######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.MuhammadCaliJannah.Hindawi68168486 #META# Tags: biographies #META# ID: 68168486 #META# Title: القائد الأعظم محمد علي جناح #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المؤلف‏ # سياسي صادق‏ # انفصال الباكستان‏ # الرواد والآباء‏ # العالم الإسلامي‏ # الملتقى‏ # أسرته وطفولته‏ # حياته العامة‏ # الثقة‏ # المرحلة الثانية‏ # حياته الخاصة‏ # الباكستان بين الماضي والحاضر‏ # موازنة بين غاندي وجناح‏ # مقدمة المؤلف‏ # سياسي صادق‏ # انفصال الباكستان‏ # الرواد والآباء‏ # العالم الإسلامي‏ # الملتقى‏ # أسرته وطفولته‏ # حياته العامة‏ # الثقة‏ # المرحلة الثانية‏ # حياته الخاصة‏ # الباكستان بين الماضي والحاضر‏ # موازنة بين غاندي وجناح‏ # | القائد الأعظم محمد علي جناح # | القائد الأعظم محمد علي جناح # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة المؤلف # كتبت عن القائد الأعظم كلمة تقدير يوم سمعت بنعيه منذ ثلاث سنوات، اعتمدت فيها على ~~المعلومات المتفرقة التي تناثرت إلينا من أخبار الصحافة والإذاعة، وكلها نتف قصيرة لا تجتمع ~~منها سيرة وافية تكفي للتعريف بالرجل العظيم. # ولكن هذه المعلومات كانت كافية للتنويه بعظمة الرجل، وإن لم تكن كافية لتأليف كتاب في ~~سيرته، وقد كان تأليف كتاب عن «جناح» من الموضوعات التي أعقد النية عليها في سياق متابعتي ~~للحوادث العصرية، ثم أترك تحقيقها لحينه كلما استطعت التفرغ لموضوع بعد موضوع. # وقد كان محمد علي جناح وفاق شرط العظمة عندي بين زعماء الأمم ودعاة الأمم المغلوبة إلى ~~الاستقلال. # وشرط العظمة عندي في هؤلاء الزعماء: همة الجبابرة من رجال العمل، وطموح المثاليين من ~~المؤمنين بالفكرة ... وهما خلصتان لا تخفيان من أقل الأخبار التي تروى عن جناح في إبان ~~جهاده، فإنه رجل تصدى بهمته العالية لتحقيق فكرة مثالية، سمع بها «الخبراء» فأجمعوا - أو ~~كادوا يجمعون - على أنها مستحيلة، وأن جناحا يتخبط في الظلام وراء خيال لا يطلع عليه ~~النور. # وطلع النور على الخيال، فإذا هو «خيال» ثابت كالجبال: كان جناح وفاق شرط العظمة بهذا وبما ~~يزيد عليه، وهو الخلق المكين الذي يقاوم كل إغراء ولا يتخاذل أمام ~~الوعيد. # والتمست المراجع الوافية عنه فلم أجدها، ثم تتبعت هذه المراجع سنة بعد سنة، واطلعت منها ~~على الكتب وعلى الفصول، ومنها ما كتبه أبناء الباكستان، وما كتبه المنصفون من الغربيين في ~~عرض الكلام على السياسة الشرقية، ومنها ما كتبه من أبناء الغرب والشرق أناس غير ms001 منصفين، ~~ولكنهم يروون على الرغم منهم أخبار الرجل فتعليه وتزكيه من حيث يريدون انتقاصه والقدح فيه، ~~ورب واقعة يسوقها العدو فيسجل بها شهادة لا تتهم؛ لأنها تكشف من مواطن للثناء لا يقصدها ~~الأعداء. # وتجمعت المراجع التي تكفي لتأليف كتاب عن القائد الأعظم فألفت هذا الكتاب. ~~••• # قال لي بعض أصحابي حين علموا أنني أكتب كتابا عن جناح: «لا جرم وقد كتبت عن غاندي ألا ~~تفوتك الكتابة عن جناح!» # خاطر طبيعي لا غرابة في سبقه إلى الأذهان؛ لأن السبب الذي تخيلوه للكتابة عن محمد علي ~~جناح سبب وجيه، فمن حق الباكستان علينا ألا نسكت عن زعيمها وقد أعطينا الهند حقها في ~~زعيمها، ومقام القائد الأعظم في الشرق قرين لمقام «المهاتما» الذي سميناه بالروح ~~العظيم. # على أن هذا السبب «الوجيه» لم يكن هو في الواقع سبب تأليف الكتاب. # لأنني «أولا» لم أؤلف كتابي عن غاندي رعاية لدولة الهند، ولا لمرجع من مراجع السياسة، ~~ففي الكتاب ما لا يوافق الهند ولا يوافق الباكستان. # إنما ألفت الكتاب عن غاندي «بحقه الشخصي» أو بحق عظمته، ومغزى هذه العظمة في تاريخ ~~الإنسان. # ولأنني «ثانيا» قد نويت الكتابة عن جناح وعن غاندي في وقت واحد، ولكنني وجدت المراجع ~~لكتاب غاندي متوافرة متكاثرة، ولم أجد المراجع لكتاب القائد الأعظم كاملة أو قريبة من ~~الكاملة، إلا منذ بضعة أشهر. # وكتبت عن جناح كذلك «بحقه الشخصي» وحق عظمته ومغزاها الخالد في تاريخ الإنسان. # فالكتابة عن القائد الأعظم واجبة؛ لأنها تجلو للناس، وللشرقيين خاصة، صورة من صور العظمة ~~الإنسانية. # وهي عدا هذا واجبة لدلالتها في تفسير أطوار الأمم وأسرار التاريخ، والزاد الذي يتزوده ~~الدارسون من سيرة جناح في هذا الباب أوفر من زادهم في سير عشرة من العظماء. # وهذا الذي عنينا به عناية خاصة في وصف عظمة الرجل، ووصف العظات التي يخرج بها نقاد ~~التاريخ من نشأة الباكستان. # وبين يدي القارئ صورة من صور العظمة الإنسانية، ودرس لا نظير له في فلسفة التاريخ، أو ~~فيما نسميه العوامل التي نتطلع إليها من وراء ms002 حركات التاريخ. # عباس محمود العقاد # محمد علي جناح. # | سياسي صادق # نادر المثال # قرأت أكثر من مائتي بيان للقائد الأعظم زعيم الباكستان محمد على جناح ... منها الخطب في ~~المحافل، والرسائل إلى الأصدقاء والخصوم، والتصريحات في الصحف، والمناقشات والمساجلات: ~~ما هو مكتوب منها وما هو ملفوظ مرتجل، فخرجت منها بعقيدة راسخة عن عظمة هذا الرجل. إن ~~القائد الأعظم ولا شك رجل عظيم نادر المثال بين عظماء الرجال. # لم أتبين هذه العظمة من بلاغة أسلوبه، فإن الزعماء الذين هم أبلغ منه كثيرون ... # ولم أتبينها من سعة معلوماته، فإن سعة المعلومات والعظمة لا تتلازمان في جميع الأحيان ~~... # ولم أتبينها من قوة العقل، فقد يكون العقل ~~قويا وصاحبه غير عظيم، بل قد يكون العقل قويا في الشر والأذى فلا يحسب صاحبه من ~~عظماء الأمم، ولا من عظماء الإنسانية ... # لكنني تبينتها من خصلة نادرة جدا في قادة الشعوب، وهي «الصدق الصريح في جميع ~~الأقوال وجميع الأحوال»! # فمن المألوف في قادة الشعوب أن تكثر في أقوالهم الوعود الطنانة والكلمات البراقة، وأن ~~يكون خطابهم للجماهير كالتنويم الذي يسوقها إلى الطريق التي يهواها الخطيب. # ويتفق كثيرا أن يكون الزعيم مخلصا غيورا على مصلحة قومه وهو يتصرف بتلك الأساليب ... ~~ولكنه يخاطب الناس بما تعودوه، ولا يبالي أن يقنعهم بالوسيلة التي يرضاها ما دام ~~إقناعهم للخير والفلاح، وما دامت قيادتهم لا تتأتى بغير هذه الوسيلة، ولو أنني وجدت في ~~كلمات القائد الأعظم مسحة من هذه الألوان الخطابية لما أصغرته من أجلها، ولا اتهمته في ~~إخلاصه وصدق دعوته، ولكنني أكبره لا محالة إذا خلا كلامه منها، وبلغ مع هذا غايته وغاية ~~قومه على أقوم منهاج. # تحدث القائد الأعظم بهذه الأقوال أو كتبها خلال أربعين سنة من عنفوان صباه إلى أن علت ~~به السن وجاوز السبعين، فلم تختلف في واحدة منها تلك المزية التي تكبره وترفعه للناس ~~مثلا بين زعماء السياسة وقادة الشعوب ... وهي مزية الصدق الصريح، بل مزية الصدق البسيط ~~الواضح الذي لا يشوبه مرة واحدة تزويق أو تنميق. # كل ما قرأته ms003 له من تلك البيانات التي جاوزت المائتين صالح لأن يقال أمام هيئة علمية ~~محققة، أو أمام هيئة قضائية بعد حلف اليمين. # وعد في حدود الإمكان والنفاذ، وصدق تتساوى فيه الروية والارتجال، وخطاب للجماهير ~~يصارحهم فيه بعيوبهم أحيانا، ولا يتملقهم حينا واحدا بقول لا يقوله بينه وبين نفسه ~~على انفراد. # إن هذا الرجل عجيب ... إن هذا الرجل عظيم ... # وأدعى إلى العجب منه والإيمان بعظمته أنه نشأ على مذهب الإسماعيلية المعتدلين، ~~ومذهبهم يبيح للمعلم أن يصطنع التقية، وأن يخاطب الناس على درجات في الفهم والإقناع، ~~ولكن الرجل لم يتقيد بهذا المذهب في هذه الخصلة، ولا في غيرها من الخصال، ولم يفارق ~~سجيته التي فطر ودرج عليها ومات عليها، شبابه فيها وشيخوخته سواء. # موقفه من الطلبة والعمال # كان الزعماء جميعا يخطبون ود الطلبة الذين يتعلمون في البلاد الإنجليزية، ويعلمون ~~أنهم عماد المستقبل، وأن من يكسبهم في حاضرهم يكسب الجيل المقبل في السياسة وفي القيادة ~~الشعبية، ولكنه كان يؤمن بأن الطالب يحق له الاهتمام بأمراض قومه، ولكنه لا يحق له أن ~~يتصدى لمعالجتها، ولما دعي لمخاطبتهم في سنة 1913 قال لهم وكان يومئذ في مقتبل حياته السياسية: # إن موقف الطلبة في هذا البلد فرد بغير نظير؛ لأنهم نموذج مختار من صفوة أبناء ~~الأمة الهندية، وخيرة من تستطيع إخراجهم وتربيتهم، إنهم هنا الأمناء على سمعة ~~بلادهم، ويسوءني أن أقول: إنهم في الوقت الحاضر من حيث العلاقة بالمجتمع ~~البريطاني لا يظفرون بسمعة حسنة ولا بسيرة طيبة، فهم بدلا من سلوك مسلك الطلبة ~~في التعلم والانتفاع بأفضل ما في الحضارة البريطانية التي لم يكسبها القوم إلا ~~بعد رياضة العصور المتعاقبة يغفلون هذا الواجب ويقصرون حياتهم العامة على ~~التراشق بالعبارات النابية في خصومات السياسة، دعوني أذكركم أنكم لم تدركوا بعد ~~مرتبة الكفاية لتناول المسائل السياسية التي تتمثل في بلادكم، وما من أحد يقدر ~~غيرتكم فوق قدري لها، ويفهم الأسباب التي حملتكم على ما تصنعون خيرا مما ~~أفهمها، ولكن الوقت قد حان لإعادة النظر في موقفكم بعين الجد والسداد ms004 ... ~~وتسألونني ما هو المطلب الذي يراد من جماعتنا، فاعلموا أننا في دور الاستعداد ~~لتنشئة الأحوال التي تمتد بها نظرتنا القومية إلى نطاق أوسع وأكمل، واعلموا أن ~~الرجال الذين يساهمون اليوم بالنصيب الأوفى في السياسة الهندية هم أناس تعلموا ~~في إنجلترا وعادوا إلى بلادنا لخدمتها، فاختلطوا بالبيئات الإنجليزية واتخذوا ~~الأصحاب منها، وليكن واجبكم الأول قبل هذا أن تلتقوا أبناء وطنكم وتعرفوهم حق ~~معرفتهم، فإن مقامكم بإنجلترا هو الفرصة التي تجمعكم بغيركم من أبناء الهند ~~الذين ينتمون إلى جميع أقطارها. # وخاطب الطلاب في كلية عليجرة الهندية؛ وقد مضى أربعون سنة على ذلك الخطاب ~~في إنجلترا فقال: # اجتهدوا أولا في رياضة أنفسكم على الشعور بالتبعة والواجب، وليكن همكم بناء ~~أخلاقكم فهو خير من الشهادات والإجازات، إن العناء في تحصيل الشهادات والإجازات ~~بغير خلق ضائع، وعليكم أن تربوا في أنفسكم روح الكرامة والاستقامة والقيام بما ~~هو مفروض عليكم، وما نحن دون غيرنا من الأمم مقدار ذرة، وإنما كانت آفتنا من ~~إهمالنا لهذه الصفات ونحن قادرون عليها، وصدقوني عن يقين: إن الباكستان لكم ~~خالصة يوم تتمكن هذه الصفات منكم. # وكان القائد الأعظم يزور كلكتا في شهر مارس (سنة 1946) داعيا للعصبة الإسلامية؛ ~~فوجه إليه وفد من العمال بعض الاعتراضات على تكوين العصبة وقال له أحدهم: يقول الناس: ~~إن العصبة الإسلامية طائفة من الأغنياء لا محل بينها للفقراء. # فأجابه القائد الأعظم قائلا في صراحته التي لا التواء فيها: «من هم أولئك القائمون ~~بالعصبة؟ إنهم ليسوا أغنياء، ودستور العصبة، بعد، دستور ديمقراطي، فإن كان في العصبة ~~أغنياء طماعون فهم هناك لضعفكم أنتم وتهاونكم؛ لأنكم لا تختبرون قائدكم قبل اتباعه، وما ~~للزعماء من قوة غير التي يستمدونها من الشعب ومن الفقراء، فعليكم قبل أن تسلموهم زمام ~~القوة أن تختبروهم؛ فمن وجدتموه غير أهل للأمانة فانبذوه.» # قال أحد العلماء: «إن بعض الرؤساء لا يهتمون اهتماما فعالا بشئون الشعب وشكاياته.» ~~فعاد القائد الأعظم يقول: «إذن عليكم أن تخرجوهم، فإنما أنتم الذين تصنعون الزعماء، فإن ~~لم يعرفوا الأمانة فلا تقلدوهم الزعامة، وعاملوني ms005 أنا هذه المعاملة، واتخذوا من مستر ~~تشرشل مثلا تعتبرون به، فإنه على كونه أنجح قادة الحرب قد نبذته أمته.» # شجاعته في معارضة الجماهير # واتفق مرة أن هيئة المؤتمر وهيئة العصبة الإسلامية معا أجمعتا على سياسة واحدة في ~~مسألة الخلافة، ولم يكن جناح على رأيهم في الخطة التي أجمعوا عليها، فوقف وحده يعارض ~~المؤتمر والعصبة ومن ورائهما الجموع الثائرة ... وكان في الاجتماع نحو خمسة عشر ألفا ~~يتلهبون حماسة، ويصفقون للمقترحات المعروضة عليهم تصفيق المأخوذين بنشوة عارمة لا يقف ~~في طريقها معترض يبالي بشهرته، بل بحياته، إلا هذا الرجل الفذ العجيب، فإنه لم يوافق ~~ولم يسكت، ووقف وحده ينقد آراء الخطباء وحماسة المجتمعين، وكان في الهند يومئذ مستر ~~ودجوود مندوب حزب العمال، فكتب يقول: «إن الهند ماضية في طريق الحرية؛ لأن فيها رجلا ~~يستطيع أن يثبت على رأيه في وجه الجموع المخالفة!» # أما مستر جنتر مؤلف الكتب المشهورة عن داخل أوروبا، وآسيا، وأمريكا فقد قال: «إن ~~الرجل حفر قبره بيديه.» # وتؤاتيه هذه الشجاعة إذ يخاطب الغوغاء وهم في غليان التعصب، كما تؤاتيه إذ يخاطب ~~جمهورا من أعضاء المؤتمر والعصبة، فمن مواقفه التي يندر جدا أن يقدم عليها أحد من ~~الساسة موقفه بين المسلمين والسيخيين في خلافهم على موقع تنازعوه، فقال المسلمون: إنه ~~مسجد قديم، وقال السيخيون: إنه ملك لأجدادهم لا ينزلون عنه، وهاجت الفتنة هياجها وتساءل ~~الناس كيف يواجه الرجل هذه الثورة الجائحة، فإذا به يذهب إلى مكان الاجتماع هادئا ~~ساكنا كأنه يذهب إلى مجلس سمر، وتطلع إليه المجتمعون فلم يتكلم ولبث هنيهة يدخن ~~سيجارته حتى فرغ من تدخينها، وبدلا من أن يعديه هياج الجموع أعدى الجموع هدوءه وسكينته ~~فسكنت جائشتهم، وظلوا يترقبون كيف يبدأ الكلام وما عساه يقول، فلما تكلم كان كلامه آخر ~~شيء توقعوه؛ لأنه لم يتملقهم ولم يجاملهم، بل أخذ في تبكيتهم؛ لأنهم يتعرضون لمسألة ~~دينية بوسائل غير دينية، وليست مما ترضاه عقيدة المسلمين ولا عقيدة السيخيين، ومن عجيب ~~قوته أنه أخجلهم ولم يثرهم بذلك التبكيت، ثم مضى يعرض ms006 للمسألة المختلف عليها، ويبين لهم ~~أنها من المسائل التي تعرض على القضاء ليفصل فيها بالحجة والبينة؛ لأنها نزاع على عقار، ~~فإن ثبت أنه مسجد قديم فالمسلمون أولى به، وإن لم يثبت فشأنه شأن كل بقعة يملكها غير ~~المسلمين. # وقد أبت صراحته في كل موقف أن يجامل الهيجة الغالبة في وقت من الأوقات، وإن هانت فيه ~~ظواهر المجاملة، فماذا عليه مثلا لو لبس كساء الزي الشائع الذي اصطلح عليه جماعة ~~المغزل من البراهمة والمسلمين اقتداء بالمهاتما المبشر بذلك الكساء؟ لقد كان في اجتماع ~~ناجبور الذي سبقت الإشارة إليه نحو خمسة عشر ألفا يلبسون «الخادي» ولكنه هو وحده حضر ~~الاجتماع بملابسه المعتادة؛ لأنه لم يكن يؤمن بحركة المغزل، فلا يبيح له ضميره أن يلبس ~~«الخادي» ساعة أو سويعات، وهو لا يرى في حركة المغزل حلا للقضية الهندية. # والذين خبروا الرجل من قريب يشهدون له بهذه الصراحة المستقيمة التي تشهد بها أقواله ~~وأفعاله، ومنهم إنجليز وبرهميون، ومنهم مسلمون يخاصمونه ولا يقرون سياسته، ومنهم من ~~اتهم غاندي في صراحته ولم يخطر له قط أن يتهم صراحة جناح، قال بيفرلي نيكولاس # Beverly Nicholas ~~: «إن الفرق بين جناح والسياسي ~~الهندي هو الفرق بين الجراح والساحر.» وقال الديوان شمان لال: «إنه أحد الرجال القلائل ~~الذي لا يخدم مأربا شخصيا ولا يرمي إلى غاية نفعية. إن نزاهته فوق الشبهات.» # ومع هذه الصراحة يشهدون له بقدرته على الإقناع، وتأتي هذه الشهادة ممن لا يشهدون ~~لشرقي بالرجحان على أساطين الغربيين في أمر من الأمور، قال مونتاجو وزير الهند في ~~الحكومة البريطانية: «إن شلمسفورد حاول أن يناقشه فوقع في كتافه، وإنه لرجل بارع جدا، ~~ومن الغبن الصارخ أن رجلا مثله لا تتاح له الفرصة لتدبير أمور بلاده.» # قرأت ما قرأت للرجل، وقرأت ما قرأت عنه، فلم أجد ظلا واحدا يخالط ذلك النهار ~~الواضح من صدقه واستقامته في تعبيره: سياسي لا يبطن غير ما يظهر، ولا يعني القليل وهو ~~يجهر بطلب الكثير، ولا يدخر للصفقة الأخيرة مساومة لم يكشفها من الصفقة الأولى، ms007 وهو ~~يقود أتباعه بغير خداع ولا تهويل ولا تهوين ولا تنويم، فكيف أفلح في مسعاه وقد أفلح فيه ~~حقا غاية ما يستطاع من الفلاح؟ # لا بد من سر في الرجل، أو لا بد من سر في القضية التي تجرد لها، ولعل السر في الرجل ~~والقضية معا وهو الذي قدرناه ولمسنا شواهده، ولم نزل نلمسها كلما اطلعنا على جديد في ~~سيرة جناح وسيرة الباكستان، وفي الصفحات التالية بيان هذا السر المبين. # | انفصال الباكستان # ضرورة لا محيد عنها # كان انفصال الباكستان ضرورة لا محيد عنها ... ضرورة حاول ساسة الهند جميعا أن يتجنبوها فلم ~~يفلحوا، وأن يتجاهلوها فلم يستطيعوا؛ لأنها غير قابلة للتجنب أو التجاهل، فهي الحل الوحيد ~~الذي تستقر عليه مشكلات الهند كما تستقر المادة في موضعها بحكم قوانينها، فهي ختام كل ~~محاولة. # وقد كانت المحاولات كثيرة متعددة، وكان المشتركون فيها كثيرين متعددين، منهم إنجليز ومنهم ~~هنود برهميون، أو بوذيون، أو جينيون، ومنهم هنود مسلمين على مذهب السنة أو على مذهب الشيعة، ~~وقد يكون من حسن الشهادة للزعماء المسلمين أنهم جميعا بدءوا حياتهم السياسية وهم من أنصار ~~الوحدة الهندية التي تشمل أقوام الهند كافة، وأنهم جميعا جربوا كل محاولة قبل المحاولة ~~الأخيرة، ولكنهم كما أسلفنا كانوا يتجاهلون حقيقة لا تقبل التجاهل، فعادوا إلى الاعتراف بها ~~مكرهين، ثم آمنوا بها إيمانا لا يزعزع، لأن التجارب التي استغرقت كل تجربة معقولة قد ~~خلصتها من الشكوك، وختمت بالحسم الفاصل كل محاولة، فلا سبيل إلى محاولة جديدة. # وكان إيمان الجماهير في هذه القضية سابقا لتفكير الزعماء. # كان إيمان الجماهير بوجوب الانفصال شيئا أقوى من الرأي وأقوى من الرغبة وأقوى من الهوى، ~~كان كأنه القابلية المادية التي تتمثل في خصائص الأجسام: جسم لا يقبل الذوبان في جسم آخر، ~~فلا موضع هنا للآراء ولا للرغبات ولا للأهواء. # لهذا تساوى منطق جناح وشعور أتباعه، ولهذا تلاقى تفكيره العملي وغيرتهم القبلية، فلم تكن ~~به حاجة إلى إثارة شعور أو تلبيس حقيقة بطلاء مقبول؛ لأن الكلمة الصريحة المستقيمة هنا ~~كافية بل ms008 فوق الكافية؛ إذ هي الكلمة اللازمة دون غيرها، فكل ما عداها ضياع وإسراف وفضول، ~~ومن عجائب القصد في أطوار الطبيعة أن يدخر جناح للنهوض بأعباء هذه القضية؛ لأنها قضية لا ~~تتطلب زعامة تنفق جهودها في التزويق والتأثير، بل تتطلب الزعامة التي تجسمت قوتها كاملة في ~~الصراحة والاستقامة إلى القصد، وتجمعت وسائلها كلها في التنظيم ومضاء العزيمة وصحة التفكير، ~~فكان تفكيره السليم وغيرة أتباعه قوتين متشابهتين في العمل والاتجاه. # كان معظم المتتبعين لمشكلات الهند يتخيلون مسألة الباكستان كأنها مسألة قلة تنشق عن ~~الكثرة في وطنها، وكانوا يحكمون عليها كما تخيلوها فيخطئون غاية الخطأ، ولا يحسنون الاهتداء ~~إلى رأي سديد في تلك المشكلات. # وتصحيح هذا الخطأ هو الخطوة الأولى التي لا بد منها قبل الاستقامة على الطريق السوي، فإذا ~~صحح هذا الخطأ أول الأمر؛ فكل خطوة بعده واضحة لمن يريد أن يبصر بعينيه. # لم تكن الهند قط وطنا واحدا بأي معنى من معاني الوطنية، ولم يكن لها قط اسم واحد قبل ~~دخولها في حوزة الدولة البريطانية، وإنما أطلق عليها هذا الاسم؛ لأنه أيسر من اختراع اسم ~~جديد، وما كانت الهند قبل ذلك تطلق على غير نهر السند ثم واديه، وهو جزء من القارة الهندية ~~كان يجهله كثير من سكانها المتفرقين في أرجائها الفساح. # بل لم تكن قط وحدة جغرافية في زمن من الأزمان؛ إذ كانت المواصلات فيها منقطعة أو متعذرة، ~~فلم تكن أنهارها موصلة إلى جميع أجزائها، ولم تكن وسائل النقل فيها تقوى على وحول الأمطار ~~في الشتاء، ولم تكن الحاجة إليها ماسة في غير الشتاء. # وليس سكانها من جنس واحد ولا هم يتكلمون لغة واحدة، فمنهم الآريون والسود، ومنهم قبائل من ~~المستوحشين يبلغون نيفا وعشرين مليونا، ويرجح علماء الأجناس أنهم من أصول القبائل ~~الأسترالية، وقد أحصى السير جريرسون # Grierson # اللغات ~~واللهجات التي يتكلمها هؤلاء السكان الهنديون، فبلغت نحو مائتين وخمس وعشرين لغة ولهجة ~~أكثرها لا يكتب بحروف. # والمشهور أن الطبقات في الهند أربع تشمل طائفة المنبوذين، وهم نحو ستين مليونا يحرمون ms009 ~~على أنفسهم الاتصال بهم ، ولكن هذه الطوائف الأربع هي الطوائف الكبرى التي تتفرع على كل منها ~~عشرات الطوائف، تنطوي كل منها على نفسها في مسائل العبادة والزواج والمعيشة، وتتعصب ~~لتقاليدها تعصبا لا هوادة فيه، والراجح من كلمة الطائفة في الهند - وهي فارونا # Varuna ~~- أنها فاصل بين أجناس تختلف بالدم والسلالة؛ لأن ~~الكلمة تعني اللون، فهي تفصل بين أقوام متعددي الألوان، ومع هذا سرى نظام الانقسام الطائفي ~~حتى شملت العزلة في كثير من الأحوال أبناء الحرفة الواحدة وأبناء الموقع الواحد، وبلغ من ~~تقديس هذه الفوارق أن إشاعة عزم الإنجليز على إلغاء الحواجز بين الطبقات كانت من أسباب ~~العصيان المشهور في سنة 1857. # التعصب الديني # والتعصب بين المختلفين في العقيدة من أهل الهند أصعب أنواع التعصب المعروف في كل ~~اختلاف؛ لأنه لا يقوم على تباعد الآراء، بل على تباعد العادات الاجتماعية التي تحس ~~فوارقها في كل يوم، بل في كل ساعة، ومن أعسر الأمور تعديلها؛ لأنها تتعلق بالحياة ~~الأبدية لا بحياة الفرد من مولده إلى وفاته، فمن ولد من طبقة المنبوذين مثلا فهو قضاء ~~أبدي يسبق مولده ويلاحقه بعد وفاته، فكل تعديل في نحلة من النحل أو في شعائرها ومراسمها ~~فهو هروب من المشيئة الأبدية التي يتعلق بها خلاص الأرواح. # وقد تذمر البرهميون أشد التذمر حين أمرت الحكومة الهندية بإلغاء «السوتي» وهو إحراق ~~النساء مع أزواجهن المتوفين، فلما صدر الأمر بإلغائه في سنة 1829 هبت عاصفة من السخط ~~على الحكومة، وأمطرها البرهميون شكايات يلتمسون فيها إلغاء ذلك القرار، ويقاس على ~~التشبث بهذه السنة مبلغ التشبث بغيرها مما هو أقل منها نكرا ومجافاة للشعور والعاطفة ~~الإنسانية، فكل سنة، بل كل عادة، هي قضاء مبرم لا يجوز عليه التبديل أو ~~التخفيف. # وقد وهم الكثيرون أن تحريم أكل الحيوان سنة عاطفية لجأ إليها البرهميون رحمة ~~بالحيوان، ولكن الواقع أنها سنة تقليدية نشأت مع الإيمان بتناسخ الأرواح، وأن الأحياء ~~الدنيا قد تحل فيها أرواح الناس على سبيل العقاب، فأكلها قطع لسلسلة التناسخ ودورة ~~الأرواح في الأجساد من ms010 الآزال إلى الآباد. # فقد يكون الهندي مسامحا برأيه وفكره، وقد تكون عقيدته في الله عقيدة مسالمة لأصحابه ~~ومعاشريه، ولكن المعضلة الكبرى هي هذه العادات التي تدور عليها معيشة كل يوم، وترتبط ~~بها المشيئة الأبدية فلا تقبل المسالمة والمسامحة، وتلك هي المعضلة التي يعانيها ~~المخالفون للعقيدة الهندية حين تكون السيطرة عليهم لأصحاب تلك العقيدة، وحين يكون ~~المرجع كله إليهم في سلطان الدولة، وهذه المعضلة هي خلاصة الضرورة التي جعلت من الحتم ~~الحاتم أن تنفصل الباكستان، أو كما قال القائد الأعظم في تلخيصها: «نحن نأكل البقرة وهم ~~يعبدونها فكيف نتفق على نظام واحد.» # لهذا ولغيره من الاعتبارات الاقتصادية، والجغرافية، والعاطفية؛ أصبحت العقيدة قوام ~~الأمة في الهند، وحدث في الهند ما لم يحدث في غيرها من قبل؛ وهو تحول الصلة الدينية إلى ~~صلة قومية، فقيل في السيخيين مثلا: إنهم عقيدة أصبحت أمة؛ لأنهم أناس من سلالات الهند ~~لا فاصل بينهم وبين سائر أبنائها بغير العقيدة، هذا والنحلة السيخية قد نشأت في القرن ~~الخامس عشر للميلاد، فقس على ذلك نشأة الإسلام أو القومية الإسلامية بمقومات كثيرة غير ~~العقيدة؛ وهي الثقافة، والدولة، والآداب الاجتماعية. # الإسلام والاستعمار # وكأنما كانت هذه العوامل القوية بحاجة إلى مزيد يوسع فوارق الانفصال فوق اتساعها؛ ~~فجاءت سياسة الاستعمار بجملة من هذه الفوارق مقصودة أو غير مقصودة؛ إذ كان الاستعمار ~~الإنجليزي قد تسلل إلى الهند وليس فيها دولة تقاومه أقوى من الدولة الإسلامية، فوقر في ~~أخلاد المستعمرين أن الخطر على سيطرتهم إنما يتوقع من هذه الناحية قبل غيرها، وعملوا ~~على إضعاف شوكة المسلمين وإقصائهم من الوظائف كبيرها وصغيرها، وكان المسلمون في إبان ~~دولتهم قانعين من الحياة العامة بالوظيفة الحكومية، وذادهم عن الاشتغال بالصيرفة أنهم ~~يحرمون الربا، وعن ملك الأرض أن الأرض لم تكن مملوكة لأحد ولكنها كانت متروكة للزراع ~~وللجباة الذين يؤدون للحكومة حصتها من الضرائب، وكان أكثر هؤلاء الجباة من البرهميين ~~المشتغلين ببيع الغلال وتصريفها، فلما أصدر الإنجليز قانونا لتسوية مسائل الأرض ~~الزراعية جعلوا هؤلاء الجباة ملاكا، وجعلوا الزراع أجراء في ms011 أرضهم، واعتمدوا على هذا ~~النظام زمنا لتحصيل الضرائب ومحاسبة الجباة عليها، فاجتمع الحرمان من الوظائف والحرمان ~~من الأرض على إقامة العزلة بين المسلمين وغيرهم في الحياة الاجتماعية. # وقد كتب لورد «إلنبرو» # Ellenborough # مصرحا بهذا ~~العداء فقال: ليس في وسعي أن أغمض عيني عن اليقين بأن هذا العنصر الإسلامي عدو أصيل ~~العداوة لنا، وأن سياستنا الحقة ينبغي أن تتجه إلى تقريب الهنديين # Hindus ~~. # وما لم يكن من عوامل التفرقة السياسية صادرا من هذا الشعور فهو مقصود مدبر لتعزيز ~~السيادة بالتفرقة بين المحكومين: # Divide et impera # وهي ~~خطة جهر بها اللورد إلفنستون # Elphinstone # في سنة 1858، ~~وسبقه إلى إعلانها في المجلة الآسيوية سنة 1821 كاتب قال بصريح العبارة: «فرق تسد: وهو ~~الشعار الذي ينبغي أن نلتزمه في إدارتنا الهندية.» وتكررت هذه «النصيحة» في أقوال ~~الرؤساء العسكريين ورؤساء الدواوين. ~~••• # هذه العوامل جميعا، ما كان منها طبيعيا وما كان منها مصطنعا بتدبير السياسة، قد ~~جعلت المسلمين أمة مستقلة تفصلها من الهنديين كل معالم القومية، وأصبحت الموازنة بين ~~أسباب الانفصال وأسباب الاختلاط عند خروج الإنجليز من الهند «عملية حسابية» لا لبس ~~فيها، فكل صعوبة جغرافية أو إدارية تحول دون الانفصال؛ فهي أسهل تذليلا وتمهيدا من ~~صعوبات البقاء في ظل حكومة واحدة، وقد يطول شرح الأسباب إذا توخينا التفصيل والاستقصاء، ~~ولكن القارئ خليق أن يستغني عنها جميعا بعرض موجز لسيرة الزعيمين الهنديين اللذين ~~تعاقبا الزعامة منذ جيلين؛ وهما طيلاق وغاندي. فأما طيلاق فكانت دعوته الصريحة تخليص ~~الهند من الواغلين الإنجليز والمسلمين على السواء، وكان برنامجه يقوم على إلغاء اللغة ~~الأردية في الدواوين ومطالبة الحكومة بإباحة الزفات الموسيقية أمام المساجد، وكانت ~~محرمة بنص القانون. # وأما غاندي فقد كان جزاءه القتل لتسامحه في معاملة المسلمين، وكان قاتله من جماعة ~~كثيرة الأشياع ترى أن الحل الأمثل لمشكلة الأجناس في الهند هو استئصال تلك ~~الأجناس. # لا جرم كان منطق القائد الأعظم الواضح الرصين مرادفا في معناه ووجهته لشعور ~~الجماهير، فكانت صراحته في دعوته قوة لها، ولم تكن عقبة يحتاج إلى تذليلها ms012 وتخطيها على ~~سنة الأكثرين من زعماء الجماهير، وصح القول أن شعور الجماهير في هذه المعضلة كان أكثر ~~من شعور وأكثر من حكمة عملية؛ لأنه كان كالقابلية المطبوعة التي تستقر في خصائص ~~الأجسام. # ومن عاداتنا في الزمن الحديث أن نستريب بدفعة الجماهير وبرامج الساسة، وأن نعتبرها ~~على أحسن ما تكون أمورا موقوتة وأحوالا حائلة، إلا أن هذا الشعور الذي رددته برامج ~~الساسة في الباكستان حقيقة علمية يقررها أساتذة التاريخ من غير المسلمين، وفي أحدث ~~الكتب عن تطور الهند كتاب للأستاذ «لونيا» # Luniya # مدرس ~~التاريخ وعلم السياسة بكلية هولكار يبسط فيه علاقة المسلمين بغيرهم في الهند؛ فيقرر في ~~غير موضع أنهم أمة مستقلة لا اختلاط بينها وبين الأمم البرهمية، ومنها قوله في فصل ~~الهند والإسلام: «إن المسلمين أول قوم أغاروا على الهند، ولم تستوعبهم طيات القارة ~~الهندية المرنة التي لا تني تمتد وتنطوي على المغيرين، وقد أغار قبلهم كثيرون كالإغريق، ~~والسيثيين، والمغول، والمجوس وغيرهم، وانطووا في الغمار بعد أجيال قليلة انطواء تاما ~~بأسمائهم ولغاتهم وعاداتهم وعقائدهم وأزيائهم وآرائهم، وفنيت جموعهم في الواقع في ~~المجتمعات الهندية، إلا المسلمين، فإنهم لم يزالوا في الهند طائفة منفصلة، ورفضت نياتهم ~~المتشددة في الوحدانية كل هوادة في قبول الشرك والأرباب المتعددة، ومن ثم عاش المسلمون ~~والبرهميون في أرض واحدة دون أن يمتزجوا، ولم تفلح محاولة من المحاولات في وضع القنطرة ~~على الفجوة، وما برح المسلمون خلال القرون التالية يولون وجوههم شطر الكعبة في مكة ~~وينفردون بشريعتهم ونظام إدارتهم، ولغتهم، وأدبهم، وأضرحتهم، وأوليائهم.» # ومع شهادة المؤلف للمسلمين بالفضل في تعليم البرهميين مبادئ المساواة قال: «إن إحدى ~~النتائج التي نجمت من حكم المسلمين في الهند؛ أن المجتمع قد انقسم في عهدهم قسمة رأسية، ~~وكان قبل القرن الثالث عشر ينقسم ولكن قسمة غير رأسية، ولم تستطع البوذية ولا الجينية ~~أن تحدثا مثل هذا الانقسام؛ لأنهما ما عتمتا أن اندمجتا في المجموع بسهولة وسرعة، على ~~حين أن الإسلام قد شق المجتمع من الأسفل إلى الأعلى شطرين متقابلين: براهمة، ومسلمين، ~~فنشأ في ms013 أرض واحدة مجتمعان متوازيان متغايران في جميع طبقاتهما قل أن تصل بينهما علاقة ~~في المعيشة أو المعاشرة، واشتدت محافظة البرهميين أمام غيرة الإسلام في نشر دعوتهم ~~الدينية، واندفعوا مع خوفهم وحرصهم على حماية مجتمعهم إلى المبالغة في قيود الطبقات ~~والطوائف، وما إليها من القيود الاجتماعية.» # ومن العسير أن يقال عن خطة تمليها وقائع التاريخ وبدائة الشعوب، غير أنها ضرورة لا ~~محيد عنها ولا طاقة بالرجوع فيها، وإن أريد الرجوع. # | الرواد والآباء # السيد أحمد خان. # أستاذ الزعماء # من أصدق الأقوال في تلخيص قضية الباكستان كلمة الزعيم الهندي المعتدل جوكهيل؛ إذ يقول ~~لأبناء قومه تيسيرا لفهم مطالب المسلمين: «إنكم لو كنتم في موضعهم لطلبتم مثل مطالبهم، ~~وشعرتم بالحاجة إلى ضمان كالضمان الذي يحتاجون إليه.» # وجوكهيل هذا هو قدوة الزعماء الهنديين في السماحة ورحابة الصدر، وهو أستاذ جناح ~~السياسي في صباه وقدوته في مسألة الطوائف والأحزاب، وكان جناح يقول: إنه يطمح إلى شيء ~~واحد؛ وهو أن يكون جوكهيل من المسلمين. # قال جوكهيل كلمته تلك: وقد نجمت دعوة الطوائف وتشعب الخلاف عليها في الربع الأول من ~~القرن العشرين، وكانت هذه الحقيقة واضحة أمام عينيه وهو ينظر إلى مفترق الطريق، ولكنها ~~- قبل أن يفترق الطريقان - لم تكن واضحة هذا الوضوح أمام زعماء المسلمين، بل أمام أشدهم ~~مغالاة في طلب الانفصال، ولا استثناء في ذلك لزعيم هؤلاء الزعماء وأستاذهم وموحي الفكرة ~~التي نشأ منها المؤتمر الهندي والعصبة الإسلامية على السواء، وهو «السيد أحمد ~~خان». # كان السيد أحمد خان هو الرائد الأول للباكستان، وتلاه أعوانه وتلاميذه فبدءوا كما ~~بدأ، ثم انتهوا كما انتهى: بدءوا يعملون يدا واحدة مع الهنديين على إمكان الوحدة، ثم ~~حاول كل منهم محاولته وانتهى منها بعقله وتدبيره إلى حيث انتهت بداهة الجماهير، فتوافرت ~~للحركة كل قوتها من تلاقي الرءوس والقلوب على عقيدة قد تمحصت من جميع جوانبها، وانتهى ~~منها كل شك يخالج نفوس القادة أو الأتباع. # وكان السيد أحمد خان مثالا عاليا للرجل العظيم الذي يثبت للناس من حين إلى حين أن ~~الغيرة ms014 الدينية البالغة والشعور الإنساني الأكمل لا يتناقضان، بل يمتزجان ويتعاونان، ~~فلما وقعت الفتنة التي اشتهرت بفتنة العصيان # Mutiny # أنقذ من الموت كثيرا من الإنجليز، كما أنقذ كثيرا من الوطنيين، ولم تحتمل نفسه ~~الكريمة أن يرى إنسانا أعزل يفتك به مطاردوه كأنه فريسة ينفرد بها وحوش ضراة. # وحفظ له الذين أنقذهم هذا الجميل، ومنهم رجل إنجليزي اشتهر بين القوم؛ لأنه يسمى ~~باسم الشاعر الكبير وليام شكسبير، بلغ من وفائه له أنه كان يلازمه حيثما استطاع، ~~وملازمته هذه هي التي تجعل لكلمته معناها في هذا السياق. فإنه سمعه زمنا طويلا يتكلم ~~عن تقدم الهند ونهضة الهند وحقوق الهند، فلما سمعه لأول مرة يذكر تقدم المسلمين ويفردهم ~~بالقول دهش وبدت عليه الدهشة، ولم يكتمه سبب دهشته فقال له: «هذه أول مرة أسمعك فيها ~~تتكلم عن المسلمين وحدهم، وكنت على الدوام تهتم بمصالح أبناء وطنك أجمعين.» فأجابه ~~الرجل العظيم الذي اشتهر بصراحته كما اشتهر بحكمته: «إنني اليوم مؤمن بأن القومين - ~~كما وردت الكلمة في العبارة الأردية - لن يخلصا النية في أمر واحد، وليس بينهما اليوم ~~عداء مكشوف، ولكن هذا العداء سينكشف في المستقبل من جراء من يسمونهم بالطائفة المتعلمة، ~~ومن يعش ير.» # قال شكسبير: «إني ليحزنني أن تصدق هذه النبوءة.» فقال السيد أحمد: «وإنني أيضا لحزين ~~جد الحزن من أجل هذا، ولكنني منه على يقين ...» ولم تمض فترة وجيزة حتى تحقق كلاهما أن ~~خلوص النيات في قضية الوحدة مستحيل. ~~••• # كان السيد أحمد خان ماردا من مردة الإصلاح الأفذاذ في كل زمن وكل أمة، وكانت شخصيته ~~من الرحابة والقوة بحيث تحتمل الكثير من النقائض في مقاييس الأوساط، ولم يكن وسطا في ~~مقياس من تلك المقاييس. # كان كما قدمنا غيورا شديد الغيرة على أبناء دينه، ولكنها غيرة لم تكن تحجب شعوره ~~الإنساني في أوقات اللدد والشحناء، كما يحدث أحيانا لأصحاب النفوس الصغار. # وكان لفرط غيرته معدودا من المتعصبين في رأي بعض خصومه ومعارضيه، ولكنه كان في رأي ~~المتعصبين متهما بالإلحاد والمروق، وتعرض للقتل مرتين من جراء ms015 هذا الاتهام. # وكان من سياسته أن يسالم الدولة الحاكمة حتى يرتقي بقومه إلى الشأو الذي يمكنهم من ~~ولاية الحكم عند تمام الاستقلال، ولكنه لم يفهم قط من المسالمة أنها ملق وازدلاف، بل ~~كانت صراحته تسلكه عند أناس من الحاكمين في عداد المهيجين، وقد ترك حفلة الدربار غضبا ~~واحتجاجا على التمييز في كراسي الجلوس بين الإنجليز والوطنيين. # وكان ينكر على الإنجليز في وجوههم تعاليهم على الرعية الوطنية ويحذرهم عاقبة هذا ~~الكبرياء، ولكنه كان يكتب إلى خاصته وهو في بلاد الإنجليز؛ فيصارحهم في ألم شديد ~~معترفا بأن الفارق بين المجتمع الإنجليزي والمجتمع الهندي كالفارق بين جماعة من ~~الآدميين وقطيع من العجماوات. # ويعجب أصحابه لأمره بين النصح بالتقية السياسية وبين مجاهرته بكل ما يعتقده مجاهرة لا ~~تعرف التقية والحيطة، ولا ترهب المقاومة والمعارضة، وكانت الدعوة الوهابية في إبانها ~~حين نشط لدعوة الإصلاح، وكان يأخذ عليها اليبوسة والمبالغة في التحرج، فإذا قيل له: ما ~~بالك إذن تنحو نحوهم في مجابهة الناس بما ينفرون منه، وتصر على مجابهتهم وهم نافرون، ~~قال: إذن أنا وهابي الوهابيين إن كانت الوهابية أن تجهر بما تدين. # المارد الحق # والمارد الحق إنما يبدو لنا في جبروته، بل في ضخامة جبروته، إذا عرفنا أنه عمل ونجح ~~في عمله، وأدرك غاية النجاح مع كثرة خصومه، وكثرة الآراء التي تعارض رأيه حتى بين ~~أعوانه ومريديه. # فإذا مضيت في استقصاء علاقاته مع من حوله جزمت أنه لم يكن على وفاق مع أحد، لم يكن ~~على