######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.MaraFiQuran.Hindawi47174958 #META# Tags: philosophy #META# ID: 47174958 #META# Title: المرأة في القرآن #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - للرجال عليهن درجة‏ # 2 - من الأخلاق‏ # 3 - هذه الشجرة‏ # 4 - الأخلاق الاجتماعية‏ # 5 - مكانة المرأة‏ # 6 - الحجاب‏ # 7 - حقوق المرأة‏ # 8 - الزواج‏ # 9 - زواج النبي‏ # 10 - الطلاق‏ # 11 - السراري والإماء‏ # 12 - المعاملة‏ # 13 - مشكلات البيت‏ # 14 - القرآن والزمن‏ # تعقيب‏ # مقدمة‏ # 1 - للرجال عليهن درجة‏ # 2 - من الأخلاق‏ # 3 - هذه الشجرة‏ # 4 - الأخلاق الاجتماعية‏ # 5 - مكانة المرأة‏ # 6 - الحجاب‏ # 7 - حقوق المرأة‏ # 8 - الزواج‏ # 9 - زواج النبي‏ # 10 - الطلاق‏ # 11 - السراري والإماء‏ # 12 - المعاملة‏ # 13 - مشكلات البيت‏ # 14 - القرآن والزمن‏ # تعقيب‏ # | المرأة في القرآن # | المرأة في القرآن # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # تدور مسألة المرأة في جميع العصور على جوانب ثلاثة، تنطوي فيها جميع المسائل الفرعية التي ~~تعرض لها في حياتها الخاصة أو حياتها الاجتماعية. وهذه الجوانب الثلاثة الكبرى هي: # أولا: # صفتها الطبيعية، وتشمل الكلام على قدرتها وكفايتها لخدمة نوعها ~~وقومها. # وثانيا: # حقوقها وواجباتها في الأسرة والمجتمع. # وثالثا: # المعاملات التي تفرضها لها الآداب والأخلاق، ومعظمها في شئون العرف ~~والسلوك. # وقد بحثنا هذه المسائل جميعا في رسائل مختلفة، ولكننا نتناولها في هذه الرسالة لبيان ~~موضعها من أحكام القرآن الكريم، وخلاصة ذلك البيان في هذه المقدمة الوجيزة أن آيات الكتاب ~~قد فصلت القول في هذه الجوانب جميعا، وكانت في كل جانب منها فصل الخطاب الذي لا معقب ~~عليه، إلا من قبيل الشرح والاستدلال بالشواهد المتكررة التي تتجدد في كل زمن على حسب أحواله ~~ومدارك أبنائه. # فالصفة التي وصفت بها المرأة في القرآن الكريم هي الصفة التي خلقت عليها، أو هي صفتها ~~على طبيعتها التي تحيا بها مع نفسها، ومع ذويها. ~~••• # والحقوق والواجبات التي قررها كتاب الإسلام للمرأة قد أصلحت أخطاء العصور الغابرة في كل ~~أمة من أمم الحضارات القديمة، وأكسبت المرأة منزلة لم تكسبها قط من حضارة سابقة، ولم تأت ~~بعد ظهور الإسلام حضارة تغني عنها، بل جاءت آداب الحضارات المستحدثة على نقص ملموس في ~~أحكامها ووصاياها؛ لأنها أخرجت من حسابها حالات لا تهمل ولا يذكر لمشكلاتها حل أفضل من ~~حلها ms001 في القرآن الكريم؛ إذ انتقل بها البحث من الإهمال إلى الدراسة والتدبير. ~~••• # أما المعاملة التي حمدها القرآن وندب لها المؤمنين والمؤمنات، فهي المعاملة «الإنسانية» ~~التي تقوم على العدل والإحسان؛ لأنها تقوم على تقدير غير تقدير القوة والضعف، أو تقدير ~~الاستطاعة والإكراه. # وفي الصفحات التالية تفصيل لهذا الإيجاز، مداره على جلاء وجوه المطابقة التامة بين أحكام ~~الكتاب الكريم، وأحكام الواقع والمنطق والمصالح الإنسانية. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | للرجال عليهن درجة # المرأة في القرآن الكريم، أحد الجنسين الذكر والأنثى من نوع الإنسان؛ وهما جنس الرجال، ~~وجنس النساء. والجنسان سواء، ولكن للرجال على النساء درجة: قال تعالى: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن ~~درجة والله عزيز حكيم ~~[البقرة: 228]. # وقال عز من قائل: # ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل ~~شيء عليما ~~[النساء: 32]. # ويلي ذلك من السورة نفسها: # الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم ~~[النساء: 34]. # والقوامة هنا مستحقة بتفضيل الفطرة، ثم بما فرض على الرجال من واجب الإنفاق على المرأة، ~~وهو واجب مرجعه إلى واجب الأفضل لمن هو دونه فضلا، وليس مرجعه إلى مجرد إنفاق المال، وإلا ~~لامتنع الفضل إذا ملكت المرأة مالا يغنيها عن نفقة الرجل أو يمكنها من الإنفاق ~~عليه. # وحكم القرآن الكريم بتفضيل الرجل على المرأة هو الحكم البين من تاريخ بني آدم، منذ ~~كانوا قبل نشوء الحضارات والشرائع العامة وبعد نشوئها. # ففي كل أمة، وفي كل عصر، تختلف المرأة والرجل في الكفاية والقدرة على جملة الأعمال ~~الإنسانية، ومنها أعمال قامت بها المرأة طويلا، أو انفردت بالقيام بها دون الرجال. # ومن قصور الفكر عند الداعين إلى قيام المرأة بجميع أعمال الرجل في الحياة العامة والخاصة، ~~أن يقال: إن المرأة إنما تخلفت في الكفاية والقدرة بفعل الرجل ونتيجة لأثرته واستبداده ~~وتسخيره المرأة في خدمة مطالبه وأهوائه. # فإن هذا القول يثبت رجحان الرجل ولا ينفيه، ms002 فما كان للرجال جملة أن يسخروا النساء جملة في ~~جميع العصور وجميع الأمم لولا رجحانهم عليهن، وزيادتهم بالمزية التي يستطاع بها التسخير، ~~ولو كانت مزية القوة البدنية دون غيرها. ~~••• # ومما يلاحظ أن أكثر القائلين بدعوة المرأة إلى القيام بعمل الرجل، جماعة الماديين الذين ~~يردون كل قوة في الإنسان إلى قوة البنية المادية، فإذا قيل: إن قوة الجسد هي مزية الرجل على ~~المرأة، فليست هناك قوة أخرى تحسب في باب المفاضلة بين الجنسين. # على أن الواقع أن الكفاية التي تمكن الإنسان من الغلبة على سائر الناس لم تكن قط من ~~قبيل القوة الجسدية دون سائر القوى الإنسانية، وكثيرا ما كان المتغلبون المتسلطون على من ~~دونهم أضعف جسدا من الخاضعين لهم، العاملين في خدمتهم. وكثيرا ما كانت قوة الحكم بمعزلة ~~عن قوة الأعضاء، وصلابة التركيب. وأيا كان القول في هذا فإن الجنس لا يمتاز في جملته بقوة ~~الجسد دون أن يرجع ذلك إلى فضل في التكوين يوجب الامتياز والرجحان. # وإذا نظرنا إلى سوابق التسخير في تاريخ الإنسان، تبين لنا أنه كان نصيبا عاما لجميع ~~الضعفاء الخاضعين للأقوياء المسلطين عليهم، وكان نصيبا عاما على الأقل لطوائف العبيد ~~الذين خضعوا للأقوياء والضعفاء، ممن كانوا يسمون بالأحرار تمييزا لهم عن الأرقاء ~~المستعبدين، وقد نبغ من هؤلاء الأرقاء المستعبدين زمرة من الأدباء وأصحاب الفنون، كما نبغ ~~منهم «سادة» يزاحمون الأحرار على أعمال الرئاسة والقيادة، وينتزعون الحكم وهم غرباء عن ~~البلاد التي يحكمونها. وهم في عددهم قلة ضئيلة، بالقياس إلى عدد النساء من الحرائر والإماء، ~~وهن نصف الجنس الإنساني أو يزدن قليلا على حسب الإحصاء. ~~••• # وفضل الرجال على النساء ظاهر في الأعمال التي انفردت بها المرأة، وكان نصيبها منها أوفى ~~وأقدم من نصيب الرجال. وليس هو بالفضل المقصور على الأعمال التي يمكن أن يقال: إنها قد ~~حجبت عنها، وحيل بينها وبين المرانة عليها، ومنها الطهي والتطريز والزينة وبكاء الموتى ~~وملكة اللهو والفكاهة التي اقترنت فيها السخرية بالتسخير، عند كثير من المضطهدين أفرادا ~~وجماعات. # فالمرأة تشتغل بإعداد الطعام ms003 منذ طبخ الناس طعاما قبل فجر التاريخ، وتتعلمه منذ طفولتها ~~في مساكن الأسرة والقبيلة، وتحب الطعام وتشتهيه، وتتطلب مشتهياته وتوابله في أشهر الحمل ~~خاصة، كما تتطلب المزيد منه في أيام الرضاع، ولكنها - بعد توارث هذه الصناعة آلاف السنين - ~~لا تبلغ فيها مبلغ الرجل الذي يتفرغ لها بضع سنوات، ولا تجاريه في إجادة الأصناف المعروفة، ~~ولا في ابتداع الأصناف والافتنان في تنويعها وتحسينها، ولا تقدر على إدارة مطبخ يتعدد ~~العاملون فيه من بنات جنسها أو من الرجال. # وصناعة التطريز وعمل الملابس - كصناعة الطهي - من صناعات النساء القديمة في البيوت، ~~ولكنها تعول على الرجال في أزيائها، ولا تعول فيها على نفسها، وتفضل معاهد «التفصيل» ~~التي يتولاها الرجال على المعاهد التي يتولاها بنات جنسها، وكذلك تفضل معاهدهم على معاهد ~~النساء في أعمال التجميل والزينة عامة ... ومنها تصفيف الشعر وتسريحه واختيار الأشكال ~~المستحبة لتضفيره وتجميعه. وقد عنيت المرأة بألوان الطلاء منذ عرفت الزينة والتحلية ~~الصناعية، ولكنها لم تحسن من هذه الصناعة ما أحسنه الرجل في سنوات قصار، حين اشتغل بتغيير ~~الملامح لتمثيل الأدوار على المسرح، أو حين اشتغل بتغيير الملامح للتنكر والاستطلاع، وقد ~~كان هذا التفوق في صناعة «التفكر» أولى بالمرأة لطول عهدها بفنون المداراة والحجاب. ~~••• # وتنوح المرأة على موتاها، وتتخذ النواح على الموتى صناعة لها في غير مآتمها، ولم تؤثر ~~عن النساء قط في لغة من اللغات مرثاة تضارع المراثي التي نظمها الرجال، ولا تظهر في ~~«مراثيهن» مسحة شخصية تترجم عن النفس وراء الكلمات والمرددات المتواترة التي تقال في كل ~~مأتم، وفي كل وفاة، وتنقل محفوظة كما تنقل مرتجلة من نظم قائلتها في فجيعتها التي تعنيها ~~ولا تعني غيرها، كأنها الأصوات التي تترجم عن غرائز الأحياء على نحو واحد في الحزن والألم ~~أو في الشوق والحنين. # والملاهي - ولا سيما ملاهي الرقص والغناء - من ضروب التسلية التي يتسع لها وقت المرأة في ~~الخدور، وفي البيوت التي لا تحسب من الخدور، وقد شجعها الرجال عليها وجعلوها من فنون ~~التربية النسوية التي تروقهم منها، ولكن الأستاذية ms004 في الرقص المفرد وفي رقص الجنسين لم تكن ~~من حظ المرأة في العصر الحديث، ولا في العصور القديمة، ولم يزل عمل المرأة في الرقص أقرب ~~إلى التنفيذ منه إلى الابتكار والابتداء. # ومن اللهو الذي كان خليقا بالمرأة أن تحذقه وتتفوق فيه على الرجال، لهو الفكاهة ~~والنكتة المضحكة؛ لأنها تحب أن تمرح وتلعب، ولأنها تشعر بالضغط وبالحاجة إلى التنفيس عن ~~الشعور المكبوح. وقد عرف من طبائع النفس البشرية أن ضحايا الضغط والاستبداد يلجئون إلى ~~السخر لرد غوائل الظلم التي لا يقدرون على ردها بالقوة، وإن المتعرضين لضرورات الخضوع ~~والإذعان يقضون حق «التمرد» بالمزاح؛ حيث لا يتاح لهم أن يقضوه بالجد والمقاومة، ولكن ~~المعهود في المرأة أنها قليلة الفطنة للنكتة، إلا في الندرة التي تحسب من الفلتات العارضة، ~~وأنها لا تحسن أن تقابل نكات الرجال بمثلها مع كثرة النكات التي تصيبها في أنوثتها، فضلا ~~عن سبقها لهم وامتيازها في هذا الباب عليهم؛ لأنها خليقة أن تحس من ضغط الاستبداد ما لا ~~يحسه جمهرة الرجال. ~~••• # وليس بالمجهول أن النساء قد نبغن من قبل، وينبغن الآن في طائفة من الأعمال التي يضطلع بها ~~الرجال، وقد اشتهر منهن الملكات وقائدات العسكر، واشتهر منهن الباحثات والخطيبات، كما اشتهر ~~منهن الصالحات الممتازات في شئون الدين والدنيا، وشمائل الفضائل والأخلاق، وقد تكون منهن من ~~تفوق جمهرة الرجال في بعض هذه الأعمال. ولكن فضائل الأجناس لا تقاس بالنصيب المشترك، بل ~~تقاس بالغاية التي لا تدرك، ولا تؤخذ بالاستثناء الذي يأتي من حين إلى حين، بل بالقاعدة ~~التي تعمم وتشيع بين جملة الآحاد. وقد يوجد بين الصبيان من هو أقدر على أعمال الرجال، بل قد ~~توجد في أثناء الليل ساعة أضوأ من بعض ساعات النهار، وإنما تجرى الموازنة على الغايات ~~القصوى، وعلى الأغلب الأعم في جميع الأحوال، وما عدا ذلك فهو الاستثناء الذي لا بد منه في ~~كل تعميم. # وعلى هذا يمكن أن يقال: إن «الاستثناء» يحمل في أطوائه دلائل القاعدة التي يخالفها، ولا ~~يخلو من ناحية تعزز القاعدة الغالبة ms005 ولا تنفيها. # إن اسم السيدة «ماري كوري» أول الأسماء التي يذكرها القائلون بالمساواة التامة بين ~~الجنسين، ولو صح أن هذه السيدة تضارع علماء الطبقة الأولى من الرجال لما كان في هذا ~~الاستثناء النادر ما ينفي أنه استثناء نادر، وأن القاعدة العامة باقية لم تنقض ولا ينقضها ~~تكرار مثله من حين إلى حين. # إلا أن الواقع أن حالة هذه السيدة خاصة بعيدة من أن تحسب بين حالات الاستثناء في مباحث ~~العلم أو في المباحث العقلية على الإجمال؛ لأنها لم تعمل مستقلة عن زوجها، ولم يكن عملها من ~~قبيل الاختراع والابتداع، وإنما كان كله من قبيل الكشف والتنقيب. قالت بنتها «إيف» في ~~ترجمتها: «إن نصيحة بيير كان لها في هذه المرحلة الدقيقة شأن لا يغضى عنه، فإنما كانت ~~الفتاة تنظر إلى زوجها نظرة التلميذ إلى معلمه؛ إذ كان أقدم منها دراسة للعلوم الطبيعية، ~~وأطول منها خبرة ودراية، وقد كان عدا ذلك رئيسها بل مستخدمها. غير أنها بمزاجها وطبيعتها قد ~~كان لها ولا شك فضلها في هذا الاختيار، فإن البنت البولونية قد انطوت منذ طفولتها على ملكة ~~التطلع والجرأة التي ينطبع عليها المستكشف، وكانت هذه الملكة هي التي حفزتها إلى الشخوص من ~~وارسو إلى باريس والسوربون.» ~~••• # والواضح أن ملكة المستكشف على أرقاها وأتمها لا ترتقي في القدرة العقلية إلى منزلة ~~الاختراع والافتتاح، فإنما هي امتداد لعمل الحس والبحث بالعينين، ينتهي بطول المراقبة إلى ~~رؤية الشيء الذي لا يرى بالعين لأول وهلة، وقصاراه أنه صبر على النظر، ثم إدمان النظر، إلى ~~أن ينكشف الشيء الذي لا بد أن ينظر بعد طول المراقبة في وقت من الأوقات. وقد كان العالم ~~بيكريل # Bequerel # يبحث في إشعاع عنصر «الأورانوم» قبل ~~أن تبحث فيه السيدة كوري مع زوجها وأستاذها، وبنى كلاهما بحثه على تقرير بيكريل، فوصلا إلى ~~الوجهة التي اتجه إليها من قبل فأحسنا الاتجاه، وإن لم يكن لهما فضل التوجيه. # والحق أنه لمما يؤسف له من آفات العصر الحديث زيغ التفكير الاجتماعي في مسائل الإنسان ~~الجلي كهذه ms006 المسألة الخالدة: مسألة التفرقة بين الجنسين في الكفاية والوظيفة، وعلاماتها ~~البينة أشد البيان في الحاضر وفي سوابق التاريخ. فإن هذه المسألة الخالدة لتجمع بين الشمول ~~المستفيض وبين العمق المتأصل ؛ بحيث لا تقبل اللبس، ولا تدع للناظر أن يطيل التردد حول مقطع ~~الرأي فيها، لولا فتنة العصر بمخالفة القديم على هدى وعلى غير هدى في كثير من جلائل ~~الأمور. ~~••• # فليست شواهد التاريخ وشواهد الحاضر المستفيضة بالظاهرة الوحيدة التي تقيم الفارق الحاسم ~~بين الجنسين؛ إذا لا شك أن طبيعة تكوين الجنس أدل من الشواهد التاريخية، والشواهد الحاضرة ~~على القوامة الطبيعية التي اختص بها الذكور من نوع الإنسان، إن لم تقل من جميع الأنواع التي ~~تحتاج إلى هذه القوامة. فكل ما في طبيعة الجنس «الفزيولوجية» في أصل التركيب يدل على أنه ~~علاقة بين جنس يريد وجنس يتقبل، وبين رغبة داعية ورغبة مستجيبة، تتمثلان على هذا النحو في ~~جميع أنواع الحيوان التي تملك الإرادة وترتبط بالعلاقة الجنسية وقتا من الأوقات. # وعلى وجود الرغبة الجنسية عند الذكور والإناث، لا تبدأ الأنثى بالإرادة والدعوة، ولا ~~بالعراك للغلبة على الجنس الآخر، وليس هذا مما يرجع في أصوله إلى الحياء الذي تفرضه ~~المجتمعات الدينية، ويزكيه واجب الدين والأخلاق، بل يشاهد ذلك بين ذكور الحيوان وإناثها، ~~حيث لا يعرف حياء الأدب والدين، فلا تقدم الإناث على طلب الذكور، بل تتعرض لها لتراها ~~وتتبعها وتسيطر عليها باختيارها، ولا تزال الأنثى بموقف المنتظر لنتيجة العراك عليها بين ~~الذكور، ليظفر بها أقدرهم على انتزاعها. # وأدل من ذلك على طبيعة السيطرة الجنسية أن الاغتصاب إذا حصل، إنما يحصل من الذكر للأنثى ~~ولا يتأتى أن يكون هناك اغتصاب جسدي من أنثى لذكر، وإن غلبة الشهوة الجنسية تنتهي بالرجل ~~إلى الضراوة والسطوة، وتنتهي بالمرأة إلى الاستسلام والغشية، وأعمق من ذلك في الإبانة عن ~~طبيعة الجنس، أن عوارض الأنوثة تكاد تكون سلبية متلقية في العلامات التي يسمونها بالعلامات ~~الثانوية، فإذا ضعفت هرمونات الذكورة وقلت إفرازاتها بقيت بعدها صفات الأنوثة غالبة على ~~الكائن الحي كائنا ما كان ms007 جنسه، ولكن صفات الذكورة لا تأتي وحدها إذا ضعفت هرمونات ~~الأنوثة، وإنما يظهر منها ما كان يعوقه عائق عن الظهور. ~~••• # ومن الاختلافات الجسدية التي لها صلة باختلاف الاستعداد بين الجنسين أن بنية المرأة ~~يعتريها الفصد كل شهر، ويشغلها الحمل تسعة أشهر، وإدرار لبن الرضاع حولين قد تتصل بما بعدها ~~في حمل آخر، ومن الطبيعي أن تشغل هذه الوظائف جانبا من قوى البنية، فلا تساوي الرجل في ~~أعماله التي يوجه إليها بنية غير مشغولة بهذه الوظائف الأنثوية. وينبغي أن تظهر هذه ~~الحقيقة بغير مشقة عند الموازنة بين استعداد البنيتين، وأحرى أن تكون ظاهرة مفهومة عند ~~الذين يدينون بالآراء المادية، ويربطون بين قوى الجسد وكل قوة باطنة أو ظاهرة في الإنسان ~~وسائر الأحياء، وليس من اللازم أن يتعلق الاختلاف بالحالة التي تشتغل فيها بنية المرأة بتلك ~~الوظائف والأعمال فعلا؛ لأن الاستعداد لها مركب في الطباع، معقود بتكوين الخلايا الدقيقة؛ ~~فضلا عن الجوارح والأعضاء، بل من الطبيعي أن يكون للمرأة تكوين عاطفي خاص لا يشبه تكوين ~~الرجل؛ لأن ملازمة الطفل الوليد لا تنتهي بمناولته الثدي وإرضاعه، ولا بد معها من تعهد دائم ~~ومجاوبة شعورية تستدعي شيئا كثيرا من التناسب بين مزاجها ومزاجه، وبين فهمها وفهمه، وبين ~~مدارج حسها وعطفها ومدارج حسه وعطفه، وهذه حالة من حالات الأنوثة شوهدت كثيرا في أطوار ~~حياتها منذ صباها الباكر إلى شيخوختها العالية، فلا تخلو من مشابهة للطفل في الرضى والغضب، ~~وفي التدليل والمجافاة، وفي حب الولاية والحدب ممن يعاملها ولو كان في مثل سنها أو سن ~~أبنائها. وليس هذا الخلق مما تصطنعه المرأة وتتركه باختيارها؛ إذ كانت حضانة الأطفال تتمة ~~للرضاع، تقترن فيها أدواته النفسية بأدواته الجسدية، ولا تنفصل إحداهما عن الأخرى. ولا شك ~~أن الخلائق الضرورية للحضانة وتعهد الأطفال الصغار أصل من أصول اللين الأنثوي، الذي جعل ~~المرأة سريعة الانقياد للحس، والاستجابة للعاطفة، يصعب عليها ما يسهل على الرجل من تحكيم ~~العقل، وتغليب الرأي، وصلابة العزيمة. فهما ولا شك مختلفان في هذا المزاج اختلافا لا سبيل ms008 ~~إلى المماراة فيه. ~~••• # وبعض هذه الفروق في استعداد الجنسين كاف لشرح معنى «الدرجة» التي تميز الرجل على المرأة ~~في حكم القرآن الكريم. فهو معنى أقرب إلى الوصف المشاهد منه إلى الرأي الذي تتعدد فيه ~~المذاهب، فلا يعدو تقرير الواقع من يرى أن الجنسين سواء فيما لهما وما عليهما، إلا درجة ~~يمتاز بها الجنس الذي يملك زمام الحياة الجنسية بحكم الطبيعة والتكوين. # الفصل الثاني # | من الأخلاق # جاء وصف النساء بالكيد في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، مرتين على لسان يوسف عليه ~~السلام، ومرة على لسان العزيز «في سورة يوسف»: # قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين ~~[يوسف: 33]. # وقال الملك ائتوني به فلما جاءه ~~الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن ~~عليم ~~[يوسف: 50]. # فلما رأى قميصه قد من دبر قال ~~إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ~~[يوسف: ~~28]. # والكيد صفة مذكورة في مواضع كثيرة من القرآن، بعضها منسوب إلى الإنسان، وبعضها منسوب إلى ~~الشيطان، ومن الرجال الذين نسبت إليهم صالحون مؤمنون، ومنهم كفرة مفسدون، بل وردت وصفا ~~لله سبحانه وتعالى مع المقابلة بين الكيد الإلهي وكيد المخلوقات، وبغير مقابلة في ~~آيات. # ويدخل في الكيد صفات كثيرة تمدح وتذم، وتطلب وتمنع، تشترك كلها في معاني التدبير ~~والمعالجة والحيلة، وقد يجمع الحميد والذميم منها قولهم: «الحرب مكيدة»؛ لأنها تدبير ~~ومعالجة وحيلة تتطلبها مواقف القتال، وقد تذم أحيانا في هذه المواقف، كما تذم في ~~سواها. # وقد جاء وصف الكيد في سورة يوسف نفسها منسوبا إلى إخوة يوسف إذ جاء فيها على لسان يعقوب ~~عليه السلام: # قال يا بني لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو ~~مبين ~~[يوسف: 5]. # وجاء منسوبا إلى الله تعالى بمعنى التدبير: # فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ~~كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا ~~أن يشاء الله ~~[يوسف: 76]. # أما الكيد الذي وصفت ms009 به امرأة العزيز وصاحباتها، فهو كيد يعهد في المرأة ولا ينسب إلى ~~غيرها، أو هو كيدهن الذي يتسمن به ويصدر عن خلائقهن وطبائعهن، كما يفهم من الإضافة ~~المتكررة في الآيات الثلاث، ويدل عليه عمل امرأة العزيز فيما غشت به زوجها، واحتالت له من ~~مراودة غلامها عن نفسه، ثم من اتهامه بمراودتها وتنصلها من فعلها. # وكلها أعمال تتلخص في «الرياء» أو في إظهارها غير ما تبطنه واحتيالها للدس ~~والإخفاء. ~~••• # والرياء صفة عامة تشاهد في كثير من المستضعفين من الرجال والنساء، وأسبابه الاجتماعية ~~تحدث لكل ضعيف يقهره غيره، فلا يخص المرأة دون الرجل، ولا ينحصر بين فئة من الناس دون فئة، ~~وقد يحدث للحيوان الضعيف ويلجئه إلى المراوغة والملق، وهو لا يتكلف لذلك كما يتكلف الإنسان ~~الذي يفكر فيما يعمل وفيما يقصد إليه. # وينسب رياء المرأة إلى الضرورات التي فرضها عليها الضعف في حياتها الاجتماعية أو حياتها ~~البيتية، وقد يظهر فيها على نحو يناسبها حتى يتلبس بالبواعث الأنثوية المقصورة عليها. فلا ~~تختص به في أصوله إذ كانت أصوله من الضعف الذي يشاركها فيه جميع الضعفاء، وإنما تختص به لأن ~~بواعثها الأنثوية مقصورة على جنسها. # إلا أن «الرياء» الأنثوي الذي يصح أن يقال فيه: إنه رياء المرأة خاصة، إنما يرجع إلى ~~طبيعة في الأنوثة تلزمها في كل مجتمع، ولا تفرضه عليها الآداب والشرائع، ولا يفارقها ~~باختيارها أو بغير اختيارها، بل لعلها هي تأبى أن يفارقها لو وكل إليها الاختيار ~~فيه. # فمن أصول هذا الرياء في تكوين الأنثى أنها مجبولة على التناقض بين شعورها بغريزة حب ~~البقاء، وشعورها بغريزتها النوعية. فهي تتعرض للخطر على الحياة وتفرح بوفاء أنوثتها في وقت ~~واحد، وهي إذ تضع حملها تتألم أشد الألم وتعاني جزع الخشية على حياتها حين تخامرها وتسري في ~~كيانها غبطة الأم التي أتمت وجودها وتوجت حياتها الجنسية بأعز ما تصبو إليه وتتمناه، ~~ويستوي كيانها كله على أن تفرح وهي تتألم، وتتألم وهي تفرح، فلا يستقيم شعورها خالصا من ~~النقيضين في أعمق وظائفها التي خلقت لها، ms010 ومثل هذا التناقض يلازم عواطفها جميعا فيما هو ~~دون ذلك من نزعاتها وأهوائها. ~~••• # ومن أصول هذا الرياء في تكوينها، أنها مجبولة كذلك على التناقض بين شعورها بالشخصية ~~الفردية، وشعورها بالحب والعلاقة الزوجية، فهي كجميع المخلوقات الحية ذات «وجود شخصي» مستقل ~~تحرص عليه، وتأبى أن تلغيه أو تتخلى عن ملامحه ومعالم كيانه، وهي في حوزتها «الشخصية» ~~مدفوعة إلى صد كل افتيات ينذرها بالفناء في شخصية أخرى، ولكنها في أشد حالات الوحدة لا تتوق ~~إلى شيء، كما تتوق إلى الظفر بالرجل الذي يغلبها بقوته، ويستحق منها أن تأوي إليه، وتلحق ~~وجودها بوجوده، وأسعد ما تكون في حبها أو في علاقتها الزوجية إذ يملكها الرجل الذي يفوقها ~~بالقدرة المطاعة والعزيمة النافذة، ونتيجة المقاومة عندها أن تجمع بين الانتصار والخذلان في ~~لحظة واحدة. فهي منتصرة حين تظفر بالرجل الذي يغلبها ويستولي عليها. # وشبيه بهذا التناقض مع اختلاف أسبابه، أن الرغبة الجنسية عندها تنفصل عن الغريزة النوعية ~~في معظم أيامها. فليست الرغبة الجنسية - بحكم الطبيعة - عبثا في وقت من الأوقات عند الرجل، ~~ولكنها عبث عند المرأة في أوقات حملها وفي غير أوقات الحمل من أيام دوراتها الشهرية. وقد ~~عوفيت أنثى الحيوان من هذا العبث؛ لأنها إذا حملت صدت عن الذكر وصد الذكر عنها، ولكن ~~المرأة التي تحس أنها عابثة في أحق الوظائف النوعية بالجد والمبالاة، يختلط عندها العبث ~~بالجد والسرور العقيم بالوظيفة الطبيعية، وقد تقضي بعد سن اليأس زمنا يحكمها فيه هذا العبث ~~الذي لا نظير له في حياة الرجولة. ~~••• # وحب الزينة أصل من أصول الرياء يشاركها فيه الرجل في ظاهر الأمر، ولكنه يخصها في جانب غير ~~مشترك بينها وبين زينة الرجولة؛ فإن الرجل يتزين ليعزز إرادته، وإنما تتزين المرأة لتعزز ~~إرادة غيرها في طلبها. وزينة المرأة كافية إذا راقت بمنظرها الظاهر في عين الرجل، ولكن زينة ~~الرجل تجاوز ظاهره إلى الدلالة على قوته ومكانته وكفايته لمؤنة أهله، وليست الزينة التي ~~تراد للإغراء بالقبول كالزينة التي تراد للإغراء بالطلب، فإن الفرق بينهما هو الفرق بين ms011 ~~الإرادة والانقياد، وبين من يريد ومن ينتظر أن يراد. ~~••• # وجملة القول أن الرياء على عمومه هو إظهار غير ما في الباطن، وهو حالة تعرض للرجال ~~والنساء في الحياة الجنسية وغير الحياة الجنسية، ولكن الأنوثة تخص بلون منه؛ لأنها إذا ~~لجأت إليه، فإنما تلجأ إليه اضطرارا؛ لأن من خلقها ألا تظهر كل ما في نفسها، وإن كان ~~من الأمور الطبيعية التي لا إثم فيها ولا مخالفة بها لوظيفتها. # الفصل الثالث # | هذه الشجرة # قصة الشجرة الممنوعة التي أكل منها آدم وحواء، وهي الصورة الإنسانية لوسائل الذكر والأنثى ~~في الصلة الجنسية بين عامة الأحياء. # الرجل يريد ويطلب، والمرأة تتصدى وتغري. وتتمثل في القصة بداهة النوع في موضعها؛ أي حيث ~~ينبغي أن تتمثل أول علاقة بين اثنين من نوع الإنسان. # وقد ذكر القرآن الكريم قصة الأكل من الشجرة في ثلاثة مواضع من سورة البقرة، وسورة ~~الأعراف، وسورة طه. # ففي سورة البقرة: # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ~~. ~~[البقرة: 35، 36] # وفي سورة الأعراف: # ويا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ~~ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ~~أو تكونا من الخالدين ~~. ~~[الأعرف: 19، 20] # وفي سورة طه: # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم ~~هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * ~~فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان ~~عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه ~~فغوى ~~. ~~[طه: 120، 121] # وليس في هذه الآيات من السور الثلاث إشارة إلى ابتداء حواء بالإغراء، أو بالكيد على ما ~~جاء في سورة يوسف، ولكن بعض المفسرين ذكر ذلك في شرح الآيات معتمدا على أقوال حفاظ ~~التوراة من بني إسرائيل الذين دخلوا في الإسلام، فقال الطبري من المفسرين الأقدمين نقلا ~~بالإسناد عن وهب بن منبه: # لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ms012 ونهاهما عن الشجرة، أراد إبليس أن يستزلهما فدخل ~~في جوف الحية، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى ~~الله عنها آدم وزوجته، فجاء به إلى حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرة! ما أطيب ريحها ~~وأطيب طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظر ~~إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما ~~سوآتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب! ~~قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا رب، ثم قال ربه: يا حواء، أنت التي غررت عبدي، ~~فإنك لا تحملين حملا إلا حملته كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على ~~الموت مرارا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي. ملعونة أنت ~~لعنته، ولا يمكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدا ~~منهم أخذت بعقبه، وحيث لقيك شدخ رأسك. # وقال الألوسي صاحب «روح المعاني» من المفسرين المحدثين: وقيل: بينما هما يتفرجان في الجنة ~~إذ راعهما طاووس تجلى لهما على سور الجنة، فدنت حواء منه، وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء ~~الجدار. وقيل: توسل بحية تسورت الجنة، والمشهور حكاية الحية. وهذان الأخيران يشير أولهما ~~عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة، وثانيهما إلى توسله ~~بالغضب. # ومرجع هذا الشرح كما هو ظاهر، قصة التوراة التي حفظها وهب بن منبه، ورواها لصحبه من ~~المسلمين بعد دخوله في الإسلام، ونصها كما جاءت في الإصحاح الثالث من سفر التكوين: # وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية، فقالت للمرأة: أحقا قال الله: لا تأكلا ~~من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي ~~في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: ~~لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تتفتح ms013 أعينكما وتكونان كالله عارفين ~~الخير والشر. فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة ~~شهية للنظر، وأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا معها فأكل، وانفتحت أعينهما ~~وعلما أنهما عريانان. فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر، وسمعا صوت الرب الإله ~~ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله وسط ~~شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة، ~~فخشيت لأني عريان واختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي ~~أوصيتك ألا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة: فقال ~~الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني فأكلت. فقال الرب ~~الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم، ومن جميع وحوش البرية. على ~~بطنك تسعين، وترابا تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ~~ونسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه، وقال للمرأة: تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، ~~بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك، وقال لآدم: لأنك سمعت ~~لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا: لا تأكل منها - ملعونة الأرض ~~بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكا وحسكا تنبت لك، وتأكل عشب الحقل ~~بعرق وجهك، تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى تراب ~~تعود. # وعلى هذا المرجع من التوراة اعتمدت كتب العهد الجديد حيث جاء في الإصحاح الحادي عشر من ~~كتاب كورنثوس الثاني: # ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي ~~في المسيح. # وجاء في تيموثاوس من الإصحاح الثاني: # إن آدم لم يغو، ولكن المرأة أغويت فحصلت في ~~التعدي. # تلك قصة الشجرة في كتب الأديان، وهي تعبر برموزها السهلة عن بداهة النوع المتأصلة في ~~إدراكه للمقابلة بين الجنسين، وعن دور كل منهما في موقفه من الجنس الآخر، على الوجه الوحيد ~~الذي تتم به ms014 إرادة النوع، والمحافظة على بقائه، وإنما تتم هذه الإرادة بين جنس يملك الزمام، ~~وجنس تقوم إرادته على أن يحرك إرادة غيره، وقد ترجمت قصة الشجرة سر الجنس الكامن في طبائع ~~الأحياء جمعاء، بين الإرادة والإغراء، وبين المطاردة والانقياد، فانطوت في هذا