتلطف في أداء كل منها في موضعه يدخلان في الملكة التي ~~يحتاجها الشاعر ليكون شاعرا مجيدا، ولا بد لها من أن يكون للشاعر استعداد فطري لتلقي ~~العوارض والمؤثرات التي تقع تحت شواعره حتى يلم بأسرار النفس وكيفية تطرق الإحساسات ~~المختلفة إليها، وأن يكون قد انطبع في ذهنه نخبة من صور تلك الإحساسات ممثلة في قوالب ~~جماعة من فحول الشعراء ليعلم بالمقارنة بينها أيها أحكم تمثيلا وأبلغ وقعا وأسرع ~~توجها إلى العاطفة المخاطبة به حتى يتسنى له أن ينقل ما يشاء منها إلى نفس غيره، ولا ~~يحتاج الأمر في الشعر إلى الجلاء والإبانة كما هو في النثر، فإنه كما تقدم يقصد به ~~التأثير ولا يقصد به الإقناع، والعواطف قد تتأثر بالعبارة المفاجئة أشد من تأثرها ~~بالعبارة ذات القضايا المرتبة والمعاني الجلية. # فقل أن ترى كبار الشعراء يتكلفون الشرح والتفصيل فيما يردون الإعراب عنه كما ~~يتكلفهما المبتدئون منهم؛ لأنهم أخبر بوسائل التأثير وأعرف بالألفاظ التي لها وقع أبلغ ~~من غيرها على الإحساس. # حب الظهور # الشغف باستلفات الأنظار عام بين جميع الناس، ولكن منهم قوما يظهر كأنهم يطلبونه ~~بألسنتهم وقوما كأنهم يحرزونه بالرغم منهم ومن الناس. # التعصب الديني في المستقبل # طبيعة الدين ليست عدائية وإن ظهر لأول وهلة كأن في هذا القول شيئا من المخالفة ~~للواقع. # حفظ الذات أقوى غرائز النفس الإنسانية، والعواطف المتفرعة عنه أقوى العواطف، تحرك ~~الإنسان المؤثرات، أولا تحركه بقدر ما تمس هذه الغريزة، والإنسان بطبيعته في حالة سلم ~~مع بقية الناس، فالنزاع عارض طرأ من اشتراك إنسانين فأكثر في الحاجة إلى العروض ~~الخارجية، وإن مجرد وجود تلك العروض بحالة لا يظفر بها إلا من غلب، بين فريقين ~~متساويين في الحاجة إليها وعدم الاستغناء عنها، يحسب في ذاته إعلانا من كل منهما ~~صريحا بإشهار الحرب إلى أن يظفر أحدهما بحاجته. # فالدين باعتباره عقيدة مجردة لا يقتضي نزاعا بين الناس، إلا ms05 إذا تجاوز حيز العقائد ~~إلى الأشياء الخارجية التي تدخل في معاملات الإنسان، كما يشاهد في الأمم المتأخرة التي ~~تجهل العلاقة الحقيقية بين الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات، وأكثر ما يشاهد ذلك ~~في أمم القرون الوسطى وما تقدمها من عصور الكهانة والسحر. # فقد مر عهد - ليس بالبعيد - كانت الصلة بين العاطفة الدينية وغريزة حفظ الذات من أحكم ~~الصلات، لا بالنظر إلى مستقبل الإنسان في العالم الآخر فقط، بل بالنظر إلى حياتنا في ~~هذا العالم أيضا، فكان فرعون وشعبه يشربون دما أحمر من نيلنا العذب؛ لأنهم لم يشاءوا ~~أن يدخلوا في دين بني إسرائيل. # كان كل شيء في ذلك العهد إنما يحدث بإشراف القوى الخفية مباشرة؛ فكان للسحاب عمال ~~يسوقونه من بلد إلى بلد، وللرياح والبحار خزنة يصرفونها بتقدير ويمسكونها بتقدير، وكانت ~~العوارض السماوية من كسوف وخسوف وهالات ومذنبات ورجوم ترصد من الأرض تارة كأنها إنذار ~~السخط وتارة كأنها علامة الرضى، وكانت الطواعين والأوبئة والمجاعات والصواعق ~~والزلازل والطوفانات وغيرها من الجوائح الطبيعية تفسر كأنها نقمة الله حاقت بالجنس ~~البشري عقابا له على طغيانه وعصيانه، أما استنزال هذه البلايا - فمع كونه كان مترتبا ~~على مخالفة الإرادة الإلهية - فإنه من حق طائفة اصطفاها الله من بين خلقه واختصها بعلم ~~ما يرضيه وما يسخطه فلا ترد لها كلمة عنده، ففي ذلك العهد الحافل بكل هذه الجهالات ما ~~كان الغريب أن يندفع الناس إلى الشقاق بسبب الدين، بل في الحقيقة بسبب كل شيء، ومن أجل ~~كل شيء يمكن أن يكون باعثا على الشقاق؛ لأن هذا كان معنى الدين في تلك العصور. # الحروب الصليبية # ويظهر في مبدأ الأمر كأن العقل الإنساني استتر، وكأن الضمير العام تنحى عن عمله ردحا ~~من الزمن ثارت في أثنائه الحروب الصليبية بكل غرائبها التي أغرب ما فيها أن يمر بها ~~الإنسان قرنا ولا يدرك مقدار فظاعتها وشناعتها. # والعقل الإنساني لم يستتر ولا تخدر، بل كان على أتم ما يكون عليه عقل المجاميع في مثل ~~تلك الأيام، فكان الصليبيون يعاودون الكرة في كل حملة ms06 بعزم متجدد وأسف على فوات ~~الفرصة منهم في الحملة التي تقدمتها لا شائبة فيه للندم، فلم تكن تلك الحروب ثورات حنق ~~أو اندفاعات حماسة دينية، وإنما هي حروب أصولية لم يفتها شيء مما يسبق حروب اليوم من ~~التدبر وإعمال الروية في جوهرية الأسباب وقيمتها من الأهمية. ونحن نغالي في تزكية ~~أنفسنا إذا ظننا أننا نصنع غير ما صنعوا لو أننا كنا موضعهم محاطين بمثل الظروف التي ~~كانوا محاطين بها. # فهذا العالم الذي نراه أمامنا كان في نظر آبائنا عالما مسحورا، الباطن فيه أكثر من ~~الظاهر، فكان مقسوما إلى منطقتين، استولى الله على إحداهما وتنازل للشيطان عن الأخرى، ~~والناس مختلفون في رقم خريطته، فما كان عند هذا الفريق من منطقة الله يعده الفريق الآخر ~~من منطقة الشيطان. # فالصليبيون أغاروا على المشرق ليستخلصوا علم الله المقدس من حوزة أعدائه، ولو سكتوا ~~عنه لما كانوا أهلا لأن يختارهم الله ويجعلهم شعبه، ولا يرضون ذلك لأنفسهم إلا إذا ~~رضوا لها أن يجردوها من كل صفات النخوة والشهامة؛ وهي كل ذخر الرجل وفخره في ذلك ~~الزمان. # ومع ذلك فالخيار بين الرضاء بهذه المسبة وبين فظائع الحروب الصليبية لم يكن بالأمر ~~العسير لولا خشية العقاب، فأي بلاء وأي شقاء لا ينزله الله بهذا الذي ينفض من حوله ~~علمه ويتركه لأعدائه؟ إن إحباط المسعى وإمحال الزرع وتفشي الوباء أقل ما يتوقع من ~~الجزاء على هذا النكوص المعيب! # وقد كانت العداوات تستقر وتهدأ بعد الوقائع الأولى لولا أن انقسم العدوان ~~المتقاتلان بطبيعة الإقليم إلى شطرين - شرق وغرب. متقدم ومتأخر. ضعيف وقوي. طامع ومطموع ~~فيه - بطبيعة موقعهما لا يمكن إلا أن يتجدد العداء بينهما كلما عرضت أسباب الخلاف، وهي ~~كثيرة لا تخلو منها معاملة من معاملاتهما المتبادلة. # التعصب في العصر الحاضر # هل يخشى أن تعود الإنسانية إلى مثل هذه المواقف في الأجيال المستقبلة؟ # كلا! فالدين قد نصلت صبغته عن العروض الخارجية. تقدمت العلوم الطبيعية فعرف الإنسان ~~علل الأشياء وكيف ولماذا تحدث، وأيقن أنها لا تحدث من أجله ولا من ms07 أجل عمله، لم يعد ~~رجال الدين وكلاء أشغال الله على الأرض يبيعون الرحمة والرزق لعباده بالمال، وفي ~~وكالاتهم وحوانيتهم التي يسمونها المساجد والكنائس، ولكنهم انقلبوا رجالا كبقية الرجال ~~ليس فيهم من السر إلا ما في كل إنسان. عرف الإنسان من أين تأتيه المنفعة ومن أين تأتيه ~~الخسارة، وأدرك أن تلك الطائفة لا يد لها على هذه ولا على تلك، وأنه لا يحق له أن يبحث ~~عن السبب في كلتيهما إلا في عنايته أو تقصيره فيما هو آخذ فيه. عرف أيضا أن الأديان لا ~~تجعل الإنسان نجسا بطبيعته ولا طاهرا بطبيعته؛ فهو لا يطلب من الإنسان كيفما كان ~~معتقده الديني إلا ما تقتضيه إنسانيته، وهي لا تستلزم أن يكون مسلما أو مسيحيا أو ~~يهوديا، ولكن كل ما تستلزمه أن يكون عضوا عاملا في بنية الهيئة الاجتماعية، وبعد أن ~~كان كله في قبضة ما وراء المادة أصبح للمادة كله، وارتدت الدينيات من العقل إلى زاوية ~~ضيقة بعيدة عن مشاغل الحياة وعلائق الإنسان بالإنسان، ومن الأرض إلى بقاع مقصورة على ~~المعابد والمساجد والبيع. وهكذا كلما انحسر الدين عن بقعة عادت مجال وفاق ووئام بعد ~~أن كانت ميدان نضال وخصام. # تقليد النساء # النساء أسرع تقليدا؛ لأنهن أشد غيرة. وهن أشد غيرة؛ لأن المشاكلة بينهن في المناقب ~~والمفاخر أقرب مما هي بين الرجال. # دلالة القصص على درجة الأفكار في الأمم # من العلامات على انحطاط الفكر ولوعه بالإغراق والإغراب، فإن ذلك ليس معناه في ~~الحقيقة إلا الجهل بحقائق الأمور؛ ولذلك يعمد القصاص والرحالون في الشعوب المتأخرة إلى ~~تجسيم الحوادث والمبالغة في وصف أبطالهم والتهويل في الأخطار التي يفلتون منها، وتكبير ~~المغانم التي يصادفونها على غير انتظار، والمشقات التي يلاقونها في السياحات والأسفار؛ ~~لعلهم أنهم لا يتمكنون من استفزاز استغراب قرائهم بغير ذلك، فيتوهم القارئ وهو يتصفح ~~إحدى تلك الأقاصيص أن صاحبها يتكلم عن أناس من غير هؤلاء الناس، وأنهم يقطنون بلادا ~~ليست كهذه البلاد، بخلاف قصص العصريين فإنها لا تتضمن إلا وقائع يكاد يشاهدها كل إنسان ms08 ~~في البيوت وعلى قوارع الطرقات. # وعلى هذا القياس مبالغات الشعراء والمؤرخين؛ فإنها تقل بقدر انتشار المعارف في الأمة ~~وتقدم أبنائها في الوقوف على الحقائق والاهتمام بالجواهر دون الأعراض. # أخلاق الفرد والجماعة # الخلال الشخصية المستحبة لا يمكن أن تستمد أصولها من مصدر أشرف من كونها صالحة لحفظ ~~الحياة، وكذلك الأخلاق الاجتماعية فإنها لا ترد إلى أكبر من كونها لازمة لصيانة كيان ~~الجمعيات البشرية، والجماهير تقدم رجل العموميات وإن كانت تنقصه الخلال الشخصية على رجل ~~الخصوصيات، وإن كان مستكملا من هذه الوجهة؛ لأنها تستفيد من الأول بأكثر مما تستفيد من ~~الثاني. # الجماعات والأغنام # طالما تذكرت أغنام السودان وأنا أقرأ نظرية جوستاف لوبون في كتابه «روح الاجتماع»: ~~«أن الجماعات أسلس قيادا من الأفراد.» فإن قيادة شاة واحدة من تلك الأغنام عمل شاق ~~يعيا به أشداء الرجال، مع أن سوق قطيع كبير منها لا يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أطفال ~~صغار. # جوقة العالم # العالم بأسره يشترك في تمثيل رواية مضحكة، وأدعى مناظرها إلى الضحك أنهم لا يضحكون من ~~أنفسهم وهم يمثلون كأنهم جادون فيما يعملون. # المضحكات # المضحكات ليست بالقليلة، ولكن الذين يحسنون صناعة الضحك هم القليلون، فليس من الضروري ~~أن نفتش عن رجل من أمثال أبطال موليير لنغرب في الضحك؛ فإن في كل رجل من الذين نراهم ~~ونعاشرهم موطنا للنقص وفي كل عمل موضعا للكلفة والتصنع، والوادع الناعم البال ولو كان ~~مغمورا بالشقاء، ذلك الرجل الذي يعرف كيف يفطن إلى مواطن الغرور والرياء من أعمال ~~الإنسان فإنه لا يطبق فمه ما دام يفتح عينيه. # الجمال والجلال # النفس الإنسانية يتنازعها عاملان قويان، هما حب الحياة والخوف من الموت، وبهذين ~~العاملين يتعلق الشعور بالجميل والجليل؛ فالجميل كل ما حبب الحياة إلى النفس وأظهرها ~~لها في المظهر الذي يبسط الرجاء فيها ويبعث على الاغتباط بها، والجليل كل ما حرك فيها ~~الوحشة وحجب عنها رونق الحياة؛ فالربيع والصباح والنور والصحة والشباب والحركة والمناظر ~~الرائقة والخضرة والأبنية المزخرفة، كلها جميلة؛ لأنها تنعش الحواس وتذكرها بالحياة، ~~والشتاء والليل والظلمة والمرض ms09 والهرم والسكون والقفار المخيفة والأطلال الدارسة ~~والصروح القوية المتينة التي تنبئ بتعاقب السكان عليها والمعابد والهياكل والقوى ~~الطبيعية الهائلة، كلها جليلة؛ لأنها تقبض الحواس وتميل بالنفس إلى التضاؤل والضعة أمام ~~رهبة الفناء وعظمة الطبيعة وضخامتها. الجميل مظهر القدرة والجليل مظهر القوة، والنفس ~~تقابل القدرة بالإعجاب والقوة بالخشوع. # الاعتراف بالنقص # لا يعترف الإنسان بشيء مما يشعر بنقصه إلا إذا كان يريد أن يتوصل من ذلك إلى الاشتهار ~~بنوع ما من الكمال؛ فروسو والقديس أوغسطين وهيني لم يذيعوا كل تلك الأسرار الخفية التي ~~سردوها في اعترافاتهم - من غير أن يخشوا أن ينقلها سواهم على غير حقيقتها أو تكون هناك ~~ضرورة ماسة لإذاعتها - إلا طمعا في الاتصاف بمزية الصراحة الفلسفية أو الدينية، وهي ~~أكبر في نظرهم من جميع تلك المزايا التي جردوا أنفسهم عنها بمحض اختيارهم. # الأطفال رجال صغار # نفوس الأطفال أصدق معرض تدرس فيه أخلاق الرجال، فإن جميع ما يضحكنا من طباعهم ~~كالأنانية والغرور الشديد والغيرة الحادة، وحبهم المفرط لاستجلاب المدح والإعجاب يظل ~~كامنا في نفوس الرجال، تتغير أشكاله وموضوعاته من الألاعيب إلى العروض الحقيقية وهو ~~باق لا يتغير، وإنما يضطرون إلى مداراته؛ لأنهم لا يجدون من يحتمله منهم كما كان ~~يحتمله آباؤهم وأمهاتهم. # المساومة في التجارة # كثرة اللجاج والمساومة في بيوعنا تدل على أن تجارنا لا يحسبون حسابهم ولا يعنون ~~بتقدير أرباحهم كما يوافق رءوس أموالهم، بل يدعونها عرضة لتقلبات المصادفات، إما إلى ~~المكسب أو إلى الخسارة، وربما كان هذا الإهمال هو السر في اضطراب السوق المصرية وتذبذب ~~الأسعار بين الهبوط والصعود. # حماية العرض # لا يمتدح الرجل بأكبر من نسبة القوة إليه كيفما كان مذهبه في تفسيرها، ولا يعير ~~بأكثر من اتهامه بالضعف كيفما كان مذهبه في تفسيره، والرجل يشتد حنقه للاعتداء على عرض؛ ~~لأنه دليل على استضعافه ووهن جانبه، فقد كان الرجل يحمي النساء من قديم الزمن؛ لأنه ~~أقوى منهن، وكان المنتصر في عهد القبائل لا يعتز بقوته ويؤيد ظفره وتمام غلبته بأقهر من ~~سبي نساء القبيلة المغلوبة، وقد كان ms10 النساء يعجبن بالرجل بقدر حظه من الصفات اللازمة ~~لحمايتهن كالنخوة والبسالة والفروسية والبطش والقوة، فكان ميل المرأة إلى غير رجلها أو ~~إغواء امرأة في حوزة رجل اتهاما له في ذات رجوليته؛ ولذلك تشتد الغيرة على العرض في ~~الأقوام الذين تنحصر صفات الرجولية بينهم في هذه المزايا الجسدانية، ولذلك أيضا كانت ~~الأم أكثر إغضاء عن زلة فتاتها من أبيها، وبعض قبائل البجاة تغض عن المعتدي على عرضها ~~متى خرج من غير باب الخص؛ لأنهم يعتبرون ذلك إقرارا منه بالعجز عن مواجهتهم ~~بالعدوان. # ثمرات اليراع # ألا لا تعدن اليراعة آلة # تسوق لك الرزق الذي بت راجيا # يراع الفتى عود تعرى لحاؤه # ولا يثمر العود الذي عاد عاريا # منظر على غير مرسح # كان صاحب هذه اليوميات في فندق (كتراكت) بأسوان حينما شاهد المنظر المحكي في هذه ~~القطعة: نزلت بذلك الفندق بين السائحات في الشتاء الماضي فتاة كانت موضع إعجاب كل من ~~رآها، وامتازت بشعرها الضافي الطويل على غير المألوف في نساء الغرب، وكأنها أرادت أن ~~تداعب عشاق جمالها الكثيرين، فبرزت يوما في شرفة غرفتها بإزار النوم وهي تمشط شعرها ~~وقد جلل ظهرها وجانبا من صدرها، ونادت بالغلام فأعطته مظلة تظاهرت كأنها تريد أن ~~توصلها إلى أمها، وأشارت له إلى سيدة في ردهة الفندق، فجعل الغلام يغدو ويروح ويعرض ~~المظلة على سيدة بعد أخرى وهو ناظر إلى جهتها وهي تشير إليه، فاستلفتت هذه الحركة إليها ~~الجالسين، فما كادت تتحول إليها أنظارهم حتى انفتلت إلى داخل الغرفة وأومأت إليهم ~~برأسها من وراء الستار كما يفعل الممثلون، وتركتهم يضحكون ويصفقون كأنهم يستعيدون هذا ~~المنظر الشائق: # أشرقت من جوانب القصر كالزه # رة لاحت من جانب الأفق سرا # في إزار يضم جسما من البل # لور أصفى ومن جنى الورد أطرى # وتمشت فألقت الريح منها # كشعاع الأصيل في الصيف شعرا # ثم نادت بناعم يشبه القي # ثار جرا ويشبه العود نبرا # زودت أمها بمسجاة خز # ما تقي كالهواء للشمس حرا # أرسلتها لها ولو علقتها # فوق أهداب شعرها كان أحرى # ووقتها ms11 شمسا ولو نشرته # في ذرى القصر أصبح الظهر فجرا # أم تراها لو خاطبت أختها الشم # س أكانت تعصي لها الشمس أمرا # تربية المرأة # لا ينبغي أن يقتصر الغرض من تربية البنت على تعليمها كيف تكون زوجة، إلا إذا كنا ~~نعلم الفتى في المدارس ليكون زوجا، والواجب أن نعنى أولا بتعلمها ما تنشأ به ~~امرأة قادرة على النهوض بنصف أعباء الهيئة الاجتماعية، فإن العشرة الزوجية ليست حرفة ~~يتلقى الطالب أسرارها في دور التعليم، ولكنها عمل كسائر أعمال الحياة يحسنه الإنسان أو ~~لا يحسنه بمقدار ما له من الحذق والاختبار. # مذهب نيتشه # نيتشه عدو الضعف يريد أن يجعل العالم قويا لا بتطهيره من الضعف ولا بأن يهتم بترقية ~~علم الطب، ولكن بما هو أيسر عليه من جميع ذلك، باستئصال الضعفاء منه. يصيح أشياعه: ~~انبذوا الضعيف ولا تأخذكم به رحمة؛ لأن الرحمة تعاكس ناموس بقاء الأصلح في مهمته ~~وتبقي على من لا يستحق البقاء. # ولكن من هو القوي؟ ومن هو الأصلح للبقاء؟ # هذا ما لا يمكن أن تعرفه من نيتشه ولا من أشياعه. # إن القوى البدنية لم تعد ذات شأن في تمييز الصالح من غير الصالح؛ فالضعيف والقوي ~~يدرآن عن نفسيهما بسلاح واحد. وأضعف الضعفاء الذي لا يقوى على رفع أخف حمل عن الأرض في ~~وسعه أن يقتل ستة من جبابرة المصارعين بتحريك أنملته. ومع ذلك ففي أي وقت نبدأ بحصر ~~الضعفاء والأقوياء؟ ومن أدرانا أن هذا السقيم الفاني الذي نقلته اليوم لا يصبح صحيحا ~~معافى غدا خصوصا إذا نظرنا إلى ما يرجى من تقدم وسائل العلاج عاما بعد عام، وأن ~~هذا الغليظ الشديد الذي نبقي عليه لا يصبح مثله سقيما في يوم من الأيام؟ # ثم من هو الأصلح وكيف نعرفه وبأي معيار نقيس صلاحه؟ وإلى من نكل فرز الصالح من سواه؟ ~~وفي أي عمل نجربه؟ أفي عمل واحد أم نتركه حتى نردده على كافة الأعمال؟ وهل نعتبر ~~صلاحيته بالنسبة إلى فترة محدودة أو بلد معين أم يكون ذلك بالنسبة إلى جميع الأزمان ms12 ~~والبلدان؟ # ومن أدرى هؤلاء الجراحين الذين لا يحسنون غير البتر علاجا، لعل الرحمة لا تكون من ~~مقتضيات الرقي الإنساني ولوازم الاجتماع البشري إذا كان أصلها غير مشاهد في ~~الحيوان؟ # إن نيتشه وأشياعه هم الذي يعاكسون بهذا التداخل ناموس بقاء الأصلح، فإنهم بدلا من أن ~~يتركوه مكبا على عمله ينفي الضار ويبقي النافع يعترضونه في وظيفته ويتحكمون فيما من ~~شأنه وحده الفصل فيه. # تغيير المألوف # أصعب ما على النفوس تغيير مألوف، فلو كان هناك نازلة تلم بالإنسان من دون أن تغير ~~شيئا من مألوفاته لما أحس لها بألم، ولذلك تخف وطأة الحوادث ويهون وقعها على من تتوالى ~~عليهم المصائب ويمارسون تقلبات الأيام. # ولو أن الرجل ينظر إلى غير الدهر وإلى العوارض التي يستهدف لها كل إنسان، ولا يبعد ~~أن تباغته في كل آن ومكان لتلطف عنه لذعتها التي يتلوى من قوارص آلامها الذين تداهمهم ~~على غرة واطمئنان. وكذلك آلام الشيوخ، حزن ساكن لا يخالطه ذلك الوجع الحاد الذي يمتزج ~~بآلام الشباب. # الموت # الموت أعم المصائب وقوعا، ولا يزال أشدها إيلاما وأقلها قبولا للعزاء، على أن ذلك ~~لا يفيد؛ لأنه غير مألوف، ولكنه يدل على أن الإنسان لا يجزع لمصاب غيره كما يجزع لمصاب ~~نفسه. # تواضع الملوك # الرعايا تحتسب للملوك تواضعا ما ليس بتواضع في الواقع؛ فلو علم الملك الذي يتنزل إلى ~~مخاطبة السوقة أن في ذلك ما يغض من قدره، بل لو علم أنه لا يرفع مكانته عندهم لما ~~فعله. # الأثرة # الرجل الإيثاري في الحقيقة يتحرى مصلحته أكثر من الرجل الأناني، فإن الأول يحسب حساب ~~مصالحه في الحاضر والمستقبل، والثاني يقصر نظره على المصلحة الحاضرة. # على أن الأثرة الممقوتة ليست هي التي نفسرها بأن يحب الإنسان الخير لنفسه، ولكنها ~~الأثرة التي أساسها جهل حقوق الغير أو تجاهلها، وهي أثرة عتاة المستبدين والأطفال ومن ~~على شاكلتهم من الجهل بعواطف الناس أو عدم الاضطرار للاعتراف بها، وهي أيضا أثرة من ~~يطلق له العنان لحب نفسه وإرضاء مطامعه، وشر هؤلاء ضررا على الاجتماع في ms13 وقتنا ~~الحاضر فئة الرأسماليين الذين تتركهم الحكومات يجمعون الأموال ويتمتعون ويتلذذون ~~ويبذخون بما يسرقونه من أتعاب العمال وأرزاقهم؛ وهذا هو الخلق الذي لا يحسن أن يكون في ~~شخص يعيش بين الملايين من أمثاله ويجب أن تطارده الهيئات الاجتماعية بكل وسيلة؛ لأنه ~~آفة الاجتماع. # الحاجات والتقدم # حاجات السواد الأعظم منا لا تزال حيوانية صرفة. أكبر علامات المرض عندنا الحمية عن ~~الطعام، فلان لا يأكل ولا يشرب؛ أي أنه بلغ أشد الداء أو أشد الغم، يبكي الطفل فلا يخطر ~~لأمه أن أمرا يبكيه غير الجوع، يحرم أكثرنا أكل الفاكهة وشم الزهور وشهود الحفلات ~~وغشيان الملاعب والمتنزهات؛ لأنها - كما يقولون - لا تسمن ولا تغني من جوع، يكد ~~فلاحنا طول يومه، بل قل طول عمره ليجد ما يمسك رمقه، ثم لا تسمعه يتذمر أو يشكو كما ~~يفعل الفلاحون في الأقطار الأجنبية، لا لأنه يزهد كسقراط أو يتقشف كديوجنس، ولكن لأنه ~~يجهل ما يطلبه بعد حشو معدته ودفء جلده، وإذا سمعته يشكو فقل أن تسمعه يتظلم؛ لأنه ~~لا يحدث نفسه بأن هناك أحدا يظلمه حقا من حقوقه. حاجات ما أخسها لا يمكن أن تقنع ~~العجماوات بما هو أخس منها، فإذا صح أن رقي الأمة إنما يحسب بقدر تعدد مطالب الفرد، ~~فما أبعدنا عن الرقي الحقيقي! وما أبعد الرقي الحقيقي عنا! # الرياء # ما رأيت مرائيا إلا وجدته مغتابا نماما. والجراءة على الناس في غيبتهم كالتزلف ~~إليهم في حضرتهم، كلاهما علامة الجبن والصغار. # الكلام والأوزان # يظهر أن قوالب الجمل وأوزان الكلمات أثبت انتقاشا في الذهن من حروفها؛ فربما نسي ~~الإنسان معنى الكلمة أو حروفها ثم ذكرها بوزنها، وقد يسبقه لسانه فيخلط بين الحروف مع ~~حفظ الأوزان، فإذا كان يريد أن يقول مثلا: وطفقا يخصفان، نطق بها: وخصفا يطفقان، كما ~~نسمعه أحيانا من بعض الحفاظ، ولعل سرعة استظهار الأشعار والكلام المقفى سببه مثل ~~هذا. # العالم في نظر أكمه # حاولت أن أقف على صورة العالم في مخيلة غلام أكمه، فقال لي إنه يراه كأنه هيولى ~~مضطربة في ظلمة قاتمة ms14 لا أول له ولا آخر، قلت: لا تأس يا بني، إن أنفذ الناس بصرا ~~أو بصيرة لا يرى منه أكثر من ذلك. # الموسيقى # التلازم متين بين الأصوات والانفعالات الباطنية، وهو أمتن بين الانفعالات والحركات ~~البدنية، فإن الحيوانات والوحوش والهمجيين والأطفال والنساء أحيانا تترجم عن شعوراتها ~~بالصياح على كيفيات مختلفة مقرونا في الغالب ببعض الحركات البدنية، ثم إن لكل من ~~حالاتنا النفسانية لهجة خاصة، وكل لهجة هيئة تناسبها؛ فلهجة المسرور والظافر والشاكي ~~والحزين والمتألم والغضبان تتباين تباينا يشعر باختلاف مصادرها، وإنك لتسمع الخطيب ~~الذي لا تفهم لغته فتعلم من تغير لهجته وارتفاع صوته أو انخفاضه إن كان راضيا أو ~~ساخطا، حاثا أو محذرا، مبشرا أو منذرا. # فإذا أوقع الموسيقار صوتا تنبه الإحساس الذي يناسبه على الأثر في نفوسنا - كأنهما ~~فيها متلازمان لا ينفكان - وفي الأصوات التي يشتد لها طرب السامع يتنبه مع ذلك الإحساس ~~حركة بدنية مطاوعة للنغم الذي يسمعه، فيهز رأسه أو يحرك عضوا من أعضائه، وهذا أول ~~درجات الرقص ثم يرقص، وقد لا يملك نفسه مع الرقص من الترنم بالصوت الذي يسمعه أو الغناء ~~بما على وزنه من الكلام المفهوم. # فنحن في قبضة انفعالاتنا، تتلاعب بنا كما تلعب الأم بوليدها بين ذراعيها، نرقص ونثب ~~ونصيح بالرغم منا كما يفعل الهمج والعجمات، وترانا في ألطف مظاهر أنسنا نحن إلى ~~همجيات أولئك الجدود. # نهاية الرقي # الرقي العصري كفيل بأن يصل بالإنسان إلى درجة تكون فيها إرادته قانونه، وترفع عنه ~~كثيرا من سلطة الحكومات عليه. # الميراث # ليس للإنسان حق أن يحتجز من الثروة العامة إلا بقدر ما يقوم لها من العمل، فالرجل ~~يسقط حقه في التصرف بثروته متى انقطعت أعماله لموته، وعلى الهيئة الاجتماعية الإنفاق من ~~ريعه على من يهمه أمرهم من بعده. # يترك الرجل لابنه ضيعة، والضيعة قبل عشرة أعوام لا تكلف صاحبها إلا سعيا طفيفا، ~~ولكنها لا تنال بعد عشرة أعوام إلا بتكبد المشاق والصعاب، فيتمتع ذلك الابن الكسول ~~بجزء من الثروة العامة من غير أن يقدم لها عملا في ms15 نظيره، وإلى جانبه رجل مجد نشيط ~~يقطع عمره كدا وكدحا دون الوصول إلى اقتناء ضيعة مثل ضيعته؛ وهو خلل متشعب في تقسيم ~~ثروة الأمة لا يستقيم حال الجمعية البشرية إلا بتلافيه. # فراسة المرأة # المرأة ألطف زكانة وأفطن إلى تشابه الملامح من الرجل، فقد رأيت بعض النساء يرين الطفل ~~الصغير قبل أن تتشخص ملامحه فيحكمن بأنه من آل فلان وأن فيه شبه العائلة الفلانية، وقد ~~لا يبدو لغير المتأمل أن بينهما أدنى شبه، والظاهر أن كثرة اشتغالهن بتجميل الملامح قد ~~أكسبهن هذه الخبرة فيها. # التاريخ القديم # كتب التاريخ القديم أقرب إلى الإحصائيات أو سجلات المواليد والوفيات منها إلى ~~التاريخ، فإذا قرأت فصلا عن رجل عظيم ذكروا لك اسم أبيه وأمه ويوم ميلاده ويوم وفاته ~~والبلد الذي نشأ به والبقعة التي قبر فيها؛ فعرفت اسما ولقبا ويوما وبلدا وقبرا ~~ولكنك لم تعرف رجلا. # الطلاق # إن أكثرنا يظن أن المرأة من متممات زينة البيت، فكما أن في البيت متاعا وأثاثا عن ~~كل صنف، كذلك يحسن أن تكون فيه واحدة أو أكثر من صنف النساء، وإن بعضهم ليغير زوجته ~~مرارا ولا يغير ملاءة سريره. # تعدد الزوجات # لا أعلم لماذا يسوغ للرجل أن يستحوذ على أكثر من أربع نساء، ولا يسوغ للمرأة أن تطمع ~~في أكثر من ربع رجل إن لم يكن أقل؟ # أقذار المجد # من حسن حظ العظماء أنهم وحدهم الذين يطلعون على الدنايا التي يتلطخ بها طلاب المجد ~~الكاذب. # التغرير # التغرير بالعقول عمل يسير، ولكن نزع الغرور منها من أصعب الأمور، ولأن تمني ~~الإنسان بالباطل أحب إليه من أن تيئسه بالحق. # أحاديث الشبان # من شبان العصر من إذا جلست إليهم لتنصت إلى محادثاتهم حرت في تحديد موضوعها، يبدأ ~~أحدهم بالكلام ولا يتمه ويسأل السؤال ولا ينتظر جوابه، يغني ثم يقتضب الغناء ثم يضحك، ~~ينتقل من كلام تافه إلى كلام أتفه بلا مناسبة أو صلة بين الكلامين، بحيث يسأل الإنسان ~~نفسه أما كان يمكن أن يستغني هذا عن لسانه؟ يشير بيديه ويهز رأسه وقدميه، ms16 ويدور هنا ~~وهناك بغير غرض ولا موجب، كأنما عليه أن ينطق بقدر معين من الكلمات ويأتي بعدد معين من ~~الحركات، فهو لا يقصد من كل إشاراته وعباراته إلا أن يصيب العدد المطلوب. # الحرب # من أقوال فتزجرالد على ما أذكر: «إن الحرب تجر إلى الفقر، والفقر يحث على العمل، ~~والعمل يورث الغنى، والغنى يسبب الشقاق، والشقاق يفضي إلى الحرب ...» # ولا أظن أن هذه السلسلة ستحفظ نسقها في هذا الزمان، بل أرى على العكس من ذلك أن السلم ~~سوف يكون في المستقبل مسيجا بسور من الذهب والفضة، فإن انتشار المعاملات واشتباك ~~المرافق الاقتصادية بين الأمم سيكون أول باعث على اتقاء مواقف القتال. # فقد ضعفت الخلافات التي تفضي إلى الحرب بمقدار ما عظمت خسائرها، وكلما تقدم الزمن ~~زادت هذه فداحة وتلك ضعفا. # فالحرب لا ترتكز على شيء من الطبائع البشرية، بل هي تنافرها كل المنافرة؛ فالرجل لا ~~يخوض غمراتها إلا فرارا من عار الناس أو عقاب الحكومة أو سخط الله أو دفعا لخطر على ~~حريته، فهو يقدم على موت مشكوك فيه فرارا من موت محقق أو ما هو بمنزلة الموت ~~المحقق. # فالشجاعة العسكرية عادة اصطناعية، والناس جبناء بطبيعتهم؛ أي أنهم سواء في الخوف من ~~الموت حتى الجنود، على أن هؤلاء يتظاهرون أنهم لا يسوون فقط بين الموت والحياة، بل إنهم ~~يعشقون الموت ويبغضون الحياة، فيقول أحدهم متهكما كلما انحنى جندي في ساحة الوغى من ~~طريق رصاصة توشك أن تثقب صدره: أهي صديق تنحني له؟ كأنه ليس في نفوسهم من كراهة الموت ~~ما يتجشمون من أجل اتقائه إحناء الرأس! # قال تولستوي، وهو قائد قديم: «إن شجاعة الجنود من جنس شجاعة البغال التي تقف إلى ~~جانبهم مشدودة إلى مدافعها، تحاول الإفلات وما تستطيع انفلاتا.» فمهما أوتي المرء من ~~الشجاعة فلا تصدق أنه يقتحم الحرب وله مندوحة عن اقتحامها، كذلك لا تصدق أن إنسانا ~~يواجه الحرب بطبيعة ساكنة؛ لأن الطبيعة البشرية تأبى التعرض للخطر وتنفر من دواعي ~~الهلاك؛ فالهمجيون يهيجون طبائعهم قبل الحرب إلى حد الجنون ms17 بدق الطبول وقرع الدفوف ~~والولولة والصياح، والمتمدنون يتشاغلون عنها ويتحاشون ذكر القتلى والإصابات والخسائر ~~وكل ما يخلق فيهم الشعور بحقيقة موقفهم، فيصرفون خواطرهم عن هذه الهواجس بسفساف القول ~~وتوافه الأحاديث؛ فلا تسمع بينهم لحوادث الحرب ذكرا أو خبرا كأنما ليس فيها ما يستحق ~~المبالاة، بينما تكون الحوادث سمر أخلاط الناس على بعد مئات الفراسخ والأميال. هذا على ~~أن تعرض مئات الألوف من الناس في صعيد واحد لخطر واحد من شأنه أن يهون الأمر على ~~كل منهم ويشدد عزيمته على اقتحامه. # وإنه ليس أسخف من أن تسمع ضابطا يشكو ويتأفف من حصن تنهمر عليه المقذوفات من كل ~~جانب، وتنفجر حوله وعلى جدرانه القنابل بين كل دقيقة ودقيقة، وتسأله فيقول لك: إن ~~الطريق إلى الحصن موحلة. فهو يعاني صعوبة في السير عليها. # قال بعض قواد الألمان حديثا: إن الحرب تنمي في النفس كثيرا من الصفات الممدوحة، ~~وأهمها تضحية النفس في سبيل الواجب، على أن هذه هي الفضيلة الوحيدة التي لا تنميها ~~الحرب وتنمي ما يناقضها تماما. # فكل جندي وكل ضابط نابليون صغير - كما يقول تولستوي - يزهق بقدر ما يمكنه من النفوس ~~وييتم بقدر ما يمكنه من الأطفال، ويدمر بقدر ما يمكنه من الدور ليلصق بذراعه ~~شريطا أو يحلي صدره بنيشان يخطف به أبصار البسطاء. # ومع هذا فمهما كان نصيب رأي ذلك القائد من الصواب، فالإنسانية يجب ألا تعول في ~~اكتساب هذه الفضائل على مثل هذا البرنامج الصعب؛ فإنه برنامج يكلفها من النفوس والأموال ~~ما هي في غنى عن احتماله. # فالأمم الآن لا تلجأ إلى الحرب إلا كآخر وسيلة لحل الخلاف، وأين هو الخلاف الذي يربو ~~الضرر فيه على ضرر الحرب المترتبة عليه؟ وهل يبلغ تنازع البقاء بين أمتين في عصرنا هذا ~~أن تسحق إحداهما الأخرى لتتخلص من مزاحمتها، ويخلو الجو ~~لمتاجرها؟ # إن أقوى بوادر الخلاف قائمة الآن بين إنجلترا وألمانيا، وهذا الخلاف لا حقيقة له؛ فهو ~~مبني على توهم كل من الأمتين أنها قد تتعرض لمهاجمة الأخرى في المستقبل، فإذا سألت: ~~هل ms18 مصلحة ألمانيا تقضي عليها بغزو إنجلترا أو إحدى مستعمراتها؟ وهل تقضي إنجلترا بغزو ~~ألمانيا أو إحدى مستعمراتها؟ وهل الفوز في المنافسة التجارية يتوقف في المستقبل على هذه ~~الوسائل العنيفة؟ كانت إجابتك على كل شواهد الأحوال سلبا. # والأمم لا تترك اليوم لكل أمة تمام الحرية في الموازنة بين مقتضيات الحرب وموانعها ~~بالنسبة لها وحدها؛ فإن أكثر الأمم تشترك في تحمل خسائرها وإن لم تشترك في حشد الجنود ~~وجمع الذخائر، فقد بلغ من استحكام الروابط الاقتصادية بينها أن أقل إشاعة بوقوع الحرب ~~في أقصى المعمورة توقع الارتباك في السوق المالية، فتنخفض الأسعار وتهبط الأسهم ~~وتتزعزع الشركات عدة أيام. # والذي يشاهد من انتشار نفوذ أحزاب الاشتراكيين والعمال، وهم الفريق الذي لا مصلحة له ~~في الحرب، ذلك كله مما يقوي الأمل في أن يوم إبطال الحرب أقرب مما ينتظر بكثير. # الاستخدام # موظفنا الصغير يبيع حريته ووقته وعمله بخمسة ~~جنيهات في الشهر، يناط تقدير كفاءته بإرادة غيره، وربما أريد منه فوق الكفاءة في ~~العمل كفاءة أخرى في الملق والدهان، ينقل من بلد إلى بلد بغير اختياره، ويجبر في كل ~~مرة على ربط صلاته بقوم وقطعها من آخرين، ثم تحظر عليه الحكومة اقتناء الأرض والعقار في ~~الجهة التي يشتغل بها - كأنها تركت له ما يقتني به - وهو معرض في أية ساعة للنقل إلى ~~أية جهة فأين يباح له الاقتناء؟ وتحرم عليه الاشتغال بأمور البلد الذي هو فيه كأنما ~~هي اقتلعته من العالم الخارجي من جذوره، وهو مع ذلك يحسب أنه الرابح في هذه الصفقة، ~~وأنه لا يمكن أن يجد أهنأ من هذه العيشة، يصل إليها بعد أن يتخطى عشرات المزاحمين ~~عليها. # مباراة في الخيال، بين حسن الإنسان وحسن البستان # الموضوع # أخجلت يا ورد خدود الحسان # فاحمر منها ناضر كالدهان # ورعت يا فل عيون المها # فأطرقت تطلب منك الأمان # وزمت الغيد شفاها لها # لما انجلى ثغرك يا أقحوان # ومالت القامات غضبانة # لما انثنى في روضة غصن بان # وأين شدو الطير في مزهر # من مزهر تشدو عليه القيان ms19 # الأسباب # فالورد ما احمرت له وجنة # من ريبة حاشا لورد الجنان # والأقحوان الغض لم يبتسم # خبثا ولم يدنس بمين اللسان # وقامة الأغصان لم يثنها # كبر ولم يعطف بهن افتنان # وذاك صداح أهازيجه # لا تشترى بالتبر أو بالجمان # لا يحرم الماهن من لحنه # ما يسمع العاهل ذو الصولجان # الحكم # ما أحسن الحسن وأحسن به # من زينة للناس لولا الحسان # العشق # لا أرى العشق إلا نزوة من نزوات الشهوة البهيمية يخصصها في الإنسان بامرأة - دون ~~سواها - تفاوت الملامح في إناثه، وتعم في البهائم؛ لأن تماثل إناثها في الخلقة لا يدع ~~ما يحتم الانجذاب إلى أنثى بعينها من بقية الإناث. # والحب الشريف والحب الخسيس معدنهما واحد وغرضهما واحد وطبيعتهما واحدة، والذين ~~يتوهمون أنهم يعشقون لمحض التفرج على الجمال الصوري يخدعون أنفسهم، فإن من التماثيل ~~المنحوتة ما هو أجمل صورة من أجمل امرأة في العالم، ومع هذا فنحن لا نشغف به ولا نتدله ~~في حبه، وغاية الفرق بين الحبين الشريف والخسيس أن الأول حب العقلاء الذين يسوءهم ~~تضحية أحبائهم لشهواتهم، وأن الثاني حب الحمقى الذين لا يفكرون في غير قضاء ~~الشهوة. # وهو - أي العشق - أحد الشهوات؛ لأنه الشهوة الوحيدة التي لا تتم إلا بتراضي شخصين ~~يحتاج كل منهما إلى الشمائل والأوصاف التي يصبو إليها الآخر ليقترب كل منهما إلى ~~صاحبه من بين ألوف الرجال والنساء، فالخيبة في العشق هي اليأس من الذات التي لم يستحوذ ~~على إعجابنا سواها من كل هذا الملأ، والتي لا يهمنا من كل هذا الملأ أن يعجب بنا ~~سواها؛ هذه الخيبة أو هذا اليأس ليس معناه فقط عدم التمكن من قضاء شهوة، بل معناه ~~أيضا أن العاشق ناقص فيما يسترعي إليه قلب المعشوق الوحيد الذي لا يبالي إن كان كاملا ~~من هذه الوجهة في نظر غيره، أي ناقص فيما هو به رجل يستحق إعجاب المرأة التي وقع عليها ~~اختياره من النساء، أو فيما هي به امرأة تستحق إعجاب الرجل الذي وقع عليه اختيارها من ~~الرجال، بغض النظر في جميع ذلك ms20 عن فوارق الدرجة والمقام ، فإن هذه مميزات تميز رجلا على ~~رجل أو امرأة على امرأة، ولكنها لا تميز ذكرا على ذكر أو أنثى على أنثى. # قطرتا ندى على فسيلة قبر # إمام عييت في الدنيا جهادا # قضيت وما قضيت بها مرادا # وما أبلاك إلا الهم داء # وشر الداء ما نال الفؤادا # ما كنت أقرأ مناعي الجرائد؛ لأنها بكاء مأجور كبكاء النائحات، لا تصادف فيها عين ~~القارئ إلا ما تصادفه على ألواح الأضرحة عند النحات من أعلام مجردة لا تتبين وراءها ~~وجها، ولا تستشف لها معنى. # ما كنت أقرؤها من قبل، ولكني في ذلك اليوم قرأتها، فقد كانت تبدو عليها كباوة الحزن ~~وتعلوها غبرة الكمد، فقرأتها ثم قرأتها فإذا هي تنعي إماما العبد، فأعدت قراءتها فإذا ~~هو بعينه إمام ... صاحبي إمام الذي ما تعودت أن أقرأ اسمه في الصحف إلا مقرونا بملحة من ~~ملحه الرقيقة أو طرفة من طرفه المستظرفة. # أبيت أن أصدق الخبر، والنفس البشرية إذا أبت الموت لأحد لم تشأ أن تصدق نعيه، فما ~~أكذب تعلاتك أيتها النفس! كان ذلك لو كان كل أمر إنما يجري على هواك ووفق مرادك، ولكن ~~ما هذه التعلات منك والأمور كأنما تجيء عمدا على خلاف ما ترومين وبضد ما ~~تشتهين. # فسقطت من عيني دمعتان ما أردت لهما إرسالا ولم أحاول لهما كتما، دمعتان ليستا ~~بالحارتين؛ فقد أطفأت الأسقام جذوة قلبي وتركته جلدة ميتة ما تحس ولا تألم، دمعتان ~~لا تتقد فيهما حرارة اللهف، ولكنهما مشبعتان بكل ما في دموع الأصدقاء على الأصدقاء من ~~مرارة الشجو وغضاضة الأسى. # فذكرت لإمام الأمس المدرج اليوم في وحشته ساعات طيبات ما كنا نحتسبها للزمن، ولكنها ~~الآن حسنة من أجمل حسناته لو أنها تعاد، وضحكات مغتصبة في غفلة الأشجان والأكدار، هي ~~الآن عبرات تشرق بها عيون أصدقائه والعارفين بظرفه وأدبه. # وذكرت له جلساتنا في قهوة إستانبول التي كان يختلف إليها كثيرا، نأوي إليها في ~~قيلولة الظهيرة نستنشق هواء الحديقة ونسمع منه أخف من نسماته فكاهة وأشفى منه للنفوس ~~نكات ms21 يفرج عن الصدور كربها وهو أشد الناس كربا، ويزيح عن القلوب غمها وهو أفعمهم بالغم ~~قلبا. # لكن الآن؟ # الآن قد مات! # مات قبل أن يداوي الدهر القاسي طعنة من طعناته التي أثخن بها جسده النحيل، مات قبل ~~أن تبتسم الدنيا لفؤاده الكسير مرة بعد ذلك العبوس الطويل، مات في عنفوان الصبا ومقتبل ~~الشباب. # فالوداع أيها الصفي الوفي وداعا أبديا ليس يعقبه سلام، والفراق أيها الصاحب الودود ~~فراقا سرمديا لا مطمع بعده في لقاء. # الألعاب غير الرياضية # إذا انتشرت الألعاب غير الرياضية كالورق والدومينو والنرد والشطرنج والسيجة وأمثالها ~~كان ذلك دليلا على كثرة البطالة أو نضوب مادة الحديث في الوسط الذي تنتشر فيه، وكلاهما ~~دليل التأخر. # النقود والسخاء # يهون البذل في الجهات التي تتعامل بالمقايضة أكثر من الجهات التي تتعامل بالنقود، فإن ~~الدرهم قد تقضى به عدة أصناف مما يشرى بقيمته، على حين أن مقدارا بقيمته من الحنطة أو ~~الأثمار أو الخبز لا يؤدي بعينه في غير ما يستعمل له عادة، والمتكففون وأبناء السبيل ~~يطوفون على الفلاحين في أيام الحصاد فينفحونهم بحفان الغلال والحبوب عن طيب نفس، وقد ~~يسألونهم مليما فلا يسمحون به وهو أقل قيمة مما يعطون. # بقايا الميثولوجي # في الميثولوجي القديمة - والحديثة أيضا - كثير من الأبطال الذين ولدوا من آباء آلهة ~~أو أنصاف آلهة وأمهات من عذارى البشر. # وفي أيامنا هذه من يعتقد إمكان التزاوج بين رجال الإنس ونساء الجن، وأن لبعضهم ~~أولادا من بنات البحر يدعون آباءهم بالمعاشرين. # الفضيلة المأجورة # إذا كنا نعد المرابي الذي يقرض بسعر خمسين في المائة رجلا طماعا مغتالا؛ فليس من ~~الزهد ولا من حب الخير أن يقرض الرجل ربه بسعر ألف في المائة مؤجلة إلى يوم ~~الحساب. # وإذا كان الرجل الذي إنما يمتنع عن السكر والمقامرة خوفا من محاضر البوليس لا نراه ~~في نظرنا رجلا تقيا نزيها، فليس من الاستقامة والفضيلة أن يتركهما الرجل خوفا من ~~نار الجحيم. # وإذا كنا لا نستعظم من الطفل الصغير أن يحفظ درسه لأنك وعدته بتصويره، أو يتجنب ms22 اللعب ~~لأنك أخفته من الغول؛ فالرجل الكبير الذي يفعل الخير طمعا في الثواب ويبتعد عن الشر ~~خوفا من العقاب لا يأتي ما يستحق عليه الإطراء والإكبار. # إن كل إنسان يعمل عملا فإنما يترقب من ورائه نفعا لشخصه، ولكن يجب أن يكون ذلك ~~النفع نتيجة محتمة تستلزمها طبيعة عمله ويرتبط بها العمل ارتباط النتيجة بالمقدمة، وليس ~~مكافأة أو أجرا ينتظره من سواه. # المبادئ # الرجل الذي لا يتقيد بمبادئ عامة يطبق عليها آراءه الخاصة، إما أنه رجل سطحي يجهل سر ~~العلاقة التي تماثل بين الحوادث؛ لذلك يجهل كيف يحكم عليها حكما عاما يوحدها في ~~نظره، وإما أنه رجل محنك يدرك سر علاقاتها فيحكم على كل عمل على حدته؛ لأنه علم ~~بالاختبار أنه لا يحدث عمل يماثل الآخر من جميع الوجوه، ويغلب أن يكون صاحب المبدأ ~~شخصا نظريا ناقص الاختبار. # الاعتماد على الذات # إن الذي يكل إلى الناس تقدير قيمته يجعلونه سلعة يتراوح سعرها بتراوحهم بين الحاجة ~~إليها أو الاستغناء عنها. # والطريقة المثلى أن يقوم كل إنسان لنفسه قيمتها؛ فإن المرء - كما يقول بعضهم - ~~يساوي القيمة التي يضعها لنفسه، ذلك خير من أن يطرحها في المزاد على ألسنة ~~الناس. # شرف المهنة # صاحب المهنة يباهي بمهنته كأنه لم يرغب فيها إلا بعد أن تبين مزاياها، وهو يضجر منها ~~كأنه سيق إليها قسرا؛ وذلك لأنه حبا لنفسه يود لها - بما في وسعه - أن يكون أقل ~~الناس تعبا وأكثرهم اعتبارا. # بماذا يشقى الشعراء؟ # أصحاب القرائح الشعرية لا يتمتعون بالحياة الحقيقية كبقية الناس؛ فإن حياتهم كلها ~~ذاهبة بين أمل في المستقبل أو ذكرى للماضي، وقل أن تستقر بهم نفوسهم في الحاضر ~~الراهن؛ لأنه دائما على غير ما يشتهون. والشاعر مكتوب عليه الشقاء ما دام مطبوعا على ~~مواهب الشعراء، فهو حاد الخيال تصور له قريحته العالم حافلا باللذة والنعيم مترعا ~~بالصفو ودواعي الهناء مما لا يصدقه الواقع، وتريه الناس على صورة من خلوص الضمائر ~~وصفاء السرائر وطهارة الأخلاق تبرهن المعاشرة على خلافها، وهو لطيف الإحساس دقيق الشعور ~~يوجعه ms23 ما لا يكاد يحس به غيره، وتفعل في نفسه الوخزة الهينة ما لا تفعله الطعنة ~~القاسية في نفس غيره، وهو فاتر الهمة، ميال بطبيعته إلى الدعة والاستسلام، محروم من ~~العزيمة الصارمة التي تمكنه من تحقيق أحلامه العديدة وإدراك آماله البعيدة، وهذا من ~~أشد ضروب الشقاء كما قال شاعر منهم: # وأتعب خلق الله من بات آملا # وأقصر عما تشتهي النفس نائله # وهو سليم الطوية طيب القلب، ينطلي عليه خداع الناس وختلهم، وتغره تمويهاتهم فيركن ~~إليهم، ثم لا يلبث أن تكشف منهم الأيام ما يخلف ظنه ويخيب ثقته، وهو عجول كالصبي ~~تتحكم فيه إحساساته الوقتية كأنه الصائم بانتظار الإفطار، سرعان ما تبدو له النعمة بعد ~~ضنك فينغمس فيها غير حاسب للعاقبة حسابا أو مبق لغده بقية، فإذا ولت أيام الرخاء ~~وجاءت بعدها أيام الشدة كان ذلك أدعى إلى طول حسرته وتنغيص عيشه، وهو سريع التقلب كثير ~~الضجر لا يألف البقاء على حال واحد؛ فلا يصبر على الشظف وهو يعرف الترف، ولا يرتاح ~~للفقر وهو يفهم ما هو الغنى؛ فبغير هذه الأطوار - التي هي من مستلزمات سرعة الخاطر، وهو ~~من مستلزمات سليقة الشعر - لا يكون شاعرا مطبوعا، وبها لا يكون سعيدا، إلا أن ~~الطبيعة التي سلطت عليه كل هذا الشقاء لم تحرمه مما يعينه عليه؛ فكما أن خياله يمنيه ~~باللذة الوهمية كذلك يخفف عنه الألم الواقع، وكما أنه شديد الإحساس بالحزن كذلك هو شديد ~~الإحساس بالسرور، ولئن كان محروما من جمع الأموال وتأثل العقار واقتناء القصور ~~والضياع، فإن له نوعا من الارتفاق في كل شيء يراه. قال أديسون في رسالته عن الخيال: # ربما أحس مثل هذا الرجل في مشاهدة المروج والبساتين بارتياح أكبر مما يجده ~~بعض الناس لامتلاكها، فكأن ذوقه الدقيق يخوله نوعا من الامتلاك في كل ما يقع ~~تحت نظره، ويجعل أبسط ما في الطبيعة وأبعد مناظرها عن الصقل والتهذيب تشترك في ~~ترويح نفسه وتطييب خاطره؛ وكأنه ينظر إلى هذا العالم على نور غير نور الشمس، ~~فيكشف منه غير ما يكشف ذلك ms24 النور من ذخائر تحجب نفسها عن أكثر من تراهم من ~~الناظرين. # داء الحياة # لقد ثقلت على نفسي حياتي # وأشفق عائدي وشكت أساتي # سئمت فما أريد اليوم إلا # دواء الموت من داء الحياة # إذا كانت حياة المرء سجنا # فشق اللحد باب للنجاة # القول والقائل ~~«انظر إلى ما قيل لا إلى من قال» قاعدة لا يصح إطلاقها في كل حال؛ فالكلمة تختلف ~~معانيها باختلاف قائليها؛ فإن كلمة مثل قول المعري مثلا: # تعب كلها الحياة فما أع # جب إلا من راغب في ازدياد # يؤخذ منها ما لا يؤخذ مما تسمعه في كل حين بين عامة الناس من التذمر من الحياة ~~وتمني الخلاص منها، فإننا نثق بأن المعري مارس الأمور الجوهرية في الحياة ودرس الشئون ~~التي تكون منها عذبة أو مرة، نكدا أو رغدا، ولم يسبر منها أولئك العامة إلا ما يقع ~~لهم من الأمور التي لا تكفي للحكم على ماهية الحياة. # الآداب القديمة # الآداب القديمة مبنية على جهل فاضح بالغرائز الرئيسية في الإنسان؛ فهي تقول له: من ~~نظر إلى امرأة أجنبية واشتهاها (فقط) فكأنما زنى. من أحب الحياة ورغب في حطام الدنيا ~~فمحال أن يكون صالحا. من عمل حسنة يريد بها الجاه بين الناس فقد انتكس عمله. الحزن ~~لفقد البنين والأصدقاء إثم وكنود إلخ، ويزيدها جهلا على جهل أنها لا تعد هذه الأميال ~~من دواعي فطرته، ولكنها تراها وساوس من روح خارجية توسوس له بالشر وتبعده عن ~~الخير. # الإصلاح الاجتماعي # قد نعرف ما هو الفاسد من نظامات الاجتماع، ولكنا لا نعرف ما سيكون صالحا منها، نقدر ~~أن نهدم بناء متصدعا ولكن لا نقدر أن نقيم في موضعه بناء جديدا، جهد ما يطلب من ~~المصلح الاجتماعي أن ينبه إلى العيوب والأغلاط التي في مجتمعنا فنتلافاها، أما أولئك ~~المصلحون الذين يخرجون كل يوم للناس بنظامات وشرائع ودساتير ومذاهب يدعونهم إليها بزعم ~~أنها كافلة بصلاح الاجتماع فلا يمكن أن يقال: إنهم يتجاوزون حيز التخمين إلى التحقيق؛ ~~ذلك عمل انفرد به الزمن ولم يشرك فيه أحدا. # الضحك ms25 # للضحك عدة أسباب أكثرها يدور حول محور واحد هو الاغتباط بأنفسنا، اغتباطنا إما بما ~~نحسه من كمالها أو بسلامتنا من النقص الذي نكشفه في سوانا. # ولما كان الإنسان لا يضحك إلا سرورا برجحانه، فهو لا يضحك في الأحوال التي رجحانه ~~فيها معروف غير مجحود، فالرجل المعروف المكانة ليس يسخر من تصرف الصعلوك الوضيع وإن كان ~~مضحكا في ذاته، إلا إذا كان يسخر من أهل طبقة ليباهي بطبقته، أو من أهل بلاد ليباهي ~~ببلاده. # وقد يضحك الإنسان من نفسه إذا كان الاستهزاء لا يناله وحده، فلما كان ملوك أوروبا ~~وأباطرتها وأمراؤها وسواسها وقوادها مجتمعين في سنة 1851 في فينا، وهم واثقون أنهم ~~أحكموا الشبكة على بونابرت، وقد جلسوا يصلحون ما أفسده ويعيدون ما درسه من معالم ~~أوروبا، أعلن في المجلس في 11 مارس من تلك السنة أن الرجل قد أفلت من جزيرة ألبا، وأنه ~~قد عاد ثانية إمبراطورا على فرنسا، فوجموا هنيهة ثم ارتفعت لهم ضحكة طويلة عالية كأن ~~كلا منهم يقول: إن هذا الكروسيكي لم يعبث بي وحدي، بل عبث بنا جميعا. # البكاء # يبكي الإنسان لغير ما يضحك له، يبكي حين يظهر به النقص والعجز ظهورا لا سبيل للمنجاة ~~فيه، يبكي في المواضع التي يشعر لديها بالقهر التام، ويتحقق له تجرده عن الحول والقوة ~~حيالها، في تلك المواضع يقول المسلم متمثلا: «لا حول ولا قوة إلا بالله» كأنه لا يريد ~~أن يكون ضعيفا إلا أمام الله الذي يتساوى الناس عزيزهم وذليلهم في الضعف أمام حوله ~~وطوله، والأطفال والمستضعفون أكثر الناس بكاء؛ لأنهم أقلهم اقتدارا، على أن عدم ~~البكاء لا يفيد في أكثر الأحيان القدرة على دفع المصاب، فإن من أصحاب المظاهر والأبهة ~~من يترفع عن البكاء ويتكلف الجلد والسكون حتى في الفجائع الفادحة؛ كأنهم يأبون ~~الإقرار بالانقهار على كل حال. # الغنى والسعادة # لا تحسدن غنيا في تنعمه # قد يكثر المال مقرونا به الكدر # تصفو العيون إذا قلت مواردها # والماء عند ازدياد النيل يعتكر # الحرية الشخصية وتقدم الحركة الاقتصادية # في البلاد ms26 التي تشتبك فيها المصالح وتتوشج الأعمال تجد الناس ينساق بعضهم إلى معاملة ~~بعض قسرا، وكثيرا ما لا يكون للرجل اختيار في معامليه أكثر من اختياره في أقربائه ~~وذويه؛ فلا ينظر منهم ولا يقدر أن ينظر إلى غير الغرض الذي يقصدهم من قبله؛ فمن ثم ~~كان كل عامل لا يعنى بغير تجويد عمله، وليكن بعد ذلك سكيرا أو مقامرا، نصرانيا أو ~~يهوديا، ملحدا أو مؤمنا، محافظا أو حرا، فذلك ما لا يسأله عنه أحد؛ فاحترام ~~الحرية الشخصية - الذي معناه سقوط رقابة البيئة عن الفرد - يكون في مثل هذه الأقطار على ~~أتمه، بل يكون من الآداب الاضطرارية التي لا يحض عليها بالرسائل أو المقالات. # القوة والأخلاق # إذا كانت الحياة صراعا بين القوة والضعف، يبقى فيه الظافر ويتوارى المهزوم، فالقوة ~~باختلاف معانيها محبوبة إلى كل إنسان، والضعف باختلاف معانيه مكروه عند كل إنسان، وكذلك ~~كل ما أفاد القوة فإنه محترم محبوب، وكل ما أفاد الضعف فإنه محتقر مرذول، ومن الأعمال ~~ما يكون مستحسنا ومستقبحا باختلاف عمل القوة فيه، وهذا السطو كان مدعاة الإعجاب فأصبح ~~مدعاة الاحتقار، وما تغير فيه إلا أداته؛ فقد كان يستعان له في العهد الماضي بالشجاعة ~~والإقدام، فأصبح اليوم يستعان له بالجبن والنذالة، فلو حللنا أسمح الخلال وأنبل ~~السجايا لما ألفيناها إلا إشارات تلمع إلى القوة من قريب أو بعيد، يتسم الإنسان ~~مضطرا ليحمي بها نفسه ويمكن لها في الحياة. # فالصبر قوة؛ لأنه تغلب على الأمر الذي يفرق منه غير الصابر، وعدة يتدرع بها ~~الصابر في الملمات. # والرحمة - وهي هنا ضد القسوة - قوة؛ لأنها لا تكون إلا من الأقوياء على الضعفاء ومن ~~الوادعين على المبتلين. # والكرم قوة؛ لأنه علامة استغناء الرجل عن الناس بقدر احتياجهم إليه، كما أن بذل علامة ~~القدرة اكتسابه في كل آن. # والقناعة قوة؛ لأنها تدل أيضا على استغناء الإنسان بنفسه عن الناس. # والتواضع قوة؛ كأن المتواضع يرى أن قدره أظهر من أن يتكلف إظهاره بنفسه. # والعفة قوة؛ لأن العفيف يزجر نفسه فيصونها عن زجر الغير لها، ms27 ويراعي حقوق الناس طوعا ~~فيوقرها عن إكراههم له على مراعاتها. # والحلم قوة؛ لأن الحليم بالحلم لا يستفزه تطاول الناس كأنه أقل من أن يؤثر على ~~مكانته. # والحياء قوة؛ لأنه ينزل صاحبه منزلة الوقار ويعصمه عن المهانة التي يلقاها أهل ~~الوقاحة والابتذال. # والتبصر قوة؛ لأن المتبصر يسلم بالأمر الذي لا بد منه كأنه يفعله مختارا قبل أن ~~يرغم عليه. # والصفح قوة؛ لأنه عنوان القدرة الدائمة التي لا تمسها إساءات الناس وعدوانهم، والتي ~~إذا أبقت خصمها اليوم فلأنها قادرة على الاقتصاص منه في أي وقت تشاء. # وسلامة الضمير قوة؛ لأن عدم الاحتراس من الناس يشير إلى عدم الخوف منهم، كأنهم لا ~~يستطيعون أن يصلوا بسوء إلى صاحبه. # والعدل قوة؛ لأنه مساواة بين من يخشى بأسه ويطمع في مساعدته، وبين من يرجى له نفع ~~أو يخشى منه ضرر. # والصدق قوة؛ لأن الصادق لا يضطر كالكاذب إلى إخفاء الحقيقة رهبة من أناس أو رغبة ~~فيهم، ويقرب من الصدق في هذا المعنى الوفاء. # والزهد قوة؛ لأنه غنى سلبي عما ينكب الناس على طلبه. # والورع قوة؛ لأنه اعتصام بقوة الخالق ترفعا عن قوة المخلوقات. # واحترام الضعف قوة؛ لأن احترام الضعفاء كاحترام الأقوياء يدل على أن خوف القوة ليس هو ~~الحامل على الاحترام. # وجميع هذه الفضائل تشترك في فضيلة أخرى وهي أنها تستجلب ثقة الناس إلى أربابها، ~~وتوقيهم الصغار الذي يتلبس به الذين يشتهرون بأضدادها. # على أنك إذا حللت الرذيلة من وجهة أخرى لما وجدت إلا أنها اختصار الطريق إلى الغرض ~~تهافتا من النفس وعجزا عن الصبر على تنكب المحظورات، ووجدت الفضيلة عبارة عن الوصول ~~إلى ذلك الغرض عن طريق كثيرة العوائق والتعاريج يدل التزامها على الجلد والاضطلاع، ~~فيظهر مما تقدم أن الإنسان لا يستطيع أن يفخر بأمر ليس للقوة نصيب منه، ولا يرغب في ~~الاتصاف بوصف إلا إذا كان فيه إظهار لقوته أو مداراة لضعفه، وأنه لا يوجد إنسان مهما ~~بلغ من الورع والتجرد ينفر من العزة ويرتاح للضعة، وإنما يختلفون في فهم معناهما كل ~~بما ms28 يصلح له. # إلى المجلس الحسبي # أيهم أحق بالحجر؟ ذلك المسرف الذي يدفع دنانيره أولا فأولا إلى من هو أعرف ~~باستعمالها، أو هذا الشحيح الذي يلتقط من الثروة العامة دراهم يعدها ثم يحرمها من ~~الانتفاع بها طول حياته؟ # الغاية واللاغاية # من الناس من يرى أن الثمرة نبتت حلوة ليأكلها الإنسان، ومنهم من يرى أن الإنسان أكل ~~الثمرة لأنها حلوة. منهم من يقول: إن الإنسان خلق أولا ثم صنع العالم من أجله، ومنهم ~~من يقول: إن العالم صنع أولا ثم خلق الإنسان منه. الأولون يعتقدون أن النجوم مصابيح ~~الإنسان والشمس روزنامته والهواء مروحته والبحر صهريجه والأرض سماطه ومناجم باطنها ~~خزانته، وهؤلاء يعتقدون أنه من أرض العالم ومائه وهوائه وعناصره تركيب جسم الإنسان؛ ~~وعلى هذا الخلاف الظاهر يدور الحجاج واللجاج بين أصحاب القصد وأصحاب الاضطرار من قديم ~~الزمان. # الطب والشعوذة # المرض، ألا قوتل المرض من عدو لدود العداء للإنسان. عرفنا السلاح للسباع وعرفنا كل ~~فتاك مثله ولكل عادية مثلها إلا المرض. # نعم نقول للطب والأطباء، ولكن هؤلاء لا يسعفون إلا في الانحرافات التي نبالغ ~~بتسميتها أمراضا، أما في العلل المتمكنة التي إنما يدعى الطبيب لمثلها، فهؤلاء الذين ~~تقول عنهم - ولست أعمم - يقفون حيارى لا يمدون يدا إلا إلى قبض الريال بعد الريال، إلى ~~أن يكل المريض من العطاء أو يملوا من الأخذ، وقد يموت أقصرهما عمرا قبل أن يسأم ~~الآخر. # كنت أظن كل داء من المرض له دواء من الطب، وأن الطبيب إذا فاته علاج فلا أقل من أن ~~يضبط تشخيص أعراضه. # أحوجتني الضرورة إلى الأطباء، وكنت أحسبني أغنى الناس عنهم، فطرقت أبواب عدة عيادات، ~~وكنت إذا دخلت العيادة اطمأنت جوانحي وسري عني ما بنفسي؛ فأشعر بين جدرانها كأني قد ~~لذت بحرم الطب المقدس من أعدائي، وما أعدائي إلا الآلام التي تطاردني في الليل ~~والنهار. # ثم أخرج منها مزودا بنصائح في الطعام ونظام المعيشة لا أحيد عن حرف منها، وفي يدي ~~زجاجة أحسب أن فيها السم القاضي على تلك الآلام، ثم لا تلبث ms29 أن تمر بضعة أيام فأراني ~~كأني لم أستشر طبيبا ولم أتناول دواء؛ فأعود إلى طبيب آخر يفحصني فحص زميله مع ~~تنويعات وزوائد عرضية، ولكنها كانت تبغض عندي الرجاء في طبيب بعد طبيب، ثم أنصرف منه ~~بدواء في لونه مغاير لدواء الأمس، وآخذ في طعام غير ذلك الطعام، ونظام في المعيشة غير ~~ذلك النظام، ولكن على غير جدوى. # كنت أسمع من الواحد منهم بعد الآخر بهيئة تليق بمن كان يبيع الصحة بل الحياة ~~بالمقدار: أتريد أن تعرف الحقيقة؟ # إن بك ضعفا في المعدة والأمعاء يزول بقليل من العلاج. يقول ثان: إن معدتك كأحسن ما ~~يكون، ولكن الذي تشكو منه في الحقيقة هو فقر الدم. # ويقول ثالث: إن جسمك ليس يفتقر إلى نقطة من الدم وأنت لا يحق لك أن تشكو إلا من ~~السوداء. # ويقول رابع: لولا اختلال الكبد وهياج الصفراء لما كنت تتألم من شيء الآن. # ويقول خامس: إن كل ما بك أن كليتيك لا تؤديان وظيفتيهما تمام الأداء، وليس ما ~~عدا ذلك إلا أثرا يزول بزوال ذلك المؤثر البسيط. # ويقول سادس: لا تصدق شيئا مما يقال لك؛ فكل أعضائك سليمة صحيحة، وليس هذا الذي ~~تشعر به إلا من مخلفات ضعف في الجهاز التنفسي يرجى أن يزول. # وكان هذا الطبيب يقول لي: عليك بالدسم والنشويات، وذاك يقول: إياك والدسم والنشويات، ~~أسمع من هذا أن إدمان استعمال الأدوية مؤذ بالجوف وأن الأفضل الامتناع عن تعاطيها، ~~وأسمع من ذلك أن ترك الداء بلا دواء قد يتخلف عنه خطر جسيم، هذا يقول: استلق على ظهرك ~~طول يومك وابتعد عن كل ما ينبه أعضاءك، ويقول لي الآخر: يجب أن تعين لك وقتا تشغله ~~يوميا بالفلاحة أو تمشي على قدميك بعد كل ساعتين نصف ساعة. # طبيب ينهى عن الاستكثار من السوائل، وطبيب يأمر بألا أتناول إلا اللبن وألا أتناوله ~~إلا ممزوجا بضعفيه من ماء فيشي، إلى مثل ذلك من الوصايا المتناقضة، ولو كانت هذه ~~الوصايا موجهة إلى عشرين شخصا لما كان في الأمر ما يدعو إلى ms30 الحيرة، ولكنها موجهة ~~لشخص واحد، وهذا الشخص ليس له مع الأسف قدرة الجن على التطور بعدة أشكال في وقت ~~واحد. # فرأيت أني لو عملت بجميع تلك الوصايا لما ذقت طعاما، وحرت في الأمر فإما أن أكون ~~مصابا بكل تلك الأمراض في آن واحد أو لا أكون مصابا بواحد منها، ووجدت أني لو تركت ~~نفسي لما خرجت عن تلك التجارب والتخمينات مهما تعسفت في التوصيف والتشخيص إلا إذا ~~افترضت الداء حالا بغير تلك الأعضاء التي ذكروها، ولا أعلم أن جسم الإنسان يشتمل على ~~غيرها. # وبعد أن أفرغت في جوفي صيدلية من الأجزاء والعقاقير نقطة بعد نقطة، رأيت أن صناعة ~~الصيادلة ليست أنفع بالنسبة إلي من صناعة السقائين، وأنه لا توجد صناعة لم يتقنها ~~أربابها كصناعة الأطباء، وعلمت أن التحسن البطيء الذي شعرت به لا يمكن أن يدعي علم ~~الطب أي فضل فيه، بل ربما لم أحصل عليه إلا خلسة من الطب والأطباء. # إن هذا الخلط داء مزمن بعلم الطب - وأقصد منه على الخصوص طب العقاقير - يجب أن يعنى ~~الأطباء بمعالجته قبل أن يجعلوا أجسام المرضى جثثا يجربون بها أصناف الأدوية ~~والعلاجات. # عدم الاكتراث # عدم الاكتراث لازمة من لوازم النوابغ العبقريين؛ فالرجل العبقري عالمه في نفسه، له ~~بدوات وأطوار غير التي يألفها الناس ولكنه لا يتخلى عنها، وللناس شعائر وتقاليد ~~يقدسونها ولكنه لا يلتفت إليها، مثله في ذلك مثل السائح الأوروبي أو الأفريقي يهبط ~~الصين؛ فإنه ينظر إلى أزياء القوم وأحوالهم بعين الاستغراب، وإن كانت مألوفة عند كل فرد ~~غيره في الصين، ويظل متمسكا بعاداته وطباعه وإن هزأ منها كل رجل وامرأة من أولئك ~~الأربعمائة مليون الذين يدور عليهم سور تلك البلاد؛ كأنما العبقرية تجعل الرجل من جنس ~~غير الذي منه بقية البشر. # على أن عدم الاكتراث قد ينقلب إلى هنة من أخس الهنات، يتخلق بها من لا خلاق لهم من ~~الأراذل والسفلة، أولئك الذين ينزلون أنفسهم في منزلة لا يمكن أن ينزلهم الناس في ~~أحط منها، أو يخدعون الناس بظواهرهم وباطنهم ms31 على خلاف ما يظهرون. # مناقشة مع الأستاذ وجدي # الأستاذ فريد أفندي وجدي أكبر داع من دعاة الدين في مصر يخاطب بلسان العقل في ~~الدينيات، وبهذا الاعتقاد ألقي إليه هذه المسائل التي رأيت مناقشته فيها لازمة بعد أن ~~تصفحت من دائرته الجزء السابع الذي خصصه للبحث في إثبات وجود الله؛ وها هي ألقيها إليه ~~مسألة بعد أخرى: # أولا: # انتظام العالم لا يصلح أن يتخذ دليلا على حدوثه كما لا يصلح أن ~~يتخذ اختلاله دليلا على قدمه، والإنسان باعتباره زبدة الكائنات سواء ~~في قول الخلقيين أو النشوئيين لا يعقل أن يظهر في العالم إلا بعد أن ~~يترتب كل ما دونه في مراتب الخلق، وسواء حدث هذا النظام بعد اختلال أو ~~كان على هذا الوضع من أزل الآزال، فما كان ليأخذ مقره من العالم إلا ~~وهو على درجة من النظام كافلة على الأقل بنشوئه فيه، فمن أعلمه أن ~~العالم الذي يضمه الآن لم يكن في القدم «كاؤسا» كما تخيله شعراء ~~اليونان، وليت شعري إذا كان قد وجد في ذلك الكاؤس سائل مثلي ومسئول ~~مثل الأستاذ وجدي وجلسا يتناقشان في وسط تلك الهيولى كما أناقشه الآن ~~عن آية الخلق في العالمين؛ فبماذا عساه كان مجيبا؟ # ثانيا: # لا يمكننا أن نحكم على الشيء أنه متقن إلا إذا وقفنا على الغاية منه؛ ~~فنحن نعرف الساعة أنها متقنة إذا علمنا أولا أنها آلة تستعمل في قياس ~~الوقت، ثم علمنا ثانيا أنها تؤدي هذا الغرض بالضبط. # نعرف أن المنزل مقسم تقسيما حسنا إذا علمنا أولا أنه محل معد ~~للمأوى، ثم علمنا ثانية أنه صالح تماما لهذا الاستعمال. # قال فلتير فيما نقله عن الأستاذ في صفحة 499 من هذا الجزء: «إني إذا ~~رأيت ساعة يشير عقربها إلى الأوقات المختلفة، أستنتج من ذلك بأن لا بد ~~من أن يكون عقلا «هكذا» قد رتب لوالب هذه الآلة حتى استطاع العقرب أن ~~يدل على الساعات دلالة حقيقية، وكذلك إني إن تأملت في آلات الجسم ~~الإنساني أستنتج أن لا بد أن يكون عقلا ms32 «هكذا» قد نظم أجزاءه وأجهزته ~~وجعله قابلا لأن يتغذى في الرحم تسعة أشهر متوالية، وأنه قد متع بأعين ~~لينظر بها وبأيد ليتناول بها، إلخ.» # وأذكر أني قرأت مثل هذا الكلام لروسو، ولكن روسو عكس المثل فاستدل من ~~تركيب لوالب الساعة على أنه لا بد أن تكون وراءها غاية مقصودة، وهو ~~استدلال مردود؛ إذ يجب أن تعلم الغاية أولا ثم يستنتج النظام أو عدم ~~النظام بالنسبة إليها، ولكن دعنا الآن في كلام فلتير. # ففلتير جزم بأن الساعة صنعة عاقل؛ لأنه تحقق أنها مقصودة لقياس ~~الوقت، فما هي إذن تلك الغاية التي تبين له أنها مقصودة بخلق العالم؟ ~~وهل يعقل أن يحكم على شيء بأنه محكم، أي أنه يؤدي الغاية منه تمام ~~الأداء، من غير أن نعرف ما هي تلك الغاية؟ # ثم لماذا لا نقول مثلا: إن الجنين لو لم يستقر في الرحم مدة الحمل ~~لما تمتع بالحياة، وإنه لو لم تتولد له أجهزة لما كان حيوانا، وإن ~~العين لو لم تكن بهذه الدقة لما أبصرت، واليد لو لم تكن بهذا الوضع ~~لما تناولت ... إلخ؟ بدلا من أن نفترض افتراض فلتير ... # ثالثا: # الإحكام الشامل والتطابق التام اللذان لا بد يشيران إلى القصد ~~مفقودان من الكون، فأين هو ذلك الشيء الذي نراه ولا نود أن يصير أكمل ~~مما هو؟ فالأجرام السماوية تتصادم في كل فترة فتتساقط في الفراغ، وهذه ~~الأرض التي نحن عليها لا شيء يمنع أن تصطدم الساعة بمذنب أو سيار ~~تائه في الفضاء فتلحق بالأجرام التي اندثرت من قبلها، ونواميس الطبيعة ~~تثير نكباتها وطوفاناتها وأوبئتها وحرائقها، فتدمر ما عملت فيه نواميس ~~أخرى ملايين السنين، ولا يتلف ما بدأ في صنعه إلا من يعمل مضطرا في ~~الحالتين، وهم يقولون: أكذلك تكون أعمال المدبر المريد؟ وهذا الكون ليس ~~في الحاضر وما كان في وقت مضى محكما حيث لا موضع فيه للخل، أو كاملا ~~حتى لا شائبة فيه للنقص؛ فهو يتدرج في الرقي فيسد نقصا قديما ويأخذ ~~في تكمل جديد، ونحن نعلم العوامل التي ms33 تدفعه إلى الرقي فكلها منه ~~وإليه، فنظامه هذا البديع قد استفاده بذاته أي بعوامله ونواميسه من ~~اختلاله ذاك، وما هذا النظام بأدل على الإعجاز من ذلك الاختلال؛ لأنهما ~~كلاهما أثر لتلك العوامل والنواميس القسرية. وما قال أحد إن الكون ~~انتظم اليوم لأن الله موجود، وإنه كان مختلا بالأمس لأنه لم يكن ~~موجودا. # رابعا: # إذا قيل: إن الإنسان غاية الوجود، كما يفهم من اعتقادهم أن أعمال ~~الإنسان وحدها هي كل ما ينظر إليه من هذا الوجود بعد انقضائه، فلماذا ~~لم يرتب هذا العالم بحيث يوافقه كل الموافقة؟ وإذا كان الإنسان أحقر من ~~أن يوضع الكون حسب ما يلائمه، فلماذا إذن خلقت من أجله كل هذه ~~العوالم التي لا نهاية لها؟ وكيف لا يكون ذلك الشأن لمن خلق من أجله ~~العالم الأول والعالم الأخير؟ # خامسا: # إن حوادث الكون كلها تطبق على عوامل ونواميس مطردة، وإنه حتى الطوارئ ~~التي تغم علينا أسبابها لا تلجئنا إلى استمداد سبب لها من خارج الكون، ~~بل إن تعليلها بعلة طبيعية أقرب دائما من تعليلها بعلة من وراء ~~الطبيعة. # سادسا: # ليس في وسعنا أن نقرر أن الكون لا يكون إلا حادثا، إلا إذا كنا قد ~~رأينا أكوانا أخرى مثله ثم أيقنا من حدوثها؛ فنحن نحكم عليه بالحدوث ~~بالقياس إلى تلك الأكوان، أما وهذا كوننا لم نر قبله ولا بعده، ومنه ~~دون سواه نستمد أحكامنا على المادة والوجود، فلماذا لا يكون إلا حادثا ~~ولماذا لا يكون قديما؟ وللمعترض أن يسأل من يقول: «إن الأكوان لا تقبل ~~القدم من طبعها» كم كونا رأى، وفي كم منها تحقق الحدوث؟ كما له أن ~~يسأل من يقول: «إن المادة لا تصدر عنها الحركات والأعمال» في أي موضع ~~غير هذا الوجود رأى المادة محرومة من هذه الخواص؟ فإذا كان لم ير ولن ~~يرى فكأنه يقول: إن مادة هذا الوجود لا تصدر عنها الحركات ~~والأعمال. # سابعا: # إننا إذا أردنا أن نسكت عن النظر والاستدلال أمام الغوامض الكونية ~~فلنسكت عنهما بين يدي العالم والرسول على حد ms34 سواء، فلا نلحف في سؤال ~~العالم إلحاف المتعنت: كيف انفصلت الأرض عن الشمس؟ ومتى انفصلت؟ كأنه ~~كان من شهود ذلك الحدث البعيد، ونحن نسكت عما هو أغمض من ذلك وأشد منه ~~إشكالا أمام النبي والرسول. # ثامنا: # إن العدم تصور فاسد من تصورات الإنسان، فلا وجود إلا للوجود ولا ~~حقيقة إلا له، فنحن نرى عدما ولا يمكن أن نرى عدما، فمن أين لنا أن ~~نتوهم غير الوجود؟ فلا مقتضى مطلقا لتصور الوجود كائنا بعد عدم أو ~~صائرا إلى عدم، كما أنه لا مقتضى لتصور الوجود منفصلا عن الأزلية ~~والأبدية، وما ألم بوهم الإنسان خيال العدم إلا من هذه الاستحالات التي ~~كانت تظهر له في بادئ عهده تارة كأنها خلق وإنشاء وتارة كأنها تلاش ~~وفناء، وما هي في الحقيقة إلا انتقال من صورة إلى صورة الوجود، ولولا ~~ذلك لما خطر العدم في عقل ولا ورد على بال، ولولاه لما سمعت ~~إنسانا يسأل: «من أين جاء الوجود ولا إلى أين يصير؟ لأنه لا يتصور ~~غيره ولا يبدو له سواه». # تاسعا: # إن الإلهيين هم المطالبون أولا بالإثبات؛ لأنهم هم المدعون ولا ~~يطالب الملحدون به؛ لأنهم منكرون ليس إلا، ولا يصح أن يطلب الدليل ~~ممن ينكر قضية لم يقم على إثباتها دليل. # كذلك دحض حجة الخصم لا يفيد صحة حجة المدعي، بل كل ما يفيده أن الدعوى لم يقم برهان ~~على بطلانها، كما أنه لم يقم برهان على تأييدها. # هذه هي المسائل التي طافت بذهني وأنا أقلب صفحات الجزء السابع من دائرة معارف القرن ~~العشرين، وربما طافت كذلك بأذهان الكثيرين فوجهتها إلى صاحب الدائرة لعله إذ يدفع هذا ~~الالتباس يرفع خرطوم الوسواس الخناس عن صدور كثير من الناس. # شح البحر # أيا بحر لو كنت الكريم كما ادعوا # قديما لألقيت الجواهر للناس # وحليت منها العاطلات عن الحلى # من اللاء لم يسعدن بالتبر والماس # ولم تدخرها كالشحيح لسارق # تدلى بأمراس إليها ونبراس # فاكهة النعام # تين الصبير وقيت فا # كهة الأوابد والنعام # يحلو إذا كانت جلا # ميد الصخور ms35 هي الطعام # فنون الجنون # الجنون فنون، وفنون الجنون كثيرة لمن يريد أن يحصيها، لا أقصد جنون السراي الصفراء، ~~ولا ذلك الجنون الأحمق الذي يعلن عن نفسه في الشوارع والأسواق ويستلفت من لا يلتفت إليه ~~بالحجارة والصياح، كلا! بل أقصد هذا الجنون الخفي الذي لا يسلم إنسان تحت قبة السماء من ~~شعبة منه، هذا الجنون الذي يقول عنه المثل الإنكليزي: «لو كان الجنون مرضا يؤلم لسمعت ~~الصراخ من كل بيت»، فما أكثر المجانين الذين يذهبون ويجيئون بغير جوامع في أيديهم، ولا ~~أغلال في أرجلهم في هذا البيمارستان العظيم! # الناموس الأخلاقي # الأصل في الأصل الأخلاقي أنه الحالة التي يتمنى كل إنسان أن يكون الناس عليها، حسب ما ~~يبدو له أنه أضمن لعلاقاته معهم، فليست الأصول الأخلاقية بالقواعد التي تقضي المصلحة ~~بالتمسك بها، بل كثيرا ما يجيء الأمر على عكس ذلك، ولكنها القواعد التي لو جرى عليها ~~كل إنسان لأصبح الناس - كما يزعم واضعوها - أسعد حالا في مجموعهم مما هم الآن. # ولكن، أليس هناك فاصل بين المطلوب والحاصل؟ ألا يجب أن تقدر درجة حكم الإنسان على ~~نفسه فيما يتعلق بمعاملاته مع الناس؟ إن أولئك الدعاة والوعاظ لا يرون من داع إلى بحث ~~هذه الاعتبارات، يظنون أنه ليس بين المخطئ وبين العصمة إلا أن يعرف خطأه، كأن كل هؤلاء ~~البغاة والأشرار ما كانوا بغاة وأشرارا إلا لأنهم لم يجدوا من يقول لهم إن ما هم فيه ~~بغي وشر. # فمن قديم الزمان تكلم هؤلاء الناس عن الصدق والأمانة والفضيلة، وقالوا لهم: قوموا ~~اصدقوا قوموا استقيموا، ولكن حتى الآن لم يوجد ذلك الرجل الصادق الذي لا يكذب، والأمين ~~الذي لا يخون، والفاضل الذي لا يعرف ما يؤنبه عليه ضميره - وليس بحي الضمير من لا يسمع ~~صوته مرة - على أنه لو وجد ذلك الرجل بين ظهرانينا لكان كمن يعامل الناس بصك يتقيد به ~~من جانبه، ولكنهم هم من جانبهم لا يتقيدون به. # وليس أولئك الدعاة والوعاظ وحدهم أصحاب مبادئ أخلاقية، بل إن لكل رجل تراه مبدأ أو ms36 ~~مبادئ من هذا القبيل، فكل رجل لا تروقه حالة الناس، وليس من رجل تروقه حالتهم يتمنى لو ~~يكونون على غير ما هم عليه، فتسمع منهم من يقول: آه لو كان الناس أوفياء! ليتهم لا ~~يخافون، ليت قويهم لا يقسو على ضعيفهم، ليتهم لا يبخل أغنياؤهم على فقرائهم، ليتهم لا ~~يتباغضون، إلى غير ذلك من الأماني التي ربما لم تكن أبعد تحقيقا من سنن أولئك ~~الأخلاقيين. # يقولون ذلك كلما مسهم أذى من تلك النقائض التي ينقمونها من بعضهم، على أن كلا منهم ~~ينتظر حتى يبدأ الناس بالإقلاع عنها ليقتدي بهم، وما من أحد يرضى أن يجعل نفسه مثلة ~~لغيره، وما من أحد يضع يديه في الأنشوطة وهو يرى الأيدي كلها ممدودة إليه، فالناس الآن ~~- وفي كل زمان - يكذبون ويمارون ويتساهلون في الواجبات، ولا مندوحة لهم عن ذلك ما بقي ~~بينهم هذا التدافع والتجاذب على وسائل الحياة. # الحكومة في الشرق والغرب # من المسائل الحرية بالنظر أن شكل الحكومة لم يكتسب شيئا من تعديلاته وأدواره في ~~الشرق كله، لا قديما كما كان يقع مرارا في روما واليونان، ولا حديثا كما وقع في ~~فرنسا وإنكلترا من التجارب المتتابعة وراء تكوين الحكومة الصالحة، ذلك بالرغم من أن ~~الارتباط والضغط اللذين كانا يثيرانهم إلى قلب الحكومات قد نزل أضعافه بالشرقيين، ولكن ~~مع هذا الفرق اليسير - وربما كان فيه كل السبب - أن الاستبداد لا يؤثر هنا على الأحوال ~~المعيشية تأثيره هناك لتيسر الأرزاق وقلة ما للقوانين وكيفيات الحكم في المداخلة في ~~تحصيلها. # وقد يكون هذا الجمود على شكل واحد من أشكال الحكومة ناشئا من انطباع الشرقيين على ~~قلة الاهتمام بالعموميات لتمهد الوسائل الخصوصية، فإذا استولى أحدهم على الملك استقر له ~~الأمر وانقاد له الجميع، وكثيرا ما يتفق أن خادما من خدم البلاط يبسط نفوذه في ~~المملكة فيغتصب الملك لنفسه، ويبقى الحاكم المتصرف إلى أن يزحزحه عن مكانه متعصب آخر ~~يأنس من نفسه الصولة والنفوذ، والناس بمعزل عن هذه الانقلابات، يسلمون بها ولا يشتركون ~~فيها، فهي - أي حكومة ms37 الشرق - لا ترتكز على الشعب، فلا تتحول باختلاف مصالحه ولا الشعب ~~يعتمد على اختلاف هيئاتها، فقد أنشأت نفسها بقوة ساعدها ولم ينشئها الشعب كما هو شأن ~~الحكومات في الغرب، وقد شدت أزرها في كثير من المواقف بالسلطة الدينية التي رأت من ~~مصلحتها أن تتبادل وإياها المعاضدة والتناصر، فجمدت جمود عقائد الأديان في وهم ~~الإنسان. # في صالون حلاق # ما بالها تطفر كالغزال # ساحرة بالتيه والجمال # هيفاء من أوانس الأندلس # ذات جبين كالنهار المشمس # قد أسفرت حالية بالنور # في وجنة ومقلة وثغر # من كل زهر ناضر الرواء # والزهر لا ينضر في الشتاء # ثم استوت في مجلس هناكا # تمد للخلائق الشباكا # أمامها المرآة فيها يظهر # ما ليس في غير المرائي تنظر # تمثالها في صفحة البلور # مرتسما بريشة من نور ~~••• # وكان يرعاها أريب كيس # فقر في موضعه لا ينبس # وصوب الطرف إلى الرذيلة # يرمق تلك المصورة الجميلة # كمن يهاب الشمس في السماء # فيرتضي بقرصها في الماء # فساءها حتى إلى الطيف النظر # أهكذا تبخل ربات الخفر # الحسن إن ضن به المليح # كالمال إذ يدفنه الشحيح # الزهر إذ يزكو لغير ناشق # والبدر إذ يبدو لغير رامق ~~••• # فأقبلت تضحك للقرين # عن لؤلؤ في ثغرها مكنون # قالت ألا تنظر للمغرور # يحدق في المرآة كالمسحور # ما زال يرنو نحوها بالطرف # حتى لقد أخجل فيها طيفي # فأومأ القرين للحلاق # يبتسم ابتسامة الإشفاق # وقال قل للحاجب الصديق # لا يكسر المرآة بالتحديق # من يكثر اللمح لها في الليل # قد يعتريه خبل في العقل ~~••• # فقال «عفوا يا قرين الشمس» # ذاك الأريب منغضا بالرأس # ما في المرايا ثم من شيطان # يخاف منه المس للإنسان # بل إن فيها ملكا مكملا # يوحي لنا الحسن كما تنزلا # ملكت منه الذات واستأثرتا # ففز بها مغتبطا هنئتا # ودع لنا هذا الخيال مغنما # فإنه ليس لزوج حرما # الارتقاء ودلال النساء # لا يرغب الرجل في المرأة في الشعوب المنحطة إلا للعلاقة التي بين كل ذكر وأنثى؛ ~~فالمرأة في تلك الشعوب يهمها أن تكون مرغوبة من هذه الوجهة، والدلال ومنه الخفر ~~والخيلاء ms38 وترطيب الكلام والتخنث والزهو باستكمال المحسنات الأنثوية من قرائن تلك الرغبة ~~والمحركات لها أيضا، أما حيث تكون للمرأة مزايا تحبب فيها غير هذه المزية كسلامة الذوق ~~والحديث ودقة النظر ومشاركة الرجل في تدبير شئونه، فالدلال من هذا النوع لا يحس إلا ~~بقدر ما يكون طبيعيا في المرأة، فالعربيات والسودانيات أكثر دلالا من المصريات ~~والسوريات، والمصريات والسوريات أكثر دلالا من النمسويات والإيطاليات والفرنسويات، ~~وهن أكثر دلالا من الألمانيات والإنكليزيات، والأوروبيات بوجه عام أكثر دلالا من ~~الأمريكيات. # وربما جاءت السوبرمان التي يمنوننا بها مجردة من كل أثر من هذا الدلال. # طمأنينة اليأس # ماذا أصنع؟ # سؤال إذا ألقاه المصاب على نفسه فعجزت عن الجواب، هان عليه المصاب، يقوله المحتضر ~~والمقضي عليه بالإعدام، ويقوله المفجوع بعظائم الرزايا وفوادح الآلام، يقوله فتطرق ~~نفسه إطراق الرضى والاقتناع، بهذا السؤال «الإسفنكسي» يرقد ساكن الروع، جان سيساق ~~غدا إلى ساحة القتل، بل بهذا السؤال يترقب ذلك الجاني ساعة القضاء عليه كمن يترقب ساعة ~~العرس، كي يتخلص من وساوس لعل وربما، إلا أن من النفوس طائفة لا تسكت عن هذا السؤال في ~~حال من الأحوال فتجيب عليه بالصدق والكذب، بالممكن والمحال، فالويل لأمثال هذه النفوس ~~الحمقاء! # الحنان لعلة # الخال أشد عطفا من العم؛ لأن الرجل ينافس أخاه بأبنائه ولا ينافس أخته بهم، والعمة ~~أشد عطفا من الخالة؛ لأن المرأة تنافس أختها بأبنائها ولا تنافس أخاها. # الرأي العام # لو استطعت أن أتمثل الرأي العام في صورة شخص واحد لرأيته فيلمانيا غاشما، هائل ~~الجثة صعب المراس ضعيف الذاكرة، سريع التقلب، قريب التهيج، سهل القياد، متناقض الأفكار، ~~يقبل كل ما يقال له من غير تدبر ولا إمعان، والساسة والزعماء وجماعة الصحف والأحزاب ~~محتفون بذلك العملاق الغمر يملقونه ويصادونه فلا يكاد يصدقهم بهذه الأذن حتى يكذبهم ~~بتلك، وهو تارة يهم بالبطش بهم وتارة يضحك لهم ملء شدقيه، ولا بد أن يكون كذلك مجموعة ~~أفكار خليط من الناس لا يحتمل أيهم تبعة رأيه شخصيا. # هواجس ما بين القبور # كلفنا بالحياة فما الذي أغرانا بحبها، ms39 وكرهنا الموت فلماذا كرهناه؟ «سؤال فيلسوف ~~الفلاسفة وأغبى الأغبياء سيان في العي عنه»، بل إن ذلك الفيلسوف - ولست أهينه - ~~كالحيوان الأبكم والجماد الأصم سواء في الصمت أمام هذا السؤال. # سل حجرا: لماذا يأتلف بذراته ويحتفظ بشكله، سله عن هذين وهما مبلغ ما لديه من حياة، ~~ثم سل من تشاء من جهابذة العلم وأساطين المعرفة علام آثر الحياة وكيف بدا له أن يتمسك ~~بهذا البقاء؟! إنك لا تسمع منه صوتا أوضح من سكوت ذلك الجماد. # ألا أخلق بهذا الذي يدعونه تنازعا على البقاء أن يدعى سباقا إلى الفناء، سباقا ~~من العفاء مبتدؤه ومنتهاه إلى العفاء، نحن كلنا في ذلك المضمار متلاحقون، السابق منا ~~كالمسبوق، والأول والآخر سواء. # فهذا المالك المطاع، الذي لا يفرض على عباده أكثر من الإيمان إلى الغبراء برهانا على ~~التذلل أمام عزته، والتصاغر لدى عظمته، دعه اليوم وعزة السلطان وأبهة المقام، ثم عد ~~إليه بعد أيام، ألا ينتثر على تلك الغبرا ترابا تمشي عليه الدواب وتطأ فوقه ~~الأنعام؟ # وهذا الألمعي اللبيب: الذي تتلألأ كلماته في ظلمة الجهل تلألؤ النور في حلك الليل، ~~ننافس يتيمات الدرر بأقواله تنزيها لها عن لفظ هذا الأنام، ونحاكي بنفائس الأعلاق ~~معانيه إغلاء لها عن سائر الكلام ... أنظره إلى أيام، فما أقرب معدن ذلك الجوهر إلى ~~معدن هذا الرغام عند كيمياء الحمام. # وهذا التياه بجماله، الفتان بدلاله، الذي تتهافت الأبصار على لمحة إليه، وتتلهب ~~الشفاه إلى قبلة منه؛ أمهله أيضا إلى أيام ... ثم انظر أين منه تحت الثرى لحاظه ~~الساحرة، وطلعته الباهرة ووجنته الناضرة ومراشفه العذبة الطاهرة، ألا ترى أحسن محاسنه ~~غبارا ينفض عن الأحذية وتصان عنه الأقدام؟ # وذاك الكمي المغوار الذي حرم على الأسود لحمه، وسمم في ملاغم النمور دمه ... ما باله ~~يسرح الدود منه في مكامن الشدة والعرام، وتتمكن الهوام من بدنه حيث لا يبلغ لا نصل ولا ~~حسام؟ # فما هذه الحياة؟ لا كانت الحياة! حيينا على الكره منه، ونعيش على الكره منه، وننسل ~~فنهب أبناءنا الحياة على الكره منا ونحبها ونحن ms40 على ذلك مكرهون. # ما هذه الحياة؟ لا كانت الحياة! كلام يعجم على عقولنا ويرن صداه في أعماق ضمائرنا، ~~والموت من فوق منابر النعوش ينادينا، بلسان يسمعه الأعجمي كالعربي، والأصم كالسميع، ~~والبعيد كالقريب قائلا: «أيها الناس إن حياتكم هذه إلا احتضار طويل، تعالجون له كلما ~~استطعتم إطالة ومدا، ولأن تعجلوه اليوم قبل غد والساعة قبل الساعة التي بعدها ~~أحرى بكم لو كنتم تعقلون». # نقض اللغات # كم من كلمات على ألسنة الناس بلا معنى! وكم من معان في أفكارهم بلا كلمات! # اقتراح # لست أدري لماذا لا تفتح حديقة الحيوانات أبوابها سحرا في أيام من فصل الصيف ~~والربيع، فيشاهد الزائر الطبيعة تفرك جفنيها من النعاس وهي في ثياب النوم، ويرى كيف ~~تنهض من فراشها بين جمادها ونباتها وحيوانها، ويسمع ذلك اللحن المؤلف من زئير السباع ~~وصياح الدواب وتغريد الطيور وزقاء العصافير وعزيف الصبا وحفيف الأشجار؟! أيظن مدير ~~الحديقة أنه يحبو زواره بمشهد أبدع من هذا في النهار؟ # عشاء المدينة # إن هذه الظواهر المدنية ليست عميقة الأثر في نفس الإنسان؛ فإن البواعث التي تخرجه عن ~~هذا الطور السطحي مثل الغضب الشديد والجنون والدفاع عن الحياة تعيده إلى استعمال أبشع ~~وسائل العراك الوحشي كالنهش والعض والتخديش بالأظافر لا سيما في الصغار والنساء، ~~والوقائع متعددة عن المجانين الذين أكلوا جوارح الأحياء، والمقتولين الذين أنشبوا ~~أنيابهم في أجسام قاتليهم وقضموا من أعضائهم ما وصل إلى أفواههم؛ طمعا في الخلاص. # وحش في غير لقاب # الإنسان أشد الحيوان ضراوة، يفترس من البر والبحر والهواء وما هو بمضطر كاضطرار ~~الوحوش إذ ترد عنها قوارص السغب، ولكن ليتلذذ ويتفكه بتنوع الألوان واختلاف الطعام، ~~وكما أن السبع قد يغتال فريسته من أجل نهشة من اللحم، وكذلك إنساننا قد يسطو على شرف ~~أخيه وطمأنينته فيسلبها منه من أجل لذة فارغة لا يضيره الاستغناء عنها، فالوحشية ليست ~~في البرثن والناب أكثر منها في الشوكة والسكين، وليست هي في الفتك والاغتيال بأقبح منها ~~في الإفك والاحتيال. # وما في الغول والسعلاة طبع # وهذا المرء من شرواه ms41 خال # وكم في الناس إن تنظر إليهم # طبائع ما تراها في السعالي # تربيتنا الدستورية # إلى الآن يخيفون الأطفال في الأرياف البعيدة بالعسكري، يخافون من كل لابس الطربوش ~~كخوفهم من العفاريت والغيلان. # التنافس سلم الرقي # يضيق مجال التنافس في الأقطار الزراعية البحتة التي لا تعمل فيها الصناعة فتبطئ حركة ~~التقدم؛ لأن المجانسة الطبيعية في نتاج الزراعة قد أوقفت التحسينات الصناعية عند حد ~~محدود؛ ولذلك بقي فلاح اليوم نموذجا لا يفوته شيء من فلاح طيبة وممفيس، فالأكواخ ~~الطينية والمحراث الخشبي وسراج الزيت وأثواب الصوف بلونه الطبيعي على جلود الغنم، ~~ومنسوج الكتان الغليظ والخبز الأسمر والسمك المملح والجبن والبصل والكراث لا تزال على ~~حالها في عهد بناة الأهرام، وستبقى كذلك إلى أن تنشأ لنا صناعة وطنية نزاحم بها في سوق ~~الصناعات، هنالك نضع أقدامنا على قاعدة ثابتة مستقرة ونأخذ في الرقي المتواصل ~~المطرد. # يا ليل # شمل الظلام أعالي الآكام # والنور غادر طاوي الأعلام # وطغى على الأكوان بحر طام # نامت عوالمها ورنقها الكرى # والنجم نام ونام ما فوق الثرى # والخلق بين مهموم ونيام # والليل أرحب ما يتاح لنائم # ضاقت مذاهبه بهذا العالم # وطوى على كشح من الأيام # يا ليل عفيت الفوارق والمدى # سويت ما بين الملوك ومن غدا # في حكمهم كسوائم الأنعام # يا ليل أنسيت الحزين مصابه # وسللت من صدر العليل عذابه # وحبوته بروائع الأحلام # كم فاز فيك المعتفون بما ارتضوا # وأذقتهم طيب الرجاء وقد قضوا # عهد الرجاء وما حظوا بمرام # وجمعت أهل العشق لم يتجمعوا # في غفلة ممن يلوم ويمنع # بالروح دون تواصل الأجسام # لا يكتمون من الحياة ودادهم # أو يعرضون وقد أذاب فؤادهم # مثل الغضى من لوعة وهيام # أحييت من أردى الحمام وقتلا # وبعثتهم من بعد أن صاروا إلى # رمم بوالي في الثرى وعظام # يا ليل أنت أبر ما يدعو الورى # رفرف على أهل المدائن والقرى # وابسط ظلالك فوقهم بسلام # آليت أظلم من ظلامك حالكا # نور يضيء إلى الشرور مسالكا # ويري العيون خوافي الآثام # وأعف من إنسان سوء يفسد # شيطان جن في ms42 ظلامك أسود # ما قط فارق عالم الأوهام # يا ليل فاحلل في العوالم سرمدا # إني لأفرق للنهار إذا بدا # أشباح خلق في النهار لئام # السعادة في وهم الناس # يعتقد بعضهم أن السعادة أن تتوفر لدى الإنسان جميع مبتغياته حتى لا تعود له بغية في ~~الحياة، وأن التعاسة بأن يصفر الإنسان من جميع حاجاته حتى لا يكون شيء من مستلزمات ~~الحياة إلا وهو محتاج إليه، على أني لا أحسب هذا التعيس أحق بالانتحار من ذلك ~~السعيد. # احترام الضعف # تغلب آداب احترام الشيوخ والنساء في الشعوب التي من دأبها - أو كان من دأبها - الغزو ~~وشن الغارات - وراقب ذلك في الأتراك - كأنهم يأنفون من إظهار البأس على من لا ينتظر أن ~~يفاخرهم ببأسه. # الانخفاض أساس الرفعة # أعلى المراتب ما أقيم بناؤه # فوق النقائض من بني الإنسان # وإذا بدا لك أن تشيد عاليا # فاجعل أساسك غائر الأركان # يشقى المماكس والمخاتل والألى # سادوا الخلائق من ذوي التيجان # لولا الغرارة في الأنام وما بهم # من ذلة مرذولة وهوان # فضل الفقراء على مدنية الإنسان # أكثر الانقلابات العظيمة تمت على أيدي الفقراء؛ لأنهم الفئة التي ترغب دائما في ~~تبديل ما هي عليه. # الحجاب: خير للرجل الذي يخشى أن تصادفه امرأة في الطريق فيفتن بها أن يرجع إلى نفسه ~~فيقوم طباعها ويلطف من شبقها، ذلك خير له وللعالم من أن يحكم بالسجن المؤبد على ~~نساء العالم كله. # والمصلح الذي يتذرع بفصل الجنسين إلى منع الأضرار التي تنجم عن اختلاطهما، كالحكومة ~~التي توكل بكل فرد حارسا أو تحبس الناس جميعا لتمنعهم من ارتكاب الجرائم، كلاهما يضيع ~~الغاية في سبيل الواسطة. # أين موضع العجب؟ # في جزيرة منعزلة من جزر النيل رجل إنكليزي وامرأته يقضيان الشتاء في تلك الجزيرة ثم ~~يبرحانها عند ظهور الصيف، وقد وضعا في خدمتهما نحو الأربعين خادما بين رجل وامرأة، ~~فكانوا يقصرون في تأدية أعمالهم غالبا؛ فتصيح بهم السيدة غضبى: «عجبا، أربعون شخصا ~~يعجزون عن خدمة اثنين!» # نعم، عجيب أن ينفق رجل وامرأة على ما لا يكاد يفي بتهيئة ms43 معدات أكلهما وسكناهما في ~~المشتى، ما يكفي للإنفاق على أربعين عائلة في كافة لوازمها! # آداب المجاملة # الصراحة - أي إظهار شعور النفس في حقيقته - خلق فطري في الإنسان، ولكن الرياء ~~والمواربة والنفاق والمجاملة مستحدثات متصنعة أوجدها تداول الحاجة بين الناس؛ ففي ~~القرى حيث تقتصر حاجة كل إنسان على ساعده ترى الغلاظة والخشونة في الكلام، وتراهم أبعد ~~ما يكونون في حديثهم عن الكياسة والتزويق، وكذلك بين النساء الجاهلات بالحاجات المعنوية ~~في العشرة والمسامرة وتبادل العواطف، فإن الصراحة عندهن على أتمها؛ لأنه قل أن ~~توجد بينهن امرأة تحتاج في مؤنتها إلى امرأة أخرى؛ لاعتمادهن جميعا من هذه الوجهة على ~~الرجال. # ومتى ازدحمت الأعمال بتقدم العمران واعتمد كل عامل في عمله على ذاته؛ قلت كذلك ~~المجاملات الفارغة واقتصر الناس من الكلام على الضروري المفيد ونبذوا اللغو ~~والهذر. # وربما كانت هذه الجفوة التي عرف بها العنصر السكسوني في ألمانيا وأمريكا وإنكلترا من ~~لزائم الاعتماد على النفس واستقلال الفكر، وهما الخلقان اللذان امتاز بهما أبناء هذا ~~العنصر بين عناصر البشر، كما يمكن أن نرجع بهذه المجاملة المستسمجة بيننا إلى عدم ~~استقلالنا والتعويل على غيرنا قبل أنفسنا في قضاء حوائجنا. # محك المعجزات # للفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم ميزان دقيق يزن به المعجزات، قال في بعض فصوله ما ~~معناه: إذا أخبرك رجل عن معجزة فانظر إن كان تكذيب ذلك الرجل مستحيلا أبعد من استحالة ~~وقوع تلك المعجزة فصدقه. # فمثلا: إذا جاءك رجل وقال إنه رأى الشمس تطلع من الغرب بعد نصف الليل، فإذا كان وقوع ~~ذلك الأمر الخارق أقرب إلى الاحتمال من كذب رجل أو مائة رجل مثله أو ألف أو مليون ~~فصدق المعجزة، وإلا فاقطع بأنها ملفقة. # حقيقة الشعور بجمال التصوير # في استحساننا للصور شيء من الإعجاب الخفي بإتقان المصور، فيتفاوت إعجاب الناظر على ~~حسب الدرجة التي يقدرها للإتقان في نظره؛ فصاحب الذوق الساذج يكتفي بتخطيط «كروكي» عن ~~مجمل الشكل المرسوم، فلا يطالب الرسام إذا رسم رجلا بأكثر من أن يأتي به كاملا لا ~~ينقص عضوا من أعضائه، ms44 فيبحث عن الرأس والعين والأنف والأذن ... إلخ هل لها علامة ظاهرة ~~في الرسم أم لا؟ ثم لا يعنى بمضاهاتها على الأصل، يطلب منه رجلا لا يلتبس عليه ~~بالقرد أو جملا لا يلتبس بالزرافة. # ذلك أننا تعودنا أن نعجب دائما بالصانع في صنعته على قدر ما استلزمته من الحذق ~~والقدرة، وعلى قدر ما لدينا من إدراك ذلك الحذق وتلك القدرة، فنحن تروقنا صورة اليد ~~أكثر من الصورة الشمسية وإن كانت هذه في الواقع أضبط من الأولى وأدق منها انطباقا على ~~الأصل، إلا أن استخراجها ليس فيه ما يشبع حاسة الغرابة؛ لأنه لا يشف عن البراعة التي ~~يشف عنها استخراج الأولى، ولو كان للإعجاب بالصور سبب غير هذا السبب لكانت الثانية أولى ~~بإعجابنا. # أعمار الموتى # قلت هذه الأبيات على قبر صديق زرته بعد عام وقد مات في التاسعة عشرة: # قد مر عام وأنتا # من القبور حسبتا # اليوم عشرين عاما # تحت التراب بلغتا # سيان يوم وجيل # في عمر من بات ميتا # بنات أوروبا على الإبل # قل للحسان على المطي رواكضا # رفقا بأعناق المطي قليلا # لا يرتكضن فهن في أقصى المدى # أدنى أعماق النفوس مثولا # حسب الحسان من القلوب رواقلا # إما خفقن وحسبهن ذميلا # تقسيم التركات # إذا مات رجل عن مائة ألف جنيه وخلف وراءه ابنا، فكيف يحق لهذا الابن الاستيلاء على ~~جميع هذا المبلغ؟ وبأي مسوغ يستحل ذلك الولد هذا المقدار من ثروة الأمة؟ # نعم، إن على الوالد أن يربي ولده، وله أيضا أن يعينه على إنشاء مستقبل له في ~~الحياة، فليكن الأمر كذلك؛ فليس في هذا نزاع، فإذا ما مات ذلك الأب فلتقم الحكومة مقامه ~~وتتول تربية ولده وتمده متى حان له أن يعمل لنفسه بما يبدأ به عملا من الأعمال، ~~ولتتركه بعد ذلك يلاقي ما يستحقه بجدارته من نجاح أو فشل، وتنفق الباقي في تحسين حال ~~المجموع بما لا يمكن أن يأتي على يد فرد من الأفراد. # محادثة مع أخي الصغير أمام البنك المصري # قرأ الغلام على لوحة المصرف الكبير «ا ms45 ل ب ن ك، ا ل م ص ر ي» فصاح بي: أهذا محل ~~البنك؟ # قلت: نعم، إنه هو محله. # قال: أين هو إذن؟ # قلت: هذا البيت الذي تراه أمامك. # قال: لقد كنت أسمع الناس يقولون: أخذت من البنك، البنك أعطاني، البنك يطلب من فلان؛ ~~فأحسب أنه رجل كبير كثير الأموال، يجلس في محله وينفح الناس بالنقود كما يطلبون. # قلت: إنه لكذلك، رجل أو رجال كبيرون، لا بالجسم الضخم ولا بالشعر الأبيض ولكن بالذهب، ~~وهم كما حسبت، ينفحون من تسمعهم من التجار وأصحاب المزارع والعقار بالنقود، إلا أنهم لا ~~يطيقون كلفة الجلوس ومد اليد بالفلوس، فهم ينامون هناك على أسرتهم ويبعثون جنيهاتهم ~~تدور وتنحدر من يد إلى يد ومن كيس إلى كيس، ثم تعود أيديهم وأكياسهم في آخر الدورة ~~أضعافا مضاعفة. # قال: وإني أراهم يزنون الجنيهات والريالات في الموازين، فبكم يا ترى يبيعون ~~الأقة؟ # قلت: إنهم يبيعون الدرهم بدرهمين. # قال: وهؤلاء الصيارفة والبوابون الذين يزنونها ويصفونها ويحملونها، ألا أحسبهم أسعد ~~العمال حالا وأكثرهم مرتبات وأجورا. # قلت: كلا! بل هم في ذلك عمال كبقية العمال. # قال: فكم أجرة هذا البواب؟ # قلت: كأجرة ذلك البواب. # قال: وهذا العامل؟ # قلت: كذلك العامل. # قال: عجبا! أعامل البنك وهو لا يقلب يديه إلا في الذهب والفضة يأخذ ما يأخذه عامل ~~الأوراق والمحابر والأقلام؟ # قلت: أي نعم، كذلك قضى الناس: أن يكون أقلهم حظا من المال أكثرهم اشتغالا ~~فيه. # قال: إننا نحن الأطفال بمثل ذلك في ألعابنا. # قلت: ولكننا نحن الرجال ذوي الشوارب واللحى نرضاه في شرائعنا وأعمالنا فماذا ~~تقول؟ # فبهت الغلام وألقى بكرته أمامه ثم عدا في أثرها! # أين الحقيقة؟ # أين الحقيقة؟ لا حقي # قة كل ما زعموا كلام # الناس غرقى في الهوى # لم ينج غر أو إمام # إن الحقيقة غادة # كالغيد يضمرها اللثام # كل يهيم بها فإن # لاحت لهم صدوا وهاموا # كم أشرق الحق الصراح # فأعرضت عنه الأنام # والناس لو تدري خفا # فيش يروق لها الظلام # لا حق إلا أنه # لا حق في الدنيا ms46 يرام # ولما نشرت هذه الأبيات في الجريدة ، نشر كاتب في العدد 3360 من اللواء مقالا ~~افتتاحيا تحت عنوان «يرون الحقيقة ويمارون فيها» قال منه: إن الذين ينحرفون عن طريق ~~الحقيقة لم يضلوه ولو شاءوا لاستقاموا فيه، ولكنهم لا يشاءون؛ فالحيلة فيهم ~~قليلة. # مثلهم مثل من يجعل بينك وبين الشمس يده إذا تعالت في السماء ليحجب عنك نورها وهو يدري ~~بأنه لا يحتجب، فالويل لهم من أنفسهم والويل لطلاب الحقيقة منهم. # نعم، إن الحقيقة لا تدرك بين الذين أشربوا في نفوسهم هذه الطباع ولكنها غير مجهولة ~~ولا خافية، وهل يخفى النور على بصير وقد ضمن مقالته أبياتا بهذا المعنى. # فقد ظن الكاتب أني أنكرت الحقيقة مطلقا، وليس هذا مرادي، فالحقائق من صنف (2 × 2 = ~~4) كثيرة لا تحصر ولا تنكر، ولكن الحقيقة التي عنيتها ليست من طراز هذه الحقائق؛ فهي ~~الحقيقة الكبرى، الحقيقة الشاملة التي ينضوي تحتها كل ما عداها من حقائق، فمن هو ذاك ~~الذي يحسب الكاتب أنه يعرف هذه الحقيقة ويماري فيها؟ تلك أكبر من أن يعرفها أحد ~~فيكتمها، بل تلك أسطع من أن يقابلها بصر إنسان. # خلود الفنون # تساوى الآن أرباب القرائح والفنون، فلم يعد الشاعر ينفرد بتخليد ثمرات قريحته عن ~~زميليه المصور والمغني؛ فبواسطة التصوير الشمسي الملون أصبحت الصورة تنقل من قرن إلى ~~قرن من غير أن يذهب تقادم العهد برونقها، وبالفونوغراف والأنواط الموسيقية أصبح في ~~الإمكان حفظ أصوات المغنين وألحان الموسيقيين مئات السنين بعد أن كانت تخرج من بين ~~شفاههم فيلاشيها الهواء. # نقد الكتب # يحسن بالقارئ أن يعيد تصفح الكتب التي يقرؤها مرة في كل ثلاث سنين على الأكثر، فإنه ~~يضاعف انتفاعه بها ولا تفوته طلاوة الجديد؛ فإنها تتغير في نظره حتى لقد يظهر له كأنه ~~يقرؤها للمرة الأولى فيرى في معانيها ودقائقها ما كان لا ينتبه إليه من قبل، كما يبدو ~~له من مآخذها وأغلاطها ما كان يخفى عليه، وربما تغير حكمه عنها إلى نقيضه فيروقه ما ~~كان يرفضه ويرفض ما كان يروقه مترقيا مع ارتقاء ms47 معلوماته. # وبإعادة تلاوة الكتاب في ظروف مختلفة، يتجرد القارئ عن تأثير الظروف عليه في قراءته ~~ويتخلص إلى المعنى المقصود. # أسحار أيار # نشرت هذه الأرجوزة في العدد 976 من الجريدة الصادرة في يوم 26 مايو سنة 1910: # قد أقبل الربيع # بنشره يضوع # ففاحت الزهور # وصاحت الطيور # حديثها تلحين # ولحنها شجون # سجية فطرية # من قدرة سرية # ما ركبت مزمارا # أو هذبت أوتارا ~~••• # الورد في البستان # يميل بالأغصان # يسطو بلون الأفق # عند احمرار الشفق # كأنه الخدود # تهفو بها القدود ~~••• # والفل في الرياض # كالحدق المراض # يرنو بلحظ فاتر # لكل وجه زائر # مختلف الأوراق # مزدوج الطباق # كنجمة الصباح # تهم بالرواح # يا من جفاه الوسن # وحالفته المحن # أزرت به العيون # ومله القرين # الفل طرف أحور # لكل وجه ينظر # لا يغمض الدلال # منه ولا الملال # يرمز للعفاف # بلونه الشفاف ~~••• # والنرجس الجميل # أقصده النحول # ما باله قد أطرقا # لا يستقيم مطلقا # كالتابع المطيع # في حضرة المتبوع # أم أبصر الزهورا # فارتد مستطيرا # وعاذ بالرحمن # من فتنة الحسان # كالناسك المعتزل # عن دهره في شغل # ما جال قط بالبصر # في حسن ربات الخفر # قد أنكر الجمالا # يحسبه ضلالا # كأن من سواه # ليس هو الإله ~~••• # وفاح مثل المندل # من جانب القرنفل # يا سيد البهار # وحلية الأبكار # أدميت في التليد # أنيملات الغيد # طيات ثوب الغانية # ما عنك إلا راوية # مسنن الحوافي # في ورق لطاف # تخالها في الشكل # مثل ثنايا الطفل # ضاحكة للأم # ناغته بعد ضم ~~••• # ودارت الأقاحي # مبيضة النواحي # كأنها الملاح # دارت عليها الراح # فاهتزت الخصور # وافترت الثغور # يا ألف ثغر يبسم # جذلانة لا تسأم # الشهد منها يرشف # والطيب عنها يعرف # كيف يرى الحزين # أو يعبس الجبين # في محضر صبوح # بوجهك المليح ~~••• # وأشرق النيلوفر # كالبدر حين يسفر # يحنو إلى ذكاء # في الصبح والمساء # كالراهب الحبيس # في هيكل المجوس # أتلفه القيام # والنسك والصيام # فاصفر كالمفئود # من خشية المعبود ~~••• # وانتشر المنثور # كأنه الذرور # طرازه مؤتلف # ووشيه مختلف # كأنه قوس قزح # أو خيط نور في قدح # أو لعب الأزاهر # في موسم المساخر # بالورق الملون # من كل صبغ ms48 متقن # فالأحمر الخضيب # والأصفر المشوب # والواضح المحمر # كالثغر إذ يفتر # شفاهه لا تطبق # يا حسنها لو تنطق ~~••• # والنيل يجري ساكنا # كالشيخ يسري واهنا # يحدث النجوما # حديثه القديما # قد أقبلت عليه # وحملقت إليه # وراق للنسيم # ما راق للنجوم # فأمسك الأنفاسا # وأنصت اختلاسا ~~••• # والبدر في سماء # يسبح في السناء # مجرد الإهاب # في ذلك العباب # ولاح نجم هالي # مشمر الأذيال # يعمل في الديجور # كالخنجر المشهور # فانقض زنجي الدجى # في دمه مضرجا # وأقبل النهار # يحفه الإكبار ~~••• # يا أيها النيام # قد أدبر الظلام # الماء والهواء # والأرض والسماء # والعشب والنوار # والطير والأشجار # والحوت في البحار # والوحش في القفار # تنهض للبكور # قبل انبثاق النور # فما لهذا النائم # من عنصر ابن آدم # قد خالف الطبيعة # في هذه الشريعة # مذ جعل القنديلا # عن شمسه بديلا ~~••• # لو أنصف الزمان # وأسعف الإمكان # ما أشرق النهار # أو دارت الأدوار # إلا على الربيع # وزهره البديع # الانعطاف # يسر في كل انعطاف استحضار العاطف حال المعطوف عليه استحضارا تتنبه معه في النفس ~~حاستها في مثل تلك الحال. # فالمرأة أعطف على المرأة من الرجل؛ لأنها أخبر بخبايا نفسها واختلاجات قلبها. # والمرزوء يرثي للمرزوء أكثر من الخلي؛ لأنه الأقرب منه إلى فهم حاله والاستشعار ~~برزئه. # وسرعة الخاطر ملازمة لشدة التأثر؛ لأن سريع الخاطر أسرع من غيره إلى لحظ المشابهات ~~البعيدة بين شكايات الناس وشكايته، ومن أهل هذا الخاطر السريع من تبلغ به قوة ~~الاستحضار أن يستحضر أمرا مضى فيضحك أو يبكي كما لو كان الأمر قد وقع له فعلا في ذلك ~~الحين، وأصحاب هذا المزاج هم الذين ينسون أنفسهم في غمار الناس ويتسلبون عن ذواتهم في ~~وسط الجماعة، فيغلب عليهم ضعف الإرادة؛ لأنهم لا يملكون اطمئنانهم الداخلي أمام ~~المؤثرات المتناقضة، ولا تأتي أعمال هؤلاء إلا إذا كانوا فيها ملاحظين أو منفذين لا ~~مدبرين ولا مديرين، أما الأعمال التي تحتاج إلى حضور الذهن واستقلال الحكم وعدم ~~الانقياد إلى مؤثرات الوسط، كالقضاء والسياسة وإدارة الأشغال، فهم لا يبرزون فيها ~~بتاتا. # والشفقة عند القبائل المتبربرة مرادفة تقريبا لمعنى الجبن؛ لأنها ms49 بهذه المثابة عبارة ~~عن خوف على النفس من طريق الخوف على الغير ، وكذلك الغلاظة عندهم مرادفة معنى البأس ~~والصلابة. # هذا باعث الرحمة، وهذا أيضا باعث الضمير # فالرحمة ليست إذن حيلة اخترعها الضعفاء لمصلحتهم كما افترض النيتشيون، ولكنها طبيعة ~~من طبائع الإنسان، والفرق فيها بينه وبين الحيوان فرق بين دماغ ودماغ؛ فذهن الإنسان ~~لارتقاء تركيبه يأخذ الشبيه بالشبيه، وذلك ما يصل إليه الحيوان. # شعر حافظ # يعجبني من حافظ جلاله في شعره، يعجبني منه ذاك الجلال وإن كنت أعتقد أن الجلال الظاهر ~~لا يتطلب من شعرائه سموا في المشاعر أو أفضلية لها على شعراء الجمال، فعندي أن إدراك ~~الجمال ينبغي له تهذيب في النفس ودقة في الذوق لا تكتسبان إلا مع العلم ومعاينة ~~ثمرات الفنون، ذلك إلى استقامة الفطرة وسلامة الطبع، وليس كذلك الجلال؛ فإنه لقوته ~~الضاغطة على الحواس يضطر النفس إلى الشعور به قسرا ما دامت على استعداد له، ويندر أن ~~تعرى نفس عن استعداد للشعور بالجلال. # وتعجبني منه موسيقيته في شعره؛ يوقع لك النغم ثم يتركك تغني على ليلاك. ومن الشعراء ~~من تجدهم كأحداث الرسامين يرسم لك الشجرة فلا يترك ورقة من أوراقها، ويلقي إليك بقصة ~~فيقررها كما يقرر الشاهد شهادته أمام القاضي، أولئك ككتاب الهيروجليفي يصورون لك شكلا ~~ما هم عاجزون عن تصويره معنى، والأمي يتراءى له كأن تلك التصاوير أحكم من الحروف ~~تمثيلا وأوضح منها مدلولا. # وأما فيما عدا ذلك، فشعر