وفاق مع الإنجليز، ولم يكن على وفاق مع البراهمة، ولم يكن على مع المسلمين ~~المحافظين، ولم يكن على وفاق مع المسلمين المجددين، ولكنه عمل ونجح في عمله غاية النجاح ~~الذي يتسنى لأحد في موقفه، وكان له أعوان من جميع هؤلاء المخالفين، طائعين أو كارهين، ~~أو ليس فيهم كارهون على التحقيق، بل مستسلمون يفوضون الأمر ويستسلمون. # مرجع ذلك إلى الثقة بصدقه وإخلاصه، ولكن لا إلى هذه الثقة وحدها؛ لأن الصادق المخلص ~~في غير قوة وعزم قد يفلح فلاح فرد، ولا ms016 يتسنى له أن يفلح في انتزاع الملايين من جمودهم ~~وتحويلهم عنوة من حال إلى حال . # مرجع ذلك إلى القوة الماردة التي أسلست له قبل كل شيء زمام الثقة بنفسه، فوثق به كل ~~من تحدث إليه وعمل معه وأيقن بيقينه، ونظر الرجل إلى مهمته الضخمة فوزنها بميزان قوته ~~وإخلاصه، فإذا هي مستطاعة مفهومة محدودة الأهداف، وإذا هو يمضي فيها مضي سالك الطريق ~~المعبد الذلول، ولو غيره نظر إلى ذلك الطريق قبل المضي فيه لأحجم ولم يمض، وأحجم وراءه ~~كل من رآه يقدم وينثني بعد إقدام. # خالف الجميع ولكنه جمعهم بغير خلاف على رأي واحد، وهو رأيهم في صلاحه وقدرته، وأنه ~~يعني ما يقول ويعمل ما يعنيه، وحسب الأعمال الكبار نجاحا أن يتفق العاملون لها على ~~الإيمان بقائدهم فيها، وإن اختلفوا بعد ذلك أي اختلاف. # وكأنما كان هناك ارتباط بين تاريخ أسرة السيد أحمد خان وتاريخ الحركات الدينية ودعوات ~~الإصلاح في الهند، فوصل أجداده إلى دلهي مهاجرين من جزيرة العرب في إبان دعوة السلطان ~~أكبر، الذي حاول التوفيق بين الأديان؛ فأخرج منها جميعا دينا موحدا عرف يومئذ بدين ~~أكبر، ومات بموت صاحبه. وكان جد السيد في زمرة المعارضين له بإمامة شيخ الطريقة ~~النقشبندية وزملائه المعروفين باسم المجددين، وقد كان شاه غلام علي رئيس المجددين ~~صديقا للسيد متقي والد السيد أحمد، ولم يكن للولي الموقر عقب، فكان يقول: إن أولاد ~~متقي هم أولاده في الله والروح، وشغل نفسه بتعليم الطفل كتابة اللغة العربية وتلقينه ~~بعض الأحكام والفروض. # وينمى السيد أحمد من ناحية أمه إلى الخوجة فريد الدين أعلم أهل زمانه بين المسلمين ~~بالعلوم الرياضية والعقلية، وصاحب الكفاية الملحوظة التي جعلت «هاستنج» يندبه لنظارة ~~الكلية التي أنشأها لتعليم الوطنيين، وجعلت ولاة الأمر من إنجليز وهنديين يندبونه لمهام ~~الوزارة والسفارة في إيران وبرما، وقد سمع به أكبر شاه الثاني فعهد إليه بوزارة القصر ~~والخزانة، وكان نظامه الدقيق في الشئون المالية سببا للحنق عليه. # ويعزى إلى هذا العلامة أكبر الأثر في تنشئته حفيده على النشأة العقلية ms017 والحياة ~~العصرية؛ إذ كان أبوه منقطعا عن الدنيا في نسكه ومصاحبته للأولياء، فكانت أمه تعيش ~~أشهرا متواليات في بيت أبيها ومعها الصبي اليقظ المتنبه لكل ما يراه حوله ويسمعه من ~~أحاديث جده العظيم. # وأول أثر من آثار هذه التربية أن الصبي لم ينهج نهج أسرته من ناحية أبيه في مقاطعة ~~الوظائف أو مقاطعة كل ما له علاقة بالحكومة، فلما مات أبوه (1836م) وهو يناهز التاسعة ~~عشرة قبل التوظف في المحاكم، وانتقل من الأعمال الكتابية إلى أعمال القضاء في بضع ~~سنوات، ونشبت الثورة وهو يتولى القضاء بمدينة بجنور؛ فكان مسلكه مع أبناء قومه ومع ~~الإنجليز والبرهميين أول شهادة له عند الأقربين والغرباء برجاحة العقل وسماحة الطبع ~~وعلو الهمة، وأول مناسبة وضعت مشكلة الهند بجميع أجناسها وأقوامها في موضعها ~~الصحيح. # خرج الإنجليز من تلك الفتنة الطاحنة حائرين في تفسير بواعثها يعتقدون أنهم مضللون، ~~ولا يعرفون كيف يهتدون، وجعلتهم تلك الحيرة مستعدين للإصغاء إلى كل نصيحة، فلم يجدوا ~~أمامهم أقدر على النصيحة وأشجع على إبدائها من القاضي الجريء الخبير، فأما العقلاء منهم ~~فقد لمسوا الصدق في بيانه لبواعث الفتنة ووسائل علاجها، وأما المتهورون منهم فقد حسبوه ~~من دعاة الهياج الذين يبذرون بين الأمة الهندية بذور الفتنة من جديد، وكانت خلاصة رأيه ~~أن الإدارة الإنجليزية هي المسئولة عن تذمر المحكومين؛ لأنها تحكمهم بغير مشاركة منهم ~~في الرأي، وعلى غير علم بما يساورهم من شعور، وتغلبت الحكمة على التهور فأخذت الحكومة ~~البريطانية بمشورته وعولت على تنحية الشركة التي كانت تنفرد بحكم البلاد إلى ذلك الحين، ~~وأن تقيم الحكم على أساس الشورى والتدرج في التمثيل النيابي، وإشراك المتعلمين من ~~الوطنيين في مجالس الحكام، وهي مجالس شورية كادت أن تنحصر في الإنجليز، ولم تكن ~~لأعضائها معرفة بمطالب القوم، ولا اطلاع على شكاواهم ومظالمهم، لترفعهم عن معاشرة أبناء ~~البلاد. # الاستعمار يحارب المسلمين # وولدت على أعقاب الثورة فكرة المؤتمر الوطني فبرزت مع الفكرة مشكلات التمثيل النيابي ~~والحكومة الوطنية، وجعلت هذه المشكلات تتفاقم كلما تدرج الوطنيون في مطالب الحكم الذاتي ms018 ~~والاستقلال بالإدارة والسياسة. # برزت مشكلات الحكومة الوطنية وأولها حرمان المسلمين من الحكم بتدبير السياسة ~~البريطانية، أو من جراء هذه السياسة حين يكون الحرمان نتيجة غير مقصودة لوقائع الأحوال ~~بعد دخول الهند في حوزة الدولة البريطانية. # كان المسلمون حكاما فأخذ الإنجليز منهم وظائف الحكومة الكبرى، وحذروهم في الوظائف ~~الصغيرة فأكثروا فيها من البراهمة والبوذيين وسائر الهنديين، وأخلوها أو كادوا يخلونها ~~من المسلمين. # وكان بين المسلمين أصحاب ضياع واسعة فانتزعها المرابون، وأتى قانون تسوية الأرض على ~~بقيتها، وأسلمها إلى الجباة كما تقدم أو إلى الزراع الصغار. # وكانت الثقافة الفارسية هي ثقافة المسلمين، فجاءت المدارس الأوروبية الحديثة ولم يقبل ~~عليها المسلمون؛ لأنها كانت على الأكثر في أيدي المبشرين والمتفرنجين. # وقد وصف هذه الحالة إنجليزي منصف هو الدكتور وليام هنتر فقال عن أسر المسلمين من كبار ~~الزراع: «لو أراد سياسي أن يثير ضجة في مجلس النواب لما احتاج إلى أكثر من سرد صادق ~~لقصة هذه الأسر في البنغال.» # ثم استطرد إلى الوظائف فقال: إن القيادة العليا التي كانت من وظائف المسلمين قد نزعت ~~بطبيعة الحال من جميع الهنود: «أما الوظائف الأخرى فكانت مشغولة هكذا في سنة 1869 ... ~~أربع عشرة وظيفة من وظائف المهندسين بدرجاتها الثلاث يشغلها الهنديون، وليس معهم مسلم ~~واحد، وكان بين المهندسين تحت التمرين أربعة هنديين وإنجليزيان، وليس معهم مسلم واحد، ~~وكان بين وكلاء المهندسين أربعة وعشرون هنديا، ومسلم واحد، وبين المشرفين مسلمان ~~وثلاثة وستون هنديا، ولم يكن في إدارة الحسابات مسلم واحد مع موظفيه الهنديين وعدتهم ~~خمسون، وكذلك لم يكن في ديوان الرؤساء الثانويين مسلم واحد مع اثنين وعشرين من ~~الهنديين.» # وهذه النسبة هي التي أحصاها الدكتور هنتر في البنغال، وهي نسبة نموذجية يقاس عليها ~~في سائر الأقاليم، ومنها ما هو أسوأ حالا بالنسبة للموظفين وأصحاب الأرض المسلمين من ~~ذلك الإقليم. # نظر السيد أحمد خان إلى هذه الحالة، وعرف من حقائقها ما لم يعرفه الدكتور هنتر ولا ~~غيره من الإنجليز؛ لأن صاحب الدار كما يقال أدرى بالذي فيها، فأدرك عاقبة الحكم ms019 ~~النيابي الذي تتولاه كثرة الناخبين، وعلم أنه حكم لا نصيب فيه للنواب ولا للموظفين ولا ~~للساسة من المسلمين. # ومما زاد هذا الرأي اختمارا في نفسه قيام الدعوة القومية الهندية على أساس محاربة ~~الإنجليز والمسلمين على السواء، بغير مواربة ولا مجاملة، فقد بدأت هذه الدعوة بعد حركة ~~الفتنة، وظهر أنها تنتشر ولا تنحسر كما كان مرجوا في أول عهدها؛ إذ كان أناس من ~~المتفائلين يحسبون أنها رد فعل للفتنة لا يلبث أن يستقر على قرار ثابت من الهوادة ~~والاعتدال، وقد كان السيد أحمد خان أبعد منهم نظرا، وأعرف منهم بالحقائق فتشاءم من ~~الحركة منذ نشأتها، وحققت الأيام ظنه، فلم يوجد في المؤتمر الوطني على عهد الزعيم ~~طيلاق، أكبر المجاهرين بالعصبية الهندية، أكثر من سبعة عشر عضوا بين سبعمائة وخمسة ~~وستين (سنة 1905). # رجل عمل # وفضل الزعيم الكبير أنه كان رجل عمل، ولم يكن رجل شكوى وانتقاد وكفي، فأول ما عمله ~~لإصلاح هذه الحالة السيئة أنه أسس كلية «عليجرة» على النظام الحديث للتعليم العالي ~~والدراسات الجامعية، وهذه الكلية هي التي أنجبت قادة الأمة الإسلامية في الهند إلا ~~العدد القليل ممن حافظوا على التعلم في المدارس الدينية، ومن مصائب الدنيا أن هذا العمل ~~الجليل الذي عرفت آثاره اليوم كان مثار السخط على الرجل بين الجامدين أنصار القديم، ~~فأشاعوا بين أتباعهم أن السيد أحمد خان صنيعة للإنجليز، وأنه زنديق يريد تكفير شبان ~~المسلمين، ويبيع ضميره في سبيل الوظائف والزلفى عند ولاة الأمور، ولم يغنه مع هؤلاء ~~الجهلاء ما هو معلوم من رفضه كل منحة مالية تبرع بها الإنجليز لمكافأته على أثر الفتنة، ~~وقد كان يرفض تلك المنح مع ضيق الحال به يومئذ حتى هم بالهجرة إلى مصر؛ كما قال في خطاب ~~وصف به عواقب الفتنة وسوء منقلب المسلمين بعدها. # إلا أن قلبه الكبير لم يستسلم قط لليأس في أحرج الأوقات فمضى في تأسيس الكلية، وجعل ~~شعاره في الإصلاح الاجتماعي كلمة واحدة كررها ثلاث مرات وهي: «علم، ثم علم، ثم علم» ودع ~~كل شيء بعد ذلك ms020 لما يثمره التعليم. # أما في ميدان السياسة فقد أعلن رأيه منذ سنة 1883 عند الكلام على المجالس المحلية ~~فقال في خطاب صراح: «إن نظام التمثيل بالانتخاب يعني تمثيل مصالح الكثرة وآرائها، وهو ~~خير الأنظمة ولا ريب حيث يكون السكان من جنس واحد وعقيدة واحدة، ولكنه ... في بلاد كالهند ~~حيث فواصل الدين على أشدها، وحيث التعليم لم يجر على سواء بين طوائف السكان، يقترن ~~بأضرار جمة لا تنحصر في الشئون الاقتصادية ... وما دامت فوارق الجنس والعقيدة وحواجز ~~الطبقة تعمل عملها الخطير في حياة الهند الاجتماعية السياسية، وتسيطر على سكانها في ~~المسائل التي ترتبط بالإدارة والثروة ... فليس من المستطاع الاعتماد على النظام الانتخابي ~~بمأمن من العواقب؛ لأن الطائفة الكبرى ستغمر الطائفة الصغرى، ويذهب الجمهور الجاهل ~~مذاهب في اعتبار الحكومة مسئولة عن كل تصرف من شأنه أن يزيد مشكلات الجنس والعقيدة شدة ~~على شدة ...» # عاش السيد أحمد بعد أن أعلن هذا الرأي خمس عشرة سنة، لم يحدث في خلالها ما يحمله على ~~تغيير رأيه أو تعديله، بل كان كل ما حدث في هذه الفترة مضاعفا لمخاوفه مؤيدا ~~لاعتقاده، فراجت في الهند الشمالية دعوة «آريا سماج»، وأعلن الزعيم البرهمي طيلاق دعوة ~~«شيفاجي» التي تنادي بتخليص الهند من الإنجليز والمسلمين الأجانب، وتعتبر المسلمين ~~جميعا «ميلاش»؛ أي دخلاء، وتصايح من هنا وهناك بعض الدعاة بإبطال اللغة الأردية وحذف ~~الكلمات الفارسية والعربية التي دخلت في اللغة الهندية، ومات الزعيم الكبير وهو أشد ما ~~يكون يقينا بأن قضية الهند لا تحل إلا على قاعدة واحدة، وهي اعتبارها قضية قومين أو ~~أمتين. # طريق النصر # ولمن يشاء على نحو من أنحاء التعبير أن يقول: إن الزعيم البرهمي طيلاق كان شريكا ~~قويا لأحمد خان في تدعيم بناء الباكستان، وإن تحريضه في هذا الباب كان أقوى من حض ~~الزعيم المسلم مع اختلاف المقصد والواسطة، فما من أحد من رواد الباكستان عمل على إقناع ~~المسلمين بضرورة الانفصال كما عمل طيلاق، ولا نحسب أن هذه الخطة كانت طيشا من الرجل أو ~~جهلا منه بالعواقب، ms021 ولكنه على الأرجح علم أن النزعة الوطنية وحدها لا تكفي لتنبيه ~~أبناء قومه وإيقاظ نخوتهم؛ فعمد إلى نزعة تستثار بها القوة في طبائعهم؛ وهي نزعة ~~العقيدة التي تمتزج بعاداتهم وموروثاتهم وأحوال معيشتهم، وتعمد أن يلهبها ويستفز النفوس ~~من جانبها غير جاهل بالعواقب أو مندفع مع الطيش والرعونة، فهجم وهو يقصد الهجوم ويحسب ~~أنه دون غيره طريق النصر المرسوم. # على أن السيد أحمد خان قد أثبت في حياته وبعد مماته أنه كان بحق مربي قادة ومربي أمم، ~~فإنه أخرج من مدرسته تلاميذ يستقلون بالرأي، ولا ينقادون ليقين أستاذهم انقياد المقلد ~~المتبع الذي يمشي وراء دليله مغمض العينين؛ فما من واحد من خريجي عليجرة أو مريديه ~~المقربين إلا وقد اجتهد في قضية الوحدة اجتهاده، وعالج ما استطاع أن يوحد أقوامه ~~وبلاده، وما من واحد منهم قد بدأ من حيث انتهى الزعيم الكبير، بل عاد كل منهم إلى أول ~~الطريق يبدؤها حيث قدر أنه واصل إلى الغاية التي التوت على زعيمه، ونهج كل منهم نهجه ~~غير مقلد لزعيمه، ولا مقلد لعامل آخر من زملائه وأبناء مدرسته. # كان بحق مربي قادة ومربي أمم، وصدقت فراسته حين لخص القيادة النافعة كلها في كلمة ~~واحدة: وهي «علم ثم علم ثم علم» ... وليست هناك قيادة لا تضل بصاحبها أقوم من قيادة ~~التعليم. # أما تربيته الأمم فقد ظهرت في بعثه الحياة بين قومه في زمرة أنصاره وخصومه، وقد عيب ~~عليه بلسان أقرب المقربين إليه أنه كان مفرطا في الصراحة، عنيدا في الحق، صلبا في ~~مقارعة المعارضين بالحجة الواضحة وإن كانت مؤلمة جارحة، ولكن هذه الصراحة التي لا تعرف ~~المواربة هي التي ابتعثت القوة والثقة في معسكره ومعسكر خصومه، فمات والمعسكران معا في ~~حركة دائمة واستعداد متجدد، واستفادت أفكاره ممن أيدوها وممن فندوها على السواء، وكان ~~كل تلميذ له يعمل وكل معارض له يعمل، وكل عمل يثمر بعض الثمرة، ويغرس من ثمرته شجرة ~~نامية وارفة الظلال. # الشاعر «ألطاف» # من مريديه الذين والاهم بعطفه وتأييده الشاعر ألطاف حسين «حالي» الملقب ms022 بشمس العلماء، ~~وقد فطن السيد لعبقريته، وعلم فضل الشعر في تربية الأقوام الناهضة؛ فاقترح عليه أن ينظم ~~ملحمة شعرية مطولة في تقدم الإسلام وتأخره، فنظمها وأهداها إلى كلية عليجرة، وعرفت باسم ~~المسدسات، واستظهرها كثير من شبان عصره وشيوخه، وكان «الحالي» صوفيا على مذهب محيي ~~الدين ابن عربي في حب جميع الناس ومصافاة جميع الأمم، يقول كما قال محيي الدين: # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # بل كان فضل النبي الأكبر كما قال في ختام قصيده «إنه صديق كل نفس إنسانية، عطوف على ~~القريب والبعيد، سواء عنده المكي، والزنجي، والشامي، غفور للمسيء، يسدي الخير حتى إلى ~~فاعلي الشرور.» # وكانت له قصيدة في الوطنية يقول فيها: «إن أردت خيرا لوطنك فلا تنظر إلى أحد من ~~أبنائه نظرة الغريب، سيان المسلم والهندستاني، والبوذي، والبرهمي، فارعهم جميعا بعين ~~الحب وسو بينهم كما تسوي بين إنساني عينيك.» # وفي إحدى مسدساته يقول عن القرآن: «أول ما نتعلمه من كتاب الهدى أن الناس جميعا أسرة ~~الله، وأنه لا يحب الله إلا من يحب خليقته، ذلك هو الإخلاص الحق وتلك هي العقيدة ~~والإيمان، أن يكون الإنسان في عون الإنسان.» # وفي مقطوعة أخرى يقول: «دع الشحناء مع من يدين بغير دينك ... وأحجم عن الأذى، وقابل ~~الأذى بالإحسان، وليأت بعد ذلك من يقول إن الدنيا جهنم فلينظر إلى هذا الفردوس.» # وقد عمل الشاعر على التقريب بين الأمتين بالتقريب بين اللغتين، فنظم مقاطيع من الشعر ~~في لغة يفهمها المتكلمون بالأردية والمتكلمون بالهندستانية، وقيل إن غاندي قرأ قصيدته ~~«شكوى الأيم» فقال: «لو تكلم أهل الهند يوما بلغة واحدة فبهذه اللغة يتكلمون»، وكتب في ~~مقدمة ديوانه أن المسلمين يحسنون صنعا لو استغنوا عن الكلمات الغامضة من العربية ~~والفارسية، وأن الهندستانيين خلقاء أن يتعلموا الأردية؛ لأنها هندستانية متطورة. # وهذا مثل من العاطفة الدينية الصوفية التي كان شعراء الإسلام من بيئة السيد أحمد ~~يواجهون بها قضية الوحدة. # وإذا كان «الحالي» قد واجه قضية الوحدة بالروح الصوفية؛ فقد واجهها الأخوان محمد علي ~~وشوكت ms023 علي بالروح الرياضية، وأيد محمد علي حركة المقاطعة التي قام بها غاندي بفتوى ~~دينية تحرم على المسلمين خدمة الشرطة والجيش، ونادى بأن سياسة أستاذه السيد أحمد التي ~~تقوم على محاسنة الدولة البريطانية قد انقضى عهدها، ووجب على العاملين في سياسة الهند ~~أن يحاربوا تلك الدولة بكل ما يستطيعون، ثم انتهى الأمر بعودته إلى رأي أستاذه في قضية ~~الوحدة، فقال في المؤتمر الإسلامي قبل غاندي بأكثر من ربع قرن: «إننا نعارض غاندي؛ لأن ~~حركته ليست بالحركة التي ترمي إلى استقلال الهند كلها، وإنما هي حركة يراد بها أن يظل ~~السبعون مليونا من المسلمين عالة على جماعة «المهاسبها» ... وهي الجماعة المتطرفة التي ~~جاهرت غير مرة بأن الحل السريع لمشكلة الهند هو استئصال من فيها من المسلمين. # الشاعر إقبال # ومن تلاميذ السيد أحمد رواد الباكستان الشاعر محمد إقبال، الذي اشتهر باسم شاعر ~~الإسلام، فقد كان أبناء قومه، يسلكونه بين غلاة الوطنيين «الناشو ناليست» طلاب الوحدة، ~~فما زال مع الزمن حتى آمن باستحالة الوحدة. ودعي مرة إلى محفل «منيرفا» المشترك بين ~~أبناء جميع الأديان والأقوام، فكتب إلى الداعين (في سنة 1909) يقول: «لقد كنت أرى ~~وأعتقد أن الخلافات الدينية ينبغي أن تمحى في هذه البلاد، ولا أزال أعمل لذلك في حياتي ~~الخاصة، ولكنني أجد اليوم أن محافظة كل من الأمتين على كيانها مطلوب بين المسلمين ~~والهندستانيين، وأن الوطن الموحد في الهند لمن الأحلام الجميلة التي تروق الأمزجة ~~الشعرية، ولكنه عند النظر إلى الأحوال الحاضرة والنزعات الباطنة في ضمائر الأمتين يبدو ~~غير قابل للتحقيق.» # وقد تخرج من عليجرة وغيرها رواد كثيرون لفكرة ~~الباكستان، كلهم اجتهدوا