######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.LughaShacira.Hindawi41740246 #META# Tags: linguistics #META# ID: 41740246 #META# Title: اللغة الشاعرة #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فاتحة عريقة‏ # اللغة الشاعرة‏ # لغة التعبير‏ # الزمن في اللغة العربية‏ # الشعر ديوان العرب‏ # نقد الشعر العربي‏ # النقد العلمي‏ # الشعر العربي والمذاهب الغربية الحديثة‏ # فاتحة عريقة‏ # اللغة الشاعرة‏ # لغة التعبير‏ # الزمن في اللغة العربية‏ # الشعر ديوان العرب‏ # نقد الشعر العربي‏ # النقد العلمي‏ # الشعر العربي والمذاهب الغربية الحديثة‏ # | اللغة الشاعرة # | اللغة الشاعرة # تأليف # عباس محمود العقاد # | فاتحة عريقة # بدأت اللغة العربية تاريخها المعروف بخصائصها المميزة لها اليوم في عصر سابق للدعوة ~~الإسلامية، يرده علماء المقارنة بين اللغات إلى القرن الرابع قبل الهجرة، ويرجع - فيما ~~نعتقد - إلى عصر قبل ذلك؛ لأن المقابلة بينها وبين أخواتها السامية يدل على تطور لا يتم في ~~بضعة أجيال، ولا بد له من أصل قديم يضارع أصول التطور في أقدم اللغات، ومنها السنكسريتية ~~وغيرها من اللغات الهندية الجرمانية. # فلا بد من أجيال طويلة تمضي قبل أن ينتهي تطور اللغة إلى هذه التفرقة الدقيقة بين أحكام ~~الإعراب، أو بين صيغ المشتقات، أو بين أوزان الجمع والمثنى وجموع الكثرة والقلة في الأوزان ~~السماعية، ولا بد من فترة طويلة يتم بها تكوين حروف الجر والعطف وسائر الحروف التي تدخل في ~~تركيب الجملة بمعانيها المختلفة، وتنفصل بلفظها من ألفاظ الأسماء والأفعال التي تولدت منها، ~~وهي في بعض اللغات لم تنفصل عنها حتى اليوم. # ولكن هذه اللغة - على قدمها - تتجدد لها مزايا متعددة كلما تقدمت الدراسات الحديثة في ~~العلوم اللسانية والصوتية، ويرجع الباحثون إلى خصائصها، فيكشفون جانب المزية فيها وجانب ~~الرجحان منها على غيرها، بعد أن كان فريق منهم يحسبها شذوذا يدل على النقص أو يدل على جمود ~~في التطور على سنة اللغات الشائعة بين لغات الحضارة الكبرى. # وقد فرقت هذه الدراسات الحديثة بين المزايا التي يتغنى بها أصحاب العصبيات القومية، فخرا ~~بألسنتهم وطبائعهم وعقولهم على عادة جميع الأقوام، وبين المزايا العلمية التي تستند إلى ~~خصائص النطق والتعبير المتفق عليها في العلوم اللسانية، ولا محاباة فيها لهذه اللغة أو لتلك ~~على حسب علاقاتها الجنسية أو الدينية. # وهذه هي المزايا التي عنينا بدرسها في ms01 الفصول التالية، وقدمنا منها مزايا التعبير الشعري ~~ومزايا التعبير على العموم؛ لأنها في مبدأ الأمر بحوث دعت إليها المناقشة في موضوع الشعر ~~وتطوره، أو تطور قواعده وأوزانه، وناسبتها بحوث أخرى عن المزايا العلمية في لغتنا ترتبط ~~بها، ويصح أن تكون مثالا للمزايا التي تثبت للغة على لسان الغرباء عنها، كما تثبت لها على ~~لسان أبنائها الفخورين بمحاسنها وفضائلها. # قلنا في تقرير من تقارير لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب: إن اللغة ~~العربية وصفت قديما - وحديثا - بأنها لغة شعرية، ثم قلنا: إن الذين يصفونها بهذه الصفة ~~يقصدون بها أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، وأنها لغة مقبولة في السمع يستريح إليها ~~السامع، كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون، كما يقصدون بها أنها لغة يتلاقى فيها ~~تعبير الحقيقة، وتعبير المجاز على نحو لا يعهد له نظير في سائر اللغات. # ثم أشرنا إلى كلام الجاحظ عن انفراد اللغة العربية بالعروض، فعقبنا عليه بأنه كلام علم ~~وحق، لا يبعث إليه مجرد الفخر بالعصبية؛ لأن الفخر كثيرا ما يزيد على تقدير الواقع ذهابا ~~مع العاطفة ... أما الحقيقة هنا فهي أكبر من قول القائلين: إن اللغة العربية لغة شعرية ~~لانفرادها بفن العروض المحكم أو جمال وقعها في الأسماع، فإنها لغة شاعرة ولا يكفي أن يقال ~~عنها: إنها لغة شعر، أو لغة شعرية، وجملة الفرق بين الوصفين أن اللغة الشاعرة تصنع مادة ~~الشعر وتماثله في قوامه وبنيانه؛ إذ كان قوامها الوزن والحركة، وليس لفن العروض ولا للفن ~~الموسيقي كله قوام غيرها. # وفي الصفحات التالية تفصيل واسع لهذا المعنى، ننتقل بعده من مزايا اللغة في التعبير ~~الشعري إلى مزاياها في التعبير على إطلاقه، ونستند في ذلك إلى الحجة التي يقول بها الباحث ~~الغريب عن اللغة حين يبني بحثه على قواعد العلوم اللسانية، ويسرنا بعد ذلك أن نقول: إنها ~~توافق ما ينادي به أبناء اللسان العربي حين يذهبون بالفخر إلى أقصى مداه. # في الصفحات التالية فصول عن اللغة الشاعرة، وعن اللغة المعبرة، وعن المقابلة بين فن ~~العروض ms02 العربي وأمثاله من فنون اللغات الأخرى، وعن فلسفة الحياة كما تصورها لنا المأثورات ~~الشعرية من عهد الجاهلية إلى ما بعد الإسلام، وعن الموافقة بين مقاييس النقد، ومقاييس ~~التاريخ في الشعر القديم، ومعها فصول تناسبها وتجري في مجراها، نتحرى بها إبراز المزايا ~~العلمية لهذه اللغة الشاعرة في إبان الحاجة إليها؛ لأن الحاجة إلى إبراز هذه المزايا تمس ~~غاية المساس في زمن تعرضت فيه هذه اللغة - وحدها - بين لغات العالم لكل ما ينصب عليها من ~~معاول الهدم، ويحيط بها من دسائس الراصدين لها؛ لأنها قوام فكرة وثقافة وعلاقة تاريخية؛ لا ~~لأنها لغة كلام وكفى. # ومن واجب القارئ العربي إلى جانب غيرته على لغته أن يذكر أنه لا يطالب بحماية لسانه ولا ~~مزيد على ذلك، ولكنه مطالب بحماية العالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه الأداة ~~العالمية من أدوات المنطق الإنساني، بعد أن بلغت مبلغها الرفيع من التطور والكمال، وإن بيت ~~القصيد هنا أعظم من القصيد كله ... لأن السهم في هذه الرمية يسدد إلى القلب، ولا يقف عند الفم ~~واللسان، وما ينطق به في كلام منظور أو منثور. # عباس محمود العقاد # | اللغة الشاعرة # (1) الحروف # اللغة الشاعرة هي اللغة العربية. # وليس في اللغات التي نعرفها، أو نعرف شيئا كافيا عن أدبها، لغة واحدة توصف بأنها ~~لغة شاعرة غير لغة الضاد، أو لغة الأعراب، أو اللغة العربية. # وتقدم أننا لا نعني باللغة الشاعرة ما يوصف أحيانا باللغة الشعرية، فإن الكلمة قد ~~تكون شعرية صالحة للنظم في موقعها من السمع، ولكنها لا تكون مع ذلك جارية مجرى الشعر في ~~نشأتها ووزنها واشتقاقها، بل تكون كأنها الطعام الذي يصلح لتركيب البنية، ولكنه هو في ~~ذاته ليس بالبنية الحية، وليس باللحم والدم الذي يتركب منه أجسام الأحياء. # كذلك لا نريد باللغة الشاعرة أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، فإن كثرة الشعراء ~~تتوقف أحيانا على كثرة عدد المتكلمين باللغة، فلا عجب أن تكون الأمة التي ينتسب لها ~~خمسون مليونا أكثر شعرا من أمة ينتسب إليها عشرة ملايين، ولو ms03 لم تكن في لغتها مزية ~~شعرية تفوق بها سائر اللغات، وليس من العجب أن يكثر الشعر والشعراء في لغة صالحة ~~للتعبير على اختلاف الموضوعات، التي يتناولها التعبير المنظوم أو المنثور. # إنما نريد باللغة الشاعرة أنها لغة بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية، ~~فهي في جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه، ~~ولو لم يكن من كلام الشعراء. # وهذه الخاصة في اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها على حدة، إلى تركيب مفرداتها على ~~حدة، إلى تركيب قواعدها وعباراتها، إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية ~~القصيد. # وفي هذا المقال نبدأ من البداءة وهي حروف الهجاء، أو الحروف التي اشتهرت باسم الحروف ~~الأبجدية، واجتمع منها بعد ترتيبها الأخير ثمانية وعشرون. # ليست الأبجدية العربية أوفر عددا من الأبجديات في اللغات الهندية الجرمانية، أو ~~اللغات الطورانية أو اللغات السامية، فإن اللغة الروسية - مثلا - تبلغ عدة حروفها خمسة ~~وثلاثين حرفا، وقد تزيد ببعض الحروف المستعارة من الأعلام الأجنبية عنها. # ولكنها على هذه الزيادة في حروفها لا تبلغ مبلغ اللغة العربية في الوفاء بالمخارج ~~الصوتية على تقسيماتها الموسيقية؛ لأن كثيرا من هذه الحروف الزائدة إنما هو حركات ~~مختلفة لحرف واحد، أو هو حرف واحد من مخرج صوتي واحد، تتغير قوة الضغط عليه كما تتغير ~~قوة الضغط في الآلات، دون أن يستدعي ذلك افتنانا في تخريج الصوت الناطق من الأجهزة ~~الصوتية في الإنسان. # فهناك حرف ينطق «يا» وحرف ينطق «يو» وحرف ينطق «تسي»، وآخر ينطق «تشي»، وحروف أخرى هي ~~في حقيقتها تثقيل لحروف الباء والفاء والجيم، ليس فيها تنويع نطقي يدل على التصرف الحي ~~في استخراج الأصوات الكلامية من مخارجها المتعددة، ولكنها تنويع آلي مادي لدرجة الضغط ~~على المخرج الواحد بغير كسب للأجهزة الناطقة في تصريفاتها المتعددة. # وبمثل هذا الاختلاف في الضغط أو الاختلاف في الحركة يمكن أن تبلغ حروف الأبجدية خمسين ~~وستين، ولا تدل على تنويع مفيد لمخارج النطق الإنساني على حسب الملكة الموسيقية الكامنة ~~في استعداده. # وتظل ms04 اللغة العربية بعد ذلك أوفر عددا في أصوات المخارج التي لا تلتبس، ولا تتكرر ~~بمجرد الضغط عليها، فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية، وإنما تعتمد هذه ~~اللغة على تقسيم الحروف على حسب موقعها من أجهزة النطق، ولا تحتاج إلى تقسيمها باختلاف ~~الضغط على المخرج الواحد، كما يحدث في الباء الخفيفة والباء الثقيلة التي يميزونها ~~بثلاث نقط من تحتها بدلا من النقطة الواحدة، أو كما يحدث في الفاء ذات النقطة الواحدة ~~والفاء ذات النقط الثلاث ~~(V) ~~، أو كما يحدث في الجيم ~~المعطشة وغيرها. # وعلى هذه الصورة تمتاز اللغة العربية بحروف لا توجد في اللغات الأخرى كالضاد والظاء ~~والعين والقاف والحاء والطاء، أو توجد في غيرها أحيانا، ولكنها ملتبسة مترددة لا تضبط ~~بعلامة واحدة. # وعلى هذه الصورة أيضا استغنت اللغة العربية عن تمثيل الحرف الواحد بحرفين مشتبكين أو ~~متلاصقين، كما يكتبون الثاء والذال والشين وغيرها في بعض اللغات. ~~••• # ذلك ما نعنيه باللغة الشاعرة في تقسيم حروفها، فهي لغة إنسانية ناطقة تستخدم جهاز ~~النطق الحي أحسن استخدام يهدي إليه الافتنان في الإيقاع الموسيقي، وليس هنا أداة صوتية ~~ناقصة تحس بها الأبجدية العربية؛ إذ ليس في حروف الأبجديات الأخرى حرف واحد يحوج العربي ~~إلى افتتاح نطق جديد لم يستخدمه، وكل ما هنالك أنه قد يحوجه إلى الضغط الآلي على بعض ~~الحروف المعهودة، وهو ضغط يدل على العجز عن تنويع الأصوات، واستخدام أجهزة الحياة ~~الناطقة على أحسن الوجوه، وأقربها إلى التنويع والتفصيل. # وقد كانت سليقة اللغة العربية هي الهداية النافعة لعلمائها فيما اختاروه من ترتيب ~~الأبجدية على وضعها الأخير، فإن هناك تناسبا موسيقيا فنيا بين الحروف المتقاربة لا ~~مثيل له في الأبجديات الأعجمية، التي تلحق فيها السين بالباء، أو التي يمكن ترتيبها على ~~غير هذا الوضع دون تغيير في دلالات الألفاظ أو دلالات الأشكال. # أما اللغة العربية فخذ منها - مثلا - حروف الباء والتاء والثاء، فإن الباء قريبة من ~~مخرج التاء، وأن التاء والثاء لتتقاربان حتى ليقع بينهما الإبدال في كثير من ~~الكلمات. ms05 # وخذ مثلا حرفي الحاء والخاء، أو حرفي الدال والذال، أو حرفي السين والشين، أو حرفي ~~الصاد والضاد، أو حرفي الطاء والظاء، أو حرفي العين والغين، أو القاف والكاف، أو حروف ~~اللام والميم والنون، فإن التقارب بينها في النسق يشبه التقارب بينها في اللفظ كما يشبه ~~التقارب بينها في الشكل كلما امتنع اللبس عند تكرار الأشكال. # وهذه هي اللغة الشاعرة في حروفها قبل أن تتألف منها كلمات، وقبل أن تتألف من الكلمات ~~تفاعيل، وقبل أن تتألف من التفاعيل بيوت وبحور. # فإذا كان الشعر روحا يكمن في سليقة الشاعر حتى يتجلى قصيدا قائم البناء، فهذا الروح ~~في الشعر العربي يبدأ عمله الأصيل مع لبنات البناء، قبل أن تنتظم منها أركان ~~القصيد. ~~(2) المفردات # إن جهاز النطق الإنساني أداة موسيقية وافية، لم تحسن استخدامها على أوفاها أمة من ~~الأمم القديمة أو الحديثة كما استخدمتها الأمة العربية؛ لأنها انتفعت بجميع المخارج ~~الصوتية في تقسيم حروفها؛ ولم تهمل بعضها وتكرر بعضها الآخر بالتخفيف تارة والتثقيل ~~تارة، كما فعل المتكلمون بسائر اللغات المعروفة، ومنها الهندية الجرمانية والسامية ~~والطورانية. # وهذا الذي تكلمنا عنه في المقال السابق، الذي خصصناه لدلالة الحروف على السليقة ~~الشاعرة في اللغة العربية. # فإذا انتقلنا من الحروف إلى الكلمات التي تتألف منها، فهذه الدلالة ظاهرة جدا ~~كظهورها في الحروف المتفرقة أو أظهر؛ لأنها تضيف الموسيقية في القواعد والموسيقية في ~~المعاني إلى الموسيقية الملحوظة في مجرد النطق، أو السماع بغير معنى يتم به التخاطب بين ~~المتكلمين. # وحسبنا أن نلاحظ في تركيب المفردات من الحروف أن الوزن هو قوام التفرقة بين أقسام ~~الكلام في اللغة العربية، وأن اللغات السامية التي تشارك هذه اللغة في قواعد الاشتقاق ~~لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها، وتوفق أحسن ~~التوفيق المستطاع بين مبانيها ومعانيها. # فالفرق بين ينظر وناظر ومنظور ونظير ونظائر ونظارة ومناظرة ومنظار ومنظر ومنتظر، وما ~~يتفرع عليها هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات وأفراد وجموع، وهو كله قائم على الفرق بين ~~وزن ووزن، أو ms06 قياس صوتي وقياس مثله، يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات، أي: على اختلاف ~~النغمة الموسيقية في الأداء. # وحكم الأسماء الجامدة كحكم المشتقات في هذه الخصلة، فإنها تجري على أوزان معلومة ~~تشملها بأقسامها على تفاوت قوتها ذهابا مع القول القائل: بأن زيادة المبنى زيادة في ~~المعنى. # وعلى غير هذا النسق تجري أوزان الكلمات في اللغات الأخرى، وأولها لغات النحت على ~~التخصيص، فإن الكلمات فيها قد تجري على وزن واحد بغير دلالة على اتفاق في المعنى، ولا ~~في تقسيم الأسماء والأفعال والحروف، ولولا هذه المشابهة العرضية بين بعض كلماتها لكان ~~فيها من الأوزان عداد ما فيها من الكلمات. # إن كلمات «آن وبان وتان وثان وجان وذان وران وفان ومان» توجد في اللغة الإنجليزية ~~اتفاقا، ومنها الحروف والأفعال والأسماء، فليس بين أوزانها ومعانيها ارتباط على ~~الإطلاق كالارتباط القياسي، الذي يوجد في أوزان اللغة العربية كلها اطردت على قياس ~~واحد، وهذا الذي نعنيه بدلالة الحركة الموسيقية في تركيب المفردات على حدة، بعد ما ~~رأيناه من دلالة المخارج الصوتية على شاعرية اللغة في تكوين الحروف. # وقد يختلف الفعلان في قوة التعبير باختلاف الحركة بينهما، كما يحدث بين قسم وقسم ~~بتشديد السين، وكما يحدث بين شهد وشاهد، وبين عرف وعرف، وبين الأفعال اللازمة ~~والأفعال المتعدية لمفعول واحد أو لمفعولين على وجه التعميم. # وتختلف الأوزان في الجموع، فتدل على الكثرة أو القلة كما تختلف أوزان الصفات أحيانا، ~~فتدل على التمكن أو النقص في تلك الصفات، ومن أمثلتها صفات الكبير والمتكبر والمكابر ~~والكبارة، إلى أشباه هذه الفوارق الخفية التي لا نظير لها في غير اللغة العربية. # ومن خصائص هذه اللغة البليغة في تعبيراتها أن الكلمة الواحدة تحتفظ بدلالتها الشعرية ~~المجازية، ودلالتها العلمية الواقعية في وقت واحد بغير لبس بين التعبيرين. # فكلمة الفضيلة تدل بغير لبس على معنى الصفة الشريفة في الإنسان، ولكن مادة فضل بمعنى ~~الزيادة على إطلاقها لا تفقد دلالتها الواقعية على المواد المحسوسة، بل يصح عند جميع ~~المتكلمين والمستمعين أن يفهموا «فضول» القول على أنه وصف غير ms07 حميد ؛ لأن الزيادة في غير ~~جدوى تخالف الزيادة المطلوبة إذا كان المقام مقام القول في صفات الكلام. # بل يجوز للمتكلم البليغ أن يستخدم مادة البلوغ للوصول إلى البلد أو المكان، ويستخدم ~~مادة البلاغة والإبلاغ للوصول إلى إقناع العقول، والإفضاء إليها بالأثر المنشود من ~~المقال. # ولا يصعب الجمع بين التعبير الواقع والتعبير المجازي الشعري في مئات من الكلمات تجري ~~على الألسنة كل يوم، وتؤدي إلى السامعين معانيها النظرية الفكرية، ومعانيها الحسية في ~~وقت واحد بغير لبس بين المقصود في كل مقام. # فلا لبس في قول القائل: إنه «يقيد شوارد الأفكار»، ولو شفعها بعد ذلك باستخدام كلمة ~~القيد في تقييد الأسير والسجين. # ولا لبس بين الشرف بمعنى رفعة المقام وبين الشرف الذي يفهمه السامع، إذا سمع عن بناء ~~من الأبنية أنه قائم على شرف من الأرض، أو أنه مشرف على ما دونه من الأمكنة. # ولا لبس بين القلب بما يحتويه من الحدس والشعور والعاطفة، وبين القلب من قلب الشيء ~~يقلبه إذا أريد به تغيير وضعه أو موضوعه. # ولا لبس بين الموضوع بمعنى الفكرة التي نبحثها وندرسها، وبين الموضوع من الوضع في ~~مكان محسوس. # وسليقة اللغة الشاعرة هي التي تجعل السامع العربي يفهم المعنى المقصود على الأثر إذا ~~سمع واصفا يصف حسناء بأنها بدر على غصن فوق كثيب؛ لأن ذهن السامع العربي تعود النفاذ ~~في الصورة الحسية إلى دلالتها النفسية، فهو لا يرسم في ذهنه قمرا وغصن شجرة وكومة من ~~الرمل حين يستمع تلك العبارة، ولكنه يفهم من البدر إشراق الوجه ومن الغصن نضرة الشباب ~~ولين الأعطاف، ومن الكثيب فراهة الجسم، ودلالتها على الصحة وتناسب الأعضاء. # وإن سهولة استخلاص المجاز الشعري من الألفاظ المحسوسة لهي السليقة الشاعرة، التي يحار ~~لها أبناء اللغات المحرومة من هذه المزية، فيختلط الأمر على نقادهم، ويحارون كيف يوفقون ~~بين الصور التي تنقلها إليهم الألفاظ المسموعة، وتبقى في أذهانهم وأخيلتهم لاصقة ~~بأجسامها المنظورة أو الملموسة بلا فكاك من قيود المعجمات. # إن السامع العربي يسمع التمثيل المشهور في قول القائل: ms08 «رأيت أسدا في الحمام»، فلا ~~تتمثل له غير صورة البطل الشجاع كما يكون الإنسان المتصف بالبطولة والشجاعة. # وبهذه السليقة الشاعرة تتصل المفردات اللغوية بأشكالها المحسوسة أو تنفصل عنها، ولا ~~تبقى لها غير معانيها المجازية؛ لأنها مفردات في لغة شاعرة يعمل فيها الخيال والذوق، ~~كما تعمل فيها الأبصار والأسماع، وسنزيد هذا المعنى بيانا في الفصول التالية. ~~(3) الإعراب # من الأسئلة الشائعة بين مؤرخي الفنون واللغات؛ سؤال عن الشعر والنثر أيهما أسبق إلى ~~الظهور، وأيهما أقدم في تاريخ الأدب؟ # والذين يسألون هذا السؤال لا يجهلون أن الكلام المنثور سابق للكلام المنظوم، فلا محل ~~للخلاف إذا كان مداره على ترتيب ظهور النطق بالكلام للتفاهم بين الناس في شئونهم ~~المشتركة، وترتيب ظهور الكلام المنظوم الذي ينفرد بنظمه الشعراء وأصحاب الغناء. # ولكن السؤال على ذلك الوجه يدور على ترتيب التفاهم بأصوات الإيقاع ودلالة الحركات، ثم ~~التفاهم بالكلمات المتناثرة التي احتوتها لغة الإنسان الأولى. # فعلى هذا الوجه يكون محل الخلاف ظاهرا؛ لأنه خلاف بين القائلين: بأن التفاهم بأصوات ~~الإيقاع سابق لتطور اللغة الأولى، وبين القائلين: بأن اللغة تطورت إلى غايتها من التمام ~~قبل أن يعتمد الناس على التفاهم بالأصوات الموقعة على حسب العواطف، أو على حسب دلالة ~~الحركات والإشارات. # فلا حاجة إلى الكلمات لفهم معنى الصوت الذي ينبعث من بعيد للاستغاثة وإعلان الخطر ~~والفزع، ولا حاجة إلى الكلمات لفهم معاني الأصوات التي يرسلها الصائحون على البعد أو ~~على القرب للتهليل والاستبشار، وإعلان الفرح والابتهاج. # ولا حاجة إلى الكلمات لفهم معنى الأنين على ملامح المبتئس الكئيب، الذي يكاد لا يبين ~~من الضعف والخوف، أو معنى الرجاء والتوسل بما يشبه الآهات وحروف التنبيه، والإشارة التي ~~لم تبلغ بعد مبلغ الكلم المفهوم. # فهذه الأصوات التي تدل السامع بإيقاعها، ونغمتها هي المقصودة بالشعر البدائي قبل تطور ~~اللغة، واستيفاء وسائل التعبير بالجمل والتراكيب، فإن تلك الأصوات الموقعة حقيقة بأن ~~تسمى شعرا حين نحسب الكلام الناقص المختلط قبل تطور اللغة فنا من فنون القول ~~المنثور. # ويرى أناس من مؤرخي اللغات أن الإعراب في ms09 اللغة العربية أثر من آثار استخدام الحركة ~~في التعبير عن المعنى، وأن اللغة العربية تفردت بين لغات العالم بهذه الخاصة الفنية مع ~~شيوع أنواع من الإعراب في بعض اللغات الهندية الجرمانية، كاللاتينية وبعض اللغات ~~السامية كالعبرية والحبشية، وبعض اللغات القديمة المهجورة كاللغة المصرية على عهد ~~الفراعنة. # إلا أن الإعراب «العربي» واف مقرر القواعد يعم أقسام الكلام أفعالا وأسماء وحروفا، ~~حيثما وقعت بمعانيها من الجمل والعبارات، ولا يزيد الإعراب في اللغات الأخرى على إلحاق ~~طائفة من الأسماء والأفعال بعلامات الجمع والإفراد، أو علامات التذكير والتأنيث، وما ~~زاد على ذلك فهو مقصور على مواضع محدودة، ولا يصاحب كل كلمة ولا كل عبارة كما يصاحب ~~الكلمات العربية، حيثما وقعت من عباراتها المفيدة. # وهذا الإعراب المفصل في هذه اللغة الشاعرة هو آية السليقة الفنية في التراكيب العربية ~~المفيدة، توافرت لها جملا مفهومة بعد أن توافرت لها حروفا تجمع مخارج النطق الإنساني ~~على أفصحها وأوفاها، وبعد أن توافرت لها مفردات ترتبط فيها المعاني بضوابط الحركات ~~والأوزان. # فليس أوفق للشعر الموزون من العبارات التي تنتظم فيها حركات الإعراب، وتتقابل فيها ~~مقاطع العروض وأبواب الأوزان وعلامات الإعراب. # فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى الأصوات الموسيقية، وتستقر في مواضعها المقدورة ~~على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم والإيقاع، ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة ~~للتقديم والتأخير في كل وزن من أوزان البحور؛ لأن علامات الإعراب تدل على معناها كيفما ~~كان موقعها من الجملة المنظومة، فلا يصعب على الشاعر أن يتصرف بها دون أن يتغير معناها؛ ~~إذ كان هذا المعنى موقوفا على حركتها المستقلة الملازمة لها، وليس هو بالموقوف على رص ~~الكلمات كما ترص الجمادات. # وإن هذه الموسيقية لتعلم النحاة أحيانا كيف ينبغي أن يفهموا الشعر في هذه اللغة ~~الشاعرة؛ لأنه المزية الشعرية في قواعد إعرابها أسبق من المصطلحات التي يتقيد بها ~~النحاة والصرفيون. # يقول النابغة: # فبت كأني ساورتني ضئيلة # من الرقش في أنيابها السم ناقع # فينسى النحاة أن علامة الرفع في القافية تدل على الصفة، وتعطي الكلمة معناها ms10 الذي ~~يلائم الوزن ويلائم الإعراب، وما أخطأ النابغة حين قال: «ضئيلة ناقع في أنيابها السم ...» ~~ولا هو بمخطئ في تأخير الصفة إلى مكان القافية؛ لأنها - وهي مرفوعة - لا تكون إلا صفة ~~موافقة لموصوفها أينما انتقل بها ترتيب الكلم المنظوم. # ويقول أبو سعيد الرستمي في وصف دار ابن عياد: # وسامية الأعلام تلحظ دونها # سنا النجم في آفاقها متضائلا # فلا يضير الشاعر أن يضع النحاة «متضائلا» هنا حيث أرادوا من مواضع الإعراب: هي حال ~~وإن أرادها النحاة مفعولا ثانيا، وهي قافية مطمئنة في موقعها على حسب الوزن، وعلى حسب ~~المعنى في كل كلام منظوم أو منثور، ولا يستقيم هذا النسق لشاعر ينظم بغير اللغة ~~العربية؛ لأن الترتيب الآلي، يقيده بموضوع لا يتعداه، حيث يطلقه الإعراب «العربي» ~~المعدود في عرف أعدائه الجهلاء قيدا من القيود. # وتتبع هذه الضآلة إلى موقعها من نظم شاعر معاصر يضعها حيث صح له وضعها بلفظها ووزنها ~~ومعناها، فقال: # قطعوا بأيديهم خيوط سيادة # كانت كخيط العنكبوت ضئيلا # إن «ضئيلا» في هذا البيت الذي وصف به «شوقي» سيادة بني عثمان لتحمد للإعراب العربي، ~~تلك الطمأنينة التي تستقر بها في موضعها، فلا تضطرها الخيوط إلى الجمع، ولا تضطرها ~~السيادة إلى التأنيث، وليس عليه أن يقول: «كانت ضئيلة» ولا أن يقول: «قطعوا خيوطا ~~ضآلا» لأن لسان «الحال» هنا أصدق من لسان المقال. ~~••• # ولم تكن قواعد الإعراب لتسعد الشاعر هذا الإسعاد في تطويع أوزانه لمعانيه، لو أنه نظم ~~قصائده بلغة أجنبية؛ لأنه لا يظفر في تلك اللغة بالكلمات التي تتساوى فيها أوزان الصرف ~~وأوزان الشعر، ولكن اللغة العربية تنفرد بسمة الشاعرية؛ لأنها جمعت على هذا المثال ~~البديع بين أبواب الاشتقاق وأوزان العروض وحركات الإعراب. ~~(4) العروض # وجد الشعر في كل لغة من لغات القبائل البدائية والأمم المتحضرة. # ولكنه لم يوجد فنا كاملا مستقلا عن الفنون الأخرى في غير اللغة العربية. # والمقصود بالفن الكامل هو الشعر الذي توافرت له شروط الوزن والقافية، وتقسيمات البحور ~~والأعاريض التي تعرف بأوزانها وأسمائها، وتطرد قواعدها في كل ما ينظم ms11 من قبيلها. # فالشعر في كثير من اللغات قد يلاحظ فيه الإيقاع، ولا تلاحظ فيه القافية ولا الأوزان ~~المقررة، وقلما تلاحظ القافية في الأشعار التي تنشدها الجماعات، كالشعر المسرحي عند ~~اليونان، وتراتيل الصلاة والعبادة عند العبريين. # وربما لوحظت فيه القافية على غير وزن مطرد، كما تلاحظ في الأغاني الفردية أو أغاني ~~الرقص التي تردد فيها الجماعة كلمات قائد الفرقة الراقصة عند مواقف معينة مرسومة ~~بقوافيها، أو بحروف الروي فيها. # أما الشعر الذي تلاحظ القافية والوزن وأقسام التفاعيل في جميع بحوره وأبياته، فهو ~~خاصة من خواص اللغة العربية دون غيرها من لغات العالم أجمع، ومنها اللغات السامية التي ~~تنتمي إليها لغة الضاد. # وقد خطر لبعضهم أن هذا الفن العربي أثر من آثار المزاج السامي، لما اشتهرت به ~~السلالات السامية من نشاط الحس وسرعة الاستجابة للمؤثرات. # ولكن البحوث المشرقية منذ القرن التاسع عشر كشفت عن أوضاع الشعر عند أبناء الأمم ~~السامية القديمة، والأمم السامية التي بقيت لها بقية من الأعقاب في هذه الأزمنة، فثبت ~~أنها جميعا خلو من فنون العروض الملتزمة في المنظومات العربية، وأن أكثر شعرها من قبيل ~~النثر الذي يقيمه الغناء ويصلحه الإيقاع، تارة بالمد وتارة بالقصر على غير قاعدة مطردة، ~~وأن الشاعر الواحد عندهم قد ينظم عشرات القصائد، فلا تتفق فيها قصيدتان على وتيرة ~~واحدة، ولا يتأتى له أن يسمي قصيدة منها باسمها وعلامات وزنها، إلا أن يذكر سطرا من ~~سطورها. # فالشعر في اللغة العبرية، وهي أشهر اللغات السامية بعد العربية إنما هو سطور متلاحقة ~~تعرف الصلة بينها بترديد فقرة منها، أو بتفصيل عبارة مجملة تذكر في السطر الأول، ~~وتشرحها السطور التالية، أو بالاستجابة بين الشرط والجواب، وبين الصلة والموصول لتعليق ~~المعنى المنتظر على نحو يشبه تعليق السمع بانتظار القافية. # ونكتفي بمثل واحد من أمثلة الوصايا التي وردت في كتاب العهد الجديد منسوبة إلى السيد ~~المسيح - صلوات الله عليه - وهذه فقرات منها: # اسألوا تعطوا. # اطلبوا تجدوا. # اقرعوا يفتح لكم. # لأن من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له ms12 الباب . # من منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا. # ومن منكم يسأله سمكة فيعطيه حية. # أو يسأله بيضة فيعطيه عقربا. # فإذا كنتم وأنتم أشرار تحسنون العطاء، فكيف بالمنعم الذي في السماء؟ # وكل ما ورد في كتب العهد القديم والعهد الجديد من التراتيل والأناشيد، فهو على أسلوب ~~كهذا الأسلوب، يتردد فيه الإيقاع بغير وزن وبغير قافية، ويعتمدون فيه على حركات الغناء، ~~ولا يستقل فيه الشعر بأوزانه المقسمة وقوافيه الملتزمة، وعلاماته التي يجمعها فن ~~العروض، وتقبل التجديد والتنويع تفريعا على هذه الأصول إلى غير انتهاء. # فالعرب لم يبدعوا فن الشعر؛ لأنهم سلالة سامية؛ ولم يبدعوه لأنهم سلكوا فيه مسلك ~~الأمم الأخرى مبتكرين أو مقلدين، ولكنهم تفردوا بفنهم الذي لا نظير له بين أمم العالم ~~لأسباب كثيرة ذكرنا بعضها فيما تقدم، ونضيف إليها عماد هذه الأسباب في هذا ~~المقال. # ذكرنا في المقالات السابقة خاصة الفن الموسيقي في مخارج الحروف العربية، وذكرنا خاصة ~~الأوزان والحركات على حسب معاني المشتقات، ثم ذكرنا خاصة الإعراب وارتباط قواعده ~~بالحركات، ودلالة هذه الحركات على معانيه دلالة تسمح بالتقديم والتأخير، ووضع الكلمة في ~~الموضع الذي يناسب مبنى البيت ولا يخل بمعناه. # أما السبب الذي نحسبه عماد هذه الأسباب جميعا في اختصاص الشعر العربي بفنون الوزن ~~والقافية فهو الحداء. # إن الحداء غناء مفرد موقع على نغمة ثابتة، وهي حركة الجمل في حالتي الإسراع ~~والإبطاء. # ولا بد للغناء المفرد من القافية؛ لأنها هي التي تنبه السامع إلى المقاطع والنهايات ~~خلافا للغناء المجتمع، الذي يشترك فيه الكثيرون فيعرفون من سياقه أين يكون الوقوف وأين ~~يكون الاسترسال. # ولا بد للغناء الملازم لحركة واحدة من اطراد الحركة ومجاراتها في إيقاعها، وبخاصة حين ~~تكون الحركة الطبيعية نمطا لا يقع فيه الخطأ والاختلاف، كحركة الإبل في السرعة ~~والإبطاء، فإنها لا تجري على صناعة تتفاوت في الإتقان، ولكنها تنساق إليها بالفطرة، ~~وتعود إليها فتعيدها بجميع أجزائها. # ومن المشاهد أن هذا الفن المطبوع كان قدوة للفنون المصنوعة في نظم الشعر بين أبناء ~~اللغات الآرية، كما كان قدوة لهذه الفنون ms13 المصنوعة بين أبناء اللغات السامية، فإن شعراء ~~الفرس اقتبسوا أوزان العروض العربية، وفضلوها على الأوزان التي اخترعها لهم الموسيقيون، ~~مع قدم الآلات الموسيقية عندهم، وطول العهد بها في حضارتهم قبل الإسلام بعدة ~~قرون. # وكذلك اقتبس شعراء اللغة العبرية أوزان العروض العربية بعد اتصالهم بالعرب والمغرب، ~~ولم يكن للعبريين شعر موزون قبل ذاك. # على أن كلمة «الشعر» مع تحريفاتها الكثيرة ترجع في اللغات السامية إلى أصلها العربي ~~كما يرى الثقات من اللغويين المحدثين، فكلمة (شيرو) في الأكدية القديمة تدل على هتاف ~~الأناشيد في الهياكل، ومنها انتقلت إلى العبرية التي تأتي فيها كلمة (شير) بمعنى ~~«أنشد»، وإلى الآرامية التي تترادف فيها كلمة «شور»، وكلمات الترنم والترتيل، ويسمى ~~كتاب نشيد الإنشاد بالعبرية «شيرهشيريم» بهذا المعنى. # وليس التحريف بعيدا في الانتقال من لفظ «شعر» إلى لفظ «شير» إذا علمنا أن حرف العين، ~~وبعض حروف الحلق سقطت من «الأكدية» قديما كما سقطت من أكثر اللغات، وهو بحث فصله ~~الأستاذ مرمرجي في كتاب «المعجميات»، فليرجع إليه من أراد التفصيل. # ومهما يكن من رأي في نشأة الأعاريض العربية، فالحقيقة التي لا محل فيها لاختلاف ~~الآراء أن لغتنا الشاعرة قد انفردت بفن من النظم الشعري لم تتوافر شرائطه وأدواته لفن ~~النظم في لغة من اللغات. ~~(5) أوزان الشعر # فن الشعر في اللغة العربية يناسب هذه اللغة الشاعرة التي انتظمت مفرداتها وتراكيبها، ~~ومخارج حروفها على الأوزان والحركات وفصاحة النطق بالألفاظ، فأصبح لها من الشعر الموزون ~~فن مستقل بإيقاعه عن سائر الفنون، التي يستند إليها الشعر في كثير من اللغات. # فلا حاجة بالشعر العربي إلى إيقاع الرقص الذي يصاحب إنشاد الشعر في اللغات الأخرى؛ ~~لأن أشعار تلك اللغات تستعير الحركة المنتظمة من دقات الأقدام وحركات الأجسام في حلقات ~~الرقص، أو اللعب المنسق على حسب خطوات الإقبال والإدبار والدوران، ولا حاجة بالشعر ~~العربي إلى ملازمة الإيقاع المستعار من الرقص واللعب؛ لأن أوزانه مستقلة بإيقاعها الذي ~~يميز أقسامها وحدودها، ويغنيها عن الأقسام والحدود في الفنون الأخرى. # ولا حاجة بالشعر العربي إلى مصاحبة الغناء ms14 لترتيب أوقاته، وضبط مواقع المد والسكون في ~~كلماته؛ لأنه مرتب مضبوط في كل كلمة، بل في كل جزء من أجزاء الكلمة، يجمع بين الحركة ~~والسكون ... فما من كلمة عربية تخلو من حرف متحرك وحرف ساكن على اختلاف الترتيب بين ~~الحركة والسكون، وما من وزن على وضع من الأوضاع لا تضبطه حركة الشعر المسموع بغير حاجة ~~إلى الغناء. # وأسباب هذا الفن الكامل الذي استوفى أوزانه في بحوره وقوافيه تظهر من دراسة تاريخ ~~النظم في اللغة العربية، ونعرض لها ببعض التفصيل في مناسبة أخرى، ولكن السبب الشامل ~~الذي يحيط بجميع تلك الأسباب أن التركيب الموسيقي أصل من أصول هذه اللغة لا ينفصل عن ~~تقسيم مخارجها، ولا عن تقسيم أبواب الكلمات فيها، ولا عن دلالة الحركات على معانيها ~~ومبانيها بالإعراب أو بالاشتقاق. # وهذا السبب الشامل هو الذي يسر النظم المطبوع لأصحاب السليقة الشعرية من الناطقين ~~باللغة العربية، منذ أقدم عصور الجاهلية إلى هذه الأيام، فإن الشاعر المطبوع ينظم ~~الأشعار في بحورها المتعددة بغير حاجة إلى علم يدرسه، ويستهدي به غير سليقته الفنية، ~~ولم تكن بالشاعر الجاهلي حاجة إلى دراسة العروض، ولا إلى تعرف أسماء البحور وتقسيم ضروب ~~التفاعيل، وليس لناظم الزجل في أيامنا هذه حاجة إلى ذلك، وهو ينظم في كل بحر من بحور ~~العروض وكل مجزوء من مجزوءاتها، وإنه ليجهل أسماءها وقد يجهل قراءاتها في الورق كما ~~يجعل معانيها إذا هي قرئت عليه، وكثيرا ما نظم الأزجال في بحور العروض المتعددة أناس ~~من الأميين جهلوا كتابة الحروف، كما جهلها قبل مئات السنين شعراء الجاهلية ~~المشهورون. # ولولا جريان اللغة في ألفاظها وتراكيبها على السليقة الموسيقية، لما تيسر ذلك للشاعر ~~الجاهلي بالأمس، ولا للزجال الأمي في هذه الأيام. # وقد أحصى الخليل بن أحمد من بحور الشعر خمسة عشر بحرا، وزاد عليها الأخفش بحرا سماه ~~المتدارك؛ لأنه استدركه على العروض الذي وضعه الخليل، واستحدث الشعراء بعد ذلك في هذه ~~البحور ضروبا من الأوزان تتسع لأغراض النظم في كل حالة من أحوال الشعور، والعاطفة التي ~~تعرض ms15 للنفس البشرية، فوافقت هذه الأوزان أغراض الحماسة والفخر والغزل والرثاء، كما ~~وافقت أغراض الغناء والرقص وأغراض القصة والمسرح، وأغراض الأحاديث والثنائيات، ولم تضق ~~بالتوشيح والتسميط، ولا بالأناشيد الفردية والأناشيد الجماعية، ولم يعجز عن التعبير بها ~~في فنون القصة على التخصيص ناظم ذو معرفة وثقافة، ولا ناظم من الأميين أصحاب السليقة ~~المطبوعة في ملاحم اللغة العامية. # فالملحمة اليونانية الكبرى - وهي الإلياذة - نقلت إلى العربية الفصحى في هذه ~~الأوزان. # وملاحم أبي زيد الهلالي نظمت في هذه الأوزان، فلم يعجز ناظمها العامي عن سرد الحوادث، ~~وحكاية الأحاديث في مواقف المناجزة أو المعاتبة أو الغزل أو النصيحة، أو الوصف أو ~~الرواية، ولم يزد ما استخدمه من الأوزان على أربعة بحور إلا ما ندر. # وفي اللهجات الشائعة مقطوعات نظمها الأميون والأميات في موضوعات الأفراح والمآتم ~~والمساجلات، والأمثال لا تخرج عن أوزان تلك البحور، ولا يحس الناظم الأمي أنها عسيرة ~~عليه، فهو لا يحتاج إلى أداة غير السليقة الفنية، والقدرة المطبوعة على التعبير. # وأبلغ من كل ما تقدم في الإبانة عن معدن اللغة العربية، وعن هذه الخاصة الفنية فيها ~~أن أوزانها تتفق في كل ترتيل فصيح، ولو لم يكن شعرا مقصودا كما اتفقت في الآيات ~~الكثيرة من القرآن الكريم، وينبغي أن يؤمن المسلم وغير المسلم بأن القرآن الكريم لم يكن ~~شعرا، وما هو بقول شاعر كما جاء فيه، وكما جاء في كلام الرسول الذي أوحي إليه: # فمما يوافق وزن البحر الطويل فيه: # فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر ~~. # ومما يوافق وزن البحر المديد: # إن قارون كان من قوم ~~موسى ~~. # ومما يوافق وزن البحر البسيط: # فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم ~~. # ومما يوافق وزن البحر الكامل: # صلوا عليه وسلموا ~~تسليما ~~. # ومما يوافق وزن البحر الخفيف: # وتوكل على العزيز ~~الرحيم ~~. # ومما يوافق بحر الرمل: # إنهم رجس ومأواهم ~~جهنم ~~. # ومما اتفق فيه وزن بيت كامل: # لن تنالوا البر حتى # تنفقوا مما تحبون ~~••• # ومن تزكى فإنما # يتزكى لنفسه ~~••• # وجفان كالجواب # وقدور راسيات # ويخزهم وينصركم عليهم # ويشف صدور قوم مؤمنينا ~~••• # وقرآنا فرقناه ms16 # لتقرأه على الناس # وهذا وأمثاله يطرد في كل كلام عربي مرتل فصيح، ولا يعهد له نظير في اللغات الأخرى، ~~ولو كانت من اللغات التي يتقارب فيها الشعر والنثر ولم يبلغ فنها الشعري مبلغ أوزان ~~العروض العربية من دقة التقسيم والتفصيل. # ويخلص لنا من جملة هذه الخصائص في الشعر العربي، واللغة العربية أن فن النظم بهذه ~~اللغة فن دقيق كامل الأداة مستغن بأوزانه عن سائر الفنون، ولكنه - على هذا - فن مطبوع ~~لا كلفة فيه على قائل ذي قدرة على التعبير له نصيب من الشاعرية والملكة الفنية، ومن هنا ~~يظهر لنا كل الظهور أن الدعوة إلى إلغاء الأوزان ذات البحور والقوافي في اللغة العربية، ~~لا تأتي من جانب سليم، ولا تؤدي إلى غاية سليمة، فلا يدعو إليها غير واحد من اثنين: ~~عاجز عن النظم الذي استطاعه الشاعر العامي في نظم القصص المطولة، والملاحم التاريخية من ~~أمثال السيرة الهلالية، وسيرة الزير سالم وغيرها من السير المشهورة المتداولة، أو عاجز ~~عن النظم الذي استطاعه الشاعر العامي والشاعرة العامية في نظم أغاني الأعراس، ونواح ~~المآتم وأمثال الحكمة، والنصيحة على ألسنة المتكلمين باللهجات الدارجة، ولا خير للفن في ~~كلام يقوله من يعجز عن هذا القدر من السليقة الشاعرية والملكة الفنية، وأحرى به أن يأتي ~~بما عنده في كلام منثور، ويترك النظم وشأنه بدلا من هدم الفن كله وحرمان اللغة من آثار ~~القادرين عليه، ونحن نستشهد بالقصاصين وناظمي الملاحم العامية والأغاني الشائعة؛ لأن في ~~استطاعتهم نظم القصص والملاحم، والأغاني والأناشيد بغير تعلم ولا معرفة ثقافية ينفي عن ~~الأوزان العربية تلك الصعوبة المزعومة، التي يدعي الأدعياء أنها تجعل النظم العربي من ~~أصعب فنون النظم في اللغات العالمية، ونسكت عمدا في هذا المقام عن الملاحم المترجمة ~~التي نقلها إلى العربية أناس من المثقفين المطلعين على الآداب والعلوم، فإن المتشاعرين ~~الأدعياء قد يزعمون أن تذليل هذه الصعوبة عمل يحتاج إلى الثقافة والاطلاع، ولا يقتدر ~~عليه عامة المترجمين. # فإن لم يكن نقص الملكة الفنية سبب العجز عن أوزان الشعر العربي، والدعوة ms17 إلى إبطال ~~هذه الأوزان، فهو إذن عمل من أعمال الهدم الصراح عن سوء نية وخبث طوية، يتعمده ~~المجاهرون به لتقويض معالم اللغة ومحو آثار الأدب، وفصم العلاقة الفكرية بين روائع ~~الثقافة العربية في مختلف العصور، وتلك شنشنة نعهدها في العصر الحاضر من دعاة الهدم ~~المستترين وراء كلمات التقدم والتجديد، وأين يعمل هؤلاء عملهم الهادم إن لم يكن هذا ~~عملهم المقصود من وراء الستار؟! # إن هدم الفن الجميل الذي امتازت به لغة العرب بين لغات العالم لا يصدر إلا عن عجز، أو ~~إصرار على الهدم ... ولا خير في دعوة يتولاها العجز العقيم والضغينة النكراء. ~~(6) المجاز والشعر # اللغة العربية لغة المجاز. # والمجاز هو الأداة الكبرى من أدوات التعبير الشعري؛ لأنه تشبيهات وأخيلة وصور مستعارة ~~وإشارات ترمز إلى الحقيقة المجردة بالأشكال المحسوسة، وهذه هي العبارة الشعرية في ~~جوهرها الأصيل. # ولا تسمى اللغة العربية - فيما نرى - بلغة المجاز لكثرة التعبيرات المجازية فيها؛ لأن ~~هذه التعبيرات قد تكثر في لغات عديدة من لغات الحضارة. # وإنما تسمى اللغة العربية بلغة المجاز؛ لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور ~~المحسوسة إلى حدود المعاني المجردة، فيستمع العربي إلى التشبيه، فلا يشغل ذهنه بأشكاله ~~المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه، فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، ~~والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة، والرسوم الهيروغليفية عنده بهذه المثابة قد ~~انتقلت إلى حروف تتألف منها كلمات. # نعم ... إن المجاز قد انتقل في اللغة العربية من الكتابة الهيروغليفية إلى الكتابة ~~بالحروف الأبجدية، وهذا هو المثال الصالح لتقريب المعنى الذي نريده حين نقول: إن المجاز ~~العربي يصور لنا المعاني المجردة - مباشرة - من وراء تصوير الأشباه والأشكال. # كان الكاتب القديم في عهود الكتابة الأولى قبل اختراع الأبجدية يريد أن يكتب كلمة ~~«يمشى»، فيرسم على الصخر أو الورق صورة إنسان يمشي على قدميه، ويبدو عليه أنه يتحرك في ~~مشيته، ثم تطورت الكتابة فانتقلت الصورة إلى مقطع صوتي يؤخذ من الصورة، ويستخدم في ~~الدلالة على الأصوات التي تشبهه، ثم انتقلت من المقطع الصوتي إلى حرف ms18 واحد تجتمع منه ~~حروف الأبجدية، وهذه هي الكتابة في مرحلتها الأخيرة. # فالباء هي الحرف الأول من كلمة «بيت» التي كانت ترسم على شكل بيت للدلالة على المبيت ~~أو المساء، ثم تولد منها مقطع بحروفه الثلاثة، ثم تولد من المقطع حرف واحد هو الذي ~~بقي من الصورة كلها، وهو الذي نسميه الآن حرف «الباء» ونسمعه، فلا يخطر لنا رسم البيت ~~على بال؛ لأننا تخطينا بالكتابة عهد الهيروغليفية، وعهد المقطع إلى عهد الحروف ~~الأبجدية. # مثل هذا التطور يتكرر في الصور المجازية التي ترد على ألسنة المتكلمين باللغة ~~العربية، فلا يلبث التشبيه المجازي أن يؤدي معناه المقصود بغير وساطة الشكل المستعار، ~~ولا يشتغل الذهن بالصورة المحسوسة لانتقاله منها على الأثر إلى الوصف الذي يقارنها، كما ~~تقدم في معنى القمر والزهرة والغصن والطود، وكما نرى في مئات الكلمات التي تشتمل عليها ~~اللغة العربية، ولا تزال معانيها المجازية مقترنة بمعانيها الحقيقية جنبا إلى جنب، في ~~استعمال كل يوم على كل لسان، وهذا الذي ألمحنا إليه في مبحث من المباحث عن الحقيقة ~~والمجاز في اللغة العربية كما نتكلمها اليوم، وكما كان أبناؤها الأسبقون يتكلمون بها في ~~جميع العهود. # ففي هذه اللغة الشاعرة توجد كلمات كثيرة بقي لها معناها الحقيقي مع شيوع معناها ~~المجازي على الألسنة؛ حتى ليقع اللبس في أيهما السابق وأيهما اللاحق في ~~الاستعمال. # ونبدأ بكلمتي والحقيقة والمجاز، وهما أقرب الشواهد على اقتران المعاني الأصيلة، ~~والمعاني المنقولة في تلك الكلمات. # فالحقيقة فكرة مجردة، قد تبلغ الغاية في تجردها من المحسوسات، ولكن مادة الكلمة ~~تستخدم للدلالة على ما يلمس باليد ويقع تحت النظر، فيقال: «انحقت» عقدة الجبل: أي ~~انشدت، وحق: بلغ حافة الطريق. # والمجاز من جاز المكان أو جاز به غير معترض، ويقال: هذا جائز عقلا أي: غير ممتنع ولا ~~اعتراض عليه، وهذه كلمة مجازية أي: يمكن أن تنطلق في هذا المعنى، أو أنها تحتمله مع ~~معناها الأصيل. # وكلمات: انطلق وامتنع واعترض واحتمل أمثلة أخرى لاقتران المعنى الأصيل والمعنى ~~المنقول، فكلها تستخدم للمحسوسات وغير المحسوسات. # ويلاحظ ms19 هذا الاقتران بين المعاني المجردة والمعاني المحسوسة في كثير من المسائل ~~الفكرية، والصفات الخلقية التي تجتمع في مادة واحدة: كالواجب والفريضة والفضيلة والحكمة ~~والعقل والعظمة والأنفة والعزة والنبل والشرف والرحمة والجمال والنشر والعلم والشك ~~والثقة، والذكاء إلى كثير من أشباهها. # فيقال: وجب بمعنى ثبت، والوجبة بمعنى الأكلة في وقت ثابت، والواجب بمعنى اللازم أو ~~العرف أو المنطق. # ويقال: «الفريضة» عن الخشبة التي فرضت أو حزت وبينت فيها العلامات، ويقال: «الفرائض» ~~عن الحدود المبينة الواضحة. # والفضيلة كل بقية أو زيادة، والفضيلة هي الخلق الذي يدل على فضل أو زيادة عند صاحبه، ~~والفاضل هو الذي عنده زيادة، أو يتفضل بعطائه على غيره. # والحكمة مادة تجمع بين الدلالة على الرشد والدلالة على الحديدة، التي توضع في ~~اللجام؛ لتمنع الفرس أن ينطلق غاية انطلاقه، وهي «الحكمة». # والعقل كالحكمة والحكمة فيما يشبه هذين الغرضين، ويقال: تعقل الأمر أي: تدبره ~~وأدركه: وتأتي «تدبره» أيضا بمعنى مشى في أعقابه، وأدركه بمعنى لحقه ووصل إليه. # أما العظمة فهي صفة العظيم، والعظيم هو الكبير العظام أو الكبير الأخلاق ~~والمزايا. # والأنفة هي حركة الأنف في حالة الترفع والاشمئزاز، وهي حركة تشبه الإشاحة بالأنف أو ~~ضمه لاتقاء رائحة تعاف. # والعزة يوصف بها المكان المنيع والرجل المنيع، فالعزيز في الحالتين غير السهل ~~المباح. # والنبل ما ارتفع من مكان أو شأن، وكذلك الشرف، هما وصفان للخلق الرفيع أو المرتبة ~~الرفيعة. # والرحمة هي عاطفة ذوي الأرحام، وتدخل العاطفة مثلها في هذا القياس، فيقال: عطف على ~~الإنسان كما يقال: عطف على المكان. # والجمال مادة تجمع بين التجمل بمعنى التزين والتجمل بمعنى أكل الشحم، وكأنما أخذوا ~~وصف الوجه الجميل من الوجه الذي يمتلئ ويلمع؛ لأنه ليس بشاحب ولا معروق. # وبشر الأديم يبشره بشرا قشر بشرته التي عليها الشعر، والبشر تهلل بشرة الوجه ~~كأنه ليس عليه حائل، والبشرة ما ظهر من نبات الأرض وعشبها. # ويبدو أن العلم والعلم والمعالم التي يعرف بها الطريق من مادة واحدة، وأن الشك ~~مأخوذ من هيئة الرجل الذي يرتاب؛ لأنه يطرق ويتأمل؛ ms20 أو من الظلع لأنه لا يسير على ~~سواء. # والثقة ما يحصل من اليقين أو من الشد بالوثاق، والذكاء ملكة الفهم واتقاد ~~النار. # ومن هذه المجازات ما هو قوي الدلالة على أحوال الأمة العربية في حياتها الأولى؛ ~~فالكتابة والشكل والرسم والبلاغة والفصاحة والدلالة نفسها كلمات مستعارة من حياة أقوام ~~رعاة وقبائل مترحلة. # فالكتابة والشكل بمعنى القيد والرسم أثر خطو الإبل على الرمل في رسيمها، أو سيرها على ~~العموم والبلاغة من الوصول إلى غاية المسير، والفصاحة من اللبن الفصيح الذي زال رغوه، ~~والدلالة للقافلة كالدلالة للكلام. # وإذا قال العربي القديم: إن العرب قوم أو قبيل، فإنما يعني بالقوم طائفة من الناس ~~تقوم معا للقتال، فالشاعر الذي سأل «أقوم آل حصن أم نساء» لم يخطئ الغرض، وإنما جاء ~~اللبس أو جاءت الحاجة إلى التفسير حين أطلقت كلمة القوم على الأمة كلها، فوجب أن تطلق ~~في معناها هذا على الرجال والنساء. # وما الطائفة؟ وما القبيل؟ إنهما جاريتان على هذا المجرى، فالطائفة أناس يمضون إلى ~~قبلة واحدة ... ومثل هذا إطلاق كلمة القرن على الذين يقترنون في مولد واحد، ثم أطلقت على ~~الزمن الذي يقترنون فيه، ويشبه أن يكون الجيل بمعنى القرن على فعيل من جال، ثم تحولت من ~~جويل إلى جيل. ~~••• # نستطرد مما تقدم إلى المقارنة بين اللغة العربية، واللغات الأخرى في استعمال المعنى ~~الحقيقي، والمعنى المجازي في وقت واحد، فيبدو لنا من هذه المقارنة أن الكلمات التي ~~تستعمل للغرضين كثيرة في اللغة العربية، وليست بهذه الكثرة في اللغات الأوروبية، وقد ~~يرجع هذا الفارق إلى غير سبب واحد، فلعله راجع إلى تطاول العهد بين بداوة الأمم ~~الأوروبية وحضارتها، ولعله راجع إلى انتقال لغاتها إلى حالتها الحاضرة من لغات قديمة ~~بطل استعمالها، وانقطعت فروعها عن أصولها، ولعله راجع إلى خاصة عربية بدوية في التعبير ~~بالتشبيهات المجازية أو الشعرية. # وأيا كان السبب، فالخلاصة العملية التي نتأدى إليها من هذه الملاحظة أننا لا نحتاج ~~كثيرا إلى التسلسل التاريخي في وضع معجماتنا الحديثة؛ لأن هذا التسلسل ضروري في اللغات ms21 ~~التي يكثر فيها إهمال الكلمة في معنى، وسيرورتها في معنى آخر، ولكنه لا يبلغ هذا المبلغ ~~من الضرورة حين توجد الكلمة مستعملة في جميع معانيها على السواء، أو على درجات ~~متقاربة. # ومن النتائج العملية لتلك الملاحظة أن نذكر في سياق التجديد، والمحافظة على القديم أن ~~العرب كانوا مجددين على الدوام في إطلاقهم الكلمات القديمة على المعاني الجديدة، ونحن ~~لا نعدو سياقنا هذا حين نلتفت إلى الأصل في كلمة القديم والأصل في كلمة الجديد، فنتخذ ~~منها شاهدا على ما ذهبنا إليه. # فالتقدم هو السير بالقدم، ويقال: تقدم أي مشى بقدمه، كما يقال: ترجل أي مشى برجله، ~~وتقدمه أي مشى أمامه، ومن هنا التقدم بمعنى السبق والقديم بمعنى الزمن السابق. # ولا ندري على اليقين كيف أطلقت كلمة الجديد على معناها هذا من أقدم أطوارها، ولكننا ~~ندري أن الجد هو القطع، وأن الثوب الجديد هو الذي قطع حديثا، فلعل هذا المعنى من أقدم ~~معاني الجديد إن لم يكن أقدمها على الإطلاق. # وظاهر من جملة هذه الملاحظات أن أهل العربية جددوا كثيرا من مجازاتهم، وأننا نستطيع ~~أن نحذو حذوهم. # ونحن نقول: «إننا نحذو حذوهم»، ولا نظن أننا نبعد في اتخاذ الكلمات لمعانيها ~~المستحدثة مسافة أبعد من المسافة بين الأصل في حذو الجد، وبين المجاز في دلالته على ~~الاقتداء والاهتداء، ولا أبعد من الأصل في كلمة «المسافة» حين أطلقت على الموضع الذي ~~يسوف فيه الدليل تراب الأرض؛ ليعرف موقعه من السير، ثم استعيرت لما نعنيه اليوم ~~بالمسافة، وهي كل بعد بين موضعين. # وشرط اللغة علينا أن نصنع كما صنع أهلها، فنجدد في المعاني من طريق المجاز، بحيث لا ~~يكاد السامع يفرق بينهما للوهلة الأولى أهي أصل في اللغة قديم أم مجاز جديد. ~~••• # في هذا المبحث المتقدم عرضنا الأمثلة المتكررة، التي يقترن فيها المعنى المجازي ~~بالمعنى الحقيقي في وقت واحد؛ لأن الصورة المجازية قد استحالت إلى ما يشبه الحروف ~~الأبجدية في تطور الكتابة، فلم يبق من البيت إلا الباء، ولم يبق من الجمل إلا الجيم، ~~ولم ms22 يبق من اليد إلا الدال، ولم يبق على هذا القياس من الغزال إلا خفة الحركة، ولا من ~~المرجان المفتر عن الدر النضيد إلا احمرار في الشفة يتفتح عن ثنايا الثغر المبتسم، بغير ~~حاجة إلى استحضار آكام المرجان، وعقود اللؤلؤ وتراكيب الأفواه ذوات الشفاه. # إن قول البديعي العربي: «رأيت قمرا على غصن على كثيب» يربك السامع من غير أبناء ~~اللغة العربية، ويجتهد هذا السامع في استخراج الصورة المحسوسة من أطوار هذه التشبيهات، ~~فلا يدري كيف يجتمع منها رسم جميل، ثم ينفض يديه من البلاغة العربية قائلا لنفسه: إنها ~~بلاغة مزاج آخر يسيغ ما لا يساغ في كل مزاج. # إلا أن المسألة في حقيقتها ليست من مسائل المزاج المختلف بين الأجناس، ولكنها مسألة ~~اللغة والاصطلاح في استخدام الصور والكلمات، وليس بين الأمزجة في هذه المصطلحات كبير ~~اختلاف لو اتفقت على المفتاح المشترك في هذا «الجفر» المكشوف. # إن العربي أيضا يزعجه أن يضع قمر السماء على غصن الشجر على كومة الرمل؛ ليستخرج منها ~~محاسن إنسان يهواه ولا يعجب السامع من هواه. # ولكنه يبتهج ولا ينزعج حين يفهم الصورة على طريقته في ترجمة المجاز من الصور ~~الهيروغليفية إلى الحروف الأبجدية. # إشراق كالإشراق الذي يحسه الناظر إلى القمر، وخفة كالخفة التي يتمايل بها الغصن ~~النضير، وجسم بض كالجسم الذي يمسك ذلك الغصن، وإنسان يتقابل فيه الإشراق والخفة ~~والبضاضة في رشاقة واعتدال، ولا موجب بعد ذلك للحيرة، ولا لنفض اليدين من بلاغة المزاج ~~الغريب الذي يأبى أن يأتلف بكل مزاج. # وهكذا يصنع اليوم من يقرأ كلمة «أبجد» حين يذكر أنها كانت في أول عهد الكتابة خليطا ~~من صورة الثور والبيت والجمل واليد المبسوطة، ثم ينسى هذه الصور المتراكبة في غير معنى؛ ~~ليجمع منها حروف الألف والباء والجيم والدال. ~~••• # يقول الكاتب المستشرق الأستاذ «أدوين هول» في كتابه عن الأندلس في ظل المسلمين: «إن ~~أكثر هذه المنظومات مما لا يطيقه العقل الغربي»، وهو رأي يصرح به الخبراء بتلك ~~المنظومات، ولا نعرف من أهو أحق بالحكم عليها من جارسيا ms23 جوميز الذي يجمع بين الأستاذية ~~في العلم والذوق المرهف لفهم القريض، وهو يقول في فصل عقده للكلام على ابن قزمان أحد ~~الشعراء المتأخرين: # إن الصناعة اللفظية هي موضع العناية الكبرى في الأدب العربي، بين نثر مقيد ~~بالأسجاع وبين ألوان من المجازات والأشباه، والطلاوات واللوازم، تعوزها الحرارة ~~والشعور، وكأنما هي كلها عرض من العروض المقنعة بالبراقع، حيث البسمات لآلئ، ~~والعيون أزهار بنفسجيات، والرياحين والجداول سيوف، وإن القارئ ليجتهد اجتهاده ~~بين ترجمات بير Peres # أو شاك # Schack ~~، فينوء ذهنه بما يطبق عليه من النسق المتفق ~~المتواتر! خصور كالأغصان تنبثق من آكام الرمال، أو شاعر يشبه نفسه بالطير الذي ~~أثقل ندى الممدوح جناحيه فأعياه أن يطير، أو برق يومض بين الغمام كأنه ضرام ~~العشق في قلب الشاعر، يتوهج من خلل دموعه، ونصفها - أو أكثر من نصفها - قوالب ~~منقولة يحيكها النظامون من وحي الذاكرة. # هذا الخطأ الذريع في الحكم على الشعر العربي شائع غالب على أقوال المستشرقين، نفهمه ~~ولا نرى صعوبة في فهمه إذا ذكرنا «أولا» أن الغالب على هؤلاء المستشرقين أنهم من زمرة ~~الحفاظ، يشتغلون بجانب الحفظ في الأدب، ولا يشتغلون بلباب الأدب في لغاتهم، ولا في لغات ~~غيرهم من المشارقة أو المغاربة، فهم لا يحسنون الحكم على شاعر من أبناء جلدتهم، وأحرى ~~بهم ألا يحسنوا الحكم على الشعراء من أبناء اللغات التي تخالف لغاتهم في تراكيبها ~~ومصطلحاتها، ومن أبناء الأمم التي تخالف أممهم في أمزجتها وعاداتها، وقد ينظر الكثيرون ~~منهم إلى القصيدة الرائعة، فيقفون عند مجازاتها، ويشعرون بالربكة التي يشعر بها عندنا ~~من يقول مثلا: «هات الأسطوانة!» فيحضر له السامع قرصا من أقراص الغناء المسجل، فيختلط ~~عليه الأمر بين ما توقعه من لفظ الكلمة، وما رآه بعد ذلك من حقيقة المسمى. # وكذلك يشعر المستشرق بالربكة حين يتوقف بذهنه عند مجازات التشبيه، فيحسبها مقصودة ~~لذاتها ويتقيد بقشورها اللفظية دون ثمراتها وبذورها، ولا يدري كيف يطرب العربي لهذا ~~الشعر، ولا يحاول أن يرجع بالعجب إلى نفسه قبل أن يتهم أمة كاملة بضلال الحس وسوء ms24 ~~التعبير، وهي - فيما يعلم - من الأمم التي تفخر بلسانها، وتنكر العجمة في ألفاظها ~~ومعانيها. # ولقد كان من أقرب التفسيرات إلينا أن نرجع بأخطاء المستشرقين في فهم الشعر العربي إلى ~~الفارق الأبدي المزعوم بين أذواق الشعراء في لغتنا، وأذواق الشعراء في لغاتهم على ~~تباينها، وكنا نستغرب ذلك التفسير لولا أننا نعلم أن قراءنا يتذوقون شعرهم، كما يتذوقون ~~شعرنا، وأن الفوارق الكلامية لا تحول دون ظهور المعاني الإنسانية لمن يلتمسها في ~~مواطنها، ويتحرى أن يزنها بموازينها، وأن ينفذ إلى بواطنها، فليس بين الأذواق الإنسانية ~~من فاصل في تمييز فنون البلاغة الخالدة، وإنما هو الفاصل بين الحفظ والذوق، يضاف إليه ~~الفاصل بين المجاز في صورته الحسية والمجاز في معناه، فيحول دون الفهم الصحيح في اللغة ~~الواحدة فضلا عن اللغات المتعددة، وهذا هو الفاصل بين المستشرقين الحفاظ، وبين محاسن ~~الشعر العربي في ظواهره وخفاياه، وفي ألفاظه ومعانيه. ~~(7) الفصاحة العلمية # للأمم في تنافسها بالمناقب والمزايا ألوان من المفاخرة بلغاتها يضيق بها نطاق البحث ~~في بضعة سطور، فمنها التي تفخر بوضوح عباراتها وعذوبة جرسها، ومنها التي تفخر بوفرة ~~كلماتها واتساع ثروتها من ألفاظ الأسماء والأوصاف والأفعال، ومنها التي تفخر بثرائها ~~الأدبي وذخيرتها الفنية، ومنها التي يزعم أبناؤها أنهم هم الناطقون المبينون ومن عداهم ~~متبربرون، لا يبينون عن أنفسهم ولا يحسنون فهم البيان من الآخرين. # ومعظم هذه المفاخر دعوى لا دليل عليها، أو دعوى لها أدلتها التي تتشابه وتتقابل، ولا ~~ترجح فيها الكفة مرة حتى تقابلها الكفة الأخرى برجحان مثله، فلا تنهض فيها حجة بينة، ~~ولا يزال الناس من شتى الأمم ينظرون إليها نظرتهم إلى العادات الشائعة بين الناس في ~~مناظراتهم ومفاخراتهم، وحجتها الكبرى «أنانية» قومية تشبه «أنانية» الفرد في حبه لنفسه، ~~وإيثاره لصفاته بغير حاجة إلى دليل، أو مع القناعة بأيسر دليل. # ولكن الفصاحة العربية في دعوى أهلها مفخرة لا تشبه هذه المفاخر في جملتها؛ لأن دليلها ~~العلمي حاضر لا يتعسر العلم به، والتثبيت منه على ناطق بلسان من الألسنة، ولا حاجة له ~~في هذا الدليل ms25 إلى غير النطق وحسن الاستماع. # إن اللفظ الفصيح هو اللفظ الصريح الذي لا لبس فيه ولا اختلاط في أدواته، وهذا هو ~~«اللفظ العربي» بدليله العلمي الذي لا تعتمد دعواه على «أنانية» قومية، ولا على نزعة ~~عاطفية، تقابلها نزعات مثلها عند غير العرب من الناطقين بلغات الحضارة. # فلا لبس بين مخارج الحروف في اللغة العربية، ولا إهمال لمخرج منها، ولا حاجة فيه إلى ~~تكرار النطق من مخرج واحد، تتوارد منه الحروف التي لا تتميز بغير التثقيل أو ~~التخفيف. # وجميع المخارج الصوتية في اللسان العربي مستعملة متميزة بأصواتها، ولو لم يكن بينها ~~غير فرق يسير في حركة الأجهزة الصوتية. # والفصاحة هي امتناع اللبس كما تقدم، وهذه هي الخاصة النطقية التي تحققت في اللغة ~~العربية لمخارج الأصوات كما تحققت للحروف. # فليس في اللغة العربية حرف يلتبس بين مخرجين، وليس في النطق العربي مخرج ينطبق فيه ~~حرفان. # ليس في اللغة العربية حرف يستخدم مخرجين كحرف (بسي) في اللغة اليونانية، وهو مختلط من ~~الباء الثقيلة والسين. # وليس فيها حرف يستخدم مخرجين كحرف (تشي) في تلك اللغة ~~(X) ~~، وهو خليط من التاء والشين. # وليس فيها حرف يعبر عنه بحرفين كالذال أو الثاء اللذين يكتبان بما يقابل عندنا التاء ~~والهاء ~~(th) ~~، ويتغير النطق بهما في مختلف ~~الكلمات. # ولا تزدحم أصوات الحروف في اللغة العربية على مخرج واحد، كما تزدحم الفاء والڨاء ~~الثقيلة والباء والباء الثقيلة ~~(P, b - F, v) # مع ترك مخارج ~~الحلق مهملة، وهي تتسع من أقصى الحلق إلى أدناه لسبعة حروف هي الهمزة والهاء والألف ~~والعين والحاء والغين والخاء، وهي مميزة في النطق والسمع بغير التباس، ولا ازدواج في ~~الأداء. # ولا يلزم في اللغة العربية أن يكون لكل حرف مخرج مستقل في جهاز النطق، الذي يشترك فيه ~~الحلق والحنك واللسان واللثة والشفتان، بل كل ما يلزم فيها أن يكون جوهر الحرف سليما ~~في مجراه من الجهاز الصوتي، وفي موقعه من السمع، لحسن استخدام ذلك الجهاز، وحسن التمييز ~~فيه بين الأصوات المتشابهة أو المتقاربة، فقد يتقارب ms26 الحرفان حتى يقع بينهما الإبدال ~~على الألسنة مع اختلاف اللهجات ، ولكنه إبدال لا ينشأ من غموض الحرف والتباسه، بل يأتي ~~من اختلاف السهولة والصعوبة مع وضوح الحرفين، فلا التباس بين الذال والدال، ولا بين ~~الحاء والهاء ولا بين التاء والثاء، ولا بين حروف الإبدال على العموم، ولكن سبب الإبدال ~~بينها أن حرفا منها أسهل من حرف في اللهجة السريعة أو اللهجة الدارجة، وجوهره مع ذلك ~~مستقل واضح الاستقلال عند المقارنة بينها في السماع. # واللسان العربي المبين يتجنب اللبس في الحركات الأصلية، كما يتجنب اللبس في الحروف ~~الساكنة، فلا لبس بين الفتح والضم والكسر والسكون، وإذا وقعت الإمالة بين حركتين لم تكن ~~وجوبا قاطعا تثبته الحروف، بل كان قصاراه أنه نمط من أنماط النطق يشبه العادات الخاصة ~~عند بعض الأفراد، أو بعض الجماعات في أداء الحركة وإشباعها أو قصرها، كيفما كان رسم ~~الحرف في الكلام المكتوب، وكيفما كان جوهره المميز في الكلام المسموع. ~~••• # فإذا قال قائل: إن فصاحة النطق مزية نادرة تمتاز بها اللغة العربية، فليست هي دعوة من ~~دعاوى الفخر والأنانية، ولكنها حقيقة يقررها علم وظائف الأعضاء؛ لأن جهاز النطق في ~~الإنسان وظيفة معروفة، ولا خفاء بالفرق بين تقسيماته التي تستوفي الأداء، وتميز الحروف ~~والمخارج وبين تقسيماته التي تعطل بعض الأداء، ويعرض فيها اللبس والتلفيق لما تؤديه، ~~فإن الحكم في ذلك كالحكم على كل أداة ناطقة، أو عازمة من أدوات الأنغام ~~والأصوات. ~~••• # وبقي أن نعرف كيف انفردت اللغة العربية بهذه المزية النادرة؟ هل هي مزية من مزايا ~~المصادفة لا تعرف لها علة طبيعية؟ أو هي نتيجة من نتائج التطور الطبيعي، أو نتائج ~~الاختيار بين الأفصح من اللهجات وبين اللهجات التي دونها في الفصاحة على ألسنة ~~المتكلمين بلغة واحدة؟ # إن تعليل هذه الفصاحة بالتطور الطبيعي كاف لتفسير هذه الظاهرة في اللغة العربية، فإن ~~لهجات النطق بالحروف العربية إنما هي لهجات قبائل متعددة تنطق بلسان واحد، وتتهيأ أسباب ~~الانتخاب الطبيعي في هذا اللسان لتتابع الاتصال بين الناطقين به من أبناء القبائل ~~المتعددة، ms27 خلافا للأمم الأخرى التي تختلف لغاتها، وتفترق مساكنها ولا تظهر آثار التطور ~~اللغوي عندها في بيئة واحدة تتفاهم بلسان واحد. # فلا يخفى أن جهاز النطق واحد في الناس من أبناء الأمم المختلفة، وكل ما يتفق له من ~~العوارض الحسنة أو المعيبة يجوز أن يتفق للإنسان العربي في حالة من حالاته، وقد شوهد ~~هذا التشابه في المخارج الصوتية بين لهجات بعض القبائل العربية، ولهجات الأمم الأخرى، ~~ولكن الفرق في الحالتين أن لهجات النطق العربي قد اجتمعت في لسان واحد ينتهي إليه ~~الاختيار، ويبقى فيه متداولا بين أبنائه، ولم يتفرق بين أشتات من الأمم يأخذ كل شتيت ~~منه بنصيب غير نصيب سواه. # فاللهجات العربية وجد فيها ما وجد في أمم عدة من التباس النطق بالجيم والياء والكاف ~~والشين والخاء والظاء والتاء وغيرها من مخارج الأصوات، التي يكتبونها أحيانا بحرف ~~واحد، وأحيانا بحرفين أو أكثر من حرفين. # فالياء تنطق جيما في لغة فقيم، وتنطق جيما بعد العين فقط في لغة قضاعة، وقد تنطق ~~الجيم ياء في لغة بعض القبائل على عكس لغة فقيم وقضاعة، وتبدل كاف الخطاب المؤنثة ~~شينا وكاف المذكر سينا في لغة ربيعة، ويطرد إبدال الكاف شينا في إحدى اللهجات ~~اليمانية. # وقد لخص الأستاذ حفني ناصف معظم الحروف التي يقع فيها اختلاف النطق في رسالته القيمة ~~عن حياة اللغة العربية، فذكر منها حرفا بين الطاء والثاء وحرفا بين الباء والفاء، ~~وحرفا بين الشين والجيم. # كما ذكر حروفا أخرى تتردد بين القاف والجيم والكاف، ويتشابه فيها النطق بين أبناء ~~اللغة السامية واللغات الآرية في مواطن متفرقة لا يجمعها إقليم واحد. # وليس بالمستغرب أن يؤدي الاتصال بين البادية والحاضرة إلى تهذيب بعض الأصوات، تبعا ~~لاختلاف لهجة الحديث في الصحراء الواسعة وفي مجالس المدينة، وقد يكون للتنقل بين رحلات ~~الشمال، ورحلات الجنوب مثل هذا الأثر مع ما يقترن به من آثار الرخاء أو الخشونة في ~~أطوار اللهجة الواحدة، ثم يؤدي ذلك مع الزمن إلى اصطفاء لهجة واحدة مفضلة تكون لها ~~الغلبة على سائر اللهجات، ms28 وتعم هذه اللهجة بعد ذلك إذا اشترك الناطقون باللغة جميعا في ~~حفظها وترديدها، وقد حدث ذلك في اللغة العربية خاصة على نحو لا يتفق لغيرها في الزمن ~~القديم والحديث، فأصبح اللسان العربي المبين لسانا واحدا، لكل من يحفظ القرآن الكريم ~~أو يتلوه. # ولا ننسى أن العرب تباينوا أول ما تباينوا بنطق بعض الحروف كما تقدم، ولكنهم اتفقوا ~~جميعا في خاصة واحدة من خواص جهاز النطق، وهي استخدام أصوات الحلق التي أهملت جميعا ~~في كثير من اللغات، ويعلل بعضهم ذلك بعلة الجو والمناخ، حيث يتيسر للعربي أن يفتح صدره ~~للهواء، ولا يتيسر ذلك لأبناء البلاد الباردة، وحيث يحتاج العربي إلى النداء في ~~الصحراء، ولا يحتاج إليه سكان المدن والأودية المتجاورة، ومنهم من يحسب أن بعض مخارج ~~الأصوات التي تشبه القاف والخاء والعين مألوفة في مسامع الرعاة، الذين استمعوا طويلا ~~إلى أصوات الإبل والضأن، وأصوات السباع في الفلوات، وهو تعليل يقال ولا نظنه يفسر ~~انفراد اللغة العربية ببعض الحروف التي لم ينطق بها الرعاة والمستمعون بجوار الفلاة إلى ~~أصوات السباع. ~~••• # وإن هذه التعليلات لتذهب مذاهبها من الظن المقبول أو المردود، ولكنها تنتهي إلى حقيقة ~~تعلو على الظن، وهي أن النطق الفصيح فضيلة الحيوان الناطق، وأن الفصاحة العربية قد بلغت ~~بأداة النطق الآدمية غاية ما بلغه الإنسان المعبر عن ذات نفسه بالكلمات والحروف. # | لغة التعبير # يقال عن الشاعر البليغ: إنه هو الشاعر الذي نعرفه من كلامه، وإن لم يقصد إلى تعريفنا ~~بسيرته وترجمة حياته؛ لأنه يصف لنا شعوره بما حوله من الأحياء وسائر الأشياء، ومتى عرفنا من ~~كلامه ما يحب وما يكره وما يرتضيه وما ينكره، وما يحرك طبعه وفكره أو يمر بهما في غير ~~اكتراث، فقد بدت لنا حقيقة جلية سافرة، وكان لسان الحال فيها - بحق - أصدق من لسان ~~المقال. # واللغة على عمومها أولى أن يقال فيها هذا الذي يقال عن الشاعر البليغ؛ لأن اللغة هي قوام ~~التعبير الناطق بين جميع المتكلمين بها، فإن لم نتعرف منها حقائق أحوالهم فما هي بأداة ms29 ~~وافية بوسائل التعريف. # فليس من الغلو في وصف اللغة المعبرة أن يقال: إنك تضع معجمها بين يديك، فكأنما قد وضعت ~~أمامك قواعد تاريخها ومعالم بيئتها، ولم تدع لمراجع التاريخ والجغرافية غير تفصيلات الأسماء ~~والأيام. # واللغة العربية في طليعة اللغات المعبرة بين لغات العالم الشرقية أو الغربية، فلا يعرف ~~علماء اللغات لغة قوم تتراءى لنا صفاتهم وصفات أوطانهم من كلماتهم وألفاظهم كما تتراءى لنا ~~أطوار المجتمع العربي من مادة ألفاظه ومفرداته في أسلوب الواقع وأسلوب المجاز. # ونبدأ بالمجتمع نفسه فنعلم أن المجتمع العربي في قوامه الأصيل إنما كان مجتمع رحلة ومرعى، ~~وأن الكلمات التي تدل على معنى الجماعة في لسان العرب قلما تخلو من الإشارات إلى الرحلة ~~والرعاية، فالأمة هي الجماعة التي تؤم مكانا واحدا أو تأتم بقيادة واحدة. # والشعب هو الجماعة التي تتخذ لها شعبة واحدة من الطريق، والطائفة هي الجماعة التي تطوف ~~معا، والقبيلة هي الجماعة التي تسير إلى قبلة مشتركة، والفصيلة هي الجماعة التي تفارق في ~~مسلك واحد، والفئة هي الجماعة التي تفيء إلى ظل واحد، والجيل من الناس هم الذين يشتركون في ~~مجال واحد، والبيئة هي الموطن الذي يبوء إليه أصحابه بعد الرحلة عنه، والنفر من القوم من ~~ينفرون معا للقتال أو لغيره، والقوم في جملتهم هم الذين «يقومون» قومة واحدة للقتال خاصة؛ ~~ولهذا أطلقت أولا على الرجال ثم شملت الرجال والنساء، ومن هنا قوله تعالى: # ولا نساء من نساء # بعد قوله: # لا ~~يسخر قوم من قوم ~~... ومنه قول زهير: # وما أدري ولست أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وإذا لاحظنا هنا المعنى في دلالة أسماء الأمكنة، فهي دلالة مطردة على هذا المثال في أكثر ~~البقاع التي تسكن أو يرحل منها وإليها. # فالمنزل حيث ينزل الإنسان، والبيت حيث يبيت بالليل، وكذلك الموقع والمرجع والمأوى، وكذلك ~~المسافة بين مكان ومكان إنما هي الموضع الذي يساف ترابه للاهتداء إلى الطريق. # وقد يدل اسم المكان بمادته على عيشة «المشاع» في البادية الأولى، فيطلق اسم «القصر» على ~~المكان الذي يبنى ms30 مقصورا على بانيه، خلافا للبيوت والخيام التي تقام في كل مكان. # واسم المكان قبل كل شيء ما معناه؟ معناه من «التمكن» خلافا للنقلة والمنتقل بغير ~~استقرار. # ويلاحظ هذا أيضا في الكلمات التي تدل على العشير، أو على الرابطة الاجتماعية بين ~~الآحاد. # فالصاحب هو من يمشي معك في السفر، وكذلك الرفيق الذي يؤخذ مع الطريق وقبل الطريق، وكذلك ~~الزميل من صحبة الزمالة، والقريب الذي يقترب من منزلك، وتناسب كلمة «العدو» للخصم الذي ~~يعدوك أو يعدو على جوارك. # ونتتبع هذا المعنى، أو نتقراه في المعاني المجازية، فنقول المذهب للطريقة الفكرية كما ~~نقول المنهج والمشرب والنحو والمصدر والمورد والمقام والمقامة، ونطلق السيرة على الترجمة ~~وهي من سار يسير، ونطلق القصة على الحكاية وهي من قص الأثر، ونطلق الأثر على المخلفات وهي ~~من بقايا المواطئ والأقدام. # وقد قلنا: نتتبع، ونتقرى، وقلنا: المجاز وكلها مما لوحظت فيه هذه الدلالة في ~~أصولها. # فالتتبع من السير وراء الراحل، والتقري من البحث عنه حيث كان مقره، والمجاز من العبور، ~~وما التعبير نفسه في أصوله؟ إنه هو العبور. # ولا بد من مناسبة قريبة أو بعيدة تنتهي إلى هذه الدلالة في الألفاظ المعبرة عن الجماعات ~~والأمكنة. # فنحن نقول «الجيش» من جيشان الحركة في الأمكنة المتعددة أو المكان الواحد. # ونقول الجند، والراجح أن الأصل فيه يرجع إلى «الجند»، وهي الأرض الغليظة التي لا يسهل ~~طروقها، كأنهم استعاروه لمناعة المكان الذي يحميه المقاتلون المسلحون أو المستعدون ~~للقتال. # ونعتقد أن النظر إلى ألفاظ اللغة من هذه الناحية متمم لكل دراسة من دراساتها، سواء منها ~~ما يراد للتاريخ أو لتحقيق أصالة الكلمات أو لتقرير قواعد «البلاغة» ... وهي كذلك من التبليغ ~~أو البلوغ إلى المكان. # فإذا التبس علينا أمر كلمة من الكلمات، فلم نعلم في ظاهر الأمر أهي من ألفاظ العرب ~~الأصيلة أم من الدخيل عليها، فلدينا هذا المقياس الحاضر نقيس به دلالة الكلمة، ونردها إلى ~~حياة العرب وإلى المعهود من تعبيرها عن معالم تلك الحياة، فلا يطول بنا العناء في الرجوع ~~بها إلى أصل ms31 معقول نطمئن إليه. # قيل مثلا: إن كلمة «القلم» مأخوذة من «كلموس» اليونانية ... ولا يعزى الاستناد في هذا ~~القول إلى مرجع من مراجع التاريخ المحقق غير مجرد الظن القائم على التشابه في مخارج ~~اللفظين، وهو لا يدل على السابق إلى وضع الكلمة من اللغتين. # ولكننا نستطيع أن نرد الكلمة إلى القلم أو التقليم من القلامة في اللغة العربية، فنرى ~~أنها أصيلة في هذه اللغة بهذا المعنى، ونتقصى المادة، فنعلم أنها لا تنقل بجملتها من لغة ~~إلى لغة. # فمادة القاف والميم وما يتوسطهما مطردة في الدلالة على الشق والقطع، ومنها قحم وقرم وقصم ~~وقضم وقطم وقلم، وهي آخرها في ترتيب الأبجدية. # ونعود إلى الشيء الذي «يقلم» فنعلم أن القناة والقصبة والريشة مما يقلمه العرب ويتخذون ~~منه القلامات، فيحق لنا أن نفهم أننا بصدد هذه الكلمة أمام لفظ أصيل في لغة العرب، لا ~~ينقلونه من لفظ آخر في لغة أجنبية. # وأذكر أن طبيبا فاضلا لقيني في الإسكندرية، فأخذ علي بعض ما كتبت يومئذ عن القانون: ~~أن كلمة «القانون» دخيلة في العربية، وأن «الشريعة» أحق منها بالاستعمال في كتابنا ما دامت ~~نظائرها ميسورة لدينا. # قلت للطبيب الفاضل: إن الكلمة من بضاعتنا التي ردت إلينا، وإن القانون اليونانية ليست هي ~~إلا القناة بصيغة التصغير عندهم؛ لأن الغالب في لغتهم على معنى القانون أنه مستعار من ~~القصبة التي توضع بها الحدود وتقاس بها المواقع، وهم يطلقون في اللغات الغربية كلمة ~~رولر # Ruler # على المسطرة التي ترسم الخطوط والحدود، ~~وعلى الحاكم الذي يقيم الأحكام، ونحن في الشرق نستخدم القصبة للقياس والفصل بين المواقع، ~~وتسمى عاصمة الحكم «قصبة» في بعض اللهجات. # فالقانون # Canon # تصغير للقناة # Canal ~~؛ لأن القناة الصغيرة هي التي تستخدم عندهم ~~استخدام المسطرة لوضع الحدود والفصل بين الرسوم، وإذا رجعنا إلى القناة أمكن أن نقول: إن ~~القانون هو «قناتنا» قد رجعت إلينا بعد أن صيغت عندهم في صيغة التصغير، ولسنا نجزم بأن كلمة # Canal # مأخوذة من العربية بغير خلاف، ولكننا نجزم بأن ~~«القناة» كلمة لم يأخذها ms32 العرب من اليونان؛ لأن الأقنية من النخل ومن عيدان الشجر، ومن ~~مسايل الماء ومن أسنة الرماح أصول عريقة في حياة العرب لا تستعار. ~~••• # وإن من أنفع ما تنفعنا به هذه المقارنة أن نعول عليها حين تتشابه الكلمات باللفظ، أو ~~تتقارب بالمخارج بين لغتين أو لغات عدة، فإن لم نستطع أن نعرف أيها السابق إلى وضع الكلمة، ~~فلعلنا مستطيعون أن نعرف أنها أصيلة أو مستعارة في لغتها بالمقابلة بين تعبيراتها وأحوال ~~معيشتها. # وقد كان زميلنا العالم المجتهد الأستاذ عبد القادر المغربي، يرى أن كلمة المرج في العربية ~~مأخوذ من كلمة «المرغ» الفارسية، فكان مما يشككنا في هذا الظن أن مادة «مرج» و«مرغ» و«مرت» ~~في اللغة العربية متقاربة في مدلولها، وأنها على صلة بالمرع وبالمرعى على قدم الحاجة إلى ~~المرعى في بلاد العرب، فإن لم نستطع أن نجزم باستعارة الفرس كلمتهم «المرغ» من العرب، ففي ~~وسعنا أن نجزم بأن العرب أصلاء في كلماتهم غير مستعيرين. # وهناك كلمات تتشابه في مخارجها بين أبعد اللغات؛ لأنها قد نشأت من الحكاية الصوتية التي ~~تنقل الأصوات كما تقع في الآذان، وقد نفهم من تكرر المادة في أمثال هذه الألفاظ أنها نشأت ~~في اللغة، ولم تنقل إليها بعد تداولها في لغة أخرى. # ففي الإنجليزية يدل لفظ «كت» على القطع كما يدل عليه لفظ «كسيه» باللغة الفرنسية، ~~والمشابهة بين اللفظين وبين «القط» بهذا المعنى في اللغة العربية ظاهرة للسماع، ولكن القاف ~~والطاء وما يثلثهما في لغتنا شائعة في الدلالة على القطع بأنواعه، ومنها قطب وقطر وقطف ~~وقطم، ويلحق بهذه الملاحظة أن القاف والتاء والقاف والدال والقاف والصاد تؤدي معنى قريبا ~~من هذا المعنى، فلا وجه للقول: بالاستعارة في أمثال هذه الألفاظ. ~~••• # ومن الجائز أن يمتد القياس إلى أغراض أخرى في المقارنة بين الكلمات واللغات تحريا ~~لأصولها، أو للعلاقة بين معانيها ومعيشة أبنائها، ولكن البحث على هذا المثال ضرورة لا محيد ~~عنها في اللغات التعبيرية، واللغة العربية في مقدمتها ... فإنه بحث يجمع بين أغراض التاريخ ~~وأغراض البيان، وأغراض الدراسات ms33 النفسية والاجتماعية، ولا نحسب أن في اللغة العربية كلمة ~~يطول الخلاف عليها مع الاحتكام بها، على هذا النحو، إلى أصولها ودواعيها من حياة الناطقين ~~بالضاد، وأولها كلمات الفصاحة والبلاغة والنحو والصرف والإعراب. # | الزمن في اللغة العربية # يعرف ارتقاء اللغات بمقاييس كثيرة، منها - بل من أهمها - مقياس الدلالة على الزمن في ~~أفعالها، ثم في سائر ألفاظها. # واللغات تنشأ على نحو قريب من نشأة الكتابة على الطريقة الهيروغليفية، أي: طريقة الدلالة ~~بالأشكال المرسومة. # يعبر الكاتب مثلا عن الكتابة، فيرسم إنسانا ينقش أشكالا على حجر أو ورق بالقلم أو ~~الأداة المعدة للكتابة، ويدل بذلك على مجرد حدوث الفعل في غير زمن محدود، سواء كان الكاتب ~~قد فرغ من عمله أو لا يزال يكتب، أو يريد أن يكتب بعد حين، فإذا أراد أن يدل على وقت الفعل ~~أشار إليه بعلامة مضافة، يفهم منها البعد والإدبار أو البعد والإقبال أو الاستمرار ~~والاستغراق. # وهذا الذي حدث في الكتابة قد حدث على نحو قريب منه في الكلام، مع توضيح المعنى بالإشارة ~~واعتماد السامع على المشاهدة، فلا بد من علامات صوتية أو جسدية للتفرقة بين ما كان وما هو ~~كائن لا يزال، وما سيكون أو سوف يكون، وما هو معلق على شرط لا ينتظر أن يكون إلا في حالة ~~معلومة. # ولهذا يظهر ارتقاء اللغة من علامات الزمن في أفعالها، فاللغة التي تدل على الزمن بعلامات ~~مقررة في الفعل أعرق وأكمل من اللغة التي خلت من تلك العلامات، وبمقدار الدلالة تكون ~~العراقة والارتقاء. # وقد شاع بين اللغويين المختصين بدراسة تواريخ الألسنة في الغرب أن اللغات السامية ناقصة ~~في دلالة الأفعال على الأزمنة، ومنها اللغة العربية، على تفاوت بينها وبين الفروع الأخرى من ~~الأرومة المشهورة باسم اللسان السامي، أو لسان الساميين. # وربما ساغ هذا القول عن اللغة العربية في عقول المتعجلين من مصدقيه؛ لأنهم توهموا أن ~~هذه اللغة نشأت على صحراء خاوية لا قيمة للوقت عند أهلها؛ فلا جرم تخلو من التوقيت الدقيق ~~في تمييز الأفعال والأحداث. # لكنه وهم لا ms34 يثبت على نظرة محققة في التاريخ ولا في اللغة، ولا نحسب أن لغة نفهمها - أو ~~نفهم عنها - قد اشتملت على وسائل للتمييز بين الأوقات كما اشتملت عليها اللغة العربية، سواء ~~نظرنا إلى ضرورات سكانها، أو نظرنا إلى تصريف أفعالها وكلماتها. # فكل لحظة من لحظات النهار والليل قد كان لها شأنها في حياة سكان البادية بين السفر ~~والإقامة والحل والترحال، فمنها ما هو صالح لبدء المسير، وما هو صالح للراحة القصيرة، وما ~~هو صالح للراحة الطويلة، وما ليس يصلح لغير السكينة والاستقرار. # ولهذا وجدت كلمات البكرة والضحى، أو الغدوة والظهيرة والقائلة والعصر والأصيل والمغرب ~~والعشاء والهزيع الأول من الليل، والهزيع الأوسط، والموهن، والسحر، والفجر، والشروق ... ويكاد ~~التقسيم على هذا النحو أن ينحصر بالساعات على صعوبة التفرقة بين هذه الأوقات في كثير من ~~اللغات الأخرى بغير الجمل أو التراكيب. # وكل موسم من مواسم السنة له شأنه في المرعى والانتجاع، وطلب الماء أو التجارة أو الأمان. ~~ولهذا وجدت أسماء المواسم والفصول جميعا، ووجدت معها ثلاثة أسماء مختلفة الدلالة على ~~الدورة حول الشمس في مصطلح الفلكيين: فهي السنة ... وهي العام، وهي الحول، ولكل منها موضعه في ~~التعبير. # ووجدت في اللغة كلمة اليوم والنهار والليل، ولم تنقسم إلى يوم وليل دون تفرقة بين معنى ~~اليوم ومعنى النهار. # بل لهذا وجدت للأوقات كلمات مختلفة على حسب الطول والقصر في المدة، فالمدة شاملة لجميع ~~المقادير من امتداد الزمن، وتنطوي فيها اللحظة أو اللمحة للوقت القصير، والبرهة والردح ~~للوقت الطويل، والفترة للمدة المعترضة بين وقتين، بل وجد فيها الحين للزمن المقصود المعين، ~~والعهد للزمن المعهود المقترن بمناسباته، والزمن للدلالة على جنس الوقت كيفما كان، والدهر ~~للمدة المحيطة بجميع الأزمنة والعهود والأحيان. # مثل هذا الإحساس بالزمن لا تصوره الكلمات في لغة من اللغات التي نفهمها أو نفهم عنها، على ~~صورة أدق من هذه الصورة ولا أدل على الفوارق بين أجزائها، ولا غرابة في ذلك لو أراد ~~الباحثون أن يلتمسوا السبب الذي يبطل العجب، فإن الزمن الماضي «مهم» عند أبناء ms35 البادية ~~العربية في كل عهد من عهوده؛ لأنه مستودع المفاخر والأنساب والثارات والسوابق والذكريات، ~~وليس من المصادفة أن يسمى التاريخ هنا باسم الأيام، وأن يعرف لكل يوم أثره فيما كان وما ~~يكون. # أما الزمن الحاضر فلا غرابة في العناية بأجزائه وتقسيماته؛ لأن كل لحظة منه ذات شأن في ~~الحركة والإقامة، وفي المرعى والتجارة، وفي الحرب والأمان. # وليس من الطبيعي أن يبلغ إحساس قوم بالوقت هذا المبلغ، ثم يخلو كلامهم من الدلالة على ~~الإحساس به في مختلف مواضعه ومناسباته. # والواقع أن اللغة العربية تستوفي هذه الدلالة بأسلوبيها المعروفين في اللغات؛ ونعني بهذين ~~الأسلوبين أسلوب الكلمات المستفادة من التصريف والاشتقاق أو من الأدوات المصطلح على تخصيصها ~~لمعانيها، وأسلوب التعبيرات التي تدخل في عداد الجمل والتراكيب. # ومن الأسلوب الأول الصيغ التي تأتي من تصريف الفعل للدلالة على المستقبل الإنشائي كفعل ~~الأمر، فإنه في اللغة العربية مخصص بصيغتين لهذا المعنى بغير لبس في الزمن ولا في الفاعل، ~~فيقول العربي: اكتب، ويفهم من ذلك أن الكتابة مطلوبة للمستقبل غير حاصلة حتما، فإذا عبر ~~المتكلم بالإنجليزية عن هذا الفعل، فترجمة «اكتب» فيها كلمة # Write ~~، وهي تدل على مجرد الكتابة بغير زمن محدود، ولا ~~تتخصص لمعنى الأمر إلا إذا قيل: # Do write # أو # You should write ~~، ويندر في اللغات الغربية ما يشتمل ~~على تخصيص أدق من هذا التعميم. # أما الأسلوب الآخر - وهو أسلوب الدلالة على الزمن بالتعبيرات التي تدخل في عداد الجمل ~~والتراكيب، فكل ما أمكن التعبير عنه بهذا الأسلوب في لغة من اللغات، فهو ممكن في اللغة ~~العربية في سهولة كسهولتها أو أسهل منها. # فقد ينسب القول مثلا إلى أحد من الناس كأنه عادة كان يأتي بها في غير زمن محدود، فيقول ~~المتكلم بالإنجليزية: # He used to say # أو # He ~~was always saying ~~... ويقول العربي: إنه كان يقول، أو إنه تعود أن يقول، ~~أو إنه طالما قال ... ولا تختلف العبارتان في صحة الدلالة ولا في التحديد الزمني، ولا في ~~الإطلاق من هذا التحديد ولا في الإطالة ms36 والإيجاز. # وننظر إلى الأفعال من وجهة الأجرومية، فنرى أن أوضاعها في اللغة العربية أدل على التطور ~~والارتقاء من لغات أخرى تحسب في طليعة اللغات دقة وأداء للمعاني الذهنية. # والقرائن التي تكشف عن ذلك كثيرة، فمن علامات التطور في اللغة العربية أن الفعل الماضي ~~فيها هو الأصل، ويأتي الفعل المضارع بالتصريف ... وفي لغات أخرى من أرقى اللغات يشيع استعمال ~~المضارع «أولا»، ويأخذون منه الماضي بإضافة حرف أو مقطع أو تغيير الصيغة. # فالإنسان البدائي يتكلم كأنه يصور على الطريقة الهيروغليفية، فيرسم الحاضر المشاهد في ~~أثناء العمل، ويريد أن يعبر عن الكتابة فيرسم إنسانا في أثناء عمل الكتابة، أي: في الزمن ~~الحاضر المضارع للرؤية، فإذا أراد أن يعبر عن الماضي أضاف إلى الصورة علامة تدل على حدوثها ~~فيما مضى، أو أضاف إليها صورا تتمم معناها بما يفهم منه إسنادها إلى وقت مضى، ولكن اللغة ~~العربية تغلب فيها صيغة الماضي، ويؤخذ منها المضارع بحرف يدخل عليها، وإنما تتم غلبة الصيغة ~~الماضوية بتطور يتدرج في الارتقاء حتى تستقر الصيغتان - صيغة الماضي وصيغة المضارع - على ~~هذا التقسيم. # ومن علامات التطور في اللغة العربية أن تكون التفرقة بين الزمنين فيها فلسفية منطقية، ~~فضلا عن التفرقة النحوية. # ففي كثير من اللغات المعدودة من أرقى اللغات ينقسم الفعل إلى ماض وحاضر ومستقبل Past, present and future ~~. # على حين أن الحاضر شيء تبحث عنه، فلا تجده أو تجده على الدوام متصلا بالاستقبال لا ينفصل ~~عنه لحظة من أقصر اللحظات؛ لأنه ما من لحظة مهما تقصر إلا وهي كافية أن تجعله في حكم ما كان ~~وليس هو حاضرا الآن. # وهذا الفارق الدقيق ملحوظ في تقسيم الأفعال العربية؛ لأنها ماض ومضارع يدل على الحال ~~متصلا بالاستقبال، ولا يكون الفعل إلا للحال والاستقبال، أو يكون الزمن فيه مضارعا للزمن ~~السائر الذي لا يستقر على قرار. # وقد فطن لهذه الحقيقة عالم من أقدر علماء الأجروميات والمباحث اللسانية، ففي كتاب أصول ~~الأجرومية الإنجليزية لمؤلفه الدكتور «أوتوجسبرسن» # Jespersen # يقول هذا الباحث المحقق: «إن لنا - على الأصح ms37 ~~- أن نحسب أن الزمن ينقسم إلى جزئين: ماض ومستقبل، وبينهما حد الانفصال وقت حاضر كأنه ~~النقطة الهندسية، التي لا طول لها ولا عرض ولا ارتفاع، ولكنها على الدوام منسوبة إلى ~~المستقبل .» # وهذه التفرقة الفلسفية المنطقية ملحوظة في التفرقة الأجرومية بين الحاضر والمستقبل في لغة ~~العرب، فإذا أراد المتكلم أن يذكر المستقبل بشتى معانيه، فهو موجود بمعنى الاستمرار وبمعنى ~~الدلالة على ما يأتي، وبمعنى الإنشاء واستحداث الفعل على الطلب، فصيغة المضارع تدل على ~~الحال والاستقبال، وصيغة المضارع مسبوقة بالسين تدل على المستقبل القريب، ومسبوقة ب «سوف» ~~تدل على المستقبل البعيد. # وصيغة الأمر تدل على فعل مطلوب في المستقبل يقترن بالزمن عند حصوله: أمرته ففعل، وهذه ~~المجاوبة بين طلب الفعل وحدوثه مألوفة في اللغة العربية تتمثل في أفعال المطاوعة التي لا ~~نظير لها في كثير من اللغات: فإذا وقع الحدث في الزمن، فله صيغ متعددة تؤكد هذا التحقق كما ~~يقال: أمرته فأتمر، ورسمته فارتسم، وقطعته فانقطع، وكسرته فانكسر. # ومن قبيل هذه التوكيدات للحدوث أو طلب الحدوث في الزمن - دلالة المفعول المطلق حيث نقول: ~~فعلته فعلا، وصنعته صنعا، إلى أشباه ذلك في مواضعه ودواعيه من التعبير والتوكيد. # ومن علامات التطوير أفعال الدعاء والرجاء، فإنها في هذه اللغة العربية غاية في الدقة تحسب ~~من قبيل التميز المنطقي أو الفلسفي في هذا الباب. # فالمعنى غالب على اللفظ في أفعال الدعاء والرجاء: يقول القائل: (صحبتك السلامة) و(حفظك ~~الله) و(رعاك الله) ... ومن آية القصد في اللغة ألا يحتاج الفعل هنا إلى النقل من صيغة الماضي ~~إلى الحاضر؛ لأن المعنى بالبداهة معلق بالاستقبال، وفي بقائه على صيغة الماضي ما يشعر بقوة ~~الأمل في الاستجابة، كأن ما يرجى أن يكون قد كان وأصبح من المحقق المستجاب، ولا شك أن هذا ~~المعنى مقصود؛ لأنه لم يأت عن عجز في اللغة ولا يمتنع على قائل أن ينقله إلى صيغة المضارع ~~إذا شاء. ~~••• # ومن المعلوم أن الغربيين في أجرومياتهم يلحقون باب الشرط والنفي بالكلام على الزمن في ~~الأفعال وهو لحق معقول؛ لأن ms38 الشرط والنفي يفيدان ما يحدث وما لا يحدث في زمن من الأزمان، ~~وقد استوفى الشرط والنفي في اللغة العربية أيما استيفاء، فكان من أدوات الشرط ما يفيد ~~الاحتمال الضعيف ، ومنها ما يفيد الاحتمال القوي. # كما يقال: إن حدث هذا، وإذا حدث هذا. ومنها ما يفيد الاحتمال مع الفرض والتقدير، وقد يفيد ~~الامتناع حين تستخدم «لو» في مواضعها، ومنها ما يفيد الشرط المعلق على توقيت منتظر أو متفق ~~عليه كالشرط ب «متى»، ومنها ما يربط السببية أو النتيجة العقلية على الإطلاق الذي لا يتقيد ~~من الأزمان ك «مهما» وأيان وأنى، وك «لو» في بعض الأحوال. # أما النفي ففيه دقة وقصد يدل على جملة قواعد القصد في اللغة العربية. # فالنفي ب «لم» مقصور على نفي الحدوث وهو بالبداهة لا يكون إلا لزمن ماض؛ لأننا لا نتكلم ~~عن شيء حدث قطعا أو لم يحدث قطعا، إلا إذا كان الكلام على ما مضى ... ولهذا تقصد اللغة فلا ~~تحول الفعل من صيغة المضارع إلى صيغة الماضي بعد لم. ويقول العربي: ما حدث هذا ولا يقول: لم ~~حدث هذا؛ لأن «ما» تدخل على المضارع فتفيد نفي «الانبغاء» لا نفي الحدوث ... ومن قال: «ما ~~يحدث هذا» فإنه يعني أن هذا لا ينبغي أن يحدث ولا يعقل أن يحدث ... وقد يلاحظ هذا على الفعل ~~الماضي الذي تسبقه «ما» ... فإن نفي الوقوع هنا لا يخلو من نفي الانبغاء، ومن قال مثلا: «ما ~~فاه فلان بهذا الكلام»، فكأنه يقول: «حاشاه أن يفوه به»، وهذا هو الفارق بين «لم» التي لا ~~تحتاج إلى الفعل الماضي فإنها ماضية قطعا وبين «ما» التي تدخل على الماضي والمضارع؛ لأنها ~~تدل على جانب معنى الوقوع على نفي الشيء؛ لأنه لا ينبغي أو لا يعقل أو لا يقع في ~~الحساب. # أما إذا نفى الحدوث مع انتظاره في المستقبل فصيغة المستقبل هنا لازمة؛ ولهذا يقول العربي: ~~«لما يحدث هذا» وهو يترقب أن يحدث بعد قليل أو كثير. # وهذا القصد في تحويل صيغة الفعل