######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.MatlacNur.Hindawi39418519 #META# Tags: literature #META# ID: 39418519 #META# Title: مطلع النور #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المقدمات‏ # 1 - الطوالع والنبوءات‏ # 2 - الأحوال العالمية قبل الدعوة المحمدية‏ # 3 - الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية‏ # 4 - النبوة المحمدية‏ # 5 - سيد الأنبياء‏ # 6 - دين الإنسانية‏ # 7 - الكعبة‏ # 8 - أسرة النبي‏ # 9 - والدا النبي‏ # 10 - نتيجة النتائج‏ # مقدمة المقدمات‏ # 1 - الطوالع والنبوءات‏ # 2 - الأحوال العالمية قبل الدعوة المحمدية‏ # 3 - الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية‏ # 4 - النبوة المحمدية‏ # 5 - سيد الأنبياء‏ # 6 - دين الإنسانية‏ # 7 - الكعبة‏ # 8 - أسرة النبي‏ # 9 - والدا النبي‏ # 10 - نتيجة النتائج‏ # | مطلع النور # | مطلع النور # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة المقدمات # «مطلع النور» عنوان هذه الصفحات، ومدار البحث فيها على البعثة النبوية - بعثة محمد عليه ~~السلام - وما تقدمها من أحوال العالم، وأحوال جزيرة العرب، وأحوال الأسرة الهاشمية، وأحوال ~~أبويه الشريفين. # ويدور البحث فيها على نوعين من المقدمات: مقدمات تمهد لنتائجها وتفضي إليها. # ومقدمات تأتي النتائج بعدها كأنها رد فعل لها، وعلاج لأسبابها وعواقبها. # مقدمات من قبيل الداء يأتي بعده الموت، فهو نتيجته وعقباه على الشرعة المعهودة في ~~طبائع الأشياء. # ومقدمات من قبيل الداء يأتي بعده الدواء، فليس هو بنتيجة له إلا على معنى واحد، وهو لحاق ~~الدواء بالداء، وظهور الشفاء بعد الحاجة إليه. # مقدمات تتحقق بها قوانين الطبيعة، ومقدمات تتحقق بها عناية الله. # ولا سيما حين تأتي الحاجة إلى الشفاء من غير المريض، بل تأتي على الرغم منه، وعلى خلاف ما ~~يرجوه ويبتغيه. # كيف نشأ التوحيد بعد التباس الوحدانية بالشرك، واختلاط الأديان بين الآلهة ~~والأوثان؟ # كيف نشأت ديانة الإنسانية بعد ديانات العصبية والأثرة القومية؟ # كيف نشأت نبوة الهداية بعد نبوة الوقاية والقيادة؟ # كيف أصبحت المعجزة تابعة للإيمان بعد أن كان الإيمان تابعا للمعجزة؟ # كيف ظهر الإسلام بعد عبادات لا تمهد له ولا يبقي عليها؟ مقدمات لم تكن واحدة منها ممهدة ~~لنتائجها، وإن مهدت لها خطوة في الطريق، فقد تنكص بها بعد ذلك خطوات وخطوات. # وهذه هي المقدمات التي لا تأتي بعدها النتائج الصالحة إلا بعناية من الله، واتجاه بقوانين ~~الكون وعوامله إلى حيث يشاء. # فليست الجاهلية مقدمة ms001 للإسلام. # وليس الفساد في العالم سببا للصلاح. # وليست قريش ولا جزيرة العرب، ولا دولة القياصرة، ولا أبهة الأكاسرة هي التي بعثت ~~محمدا لينكر العصبية على قريش، ويعلم العرب تسفيه التراث الموروث من الآباء والأجداد، ~~ويثل العروش التي قام عليها الطغاة، وتأله عليها الجبابرة من دون الله. # هؤلاء جميعا كانوا ضحية البعثة المحمدية. # وهؤلاء جميعا كانوا مريضها الذي شفي على يديها بغير شعور منه بالمرض، وبغير سعي منه إلى ~~الشفاء. # وتلك هي المقدمات ونتائجها كما تتجه بها عناية الله. # رسول يوحى إليه فيصنع الأعاجيب. # ذلك ما يقوله المؤمنون بعناية الله. # فإذا استطاع المنكرون أن يقولوا غير ذلك فليقولوا وليفسروه. فلا تفسير له عندهم إلا أن ~~الفساد يصلح الفساد، وأن الداء يشفي الداء، وأن الأسباب تمضي في طريقها فتختلف بها ~~الطريق، وتذهب إلى حيث لا يفضي الذهاب. # جاء محمد بدين الإنسانية في أمة العصبية. # جاء ينكر كل إله غير الواحد الأحد في عالم يؤمن بكل إله غير الواحد الأحد، أو يؤمن به ~~كأنه صنم من الأصنام يتعبد في كل بيعة وكل مقام. # أمحمد وحده يقدر على ذلك؟! # أمحمد يقدر عليه بعناية من الله؟! # أدنى القولين إلى عقل العاقل أدناهما إلى الإيمان، وأنآهما عن الصواب أنآهما عن ~~الله. # ولولا تدبير من الله لما ادخرت جزيرة العرب لهذه الرسالة لتخرج بالتاريخ الإنساني كله إلى ~~عالم جديد. ~~••• # وسنرى فيما يلي من هذه الصفحات كيف تتناقض النتائج والمقدمات فلا تستقيم إلا بمقدمة ~~واحدة، وهي رسالة النبوة وعناية الله. # وسنبدأ بالمقدمات من طوالع الغيب في تأويل المتأولين إلى وقائع الحس والعيان في أحوال ~~العالم، وأحوال الجزيرة، وأحوال الأسرة، وأحوال البيت الذي طلع منه نور النبوة، وبزغ منه ~~فجر التاريخ الجديد في كل ما حوله، وتحققت به عناية الله. # ونرجو في نهاية المطاف أن نبلغ بها نتيجة النتائج كما تتفق عليها نظرة الفكر وبديهة ~~الإيمان. # وعلى بركة الله. # الفصل الأول # | الطوالع والنبوءات # على بركة الله نمضي في سرد المقدمات التي سبقت البعثة المحمدية بنوعيها: مقدمات ترتبط ~~بما تلاها ms002 من الحوادث ارتباط الأسباب بالمسببات. # ومقدمات لا ترتبط بما تلاها هذا الارتباط، بل لعلها تناقضها، وتؤدي إلى خلافها، وإنما ~~ترتبط بها ارتباط الداء بدوائه، والعلة بما يزيلها، فليست النتائج هنا وليدة المقدمات، بل ~~هي العلاج الذي يزيلها، والآية الإلهية التي تحول الأسباب الطبيعية إلى طريق الحكمة الأبدية ~~التي تنكشف أوائلها من خواتيمها، خلافا للعرف الشائع من دلالة الأوائل على ~~الخواتيم. # ورائدنا في متابعة هذه المقدمات بنوعيها أن ننظر في الآيات الكونية والمعاني ~~التاريخية؛ لأنها - ولا شك - عنوان إرادة الله المتصرف في الكون كله، ولأنها - على هذا - ~~مفتوحة الصفحات لكل ناظر ومتأمل يعمل بفريضة الإسلام الكبرى، وهي التفكير في ملك الله، ~~والنظر بالعقل في حقائق السماوات والأرضين. # رائدنا في البحث عن مقدمات الدعوة النبوية أن إرادة الله ظاهرة في ملكه وآيات خلقه، ~~وأن الناس مطالبون بالنظر في هذه الإرادة قبل النظر في المعجزات والخوارق التي لا تأتي ~~في كل حين، ولا تخص المؤمنين دون سائر المصدقين بالحس والعيان، وسؤالنا عن كل معجزة لا يدور ~~على إمكانها أو استحالتها، فليست المعجزات بالقياس إلى قدرة الله خالق الكون إلا كالمألوفات ~~التي تجري بها العادات في كل يوم، فإذا كانت الموجودات مخلوقة بخصائصها، فالذي خلقها وخلق ~~خصائصها يملك تغييرها وتبديلها، ويأتي بالمعجزات كما يأتي بالمنظور والمطرد من النواميس ~~والعادات، وعقيدتنا في ذلك عقيدة الإمام الغزالي رضي الله عنه؛ حيث قال غير مرة: إن ~~الحوادث تجري عند حصول الأسباب، ولا تجري بحصول تلك الأسباب، فليست خصائص المادة من فعلها ~~ولا إراداتها، ولكن المادة وخصائصها جميعا من فعل الحكمة الإلهية التي تسخر كل شيء ~~بمقدار. # فنحن لا نسأل: هل المعجزة ممكنة أو غير ممكنة؟ فإن العقل الذي يقول: إن المادة ~~لا توجد إلا هكذا، أضيق من العقول التي تصدق كل شيء بغير بحث ولا برهان. # ولكننا نسأل: هل المعجزة لازمة أو غير لازمة؟ وهل كان لها أثر مشهود في الإقناع بالدعوة، ~~كما ينبغي لكل معجزة، أو كانت في تاريخ الدعوة عملا بغير أثر ولغير ضرورة؟ # ذلك ms003 أن الله - جل وعلا - يضع قوانين الطبيعة لحكمة، ويخرقها لحكمة، وتعالى الله عن ~~العبث في غير معنى، فلا يكون خرق القوانين وخلق المعجزات لغير قصد يعلمه شهود المعجزة التي ~~تخالف مألوفهم ومجرى العادات أمامهم كل يوم. # وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا عن «عبقرية محمد» حين قلنا: «إن علامات الرسالة الصادقة هي ~~عقيدة تحتاج إليها الأمة، وهي أسباب تتمهد لظهورها، وهي رجل يضطلع بأمانتها في أوانها، فإذا ~~تجمعت هذه العلامات فماذا يلجئنا إلى علامة غيرها؟ وإذا تعذر عليها أن تتجمع، فأي علامة ~~غيرها تنوب عنها، أو تعوض ما نقص منها؟! وقد خلق محمد بن عبد الله ليكون رسولا مبشرا ~~بدين، وإلا فلأي شيء خلق؟! ولأي عمل من أعمال الحياة ترشحه كل هاتيك المقدمات والتوفيقات، ~~وكل هاتيك المناقب والصفات؟! # لو اشتغل بالتجارة طول حياته، كما اشتغل بها فترة من الزمن؛ لكان تاجرا أمينا ناجحا ~~موثوقا به في سوق التجار والشراة، ولكن التجارة كانت تشغل بعض صفاته، ثم تظل صفاته العليا ~~معطلة لا حاجة إليها في هذا العمل مهما يتسع له المجال، ولو اشتغل زعيما بين قومه لصلح ~~للزعامة، ولكن الزعامة لا تستوفي كل ما فيه من قدرة واستعداد، فالذي أعده له زمانه وأعدته ~~له فطرته هو الرسالة العالمية دون سواها، وما من أحد قد أعد في هذه الدنيا لرسالة دينية ~~إن لم يكن محمد قد أعد لها أكمل إعداد.» # وقلنا عن بشائر الرسالة المحمدية: إن المؤرخين «يجهدون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء ~~بشائر الرسالة المحمدية؛ يسردون ما أكده الرواة منها وما لم يؤكدوه، وما قبله الثقات وما لم ~~يقبلوه، وما أيدته الحوادث أو ناقضته، وما وافقته العلوم الحديثة أو عارضته، ويتفرقون في ~~الرأي والهوى بين تفسير الإيمان وتفسير العيان، وتفسير المعرفة وتفسير الجهالة، فهل ~~يستطيعون أن يختلفوا لحظة واحدة في آثار تلك البشائر التي سبقت الميلاد، أو صاحبت الميلاد ~~حين ظهرت الدعوة واستفاض أمر الإسلام؟» # لا موضع هنا لاختلاف. ~~«فما من بشارة قط من تلك البشائر كان لها أثر في إقناع ms004 أحد بالرسالة يوم صدع النبي ~~بالرسالة، أو كان ثبوت الإسلام متوقفا عليها؛ لأن الذين شهدوا العلامة المزعومة يوم ~~الميلاد لم يعرفوا يومئذ مغزاها ومؤداها، ولا عرفوا أنها علامة على شيء أو على رسالة ستأتي ~~بعد أربعين سنة؛ ولأن الذين سمعوا بالدعوة وأصاخوا إلى الرسالة بعد البشائر بأربعين سنة، لم ~~يشهدوا بشارة واحدة منها، ولم يحتاجوا إلى شهودها ليؤمنوا بصدق ما سمعوه واحتاجوا ~~إليه. # وقد ولد مع النبي - عليه السلام - أطفال كثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا جاز ~~للمصدق أن ينسبها إلى مولده جاز للمكابر أن ينسبها إلى مولد غيره، ولم تفصل الحوادث بالحق ~~بين المصدقين والمكابرين إلا بعد عشرات السنين؛ يوم تأتي الدعوة بالآيات والبراهين غنية عن ~~شهادة الشاهدين وإنكار المنكرين. أما العلامة التي لا التباس فيها ولا سبيل إلى إنكارها، ~~فهي علامة الكون أو علامة التاريخ، قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة، ~~وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمد هو صاحب تلك الرسالة. ولا كلمة لقائل بعد علامة الكون ~~وعلامة التاريخ ...» ~~••• # على هذا المحك البسيط نعرض أخبار الخوارق والمألوفات في تاريخ الدعوات النبوية، وينبغي أن ~~نقرر في هذا المقام - لأنه مقامه الذي يذكر فيه - أن المؤرخ المسلم الذي يكتفي بالآيات ~~الكونية إنما يختار هذا الطريق لأنه طريق واضح المعالم أمامه وأمام الناظرين، الذين يعملون ~~بهداية الإسلام في تدبر الآيات، والبحث عن حقائق الموجودات، ولكنه لو شاء لوجد لديه ذخيرة ~~من الطوالع والنبوءات التي يعتمد أتباع الأديان المختلفة على أمثالها، وقد يعز عليهم أن ~~يجدوا أمثالها في المصادر التي يؤمنون بها ولا يشكون. فلا يعتمد المؤرخ المسلم على الآيات ~~الكونية لقلة الطوالع والنبوءات التي يثوب إليها - لو شاء - كما يثوب غيره، وإنما يعتمدها ~~توثيقا للبينة، وإيثارا لأفضل الحسنيين في مقام المقابلة بين المتشابهات. # ومن الحسن أن نأتي على أمثلة من الطوالع والنبوءات التي وجد فيها بعض المؤرخين المسلمين ~~شواهد على ظهور النبي - عليه السلام - مكتوبة قبل أوان ظهوره بعشرات القرون، ونلاحظ أن ~~هؤلاء المؤرخين أو أكثرهم من ms005 فضلاء الهند وفارس والأمم الشرقية التي تتكلم غير العربية، ~~وسر ذلك أنهم ورثوا في بلادهم طوالع الديانات السابقة، ولم يشاءوا أن تكون هذه الطوالع ~~مزايا خاصة تنفرد بها تلك الديانات، ويعجزون هم عن الإتيان بنظائرها التي تقابلها في كفة ~~الديانة الإسلامية، فهم يتوخون إلزام الحجة بالدليل المماثل، ولا يعييهم فعلا أن يجدوا ذلك ~~الدليل مساويا أو راجحا في الدلالة على أدلة المتقدمين من أبناء الملل الغابرين. ونحن ~~نورد هنا بعض الأمثلة التي يستدعيها المقام، ولا يجوز إهمالها، في تمهيد يحيط بجميع ~~الشواهد والمقدمات ولو على سبيل الإجمال. # من هذه الكتب كتاب باللغة الإنجليزية ألفه «مولانا عبد الحق فديارتي» وسماه «محمد ~~في الأسفار الدينية العالمية»، واستفاد في مقارناته ومناقضاته بمعرفته للفارسية ~~والهندية والعبرية والعربية وبعض اللغات الأوروبية، ولم يقنع فيه بكتب التوراة والإنجيل، بل ~~عمم البحث في كتب فارس والهند وبابل القديمة، وكانت له في بعض أقواله توفيقات تضارع ~~أقوى ما ورد من نظائرها في شواهد المتدينين كافة، ولا نذكر أننا اطلعنا على شاهد أقوى ~~منها في روايات الأقدمين أو المحدثين من أتباع الديانات الأولى أو الديانات ~~الكتابية. # يقول الأستاذ عبد الحق: إن اسم الرسول العربي «أحمد» مكتوب بلفظه العربي في السامافيدا ~~“Sama Vida” # من كتب البراهمة، وقد ورد في الفقرة ~~السادسة والفقرة الثامنة من الجزء الثاني، ونصها أن «أحمد تلقى الشريعة من ربه، وهي ~~مملوءة بالحكمة، وقد قبست منه النور كما يقبس من الشمس». # ولا يخفي المؤرخ وجوه الاعتراض التي قد تأتي من جانب المفسرين البرهميين، بل ينقل عن ~~أحدهم «سينا أشاريا» # Syna Acharya # أنه وقف عند كلمة «أحمد»، ~~فالتمس لها معنى هنديا، وركب منها ثلاثة مقاطع؛ وهي: «أهم» و«آت» و«هي» ... وحاول أن ~~يجعلها تفيد «أنني وحدي تلقيت الحكمة من أبي»، قال الأستاذ عبد الحق ما فحواه: أن ~~العبارة منسوبة إلى البرهمي «فاتزا كانفا» # Kanva ~~، من أسرة ~~كانفا، ولا يصدق عليه القول بأنه هو وحده تلقى الحكمة من أبيه. # ويزيد الأستاذ عبد الحق على ذلك أن وصف الكعبة المعظمة ثابت ms006 في كتاب الأثارفا فيدا # Atharva Vida ~~، حيث يسميها الكتاب بيت الملائكة ويذكر ~~من أوصافه أنه ذو جوانب ثمانية، وذو أبواب تسعة. # والمؤلف يفسر الأبواب التسعة بالأبواب المؤدية إلى الكعبة؛ وهي: باب إبراهيم، وباب ~~الوداع، وباب الصفا، وباب علي، وباب عباس، وباب النبي، وباب السلام، وباب الزيارة، وباب ~~حرم، ويسرد أسماء الجوانب الثمانية حيث ملتقى الجبال؛ وهي في قوله: جبل خليج، وجبل قعيقعان، ~~وجبل هندي، وجبل لعلع، وجبل كدا، وجبل أبي حديد، وجبل أبي قبيس، وجبل عمر. # ويضرب المؤلف صفحا عن تفسير البرهميين لمعنى البيت هنا بأنه جسم الإنسان ومنافذه ولا ~~يذكره؛ لأنه - على ما يظهر - يخالف وصف القداسة الروحية في البرهمية، ولا يأتي بتفسير ~~للجوانب الثمانية عند تفسيره للأبواب بذلك المعنى. # وفي مواضع كثيرة من الكتب البرهمية يرى المؤلف أن النبي محمدا مذكور بوصفه الذي يعني ~~الحمد الكثير والسمعة البعيدة، ومن أسمائه الوصفية اسم سشرافا # Sushrava # الذي ورد في كتاب الأثارفا ~~فيدا # Atharva Vida ~~، حيث يشار إلى حرب أهل مكة وهزيمة «العشرين والستين ألفا مع تسعة ~~وتسعين». وهم على تقدير المؤلف عدة أهل مكة وزعماء القبائل الكبار ووكلائهم الصغار كما ~~كانوا يوم قاتلوا النبي صلوات الله عليه. # وللمؤلف صبر طويل على توفيق هذه العلامات وأشباهها يستخرج منها الطالع بعد الطالع، ~~والنبوءة إلى جانب النبوءة، مما يغني المثل عليه عن استقصاء جميع موافقاته وعلاماته. # وكذلك صنع بكتب زرادشت التي اشتهرت باسم الكتب المجوسية، فاستخرج من كتاب زند أفستا # Zend Avesta # نبوءة عن رسول يوصف بأنه رحمة للعالمين ~~«سوشيانت» # Soeshyant ~~، ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة ~~أبا لهب # Angra Mainyu ~~، ويدعو إلى إله واحد لم يكن له كفئا ~~أحد (هيج جيز باونمار)، وليس له أول ولا آخر، ولا ضريع ولا قريع، ولا صاحب، ولا أب، ولا أم، ~~ولا صاحبة ولا ولد، ولا ابن، ولا مسكن ولا جسد، ولا شكل ولا لون ولا رائحة: # جز آخاز وانجام وانباز ودشمن ومانند ويار وبدر ومادر وزن وفرزند وحاى سوى وتن آسا ~~وتنانى ورنك وبوى است. ms007 # وهذه هي جملة الصفات التي يوصف بها الله سبحانه في الإسلام: أحد، صمد، ليس كمثله شيء، لم ~~يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا. # ويشفع ذلك بمقتبسات كثيرة من كتب الزرادشتية تنبئ عن دعوة الحق التي يجيء بها النبي ~~الموعود، وفيها إشارة إلى البادية العربية، ويترجم نبذة منها إلى اللغة الإنجليزية معناها ~~بغير تصرف: «أن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون، وينهض رجل في بلاد العرب يهزم ~~أتباعه فارس، ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون وجوههم نحو كعبة ~~إبراهيم التي تطهرت من الأصنام، ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبي رحمة للعالمين، وسادة لفارس ~~ومديان وطوس وبلخ، وهي الأماكن المقدسة للزرادشتيين ومن جاورهم، وأن نبيهم ليكونن فصيحا ~~يتحدث بالمعجزات.» # 1 # وقد أشار المؤلف بعد الديانات الآسيوية الكبرى إلى فقرات من كتب العهد القديم والعهد ~~الجديد، فقال: إن النبي - عليه السلام - هو المقصود بما جاء في الإصحاح الثالث والثلاثين ~~من سفر التثنية: «جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ~~ربوات القدس، ومن يمينه نار شريعة لهم.» # وجاء بالنص العبري كما يلي: # ويومر يهووه مسينائي به وزارح مسعير لامو هو فيع مهر باران واتا مر ببوث قودش ~~ميميفو ايش داث لامو. # فترجمه هكذا: «وقال: إن الرب جاء من سيناء، ونهض من سعير لهم، وسطع من جبل فاران، ~~وجاء مع عشرة آلاف قديس، وخرج من يمينه نار شريعة لهم.» # وقال: إن الشواهد القديمة جميعا تنبئ عن وجود فاران في مكة، وقد قال المؤرخ جيروم ~~واللاهوتي يوسبيوس # Eusebius ~~: «إن فاران بلد عند بلاد ~~العرب على مسيرة ثلاثة أيام إلى الشرق من أيلة.» # ونقل عن ترجمة التوراة السامرية، التي صدرت في سنة 1851، أن إسماعيل «سكن برية فاران ~~بالحجاز، وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر»، ثم قال: إن سفر العدد من العهد القديم يفرق بين ~~سيناء وفاران؛ إذ جاء فيه أن بني إسرائيل ارتحلوا «من برية سيناء، فحلت السحابة في برية ms008 ~~فاران» ... ولم يسكن أبناء إسماعيل قط في غرب سيناء فيقال: إن جبل فاران واقع إلى غربها. ~~وفي الإصحاح الثالث من كتاب حبقوق أن «الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران». فهو إذن ~~إلى الجنوب حيث تقع تيمان بموضعها الذي تقع فيه اليمن مرادفتها بالعربية. # ولم يحدث قط أن نبيا سار بقيادته عشرة آلاف قديس غير النبي محمد - عليه السلام - وقوديش ~~تترجم بقديس في رأي المؤلف، الذي يناقش ترجمتها بالملائكة في الترجمات الأخيرة، كذلك لم ~~يحدث قط أن نبيا غيره جاء بشريعة بعد موسى الكليم، فقول موسى الكليم: «إن نبيا مثلي ~~سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم أبناء إبراهيم.» يصدق على النبي العربي صاحب الشريعة، ولا ~~يصدق على نبي من أبناء إبراهيم تقدمه في الزمن. ويرجح المؤلف أن المدينة التي تعلم فيها ~~موسى - عليه السلام - في صحبة يثرون، أي شعيب، لم تكن هي مديان الأولى التي تخربت بالزلزال ~~كما جاء في القرآن الكريم، ولكنها كانت «مدينة» الحجاز التي سميت يثرب على اسم ~~يثرون. # ومما يعزز ذلك أن بطليموس الجغرافي يقول بوجود موضعين باسم مديان، وإن كان قد أخطأ - ~~على رأي المؤلف - في تعيين الموضعين، وقد جاء في سفر التكوين أن مديان بن إبراهيم الذي ~~سميت مديان الأولى باسمه كان له أخ اسمه عفار، وهو الذي يقول نوبل # Knoble # شارح التوراة: إن ذريته كانت تنزل في عهد البعثة الإسلامية إلى جوار ~~يثرب، ولعل موسى تلقى اسمه في ذلك الجوار؛ إذ كانت تسميته العربية أرجح من تسميته المصرية ~~أو العبرية، فإن ابنة فرعون لا تسميه بالعبرية، ولا يسميه بها من يريد خلاصه من مصير ~~المولودين العبريين، وصحيح أن كلمة ميسو # Mesu # بالمصرية ~~معناها الطفل، كما يقول بعض الشراح المحدثين، ولكن اليهود لا يرتضون لنبيهم ومخرجهم من أرض ~~مصر اسما مستعارا من المصريين. ~~••• # ومن الجماعات التي عنيت عناية خاصة بهذه النبوءات جماعة الأحمدية الهندية، التي ترجمت ~~القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، فإنها أفردت للنبوءات والطوالع عن ظهور محمد - عليه ~~السلام - بحثا مسهبا في ms009 مقدمة الترجمة، شرحت فيه بعض ما تقدم شرحا مستفيضا، وزادت عليه ~~أن نبوءة موسى الكليم تشتمل على ثلاثة أجزاء؛ وهي: التجلي من سيناء، وقد حصل في زمانه، ~~والتجلي من سعير أو جبل أشعر، وقد تجلى في زمن السيد المسيح؛ لأن هذا الجبل - على قول ~~الجماعة الأحمدية - واقع حيث يقيم أبناء يعقوب الذين اشتهروا بعد ذلك بأبناء أشعر. وأما ~~التجلي الثالث فمن أرض فاران، وهي أرض التلال التي بين المدينة ومكة. # وقد جاء في كتاب فصل الخطاب أن الأطفال يحيون الحجاج في تلك الأرض بالرياحين من ~~«برية فاران»، وقد أصبح أبناء إسماعيل أمة كبيرة كما جاء في وعد إبراهيم؛ فلا يسعهم شريط من ~~الأرض على تخوم كنعان، ولا وجه لإنكار مقامهم حيث أقام العرب المنتسبون إلى إسماعيل، ولا ~~باعث لهم على انتحال هذا النسب والرجوع به إلى جارية مطرودة من بيت سيدها. # وقد جاء في التوراة أسماء ذرية إسماعيل الذين عاشوا في بلاد العرب، وأولهم نبايوت أو نبات ~~أبو قبائل قريش، الذي يقرر الشارح كاتربكاري # Katripikari # أنه أقام بذريته بين فلسطين وينبع (ميناء يثرب)، ويقرر بطليموس وبليني أن أبناء قدور - ~~وهو قيدار الابن الثاني لإسماعيل - قد سكنوا الحجاز، ويضيف المؤرخ اليهودي يوسفيوس إليهم ~~أبناء أدبيل، الابن الثالث في ترتيب العهد القديم. # ولا حاجة إلى البحث الطويل عن مقام أبناء دومة وتيماء وقدامة وأكثر إخواتهم الباقين؛ فإن ~~الأماكن التي تنسب إليهم لا تزال معروفة بأسمائها إلى الآن، ومن نبوءة أشعيا التي سبقت مولد ~~السيد المسيح بسبعمائة سنة يظهر جليا أن أبناء إسماعيل كانوا يقيمون بالحجاز؛ ففي هذه ~~النبوءة يقول النبي أشعيا من الإصحاح الحادي والعشرين: «وحي من جهة بلاد العرب تبيتين يا ~~قوافل الددانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزه، فإنهم ~~من أمام السيوف قد هربوا؛ من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة ~~الحرب؛ فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار.» # ويعود المفسرون من الجماعة الأحمدية ms010 فيفسرون هزيمة قيدار بهزيمة المكيين في وقعة بدر، وهي ~~الهزيمة التي حلت بهم بعد هجرة النبي إلى المدينة بنحو سنة كسنة الأجير. # ويقرنون هذه النبوءة بنبوءة أخرى من الإصحاح الخامس في سفر أشعيا يقول فيها: «ويرفع راية ~~للأمم من بعيد، ويصفر لهم من أقصى الأرض فإذا هم بالعجلة يأتون ... ليس فيهم رازح ولا عاثر، ~~ولا ينعسون ولا ينامون، ولا تنحل حزم أحقائهم، ولا تنقطع سيور أحذيتهم، سهامهم مسنونة، ~~وجميع قسيهم ممدودة، حوافر خيلهم كأنها الصوان، وبكراتهم كالزوبعة ...» # وهذه النبوءة عن رسول يأتي من غير أرض فلسطين لم تصدق على أحد غير رسول الإسلام. # وتلحق بهذه النبوءة نبوءة أخرى من الإصحاح الثامن في سفر أشعيا، جاء فيها أن الرب ~~أنذره ألا يسلك في طريق هذا الشعب قائلا: «لا تقولوا فتنة لكل ما يقول له هذا الشعب فتنة، ~~ولا تخافوا خوفه ولا ترهبوا. قدسوا رب الجنود فهو خوفكم وهو رهبتكم، ويكون ~~مقدسا، وحجر صدمة وصخرة عثرة لبيتي إسرائيل، وفخا وشركا لسكان أورشليم، فيعثر بها ~~كثيرون، ويسقطون فينكسرون، ويعلقون فيلقطون ... صر الشهادة. أختم الشريعة بتلاميذي؛ فاصطبر ~~للرب الساتر وجهه عن بيت يعقوب وانتظره.» # فهذه النبوءة عن الرسول الذي يختم الشريعة تصدق على نبي الإسلام ولا تصدق على رسول جاء ~~قبله ولا بعده. # وتلحق بهذه النبوءة أيضا نبوءة من الإصحاح التاسع عشر في سفر أشعيا، يذكر فيها إيمان مصر ~~بالرسول المنتظر «وفي ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وعمود الرب عند تخمها، ~~فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر؛ لأنهم يصرخون إلى الرب بسبب المضايقين، فيرسل ~~لهم مخلصا ومحاميا وينقذهم، فيعرف الرب في مصر، ويعرف المصريون الرب في ذلك ~~اليوم، فيقدمون ذبيحة وتقدمة، وينذرون للرب نذرا ويوفون به، ويضرب الرب مصر ضاربا ~~فشافيا، فيرجعون إلى الرب، فيستجيب لهم ويشفيهم. # في ذلك اليوم تكون سكة مصر إلى آشور، فيجيء الآشوريون إلى مصر والمصريون إلى آشور، ويعبد ~~المصريون مع الآشوريين، في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثا لمصر ولآشور بركة في الأرض، بها ms011 ~~يبارك رب الجنود قائلا: مبارك شعبي مصر، وعمل يدي آشور، وميراثي إسرائيل.» # فالذي حدث من قدوم أهل العراق إلى مصر وذهاب أهل مصر إلى العراق إنما حدث في ظل الدعوة ~~الإسلامية، ولم تتوحد العبادة بينهم قبل تلك الدعوة ، وأن النبوءة ستتم غدا على غير ما ~~يهواه بنو إسرائيل؛ إذ تكون البركة لمصر وأشور، ولا تكون إسرائيل إلا لاحقة بكلتا ~~الأمتين. ~~••• # ثم ينتقلون بالنبوءات إلى سفر دانيال حيث جاء في الإصحاح الثاني: «أنت أيها الملك، كنت ~~تنظر وإذا بتمثال عظيم، هذا التمثال العظيم البهي جدا وقف قبالتك ومنظره هائل. رأس هذا ~~التمثال من ذهب جيد، وصدره وذراعاه من فضة، وبطنه وفخذه من نحاس، وساقاه من حديد، وقدماه ~~بعضها من حديد والبعض من خزف، كنت تنتظر إلى أن قطع حجر بغير يدين، فضرب التمثال على قدميه ~~اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معا، ~~وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح، فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب ~~التمثال فصار جبلا كبيرا، وملأ الأرض كلها.» # ويلي ذلك تفسير النبي دانيال لهذا الحلم إذ يقول: «أنت أيها الملك ملك ملوك؛ لأن إله ~~السماوات أعطاك مملكة واقتدارا، وسلطانا وفخرا، وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور ~~السماء دفعها ليدك، وسلطك عليها جميعها، فأنت هذا الرأس من ذهب، وبعدك تقوم مملكة أخرى ~~أصغر منك، ومملكة ثالثة أخرى من نحاس، فتتسلط على كل الأرض، وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد ~~يدق ويسحق كل شيء، وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء. # وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد، فالمملكة تكون منقسمة، وتكون ~~فيها قوة كالحديد من حيث إنك رأيت الحديد مختلطا بخزف الطين، وأصابع القدمين بعضها من حديد ~~وبعضها من خزف، فبعض المملكة يكون قويا، والبعض قصما، وبما رأيت الحديد مختلطا بخزف ~~الطين، فإنهم يختلطون بنسل الناس، ولكن لا يتلاصق هذا بذاك، كما أن الحديد لا يختلط ~~بالخرف. وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض ms012 أبدا، وملكها لا يترك ~~لشعب آخر، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد؛ لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من ~~جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب ... الله العظيم قد عرف الملك ما ~~سيأتي بعد هذا. الحلم حق، وتعبيره يقين ...» # وتعود الجماعة الأحمدية إلى التاريخ لتستمد منه التعليق على تعبير النبي دانيال لتلك ~~الرؤيا، فمن كلام النبي دانيال يفهم أن الرأس الذهبي هو ملك بابل، وأن الصدر والذراعين ~~من الفضة تعبر عن مملكة فارس وميدية التي ارتفعت بعد دولة بابل، وأن الرجلين من النحاس ~~تعبران عن الدولة الإغريقية في ظل الإسكندر؛ لقيامها بعد زوال حكم الفارسيين والميديين، ~~وأن القدمين من الحديد تعبران عن الدولة الرومانية التي ارتفعت بعد ذهاب ملك ~~الإسكندر. # وتقول الرؤيا عن هذه الدولة الأخيرة: إن قدما من قدميها خزف والأخرى حديد. وهو وصف ~~يشير إلى جزء من الدولة في القارة الأوروبية، وجزء منها في القارة الآسيوية، فالقدم ~~الحديد هي سيطرة الأمة الواحدة، والعقيدة الواحدة. وهذه السيطرة تستولي على أقطار شاسعة ~~وموارد غزيرة، ولكنها تنطوي على الضعف الكامن من جراء التفكك بين أوصال الشعوب، والرؤيا ~~صريحة في وشك انحلال الدولة الرومانية في السنوات الأخيرة لهذا السبب. # وتستطرد من ثم إلى أمور أهم وأخطر إذ تقول: «إنك كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين، فضرب ~~التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة ~~والذهب معا، وصارت كعصافة البيدر في الصيف، فحملتها الريح، فلم يوجد لها مكان. أما الحجر ~~الذي ضرب التمثال فصار جبلا كبيرا وملأ الأرض كلها ...» # تقول الجماعة: «فهذه نبوءة بظهور الإسلام؛ فقد اصطدم الإسلام في صدر الدعوة بدولة الرومان ~~ثم بدولة فارس، وكانت دولة الرومان يومئذ قد بسطت سلطانها على ملك الإغريق الإسكندري، فبلغت ~~من المنعة غايتها، وكانت دولة فارس قد بسطت سلطانها على بابل، ثم ضربتهما قوة الإسلام، ~~فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة معا، وصارت كعصافة البيدر في الصيف، وهكذا ينبئ ~~ترتيب الحوادث وتعبيرها ms013 في رؤيا دانيال إنباء لا ريب في معناه. إذ كنا نعلم أن بابل ~~خلفتها فارس وميدية، وأن سطوة فارس وميدية كسرتها سطوة الإسكندر، وأن ملك الإسكندر ~~خلفته الدولة الرومانية التي أقامت من عاصمتها القسطنطينية أركان مملكة أوروبية آسيوية ، ثم ~~انهزمت هذه المملكة وأدال منها الفتح الإسلامي وغزوات النبي والصحابة.» # وهذا الحجر الذي جاء في رؤيا دانيال يذكره أشعيا والحواري متى؛ ففي الإصحاح الثامن من ~~سفر أشعيا أنه «يكون مقدسا وحجر صدمة وصخرة عثرة لكل من بيتي إسرائيل، وفخا وشركا لسكان ~~أورشليم، ويعثر بهما كثيرون ويسقطون ويعلقون فيلقطون». # وفي الإصحاح الحادي والعشرين من إنجيل متى يقول: «لذلك أقول لك: إن ملكوت الله ~~ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه ~~يسحقه.» # كذلك يذكره المزمور الثامن عشر بعد المائة إذ يقول: «إن الحجر الذي رفضه البناءون قد ~~أصبح عقد البناء وركن الزاوية.» # ويتبين من كلام السيد المسيح في الإصحاح الحادي والعشرين من إنجيل متى المتقدم ذكره، ~~أن هذه النبوءة تنبئ عن زمن غير زمن السيد المسيح؛ إذ يقول عليه السلام: «أما قرأتم قط في ~~الكتب أن الحجر الذي يرفضه البناءون قد صار رأس الزاوية؟ فمن قبل الرب كان هذا، وهو ~~عجيب في أعيننا.» # ثم تفضي النبوءة - نبوءة النبي دانيال - إلى عقباها، فيصبح الحجر جبلا عظيما، ويملأ ~~الأرض كلها، فإن هذا هو الذي حدث بعد انتشار الدعوة المحمدية، فإن الرسول الكريم ~~وصحابته هزموا قيصر وكسرى، وأصبح المسلمون سادة للعالم المعمور كله في ذلك العصر، وصار ~~الحجر جبلا عظيما، فظل زمام العالم في أيدي أتباع محمد ألف سنة. # ثم تتم نبوءات العهد القديم بنبوءات العهد الجديد، ويستشهد جماعة الأحمدية بالإصحاح ~~الحادي والعشرين من إنجيل متى، حيث يقول السيد المسيح: «اسمعوا مثلا آخر: كان إنسان رب ~~بيت غرس كرما، وأحاطه بسياج، وحفر فيها معصرة، وبنى برجا، وسلمه إلى كرامين وسافر، ولما ~~قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره، فأخذ الكرامون عبيده، وجلدوا بعضا ~~وقتلوا بعضا ms014 ورجموا بعضا، ثم أرسل إليهم ابنه أخيرا قائلا: إنهم يهابون ابني. فأما ~~الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث، هلموا نقتله ونأخذ ~~ميراثه. # فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه. فمتى جاء صاحب الكرم، فماذا يفعل بأولئك الكرامين؟ ~~قالوا له: إنه يهلك أولئك الأردياء هلاكا رديئا، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه ~~الأثمار في أوقاتها، قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي رفضه البناءون قد ~~صار رأس الزاوية؟ من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا؛ لذلك أقول لكم: إن ملكوت ~~الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه ~~يسحقه. ولما سمع الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم، وإذ كانوا يريدون أن ~~يمسكوه خافوا من الجموع؛ لأنه كان عندهم مثل نبي.» # هذا المثل يبحثه كتاب المقدمة لترجمة القرآن فيقولون: إن السيد قد لخص به تاريخ ~~الأنبياء والرسل أجمعين؛ فالكرم هو الدنيا، والكرامون العاملون فيه هم الجنس البشري الكادح ~~في دنياه، والثمرات التي يريد صاحب الكرم أن يحصلها هي ثمرات الفضيلة والخير والتقوى، ~~والخدم الموفدون من صاحب الكرم إلى الكرامين هم الرسل والأنبياء، ولما جاءهم السيد المسيح ~~بعد إعراضهم عن الرسل والأنبياء، فغدروا به وأنكروه، عوقبوا بتسليم الكرم إلى كرامين آخرين، ~~ونزع ملكوت الله منهم لتعطاه الأمة الأخرى الموعودة بالبركة مع أمة إسحاق، وهي أمة ~~إسماعيل ونبيها العظيم محمد - عليه السلام - وهو الذي يصدق عليه وعلى قومه أنهم كانوا الحجر ~~المرفوض، فأصبح هذا الحجر زاوية البناء من سقط عليه رضه، ومن أصيب به فهو كذلك ~~مرضوض. # وتتلو هذه النبوءة في إنجيل متى نبوءة متممة من الإنجيل نفسه، حيث جاء في الإصحاح ~~الثالث والعشرين منه خطابا لبني إسرائيل: «هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا؛ لأني أقول لكم: ~~إنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب.» # وفي الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا نبأ يحيى المغتسل، أو يوحنا المعمدان، مع الكهنة ~~واللاويين «إذ سألوه: من ms015 أنت؟ فاعترف ولم ينكر وقال: إني لست أنا المسيح، فسألوه: إذن ماذا؟ ~~أأنت إيليا؟ فقال: لا، قالوا: أأنت النبي؟ فأجاب: لا، فقالوا له: من أنت لنعطي جوابا للذين ~~أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية: قوموا طريق الرب كما قال ~~أشعيا النبي.» # ويعقب أصحاب المقدمة للترجمة القرآنية على هذه النبوءات؛ فيقولون: إنها كانت ثلاثا في ~~عصر الميلاد المسيحي، كما هو واضح من الأسئلة والأجوبة: نبوءة عن عودة إيليا، ونبوءة عن ~~مولد السيد المسيح، ونبوءة عن نبي موعود غير إيليا والسيد المسيح. # ولقد أعلن السيد المسيح، كما جاء في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل متى، «أن جميع ~~الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبئوا، وإن أردتم أن تقبلوا، فهذا - أي يحيى المغتسل - هو ~~إيليا المزمع أن يأتي.» # وواضح من الإصحاح الأول من إنجيل لوقا أن الملك بشر زكريا بأن امرأته ستلد له ولدا ~~وتسميه يوحنا، «وأنه يكون عظيما أمام الرب لا يشرب خمرا ولا مسكرا، ويمتلئ من بطن أمه ~~بالروح القدس، ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم، ويتقدم أمامه بروح إيليا ~~وقوته؛ ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء». # وفي الإصحاح التاسع من إنجيل مرقس يقول السيد المسيح: «إن إيليا أيضا قد أتى، وعملوا ~~به كل ما أرادوا كما هو مكتوب عنه.» # ويتكرر ذلك في إنجيل متى إذ يقول: «إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما ~~أرادوا.» # فالنبي إيليا قد تقدم إذن في عصر الميلاد، وقد جاء فيه المسيح أيضا، ثم بقى ذلك النبي ~~الموعود، ولم يظهر بعد السيد المسيح نبي صدقت عليه الصفات الموعودة غير محمد - عليه ~~السلام - وكلام السيد المسيح في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا يبين للتلاميذ «أنه خير ~~لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم، ومتى جاء ذاك ~~يبكت العالم على خطيئة، وعلى بر، وعلى دينونة. فأما على خطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما ~~على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني ms016 أيضا، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين، ~~وإن لدي أمورا كثيرة أقولها لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوها الآن، وأما متى جاء ذاك ~~روح الحق، فهو يرشدكم إلى الحق جميعه؛ لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلم به، ~~ويخبركم بأمور آتية. وذاك يمجدني؛ لأنه يأخذ مما لي ويخبركم، وكل ما للأب فهو لي؛ لهذا قلت: ~~إنه يأخذ مما لي ويخبركم، وبعد قليل لا تبصرونني ...» # وقد جاء نبي الإسلام ممجدا للسيد المسيح، يسميه روح الله، ويجدد رسالته؛ لأنها رسالة ~~الله. # وبعد تأويلات شتى من قبيل ما تقدم، تختتم الجماعة الأحمدية بحثها بالإشارة إلى ما جاء في ~~الإصحاح الثالث من أعمال الرسل، الذي ينبئ عن تتابع النبوءات من صمويل إلى السيد المسيح ~~بظهور نبي - كموسى الكليم - صاحب شريعة يحقق الوعد لأبناء إبراهيم، ويبارك جميع قبائل ~~الأرض، ويكون هذا النبي من إخوة بني إسرائيل لا منهم، فهو من ذرية إسماعيل لا من ذرية ~~إسحاق. ~~••• # إن أبناء الهند وأبناء فارس - كما قدمنا - قد توفروا على هذا الدأب في استخراج خفايا ~~الكلمات والحروف، والمقابلة بين المضامين والتأويلات، وإتمام أجزاء منها بأجزاء متفرقة في ~~شتى المصادر والروايات، ولكنهم لم ينفردوا بالبحث في هذه النبوءات وهذه الطوالع خاصة، ~~وجاراهم فيها الباحثون من سائر الأمم، واجتمعت في كتاب «فتح الملك العلام في بشائر دين الإسلام» # 2 # متفرقات لم ترد فيما أسلفناه من البحوث الهندية، أو وردت عن منهج غير منهجها، ~~نلخص بعضه فيما يلي ولا نستقصيه؛ لأنه يقع في أكثر من مائتين وستين صفحة. # يعتمد المؤلفان على الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين؛ إذ جاء فيه أن أبناء ~~إسماعيل سكنوا «من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو آشور»، فهم إذن سكان ~~الحجاز؛ لأن الحجاز هو الأرض التي بين شور وحويلة؛ إذ كانت حويلة في اليمن، كما جاء في ~~الإصحاح العاشر: «إن يقطان ولد الموداد، وشالف، وحضرموت، ويارح، وهدورام، وأوزال، ودقلة، ~~وعوبال، وأبيمايل، وشبا، وأوفير، وحويلة، ويوباب، جميع هؤلاء بنو ms017 يقطان» سكان الأرض ~~اليمانية. # ويعتمدان كذلك على وعد إبراهيم الخليل في سفر التكوين؛ «لأنه بإسحاق يدعى لك نسل، وابن ~~الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك» ... وإنما شرط الوعد لأبناء إسحاق باتباع وصايا الرب، ~~وألا يعبدوا إلها غيره، وإلا فهم يبيدون سريعا عن الأرض الجيدة، كما جاء في الإصحاح ~~الحادي عشر من سفر التثنية. وقد عبد القوم أربابا غير الله، واتخذوا الأصنام والأوثان، كما ~~جاء في مواضع كثيرة من كتب العهد القديم. # ومما اعتمد عليه المؤلفان رؤيا النبي دانيال. # وفي الإصحاح التاسع منها يقول: «سبعون أسبوعا مقضية على شعبك وعلى مدينتك المقدسة؛ ~~لتكميل المعصية، وتتميم الخطايا، ولكفارة الإثم، وليؤتى بالبر الأبدي، ولختم الرؤيا ~~والنبوة، ولمسح قدوس القديسين؛ فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى ~~المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة، ~~وبعد اثنين وستين أسبوعا يقطع المسيح. وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس، وانتهاؤه ~~بغمارة، وإلى النهاية حرب وخراب ... وعلى جناح الأرجاس.» # وهذه الخاتمة هي التي تتم، كما جاء في سفر أشعيا، «على يد شعب بعيد من أقصى الأرض»، أو ~~كما جاء في سفر التثنية: «إن الرب يجلب أمة من بعيد من أقصى الأرض ... ثم يردهم إلى مصر ~~في سفن.» # وقد تم ذلك حين استدعى الرومان حاكم بريطانيا الكبرى، ومعه جيش نكل باليهود، وحمل طائفة ~~منهم أسرى إلى مصر، وطائفة إلى رومة من طريق البحر سنة 132، فلم تنته حرب الرومان سنة 70 ~~ميلادية، بل جاءت بعدها تلك الحرب التالية مصدقة لنبوءة الدمار على يد القادم من بعيد، ~~ونبوءة النقل على السفن إلى الديار المصرية وما وراءها. # يقول المؤلفان، ويعتمدان في ذلك على إجماع الشراح: إن اليوم من أسابيع دانيال سنة، ~~وإننا إذا أضفنا أربعمائة وتسعين سنة إلى 132، فتلك سنة 622 التي هاجر فيها النبي - عليه ~~السلام - إلى مدينة يثرب، وبعد أربع عشرة سنة دخل جيش الإسلام القدس الشريف، وبنى المسجد ~~الأقصى في مكان الهيكل. وكان الفرس قد ملكوا فلسطين أربع عشرة ms018 سنة، أباحوا فيها لليهود ~~إقامة شعائرهم، ثم عاد الرومان وتلاهم المسلمون. فكانت السنون التي مضت بعد الهجرة النبوية ~~مقابلة لتلك السنين التي ارتفع فيها الحجر عن اليهود على عهد الدولة الفارسية. ~~••• # هذه العلامات إنما هي نماذج لأضعاف أضعافها لم نحصرها؛ لأنها تستغرق مئات الصفحات، ولا ~~يلزمنا حصرها جميعا؛ لأن الأمثلة المتقدمة تكفي للتعريف بها، وإن لم تجمعها بحذافيرها. ~~ونحن أمام هذه البحوث المستفيضة نتوخى فيها الحد الوسط بين الفضول، وهو جمع هذه البحوث كلها ~~في هذه الرسالة، التي لا تتوقف على العلم ببحوث - العلامات والطوالع جميعا - وبين النقص، ~~وهو إهمال هذه البحوث كل الإهمال في رسالة تدور على بيان مقدمات النبوة الإسلامية، وعلى ~~الآراء المختلفة في شرح ما سبقها من هذه المقدمات. ومهما يكن من رأي القارئ في هذا العصر، ~~فالرأي الذي رآه الناس منذ ألوف السنين - ولا يزالون يرونه - لا بد أن يكون له مكانه ~~التاريخي ودلالته النفسية في هذا السياق. # ولسنا هنا بصدد الإسهاب والتفصيل في نقد الأساليب التي يعتمدها الباحثون في حل الرموز، ~~أو خلق هذه الرموز على الأصح في بعض الأحيان، ولكننا نوجز فنقصر التعقيب على مقطع الآراء ~~الذي لا يطول عليه خلاف بين المنصفين، فكل من راجع العلامات النبوية في كتب الديانات من ~~أقدمها قبل موسى وعيسى ومحمد - عليه السلام - إلى يومنا هذا، يرى ولا شك أن العلامات التي ~~لخصناها هنا من أقواها وأوضحها، وأقلها اعتسافا واستكراها للألفاظ والتراكيب على غير ~~معانيها، وإنما ننظر إليها على كل احتمال مفروض فلا نرى أنها تغني عن الدلائل الكونية، ولا ~~نعلم أن قيام الدعوة المحمدية قد اعتمد عليها عند أحد من المسلمين الأولين، أو عند أحد من ~~الذين دانوا بالإسلام في الزمن الحديث. # فإذا فرضنا أن التخريج صحيح في كل ما أورده الباحثون المتقدمون وغيرهم؛ فإن هذه ~~العلامات لم تنفع أحدا من الذين كانوا يقرءون التوراة في عهد الدعوة المحمدية، ولم نعلم ~~لهم موقفا من الدعوة غير اللجاجة والمكابرة، والاشتداد في الإنكار على نحو لم نعلمه من ~~الجاهليين ms019 والذين لم يطلعوا على حرف من كتب العهد القديم. وإذا قدرنا أن هذه العلامات ~~لم ترد قط في كتاب سابق للدعوة المحمدية لم يكن ذلك مما يضير هذه الدعوة، أو يصدها عن ~~طريقها، أو يسلبها وسيلة من وسائل الإقناع والذيوع التي اعتمدت عليها. # هذا على تقدير الصحة والصواب في كل تخريج، وفي كل علامة مذكورة مشروحة، فأما على غير ~~هذا التقدير فلا حاجة بنا إذن إلى تعقيب طويل أو قصير. # ولا ندع الكلام على النبوءات الغيبية حتى نقرر فيها الرأي الذي يسلمه المنصفون، ولا يجرؤ ~~أحد على إنكاره باسم العلم، أو باسم المنطق، أو باسم القياس الصحيح. # فما من أحد يجرؤ على أن يقول - باسم العلم - إن الإلهام بالغيب مستحيل؛ لأنه إذا جزم ~~باستحالته وجب عليه قبل ذلك أن يجزم بأمور كثيرة لا يستطيع عالم أمين أن يقررها معتمدا على ~~حجة أو سند قويم. # يجب على العالم الذي يجزم باستحالة الإلهام بالغيب أن يقرر لنا أنه عرف حقيقة الزمن، ~~وعرف - من ثم - حقيقة المستقبل، ويجب عليه مع ذلك أن يقرر تجريد الكون من عنصر العقل ~~غير عقل الإنسان والحيوان. # فما هي حقيقة الزمن؟ هل هو موجود في الماضي والحاضر والمستقبل، أو هو يوجد لحظة واحدة ثم ~~يزول؟ وما هي هذه اللحظة الواحدة؟ وما مدى إحاطتها بالبعيد والقريب من الأمكنة الشاسعة في ~~هذه الأكوان؟ وهل المستقبل موجود الآن؟ أو هو عدم يوجد لحظة بعد لحظة؟ وكيف يوجد العدم بعد ~~أن لم يكن له وجود؟ # إن العالم الذي يجزم في قول من هذه الأقوال باسم العلم، يدعى على العلم كذبا، وينم ~~على عقل ضيق لا يصلح للنظر في هذه الآفاق. # فإذا كنا لا ننفي وجود المستقبل نفيا مقطوعا به مستندا إلى حجة أو بينة، فالغيب غير ~~مستحيل، والعلم به لا يدخل في باب الممنوعات أو غير المعقولات. # وإذا كان عنصر العقل في هذه الأكوان أكبر من أن يحصره رأس الإنسان وحده، فانتقال المعرفة ~~منه إلى عقل الإنسان جائز جدا، أو جائز على ms020 الأقل كجواز الانتقال بين الأفكار على تباعد ~~الأمكنة والعقول. ولا ندعي أن هذا الانتقال الفكري بين عقول الناس قد ثبت في هذا الزمن ~~ثبوتا قاطعا في جميع التجارب والمحاولات؛ فإن هذا الانتقال - المسمى بالتلباثية - ~~يصيب ويخطئ، ويكفي أنه لم يبطل كل البطلان باعتراف الملحدين والماديين إلى جانب المتدينين ~~والمؤمنين. # فإذا كان وجود المستقبل لم يبطل، فكيف يبطل العلم بما جرى فيه؟ إنه قد يبطل إذا تحقق ~~بالبينة أن عنصر العقل وراء عقل الإنسان مستحيل، فإذا كان وجود هذا العقل الأكبر لم ~~يمتنع، ولم يدخل في باب المستحيلات، فكل دعوى هنا للجزم بإنكار الغيب وإنكار العلم به، أو ~~الإيحاء به إلى إنسان من الناس، فإنما هي دعوى تهجم على الواقع، ولا يكفي أن يقال فيها: ~~إنها تهجم على الغيوب والمجهولات. # فليكن رأينا إذن في تخريجات الباحثين عن الطوالع والعلامات ما يكون، فإن هذا الرأي لا ~~يبطل الإيمان بالغيب إلا على لسان مجازف يخبط بالقول حيث يجهل المدى الذي يخوض فيه. وإنما ~~نقبل تلك التخريجات أو لا نقبلها لأن الباحثين فيها أصابوا أو أخطئوا في التخريج والتأويل، ~~وإنما نقبلها أو لا نقبلها كرة أخرى لأن قيام الدعوات النبوية متوقف عليها أو غير متوقف ~~عليها، بل ماض في سبيله على اختلاف هذه العلامات. # أما الإنباء بما في الغيب بمشيئة العالم به، والقادر عليه، فلا يمنعه علم ولا منطق ولا ~~تجربة قاطعة من تجارب العيان. # الفصل الثاني # | الأحوال العالمية قبل الدعوة المحمدية # مقدمات النبوة # والآن، وقد أقررنا الطوالع والعلامات في قرارها الذي يسهل الاتفاق عليه، نطرق الأبواب ~~الواسعة التي تتفتح أمامنا للبحث في مقدمات النبوة الإسلامية، وهي أبواب البحث في ~~الحوادث التاريخية والآيات الكونية، وليس أثبت منها في مقام الكلام على النبوة ~~الإسلامية بصفة خاصة بين سائر النبوءات. # تاريخ العالم كله - قبيل عصر الدعوة الإسلامية - هو تاريخ هذه المقدمات حول بلاد ~~العرب، وفي صميم الجزيرة العربية من أجوافها إلى أطرافها. # فلم يكن للعالم كله في تلك الفترة حالة لا توصف بالسوء، ولا يقال فيها ms021 بالإجمال: إنها ~~حالة فساد وانحلال. # فلا حالة للعلم ولا للسياسة ولا للأخلاق ولا للمرافق العامة لا توصف بتلك الصفة، ولا ~~تغلب فيها السيئات كل الغلب على الحسنات. # وإذا نظرنا إلى الأحوال في جملتها وجدنا أنها هي الأحوال التي تنادي في كل مكان ~~بالحاجة إلى الدعوة الدينية. # إن ظاهرة واحدة كانت تلف تلك الظواهر جميعا في طياتها، وهي فقدان الثقة بكل شيء، ~~ولا معنى لذلك في كلمة موجزة، إلا أن الثقة هي المطلوبة، وأن الإيمان هو دواء ~~هذا الداء الذي استشرى في كل مكان. # ونبدأ بالأديان الكبرى التي شاعت في العالم المعمور قبيل الدعوة المحمدية، وهي على ~~حسب قدمها: المجوسية واليهودية والمسيحية. # المجوسية # فلم يكن أتباع دين من هذه الأديان على استقرار في عقيدتهم، أو على ثقة بأحبارهم ~~وأئمتهم، وأولها وأشدها اضطرابا ديانة الدولة الفارسية أو دياناتها المتعددة التي ~~تشملها الثنوية؛ أي الإيمان برب للنور ورب للظلام، وعالم للخير وعالم للشر في كون ~~واحد. # فقد كانت هذه المجوسية تستعصي على الدعاة المصلحين من أيام الوثنية الآرية الأولى ~~التي اشترك فيها الهنود والفارسيون، وقد عمل «زرادشت» جهده لتطهيرها من الوثنية، ~~وإخلائها من شعائر الهياكل والمحاريب الخفية، فلم يتيسر له من ذلك غير القليل، وجاء ~~بعده مصلحون من أتباعه مزجوا الفلك بالتنجيم بالخرافة بالعبادة في نحلة واحدة، ولم يعرف ~~الناس عنهم على البعد إلى عصر الميلاد المسيحي إلا أنهم رصدة للكواكب، طلعة للخفايا ~~والغيوب من وراء حجاب الظلام. # وقام «ماني» الذي تنسب إليه المانوية في القرن الثالث للميلاد، فأراد أن يغلق باب ~~الوثنية في الشرق، ويرجع إلى ثنوية قريبة من ثنوية «زرادشت» وتوحيد الفلسفة العقلية، ~~فحول قومه من الكتابة البهلوية إلى الكتابة الآرامية أو السامية، وكاد أن يفلح في إقناع ~~ولاة الأمر بآرائه في الإصلاح والتنزيه لو لم تفسدهم عليه دسائس الكهان والوزراء، فقضى ~~في السجن، وقيل: إنهم سلخوا جلده وعلقوه مصلوبا لسباع الطير. # ثم كانت الطامة الكبرى في عهد قباذ أبي كسرى أنوشروان، الذي حضر بعثة النبي، وتلقى ~~رسالته بالسخط والوعيد ... # ففي ms022 عهد قباذ هذا ظهر «مزدك» داعية الإباحة والفوضى في الأموال والأعراض، ولم يتزحزح ~~هذا الداعية خطوة واحدة من الثنوية إلى التوحيد أو ما يشبه التوحيد، وقال كما قال ~~«ماني» من قبله: إن العالم كله في قبضة إله النور وإله الظلام. غير أنه زاد عليه: ~~«إن النور يفعل بالقصد والاختيار، وإن الظلمة تفعل على الخبط والاتفاق، وإن النور ~~عالم حساس، والظلمة جاهلة عمياء، وإن المزاج كان على الاتفاق والخبط لا بالقصد ~~والاختيار، وكذلك الخلاص إنما يقع بالاتفاق دون الاختيار.» # وزعم مزدك هذا أنه جاء ليبطل الخلاف بين العقائد والأمم، وينهاهم عن المباغضة ~~والقتال، وأنه لما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، فقد أحل النساء، ~~وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ، ورد ~~القوى الكونية إلى أربع؛ هي: التميز، والفهم، والحفظ، والسرور، وكل منها يعمل بسبعة من ~~الوزراء، يتبع الوزير منهم اثنا عشر روحانيا، وكل إنسان اجتمعت له أسرار الأربعة ~~والسبعة والاثني عشر صار ربانيا في العالم السفلي، وارتفع عنه التكليف، وأن ملك ~~الملوك في العالم العلوي إنما يدبر بالحروف التي مجموعها الاسم الأعظم، ومن تصور من تلك ~~الحروف شيئا انفتح له السر الأكبر، ومن حرم ذلك بقي في عمى الجهل والنسيان والبلادة ~~والغم في مقابلة القوى الأربع الروحانية. # 1 # ويقال عن مزدك هذا إنه كان عظيم الدهاء، خبيرا بفنون الإقناع والإغراء، وإنه بلغ من ~~سلطانه على قباذ أنه أقنعه ببذل زوجته لمن يشتهيها؛ ليعلم الناس الصدق في إيمانه، ~~ويقتدوا به في ترك التباغض والملاحاة على الأعراض والعروض، فأوشك قباذ أن يفعل ما أوحاه ~~إليه، لولا أن علم ولي عهده كسرى فدخل عليه باكيا متضرعا يتوسل إليه ألا يذله ~~هذا الإذلال، ويبتذل أمه أمام الناس هذا الابتذال، ثم تمالأت عصبة ولي العهد فقتلوه، ~~وتعقبوا شيعته بالقمع والتشريد. # وعلى الرغم من تتابع المصلحين الذين اجتهدوا غاية اجتهادهم في تطهير الديانة المجوسية ~~من الوثنية والمراسم الهيكلية، لم تزل عقيدتهم جميعا في الأرواح والشياطين حائلا ~~بينهم وبين التوحيد، بل ms023 حائلا بينهم وبين الثنوية على بساطتها الأولى؛ فإن موالاة ~~الأرواح ومحاذرة الشياطين تسوقانهم إلى ضروب من العبادة والزلفى لطوائف شتى من الأرباب ~~الصغار عدا الإلهين الأقدمين: إله النور وإله الظلام، ولا يزال المجوس إلى اليوم يبدءون ~~صلاتهم بعد منتصف الليل، ويقضون ساعات الصلاة الأولى في تلاوة الأناشيد التي يسترضون ~~بها شياطين الظلام، قبل انبثاق النور الأعظم عند الصباح. # اليهودية والمسيحية # أما اليهودية فقد كان قيام المسيحية في معقلها الأكبر إيذانا حيا بنفادها ~~وانتهائها إلى الغاية من الجمود والضيق؛ إذ كانت المسيحية في الواقع حركة إصلاح واسع في ~~جميع العقائد اليهودية التي جمدت على النصوص والمراسم، وتحولت من الدين إلى نقيض الدين، ~~ولا شيء يناقض الدين كما ناقضته تلك الأنانية القومية التي حسبت الإله المعبود ملكا ~~لها دون سائر عباده، يبيح لها في سائر الأقوام ما لا يباح في شريعة ولا قسطاس ~~مستقيم. # وفي عصر الميلاد نفسه ظهر من حكماء اليهود من أحس الحاجة إلى إصلاح عقائد قومه ~~وشعائرهم، فاختار فيلون الحكيم أسلوب التعبير الرمزي لتفسير مسائل الكتاب التي لا ~~تقبلها الحكمة، وكان مما يلفت النظر في هذا الصدد أنه رجع إلى قصة إبراهيم وسارة وهاجر، ~~فعبرها على أسلوبه تعبير الرموز؛ لأن المسلك الذي نسب فيها إلى إبراهيم لا يعقل من ~~خليل الرحمن؛ فعنده أن سارة هي الحكمة الإلهية، وأن هاجر هي الذربة الدنيوية، ~~وأن زواج الخليل من سارة لم يثمر في أول الأمر لأنه لم ينضج له قبل التمرس بحقائق ~~الحياة. # وقد كان هذا أسلوب الفلسفة الذي أدخله بولس الرسول في أسلوبه الديني، فقال في رسالة ~~غلاطية: «إنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان: واحد من الجارية والآخر من الحرة، لكن الذي ~~من الجارية ولد حسب الجسد، وأما الذي من الحرة فبالموعد، وكل ذلك رمز؛ لأن هاتين هما ~~العهدان؛ أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية، الذي هو هاجر؛ لأن هاجر جبل سيناء في ~~العربية، ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة؛ فإنها مستعبدة مع بنيها، وأما أورشليم العليا ~~التي هي أمنا جميعا فهي حرة ms024 ...» # وهذه ثورة على تفسير موعد إبراهيم بأسلوب العصبية والأنانية، تلفت النظر فيما نحن ~~بصدده، وتومئ إلى ما يأتي بعدها في الزمن المتطاول. ثم سرى الإصلاح المسيحي مسراه، فمضى ~~معه من اليهود من صلح له، وبقى الجامدون على شر مما كانوا عليه قبل الدعوة المسيحية، ~~وجنى العناد والإصرار على الباطل جنايته المعهودة، فذهبت ريح الكهانة والمراسم ~~الهيكلية، وتفرقت مراجع الديانة مع كل مجمع، وكل معبد، وكل طائفة ذات مذهب في التوراة ~~أو التلمود، أو تقاليد الأحبار والربانيين. # وكان من آثار هدم الهيكل سنة سبعين للميلاد أن أشياعه فقدوا وحدة المراسم بعد أن ~~فقدوا وحدة العقيدة والروح، فلم يأت عصر البعثة المحمدية حتى استفحل الخطب بينهم من ~~جراء تفسيراتهم الكثيرة، فنهضت بينهم طلائع الطائفة التي عرفت بعد ذلك بطائفة القرائين، ~~وأنكرت كل رأي غير النصوص والحروف في الكتب المنسوبة إلى موسى الكليم، فكان خوف التفرق ~~سبيل النكسة إلى أيام العصبية والأنانية القومية، ولم يكن سبيلا إلى الحرية ~~والتجديد. # ومما يلفت النظر مرة أخرى أن إصلاح هذا الجمود الجديد إنما أتى من قبل البلاد ~~الإسلامية على يد سعديا المصري وابن ميمون الأندلسي، وأن حكماء اليهود في القرن ~~الثالث للهجرة لم يكن لهم مذهب في تنزيه الإله غير مذهب علماء الكلام من ~~المسلمين. # وكذلك كان يهود العالم في عصر البعثة المحمدية بين أشتات يذهب كل منها مذهبه على حسب ~~المجمع أو المعبد الذي ينتمي إليه، وبين شراذم متعنتين في الجمود على الحروف والنصوص، ~~يرجعون بهذه النكسة إلى الداء الذي قامت المسيحية لإصلاحه قبل بضعة قرون. # فتلك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد. # محنة المسيحية # وقد جاء الإسلام والمسيحية منتشرة في بلاد الدولة الرومانية شرقا وغربا، يدين بها ~~ملوكها ورؤساؤها ومعظم رعاياها، وكان هؤلاء الملوك والرؤساء - قبل تنصرهم - يضطهدون ~~المسيحيين ويعذبونهم، ولا يتورعون عن لون من ألوان العذاب يصبونه عليهم، فكانت محنة ~~عظيمة صبر لها المسيحيون الأولون صبر المؤمنين الصادقين، ولكن هؤلاء الملوك والرؤساء ~~كانت محنتهم للمسيحية - بعد تنصرهم - أشد عليهم من محنة الاضطهاد والتعذيب؛ لأنهم ms025 لم ~~يكفوا عن الظلم، وزادوا عليه عبث السياسة بالعقائد والآراء، فدسوا مطامعهم بين ~~المختلفين على تفسير المسيحية الأولى، وفرقوهم شيعا متباغضة متنافرة، يرمي بعضها بعضا ~~بالكفر والضلالة، وينشب بينها الجدل فلا تتفق على قول حتى تتفتح أمامها مذاهب الخلاف ~~على أقوال. # ولم يكن خلاف المذاهب يومئذ كخلاف المذاهب في العصر الحاضر يسمح بوجهات النظر، ولا ~~يستلزم طرد المخالفين جميعا من حظيرة الدين، بل كان بحث الآباء الأولين في سبيل الوصول ~~إلى أركان العقيدة، وتقرير ما يسمى بالمسيحية وما لا يحسب منها، وإنما يحسب من الكفر ~~والضلالة؛ فلم تبق نحلة من النحل الكثيرة إلا حكمت على مناقضيها بالمروق ~~والهرطقة. # وتعددت هذه النحل بين الأريوسية والنسطورية واليعقوبية والملكية على تباعد الأقوال في ~~الطبيعة الإلهية ومنزلة الأقانيم الثلاثة منها، ويأتي النزاع بين الكنيستين الشرقية ~~والغربية فيقضي على البقية الباقية من الثقة والطمأنينة، ولا يدع ركنا من أركان ~~العقيدة بمبعدة من الجدل والاتهام، فلا جرم يتردد على الألسنة ويدون في كتب التاريخ ~~يومئذ أن القوم جميعا قد استحقوا العقاب الإلهي، وأن أبناء إسماعيل قد جاءوا من ~~الصحراء بأمر الله عقابا للظالمين والمارقين. # ويستطيع القارئ أن يترجم هذه البلبلة بحوادث السياسة ومنازعات العروش، فلا يرى من ~~حوادثها يومئذ إلا زعازع من هذا القبيل على عروش الدول والإمارات، وأولها عرش الأكاسرة ~~وعرش القياصرة رؤساء أكبر الدول في ذلك الحين، فلم يكن بين الملوك الخمسة أو الستة ~~الذين تعاقبوا على عرش فارس أو عرش بيزنطية من مات حتف أنفه، أو مات مستقرا على عرشه، ~~ولم يكن منهم أحد كان له حق واضح في السلطان حين وثب عليه، ويتقلب العرش بين الغاصبين، ~~فيفزع من كان آمنا، ويأمن من كان مهددا أو مشردا في البلاد مع اختلاف الحظوة والنقمة ~~بين الأنصار والخصوم، فلما تمادى الأمر على ذلك عاما بعد عام، لم يبق من يأمن على نفسه ~~وماله في زمن أنصار ولا زمن خصوم، وعم الخوف أقرب الناس إلى السلطان وأبعدهم منه ~~على حد سواء. # وتمت المحنة الكبرى بالقتال الدائم ms026 بين الدولتين، فإذا بالبلد الواحد يتقلب في الحكم ~~بين سيادة الفرس وسيادة الروم، فلا تهدأ له حال في نظام، ولا في سلام، ولا في معاش يأمن ~~الناس على مرافقه ومسالكه بين ميادين القتال، وبطل الأمان كما بطل الإيمان، فلا خلاصة ~~لهذه الأحوال جميعا غير خلاصة واحدة هي ضياع الثقة بكل منظور ومستور، فلا أمان من ~~السياسة، ولا من الدين، ولا من الأخلاق، ولا من الواقع، ولا من الغيب. # هذه أحوال العالم، وهذه هي مقدمات الدعوة الإسلامية، من تلك الأحوال: مقدمات لا تأتي ~~بنتائجها على وتيرة الداء الذي يتبعه الفناء، ولكنها مقدمات العناية الإلهية التي تدبر ~~الدواء المستحكم على غير انتظار وبغير حسبان، عالم إذا صح أن يقال عنه: إنه كان ينتظر ~~شيئا من وراء الغيب، فإنما كان ينتظر عناية من الله. # الفصل الثالث # | الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية # كان في الجزيرة العربية مجوس ويهود ونصارى، وعرف أبناء الجزيرة هذه الأديان من طريق ~~القدوة الفردية في رحلاتهم ومبادلاتهم مع الأمم التي تحيط ببلادهم، كما عرفوها من طريق ~~الدعوة العامة التي يعززها سلطان الرؤساء على نحو ما حدث في أرض غسان والحيرة ~~ونجران. # ويقول ابن قتيبة: إن المجوسية كانت معروفة في قبائل تميم، ومنهم زرارة بن عدس وابنه ~~حاجب، وقد تزوج ابنته ثم ندم ... ويروى أنها كانت شائعة بين قبائل البحرين عامة على مقربة ~~من فارس، وأن لقيط بن زرارة - كما جاء في ابن الأثير - تزوج بنته دختنوس، وسماها بهذا ~~الاسم الفارسي ومات عنها، فقال وهو يجود بنفسه: # يا ليت شعري عنك دختنوس # إذا أتاها الخبر المرموس # أتحلق القرون أو تميس # لا، بل تميس إنها عروس # والأغلب على الظن أن المجوسية شاعت في هذه القبائل لأنها كانت سهلة هينة عليهم، لا تكلفهم ~~بناء الهياكل ولا نحت الأصنام، ولا ينكرون في عبادتهم للنار شيئا؛ لأن إشعال النيران ~~للقرى والاستسقاء وإشهار الحلف لم تكن مجهولة في البادية العربية، ولعلهم سبقوها إلى ~~عبادة بعض الكواكب؛ لأنهم كانوا أحوج إلى رصد الأنواء والاهتداء بالنجم في سفر ms027 الليل، حتى ~~جعلوا له اسما خاصا من السرى والإدلاج وغيرهما من الرحلة في سائر أوقات الظلام. # ولعل أحدا منهم لم يكن يلتفت إلى مجوسية المجوس؛ إلا حين يحدث الزواج بالمحارم التي لا ~~يحلها عامة العرب، فأما فيما عدا ذلك فقد كانت مراسم الدين عادات كغيرها من عادات البداوة ~~في الأعراس والمآتم، وتعظيم الأسلاف والأرواح، لا ينكرها المجوسي ولا اليهودي ولا النصراني ~~من عرب الجاهلية. # وإذا كان عرب البحرين قد عرفوا المجوسية، فقد عرفوا الصابئين الذين كانوا يقيمون على ~~مقربة من بلادهم، ولكنهم لم يقتدوا بهم في عقيدتهم لكثرة قيودها وأشراطها، وكتمان الصابئين ~~ما كانوا يؤمنون به مخالفا لمن حولهم، وقد كانوا يخالفون كل دين في أشياء ويحالفونه في ~~أشياء، ويجنحون إلى العزلة والاعتكاف، فلا يصل إلى أسرارهم إلا من تعمد البحث عنها والنفاذ ~~إليها من طلاب المعرفة والمتنسكين والمتحنفين، والظاهر من أصول كتابتهم النبطية أن الصلة ~~بينهم وبين نبط الحجاز الشمالي عن طريق العراق والعقبة، كانت أوثق وأقرب من صلاتهم بسكان ~~البحرين والشواطئ اليمانية، ولهذا وجد فيهم من ينتمي إلى جد يسمونه كاظم بن تارح، ~~يزعمون أنه أخو إبراهيم الخليل. # وكيفما كانت علاقة العرب بموطن الصابئة، فلم توجد بين العرب قبيلة كبيرة تدين بملة ~~الصابئة كما دانت تميم بالمجوسية؛ لأنه هذه الملة الصابئية بطبيعتها لا تنتقل إلى طائفة ~~كبيرة بعيدة من موطنها على موارد الماء، وإنما ينتقل إليها فرد أو أفراد يفضلون عقيدتها على ~~العقائد الوثنية من حولها. ولا يخفى شأن الارتباط بالمكان في العقيدة الصابئية؛ فإن ~~اشتراط القرب من الماء فريضة من فرائضهم العامة، واسمهم الأول في أصله مأخوذ من سبح لا من ~~سبأ التي ينتمي إليها بعض قبائل اليمن، ولا من صبأ بمعنى ارتد عن الدين، وذلك أرجح الآراء ~~فيما قيل عن أصول هذه الأسماء. # وكانت اليهودية أعم انتشارا في الجزيرة العربية من المجوسية؛ لأن المجوسية بقيت محصورة ~~في عشائر من العرب من سكان بين البحرين، ولكن اليهود كانوا يهاجرون بجملة قبائلهم من أرض ~~كنعان كلما أصابهم القمع ms028 والتشريد من فاتح جديد، وقد هاجر بنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل ~~جملة واحدة إلى يثرب على رواية الأغاني «بعد أن ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعا ~~بالشام». # قال صاحب الأغاني: «لما قدم بنو النضير وقريظة وبهدل المدينة نزلوا الغابة، فوجدوها وبيئة ~~فكرهوها، وبعثوا رائدا أمروه أن يلتمس لهم منزلا سواها، فخرج حتى أتى العالية - وهي ~~بطحان ومهزور - واديان من حرة على تلاع أرض عذية بها مياه عذبة تنبت حر الشجر، فرجع إليهم ~~فقال: قد وجدت لكم بلدا طيبا نزها إلى حرة، يصب فيها واديان على تلاع عذية ومدرة طيبة ~~في متأخر الحرة، فتحول القوم إليها من منزلهم ذلك. # فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، وكانت لهم إبل نواعم فاتخذوها أموالا، ونزلت قريظة ~~وبهدل ومن معهم على مهزور، فكانت لهم تلاعة وما سقى من بعاث وسموات، فكان ممن يسكن المدينة، ~~حتى نزلها الأوس والخزرج، من قبائل بني إسرائيل بنو عكرمة وبنو ثعلبة وبنو محمر وبنو زعورا ~~وبنو قينقاع وبنو زيد وبنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل وبنو عوف وبنو الفصيص، فكان يسكن ~~يثرب جماعة من أبناء اليهود فيهم الشرف والثروة والعز على سائر اليهود ... وكان هناك معهم من ~~غير بني إسرائيل بطون من العرب، منهم بنو الحرمان حي من اليمن، وبنو مرتد حي من بلى، وبنو ~~نيف حي من بلى أيضا، وبنو معاوية حي من بني سليم ثم من بني الحارث بن بهثة، وبنو الشطبة حي ~~من غسان.» # ولم ينزل اليهود بغير المدن والقرى التي تحميهم فيها الآطام والأبنية. # فنزلوا تيماء وفدك وخيبر، واشتغلوا بالتجارة والصناعة في المدن، وزرعوا الأرض حولها ~~للمرعى والاتجار بمحاصيلها، واختاروا من التجارة أيسرها على غير المحاربين؛ لأنهم لم يقدروا ~~على حراسة القوافل الكبيرة التي كانت تحمل أحيانا - كما جاء في الطبري - على أكثر من ألفي ~~جمل، فاستغلوا المال، وشاركوا في قروض الربا والوساطات، ولم ينسوا قط أنهم غرباء في بلد ~~غريب، واجتنبوا المزاحمة في التجارة، فلم يكن لهم شأن بمكة دون سائر المدن؛ لأنها ms029 كانت ~~مستقلة بالتجارة على طريقها في أيدي قريش، ولكن يقال في روايات غير حاسمة: إن بطونا من ~~نمير وكنانة وكندة وبني الحارث عرفت اليهودية من جوارها لطريق المدن التي سكنها ~~اليهود. # وموضع النظر الكثير ما يقال عن دخول اليهودية إلى اليمن، وقيام دولة يهودية فيها بإمرة ~~زرعة المكني بذي نواس؛ فلا خلاف في وجود اليهود بين عرب الجنوب من أهل اليمن، ولكن الخلاف ~~في تاريخ دخول اليهودية تلك البلاد ووسيلة دخولها؛ لأن المعهود في بني إسرائيل المتأخرين ~~أنهم كانوا لا يدعون أحدا إلى دخول دينهم؛ لإيثارهم أنفسهم بوعد إبراهيم الخليل، وحصر هذا ~~الوعد في ذرية إسحاق بن يعقوب. # وقد حدث في عهد هركانوس الأول المكابي أنه أغار على الأدوميين وأكرههم على التهود ~~فتهودوا، وقامت منهم دولة هيرود حليفة الرومان. وكان ذلك في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد ~~حين ضعف إيمان اليهود برجعة الدولة الدنيوية إلى أرض الموعد، وكان تدبيرا حربيا سياسيا ~~دعت إليه الرغبة في تأمين الطريق ومخالفة الرومان؛ لدرء الخطر من ناحية فارس وحلفائها من ~~جانب الصحراء. # فإذا كان اليهود قد أكرهوا قبائل اليمن على التهود، فمن أين لهم القوة التي تضارع قوة ~~المكابيين في الشام وفلسطين؟ وإذا كانوا قد هودوا تلك القبائل بالتبشير والإقناع، فكيف ~~قبلوا أن يشركوا معهم أناسا من المطرودين المحرومين في وعد إبراهيم الخليل؟ # إن الاحتمال الراجح بين هذه النقائض أن اليهود وصلوا إلى اليمن مهاجرين متفرقين، ~~وربما بدأت هذه الهجرة من أيام السبي البابلي لقرب بابل من طريق البحرين إلى اليمن، فإن لم ~~تكن موغلة هذا الإيغال في القدم، فقد يكون مبدؤها عند تشتيت اليهود في أوائل القرن الثاني ~~للميلاد، ثم استمرت نحو ثلاثمائة سنة إلى أواخر الدولة الحميرية، ثم وجد اليهود الحميريون ~~أنفسهم معرضين لخطر واحد أمام تحالف الحبشة والروم ونصارى اليمن بنجران وغير نجران، فعقدوا ~~الحلف المقابل لهذا الحلف بينهم وبين فارس وأعوانها من عرب الشواطئ الشرقية. # ومن المعلوم أن الدولة الفارسية كانت تنازع الحبشة والروم في أرض اليمن، وكانت ترحب في ms030 ~~بلادها باليهود بعد انقلابهم على الدولة الرومانية، واشتهارهم بمعاداتها وموالاة أعدائها، ~~وكانت ترحب بالنصارى الذين اضطهدهم الرومان الوثنيون، ولم تزل ترحب بعد ذلك بالنصارى من ~~أتباع المذاهب التي وقع عليها التحريم والتشريد بعد تنصر العواهل الشرقيين في القسطنطينية، ~~ولم تقبل نصارى الحيرة إلا لعلمها بمنافستهم لنصارى غسان من أتباع الرومان، وانتمائهم إلى ~~مذهب النسطوريين. # فالدولة الحميرية على عهد ذي نواس لم تكن دولة يهودية يقبلها اليهود، ويدخلونها معهم ~~في عداد شعب الله المختار، ولكنها كانت تحالف اليهود وتعمل على الاشتهار بمحالفتهم؛ ~~لإقناع فارس بولائها في النزاع بينها وبين الحبشة والروم، واشتهرت من ثمة بالتهود لأنها ~~أيدت اليهود وتنكرت للنصارى؛ حذرا من معاونتهم - خفية أو جهرة - لشركائهم في العقيدة أبناء ~~الحبشة. ولو كان اليهود هم القوة التي قامت عليها دولة حمير لما صاروا إلى القلة التي ~~غمرتها الكثرة العربية في القرن الخامس للميلاد. # وأيا كان تاريخ اليهودية في اليمن وفي بلاد العرب عامة، فإنها لم تكن ذات رسالة دينية ~~أو روحية للصلاح والإصلاح، ولم تكن يهودية معترفا بها بين بني إسرائيل في غير الجزيرة ~~العربية، وقد نقل الدكتور إسرائيل ولفنسون، صاحب كتاب «تاريخ اليهود في بلاد العرب»، رأيا ~~فيهم ليهود دمشق وحلب رواه جريتز # Graetz # فقال: «إنهم كانوا ~~ينكرون وجود يهود في الجزيرة العربية ويقولون: إن الذين يعتبرون أنفسهم من اليهود في جهات ~~خيبر ليسوا يهودا حقا؛ إذ لم يحافظوا على الديانة الإلهية التوحيدية، ولم يخضعوا لقوانين ~~التلمود خضوعا تاما، وأن العالم «شير» كان يعتقد أن اليهودية في بلاد العرب ~~كانت لها صبغة خاصة؛ فقد كانت يهودية في أساسها، ولكنها غير خاضعة لكل ما يعرف بالقانون ~~التلمودي.» # ولا يمنع هذا أن يكون ليهود يثرب رأي في أنفسهم غير رأي إخوانهم الدمشقيين والحلبيين، ~~فقد روي أوليري # O’leary # في كتابه عن بلاد العرب قبل محمد: ~~«أن بني النضير وبني قريظة كانوا يسمون أنفسهم بالكاهنيين، ويزعمون من ثم أنهم من نسل ~~هارون، وأما ياقوت فإنه يقول: إن يهود يثرب عرب تهودوا. وقد يخطر لنا ms031 أن بني قينقاع ~~كانوا من عرب الشمال الأدوميين، أو أشباههم الذين هاجروا إلى بلاد العرب بعد هدم الهيكل سنة ~~سبعين، أو بعد تشريد اليهود على عهد هادريان سنة مائة واثنتين وثلاثين.» # على أن الصبغة اليهودية التي بقيت مع يهود يثرب في معيشتهم وصناعاتهم ومعاملاتهم ، ~~ومعرفة بعضهم بالكتب العبرية القديمة، ولياذهم بالآطام أدل عليهم من تقديرات المؤرخين على ~~الفرض والتخمين، وما أشبه قينقاع أن ترجع في أصلها إلى كوهنكا! وما أبعد اسم النضير من ~~أسماء العرب الأقدمين! لقد قيل: إنهم بطن من بطون جذام من أبناء عم اللخميين، فهل كان في ~~جذام من يعرف العبرية كما عرفها يهود يثرب؟ وهل كان في وسعهم أن ينشئوا المدرسة العبرية ~~التي ظلت إلى عصر الدعوة المحمدية، يسميها العرب بيت المدارس، ويسميها اليهود (بيت هام ~~مدراس)؟ # وقد كان يحسب لهؤلاء اليهود أثر في مقدمات الدعوة الدينية، أو مقدمات النهضة القومية ~~الإنسانية، بعبارة أخرى لو أنهم أفادوا العرب من حولهم دروسا في التفكير والأخلاق تكشف لهم ~~عن سخف الجاهلية، وتهيئ ضمائرهم لما هو أصح منها، وأقرب إلى التقدم والهداية. هذا، أو تكون ~~حياتهم بين العرب قدوة صالحة يقتدون بها في معاملاتهم، وعلاقة بعضهم ببعض في السلم والحرب ~~والمحالفة والمخالفة. # ولكنهم لم يصنعوا هذا ولا ذاك، وصنعوا في أكثر الأحيان نقيض هذا وذاك؛ لأنهم لم يكترثوا ~~لأمر المتهودين من قبائل العرب إلا لينتفعوا بولائهم وحراستهم لتجارتهم في الطريق، فلم يكن ~~بين الجاهليين المتهودين والجاهليين الوثنيين فرق في العادات والأخلاق، إلا أن يكون فرق ~~الشجاعة والرجولة في جانب الوثنيين يمتازون به على الذين تعودوا اللياذ بالآطام، والتعلق في ~~حربهم وسلمهم بذرائع المساومة والنفاق. # وقد كان يهود يثرب قدوة سيئة في كل علاقة بينهم وبين العرب، أو بينهم وبين أنفسهم في جوار ~~المدينة؛ فقد كانت سياستهم مع قبائل العرب قائمة على الإيقاع بينها، وإثارة الأحقاد في ~~المتخاصمين منهم كلما جنحوا إلى النسيان، وتعاهدوا على الصلح والأمان. ولزم اليهود أنفسهم ~~داؤهم القديم من الشقاق والمشاكسة حيثما اجتمعوا في مكان واحد؛ ms032 فدبت الخصومة بين بني ~~قينقاع من جانب، وبين بني النضير وبني قريظة من الجانب الآخر. # ولم يتفق بنو النضير وبنو قريظة على شيء غير حسدهم لبني قينقاع، وعملهم على الوقيعة بين ~~قبائل الأوس والخزرج، وهي كثيرة في جوار المدينة، وقد كانوا ينفسون على بني قينقاع أنهم ~~كانوا يقيمون في قصورهم داخل المدينة، ولا مأوى لبني قريظة غير ضاحية المشرق، ولا لبني ~~النضير غير ضاحية المغرب. فلما نشبت الحرب بين الأوس والخزرج تفرق اليهود بين الحزبين، ~~فكان بنو قينقاع مع الخزرج، وكان بنو النضير وبنو قريظة مع الأوس. # ولم يتحرك أحد من النضيريين والقرظيين لنصرة بني قينقاع حين أجلاهم المسلمون عن المدينة، ~~ولا تحرك أحد من القرظيين لنصرة النضيريين حين قضي عليهم بالجلاء؛ لغدرهم بالنبي - عليه ~~السلام - وصعود أحدهم؛ عمر بن جحاش، على جدار يجلس النبي تحته؛ ليلقى عليه بصخرة من أعلاه ... ~~وإنما وصفتهم الآية بوصفهم هذا، حيث جاء في القرآن الكريم من سورة «الحشر» أنهم # لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ~~وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم ~~شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ~~[سورة الحشر: ~~14]. # وليس في خليقة من هذه الخلائق قدوة صالحة تعلم الجاهليين ما يحسن بهم أن يتعلموه، ويهتدوا ~~به إلى طريق مستقيم. # ولقد عاش يهود يثرب ما عاشوا في جزيرة العرب ولم يؤثر عنهم قط سعي في سبيل مطلب من ~~المطالب العامة والخاصة، غير الاستكثار من الربح المشروع وغير المشروع بكل ما استطاعوا من ~~حول وحيلة، فلما جهر النبي بدعوته خذلوه من مبدأ الأمر، وأوفدوا وفودهم إلى كفار قريش ~~يعرضون عليهم المؤازرة والمحالفة، واتخذوا خطتهم التي ثابروا عليها بعد ذلك، ولم يعدلوا ~~عنها إلى حين إجلائهم عن حدود الجزيرة، وخلاصة هذه الخطة تثبيت الوثنية الجاهلية، وإيثارها ~~على دعوة التوحيد والتنزيه، التي جاءت بها رسالة الإسلام، وشملت بها تعظيم العقائد الكتابية ~~وعقائد التوحيد جملة منذ عهد إبراهيم الخليل. # وكان في سعيهم للتأليب على هذه الدعوة بعض الأناة والحيطة قبل الهجرة النبوية إلى ~~المدينة؛ ms033 لأنهم كانوا يتراوحون في مساعيهم بين الحذر من عاقبة الدعوة، وبين الأمل في القضاء ~~على تجارة قريش وانفرادهم بعد قريش بتجارة الحجاز كله؛ من اليمن إلى مكة إلى المدينة إلى ~~الشام. فلما هاجر المسلمون القرشيون إلى المدينة، وأقاموا لهم سوقا بجوار سوق اليهود، ~~أرادوا أن يفسدوا كل ما صنعه الإسلام حتى الصلح بين الأوس والخزرج، والمؤاخاة بين المهاجرين ~~والأنصار، واستيئسوا في الكيد والدس، ولم يحرصوا على شيء غير استبقاء الربح، والتأليب على ~~كل إصلاح وكل مصالحة في غير هذا السبيل. # فإذا كان ليهود يثرب أثر في مقدمات الدعوة المحمدية، فهو أثر أسوأ من أثر الجاهليين في ~~المقاومة والعناد، وإذا استفاد الباحث من تاريخ هؤلاء القوم توضيحا لتلك المقدمات، فإنما ~~تأتي هذه الفائدة من جانب آخر لا فضل لهم فيه؛ فإنهم كانوا تصحيحا عمليا لأخطاء ~~المستشرقين الذين أنكروا وحدة اللغة العربية قبل الإسلام في عصر المعلقات والقصائد ~~الجاهلية. # ولقد كانت وحدة اللغة من مقدمات الدعوة الإسلامية التي خاطبت العرب جميعا بلسان يعرفونه ~~من قبل عصر الإسلام، فجاء بعض المستشرقين بوهم من أوهامهم يشككون في وحدة هذه اللغة، ~~وينكرون اتفاق الجزيرة على التخاطب بلسان القرشيين والمكيين، وزعموا أن وحدة هذه اللغة ~~ممتنع لاختلاف لسان العدنانيين والقحطانيين. # فاليهود في يثرب أصدق جواب على هذه الأوهام؛ لأنهم غرباء عن الجزيرة العربية، دخلوها في ~~القرن الأول أو الثاني للميلاد، ولا يجوز الشك في ذلك، ولا القول بأنهم عرب تهودوا، كما قال ~~بعض المؤرخين على غير علم ولا روية فيما يصح أن يقال؛ فإن القول بذلك يستلزم منا أن نفرض ~~أن العرب الأميين تطوعوا للتحول إلى اليهودية، ثم تعلموا العبرية وتفقهوا في كتب التوراة ~~لينقطعوا عن أسلافهم، وينضووا إلى قوم مخذولين في بلادهم لا يسلمون لأحد من الأمم بأنه ~~أهل للدخول معهم في عداد شعب الله المختار؛ فهذا من أغرب الفروض التي لا تثبت بغير دليل ~~قاطع، فضلا عن الثبوت بغير دليل. # وليس في هجرة اليهود من فلسطين إلى بلاد العرب غرابة أو مناقضة لوقائع التاريخ ms034 بعد ~~تشتيتهم في القرن الأول أو الثاني للميلاد، وقد كان مقامهم على الطريق بين تيماء والمدينة ~~للتجارة والزراعة، والاشتغال بغير صناعات القبائل العربية أشبه شيء أن يكون على تلك الطريق ~~خاصة دون الطريق الأخرى، التي يحميها النبط وقريش، ولا يستطيع اليهود المهاجرون أن يقتحموها ~~على أصحابها وهم مشردون مستضعفون، مع العداء بينهم وبين النبطيين، وتعصب النبطيين على ~~إسرائيل دينا ولغة وميلا في السياسة والولاء. وعلى جميع هذه الفروض التي لا تقبل الشك، ~~تبقى هناك الحقيقة التي لا تختلف مع اختلاف القول في أصول يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي ~~القرى على الإجمال. # فهل هؤلاء عرب يكتبون؟ # لو كانوا كذلك لقد كانوا خلقاء أن يحفظوا في صحفهم كلاما عربيا مما قبل الإسلام بثلاثة ~~قرون يخالف العربية الموحدة في عصر الإسلام، إن صح أن العربية لم تكن موحدة في أيام شعراء ~~المعلقات، وبعض هؤلاء الشعراء لم يسبقوا عصر الإسلام بأكثر من مائة عام. # وكانوا خلقاء أن يحفظوا بالكتابة العبرية لهجة غير اللهجة الموحدة، التي يشك المستشرقون ~~في سبقها للإسلام إلى عصر أولئك الشعراء، أو كانوا خلقاء أن نعلم من كتابتهم شيئا يؤيد ~~ذلك الشك نوعا من التأييد. # أما إذا كانوا على القول الراجح - بل القاطع - يهودا دخلوا الجزيرة بلسان غير لسانها، ~~وتكلموا الآرامية أو الأدومية أو العبرية، ثم تعلموا اللغة العربية الحجازية، فهذا التوحيد ~~الذي تم بين اللغة الحجازية وبين الآرامية أو الأدومية أو العبرية ليس بالمستغرب أن يتم ~~بين لهجة العرب في الجنوب، ولهجة العرب في الحجاز وسائر أطراف الجزيرة، فقد أقام عرب اليمن ~~في الجزيرة واتصلوا بالحجاز زمنا أطول جدا من مقام اليهود المهاجرين منذ القرن الأول أو ~~الثاني للميلاد. # ولم يصل إلينا شيء من لغة اليهود الذين أقاموا بجنوب الجزيرة، أو اليهود الذين تحالف معهم ~~ذو نواس في نجران، ولكن اليهود الذين وفدوا إلى الحجاز بعد البعثة النبوية كان منهم ~~كتاب ومؤرخون مطلعون على تواريخ حمير وتواريخ أسلافهم العبرانيين، وكان منهم كعب بن ماتع ~~الحميري الملقب بكعب الأحبار، وكان منهم ms035 وهب بن منبه الصنعاني، الذي قال ابن خلكان: إنه رأى ~~كتابا له عن ملوك حمير وأخبارهم وأشعارهم في مجلد واحد. ووصف هذا الكتاب بأنه مفيد. # وقد كان كعب ووهب من المغربين في طلب النوادر، فلم يذكرا لنا زمنا شهداه، أو شهده آباؤهم ~~وأجداهم كانت فيه لغة قريش مجهولة في اليمن ومن جاورها. وأدنى من ذلك إلى عصر البعثة قدوم ~~الوفود من اليمن إلى الحجاز، وذهاب الولاة من الحجاز إلى اليمن بإذن النبي - عليه السلام - ~~ومنهم معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب ومن كان يصحبهما في عمل الولاية والتعليم، فلم نسمع ~~أن وفود اليمن على النبي جهلوا ما سمعوه، أو نطقوا بكلام لا يفهمه أهل الحجاز، وهؤلاء قد ~~لقنوا لغاتهم من آبائهم، فلا يفوتهم ما اختلف من كلامهم إذا كان ثمة اختلاف. # وأقدم من البعثة المحمدية رحلة الصيف ورحلة الشتاء، وليس في أخبار هذه الرحلات إلماع ~~إلى تفاهم قريش مع أهل اليمن بلغة غير اللغة القرشية في الجيل السابق للبعثة والجيل الذي ~~تقدمه، ومن البعيد جدا أن يغيب عن ذاكرة العربي حديث جيلين قبل جيله وقد كانت أخبارهم ~~ورواياتهم وأنسابهم وأمثالهم كلها قائمة على الحفظ، وتسلسل الرواية، والإسناد من جيل إلى ~~جيل. فإذا كانت لغة الحجاز شائعة عامة على مدى الذاكرة في عصر البعثة المحمدية، فلا أقل ~~من ثلاثة أجيال تقدر لهذا الشيوع وهذا التعميم، وترجع بنا هذه الأجيال إلى أقدم الأوقات ~~التي أسند إليها نظم المعلقات، فلا نستغرب نظمها باللغة التي يفهمها العرب من الجنوب إلى ~~الشمال. # ولقد سمع النبي - عليه السلام - قصيدة كعب بن زهير، وقد نظمها - ولا شك - بلغة أبيه زهير ~~بن أبي سلمى، وكان زهير من أسرة شاعرة مسبوقا إلى النظم بتلك اللغة، ولا يعقل أن يكون ~~التغير في لغة النظم قد طرأ عليهم فجأة في مدى سنوات معدودات، فإذا بلغنا بالمعلقات عصر هرم ~~بن سنان - ممدوح زهير - وما تقدمه بقليل، فليس من شعراء المعلقات من هو أقدم من ذلك بزمن ~~طويل يمتنع فيه التوافق على ms036 النظم الواحد واللغة الواحدة. # ولا بد أن نذكر هنا أن أوزان العروض لا تخلق بين يوم وليلة، وأن وزن قصيدة كعب ~~ووزن قصيدة أبيه قد وجدا قبل عصر الشاعرين، ونظمت فيهما قصائد جيل أو جيلين على الأقل قبل ~~ذلك التاريخ، ولو أن هذه الأوزان وسعت شعرا غير شعر اللغة الحجازية لما غاب خبره ولو غاب ~~لفظه ومعناه. # ومن عسف القول - ولا ريب - أن نجزم بامتناع هجرة اليمانية إلى ما وراء حدود اليمن في ~~الجزيرة العربية، فإذا جاز أن تهاجر منهم قبيلة واحدة، فحكم القبيلة في مسألة اللغة كحكم ~~القبائل العشر أو العشرين. ولمن شاء أن ينكر نسبة البكريين أو التغلبيين أو الغساسنة إلى ~~اليمن مستندا إلى الدليل، أو غير مستند إلى دليل على الإطلاق، ولكنه لا يستطيع أن ينكر ~~نسبتهم إلى اليمن، وينكر نسبة اللغة العدنانية إليهم في وقت واحد؛ فإنه بذلك ينكر نسبتهم ~~إلى كل أصل معروف في الجزيرة العربية، ولا يأتي لهم بأصل غير تلك الأصول. # وإن من ينكر انتقال قوم من اليمن إلى ما وراءها لينكر أمرا غير قابل للإنكار في ~~الجزيرة العربية، التي لم يثبت فيها تاريخ أثبت من تواريخ الرحلات على تباعد الأزمنة، وتبدل ~~العوارض الجوية وطوارئ الخصب والجدب، والغلبة والهزيمة. وما من باحث ذي روية يعتسف البت ~~بذلك الإنكار، ثم يجزم بحصر اليمانية في حدودهم منذ أحاطت بهم تلك الحدود؛ فمن العسف أن ~~يقال: إن اليمانية لم تبرح اليمن قط في العصور التي سبقت البعثة المحمدية. # وليس من العسف في شيء أن يقال: إنها برحتها على حسب الطوارئ وعوامل الجو والتاريخ، ولا ~~داعية بعد ذلك لاستغراب التوافق بين اليمانية وأبناء الحجاز وتهامة وسائر الجزيرة في لهجة ~~من اللهجات. فما دمنا نقدر بحكم البداهة أن اليمانية وجدوا في الجزيرة العربية وراء حدودهم، ~~وتكلموا كما يتكلم المقيمون في جوارهم، فقد زالت المشكلة، ولم تكن هنالك في الحقيقة مشكلة ~~تزال. # وليس أكثر من العسف الذي يلجأ إليه منكرو الوحدة في لغة الجزيرة قبل البعثة المحمدية ~~بجيلين أو ms037 ثلاثة أجيال، وإن اعتساف التاريخ هنا لأهون في رأينا من اعتساف الفروض الأدبية ~~التي لا تقبل التصديق، فما من قارئ للأدب يسيغ القول بوجود طائفة من الرواة يلفقون أشعار ~~الجاهلية كما وصلت إلينا، ويفلحون في ذلك التلفيق؛ إذ معنى ذلك «أولا»: أن هؤلاء الرواة ~~قد بلغوا من الشاعرية ذروتها، التي بلغها امرؤ القيس والنابغة وطرفة وعنترة وزهير وغيرهم من ~~فحول الشعر في الجاهلية. # ومعنى ذلك «ثانيا»: أنهم مقتدرون على توزيع الأساليب على حسب الأمزجة والأعمار والملكات ~~الأدبية، فينظمون بمزاج الشاب طرفة، ومزاج الشيخ زهير، ومزاج العربيد الغزل امرئ القيس، ~~ومزاج الفارس المقدام عنترة بن شداد، ويتحرون لكل واحد «مناسباته» النفسية والتاريخية، ~~ويجمعون له القصائد على نمط واحد في الديوان الذي ينسب إليه. # ومعنى ذلك «ثالثا»: أن هذه القدرة توجد عند الرواة ولا توجد عند أحد من الشعراء، ثم ~~يفرط الرواة في سمعتها وهم على هذا العلم بقيمة الشعر الأصيل. وما من ناقد يسيغ هذا الفرض ~~ببرهان، فضلا عن إساغته بغير برهان ولغير سبب، إلا أن يتوهم ويعزز التوهم بالتخمين. وإن ~~تصديق النقائض الجاهلية جميعا لأهون من تصديق هذه النقيضة التي يضيق بها الحس، ويضيق بها ~~الخيال. # وشتان - مع هذا - النقائض التي يستدعيها العقل، ويبحث عنها إذا تفقدها فلم يجدها، ~~والنقائض التي يرفضها العقل ولا موجب لها من الواقع ولا من الفكر السليم. # فهذه النقائض التي تحاول أن تشككنا في وحدة اللغة العربية قبل الإسلام يرفضها العقل؛ لأن ~~قبولها يكلفه شططا، ولا يوجبه بحث جدير بالإقناع. # فمما يتكلفه العقل إذا تقبلها أن يجزم - كما تقدم - بانقطاع عرب اليمن عن داخل الجزيرة ~~كل الانقطاع، وأن يجزم ببقاء لغة قحطانية تناظر اللغة القرشية في الجيلين السابقين ~~للبعثة المحمدية غير معتمد على أثر في ذاكرة الأحياء، ولا في ورق محفوظ، وأن يلغي كل ما ~~توارثه العرب عن أنسابهم وأسلافهم، وهم أمة تقوم مفاخرها وعلاقاتها على الأنساب وبقايا ~~الأسلاف، وأن يفترض وجود الرواة المتآمرين على الانتحال بتلك الملكة التي تنظم أبلغ ~~الشعر، وتنوعه على حسب ms038 الأمزجة والدواعي النفسية والأعمار، وأن يفهم أن القول المنتحل ~~مقصور على الأسانيد العربية، مبطل لمرجعها دون غيرها من مراجع الأمم التي صح عندها الكثير ~~مما يخالطه الانتحال والكذب الصريح. # ومن النقائض التي يستدعيها العقل ويستلزمها، ويتخذ منها حجة الثبوت الواقع في جملته أن ~~يحدث الاختلاف في الرواية، وأن يتعذر فيها الإجماع بين الرواة؛ فإن العقل لا يصدق الأقاويل ~~التي يتفرق رواتها، ويطول العهد عليها، ويعول أصحابها على الذاكرة والإسناد، ثم تأتي متفقة ~~في الجملة والتفصيل، ولا تتعرض مع الزمن وعوامل الأهواء للاضطراب والحذف والإضافة عن قصد، ~~أو بفعل النسيان والإهمال. # فاختلاف الرواة إذن سبب من أسباب التصديق، واتفاقهم يدعو إلى الشك أو التكذيب. # وقد نسمع النقيضين في هذه الحالة فنرفضهما، ولا نرفض لباب الخبر ومغزاه؛ فقد سمعنا أن ~~عمرو بن كلثوم أو الحارث بن حلزة ألقى قصيدته في وقفة واحدة، وسمعنا أن زهير بن أبي سلمى ~~كان ينظم قصيدته في الحول، وتسمى قصائده من أجل ذلك بالحوليات، وقد نسقط هذه المبالغة كما ~~نسقط تلك، ولا يلزم من ذلك أن نسقط الشعر الذي بولغ في وقت نظمه بين أقصى الطرفين. # وربما وقفنا على روايتين نصدقهما الآن عند النظر إلى الحقائق العصرية، ونعلم أن ~~تلفيقهما في الزمن الماضي جد عسير ولو أراده الملفقون، فمما يروى عن امرئ القيس أنه تعجب من ~~إعراض النساء عنه مع وسامته ومكانته، وسأل إحدى النساء في ذلك فقالت له: نعم، ولكن لك عرقا ~~كأنه عرق كلب. ثم نقرأ أخبار وفاته فنعلم منها أنه أصيب قبل موته بقروح تساقط منها جلده، ~~وسمى الحلة التي كان يلبسها من أجل ذلك بذات القروح. # ومؤدي الروايتين معا أن الشاعر كان على استعداد للمرض الجلدي لفساد رائحة العرق الذي ~~يفرزه، وأنه لم يزل حتى استشرى به الفساد في رحلته القصية، فظهر في تلك القروح، ويقترن ذلك ~~بنوادره مع النساء المعرضات عنه، وغلبة الشاعر علقمة عليه في عيني امرأته، فلا يسهل على ~~الناظر في جميع هذه الأخبار أن ينسب تلفيقها عمدا إلى راوية ms039 واحد، ولا يسهل عليه أن ~~يتلقاها متفرقة ثم يجردها من الدلالة التي تربط بينها على غير علم من الرواة ~~المتفرقين. # وربما كذب الكثير من أخبار طرفة، ولم تكذب قصيدته التي تنم في جملتها على خلائقه التي ~~تنوب عن تلك الأخبار، وتغنينا عن محاسبة الرواة على التصديق أو على التكذيب. # وهذه القرائن الأدبية هي التي يغفل عنها المستشرقون ولا يفطنون لها؛ لأنهم ينظرون في ~~النصوص والإسناد، ولا ينظرون في الأدب، ولا في روح الكلام ومضامين التعبير، ومنهم من لا ~~يعرف أدب بلاده، ولا يحسن الحكم عليه، وهو أدب اللغة التي تلقنها في حجر أمه، فليست معرفته ~~باللغة العربية كافلة له أن يحكم على آدابها وأساليبها ومضامين الكلام على تعدد الأمزجة ~~والأذواق، ومنهم علامة تصدى لوضع المعجمات الكبرى في اللغة العربية، فكتب في مادة «أخذ» ~~أنها تأتي بمعنى نام؛ لقوله تعالى: # لا تأخذه سنة ولا ~~نوم ~~[البقرة: 255]، ومنهم من يترجم «أبا بكر» بأبي العذراء؛ لأنه كان والد ~~الزوجة التي بنى بها النبي - عليه السلام - وهي عذراء، ومنهم من يترجم الصعيد بمصر الميمونة ~~أو مصر السعيدة # Egypt Felix ~~؛ قياسا على اليمن التي تسمى ~~العربية السعيدة # Arabia Felix ~~. # ومنهم من يقول: إن التضحية تدل على عبادة الشمس؛ لأنها من الضحى ... وما هي في وضعها إلا ~~كالتغذية من الغداة، والتعشية من العشاء، والسحور من السحر، إلى غير ذلك من توقيت الوجبات ~~والذبائح بميقاتها من الليل والنهار ... ومنهم من يحسب أن القصيدة من القصد، فيترجمها ~~بالكلام الذي يراد معناه! # وقد تصدت منهم لهذا البحث الذي نحن فيه عن اللغة قبل نزول القرآن طائفة تقتحم هذه المباحث ~~وهي أجهل بآلاتها من عامة الأميين. # فالدكتور سنكلر ثسديل # Thusdale ~~، صاحب كتاب مصادر الإسلام، ~~يروي شبهات الناقدين للقرآن الكريم، ومنها هذه الأبيات: # دنت الساعة وانشق القمر # عن غزال صاد قلبي ونفر # أحور قد حرت في أوصافه # ناعس الطرف بعينيه حور # مر يوم العيد في زينته # فرماني فتعاطى فعقر # بسهام من لحاظ فاتك # فتركني كهشيم المحتظر # ويتخذ منها قرينة على اقتباس ms040 القرآن بعض الآيات من أشعار الجاهليين. # ويضيف الدكتور العلامة إلى هذه الأبيات أبياتا أخرى كقول القائل: # أقبل والعشاق من خلفه # كأنهم من حدب ينسلون # وجاء يوم العيد في زينة # لمثل ذا فليعمل العاملون # قال الدكتور: «ومن الحكايات المتداولة في عصرنا الحاضر أنه لما كانت فاطمة بنت محمد تتلو ~~هذه الآية، وهي # اقتربت الساعة وانشق القمر ~~[القمر: 1]، سمعتها بنت امرئ القيس، وقالت لها: إن هذه القطعة من قصائد أبي، أخذها والدك ~~وادعى أن الله أنزلها عليه، ومع أنه يمكن أن تكون هذه الرواية كاذبة؛ لأن امرأ القيس توفى ~~سنة 540م، ولم يولد محمد إلا في سنة الفيل؛ أي سنة 570م، فلا ينكر أن هذه الأبيات ~~المذكورة واردة في سورة القمر، وفي سورة الضحى، وفي سورة الأنبياء، وفي سورة الصافات، وغاية ~~الأمر أنه يوجد اختلاف طفيف في اللفظ وليس في المعنى؛ فورد في القرآن: اقتربت، وفي ~~القصيدة: دنت ... # ومن البين الواضح أنه يوجد مناسبة ومشابهة بين هذه الأبيات وبين تلك الآيات الواردة في ~~القرآن، فإذا ثبت أن هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقة، فحينئذ يصعب على المسلم توضيح ~~كيفية ورودها في القرآن؛ لأنه يتعذر على الإنسان أن أبيات شاعر وثني كانت مسطورة في ~~اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم.» # ثم قال الدكتور يطالب العلماء المسلمين مع المعترضين والمشتبهين بأن يقيموا الدليل على ~~أن هذه الآيات مأخوذة ومقتبسة من القرآن، وأنها ليست من نظم امرئ القيس الذي توفي قبل ~~مولد محمد بثلاثين سنة، ولكن يصعب علينا أن نصدق بأن ناظم هذه القصائد بلغ إلى هذا الحد من ~~التهتك والاستخفاف والجرأة في أي زمن من الأزمان بعد تأسيس مملكة الإسلام، التي كانت متسعة ~~الأطراف والأكناف، حتى يقتبس آيات من القرآن ويستعملها في مثل هذا الموضوع. # ثم يختم الدكتور كلامه في هذه الشبهات مصطنعا الحذر والحيطة؛ لئلا يثبت نظم هذه الأبيات ~~بعد الإسلام، فتسقط الشبهة كلها، فيقول: إن هذه الأبيات ليست كل ما يعترض به المعترضون؛ ~~لأن ما تقدم من الأسانيد كاف عندهم لتأييد هذه القضية. ms041 # 1 # وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة ~~القرآن الكريم، أنهم يحسبون أن علماء المسلمين يلقون في بحث تلك الأبيات وصبا واصبا؛ ~~لينكروا نسبتها إلى الجاهلية، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض ~~نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية. # وهذه النظرة الكافية هي التي تعيي الناقدين المستشرقين، وهي أصل وثيق من أصول النقد يعول ~~عليه الناظر في الأدب كل التعويل، ولا يقدح فيه أن يتسع للجدل، وأن يجوز عليه الخطأ في ~~القليل دون الكثير. # كذلك يتسع سبيل الجدل في إنكار خبرة الخبير بكتابة الخطوط، وكذلك يجوز الخطأ في محاكاة ~~الكلمة، أو بضع كلمات، ولا يجوز في السطور والصفحات. # فإذا نظر خبير الخطوط في صفحة من الصفحات فقد تغنيه نظرة في الحكم عليها بالصحة أو ~~التزييف، وربما جاز عليه أمر الكلمة والكلمات إذا لم يكن أمامه غير هذه الكلمة، أو هذه ~~الكلمات للمقابلة والمضاهاة، ولكنه إذا حصل على تلك الكلمة المكتوبة عشر مرات أو عشرين مرة، ~~لم يكن من اليسير أن ينخدع فيها كما ينخدع في الكلمة المفردة بغير تكرار، وعلى هذا المنوال ~~يبدو الصحيح والزيف في الشعر الأصيل والشعر المدخول. وقد يجوز التزوير في الشطرة الواحدة أو ~~البيت الواحد إذا امتنعت المقارنة بينه وبين أمثاله من تلفيق صاحب التزوير، ولكنه لا يجوز ~~إذا كرر المزور الأبيات، ومثلت للناظر الناقد طريقته في تزوير هذه الأبيات ~~المتفرقات. # تزوير الأدب الجاهلي مستحيل # أما المستحيل أو شبيه المستحيل، فهو تزوير أدب كامل ينسب إلى الجاهلية، ويصطبغ في ~~جملته بالصبغة التي تشمله على تباين القائلين والشعراء، فإذا جمعنا الشعر المنسوب إلى ~~الجاهلية كله في ديوان واحد، فمن المستحيل أو شبيه المستحيل أن نجمع ديوانا يماثله من ~~كلام العباسيين، أو كلام الأمويين المتأخرين، وإذا قل الفارق بين الشعر المخضرم ~~والشعر الأموي الأول والشعر الجاهلي؛ فتلك آية على صحة العلامات التي تميز الشعر ~~الجاهلي، وعلى صحة القرابة بينه وبين الشعر الذي لم يفترق ms042 عنه افتراقا بعيدا بزمانه، ~~وثقافة قائليه وبيئاتهم في المعيشة ومناسبات التعبير، فلا يتشابه الشعر الجاهلي والشعر ~~المخضرم إن لم يكن بينهما ميزان مشترك، مع انتمائه إلى عشرات الشعراء الجاهليين ~~والمخضرمين. # إن الملامح الشخصية التي تميز بين الفرزدق والأخطل وجرير لم يكن لها ثبوت أوضح ~~وأقوى من ثبوت الفوارق التي تميز بين امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير. فمن يرى أن ~~خلق دواوين الفرزدق والأخطل وجرير في وسع راوية واحد، فقد سهل عليه أن ينسب شعر ~~الجاهليين جميعا إلى راوية أو رواة، ولكنه يذهب في الحالين مذهبا لا سند له ولا سابقة ~~من مثله في آداب الأمم، ولا نصيب له من الذوق الأدبي غير النبو والاستغراب. # وربما كان «سنكلر ثسديل» الذي مثلنا به لجهل المستشرقين باللغة والذوق الأدبي مثلا ~~صارخا، كما يقال في التعبير الحديث، ولكن المثل الصارخ هو الذي يبرز الحقيقة مستعصية ~~على اللبس والمكابرة، ويحيط بما دونه من الأمثلة التي تتردد بين الشك واليقين، وقد ~~أتينا على طائفة منها لا تتخلف عن المثل الصارخ بشوط بعيد. # سوء فهم وسوء نية # والمعهود في جماعة المستشرقين أن الكثيرين منهم يقرنون سوء الفهم بسوء النية؛ لأنهم ~~يخدمون سياسة المستعمرين أو سياسة المبشرين المحترفين، أو ينظرون في بحوثهم نظرة ~~الغربي الذي ينظر إلى الشرقي نظرة المتعالي عليه في حاضره وماضيه، غير أنهم - ما عدا ~~القليل منهم - محدودون سطحيون يحومون حول المسائل الحسية، ولا يتوسعون في النظر أو ~~يتعمقون وراء الظواهر التي يلمسها شاهد الحس لمسا، فلا تخرج عنده من حدود ما يثبته أو ~~ينفيه من وقائع العيان والسماع. # فغاية ما يقصدون إليه من أمر اللغة أنهم يلتمسون الأسناد المعتمدة عند أهلها، ~~فيأخذونها بالشك والتجريح، وأنهم يهدمون الدعائم القائمة ليستجيزوا بعد ذلك كل ادعاء ~~يدعونه، وكل إنكار ينكرونه من أصول اليقين والاطمئنان، وتشكيكهم في أسانيد اللغة من ~~هذا القبيل لا يعدوه إلى مطلب بعيد من مطالب الإحاطة والاستيعاب، فهو كالمنازع الذي ~~ينكر على صاحب الدار وثيقته، ولا يعدوها إلى أركان الدار وما في الدار، ms043 وتقديرهم لمسألة ~~الشك في وحدة اللغة أقل جدا من قدرها الصحيح في مقدمات الدعوة المحمدية؛ إذ هي أصلح ~~هذه المقدمات للدلالة على ما بعدها، وأصدق في التمهيد لنتائجها من مقدمات السياسة ~~والأحداث الاجتماعية؛ لأنها المقدمة الوحيدة التي تمشي في طريق الدعوة المحمدية مساوقة ~~لها، مترقبة لأوانها، ولا تكون الدعوة المحمدية بالنسبة إليها كأنها رد الفعل الذي ~~يقاوم ما قبله، ويجري معه مجرى النقيض من النقيض. # الفخر باللسان العربي # إن الشعور بالعربية والفخر باللسان العربي مقدمة لا بد منها للدعوة التي تواجه ~~العرب بآية البلاغة في القرآن الكريم، وتروعهم بالمعجزة التي يحكونها إن استطاعوا، أو ~~يحسبونها من قدرة الله. # مثل هذا التحدي بالبلاغة لا يحدث في أمة لم تتأصل فيها مفخرة اللسان العربي ~~والوحدة العربية جيلين أو ثلاثة أجيال، ولا بد - مع ذلك - أن تكون فتحا قريبا أو ~~شعورا فنيا لم يتطاول عليه العهد مئات السنين، ولم تذهب روعته بالألفة وفتور ~~النسيان. # ووحدة اللغة القرشية أو الحجازية لا تصبح من مفاخر العرب جميعا كرامة لقريش أو لأرض ~~الحجاز، ولكنها خليقة أن تسري إلى نفوس العرب من حيث يشعرون بالعروبة الموحدة عالية ~~الرأس، غير مستكينة لسلطان من «العجم» على الخصوص. # والكعبة هي الجوار الوحيد الذي يشعر عنده العرب هذا الشعور. # فهم في الشام رعايا دولة الروم، وهم في الحيرة رعايا دولة الفرس، وهم في اليمن أتباع ~~للحبشة أو لفارس، أو رعايا لسلطان يدينهم بالمذلة كما يدينهم الملوك الغرباء. # ولكنهم عند بيت الله في حرم الله يقدسونه جميعا؛ لأنه لهم جميعا يضمهم إليه كما يضم ~~أوثانهم وأصنامهم وأربابهم، يلوذون به ويأوون إليه، فكلهم من معبود أو عابد في حمى من ~~الكعبة؛ لأنهم في بيت الله. # وشعورهم هنا بأنهم «عرب» لم يماثله شعور قط في أنحاء الجزيرة العربية، وقد أوشك أن ~~يشمل شعب اليمن وجمهرة أقوامه على الرغم من سادته وحكامه، فما كان هؤلاء الحكام لينفسوا ~~على الكعبة مكانها، ويقيموا لها نظيرا في أرضهم لو كان شعب اليمن منصرفا عنها غير ~~معتز بها كاعتزاز ms044 البادية والصحراء. # وحدة الكعبة # وقد وافق ذلك زوال عرش الحيرة، وزوال عرش حمير، واستكانة الغساسنة في الشام تارة ~~للروم وتارة للفرس، بلا ولاء لهؤلاء ولا لهؤلاء، ولا بقية من الفخر لهم غير أنهم عرب، ~~وليسوا من هؤلاء ولا هؤلاء. # وإن إبقاء الإسلام على مكانة الكعبة لدليل على هذه المكانة، ودليل على حكمة الإسلام ~~في الاحتفاظ بها للعالم الإسلامي في متسعه العميم بعد عالمه الأول في الجزيرة ~~العربية. # ونكاد نقول: إن العرب أقبلت على الإسلام أفواجا حين صارت الكعبة إلى يديه، وأصبحت ~~عاصمة العروبة عاصمة للدين الجديد. # ولو لم تكن للعرب وحدة معروفة بينهم قبل البعثة الإسلامية، لما اعتزوا بالبيت الجامع ~~لهم هذا الاعتزاز، وما وحدة أقوام متقاتلين متنازعين مأخوذين بعصبية الأجداد والعشائر ~~إن لم تكن وحدة اللغة، ووحدة الفخر بلسان مبين يتيهون به على «العجم» أجمعين؟! # قال سترابون: إنه وجد الأقوام في بلاد العجم تتفاهم بلغة واحدة، وهي بلاد تعاقبت ~~عليها سلالات الآريين والطورانيين والساميين، ويقال في روايات شتى: إن الحاميين وصلوا ~~إليها في زمن قديم، كما كانوا يصلون إليها، ويتجمعون فيها بعد الإسلام بعدة قرون، ولم ~~تكن عوامل الوحدة اللغوية بينهم أقوى من عواملها في جزيرة العرب، ولم يمض عليهم من ~~الزمن ممتزجين متقاربين أكثر مما مضى على القبائل العربية التي من عادتها الترحل ~~والانتقال من مرعى إلى مرعى، ومن جوار إلى جوار. # وفي زماننا هذا - من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين - لا نرى أحدا يستغرب تخاطب ~~القوم في جزائر البريطان بلغة واحدة، ومنهم الأيرلنديون والأيقوسيون والغاليون، وفي كل ~~أمة من هذه الأمم خطباء مفوهون، وشعراء مشهورون يحسنون الإنجليزية منظومة ومنثورة، وفي ~~مجامع الخطابة والبيان، ولا نرى أحدا يستغرب ذلك في بلاد الإسبان، ومنهم القشتاليون ~~والباسكيون. # ولا نرى في مصر هنا من يستغرب البيان العربي الفصيح إذا نسب إلى فئة من أبناء النوبة، ~~وهم يتفاهمون في الإقليم النوبي برطانة لا يفهمها سائر المصريين، فلا موجب لإنكار النظم ~~والكلام بلغة واحدة في جزيرة العرب قبل البعثة المحمدية بمائتي سنة ms045 أو أكثر من ذلك، ~~مع عجز المنكرين