السر كل ~~خليقة يتميز بها الذكور والإناث، وتنتقل إلى العالم الإنساني، فيتميز بها الرجال والنساء ~~تمييزا يبقى في كيان الخلقة، وفي دقائق الخلايا الجسدية التي يتركب منها ذلك الكيان، بعد ~~كل دعاية مذهبية، وكل طور من أطوار المجتمع السياسي. وبعد كل ترويج أو تهريج يلغط به أولئك ~~الذين ينظرون حولهم ولا يحسون، أو يحسون ما حولهم وما في أنفسهم ولا يفقهون. # ومن نقائض الطبع الأنثوي التي أشرنا إليها فيما تقدم، أن تخالف المرأة أشد المخالفة وتذعن ~~غاية الإذعان، حين يضطرب الحس فيها بين إرادتها الفردية وإرادتها النوعية. # وحب الإغراء على هذا النحو مفهوم بشطريه أو بنقيضيه، مفهوم على الموافقة وعلى المخالفة؛ ~~لأن المرأة محكومة لا تحكم غيرها إلا من طريق إغرائه، أو من طريق تنبيهه إلى ما هو «شهي ~~للنظر بهجة للعيون» كما جاء في العهد القديم. # وكل خلق من أخلاق المرأة مرموز إليه في قصة الشجرة، ومنها الولع بالممنوعات كما يولع ~~بها كل محكوم مضطر إلى الاتباع. # قال الشاعر الجاهلي طفيل الغنوي: # إن النساء كأشجار خلقن لنا # منها المرار وبعض المر مأكول # إن النساء متى ينهين عن خلق # فإنه واجب لا بد مفعول ~~«ولا تولع المرأة بالممنوع لأنها محكومة وكفى، أو لأنها محكومة لضعفها واعتمادها على من ~~يمنعها، بل هي تولع بالممنوع لأنها تتدلل، ولأنها تجهل وتستطلع، ولأنها موهونة الإرادة لا ~~تطيق الصبر على حنة الغواية والامتناع، وكل أولئك عنوان خصلة أخرى من ورائها: هي خصلة الضعف الأصيل.» # 1 ~~«والولع بالإغراء والإغواء أخو الولع بالمخالفة والعصيان: كلاهما دليل على رجوع الأمر إلى ~~الآخرين، فالمخالفة دليل على أن المخالف محكوم لغيره، والإغواء دليل على أنه يرجع إلى غيره ~~في العمل ويعتمد عليه. فهما ثمرتان من هذه الشجرة، أو هما ms015 خصلتان من خصال الأنوثة الخالدة ~~في الصميم». ~~«تتعرض المرأة وتنتظر، والرجل يطلب ويسعى، والتعرض هو الخطوة الأولى في طريق الإغواء، فإن ~~لم يكف فوراءه الإغواء بالتنبيه والحيلة والتوسل بالزينة والإيماء ، وكل أولئك معناه تحريك ~~إرادة الآخرين والانتظار». ~~«فإرادة المرأة تتحقق بأمرين: النجاح في أن تراد، والقدرة على الانتظار، ولهذا كانت ~~إرادة المرأة سلبية في الشئون الجنسية على الأقل، إن لم نقل في جميع الشئون، ولعل كلمة (لا) ~~سابقة لكل نية تمتحن بها المرأة إرادتها وصبرها، فأحوج ما تكون إلى الإرادة والصبر حين تنوي ~~ألا تتقدم ولا تسلم ولا تجيب ولا تطيع. وهنا تتصل هذه الخليقة فيها بخليقة العناد، ~~وقوام العناد كله أن يقاوم المعاند رغبة الآخرين، وعمل الآخرين. فالإرادة التي تتمثل في ~~العناد مؤنثة، والإرادة التي تتمثل في العزيمة مذكرة، وهذا هو شأن الإرادتين في غالب ~~الأحوال». ~~«وليس للمرأة أن تريد غير هذا النوع من الإرادة، لأسباب عميقة في أصول التركيب والتكوين، ~~وموقف الجنسين من الاستجابة لمطالب النوع يهدينا إلى حكمة هذا الفارق من طريق قريب. ~~فالذكور من جميع الحيوانات قد أعطيت القدرة - بتركيبها الجسدي - على إكراه الإناث لاستجابة ~~مطالب النوع، طائعات أو مقسورات، ولا يتأتى ذلك للإناث على حال من الحالات الجسدية، فغاية ~~ما عندهن من وسيلة أن يهجن الرغبة في الذكور، وأن يجعلنهم يريدون، ولا يستطيعون الامتناع عن ~~الإرادة». ~~«فهذا الفارق ملحوظ في أعمق أعماق التركيب الجسدي من كلا الجنسين، منذ نشأ الفارق بين ذكر ~~وأنثى في عالم الحيوان، وحكمته ظاهرة كل الظهور؛ لأنها هي الحكمة التي توافق بقاء النوع، ~~وارتقاء الأفراد جيلا بعد جيل. فالإغواء كاف للأنثى، ولا حاجة بها إلى الإرادة القاسرة. ~~بل من العبث تزويدها بالإرادة التي تغلب بها الذكر عنوة؛ لأنها متى حملت كانت هذه الإرادة ~~مضيعة طوال مدة الحمل بغير جدوى. على حين أن الذكور قادرون إذا أدوا مطلب النوع مرة، أن ~~يؤدوه مرات بلا عائق من التركيب والتكوين، وليس هذا في حالة الأنثى بميسور على وجه من ~~الوجوه». ~~«وإكراه الأنثى على تلبية ms016 إرادة الذكر يفيد النوع، ولا يؤذي النسل الذي ينشأ من ذكر قادر ~~على الإكراه وأنثى مزودة بفتنة الإغواء. فهنا تتم للزوجين أحسن الصفات الصالحة لإنجاب ~~النسل، من قوة الأبوة وجمال الأمومة، ويتم للنوع مقصد الطبيعة، من غلبة الأقوياء الأصحاء ~~القادرين على ضمان نسلهم في ميدان التنافس والبقاء. وعلى نقيض ذلك لو أعطيت الأنثى القدرة ~~على الإرادة والإكراه، لكان من جراء ذلك أن يضمحل النوع ويضار النسل؛ لأنه قد ينشأ في هذه ~~الحالة من أضعف الذكور الذين ينهزمون للإناث، وكيفما نظرنا إلى مصلحة النوع، وجدنا من الخير ~~له أبدا أن يتكفل الذكور بالإرادة والقوة، وأن تتكفل الإناث بالإغواء والتلبية، بل وجدنا ~~أن فوارق البنية قد جعلت السرور في كل من الجنسين قائما على هذا الأساس العميق في الطباع. ~~فلا سرور للرجل في إكراهه على مطلب النوع، بل هو منغص له مضعف من لذة جسمه. أما المرأة فقد ~~يكون استسلامها لغلبة الرجل عليها باعثا من أكبر بواعث سرورها، ولعله أن يكون مطلوبا ~~لذاته كأنه غرض مقصود، بل هو في الواقع غرض مقصود لما فيه من الدلالة على توفق الأنثى إلى ~~إغواء أقوى الذكور. ومن البداهات الفطرية أن تتظاهر المرأة بالألم والانكسار في استجابتها ~~للنوع؛ لأنها تفطن ببداهتها الأنثوية إلى هذا الفارق الأصيل في خصائص الجنسين». ~~••• ~~«وليس بنا هنا أن ننظر في العدل الطبيعي بين خصائص الذكور وخصائص الإناث، وإنما نسجل هذه ~~الحقائق بالملاحظة الصادقة، والدلالة الواضحة، ولا يعنينا أن ننصب لها ميزان العدل في توزيع ~~الطبائع والملكات. ولكننا مع هذا القول نعود فنقول: إن العدل هنا بين الجنسين غير مفقود، ~~وإن القسمة هنا ليست بالقسمة الضيزى، # 2 # فإذا قيل: إن الحمل قد جنى على المرأة؛ لأنه خصها بالألم، وجعل الإرادة من ~~نصيب الرجل، فلا ينبغي أن ننسى أن الحمل قد أتاح للمرأة مزية فطرية لا تتاح لزوجها على وجه ~~اليقين، وهي ضمان نسلها بغير دخل ولا ارتياب. فكل من ولدت المرأة فهو وليدها الذي يستحق ~~عطفها وحنانها، وليس ذلك شأن الآباء فيما ms017 ينسب إليهم من الأبناء. وما من أم تسأل عن ألم ~~الحمل إلا تبين من شعورها أنها تستعذبه ولا تتبرم به، وأنها قد تشعر بغبطة من الألم لا ~~يعرفها الرجال الذين يثورون على الآلام، ومن امتزاج الألم بطبيعة المرأة أصبحت التفرقة بين ~~ألمها ولذتها في رعاية الأبناء من أصعب الأمور، وعلى هذا يعتز الرجل بأنه يريد المرأة، ولا ~~تعتز المرأة بأن تريده. لأن الإغواء هو محور المحاسن في النساء، والإرادة الغالبة هي محور ~~المحاسن في الرجال، ولهذا زودت الطبيعة المرأة بعدة الإغواء وعوضتها بها عن عدة الغلبة ~~والعزيمة، بل جعلتها حين تغلب هي الغالبة في تحقيق مشيئة الجنسين على السواء». ~~••• ~~«ولكن التفرقة في عدة الغواية واجبة بين ما هو من صفات الجنس كله، وما هو من صفات هذه ~~المرأة أو تلك من أفراد النساء. فقد تكون امرأة من النساء أذكى وأبرع من هذا الرجل أو ذاك، ~~فتأخذه بالحيلة والدهاء، كما يغلب الأذكياء الجهلاء في كل مجال يتصاولون فيه. إلا أنها ~~صفة فردية لا يقاس عليها عند بيان الصفات الجنسية التي خصت بها المرأة على التعميم، ~~وهذه الصفات الجنسية هي التي تعنينا في هذا المقام؛ لأنها التراث المشترك بين جميع بنات ~~حواء في مواجهة الجنس الآخر: وهو جنس الرجال». ~~«فالذي يساعد المرأة من قبل الطبيعة على إغراء الرجل هو الهوى الجنسي في تركيب الرجل ~~نفسه، فلولا هذا الهوى لكانت حيلتها معه من أضعف الحيل، وسلطانها عليه كأهون سلطان، ومما ~~يرينا أن الطبيعة هي العاملة هنا، وليست المرأة هي التي تعمل بقدرتها واحتيالها، أن هواها ~~في نفس الرجل شبيه بكل هوى ينمو فيه بحكم العادة والفطرة، فهو يعاني من مقاومة التدخين، أو ~~معاقرة الخمر، عناء يجهده ويغلبه على مشيئته في كثير من الأحيان، ولو كان للتبغ أو للخمر ~~لسان يتكلم لجاز أن يتحدث الناس عن لسانهما المعسول الذي يخلب العقول، وعن حيلتهما النافذة ~~التي تسلب الرشاد». ~~«والأداة البالغة من أدوات الإغواء والإغراء، هي قدرة المرأة على الرياء والتظاهر بغير ما ~~تخفيه، فهذه الخصلة ms018 قد تسمو فيها حتى تبلغ رتبة الصبر الجميل، والقدرة على ضبط الشعور، ~~ومغالبة الأهواء، وقد تسفل حتى تعافها النفوس كما تعاف أقبح الختل والنفاق. أعانتها عليها ~~روافد شتى من صميم طبائع الأنوثة التي يوشك أن يشترك فيها جميع الأحياء. فمن أسباب هذه ~~القدرة على الرياء - أو هذه القدرة على ضبط الشعور - أن المرأة قد ريضت زمنا على إخفاء ~~حبها وبغضها؛ لأنها تخفي الحب آنفة من المفاتحة به والسبق إليه، وهي التي خلقت لتتمنع وهي ~~راغبة، وتخفي البغض لأنها محتاجة إلى المداراة كاحتياج كل ضعيف إلى مداراة ~~الأقوياء». ~~«ومن أسباب القدرة على الرياء، أو القدرة على ضبط الشعور، أن الأنوثة سلبية في موقف ~~الانتظار، فليس من شأن رغباتها أن تسرع إلى الظهور والتعبير، أو ليس من شأنها أن تفلح ~~بالظهور والتعبير كما تفلح رغبات الذكور». ~~«ومن أسباب القدرة على الرياء، أو القدرة على ضبط الشعور، أن مغالبة الآلام قد عودتها ~~مغالبة الخوالج النفسية ما دامت في غنى عن مطاوعتها والكشف عنها، ومنها أن اصطناع الزينة ~~الذي استقر في خليقتها إنما هو في لبابه اصطناع لكل ظاهر تحسه الأبصار والأسماع، أو تحسه ~~الضمائر والأفهام». ~~«وفي اللغة العربية توفيقات كثيرة في الجمع بين الحقيقة المادية والحقيقة المجازية بكلمة ~~واحدة، ومنها كلمة «التجمل» التي تفيد معنى التزين لمرأى العيون كما تفيد معنى التزين لمرأى ~~النفوس». ~~«ولرسوخ هذه الطبيعة الأنثوية في تكوين المرأة - شغفت بالرياء لغرض تعنيه، ولغير غرض ~~تعنيه في كثير من الأحوال، كأنها وظيفة حيوية تستمتع بها بالمعالجة والرياضة كما تستمتع ~~الأعضاء بالحركة والنشاط». ~~«وقد يعين المرأة على الرجل - غير الهوى وغير الخداع - خلق آخر هو في الحقيقة خلق يعين ~~الرجل على نفسه، وليس عمل المرأة فيه إلا من قبيل الإذكاء والتنبيه. فالمرأة سكن للرجل كما ~~جاء في القرآن الكريم، ولا يطيب للإنسان أن يحذر من سكنه، أو يتجافى عن الهدوء والطمأنينة ~~فيه، ولا تتم سعادته به إلا أن ينفي عنه الحذر، ويقبل عليه بجمع فؤاده وطوية ضميره. فهو ~~الذي يغمض عينيه بيديه ms019 ويستنيم إلى الرقاد هربا من السهاد، ونصف ما يقبله من الخداع إنما ~~هو الخداع الذي نسجه بيمينه وزخرفه بتلفيقه، وكذلك المرأة إذا تعلقت بالرجل كانت أسبق منه ~~إلى التصديق، وكان خداعه إياها أسهل من خداعها إياه». ~~«ومن غوايات المرأة الكبرى أنها قصبة السبق في حلبة التنافس بين الرجال، فالظفر بها يرضي ~~كل شعور يحيك بقلب الرجل، سواء منه ما يتناوله بإدراكه ووعيه، وما ليس يدركه ولا ~~يعيه». ~~«وقد اختلف أصحاب المذاهب الفلسفية في تعليل نوازع الحياة التي تفسر بها أعمال الناس ~~وترد إليها. فقال بعضهم: إنها طلب القوة، وقال غيرهم: إنها طلب البقاء، وزعم هؤلاء وهؤلاء ~~أنها طلب اللذة، وجاء آخرون في العصر الحاضر فتغلغلوا بالنوازع الجنسية وراء كل غريزة، ~~ونفذوا بها إلى كل سرداب من سراديب النفس الخفية، وأيا كان موضوع الصدق من هذه النوازع، ~~فالمرأة معها جميعا تطلق شعور القوة وشعور البقاء وشعور اللذة، وتتقصى وشائج الجنس إلى ~~جذورها الكامنة في أعرق بواطن الحياة». ~~«وما الظن بقصبة السبق التي تستطيع أن تستدني إليها من تشاء وتنأى عمن تشاء؟ إن ~~المتسابقين ليتناحرون على القصبة الخرساء، وهي لا تحكم لهم بشيء ولا تفاضل بين يمين ويمين. ~~والمرأة هي تلك القصبة التي تحابي وتجافي حرية ألا تبقى في عزيمة العادين بقية من ~~نوازع السباق». ~~«تلك هي بعض عناصر الغواية الأنثوية التي تملكها المرأة من حيث تدري ولا تدري، وكذلك تنبت ~~الثمرة الثانية على هذه الشجرة». # الفصل الرابع # | الأخلاق الاجتماعية # تتجلى حكمة القرآن الكريم في النص على قوامة الرجال من أحوال المجتمع، كما تتجلى من أحوال ~~الأسرة أو أحوال الصلة الزوجية بين الذكر والأنثى؛ أي بين الرجل والمرأة في نوع ~~الإنسان. # فالأخلاق في المجتمعات الإنسانية عامة مصلحة دائمة، وضرورة لا قوام لمجتمع بغيرها على ~~صورة من صورها. وهذه الضرورة لم يكن في مجتمعات الناس ما يكفيها إن لم تكفها قوامة الرجال، ~~فإن الرجال هم مرجع كل عرف مصطلح عليه في الأخلاق، سواء منها أخلاق الذكور وأخلاق الإناث، ~~ولم يؤثر عن المرأة قط ms020 أنها كانت مرجعا أصيلا لخلق من الأخلاق لم تتلقه من الرجال، ~~ولم تتجه به إليهم، ولا استثناء في ذلك للصفات التي نعدها من أخص الصفات الأنثوية، ومن ~~أقربها إلى طبيعة المرأة ، وأبرزها في هذه الخاصة صفات الحياء والحنان والنظافة. # وكان من السائغ عقلا أن تنشئ المرأة خلائق العرف كله؛ لأنها تتسلم النوع منذ نشأته في ~~الأرحام، إلى أيام نموه بين الحجور والمهود، وتتولى حضانته البيتية إلى أيام المراهقة، ثم ~~تتسلمه قرينا بعد أن تسلمته ابنا متدرجا في تكوينه إلى تمام هذا التكوين، كما يتم في دور ~~المراهقة فدور الشباب. # كان هذا هو السائغ عقلا، لو كان في المرأة استعداد مستقل لتكوين القيم الأخلاقية، وإنشاء ~~العرف والاصطلاح، ولو في بواكيره الأولى؛ إذ هي قادرة في دور الحضانة على بث البذور الخلقية ~~في العادات والمبادئ مهما يكن من ضغط الرجل عليها. # غير أن الواقع المتكرر في المجتمعات الإنسانية كافة، أن المرأة تتلقى عرفها من الرجال، ~~حتى فيما يخصها من خلائق الحياء والحنان والنظافة كما تقدم. # فهي إنما تستحي لأنها تتلقى خليقة الحياء من الطبيعة، أو من إملاء الرجال عليها. ~~••• # وحياء المرأة الذي تتلقاه من الطبيعة أنها تخجل من مفاتحة الرجل بدوافعها الجنسية، وتنتظر ~~المفاتحة من جانبه، وإن سبقته إلى الحب والرغبة. وشأنها في ذلك كشأن جميع الإناث في جميع ~~أنواع الحيوان، فإنها تنتظر ولا تتقدم، أو تتعرض ولا تهجم، ويمنعها أن تفعل ذلك مانع من ~~تركيب الوظيفة لا يصدر عن وازع أخلاقي، ولا عن أدب من آداب السلوك. إذ كان مانعا يتساوى ~~فيه الحيوان العاقل وغير العاقل، كما يتساوى فيه النوع الذي ينقاد للغريزة وحدها، والنوع ~~الذي يراض على سنة من سنن الحياة الاجتماعية، فإنما خلق تركيب الأنثى للاستجابة ولم ~~يخلق للابتداء والإرغام، وسر هذا الخلق أن تزويد الأنثى بوظيفة الابتداء والإرغام عبث مضيع ~~لغاية النوع، متى شغلت بالحمل والرضاع، كما تشغل بهما حسب استعدادها في معظم ~~الأوقات. # وهذا الحياء الطبيعي لا يحسب من القيم الخلقية التي تريدها المرأة، وتمليها على نفسها ms021 ~~وعلى غيرها، ولكنه عمل من أعمال التكوين يصطبغ بالصبغة الخلقية، كلما وافقت آداب ~~الاجتماع. # وإنما يحسب من القيم الخلقية ذلك الحياء الذي تمليه الآداب، ويتصل بالإرادة والاختيار، لا ~~فرق في ذلك بين الإرادة الجامعة وإرادة الأفراد المتفرقين. # وهذا الحياء الذي تمليه الآداب تدين به المرأة على قدر اتصاله بشعور الرجل نحوها ونظرته ~~إليها، فإذا اجتمع النساء معا بعيدا عن أعين الرجال، نسينه ولم يكترثن له، ولم يبالين ~~شيئا مما يبالينه، وهن بأعين الرجل في المحضر والمغيب. # فالمرأة لا تتوارى عن المرأة في الحمام، ولا يعنيها أن تستر عضوا من أعضائها، إلا أن ~~تستره مداراة لعيب وخوفا من منافسة النظائر والأتراب، ولم يعهد في الحرائر الخفرات أنهن في ~~الأمم التي استخدمت الخصيان كن يحجمن عن مس الرجل لهن واطلاعه على أعضائهن وهن عاريات، ~~ويسوغ للنساء أن يذهبن معا إلى ضروراتهن، ولا يسوغ ذلك في عرف الرجال، إلا من تكرههم عليه ~~الطوارئ في غير المعيشة المعتادة. ~~••• # وألصق من الحياء بالمرأة حنانها المشهور، ولا سيما الحنان للأطفال من أبنائها وغير ~~أبنائها. وهذه صفة من صفات الغرائز، توجد في إناث الأحياء، ولا تمتاز فيها أنثى الإنسان إلا ~~على قدر امتياز العاقل على غير العاقل في كل ما يشتركان فيه، فليس الحنان الطبيعي بصالح ~~لتقدير خلق الرحمة في المرأة حين يتصل بإملاء الوجدان الأدبي وسلطان الضمير، وإنما يصلح ~~لتقدير هذا الخلق فيها أن نقارن بين عطف الرجال وعطف النساء على الأطفال من أبناء الآخرين، ~~فربما شوهد الرجل وهو يعطف على أبناء زوجته من غيره كما يعطف على أبنائه ويسوي بينهم في ~~البر والمعاملة، ولو من قبيل التجمل ورعاية الشعور، وتسلك المرأة غير هذا السلوك في ~~معاملة أبناء الزوج من غيرها، فلا ينجو هؤلاء الأبناء أحيانا من التعذيب والتشفي وتعمد ~~الإذلال والإيذاء، ولا يطمع الكثيرون منهم في السلامة أو في التظاهر بالمساواة بينهم وبين ~~إخوانهم في البيت، بل يحدث كثيرا أن يقع التفضيل والإيثار عمدا وجهرة للإمعان في الإساءة ~~والانتقام من الأم المجهولة الغائبة، وقد تكون ms022 في عداد الأموات. وهذا كله كان حريا أن ~~ينعكس بين الرجال والنساء؛ حيث يتصل على الخصوص بتكاليف الإنفاق والحماية؛ لأن الرجل هو ~~الذي ينفق من ماله ويتكلف من وقته وجهده، ولعله حيث يرجع الأمر إلى خلة الأنانية، أولى أن ~~يطمع في الاستئثار بالمرأة لنفسه، غير مشارك فيها ولا مستريح إلى ما يذكره بتلك المشاركة من ~~قبل. وهو في الحق لا يبرأ من الأنانية ولا يقل في هذه الخلة عن المرأة، ولكن الفارق بينهما ~~فيها أنها في الرجل خلة يروضها وازع الأخلاق، وهي في المرأة خلة تتحكم فيها الغريزة، ولا ~~يقوى عليها وازع الفكر والضمير. # أما النظافة فليست هي من خصائص الأنوثة إلا لاتصالها بالزينة، وحب الحظوة في أعين الجنس ~~الآخر. ولكن عمل الغريزة فيها أنها أصعب على المرأة وأيسر على الرجل؛ لأن المرأة تتكلف في ~~سبيل النظافة ما ليس من الضرورات المتكلفة عند الرجال، لما يعرض لها في وظائف الحمل، وعادات ~~الجسم المتكررة، وأخلاط الولادة، ولوازم الحضانة وما إليها، فلو لم تكن النظافة «قيمة ~~خلقية» مفروضة عليها بإشراف الرجل على حياتها العامة وحياتها الخاصة، لكان استقلالها بنفسها ~~وشيكا أن يضعها موضع الإهمال والاستثقال. ويرجع إلى هذه الحالة في المرأة أنها أصبر من ~~الرجل على التمريض؛ لأنها أصبر على الحضانة، وأصبر على أخلاط الجسد، كما يرجع إليها أن ~~إحساسها بالعطف على المصابين مخالف في طبيعته لإحساس الرجال. ~~••• # وليس في أخلاق المرأة المحمودة خلق أخص بها وألصق بأنوثتها من هذه الخلائق الثلاث: وهي ~~الحياء والحنان والنظافة، ومعولها فيها - كما رأينا - على وحي الطبع أو وحي الرجل. وأحرى أن ~~يكون ذلك ديدنها في جملة الصفات التي يشترك فيها الجنسان مع اختلاف حظهما منها، ولو كانت من ~~الصفات التي تولاها الرجال منذ القدم، ويتولونها إلى اليوم، كشجاعة القتال في ميادين ~~الحروب، فقد يوجد من النساء من هن مثل في الشجاعة، ويوجد في الرجال من هم مثل في الجبن، ~~ولا ينفي ذلك أصل القوامة في نشأة الأخلاق وتعميمها، فإذا نشأ الخلق وعم في العرف، لم ms023 ~~يمتنع أن يتخلق به آحاد الجنسين على تفاوت في نصيب الرجال والنساء. # ومما له مغزاه في تقسيم الأخلاق بين الجنسين أن أساطير الخيال ووقائع التاريخ تتفقان ~~بالبداهة والمشاهدة على هذا التقسيم . فقد جاء في أساطير اليونان الأقدمين خبر جيل من الأمم ~~ينعزل فيه النساء، ويتدربن على القتال من طفولتهن، ولا يقبلن بينهن أزواجا يعيشون معهن، بل ~~يأسرن الأزواج ثم ينفصلن عنهم، ويستحيين البنات من الذرية، ويقتلن البنين أو يرددنهم إلى ~~آبائهم المعروفين، واسم هذا الجيل (الخرافي) جيل الأمزونات ومعناها «بغير أثداء»؛ لأن ~~الأمزونات مشتقة من أصل إغريقي هو الكلمة اليونانية # Amazones # والخرافة تقول: إن هذا الجيل من النساء يحرق ~~ثدييه أو يحرق الثدي الأيمن للتمكن من تثبيت القوس في موضعه. وفحوى ذلك - بمغزاه من بداهة ~~الخيال - أن المرأة لا تتصف بهذه الصفة وهي باقية على طبيعتها، ولكنها تخرج من هذه الطبيعة ~~لكي تتشبه بالرجال وتخالف أطوار النساء. # وبغير حاجة إلى متابعة النتائج التي تئول إليها الآراء في المستقبل، نجزم بالصواب فيما ~~نعلمه من دلالة الطبع ودلالة العقل، فنفهم صواب الحكمة القرآنية التي أثبتت للرجل حق ~~القوامة على المرأة في الأسرة، وفي الحياة الاجتماعية، فما كان للمجتمع أن يصطلح على عرف ~~متبع فيه بغير هذه القوامة، وهي دستور الأخلاق والآداب التي لا غنى عنها ولا طاقة للمرأة ~~بولايتها، وإن تسلمت مقاليد الحضانة منذ تكوين الجنين. ~~••• # وقد عالجنا مسألة الأخلاق الأنثوية في فصول متعددة من كتبنا السابقة، ألحقها بهذا الفصل ~~لما فيها من إيضاحات وشواهد متممة أو موافقة لشرح الكلام عن قضية المرأة في القرآن الكريم، ~~ومنها فصل بعنوان أخلاق المرأة من كتاب «هذه الشجرة» نقتبس منه ما يلي: # هذا المقياس بعينه هو المقياس الذي يرجع إليه في التفرقة بين أخلاق النساء: كل ~~ما هو فردي روحي، أو اختياري إرادي، فهو أقرب إلى خلق الرجل، وكل ما هو نوعي جسدي ~~أو آلي إجباري، فهو أقرب إلى خلق المرأة، فمداره على وحي الغريزة أولا ثم على وحي ~~الفهم والضمير. # والأخلاق التي يسمو بها ms024 الإنسان إلى مرتبة التبعة والحساب أو مسئولية الأدب ~~والشريعة والدين، هي كما لا يخفى أخلاق تكليف وإرادة، وليست أخلاق إجبار ~~وتسخير. # ومن هنا صح أن يقال: إن المرأة كائن طبيعي وليست بالكائن الأخلاقي، على ذلك ~~المعنى الذي يمتاز به خلق الإنسان ولا يشترك فيه مع سائر الأحياء. # مساك الأخلاق الأول عند المرأة هو الاحتجاز الجنسي الذي ألمعنا إليه فيما ~~تقدم، وهو من الغريزة التي يتساوى فيها إناث الحيوان، وليس من الإرادة التي يتميز ~~بها نوع الإنسان بجنسيه. # فالمرأة تستعصم بالاحتجاز الجنسي؛ لأن الطبيعة قد جعلتها جائزة للسابق المفضل من ~~الذكور، فهي تنتظر حتى يسبقهم إليها من يستحقها فتلبيه تلبية يتساوى فيها الإكراه ~~والاختيار. # كذلك تصنع إناث الدجاج وهي تنتظر ختام المعركة بين الديكة أو تنتظر مشيئتها بغير ~~صراع. # وكذلك تصنع الهرة وهي تتعرض للهر وتعدو أمامه ليلحق بها، وتصنع العصفورة وهي تفر ~~من فرع إلى فرع ليدركها العصفور السريع، وتصنع الكلبة والفرس والأتان، وهي مضطرة ~~إلى الاحتجاز؛ لأنه الحكم القاهر الذي فرضته عليها وظائف الأعضاء. # والبون بعيد جدا بين هذا الاحتجاز الجنسي، وبين فضيلة الحياء التي تعد من فضائل ~~الأخلاق الإنسانية. # فالحياء مفاضلة بين ما يحسن وما لا يحسن، وبين ما يليق وما لا يليق، وما هو أعلى ~~وما هو أدنى. # والاحتجاز الجنسي غريزة عامة بين الإناث ترجع إلى القهر والإجبار، كائنا ما كان ~~التفاوت بينها في درجة القهر والإجبار. # ومتى بلغ هذا الاحتجاز الجنسي مبلغه الذي قصدت إليه الطبيعة، فقد بلغت الأخلاق ~~الأنثوية غايتها، ولم يبق منها ما يلتبس بالحياء في صورته ولا في معناه. # ومن ضلال الفهم أن يخطر على البال أن الحياء صفة أنثوية، وأن النساء أشد استحياء ~~من الرجال. فالواقع - كما لاحظ شوبنهور - أن المرأة لا تعرف الحياء بمعزل عن تلك ~~الغريزة العامة، وأن الرجال يستحون حيث لا يستحي النساء، فيستترون في الحمامات ~~العامة، ولا تستتر المرأة مع المرأة إلا لعيب جسدي تواريه. # ولم يكن عمر بن أبي ربيعة مبالغا حين قال: إن الوجوه يزهوها الحسن ms025 أن تتقنع. بل ~~هو لو شاء لقال عن الأجسام ما قال عن الوجوه # 1 # فلا تستر الأنثى الفطرية شيئا يمكنها أن تبديه، إذا كان عرضه مجلبة ~~للنظر والاستحسان، ومن شهد الحمامات العامة على شواطئ البحر رأى كيف تهمل ~~الأكسية ذات الرفارف المسبلة، ليبدو للأنظار ما استتر من محاسن الأجسام. # فالخلق الذي تتحلى به المرأة بداهة هو خلق الغريزة الذي يوشك أن يشمل إناث ~~الحيوان. # وكل خلق «إرادي» تتخلق به بعد ذلك فهو فريضة عليها من الرجال، تجاريهم فيه على ~~ديدن المحاكاة والمطاوعة، سواء فهمته أو جهلت كنهه ومرماه؛ ولهذا يكثر في النساء من ~~يتقيدن بالعرف القديم؛ لأن قوام العرف القديم عادات ومصطلحات هي أقرب إلى الغريزة ~~الآلية من فضائل الفهم والإرادة، ويندر بينهن جدا من تتحدى العرف بفضيلة واحدة من ~~فضائل الاختيار. # جرى حديث متنقل في مجلس يضم رهطا من الرجال والنساء على قسط شائع من التعليم ~~والعرف والآداب الخلقية، فانساق الحديث إلى سيرة رجل يتجاوز الخمسين ذاع عنه أنه ~~يستدرج الفتيات الغريرات إلى داره فيلهو بهن ويظهر معهن في المحافل العامة، ويدفعهن ~~إلى سهرات العبث والمجون، فكان النساء أقل من حضر المجلس اشمئزازا من سيرة ذلك ~~الخليع. كأنهن لا يرين نقصا في رجل من الرجال بعد أن تكمل له تلك الفحولة ~~الحيوانية، أو كأنهن لا يصدقن أن الفتيات الغريرات يسقطن في شراكه مخدوعات مغلوبات ~~على مشيئتهن، ولكنهن راضيات مسرورات بما أتيح لهن من فرص المتعة والابتهاج. # وكل ما بدا عليهن بعد ذلك من الاشمئزاز فقد سرى إليهن مستعارا ممن كان بالمجلس ~~من الرجال، فقد كانوا في هذا المجتمع الخاص، كما كانوا في المجتمع العام كله «مصدر ~~السلطات على حد قولهم» في لغة الدساتير. # ومتى سقط سلطان الرجال في الأمة سقط معه سلطان الأخلاق سواء منها أخلاق العرف ~~وأخلاق الإرادة. # فالأمم المهزومة يشاهد فيها طوائف من النساء يجهرن بمخادنة الجنود الفاتحين، ولا ~~يكربهن أنهم قاتلو الإخوة والأزواج والآباء؛ لأن الخضوع للغلبة ألصق بطبيعة الأنوثة ~~الفطرية أو الحيوانية من جميع هذه ms026 الأواصر والآداب. # والعبرة التي تستفاد من هذه الحقيقة أن النساء يوكلن إلى الفطرة في أخلاق الغرائز ~~والعادات، ولكن لا يصح أن يتركن في الأخلاق الأخرى - أخلاق الإرادة والضمير - بغير ~~إيحاء شديد، بل إكراه يتجاوز حدود الإيحاء. ~~••• # والغريزة القاهرة تعلل محاسن المرأة كما تعلل نقائصها، فتمهد لها العذر بين يدي ~~الطبيعة، وإن لم تمهده لها بين يدي القانون والأخلاق. # فالتضحية هي أسمى فضائل الإنسان، وهي فضيلة لا يقدم عليها المرء كل يوم، ولا ~~يقدم عليها بغير دافع شديد من وحي الفطرة أو من وحي الضمير. # ولكنها من وحي الفطرة أعم وأنفذ من وحي الضمير؛ لأن سلطان اللحم والدم عميق ~~القرار في بواعث النفوس. # ومن ثم كانت المرأة أقرب من الرجل إلى التضحية في وظائفها النوعية؛ لأنها تستمد ~~تضحيتها من غرائز الأمومة، وتموت في سبيل الذرية، كما تموت بعض إناث الحيوان. ولا ~~تسهل التضحية على الرجل هذه السهولة إلا إذا ارتقى فيه وحي الضمير إلى مرتبة ~~الدوافع الفطرية المودعة منذ الأزل في غرائز الأحياء، وتلك مرتبة يعز بلوغها على ~~أبناء آدم فلا تزال معدودة فيهم من فضائل الأنبياء وأشباه الأنبياء، أو كما قال ابن ~~الرومي: # وعزيز بلوغ هاتيك جدا # تلك عليا مراتب الأنبياء # وإنما يقدم الرجل على التضحية في جملة أحوالها العامة بغريزة أخرى مغروسة في ~~طبيعة النوع، ولكنها أحدث وأقرب إلى الإرادة: وهي غريزة القطيع التي نشأت مع ~~الخلائق الاجتماعية، ولم تنشأ بداءة مع الولادة، كما نشأت الغرائز الأنثوية في جميع ~~إناث الأحياء. فإذا تصدى الرجل للقتال في الجيش أو الكتيبة، تحرك بإرادة القطيع كله ~~وتغلب بها على الخوف وحب السلامة، ولكنه قد ينفرد بالتضحية التي يدفعه إليها وحي ~~الضمير، فيعلو على فضائل الأنواع والجماعات، ويعرج بروحه صعدا في طراز رفيع من ~~الفضائل: هو فضائل الأفراد الأفذاذ. ~~••• # والغرائز المختلفة التي تعلل لنا محاسن المرأة تعلل لنا نقائصها التي تعاب عليها ~~من بعض جهاتها. وقد لخصها المتنبي، ولخص كل ما قيل في معناها حيث قال: # فمن عهدها ألا يدوم لها عهد # فهي ms027 تتقلب وتراوغ وترائي وتكذب وتحزن وتميل مع الهوى وتنسى في لحظة واحدة عشرة ~~السنين الطوال. # وهي مسوقة إلى ذلك بالفطرة الجنسية التي خلقت فيها قبل نشأة الآداب الاجتماعية ~~والآداب الدينية بألوف السنين. فقد أغرتها الفطرة الجنسية بالميل إلى الأقدر ~~والأكمل من الرجال لتنجب للعالم أحسن الأبناء من أحسن الآباء. # فلم يكن مما يوافق هذه الفطرة في العصور السحيقة أن تحفظ العهد لرجل واحد ومن ~~حولها رجال كثيرون يتقاتلون عليها، وقد يغلب أحدهم رجلها الذي تحفظ له العهد أو ~~يطالبها بحفظه. # وكانت الحرب في بداءة الحياة الإنسانية هي مقياس القدرة والرجحان بين الرجال، في ~~قبيلتهم أو في جميع القبائل المحيطة بها، فكان من شان المرأة أن تسلم لظافر بعد ~~ظافر، وشجاع بعد شجاع، كلما دارت رحى الحرب بين غالب ومغلوب، وبين الشجاع القوي ومن ~~هو أشجع منه وأقوى. # ثم أصبح المال مقياس القدرة والرجحان بين الرجال، وكان مقياسا صحيحا في العصور ~~الغابرة، وظل كذلك ألوفا من السنين؛ لأنهم كانوا يكسبون المال غنيمة في حومة ~~الحرب، أو ربحا من أرباح التجارة التي تقحم أصحابها في مجاهل الأرض، وتهدفهم ~~لأخطار القتل والاستلاب، وتلجئهم إلى الحيلة تارة وإلى الحول تارات، وتشهد لهم ~~بمقياس القدرة والرجحان عن جدارة واضحة تغني المرأة عن التفكير، وهي لا تعمد كثيرا ~~إلى التفكير قبل الاختيار. ~~••• # قلنا في الفصل الذي عقدناه على رأي المعري في المرأة من كتابنا المطالعات: «والذي ~~نقوله في جملة واحدة أن المرأة وفية صادقة: وفيه للحياة لا لهذا الرجل أو لذاك، ~~وصادقة في الحب لا في إرضاء أهواء من تحب، ولو أنعمنا النظر لعرفنا أن المرأة تخون ~~نفسها كما تخون الرجال في سبيل الأمانة للحياة، وتكذب على نفسها كما تكذب على ~~محبيها في صيانة عهد الحب، فهي وفية بالفطرة رضيت أم لم ترض، وهي صادقة بالإلهام ~~حيث أرادت وحيث لا تريد.» # إلى أن قلنا: «تحب المرأة الشباب، ومن ذا الذي لا يحب الشباب؟ إن الشباب نفحة ~~الخلود وروح من روح الله. تصور الأقدمون الآلهة فلم يفرقوا ms028 بينهم وبين الشباب، ~~وأسبغوا عليهم كساء سرمديا من نسجه، وبهاء متجددا من صنعه، شعورا منهم بأن ~~الشباب سمة الحياة الخالدة وروح المعاني الإلهية، وترجيحا لخير الشباب على شره ~~ولمحاسنه على عيوبه.» ~~••• # ثم تحب المرأة المال، ومن ذا الذي يكره المال؟ غير أننا قد نرى للمرأة سببا غير ~~سائر الأسباب التي تغري بحب المال وإعظام أصحابه. نرى أن كسب المال كان ولا يزال ~~أسهل مسبار لاختيار قوة الرجل وحيلته، وأدعى الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار ~~واجتلاب الإعجاب والإكبار، فقد كان أغنى الرجال في القرون الأولى أقدرهم على ~~الاستلاب، وأجرأهم على الغارات، وأحماهم أنفا، وأعزهم جارا، وكان الغنى قرين ~~الشجاعة والقوة والحمية، وعنوانا على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء، أو التي ~~يجب أن تكون محببة إليهن. ثم تقدم الزمان فكان أغنى الرجال أصبرهم على احتمال ~~المشاق وتجشم الأخطار والتمرس بأهوال السفر وطول الاغتراب، وأقدرهم على ضبط النفس ~~وحسن التدبير. فكان الغنى في هذا العصر قرين الشجاعة أيضا وقوة الإرادة وعلو الهمة ~~وصعوبة المراس، ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أبعدهم نظرا وأوسعهم حيلة، ~~وأكيسهم خلقا، وأصلبهم على المثابرة وأجلدهم على مباشرة الحياة ومعاملة الناس، ~~فكان الغنى في هذا العصر قرين الثبات والنشاط ومتانة الخلق وجودة النظر في ~~الأمور. # كان هذا كله في العصور الأولى قبل تشعب الحياة الاجتماعية، وتعدد الملكات والصفات ~~التي تكفل الرجحان والتقدم للرجال. # ثم تعددت هذه الملكات والصفات فقام في طبيعة المرأة «برج بابل» مخيف من اختلاط ~~الأصوات والدعوات. # كان رجحان الرجل بسيط المظهر، وكانت فطرة المرأة البسيطة قادرة على تمييزه بغير ~~إعنات الفكر ولا إطالة للروية. # ثم تشعبت الملكات والصفات، ووجد في العالم رجال ممتازون بأكبر المزايا، وليس ~~للمرأة من فطرتها البسيطة معين على تقدير مزاياهم وعرفان أقدارهم والترجيح بينهم ~~وبين من دونهم من أصحاب المزايا الفطرية التي تتكشف للنظرة الأولى ولا تحتاج إلى ~~إنعام نظر أو موازنة بين أنواع وأشكال: رجل الحرب الذي يظفر بالقوة والخدعة، ورجل ~~المال الذي يكسب بالقوة والخدعة، وكلاهما مفهوم واضح مكشوف على ms029 ظواهر ~~الأشباه. # ثم انفصلت الحرب عن الشجاعة في بعض المواقف، وانفصل المال عن القدرة الراجحة في ~~كثير من المواقف. فأغنى السلاح والكثرة ما لا تغنيه الشجاعة، وكسب المال بالإسفاف ~~والدناءة وخدمة الشهوات، فهذا هو برج بابل الذي لا تدري المرأة فيه من تسمع ومن ~~تجيب، والذي تحار فيه قبل التمييز والتفضيل، وقد كانت قبل ذلك لا تحار في تمييز ~~أو تفضيل. # وزاد برج بابل طبقة على طبقاته الكثيرة أن الآداب الاجتماعية وآداب الأسرة ظهرت ~~بين الناس، وفرضت على المرأة أدبا جديدا غير الأدب القديم، أدبا يطالبها بالوفاء ~~والأمانة ومغالبة الميول إذا تناضل من حولها الرجال، فزاد في الحيرة والتبلبل ولم ~~يخلق بإزائه في فطرة المرأة معين على التمييز والاهتداء إلا ما تقتبسه بالتعليم ~~والتلقين والإيحاء، وهو ضعيف محدود لا يقوم لإيحاء الفطرة القديمة إذا اشتجر النزاع ~~واضطربت الأهواء. # فانقسم النساء أقساما شتى في الأخلاق الفطرية والأخلاق الاجتماعية: قسم مع ~~الفطرة القديمة وقسم مع الأدب الجديد. بل أصبحت كل امرأة مجالا لتعدد هذه الأقسام ~~تميل مع هذا أو ذاك كلما مالت بها دواعيه. # فنحن إذ نقول: إن المرأة تطيع الغرائز الجنسية في التقلب والمراوغة وخيانة ~~القرناء، لا نقول ذلك لنعذرها كل العذر، أو لنسقط عنها واجب التغلب على هذه الميول ~~التي تغيرت وجهاتها مع الزمن، ولا تزال عرضة لكثير من التغير، فإن الأخلاق لم تجعل ~~لإبقاء الفطرة على عيوبها وإنما جعلت لتهذيب تلك العيوب ورياضتها وشد أزر النفس ~~بالمثل الأدبية التي تعينها على عيوبها. ولكننا نقول ما نقول لنذكر أبدا أن فهم ~~الغرائز الجنسية ضروري لفهم الأخلاق التي تتصل بها، فلا فائدة من البحث في رياضتها ~~بالأدب الاجتماعي، قبل البحث فيما يقابلها من أصول الفطرة التي تعم جميع الأحياء، ~~وليس عمومها بين جميع الأحياء بمانع من إصلاحها بالرياضة والتقويم. بل هو الذي يسوغ ~~ذلك الإصلاح ويوجبه ويبشر بفلاحه؛ لأن الإنسان قد علا فوق سائر الأحياء، فمن الواجب ~~إذن - ومن المستطاع أيضا - أن يعلو فوقها بالآداب والأخلاق. # ومن مفارقات العصور المتأخرة أن ms030 ينجم فيها طائفة من الدعاة وأصحاب الآراء يستخفون ~~بالاحتجاز الجنسي الذي كان عصام المرأة من جماح الأهواء زمنا طويلا، ويستخفون معه ~~بما عداه من الحواجز الجنسية المغروسة في طباع الأحياء؛ لأنها في رأيهم بقية لا ~~ضرورة لها من بيئات المعيشة الحيوانية الأولى. # فعندهم مثلا أن حرية المرأة في العصر الحديث تبيح لها ما حرم عليها في العصور ~~القديمة، فلا يعيبها أن تبدأ الغزل للرجل وتلاحقه لتستولي عليه، كأنما كان تركيب ~~الجسم الأصيل في الأنوثة والذكورة مسألة من مسائل الحريات التي يذهب بها نظام ويأتي ~~نظام، ويبرمها قانون وينقضها قانون. # وعندهم أن الحيوانات لم تقتصر على موسم واحد في التناسل إلا لأنها تشبع من الطعام ~~في هذا الموسم، فتمتلئ أجسادها بفيض من الثروة الحيوية يدعوها إلى طلب ~~الذرية. # وليس أجهل بأسرار الحياة - وسر الجنس أكبر أسرار الحياة - ممن يقنع في تفسيرها ~~وردها إلى أصولها بمثل هذا التعليل القريب، فإن هذا التعليل القريب لا يكفي على ~~الأقل لتفسير الظاهرة التي أشار إليها أولئك الدعاة؛ إذ إن الثمرات النباتية تتوالد ~~في الموسم بعينه، وهي الغذاء الذي تعتمد عليه آكلات العشب من الحيوان، ومتى زادت ~~قوة التوالد في النبات فأحرى أن تزيد قوة التوالد في الأحياء لغير ذلك السبب الذي ~~ذكروه وعلقوه بزيادة الثمرات. # ومن الحيوان ما يعتمد على اللحوم دون العشب ويأكل منها طوال العام، ومنها الأسماك ~~التي لا مواسم عندها للنبات وهي مع هذا تعرف لها مواسم للتناسل، وتخرج إلى الأنهار ~~القصية قبل الأوان الملائم للقاح بين جراثيم الذكورة والأنوثة. # وقد تختلف الأوابد والدواجن في موسم التناسل، ولكنها على التعميم لا تقارب الأنثى ~~بعد حملها، ولا تعبث بغريزة النوع للذة الأفراد، فالسر أعمق مما يظنون ~~بكثير. # وحواجز الجنس ودوافعه لا تفسر كلها بأمثال ذلك التعليل الهزيل. # ومما لا شك فيه أن الأخلاق الجنسية كسائر الأخلاق، قوامها ضبط النفس وهو لا يوافق ~~الذهاب مع الهوى حيثما تعرض المرء للاستهواء، ولا بد من ضبط النفس، والقدرة على ~~الامتناع لتحقيق كل خلق كريم يصلح للأفراد ms031 أو للأقوام أو للأنواع. # والإنسان أحوج إلى الحواجز الجنسية من الحيوان، وليس بأغنى منه عن تلك الحواجز ~~تقدما مع الحرية كما يخيل إلى أولئك الثراثرة السطحيين. # فالحيوان يتشابه ويتماثل ويصعب التفريق بين أفراده في الصفات المشتركة في سلالة ~~النوع كله. فلا ضير على النوع أن يتلاقى أي ذكر بأي أنثى أو ينتجا أمثالهما من ~~الذكور والإناث. # لكن الأنواع كلما ارتقت تعددت الصفات التي يكمل بها الفرد ذكرا كان أو أنثى. ~~ويبلغ تعدد الصفات أقصاه في النوع الإنساني، سواء بين الذكور أو بين الإناث، حتى ~~ليكاد الفرق بين رجل ورجل، والفرق بين امرأة وامرأة يلحق بالفرق بين نقيضين أو ~~مخلوقين من نوعين مختلفين. # فليس كل رجل بديلا من كل رجل، وليست كل امرأة بديلا من كل امرأة، ويجب على ~~الرجل إذن أن يمتنع حتى تتاح له المرأة التي تلائمه، وعلى المرأة أن تمتنع حتى يتاح ~~لها الرجل الذي يلائمها. # ويجب أن يتعلق الأمر ب «الشخصية» المميزة لا بمجرد امرأة كائنة ما كانت أو بمجرد ~~رجل كائنا ما كان، كما يغني كل فرد عن مثيله في الأنواع الوضيعة بين ~~الأحياء. # وفي هذه الحالة لا ينتفع النوع بكل اتصال تتحقق به المتعة الجنسية، بل ينفعه ~~الاتصال الذي تتم به الشخصيات وتتوافر فيه أتم صفات الرجال وأتم صفات ~~النساء. # ثم تنشأ الآداب الاجتماعية وحقوق الأسرة وأمانة النسل، فإذا هي قد ألزمت الرجال ~~والنساء آدابا من حقها أن تطاع، وأن يحسب لها أوفى حساب. # نعم إن هذه الآداب صناعية أو مبتدعة من أحكام البيئة التي خلقها الناس، ولكنها - ~~كجميع الآداب والفروض - تستند إلى أساس فطري عريق في الطبيعة، وهو ضبط النفس، وقوة ~~البنية على مقاومة النوازع والأهواء. # ونضرب لذلك مثلا صغيرا من المحرمات التي جاءت بها الآداب الدينية أو العرفية ~~بعد ظهورها في المجتمعات الإنسانية، فإن تحريم القمار أو الخمر أو السرقة لم يعرف ~~في آداب الناس إلا بعد ظهور هذه الآفات، ولكن ضبط النفس الذي يناط به الامتناع ~~عنها، هو خلقة طبيعية لم تنشأ ms032 مع العرف أو الاصطلاح. فلا يزال الفرق بين إنسان ~~يستطيع أن يمتنع عنها، وإنسان لا يستطيع الامتناع، فرقا في صميم التكوين الذي لا ~~ينشئه العرف، ولا ينسب إلى الأوضاع الصناعية. # وكذلك الحواجز الجنسية التي يفرضها المجتمع، أو توجبها مصلحة الأسرة، هي حواجز ~~لازمة، لا يقدح في أصالتها أنها حدثت بعد حدوث الحاجة إليها؛ لأن القدرة عليها ~~فضيلة من فضائل التكوين الأصيل. # والرجل الذي يقدر عليها هو رجل ممتاز في خلقته الطبيعية كالمرأة التي تقدر عليها. ~~وكلاهما زوج أصلح من غيره للبقاء وإنجاب الأبناء. # فأسخف السخف أن يظن بالحضارة المدنية أنها رخصة تبيح التهافت على المتعة ونسيان ~~الحواجز الجنسية؛ لأن التهافت نقص في الخلقة قبل أن يكون نقصا في الآداب ~~الاجتماعية، وهذا النقص معيب وخيم العقبى، وإن لم تحرمه الآداب. # وسيطول التبديل والتعديل في العرف والتشريع والشمائل المحبوبة بين الناس كلما ~~تطاولت الأجيال، وسيقول كل ذي رأي قوله الذي يجوز فيه الجدال، ويبقى حكم واحد لا ~~تبديل له، وقول واحد لا يجوز الجدال فيه، وهو أن الاحتجاز قوام أخلاق الأنوثة، وأن ~~المرأة التي تنساه هي حيوان ناقص في تكوينه، وليس قصارى القول فيها إنها فرد مقصر ~~في حقوق المجتمع والأسرة. وإن مساك الأخلاق جميعا - ما أوجبته الفطرة وما أوجبه ~~المجتمع - هو ضبط النفس، والترفع عن مطاوعة كل عارضة من عوارض الأهواء. # وقد سبقت في هذا الكتاب «المرأة في القرآن الكريم» نبذة عن التناقض بين المرأة الطبيعية ~~والمرأة الاجتماعية، وهو بحث له استطراد يناسبه في الكلام على تناقض المرأة من كتاب «هذه ~~الشجرة» ختمناه بما يلي: # هي أبدا بين نقيضين في أمومتها وفي حبها، وذلك هو التناقض الذي لا حيلة لها فيه، ~~ولا يفجأ الرجال منها إلا كما يفجؤها هي على غير ما تنتظر، وعلى غير ما يقع لها في ~~تدبير. # فمن الخطأ أن يرد على الخاطر أن التناقض من دهاء المرأة وتدبيرها، أو من ختلها ~~وخداعها، فهي مخدوعة به قبل أن تخدع سواها، وهي في قبضته فريسة لا تملك ما ~~تريد. ms033 # ولا بد من التناقض في طبع الأنثى؛ لأنها شخصية حية خاضعة للمؤثرات التي تتناوبها ~~من عدة جهات، وهي كما أسلفنا في الفصل السابق مستجيبة للأثر الحاضر، وقد تبدهها ~~الآثار الحاضرة من كل صوب ، لا من صوب واحد. # والمرأة من جهة ثانية عضو في بيئة اجتماعية هي الأمة أو المدينة أو القبيلة، فهي ~~هنا زوجة أو بنت أو أخت أو صاحبة عمل تجمعها بتلك البيئة الاجتماعية صلة العرف أو ~~الشريعة. # والمرأة من جهة غير هذه وتلك أنثى، لها تركيب حيوي يربطها بمخلوق آخر لا يتم ~~وجودها بغيره. # والمرأة من جهة أخرى أم تحب أبناءها بالغريزة والألفة، وتصبر في سبيلهم على ~~مشقات وآلام يؤدها الصبر عليها في غير هذه السبيل. # وهي بعد هذا كله كائن حي من حيث هي وليدة الحياة في جملتها، أيا كان النوع الذي ~~تنتمي إليه، والأمة التي تعيش بينها، والعلاقة التي تجمعها بالزوج أو العاشق أو ~~الأهل أو البنين. # وقد تختلف عليها هذه الوجهات جميعا فلا مفر لها من التناقض معها؛ لأن مقاصد ~~الفرد المستقل، والأنثى المفتونة، والأم التي تنسى نفسها في حنانها، والكائن ~~الاجتماعي الذي يرعى مطالب العرف والشريعة، أو الكائن الحي الذي تهزه الحياة بهذه ~~النوازع كما تهزه بما عداها - كل أولئك يختلف ويتناقض لا محالة، ولا يتأتى التوفيق ~~بينه إلا في الندرة العارضة. # فهاهنا مثلا فرد يريد بفطرته الفردية أن يستقل عن جميع الأفراد الآخرين، سواء ~~كانوا من الآباء أو الأمهات أو الأزواج فلا يلبث أن يستقر فيه هذا الشعور الطبيعي ~~حتى ينازعه فيه شعور الأنثى التي تريد أن تنضوي إلى رجل تهواه، وقد ينازعها شعوران ~~بل أكثر من شعورين، إذا تعددت الصفات التي تستهويها من الرجال وتفرقت بينهم على نحو ~~يضلل الإرادة ويشتت الأهواء. # ولا تلبث أن تنسى استقلالها الفردي، وتطاوع نزعتها الأنثوية، حتى يبرز لها ~~المجتمع بحكم يخالف حكمها في الاختيار والترجيح، فيقودها إلى الجاه والمال وهي ~~تنقاد إلى الفتوة والجمال، أو يلزمها الوفاء للزوج وهي تنظر إلى رجل آخر، نظرة ~~الأنثى التي ms034 سبقت بفطرتها قوانين الأمم وقواعد الآداب، ولا تلبث أن تحتال على هذه ~~البواعث أو هذه الوساوس حتى يغلبها حنو الأمومة ليربطها بمكان لا تود البقاء فيه، ~~أو ينهض الكائن الحي في نفسها نهضة لا تطيع باعثا غير بواعث الحياة، بمعزل من نزوة ~~الأنثى وقانون المجتمع وغرائز الأمهات. # فلا عجب في هذا التناقض ولا مباينة فيه للمعقول، ثم يضاف إليه تناقض آخر يرجع إلى ~~تعدد الدواعي في كل صفة من الصفات التي أشرنا إليها. # ونكتفي بصفة واحدة على سبيل التمثيل؛ لأن شرح الصفات جميعها في تعددها وتباينها ~~من وراء الحصر والإحصاء. # فالمرأة في صفة الأنوثة - وهي تنضوي إلى الذكورة - تحب الرجل الكريم؛ لأنه يغمرها ~~بالنعمة، ويريحها من شدائد العيش، ويخصها بالزينة التي تزهيها وترضي كبرياءها بين ~~نظيراتها، فضلا عما في الكرم من معنى العظمة والاقتدار. # ولكنك قد ترى هذه المرأة بعينها تتعلق ببخيل لا ينفق ماله على زينة أو متاع. فهل ~~هي مناقضة لطبيعتها في هذا الانحراف العجيب؟ كلا بل هي لا تناقض طبيعة الكبرياء ~~نفسها التي ترضيها عن كرم الكريم. # لأن المرأة يجرح كبرياءها أن ترى رجلا يستكثر المال في سبيل مرضاتها، ومتى جرحت ~~المرأة في كبريائها أقبلت باهتمامها وحيلتها وغوايتها من حيث أصابها ذلك الجرح ~~المثير، وليس أقرب من تحول الاهتمام إلى التعلق في طبائع النساء. # فالنزعة الواحدة قد تكون سبيلا إلى النقيضين في ظاهر الأعمال، ولكنهما نقيضان لا ~~يلبثان أن يتفقا ويتوحدا عند المنبع الأصيل متى عرفنا كيف تنتهي الردة إليه. # وكلما ذكرت نقائض المرأة وجب ألا ننسى مصدرا آخر للتناقض في أخلاق النساء ~~يفسر لنا كثيرا من نقائضهن، حيثما توقعنا شيئا من المرأة وأسفرت التجربة عن ~~سواه. # ذلك المصدر هو درجات الأنوثة وأطوارها بين الظهور والضمور. # فالأنوثة صفات كثيرة لا تجتمع في كل امرأة، ولا تتوزع على نحو واحد في جميع ~~النساء. # فليست كل امرأة أنثى من فرع رأسها إلى أخمص قدمها، أو أنثى مائة في المائة كما ~~يقول الأوروبيون، بل ربما كانت فيها نوازع الأنوثة ونوازع ms035 غيرها إلى الذكورة، وربما ~~كانت أنوثتها رهنا بقوة الرجل الذي يظهرها فلا تتشابه مع جميع الرجال. وربما كانت ~~في بعض عوارضها الشهرية وما شابهها من عوارض الحمل والولادة أقرب إلى الأنوثة ~~الغالبة، أو أقرب إلى الذكورة الغالبة، وقد كانوا فيما مضى يحسبون هذا التراوح بين ~~الذكورة والأنوثة ضربا من كلام المجاز، فأصبح اليوم حقيقة علمية من حقائق الخلايا، ~~وفصلا مدروسا من فصول علم الأجنة ووظائف الأعضاء. # وليس التناقض لهذا السبب مقصورا على النساء دون الرجال، فإن الرجل أيضا يصدق ~~عليه ما يصدق على المرأة من تفاوت درجات الرجولة؛ إذ ليس كل رجل ذكرا من فرع رأسه ~~إلى أخمص قدمه، أو ذكرا مائة في المائة كما يقال في اصطلاح الأوربيين، ولكن ~~التناقض لهذا السبب يبدو في المرأة أغرب وأكثر، لامتزاجه بأسباب التناقض الأخرى ~~ومحاولة الرجل أن يفهمها على استقامة المنطق كدأبه في تفهم جميع الأمور. # ولا ريب أن «الشخصية الإنسانية» في حال الذكورة والأنوثة عرضة لكثير من النقائض ~~المحيرة للعقول: عقول الرجال وعقول النساء. # وكم يقول النساء عن تناقض الرجال ولا يخطئن المقال؟ كم يقلن: إن الرجل «كالبحر ~~المالح» لا يعرف له صفاء من هياج؟ وكم يقلن: إن فلانا كشهر أمشير لا تدري متى تهب ~~فيه الأعاصير؟ وكم تقول إحداهن للأخرى: حبيبك في ليلك عقرب في ذيلك؟ وكم لهن من ~~أمثال هذه الأمثال مما لا يحفل به الرجال؟! # إنهن لا يعنين بمقاربة الرجل من طريق الفهم كما يعنين بمقاربته من طريق التأثير، ~~ولو حاولن فهمه كما يحاولن التأثير فيه، لخرجن به لغزا من الألغاز وأعجوبة من ~~أعاجيب البحار في قديم الأسفار، «فالشخصية» كلمة واحدة في اللغة، ولكننا نخطئ أبعد ~~الخطأ إذا تصورناها شيئا واحدا؛ لأنها تنطوي تحت عنوان واحد؛ إذ هي أشياء لا ~~تحصى من الغرائز والمدارك والأحاسيس وعلاقات المجاوبة بينها وبين العالم الذي تعيش ~~فيه، وهي بهذا الخليط الواسع في حركة دائمة لا تستقر على وجهة واحدة برهة من الزمن، ~~ولا تعهدها في الصحة ولا في الشباب كما تعهدها في ms036 المرض أو في الهرم، ولا تصدر فيها ~~النزعة الواحدة من مصدر واحد في جميع الأوقات والأحوال. # فهي تختلف بين حالة وحالة، وتختلف بين سن وسن، وتختلف على حسب العلاقة بينها وبين ~~هذا الإنسان وذاك الإنسان، وتختلف على حسب العلل والبواعث التي تحركها إلى ~~الأعمال. # والمرأة كالرجل «شخصية إنسانية» تتعرض للتناقض من جراء هذا التعدد وهذا التقلب في ~~عناصر كل «شخصية» تحمل عنوانا واحدا، وتشتمل على شتى العناصر التي لا يقر لها ~~قرار. # ولكنها انفردت بأسبابها المقصورة عليها، وانفردت بمراقبة الرجل إياها، ومحاولة ~~التوفيق بين غرائبها وبدواتها. # وعندها في صميم هذه الأسباب المقصورة عليها حالتان تضاعفان ظهور التناقض فلا يخفى ~~كما يخفى تناقض الرجل على النظرة الأولى. # إحدى هاتين الحالتين طبيعة المراوغة التي وصفن بها إذ «يتمنعن وهن ~~الراغبات». # والأخرى طبيعة الاستغراق في الساعة التي هي فيها، ونسيان ما قبلها وما بعدها، ~~فيبلغ العجب أشده بمن يراقبها أن يراها تنتقل بين أطوارها، كما ينتقل الممثل بين ~~أدواره ولا يخلط بينها أو لا يستبقي من سوابقها بقية في تواليها. # فمن المشاهد أن الرجل إذا قضى يوما أو أسبوعا في مناداة اسم من الأسماء - ولا ~~سيما نداء المناجاة - أخطأ فسبق به لسانه في جلسة أخرى لا يود أن يذكره فيها، بل ~~لعله يود أن يكتمه ولا يومئ إليه. # وقلما يشاهد هذا في محادثات المرأة، ولو تلاحقت بين ساعة وساعة؛ لأن الساعة التي ~~هي فيها تستولي عليها فلا يزل لسانها بالإشارة إلى غيرها، ولأنها تستعين هنا ~~بطبيعتين أصيلتين فيها، وهما طبيعة النفاق وطبيعة الاستغراق. # ولم يزل التناقض بابا من أبواب الحيرة واختلال الحساب، ولكن التناقض الذي يفهم ~~سببه يريح من الحيرة على الأقل عند البحث عنه والتفكير فيه، وإن لم تكن به راحة من ~~معاناة النقائض وابتلاء متاعبها، ولا عتب في معظمها على المرأة؛ لأنها لا تقصدها ~~كلما لجأت إليها، وقد تكون هي ضحية من ضحاياها. # الفصل الخامس # | مكانة المرأة # ربما كانت الحضارة المصرية القديمة هي الحضارة الوحيدة التي خولت المرأة «مركزا ~~شرعيا» تعترف ms037 به الدولة والأمة، وتنال به حقوقا في الأسرة والمجتمع، تشبه حقوق الرجل ~~فيها، ولا تتوقف على حسن النية من جانب الآباء والأبناء والأقربين. # أما الحضارات الأخرى فكل ما نالته المرأة فيها من مكانة مرضية، فإنما كانت تناله بباعث من ~~بواعث العاطفة على حاليها من حميد وذميم. # كانت تنال المحبة من بنيها بعاطفة الأمومة التي يحسها الأبناء نحو أمهاتهم، ويعم الإحساس ~~بها طوائف من الأحياء لم تبلغ مبلغ الإنسان من الفهم والخلق، ولم يكن لها عرف أدبي في ~~حياتها الاجتماعية، وقد يبدو هذا الإحساس في الحيوان الأعجم على صورة تلفت النظر إليه ~~ويجعلها ذوو البصيرة الفنية رمزا للأمومة في أجمل مظاهرها الفطرية، كما صنع المصور النابغ ~~«ه.و. دافيز» في صورة «الفرس والمهرة» التي سماها «الأمومة» واختارها من بين مظاهر العواطف ~~الحيوانية التي لا تحصى لتمثيل هذا المعنى والرمز إليه بالأشكال المنظورة. # وربما نالت المرأة حقا من الاهتمام بها في عصور الترف والبذخ التي تنتهي إليها الحضارات ~~الكبرى، وهي لا تنال هذا الحظ من الاهتمام لتقدم الحضارة وارتقاء الشعور بين أصحاب تلك ~~الحضارات، ولكنها تناله لأنها - في عصور الترف والبذخ - مطلب من مطالب المتعة والوجاهة ~~الاجتماعية، وقد نالت هذا الحظ من الاهتمام في أوج الحضارة الرومانية مع بقائها قانونا ~~وعرفا في منزلة تقارب منزلة الرقيق من وجهة الحقوق الشرعية والنظرة الأدبية، وكانت القيان ~~والجواري الطليقات ينلن من ذلك الاهتمام أضعاف ما تناله حرائر النساء من الأزواج والأقرباء، ~~ووضح هذا الفارق في المعاملة بين الحرائر والجواري الطليقات وأشباههن، من نسوة الأندية ودور ~~الملاهي في كل حاضرة آهلة بهن من حواضر اليونان والرومان والبلدان الشرقية. # وليس هذا الاهتمام الذي تناله المرأة بفضل عواطف الأمومة، أو بإغراء المتعة والترف، مكانة ~~«شرعية أو عرفية» تنسب إلى آداب المجتمع وقوانينه، فغاية ما فيها أنها شعور يتقارب فيه ~~الأحياء من الناطقين وغير الناطقين. # أما المكانة التي تحسب من عمل الآداب والشرائع أو الحضارات، فقد كانت معدومة في عصور ~~الحضارة الأولى جميعا، ما خلا حضارة واحدة، هي الحضارة المصرية. ms038 # فشريعة «مانو» في الهند لم تكن تعرف للمرأة حقا مستقلا عن حق أبيها أو زوجها أو ولدها ~~في حالة وفاة الأب والزوج، فإذا انقطع هؤلاء جميعا وجب أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها في ~~النسب، ولم تستقل بأمر نفسها في حالة من الأحوال. وأشد من نكران حقها في معاملات المعيشة ~~نكران حقها في الحياة المستقلة عن حياة الزوج، فإنها مقضي عليها بأن تموت يوم موت زوجها، ~~وأن تحرق معه على موقد واحد، وقد دامت هذه العادة العتيقة من أبعد عصور الحضارة البرهمية ~~إلى القرن السابع عشر، وبطلت بعد ذلك على كره من أصحاب الشعائر الدينية. وشريعة حمورابي ~~التي اشتهرت بها بابل كانت تحسبها في عداد الماشية المملوكة، ويدل على غاية مداها في تقدير ~~مكانة الأنثى، أنها كانت تفرض على من قتل بنتا لرجل آخر أن يسلمه بنته ليقتلها أو يملكها ~~إذا شاء أن يعفو عنها، وقد يضطر إلى قتلها لينفذ حكم الشريعة المنصوص عليها. # وكانت المرأة عند اليونان الأقدمين مسلوبة الحرية والمكانة في كل ما يرجع إلى الحقوق ~~الشرعية، وكانت تحل في المنازل الكبيرة محلا منفصلا عن الطريق، قليل النوافذ محروس ~~الأبواب، واشتهرت أندية الغواني في الحواضر اليونانية لإهمال الزوجات وأمهات البيوت وندرة ~~السماح لهن بمصاحبة الرجال في الأندية والمحافل المهذبة، وخلت مجالس الفلاسفة من جنس ~~المرأة، ولم تشتهر منهن امرأة نابهة، إلى جانب الشهيرات من الغواني أو من الجواري الطليقات. ~~وقد كان أرسطو يعيب على أهل «إسبرطة» أنهم يتساهلون مع النساء عشريتهم، ويمنحونهن من حقوق ~~الوراثة والبائنة وحقوق الحرية والظهور ما يفوق أقدارهن، ويعزو سقوط «إسبرطة» واضمحلالها ~~إلى هذه الحرية، وهذا الإسراف في الحقوق. # وربما ظن الذين يسمعون عن هذه الحرية «الإسبرطية» أنها ثمرة من ثمرات الارتقاء في تقدير ~~حق الإنسان من الذكور والإناث. فخليق بهؤلاء أن يذكروا أن إنكار حق الإنسان قد بلغ غايته من ~~القسوة في نظام الرق العريق بين الإسبرطيين، وأن ما شاع بينهم من الاسترقاق ومن التساهل مع ~~النساء معا، هما ظاهرتان متماثلتان لعلة ms039 واحدة في معيشة الإسبرطيين، وهي اشتغال الرجال ~~الدائم بالقتال، وتركهم ما عداه اضطرارا لتصرف المرأة في غيبة الأزواج والآباء. فهذه ~~«الحرية النسوية» وذلك الاستعباد للأسرى هما ظاهرتان لعلة واحدة، لا نصيب لها من مبادئ ~~الحرية والاعتراف بالحقوق، وقد نالت المرأة شيئا من المجاملة والطلاقة في عهود الفروسية ~~جمعاء لمثل هذه العلة، وكانت مجاملة المرأة في تلك العهود ضربا من الأنفة أن تعامل معاملة ~~الأعداء، وأن تحاسب محاسبة الأنداد. ولم يكن أسوأ من النساء حالا في عهود الفروسية ~~المتقدمة، فيما عدا هذه المجاملات أو هذه التحيات اللسانية، وقد كانت «الخاتون» تعيش إلى ~~جانب الجواري المسرفات حيثما تفرغ الرجال لصناعة القتال، وكذلك كان شأنها بين قبائل المغول، ~~وبين قبائل الفرنك والغاليين من الأوروبيين، وكانت مع هذا تحرم الميراث في الإقطاعات يوم ~~شاع نظام الإقطاع والفروسية معا بين أولئك الأقوام. # ومذهب الرومان الأقدمين كمذهب الهنود الأقدمين في الحكم على المرأة بالقصور حيث كانت لها ~~علاقة بالآباء أو الأزواج أو الأبناء، وشعارهم الذي تداولوه إبان حضارتهم أن قيد المرأة لا ~~ينزع، ونيرها لا يخلع، ومن ذلك قول «كاتو» المشهور: # Nunguam exvitur ~~Servitus muliebris ~~. # ولم تتحرر المرأة الرومانية من هذه القيود إلا يوم أن تحرر منها الأرقاء، على أثر التمرد ~~ثورة بعد ثورة، وعصيانا بعد عصيان، فتعذر استرقاق المرأة كما تعذر استرقاق الجارية ~~والغلام. ~~••• # وانفردت الحضارة المصرية القديمة بإكرام المرأة، وتخويلها حقوقا «شرعية» قريبة من حقوق ~~الرجل، فكان لها أن تملك، وأن ترث، وأن تتولى أمر أسرتها في غياب من يعولها، ودامت للمرأة ~~المصرية هذه الحقوق على أيام الدول المستقرة بشرائعها وتقاليدها، تضطرب مع اضطراب الدولة، ~~وتعود مع عودة الطمأنينة إليها، بيد أن الحضارة المصرية زالت وزالت شرائعها معها قبل عصر ~~الإسلام، وسرت في الشرق الأوسط يومئذ غاشية من كراهة الحياة الدنيا بعد سقوط الدولة ~~الرومانية بما انغمست فيه من ترف وفساد، ومن ولع بالملذات والشهوات، فانتهى بهم رد الفعل ~~إلى كراهة البقاء وكراهة الذرية، وشاعت في هذه الفترة عقيدة الزهد والإيمان بنجاسة الجسد ~~ونجاسة ms040 المرأة، وباءت المرأة بلعنة الخطيئة، فكان الابتعاد منها حسنة مأثورة لمن لا تغلبه ~~الضرورة. ومن بقايا هذه الغاشية في القرون الوسطى أنها شغلت بعض اللاهوتيين إلى القرن ~~الخامس للميلاد، فبحثوا بحثا جديا في جبلة المرأة، وتساءلوا في مجمع «ماكون» هل هي جثمان ~~بحت؟ أو هي جسد ذو روح يناط بها الخلاص والهلاك؟ وغلب على آرائهم أنها خلو من الروح ~~التاجية، ولا استثناء لإحدى بنات حواء من هذه الوصمة غير السيدة العذراء أم المسيح عليه ~~الرضوان. # وقد غطت هذه الغاشية في العهد الروماني على كل ما تخلف من حضارة مصر الأولى في شأن ~~المرأة، وكان اشتداد الظلم الروماني على المصريين سببا لاشتداد الإقبال على الرهبانية ~~والإعراض عن الحياة، وما زال كثير من النساك يحسبون الرهبانية اقترابا من الله وابتعادا ~~من حبائل الشيطان، وأولها النساء. # ومن المتواتر في أقوال أناس من المؤرخين الغربيين، أن الإسلام ينقل شريعته من الشرائع ~~التي تقدمته، ولا سيما الشريعة الموسوية. ولا يتضح بطلان هذه الدعوى من شيء كما يتضح من ~~المقابلة بين مركز المرأة في حقوقها الشرعية كما نصت عليها كتب التوراة، ومركز المرأة في ~~حقوقها الشرعية التي قررها الإسلام بأحكام القرآن. # فالمأثور عن الكتب المنسوبة إلى موسى عليه السلام أن البنت تخرج من ميراث أبيها إذا كان ~~له عقب من الذكور، وما عدا هذا الحكم الصريح فهو من قبيل الهبة التي يختارها الأب في حياته، ~~حيث لا يجب الميراث وجوب الحقوق الشرعية بعد الوفاة. ومثل هذه الهبة ما أعطاه إبراهيم ابنه ~~إسماعيل عليهما السلام، كما جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين: «إذ قالت سارة ~~لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق، فقبح الكلام ~~جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه، فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينك من أجل الغلام ومن ~~أجل جاريتك، وفي كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل.» # ثم جاء في الإصحاح الخامس والعشرين أن: «إبراهيم أعطى إسحاق كل ما ms041 كان له. وأما بنو ~~السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقا إلى أرض ~~المشرق وهو - بعد - حي». # وكذلك صنع أيوب في حياته كما جاء في الإصحاح الثاني والأربعين من سفره: «ولم توجد نساء ~~جميلات كنساء أيوب في كل الأرض، وأعطاهن أبوهن ميراثا بين إخوتهن، وعاش أيوب بعد هذا مائة ~~وأربعين سنة.» # والحكم المنصوص عليه في حق الميراث أن تحرم البنات ما لم ينقطع نسل الذكور، وأن البنت ~~التي يئول إليها الميراث لا يجوز لها أن تتزوج من سبط آخر، ولا يحق لها أن تنقل ميراثها إلى ~~غير سبطها، وجاء هذا الحكم بالنص الصريح في غير موضع من كتب التوراة، فجاء في الإصحاح ~~السابع والعشرين من سفر العدد أن بنات صلفحاد بن حافر: «وقفن أمام موسى واليعازار الكاهن، ~~وأمام الرؤساء، وكل الجماعة لدى باب خيمة الاجتماع قائلات: أبونا مات في البرية، ولم يكن في ~~القوم الذين اجتمعوا على الرب في جماعة قورح، بل بخطيئته مات ولم يكن له بنون، لماذا يحذف ~~اسم أبينا من بين عشيرته لأنه ليس له ابن؟ أعطنا ملكا بين إخوة أبينا! فقدم موسى دعواهن ~~أمام الرب، فكلم الرب موسى قائلا: بحق تكلمت بنات صلفحاد، فتعطيهن ملك نصيب بين إخوة ~~أبيهن، وتنقل نصيب أبيهن إليهن، وتكلم بني إسرائيل قائلا: أيما رجل مات وليس له ابن ~~تنقلون ملكه إلى ابنته، وإن لم تكن له ابنة تعطوا ملكه لإخوته، وإن لم يكن له إخوة تعطوا ~~ملكه لإخوة أبيه، وإن لم يكن لأبيه إخوة تعطوا ملكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه. ~~فصارت لبني إسرائيل فريضة قضاء كما أمر الرب موسى». # ويلي ذلك من الإصحاح السادس والثلاثين أنه «يتحول نصيب إسرائيل من سبط إلى سبط، بل يلازم ~~بنو إسرائيل كل واحد نصيب سبط آبائه، وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل تكون امرأة ~~لواحد من عشيرته سبط أبيها لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب آبائه، فلا يتحول نصيب من سبط ~~إلى سبط آخر بل ms042 يلازم أسباط بني إسرائيل كل واحد نصيبه كما أمر الرب موسى ...». ~~••• # وننتقل إلى البلاد التي بدأت فيها دعوة القرآن الكريم، وهي بلاد الجزيرة العربية، فلا ~~تتوقع أن تكون للمرأة فيها قسمة من الإنصاف والكرامة غير هذه القسمة العامة في بلاد العالم، ~~على تباعد أرجائه وتنوع عاداته وشرائعه، ولعلها كانت تسوء في بعض أنحاء الجزيرة فتهبط في ~~المساءة إلى حضيض ثم تهبط إليه في سائر الأنحاء من الأمم كافة، وترتقي فلا يكون قصاراها من ~~الارتقاء إلا أنها تكرم عند زوجها لأنها بنت ذلك الرئيس المهاب أو أم هذا الابن المحبوب، ~~فأما أنها تكرم وتصان لأنها من جنس النساء، يعمها ما يعم بنات جنسها من الحق والمعاملة، ~~فذلك ما لم تدركه قط من منازل الإنصاف والكرامة. وقد يحميها الأب والزوج، كما يحميها الأخ ~~والابن حماية الواجب المفروض عليه لكل ما في جواره أو كل ما في حوزته وحماه. فيعاب على ~~الرجل منهم أن يهان حرمه كما يعيبه أن يعتدى عليه في كل محمى أو ممنوع، ومنه فرسه ودابته ~~وبئره ومرعاه. # فإذا هانت المرأة فهي عار يأنف منه أهلوه أو حطام يورث مع المال والماشية؛ ومن خوف العار ~~يدفن الرجل بنته في طفولتها، ويستكثر عليها النفقة التي لا يستكثرها على الجارية المملوكة ~~والحيوان النافع، وكل قيمتها بين الذين يستحيونها ولا يقتلونها في طفولتها أنها حصة من ~~الميراث تنقل من الآباء إلى الأبناء، وتباع وترهن في قضاء المنافع وسداد الديون، ولا ~~يحميها من هذا المصير إلا أن تكون عزيزة قوم تعز بما يعز عندهم من ذمار وجوار. ~~••• # جاء القرآن الكريم إلى هذه البلاد كما جاء إلى بلاد العالم كله بحقوق مشروعة للمرأة لم ~~يسبق إليها في دستور شريعة أو دستور دين، وأكرم من ذلك لها أنه رفعها من المهانة إلى مكانة ~~الإنسان المعدود من ذرية آدم وحواء، بريئة من رجس الشيطان ومن حطة الحيوان. # وأعظم من جميع الحقوق الشرعية التي كسبتها المرأة من القرآن الكريم لأول مرة أنه رفع عنها ~~لعنة الخطيئة الأبدية ووصمة ms043 الجسد المرذول، فكل من الزوجين قد وسوس له الشيطان واستحق ~~الغفران بالتوبة والندم: # فأزلهما الشيطان عنها ~~فأخرجهما مما كانا فيه ~~[البقرة: 36]. # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري ~~عنهما من سوآتهما ~~[الأعراف: 20]. # وكلاهما ظلم نفسه بذنبه : # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~[الأعراف: ~~23]. # وليس على ذرية آدم وحواء من بنين وبنات جريرة تلحقهم بعد أبويهم أو تلحق أحدا من الأبناء ~~بجريرة الآباء: # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ~~[البقرة: 134 ~~و141]. # وصح مكان المرأة في الحياة الجسدية كما صح مكانها في الحياة الروحية، بما فرضه القرآن ~~الكريم على الإنسان من رعاية جسده، والمتعة الطيبة بخيرات أرضه ورغبات نفسه، فبرئت المرأة ~~من لعنة الجسد، وارتفعت عن الوصمة التي علقت بها فجعلتها في خلقتها قرينة لشهوات الحيوان ~~وحبائل الشيطان، ينجو من الشيطان من نجا منها، ويتنزه عن الحيوانية من تنزه عن النظر ~~إليها. # لا جرم كان تصحيح النظر إلى مكان المرأة ناحية واحدة من نواح شتى في ذلك النظام الأدبي ~~الشامل الذي يصحح النظر إلى حياة الروح وحياة الجسد، وإلى بواعث الخير والشر وإلى موازين ~~التبعة والجزاء، وقوامه كله حق الوجود وحق المعيشة للكائن الحي من ذكر وأنثى ومن كبير ~~وصغير، فلا يكتفي القرآن من المسلم باجتناب وأد البنات خشية الإملاق أو خشية العار؛ لأنها ~~درجة لا تعدو أن تكون نجاة من ضراوة الوحشية لا ترتقي به إلى درجة الإنسان الأمين على حق ~~الحياة، المؤمن بنصيب كل موجود من نعمة العيش والرعاية، بل يأبى القرآن للمسلم أن يتبرم ~~بذرية البنات وأن يتلقى ولادتهن بالعبوس والانقباض: # وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون ~~أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ~~[النحل: 58، ~~59]. # وتتساوى رعاية الإنسان لأبيه وأمه، كما تتساوى رعايته لبنيه وبناته، وقد تخص الأمهات ~~بالتنويه في هذا المقام، فإذا وجب الإحسان للوالدين معا، فالوالدة ms044 هي التي تعاني من آلام ~~الحمل والوضع ما لا يعانيه الآباء: # ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ~~[الأحقاف: 15]. # وإنما يصدر الإنسان عن شريعة الواجب - لا عن شريعة المنفعة - في رعاية الذرية من الإناث ~~كرعاية الذرية من الذكور فلا يفوت القرآن الكريم أن شريعة المنفعة قد تلجئ إلى قتل الرجال ~~واستحياء النساء، كما ألجأت هذه الشريعة قوما إلى وأد البنات واستحياء البنين. وكلا ~~المصابين بلاء يتقى، ووزر يحسب على جناته من الأمم ومن الحاكمين. # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم ~~[البقرة: 49]. # وفرعون هو الذي يقول مأخوذا بما قال: # سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ~~[الأعراف: ~~127]. # فتلك إذن شريعة الواجب تفرض للمرأة من حق المعيشة وحق الرعاية، ما فرضته للرجل وللإنسان ~~على الإجمال. وإنه لجدير بالالتفات أن «الإنسان» هو الموصى في القرآن الكريم بالإحسان إلى ~~الوالدين؛ لأن الرجل هنا ينطوي في نوع الإنسان، وينبغي أن ينسى أنه أحد الجنسين ~~المختلفين. ~~••• # على أن الآية الكبرى في وصاية القرآن بالأنثى أنها وصاية وجبت دون أن يوجبها عمل من ~~النساء، ولا عمل من المجتمع، وأنها فرضت على المجتمع برجاله ونسائه فرضا لم يطلبه هؤلاء أو ~~هؤلاء، وتلك وصاية لم يحدث لها نظير قط فيما تقدم من الشرائع قبل دعوة الإسلام. # إن تخويل البنت حقها من الميراث عند انقطاع الذرية من الأبناء - كما وجب في شريعة التوراة ~~- إنما هو حكم من أحكام الضرورة لا منصرف عنه لو شاء ولاة الأمر أن يصرفوه إلى غير هذا ~~الوجه المحتوم، وقد سمح به للمرأة - مع هذا - على شرط يقيد الحق ويخضعه للحجر عليه. فلا ~~تتزوج المرأة صاحبة الميراث من غير رجال الأسرة، ولا تلبث أن تأخذ حصتها من هنا حتى تردها ~~في بيتها إلى رجل من الرجال. فالميراث هنا حق لم تنله المرأة، ولم ينلها المجتمع إياه، ولا ~~محل فيه من عمل الشريعة، إلا أنه عمل الضرورة الذي لا حيلة فيه. # وقد يكون للمجتمع عمل ms045 قضت به أحوال المعيشة في الحضارة الوحيدة التي بوأت المرأة من ~~الرعاية، وهي الحضارة المصرية القديمة. ولكنه كذلك مما يئول إلى حكم الضرورة التي تسلسلت في ~~أدوار التاريخ دورا بعد دور. # ومن ضرورات هذه الأدوار التاريخية أن تحتفظ الأسرة الحاكمة بالعرش أيا كان الوريث من ~~الذكور أو الإناث، ومن ضروراتها أن الأرض المزروعة تملك وتوزع على الدوام بعد فيضان النيل، ~~ولا تخرج من نطاق الأسرة التي تملكها عاما بعد عام. # ومن ضروراتها أن تقسيم العمل بين الجنسين في غير مسائل الحرب تدبير لا محيص عنه في بلاد ~~الزراعة العريقة، فلا يتأتى للرجال منفردين أن يضطلعوا بجميع تلك الأعمال. وكل داع من هذه ~~الدواعي الاجتماعية قد تفردت مصر به على حالة لم تعهد في غيرها من بلاد الحضارات القديمة، ~~فكان لها جميعا أثرها في رعاية المرأة وتخويلها ما تميزت به ربة الأسرة المصرية من ~~الحقوق. # وفي كلتا الشريعتين وجب للمرأة حقها الكثير أو القليل بحكم الضرورة التي لا منصرف عنها، ~~ولكن الوصايا القرآنية لم تكن لها قط ضرورة ملزمة من عمل النساء ولا من عمل المجتمع ولم ~~تطالب بها المرأة، ولا اختارها الرجل لسائر النساء ولا لأقربهن إليه. # فمن أين صدرت تلك الوصايا التي كان للشرع منصرف عنها، وأي منصرف؟ وكان الاختيار فيها أن ~~تترك وتنسى ولو آل بها الأمر إلى آراء الولاة في الأسرة وفي الحكومة؟ # مصدرها الهداية الإلهية قبل أن يهتدي إليها الذين فرضت عليهم، فتقبلوها وهم يعلمون أو لا ~~يعلمون. # الفصل السادس # | الحجاب # من الأوهام الشائعة بين الغربيين أن حجاب النساء نظام وضعه الإسلام، فلم يكن له وجود في ~~الجزيرة العربية ولا في غيرها قبل الدعوة المحمدية، وكادت كلمة المرأة المحجبة عندهم أن ~~تكون مرادفة للمرأة المسلمة، أو المرأة التركية التي حسبوها زمنا مثالا لنساء الإسلام؛ ~~لأنهم رأوها في دار الخلافة. # وهذا وهم من الأوهام الكثيرة التي تشاع عن الإسلام خاصة بين الأجانب عنه، وتدل على ~~السهولة التي يتقبلون بها الإشاعات عنه، مع أن العلم ببطلانها لا يكلفهم ms046 طول البحث ~~والمراجعة، ولا يتطلب منهم شيئا أكثر من قراءة الكتب الدينية التي يتداولونها وأولها كتب ~~العهد القديم وكتب الأناجيل. # فمن يقرأ هذه الكتب يعلم - بغير عناء كبير في البحث - أن حجاب المرأة كان معروفا بين ~~العبرانيين من عهد إبراهيم عليه السلام، وظل معروفا بينهم في أيام أنبيائهم جميعا إلى ما ~~بعد ظهور المسيحية، وتكررت الإشارة إلى البرقع في غير كتاب من كتب العهد القديم وكتب ~~العهد الجديد. # ففي الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين عن «رفقة» أنها رفعت عينيها فرأت إسحاق ~~«فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟ فقال العبد: هو سيدي! ~~فأخذت البرقع وتغطت». # وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين أيضا أن تامار: «مضت وقعدت في بيت أبيها. ~~ولما طال الزمان خلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت ...». # وفي النشيد الخامس من أناشيد سليمان تقول المرأة: «أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى عند ~~الظهيرة؟ ولماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك؟» # وفي الإصحاح الثالث من سفر أشعيا أن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن والمباهاة برنين ~~خلاخيلهن بأن «ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة والحلق والأساور والبراقع ~~والعصائب». # ويقول بولس الرسول في رسالة كورنثوس الأولى: إن النقاب شرف للمرأة «فإن كانت ترخي شعرها ~~فهو مجد لها لأن الشعر بديل من البرقع ...». # وكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلقى الغرباء وتخلعه حين تنزوي في الدار ~~بلباس الحداد. # فلا حاجة إلى التوسع في قراءة التاريخ للعلم بأن نظام الحجاب سابق لظهور الإسلام؛ لأن ~~الكتب الدينية التي يقرؤها غير المسلمين، قد ذكرت عن البراقع والعصائب ما لم يذكره القرآن ~~الكريم، ولم يكن البرقع مما ذكره القرآن الكريم فيما أمر به من الحجاب. ~~••• # فإذا بحث القوم عن تاريخ الحجاب في غير الكتب الدينية، فالكتب المخصصة لهذا البحث مملوءة ~~بأخبار الحجاب الذي كان يتخذ لستر المرأة أو يتخذ للوقاية من الحسد، ويشترك فيه الرجال ~~والنساء بعض الأحيان. وأخبار البرقع جزء من الأخبار المستفيضة عن حجاب ms047 العزلة في المنازل، ~~وخارج المنازل، في الطرقات والأسواق، وقد كان اليونان ممن فرض هذه العزلة على نسائهم، وكان ~~الرومان - على ترخصهم في هذا الأمر - يسنون القوانين التي تحرم على المرأة الظهور بالزينة ~~في الطرقات قبل الميلاد بمائتي سنة ، ومنها قانون عرف باسم «قانون أوبيا # Lex Oppia ~~» يحرم عليها المغالاة بالزينة حتى في البيوت. # ولقد غلا المترفون من الأقدمين في حالي الحجاب والتسريح فحجبوا المرأة ضنا بها، وسرحوها ~~هوانا عليهم لأمرها، وأوشك إعزازها أن يكون شرا عليها من هوانها. فإذا عزت عندهم فهي طير ~~حبيس في قفص مصنوع من معدن نفيس أو خسيس، وإذا هانت عليهم سرحوها ليبتذلوها في خدمة كخدمة ~~الدابة المسخرة، حريتها الموهومة ضرورة من ضرورات التسخير والاستعباد! ~~••• # جاء الإسلام والحجاب في كل مكان وجد فيه تقليد سخيف وبقية من بقايا العادات الموروثة. لا ~~يدرى أهو أثرة فردية أو وقاية اجتماعية، بل لا يدرى أهو مانع للتبرج وحاجب للفتنة، أم هو ~~ضرب من ضروب الفتنة والغواية. فصنع الإسلام بالحجاب ما صنعه بكل تقليد زال معناه، وتخلفت ~~بقاياه بغير معنى. فأصلح منه ما يفيد ويعقل، ولم يجعله كما كان عنوانا لاتهام المرأة، أو ~~عنوانا لاستحواذ الرجل على ودائعه المخفية، بل جعله أدبا خلقيا يستحب من الرجل ومن ~~المرأة، ولا يفرق فيه بين الواجب على كل منهما، إلا لما بين الجنسين من فارق في الزينة ~~واللباس والتصرف بتكاليف المعيشة وشواغلها. # فالمؤمنون مطالبون بأن: # يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم ~~[النور: 30]. # والمؤمنات مطالبات بذلك: # وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن ~~أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيه المؤمنون ms048 لعلكم تفلحون ~~[النور: 31]. # وقد نهى الرجال عن الزينة المخلة بالرجولة، ونهى النساء عن مثلها: # وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى ~~[الأحزاب: 33]. # والمفهوم من هذا النهي لم يختلف عليه أحد من المخاطبين به، ولا من المفسرين لآيات الكتاب. ~~يقول الكشاف وهو من التفاسير المتقدمة: «فإن قلت: لم سومح مطلقا في الزينة الظاهرة؟ قلت: ~~لأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف ~~وجهها، خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، ~~وخاصة الفقيرات منهن. وهذا معنى قوله: # إلا ما ظهر ~~منها # يعني: إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور. وإنما ~~سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ~~ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، ~~وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك.» # والمتأخرون من المفسرين على مثل ذلك الفهم للزينة التي يجوز إظهارها، ومن أحدثهم الأستاذ ~~طنطاوي جوهري صاحب تفسير الجواهر؛ حيث يقول: «إلا ما ظهر منها عند مزاولة الأشياء كالثياب ~~والخاتم والكحل والخضاب في الكف وكالوجه والقدمين، ففي ستر هذه الأشياء حرج عظيم، فإن ~~المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها، لا سيما في مثل ~~تحمل الشهادة والمعالجة والمتاجرة وما أشبه ذلك، وهذا كله إذا لم يخف الرجل فتنة، فإن خافها ~~غض بصره.» # والمفهوم من الحجاب على هذا واضح بغير تفسير، فليس المراد به إخفاء المرأة وحبسها في ~~البيوت؛ لأن الأمر بغض الأبصار لا يكون مع إخفاء النساء وحبسهن وراء جدران البيوت وتحريم ~~الخروج عليهن لمزاولة الشئون التي تباح لهن، ولم يكن الحجاب كما ورد في جميع الآيات مانعا ~~في حياة النبي عليه السلام أن تخرج المرأة مع الرجال إلى ميادين القتال، ولا أن تشهد الصلاة ~~العامة في المسجد، ولا أن تزاول التجارة ومرافق العيش المحللة للرجال والنساء على السواء، ms049 ~~ومهما يكن من عمل تزاوله المرأة في مصالحها اللازمة، فلا عائق له من الحجاب الذي أوجبه ~~القرآن الكريم، ولا غضاضة عليها فيه؛ لأنه يطلب من الرجل فيما يناسبه كما يطلب منها فيما ~~يناسبها. # ومن الحسن أن نذكر أن الأمر بالقرار في البيوت إنما خوطب به نساء النبي عليه السلام، ~~لمناسبة خاصة بهن لا تعرض لغيرهن من نساء المسلمين، ولهذا بدئت الآية بقوله تعالى: # يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ~~[الأحزاب: 32]. ثم اقترن هذا الأمر بأمر آخر يعم الرجال الذين يفدون على النبي، فيدخلون ~~مسكنه بغير استئذان وفيه زوجاته رضوان الله عليهن، غير قارات في بيوتهن من المسكن الشريف، ~~فيدخل الزائرون ويخاطبون آله على غير إذن منهن؛ ولذلك نهى الزائرون أن يدخلوه حتى يؤذن ~~لهم: # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ~~ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ~~[الأحزاب: ~~53]. # وهذا أدب من آداب الزيارة ينبغي أن يتأدب به الزوار كيفما كانت تقاليد الحجاب في غير ~~البيوت. # فلا حجاب إذن في الإسلام بمعنى الحبس والحجر والمهانة، ولا عائق فيه لحرية المرأة؛ حيث ~~تجب الحرية وتقضى المصلحة، وإنما هو الحجاب مانع الغواية والتبرج والفضول، وحافظ الحرمات ~~وآداب العفة والحياء. # وما من ديانة ولا شريعة يحمد منها أن تأذن بالتبرج ولا تنهى عنه، أو يحمد منها أن تغضي ~~عنه، ولا تفرض له أدبا يهذبه ويكف أذاه. # فمثل هذا التبرج في الجاهلية الأولى هو الذي منعه الرومان بقانون، وتغاضوا عنه يوم تغاضوا ~~عن الفتن والملذات التي أطاحت بالدولة وأعقبت العالم سآمة من نزوات الجسد جاوزت حدودها، ~~وأوشكت أن تنقلب من نقيض الإباحة لكل شيء إلى نقيض الحرمان ms050 من كل شيء. # ومثل هذا التبرج هو الذي توعده النبي أشعيا بالدمار الذي يعصف بالزينة فلا يبقى لها ~~باقية، فقال: «من أجل أن بنات صهيون يتشامخن ويمشين ممدودات الأعناق غامزات بعيونهن، خاطرات ~~في مشيهن، يخشخشن أرجلهن - يصلع السيد هامة بنات صهيون ويعري الرب عورتهن، وينزع السيد في ~~اليوم زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة والحلق والأساور والبراقع والعصائب والسلاسل والمناطق ~~وخناجر الشمامات والأحراز وخزائم الأنوف.» # ومثل هذا التبرج هو الذي تمنعه جميع الشرائع على الورق؛ حيث تسميه «التهتك» أو تسميه ~~الإخلال بناموس الحياء، ثم لا تفلح في منعه؛ لأنها تمنعه بعصا القانون ولا تمنعه بوازع ~~الوجدان والإيمان. # الفصل السابع # | حقوق المرأة # بنيت حقوق المرأة في القرآن الكريم على أعدل أساس يتقرر به إنصاف صاحب الحق، وإنصاف سائر ~~الناس معه، وهو أساس المساواة بين الحقوق والواجبات. # فالمساواة ليست بعدل إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق على تفاوت واجباتهم وكفاياتهم ~~وأعمالهم، وإنما هي الظلم كل الظلم للراجح والمرجوح. فإن المرجوح يضيره ويضير الناس معه أن ~~يأخذ فوق حقه، وأن ينال فوق ما يقدر عليه، وكل من ينقص من حق الراجح يضيره؛ لأنه يغل من ~~قدرته، ويضير الناس معه؛ لأنه يحرمهم ثمرة تلك القدرة، ويقعدهم عن الاجتهاد في طلب المزيد ~~من الواجبات، مع ما يشعرون به من بخس الحقوق. # والمشترعون المحدثون يصلحون عيب المساواة المطلقة بما يدعونه مساواة في الفرصة، وهو إصلاح ~~مطلوب في تقدير العدالة الاجتماعية، عند معرفة الفرصة واحتمال الاختلاف فيها على حسب اختلاف ~~الأفراد والأحوال. ولكن الاحتياط بمساواة الفرصة عبث عند اختلاف الجنسين واختلاف وظيفة كل ~~منهما بحكم الفطرة ونتائجها في العلاقات الاجتماعية. فلا محل هنا لتعليق المساواة بالفرصة ~~السانحة؛ إذ كانت الفرصة هنا مقرونة بأوضاع الطبيعة التي لا تبديل فيها. فليست هنالك فرصة ~~تنتظرها المرأة تبدل من وظائفها، ومن نتائج هذه الوظيفة في واجباتها الفطرية والاجتماعية، ~~وليست هنالك فرصة تسوي بين الرجل والمرأة؛ حيث لا مساواة بينهما في تركيب البنية ولا في ~~خصائص التركيب. # وليس من العدل أو من المصلحة أن ms051 يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت ~~بينهم في أهم الخصائص التي تناط بها الحقوق والواجبات. # وبين الرجال والنساء ذلك التفاوت الثابت في الأخلاق الاجتماعية، وفي الأخلاق الفطرية، وفي ~~مطالب الأسرة، ولا سيما مطالب الأمومة وتدبير الحياة المنزلية. # فمن الثابت أن المرأة لم تستقل في حياة النوع كله بالقوامة على الأخلاق الاجتماعية، ولم ~~يكن لها العمل الأول قط في إنشاء قيم العرف والآداب العامة، ولم يكن خلقها مستمدا من ~~الغريزة، فهو في الجانب الاجتماعي منه خاضع لقوامة الرجل وإشرافه فيما هو أقرب الأمور بها، ~~وألصقها بتكوينها، وأبرزها بالنسبة إليها خلق الحياء، وخلق الحنان، وخلق النظافة التي ~~تشمل الزينة بأنواعها. ~~••• # ومن الثابت كذلك أن الأخلاق الفطرية في المرأة عرضة للتناقض الذي لا مناص منه بين مطالب ~~الأنوثة، ومطالب الكائن الحي في البيئة الاجتماعية، فلا مناص من التناقض بين شعور الأنثى ~~التي تحس أكبر السعادة في الاستكانة إلى الرجل الذي تنضوي إليه لما تأنسه فيه من القوة ~~والغلبة، وبين شعور الفرد الذي يبلغ تمامه بالاستقلال عن كل فرد يفتئت على حدوده الشخصية. ~~ولا مناص من التناقض بين فرح الأم بتمام أنوثتها ساعة الولادة وبين فزع الكائن الحي من ~~الخطر على حياته، ويقرب منه التناقض بين اكتفاء وظيفة النوع عند حصول الحمل، وبين عبث ~~الشهوة الجسدية لغير ضرورة نوعية. ولن يذهب هذا التناقض المتغلغل في أعماق البنية بغير أثره ~~المحتوم في استقلال الخلق، وشعور الجد والصدق والصراحة. # وإذا صرفنا النظر عن التفاوت المستكن في الطباع، وتخيلنا لغير حجة معقولة أنه لا يمنع ~~التسوية بين الجنسين في الكفايات والواجبات، فالتفاوت بعد ذلك مسألة من مسائل الوقت وتوزيع ~~العمل بين كل منهما بما يقتضيه وقته المملوك له لأداء عمله. فليس لدى المرأة وقت يتسع لما ~~يتسع له وقت الرجل من المطالب العامة، مع اشتغالها بمطالب الحمل والرضاع والحضانة وتدبير ~~الحياة المنزلية. # ونظام الأسرة يستلزم تقرير الرئاسة عليها لواحد من الاثنين: الزوج أو الزوجة، ولا يغني عن ~~هذه الرئاسة ولا عن تكاليفها، أن نسمي الزواج ms052 شركة بين شريكين متساويين، وتوفيقا بين حصتين ~~متعادلتين. فإن الشركة لا تستغني عمن يتخصص لولايتها، ويسأل عن قيامها، وينوب عنها في ~~علاقتها بغيرها. وليس من المعقول أن تتصدى الزوجة لهذه الولاية في جميع الأوقات؛ إذ هي ~~عاجزة عنها على الأقل في بعض الأوقات، غير قادرة على استئنافها حين تشاء. ~~••• # هذه الفوارق بين الجنسين تدخل في حساب الشريعة لا محالة عند تقرير الحقوق والواجبات ~~بينهما، وتأبى كل مساواة لا تقوم على أساس المساواة بين الحق والواجب، وبين العمل ~~والكفاية. # وهذه هي المساواة التي شرعها القرآن الكريم بين الرجل والمرأة، أو بين الزوج والزوجة، أو ~~بين الذكر والأنثى، ولا صلاح لمجتمع يفوته العدل في هذه المساواة، ولا سيما المجتمع الذي ~~يدين بتكافؤ الفرص ويجعل المساواة في الفرصة مناطا للإنصاف. # للمرأة مثل ما للرجل وعليها مثل ما عليه: # ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف ~~[البقرة: 228]. # وكل منهما قوة عاملة في دنياه، يطلب منه عمله ويحق له جزاؤه: # أني ~~لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~[آل عمران: ~~195]. # ولكل منهما سعيه وكسبه: # للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن ~~[النساء: 32]. # ولا يختلفون في نصيب مقدور بغير التكاليف التي تفرض على الرجل وحده، فللذكر من الأبناء ~~مثل حظ الأنثيين في الميراث: # يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين ~~[النساء: 11]. # وكذلك نصيب الإخوة من رجال ونساء. # ومسوغ هذا التفاوت أن الأخ مسئول عن نفقة أخته، وأن الابن يعول من لا عائل لها من أهله، ~~وأن رب البيت عامة هو الزوج أو الأب أو الرشيد من الأبناء والإخوة ومن إليهم، وتقرير وجوب ~~السعي على الرجل أولى وأصلح من تقريره على المرأة التي يظلمها من يساويها به في واجبات ~~السعي على المعاش، مع نهوضها بواجب الأمومة والحضانة وتدبير المعيشة المنزلية. # ويتفاوت الرجل والمرأة في غير الميراث في بعض مسائل الحقوق التي تتصل بالسعي والمعاش، ~~ومنها مسألة الشهادة على الديون والمواثيق: # واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ~~ممن ترضون من الشهداء أن ms053 تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى ~~[البقرة: 282]. # والشهادة في جميع الأحوال - كما نص عليها القرآن الكريم - عمل يعالج فيه الشاهد أن ~~يتغلب على دخائل الحب والبغض ويتجنب الميل مع هواه: # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ~~وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا ~~[النساء: 135]. # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ~~ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~[المائدة: ~~8]. # والقضية في الشهادة هي قضية العدل وحماية الحق والمصلحة، ولها شروطها التي يلاحظ فيها ~~المبدأ وضمان الحيطة على أساسه السليم. والمبدأ هنا - كما ينبغي أن تتحراه الشريعة - هو دفع ~~الشبهة من جانب الهوى وما يوسوس به للنفس في أحوال المحبة والكراهة وعلاقات الأقربين ~~والغرباء، وليس بالقاضي العادل من يعرض له هذا المبدأ، فيقضي بالمساواة بين الجنسين في ~~الاستجابة لنوازع الحس، والانقياد لنوازع العاطفة، والاسترسال مع مغريات الشعور من رغبة ~~ورهبة. فالمبدأ الذي ينبغي للقاضي العادل أن يرعاه هنا حرصا على حقوق الناس أن يعلم أن ~~النساء لا يملكن من عواطفهن ما يملكه الرجال، وأنه يجلس للحكم ليحمي الحق، ويدفع الظلم، ~~ويحتاط لذلك غاية ما في وسعه من حيطة؛ لأنه أمر لا يعنيه لشخصه، ولا يحل له أن يجعله سبيلا ~~إلى تحية من تحايا الكياسة، أو مجاملة من مجاملات الأندية. وقديما كانت هذه التحايا ~~والمجاملات تجري في ناحية من المجتمع، وتجري معها في سائر نواحيه ضروب من الظلم للمستضعفين ~~والمستضعفات تقشعر لها الأبدان. # وعلى هذه السنة من تقرير المبادئ السليمة في شئون العدالة والمصلحة تجري شريعة القرآن ~~الكريم؛ حيث تقتضي الحيطة لحماية البريء، وإنصاف المظلوم، وأن يزداد عدد الشهود من الرجال ~~فلا يكتفي منهم بالشاهد والشاهدين، إمعانا في دفع الشك وتأويله - حيث وجد - لمصلحة المتهم، ~~حتى تلزمه الإدانة بنجوة من الشكوك والشبهات. # ولقد يوجد من النساء من تقوم شهادة إحداهن بشهادة ألف ms054 رجل، ولقد يوجد من الرجال ألوف لا ~~تقبل منهم شهادة، ولكن المشترع الذي يقول - لأجل ذلك: إن مزاج الرجل ومزاج المرأة سواء في ~~الحس والعاطفة، يتقبل من مغالطة الواقع والضمير ما يبطل تشريعه وينحيه عن هذا ~~المقام. ~~••• # وليس من غرضنا في هذا الكلام على حقوق المرأة، أن نفصل الأعمال التي تجوز لها في ~~المجتمع، فإنها - فيما نرى - لا تقبل الإحصاء، ولا تتشابه في المجتمعات، مع اختلاف الزمن ~~وتباين الأحوال، وإنما نجتزئ في كلامنا هنا ببيان حكمة الاختلاف حيث وجد اختلاف الحقوق. ~~فأما الأعمال المباحة للمرأة فهي الأعمال المباحة للرجل بغير تمييز، وكل ما تحاط به من ~~حدود، أن تمضي على سواء الفطرة، فلا تخل بالقوامة الضرورية للمجتمع وللأسرة؛ إذ هي قوامة لا ~~بد من تقريرها لأحد الجنسين، وليس من الطبيعي، ولا من المعقول أن يتساوى فيها ~~الجنسان. # وبعد: فإن حقوق الإنسان المثالية أمل من آمال الطوبيات التي نترقبها في المستقبل، ولا ~~نتبينها على جليتها في مجتمع من مجتمعات الأمم الحاضرة ولا الأمم الماضية، كائنا ما كان ~~قسطها من الحضارة والمعرفة؛ لأن المجتمع الأمثل صورة متخيلة، لم يزل رواد الإصلاح أنفسهم ~~يتلمسون إليه السبل ولا يتفقون عليها ولا على الغاية المنشودة التي تؤدي إليها. # بيد أننا نستطيع بغير تردد أن نفهم أن المجتمع الأمثل ليس هو المجتمع الذي تضطر فيه ~~المرأة إلى الكدح لقوتها وقوت أطفالها. # وليس هو المجتمع الذي تعطل فيه أمومتها، وتنقطع لذاتها، وتنصرف إلى مطالبها ~~وأهوائها. # وليس هو المجتمع الذي ينشأ فيه النسل بغير أمومة، وبغير أبوة، وبغير أسرة، كأنه محصول من ~~محاصيل الزراعة التي تتولاها الدولة عن الجماعة البشرية. ~~••• # وإذا اتخذنا حالة المرأة النافعة لنفسها ولنوعها مقياسا للمجتمع الأمثل، فخير ما يكون ~~عليه هذا المجتمع - إذن - أن تكون المرأة فيه مكفولة المؤنة في أمومتها، وأن تكون لها كفاية ~~الأم التي تؤهلها لتزويد الأمة بجيلها المقبل، على أصلح ما يرجى من سلامة البدن وسلامة ~~الفكر والطوية. # وفي مثل هذا المجتمع تجري العلاقة بين الجنسين على سنة توزيع العمل ms055 وتقسيم الحقوق ~~بالقسطاس؛ كل جنس يتكفل بما هو أوفق له وأقدر عليه، ويملك من الحقوق ما يحتاج إليه، ويتخلى ~~عن العمل الذي لا يناسبه ولا يلجأ إليه إلا على اضطرار. # ومركز المرأة حيث أقامها القرآن الكريم، كفيل لها بكل ما يعوزها لتحقيق رسالتها الفطرية ~~في هذا المجتمع المثالي على الوجه الأمثل. # ويحدث في المجتمعات الحاضرة أن تحول العوارض الكثيرة دون انتظام المجتمع على هذه السنة ~~القويمة من توزيع الأعمال وتقسيم الحقوق، لاختلال أوضاعه السياسية والاقتصادية والنفسية، ~~فيما يعم الرجال من جميع الطبقات ولا يخص المرأة وحدها بين حياة الأسرة والحياة العامة، ~~فتضطر المرأة إلى الكدح لقوتها وقوت صغارها، وتعجز عن تكاليف الأمومة، وتدبير البيت، ~~والمشاركة بحصتها من الحياة الزوجية. وهذه حالة خلل تتضافر الجهود لإصلاحها وتبديلها، ولا ~~يصح أن تتضافر لإبقائها واستدامتها وإقامة الشرائع والقوانين لتثبيتها. وعلى هذا النحو ~~تضافرت الجهود من قبل على إصلاح الخلل الذي كان يدفع بالأطفال إلى العمل لمعاونة الآباء ~~والأمهات في تحصيل أقواتهم وضرورات معيشتهم، فعولج هذا الخلل بتحريم تشغيلهم، وعولج الخلل ~~من قبيله بالحظر العاجل تارة وبالحظر المتراخي مع الزمن تارة أخرى، ولم تكن علة من علل هذا ~~الخلل وأشباهه حجة على صلاحه وإقامته مقام الحق الذي يصان ولا يتبدل. ~~••• # وقد تمضي السنون، بل تمضي القرون، قبل أن يستقر المجتمع الإنساني على الوجه الأمثل في ~~حقوق المرأة خاصة، وفي حقوق أبنائه وبناته من الرجال والنساء على التعميم، وقد تلجأ المرأة ~~غدا كما تلجأ اليوم إلى كسب الرزق ودفع الحاجة، والاعتصام بالعمل من الضنك والتبذل، فإذا ~~سيقت المرأة إلى هذه المآزق، فليس في أحكام الإسلام حائل بينها وبين عمل شريف تزاوله المرأة ~~الغربية. وليست كثرة العاملات في الغرب اليوم وقلتهن في الشرق لمانع من موانع الأحكام ~~الإسلامية، وإنما هو الفارق بين مجتمع ومجتمع، وبين أطوار وأطوار، ومثل هذا الفارق كان على ~~أقواه وأشده بين مجتمعات الغرب اليوم ومجتمعاته بالأمس. فندر عدد المشتغلات بالأعمال العامة ~~بين الغربيات من قبل لأسباب اجتماعية واقتصادية، ويندر عدد المسلمات المشتغلات ms056 بها اليوم ~~لأسباب كتلك الأسباب، وقد يطرأ عليها التبديل عجلا أو متمهلا على حسب الأحوال. # وفي وسع المرأة المسلمة التي تحرم قوامة البيت أن تزاول من العمل الشريف كل ما تزاوله ~~المرأة في أمم الحضارة، فلها نصيبها مما اكتسبت، ولها مثل الذي عليها بالمعروف، وذلك حقها ~~الذي تملكه، كلما سيقت إليه أو كلما اختارته لمصلحتها، وذلك حقها في القرآن الكريم. # الفصل الثامن # | الزواج # الزواج صلة شرعية بين الرجل والمرأة، تسن لحفظ النوع وما يتبعه من النظم ~~الاجتماعية. # وشريعة الإسلام في نظام الزواج بهذه المثابة، شريعة تامة تحيط بجميع حالاته، وهي على ~~أتمها في الجانب الذي يتناوله أشد النقد من قبل المخالفين للإسلام عامة، أو المخالفين فيه ~~لنظام الزواج على التخصيص، ونريد به الجانب الذي ينص على إباحة تعدد الزوجات. # فالإسلام لم ينشئ تعدد الزوجات، ولم يوجبه، ولم يستحسنه، ولكنه أباحه في حالات يشترط فيها ~~العدل والكفاية، ولا تحسب الشريعة الاجتماعية تامة وافية ببيان المباح والمحرم في جميع ~~الحالات، إن لم تعرض لهذا الجانب من جانب الزواج، ولم تعتبره احتمالا من الاحتمالات، التي ~~تحتاج إلى النص عليها بالإباحة أو التحريم. # فليس البحث هنا عن تعدد الزوجات هل هو واجب أو غير واجب، وهل هو من العلاقات المثالية أو ~~من العلاقات التي تتخلف عن مقام المثل الأعلى في الأخلاق. فإن الشرائع لا تفرض للمثل ~~الأعلى الذي يتحقق به الكمال، ولكنها تفرض لأحوال الضرورة كما تفرض لأحوال الاختيار، ويحسب ~~فيها حساب ما يقبل على الرضى، وما يقبل على الكره. ولا بد فيه من حكم للشريعة تقتضيه عند ~~الحاجة إليه. # فليس النص على إباحة تعدد الزوجات؛ لأنه واجب على الرجل أو مستحسن مطلوب، وإنما النص فيه ~~لاحتمال ضرورته في حالة من الحالات. ويكفي أن تدعو إليه الضرورة في حالة بين ألف حالة، ~~لتقتضي الشريعة بما يتبع في هذه الحالة ولا تتركها غفلا من النص الصريح. # ومن مخالفة الواقع أن يقال: إن هذه الحالة لا تعرض للناس في وقت من الأوقات، فإن مثلا ~~واحدا من ms057 أمثلة كثيرة قد يجعل السماح بتعدد الزوجات أفضل الحلول، ويجعل كل حل سواه قسوة ~~بالغة أو تعطيلا لأشرف الأغراض التي يشرع من أجلها الزواج. # فقد يحدث أن تصاب الزوجة بمرض عضال، يقعدها عن واجباتها الزوجية، ويفقدها وظيفة