لا يأتي جزافا فيما ms39 نرى؛ لأنه يتكرر حيثما اقتضاه ~~المعنى، فنقول مثلا: إن حدث هذا، وإذا حدث هذا، ومتى حدث هذا؛ لأن الاستقبال مفهوم ~~بالبداهة ولا حاجة إليه في اللفظ، وليس هذا لعجز أو لنقص في التصريف؛ لأن الفعل المضارع ~~موجود، ويجوز استعماله مع الشرط في بعض الأحوال لمن شاء. # وإذا دخلت أداة نفي على الفعل المضارع، فهي في حقيقتها مانعة للحدوث لا نافية للحدوث، ومن ~~قال: «لن يئوب القارظان» و«لن تشرق الشمس من المغرب»، فهو يقرر امتناع ذلك لسبب عنده قاطع ~~يمنعه، وليس هذا من قبيل النفي في الصيغ الماضوية. # والمهم في جميع هذه الملاحظات أن الفعل يتأثر بموقعه من الأداة النافية ومعناها، فليس هو ~~منقطعا عن العلاقة الزمنية بل هو متأثر بها في لفظه ومعناه ... «فلم يفعل» غير «لن يفعل» ~~وغير «ما يفعل»، وهو اختلاف يدل على ارتباط العلاقة الزمنية بعلاقة الإعراب، وإن تعذر ~~تعليله من ناحية الإعراب كما يتعذر مثل ذلك في جميع اللغات. ~~••• # على أن اللغات التي تتكلم بها في أرقى الأمم لم تشتمل على تصريفات، أو صيغ مصطلح عليها ~~للدلالة على الزمن خلت منها اللغة العربية أو من نظائرها، وإنما ترد الشبهة على بعض النقاد ~~الغربيين من وجود عناوين للأزمنة المعلقة عندهم لا توجد لها نظائر في اللغة العربية، وهذه ~~الأزمنة المعلقة هي التي يفرض حدوثها فيما مضى، أو ما يلي في حالات مشروطة أو متخيلة، ~~ولكنها ليست قاطعة ولا منتهية إلى نهاية حاسمة، وهذه الأزمنة المعلقة يعبرون عنها في بعض ~~اللغات الأوروبية بالأفعال المساعدة مع الفعل أو اسم الفاعل أو اسم المفعول، ويحكيها في ~~اللغة العربية أنه تقول مثلا عن أحد معروف أو مفروض: «لعله يكون مصورا كبيرا لو نشأ قبل ~~عصره»، أو «لعله يكون في مثل هذه الأحوال قد نجح لو نشأ بعد حين» أو «في مثل هذه الساعة من ~~الغد يكون قد حضر أو يكون حاضرا ... إلى أشباه هذه التعبيرات التي يسهل استخدامها في اللغة ~~العربية كما رأينا، وليست هي في اللغات الأخرى مخصصة بوضع أصيل ms40 من أوضاع التصريف والاشتقاق، ~~ولكنها تعبيرات طارئة تتيسر محاكاتها عندنا في كل معنى من معانيها. # وقد يأتي التعبير مخالفا لقصد القائل مع استعمال الفعل المساعد في أشيع اللغات الأوروبية ~~كما يظهر من ترجمة هذه الجملة العربية: «قلت له أمس: إنني سأذهب غدا»، فإنهم يترجمونها ~~بالإنجليزية: # I said to him yesterday I should go ~~tomorrow ~~. # ويجوز للسامع أن يفهم من هذا التعبير أن الذهاب واجب أو أنه حاصل حتما، في حين أن ~~المتكلم لا يعني ذلك، بل يعني أن ينوي أن يذهب ولا يقيد ذلك بالوجوب أو الجزم بالحدوث، وليس ~~في التعبير العربي شيء جديد يدعو إلى هذا اللبس، مع أن الزيادة فيه على الفعل أقل من ~~الزيادة اللفظية في اللغة الإنجليزية؛ لأن السين حرف واحد، وقد يستغنى عنه فيقال: «قلت له ~~أمس: إنني أذهب غدا، أو ذاهب غدا» فيفهم السامع ما أراده القائل. # وكثيرا ما يقيدون دلالات الزمن في اللغات الأوروبية بعبارة معينة لا تتقيد بها في ~~الواقع. ومن الأمثلة التي أذكرها على ذلك أننا كنا في أيام التلمذة ندرس باب المبني للمجهول ~~في اللغة الإنجليزية، فسألنا الأستاذ أن نبني للمجهول هذه العبارة: واكتب هذا # write this ~~، فأجبته بما معناه هذا يجب أن يكتب # This must be written ~~... قال الأستاذ: يجوز، ولكنه غير ~~الاصطلاح المشهور، وإنما الاصطلاح المشهور أن يقال: # This should be ~~written ~~... والفرق بينهما كالفرق بين «هذا يجب أن يكتب» «وهذا يلزم أن ~~يكتب» ... ولا فرق بينهما في الحقيقة إلا تحكما واصطلاحا لتقرير وضع من الأوضاع يتردد في ~~جميع التراكيب. # وبعد فإن اللغة من اللغات يعيبها على الأغلب الأعم نقصان: نقص في المفردات ونقص في أصول ~~التعبير، والنقص في المفردات مستدرك؛ لأنها تزاد بالاقتباس والنقل والتجديد. وما من لغة إلا ~~وهي فقيرة لو سقط منها ما لم يكن فيها قبل بضعة قرون، أما النقص المعيب حقا فهو نقص ~~الأصول والقواعد الأساسية في تكوين اللغة. ومن قبيله ما نسب إلى لغتنا من نقص الدلالة على ~~الزمن في صوره المختلفة، ms41 وإنه لنقص خطير لو صحت نسبته إليها، ولكنه بحمد الله غير صحيح. ~~ويحق لنا أن نقول: إن هذه اللغة العربية لغة الزمن بأكثر من معنى واحد: لغة الزمن لأنها ~~تحسن التعبير عنه، ولغة الزمن لأنها قادرة على مسايرة الزمن في عصرنا هذا وفيما يلي من ~~عصور. # | الشعر ديوان العرب # وإلى الشاعر يرجع العربي ليتعرف القيم الأخلاقية المفضلة، ويستقصي المناقب التي تستحب من ~~الإنسان في حياته الخاصة أو حياته الاجتماعية. # يرجع العربي إلى الشاعر، ولا يرجع إلى الفيلسوف أو إلى الزعيم أو إلى الباحث في مذاهب ~~الأخلاق، ويعلم كل قارئ عربي أن الشاعر الحكيم أبا تمام إنما قرر حقيقة علمية حين ~~قال: # ولولا خلال سنها الشعر ما درى # بناة العلا من أين تؤتى المكارم # ففي الشعر العربي تنويه بكل صفة من صفات المروءة والفتوة، ازدراء بكل عيب من العيوب التي ~~تشين صاحبها بين قومه، وبيان واف للأخلاق التي تحكم الحياة فعلا، أو ينبغي أن تحكمها ~~وتتراءى فيها مرجحة مشرقة بين سائر الأخلاق. # ومن البديه أن العربي لا يرجع إلى الشاعر ليسأله عن المذاهب الفلسفية ذات الشروح والحواشي ~~وذات العلل والنتائج، ولكنه يرجع إليه ليجد عنده شيئا أصح وأقرب إلى حسه وفهمه وعمله: يجد ~~عنده «شخصيات حية» تتمثل في كل منها صورة من صور الحياة كما هي: وكما يتمناها. # وإنه ليشعر بالمجاوبة بينه وبين هذه الشخصيات في جوانب كثيرة من ذات نفسه وذات ~~ضميره. # يشعر بها حين يريد أن يغتبط بحظه من الأخلاق، ويعتقد أنه على شيء من تلك الصفات التي ~~يحمدها الشعراء. # ويشعر بها حين يريد أن يتعزى عن فقدان الأخلاق الفاضلة في المجتمع، وأن يشكو فقدانها ~~ويبلور هذه الشكوى في كلام محفوظ يردده ويستشهد به لغيره. # ويشعر بها حين يريد أن يستحث طبيعته، وينهض بها إلى غاية يستصعب الوصول إليها، ويؤمن ~~بأنها غاية قد بلغها قبله آخرون. # ولحسن حظه أنه يجد في الشعر شخصيات كثيرة منوعة، تناسب كل حالة، بل تناسب كل سن، بل تناسب ~~كل مزاج. # يجد في الشعر ms42 شخصية الشاب المغامر، وشخصية الكهل الناضج، وشخصية الشيخ الحكيم، ويجد هذه ~~الشخصيات معروضة أمامه في حالات الرضا والسخط، وحالات التصون والابتذال، وحالات الروية ~~والارتجال. # كل شاعر من شعرائه النابهين نموذج صحيح من نماذج الشخصية الإنسانية على سليقتها، وكلهم ~~يعطيه الصورة كاملة مستوفاة من حياة واقعية لا شك فيها. # وفي شعر الجاهلية - مثلا - نموذج لشخصية الشاب طرفة بن العبد، وشخصية الكهل حاتم بن عبد ~~الله، وشخصية زهير بن أبي سلمى، وكل منهم موصوف في شعره على حقيقته، ويزيد على ذلك أنه واصف ~~صادق للقيم الأخلاقية كما تواضع عليها المجتمع في عصره، وكما يتمنى أن تسود بين الناس ~~كافة. # لم يعمر طرفة طويلا ولم يجاوز السادسة والعشرين إذا أخذنا بقول أخته في رثائه، ونشأ في ~~بيت من بيوت النسب العريق، ولكنه نشأ يتيما فقد أباه وهو طفل صغير، فلم ينل من أعمامه كل ~~حقه وابتلي بالظلم والرياء بين أهله الأقربين وعشيرته، فركب رأسه واستقل برأيه، وذهب يغامر ~~في الحياة ولا يبالي الموت؛ إذ عاش عيشة النعيم ومات ميتة الكريم. # ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى # وأن أحضر اللذات، هل أنت مخلدي؟ # فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي # فدعني أبادرها بما ملكت يدي # وإذا خوفوه بالعمر القصير قال: «ما أقرب اليوم من غد ...» أو قال: إن العمر طال أو قصر ~~«كالحبل الذي يربط به البعير، وطرفه الآخر في يد القدر لا يدري متى يجذبه منه.» # وعلى كثرة الاهتمام بالأخبار في الصحراء - لأن الأخبار ترتبط بالحياة والموت والأمن ~~والفزع - لم يكن طرفة يبالي أن يسأل عن خبر مغيب عنه، وكان يقول لمن يشغلون أنفسهم ~~بالسؤال والاستطلاع: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # إلا أنه مع إقباله على متعة الحياة لم يكن يرضى لنفسه مكان الرجل الجبان، الذي يهرب من ~~واجبه كلما دعي إليه. # وإن أدع للجلى أكن من حماتها # وإن «تقبل» الأعداء بالجهد أجهد # فهو في الجملة نموذج للشاب النبيل الذي يرضي نفسه، ولا يرضى عنها إذا تخلفت عن أنداده ms43 ~~ونظرائه في مقام الشجاعة والندى، ولا يقبل من قومه إذا أعطاهم حقهم في ساعة الشدة أن يحولوا ~~بينه وبين «ساعة المتعة» بتخويفه من اللوم، أو تخويفه من عواقب الإشراف. ~~••• # والنموذج الآخر - حاتم بن عبد الله - مثل من أمثلة الرجولة الناضجة، وقدوة للسيد المسئول ~~عن قومه، وإلى هذا اليوم يضرب المثل بالكرم الحاتمي في أحاديث الناس الذي يعرفون من هو حاتم ~~هذا، أو الذين لا يعرفون منه إلا اسما أصبح في عداد الصفات المتجمعة للنبل ~~والكرامة. # واتفق الرواة على أنه «رجل يصدق قوله فعله، وإذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق، ~~وإذا أسر أطلق.» وقد شهدت بنته البعثة الإسلامية وجيء بها مع أسرى قبيلتها إلى النبي - عليه ~~السلام - فقالت: يا محمد! هلك الوالد وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلي عني فلا تشمت بي أحياء ~~العرب، فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفك العاني ويحمي الذمار، ويقري الضيف ويشبع الجائع ~~ويطعم الطعام ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم طيء. # وشهد السامعون بصدقها ولم يكن يخفى على النبي حقيقة قولها، فقال - عليه السلام: خلوا ~~عنها، إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق. # وما من صفة من هذه الصفات إلا قد تواترت الأنباء بتأييدها، وتكررت النوادر التي تثبتها، ~~وجملة ما يقال عن هذا النموذج أنه كان سيدا ينهض بأعباء قومه، ويخجل من العيش الرغد إذا ~~كان في قومه من يشقى بالفقر وبالأسر، ويكرم نفسه مع الحلم في ساعة الغضب، قائلا وعاملا ~~بما يقول: # فنفسك أكرمها فإنك إن تهن # عليك فلن تلقى لك الدهر مكرما # تحلم على الأدنين واستبق ودهم # ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # 1 # وأصفح عن شتم اللئيم تكرما # لحى الله صعلوكا مناه وهمه # من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما # وجماع رأيه أنه يشارك الناس في ماله إذا اغتنى، ولا يشاركهم في مالهم إذا افتقر ويحمي ~~شرفه بماله، ولا يحمي ماله بشرفه. # وإني لعف الفقر مشترك الغنى # وتارك شكل لا ms44 يوافقه شكلي # وأجعل مالي دون عرضي جنة # لنفسي، وأستغني بما كان من فضلي # ومن أجمل أقواله التي سبق بها القائلين قبل أربعة عشر قرنا أن المال عبد وليس ~~بسيد. # إذا كان بعض المال ربا لأهله # فإني بحمد الله مالي معبد # ومن تمام أدب الرجولة فيه أنه كان يجمع العفة إلى الكرم والشجاعة، ولم يذكر عنه قط خبر ~~واحد ينفي قوله: # فأقسمت لا أمشي على سر جارتي # يد الدهر ما دام الحمام المغرد # ولا أشتري مالا بغدر علمته # ألا كل مال خالط الغدر أنكد # وشريعة الرجولة في هذا النموذج الأخلاقي الحي أنها حلم مع قوة، وعفة مع شجاعة، وكرم مع ~~وداعة وطيبة، وأنها حقيقة عملية وليست أمنية من أماني المثل الأعلى. ~~••• # ويعرض لنا زهير بن أبي سلمى قيم الحياة الفضلى، كما يتمثلها شيخ واسع التجربة خبير بحوادث ~~الأيام في زمانه وقبل زمانه، يقول بحق في شيخوخته: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # ومثال السيد الجدير بالحمد عنده من يحسن الحرب ويسعى في السلم، ومن لا يهاب القتال ولكنه ~~يدري ما هو فيعافه بعد خبرة: # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # 2 # وقد جمع الصفات المثلى كلها في أبيات متوالية يشيد فيها بحسن السياسة والفضل والوفاء ~~والقيام بمطالب العشيرة، كما يشيد فيها بالإقدام الذي لا يهاب صاحبه أسباب المنايا ~~وبالصراحة التي تنبو عن النفاق، ويأمر بالمعونة ولكنه ينهى عن المعونة في غير موضعها ولغير ~~أهلها: # ومن لا يصانع في أمور كثيرة # يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # ومن يجعل المعروف من دون عرضه # يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله # على قومه يستغن عنه ويذمم # ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه # إلى مطمئن البر لا يتجمجم # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # وإن يرق أسباب السماء بسلم # ومن يجعل المعروف في غير أهله # يكن حمده ذما ms45 عليه ويندم # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه # ومن لا يكرم نفسه لا يكرم # ومهما يكن عند امرئ من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس تعلم # وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده # وإن الفتى بعد السفاهة يحلم # وهذه القصيدة أوفى قصائد الشعر الجاهلي في وصف قيم الحياة والأخلاق الفضلى، كما يتمثلها ~~شاعر جاوز الثمانين وقضى العمر في عراك العيش بين الحرب والسلم والشدة والرخاء، وقام ~~بتكاليف الحياة حتى سئم تكاليف الحياة، ولكنه أراد أن يمحضها خالصة لمن يسأمها ولا يزال ~~يعانيها. # وليس أغنى من الشعر الجاهلي بهذه «المذاهب الأخلاقية» معروضة في صدر الشخصيات الحية، يتسع ~~فيها المجال لتطور كل شخصية على حسب اختلاف السن والمزاج وتجارب الأيام ... # ولكنها - على هذا الاختلاف - تستمد القيم من وحي المجتمع العربي في نطاقه، ولا تخرج منه ~~ولا تشعر بالحرج أو بالحجر من أجل ذلك؛ لأنها هي لا تريد أن تخرج من ذلك النطاق، وتحس بأنها ~~تفرضه كما يفرض عليها. # وإذا سألنا عن أثر الشخصية وأثر المجتمع أيهما أظهر وأقدر في خلق هذه القيم الحية، فقد ~~يفضي بنا البحث النظري إلى سؤال كالسؤال عن البيضة والدجاجة، ولكن الأمثلة الواقعية هنا ~~تعطينا الجواب محسوسا مفهوما لا محل بعده للبحوث النظرية. # إن استقلال الشخصية قد بلغ غايته القصوى في رجل ثائر على المجتمع، متمرد على قومه، مفاخر ~~بهذه الثورة وهذا التمرد، وهو عروة بن الورد الملقب بعروة الصعاليك؛ لأنه كان يقود صعاليك ~~القوم ليجلب لهم الميرة ولوازم المعيشة. # ولكنه لم يكن يثور ويتمرد إلا ليحقق القيم الاجتماعية التي تعارف عليها الناس من عشيرته، ~~فيخرج مغيرا مجازفا ليغنم ويطعم «المريض والكبير والضعيف»، كما جاء في سيرته، ويرد على من ~~يفاخره بالصحة والفراهة قائلا: إنه يفرق جسمه في جسوم كثيرة؛ أي: إنه يعطي من طعامه ما ~~يقوت الأجسام، وإن إناءه الواحد آنية للكثيرين ولكن مفاخريه لهم آنية كثيرة كأنها إناء ~~واحد. # وإني امرؤ عافي إنائي شركة # وأنت امرؤ ms46 عافي إنائك واحد # أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى # بجسمي شحوب الحق والحق جاهد # أفرق جسمي في جسوم كثيرة # وأحسو قراح الماء والماء بارد # وقد أصبح بعد موته «واضع قيم» ودليلا هاديا لمن يقررون دعائم المجتمع في الدولة ~~العربية، فكان الخليفة الأموي معاوية يقول: لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج ~~إليهم، وكان الخليفة الأموي الآخر عبد الملك بن مروان يقول: «ما يسرني أن أحدا ولدني من ~~العرب غير أبي إلا أن يكون عروة بن الورد.» # وسأل عمر بن الخطاب الحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ فقال: كنا ألف حازم نطيع قيس بن زهير ولا ~~نعصيه، ونقدم إقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد. # ولا حاجة بعد هذا المثل للسؤال عن مصدر القيم الأخلاقية بين الشخصية المستقلة وبين العرف ~~الذي يتواضع عليه المجتمع، فإن التطور ينتهي بالثائر والمسالم معا إلى توكيد القيم الفضلى ~~والزراية بمن يخرج عليها، وإنما الثورة على أعضاء المجتمع لا على القيم التي تعاونوا ~~عليها. # وقد مضى على هذه «المذاهب» المتمثلة في هذه الشخصيات نحو ألف وخمسمائة سنة، ولم يزل لها ~~صوت مسموع في استحسان الحسن وإنكار المنكر من الأخلاق. ~~••• # ولم تتغير بعد الإسلام وظيفة الشاعر التي يرجع إليها في تسجيل القيم والأخلاق، وإن كان قد ~~تغير الشاعر كما تغير سامعوه وقراؤه، وأصبح من اليسير على بعض الشعراء أن يعرضوا للناس صفات ~~«الشخصية الحية»، كأنها مذهب من مذاهب التفكير. # والنماذج هنا كثيرة كالنماذج في أيام الجاهلية، ولكننا نجتزئ منها بعض أنواعها التي تدل ~~على اتساع المجال أمام «الشخصية المستقلة» للتطور في نطاق المجتمع الكبير. ~~••• # من هؤلاء الشعراء أصحاب الشخصيات أو أصحاب المذاهب المستمدة من حياتهم وتفكيرهم - ثلاثة ~~ممتازون بين قرنائهم: هم الحسن بن هانئ، وأبو الطيب المتنبي، وأبو العلاء المعري، وأولهم ~~نشأ بعد ظهور الإسلام بنحو قرنين. # فالحسن بن هانئ أبيقوري كامل بالمعنى الذي شاع عن أبيقور بغير تمحيص في العصور الأخيرة، ~~فليس للحياة عنده غاية أحق بالحرص عليها من اللذة حيث كانت، ولا مبالاة في ms47 سبيلها باللوم أو ~~بالشريعة، ولكنه لا يدين بهذا المذهب تحديا للدين، بل اعترافا منه بالضعف عن فروضه ~~وإيمانا منه بالرجاء في الغفران؛ ولهذا حسبوه من الظرفاء الذين لا يؤخذون مأخذ الجد، ولم ~~يحاسبوه محاسبة الثورة والمروق. # وأبو الطيب المتنبي شاعر وفيلسوف، وفي وسعك أن تستخرج منه مذهب نيتشه في دين القوة ~~بتفصيلاته، مطبقا في الحياة العملية أو موضوعا موضع المحاولة الدائمة بغير وفاء. # ليس في مذهب نيتشه أصل واحد لا يواجهنا بارزا متميزا في عدة أبيات من شعر ~~المتنبي. # هناك قسمة الأخلاق إلى نوعين: أخلاق السادة وأخلاق العبيد. # وما في سطوة الأرباب عيب # وما في ذلة العبدان عار ~~••• # والغنى في يد اللئيم قبيح # قدر قبح الكريم في الإملاق # وهناك الترفع عن كل شيء فيه مساواة، وليس فيه امتياز واختصاص: # وشر ما قنصته راحتي قنص # شهب البزاة سواء فيه والرخم # وهناك حب الحياة واختلافه بين النوعين، فهو سبب للحذر والاتقاء عند الضعيف، وسبب للإقدام ~~والعدوان عند القوي: # أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورثه التقى # وحب الشجاع النفس أورده ~~الحربا # والقوة هي مصدر الأخلاق العليا، فلا عفة ولا حلم للضعفاء: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعله لا يظلم ~~••• # كل حلم أتى بغير اقتدار # حجة لاجئ إليها اللئام # والصفات الكريمة قوى كقوى جحافل الخيل المغيرة: # هزمت مكارمه المكارم كلها # حتى كأن المكرمات قنابل # وإنما يخاف الكريم شيئا واحدا، وهو العار الذي يذهب بسمعة المجد، فلا يحذر الموت من ~~يحذر العار. # فالعار مضاض وليس بخائف # من حتفه من خاف مما قيلا # وإذا كان مذهب نيتشه ناطقا جدا في شعر المتنبي، فشعر المعري فيه مذهبان ناطقان - ~~تفصيلا - من مذاهب العلم والفلسفة، وهما مذهب داروين ومذهب شوبنهور. # حب البقاء وتنازع البقاء بين الأحياء: # أرى حيوان الأرض يرهب حتفه # ويفزعه رعد ويطمعه برق ~~••• # ولا يرى حيوان لا يكون له # فوق البسيطة أعداء وحساد # والطبيعة تسلح كل حي بما يلائمه في هذا النزاع: # وما جعلت لأسود العرين ms48 # أظافير إلا ابتغاء الظفر # ولا فرق بين الأقوياء والضعفاء في هذه الحرب الأبدية: # ظلم الحمامة في الدنيا وإن حسبت # في الصالحات كظلم الصقر والباز # ولكنه يخلص من ذلك كله إلى رحمة الأحياء جميعا؛ لأنها: أقوياءها وضعفاءها ضحايا القدر ~~الغالب مدفوعة إلى العدوان أو الدفاع. # ولو علمتم بداء الذئب من سغب # إذن لسامحتم بالشاة للذيب # ومقاسمته الضعيف أولى من حمل مؤنة الصراع: # إن شقا يلوح في باطن البر # رة قسم بيني وبين الضعيف # ولكن أحق من الإنعام بدرهم على إنسان فقير، أن تنعم بالحياة كلها على برغوث مقبوض: # تسريح كفك برغوثا ظفرت به # أحق من درهم توليه محتاجا # كلاهما يتوقى والحياة له # حبيبة ويروم العيش مهتاجا # بل حتى عسل النحل لا يجوز لنا أن نغصبه لأنفسنا؛ لأنها تجمعه لنفسها ولا تجمعه ~~للمشتار. # تق الله حتى في جنى النحل شرته # فما جمعت إلا لأنفسها النحل # ولهذا عاش على النبات وحرم كل طعام من الحيوان أو من جناه، ولم يذهب هذا المذهب محاكاة ~~لأهل الهند كما وهم بعضهم؛ لأنه كان يعجب من عقائد كثيرة وشعائر مختلفة يدين بها الهنود، ~~كتناسخ الأرواح وتقديس البقر وتحريق الجثث وما إليها. # وقد انتهى به مذهب داروين إلى مذهب شوبنهور، وهو الإعراض عن الحياة بمعاركها ومظالمها ~~والكف عن النسل؛ لأن الأب الصادق الحنان هو الذي يجنب أبناءه شقوة العيش: # وإذا أردتم للبنين كرامة # فالحزم أجمع تركهم في الأظهر # أما ولادة النسل فهي جناية جناها عليه أبوه، فهو يكفر عنه فلا يجني على بنيه: # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على أحد # وعلى هذا النحو يفتح الشعر للعربي متحفا حافلا بأنماط الحياة، ويصور بها القيم ~~الأخلاقية في شخصية تتناسق وتتجاوب في سلوكها، وفي تعبيرها عن هذا السلوك، وإذا تعددت أمام ~~العربي هذه الأنماط، فهي لا تحير فكره ولا تبلبل خواطره كما تحار الأمم التي تتلقى ~~«الأيديولوجية» من مذاهب الفلاسفة بين الجدل والمناقشة ... كلا ... لا حيرة فكر هنا ولا بلبلة ~~خاطر؛ لأن السليقة العربية تواجه هذه الأنماط بحسها ووعيها، وتختار ms49 منها كل ما اقترب منها ~~واستوضحته بظروفها وأطوارها. # وهناك الضابط المهم الذي يوحد هذه الأنماط، ويتحول بها إلى اتجاه واحد، كما تتحول الجداول ~~إلى مجرى النهر الكبير. # ذلك هو ضابط الدين بعد ظهور الإسلام. # ففي الجاهلية كان نطاق المجتمع يحيط بالأنماط الشخصية فتتفق - مع تعددها - على الإيمان ~~بآداب المجتمع في النهاية. # وبعد ظهور الإسلام أحاطت آداب الدين بآداب المجتمع، وجاءت بمادة التماسك التي تشمل ~~الأنماط الكثيرة، وتردها إلى بنية واحدة. # والشعر والدين كيف يتفقان؟ # نعم كيف يتفقان وفي الشعر قسوة نيتشه، ورهبانية شوبنهور، وإباحية أبيقور المرفوضة في ~~التقاليد؟ # نعم يتفقان وفي الصدر سعة وعلى الثغر ابتسامة؛ لأن القرآن يصف الشعراء بأنهم # ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~~. # فللشاعر أن يقول ما يشاء، وللقارئ أن يستريح إلى سماعه إذا شاء؛ لأنه لا ينظر إليه نظرة ~~المعارض المصادم للدين، وإنما ينظر إليه كأنه يتفرج على منظر حسن من مناظر الفنون. # إن «الأيديولوجية» الدينية كثيرا ما تصيب النفس الإنسانية بما يشبه داء الفصام # Schizophernia ~~؛ لأنها لا تقرر لها مكانها بين عالم ~~الطبيعة، وعالم ما وراء الطبيعة، ولا تقرر لها مكانها بين حق الفرد وحق الجماعة. # إلا أن الإسلام لا يترك نفس الإنسان في هذا التيه على غير هدى، إن هذه الدنيا - عالم ~~الطبيعة - طيبة يجب على الإنسان أن يأخذ نصيبه منها ويأمره القرآن قائلا: # ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~، ويأمره الأثر # Tradition # قائلا: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل ~~لآخرتك كأنك تموت غدا.» # وحق الفرد - حق الحرية القائم على المسئولية - يطلق روح الإنسان من كل خطيئة ليست في عمله ~~كما تكرر ذلك في القرآن الكريم غير مرة: # كل نفس بما كسبت رهينة ~~. # كل امرئ بما كسب رهين ~~. # ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~. # وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى ~~. # وعلى كل إنسان إلى جانب حق المسئولية الحرة واجب يؤديه، ولكنه واجب على قدر طاقته # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~[البقرة: ~~286]. # أما الجماعة # Society # التي يختارها الإسلام، فهي ms50 الجماعة ~~التي تقوم على المساواة في الحقوق، وعلى حكم الشورى، ولا يمتنع فيها التفاضل ~~بالكفايات. # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ~~[الحجرات : 13]. # وأمرهم شورى بينهم ~~[الشورى : 38]. # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~[الزخرف : 32]. # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون ~~[الزمر : 9]. # ولكن الإسلام يمنع حصر الثروة في أيدي طبقة واحدة # كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء ~~[الحشر : 7]. # ولا يخفى أن المشكلة الكبرى في العصر الحديث إنما هي مشكلة العلاقة بين حرية الفرد ومصلحة ~~الجماعة، والإسلام لا يقيد المسلمين بنظام معين لحل هذه المشكلة، ولكنه يحرم السلطان المطلق ~~كل التحريم، ويحرم استئثار طبقة معينة بخيرات المجتمع، ولا يحاسب الفرد إلا بما هو مسئول ~~عنه مختار فيه، ولا يفرض عليه واجبا فوق طاقته، وهذا كل ما يطلب من «الأيديولوجية» الدينية ~~في تقرير نظام الحكم، وما بقي فهو من الأعمال التي يتولاها الناس في كل زمن بما ~~يقتضيه. # وأصعب الصعوبات في كل «أيديولوجية» سواء كانت دينية أو فلسفية، أنها تخاطب الشخصيات ~~المنوعة بلسان واحد، كأنها مطبوعة في طابع واحد، الأيديولوجية لا محل لها في الثقافة ~~العربية؛ لأن «الشخصية الإنسانية» تبلغ مداها في هذه الثقافة من التعبير عن نفسها، وذخيرة ~~الشعر العربي من أقدم العصور تكفي لتفريج كل حجر يعوق الشخصية عن تطورها، ففيه من ألوان ~~الشخصية أكثر مما في قصص الأمم الأخرى من الشخوص المتخيلين # Figures ~~، مع الفارق بين المثل الحي المعبر عن وجدانه ~~بلسانه، وبين الدمى المخلوقة من صنع الخيال يلقى على ألسنتها كل ما يقال. # ومكان الشعر العربي في «الأيديولوجية» أنه أكثر من أدب، وأنه تعبير عضوي # Organic # عن الحياة الباطنة، فهو تنفيس حر عن الوجدان في ~~قضاياه الخاصة والعامة ولا صدام فيه؛ لأنه منوع كثير الأنماط، يناسب حالات كثيرة من النقائض ~~التي تعرض للإنسان. # إن القداسة عبء ثقيل لا يقوى عليه المخلوق الفاني في جميع أوقاته، ولكن المعبد الذي يأذن ~~إلى جانبه بالمضمار ms51 الرياضي، والمنبر البليغ يعطي الإنسانية حقها، ويعينها على واجبها إذا ~~أرادت أن تعان عليه. # وهكذا تستطيع الأيديولوجية العربية من جانبها الديني وجانبها الفني أن تقيم الإنسان على ~~رأس طريق لا ظلام فيه! شخصية حرة مسئولة، ومجتمع يوجب المساواة في الحقوق، ولا يسمح باحتكار ~~الثروة لفئة محدودة ولا يحرم الممتاز فرصة الامتياز، وواجب على قدر الطاقة في جميع ~~الأحوال. # | نقد الشعر العربي # أخطاء المستشرقين في نقد الشعر القديم # انتهى في عصرنا هذا دور الاستشراق في خدمة اللغة العربية، وبقي للمستشرقين دورهم الذي ~~ينتفع به أبناء الغرب الذين يعتمدون على إخوانهم في لغاتهم للعلم بما يحتاجون إلى علمه عن ~~اللغة العربية. # ووضح اليوم مكان المستشرقين في الدراسات العربية، وسائر الدراسات الشرقية. # فإذا صرفنا النظر عن عمل الكثيرين منهم في دراسة اللغة لأغراض دينية أو سياسية، فهم قبل ~~كل شيء مؤرخون أو أصحاب إحصاء وتسجيل، لم يعهد فيهم أنهم حجة في آداب بلادهم، فهم أحرى ألا ~~يكونوا عندنا حجة في آدابنا العربية، وبخاصة في مسائل الذوق الفني، واختيار الشعر والحكم ~~على الشعراء. # وهم بعد ذلك يجهلون روح اللغة ويجهلون معاني الكلمات، وليس من الشائع بينهم أن يتوسعوا في ~~دراسة التاريخ العام للبلاد الشرقية إلى جانب دراسة اللغة، فيكثر عندهم من أجل ذلك أن ~~يخطئوا فهم أطوار اللغة جهلا منهم بأطوار التاريخ، وبما يستلزمه من موضوعات الشعر والخطابة ~~وغيرها من التعبيرات القومية. # ومثال ذلك أنهم - لغفلتهم عن الفارق بين أديان العرب الجاهلين، وأديان الهند واليونان ~~والفرس - حسبوا أن العرب قد كان لهم شعر ديني لا بد أن يكون على مثال قصائد الهند والفرس ~~والأساطير اليونانية الشعرية، ورتبوا على ذلك إنكار الشعر العربي المنسوب إلى الجاهليين؛ ~~لأنه خلو من التعبير عن العبادات والشعائر وما إليها، ولكن قليلا من العلم بالتاريخ ~~الجاهلي ينقض هذا الظن كله لما هو معلوم عن مناسك العرب الجاهليين، وإنها لم يوجد لها هيكل ~~ترتل فيه الصلوات والأناشيد الدينية على مثال الهياكل الهندية أو الفارسية أو المحافل ~~اليونانية، وإنما كان هيكلهم الأكبر ms52 في الكعبة مثابة فريضة ليس للشعر عمل فيها كعمله في ~~الأشعار الدينية المشهورة، ونعني به فريضة الحج، أو زيارة الكعبة من حين إلى حين، ولو جاز ~~أن ننفي الشعر الجاهلي الذي خلا من الدينيات لوجب أن نحل في محله شعرا آخر لم يخل من هذه ~~الدينيات، ولو بقي ذكره ولم تبق نصوصه بأوزانه وكلماته ، سواء نظم ذلك الشعر بلغة قريش أو ~~بلغة غيرها، لاعتقاد المستشرقين أن لغة قريش لم تشمل أنحاء الجزيرة العربية ... فأين هو ذلك ~~الشعر الموهوم؟ # ومن نقص فهم التاريخ الذي يؤدي إلى الخطأ في نقد الشعر، وفهم أطوار اللغة أن المستشرقين ~~لم يتلفتوا إلى عموم لغة قريش بين اليهود الذين لا شك في اختلاف لغتهم الأولى عن لغات قريش، ~~وسائر أبناء الجزيرة. # وبعض ما يستفاد من الالتفات إلى تاريخ يهود يثرب - مثلا - أنه يصحح خطأ المستشرقين؛ إذ ~~ينكرون وحدة اللغة العربية قبل الإسلام في عصر المعلقات، والقصائد الجاهلية، ولقد كانت وحدة ~~اللغة من مقدمات الدعوة الإسلامية التي خاطبت العرب جميعا بلسان يعرفونه من قبل عصر ~~الإسلام ... فجاء بعض المستشرقين بوهم من أوهامهم يشككون في وحدة هذه اللغة، وينكرون اتفاق ~~الجزيرة على التخاطب بلسان القرشيين والمكيين، ويزعمون أن وحدة هذه اللغة ممتنعة لاختلاف ~~لسان العدنانيين والقحطانيين. # وإلى هذا الخطأ أشرنا في كتابنا مطلع النور حيث نقول: # فاليهود في يثرب أصدق جواب على هذه الأوهام؛ لأنهم غرباء عن الجزيرة العربية ~~دخلوها في القرن الأول أو الثاني للميلاد، ولا يجوز الشك في ذلك، ولا القول: بأنهم ~~عرب تهودوا كما قال بعض المؤرخين على غير علم ولا روية فيما يصح أن يقال! فإن القول ~~بذلك يستلزم منا أن نفرض أن العرب الأميين تطوعوا للتحول إلى اليهودية، ثم تعلموا ~~العبرية، وتفقهوا في كتب التوراة؛ لينقطعوا عن أسلافهم وينضووا إلى قوم مخذولين في ~~بلادهم لا يسلمون لأحد من الأمم أنه أهل للدخول معهم في عداد شعب الله المختار، ~~فهذا من أغرب الفروض التي لا تثبت بغير دليل قاطع فضلا عن الثبوت - ظنا وتخمينا ms53 ~~- بغير دليل، وليس في هجرة اليهود من فلسطين إلى بلاد العرب غرابة، أو مناقضة ~~لوقائع التاريخ بعد تشتيتهم في القرن الأول أو الثاني للميلاد، وقد كان مقامهم على ~~الطريق بين تيماء والمدينة للتجارة والزراعة، والاشتغال بغير صناعات القبائل ~~العربية أشبه شيء أن يكون على ذلك الطريق خاصة دون الطريق الأخرى التي يحميها النبط ~~وقريش ، ولا يستطيع اليهود المهاجرون أن يقتحموها على أصحابها وهم مشردون مستضعفون، ~~مع العداء بينهم وبين النبطيين، وتعصب النبطيين على إسرائيل دينا ولغة وميلا في ~~السياسة والولاء. # وعلى جميع هذه الفروض التي لا تقبل الشك تبقى هناك الحقيقة، التي لا تختلف مع ~~اختلاف القول في أصول يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى على الإجمال. # فهل هؤلاء عرب يكتبون؟ # لو كانوا كذلك لقد كانوا خلقاء أن يحفظوا في صحفهم كلاما عربيا، مما قبل ~~الإسلام بثلاثة قرون يخالف العربية الموحدة في عصر الإسلام، إن صح أن العربية لم ~~تكن موحدة في أيام شعراء المعلقات ... وبعض هؤلاء الشعراء لم يسبقوا عصر الإسلام ~~بأكثر من مائة عام. # وكانوا خلقاء أن يحفظوا بالكتابة العبرية لهجة غير اللهجة الموحدة التي يشك ~~المستشرقون في سبقها للإسلام إلى عصر أولئك الشعراء، أو كانوا خلقاء أن يعلمونا من ~~كتابتهم شيئا يؤيد ذلك الشك نوعا من التأييد. # أما إذا كانوا على القول الراجح - بل القاطع - يهودا دخلوا الجزيرة بلسان غير ~~لسانها، وتكلموا الآرامية أو الأدومية أو العبرية، ثم تعلموا اللغة العربية ~~الحجازية، فهذا التوحيد الذي تم بين اللغة الحجازية وبين الآرامية أو الأدومية أو ~~العبرية ليس بالمستغرب أن يتم بين لهجة العرب في الجنوب، ولهجة العرب في الحجاز ~~وسائر أطراف الجزيرة، فقد أقام عرب اليمن في الجزيرة، واتصلوا بالحجاز زمنا أطول ~~جدا من مقام اليهود المهاجرين منذ القرن الأول أو الثاني للميلاد. # ولم يصل إلينا شيء من لغة اليهود الذين أقاموا بجنوب الجزيرة، أو اليهود الذين ~~تحالف معهم ذو نواس في نجران، ولكن اليهود الذين وفدوا إلى الحجاز بعد البعثة ~~النبوية كان منهم كتاب ومؤرخون مطلعون على ms54 تواريخ حمير، وتواريخ أسلافهم ~~العبرانيين، وكان منهم كعب بن مانع المسمى بكعب الأحبار، وكان منهم وهب بن منبه ~~الصنعاني الذي قال ابن خلكان: إنه رأى كتابا له عن ملوك حمير وأخبارهم وأشعارهم في ~~مجلد واحد، ووصف هذا الكتاب بأنه مفيد، وقد كان كعب ووهب من المغربين في طلب ~~النوادر، فلم يذكروا لنا زمنا شهداه ، أو شهده آباؤهما، وأجدادهما، كانت فيه لغة ~~قريش مجهولة في اليمن وما جاورها. وأدنى من ذلك إلى عصر البعثة قدوم الوفود من ~~اليمن إلى الحجاز، وذهاب الولاة من الحجاز إلى اليمن بإذن النبي - عليه السلام، ~~ومنهم معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب، ومن كان يصحبهما في عمل الولاية والتعليم، فلم ~~نسمع أن وفود اليمن - على النبي - جهلوا ما سمعوه أو نطقوا بكلام لا يفهمه أهل ~~الحجاز، وهؤلاء لقد لقنوا لغاتهم من آبائهم، فلا يفوتهم ما اختلف من كلامهم إذا كان ~~ثمة اختلاف. # وأقدم من البعثة المحمدية رحلة الصيف ورحلة الشتاء، وليس في أخبار هذه الرحلات ~~إلماع إلى تفاهم قريش من أهل اليمن، بلغة غير اللغة القرشية في الجيل السابق للبعثة ~~والجيل الذي تقدمه، ومن البعيد جدا أن يغيب عن ذاكرة العربي حديث جيلين قبل جيله، ~~وقد كانت أخبارهم ورواياتهم وأنسابهم وأمثالهم كلها قائمة على الحفظ، وتسلسل ~~الرواية والإسناد من جيل إلى جيل، فإذا كانت لغة الحجاز شائعة عامة على مدى الذاكرة ~~في عصر البعثة المحمدية، فلا أقل من ثلاثة أجيال تقدر لهذا الشيوع وهذا التعميم، ~~وترجع بنا هذه الأجيال إلى أقدم الأوقات التي أسند إليها نظم المعلقات، فلا نستغرب ~~نظمها باللغة التي يفهمها العرب من الجنوب إلى الشمال. # ولقد سمع النبي - عليه السلام - قصيدة كعب بن زهير، وقد نظمها ولا شك بلغة أبيه ~~زهير بن أبي سلمى، وكان زهير من أسرة شاعرة مسبوقا إلى النظم بتلك اللغة، ولا يعقل ~~أن يكون التغير في لغة النظم قد طرأ عليهم فجأة في مدى سنوات معدودات. فإذا بلغنا ~~بالمعلقات عصر هرم بن سنان - ممدوح زهير، وما تقدمه بقليل ms55 فليس من شعراء المعلقات ~~من هو أقدم من ذلك بزمن طويل يمتنع فيه التوافق على النظم الواحد واللغة ~~الواحدة. # ولا بد أن نذكر هنا أن أوزان العروض لا تخلق بين يوم وليلة، وأن وزن قصيدة كعب ~~ووزن قصيدة أبيه قد وجدا قبل عصر الشاعرين، ونظمت فيهما قصائد جيل أو جيلين على ~~الأقل قبل ذلك التاريخ، ولو أن هذه الأوزان وسعت شعرا غير شعر اللغة الحجازية لما ~~غاب خبره إن غاب لفظه ومعناه. # ومن عسف القول ولا ريب أن نجزم بامتناع هجرة اليمانية إلى ما وراء حدود اليمن في ~~الجزيرة العربية، فإذا جاز أن تهاجر منهم قبيلة واحدة، فحكم القبيلة في مسألة اللغة ~~كحكم القبائل العشر أو العشرين، ولمن شاء أن ينكر نسبة البكريين أو التغلبيين أو ~~الغساسنة إلى اليمن مستندا إلى الدليل، أو غير مستند إلى دليل على الإطلاق، ولكنه ~~لا يستطيع أن ينكر نسبتهم إلى اليمن وينكر نسبة اللغة العدنانية إليهم في وقت واحد، ~~فإنه بذلك ينكر نسبتهم إلى كل أصل معروف في الجزيرة العربية، ولا يأتي لهم بأصل من ~~تلك الأصول. # وإن من ينكر انتقال قوم من اليمن إلى ما وراءها؛ لينكر أمرا غير قابل للإنكار في ~~الجزيرة العربية التي لم يثبت فيها تاريخ أثبت من تواريخ الرحلات، على تباعد ~~الأزمنة وتبدل العوارض الجوية وطوارئ الخصب والجدب والغلبة والهزيمة. وما من باحث ~~ذي روية يعتسف البت بذلك الإنكار، ثم يجزم بحصر اليمانية في حدودهم منذ أحاطت بهم ~~تلك الحدود. فمن العسف أن يقال: إن اليمانية لم تبرح اليمن قط في العصور التي سبقت ~~البعثة المحمدية، وليس من العسف في شيء أن يقال: إنها برحتها على حسب الطوارئ ~~وعوامل الجو والتاريخ، ولا داعي بعد ذلك لاستغراب التوافق بين اليمانية، وأبناء ~~الحجاز وتهامة، وسائر الجزيرة في لهجة من اللهجات، فما دمنا نقدر بحكم البداهة أن ~~اليمانية وجدوا في الجزيرة العربية وراء حدودهم، وتكلموا كما يتكلم المقيمون في ~~جوارهم فقد زالت المشكلة ... ولم تكن هنالك في الحقيقة مشكلة تزال. # وليس أكثر ms56 من العسف الذي يلجأ إليه منكرو الوحدة في لغة الجزيرة قبل البعثة ~~المحمدية بجيلين أو ثلاثة أجيال، وإن اعتساف التاريخ هنا لأهون في رأينا من اعتساف ~~الفروض الأدبية التي لا تقبل التصديق، فما من قارئ للأدب يسيغ القول: بوجود طائفة ~~من الرواة يلفقون أشعار الجاهلية، كما وصلت إلينا ويفلحون في ذلك التلفيق؛ إذ معنى ~~ذلك «أولا» أن هؤلاء الرواة قد بلغوا من الشاعرية ذروتها التي بلغها امرؤ القيس ~~والنابغة وطرفة وعنترة وزهير وغيرهم من فحول الشعر في الجاهلية. ومعنى ذلك «ثانيا» ~~أنهم مقتدرون على توزيع الأساليب على حسب الأمزجة والأعمار والملكات الأدبية؛ ~~فينظمون بمزاج الشاب طرفة ومزاج الشيخ زهير، ومزاج العربيد الغزل امرئ القيس، ~~ومزاج الفارس المقدام عنترة بن شداد، ويتحرون لكل واحد «مناسباته» النفسية ~~والتاريخية، ويجمعون له القصائد على نمط واحد في الديوان الذي ينسب إليه، ومعنى ذلك ~~«ثالثا» أن هذه القدرة توجد عند الرواة، ولا توجد عند أحد من الشعراء ثم يفرط ~~الرواة في سمعتها، وهم على هذا العلم بقيمة الشعر الأصيل، وما من ناقد يسيغ هذا ~~الفرض ببرهان فضلا عن إساغته بغير برهان ولغير سبب، إلا أن يتوهم ويعزز التوهم ~~بالتخمين! وإن تصديق النقائض الجاهلية جميعا لأهون من تصديق هذه النقيضة التي يضيق ~~بها الحس، ويضيق بها الخيال. # وشتان - مع هذا - النقائض التي يستدعيها العقل ويبحث عنها إذا تفقدها فلم يجدها، ~~والنقائض التي يرفضها العقل ولا موجب لها من الواقع، ولا من الفكر السليم. # فهذه النقائض التي تحاول أن تشككنا في وحدة اللغة العربية قبل الإسلام يرفضها ~~العقل؛ لأن قبولها يكلفه شططا ولا يوجبه بحث جدير بالإقناع. # فمما يتكلفه العقل إذا تقبلها أن يجزم - كما تقدم - بانقطاع عرب اليمن عن داخل ~~الجزيرة كل الانقطاع، وأن يجزم ببقاء لغة قحطانية تناظر اللغة القرشية في الجيلين ~~السابقين للبعثة المحمدية، غير معتمد على أثر في ذاكرة الأحياء ولا في ورق محفوظ، ~~وأن يلغي كل ما توارثه العرب عن أنسابهم وأسلافهم، وهم أمة تقوم مفاخرها وعلاقاتهم ~~على الأنساب وبقايا الأسلاف، وأن ms57 يفترض وجود الرواة المتآمرين على الانتحال بتلك ~~الملكة التي تنظم أبلغ الشعر، وتنوعه على حسب الأمزجة والدواعي النفسية والأعمار، ~~وأن يفهم أن القول المنتحل مقصور على الأسانيد العربية، مبطل لمراجعها، دون غيرها ~~من مراجع الأمم التي صح عندها الكثير مما يخالطه الانتحال والكذب الصريح. # ومن النقائض التي يستدعيها العقل ويستلزمها، ويتخذ منها حجة لثبوت الواقع في ~~جملته أن يحدث الاختلاف في الرواية، وأن يتعذر فيها الإجماع بين الرواة، فإن العقل ~~لا يصدق الأقاويل التي يتفرق رواتها، ويطول العهد عليها ويعول أصحابها على الذاكرة ~~والإسناد، ثم تأتي متفقة في الجملة والتفصيل، ولا تتعرض مع الزمن وعوامل الأهواء ~~للاضطراب والحذف والإضافة عن قصد أو بفعل النسيان والإهمال، فاختلاف الرواة إذن سبب ~~من أسباب التصديق، واتفاقهم يدعو إلى الشك أو التكذيب. # وقد نسمع النقيضين في هذه الحالة؛ فنرفضهما ولا نرفض لباب الخبر ومغزاه. فقد ~~سمعنا أن عمرو بن كلثوم أو الحارث بن حلزة ألقى قصيدته في وقفة واحدة، وسمعنا أن ~~زهير بن أبي سلمى كان ينظم قصيدته في الحول، وتسمى قصائده من أجل ذلك بالحوليات، ~~وقد نسقط هذه المبالغة كما نسقط تلك، ولا يلزم من ذلك أن نسقط الشعر الذي يوغل في ~~وقت نظمه، بين أقصى الطرفين. # وربما وقفنا على روايتين نصدقهما الآن عند النظر إلى الحقائق العصرية، ونعلم أن ~~تلفيقهما في الزمن الماضي جد عسير ولو أراده الملفقون. فمما يروى عن امرئ القيس أنه ~~تعجب من إعراض النساء عنه مع وسامته ومكانته، وسأل إحدى النساء في ذلك فقالت له: ~~نعم، ولكن لك عرقا كأنه عرق كلب، ثم نقرأ أخبار وفاته فنعلم منها أنه أصيب قبل ~~موته بقروح تساقط منها جلده، وسمى الحلة التي كان يلبسها من أجل ذلك بذات القروح، ~~ومؤدى الروايتين معا أن الشاعر كان على استعداد للمرض الجلدي لفساد رائحة العرق ~~الذي يفرزه، وأنه لم يزل حتى استشرى به الفساد في رحلته القصية فظهرت فيه تلك ~~القروح، ويقترن ذلك بنوادره مع النساء المعرضات عنه، وغلبة الشاعر علقمة عليه في ~~عيني ms58 امرأته، فلا يسهل على الناظر في جميع هذه الأخبار أن ينسب تلفيقها عمدا إلى ~~راوية واحد، ولا يسهل عليه أن يتلقاها متفرقة ثم يجردها من الدلالة التي تربط بينها ~~على غير علم من الرواة المتفرقين. # وربما كذب الكثير من أخبار طرفة ولم تكذب قصيدته، حيث تنم في جملتها على خلائقه ~~التي تنوب عن تلك الأخبار، وتغنينا عن محاسبة الرواة على التصديق أو ~~التكذيب. # وهذه القرائن الأدبية هي التي يغفل عنها المستشرقون ولا يفطنون لها لأنهم ينظرون ~~في النصوص والإسناد ولا ينظرون في الأدب، ولا في روح الكلام ومضامين التعبير، ومنهم ~~من لا يعرف أدب بلاده، ولا يحسن الحكم عليه، وهو أدب اللغة التي تلقنها في حجر أمه، ~~فليست معرفته باللغة العربية كافلة له أن يحكم على آدابها وأساليبها، ومضامين ~~الكلام فيها، مع تعدد الأمزجة والأذواق ... ومنهم علامة تصدى لوضع المعجمات الكبرى ~~في اللغة العربية، فكتب في مادة «أخذ» إنها تأتي بمعنى نام لقوله تعالى: # لا تأخذه سنة ولا نوم ~~... ومنهم من يترجم ~~«أبا بكر» بأبي العذراء؛ لأنه كان والد الزوجة التي بنى بها النبي - عليه السلام - ~~وهي عذراء، ومنهم من يترجم الصعيد بمصر الميمونة أو مصر السعيدة # Egypt Felix # قياسا على اليمن التي تسمى ~~العربية السعيدة # Arabia Felix ~~، ومنهم من يقول: إن ~~التضحية تدل على عبادة الشمس؛ لأنها من الضحى ... وما هي في وضعها إلا كالتغدية من ~~الغداة والتعشية من العشاء، والسحور من السحر إلى غير ذلك من توقيت الوجبات ~~والذبائح بميقاتها في الليل والنهار، ومنهم من يحسب أن القصيدة من القصد، فيترجمها ~~بالكلام الذي يراد معناه! # وقد تصدت منهم لهذا البحث الذي نحن فيه عن اللغة قبل نزول القرآن طائفة تقتحم هذه ~~المباحث، وهي أجهل بآلاتها من عامة الأميين، فالدكتور سنكلر ثسديل # Thusdale # صاحب كتاب مصادر الإسلام يروي شبهات ~~الناقدين للقرآن الكريم، ومنها هذه الأبيات: # دنت الساعة وانشق القمر # عن غزال صاد قلبي ونفر # أحور قد حرت في أوصافه # ناعس الطرف بعينيه حور # مر يوم العيد في زينته # فرماني ms59 فتعاطى فعقر # بسهام من لحاظ فاتك # تركتني كهشيم المحتظر # ويتخذ منها قرينة على اقتباس القرآن بعض الآيات من أشعار الجاهليين. # ويضيف الدكتور العلامة إلى هذه الأبيات أبياتا أخرى كقول القائل: # أقبل والعشاق من خلفه # كأنهم من حدب ينسلون # وجاء يوم العيد في زينة # لمثل ذا فليعمل العاملون # قال الدكتور: «ومن الحكايات المتداولة في عصرنا الحاضر أنه لما كانت فاطمة بنت ~~محمد تتلو هذه الآية وهي # اقتربت الساعة وانشق ~~القمر # سمعتها بنت امرئ القيس، وقالت لها: إن هذه القطعة من قصائد ~~أبي أخذها والدك، وادعى أن الله أنزلها عليه، ومع أنه يمكن أن تكون هذه الرواية ~~كاذبة؛ لأن امرأ القيس توفي سنة 540م، ولم يولد محمد إلا في سنة الفيل أي: سنة ~~570م، فلا ينكر أن هذه الأبيات المذكورة واردة في سورة القمر وفي سورة الضحى، وفي ~~سورة الأنبياء وفي سورة الصافات، وغاية الأمر أنه يوجد اختلاف طفيف في اللفظ وليس ~~في المعنى، فورد في القرآن اقتربت وفي القصيدة دنت ... ومن البين الواضح أنه يوجد ~~مناسبة ومشابهة بين هذه الأبيات، وبين تلك الآيات الواردة في القرآن، فإذا ثبت أن ~~هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقة، فحينئذ يصعب على المسلم توضيح كيفية ورودها في ~~القرآن؛ لأنه يتعذر على الإنسان أن يعتقد أن أبيات شاعر وثني كانت مسطورة في اللوح ~~المحفوظ قبل إنشاء العالم.» # ثم قال الدكتور يطالب العلماء المسلمين، مع المعترضين والمشتبهين، بأن يقيموا ~~الدليل على أن هذه الآيات مأخوذة ومقتبسة من القرآن، وأنها ليست من نظم امرئ القيس ~~الذي توفي قبل مولد محمد بثلاثين سنة «ولكن يصعب علينا أن نصدق بأن ناظم هذه ~~القصائد بلغ إلى هذا الحد من التهتك والاستخفاف، والجرأة في أي زمن من الأزمان بعد ~~تأسيس مملكة الإسلام التي كانت متسعة الأطراف والأكناف، حتى يقتبس آيات من القرآن، ~~ويستعملها في مثل هذا الموضوع.» # ثم يختم الدكتور كلامه في هذه الشبهات مصطنعا الحذر والحيطة؛ لئلا يثبت نظم هذه ~~الأبيات بعد الإسلام، فتسقط الشبهة كلها، فيقول: «إن هذه الأبيات ليست ms60 كل ما يعترض ~~به المعترضون؛ لأن ما تقدم من الأسانيد كاف عندهم لتأييد هذه القضية.» # وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام، وعلاقتها ~~بلغة القرآن الكريم - أنهم يحسبون أن علماء المسلمين يلقون في بحث تلك الأبيات، ~~وصبا واصبا لينكروا نسبتها إلى الجاهلية ... ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة ~~كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس، أو غيره من شعراء الجاهلية. # وهذه النظرة الكافية هي التي تعيي الناقدين المستشرقين، وهي أصل وثيق من أصول ~~النقد يعول عليه الناظر في الأدب كل التعويل، ولا يقدح فيه أن يتسع للجدل، وأن يجوز ~~عليه الخطأ في القليل دون الكثير. # كذلك يتسع سبيل الجدل في إنكار خبرة الخبير بكتابة الخطوط، وكذلك يجوز الخطأ في ~~محاكاة كلمة أو بضع كلمات، ولا يجوز في السطور والصفحات. # فإذا نظر خبير الخطوط في صفحة من الصفحات، فقد تغنيه نظرة في الحكم عليها بالصحة ~~أو التزييف، وربما جاز عليه أمر الكلمة والكلمات، إذا لم يكن أمامه غير هذه الكلمة ~~أو هذه الكلمات للمقابلة والمضاهاة، ولكنه إذا حصل على تلك الكلمة مكتوبة عشر مرات ~~أو عشرين مرة لم يكن من اليسير أن ينخدع فيها، كما ينخدع في الكلمة المفردة بغير ~~تكرار، وعلى هذا المنوال يبدو الصحيح والزيف في الشعر الأصيل والشعر المدخول، وقد ~~يجوز التزوير في الشطرة الواحدة أو البيت الواحد إذا امتنعت المقارنة بينه وبين ~~أمثاله من تلفيق صاحب التزوير، ولكنه لا يجوز إذا كرر المزور الأبيات، ومثلت للناظر ~~الناقد طريقته في تزوير هذه الأبيات المتفرقات. # أما المستحيل، أو شبيه المستحيل، فهو تزوير أدب كامل ينسب إلى الجاهلية، ويصطبغ ~~في جملته بالصبغة التي تشمله على تباين القائلين والشعراء، فإذا جمعنا الشعر ~~المنسوب إلى الجاهلية كله في ديوان واحد، فمن المستحيل أو شبيه المستحيل أن نجمع ~~ديوانا يماثله، ولا يخالفه من كلام العباسيين أو كلام الأمويين المتأخرين، وإذا قل ~~الفارق بين الشعر المخضرم والشعر الأموي الأول والشعر الجاهلي، فتلك آية على صحة ~~العلامات التي ms61 تميز الشعر الجاهلي، وعلى صحة القرابة بينه وبين الشعر الذي لم يفترق ~~عنه افتراقا بعيدا بزمانه وثقافة قائليه، وبيئاتهم في المعيشة ومناسبات التعبير، ~~فلا يتشابه الشعر الجاهلي والشعر المخضرم، إن لم يكن بينهما ميزان مشترك، مع ~~انتمائه إلى عشرات الشعراء الجاهليين والمخضرمين. # إن الملامح الشخصية التي تميز بين الفرزدق والأخطل وجرير لم يكن لها ثبوت أوضح ~~وأقوى من ثبوت الفوارق، التي تميز بين امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير، فمن يرى أن ~~خلق دواوين الفرزدق والأخطل وجرير في وسع راوية واحد، فقد سهل عليه أن ينسب شعر ~~الجاهليين جميعا إلى راوية أو رواة، ولكنه يذهب في الحالين مذهبا لا سند له، ولا ~~سابقة من مثله في آداب الأمم، ولا نصيب له من الذوق الأدبي غير النبو ~~والاستغراب. # وربما كان «سنكلر ثسديل» الذي مثلنا به لجهل المستشرقين باللغة والذوق الأدبي، ~~وشواهد التضمين والاقتباس مثلا صارخا كما يقال في التعبير الحديث، ولكن المثل ~~الصارخ هو الذي يبرز الحقيقة مستعصية على اللبس والمكابرة، ويحيط بما دونه من ~~الأمثلة التي تتردد بين الشك واليقين، وقد أتينا على طائفة منها لا تتخلف عن المثل ~~الصارخ بشوط بعيد. ~~••• # على أن موازين النقد الأدبي الذي اشتغل به هذا النفر من المستشرقين لا تسلم على هينة من ~~جراء أخطائهم؛ لأنهم ضللوا أناسا من تلاميذهم فاتبعوهم في أكثر الأخطاء التي كانوا يقعون ~~فيها من جراء عجزهم عن النفاذ إلى حقائق التاريخ، وأسرار البلاغة العربية. # ولا بد من مراجعة طويلة يستعان فيها بموازين البحث العلمي على تصحيح تلك الأخطاء، ونأتي ~~فيما يلي بمثل من أمثلة النقد في مسألة من مسائل الأدب القديم المشهورة لاتباع المنهج ~~المفيد في المراجعة والتصحيح، كما اتصل الأمر على الخصوص بالفروض التي تتردد عن التاريخ ~~المجهول. # | النقد العلمي # لا بد من حيلة ناجعة غير حيلة الرفض المطلق أو القبول المطلق، أو الظن المتردد بين ~~الطرفين - كلما عرضت للناقد مشكلة من مشكلات الأخبار الأدبية أو التاريخية التي يختلط فيها ~~الصدق بالكذب، والخرافة بالواقع والحقيقة بالخيال، ولا يخلو ms62 منها مرجع من مراجع التاريخ ~~القديم، أو من المراجع العصرية في كثير من الأجيال. # فما هي هذه الحيلة الناجعة؟ إن الظن فيها لا يغني شيئا إلا إذا أخذناه مأخذ الظنون، ولم ~~نزعم أنه يترقى إلى مرتبة القول الملزم أو الرأي المقبول. # ونعتقد أن النقد العلمي في العصر الحديث وشيك أن يعتمد على وسيلة من أوثق الوسائل التي ~~تستند إلى الحجة المقنعة ، ولا تكتفي بترجيحات الظن أو الذوق على ديدن النقاد قبل العصر ~~الأخير، ونود في هذا المقال أن نجرب طريقة هذا النقد العلمي في سيرة من أحوج السير إلى ~~التمحيص، وأكثرها قبولا لتطبيق هذه الطريقة على وجه واضح ... # تلك هي سيرة «امرئ القيس» الذي أضل تاريخه الكثيرين قبل أن يلقبوه بالملك الضليل. # فمن اليسير عندنا أن نعرض أخباره على التفسير العلمي، فنعلم منها يقينا ما ليس بالمختلق ~~لاستحالة اختلاقه على مؤرخيه في صدر الإسلام، وبعد صدر الإسلام إلى الأزمنة المتأخرة؛ لأن ~~أولئك المؤرخين يجهلون التفسيرات العلمية التي تؤخذ من أخبارهم فيما يصححون روايته، أو ~~يتعمدون فيه التزيد والتلفيق. # وهذه أمثلة متفرقة من الأخبار التي نضم بعضها إلى بعض، فيتم بها تفسير سيرة الشاعر على ~~نحو لا يستطاع تلفيقه في زمانه أو أزمنة مؤرخيه: ~~(1) # يقول كتاب الشعر والشعراء: «كان امرؤ القيس جميلا وسيما، ومع جماله وحسنه ~~مفركا لا تريده النساء إذا جربنه، وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء مني؟ قالت: ~~يكرهن منك أنك ثقيل الصدر خفيف العجز، سريع الإراقة، وسأل أخرى فقالت: يكرهن منك ~~أنك إذا عرقت فحت برائحة كلب، فقال: إنك صدقتني وإن أهلي أرضعوني بلبن ~~كلبة.» ~~(2) # وروى غير مصدر من مصادر تاريخه «أنه تزوج امرأة من طيئ فأبغضته من ليلتها، وكرهت ~~مكانها معه فجعلت تقول له: يا خير الفتيان أصبحت، فيرفع رأسه فينظر فإذا الليل كما ~~هو فتقول: أصبح ليل ...! فلما أصبح قال لها: قد علمت ما صنعت الليلة، فما الذي كرهت ~~مني؟ ولم يزل بها حتى قالت مثل ما تقدم.» ~~(3) # روى الميداني أنه لما جاور في طيئ نزل ms63 به علقمة الفحل التميمي، فقال كل واحد ~~منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فتحاكما إلى امرأته فقالت له: علقمة أشعر منك؛ لأنك ~~زجرت فرسك وحركته بساقك وضربته بسوطك، وأنه أدرك الصيد ثانيا من عنان فرسه، فغضب ~~امرؤ القيس وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته، فطلقها فتزوجها علقمة وبهذا لقب علقمة ~~الفحل. ~~(4) # وأجمع المؤرخون على أنه كان يلقب بذي القروح، ولكنهم اختلفوا في إصابته بالقروح ~~فقال بعضهم: إنها مرض كالجدري، وقال آخرون: إنها من حلة مسمومة خلعها عليه قيصر بعد ~~سفره من القسطنطينية انتقاما منه؛ لأن رجلا من بني أسد كان على صلة بحاشية قيصر، ~~فسمع أن امرأ القيس يغازل بنت قيصر فوشى به، وألقى إلى الملك أن امرأ القيس «غوي ~~داعر» وسيفضح ابنته بشعره. ~~(5) # وغير هؤلاء الرواة يقولون: بل كان قيصر راضيا عن الشاعر إلى ما بعد وفاته، وأمر ~~بإقامة تمثال له عند قبره شاهده الخليفة المأمون لما دخل بلاد الروم ليغزو ~~الصابئة. # هذه جملة أخبار متفرقة يؤخذ منها أن امرأ القيس كان مصابا بالتهاب جلدي يحدث من اجتذاب ~~المواد الدهنية، والسكرية لطائفة من الطفيليات، ويفوح العرق في هذه الحالة برائحة كرائحة ~~الكلب؛ لأن الكلب قليل المسام في جلده، فيشبه عرقه عرق جلد الإنسان المصاب. # ويضاف إلى ذلك أن العلاقة بين الأمراض الجلدية وأمراض الوظائف الجنسية معروفة، ولهذه ~~العلاقة يتخصص أطباء هذه الأمراض بعلاج الأمراض الجنسية كما هو معلوم. # فمن الواضح إذن أن أخبار الرواة عن الخلل الجنسي في بنية امرئ القيس صحيحة لا يستطيع ~~الرواة أن يلفقوها، ويجمعوا بين دلالتها على هذه الصورة، ومن الواضح كذلك أن تعليل رائحة ~~العرق برضاع لبن الكلبة وهم باطل؛ لأن هذا الرضاع لو حدث لم تحدث منه تلك الرائحة ... ونفهم ~~من هذه القرائن بالبداهة أن قصة الحلة المسمومة وهم كهذا الوهم؛ لأن القروح لا بد أن تنشأ ~~من ذلك المرض الجنسي بعد طول العهد بالإصابة؛ ولأن الرجل الذي تبغضه زوجته لعيوبه الجنسية ~~لا يبلغ من غوايته للمرأة أن يستهوي ابنة قيصر، وأن يتعرض في ms64 جريرة ذلك للوشاية ~~والانتقام. ~~••• # وننتقل من روايات زواجه ومرضه إلى روايات أخلاقه، فنعلم من جملتها ما يفسر لنا سمعته، وما ~~اشتهر به من الإباحة وافتضاح السيرة في أمور النساء: ~~(1) # ظهر مذهب مزدك على عهد الملك الفارسي قباذ، وهو مذهب يدعو إلى المشاركة في ~~الأموال والزوجات، وأراد الملك الفارسي أن ينشره بين العرب، فأنكره المنذر بن ماء ~~السماء ملك الحيرة وارتضاه الحارث بن عمرو ملك كنده. ~~(2) # وكان المهلهل الشاعر خال امرئ القيس ماجنا مستهترا بمصاحبة النساء، ولقب من أجل ~~ذلك بالزير وهو الرجل الذي يكثر من مزاورة النساء. ~~(3) # وكان امرؤ القيس يبيح في شعره ما لا يباح من التحدث بالفسوق والخيانة وغشيان ~~الخدور، فلا جرم يقال عنه: إنه غوي داعر ويتردد وصفه بهذه الصفة على ألسنة ~~رواته. # فهذه أخبار عدة تفسر لنا سمعة الشاعر، وتبين لنا البواعث النفسية التي تنبعث بها تلك ~~الخليقة، وتهيئ لها جوها الاجتماعي ولوازمها العاطفية «أولا» من خلائق القبيلة التي ولد ~~فيها، وسمحت لها أحوالها الاجتماعية بقبول مذهب مزدك، ومطاوعة الملك الفارسي حيث خالفه ملك ~~الحيرة. # ويأتي جو الأسرة بعد جو القبيلة، فلا يستغرب من امرئ القيس الناشئ أن يشبه خاله زير ~~النساء من جانب الطبيعة ومن جانب الصناعة الفنية؛ إذ كان خاله شاعرا يقول بفنه ما طبع عليه ~~بوراثته، وقد يزيد امرأ القيس تماديا في المجون والخلاعة أنه يدفع بهما شبهة النقص ويعوض ~~بهما قولا، ما ليس له في الحقيقة. ~~••• # وعلى هذا النحو من المقابلة بين الروايات نعلم حدود الكذب، أو حدود الوضع حتى عند ثبوت ~~الوضع، أو ثبوت التناقض بين الروايات في الخبر الواحد. # فإن كذب الوضاع ينتهي عند حدود الاستطاعة التي لا يقدرون على مجاوزتها، فليس في مقدورهم ~~أن يختلقوا العوارض الطبية التي تصلح دون غيرها لتفسير أخبارهم ونقائضهم، واستخراج الحقائق ~~الظاهرة أو المستترة بين طواياها ... # وليس في مقدورهم أن يصنعوا بيئة القبيلة ولا بيئة الأسرة، ولا بيئة الجو النفساني الذي ~~نشأ فيه الشاعر، وعاش فيه حتى اتفقت هذه البيئات جميعا على التمهيد لتكوين ms65 إنسان موجود، ~~ولا بد أن يكون موجودا إذا تلازمت مقدمات وجوده، ونتائجها على وجه يمتنع فيه الكذب؛ لأنه ~~كذب لا يستطيعه من يأتي به ولو أراده وتحراه. ~~••• # فالشخصية التاريخية الصادقة هي التي تتوافق عناصرها، وتتجمع ملامحها وتتلاقى أجزاؤها كما ~~تتلاقى أجزاء الهيكل المتفرق بين حفائر الأرض، فيركب كل منها في مكانه وتستوي الأعضاء من ~~هنا وهناك، كما تستوي في الكائن الطبيعي والصورة الحية. # وربما كان هذا الاستواء الذي لا حيلة فيه للرواة الكذبة، ولا للرواة الأمناء أحق ~~بالاعتماد عليه من ورود السيرة في كتب التاريخ من مصادر أخرى بعيدة عن مصادرها العربية، فقد ~~وردت سيرة امرئ القيس في كتب نونوز وكتب بروكوب من مؤرخي الروم، وورودها هنالك دليل وثيق ~~على شخصية تاريخية لم تنفرد بها المصادر العربية، ولكن الصدق الذي تأتي به الأخبار على غير ~~قصد من رواتها ووضاعها أصح في الدلالة من المكتوب المقصود، الذي لا يستحيل عليه ظن ~~التدبير. # | الشعر العربي والمذاهب الغربية الحديثة # نظم الشعر في اللغة العربية فن مستقل بذاته بين الفنون التي عرفت في العصر الحديث باسم ~~الفنون الجميلة، وتلك مزية نادرة جدا بين أشعار الأمم الشرقية والغربية، خلافا لما يبدر ~~إلى الخاطر لأول وهلة، فإن كثيرا من أشعار الأمم تكسب صفتها الفنية بمصاحبة فن آخر، ~~كالغناء أو الرقص أو الحركة بهدف الإيقاع، ولكن النظم العربي فن معروف المقاييس والأقسام ~~بعد استقلاله عن الغناء والرقص والحركة الموقعة، فلا يصعب تمييزه، شطرة شطرة بمقياسه الفني ~~من البحور والأعاريض إلى الأوتاد والأساليب. # وليست هذه خاصة من خواص اللغات السامية أخوات العربية، فإننا إذا أخذنا سطرا على حدة من ~~قصيدة عبرية لم نستطع أن ننسبه إلى وزن محدود أو مقياس متفق عليه، ولا بد من اقترانه بسطور ~~أخرى يتم بها الإيقاع، ولا تطرد في قول كل شاعر ولا في سطور كل قصيدة، فهو والفاصلة النثرية ~~التي يمكن أداؤها بالغناء، أو بالإيقاع على حركة الرقص متساويان. # ومن الشعر الغربي ما يعرف كل سطر منه بعدد من المقاطع والنبرات، ولكنه ms66 بغير قافية تنتهي ~~إليها هذه السطور. # أما ضروب النظم التي تلتزم فيها القافية، فكلها في نشأتها كانت تغنى أو تنشد إلى إيقاع ~~الرقص، ثم استقلت بأوزانها المحدودة على نحو مشابه للأوزان العربية، وهي الموشحات التي ~~اشتهرت عندهم باسم «استانزا» أو اسم «سونيت»، ويدل كلا الاسمين على أن أصلها من الرقص ~~والغناء ... فإن إستانزا كلمة إيطالية بمعنى الوقوف تقابلها ستاند # Stand # بالإنجليزية، وسونيت # Sonnet # من ~~كلمة سونج # Song # بمعنى الغناء. # فالشعر الذي لا يضبط بالوزن أو القافية موجود في اللغات السامية واللغات الآرية، وبعضه لا ~~يزيد الإيقاع فيه على الموازاة بين السطور بغير ضابط متفق عليه، وبعضه يضبط فيه الإيقاع ~~بعدد المقاطع والنبرات، ولا ينتهي إلى قافية ملتزمة في القصيدة أو المقطوعة الصغيرة. # إنما الوزن المقسم بالأسباب والأوتاد والتفاعيل، والبحور خاصة عربية نادرة المثال في لغات ~~العالم، وكذلك القافية التي تصاحب هذه الأوزان. # ومرجع ذلك إلى أسباب خاصة لم تتكرر في غير البيئة العربية الأولى، أهمها سببان: هما ~~الغناء المنفرد، وبناء اللغة نفسها على الأوزان. # فالأمم التي ينفرد فيها الشاعر بالإنشاد تظهر القافية في شعرها؛ لأن السامعين يحتاجون إلى ~~الشعور بمواضع الوقوف والترديد، ولكن الجماعة إذا اشتركت في الغناء لم تكن بها حاجة إلى هذا ~~التنبيه؛ لأن المغنين جميعا يحفظون الغناء بفواصله، ولوازمه ومواضع النبر والترديد في ~~كلماته وفقراته، فينساقون مع الإيقاع بغير حاجة إلى القوافي عند نهاية السطور، وإنما تنشأ ~~الحاجة إلى القافية، أو وقفة تشبه القافية، عند تفاوت السطور وانقسام القوم إلى منشدين ~~ومستمعين. # يقول العلامة جلبرت موري - وهو من ثقات البحث في الأوزان والأعاريض: «إن نتائج هذا ~~الاختلاف زيادة الاعتماد على القافية في اللغات الحديثة؛ ففي اللغتين اللاتينية واليونانية ~~ينظمون بغير قافية؛ لأن الأوزان فيهما واضحة، وإنما تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية ~~السطر وتزويد الأذن بعلامة ثابتة للوقوف، وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان، وتغمض ولا تستبين ~~للسامع مواضع الانتقال والانفصام، بل لا يستبين له هل هو مستمع لكلام منظوم أو كلام منثور، ~~وقد اختلف الطابعون عند طبع ms67 الكتب هذا الاختلاف في بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير، ~~فحسبها بعضهم من المنثور وحسبها الآخرون من المنظوم، ومما يلاحظ أن اللاتين اعتمدوا على ~~القافية حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية ... وأن الصينيين يحرصون على القافية؛ لأنهم ~~يلتزمون الأوزان، وأن انتشار القافية في أغاني الريف الإنجليزية يقترن بالترخص في أوزان ~~الأعاريض.» # ويستطرد الأستاذ موري إلى الشعر الفرنسي فيقول: «إن اللغة الفرنسية حين رجع فيها الوزن ~~إلى مجرد إحصاء للمقاطع، وأصبحت المقاطع بين مطولة وصامتة ... نشأت فيها من أجل ذلك حاجة ماسة ~~إلى القافية، فصارت في شعرها ضرورة لا محيص عنها، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت أجزاء صغيرة ~~ليفهم معناه.» # ومن أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية في أشعار الغربيين سبب لم يذكره الأستاذ موري، وهو ~~غناء الجماعة للشعر المحفوظ كما تقدم. # فحيث شاعت أناشيد الجماعة قل الاعتماد على القافية، وكثر الاعتماد على حركات الإيقاع، ولو ~~لم تكن متناسقة الوزن على نمط محدود؛ لأن الغناء بالكلام المنثور ممكن مع توازن الفواصل ~~وموازاة السطور. # وأناشيد الجماعة قد شاعت بين العبريين؛ لأنهم قبيلة متنقلة تحمل تابوتها في رحلتها، وتنشد ~~الدعوات معا في صلواتها الجامعة، وفي هذه الدعوات ترانيم على وقع الدفوف، كما جاء بالإصحاح ~~الخامس عشر من سفر الخروج «أخذت مريم النبية الدف بيدها، وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ~~ورقص، وأجابتهم مريم: رنموا للرب فإنه قد تعظم ...» # وكذلك شاعت بين اليونان أغاني المسرح التي ترجع في نشأتها إلى الشعائر الدينية، ثم انتقلت ~~منها إلى الأمم الأوروبية. # ومما يؤيد الصلة بين غناء الفرد والتزام القافية أن شعراء الأمم الغربية، الذين ينشدون ~~قصائدهم للمستمعين قد لجأوا إلى القافية، والتزموا في مراعاتها أحيانا ما يلتزمه عندنا ~~شعراء الموشحات. # أما البيئة العربية فلم تكن فيها قبل الإسلام صلوات جامعة منتظمة بمواعيدها ومحفوظاتها، ~~وإنما كان الحداء هو الغناء الذي يصاحب إنشاد الشعر على بساطة كأنها بساطة الترتيل، ينشده ~~الحادي على انفراد وتصغى إليه القافلة أحيانا في هدأة الليل، إذ يعتمد الحس كله على السمع ~~في متابعة النغم إلى مواضع ms68 الوقوف والترديد، فتقفو النغمة على وتيرتها، ويصدق عليها اسم ~~القافية بجملة معانيه. # لهذا استقل النظم بحقه في الصنعة؛ لأن هذه الصنعة لازمة لتمييزه مع الغناء ومع غير ~~الغناء، فانتظمت قوافيه وانتظم ترتيله انتظاما لا بد منه لكفايته، مع بساطة أفانين ~~الغناء. # وإذا التمسنا مدخلا لفن الحركة الموقعة مع الحداء، فهناك إيقاع واحد نتابعه في خطوات ~~الإبل وفي خطوات الهرولة التي تصاحبها على القدم، وإلى هذا الإيقاع يرجع وزن الرجز على قصد ~~وعلى غير قصد، ومجيئه على غير قصد أدل على تمكن العادة، وعلى أصالتها في الحياة ~~البدوية. # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب ~~••• # هل أنت إلا أصبع دميت # وفي سبيل الله ما لقيت # وقد تكون حركة الهرولة في الطواف بالكعبة ملحوظة في كل دعاء مروي كيفما اختلف المختلفون ~~في صحة الرواية، كما قيل عن امرأة أخزم بن العاصي حين نذرت ولدها للكعبة، فقالت: # إني جعلت رب من بنيه # ربيطة بمكة العلية # فباركن لي ربها إليه # واجعله لي من صالح البرية # فهكذا يفهم الناظم كيف تكون حركة الدعاء مع الهرولة، أيا كان صاحب النظم أو من ينسب ~~إليه. # هذه المرددات الفردية هي التي ميزت النظم العربي باستقلال فنه ووضوح قافيته وترتيله، ولو ~~وجدت في الجاهلية العربية صلوات جامعة تنشد فيها الدعوات المحفوظة لوجدت فيها القصائد التي ~~تمثل لنا حياتهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، إما من أناشيد الصلاة كما عرفها العبرانيون، ~~أو من أناشيد المسرح كما عرفها اليونان، ولكننا نعرف العرب من قصائدهم الفردية كما نعرف ~~الأمم الأخرى من أمثال تلك القصائد، فلا يفوتنا منها غاية ما تدل عليه. # هذا سبب من أسباب تلك الظاهرة النادرة التي ظهرت لنا في القصيدة العربية، وكانت نادرة بين ~~الأمم السامية والأمم الآرية على السواء. # أما السبب الآخر فهو أصالة الوزن في تركيب اللغة، فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، ~~وأبواب الفعل أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى حركة على حرف الكلمة تتبدل بها دلالة ~~الفعل، بل يتبدل بها الفعل فيحسب من الأسماء، أو يحتفظ بدلالته على ms69 الحدث حسب الوزن الذي ~~ينتقل إليه. # هذه أصالة في موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر ~~هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى، ولو ~~صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردي في تثبيت القافية، واستقلال فن العروض عن فن الغناء، في ~~القصائد العربية. # نعم إن اللغات السامية تجري على قواعد الاشتقاق، وتوليد الأسماء من الأفعال، ولكن ~~المقابلة بين هذه اللغات في أقسام مشتقاتها وتفريع الكلمات من جذورها تدل على تمام التطور ~~في قواعد الأوزان العربية، وعلى نقص هذه القواعد أو التباسها في أخواتها السامية، بل تدل في ~~باب الإعراب خاصة على تفصيل في العربية يقابله الإجمال أو الإهمال في أخواتها، وفي غيرها من ~~اللغات الآرية التي دخلها شيء من الإعراب. ~~••• # وواضح مما تقدم أننا قصرنا القول على النظم من حيث هو أوزان عروضية، أو قوالب تحتوي ~~الكلم المنظوم فيها. # فهذه القوالب هي التي تطورت في اللغة العربية، فأصبحت فنا مستقلا بمقاييسه عن فن ~~الغناء أو فن الحركة الموقعة، أما الكلام المنظوم في تلك القوالب، فهو عمل ممتد مع الزمن ~~يأتي فيه كل عصر بما هو أهله من الإبداع أو الزيادة أو المحاكاة، وإنما نعود إلى القوالب ~~والأوزان في كل عصر لنسأل: هل هي صالحة لأداء المقاصد الشعرية ومجاراة الأمم في تطورها الذي ~~يمتد مع الزمن على حسب حالاتها من الشعور والفهم والقدرة على الأداء؟ وهل تتسع للتعديل إذا ~~وجب التعديل للوفاء بمطلب جديد من مطالب التعبير؟ # إن تجارب العصور الماضية تنجلي عن صلاح القوالب العروضية لمجاراة أغراض الشعر في أحوال ~~كثيرة، ويبدو منها أن أساس العروض العربي قابل للبناء عليه بغير حاجة إلى نقضه وإلغائه، فقد ~~كانت بضعة بحور من أوزان الشعر كافية لأغراض الشعراء في الجاهلية؛ أشهرها الطويل والكامل ~~والخفيف، ثم نشأت من أوزانها مجزوءات ومختصرات صالحة للغناء حين استحدثت الحاجة إليه في ~~الحواضر العربية التي عرفت الغناء على إيقاع الآلات، ثم اتخذت من هذه ms70 البحور أسماط وموشحات، ~~وأهازيج تتعدد قوافيها مع اختلاف مواقعها، وتطول فيها الأشطر أو تقصر مع التزام قواعد ~~الترديد فيها، واختار بعض الشعراء نظم المثاني أو المزدوجات وبعضهم نظم المقطوعات التي ~~تجتمع في قصيد واحد متعدد القوافي، أو تتفرق وتتعدد بأوزانها مع توحيد الموضوع، ولما نقلت ~~الإلياذة اليونانية إلى النظم العربي لم تضق بها أوزانه، ولم يظهر من سياق الترجمة أن هذه ~~الأوزان قاصرة على التنويع فيها على نمط غير هذا النمط لمن يشاء التنويع، واستجابت الأوزان ~~لمطالب المسرح كما استجابت للملحمة المترجمة، ولما يشبهها من القصائد التاريخية ~~المطولة. # وقد أفرد الموسيقار العصري الأستاذ خليل اللاوردي فصلا وافيا في كتابه فلسفة الموسيقى ~~الشرقية؛ لبحث التوزين والإيقاع وتطبيق العروض العربية على الضوابط الموسيقية، فانتهى من ~~بحثه إلى إمكان التوزيع في الأوزان العروضية، واستطاعة الموسيقي والشاعر أن يفتتح أشكالا ~~غير محدودة من أشكال الموازين، واعتمد في تجاربه على الجهاز الفني المسمى بالمترونوم، وهو ~~«صندوق صغير من الخشب هرمي الشكل يفتح من إحدى جهاته الأربع، فينكشف عن قضيب معدني مقسم ~~بخطوط، وعليه ثقل متنقل يحدث حركة متساوية ... فيقسم الدقيقة الواحدة من الزمن إلى نقرات بين ~~أربعين ومائتين وثمان، فيمثل الحد الأدنى النقرات المتناهية في البطء، ويمثل الحد الأعلى ~~النقرات المتناهية في السرعة ...» ولم يلجأ الموسيقار إلى وحدات للنغمات غير وحدات الفواصل ~~والأوتاد، والأسباب التي يستخدمها العروضيون، ولم يجعل لها أقساما غير أقسامهم المعروفة، ~~كالسبب الخفيف والسبب الثقيل، والوتد المقرون والوتد المفروق، والفاصلة الصغرى والفاصلة ~~الكبرى، وإنما استخدم الضوابط الموسيقية لبحث الموضوع بمصطلحاتهم التي لا تحتاج إلى التخصص، ~~أو التوسع في فنون الألحان. # فخلص من بحوثه الموسيقية والعروضية معا إلى نتيجة محققة خلاصتها - كما قال - أن أشكال ~~الموازين الشعرية غير محدودة أو أن حدودها - على ما نرى - أشبه بحدود الكلمات، التي تتألف ~~من الحروف الأبجدية على حين أن الحروف الأبجدية قلما تزيد على الثلاثين. # فإذا نظرنا إلى ما تم من أشكال العروض، وما يتأتى أن يتم منها مع التنويع والتوزين، ثبت ~~لنا أنها قائمة على ms71 أساس صالح للبناء عليه، وتجديد الأنماط والأشكال فيه، على نحو يتسع ~~لأغراض الشعر، ولا يلجئنا إلى نقض ذلك الأساس. # وهذا كله مع التسليم بداهة بالتفرقة بين الكلام المنثور، والكلام المنظوم في السهولة أو ~~الصعوبة، فإن التسهيل المطلوب لفن من الفنون كائنا ما كان ينبغي أن ينتهي عند بقاء الفن ~~فنا مقرر القواعد والمقاييس، وما جهل الناس قط أن الكلام أسهل من الغناء، وأن المشي أسهل ~~من الرقص، وأن الحركة المرسلة أسهل من الحركة الرياضية، ولم يكن ذلك قط مسوغا للاستغناء ~~بالكلام عن فن الغناء أو بالمشي عن فن الرقص، أو بتحريك الأعضاء بغير هدى عن أصول الحركة ~~الرياضة، أو الحركة في ألعاب الفروسية ... فمهما يكن من تيسير الأوزان بالتنويع والتوفيق، فلا ~~مناص في النهاية من التفرقة بينها وبين الكلام المرسل في سهولة الأداء، وإنما المطلوب أن ~~تكون فنا سهلا، وليس المطلوب مجرد السهولة التي تخرجها من عداد الفنون. # ولا بد في هذا السياق من تفرقة أخرى هي التفرقة بين القواعد والقيود في كل فن من الفنون، ~~فلا سبيل إلى الاستغناء عن القواعد في عمل له صفة فنية، ولا ضرر من الاستغناء عن القيود ~~التي تعوق حرية الفن، ولا يتوقف عليها قوامه الذي يسلكه في عداد الفنون. # ومن تجاربنا في تاريخ الشعر العربي، يتبين لنا أن قواعد النظم عندنا مؤاتية للشاعر في كل ~~تصرف يلجئه إليه تطور المعاني والتعبيرات في مختلف البيئات والأزمنة، فلا موجب للفصل بين ~~قواعد النظم، وأغراض الشعر في تجربة من التجارب العربية، التي وعيناها منذ نشأت أوائل ~~الأوزان إلى أن بلغت ما بلغته في منتصف هذا القرن العشرين. # ذلك شأن التجارب العربية، فما بال التجارب في أمم الحضارة التي تتصل بنا ونتصل بها، ~~وتبادلنا مطالب الفنون والآداب كما يحدث الآن بيننا وبين أمم الحضارة الغربية؟ ماذا تفرض ~~علينا هذه الثقافة المتبادلة في ميدان النظم والشعر على اتصال بينهما أو على انفراد؟ # أما في النظم فلا خفاء بالأمر من أيسر نظرة إلى آدابنا وآداب الأمم الغربية، التي نتصل ms72 ~~بها في العصر الحديث. # فمما لا تردد فيه أن هذه الأمم لم تبدع في موازين النظم بدعا نستفيده منها، ولم نكن قد ~~سبقناها إليه في عصر من عصورنا، فإذا التزموا الأعاريض معتدلين أو مبالغين، فليس عندهم ما ~~هو أدق وأجمل من الموشحة في أوزانها التي تقبل التنويع والتشجير إلى غير نهاية، والتي يعتبر ~~تعدد القافية فيها ندحة وزينة في وقت واحد. فإن إطلاق الحرية للشاعر في توزيع القوافي، حيث ~~شاء يوشك أن يعفيه من قيودها، كما يزيد من الإيقاع جمالا على جمال. # ولم يبدع الأوروبيون - حتى في شعر المسرحيات الملحنة - فنا من الأناشيد أتم من الموشحة، ~~وأصلح منها للتلحين وحركة الإيقاع. # فإذا ترخص الشاعر الغربي في القواعد، فأسقط القافية واختار الوزن الذي يسمونه بالنظم الحر ~~أو النظم الأبيض - فجهد ما بلغوا إليه أنهم عادوا إلى الأسطر المتوازنة، أو إلى الاكتفاء ~~بالمقاطع التي لا تبلغ في دقتها مبلغ الأسباب والأوتاد والفواصل، وكل أولئك طور من الأطوار ~~التي تخطاها الشعر العربي في الأزمنة الماضية، أو سبقتهم إليه أمة من الأمم الشرقية، وتوقف ~~بها التطور عنده، لارتباطه بالتقاليد الدينية. # فليس عند الغرب من فنون النظم جديد نأخذ منه في أبواب التوزين والتنويع. # ليس في فن النظم جديد نأخذه من الأعاريض الغربية لم تكن عندنا أسسه العريقة، ولم تكن ~~عندنا أصوله وفروعه أو جذوره وأغصانه على حد تعبير «الموشحين». # لكن الأمر يختلف كثيرا في الكلام على «الشعر»، أو الكلام على الأدب ومدارسه ومذاهبه، ~~ودعواته التي تجيش بها الحياة الغربية في كل حقبة، ولا تتميز منها دعوة واحدة دون أن يتميز ~~لها حكم خاص بالشعر يتناوله قبل أن يتناول غيره من الفنون الجميلة، ولا سيما فنون ~~التعبير. # هذه المذاهب الشعرية تعنينا كما تعنيهم، وتمتد بآثارها إلى أقوالهم وأفعالهم كما تمتد إلى ~~أقوالنا وأفعالنا؛ لأنها من أطوار الحياة التي لا تنحصر في دوائر الفن، ولا في أدوار ~~الثقافة على إطلاقها، وإن يكن مظهرها الثقافي هو الجانب الذي يشتغل به النقاد والمؤرخون في ~~ميادين الفنون. # هذه الدعوات ms73 أوسع نطاقا من أن يحاط بها في مقال، ولكنها تقترب من الحصر المستطاع إذا ~~جمعناها في أدوارها الإنسانية العامة، التي توشك أن تكون أمواجها دورية في هذا المحيط ~~الزاخر؛ إذ هي عالقة بطبيعة الإنسان في جملتها، وطبيعة الإنسان واحدة - كما قيل - في كل ~~زمان ومكان. # ونحن نعلم أن أبقراط حصر الطبائع الجسدية في أربعة أمزجة، وهي المزاج الدموي والمزاج ~~الصفراوي، والمزاج البلغمي والمزاج السوداوي ، ثم جاء العلامة بافلوف يعد تقسيم خصائص ~~الأجسام بين الهرمونات وعائلات الدم، وودائع الوعي الباطن والوعي الظاهر أقساما لا تنفد ~~ولا تحصى - فعاد إلى الأمزجة الأبقراطية تيسيرا للفوارق العامة، وجعلها أساسا لتجاربه ~~النفسية التي تعد إلى هذه الساعة من إحدى تجارب العلماء. # فنحن على هذه الوتيرة نقسم الذوق الفني في الإنسان إلى أقسامه الخالدة حين نقول: إن الناس ~~كانوا منذ فطروا واقعيين وخياليين، ومحافظين على القديم وطلابا للجديد، أو أنهم كانوا - ~~إذا اكتفينا بقسمتهم إلى قسمين اثنين - صنفا يمشي في وسط القطيع وصنفا ينزع إلى الأطراف، ~~أمام ووراء، وعلى كلا الجناحين من اليمين واليسار ... وقد تفكه بعض العلماء الجادين، فأطلق ~~على الصنف الأول اسم فريق الضأن، وعلى الصنف الثاني اسم فريق المعيز ... # ونرى من تاريخ الأمم الغربية منذ ملكت حرية التفكير أنها دارت دورتها بين مذاهب الأدب ~~خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وأنها نزعت في دعواتها المتعاقبة كل نزعة طبيعية تستلزمها ~~أطوار الحياة بعد عصر الجمود والتقليد. # ففي فترة اليقظة الأولى كان من الطبيعي أن ينزع الإنسان إلى استقلال «الشخصية الإنسانية» ~~في وجه التقاليد العتيقة، والأحكام التي تطاع بغير فهم، بل بغير شعور في أكثر الأحوال ... ~~وهذه هي النزعة التي سميت بنزعة الإبداع و«الحرية الشخصية» # Romanticism ~~. # ومن الطبيعي أن ينتهي هذا الإبداع من كل جانب على غير هدى متفق عليه - إلى شيء من الفوضى ~~والشرود يستحب معه التوقف إلى حين، وهنا ظهرت دعوة العود إلى الاتباع والاطراد على نحو جديد ~~يناسب مطالب الزمن، فنشأت من ثم دعوة الاتباع أو الاطراد الجديد # New ~~Classicism ~~. # وإذا حكم اختلاف الطبائع ms74 حكمه بين أنصار الواقع وأنصار الخيال، فهنا مجال الاختلاف بين ~~الواقعيين # Realists # والخياليين والمثاليين # Idealists ~~. # وقد يظهر هذا الاختلاف في صورة أخرى بين الطبيعيين # Naturalists # والفنيين أنصار الفن ~~للفن # Art for arts sake ~~. # ونقول: إن الواقعيين والطبيعيين متقاربون؛ لأنهم جميعا من أنصار الواقع، وإنما ينفرد ~~الواقعيون بمحاربة النزعات الخيالية، وينفرد الطبيعيون بمحاربة النزعات الصناعية: نزعات ~~الإغراق والتزويق والتنسيق، وإذا اقترنت هذه المذاهب جميعا في عصر من عصور النهضة، ~~فالانقسام بينها يئول في هذه الحالة إلى قسمين: قسم تغلب عليه الصبغة العلمية، وقسم تغلب ~~عليه الصبغة الفنية، ويتسع كل قسم منهما لكثير من الآراء وأشتات من الأساليب. # ولا جدوى من متابعة العناوين التي تنتهي في الغرب بصيغة النسبة المذهبية ~~(Ism) ~~، فإنها تنطوي جميعا في هذه الدعوات، ويحيط كل ~~منها بعالم من الآراء والأسباب، ولكننا نجمعها في حدودها الواسعة إذا حجبنا منها ~~الرومانتيزم والنيو كلاسيزم والريالزم، والإيديالزم فلا يخرج من هذه المذاهب مذهب جاد يناط ~~به عمل من أعمال البناء والإصلاح في عالم الفنون، ولا تزال حتى اليوم وافية بأغراض البحث ~~والمناقشة بين المختلفين على الفنون فيما يستحق الخلاف. # وعلى تعدد المذاهب والعناوين في الغرب لا نرى هنالك لبسا على الإطلاق بين المذاهب التي ~~أشرنا إليها، وبين عشرات المذاهب التي ينتحلها الدعاة على عجل منذ الحرب العالمية الأولى، ~~ويندر أن تعيش إحداها أو تستقل عن سواها بصفة من الصفات التي يتناولها التطبيق ~~والتميز. # فلا لبس على الإطلاق بين مذاهب الجد ومذاهب الهزل في الآداب الغربية، فمذاهب الجد تدعو ~~كلها إلى البناء وتقوم بالبناء فعلا ويعيش ما تبنيه، ومذاهب الهزل لا تتحدث بشيء غير الهدم ~~والإلغاء: فلا لون ولا شبه ولا رسم ولا قاعدة في التصوير، ولا لفظ ولا معنى ولا منطق ولا ~~مدلول في الشعر والنثر، وإنه لمن الحظ الحسن أن تقصر هذه الدعوى عن الفنون التي ترتبط بها ~~ضرورات المعيشة والاجتماع، فإنها لو تناولتها لسمعنا بفن المعمار الذي لا حجرات ولا جدران ~~ولا حجارة ولا طلاء فيه، وسمعنا بمجامع الموسيقى التي ms75 لا تميز بين الضوضاء والألحان، ولا ~~محل فيها للمعازف والآلات. # من هذه المذاهب ما يطلق عليه اسم المستقبلية # Futurism ~~، ~~أو فوق الواقعية # Surrealism # أو الذئبية # Fauvism # بل منها ما يسمى بمدرسة التأتأه # Dadaism # ويقول أصحابه: إنهم اختاروا له هذا الاسم من أول تأتآت الطفل # Da Da ~~، وتطلق أحيانا على حصان الخشب ليسهل النطق به ~~على ألسنة الأطفال، ومؤدى مذهب هؤلاء الدعاة أن التعبير الصحيح عن النفس الإنسانية إنما ~~يرجع به إلى صورة الطفولة ورموز الأحلام، وخفايا الوعي الباطن كما تبدو للحالم في المنام، ~~أو كما يرسلها الناطق عفوا بغير تأمل وبغير انتباه! # ومن هؤلاء الملفقين للمذاهب من يختار اللفظة، ويسأل عن معناها فيسخر من السائل؛ لأنه يبحث ~~عن المعنى ولا يكتفي بوقع اللفظة في الأذن أو من منظرها للعين القارئة، فمن عناوين مارينتي ~~إمام «المستقبلية» # Zang Tumb Tumb # زانج تمب تمب ... ومن ~~عناوين زميله أردينجو سوفيسي # BIF§Z + 18 # ما لا يفهم ولا ~~يترجم، وإنما هو مقابل عندنا لحرف الباء، ثم الياء ثم الفاء، ثم علامة موسيقية ثم زاي ثم ~~علامة + ثم رقم 18). # وقد عقب صاحب تاريخ الأدب الإيطالي على إمام هذه المدرسة فقال: «إنه لم يجاوز حدود السخف ~~في شعره ...» ولم يخل كلام المؤرخ من مجاملة؛ لأن السخف معنى يوصف بالرداءة، ولا معنى هنا ~~ولا وصف لرديء أو غير رديء. ~~(صفحة 485 من كتاب تاريخ الأدب الإيطالي تأليف أرنست هاتش ولكنز # Ernest ~~Hatch Wilkins ~~). ~~••• # ولابد من وضع هذه الدعوات في موضعها من تاريخ الآداب الإنسانية الأوروبية التي تظهر بينها ~~... فما موضعها الصحيح؟ # موضعها الصحيح أنها تمثل جانب السخافة الذي لا بد أن يتمثل في بيئة يباح فيها القول لكل ~~قائل، ولا يخجل فيها العاجز من عجزه ولا صاحب اللجاجة من لجاجته، وهم جميعا في غمرة من محن ~~الحروب والفتن والقلاقل والآفات، فهل تخلو هذه البيئات من جانب سخافة في الأذواق والدعوات؟ ~~وأين هو هذا الجانب إن لم يكن هذا مظهره الذي يتمثل في صوت القنوت؟ # ولسنا نقول: إن هذه السخافة ms76 جانب يهمل ولا يلتفت إليه، فإنها خليقة أن تدرس كما تدرس ~~عوارض الأمراض والعلل والنكبات، ولكن البون بعيد جدا بين دراستها لهذا الغرض، ودراستها ~~للاقتداء بها واعتبارها من مدارس الفن والأدب، ونماذج الذوق والجمال. # ولا تفوتنا في معرض الكلام على الشطط الفني ملاحظة وثيقة الصلة بموضوع الخلط الذي يقال ~~عنه: إنه هو التعبير الصادق دون غيره عن الوعي الباطن، والسريرة الإنسانية في أعماقها ~~«اللامنطقية» على حد تعبيرهم المأثور. # فالخلط الهاذر مذهب لم يخلقه دعاة «اللامنطقية» في القرن العشرين، ولكنهم خلقوا شيئا ~~واحدا فيه لم يسبقهم أحد إليه؛ وهو إطلاق العناوين العلمية عليه واستعارتها من دراسات ~~التحليل النفساني، أو من دراسات العلوم الطبيعية، وقديما وجد في الشعراء والفنانين من يجنح ~~به هواه أحيانا إلى رفع الكلفة، واطراح الحشمة والابتذال في اللفظ أو المعنى أو في كليهما، ~~فيسترسل في الهذر واللغط كأنه في إجازة من «نفسه الفضلى» كما يقولون ... وينسب إلى هذه ~~النزوات شعر المجانة والهزل، وشعر الإباحة والجموح، وينسب إليه كذلك ضرب من الشعر الذي يخيل ~~إلى الناس أنه محدثهم بالحكم والأمثال وهو في أسلوبه الهازل ساخر بضروب الحكمة والمثل، كما ~~صنع ابن سودون اليشبغاوي (810-868ه) في قصيدته البائية التي يقول فيها: # عجب عجب عجب عجب # بقر تمشي ولها ذنب # ولها في بزبزها لبن # يبدو للناس إذا حلبوا # لا تغضب يوما إن شتمت # والناس إذا شتموا غضبوا # من أعجب ما في مصر يرى # الكرم يرى فيه العنب # والنخل يرى فيه بلح # أيضا، ويرى فيه رطب # زهر الكتان مع البلسان # هما لونان ولا كذب # كيهود في دير، خلطوا # بنصارى حركهم طرب # وأدخل من هذا في باب «اللامنطقية» مذهب من مذاهب الزجل في اللغة الدارجة يعاقبون بينه ~~وبين الأدوار المقصودة، فيبدءون بالدور العاقل، ويتبعونه بالدور المجنون إلى نهاية الزجل، ~~ويحفظ من هذه الأزجال كثير في مجموعات إلى الأجيال القريبة، من أمثلتها في كتاب ترويح ~~النفوس لحسن الآلاتي زجل يقول فيه: # كسرت بطيخة رأيت العجب # في وسطها أربع مداين كبار # وفي المداين خلق مثل ms77 البقر # في كل واحدة أربع قواعي خضار # وفي القلاع أقوام طوال الدقون # ودمعهم يجري شبيه البحار # من دمعهم تزرع نجوم السما # في خلقة المشمش عديم المثال # وأحيانا يقسمون الأدوار إلى دور صاح ودور سكران، أو يصوغون فيها المفارقات على ألسنة ~~الصبيان كما يجري على ألسنة العامة: # يا ليل يا عين معرفش أكدب # والضفدعة شايلة مركب # وأبو فصادة ريسها # والقط الأعور حارسها # إلى أشباه هذه «اللامنطقيات» المتواضعة التي يضعها أصحابها في مواضعها، ويسمونها ~~بأسمائها، ولا تعدو عندهم أن تكون «منفسا» يستبيحونه إلى حين، ويعرضون به «اللامنطقية» في ~~صورة فنية، يعلمون ويعلم الناظرون إليها أنها من قبيل الصور الهزلية أو «الكاريكاتور»، ولا ~~يطلبون من الإنسانية أن تحلها في محل فنونها، وأن تنبذ المنطق في سبيلها. # فإذا كان لا بد من هذه اللامنطقية في الآداب العربية، فعندها منها ما يغنيها ولها فيها ~~مجال لا يخرج بالعقل من دائرة العقل، ولا بالجنون من دائرة الجنون. # ومما نحمده من أطوار الشعر العربي الحديث أن هذه المذاهب لم يكن لها تأثير ثابت فيه، ~~وأنها تعرض له مع عوارض الزمن كما تعرض الأزياء والأفانين ثم ... تمضي لطيتها إلى مصيرها ~~العاجل بعد شهور، ولا تطول حتى تحسب بحساب السنين. # أما المذاهب التي كان لها أثرها المحمود فهي مذاهب الجد والبناء، فإننا إذا عرضنا الشعر ~~العربي من أواخر القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين لم نخطئ أن نرى فيه أثرا جديدا ~~لكل مذهب من المذاهب الواقعية، أو المثالية أو الطبيعية، أو الاطرادية الحديثة أو ~~الابتداعية المتحررة، وقد تتراءى هذه المذاهب في أغراض الشعر كما تتراءى في أساليب الشعراء، ~~ومنها الأغراض التاريخية والاجتماعية والملاحم والمسرحيات والأغاني العاطفية، والأناشيد ~~القومية، ولكل مقصد من المقاصد التي ينظم فيها شعراء الغرب، مع الفارق الذي يحسب فيه حساب ~~التقديم في الزمان، كما يحسب فيه الحساب لوفرة المحصول وسعة النطاق. # وعلى الجملة يتقدم الشعر عندنا ولا تعتريه النكسة أو الجمود، إلا أنه يعاني من أطوار ~~العصر ما يعانيه كل شعر في أنحاء العالم، وذلك ms78 هو المشاركة القوية في ميدانه الأول؛ فهو ~~الآن لا يستأثر وحده بميدان العاطفة والخيال، بل تشاركه فيه الصور المتحركة والقصص المطولة ~~والنوادر الموجزة، ومناظر التمثيل ومسموعات الإذاعة وأخبار الصحافة، ومبدعات الفنون التي ~~تيسرت لها أسباب العرض في الأندية والمنازل، ومجامع الناس في كل مكان، وليس من المنظور أن ~~ينشر الفن مع هذه المشاركة، كما كان ينشر وحيدا منفردا بالميدان قبل بضعة قرون. # على أنها مشاركة عارضة يعمل فيها التخصص عمله، ويطول الأمد أو يقصر في هذا العمل المتصل ~~بغير قرار، فإذا عاد الشعر إلى الاستقلال بمجاله بين الفنون، فقد يعود إليه أقوى مما كان؛ ~~لأنه يكسب المزية التي لا مشاركة فيها، ويكسب الأنصار الذين لا يستبدلون به سواه، ويتلقى ~~المدد منه، ولعله دور من أدوار الشعر تركه الأوائل للأواخر على خلاف ما قيل. ms79