أن يأتوا بشاهد من اللغة الأخرى التي يفترضونها، وينكرون توحيد اللغة ~~من أجلها، ومع توافر الأسباب الموحدة في جزيرة العرب على نحو لم يعهد في غيرها من بلاد ~~الزمن القديم، ولا تكفي كلمة أو كلمات للحكم بانفصال اللغات؛ فإن الإقليمين في قطر ~~واحد لا يتفقان في جميع الكلمات. # فمن التاريخ الثابت أن أبناء الجنوب لم ينقطعوا عن الشمال، ولم تزال لهم آثار ~~مكتوبة فيها إلى الآن، وقد وجدت بعض هذه الآثار بالخط الجنوبي واللغة الشمالية؛ مما يدل ~~على تشابه الكلام والنطق مع بقاء الكتابة بخط الجنوب. # وحدثت في تاريخ الجنوب حوادث متعاقبة نقلت زعامة الشمال إلى الشماليين، وجعلت أهل ~~الجنوب تبعا لهم كلما وفدوا على الشمال، وذاك بعد قيام الدولة النبطية التي ازدهرت في ~~القرن الرابع للميلاد، وتغلغل روادها وتجارها في الغرب، كما ظهر من بعض نقوشهم في بحر ~~إيجة وفي إيطاليا الجنوبية. # وقد كان من أسباب ضعف الجنوب وقيام دولة النبط في الشمال اضطراب بلاد اليمن بعد حروب ~~الإسكندر، واجتياجه لدولة فارس التي كان لها الإشراف على حكومة اليمن وتجارة الهند ~~والشرق عامة في الأقطار العربية، وبعد انهيار سد مأرب وانتشار القراصنة في خليج العجم ~~وبحر العرب والبحر الأحمر، فغلبت طريق القوافل التي تمر بالحجاز على جميع الطرق الأخرى، ~~وتقاربت الصلة بين النبط والحجازيين، وأخذ الحجازيون بالخطة الوسطى التي تلتقي عندها ~~سبل الجنوب والشمال والشرق والغرب في كل بقعة عربية لم تكن للفرس حماية عليها، واشتعلت ~~الحروب بين اللخميين على خليج العجم، والغساسنة في بادية الشام، فانحصر الأمان أو كاد ~~على طريق الحجاز. # واحتاج النعمان بن المنذر - صاحب الحيرة - إلى زعماء مضر لحماية تجارته داخل الجزيرة ~~إلى مكة، فكان من أسباب يوم نخلة أنه أراد رجلا يجيز قوافله على أهل نجد، فتنازعها ~~البراض وعروة الرحال سيد هوازن، وقال له هذا: إنه يجيزها على أهل الشيح والقيصوم في أهل ~~نجد وتهامة، ثم نشبت الحرب، فاحتكم الجميع أخيرا إلى سيد من سادات مكة عبد ms046 الله بن ~~جدعان. # وانقضت عدة قرون على اتصال النبط والحجاز، وعمل الحجازيون على تعظيم شأن الحجاز بين ~~النبطيين، فوضعوا في الكعبة تماثيل أرباب يعبدها النبطيون، يعد منها الرواة: هبل واللات ~~ومناة التي قيل: إنها من «المنية»، بمعنى «القدر المقدور» معبود النبطيين، وقولهم: حانت ~~منيته وحان قدره معنى واحد عند عباد مناة. # ولا شك أن قصة «عمرو بن لحي» الذي اتفقت الأخبار على أنه نقل الأصنام من بلاد النبط ~~إلى الكعبة، إنما هي وسيلة من وسائله لتعظيم شأن الكعبة عند أهل الشمال، وإيناسهم بها ~~كلما رحلوا إلى الحجاز، وتقريب ما بينهم وبين شعائر البيت الحرام، وهم جميعا حريصون ~~على تحريم هذه الشقة، وحماية روادها من كل قبيل. # وأخطر من ذلك كله أثرا في إعظام شأن الكعبة أنها المفخرة القومية، والحرم الإلهي ~~الذي بقي للعرب بعد سيادة الروم على غسان، وتقلب الحبشة والفرس على اليمن، وشعور ~~اللخميين - سادة الحيرة - أنفسهم بمناعة الكعبة، ومناعة الطريق في أيدي مضر ومن ~~يواليها، وهوان سلطان هؤلاء اللخميين حتى آل بهم الأمر إلى الدثور، ثم جاءت وقعة ذي قار ~~التي انتصر فيها العرب على الفرس بعد زوال دولة اللخميين وقضاء الفرس عليها، فهزت ~~الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، ونمت على نخوة قومية عربية تمكنت من نفوس القبائل ~~جميعا، فاشرأبت أعناقها زمنا إلى كل ملاذ تقصر عنه أيدي فارس والروم. # هؤلاء القوم الذين يفخرون بأنسابهم فيما بينهم، ويفخرون بجنسهم بين سائر الأجناس قد ~~حلت اللغة عندهم محل العرش والدولة، ومحل البذخ والحضارة، ومحل العلم والصناعة، حتى ~~أصبح الفخر بها علامة من العلامات التي يتميزون بها في عرف علماء الأجناس البشرية، فإذا ~~وجد الفخر باللغة فتلك علامة العربي بين العناصر عامة من أقاربه الساميين إلى ~~الغرباء عنه من الآريين والطورانيين والحاميين. # ثم تتجلى فيهم دون سائر الأمم تلك الظاهرة الفريدة في تواريخ الأديان والثقافات، وهي ~~العلو بالبلاغة حتى تكون البلاغة في قسطاس كل مخاطب بالقرآن الكريم تحديا نبويا، ~~وتحديا ربانيا، من معجزات الإله التي لا تتسامى إليها قدرة البلغاء ms047 في أمة اللسن ~~والبيان. # وهذه ظاهرة متجلية للنظر القريب والبعيد لا تحتاج من المستشرقين إلى بحث عن مجهول أو ~~معلوم، فما يجيء الكتاب بهذه المعجزة لأمة خلت من مأثورات البلاغة في شعرها وجوامع ~~كلماتها، وما هو بجائز عقلا أن يتحداها القرآن وهي لا تعرف من كلامها شيئا يتجه إليه ~~ذلك التحدي، وتدور عليه الموازنة في عرف الخبراء بالكلم البليغ، فالقياس المستقيم أن ~~القرآن نزل في قوم لهم بلاغة موروثة يتناقلونها، ولا يجهلون أعلامها. # وأما القول بأن بلاغة الجاهلية لم تكن حقيقة واقعة، وإنما اصطنعها الرواة اصطناعا ~~بعد الإسلام سندا للقرآن، ودفعا للشبهات عنه بين المؤمنين به؛ فليس من القياس ~~المستقيم في مقياس غير مقياس أولئك المستشرقين، وما كان الجاهلي الكافر ليقبل آية ~~القرآن، ولا يشك في فصاحة القرآن، ثم يأتي المسلم المؤمن، فلا تثبت له فصاحة القرآن إلا ~~بكلام يخلقه خلقا لينسب إلى أولئك الجاهليين، ولقد حدث نقيض ذلك في كثير من الشواهد ~~على صحة اللغة وسلامتها، فكان القرآن مرجع المصححين فيما يختلفون عليه، ويبتغون له ~~سندا لا مراء فيه. # ومهما يبلغ من ضعف الذاكرة بالبادية - وليست هي بالضعيفة - فلن يبلغ من نسيانها أن ~~ينقطع الجد عن أخبار أبيه وأخبار بنيه، وأن ينسى لغة سمعها في حياته، أو سمعها أبوه قبل ~~مولده، فما كان جيلان أو ثلاثة أجيال بالامتحان العسير لذاكرة قوم لا معول لهم على غير ~~الذاكرة ورواية الأخلاف عن الأسلاف، وإنه ليمتنع أو يستحيل أن ينشأ الإسلام في جيل يجهل ~~اللغة التي تنسب إلى شعراء المعلقات، وأقدمهم لم يسبق جيل الإسلام بأكثر من مائة وخمسين ~~سنة. وفي هذه السنين خاصة توحد حساب التاريخ، وتولاه قلامس العرب، وخالفوا فيه تقويم ~~اليهود في حساب النسيء، فكان جنادة بن عوف ناسئا عند ظهور الإسلام، وسبقه أبوه عوف بن ~~أمية، وسبقه أبوه أمية بن قلع، وسبقه أبوه قلع بن عباد، وسبقهم آخرون إلى عهد القلمس من ~~بني كنانة، فهم في تاريخ معلوم متسلسل قبل الإسلام بأربعة أجيال. # ومن فهاهة المستشرقين هؤلاء أنهم ms048 لا يختارون من تاريخ العرب مطعنا يصيبونه غير اللغة ~~والأنساب، وكلهم يتحذلقون على العلم في شكوكهم الموكلة بالتاريخ العربي أو الإسلامي من ~~أقدم عهوده، ثم يأتي العلم فيثبت بالكشوف المحسوسة صدق الخرافة المزعومة، وكذب العلماء ~~الزاعمين، حتى لقد أصبح التخريف حقا لهؤلاء المحققين، الذين لا يعرفون من التحقيق إلا ~~اتهام كل رواية عربية أو إسلامية بالتخريف. # فمن أقطاب هؤلاء المخرفين من أنكر عادا وثمود، وأنكر الكوارث التي أصابتهم بغير ~~حجة، إلا أنه يحسب أن المنكر لا يطالب بحجة، ولا يعاب على النفي الجزاف، فما لبثوا ~~طويلا حين تبين لهم أن عادا ~~“Qadita” # وثمود ~~“Thamudida” # مذكورتان في تاريخ بطليموس، وأن اسم ~~عاد مقرون باسم إرم في كتب اليونان، فهم يكتبونها «أدراميت» # Adramitae ~~. # ويؤيدون تسمية القرآن لها بعاد إرم ذات العماد ... وعثر المنقب موزيل التشكي # Musil ~~، # 2 # صاحب كتاب الحجاز الشمالي، على آثار هيكل عند «مدين» منقوش عليه كلام ~~بالنبطية واليونانية، وفيه إشارة إلى قبائل ثمود. # ومن أقطاب هؤلاء المخرفين من أنكر أبرهة ونكبة جيشه واهتمامه بتعطيل الكعبة، وبنائه ~~القليس في صنعاء لصرف العرب عن الكعبة إليها، ثم تنكشف النقوش عن اسمه على خرائب سد ~~مأرب، ملقبا بالأمير الحبشي من قبل «ملك الحبشة وسبأ وريدان وحضر موت واليمامة وعرب ~~الوعر والسهل» ... ويتواتر الخبر عن الجدري الذي تفشى في منتصف القرن السادس للميلاد، ~~فيذكره بروكوب ~~“procobe” # من وزراء القسطنطينية. # ويروي الرحالة بروس ~~“Bruce” # الذي زار بلاد الحبشة في ~~القرن الثامن عشر، أن الأحباش يذكرون في تواريخهم أن أبرهة قصد إلى مكة، ثم ارتد ~~عنها لما أصاب جيشه من المرض الذي يصفونه بصفة الجدري. ولا يقل عن هذه الأسانيد جميعا ~~سند التأريخ بعام الفيل قبل البعثة المحمدية بجيل واحد، بل أقل من جيل. # وسد مأرب برمته لم يسلم من التكذيب، وبناء قريش للكعبة بعد مولد النبي هو أيضا تخريف ~~في زعم هؤلاء المخرفين، ولكنه لقي من يدحضه من المؤرخين الأوربيين المعاصرين، فكتب ~~كرزويل تحقيقه الذي يقول فيه: «إن العالم ليوني كايتاني يذهب إلى القول ms049 بأن قصة تعمير ~~قريش للكعبة ليست إلا خرافة من نسج الخيال، فاليوم يثبت لنا جليا بعدما أوردناه من ~~الحقائق من بناء الكعبة على الطراز الحبشي في سنة 608 ميلادية، ووجود الصور المسيحية ~~التي كانت تحلي باطنها، وقيام معمار حبشي ببنائها - وهي جميعا حقائق متماسكة آخذ بعضها ~~برقاب بعض - صدق رواية المؤرخين الذين قصوا أخبار هذه العمارة، وصحة ما ذهبنا إليه ، ~~وبطلان ما يدعيه كايتاني من اختراع هذه القصة وتلفيقها.» # 3 # ونحن نقف بهذه التواريخ عند حدها، ولا نجاوز بها مداها، فحسب الناظر في التاريخ أن ~~يفهم منا أن إخبار العرب عن لغتهم وعن أوائلهم لا تدحض جملة واحدة، وقد تخالطها ~~المبالغة، وتتناقض حولها الغرائب؛ بل ربما كان من دواعي إدحاضها أن تبرأ من كل مبالغة ~~وغرابة، فأما الكذب الذي يعاب على العلم ويلحقه بالخرافة فهو هذا التحقيق الذي هو أهون ~~وأضر من التخريف. ~~••• # إن الحوادث الكبرى تستدعي المقارنة بين فهمنا لها بمقاييس العلم، ومقاييس الفلسفة، ~~ومقاييس العقيدة، وتوحي إلينا في جميع الأحوال أن مقاييس العقيدة أخلصها إلى أعماقها، ~~وأقدرها على التفسير كلما استجاشت العقيدة في الأمم قوة الحياة وقوة الضمير. # والإسلام قد استصفى تاريخ العرب قبل دعوته، فجمعه كله في الوحدة القومية، وأقام هذه ~~الوحدة على ركنيها اللذين لا قوام لها بغيرهما على تساند واتفاق؛ وهما: ركن اللغة، وركن ~~الحرية الدينية، وكلاهما كان تمهيدا صالحا لظهور الدعوة الإسلامية. # إلا أن معجزة الإسلام في جميع مقدماته ونتائجه أن هذه النتائج لم تكن قط منقادة ~~مسخرة لتلك المقدمات، فإن هذه العصبية اللغوية الدينية قد آلت في يد الإسلام إلى ~~دعوة إنسانية عالمية، لا تنكر شيئا كما تنكر العصبية الجاهلية، ولا تعرف ربا غير ~~رب العالمين، ولا قسطاسا غير قسطاس العمل الصالح، يتفاضل به القرشي والحبشي والعربي ~~والأعجمي وعترة النبي، ومن ليست بينه وبين النبي لحمة غير لحمة الإيمان ... # ونعود فنقول: إن شأن اليهودية في توضيح هذه الحقائق أعظم من كل شأن لها في الجزيرة ~~العربية، فمما لا نزاع فيه أن أناسا من ms050 اليهود قدموا إلى الجزيرة بلغة غير اللغة ~~الحجازية، فاحتفظوا بلغة الدين للدين، ولم يمض عليهم زمن طويل حتى عم التفاهم بينهم ~~وبين سائر العرب بلسان الحجاز وتهامة ونجد، ومن جاورهم من الأنباط وعرب الحيرة وبادية ~~الشام. وهذه حقيقة تاريخية واقعية مسقطة لكل دعوى يتحذلق بها أدعياء العلم من محترفي ~~التبشير والاستشراق. # المسيحية في الجزيرة # أما المسيحية فقد كان لها مدخل إلى الجزيرة العربية غير هذا المدخل، فلم تصل إلى ~~داخل الجزيرة عشيرة كبيرة أو صغيرة من المهاجرين، ولم يأتها قوم بلسان غير اللسان ~~العربي كما حدث في هجرة اليهود، ولكنها شاعت بين قبائل من العرب في جيرة الدول التي ~~سيطرت على أطراف الجزيرة، وهي بيزنطية وفارس والحبشة، وكان لمذهب العاهل القائم بالأمر ~~في دولة بيزنطية أثر كبير في توجيه النحل والمذاهب في بلاده وبلاد أعدائه. # وقد حدث في مدى قرن واحد أن العواهل كانوا يحرمون المسيحية على رعاياهم، ثم دانوا ~~بها على مذهب، وجاء من بعدهم فدان بها على مذهب يعاديه ويرميه بالكفر والزندقة، فمن شاء ~~أقام مع العاهل في بلاده طائعا له، أو مداريا لأمره، وإلا ففي بلاد أعدائه من الفرس ~~متسع له يعلن فيه مذهبه، وينطلق في تسفيه العاهل وشيعته غير ملوم ولا ممنوع. # وأفلت إلى الجزيرة العربية آحاد من كل نحلة مسيحية غضب عليها عاهل القسطنطينية، ~~فهاجرت إليها فئات متفرقة من أتباع آريوس وأوريجين ونسطور ولوسيان الأنطاكي، وجماعة ~~المشبهين، وجماعة القائلين بالطبيعة الواحدة، والقائلين بالطبيعتين. # وكان نسطور بطرقا للقسطنطينية ينشر مذهبه ببأس الدولة، ثم عزل وتعقبه خصومه بالنفي ~~إلى أرض النوبة، ومحور مذهبه أنه يفصل بين الناسوت واللاهوت في السيد المسيح، ويرفض ~~القول بتأليه العذراء عليها صلوات الله. وكان الأنطاكي يناقض تفسير الكتب الدينية ~~بأسلوب المجازات والرموز، ويلتزم اللفظ والنص في فهم معانيها ومسائلها الغيبية. وكان ~~آريوس يقول: إن الكلمة هي واسطة الخلق، ويقول أوريجين: إنها مخلوق محدث له الشرف على ~~سائر المخلوقات، وإن هذه الكلمة تجسمت في السيد المسيح، فظهرت على مثال الإنسان، ~~وآخرون يقولون: إن ms051 جسد السيد المسيح تشبيه بالجسد، وليس بالجسد المادي الذي يحكي جسد ~~الإنسان، وإنه في لاهوته أجل وأرفع من أن يتعذب أو يتضرع، وصيحته عند الصلب لم تكن ~~«ربي! ربي!» بل كانت: قوتي! قوتي! كما ورد في بعض النصوص. ~~••• # ويعترف جورج سيل، مترجم القرآن، بما كانت عليه حال المسيحيين في الحجاز من السوء ~~والضلالة، فيقول في مقدمته للترجمة: «من المحقق أن ما ألم بالكنيسة الشرقية من ~~الاضطهاد واختلال الأحوال في صدر المائة الثالثة للميلاد، قد اضطر كثيرين من نصاراها أن ~~يلجئوا إلى بلاد العرب طلبا للحرية، وكان معظمهم يعاقبة؛ فلذا كان معظم نصارى العرب من ~~هذه الفرقة. وأهم القبائل التي تنصرت حمير وغسان وربيعة وتغلب وبهراء وتنوخ وبعض طيئ ~~وقضاعة وأهل نجران والحيرة ... # ولما كانت النصرانية بهذه المثابة من الامتداد في بلاد العرب، لزم عن ذلك ولا بد أنه ~~كان للنصارى أساقفة في مواضع جمة منها لتنتظم بهم سياسة الكنائس، وقد تقدم ذكر أسقف ~~ظفار، وقال بعضهم: كانت نجران مقام أسقف، وكان لليعاقبة أسقفان يدعى أحدهما أسقف العرب ~~بإطلاق اللفظ، وكان مقامه باكولة، وهي الكوفة عند ابن العبري، أو بلدة أخرى بالقرب من ~~بغداد عند أبي الفداء، وثانيهما يدعى أسقف العرب التغلبيين، ومقامه بالحيرة. أما ~~النساطرة فلم يكن لهم على هذين الكرسيين سوى أسقف واحد تحت رئاسة بطريركهم.» # إلى أن يقول: «أما الكنيسة الشرقية فإنها أصبحت بعد انفضاض المجمع النيقاوي مرتبكة ~~بمناقشات لا تكاد تنقضي، وانتقض حبلها بمماحكات الآريوسيين والنساطرة واليعقوبية وغيرهم ~~من أهل البدع. على أن الذي ثبت بعد البحث أن كلا من بدعتي النساطرة واليعقوبية ~~كانت بأن تدعى اختلافا في التعبير عن المعتقد أولى من أن تدعى اختلافا في ~~المعتقد نفسه، وبأن تدعى حجة يتعنت بها كل من المتناظرين على الآخر أولى من أن تدعى ~~سببا موجبا لالتئام مجامع عديدة يتردد إليها جماعة القسان والأساقفة، ويتماحكون ليعلي ~~كل واحد منهم كلمته، ويحيل القضايا إلى هواه. # ثم إن نافذي الكلمة منهم وأصحاب المكانة في قصر الملك كان كل واحد منهم ms052 يختص نفرا ~~من قواد الجيش، أو من أصحاب الخطط يكون له عليهم الولاء ويتقوى بهم، وبذلك صارت المناصب ~~تنال بالرشى، والنصفة تباع وتشترى جهارا. أما الكنيسة الغربية فقد كان فيها من تهالك ~~دماسوس وأرسكينوس في المشاحة على منصب الأسقفية - أي أسقفية روته - ما أفضى إلى احتدام ~~نار الفتنة وسفك الدماء بين حزبيهما ... # وكان أكثر ما تنشأ هذه المناقشات عن القياصرة أنفسهم ، ولا سيما القيصر قسطنطينوس، ~~فإنه إذ لم يقدر أن يميز بين صحيح الدين المسيحي وخرافات العجائز ربك الدين بكثير من ~~المسائل الخلافية ... هذا ما كان عليه حال النصرانية في غير بلاد العرب. أما في بلاد هذه ~~الأمة، التي هي موضوع بحثنا، فلم تكن خيرا من ذلك؛ فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون ~~أن النفس تموت مع الجسد وتنشر معه في اليوم الآخر، وقيل: إن أوريجانوس هو الذي ~~دس فيهم هذا المذهب. # وكم وكم من بدعة انتشرت في جزيرة العرب حتى لا نقول نشأت فيها! فمن ذلك بدعة كان ~~أصحابها يقولون بألوهية العذراء مريم، ويعبدونها كأنما هي الله، ويقربون لها أقراصا ~~مضفورة من الرقاق يقال لها: كليرس، وبها سمي أصحاب هذه البدعة كليريين، وفضلا عن ~~ذلك فقد اجتمع أيضا في جزيرة العرب عدد وافر من الفرق المختلفة الأسماء لجئوا إليها ~~هربا من اضطهاد القياصرة ...» ~~••• # فالحالة التي تمثلت بها النصرانية في جزيرة العرب لم تكن حالة هداية يحيط بها مذهب ~~واحد صالح لتعليم من يتعلمه، بل كانت شيعا سياسية ومذاهب متنازعة، يتوقف العلم بالصالح ~~منها على هدى الناظرين فيها، وعلى ما عندهم من البصر الثاقب والبداهة المنزهة، التي ~~يعود إليها الفضل فيما تقبله وتأباه، ولا فضل عليها لمن يعلمها نحلة من تلك النحل تقدح ~~في سائرها، وترمي الذين لا يتبعونها بالكفر والضلال. # والقرآن الكريم يصف هذه الحالة بين أهل الكتاب جميعا كما جاء في سورة المائدة عن ~~طوائف اليهود والنصارى. # قال عز من قائل: # ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني ~~معكم لئن أقمتم ms053 الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم ~~برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سواء السبيل * فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ~~وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على ~~خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح ~~إن الله يحب المحسنين * ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~ وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~[المائدة: ~~12-14]. ~~••• # هذه حالة النصرانية في الحجاز كما عهدها النبي - عليه السلام - قبل مبعثه، وهي بهذه ~~المثابة من مقدمات رد الفعل لا من مقدمات التمهيد والتحضير، سواء كل ذلك في أمر النبي، ~~أو أمر الحكماء من طلاب الهداية الذين عرفوا باسم المتحنفين أو المتحنثين. # وينبغي الاحتراس من قول القائلين: إن أحدا من أولئك المتحنفين أو الحنفاء تنصر أو ~~تهود على مذهب مفصل مستوعب لعقائد النصرانية أو اليهودية، فكل ما يصح من أخبار ~~الحنفاء أنهم كانوا يعرفون أن الإيمان بالإله الواحد أهدى وأحكم من الإيمان بالنصب ~~والأوثان، ونحسب ابن هشام قد صدق الرواية حقا، حين قال عن أشهر هؤلاء المتحنفين زيد ~~بن عمرو بن نفيل أنه «وقف، ولم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل ~~الأوثان والميتة والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة، وقال أعبد رب ~~إبراهيم ... وكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده، ~~ما أصبح منكم على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك ~~عبدتك، ولكني لا أعلم». # ومثل ابن نفيل ورقة بن نوفل الذي قصدت إليه السيدة خديجة لتسأله عن جبريل الذي نطق ~~النبي - عليه السلام - باسمه أمامها، فإنه كان يطيل القراءة في كتب اليهود والنصارى، ~~ويعلم أن عبادة الأصنام ضلالة، فيلتمس الهداية في غيرها، ولا يستوفى العلم ولا ~~الإيمان بأي الديانتين، وغاية الأمر في ms054 نصرانيته كما قال ابن هشام أنه «كان نصرانيا ~~تتبع الكتب، وعلم من علم الناس» ... وقد ذكر عنه مع ثلاثة من أصحابه، أحدهم ابن نفيل، ~~أنهم كانوا قد انصرفوا من عند صنم يعظمونه في يوم عيد، فقال بعضهم لبعض: «تعلموا والله ~~ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم. ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يضر ولا ينفع يا قوم؟! التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء.» # قال ابن هشام: فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. # ونحن نعلم من القرآن الكريم أن المشركين كانوا يقولون: إنهم لم يعبدوا الأرباب ~~والأوثان إلا ليقربوهم إلى الله زلفى، وسنرى في الكلام على الكعبة أن الحقبة التي ~~سبقت بعثة النبي شهدت طوائف من المجتهدين في العبادة، منهم طائفة الحمس التي اختصت ~~الحرم وحده بالتقديس، وتنسكت بضروب من العبادة لم يتبعها أحد من قبلهم في ~~الجاهلية. # فقد كانت الحقبة إذن حقبة حائرة بين العبادات، ولم تكن عبادة منها لتستأثر بضمير ~~صاحبها أو تغنيه عن النظر في غيرها. وقد كانت هذه الحيرة في جانب من جوانبها على الأقل ~~أثرا من أثار الجامعة القومية، أو أثرا من آثار الشوق إلى ديانة جامعة غير ديانة ~~الأصنام المتفرقة، لكل قبيلة من القبائل صنم تنفرد به أو تميزه بين زمرة الأصنام ~~المشتركة. # فقد كانت القبائل تعبد أصنامها، ولم تكن بها حاجة إلى الاشتراك في عبادة واحدة ~~تشملها، فلما وجدت هذه الحاجة لمسوا النقص في كل عبادة من عباداتهم، وذهب أصحاب النظر ~~منهم يبحثون عن الدين الصالح، ويستلهمون من كلمة «بيت الله» قبسا يقربهم من الله، ومن ~~ديانة رب البيت وبانيه إبراهيم - عليه السلام - وقديما نسب الحجازيون أنفسهم إلى ~~إسماعيل بن إبراهيم، ونسبهم إليه أصحاب التوراة وعلماء الأنساب. # وإن أصدق وصف للحالة الدينية في عصر البعثة الدينية أنها حالة نقص في كل نحلة وكل ~~عقيدة؛ فلم نعلم من أخبار الوثنية قط أنها كانت تستوعب المؤمن بها، وتمنعه أن يأخذ ~~ببعض الشعائر من هنا، وأن يتقبل بعض ms055 الآراء من هناك، ولم تكن الحدود بين النحل والعادات ~~الدينية متحجرة مستقرة على قرار لا يأذن بالتبديل والزيادة والتحوير، ولم يكن المتدين ~~منهم جميعا يتنبه إلا الابتداع في أمر الدين، إلا أن يسومه الخروج على قومه، والزراية ~~بشرعة الآباء والأسلاف، فيومئذ تنقلب المسألة من تصرف في الشعائر والآراء إلى النخوة ~~العصبية، والغيرة على الأحساب والأنساب، وتصطدم البدعة الجديدة إذن بالعصبية القومية ~~كلها في إبان اليقظة والطموح. وهذه الصدمة لم تفاجئ أبناء الجاهلية قط من نحلة يحكونها، ~~أو يستجيبون لها بحكم المسايرة والمجاراة، وإنما فاجأتهم من دعوة الإسلام وحده، فتمردوا ~~عليه ذهابا مع العصبية وتراث الحسب والنسب، ولم يتمردوا عليه ذيادا عن ملة شاملة ~~تستأثر منهم بالضمائر والأفكار. # فالوحدة القومية مهدت للإسلام إلى حد محدود، ويسرت له الأمر بالتوقع والانتظار، ~~ثم وقفت دون الغاية حين اصطدمت القومية بالدعوة الجديدة، ووجب أن تثوب الدعوة الجديدة ~~إلى قوة أكبر من قوة القومية التي اعتز بها المشركون وخلطوها بما ألفوه من السيادة ~~والمصلحة في التراث القديم. # فبالوحدة القومية تمهدت طريق الإسلام، وبقوة الإسلام برزت من الوحدة القومية شريعة ~~الإنسان وعبادة رب العالمين. # ولم نذكر - فيما تقدم - عاملا من أشهر عوامل هذه الوحدة القومية، وهو يوم ذي قار ~~الذي انتصر فيه العرب على الفرس، وارتجت له الجزيرة العربية بالفخر والأمل في مطلع ~~العصر الإسلامي، وعند ولادة النبي - عليه السلام. # لم نذكره لنضعه كما وضعه أناس في مقدمة العوامل الكبرى، ولا ننساه هنا لنحسبه منها ~~ولا نقدمه عليها، فلو لم يكن يوم ذي قار لكانت الوحدة العربية، وكانت توابعها التي لحقت ~~بها في أوانها. ولعل وثبة ذي قار جاءت بعد الوحدة القومية ولم تسبقها، ولعلها كانت ~~الجولة الثانية بعد الجولة الأولى على تخوم الدولة الفارسية، فلما تنازع أمراء الحيرة ~~وشواهين الدولة غلبت الدولة على الإمارة، وقضى الأكاسرة والشواهين على المناذرة ~~والنعامين، ولما التقت سطوة فارسية ونخوة عربية في الجولة التالية ظفرت القبائل حيث ~~أخفق الأمراء. # كانت ذو قار وليدة النخوة العربية، ولم تكن أمها التي ولدتها، ms056 وإنما كانت أم الأمهات ~~في هذه النهضة وحدة اللسان ووحدة الجنان. # الفصل الرابع # | النبوة المحمدية # أوائل النبوات # ندع الآن هذه الوحدة ريثما نعود إليها في الكلام على الكعبة المكية، ونرجع بتاريخنا ~~إلى أوائل النبوات لنمضي بها إلى ختامها بالرسالة المحمدية، فإن تاريخ النبوة من ~~أوائلها أصلح المقدمات لبيان فضل النبوة كما بعث بها خاتم الأنبياء. # من قديم الزمن وجدت الرغبة في العلم بالغيب واستطلاع المجهول، ووجدت لذلك علامات ~~كثيرة يتفق عليها الناس عامة من قبيل زجر الطير، والتفاؤل بالكلام المسموع، والمناظر ~~التي تبشر بالخير والنجاح، أو تنذر بالشر والخيبة. # هذه العلامات العامة كانت معروفة شائعة بين الناس لا يختص بها أحدهم دون غيره، فكل ~~ما عرفه الناس قديما من علامات التفاؤل أو علامات التشاؤم، فهو ميراث الجماعة ~~يتناقلونه على وتيرة واحدة من الآباء إلى الأبناء. # لكن الرغبة في استطلاع الغيب ومواجهة المجهول لم تكن كلها من هذا القبيل، ولا سيما ~~المجهول الذي يعرفه الآلهة وحدهم، ولا يكشفونه لغير المقربين من عبادهم، وهم خدام ~~معابدهم والأمناء على مشيئتهم، والمترقبون لوحيهم في ليلهم ونهارهم، فربما عرض للقبيلة ~~عارض جسيم لا تعرف وجهتها فيه، ولا يدلها على هذه الوجهة طير يراه فرد من أفرادها على ~~صورة من الصور، أو كلمة يسمعها من عابر طريق يستوحي منها البشارة أو الإنذار، فإن ~~شئون الفرد غير شئون القبيلة، وليس لفرد من عامة أفرادها أن يدعي لنفسه القدرة على ~~سؤال أربابها، والفهم عنهم في معابدهم ومحاريبهم، مع وجود الكاهن الذي انقطع لخدمة ~~الأرباب، وورث هذه الخدمة من آبائه وأجداده في أكثر الأحوال، ولا مع وجود الكاهن الذي ~~تربى من صباه في مهد العبادة ليقترب من الأرباب المعبودين، ويفقه عنهم من إشاراتهم ~~ومضامين وحيهم ما يخفى على سواه. # ومن قديم الزمن أيضا وجد الكاهن «المختص»، ووجد «الرائي» الملهم الذي يختاره ~~الإله للنطق بلسانه، والجهر بوعده ووعيده، ولم يكن بين عمل الكاهن وعمل الرائي تناقض في ~~مبدأ الأمر؛ لأن كلام الرائي كان يحتاج إلى تفسير الكاهن، وحل رموزه، ونفي ms057 «النفاية» ~~من خلطه واضطرابه؛ إذ كان الغالب على الرائين أنهم قوم تملكهم حالة «الوجد» أو «الجذبة» ~~أو «الصرع»، فيتدفقون بالوعد والوعيد، وينذرون الناس بالويل والثبور، ويقولون كلاما لا ~~يذكرونه وهم مفيقون، فيحسب السامعون أن الوثن المعبود يجري هذا الكلام على ألسنتهم ~~للموعظة والتبصرة، وسمي الصرع من أجل هذا بالمرض الإلهي في الطب القديم. # وكان اليونان يسمون الرائي مانتي # Mantis ~~، ويسمون ~~المعبر عنه أو المفسر لكلامه بروفيت Prophet ~~، أي ~~المتكلم بالنيابة عن غيره، قبل أن تطلق هذه الكلمة على النبي بمعناها المأثور في ~~الأديان الكتابية، ولكن الفرق بين الرائي والكاهن لم يزل ملحوظا في الأزمنة المتأخرة، ~~كما كان ملحوظا في الأزمنة الغابرة؛ فالكهانة وظيفة، والرؤية طبيعة، والكاهن يقصد ما ~~يقوله والرائي يساق إليه. وقد تشترك الكهانة والرؤية في شخص واحد، ويظل العملان ~~مختلفين، فما يقوله الكاهن قصدا غير ما يقوله وهو «راء» ينطق لسانه بما يعيه وما لا ~~يعيه. # ويصطدم العملان كثيرا بعد ارتقاء الديانة وامتزاجها بالفضائل الأخلاقية والفرائض ~~الأدبية، فإن الكهان في هذه الحالة يجمدون أحيانا على المراسم والشعائر، ويحافظون ~~على مناصبهم بالتماس الحظوة عند ذوي السلطان في بلادهم، ويومئذ يختلف عمل الكاهن ~~المرسوم وعمل الرائي المتطوع، فيثور الرائي على الكاهن، ويتهمه في أمانته وإيمانه، ~~ويحدث بينهما ما حدث بين «أمصيا»، كاهن بيت إيل، وعاموس الرائي؛ إذ يحذره الكاهن على ~~رزقه وحياته فيقول له: «أيها الرائي، اذهب ... اهرب إلى أرض يهودا، وكل هناك خبزا، ~~وكن هناك نبيا. وأما بيت إيل فلا تعد تتنبأ فيها بعد؛ لأنها مقدس الملك وبيت ~~الملك.» ~~••• # وقد وجدت الكهانة والرؤية بين العبرانيين من أقدم عصورهم، كما وجدت في سائر الأمم، ~~ولم يسموا الرائي عندهم باسم النبي إلا بعد اتصالهم بالعرب في شمال الجزيرة؛ إذ وجدت ~~كلمة النبوة في اللغة العربية كما قلنا في كتاب أبي الأنبياء: «غير مستعارة من معنى ~~آخر؛ لأن اللغة العربية غنية جدا بكلمات العرافة والعيافة والكهانة، وما إليها من ~~الكلمات التي لا تلتبس في اللسان العربي بمعنى النبوة كما تلتبس في الألسنة ms058 ~~الأخرى. # والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بها؛ لأنهم كانوا يسمون ~~الأنبياء الأقدمين بالآباء، وكانوا يسمون المطلع على الغيب بعد ذلك باسم الرائي ~~والناظر، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار ... وقد أشارت ~~التوراة إلى ثلاثة أنبياء من العرب غير (ملكي صادق)، الذي لقيه الخليل عند بيت المقدس؛ ~~وهم: يثرون وبلعام وأيوب، ومنهم من يقال: إنه ظهر قبل اثنين وأربعين قرنا، وهو ~~أيوب.» # ويعزز هذا الرأي ما جاء في موسوعة الكلمات اللاهوتية # 1 # في التوراة عن عالمين من أكبر علماء التاريخ العبري؛ وهما: هولشر # Holscher # وشميدت # Schmidt ~~، فإنهما يرجحان أن كلمة النبوة مما استفاده العبريون من أهل ~~كنعان بعد وفودهم على فلسطين. # النبوة والجنون # عرف الأقدمون من العرب والعبريين كلمة النبوة قبل بعثة موسى - عليه السلام - ولكنها ~~لم ترتفع بينهم إلى مكانتها الجليلة التي نعهدها اليوم دفعة واحدة، وغبر عليهم دهر طويل ~~وهم يخلطون بينها وبين كل علاقة بالغيب، وينتظرون منها الكذب كما ينتظرون منها الصدق، ~~شأنها في ذلك كشأن غيرها من الدلالات على المجهول. # فخلطوا بينها وبين الجنون، كما خلطوا بينها وبين السحر والكهانة والتنجيم والشعر، ~~وأضعف من شأن النبوة عند بني إسرائيل خاصة أن الأنبياء بينهم كثروا، وتعددت نبوءاتهم ~~في وقت واحد فتناقضوا، وأشار بعضهم بما ينهي عنه الآخرون، فأصبح الأنبياء عندهم فريقين ~~يتشابهون في المسلك والمظهر، ويختلفون بالصدق والكذب، ولا سبيل إلى معرفة الصادق ~~والكاذب بغير امتحان الحوادث التي تأتي أحيانا بعد نسيان ما تقدم من النبوءات. # وغلبت عليهم في مبدأ الأمر عقيدة شائعة بذهول النبي وغيابه عن الوعي في جميع أيامه، ~~وفي الأيام التي يملكه فيها الوجد الإلهي على الخصوص، كأنهم يرون أن الغيبوبة ~~والاتصال بالغيب شيء واحد، وكأنهم يحسبون أن الانقطاع عن شواغل الدنيا آية على صدق ~~النبي، وإقباله بجملته على الله. # ويؤخذ من سفر صمويل الأول أن المتنبئين كانوا يظهرون جماعات جماعات؛ «إذ أرسل شاول ~~رسلا لأخذ داود، فرأوا جماعة الأنبياء يتنبئون وشاول واقف بينهم رئيسا ms059 عليهم، فهبط ~~روح الله على رسل شاول، فتنبئوا هم أيضا، وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء، فخلع هو أيضا ~~ثيابه، وتنبأ هو أيضا أمام صمويل، وانطرح عاريا ذلك النهار كله وكل الليل». # ومن لم تملكه حالة الوجد برياضة النفس على الخشونة والشظف وتعريض جسده لحرارة الشمس ~~وبرد الليل، فقد يستعين على اكتسابها بالسماع والجولان، وينتقل بهذه الوسيلة إلى النشوة ~~أو الغيبوبة، فينطلق لسانه بالنبوءات والرموز، ويستخلص منها السامعون تفسيرها بما جرت ~~عليه عادتهم من التأويل والتخريج. # وفي سفر صمويل قبل ذلك «أنه يكون عند مجيئك إلى المدينة أنك تصادف زمرة من الأنبياء ~~نازلين من الأكمة، وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبئون، فيحل عليك روح الرب ~~فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر». # وفي سفر الأيام الأول أن داود ورؤساء الجيش «أفرزوا للخدمة بني للخدمة بني آساف ~~وهيمان، ويدوثون المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج». # وقد ينعزل بنو الأنبياء كأنهم يرشحون أنفسهم للنبوة بعد آبائهم، حتى يضيق بهم مكانهم ~~كما جاء في سفر الملوك الثاني: «وقال بنو الأنبياء لأليشع: هو ذا الموضع الذي نحن ~~مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا؛ فلنذهب إلى الأردن.» # وعلى هذه الحيرة التي كانت تنتاب القوم بين النبوءات الكثيرة، لم يكن بهم غنى عن ~~النبي الصادق الذي يحذرهم غضب الله، ويبلغهم مشيئته، ويملي عليهم فرائضه وأحكامه، فلم ~~يعرضوا عن الأنبياء كل الإعراض، ولم يقبلوا عليهم كل الإقبال، ورجعوا إلى التجربة ~~في التفرقة بين النبوءات، وعقيدتهم في ذلك ما جاء في سفر التثنية خطابا لموسى - عليه السلام: # وأقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما ~~أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا ~~أطالبه. وأما النبي الذي يفرض عليكم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي ~~يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي، وإن قلت في قلبك كيف تعرف الكلام الذي ~~لم يتكلم به الرب، فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر؛ فهو ~~الكلام الذي ms060 لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي؛ فلا تخف منه. # وعلى هذا انقسم المتنبئون أقساما ثلاثة: نبي يتكلم باسم الرب، ونبي يتكلم باسم ~~آلهة أخرى، ونبي يتكلم باسم