######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.MucawiyaIbnAbiSufyan.Hindawi68383692 #META# Tags: biographies #META# ID: 68383692 #META# Title: معاوية بن أبي سفيان #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقدير وتصدير‏ # بين القدرة والعظمة‏ # تمهيدات الحوادث‏ # الدهاء‏ # الحلم‏ # خليقة أموية‏ # موقف معاوية من قضية عثمان‏ # النشأة والتكوين‏ # الأعمال‏ # في الميزان‏ # تقدير وتصدير‏ # بين القدرة والعظمة‏ # تمهيدات الحوادث‏ # الدهاء‏ # الحلم‏ # خليقة أموية‏ # موقف معاوية من قضية عثمان‏ # النشأة والتكوين‏ # الأعمال‏ # في الميزان‏ # | معاوية بن أبي سفيان # | معاوية بن أبي سفيان # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقدير وتصدير # التاريخ عرض الإنسانية ... # والعرض مناط # 1 # الحمد والذم في الإنسان ... # وكذلك التاريخ بالقياس إلى الإنسانية في جملتها، لا يكون شيئا إن لم يكن تقديرا لما ~~هو صادق أو كاذب، أو ما هو صواب أو خطأ، وما هو حميد أو ذميم، من الحوادث ~~والناس. # وقد نذكر الحوادث توسعا في التعبير، فإن الحوادث لا تعنينا لذاتها إن لم يكن معناها ~~تقويما لأعمال وقياما بأعمال، أو لم يكن معناها في صيغة أخرى تعريفا بأقدار الناس ~~مما عملوه واستطاعوه ... # وكل شيء في الحياة الإنسانية هين إذا هان الخلل في موازين الإنسانية، وإنها لأهون من ~~ذلك إذا جاوز الأمر الخلل إلى انعكاس الأحكام، وانقلابها من النقيض إلى ~~النقيض. # يهون كل شيء إذا هانت موازين الإنسانية؛ لأن موازين الإنسانية جماع ما عندها من الفكر ~~والخلق والعقيدة والذوق والخيال. # ومن هوان الموازين الإنسانية أن يختل كل هذا، فلا يوثق بمحصول الإنسانية كافة في ~~تاريخها القديم والحديث. # وأهون من ذلك ألا تختل وكفى ... بل تختل وتنعكس، فيوضع فيها الذم موضع الحمد، والكذب ~~موضع الصدق، والخداع موضع الإخلاص والإيمان ... # وقد هان عرض إنسان واحد يشتريه المال أو الغرض في حياته، فماذا يقال في عرض الإنسانية ~~الذي يشترى في الحياة وبعد الممات، ويزيف فيه الواقع للعيان، ثم يلازمه الزيف بعد ذلك ~~مدى الأجيال على صفحات التاريخ! # ذلك أفدح مصاب تصاب به الإنسانية: إنه مصاب في عرضها، في صميم أفكارها وأخلاقها ~~وعقائدها وأذواقها وأحلامها - في موازينها وحسب، وما من شيء يعتز به الإنسان لا يدخل ~~في هذه الموازين. # وأوجب واجب على الإنسان لضميره أن يحمي نفسه من شر هذا المصاب الفادح، وألا يتيح لأحد ~~أن ms001 يختلس التاريخ في حاضره ومستقبله؛ فليس البلاء هنا بلاء منفعة تفوت أو مضرة تحدث، ~~ولكنه بلاء الزيغ # 2 # في البصر والبصيرة، وعلينا نحن أن نصحح البصر إذا زاغ؛ لأنه نقص وعيب أو ~~لأنه تشويه في سواء الخلقة، وإن لم يعجل منه الضرر، ولم تذهب به المنفعة ... ~~••• # إن تاريخ الإنسانية من أوائلها إلى حواضرها لا يملك للعاملين جزاء غير حسن التقدير، ~~وصدق القياس لما عملوه. # وكثير على أحد أن يبتذل هذا الجزاء؛ لأنه استطاع أن يحشو بعض البطون أو بعض الجيوب، ~~فيملك - بهذه الرشوة الرخيصة - خير ما تؤتيه الإنسانية أحدا من أبنائها في الحياة ~~وبعد الممات. # على أن الموازين الإنسانية لا تزيفها الرشوة المقصودة دون غيرها، ولا يختل بها غرض ~~المنتفعين المتواطئين على تبديل الحقيقة، ذهابا مع الأجر العاجل والعطاء ~~المعروف. # بل تصاب هذه الموازين من النهازين أو «الوصوليين» المطبوعين، كما تصاب من النهازين ~~المصنوعين أو المصطنعين. # فمن الناس من يحب أن تتغلب المنفعة على الفضيلة أو على الحقيقة، وإن لم يكن هو صاحب ~~المنفعة، ولا حاضرا لها عند انتفاع المنتفع بها. # من الناس من يحب ذلك؛ لأنه يرجع إلى طبيعته، فيشعر بحقارتها إذا غلبت مقاييس الفضائل ~~المنزهة، والحقائق الصريحة. # ومنهم من يحب الناجحين بالمنافع؛ لأنه يتمنى أن ينجح على مثالهم، ولا ينكر النجاح إذا ~~جاءه بوسيلة كوسيلتهم. # ومنهم من يبلغ بهذه الخصلة حد التعصب والغيرة العمياء؛ لأنه يكره أن يدان الناس، أو ~~تقاس الأعمال بمقاييس المثل العليا فيلوم نفسه، ولا يقدر على التماس المعذرة لها في ~~نقيصتها، أو في طبيعتها التي لا فكاك منها. # إذا استسلم أحدهما مع الهوى لمحاباة ولده أو ذوي قرباه لم يعذلوه أو لم يعنفوه في ~~عذله، بل اتخذوا من ذلك شريعة يؤتم بها، وتجري الوتيرة # 3 # عليها ... # وماذا في هذا الصنيع عندهم مما يستغرب؟ كان على الرجل أن ينسى ابنه؛ ليفضل عليه ~~الغرباء عنه؟ أليس هذا الصنيع صنيع كل إنسان في هذا المكان؟ ... # يعذرون هنا بل لا يلومون، ولا ينفرون ممن يلومونه إن جاملوا «الظواهر» ms002 فلاموه. # أما خصمه المثالي فمعدود عليه أن يحابي نفسه فضلا عن محاباة ولده، ومعدود عليه أن ~~يهبط من السماوات العلا لحظة واحدة؛ ليشبه سائر الناس في نقيصة من النقائص أو أمل من ~~الآمال. # ولا حاجة إلى إمعان في البحث للكشف عن خبيئة الطبيعة النهازة في هذه التفرقة بين ~~الحكم على النفعيين والحكم على المثاليين. # إن الطبيعة النهازة لا تريد هنا أن تحكم، وأن تنصف بين خصمين. # إنها تريد أن تعذر نفسها لتقول: إن ذلك المثالي ناقص، وإن هذا النفعي يجري على العرف ~~الشائع بين جميع الناس؛ ولهذا يتناول النهاز الميزان وهو يتعمد أن يزيد في ناحية من ~~السيئات ويحط من الحسنات، ويتعمد في الناحية الأخرى أن يقلب الكفة، فيزيد على الحسنات ~~ويحط من السيئات ... # ويكفي أن ينسب إلى العظيم المثالي عمل من الأعمال التي لا يقدر عليها النهاز، ولا ~~يسعى إليها ليشعر النهاز بالاختلاف والجفوة # 4 # بينه وبين ذلك العظيم المثالي، ثم يشعر بنوع من القرابة والألفة بينه ~~وبين خصمه، فيميل إلى سماع الأحدوثة الحسنة عن هذا، ولا يميل إلى سماعها عن ذلك، ~~ويضطره إلى ذلك وقوفه بين طريقين: أحدهما غريب يصغره في نظر نفسه، والآخر مألوف يطرقه ~~كل يوم، أو يحب أن يطرقه غير ملوم بينه وبين دخيلته ... ~~••• # نعم، يكفي أن ينسب إلى العظيم المثالي عمل من الأعمال التي لا يقدر عليها النهاز ولا ~~يسعى إليها؛ لتنفرج الهوة بينهما فلا يستريح النهاز إلى العظيم المثالي كما يستريح ~~إلى النفعيين الناجحين. # وليس أبغض إلى الإنسان من احتقاره لنفسه. # وليس أحب إليه من اعتذاره لها عن حقارتها. ~~••• # وإنك لو بحثت جهدك عن عصبية عمياء تغطي على بصر الإنسان وتملك عليه هواه، لم تجد لها ~~علة أقوى من هذه العلة التي ينقاد لها ولا يبتغي الشفاء منها. # إنه يتعصب في كل شعور يدفع به النقص، ويمهد به العذر، وينفي عنه الإضرار إلى الإقرار ~~بسبق السابقين له، وارتفاع المرتفعين عليه. # وإنه ليعترف بالجهل إذا استطاع أن يدعي لنفسه ~~تعلة يسمو بها على أهل ms003 المعرفة ... # وإنه ليعترف بالعجز إذا استطاع أن ينزل بالقادرين إلى «مستواه» بخديعة من خدائع ~~النفوس. # وإنه ليعترف بالرذيلة إذا استطاع أن يلوث الفضيلة التي يمتاز بها عليه ذوو الفضائل ~~البينة. # وإنه ليتشبث بهذه التعلات كما يتشبث الغريق بأوهام النجاة؛ لأنه بغير هذه التعلات ~~غريق في شعور ثقيل على جميع النفوس، وهو الشعور بالهوان ... # لهذا يتعصب النهازون المطبوعون على أصحاب المثل العليا؛ لأنهم بين اثنتين: إما أن ~~يدينوا أنفسهم بالمثل العليا، ويعملوا في السر والعلانية عمل أصحابها، وذلك مطلب عسير ~~يصطدمون بعقباته كل يوم وكل ساعة ... # وإما أن ينكروا تلك المثل العليا على أصحابها، ويتعصبوا لمن ينجح بأساليبهم أو يتمنوا ~~النجاح بأساليبه، وذلك مطلب لا يكلفهم تغيير الطباع، وإن لم يبلغوه بفعالهم كما بلغه ~~ذوو القدرة أمامهم من الناجحين الفعالين ... ~~••• # وقد عرفنا من هؤلاء أناسا في التاريخ ما عرفناهم في الحياة الحاضرة. # عرفناهم فعرفنا عجبا من العصبية العمياء التي تكيل بالكيلين، وتزن بالميزانين في ~~الحادث الواحد والحقبة الواحدة. # إذا وقفوا بين خصمين أحدهما من النفعيين، والآخر من المثاليين - رأيت العجب في ~~المقياس الذي يلتمسون به المعاذير لهذا، وينكرونها على الآخر في اللحظة الواحدة ~~... # وتقول: «عمل من الأعمال لا يقدر عليه ولا يسعى إليه»؛ لأن هناك أناسا لا يقدرون على ~~العمل المثالي، ولكنهم يسعون إليه، أو يتمنونه أو يحبون أن يؤمنوا بسعيهم إليه ~~وتمنيه، وصبرهم على مشقة هذا السعي وهذه الأمنية ... # وليس هؤلاء بالنفعيين المطبوعين. # هؤلاء مثاليون تعوزهم القدرة، ولا يعوزهم الأمل في بلوغها ولا الغبطة بوجودها، ~~وميولهم إلى جانب العظماء المثاليين أقرب وأغلب من ميولهم إلى جانب المنفعة الناجحة ~~بالحيلة أو بكل وسيلة، والأمثلة من هؤلاء وهؤلاء كثيرة بين سواد الناس الذين لا ~~يدخلون إلى ساحة التاريخ إلا شهودا أو مستمعين. # فلو كان محنة التاريخ كله من النهاز المأجور لما خفيت حقائقه هذا الخفاء، ولا طال ~~العهد على الزيف، أو الغرض المموه بالأباطيل. # وإنما المحنة الشائعة من أولئك النهازين ~~المتطوعين الذين يقبلون العملة الزائفة ويرفضون ما عداها، ويجاهدون من يكشف هذا ms004 الزيف ~~ويقومه بقيمته الصحيحة ، ثم تكثر العملة الزائفة في الأيدي حتى ليوشك أن تطرد العملة ~~الصحيحة، وتحيطها بالريبة والحذر، ولا ينفع المحك الناقد في هذه الحالة؛ لأن المحك ~~الناقد لم يسلم قبلها من التزييف ... ~~••• # وفي التاريخ الإسلامي مراحل كثيرة تصحح لنا موازين التاريخ التي يرتبط بها عرض ~~الإنسانية، وربما كانت هذه المراحل أجدى على المؤرخ من غيرها في تواريخ الأمم؛ لأنها ~~حاضرة الأخبار والروايات، حاضرة الأسباب والبواعث، ولا يخفى من شأنها غير النيات ~~والمزاعم، وليس بالمؤرخ من تضلله النيات والمزاعم حين تشخص أمامه الأخبار والروايات، ~~ولا تتوارى خلفها الأسباب والبواعث بحجاب كثيف ... # وأسبق هذه المراحل وأضخمها مرحلة النزاع بين علي ومعاوية بعد مقتل عثمان ... # فقد اختلفت فيها الأحكام على الرجال والمناقب والأعمال، ولم تنقطع عنا أخبارهم ~~وحوادثهم التي اتفقت عليها جميع الأقوال. # وإذا لم يرجح من أخبار هذه الفترة إلا الخبر الراجح عن لعن «علي» على المنابر بأمر ~~معاوية لكان فيه الكفاية؛ لإثبات ما عداه مما يتم به الترجيح بين كفتي ~~الميزان. # فإن الذي يعلن لعن خصمه على منابر المساجد لا يكف عن كسب الحمد لنفسه في كل مكان وبكل ~~لسان، ولو لم يرد من أخبار تلك الفترة أن معاوية كان يغدق الأموال على الأعوان، ومن ~~يرجى منهم العون لكان لعن خصمه على المنابر كافيا للإبانة عما صنعه لكسب الثناء ~~عليه، وإسكات القادحين فيه، ولكن أخبار الأموال المبذولة لتغيير الحقائق في هذه ~~الفترة تفيض بها كتب المادحين والقادحين، ومن لا يمدحون ولا يقدحون، ولم يعلم أحد ~~مبلغها من الوفرة والجسامة، ولكنها معلومة بالتقدير، وإن لم تعلم بالإحصاء وأرقام ~~الحساب؛ لأنها استنفدت خزانة الدولة، وجرت إلى مضاعفة المكوس # 5 # والضرائب، ومخالفة العهود لأهل الذمة وحسبان الزكاة من حصة الخزانة التي ~~يستولي عليها ولاة الأمور. # ويبقى عمل النهازين المطبوعين بعد عمل النهازين المأجورين، فإنهم قد تطوعوا في ذلك ~~العصر، وفي العصور التالية؛ لترجيح كفة النجاح المنتفع على كفة المثالية العالية، ولم ~~يخف الأمر على أبناء ذلك العصر كما نشرحه الآن بأساليب علم ms005 النفس في الزمن الأخير، ~~فإن الأقدمين لم تفتهم «النفس» بجوهرها، وإن فاتتهم مصطلحات النفسانيين من أبناء ~~القرن العشرين، وقد نفذوا إلى بواطنهم بالنظرة الثاقبة؛ لأنهم أصحاب نفوس تعلم ما ~~تنطوي عليه النفوس. ~~••• # جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي عن الإمام ابن حنبل أنه سأل أباه عن علي ومعاوية، فقال: ~~«اعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل ~~قد حاربه وقاتله، فأطروه كيادا # 6 # منهم له.» # وهذه دخيلة من دخائل النفس الصغيرة معهودة متكررة في كل جيل، وفي كل خصومة، فكثير من ~~الثناء لا يصدر عن حب للمثني عليه كما يصدر عن حقد على غيره، وكثير من هذا الحقد ~~تبعثه الفضائل ولا تبعثه العيوب ... # إن تاريخ معاوية بن أبي سفيان لا يحتاج إلى مزيد من تفصيل، وإنما يحتاج تاريخه ~~وتواريخ النابهين جميعا إلى تصحيح الموازين، وبيان المداخل التي تؤتى من قبلها أحكام ~~الناس على الحوادث والرجال، فتصاب بالخلل أو تنقلب رأسا على عقب، ويصاب بالخلل معها ~~تفكير المفكر، ونظرة الناظر، وإدراك المدرك لما يحيط به من حوادث زمنه وحوادث سائر ~~الأزمنة. # ونحن نفهم تاريخ معاوية، ونفهم معه تواريخ الكثيرين من بناة الدول إذا صححنا ~~الموازين، وعرفنا ما يعرض لها من الانحراف عن قصد أو عن شعور غير مقصود ... # ولكننا لا نعرف تاريخ معاوية ولا تواريخ غيره إذا أخذنا بظواهر الأقوال، ولم ننقب ~~وراءها عن بواطن الأهواء والبواعث الخفية، ولا بد منها في هذه المرحلة بذاتها: مرحلة ~~الدولة الأموية الأولى على التخصيص. # لقد كان قيام الدولة الأموية بعد عصر الحلافة حادثا جللا بالغ الخطر في تاريخ ~~الإسلام، وتاريخ العالم. ~~••• # وما كان أحد ليطمع في بقاء عصر الخلافة على سنة الصديق والفاروق أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين؛ لأن اطراد النسق من ولاة الأمر على هذه الطبقة العليا من الخلق والتقوى أمر ~~تنوء به طاقة بني الإنسان. # فما كان دوام الخلافة الصديقية أو الفاروقية بمستطاع على طول الزمن، وما كان قيام ~~الملك بعد الخلافة بالأمر الذي يؤجل إلى زمن ms006 بعيد. # ولكن الملك بعد الخلافة كان على مفترق طريقين: كان في الوسع أن يسير على مشابه ~~الخلافة ملكا بارا نقيا مصونا من بذخ الهرقلية والكسروية، وسائر ضروب الملك في ~~عصوره الخالية. # وكان في الوسع أن يسير على مشابه الملك في العصور الخالية بذخا ومتاعا، وزينة ~~وخيلاء كخيلاء العواهل من القياصرة والشواهين. # كان في الوسع أن يبتدئ الملك في تاريخ العالم على النهج الصديقي أو الفاروقي، وإن لم ~~يبلغ هذا المدى من النزاهة والصلاح، وكان هذا النهج خليقا أن يظل إماما للرعية ~~يتوارثونه، ويقتدون به ويحميهم نكسة الأخلاق والآداب قرونا وراء قرون من بقايا ~~الوثنية وأوشاب # 7 # المادية، وما شابهها من آداب تدور على النفع العاجل، وتقبل المعاذير منه ~~في أخطر الأمور ... # كان في الوسع هذا، وكان في الوسع ذاك. # ونشأة الدولة الأموية على مفترق هذين الطريقين هي الحادث الجلل في صدر الإسلام، وهي ~~الحادث الجلل الذي يقرر تبعتها في التاريخ الإسلامي، بل في التاريخ العالمي ~~كله. # ورأس الدولة الأموية، معاوية بن أبي سفيان، هو صاحب هذه التبعة التي يجب أن تتقرر ~~بأمانتها العظمى في ميزان لا تلعب به المنافع المقصودة، أو المنافع التي هي أخطر منها ~~على الحقيقة، وهي منافع الطبائع المستسلمة لأيسر المعاذير، يشق عليها الصعود إلى ~~المثل الأعلى، ولو بالأمل وحسن المظنة، ويطيب لها أن تسترسل على هينة # 8 # مع مألوفاتها في كل يوم ... ~~••• # والصفحات التالية تتناول النظر في سيرة معاوية من هذه الوجهة، فليست هي سردا لتاريخه ~~ولا سجلا لأعماله ولا معرضا لحوادث عصره، ولكنها تقدير له وإنصاف للحقيقة ~~التاريخية وللحقيقة الإنسانية كما يراها المجتهد في طلبها وتمحيصها، ونكاد نقول كما ~~يراها من لا يجتهد في البعد عنها وإخفاء معالمها، والتوفيق بينها وبين دخيلة هواه من ~~حيث يريد أو لا يريد، وبعض المؤرخين بعد العصر الأموي إلى زماننا هذا يفعلون ذلك حين ~~ينظرون إلى هذه الفترة، فلا تخطئهم من أسلوبهم ولا من حرصهم على مطاوعة أهوائهم، ~~كأنهم صنائع الدولة في إبان سلطانها وبين عطاياها المغدقة، ونكاياتها المرهوبة، ms007 ~~ورجالها الذين تنعقد بينهم وبين معاصريهم أواصر المودة ، والنسب وأواصر المشايعة في ~~المطالب والمعاذير. # ولولا أننا نأبى أن نضرب الأمثلة بالأسماء لذكرنا من هؤلاء المؤرخين المعاصرين من ~~يتكلم في هذا التاريخ كلاما ينضح بالغرض، ويشف عن المحاباة بغير حجة، فمنهم من ينكر ~~الخلاف بين هاشم وأمية في الجاهلية، ومنهم من يحسب من همة معاوية أنه تصدى للخلافة مع ~~علي، ويحسب من المآخذ على غيره أنهم تصدوا للخلافة مع يزيد، ومنهم من يشيد بفضل أبي ~~سفيان على العرب؛ لأنه كان تاجرا يعرف الكتابة والحساب ويعلمهما من يستخدمهم في ~~تجارته، ومنهم من يلوم أهل المدينة؛ لأنهم نكبوا في أرواحهم وأعراضهم على أيدي ~~المسلطين عليهم من جند يزيد، ولا تكاد تسمع منه لوما لأولئك المسلطين، بل تكاد تسمعه ~~يعذرهم ولا يدري ما يصنعون غير ما صنعوه. # ولو أننا ذكرنا أسماء هؤلاء المؤرخين المعاصرين لكان تمام البيان عن منهجهم أن نشفعه # 9 # بأطراف من تراجمهم، وألوان من مسالكهم في طلب المنفعة واللياذ بالقادرين ~~عليها، وألوان من معاذيرهم التي يرتضونها لأنفسهم، ويوجبون على الناس أن يرتضوها لهم ~~أو يلتمسوها لهم، وإن لم يعلنوها ... ~~••• # ولكننا ندع هذا التمثيل؛ لأننا في غنى عنه بما ثبت من الأمثلة المحفوظة عن زمانها، ~~ونتخذ الشواهد من حوادثه وأقوال رجاله، ونتحرى في ذلك كله أن نصون التاريخ - نصون ذمة ~~الإنسانية - أن يملكها من يملك الجاه والسلطان في زمن من الأزمان. # | بين القدرة والعظمة # زبدة الصفحات التالية أن رأس الدولة الأموية كان رجلا قديرا، ولكنه لم يكن بالرجل ~~العظيم. # والفرق بين القدرة والعظمة يوضحه الاصطلاح، ولا توضحه المعجمات اللغوية هذا التوضيح ~~الذي نعنيه، فقد يقال عن العظيم: إنه قدير، ويقال عن القدير: إنه عظيم، ولا يخطئ ~~القائل من الوجهة اللغوية في هذا الترادف المقبول ما لم يقيده الاصطلاح. # إنما الاصطلاح الذي نعنيه وننظر فيه إلى أحوال الطباع أن القدرة غير العظمة في ~~أشياء. # فربما وصف الرجل بالقدرة؛ لأنه مقتدر على بلوغ مقاصده واحتجان # 1 # منافعه والإضرار بغيره، ولكنه إذا وصف بالعظمة، فإنما ms008 يوصف بها لفضل يقاس ~~بالمقاييس الإنسانية العامة، وخير تغلب فيه نية العمل للآخرين على نية العمل للعامل ~~وذويه. ~~••• # ولعلنا نقترب من توضيح الاصطلاح إذا نقلنا التفرقة من القدرة والعظمة إلى التقدير ~~والتعظيم. # فنحن نقدر الإنسان بمقداره عظيما كان أو غير عظيم، بل نقدر الأشياء بمقاديرها ولو لم ~~يكن لها عمل، ولم تكن من وراء العمل نية، ولكننا إذا عظمنا الإنسان فإنما نوجب له ~~التعظيم علينا؛ لأنه يعنينا ويستحق إكبارنا، ويرتفع إلى المكانة التي تلحظها ~~الإنسانية بأسرها، وتعود عليها في منافعها وخيراتها. # فكل عظيم قدير ... # ولكن ليس كل قدير بالعظيم ... # والعظمة قدرة وزيادة ... # أما القدرة فليس من اللازم أن تكون عظمة، فضلا عن أن تكون عظمة وزيادة، ومعاوية قدير ~~ولا ريب ... # أما أنه عظيم فذلك الذي نعرض له في الصفحات التالية؛ لنبين فيها الفارق بين القدرة ~~والعظمة، في ترجمة رجل من أنفع الرجال النابهين لتوضيح هذا الفارق بميزان الحوادث ~~وميزان الأخلاق. # ومن سرف القول أن يقال إن معاوية لم يكن يعمل بباعث من الغيرة الدينية، أو بباعث من ~~أحكام المروءة والعرف المتبع في الأخلاق. # فليس في وسعه أن يتجرد من هذه البواعث لو أراد، وليس في وسع رجل أسلم على يد النبي - ~~عليه السلام - وصاحبه، وعمل على أيدي الجلة من صحابته أن يغفل عن غيرة دينه، وأحكام ~~فرائضه، وواجبات المروءة في عرف زمنه ... ~~••• # إلا أننا - مع العلم بغيرته الدينية في شعوره وفعاله - نستطيع أن نعلل جميع أعماله ~~بعلة المصلحة «الذاتية» أو مصلحة الأسرة والعشيرة. # ونستطيع أن نعمم القول بغير استثناء على كل مسعى من مساعيه، وكل حيلة من حيله وكل ~~مأثرة من مآثره، فنقول: إن المصلحة الذاتية أو مصلحة الأسرة والعشيرة كافية لتعليلها ~~والقيام بها، وإنه لم يعارض المصلحة الذاتية بإرادته في حين واحد، وعارض المصلحة ~~العامة في أحيان، كان رجلا قديرا ولكنه لم يكن بالرجل العظيم. # ومهمة المؤرخ في سيرته أن يقدر قدرته، وأن يعرف ما اقتدر عليه بسعيه وتدبيره، وما ~~اقتدر عليه بمساعدة الزمن وممالأة الحوادث والمصادفات ... # وهذه المهمة ms009 تتقاضانا «أولا» أن نجمل القول في جميع التمهيدات التي مكنته من ~~الاقتدار على مقاصده، ومنها ما كان سابقا للإسلام وسابقا لمولده، ومنها ما تم قبل ~~ملكه، وما تم في أثناء ملكه إلى ما بعد موته ... # وتتقاضانا هذه المهمة «ثانيا» أن نزن المواهب العقلية والخلقية، التي اشتهر بها ~~وأسند إليها ما أسند من أسباب نجاحه. # فنبدأ الكلام في الفصول التالية بالتمهيدات التاريخية من قبل الإسلام إلى قيام الدولة ~~الأموية، ثم نتلوها بتحليل الأخلاق والمواهب التي تعد من وسائل نجاحه ... # ونلاحظ في ذلك كله أن «نقدر القدرة» التي ثبتت لهذا الرجل القدير من وراء المدائح ~~والأهاجي، ووراء الدعاية له والدعاية عليه. # ونحسب أننا وفينا بهذه الأمانة إذا انتهينا من هذه الصفحات إلى الوزن الصحيح، الذي ~~يوزن به رأس الدولة الأموية، ويوزن به غيره من أعلام التاريخ. # | تمهيدات الحوادث # بدأ التمهيد لبني أمية في الشام قبل الإسلام بجيلين متعاقبين، وكانت الشام قبل ذلك ~~سوقا عامة لقريش، تأتيها قوافل الصيف بتجارة الحجاز في حراسة الرؤساء من بيت مناف ~~على الأكثر، وأظهرهم في الجيل الذي سبق الدعوة النبوية هاشم بن عبد مناف. # ولم يكن رجحان هاشم بالرئاسة والثروة حائلا بين الأمويين وغشيان الشام للتجارة ~~والإقامة بين المدن والبادية فيها، بل كان هذا الرجحان - فيما اتفقت عليه الأخبار - ~~سببا لهجرة أمية من مكة، وإقامته بالشام عشر سنين؛ إذ تنافر هاشم وأمية وتنافسا على ~~الرئاسة، واحتكما إلى الكهان كعادتهم على أن يكون للغالب إجلاء المغلوب عن مكة عشر ~~سنين، فقضى المحكمون لهاشم على أمية، وخرج أمية إلى الشام فاختارها مقاما له خلال ~~هذه السنين، وربما كان ضيقه بالزعامة المعقودة لهاشم في مكة من دواعي الهجرة قبل ~~الحكم عليه في قضية المنافرة المشهورة، وهي قضية قد تصح بتفصيلاتها أو لا تصح إلا ~~بجزء منها، ولكن هجرة أمية إلى الشام لم تكن مما اختلف عليه المختلفون. # ولما مات هاشم شغل أبناؤه بالرئاسة الدينية إلى جوار الكعبة، وآل اللواء إلى بني ~~أمية، وهو عمل ينوط بصاحبه حراسة القوافل من الشام ms010 وإليها؛ إذ لم يكن من حاجة قريش في ~~الجيل السابق للإسلام عقد اللواء لجيش يغزو القبائل أو يدفع غزوتها لمكة، وإنما كان ~~العمل الأكبر لصاحب اللواء حراسة طريق التجارة بين مكة والشام على الأكثر، وبين مكة ~~واليمن في قليل من الأوقات، وكان عملا يحتاج في الواقع إلى جيش صغير وقائد يحمل ~~لواءه؛ لأن القافلة التي تخرج للتجارة تجمع أموال قريش، وتسير بها المئات من الإبل، ~~ولا ينتظم سيرها بغير قيادة تتولى تنظيم المخافر وتوزيع المؤنة والتعرف إلى رؤساء ~~القبائل التي تقيم على الطريق، أو تقيم على مقربة من أسواق الشام في البادية، فهي عمل ~~متصل لا ينتهي بانتهاء رحلة القافلة، ولا تزال له روابطه وعلاقاته بين صاحب اللواء ~~وأعوانه، وبين ذوي الشأن في مراحل الطريق وفي منازل المقام. # ومن المشهور المتواتر أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان معروف المكانة بين رؤساء ~~الدولة البيزنطية على حدود بلاد العرب، كما كان معروف المكانة بين الوجوه من قبائل ~~البادية، وخلعت عليه الدولة البيزنطية لقبا من ألقاب الرئاسة؛ ليسفر بينها وبين قومه ~~ويعينها في خلافها مع العرب الغساسنة بالشام، وكانوا يجنحون أحيانا إلى جانب فارس في ~~حربها لبيزنطة، ويرى البيزنطيون أنهم لا يستغنون عن قوة من العرب لمقاومة هذا الخطر ~~من البادية، ولو بتهديد الغساسنة، وتشكيكهم فيمن يجاورهم أو يعاملهم من العرب ~~الحجازيين. # وقد كان بنو أمية على شبه محالفة بينهم وبين بني كلب أقوى القبائل ببادية الشام، ~~وأشدها خطرا على الغساسنة، ومنها من تنصر منافسة للغساسنة في حظوة الدولة مع ~~ارتقابهم للفرص بين الدولتين وبين القبائل العربية، وقد عرفنا بعد الإسلام ثلاثة من ~~كبار الأمويين أصهروا إلى بني كلب في عصر واحد، وهم: سعيد بن العاص والي الكوفة، ~~والخليفة عثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان. ولا تكون هذه المصاهرات أول العهد ~~بالصلة بين الفريقين، فهي بقية لما تقدمها من الصلات. # ومن المشهور أيضا أن أبا سفيان كان على صلة ~~بولاة الأمر من البيزنطيين، وكان يلقى هرقل وأمراء بيته في رحلاته، ms011 ويعول عليه هؤلاء ~~فيما يعنيهم من أحوال العرب وأخبارهم، فقيل : إنهم سألوه عن النبي - عليه السلام - عند ~~مبعثه، وإن السائل جعل يستنبئه عن صفاته - عليه السلام - على مسمع من قوم حجازيين في ~~المجلس، ويحذره أن يكذب فيكذبه من سمع كلامه من قومه، قال أبو سفيان: وعلمت أنهم لا ~~يكذبونني إن كذبت، ولكنني صدقت الصفة ضنا بمروءتي أن أقول ما يعلم السامعون أنه نبأ ~~مكذوب ... # قال المقريزي: «إنه ما فتحت بالشام كورة إلا وجد فيها رجل من بني سعيد بن العاص ~~ميتا ...» # وكان النبي - صلوات الله عليه - يتحرى في اختيار الولاة أن يندبهم للولاية حيث يتيسر ~~لهم العمل بموافقة الرعية، فاختار عمرو بن سعيد بن العاص واليا لتيماء وخيبر وتبوك ~~وفدك، وكلها على طريق التجارة الأموية، وسار أبو بكر على هذه السنة، فاختار يزيد ~~بن أبي سفيان قائدا لجيش من جيوش الحملة على الشام، وولاه بعض أقاليمها بقية حياته، ~~وكانت وفاته في عهد الفاروق، فجرى على هذه السنة وعهد بالولاية إلى أخيه معاوية حيث ~~بقي إلى ما بعد خلافة الفاروق، وكان يعمل برئاسة أخيه قبل موته ويحمل اللواء بين ~~يديه. # ومن بني أمية من كاد يصرح بالطمع في الملك بعد رسول الله على عهد الصديق؛ إذ كان من ~~أبناء عمرو بن سعيد بن العاص خلف على الولاية التي ولاها إياه النبي - صلوات الله ~~عليه، فلما بويع أبو بكر بالخلافة أنفوا أن يعملوا له، وقالوا: «نحن أبناء بني أحيحة ~~لا نعمل لأحد بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أبدا ...» # ولا يقول هذا القول إلا من يطلب الرئاسة لنفسه، ولا يقر بالرئاسة لغير ذي نبوة أو ~~رسالة إلهية، وينظر إلى الخلافة نظرة دنيوية لا تفاضل فيها بصفة من صفات الدين، ~~وسابقة من سوابق الهداية. # وكان الفاروق قد ولى معاوية ولاية من الشام، فضم إليه عثمان سائر الشام وألحق به ~~أقاليمها من الجزيرة إلى شواطئ بحر الروم، فلما قتل عثمان كان قد مضى لمعاوية في ~~ولاية الشام عشرون سنة، لم يبق فيها من ms012 ينازعه أو يعصيه، ولم يكن من عمالها وحكامها ~~المرءوسين له أحد من غير صنائعه وأشياعه والمستقرين في كنفه؛ لأنه حرص في ولايته على ~~استبقاء من يواليه، وإقصاء من يشغب عليه، وجعل همه الأكبر أن يخرج أهل الفتنة من ~~الشام، ولا يبالي بعد ذلك ما صنعوا في سائر الولايات، فتفرقوا كلهم بين الكوفة ومصر ~~والحجاز. # كان عثمان يسمع الأقاويل عن ولاية الشام، ويتلقى الشكايات ممن يطلبون منه عزل ولاته ~~وأولهم معاوية، فيعتذر لهؤلاء الشاكين بعذره المعهود، ويقول لهم: إنه إنما ولى على ~~الشام من ارتضاه قبله عمر بن الخطاب ... وقال ذلك مرة لعلي بن أبي طالب، فقال له علي: ~~«نعم، ولكن معاوية كان أطوع لعمر من غلامه يرفأ.» وصدق الإمام فيما قال. # فقد كان معاوية يصطنع الأبهة في إمارته، ويقتصد فيها جهده بعيدا عن أعين الفاروق، ~~فإذا لامه الفاروق على شيء منها رآه بعينه اعتذر له بمقامه بين أعداء ألفوا الأبهة، ~~واتخذوها آية من آيات القوة والمنعة، وكان يؤدي حساب ولايته لعمر كلما سأله الحساب، ~~ويقنع منها برزقه من بيت المال ألف دينار في العام، وأنفال # 1 # مما يجمعه من تجارة أهله أو مما وراء الحساب. # فلما بويع عثمان بالخلافة تركه في مكانه، وضم إليه سائر الشام كما تقدم، وطلب منه ~~معاوية أن يرخص له في زرع الأرض التي تركها أصحابها وهاجروا إلى بلاد الروم فأجابه ~~إلى طلبه، ووضع معاوية يديه على موارد من المال تقوم بأعباء دولة، ولم يكن يخشى عليها ~~من الحساب ما كان يخشاه على عهد عمر بن الخطاب، وأوشكت الشام أن تقوم وحدها مملكة ~~مستقلة يتولاها ملك مستقل، فيما عدا الأوامر التي كانت تأتيه من المدينة بتحصين ~~الثغور، وإمداد الغزاة، وتسيير الجيوش إلى الأطراف بقيادة الأعلام من الصحابة. # وقتل عثمان فانقسمت الرقعة الإسلامية قسمين: أحدهما لا خلاف فيه وهو الشام «حصة ~~معاوية»، والآخر لا وفاق فيه وهو حصة علي من الحجاز والعراق، وقد تدخل مصر فيها ~~حينا، وتخرج منها أكثر الأحايين. # وتولى معاوية بلادا لا ينازعه فيها ms013 منازع، ولا يود أحد فيها أن تخرج من يديه وتئول ~~إلى غيره. # وتولى علي بلادا كلها نزاع من أمر الخلافة إلى أصغر الأمور، فنازعه الخلافة طلحة ~~والزبير، وأحاط به رهط من المتزمتين المتفقهين يسألونه عن الكبيرة والصغيرة، ويجتهدون ~~اجتهادهم في كل شأن من شئون السياسة. # وهذا إلى الفارق بين وفرة المال من جانب وندرته من الجانب الآخر. # وهذا إلى فارق آخر أكبر وأعسر وأعضل على الحل والمحاولة، وهو الفارق بين الملك ~~والخلافة، وقد افترقت طريقاهما منذ سنين، وتم افتراقهما بعد أيام عثمان. # فكانت أعباء الخلافة كلها على علي، وكانت أحوال الملك كلها على معاوية مواتية له ~~محيطة به فيما يريد وفيما لا يريد. # كان الناس مع علي ينظرون إلى سنة النبي، وسنة الصديق، والفاروق من بعده، وكان الناس ~~مع معاوية ينظرون إلى هرقل وكسرى، ولا يسومونه # 2 # أن يحكم كما حكم النبي، أو كما حكم من بعده الخليفتان الأولان ... # وكان لا بد لعلي - كما قلنا في عبقرية الإمام - من ملك أو خلافة ... ولن يكون ملكا ~~بأدوات خليفة، ولا خليفة بأدوات ملك، ولن تبلغ به الحيلة أن يحارب رجلا يريد العصر ~~والعصر يريده؛ لأنه عصر ملك تهيأت له دواعيه الاجتماعية، وتهيأ له الرجل بخلائقه ~~ونياته ومعاونة أمثاله، ولم يكن معاوية زاهدا في الخلافة على عهد أبي بكر أو عمر أو ~~عثمان، ولكن الخلافة كانت زاهدة فيه، فلما جاء عصر الملك طلب الملك والملك ~~يطلبه. # وهذه حالة لم تطرأ دفعة واحدة في أيام النزاع بين علي ومعاوية، بل ظهرت بوادرها في ~~أيام الصديق، وازدادت ظهورا في أيام الفاروق، وحدث كما أجملنا ذلك في كتاب ذي ~~النورين أن الصديق «اتخذ الحيطة للفتنة، واستبقى عنده كبار الصحابة؛ ليجمع بين ~~معونتهم له في الرأي وبين تجنيبهم الفتنة ومآزق الولاية، وكان يتذمر من ترخص # 3 # بعض الصحابة في أمور تؤذن بما بعدها، فقال لعبد الرحمن بن عوف وهو على ~~سرير الموت: ما لقيت منكم أيها المهاجرون ... رأيتم الدنيا قد أقبلت ولم تقبل، وهي ~~مقبلة حتى تتخذوا ms014 ستور الحرير ونضائد الديباج، وحتى يألم أحدكم بالاضطجاع على الصوف الأذربي، # 4 # كما يألم أحدكم إذا نام على حسك السعدان.» # 5 # وانقضى عهد الصديق ثم انقضى عهد الفاروق «والمجتمع الإسلامي مجتمعان: أحدهما ماض ~~ولما يمض بأجمعه، والآخر مقبل ولما يقبل بأجمعه، وأوشك عمر على قوته أن يحار في ~~تدبيره، وقال الشعبي: إنه قضى وأوشكت قريش أن تمله لشدته ووقوفه لها، بحيث وقف حائلا ~~بينها وبين نزعاتها ومطامحها في دنياها الجديدة.» ~~••• # وتتابعت السنون على أيام عثمان، وهذان المجتمعان يلجان في الافتراق حتى افترقا غاية ~~افتراقهما في النزاع بين علي ومعاوية، فكان علي يكبح تيارا جارفا لا حيلة له في ~~السير معه ولا في دفعه، وكان معاوية يركب ذلك التيار رخاء سخاء بغير مدافعة وغير ~~حيرة، ويركبه معه من لا يدافعه ولا يحار فيه ... # وكأنما بقيت من التيسير هنا والتعسير هناك، فجاءت حصة علي حيث جاء الموالي # 6 # من كل جنس يطلبون الحق الذي يطلبه كل مسلم ممن لا ينكر على أحد حقا من ~~الحقوق، وخلت الحصة الأخرى من هؤلاء الموالي، وخلصت للعرب يوم كان العرب وحدهم قوام ~~الدولة في دمشق بين القرشيين واليمانيين. # أحاط الموالي بالإمام حتى قال له بعض أنصاره من العرب: «لقد غلبتنا هذه الحمراء ~~عليك»، وسار الإمام في العدل بينهم وبين العرب سيرة من يعلم أنه لا فضل لعربي على ~~أعجمي، ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى. # أما في الشام فقد كان معاوية لا يباليهم؛ لأنهم قلة هناك لا يحسب لها حساب، ومرضاة ~~العرب أولى من مرضاة الموالي في دمشق حيث قامت الدولة الأموية، وحيث هان خطبهم بعد ~~ذلك حتى قيل إنه هم بقتلهم والبطش بهم على غير عادته، وقال لهم غير مرة: إنكم عجم ~~وعلوج! # وما كان من قبيل المصادفات أن الدولة الأموية قامت في دمشق، وأن الدولة التي قوضتها - ~~وهي دولة بني العباس - قامت في بغداد، فإن دمشق ما كانت لتصلح مقاما للدولة بعد ~~اتساعها للعرب والفرس والترك والديلم، وموالي الأمم من كل قبيل. # وقد كانت ms015 العصبية العربية قوة للدولة الأموية في نشأتها، وكان اختلاط الموالي ضعفا ~~للدولة القائمة في الجزيرة؛ لأنهم أشتات متفرقون لم يكن منهم أحد يقبض على زمام من ~~أزمتها ... # ونجمت ناجمة الخوارج فلم تكن لها جرثومة في الشام ينجمون منها، ولكنهم أصبحوا شعبة ~~جديدة من شعب الشقاق بين الموالي والشيعة من العرب، وأصحاب التزمت والزهد من أدعياء ~~الاجتهاد، وأدعياء الحق في محاسبة ولي الأمر على ما شرعه الكتاب ... ~~••• # ثم قتل علي دون صاحبيه المقصودين بالقتل معه: معاوية وابن العاص؛ فانتفع معاوية بعمله ~~في حياته كأنه أعفاه من جهاد منافسيه بالحجاز والعراق، وانتفع بعده بالشقاق بين ~~الشيعة والخوارج والموالي والعرب في رقعة الجزيرة، فإذا هم يضرب بعضهم بعضا، ويغلبهم ~~جميعا بأيديهم كلما تفرقوا وتقاتلوا، وما كان في وسعهم أن يتفقوا أو يكفوا عن ~~القتال. # وإن القدرة التي خلصت بها الخلافة لمعاوية بين هذه الحوادث لتوزن بميزانها الصادق إذا ~~شاء المؤرخ أن يخالف بين الكفتين ... فماذا كان معاوية صانعا لو أنه بويع بالخلافة في ~~المدينة، ولم تكن له سابقة ولاية على الشام؟ وماذا كان صانعا لو كان على الشام يومئذ ~~منافس يسوسها على سنة الملك، ويرتكن فيها إلى قواعد راسخة من عهد الفاروق وقواعد ~~راسخة من قبل الإسلام؟ # ثم انفرد معاوية بالخلافة، ولزمته تبعة الدفاع عن الدولة في وجه أعدائها، فوضع ~~المؤرخون في كفته هذه المأثرة غير مقدورة ولا محدودة، ولا منظور فيها إلى التمهيدات ~~التي من قبيل ما قدمناه أو تربى عليها. # ولا شك أن رأس الدولة الأموية قد عمل على حمايتها، ولا بد له من العمل على هذه ~~الحماية، ولسنا نعني هنا أنه حمى الدولة ليحمي ملكه ويحمي نفسه، فهذا قد يدخل في بيان ~~النيات ولا يدخل في بيان القدرة التي أعانته على عمله، ولكننا نعني أننا لا نزن هذه ~~القدرة بميزانها الصحيح إلا إذا عرفنا ما اضطلعت به، وكان لها يد فيه وعرفنا ما جرى ~~في مجراه بحكم الحوادث، وليست فيه لها يد عاملة أو تدبير مقصود. # فالفتح الإسلامي قد ضعضع ms016 دولة الروم الشرقية وفت في أعضادها، وترك فيها رجال الدين ~~والدنيا معا يائسين من رجعة الشام إلى حوزتها، مؤمنين بتأييد الله للعرب الفاتحين ~~عقابا للرعاة والرعية على خطاياهم وخطاياها ... # وقد سمع هرقل صيحة الوعاظ بهذا النكير بأذنيه في مؤتمر أنطاكية، وغادر سورية وهو ~~يودعها ذلك الوداع الذي كاد الرواة أن يحفظوه بكلماته اللاتينية، كما يحفظون كلمات ~~سليمان الحكيم عن باطل الأباطيل. # فقبل أن يفارق الأرض السورية صاح كأنه ينشج بالبكاء: «الوداع يا سورية، الوداع ~~الأخير» # Vale Syria et ultimatum vale ~~. # ورسخت هذه العقيدة في قلوب خلفائه، فلم تغن فيها وفرة العدة وكثرة الجند، وأسلحة البر ~~والبحر التي كانوا يجمعونها، ولا تكاد تجتمع حتى تتفرق لأول صدمة أو تتفرق قبل اللقاء ~~من أجل منام أو عيافة # 7 # أوهام، وقد روى جيبون أن حفيد هرقل خنع للتسليم؛ لأنه رأى في المنام أنه ~~في سالونيكا، وهي كلمة تجانسها كلمة باليونانية معناها: «أعط النصر لغيرك!» # وفي تاريخ ميخائيل السوري: «إن المنتقم الجبار أتى بأبناء إسماعيل من الصحراء؛ ~~ليخرجوا الأمم من ربقة الروم.» # وقد روى ابن الأثير من حوادث سنة خمس وعشرين هجرية: «إن معاوية غزا الروم فبلغ ~~عمورية، فوجد الحصون التي بين أنطاكية وطرطوس خالية، فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل ~~الشام والجزيرة.» # ولم ييأس العواهل الضعفاء من سورية وما جاورها من آسيا الصغرى، بل يئسوا من ~~القسطنطينية نفسها وهموا مرات بنقل العاصمة منها إلى صقلية، وتركها العاهل قنستانز ~~فعلا (سنة 668م)؛ ليقيم له عاصمة في صقلية، فأوشك أن يقيمها لولا أنه قتل في ~~سرقسطة! # واقترنت بهزيمة الروم في سورية هزائم شتى وشواغل متفرقة أيأستهم من الغلبة على الدولة ~~الإسلامية، ومن هذه الشواغل حرب الشعوب السلافية ومحالفتهم للمسلمين في بعض الوقائع ~~بآسيا الصغرى، ومنها الشقاق بين الكنيستين الشرقية والغربية، ومنها انقسام الأسطول ~~بين قيادتين إحداهما للعاصمة والأخرى للولايات المتفرقة. # وربما كان اسم الدولة الإسلامية في إبان الفتح حماية لها تقوم في ترويع خصومها مقام ~~العدد والحصون، ولا أدل على ذلك من سلامة هذه الدولة ms017 في عهد معاوية الثاني الذي اعتزل ~~الحكومة، ولزم داره كما جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي «أربعين يوما، وقيل: شهرين، ~~وقيل: ثلاثة أشهر ...» # قال السيوطي: «ولم يخرج إلى الباب ولا فعل شيئا من الأمور ولا صلى بالناس.» ولما خلع ~~نفسه قال: «أيها الناس ضعفت عن أمركم فاختاروا من أحببتم، ثم احتضر وهو في نحو ~~العشرين فسألوه أن يستخلف أخاه خالدا، فقال: ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل ~~مرارتها؟» # ولم يتفق المسلمون على خليفة بعد معاوية الثاني حتى قام عبد الملك بن مروان بالأمر ~~سنة ثلاث وسبعين ... أي: بعد تسع سنين. # ودولة تسلم من بيزنطة تسع سنين وهي بغير خليفة متفق عليه لا يبلغ من خطر عدوها أن ~~يحتاج الدفاع عنها إلى قدرة خارقة من ولي الأمر فيها، وقد سلمت من ذلك العدو سنين قبل ~~ذلك بين مقتل عثمان ومقتل علي، ولم يكن بين المقتلين يوم سلام واستقرار من الحجاز ~~إلى الجزيرة إلى الشام إلى مصر، وما يليها من إفريقية الإسلامية. # والثابت المعروف أن الدفاع عن الشام إنما استحصد، # 8 # وتوطد قبل استقلال معاوية بولايتها في أيام عثمان، وأن الدفاع الأكبر ~~عنها بعد ذلك إنما كان يتولاه من قبل الشرق ولاة الجزيرة، ومن قبل الغرب ولاة مصر ~~وإفريقية، وعندهم الجند والسفن ولهم الصلة الدائمة بالحجاز يسألون الخليفة المدد، ~~فيأمر من يشاء من الولاة أن يمدوهم به، ومنهم معاوية في الشام. # وهذه الفترة في تاريخ الدولة الإسلامية هي التي جعلت لها تلك المهابة التي أيأست ~~بيزنطة من جدوى الهجوم عليها، وصرفتها إلى غير هذه الوجهة من حدودها، مع إدبار القوة ~~وانقسام الأولياء والأعوان، وضياع الثقة بالنصر، بل باستحقاق النصر من الله. ~~••• # وبعد ... # فالمحصل من هذه الحوادث والتمهيدات أن المؤرخ الأمين مسئول أن يحضرها جميعا في ~~حسابه، وإلا كان كلامه عن «قدرة» معاوية كلاما جزافا # 9 # لا يؤخذ به في تمييز أقدار الرجال وخصائص الطباع، ولا يفيدنا شيئا في ~~التعريف بالوسائل التي مهد بها معاوية لنجاحه، والوسائل التي تمهدت له قبل مولده، ~~وقبل الإسلام. ms018 # وتتلخص قدرة معاوية في خلائق مشهورة مترادفة، أشهرها: الدهاء والحلم وعلو الهمة أو ~~الطموح. # وهذه الخلائق هي موضوع البحث فيما يلي من الفصول قبل الكلام على نشأته، وعمله وموجز ~~تاريخه وصفوة الرأي فيه. # | الدهاء # إذا تحدث الراوية العربي عن صفة من الصفات العامة بلغ بها حد الاستقصاء، فأثبت في ~~روايته كل ما يقع عليه الحس من أخبار تلك الصفة، وذكر لنا الأعلام المشهورين بها، ~~والحوادث التي دلت عليها، والأقوال التي قالوها أو قيلت عنهم بصددها، والفوارق التي ~~يختلفون بها فيما بينهم، والألقاب التي أطلقت عليهم من جرائها، ولم يتركوا مرجعا من ~~مراجع الدراسة التي يحتاج إليها الباحث العصري في استقصائه الحديث بعد استقصائهم ~~القديم، إلا تحليل الصفات على حسب عواملها النفسية، فإنه باب لم يطرقوه ولم يطرقه أحد ~~غيرهم من الأقدمين في الأمم، وعذرهم في ذلك واضح لا تلزمهم بعده حجة: عذرهم أن ~~التحليل النفسي كله دراسة حديثة تركبت على دراسات علمية، أو فكرية أخرى لم يكن ~~للأقدمين عهد بها إلى ما قبل بضعة قرون. # كذلك تحدث لنا الراوية العربي عن شجعان العرب، وفرسان العرب، وأجواد العرب، وصعاليك ~~العرب، ودهاة العرب في الإسلام، ودهاة العرب في الجاهلية، وكل ذوي الشهرة في صفة من ~~الصفات العامة التي تتعلق بها الروايات، وتتناقل بها الأخبار. # ويبدو لنا - ونحن نقرأ كلامهم عن دهاة العرب - أنهم كانوا «مولعين» بتلك الصفة خاصة، ~~يتحدثون بها ويستطيبون حديثها ويتزيدون فيه كلما استطاعوا، كأنهم يجاوزون بالدهاء حد ~~الإعجاب إلى حد التمني والعطف والمشاركة في الشعور، وعذرهم في هذا أيضا واضح من ~~تاريخهم وتواريخ منازعاتهم ومصالحاتهم، فإنهم كانوا يتفقدون فيها الدهاء جميعا ~~فيجدونه حينا ولا يجدونه حينا آخر، ولكنهم كانوا يجدون الشجاعة والفروسية في كل ~~حين. # وسبب آخر من أسباب الولع بالحديث عن الدهاء أنه أصبح كفؤا للشجاعة، أو راجحا عليها ~~في موازين الصفات الاجتماعية، فإذا عيب رجل من رجالهم بقلة الشجاعة؛ وجد العزاء - ~~وفوق العزاء - بشهرة الدهاء أو دعواه إن لم يكن قد بلغ بدهائه مبلغ الشهرة الذائعة ~~الصيت. ms019 # فالدهاء عندهم كان مزية، وضرورة، وعزاء، وغطاء للخوف والجبن، ودعوى سهلة لمن يدعيها ~~بغير برهان ... أما الشجاعة فبرهانها حاضر لا سبيل للمغالطة فيه ... # ولهذا يتزيد الرواة كثيرا في أحاديث الدهاء، ويوشك أن يجعلوه صفة من الصفات ~~«السلبية»، التي تقترن بنقص الشجاعة حيث نقصت في مجال الغضب، أو مجال الصولة والقتال، ~~وكاد القارئ يفهم - بداهة - من صوف رجل بالدهاء أنه رجل لا صولة له ولا خوف من غضبه ~~وبأسه، وإنما الخوف مما يحتال به أو يكيد. # وكثير من أحاديثهم عن الدهاء يدخل في عداد هذه المعاذير أو هذه الخلال المتشابهات، ~~ولكنهم إذا اتفقوا على دهاء رجل في سيرة حياته بحذافيرها، # 1 # فالغالب أن يكون على شيء من الدهاء، وإن لم يكن دهاتهم كلهم من نوع واحد ~~عند تحليل الأعمال والصفات، ولم يكن مصدر ذلك الدهاء ملكة واحدة في العقل أو في ~~الطباع. # لقد كانوا يطلقون الدهاء على وسيلة «غير صريحة» يبلغ بها صاحبها مأربه، وينتهي بها ~~إلى منفعته ... فكل حيلة «غير صريحة» فهي دهاء على سواء ... # إلا أن الواقع أن الوسائل «غير الصريحة» لا تتفق في مصادرها العقلية ... # فقد يعتمد الرجل في دهائه على قدرة عقلية فائقة يتسلط بها على الناس، فيسخرهم في ~~مطاعمه ويقودهم كما يقاد المسخر «بالتنويم المغناطيسي» لخدمته فيما يستفيدون منه أو ~~فيما لا فائدة لهم فيه على الإطلاق ... وقد يكون فيه الضرر لهم كل الضرر وهم لا يفقهون، ~~ويغشاهم السحر بغشاوته فلا يستمعون لما يقال لهم غير ما يقوله ذلك الداهية، أو يوحيه ~~إلى شعورهم بغير مقال. # هذا هو الدهاء من الطراز الأول. # ويليه الدهاء الذي لا يعتمد على قدرة عقلية فائقة، ولكنه يعتمد على قدرة «مادية» ~~يستطيع بها صاحبها قضاء المصالح والتعامل مع غيره على أساس «التبادل» في المنفعة ~~المعروفة، التي يفهمها المتبادلون جميعا بغير حاجة إلى تغرير أو خداع أو ~~إقناع. # رجل يملك السلطان أو المال، وأناس يحتاجون إلى سلطانه وماله، ولا يقدرون على بلوغ تلك ~~الحاجة من غيره ... فلا هو يخدعهم ولا هم يخدعونه؛ ms020 لأنهم كلهم يعرفون ما يطلبونه ~~ويعرفون وسيلتهم إليه، فلا خادع فيهم ولا مخدوع، وإن لم يكونوا جميعا صرحاء فيما ~~يتوسلون به أو يتوسلون إليه. # من أي هذين الطرازين دهاء معاوية؟ # أمن طراز القدرة العقلية الفائقة التي تسخر الأعوان منقادين مستسلمين مغمضي الأبصار ~~والبصائر، أم من طراز القدرة المادية التي تعطي وتأخذ ويأملها طلاب الحاجات؛ لأنهم ~~يعرفون ما يحتاجون إليه ولا يعرفون طريقا إلى حاجاتهم تلك غير هذه الطريق؟ # بأي الدهاءين تمكن معاوية من اجتذاب عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه، ~~وغيرهم من الدهاة الذين سارت بدهائهم الأمثلة في صدر الإسلام؟ # لعلنا نستطيع أن نقول: إن هؤلاء الدهاة ومن جرى مجراهم قد خدعوه وسخروه لقضاء مأربهم، ~~كما نستطيع أن نقول: إنه هو قد خدعهم وسخرهم لقضاء مآربه ... فإنهم جميعا قد أخذوا ~~ناجزا مضمونا حيث يأخذ منهم العوض مقدرا غير مضمون، وأيا ما كان القول فليس دهاء ~~معاوية هنا دهاء القدرة العقلية الفائقة التي أوقعت في روع أعوانه زعما تخفى عليهم ~~حقيقته، وينقادون به إليه وهم لا يفقهون، وإنما أخذ منهم وأخذوا منه على حد سواء، ~~وإنما أعطاهم المصلحة التي يريدونها ولا ينتظرون قضاءها عند غيره، ولم يتمكن من ~~إعطائهم تلك المصلحة؛ إلا لأنه سبقهم إلى ولاية الشام عشرين سنة، ووضع أيديه على ~~المرافق التي لم يكن في وسع واحد منهم أن يضع عليها يدا من أيديه. # إن رواة التاريخ العربي يحدثوننا كعادتهم في التوصيف والتقسيم، عن دهاتهم في صدر ~~الإسلام، فيقولون: إنهم أربعة: عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، ~~ومعاوية بن أبي سفيان، ويقولون: إن ابن العاص للبديهة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لكل ~~كبيرة وصغيرة، ومعاوية للروية. # وهذا تقسيم صحيح في جملته على الإيجاز، وقد يعرض له بعض التعديل عند الإسهاب ~~والتفصيل، ولكن الرأي الذي لا شك فيه أنهم جميعا من الدهاة على اختلاف نوع الدهاء، ~~وأن دهاء الثلاثة الأولين هو الذي قادهم إلى معاوية، ولم يكن دهاء معاوية هو الذي ~~قادهم إليه، فقد عرفوا مطالبهم ms021 وعرفوا أنهم يجدونها عند معاوية حيث لا يجدونها عند ~~غيره، ولو أنهم استطاعوا أن ينازعوه الخلافة لما سلموها له طوعا، ولما قنعوا منه ~~بالنصيب الذي ارتضوه في خلافته، ولكن الخلافة كانت مطلبا بعيدا عليهم، فلم يضيعوا ~~فيه جهودهم، ونظروا إلى غاية المطالب دونه فبلغوها بجهد يسير. # لم تكن لأحد منهم ولاية تمتد فتشمل سائر الولايات، وتنتهي بذلك إلى الخلافة إلا زياد ~~بن أبيه، فإنه كان واليا على أقاليم من فارس يخشى بأسه لما عنده من المال والجند، ~~ولكنه مغمور النسب يدعونه بابن أبيه قبل أن ينسبه معاوية إلى أبي سفيان، ولن يسلس ~~زمام الخلافة لرجل مثله إلى جانب طالب من طلابها، كمعاوية أو من دون معاوية في النسب ~~والمكانة ... # أما ابن العاص والمغيرة بن شعبة، فقد كانا من آحاد الرعية يوم نشب النزاع على الخلافة ~~بين عميد بني هاشم علي بن أبي طالب وعميد بني أمية معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن ~~لأحدهما جند ولا مال ولا عصبة تنافس العصبة الهاشمية أو العصبة الأموية، فهما خليقان ~~أن ينظرا إلى المطلب الميسور حيث تيسر، وقد نظرا إليه فلم يعرفا له طريقا أقرب من ~~طريق معاوية، وبخاصة بعد مقتل علي رضوان الله عليه. # وقصة كل رجل من هؤلاء الدهاة الثلاثة لا تدع محلا للظن بأنهم سيقوا إلى نصرة معاوية ~~مخدوعين، أو منقادين بحيلة من حيل الدهاء، بل هي حرية أن تنبئنا بغلبتهم على معاوية ~~في المبادلة، وأنهم أخذوا منه فوق ما أعطوه، وأنه هو قد أعطاهم شيئا في اليد حين كان ~~عطاؤهم كله شيئا في التقدير، إما من قبيل الأمل المنظور أو من قبيل الخوف المحذور ~~... # دعا عمرو بن العاص ولديه عبد الله ومحمدا، فقال لهما: إني قد رأيت رأيا ولستما ~~باللذين ترداني عن رأيي، ولكن تشيران علي ... إني رأيت العرب صاروا عنزين يضطربان، وأنا ~~طارح نفسي بين جزاري مكة، ولست أرضى بهذه المنزلة، فإلى أي الفريقين أعمد؟ # قال عبد الله، وهو من أهل التقوى: إن كنت لا بد فاعلا فإلى علي ms022 ... # قال عمرو: إني إن أتيت عليا يقول لي: إنما أنت رجل من المسلمين، وإن أتيت معاوية ~~يخلطني بنفسه ويشركني في أمره، وكان محمد ابنه الآخر على هذا الرأي، فقال لهما عمرو: ~~أما أنت يا عبد الله فقد اخترت لآخرتي، وأما أنت يا محمد فقد اخترت لدنياي. # ويروى أنه لما استشارهما، قال له عبد الله: إن النبي - عليه السلام - قد توفي ~~والشيخان بعده وهم راضون عنك، فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس، وقال ~~له محمد: أنت ناب من أنياب العرب، فكيف يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت؟ فأجابهما ~~بما تقدم وأتى معاوية، فوجدهم يطلبون دم عثمان فمضى معهم يقول: اطلبوا دم الخليفة ~~المقتول. # والمشهور في رواية صاحب الإمامة والسياسة ابن قتيبة أن معاوية كان غافلا عن شأن عمرو ~~وعن خطره في معونة أي الفريقين فأعرض عنه، حتى نبهه عتبة بن أبي سفيان إلى شأنه ~~وخطره، فكتب إليه يقول: «أما بعد، فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد ~~سقط علينا مروان بن الحكم في رافضة من أهل البصرة، وقدم علي جرير بن عبد الله في ~~بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك فأقدم على بركة الله.» # وتردد عمرو قليلا بين شد الرحال وحط الرحال، فقال له غلامه وردان، وهو من الموصوفين ~~معه بالدهاء: أما إنك إن شئت بدأتك في نفسك: اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: ~~مع علي الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية الدنيا بلا آخرة، فأنت واقف بينهما، فقال عمرو: ~~ما أخطأت ما في نفسي. فما ترى يا وردان؟ فقال: أرى أن تقيم في منزلك فإن ظهر أهل ~~الدين عشت في دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك، فقال عمرو: الآن حين شهرتني ~~العرب بمسيري إلى معاوية؟ # وقدم عمرو على معاوية فساومه على رضاه، فلم يقنع بما دون ولاية مصر مدى الحياة، وهذه ~~صفقة كأنها صفقة المنتصر الذي يملي شروطه في حومة الحرب؛ لأن ابن العاص كان واليا ~~على مصر فعزله عثمان، ms023 ولم يزل واجدا على عثمان لذلك، حتى قيل: إنه كان يحرض عليه ~~ويخاذل بين أنصاره، فإذا جاء الرجل قوما يطلبون دم عثمان، فأخذ منهم ما أباه عثمان ~~عليه، فإنما هو الرغم ولا مبالاة بما يقولون وبما يقال! # وشق على معاوية أنه يجيبه إلى هذا المطلب الضخم «فتلكأ معاوية - كما جاء في الإمامة ~~والسياسة - وقال: ألم تعلم أن مصر كالشام؟ قال: بلى، ولكنها إنما تكون لي إذا كانت ~~لك، وإنما تكون لك إذا طلبت عليا على العراق ... فدخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية، ~~فقال: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر؟ إن هي صفت لك ليتك لا تغلب على الشام، فلما ~~سمع معاوية قول عتبة بعث إلى عمرو فأعطاه مصر، وكتب في أسفل الكتاب: ولا ينقض شرط ~~طاعة، فكتب عمرو: ولا تنقض طاعة شرطا.» # وعلى هذا خرج عمرو من الصفقة غالبا غير مغلوب، وفهم ما يبتغيه فقصد إليه، ولم يكن ~~معاوية يفهم ما يبتغيه إلا بعد ممانعة واستعصاء ... وقد عقد معاوية لعمرو بعد ذلك أربعة ~~ألوية: لواء له، ولواء لكل من ولديه، ولواء لغلامه وردان. # يقال في مصطلحات عصرنا عن الحيلة التي لا تخفى ولا حاجة بها إلى إخفاء: إنها «لعب على ~~المكشوف» ... كأنها هي لعبة تلعب نفسها بنفسها، ولا محل فيها لتدبير اللاعبين لظهوره، ~~واتباعه في اللعب منهجا لا محيد عنه، وهكذا كانت الحيلة بين عمرو ومعاوية. # قال عمرو لمعاوية: «أترى أننا خالفنا عليا لفضل منا عليه؟ ... لا والله إن هي إلا ~~الدنيا نتكالب عليها، وايم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك وإلا نابذتك.» # 2 # وعلى هذه الخطة «المكشوفة» بدأت المعاملة بين الرجلين، وكان حظ عمرو فيها أكبر من حظ ~~معاوية، بالقياس إلى ما بذل فيه. ~~••• # أما المغيرة بن شعبة فقد كان يبيع سمكا في البحر، ويشتري به سمكا مطبوخا شهيا ~~على المائدة. # عزله الفاروق عن ولاية الكوفة؛ لأن قوما شهدوا عليه أنهم وجدوه على ريبة مع امرأة ~~غير امرأته، وقال هو: إنها امرأته، وإن الأمر التبس على الناظرين لشبه ms024 بين المرأتين، ~~ولم تثبت التهمة عليه ثبوتا يوجب إقامة الحد، ولم تسقط عنه سقوطا يزيل الشبهة، ~~فعزله الفاروق وأبقاه زمنا بغير عمل كأنه يؤدبه ويستتيبه، ثم بدا له أن يعيده إلى ~~ولايته، فدعاه إليه وشدد عليه ليجتنبن الشبهات حتى الظنة، وولاه الكوفة مرة أخرى، ~~فلما قام عثمان بالخلافة عزله، فاعتزل السياسة حتى قتل عثمان، وبويع علي بالخلافة في ~~المدينة، فذهب إليه يمهد في العهد الجديد للزلفى # 3 # عند الإمام، وعند صاحب الأمر بالشام - معاوية - في وقت واحد، وأشار على ~~الإمام بإقرار معاوية في ولايته؛ ليدين له بالولاء ثم يعزله متى شاء، فلما أبى الإمام ~~أن يقره عاد إليه في اليوم التالي، فقال: «إني أشرت عليك أول مرة بالذي أشرت وخالفتني ~~فيه، ثم علمت أن الصواب فيما رأيت، فاعزلهم - أي: ولاة عثمان - واستعن بمن تثق به، ~~فإنهم أهون شوكة مما كان.» # وعاد المغيرة إلى عزلته يترقب، ثم قصد إلى معاوية بعد رجحان كفته في أمر الحكمين غير ~~مجازف بشيء بعد استقرار أمر الشام - على الأقل - لمعاوية وحزبه، فولاه معاوية إمرة ~~الحج بعد انفراده بالدولة، وكان المغيرة ينظر إلى ولايته الأولى على الكوفة كما نظر ~~ابن العاص إلى ولايته الأولى على مصر، فلما أراد معاوية أن يعهد بهذه الولاية إلى عبد ~~الله بن عمرو بن العاص ذهب إليه يبذل النصيحة الذي يأخذ منها أكثر مما يهب، وقال له: ~~أتستعمل عبد الله على الكوفة وأباه على مصر؟ ... إنك بين نابي الأسد! فاستمع له معاوية ~~وعزل عبد الله وولاه في مكانه، وسمع عمرو بخبر هذه المكيدة فردها بمثلها، ولم يطلب ~~إعادة عبد الله إلى ولايته، بل قنع بحرمان المغيرة من ولاية الخراج واصطنع النصيحة ~~للخليفة الجديد، فجاءه يقول: إنك تستعمل المغيرة على الخراج فيأخذه ولا تستطيع أن ~~تنتزعه منه، والرأي أن تولي على الخراج رجلا يخافك، ولا تبالي أن تعزله متى شئت، وأن ~~تستعمل المغيرة على الصلاة والإمارة، فلا يقوى عليك بغير مال، فاتبع معاوية مشورته ~~غير كاره؛ لأنها أكسبته المال والعداوة بين الداهيتين. ms025 # ثم استقر الأمر لمعاوية فهان عليه خطب المغيرة وهم بعزله، فنمى # 4 # الخبر إلى المغيرة من عيونه # 5 # حول معاوية، وأشفق من غضاضة # 6 # العزل، فآثر أن يذهب إليه معتزلا، وأن يحتال مع ذلك حيلته التي يرغم بها ~~معاوية على استبقائه، وهو عزيز الجانب مرغوب فيه. # شخص إلى دمشق فاختلى بيزيد كأنه يلقاه عرضا، ووسوس له أن يطلب إلى أبيه تسميته ~~لولاية العهد، وزين له الأمر قائلا: «إن أصحاب النبي وكبراء قريش قد ذهبوا، وبقي ~~الأبناء وأنت من أفضلهم، فلا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟ قال: ~~أوترى ذلك يتم؟ قال: نعم ... فدخل يزيد على أبيه وأخبره بمقالة المغيرة، فتعجل معاوية ~~لقاءه واستدعاه ليطمئن إلى حقيقة الخبر، وابتدره سائلا: ما هذا الذي يقوله يزيد؟ ... ~~قال: إني يا أمير المؤمنين قد رأيت ما رأيت من سفك الدماء بعد عثمان، وفي يزيد منك ~~خلف فاعقد له البيعة بعدك، فإن حدث بك حدث كان كهفا للناس وخلفا منك، ولا تسفك ~~دماء ولا تكون فتنة ... قال معاوية: ومن لي بهذا؟ ... قال: أكفيك أنا أهل الكوفة ويكفيك ~~زياد أهل البصرة، وليس بين هذين المصرين أحد يخالف ...»، فأمره معاوية أن يرجع إلى ~~الكوفة، وأن يتحدث مع ثقاته في ذلك، ثم يرى ما يرى. # قال المغيرة لبعض هؤلاء الثقات: لقد وضعت رجل معاوية في غرز # 7 # بعيد الغاية وفتقت عليهم فتقا لا يرتق # 8 # أبدا، ثم أجابه ناس من قبيلة إلى بيعة يزيد، فأرسل منهم عشرة إلى دمشق، ~~ولم يرسل سائرهم ليمد في حبل المساومة، وكان من حكمة معاوية أنه استمهلهم وطلب إليهم ~~ألا يعجلوا بإعلان رأيهم، ولم يكن إعلان هذا الرأي من أرب المغيرة؛ لأنه باق في ~~ولايته ما احتاج الأمر إلى بقائه قبل إعلان البيعة والاتفاق عليها، وفي كل أولئك كان ~~المغيرة كاسبا لا يفقد شيئا يقدر على استبقائه، فإن خرج مستعفيا فذلك خير من خروجه ~~معزولا، وإن كانت المساومة على ولاية يزيد للعهد مجدية له فيما أراد؛ فقد ربح ولم ~~يخسر، ms026 وباع السمك في البحر والشبكة من عند غيره، وإن أعرض معاوية عن المساومة ولم ~~يقبل عقد البيعة لابنه - وهو أبعد الفروض - فقد كسب الوالي المعزول ولاء يزيد، ولم ~~يفقد ولاء معاوية؛ لأنه مفقود قبل ذلك ... ولعله يرمي من هذا التلويح بولاية العهد إلى ~~استثارة الأمير المحروم، وإغرائه بأبيه وانتقامه منه بالكيد له في حجاب الحرم # 9 # إن لم يقدر على الانتقام منه بالثورة والعصيان، ويقال بحق في جميع هذه ~~الأحوال: إن المخدوع من الرجلين - معاوية والمغيرة - لم يكن هو المغيرة إن كان لا بد ~~بينهما من مخدوع. # وكان زياد بن أبيه آخر المبايعين من الدهاة الثلاثة، فلم يستطع معاوية أن يقنعه بترك ~~فرصة من الفرص التي كان يترقبها، ويؤثرها على مبايعة معاوية بالخلافة، ولم يقبل على ~~معاوية وله رجاء قط في الإعراض عنه، مع أنه كان أول المنظور إلى بيعتهم في تقدير بني ~~أمية؛ لأنه كان - كما نقول في عرف هذه الأيام - ولدا شرعيا لأبي سفيان، وأخا ~~لمعاوية من أبيه ... # ولاه علي بن أبي طالب فارس وكرمان، فأرسل إليه معاوية يتوعده، فقام زياد في الناس ~~خطيبا يغلظ الجواب ويرد الوعيد بمثله، وجعل يقول في خطبته على رءوس أتباعه ومسمع من ~~أعوان معاوية: «العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي ~~وبيني وبينه ابن عم رسول الله في المهاجرين والأنصار، أما والله لو أذن لي في لقائه ~~لوجدني أحمر # 10 # مخشيا ضرابا بالسيف.» فكتب إليه معاوية يترضاه ويلين القول، ودعاه ~~بزياد بن أبي سفيان، ثم قال: «كأنك لست أخي، وليس صخر بن حرب أباك وأبي، وشتان ما ~~بيني وبينك، أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني، ولكن أدركك عرق الرخاوة من قبل ~~النساء، فكنت كتاركة بيضها بالعراء وملحفة بيض أخرى جناحها، وقد رأيت ألا أؤاخذك بسوء ~~سعيك وأن أصل رحمك وأبتغي الثواب من أمرك، فاعلم - أبا المغيرة - أنك لو خضت البحر في ~~طاعة القوم، فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدا، فإن بني عبد ms027 شمس ~~أبغض إلى بني هاشم من الشفرة # 11 # إلى الثور الصريع وقد أوثق للذبح، فارجع - رحمك الله - إلى أصلك واتصل ~~بقومك، ولا تكن كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب، ولعمري ما فعل بك ذلك ~~إلا اللجاج، # 12 # فإن أحببت جانبي ووثقت بي فإمرة بإمرة، وإن كرهت جانبي ولم تثق بقولي ~~ففعل جميل ولا علي ولا لي، والسلام.» # على أن زيادا لم يستجب لدعوته حتى قتل الإمام وصالح ابنه الحسن معاوية على شروط ~~تسلمه زمام الأمر كله في حياته، ولبث معاوية قلقا من جانبه لا يأمن مكره وجرأته، ~~يقول لخاصته: ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل البيت، فإذا هو قد أعاد علي الحرب جذعة؟ # 13 ~~... فتقدم المغيرة يتوسط بينهما ليشد ساعده بزياد في كيده لابن العاص، ~~واستأذن معاوية في إتيانه فأذن له أن يلقاه ويتلطف في خطابه، وجاءه المغيرة على يأس ~~من خلافة بني هاشم، وأمل مبسوط من المواعيد وتصحيح النسب في خلافة بني أمية، واستجاب ~~زياد للمغيرة في أمر البيعة لمعاوية، وتمنع بعد ذلك في أمر البيعة ليزيد بولاية ~~العهد، وأنفذ رجلا من ثقاته إلى الخليفة؛ ليوصيه بالأناة «فإن دركا # 14 # في تأخير خير من أناة في عجلة»، ولولا أنه مات قبل البيعة بولاية العهد ~~لما استقر الأمر على قرار. # هؤلاء هم الدهاة الثلاثة، لم يغلب أحد منهم على رأيه بدهاء من معاوية، وإنما أفادوا ~~منه جميعا فوق ما أفادوه. # وتذكر في هذا المعرض بيعة الحسن، فلا يقول قائل من المطنبين في دهاء معاوية أو من ~~المقتصدين في أمره إنه كان عملا من أعمال الدهاء دخلت فيه الحيلة على الحسن وصحابته، ~~فإنما بايع الحسن بعد أن ثار به جنده، واجترأوا على نهب معسكره، حتى امتدت أيديهم إلى ~~البساط الذي يجلس عليه وجرحوه في فخذه ... وقيل في أسباب تلك الفتنة ما قيل من مختلف ~~الأسباب والإشاعات، فزعم بعضهم أنها نشبت في المعسكر بعد أن شاع فيه مقتل القائد ~~الأكبر قيس بن سعد، وزعم بعضهم أنها نشبت فيه بعد ms028 إشاعة التسليم، وقبول المصالحة بين ~~الحسن ومعاوية ... ولا أمان على كل حال لأنصار يجترئون على إمامهم بالنهب والسطو لسبب ~~من الأسباب كائنا ما كان، بعد ما تقدم من عنت هؤلاء للإمام في حياته وشقاقهم فيما ~~بينهم، واستبداد كل منهم بفتواه في أمر الدين، وأمر السياسة والولاية، فلو لم يكن ~~معاوية على حظ من الدهاء - قل أو كثر - لما استعصى عليه أن يظفر من الحسن بالمصالحة ~~على شروطه فضلا عن المصالحة على الشروط التي أمليت عليه. # وما يذكر أحد غير هؤلاء من النابهين المعدودين الذين قصدوا إلى معاوية بالبيعة، أو ~~المؤازرة إلا كان على علم بما يقصده قبل لقاء معاوية، فلا خداع في شأن واحد من هؤلاء ~~المعدودين ولا انخداع. # جاءه عبيد الله بن عمر ففرح به فرحا شديدا، وقال لعمرو بن العاص: ما يمنع عبد الله ~~أن يجيئنا كما جاءنا أخوه؟ قال عمرو: إنما جاءك عبيد الله؛ لأنه يخشى قصاص ابن أبي ~~طالب منه لقتله الهرمزان بغير قضاء، وكان عبيد الله قد قتل الهرمزان؛ لأنه شوهد مع ~~أبي لؤلؤة قبل مقتل أبيه، وشوهد معه الخنجر الذي حمله أبو لؤلؤة، ووجد معه بعد مقتل ~~الفاروق، فأشار الإمام بالقصاص منه، وأبى عثمان ذلك؛ لكيلا يقال: قتل عمر بالأمس، ~~ويقتل ابنه اليوم، فلما بويع الإمام بالخلافة في الحجاز خرج عبيد الله إلى معاوية ~~ونادى مع المنادين بثأر عثمان، وقال للإمام في بعض المواقف بين الجيشين: الحمد لله ~~الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان، وجعلني أطلبك بدم عثمان ... ~~••• # وذهب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه يطلب منه مالا لسداد ديون عليه، فأنظره موعد العطاء ~~له ولسائر أصحاب الأعطية، فتركه وذهب إلى معاوية، فقضى له جميع ديونه، وقال له بعد ~~أيام: أنا خير لك من أخيك ... قال عقيل: صدقت! إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت ~~دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي، وأخي خير لنفسك منك! # فكل دهاء يذكر لمعاوية فإنما يذكر إلى جانبه رفد، # 15 # أو عطاء وولاية يستفيد منها من ينصره، ms029 ولا ينخدع عنها في مبادلة النفع ~~بينه وبينه، ولا جرم كان العطاء عماد هذا الدهاء، وكان نقش الخاتم الذي تختم به بعد ~~ولايته: «لكل عمل ثواب». # ولهذا أعياه كل الإعياء أمر المخالفين الذين لا تعمل فيهم رقية # 16 # المال والولاية ... فامتنع عليه عبد الله بن عمر؛ لأنه لم ينخدع بالدرهم ~~والدينار «وإنما ينخدع الرجال بهما» كما قال، وامتنع عليه قيس بن سعد ذلك البطل القوي ~~الأمين الذي حفظ عهده لعلي بن أبي طالب قبل عزله إياه وبعد عزله، وظل حافظا لهذا ~~العهد بعد مقتله رضوان الله عليه، ومصالحة الحسن لمعاوية، وانقضاض الولايات واحدة بعد ~~أخرى عن أعوان بني هاشم، وقد دانت الدنيا للخليفة الجديد فأرسل إلى قيس صحيفة بيضاء ~~موقعة بتوقيعه مختومة بخاتم الخليفة يكتب فيها ما يشاء، فلم يكتب فيها إلا عهدا ~~بالأمان لأصحابه الذين نصروا عليا والحسن بقيادته، وجلس الخليفة بالكوفة يتلقى ~~البيعة من مخالفيه القدماء، فقال قيس: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية! فقال ~~له: مه # 17 # رحمك الله، عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، قال قيس: لقد حرصت أن أفرق ~~بين روحك وجسدك قبل ذلك، فأبى الله يا بن أبي سفيان إلا ما أحب، قال معاوية: فلا يرد ~~أمر الله! فأقبل قيس على الناس بوجهه، فقال: معشر الناس! لقد اعتضتم الشر من الخير، ~~واستبدلتم الذل من العز، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيد ~~المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق بن الطليق، يسومكم # 18 # الخسف ويسير فيكم بالعسف، # 19 # فكيف تجهل ذلك أنفسكم، أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون؟! ... فجثا ~~معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده، وقال: أقسمت عليك ... ثم صفق على يده ونادى الناس: بايع ~~قيس! فقال: كذبتم والله ما بايعت ... وضاع صوته بين الصياح والضجيج. # ولم يزل أمثال عبد الله بن عمر وقيس بن سعد بمعزل عن حزب الدولة الجديدة، إلا من آثر ~~الجهاد في غزو الأعداء ولم يجد علما للجهاد غير علم الخليفة ms030 القائم بتجنيد الجند، ~~وتجريد السرايا على أطراف الدولة من بلاد القياصرة والأكاسرة، وبطلت كل حيلة من حيل ~~«الثواب» بالمال والولاية مع أمثال هؤلاء القوم الذين كانوا بحق عند المسلمين «بقية ~~الناس». # إلا أن معاوية كان يصطنع الحيلة التي تجديه في كفاح خصومه، وإن لم تكن من قبيل الغلبة ~~بقوة العقل وصولة «الشخصية» الطاغية على من دونها في البأس والمضاء ... # كانت له حيلته التي كررها وأتقنها، وبرع فيها واستخدمها مع خصومه في الدولة من ~~المسلمين وغير المسلمين، وكان قوام تلك الحيلة العمل الدائم على التفرقة، والتخذيل ~~بين خصومه بإلقاء الشبهات بينهم، وإثارة الإحن فيهم، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي ~~قرباه. # كان لا يطيق أن يرى رجلين ذوي خطر على وفاق، وكان التنافس «الفطري» بين ذوي الأخطار ~~مما يعينه على الإيقاع بينهم، كما كان يحدث بين المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص بغير ~~تدبير منه، أو بتدبير هين لا تخفى خبيئته على الرجلين، فكان يسمع لكل منهما في الآخر، ~~ويطيع كليهما في دسه وإغرائه؛ ليعلما بعد ذلك بما صنعه كل منهما من الكيد لصاحبه، فلا ~~يتفقا عليه، وما هما بمتفقين، ولا مأرب لهما في الاتفاق، بل المأرب الذي يحرصان عليه ~~معا أن يقوم بينهما حجاز يعطيهما ما يسألان، ويكيد بكيدهما كما يحبان. # ودأبه في الوقيعة بين أهل بيته كدأبه في الوقيعة بين النظراء من أعوانه؛ فلم يكن يطيق ~~أن يتفق بنو أمية من غير بيت أبي سفيان، ولم يكن ليهدأ ويستريح أو يوقع بين آل عمومته ~~من بني العاص ... قال ابن الأثير في أخبار سنة أربع وخمسين: «وفيها عزل معاوية سعيد بن ~~العاص عن المدينة، واستعمل مروان، وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن ~~يهدم دار مروان، ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافية، ويقبض منه فدك - وكان وهبها له - ~~فراجعه سعيد بن العاص في ذلك، فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد، ووضع ~~الكتابين عنده، فعزله معاوية وولى مروان، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص ms031 ~~وهدم داره، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، ~~أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت ... ~~فقال: ما كنت لأفعل، قال: بلى والله ...! قال: كلا ... وقال لغلامه: ائتني بكتاب معاوية، ~~فجاءه بالكتابين، فلما رآهما مروان قال: كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني؟ ... قال سعيد: ~~ما كنت لآمن عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا، فقال مروان: أنت والله خير مني، ~~وعاد ولم يهدم دار سعيد، وكتب سعيد إلى معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في ~~قرابتنا أن يضغن بعضنا على بعض ... فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه ~~من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم وباجتماع كلمتنا؛ لكان حقا على أمير ~~المؤمنين أن يرعى ذلك ... فكتب إليه معاوية يعتذر ويتنصل، # 20 # وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده، وقدم سعيد على معاوية فأثنى عليه خيرا، ~~فقال له معاوية: ما باعد بينه وبينك؟ قال: خافني على شرفه وخفته على شرفه، قال: فماذا ~~له عندك؟ قال: أسره # 21 # شاهدا وغائبا.» # ومضى معاوية على هذه الخطة التي لا تتطلب من صاحبها حظا كبيرا من الحيلة والروية، ~~ولعلها تناقض الدهاء فيما ينكشف من عللها التي لا تدق على فهم أحد، فلو أنه استطاع أن ~~يجعل من كل رجل في دولته حزبا منابذا لغيره من رجال الدولة كافة؛ لفعل، ولو حاسبه ~~التاريخ حسابه الصحيح؛ لما وصفه بغير مفرق الجماعات، ولكن العبرة لقارئ التاريخ في ~~زنة الأعمال والرجال أن تجد من المؤرخين من يسمى عامه حين انفرد بالدولة عام الجماعة؛ ~~لأنه فرق الأمة شيعا شيعا فلا تعرف كيف تتفق إذا حاولت الاتفاق، وما لبث أن تركها ~~بعده تختلف في عهد كل خليفة شيعا شيعا بين ولاة العهود! # وكانت خطة التفرقة عامة عنده لا يقصرها على الخصوم؛ ليضرب بعضهم ببعض، ويتقي شر فريق ~~منهم بشر فريق، بل كان يتوخى هذه الخطة مقدما ومؤخرا، وبين كل فريقين وعلى كل حال، ms032 ~~وفي كل موقف كأنها غرض مقصود لذاته أو كأنها خير «مطلق» لا شر فيه ... # وبدأ بهذه الخطة في السياسة العامة على عهد عثمان، فخص المهاجرين بدعوته قبل مرجعه ~~إلى الشام، وقام بينهم يقول بعد أن دعاه عثمان للمقال: «أما بعد، يا معشر المهاجرين ~~وبقية الشورى، فإياكم أعني وإياكم أريد ...» ثم أتبع ذلك بكلام طويل في معناه، يقول ~~فيه: «يا معشر المهاجرين وولاة هذا الأمر، ولاكم الله إياه فأنتم أهله، وهذان البلدان ~~مكة والمدينة مأوى الحق ومنهاه، وإنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى ~~البلدين، فإن استقاموا؛ استقاموا، وايم الله الذي لا إله إلا هو ... لئن صفقت إحدى ~~اليدين على الأخرى؛ لا يقوم السابقون للتابعين، ولا البلدان للبلدين، وليسلبن أمركم ~~ولينقلن الملك من بين أظهركم، وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض ~~...» ~~••• # ويروي بعض المؤرخين أنه لما استقر له الأمر، وبويع له بالخلافة، وجاءه وفد الأنصار؛ ~~أمر أن يدعى كل منهم باسمه إلى حضرته بمشورة عمرو بن العاص الذي كره أن يدعى الجمع ~~كله باسم الأنصار، ولكن عمرو بن العاص لم يكن معه يوحي إليه حين خص المهاجرين بتلك ~~الدعوة قبل أن يتفقا على شيء في أمر الدولة، ولم يكن سلطان عمرو هو الذي احتمى به ~~الأخطل حين اجترأ على هجاء الأنصار، فقال: # ذهبت قريش بالمكارم كلها # واللؤم تحت عمائم الأنصار # فإنما اجترأ الشاعر هذه الجرأة بما علم من رضا الخليفة وأمانه أن يصيبه مكروه من جراء ~~ذلك الهجاء. # ولم تقف خطة التفرقة عند هذه التفرقة بين مكة والمدينة؛ لأنه عمد إلى أهل مكة والطائف ~~في بقعة واحدة، ففرق بينهما حين آثر الثقفيين - وهم أهل الطائف - بزلفاه، وسن لمن ~~بعده سنة هذا الإيثار، فكان من رجال بين أمية المغيرة وزياد والحجاج ومحمد بن ~~القاسم، ورهط من الأقربين والصنائع، # 22 # وكانت الطائف على عهد معاوية وخلفائه كالحرس على أهل مكة ممن بقي فيها ~~غير الأمويين السفيانيين، وقد أوقع بين هؤلاء الأمويين كما تقدم؛ فقسمهم بين بني حرب ~~وبني العاص، ms033 وقسم بني العاص بين بيت سعيد وبيت مروان. # ومن خطط التفرقة التي حسنت لديه في حينها، وساءت عقباها بعد حين، وبعد كل حين؛ ذلك ~~النزاع المشئوم بين اليمانية والمضرية، أو بين الكلبيين والقيسيين على اختلاف النسب ~~والعناوين، وقد خبط # 23 # الأكثرون من مؤرخي العصر في تعليله بمختلف العلل ، إلا العلة المقصودة ~~التي دبرت في ذلك العصر أسوأ تدبير، ولعل المدبرين كانوا يحسبونه يومئذ أحسن تدبير ~~... # فالعصبية في القبائل العربية خليقة لا تهمل في حساب المنازعات والمناظرات في زمن من ~~الأزمان، ولكنه من السخف أن يقال إن العصبية كانت علة انتصار اليمانية لبني أمية على ~~بني هاشم، وإن اعتزاز الهاشميين بالنبوة هو الذي أحفظ عليهم صدور القبائل من غير ~~المضريين، الذين ينتمي إليهم بيت النبوة من بني هاشم. # فقد كان بنو هاشم وبنو أمية جميعا من قريش، وكان اعتزاز بني أمية بالنسبة القرشية ~~أظهر وأجهر من اعتزاز الهاشميين عند قيام دولتهم - دولة الأمويين - إذ كانت هذه ~~النسبة حجتها من جانب النسب في استحقاق الخلافة، وقد كانت اليمن هي القطر الوحيد الذي ~~رحب بوالي الإمام علي في أول بيعته، وكان الأنصار أهل المدينة من حزبه وهم - بين أوس ~~وخزرج - ينتمون إلى اليمانية، وكانت كندة تنصره وظلت على نصرته، ونصرة أبنائه زمنا ~~طويلا بعد قيام الدولة الأموية والدولة العباسية، وكان أشد أعوان الفاطميين بعد ذلك ~~من اليمانية في المشرق وفي المغرب، ولما تلاقى جيش علي وجيش معاوية في وقعة صفين ~~كانت القبيلة العربية الواحدة تقاتل في كلا الجيشين ... قال ابن الأثير: «وسأل علي عن ~~القبائل من أهل الشام فعرف مواقفهم، فقال للأزد: اكفونا الأزد، وقال لخثعم: اكفونا ~~خثعم، وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد ~~فيصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد؛ مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم ~~إلا القليل صرفهم إلى لخم ...» # فالنزاع بين اليمانية والمضرية لم يكن نزاعا على فخر النبوة، ولا على فخر الخلافة ~~عند بداءة أمره، وإنما ms034 كان نزاعا بين سلاحين أو بين جيشين متنافسين في مكان واحد، ~~عدا ما هنالك من النزاع بين الفكرين، ونحن نرى في عصرنا - وفي كل عصر - أمثال هذا ~~التنافس بين الأسلحة كلما جنح ولاة الأمر إلى فريق منهم دون فريق، وقد رأينا هذا ~~التنافس بين سلاح البر وسلاح البحر وسلاح الهواء في الجمهورية الفضية، وكلهم من جنس ~~واحد أو قومية واحدة؛ لأن ولاة الأمر هناك يؤثرون سلاحا على سلاح في التنازل بينهم ~~على السند الذي يستندون إليه. # لقد كانت عصبية النسب عنوانا من عناوين الخلاف بين قبائل اليمن، وقبائل مضر في دولة ~~بني أمية بالشام، ولكن هذه العصبية لم تكن لازمة كل اللزوم لإثارة الخلاف حينما أريد ~~لغرض من أغراض السياسة، وقد حدث مثله بين قبائل اليمن، وحدث مثله بين قبائل مضر على ~~حسب الطوارئ والمناسبات، ولو كان الجند كلهم من قبيلة واحدة وأراد ولي الأمر أن يثير ~~المنافسة بينهم؛ لما أعياه ذلك كما حدث في هذا العصر بين الشعوب الأمريكية في الجنوب ~~على ما قدمناه. ~~••• # ومعاوية كان يريد النزاع بين اليمانية والمضرية، ولم تكن له من خطة ثابتة فيه غير ~~التفرقة بينهم تارة إلى هؤلاء، وتارة إلى هؤلاء، وقد كان هو نفسه من المضريين، ولكنه ~~كان يبدو في بعض الأحايين كأنه من أبناء اليمن عدو لأبناء مضر، وطابت له هذه السياسة فاستمرأ # 24 # مرعاهم الوخيم حتى كانت عقباها ضياع الدولة الأموية كلها بعد ~~جيلين. # وأبرع ما برع فيه من ألوان الدهاء إلقاء الشبهة بين خصومه في زمن كانت فيه هذه ~~الشبهات من أيسر الأمور؛ لكثرة التقلب والتحول في الدول والممالك بين أنصار اليوم ~~وخصوم الأمس، أو أنصار الأمس وخصوم اليوم ... # كان إذا أراد أن يستميل أحد البطارقة من دولة الروم فاستعصى عليه؛ كتب له رسالة مودة ~~وثناء، وأنفذها مع رسول يحمل إليه الهدايا والرشا كأنها جواب على طلب منه يساوم فيه ~~على المصالحة والغدر برؤسائه من دولة الروم، ويخرج الرسول العربي من طريق متباعد كأنه ~~يتعمد الروغان من العيون والجواسيس، ms035 فإذا اعتقله الروم - ولا بد أن يعتقلوه لأنه ~~يتعرض للاعتقال ويسعى إليه - وقعت الشبهة على البطريق المقصود، وتعذر الاطمئنان إليه ~~من قومه بعد ذلك، وعزلوه وأبعدوه إن لم ينكلوا به أشد النكال ... # وقد احتال بمثل هذه الحيلة على قيس بن سعد حتى أوقع الريبة منه في نفس الإمام، ~~وساعدته الحوادث على خلق هذه الريبة كما أجملنا ذلك في كتابنا عن عبقرية الإمام ~~«فشبهاته لم تكن بالقليلة ولا بالضعيفة؛ فإن قيس بن سعد لم يدخل مصر إلا بعد أن مر ~~بجماعة من حزب معاوية، فأجازوه ولم يحاربوه وهو في سبعة نفر لا يحمونه من بطشهم، ~~فحسبوه حين أجازوه من العثمانيين الهاربين إلى مصر من دولة علي في الحجاز، ولما بايع ~~المصريون عليا بقي العثمانيون لا يبايعون ولا يثورون، وقالوا لسعد: أمهلنا حتى ~~يتبين لنا الأمر، فأمهلهم وتركهم وادعين حيث طاب لهم المقام بجوار الإسكندرية ... وأراد ~~الإمام أن يستوثق من الخصومة بين قيس ومعاوية، فأمر قيسا أن يحارب المتخلفين عن ~~البيعة فلم يفعل، وكتب إليه يقول: إننا متى قاتلنا ساعدوا عليك عدوك وهم الآن ~~معتزلون، والرأي تركهم ...» # وتعاظمت بعد ذلك الظنون في زمن صدقت فيه أكثر هذه الظنون، فأما معاوية فلم يكن يكربه # 25 # الظن ولا الشبه بالظن؛ لأنه يعلم المنفعة التي يعطيها والمنفعة التي ~~يريده أعوانه من أجلها، وأما الإمام فلم تكن له عصمة من الظن غير الحيطة وغير ~~التجربة، ولم تكن للتجربة سابقة مقطوع بها، بل كانت كلها مما سينجلي عنه مستقبل ~~مجهول. # فهذه الحيلة - حيلة الشبهة - كانت من أنجح الحيل في سياسة معاوية مع خصومه؛ لأنه زمن ~~الشبهات وهي كثيرة فيما ابتلاه أولئك الخصوم، وقد نجحت ونجعت # 26 # بفضلين لا بفضل واحد: أحدهما فضل التدبير، والآخر فضل الحوادث بغير ~~تدبير. # وحيلة أخرى لا نجزم بها، ولكننا نشير إليها في مكانها مما رواه الرواة عن الوسائل ~~«الخفية»، التي توسل بها معاوية للغلبة على خصومه ومنافسيه، وحسبت يومئذ من ضروب ~~دهائه، أو من ضروب كيده وهو مرادف عند عامة القوم لمعنى ms036 الدهاء. # مات الحسن ومات مالك بن الأشتر الذي ولاه الإمام مصر بعد عزل قيس، ومات عبد الرحمن بن ~~خالد بن الوليد وعوجلوا جميعا بغير علة ظاهرة، فسبق إلى الناس ظن كاليقين أنها غيلة ~~مدبرة، وأن صاحب الغيلة من كان له نفع عاجل بتدبيرها، وهو معاوية. ~~••• # ونقل عن ابن العاص بعد موت الأشتر أنه قال: «إن لله جنودا من عسل ...» وكان موت ~~الأشتر بعد شربة من العسل لم تمهله غير ساعات. # ونقل الخبر عن دس السم للحسن - رضوان الله عليه - مؤرخ من الأمويين هو أبو الفرج ~~الأصفهاني صاحب الأغاني المشهور. # قال في كتابه مقاتل الطالبيين: «أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث: إني مزوجك بيزيد ابني ~~على أن تسمي الحسن بن علي ... وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمت الحسن فسوغها # 27 # المال ولم يزوجها من يزيد، فخلف عليها رجل من أهل طلحة فأولدها، فكان إذا ~~وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم، وقالوا: يا بني مسمة الأزواج.» # وقال ابن الكلبي عن أبيه في سبب موت الأشتر: «إنه لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق ~~الحجاز، فقدم المدينة فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له: نافع وأظهر له الود، وقال ~~له: أنا مولى عمر بن الخطاب، فأدناه الأشتر وقربه ووثق به وولاه أمره، فلم يزل معه ~~إلى عين شمس، فلما وصل إلى عين شمس؛ تلقاه أهل مصر بالهدايا، وأسقاه نافع المذكور ~~العسل فمات منه ... وقال ابن سعد: إنه سم بالعريش، وقال الصوري: صوابه القلزم ...» # وجاء في أخبار سنة ثمان وثلاثين لابن الأثير: «خرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية ~~عيونه بذلك، فعظم عليه وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من ~~محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم، وقال له: إن الأشتر ~~قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت، فخرج الجايسات - وفي رواية ~~الطبري: الجايستار - حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، ms037 فلما ~~انتهى إلى القلزم وأقام به استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فنزل عنده، فأتاه ~~بطعام، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما، فسقاه إياه، فلما شربها مات ... ~~وقام معاوية خطيبا ثم قال: «أما بعد ... فإنه كانت لعلي يمينان، فقطعت إحداهما بصفين - ~~يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم ؛ يعني الأشتر.» ~~••• # واتفق ابن الأثير والطبري على رواية واحدة في الجملة عن موت عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد: «وكان سبب موته - كما جاء في ابن الأثير - أنه كان قد عظم شأنه عند أهل ~~الشام، ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه، فخافه ~~معاوية وخشي منه، وأمر ابن آثال النصراني أن يحتال في قتله، وضمن له أن يضع عنه خراجه ~~ما عاش، وأن يوليه خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس له ابن آثال شربة ~~مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له، وقدم خالد بن ~~عبد الرحمن المدينة فجلس يوما إلى عروة بن الزبير، فقال له عروة: ما فعل ابن آثال؟ ~~فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن آثال، فحمل إلى معاوية فحبسه أياما ثم غرمه ~~ديته، ورجع خالد إلى المدينة فأتى عروة، فقال عروة: ما فعل ابن آثال؟ فقال: قد كفيتك ~~ابن آثال ولكن ما فعل ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير: فسكت عروة!» # وسبق الطبري فقال: «ذكر جرير وغيره أن رجلا يقال له: ابن آثال - وكان رئيس الذمة - ~~سقاه شربة فيها سم فمات، وزعم بعضهم أن ذلك من أمر معاوية له في ذلك ولا يصح، ورثاه ~~بعضهم فقال: # أبوك الذي قاد الجيوش مغربا # إلى الروم لما أعطت الخرج فارس # وكم من فتى نبهته بعد هجعة # بقرع لجام وهو أكتع # 28 # ناعس # وما يستوي الصفان صف لخالد # وصف عليه من دمشق البرانس # 29 # وقد ذكروا أن خالد بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة، فقال عروة بن الزبير: «ما فعل ~~ابن آثال؟» فسكت: ms038 ثم رجع إلى حمص، فثار على ابن آثال فقتله، فقال: «قد كفيتك إياه، ~~ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة، ومحمد بن مسلمة في قول».» ~~••• # وشاعت الشوائع بمثل ذلك عن آخرين من أعداء معاوية ومنافسيه، يملي للناس في تصديقها أن ~~هؤلاء الأعداء ماتوا بغير علة موصوفة في الموعد الذي يبغيه معاوية، وتترتب عليه ~~سياسته التي كان يرجئها إلى مواعدها ... فالحسن يموت قبل بيعة يزيد؛ كي لا يخرج معاوية ~~على شرطه المكتوب للحسن، ومالك بن الأشتر يموت على أبواب مصر، وعبد الرحمن بن خالد ~~يموت وهو في أوج سمعته بين قوم أعجبوا من قبله بأبيه، ويوشك أن يتجمع حوله الناقمون ~~من أهل الشام وأهل الكوفة والحجاز ... وكله مما يذكر ولا يعجل بنفيه، ولكنه لا يقوم ~~عليه دليل قاطع، وأضعف ما في هذه الروايات تكرار المكافأة بإسقاط الخراج، وهي مكافأة ~~لا توافق جنايات الغدر والغيلة؛ لأنها تتجدد في كل موعد خراج، ولا يزال السؤال عن سبب ~~إسقاطه متجددا بين العمال وأصحاب الأمر، حتى تنكشف المكيدة كلها مع الأيام، وما كان ~~معاوية بعاجز عن المكافأة على دس السم للأعداء ببذل المال المعجل والمؤجل في الخفاء، ~~فلا يسع المؤرخ أن يقبل هذه التهم جازما ولا أن يرفضها جازما، ولكن الشبهات ~~والأقاويل وحدها تحدثنا بالشيء الكثير عن ظنون الناس بمعاوية، ووسائله إلى قضاء ما ~~يبغيه. ~~••• # ونحسب أننا في هذا الفصل قد ألممنا بأفانين الدهاء التي نسبت إلى رأس الدولة ~~الأموية، ويتبين منها جميعا أن دهاءه من قبيل الدهاء الذي يعول على قضاء المصالح ~~وتبادل المنافع، ويتساوى فيه دهاء الطرفين أو يكون الرجحان من قبل الطرف الآخر، فليس ~~دهاء معاوية من قبيل ذلك الدهاء الذي يسوق الأعوان سوقا إلى خدمة مقاصده بسلطان ~~القدرة العقلية الخارقة، وغلبة الإقناع لا برهان فيه على الحقيقة، ولكنه ضرب من ~~«التنويم المغناطيسي» تعمل فيه المشيئتان بمشيئة واحدة ... # وإنما استطاع معاوية أن يستهوي الناس إليه بقضاء المصالح لقيامه على ولاية الشام ~~عشرين سنة، واستئثاره بأقطارها جميعا على أيام عثمان بن عفان، واحتجازه ms039 لما شاء من ~~أموالها وخيراتها، وولاء أعوانها بغير رقابة عليه بعد أيام الفاروق ... # فالرجل على نصيب متوسط من العقل يملي له طبع مفطور على الأناة لم تتعجله الحوادث قط، ~~كما تعجلت منافسيه في الحجاز والعراق، وكان ذلك النصيب حسبه من العدة في ذلك النزاع ~~الذي لا سواء فيه بين المصاعب والعقبات من الجانبين. ~~••• # ولو أنه قورن بينه وبين زملائه في سعة الدهاء؛ لكان آخر الأربعة صفا، أو لم يكن على ~~اليقين أول الأربعة قبل عمرو بن العاص على الخصوص؛ فإنه الفارق بينهما كالفارق بين ~~العبقرية والدربة، # 30 # أو بين العقل المشبع بالقوة والحيوية، والعقل الذي قصاراه من الرأي أن ~~يحذر ويتربص، ويتجنب حيثما كان. # كان دهاء عمرو سلاح هجوم ودفاع، وكان دهاء معاوية سلاح دفاع دائم على أحسن الأحوال، ~~وكان هو يجهل موازين الرجحان بين الدهاءين، ويحسب أن اتقاء العواقب هو كل ما يطلبه ~~الداهية من دهائه، كأنما الدهاء سلاح يعمل عمل الدرع، ولا يعمل عمل السيف أو السهم في ~~وقت من الأوقات ... ~~••• # سأل معاوية عمرو بن العاص: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه، قال ~~معاوية: لكنني ما دخلت في شيء قط وأردت الخروج منه! # ولم يكن عمرو ليقتحم المخاطر على الرغم منه ثم يبحث عن مخارج النجاة منها، ولكنه ~~يقتحم الخطر ويقول غير مرة: «عليكم بكل مزلقة # 31 # مهلكة ...» لأنه كان على ثقة بدهائه كلما ثاب إليه، وعلى وفاء لطبيعة ~~الإقدام والاقتحام التي تقترن بالعبقرية ودوافع القوة والحيوية، وليس من عزم الأمور ~~دهاء لا يندفع بصاحبه في المضمار، ولا يرجى من نفعه قط إلا أنه لجام. # ولا نكران - بعد - لدهاء معاوية على هذا التقدير، وإنما قصاراه من هذا التقدير أنه لم ~~يضيع الفرصة التي سنحت له، وأنه صبر في انتظارها وأطال الصبر غير متعجل لها قبل ~~أوانها، وقد كان ذلك حسبه فيما توخاه ... # | الحلم # اشتهر معاوية بعد الدهاء بالحلم، وأجمع مؤرخوه من مادحيه على وصفه بهاتين الصفتين، ~~وقد أفرد ابن أبي الدنيا ms040 وأبو بكر بن عاصم تصنيفا في حلمه، وقال قبيصة بن جابر: ~~«صحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه.» وردد ~~المؤرخون كلمة قبيصة هذه وزادوا عليها كلمات بمعناه لغيره من عشرائه ورواة ~~أخباره. # ولم يفخر معاوية بصفة كما كان يفخر بحلمه ... كان يفاخر خاصته بالدهاء بينه وبينهم، ~~ولكنه لم يفخر قط بالدهاء علانية كما كان يفخر بالحلم والأناة، ولا غرابة في ذلك من ~~جميع الوجوه، فما من رجل على نصيب من الدهاء يعلن دهاءه ويفخر به، وهو يستطيع أن ~~يخفيه ويموهه بالنصيحة والصراحة، ومن صنع ذلك فهو كالصائد الذي يكشف حبالته للقنيصة، ~~وهي خليقة ألا تقع فيها إذا انكشفت لعينها. # ووجه آخر من وجوه الجهر بالحلم، وتذكير الناس به عند معاوية أنه كان حريصا على ~~التحبب إلى الناس؛ لأنه ينتزع سلطانه ويعلم أن الناس لا ينطوون على الحب لمن ينتزع ~~السلطان، إن لم يكن نخوة وأنفة فحسدا وغيرة، أو إعراضا عن الغاصب إلى من هو أولى ~~بالسلطان في رأي أصحاب هذا الرأي وإقبالا على مستحقه عندهم بغير نزاع. # سئل: «أي الناس أحب إليك؟ قال: أشدهم تحبيبا لي إلى الناس»، وغني عن القول أن الصفح ~~عن المسيء مع القدرة على البطش به من أقرب الوسائل إلى كسب ولائه، وكسب ولاء غيره ممن ~~يسمع بالخبر ويحمده، ولم يكن معاوية ولا شيعته يقصرون في إذاعة كل خبر فيه مأثرة من ~~مآثر العفو والأناة، والبر بكل مسيء من أولئك الذين كانوا يتطاولون عليه بالمساءة في ~~أول عهده بالملك على الخصوص، ولم يكن عدد هؤلاء المسيئين بالقليل ... # كان يقول: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا ~~أواريها بستري، وإساءة أكثر من إحساني. # وكان يقول في مجالسه: «لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.» وسأله بعضهم: كيف ذلك؟ ~~فقال: «كنت إذا شدوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها ...» # وخطب يوما فقال: «والله لا أحسن السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن ms041 منكم إلا ما ~~يستشفي به القائل، فقد جعلت ذلك دبر # 1 # أذني وتحت قدمي ...» # وحد الحلم عنده ألا يكون في العدوان والتطاول مساس بملكه وسلطانه، أغلظ له رجل فأكثر، ~~فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا ~~بيننا وبين ملكنا.» # ووجه آخر غير هذه الوجوه كان من دواعي اللهج عند معاوية بفضيلة الحلم قبل غيرها من ~~الفضائل، التي كان في وسعه أن يلهج بها كالعطاء والتدبير وعلو الهمة، وما إلى ذلك من ~~المناقب التي يسلم له بها الأنصار، ولا يجحدها كثير من الخصوم. # كان الحلم دعاية سياسية في خصومته مع علي بن أبي طالب بما اشتهر به من فضائل الشجاعة ~~والأمانة والتقوى. # كان الحلم صفة من أعز صفات الرئاسة عند الأمة العربية، وما نحسبها غالت قط بمحمدة من ~~محامد الرئاسة مغالاتها بالحلم وقرينه «الحكمة» ... # وربما مدحوا الكرم والشجاعة فأكثروا فى مديحهما إكثارهم فى القول المعاد من قبيل ~~تحصيل الحاصل ... # فأما الحلم فقد كانوا يغالون في الثناء عليه؛ لأنه محمدة يطلبونها في الرؤساء ولا ~~تجري مجرى الصفات المبذولة لسائر المتصفين، ولما اختلف علي ومعاوية لم يكن أحد ينكر ~~على علي شجاعته وتقواه، وسابقته إلى الإسلام وقرابته من رسول الله، فإذا شاء معاوية ~~أن يوازيه بصفة من صفات الرئاسة؛ فتلك هي الحلم دون غيره، ودعواه فيها أنه هو صاحب ~~الرأي والحلم والحزم، وأن عليا صاحب الشجاعة والصلاح، وقد شاعت الموازنة بينهما ~~بهذا المعنى على ألسنة الدعاة من حزب معاوية، وكاد أن يقبلها الناقدون لعلي من حزبه ~~لاشتداده في الحق الذي لا مثنوية فيه، وأمسك معاوية على كل لجاجة في أمر التقوى ~~والصلاح؛ ليقول كلما نافس عليا وابنه الحسن: إن لم أكن خيركم فأنا خيركم ~~لدنياكم. # فالحلم عند معاوية وسيلة من وسائل التحبب إلى الناس، ووسيلة من وسائل الدعاية ~~السياسية يعزز بها حجته، ولا يستطيع أن يفخر بصفة غيرها في مقام المفاضلة بينه وبين ~~الرجل الذي سلم له المنصف والمكابر بفضيلة الشجاعة، وفضيلة التقوى. # لا ms042 جرم كان في أخبار حلمه إفراط ومجاوزة للمألوف من أمثاله، وكان من أهله من يثور ~~لإفراطه هذا، ويحس الهوان في عزته لما يحتمله صاحب الأمر كله في دولتهم من الجرأة ~~عليه وعليهم، وكان يزيد - ابنه وولي عهده - أشد هؤلاء الثائرين سخطا على أبيه، يقول ~~له كلما راجعه: «أخاف أن يعد ذلك منك ضعفا وجبنا ...» فيقول له: «أي بني! إنه لا يكون ~~مع الحلم ندامة ولا مذمة، فامض لشأنك ودعني ورأيي.» # وقد يعزى غضب يزيد من ذلك الحلم «المفرط» إلى سورة # 2 # الشباب، وحب الاستطالة # 3 # بالعزة والسؤدد على عادة أترابه وأنداده، ولكن الرأي بين آل بيته ~~«المحنكين» أنه كان يبالغ في احتمال الأذى والصبر على المساءة، وكان رجل في حنكة عبد ~~الملك بن مروان يسمي ذلك منه دهانا، كما قال في بعض خطبه: «ما أنا بالخليفة المستضعف ~~يعني عثمان، وما أنا بالخليفة المداهن يعني معاوية، وما أنا بالخليفة المأفون يعني ~~يزيد.» # ومما يدل على أن الفخر بالحلم دخل في دعاية الخصومة بين معاوية وعلي خاصة؛ أننا لا ~~نسمع به بعد تأسيس الدولة، ولا يفخر به أحد من الأمويين غير الفرع المؤسس لدولتهم في ~~إبان النزاع الأول على الخلافة. # فالمعلوم أن بني أمية فرعان: فرع حرب، وفرع أبي العاص. وإلى حرب ينتمي أبو سفيان ~~وابنه معاوية، وإلى أبي العاص ينتمي مروان بن الحكم ومن خلفه من ذريته، وفي مقدمتهم ~~ابنه عبد الملك وحفيده سليمان بن عبد الملك. ~~••• # فالمفاخرة بالحلم إنما كانت تجري على لسان معاوية، ولم تجر بعده على لسان المروانيين ~~حين تأسست الدولة الأموية، واستغنى القائمون بها عن مقابلة فضائل علي بن أبي طالب ~~بفضائل «سياسية» يرجحون بها أنفسهم في ميزان الخصومة. # كان معاوية يقول: إذا لم يكن الأموي حليما، فقد فارق أصله وخالف آباءه ... # وكان يقول: «يا بني أمية! فارقوا قريشا بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في ~~الجاهلية فيوسعني شتما وأوسعه حلما، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدني وأثور ~~به فيثور معي، وما وضع الحلم عن شريف ms043 شرفه، ولا زاده إلا كرما.» # وكان المتقربون إليه يذكرونه حلم أبي سفيان إذا أنكروا منه سورة النقمة والغضب، وقيل ~~له بعد مقتل حجر بن عدي: أين غاب عنكم حلم أبي سفيان؟ فكان يقول: حيث غاب عني حلماء ~~قومي، وحملني ابن سمية فاحتملت، وقال للسيدة عائشة حين سألته مثل هذا السؤال: لم يكن ~~معي رشيد ... # ولا شك أن معاوية قد أقام فخره بالحلم على سمعة قديمة في بيته بين بيوت بني أمية؛ لأن ~~هذا الفخر لا يخلق بين يوم وليلة في البلاد العربية، التي تذكر وراثاتها وتعيدها ~~ولا تخاطب بها من يجهلها، ومن المشهور أن حرب بن أمية أصلح بين قريش وهوازن في حرب ~~الفجار الثانية بعد اقتتال يسير، وأن ابنه سفيان كان يتأنى، ولا يتهجم في خصومات ~~الجاهلية وخصومات الإسلام، ولا يمتنع مع هذا كله أن يكون الفخر بالحلم من دعايته ~~السياسية عند تأسيس الدولة، والحاجة إليه في المفاضلة بين المتنازعين بمناقب الحكم ~~والرئاسة، وقد سكت عنه الأمويون على عهد الفرع الآخر منهم وهو فرع المروانية؛ لأنهم ~~لم يحتاجوا إليه في منازعاتهم، بل كان منهم من يفخر بالفتك، ويسرع إلى الغضب ويرهب ~~المخالفين له بسرعة البادرة إليه. # والوقائع بعد أصدق من إطراء المادح وغمز القادح، فإنها قد تمتزج بالكذب عمدا أو على ~~غير عمد، ولكنها في كثير من الأحوال تنقض كلام قائلها إذا عرضت على التمحيص # 4 # والتحليل، فيسوقها للمدح وهي منطوية على دخيلة تبطل مديحه المقصود، أو ~~يسوقها للقدح وما تنطوي عليه آية من آيات الثناء والمديح. # والوقائع التي رويت عن حلم معاوية متواترة متكررة، تتفق فيها الكلمات أحيانا ويختلف ~~فيها القائلون والرواة، أو يتفق فيها هؤلاء جميعا بغير اختلاف كبير، وهكذا معظم ~~الوقائع التي رويت عن أعلام ذلك الجيل وما بعده، فلا بد فيها من حساب للمبالغة، وحساب ~~للترجيح والتصحيح بالمقارنة والمضاهاة. # 5 # وليست كل هذه الوقائع - مع ذلك - بصالحة للاستدلال بها على حلم معاوية، ولو بعد ~~ثبوتها باختلاف أو بغير اختلاف. # فمنها ما تعرض فيه للإساءة مستدعيا ms044 لها مستعدا لها في مجال التبسط والمزاح، ~~والعالم الإسلامي لم يتعود بعد طغيان الملك، ولم يتعود ملوكه أن يسوموا الناس الصبر ~~على ما يكرهون، ولا يترقبوا منهم رد الكلام بمثله في كل مقام ... # قدم جارية بن قدامة السعدي عليه، فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة، قال: وما عسيت ~~أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا قل، فإن ما شبهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق، ~~ووالله ما معاوية إلا كلبة تعاوي # 6 # الكلاب وما أمية إلا تصغير أمة! # ورويت هذه القصة على رواية أخرى، فقيل: إن معاوية بادره قائلا: «أنت الساعي مع علي ~~بن أبي طالب والموقد النار في شعل - جمع شعلة - تجوس قرى عربية لتسفك دماءهم؟ فقال ~~جارية: يا معاوية، دع عنك عليا فما أبغضنا عليا منذ أحببناه ولا غششناه منذ ~~صحبناه، فقال له معاوية: ويحك يا جارية! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية، لا أم ~~لك! ... قال جارية: أم ما ولدتني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا ... ~~إنك لم تملكنا قسرة ولم تفتتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق فإن وفيت لنا ~~وفينا، وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا # 7 # وأذرعا شدادا، وأسنة حدادا، فإن بسطت إلينا فترا من غدر دلفنا إليك ~~بباع من ختر ... قال معاوية: لا أكثر الله في الناس من أمثالك.» # وما نظن معاوية كان مخاطبا بذلك الخطاب رجلا يوصف في عصرنا هذا بأنه من «آكلي ~~النار»، ثم لا يترقب منه جوابا كجوابه، ولعله كان يرضيه أن يسمع منه تسليما ~~واستكانة، فيطمئن إلى غلبته ورسوخ سلطانه، ولكنه - ولا ريب - لم يغب عن ذهنه أن جارية ~~أهل لأن يسمعه ما سمع، وأن يطرفه بتلك الطرافة اللاذعة التي لا يأباها كثير من الناس، ~~وهي طرافة الجواب السريع المتوقع ممن يحسن رد الكلام بمثله في هذا المقام ... # ومن الجواب المستدعى - أو المستثار - قول خريم بن فاتك، وقد دخل على معاوية مشمرا ~~مئزره، فقال له: «لو كانت هاتان الساقان لامرأة؟» ms045 وكان معاوية عظيم الأليتين يهجى، ~~فيقال فيه: إنه الجاحظ العين العظيم الحاوية # 8 # فما عتم # 9 # خريم أن أجابه قائلا: «في مثل عجيزتك # 10 # يا أمير المؤمنين!» ... # وأشبه بهذا المقام حواره مع الزرقاء بنت عدي خطيبة صفين حين ذكرت في مجلسه بعد سنوات، ~~فأرسل إليها يستدعيها، فقالت للرسول: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار لي فإني لا ~~أذهب، فلما شدوا عليها في الذهاب دخلت المجلس، وفيه : عتبة بن أبي سفيان، والوليد، ~~وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص. فهش لها ورحب بها، ثم سألها: أتدرين فيم بعثت ~~إليك؟ # قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم ... لا يعلم الغيب إلا الله ... # فسكت هنيهة، ثم قال: ألست أنت الراكبة الجمل الأحمر في صفين تحضين الناس بين الصفين ~~على القتال؟ # قالت: نعم! ... # قال: فما حملك على ذلك؟ # قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير، ~~ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. # قال: صدقت، أتحفظين كلامك يومئذ؟ # قالت: لا والله، أنسيته. # قال: لكني أحفظه، ولله أبوك حين تقولين: «أيها الناس! ارعوا وارجعوا، إنكم أصبحتم في ~~فتنة، غشيتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها فتنة عمياء، صماء، ~~بكماء، لا تسمع لناعقها، ولا تسلس لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، والكواكب لا ~~تنير مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد.» # واسترسل في قول الرواة يعيد عليها كلامها إلى أن قال: والله يا زرقاء ... لقد شركت ~~عليا في كل دم سفكه. # قالت: أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك، فمثلك بشر بخير وسر جليسه ... # قال: أويسرك ذلك؟ # قالت: نعم ... # قال معاوية: والله لوفاؤكم بعد موته أعجب إلي من حبكم في حياته، اذكري حاجتك ~~... # قالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي لا أسألن أميرا أعنت عليه أبدا ... # ولكنه على هذا أجزل لها العطاء وأرضاها. # وجاءته بكارة الهلالية بالمدينة، وقد أسنت وغشي # 11 # بصرها، فسلمت وجلست، فرد عليها السلام، وقال: كيف أنت يا خالة؟ # فقالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: ms046 غيرك الدهر، قالت: كذلك هو ذو غير، ومن عاش ~~كبر، ومن مات قبر. # قال عمرو بن العاص: هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: # يا زيد دونك فاحتضر من دارنا # سيفا حساما في التراب دفينا # قد كنت أذخره ليوم كريهة # فاليوم أبرزه الزمان مصونا # وقال مروان: هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: # أترى ابن هند للخلافة مالكا # هيهات! ... ذاك وإن أراد بعيد # منتك نفسك في الخلاء ضلالة # أغراك عمرو - للشقا - وسعيد # وقال سعيد بن العاص: هي والله القائلة: # فالله أخر مدتي فتطاولت # حتى رأيت من الزمان عجائبا # في كل يوم للزمان خطيبهم # بين الجميع لآل أحمد عاتبا # فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين ... وأنا والله قائلة ما قالوا، لا أدفع ~~ذلك بتكذيب، وما خفي عليك مني أكثر، فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين ~~... # فضحك معاوية، وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك، اذكري حاجتك، قالت: أما الآن فلا ... # ويتم الرواة روايتهم فيقولون: إنه قضى حوائجها وردها إلى بلدها ... ~~••• # ولا مخالفة للمعهود في ازدلاف # 12 # المزدلفين لصاحب الأمر بالوقوع في خصمه بمحضر ممن يكره ذلك من خاصة أهله، ~~فإن نجا المزدلف بزلفاه فقد رضي وأرضى، وإن أصيب كما أصاب فليست كل كلمة يزجيها # 13 # الملقي في مجلس الأمير مستحقة من ذلك الأمير أن يشتريها بالثمن الذي ~~يعنته ولا تطيقه دولته في مطلعها، وقد ازدلف إليه الكثيرون فسلموا، وازدلف إليه ~~غيرهم، فأصيبوا بحق لا يمتري # 14 # فيه عربيان يؤمنان بحق الجواب كما يؤمن به سائر العرب، ولا يمتري فيه ~~مسلمان يؤمنان بالحق حيث كان، وأظهره رد العدوان في غير داعية للعدوان. # كان عنده زيد بن عمر بن الخطاب، وأمه بنت علي أم كلثوم، فنال بسر بن أرطأة من الإمام، ~~فما أمهله زيد أن قام إليه فعلاه بالعصا وشج رأسه، فلم يزد معاوية على أن قال لزيد: ~~عمدت إلى شيخ قريش وسيد أهل الشام فضربته؟ ثم التفت إلى بسر، فقال: تشتم عليا على ~~رءوس الناس وهو جده وابن الفاروق، ثم تراه ms047 يصبر على ذلك؟! # وكل أولئك شبيه أن يكون: بسر بن أرطأة قاتل طفلين باليمن لعبيد الله بن عباس ينال من ~~علي في حضرة معاوية، وزيد بن الفاروق لا يشبه أباه إن صبر على ثلب # 15 # جده في مكان حيث كان، ومعاوية يرضى عن سفاهة بسر أن مضت في سبيلها، ولكنه ~~لا يبطش بزيد أن غضب لجده وأصاب السفيه بجريرة سفاهته، ولا تساوي تلك السفاهة أن ~~يشتريها بالنكال الذي تعود عليه اللائمة فيه ولا تعود عليه منه زيادة في ملكه، وكل ~~أولئك - كما أسلفنا - شبيه أن يكون، فلا يحسبه أحد في ذلك العصر من حلم معاوية، بل ~~يحسبه من جبن زيد إن لم يصنع ما صنع بابن أرطأة. # وإن الأشبه بالصدق في جملة تلك الروايات أن معاوية كان يحب هذا الملق، ويحب هذه ~~الاستثارة؛ لأنها تمتعه بذكرى الشدائد التي تخطاها بعد فوات الغاشية، # 16 # وتريحه إلى لقاء خصومه وهم في كنفه ينظرون إليه في مستقر نجاحه وظفره، ~~ولا يضيرونه بقولة يقولونها لا تحول بينه وبين ملكه كما قال ... # وغير بعيد أنه كان يترك جلساءه يتحرشون بذوي اللسن من العلويين ليضحك مما ينالهم كما ~~يفعل ذوو السلطان في كل زمن وكل أمة، فربما كانت سخريتهم بالأنصار أمتع لهم من صد ~~الخصوم، وقد يطلقون بعضهم على بعض؛ ليسخروا منهم جميعا إن لم يكن لهم خصوم يعرضونهم ~~للسخرية طائعين أو كارهين. ~~••• # وقد اجتمع من سجال # 17 # بني هاشم وخصومهم في مجلسه ما ينعقد به سجل خاص في مأثورات الحوار في كل ~~مقام، ويصحح وقوعه في رأينا أنه لو حدث لما أمكن حدوثه على غير ذلك النمط الذي تناقله ~~الرواة. # أناس من ذوي السلطان المحدث يعلمون هوان أقدارهم مع بني هاشم وآل النبي وصفوة قريش، ~~ويلذ لهم أن ينعموا بالسلطان وأن «يجتروا» تلك النعمة حيثما وسعهم اجترارها في حضرة ~~وليهم، وعلى مسمع من السادة الأعلين الذين غلبوا على ذلك السلطان، وإن ولي الأمر نفسه ~~ليحب ذلك ولكنه يعلم أنه مركب غير مأمون، وأن الموتورين إذا ms048 سمعوا ما يكرهون فردوه ~~بمثله فما في وسعه أن يواجه العالم الإسلامي كل يوم بشهيد من آل البيت ... فسبيله أن ~~يصطنع المخالفة لجلسائه، وأن يحذرهم مغبة اللهو بهذه الملهاة، ولا أمان فيها من لسن ~~القوم وأنفتهم التي لم تخذلهم قط في مقام المناظرة والتحدي من زمن قديم، فإن أصيب ~~جلساؤه فعليهم وزر عملهم، وليس لهم أن يطالبوه بالاقتصاص لهم من أمر قد اختاروه على ~~خلاف رأيه، وإن سلم أولئك الجلساء فقد شفوا صدره من أولئك الموتورين. # وتكاد القصص مع بني هاشم في مجلس معاوية تجري كلها على وتيرة واحدة: رجل من آل البيت ~~يدعى إلى المجلس، أو يأتي إليه في أمر من أموره، فيغرى به جليس من الحاشية يتحرش به ~~ويستثيره فيجاب بما هو أهله، ويتغاضب معاوية على الجليس فيلومه إذا بلغ الجدال والمحال # 18 # فصل المقال، وما نرى أن الملهاة كلها كانت مدبرة؛ لكي تنتهي إلى خاتمة ~~أخطر من هذه الخاتمة، وماذا عليهم إذا استطال الموتورون بالمقال وهم يستطيلون ~~بالسلطان؟ ~~••• # إلا أن حديثا واحدا من أحاديث بني هاشم يخالف هذا النمط، ولا يستقيم مع سائر هذه ~~الأحاديث، فلم يكن البادئون به من جلساء معاوية، ولا من آل البيت، ولكن البادئ به ~~معاوية نفسه على نحو لا يشبه طريقته المأثورة من التقية # 19 # والمداراة، وليس فيه نفع له في شأن من شئون الملك، أو خاصة من خواص أمره ~~تستوجب ذلك الحديث. # قيل: إنه تحدث إلى ابن عباس، فقال له: إن في نفسي منكم لحزازات # 20 # يا بني هاشم، وإني لخليق أن أدرك فيكم الثأر وأنفي العار، فإن دماءنا ~~قبلكم وظلامتنا فيكم، فقال له ابن عباس: والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك ~~أسدا مخدرة وأفاعي مطرقة، لا يفثأها كثرة السلاح ولا تعضها نكاية الجراح، يضعون ~~أسيافهم على عواتقهم، ويضربون قدما قدما من ناوأهم ... # إلى أن قال في رواية الرواة: «فلتكونن منهن بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك، وكان ~~أكبر همك سلامة حشاشة نفسك، ولولا طغام من أهل الشام وقوك ms049 بأنفسهم وبذلوا دونك مهجهم ~~... ورفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء ... وما ~~أقول هذا لأصرفك عن عزيمتك، ولا لأزيلك عن معقود نيتك، ولكنها الرحم تعطف عليك، ~~والأواصر توجب صرف النصيحة إليك.» فقال معاوية: لله درك يا بن عباس، ما تكشفت الأيام ~~منك إلا عن سيف صقيل ورأي أصيل، والله لو لم يلد بنو هاشم غيرك لما نقص عددهم ولو لم ~~يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم. ~~••• # وإن دواعي الشك في مثل هذا الحديث لكثيرة، لولا أن التلفيق فيه أعسر من أن يتاح لكل ~~راوية يضع الكلام على كل لسان، ولا يبالي أين موضعه من القائل والمجيب. # فإن كان معاوية قائلا مثل ذلك المقال لأحد من بني هاشم؛ فإنما يقوله لعبد الله بن ~~عباس دون غيره، فإنه حديث داهية يسبر # 21 # به غور داهية يقارنه من بيت خصومه، وإنه مع ذلك قرين تجمعه آصرة القرابة ~~بآل علي، ولا تجمعه بهم آصرة المودة والموافقة جد الموافقة على الوجهة، وقد تخلى ابن ~~عباس عن ولاية ابن أبي طالب، ووقعت بينهما الجفوة التي لم تصلحها حوادث الأيام بعد ~~ذلك، ولا منافسة بين علي وأبنائه في حياته ولا بعد مماته، وإنما المنافسة بينه وبين ~~أعمامه وبني عمومته؛ إنما المنافسة بين اثنين أحدهما ابن عم للنبي هو أبو طالب، ~~والآخر ابن عم للنبي هو العباس ... # وأي فائدة كبرى كان يفيدها معاوية لو سمع من ابن عباس كلمة تفتح الباب للتفرقة بينه ~~وبين سائر الهاشميين العلويين؟ أي فائدة كان يفيدها لو رأى من دهاء ابن عباس أنه يمهد ~~لنفسه عند السلطان الجديد، ولا يزيد على التشفع لغيره من سائر أهل البيت؟ # إن غرابة هذه القصة هي التي ترجحها وتضعف الشك فيها، فإنها إن وقعت لن تقع إلا على ~~غرابتها ... # إنها غريبة من معاوية إلا أن تكون مقصودة لغير ظاهرها مع رجل له ظاهر وباطن يستطلع ~~بهذه المفاجأة، ولا يستطلع بغيرها، وقد يبدو منه ما تنكشف به جلية الموقف بينه وبين ~~سائر بني هاشم، ms050 وكل بني هاشم غير عبد الله بن عباس فظاهرهم وباطنهم لا يختلفان إذا ~~سمعوا مثل ذلك النذير ... # هذا أو تكون نفثة من نفثات الكظم تنطلق منه حيث يقدر الأمان مع رجل يخفي باللسان ما ~~لا يضمره الجنان. ~~••• # وأمثال هذه الردود الخشنة جميعا لم تكن في ذلك العصر مما يستكثر في مناسباتها، وقد ~~سمعها معاوية - أو سمعها جلساؤه معه - متوقعة مستثارة، ولم يتعود الناس يومئذ أبهة ~~الملك وطاعة العبيد للسادة، ولم يتعود الأمير كذلك أن يسوم الناس سكوتا في موضع ~~القول، وإغضاء في موضع الأنفة، وإنما كان الأمير خليفة يتشبه بالخلفاء الراشدين في حق ~~الطاعة، ولم يعد أحد من هؤلاء الخلفاء أن يخاطب إنسانا بما يسوءه، ثم يستكثر عليه ~~أن يجيبه بمثل خطابه، فهذه «هرقلية» لم يتعودها الرعاة ولا الرعايا، ولم يكن في طاقة ~~معاوية أن يروض رعاياه عليها دفعة واحدة، فإذا تمهل فيها آونة بعد آونة، فإنما يكون ~~التمهيل بمثل ذلك الصبر على كره أو على اختيار. # ومن الوقائع التي رويت عنه، وقائع يلتبس فيها الحلم وبطء الغضب وطول الروية والأناة، ~~ومنها ما يتلقى فيه الإساءة أو الوعيد على البعد، ويتسع له الوقت قبل الإجابة عنها ~~بما يروي فيه النظر ويرتضيه. # عدا عبيد لمعاوية على أرض ابن الزبير؛ فكتب إليه ابن الزبير: «أما بعد يا معاوية، إن ~~لم تمنع عبيدك من دخول أرضي وإلا كان لي ولك شأن.» # وقيل: إن معاوية أطلع ابنه يزيد على كتاب ابن الزبير، وسأله: ما ترى؟ فقال له يزيد: ~~لتنفذن إليه جيشا أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه. # فقال: بل عندي يا بني خير من ذلك، وكتب إلى ابن الزبير: # وقفت على كتابك يا ابن حواري # 22 # رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وساءني والله ما ساءك، والدنيا هينة ~~عندي في جنب رضاك، وقد كتبت على نفسي رقيما # 23 # بالأرض والعبيد وأشهدت على ما فيه، ولتضف الأرض إلى أرضك ~~والعبيد إلى عبيدك، والسلام. # فجاءه الجواب من ابن الزبير يقول فيه: «وقفت على كتاب أمير المؤمنين ms051 أطال الله بقاءه، ~~فلا عدم الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام ...» # وأطلع معاوية ابنه على الكتاب الثاني كما أطلعه على الكتاب الأول فأسفر # 24 # وجهه، وأبوه يقول: إذا رميت بهذا الداء فداوه بهذا الدواء. # ومن الإساءات ما لا خطر له؛ لأنه من غير ذي شأن كشأن ابن الزبير، ولكنه يغضب العربي؛ ~~لأنه يمس الحرمات كتشبيب عبد الله بن حسان برملة بنت معاوية إذ قال: # رمل ... هل تذكرين يوم غزال # إذ قطعنا مسيرنا بالتمني # إذ تقولين: عمرك الله هل شي # ء، وإن جل، سوف يسليك عني؟ # فغضب يزيد وأغرى كعب بن جعيل بهجاء الأنصار فأبى، ودله على الأخطل فنظم قصيدته التي ~~يقول منها: # ذهبت قريش بالمكارم كلها # واللؤم تحت عمائم الأنصار # وأوشكت أن تكون فتنة؛ إذ دخل النعمان بن بشير على معاوية محنقا وحسر عن رأسه وهو ~~يقول له: هل ترى يا معاوية لؤما؟ ... فقال: بل كرما وخيرا، فما بالك؟ ... فأعاد عليه ~~أبيات الأخطل وتوعده بأبيات يقول منها: # معاوي إلا تعطنا الحق تعترف # لحى الأزد مشدودا عليها العمائم # أيشتمنا عبد الأراقم # 25 # ضلة # وماذا الذي يجدي عليك الأراقم # فما لي ثأر دون قطع لسانه # فدونك من يرضيه عنك الدراهم # وتنم القصة بما قيل عن طلب معاوية للأخطل، وتهديده إياه بقطع لسانه لولا شفاعة يزيد ~~الذي أغراه بالهجاء. # وفي رواية من هذه الروايات الكثيرة أن التشبيب إنما كان بأخت معاوية، وأن يزيد دخل ~~على أبيه فذكر له قول عبد الرحمن بن حسان: # طال ليلي وبت كالمجنون # ومللت الثواء # 26 # في جيرون # فقال له: وما علينا يا بني من طول ليله وحزنه؟ أبعده الله ... # قال يزيد: وإنه ليقول: # فلذاك اغتربت بالشام حتى # ظن أهلي مرجمات الظنون # فقال أبوه: وما علينا من ظن أهله؟ # قال يزيد: وإنه ليقول: # هي زهراء مثل لؤلؤة الغو # واص ميزت من جوهر مكنون # قال معاوية: صدق يا بني، هي كذلك. # قال يزيد: وإنه ليقول: # ثم خاصرتها إلى القبة الخض # راء تمشي في مرمر مسنون # عن يساري إذا ms052 دخلت إليها # وإذا ما تركتها عن يميني # فضحك معاوية وقال: ولا كل ذاك ... ثم حذر ابنه قائلا: ليس يجب القتل في هذا ولكننا ~~نكفه بالصلة ... # وزعموا في بعض روايات القصتين أن معاوية أرسل في طلب الشاعر، وأبلغه أن هندا أخت ~~رملة تعتب عليه؛ لأنه لا يسويها بأختها، وأراد بذلك أن يشبب الشاعر بهند فيعلم الناس ~~أنه كاذب في كل ما نظم، وأنها أقاويل الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون. # والثابت من كل هذا الحديث بيت الأخطل في هجاء الأنصار، وربما ثبت مثله هجاء الأراقم ~~قوم الأخطل من تغلب، فإذا كان قد دخل في الأمر تشبيب بأخت يزيد أو بعمته؛ فربما هون ~~خطره غضب الأنصار وغضب المسلمين جميعا أن يهجو أنصار النبي شاعر من غير المسلمين، ~~ولو أن المسألة خلصت من هذا الحرج؛ لما جاز قتل الشاعر من جراء لغوه كما قال معاوية، ~~فما كان سفك الدم لمثل هذا القول بالأمر المستباح في صدر الإسلام، وقد مضى بعد هذا ~~الجيل أجيال على سنة الملك العضوض، # 27 # ولم يخطر للمهدي في دولة بني العباس أن يقتل بشارا وهو القائل في أبي ~~جعفر المنصور: # أبا جعفر ما طول عيش بدائم # ولا سالم عما قليل بسالم # كأنك لم تسمع بقتل متوج # عظيم ولم تسمع بفتك الأعاجم # بل هو الذي أفحش في هجاء المهدي وهجاء نساء بيته، وذهب يخبط بالمهايجة والتحريض بين ~~بني أمية وبني العباس، وما استباح المهدي عقابه إلا بتهمة الزندقة والإلحاد، وما أمر ~~إلا بأن يضرب ضرب التلف؛ ليقال في ذلك: إنه إنما أريد به الضرب فمات. # وهذا بشار وذاك عبد الرحمن بن حسان. # ففي وزن الرجال وتمحيص الأخلاق وفهم الطبيعة الإنسانية - أي: فهم الإنسان - لا جدوى ~~من التعويل على ألفاظ الصفات، ولا بد من الرجوع إلى الوقائع وما لها من الأثر الطبيعي ~~في الضمير، وما ينم عليه هذا الأثر من خليقة نفسية أو ملكة عقلية. # وهذه الوقائع التي رويت عن معاوية تبدي لنا منه صفة لا شك فيها، وهي طول الأناة ms053 وبطء ~~الغضب، وليست هي بالصفة التي ترادف الحلم كما يفهم لأول وهلة، إذ كثيرا ما يكون بطء ~~الغضب شيئا «سلبيا» يدل على امتناع الغضب طبعا أو قلة الاستعداد له في الخلقة، ~~ولا تكون الفضيلة أبدا «شيئا سلبيا» قوامه غياب أثر من الآثار النفسية ~~وكفى. # فليس معنى الشجاعة - مثلا - تجرد الطبع من الشعور بالخوف؛ لأن الإنسان الذي يقدم على ~~الخطر وهو لا يشعر به، يندفع اندفاع الجماد ولا فضل له في اندفاع لا يكلفه الغلبة على ~~خوف يساوره في ضميره. ~~••• # وليس معنى الكرم تجرد الطبع من الشعور بقيمة المال أو قيمة المنحة المبذولة؛ لأن من ~~يتصرف في شيء لا قيمة له عنده، كمن يتصرف في التراب والهواء، وما إليهما من مبذول ~~العطاء. # وليس معنى العفة تجرد الطبع من الشعور بالشهوات؛ لأن من لا يشتهي لا يطلب ولا يقاوم ~~الإغراء، ولا تحسب له عفة. # وليس معنى الحلم تجرد الطبع من الشعور بالغضب؛ لأن التجرد من هذا الشعور قد يأتي من ~~بلادة في الطبع وركود في حركة النفس، ومقابلة العوامل الطبيعية بما يناسبها من ~~الانفعال. # وإنما الحلم أن يغضب الإنسان وأن يحكم غضبه بإرادته؛ إيثارا لأمر يفوق الغضب في قيم ~~الأخلاق ... # فمن الحلم أن يأنف الإنسان من الاستسلام للغضب؛ لأنه يرتفع بكرامته أن تصيبها إساءة ~~المسيء. # ومن الحلم أن يصفح الإنسان عن الإساءة؛ إيثارا للخير وعطفا على المسيء كما يعطف ~~الأب الرحيم على الولد الجاهل بما يصنع في حق أبيه. # ومن الحلم أن يقمع الإنسان غضبه؛ لأنه يملك زمام نفسه، ويوازن بين العواقب فيختار ~~أسلمها للناس عامة، وإن يكن أسلمها له في ذات شأنه وشئون ذويه ... # ولا بد من التفرقة هنا بين الحلم إيثارا للنفع القومي، وبين الحلم إيثارا للسلامة ~~وعملا بطبيعة «الأنانية» وحب الذات. # فليس من الحلم أن يضرب الضعيف، فلا يرد الضربة بمثلها؛ لأنه يعلم أنه سيتلقى أضعافها ~~ممن هو أقدر منه وأقوى على إيذائه، وإنما يقال عن هذا: إنه جبن أو رضا من المعتدى ~~عليه بأهون الشرين. # ولا يكون الحلم ms054 أبدا عجزا عن مجاراة الغضب أو امتناعا للشعور به؛ لأن الفضيلة لا ~~تقوم على عجز أو امتناع، ولكنها تقوم على إرادة تملك الاختيار بين الخطتين ... ~~••• # وجملة القول في هذه الصفة أن الحليم هو الذي يملك الغضب ولا يملكه الغضب، وكلما اشتد ~~الغضب واشتدت القدرة عليه؛ كان ذلك أبين عن الحلم وأدل عليه، وكلما ارتفع السبب الذي ~~من أجله يتغلب الحليم على غضبه كان ذلك أرفع لقدره، وأرجح لوزنه في ميزان الفضيلة، ~~فمن يحسم الغضب حرصا على منافع الناس أحلم وأكرم ممن يحسم الغضب حرصا على منافعه ~~العاجلة أو الآجلة؛ ومن يحسم الغضب لأنه يشمل الناس بحبه وعطفه أحلم وأكرم ممن يحسم ~~الغضب؛ لأنه يحب نفسه ويقدم حبها على كل حب لغيره. # ومن كلام حكماء العرب وبلغائهم نستشف # 28 # فطنتهم لحقيقة هذه الفضيلة، فهي فضيلة المريد المختار المالك لزمام ~~الأمرين، كما قال ابن خليفة مولى قيس بن ثعلبة يمدح قوما من آل شيبان: # عليهم وقار الحلم حتى كأنما # وليدهم من أجل هيبته كهل # إن استجهلوا لم يعزب # 29 # الحلم عنهم # وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل # أو كما قال النابغة الجعدي: # ولا خير في حلم إذا لم يكن له # بوادر # 30 # تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل إذا لم يكن له # حليم متى ما أورد الأمر أصدرا # ومن كلام الأحنف بن قيس - أحد مشاهيرهم بالحلم: «رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد ~~منه.» # وكان من حلمه أنه يصفح عن المسيء، وإن ظن به الذل ويقول: «ما أحب أن لي بنصيبي من ~~الذل حمر النعم.» # 31 ~~... فلما قيل له: كيف وأنت أعز العرب؟ ... قال: «إن الناس يرون الحلم ذلا ~~...» # وهو القائل: «لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان ...» # وسألوه: ما الحلم؟ ... فقال: «قول إن لم يكن فعل، وصمت إن ضر قول ...» ~~••• # وروى العقد الفريد أن هشام بن عبد الملك سأل خالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف ما ~~بلغ؟ فقال: إن شئت أخبرتك بخلة، وإن شئت بخلتين، وإن ms055 شئت بثلاث ... # قال: فما الخلة؟ # قال: كان أقوى الناس على نفسه. # ثم قال عن الخلتين: إنه كان موقى الشر ملقى الخير، وعن الثلاث: إنه كان لا يجهل ولا ~~يبغي ولا يبخل. # وأستاذ الأحنف في الحلم قيس بن عاصم المنقري كان مشهورا بالإقدام كشهرته بالحلم ~~والإغضاء عن الذنب كبيره وصغيره، وبلغ من حلمه أنه صفح عن ابن أخيه الذي قتل ابنه، ~~وقد أوثقه من ود أن يبطش به لساعته، فما زاد على أن قال له مؤنبا: «بئس ما فعلت، ~~نقصت عددك، وخنت عشيرتك، وأسقطت مروءتك، وأشمت عدوك، وأسأت قومك ... وأنت الذي كنا نرجو ~~لعظائم الأمور.» ثم واسى زوجته أم القتيل وأجزل لها الدية من ماله، وحسم بذلك شرا ~~مستطيرا في القبيلة لا يجعله عنده أخطر من شر الثكل إلا الحلم الراجح، والقلب ~~الكبير، والنظر البعيد. ~~••• # ويمر بنا مثل من الأمثلة الصالحة لتقويم الروايات، ورواتها بصدد الأخبار التي نقلها ~~صاحب العقد الفريد عن الحلم والحلماء، ومنهم الأحنف ومعاوية ... # فابن عبد ربه ينقل لنا أن الأحنف سئل: من أحلم ... أنت أم معاوية؟ فقال: تالله ما رأيت ~~أجهل منكم، إن معاوية يقدر فيحلم وأنا أحلم ولا أقدر، فكيف أقاس عليه أو ~~أدانيه؟ # فإذا سمع السامع المتعجل هذا فحري أن يتقرر لديه رجحان معاوية في الحلم بشهادة الرجل ~~الذي يضرب به المثل في حلمه، وأي شهادة عسى أن تكون أصدق من هذه الشهادة؟! # وما هي إلا معاودة لحظة في السؤال والجواب حتى يتقرر على خلاف ما تقدم أن السؤال كان ~~لا يحتمل جوابا غير ذلك الجواب، لو أنه سؤال ما كان ينبغي أن يتوجه للأحنف، ويترقب ~~سائله أن يقول له: بل أنا أحلم من معاوية! ... وقد كان الأحنف خاصة يرى من عرف الحلم أن ~~يستصغره، وأن يقول عن نفسه كما نقل صاحب العقد قبل ذلك بسطر واحد: لست حليما ولكنني ~~أتحالم. ~~••• # ولو أن الأحنف قال برأيه ذاك اعتقادا ولم يقل به تواضعا أو تحالما؛ لكان على خطأ ~~لا يخفى عند النظرة اليسيرة في أسباب تفضيله ms056 معاوية على نفسه ... فما هي القدرة التي ~~كانت مطلوبة من الأحنف في مقامه؟ لقد كان يكفيه أن يقدر على كلمة لا يعجز عنها أحد، ~~وكان يكفيه أن يمسك تلك الكلمة فيكون أقوى الناس على نفسه كما وصفه خالد بن صفوان، ~~وأما الملوك فالمطلوب منهم أعمال لا يقدرون عليها في كل وقت ولا مع كل أحد، إلا أن ~~يكون المقصود بالقدرة طياشة جامحة تخبط ما تشاء بغير مبالاة، وليس قصارى الحليم أنه ~~غير الطياش وغير الخابط الذي لا ينظر إلى عقباه. # ويوزن الراوي في روايته هذه، فلا نجهل موقع الهوى فيما يشاع عن حلم معاوية، ويسر ~~انتقال الإشاعة من قائل إلى قائل ومن ناقل إلى ناقل، فما في هوى الأندلسيين لبني أمية ~~من خفاء ودولتهم الأولى أموية في أساسها. وابن عبد ربه نفسه حفيد لسالم القرطبي مولى ~~هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وأقل ما يقال في ~~نقل ابن عبد ربه لكلمة الأحنف أنها تزكية لرأس الدولة الأموية رحب بها ووافقت ~~هواه. # ونعود إلى تاريخ معاوية فيما قاله وفيما سكت عن قوله منذ نشأته الأولى، فلا نجد فيه ~~أثرا واحدا لطبيعة الغضب التي تمتحن بها فضيلة الحلم كما امتحنت في نفس الرجل ~~الحزين في صدمة الثكل، وهو المقتحم المغوار في الجاهلية والإسلام. # ونخال أن التاريخ لم يحفظ لنا غير حادث واحد يفتح لنا مغاليق هذه الخليقة في طوية ~~الرجل، فإنها في الحق لغز لا يكفي لحله مجرد القول بالحلم أو الغضب المكبوت أو بطول ~~الأناة، وإنما يحله علم النفس الحديث على النحو الوحيد الذي يعطينا منه معنى مفهوما ~~على وجه من الوجوه ... # ذلك الحادث هو مقتل حجر بن عدي وأصحابه لغير ضرورة عاجلة، ولا مصلحة آجلة، فما كان له ~~من خطب غير أنه واحد من أولئك الذين قال فيهم معاوية: إنه لا يحول بينهم وبين ~~ألسنتهم؛ لأنهم لا يحولون بين بني أمية وملكهم، فإن كان لا بد من إسكاته فقد يسكته أن ~~يحملوه ms057 إلى مكان لا يلقى فيه من يستمع إليه. ~~••• # قال ابن الأثير بعد أقاويل شتى: «إن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، ~~فقال له حجر بن عدي: الصلاة! ... فمضى في خطبته ... فقال: الصلاة! ... فمضى في خطبته ... فلما ~~خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى، وقام إلى الصلاة، وقام الناس معه، ~~فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس، وكتب إلى معاوية وكثر عليه، فكتب إليه معاوية ~~ليشده بالحديد ويرسل إليه، فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا، ولكن ~~سمعا وطاعة ، فشد في الحديد وحمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا ~~أمير المؤمنين، فقال معاوية: أأمير المؤمنين أنا؟ ... والله لا أقيلك # 32 # ولا أستقيلك # 33 ~~... أخرجوه فاضربوا عنقه، فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ~~ركعتين، فقالوا: صل، فصلى ركعتين خفف فيهما، ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي ~~أردت لأطلتهما، وقال لمن حضر من قومه: والله لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني ~~دما، فإني لاق معاوية غدا على الجادة، وضربت عنقه.» # ودهش الناس لهذه المقتلة الجزاف، واهتز لها العالم الإسلامي هزة عنيفة أورثته مبغضة ~~لدولة بني أمية من تلك المبغضات التي كمنت وطالت حتى نسيت أسبابها وبقيت نوازعها، ~~وظل شبح الشهيد الوقور يساور معاوية إلى يوم وفاته، فجاء في رواية ابن سيرين: «إن ~~معاوية لما حضرته الوفاة، جعل يقول: يومي منك يا حجر طويل.» # ولا يحاط بعوارض الفزع التي ألمت بالعالم الإسلامي من جراء هذه المقتلة الباغية، ~~ولكنها قد تتمثل في عارض واحد يدل على كثير، فإن الخبر الذي ذاع عن تسيير حجر وأصحابه ~~إلى دمشق لم يكد يصل إلى السيدة عائشة بالحجاز حتى أوفدت عبد الرحمن بن الحارث يتشفع ~~فيه وفي صحبه، وهي لا تنسى أن أعوان معاوية قتلوا أخاها محمدا شر قتلة، ولا يخفى ~~عليها غلو حجر وأصحابه في حب علي وشيعته، وبينها وبين العلويين من الجفوة ما هو ~~معلوم. # وقد فات معاوية كل عذر ms058 في هذه المقتلة حتى ما كان من عذر واه كعذر ابنه يزيد في ~~مقتلة الحسين، فإن يزيد قد أحال الذنب على عبيد الله بن زياد، وانعكست الآية في أمر ~~معاوية وحجر، فكان زياد هو الذي نفض يديه من وزر هؤلاء الشهداء وألقاه على مولاه، ~~وضاق مولاه بانتحال المعذرة بعد حين، فكان جوابه لسائليه مما يخجل الطفل بين الصغار ~~فضلا عن العاهل بين الساسة وفي ذمة التاريخ ... قال له عبد الرحمن بن الحارث: أين غاب ~~عنك حلم أبي سفيان؟ ... فقال: حين غاب عني مثلك من حلماء قومي ... وحملني ابن سمية ~~فاحتملت ... وسألته السيدة عائشة تقول: لولا أنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ~~ما هو أشد منه؛ لغيرنا مقتل حجر ... أما والله إن كان لمسلما حجاجا معتمرا، وكان ~~الحسن البصري الزاهد المعروف يقول: أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا ~~واحدة؛ لكانت موبقة، # 34 # ثم أحصاها وذكر منها مقتل حجر: «فيا ويلا له من حجر، يا ويلا له من ~~حجر، يا ويلا له من أصحاب حجر.» # وفي رثاء حجر تقول هند بنت زيد الأنصارية: # تجبرت الجبابر بعد حجر # وطاب لها الخورنق # 35 # والسدير # فإن يهلك فكل زعيم قوم # من الدنيا إلى هلك يصير # ومعذرة معاوية هذه خليقة أن تدعونا إلى تصديق الوصية، التي أوصاه بها أبوه حين سافر ~~إلى الشام، فقد يستكثر على معاوية أن يؤمر بمراجعة أبيه في كل كبيرة وصغيرة قبل أن ~~يحدث بينه وبين أحد أمرا في خصومة أو قطيعة، وقد يستكثر عليه أن يصفعه صافع، فلا ~~يقتص لنفسه حتى يسأل أباه ويترقب الجواب منه، فإذا كان الرجل يرتضي من معاذيره أن ~~يقوده ابن سمية فينقاد؛ لأنه لم يجد حوله رجلا رشيدا، فليس بالكثير أن يؤمر بمراجعة ~~أبيه في شتم شاتم وضرب ضارب، وهو في مقتبل الشباب قبل الولاية وقبل الخلافة. # ولسنا نفهم من ذلك أن معاوية كان في حكم القاصر في شبابه وكهولته، ولكننا نفهم أن ~~أباه كان يعرفه، وكان يعرف أنه ms059 لا يحتكم إلى طبيعة تغضب من الأمور بمقاديرها. # حدث صاحب العقد الفريد في الجزء الأول عن أبي حاتم عن العتبي قال: «قدم معاوية من ~~الشام وعمرو بن العاص من مصر على عمر بن الخطاب، فأقعدهما بين يديه وجعل يسائلهما عن ~~أعمالهما إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية، فقال له معاوية: أعملي تعيب وإلي ~~تقصد؟! هلم تخبر أمير المؤمنين عن عملي وأخبره عن عملك، قال عمرو: فعلمت أنه بعملي ~~أبصر مني بعمله، وأن عمر لا يدع أول هذا الحديث حتى يصير إلى آخره، فأردت أن أفعل ~~شيئا أشغل به عمر عن ذلك، فرفعت يدي فلطمت معاوية، فقال معاوية: إن أبي أمرني ألا ~~أقضي أمرا دونه، فأرسل عمر إلى أبي سفيان، فلما أتاه ألقى له وسادة، وقال: قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، ثم قص عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية، ~~فقال: لهذا بعثت إلي؟ أخوه وابن عمه، وقد أتى غير كبير، وقد وهبت ذلك له.» # وصاحب العقد - على هواه الأموي - يسوق هذه القصة في سياق الثناء، ولسنا نفهم من ذلك ~~أن أباه كان يعرف، وكان يعرف أنه لا يحتكم إلى طبيعة تغضب من الأمور بمقاديرها، وأنه ~~إذا غضب يتغاضب بالرأي والاختيار فيخطئه التقدير. # وموقفه مع حجر وأصحابه ظاهرة نفسية معهودة في الطبائع التي تصدم، فتقبل الصدمة ~~وتحذر من الاندفاع، ولكنها إذا تركت بلا صدمة تردها لم تعرف حدود الارتداد، ولا تأبى ~~أن تستسلم للاندفاع. # تلك الظاهرة من مورثات طبيعة المطاردة في الإنسان وفي الحيوان أو السبع من قبله ... فقد ~~علم المراقبون لطبائع الحيوان أن المطاردة عنده تقوم على حركات متتابعة، ولا تقوم على ~~حركة واحدة، فإذا لمح الحيوان من خصمه أنه يجفل منه أخذ في الهجوم، وإذا عدا خصمه ~~أمامه أخذ في العدو وراءه، وإذا أدركه ولم يجد منه مقاومة تمادى في صرعه وافتراسه، ~~ولعله لو وقف أمامه رابط الجأش من مبدأ الأمر لم تتنبه فيه حركة الهجوم، فحركة ~~المطاردة، فحركة اللحاق والافتراس، وعرف ms060 صادة الأسود - وهي أخطر السباع - أنها تتردد ~~إذا واجهها الإنسان ثابت النظر، راسخ القدمين. ~~••• # وقد دخل حجر على معاوية، ومعاوية ينتظر منه صدمة يتبعها حذر فانتباه لواجب الحلم ~~والأناة، فلما دخل حجر محييا له بالإمارة وزال الحاجز الأول؛ زالت معه الحواجز ~~الأخريات، ولم يعلم الرجل أين يكون الوقوف ... # ونظن أن هذه الخليقة قد أوشكت أن تبرز في طوية معاوية من وعيه الباطن إلى وعيه ~~الظاهر، ومن ذاك قوله: «إذا شد الناس شعرة أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها.» أو قوله: ~~«إذا طرتم وقعنا، وإذا وقعتم طرنا.» أو قوله لزياد: «كن أنت للشدة ولأكن أنا ~~للين.» # فهو يتلقى وحي طبيعته من الصدمة التي تلقاه، فإن لم تكن صدمة فهناك الحيرة التي لا ~~تخرجه منها طبيعة تلوذ بالغضب على قدرة، فلا تقف حيث ينبغي لها الوقوف، ولو كان للغضب ~~عنده أثره المطبوع لانتظر الناس حلمه حيث يغضبون، وانتظروا غضبه حيث يحلمون، وكثير من ~~أمثال هذه الخليقة تلقاه بيننا كل يوم، فيقول القائل عن الرجل من أصحابها لو أنك شددت ~~عليه لأرضاك وحمدت أثر الشدة عليه! # ويستدعينا ختام هذا الفصل تفرقة أخرى كالتفرقة بين الحلم وامتناع الغضب، وهي التفرقة ~~بين الطموح إلى الزعامة والصولة، والطموح إلى الشرف الاجتماعي والوجاهة ~~السياسية. # فالطموح إلى الزعامة والصولة مزاج حيوي يدخل في تركيب البنية، ويدفع صاحبه كما تدفعه ~~وظائف الجسد، فلا يستريح أو يقود الأمم قيادة الزعامة، ويصول بعظمة الرئاسة والعلو ~~على الأقران والأتباع. # والطموح إلى الشرف الاجتماعي تقليد من تقاليد المجتمع يحرص عليه من توارثوه حرصهم على ~~الحطام، وبسطة العيش ووجاهة الأسرة والبيت، ويغلب عليه أن يكون تراثا متخلفا من ~~الآباء للأبناء يغض من الأبناء أن يتخلوا عنه، ويروا غيرهم في مكانه. # ولا يلزم من الطموح إلى الشرف الاجتماعي أن يكون صاحبه مطبوعا على الصولة والعلو، ~~وطلب الطاعة والخضوع، وقد يلجأ صاحبه إلى المداورة واللين والخضوع لهذا والمصانعة ~~لذاك؛ ليحتفظ بالتراث الذي صار إليه أو يرجو أن يصير إليه. ~~••• # ونحن في قرانا نشهد المثال على كل من النموذجين ms061 في كل قرية وكل إقليم، فبينا يستميت ~~«بيت العمدة» في استبقاء وجاهته، ويلين من أجل ذلك للحاكم وصاحب الأمر وأعوانه على ~~المكانة الموروثة، ينهض رجل آخر مطبوع على الأنفة والصولة، فيستطيل على تلك المكانة، ~~وينازع في تلك الوجاهة، ولا يستريح إلا إذا أمر وتحدى وملك زمام العزة بالمقال ~~والفعال ... # وبنو أمية عامة، ومعاوية خاصة من أصحاب «المظهر الاجتماعي»، وليس فيهم غير القليل ~~النادر من أصحاب الطموح إلى الزعامة والصولة، كما تكون في بنية المزاج وتركيب الخلق ~~والجسد، وقد صبر معاوية على ألوان من الخضوع في طلب وجاهته السياسية لا يصبر عليها ~~كثير من عامة الناس؛ لأنه يطلب تلك الوجاهة بتقليد وراثي، ولا يطلبها بنزعة غلابة في ~~الطبيعة والتكوين. # واحتاج أن يقول مرة كما جاء في الطبري مسندا إلى سعيد بن سويد: «ما قاتلتكم لتصوموا، ~~ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم ~~لأتأمر عليكم.» # وهي قولة لم يقلها أحد غيره من المطبوعين على الصولة والزعامة؛ لأنهم لا يحتاجون ~~إليها؛ ولكنه قالها لأنها جثمت على صدره لطول ما صبر على مجابهة هذا ومصانعة ذاك، ~~وتذكير المذكرين إياه أنه لم يملكهم عنوة ولا فتحا، بل ملكهم المشارطة والاتفاق ... ~~فنفس عن صدره بتلك الكلمة، ولم يحدث من غيره أنه شعر بالحاجة إلى تنفيس كذلك ~~التنفيس. ~~••• # لقد كان في الرجل مشابهة للجمل الصبور، ولم تكن فيه مشابهة للأسد الهصور # 36 ~~... # كان يصفح لأنه لا يغضب، وكان يحمل على كاهله، وفي طوايا نفسه ما ينوء # 37 # غيره بحمله، وكان يصبر الصبر الطويل على بلوغ الجاه حيث لا يطاق هذا ~~الصبر مع نزوع الطبيعة السوارة # 38 # إلى الزعامة والصولة. # كان حلمه امتناع غضب، وكانت همته تقليد وراثة وحلية وجاهة ... وقد قال مرة أو مرات: «إن ~~السلطان يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد ...» # ولكنه حين غضب غضبته الآبدة في مقتل حجر وصحبه لم يغضب غضب الصبي وحسب، بل التمس ~~العذر، مجفلا من غضبته، فلم يفتح عليه بغير عذر الصبي بين يدي ms062 الفقيه. # | خليقة أموية # تميزت لبني أمية في الجاهلية وصدر الإسلام خلائق عامة يوشك أن تسمى - لعمومها بينهم - ~~خلائق أموية، وهي تقابل ما نسميه في عصرنا بالخلائق الدنيوية أو النفعية، ويراد بها ~~أن المرء يؤثر لنفسه ولذويه، ولا يؤثر عليها وعليهم في مواطن الإيثار. # وهذه الخلائق أعون لنا على التعريف بمعاوية من الخلائق التي ينسبها إليه المادحون ~~والقادحون؛ لأن المادحين والقادحين قد يصدرون عن غرض، وقد ينوون الصدق، ولكنهم يخطئون ~~في أمر الرجل الواحد، أما الأخلاق التي تعم قبيلا بأسره في أجيال متتابعة، فهي أصعب ~~تلفيقا على الملفقين، وأصعب خطأ على المخطئين، فإن الإجماع على الخطأ نادر في أخبار ~~الناس كالإجماع على الصواب. # وهذه الخلائق الأموية دنيوية نفعية كما قدمنا، تميل بالمتخلقين بها إلى مناعم الحياة، ~~وتحبب إليهم العيش الرغد والمنزل الوثير، # 1 # وتغريهم بالنعم واللذات يغدقونها على أنفسهم وعلى الأقربين، فهي عندهم ~~قسطاس البر بمن يحبون كما يحبون. # وقد عرف خيارهم، دينا وصلاحا، بهذه الخلائق الأموية كما عرف بها كثيرون منهم لم ~~يشتهروا بدين ولا صلاح. # فما عرف من بني أمية أحد أصلح من عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، ~~وما تكلم متكلم عن هذين العلمين الرفيعين من بني أمية، فاستطاع أن يسكت عما طبعا ~~عليه من حب النعمة، ووجاهة الدنيا على أحسن ما يروى عن الأمويين. # كان عثمان - رضي الله عنه - يقول عن نفسه، كما جاء في كتاب الرياض النضرة: «كنت رجلا مستهترا # 2 # بالنساء.» وكان استهتاره بهن أن يكثر من الزواج ... # وحب عثمان لاتخاذ المباني والعمائر مشهور، وحبه لاختصاص ذوي قرباه وإغداق النعمة ~~عليهم مشهور كذلك، وكله مما أحصاه عليه الثائرون، ووجدوا فيه متسعا للتزيد ~~والادعاء. # وعاش بعد الإسلام محبا للطعام الدسم والصحاف المنتقاة، فحدث عمرو بن أمية الضمري ~~عنه قال: «إني كنت أتعشى مع عثمان خزيرة من طبخ من أجود ما رأيت، فيها بطون الغنم، ~~وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان: كيف ترى هذا الطعام؟ ... فقلت: هذا أطيب ما أكلت ~~قط، فقال: يرحم الله ms063 ابن الخطاب، أكلت معه هذه الخزيرة قط؟ قلت: نعم، فكادت اللقمة ~~تفرث من يدي حين أهوى بها إلى فمي، وليس فيها لحم، وكأن أدمها السمن ولا لبن فيها، ~~فقال عثمان: صدقت! إن عمر - رضي الله عنه - أتعب والله من اتبع أثره، وإنه كان يطلب ~~بثنيه - أي: منعه - عن هذه الأمور ظلفا - أي: غلظة - في المعيشة، ثم قال: أما والله ~~ما آكله من مال المسلمين ولكني آكله من مالي، وأنت تعلم أني كنت أكثر قريش مالا ~~وأجدهم في التجارة، ولم أزل آكل الطعام ما لان منه، وقد بلغت سنا، فأحب الطعام ~~إلي ألينه.» # وقد كان عثمان أسرع قومه إلى الإسلام لأسباب بيناها في كتابنا «ذو النورين» ... وإنما ~~حسب له الإسراع إلى الإسلام، حيث حسب الإبطاء والتقاعد عنه للأكثرين من بني أمية، ~~على ديدنهم في كل دعوة من دعوات المثل العليا، أو دعوات الأريحية والإيثار، ولا موضع ~~هنا للإطالة في نقل أخبار المنافرات والمفاخرات التي تلم بهذا المعنى، ولكننا نجملها ~~جميعا في موقف القوم من حلف الفضول، وهو مشروح بتفصيلاته التي لا يشك فيها من يشكون ~~في تلك المنافرات والمفاخرات، فقد ظلم رجل في جوار الحرم، وباع بضاعة لواه بحقها من ~~اشتراها، فاستغاث بذوي المروءة وقام على شرف # 3 # من الأرض يعلن شكواه، فاجتمع بنو هاشم، وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تيم ~~على إنصافه وإنصاف كل مظلوم مثله، فلا يظلم بمكة غريب، ولا قريب، ولا حر، ولا عبد، ~~إلا كانوا معه حتى يأخذوا بحقه من أنفسهم ومن غيرهم، وعمدوا إلى ماء من زمزم، فجعلوه ~~في جفنة # 4 # وبعثوا به إلى البيت فغسلت به أركانه وشربوه، ولم يدخل في هذا الحلف أحد ~~من أمية وبني عبد شمس، بل كان الرجل منهم يود أن يدخله فيخشى أن يحسب خارجا على ~~قومه، وقال أحدهم (عتبة بن ربيعة): لو أن رجلا وحده خرج على قومه لخرجت من عبد شمس ~~حتى أدخل حلف الفضول. ~~••• # وهذه الخلائق الأموية وضحت في الجاهلية وصدر الإسلام وضوحا لا لبس فيه قبل ms064 أن تلتبس ~~الأنساب، ويكثر الزواج من غير العشيرة، والبناء بالجواري من الروم والفرس والترك ~~والبربر، ولكنها ظلت أموية حيث تغلب الأموية في الدم والنشأة والقدوة والجوار. # فعمر بن عبد العزيز - أشبه الملوك في دولة بني أمية بالخلفاء الراشدين - كان كما جاء ~~في أسانيد ابن الجوزي: «رأيته في المدينة وهو أحسن الناس لباسا، ومن أطيب الناس ~~ريحا، ومن أخيل # 5 # الناس في مشيته، ثم رأيته بعد ذلك يمشي مشية الرهبان.» # واتفق الرواة، كابن عبد الحكم والأصفهاني وابن الجوزي في أطراف من أسانيده، أنه كان ~~يتطيب في شبابه، فينتظر الناس ثيابه عند الغسال ليغسل لهم في موضعها، وأنه كان يرجل ~~شعره ويتبختر في مشيته حتى عرفت له مشية عمرية يحكيها الفتيان والفتيات، وكان يتختم ~~بالجواهر ويلبس الإزار بمائة دينار، ولا يرى مرتين في كساء واحد، وربما تأخر في صباه ~~عن موعد الصلاة لاشتغاله بترجيل # 6 # شعره، وسأله مؤدبه صالح بن كيسان مرة عن تأخره وهو ينتظره لإقامة الصلاة، ~~فاعتذر له بإبطاء مرجلته - أي: الجارية التي تعنى بترجيل شعره - فغضب المؤدب ~~الصارم، ولامه أن يغفل عن موعد صلاته ليعنى بتسكين شعره. # وما برح الخليفة الصالح في نصب من أمر عاداته هذه حتى أقلع عنها بعد جهد، وآب من ترف ~~المسرفين إلى نسك المتزمتين، وقيل: إنه ترف من بني أمية ونسك من الفاروق؛ لأنه ينتمي ~~من ناحية أمه إليه ... # وعلى هذا الجهد بقيت معه تلك المشية تعاوده، ولا يأمن أن يسهو عن نفسه فيثوب إليها في ~~طريقه، فجعل له قرينا يلازمه ويصفقه بيده كلما هم أن يثوب إليها ... ~~••• # ولا ننسى أن بني أمية عشيرة عربية كبيرة قد تتميز بخلائقها الأموية، ولكنها لا تنفصل ~~عن المجتمع العربي، ولا تشذ عن عرفه التقليدي الذي ترعاه جميع العشائر الكبرى ولو من ~~قبيل المحافظة على المراسم والأشكال، ومن تقاليد هذا العرف أن تروض بيوت الرئاسة ~~أبناءها على نظام كالنظام العسكري، في صباهم وبعد بلوغهم مبلغ الشباب الذي يندب ~~للقتال أو لتصريف الأمور، وسواء اختاروا البادية لتدريب الأبناء على ms065 هذه الرياضة، أو ~~عهدوا بها إلى المربين في المدن والدور، فلا ينشأ الناشئ منهم إلا على رياضة من هاتين ~~الرياضتين، وكذلك فعل عبد العزيز بن مروان في تربية ابنه عمر، فاختار له المؤدب الذي ~~يثقفه ويأخذه بفرائض دينه ودنياه، ولما بلغه من هذا المؤدب - صالح بن كيسان - أن ~~الفتى الصغير يتأخر عن موعد الصلاة لاشتغاله بترجيل شعره أرسل إليه من قبله رسولا ~~خاصا، فأمره ألا يكلمه حتى يقص شعره ويبلغه غضب أبيه، ولا نحسب أن أحدا من رؤساء ~~البيت غفل عن مثل هذه الرياضة في تنشئة بنيه، ولكنها رياضة تنتهي إلى القدوة البيتية، ~~فلا يبقى لها من أثر أو لا يبقى لها إلا الأثر الضعيف، وكان عبد العزيز يعاقب عمر ذلك ~~العقاب، وهو ينزع في الترف منزعا لا يستطيع ابنه - وإن أسرف - أن يذهب إلى مدى أبعد ~~من مداه، فاقتنى الدور في مصر وجملها بالأثاث الفاخر، وجعل يهديها إلى أبنائه وذويه، ~~واشترى أرض حلوان بعشرة آلاف دينار؛ ليقيم عليها قصره المنيف الذي موه جدرانه بالذهب، ~~وأنفق على فراشه وأثاثه عشرات الألوف، وكان له كل يوم ألف جفنة للقرى بدار الضيفان، ~~وكانت أيامه كلها كأنها أيام أعياد كما جاء في معجم البلدان: # كل يوم كأنه عيد أضحى # عند عبد العزيز أو يوم فطر # وله ألف جفنة مترعات # كل يوم يمدها ألف قدر # وشهد هذا البذخ كله عمر وتقلب بين أعطافه، فلولا عرق من الفاروق أدركه؛ لما تحول من ~~هذا البذخ إلى النسك الذي ضارع به أزهد الخلفاء الراشدين ... # وليس عبد العزيز - على هذا - بالمثل الذي يقال عنه: إنه «نموذج» للخليقة الأموية في ~~الكلف بالنعمة الدنيوية، والعجب بالزينة والشارة # 7 # وبالقسامة # 8 # والوسامة، بل كانت هذه الخليقة على أتمها في سليمان بن عبد الملك أكلفهم ~~بنعمة العيش؛ حيث كانت في طعام أو كساء أو ترف أو سرف أو خيلاء ... # كان نهما لا يشبع ولا يرجع الخوان من بين يديه وعليه بقية، وكان يلبس الوشي على أفخر ~~حلية وزينة، ويحضر الطهاة بين يديه ms066 بالسفافيد عليها الدجاج والطير، فلا يتمهل بها حتى ~~تنضج، بل يلف يده في كمه ويتناولها من النار ويأتي عليها قبل أن تنقل إلى الصحاف، ~~وربما صحبه عمر في السفر وهو صائم فلا يجد على المائدة فضل طعام إذا حان موعد ~~الإفطار، وقد مات بالتخم مع إصابته بالحمى، وهو في الأربعين وأبناؤه الصغار لا يصلحون ~~لولاية العهد، فجعل ينظر إليهم، وينشد: # إن بني صبية صغار # أفلح من كان له كبار # وأمر وزيره رجاء بن حياة أن يعرضهم عليه في الخوذات والدروع، لعله يخدع نفسه بمنظر ~~صبي منهم يصلح لولاية الملك، فلم يجد منهم من يروعه، أو يروقه في تلك الأزياء وأوصى ~~بولاية العهد على كره لعمر بن عبد العزيز. # قال ابن الجوزي في سيرة عمر بإسناده: إن سليمان بن عبد الملك كان ربما نظر في المرآة، ~~فيقول: أنا الملك الشاب ... وكان جالسا فنظر في المرآة إلى وجهه، فأعجبه ما رأى من ~~جماله، فقال: أنا الملك الشاب، وكانت على رأسه وصيفة، فقالت: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان # ويروى هذا البيت في أسانيد أخرى، ومعه البيت التالي: # ليس فيما بدا لنا منك عيب # عابه الناس غير أنك فان # ودخل عليه المفضل بن المهلب يوم جمعه، فرآه يدعو بالثياب ويلبس منها حلة بعد حلة ~~ويتخايل بها أمام المرآة ثم يخلعها، ويأتي بغيرها حتى ارتضى حلة منها، فالتفت إلى ~~المفضل سائلا: يا بن المهلب ... أعجبتك؟ قال المفضل: نعم؛ فحسر # 9 # عن ذراعيه وهو يقول: أنا الملك الفتى. # هذا هو الأموي من الأمويين، وغيره منهم يشبهه في كل خصلة من هذه الخصال على درجات، ~~ومنهم معاوية رأس الدولة وأقربهم إلى أرومة # 10 # الميراث ... ~~••• # كان في معاوية كل خصلة من خصال سليمان بن عبد الملك، ولكنه لم يسترسل فيها كما استرسل ~~سليمان مع تطاول الزمن بعد قدوة النبوة والخلافة الأولى خلافة الراشدين. # جاء في الطبري أنه كان يأكل في اليوم سبع مرات بلحم، ويقول: «والله ما أشبع وإنما ~~أعيا.» # ولم يروها ms067 الطبري وهو يشهر بها، بل رواها وقال بعدها: «وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل ~~الملوك.» # وسبق الطبري هذا الخبر بتعليل لهذه النهمة من دعوة رسول الله عليه في صباه ... # فمن أخبار الإمام أحمد المسندة إلى ابن عباس أنه قال: «كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول ~~الله قد جاء؛ فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على باب، فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين، ~~ثم قال: اذهب فادع لي معاوية، وكان يكتب الوحي، فذهبت دعوته له، فقيل: إنه يأكل! ~~فأتيت رسول الله، فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية، فقيل: إنه يأكل، ~~فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه ... فما شبع بعدها.» # ولم يزل بعد الإمارة يفرط في مأكله من اللحوم والحلوى والفاكهة حتى ترهل # 11 # وعجز عن القيام طويلا، فكان يخطب على المنبر وهو جالس، وكان أول من جلس ~~في خطبة منبرية. ~~••• # وشغف بالأكسية كما شغف بالأطعمة، فلبس الحرير وتختم بالذهب والجوهر، وولع ~~بالثياب المزخرفة والموشاة، وتزين بالزينة التي كرهها الإسلام لعامة الرجال فضلا عن ~~الخلفاء والأمراء، وكان لا يملك أن يترك الزينة بالكساء في صدر الدعوة والخلافة، وفي ~~الزمن الذي كان يتحرج فيه من إغضاب ولي الأمر، وهو عمر بن الخطاب. # قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد كما رواه الطبري: «قدم علينا معاوية وهو أبيض بض # 12 # وباص، # 13 # أبض الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه، ~~ثم يضع أصبعه على متن معاوية ثم يرفعها عنه مثل الشراك، فيقول: بخ بخ، نحن إذن خير ~~الناس أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة.» فقال معاوية: «يا أمير المؤمنين! سأحدثك، ~~أنا بأرض الحمامات والريف والشهوات.» فقال عمر: «سأحدثك أنا ... ما بك إلا إلطافك نفسك ~~بألطف الطعام، وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك # 14 # وذوو الحاجات وراء الباب؟ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، علمني أمتثل، ~~قال راوي الخبر: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحا كأنه ~~ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم ms068 فيخرج حاجا مقلا حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة ~~أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما؟ فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على ~~عشيرتي وقومي، قال عمر: والله لقد بلغني أذاك هنا وفي الشام.» # وزاد راوي الخبر، فقال: «والله يعلم إني لقد عرفت الحياء فيه، ثم نزع معاوية ثوبيه ~~ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما.» # وروى عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: «دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء، ~~فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة # 15 # فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: الله الله في يا أمير المؤمنين، ~~فرجع عمر إلى مجلسه، فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين، وما في قومك مثله؟ ~~فقال: والله ما رأيت إلا خيرا وما بلغني إلا خير، ولو بلغني غير ذلك؛ لكان مني إليه ~~غير ما رأيتم، ولكن رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه ما شمخ.» ~~••• # ولم يكن زهوه بسمته، وسماته دون زهو سليمان، فكان يصفر لحيته كأنها الذهب ... وقد ~~أصابته لوقة في آخر عمره - وهي كأثر الضربة في الجلد - فكان يستر وجهه، ويقول: «رحم ~~الله عبدا دعا لي بالعافية فقد رميت في أحسني، ولولا هواي في يزيد لأبصرت ~~رشدي.» # وهواه في يزيد لون من ألوان هذه الخلة الأموية، فكل الآباء يحبون الأبناء ... ولكن ~~القوم لا يحسبون الأب بارا بابنه إلا إذا «نعمه»، أو شغل بتنعيمه فيما ينظر فيه ~~الآباء من رغد أبنائهم، وفيما يتركونه لهم ويتغاضون عنه كأنهم يجهلونه، وقد أرسل ~~معاوية ابنه يزيد إلى بادية بني كلب أخواله؛ ليتربى بينهم على الفروسية والبلاغة ~~العربية، ولكنه فعل ذلك كأنما يفعله قياما بما تقتضيه مراسم السلف ولم يتبعه بما هو ~~ألزم ليزيد من ضروب التربية والرياضة على كبح الأهواء، ولا سيما الهوى الذي ينظر إلى ~~حرمات الناس وأعراض الرعاية، فقد علق يزيد بزوجة عبد الله بن سلام (زينب بنت إسحاق)، ~~ومرض بحبها مرضا أدنفه، فاحتال أبوه حتى عرف سر مرضه من خصيان القصر؛ فأرسل في ms069 طلب ~~أبي هريرة وأبي الدرداء، فقال لهما: إن لي ابنة أريد زواجها ولا أرضى لها حليلا غير ~~ابن سلام لدينه وفضله وشرفه، فانخدع ابن سلام وذهب إلى معاوية يخطب بنته، وقيل: إن ~~معاوية وكل الأمر إلى أبي هريرة؛ ليبلغها ويستمع جوابها، فأجابته بما اتفقت عليه مع ~~أبيها وقالت له إنها لا تكره ما اختاروه، ولكنها تخشى الضرة وتشفق أن يسوقها إلى ما ~~يغضب الله، فطلق ابن سلام زوجته واستنجز معاوية وعده فلواه به، ونقل إليه عن ابنته ~~أنها لا تأمن رجلا يطلق ابنة عمه وأجمل نساء عصره! ... # وكأنما كان معاوية مهموما بشهوات ولده في زواج أو غير زواج، فقد حدث ابن عساكر من ~~ترجمة خديج الخصي: «أن معاوية اشترى جارية بيضاء جميلة، فأدخلها الخصي عليه مجردة، ~~وبيده قضيب، فجعل يهوي به على جسدها، ويقول: هذا المتاع لو كان لنا متاع، اذهب بها ~~إلى يزيد ثم قال: ادع لي ربيعة بن عمر الجرشي - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال: إن ~~هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، فقال ~~الجرشي: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنها لا تصلح له. فقال معاوية: نعم ما رأيت! ثم ~~وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله، وكان أسود، فقال له: ~~بيض بها ولدك ...» ~~••• # ونعود فنقول: إن الطبري يسند هذه الأخبار إلى أصحابها، ولا يسوقها مساق التشهير؛ لأنه ~~اتخذ من هذا الخبر دليلا على فقه معاوية، فقال: «وهذا من فقه معاوية وتحريه؛ حيث كان ~~نظر إليها بشهوة، ولكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها لولده يزيد؛ لقوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء ~~، وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمر الجرشي الدمشقي ~~...» # وما من تربية ليزيد تصلحه للخلافة بعد هذا «التنعيم» الذي يملي له في شهواته، وهو ~~مقدم على رئاسة قريبة عهد بابن الخطاب بل بابن عفان، فإن الخليفة الثالث - رضي الله ~~عنه - قد أجاز لنفسه من المتعة الدنيوية ما لم يجزه ms070 الفاروق، ولكنه لم يحدث نفسه قط ~~باقتناء الخصيان والجواري على سنة القياصرة والشواهين، ولولا تلك الخليقة الأموية ~~التي تمادى بها اتساع الملك في أهوائها وغواياتها، لما فات رجلا - وسط الذكاء - أن ~~هذه التربية لا تعد إنسانا لحياطة الملك المنتزع بالحيلة والحول، قبل استقرار الأمور ~~بين مطامع الأقرباء من العشيرة فضلا عن الغرباء. ~~••• # وكان معاوية ينازع طبعه بين الخليقة الأموية وبين آداب الدين الذي يتولى خلافته، ~~فينزل بنفسه درجات دون منزلة الخلفاء الراشدين؛ لافتتانه بالدنيا واستسلامه لغوايتها، ~~وله أكثر من كلمة في هذا المعنى يقول في بعضها: «إن أبا بكر سلم من الدنيا وسلمت منه، ~~وعمر عالجها وعالجته، وعثمان نال منها ونالت منه، أما أنا فقد تضجعتها ظهرا لبطن ~~وانقطعت إليها فانقطعت لي ...» ويقول في بعضها من خطبة بالمدينة: «إن أبا بكر - رضي ~~الله عنه - لم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان ~~فنال منها ونالت منه، وأما أنا فمالت بي وملت بها، وأنا ألبنها # 16 # فهي أمي وأنا ابنها، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم.» # وكأنما كان يشهد على نفسه هذه الشهادة تواضعا من جهة، وتزكية لقدرته على الملك ~~الدنيوي من جهة أخرى، فإن كان الرعية لا يرتضونه قدوة للصلاح والتقوى، فهم مرتضوه ~~مدبرا لشئونهم وقائما على مصالح دنياهم. # ويشعر معاوية بالمنازعة بين الخليقة الأموية وآداب المروءة العربية، كما يشعر ~~بالمنازعة بينها وبين آداب الدين، فإن طالب السيادة يكره أن ينزل في منزلة دون منازل ~~الشرف والكرامة بين قومه، فإن لم يكره ذلك حبا للخلق المأثورة فلعله يكرهه حبا ~~لنفسه، وغيرة على سيادته وعلوه في نظر المكبرين لآداب المروءة، سواء تحلوا بها أو ~~تجردوا منها. # ومن نوادر معاوية في هذه المنازعة المتكررة بين خلائق عشيرته، وآداب العرب عامة أنه ~~جلس يوما مع خاصته يسألهم فيما بقي له ولهم من لذات الحياة بعد ذهاب الشباب، فإذا هي ~~عنده لذات لا تعدو مذاق الشراب السائغ وسروره بالنظر إلى بنيه، ثم نبهه منبه إلى ~~إسفافه هذا، فانتبه ms071 ولم يكابر طبعه؛ لأن الأمر وراء المكابرة بإجماع العرف وإجماع ~~الدين. # روى الواقدي أن عمرو بن العاص «دخل يوما على معاوية بعدما كبر ودق ومعه مولاه وردان، ~~فأخذا في الحديث وليس معهما أحد غير وردان، قال عمرو: يا أمير المؤمنين! ما بقي مما ~~تستلذه؟ فقال: أما النساء فلا أرب لي فيهن، وأما الثياب فقد لبست من لينها وجيدها حتى ~~وهى بها جلدي فما أدري أيها ألين، وأما الطعام فقد أكلت من لذيذه وطيبه حتى ما أدري ~~أيه ألذ وأطيب، وذكر مثل ذلك عن الطيب وغيره من مناعم الحياة، ثم قال: فما شيء ألذ ~~عندي من شراب بارد في يوم صائف، ومن أن أنظر إلى بني وبني بني يدورون حولي. # وعطف معاوية سائلا: فما بقي منك يا عمرو؟ # قال عمرو: مال أغرسه فأصيب من ثمرته ومن غلته. # فالتفت معاوية إلى وردان، فقال: ما بقي منك يا وردان؟ # قال وردان: صنيعة كريمة سنية أعلقها في أعناق قوم ذوي فضل واصطبار لا يكافئونني بها ~~حتى ألقى الله تعالى، وتكون لعقبي في أعقابهم بعدي. # فقال معاوية: تبا لمجلسنا سائر اليوم ... إن هذا العبد غلبني وغلبك ...» # خليقة أموية عربية، مضى الرجل على سجيته فلم يخطر له أن يستبقي من متاع الدنيا الذي ~~عجز عنه إلا شيئا يذاق، وشيئا يسره من النظر إلى ذريته، ثم نبه المنبه إلى المكرمات ~~المأثورة فلم يجحدها ولم يعزب عنه حميد أثرها. # وإن شئت فقل: خليقة أموية وكفى ... فإن من أثرة ما يوحي إلى صاحبه ألا ينزل طواعية عن ~~مأثرة يرتفع بها غيره، ولا يسعه أن ينكرها. # وهكذا كانت الخليقة الأموية مع المروءة العربية في كل مأثرة محمودة بين عشائر العرب ~~الكبرى، وبين العرب خاصة وعامة، وأولها مناقب الشجاعة والكرم والنخوة، فما كان في وسع ~~بني أمية أن يغمضوا أعينهم عن هذه المناقب، ولا أن يصغروا من حقها، ولكن التسليم ~~للمنقبة شيء والجهد في تحصيلها شيء آخر ... ولهذا مضى تاريخ بني أمية في الجاهلية وليس ~~بينهم واحد معدود حين يعد العرب ms072 فرسانهم المقدمين وأجوادهم المشهورين، وذوي النجدة من ~~صفوة عشائرهم ونخبة ساداتهم، وظهر فيهم الشجعان في صدر الإسلام كيزيد بن أبي سفيان، ~~وهو أخ غير شقيق لمعاوية، ولكنه لا يحسب عندهم ولا عند غيرهم من فرسان هاشم في جيل ~~واحد، كعلي وحمزة. # وسئل معاوية نفسه، وسائله عمرو بن العاص: والله ما أدري يا أمير المؤمنين، ~~أشجاع أنت أم جبان؟ فقال: # شجاع إذا ما أمكنتني فرصة # فإن لم تكن لي فرصة فجبان # ولم يؤثر لمعاوية موقف واحد يحسب من مواقف الشجاعة البينة، بل حسب عليه أنه كان يأوي ~~إلى قبة يحيط بها الحراس في معارك صفين، وأنه أسرع إلى فرسه في ليلة الهرير لينجو ~~بحياته، ثم هدأ الخطر بعض الشيء، فراجع نفسه وتراجع إلى مكانه وهو آمن من عاقبة هذه ~~الرجعة، بعد أن خفت الهجمة على موضعه من ميدان القتال. # وليس من أخبار بني أمية في الجاهلية وصدر الإسلام خبر واحد ينفي عنهم هذه الخليقة ~~الغالبة عليهم جميعا من الأثرة، والكلف بالمناعم الدنيوية، وتقديمها على غيرها من ~~مناقب الإيثار والمثل العليا. # وبهذه الخليقة يفسر كل عمل من أعمال معاوية على انفراده بينهم بصفات من الحزم لم ~~يشتهروا جميعا بمثلها، وهو مع حزمه «الدنيوي» هذا لم يصطدم بالخليقة الأموية إلا وهن ~~منه الحزم في هذا المصطدم، فكان من الحزم ألا يتوسع في أبهة الملك أو أبهة «الهرقلية ~~والكسروية»، كما كان المسلمون يسمونها في صدر الإسلام، ولكنه لم يكد يملك حتى صنع ما ~~يصنع القياصرة والأكاسرة من اقتناء الخصيان والجواري، والتوسع في بذخ القصور والقدور، ~~وكان من الحزم أن يروض يزيد على كبح الشهوات، فلم يكد يسمع أنه اشتهى امرأة في عصمة ~~رجل حتى احتال حيلته لإمتاعه بما اشتهى، وإن النهازين من مؤرخي العصر القديم ليفسرون ~~صلاته الجامعة في المقاصير # 17 # بخوفه من الغيلة بعد مؤامرة الثلاثة التي قتل فيها علي رضوان الله ~~عليه، ولئن صح هذا لما نفي عنه تلك الخليقة الأموية التي تلوذ بالحيطة، حيث لا يلوذ ~~بها المبرأون منها، فقد قتل ms073 عمر وعلي ولم يلجأ الحسن أو الحسين إلى المقاصير أو إلى ~~الحرس الميسر لهما وهو غير قليل، وقد كانت أبهة المواكب من دأب معاوية، إذ كان - بعد ~~- على ولاية الشام من قبل الفاروق، فلما رآه الفاروق في موكبه أعرض عنه، ثم عنفه ~~وسأله عن اتخاذ المواكب مع احتجابه عن ذوي الحاجات، فاعتذر له بموقعه من بلاد العدو، ~~ودأب على اتخاذ المواكب، وتسيير الجند بين يديه قبل أن يخشى غيلة من مغتال. # عند هذه الخليقة الأموية تفسير الكثير مما جهله المؤرخون الأقدمون أو تجاهلوه، ولا ~~سيما المؤرخين النهازين من المنتفعين أو المتطوعين. # | موقف معاوية من قضية عثمان # كل خبر من أخبار العصر لازم مطلوب لفهم تاريخه وأعمال رجاله، ولكن الأخبار المقدمة ~~على غيرها في حوادث العالم الإسلامي التي أفضت إلى قيام الخلافة الأموية، إنما هي ~~الأخبار التي لها مساس بموقف معاوية من عثمان قبل مقتله وبعد مقتله، والمبايعة لعلي ~~بالخلافة في الحجاز. # فبغير هذه الأخبار التي تكشف عن موقف معاوية لا يستطيع المؤرخ أن يتثبت من حقيقة ~~البواعث التي كمنت وراء الحوادث والحروب والخصومات، ولا يستطيع أن يعرف ما هو صحيح ~~منها، وما هو مصطنع من تدبير السواس والدعاة. # فما هي حقيقة المسائل التي أثارت معاوية على علي، وجنحت به إلى سلوك المسلك الذي ~~اختاره هو ومعاونوه؟ ماذا منها قد حدث فعلا، وماذا منها لم يحدث، وقيل: إنه حدث ~~للانتفاع به في الدعاء ورد الادعاء ... وفي الاتهام ورد الاتهام؟ أو ماذا منها قد حدث ~~فعلا وحرفه الدعاة إلى غير وجهته وأولوه بغير معناه؟ وماذا من تلك الحوادث جميعا ~~كان خليقا أن يتغير لو تغير الموقف، وتغيرت النيات والمساعي؟ # كل أولئك مرهون بالنفاذ إلى حقيقة موقف معاوية من عثمان قبل مقتله، وبعد مقتله، ~~ومبايعة علي بالحجاز. # وكل ما وصل إلينا من أخبار ذلك الموقف يدل على شيء واحد لا محل فيه للخلاف الطويل بين ~~الناظرين إليه من الوجهة التاريخية الخالصة، وهو عمل معاوية لنفسه في كل مطلب طلبه من ~~عثمان، وكل نصيحة ms074 أسداها إليه، وكل مشورة أشار بها عليه، فليس في هذه المطالب ~~والنصائح أو المشورات شيء قط تجرد من منفعة ينظر إليها معاوية في حاضره أو مصيره، وكل ~~ما عدا ذلك فقد يكثر فيه الخلاف، ويؤول فيه التأويل. # كان معاوية في عهد الفاروق قانعا بعطائه السنوي وهو ألف دينار، وكان الولاة والرعية ~~لا يشكون إجحافا ولا محاباة فيما يرجع على أرزاق العمال الكبار والصغار ومنهم ~~الولاة، فلما انقضى عهد الفاروق كثرت الشكوى من تقسيم هذه الأرزاق، ومن إيثار بعض ~~الولاة بالولايات لقرابتهم من الخليفة، وكانت هذه الشكوى إحدى الدعايات التي تذرع بها ~~المشاغبون للثورة التي تفاقمت حتى ذهبت بحياة عثمان. ~~••• # ولم يكن معاوية يجهل هذه النقمة الفاشية في الولايات، ولكنه على ذلك كتب إلى عثمان ~~يطلب زيادة عطائه، ويطلب غير ذلك أن يقطعه الأرض التي قتل أصحابها من الروم أو ~~تركوها، وهاجروا إلى بلاد غير البلاد المفتوحة من أرض الدولة البيزنطية، وتعلل له ~~بكثرة وفود الأمصار والرسل، وأن هذه الضياع المتروكة لا يؤخذ عليها الخراج، ولا تحسب ~~من أموال أهل الذمة كما جاء في تاريخ ابن عساكر، وكانت هذه الضياع وأمثالها تلحق ~~ببيت المال، وينفق منها على المصالح العامة ومعونة المعوزين وذوي الحاجات، فلما أذن ~~له عثمان بزرعها والانتفاع بثمراتها؛ حبسها على نفسه وعلى آل بيته وخدامه وأعوانه في ~~سياسته، وعمد إلى كل معترض عليه وعلى إنفاقه لهذه الأموال في غير وجوهها، فأقصاه عن ~~الشام وأرسله إلى حيث يشاء من البلاد الإسلامية الأخرى لا يعنيه أن يصنع الشاغبون ما ~~يصنعون في غير ولايته، وهو يعلم أنهم سيشغبون على عثمان حيث ذهبوا، وأن عثمان يلقى من ~~الفتنة ما هو حسبه في جواره. # وحديث أبي ذر في الشام معروف ننقل منه ما يدور حول موقف معاوية من عثمان كما جاء في ~~ابن الأثير: # كان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي أن يكون في ملكه أكثر من قوت ~~يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله، أو يعده لكريم، ويأخذ بظاهر ~~القرآن ms075 # والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم # فكان يقوم بالشام، ويقول: يا معشر ~~الأغنياء واسوا الفقراء ... بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ~~ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء، وشكا الأغنياء ما يلقون ~~منهم، فأرسل إليه معاوية بألف ديار في جنح # 1 # الليل فأنفقها، فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله الذي ~~أرسله إليه، فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل له: انقذ جسدي من عذاب معاوية! ... ~~فإنه أرسلني إلى غيرك وإني أخطأت بك، ففعل ذلك، فقال له أبو ذر: يا بني ~~قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى ~~نجمعها، فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان: إن أبا ذر قد ~~ضيق علي، وقد كان كذا وكذا للذي يقوله للفقراء، فكتب إليه عثمان: إن ~~الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح ~~وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلا وزوده وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ~~ما استطعت. # ولما خرج الشاغبون بالفتنة من الكوفة إلى الشام بأمر عثمان كتب عثمان إلى معاوية، كما ~~جاء في ابن الأثير: «إن نفرا قد خلقوا للفتنة؛ فأقم عليهم وانههم، فإن آنست منهم ~~رشدا فأقبل، وإن أعيوك فارددهم علي.» # فلقيهم معاوية وزجرهم وأغلظ لهم، ثم أتاهم بعد ذلك؛ فقال لهم: «إني قد أذنت لكم ~~فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا ولا يضره، ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، ~~فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، ~~اذهبوا إلى حيث شئتم فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم.» # وكتب إلى أمير المؤمنين يهون له من شأنهم ويقول عنهم: إنهم «ليسوا لأكثر من شغب ~~ونكير.» # ولم يكن أمرهم ليعييه، فإنهم ذهبوا حين سرحهم يقصدون الجزيرة، فعلم بهم عبد الرحمن بن ~~خالد فما أعياه أمرهم، ودعاهم إليه ولم يذهب إليهم كما ms076 فعل معاوية؛ فتوعدهم عبد ~~الرحمن وعيدا لا يشكون فيه، وقال لهم: «يا آلة الشيطان! لا مرحبا بكم ولا أهلا، قد ~~رجع الشيطان محسورا وأنتم - بعد - نشاط. خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم ... يا معشر ~~من لا أدري أعرب هم أم عجم، لا تقولوا لي ما بلغني أنكم قلتم لمعاوية، أنا ابن خالد ~~بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته # 2 # العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة، والله لئن بلغني يا صعصعة أن أحدا ممن ~~معي دق أنفك ثم أمصكه - أي: جعلك تمصه - لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى، فأقامهم شهرا ~~كلما ركب مشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: يا ابن الخطيئة! ... أعلمت أن من لم يصلحه الخير ~~أصلحه الشر، ما لك لا تقول كما بلغني أنك قلت لسعيد ومعاوية؟ ... فيقولون: نتوب إلى ~~الله، أقلنا أقالك الله، فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم، وسرح الأشتر إلى ~~عثمان، فقدم إليه ثانيا، فقال له عثمان: احلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد، ~~فقال: ذلك إليك، فرجع إليه.» # وعلى اختلاف الروايات في تنقل هذه الفئة بين الكوفة والشام، وفيما قالوه وقيل لهم، لم ~~يتغير موقف معاوية في جميع هذه الروايات، وهو موقف الرجل الذي لا يبالي بعد أمانه على ~~ولايته أن تنجم الفتنة حيث نجمت، وأن يبتلى بها الخليفة بنجوة منه. # وقد تفاقم الخطب ونظر الخليفة المحصور حوله يطلب الرأي من ذوي الرأي بين خاصته وخاصة ~~المسلمين، واجتمع عنده رهط منهم يوما أشاروا عليه بما بدا لهم، ثم خرجوا فأمسك عثمان ~~بابن عباس، فقال له: يا بن عمي ويا بن خالتي، إنه لم يبلغني عنك في أمري شيء أحبه ولا ~~أكرهه، وقد علمت أنك رأيت بعض ما رأى الناس، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، ~~وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك، فأعتذر ... قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، ~~إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة، ووالله إن رأيي لك رأي من ~~يجل سنك ويعرف ms077 قدرك وسابقتك، ووالله لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان ~~قبلك، فإن كان شيئا تركاه؛ لأنه ليس لهما، علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما، وإن كان ~~ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك، تركته لما تركاه له، ولم يكونا ~~أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك. # قال عثمان: فما منعك أن تشير علي بهذا قبل أن أفعل ما فعلت؟ ... قال ابن عباس: وما ~~علمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعله؟ ... قال: فهب لي صمتا حتى ترى رأيي. # وخرج ابن عباس وبقي معاوية فسأله عثمان، فأجاب كما جاء في الإمامة والسياسة: «الرأي ~~أن تأذن لي بضرب أعناق هؤلاء القوم، قال: من؟ قال: علي وطلحة والزبير ... قال عثمان : ~~سبحان الله! ... أقتل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه؟! قال معاوية: فإن ~~لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك ... قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق ~~الدماء. # قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال! # قال عثمان: ما هي؟ # قال معاوية: أرتب لك ها هنا أربعة آلاف من خيل أهل الشام يكونون لك ردءا # 3 # وبين يديك يدا. # قال عثمان: أرزقهم من أين؟ # قال: من بيت المال. # قال عثمان: أرزق أربعة آلاف من الجنود من بيت مال المسلمين لحرز دمي؟ لا فعلت ~~هذا. # قال: فثانية. # قال: وما هي؟ # قال: فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب حتى ~~يكون دبر # 4 # بعير منهم أهم عليه من صلاته. # قال عثمان: سبحان الله! ... شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول الله وبقية الشورى، أخرجهم ~~من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهليهم وأبنائهم؟! لا أفعل هذا ... # قال معاوية: فثالثة! # قال: وما هي؟ # قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت. # قال عثمان: نعم هذه لك، إن قتلت فلا يطل # 5 # دمي.» # هذه رواية الإمامة والسياسة، وفي سائر الروايات أن معاوية قال له غير ذلك: اخرج معي ~~إلى الشام قبل أن يهجم عليك ما لا تطيقه، ms078 قال: لا أبتغي بجوار رسول الله ~~بدلا. ~~••• # تلك جملة الآراء التي أشار بها معاوية على الخليفة، وما من رأي منها إلا والنفع فيه ~~ثابت لمعاوية غير ثابت لعثمان، وربما كان في معظمها ما يضره ولا يجديه. # فليس قتل علي وطلحة والزبير بالأمر الهين الذي يدفع الشر عن الخليفة، وليس هو بالخطة ~~التي يختارها معاوية لنفسه لو كان في موضع عثمان، وقد أعفى معاوية نفسه من التضييق ~~على صعصعة ورهطه، كما ضيق عليهم عبد الرحمن بن خالد، فليس من خطته التي يختارها ~~لنفسه، ويحمل تبعتها على عاتقه أن يقتل ثلاثة من أقطاب الصحابة كعلي وطلحة والزبير، ~~كما أشار على عثمان، وإنما يبوء عثمان تبعتها ويترك الأمر من بعده لمعاوية بغير منافس ~~ينافسه عليها، بعد مقتل الثلاثة الذين كانوا مرشحين لها عند أهل الحجاز وأهل الكوفة ~~وأهل مصر، أما أهل الشام فهم في ولايته لا يعرفون أحدا غيره ينافسه باسمهم عند ~~اختلاف المختلفين، وليس ثمة مختلفون إذا نفذ القضاء في الأقطاب المقتولين. # وأما الإشارة على عثمان بإقامة أربعة آلاف من خيل الشام يحرسونه، فهو تسليم للحجاز ~~إلى يدي معاوية في حياة الخليفة وبعد حياته، فلا يقدر أحد على بيعة فيه غير البيعة ~~التي يرضاها، ولا تقع هذه البيعة أصلا لمن يستجيب لها أو لا يستجيب. # والخروج من المدينة إلى الشام مع معاوية ينقل العاصمة إلى دمشق، ويجعل القول الفصل ~~بعد موت الخليفة لصاحب القول الفصل فيها، وما من أحد قط ينتفع من العمل بهذه النصائح ~~غير معاوية في جميع الحالات. ~~••• # وقد نقل الرواة والمؤرخون عن كل ناصح أنه أشار على عثمان بترك خطة من خططه في السياسة ~~العامة، ولم ينقل مثل ذلك عن معاوية في جليل من الأمر ولا يسير، ولم يقف مثل موقفه ~~غير مروان بن الحكم الذي لا يملك أن ينهى عثمان عن شيء؛ لأنه كان سبب الشكوى وصاحب ~~التبعات جميعا في كل مأخذ من مآخذ الثوار على العهد كله والسياسة بجملتها، فإذا كان ~~سكوت مروان عن النصح بالتغيير مفهوما ms079 متوقعا فمثل هذا السكوت من معاوية لا يفهم إلا ~~على وجه واحد، وهو أنه يعفي نفسه من تبعة النصيحة ليملي للخليفة فيما يرضاه، ويعلم أن ~~التغيير النافع يصيبه في مقدمة الولاة المحسوبين على العهد كله، وقد كان يتعهد ~~للخليفة بكفايته أمر الشام ويسأله أن يفرض على الولاة الآخرين مثل ذلك اليوم ... فإن لم ~~يقدروا مثل قدرته كان حقا له أن يخلفهم أو ينفض يديه من العمل والمشورة. # وأثبت ما ثبت من منفعة معاوية بتلك المطالب التي عرضها على الخليفة في شدته - مطلبه ~~أن تكون له ولاية الدم بعد مقتله، فإنه بمثابة ولاية العهد بإذن صاحب الأمر، إذ كان ~~القصاص إنما يتولاه القائم بالشريعة حيث تقام حدود الدين، ولم يكن عثمان ليخشى عليه ~~القتل من فرد يعتدي عليه غيلة فيكون عمل ولي الدم أن يقتاده إلى الحاكم القائم ~~بالشريعة، ولكنه خشي عليه القتل من جماعات ثائرة لا يتولى إدانتها والقصاص منها غير ~~صاحب سلطان أقوى من سلطانها، وسلطان من تؤيده وتطيعه على شرطها، فإذا كان معاوية قد ~~طلب ولاية الدم بعد مقتل عثمان؛ فقد طلب ولاية العهد وفارقه وهو يعلم أنه ~~مقتول. # وأوشك الخليفة أن يقتل، فإذا نظرنا في أرجاء العالم الإسلامي يومئذ لم نجد أحدا أقدر ~~على نجدته من معاوية؛ لأنه الوالي المستقر في ولايته منذ عشرين سنة يقصى عنها كل من ~~يعاديه، ويبقى فيها كل من يواليه، وغيره من الولاة في ذلك العهد بين معزول أو معتزل، ~~أو مهدد في سلطانه، كما هدد الخليفة في عاصمته، ومن كان حول الخليفة من سروات # 6 # المدينة فليس في وسعه أن ينصره بقوة أقوى من الدولة وحراسها وأشياعها، ~~فإذا جمح السفهاء جماحهم الذي يغلب الدولة على قوتها وهيبتها؛ فحري ألا يصده زاجر ~~ولا ناصح ممن لا يملكون غير الزجر والنصيحة. ~~••• # وأيا كان القول في السروات الآخرين، فواجب معاوية واضح لا لبس فيه، وليس مما يقيله ~~من هذا الواجب أن الخليفة أبى عليه إقامة جيش دائم إلى جواره يرزقه من بيت المال، فإن ms080 ~~عمل الجيش الدائم غير عمل النجدة العاجلة، ولا يلام والي الشام على نجدة عاجلة بعد أن ~~طلب الخليفة النجدة من الولاة، ولو أنه كان يلام على ذلك، لكان اللوم أهون عليه من ~~ترك الخليفة لقاتليه يسفكون دمه، وهو معتذر بأمر صدر إليه في حال غير هذه ~~الحال. # لقد كان ذوو الجرأة من المعارضين لعثمان يلقون معاوية بهذا اللوم، كلما أخذهم باللوم؛ ~~لأنهم لم ينصروه، ومن هؤلاء أبو الطفيل عامر بن وائلة الصحابي كما جاء في تاريخ ~~الخلفاء للسيوطي: # قال له معاوية: ألست من قتلة عثمان؟ قال أبو الطفيل: لا ... ولكنني ممن حضره فلم ~~ينصره. # قال: وما منعك من نصره؟ # قال: لم تنصره المهاجرون والأنصار. # فقال معاوية: أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه. # فقال أبو الطفيل : فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟ # فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ # فضحك أبو الطفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر: # لا ألفينك بعد الموت تندبني # وفي حياتي ما زودتني زادي # ووقعت الواقعة ومات الخليفة قتيلا، وذهب معاوية يطالب بدمه وينكر على علي بيعته؛ ~~لأنه لا يسلمه قتلة عثمان، ممن يذكرهم إجمالا أو يسميهم بأسمائهم، وآل الأمر كله ~~بعد حين إلى معاوية يصنع بهؤلاء ما يشاء، فلم يأخذ واحدا منهم بجريرة مشهودة ولم ~~يحاسب أحدا على جريرة مستورة تتطلب الإشهاد، وكان يلقى الرجل منهم فلا يزيد على أن ~~يسأله كما سأل أبا الطفيل: ألست من قتلة عثمان؟ ثم يصرفه في أمان، وقد يسكت عن سؤاله ~~ويصرفه مزودا بالعطاء. ~~••• # وظهر من مبدأ الخصومة أن الغيرة على عثمان لم تكن تلك الغيرة اللاعجة # 7 # التي تثير الثائرة وتضرم الحروب؛ فإن معاوية قد حالف عمرو بن العاص ~~وكافأه بولاية مصر، وهي ولاية عزله منها عثمان وبكته # 8 # بذكرها يوم صاح به بين الجموع المتذمرة يسأله التوبة والاستغفار، وكاد ~~الرواة يجمعون على كلمة نقلت عن لسان ابن العاص، فحواها أنه كان يلقى الأعرابي في ~~البادية فيحرضه على عثمان، فإن لم يصح ms081 عن ابن العاص أنه قائل تلك الكلمة فموقفه من ~~فتنة عثمان، كموقف ذوي الرأي جميعا ممن كان معاوية يحاسبهم على تركهم عثمان بغير ~~نصير، وكان في وسعهم كما قال أن ينصروه. # ولم يخف هذا الموقف الذي لا خفاء به على أبناء عثمان وبناته، فإنهم كانوا يرون ~~معاوية فيلقونه بالبكاء ويذكرون أباهم؛ ليذكروه بدمه المطلول ووعده بالثأر له، ثم ~~سكوته عن الثأر بعد أن أمكنه منه ما لم يكن في إمكان أحد من المطلوبين به في ~~رأيه. # قال ابن عبد ربه في العقد الفريد، وقال غيره مع اختلاف قليل في السياق: «قدم معاوية ~~المدينة بعد عام الجماعة فدخل دار عثمان بن عفان، فصاحت عائشة بنت عثمان وبكت ونادت ~~أباها، فقال معاوية: يا بنة أخي، إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا ، وأظهرنا لهم ~~حلما تحته غضب، وأظهروا لنا ذلا تحته حقد، ومع كل إنسان سيفه ويرى موضع أصحابه، ~~فإن نكثناهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا؟ ولأن تكوني ابنة عم أمير ~~المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض # 9 # الناس.» # فالمطالبة بدم بعثمان إنما كانت قضية قائمة حين كانت لازمة للتحريض على علي وبث ~~الدعوة والتمكين لمعاوية، فلما تمكن واستطاع ما لم يكن في وسع علي أن يفعله سكت عن ~~الثأر وحديثه، إلا ما كان من قبيل الحوار العقيم في المجالس، وقبل من نفسه العذر ~~ضعيفا هزيلا، ولم يكن يقبله قويا معززا بالواقع والبينة ممن لا لوم عليه. ~~••• # ذلك أيسر ما يقال عن حقيقة الموقف من قضية عثمان ومطالبة معاوية بدمه، وكل ما فعله ~~معاوية من نصرة عثمان قبل مقتله وبعده، فهو ثابت النفع لمعاوية غير ثابت النفع ~~لعثمان، ولا نجري وراء النيات وإن كان للمؤرخ حق في النظر إليها قد يحمد منه حيث لا ~~يحمد من القضاء، فإن المؤرخ مطالب بتقويم أقدار الرجال، وتفسير أسرار الحوادث ~~والتعريف بالأخلاق والضمائر، ولا ضر من استقصائه لما وراء الظواهر والدعوات، بل الضرر ~~كل الضرر أن يأخذ بالظواهر والدعوات دون استقصاء. # وقضاء ms082 التاريخ في موقف معاوية من عثمان أنه موقف يسقط كثيرا من التهم التي كان ~~يكيلها لخصومه، ويسقط كثيرا من الأعذار التي كان ينتحلها لنفسه، ويوجب على المؤرخ أن ~~ينفذ من وراء التهم والمعاذير إلى تفسير واحد لوقائع الثورة التي ثارها معاوية باسم ~~عثمان، فإن أصدق البواعث لها أنها ثورة في طلب الملك أعوزتها الحجة، فالتمستها من ~~مقتل الخليفة الشهيد. # | النشأة والتكوين # ولد معاوية لأبوين عريقين قويين، أخبارهما عندنا قليلة متقطعة، ولكنها من نوع الأخبار ~~التي تدل باللمحة العارضة، ويغني القليل منها عن الكثير في وصف الطبائع والأخلاق، ~~فنعرف منها أي رجل وأي امرأة كان أبواه من الرجال والنساء. # من أنباء الجاهلية عن النساء أن هند بنت عتبة أم معاوية كانت من نساء الأسر التي ~~تعودت أن تستشير بناتها في أمر زواجهن، وقد خطبها اثنان، فقال لها أبوها: «أما أحدهما ~~ففي ثروة وسعة من العيش؛ إن تابعته تابعك، وإن ملت عنه حط إليك، تحكمين عليه في أهله ~~وماله. # وأما الآخر: فموسع عليه منظور إليه في الحسب والنسب والرأي والأريب، مدره # 1 # أرومته وعز عشيرته، شديد الغيرة لا ينام على ضعة، ولا يرفع عصاه عن ~~أهله.» # فقالت: «يا أبت، الأول: سيد مضياع للحرة، فما عست أن تلين بعد إبائها وتضيع تحت ~~جناحه إذا تابعها بعلها، فأشرت # 2 # وخافها أهلها فأمنت؟ ساء عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت ~~بولد أحمقت، وإن أنجبت فمن خطأ ما أنجبت، فاطو ذكر هذا عني ولا تسمه علي بعد، ~~وأما الآخر: فبعل الفتاة الخريدة # 3 # الحرة العقيلة، # 4 # وإني لأخلاق مثل هذا لموافقة، فزوجنيه.» # ونعلم من كلام هند هنا أنها امرأة قوية الأنوثة يرضيها أن تكون زوجة لرجل جدير ~~بالمهابة والطاعة، ولا يرضيها أن يكون زوجها لعبة في يديها مطواعا لأمرها. # ولم يرد في أخبار هند خبر غير هذا إلا كان فيه إبانة عن جانب من جوانب هذه الأنوثة ~~القوية، ربما بلغ في بعض أحوالها مبلغ الوحشية، ولكنه على هذا يظل وحشية أنثوية تشاهد ~~من ms083 ضراوة الإنسان، كما تشاهد من ضراوة الحيوان. # كانت تلقب بآكلة الأكباد؛ لأنها أكلت كبد حمزة عم النبي - عليه السلام - بعد أن قتل ~~رجالها في وقعة بدر، وحزن المرأة على رجالها شديد يشتد مع اشتداد أنوثتها، فإذا كانت ~~في هذه المثلة # 5 # وحشية أنثوية؛ تشتفي بها المرأة إذا جمح بها حزنها وأذهلها عن صوابها، ~~وليست مما يشتفي به أقوياء الرجال. ~~••• # ولم تنس هند حزنها على رجالها في حضرة النبي عليه السلام؛ إذ جاءته مع غيرها من ~~النساء يأخذ عليهن عهد البيعة. # قال صلوات الله عليه: تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن ... إلى أن قال: ~~ولا تزنين. # قالت: يا رسول الله ... هل تزني الحرة؟ # ثم قال: ولا تقتلن أولادكن. # فقالت: أما الأولاد فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت بهم ~~أعلم. # وإن سؤالها: «هل تزني الحرة؟» لمن تلك الأخبار التي قلنا: إنها تدل باللمحة ~~العارضة، ويغني القليل منها عن الكثير. # إنه سؤال يدل على الأنفة من الزنى؛ لأنها كرامة جاه، ولأن الزنى خلة من خلال الإماء ~~والسبايا، لا تعهد في الحرائر الكريمات، فالأنفة من الضعة هنا أكبر من الإعراض عن ~~الرذيلة، وقصتها مع زوجها - إهانتها بتهمة الزنى - لا تقبل عندها الغفران ولا تقنعها ~~البراءة منها، وإن شهد بها من تقبل شهادته في الجاهلية، ولا يطلبون على البراءة حجة ~~أقوى عندهم من تلك الشهادة. # أخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد بن وهب قال: # كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، ~~وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم، فقام ~~الفاكه وهند فيه، ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل ممن كان يغشى ~~البيت فولجه، فلما رأى المرأة ولى هاربا، فأبصره الفاكه فانتهى ~~إليها فضربها برجله، وقال: من هذا الذي كان عندك قالت: ما رأيت أحدا، ~~ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك ... وتكلم فيها الناس، فخلا ~~بها أبوها، فقال لها: يا بنية، إن الناس قد أكثروا فيك ms084 فأنبئيني بذاك، ~~فإن يكن الرجل صادقا دسست إليه من يقتله فتنقطع عنا المقالة، وإن يكن ~~كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فحلفت له - بما كانوا يحلفون به في ~~الجاهلية - أنه كاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر ~~عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، ~~وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن، ~~فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند وتغير وجهها، فقال لها أبوها: يا بنية، ~~إني قد أرى ما بك من تغير الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك، قالت: لا ~~والله يا أبتاه ... ما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ~~ويصيب، فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون علي سبة # 6 # في العرب، فقال لها: إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك؛ فصفر # 7 # بفرسه حتى أدلى، ثم أدخل في إحليله # 8 # حبة من الحنطة، وأوكأ # 9 # عليها بسير، وصبحوا الكاهن؛ فنحر لهم وأكرمهم، فلما تغدوا ~~قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر، وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ~~ما هو؟ قال: برة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبة من بر في ~~إحليل مهر، فقال عتبة: صدقت ... انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من ~~إحداهن، ويضرب كتفها، يقول: انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها، وقال: ~~انهضي غير رسحاء ولا زانية، ولتلدين ملكا يقال له: معاوية، فنظر إليها ~~الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده، وقالت: إليك ... والله لأحرصن أن ~~يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية. # وقصة الكاهن هنا تسقط بحذافيرها، ويبقى من خبر هند مع زوجها أنه اتهمها، فأنفت أن ~~تعود إليه بعد أن أراد هو أن يعيدها؛ لأنها تغضب لكرامتها أن تعيش مع رجل ينزلها دون ~~منزلتها من حرائر النساء. # وينقل عنها في أسانيد متعددة أنها بشرت بسيادة معاوية على قومه، فقالت: ثكلته إن لم ~~يسد إلا قومه. ~~••• # قال الشافعي فيما ms085 رواه الطبري: «قال أبو هريرة: رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر، ~~وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبي يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إني ~~لأرى غلاما إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فأماته الله ... ~~وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف، قال: نظر أبو سفيان ~~يوما إلى معاوية وهو غلام، فقال لهند: إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود ~~قومه، فقالت هند: قومه فقط؟ ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة ... فلما ولى عمر يزيد بن أبي ~~سفيان ما ولاه من أمر الشام، خرج إليه معاوية، فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيت؟ صار ~~ابنك تابعا لابني ... فقالت: إن اضطربت خيل العرب فستعلم أين يقع ابنك ...» # وربما تناثرت الأخبار في كتب الأدب والتاريخ بغير هذه الأحاديث عن هند بنت عتبة زوج ~~أبي سفيان وأم معاوية، ولا حاجة إلى نقلها أو تلخيصها جميعا؛ لأنها تتفق في صفة هند ~~بالوسامة والجسامة والاعتداد بالنفس والحسب، وإنما توافق ما نسميه اليوم «بالشخصية» ~~الملحوظة بين ذويها وقومها، وليست من عداد الزوجات والأمهات المنسيات في الغمار، كما ~~كان سائر النساء في بيئتها. # والقصة التي بدأنا بها هذا الفصل تبدي لنا أبا سفيان في حياته البيتية على صورة لم ~~تذكر في قصة أخرى، فنعلم أنه سيد بيته، كما كان سيد عشيرته «وأنه شديد الغيرة لا يرفع ~~عصاه عن أهله.» # وبقية القصة الأخرى تبدي لنا أبا سفيان في صورة من صور الحياة البيتية، يقول من شاء: ~~إنها حياة تقدير، ويقول من شاء: إنها حياة تقتير. # فقد وصفته هند بأنه رجل «مسيك» # 10 # وأنها «كانت تصيب من ماله الهنة والهنة، # 11 # ولا تدري أكان ذلك حلالا لها أم حراما.» # وكان أبو سفيان شاهدا، فقال: أما ما أصبت منه فيما مضى فأنت منه في حل، أما كلام ~~عتبة - في غير ما تقدم من صفات أبي سفيان - فهو من المشهور المتردد في أنباء الجاهلية ~~والإسلام، فقد ms086 كان سيدا «موسعا عليه، منظورا إليه في الحسب الحسيب والرأي الأريب، ~~مدره أرومته وعز عشيرته ...» كما قال عتبة في تخييره لبنته بين الرجلين. ~~••• # فمعاوية إذن ينتمي إلى أبوين قويين في عشيرة قوية، ولعله ورث من جانب أمه أكثر مما ~~ورث من جانب أبيه؛ فهو أشبه بها في تكوين جسمه، وأشبه بها في وسامة ملامحه، وأشبه ~~بأصولها المعروفة في خلق الأناة وبطء الغضب، وإيثار المطاولة والمراوغة على المعارك ~~والحروب. # فأبوها عتبة كان قائد قريش في وقعة بدر، وكان رأيه الذي أصر عليه، ولم يثنه عنه غير ~~إجماع مخالفيه أن تنصرف قريش من غير قتال، وأن يتركوا كل رجل منهم ومن المسلمين يرجع ~~إلى عشيرته، وينظروا ما عسى أن يكون من شأنهم جميعا بعد ذلك. # وقد يرى بعض الناظرين في الوراثة أن المرأة التي اشتهرت باسم «آكلة الأكباد» لم ترث ~~الأناة وبطء الغضب من أبيها، ولم تورث ابنها هذه الخليقة فيما أورثته من ~~خلائقها. # وإنه لرأي فيه نظر، أو هو جدير بالنظر، فإن هذه الضراوة ليست من تلك الأناة ... # ولكننا حريون أن نذكر أن «الغيظ» غير الغضب في دخيلته وفي مدته وأجله ... # فقد يشتهر الإنسان بأنه من أهل «الغيظ» ولا يشتهر بأنه من أهل الغضب، وقد يزول الغضب ~~لساعته، ويبقى الغيظ سنوات في طوية صاحبه. # هذا فيما ينطوي عليه الشعوران. # وغير هذا أن لوعة المرأة على رجالها تخالف لوعة الرجل على أقرانه، وأن شفاء الغل بأكل ~~كبد القتيل جماح أنثوي لا يضارعه جماح مثله في الرجال، فلعلها في طول الأناة كأبيها ~~أو كابنها، ولكنها في مثل هذه اللوعة لا تشبه هذا ولا ذاك، ولا يشبهها هذا ولا ~~ذاك. ~~••• # ويجوز مع هذا كله أن يكون معاوية وارثا بعض الخلق من جده لأمه وغير وارث هذا الخلق ~~منها؛ لأن الوراثة قد تنقطع بين الجنسين، فتكون الخليقة الموروثة في الجدود ولا تكون ~~في الأمهات. # أما الوراثة التي لا شك فيها، فهي وراثة تكوينه الجسدي من أمه، وهي وراثة طالما أشار ~~إليها معاصروه وذكروا فيها اسم ms087 أمه، ولم يذكروا اسم أبيه، وقد ترهل من فرط الجسامة في ~~كهولته، ولم يكن لأحد من السفيانيين مثل هذا الترهل في الكهولة أو الشباب. # وعلاقة هذا التكوين بأخلاقه وأعماله تتضح من سياسته كلها في أيام الخلافة وأيام ~~الولاية من قبلها، فإذا صدق عليها وصف غالب عليها، فوصف السياسة «الجالسة» التي تدير ~~وتدبر وتترك المساعي والزحوف للعاملين المأمورين. # كان معاوية «أبيض جميلا طويلا أجلح، # 12 # وقد أصابته لوقة # 13 # في آخر عمره فكان يستر وجهه.» # وروى الطبري بإسناده عن ابن عمرو أنه قال: «ما رأيت أحدا أسود من معاوية.» وسئل: ولا ~~عمر؟ فقال: «كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه.» # ونقل عن العوام بن حوشب أنه كان يقول: «ما رأيت أحدا بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أسود من ~~معاوية: قيل: ولا أبو بكر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرا منه وهو ~~أسود.» # وهذا السؤدد ليس بالغريب من سمات رجل ورث السيادة من أبويه، وناط بها حقه وحق عشيرته ~~في الرئاسة، ودارت مساعيهم وظواهرهم وبواطنهم كلها على هذا السؤدد، وعلى الغيرة عليه ~~جيلا بعد جيل. ~~••• # وقدمنا أن هندا كانت تعاف الزنى أنفة ولا تعافه ورعا ونزاهة، ولا نخطئ إذا فهمنا ~~من بعض كلام أبي سفيان أنه كان يتورع عن الكذب بين من يعلم كذبه؛ لأنه يأبى لمروءته ~~أن يصغره أحد لكذبه، وإن لم يعلن ذلك بلسانه، وهكذا قال حين سئل في بلاد الروم عن ~~النبي - عليه السلام - فإنه سمع سائله يحذره من الكذب، فأنف أن يكذب على مسمع من شهود ~~سكوت! # ومدار الطموح كله في نفس معاوية على هذه الخصلة التي جعلت تراث القوم كله رهينا ~~بمزاياهم الاجتماعية، وجعلت هذه المزايا كلها رهينة بمظاهر الرئاسة والسيادة. # ونحن نعرف ما تعلمه في صغره مما كان يعلمه في كبره؛ إذ لم تجر عادة الرواة والمؤرخين ~~في الجاهلية بالتحدث عن الأطفال الصغار، إلا ما جاء عرضا في أثناء الكلام عن آبائهم ~~وكبارهم، ولا استثناء في ذلك لأبناء الأسر والبيوتات، ومن ترشحهم ms088 أحسابهم لمكان ~~الرئاسة بعد بلوغهم مبلغ الرجال، ولعله لم يكن إهمالا من الرواة والمؤرخين ~~واستصغارا لأمر أولئك الأطفال، وإنما كان سكوتا منهم عن أمر معلوم على وجه التعميم ~~يشترك فيه الناشئة من أبناء البيوتات جميعا، ولا ينفرد فيه أحد منهم بتعليم خاص ~~لوظيفة خاصة. # وقد تعلم معاوية القراءة والكتابة والحساب، وتتفق الأخبار على كتابته للنبي - عليه ~~السلام - ولا تتفق على كتابته للوحي، ولا على حفظه لآيات من القرآن تلقاها من النبي، ~~كما كان كتاب الوحي يتلقون الآيات لساعتها، والأرجح أنه لم يكن معروفا بحفظ شيء ~~من كتابة الوحي في أيام جمع القرآن الكريم، ولو علم عثمان - وهو من ذوي قرابته - أن ~~عنده مرجعا من المراجع يثوب إليه؛ لرجع إليه كما رجع إلى غيره. ~~••• # وتعليم معاوية فيما عدا ذلك من سماع أشعار العرب وأمثالهم، والإلمام بأخبار أيامهم، ~~كتعليم غيره من علية قومه، إلا أنه كان على شغف خاص بالاستماع إلى سير الملوك، ووقائع ~~الأمم وأطوال الدول الغابرة، وربما قرئت له هذه السير من كتب يونانية أو فارسية ~~يقرؤها له من يعرف لغاتها، وقد سمع بعبيد بن شرية الجرهمي، وعلم أنه يعي تواريخ ~~التبابعة والأكاسرة، فأرسل يستقدمه من صنعاء، وأمره بكتابة ما وعاه من تلك التواريخ، ~~فألف له كتاب «الملوك وأخبار الماضين» ... وهو أول كتاب يحدث عن فحواه. ~~••• # وبلاغة معاوية في كلامه بلاغة سوية لا تعلو، ولا تسف عن بلاغة أمثاله ونظرائه: يبين ~~عما يقصد، ويحتفل بالقول، فينقاد له طبعه الميسر للعربي الفصيح من أبناء عصره، ومن ~~رسائله المحفوظة رسالة إلى زياد بن أبيه يتوعده فيها، ويدعوه إلى الطاعة وأخذ البيعة ~~ممن يليه، ويقول منها: «... إنك عبد كفرت النعمة واستدعيت النقمة، ولقد كان الشكر أولى ~~بك من الكفر، وإن الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرع من أصلها، لا أم لك، بل لا أب لك، قد ~~هلكت وأهلكت وظننت أنك تخرج من قبضتي ولا ينالك سلطاني، هيهات! ... ما كل ذي لب يصيب ~~رأيه، ولا كل ذي رأي ينصح في مشورته، أمس عبد واليوم أمير ... خطة ms089 ما ارتقاها مثلك يا ~~بن سمية، وإذا أتاك كتابي هذا. فخذ الناس بالطاعة والبيعة، وأسرع الإجابة، فإنك إن ~~تفعل فدمك حقنت ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأضعف ريش، ونلتك بأهون سعي، وأقسم قسما ~~مبرورا ألا أوتى بك إلا في زمارة # 14 # تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام، حتى أقيمك في السوق وأبيعك عبدا، ~~وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه، والسلام ...» # ومن ردوده المحفوظة رده على الإمام علي حين دعاه إلى البيعة يقول فيه: «... لعمري لو ~~بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان، كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله ~~عنهم أجمعين، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل وقوي بك ~~الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى ~~بين المسلمين، ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير؛ لأنهما بايعاك ولم ~~أبايعك، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل العراق؛ لأن أهل العراق أطاعوك ولم ~~يطعك أهل الشام ... وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وموضعك من قريش ~~فلست أدفعه ...» ~~••• # وكان يتكلم مرتجلا فيحسن الجواب في مقامه، ومنه جوابه لعدي بن حاتم حين أتاه يدعوه ~~إلى بيعة علي، فسمع منه دعوته على ملأ من صحبه، وأجابه قائلا: «... كأنما جئت مهددا ~~ولم تأت مصلحا، هيهات يا عدي! كلا والله، إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان، # 15 # وإنك والله لمن المجلبين على ابن عفان - رضي الله عنه - وإنك لمن قتلته، ~~وأرجو أن تكون ممن يقتل الله - عز وجل - به، هيهات يا عدي بن حاتم! لقد حلبت بالساعد ~~الأشد ...» # وكان يحتفل بتحضير الكلام، فيقول كما قال في صفين: «الحمد لله الذي دنا في علوه وعلا ~~في دنوه، وظهر وبطن، وارتفع فوق كل ذي منظر، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، يقضي ~~فيفصل، ويقدر فيغفر، ويفعل ما يشاء، إذا أراد أمرا أمضاه، وإذا عزم على شيء قضاه، لا يؤامر # 16 # أحدا فيما يملك، ولا يسأل ms090 عما يفعل وهم يسألون، والحمد لله رب ~~العالمين على ما أحببنا وكرهنا، وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه ~~البقعة من الأرض، ولفت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر، وقد قال الله ~~سبحانه وتعالى: «ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد» انظروا يا أهل ~~الشام! إنكم غدا تلقون أهل العراق، فكونوا على إحدى خصال ثلاث: إما أن تكونوا طلبتم ~~ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم، فأقبلوا من بلادكم حتى نزلوا بيضتكم، # 17 # وإما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم، وإما أن تكونوا ~~قوما تذبون # 18 # عن نسائكم وأبنائكم، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل، واسألوا الله لنا ~~ولكم النصر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الفاتحين.» ~~••• # وهذه خطبة ربما أضيف إليها بعض العبارات المستحدثة بعد عصرها، كالمقابلة بين العلو ~~والدنو، وبين القضاء والقدر، ولكنها فيما عدا ذلك لا تستغرب من زمانها ولا موضعها، ~~وقد خطب معاوية لا شك في ذلك، وما بقي من خطبه غير مستغرب من زمانه وموضعه، فهو في ~~طبقة هذه الخطبة وعلى نهجها، ومنه آخر كلامه قبل موته حيث قال: # أيها الناس، إن من زرع قد استحصد، وقد طالت عليكم إمرتي حتى مللتكم ~~ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، وإنه لا يأتيكم بعدي إلا من هو ~~شر مني، كما لم يأتكم قبلي إلا من كان خيرا مني، وإن من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه ... اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقائي. # وتحفظ له الكلمات من جوامع الكلم ومن التعبير المونق # 19 # الجميل، ولكنها غير كثير، فمنها قوله: «إن السلطان يغضب غضب الصبي، ويبطش ~~بطش الأسد.» وقوله: «لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، أرخيها إذا شدوها، ~~وأشدها إذا أرخوها.» # ودخل عليه عمرو بن العاص فرآه يرقص إحدى بناته، وكأنه لمح منه تعجبا لفعله، فنظر ~~إليه وهو يقول: هذه تفاحة القلب. # فلم يكن من المفحمين، # 20 # ولا من ذوي السجية في القول، وقد سمع غير ms091 مرة يقول ما معناه: إنما ~~شيبني حذر الخطأ في الجواب. # وندر بين معاصريه من النابهين من لم تنسب إليه أبيات من الشعر تصح أو لا تصح في النقل ~~والرواية. # وقد نسب إلى الحسن بن علي - رضي الله عنه - أنه عيره أبياتا كتب بها إلى أبيه ~~يحذره من الإسلام، وهي: # يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا # بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا # خالي، وعمي، وعم الأم ثالثهم # وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا # لا تركنن إلى أمر تكلفنا # والراقصات به في أمرنا الخرقا # 21 # فالموت أهون من قول العداة لقد # حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا # 22 # والحسن أحق أن يتحرى ما يحفظه وما ينسبه، وما كان معاوية على مبعدة من أبيه فيكتب ~~إليه، ولا كان من دأب معاوية أن ينصح أباه، وقد عاش إلى آخر أيامه يشاوره ولا يبرم ~~أمرا دونه، وهي - بعد - أبيات ليست من نفس الشعر في صدر الإسلام، ولكنها تشبه ~~المقطوعات التي فاضت بها الكتب الموضوعة في حرب صفين، وتكاد تلقي في روع القارئ أنهم ~~في ذلك العهد لم يفوهوا بسطر من النثر إلا ومعه سطر منظوم. # ومن قبيل هذه الأبيات أبياته التي قيل: إنه بعث بها إلى ابن الزبير مع رسالة يدعوه ~~فيها إلى مبايعة يزيد بولاية العهد، وهي: # رأيت كرام الناس إن كف عنهمو # بحلم رأوا فضلا لمن قد تحلما # ولا سيما إن كان عفوا بقدرة # فذلك أحرى أن يجل ويعظما # ولست بذي لؤم فتعذر بالذي # أتاه من الأخلاق ما كان ألأما # ولكن غشا لست تعرف غيره # وقد غش قبل اليوم إبليس آدما # فما غش إلا نفسه في فعاله # فأصبح ملعونا وقد كان مكرما # وإني لأخشى أن أنالك بالذي # أردت فيخزي الله من كان أظلما # فليس هذا الشعر من نسق عصره، ولا من عادات رجاله في مقام كهذا المقام، ولكن الأمر ~~الذي يعهد فيهم مع روايتهم للشعر والمثل أنهم يستشهدون بالأبيات في موضعها، ويتأسون ~~بها في موقعها، وكذلك قيل: إن معاوية ذكر أبيات ابن الأطنابة ms092 ساعة فراره من المعركة ~~ليلة الهرير؛ فعاوده الثبات وجعل يترنم بها ويسمعه من حوله يعيد منها: # وقولي كلما جشأت وجاشت: # 23 # مكانك تحمدي أو تستريحي # وقيل: إنه تمثل شعرا وهو يجود بنفسه، فقال: # وتجلدي للشامتين أريهمو # أني لريب الدهر لا أتضعضع # ثم قال: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة # 24 # لا تنفع # وقيل غير ذلك مما لا داعي للشك فيه إذا كان محصوله كله أنه كان يحفظ الأشعار ~~والأمثال، ويستشهد بها في مواطنها على سنة نظرائه من العرب أجمعين. # ولنا - بعد - أن نفهم أنه نشأ في الجاهلية نشأة أبناء الأسر وأصحاب الرئاسة الموروثة، ~~وتعلم ما يتعلمونه، وتدرب على دربتهم التي ألفوها، إلا أنه كان إلى تربية التجارة ~~والتدبير أدنى منه إلى تربية الفروسية والنضال، فلم يؤثر عنه من فعال الفروسية بعد ~~بلوغه مبلغ الرجال فعل يميزه بدربة خاصة على فنونها المعهودة في زمنه كالمسايفة، ~~وإصابة الهدف، والسبق على متون الخيل، والصمود للأقران في المبارزة، ولعل تربيته ~~الفروسية لم تزد على القدر الضروري الذي يعاب الجهل به، ولا يبرز إلى مكان التنويه ~~والتمييز. # وهذا القسط من التربية كاف لسروات الجاهلية من العاملين في مثل عمله وعمل أبيه، وهو ~~تدبير التجارة القرشية، وحمل اللواء لحمايتها، والاستعانة بمن يصلحون لحراستها، ~~ويذبون عنها بالسلاح إذا وجب الذب عنها. # أما بعد الإسلام فهذه التربية، أو هذه النشأة، تقترن بسؤال آخر عن نصيبه من فقه الدين ~~والثقافة الإسلامية، ويكاد يدعو الأمر هنا إلى سؤال غير هذا السؤال في أمر الدين من ~~أساسه، فإن أناسا من الغلاة قد شككوا في إسلامه، بل جزموا بإسلامه على دخلة ومداهنة، ~~فهل كان لهذا الشك من مسوغ في عمله، أو كلامه بعد إسلامه مع أبيه في عام الفتح كما هو ~~معلوم؟ ~~••• # لقد تأخر إسلامه كما تأخر إسلام أبيه، فأسلما معا في عام الفتح وهو في نحو الثالثة ~~والعشرين، وليس هذا التأخر بموجب للشك في عقيدته؛ لأنه يحدث في كل دين وفي كل دعوة، ~~وينقسم الناس في جميع الدعوات الدينية والفكرية ms093 إلى مبادرين ومترددين ومتلبثين ~~متلكئين لا يستجيبون لها إلا مع آخر مستجيب، ولا يندر بعد ذلك أن يكون المتأخر أصدق ~~إيمانا، وأثبت عقيدة من المبادر المتقدم، وليس من الجائز أن تتخذ العادة المطردة في ~~الاستجابة للدعوات حجة على نقيضها؛ فما كانت الدعوات قط إلا هكذا أو لا تكون. # ومعاوية بعد إسلامه لم تثبت عليه كلمة ولا فعلة تنقض تصديقه بدينه ورعايته لفروضه ~~وشعائره: كان يصلي ويصوم، ويزكي ويحج، ويقرأ القرآن ويستمع إليه، وكانت كل لفظة فاه ~~بها وأحصيت عليه في مرض الوفاة تدل على الإيمان بلقاء الله، وعلى الإيمان بالجزاء في ~~العالم الآخر، ومما تواتر من أحاديث الملازمين له في ساعاته الأخيرة أنه كان يحتفظ ~~بقلامة من ظفر رسول الله، وشعرات من لحيته الشريفة، أخذها من وضوئه، وما زال محتفظا ~~بها حتى أوصى بأن تدفن في كفنه، وكل أولئك قد يسري إليه الظن ممن تغالبه الظنون، إلا ~~المعيشة بين الأهل والبنين حيث ينطلق المرء على سجيته، وتبدر الفلتات على الرغم من ~~طول الحذر والمراوغة ممن لهم باطن غير ظاهرهم في العقيدة الدينية، ولا نتصور أن رجلا ~~له باطن وظاهر في أمر العقيدة ينشأ من بيته مؤمنان تقيان، كخالد ومعاوية الثاني ~~حفيديه؛ فإن إخفاء البواطن عشرات السنين حيث يعيش المرء على رسلته # 25 # أمر يفوق طاقة الإنسان. # قلنا في عقيدة صاحبه عمرو بن العاص: إنه «مسلم لا شك في إسلامه، ولا شك في طبعه، ولا ~~شك في اختلاف الطبائع بين المعتقدين جميعا في كل دين من الأديان ورأي من الآراء، ~~فلما فتحت له الحيطة باب التفكير في الإسلام أقبل عليه، وود لو يغنمه بريئا من عقابيل # 26 # الجاهلية؛ لأنه نفض يديه منها وأيقن بضلالها.» ~~••• # قال وقد اعتزم لقاء النبي - عليه السلام - ما فحواه: «فلقيت خالدا فقلت: ما رأيك؟ قد ~~استقام المنسم والرجل نبي، فقال خالد: وأنا أريده، قلت: وأنا معك ... وكنت أسن منهما ~~فقدمتهما لأستدبر أمرهما، فبايعا على أن يغفر لهما ما تقدم من ذنوبهما، فأضمرت أن ~~أبايعه على أن يغفر ms094 لي ما تقدم وما تأخر، فلما بسط يده قبضت يدي، فقال عليه السلام: ~~ما لك يا عمرو؟! قلت: أبايعك يا رسول الله، على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، قال: إن ~~الإسلام والهجرة يجبان ما كان قبلهما، فبايعته، ووالله ما ملأت عيني منه ولا راجعته ~~بما أريد حتى لحق ربه؛ حياء مني.» # وقلنا قبل ذلك: «ومن سيرة عمرو بعد إسلامه نعلم أنه كان يتعبد، ويتصدق ويستغفر من ~~ذنوب وقع فيها، ويقيم الصلاة، ويسرد الصوم، ويعيش بين ذويه مسلما، وكلهم ~~مسلمون.» # ويقال في معاوية كل ما يقال في عمرو مع اختلاف الطبائع، وبقاء لوازمه أو ملازماته في ~~أعمق أعماق الطوية على غير وعي من صاحبها؛ حيث يستوحيها مع العقيدة في أعماله الظاهرة ~~وسرائره الخفية. # ومن حيل الطبع في العلاقة بينه وبين ربه أنها لا تخرج عن وحي سليقته في العلاقة بينه ~~وبين الناس. # كان حريصا على أن يبرئ ذمته، ويلقي تبعته بما وسعه من حيلة وحول ، وهكذا كان اجتهاده ~~في نفي التبعة عنه بين يدي الله. # انظر مثلا إلى حيلة طبعه حين أراد أن يبرأ إلى الله من أخذ البيعة بعده لابنه يزيد، ~~قال في إحدى خطبه: «اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت في فضله فبلغه ما أملت ~~وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده، وإنه ليس لما صنعت به أهلا، فاقبضه قبل ~~أن يبلغ ذلك.» # وكأننا به يسائل نفسه بعد ذلك: «ماذا بقي من التبعة علي في عقابيل هذه البيعة؟ غاية ~~ما أرعى به حق الله في أمر ولدي الذي أحبه أن أسأل له الموت إن كان غير أهل لولاية ~~العهد بعدي، فإن كان الله قد أبقاه ولم يقبضه، فقد صنعت ما يستطيعه والد يظن بينه ~~وبين نفسه أنه قدم حب ولده على رعاية حق الله.» # ومن حيل الطبع في خطبته الأخيرة قوله: «إن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ~~اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقائي.» # حجة مقبولة عند الله؛ مخلوق يحب أن يلقى خالقه، ms095 فالله يحب أن يلقاه. # واختلاف طبائع الناس في الدين على غير وعي منهم لا معنى له إلا أنهم يتدينون على حسب ~~طبائعهم، وليس معناه أنهم يناقضون الدين ولا ينطوون في بواطنهم عليه. # ومن تحصيل الحاصل أن يقال: إن معاوية يعلم من فقه دينه ما لا بد أن يعلمه رجل كتب ~~للنبي، وحضر مجالسه، وحضر عهده كله، وعهد خليفته من بعده، ومرت به الأقضية التي فصل ~~فيها ولاة الأمر على مسمع منه، وراجع الفقهاء من الصحابة فيما أشكل عليه بعد ذلك من ~~أشباه تلك الأقضية، فهو على نشأته الجاهلية والإسلامية لم يقصر في معارف دينه ودنياه ~~عن الطليعة بين نظرائه من السادة الأمويين والقرشيين. # | الأعمال # منذ الفتح الإسلامي لم يعزل وال واحد من ولاة الشام لشكاية الرعية منه، ولم يتول ~~لعراق وال واحد لم يعزل للشكايات الكثيرة، التي كانت تتقاطر على دار الخلافة من ~~رعيته. # ويزول العجب بعض الشيء إذا نحن قسمنا القطرين قسمين آخرين: قسم هو حصة الدولة ~~البيزنطية، وقسم هو حصة الدولة الفارسية. # فالشام التي كانت حصة الدولة البيزنطية كانت طويلة العهد بالنظم الإدارية والحكومية، ~~وكانت فيها مدن من عواصم الدولة الكبرى، وعليها رؤساء من المميزين في الدولة بشارات ~~السياسة والدين، وقد فتحها المسلمون على شروطهم المحدودة للذميين المعاهدين؛ لأن ~~أهلها كانوا جميعا من أهل الكتاب، فلما استقر الأمر للدولة الإسلامية فيها بعد زوال ~~الدولة البيزنطية، لم تكن من جانب الرعية مقاومة إجماعية، ولم يكن على شروط المعاهدة ~~خلاف بين الحكام والمحكومين. # وكانت الشام كذلك أقرب إلى الاستقرار؛ لأن حدودها جميعا كانت في بلاد الدولة ~~الإسلامية، إلا الجانب الذي يلي تخوم الدولة البيزنطية، ولم يكن منه خطر كبير بعد ~~صدمة الهزيمة الكبرى التي مني بها هرقل، وودع بعدها تلك البلاد وداع الأبد، وكان كل ~~خطر من هذا الجانب - عظم أو صغر - تتلقاه الدولة الإسلامية بجيوشها البرية وأساطيلها ~~البحرية في جملتها، فلم تكن الشام منفردة بالدفاع إذا هجم الروم برا أو بحرا، بل ~~كانت الولايات من إفريقية ومصر، ومن الجزيرة ms096 في بعض الأحايين تتجمع لدفع الهجمات أو ~~لاتقائها قبل وقوعها. # وكانت سياسة عمر في تمكين الفتوح وتحصينها أنفع السياسات للشام خاصة؛ إذ كانت خطته ~~كما جاء في فتوح البلدان للبلاذري أنهم «كلما فتحوا مدينة ظاهرة، أو عند ساحل رتبوا ~~فيها قدر من يحتاج لها من المسلمين، فإن حدث في شيء منها حدث من قبل العدو سربوا # 1 # إليها الإمداد.» # فانتظمت معاقل الدفاع عن الشام على شواطئها وعند أطرافها، وأحيطت من كل جانب ~~بالمدافعين عنها من جند الدولة الإسلامية في الشرق والشمال والجنوب. ~~••• # ولا نحذرن شيئا كما ينبغي أن نحذر الإشاعات التي نسميها بالإشاعات التاريخية، ومن ~~قبيلها إشاعة الضعف عن عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - فقد جنت هذه الإشاعة على ~~النقد التاريخي، حتى خيل إلى الناس أنه لم يعمل عملا قط اتسم بالقوة أو خلا من ~~الضعف، وهو إسراف في الرأي كإسراف جميع الإشاعات من قبيلها؛ لأن سياسة عثمان البحرية ~~كانت أقوى السياسات، وكان فيها قدوة لمن بعده، ولم يكن مقتديا بأحد قبله، ونحسبه عرف ~~خطر الشواطئ والموانئ من عمله في التجارة، فأصلح ميناء جدة في الحجاز، ولم يغفل لحظة ~~عن الشواطئ المفتوحة في إفريقية ومصر والشام، ولا يقال عن حملة واحدة من حملات البحر: ~~أنه كان مسوقا إليها برأي غيره، فإنه - على ما هو معلوم من سبق معاوية إلى الاستئذان ~~في فتح قبرص أيام الفاروق - لم يأت العزم الأكبر في هذه الحملة إلا من جانب عثمان؛ إذ ~~كتب إلى معاوية يستوثق من جده في فتح هذه الجزيرة وتأمين الملاحة حولها، فأمره - كما ~~جاء في البلاذري - بأن يركب البحر إليها ومعه امرأته «فإن ركبت البحر ومعك امرأتك، ~~فاركبه مأذونا لك وإلا فلا.» # كانت هذه حال الشام يوم تولى معاوية إقليما منها على عهد الفاروق، ثم تولاها جميعا ~~على عهد عثمان. # وبخلاف ذلك، كانت حالة العراق من جميع الوجوه، فلم تكن فيها معاهدات ذمية تدين ~~الرعية، ولم تكن حدودها الشرقية والشمالية آمنة كل الأمان في زمن من الأزمان، فكانت - ~~من البصرة، ms097 إلى أرمينية، إلى خراسان - عرضة للحملات والفتن في كل آونة، وكانت الدول ~~الإسلامية لا تفرغ لها كل قوتها كما أفرغتها للدفاع عن الشام أمام الدولة البيزنطية؛ ~~لأن دولة فارس ذهبت بذهاب ملكها، فلم يحسب لها المسلمون حساب القوة المتجمعة، وسلكوا ~~فيها مسلك التأهب للمفاجآت الطارئة من هنا وهناك، وليس فيها ما يشغل بال دولة في ~~مواجهة دولة أخرى. ~~••• # وعلى هذا، كان العراق - أو كانت الجزيرة كلها - أطرافا مهملة في أيام الدولة ~~الفارسية، فلم يكن لها نظام من نظم الإدارة المتناسقة يسير عليه الحكم كما سارت ~~الحكومة الإدارية في الشام، ولم تتضح علاقات الحاكمين بالمحكومين في أنحائها، كما ~~اتضحت مع المعاهدين الذميين. # وأعضل من ذلك كله بين مشكلاتها أن الفتح الإسلامي قد جاءها بمجتمع مختلف منقول إليها ~~بحذافيره من سادته وقادته إلى سوقته ومواليه. # فقد انتقل إليها رهط من القادة وذوي الرئاسة ليقيموا فيها، ويزرعوا الأرض، ويتجروا ~~بين أنحائها، وعاش إلى جانبهم ألوف من الجند المقيمين والجند العاملين ، وكلهم لهم ~~أعطية من بيت المال، يعطاها من عمل في الفتوح الأولى ومن يعمل في الغزوات التالية، ~~وكان تقسيم الأعطية مشكلة من مشكلات هذا المجتمع المنقول، فمن بقي عاملا في الغزوات ~~يحسب له حقا يستكثره على سابقيه من المجاهدين المقيمين، وأعطية بيت المال تأتي كلها ~~من المدينة، أو تصرف كلها بتقديرها، ويلام الولاة في نظر الجند؛ لأنهم لا يفرقون في ~~الإحصاء والتقدير بين الفريقين، ويلامون لأنهم يعيشون بين أقربائهم وعشيرتهم ويتعرضون ~~لشبهات المحاباة بالحق أو بالباطل، ولا تنقطع الشكاية من الولاية، إلا ريثما يعزل ~~واحد منهم ويتلوه خلف له أخذ في العمل، فيأخذه القوم كرة أخرى بالتهم ~~والشبهات. # وقد ثقلت أعباء هذه الشكايات على كاهل الفاروق وهو في هيبته وعزمه، واقتداره على فض ~~المنازعات، فلم يكن يرى في جوانب المسجد مغموما إلا علم أصحابه أنه مشغول بشكاية من ~~شكايات الرعية أو الجند في العراق. ~~••• # وبدأ معاوية أعماله العامة في الشام وهي بتلك الحالة من الاستقرار بالقياس إلى جميع ~~الولايات الإسلامية الأخرى، وجاء عمله ms098 فيها تدريجيا من معاونته لأخيه يزيد إلى ~~قيامه على ناحية من الشام خلفا له إلى قيامه على الشام كلها في أيام عثمان، فكان كل ~~عمل من هذه الأعمال بمثابة «فترة تمرين» للعمل الذي يليه ويزيد عليه في السعة ~~والتكليف، وكانت الأعمال «الحربية» أو أعمال التحصين