في الوحدة، وكلهم آمنوا باستحالتها، ولعل صاحب الترجمة - ~~القائد الأعظم - كان آخر من بقي على أمل الوحدة بين أولئك الرواد، وهذه هي العبرة ذات ~~الدلالة الكبرى في هذا الباب. # إلا أن حركات الجماهير أعمق في الدلالة على ~~ضرورة الباكستان من هذا التطور في آراء القادة والزعماء. وقد أسلفنا أن الجماهير ألهمت ~~بالفطرة ما قرره القادة والزعماء بالروية والاستقراء بعد طول العناء، ms024 ولكننا لا نقصد ~~بذلك أن الجماهير قد اندفعت في وجهتها اندفاعا لا علة له ولا تردد في مقدماته ودواعيه؛ ~~إذ الواقع أن علة هذا الاتجاه في الجماهير أوضح من علل التطور في عقول قادتها وزعمائها، ~~وإنما الفرق بينها وبينهم في اتجاهها أنها تنقاد للسبب المعقول ولا تعلم أنه سبب ~~انقيادها، ولكنه سبب معقول على كل حال. # العصبة الإسلامية # فلما أسست العصبة الإسلامية (سنة 1906) كان تأسيسها تلبية لشكوى المسلمين في الأقاليم ~~التي هم قلة ضئيلة فيها إلى جانب الهندستانيين أو البرهميين والبوذيين، ولم يقبل عليها ~~المسلمون الذين هم كثرة في أقاليم إلا بعد فترة غير قصيرة، وكانت جماعة «المهاسبها» ~~التي تقدم ذكرها هي الحافز لهم على الاعتصام بالعصبة، والاحتراس من عاقبة الاندماج في ~~وطن واحد يسمع فيه صوت هذه الجماعة بين أقوى الأصوات الغالبة على نفوس جماهيره. # فالقلة الهندستانية في الأقاليم الإسلامية تمادت في تعصبها الذميم إلى أقصى حدوده، ~~وثبت من إحصاءات الاشتراك في العصبة الإسلامية أنها لم تنتشر بين تلك الأقاليم عند ~~تأسيس العصبة، ولكنها بلغت غاية الانتشار بعد ثورة «المهاسبها» وتوقح كتابها وخطباؤها ~~على مقدسات الدين الإسلامي؛ ومنها كرامة نبيه عليه السلام، وجعلت مكانة العصبة بين أهل ~~تلك الأقاليم تتوطد وتستقر كلما تجاوبت أرجاء الهند بتلبية «الدعاية» الهوجاء التي ~~انتهت بمقتل «المهاتما» الهندي؛ لأنه أنكر على الجماعة تعصبها الذميم. # وأعمق من حركات الجماهير الإسلامية وأطوار ~~القادة والزعماء في الدلالة على استحالة الوحدة؛ أن المنبوذين أنفسهم - وهم من أعرق ~~السكان في الهند - قد اتخذوا مع حزب المؤتمر موقفا كموقف العصبة الإسلامية، بل أشد ~~لددا في الخصومة، وأعلن زعيمهم الدكتور (امبدكار) أن عناية غاندي بالمنبوذين إنما هي ~~عناية يريد بها أن تستقل الهند خالصة لقومه، وأن قومه بالنسبة إلى المنبوذين ~~كالأوروبيين بلا خلاف. وأصر الدكتور امبدكار على هذا الموقف بعد الوصايا المتكررة من ~~غاندي بإنصاف المنبوذين، وتسميتهم باسم الهاريجان؛ أي أبناء الله. وقد يمهد له العذر في ~~إصراره أن وزارة المؤتمر بمدراس - وهي وزارة يؤيدها ستة وعشرون من النواب المنبوذين - ~~رفضت ms025 قرار اقترحه الزعيم «راجاه» يبيح للمنبوذين دخول المعابد الهندية، ولولا أن هؤلاء ~~المنبوذين لا تضمهم في الهند أماكن قابلة للاستقلال، وأنهم هم أنفسهم مستسلمون لقسمتهم؛ ~~لأنها جزء من عقيدتهم، لوجدت في الهند دولة منبوذة مستقلة يسكنها أربعون مليونا أو ~~يزيدون. # | العالم الإسلامي # كانت الحركات التي تجاوبت بها أرجاء العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر عاملا في ~~توجيه قضية الباكستان إلى الوجهة التي تدرجت في الاتجاه إليها حتى استقرت عند منتصف القرن ~~العشرين على وضعها الأخير. # وكانت حوادث العالم الإسلامي خارج الهند لا تقل عن حوادث الهند الداخلية في تحويل أنظار ~~مسلميها رويدا رويدا إلى ضرورة الاستقلال بحكومة منفصلة، وهي حكومة الدولة التي عرفت ~~الآن باسم دولة الباكستان. # وكانت الحوادث الخارجية والداخلية معا ترسم مصير القضية وتقرره وتقيم له حدوده، حتى أصبح ~~ذلك المصير كما قدمنا حلا مفروغا منه متفقا عليه بين القادة والجماهير، فلا حاجة به إلى ~~تلك المؤثرات البلاغية أو السياسية التي يلجأ إليها القادة كثيرا لإقناع أتباعهم بما هم ~~معتنقون به، ولكنهم يستجيشون لها شعور الجماعات تهيئة لقبوله على النحو الذي تتهيأ له نفوس ~~الجماعات. # وكان القرن التاسع عشر منذ أوله فترة قلق شديد في بلاد العالم الإسلامي من أقصى أطرافها ~~إلى أقصاها، وتلاحقت فيه الدعوات بغير انقطاع في كل أمة على النهج الذي يناسبها، فلم يخل ~~بلد واحد في العالم الإسلامي من دعوة أو من حركة أو من ثورة، وكلها تطلب التغيير ولا ترضى ~~بالواقع الذي صارت إليه. # وتجتمع تلك الدعوات جميعا في خصلة واحدة على تباين أشكالها وغاياتها، وهي أنها جميعا ~~كانت «رد فعل» سريع لطغيان الاستعمار الأوروبي على الأقطار الشرقية، وقد ذهبت حملات ~~الاستعمار حينا باستقلال أمم، وأضعفت أحيانا كيان الأمم التي بقيت مستقلة، وكشفت لهذه ~~وتلك عن سوء حال لا قرار عليه. # ووقع في النفوس حيث اصطدم المسلمون بسلطان الدول المستعمرة أنهم أصيبوا بما أصيبوا به من ~~جراء الفساد والفسوق والانحراف عن أحكام الدين، فلو عملوا بأحكام دينهم لما اصطلحت عليهم ~~عوامل الضعف، ولا ms026 نزل بهم ذلك العقاب جزاء وفاقا من الله. # وتحركت كل أمة على النحو الذي يناسبها لعلاج هذا الضعف وتجديد قوة الدين، فقامت في بعض ~~الأمم دعوات تحارب الترف وتنكر كل بدعة من بدع الحضارة الحديثة، وقامت في بعضها دعوات توفق ~~بين قواعد الدين وفرائضه وبين العلوم العصرية والمطالب الدنيوية، وراجت في الأمم جميعا ~~دعوات التطهير والاعتصام من الفتنة بعبادة الله على طريقة من الطرق الصوفية، وظهر في البلاد ~~التي يعتقد أبناؤها برجعة الإمام المنتظر كثير من أدعياء الإمامة والهداية الذين يبشرون ~~بمذاهبهم تارة على سنة القديم، وتارة على سنة لهم يبتدعونها ويجتهدون بها في استئناف قوة ~~الإسلام على نمط يخالف الإجماع. # من هذه الدعوات دعوة محمد بن عبد الوهاب في نجد، ودعوة الباب والبهاء في فارس، ودعوة ~~القادياني في الهند، ودعوة السنوسي في المغرب، ودعوة محمد أحمد المهدي في السودان، ودعوة ~~جمال الدين الأفغاني وتلاميذه في كل بلد وصل إليه بشخصه أو برسالته، ومن هذه البلاد فارس، ~~والهند، ومصر، والعراق، وتركيا، وأطراف من المغرب الأقصى، والمشرق الأقصى إلى تخوم ~~التركستان والصين. # أثر الدعوات الدينية # كل دعوة من هذه الدعوات كان لها أثرها المباشر في البلاد الهندية، فأقبل المسلمون ~~بالألوف على دعوة ابن عبد الوهاب، وقام شريعة اللة بنشر الطريقة «الفرائضية» التي يدل ~~اسمها على غايتها، وهي إيجاب الفرائض والعمل بنصوص الشريعة، وتنسب إلى هذه الطريقة ~~وسائر الطرق التي أخذت بالدعوة الوهابية ثورة المسلمين في الحركة التي اشترك فيها أهل ~~الهند سنة 1857، وسميت بحركة «العصيان»، وكانت لها عند «البراهمة» أسبابها الدينية ~~أيضا؛ لأنهم اعتقدوا أن الإنجليز سيرغمونهم على استباحة بعض المحرمات. # وقد كان ترديد الهند للدعوة الوهابية أمرا مفهوما يسير التعليل لقدم العلاقة بين ~~الجزيرة العربية وشواطئ الهند الشرقية، ولكثرة الحجاج من مسلمي الهند في كل سنة، ~~ولانتشار أخبار القتال بين الوهابيين وغيرهم في أنحاء البلاد الآسيوية، ولا سيما ~~الإسلامية منها، كبلاد الملايا وبلاد الأفغان. # أما العجيب حقا فهو انتشار أخبار الثورة ~~المهدية في السودان بين الأمم الآسيوية، وتحفز القبائل للثورة ms027 على حدود الأفغان، حتى ~~توجس الإنجليز واهتموا باستطلاع آراء العظماء من المسلمين عن حقيقة الرسالة المهدية، ~~وحض الفقهاء والعلماء على إصدار الفتاوى التي يبينون بها نصيب تلك الرسالة من الصحة أو ~~من الموافقة للعقائد الإسلامية. # لكن الحالة النفسية التي كان عليها مسلمو الهند في تلك الآونة تفسر هذه العجيبة، ~~وتجعلها من مألوفات كل يوم بالقياس إلى تلك الحالة النفسية، فإن العقيدة الدينية حلت في ~~نفس الهنود - من المسلمين وغير المسلمين - محل الغيرة الوطنية، وجاءت غاشية الحزن التي ~~غمرت نفوس المسلمين خاصة بعد زوال دولتهم وانكسار شوكتهم، فأضافت إلى عقيدة الدين قوة ~~على قوة، واشتد بهم السخط مع الاضطهاد المتعمد والحرمان المدبر فتطلعوا إلى أبواب الأمل ~~من كل فج قريب أو بعيد، وأصبحت حوادث السودان عندهم كأنها من حوادث الحدود. # ولم يزل هؤلاء المسلمون يسمعون في بلادهم، وفي البلاد التي يرحلون إليها حجاجا، أو ~~تجارا، أو زوارا أن الطمع في استعمار الهند هو سبب البلاء الذي أصاب أمم الشرق ~~جميعا، ولا يزال يصيبها ويعرضها واحدة بعد أخرى لضياع الاستقلال وكساد الحال، فوقر في ~~النفوس أنهم مسئولون قبل غيرهم عن محنة العالم الإسلامي بأسره، وأن غيرهم من أمم العالم ~~الإسلامي حقيقون منهم بالعطف على الأقل إن لم يكن لها منهم عون بالعمل أو ~~المقال. # وليس من محض المصادفة أن يكون أعظم دعاة النهضة الإسلامية في أواسط القرن التاسع عشر ~~- جمال الدين الأفغاني - متاخما للهند في نشأته، ومتطلعا إلى الهند أول ما تطلع لنشر ~~دعوته، وهناك قال لهم قولته المشهورة: «لو كنتم يا أبناء الهند ضفادع بعدتكم من ~~الملايين، ثم أردتم أن تزيلوا الجزيرة البريطانية من موقعها في البحر لزحزحتموها عنه، ~~وقذفتم بها إلى قراره.» # مسألة الخلافة # إلا أن المسألة التي تضاءلت إلى جانبها كل مسألة من مسائل العالم الإسلامي في حساب ~~مسلمي الهند؛ هي مسألة الخلافة الإسلامية، وكانت يومئذ في آل عثمان ~~بالقسطنطينية. # فقد كان أمراء الهند أنفسهم يستقبلون تلك الخلافة في الشدائد، وينظرون إليها نظرتهم ~~إلى الثمالة الباقية من عز الإسلام ms028 ودولته الدنيوية. # ومنذ عهد الاحتلال البريطاني توجهت الأنظار إلى سلطان آل عثمان، وكان في طليعة ~~المتوجهين إليه سلطان ميسور على مقربة من سلطنة حيدر أباد، فإنه كتب إلى «الخليفة» ~~يبلغه حقيقة الخطر على الديار الآسيوية، وينذره أن الخطر بالغ من غربها لا محالة إلى ~~حوزة القسطنطينية، ولم يكن في وسع الخليفة أن ينجده بالعون الذي أراده، فكتب إلى ~~نابليون يطلب هذا العون، وجاءه الجواب منه بانتظار المدد في جيش جرار يضرب الدولة ~~البريطانية في مقتلها، ويخلي الطريق إلى الهند من شباكها. # ولم يزل أمراء الهند - فضلا عن سواد أهلها - يتطلعون إلى الخلافة في القسطنطينية حتى ~~زالت وانتهت بخاتم الخلفاء السلطان عبد المجيد، فسعى سلطان حيدر أباد إلى التزوج من ~~إحدى بناته، وقيل فيما قيل عن أسباب هذا الزواج: إنه «زواج سياسي» يمهد به السلطان إلى ~~إمامة المسلمين في الهند على الأقل، إن لم تنعقد له الإمامة على العالم الإسلامي ~~بأجمعه. # ولم يتفق لمسلمي الهند ما يضعف مكانة الخلافة بينهم كما اتفق للمسلمين الذين حكمتهم ~~الدولة العثمانية فتمردوا على حكمها، وتغلبت في نفوسهم دفعة الوطنية على الولاء لحكومة ~~ساءت سياستها وخرجت في رأي الأكثرين من أحكام دينها، بل كان مسلمو الهند يزدادون عطفا ~~على دولة الخلافة كلما اشتدت بها المحن من داخلها وخارجها، وينسبون الثورات عليها ~~أحيانا إلى دسائس الاستعمار وغواية الدول الأجنبية بالرشاوى والوعود الكاذبة. # ودام الحال على هذا إلى أن كانت الحرب العالمية الأولى ووقع ما وقع من الاصطدام بين ~~تركيا وبريطانيا العظمى في مصر والعراق مباشرة، وفي الأقطار الأخرى من طريق الدعوة أو ~~تحريض الإمارات الوطنية بجزيرة العرب، طموحا إلى إقامة دولة عربية واحدة تضم إليها ~~الأمم العربية التي كانت خاضعة لسلطان بني عثمان. # وعمد ساسة الإنجليز إلى تهوين الأمر على مسلمي الهند تارة بقولهم: إن الحملة على ~~تركيا إنما هي حملة على جماعة تركيا الفتاة الذين اغتصبوا سلطان الخليفة، وجعلوا ~~الخلافة ألعوبة في أيديهم وتبرأوا من العصبة الإسلامية تمييزا عليها للعصبة الطورانية، ~~فدفعوا العرب بذلك دفعا إلى ms029 إحياء العصبة العربية بزعامة أمير من سلالة بيت الرسول، ~~وتارة يهونون الأمر على مسلمي الهند بتوكيد العهود لهم ؛ أن بريطانيا العظمى لن تمس دولة ~~الخلافة، ولن تسمح بتقسيمها في معاهدات الصلح بين الطامعين فيها. # فلما انعقدت معاهدات الصلح خابت آمال مسلمي الهند في وعود الدولة البريطانية، وأيقنوا ~~أنهم خدعوا وسيقوا إلى معونتها في هدم دولة الخلافة وتمزيق أشلائها، وأعلن زعماء ~~المسلمين - تلاميذ أحمد خان - أن مسالمة الحكومة البريطانية في الهند سياسة قد انقضى ~~أوانها ووجب نقضها؛ لأن هذه الحكومة قد أخلفت وعودها للمسلمين وللبرهميين في الشئون ~~الدينية والسياسية، وانتهز غاندي الفرصة السانحة فجعل مسألة الخلافة من المسائل الأولى ~~في برنامج المؤتمر، وراح مع الأخوين محمد علي وشوكت علي يجوبون أنحاء الهند شاهرين ~~الحرب على الحكومة، معلنين الاتحاد بين جميع الهنود على حربها ورفض التعاون ~~معها. # ويدل على مدى القلق الذي دهم نفوس المسلمين في الهند من جراء السياسة البريطانية مع ~~الدولة العثمانية؛ أن ألوفا من مسلمي الحدود هجروا بلادهم وقصدوا إلى بلاد الأفغان ~~ليعيشوا في ظل حكومتها الإسلامية، وأن مولانا محمد علي قصد إلى تركيا، وفلسطين، ومصر ~~ليجمع كلمة الترك والعرب على استبقاء الخلافة والاتفاق على تأسيس «دولة اتحادية» تضم ~~إليها طلاب الاستقلال في غير سيادة لقوم من الأقوام على قوم آخرين. # وبينما الهند تغلي مراجلها بالثورة والمقاومة السلبية تارة والمقاومة الإيجابية تارة ~~أخرى؛ إذا بمصطفى كمال يلغي الخلافة وينفي خاتم الخلفاء العثمانيين من ~~القسطنطينية. # أمن المصادفة ما حدث بعد هذا أم من تلاحق الأسباب الكثيرة وتلاقيها في وقت واحد غير ~~منظور قبل ذلك؟ # قد يكون هذا وذاك تعبيرين مختلفين لمعنى واحد، فليست المصادفة إلا أسبابا مجهولة أو ~~غير مستقصاة إلى نهايتها، ولكننا على كل حال لا ننوي أن نرجح قولا من القولين في هذا ~~السياق؛ إذ الأمر المحقق أن القائد الأعظم قد برز للزعامة في السياسة الهندية خلال هذه ~~الآونة بعينها، وأنه كان على آراء مخالفة لآراء زعماء المسلمين في مسألة الخلافة وفي ~~مسألة المقاومة السلبية، فكان أحق الزعماء ms030 بأن يتناول عصا القيادة في الآونة التي فترت ~~فيها حركة الخلافة، وبطل التعاون من جرائها بين المسلمين والبرهميين في المقاومة ~~السلبية. # كان جناح من مبدأ الأمر يؤمن بضياع الجهود التي تبذل في الهند لتأييد الخلافة ~~العثمانية، وكان يؤمن كذلك بأن المقاومة السلبية سياسة ضررها بالهنود في النهاية أكبر ~~من ضررها بالدولة البريطانية. # فلما تحولت جهود المسلمين الهنود إلى الداخل كان أصلح الزعماء لتوجيه تلك الجهود زعيم ~~يحصر جهوده في بلاده، ولا يسلم مقودها لمن يتخذون مسألة الخلافة وسيلة للمناورات ~~السياسية، ولم يكن تضافر المؤتمر وزعماء المسلمين على نصر الخلافة الإسلامية إلا مناورة ~~من المناورات التي لا يسيغها طبع جناح، ولا تدخل في تفكيره ولا في شعوره. # وكان اجتماع الخواطر على استقلال المسلمين بدولتهم في الهند نتيجة طبيعية لقنوطهم من ~~عمل شيء ناجع في إبقاء الخلافة العثمانية بعد أن تخلى عنها أبناؤها. # والمسلم على الدوام يفرق بين الحاكم وولي الأمر في فرائض الطاعة والمعاونة، فهو لا ~~يدين بالطاعة لغير الله ولا يقبل الحكم من «ولي الأمر» إلا لأنه يتولاه بأمر الله، ولا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # أما «الحاكم» الذي ليس «وليا للأمر» فطاعته ضرورة قاسرة، والخروج عليه واجب كلما ~~امتنعت هذه الضرورة القاسرة، وقد كان العزاء من قبل أن ولي الأمر قائم بالخلافة وإن ~~كانت ولاية روحية، فأما ولا خلافة فليس من المعقول أن يخرج المسلمون من طاعة الدولة ~~البريطانية ليدخلوا في طاعة الدولة البرهمية، وخير العوض في هذه الحالة قيام دولة ~~مستقلة للمسلمين في بلادهم، إن لم تكن هي دولة الخلافة فهي حكومة اختيار لا حكومة ~~اضطرار في غير موجب للاضطرار. # كذلك كانت مسألة الخلافة - من مسائل العالم الإسلامي الكبرى - عاملا مهما في قيام ~~الباكستان، وفي توجيه القيادة إلى الزعيم الذي آمن منذ البداءة بحصر الجهود في هذه ~~الناحية، فكان هذا أيضا تفسيرا واضحا للزعامة التي تقود الجماهير بالقول الصادق ~~الصادع، من غير تأثير ولا اضطرار إلى أساليب التأثير. # | الملتقى # والملتقى هو ملتقى القضية وزعيمها، ملتقى الباكستان والرجل الذي ms031 رشحته الحوادث لقيادة ~~المساعي المتشعبة التي جمعت شملها وأبرزتها كما هي اليوم دولة بين كبريات الدول في القارة ~~الآسيوية، وفي العالم بأسره. # وفي سنة 1906 أخذت بريطانيا العظمى تفكر في توسيع نصيب الهنود من الحكومة الذاتية. # وفي هذه السنة اجتمع في «دكا» زعماء المسلمين لإنشاء العصبة الإسلامية. # وفي سنة 1908 - بعد سنتين من إنشاء العصبة - توجه وفد من زعماء المسلمين إلى اللورد منتو ~~- حاكم الهند - يطلبون منه وضع قواعد للانتخاب تكفل تمثيل المسلمين في المجالس النيابية ~~التي تشترك في الحكومة الذاتية، وإن كان اشتراكا في حدود الشورى وإبداء الآراء لا ~~يتجاوزهما إلى حدود الإبرام والتنفيذ والحكومة الفعلية. # لم يكن جناح من مؤسسي العصبة، ولم يكن كذلك من أعضاء الوفد الذي عرض مطالب المسلمين على ~~الحاكم العام. # ولا يفهم من هذا أنه كان يقاطع الحركة الإسلامية ويجهل دواعيها، وإنما يفهم منه أنه كان ~~إلى ذلك الحين يعتقد أن المؤتمر أداة صالحة لخدمة الهنود جميعا من مسلمين وبرهميين، وظل ~~على هذا الاعتقاد بعد إنشاء العصبة بسبع سنوات. # ولما أيقن أن وجود العصبة لازم لرعاية المصالح الإسلامية، وقبل الانضمام إليها طلب من ~~شاهديه