رب إسرائيل، ولكنه يطغى بما في قلبه على وحي ربه، فيخلط ~~بين ما يقوله هو بلسانه، وبين ما يجريه الله على لسانه ليبلغه إلى قومه. # والمرجع في التفرقة بين الأنبياء إلى صدق النبوءة، فإذا امتد الأجل بالنبي حتى يشهد ~~القوم صدقه في نبوءة بعد أخرى، فذاك هو النبي المختار الذي يطاع، وتكتب عنه النبوءات، ~~وربما قضى صدر حياته مهانا منبوذا بين قومه كما حدث للنبي أرميا، الذي أصبح عند كتابة ~~العهد القديم في زمرة كبار الأنبياء، وقد حكى ذلك فقال في الإصحاح العشرين: «قد أقنعتني ~~يا رب فاقتنعت، وألححت علي فقبلت ... صرت للضحك كل النهار ... وكلهم قد استهزأ بي؛ لأني ~~كلما تكلمت صرخت ... ناديت: ظلم واغتصاب ... فقلت: لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه، فكان في ~~قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي ...» # نبوءة الأحلام والرؤى # ومن الحق أن نذكر أن المتنبئين لم يتطلعوا جميعا إلى مكان النبوة العليا - نبوة ~~القيادة والتعليم والتشريع - ولم تكن نبوة الكثيرين منهم مستمدة من شيء غير الأحلام ~~والرؤى، وجيشان الشعور وإلحاحه على صورة واحدة يعجز المتنبئ عن صرفها، فيجهر بها صارخا ~~كما فعل أرميا، كأنه يستغيث من لاعج في نفسه لا يقوى على كتمانه. ومنهم من كان يرى ~~الرؤى ثم تتكرر في منامه، فيفضى بها إلى قومه مخافة الكتمان، وحذرا من أن يكون هذا ~~الكتمان نكوصا عن الدعوة، وممالأة على العصيان والفساد. # وقل منهم من أبلغ قومه أنه تلقى الوحي من هاتف مسموع، أو شخص منظور في حالة اليقظة، ~~ومن هؤلاء القليلين صمويل الذي «سمع قبل أن ينطفئ سراج الله وهو مضطجع في تابوت الرب ~~صوتا يدعوه»، ويعود إلى دعوته لتوكيدها، ومنهم دانيال الذي قال: إن «الرجل جبريل ~~الذي رآه في الرؤيا ابتدأ يلمسه عند تقدمة الماء، ويتكلم معه ويقول له: إنه خرج ليعلمه ~~الفهم ويرشده»، ms061 ومنهم من كان يستعظم الدعوة حين يحسها في صدره، فيقول كما قال أشعيا: ~~«إني هلكت؛ لأني إنسان نجس الشفتين أسكن بين شعب نجس الشفتين»، إلى أن قال: «إن عيني ~~قد رأتا الملك رب الجنود، فطار إلى واحد من السرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على ~~المذبح، ومس بها فمي، وقال: إن هذه قدست شفتيك، فانتزعت إثمك، وكفرت عن ~~خطيئتك.» # وجاشت نفس أرميا وهو صبي بخواطر النبوة ، ثم ألقي إليه أن الرب يقول له: «قبلما ~~صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيا للشعوب.» فاستكثر ~~النبوة على سنه وقال في صلاته: «آه يا سيد الرب! من أين لي أن أعرف الكلام وأنا ولد. ~~فمد الرب يده ولمس فمه وقال: ها قد جعلت كلامي في فمك؛ فانظر، لقد وكلتك هذا اليوم ~~على الشعوب وعلى الممالك؛ لتقلع وتهدم، وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس.» # ولقد خشي الأنبياء الكبار على الشعب خطر المعجزات والآيات التي يدعيها المتنبئون؛ ~~لأنهم عرفوا عجائب السحر في مصر وبابل، وأشفقوا من فتنتها على عقول السواد، فلم ينكروا ~~المعجزة الصادقة، ولكنهم حسبوا حساب المعجزة الكاذبة التي يقتدر عليها السحرة وأتباع ~~الأرباب المحرمين، فكان من وصايا سفر التثنية التي تنسب إلى موسى - عليه السلام - «أنه ~~إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما وأعطاك آية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة ~~التي كلمك عنها قائلا: لتذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها وتعبدها؛ فلا تسمع لكلام ذلك ~~النبي أو الحالم ذلك الحلم؛ لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم ~~من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم، وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل؛ لأنه تكلم بالزيغ ~~من وراء الرب ...» # إلا أن الحيرة بين أصحاب الآيات والمعجزات لم تبطل في عهد أنبياء بني إسرائيل، ولا ~~بعد ظهور السيد المسيح، فكان الرسل يستدلون بالعجائب والآيات العظيمة على صدقهم، وكانت ~~العجائب الكثيرة تجري على أيدي الرسل كما جاء في سفر الأعمال، وكان بولس الرسول يبكت ~~أهل كورنثوس وينعى عليهم سوء ms062 معتقدهم بعد العلامات التي صنعها بينهم، وصبر عليها بآيات ~~وعجائب وقوات ... وكان إلى جانب هذا يحذر الشعب ممن يقتدرون بقوة الشيطان على الآيات ~~والعجائب الكاذبة «بكل خديعة الإثم في الهالكين». # وجاء في الرؤيا أن الأنبياء الكذبة يقتدرون على ذلك إلى آخر الزمان: «ومن فم النبي ~~الكذاب ثلاثة أرواح نجسة تشبه الضفادع، فإنهم أرواح شياطين صانعة للآيات، تخرج على ملوك ~~العالم وعلى كل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم.» # ومنذ عرف اسم النبوة بين قبائل إسرائيل ظهر فيهم مئات وألوف من هؤلاء المتنبئين، ~~لم يكن شأن الأكثرين منهم ليزيد على شان الدراويش الذين يلوذون بأماكن العبادة، أو ~~أماكن الزيارة في جميع الأديان، ولم تكن قبائل البادية ولا أهل القرى ليضيقوا بتكاليف ~~معاشهم؛ لأنهم كانوا يقنعون بالقليل من الخبز والأدم، وبالخشن الرخيص من ملابس الشعر ~~والصوف، وربما استراح إليهم الدهماء؛ لأنهم يفرجون عن صدورهم بالاجتراء على كبرائهم ~~وسرواتهم الذين يستسلمون للطمع والكبرياء. # أو ربما حمد لهم الأمهات والآباء أنهم يباركون أطفالهم، ويشفون مرضاهم، ويفوهون ~~أمامهم بأطراف من الأقاويل يفسرون رموزها بما يطيب لهم، ولا يشعرون منها برهق شديد؛ ~~لأنهم لا يحملون مؤنتها إذا أخذت مأخذ الجد والجسامة، بل ترتفع إلى أيدي ولاة الأمر ~~ورؤساء الدين والكهان والحكماء، فيوفقون بين نقائضها، أو يستخدمونها في تلقين ~~الشعب ما يحبون أن يقولوه بلسان المتنبئين ولا يقولونه بألسنتهم؛ خوفا من تبعاته، أو ~~من قبيل الحيطة للتراجع إذا حسن لديهم أن يرجعوا عما فرضوه وأثبتوه. # كان خطب المتنبئين من هذا القبيل ميسورا للقبائل ورؤسائها، حتى إذا ظهر الأنبياء ~~الكبار ظهرت معهم حالة كبرى لا تعرض للقبائل كل يوم؛ لأنهم لا يظهرون إلا إذا احتاجت ~~القبائل إلى تغيير شامل في معيشتها وأخلاقها ومعاملاتها، وقد يتقاضاهم الأمر هجرة إلى ~~بلد ناء أو قتالا مع أهل البلد الذي هم فيه، أو مع أهل جواره، وليست خطتهم مع ~~المتنبئين الصغار بمجدية مع هؤلاء الأنبياء الكبار دعاة التغيير الشامل، وأصحاب الحق ~~في القيادة المطاعة، وإنما الخطة المجدية هنا هي الانقياد للدعوة التي ms063 يخشى على من ~~يعصيها أن يهلك بغضب من الله، ولو عم الهلاك قومه أجمعين، فلا يلبث النبي الكبير أن ~~ينزل في منزلته بين القوم، وأن يتولى بينهم مكان القيادة والتشريع والتعليم، وهو أرفع ~~مكان يسمو إليه عندهم صاحب حق أو صاحب سلطان. # دليل الأمان # إن مهمة النبوة كما قام بها هؤلاء الأنبياء الكبار هي أعلى ما ارتفع إليه نظر ~~الأقدمين من بني إسرائيل وغيرهم إلى مقام النبوة ، فقد كانوا يلقون عليهم كل معولهم، ~~ويطلبون منهم ما لم يطلبوه قط من ذي ثقة أو مقدرة بينهم، فانتهت هذه المطالب كافة إلى ~~غاية واحدة، وهي أن النبي «دليل أمان». # يقبلون منه التعليم والهداية، ولكنهم يقبلون تعليمه وهدايته لأنه دليلهم إلى الطريق ~~الأمين. # ويستمعون له فيما يبلغهم من أوامر الله ونواهيه، ولكنهم يستمعون له لأنه يزحزحهم عن ~~طريق الغضب والنكال. # ويجب عليه قبل كل شيء أن يعرف الغيب؛ ليعرف الخطر المتوقع عليهم وعلى أعدائهم الذين ~~يبغضونهم، ولا يقدرون على قتالهم، وربما طلبوا منه أن يكشف لهم الغيب لما هو أهون من ~~ذلك بكثير، وهو تعريفهم بمكان المال الضائع، والحيوان الضال. # ولبثت مهمة النبي عندهم معلقة على دلالة الأمانة في المكان المجهول والزمان المجهول، ~~ولكنها دلالة الأمان من أخطار محسوسة تشبه تلك الأخطار التي تحذرنا منها المراصد ومكاتب ~~التأمين، فمنها أخطار الخراب، وأخطار الوباء، وأخطار المصائب في الأقارب ~~والأعزاء. # ولم يبلغ أحد من أنبياء بني إسرائيل مكانة أعلى من مكانة يعقوب، الذي ينسب إليه بنو ~~إسرائيل، أو موسى الذي يدينون له بالشريعة، ثم صمويل وحزقيال وأرميا من أصحاب النبوءات ~~غير المشترعين. # وكل هؤلاء كانت مهمة النبوة فيهم مقترنة بالمهمة الأخرى التي لا فكاك منها، وهي دلالة ~~الأمان بالمعنى المتقدم، أو دلالة الأمان كما يترقبها المرء من المراصد ومكاتب التأمين، ~~وإن تكن قائمة على الهداية والتعليم. # فمن نبوءات يعقوب يفهم أنهم كانوا يعولون عليه في رصد النجوم، وأن كل اسم من ~~أسماء الأبناء يشير إلى برج من بروج السماء، ولا نستقصي الأسماء هنا، بل نشير ms064 منها إلى ~~مثلين يغنيان عن غيرهما، وهما مثل يهودا وشمعون ولاوي: «فيهودا جرو أسد جثا وربض كأسد ~~ولبؤة ... لا يزول قضيب من يهودا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع ~~شعوب.» # وهذه إشارة إلى برج الأسد، وكان عند البابليين برجان، أحدهما برج الأسد أرجولا، ~~والآخر أرماح، أحد نجوم الدب الأكبر، وأمام الأسد في البروج برج يشير إلى علامة الملك # Seonis Rogulus # الذي تخضع له الملوك. # أما مثل شمعون ولاوى «فأخوان» سيوفهما آلات ظلم في مجلسهما لا تدخل نفسي؛ لأنهما في ~~غضبهما قتلا إنسانا، وفي رضاهما عرقبا ثورا ... # وهذه إشارة إلى برج التوءمين، وهو برج إله الحرب «زجال» عند البابليين، ويصورون ~~أحدهما وفي يديه خنجر، والآخر في يديه سلاح شبيه بالمنجل. وتشير عرقبة الثور إلى برج ~~الثور الذي يتعقبه التوءمان. # 2 # وسواء صحت هذه الإشارات إلى الأبراج والنجوم، أو كان فيها مظنة للخطأ والتجوز من ~~المفسرين، فالنبوءات عن مصائر الأبناء بأسمائهم واضحة لا تحتمل التكذيب. # وموسى الكليم طالبه القوم من إسرائيل وغير إسرائيل في مصر بقدرة على السحر أعظم من ~~قدرة السحرة وأصحاب الكهانة والتنجيم، ثم جاوزوا تكليف الدلالة معه إلى تكليفه أن يهيئ ~~لهم الطعام الذي يشتهونه صنوفا بعد صنوف وهم في وادي التيه، بمأمن من جند ~~فرعون. # واحتاج القوم إلى علم الغيب في عهد صمويل ليسألوه عن الماشية الضالة، ويأجروه على ~~ردها: «خذ معك واحدا من الغلمان، وقم اذهب فتش عن الأتن، فقال شاول للغلام: فماذا نقدم ~~للرجل؟ لأن الخبز قد نفد من أوعيتنا، وليس من هدية نقدمها لرجل الله. ماذا معنا؟ فعاد ~~الغلام يقول: هو ذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة.» # ولم يحفل بنو إسرائيل بالنبوءات بعد صمويل، كما حفلوا بنبوءات أرميا وحزقيل، وكلها ~~نبوءات عن أخطار الحوادث التي تصيب قومهم، وتصيب غيرهم من الأقوام أصحاب الدول في وادي ~~النيل وبين النهرين، وكان الإنباء بالغيب على هذا المثال هو المهمة الأولى من مهام كبار ~~الأنبياء، وربما تحدث عن الغيب أنبياء من غير هذه الطبقة ليذكروا ms065 مصائر أفراد معلومين ~~إلى جانب مصير الأمة، كما قال النبي عاموس في بيت إيل: «أنت تقول: لا تتنبأ على ~~إسرائيل، ولا تتكلم على بيت إسحاق؛ ولذلك قال الرب: إن امرأتك تزني في المدينة، ~~وبنيك وبناتك يسقطون بالسيف، وأرضك تقسم بالحبل، وأنت تموت في أرض نجسة، وإسرائيل يسبى ~~سبيا عن أرضه ...» # نبوة الهداية # ختمت أيام هذه النبوءات جميعا في بني إسرائيل قبل البعثة الإسلامية بنحو تسعة ~~قرون، لم تتغير خلالها نظرة الناس عامة وبني إسرائيل خاصة إلى النبوة الدينية، ولم ~~يفهموا النبوءات الأولى وما لحق بها غير الفهم الذي عهدوه، فلما ظهرت النبوة ~~الإسلامية لم تكن تكرارا لتلك النبوءات ولا تطورا فيها، بل كانت «تنقية» لها من كل ما ~~لصق بها من بقايا الكهانات والدعوات، وجاءت بمعنى النبوة كما ينبغي أن تكون، ونفت عنها ~~ما ليس ينبغي لها من شوائب الأوهام، وأولها أنها مرصد للحوادث يحمي الطريق، أو مكتب ~~للتأمين يقارض القوم على الأمان من الأخطار. # ليست مهمة النبي أن يعلم الغيب «إنما الغيب لله». # وليس أصدق من نبي يعلم الناس الصدق، فيعلمهم مرة بعد مرة أن الغيب من ~~علم الله، يكشف عنه ما يشاء لمن يشاء: # يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ~~[الأعراف: 187]. # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ~~ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~[الأعراف: 188]. # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير ~~أفلا تتفكرون ~~[الأنعام: 50]. # وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~[الأنعام: 59]. # وآية الآيات مسألة «المعجزات» في الدعوة المحمدية، فليست المعجزة ممتنعة إذا أرادها ~~خالق الكون كله وخالق السنن التي يجريه عليها، ولكن المعجزة لا تنفع من لا ينفعه عقله، ~~ولا تقنع المكابر المبطل إذا أصر على اللجاجة في باطله: # ولو ~~فتحنا عليهم بابا ms066 من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون ~~[الحجر: 14، 15]. # ويقولون لولا ~~أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين ~~[يونس: 20]. # وقد كان الناس ينظرون على حوادث الفلك فيحسبونها من الآيات، فينهاهم أن يخلطوا بين ~~حوادث الفلك وحوادث الحياة والموت، وكذلك كسفت الشمس عند موت إبراهيم ابنه - عليه ~~السلام - فقال الناس: إنها كسفت لموته. فلم يمهلهم أن يسترسلوا في ظنهم وهو محزون ~~الفؤاد على أحب أبنائه إليه، بل أنكر عليهم ذلك الظن، ورآها فرصة للتعليم، ولم يرها ~~فرصة للدعوة، فقال: «إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد ~~...» # وخلصت النبوة كلها لمهمتها الكبرى، وهي هداية الضمير الإنساني في تمام وعيه وإدراكه، ~~فانقطع ما بينها وبين كل صناعة أو حيلة، كان يستعان بها قديما على التأثير في العقول ~~من طريق الحس المخدوع. # فليس في النبوة سحر ولا كهانة، ولا هي شعر يزخرفه قائله: # إنه ~~لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ~~ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون ~~[الحاقة: 40-42]. # ولا بد للمؤرخ أن يتريث عند كل وصف من أوصاف الأنبياء الذين كذب بهم أقوامهم؛ ~~لأنها جمعت كل ما قيل عن الأنبياء بين أولئك الأقوام في العصور المتطاولة، فإذا صح ~~أن جزيرة العرب لم تعرف الأنبياء كما عرفهم بنو إسرائيل، وأن النبوءات كانت وقفا ~~على بني إسرائيل والمتنبئين غيرهم من الأمم، فمن أين عرفت أحوال الأنبياء والمتنبئين ~~التي وصفهم بها المكذبون وقد وردت جميعا في القرآن الكريم؟ # فمنهم من كان من المعلمين ويرميه مكذبوه بالجنون! # أنى لهم ~~الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا ~~عنه وقالوا معلم مجنون ~~[الدخان: 13، 14]. # ومنهم من كان يرمي بالسحر أو الجنون: # كذلك ما أتى ~~الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون ~~[الذاريات: 52]. # ومنهم من كانوا يلحقونه بزمرة الشعراء ويرمونه بالجنون: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~* ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر ~~مجنون ~~[الصافات: 35، 36]. # وإذا ms067 رموه بالسحر وحده قالوا: إنه السحر الكاذب. تمييزا له عن السحر الذي كانوا ~~يعترفون به لكهان معابدهم: # وعجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ~~[ص: 4]. # فالتعليم والشعر والسحر والكهانة والغيبوبة كانت كلها سوابق واقعة موصوفة على ألسنة ~~المكذبين من أقوام الرسل الأقدمين، ومن وصفها مخترعا فهذا هو العجب العجاب، ومن وصفها ~~مطلعا فقد استقصاها وزاد عليها ما لم يكن منها، وهو النبوءة الخالصة لهداية ~~الضمير. ~~••• # إن المتنبئين من الأقدمين لم يفصلوا النبوة بفاصل حاسم، وإن من المتنبئين في بني ~~إسرائيل لمن جمع بين الكهانة واستطلاع الغيب بالاقتراع في المحراب، وعاش القوم بعد ~~أنبيائهم بأزمنة طوال، وهم لا يذكرون لهم رسالة أكبر من رسالة الإنذار بالحوادث ~~والأخطار، فإذا كانت النبوة لم تخلص لمهمتها الكبرى قبل محمد - عليه السلام - فأين هي ~~الكرامة التي تعلو على هذه الكرامة بين مراتب الأنبياء؟ # إن الرسالة المحمدية قد علمت الناس أن يعجبوا للنبوءات إذا لم تكن نبوءة للهداية ~~وللإنذار والبشارة: # أكان للناس عجبا أن أوحينا ~~إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن ~~لهم قدم صدق عند ربهم ~~[يونس: 2]. # وهذه هي النبوة المحمدية. # وهذه هي النتيجة التي لم تأت من مقدمتها، أو هذه هي النتيجة التي لم تأت من جميع ~~مقدماتها. # وهذه هي آية العمل الإلهي بين أعمال الناس. # الفصل الخامس # | سيد الأنبياء # (1) نشأة الأنبياء # إن وجهة الدعوة النبوية تتبين من نشأة النبي التى أعده الله بها للقيام بتلك ~~الدعوة، فإذا عرفنا نشأة النبي بين قومه عرفنا رسالته فيهم وعمله في هدايتهم، وعرفنا ~~وجهة النبوة من وجهة النبي منذ هيأة الله حيث جعله أهلا لرسالته. # ولكن غرائب التاريخ في أمر الأنبياء كثيرة، ومنها هذه الغريبة التي تكاد أن تشمل ~~الأنبياء أجمعين، وهي الجهل التام بتفاصيل نشأتهم بين ذويهم وأقوامهم، فلا يحصي التاريخ ~~شيئا من هذه التفاصيل عن نشأة نبي من كبار الأنبياء غير محمد - عليه السلام - وكل من ~~عداه من جلة الأنبياء فالعلم بأنباء طفولتهم مستفاد من سيرته بعد النبوة، أو ms068 مأخوذ مأخذ ~~الاستقراء والاستنباط. # وعلى هذا يقل عدد الأنبياء الذين نحاول اختيارهم للمقابلة بين نشأتهم ومقاصد دعوتهم، ~~ولا نستطيع أن نزيد على ثلاثة من كبارهم؛ وهم: إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - ~~وعلى بعض الأنبياء المذكورين في العهد القديم في مناسبات ظهورهم، وبعض هذه المناسبات ~~يدل على النشأة التي نشئوها، والوجهة التي اتجهوا إليها. # خليل الرحمن # مهما يكن من بداءة «الخليل» إبراهيم فالأقوال متواترة على زعامته لقومه حين هاجر ~~بهم من جنوب العراق إلى شماله، ومن شماله إلى أرض كنعان. # كانت مهمته إذن مهمة الزعامة المفروضة على الزعيم، وكان عليه أن يتولى هدايتهم ~~في شئون دنياهم وشئون دينهم، وبخاصة حين يخشى الخطر عليهم من غضب الله ونقمته ~~العاجلة من جراء المخالفة والعصيان. # وينبغي أن نذكر هنا أن الوعيد بالغضب الإلهي كان خطرا محذورا قريبا ممن ~~تعبدوا لجميع الأرباب في الديانات الأولى، وأن إيمان الناس بالإله في العهود ~~الأولى إنما كان أقواه إيمانا بحماية الرب الذي يعبدونه دون سائر الأرباب، فلم ~~يكن لزعيم مؤمن أن يغرر بقومه وهو يعلم سبيل نجاتهم، وقد كان إبراهيم الخليل زعيم ~~أسرته الذين هاجروا معه، فكان عليه أن يهديهم الطريق، وأن يهديهم كل طريق في هجرة ~~الجسد والروح. # وتتفق الأقوال على أن إبراهيم خالف أباه حين أنكر أرباب القوم، ودعا قومه إلى ~~الكفران بالأصنام، وليس في هذا ما ينفي زعامته على الذين هاجروا معه من أسرته وذوي ~~قرباه وتابعيه، فربما كان الخلاف على الإقامة والمصانعة وإرضاء ذوي السلطان بشيء من ~~المداراة، فاستكان الشيخ للواقع، ونفر الكهل القوي من هذه الاستكانة. وقد رأينا ~~أن ثورة النفوس كانت تبلغ غاية مداها في سلالة إبراهيم حين يؤمرون بعبادة إنسان، ~~أو إقامة الصنم مقام الإله الذي في السماء، فلعل المفترق بين إبراهيم وأبيه إنما ~~كان على عبادة جديدة أقحمت على القوم من هذا القبيل، فنجا المؤمنون بأنفسهم وتبعوا ~~الخليل في طريقه، وأدى لهم أمانة الزعامة بهذه النبوة وبهذه الرسالة. # فهذه النبوة مهمة زعيم أمين. # نبوة موسى # ويريد فرويد أن يجعل قيادة ms069 موسى - عليه السلام - من قبيل هذه القيادة، ولكنه ~~يذهب بعيدا حين يزعم أن موسى كان من المصريين الذين دانوا بعقيدة «أتون»، وكفروا ~~بعقيدة آمون، فلما انقلب الكهنة على الوحدانية التي جاءت بها عقيدة أتون، تحول موسى ~~إلى المستضعفين من اليهود في أرض مصر لينشر بينهم هذه العقيدة في الإله الواحد، ~~وأضاف إليها ما تلقاه من العلم بدين «يهوا» حين نجا بنفسه إلى صحراء سيناء، والتقى ~~في أرض مدين بنبي الصحراء. # ألف فرويد المشهور - وهو إسرائيلي - كتابا خاصا عن موسى والوحدانية # Moses and Monotheism ~~، حاول فيه جهده أن ~~يرجع بأصل موسى - عليه السلام - إلى الأسرة المصرية المالكة، وقال: إن اسمه نفسه ~~يدل على أصله المصري؛ لأنه مؤلف من كلمة ابن، ومن اللاحقة التي تشبه اللواحق في ~~أسماء رعموسيس وتحتموسيس وأموسيس، وقصته في الماء - على رأي فرويد - تقابلها في ~~البابلية قصة سراجون الملك، الذي وضعته أمه على حافة النهر وجعلت له مهدا عائما ~~من السلال. # وقد توسع فرويد في تخمينه فقال إن أدوناي التي أطلقها العبريون على الإله إنما هي ~~أتون أو أتوم المصرية، وأن موسى - عليه السلام - وفق بين عبادتين ليقنع بني ~~إسرائيل بدعوة أخناتون، وإلى هذا يرجع الاضطراب في النصوص العبرية القديمة. # وليست طريقة فرويد في تخمين التاريخ إلا أسلوبا آخر من طريقته في كشف العقد ~~النفسية بالتخمين والتأويل تفسيرا لبواطن المريض، وقد يكون تفسير هذه البواطن ~~قرينة على صحة الرجم بالغيب في استكشاف الأمراض الباطنية، ولكن تخميناته في سيرة ~~موسى - عليه السلام - لا تعتمد على قرينة ولا على ظن مقبول، وليس لها سند من الآثار ~~المصرية أو من الآثار العبرية، وفي وسع من يشاء أن يخمن مثلها على هذا المنوال، ~~ويأتي بعشرين فرضا متضاربا من فروض الخيال. # أما سيرة موسى - عليه السلام - من المراجع الدينية، فليس فيها ما يدل على زعامة ~~معترف بها بين بني إسرائيل، بل فيها إنكار هذه الزعامة بالقول الصريح؛ لأنه أراد أن ~~يحكم بين خصمين من العبرانيين فقال له أحدهما: «من جعلك رئيسا وقاضيا علينا؟ ms070 ~~ألعلك تريد قتلي كما قتلت المصري بالأمس؟» # ويرجح برستيد - أحد الثقات في التاريخ المصري القديم - أن موسى قد تخرج من ~~المدارس المصرية الكبرى، واطلع على مكنونات علم الكهنة والحكماء، وكانت له منزلة ~~فاضلة عند ولاة الأمر لعله كان يستخدمها في الشفاعة لقومه، والعلم بنيات الولاة ~~وأوامرهم فيما يمس شئونهم، فتعود عقلاؤهم أن يلجئوا إليه ويوسطوه ليستشفعوا به ~~فيما ينوبهم من الظلم وسوء الحال، وأصبح له حق الشورى عليهم كلما ارتبط الأمر ~~بمشيئة الدولة ومطالب بني إسرائيل. # وعلى خلاف الصورة التي تخيلها «ميكال أنجو» للرسول العظيم، يؤخذ من أوصافه أنه ~~كان وديعا «حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض»، كما جاء في ~~كتاب العدد من العهد القديم، وأنه كان يشكو حبسة في لسانه؛ فهو يقول عن نفسه كما ~~جاء في سفر الخروج: «لست أنا صاحب كلام منذ أمس، ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت ~~عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان، قال له الرب: من صنع للإنسان فما؟ أما أنا هو ~~الرب؛ فالآن فاذهب وأنا أكون مع فمك، وأعلمك ما تتكلم به ...» # ولم يخطر له بادئ الرأي أن يقود قومه في خروجهم من مصر، ولم يكن على أهبة للرسالة ~~الدينية قبل هجرته إلى صحراء سيناء، ولقائه في أرض مدين للنبي العربي الذي يرجح ~~الأكثرون أنه هو نبي الله شعيب، ولكنه على مختلف الروايات قد تعلم من ذلك النبي ~~علوما شتى في شئون التبليغ والقيادة، ولم يزل يتعلم منه، كما جاء في كتب العهد ~~القديم بعد عودته إلى مصر، وخروجه منها مع قومه، وكان يثوب إليه كلما ساورته ~~المخاوف، وأوشك أن ييأس من هداية القوم، أو يضيق ذرعا بما يسومونه من شهوات الطعام ~~ولدد الخصومة والمنافسة بين العشائر على صغائر الأمور. # فالسنوات التي قضاها إلى جوار نبي مدين كانت هي فترة الاستعداد، والرياضة ~~الروحية، والتدبر الطويل فيما يمكن عمله لإخراج بني إسرائيل من مصر، وإحلالهم حيث ~~حل على مقربة من سيناء وكنعان، ولا بد أنه قد جاس خلال ms071 تلك الصحراء، ووطئ بقدميه ~~أماكن الرحلة التي لا بد منها قبل الإقدام على استقرار في ذلك الجوار. # ولا شك أنه كان يصغي إلى نبي مدين فيما يبسطه له من أمر عقيدته وعبادته، وأنه ~~حكى له ما عرفه من العقائد المصرية وعبادات الهياكل والكهان، ووازن طويلا بين هذه ~~العبادات وعبادة البادية كما تلقاها من أستاذه المديني، ومن هداية الوحي ~~والإلهام. # فلما عاد إلى مصر ليخرج بقومه منها، كان هذا الخروج حيلة من لا حيلة له في ~~البقاء، ودعاهم إليه باسم الله، فأطاعوه بعد لأي ومجاهدة، ولم يظهر من سلوكهم معه ~~أنهم خفوا إلى الخروج من مصر طواعية بغير دعوة ملحة وإقناع عسير. # ولا يفهم من حادث واحد من حوادث الرحلة أن القوم كانوا يؤثرون الفرار حرصا على ~~عقيدة دينية، فإنهم أسفوا على ما تعودوه من المراسم الدينية في مصر، وودوا لو أنهم ~~يعودون إليها، أو يعيدونها منسوخة ممسوخة في الصحراء، وخطر لهم أن الإله الذي ~~دعاهم موسى إليه إنما غرر بهم ليهلكهم ويعفي على آثارهم، واحتاجوا في كل خطوة إلى ~~توكيد الوعد بالأمان ورغد العيش بعد أعوام التيه والانتظار. # فمهمة الرسالة الموسوية بين هذه العوارض الطبيعية لا تفهم إلا على خطة واحدة ~~ترتسم أمامنا كما كانت؛ لأنها هكذا ينبغي أن تكون. # هجر موسى مصر بعد مقتل المصري وتهديد بني إسرائيل قبل غيرهم بالإبلاغ عنه، فضلا ~~عما يخشاه من ملاحقة ولاة الأمور. # ولم يخطر له قبل تلك الهجرة أن يقنع قومه بالرحيل من الديار المصرية، فلما اختبر ~~الصحراء وسمع ما سمع من هداية نبي مدين، ولمح بعينيه مطارح الرحلة والقرار بين ~~مدين وسهوب سيناء وكنعان، وطاب له مقام البادية، فلم يستعظم المشقة في دعوة قومه ~~إلى مثل هذا المقام، تدبر الأمر وصحح العزم على التحول بالقوم من مصر إلى أرض ~~كنعان، وصرف الجهد الذي لا جهد بعده في إقناعهم باسم الإله الذي اختارهم للنجاة، ~~ولم يزل يحذر عليهم ترك هذه الإله عند أيسر دعوة، وبغير إغراء على الترك في أكثر ~~الأحيان. # وهذه ms072 أمثلة من تحذيراته تدل على الجهد الجهيد في تحويل قومه من العبادة التي ~~كانوا عليها إلى العبادة التي دعاهم إليها. # فمن هذه التحذيرات في سفر التثنية يقول لهم: «لا تسأل عن آلهتهم قائلا: كيف عبد ~~هؤلاء الأمم آلهتهم؟ فأنا أيضا أفعل هكذا. لا تعمل هكذا للرب إلهك؛ لأنهم قد عملوا ~~لآلهتهم كل رجس مما يكرهه الرب.» # وحذرهم من الأنبياء: فإذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما وأعطاك آية أو أعجوبة، ~~ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا: «لتذهب وراء آلهة أخرى لم ~~تعرفها وتعبدها؛ فلا تسمع لكلام ذلك النبي.» # وحذرهم من الأخ والابن والزوج والصاحب أن يغويهم قائلا: «نذهب ونعبد آلهة أخرى ... ~~فلا ترض منه ولا تسمع له، ولا تشفق عينك عليه، بل قتلا تقتله.» # وحذرهم من المدن التي يدخلونها أن يدعوهم اللئام إلى عبادة أربابها: «فضربا تضرب ~~سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرسها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف.» # وإذا سمع عن أحد من إسرائيل «أنه يذهب ويعبد آلهة أخرى، ويسجد لها أو للشمس ~~والقمر، أو لكل من جند السماء ... فأخرج ذلك الرجل أو تلك المرأة وارجمه بالحجارة حتى ~~يموت». ~~••• # ولا تتغير هذه الحقيقة بما يقال - تأييدا أو تفنيدا - لنسبة الكتب الخمسة ~~الأولى من العهد القديم إلى موسى - عليه السلام - أو نسبة بعضها إليه، وبعضها إلى ~~الأنبياء من تلاميذه وتابعيه، فإن أنبياء بني إسرائيل جميعا من عهد موسى إلى ~~مبعث عيسى - عليه السلام - لم تكن لهم من مهمة غير هذه المهمة، وهي تحذير بني ~~إسرائيل من عبادة إله غير الإله الذي دعاهم إليه صاحب الشعيرة، وتبكيتهم كلما ~~انحرفوا عن طريقه، واستبدلوا بملته ملة أرباب آخرين. # وهؤلاء إلياس وأرميا وحزقيل من أشد النعاة على بني إسرائيل في هذا الأمر، لم ~~يتجرد أحدهم لرسالة غير هذه الرسالة، ولم يكن هم إلياس إلا أن يحذرهم عاقبة «إغاظة ~~الرب»؛ إذ كان عمري قد ملك على إسرائيل، «وعمل الشر في عيني الرب، وبلغت سيئاته ~~أضعاف سيئات من قبله، وسار في ms073 جميع طريق يربعام بن نباط، وفي خطيئته التي جعل بها ~~إسرائيل تخطئ لإغاظة الرب بأباطيلهم، وملك آخاب بن عمري فاتخذ ابنة ملك ~~الصيدونيين زوجة، وسار وعبد البعل وسجد له، وأقام مذبحا له في بيت البعل الذي بناه ~~في السامرة». # ولم تكن رسالة أرميا إلا كهذه الرسالة؛ حيث أنذرهم في بعض مراثيه قائلا: ~~... إنكم تبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها ... الأبناء ~~يلتقطون حطبا، والآباء يوقدون النار، والنساء يعجن العجين ليصنعن كعكا ~~لملكة السماوات ؛ ولسكب السكائب لآلهة أخرى كي يغيظوني ... # ويمضي النبي منذرا متوعدا ناعيا على عشائرهم جميعا: # إنهم أبوا أن يسمعوا كلامي، وذهبوا وراء آلهة أخرى ليعبدوها، ونقض بيت ~~يهودا وبيت إسرائيل عهدي الذي قطعته مع آبائهم. # ومثل هذا الوعيد يسمع من كتاب حزقيل؛ حيث يقول لشيوخ إسرائيل: «إنني آخذ بيت ~~إسرائيل بقلوبهم؛ لأنهم كلهم قد ارتدوا عني بأصنامهم، وإن كل إنسان من بيت ~~إسرائيل، أو من الغرباء المغتربين في إسرائيل يرتد عني، ويصعد أصنامه إلى قلبه، ~~ويجيء إلى النبي ليسأله عني؛ فإني أنا الرب أجيبه بنفسي، وأجعل وحيي ضد ذلك ~~الإنسان، وأجعله آية ومثلا، وأستأصله من وسط شعبي، فإذا ضل النبي وتكلم كلاما، ~~فأنا الرب قد أضللت ذلك النبي، وسأمد يدي عليه وأبيده من وسط شعبي إسرائيل ~~...» # فشعب بني إسرائيل لم يستغن قط عن الإقناع المتتابع للإيمان بالإله الواحد، الذي ~~دعاهم إليه موسى - عليه السلام - ولم يتحرك من مصر فرارا بعقيدته، بل كانت هذه ~~العقيدة هي وسيلة الإقناع لحمله على النجاة بنفسه من عواقب البقاء حيث طاب له ~~البقاء، ولم يزل في الطريق يحتاج إلى تجديد هذا الإقناع في كل مرحلة، ويحن إلى ~~العودة بعد كل نقلة، وظل كذلك بعد انتهاء أيام التيه وإيوائه إلى القرار عند أرض ~~كنعان. ~~••• # ونشأة موسى التي عرفناها من مصدرها، الذي لا مصدر لنا غيره، هي التي تطابق بين ~~هذه النشأة وبين الرسالة الموسوية، كما وضحت من الكتب المنسوبة إلى موسى، والكتب ~~التي نسبت إلى الأنبياء من بعده. فخلاصة هذه النشأة أن كليم ms074 الله تربى في مصر، ~~وخرج منها خفية بعد مقتل المصري الذي صرعه موسى انتصارا لرجل من بني إسرائيل، ولم ~~يكن خاطر الخروج ببني إسرائيل قد خطر له أو لأحد من ذوي الزعامة بين عشائر قومه، ~~ولكنه عاش في البرية إلى جوار الهداية النبوية في أرض مدين، وراض نفسه على حياة ~~النسك والاستلهام وهو يفكر في أسرته وقومه، ويزور الأرض من حوله. # وتلقى الدعوة الإلهية بعد طول التدبر والرياضة، فعاد إلى مصر لإقناع قومه ~~بدعوته ، وإقناع السادة الحاكمين بها إن تيسر له ذلك دفعا للخطر عن ملته ~~وعقيدته، ولم يكن يرضيه فيما بدا من طوالع السيرة وخواتيمها أن يبقى شعب بني ~~إسرائيل حيث استطاب البقاء؛ لأنه رأى لهم مصيرا في البادية أكرم من هذا المصير، ~~ورأى أن العقيدة التي دعاهم إليها كفيلة بحمايتهم من الضياع بين العشائر والملل ~~في أرض البادية أو أرض الحضارة. # وهذا هو حكم التوفيق بين النشأة والرسالة في حياة الكليم عليه السلام. # وقد عرضت لنا في خلال هذه السيرة قصة مدين ودعوتها النبوية التي أشارت إليها كتب ~~إسرائيل من بعيد، ولم تذكر بشيء من التفصيل في غير القرآن الكريم، ولكنها جاءت ~~بالنشأة والرسالة متوافقتين ذلك التوافق الذي يغني عن كل دليل على صحة الأصل ~~الأصيل. # قلنا عن مدن القوافل في كتابنا عن أبي الأنبياء إبراهيم الخليل: «أما الأسباب ~~السيئة التي أوجبت قيام الدعوات النبوية في تلك المدن، فهي أسباب كثيرة، لم تكن ~~توجد يومئذ في غيرها بهذه القوة وبهذه الكثرة، وأقوى تلك الأسباب مساوئ الاحتكار ~~والاستغلال؛ فإن تجارة العالم إذا توقفت على مدينة هنا ومدينة هناك صارت في كل ~~مدينة إلى فئة قليلة من السادة وأصحاب اليسار، يحتكرون المقايضة والنقل، ويبرعون في ~~أساليب المماكسة ورفع الأسعار، وزيادة الضرائب والأجور على الرحال والمطايا وجند ~~الحراسة. # ويغتنم هؤلاء المحتكرون فرصتهم فيخدعون البسطاء، ويحتالون على الأصول والشرائع، ~~ويأخذون باليمين والشمال من الوارد والصادر، والغادي والرائح، ولا حيلة للتجار فيهم ~~ولا لناقلي التجارة؛ لأنهم قابضون على الزمام، وليس في قدرة دولة ms075 أن تحاربهم إلا ~~بالاشتباك في حرب مع دولة أخرى، أو بإنفاق أموال في الغزو والحصار تزيد على الأموال ~~التي يغتصبها المحتكرون أو يختلسونها. وقد يغلو هؤلاء المحتكرون في الجشع والتحكم ~~حتى يدفعوا الدول إلى المجازفة بالغارة مرة تريحها من مرات.» ~~«كذلك صنع أنتيجون خليفة الإسكندر مع أهم هذه المدن في زمانه، وهي سلع - أي ~~البتراء - فجرد عليها حملتين، ولم يفلح في غزوها، وهاجمها تراجان بقوة كبيرة ~~فدمرها وحول الطريق منها إلى بصرى، ولم يبق من حولها غير مدن صغار.» # إن آفة مدين هي آفة هذه المدن على مدرجة الطرق، وإن قصتها في القرآن الكريم هي ~~قصة التجارة المحتكرة، والعبث بالكيل والميزان، وبخس الأسعار، والتربص