حافظ كما قال فيه الدكتور شميل ولم يرد أن يطريه: «كالبنيان ~~المرصوص متين لا نجد فيه متهدما.» فهو يعتمد في تعبيره على متانة التركيب وجودة ~~الأسلوب أكثر مما يعتمد على الابتداع أو الخيال. # نوبة الخفقان # إذا كان قلبي بين جنبي مضمرا # لي الغدر لم أرهب لقلب امرئ غدرا # إذا دق لا أدري أتتبع بعدها # له دقة أم أنها الدقة الأخرى # الإلياذة # أضاع البستاني أعواما في تعريب الإلياذة لو قضاها - أو بعضا منها - في تعريب نخبة ~~من أسفار الحكمة الغربية لكان ذلك خيرا للعربية وقرائها من نقل كل ms50 ملاحم الأقدمين ~~إليها. نقل إلينا تلك الملحمة الضخمة التي تشتم عنجهيات البدو وجلافات القبائل في كل ~~قصيدة من قصائدها، على حين بدأ الأوروبيون أنفسهم يمجونها ويزهدون فيها، وما كانت ~~تطرب إليها نفوسهم في عهد من العهود، ولكنهم يقلدون في الإعجاب بها بعضهم بعضا؛ فيكتب ~~النقاد في تقريظها ويترنم القراء بوقائعها وأناشيدها، وكلهم يظن أن غيره أعلم منه بسر ~~ذلك الإعجاب المستولي على الجميع، وكلهم في الحقيقة سواء في جهل ذلك السر، وما جعل ~~للإلياذة هذه القيمة بين كتب الأدب المعدودة في لغات الغربيين إلا أنها الكتاب الوحيد ~~الذي بقي لجامعات أوروبا جيلا بعد جيل تدرس فيه بلاغة اليونانية وقواعد شعرها القديم، ~~فكان يتلوها منهم كل كاتب قبل أن يكتب وكل شاعر قبل أن يشعر، ويعتبرونها كما يعتبرون ~~سفرا يدرس في الجامعات، ثم يتشدقون ويتفيهقون بها تفيهق عارف اللسان المجهول وقارئ ~~الكتاب النادر. # ولقد فقدت هذه القيمة بترجمتها إلى اللغة العربية؛ فلم يبق فيها إلا تلك السخافات ~~والحماسيات التي لا أشبهها إلا بوقائع سيف بن ذي يزن وأبي الهلالي مما يقرؤه كل منا ~~في حداثته، ولكن الوهم قد صيرنا لا نجرؤ على النطق بأسمائها كما صيرهم الوهم ~~يشيدون بذكر إلياذتهم وينصبون ناظمها «المستر» ملكا على الشعراء. # الرشوة # فشت الرشوة والصنيعة في الشرق؛ لأن الشرق عش الاستبداد، والرشوة والصنيعة تفشوان حيث ~~تنطلق يد الحاكم بلا مراجعة ولا تعقيب، فلا مناص للشاكين والطالبين من استرضائه ~~والاحتماء به، أما حيث تنحصر سلطة الحاكم في تطبيق أحكام القانون فإنهما يمتنعان إلا ~~بقدر ما يفضل - بعد تنفيذ السلطة العمومية - من سلطة يكتسبها الموظف لشخصه. # الطريقة الإنشائية # العناية بتنميق الألفاظ عيب الطريقة الإنشائية وحسنتها في آن واحد، وهي عيبها لأن ~~المبالغة في العناية بالألفاظ من طبيعتها أن تصرف صاحبها عن تحري المعاني والتثبت ~~من الحقائق، وهي حسنتها لأن هذه العناية من طبيعتها أن تغزر مادة الكاتب اللفظية ~~فتتوارد الكلمات على سن قلمه بلا تعمل أو كلفة، فيجري قلمه في الكتابة جري لسانه ~~بالكلام، وحقق ذلك العيب وهذه ms51 الحسنة في كتابات جماعة الإنشائيين من كتاب الجيل ~~الماضي، وأعني بهم أمثال الطويراتي وعبد الله نديم والشدياق واللقاني وأديب إسحاق ~~وإبراهيم المويلحي وأضرابهم من زعماء الطريقة الإنشائية. # وحدة الحكومة # لا أرى لماذا يخطر للأكثرين أن الجامعة الإنسانية تقتضي وحدة الحكومة؛ فليس ما يساعد ~~على هذا الخاطر اليوم، وربما كانت الحكومات المستقلة غدا أكثر منها اليوم عددا، فلا ~~أهمية البتة لوحدة الحكومة في تكون الجامعة الإنسانية، ويكفي أن الأمم سوف تساس في ~~المستقبل طبقا لنظريات مشتركة في الحكم وتجري على وتيرة واحدة في أوضاع العمران، ذلك ~~أدعى إلى التقارب والتآخي من اشتراكها في أشخاص الرؤساء الذين يحكمونها، ومتى وصلت ~~الأمم إلى مستوى واحد في الأفكار والنظامات فما أغناها إذ ذاك عن الانضمام تحت قطعة ~~واحدة من القماش. # القضاء والقدرة في الطبيعة # ليس لنا في أعمالنا اختيار حقيقي بالمعنى المراد من الاختيار، بل إن اختيارنا نفسه ~~نتيجة أعمال اضطرارية تقوم بها وظائف الجسم، ومن ذلك يتبين مقدار ما في قول القائلين ~~برفع القصاص عن فاقد الاختيار من الوجاهة أو عدم الوجاهة في بعض الظروف. # كلنا ننطوي # أينعي يا زهور # واهتفي يا طيور # والعبي واطربي # يا بنات الغدير # وانشري يا صبا # نافحات العبير # واخطري سحرة # بين نور ونور # واسطعي في الدجى # ساعة يا بدور ~~••• # ساعة تنقضي # في دهور تدور # كلنا للردى # والبرايا غرور # كلنا ينطوي # في ظلام القبور # السعادة # السعيد من لا يفكر بالسعادة. # حرم الأوهام # الخيالات الشعرية والأساطير الدينية مستطابة في موضعها محترمة ما دامت في كسر دارها، ~~ولكنها متى تعدت مرة منطقة وخاطرت بنفسها إلى منطقة الحقائق، فعقابها هناك الإعدام ~~ودمها هدر، كذلك حمام الحرم، فمن أرادها فليطلبها في موطنا ولا يخرج بها منه فيجني ~~عليها وعلى نفسه بهذه الغربة المميتة. # عرض الحياة # ترى من سيرة الجانب الأكبر من الناس في حياتهم كأنهم يخالون أنهم دعوا في العالم ~~إلى وليمة يأكلون فيها ويشربون ويقصفون ويطربون، ثم ينصرفون في آخر الليل ليناموا، ~~لعمري إذا كان هذا هو الغرض من كل حياتنا هذه، ms52 فما أحقر ما يفوتنا بالموت من حياتنا! ~~وما أشد ما ظلمنا الموت بهذه البغضاء! # سائلوا بطرس باشا # ليت شعري ماذا كان يعني شوقي بك بقوله على قبر بطرس باشا: # القوم حولك يا بن غالي خشع # يقضون حقا واجبا وذماما # يتسابقون إلى ثراك كأنه # ناديك في عهد الحياة زحاما # يبكون موئلهم وكيف رجاؤهم # والأريحي المفضل المقداما # أكان يريد أن يقول: إن زائري قبر الرجل وفيهم ساداته الأمراء والوزراء والعظماء ~~والعلماء، وفيهم نائب مولاه الأمير ووكلاء الدول وأكابر السراة والوجهاء، أكان يريد أن ~~يقول: إن هؤلاء كلهم ممن كانوا يقصدون من نادي ابن غالي موئلا وكهف رجاء يستعطفون من ~~أريحية ساكنه الجواد ويستدرون من أفضاله؟ أم أراد أن يقول كما قال الناس في هذا ~~المعنى فأخطأ التقليد؟ أم لعله كان لا يريد أن يقول شيئا؟ أم تراه يحسب أنهم ملكوا ~~عليه حتى دموع عينيه، وأنه نائحة المعية أعيد ليرثي كل من يموت من خدامها بلا ~~مقابل؟ # الحر والخصب ينميان الأديان كما ينميان الأغصان # الحر والخصب كلاهما طبعا الشرقي على الكسل وقلة العمل، وكلا هذين من دأبه أن يطلق ~~للفكر عنان التصور والخيال، ويغري النفس بالاسترسال في الأماني والآمال، فالشرق من قديم ~~الأزمان مهد الأديان ومهبط وحي الوجدان، وليت شعري إذا لم تكن العقائد من نتائج الخيال، ~~فعلام لا ينشأ إلا في الشرق أمثال برهما وبوذا وكونفشيوس وزردشت وموسى وعيسى ومحمد ~~وسواهم من الأنبياء وواضعي الديانات؟ # ابن حمديس # شاعر صدت عنه الشهرة بعد أن أقبلت عليه، وطواه الخمول بعد أن طبق ذكره الآفاق. # فلقد نسي الرجل بعد أن ذاع اسمه في العالم العربي، فكان ينشد له في قرطبة ومراكش ~~وصقلية ومسيني وبغداد، استدعاه المعتمد بن عباد من قرطبة إلى إشبيلية، وكان قد اجتباه ~~فلم يزل صديقه ملكا وأسيرا، وذكره أكثر أصحاب التراجم والسير، فأشار إليه ابن الخطيب ~~في نفح الطيب، وشهاب الدين العمري في مسالك الأبصار، وعماد الدين الأصفهاني في جريدة ~~القصر وجريدة العصر، وابن القطاع في الدرة الخطيرة والمختار من شعراء الجزيرة، ms53 وذكره ~~هذا أيضا في طبقات الشعراء، وأبو الصلت بن أمية الأندلسي في الحديقة، وحاجي خليفة في ~~كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، وابن بشرون الصقلي في المختار في النظم والنثر، ~~وابن بسام ولا أذكر أين نقله ابن خلكان في وفيات الأعيان، ونقل له بعض هؤلاء عن بعض، ~~وأطنبوا الثناء عليه بما عرفوا من قدره، ولكن وافق بعده أن اضمحلت دولة العرب في المغرب ~~وانقرضت لغتهم من تلك الأمصار؛ فضرب النسيان على اسمه مع ما ضرب عليه من معالم مدنيتهم ~~هناك. # ولكن هذا الشاعر المجهول قد زاد بديوانه على ثروة اللغة العربية ذخيرة أضاعها ~~التفريط، وأودع ألفاظها من المعاني ما لم يضمنها إياها شاعر عربي آخر، ولقد كان ~~ينبغي ألا نذكر المتنبي والبحتري وابن أبي حفصة وابن هانئ وغير هؤلاء من محترفي الشعر، ~~كان ينبغي ألا نذكرهم مرة إلا ذكرنا ابن حمديس مرارا، هذا الذي لا يذكره قراء العربية ~~إلا كما يذكرون شعراء الفرس والصين، ولولا «ابن» قبل حمديس لما درى أكثرنا إن كان اسم ~~رجل أو اسم مكان. # ولم يأت واحد ممن أشاروا إليه ولا على طرف من سيرته، ولا بينوا مسقط رأسه وتفصيل ~~نشأته، ولعلهم كانوا يجهلون ذلك أو لعلهم لم يستقصوه كعادتهم في إيراد التراجم، فكل ما ~~عرفته من أمره بعد أن تصفحت ما عثرت عليه من المصنفات التي ورد فيها اسمه أنه وفد على ~~المعتمد بن عباد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وفي تلك السنة رحل إلى إفريقية وصحب العرب، ~~وأن له كتاب الجزيرة الخضراء من بلد أندلس، وقال ابن بشرون: إن والده عبد الجبار كان ~~شاعرا وفضله على أبيه، وقد اتفق أكثر من واحد على أنه قضى نحبه في سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة، وقال بعضهم كان ذلك في شهر رمضان من تلك السنة، وأنه توفي في جزيرة ~~ميورقة وقيل بيجاية، ودفن إلى جنب ابن اللبانة الشاعر المشهور، وزعم أنه قد عمي في ~~أواخر أيامه. ويظهر من قصيدته في العصا التي يقول فيها: # كأنها وهي في كفي أهش ms54 بها # على الثمانين عاما لا على غنمي # ومن قوله في موضع آخر : # ثمانون عاما عشتها ووجدتها # تهدم ما تبني وتخفض ما تعلي # أنه قد بلغ الثمانين أو ناف عليها، فيكون قد ولد حوالي سنة سبع وأربعين وأربعمائة، ~~وأنه قد صار شاعرا تقربه الخلفاء في نحو العشرين من عمره. # طبع ديوانه بروما طبعة غالية من نسخة نقلها «زكريا بن خضر بن علي بن طاهر البقاعي ثم ~~اللبناني ثم الدمشقي»، وفرغ من كتابتها في شهر ذي القعدة سنة ست بعد الألف، واسمه في ~~نسخة من ديوان عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي السرقوسي، ويدعوه بعض ~~الرواة أبا محمد عبد الجبار، ولعلها كنية، ومنهم من ينسبه إلى الأزد. # أما الديوان فجيد أكثره، لا سيما ما كان منه وصفا أو نسيبا صانه الإهمال عن ~~الابتذال فلم تبهت له من القدم طلية، وله سرقات عن بعض شعراء المشارقة، ولكنها سرقات ~~ظاهرة أو هي سرقات أمام العين كما يقولون، أما فهمه للشعر فيختلف عما كان يفهمه منه ~~قدماء الشعراء؛ فقد تذوق كنه الشعر ونفذ إلى روح الإلهام، فمن قوله في الشعر: # ووجدت علم الشعر أخفى من هوى # لم تفشه عين لعين رقيب # وقال في معرض آخر: # وإذا أردت بأن تصور للمنى # صورا فسلمها لفكرة شاعر # شعره وجداني لا صناعي؛ فهو براء من المديح المتكلف والوصف المدعى؛ ولذلك تعرف من ~~الشعر من هو الشاعر، فكان الرجل عفيف اللسان يترفع عن الفحش والمقال القبيح كما ~~قال: # إني امرؤ لا ترى لساني # منظما ما حييت هجوا # وكان سليم الطبع جليل القدر، فكان يرتاح المعتمد بن عباد إلى بث شكايته إليه، ويجد ~~سلوة في مراسلته بعد أن نفي إلى أغمات، فيجيبه الشاعر بما يفعل بنفسه فعل المرهم ~~بالجرح النغار. # انظر كيف يمدح عن سرور قلبي بالعمل وإعجاب صحيح بالممدوح، قال يمدح أبا الحسن علي ~~بن يحيى ويذكر رده أهل سفاقس إلى أوطانهم: # يا يوم مرجعهم إلى أوطانهم # أرجعت أرواحا إلى أبدان # نزلت بك الأفراح في عرصاتهم ms55 # وبها يكون ترحل الأحزان # فلذا القلوب إلى القلوب تراجعت # في ملتقى الآباء بالولدان # والأمهات على البنات عواطف # والمشفقات على اللدات حوان # سر القرابة بالقرابة منهم # وتأنس الجيران بالجيران # وتزاور الأحباب بعد قطيعة # دخلت بذكر الود في النسيان # في كل بيت نغمة ومسرة # شربوا سلافتها بلا كيسان # ودعاؤهم لك في السماء محلق # حتى لضاق بعرضه الأفقان # كحجيج مكة في ارتفاع عجيجهم # وطوافهم البيت ذي الأركان # صيرت في الدنيا حديثك فيهم # مثلا يمر بأهل كل زمان # فخر يقيم إلى القيامة ذكره # مثل الشنوف تناط بالآذان # وقال يرثي جارية له غرقت: # وواحشتا من فراق مؤنسة # يميتني ذكرها ويحييها # أذكرها والدموع تسبقني # كأنني للأسى أجاريها # جوهرة كان خاطري صدفا # لها أفيها به وأحميها # يا بحر أرخصت غير مكترث # من كنت لا للبياع أغليها # أبتها في حشاك مغرقة # وبت في ساحليك أبكيها # ونفحة الطيب في ذوائبها # وصبغة الكحل في مآقيها # عانقها الموج ثم فارقها # عن ضمة فاض روحها فيها # ويلي من الماء والتراب ومن # أحكام ندين حكما فيها # أماتها ذا وذاك غيرها # كيف من العنصرين أفديها # فهل سمعت أهدأ من هذا تفجعا؟ لو كانت هذه الجارية لسيف الدولة، أما كان المتنبي يكسف ~~الشمس ويخسف القمر وينثر الكواكب شذر مذر. # وهل فات واضعو الأناشيد الوطنية قائلا يقول قبل ثمانية قرون: # ولو أن أرضي حرة لأتيتها # بعزم يعد السير ضربة لازب # ولكن أرضي كيف لي بفكاكها # من الأسر في أيدي العلوج الغواصب # وكيف يقول في الفونوجراف من هذا قوله في العود: # في حجرة أجوف له عنق # نيطت بظهر نخاله حدبه # يمد كفا إليه ضاربة # أعناق أحزاننا إذا ضربه # قلت ألا فانظروا إلى عجب # جاء بسحر فأنطق الخشبه # وماذا أبقى لمصورة الفلكي بعد هذا الوصف: # والبدر قد ذهب الخسوف بنوره # في ليلة خسرت أواخر مدها # فكأنه مرآة قين أحميت # فمشى احمرار النار في مسودها # فعسى أن يوفق إلى نشر ديوان هذا الشاعر طابع يعرف فائدته وفائدة القارئ حتى لا ينفرد ~~بين أبياته الصادقة هذا البيت: # إني امرؤ أبني ms56 القريض ولا أرى # زمنا يحاول هدم ما أنا بان # الشتاء في أسوان # ألق الربيع على البشير # كانون آذن بالظهور # أسوان تزهو حين يذبل # كل مخضر نضير # في كل مربأة بها # نور تألف فوق نور # بلد تجود له الطبيعة # بالصغير وبالكبير # لا تستجن شموسه # إلا على غير البصير # فهواؤه برء العلي # ل وماؤه عذب نمير ~~••• # ما طب جالينوس قي # س بطبه إلا غرور # أبدا تحوط به ودائ # عها بسور خلف سور # من كل شاهقة كأن # ن قلالها عمد الدهور # حصن تهاب طروقه ال # آفات طرا والشرور ~~••• # يولون أقفر غابها # من كل مختال فخور # سرحت صوادحها وأط # لق ورقة الأيك النضير # يلقين حبات القلو # ب من الجوانح والصدور # الفاتنات تكاد إح # داهن من حسن تنير # الناهدات كما ترى ال # أهرام في الرسم الصغير # العبهريات الشذى # والكوثريات الثغور ~~••• # الورد في وجناتهن # ن يضوع في كل الشهور # المرسلات الشعر كال # ذرياب مصفرا غزير # متمنطقات بالدم # قس مؤزرات بالحرير # من كل قاع جؤذر # تلقاه أو ظبي غرير # مثل الشموس برزن لل # أكوان من فجر الشعور # داراتهن مطالع # لم تدر ما نور البدور # فيهن معترك الغر # ام ومعرض الحسن الطرير # الحور هن خلقن لل # فردوس لا للزمهرير ~~••• # الماء فاض على الجنا # دل والسواحل والجسور # خلجانه تنساب كال # حيات ما بين الصخور # متسابقات كالسو # ابق في مجال مستدير # والنيل مصطفق كمن # قد هزه فرط السرور # متدافع الأمواج تر # قص وفق توقيع الخرير # وترى الزوارق كالبو # اشق حوما أو كالنسور # قد حار فيها العنصرا # ن الريح والماء القدير # والشمس شاخصة تكا # د تنوء من جهد المسير # فضفاضة الأذيال تخ # طر كالعروس إلى السرير # وكأنها فوق الذرى # فوق الجزائر والبرور ~~••• # حسناء ترقب قادما # في النيل من أعلى القصور # وعلى الروابي والهيا # كل مسحة الشفق الأخير # تبدو كما نصل الخضا # ب بعارض الشيخ الوقور # ما كان أول مغرب # شهدت على مر العصور ~~••• # كم آية في الكون أخ # فى من خفيات الضمير # من لا يرى إلا العيا # ن فما يرى إلا ms57 يسير # مساوئ المدنية ومحاسنها # التقدم الاقتصادي مصحوب دائما بشرور وقساوات تنكر وجه المدنية وتدنيها في السحنة من ~~ضرتها الهمجية، ومع ذلك فهذه الشرور ضرورية لا بد منها، بل هي شرور إذا لم تظهر بذاتها ~~وجب علينا أن نعمل لإيجادها؛ فإن كل شر منها يسبق دائما إصلاحا اجتماعيا يعم جميع ~~الجنس البشري، وإليك مثلا أو أمثالا، فلولا ازدحام أوروبا لما عمرت أمريكا، ولولا طمع ~~أرباب المعامل لما كان تضامن العمال. # وما ألطف قوله: # يطيب أفواههن الحديث # بحمر الشفاه وبيض الثغور # كما مر بالورد والأقحوان # نسيم مشوب بريا العبير # ألا يرتشف من بيتيه هذين رضاب الحسان، وتتنسم ريح الورد والأقحوان؟! # وما أغزر دموع هذين البيتين: # ويا ريح إما مريت الحياء # ورويت منه الربوع الظماء # فسوقي إلي جهام السحاب # لأملأهن من الدمع ماء # وهل قال شلي في قصيدة القنبرة أحدث من هذا: # أصبا هبت بريحان الصبا # أو شمال سكرتني بالشمول # حيث غنتني شادي روضة # مطربات بخفيف وثقيل # في أعاريض قصار خفيت # دقة في الوزن عن فهم الخليل # ولحون حار فيها معبد # وله علم بموسيقى الهديل # والدجى يرنو إلى إصباحه # بعيون من نجوم الجو حول # وما أبلغ وأصدق ما قال: # وأشراك الردى في الغيب تخفى # كما يخفين في ترب الحضيض # عجبت لجمعه فيهن صيدا # حوى بين القشاعم والبعوض # وأين بيتا صبري أو شوقي في تنزيه صاحبتهما من هذا البيت: # لا تنكري أنك حورية # روائح الجنة نمت عليك # ولولا استبداد الرأسماليين لما وضعت مبادئ الاشتراكية التي ستغير أصول الشرائع ~~والآداب في العالم قريبا، ولولا جشع المرابي لما تأسست نقابات الزراع، وهكذا كل داء ~~يحمل ترياقه في جراثيمه، وكل سيئة طارئة يتبعها حسنة دائمة مما لا تكفله لنا الطبيعة ~~ولا الطبيعيون. # أما ساداتنا الفلاسفة الذين يهشون على الجنس البشري كما يهش الراعي على غنمه، صائحين: ~~ارجعوا إلى الطبيعة! عودوا إلى المروج والحقول! فلا أعلم أهم يظنون العالم يعيش الآن ~~فيما وراء الطبيعة؟! أم لعل الطبيعة لا تأوي إلا بين الأشجار والظلام والأودية ~~والجبال؟! # الغرام بالفلسفة القديمة ms58 # شاهدت بعض الأدباء ينهمكون في مطالعة كتب الفلسفة اليونانية، وينكبون على تطبيق ~~قضايا علم المنطق، ويسهرون الليالي في مذاكرة ألغاز علم الكلام، وما هو - لو أصابوا - ~~إلا علم الكلام الفارغ، إن كان للكلام الفارغ علم يدرس، يتحملون كل هذا النصب في ~~الاشتغال بتلك المغالطات والتخمينات، ولو بذلوا بعضه في تحصيل العلم الحديث لأوعبوا منه ~~القسط الأوفر. # لا أنكر أن مراجعة الفلسفة القديمة مما لا بأس به للوقوف على حركة الأفكار، ولكن لا ~~إلى الحد الذي يشغلنا عن فلسفتنا، كما أن زيارة الأطلال والآثار مطلوبة للنظر ~~والاعتبار، ولكن لا يصح أن تنسينا بيوتنا. # البغاء # سل الكتاب الفضلاء الذين يدهشون لانتشار البغاء بين الرجال والنساء: ما الذي ~~يدهش من الأمر؟ # أمن طبيعة الزوج أن يقتصر على امرأة واحدة، أم من طبيعة الزوجة أن تقتصر على رجل ~~واحد؟ # لا هذا ولا ذاك. # فالقيود الأدبية هي التي قسرت كلا من الزوجين على الاكتفاء بالآخر، وكان البغاء ~~يكثر أو يقل حسب اشتداد تلك القيود أو ارتخائها تبعا لاعتداد الرجل بقوته البدنية أو ~~قلة قيمتها عنده (راجع حماية العرض). # فإذا بحثنا عن علة لهذا البغاء فلا نبحث عنها في الرجل والمرأة، فإنهما لم يتغيرا في ~~طبيعتيهما عن ذي قبل، إنما نبحث فيما تغير من تلك القيود والحدود، وها نحن نراها كلها ~~قد تبدلت دينية كانت أو أدبية؛ لأنها لا تلائم عصرنا، والذي علينا أن ننتظر حتى يهيئ ~~المجتمع نفسه كما يلائم هذه الحال، أو يحدث لنا قيودا جديدة في موضع تلك القيود ~~المنحلة. # وإلا فإذا كنا لا نعلم إلا اشمئزاز النفوس منفرا من البغاء العقيم، فبأي حق نحظر ~~فعله على من لا تشمئز نفسه منه؟ # جناية الصناع على الصناعة # لو كان لا يتوخى الصانع غير المقصود من صناعته لرأيت الصنائع أبعد في طريق الكمال ~~والإتقان مما تراها الآن. # تقول للمغني: هذا صوت شجي، فيقول لك: أي نعم، ولكنه على غير ألحان الغناء. # وتقول للخطاط: هذا خط حسن، فيقول لك: حقا ولكنه لا ينطبق على قواعد الكتابة، ms59 وتسمع ~~مثل ذلك من الكاتب والطبيب والنجار والحداد. # فيا ذلك المغني ويا هذا الخطاط، ما طلب الناس منكما إلا صوتا مطربا أو خطا ~~معجبا، فاطويا قواعدكما أو فألقياها في اليم، ما دام الصوت يطرب، والخط يعجب ~~بغير تك القواعد. # الكاتب والشاعر # الكاتب من تتشخص له في كتابته روح يتجلى فيها نهجه ومذهبه وسياق أفكاره، وهذه الروح ~~هي السمة التي تميز بين قلم وقلم، فإذا كانت تتضاهى أنساق الأيدي، فأنساق العقول لا ~~تتضاهي إلا إذا كان منحاها فيها التقليد لا الابتكار، أما غير هذا الكاتب ممن يستمدون ~~ويخططون، فأولئك نساخ يستعيرون أساليب غيرهم لمعاني غيرهم، فليس لهم من كتاباتهم إلا ~~الإمضاء، أو هم توائم لا يعرفون إلا بالأسماء. # وكتابات هذه الزمرة أقرب إلى مواضيع إنشاء التلاميذ منها إلى ثمار القرائح ومبتكرات ~~الأفكار، فالترجمة أليق ما ينتسب به هؤلاء إلى حرفة الكتابة، هذا إذا كانوا يجيدون لغة ~~من اللغات وإلا ففي غير الكتابة من الحرف ما يغنيهم عن تلويث أصابعهم بالمداد. # أما الشاعر فاسمه بلغتنا يشير إلى تعريفه، ولعل معجما من معاجم اللغات لا يتضمن ~~اسما للشاعر أدل على مسماه من اسمه في اللغة العربية. # قد عرفنا أن وزن الأعاريض غير قرض الشعر، ولكن من هو الشاعر؟ # أهو المقصد الذي لا يعجز عن ترصيع قصائده بما يبهر ويخلب من الخواطر البراقة ~~والمعاني الخطابية المتلألئة؟ # كلا! هذا شاعر يذكرني بصاحب ذوق مبهرج يريد أن يزين غرفته بالرسوم فيرصص سجوفها ~~وحوائطها بالإطارات والكفافات حتى لا يبرز منها قرن أو تظهر فيها زاوية، أو بذاك المصور ~~الذي يصبغ رسمه ببهي النقوش وبهيج الألوان ليبهر بها أبصار الناظرين، أو بتلك القروية ~~التي تحلي يديها فتدس عشرة أصابعها في أنابيب من مختلف الخواتم والفصوص. # فليس الشاعر من يزن التفاعيل، ذلك ناظم أو غير ناثر، وليس الشاعر بصاحب الكلام الفخم ~~واللفظ الجزل، ذلك ليس بشاعر أكثر مما هو كاتب أو خطيب، وليس الشاعر من يأتي برائع ~~المجازات وبعيد التصورات، ذلك رجل ثاقب الذهن حديد الخيال. # إنما الشاعر من ms60 يشعر ويشعر. # ولقد ضاع الشعر العربي بين قوم صرفوه في تجنيس الألفاظ وقوم صرفوه في تزويق المعاني، ~~فما كان شعرا بالمعنى الحقيقي إلا في أيام الجاهليين والمخضرمين على ضيق دائرة المعاني ~~عندهم، وسيعود كذلك في هذه الأيام على يد أفاضل شعراء العصر. # قاسم أمين # إن اسم قاسم لحقيق من فتياتنا وآنساتنا بأن يرقمنه في الشنوف ويطرزنه على المناديل؛ ~~فإن ذلك عنوان عرفان الجميل، وإنه لأحيا أثرا من رفع النصب وإقامة التماثيل. # تحرير المرأة ليس من الأعمال الطنانة التي أكثر ما فيها دوي ورنين، ولكنه عمل هادئ ~~رصين ينزوي في البيوت والخدور، لا يبرز إلا قليلا على قوارع الطرقات، ولا يصرخ إلا ~~نادرا على منابر المنتديات. # فالمرأة المصرية مدينة لقاسم؛ لأنها كانت سجينة فأطلقها وكانت أمة فأعتقها، والأمة ~~المصرية مدينة لقاسم؛ لأنها كانت شلاء فأبرأها من ذاك الشلل الذي أمسك شقها عن الحركة ~~دهورا وأعواما، والإنسانية مدينة لقاسم، لأنه أنقذها من رق لا تجرؤ مصلحة الرقيق على ~~مطاردته، والفخر في تحرير المرأة لا يزال الآن من نصيب قاسم، أما من قفوه في هذا المقصد ~~فهم إنما درجوا على طريق بينة الآثار وسلكوا في منهج مأبور. # الحقوق العامة والاستعمار # إباحة الحقوق العامة لكافة الأفراد في كافة الأوطان مرهونة على زوال ~~الاستعمار. # ومتى يزول الاستعمار؟ # متى عولت الدول على جودة البضاعة لا على قوة الأساطيل، وأخذ كل أهل إقليم في ~~استغلال إقليمهم واستخراج ذخائره؛ فتسقط حجة المستعمرين الذين يقولون - وهم صادقون فيما ~~يقولون - إن الأحق بالأرض هو الأقدر على الانتفاع بخيراتها والنفع بها، يومئذ يبطل ~~الاستعمار، ويومئذ ترشد الأمم من ضلال الوطنية فلا يطلب الوطن من الفرد إلا عضوا ~~عاملا، ولا يطلب الفرد من الوطن إلا محلا للعمل، يومئذ تتحد وجهة الإنسانية فتتكاتف ~~وتتآزر بعد أن كانت تتقاطع وتتدابر. # اللغة العربية # قد لا تقل اللغة العربية عن أوسع اللغات في كثرة المفردات، ولكنها لا تزال من أفقرهن ~~في المعاني، وقد لا تنقص مواد المعجم العربي عن بضع مئات من الألوف، ولكنها مع ذلك ms61 تظل ~~أفقر من لغة أخرى لا تشتمل على أكثر من ثلاثين أو أربعين ألف مادة؛ ذلك أن اللغة ~~العربية ليست لغة واحدة، وإنما هي مجموعة لغات شتى، فربما كان للشيء الواحد عشرة أسماء، ~~تدعوه كل قبيلة باسم منها لا تدعوه به أخرى؛ مما أكثر فيها المترادفات بلا جدوى، ~~فبينما نستغني في معنى من المعاني عن ستة أو سبعة أسماء نحتاج في معان أخرى إلى اسم ~~واحد، وقد شعر العربي بهذا الافتقار في المرتين اللتين اضطر فيهما إلى الخروج من ~~الدائرة الضيقة التي كان فيها بين المناخ والبيداء ومضارب الخيام؛ الأولى: لما نقل ~~الفلسفة اليونانية فدخل في اللغة العربية كثير من مصطلحات اليونان، وحدثت فيها أوزان ~~واشتقاقات لم تكن تمس الحاجة إلى استعمالها من قبل، والثانية: في عصرنا هذا عند انتشار ~~العلم الحديث باكتشافاته واختراعاته التي لم تكن تخطر لسكان البدو أو الحضر على ~~بال. # أقول ذلك توصلا إلى القول بوجوب توسع اللغة العربية الفصحى بنحت جملة من كلمات اللغة ~~الدارجة في بنيتها، ونقل المصطلحات العلمية والفنية إليها كما هي في لغاتها الأصلية؛ ~~لئلا نجشم الطالب العربي مراعاة اصطلاحين عوضا عن اصطلاح واحد، ولئلا ننفصل عن ~~الحركة العلمية العامة فتنشق بين أمم العالم بعلم عربي لا قبل له بمساوقة علم الأمم ~~جمعاء. # فالعلم العصري علم الإنسان، وليس علم العربي أو الإنكليزي أو الفرنسي، فالاهتمام ~~بتعريبه عبث واشتغال بما لا يفيد. # مستقبل الشعر # الشعر يخالف العلم، ولكنه لا يناقضه إلا كما يناقض الطب الهندسة وتناقض الكيمياء ~~الطبيعة. # والرجل الراقي يفترق عن المنحط بكيفية التخيل لا بكميته؛ فالأول مرتب الخيال لطيفه، ~~والثاني مشوش الخيال كثيفه، فالعالم لا ينقص خيالا كلما ازداد علما. # فإذا تنبأ علماء العصر فليتنبئوا بتحسن الشعر وارتقائه لا بحئوله ~~وامحائه. # يا راحلا صدع الحمام شبابه # فعلمت كيف تصدع الأكباد # إني لأحسبني أراك مجاهدا # والنيل حولك دائم الأزباد # وأراك ترمقني وقد غلب الردى # وأقام جند الموت بالمرصاد # في ساعة ما كان أغفل خاطري # عما عراك وفت في الأعضاد # أمسيت رسما في ms62 التراب معطلا # وغدوت نصب روائح وغواد # ويحي! أترقد تحت أطباق الثرى # وأقيم بعدك هانئا برقاد؟ # أتبيت رهن صفائح وجنادل # وأبيت بين وسائد ومهاد؟ # لو أنصفت أيامنا لبكيتني # لكنها تجري بغير مرادي ~~••• # سقيا لأطهر موجتين أقلتا # بين الجوانح أطهر الأجساد # حنتا عليك وضمتاك كأنها # ضمات صدر أخيك بعد بعاد # فمضيت بينهما كأنك هاجع # واها لذاك الهاجع المتهادي # يا زهرة شرقت بما تحيا به # فذوت وأورق شوكها بفؤادي # إن الحياة - وما حييت لكي ترى # سر الحياة - كثيرة الأضداد # فلئن عدوت من الحياة نعيمها # فلقد عداك شقاؤها المتمادي # عزاء إلى ضيف الشارع # أيهما أرفع في حكمكم # يا أمة ديدنها البخس # منعم توقظه غادة # أو بائس توقظه الشمس # غطاء هذا ريطة رصعت # نجما وذاك الخز والبرس # إلى ساكنة الدور الخامس # يا طلعة في العلا تراءت # تحفها هالة البهاء # أكوكب أنت في الدراري # أم ملك لاح في العلاء # أم أنت حورية أطلت # للناس من شرفة السماء # إن تحقري الأرض فارفعينا # إليك يا ربة السناء # أيها البدر # أنا في الأرض ساهر أيها البد # ر وفي الأفق أنت يا بدر ساهر # ناظري وحده يراك وقد أغ # فى من الناس موهنا كل ناظر # فأعني على السهاد كلانا # حائم في الظلام يا بدر حائر # الفصل الثاني # | الشذور # الراحة # أبونا آدم رجل سبط القامة، عريض الألواح، جثل الشعر، في لون بشرته أدمة، وعلى ميحاه ~~سيماء الطيبة والسلامة، ولنظراته دلائل الأمانة والجهامة، ولم أدركه أنا ولكني صادفته ~~في المنام، وعرفني به وحي الدم، والدم كما يقولون جذاب، والعرق دساس، فلما صادفته ذكرت ~~موجدة لطالما وجدتها عليه كلما راجعت سيرته في الجنة، فقلت له: يا أبانا يغفر الله لك، ~~ما أقل ميراثك وأكثر وراثك! أقطعوك الجنة بما رحبت فلا صنتها عليك ولا حفظتها ~~لبنيك بعدك، ثم خرجت منها فما تزودت من ألطافها وأطايبها ولا احتقبت من تحفها وعجائبها، ~~عزاء لأبنائك الضارسين بالحصرم الذي أكلت، والمنغصين بالثمرة التي جنيت، وتركتهم في ~~ظلمات الحياة يعمهون، وعلى وجه الأرضين والبحار يخبطون، فلا يهتدون، فهلا إذ ms63 كنت في ~~الفردوس كان لك بطيباته المحللة غناء عن تلك الشجرة الممنوعة ؟ وهلا إذ أكلت منها تذكرت ~~بنيك، فقطفت لهم من ثمار الفردوس ما يتنسمون منه رائحة تلك الدار التي كنت فيها؟ ثم ~~أورثتهم الحنين إليها! وكان مطرقا، وكأنما هجت في نفسه ذكرى منسية، فاغرورقت عيناه ~~بالدمع ورأيته يغالب نشيجه ويتنهد ثم مد إلي يده وقال: قدك يا بني قدك! # ولا تعجل باللوم على أبيك، فوالله ما الزلة في الأولى والآخرة إلا زلة أمكم حواء ~~سامحها الله، وما نسيتكم - علم الله - يوم الخروج يوم المعصية والحرمان، أواه، وما كان ~~أحلى تلك المعصية ثم ما كان أمر ذلك الحرمان ... كنت أمشي في ذلك اليوم وأتلفت أسفا ~~على ما أودع ووجلا مما أنا قادم عليه، وكانت حواء تمشي إلى جانبي ذاهلة مستعبرة، ~~والنساء يا بني يفعلن الأفاعيل وهن بعد لا يملكن فيها غير الذهول والبكاء، فبينا أنا ~~أمشي وأتعثر، وأبطئ الخطوة أستزيد بها الدقائق، وقد كان لنا مثل مقام الأبد لولا ما ~~فرطنا ... إذ عاينت على قدى خطوات جوهرا وهاجا قد صفت حوله الطير وحفت به الأملاك، ~~وهم ساهون عنه غير مقبلين عليه؛ ذلك جوهر الراحة يا بني، ومن آفته أن من يحرزه لا يحس ~~به ولا يقدر قيمته، فأوضعت إليه فالتقطته ولم يشعر بي أحد. # قلت: وأين ذلك الجوهر يا أبتاه؟! أهو معك الآن؟ ~~قال: مهلا، إني خشيت أن أظهر حواء عليه فترزأنا به كما قد رزأتنا بالنعيم كله، فسترته ~~بيدي وما كادت تمس الأرض قدمي حتى أسرعت فخبأته في حرز حريز، وقضيت - وا أسفاه - ولم ~~أطلع أحدا من أبنائي على موضعه، وهذا سر لا إخالكم وقفتم عليه، فلا غرو أن قام ~~منكم في الزمن الأخير من ينتسب إلى القردة دوني، ولا بدع أن تيأسوا من الجنة وتولوا ~~بوجوهكم عنها ...! # قلت: بل قد وقد وقفوا عليه، ولا أدري من أين، ودروا أنك التقطت جوهرا من الجنة وأنه ~~جوهر الراحة، فطفقوا يبحثون عنه في اليقظة والمنام، وكلما ظنوا أنهم ثقفوه إذا هم ms64 أبعد ~~ما كانوا عنه؛ إذا التمسوه في المجد فهناك البوار والعطب، وإذا ابتغوه في الأمل لم ~~ينقض لهم أرب حتى يجد لهم أرب، وإذا أراغوه في اللهو فعاقبته الندم، أو نشدوه في ~~البطالة ففي البطالة السأم ... تائهين على غير هدى، ضاربين في مناكب الأرض سدى، يبدءون ~~ويعيدون، ويعيدون ويبدءون، وهيهات ما يوعدون، أفلا كفيتهم الآن هذا النصب، وعوضتهم عما ~~تجشموه من الكرب وسالف الحقب؟ قال: لا تطمعوا أن تجدوه حيث أنتم كادحون، فإنما قد دفنته ~~تحت التراب، في مكان لا يراه من ينظر السماء ولا يرى السماء من ينزل إليه ... ولكنكم متى ~~حللتم جوف الأرض واطرحتم كل أمل لكم في ظهرها، فهناك الراحة السرمدية! # الغرور # دخلت على صديق لي أديب، فسمعته يجادل رجلا أميا لم يغادر مسقط رأسه قط، وكأنه كان ~~يهمه أن يقنعه بضلاله ويؤنبه عليه، فكان يخاطبه بلهجة بين الغضب والسخرية ويقول: أي شيء ~~زين لك أنك تفقه من هذه الشئون ما لا أفقه وأن لك فيها رأيا تعتد به فترجحه على الآراء ~~كافة؟! # أبأن الله منحك من ذكاء القريحة ونفاذ البصيرة ما قد حرمته، وما ادعيت من قبل ~~ولا ادعى لك أحد أنك من أرباب المواهب النادرة والأفكار الخارقة؟! # أم بسعة اطلاع وغزارة علم وقد علم الناس وعلمت أنت أنني تقلبت في مجالس التربية من ~~لدن نطقت بأولى كلماتي إلى أن استغنى عن المسح شاربي، وطالعت من الكتب أضعاف زنتك ورقا ~~وأنت لم تقرأ حرفا في صحيفة ولا تفرق إلى اليوم بين الألف والعصا؟! # أم باختبار الناس وممارسة الأيام وأنت في عقر دارك منذ ولدت لم تبرحها صباحا إلا ~~لتنكفئ إليها مساء، وأنا قد سايرت الدهر وساريت النجم فقاسيت الغربة وكابدت المحنة ~~وصحبت علية الناس وغوغاءهم، وبلوت كبراءهم وصغراءهم، وزاولت كل عمل، وطرقت كل باب ~~فانكشف لي من ظواهر الناس وبواطنهم ما لو أنني لم أقرأ بعده كلمة لكان حسبي، وما لو أنه ~~لم ينكشف لي لما كنت قد قصرت عن شأو أنت أدركته، ولا جهلت أمرا ms65 أنت حصلته ولم ~~تجهله؟ # أم بالسن وأنت ندي، أم بالوحي والإلهام وقد انقضى عهد النبوة، أم بالصدفة ولا حجة ~~للصدفة؟ # قلت: لعلي أجيبك عما يزين له ذلك، يزينه لك الغرور الذي تمتلئ منه كل جانحة وتنبض به ~~كل جارحة، ولولاه لمات أكثر الناس غما بقصورهم وحزنا وأسفا على عجزهم وتخلفهم، ~~وإذا كان لا بد لكل إنسان من أن يحب نفسه، فلا بد له من أن يغتبط بها وإلا فقد عجز ~~الإنسان حتى عن حب نفسه لغير سبب، كما قدر الغرور على أن يخلق لكل إنسان سببا يرضيه عن ~~نفسه، وأنت لو أمكنك أن توقف إنسانا ثم أمررت أمامه الثقلين جميعا يقولون له إنه ~~أجهل الناس وأحقر الناس وشر الناس وأضعف الناس، ثم خلا ذلك الإنسان بنفسه، لأمكنه أن ~~يوهمها أنه أعلم الناس وأجل الناس وخير الناس وأقوى الناس، يكذب الناس كلهم ويصدق ~~الغرور؛ لأن الغرور يقدر على أن يواسيه فيما يسلبه منه الناس، ولا يقدر على أن يعوضوه ~~عما يسلبه منه الغرور، فإن كان فقيرا علل نفسه بأنه سليم الجسد موفور العرض أو بأنه ~~لو أحصيت ديون الغني وأمواله لكان هو أثرى منه مع الراحة من عنت الغرماء، أو أنه يدبر ~~ماله القليل بما يجعله أغنى من صاحب المال الكثير، أو أن الله أخلف له في ذريته ما أنقص ~~من رزقه، وأنه يكسب قوته بعرق جبينه وكد يمينه، وذاك يكسبه من السحت والحرام، ~~ويبدده في البذخ والآثام. # وإن كان جاهلا زعم أنه ليس بالغبي، ولو كان تعلم ما تعلمه العلماء لبزهم في العقل، ~~وتقدمهم في الفضل، وأنه على جهله يفهم بالبداهة ما لا يفهمه العلماء إلا بالدرس ~~واللجاجة. # وإن كان مهينا ذليلا قال: ما لي وللرفعة والثناء، والعزة القعساء، أضيم الأبرياء ~~وأعتو على الضعفاء، وأروي بهم الحقد والبغضاء، وما يتبعهما من سوء الثناء، وأنصب لما ~~ليس يعنيني من الأشياء، وأخدم المرءوسين وأنا أحسبني من الرؤساء، ألست أنا في هذه الدعة ~~والرخاء أولى بالغبطة والخيلاء، وأعز في ذلتي وضرعي من الأعزاء؟! ms66 # وإن كان ناشئا حدثا ومنافسوه من الكهول والشيوخ قال: أجل، ولكنني أعلق في اليوم ما ~~لا يعلقونه في الشهر، وأفيد في الشباب ما لا يفيدون في الهرم، وأعي وأنا في الدار ما لا ~~يعيه غيري بغير الرحلات والأسفار والتجوال في شواسع الأقطار. # وإن كان دميما اتهم المرآة، أو مجرما سب القضاة، أو بذيئا قال: ما هذا بذاء، هذا ~~مضاء ... أو بخيلا أو جبانا أو منافقا قال: هذا عين الحكمة والدهاء، ولب الفطنة ~~والذكاء. # وهكذا يعين الغرور كل امرئ على ألا يسلم لمن هو أعلى منه بالسبق والأفضلية، ويدخل ~~عليه أن ما عنده خير مما عند غيره، ومن حسن حظ المغرورين أن النعم والنقم والمناقب ~~والمثالب توائم، تتشابه في السمات، وتتباين في الصفات، ولكل نعمة توأم من النقمة، ولكل ~~فضيلة صنو من الرذيلة؛ فالسعادة أخت البلادة والدعة أخت التواني، والإرادة أخت ~~العناد، والزمانة أخت الحياء والأنفة أخت العجرفة، والقحة أخت الجرأة، والاحتيال أخو ~~الذكاء، والجود أخو السرف، والبخل أخو القصد، والمجد أخو الجبروت، والحلم أخو الجبن، ~~والفصاحة أخت الثرثرة، والكآبة أخت الوقار، والحدة أخت الضجر، وهلم جرا، فيسهل على ~~المغرور أن يمسخ كل فضيلة رذيلة، ويمثل كل نقمة في زي النعمة، ويكون هو أسعد الناس ~~بمثالبه ونقمه، ويكون غيره أشقى الناس بمناقبه ونعمه. # ومما يحكى ويناسب ما نحن بصدده أن عجوزا شوهاء قرعاء عوراء بخراء وقفت أمام المرآة ~~مرة وجعلت تقول: عجوز! نعم ولكنني شبت على صلاح ... شوهاء! بلى ولكنني لم أتحال ولم ~~أزور على الناس بالطلاء كما تصنع سمجات النساء. # قرعاء! أجل ولكنني لم أدنس رأسي بوساد الخنا والفجور. عوراء! إي ولكنني لم أنظر لريبة ~~قط ... بخراء! صدقوا ولكنني طهرت فمي أن ألوثه برائحة الهجر والمهاترة ونتن السفه ~~والمشاتمة، فوفرت بعلي وأمن جلسائي من لساني ... قالوا: وكان إبليس واقفا يسمعها، فقال: ~~يا فاجرة! لقد عرضتك على الزناة والفسقة في مشارق الأرض ومغاربها، فكلهم عافوك وصدوا ~~عنك، وأقسم لو كان فيك مطمع لغير القبر لما أبيت أن تضمي إلى عيوبك التي ms67 فيك هذه ~~المخازي التي تعيرينها النساء، وتدلين عليهن بالطهارة منها. # وإلى هنا لا نعد الغرور شرا محضا، فكم أرضى ساخطا، وكم خفض من جأش محروب، وكم ~~طلبة ذابت عليها أنفس الناس حسرات فأعطاهم منها في الوهم ما لم ينالوه ولن ينالوه في ~~الحقيقة، والغرور قد يقعد المرء عن طلاب الكمالات بما يخيل إليه من حصولها عنده ~~واستحواذه عليها، ولكنه طالما استفز نفوس الطامحين إلى العلى بما أكبر من أخطارهم في ~~أنظارهم فالتزموا حقوق المنزلة التي فرضوها لأنفسهم، ثم أفضى الأمر إلى أن تبوءوها ~~فاستحقوها بالتطبع بها والمواظبة عليها، فهو خير وشر، وحق وبهتان، وما أخطأ كارليل حين ~~قال: «هو حاسة سادسة لا تشبع.» وكما أننا لا نصم الأذن إذا أسمعتنا ما نحب وما نكره، ~~ولا نفقأ العين إذا أرتنا ما يسر وما يسوء، ولا نجدع الأنف إذا أنشقنا ما ينعش وما ~~يؤذي، ولا نقطع اللسان إذا أذاقنا ما يحلو وما يمر، كذلك لا نستأصل الغرور إذا كان فيه ~~مع الصدق الآجل كذب راهن، وكان الكنز لديه لا يخلو من المارد. # نادي العجول # نبئت أن العجول اجتمعت مرة لتنشئ لها ناديا تأوي إليه، ولا تعلم ماذا ساقها إلى هذا ~~الخاطر الغريب، أقلة العلف، أم ضيق المذاود؟ أم ذاك مرض النوادي الذي سرى من النبهاء ~~إلى الأغمار، قد فشا حتى سرى من الأناسي إلى الأبقار؟ هذا سر في صدور العجول. # فلما تكامل عددها، وانتظم عقدها، وقف منها عجل يظهر من كبر دماغه أنه ملم بالتاريخ ~~والأخبار، وقال: «أيها السادة! إن العجل مدني بالطبع، ونحن معشر العجول قد ميزنا الله ~~على بني آدم بضخامة الأجسام وصلابة القرون، ولقد عبر بهؤلاء الناس زمان كانوا يعرفون ~~لنا بأسنا ويتمسحون بأذيالنا حتى أيقنوا أن لن يقوى على حمل هذا الدنيا أحد سوانا، ~~فألهونا من فرط الإجلال، وسبحوا لنا بالغدو والآصال، وكانوا يحسدوننا على قروننا ~~فدعوا أكبر أبطالهم وأشدهم بأسا وأرفعهم ذكرا - أعني الإسكندر المقدوني - بذي ~~القرنين، وما إسكندرهم هذا؟! وما قرناه؟! إن أصغر عجل فينا ليهشم ms68 رأسه إذا ناطحه، ~~ويجندله إذا واثبه أو صارعه، فالعجب لك أيتها العجول ! لم لا تذكرين ذلك المجد الخالد، ~~فتقام لك الصوامع والمعابد، بدل النوادي والمعاهد؟ ألما تنتبهي لما يجب عليك لبني ~~جنسك، وما هو فرض معين عليك لنفسك؟! # قال محدثي: ولما بلغ الخطيب إلى قوله هذا بان الحماس على أوجه العجول قاطبة فهزت ~~رءوسها استحسانا، وفحصت الأرض بأظلافها طربا، وضربت جنوبها بأذنابها مرحا، وخشي ~~عاقبة هذا الحماس عجل هرم، فقام وقال: قد عرفنا ما يوجب علينا إنشاء هذا النادي، وسمعنا ~~في بيان ذلك ما سمعنا، فخذوا بنا في انتخاب الزعيم، ومن رأيي ألا يزيد وزنه عن عشرة ~~قناطير ليكون خفيف الحركة في أعمال النادي ... # وكان يتكلم ويتمهل ليلحس شفتيه ويجتر مضغ العلف التي ترد إلى فكيه، فلم يمهله ~~الخطيب الأول بعد جملته الأخيرة فوثب كالمنخوس وصاح وهو يرتعد من الغضب: «لا! لا! لا! ~~وكلا وألف مرة كلا، ومعاذ النعرة الجنسية أن نرضى بهذا الاقتراح، أفنقبل علينا زعيما ~~لا يزيد وزنه عن عشرة قناطير؟! فماذا أبقينا إذن لهؤلاء الآدميين العجاف الضآل؟! هذا ~~وربي ما يزري بشرف العجول، ويحط أسعارنا في الأسواق حطة لا قائمة لنا بعدها يد ~~الدهر.» # قال محدثي: فماج النادي واضطرب، ثم كثر الزئاط واللجب، وكاد ينفض الجمع بلا طائل، ~~لولا أن تلافى الأمر ذلك العجل الهرم فوقف مبتسما وقال: يا إخواني: «ما أردت أن أغض من ~~شرفكم بما اقترحت عليكم، ولكن معنا هنا أبقارا حلب الدهر أشطرها، وأكل نير السواقي ~~فرائصها، فهي ما زالت ترى أن السمان الفوارة منا عرضة لظلم بني آدم، وأنه خير للنادي أن ~~يكون زعيمه معتدل الضخامة لا بالجسيم الهائل ولا بالنحيف الناحل، فإن كان ذلك لا ~~يرضيكم، فشأنكم وما تريدون، ودونكم وما ترتضون، فإنا لكم أيها الإخوان لموافقون.» هذا ~~وبرك فهدأ الاضطراب وجالت رقاع الانتخاب. # جالت الرقاع فانتخبت العجول زعيما شنيع الوجه، منفرج البطن، منحوس الطلعة، نكير ~~الصوت، ثم اختارت الرئيس فالوكيل، فالناموس، فالمفتش، فالأمين - خمسة عجول تتفاوت في ~~الجسامة حسب تفاوتها في ms69 الدرجة، فاصطفت صفا، ثم أقبلت وأدبرت، ثم دارت في النادي ~~تدبدب بأرجلها ، وتشول بأذيالها وتنفخ التراب بمناخرها، ثم خورت خوارا رج الفضاء، وطبق ~~الأرجاء، وأصبح في الدنيا من ذلك اليوم ناد للعجول. # علم الاحترام # نعم علم الاحترام، ولماذا لا يكون الاحترام علما؟! ألا يشتمل كما تشتمل العلوم كلها ~~على مبادئ وأصول، وحقائق وفروض؟! والعلوم على تعددها تبحث في مقادير المواد والأشياء ~~وفي نسب بعضها إلى بعض، فإن تجاوزتها إلى الناس لم ترتق إلى الموازنة بينهم، ووضع قيمة ~~صحيحة لكل منهم، أما علم الاحترام الذي نريد أن نبتكره فيبحث في أقدار الناس وما ~~يتفاضلون به من عروض الحياة ومحاسن الشيم، فهو أشرف العلوم موضوعا، وهو آخر ما يتلقاه ~~الطالب منها؛ لأن الطالب يتلقى العلوم الأخرى في الكتب ويحضرها على الأساتذة، وهذا ~~العلم لا كتاب له يحصر أبوابه وأقسامه، ويضبط قواعده وأحكامه، ولا أستاذ يمليه عليه ~~طالبه فيريحه من جمع متفرقه؛ إذ هو مفرق بين أيدي الناس الرفيع منهم والوضيع، ~~والمحنكين منهم والأغرار، ففي كل يد عجالة مبتورة، ومع كل خريج وصية ناقصة، وإنما على ~~الطالب أن يتتبع أجزاءه في مظانه، ويستعين عليه بأهله، فإنه إن لم يفعل لم يكن قصاراه ~~أن يجهل ما يحترم به الناس، بل جهل الناس ما يحترمون به. # ولم أقصد بعلم الاحترام هذا الذي يصنعه بعضهم؛ إذ تراه يتهيب ويوجل وهو داخل على من ~~يحترمه كأنه يقتحم غابات إفريقية، أو ينتفض ويشد عرى قبائه كأنه يقابل ثلوج المنطقة ~~القطبية، أو يهبط بيديه ثم يرفعهما كأنه يحثو التراب على رأسه، أو يرخيهما على صدره ~~كالكلب يعالج الوقوف على رجليه، فهذا علم شائع قد حفظه كثير من الناس وأتقنوه، وليس بين ~~الرجل وبين أن يتضلع منه إلا أن يحتقر نفسه فتنقاد له مبادئه وخواتيمه في أقل من قولك ~~ألف باء. # ولكن قصدت العلم الذي من عرفه فقد عرف الإنسان ومن جهله فقد جهل كل شيء، والذي ~~لا يعلمه إلا القليل، ولا يعمل به إلا الأقل من ذلك القليل. # رأيت ms70 رجلا ذا قدم في هندسة البناء راسخة، وشهرة في سائر فنون الرياضة ذائعة، وكنت ~~أسمع أخاه يقول: لو كان أخي في أيام خوفو لما بنى الهرم الأكبر أحد سواه، ولو حضر بابل ~~يوم اندك صرحها لما دكه الله، ولكن رأيته يطأطئ على يد صعلوك يسيل مخاطه على سباله، ~~ويجري لعابه على لحيته فيقبلها ظهرا لبطن ثم بطنا لظهر، فقلت: هذا رجل يشيد الهياكل ~~إلا أنه يعبد الأصنام، ويعرف نسب الأعداد والأرقام، ومقاييس الأجسام والأحجام، ولكنه لا ~~يعرف الطول من العرض، الخلف من القدام في علم الاحترام. # هذا نصيب مهندس كبير من هذا العلم، فما ظنك بالجهلة؟! وماذا يبلغ أن يكون جهد السوقة ~~السفلة؟! # تقول لك آداب السلوك: احترم من ينفعك، وتقول لك آداب الصدق: احترم من ينفع الناس، ~~والقصد بين المذهبين أن تحترم من لا يسعك احتقاره سواء في سرك أو في علانيتك، أما الناس ~~فيحترمون من يخافون شره أكثر من احترامهم من يطلبون بره، وربما شاب احترامهم لأهل ~~البر بعض الرياء وأما احترامهم للظلمة والطغاة، فخالص لا شائبة للرياء فيه، بل هو ~~احترام لو أكرهوا أنفسهم على تركه لما استطاعوا. # ويا رب فتى مبتدئ في هذا العلم يخرج من كنف أبيه أو أستاذه ويمضي على رأسه حائرا ~~لا يعلم من يحترم ولا كيف يحترمه، ولا يعلم من يحتقر ولا كيف يحتقره، وتراه يغالي ~~باحترامه ويضن به على من لم يكن أمة في رجل، وعالما مجتمعا في واحد، ويمسك بميزانه ~~وقد وضع في إحدى كفتيه صنجة النبوغ وصنجة الأخلاق وصنجة السمت وصنجة الرئاسة وصنجة ~~الثروة، وغيرها من الصنج التي يوزن بها الرجال، ويذهب بالكفة الأخرى عله يجد في الناس ~~من يملؤها ويثقل فيها، فما هي إلا دورة أو دورتان في الطرق والبيوت والأسواق والمحافل ~~حتى يئوب وقد رفع كفته أكثر الصنج، يرفعها واحدة بعد واحدة ولا يدع في الكفة إلا صنجة ~~أو اثنتين، وهما في الغالب صنجة الرهبة وصنجة الطمع، ثم لا يمضي غير يسير حتى يصبح وهو ~~لا يرجح ms71 في ميزانه إلا أخف الناس وزنا عنده، ولا يخف فيه إلا أرجح الناس وزنا عنده، ~~وحتى يكون بين ظاهره وباطنه في الاحترام أبعد مما بين الأرض والسماء. # ولقد هالني هذا الأمر وخفت منه على آداب المبتدئين، فعن لي أن أدعو لجنة من العلماء ~~إلى وضع كتاب واف صريح في علم الاحترام، يعصم الناس من الخلط والخبط فيه ويحجزهم عما ~~يتخلله من الدهان والملق، فاستقر رأيي على هذه الفكرة أياما، ولكنني رجعت إلى نفسي ~~فقلت: ومن يا ترى يشرح للناس مسائل هذا الكتاب؟ وأي أستاذ يرضى بأن يعلم الناس علما ~~يحتقرونه به؟! ألا يكون شأن الأساتذة في هذا الكتاب كشأن الفقيه المنافق في كتب الدين، ~~يلقن الناس منها ما يدر عليه الرزق، ويوطئ له الأعناق، ويعمي عنه العيون، ويتركهم من ~~الدين القويم في جهل مقيم، وعن اليقين في ضلال مبين؟! # فيئست من أن يكون للناس قسطاس صادق المعيار، أمين على الأقدار، ورأيت أن أفضل ما ~~يصنع العلماء أن يشتغلوا بعلومهم التي انقطعوا لها، وأن يدعوا كلا وما يهتدى إليه في ~~علم الاحترام. # جمجمة الإنسان # أذكر فيما قرأت من حكايات الفرس حكاية يروونها عن النبي عليه السلام؛ زعموا أنه أصحر ~~ذات يوم قائظ ومعه الصحابة فنزل في شجرة باسقة وإلى جانبها غدير ماء مصطفق رقراق يشوقك ~~النظر إليه إلى الشرب منه، فلما اشتد أوار الظهيرة عطش النبي، فقام إلى الغدير فتناول ~~منه بجمع كفيه، وشرب فوجد أبرد ماء وأعذبه، وأصفى ورد وأطيبه، ثم عطش مرة ثانية فعاد ~~إليه فترشف منه رشفات روته من غلة العطش ولم تروه من عذوبة الماء وحلاوته، وذهب في ~~المرة الثالثة فوجد على الشاطئ إناء فأخذه وملأه من الغدير واجترع منه جرعة فإذا تلك ~~العذوبة ملح زعاق، وإذا صفاؤه الضاحك البشوش قذر لا يطاق، فمج الماء من فمه ونظر في ~~الإناء فألفاه نظيفا ولم يتبين فيه ما عساه أن يكون منشأ هذه الملوحة والقذارة، فرفع ~~بصره إلى السماء متعجبا، وكأنه يسأل الله عن سر هذه المعجزة وماذا أراد ms72 - جلت قدرته - ~~بهذه العبرة، ويقول كيف ينقلب الماء في لحظة من طعم إلى طعم والغدير واحد والشارب واحد، ~~فما ارتد طرفه حتى أنطق الله الإناء في يده، فقال: لا تعجب يا نبي الله فإن في التراب ~~الذي صنعت منه ذرة في جمجمة إنسان، فهذه الذرة هي سبب هذا التغير، ولو عللت يا نبي ~~الله من الماء براحتك كما نهلت لما أنكرت من طعمه ما أنكرت. # ما أراد واضع هذه القصة أن يقول إن في جمجمة الإنسان مرارة كمرارة الحنظل ترشح في طعم ~~الماء كما يرشح الحنظل فيما يخالطه من الأشياء، ولكنه يقول فيما ورى به: إن في رءوس ~~الناس سما حاضرا يرد الطيب خبيثا، ويحيل السائغ المريء كريها مسقما، وإن هذا ~~الجانب المسموم من رءوسهم يضيع عليهم كل ما يدأبون له ويضبون عليه ببقية جوانب رءوسهم ~~التي بها يعملون على رفاهة العيش، ويرغبون في هناوة البال. # إن هذا السم الذي في رأس الإنسان يضني صاحبه قبل أن يضني البعيدين عنه، وكلما كان ~~الرأس قريبا إليه وكثير الاشتغال به كان سمه أفتك وأسرع فعلا، وهذا هو المشاهد ~~المحقق؛ فأول من يلدغ الإنسان نفسه ثم عترته الأدنون، ثم خلصاؤه المقربون، ثم أهل ~~وطنه المعاشرون، ثم الأعداء الحاقدون، ثم من لا يعرفهم ولا يعرفونه من الناس: أبعدهم ~~عنه أسلمهم، وألزمهم له أظلمهم، ولو تسنى لامرئ أن لا يعيش إلا مع من لا يكترث لهم ولا ~~وصلة بينه وبينهم، لما عز على أحد أن يستبدل أقصى الناس عنه بألصقهم به، ولقد جعل ~~السم في ناب الأفعى وقاية لها فصار هو مدعاة هلاكها، حتى إن ما يقتل منها لأجله أضعاف ~~ما ينجو بسببه، وهكذا صار السم الآدمي مقتلا وسلاحا لصاحبه، وداء ودواء له. # أنا لا أصدق إلا أن الإنسان أقدر على إشقاء نفسه وغيره، منه على إسعاد نفسه وغيره، ~~فلماذا هذا؟ ألأن السعادة ليست ضرورية للإنسان كالشقاء؟! نعم، نحن أرغب في السعادة ~~ونحن أطلب لها، ويخيل إلينا أننا لا نحيا بغيرها، ولكن لماذا لم نعط ms73 من وسائل السعادة ~~ما أعطيناه من وسائل الشقاء؟ وما معنى هذه الرغبة يا صاح؟ هل تأتلف الرغبة والحاجة ~~دائما؟ أم هل ترتبط الكراهية بالاستغناء في كل حين؟ اللهم لا. # فيا أيها الظامئ الجاد وراء السراب: إن كان ظمؤك إلى السعادة وليس إلى شيء آخر فلا ~~ترج أن تشربها في جمجمة إنسان، ولا سيما الجديدة التي لم تعتق والمقفلة التي لم تكسر ... ~~وإنك قد يحلو لك سلسبيل الحياة إذا تجرعت منه بكفيك، ولكنك حيثما عمدت إلى إناء غير ~~يدك، أو أداة خارجة عن جسدك، فهنالك لا بد من ذرة من جمجمة إنسان. # الصدى ونرجس # الصدى في أساطير القدماء جنية من بنات الغاب والأودية، ونرجس فتى سليل إلهين من آلهة ~~الماء، وكانت (الصدى) ذات منطق فصيح وحديث خلاب يستهوي السامع فينسيه نفسه، ويلهيه عن ~~شأنه، فمرت بها (هيرا) حليلة (زوس) رب الأرباب فاستوقفتها بالحديث وعاقتها عما قدمت له، ~~وكانت (هيرا) قادمة لتباغت (زوس) مع خليلاته، فلما وصلت كن قد هربن وبقي حليلها وحده ~~في مخدعها، وعلمت (هيرا) أنه لولا (الصدى) لما أفلت أولئك الضرائر منها، فغضبت عليها ~~وسلبتها قوة الحديث إلا أن تردد ما تسمعه ولا تزيد عليه. # أحبت (الصدى) (نرجس) فلم يحفل بها، وامتنع عليها أن تبثه هيامها فذاب لحمها، وبلي ~~عظمها، ولم يبق منها إلا نفس مصعد وصوت مردد، أما (نرجس) فقد نقمت عليه (نمسيس) بنت ~~الليل والربة المنتصفة للمظلوم من الظالم، نقمت عليه جفاءه وتيهه فأمهلته إلى أن أقبل ~~على بعض العيون ووقف يعجب بما أبداه الماء من جماله فمسخته زهرة في مكانه، فهو لا يبرح ~~واقفا على حافات العيون والجداول ناكس الطرف يطل على خياله في الماء. # بهذا التمثيل الشعري كان القدماء يفسرون عجائب الطبيعة ويشاركونها الإحساس فيبتهجون ~~ويخالون أنها تضحك لهم، ويحزنون ويحسبون أنها تبكي معهم ويصاحبونها مصاحبة الأحياء ~~للأحياء، فكانت الطبيعة حياة كلها، وليس في زاوية من أخفى زواياها موضع للجمود. # وقد كانت هذه الأساطير مادة غزيرة للشعراء فأولعوا بالنظم فيها، وعني أحدهم ~~بنظم قصص المبدولين ms74 والمتقمصين فسبكها أحسن سبك ... وهو (ببليوس أوفيداس ناسو) شاعر ~~لاتيني ولد قبل الميلاد ونفاه القيصر أوغسطس من روما لافتتان الشعب الروماني بغزله، ~~كما نفى عمر بن عبد العزيز الفرزدق من المدينة لتهتكه، وكما نهى المهدي بشارا عن ~~النسيب في أبان المدنية العباسية، وإليك ما نظمه في حكاية الصدى، قال: # راحت الصدى تقفو أقدام نرجس ولا يراها، وكلما لحقته تعاظمت برحاؤها، وتحرقت ~~أحشاؤها، كهواء المشاعل يتبعها ولا تدركه الأبصار، ويكاد يضطرم وإن لم تمسه ~~نار، وطالما همت بأن تفاتحه بتحية أو تستعطفه بكلمة، فكان يخونها الحياء ~~ويستعصي عليها النداء. # وضل نرجس عن رفاقه يوما، فجعل يصيح: أليس هنا أحد؟ قالت الصدى: هنا أحد ... ~~وسكتت. # فبهت نرجس وتلفت حوله ليرى مصدر الصوت، ونادى: هلم إلي! هلم إلي! فسمع ~~الصدى تجيبه: هلم إلي ... # وقال نرجس: دعينا نلتق، فسرعان ما سمع رجع كلامه بصوت مد فيه الحنان، وترنمت ~~به الشعاب والغيران، ووثبت إليه تضمه وتعانقه فأجفل منها ومضى وهو يقول: اغربي ~~عني! لا كنت ولا كان قلبي إن جرى بيننا الحب ... # صدمة كسرت قلب الصدى، فنادت وهي كاسفة: جرى بيننا الحب! # ثم ما زالت ينخر في قلبها الداء الدفين، ويأكل منها الكمد والأنين، حتى عادت ~~أرق من الهواء، وبراها النحول إلا خفقة نداء، لا تلبث أن يعبث بها ~~الفضاء. # اللؤم المكتسب # اللؤم ضربان: لؤم موروث ولؤم مكتسب، فأما اللؤم الموروث فذلك الذي لا حيلة لصاحبه ~~فيه، ولا حيلة لمخلوق في صاحبه، وقد يتمنى اللئيم التطهر من وصمته والبراءة من شبهته، ~~وهيهات ذلك، وأما اللؤم المكتسب فلؤم يضطر إليه بعض الأشقياء اضطرارا، لؤم رجل سالم ~~الناس فحاربوه، وحاربهن فواربوه، وبسط إليهم راحة الأمان فضربوه عليها، وصرح لهم عن ~~سويداء قلبه فوخزوه فيه، فتعلم من الناس أن يقف منهم موقف المحارب الحذر، يراوغهم في ~~أمره ويكتم عنهم مواطن قوته، ثم يفتش عن مواطن ضعفهم ويتجسس على المغامز في صفوفهم، ~~أفهموه أن ما هم فيه حرب لا سلم، ومخاتلة لا مجاملة، وغش ولا نصيحة؛ فعمد إلى نفسه ms75 ~~أولا فأخفاها وراء سور من الرياء كما يخفي المقاتل نفسه وعدته وراء سور حصنه، ثم عمد ~~إلى مقاتليه فدبر كيف يصرعهم، ومن أين يبتدرهم، إذا ابتسم له مبتسم تفقد قلبه هل فيه ~~مطعن مكشوف أو ثلمة مطروقة وتعهد جوارحه لئلا تضطرب عند المجادلة أو تؤخذ على غرة، ~~ويعود فيرد تلك الابتسامة بمثلها ويجزي على ابتسام بابتسام، وإذا بكى بين يديه باك ~~أسرع إلى قلبه فأضفى عليه الدرع واجتهد أن تكون أصفق دروعه وأمتنها لئلا يكون ذلك ~~البكاء خدعة من خدع الحرب، فإذا تثبت من قلبه وتهيأ لمقابلة العدوان بمثله رجع إلى ذلك ~~الباكي فإما بطش به أو كان أكثر من ذلك لؤما فيصافحه، ولكن بعد أن يجرده من كل سلاحه ~~وبعد أن يقلم أظفاره وينزع شكته ويتركه، ولو شاء أن يخدش نفسه فضلا عن أن يخدشه لما ~~استطاع؛ فهو بعد ذلك أسيره الذي يطيع إشاراته ويسخره في قضاء حاجاته، لا صنيعته الذي ~~يحسن إليه ويرفه عنه، وقديما سمى الناس المحسن آسرا والمحسن إليه أسيرا، وهم في ~~هذه التسمية ما تعدوا الحقيقة قيد أنملة إلى المجاز. # واللؤم المكتسب هو لؤم من صدق الناس فكذبوه ووفى لهم فخونوه، وعمل لخيرهم فأضروه، ~~وأحب أن يبادلهم النفع فلم يقنعوا بما دون استنزافه وامتصاصه، ولم يرضخوا له إلا عن ~~أيسر ما لديهم وأهونه عليهم، ويرضخوا له عن هذا اليسير الهين وهم قادرون على جحده ~~والمماطلة فيه، ورآهم يصدقون من يكذبهم ويأتمنون من يخونهم ويخدمون من يؤذيهم، ولا ~~يشترطون عليه في نظير هذا التجاوز العظيم في هذه الصفقة الربيحة إلا أن يكون خداعا ~~ماكرا ودساسا لئيما، فعلم أن هاته السوق أربح من تلك وأسهل في الممارسة، ورأى أن ~~الناس كما يزدرون الرذيلة التي لا يحميها أحد كذلك يزدرون الفضيلة التي لا يحميها أحد، ~~فعلم أنهم ما أحبوا الفضيلة ولا كرهوا الرذيلة، ولكنهم يخافون كلا منهما حين يكون ~~مخيفا ويزدرونه حين يكون عزلا ليس عنده ما يخافون، ووجد الفضيلة أوعر مسلكا؛ لأنها ~~غريبة، والرذيلة ممهدة الطريق؛ لأنها ms76 كثيرة الأمثال والأشباه، فتنكب الأوعر إلى الأسهل ~~وألقى بدلوه في الدلاء. # رأى ما رأى، وعلم ما علم ثم وقف وقفة يحاسب نفسه، فأيقن أنه لن يصلح الناس، وأنه ~~بين أن يعتزلهم إذا قدر فيكون دينه له ودينهم لهم، أو يصحبهم فيعاملهم بالسكة التي ~~يقبلونها ما دامت كل سكة غيرها زائفة في نظرهم، وما دام الخيرون في هذه الأرض كالجن ~~لا يظهرون لكل إنسان. # وإن للؤماء عادة ألا يبوحون بأسباب لؤمهم ولا يحاولون التنصل مما يرمون به؛ لأن ~~الناس لا يصدقونهم ولا فائدة لهم من تصديقهم إياهم؛ فلذلك يتهمهم الناس بالحق والباطل، ~~ويقبلون فيهم كل ما يقال عنهم، ومتى رأى الناس رجلا يسيء الاعتقاد بهم جميعا لم ~~يسمعوا له قولا في واحد منهم، وقالوا: ذاك ديدنه في التبرم، وتلك شنشنة له في ~~التجني، فيصدقون شكوى الشاكين منه ولا يصدقون شكواه في أحد، ويأبون أن ينصفوه وإن كان ~~مغبونا، فيتسع بينه وبينهم مجال التهم وتقطع بينهم قلة الإنصاف: # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة # بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم # وما كان لئيم لئيما إلا بعد يأس من إنصاف الناس، ويقين من عسفهم في القضاء واغترارهم ~~بظواهر الأحوال. # ولقد سمعت يوما جماعة ينتاشون عرض رجل لم أعلم عليه من سوء، فوصموه بنهاية اللؤم ~~ورجموه بأشنع الخبث، وكان أطولهم لسانا وأفحشهم طعنا فتى كان يدعي أنه ساعده فخذله، ~~وأحسن إليه فقابل إحسانه بالإساءة، فلقيت ذلك الرجل فسألته، فقال: نعم، أعطاني قطعة من ~~السم صغيرة في قطعة من الحلوى كبيرة، وهو يطالبني الآن بثمن تلك الحلوى، ويمن علي ~~أن وهبني السم بلا ثمن، وأخذ يقص علي من نوادر إساءة ذلك الفتى في الإحسان، وغلظته في ~~الملاطفة، وتقطيبه في البشاشة، ما لو أنه قضى العمر في مناوأته والكيد له لم يكن ~~معتديا عليه. # قلت: فلم لا تفشي الحقيقة، وأقل ما فيها ألا يفتري عليك الناس بما ليس فيك أو ~~يعيبوك بعيب أعدائك؟! # قال: سواء علي أيعيبني الناس أم يشكرونني، بل أحب إلي أن يعيبوني ويحذروا ~~جانبي ms77 من أن يحسنوا الظن ويخدعوني، وإن المشقة التي أحتملها في إقناعهم ببراءتي لأشد ~~كثيرا من الضرر الذي يصيبني من اعتقادهم في اللؤم إن كان فيه ضرر. ~~••• # أنا لا ألوم هذا اللئيم الذي اقتبس دروس اللؤم من العالم كله، وكيف وهو يقتبس من ~~أستاذ يلوح له بالعصا أنى ذهب! يلوح له بها عند مشيه وقعوده، وعند جده وونائه، وعند ~~أكله ونومه، وعند مصادقته ومعاداته، ويوشك أن ينهال عليه بها فيقتله كلما سها عن درس من ~~دروسه أو هم بأن يتتلمذ لأستاذ غيره. # وأجد من يلوم هذا اللئيم كمن جلس على مائدته بين زوجه وولده، وبين يديه صحاف الطعام، ~~وأمامه الأتباع والخدام، فجعل يلوم الصياد الذي خرج يبحث عن صيده في الآجام الموحشة، ~~فتقلد سلاحه ومشى ينظر كلما نقل قدمه إلى أمامه وإلى ورائه، وعن يمينه وعن شماله، وهو ~~من الحيطة والتربص يكاد ينظر بكل عضو فيه أو كأنه من التمهل التلف يدوس على الشوك ~~ويخطو على جحور الأراقم، يخاف إن هو غفل أن يفوته رزقه أو يثب عليه سبع فيفترسه، فيلوم ~~ذلك الصياد على احتراسه وارتيابه، ويطول عليه بأمنه ودعته، وما كان هو أكثر منه أمنا؛ ~~لأنه أكرم قلبا ولا كان الصياد أكثر ارتيابا؛ لأنه ألأم خيما وأردأ عنصرا. # أنا لا ألوم هذا اللئيم على أنني لا أحب أن يكثر أمثاله في العالم، وعذري إياه أن ~~الذنب في لؤمه على قومه، ولكن البغيض المرذول هو اللئيم المجبول، فإنه لئيم أحسن الناس ~~إليه أم أساءوا، ولادته جريمة، وموته - وليس سوى موته - تكفير لتلك الجريمة. # البخيل # كان فيمن أعرف من الناس رجل لا يعرف الناس أبخل منه، كان هذا الرجل إذا اشتهت نفسه ~~الشيء مما تشتهيه الأنفس من طيبات المأكل والملبس أخرج القرش من كيسه، فنظر إليه نظرة ~~العاشق المدنف إلى معشوقه ثم رده إلى الكيس وقال: هذا القرش لو أضيف إليه تسعة وتسعون ~~مثله لصار جنيها، والجنيه بعد الجنيه يجلب الثروة العريضة ويجمع المال الحير، وهبني ~~تهاونت بإنفاقه اليوم وسمحت نفسي به، ms78 فلا آمن أن تسخو بغيره غدا، فإنما القروش كلها ~~واحدة في القيمة وليس قرش بأغلى من قرش، والشهوات حاضرة في كل وقت، فكأنني أنفقت اليوم ~~بإنفاقي هذا القرش جميع ما سوف أملكه وأدخره من المال، وفتحت على نفسي باب الفاقة ~~الدائمة والعوز المستمر مطاوعة لشهوة حمقاء، إن أنا وقمتها الآن ماتت واسترحت منها، وإن ~~آتيتها على ما تدعوني إليه كل ساعة، كنت كمن يرمي الوقود في النار ليخمدها، وكنت كمن ~~يشتهي الفقر ويتمنى الإعدام، وتلك والله الحماقة بعينها. # وكان إذا تم عنده الجنيه على هذه الكيفية أسقطه في صندوق ثقب له ثقبا في غطائه، ولم ~~يجعل له مفتاحا لئلا يتعود الفتح والإقفال، ويجرؤ على ذلك الذخر بالكشف والابتذال، ~~وخوفا من أن تراوده نفسه لفرط شغفه بالذهب على مس جنيه من تلك الجنيهات، فيجر المس إلى ~~التحريك، ويجر التحريك إلى الأخذ فالإخراج فالصرف، وهناك الطامة العظمى والداهية ~~الشؤمى، ويقول: إن سلما أنت واقف على قمته حري أن تصل يوما إلى أسفله، وما لك ألا ~~تغلق الشر من بابه وترقع الفتق من أوله وتتلافى الأمر في بدايته قبل أن تتعذر عليك ~~نهايته؟ وكان يرى الفقر من بعيد فيظنه أدنى إليه من حبل الوريد، فالفقر عنده محيط بكل ~~مكان، شامل لكل زمان، وما دام في الأرض درهم فهو فقير إليه، وما دام فقيرا فالاطمئنان ~~محال عليه، ولقد ألفنا أن نسمي البخلاء عبيد الذهب، وكان الأصوب أن نسميهم عبيد الفقر؛ ~~لأنهم يضحون الذهب للفقر، وهم يحبون الفقر ويخشونه، يحبونه فيعيشون عيشة المعدمين ~~والبؤساء مع تمكنهم من الثراء، ويخشونه فيتقونه وعندهم له من كل دينار وقاء. # فإذا سقط الجنيه في ذلك الصندوق، لا، بل في تلك الحفرة، كانت تلك السقطة آخر عهده ~~بالهواء والنور، وآخر عهده بالهبات والبيوع، وآخر عهده بالأنامل والكفوف، وهوى من ذلك ~~الصندوق في منجم كالمنجم الذي كان فيه، وشتان المهد واللحد، ومات موتة لا تنشره منها ~~إلا يد الوارث إن شاء الله، وقد فعل. # ولو أتيح لتلك الجنيهات أن تتحادث في ms79 ذلك السجن المطبق عن ماضيها كما يفعل السجناء؛ ~~إذن لسمعت من أحاديثها العجب العجاب بين جنيه رحالة جواب، يتنقل بك من السويد إلى ~~الكاب، وينبئك عن الأعاجم تارة وتارة عن الأعراب، وجنيه فرار غدار، ما سلم بالليل إلا ~~ودع بالنهار، وجنيه نشأ في الحانات والمواخير، فاسترق رنته من رنات الكئوس والقوارير، ~~وجنيه عاشر الأبرياء والجناة، ورافق النساك والغواة، وجاور المعوزين والسراة، ومر ~~بالمساكين والعتاة، وطفر من الأصدقاء إلى الأصدقاء، ومن العداة إلى العداة، وكلها تشهد ~~شهادة لا بهتان فيها أن مالكها الأخير أقدر من قنص الدينار، من الأبرار والفجار، وأخبر ~~من صاد النضار، من الشطار والأحبار، وأول من راض هذا المعدن السيار على السكينة ~~والقرار. # ولو أتيح لك أن تشهد ذلك البخيل وقد مثل عند صندوقه وألجأته الضرورة إلى الاستمداد ~~منه - وناهيك بها من ضرورة - إذن لحسبت أنك تشهد في جنح الليل الأعكر سارقا ينبش ~~القبور عن أكفانها، وقد تملكه الهلع من حراسها وسكانها، أو لحسبت أنك تشهد كاهنا ~~متحنثا يقوم عند صندوق النذور يهم بأن يمد يده إليه فيتحرج من أن يستحل ودائعه لئلا ~~يحل عليه قصاص الله ويحيق به غضبه، فإن ألحت عليه الحاجة أقسم أن لن ينام ولن يهدأ أو ~~يرد إلى الصندوق ما استعاره منه، وقد لا تجد بين ألف كاهن كاهنا واحدا يقسم هذا ~~القسم ويبر به، ولكنك لا تجد بين ألف بخيل بخيلا واحدا يحنث في هذه اليمين. # ففي وقفة من تلكم الوقفات اقترض البخيل من صندوقه جنيها، وآلى بالطلاق من عرسه ~~ألا يدخل البيت إلا والجنيه معه، وذهب إلى السوق فكدح فيها ما كدح واحتال حتى استرجع ~~الجنيه نصفا ذهبا والنصف الباقي قطعا فضية، وكانت تلك عادته إذا أبدل الفضة بالذهب؛ ~~كي تكون كل قطعة صحيحة صماما حديديا يحبس فيها ما تحتويه من القطع الصغيرة أن تتناثر ~~وتتسرب إلى إحداها نزغات الجود ووساوس النفس الأمارة بالجميل، والخبيث يسيء الظن بنفسه ~~ويتهمها بالسخاء عن القليل الطفيف مداعبة لها وإدلالا عليها، وإلا فقد وثق وثوق ms80 ~~المؤمن بإيمانه أنه لو انثالت عليه نقود المشرقين والمغربين دراهم ودوانق وسحاتيت لما ~~سولت له نفسه أن ينفق سحتوتا منها في غير ما يدفع التلف جوعا والهلاك عريا، فما ~~تمهل حين صار الجنيه في يده إلا ريث أن أهرع إلى الصيرفي فناوله إياه مفرقا وقال: ~~أعطني به جنيها ذهبا. # قال له الصيري: هات خمسة ملليمات. # قال البخيل: وعلام هذه الملليمات الخمسة؟ إنك تأخذ هذا الجعل من الناس على أن تنقدهم ~~الفضة بدل الذهب، وأنا أعطيك فضة وأطلب ذهبا، أفلا تحمد الله على أنني صفحت لك عن حقي ~~وجئتك ساعيا إلى مكانك؟! # فما زاد الصيرفي على وكزه في صدره وكزة قذفت به إلى الجانب الآخر من الطريق، فما ~~تململ الرجل ولا تأفف، بل وقف حيث قذفت به الوكزة صامتا، والصيرفي لا يشك في أنه ينتظر ~~أن يمر الشرطي فيستعديه عليه، فمر شرطي وثان وثالث لا يدعوهم ولا يبرح مكانه، والناس ~~يظنون أنه يحدث نفسه بالانقضاض على الصيرفي، فيوسعه ضربا ولكما فيخطئونه ~~ويلومونه وينصحون له بأن يعتذر إليه ويسترضيه، وبينا هو كذلك أقبل على الصيرفي شيخ ~~ريفي، فكذب البخيل كل ظن وعاجل الشيخ، فكان أسبق من يده إلى جيبه وصاح به: رويدك يا ~~هذا، إنك تريد أن تبدل جنيها، وهذا اليهودي يتقاضاك خمسة ملليمات، وأنا أقنع منك ~~بملليمين، فهاك الفضة وهات الذهب، والتفت إلى الصيرفي، فقال: بارك الله فيك، فقد قيضت ~~لنا رزقا كنا في غفلة عنه، ولا يزال هذا دأبنا كلما اجتمع جنيه عندنا، ثم ولى والصيرفي ~~يكاد ينشق عن جلده من الغيظ والناس يضحكون. # وكأني بك أيها القارئ تظن أن الرجل آلى بالطلاق وحرص على أن لا يمين فيه وفاء لزوجه ~~وضنا بذات فراشه واحتفاظا بأم بنيه، فإياك أن تظلم الرجل بهذا الظن، فإن الاحتفاظ ~~والضن بشيء غير المال ضعف يربأ بنفسه عنه، ولكنه تحرى أفدح الأيمان كفارة وأصعبها كلفة، ~~فرأى أن كفارة الحلف بالله سهلة وربما كان في الصيام من الاقتصاد ما يغريه بالحنث كلما ~~أقسم بالله، فاختار يمين ms81 الطلاق يهدد نفسه به ويخوفها من مؤخر الصداق ومئونة الأولاد ~~ومصاريف القضايا ، ثم لا بد له من زوجة تكفيه نفقة الخادم وشراء الطعام من السوق، وهذه ~~الزوجة لا بد لها من مهر قل أو كثر، دع عنك الأعراس وما تستدعيه من الخروج عن العادة في ~~الإنفاق ليلة أو ليلتين، فإذا آلى بالطلاق ذكر كل ذلك وأكثر منه فكان قيدا لا يستطيع ~~منه فكاكا، ولا يفوته مع هذا أن يصانع نفسه بأنه من القابضين على دينهم الذين يجتنبون ~~حدود الله، ولا يلعبون بيمين كيمين الطلاق، والحقيقة أنه لا يجتنب حدود الله إلا لأن ~~اجتنابها يوافق هواه، ولو كلفه خوف الطلاق معشار ما يصون من ماله لجار عن كل حد لله ~~وللخلق، وعلى أنه لم يضطر يوما إلى امتحان دينه ولم يقف بين ارتضاء الطلاق وجرائره ~~وانتهاك حدود الله وأوامره؛ لأنه لم يكذب على صندوقه قط، فإذا استعار منه في الصباح سدد ~~له الحساب في المساء. # ومرض هذا البخيل مرض الموت فجزع جزعا شديدا، وكان جزعه لأنه سيموت عن أقل من عشرة ~~آلاف جنيه كاملة، وكان ذلك كل أربه من الحياة، فاستحضر الطبيب بعد أن نهكته العلة ودب ~~السقم في أوصاله وعظامه، فأمره بأن يتعاطى دواء وأن يقصر طعامه على لحم الطيور، وكان ~~صاحبنا على مذهب النباتيين اقتصادا لا فلسفة، فتملص يحايل الداء ويتملق الطبيب عسى أن ~~يعدل عن وصفته، والداء يأبى إلا لحوم الطير، والطبيب مصر على رأيه، ولما كان أربه في ~~العيش لم ينته وعشرة الآلاف لم تكمل، فقد رضي أهون الشرين وأصاخ لقول الطبيب وصار ~~يأكل كما أمره وهو يتلهف ويتغصص ويتبع كل لقمة يزدردها بعملية حساب، وهل أصعب في الهضم ~~من الحساب وأثقل على المعدة من الأرقام الصماء؟ ولم يزل يقول بعد كل أكلة: الله الله ~~على الصحة! لو كنت الآن صحيحا أما كانت تكفيني أكلة بدرهم! فلم يسعفه الدواء ولم يمرأه ~~الغذاء، وما ذاك إلا لأن الطبيب داواه بالطب الذي يداوي به الناس، ووصف له ما كان ms82 يصفه ~~لكل مريض مصاب بمثل مرضه، ونسي أنه يداوي داءين لا داء واحدا، وفاته أن داءين أحدهما ~~مزمن والآخر طارئ لا يصلحان بفرد دواء، ولو سمعه كيف كان يأسف على الصحة ولماذا كان ~~يأسف عليها لعلم أن صحة هذه البنية غير صحة سائر البنى، وأن لها مرضا غير أمراضها، ~~وأن الغذاء الذي ظن أنه يشفيه ويقويه قد حز من بدنه وأضاف مرضا على مرضه، وقد مات ~~المسكين بدائه ذاك، وما أحسبه ندم على شيء وهو يفارق الدنيا ندمه على تلك الدراهم التي ~~أطاع فيها الطبيب جزافا، وماذا عليه لو قد عصاه فلم يفقد سوى حياته؟! # ولهذا البخيل نوادر عديدة يذكرها معارفه؛ فكان لا ينقضي له يوم إلا على نادرة طريفة ~~مع بائع أو زميل أو شريك أو مدين، وكنت أستظرفه فأتودد إليه وأشيعه على مذهبه فلا أقتصد ~~في إطراء الاقتصاد ولا أبخل بكلمة في مدح البخل، وإذا فاوضته في الأدب أو طالعت معه في ~~الكتب لم يكن أحقر على لساني من أسماء هرم بن سنان وحاتم طيئ وكعب بن أمامة ومعن بن ~~زائدة وأبي دلف وغيرهم من أجواد العرب، فأشنع بهم وأسأل الله السلامة من مثل مصيبتهم في ~~عقولهم وأموالهم، وأقول له: ما أجدر ما دار بتمثال من الذهب، فيقول: أي وأبي ولولا ما ~~في ذلك من الإسراف، ولشد ما كان يتهلل وجهه حين أتلو عليه نكبة البرامكة، فيقول: حيا ~~الله الرشيد، ما أحكمه وأحزمه! وقبحهم الله، ما أخرقهم وأحمقهم! بادوا وخلفوا وراءهم ~~للناس مثلا سيئا وقدوة ذميمة، وكانت له في أسباب نكبتهم فلسفة خاصة لم يفتح الله بها ~~على أحد قبله، يقول لك: لا تصدق ما يتشدق به كذبة المؤرخين عن أسباب نكبة البرامكة، ~~فوالله ما نكبهم ولا قتلهم إلا الإسراف والتبذير، أسرفوا في البذخ وبذروا أموالهم في ~~الصلات فحسدهم الموصول وسخط عليهم المحروم، فترصدت لهم العيون وتوغرت عليهم الصدور، ~~واستعظم الرشيد عليهم ما هم فيه فمثل بهم ذلك التمثيل، وفجعهم في أرواحهم وأموالهم ~~وآمالهم فلم يغن عنهم صنائعهم ms83 وذووهم، ولو أنهم بخلوا لنامت عنهم الأنظار وخرست عنهم ~~الأفواه؛ لأن من نعم الله على البخلاء أنه يجمع لهم بين مزيتي الغنى والفقر، فلهم من ~~الغنى المال الكثير ولهم من الفقر الأمان من حسد الحاسدين، ولهم من الغنى القدرة على ما ~~يبتغون ومن الفقر القناعة بيسير ما يأكلون ويلبسون، وهما مزيتان لا يجمعهما الله إلا ~~لمن رضي عنه من عباده. # بيد أنني في صحبتي له كنت لا أستطيع ساعة أن أفكر بأنني أصاحب إنسانا له علي ~~مثل الذي لي عليه، وكنت أحمل نفسي على أن تصدق أنه من البشر كما تراه عيني فلا تذعن، ~~وكيف وهي لا تحس بأدنى اختلاف بين ملاطفتي إياه وملاطفتي الكلب أو القرد الأليف ليأنس ~~بي ولا ينفر مني، ولقد ضل - والله - من يتألف الكلاب والقردة ويلهو برؤية الحيوانات ~~العجيبة وعنده البخلاء يضمهم وإياه جنس واحد ومدينة واحدة فلا يتألفهم ولا يخف إلى ~~رؤيتهم، أليس لو جاءك رجل فأخبرك بأن في مدينة كذا دابة تموت من الطوى وبين يديها ~~الطعام الفاخر، ويفرش لها المهاد الوثير فتجفوه إلى الأرض الخشنة، وتطلق في الفضاء ~~الفسيح فتزمجر وتئن، وتسجن في قفص الضيق فتطرب وتطمئن، وقيل لك: إن هذه الدابة منفردة ~~بهذه الأطوار بين بنات جنسها، أما كنت تبادر إلى تلك المدينة أو تتمنى أن تساق إليك ~~تلك الدابة؟ فالبخيل هو تلك الدابة الغريبة في تكوينها، الشاذة في أطوارها، التي تعد ~~من الناس وليست منهم، وتجانسهم في الصورة والقوام ولا تشاكلهم. # إن الناس يعرفون البخل بأنه الحب المفرط للمال، وهذا تعريف ناقص من جميع أطرافه، وهل ~~العلاقة بين البخل والمال إلا كالعلاقة السطحية بين العلم والأوراق، وبين الشجاعة ~~والسيف، وبين الزمن والساعات؟ وقد وجد البخل قبل أن تحتجن الأموال وتسك النقود كما سلف ~~العلم قبل أن تصنع الأوراق وتقدمت الشجاعة قبل أن تطبع السيوف، ودار الفلك قبل أن ~~تخترع الساعات، ولو أصبحت الدنيا قد انقرضت منها الأموال وفني من أيدي الناس الذهب ~~والفضة لما قضى ذلك بفناء البخل من قلوب ms84 البخلاء؛ لما قدمنا من أن البخل شيء بمعزل ~~عن المال. # وإنما البخل عاهة تحجب الفكر وتفسد الطبع وتفرد المرء عن الفطرة العامة بين بني جنسه ~~بفطرة منكوسة عوجاء وتذره خلقا عجيبا، كل حظه من الحياة أن يحرم نفسه حظوظ الحياة، ~~يستغرق الوسع في طلب الوسيلة، ثم لا هو يقنع بالوسيلة ولا هو يطلب بها الغاية، وليس ~~البخل عاهة واحدة بل هو جملة عاهات ممثلة في هذه العاهة؛ فهو مزيج من الجبن الدنيء الذي ~~يصور للمرء الخطر المستحيل كأنه قضاء حتم لا مرد له، ومن الخسة التي يتساوى عند صاحبها ~~الفخر والعيب، وتلحق عنده مراغة الهوان بمقام السؤدد، ومن البلادة التي تميت فيه كل ~~أريحية فلا تهتز في نفسه أمنية أو عاطفة تقوى على كسر قيود شحه وجبنه، وقد ظهرت هذه ~~الخلال للناس قبل أن يتمدينوا بآلاف السنين ومقتوها فمقتوا البخل متفرقا قبل أن يمقتوه ~~مجتمعا، وغاية الفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يستضعفون من تكون فيه خلة من هذه الخلال ~~فينبذونه عنهم ويهضمون حقه ويدوسون حرمته، ولربما طلوا دمه وتبرأ منه ولاة ثأره، وأما ~~في مدنيتنا هذه التي وضعت سنة المال موضع سنة الحياة، فقد صار البخيل فيها يحل ويبرم، ~~ويؤخر ويقدم، ويحلل ويحرم، ويستشفع إليها بيد فيها المال ويد فيها جبنه وخسته وبلادته ~~فتقبل منه هذه لتلك، وإنها لعمري لمن الخصال التي انحطت بها المدنية عن الهمجية - وما ~~هي بالقليلة، فكم خصلة في المدنية يستحب المدني الهمجية لأجلها ويأنف الهمجي بحق أن ~~يتصف بها! # اللغات والتعبير # لولا أن الناس من أصل واحد في الخلق، ومن لحمة قريبة في النسب، بحيث إن ما يعرو أحدهم ~~يعروهم جميعا وما يصدق على جميعهم يصدق على كل واحد منهم، لما أجدت عنهم اللغات في ~~كتابة أو كلام، وعقلت ألسنتهم عن كل فهم وإفهام. # ولو كان التقارب بينهم تاما، والشبه في السن والميل والسليقة محكما لما افتقروا ~~إلى اللغة، ولكان يستشعر أحدهم في روعه ما يقوم في روع الآخر من غير حاجة إلى الشرح ~~والبيان. ms85 # ولا ريب أن الناس يتفاهمون ببواطنهم أكثر مما يتفاهمون بظواهرهم، وإن لاح لنا أن ~~الأمر خلاف ذلك لطول عهدنا باستخدام اللغة في الإعراب عن مرادنا، فما اللسان إلا موضح ~~ومفسر لما عساه أن ينبهم على السامع من مجمل سر المتكلم ومما قد تحتويه أفكاره، ولا ~~يمكن أن تعبر عنه تمام التعبير وجداناته، أما حالته النفسية فهي أفصح من أن يفصح عنها ~~اللسان، بل أفصح من أن يخفيها إذا حاول إخفاءها. # وما كان الإنسان قبل آلاف الحقب هو بعد بهيم سارح في مراتع العجمة، يعول فيما يراه من ~~رضى صاحبه أو غضبه، ومن صدقه أو مكره، ومن أمانته أو خيانته، إلا على ما يتفرس في ~~أسارير وجهه وغمزات طرفه وحركات أعضائه، وكان إذا كلمه لم يكد يثق بكلامه ويأمن اغتياله ~~أو يطابق مدلول أقواله ما وقر في قلبه من مغزى إشاراته ومعنى ملامحه، فهو يأتمن ~~السليقة ويرتاب في اللسان، وهذا سبب إعجاب الناس بالأشعار والخطب والكتب التي مصدرها ~~السليقة وامترائهم فيما تعبث به يد الصنعة؛ لأنهم يقرءون نتاج السليقة فينفذ إلى ~~سلائقهم، ويصيب مواقعه منها ويحرك من القارئ مثلما حرك من نفس الشاعر أو الكاتب، ~~فيعلمون أنه صدقهم وحسر لهم عن سريرته فيركنون إليه. # ويقرءون نتاج الصنعة فلا يجاوز ألسنتهم وكأنهم يقرءونه وهم ينظرون الشاعر أو الكاتب ~~وهو يتعمد للظهور لهم بغير مظهره، ويتنقب لهم بنقاب يخفي وجهه أو يبديه في غير صورته، ~~أو يرائيهم بتجميل هيئته وتدميم طلعته، فيخالجهم الشك فيه ويعرضون عنه، إلا إذا كان ~~القارئ من الغرارة بحيث يصدق كل ما يقال أو من الجهل بحيث لا يميز بين السليقة ~~والصنعة، فإنه يقبل حينئذ كل قول على علاته، فلا تمنعه المماذقة عن المصادقة، وتنكسر ~~خزانة نفسه بمبرد اللص أسهل مما تنفتح لصاحب المال. # ولقد - والله - أحسن جولد سمث إذ يقول في إحدى رواياته: «لسنا نستعمل الكلام للإفصاح ~~عن حاجاتنا بقدر ما نستعمله لمداراتها.» فقد طمس الكلام إلى اليوم من الحقائق أضعاف ما ~~فند من الأكاذيب، وضلل من المهتدين ms86 أكثر مما هدى من الضالين، وإنك ربما تقترب من الرجل ~~فتطلع من سيماه على ما يريبك فتتوجس منه، فإذا سألته وكان من ذوي اللباقة والبراعة في ~~المراء والمخادعة لبس عليك الحقيقة وأزال الريب من نفسك، فينصحك لسان حاله، ويغشك ~~لسان مقاله، وكان آمن لك لو أنك صدقته ساكتا ولم تصدقه ناطقا. # هذا فيما يملك الناس أن يبينوه أو يكنوه، وإن هناك أفكارا تلتوي على اللغات وتشمس ~~عن التقيد بالكلمات، فما فضل الناطق في هذه الأفكار على الأعجم؟! وما زيادة الفصيح على ~~الأبكم؟! لا فضل ولا زيادة، ومن الأفكار ما هو أعوص من أن يعبر عنه، ولكنه أقوى من أن ~~يكتم، السكوت عنها ممض والتعبير عنها ممتنع، لم يتغلغل الكلام إلى أعماقها فيخرجها، ~~وليست هي بالتافهة الضئيلة فتدفنها في مهدها وتدرجها، وقد خصت ولم تعم، فلم يكن لها حظ ~~من اللغات العامة، وتفرقت ولم تجتمع فليس بين أصحابها المتفرقين لغة متبادلة، فاعلم أنه ~~لا يريحك من هذه الأفكار إلا سكوت كالخطاب. # وذلك أن تجد ولو على البعد من يعاني مثل هذه الأفكار فيحيط بكتابك من عنوانك، ~~وتلهمه الكلمة العاجلة ما تضيق به الفصول المذيلة، ويسبح معك برهة في عالم لا ألسنة فيه ~~ولا آذان! # يتحادث الرجلان وبينهما تنافر في الأماني والأذواق، فيفرغ أحدهما جعبة بلاغته، ويمتهي ~~غرار حجته، ويستنفد أفانين حيلته، ويحسب أنه أقنع جليسه واستولى على لبه، ثم ينهض هذان ~~الجليسان وإن بينهما من البعد لما هو أبعد مما بين الميت ومناديه، والنجم ورائيه، ~~ويجلس غيرهما وقد توافيا على أمنية، وتمازجا في الطوية، فيقضيان الساعات لا ينبسان إلا ~~بالكلمة بعد الكلمة ثم ينهضان وقد نقل كلاهما إلى أخيه خلاصة نفسه وطبع صورته في صدره، ~~ومن منا من لم يشاهد الحالتين فتبين له لغة الصمت أحيانا مقدار حداثة لغات ~~الكلام. # وإني لأصغر شأن هذه العلوم والآداب القائمة كلها على تفاهم اللغات كلما تأملت فرأيت ~~الأشياء الكثيرة التي تقوم بوجدانات الإنسان ولا يحس بها، والتي يحس بها ولا يعبر ~~عنها، والتي يعبر ms87 عنها ولا تصل برمتها إلى عقل سامعها، فيتأكد لي أن الناس في حاجة إلى ~~تفاهم أرقى من هذا التفاهم اللغوي، ولعل هذا النقص هو علة كثير من المشاكل التي تقع ~~بينهم أمما وأفرادا، وتزول لو كان التفاهم بينهم كاملا. # فليتخذ الناس اللغات رموزا وإشارات تنوب عن المعاني لمن يعرفها، ولا تمثلها لمن لا ~~يعهدها أو يأنس بها، وليعلموا أنهم ما داموا لا يقولون كل ما يريدون أن يقولوه فهم خرس ~~وإن نطقوا، وإنما البليغ المبين من الناس رجل يجيد الإشارة بلسانه أو يراعه، ولن تغنيه ~~هذه الإجادة عن أن يكون سامعه ممرنا على التنجيم والتخمين، وأما من أخطأه هذا المران، ~~فسيان عند الإشارة باللسان، والإشارة بالبنان! # قوة الإرادة # خطر لي أن أبتدع في التجارة بدعة حسنة، فاخترت أن أتاجر بالأخلاق النافعة للمصريين؛ ~~فاقتديت بأولي الخبرة والنظر البعيد من التجار إذا عزموا الاتجار بسلعة من السلع في ~~بلد من البلدان، يتوخون حاجة السوق ويستقصون عادات أهل البلد، ثم يقدمون على بصيرة من ~~عملهم وأمل وطيد في الرواج والنجاح فتوخيت حاجة السوق في مصر، وتقصيت عادات المصريين ~~وفتشت عن الخلق الذي ينقصهم أكثر من أي خلق سواه، فعلمت أنه قوة الإرادة، فعولت على أن ~~يكون اشتغالي بهذا الصنف من الأخلاق. # وراقني هذا الخاطر فمنيت نفسي رواجا سريعا وربحا جزيلا، وأنني سأكون أنفق ~~تجارة وأكثر عائدة من المتاجرين بيننا بالوطنية والدين؛ لأن حاجتنا إلى الوطنية والدين ~~أقل من حاجتنا إلى الأخلاق ولا سيما قوة الإرادة، وفي مصر كثير من الوطنيين والمؤمنين، ~~ولكن قل فيها من كملت عليه نعمة الأخلاق فغنوا فيها عن المزيد، وذهبت أحصي أرباحي ~~ومكاسبي في السنة الأولى فالسنة الثانية، وفي السنين التالية فضاق بها الحصر ولم ~~يستوعبها الحساب، وسرني أن أحلم بأنه لن يكون في الاثني عشر مليونا الذين يسكنون وادي ~~النيل مصري واحد إلا لديه مقدار كبير أو صغير من تجارتي، فقلت: إنها والله للتجارة ~~التي لا تبور. # واكتريت الدكان في أوسع أحياء العاصمة وأحفلها بالسابلة والقطان وزخرفته أيما ms88 زخرفة، ~~فصفحته بالبلور وغشيت جدرانه بالذهب وصنعت رفوفه من خشب الهند، ونقشت عليه لوحة من أجمل ~~ما خط الكاتبون كتبت عليها «هذا دكان قوة الإرادة، يعطيك على نفسك سلطانا لا حد له»، ~~ثم جلست على بركة الله أشمر للتعب والعمل وأخففهما عني بما أرجوه من المنفعة لي ~~وللناس. # فكان أول من سنح لي في صباح أول يوم فتحت فيه الدكان رجلا سكران قد تخالعت أعضاؤه من ~~الوهن، واحمرت عيناه من السهر وانعقد لسانه من الحمر، فوقف قبالة الدكان يترنح ذات ~~اليمين وذات الشمال وأوشك أن يميل على ألواح البلور فيحطمها ويكدر علينا صباح الاستفتاح ~~بطلعته المشئومة، ولو كنت ممن يتطيرون لأغلقت دكاني لساعتي وجزمت بالفشل، ولكنني تصبرت ~~ولبثت ألاحظه وهو تارة يحملق إلي وتارة يتهجى العنوان حرفا حرفا حتى أتى على حروفه ~~بعد شق النفس، ثم قال لي وكأن روحه تصعد مع كل كلمة: أأنت صاحب الدكان؟ # قلت: نعم. # قال: أنت بعينك؟ # قلت: أنا هو بعيني لا سواي. # قال: وتبيع قوة الإرادة؟! # قلت: من جميع الأصناف والأثمان. # قال: ولنا أيضا تبيعها؟! لا تؤاخذني فإني أحب أن أستفهم. # قلت: أجل، لك ولكل من يشتريها. # قال: فأنا أسهر كل ليلة كما ترى وأسكر وأقامر وأجيء في هذه الساعة فيثقلني النوم ولا ~~أحب أن أنام، فهل عندك صنف من الإرادة أتسلط به على النوم ويقويني على السهر ليل ~~نهار؟ # قلت: ليس هذا من الأصناف الموجودة ولو وجد لما بعناه، ونحن باعة الأخلاق لا نقل في ~~الأمانة لصناعتنا والحفاظ بذمتنا عن الصيادلة، وقد تعلم أنت أن الصيادلة لا يبيعون كل ~~دواء لكل طالب، ولكن عندنا أصنافا أصلح لك من هذا الصنف، فهل لك فيها؟ # قال: أرنيها. # فسردت له أسماء الأصناف التي في الدكان وأريته كل صنف منها في علبته، ولم آله تفصيلا ~~لفوائدها وترغيبا فيها وبسطت له أسماء الإرادة المانعة، وخواصها منع الناس عن مقارفة ~~العادات الضارة؛ من التدخين إلى المقامرة ومن الكذب إلى الوقيعة، وتختلف المقادير ~~والأثمان باختلاف الإدمان والأزمان. # وأصناف الإرادة العاملة ms89 وخواصها إيلاء الناس عزيمة وصبرا على تذليل مصاعب الأعمال ~~وتحقيق همامات الأنفس ، وأرخصها قضاء المرء واجبه، وأنفسها قضاؤه واجب أمته ونوعه، وهي ~~أغلى من الإرادة المانعة؛ لأن القدرة على أداء الواجب أندر من القدرة على اجتناب ~~المحظور، وأعلى هجرك ما تؤاخذ به فعلك ما تحمد عليه، وعددت له أسماء نفر من عظماء ~~الرجال الذين دفعتهم قوة الإرادة ودفعت بهم أممهم إلى ذروة من الشرف تتقاصر عنها الذرى، ~~وأطنبت في الوصف والتحسين وهو يصغي إلي بما بقي في حواسه من الانتباه؛ فأطمعني ~~إصغاؤه في أن يكون أول تجربة ناجعة وأصدق إعلان عن الدكان، ورأيته يطرق مليا ثم قال: ~~ولكن من يضمن لي جودة الأصناف ويكفل نقاوتها من الأخلاط والأوشاب؟ # فقلت في نفسي: سبحان الله! هذا الذي يذهب كل ليلة إلى الخمار لا يسأله أيسقيه سما ~~أم خمرا، ويغشى موائد القمار يخسر كل ليلة صحته وماله ثم ينساق إليها بغير سائق لا ~~يريد أن يشتري قوة الإرادة إلا بضامن! ولكنني جاريته وقلت له: لا خوف عليك من هذه ~~الجهة، فسأعطيك علبة نموذجا فجربها وسل من شئت من التجار، ولك بعد ذلك الخيار. ~~••• # انصرف السكران بالعلبة ذلك اليوم وعاد إلي في اليوم الثاني مفيقا صاحيا فجلس ~~بتؤدة وأدب وقال لي: لقد تعاطيت أمس علبتك ولم أعاقر ولم أقامر، ولا أدري أبفضل العلبة ~~ذلك أم لنفاذ المال مني، وكنت إذا نفد المال مني اقترضت، فلم أقترض أمس، فلا أدري ~~أيضا أكان ذلك قوة في الإرادة أم حياء من الرفض، وكنت لا أستحي فلا أدري والله أكان ~~حيائي خلقا جديدا اكتسبته منذ تعاطيت قوة الإرادة أم هو لتكرار الطلب واليأس من ~~الإجابة. # سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم # ومن أكثر التسآل يوما سيحرم # على أنني سألت التجار تاجرا تاجرا، فاستغربوا اسم الصنف ولونه ورائحته ومعدنه، ~~واتفقوا على أنهم لم يسمعوا به لا في الشرق ولا في الغرب، ما عدا التاجر فلانا فقد ~~عرفه وفحصه قليلا فرده إلي مشمئزا وهو يقول: خذ يا شيخ! فقد سئمنا هذا السخف ms90 ~~والتدجيل! وهل فرغ الناس من سلطان الهموم فيسلطون عليهم قوة الإرادة أيضا ؟! وإذا كانت ~~عوائق الدهر تحرمك شطرا من ملذات الحياة وأنت تحرم نفسك الشطر الباقي فأنت لا شك الذي ~~يقال فيه: إنه عدو نفسه ... فخل عنك هذه الأضاليل ولا يغرنك ما تقرأ من العناوين وما ~~تسمع من المواعيد، فلو كان في هذه التجارة خير لما غفل عنها الناس إلى اليوم، ولم ~~ينسها دهاقين التجار الأزمان المتطاولة لتكون بدعة من بدع هذا الزمان المنكود. # فأسكت هذا المهذار، وندمت على التفريط في العلبة، وكان أعجب ما عجبت له كلام ذلك ~~التاجر لعلمي بأنه ممن يميزون من أمثال هذه الأصناف ويحسون بنقص السوق فيها، ولم يكن ~~بيننا مجاورة أو مشاركة، فخفي عني غرضه من تبغيض الناس في بضاعة ليس بيني وبينه منافسة ~~عليها، ولكني وقفت فيما بعد على سبب ذلك، وهاك بيان ما وقفت عليه. ~~••• # رأى فلان المذكور هذه التجارة المستحدثة فقدر لها الربح الطائل والرواج السريع، ورأى ~~أنه ليس أيسر عليه من تقليدها، شأن الأعلاق النادرة، تزييفها كثير والغش فيها جائز؛ ~~وذاك لأن عارفيها معدودون، ولأن جاهليها يحكمون عليها باللون والرونق وليس بالثمرة ~~والجوهر، فقرر بينه وبين شيطانه أن يستفيد من هذه الفرصة ويختص بذلك الربح فما وني دون ~~أن فتح له دكانا تجاه دكاني وتأنق في تزويقه وتنظيمه، وكتب عليه «هذا دكان قوة الإرادة ~~الصحيحة، يعطيك سلطانا لا حد له على ملذات الحياة». # فتح الدكان واستأجر له دلالا سليطا يفتأ سحابة النهار يصرخ بصوت كقصف الرعود أو قرع ~~الطبول: يا طالب الإرادة الصادقة، حي على الغنيمة قبل فواتها! يا عشاق العزيمة ~~الماضية هلموا إلى أعظم معمل للعزيمة الماضية، هيا إلى أرخص سلعة سعرا وأسرعها فعلا ~~وأصمدها على الطوارئ أثرا، إرادة لا تتكاءدها عقبة ولا تصدها عن غايتها طلبة، فمن ~~اشتهى السكر فصدته عنه مرارة الراح فليشتر من هذا الدكان؛ فيستعذب تلك المرارة ويعاف ~~عندها كل حلاوة، ومن صبا إلى الشهوات فأشفق من عقابيلها مغباتها زودناه بقوة إرادتنا ~~فأصبح لا يحفل ms91 بالعذل والملام، ولا يبالي بالضيم والسقام، ومن تورط في القمار ثم تهيب ~~خشية الإملاق والدمار، ومخافة الفضيحة والعار، فعندنا ما ينزع منه تلك المخافة، ويضحكه ~~من هواجس تلك الخرافة، وعندنا لكل مريد إرادة، ولكل إرادة شهادة، فالبدار البدار! قبل ~~غلاء الأسعار، فاليوم بدرهم وغدا بدينار. # فما شككت في أن المسكين معتوه قد خسر رأسه وسوف يخسر رأس ماله، وتوقعت له الخراب ~~الجائح القريب؛ إذ من أين له يزاحمني في تجارتي وأنا مبتدع التجارة وهو المقلد، وأنا ~~أبيع إرادة الجد والعمل، وهو يبيع إرادة اللهو والكسل، ولكن سرعان ما أخطأ حسابي وارتد ~~علي تكهني، وما راعني إلا الجماهير على أبوابه يتكوفون وبضائعه في كل واد تسير، ~~بحيث لم تخل منها المدينة والقرية، والبيت والحانوت، والحانة والنادي، ولم ينته ~~الشهر، ففتح دكانا جديدا إلى جنب دكانه، ودار الحول فكان له في الحي خمسة دكاكين، ~~وأصبح أعظم تاجر في الديار. # أما أنا فقد أعطيت في اليوم الأول تلك العلبة لذلك السكران فكانت أول وآخر ما صدر من ~~دكاني، ومرت أيام وأيام، وتلتها شهور وشهور، وتمت ثلاث سنوات مجرمات، وأنا بتلك الحال ~~أراقب التلف يدب في بضاعتي وأعاين السوس ينخر في إرادتي - وما الإرادة إلا كالسيف يصدئه ~~الإهمال ويشحذه الضراب والنزال - فدهشت وغضبت ثم صبرت وتعللت، ثم يئست وسلمت، فأقفلت ~~الدكان وطلقت التجارة، وهأنذا أسأل عن المحكمة لأودعها الدفاتر والمفاتيح. # الشجاعة والعدوى # لا أحسب أحدا يجهل أن هناك فرقا بين الشجاعة ~~وحب الموت، كفرق بين الجبن وحب الحياة، فقد يهجم اليائس الموتور على حتفه، ويطرح بنفسه ~~مطارح الهلكة، وهو بعد الجبان المنخوب، وربما كان هجومه هذا آية جبنه وجزعه، وقد يبرز ~~الوحش الضاري للفارس الصئول أو يدهمه القطار أو يسقط عليه الحجر العظيم فيتحاشاه ويفر ~~منه ... # وهو الجريء على الحمام المقبل # وإنما يحمد الاستخفاف بالحياة والاجتراء على الموت إن كان ذلك الواجب تصغر الحياة ~~فيه، ويتحتم الموت لأجله، وأما فيما سوى ذلك فلا واجب على الحي أقدس من واجب صيانة ~~الحياة ودفع الموت عنه، ms92 ولا جناح عليه أن يحب البقاء أبد الدهر لو كان إلى البقاء ~~سبيل. # إن كان ذلك كذلك فلا فائدة لك ولا للناس في أن تدخل مع جراثيم الحميات والأوباء في ~~وقعة مشكوك فيها، وأنت وحدك وهي - أبادها الله وشتت شملها - قد شبت على الاتحاد ~~والتكاثر وإن كانت في جو مصر! فتهاجمك في الماء والهواء، ومن بين يديك ومن تحت قدميك، ~~وأنت لا تراها ولا تشعر بها، ونحن مع ما نعلم من أن الحكومات تكافئ كل شجاع على استقبال ~~الموت في حومات الوغى وبين نيران الحريق، ما علمنا قط أنها علقت نوطا أو وساما على ~~صدر أحد؛ لأنه صارع الميكروب فصرعه وانتصر عليه، اللهم إلا إن كان بعض الأطباء قد يظفر ~~منها بالنوط أو الوسام تنويها بنصره عليه وفتكه به، ولكنك خليق ألا تغرك شجاعة هؤلاء ~~الأطباء؛ فإنهم يحاربون الجراثيم وهي مكتوفة في الأنابيب ومخدرة بالعقاقير، وليس هذا ~~من أصول الحرب ولا من شروط المناجزة في شيء. # وإن من غرائب الخليقة وطرف العقول أن يكون بين إخواننا في الآدمية من تراه يقيم في ~~وسط بؤرة تصعد منها رائحة البلى، ويركد فيها الهواء من ثقل ما على كاهله من القذر ~~والقذى، وتسمع فيها الميكروب كالذباب ... # هزجا يحك ذراعه بذراعه # وينادي فيها عزريل ليلا ونهارا: ألا من حي فأزهقه؟ ألا من نأمة فأسكتها؟ ألا من تعب ~~مكدود فأحمله؟ ويمر أمام بصره في تلك البؤرة مركبات الأموات حثيثة العدو من عالم ~~الدنيا إلى عالم الآخرة ... وتقول له: انج يا صاحبي بروحك واسلم بعمرك، وقد يكون من ~~مذهبك أن من ينتظر مثل هذه النصيحة من سواه غير جدير بأن يحرم الحفار أجرة قبره ~~والبزاز ثمن كفنه، فتغلظ على نفسك، وتأخذك الهوادة في مذهبك وتنصحه بالرغم من ذلك ~~فيقول لك: معاذ الله أن أخاف الموت أو أفر من قرب الله ... يقولها الملعون وكأنه يعتقد أن ~~الله بعيد إلا عن تلك البؤر التي يفوح نتنها وتطرد الملائكة وخامتها، ويقولها الملعون ~~وهو يجهل أن عمر بن الخطاب فر ms93 من الطاعون، ولما لامه أبو عبيدة وقال له: أتفر من قدر ~~الله ؟ قال: نعم، إلى قدر الله ... وناهيك بعمر شجاعة وصبرا وإيمانا بالله واتكالا ~~عليه. # ولو صاحب من هذه الطغمة - ولا عار في الصحبة - عثرت به في إحدى تلك البؤر فنصحته ~~تلك النصيحة فكنت كأنما أخزه بها وخزا، وإذا هو يزور عني ويلوي كشحه ويقول: أأنا ~~أعبأ بالحميات والأمراض؟ ومثلي يا فلان يرضى أن يذاع عنه أنه أجفل من الموت؟ وهل ~~يدركنا الموت في مكان وينسانا في مكان؟ وما كان ظنك بعقلي وأنت تنصح لي بالجلاء عن داري ~~التي ولدت فيها والانهزام أمام عدو لا أراه؟ وأين ما عودتك في من الجلد وعودتني فيك ~~من تشجيع الأصدقاء؟! وقلت: حسبك ولكني آسف يا سيدي على هذه الشجاعة الفائقة ألا تتصدى ~~بها لكل قوة من قوى هذه الطبيعة المغرورة بنفسها، وما بالك تستهزئ بالموت بالجراثيم ~~كأنك تستصغرها ولا تستهزئ بالموت غرقا أو حرقا أو صبرا، وهذه القواطر والسيارات ~~والترام كثيرة في البلد، والناس يتنحون لها عن الطريق ويفرون منها كل مفر، فما بالك لا ~~تثبت أمامها وتريها أنك لست من هؤلاء الناس؟ بل ما بالك لا تبالغ في احتقار الجراثيم ~~والزراية بها فتشرب قدحا من حمض الفينيك الذي يقتلها لتبرهن لها على أنك لا تعبأ بما ~~يميتها فكيف بها؟! # ولما رأيت أنني سألته بقدر ما سألني وأجبته بمثل ما أجابني، فصلت من عنده وأنا أفكر ~~في اقتراح أعرضه على أولي الأمر، وهو أن تجمع الحكومة أفراد هذه الطغمة وتلصق بوجوههم ~~علامة يعرفهم بها من يراهم، حتى إذا وقف أحدهم في طريق سيارة أو ترام أو تعرض أمام ~~صائد يطلق على هدفه، لم يكفف الصائد يده، ولم يتعب السائق في إيقاف سيارته أو ترامه، ~~فيضيع من وقت الركاب دقيقة أو أكثر لإنقاذ حياة هانت على صاحبها إلى هذه الدرجة، وليست ~~هي على الناس بأقل هوانا. # مواضع الملاحة # مهما تعمقوا في تعريف الملاحة ووصف محاسن الوجه وقالوا فيها ما يشبه قولهم في السحر ~~أو ms94 الروح واليوم الآخر، فلا إخالها ترد في بادئ أمرها إلا إلى أنها شارة في أظهر ~~عضو من الجسم - أعني الوجه - كانت، ولا تزال في بعض الأحيان تدل على فضيلة جنسية في جسم ~~الرجل أو المرأة. # إن أظهر ما تظهر الملاحة من معارف الوجه في العين والشفة؛ لأنهما الجارحتان اللتان ~~ترتسم فيهما حالة النفس وإحساسها بغاية الوضوح والجلاء، وبهما تختلف أمة عن أمة وجنس ~~عن جنس، فالعربي والمصري والصيني والإنكليزي والألماني وغيرهم من الملل والأمم يتماثلون ~~بالعيون والشفاه، وكذلك الرجل والمرأة، أصدق وأوجز ما يقال في هاتين الجارحتين أنهما ~~نافذة النفس، فمنها تطل على العالم ومنها يطل العالم عليها، ولعل ما تكشفه منا وللناس ~~أكثر مما تكشفه من الناس لنا. # لا بد من صلة محكمة دقيقة بين العين والرأس؛ لأن نظرة العاقل غير نظرة المجنون، وقل ~~مثل ذلك في الغادر والأمين، والفظ والوديع، والسقيم والسليم، والشهوان والعفيف، فإن ~~لكل منهم نظرة غير نظرة الآخر، أما صلة الرأس بالجسم وما يندمج فيها من الطبائع فمعلومة ~~ملحوظة؛ فالعين بهذه المثابة هي عنوان صفة النفس ومزاج الجسد. # ولا بد من صلة بين الشفة والإحساس؛ لأن الشفة هي ملتقى أعصاب الوجه وهي أدق أعصاب ~~الجسم، فلا تهيج في الجسم هائجة ولا تسكن به ساكنة إلا بدا لها أثر على الشفة، فتفتر ~~أو تتهدل أو تنقبض أو تتقلص أو ترتجف، وترى الإحساس في الشفة يتوق إلى مقابلة مثله؛ لأن ~~الإحساس يبلغ فيها أشده، وهذا هو الميل إلى اللثم والتقبيل، نعم إن الأعضاء كلها تميل ~~إلى المماسة، ولكن الميل لا يكون إلا على قدر إحساس كل عضو، فلا تميل اليد إلى اليد ~~كميل الشفة إلى الشفة؛ لأن الفرق بينهما في الإحساس كالفرق بين المصافحة والتقبيل، وقد ~~وضعت هذه الحساسية في الفم؛ لأنه هو باب الجوف، والجوف بحاجة إلى حاسة ظاهرة تجيد له ~~جس الأشياء قبل وصولها إليه، وقد نرى الأعمى لا يعتمد في جس الأشياء إلا على شفتيه؛ ~~لأنه حين فقد البصر وأصبح معتمده على الحس وحده ms95 لا يشعر في جسمه بما هو ألطف على المس ~~من شفتيه. # فالشفة هي ترجمان الإحساس ومجس العواطف، وإذا كان في الإنسان خاصة تتصل بالإحساس كان ~~أحرى الجوارح أن تظهر عليها تلك الخاصة الشفة، فقليلا ما يلتبس عليك الصابر الكظوم ~~بالقلق اللجوج أو الأريب الكيس بالحميقة الأبله، من التأمل في شفاههم وهيئة أفواههم، ~~وإذا التبسوا عليك ساعة الهدوء والصفو لا يلبسون ساعة الغضب والاهتياج. # ولرب وجه صبوح جميل يروقنا استواء خلقه واعتدال تقسيمه ويحيرنا نقد معارفه ~~وقسماته، ولكنا يؤلمنا ألا نتملى من ذلك الوجه بحظ الاستحسان الذي شوقنا إليه منظره، ~~ووجه أقل منه جمالا وصباحة وأخفى روعة ورواء وهو يسبينا ويثير بلابلنا ويستولي على ~~إعجابنا، وقد ننسب ذلك أحيانا إلى اختلاف الأذواق أو خفة الدم، ولو أنعمنا النظر في ~~ذينك الوجهين لم يطل بحثنا عن السبب، وعلمنا أن ما نسميه تارة باختلاف الأذواق وتارة ~~بخفة الدم هو معان تتضمنها العيون والشفاه ليست من جمال الصورة، على أنها هي شطر ~~الجمال الأكبر، وهي التي تفيض على ذلك التناسب الهندسي الممول روحا حيا ~~جذابا. # إن لكل عضو جماله الخاص به، وجمال العيون والشفاه عام لا يجمل الجمال إلا به، ولو ~~نظرنا إلى مزية في العيون والشفاه تجعل لها هذا الشأن في تقدير الجمال غير اتصالها ~~بالإحساس ذلك الاتصال الذي ألمعنا إليه، لما أبصرنا لها أي مزية سواها، فلماذا لا ~~نقول: إن الأصل في حب الجمال هو امتحان قابليات الجسم بأظهر أجزائه للناظر؟! # أفي ذلك بخس للجمال؟! ما الجمال إلا صبغة لا تفارق الجسوم، فكيف نوفق بين احتقار ~~الجسم وتنزيه صبغته؟! # هذا كلام لا يرضى به عشاق الجمال ولا يروقهم أن يكون حبهم له نوعا من جس النبض ~~وفنا من الفراسة، فإن كان إرضاؤهم لا بد منه فليذكروا أن جمال أجدادنا لا يستحق أكثر ~~من ذلك، وأننا لم نرث جمالنا وعواطفنا من غير أولئك الأجداد. ms96