الأمومة، ~~فإذا امتنع تعدد الزوجات في جميع هذه الحالات فلا محيص للزوج الذي عقمت زوجته، وعجزت عن ~~تدبير بيتها، من تطليق تلك الزوجة، أو من الإبقاء على زواج فقد معناه، وبطل الغرض الأكبر ~~منه للأسرة وللنوع، ولم يبق منه للرجل إلا تكاليف الخدمة البيتية التي تعوله وتعول زوجته ~~بلا عقب ولا سكن يطمئن إليه. ~~••• # فالسماح بتعدد الزوجات في هذه المشكلة البيتية حل مقبول أسلم وأكرم من نبذ المرأة ~~المريضة، ومن إكراه الرجل على العقم والمشقة. وليس من موانع التشريع في أمثال هذه المشكلات، ~~أن تكون فيه غضاضة على المرأة التي يبني الرجل بزوجة أخرى، مع بقائها في عصمته. فإن الغضاضة ~~لاحقة بها في الطلاق، وليست الغضاضة التي تصيب الرجل المقسور على العقم واحتمال تكاليف ~~الخدمة البيتية بالأمر الذي يسهو عنه التشريع، بل هي أولى بنظر الشريعة التي تقدس الزواج ~~وتحفظ قوامه، إذ كان إهمالها إهمالا لحكمة الزواج، وإلغاء لمقصد الشارع من إبرام الصلة بين ~~الزوجين، وتحريم الزنى والفسوق. # وقد يكون للرجل المتزوج قريبة لا يئويها غيره، ويكون لها نسل لا يرعاه الزوج الغريب عنها، ~~فمن الحذلقة المرذولة أن يقال: إن الإحسان إليها بالصدقة أكرم لها من كفالتها في عصمته، ~~ورضاها في هذه الحالة أولى بالتقديم من رضى زوجته التي تعميها الأثرة عن كل شعور غير ~~شعورها، فكلتاهما امرأة، وكلتاهما إنسان يحق له العطف والحماية من الكدر والشقاء. # وليس بالنادر أن تمر بالأمم أزمات، يزيد فيها عدد النساء على عدد الرجال، كما يحدث في ~~أعقاب الحروب والثورات، وقد يحدث في أعقاب الأوبئة التي تنتقل عدواها في المجامع العامة، ~~فلا تتعرض لها المرأة كما يتعرض الرجل، وقد يحدث أن تكون زيادة عدد الإناث ظاهرة مطردة في ~~كثير من الأنواع كما يقول بعض المشتغلين بعلم الأحياء، ms058 فإذا حدث هذا الاختلال في نسبة ~~التساوي بين الجنسين، فليس لهذه المشكلة حل أسلم وأكرم من السماح بتعدد الزوجات؛ لأن المرأة ~~التي لا تتزوج تعيش عيشة البطالة والفتنة، أو تكدح في طلب الرزق بعمل من الأعمال لا يتيسر ~~لجميع النساء ، وتبتلى بالعقم في الحالتين. # وما من اعتراض على هذا الحل يبنيه المعترض على المبدأ الجد في علاج أدواء المجتمع، ~~والإخلاص في تقدير مصائبه وآفاته. فإنهم يحسبون أن الحرص على كرامة بالمبدأ - الخيالي - ~~كفيل لها بالصيانة، وكفيل للمجتمع بحل مشكلة الزواج، وما من أحد يعجز عن المغالاة بكرامة ~~المرأة، وما ينبغي لها في عالم الخيال، ولكن كرامة المرأة في الحق وفي الواقع لا تساوي ~~شيئا عند من يرتضي لها العقم، والابتذال، والإغضاء عن خلائل الزوج، وسراريه، ولا يأذن لها ~~أن تؤثر الرضى بتعدد الزوجات على الرضى بكل هذه المساوئ والمحظورات، وهي صاحبة الحق في ~~الاختيار بين الأمرين، فإنها لا تساق كرها إلى الزواج، إذا سمح الشارع بتعدد الزوجات، ~~ولكنها تساق كرها إلى العقم والغواية إذا حرمه عليها الشارع، ولم يغلق دونها طريق الإسفاف ~~والابتذال. فمن تعلل بحق المرأة، فليترك لها على الأقل أن تكون هي صاحبة الاختيار بين ~~العلاقة المشروعة على علاتها، وبين العلاقة التي تحرم عليها في كل شريعة وكل دين. ~~والواقع أن التشريع الذي يحرم تعدد الزوجات لا يحد من حرية الرجل بمقدار ما يحد من حرية ~~المرأة؛ لأن الرجل لا يعدد زوجاته بغير مشيئة المرأة؛ فهذه المشيئة هي التي يقع عليها ~~الحجر، ويفرض عليها القصور، أو تضرب عليها الوصاية من قبل الشارع، فلا ترجع إليها الحرية ~~فيما ترتضيه. # وقد سكتت الشرائع الاجتماعية، قبل الإسلام، عن كل حكم من أحكام الزواج غير الحكم المفهوم ~~من إباحته على إطلاقه بغير عدد محدود من الزوجات، أيا كانت نسبة العدد بين الجنسين، وقدرة ~~الزوج على مؤنة البيت، وحالة المجتمع من توفير أسباب المعيشة البيتية. فلم تفرض شريعة منها ~~أي فارق بين زواج وزواج، ولا بين حالة ممكنة وحالة متعذرة، أو بين حالة ms059 يحسن فيها الاكتفاء ~~بالزوجة الواحدة، وحالة يبطل فيها مقصد الزواج بهذا الاكتفاء. وذلك هو النقص الذي تداركه ~~الإسلام حين لمح الفوارق الكثيرة بين ظروف الزواج من وجهته الاجتماعية أو وجهته البيتية، ~~فعرف الحالة المثلى للعلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة، كما عرف الحالة القاسرة التي يضطر ~~إليها الزوج، وتضطر إليها الزوجة، ويضطر إليها المجتمع والشارع؛ لأنها أصلح من تعطيل ~~الزواج، وأوفق من العزوبة والابتذال. ~~••• # فالشرائع المدنية عامة قبل الإسلام كانت تبيح تعدد الزوجات واقتناء السراري بغير تحديد ~~للعدد، ولا التزام بشرط من الشروط، غير ما يلتزمه الزوج من المؤنة والمأوى. # والشريعتان الدينيتان السابقتان للإسلام - وهما الإسرائيلية والمسيحية - مختلفتان في ~~أحكام الزواج، وفي النظر إلى معناه وغايته من الوجهة الروحية. # فالشريعة الإسرائيلية أباحت تعدد الزوجات بمشيئة الزوج حسب رغبته واقتداره، ويفهم من ~~أخبار العهد القديم أن داود وسليمان عليهما السلام - وهما ملكان نبيان - جمعا بين مئات ~~الزوجات الشرعيات والإماء، ولم يلحق بهما اللوم إلا لما نسب إلى داود من الزواج بامرأة ~~قائده «أوريا» بعد تعريضه للقتل في الحرب، وما نسب إلى سليمان من مطاوعته لإحدى زوجاته في ~~إقامة الشعائر المخالفة للدين. # ففي الإصحاح الثاني عشر من سفر صمويل الثاني يقول النبي ناثان لداود: «أنا مسحتك ملكا ~~على إسرائيل، وأنقذتك من يد شاول، وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك، لماذا أخذت امرأة «أوريا» ~~لك امرأة؟» # وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر الملوك الأول أن الملك سليمان «أحب نساء غريبة كثيرة مع ~~بنت فرعون: موآبيات وعمونيات وأورميات وصيدونيات وحيثيات ... فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة، ~~وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري. فأمالت نساؤه قلبه.» # ويقول نيوفلد صاحب كتاب «قوانين الزواج عند العبرانيين الأقدمين»: # 1 ~~«إن التلمود والتوراة معا قد أباحا تعدد الزوجات على إطلاقه، وإن كان بعض ~~الربانيين ينصحون بالقصد في عدد الزوجات، وإن قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التي ~~اختلط بها بنو إسرائيل كانوا جميعا على مثل هذه الشريعة في اتخاذ الزوجات والإماء.» ~~••• # ومما لاحظه معظم المؤرخين للنظم الاجتماعية بين العبرانيين وجيرانهم الشرقيين ms060 - كما لاحظه ~~نيوفلد - أن إباحة تعدد الزوجات على إطلاقه، مصحوبة بإباحة التسري على أنواعه، وهي كثيرة ~~كما يؤخذ من الأسماء التي كانت تطلق على النساء المملوكات في مصطلحات العهد القديم، فكان ~~للرجل أن يملك ما يشاء بين أمة وسرية وجارية وعبدة وسبية من النساء المملوكات بالسبي أو ~~الشراء. وقد يؤخذ من أعمالهن المنسوبة إليهن في كتب العبرانيين أنهن درجات مختلفات في ~~المنزلة الاجتماعية والصفات الشرعية، ولكن الواحدة منهن قد تذكر باسم جارية في موضع، واسم ~~أمة في موضع آخر، ويعود هذا - على الأرجح - إلى حالة المالك الذي يستطيع أحيانا أن يخصص ~~للخدمة المنزلية خادمة غير السرية، ويحتاج أحيانا إلى استخدام السرية في أعمال البيت كلها ~~مما تقوم به الزوجة عادة حيث لا توجد الجارية أو السرية. وأيا كان عمل النساء المملوكات ~~فهن - بطبيعة الحال - لا يتساوين في المكانة الأدبية ولا في قيمة الثمن، ولا في صفات الجمال ~~والذكاء، ومنهن من كانت تحل محل الزوجة العقيم برضى الزوجة، لتلد للرجل ذرية تتبناها تلك ~~الزوجة، وتنتقل إليها حقوقها في الميراث، وتظل الجارية أم البنين في مقام وسط بين مقام ربة ~~البيت والأمة المملوكة التي تباع وتشترى. # وكل هذه العلاقات بين الرجل ونساء بيته كانت تباح على إطلاقها، ولا يشرع لها قيد غير ~~قيد الوثيقة الشرعية، سواء كانت وثيقة زواج أو وثيقة شراء. # وبقيت حقوق الزوجات، وأشباه الزوجات، على هذه الحال في الشرائع القديمة قبل الإسلام إلى ~~زمن غير بعيد. ~~••• # ثم جاءت المسيحية - وهي أكبر الديانات الكتابية بعد ديانات أنبياء بني إسرائيل - فلم ~~تتوسع في التشريع الاجتماعي؛ لأنها نشأت في بيئة مكتظة بالشرائع، تستولي عليها الأمتان ~~اللتان أسرفتا إسراف الغلو المفرط في سن القوانين، والارتباط بحروف «النواميس» فذكرت هذه ~~الديانة الجديدة شيئا عن الزواج في ناحيته العبادية، أو في ناحيته التي تتصل بالعالم الآخر ~~دون عالم الحياة الدنيا، ولم يرد في كتبها نص صريح بتحريم تعدد الزوجات، وإنما ورد في كلام ~~بولس رسولها الكبير استحسان الاكتفاء بزوجة واحدة، لرجل الدين المنقطع عن مآرب ms061 دنياه، ~~ذهابا إلى الرضى بأهون الشرين، وقياسا على أن ترك الزواج لمن استطاعه خير من ~~الزواج. # وبقي تعدد الزوجات مباحا في العالم المسيحي إلى القرن السادس عشر، كما جاء في تواريخ ~~الزواج بين الأوروبيين، ويقول وسترمارك # Westermarek # في ~~تاريخه: «إن ديارمات # Diarmat # ملك أيرلندا كان له زوجتان ~~وسريتان، وتعددت زوجات الملوك الميروفنجيين غير مرة في القرون الوسطى، وكان لشرلمان زوجتان ~~وكثير من السراري، كا يظهر من بعض قوانينه أن تعدد الزوجات لم يكن مجهولا بين رجال الدين ~~أنفسهم، وبعد ذلك بزمن كان فيلب أوف هيس، وفردريك وليام الثاني البروسي، يبرمان عقد الزواج ~~مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثريين، وأقر مارتن لوثر نفسه تصرف الأول منهما، كما أقره ~~ملانكتون # Melankton # وكان لوثر يتكلم في شتى المناسبات ~~عن تعدد الزوجات بغير اعتراض، فإنه لم يحرم بأمر من الله، ولم يكن إبراهيم - وهو مثل ~~المسيحي الصادق - يحجم عنه إذ كان له زوجتان. نعم إن الله أذن بذلك لأناس من رجال العهد ~~القديم في ظروف خاصة، ولكن المسيحي الذي يريد أن يقتدي بهم يحق له أن يفعل ذلك متى تيقن أن ~~ظروفه تشبه تلك الظروف، فإن تعدد الزوجات على كل حال أفضل من الطلاق. وفي سنة 1650 ~~الميلادية - بعد صلح وستفاليا، وبعد أن تبين النقص في عدد السكان من جراء حروب الثلاثين - ~~أصدر مجلس الفرنكيين بنورمبرج قرارا يجيز للرجل أن يجمع بين زوجتين. بل ذهبت بعض الطوائف ~~المسيحية إلى إيجاب تعدد الزوجات، ففي سنة 1531 نادى اللامعمدانيون في مونستر صراحة، بأن ~~المسيحي - حق المسيحي - ينبغي أن تكون له عدة زوجات، ويعتبر المورمون - كما هو معلوم - أن ~~تعدد الزوجات نظام إلهي مقدس». ~~••• # ومن المعلوم أن اقتناء السراري كان مباحا على إطلاقه كتعدد الزوجات، مع إباحة الرق جملة ~~في البلاد الغربية، لا يحده إلا ما كان يحد تعدد الزوجات، من ظروف المعيشة البيتية، ومن ~~صعوبة جلب الرقيقات المقبولات للتسري من بلاد أجنبية، وربما نصح بعض الأئمة بالتسري لاجتناب ~~الطلاق في حالة عقم الزوجة الشرعية. ومن ذلك ما ms062 جاء في الفصل الخامس عشر من كتاب الزواج ~~الأمثل للقديس أوغسطين، فإنه يفضل التجاء الزوج إلى التسري بدلا من تطليق زوجته ~~العقيم. # وتشير موسوعة العقليين # Rationalist Eneyelopedia # إلى ~~ذلك، ثم تعود إلى كلامها عن تعدد الزوجات فتقول: إن الفقيد الكبير جروتيوس دافع عن الآباء ~~الأقدمين، فيما أخذه بعض الناقدين المتأخرين عليهم من التزوج بأكثر من واحدة؛ لأنهم كانوا ~~يتحرون الواجب ولا يطلبون المتعة من الجمع بين الزوجات. # ويرى وسترمارك أن مسألة تعدد الزواج لم يفرغ منها بعد تحريمه في القوانين الغربية، وقد ~~يتجدد النظر في هذه المسألة كرة بعد أخرى، كلما تحرجت أحوال المجتمع الحديث، فيما يتعلق ~~بمشكلات الأسرة، فتساءل في كتابه المتقدم ذكره: «هل يكون الاكتفاء بالزوجة الواحدة ختام ~~النظم ونظام المستقبل الوحيد في الأزمنة المقبلة؟» ثم أجاب قائلا: إنه سؤال أجيب على آراء ~~مختلفة. إذ يرى سبنسر أن نظام الزوجة الواحدة هو ختام الأنظمة الزوجية، وإن كل تغيير في هذه ~~الأنظمة لا بد أن يتأدى إلى هذه النهاية، وعلى نقيض ذلك يرى الدكتور ليبون # Lebon # أن القوانين الأوروبية سوف تجيز التعدد، ويذهب الأستاذ ~~إهرنفيل # Ehrenfel # إلى حد القول بأن التعدد ضروري ~~للمحافظة على بقاء «السلالة الآرية» ثم يعقب وسترمارك بترجيح الاتجاه إلى توحيد الزوجة إذا ~~سارت الأمور على النحو الذي أدى إلى تقريره. ~~••• # كذلك كانت أنظمة الزواج في العالم قبل الإسلام، وكانت بها - كما يرى - حاجة شديدة إلى ~~الإصلاح والتقويم، وينحصر كلاهما في شريعة واجبة، تحد من الإباحة المطلقة، وتهدي إلى الزواج ~~السوي، ولا تهمل مع هذه الهداية أن تقدر الضرورة التي تلجئ الزوج والزوجة، وقد تلجئ المجتمع ~~كله، إلى حالة ليست بالسوية ولا بالمأثورة مع المشيئة والاختيار، ولكنها تقع في الحياة على ~~كثرة أو على قلة، فلا يجوز أن تهملها الشريعة التي تقدر مصالح الناس في حياتهم الدنيا، ~~وتحسب حسابها لحياتهم الدنيوية كما تحسبه لحياتهم الروحية. # وهذا الإصلاح المنتظر هو الإصلاح الذي جاء به الإسلام على أوفاه من جانب التشريع. # جاء الإسلام فلم ينشئ تعدد الزوجات، ولم ms063 يوجبه، ولم يستحسنه، ولكنه أباحه وفضل عليه ~~الاكتفاء بالزوجة الواحدة، وفضله على تعطيل الزواج في مقصده الطبيعي والشرعي، بقبول ~~العقم، والتعرض للغواية، وفرض العزوبة - وهي تجمع بين العقم والعزوبة معا - على كثير من ~~النساء عند اختلال النسبة العددية بين الجنسين. # ونزيد على ذلك أنه حفظ للمرأة حريتها التي يتشدق بها نقاد الشريعة الإسلامية في أمر ~~الزواج؛ لأن إباحة تعدد الزوجات لا يحرم المرأة حريتها، ولا يكرهها على قبول من لا ترتضيه ~~زوجا لها، ولكن تحريم التعدد يكرهها على حالة واحدة، لا تملك غيرها، حين تلجئها الضرورة ~~إلى الاختيار بين الزواج بصاحب زوجة، وبين عزوبة لا يعولها فيها أحد، وقد يعجزها أن تعول ~~نفسها. # واشترط القرآن الكريم العدل بين الزوجات في حالة التعدد على أن لا يزيد عددهن عن أربع: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~[النساء: 3]. # ثم ذكر الرجال بصعوبة العدل عسى أن يتريثوا قبل الإقدام على الحرج: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~[النساء: 129]. # ولا نحسب أن الأمر في تحديد عدد الزوجات بأربع يدعو إلى سؤال من أحد يمارس حدود التنصيص ~~في الشريعة. فإن التحديد يقتضي الوقوف عند حد متعارف عليه. وما من سبب يقتضي أن يكون عدد ~~الكتيبة في الجيش مائة، ولا يكون تسعة وتسعين، أو مائة وواحدا، إلا جاز لهذا السبب نفسه أن ~~يكون العدد أكثر من ذلك، أو أقل من ذلك، بغير فارق في التنفيذ، وما من سبب يقتضي أن تكون ~~درجة النجاح في الامتحان خمسين، ولا يقتضي كذلك أن يجعلها ستين أو أربعين. وإنما يجب الوقوف ~~عند حد معلوم، ويقتضي ذلك الحد أن يكون العدد أقرب إلى الغرض المطلوب. # وعند حسبان الزيادة الراجحة في عدد النساء بالنسبة للرجال، لا يجدي أن يكون الحد اثنتين ~~وحسب؛ إذ إن الرجال لا يتساوون في القدرة على أعباء الزواج كيفما كان عدد الزوجات؛ فمنهم من ~~يعييه أن يعول زوجة واحدة، ومنهم من لا يعييه أن يعول كثيرات، وليست أقسام ms064 الرجال على حسب ~~هذه القدرة معلومة لولاة الأمر المشرفين على صيانة الحدود، فلا مناص من حسبان من يستطيع ~~تكاليف الزوجات الثلاث والأربع إلى جانب الذي يعييه تكاليف الزوجة والزوجتين، وهذه موازنة ~~ينتهي عندها الحد المعقول، متى كان من الواجب أن تنتهي إلى حد معقول. ~~••• # وحسب الشريعة أن تقيم الحدود وتوضح الخطة المثلى بين الاختيار والاضطرار، وأما ما عدا ذلك ~~من التصرف بين الناس، فشأنه شأن جميع المباحات التي يحسن الناس وضعها في مواضعها، أو ~~يسيئون العمل والفهم فيها على حسب أحوال الأمم والمجتمعات من الارتقاء والهبوط، ومن ~~المعرفة والجهل، ومن الصلاح والفساد، ومن الرخاء والشدة، ومن وسائل المعيشة على ~~التعميم. # فالمباحات الاجتماعية والفردية كثيرة تأذن بها الشريعة، ولكنها لا تأخذ بأيدي الناس ~~ليحسنوا تناولها والتصرف فيها، فليس أكثر من الطعام المباح، وليس أكثر من أضرار الطعام بمن ~~يستبيحونه على غير وجهه، وبالزيادة أو النقص في مقداره، وبالخلط بين ما يصلح منه للسليم وما ~~يصلح للمريض، وما يطيب منه في موعد ولا يطيب في موعد سواه، وإنه لمن الشطط على الشرائع - ~~وعلى الناس - أن ننتظر من الشارع حكما قاطعا في كل حالة من هذه الحالات؛ لأن الضرر من ~~فرضها على من يتولاها بغير بصيرة أوخم وأعظم من تركها للتجربة والاختبار. # إن الممنوع من تعدد الزوجات لا حيلة فيه للمجتمع إلا بنقض بناء الزواج، وإهدار حرماته، ~~جهرة أو في الخفاء. # أما المباح من تعدد الزوجات فالمجتمعات موفورة الحيلة في إصلاح عيوبه على حسب أحوالها ~~الكثيرة من أدبية ومادية، ومن اعتدال أو اختلال في تكوين أسرها وعائلاتها وسائر ~~طبقاتها. # فالتربية المهذبة كفيلة بالعلاقة الصالحة بين الزوج والزوجة، فلا يحمد الزوج نفسه علاقة ~~بينه وبين امرأته لا تقوم على العطف المتبادل، والمودة الصريحة، والمعاونة الثابتة في تدبير ~~الأسرة، ولا يتهيأ له جو البيت على المثال الذي يرتضيه مع زوجتين تدعوه إلى الجمع بينهما ~~داعية من دواعي الأثرة والانقياد للنزوات. # وقد ينشأ المانع لتعدد الزوجات في حالتي الغنى والفقر على السواء؛ فالغني يستطيع أن ينفق ms065 ~~على بيوت كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يجد غنيا مثله يعطيه بنته، ليجمع بينها وبين ضرة ~~تنازعها، ولو اعتزلتها في معيشة أخرى، وقد يشق عليه أن ينفق على الزوجات الغنيات بما تتطلبه ~~هذه النفقة من السعة والإسراف، وإذا وجد النساء الفقيرات فلعلها حالة لا تحسب إذ ذاك من ~~أحوال الاضطرار بالنسبة لمن يقبلن عليها من الزوجات. # والفقير قد يحتاج إلى كثرة النساء والأبناء لمعاونته على العمل - ولا سيما العمل الزراعي ~~- ولكنه يهاب العالة ويحجم عما يجهده من تحصيل النفقة والمأوى. # والمجتمع يحق له أن يشترط الكفاية في الزوج لتربية أبنائه، ويتوخى لذلك دستورا يحافظ على ~~حرية الرجال والنساء، ولا يخل بحقوقهم في التراضي على الزواج متى اتفقت رغبتهم عليه، وليس ~~من العسير تسويغ ذلك الدستور من جانب المجتمع، لأن الأزواج المقصرين يجنون عليه، ويحملونه ~~تبعات كل كفالة للأبناء، يعجز عنها الآباء والأمهات. ~~••• # ومن حسنات السماح بتعدد الزوجات عند الضرورة، أن يكون ذريعة من ذرائع المجتمع لدفع غوائل ~~العيلة والفاقة عند اختلال النسبة العددية بين الجنسين، فإذا كان هذا العارض من العوارض ~~التي يخطر لرجل في علم «ليبون» أنه يستلزم سن القوانين لتداركه، فليس افتراضه في الشريعة ~~باطلا يقضى عليه بالعبث في جميع الظروف، ويحق للمجتمع أن يرجع إليه في تقدير تلك الظروف، ~~فلا تصطدم عقائد الدين ودواعي المصلحة بين جيل وجيل. # إن قضية الزواج إحدى القضايا الإنسانية الكبرى التي يتم اعتدالها بين الدين والدنيا، فلا ~~غنى عن وازع الدين في أمر يتعلق بالفضائل الجنسية، ولا غنى عن شروط المجتمع في أمر يتعلق ~~بالمعائش والمعاملات، وقد كان لأحكام القرآن شرعتها الحميدة - على ما تقدم - في التوفيق بين ~~مهمة المجتمع ومهمة الدين. # وقبل الانتهاء من هذا البحث نقول: إننا قد أوردنا فيه حقوق الشرع التي يدان بها الرجل ~~والمرأة في زواج الاختيار وزواج الاضطرار، وبقي أن نختمه ببيان حق واحد للمرأة وجيز متفق ~~عليه، نأتي به بعد تلخيص تلك الحقوق؛ لأنه يوازنها جميعا ويرجع بالأمر كله إلى حرية المرأة ~~في إبرام عقد ms066 الزواج، فكل عقد من عقود الزواج باطل إذا أنكرته المرأة، وشكت إلى ولي الأمر ~~إكراهها عليه. وفي الحديث الشريف: «إن الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها ~~سكوتها.» وفيه أيضا: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن.» # وقد أبطل عليه السلام عقدا أبرم على كره من فتاة بأمر أبيها، إيثارا لتزويجها من ابن ~~أخيه على تزويجها من غريب عنها، فاستدعى الرسول أباها فجعل الأمر إليها، فقالت الفتاة: ~~«إنني أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.» # ونقض النبي غير هذا - كما نقض الخلفاء - عقودا كثيرة، شكا فيها النساء إبرام عقد الزواج ~~بغير مرضاتهن، بل نقضوا عقودا أبرمتها المرأة، ونفرت منها بعد العشرة الزوجية كما سيأتي في ~~الكلام على الطلاق. # وإذا آل القول الأخير في إبرام عقد الزواج إلى المرأة، فالقوانين الاجتماعية تتحكم في ~~حريتها ومصالحها التي ترتضيها لعائلتها وأبنائها، إذا ضربت عليها الوصاية كما تضرب على ~~القاصر والقاصرة، وهي تزعم أنها تصون كرامتها وتحفظ عليها حريتها. # الفصل التاسع # | زواج النبي # كان للنبي # صلى الله عليه وسلم # خصوصية في أمر تعدد الزوجات، جازت له قبل سريان حكم التقييد بعدد لا ~~يزيد على أربع لسائر المسلمين. # وأمثال هذه «الخصوصية» ليست بالشيء النادر عند تأسيس النظم الاجتماعية قبل تمام الانتقال ~~من نظام إلى نظام؛ لأنها استثناء توجبه مصلحة النظام الجديد ولا يتأتى شموله بالتعميم في ~~جميع الأحكام. # ومن شروطه ألا يتكرر بعد أن يختص به للمرة الأولى، وللمرة الأخيرة؛ لأن تكراره يجعله ~~نظاما قائما إلى جانب النظام الجديد. # وقد كانت خصوصية النبي عليه السلام مفردة مقصورة عليه غير قابلة للتكرار؛ لأنها ارتبطت ~~بمصلحة الدعوة في إبانها. ولم يكن للدعوة رسول سواه، ولم يكن له غنى عن تلك الخصوصية في ~~البلاد التي تأسست فيها الدعوة الأولى، وهي بلاد الأنساب وروابط المصاهرة والولاء بين الأسر ~~والبيوت. # وقد تحتاج الحكمة في امتياز الرسول بتلك الخصوصية إلى شرح وإيضاح. # أما الحقيقة الواضحة التي لا حاجة بها إلى ms067 شرح ولا إيضاح فهي نزاهة تلك الخصوصية مما ~~يعاب على الرجل أو على المرأة، وخلوصها من شوائب الهوى النفسي، ولو كان من السائغ ~~المباح. # لم تكن تلك الخصوصية لتمكين صاحبها من المتعة والاستغراق في مناعم الحياة الجنسية؛ فإن ~~البيت الذي يشكو نساؤه قلة المؤنة والزينة، لا يقال عنه: إنه بيت رجل تملكه أهواء نفسه ~~وتغلبه على رشده. والرجل الذي يملك الجزيرة العربية، ولا يمد يده لاغتراف الثروة التي تكفي ~~زوجاته، وتملي لهن في الترف والزينة، لن يكون رجلا مغلوب الحس منساقا مع غواية المتعة ~~ووساوس الشهوات، وليس بالرجل المخلوق لطلب اللذة من ينهض بما نهض به نبي الإسلام من عظائم ~~الأمور في مدى سنوات معدودات. # أما النساء اللائي اجتمعن في بيت النبي فلم تكن عليهن مهانة يشعرن بها، أو يشعر بها أحد ~~من أترابهن، أو من عامة المسلمين، أغنيائهم وفقرائهم على السواء، بل كان دخول المرأة في ~~عداد أمهات المؤمنين شرفا لا يعلوه شرف، ولا تطمع امرأة من أعرق البيوتات في كرامة حاضرة ~~باقية أرفع من هذه الكرامة، التي تناظر بها سيدات العرب والعجم من أقدم العصور إلى آخر ~~الزمان. # وقد تقدم أن سليمان الحكيم جمع بين ألف امرأة من الحرائر والإماء، كما جاء في كتب العهد ~~القديم، ولعلهن اجتمعن في ذلك الحرم مأسورات مملوكات، ولعلهن رضين به رضى عن الترف والجاه، ~~في قصر يعلو على القصور. أما نساء محمد عليه السلام فما أرضاهن عن المقام في بيته على الشظف ~~والكفاف مال ولا جاه من جاه الأبهة والسلطان، وإنما هو جاه الروح ترتفع إليه المرأة بهدى ~~الرسالة، ولا يرفعها إليه هدى سوى هداها. ~~••• # وإذا تنزهت الخصوصية التي انفرد بها محمد عليه السلام عن مهانة تشين الرجل أو المرأة فقد ~~ظهرت الحكمة فيها أيما ظهور، وامتنع كل وجه من وجوه تعليلها وتفسيرها، إلا أن تكون في سبيل ~~الدعوة، لا في سبيل محمد ولا آل محمد، وإلا أن تكون تعليما بارزا لحكمة التشريع في تعدد ~~الزوجات وهي تدعيم النظام الاجتماعي بالمصاهرة، وصيانة ms068 المرأة من الفتنة والمهانة. # فقد جمعت المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا في رسالة واحدة هي رسالة الدين. # وقد كانت كل سيدة من أمهات المؤمنين تأوي إلى البيت الطاهر، فإنما تأوي إليه اعتصاما من ~~الارتداد والوقوع في أيدي الحاقدين عليها من ذويها، أو تأوي إليه لإكرامها عن منزلة دون ~~منزلتها ، أو عن عرضها على من يضارع أهلها ممن لا يرغبون فيها، وكان فيهن النصف، والعاقر، ~~ومن لا مال لها، غير التأيم، أو العرض المستكره على أشراف القوم من أندادها ولا يخلو ذلك ~~العرض من غضاضة عليها، لما يساورها من الظن بقبوله حياء من النبي وطاعة لأمره، وليس لإيثار ~~النبي البناء بالسيدة على عرضها للزواج بين أصحابه غير سبب واحد يعقله المنصف والمكابر؛ ~~لأنه لا يقبل الفهم المعقول على وجه آخر: وذلك هو جبر الخاطر، والبر بالمرأة المؤمنة أن ~~ينتهي بها إيمانها إلى الحطة والهوان، ويكفي أن تسرد أسماؤهن وتذكر أحوالهن عند بناء النبي ~~بهن، لتنقطع الظنة في أسباب كل زواج سهلته الخصوصية النبوية. ~~«ولم يحدث قط أن اختار زوجة واحدة لأنها مليحة أو وسيمة، ولم يبن بعذراء قط إلا العذراء ~~التي علم قومه جميعا أنه اختارها لأنها بنت صديقه وصفيه وخليفته من بعده أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه». ~~«هذا الرجل الذي يفتري عليه الأئمة الكاذبون أنه الشهوان الغارق في لذات حسه - وقد كانت ~~زوجته الأولى تقارب الخمسين، وكان هو في عنفوان الشباب لا يجاوز الخامسة والعشرين وقد ~~اختارته زوجا لها؛ لأنه الصادق الأمين فيما اشتهر به بين قومه من صفة وسيرة، وفيما لقبه به ~~عارفوه وعارفو الصدق والأمانة فيه، وعاش معها إلى يوم وفاتها على أحسن حال من السيرة ~~الطاهرة والسمعة النقية، ثم وفى لها بعد موتها فلم يفكر في الزواج حتى عرضته عليه سيدة ~~مسلمة رقت له في عزلته فخطبت له السيدة عائشة بإذنه، ولم تكن هذه الفتاة العزيزة عليه تسمع ~~منه كلمة لا ترضيها غير ثنائه على زوجته الراحلة ووفائه لذكراها». ~~«وما بنى - عليه السلام - بواحدة من ms069 أمهات المسلمين لما وصفت به عنده من جمال ونضارة، ~~وإنما كانت صلة الرحم والضن بهن على المهانة هي الباعث الأكبر في نفسه الشريفة على التفكير ~~في الزواج بهن. ومعظمهن كن أرامل مؤيمات فقدن الأزواج أو الأولياء، وليس من يتقدم لخطبتهن ~~من الأكفاء لهن إن لم يفكر فيهن رسول الله». ~~«فالسيدة سودة بنت زمعة مات ابن عمها المتزوج بها بعد عودتها من الهجرة إلى الحبشة، ولا ~~مأوى لها بعد موته إلا أن تعود إلى أهلها، فيكرهوها على الردة أو تتزوج بغير كفء لها لا ~~يريدها». ~~«والسيدة هند بنت أمية - أم سلمة - مات زوجها عبد الله المخزومي، وكان أيضا ابن عمها، ~~أصابه جرح في غزوة أحد فقضى عليه، وكانت كهلة مسنة فاعتذرت إلى الرسول عليه السلام بسنها، ~~لتعفيه من خطبتها، فواساها قائلا: «سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك، وأن يخلفك خيرا» فقالت: ~~«ومن يكون خيرا لي من أبي سلمة؟» وكان الرسول عليه السلام يعلم أن أبا بكر وعمر قد خطباها ~~فاعتذرت بمثل ما اعتذرت به إليه، فطيب خاطرها، وأعاد عليها الخطبة حتى قبلتها». ~~«والسيدة رملة بنت أبي سفيان تركت أباها وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، فتنصر زوجها وفارقها ~~في غربتها بغير عائل يكفلها، فأرسل النبي عليه السلام إلى النجاشي يطلبها من هذه الغربة ~~المهلكة، وينفذها من أهلها إذا عادت إليهم راغمة من هجرتها في سبيل دينها، ولعل في الزواج ~~بها سببا يصل بينه وبين أبي سفيان بوشيجة النسب، فتميل به من جفاء العداوة إلى مودة تخرجه ~~من ظلمات الشرك إلى هداية الإسلام». ~~«والسيدة جويرية بنت الحارث سيد قومه، كانت بين السبايا في غزوة بني المصطلق، فأكرمها ~~النبي عليه السلام أن تذل ذلة السباء، فتزوجها وأعتقها وحض المسلمين على إعتاق سباياهم، ~~فأسلموا جميعا وحسن إسلامهم، وخيرها أبوها بين العودة إليه والبقاء عند رسول الله، ~~فاختارت البقاء في حرم رسول الله». ~~«والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب مات زوجها، فعرضها أبوها على أبي بكر فسكت، وعرضها على ~~عثمان فسكت، وبث عمر أسفه للنبي فلم ms070 يشأ أن يضن على صديقه ووليه بالمصاهرة التي شرف بها أبا ~~بكر قبله، وقال له: يتزوج حفصة من هو خير لها من أبي بكر وعثمان». ~~«والسيدة صفية الإسرائيلية بنت سيد بني قريظة خيرها النبي بين أن يردها إلى أهلها، أو ~~يعتقها ويتزوجها، فاختارت البقاء عنده على العودة إلى ذويها، ولولا الخلق الرفيع الذي جبلت ~~عليه نفسه الشريفة، لما علمنا أن السيدة صفية قصيرة يعيبها صواحبها بالقصر، ولكنه سمع إحدى ~~صواحبها تعيبها بقصرها، فقال لها ما معناه من روايات لا تخرج عن هذا المعنى: إنك قد نطقت ~~بكلمة لو ألقيت في البحر لكدرته، وجبر خاطر الأسيرة الغريبة أن تسمع في بيته ما يكدرها ويغض ~~منها». ~~«والسيدة زينب بنت جحش - ابنة عمته - زوجها من مولاه ومتبناه زيد بن حارثة، فنفرت منه وعز ~~على زيد أن يروضها على طاعته، فأذن له النبي في طلاقها. فتزوجها عليه السلام؛ لأنه هو ~~المسئول عن زواجها، وما كان جمالها خفيا عليه قبل تزويجها بمولاه؛ لأنها كانت بنت عمته، ~~يراها من طفولتها ولم تفاجئه بروعة لم يعهدها». ~~«والسيدة زينب بنت خزيمة مات زوجها عبد الله بن جحش قتيلا في غزوة أحد، ولم يكن بين ~~المسلمين القلائل في صحبته من تقدم لخطبتها، فتكفل بها عليه السلام؛ إذ لا كفيل لها من ~~قومها». ~~«وهذا هو الحريم المشهور في أباطيل المبشرين وأشباه المبشرين، وهذه هي بواعث النفس التي ~~استعصى على المبطلين أن يفهموها على جليتها، فلم يفهموا منها إلا أنها بواعث إنسان غارق في ~~لذات الحس، شهوان». ~~«ولقد أقام هؤلاء الزوجات في بيت لا يجدن فيه من الرغد ما يجده الزوجات في بيوت الكثيرين ~~من الرجال، مسلمين كانوا أو مشركين. وعلى هذا الشرف الذي لا يدانيه عند المرأة المسلمة شرف ~~الملكات أو الأميرات، شقت عليهن شدة العيش في بيت لا يصبن من الطعام والزينة فوق الكفاف، ~~والقناعة بأيسر اليسير، فاتفقن على مفاتحته في الأمر، واجتمعن يسألنه المزيد من النفقة، وهي ~~موفورة لديه لو شاء أن يزيد في حصته من الفيء، فلا ms071 يعترضه أحد ولا يحاسبه عليه. إلا أن ~~الرجل المحكم في الأنفس والأموال - سيد الجزيرة العربية - لم يستطع أن يزيدهن على نصيبه ~~ونصيبهن من الطعام والزينة، فأمهلهن شهرا وخيرهن بعده أن يفارقنه، ولهن منه حق المرأة ~~المفارقة من المتاع والحسنى، أو يقبلن ما قبله لنفسه معهن من ذلك العيش الكفاف». # ولو أن هذا الخبر من أخبار بيت النبي كان من حوادث السيرة المحمدية التي تخفى على غير ~~المطلعين المتوسعين في الاطلاع، لقد كان للمبطلين بعض العذر فيما يفترونه على نبي الإسلام ~~من كذب وبهتان، إلا أنه خبر يعلمه كل من اطلع على القرآن ووقف على أسباب التنزيل، وليس ~~بينها ما هو أشهر في كتب التفسير من أسباب نزول هذه الآيات في سورة الأحزاب: # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن ~~سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما ~~[الأحزاب: 28، 29]. ~~••• ~~«وأقل المبشرين المحترفين ولعا بالتفتيش عن خفايا السيرة النبوية، خليق أن يطلع على ~~تفاصيل هذا الحادث بحذافيره؛ لأنه ورد في القرآن الكريم خاصا بالمسألة التي يتكالب ~~المبشرون المحترفون على استقصاء أخبارها، وإحصاء شواردها، وهي مسألة الزواج وتعدد الزوجات. ~~وقد كان لهذا الحادث الفريد في سيرة النبي صدى لم يبلغه حادث من الحوادث التي عنيت بها ~~العشيرة الإسلامية حين كانت في بيئتها المحدودة، تحيط بإيمانها إحاطة الأسرة ~~بأبيها». ~~«حدث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا تحدثنا أن غسان تنتعل النعال لغزونا، فنزل ~~صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، وقال: ~~حدث أمر عظيم! قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول، طلق النبي # صلى الله عليه وسلم # نساءه.» ~~«ولما تألب ربات البيت يشكون ويلحفن في طلب المزيد من النفقة، لبث النبي في داره مهموما ~~بأمره، وأقبل أبو بكر فوجد الناس جلوسا لا يؤذن لأحد منهم، فدخل الدار ولحق به عمر بن ~~الخطاب، فوجد النبي واجما ms072 وحوله نساؤه، فأحب أبو بكر أن يسري عنه بكلمه يقولها، وكأنه فطن ~~لسر هذا الوجوم من النبي بين نسائه المجتمعات حوله فقال: «يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة، ~~سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها! فضحك النبي وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة. ~~فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، ويقولان: تسألن رسول الله ~~ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده».» ~~«وهجر النبي نساءه شهرا، يمهلهن أن يخترن بعد الروية بين البقاء على ما تيسر له ولهن ~~من الرزق، وبين الانصراف بمتعة الطلاق. وبدأ بالسيدة عائشة فقال: «إني أريد أن أعرض عليك ~~أمرا أحب ألا تتعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، فسألته: وما هو يا رسول الله؟ فعرض عليها ~~الخيرة مع سائر نسائه في أمرهن. فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير قومي؟ بل أختار الله ~~ورسوله والدار الآخرة.» وأجاب أمهات المسلمين بما أجابت به السيدة عائشة، وانتهت هذه الأزمة ~~المكربة بسلام، وما استطاع صاحب الدار - وهو يومئذ أقدر رجل في العالم المعمور - أن يحل ~~أزمة داره بغير إحدى اثنتين: أن يجمع النية على فراق نسائه، أو يقنعن معه بما لديهن من رزق ~~كفاف». ~~«أعن مثل هذا الرجل يقال: إنه حلس شهوات وأسير لذات؟» ~~«أعن مثله يقال: إنه ابتغى من رسالته مأربا يبغيه الدعاة غير الهداية والإصلاح؟» ~~«فيم كان هذا الشقاء بأهوال الرسالة وأوجالها من ميعة الشباب إلى سن لا متعة فيها، لمن ~~صاحبه التوفيق والظفر أو لمن صاحبته الخيبة والهزيمة؟» ~~«أتراه يريدها مخاطرا بأمته وحياته، مستخفا بالهجرة من وطنه والعزلة بين أهله، ليسوم ~~نفسه بعد ذلك عيشة لا يقنع بها أقرب الناس منه وأعلاهم شرفا بالانتماء إليه؟» ~~«أمن أجل الحس ولذاته يتزوج الرجل بمن تزوج بهن، وهو سيد الجزيرة العربية وأقدر رجالها ~~على اصطفاء النساء الحسان من الحرائر والإماء؟» ~~«وهل يتزوج بهن الشهوان الغارق في لذات الحس ليقتدين به في اجتراء الترف والزينة وخلوص ~~الضمير للإيمان بالله وابتغاء ms073 الدار الآخرة؟» ~~«وما مأربه من كل ذلك إن كان له مأرب في طويته غير مأربه في العلانية؟! وعلام يجاهد نفسه ~~ذلك الجهاد في بيته وبين قومه إن لم يكن له رسالة يؤمن بها ولم تكن هذه الرسالة أحب إليه من ~~النعمة والأمان؟!» ~~«إن المبشرين المحترفين لم يكشفوا من مسألة الزواج في السيرة النبوية مقتلا يصيب محمدا، ~~أو يصيب دعوته من ورائه، ولكنهم قد كشفوا منها حجة لا حجة مثلها في الدلالة على صدق دعوته، ~~وإيمانه برسالته، وإخلاصه لها في سره، كإخلاصه لها في علانيته، ولولا أنهم يعولون على جهل ~~المستمعين لهم لاجتهدوا في السكوت عن مسألة الزواج خاصة أشد من اجتهادهم في التشهير بها ~~واللغط فيها». # وقصارى القول في الخصوصية النبوية أنها لم تكن «امتيازا» من امتياز القوة المسيطرة ~~لتسخير المرأة في مرضاة خيلاء الرجل، وحبه للمتعة الجسدية، ولكنها كانت آية أخرى من معدن ~~الأحكام القرآنية فيما تسفر عنه من عطف على المرأة وحياطة لها من مواقع الجور ~~والإذلال. # الفصل العاشر # | الطلاق # بني الطلاق، كما بني الزواج، في المجتمعات الأولى على عادات الفطرة؛ الذكر يطلب الأنثى ~~ولا تطلبه، والرجل يخطب المرأة ولا تخطبه، والرأي في الترك لمن له الرأي في الطلب والخطبة، ~~وعلى هذه العادة الفطرية درج نظام الطلاق مع الزواج باختيار الرجل وحده، وجرى القانون على ~~ما جرى به العرف بعد قيام القوانين بعد المرحلة البدائية من مراحل الاجتماع. # ولم يتدخل المجتمع في مراسم الطلاق إلا بعد فترة طويلة، ظهرت في خلالها الحاجة إلى إثبات ~~الطلاق في سجل محفوظ، لعلاقته بإثبات البنوة والميراث، وتقرير عقوبة الخيانة، وإجازة العودة ~~إلى الزواج للمرأة التي انفصلت عن قرينها. # وفي هذه المرحلة تقررت مراسم الطلاق في شريعة العبرانيين، وكل ما اشترط فيها على الرجل أن ~~يعطي امرأته المطلقة وثيقة بالتسريح، ولها أن تتزوج بغيره بعد ذلك، ولكنها لا تعود إلى ~~زوجها الأول إذا طلقت من زوجها الثاني أو توفي عنها ذلك الزوج: وفصل ذلك في الإصحاح الرابع ~~والعشرين من سفر التثنية حيث يقول: ms074 «إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه؛ ~~لأنه وجد فيها عيب شني وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من ~~بيته ذهبت وصارت لرجل آخر، فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها ~~وأطلقها من بيته، أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها زوجة، لا يقدر رجلها الأول الذي ~~طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست؛ لأن ذلك رجس لدى الرب.» # وورد ذكر الطلاق على أسلوب مجازي في الإصحاح الثالث من كتاب أرميا حيث يقول، وهو يندد ~~بإسرائيل: «إذا طلق رجل امرأته فانطلقت من عنده وصارت لرجل آخر فهل يرجع إليها بعد؟ ألا ~~تتنجس تلك الأرض نجاسة؟» # وجرت مراسم الطلاق على حسب هذه الشريعة إلى ما بعد ظهور المسيحية؛ إذ روى إنجيل متى أن ~~السيد المسيح سئل عن الطلاق فاستنكره لقسوته وقال: إن من طلق امرأته لغير الزنى جعلها ~~تزني، ودفعه بالزوجة إلى اقتراف الرذيلة: «وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما ~~أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه ~~يزني.» # ويعود متى إلى حديث الطلاق في الإصحاح التاسع عشر فقال: «وجاء إليه الفرنسيون ليجربوه ~~قائلين: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من ~~البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون ~~الاثنان جسدا واحدا.» # وتعتمد طائفة كبيرة من أتباع الكنائس البروتستانتية على نص في رسالة كورنثوس الأولى ~~لإجازة التفرقة بين الزوجين إذا طال هجر الرجل لامرأته. قال في الإصحاح السابع: «أقول لغير ~~المتزوجين وللأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا. ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا ~~لأن التزوج أصلح من التحرق. وأما المتزوجون فأوصيهم - لا أنا بل الرب - ألا تفارق المرأة ~~رجلها، وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها، أو لا يترك الرجل امرأته. وأما ~~الباقون ms075 فأقول لهم - أنا لا الرب: إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة وهي ترتضى أن تسكن معه فلا ~~يتركها، والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرضى أن يسكن معها فلا تتركه؛ لأن الرجل غير ~~المؤمن مقدس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل، وإلا فأولادكم نجسون، وأما ~~الآن فهم مقدسون. ولكن إن فارق غير المؤمن فليفارق. ليس الأخ والأخت مستعبدا في مثل هذه ~~الأحوال.» # ولقد تحول كثير من المسحيين في القارتين الأوروبية والأمريكية إلى نظام قانوني يجيز ثلاثة ~~أحوال في حكم الطلاق، وهي إلغاء عقد الزواج، والتفرقة بين الزوجين، والفصل بينهما مع بقاء ~~الصفة الشرعية للزواج، ويجوز للرجل والمرأة أن يتفقا على الانفصال، وتسوية المسائل المتعلقة ~~بتربية الأبناء، والنفقة عليهم، وتمكين كل زوج من حرية التصرف في حياته، مع إسقاط حق الزوج ~~الآخر في محاسبته فيما عدا الخيانة الزوجية، وتبرم المحكمة عادة أمثال هذا الاتفاق كما ~~اختاره الطرفان، وقد تبتدئ المحكمة بتقرير الانفصال وشروطه، إذا لم يتيسر الاتفاق عليه ~~بينهما، ويتعين في حالة الاتفاق إثبات القسوة البدنية، أو العقلية، أو استحكام الخلاف ~~وصعوبة التوفيق فيه. ولا يعتبر هذا الاتفاق حلا حاسما للخلاف، ولكنه يترك القضية معلقة ~~حتى يقيم أحد الطرفين من الأدلة الكافية ما يثبت الخيانة. ~~••• # ويستطيع كل من الزوجين أن يحصل على الحكم بإلغاء عقد الزواج، إذا ثبت أن التفاهم بينهما ~~على القبول داخله شيء من الخداع أو التزوير، أو ثبت أن أحد الزوجين كان في حالة من حالات ~~القصور عند موافقته على عقد القران. # وبعض الولايات في أمريكا الشمالية يكتفي بإثبات حصول الزنى مرة واحدة من الزوجة لإصدار ~~حكم الطلاق، ولا يكفي ذلك في حالة وقوع الزنى من الزوج، بل ينبغي إثبات معيشته غير الشرعية ~~مع امرأة أخرى، لتطليق امرأته منه، ولا يلزم تقديم الشهود على وقوع الزنى على مرأى من أولئك ~~الشهود، بل يكفي إثبات السلوك الذي يفضي إلى العلاقة الجنسية لتقرير وقوع الجريمة، ومن ~~أمثلة هذا السلوك نزول الرجل والمرأة في الفنادق كأنهما زوج ms076 وزوجة، واجتماعهما في عزلة ~~مريبة كما يجتمع الزوجان الشرعيان. # ومن أسباب الطلاق وقوع الغيبة المنقطعة من الزوج أو الزوجة، ولا يبطل الطلاق إذا ثبت بعد ~~ذلك أن الزوج الغائب لا يزال بقيد الحياة. # ولا حاجة إلى الإثبات بالشهادة أو البينة مع اعتراف الزوج المتهم بتهمة الزنى الموجهة ~~إليه، وتسمى القضايا التي يلجأ فيها الزوجات إلى الحصول على حكم الطلاق بالاعتراف، قضايا ~~التواطؤ أو التراضي # Collusion and Cooperation # وربما ~~حدث التراضي على طلب الطلاق بعلة غير علة الزنى في الولايات التي تكتفي بوقوع القسوة ~~البدنية أو العقلية لتطليق المرأة من زوجها، فيعترف الرجل بتعذيب المرأة ويصدر الحكم بناء ~~على هذا الاعتراف. # 1 # والمفهوم أن معظم الحكومات الأمريكية والأوربية حافظت على أصول حكم الطلاق في الكتب ~~الدينية، ولم تقطع الصلة الأولى بينه وبين القوانين المدنية، وكل ما صنعته في هذا الحكم ~~أنها توسعت في تفسيره وقياس بعض الحالات على ما يشبهها من الحالات التي جاز فيها الطلاق ~~بنصوص الكتب الدينية. بيد أن الحكومات الأخرى التي قطعت صلة التشريع الحديث بالتشريع ~~الديني، قد غيرت أساس التشريع كله في مسائل الطلاق والزواج، وجعلته على التعاقد العام ~~الذي يخضع لقضاء العقود في جملته، فلا يمتنع إلغاؤه والعدول عنه لسبب من الأسباب التي ~~يختارها المتقاعدان أو يختارها ولاة الأمور. ~~••• # شريعة القرآن الكريم في مسألة الطلاق شريعة دين ودنيا، وكل ما اشتملت عليه من حرمة الدين ~~تابع لما شرع له الزواج من المصلحة النوعية والمصلحة الاجتماعية، فليس مما يبيحه الإسلام أن ~~يتجرد الزواج من مصلحته النوعية والاجتماعية، تغليبا للصبغة العبادية عليه على مشيئة ~~الأزواج. # وفي هذه الشريعة القرآنية تتوافر جميع الرخص المفيدة التي لجأت إليها أمم الحضارة، لتيسير ~~العلاقة بين الزوجين مع المحافظة على الآداب الاجتماعية. # ولكنها شريعة إسلامية تنظر إلى طبائع الرجال والنساء، وتتجنب التشديد الذي لا يجدي شيئا ~~في المحافظة على قداسة الزواج، ولكنه يلجئ الزوجين إلى الحيلة للتخلص منه أمام القانون، وإن ~~كانت أظهر من أن تنفعهم في التخلص منه أمام الناس. # الطلاق في ms077 الإسلام قسوة مكروهة؛ لأنه أبغض الحلال إلى الله كما قال النبي عليه ~~السلام. # وتدفع هذه القسوة بما يستطاع من عمل الزوج والزوجة، وعمل الأسرة والقادرين في هذا الأمر ~~على الهداية والإصلاح، فإذا أحل بعد استنفاد الوسائل المستطاعة فما من حل آخر يغني عنه، وما ~~من تحريم له إلا وهو أشد قسوة وأقل نفعا من التحليل. # فعلى الرجل «أولا» أن يراجع نفسه إذا أحس النفرة من زوجته، عسى أن يكون في الصبر على ~~هذه النفرة العارضة خير لا يعلمه: # فإن كرهتموهن فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ~~[النساء: ~~19]. # فإذا عجز عن مغالبة هذه النفرة العارضة، فلا يتعجل بالطلاق البائن، وليبدأ بطلقة راجعة، ~~يعتزمها بالنية البينة، ولا يؤخذ فيها باللغو الذي تجري به الألسنة على غير قصد من قائله: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ~~[البقرة: ~~225]. # وفي وصف الله بالحلم في هذه الآية، إشارة إلى الحلم الذي يطلب من الزوج أن يتحلى به في ~~هذا المقام، وهو يراجع نفسه قبل البت بالنية على الطلقة الراجعة. # وقد كانت الزوجة التي يقسم زوجها أن يهجرها، تنزوي في بيته أو في بيت أهلها، وتظل على هذه ~~الحالة معلقة لا تأوي إليه، ولا تخرج من عصمته إلى غير أمد محدود. فأوجب القرآن الكريم على ~~الزوج أن يثوب إليها في أمد محدود، وهو أربعة أشهر، تهدأ فيها سورة الغضب، ويعاود فيها ~~الرجل طوية نفسه، عسى أن يستجد لعشرته الأولى حنينا طغت عليه النفرة في ساعة الغضب أو ~~الفتنة، وعسى أن تظهر الأمومة المستكنة، فتربط بين الأب والأم برباط يعز عليهما أن يبتر ~~وينفصم إلى غير رجعة، وعسى أن تلين المرأة بعد شماس، وأن تستحضر المحبة والوئام بعد استحضار ~~الأنفة والخصام، فإن طالت المهلة شهرا بعد شهر ولم يتغير ما في النفوس، فالبت في الطلاق ~~إذن إنما يشرعه القرآن الكريم رحمة بالمرأة المعلقة، لكيلا يسومها الرجل أن يرتهنها بقيد ~~الزواج، ويطيل ارتهانها نكاية لها، وإهمالا لأمرها، واستبدادا ms078 منه بحاضرها ~~ومصيرها. # للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم * والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن ~~بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا ~~[البقرة: 226-228]. # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ~~[البقرة: 229]. # وهذه الآية تحفظ للمرأة حقها في المال وفي الحرية، فلا يحل للرجل أن يمسك عنها شيئا من ~~صداقها، ويحق لها هي أن تأبى العودة إليه إذا راجعها قبل الطلقة البائنة، وعليها إذن أن ~~تنزل عن الصداق المتأخر؛ لأنها خليقة أن تعفيه من واجب الزوج وهي تعفي نفسها من ~~واجبها. # وينبغي قبل البت بالطلاق البائن أن تتقدمه الوساطة بالصلح، والمشاورة بين الأهل ~~والأقربين، وتملك المرأة التي تخاف نشوز زوجها أن تضمن إمكان الوفاق وحسن المعاملة قبل أن ~~تعود إلى معاشرة زوجها: # وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~[النساء: 128]، # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما ~~[النساء: 35]. # وقضية الخلع التي طلبت فيها المرأة تسريحها من رجلها لبغضها إياه، مشهورة في كتب ~~الأحاديث والتفاسير، وخلاصتها: أن جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول كانت تبغض زوجها ثابت ~~بن قيس، فأتت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقالت: «لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء. والله ~~ما أعتبه في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، وما أطيقه بغضا. إني رفعت جانب ~~الخباء، فرأيته أقبل في عدة من الرجال، فإذا هو أشدهم سوادا ms079 وأقصرهم قامة وأقبحهم ~~وجها.» # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لها: «أتردين عليه حديقته؟ قالت: أردها، وأزيده عليها، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: أما الزائد فلا. وقضى بالطلاق.» # والخلع حق للمرأة يكرهه الإسلام كما كره الطلاق، ولكنه حق من حقوق الحرج لا يسكت عنه، ~~وفي الحديث الشريف: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة ~~الجنة.» # المبارأة مثل الخلع، حل من حلول الحرج، ترتضي فيه المرأة أن تنزل عن صداقها ونفقتها، ~~ليعفيها الرجل من واجباتها الزوجية، ويقع الطلاق مع الاتفاق على المبارأة كلما استحال ~~التوفيق بين الزوجين، لقسوة الرجل وعنفه في معاملة زوجته، واتخاذه الزواج مضارة لا يستقيم ~~العيش فيها على سنة المودة والسكينة والإمساك بالمعروف. ~~••• # ومن ثم نرى أنه ما من وسيلة تنجع في اجتناب الفرقة بين الزوجين لم ينصح بها القرآن الكريم ~~لكل منهما، فيما يطلب من الرجل أو يطلب من المرأة، وترجى منه الفائدة في الواقع. فإذا ~~نفدت حيلة المراجعة وانتظار المهلة، وبطلت مساعي الصلح بين الأهل والأقارب، وأسفرت تجربة ~~الطلقة الراجعة مرة بعد مرة عن قلة اكتراث للجفاء، وإصرار على الفراق، فليس في الزواج إذن ~~بقية تحمي من الطلاق، ولعل الطلاق يومئذ أرحم بالمرأة من علاقة منغصة، تربطها برجل يجفوها ~~ويبخل عليها بقوتها، ويتمنى لها الموت ليبتعد عنها؛ إذ كانت عشرتها غلا في عنقه لا يفصمه ~~غير الموت، ولا إيذاء في هذا الطلاق للزوج ولا للزوجة ولا للمجتمع؛ إذ لا بقاء إذن لشيء يصح ~~أن يسمى بالزواج. # ومتى تم الفراق الذي لا حيلة فيه، تكلفت الشريعة للزوجة المطلقة بكل ما يلزم الرجل من ~~حقوقها ومصالحها، ومن حقوق أبنائها وأبنائه، وتأبى الشريعة العادلة أن تعتمد على حنان الأب ~~وحده لرعاية أبنائه؛ لأنها مسئولة عن حق الأم حياله، حتى تستوفيه لها غاية ما يسع الشرائع ~~من استيفاء. # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين ~~[البقرة: 241]. # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ~~[البقرة: ~~231]. # ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره متاعا بالمعروف ms080 ~~[البقرة: 236]. # وعلى الزوج أن يوفي الزوجة المطلقة صداقها كاملا لا يستحل منه شيئا لنفسه: # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا ~~[النساء: 20]. # ولا يحق للرجل أن يخرج المرأة من بيتها قبل وفاء عدتها فيه: # لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~[الطلاق: 1]. # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ~~ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم ~~بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى * لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ~~[الطلاق: 6، ~~7]. # والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~[البقرة: ~~233]. # ولم تخل آية عرضت للطلاق من توكيد الأمر بالمعروف، والنهي عن الإساءة والإيذاء، والحث ~~على مغالبة الشح والتقتير، وهي الحيطة التي لا مقترح وراءها على الشريعة وأحكامها، وإنما ~~يكون الاقتراح على أخلاق الناس وعواطفهم وآدابهم، وليست هي مما تتولاه الشريعة بقوة ~~الأحكام. # ومن الحسن أن يفرض على الناس طلب الكمال، ولكنه الأمل المنظور غير الواقع، وغير ما في ~~الإمكان، بين مختلف الأمم والعصور. وما من شريعة إلهية أو إنسانية تصد الناس عن المثل ~~الأعلى من الكمال المقدور لبني آدم وحواء، ولكنهم - إلى أن يدركوا شأوهم من كمالهم - لا ~~ينبغي أن يجني أحدهم على غيره بجريرة تقصيره، بل جريرة التقصير الملازم لبني الإنسان ~~أجمعين. # الفصل الحادي عشر # | السراري والإماء # شرع الإسلام العتق ولم يشرع الرق. # فلم يكن للعتق أثر في شرائع الحضارات التي سبقت ظهور الإسلام، أما الرق فقد كان معروفا ~~معترفا به في كل حضارة قديمة، وكان حكماء الأمم يقرونه ويرتبون نظام المجتمع على بقائه، ~~ومنهم حكماء في طبقة أفلاطون وأرسطو من فلاسفة اليونان. وكان رؤساء الأديان يعتبرونه قضاء ~~عادلا من الله، ويأمرون العبد بطاعة السيد، والإخلاص له، كما ms081 يطيع ربه، ولو لم يكن على ~~دينه، وكان ساسة الأمم يحمون حق السيد على عبده ولا يعرفون للعبد حقا تحميه الدولة، حتى ~~حق الحياة. # ولا يخطرن على البال أن الرق نظام مهجور في العصور الحديثة، بطل وامتنع بعد تحريم بيع ~~الرقيق وشرائه منذ أواسط القرن التاسع عشر. فإن الواقع أن الرق على أصوله التي أنشأته في ~~عصور الهمجية باق إلى القرن العشرين، وسيبقى بعدها ما بقيت الحروب، وبقيت عادات الأسر، ~~وإجلاء سكان البلاد المغزوة من ديارهم، إلى أمد أو إلى غير أمد. # فالأسير اليوم هو الرقيق الأول بعينه وبالصفة القانونية التي يخولها آسروه أثناء أسره: ~~يسخره الآسرون في أعمالهم، ويجردونه من الحقوق المدنية بينهم، ويعطونه من القوت ما يمسك ~~الرمق أو يعينه على خدمتهم. ولا تفك عنه هذه القيود إلا إذا تبودل الأسرى بين المعسكرين ~~المتقاتلين. # فكل ما استحدث من نظام الرق بعد تحريم البيع والشراء، فإنما هو أثر من آثار التطور في ~~قيام الدولة الحديثة، وبعد أن كان العالم القديم يخضع لدولة واحدة، أو تتصارع فيه دولتان ~~متناظرتان، متناحرتان، لا تهدأ الحرب بينهما فترة تسمح بالتفاهم على تبادل الأسرى، ولا تقع ~~بينهما هدنة تتيح للأسير أن يرجع إلى قومه حتى تلحق بها حرب جديدة، يحل فيها فريق من الأسرى ~~محل فريق. # فالذي تغير من نظام الأسر في العصر الحديث إنما هو عدد الدول في العالم، واضطرارها إلى ~~التهادن والتعاقد بينهما فترات أطول من الفترات الأولى بين الدول القليلة الغابرة، وما كان ~~نظام الرق ليتغير كثيرا أو قليلا، لو بقيت الدولة الواحدة غالبة على العالم، أو بقيت فيه ~~الدولتان على عداء لا هوادة فيه. # فلما ظهر الإسلام جاء بالعتق ولم يجئ بالرق، وسبق التطور الدولي إلى تقرير فك الأسرى عند ~~الأعداء، وتقرير المن بتسريح الأسرى عنده، وصنع خير ما يصنعه الشارع في ذلك الزمن، فإنه ~~الصنيع الذي لم تلحقه حضارة القرن العشرين بما هو أكرم منه وأجدى. # فمن الحسن في شريعة القرآن إطلاق الأسير أو قبوله فدائه: # فإذا ~~لقيتم الذين ms082 كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم ~~فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع ~~الحرب أوزارها ~~[محمد: 4]. # وإذا أراد الأسير أن يفتدي نفسه بأجره من عمل يعمله، حسن بمالكه أن يقبل منه ذلك وأن ~~يعينه بماله، وما آتاه الله من كسبه: # والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ~~[النور: 33]. # وفرض الإسلام العتق كفارة لذنوب كثيرة، فمن ظاهر من زوجته - أي قال لها: إنها حرام عليه ~~كظهر أمه - فلا يتحلل من ظهاره إلا بتحرير رقبة يملكها: # والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا ~~[المجادلة: 3]. # ومن حنث في يمينه فكفارة اليمين صدقة بالمال أو صدقة بالتحرير: # لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ~~[المائدة: 89]. # ومن قتل خطأ وجب عليه مع الدية تحرير رقبة: # وما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ~~فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة ~~مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ~~[النساء: ~~92]. # ويحسن تحرير الرقاب في غير ما ورد النص عليه حيثما وجب الشكر على النعمة، والتوبة من ~~الذنب، وحسن الجزاء على الولاء. ~~••• # والنساء المملوكات أقدم في التاريخ من الرجال المملوكين، فقد أوشك الزواج في كثير من ~~القبائل البدائية أن يكون كله سبيا واغتصابا من نساء القبائل أخرى، ولم تدع الحاجة قديما ~~إلى استرقاق الرجال، إلا بعد وجود الأعمال التي توكل إلى الأسرى، ويترفع عنها المقاتلون ~~الأحرار، فكان استرقاق الأسرى ثقلا على مالك الرقيق، يتحاماه أو يتخلص منه بقتله، وكانت ~~المرأة تقتنى للمعاشرة أو لخدمة البيت والمرعى، وهي خدمة سبقت ما يستخدم فيه الرجال من ~~الصناعات ومطالب المعاش. ms083 # وتعتبر قضية الإماء والسراري جزءا من قضية الرق على عمومه، لولا أن المرأة المستعبدة ~~تنفرد بمشكلاتها التي سبقت مشكلات الرق في المجتمعات البدائية؛ لأن سبي النساء أقدم من ~~تسخير الرجال في العبودية، ولأن مشكلات الإماء على اتصال وثيق بمشكلة المرأة في بيتها وفي ~~بيئتها الاجتماعية، ولم تكن حقوق الزوجات الحرائر في القدم تفضل كثيرا نصيب الإماء ~~المستعبدات. # ومن وجوه الخلاف بين رق المرأة ورق الرجل أن العتق بر كبير بالإنسان الذي سلبت حريته، ~~وهانت على الناس كرامته، ولكن العتق لا يئول بالجارية إلى حرية تغبط عليها، وهي بلا عائل ~~ولا زوج. وربما نقلها العتق من العبودية لسيد واحد إلى العبودية لكل سيد تأوي إليه، ولم ~~يكفل لها رزقا ولا عملا أكرم من أعمال العبيد المسخرين، بغير حرية لها ولا اختيار. # وقد نظرت شريعة القرآن الكريم إلى الفارق بين الرجل والمرأة في أمر العتق، فعملت على نقل ~~النساء المملوكات من رابطة العبودية إلى رابطة الزوجية، وأمرت المسلمين بتزويجهن والبر ~~بهن: # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ~~والله واسع عليم ~~[النور: 32]. # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ~~[النساء: 3]. # وفضلت الزواج بالجارية المملوكة على الزواج بسليلة البيوت من المشركات ولو حسن مرآها في ~~العين: # ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ~~[البقرة: 221]. # وفرضت لهن حقوقهن كما فرضت الحقوق للأزواج: # قد علمنا ما ~~فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ~~[الأحزاب: 50]. # وجعلت أصحاب المال ومن يملكونهم سواء فيما عندهم من رزق الله: # فما ~~الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت فهم فيه ~~سواء ~~[النحل: 71]. # وحرص الإسلام على البر بهن في عواطفهن وإحساسهن، كما حرص على البر بهن في أرزاقهن ~~ومعيشتهن، فكان # صلى الله عليه وسلم # ينهى المسلم أن يقول: «عبدي وأمتي» وإنما يقول: «فتاي وفتاتي» كما ~~يتحدث عن أبنائه، وكانت وصيته بالصلاة والرقيق من آخر وصاياه # صلى الله عليه وسلم # قبل انتقاله إلى ~~الرفيق الأعلى. ~~••• # ولم يحصل أولئك المستضعفون من النساء والرجال على ms084 تلك المعاملة طوعا لأوامر دين من ~~الأديان قبل الإسلام، ولا تلبية لسعيهم، أو خوفا من تمردهم وعصيانهم، ولم يكن أحد من ~~أقوامهم يناصرهم أو يتقبل منهم شكايتهم. بل لم يكن من الأرقاء أنفسهم من يعتقد له حقا في ~~شكواه، ويحسب أن الرق مظلمة أصابته بغير حقه. وقد أسلم بعض الأرقاء من العبيد والإماء فلم ~~يزيدوا عددا في صدر الدعوة الإسلامية على أصابع اليدين، ولم يكن لهم صوت مسموع في شريعة ~~الجاهلية، ولا في شريعة الإسلام؛ إذ كانت شريعة الإسلام مما يتعلمه المسلمون من النبي، ولم ~~تكن مما يعلمونه إياه. فمهما يأت به من آية مطاعة من آيات البر بالنساء المستضعفات اللاتي ~~لا سند لهن ولا عائل يرحمهن، فإنما هي آيته من الوحي السماوي تجري على نسق واحد من آياته ~~كافة، في تشريع الحقوق وتعليم الفرائض والواجبات. ~~••• # وارتفع الإسلام بأتباعه إلى منزلة من الإنصاف للرقيق والرفق به، لم تبلغها الإنسانية ~~بآدابها وقوانينها ودساتيرها وأنظمتها بعد أكثر من ألف سنة، ولكن المسلمين مع هذا قصروا في ~~عهود شتى عن الشأو الرفيع الذي دعاهم دينهم إليه، وأبيحت بينهم النخاسة التي حرمها الدين، ~~ونسيت بينهم الوصايا التي ذكرهم بها الكتاب والسنة، واستبيحت فيهم حقوق الأحرار والعبيد على ~~السواء. إلا أن الشريعة القرآنية المطهرة عملت بينهم عملها، ولم تذهب آثارها سدى في حملتها. ~~ومن آثارها ما يثبت بالإحصاء والمقارنة، كما يؤخذ من المقابلة بين عدد الأرقاء وبين حالتهم ~~في بلاد الحضارة الإسلامية، وبلاد الحضارة الأوروبية والأمريكية، بغير حاجة إلى شرح ~~طويل. # فكل من بقي من الأرقاء في البلاد الإسلامية بعد ثلاثة عشر قرنا لا يزيدون على مليونين ~~منهم أزواج وزوجات دخلوا في الأسر الحرة على سنة المساواة والمؤاخاة. ومما له دلالته في ~~هذا الصدد أن ارتفاع المهانة عن المماليك في العالم الإسلامي مكنهم غير مرة من إقامة الدول، ~~وارتقاء المناصب، وولاية الوزارة والقيادة، ومصاهرة البيوتات من أصحاب الملك والإمارة، ولو ~~لم تفارقهم مسبة الرق التي لصقت بهم في كل بيئة غير البيئة الإسلامية، لما تمكنوا ms085 من ~~الصعود في منازل الاجتماع إلى هذه القمة، ولا فارقوا قط منازل الموالي والعبيد. # وتنعقد المقابلة السريعة بين قسمة الرقيق في ظل الشريعة الإسلامية وقسمته في ظل الحضارة ~~الغربية، فتسفر عن الفارق البعيد بينهما بالأرقام والحقائق والأوضاع. # فتجارة الرقيق خلال خمسين سنة جمعت في القارتين الأمريكيتين أمة كبيرة، تبلغ سلالتها ~~اليوم ستة عشر مليونا في الشمال والجنوب، وأهدرت بينهم جميع الحقوق حتى حق الحياة إلى زمن ~~قريب. فكان من المناظر المألوفة شنق الزنجي بغير سؤال ولا محاكمة على قارعة الطريق، وكان ~~إنصافهم - بعرف القانون - خطوة متأخرة في القرن العشرين لم تنفسح لهم في الزمن الأخير إلا ~~بعد المطالبة والمواثبة، وبعد الاقتدار على الطلب مشمولا بالتهديد، ومنه التهديد ~~بالإضراب. ~~••• # ونحن نكتب هذا الفصل وبين أيدينا المجلات الغربية نفسها، تروي لنا قصة سيد في إفريقيا ~~الجنوبية، ذهب إلى المحكمة لأنه قتل زنجيا وعذبه بالنفخ المتواصل حتى انفجر جنباه، فكان ~~عقابه من المحكمة غرامة مائتين وعشرة دولارات مقسطة على ستة شهور، ولاحظ القضاء - الإنساني ~~- في هذه الرأفة أن السيد الأبيض يحتمي بحق العزلة بين الأجناس # Apaartheid # وحق الإشراف والوصاية # Baskap # فلم تر الصحيفة في رواية الخبر من حرج في ~~كتابته بعنوان «حق التعذيب». # 1 # هذه شريعة وتلك شريعة، بينهما من الزمن قرابة أربعة عشر قرنا، ومن الجهود الإنسانية ~~ثورات وأهوال وضحايا لا يحيط بها الإحصاء. # الفصل الثاني عشر # | المعاملة # عند الكلام على معاملة المرأة، يتجه الذهن إلى أنواع متعددة من المعاملة لا تبنى على ~~أساس واحد، ولا تأتي من مصدر واحد، ولا يلزم من تحقيقها في بيئة أن يتحقق سائرها في تلك ~~البيئة، ولا يستغرب في مختلف البيئات أن يظهر نوع منها، ويختفي النوع الآخر، وأن يكون ظهور ~~هذا بمقدار اختفاء ذاك؛ لأن يعضها من صنع السلطة الدنيوية أو الدينية، وبعضها