بكل منهج من ~~مناهج الطريق، وليس أدل على حدوثها من التوافق بين النشأة والرسالة كما جاءت في ~~مواضع مختلفة من السور، وإحداها سورة الأعراف. # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة ~~من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ~~ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا ~~تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من ~~آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا ~~فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين * وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت ~~به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين * قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ~~ قال أولو كنا كارهين * قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين * وقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا ms076 شعيبا كانوا هم الخاسرين ~~* فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على ~~قوم كافرين ~~[الأعراف: 85-93]. ~~••• # فرسالة شعيب - عليه السلام - إنما كانت رسالة خلاص من شرور الاحتكار والخداع في ~~البيئة، التي تعرضت له بحكم موقعها من طريق التجارة والمرافق المتبادلة بين الأمم. ~~والأغلب على التقدير أن جزيرة العرب تعرضت لضروب من هذه الآفات، وجاءتها الرسالات ~~التي تصلحها في إبان الحاجة إليها، ومنها رسالات هود وصالح وذي الكفل وإخوانهم من ~~الرسل الصالحين الذين لم تقصص علينا أخبارهم في كتاب. # عيسى عليه السلام # وقد اختتم عهد النبوة والرسالة في بني إسرائيل بظهور عيسى - عليه السلام - ولا ~~نعرف عن نشأته في طفولته غير القليل، ولا نعرف شيئا عن أيامه من الثانية عشرة إلى ~~الثلاثين مبعثه إلى قومه من بني إسرائيل، ولكن نشأة العصر كله من وجهة الاستعداد ~~للنبوة معروفة ببعض التفصيل، كما أشرنا إلى ذلك في كتاب حياة المسيح. # ففي عصر الميلاد «ترقبت النفوس بشائر الدعوة الإلهية من كل جانب كما يترقب ~~الراصدون كوكبا حان موعد طلوعه»، وكان موعد الألف الرابعة من تاريخ الخليقة موعدا ~~مقدورا في عرف الأكثرين لظهور المخلص الموعود. # وكان اليهود في عصر الميلاد فريقين: فريق يترقب الخلاص على يد رسول من ذرية داود ~~- عليه السلام - وفريق آخر، وهم السامريون، بنوا لهم هيكلا خاصا في جرزيم «ومن ~~المحقق أن هؤلاء السامريين كان لهم شأن في تطور الفكرة المسيحية، أو فكرة الخلاص ~~المنتظر على يد الرسول الموعود ... وهم ينتسبون إلى يعقوب، ويدعون أنهم دون غيرهم ~~الجديرون باسم الإسرائيليين ...» # وقد تكاثر النذيرون قبيل مولد المسيح، وهم المنذورون لصحبة المخلص المنتظر؛ لأن ~~مولده عليه السلام «وافق نهاية الألف الرابعة من بدء الخليقة على حساب التقويم ~~العبري»، وهو الموعد الذي كان منتظرا لبعثة المسيح الموعود؛ لأنهم كانوا ينتظرونه ~~على رأس كل ألف سنة، ومنهم من كان يقول: إن اليوم الإلهي كان ألف سنة كما جاء في ~~المزامير. # وإن عمر الدنيا أسبوع إلهي تنقضي ستة أيام منه في العناء ms077 والشقاء، ويأتي اليوم ~~السابع بعد ذلك كما يأتي يوم السبت للراحة والسكينة، فيدوم ألف سنة كاملة هي فترة ~~الخير والسلام قبل فناء العالم، ولا يزال الغربيون يعرفونها باسم الألفية # Millennium ~~، ويطلقونها على كل عصر موعود بالسعادة ~~والسلام. والذين قدروا أن القيامة تقوم بعد سبعة آلاف سنة من بدء الخليقة كانوا ~~يؤجلون قيام ملكوت السماء على الأرض إلى نهاية الألف السادسة، ويومئذ تسود دولة ~~المسيح الموعود، لكنهم كانوا كغيرهم في انتظار رسول من عند الله كلما انتهت ألف سنة ~~من بدء الخليقة. # وكانت بداءة الألف الخامسة موعدا منظورا أو منذورا يكثر فيه النذيرون، لعلهم ~~يحسبون من جند الخلاص، أو لعل واحدا منهم يسعده القدر فيكتب الخلاص على يديه. ~~والمهم في أمر النذيرين بالنسبة إلى السيد المسيح أن النبي يحيى المغتسل - يوحنا ~~المعمدان - كان علما من أعلامهم المعدودين، وكان السيد المسيح يتعمد على يديه، أو ~~يأخذ العهد عليه، وأن بعض المؤرخين يحسب السيد المسيح من النذيرين، ويلتبس عليه ~~الأمر بين النذيري والناصري، وهما في اللفظ العبري متقاربان. # ومن هؤلاء المؤرخين من يزعم أنه لم يكن من الناصرة؛ بل يزعم أن الناصرة لم يكن ~~لها وجود؛ لأنها لم تذكر قط في كتب العهد القديم، ولكن الأرجح في اعتقادنا أن ~~الناصرة نفسها كانت تسمى نذيرة بمعنى الطليعة، عندما كانت على تخوم الأرض التي ~~فتحها العبريون قديما، وأنها كانت مرقبا صالحا للاستطلاع؛ لأن التلول التي تحيط ~~بها تكشف جبل الشيخ والكرمل والمرج المعروف باسم مرج ابن عمير ... # ولا شك أن السيد المسيح قد اتجه بدعوته إلى إسرائيل، وابتغى منها الهداية ~~«لخراف بيت إسرائيل الضالة»، ولكنه عمم الدعوة بعد تكرارها على القوم ولجاجتهم في ~~الإعراض عنها، فوجهها إلى كل مستمع لها مقبل عليها، وقال لهم: إن العاملين بالخير ~~ذرية لإبراهيم الخليل أقرب وأوفى ممن يدعون النسبة إليه بالسلالة؛ لأنهم هم أبناؤه ~~بالروح، وضرب لهم المثل بوليمة العرس التي لم يحضرها المدعوون إليها، «فغضب السيد ~~وقال لعبده: اذهب عجلا إلى طرقات المدينة وأزقتها وهات إلي بمن تراه ms078 من ~~المساكين، فعاد العبد وقال لسيده: قد فعلت كما أمرت ولا يزال في الرحبة مكان، قال ~~السيد: فادع غيرهم من أعطاف الطريق وزواياه حتى يمتلئ بيتي، فلن يذوق عشائي أحد من ~~أولئك الذين دعوت فلم يستجيبوا الدعاء.» # ولم تكن رسالة السيد المسيح رسالة تشريع؛ لأن الشريعة الدينية كانت في أيدي أحبار ~~الهيكل، والشريعة الدنيوية كانت في أيدي أتباع قيصر، ولكنه عليه السلام قد جاء ~~بالفتح المبين الذي لم يسبقه إليه سابق من المرسلين في تصحيح الشرائع بجملتها، فقد ~~حطم عنها قيود النصوص، ونقلها إلى مقياسها الصحيح وهو مقياس الضمير، ومن تحطيم ~~النصوص أن يكون أبناء النبي هم أتباعه بالروح، وإن لم يكونوا من ذريته بالجسد، ومن ~~تحطيم النصوص كذلك أن يكون الخير في ضمير الإنسان لا في مظهر من مظاهر العالم؛ فإن ~~ملك ضميره فقد ملك كل شيء، وإن ضيع ضميره لم يغن عنه العالم بما وسع من أناس ~~وحطام. ~~(2) رسالة النور الجديد # ومما تقدم تنجلي المطابقة بين النشأة والرسالة النبوية عن مقاصد ثلاثة تنطوي في هذه ~~الرسالات: فمنها الرسالة التي تنطوي في تكاليف الزعامة، فتأتي الدعوة الإلهية لتمكين ~~زعيم القوم من هدايتهم الروحية؛ لأنه مطالب بقيادتهم في جميع الشئون. # ومنها الرسالة التي تقوم على منفعة أمة من الأمم لحراستها في وجه الأمم الأخرى، ~~والمثابرة على تذكيرها بحاجتها إلى تلك الحراسة. # ومنها الرسالة التي ينتظرها القوم تحقيقا لوعود متعاقبة يفسرها كل منهم بما ~~يبتغيه. # ثم قامت بعد هذه الرسالات جميعا رسالة محمد - عليه السلام - فلم يستغرقها مقصد من ~~هذه المقاصد؛ إذ لم تكن تكاليف زعامة ولا رسالة مقصورة على منفعة أمة، ولا تحقيقا ~~لوعود منتظرة يفسرها كل واحد بما يبتغيه. # رسالة محمد - عليه السلام - رسالة إلهية قوامها أن الله حق وهدى، وأن الإيمان به ~~جل وعلا مطلوب؛ لأنه حق وهدى، هذا الإيمان أعلى وأقدس من كل إيمان؛ لأنه إيمان بالحق ~~والهدى. # لم تكن زعامة محمد على قومه مناط تلك الرسالة؛ لأنه جاء بها بشرا كسائر البشر، عليه ~~من أمانة الهداية ms079 ما على الإنسان للإنسان زعيما كان أو غير زعيم. # ولم تكن منفعة الأمة العربية مناط تلك الرسالة؛ لأنها إيمان برب العالمين، ولا فضل ~~فيها لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى. # ولم تكن مقاضاة لوعود؛ لأن الإسلام لم يعد أحدا من العالمين بغير ما وعد به الناس ~~كافة في جميع البقاع والأرضين. # نزاهة العبادة # تعود بعض المصابين بداء الهذر من المؤرخين الغربيين أن يتكلموا عن نزاهة العبادة، ~~ويذكروا النعيم السماوي كما وصفه الإسلام بين النقائض التي تقدح في العبادة ~~النزيهة. # وما من دين من الأديان خلا من مبدأ الثواب والعقاب، وما من أمة من الأمم في عصر ~~الدعوة الإسلامية كانت صور النعيم السماوي عندها مقصورة على صورة واحدة تؤمن بها ~~ولا تؤمن بغيرها. # فليس الإيمان بالثواب والعقاب مخلا بنزاهة الدين، وما من دين يستحق أن يسمى ~~دينا يسوي بين الصالحين والمفسدين، أو يحجر على النفوس أن تطمح إلى النعيم الذي ~~ترتضيه. # إنما الميزان الحق للعبادة النزيهة هو الصفة التي يتصف بها الإله المعبود، ومن ~~أجلها يتعبد له المؤمنون. # وأنزه العبادات - ولا ريب - هي العبادة التي يدين بها المؤمن لله - جل وعلا - ~~لأنه حق وهدى؛ ولأن الإيمان به هو الصدق والصواب. # هذه العبادة أنزه من العبادة التي تتجه بها الأمة إلى الله لأنه يقوم لها مقام ~~الحارس في وجه الأمم التي تخشاها، وهي أنزه من العبادة التي تقوم على تقاضي الوعود، ~~أو العبادة التي تقوم على تعلق المرءوس بتكاليف الرئاسة والزعامة. # أمانة إنسان يدعو بها إخوانه في الإنسانية، ويرفعها مكانا فوق مكانها، إنها نشأت ~~في جزيرة العرب حيث لا غرابة أن تكون الرسالة أمانة زعامة، أو تكون حراسة أمة ذات ~~عصبية، أو تكون على الإجمال منفعة محدودة في وجه العالم، كما تحد الصحراء ما حولها ~~من البقاع والأرضين. # سيد المرسلين بحق من جاء بالرسالة المنزهة المثلى. وهذه هي رسالة محمد بشهادة ~~العقل حين يقابل بين القرائن والأمثال، قبل شهادة المتدين لدينه، أو المتعصب ~~لعصبته، والمقلد لما يمليه التقليد عليه. ms080 # الوساطة # يقوم الإسلام على خمس فرائض؛ هي: الشهادتان، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج ~~إلى بيت الله. # ولا تتوقف فريضة من هذه الفرائض الخمس على وساطة بين الخالق والمخلوق، فحيثما وجد ~~المسلم ففي وسعه أن يؤدي صلاته # فأينما تولوا فثم ~~وجه الله ~~[البقرة: 115]. # وإذا وجبت صلاة الجماعة، فكل مسلم يحسن الصلاة يجوز له أن يؤم المصلين حيث ~~اجتمعوا، ولا يشترط اجتماعهم في مسجد معلوم. # ويحتاج المسلمون إلى الحاكم لتوقيت شهر الصيام، ولكنهم يحتاجون إليه لأن وسائل ~~الرصد والتعميم تتيسر له حيث لا تتيسر لكل فرد من أفرادهم، شأنه - فيما عدا ذلك - ~~كشأن جميع المسلمين. ~~••• # وإذا حج المسلم إلى بيت الله فليس في بيت الله كاهن يقدم له قربانه، أو يملي عليه ~~شعائره، وإنما يقرب لنفسه ويقوم بشعائره لنفسه، فإن جهل حكما من أحكام الحج فإنما ~~يسأل عنه سؤال المتعلم للمعلم، ولا يحتاج في قبوله إلى وساطة من وسيط. # ويصح للمسلم أن يؤدي زكاته، كما يصح له أن يسلمها لولي الأمر ليجمعها ويفرقها على ~~مستحقيها، ولا عمل له فيها يتمم به الفريضة بعد أدائها. # هذه الفرائض التي تنزهت عن الوساطة بين الإنسان وربه قد تفهم على أنها مصادفات ~~متكررة على صعوبة التكرار والتوافق بين هذه المصادفات، لولا أنها متممة مستوفاة ~~بعقيدة التنزيه التي ارتفعت إلى غايتها في الإسلام، فالإله في العقيدة الإسلامية ~~منزه عن المشابهة والمقارنة والرمز والمحاكاة، وليس كمثله شيء، ولا وسيلة لإنسان ~~إلى رؤيته من حيث لا يراه الآخرون. ~~••• # ومن العسير على بعض المشتغلين بالمقارنة بين الأديان من الغربيين أن يدينوا ~~للإسلام بهذا التقدم الكبير في تنزيه العقيدة، وتنزيه الفكرة الإلهية، وأيسر من ذلك ~~عليهم أن يحسبوه ضرورة من ضرورات النشأة في الصحراء، حيث يتعود الحس التجريد، ولا ~~يرمز إلى الفخامة بروعة البناء. # ولكن العقائد الدينية نشأت في صحراء العرب وفي غيرها من الصحاري قبل الإسلام، ولم ~~تنشأ في إحدى هذه الصحاري مجردة من شوائب الوثنية والطوطمية، وضروب الكهانات ~~والوساطات بين الإنسان وطبقات من الأرباب دون مقام الإله الواحد المنزه عن ms081 الأشباه ~~والنظراء، وكانت الكعبة في مكة ملأى بالأصنام والأوثان يتخذونها - كما يقولون - ~~لتقربهم إلى الله زلفى، ولا يحسون أنها تناقض طبيعتهم الصحراوية في التدين ~~والعبادة. # ومما فات أصحاب المقارنات أن يذكروه في هذا الصدد: أن الأمم التي تدين لسلطان ~~الهياكل، وتقدر على تفخيم البناء، إنما كانت تثوب إلى هيكل واحد تتبعه سائر ~~الهياكل، ويستأثر كاهنه الأعلى بالوساطة بين أتباعه وبين الله، ويضفي من قداسته ما ~~يشاء على ما يشاء، فإذا وجد في الصحراء هيكلا متفقا عليه بين القبائل؛ فهو أحرى ~~أن يمتاز بالتعظيم والتقديس، وأن تحيطه الندرة برعاية خاصة لا تظفر بها المعابد حيث ~~يكثر البناء. # وأولى من ذلك بالتنبيه أن الإسلام يحارب كل سيطرة توجد في الهياكل، أو توجد في ~~صوامع الصحراء وخيامها، وفي التوابيت التي تحمل من مكان إلى مكان كتابوت بني ~~إسرائيل؛ لأنها سيطرة الكهان والرهبان التي تسلط الناس على رقاب الناس باسم الدين # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله ~~[التوبة: 34]. # وكل مسلم منهي بحكم دينه أن يقتفي آثار الأمم الذين حكموا فيهم رؤساء دينهم ~~و # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله ~~[التوبة: 31]. ~~••• # فليس لرئيس الدين في الإسلام من فضيلة غير فضيلة العلم والموعظة الحسنة، وتنبيه ~~الغافلين من ذوي السلطان: # وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~[التوبة: 122]، وتلك هي ~~الفريضة العامة التي يندب لها من يقدر عليها من ورثة الأنبياء وهم # أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~[آل ~~عمران: 104]. ~~••• # هذا موقف للإنسان في الكون كله بين يدي الله بغير وساطة، ولا فاصل، ولا حجاب، ~~تقدم به الإسلام ولم تمهده له البادية ولا المدينة، ولكنه نتيجة من تلك النتائج ~~الإلهية الكثيرة التي تقصر عنها السوابق والمقدمات. # الفصل السادس # | دين الإنسانية # قلنا في صدر هذه الرسالة إننا نتتبع فيها المقدمات ونقسمها إلى قسمين: مقدمات كافية ms082 ~~لتفسير النتائج التي تأتي بعدها، ومقدمات غير كافية لا تفسر جميع النتائج التي تلحق بها، ~~وقد تبدو هذه النتائج كأنها منقطعة عن تلك المقدمات، أو مستغنية عن تفسيرها. # ونحن نرى في فصول هذه الرسالة تفاوتا بين المقدمات في كفايتها، ولكنه لم يبلغ قط مبلغ ~~التفاوت في مقدمات دين الإنسانية، ولا في مقدمات النبوة كما بسطناها في موضعها، فلو أن ~~جميع الأديان التي عرفها الناس قبل الدعوة المحمدية وضعت أمام الباحثين يومئذ، لما ~~استطاعوا أن يستخلصوا منها ظهور دعوة دينية تخاطب أمم الإنسانية جميعها من جزيرة العرب على ~~الخصوص. # ومن الواجب أن نفرق بين دين التوحيد ودين الإنسانية في هذه الخصلة، فقد وجدت أديان تدعو ~~الأمم إلى التوحيد قبل دعوة الإسلام، ولكنها لم تكن تدعوهم لأنها تسوي بينهم، وترى لهم ~~حقا واحدا في عبادتهم؛ بل كانت تدعوهم إلى عبادة ملك واحد في السماء، وملك واحد في ~~الأرض، كأنها مسألة سيادة لا مسألة مساواة. # وقد جاءت الدعوة إلى التوحيد قبل الإسلام عن طريق توحيد الدولة، وفرض السلطان الواحد ~~والعبادة الواحدة حيث تبسط سلطانها؛ إذ كانت القبيلة القوية تتغلب على القبائل الصغار فتفرض ~~عليها عبادة ربها، وطاعة رئيسها، ثم يتغلب الشعب القوي على الشعوب الصغيرة، فيفرض عليها ~~عبادة ربه، وطاعة أميره، ثم تمتد حدود الدولة وراء بلادها فتصبح لها الصفة «العالمية»، ~~وتحسب الأرض كلها عالما واحدا خاضعا لشريعتها وشرائعها، فلا يطاع فيه ملك غير ملكها، ولا ~~يعبد فيه رب غير ربها. ولا يأتي هذا التوحيد على سبيل التسوية بين الغالب والمغلوب، أو على ~~سبيل الهداية والإرشاد؛ بل يأتي على سبيل القهر والإخضاع، وتجريد المغلوب من سادته في الأرض ~~وسادته في السماء على السواء. # وعلى هذه السنة جرى الرومان على إخضاع اليهود حين فرضوا عليهم عبادة «الإمبراطور» في ~~هيكلهم، ووضع الشارة الرومانية على محاريبهم، فلم يفرضوا عليهم ذلك هداية لهم أو اعترافا ~~بمساواتهم؛ بل فرضوه لإخضاعهم وتحريم كل معبود في الدولة غير معبودهم، وهكذا صنع غير ~~الرومان في مصر وبابل والبلاد الفارسية. # إن هذا ms083 «التوحيد» وجد قبل الإسلام. # ولكنه أبعد شيء عن دين الإنسانية الذي نعنيه، وهو الدين الذي يتجه إلى جميع الأمم بدعوة ~~واحدة على سنة المساواة بين الشعوب والأجناس، والتماس الهداية للغالب والمغلوب، فشتان دعوة ~~إلى توحيد العبادة تقوم على السيادة والاستعباد، ودعوة إلى توحيد الإنسانية في حقوق واحدة، ~~وهداية واحدة، وإيمان واحد بإله لا إله غيره يتساوى الناس بين يديه، ولا يتفاوتون بغير ~~الفضل والصلاح. # لقد كان الإله عند العبريين يسمى إله إسرائيل، ويخص من أبناء إبراهيم ذرية يعقوب بن إسحاق ~~دون سائر العبريين. # قال يوشع: «هكذا قال الرب إله إسرائيل.» # ويقول الشعب في كتاب الأيام: «ألست أنت إلهنا الذي طردت سكان هذه الأرض أمام شعبك إسرائيل ~~وأعطيتها لنسل إبراهيم خليلك إلى الأبد؟» # وقال داود في سفر صمويل الأول: «مبارك الرب إله إسرائيل الذي أرسلك هذا اليوم.» # وفي سفر الأيام: «خلصنا يا إله خلاصنا، واجمعنا وأنقذنا من الأمم لنحمد اسم قدسك، ونتفاخر ~~بتسبيحتك. مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل إلى الأبد ...» # ويطمئن بنو إسرائيل إلى هذه الحظوة وإن لم يستحقوها بولاء أو إيمان، ويتنبأ المتنبئون ~~والأنبياء فينعون عليهم خيانة الإله كما جاء في سفر أرميا: «إن آباءكم قد تركوني وذهبوا ~~وراء آلهة أخرى وعبدوها، وسجدوا لها، وإياي تركوا، وشريعتي لم يحفظوها، وأنتم أسأتم في ~~عملكم أكثر من آبائكم، وها أنتم ذاهبون كل واحد وراء عناد قلبه الشرير حتى تسمعوا لي ~~...» # ولكنهم يعودون فيسمعون من صاحب النذير أن الله يريدهم شعبا له: «وأجعل عيني عليهم ~~للخير، وأرجعهم إلى هذه الأرض، وأبنيهم ولا أهدمهم، وأغرسهم ولا أقلعهم، وأعطيهم قلبا ~~ليعرفوني أني أنا الرب؛ فيكونوا لي شعبا، وأنا أكون لهم إلها؛ لأنهم يرجعون إلي بكل ~~قلوبهم ...» # ودامت هذه العقيدة إلى عصر الميلاد؛ فتهيأت العقول لعقيدة أرفع منها وأعدل وأقرب إلى ~~المساواة بين الناس، فكان يحيى المغتسل - يوحنا المعمدان - يزعزع هذه الثقة بالخلاص لغير ~~سبب من عمل أو إيمان، ويخاطب القوم كلما تمادوا في اغترارهم بالنسبة إلى إبراهيم الخليل ~~قائلا: «إن الله قادر على أن ms084 يخلق لإبراهيم أبناء من حجارة الأرض؛ فإن لم يخلصوا في ~~إيمانهم فلا أمل لهم في الخلاص.» # وتحولت الدعوة المسيحية من بني إسرائيل إلى الأمم على الرغم من بني إسرائيل؛ لأن السيد ~~المسيح شبههم بالمدعوين الذين أقيم لهم العرس فتعللوا بالمعاذير وتخلفوا عن إجابة الدعوة: ~~«فقال هذا: إني اشتريت حقلا وعلي أن أخرج فأنظره ... وقال ذاك: إني اشتريت أزواجا من ~~البقر وسأمضي لأجربها، فغضب السيد وقال لعبده: اذهب عجلا إلى طرقات المدينة وأزقتها وهات ~~إلي من تراه من المساكين، فعاد العبد وقال لسيده: قد فعلت كما أمرت ولا يزال في الرحبة ~~مكان، قال السيد: فادع غيرهم من أعطاف الطريق وزواياه حتى يمتلئ بيتي؛ فلن يذوق عشائي أحد ~~من أولئك الذين دعوت فلم يستجيبوا الدعاء.» # ولم تتحول الدعوة المسيحية عن بني إسرائيل إلا بعد إعراضهم عنها، وإصرارهم على الإعراض في ~~كل بقعة من بقاع فلسطين توجهت إليها دعوة السيد المسيح وتلاميذه. أما قبل ذلك فكانت الدعوة ~~مقصورة عليهم، صريحة في تقديمهم على غيرهم من الأمم: «ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي ~~صور وصيداء، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيد، يا ~~ابن داود، ابنتي مجنونة جدا. فلم يجبها بكلمة، فتقدم إليه تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: ~~اصرفها؛ لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. فأتت ~~وسجدت له قائلة: يا سيد، أعني، فأجاب وقال: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب، ~~فقالت: نعم يا سيد، والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. حينئذ أجاب ~~يسوع وقال لها: يا امرأة، عظيم إيمانك! ليكن لك ما تريدين ...» # وتحولت دعوة السيد المسيح ودعوة الرسل المسيحيين إلى الأمم غير مقصورة على بني إسرائيل، ~~ولكنهم كانوا يدعون الأمم لأنهم أحق بإبراهيم من أبنائه بالجسد؛ إذ كان المستجيبون للدعوة ~~أبناء إبراهيم بالروح. ~~••• # وإذا روجع تاريخ الأديان قبل ألفي سنة لم يوجد منها دين واحد خرجت دعوته من نطاق القومية ~~فعمت شعوب الإنسانية ms085 على اختلاف أصولها وأجناسها. # وقد وجدت في الصين شعوب بلغت في ذلك العهد مائة مليون أو تزيد، ووجدت في الهند شعوب ~~تقاربها في العدد، ولم يعرف هؤلاء ولا هؤلاء دعوة الإنسانية إلى دين واحد؛ بل كانت الصين ~~تدين بعبادة الأسلاف، وكل بيت له هيكله وعبادته على حدة، وكانت ديانة الهند ديانة الطبقة ~~الغالبة ينفرد الأحبار بتلاوة أسفارها، ويحرمون على الطبقات المحرومة تلاوتها والتعرض ~~لفهمها وتفسيرها، ويقول جوتاما ريشي في بعض كتب الفيدا: «إذا سمع الفيدا رجل من المنبوذين، ~~فمن واجب الملك أن يصب الرصاص المذاب في أذنيه.» # هذه مقدمات الدعوات الدينية قبل الدعوة المحمدية بعدة قرون، وتقف المقدمات عند هذه ~~الدعوات، ثم يستمع الناس إلى دعوة من أعماق جزيرة العرب تنادي بني الإنسان جميعا إلى دين ~~واحد، وإله واحد، وحق واحد: # يا أيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ~~[الحجرات: 13]. # وما أرسلناك إلا كافة للناس ~~[سبأ: 28]. # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~[الأنبياء: ~~107]. # ويفصل رسول الدعوة آيات الكتاب الذي أنزل إليه فيقول في تفسير هذه الآيات: «لا فضل لعربي ~~على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى.» # ولو لم يكن من سعة المسافة بين المقدمات وهذه النتيجة غير هذا الذي أجملناه لكان فيه ~~الكفاية. # لكن العجب منه يتضاعف ويتعاظم حين تأتي النتيجة من أعماق الجزيرة العربية، حيث مشتجر ~~الأنساب والأعراق على نحو لم يعرف له مثيل بين الأمم والعصبيات. # وبقية تبقى بعد ذلك لعجب فوق ذلك العجب المتضاعف المتعاظم، فإن الرسول الذي نادى بهذه ~~المساواة بين الأصول والأمم لم يكن دون أحد من أبناء الجزيرة كلها حسبا ونسبا من أبويه ~~الشريفين؛ بل كان من شرف الأبوة في الذؤابة التي يعترف بها النظراء، ويعنو لها المكابرون. ~~وهذا الرسول هو الذي يتعلم منه الناس أنهم إذا صلحوا واستقاموا: # فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ~~[المؤمنون: 101]. # المسئولية الفردية # وللديانة الإنسانية مناط واحد هو ضمير كل فرد من أفرادها، فما لم يكن لهذا الضمير ~~حساب وعليه ms086 تبعة، فلا ديانة لإنسان ولا لجملة الناس. # وفكرة التبعة الفردية والمسئولية الفردية بسيطة سهلة الفهم، تتجدد الحاجة إلى تطبيقها ~~كل يوم في كل بيئة اجتماعية، فلو كانت الفكرة تروج بمقدار بساطتها، وسهولة فهمها، وتجدد ~~الحاجة إلى تطبيقها؛ لما خلا المجتمع الإنساني قط من مبدأ المسؤلية الفردية منذ أوائل ~~عهد الإنسان بالاجتماع. # لكن الواقع أن هذه الفكرة البسيطة قد أهملت، وظلت مهملة من عهد البداوة إلى عهود ~~الحضارة الأولى؛ لأن محاسبة الفرد لم يكن لها مرجع إلى سلطان واحد؛ إذ كان الفرد من ~~القبيلة يعتدي على فرد من قبيلة أخرى، ويندر أن ترضى قبيلة المعتدي أن تسلمه إلى قبيلة ~~المعتدى عليه؛ فإن لم تسلمه «تضامنت» في الدفاع عنه، ووقعت الحرب بين القبيلتين، أو ~~تعرض كل فرد من أفراد قبيلة المعتدي لأخذ الثأر منه، وقد يتوارثون الثأر إلى الأبناء ~~والأعقاب. # فمضى نظام القبيلة على «مسئولية» القبيلة كلها عن جميع أفرادها، ثم تطورت القبيلة، ~~وتألف الشعب من جملة قبائل متعارفة على نظامها القديم، فثبتت على عاداتها لصعوبة ~~التغيير في الجماعات التي تقوم على المحافظة ورعاية المأثورات السلفية، وبلغ من ثبات ~~هذه العادات أن رومة - التي كانت تسمى أم الشرائع - جعلت الأب مسئولا عن الأسرة، ~~وأباحت له التصرف في أرواحها وأموالها. وقد ناظرتها في الشرق شريعة حمورابي، فجعلت من ~~حق الرجل الذي تقتل بنته أن يتسلم بنت القاتل ليقتلها كأنها لا تحسب عندهم إنسانا ~~مستقلا بحياته. # وكانت في الهند حضارات تأخذ بمبدأ المسئولية الفردية، ولكنها ترجع بها إلى حياة سابقة ~~متسلسلة من حياة سابقة على مدى الأزمنة التي لا تعرف لها بداءة منذ أزل الآزال، فهو ~~مولود بجرائره وآثامه، وكفارة تلك الجرائر والآثام إلى الأجل المقدور، وليست تبعاته ~~مرهونة بما يعمله بعد ميلاده؛ بل هي سابقة للميلاد لاحقة به آمادا بعد آماد. # وعلى هذا تعاقبت الأجيال على إهمال المسئولية الفردية في أطوار البداوة وأطوار ~~الحضارة، ولم تعرف حضارة واحدة دانت بهذه المسئولية على النحو الذي نفهمه الآن، أو على ~~نحو قريب منه غير الحضارة ms087 المصرية في عصور الأسر القديمة، ثم طواها الزمن وطوى معها ~~شرائعها فلم يبق منها إلا اليسير. ~~••• # ولا نطيل في شرح «المسئولية الفردية» كما اعتقدها أناس من المتدينين الكتابيين قبل ~~الإسلام، ولكننا نشير إلى طرف منها للإبانة عما انتهت إليه واستقرت عليه عند ظهور ~~الدعوة الإسلامية. # ففي سفر التكوين أن «نوحا شرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أو كنعان ~~عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا ... فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير ~~فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته ...» # وفي سفر يشوع أن «عاخان» سرق من غنائم القتال في وقعة عاي، فانهزم الإسرائيليون ... ~~«وأجاب عاخان يشوع وقال: حقا إني قد أخطأت إلى الرب إله إسرائيل ... رأيت في الغنيمة ~~رداء شنعاريا نفيسا ومائتي مثقال من الفضة، ولسان ذهب وزنه خمسون مثقالا، فاشتهيتها ~~وأخذتها، وها هي مطمورة في الأرض وسط خيمتي والفضة تحتها. فأخذ يشوع عاخان بن زارح ~~والفضة والرداء، ولسان الذهب، وبنيه وبناته، وبقره وحميره، وغنمه وخيمته، وكل ماله ~~وجميع إسرائيل معه وصعدوا بهم وادي عجوز ... فقال يشوع: كيف كدرتنا يكدرك الرب في هذا ~~اليوم؟ فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة، وأحرقوهم بالنار، ورموهم بالحجارة، وأقاموا فوقه ~~رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم، فرجع الرب عن حمو غضبه.» ~~••• # وكان القول الشائع أن عصيان آدم جريرة لا يسأل عنها وحده؛ بل يسأل عنها كل ولد من ~~ذريته. ~~••• # أما الدعوة الإسلامية فالمسئولية الفردية فيها شيء جديد كل الجدة لم يتطور مما تقدمه، ~~ولم يكن نتيجة قط لإحدى هذه المقدمات، ومعجزة المعجزات فيها أنها قامت بالمسئولية ~~الفردية، حيث يصدها كل عرف قائم، ويعوقها كل نظام مصطلح عليه في المعاملات والعقوبات، ~~قامت بها في أعماق الجزيرة العربية ولا قانون فيها غير قانون الثأر، ولا شريعة لها غير ~~شريعة القبيلة، وتعلم الناس لأول مرة في تاريخ البداوة والحضارة: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~[النجم: 39]. وأن جيلا ~~من الأجيال لا يؤخذ بجريرة أسلافه، ولا يؤخذ خلفاؤه بجريرته: # تلك أمة قد خلت لها ما ms088 كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسألون عما كانوا يعملون ~~[البقرة: 134]، # وكل امرئ بما كسب رهين ~~[الطور: 21]. ~~••• # مرحلة شاسعة لم يعمل فيها تاريخ البشرية كله ما عمله الإسلام وحده مبتدئا بغير ~~سابقة؛ بل مبتدئا على الرغم من العوائق والموانع والمناقضات. # ولم تكن هذه المرحلة الشاسعة نافلة من نوافل الرأي على حواشي العقيدة، ولكنها هي ~~الفتح الأكبر من فتوح الضمير في جميع مراحل التاريخ؛ إذ لا قوام للخلق ولا للدين بغير ~~التبعة، ولا معنى بغير التبعة لتكليف ولا حساب. # الفصل السابع # | الكعبة # ونعود بعد هذه المقدمات جميعا إلى حديث الكعبة أو الكعبات التي ثابت إلى قبلة واحدة: هي ~~قبلة الكعبة المكية خاتمة المطاف. # يدور البحث ما يدور في تاريخ العرب الديني ثم يتصل من إحدى نواحيه بتلك البيوت التي تعرف ~~ببيوت الله، أو البيوت الحرام، ويقصدها الحجيج في مواسم معلومة يشترك فيها القبائل من سكان ~~البقاع القريبة، ويتعاهدون على المسالمة في جوارها. # وكان منها في الجزيرة العربية عدة بيوت مشهورة، وهي بيت الأقيصر، وبيت ذي الخلصة، وبيت ~~صنعاء، وبيت رضاء، وبيت نجران، وبيت «مكة» أشهرها وأبقاها، عدا بعض البيوت الصغار التي ~~يعرفها الرحالون، ولا تقصد من مكان بعيد. # وكان بيت الأقيصر في مشارف الشام مقصد القبائل من قضاعة ولخم وجذام وعاملة، يحجون إليه ~~ويحلقون رءوسهم عنده، ويلقون قبضة من الدقيق مع كل شعرة، وهو الذي عناه زهير بن أبي سلمى بقوله: # 1 # حلفت بأنصاب الأقيصر جاهدا # وما سحقت فيه المقاديم والقمل! # وبيت «ذي الخلصة» كان يدعى بالكعبة اليمانية في أرض خثعم بين مكة واليمن على مسيرة سبع ~~ليال من مكة، وروى البخاري أن النبي - عليه الصلاة والسلام - أمر بهدمه فهدم، وأن ~~الذين كانوا يسمونه بالكعبة اليمانية كانوا يطلقون اسم الكعبة الشامية على كعبة مكة تمييزا ~~بين الكعبتين. # وكان بصنعاء بيت رئام يحجون إليه وينحرون عنده، فطلب حبران «يقرآن التوراة» من ملك اليمن ~~أن يأمر بهدمه «لأنه شيطان» يفتن الناس، فأذن لهما فهدماه. # وفي بيت رضاء يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب حين ms089 هدمه بعد الإسلام: # ولقد شددت على رضاء شدة # فتركتها قفرا بقاع أسحما # وأعان عبد الله في مكروهها # وبمثل عبد الله أغشى المحرما # أما كعبة نجران فقد تعفت آثارها، وكشفها الرحالة عبد الله فلبي في رحلته (25 يونيو سنة ~~1936)، وهي التي قال فيها الأعشي يخاطب ناقته: # فكعبة نجران حتم علي # ك حتى تناخي بأبوابها # نزور يزيد وعبد المسي # ح وقيسا هم خير أربابها # ويقول بعض المؤرخين - ومنهم أبو المنذر # 2 ~~- إن هذا البيت وبيت سنداد بين الكوفة والبصرة لم يكونا من بيوت العبادة، ~~وإنما كانا من المزارات الشريفة التي يذكرها السياح. # اسم الكعبة # وقد ذهب المؤرخون مذاهب شتى في تفسير اسم الكعبة، فقال بعضهم: إنها كانت كلمة رومية ~~أطلقت على كعبة مكة لتكعيبها، وأن بناء من الروم عمل في بنائها وهندستها، فاستعير ~~اسمها من اللغة الرومية، وقيل: بل كان بناؤها من الحبشة، ومنها - أي من الحبشة - عرف ~~العرب بناء هذه المعابد وأمثالها؛ لأنهم أمة خيام لم تتأصل فيهم صناعة البناء. # وهؤلاء المؤرخون وأشباههم يتشبثون بالفرع ويغفلون الأصل بجذوره وجذوعه عليه. # فمهما يكن من لغة البناء الرومي أو الحبشي فالقبائل العربية لم تبن تلك البيوت؛ لأن ~~البناء من الروم أو من الحبش، ولم ترد أن تنشئ لها بيتا يسمى «الكعبة» أو المكعبة في ~~اللغة الرومية، وإنما وجدت الحاجة إلى البيت الحرام، ثم وجدت الوسيلة إلى تلك الغاية، ~~ولو لم يبنه أحد من الروم أو الحبش؛ لبناه أحد من فارس أو مصر أو الهند أو غيرها من ~~الأمم التي تقدمت في هذه الصناعات. وقد احتاج سليمان بن داود إلى بناء هيكله، فاستعان ~~بالصناع العاملين في الحجر والمعدن والحديد من شواطئ البحر الأبيض إلى جواره في الشمال، ~~ولم تقم العقيدة تبعا لأصحاب الصناعة؛ بل كان أصحاب الصناعة جميعا ممن يخالفون تلك ~~العقيدة، ويتسمون بسمة الكفر والإنكار عند المعتقدين بها. # ولم نعرف أن معبدا سمي بشكله، أو كان له شكل غير أشكال الأبنية التي يغلب عليها ~~التكعيب مع بعض الاستطالة، وليست مادة «كعب» بالغريبة عن ms090 اللغة العربية؛ لأنهم كانوا ~~يعرفون كعوب الفتاة، ويسمون الفتاة كاعبا إذا كعب ثدياها، ويلعبون بالكعوب، ويتسلحون ~~بالرماح وهي من القصب أو من الأقنية، فيغلب أن يكون اليونان هم الذين أخذوا من العرب ~~كلمة الكعب وكلمة القناة، فتصحفت في لغتهم إلى القانون، وهو العصا التي تتخذ ~~للقياس. # البيوت الحرام # ومهما يكن من أصول هذه الأسماء والأشكال، فالأمر الذي لا يجوز فيه الشك أن «البيوت ~~الحرام» وجدت في الجزيرة العربية لأنها كانت لازمة، ولم توجد فيها العبادات والمعبودات ~~لأن أحدا اخترعها لتعبد وتقصد، وإنما كانت العبادات والمعبودات مرعية موروثة، ثم ~~أقيم لها المكان الذي تعبد فيه وتقصد من أجله. # وقد اجتمع لبيت «مكة» من البيوت الحرام ما لم يجتمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة؛ لأن ~~مكة كانت ملتقى القوافل بين الجنوب والشمال، وبين الشرق والغرب، وكانت لازمة لمن يحمل ~~تجارة اليمن إلى الشام، ولمن يعود من الشام بتجارة يحملها إلى شواطئ الجنوب، وكانت ~~القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها، ولم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك ~~القبائل في باديتها أو في رحلاتها. # فليست في مكة دولة كدولة التبابعة في اليمن، أو المناذرة