يتولاها من حوله رجال من صناديد ~~الحرب كعبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن خالد، فلم يقم قط بقيادة حربية مستقلة وصل بها ~~إلى نتيجة حاسمة أو ناجحة. # ثم نشبت الفتنة الوبيلة في خلافة عثمان وهو بمعزل عنها، وقتل عثمان فاتخذ من مقتله ~~ذريعة للخروج على الإمام علي وإنكار بيعته، وأسرف كل الإسراف في التذرع بهذه الذريعة ~~قبل استقلاله بالخلافة، فما كان له من مسوغ يتعلل به غير مقتل عثمان يردده في كل ~~حديث، وفي كل خطاب وفي كل جواب، وينكر عليه بعض صحبه أن يمنع عليا وأصحابه الماء في ~~وقعة صفين، فيجد المعذرة له في صنيعه أنه يمنعهم الماء؛ لأنهم منعوا عثمان الماء وهو ~~محصور. # واستند إلى آية من القرآن الكريم فسرها برأيه؛ ليقنع أنصاره بأنه على حق وأنه منصور، ~~وهي قوله تعالى: # ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا ~~. # وعلى قدر اللهج بهذه الفاجعة قبل استقلاله بالخلافة سكت عنها وأغفلها بعد ذلك، فلم ~~يعد إليها قط إلا ليعتذر إلى قرابة الخليفة المقتول من سكوته وإغفاله. # وينبغي هنا أن نذكر أن معاوية لم يكن بحاجة إلى قدرة خارقة؛ لإثارة الشام باسم ~~الخليفة المقتول؛ فإن عثمان كانت له مصاهرة في بني كلب أكبر قبائل البادية في الشام، ~~وكانت زوجه نائلة بنت الفرافصة تصف مصرعه في رسائلها، وتبعث بقميصه المخضب بالدم ~~وأصابعه المبتورة، فترفع على المنبر حيث يراها شهود المسجد في كل صلاة، وكان جند ~~الشام بعيدين عن معمعة # 2 # الفتنة، لم يسمعوا صوتا من أصوات الثورة على الخليفة المقتول، ولا حجة ~~من حجج السخط على حكمه، وكانوا بين معسكرين أقربهما إليهم ms099 وإلى عملهم معسكرهم في ~~ولاية معاوية، ومنهم طائفة كان يستبقيها لديه ولا يأذن لأحد منها أن يبتعد من جواره ~~برهة إلى معمعة الفتنة؛ مخافة عليه من الاستماع لحجج المخالفين، فيداخله الشك في ~~دعوته ودعواه. ~~••• # ولم ينته معاوية في نزاعه لعلي إلى موقف فصل، بالحرب أو بالسياسة، ففي وقعة صفين حلت ~~الهزيمة بجيشه ليلة الهرير، وأيقن بسوء العاقبة إذا استمرت مدة القتال، فأشار عليه ~~عمرو بن العاص بحيلة المصاحف، فرفعوها في اليوم التالي ونادوا بالتحكيم إلى كتاب ~~الله، فاختلف جند الإمام واضطر في جنده المختلف إلى قبول التحكيم. # ومن المؤرخين من يبالغ في خطر التحكيم، ويجعل له شأنا في عواقب النزاع لم يكن له ولا ~~كان من المعقول أن يكون له بحال. # فهذا التحكيم لم يكن ليبدل تلك العواقب على أية نتيجة من النتائج انتهى إليها، سواء ~~اتفق الحكمان على خلع علي ومعاوية معا، أو اتفقا على خلع أحدهما دون الآخر، أو لم ~~يتفقا على شيء. # ففي كل حالة من هذه الحالات، كانت العواقب صائرة إلى ما صارت إليه بلا اختلاف، وكان ~~المعسكران يمضيان في طريقهما الذي مضيا فيه، فلا يسلم أحدهما لصاحبه برأي يمليه عليه ~~الحكمان متفقين أو غير متفقين. # إنما وقعت الواقعة الحاسمة بمقتل علي - رضوان الله عليه - دون صاحبيه، ثم آلت خلافته ~~إلى ابنه الحسن في معسكر مضطرب بين الخوارج والشيعة والموالي والأتباع الذين لا ~~يعملون عمل الأتباع طائعين، ولا يعملون عمل الرؤساء مقتدرين مضطلعين، وورث الحسن ~~معسكرا لم يطل عليه عهد الولاء لأحد قط؛ ليناضل به معسكرا لم يقع فيه خلاف قط منذ ~~الفتح الأول، إلا الخلاف الذي كان يريده معاوية ويعمل له؛ حذرا من مغبة الاتفاق ~~عليه. ~~••• # ولما امتنع طلب البيعة لغير معاوية بويع معاوية وحده، أو بقي معارضوه متفرقين لا يلوذ ~~فريق منهم برئيس يرشح نفسه لخلافة أو ينهض لها بحجة، فترك هؤلاء المتفرقين في العراق ~~يضرب بعضهم بعضا، أو في الحجاز لا يعملون شيئا غير الترقب والانتظار. # ولا شك أن معاوية قد استفاد في ms100 إمارته - منذ اللحظة الأولى - من كل نظام مفيد في ~~حكومة الشام، فأبقى ما لا غنى عنه من نظم الإدارة، وتوسع فيه وزاد عليه، وأبطل ما لا ~~هابد أن يبطل مع الدولة المتبدلة والدين الجديد. # وقد وكل الإدارة المالية إلى القائمين بها في أيام الدولة البيزنطية، وعلى رأسهم ~~سرجون بن منصور، ثم ابنه منصور بن سرجون، ووكل الإدارة الكتابية إلى عبد الله بن أوس ~~الغساني من وجوه الغساسنة أصحاب الملك القديم في الشام، ونظم البريد وتوسع فيه؛ ~~للاطلاع على أخبار الأقاليم وإبلاغ الأخبار إليها على انتظام وترتيب، وأنشأ ديوان ~~الخاتم لمراجعة الحساب بين العاصمة والولايات، وعزز بناء الأسطول بتجديد مصانع السفن ~~في عكا، واستجلب من فارس كل عامل نافع في مسائل الخراج والإحصاء، وعني بتسجيل ~~المواليد والوفيات لتقسيم الأعطية والأرزاق، وجعل للجند عملا يصرفهم عن البطالة ~~والشقاق، فداول بينهم وبين مواعيد الصوائف والشواتي وهي مواعيد الحراسة والغزو في ~~بلاد الروم من تخوم الشام إلى أرباض # 3 # القسطنطينية، وكان يحرك الأساطيل من حين إلى حين لتهديد القسطنطينية، ~~وسواحل الدولة البيزنطية؛ ليشغلها بالدفاع عن التفكير في الهجوم. # وبرزت حزامة معاوية في تدبير شئون ملكه مع ما اشتهر به ساسة العصر - في إقبال الدولة ~~والدنيا - من الكلف بمناعم العيش والتهافت على المتع والملذات، بل مع اشتهار معاوية ~~نفسه بمثل هذا الكلف في بيته وفيما يشهده الناس من أبهته وزينته، فكان عظيم العناية ~~بأطايب الخوان، كثير الزهو بالثياب الفاخرة، والحلية الغالية، وكان يأكل ويشرب في ~~آنية الذهب والصحاف المرصعة بالجواهر، ويأنس للسماع واللهو ولا يكتم طربه بين خاصة ~~صحبه «لأن الكريم طروب». ~~••• # إلا أنه كان على هذا كله لا يضيع عملا في سبيل لذة، ولا ينكص عن مشقة تواجهه من أجل ~~متعة تغريه، وربما أمر بإيقاظه ساعات من الليل لمراجعة الرسائل والشكايات من أطراف ~~الدولة القاصية، وربما جلس للمظالم نهارا فاستمع إلى الجليل والدقيق منها، ونظر في ~~بعضها، وأحال بعضها إلى من يناط بها ويحاسبه على النظر فيها، وكانت له قدرة على ضبط ~~هواه حين ms101 يريد، وقدرة على تصريف وقته كما يشاء. # ولما برزت منه هذه القدرة للشاهد والغائب أتيحت له حجة لطلب الخلافة أغنته عن اللجاجة ~~بمظلمة عثمان، فكان يخطب فيقول: «إنني إن لم أكن خيركم فأنا أنفعكم لأنفسكم.» وكان ~~يقول للحسن ولغيره: «إنه لو علم أن أحدا أضبط لشئون الملك منه وأقدر على جمع الرعية ~~حوله؛ لما نازعه هذه الأمانة الثقيلة على عاتقه.» # وإذا كان الأمر أمر قدرة وعجز، فلا جدال في وصف معاوية بالقدرة ونفي العجز عنه؛ لأنه ~~من الصفات التي ترد على بال عارفيه أو خصومه. # بيد أن القدرة - كما قلنا في الصفحات الأولى من هذه الرسالة - هي أحوج الصفات إلى ~~التقدير؛ لأنها لا تعرف إلا بمقدارها، ولا تدل على شيء إن لم تكن قدرة على هذا الشيء ~~أو ذاك. # وتقدير هذه القدرة التي امتاز بها رأس الدولة الأموية - فيما نرى - أنها كانت الحزم ~~غاية الحزم في الشوط # 4 # القصير، ولكنها تخلو من الحزم، أو تنحرف إلى نقيضه في الشوط الطويل ~~والأمد البعيد. # إن معاوية لم يضيع عملا حاضرا في سبيل متعة حاضرة، ولكنه أوشك أن يضيع الغد كله في ~~سبيل اليوم الذي يشهده، أو في سبيل العمر الذي يحياه. # ألجأته الحاجة إلى إنفاق المال في أبهة الملك والإغداق على الأعوان والخدام إلى إرهاق ~~الرعية بالضوابط، ومخالفة العهود مع أصحاب الجزية، فكان من الولاة من يطيعه، ومنهم من ~~يجيبه معترضا كما فعل وردان في مصر حين أمره بذلك، فأجابه سائلا: «كيف أزيد عليهم ~~وفي عهدهم ألا يزاد عليهم؟» # ومن الولاة الذين أنكروا أن تستصفى الأموال لبيت مال الخليفة والي خراسان، الذي كتب ~~إليه زياد يأمره ألا يقسم في الناس ذهبا ولا فضة، فكتب الوالي إلى زياد: «بلغني ما ~~ذكرت من كتاب أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله تعالى قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه ~~والله لو أن السماء والأرض كانتا رتقا # 5 # على عبد، ثم اتقى الله جعل له مخرجا، والسلام.» # إلا أن الولاة الذين أطاعوا وبالغوا في الطاعة أكثر من الذين ms102 ذكروا بالمخالفة، ~~وكلما اشتدت الحاجة إلى المال اشتد الطلب على الرعية، وعمد بيت المال إلى احتجاز حصة ~~الزكاة من الأعطية لحسبانها في الهبات والهدايا، وفتح هذا الباب على مصراعيه فتوسع ~~فيه كل خليفة بعد معاوية، حتى جعلوا يحاسبون الناس «على التخمين»، ويحصون عليهم ~~ثمراتهم قبل أن تنبتها الأرض، فيحسبونها عليهم بثمن دون ثمنها، ويأخذون منها ما يصل ~~إلى أيديهم بالثمن الذي اختاروه، وتمادى هذا العسف إلى عهد عمر بن عبد العزيز الذي ~~استنكره، وكتب إلى بعض ولاته يقول: «إن عمالك يخرصون # 6 # الثمار عن أهلها، ثم يقومونها بسعر دون سعر الناس الذين يتبايعون به، ~~فيأخذونها قرفا # 7 # على قيمتهم التي قوموها ...» ولم ينته هذا العسف حتى كانت نهايته بداية ~~للخراب، وإفلاس الدولة في ختام عهدها، فكان إفلاسها هذا - على حين حاجتها إلى مضاعفة ~~المورد - سببا من أسباب التعجيل بزوالها. # وكأنما كان غرام معاوية بأبهة الملك زهوا في قرارة النفس لا يبالي أن يباهي به من ~~صادفه، ولو كان من الزهاد المنكرين للترف والسرف ، وخيلاء الثراء والفخر بالبناء ~~والكساء، فلما بنى قصر الخضراء بلغ من إعجابه بالبناء أن سأل أبا ذر داعية الزهد ~~والكفاف من الرزق: كيف ترى هذا؟ # فسمع منه جوابا كان خليقا أن يترقبه لو لم يكن لزهوه بما ابتناه لا يصدق أن أحدا ~~يراه بغير ما رآه، قال أبو ذر إمام «الاشتراكيين» في ذلك الزمان: «إن كنت بنيته من ~~مال الله فأنت من الخائنين، وإن كنت بنيته من مالك فأنت من المسرفين ...» ~~••• # وأشأم من هذه السياسة المالية سياسة الأمن، أو سياسة ضبط الأمور كما كان ~~يسميها. # فليس أضل ضلالا ولا أجهل جهلا من المؤرخين الذين سموا سنة «إحدى وأربعين هجرية» ~~بعام الجماعة؛ لأنها السنة التي استأثر فيها معاوية بالخلافة فلم يشاركه أحد فيها؛ ~~لأن صدر الإسلام لم يعرف سنة تفرقت فيها الأمة كما تفرقت في تلك السنة، ووقع فيها ~~الشتات بين كل فئة من فئاتها كما وقع فيها. # إذ كانت خطة معاوية في الأمن والتأمين قائمة على فكرة ms103 واحدة هي التفرقة بين الجميع، ~~وسيان بعد ذلك سكنوا عن رضا منهم بالحال، أو سكنوا عجزا منهم عن السخط والاعتراض، ~~وكان سكونهم سكون أيام أو كان سكون الأعمار والأعوام. # ولم يقصر هذه الخطة على ضرب خصومه بعضهم ببعض، كما فعل في العراق حيث كان يضرب الشيعة ~~بالخوارج، ويضرب الخوارج بالشيعة، ويفرق بين العشائر العربية بمداولة التقريب ~~والإقصاء لعشيرة منهم بعد عشيرة، بل كان يفعل ذلك في صميم البيت الأموي من غير ~~السفيانيين، فكان يأمر سعيد بن العاص بهدم بيت مروان كما تقدم، ثم يأمر مروان بهدم ~~بيت سعيد، ويغري أبناء عثمان بالمروانيين كما يغري المروانيين بأبناء عثمان. # وفرق بين اليمانية والقيسية، أو بين جنوب الجزيرة وشمالها، فأعطى حسان بن مالك سيد ~~القحطانيين حكمه في صدارة المجالس لليمانية، ومضاعفة الأجر لهم، أو للألفين الذين ~~اصطفاهم من حزبه ورهطه، وجعل لكل هؤلاء الألفين حق التوريث من بعده لأقرب الناس إليه ~~في رواتبه، وأرزاقه ووجاهته وقيادته، واشترط رؤساء اليمانية عليه ألا يعقد في أمر، أو ~~يحله إلا بعد مشورة منهم يقدمهم فيها على ولاته ووزرائه. ~~••• # وفرق كذلك بين العرب والموالي، وأوشك أن ينكل بالموالي؛ ليقصيهم عن مناصب الدولة وعن ~~الإقامة في عواصمها؛ لأنه كان يعلم أن العرب يلوذون برؤسائهم، ولا رؤساء للموالي ~~يلوذون بهم في نقمة أو مظلمة. # وانفتح للموالي بذلك باب اللياذ بأصحاب المذاهب والدعوات؛ لأنهم رءوسهم دون الرءوس، ~~وقادتهم دون القادة، فلم يكد داعية من الدعاة يجهر بمذهب معقول أو غير معقول إلا ألفى ~~إلى جانبه جموعا من الموالي تصغي إليه، ووافق ذلك أن الخوارج من صميم العرب كانوا ~~يدعون إلى مذهب في الخلافة يوافق الموالي في كل أمة؛ لأنه مذهب لا يحصر الخلافة في ~~النسب ولا في قريش، ولا يرى لها شرطا غير التقوى والصلاح، فتفرق الموالي بين الخوارج ~~والشيعة، ونصروا هؤلاء تارة وهؤلاء تارة أخرى؛ لأنهم جميعا يحاربون بني أمية. # واتبع هذه الخطة - خطة التفرقة - بين أهل الشام الذين تمهدت له ولايتهم من قبل ~~الإسلام، فاستخلص لنفسه فرقة منهم ms104 لا تخرج من الشام ولا تلتقي بأحد من دعاة العراق أو ~~الحجاز أو مصر أو إفريقية، ثم نقل إلى الشام طوائف شتى من غير أهلها، فنقل إليها ~~طوائف الزط والسيابجة من البصرة، ونقل إلى الأردن وصور طوائف من الفرس والموالي، ونقل ~~إلى أنطاكية أساورة # 8 # الموانئ بالعراق، وخلط العرب بالعجم، وهؤلاء بسلالة الشاميين في كل بقعة ~~من بقاع البلاد التي عرفت من قديم باسم البلاد السورية. # ولم يستطع أن يستخلص قبيلة بني كلب كلها؛ لأن منهم أصهار عثمان وبيت مروان، فاستخلص ~~منهم أخوال يزيد، وأصبحوا بعد ذلك فريقين: فريق يدعو إلى خالد بن يزيد، وفريق يدعو ~~إلى مروان. ~~••• # وواضح من هذه التفرقة أنه كان يكف يده عن البطش والنكاية في معاملتهم جميعا على ~~اختلاف النسب والمقام؛ لأنه كان يغري بعضهم ببعض فيستغني بالوقيعة بينهم عن الإيقاع ~~بهم، ولكنه على هذا كان يؤيد سياسة الإيقاع مهما يكن من قسوتها وغلظتها، كما أيدها ~~أقسى الولاة وأغلظهم في زمانه وبعد زمانه، وكان يختار لها من يعلم أنه يفرط فيها، ولا ~~يقتصد في شرورها وموبقاتها، ولا يبالي أن يأخذ البريء بذنب الأثيم، ولا أن ينكل ~~بالقريب قصاصا من البعيد، وكذلك فعل واليه زياد في البصرة حيث أعلن «شريعة» حكمه، ~~فقال في خطبته التي افتتح بها حكمه: «... إني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم ~~بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: ~~انج سعيد فقد هلك سعد، إياي ودلج # 9 # الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي ~~الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية؛ فإني لا أجد أحدا ادعى بها إلا ~~قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وأحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما ~~غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته ~~فيه حيا، فكفوا أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي، وإياي لا يظهر لأحد منكم ~~خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه. # وقد ms105 كانت بيني وبين أقوام إحن، # 10 # فجعلت ذلك دبر أذني # 11 # وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع ~~عن إساءته، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي؛ لم أكشف له قناعا، ولم أهتك ~~له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره.» # إلى أن قال واعدا بعد هذا الوعيد: «واعلموا أنني مهما قصرت عنه، فلست بمقصر عن ثلاث: ~~لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا رزقا ولا عطاء، ~~ولا مجمرا # 12 # لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم ~~الذي إليه تأوون، ومتى تصلحوا يصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك غيظكم ~~ويطول له حزنكم.» # ثم عاد إلى النذير والوعيد فاختتم خطابه قائلا: «... إن لي فيكم لصرعى كثيرة؛ فليحذر ~~كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي.» ~~••• # وقد أمر صاحب شرطته أن يخرج بعد صلاة العشاء وانقضاء هزيع من الليل، ثم لا يرى ~~إنسانا إلا قتله، وجيء إليه يوما بأعرابي لم يقتله صاحب الشرطة لاشتباه أمره عليه، ~~فسأله زياد: أما سمعت النداء؟ ... قال الأعرابي: لا والله، قدمت بحلوبة لي وغشيني ~~الليل، وأقمت لأصبح، ولا علم لي بما كان من الأمير. # قال: أظنك والله صادقا ... ولكن في قتلك صلاح الأمة، وأمر به فضربت عنقه. # ومثل هذا الحكم لا يغتفر ولو كان من معاذيره «ضبط» الأمور وتأمين الناس؛ لأنه يؤمنهم ~~بخوف أشد عليهم من خوف العدوان، ولكنه على هذا لم يصلح للضبط والتأمين إلا فترة لم ~~تطل - ولا يزال - سواء منها على الأمة أن تنقضي في عدوان أهل البغي، أو في نكال ~~السلطان بمثل هذا النكال، ثم انقضت هذه الفترة، فنجمت نواجم الشر ولم تنشب في تلك ~~الأنحاء ناشبة من الفتنة، إلا كان لها جرثومة من تلك السياسة التي تفسد الأمور في ~~زمانها وفيما بعد زمانها. # وكان الناس من حين إلى حين يهربون من هذه الشدة، ويتحرمون بجوار العاصمة فيجيرهم ~~معاوية، ولا يكف يد واليه عن غيرهم، ms106 وكتب إليه زياد مرة: إن هذا فساد لعملي؛ كلما ~~طلبت رجلا لجأ إليك وتحرم بك. # فكتب إليه معاوية: «إنه لا ينبغي أن نسوس الناس بسياسة واحدة، فيكون مقامنا مقام رجل ~~واحد، ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة فيستريح الناس بيننا ~~...» # على أن زيادا تحرج أشد الحرج في قضية حجر بن عدي، وأرسله إلى معاوية فلم يتحرج ~~معاوية من قتله، ولم يذكر الناس لزياد من جرائر قسوته في حكمه ما ذكروه من جرائر هذه ~~السقطة لمعاوية. # وساءت العقبى من سياسة التفرقة كما ساءت العقبى من سياسة القسوة، فلم تنجم في الدولة ~~ناجمة فتنة إلا كانت جرثومتها في هذه السياسة، وكان حزم معاوية وكانت قدرته في كل هذه ~~الفتن حزما لا بد له من تعقيب، وكانت قدرته في أعماله جميعا قدرة لا بد لها من ~~تقدير. # وجماع الصدق في هذا التقدير أنها كانت قدرة على الشوط القصير والأمد القريب، ولم تكن ~~قط قدرة على الشوط الطويل والأمد البعيد، واستقر الملك لمعاوية على قلق دخيل إلى أن ~~أدركته الوفاة سنة ستين للهجرة، وبطل نصفه قبل وفاته كأنه ضرب من الشلل، وأصابته ~~لوقة، وسقطت أسنانه جميعا، كأنها من أدواء التخمة التي تعجل إلى الكبد والأسنان، ~~ويبدو أثرها في مرض الجلد واللثة، وكان يخلط في وفاته أحيانا، ولكنه كان يصحو ساعة ~~بعد ساعة حاضر الذهن صحيح اللسان، فدعا بصاحب شرطته الضحاك بن قيس الفهري، وبمسلم بن ~~عقبة صاحب الأفاعيل المشهورة في حرب أهل المدينة، وقال لهما في أشهر الأسانيد: «بلغا ~~يزيد وصيتي: انظر أهل الحجاز فإنهم أهلك، فأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب عنك، ~~وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي ~~من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا لسانك وعيبتك، # 13 # فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى ~~بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم، وإني لست أخاف ms107 من قريش إلا ~~ثلاثة: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر.» # ويقال إنه ألقى هذه الوصية إلى يزيد، فقال: «يا بني، إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ~~ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمع واحد، ~~وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتب لك إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن ~~علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما عبد الله ~~بن عمر فرجل قد قذفته العبادة، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين بن علي فإن ~~أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به، فاصفح عنه؛ فإن له رحما ~~ماسة وحقا عظيما، وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم، ليس ~~همه إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا ~~أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير.» # وشبيه أن تكون هذه الوصية في معناها آخر ما قاله ، وخلاصة ما خرج به من تجارب دنياه، ~~فإنها سياسته التي كان يعيدها كما بدأها لو أنه عاد ليبتدئ بها من جديد في أيام يزيد ~~... معرفة بالرجال وقدرة على التدبير في الشوط القصير، وإحكام العقدة بآلتها في حينها، ~~وبغير نظر إلى آلتها بعد ذلك الحين، ومن ذلك اختياره لإبلاغ الوصية أسوأ من يعين ~~عليها مع الزمن: مسلم بن عقبة والضحاك بن قيس ... ومع ذاك مدافعته الفتن بالمجاراة ~~والمداراة، فيوصي خليفته بعزل وال في كل يوم ولا يوصيه بالنظر فيما وراء ذلك من سخط ~~على الحاكم، وعجز عن إرضاء المحكوم ... وصية رجل قدير، قدير غاية القدرة في الشوط ~~القصير. # | في الميزان # حق الأمانة على المؤرخ في هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي أن يراجع بينه وبين ضميره ~~طائفة من الحقائق البديهية، قبل أن يستقيم له الميزان الصادق لتقدير الرجال بأقدارهم، ~~وتقويم المناقب والمآثر بقيمتها. # ومن هذه الحقائق البديهية أن الأموال التي بذلها معاوية للمأجورين ms108 من حوله لم تبذل ~~لتعريف الناس بحسناته وسيئاته، كما يعرفها من لم يأجر بمال ولم يتصل معه بسبب. # ومن هذه الحقائق البديهية أن سلطان معاوية يدخل في الحساب حيث يؤوب الباحث إلى ذلك ~~الزمن؛ ليفرق بين ما يقال عن صاحب السلطان، وما يقال عن رجل يحاربه السلطان في سمعته ~~وذكراه. # ومن الحقائق البديهية تواطؤ الزمن على إقرار ما قيل وتكرر وطال وقوعه في الأسماع؛ حتى ~~لتكاد تنفر من تغييره لو عرض لها فيه شيء من التغيير، وحتى لتكاد تعجز عن النفاذ إلى ~~الحقيقة لو رغبت في ذلك التغيير لسبب من الأسباب، وقلما تعرض هذه الأسباب لمن لا ~~يعنيهم تمحيص ما يقال في الساعة الراهنة، فضلا عما يقال ويعاد منه مئات ~~السنين. # ومن الحقائق البديهية أن المحاباة تأتي بتوافق الطبائع، كما تأتي بالغرض والرشوة، فلا ~~يسهل على الإنسان نقد صفة يعلم أنه متصف بمثلها، واستنكار وسيلة يعلم أنه لا ~~يستنكرها، ولا يأبى النجاح إذا توسل بها إليه. # ومن الحقائق البديهية أن المحاباة تأتي من جهات لم تخطر للمنتفع بمحاباتها على بال، ~~فالدولة الأموية في الأندلس أنشأت للشرق الإسلامي تاريخا لم يكتبه مؤرخوه، ولا ~~يكتبونه على هذا النحو لو أنهم كتبوه، وجاءت تلك الدولة الأندلسية بمؤرخين من الأعلام ~~ينصبون الميزان راجحا لكل سيرة أموية لا يقصدونها بالمحاباة، ولكنهم لا يستطيعون أن ~~يقصدوها بالنقد والملامة؛ لأنهم مصروفون بهواهم عن هذا الطريق. # من هؤلاء أناس في طبقة ابن خلدون، يضع معاوية في ميزانه فيكاد يحسبه بقية الخلفاء ~~الراشدين، ويتمحل المعاذير له في إسناد ولاية العهد إلى ابنه مع فسوقه وخلل سياسته، ~~وكراهة الناس لحكمه حتى من أبناء قومه. # ولا يهولن قارئ التاريخ اسم ابن خلدون فيذكره، وينسى الحقائق البديهية التي لا تكلفه ~~أكثر من نظرة مستقيمة إلى الواقع الميسر لكل ناظر في تواريخ الخلفاء الراشدين وتاريخ ~~معاوية. # فما في وسع ابن خلدون أن يخرج من هذه التواريخ بمشابهة بعيدة تجمع بين معاوية والصديق ~~والفاروق وعثمان وعلي في مسلك من مسالك الدين أو الدنيا، وفي ms109 حالة من أحوال الحكم أو ~~المعيشة، وإنه لفي وسع كل قارئ أن يجد المشابهات الكثيرة، التي تجمع بين معاوية ~~ومروان وعبد الملك وسليمان وهشام، فلا يفترقون فيها إلا بالدرجة والمقدار، أو ~~بالتقديم والتأخير، وإذا كان هذا شأن ابن خلدون، فقل ما شئت في سائر المؤرخين وسائر ~~المستمعين للتواريخ، من مشارقة شهدوا زمان الدولة ومشارقة لم يشهدوه، ومن مغاربة ~~عاشوا في ظل تلك الدولة، وتعلقت أقدارهم بأقدارها، وأيقنوا أنهم لا ينقصون منها شيئا ~~ثم يستطيعون تعويضه من الأندلس بما يغنيهم عنه، وما زال العهد بالمنبت عن أرومته أن ~~يلصق بها أشد من لصوق القائمين عليها. # إذا روجعت تلك الحقائق في ميزان التاريخ فقد ذهب من الكفة كل ما زيد عليها في إبان ~~الدولة، وكل ما علق بها من تواطؤ الزمن وتكرار العادة، وكسل السامع من مشقة المراجعة، ~~وانتزاع الفكر مما ألفه ولم يألف سواه ... لقد تمهدت لمعاوية أسباب لم تتمهد في عصره ~~لأحد غيره من قبل الإسلام، وفي صدر الإسلام، إلى أيام عثمان. # ولم يكن مفرطا أو عاجزا؛ فلم يضيع ما تمهد له بعجلة لا تؤمن عاقبتها، أو بتقصير ~~عن الفرصة في أوانها، وكان له دهاء وحلم، وكان فيه طموح واعتداد بالنفس وسمة من سمات ~~الرئاسة ... # وكان له من كل أولئك قدره الذي أعانه على مقصده كما أعين بغيره، فكان في يديه من ~~المال والجند وسلطان الولاية ما لم يكن في يدي أحد من نظرائه ومنازعيه، ولولا ذلك لما ~~أفاده دهاؤه مع أعوانه من الدهاة؛ لأنه لم يغلبهم بعقل غالب، ولم يصرفهم عن مقصدهم ~~إلى مقصده، بل خدمهم وخدموه، ولو لم يكن عنده ما يطلبونه لخدموا غيره أو نازعوه على ~~سواء، وربما نازعه بعضهم على رجحان. # وكان له حلم أوشك أن يحرمه عزة الرئاسة، ولكنه حلم من لا يغضب، وليس بحلم من يغضب ~~ويملك عنان غضبه، فسيان أن يركب غضبه بعنان أو بغير عنان، فإنه في غنى عن قوة الساعد ~~مع مطية لا تثور ثورة الجماح في كل حين. # وكان له ms110 طموح إلى السيادة، ولكنه طموح الألفة والعادة، ورثه مع جاه الأسرة ولم يخلق ~~فيه بتلك الخليقة «الحيوية» التي يطبع عليها العصاميون، فكأنما هي جزء من التركيب ~~وليست وجاهة من وجاهات البيت العريق يطلبها كما يطلب الميراث. # وإذا وزنت قدرة معاوية بميزان النجاح حصل من نجاحه في كفة الميزان حاصل قليل، يهون ~~شأنه مع أثقال الكفة الأخرى من الجهود والشواغل والهموم. # فقد أراد الملك له ولبنيه، ولم يرده لبني أمية أجمعين؛ لأنه فرق بينهم ما اجتمع، ~~وأغرى أناسا منهم بأناس، ولم يعمل عمله إلا ليتركه من بعده لعشيرته من بني سفيان، ~~فلم يخلفه من ذريته غير يزيد، وذهب يزيد في عنفوانه بداء الجنب فلم يخلفه أحد من ~~ولديه. # وتبعة معاوية في عاقبة ولي عهده الذي خرق الخوارق من أجله أعظم جدا من مسعاته في ~~توريثه الملك، وتوريث أبنائه من بعده، فقد جنت عليه تلك الخليقة الأموية، فلم يعرف من ~~البر بالأبناء غير الإملاء لهم في النعمة والمتاع، وما كان يزيد ليقصد في مطامعه ~~ومناعمه، وهو ينظر إلى قدوة سبقته إلى تلك المطاعم والمناعم، وسبقته إلى تدبيرها له ~~كلما استعصت عليه، ولو لم تكن من الشهوات التي يقضيها الآباء للأبناء. # إن ذات الجنب مرض من أمراض الكبد، وأمراض الكبد قضاء حتم على المنهوم بطعامه، والمفرط ~~في شهواته، وقد صنع معاوية ليزيد هذا وصنع له ذاك: صنع له عدة النعمة والمتعة، ووضع ~~له عدة الملك والسلطان، وما يحسب له من هذا دون ما يحسب من ذاك. # وخرج معاوية من الملك بالأيام التي قضاها في نعمته وثرائه، ولا نقول في صولته وعزه، ~~فقد كان يذل لكل ذي بيعة منشودة ذلا لم يصبر من بايعوه على مثله، ولو وزن ما احتمله ~~في سبيل بيعتهم وما احتملوه في سبيل طاعته؛ لكان ما احتمله هو أثقل الكفتين؛ أما ~~تبعته العامة في أمر الملك فأمر جسيم لا تعدله جسامة عمل في عصره؛ لأنه نكص # 1 # بالملك خطوات، وكان في ميسوره أن يتقدم به خطوات تزيد عليها، مع ما ms111 بين ~~الخطوة الناكصة والخطوة المتقدمة من بون بعيد. # لم يكن في ميسوره أن يديم على الدولة خلافة كخلافة الصديق أو الفاروق، ولكن كان في ~~ميسوره أن يجنبها الكسروية والهرقلية، وأن يجعل للخلافة أثرا باقيا في ولاية الأمر، ~~إن لم يصمد على سنة الراشدين لم يصمد على سنة الملك العقيم، ولو أنه أنشأ هذا الملك ~~في الدولة الإسلامية والناس لا يعرفون غيره لخف نصيبه من اللوم، وهان حق التاريخ وحق ~~العالم الإسلامي، والعالم الإنساني عليه. # غير أن الناس عرفوا في زمانه فارقا شاسعا بين ولي الأمر الذي يتخذ الحكم خدمة ~~للرعية، وأمانة للخلق والخالق، وشريعة لمرضاة الناس بالحق والإنصاف، وبين الحكم الذي ~~يحاط بالأبهة، ويجري على سنة المساواة ويملي لصاحبه في البذخ والمتعة، ويجعله قدوة ~~لمن يقتدون به في السرف والمغالاة بصغائر الحياة، كان الرجل من النصحاء يدخل عليه ~~كأنما يبكته فيسلم عليه بالملك، ولا يسلم عليه بالخلافة. # وتتابع عليه في أيامه الأولى من يقول له: السلام عليكم أيها الملك، فكان ينكر الاسم ~~ولا ينكر السمة، إلى أن تنازعه الخيار بين ترك السمة أو التمادي فيها، فتمادى فيها ~~وقال جهرة لمن حوله: نعم أنا أول الملوك! # وتبعته فيما شجر # 2 # بعده من خلاف توازن تبعته في هذا الخروج بولاية الأمر من روع الخلافة إلى ~~أبهة الهرقلية والكسروية. # فما كان من المعقول، ولا من طبائع الأمور، أن تبذر في الأرض كل تلك البذور من جراثيم ~~التفرقة، ثم تسلم الدولة من عقابيلها أو تظل التفرقة سندا لصاحب الأمر مئات السنين، ~~كما كانت لمعاوية سنوات معدودات. # تبعات يحسب حسابها العسير إن كان للتاريخ جدوى يحرص عليها، وكان لشرف الذكر وزن ~~يقام. # وليست جدوى التاريخ هنا كلمة مدح تنقص أو تزاد، وإنما جدواه أن يصان الذكر عن ~~الابتذال، وهو أشرف ما تملكه الإنسانية من تشريف أبنائها في الحياة وبعد الممات، فلا ~~يباح عرض الإنسانية لكل من يملك طعاما يملأ به البطون أو مالا يملأ به الجيوب، ولا ~~يختلط الحق بالباطل ثم تذهب الحيلة فيه وتثوب ms112 العقول والضمائر إلى التسليم، ويتساوى ~~الجوهر والطلاء في ميزان الخلود والبقاء، ومعاوية في هذا الميزان، لا يخرج منه ~~مغبونا ولا غابنا للحقيقة من بعده، وإنما تحسب له قدرته بتقدير، ويعطى من أثر ~~قدرته، ومن أثر نيته، ما هو به حقيق. # وقد عمل بتلك القدرة ما أفاده وأفاد قومه وأفاد الأمم التي تولاها فيما تستفيده من ~~قرار الدولة و«ضبط» الأمور، وذلك حق القدرة الذي لا حاجة معه إلى اللجاجة في أمر ~~النية، فلو أن أحدا أراد أن يمحو من سجله كل ما عمله لنفسه ولبنيه لما بقي في ذلك ~~السجل عمل واحد تطول فيه اللجاجة حول النيات ... ونعود فنقول: إنها قدرة لا ترسل على ~~إطلاقها بغير تقدير، وإن تقديرها الحق أنها غاية القدرة إلى الشوط القصير. # لقد كان قويا لا مشاحة # 3 # في وصفه بالقوة على مثالها، ومثالها أنك تصوغها في خيالك على صورة من ~~الصور، فتحضرك صورة الجمل الصبور، ولا تحضرك صورة الأسد الهصور. ms113