من صنع ~~الغرائز والعادات الفطرية، وبعضها من صنع المراسم والشعائر التي تتبدل مع الأمم والطبقات، ~~وبعضها من الأخلاق والشمائل التي تعلو أو تنحدر على حسب العوارض المتجددة من أطوار التهذيب ~~والثقافة، وأطوار ms086 الجهالة والضعة، فلا يستغرب أن تتعارض في كثير من الأزمنة، كما تتعارض ~~الطوارئ من النقائض والأضداد. # ومن العسير أن نحصر هذه المعاملات كما تتفق أو تتناقض في كل بيئة نشأت فيها، ولكنها تتيسر ~~لنا بتقسيمها إلى أنواعها التي تشملها في مجموعها، وهي على التعميم والتغليب ثلاثة أنواع: ~~معاملة القانون، ومعاملة النسب، ومعاملة الأدب وما هو من قبيل الشمائل العرفية. # فمعاملة القانون تخول المرأة حقوقها العامة وحقوقها الخاصة، كما تنص عليها العقائد ~~والدساتير، وأقدمها في دساتير الأمم الغابرة حقوق الميراث، وأحدثها حق الانتخاب النيابي في ~~القرن العشرين. # ومعاملة النسب تكسبها المرأة من صلة القرابة، أيا كان حكم القانون في مركز المرأة ~~وحقوقها، فهي بهذه المثابة أم أو أخت أو بنت أو زوجة أو محرم تجب له الرعاية والحماية، وقد ~~تكون المرأة العزيزة عند ابنها، أهون الخلائق عند عامة الناس ممن لا تربطهم بها آصرة ~~القرابة، ولا يحفلون بكرامة أهلها وحماتها. # ومعاملة الأدب، وما هو من قبيل الشمائل العرفية، قد يرعاها الناس، حيث لا يرعاها القانون، ~~ولا يفرضها واجب النسب، وقد يؤديها الإنسان كما تؤدى المراسم الصورية؛ لأنها محسوبة في حكم ~~العادة من شعائر الكياسة والوجاهة الاجتماعية، ومما يماثلها في معاملة الرجال بعضهم لبعض أن ~~يأمر الحاكم باعتقال أحد، ويختم أمره بتوقيع الخادم المطيع، ومن تقاليدها في عصر الفروسية ~~أن ينحني الفارس للعقيلة الموقرة، ثم يصدم شعورها ولا يحسب أنه أساء إليها. وربما سما هذا ~~الأدب مع التهذيب فكان خلقا نبيلا من أشرف الخلائق الإنسانية، وربما جرى مجرى الحلية ~~الاجتماعية التي تروج فيها الزيوف، ويقنع منها أصحاب التحيات والمجاملات بالعناوين ~~والحروف. ~~••• # للقرآن الكريم شريعته المحكمة في كل نوع من أنواع هذه المعاملات، وله في كل معاملة ~~دستورها الجامع الذي تتبعه تفصيلاته كما تتبع الفروع الأصول. # معاملة الحقوق دستورها الجامع أن الرجل والمرأة سواء في كل شيء، وأن النساء لهن ما ~~للرجال، وعليهن ما عليهم بالمعروف، ثم يمتاز الرجال بدرجة هي درجة القوامة التي ثبتت لهم ~~بتكوين الفطرة وتجارب التاريخ، وليس في هذا ms087 الامتياز خروج على شرعة المساواة حين تقضي ~~المساواة بين الحقوق والواجبات. وكل زيادة في الحق تقابلها زيادة مثلها في الواجب، فهي ~~المساواة العادلة في اللباب. # ومعاملة النسب دستورها في القرآن الكريم إجلال الأمهات وصيانة البنات عن الجناية على ~~حياتهن، والكراهية لمولدهن وتربيتهن، وإحلال الزوجات محل الأزواج في السكن والمأوى، فلا ~~يعزلن بمكان دون مكانهم، ولا يسومهن الرجل أن يقمن حيث يأبى أن يقيم مع ذويه من ~~الرجال. # ومعاملة الأدب تلخصها في القرآن الكريم كلمتان المعروف والحسنى، فليس في هذا الكتاب ~~المبين كلمة تنص على معاملة للمرأة في حالي الرضى والغضب، وفي حالي الحب والجفاء، وفي حالي ~~الزواج والطلاق، لم يصحبها التوكيد بعد التوكيد بوجوب المعروف والحسنى، وإنكار الإساءة ~~والإيذاء. # والأساس الذي تبنى عليه هذه المعاملات أهم في الدلالة على روح التشريع من الأحكام ~~والنصوص؛ فهو أساس قوامه الاعتراف بالحق لأنه حق وتقديره ميزان الواجب لمصلحة المرأة، ~~ومصلحة الأمة، ومصلحة النوع، غير منظور فيه إلى قوة الطلب أو قوة الإكراه على قبوله، وغير ~~ملحوظ فيه أنه ترويج لدعوة من دعوات السياسة، أو ضرورة من ضرورات «الإدارة» الحكومية، في ~~ظرف من ظروف الحرج والمداراة. # وشعور المعاملة القرآنية للمرأة هو دستور «المرأة الخالدة» في وظيفتها النوعية، ووظيفتها ~~التي يصلح عليها البيت والمجتمع، ما استقام نظام البيت ونظام الاجتماع. ~~••• # ويتضح معنى الأسس التي تبنى عليها المعاملات والحقوق عند المقابلة بين الأسس القرآنية، ~~وأسس المعاملة التي تلقتها المرأة من الحضارة الأوروبية، منذ حكمتها المبادئ الفكرية: وهي ~~الثقافة اليونانية في العصور القديمة، وآداب الفروسية في العصور الوسطى، ودساتير ~~الديمقراطية في القرن التاسع عشر وما بعده. # فالثقافة اليونانية في إبان ازدهارها لم تعط المرأة شيئا تعلو به عن مقام الأنثى في ~~المجتمعات البدائية، وتركتها في عزلتها بالمنزل تنزوي فيه بعيدة عن مكان الزوج الذي يستقبل ~~فيه أصحابه ويولم فيه ولائمه، وعزلتها في المجتمع من باب أولى، كما عزلتها في بيتها كلما ~~استغنى عنها زوجها، وربما عزلتها عن تدبير المنزل كلما رفعتها عن ضرورات الخدمة فيه كأنها ~~حسبت ms088 أن الانقطاع عن تدبير المعيشة البيتية علامة من علامات اليسر والمقدرة. # هذا كان مكانها في الواقع. # فأما مكانها الذي اختارته لها الفلسفة المثالية فهو معادل لهذا المكان في الكفة الأخرى من ~~الميزان. # فالمثل الأعلى الذي رشحها له خيال أفلاطون في مدينته الفاضلة، أن تعتبرها الأمة ملكا ~~مشاعا تنجب النسل لمن يختارها من الرجال، وتتسلمه منها الأمة لتتوفر على تربيته. فالمثل ~~الأعلى للنساء في المدينة الفاضلة أنهن حظيرة مباحة من الإناث تؤدي وظيفة الولادة، كما ~~تؤديها إناث الحيوان، وتستكثر عليها المزايا الشخصية التي تجعلها أما أفضل من أمهات، أو ~~زوجة أفضل من زوجات، وتكل إليها أمانة التربية والإعداد للحياة العامة بعد سن الرضاع ~~والحضانة! # فلا امرأة هناك في هذه المدينة الفاضلة، بل هناك قطيع من إناث الإنسان تجري المفاضلة بين ~~أفراده، كما تجري بين إناث الأنعام فيما يلفت إليها أعين الذكور. وهذه هي المعيشة المثالية ~~التي تنزوي فيها «المرأة» كما انزوت في حجاب الحريم، فهي كفة ميزان في عالم الواقع، تعادل ~~كفته الأخرى في عالم الخيال. # وقد تقدم أن أرسطو كان ينعي على إسبرطة - في كتاب السياسة - أنها أباحت للمرأة ما لا ~~ينبغي لها من حق الميراث ورخصة الحرية، فانتهت بها سياستها النسائية إلى السقوط. ~~••• # والمشهور بين قراء القصص عن عصر الفروسية أنه عصر المرأة الذهبي، أو أنه عصر الفارس صاحب ~~النخوة وهواه من عقائل القصور والحصون. ولكنها صورة من صور الأحلام تنتهي - مع المغالاة ~~فيها - إلى سخرية مضحكة، كتلك السخرية التي أبدع فيها الكاتب الإسباني سرفانتيز، بما مثله ~~لنا من خيلاء بطله دون كيشوت. # وحقيقة ذلك العصر كما وصفه صاحب كتاب «التاريخ الموجز للنساء» # 1 # أنه كان عصر الحصان لا عصر المرأة، ومنه ما اقتبسناه في كتابنا «عبقرية محمد» ~~عن حالة المرأة فيه وفي العصور التي تلته حيث يقول: «إن عصر الفروسية كان معروفا بما لوحظ ~~فيه من فقدان الشباب - على الجملة - الاهتمام بالجنس الآخر. ولعلنا نقل من الدهشة لذلك، لو ~~أننا وعينا كلمة الفروسية، وذكرنا أنها لم تكن ذات ms089 الشأن بالسيدات كما كانت ذات شأن بالخيل، ~~على خلاف ما يروق للكثيرين أن يذكروه. فقلما بلغ الاهتمام بالمرأة مبلغ الاهتمام بالحصان ~~في عصر الفروسية إلا على اعتبار أنها عنوان ضيعة، وإلى القارئ حادثة من كتاب «أغاني الآداب ~~والتحيات» # Chansons de Geste # يروى فيها أن ابنة ~~أوسيز # Auseis # جلست في نافذتها ذات يوم فعبر بها فتيان ~~- هما جاران وجربرت - وقال أحدهما: انظر. انظر. يا جربرت! وحق العذراء ما أجملها من فتاة! ~~فلم يزد صاحبه على أن قال: يا لهذا الجواد من مخلوق جميل! دون أن يلتفت بوجهه. وعاد صاحبه ~~يقول مرة أخرى: ما أحسبني رأيت قط فتاة بهذه الملاحة. ما أجمل هاتين العينين السوداوين! ~~وانطلقا وجربرت يقول: إن جوادا قط لا يماثل هذا الجواد، وهي حادثة صغيرة ولكنها واضحة ~~الدلالة؛ إذ قلة الاهتمام تورث الازدراء، والحق أن عصر الفروسية يرينا بعض الشواهد الواضحة ~~على هذا الازدراء، وإليك مثلا حادثة في الكتاب المتقدم، يروى فيها: أن الملكة بلانشفلور ~~ذهبت إلى قرينها الملك بيبن Pepin # تسأله معونة أهل ~~اللورين. فأصغى إليها الملك، ثم استشاط غضبا، ولطمها على أنفها بجمع يده، فسقطت منه أربع ~~قطرات من الدم، وصاحت تقول: شكرا لك. إن أرضاك هذا فأعطني من يدك لطمة أخرى حين تشاء. ولم ~~تكن هذه الحادثة مفردة لأن الكلمات على هذا النحو كثيرا ما تتكرر، كأنها صيغة محفوظة ~~وكأنما كانت اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن تواجه زوجها ~~بمشورة، ومتى كانت المرأة تزف إلى زوجها عفو الساعة، وكثيرا ما تزف إلى رجل لم تره قبل ~~ذاك، إما لتسهيل المحالفات الحربية والمدد العسكري، أو لتسهيل صفقة من صفقات الضياع، ومتى ~~كانت بعد زفافها إلى فارس مجنون بالحرب، معطل الذكاء، قد يكون في معظم الأحوال من الأميين، ~~عرضة للضرب كلما واجهته بمخالفة - أترى سيدة القصر إذن واجدة لها رحمة أو ملاذا من حياة ~~الشقاء، أو من صحبة قرين ليس لها بأهل؟» # ولقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة، إلى عصور ms090 الفروسية، إلى ما بعدها من طلائع ~~العهد الحديث، ولما تبرح المرأة في منزلة مسفة، لا تفضل ما كانت عليه في الجاهلية العربية، ~~وقد تفضلها منزلة المرأة في تلك الجاهلية. ~~«ففي سنة 1790 بيعت امرأة في أسواق إنجلترا بشلنين؛ لأنها ثقلت بتكاليف معيشتها على ~~الكنيسة التي كانت تئويها. وبقيت المرأة إلى سنة 1882 محرومة من حقها الكامل في ملك العقار ~~وحرية المقاضاة، وكان تعلم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال، فلما كانت اليصابات ~~بلا كويل تتعلم في جامعة جنيف سنة 1849 - وهي أول طبيبة في العالم - كانت النسوة المقيمات ~~معها يقاطعنها، ويأبين أن يكلمنها، ويزوين ذيولهن من طريقها احتقارا لها، كأنهن متحرزات من ~~نجاسة يتقين مساسها. ولما اجتهد بعضهم في إقامة معهد يعلم النساء الطب بمدينة فلادلفيا ~~الأمريكية، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل التعليم بذلك المعهد ~~وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء». ~~••• # وظلت آداب الفروسية سارية بعد عصر الفارس النبيل إلى عصر الجنتلمان في أوروبا الحديثة، ~~تقضي في معاملة المرأة بين علية القوم بالمراسم والمجاملات التي لا تتجاوز أشكال التحية إلى ~~الثقة والتقدير. فيلام «الجنتلمان» على التقصير في عدد الانحناءات وحركات الحفاوة وكلمات ~~التقريظ، ولا يفهم أحد من ذلك أنه يعظمها ويوليها ثقته وتقديره، ويخولها أصغر الحقوق التي ~~لا يضن بها على الخدم والأتباع وهو يتحرج من إشارة مسيئة يواجه بها السيدة في محفل السادة، ~~ولا يتحرج من القول المسيء إلى خدمه وأتباعه، ولكنه لا يجعل ذلك مقياسا للفارق بين المرأة ~~وبينهم في الحقوق والواجبات ولا عنوانا للقيم الإنسانية في تقديره. # فآداب الفروسية، وخليفتها الجنتلمانية، لم تكن على أحسنها أيام ازدهارها، إلا مظهرا من ~~مظاهر السمت، خالية من كل دلالة على القيم الإنسانية، مثلها - كما أسلفنا - مثل التوقيع ~~بصيغة «الخادم المطيع» في ذيل الخطاب يعتقل به الحاكم سيده المطاع. # ولو كانت تلك التحيات مقصودة بمعناها، معبرة عن القيم الإنسانية في نظر أصحابها لما ~~استكثر القوم أن تنال المرأة كل حقوق الانتخاب، وكل حقوق النيابة دفعة واحدة، ms091 ولا احتاج ~~الاعتراف لها بحق منها بعد حق إلى انتظار عشرات السنين، وموالاة الطلب من أواخر القرن ~~التاسع عشر إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، في أسبق البلدان إلى إجابة المطالب ~~النسوية وإعداد المرأة لها بالتعليم ومباشرة الأعمال. ~~••• # وتعتبر الدساتير الديمقراطية آخر المراحل التي شرعت للمرأة معاملة حديثة قائمة على ~~المبادئ الفكرية، ولكنها قامت في الواقع على إجراءات الضرورة، ولم تقم على تقدير عادل ~~للكائن الحي في قيمته الإنسانية، ووظيفته النوعية التي بنيت عليها معاملة القرآن الكريم، ~~قبل عصر الديمقراطية وقبل مطالبة النساء والرجال معا بحقوق الانتخاب أو حقوق ~~النيابة. # فالإقناع القوي الذي تمكنت به المرأة من استجابة مطالبها في الدساتير الحديثة إنما هو ~~احتياج الساسة إليها في المصانع والمعامل عند نشوب الحرب العالمية، وانصراف العاملين من ~~الرجال إلى ميادين القتال، وبمثل هذا الإقناع تمكن العمال الرجال، وتمكن أبناء الأجناس ~~المحرومة، من تحقيق مطالبهم بعد إنكارها تارة والمراوغة فيها تارة أخرى. # وهذا وأشباهه بعض ما عنيناه باختلاف القواعد والمبادئ التي تصدر عنها الشريعة القرآنية، ~~وتصدر عنها سائر الشرائع في معاملة المرأة. # تلك شريعة الحق للحق، وشريعة الحق بمقدار مصلحة المرأة، ومصلحة الأمة، ومصلحة الإنسانية، ~~وهذه شرائع الضرورات والإجراءات التي تزن الأمور بميزانها المتقلب الجزاف. ~~••• # وقد مضت حقوق الإجراءات هذه شوطا آخر بعد شوط الدساتير الديمقراطية، وهو الشوط الذي ذهب ~~إليه أتباع المادية الاقتصادية، ودعاة الهدم المسلطة على كل نظام اجتماعي وأوله نظام الأسرة ~~والبيت. # فهؤلاء الماديون الاقتصاديون يجرون على ديدنهم في توزيع الحقوق، بمقدار ما فيها من ~~الاستثارة والإغراء بالفوضى والعصيان، وحقوقهم التي يغدقونها على المرأة لا تشرفها ولا ~~تستحق منه الغبطة والرضوان إن نظرت إلى معناها، فإنهم لم يهبوا لها المساواة إلا بعد ~~إنكارهم لجميع المزايا وهبوطهم بالقيم الإنسانية إلى حضيض لا ترتفع فيه قمة، ولا يعلو فيه ~~رأس على رأس، ولا يأذن بشيء غير المساواة بين أعظم إنسان وأتفه مخلوق من ضعفاء العقول ~~والأخلاق. فالمرأة في دعوتهم سواء؛ لأن كل شيء سواء، ولأنه لا يوجد في الخلق ms092 غير هذا ~~السواء. # فمساواتهم قائمة على التجريد من المزايا، لا على الاعتراف والتسليم بالمزايا المحرومة، ~~وقوامها السلب والهدم، ولا قوام لها على الإعطاء والبناء. # ودستور هذه الفلسفة المادية الاقتصادية، أن الأحياء جميعا سواء في الصفات، وأن الفوارق ~~إنما تعرض لهم من البيئة والظروف، وعندهم أن البيئة والظروف في العالم الإنساني هما كلمتان ~~مرادفتان لعوامل الإنتاج. # وكل هذا من اللجاجة الخاوية التي لا تقول شيئا نافعا لأنها لا تقول، ولا تعرف ما هي ~~جميع العوامل الظاهرة والخفية التي تؤدي إلى تعدد الفوارق بين الأحياء. # فهذه الفوارق محسوسة مدركة في كل مكان وفي كل شيء، وفي الأرض؛ حيث يعيش الإنسان ويعيش معه ~~سائر الأحياء، أو في السماء حيث تجول الأجرام السماوية في كل مجال. # وننظر إلى السماوات الفساح، فلا نرى فيها نجمين اثنين يتشابهان في الحجم، والسرعة، وقوة ~~الإضاءة، وشحنة الجو، وفعل الجاذبية، وقدم النشأة والدوران. # وعلى الشجرة الواحدة التي تسقى بماء واحد، وتتلقى النور من جو واحد، تنظر إلى فرع من ~~فروع الغصن الكثيرة فلا ترى عليه ورقتين اثنتين تتشابهان في صبغة اللون، أو في رسم الشكل، ~~أو في خطوط النقش، أو في عدد الزوايا حول حوافيها، أو في صفة واحدة من الصفات التي تدرك ~~بالحواس، فضلا عن الصفات التي لا تدرك بغير المجاهر ومواد التحليل. ~~••• # فمهما يكن من معنى البيئة والظروف عند الماديين الاقتصاديين فهو شيء لا يحصر، ولا يمنع ~~الفوارق بين الأشياء، وكل ما يمنع هذه الفوارق فهو شلل في صميم التكوين، يتغلغل إلى أعمق ~~الأعماق في ورقة الشجرة، وقطعة الخشب، ودع عنك ضمير الإنسان وعقل الإنسان. # ولكن القول بمنع هذه الفوارق لازم للدعوة التي تهدم كل قمة، وتسوي القمم بالحضيض، وعندئذ ~~تنعم المرأة عندهم بالمساواة؛ لأنه ما من شيء في الدنيا أقل من هذه المساواة لا لأن ~~المساواة تحلها في مكان ترتفع إليه. # وكلها دعوات عند أصحابها لا حقيقة لها إلا أنها ذريعة من ذرائع التحريض والتهييج، تعطي ~~المخدوعين بها من الرضى بمقدار ما تحفزهم إلى السخط والنقمة، ms093 وفي سبيلها ينهدم - فيما انهدم ~~من القيم الإنسانية - أشرف مكان تلوذ به المرأة النافعة، وهو مكانها في الأسرة. وذنب الأسرة ~~عند أعداء المزايا الإنسانية أنها نظام ينقل ميراث المزايا وآداب العرف والعقيدة، كما ينقل ~~ميراث الأرزاق. ولا بد أن تكون نفاية ضائعة حقا تلك المرأة التي تقصر بها آمالها الأنثوية ~~دون التطلع إلى منزلة ربة الدار وأم البنين، فلا يرفعها في نظر نفسها إلا أن تكون واحدة من ~~قطيع الإناث! ~~••• # وتتلاقى مبادئ المعاملة التي تنالها المرأة من الحضارة الغربية، منذ عهد الثقافة ~~اليونانية إلى عهد الدساتير الديمقراطية. فليس هناك كبير تفاضل بين الإهمال المشاع في حريم ~~أثينا وجمهورية أفلاطون، وبين مساواة المادية الاقتصادية، التي ليس دونها شيء؛ لأنها تنزل ~~بالمساواة من القمة إلى الحضيض! # والعيب المشترك بين هذه المعاملات أنها ترجع إلى اعتبارات منفصلة عن تقدير المرأة على حسب ~~حقيقتها الفطرية بمعزل عن مظالم المجتمع وإجراءات الحكم، ومناورات السياسة. # وستنقضي جميعا بانقضاء هذه الاعتبارات الموقوتة، فلا بقاء بعدها لمعاملة دائمة غير ~~المعاملة المستقرة على أساس الفطرة ومصلحة النوع كله: وهي المعاملة بالحسنى والمعروف على ~~سنة المساواة بين الحقوق والواجبات. # الفصل الثالث عشر # | مشكلات البيت # الأسرة وحدة اجتماعية تحتاج كغيرها من الوحدات إلى نظامها الخاص الذي تعول عليه في جمع ~~شملها، وإصلاح شأنها، وحل المشكلات والخلافات التي تعرض لأعضائها. # ولكنها أحوج من سائر الوحدات إلى الدقة والحكمة في نظامها الخاص بها؛ لأنه نظام يناسبها ~~دون غيرها، ولا يتكرر على مثالها في وحدة من وحدات المجتمع، أو فئة من فئاته. # فالشركة التجارية - مثلا - وحدة اجتماعية، لها نظامها الخاص بها، وقد تكون لها أنظمتها ~~المختلفة على حسب تأليفها، ولا بد لها ولنظائرها جميعا من روح المودة، وصدق المعونة، لحسن ~~الانتظام وتحقيق المصلحة المتبادلة. # إلا أنها قد تعول في أهم أعمالها على أرقام الحساب، وشروط الاتفاق لتسيير تلك الأعمال ~~وتيسيرها. # أما الأسرة فلا ينفعها أن تعول في علاقاتها على الشروط التي يفصل فيها وازع القضاء، أو ~~وازع الشرطة، ولا مساك لها إن لم تتماسك ms094 بينها بنظام يغنيها عن تحكيم القانون، أو تحكيم ~~الشرطة، في كل خلاف يطرأ على علاقاتها. # فإن الخلاف والوفاق في الأسرة يدوران على دخائل النفوس، ولفتات الشعور، ولمحات البشاشة ~~والعبوس، وقد يبدأ الخلاف وينتهي في لحظة، وقد ينشأ في كل ساعة تتبدل فيها أذواق الطعام ~~والكساء، ودواعي الزيارة والاستقبال بين الأهل والصحاب. ولا يوجد بين الناس نظام عام يلجأ ~~إليه المختلفون على أمثال هذه الأمور، كلما طرأت في لحظة من لحظاتها، وهي مما يطرأ في جميع ~~الأوقات. # كذلك لا تترك هذه الخلافات بغير ضابط يتداركها، وينفع أبناء الأسرة عند احتياجهم إلى ~~الانتفاع به في حينه. # فلا غنى لهذه الوحدة عن نظامها، وأول المقتضيات العامة في نظام كل وحدة أن يكون لها ~~رئيسها المسئول عنها. # ورئيس الأسرة المسئول عنها هو الزوج: عائل البيت وأبو الأبناء، ومالك زمام الأمر والنهي ~~فيه. # إذا جاء الخلل من هذا الرئيس، فنتيجة هذا الخلل كنتيجة كل خلل يصيب الوحدة من رئيسها، ~~ويزول الرئيس، وتزول الوحدة، ولكن لا يزول النظام، ولا تزول الحاجة إليه. فإن نظام الدولة ~~لا يزول لخلل رؤسائها، ونظام المحاكم لا يزول لخلل قضاتها، ونظام الشركات لا يزول لعجز مدير ~~لها، أو لخيانته واختلاسه. # نظام الأسرة باق، وحاجته إلى الولي الذي يتولاه باقية، وللذين هم في ولاية هذا الرئيس أن ~~يحاسبوه إذن بحساب الشريعة العامة، حيثما يجدي هذا الحساب. ~~••• # ولا جدال حول نظام الأسرة في حق الأب على أبنائه الصغار إذا خالفوه، واستوجبوا عقابه، ~~فليس يقدح في هذا الحق من وجهته العامة أن الآباء الصالحين قليلون، وأنه ليس كل جزاء يوقعه ~~الأب بأبنائه عدلا وصلاحا. وإنما مناط حقه على علاته أن إلغاءه أخطر من الخلل في تنفيذه، ~~وأنه لا يوجد في العالم آباء مثاليون ولا أبناء مثاليون. # وهذا هو بعينه مناط الحق في أمر الزوج والزوجة حول نظام الأسرة. فليس في العالم زوج مثالي ~~ولا زوجة مثالية، وليس تصرف الزوج بصواب في كل حال، ولا اعتراض الزوجة عليه بصواب في كل ~~حال. ولكن الصواب في ms095 كل حال أن يكون للوحدة الاجتماعية نظام، وأن يكون للنظام رئيس ~~يتولاه. # وإنها لخطة واحدة من ثلاث: أن يكون كل خلاف بين الزوجين سببا لانطلاق المرأة من بيتها، ~~أو أن يحضر القاضي أو الشرطة كل خلاف ويفصلوا فيه بالجزاء، أو أن يعهد إلى عائل البيت ~~بتدارك الخلاف بوسائله بين أحضان البيت، وهو المسئول عما يجنيه وعما يؤدى إليه، إذا بلغ ~~الكتاب أجله وتعذر الوفاق. # وأسلم الخطط الثلاث ، وأقربها إلى المعقول والواقع، هي خطة القرآن الكريم. # وتجمعها كلها هاتان الآيتان من سورة النساء: # واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا ~~كبيرا * وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما إن الله كان عليما خبيرا ~~[الآية: 34، 35]. ~~••• # فالنصيحة الحسنة أول ما يعالج به الرجل خلافه مع زوجته، فإن لم تنجح، فالقطيعة في المنزل ~~دون الانقطاع عنه، فإن لم تنجح فالعقوبة البدنية بغير إيذاء، فإن خيف الشقاق فالتحكيم بين ~~الأقربين من الطرفين. # ومن الضمان للزوجة في جميع هذه الخلافات أنها تملك أن تدفع عنها النشوز من زوجها إذا خشيت ~~إعراضه: # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح ~~خير ~~[النساء: 128]. # وسبيل الصلح كسبيل الصلح الذي يلجأ إليه الزوج، وهو التحكيم. # ويخطئ بعض المفسرين فيحسب أن العقوبة بالقطيعة والهجر في المضاجع، تروع المرأة بما ينالها ~~من الإيلام الحسي، وفوات المتعة الجسدية؛ إذ كانت حكمة القرآن الكريم أبلغ من ذلك، وأنفع ~~في هذه الخصومة الزوجية، وإنما تردع هذه العقوبة المرأة لأنها تذكرها بالمقدرة التي توجب ~~للرجل الطاعة في أعماق وجدانها، وهي مقدرة العزم والإرادة والغلبة على الدوافع الحسية. ~~وبهذه المقدرة يستحق الرجل من المرأة أن يطاع، فلا تشعر بالغضاضة من تسليمها له بهذه ~~الطاعة. # قال الأستاذ رشيد رضا رحمه الله في كتابه «نداء للجنس اللطيف»: # أما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها، ويشق عليها هجره ms096 إياها، ولا ~~يتحقق هذا بهجر المضجع نفسه، وهو الفراش، ولا بهجر الحجرة التي يكون فيها الاضطجاع، ~~وإنما يتحقق بهجر في الفراش نفسه، وتعمد هجر الفراش أو الحجرة زيادة في العقوبة لم ~~يأذن بها الله تعالى. وربما يكون سببا لزيادة الجفوة، وفي الهجر في المضجع نفسه ~~معنى لا يتحقق بهجر المضجع والبيت الذي هو فيه؛ لأن الاجتماع في المضجع هو الذي ~~يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول اضطرابها الذي أثارته ~~الحوادث قبل ذلك. فإذا هجر المرأة وأعرض عنها في هذه الحالة رجا أن يدعوها ذلك ~~الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب، ويهبط بها من نشز المخالفة إلى صف ~~الموافقة. # والذي نراه - وذكرناه في كتابنا عن عبقرية محمد - أن الأستاذ رحمه الله قد أخطأه المراد ~~الدقيق في هذه العقوبة النفسية، وأن الحكمة في إيثارها أعمق جدا من ظاهر الأمر كما رآه ~~الأستاذ. فأبلغ العقوبات ولا ريب هي العقوبة التي تمس الإنسان في غروره، وتشككه في صميم ~~كيانه في المزية التي يعتز بها ويحسبها مناط وجوده وتكوينه. والمرأة تعلم أنها ضعيفة إلى ~~جانب الرجل، ولكنها لا تأسى لذلك ما علمت أنها فاتنة له، وأنها غالبته بفتنتها، وقادرة على ~~تعويض ضعفها، بما تبعثه فيه من شوق إليها ورغبة فيها. فليكن له ما شاء من قوة فلها ما تشاء ~~من سحر وفتنة، وعزاؤها الأكبر عن ضعفها أن فتنتها لا تقاوم، وحسبها أنها لا تقاوم بديلا ~~من القوة والضلاعة في الأجساد والعقول. فإذا قاربت الرجل مضاجعة له، وهي في أشد حالاتها ~~إغراء بالفتنة ثم لم يبالها، ولم يؤخذ بسحرها، فما الذي يقع في وقرها، وهي تهجس بما تهجس به ~~في صدرها؟ أفوات سرور؟ أحنين إلى السؤال والمعابثة؟ كلا، بل يقع في وقرها أن تشك في صميم ~~أنوثتها، وأن ترى الرجل في أقدر حالاته جديرا بهيبتها وإذعانها، وأن تشعر بالضعف ثم لا ~~تتعزى بالفتنة ولا بغلبة الرغبة. فهو مالك أمره إلى جانبها، وهي إلى جانبه لا تملك شيئا ~~إلا أن تتقرب ms097 إلى التسليم، وتفر من هوان سحرها في نظرها قبل فرارها من هوان سحرها في نظر ~~مضاجعها. فهذا تأديب نفس وليس بتأديب جسد. بل هذا هو الصراع الذي تتجرد فيه الأنثى من كل ~~سلاح؛ لأنها جربت أمضى سلاح في يديها، فارتدت بعده إلى الهزيمة التي لا تكابر نفسها فيها، ~~فإنما تكابر ضعفها حين تلوذ بفتنتها، فإذا لاذت بها فخذلتها، فلن يبقى لها ما تلوذ به بعد ~~ذاك. وهنا حكمة العقوبة البالغة التي لا تقاس بفوات متعة، ولا باغتنام فرصة، للحديث ~~والمعابثة، إنما العقوبة إبطال العصيان، ولن يبطل العصيان بشيء كما يبطل بإحساس العاصي غاية ~~ضعفه، وغاية قوة من يعصيه، والهجر في المضاجع هو بمثابة الرجوع إلى هذا الإحساس. ~~••• # ولا اعتراض لأحد من المتقدمين أو المتأخرين على عقوبة من هذه العقوبات جميعا فيما خلا ~~العقوبة البدنية، وهو - فيما يبدو لأيسر نظرة - اعتراض متعجل في غير فهم وعلى غير جدوى، ~~وليس هذا الاعتراض بالجائز إلا على وجه واحد، وهو أن العالم لا تخلق فيه امرأة تستحق ~~التأديب البدني، أو يصلحها هذا التأديب. وإنه لسخف يجوز أن يتحذلق به من شاء على حساب نفسه، ~~إظهارا لدعوى النخوة والفروسية في غير موضعها. وليس بالجائز أن يتحذلق به على حساب الشريعة ~~أو الطبيعة، ولا على حساب كيان الأسرة وكيان الحياة الاجتماعية. ~~••• # إن المقام مقام عقوبة بل مقام العقوبة بعد بطلان النصيحة وبطلان القطيعة. ولم يخل العالم ~~الإنساني رجالا ونساء ممن يعاقبون بما يعاقب به المذنبون، فما دام في هذا العالم امرأة من ~~ألف امرأة تصلحها العقوبة البدنية، فالشريعة التي يفوتها أن تذكرها ناقصة، والشريعة التي ~~تؤثر عليها هدم الأسرة مقتصرة ضارة، واللغط بهذه الحذلقة نفاق رخيص، والتماس للسمعة ~~الباطلة بأخبث أثمانها. وقد أجازت الشرائع عقوبة الأبدان للجنود، ولها مندوحة عنها بقطع ~~الوظيفة، وتأخير الترقية والحرمان من الإجازات والحريات، فإذا امتنع العقاب بغيرها لبعض ~~النساء، فلا غضاضة على النساء جميعا في إباحتها. وما يقول عاقل: إن عقوبة الجناة تغض من ~~الأبرياء، وإلا لوجب إسقاط جميع العقوبات من ms098 جميع القوانين. # وسنرى فيما يلي من بيان القيود التي أحيطت بها هذه العقوبة أنها في حكم الإسلام جد كريهة، ~~وما أبيحت إلا لاتقاء ما هو أكره منها، وهو الطلاق. # الفصل الرابع عشر # | القرآن والزمن # بقي القرآن الكريم في العالم الإسلامي نحو ألف وأربعمائة سنة قوة عاملة يعتصم بها في ~~إقباله وإدباره، وفي عزته وانكساره، بل كان هو القوة العاملة التي نفعته حين فارقته جميع ~~القوى التي تنتفع بها الأمم، فكان له قوة تعينه على التقدم والنماء كما كان له قوة تعينه ~~على الثبات والمقاومة. وابتلي المسلمون في أيام ضعفهم بسطوة الطامعين فيهم، وعداوة ~~القادرين عليهم، فلا تعرف دولة من الدول الطاغية المتغلبة لم تفتح بلدا من بلدان المسلمين، ~~أو تدخله بالحيلة والمكيدة، ولا تعرف لهذه البلاد المغلوبة قوة تعوذ بها، وتأبى عليها أن ~~تسلم بالهزيمة، وتنهضم في جوف الدول المحيطة بها، غير إيمانها بهذا الكتاب: إن الإيمان ~~بالقرآن وقبول الخضوع لغير رب العالمين، نقيضان لا يجتمعان في قلب إنسان. # ونحن اليوم ننظر إلى الدول الغالبة، فلا نرى لأبنائها حيرة أشد من حيرتهم في البحث عن ~~الإيمان الموجه والعقيدة الراجية: كلهم يريدون أن يستقروا على أمل في الحياة، وعلى فكرة ~~واثقة بالعمل الصالح، والرجاء الموفق، والسعي المطمئن إلى هداه، وإلى المصير وإن كان لا ~~يراه. # وعندنا نحن هذا الإيمان وهذه العقيدة الراجية: عندنا الإيمان متأصلا، والعقيدة ناجية من ~~تجارب الزمن، مختبرة بالمحن والشدائد، صالحة لكل أمس، كان في يوم من الأيام غدا مجهولا، ~~قبل أن يماط عنه حجاب الغيب، صالحة لكل غد نستقبله ونجهله اليوم، ولكننا لا نجهل أن ~~الإيمان فيه قوة، وأن ديننا يمنحنا تلك القوة، وأننا على سنة القصد - على الأقل - حين نفيد ~~مما في أيدينا ولا ننبذه جزافا لنبحث عن سواه، وقد جرب غيرنا سواه حيث اضطرته فاقة ~~العقيدة إلى التجربة المجهولة، فإذا هو في طريق العقيدة على غير اعتقاد، وإذا هو يشد الرحال ~~ليبحث عن الزاد، ولا رحلة بغير زاد. # لقد كان هذا الدين حافظا لنا في ms099 أمسنا، فما لنا لا نحفظه في يومنا وغدنا ولا شطط ولا ~~مشقة؟ وماذا ينكر اليوم أو الغد منه، وهو يسير معه حيث سار، ويمده من قوة ويسدده من ~~عثار؟ # إنه دين رب العالمين. # إنه دين إنسان العالمين! دين الإنسان الذي يستقبل ربه حيث يكون، وحينما يكون، فأين ولى ~~فثم وجه الله، ومتى ولى فثم وجه الله، وثم رب العالمين، رب كل أرض وكل سماء وكل ~~منزل وكل حين. # إن «إنسان العالمين» يعيش اليوم كما عاش بالأمس، بل يعيش في يومه الحاضر أكثر مما عاش في ~~أمسه الدابر؛ لأن الأمس قد كان أمس هذا العالم، وذلك العالم حيث لا يلتقي عالم وعالم، وأما ~~«العالمون» فإنها لمن صنع التاريخ الذي لم تنقض عليه سنون. ~~••• # وقد آمن دين القرآن بالإنسان الحي في كل زمن، وأعطاه حقه مقترنا بحق الحياة، غير موقوف ~~على دساتير السلطان والمال، ولا على أصوات الانتخاب وندوات النواب: إنسان مسئول يملك حقه ~~وواجبه بشفاعة واحدة هي شفاعة الحياة، لم يسبق دينه فيودعه ويعرض عنه، بل سبقه دينه عهودا ~~طوالا ويسبقه بعد اليوم أطول مما سبقه من عهود. # ولا ضير على الدين أن يثبت ويستقر. # بل على الدين الصالح أن يثبت ويستقر. # وإنما الضير أن يفهمه زمن ولا يفهمه زمن، وأن يكون فيه حائل بينه وبين ضمير الإنسان في ~~زمن من الأزمان. وتنزه دين القرآن عن هذا الجمود. فإنه لعلى الغاية مما يطلب لدين ينتظم ~~الملايين من العارفين والجاهلين مئات السنين، ويخلص بينهم إلى ضمير المؤمن بالله في كل عصر، ~~وليس عليه من حسيب غير هداية الضمير. # وفي الصفحات التالية مثل لفهم آيات الكتاب على مدى ألف وثلثمائة سنة توالى فيها المفسرون ~~ليفهموا آيات الحساب والعقاب بين الزوجين، وبدا من أساليبهم - لفظا ومعنى - أنهم تغيروا مع ~~الزمن شعورا وفهما، ولم يمنعهم كتابهم أن يتغيروا، ولا هو بمانع أحدا يتلوهم أن يتغير ~~جهده من التغير، كيفما كان تغير الفهم والشعور في هذه الأمور. # وعلى هذا المثال نحتفظ بالقرآن، ونحتفظ بالزمن، ونعبر مئات ms100 السنين في بضع صفحات ولا يزال ~~في الأمد متسع لأخرى من مئات السنين. # ونختار للمقابلة بين التفاسير آخر الآيات التي استشهدنا بها لشريعة القرآن في معاملة ~~المرأة، وهي آيات النشوز في سورة النساء، نبدؤها بابن عباس ونختمها بالأئمة من أبناء القرن ~~الثالث عشر، ولم يخالفهم من ظهر بعدهم من المفسرين إلى هذه الأيام. ~~••• # فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ ~~الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا إن الله كان عليا كبيرا * وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما ~~خبيرا ~~[النساء: 34، 35]. # قال ابن عباس: # 1 ~~« # فعظوهن # بالعلم والقرآن # واهجروهن في المضاجع # حولوا عنهن وجوهكم في الفراش # واضربوهن # ضربا غير مبرح ولا شائن # فإن أطعنكم # في المضاجع # فلا تبغوا # فلا تطلبوا # عليهن سبيلا # في الحسب # الله كان عليا # أعلى من كل شيء # كبيرا # أكبر من كل شيء، لم يكلفكم ذلك فلا تكلفوا من النساء ما لا طاقة لهن به من ~~المحبة.» # وجاء في تفسير الطبري # 2 # المتوفى سنة 310ه: « # واهجروهن في ~~المضاجع # حدثنا المثنى بعد إسناد ... قال: لا يهجرها إلا في المبيت في ~~المضجع، ليس له أن يهجر في كلام ولا شيء إلا في الفراش، فلا يكلفها أن تحبه، فإن قلبها ليس ~~في يديها، ولا معنى للهجر في كلام العرب، إلا على أحد ثلاثة أوجه؛ أحدها: هجر الرجل كلام ~~الرجل وحديثه، وذلك رفضه وتركه، يقال منه: هجر فلان أهله يهجرها هجرا وهجرانا. والآخر: ~~الإكثار من الكلام بترديد، كهيئة كلام الهازئ، يقال منه: هجر فلان في كلامه يهجر هجرا، إذا ~~هذى، ومدد الكلمة، وما زالت تلك هجيراه وأهجيراه. والثالث: هجر البعير، إذا ربطه صاحبه ~~بالهجار، وهو حبل يربط في حقويها ورسغها.» # قال حيان: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يحيي بن بشر، سمع عكرمة يقول في قوله: # واضربوهن # ضربا غير مبرح، قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«واضربوهن إذا عصينكم ms101 في المعروف، ضربا غير مبرح». # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا # يقول: «فإن أطاعتك فلا تبغ عليها العلل.» # وجاء في تفسير الزمخشري # 3 # المتوفى سنة 538ه: «نشوزها أو نشوصها أن تعصي زوجها ولا تطمئن إليه، وأصله ~~الانزعاج # في المضاجع # في المراقد؛ أي: لا تداخلوهن تحت ~~اللحف، وهو كناية عن الجماع، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع، وقيل: في المضاجع في ~~بيوتهن التي يبتن فيها؛ أي: لا تبايتوهن. وقرئ في المضجع والمضطجع وذلك لتعرف أحوالهن ~~وتحقق أمرهن في النشوز أمر بوعظهن أولا ثم هجرانهن ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ ~~والهجران، وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار، وهذا ~~من تفسير الثقلاء، وقالوا: يجب أن يكون ضربا غير مبرح لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ويتجنب ~~الوجه. وعن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «علق سوطك حيث يراه أهلك»، وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود ~~المشجب يكسره عليها. # ويروى عن الزبير أبيات منها: # ولولا بنوها حولها لخبطتها # فلا تبغوا عليهن سبيلا # فأزيلوا عنهن التعرض ~~بالأذى والتوبيخ والتجني وتوبوا عليهن، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى ~~الطاعة والانقياد وترك النشوز.» ~~••• # وجاء في تفسير القرطبي # 4 # المتوفى سنة 671ه: «السابعة: قوله تعالى: # واهجروهن ~~في المضاجع # وقرأ ابن مسعود والنخعي وغيرهما: «في المضجع» على الإفراد، كأنه ~~جنس يؤدي عن الجمع. والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، عن ابن ~~عباس وغيره. وقال مجاهد: جنبوا مضاجعهن، فيتقدر على هذا الكلام حذف، ويعضده # اهجروهن # من الهجران وهو البعد، يقال: هجره؛ أي: تباعد ونأى عنه. ولا ~~يمكن بعدها إلا بترك مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن البصري، ~~رواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، واختاره ابن العربي وقال: حملوا الأمر على الأكثر ~~الموفي، ويكون هذا القول كما تقول: هجره في الله. وهذا أصل مالك. # قلت: ms102 هذا قول حسن، فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها، فإن كانت محبة للزوج، فذلك يشق عليها ~~فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها، فيتبين أن النشوز من قبلها. وقيل: ~~«اهجروهن» من الهجر وهو القبيح من الكلام؛ أي: غلظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره، ~~قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي شدوهن وثاقا في بيوتهن، من قولهم: هجر ~~البعير؛ أي: ربطه بالهجار، وهو حبل يشد به البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. ~~وفي كلامه في هذا الموضع نظر. # وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن ~~والسنة، والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر ~~الصديق أتت الزبير بن العوام وكانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، ~~فعقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا ~~تتقي، وكان الضرب لها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها: أي بنية ~~اصبري، فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر ~~بامرأة تزوجها في الجنة. فرأى الربط والعقد، مع احتمال اللفظ، مع فعل الزبير فأقدم على هذا ~~التفسير. # وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي # صلى الله عليه وسلم # حين أسر أمرا إلى حفصة ~~فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه، ولا يبلغ به الأربعة أشهر التي ضرب الله أجلا عذرا ~~للمولى.» ~~«الثامنة: # واضربوهن # أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة ~~أولا ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. ~~والضرب في هذه الآية هو ضرب بالأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر لها عظما ولا يشين جارحة ~~كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، ~~وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم ms103 القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم: «اتقوا الله في ~~النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن ~~فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح» الحديث. أخرجه من حديث جابر الطويل ~~في الحج. أي: لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء والأجانب. وعلى هذا ~~يحمل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، لا ~~تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، ~~واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقا، ~~ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم أحدا تكرهون، ولا يأذن في ~~بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» قال: حديث حسن ~~صحيح، فقوله: «بفاحشة مبينة» يريد: لا يدخلن من يكرهه أزواجهن، وليس المراد بذلك الزنا، فإن ~~ذلك محرم ويلزم عليه الحد. فقال عليه السلام: «اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير ~~مبرح» قال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه.» # وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك، فقال: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله؟» ~~«التاسعة: قوله تعالى: # فإن أطعنكم # أي: تركن النشوز # فلا تبغوا عليهن سبيلا # أي: لا تبغوا عليهن ~~بقول أو فعل. وهذا نهي عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن، والتمكن من ذلهن، وقيل: المعنى: لا ~~تكلفوهن الحب لكم فإنه ليس بالهين.» # وجاء في تفسير النسفي # 5 # المتوفى سنة 710ه: « # واهجروهن في ~~المضاجع # في المراقد؛ أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، وهو كناية عن الجماع، أو ~~هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع. # واضربوهن # ضربا غير مبرح، أو بوعظهن أولا ثم ~~بهجرانهن في ms104 المضاجع ثم بالضرب إذا لم ينجع فيهن الوعظ والهجران ... # فإن أطعنكم # بترك النشوز # فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا # فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى، وهو من بغيت الأمر؛ أي: ~~طلبته، أي: إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ~~ظلمهن. و # إن الله كان عليا كبيرا # وإنكم تعصونه على ~~علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم. فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا ~~رجع.» ~~••• # وجاء في تفسير ابن كثير # 6 # المتوفى سنة 744ه: « # واهجروهن في ~~المضاجع # وقال علي بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت وإلا ~~هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يرد نكاحها وذلك عليها شديد. وقال مجاهد والشعبي ~~وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو ألا يضاجعها، وقال أبو داود: حدثنا موسى بن ~~إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي مرة الرقاشي، عن عمه، عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع»، قال حماد: يعني النكاح. وفي السنن والمسند عن ~~معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن ~~تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تهجر إلا في البيت»، وقوله: # واضربوهن # إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران فلكم ~~أن تضربوهن ضربا غير مبرح كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال في حجة ~~الوداع: «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، وكذا قال ابن ~~عباس وغير واحد: ضربا غير مبرح، قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر. قال الفقهاء: هو ألا ~~يكسر فيها عضوا ولا يؤثر شيئا. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله أن ~~تضربها ضربا غير مبرح ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت ms105 وإلا فقد أحل الله عنها الفدية، وقال ~~سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ولا تضربوا إماء الله»، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: زأرت النساء على أزواجهن فرخص رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير ~~يشتكين أزواجهن ليس أولئك بخياركم» رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال الإمام أحمد: ~~حدثنا سليمان بن داود - يعني: أبا داود الطيالسي - حدثنا أبو عوانة، عن داود الأودي، عن عبد ~~الرحمن السلمي، عن الأشعث بن قيس قال: «ضفت عمر رضي الله عنه فتناول امرأته فضربها فقال: ~~يا أشعث، احفظ عني ثلاثا حفظتهن عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا ~~تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة» وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن ~~بن مهدي عن أبي عوانة عن داود الأودي. وقوله تعالى: # فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا # أي: إذا أطاعت المرأة زوجها ~~في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ~~وهجرانها. # وقوله: # إن الله كان عليا كبيرا # تهديد للرجال ~~إذا بغوا على النساء بغير سبب، فإن الله العلي الكبير وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى ~~عليهن.» # جاء في تفسير الألوسي # 7 # المتوفى سنة 1270ه: « # واهجروهن في ~~المضاجع # أي: مواضع الاضطجاع، والمراد: اتركوهن منفردات في مضاجعهن فلا ~~تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن، فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، ~~وقيل: المراد اهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه ولا تلتفتوا إليهن، وروي ذلك عن ابن ~~جعفر رضي الله تعالى عنه ولعله كناية أيضا عن ترك الجماع، وقيل: ms106 المضاجع: المبايت؛ أي: ~~اهجروا حجرهن ومحل مبيتهن، وقيل: (في) للسببية، أي: اهجروهن بسبب المضاجع؛ أي: بسبب تخلفهن ~~عن المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة ~~من طريق ابن الضمي، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة: بأن يغلظ لها القول، وزعم بعضهم ~~أن المعنى: أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار، وتعقبه الزمخشري ~~بأنه تفسير الثقلاء، وقال ابن المنير: لعل هذا المفسر يتأيد بقوله تعالى: # فإن أطعنكم # فإنه يدل على تقدم إكراه في أمر ما، وقرينة ~~المضاجع ترشد إلى أنه الجماع، فإطلاق الزمخشري لما أطلقه في حق هذا المفسر من الإفراد ~~انتهى، وأظن أن هذا لو عرض على الزمخشري لنظم قائله في سلك ذلك المفسر، ولعد تركه من ~~التفريط، وقرئ: في المضجع، # واضربوهن # يعني: ضربا غير ~~مبرح، كما أخرجه ابن جرير عن حجاج عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وفسر غير المبرح بألا يقطع لحما ~~ولا يكسر عظما، وعن ابن عباس أنه الضرب بالسواك ونحوه، والذي يدل عليه السياق والقرينة ~~العقلية أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة، فإذا خيف نشوز المرأة تنصح، ثم تهجر، ثم تضرب؛ إذ ~~لو عكس استغنى بالأشد عن الأضعف، وإلا فالواو لا تدل على الترتيب وكذا الفاء # فعظوهن # لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع، فالقول ~~بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس بظاهر، وفي الكشف الترتيب مستفاد من دخول الواو على ~~أجزئة مختلفة في الشدة والضعف مترتبة على أمر مدرج، فإنما النقص هو الدال على ~~الترتيب. # هذا وقد نص بعض أصحابنا أن للزوج أن يضرب المرأة على أربع خصال وما هو في معنى الأربع ترك ~~الزينة والزوج يريدها، وترك الإجابة إذا دعاها لفراشه، وترك الصلاة - وفي رواية الغسل - ~~والخروج من البيت إلا لعذر شرعي، وقيل: له أن يضربها متى أغضبته، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي ~~الله عنها: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فإذا غضب على ~~واحدة ms107 منا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. ولا يخفى أن تحمل أذى النساء والصبر عليهن ~~أفضل من ضربهن إلا لداع قوي، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله ~~تعالى عنه قالت: «كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهن إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فخلى ~~بينهم وبين ضربهن ثم قال: ولن يضرب خياركم».» # جاء في تفسير الشيخ الجاوي # 8 # المتوفى في القرن الثالث عشر: « # واهجروهن في ~~المضاجع # أي: حولوا عنهن وجوهكم في المراقد، فلا تدخلوهن تحت اللحف إن ~~علمتم النشوز ولم تنفعهن النصيحة. # واضربوهن # إن لم ينجع ~~الهجران ضربا غير مبرح ولا شائن، والأولى ترك الضرب، فإن ضرب فالواجب أن يكون الضرب بحيث ~~لا يكون مفضيا إلى الهلاك، بأن يكون مفرقا على البدن، وبألا يكون في موضع واحد، وألا ~~يوالي به، وأن يتقي الوجه، وأن يكون بمنديل ملفوف.» ~~••• # وجاء في تفسير الأستاذ الإمام المتوفى سنة 1323ه # 9 # أن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى ~~التأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة. وإنما يباح إذا ~~رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة وصرن يعقلن النصيحة ~~ويستجبن للوعي، أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ~~ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن ~~بإحسان، والأحاديث في الوصية بالنساء كثيرة جدا. # أقول: ومن هذه الأحاديث ما هو في تقبيح الضرب والتنفير عنه، ومنها حديث عبد الله بن زمعة ~~في الصحيحين قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها ~~في آخر الليل»، وفي رواية عائشة عن عبد الرزاق: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب ~~العبد، يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره»، يذكر الرجل بأنه إذا كان يعلم من نفسه أن لا ~~بد له من ذلك الاجتماع والاتصال الخاص بامرأته وهو ms108 أقوى وأحكم اجتماع يكون بين اثنين من ~~البشر، يتحد أحدهما بالآخر اتحادا تاما فيشعرك منهما بأن صلته بالآخر أقوى من صلة بعض ~~أعضائه ببعض. إذا كان لا بد له من هذه الصلة والوحدة التي تقتضيها الفطرة، فكيف يليق به أن ~~يجعل امرأته، وهي كنفسه، مهينة كمهانة عبده، بحيث يضربها بسوطه أو يده، حقا إن الرجل الحي ~~الكريم ليتجافى به طبعه عن مثل هذا الجفاء، ويأبى عليه أن يطلب منهن الاتحاد بمن أنزلها ~~منزلة الإماء، فالحديث أبلغ ما يمكن أن يقال في تشنيع ضرب النساء، وأذكر أنني هديت إلى ~~معناه العالي قبل أن أطلع على لفظه الشريف، فكنت كلما سمعت أن رجلا ضرب امرأته أقول: يا ~~لله العجب، كيف يستطيع الإنسان أن يعيش عيشة الأزواج مع امرأة تضرب، تارة يسطو عليها ~~بالضرب، فتكون منه كالشاة من الذئب، وتارة يذل لها كالعبد، طالبا منتهى القرب؟ لكن لا ننكر ~~أن الناس متفاوتون، فمنهم من لا تطيب له هذه الحياة، فإذا لم تقدر امرأته بسوء تربيتها ~~تكريمه إياها حق قدره ولم ترجع عن نشوزها بالوعظ والهجران، فارقها بمعروف وسرحها بإحسان إلا ~~أن يرجو صلاحها بالتحكيم الذي أرشدت إليه الآية، ولا يضرب فإن الأخيار لا يضربون النساء وإن ~~أبيح لهم ذلك للضرورة. فقد روى البيهقي من حديث أم كلثوم بنت الصديق رضي الله عنها قالت: ~~كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهن لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم ~~قال: «ولم يضرب خياركم»، فما أشبه هذه الرخصة بالحظر، وجملة القول أن الضرب سلاح مر، قد ~~يستغني عنه الخير الحر، ولكنه لا يزول من البيوت بكل حال، أو يعم التهذيب النساء ~~والرجال. # هذا وإن أكثر الفقهاء قد خصوا النشوز الشرعي الذي يبيح الضرب إن احتيج إليه لإزالته، ~~بخصال قليلة كعصيان الرجل في الفراش، والخروج من الدار بغير عذر، وجعل بعضهم تركها الزينة ~~وهو يطلبها نشوزا، وقالوا: «له أن يضربها أيضا على ترك الفرائض الدينية كالغسل والصلاة، ~~والظاهر أن النشوز أعم فيشمل ms109 كل عصيان سببه الترفع والإباء، ويقيد هذا قوله: # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا # قال ~~الأستاذ الإمام: أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها إلى غيرها ~~فابدءوا بما بدأ به الله من الوعظ، فإن لم يفد فليهجر، فإن لم يفد فليضرب، فإن لم يفد هذا ~~أيضا يلجأ إلى التحكيم، ويفهم من هذا أن القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح فضلا ~~عن الهجر والضرب، وأقول: صرح كثير من المفسرين بوجوب هذا الترتيب في التأديب. ~~••• # جاء في تفسير القاسمي # 10 # المتوفى سنة 1332ه: # واللاتي تخافون ~~نشوزهن # أو عصيانهن وسوء عشرتهن وترفعهن عن مطاوعتكم، من «النشز» وهو ما ~~ارتفع من الأرض. يقال: نشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها، استعصت عليه، وارتفعت عليه وأبغضته، ~~وخرجت عن طاعته، # فعظوهن # أي: خوفوهن بالقول، كاتقي الله، ~~واعلمي أن طاعتك لي فرض عليك، واحذري عقاب الله في عصيانك؛ وذلك لأن الله قد أوجب حق الزوج ~~عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والأفضال. # واهجروهن # بعد ذلك إن لم ينفع الوعظ والنصيحة # في المضاجع # أي: المراقد، فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا ~~تباشروهن، وقيل: المضاجع: المبايت؛ أي لا تبايتوهن، وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة ~~القشيري أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها ~~إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت»، و # واضربوهن # إن لم ينجع ما فعلتم من القطيعة والهجران ضربا غير مبرح؛ أي: ~~لا شديد ولا شاق. قال الفقهاء: «هو ألا يجرحها ولا يكسر لها عظما ولا يؤثر شيئا، ويتجنب ~~الوجه لأنه مجمع المحاسن، ويكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي به في موضع واحد لئلا يعظم ~~ضرره»، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده، وقال عطاء: ضرب ~~بالسواك. # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا # أي: إذا رجعن عن النشوز عند هذا التأديب إلى الطاعة في جميع ما يراد منهن مما أباحه الله ms110 ~~فلا سبيل للرجال عليهن بعد ذلك بالتوبيخ والأذية بالضرب والهجران، # إن الله كان عليا كبيرا # فاحذروه، تهديد للأزواج على ظلم النساء، ~~فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه كبير، قاهر، قادر، ينتقم ~~ممن ظلمهن وبغى عليهن. ~~••• # وجاء في تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري # 11 # المتوفى سنة 1358ه: «والنساء على قسمين: صالحات مطيعات لله قائمات بحقوق ~~الأزواج، وعاصيات ناشزات لا يطعن أزواجهن. فالقسم الأول أمره معلوم. أما الفريق الثاني ~~فابتدئوا بوعظه، فإن لم ينجع الوعظ فاهجروهن في المضاجع ولا تبيتوا معهن ليلتين، فإن لم ~~يتبن فاضربوهن ضربا غير مبرح، وإياكم ومخالفة هذا الترتيب، فالوعظ يتلوه الهجر، والهجر ~~يتلوه الضرب، فمن أطاعت واعتدلت فانسوا ذنبها ولا تذكروه البتة؛ لأن الله فوقكم كما أنكم ~~فوق النساء مقاما وقدرة، فإن تبن من الذنب فلا تعتدوا بما لكم من القدرة عليهن والله أقدر ~~عليكم من قدرتكم عليهن، وإن خفتم خلافا بينهما فابعثوا رجلين يصلحان للحكومة، أحدهما من ~~أهله والآخر من أهلها، وهما أدرى بأحوالهما ليوفقا بينهما، فهذا قوله تعالى: # الرجال قوامون على النساء # فهم كالولاة، والنساء ~~كالرعية # بما فضل الله بعضهم على بعض # بسبب ~~تفضيله الرجال على النساء بما هو معلوم مما تقدم # وبما أنفقوا ~~من أموالهم # كالمهر والنفقة. # وهن قسمان: مطيعات، وعاصيات # فالصالحات قانتات # مطيعات لله # حافظات للغيب # يحفظن في غيبة أزواجهن ما ~~يجب أن يحفظ في النفس والمال، # بما حفظ الله # أي: بسبب حفظ ~~الله لهن حيث حثهن ورغبهن بالوعد وانذرهن وخوفهن بالتهديد، ووفقهن لحفظ أسرار الزوج وللعفة ~~ومراعاة ما يجب عليهن مراعاته في غيبته من أعراضهن وأموال الأزواج، فعنه عليه الصلاة ~~والسلام: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في ~~مالها ونفسها» وتلا الآية. فأما القسم الثاني وهن العاصيات، فقال فيهن: # واللاتي تخافون نشوزهن # أي: عصيانهن وترفعهن عن مطاوعة الأزواج # فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~... # واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا # بالتوبيخ والإيذاء، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب ms111 له، # إن الله كان عليا كبيرا ~~، وهذه المعاني قد قدمناها ~~هنا، وقوله: # وإن خفتم شقاق بينهما # أي: خلافا ~~بين المرأة وزوجها، وإضافة الشقاق إلى البين على حد قولهم: نهاره صائم، وليله قائم، والحكم ~~الوسط الذي يصلح للحكومة والإصلاح، وكون الحكمين من أهله وأهلها أفضل، ولا يمنع أن يكونا من ~~الأجانب، وإرسال الحكمين من قبل الحكام أو من قبل الزوجين أو من قبل صالحي الأمة، ~~وللحكمين أن يجريا الخلع بلا إذن من الزوجين إن رأيا الإصلاح فيه عند مالك، وعند غيره لا ~~يليان جمعا ولا تفريقا إلا بإذن الزوجين. # واعلم أن لإرادة الحكمين دخلا في تحقيق الصلح كما قال: # إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما # إن يرد الحكمان إصلاحا ~~يوفق الله بين الزوجين، أو بين الحكمين في إتمام الصلح. وليس للحاكم أن يبعث عدلين ~~ويجعلهما حكمين عند الشافعي. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه جاءه رجل وامرأة ومع كل ~~واحد منهما فئة من الناس، فقال: فعلام شأن هذين؟ قالوا: وقع بينهما شقاق، قال علي: «أتدريان ~~ما عليكما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ...» إلخ.» # فأعجب للمسلمين في مصر والشام، وكثير من بلاد الإسلام كيف غفلوا عن بعث الحكمين. # | تعقيب # تسلمنا - في الشرق - قضية المرأة حيث انتهت في الغرب بعد تاريخ طويل يخالف تاريخنا في ~~مطالعه ونهايته، كما يخالفه في مجراه. # تاريخ هذه القضية في الغرب مثقل بما حمل من جهالة الوثنية، وخرافة القرون الوسطى، ومعارك ~~الدين والدولة في القرون المتأخرة، وليس بأهونها ولا أسلمها معركة النضال على حرية الفكر ~~وحرية الانتخاب. # وظفرت المرأة الغربية بعض الرعاية منذ القرن التاسع عشر، فكانت من قبيل تلك الرعاية التي ~~سميناها بضرورة الإجراءات أو بحلول الإرادة الحكومية: شأن المرأة في ذلك شأن المطالبين ~~بالحرية الديمقراطية أجمعين. إنما ظفروا بها بعد عصر الصناعة على الخصوص، لأنهم توسلوا ~~إليها باستغلال حاجة المجتمع إليهم في المصانع ومرافق المدن الاقتصادية، ولم يظفروا بها ~~حقا «إنسانيا» ملازما للإنسان حيث كان، لأنه المخلوق العاقل ms112 المسئول بين يدي ~~الله. # والمرأة الغربية لم تظفر بتلك الرعاية لأنها حق تملكه المرأة في كل بيئة، بل كان ظفرها ~~بها ثمرة لنزاع طويل على الحقوق المهضومة، شاركت فيه المتنازعين طرفا آخر كما يقول ~~المتنازعون في قضايا القانون. # حق الرعية مع الراعي، حق الزارع مع صاحب الأرض، حق العامل مع صاحب المال، حق المفكر مع ~~رجل الدين، حق الأحرار المجددين مع المحافظين الجامدين، بل حق الأبناء مع الآباء، وحق الجيل ~~الناشئ مع الجيل القادم. # هذه المرأة ليست بالمرأة المسلمة ولا بالمرأة الشرقية، في ماضيها وفي حاضرها، ولا في ~~مستقبلها. # تلك امرأة أخرى تجري بها المقادير إلى نهايتها. # أما نحن في الشرق فالمرأة لها قضيتها التامة غير تلك القضية: قضية ثابتة لأنها لا تنسى ~~المرأة في ذاتها بعواطفها وأخلاقها، ولا تنسى المرأة وهي جنس يقابل الجنس الآخر بتكوينه ~~واستعداده، ولا تنسى المرأة بوظيفتها في الأسرة، ولا بوظيفتها في الحياة العامة كلما دعتها ~~المصلحة إليها. # وهذه المرأة بحقوقها وواجباتها منذ أدركتها شريعة الإسلام لا تتقاضى حقا ولا تتلقى ~~واجبا من مخالب الفتنة الجامحة ولا من براثن المصنع الشحيح، وإنما هي صاحبة هذه الحقوق ~~وهذه الواجبات لأنها من خلق الله، على قسطاس المساواة العادلة بين الحقوق والواجبات. # ولقد يسوغ في شرعة العقل وشرعة القانون أن يتنازع أصحاب الحقوق جميعا إلا الحق الذي ~~يتنازعه النساء والرجال فإنهما جنسان لا ينفصلان ولا يخلق أحدهما إلا وهو شطر وله بقية، ولا ~~سبيل إلى انفراد بينهما في تركيب الطبيعة ولا في وظيفة النوع. فإذا انفردا في تكاليف ~~المجتمع فتلك علامة الخلل والانحراف، لا حاجة بعدها إلى علامة من أقاويل الدعاة أو ~~الأدعياء. ~~••• # ملاك العدل والمصلحة بين الجنسين أن تجري الحياة بينهما في الأمة على سنة التعاون ~~والتقسيم لا على سنة الشقاق والتناضل بالمطالب والحقوق. # وليس الخلاف بينهما بالخلاف الذي ينفض بالصراع على كفاية واحدة يدعيها كلاهما في مقام ~~الخصومة، ولكنه خلاف على كفايتين أيهما أصلح لهذه وأيهما أصلح لتلك، وإن صلح كلاهما ~~لكفاية الآخر في كثير من ms113 الأحيان. # فلا جدال في استطاعة الرجل أن يعمل ما تعمله المرأة من تكاليف البيت والأسرة، ولكنه لا ~~يقضى عليه من أجل ذلك أن يدع الحياة العامة، ليحل في البيت حيث حلت المرأة من قديم الزمن. ~~ولا جدال في استطاعة المرأة أن تشارك الرجل في الحياة العامة، ولكنها لا تتخلى عن البيت من ~~أجل ذلك التزاحم على جميع أعماله، مما يستطيعانه على السواء. # وإذا قضى اختلاف الجنسين أن يكون لكل منهما عمله الذي هو أصلح له وأقدر عليه، فالجدال في ~~ذلك محال ذاهب في الهواء. # نعم لا جدال في الوظيفة المثلى التي تستقل بها المرأة، وهي حماية البيت في ظل السكينة ~~الزوجية من جهاد الحياة، وحضانة الجيل المقبل لإعداده بالتربية الصالحة لذلك الجهاد. # وليست هذه الحصة بأصغر الحصتين: ليس تدبير السكينة في الحياة بأهون من تدبير الجهاد، وليس ~~العمل الصالح لسياسة الغد بأهون من العمل الصالح لسياسة اليوم. # وإن الحياة العامة لتنحرف عن سوائها فينحرف البيت عن سوائه، وتعجز المرأة والرجل معا عما ~~يستطيعان في الأسرة وفي المجتمع، فلا يقاس على ذلك ولا يبنى عليه، ولا يجوز - مع ذلك - أن ~~تبوء المرأة وحدها بجريرة الخلل والانحراف، فيحال بينها وبين العمل النافع الذي تلجئها ~~الضرورة إليه. ~~••• # إن الشريعة المنصفة هي الشريعة التي تحسب حساب الحالتين، وتشرع للحالة المثلى ولا يفوتها ~~أن تشرع لحالة القسر والاضطرار، فلا تمنع شيئا يوجبه نقص المجتمع، حتى يتهيأ له حظه من ~~الكمال. # وفي شريعة القرآن الكريم حساب لكل أولئك في قضية المرأة، فيها حساب المعيشة التي ترتضيها ~~المرأة باختيارها، وفيها حساب المعيشة التي تساق إليها على كره منها، فلها في هذه الحالة ~~كل ما للرجل وعليها كل ما عليه. # والمجتمع الإسلامي لم يبلغ بعد غايته من الحياة المثلى باختيار الجنسين، وقد يطول الأمد ~~قبل أن يبلغ إلى تلك الغاية، ولكنه يبتعد عنها ولا يقترب منها إذا أقام البناء على النقص، ~~وعمل لدوامه وتمكينه، والزيادة عليه من خلله وانحرافه، ولا يتاح له أن يقترب منه خطوة واحدة ~~على ms114 سنة الصراع بين رجاله ونسائه، فإنها غاية الجنسين معا يتعاونان عليها ويتقاسمان المؤنة ~~والجهد في السعي إليها، ويدركانها لا محالة بعد حين. # ولربما ضللنا الطريق فركب كل من الجنسين رأسه في اللجاجة والشحناء: حقي وحقك، وكفايتي ~~وكفايتك، وسلاحي وسلاحك، وانتصاري وهزيمتك، على النحو الذي سبقنا إليه الغرب القديم والحديث ~~غير محسود على سبقه. # ولكن الأمر الذي نحن منه على أتم اليقين أن ضلالنا عن الطريق سيردنا طائعين أو كارهين إلى ~~سوائه، وأن عواقب الأخطاء سوف تصدنا عنها وتخيفنا من وبالها، ثم تستنفد شرورها وأخطارها، ~~فلا نجهلها ولا تبقى منها بقية تسترها وتملي لمن يلج في ضلالته أن يوغل فيها. # وإن يكن لهذا العالم خير أريد به فسيأتي الأوان المقدور الذي تسمع فيه المطالبات بحقوق ~~المرأة مطالبات بحق جديد تستحقه بكل جهد جهيد، ولكنه في هذه المرة حقها الخالد الذي لا ~~ينازعها فيه منازع: حق الأمومة والأنوثة، لا حق الرجولة المدعاة، ولا حق السباق إلى ميادين ~~الصراع، وسلام يومئذ في العالم الصغير - عالم البيت والأسرة - وسلام في العالم ~~الكبير. ms115