في الحيرة، أو الغساسنة في ~~الشام، وليس من وراء أصحاب الرئاسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم، أو دولة فارس، أو ~~دولة الحبشة وراء الإمارات العربية المتفرقة على الشواطئ، أو بين بوادي الصحراء، فهي - ~~أي مكة - مثابة عبادة وتجارة، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش فيها، ولا يبالي من ~~عداه، وهي إن لم تكن كذلك من أقدم أزمانها، فقد صارت إلى هذه الحالة بعد عهد جرهم ~~والعماليق، الذين روى عنهم الرواة أنهم كانوا يعشرون كل ما دخلها من تجارة. ~~••• # كانت «مكة» عربية لجميع العرب، ولم تكن كسروية ولا قيصرية ولا تبعية ولا نجاشية، كما ~~عساها كانت تكون لو استقرت على مشارف الشام، أو عند تخوم الجنوب، ولهذا تمت لها الخصائص ~~التي كانت لازمة لمن يقصدونها، ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة ~~المشتركة، لا على حكم القهر والإكراه. ms091 # ولقد حاولت الدول الكبرى أن تستغني عنها بتحويل الطريق منها، أو هدم كعبتها فلم تفلح، ~~وبقيت لها مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها، وهي قديمة سابقة لكتابة أسفار ~~العهد القديم في التوراة، فإنها هي «ميشة» المشار إليها في سفر التكوين، وهي «ميشة» ~~التي يقول الرحالة «برتون»: إنها كانت بيتا مقصودا لعبادة أناس من أبناء الهند، ويقول ~~الرحالون الشرقيون: إنها كانت كذلك بيتا مقصودا للصابئين الذين أقاموا في جنوب ~~العراق قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون، ونرجح نحن ترجيح الظن أن سكان شواطئ الهند ~~وخليج فارس وجدوا فيها سماحة لعبادة أربابهم العلوية وأفلاك السماء، كلما ترددوا عليها ~~في تجارتهم من أقدم عهود التاريخ، فكان حكمهم فيها حكم القبائل البادية التي وجدت فيها ~~محلا لعبادة أوثانها في مواسم الحج والإحرام. # ومن المحاولات التاريخية التي لا شك في بواعثها محاولة عام الفيل، ومحاولة عثمان بن ~~الحويرث أن يدخل مكة في حوزة الروم، وأن تستولي دولة الروم من ثم على تجارة المشرق كلها ~~من شواطئ اليمن إلى مشارف الشام. # فالحبشة كانت تخشى نفوذ الفرس في اليمن، وكانت تلقى من دولة الروم معونة على مقاتلة ~~التبابعة اليمانيين، وكانت تحذر دولة الروم؛ لأنها كانت تملك الوصول إلى بلادها من وادي ~~النيل، وتملك طريق البحر الأحمر في نهايته القصوى، فلما خرجت جيوش الحبشة بقيادة أبرهة ~~وأرياط كانت دولة الروم من وراء هذه الغزوة، وانتهت بهزيمة ذي نواس ملك اليمن، فاقتحم ~~البحر بجواده ليغرق فيه، وسفر أبرهة عن غايته بعد التمكن من اليمن وشواطئها فبنى ~~«القليس» في صنعاء. # ويجوز أن تكون مصحفة من كلمة الكليس اليونانية بمعنى المعبد والمجمع، أو من كلمة ~~الكلس بمعنى التكليس أو الطلاء، فلما تم بناؤها أمر بتحويل الحج إليها، وكتب إلى ~~النجاشي يقول: «إنه ليس بمنته حتى يصرف إليها العرب أجمعين» ... فقيل فيما قيل: إن ~~أناسا من العرب كانوا يذهبون إلى هذه الكعبة الجديدة ليدنسوها، وإن سيدا من سادات ~~تميم فعل ذلك وتحدى أربابها أن تصيبه بأذاها إن كانت لها قدرة الأرباب، ms092 فكان من جراء ~~ذلك هجوم أبرهة على مكة في عام الفيل المشهور. # هذه محاولة لا شك في الغرض منها، وهو الاستيلاء على طريق الحجاز من اليمن إلى ~~الشام. # والمحاولة الأخرى كانت من محاولات السياسة الخفية لتمليك سيد من العرب على مكة يدين ~~بالولاء لدولة الروم، فارتضى قيصر لملك مكة رجلا من ساداتها هو عثمان بن الحويرث بن ~~أسد بن عبد العزى، وكتب له رسائل يبلغها قومه، فعاد بها وجمع القوم إليه يرغبهم في حسن ~~الجزاء من قيصر، وينذرهم بسوء العاقبة في الشام إذا هم عصوه، وأهون ما هنالك أن يغلق ~~أبوابها في وجوههم وهم يذهبون إليها ويعودون منها كل عام، قال: «يا قوم، إن قيصر قد ~~علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد ملكني عليكم وأنا ابن عمكم ~~وأحدكم، وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة # 3 # من السمن والأوهاب، فأجمع ذلك ثم أذهب إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن ~~يمنع منكم الشام فلا تتجروا به، وينقطع مرفقكم منه.» # وهذه المحاولة السياسية غرضها - كما هو ظاهر - كغرض تلك المحاولة العسكرية، وكلتاهما ~~تثبت شيئا واحدا، وهو قيام كعبة الحجاز على كره من ذوي السلطان في الجنوب، وأن دولة ~~الروم لم تكن تريدها باختيارها، وإنما كانت مشغولة بها، معنية بتحويلها إلى حوزتها، فلم ~~تستطع أن تنال منها منالها، واستطاعت «الكعبة» أن تحفظ مكانها على الرغم من خلو مكة من ~~العروش الغالبة على أنحاء الجزيرة بجميع أطرافها؛ بل استطاعت ذلك لخلوها من تلك العروش، ~~وقيام الأمر فيها على التعميم دون التخصيص، وعلى تمثيل جملة العرب بمأثوراتهم ~~ومعبوداتهم دون أن يسخرهم المسخرون، أو يستبد بهم فريق يسخرهم تسخير السادة للأتباع ~~المكرهين على الطاعة وبذل الإتاوة. # قداسة الكعبة # والأساس المهم الذي قامت عليه مكانة البيت المكي: أن البيت بجملته كان هو المقصود ~~بالقداسة غير منظور إلى الأوثان والأصنام التي اشتمل عليها، وربما اشتمل على الوثن ~~المعظم يقدسه بعض القبائل وتزدريه قبائل أخرى، فلا يغض ذلك من مكانة «البيت» عند ~~المعظمين والمزدرين، ms093 واختلفت الشعائر والدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه ووثنه، ولم ~~تختلف شعائر البيت كما يتولاها سدنته المقيمون إلى جواره، والمتكفلون بخدمته، فكانت ~~قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها بين أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم - من ~~ثم - أن يحكموا بالضلالة على أتباع صنم معلوم، ويعطوا البيت غاية حقه من الرعاية ~~والتقدير ... # وعلى هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب يأخذون بأشتات ~~متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، ولا يجتمع منها دين ~~واحد يؤمن به متعبدان على نحو واحد، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف بين عرب ~~الجاهلية بلفظها وجملة معناها كالصلاة والصوم والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة ~~عند رب البيت أو عند الله. وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت، أن أبا ذر قال ~~له: «يا ابن أخي! صليت مرتين قبل مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فسأله: فأين كنت توجه؟ قال: حيث ~~وجهني الله!» # وجاء في الأغاني أن زيد بن عمرو بن نفيل كان يستقبل الكعبة في صلاته ويقول: # لبيك حقا حقا # تعبدا ورقا # عذت بما عاذ به إبراهم # مستقبل الكعبة وهو قائم # يقول إني لك عان راغم # مهما تجشمني فإني جاشم # وذكر صاحب كتاب حجة الله البالغة أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء، وكان صيامهم من ~~الفجر إلى مغرب الشمس، وكانت لهم بقايا من العبادات التي عرفت بين أهل الكتاب، ولم تكن ~~معروفة على وتيرة واحدة بين أتباع دين من الأديان، وإنما يرغبهم فيها أنها أعمال ترضي ~~«الإله»، وأنهم يعرفون إلها أعظم من سائر الآلهة يتوجهون إليه بالدعاء. وهي حقيقة لا ~~يعتورها الشك؛ لأنهم كانوا يسمون «عبد الله»، ويلبون فيقولون: اللهم لبيك، ولا يدعون ~~أحدا من الأصنام «رب البيت»، فإذا قالوا: «رب البيت» أرادوا به ربا فوق جميع ~~الأرباب. # إننا في هذه الرسالة نذكر المقدمات ونقسمها - كما قلنا - في مفتتحها إلى قسمين: قسم ~~ينقطع دون النتائج التي جاءت بعده، وقسم يتصل بنتائجه، ويسير من ms094 مبدئه إلى غايته في ~~مجرى الحوادث، وليس بين هذه المقدمات المتصلة ما هو أحكم اتصالا بين أوائله وخواتيمه ~~من قيام البيت في مكة وتوثيقه قبائل العرب على حرمة واحدة. # وقد سميت الكعبة «الحمساء»، وانتسب إليها «الحمس»، وهم طوائف متشددون في فرائضهم ~~وخلائقهم يدينون أنفسهم بالتقشف والزهد في مواسم العبادة، فيقضون زمنا في العراء لا ~~يحول بينهم وبين السماء حائل من سقف أو ستار، ويحرمون على أنفسهم في الأشهر الحرم أكل ~~الأقط والسمن، ولبس النسيج من الوبر والشعر، ولا يجيزون لغيرهم أن يطوف بالبيت في غير ~~الثياب الأحمسية، ويجعلون المطاف بالليل للنساء إذا لم تكن عليهن هذه الثياب. ~~••• # ومن رعاية جوار البيت حلف الفضول الذي تعاهد عليه أناس من علية قريش لينصرن كل ~~مظلوم، ويردن الحق إلى كل مغصوب، وليكونن يدا واحدة في قتال كل غاصب يلج ~~في ظلمه وغصبه اعتزازا بماله، أو بعصبته وحزبه. وما من مقدمة للدعوة المحمدية كانت ~~ألزم ولا أكرم من هذه المقدمة؛ تيسيرا لاجتماع الكلمة على الخير، وتوحيد أبناء الجزيرة ~~العربية في دعوة واحدة ليست لذي سلطان من ملوك اليمن، أو خليج فارس، أو مشارف الشام، ~~الذين يدينون بالولاء للأكاسرة وللقياصرة وللنجاشيين؛ بل هي دعوة الله يتلقاها أصحاب ~~التيجان والعروش كما يتلقاها عامة الخلق من عباد الله. # الفصل الثامن # | أسرة النبي # منذ ثبتت للبيت الحرام تلك المكانة العالية بين العرب كافة، وجبت له أمانة الخدمة بما له ~~من حق محفوظ وشرف ملحوظ، ووجب لخدامه السمت الذي يجمل بهذا المقام، وهو فوق مقام الرئاسة ~~الدنيوية، وعلى مثابة من مقام العبادة والتقديس. # ولم يقم بهذه الأمانة أحد كما قام بها أجداد النبي - عليه السلام - من بني هاشم، فقد ~~حفظوا حقها، وعرفوا سمتها، بل طبعوا عليه فطرة بغير كلفة، وبدا منهم الإيمان بها في مآزق ~~الشدة التي يمتحن فيها الإيمان بحب النفس، وحب البنين، فيغلب الإيمان على حب المرء لنفسه ~~وحبه لبنيه. # وقد تنافس بنو هاشم وبنو أمية على هذا الشرف، فأسفرت المنافسة بينهما عن فارق في الطباع ~~ملحوظ ms095 الأثر في خلائق الأسرتين من أيام الجاهلية إلى ما بعد الإسلام بعدة قرون، ومهما تجد ~~من ندين متناظرين في هاشم وأمية إلا وجدت بينهما هذا الفارق على نحو من الأنحاء. # كان بنو هاشم أصحاب عقيدة وأريحية ووسامة، وكان بنو أمية أصحاب عمل وحيلة ومظهر مشنوء، ~~وينعقد الإجماع أو ما يشبه الإجماع على أخبار الجاهلية التي تنم على هذه الخصال في ~~الأسرتين، وبقى الكثير منها إلى ما بعد قيام الدولة الأموية فلم يفندوه. # ومن هذه الأخبار أخبار المنافرات المتتالية تجمعها منافرة حرب وعبد المطلب إلى نفيل جد ~~عمر بن الخطاب؛ إذ يقضي لعبد المطلب ويخاطب حربا قائلا: أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، ~~وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول ~~منك مذودا؟ # أبوك معاهر وأبوه عف # وذاد الفيل عن بلد حرام # والنسابون يؤيدون ما تواترت به هذه المنافرات، فيقول دغفل النسابة لمعاوية وقد سأله عن ~~جده أمية: «رأيته رجلا قصيرا ضريرا يقوده عبده ذكوان»، قال معاوية: «ذلك ابنه أبو عمرو!» ~~قال دغفل: «ذلك شيء تقولونه أنتم، أما قريش فلم تكن تعرف إلا أنه عبده.» # ويقول الكلبي في أبناء عبد المطلب: «كانوا إذا طافوا بالبيت يأخذون البصر.» # قلنا في كتابنا عن ذي النورين عثمان بن عفان: «وقد يتردد المؤرخ في قبول بعض الروايات ~~المتقدمة على علاتها، ولكنه لا يحتاج إلى المشكوك فيه من تلك الروايات ليعلم هذا الفارق ~~الواضح من خلائق العشيرتين فيما أثر عنهم قبل الإسلام وبعد الإسلام، ففي حلف الفضول قام ~~بنو هاشم بالأمر، وقام به معهم بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، وتخلى عنه بنو عبد شمس فلم ~~يشتركوا فيه ... وخلاصة قصته أن رجلا يمانيا قدم مكة ببضاعة فاشتراها رجل فلواه بحقه، ~~وأبى أن يرد عليه بضاعته، فقام في الحجر أو في مكان على شرف وصاح يستغيث، وكان من أجل ذلك ~~أن تعاهد أناس من بني هاشم وأحلافهم ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد، إلا ~~كانوا ms096 معه حتى يأخذوا له بحقه من أنفسهم ومن غيرهم، وعمدوا إلى ماء من زمزم، فجعلوه في ~~جفنة، وبعثوا به إلى البيت، فغسلت به أركانه وشربوه. وقد أبى الأمويون وبنو عبد شمس عامة ~~على أحد منهم أن يدخل هذا الحلف، فكان أحدهم عتبة بن ربيعة يقول: لو أن رجلا وحده خرج من ~~قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل حلف الفضول.» # وربما خفي السبب الذي يرجع إليه هذا الفارق بين الأسرتين، فقد يرى بعضهم أنه يرجع إلى ~~النسب المدخول، وقد رمي الأمويون الأوائل بشبهات كثيرة في عمود النسب، وعرض لهم بذلك ~~أناس من ذوي قرباهم في صدر الإسلام، وأشهر ما اشتهر من هذه الشبهات قصة ذكوان الذي يقولون ~~إنه من آبائهم، ويقول النسابون: إنه عبد مستلحق على غير سنة العرب في الجاهلية. # ومما يعلل به هذا الفارق أن بني أمية كانوا يغيبون عن ديارهم ويعودون إليها، فلا يطيب ~~للمقيمين فيها أن يعترفوا لهم بدعوى الزعامة عليهم، وأنهم أكثروا من الرحلة في بادئ الأمر ~~لحاجتهم وقلة محصولهم من نتاج النعم وأرباح التجارة، وليس بالبعيد أن «المعاهرة» التي ~~أشار إليها المحكمون بينهم وبين الهاشميين قد أورثتهم بعض أمراضها، ودست في أخلاقهم شيئا ~~من خبائثها، وليس بالبعيد أيضا أن الفارق بين الأسرتين إنما كان من قبيل تلك الفوارق ~~التي نراها بين الإخوة كأنها قسمت بينهم ميراث الأخلاق، فذهب أحدهم بالحول، وذهب أخوه ~~بالحيلة، أو ذهب أحدهم بالكرم والأريحية، وذهب أخوه بنقائضها من خلال الأثرة ~~والدعوى. # وأيا ما كان سر هذا الفارق البين، لقد كان بنو هاشم - أسرة النبي - أصحاب رئاسة، وكانت ~~لهم أخلاق رئاسة. # عرفوا بالنبل والكرم والهمة والوفاء والعفة، وبرزت كل خليقة من هذه الخلائق في حادثة ~~مأثورة مذكورة، فلم تكن خلائقهم هذه من مناقب الأماديح التي يتبرع بها الشعراء، أو من ~~الكلمات التي ترسل إرسالا على الألسنة ولا يراد بها معناها. # كان هاشم غياث قومه في عام المجاعة، فبذل طعامه لكل نازل بمكة أو وارد عليها، وسمي ~~بالهاشم من ذلك اليوم لهشمه ms097 الثريد ودعوة الجياع إلى قصاعه: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # ومما يروي عنه أنه كان أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الصيف ورحلة الشتاء، وحقيقة ذلك ~~فيما يخلص لنا من سوابق الرحلات أنه كان يحمي تلك الرحلات وينظمها، فنسب إليه أنه أول من ~~سنها. # ومكانته في غير قريش - وفي مدن التجارة الخاصة - تدل عليها مصاهرته لبني النجار في ~~المدينة، وزواجه من سلمى بنت عمرو التي كانت - لشرفها وعزتها - تأبى أن تتزوج إلا أن يكون ~~أمرها بيدها ، ولو لم يكن لهاشم مقامه في الحجاز كله لما أصهر إلى القوم، ولا ارتضى القوم ~~هذه المصاهرة من رجل يزور مدينتهم زيارة الطريق بين مكة والشام. وقد كان المعهود في بني عبد ~~مناف أنهم لا يقعدون جميعا في ديارهم، وأنهم لا تزال لهم همة طامحة في رحلاتهم وأسفارهم، ~~ومات أكثرهم في غير وطنهم، فمات هاشم بغزة في الشام، ومات عبد المطلب برومان إلى ناحية من ~~أرض اليمن، ومات نوفل بسلمان في العراق. # وابن هاشم عبد المطلب سيد قريش غير مدافع، ويبلغ هذا التقابل بين الأسرتين أقصاه في عهد ~~مناظرة حرب بن أمية، فكان كلاهما نمطا في بابه من طرفي العقيدة والأريحية وطرف السعي ~~والحيلة. # وكان عبد المطلب متدينا صادق اليقين، مؤمنا بمحارم دينه في الجاهلية؛ لأن ثقة الإيمان ~~طبيعة في وجدانه، وهو أول من حلى الكعبة بالذهب من ماله، ويغنينا منه أنه كان في الحق نمطا ~~فريدا بين أصحاب الطبائع التي فطرت على الاعتقاد ومناقب النبل والإيثار. # فلم تكن مناقبه من مناقب الطابع والوتيرة التي تتكرر على صورة واحدة بين المتصفين بها، ~~ولم يكن كرمة ولا حزمه ولا شجاعته من قبيل الصفات التي تعرف بهذه الأسماء في جميع الكرماء ~~وذوي الحزم والشجاعة. # بل كانت مناقبه مطلبية تدل عليه ولا تصدر من غيره، وكانت كلها مزيجا من الأنفة والرصانة ~~والاستقلال، ومواجهة الغيب على ثقة وصبر وأناة. # وهذه طائفة من أخباره لا نفتقد في واحدة منها تلك المناقب المطلبية التي تعز على ms098 خيال ~~المتخيل ما لم يكن وراءها أصل تحكيه وترجع إليه. # وصل أبرهة الحبشي عام الفيل إلى أرباض مكة، وبعث رجلا من العرب يسمى حناطة يسأل عن «أمير ~~مكة»، ويبلغه أن أبرهة لم يأت لقتالهم، وإنما أتي لهدم البيت الحرام، فإن لم يمنعوه فهم ~~في أمان من حربه، فلما لقي الرسول عبد المطلب وأبلغه رسالة أبرهة، قال عبد المطلب: والله ما ~~نريد حربه، وهذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم، فإن يشأ منع بيته وحرمه، وإن لم يشأ تخلى ~~عنه، ووالله ما عندنا من قتال. # قال الرسول: انطلق معي إلى الملك. فانطلق معه عبد المطلب إلى أن أتى معسكر أبرهة، وأدخلوه ~~عليه. # يقول الرواة: وكان عبد المطلب رجلا عظيما مهيبا وسيما، فنزل أبرهة عن سريره، وأجلسه ~~معه، وسأله عن طلبته، فقال عبد المطلب: الإبل التي ساقها جندك! # ويقول الرواة: فهان أمر عبد المطلب في نظر أبرهة وقال له: أتسأل عن البعير وتترك البيت ~~الذي هو دين آبائك ودينك من بعدهم؟! فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه. فأمر ~~برد إبل عبد المطلب دون غيرها، فأخذها عبد المطلب وقلدها النعال وساقها هديا إلى ~~الحرم، ووقف على باب الكعبة يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # فامنعهم أن يخربوا قراكا # هذه هي «المطلبية» التي نعنيها في خصال هذا الرجل العظيم: لا تهور مع القوة الطاغية، ولكن ~~لا خضوع لها؛ بل وضع لها في موضعها، وقول يناسب كل مقام، فإذا خامر الظن أحدا لا يفهم ~~معنى هذه الأنفة التي تأنف من التهور كما تأنف من الجبن، فهناك الجواب الفعال الذي يغني ما ~~ليس يغنيه المقال: ما سألت عن الإبل لأنني أضن بأثمانها، فإنني قد وهبتها بعد ذلك للبيت، ~~ولكنني سألت عنها لأنها هي موضع سؤالي، وتركت السؤال عن البيت لأن استجداء الرحمة من أبرهة ~~لبيت الله ينفي الثقة بالبيت وبالله. # وقد حدث بعد ذلك ما حدث مما لا شك فيه، وهو فتك الجدري ms099 بجنود أبرهة، وانهزامه عن البيت، ~~وخوفه من أن يتقدم إليه بأذى، وإنه لخبر قد يسهل إنكاره على المتحذلقة من أدعياء التاريخ ~~الذين يجمعون التمحيص كله في الإنكار، لولا أن حديث الجدري الذي فشا (في سنة 569) مثبت ~~كما تقدم في تاريخ بروكوب Procope # الوزير البيزنطي ~~المعروف. # وخبر آخر من أخبار هذه المناقب المطلبية: أنه عاش زمنا قليل الولد لم يرزق غير ابنه ~~الحارث الذي كان يكنى به. عيره عدي بن نوفل بن مناف يوما فقال له: أتستطيل علينا عبد ~~المطلب وأنت فذ لا ولد لك؟ فأجابه عبد المطلب جوابه الذي أثر عن ذلك اليوم: أبالقلة ~~تعيرني؟! فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد لأنحرن أحدهم عند الكعبة! # وسنعود إلى التعقيب على هذه القصة في حديث عبد الله أبي النبي - عليه السلام - ولكننا ~~نجتزئ هنا بأن نقول: إننا لا نسقطها لمجرد اختلاف الروايات فيها، فإن أخبار الحاضر تتناقض ~~أمامنا، ونحن لا ننكر وقوعها لهذا التناقض. وقد اختلفت الرواة في عبد الله بن عبد المطلب: ~~هل هو أصغر أبنائه جميع،ا أو أصغر أبنائه من أمه؟ وهل بلغ أبناؤه العشرة، أو حسب منهم ~~أبناء الأبناء؟ وكل أولئك لا يسقط القصة، كما أسلفناه، وكما يجيء في سيرة عبد الله. # وملتقى الروايات في هذه القصة أنه أمر بنيه أن يكتب كل منهم اسمه في قدح، وطلب من صاحب ~~القداح أن يضرب عليها، فخرج السهم باسم عبد الله، فهم بإنفاذ نذره لو لم يتشفع عنده ~~ابنه العباس ورجالات قريش، وتنادوا بينهم: لئن فعل ذلك لتكونن سنة، ولا يزال الرجل يأتي ~~بابنه فيذبحه، فإن يكن فداء فبأموالنا جميعا نفديه. # واحتكموا إلى عرافة بالحجاز فسألتهم: كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت: قربوا ~~عن ولدكم عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعلى ولدكم، ثم زيدوا الإبل كلما أخطأها السهم حتى ~~يخرج السهم عليها فانحروها عنه؛ فقد رضي ربكم ونجا ولدكم. # يقول الرواة: وعادوا إلى مكة فقربوا عشرة من الإبل، وضربوا القداح، فخرج القدح على عبد ~~الله، وجعلوا يزيدون ms100 عشرة فعشرة حتى بلغت مائة، وقيل ثلاثمائة، فخرج السهم عليها فنحروها ~~وتركوها لا يمنع من لحمها إنس ولا وحش ولا طير. # ومن أخباره أن قريشا خاصمته في ماء زمزم بعد أن احتفرها، وعارضوه في احتفارها، ~~فاحتكموا إلى كاهنة بني سعد بن تميم بمشارف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد ~~مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر يتقدمون، وفني ماء عبد المطلب عند بعض المفاوز بين ~~الحجاز والشام؛ فظمئ أصحابه حتى أيقنوا بالهلكة، وطلبوا الماء ممن معهم من قريش فلم يسقوهم، ~~فجمع أصحابه وسألهم: ما ترون؟ قالوا: رأينا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن ~~يحفر كل منا حفرته فيواريه فيها أصحابه إذا مات، حتى يكون آخركم موتا قد وارى الجميع، ~~فضيعة رجل واحد خير من ضيعة الركب كله ... # ثم بدا له رأي أصوب من هذا الرأي فقال لأصحابه: والله إن إلقاءنا أنفسنا بأيدينا للموت ~~هكذا دون أن نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لهو العجز؛ فهلموا نرتحل. ولم يذهبوا في طريقهم ~~غير يسير حتى انفجرت عين ماء عذب تحت خف راحلته، فشربوا وملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من ~~قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله، فقال أصحابه: لا نسقيهم والله؛ لأنهم لم ~~يسقونا، قال: نحن إذن مثلهم. ولم يرضه أن يعمل مثل عملهم وهو أحق بالرجحان عليهم، وعرف ~~القرشيون له هذا الحق فكفوا عن منازعته في ماء زمزم، وسلموا له السقاية التي كانوا ~~ينفسونها عليه. # ويروى عنه أنه كان له جار يهودي يسمى أذينة، وكان له مال كثير، فطمع فيه حرب بن أمية ~~وأغرى به فتيانا من قومه فقتلوه، فلم يزل عبد المطلب يستقصي خبره حتى علم باغتياله ومن ~~اغتالوه، فأبى إلا أن يكره حربا على الدية، وأخذ منه مائة ناقة أسلمها إلى ابن عم ~~اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئا هلك، فارتجعه من ماله. # وهذه هي المناقب «المخصصة» التي نقول: إنها لا تجري مجرى الطابع والوتيرة، ولا تغني ~~عناوينها عن النظر في ملامح أصحابها ms101 ومميزاتهم في التفكير والعمل، وهي مناقب لا تخترع، ولا ~~يضيرها أن يضاف فيها الخبر المخترع إلى الخبر الواقع؛ لأن الرواة المخترعين في هذه الحالة ~~إنما ينقلون عن صورة أصيلة تمت في أذهانهم قبل اختراع أخبارهم عنها، فحاولوا أن تكون ~~أخبارهم المخترعة مطابقة لحقيقتها. # ففي كل خبر من هذه الأخبار «المطلبية» إيمان وحزم ووفاء وجرأة على الخطر، ولكن في غير ~~مغالطة ولا اصطناع، وإنما قوام ذلك كله حزم يملك زمامه، ويفعل واجبه كما يراه. # وأدعياء التاريخ خلقاء أن يسألوا أنفسهم هنا سؤالين لا يغفلهما أحد يفقه معنى تمحيص ~~الخبر، وأولهما في هذا السياق: لماذا يخترع الرواة هذه الأخبار عن عبد المطلب دون غيره؟ ~~وثانيهما: لماذا لم يخترعوها ولا اخترعوا أمثالها عن حرب بن أمية؟ # فإذا كانت صورة الرجل في الأذهان هي علة الاختراع، فهناك حقيقة إذن ماثلة وراء هذه ~~المخترعات، وهناك دلالة في اتفاق الأذهان على الاختراع أولى بالتصديق من اتفاقهم على رؤية ~~العيان؛ لأن رؤية العيان تحتاج بعدها إلى البحث عما تدل. # وقد اتفقت الروايات كلها على صفات عبد المطلب قبل الاتفاق على أخباره، واتفقت الصفات ~~والأخبار معا على ملامح شخصية قوامها الإيمان والحزم والوفاء وضبط النفس في مواجهة القوة ~~والخطر بعزيمة، لا تتهور في غير جدوى، ولا تنكص على عقبيها خوفا من فوات الجدوى، وكلها ~~صفات جديرة بآباء الأنبياء والمرسلين. # عبد المطلب # ولد عبد المطلب في المدينة وسمي «شيبة» تفاؤلا له بطول العمر في أسرة لم يكن طول ~~الأعمار من خصائصها، وتربى بعيدا من آل أبيه، فصدق عليه في طفولته قول القائلين في ~~عصرنا: إن الطفل أبو الرجل؛ لأنه كان يلاعب الصبيان من لداته فيذكرون آباءهم، ويفخرون ~~بهم عليه وهو لا يرى أباه بينهم، وحز ذلك في نفسه، فجعلت أمه تسري عنه وتحدثه عن آل ~~أبيه ومآثرهم في جوار البيت الحرام، فطال اشتياقه إلى رؤيتهم والإقامة بينهم، بيد أنه ~~أحجم عن السفر مع عمه «المطلب» حين قدم إلى المدينة لأخذه إلى مكة، وبصر بأمه في الدار ~~حزينة واجمة تبكي ms102 لفراقه، وتستمهل عمه عسى أن يبقيه لديها إلى عام قابل، فقهر في ~~تلك السن الباكرة شوقه إلى أهل أبيه، وقد عز عليه في المدينة أن يفاخر بهم لداته بين ~~آبائهم وذويهم، وقهر في إبان الطفولة ذلك التطلع إلى المجهول، وذلك الحنين إلى ~~الغرائب، وتلك الرغبة في كل حركة وكل انتقال من مكانه الذي هو فيه، وقال لعمه بعد أن ~~تهلل لمرآه ورحب بالعودة معه إلى قومه: لن أترك أمي، أو تأذن لي بالسفر معك ~~راضية! # وفي سفرته تلك سمي عند مدخل مكة بعبد المطلب؛ لأن أهلها رأوه مع المطلب لأول مرة، ~~فحسبوه عبدا اشتراه، وجعلوا يدعونه باسم «عبد المطلب» كلما أرادوا أن يميزوه من ~~أبنائه، فغلبت عليه. # وشب الغلام عزوفا أبيا لا يستكين للهضيمة، ولا ينزل عن حق له أو حق كان ~~لأبيه، فلما أراد عمه نوفل أن يستأثر بمنزلة أبيه هاشم وميراثه لديه تحين الفرصة ~~للسفر إلى المدينة، وعاد إلى مكة بعصبة من أقارب أمه وأخواله، وهم أولو عصبة أشداء يشاد ~~بغوثهم في مدائح الشعراء: # ولو بأبي وهب أنخت مطيتي # غدت من نداه رحلها غير خائب # فتلقاهم عمه نوفل مرحبا، ودعاهم إلى ضيافته، فلم يقبلوها أو يرضي فتاهم، فصالحهم ~~على ما يرضيهم ويرضيه. # وصح التفاؤل في عبد المطلب، فعاش حتى ناهز المائة أو جاوزها، ومات والنبي - عليه ~~السلام - دون العاشرة، فعهد به إلى كفالة عمه أبي طالب شقيق أبيه. # وكل ما تفرقت فيه الروايات من أمره قد استقرت على صفة لا تتفرق فيها روايتان؛ وهي: ~~صدق التدين والإيمان بمحارم الدين في سدانته أو في غير سدانته. واسم ولد من أولاده عبد ~~العزي الذي اشتهر بعد ذلك باسم أبي لهب لزهرة كانت في لون وجهه، ومن حديثه أنه كان ~~يتعصب للعزى التي نمى إليها باسمه، وأنه زار أحد عبادها المتنسكين لها في مرض موته ~~فوجده يبكي، فسأله: ما يبكيك؟ أمن الموت تبكي ولا مفر منه؟ قال الرجل: كلا، ولكني أخاف ~~ألا تعبد العزى بعدي! # فقال أبو لهب: والله ما عبدت ms103 وأنت حي لأجلك، ولا تترك بعدك لموتك. فاطمأن الرجل ومات ~~وهو يقول: الآن علمت أن لي خليفة يرعاها. # وكانت العزى بوادي خراص على يمين المصعد إلى العراق، وكانت قريش قد حمت لها شعبا ~~يقال له: سقام، يضاهون به الكعبة، وهي التي يعنيها أبو جندب الهذلي إذ يقول في بعض ~~غزله: # لقد حلفت جهدا يمينا غليظة # بفرع التي أحمت فروع سقام # ولها منحر تذبح فيه الذبائح، ويقصد إليه الحاج بعد منى كما يقول نهيكة الفزاري يخاطب ~~عامر بن الطفيل: # يا عام لو قدرت عليك رماحنا # والراقصات إلى منى فالغبغب # وشأن هذه القصة في مناقب عبد المطلب أن التدين لم يكن وسيلة من وسائل الرجل إلى طلب ~~السيادة والسدانة، وأنه لم يتدين لأنه سادن الكعبة وصاحب المنفعة في تعظيمها؛ بل كان ~~يعظم العزي ولا منفعة له في هذا التعظيم، وكان الدين عنده إيمانا خالصا من الحيلة ومن ~~مآرب الكهانة. # ولا يخفى أن الوراثة في الطبائع لا في الشعائر وظواهر العبادة، فمن كانت عنده عقيدة ~~الإيمان بالغيب، والعلو بما يؤمن به عن عوارض الأهواء واللذات، وهان عليه نسيان المنافع ~~والشهوات في سبيل رضاه، وطابت نفسه بالفداء وفرائض الطاعة والوفاء، فهذه هي الطبيعة ~~التي تورث على اختلاف الشعائر والعبادات، ومثلها في ذلك مثل الشجاعة في القتال، ومثل ~~السخاء بالمال؛ فإن الابن الذي يرث الشجاعة من أبيه لا يرث منه ميدانه، ولا تتوقف ~~شجاعته الموروثة على سلاحه؛ فقد يحارب الابن بسلاح لم يعرفه أبوه، وفي ميدان غير ~~ميدانه، وقد يبذل المال لإقامة مسجد ولم يبذل أبوه المال إلا لنحت صنم، أو ذبح قربان ~~على وثن، ولا غضاضة على ما ورثه من شجاعة، ولا ما ورث من سخاء. # وهذه الطبيعة هي التي ينظر إليها الناظر في مناقب الأسرة الموروثة، فلو كان عبد ~~المطلب ينافق بالتدين ليخدع به قومه، ويتذرع به إلى الرئاسة عليهم، لما كان هو عبد ~~المطلب الذي تورث منه خصال الصدق والإيمان، ولكن تورث منه هذه الخصال حين يصدق في ~~معتقده بالكعبة وبالعزى، وحين ms104 يدين الناس بما يدين به نفسه في رئاسة هؤلاء ~~الناس. # أبو طالب # وكان أبو طالب - خليفته في الوصاية على النبي - أشبه أبنائه به في جميع خصاله ~~ومناقبه. # والخلاف كثير في إسلام أبي طالب؛ إذ لم يتفق الرواة على إسلام أحد من أعمام النبي غير ~~حمزة والعباس وهما في مثل سنه، والعباس يكبرهما بنحو ثلاث سنوات. # ولكن لا خلاف على حمايته له، وحبه إياه، وصبره على عداوة قريش كلها في سبيل نصرته، ~~ورد أذاهم عنه، وقد لقي في ذلك ما يطيق وما لا يطيق، وعظم عليه الخطب، وأشفق من مغبته ~~عليه وعلى ابن أخيه، فقال له في ساعة من أشد ساعات الحرج: «أبق على نفسك يا بني ولا ~~تحملني من الألم ما لا أطيق.» فحزن النبي وحسب أنه سيخذله، وقال له وهو يهم بمفارقته: ~~«والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى ~~يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» # فلم يبرح النبي غير قليل حتى ناداه عمه وقال له وهو حزين لحزنه: «اذهب يا ابن أخي فقل ~~ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.» # وفي رواية ابن إسحاق: أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ~~وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، ~~فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا ~~طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # يا ابن أخي، ما هذا الدين ~~الذي أراك تدين به؟ قال: «أي عم، هذا دين الله ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني ~~الله به رسولا إلى العباد، وأنت - أي عم - أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، ~~وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه.» فقال أبو طالب: «أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن ~~أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن - والله - لا يخلص ms105 إليك بشيء تكرهه ما ~~بقيت.» # وقال ابن إسحاق: «وذكروا أنه قال لعلى: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: ~~يا أبت آمنت بالله وبرسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته. فزعموا أنه ~~قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير؛ فألزمه.» # وبر أبو طالب بقسمه، وحمل السيف في سبيل نجدته، وروى القرطبي أنه ناجز أبا جهل وجلة ~~قريش في مجموعهم يوم اعتدى ابن الزبعرى عليه في صلاته. وكان النبي - عليه السلام - قد ~~دخل الكعبة ليصلي كعادته، فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ~~ابن الزبعرى فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي، وانفتل النبي من صلاته وقصد إلى عمه، ~~فسأله عمه: من فعل هذا بك؟ قال: عبد الله بن الزبعرى، فقام أبو طالب ووضع سيفه على ~~عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوه قد أقبل جعلوا ينهضون، فقال أبو طالب: والله ~~لئن قام رجل لجللته بسيفي. فقعدوا حتى دنا منهم، وأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به ~~وجوههم ولحاهم، وانصرف وهو يغلظ لهم القول. # وقد تكفل أبو طالب بالنبي في طفولته الباكرة، وصحبه في غدواته وروحاته؛ خوفا عليه من ~~إساءة تمسه في غيابه، وانتوى السفر إلى الشام والنبي في نحو الثانية عشرة من عمره، ~~فأشفق عليه أن يجشمه عناء السفر البعيد، ثم تهيأ للرحيل فتعلق به الغلام الودود وبكى ~~لفراقه، فلم يقو على مفارقته وهو باك، وقال لصحبه: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ~~ولا أفارقه أبدا. # ولقد كان الرجل الجليد يذكر أخاه كلما لمحت عيناه الغلام اليتيم فتشرق عيناه بالدموع، ~~ويقول: ما أشبهه بعبد الله! وقد كان أبو طالب وعبد الله - كما تقدم - أخوين شقيقين، ولم ~~يثبت قط أن هذا العم الكريم تخلى طرفة عين عن ابن أخيه، أو أحزنه بكلمة لا ترضيه من ~~طفولته إلى أن جهر بدعوته، ولم يخالف هذا الإجماع - من أخبار أبي طالب والنبي - أحد من ~~المؤرخين، حتى أولئك المفسرين الذين حسبوا أن ms106 أبا طالب هو المقصود بما جاء في القرآن ~~في سورة الأنعام: # وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~ حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا ~~إلا أساطير الأولين * وهم ينهون عنه ~~وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون ~~[الأنعام: 25، 26]. # فقد وهم أولئك المفسرون أن أبا طالب كان هو المقصود بهذه الآيات لأنه كان ينهي عن ~~أذى النبي ولا يدين بدينه، ولم يكن أبو طالب ممن يلقون النبي ليجادلوه فيصدق عليه ذلك ~~التفسير، وأوضح من خطأ هؤلاء المفسرين هنا ظنهم أن أبا طالب مقصود بعد وفاته بقوله ~~تعالى في سورة القصص: # إنك لا تهدي من أحببت ~~[القصص: 56]؛ فإن سورة الأنعام قد نزلت بعد سورة القصص كما جاء في كتاب الإتقان، فلا ~~هداية ولا جدال ولا نهي عن أذى النبي بعد الوفاة. # وعلى الجملة تبدو لنا رعاية أبي طالب لابن أخيه - على الرغم من قريش - خلائق رحمة ~~ونخوة ووفاء واعتداد بالجاه والكرامة، وتبدو لنا من سيرته كلها خلائق أخرى من قبيل هذه ~~الخلائق التي تجمع بين الطيبة والقوة؛ فإننا نعلم أنه كان يلقب بسيد الأباطح، وأنه كان ~~يخرج للتجارة آونة بعد أخرى، وأن أباه عبد المطلب كان على ثراء عظيم، وكان سادات بني ~~أمية ينافسونه بالغنى والسخاء، فلا يدركونه في هذا ولا ذاك. # ثم نعلم على كل هذا أن أبا طالب قد لقي ضنكا في شيخوخته، وأن النبي قد أعانه ~~بكفالة ابنه علي وتربيته في داره، ونعلم كذلك أن النبي لم يكن على حال من الوفر قبل ~~اشتغاله بتجارة السيدة خديجة، ومشاركته في ربح أموالها، فمصير ابن عبد المطلب وحفيده ~~إلى حال من القلة بعد غنى الجدود الأوائل قد ينبئ عن نصيب الأسرة النبوية من السدانة، ~~ومن مناصب الدين في البيت المعمور، فأكبر الظن أنها كانت مغرما يأخذ من أموالهم، ولم ~~تكن مغنما يربحون منه الكثير أو القليل، ولولا سعة التجارة التي عمل فيها هاشم والمطلب ~~حتى قيل: إن أحدهما سن لقريش سنة الرحلتين إلى الشام واليمن لما وصل ms107 إليهما ذلك ~~الثراء المشهور، ولا استطاعا النهوض بأعباء الشرف ومناصب الدين. # ولقد مر بنا من نجدة أبي طالب لابن أخيه ما تتم به فضيلة النجدة كاملة لهذا الشيخ ~~الكريم، ولكنها كانت في الحق نجدة تتسع لكل قاصد ومستجير، ولو لم تكن حقوق ابن الأخ على ~~عمه، فقد استجار به أبو سلمة صاحب بني مخزوم، فأجاره وأعلن على الملأ جواره، فمشى إليه ~~رجال من بني مخزوم فقالوا: يا أبا طالب، ما هذا؟ منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ~~ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم ~~أمنع ابن أخي. # فغضب أبو لهب في هذه المرة لأخيه الشيخ وثار بهم قائلا: يا معشر قريش، والله لقد ~~أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه ~~أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. فخشي زعماء قريش مغبة الوفاق بين ~~الأخوين في النجدة والجوار - وكان أبو لهب معهم على رسول الله في دعوته - فقالوا: بل ~~ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وانصرفوا راغمين. # وحكي عن هشام بن السائب الكلبي عن أبيه في رواية لا نثبتها ولا ننفيها: أن أبا طالب ~~لما أحس الموت «جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، إني أوصيكم بمحمد ~~خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء ~~بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان؛ مخافة الشنآن، وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، ~~وأهل الوبر والأطراف المستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، ~~فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها ~~أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه، وأحظاهم عنده، قد محضته العرب ~~ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها. يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، ~~والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي ms108 مدة، ولأجلي ~~تأخير؛ لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي ...» # وهذه الوصية لا يثبتها القارئ لها على هذا الأسلوب إلا أن تكون لسان حال لا لسان ~~مقال، وإلا أن يكون ما قيل بعض لفظها وبعض معناها، ولم يكن كل ما جاء فيها. # العباس وحمزة # وعمان آخران غير أبي طالب كانت لهما شهرة وصلة بالدعوة النبوية عرفنا منها بعض ما ~~اتصفا به من صفات وكفايات، وهما: العباس وحمزة، وكلاهما أخ لعبد الله غير شقيق. # فالعباس على صغره تولى السقاية بعد أبيه، وامتاز بين سادات قريش بالرأي والدهاء وطول ~~الأناة، وكان له علم بالأنساب، وقدرة على تألف الناس ودفع العداوات، مع هيبة يحسب لها ~~حسابها جلة قريش من هاشميين وأمويين، وهو جد بني العباس، ومن خلائقه خلائق أبنائه ~~الكفاة الدهاة من كل رئيس مطاع في هذا البيت الفريد بين بيوتات الهاشميين. # وحمزة فارس الفرسان في خلائق الفروسية كلها من شجاعة وصدق وإيمان ودراية بالسيف ~~والخيل، قال ابن إسحاق في قصة إسلامه: «فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - ~~أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا خرج من قنصه لم يصل إلى ~~أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث ~~معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة - مولاة عبد الله بن جدعان - ~~قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده ~~ها هنا جالسا، فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به، من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معدا ~~لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه، ~~حتى إذا قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا ~~على دينه أقول ما ms109 يقول، فرد ذلك علي إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم لينصروا ~~أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة؛ فإني والله قد سببت محمدا ابن أخيه سبا ~~قبيحا ...» # قال القوم: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت. # فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي منه ذلك ... أنا أشهد أنه رسول الله. # ومن أعمام رسول الله غير حمزة والعباس رجلان لم يسلما؛ وهما: الزبير وعبد العزى أبو ~~لهب، وكلاهما كان يحتفي بالطفل الصغير ويدلله ويواليه بالسؤال عنه، وكان الزبير يرقصه ~~بأبيات الشعر يرجو له طول العمر والنجابة، ووهب له أبو لهب جاريته ثويبة ترضعه وتخدمه ~~في طفولته. ولا نعرف من أخبار الزبير ما ينبئ عن صفاته وكفاياته، وأما أبو لهب فالمعروف ~~عنه - ولا سيما في علاقاته بابن أخيه بعد الدعوة - غير قليل. # كان بنو هاشم وبنو المطلب جميعا في نصرة النبي من آمن منهم به ومن لم يؤمن، ما عدا ~~أبا لهب وبنيه، وفيه نزلت الآيات: # تبت يدا أبي لهب ~~وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * ~~سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة ~~الحطب * في جيدها حبل من مسد ~~[المسد: ~~1-5]. # وتعليل هذا الشذوذ أنه من لوازم الأسر الكبيرة التي لا تشذ منها أسرة ذات خطر في ~~التاريخ، فهو هنا القياس المطرد مع طبائع الأمور، كان من علله أنه يدعى بعبد العزى؛ ~~يتعصب لها ويغضب أن يحسب أحد أمامه أن عبادتها مرهونة بحياته كما تقدم. # وكان من علله أنفة الكبير أن ينقاد للصغير، ولا ننسى أنها أنفة لا تستغرب في عشائر ~~البادية، وعشائر الرئاسة منها على التخصيص، ومن استغربها فليذكر أن العباس وحمزة - ~~عمي الرسول اللذين أسلما - كانا من لداته عليه السلام، إلا سنوات ثلاثا أو أربعا ~~تقدم بها العباس، فكان لها أثرها في تأخير إسلامه سنوات. # وكان من علل ذلك الشذوذ أنه كان على حلف ومشاركة لبيوتات قريش كلها؛ لكثرة ماله وسعة ~~تجارته وأعماله، وقد قال للنبي في مجمع الأسرة: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع ~~الصبأة، واعلم ms110 أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، ~~وإن أقمت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا ~~جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به. # وفي مجلس آخر قال له أبو طالب: هؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني ~~أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت؛ فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا ~~تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. # قال أبو لهب: هذه والله السوءة؛ خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم. وانفض المجلس على ~~غيظ يكظمه أبو لهب، وعهد يبرمه أبو طالب ويقول فيه مقسما: والله لنمنعنه ما ~~بقينا. # وهذا هو الهوى الذي يزين لصاحبه أن يسوقه مساق الحكمة والحيطة، فيزعم أنه يدفع الشر ~~عن ابن أخيه وعن قومه، ويجنبهم ما لا يطيقونه من جهاد العرب، وإنه في طويته ليأنف ~~أن ينقاد لمن هو أصغر منه، ويخشى ما يصيبه من جراء انقياده لو سلست له كبرياؤه. ~~••• # وليس من العلل التي تنسى في هذا المقام أنه كان زوجا لأخت أبي سفيان، وأن ولديه ~~كانا متزوجين لرقية وأم كلثوم كريمتي رسول الله، وبين الزوجتين والزوجة إحن لا تهدأ، ~~ولا تزال تتحين الفرصة للوقيعة والتفرقة والعداء. # وأيا ما كان من أبي لهب فهو الشذوذ الذي يستغرب ألا يكون، وليس بالغريب أن ~~يكون! # وأشهر أبناء الأسرة من غير الأعمام ابن عمه الحبيب وابنه بالتربية: علي بن أبي طالب ~~رضوان الله عليه، وصفاته وكفاياته تأخذ من كل سيد من ساداتها بنصيب: شجاعة، وطيبة، ~~وفهم، وإقبال على المعرفة، وإيثار للمعروف. # أسرة لا تخرج النبوة وما خرجت قط من خير منها. # ونشأة النبي - عليه السلام - فيها أصدق المقدمات التي قلنا: إنها مقدمات التمهيد ~~والتحضير، إلا أنها كسائر المقدمات التي مهدت من جانب لتقيم المصاعب كلها من جانب ~~آخر. # أسرة عزيزة الآباء والأجداد، فخرها بالنسب أعظم من كل فخر، وسيادتها بالخلائق ~~الموروثة أثبت من كل سيادة، ثم ينشأ لها من ms111 بينها نبي ينعى على الآباء والأجداد ما ~~كانوا عليه من ضلالة، وينكر من الأبناء أن يسلكوا مسلكهم، ويهيموا على آثارهم، ويقول ~~لهم كما قال إبراهيم: # قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم ~~في ضلال مبين ~~[الأنبياء: 54]. # ويهيب بمن آمن منهم: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ~~[التوبة: 23]. # ويدعوهم أن يتبعوا ما أنزل الله؛ لأن آباءهم لا يعقلون: # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون ~~[البقرة: 170]. # لقد نشأ محمد في الأسرة التي تعطيه خير ما تعطي الأسر بنيها. # ولكنه جاءها بالنبوة التي لا يعطيها غير الله! # وكانت الأسرة تمهيدا له فيما ورث منها. # ولكنها وما ورثت من قومها هي عقبة الأرض التي تمهدها السماء. # الفصل التاسع # | والدا النبي # تلك هي الأسرة العامة التي شملت الأجداد والأعمام، وللنبي صلوات الله عليه، مع هذه الأسرة ~~العامة، أسرة خاصة من أبويه الشريفين: عبد الله وآمنة. # ولم يعقب لنا التاريخ كثيرا من أنباء هذين الأبوين الشريفين، ولكنه أعقب لنا ما فيه ~~الكفاية لبيان أثرهما النفساني في وجدان ولدهما العظيم. # ندرت في أبوات العظماء أبوة كأبوة عبد الله بن عبد المطلب، ونكاد نقول: إنها مرت بغير ~~نظير فيما وعيناه من تواريخ الأنبياء والهداة من كل قبيل. # فتى لم يكد ينجو من الموت ذبيحا حتى مات بعيدا عن زوجه التي فارقها عروسا، وعن ولده ~~الذي لم تره عيناه. # لكأنما وجد هذا الفتى في الدنيا ليعقب ذرية تريدها العناية الإلهية، ثم يتركها في كلاءة ~~تلك العناية لقدر لا تغني فيه عناية الآباء. # وفي تاريخ الأنبياء أب عاش حتى شهد بعثة ابنه فأنكرها، وتواطأ مع قومه على خذلانها، فبقيت ~~ذكراه خيبة أمل وحيرة لمن يجل الدعوة ويجل إبراهيم. # فأما هذه الأبوة فالرحمة فيها تملأ مكان الخيبة، والبر بالذكرى يملأ مكان الحيرة، ويتطلع ~~وراءه إلى الأسى على الفقيد، والعزاء للوليد الوحيد. # وحياة لا تشبع سجل الحوادث والخطوب، ولكن النفس ms112 تشبعها بما يعوضها عن حوادثها وخطوبها ~~حبا سابغا، وجمالا يفتن فيه الحس والخيال. # وهذا الذي صنعته بديهة الحياة الصادقة، فلم تدع سيرة عبد الله حتى أودعتها من الخواطر ~~والأماني ما تزدحم به أعمار طوال، فما تمناه له المحزونون على صباه وتقواه يفيض في جوانب ~~سيرته حتى تمتلئ به مائة حياة. # قيل في بعض ما قيل من هذه الخواطر والأماني: «إنه لما انصرف مع أبيه بعد أن فداه بنحر ~~مائة من الإبل لرؤيا رآها، مر على امرأة كاهنة متهودة قد قرأت في الكتب يقال لها: فاطمة، ~~فقالت له حين نظرت إلى وجهه - وكان أحسن رجل في قريش: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وأبذل لك ~~نفسي؛ لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم # صلى الله عليه وسلم ~~، فأجابها ~~بقوله: # أما الحرام فالممات دونه # والحل لا حل فأستبينه # فكيف بالأمر الذي تبغينه # يحمي الكريم عرضه ودينه # ثم خرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو يومئذ سيد زهرة نسبا ~~وشرفا، فزوجه ابنته آمنة وهي يومئذ أفضل امرأة من قريش نسبا وموضعا، فحملت برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم خرج من عندها فمر بالمرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: ما لك لا تعرضين ~~علي اليوم ما عرضت بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الذي كان معك، فليس لي بذلك اليوم حاجة؛ إنما ~~أردت أن يكون النور في، فأبى الله إلا أن يجعله حيث شاء.» # وفي أسانيد ابن هشام: أن عبد الله «إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب، وقد ~~عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين، فخرج من ~~عندها فتوضأ وغسل ما كان به، ثم خرج عائدا إلى آمنة، فمر بامرأته الأولى فدعته فلم يجبها، ~~وعمد إلى آمنة فحملت بمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم مر بامرأته تلك فقالت له: مررت بي وبين عينيك غرة ~~بيضاء فدعوتك ms113 فأبيت». # قال إسحاق بن يسار صاحب الخبر: «فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين ~~عينيه غرة مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن تكون لي، فأبى علي، ودخل على آمنة فحملت ~~برسول الله ...» # وجاء في غير خبر أن فتيات مكة ذهبت بهن الحسرة لزواج عبد الله من آمنة، وكانت كل فتاة ~~منهن تتمناه زوجا لها؛ لجماله وتحدث الناس بفدائه. # وفي كل هذه الأخبار قسط من الصحة لا نهمله، ولا نسوي بين رواية السير له وبين خلوها منه، ~~فإن مجيئه في السير يثبت لنا معنى صادق الدلالة وإن يكن غير معناه المقصود، يثبت لنا لونا ~~من شعور الناس بصاحب السيرة، ولونا من تعبيرهم عن ذلك الشعور، ومن كان هذا المعنى لغوا ~~عنده فخير له أن يتجنب السير والتواريخ. # وأما حكم الواقع على حدوث الخبر، فحسبنا فيه حكم القرآن الكريم الذي يبطل علم الكهان ~~بالغيب، كما ينكره على أعوانهم من الجان، وفي سورة سبأ عن سليمان بن داود - عليهما السلام: # فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على ~~موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت ~~الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين ~~[سبأ: 14]. # والقرآن الكريم يقول في غير موضع إنه لا يعلم الغيب إلا الله، ويقول بلسان النبي: ولا ~~أعلم الغيب؛ فلا كاهن يعلم من أمر الدنيا سرا من أسرار الغيب؛ فضلا عن أمر النبوة ~~والرسالة، والكاهنة التي تريد أن تحمل بنبي لا يخطر لها أن تحمل به سفاحا، فيقول لها عبد ~~الله: # أما الحرام فالممات دونه # والحل لا حل فأستبينه # وأما أن تكون زوجة ثم لا ترى من زوجها تلك الغرة قبل ذهابها، ثم تأبى معاشرته بعد ذهابها، ~~فليس مما يجوز تصديقه من شئون الزواج. # فالقصة كلها وما شابهها من القصص رغوة وزبد، وزبدتها جمال عبد الله، وأسى النفوس لما فات ~~ذلك الجمال في عنفوان صباه. # ولا نكران لما كان عليه عبد الله من الوسامة والوضاءة وغضارة الشباب، سواء حفظت لنا ~~السيرة قصة ms114 من تلك القصص أو جاءتنا غفلا منها، فقد حفظت لنا رؤية العيان أنه كان وإخوته ~~يطوفون بالكعبة مع أبيهم فيأخذون الأبصار، ولم يصف الواصفون بني هاشم بدمامة أو معابة في ~~الخلق والصورة، حتى فيما وصفهم به الشانئون وطلاب العيوب ... ~~••• # وفيما وصل إلينا من سيرته قصة غير تلك القصص لا قبل للمبالغة وحدها بأن تخلقها؛ لأنها ~~تحتاج إلى افتنان في وصفها، وتحتاج - مع الافتنان - إلى مصلحة مفروضة تدعو إلى اختلاقها، أو ~~علة من العلل المعروفة تفسر لنا ذلك الاختلاق. # وتلك هي قصة النذر التي أوردناها في الكلام على الكعبة، وهي تقوم بديوان جامع من القصص ~~للتعريف بخلائق عبد الله. # وليس يكفي في معيار النقد التاريخي أن يكون اختراع القصة ممكنا ليقال: إنها مخترعة؛ فإن ~~اتهام كل خبر بالاختراع لأنه يجوز أن يخترع يسقط أخبار التاريخ كله في الزمن القديم وفي ~~الزمن الحديث، وإنما يظن الاختراع بالخبر لمسوغ يدعو إلى الشك فيه، ولمصلحة توجب اختراعه، ~~وتضطرنا اضطرارا إلى نفيه على ثقة أو على ترجيح. # وهذه القصة بعينها ينبغي قبل نفيها أن نعرف مصلحة المسلم أو الجاهلي في اختراعها وإلصاقها ~~بعبد المطلب وعبد الله، فقد قيل: إنها اخترعت لتصوير عبد الله أبي النبي في صورة الذبيح ~~إسماعيل، وقيل: إنها لم تظهر في الجاهلية قبل البعثة الإسلامية. # فهل من مصلحة مسلم أن يختلق القصة ليقول: إن جد النبي أوشك أن يذبح أباه قربانا ~~للأصنام؟ # وهل من مصلحة جاهلي أن يبدع الافتنان في القصة، وفي وسيلة الخلاص من الفداء؛ لينكر على ~~سدنة الكعبة قدرتهم على استخبار أربابها، ويرجع بالفضل في الوسيلة والاستخبار إلى كاهنة ~~خيبرية تفتي لهم في شئون عباداتهم وأبنائهم، حيث يعجزون عن الفتيا وهم مفتقرون ~~إليها؟ # ولم هذا التخصيص بعبد المطلب وعبد الله؟ ومن الذي كان عنده من قدرة الافتنان في القصص مثل ~~هذه القدرة، ثم خفي أمره، ولم تأت منه أفنونة مثلها في زمانها؟ # وهناك مسوغ آخر للظن يبدر إلى الذهن إذا كانت هذه القصة قد حدثت لأحد قبل عصر عبد المطلب ms115 ~~ثم نقلت إليه، كما حدث كثيرا في القصص المتكررة التي تروى عن أناس متفرقين، ولكن هذه القصة ~~بذاتها لم ترد بها الرواية في بلاد العرب أو غيرها عن أحد غير عبد الله، وليست هي مما يوضع ~~في بلاد لم تعهد السهام وضرب القداح، والفداء بالإبل، والتقرب إلى كعبة تجمع الأصنام من ~~هبل إلى نائلة إلى إساف. فلماذا اخترعت في بلاد العرب وخص عبد الله باختراعها عليه؟ # إن لم تكن هناك شبهة من هذه الشبهات ومسوغ من هذه المسوغات فقبول القصة أولى من رفضها، ~~وتأليفها على هذا الافتنان لغير قصد معلوم أصعب من وقوعها، وقد تساق في معرض ترجيحها ~~وتداولها إلى منتصف القرن الأول للهجرة رواية للطبري يقول فيها بعد سند متصل: «إن ابن ~~عباس سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة، فأمرها بذبح مائة من الإبل، وذكر لها هذه ~~القصة عن عبد المطلب، وسألت عبد الله بن عمر فلم يفتها بشيء بل توقف، فبلغ ذلك مروان بن ~~الحكم وهو أمير على المدينة فقال: إنهما لم يصيبا الفتيا. ثم أمر المرأة أن تعمل ما استطاعت ~~من خير، ونهاها عن ذبح ولدها، ولم يأمرها بذبح الإبل، وأخذ الناس بقول مروان.» # والحق بين رفض القصة وقبولها أنه لا موجب لرفضها، وليس في قبولها ما يخالف مألوفا من ~~مألوفات زمانها، وقد كان نذر عبد المطلب طلبا عزيزا من الإله يبذل له فديته، وكان الوفاء ~~من فضائله المأثورة، وكان مع الوفاء بالنذر إيمان بسوء العقبى، وحذر من أن يصيب الجزاء ~~أبناءه جميعا، فليس في هذا الوفاء خليقة تختلق؛ لأنها فوق طاقة الإنسان. # ومن ارتضى قصة النذر هذه فنصيب عبد الله عنده أعظم من نصيب أبيه؛ لأنه سلم حياته فدية ~~لإخوته، ولم ينكص عن طاعة أب وطاعة رب، ومن يفعل ذلك ينبئ عن إيمان قوي بالواجب، وإقدام على ~~الموت في ريعان الشباب، وقد كان له أن يتمحل المعاذير فلا تعوزه الحيلة، فكأي من رجل لا ~~ينكر الدين ولا يمرق منه إذا سامه الدين ما يعز ms116 عليه، لم تتعذر عليه الحجة للتحلل من ~~فرائضه، والاجتراء على أوامره ونواهيه. # على أن الملاحظة التي تستوقف النظر من أمر هذه الأسرة القوية المباركة: أن أخبارها ~~المتناثرة التي ترسل إرسالا في المناسبات المتفرقة أدل عليها من الأخبار التي تنتظم في ~~مناسبة واحدة، وتحتمل مظنة الوضع والتأليف. ومهما تتناثر الأخبار عن أحوالها في الجاهلية ~~تخلص بنا إلى خصلة ملحوظة في جميع هذه الأخبار، وهي «النظام» الذي تتوخاه في معاملاتها ~~وعلاقات أفرادها على البديهة بغير تدبير مقصود. # فمن هنا كلمة ومن هناك خبر ، ومن جوانب شتى أحاديث وروايات، وكلها ينطبع بهذا الطابع بغير ~~شذوذ حتى حين ينتظر الشذوذ ولا يستغرب، فأبو لهب نفسه - وهو الخارج على إجماع الأسرة - يأبى ~~في مجلس قريش أن يسام أخوه الكبير - أبو طالب - ما لم يتعوده من الطاعة والتوقير، ويحضر ~~مجلس الأسرة فلا يزيد على كلمة يقولها حين يسمع من أخيه أنه ينصر محمدا، ولا يستمع فيه ~~لملامة بعيد أو قريب، ثم ينصرف من المجلس وهو كظيم. # أما في سائر مجامع الأسرة فالطاعة والتوقير سنة لا يخالفها صغار الأسرة في مجالس كبارها، ~~فإذا جلس عميدها جلسوا وراءه وصمتوا في حضرته، لا يبدءون بالكلام إلا أن يدعوهم إليه. ومن ~~هنا عجبهم أن يقبل الغلام اليتيم إلى مجلس جده فيقصد إليه ويجلس إلى جواره، وهم مع علمهم ~~بإشفاق الجد عليه وتدليله إياه يستدعونه إليهم ليجلس معهم، حتى يأمرهم الجد فيسكتوا عنه وهم ~~لا يقلون إشفاقا عليه. # ومن نظام الأسرة أن عبد الله خرج بعد زواجه مع أول قافلة حان موعدها، ولم يتخلف عامه ~~ذاك إلى عام قابل، وهو لما يفرغ من عرسه الذي كان خليقا أن يطيله تلهف أبيه وآله على ~~حياته بعد اليأس منه في قصة النذر المشهور، فخرج مع القافلة ولما ينقض على زفافه أسبوعان ~~على أرجح الأقوال. # ولا شيء أشبه بالواقع المنظور في قصة زواج عبد الله بعد الوفاء بنذره واستبقاء حياته؛ فإن ~~أباه - لا جرم - قد امتلأت نفسه زمنا بشبح الموت يطيف بولده الحبيب إليه، ms117 فليس أقرب إلى ~~خاطره من تعويض ذلك الشعور الجاثم على صدره بالاطمئنان على بقاء فتاه، والغبطة بدوامه ودوام ~~ذريته من بعده، ولا سيما الدوام بعد النذر الذي كان مبعثه تعبير الشانئين بقلة الذرية، ~~وابتئاس الأب خوفا من انقطاع العقب مع ولد وحيد. # واختار الأب زوجة عبد الله من بني زهرة أحلاف بني هاشم والمطلب في كل خلاف: زوجه آمنة ~~بنت وهب أعرق بني زهرة نسبا، وأكرمها محتدا، ومدره العشيرة كلها في مجامع قريش، وينتهي ~~نسبه لأبيه وأمه إلى عبد مناف، وقد فخر رسول الله بانتسابه إلى هذه الأمومة فقال: «أنا ابن ~~العواتك من سليم.» # روى الإمام أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة بعد إسناد متصل: «أن عبد المطلب قدم ~~اليمن في رحلة الشتاء فنزل على حبر من اليهود، قال: فقال لي رجل من أهل الديور - يعني أهل ~~الكتاب - يا عبد المطلب، أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك؟ قال: نعم، إذا لم يكن عورة، قال: ففتح ~~إحدى منخري فنظر فيه، ثم نظر في الآخر فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكا، وفي الأخرى ~~نبوة، وأنا نجد ذلك في بني زهرة؛ فكيف ذلك؟ قلت: لا أدري! قال: هل لك من شاغة؟ قلت: وما ~~الشاغة؟ قال: الزوجة! قلت: أما اليوم فلا، قال: فإذا رجعت فتزوج فيهم. فرجع عبد المطلب ~~فتزوج هالة بنت وهب بن مناف بن زهرة، فولدت حمزة وصفية، ثم تزوج عبد الله بن عبد المطلب ~~آمنة بنت وهب، فولدت رسول الله، فقالت قريش حين تزوج عبد الله بآمنة: فلج - أي فاز - وغلب ~~عبد الله على أبيه.» # وهذا مثل من الأخبار التي لا تثبت على النظر وتبنى على حقيقة ثابتة، وهي اتصال النسب بين ~~آل عبد المطلب وآل وهب، واتصال البيتين في الحياة الزوجية لما كان من الاتصال بينهما في ~~الحياة العامة، ولم يأت هذا الاتصال القديم بنبوءة من ناسك في اليمن تنكشف من النظر في ~~منخرين. # انتقل عبد الله بعروسه من حي وهب إلى حي عبد المطلب بعد أيام العرس، ms118 فلم يطل فيه البقاء ~~إلا ريثما أذن مؤذن القافلة بالرحيل. # ولم يعد من رحلته تلك إلى داره؛ فإنها كانت الرحلة الأخيرة لكل راحل أو قاعد في هذه ~~الحياة؛ رحلة من ظاهر الأرض إلى جوف الضريح. # وولد النبي - عليه السلام - بعد موت أبيه على أشهر الروايات، فأرضعته أمه وأرضعته معها ~~ثويبة جارية عمه أبي لهب، ثم عهد به إلى حليمة بنت ذؤيب تستتم رضاعه في بادية قومها بني سعد ~~على سنة العلية من أشراف مكة، يبتغون النشأة السليمة واللغة الصحيحة بعيدا من أخلاط مكة ~~وأهوائها. ولم يكن الطفل اليتيم على يسار؛ لأن أباه مات في مقتبل الشباب، ولكن أسرة أبيه ~~وأسرة أمه تكفلتا بنشأته كما ينشأ أبناء السراة من قريش، فأخذته المرضعة بعد تردد، ثم ~~أعادته إلى مكة قبل أن يبلغ الثالثة؛ لأنها سمعت من ابنها أن أخاه القرشي قد صرع وهو معه، ~~وأن رجلين أخذاه فإذا هما يشقان بطنه ولا يزالان يسوطانه، فلما ذهبت إليه حيث تركه ابنها ~~وجدته قائما ممتقع الوجه، فبادرت به إلى مكة مخافة عليه، وطلبت إليها أمه أن تعود به ~~إلى البادية؛ تخشى على الطفل من هواء البلد، ولا تخشى عليه من ذلك الخطر الذي خشيته المرضع ~~الرءوم، بعدما سمعته من ابنها ورأته من امتقاع لون الوليد القرشي، وقيامه منفردا في ~~الخلاء. # فلما عادت به إلى البادية أتم رضاعه فيها، ولبث معها إلى الخامسة أو قبلها بقليل، وتكلم ~~وجرى لسانه بالعربية الفصحى وهو بين بني سعد. فذاك فخره بعد النبوة إذ يعجب الصحابة من ~~فصاحته، فلا يرى عليه السلام عجبا في فصاحة عربي نشأ في بني سعد، وتربى في الذؤابة من ~~قريش. ~~••• # ولم يكد الصبي يطمئن إلى جوار أمه بعد عودته من البادية حتى فقدها وهما في زيارة لقبر ~~أبيه بالمدينة. # وما كان قد بقى في الدنيا للفتاة الأيم غير هذا الصبي وذكرى أبيه الراحل في غربتين: غربة ~~الموت وغربة المكان. # فخرجت به ضيفا تزور الفقيد الراحل في مثواه وتحسبه مشوقا تحت طباق الأرض إلى رؤية ms119 ~~الوليد الذي لم تبصره عيناه تحت شمس النهار. # وكذلك تزير الوليد اليتيم أباه. # فلما قضت حق الزيارة ولبثت في جيرة أخوال عبد الله شهرا أو بعض شهر، قفلت بوليدها راجعة ~~إلى مكة، فماتت ودفنت في الطريق. # وكل ما وعته السيرة من مرضها أنها وعكت من لفحة السموم، فلم تطل بها الوعكة غير ~~أيام. ~~••• # ومن اليسير أن نعلم وقع هذه الفاجعة في نفس الصبي اليتيم يتجدد له مصابه في أبيه، فلا ~~يكاد يبرح ضريحه حتى يقف على ضريح أمه مهجورا في عرض الطريق. # إلا أن هذه الفاجعة بما تدل عليه أهم في دراستنا هذه مما خلفته في نفس الصبي ~~الصغير. # مصابه في أبيه ومصابه في أمه، ولم يزل صبيا صغيرا حين أطبق عليهما مصابه في جده الذي ~~ضمه إليه بعد فقد أبويه. # لو نفس صغيرة تتابعت عليها هذه الضربات في صباها لسحقتها واستنزفت كل ما حوته من عطف ~~وأمل، فلا تعيش - إن عاشت بضرباتها - إلا كما يعيش الأشباح في ظلمات الحياة. # فإذا وجبت لنا وقفة عند هذه الضربات التي تلقاها الصبي، فأول ما نقف لديه وأولاه بالوقوف ~~الطويل أنها دلالة على القوة في مكمنها، وعلى الروح العظيم الذي تجلي بعد ذلك في تاريخ بني ~~الإنسان كفؤا لأعظم الأعباء، وأفدح الخطوب. # وتلي ذلك وقفتنا أمام العطف الذي أفادته تلك النفس القوية من ضربات تسحق ما دونها، وتنزف ~~منها كل عطف وأمل. # وقد خرج الصبي من تلك الضربات القاصمة بالعاطفة الزاخرة التي تشمل العالمين: عالم الحياة ~~وما بعد الحياة، مذ كان أحب الناس إليه في عالم آخر لا تبديه له هذه الحياة، وجاءت بعثته ~~إلى الناس كافة باسم الله الرحمن الرحيم. # ولعله أول فتح أطل عليه من فتوح عالم الغيب؛ فاستمد منه بعد ذلك قوته التي دان لها هذا ~~العالم المشهود. # دنياه بعد ذلك أوسع من دنيا الناس، وأعم من دنيا الأحياء، وحاجز الموت عنده برزخ تتصل به ~~الدنيا والآخرة، ويعيش فيه الحي والميت، ولا ينتقل فيه الخلق في دنياهم ليهلكوا آخر الدهر، ms120 ~~بل ليعيشوا آخر الدهر خالدين. # وقليل في جنب هذا فائدة العطف الذي عهدناه من صباه إلى ختام حياته يحيط به كل إنسان، وكل ~~حي، وكل شيء، وإنما يترجم عنه عطفه على حاضنته، وعلى مرضعته، وعلى كل باق من بقايا أمه ~~وأبيه، ولم يزل يترجم عنه عطفه الذي لم يحرمه أحد قط من صاحب أو صديق. ~~••• # ولا ندع الكلام على الأسرة النبوية وفي الخاطر سؤال توحي إلينا أن نسأله، وأن نجيب عنه ما ~~استطيع الجواب. # لقد مات عبد الله وآمنة ولما يجاوزا الخامسة والعشرين، ولا يكون الموت في هذه السن إلا ~~علامة على الضعف والهزال إن لم يكن من مرض يستنفد الأجل في عنفوان الشباب. # فهل كان محمد - عليه السلام - سليل أبوين ضعيفين هزيلين؟ # إن لم تكن غرابة الالتقاء بين الأبوين على هذا الضعف كافية لدفع هذا الظن، فلا حاجة إلى ~~دافع له غير حياة الوليد بما استوفته من قوة الروح وقوة الجثمان. # وقد سأل أناس من كتاب الغرب هذا السؤال، وخيل إليهم أنهم وجدوا جوابه في قصة الصرع ~~المزعوم قبل الفطام، وفيما كان يعروه من برحاء الوحي التي وصفها الأقربون منه، وأيسرها أنه ~~كان عليه السلام يرعد ويضطرب ويتقاطر منه في اليوم الشاتي عرق كحب الجمان. # وعجيب أن يصاب الإنسان بصرع لا يعروه غير مرة واحدة في سن الرضاع، ثم لا يعاوده مرة أخرى ~~إلى قرابة الأربعين. # وأعجب منه أنه يصاب به بعد الأربعين في حال واحدة؛ حين يتلقى الوحي، ثم لا يصاب به مرة في ~~غير تلك الحال. # ولكنه ليس بالعجيب أن تجيش بنية اللحم والدم من أعماقها في غاشية كغاشية الوحي كائنا ما ~~كان قوام البدن الذي تغشاه. # ولا نعلم أن أحدا من الأنبياء وصف لنا كما وصف محمد - عليه السلام - في كل لمحة من ~~لمحاته، وفي كل حركة من حركاته، وفي يقظته ورقاده، وفي حديثه وصمته، وفي جلوسه ومسيره، وفي ~~ركوبه وارتجاله، فلم تكن له صفة قط في كل أولئك غير صفة البنية السوية، والخلق ~~القويم. # كان ms121 باتفاق جميع واصفيه فوق المربوع بعيد ما بين المنكبين، غزير الشعر، تلمس جمته شحمة ~~أذنيه، شثن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس - أي ملتقى العظام - ولم يكن بالمطهم ولا ~~بالمكلثم، أدعج العينين، أهدب الأشفار، إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب، ذريع الخطوة، سائل الأطراف. # 1 # والنطق أبين عن حالات الصرع من سائر الصفات، وما وصف منطق النبي بشيء ينم على اضطراب في ~~عصب أو في عضل، أو ينبئ عن عرض من الأعراض غير سليم أو قويم: كان ضليع الفم، يتكلم بكلام ~~بين فصل مفسر، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها - أي صحب ~~كلامه بما يوافقه من حركتها - وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ليس ~~بصخاب ولا يرتفع له صوت في غير دعاء. # وهذه صفات كلامه من أكثر من عشرين مصدرا جمعها أبو عيسى الترمذي، صاحب الشمائل المحمدية، ~~ولم يأت بين ثناياها مساغ اشتباه في عرض من أعراض خلل الصرع والاضطراب؛ بل هي كلها توكيد ~~للمنطق السليم والخلق القويم. ~~••• # الله أعلم حيث يجعل رسالته. # وقد جعلت رسالة محمد حيث ينبغي أن تكون - خلقا وخلقا - من ميراث الزمن وميراث الأجداد ~~والآباء، فكل خلق وصف به فهو الصالح لأداء رسالته والنهوض بأمانته. إن تكن ضريبة من ~~ضرائب العظمة الكبرى - ولا بد لها من ضريبة - فتلك هي النقص في نسله؛ ليستوفى التمام من أمر ~~هذه الذرية الباقية إلى يومنا، وبعد يومنا، جامعة واعية لكل تابع من تابعيه، وكل مولود له ~~في عالم الضمير من بنيه وغير بنيه. # وإنه لعلى خلق عظيم. # وإنه لعلى خلق قويم. # الفصل العاشر # | نتيجة النتائج # ونتيجة النتائج من مقدماتها جميعا: أن حوادث الدنيا وحوادث الجزيرة وحوادث الأسرة قد ~~مهدت سبلا شتى للرسالة المحمدية، ولكنها مهدتها لتأتي الرسالة بعدها فتثور عليها، وتنكث ~~غزلها، وتعيدها على العالم الإنساني في نسج جديد. # يتيم في غير ذلة. # عزيز في غير قسوة. # يرث الكعبة ولكنه يهدم أربابها، ويرث الأريحية من يقين بني هاشم، ولكنه يغير ms122 مجراها، ويرث ~~العصبية في أقواها وأمنعها، ولكنه يقودها إلى عصبية واحدة تضم إليها العرب والعجم، وتؤمن ~~برب واحد هو رب العالمين. # وجائز أن يكون صاحب الرسالة قد عرف في صباه كل دين من أديان الجزيرة العربية، ولكنه ليس ~~بالجائز أن تعلمه كيف ينكر أخطاءها، ويقوم التواءها، ويرتقي بها من أوشاب الشرك إلى ~~صفاء التوحيد. # مهدت له الدنيا طريقا، ولكنه هداها إلى غير تلك الطريق. # فهما تمهيدان يتلاقيان ويفترقان: تمهيد من قوانين الكون، وتمهيد من العناية الأزلية، وحيث ~~ينهض رجل واحد بما يأباه قومه، ويأباه معهم أقوام زمانه، فليست هي بإرادة إنسان، ولكنها ~~إرادة الله، وما هي بقدرة أحد أو آحاد، ولكنها قدرة الخالق فيما خلق، يوليها من يشاء حيث ~~شاء. ms123