أن يقررا في كتاب ترشيحه أن رعاية هذه المصالح لا تعني بحال من الأحوال نقض الولاء ~~للقضية القومية الكبرى التي وقف عليها حياته. # وفي سنة 1914 كان هو رئيس البعثة الهندية التي قصدت لندن لشرح القضية الهندية، وتوضيح ~~المطالب التي ينتظر أهل الهند تحقيقها بعد نهاية الحرب العظمى. # وفي سنة 1916 كان هو رئيس اللجنة التي تألفت للاحتفال بمقدم غاندي من إفريقية الجنوبية، ~~وكان رئيسا لفرع من أكبر فروع العصبة المؤلفة لتوسيع حقوق الحكم الذاتي، وهو فرع ~~بومباي. # ويمكن أن يقال: إن وفاة الزعيم البرهمي جوكهيل في سنة 1915 كانت هي مفترق الطريق بينه ~~وبين سياسة العمل الموحد في القضية الهندية، وأول الطريق الذي التقى فيه بقضية الباكستان ~~وأصبحت قضيتها فيه هي قضية قائدها الأعظم بغير افتراق. # كان جوكهيل رجلا نادرا في نبله وحكمته وسماحة عقله، وكانت قدرته على فهم ms032 موقف قومه وغير ~~قومه هي الهبة الزعامية الكبرى التي انفرد بها، أو كاد أن ينفرد بها بين زعماء ~~البرهميين. # كان يتقبل بالارتياح نظم الانتخاب التي تعطي المسلمين ضمانهم في المجالس النيابية ودواوين ~~الحكومة، وكان يتقبل بالارتياح ما هو أكبر من ذلك وأدعى إلى التوفيق بين الأكثرية والأقلية ~~من أبناء البلاد الهندية جمعاء، وذلك هو النظام الاتحادي «الفدرالي» إذا لم يكن منه بد في ~~عهد الحكومة الوطنية. # وقد كانت هذه السياسة التي انتهجها الزعيم البرهمي النبيل من إملاء الواقع، كما كانت من ~~إملاء سماحته وحكمته وبعد نظره. # كانت من إملاء الواقع؛ لأن الشقاق على السلطان عبث وهو محصور في أيدي القوة الأجنبية، ~~وكان من الحماقة أن يتقاتل البرهميون والمسلمين على سلطان لم تنزل عنه بريطانيا العظمى، ولم ~~يكن ظاهرا في السنوات الأولى من القرن العشرين أنها تنوي النزول عنه في وقت قريب. # فانتهج جوكهيل خطة التوفيق؛ لأنها أسمح الخطط وأحكمها وأوفقها لسياسة الواقع، ومضى على ~~هذه الخطة في خلال زعامته التي انتهت بوفاته قبل نهاية الحرب العالمية، فكانت هذه الكارثة ~~ضربة قاصمة لسياسة الوحدة وتضافر الجهود القومية. # وقد تتلمذ جناح على جوكهيل وأعجب به، وحافظ على الولاء له وإقناع المسلمين بمجاراته في ~~ولائه، فلما قضى الرجل (في شهر فبراير سنة 1915) بدأ الانحراف في دوائر المؤتمر عن ذلك ~~النهج القويم، وأخذت الشكوك والظنون تساور تلميذه الكبير وتقنعه بضرورة العزلة التي كان ~~يجاهد عقله ونفسه على رفض الاقتناع بها غاية جهده. # ولكنه لم يعجل ولم ييأس، ولم يكن من دأبه أن يتراجع سريعا عن رأي آمن به وثابر زمنا على ~~تنفيذه، فحاول بعد سنة من وفاة جوكهيل أن يقرب بين العصبة والمؤتمر، وأسندت إليه رئاسة مجلس ~~العصبة في سنة 1916 فتعمد أن يعقده في مدينة «لكناو» حيث انعقدت جلسة المؤتمر الكبرى في تلك ~~السنة. # وقد واصل سعيه حتى اتفقت العصبة والمؤتمر على المسائل المختلف عليها جميعا، وخرجت ~~الهيئتان بالميثاق المشترك بينهما، فأطلق الفريقان على جناح لقب «سفير الوحدة»، واشتهر بين ~~البرهميين والإنجليز باسم ms033 رسول السلام. # إن المساجلات التي دارت بين الفريقين بعد ميثاق «لكناو» تملأ المجلدات الضخام، وتضل ~~القارئ في تيه من المتناقضات والتهم والردود لا يسعنا في هذه الرسالة أن نستقصيها أو ~~نلخصها، وليست بنا حاجة إلى استقصاء لها أو تلخيص، ولكننا نحيط بها جميعا إذا رجعنا إلى ~~سياسة الواقع في عهد جوكهيل، وسياسة الواقع في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية ~~الثانية. # لقد أسلفنا أن سياسة الواقع في عهد جوكهيل كانت تهديه إلى قبول الضمانات المطلوبة ~~للمسلمين؛ لأن الخلاف عليها عبث مع استئثار الدولة البريطانية بالسلطان واجتماع أزمة الحكم ~~كلها في يديها، سواء في الهند أو العاصمة البريطانية. # أما سياسة الواقع في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية فقد كانت على نقيض تلك ~~السياسة. # كان نزول الإنجليز عن السلطان قد أصبح في حكم الواقع القريب، وكان من المحقق عند ~~البرهميين والمسلمين أن السلطان «الفعلي» سينقل رويدا رويدا إلى أيدي الهنود، ومنهم من ~~كان كبير الأمل في انتقاله دفعة واحدة خلال سنوات لا تجاوز أصابع اليد الواحدة. # ولهذا أخذ ساسة المؤتمر يرفضون ما قبلوه واعتبروه من الحلول المعتدلة قبل ذلك، وكلما ~~أصبحت السلطة القومية حقيقة واقعة أنكر ساسة المؤتمر شيئا مما كان مقبولا عندهم، وتشبثوا ~~باحتكار القيادة واحتكار دعوى النيابة عن الهند قاطبة، فمنهم لا من غيرهم تصدر الأوامر ~~والمشورات ومعهم لا مع غيرهم يتفق الإنجليز ونواب الطوائف. # وجرت الانتخابات مرات فأبى ساسة المؤتمر أن يعترفوا بنائب ناجح ما لم يكن عضوا في ~~المؤتمر، مقرا لسياسته ومواثيقه. # وأنكروا حق العصبة في النيابة عن مسلمي الهند وقالوا: إنها جماعة من جماعات كثيرة، ثم ~~صمدوا على هذا الإنكار بعد ثبوت هذه النيابة بنسبة النجاح بين المرشحين، فقابلت العصبة ~~إنكارا بإنكار، وأعلنت أنها لا تعترف بالمسلمين أعضاء المؤتمر ما لم يكونوا أعضاء في ~~العصبة ممثلين لها بتزكية منها. ~~••• # وشاعت فكرة الانفصال وجعلت تزداد شيوعا كلما ازداد اليقين بصعوبة التفاهم على ضمانات ~~الحكومة الموحدة، ونادى غاندي من جانبه باستحالة الفصل بين التوأمين السياميين اللذين ~~تجمعهما بنية واحدة ms034 تموت بانفصال أحدهما عن الآخر. # ونادى حزب المؤتمر بشعاره الذي لا يتحول عنه وهو «الاستيلاء أولا ثم التقسيم ثانيا»، ~~وأن البرهميين والمسلمين عليهم معا أن يناضلوا في سبيل الاستيلاء على الحكم القومي، ثم ~~يعملوا على التقسيم بعد الاستيلاء عليه. # وطفق جناح يجيب على هذا الشعار بشعار مثله يلخص به موقفه وموقف العصبة الإسلامية، وهو أن ~~المسلمين لا يناضلون في سبيل عبوديتهم. # وجاء يوم يئس فيه القائد الأعظم كل اليأس من التفاهم على ضمانات الحكومة الموحدة، وأجمع ~~النية على ضرورة الانفصال. # ويبدو من وقائع شتى أنه كان على حق في يأسه وتعويله الحاسم على فض الخلاف بإقامة دولتين ~~منفصلتين. # ولا نطيل في سرد هذه الوقائع؛ لأنها كما أسلفنا تستوعب المجلدات الضخام في الشرح ~~والمناقضة والرد وإعادة الرد من الجانبين، ولكن واقعة كشمير بعد الانفصال مثل يغني عن أمثلة ~~كثيرة على صعوبة التفاهم بالبينات والحجج المنطقية والمقاييس العامة التي يتفق عليها ~~الطرفان، بل يتفق عليها جميع الأطراف. # وخلاصة الواقعة أن سلطان حيدر أباد المسلم هم بالانضمام إلى الباكستان فأنذرته حكومة ~~الهند ألا يفعل، وأتبعت الإنذار باحتلال بلاده عنوة؛ لأنها ترى أن المعول على الشعب لا على ~~السلطان، فلما أرادت الباكستان أن تطبق هذا المبدأ نفسه وتلحق بها ولاية كشمير التي يبلغ ~~المسلمون في جميع أقاليمها - ومنها إقليم جمو - أكثر من سبعين في المائة، رفضت حكومة الهند ~~هذا المبدأ، وأعلنت أنها تقاومه بالقوة العسكرية، مع أن الكثرة الغالبة بين أبناء حيدر أباد ~~من المنبوذين الذين لجأوا إلى الولاية الإسلامية؛ لأنهم لا يقبلون المهانة التي يعاملون ~~بها بين البراهمة. أما أبناء كشمير المسلمون فلا فاصل بينهم وبين إخوانهم، في العقيدة ولا ~~في الميول السياسية ولا في الموقع الجغرافي والعلاقات الاقتصادية. # ومن هذا المثل المشهود على ملأ من العالم تتضح صعوبة التفاهم في الأمور الداخلية على مبدأ ~~متفق عليه بغير ضمان. # خلاف في الأسس # ولا يستوفى البيان عن طبيعة الخلاف بين جناح وساسة المؤتمر إذا حصرناه كله في قضية ~~الباكستان. # فالواقع أنه خلاف في أسس ms035 التفكير يتناول السياسة الهندية في جميع مناحيه، ولا يقف عند ~~القضية الإسلامية البرهمية. # فقد كان جناح يستغرب سياسة غاندي، ولا يؤمن بجدوى «التنسك» ورفض الحضارة، ومقاطعة ~~الوظائف والمصانع والصناعات العصرية برمتها، ويقول: إنه يريد حملة تضرب الهدف ولا تضرب ~~صاحبها، وضرب الهدف في رأيه إنما يكون بالوسائل السياسية، ووسائل المقاومة الفعالة عند ~~لزومها. # وغاندي في اعتقادنا رجل عظيم أو روح عظيم كما وصفناه في كتابنا عنه بعد مقتله، ولكن ~~المؤيدين لمذهبه والمعارضين له متفقون على أنه رجل برهمي في كل قطرة من قطرات دمه، وكل ~~باعث من بواعث روحه: أساليبه برهمية ووسائله برهمية ومثله العليا برهمية وصيامه ~~ومقاومته السلبية، ودعوته إلى الاهمسا من صميم النحلة البرهمية، وغايته من حركته أن ~~يجعل الهند «رام راج»؛ أي مملكة الإله «رام» رب البراهمة، وهو الرب الذي انطلق لسانه ~~بدعائه ساعة أصيب برصاص الجاني المعتدي عليه. # وإن هذه الزعامة المستغرقة في البرهمية لتستدعي بطبيعتها زعامة أخرى تقابلها وتشبهها ~~في تمثيل قضيتها، والعمل بروحها في أداء رسالتها، فلم يكن مع قيام غاندي مناص من قيام ~~جناح أو من يحل في محل جناح. # وقد كان استقلال الرأي يدفع بجناح إلى مخالفة المؤتمر ومخالفة العصبة الإسلامية في ~~وقت واحد. # كان يخالف المؤتمر في سياسة غاندي المستغرقة في البرهمية، وكان يخالف العصبة وجمهرة ~~المسلمين الهنود في حركة الخلافة؛ لأنه زاول السياسة ومسألة الخلافة تكاد تلفظ أنفاسها، ~~واشتد حزنه في إبان حركة الخلافة لضياع هذا الجهد في غير طائل ينفع مسلمي الهند أو ينفع ~~الخليفة والخلافة، فهجر الهند وأوشك أن يعتزل السياسة، وراح يقيم فترة في البلاد ~~الإنجليزية إلى أن تهدأ السورة وتثوب الأمور إلى قرارها. # فأما خلافه مع حزب المؤتمر فلم ينحسم، وأما خلافه مع العصبة فقد انحسم بانقضاء اللجاج ~~في مشكلة الخلافة، وأصبح مصير الخلافة معززا لقيام دولة إسلامية مستقلة في البلاد ~~الهندية، فلا يجتمع على مسلمي الهند ضياع الخلافة وضياع الاستقلال إلى آخر ~~الزمان. # الأمل الأكبر # لا جرم يدرك الشاعر الملهم محمد إقبال أن الرجل قد ms036 خلصته الحوادث، ومحصته التجارب ~~ومحضته آراءه وحصافته لمهمة فريدة لا يضارعه في الاستعداد لها أحد من أبناء عصره، فذكره ~~غير مرة أنه هو الأمل الأكبر لقيادة الحركة الإسلامية وبناء صرح الدولة المرجوة، فكتب ~~إليه قبل قيام الباكستان بأكثر من عشر سنوات يقول له: «إنني أعلم أنك رجل جم المشاغل، ~~ولكني أرجو ألا تضجرك كتابتي إليك حينا بعد حين؛ إذ أنت المسلم الوحيد في الهند الذي ~~يحق للأمة كلها أن تتطلع إليه لقيادتها في هذه الزوبعة التي تهب على شمال الهند ~~الغربية، وإنني لمبلغك أننا نعيش فعلا في حرب أهلية لولا الشرطة والجيش لعمت في مثل ~~لمح البصر.» # وذاك أن الشاعر الملهم على غيرته الدينية كان يأنف من استجداء المعونة للخلافة، ويقول ~~عن الوفود التي تؤم الغرب لطلب هذه المعونة: إنها ذهبت تحمل «الكوز» لتحمل فيه فضلات ~~المحسنين! # ومن طرائف هذه القضية أن «الاسم» الذي تسمى به قد وجد لها في إبانه، (سنة 1933) ~~فسماها «رحمة علي» أرض الطهر، واتخذ هذا الاسم من حروف أسماء الأقاليم التي يراد تكوين ~~الباكستان منها، وهي بنجاب، وأسام، وكشمير، وسند وتليها «تان» من اسم بلوشستان. # وقد قيل بحق: إن الباكستان دولة خلق اسمها قانوني وألهمها ضميرها شاعر، وأقام لها ~~بنيتها التي تحمل اسمها وضميرها قائد، أو قائد أعظم، هو جناح. # وخير تلخيص للموقف قبل قيام الباكستان بأشهر معدودات أن نرجع إلى حديث للقائد الأعظم ~~أفضى به إلى مندوب صحيفة «المصور» قبل انتهاء سنة 1946 ببضعة أيام؛ يذكر فيها المشابهات ~~بين قضية الهند وقضية مصر والمناقضات بينهما، وفيه يقول: «إذا لم يتحقق الباكستان في ~~الهند فإن الشرق الأوسط كله - وبخاصة مصر - سيكون في خطر من التوسع الهندوكي الاستعماري ~~المنتظر، وسيتخذ هذا الاستعمار الهندوكي طابعا أشد خطرا وشناعة من الاستعمار ~~البريطاني في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.» # ثم قال: «إذا لم يوافق الهندوكيون على مشروع الباكستان فلن نشترك معهم في الجمعية ~~التشريعية التي ينادون بها، أما الكونجرس الهندي المقترح لتوحيد الهند تحت حكومة ~~مركزية؛ فمشروع استعماري محض، ms037 يحتمل كثيرا أن يهدد منطقة الشرق الأوسط كلها بالخطر، ~~بحجة أنها المجال الحيوي والسوق القريبة للمنتجات الهندوكية، على طريقة المرحوم ~~هتلر!» # واستطرد قائلا: «إن أعدل حل للقضية الهندية هو إيجاد دولتين هنديتين إحداهما منفصلة ~~عن الأخرى: الأولى مسلمة في الشمال الغربي، والأخرى هندوكية في الشمال الشرقي، يتبادل ~~بينهما السكان حتى لا يكون في أيهما قلة طائفية، ويقوم بينهما أساس للتفاهم المشترك ~~وتبادل المعونة.» # وأشار إلى وحدة وادي النيل فقال: «ليس ثمة تعارض بين دعوتي هذه الانفصالية ورضاي عن ~~اتحاد وادي النيل، ولا عن الاتحاد بين مسلمي مصر وأقباطها، لاتفاق اللغة والعادات ~~والتقاليد بين شطري الوادي، فضلا عن الشعور والتشابه العجيب في تكوين المصري ~~والسوداني، ولكن يدعو إلى الانفصال بين المسلمين والهندوكيين الاختلاف في كل شيء حتى في ~~الأكل، فإن الهندوكي لا يريد المسلم أن يأكل لحم البقرة التي يعبدها. # وإذا كان الأقباط في مصر يعيشون في صفاء ووئام مع المسلمين؛ فإن الأمر بين المسلمين ~~والهندوس مختلف جدا؛ لأن الأقباط يؤلفون عشرة أو خمسة عشرة في المائة من مجموع السكان ~~الذين لا يجاوزون عشرين مليونا، أما مسلمو الهند فهم حوالي مائة مليون، ويستطيعون أن ~~ينشئوا دولة قوية. ومساحة مصر صغيرة بخلاف الهند؛ فهي أكبر من القارة الأوروبية، ومن ~~السهل أن تنقسم إلى دولتين عظيمتين، وفي الإسلام والمسيحية تسامح ولا تتجاوز الفروق ~~بينهما شئون العبادة الخاصة، أما الديانة الهندوسية فهي التي تسير الهندوس في كل شئون ~~حياتهم، وبينها وبين الأديان السماوية المعروفة فوارق كبيرة جدا تحمل في ثناياها كل ~~أسباب النزاع والخصومة.» # مهمة غير سهلة # مهمة وجدت قائدها وقائد وجد مهمته ... # تهيأ لقيادتها وتهيأت لقيادته خلال سنوات متتابعات أبانت فيها الحوادث ما يلزم ومن ~~يلزم: ما يلزم من العمل ومن يلزم لإنجاز ذلك العمل، وانتفى من الوسط كل باعث من بواعث ~~القيادة التي تحاول أن تقنع بغير ما يوجبه الواقع من براهين الصدق في الإقناع. # هذا كما أسلفنا غير مرة هو تفسير الأعجوبة النادرة في قيادة القائد الأعظم: أعجوبة ~~قائد للجماهير يخاطبها ms038 بلهجة كأنها لهجة العالم في المصنع أو لهجة القاضي في سجلات ~~الأحكام. # لكن الفارق بعيد بين مهمة مهيأة ومهمة ممهدة مذللة. إن المهمة الممهدة سهلة مذللة ~~المصاعب تتطلب من العامل لها جهد إتمام وتكملة، لا جهد تأسيس وإنشاء. # أما المهمة المهيأة فقد تكون أعسر مهمة يتولاها صاحبها، وكل ما هنالك أنه يتولاها هو ~~ولا يتولاها غيره؛ لأنه أقدر على مصاعبها من الآخرين. # كانت قضية الباكستان مهمة مهيأة لقيادة جناح، ولم تكن مهمة ممهدة له أو لغيره من ~~القادة. # كانت عظيمة المصاعب كأعظم ما تكون المصاعب في إقامة الدول، وغاية ما هنالك أنها ~~المصاعب التي وجدت صاحبها المستعد لها المقتدر على إنجازها، بما اختص به من ملكات ومن ~~صفات، وأهمها الصدق الصراح. # كان شعور المسلمين بالحاجة إلى الباكستان درجات، فليس أصحاب الكثرة في أقاليمهم ~~كأصحاب القلة فيها ... # أصحاب القلة في أقاليمهم أشد حاجة إلى الدولة المستقلة، ولكنهم سينتقلون من بيئاتهم ~~التي تعاقب عليها آباؤهم وأجدادهم، وسينتزعون أنفسهم انتزاعا من المولد العزيز، ومن ~~مورد الرزق، ومن مآلف الصبا والشباب ... # وأصحاب الكثرة في أقاليمهم أقل حاجة إلى الدولة المستقلة، ولكنهم يعاشرون قلة من ~~البراهمة المتهوسين بالعصبية الدينية، فيلمسون على قرب بوادر النقمة وقلة الأمان، ~~ويهمهم أن يخلص لهم ضمان دائم كضمان الباكستان. # والمسلمون بعد مذاهب وطوائف: سنيون، وشيعة، وإماميون، وإسماعيليون ومن طائفة ~~القادياني أو طائفة الفرائض، أو غير ذلك من طوائف الأئمة والدعاة. # وهم على هذا متفاوتون في الغيرة والحماسة، متباينون في العمل للدولة الجديدة، ~~يتساءلون على أي أساس تقام، وإلى أية غاية تهدف، ومتى يكون البدء بتوطيد الأساس والهدف ~~إلى الغاية. # هل تكون دولة مدنية أو دولة إلهية؟ وهل تكون كذلك دفعة واحدة أو على تدرج وأناة؟ ~~وعشائر البادية والجبال ما شأنها؟ هل تحكم حكما عصريا أو تحكم بنظامها الموروث الذي ~~تتغير الدول ولا يتغير؟ # واللغة - لغة التعليم والعبادة - كانت هي أيضا مثار الخلاف والإشاعة المتناقضة: هل ~~تفرض الأردية وحدها وتلغى البنغالية؟ أو تبقى البنغالية للتعليم والمعاملة في بعض ~~الجهات وتعم الأردية ms039 جميع الجهات؟ # نوازع ودوافع تضطرب فيها العقول والظنون وتتضارب فيها الأمزجة والأهواء، ولا سيما في ~~الفوج الأول قبل الاستقرار والطمأنينة، وقبل جلاء النيات والغايات. # واقترنت هذه العوامل الطبيعية بعوامل أخرى غير طبيعية من تلفيق الدسائس والنفاق، ~~فكانت هناك جماعات إسلامية ظاهرها الخدمة العامة وباطنها خدمة المأجورين للسياسة ~~الأجنبية، وفرصتها هي هذه الفرصة في أوائل الحركة بين المتشابهات والمتناقضات، وبين ~~مواقع التهم ومطارح الأطماع. # وعجيب، أو ليس بعجيب على الوجه الذي تختاره، أن يتعرض خادم الباكستان الأكبر في معترك ~~هذه الظنون والنوازع لجريمة اغتيال لم يتعرض لها عدو من أعداء الباكستان الدخلاء أو ~~الأصلاء في البلاد، وأن يكون مدبر اغتياله أحد المدينين له بنعمة الحرية ~~والإنقاذ. # حدثت هذه المحاولة - محاولة اغتيال جناح - في صيف سنة 1943 والقائد عائد إلى بومباي ~~من إحدى رحلاته، وأذاعت الصحف نبأ عودته وموعد وصوله، فذهب فتى من جماعة «خاكسار» يتربص ~~به عند وصوله، ولم يتمكن من مقاربته لاشتداد الزحام في استقباله، فقصد إلى قصره ساعة ~~الغداء، وكأنه علم من قبل أنها ساعة الراحة لمعظم الخدم ما عدا القائمين بإعداد المائدة ~~للقائد الأعظم وضيوفه، فتلقاه بواب القصر بالترحاب كما يتلقى الزوار، وقاده إلى الكاتب ~~الخاص الموكل بالاستماع إلى من يطلبون المقابلة، ودخل جناح المكتب في هذه اللحظة فرأى ~~الفتى وسأل كاتبه عنه، فأبلغه ما سمعه منه، وأنه يرغب في محادثته لمسألة هامة، فأمر ~~جناح كاتبه أن يعطيه ورقة يكتب فيها كل ما يطلبه، ويبلغه بعدها عن موعد يلقاه فيه ~~لإتمام حديثه، وإذا بالشاب يهجم على القائد العام ويهم بأن يطعنه في صدره بمدية أخرجها ~~من طيات ثيابه، وتمكن فعلا من إصابته بجرح غير ذي بال، ورفع يده ليتم فعلته فأدركه ~~البواب قبل أن يعيد الكرة واعتقله وهو يصيح: «دعوني دعوني ... لست مأجورا ... إن شيخي ~~يأمرني بقتله ...» # وقد حوكم الفتى وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، وتبين أنه ينتمي إلى تلك الجماعة جماعة ~~خاكسار؛ أي جماعة الأرضيين أو الترابيين الذين تسموا بهذا الاسم تواضعا وإظهارا للفقر ~~والمتربة، ولهم نظام ms040 فاشي ونزعة شيوعية، ورئيسهم عناية الله المشرقي من خريجي جامعة ~~كمبردج، أنشأ الجماعة في البنجاب سنة 1931، وحلت جماعته سنة 1941 واعتقل كما اعتقل غيره ~~من رؤسائها، ثم أفرج عنه في السنة التالية بمساعي العصبة الإسلامية وشفاعة القائد ~~الأعظم، فجوزي على هذه الشفاعة بعد سنة واحدة بتدبير تلك المؤامرة للقضاء عليه. # تلك بعض المصاعب الشعورية أو النفسانية التي كان على القائد العام أن يعالجها ويصرف ~~أذاها في سبيل تأسيس الباكستان. # والمصاعب المادية في غنى عن البيان؛ لأنها تشمل فيما تشمله تنظيم المواصلات لنقل ~~المهاجرين إلى الباكستان والمهاجرين منها، وإعداد المساكن، وإعداد الأعمال ومرافق ~~المعيشة لكل ساكن على حسب صناعته وموطن تلك الصناعة من الدولة الجديدة، والإنفاق على ~~الدولة من خزانة لا مال فيها ولا مورد لها بعد من الضريبة أو الإنتاج أو القروض ~~الميسورة، ويكفي في تقريب هذه الصعوبات إلى الأذهان أن نستعيد آراء المعقبين على اقتراح ~~إنشاء الباكستان عند شيوعه وتسامع الناس به في أقطار العالم لأول مرة، فقد كان تعقيبهم ~~جميعا يتلخص في كلمة واحدة هي كلمة «مستحيل». # وربما علم جناح من هذه المصاعب ما لم يعلمه غيره، وربما كان جناح أولى من غيره بالحكم ~~على المشروع بالاستحالة، لو كان مجرد العلم كافيا لتقدير الاستحالة ونفض اليدين من ~~الفكرة منذ اللحظة الأولى. # إلا أن الأب الذي ينظر إلى ابنه المريض بالداء المعضل الميئوس منه يحكم عليه حكما ~~غير حكم العواد، وغير حكم الأطباء أنفسهم، وإن كانوا من صانعي المعجزات. # إن الأب يعرف هنا ما لا يعرفه العواد ولا يعرفه الأطباء، يعرف أن ابنه يجب أن يعيش، ~~ولا يقصر همه على أن يسأل هل سيعيش أو لا يعيش؟ # وليس تصويرنا لتقدير المصاعب على هذه الصورة في نظر القائد الأعظم تصويرا نعتمد فيه ~~على التخيل أو تشبيهات المجاز. # كلا! إن البرنامج العملي الذي حفظته أقوال القائد العام ومساعيه وتمهيداته تدل دلالة ~~غير مقصودة على أن كلمة «الواجب» هي مفتاحه الوحيد الذي يفتح به المغلقات، ويقتحم به ~~السدود ويذلل به العقبات. # فإذا ms041 سأل سائل: هل تذلل هذه المصاعب أو لا تذلل كان جوابه الأول: هل هناك محيد من ~~تذليلها؟ فإن كان تذليلها هو الواجب الوحيد فلتذلل ولتخلق وسائل التذليل واحدة بعد أخرى ~~حتى تزول المصاعب من الطريق الذي لا محيد منه وليس عنه حول، فإنما النكول عن الواجب هنا ~~أصعب من الهجوم عليه واطراد السير في طريقه على عجل أو على مهل، وهل عنه حول أو منه ~~محيد؟ # حادثه الصحفي الخبير بالقضية الهندية بيفرلي نيكولاس صاحب كتاب حكم على الهند فسأله: ~~«إن أعم الاعتراضات التي توجه إليك من نقادك؛ أنك لم توضح الباكستان توضيحا دقيقا، ~~وأن هناك تفصيلات جمة تتعلق بالدفاع والمرافق الاقتصادية وطوائف الأقليات أهملتها ~~وتركتها عمدا غامضة مبهمة ... فما قولك في هذه الاعتراضات؟ وهل يبدو لك أنها من قبيل ~~النقد المنصف المعقول؟» # قال جناح: «إنها ليست من الإنصاف ولا من حسن الفهم للأمور، وبخاصة حين تأتي من ~~إنجليزي ليست له أية معرفة بتاريخه، فإن أيرلندة حين فصلت جاءت الوثيقة التي دونت قرار ~~فصلها في نحو عشرة أسطر، نعم عشرة أسطر من الحروف المطبوعة لتسوية نزاع معقد لا يصدق ~~العقل مبلغ تعقيده، قد سمم السياسة البريطانية عدة قرون، وتركت جميع تفصيلاته للمستقبل، ~~وما أقدر المستقبل من فيصل جدير بالإعجاب في كثير من الأوقات! وها أنا ذا قد أعطيت ~~العالم من البيان ما يزيد كثيرا على عشرة أسطر لبيان المبادئ والوقائع التي تدور عليها ~~قضية الباكستان، ولكنه من وراء طاقة الإنسان كائنا من كان أن يدون في الورق تفصيلا ~~سابقا لا يخرم منه حرف عند تنفيذه، ونعلم عدا هذا من تاريخ الهند أن هذا التفصيل لا ~~ضرورة له على الإطلاق، فأين كان هذا التفصيل حين تقرر فصل بورما في مؤتمر المائدة ~~المستديرة؟ وأين كان هذا التفصيل حين فصلت السند من بومباي؟ لم يكن له وجود، لم يوجد ~~ولم تكن ثمة حاجة لأن يوجد، وكان المبدأ المهم في القضية أن قاعدة الانفصال تقررت، ~~ويأتي كل شيء بعد ذلك في حينه.» # قال بيفرلي: «كيف ms042 تصور «الأمر المهم» في قضية الباكستان؟» # قال: «في خمس كلمات ... إن المسلمين أمة ... فإن سلمت هذا وجب أن تسلم تسليم الرجل ~~الأمين. إن حق الباكستان قائم، ووجب أن تسلمه ولو كانت مصاعبها مائة ضعف المصاعب ~~الماثلة في الواقع.» # قال الصحفي: «أتنظر إلى الناحية الدينية حين تقول الباكستان أمة؟» # قال جناح: «بعض النظر لا كله ... ولتذكر أن الإسلام ليس عقيدة وحسب، بل هو آداب وسلوك ~~عملية واقعية، وإنني لأنظر إلى الناحية الحيوية، وإلى كل شيء ذي بال في حياة الإنسان، ~~إنني لأنظر إلى تاريخنا وإلى أبطالنا وإلى فنوننا، وإلى عمائرنا وآثارنا وموسيقانا ~~وقوانيننا وفقه شريعتنا.» # وسكت الصحفي يكتب، وتركه القائد يكتب لحظة ثم قال: «في جميع هذه الشئون نظرتنا لا ~~تختلف وحسب، بل تناقض النظرة البرهمية، نحن أناس مختلفون، مختلفون في الأسماء والملابس ~~والأطعمة، مختلفون في الحياة الاقتصادية وفي مثل التربية والتعليم، وفي معاملتنا ~~للنساء، وفي مسلكنا مع الحيوان ... وخذ إليك مسألة البقرة الأبدية ... نحن نأكلها والبراهمة ~~يعبدونها، وقد يخطر للإنجليزي أن هذه «العبادة» تقليد من التقاليد التي تصلح للفرجة، ~~وبقية من تراث الأيام الخالية. لكن الأمر على نقيض ذلك، ومنذ أيام فقط أصبحت مشكلة ~~البقرة في مدينتنا هذه إحدى مشاكل الأمن العام ... وما مشكلة البقرة بعد إلا واحدة من ~~ألوف.» # ثم صمت لحظة ونظر إلى الصحفي سائلا: «ماذا كتبت؟» # قال: «إنما كتبت أن المسلمين أمة ...» # قال: «وأنت على يقين من صدقها؟» # قال: «نعم!» # فقال جناح وعلى فمه ابتسامة: «فأي سؤال بعدها تسأل؟» # قال الصحفي: «أول سؤال اقتصادي: فهل المسلمون عسيون أن يصبحوا أغنى أو أفقر بعد قيام ~~الباكستان؟ وهل في نيتكم فرض مكوس بينكم وبين أرجاء الهند الأخرى؟» # وأعرض جناح عن الجواب ليسأل كما قال على سبيل التغيير: «هبهم سألوك ماذا تفضل: ~~إنجلترا غنية في حكم الجرمان أو إنجلترا فقيرة في حكم نفسها؟» # فأجاب الصحفي قائلا ومعرضا أيضا عن الجواب: «قلما أحتاج إلى جواب.» # فعاد جناح يقول: «أولست ترى إذن أن سؤالك سمل مرجوع؟ إن المثل الأعلى أمامنا أرفع من ms043 ~~المتاع الشخصي والراحة الموقوتة، والمسلمون أمة مخشوشنة دءوب صابرة، فإذا كان قيام ~~باكستان وشيكا أن يزيدهم قليلا من الدأب والنحافة فلا شكاية، ولكن ما بالها تزيدهم ~~دأبا ونحافة؟ وماذا هناك مما يوحي الظن بأن هبة القومية ستوقر كواهل الأمة من جانب ~~الثروة الاقتصادية؟ إن أمة مستقلة عدتها نحو مائة مليون، قلما يقع في الخاطر، وإن كانوا ~~عاجلا لا يملكون كفايتهم ولا يحسنون الصناعة، أنهم يصيرون إلى حال أسوأ من حالهم وهو ~~مبعثرون غير منظمين تحت سيادة مائتين وخمسين مليونا يستغلونهم، وإنه لما يعييني تصورا ~~أن يقال: إن الباكستان استحالة اقتصادية بعد معاهدة فرساي، فإن الأدمغة الكبار التي ~~قطعت في أوروبة قطعا مشتتة مزرية بين حدود ملفقة متقاطعة لهي آخر من يحق لها أن تكلمنا ~~في مصاعب الاقتصاد، وهي لدينا أيسر من ذاك ...» # إنها إذن مهمة غير سهلة وغير ممهدة، وليست هي كذلك في رأي صاحبها، ولا في رأي أحد من ~~المتطلعين إليها من داخلها أو خارجها، ولكن الباكستان ينبغي أن توجد ولو كانت المصاعب ~~التي تعترضها مائة ضعف مصاعبها؛ لأن وجودها واجب لا محيد عنه، وبهذا المعيار يوازن جناح ~~بين كفة المصاعب وكفة الواجب، أما سائر ما في الحديث المتقدم من الموازنات بين الأزمات ~~والحلول في إقامة الدول الناشئة شرقا وغربا؛ فهو آية أخرى على القضية التي تهيأت ~~لصاحبها، وتهيأ للاضطلاع بها على بعدها من السهولة ومن التمهيد. # | أسرته وطفولته # أسرة القائد # أسرته من أصل برهمي، وقد أسلم أحد أجداده منذ قرن متحولا من البرهمية إلى النحلة ~~الإسماعيلية، وهي نحلة لها دعاة عاملون ذوو نشاط وذكاء عملوا في الهند الغربية وعلى ~~حدودها منذ ألف سنة، وكان من دعاتهم في تلك البقاع قبل ألف سنة والد الفيلسوف ابن سينا ~~كما هو معلوم. # وكأنما شاءت الأقدار أن يكون جناح بتاريخه وتاريخ أسرته حجة قائمة على الحقيقة العظمى ~~في تكوين النفس الهندية، وهي أن الدين قد شغل في هذه النفس مكان كل عاطفة عامة: شغل ~~فيها مكان الوطنية والعصبية والجامعة القومية، وصبغ فيها ms044 الأفكار، والأذواق، والآداب ~~العملية، والنظرية بصبغته؛ فهو طبيعة أخرى كالطبيعة التي تركبها الفطرة في بنية الجسم ~~والضمير. # رأينا فيما تقدم كيف كان الزعيمان جناح وغاندي يتقابلان، أو يتناقضان، في أساليب ~~العمل ودوافع الحركات السياسية وفلسفة الحياة العامة والحياة الشخصية، ويكاد القائل أن ~~يقول: هو التناقض بين الفطرة الآرية والفطرة السامية، أو هو الاختلاف بين كيان إنسان ~~عريق في الهندية، وإنسان عريق في العربية منتقل إلى الهند مع العرب الذين انتقلوا إليها ~~بعد الإسلام. # ويكاد القائل أن يقول: إنها خصائص الأجناس، وإن المهاتما يعمل في السياسة بسليقة ~~والقائد الأعظم يعمل فيها بسليقة أخرى. # لكنه يرجع إلى تاريخ القائد الأعظم فإذا هو برهمي كالمهاتما في أصوله العريقة ويرجع ~~إلى ملامح القائد الأعظم فلا يرى هنديا أقوى منه تمثيلا للسمات الهندية، وإمعانا في ~~المحافظة على سحناء السلالة وقسماتها وشمائلها. # هندي في الهنديين # واختلفت العقيدة في الأسرة منذ ثلاثة أجيال، وعاشت هذه الأجيال الثلاثة بعقيدة جديدة ~~بينها وبين الله وبينها وبين الناس؛ تغيرت نظرتها إلى الدنيا وما وراءها، وتغيرت ~~عاداتها في الطعام والكساء ومقاييسها للأعمال والأخلاق، وجاء العرف الذي لا يقصد ما ~~يصنع، ولكنه يصنع ما ليس يصنعه الذين يطيلون القصد والروية، فإذا بزعيم المسلمين يسمى ~~«القائد الأعظم»، وإذا بزعيم البراهمة يسمى «المهاتما» ... ولا فارق أصدق ولا أعمق ولا ~~أدق من الفارق بين الزعيمين وبين الأمتين وبين الثقافتين في عقلية الواحد وعقلية ~~الجماعة. # وكأنما شاءت الأقدار من جانب آخر أن يكون جناح بنحلته الدينية صالحا للمهمة السياسية ~~التي تصدى لها وقادته حوادث زمانه إليها، فإن القدرة على التنظيم وتوجيه الحركات ~~السياسية قديمة في الإسماعيليين، وسماحتهم في الإحاطة بالجمهرة العامة والنخبة المختارة ~~معا قد أصبحت تقليدا من تقاليدهم التاريخية، وقد بلغت هذه السماحة غايتها في عصر ~~الجامعة الإسلامية والحرية الفكرية، وبلغت غاية غايتها في جناح نفسه، فقد كان يلغي كل ~~تسمية طائفية تطلق على المعاهد العامة، وقد غير أسماء بعض المعاهد؛ لأنها تشير إلى ~~فروق بين نحلة ونحلة من النحل الإسلامية، وجاء انتماؤه إلى الإسماعيليين ms045 النزاريين - مع ~~هذه السماحة التي تسع الناس جميعا - مرجحا قويا لزعامته ومزيلا للخوف من كثرة ~~الطائفة وانتشارها. فإن الإسماعيليين النزاريين قلة صغيرة في الأمة الإسلامية الهندية، ~~وقد ذكرنا الاطمئنان إلى زعيم ينتمي إليها باطمئنان الأمم في أوروبة إلى اختيار ملوكها ~~من أسر الممالك الصغيرة؛ لأن هذا الاختيار أمان من غلبة الأقوياء على الضعفاء، وكذلك ~~أحس المسلمون - على غير قصد ولا تدبير - أنهم يطمئنون إلى زعامة رجل يعول على الجميع، ~~ولا يستأثر بسلطان طائفته على مقاليد الجاه والسطوة، فهو أهل لخدمة الجميع بتأييد ~~الجميع. # طفولته # نشأ جناح في أسرة برهمية أسلمت في القرن الماضي، وانتقل جده بعد فتنة سنة 1857 بخمس ~~سنوات إلى بومباي ثم كراتشي، وكان أبوه «بونجا جنه» ثاني أبناء أبيه يعمل في شركتهم ~~التجارية واحدا من مديريها الذين يشتركون في إدارتها لاتساع نطاقها ورواج أعمالها، ~~وكانت معظم أعمالها في تصدير الجلود وملحقاتها، ثم لحق بها الكساد من جراء القلاقل ~~السياسية والأزمات الاقتصادية قبل أن يتم جناح تعليمه في إنجلترا حوالي سنة ~~1897. # و«محمد علي» هو الولد الثاني لأبيه، ولد في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1876، ~~وتعلم دروسه الأولى في مكتب من مكاتب التعليم بكراتشي، ثم انتقل إلى بومباي لإتمام ~~تعليمه في مدرستها الابتدائية، وتدرج منها إلى مدرستها العالية التابعة للجماعة ~~الإسلامية، ثم عاد إلى كراتشي لينتظم في مدرسة السند العليا، وحصل على الإجازة التي ~~ترشحه للتعليم الجامعي من معهد البعثة الكنسية المسيحية سنة 1896 وهو في السادسة عشرة ~~من عمره. # والأخبار المحفوظة عن الطفل «محمد علي» جد قليلة، ولا يروى عن أيامه في المدارس ~~الأولية والثانوية غير النذر اليسير، ولكنه على نزارته يدل على طفولة نجيبة مجتهدة، ~~وعلى ذكاء ألمعي يلفت النظر، ويوحي إلى أصدقاء أبيه من الطبقة الحاكمة أنه أهل للتفوق ~~في التعليم العالي، وأن مدارس الهند في ذلك الزمن لا تكفي لتثقيف ملكاته واستيفاء ~~تعليمه، فقد كان أبوه يعده للعمل التجاري ويقنع بنصيب الشاب الهندي من العلم في المدرسة ~~الثانوية، ثم تدريبه بعد ذلك على مصاحبته ms046 في التجارة إلى أن يستقل برأس مال يغنيه أو ~~يشاركه في إدارة تجارته الواسعة، ولكن صديقه السير فردريك جرافت لمح في الصبي الناشئ ~~مخايل ذكاء نادر يرشحه للمراكز العليا؛ فنصح لأبيه غير مرة أن يرسله إلى إحدى الجامعات ~~الأمريكية، واختار له دراسة الحقوق والعلوم الإدارية؛ لأنها هي «المعرفة» اللازمة ~~لمناصب الرئاسة في الحكومة. # وفي كتاب «نوادر مشرقة في حياة القائد الأعظم» لمؤلفه الأستاذ صديقي قصة رواها عن ~~سيدة من كبار سيدات الأسرة تنبئ عن ولع شديد بالقراءة، واستيعاب الكتب غير المدرسية ~~شهدت بوادره في الطفل جناح ولما يبلغ الثامنة من عمره. # قال: زارت السيدة منزلهم بعد غيبة طويلة، ولم تمض عليها غير أيام قليلة حتى لحظت أن ~~النور يتأخر بالليل في حجرة الأطفال، فخطر لها أن الصغار ناموا قبل أن يطفئوا المصباح، ~~وقصدت إلى الحجرة لإطفائه، ولكنها وجدت وهي تخطو إلى داخل الحجرة ما لم يكن لها في ~~حساب: وجدت إخوة جناح وأخته نياما وهو جالس مستغرق في القراءة، وأدهشها أنه في مثل تلك ~~السن الباكرة يغوص في مطالعاته حتى لا يتنبه لدخولها، وسكتت لحظة ثم بدا لها أن تفاتحه ~~الحديث، فقالت مدللة: ماذا يسهرك إلى هذه الساعة ياجنيح؟ # فراعها أن يرد عليها الصغير جناح قائلا: «سيدتي ... أرجوك أن تخفضي صوتك ~~قليلا.» # قالت: «لمه؟» # قال: «إن إخوتي مستغرقون في النوم ولا أحب أن أقلقهم.» # وكان هو يتكلم هامسا حتى اضطرت السيدة أن تتقدم خطوات أخرى إلى المائدة التي كان ~~يجلس عليها لتسمع كلماته، وسألته: «ما بالك تحجب نصف المصباح؟» # قال: «إنني أفعل ذلك دائما لأبعد الشعاع عن أعين الصغار.» # قالت السيدة: «أتعلم كم الساعة الآن؟» # قال: «نعم يا سيدتي، ولكن السهر إلى هذه الساعة مألوف عندي.» # قالت: «أولا تكفيك ساعات النهار للمطالعة؟» # قال: «لا! بل أنا مع قراءتي بالليل لا أجد الوقت كافيا لمطالعة الكتب التي أريد ~~الاطلاع عليها، وأحسب أنني لن أصبح شيئا مذكورا في الدنيا بغير القراءة.» # قالت: «وإلى متى تريد أن تواصل السهر؟ ألعلك تنوي أن تسهر ms047 إلى الصباح؟» # قال: «كلا ياسيدتي! ... إنما هي ساعة أخرى ثم أنام.» ~~••• # إن هذه القصة جديرة بطفولة جناح، ومنها نعلم أصالة الكياسة والأدب في طبعه، ونعرف ما ~~وراء عارضته القوية التي كانت تسعفه في الاستشهاد بالكلمة الملائمة لساعتها، والتي كانت ~~تمده بالقدرة على التعبير بغير تلجلج ولا انحراف عن الهدف السريع حيث كان. # إن وراء تلك العارضة القوية محصولا غزيرا من المطالعة والاستظهار، ووراء الرجولة ~~التي اشتهرت بالكياسة إلى أخريات أيام الشيخوخة، طفولة شبت على الكياسة الأصيلة في ~~الطباع: كياسة المبالاة الحقة بشعور الآخرين والحرص الشديد من الإيذاء والإساءة، لا ~~مجرد الكياسة في الزي والحركة والإشارة، وهي على الأبعد الأقصى كياسة ثياب. # وما يعلم من أخبار تعليمه في شبابه يعزز هذا النزر اليسير الذي روي عن طفولته ~~الباكرة، سواء في أدب الاطلاع أو أدب الاجتماع. # | حياته العامة # محمد علي جناح في شبابه. # المرحلة الأولى # تعددت نظم التربية التي تفتح عليها ذهن جناح الصغير قبل حصوله على إجازة التعليم ~~الثانوي في السادسة عشرة من عمره. # تعلم في مكتب أولي من المكاتب التي تتابع النظام المألوف في تعليم الصغار في الشرق ~~منذ عشرات القرون، ثم تعلم في مدرسة حديثة تابعة لجماعة إسلامية، ثم تعلم في مدرسة ~~حديثة تابعة لجماعة مسيحية، ثم تعلم في الجامعات الإنجليزية، وتلقى خارج الجامعات ما ~~يتلقاه الشاب في ذلك العصر من المعارف العامة الميسرة لمن يختلفون على الأندية وأصحاب ~~الآراء. # وهذا التباين في نظم التعليم يضر بعقل الطفل إذا تناقضت النظم وتضاربت ومحا بعضها ما ~~يثبته البعض الآخر، ولكنه يفيده إذا تنوع في غير تناقض وتضارب، وقد يعود الطفل أن ينظر ~~مبكرا إلى تعدد الجوانب وتباعد وجهات النظر، ولا سيما الطفل الذكي الموهوب المطبوع على ~~حب المعرفة والتوسع في الاطلاع. # وقد كان جناح محبا للمعرفة متوسعا في الاطلاع منذ طفولته الأولى، كما علمنا من بعض ~~أخباره في نحو الثامنة من عمره، إلا أن هذه الأخبار لم تذكر لنا موضوعاته التي كان يغرم ~~بمطالعتها في تلك السن الغضة الباكرة، ولكنها ms048 على الأرجح من غير القصص وكتب التسلية ~~الصبيانية؛ لأن الطفل الذي يطمح إلى أن يكون شيئا في الدنيا كما روت عنه قريبته ~~الكبيرة لا يتوهم أن كتب التسلية عون له على هذا الطموح، ولا نحسب أن اللغة الكوجراتية ~~في أواخر القرن التاسع عشر كانت تشتمل على زاد من القصص وكتب التسلية يحسب فيها حساب ~~الأطفال الصغار. # على أن موضوعاته التي أولع بها في إنجلترا قد تنبئ عن الموضوعات التي كان يجنح إليها ~~بتفكيره وميول نفسه منذ طفولته الأولى، وأوفر هذه الموضوعات نصيبا من إقباله وعنايته ~~دروس القانون والأدب، ومراجع التاريخ من ناحيته السياسية على الخصوص. # كان يتعلم القانون رغبة واستعدادا لا لمجرد التوسل به إلى مناصب القضاء والإدارة، ~~وكان ذهنه من أذهان الفقه والمحاماة والفصاحة الخطابية طبعا وفطرة لا تعلما ومراسا ~~بالصناعة. # وكان غرامه بالأدب شغلا شاغلا يكاد أن يتفرغ له لولا قدرته على تنظيم دراسته وتقسيم ~~وقته، فاشترك في ناد يدرس أعضاؤه روايات شكسبير قراءة وشرحا وتمثيلا، ومثل بعض ~~الشخصيات في رواياته التاريخية وغير التاريخية، وراض لسانه وحركاته على الإلقاء المسرحي ~~حتى لزمته هذه العادة في مرافعاته وخطبه، فلوحظ عليه أنه يسترسل في الإلقاء الفني على ~~غير انتباه منه، وكان خصومه يغتنمون هذه الفرصة فينعتونه بوصف الممثل قدحا في آرائه ~~السياسية أو حججه القانونية، وهو مطعن سهل رخيص قد تسوغه إشارات الرجل وحركاته بحكم ~~العادة، ولكن ليس في أقواله ومعانيه جميعا ما يسوغ ذلك المطعن لمن ينصفون في النقد ~~والاتهام. # وقد لزمته عادة الإلقاء الفني من أوائل أيامه في الحياة النيابية إلى أخريات أيامه في ~~الزعامة وإقامة الدولة، وأفحم مرة أحد الأعضاء الإنجليز في الجمعية التشريعية أثناء ~~المناقشة الحامية على الاتفاق التجاري بين بريطانيا العظمى والهند، فقال العضو ~~الإنجليزي - واسمه السير جيمس - إن الأستاذ جناحا كوكب لامع: كوكب يشبه جريتا جاربو في ~~ملكاته التمثيلية، فأخذ جناح يكرر آراء السير جيمس الفاجعة ووعيده بهجوم اليابان، ~~وإحجام الدولة البريطانية ومستعمراتها عن معاملة الأسواق الهندية، وقال: لعل صاحبنا لا ~~يحسن كلاما غير ms049 الإنذار بالفواجع، إنها ملكة جديرة بممثلة المآسي مارلين ديتريش ... وإن ~~هذه الفاجعة نفسها المأساة! # وكان هذا في سنة 1939؛ أي بعد عودته من البلاد الإنجليزية بأكثر من أربعين ~~سنة . # ولم يكن إلقاؤه الفني كل ما بقي من عاداته منذ دراسة الأدب والاندماج في الجو ~~الشكسبيري أو جو الشعر المسرحي على الإجمال، بل كان عرض التاريخ عرضا حيا أحد ~~الفوائد الفكرية والنفسية التي غنمتها قريحته اليقظى من أدب شكسبير، وكانت سرعة الشاهد ~~الأدبي على لسانه تارة من كلام شكسبير، وتارة من كلام بروننج وزملائه في عصره إحدى ~~الفوائد التي تصلح لمواقف الخطابة والمساجلة، وكانت فيما عدا ذلك منصرفا حسنا له عن ~~هموم الحياة الخاصة ومزعجات السياسة كلما ضاقت حلقاتها، وكثيرا ما تضيق. # وعرف زملاؤه عنه في لندن أنهم إذا بحثوا عنه فلم يجدوه؛ تفقدوه في مكتبة المتحف ~~البريطاني؛ حيث يجد بغيته من أسفار التاريخ ونسخ المراجع النادرة في السياسة العصرية ~~والسياسة الغابرة، وكانت ساعاته في لندن مقسمة بين الجامعة ومكتبة المتحف ونادي شكسبير ~~وواجبات المجتمع التي لم ينسها قط طول حياته، ومنها زيارة إخوانه من أبناء الهند ~~وأصحابه وأصحاب أسرته من الإنجليز. # وقد وصل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعاد منها إلى وطنه وهو في العشرين، وبدأ ~~اتصاله بالحياة العامة في هذه الفترة على سنته التي نصح بها الطلاب في مثل سنه بعد ~~اشتهاره والاعتراف بزعامته، وسنته هي أن الاهتمام بالمريض غير ادعاء القدرة على علاجه، ~~وأن الطالب يستعد لغده ويخدم باستيفاء عدته وخبرته، ولا يخدمه بتعجل العمل قبل ~~أدائه. # وكان أول اتصال له بالحياة العامة نشاطه مع زملائه الطلبة الهنود في ترشيح شيخ الهنود ~~المقيمين بلندن يومئذ - دادا بهاي ناروجي - لإحدى الدوائر البرلمانية، وهاجه سخطا قول ~~اللورد سلسبوري للشيخ الهندي أنه من السود الملونين ... مع أن ناروجي كان أنصع بشرة من ~~جمهرة الإنجليز، فوقر في خلده من ذلك اليوم أن الألوان نفسها، تتغير في رأي المستعمرين ~~إذا بدت على بشرة الشرقيين. # وقد كان سخطه على سلسبوري من أسباب إعجابه بغلادستون، ms050 وضاعف إعجابه به مناصرته للقضية ~~الأيرلندية وهي يومئذ قضية متواضعة تقنع بالحكم الذاتي للأيرلنديين، ولكنها على هذا ~~التواضع كانت تثير نقمة الدولة البريطانية ويحاربها فريق من الأحرار كما تحاربها كثرة ~~المحافظين، ويقول الذين سمعوا خطب جناح أيام الدعوة إلى الباكستان أنها تذكرهم بخطب ~~غلادستون أيام الدعوة إلى «الهوم رول» أو الحكم الذاتي للأيرلنديين الجنوبيين، فإن قيام ~~دولة في شطر من أيرلندة نموذج سابق لقيام دولة الباكستان - في شطر من القارة الهندية - ~~وإذا جاز في الجزيرة الصغيرة أن تحتمل حكومتان؛ فأصلح من ذلك للتطبيق العملي قيام ~~حكومتين تحكم إحداهما نحو مائتين وخمسين مليونا، وتحكم الأخرى نحو تسعين. ~~••• # وتعد هذه المناوشات السياسية أثناء الدراسة بإنجلترا حادثا هاما في حياة جناح ~~العامة؛ لأنها عينت له مدرسة السياسة التي يؤمن بصلاحها لتوجيه وطنه في تلك الآونة، وهي ~~مدرسة المعتدلين أمثال ناروجي وجوكهيل وفيروز شاه وراناد، وكانت هي المدرسة التي تتوسط ~~في مسائل العلاقات بين الهنود والإنجليز، وبين البرهميين والمسلمين من الهنود، وبين ~~التشبث بالقديم والشطط مع الجديد. # ولم تتقبل طبيعته مبادئ هذه المدرسة «المعتدلة» لسهولتها، كما توحي صفة الاعتدال ~~أحيانا إلى أذهان المستمعين من بعيد، فإن التوسط بين المذاهب المتطرفة كثيرا ما يسفر ~~عن عداء الجميع واعتزال جميع الأطراف، ولكنه تقبل مبادئ المدرسة المعتدلة؛ لأنه آمن ~~بصلاحها على وعورة سبيلها وكثرة الشروط التي يتطلبها التصدي لأعبائها وتكاليفها، وكان ~~امتحانه الأول في سياستها أعسر امتحان يعرض للسياسي الناشئ في أول حياته العامة، وهو ~~موقف السادة الهنود على تباين آرائهم ونزعاتهم من تقسيم البنغال. # كان تقسيم البنغال من معضلات الهند الشائكة التي لا يتأتى الحكم عليها بمقياس واحد، ~~ولا يسهل على كل سياسي أن يقبلها أو يرفضها جملة واحدة؛ لأنها نافعة ضارة، بريئة الظاهر ~~في بعض جوانبها مدخولة الباطن في جوانبها الأخرى. # كانت بحق عقدة تحير الباحث فيها من المسلمين خاصة، وقد يرفضها الهندي البرهمي بغير ~~تردد، ولكنها لا تقابل بالرفض في البيئات الإسلامية بهذه السهولة. # أما هذه المعضلة فخلاصتها أن اللورد كرزون حاكم الهند يومئذ ms051 قرر تقسيم البنغال إلى ~~إقليمين لكل منهما إدارة منفصلة عن إدارة الإقليم الآخر، وكان عدد سكان البنغال نحو ~~سبعين مليونا من البراهمة والهنود، يقيم المسلمون في أصقاعه الشرقية ، ويضطرون إلى ربط ~~أعمالهم ومرافقهم بمدينة كلكتا عاصمة الإقليم كله، وفي ذلك تعطيل لمصالحهم وإكراه لهم ~~على إخضاع تلك المصالح لفئة من ذوي اليسار البرهميين المسيطرين على العاصمة وعلى ~~الأصقاع الغربية، فإذا انتقلت العاصمة في الإقليم الشرقي إلى «دكا» خفت هذه السيطرة ~~وتهيأت للسكان المسلمين فرص الاستقلال بالمرافق التجارية والاقتصادية، وهكذا كان لورد ~~كرزون يعلل مشروعه في تقسيم الإقليم الكبير. # إلا أن المسألة ذات وجهين ظاهر وباطن، وهذا هو ظاهرها المعقول. أما باطنها المستور ~~فهو الانتقام من ذوي اليسار الذين كانوا يؤيدون في ذلك العهد حركة الاستقلال والمطالبة ~~بالحكومة الذاتية، ويمدونها بالمال ويتعهدونها بالتشجيع والتحريض، وهو عدا هذا ضربة ~~مصوبة إلى الوحدة الوطنية بين البرهميين والمسلمين، ومثار للشقاق الدائم بين الفريقين ~~في البنغال يتبعه لا محالة شقاق دائم في سائر الأقاليم. # هذا هو الامتحان الأول الذي امتحن به جناح في مدرسته السياسية، وهي مدرسة المعتدلين، ~~وأنه لامتحان عسير، أشبه ما يكون بالامتحان الذي زعموا أن القوى الخفية من المردة ~~والجان تختبر به عزيمة الولي حين يريد السيطرة عليها والاحتفاظ بالاسم الأعظم الذي ~~يروضها على الطاعة، وقد يكون فيه الهلاك ... وقد تكون فيه السيادة والنجاة. # كان هذا في سنة 1905 بعد عودة جناح من إنجلترا بتسع سنوات، وكان تقسيم البنغال لعبة ~~بارعة لم يحسب المستعمرون أنها سوف تصبح بعد أربعين سنة مبدأ حاسما يقضي على سلطانهم ~~في قسمين أكبر من قسمي البنغال وأخطر، وهما دولة الهند ودولة الباكستان. # ومن عبر التاريخ وتقلبات أطواره أن بطل التقسيم الكبير كان أشد المعارضين لتقسيم ~~البنغال على الرغم من اغتباط المسلمين به، واعتبارهم إياه خيرا سيق إليهم دون أن يسعوا ~~إليه. # لقد ظن حكام الهند يومئذ أن الغنيمة أعظم من أن ترفض، وإن تكشف ما وراءها من مآرب ~~الاستعمار، فلم يكترثوا لإخفاء هذه المآرب وراح رؤساؤهم يعلنونها ms052 وراحت صحيفتهم ال ~~«ستيتسمان» لسان حالهم في العاصمة تبسطها بغير مواربة، فقالت كما روى شلفنكار # Shèlvankar # في كتابه عن مشكلة الهند: «إن المقصود بها ~~هو تربية قوة إسلامية في شرق البنغال يرجى أن تكبح تلك القوة المتزايدة في زمرة ~~البرهميين المتعلمين.» # ولكن جناحا كان أقوى شكيمة من أن تقتاده الغنيمة صاغرا، وأيقظ بصرا من أن يتناول ~~الطعم من يد الصياد الماثل أمامه علانية بالمرصاد، وكأنما كان يلحظ بعين الغيب عاقبة ~~هذا التقسيم، وأن الصياد سيخلق منه طعما آخر ويرجع عن التقسيم بعد حين ليجعل من الضغن ~~ضغنين، ومن السخط الجديد مسعرا يلعج به نيران السخط القديم. # على أن جناحا لم يخسر ثقة المسلمين بثباته على سياسة المدرسة المعتدلة في معضلة ~~البنغال؛ لأنهم اعتقدوا إخلاصه وفهموا موقفه على حقيقته وأدركوا أنه نظر فيه إلى غاية ~~بعيدة: وهي إحباط دسيسة استعمارية تنقلب منافعها أضرارا مطبقة تحيق بالجميع، فانتخبوه ~~في سنة 1909 عضوا للمجلس التشريعي الإمبراطوري عن بومباي، وقابل هذه الثقة بالمثابرة ~~على مبدأ الوحدة الهندية والدفاع عن حقوق الهنود حيث كانوا، وعلى اختلاف العقائد التي ~~يدينون بها داخل الهند أو خارجها، وفي إحدى مناقشات هذا المجلس وقعت المشادة المشهورة ~~بينه وبين اللورد منتو حاكم الهند؛ لأنه وصف معاملة حكومة الناتال للهنود المقيمين فيها ~~بالفظاعة، ونبهه الحاكم إلى أن هذه الكلمة ليست من الكلمات البرلمانية التي تسمع من ~~أعضاء المجالس عند الكلام على حكومة أخرى، فلم يشأ جناح أن يتراجع، ولم يشأ كذلك أن ~~يكابر في أدب من آداب التقاليد الرسمية، ومضى قائلا: «نعم يا لورد ... وأراني أنبعث إلى ~~استخدام لهجة أقوى لو أنني طاوعت نفسي، ولكنني ألاحظ دستور هذا المجلس ولا أحب أن ~~أتخطاه لمحة عين، إلا أنني أقول إن المعاملة التي ابتلي بها الهنود هناك أقسى ما يمكن ~~أن يتخيله المتخيل، وإن الشعور الذي تقابل به في الهند شعور اتفاق وإجماع ...» # وبعد انتخابه للمجلس التشريعي الإمبراطوري بسنة وقع عليه الاختيار للوساطة بين نواب ~~البرهميين ونواب المسلمين الذين اجتمعوا في «الله أباد» ms053 للتشاور في قواعد ~~الوحدة. # ثم عرضت مسألة الوقف في سنة 1913، ولم يرض فيها عن مسلك البرهميين ولا عن مسلك ~~الحكومة الهندية، وكلف نفسه دراسة هذه المسألة من الوجهة الفقهية ومن الوجهة ~~الاجتماعية، وخامره شك منذ تلك السنة في إمكان خدمة الهنود جميعا باقتصار عمله على ~~المؤتمر، فاستجاب رجاء مولانا محمد علي الرامبوري والسير السيد وزير حسن، وقبل الانضمام ~~إلى العصبة الإسلامية على شريطة التوحيد بين سياسة الهيئتين. # وكان في تلك السنة قد ندب للسفر إلى لندن لشرح المطالب الهندية، فاشتغل في هذه ~~الرحلة بإنشاء جماعة مركزية بالعاصمة الإنجليزية لرعاية الطلبة الهنود، وندب بعد عودته ~~مرة أخرى للسفر إلى العاصمة الإنجليزية والنيابة عن المؤتمر في عرض مقترحاته التي يبني ~~عليها انتخاب الأعضاء الهنود في مجلس وزارة الهند، ثم عمل من سنة 1915 إلى سنة 1920 على ~~عقد مجلس المؤتمر ومجلس العصبة الإسلامية في موعد واحد ومكان واحد؛ لأنه - وهو عضو في ~~الهيئتين - كان يقدر أنه مستطيع أن يتدارك كل بادرة خلاف قبل أن تتشعب وتستعصي على ~~التوفيق. # إلا أن سنة 1915 في الواقع قد دخلت بالسياسة الهندية عامة في طور غير طورها الذي ~~استقامت عليه إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، ومرجع هذا التحول إلى حادث شخصي وحادث ~~عالمي في وقت واحد. # فالحادث الشخصي هو وفاة الزعيم جوكهيل الذي كان مناط الثقة بقضية الوحدة عند الجميع، ~~والحادث العالمي هو شيوع الكلام عن حقوق الأمم المحكومة أثناء الحرب العالمية وبعدها، ~~فقد كانت السلطة العظمى أو السلطة العليا كلها في أيدي الحكام الإنجليز قبل نشوب الحرب ~~العالمية، فكان الاتفاق على مكافحتها غير عسير، وكان التنازع على الحقوق التي لا وجود ~~لها أمرا من الأمور التي لا تلجئ الضرورات العاجلة إلى حلها والبت فيها، فلما بدأ ~~البحث في تنظيم الحقوق الوطنية بدأ البحث في ضمانات تلك الحقوق، وبدأ التشدد هنا والحذر ~~هناك. # ولهذا يمكن أن يقال إن المرحلة الأولى في حياة جناح العامة قد انتهت سنة 1915، وإن ~~اليقين بإمكان العمل على خدمة الهنود جميعا ms054 في هيئة واحدة هي هيئة المؤتمر قد تزعزع ~~منذ تلك السنة، ثم نشأت المرحلة الثانية التي انعقدت فيها النيات والعزائم على استقلال ~~الباكستان، ولكنها لم تنشأ دفعة واحدة منذ الخطوة الأولى، فقد بقي جناح بين الحربين ~~العالميتين يحاول التوسط على عادته في «المدرسة المعتدلة» ويعتقد أن خدمة الهند جميعا ~~مستطاعة بالتوفيق بين الهيئتين، وأن الاتفاق على الضمانات المتبادلة يرضي البرهميين ~~ويرضي المسلمين، ولكن الحرب العالمية الثانية قد أوشكت أن تقيم الحكم الهندي في مكانه ~~على مدى سنوات معدودات، فتحول البحث من الاتفاق على مقاومة المستعمر إلى الاتفاق على ~~قواعد الحكم الوطني وضماناته، فتبين مع الزمن أن الاتفاق على الفروض أيسر من الاتفاق ~~على الحقيقة، كلما اقتربت من الواقع الماثل للعيان. # | الثقة # صفة لا غنى عنها # الصفات التي لا بد منها لنجاح الزعماء كثيرة تتنوع على حسب القضايا التي يخدمونها، ~~وعلى حسب الوسائل التي تلائم كل قضية في أوانها. # وقد تتناقض هذه الصفات حتى يصبح النافع منها في قضية ضارا في قضية أخرى، وحتى يكون ~~منها ما هو قرين للخذلان إذا اختلفت الوسائل والبيئات. # ولكن صفة واحدة من صفات النجاح لا غنى عنها في جميع الزعماء، وفي جميع القضايا، وفي ~~جميع الأوقات، ومع جميع الوسائل، وعلى جميع الفروض. # تلك هي الثقة! # ثقة الزعيم بنفسه، وثقة الناس به، وبغير هذه الثقة في نفس الزعيم وفي نفوس الناس لا ~~تنجح قضية من القضايا الكبرى، إلا أن يكون النجاح مصادفة لا محل فيها للتدبير ولا ~~للتقدير. # ثقة الزعيم بنفسه لازمة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. # وثقة الناس بالزعيم لازمة، وإلا لم يسلموه حاضرهم ومستقبلهم، ولم يضعوا بين يديه ~~مصالحهم وآمالهم، وكثيرا ما تكون الآمال أعز على أصحابها من المصالح، وكثيرا ما يبذل ~~الناس المصلحة المضمونة ويضنون بالأمل المحفوف بالشكوك والمخاوف، بل تكون الشكوك ~~والمخاوف أدعى إلى الضن به والحرص عليه والبحث عن الزعيم الذي يمحص لهم الأمل فيخليه من ~~الشك والخوف. # لا بد من ثقة بالنفس في الزعيم ... # ولا بد من ثقة بالزعيم في ms055 نفوس أنصاره ومؤيديه ... # وقد كانت «الثقة» بعنصريها صفة من صفات القائد الأعظم المفروغ منها، الغنية بنفسها عن ~~براهينها وقرائنها. # هل كان جناح يثق بنفسه؟ # هل كان محل الثقة من أنصاره ومؤيديه؟ # لم يسأل أحد قط هذا السؤال، ولم يشعر أحد قط بالحاجة إلى هذا السؤال؛ لأنه كان أشبه ~~بسؤال السائل: هل في البحر المحيط ماء؟ وهل في أفلاك السماء نجوم؟ وهل في الشمس نور؟ ~~وهل في القمر ضياء؟ # بديهية من البديهيات ... بل أكثر من بديهية. # واقع من الوقائع من رآه علم به علما غنيا عن التفسير. # وليست ثقة الإنسان بنفسه قرارا يتخذه في ضميره بعد مداولة ومشاورة، ولكنها شيء راسخ ~~في قرار الوجدان على الرغم من كل مداولة ومشاورة، وشيء لا يمنحه الإنسان نفسه بأسباب ~~وقرائن، ولكن يتلقاه من خالقه كما يتلقى نفسه، فهما جوهر واحد تتعدد أعراضه ~~للناظرين. # ثقته بنفسه # كانت ثقة جناح بنفسه جزءا من نفسه، وقوة لا فكاك لها من طبائعه وعاداته. # وكانت فيه كل لوازم هذه الصفة على أتمها: كرامة، واستقلال بالرأي، وعزيمة لا تنثني ~~عما يريد، متى عرف ما يريد. # كان منظره يوحي إلى الناظر باحترامه، وكان هو يؤمن في قرارة نفسه بأن هذا الاحترام حق ~~له وأكثر من حق: واقع مفروغ منه بغير كلام. # وعرف جناح وعرف أنه رجل ذو كرامة في وقت واحد. # عرف النائب العام مكفرسون هذه الكرامة في المحامي الناشيء منذ النظرة الأولى، فخصه ~~بكرامة لم يظفر بها هندي قط من قبله، وهي إشراكه في مكتبته القانونية يدخل إليها حين ~~يشاء ويأخذ من مراجعها ما يشاء. # وعرفها القضاة الإنجليز، وقلما يعترف المستعمر صاحب السلطان بكرامة رجل من المحكومين ~~وإن عرفها، فقضى أيامه الطوال في المحاماة موفور الكرامة عند القضاة وذوي الرئاسة في ~~المحاكم ومجالس التشريع. # ومن خلائق بعض الناس أن يتجاهلوا الكرامة أحيانا؛ لأنهم يعلمونها ويضيقون ذرعا ~~بعملها، لا لأنهم يجهلونها أو يغفلون عنها. # من خلائق اللؤماء أنهم يضيقون ذرعا بكرامة الكرماء، وينتحلون المعاذير الواهية للغض ~~منها، ويغبطون أنفسهم بالاجتراء عليها، ms056 كلما أتيحت لهم فرصة اجتراء. # وتعرض جناح لهذا الخلق غير مرة في حياته القضائية، وحياته السياسية، فسلك في جميع هذه ~~المرات بداهة ما ينبغي أن يسلكه، غير مكترث بما يكون. # اشتهر رئيس محكمة إنجليزي بالغطرسة والولع بالتبكيت والغضب في موجب وغير موجب، ومثل ~~جناح أمامه في قضية كبيرة يهمه أن يكسبها، وقلما كان أصحاب القضايا يندبونه للدفاع عنهم ~~في غير القضايا الكبار. # وخيل للرئيس أن الحسناء تغري باحتمال المهر وإن عظم، وأن حرص المحامي على القضية خليق ~~أن يجرعه غصة التبكيت والزجر العنيف، فإذا هو يقاطع جناحا في مرافعته، ولم يكن خاشعا ~~في هذه المرافعة كما تعود الرئيس المتغطرس من المحامين «الوطنيين» أن يخشعوا في حضرته ~~أمام هيبته، فيقول له في غضب وكبرياء: أتراك تحسب أنك تتكلم هنا أمام قاض من قضاة ~~الدرجة الثالثة؟ # وفي مثل رجع الصدى كان الجواب يعود إلى الرئيس المتغطرس بالرد المفحم، ولم يفرغ ~~القاضي من كلمته حتى كان جناح يفوه برده كأنه كان يتوقع عبارة القاضي بنصها، ويقابلها ~~بجوابها الذي يعادلها فرفع جناح رأسه وأتأر إلى القاضي بصره، وقال في لهجة صارمة: «وهل ~~الذي أمامك أيها القاضي محام من الدرجة الثالثة تخاطبه بمثل هذا الكلام؟!» # وكانت درسا للقاضي المتغطرس نفعه بعد ذلك مع جناح ومع غيره من المحامين. ~~••• # وقد تواتر على جناح بين جميع عارفيه أنه مدقق في مواعيده، يحسبها بالدقة ويرتبط بها ~~مع صغار الناس ونكراتهم، كما يرتبط بها مع كبارهم وذوي الشهرة فيهم. # ولكنه خالف هذه العادة يوما على اضطرار، ودخل إلى الجلسة متأخرا عن موعدها؛ لأنه ~~كان في انتظار المحامي الآخر الذي يشاركه في مرافعات القضية. # وإذا بالقاضي يغتنمها فرصة، وينطلق في درس عنيف يمليه على جناح في آداب المحافظة على ~~المواعيد. # ويشاء القدر أن يكون المحامي الآخر ابن القاضي نفسه، وأن يكون هو علة التأخير الذي ~~استوجب ذلك الدرس من القاضي الجليل. # ويدع جناح قاضيه الجليل يفرغ جعبته لتكون السخرية بعد ذلك أبلغ وأوقع، وينتهي القاضي ~~من درسه فيسمع من جناح: ms057 «إن هذه الدروس لو ألقيت مبكرة في بيت القاضي لما سمعناها اليوم ~~في قاعة الجلسة؛ لأن ابن حضرة القاضي هو الذي تأخر عن موعده، وهو الذي استحق هذا الدرس ~~بعد الأوان.» # ودعاه حاكم الهند إلى مجلس يعقده في «سملا» للمشاورة والاتفاق على حل من حلول القضية ~~المعضلة، فلما وصل إلى المحطة ولم يجد هناك مركبة الحاكم العام في انتظاره كما انتظرت ~~المهاتما غاندي من قبل عاد أدراجه، ولم يحفل بما عسى أن يصنعه الحاكم المتحكم هناك في ~~الزعماء والشعوب. ~~••• # وقد تعود الناس من الزعماء أن يتملقوا الجماهير وهم يترفعون عن تمليق الملوك ورؤساء ~~الحكومات. # لكن لهذه القاعدة عنده شذوذ، فلا تمليق للجماهير ولا متابعة لها في غرورها ولا احتيال ~~على مرضاتها في غير ما يرضي الحق والمصلحة القومية، ويشهد بذلك خصومه الذين يخلقون ~~المثالب إن لم يجدوها ويهمهم أن يصموه بوصمة الشعوذة السياسية أو الاجتماعية لو عرفوا ~~سبيلا إلى وصمة يلصقونها به من هذا القبيل. # قال «الان كامبل جونسون» في كتابه عن مهمة اللورد مونتباتن في القضية الهندية، وكان ~~مؤلف الكتاب من مديري مكتبه ومن أقرب الناس صلة بزعماء الهند ورؤساء الحكومات فيها: # كان غاندي مطبوعا على غريزة مدهشة تلهمه بث الأفكار بين الجماهير، تعززها ~~اجتماعاته بهم مباشرة في مجامع الصلوات التي يشجعها، كما تعززها مخالطته ~~الواسعة للناس في جميع مناحي الحياة، أما جناح فهو على خلاف ذلك يستمد نفوذه من ~~القيادة على بعد، فهو لا يتزلف للجماهير ولا يكثر من مخالطتها، وقد مزج بين ~~التدبير المرن المصقول في حزم ودقة وبين القدرة على الانتفاع من أغلاط خصومه ~~بإرادة من حديد، ونفاذ إلى الغاية الموحدة التي لا ينحرف عنها، وأنه لظاهرة فذة ~~في القضايا الكبرى: نادى بالباكستان وهو في الستين وحققها وهو في ~~السبعين. # سمعنا كثيرا أن الجماهير تؤخذ بالتمليق والخداع، وأنها تحب التغرير والمغررين، ~~ورأينا كثيرا مصداق هذا الذي سمعناه، ولكن التاريخ يعرض لنا حينا بعد حين زعامات ~~تصارح الجماهير ولا تنخذل، بل زعامات تنجح؛ لأنها تبده الجماهير بالزجر ms058 والملامة، وكانت ~~زعامة جناح واحدة من هذه الزعامات النادرة في القرن العشرين. # وصحيح أن قضية الباكستان قضية سبقت إلى إلهام الجماهير ولم تسبق إلى تفكير الساسة ~~وروية الزعماء، وصحيح أنها من أجل ذلك كانت في غنى عن تكلف التمليق والتزويق لإثارة ~~شعور الشعب، وتحويله من الشك فيها إلى الإيمان بصدقها وضروراتها، ولكنها على كل هذا كان ~~من الممكن أن تؤول إلى زعامة رجل يعالجها بالمداهنة والمخاتلة، ولا تلومه الجماهير على ~~ذلك، بل لعلها تبتهج به وتمحضه الحب والإعجاب، فإذا كان لطبيعة القضية فضل في سلامتها ~~من آفة الدعوات الشعبية؛ فلا نكران لفضل الزعيم الذي مارس قيادتها بوحي طبعه، واستطاع ~~بالصدق والصراحة ما كان غيره عاجزا عنه بغير التمليق والتزويق. # وأشرف من الكرامة التي تواجه الأفذاذ المسيطرين كرامة تواجه الملايين وعشرات ~~الملايين، أو تواجه الغرائز التي لا تعرف في كثير من الأحيان عقلا غير عقل الطوفان ~~والبركان. # استقلال الرأي # أما استقلال الرأي، وهو أحد الخصال التي تتجلى فيها ثقة جناح بنفسه، فهو على الدوام ~~صنو الكرامة، أو لعله نسخة نفسانية أخرى للكرامة بعنوان آخر، فإن الرجل الذي يشعر ~~بكرامته يترفع عن مقام الذنب التابع لغيره، ويضن بها أن تمحى في غمار الآراء والأهواء، ~~ويحذر الهوان والضعة أشد من حذره الغضب والخسارة. # فاستقلال جناح برأيه غير مستغرب مع عزة نفسه والاعتداد بكرامته، ولكنه قد أوتي في ~~مزاجه المطبوع أسبابا كثيرة من أسباب الاستقلال بالرأي والجرأة على مخالفة الآراء ~~الشائعة، ولو بلغت مبلغ الإجماع. # ومن مفارقات العظمة ما هو عجيب يناقض المألوف، ولا بد أن تكون العظمة عجيبة مناقضة ~~للمألوف، ولكن الأعجب من كل عجب ما يناقض المألوف في بنية الجثمان، ويكاد أن يكون بدعا ~~في تركيب الأمزجة والأعصاب، وكل من عاشر جناحا وتابعه في تفكيره قد فوجئ بأعجب ~~الأعاجيب في هذا الباب. # قال «جون جنتر» صاحب الكتب العالمية عن داخل أوروبا وداخل آسيا وداخل أمريكا أنه لا ~~يبالغ إذا قال إن جناحا هو أنحف رجل رآه، وقد رأى العالم المعمور كله أو ms059 كاد. # ونظرة إلى صورة جناح في أية صفحة من صفحات الصور تؤكد هذه الملاحظة، وتسمح لكل قارئ ~~أن يقول ما قاله جنتر بالقياس إلى أهل جيرته وأهل بلاده، فالحق أننا لا نذكر أننا عبرنا ~~في مقابلاتنا ومشاهداتنا برجل أنحف من القائد الأعظم كما رأينا في صوره، وقد رأينا منها ~~العشرات بين سن العشرين وسن السبعين. # هذا الرجل النحيف لا بد أن يكون قصبة في مهب الريح. # هذه الأعصاب الدقيقة لا بد أن تكون ثورة دائمة وأوتارا تهتز بلمسة من إصبع أو نفخة ~~من هواء. # هذه البنية النحيلة لا بد أن تذهب بها صيحة وتعود بها صيحة أخرى، ولا بد أن تقضي ~~أيامها نهبا مقسما بين الاندفاع والارتجاع. # أهي كذلك في الواقع؟ # أكان الرجل عصبيا بالمعنى الذي نقصده حين نتكلم عن العصبيين؟ # إن القارئ ليحسب أنه يهنئ نفسه بالاعتدال والإنصاف إذا قال بعد تردد: لا معاذ الله ... ~~هذا رجل قمين أن يضبط أعصابه ويكبح جماحه نزولا على مطالب الزعامة ومقتضيات السياسة ... ~~ولكنه لا يكاد يعلم الحقيقة عنه حتى يعلم أن وصفه بهذه الصفة إجحاف وخطأ، فإن أعصابه لم ~~تخنه قط حتى يحتاج إلى ضبطها، ولم يكن ممن يجمحون فيعوزهم كبح الجماح، وقد ينتفض غضبا ~~إذا قوطع أو خوطب بما يمس كرامته ويخل بوقاره، ويفوه بالعبارة حينئذ فيبدو من كل كلمة ~~فيها أنها عبارة لا يقع عليها رجل غيره إلا بعد روية ساعات. # لقد كان جناح من أولئك الذين يعنيهم الإنجليزي حين يقول عن رجل إنه بارد # Cold # ويريد بذلك أنه متحفظ غير متعجل، ومن أولئك الذين ~~يعنيهم الشرقي حين يقول عن رجل إنه رصين مكين. # وصفه بذلك الإنجليز الذين لا يتطوعون بمدحه، والذين اشتهروا بأنهم هم أنفسهم «باردون» ~~ووصفه بذلك خاصة تلاميذه الذين يتسابقون إلى تعظيمه وإغداق الثناء عليه. # تناول العشاء هو وشقيقته في قصر الحاكم العام، فلما خرج سأل أمين الحاكم العام رئيسه ~~فقال كالمستغيث: «يا إلهي، إنه شديد البرودة، إننا قضينا معظم الوقت في محادثتنا لنذيب ~~الجليد الذي بيننا ms060 وبينه.» # ولم يشعر تلاميذه وأعوانه بحاجة إلى نفي هذه الصفة أو بحاجة إلى أن تساق في عرض ~~أحاديثهم مساق الاعتذار، بل أثبتها بين مناقبه كل من ألفوا الكتب أو عقدوا الفصول في ~~ترجمته وسرد حوادث سيرته من أولئك التلاميذ والأعوان. # وتكلم عنه أحد عارفيه من الهنود - وهو السير جهانجير # Jehangir # فقال: «لا شيء يحيد بجناح عن جادته حيث يعتقد أنه سالك سبيل ~~الحق والاستقامة والإنصاف، وليس ثمة مقدار من المعارضة ولا من التهديدات والمخاطر يثنيه ~~عن وجهته، إنه رجل ممتلئ بالشجاعة والصلابة، وأن قليلا من رجال الهند قضوا في الحياة ~~العامة زمنا أطول من الزمن الذي قضاه فيها جناح، ولا أبالي أن أقول إنه ما من أحد يجسر ~~على اتهامه بأنه كان في يوم من الأيام طالبا لمنفعة أو دوارا مع الغرض، ومثل هذا ~~الرجل أندر من الندرة في الحياة العامة.» # وقال هندي آخر هو السير شانكام شيتي # Chetty ~~: «إنه ذو ~~استقلال لا مثنوية فيه.» # ونوقش هو في هذه الخصلة في كلام يشبه العتاب فقال: «إنني رجل أهتدي في عملي بتفكير ~~الدم البارد # Cold blood # والمنطق والمرانة ~~القضائية.» # وتكلم مرة عن العناد والعزيمة فقال: إنهما صفتان مختلفتان، وأصاب في التفرقة بينهما؛ ~~لأن العناد صفة يستحب الرجوع عنها، أما الرجوع عن العزيمة فهو عجز ونكول. # ولعله كان من اللازم لتصحيح الآراء الشائعة عن «العصبية» أن ينبغ في العصر زعيم بهذه ~~النحافة المفرطة؛ ليفقه الناس أن الأعصاب قد تكون متينة هادئة كما تكون مرهفة متوفزة، ~~وأن الحلم قد يصاحب النحافة ولا يجتمع مع الجسامة في بنية واحدة، بل يكون الاضطراب ~~والارتجاج على قدر ما في البنية من لحوم وشحوم. # وظاهر أن هذا الاستقلال الجبار قد كان مفصلا على قدر أمة كبيرة لا على قدر رجل واحد، ~~أو هو قد كان مفصلا على قدر زعامة عظيمة، وكل ما كان لزعامة عظيمة فهو لأمة كبيرة؛ لأن ~~عمل الزعماء عمل أمم يتوقف عليه مصير الملايين في حاضرها ومستقبلها، فهو استقلال في ~~الرأي لا يشبهه كل ms061 استقلال. # لقد كان هذا «الشخص النحيل» يقف وحده متفردا برأيه بين مئات من قادة البراهمة ~~والمسلمين، يزحزحها ويستطيع أن يزحزحها عاجلا أو آجلا، ولكن هذه المئات لا تستطيع أن ~~تزحزح ذلك «الشخص النحيل». # لقد كان يخالف الهند كلها ويبرح الهند كلها إلى حين، إما أن يرجع أو ينثني غير مقتنع ~~ولا طائع؛ فذلك هو المهرب الذي لا يفهمه ولا يخطر له على بال. # ويبدو لنا أننا إذا عرفنا إنسانا بالكرامة واستقلال الرأي وقوة الشكيمة فقد عرفناه ~~بالعزيمة الماضية، وبخاصة حين نعرف عنه كذلك أنه منزه عن الغرض، بريء من ~~المطامع. # وقوانين المادة هنا تسعفنا كما تسعفنا خصائص الروح وسرائر الضمير، فإن المادة إذا ~~انطلقت لم تقف إلا بموقف يعترضها في طريقها، وماذا في جناح - ماذا في داخل نفسه القوية ~~- يثنيها عن عزيمتها بعد إعمال الرأي في هدوء وبصيرة؟ لا يثنيها إلا المهانة وهي لا ~~تقبل المهانة، وإلا الغرض وهي منزهة من الغرض، وإلا الضعف وهي من الضعف براء. # ثقة الناس به # إن الثقة تعدي ... # وهذه الثقة من جناح بنفسه ورأيه هي التي سرت منه إلى نفوس الجماهير، فجلبت إليه ثقة ~~الجماهير، بغير مساومة وبغير اقتفاء وبغير احتيال. # نعم إن الثقة تعدي، وقد أعدت ثقة جناح بنفسه نفوس أتباعه ورعاياه فأسلموه مقادهم، ~~مطمئنين إلى عزمه، كاطمئنانهم إلى حكمته وحكمه. # بيد أن هذه الثقة التي امتلأت بها نفوس أمة كاملة كانت لها في تلك النفوس دواع غير ~~التي استمدتها من نفس قائدها. # كانت سمعته العالية بالأمانة والاستقامة أكبر دواعيها، وقد ذاعت سمعته بالأمانة ~~والاستقامة منذ ذاعت له سمعة. # لبث جناح ثلاث سنوات يشتغل بالمحاماة وينتظر الشهرة على مهل، ولم يقبل أن يتعجل ~~الشهرة على ألسنة السماسرة والوسطاء كما يفعل المحامون المبتدئون، وقد كان في الشهرة ~~يومئذ رزقه ومنزلته ورزق أهله؛ لأنهم كانوا في ذلك الحين قد فقدوا معظم الثروة التي ~~توارثوها منذ أجيال. # ولما تسامع الناس بالمحامي الناشيء شيئا فشيئا علم رجال الدولة أن ها هنا سياسيا ~~مقبلا قد يكون مصدرا للمتاعب ms062 في وقت قريب؛ إذ جرت العادة عندهم أن المحامي القدير ~~والخطيب اللسن لن يطول به العهد حتى ينتقل من الكلام أمام القضاء إلى الكلام على منصة ~~الرأي العام، فأغروه بوظيفة حسنة لم يلبث أن استقال منها وحرم على نفسه الوظائف بعدها؛ ~~لأنها تفرض عليه من القيود ما لا يطيق. # وشاع عنه أنه لا يقبل قضية باطلة، وأنه لا يرفض قضية عادلة ولو كانت الأسانيد فيها ~~خفية والمتاعب فيها مجهدة، وجعل دأبه أن يأخذ مكافأته كلها سلفا؛ لأنه كان ينزل في أول ~~الأمر عن مؤخر المكافأة إذا ماطله صاحب القضية وألجأه إلى المطالبة والمقاضاة، وكسب في ~~بعض مرافعاته قضية كان صاحبها يائسا من كسبها، وكان من ذوي الثراء الذي يحصى ~~بالملايين، فأرسل إليه هبة سخية فوق المكافأة المتفق عليها، فردها إليه. # وعرض عليه أحد التجار الكبار عشرة آلاف روبية للمرافعة في قضية، ولاح له من ضخامة ~~الأوراق في ملف القضية أنها تستغرق منه وقتا يشغله عن قضاياه الأخرى، فاعتذر لصاحب ~~القضية، وألح عليه الرجل لشكه في استطاعة محام غير جناح أن يحسن الدفاع عن حقه، وقال ~~له: راجع الأوراق حتى تنفذ المكافأة ولك بعد ذلك أن تتوقف عن القراءة، وكان جناح يقدر ~~المكافأة بالساعات التي تشغلها القضية في أيام العمل، فلما فرغ من مراجعة الأوراق وجد ~~أن حسابه يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة روبية، فرد إلى الرجل المذهول بقية العشرة ~~الآلاف، وقد كان يراها أقل من جزائه! # ومن الناس من يثبت أمام إغراء المال ويضعف أمام إغراء اللقب أو الوظيفة، ومنهم من ~~يثبت أمام إغراء اللقب والوظيفة ويضعف أمام إغراء السطوة والسلطان، ولكن الفتن النفسية ~~التي امتحن بها الرجل قصدا أو على غير قصد قد أبرزت منه معدنا يثبت على كل إغراء، فلا ~~المال يفتنه ولا اللقب يستهويه ولا السطوة تعجبه أو تكبر في نظره، وربما كانت سطوة ~~تترامى عليها مطامع الأبطال من أشداء الرجال. # نودي به «شاهنشاه» الباكستان فامتعض ووقف في سيارته يوبخ الهاتفين له بهذا اللقب، ~~ويقول لهم: إن ms063 خير ما يرجوه أن يكون خادم الباكستان، لا سيد الباكستان. # وعرضوا عليه أن يولوه رئاسة الدولة مدى الحياة فأنكر هذا المبدأ، وأقام القاعدة لمن ~~يليه إلا رئاسة مدى الحياة. # وعرض عليه حزب المؤتمر قبل ذلك أن يختاره رئيسا دائما للمؤتمر، فقال لهم: إنهم إذا ~~قبلوا آراءه التي يخالفونه فيها ويخالفهم فهو سعيد بأن يظل عضوا كغيره من مئات ~~الأعضاء. # وكانت الدولة البريطانية تلوح له بالألقاب العليا وتنتظر منه أن يطأطئ قليلا ليظفر ~~بها، ولكنه لم يأبه لها قط، ولم يزده هذا التلويح إلا استرسالا في الخطة التي ارتضاها، ~~وسنحت للورد ريدنج فرصة عارضة للإيحاء بهذا الإغراء إلى قرينة القائد الأعظم فسألها: ~~ألا تريدين أن تكوني يوما لادي جناح؟ قالت: لو قبل هو أن يكون سير جناح لكان هذا بيني ~~وبينه علامة الافتراق. # ويتحرج الرجل من الشبهات حيث لا موضع للتحرج لولا الحرص على القدوة الواجبة، فقد وصف ~~له الأطباء في أخريات أيامه مسكنا صالحا لعلاجه وحذروه من المسكن الذي يقيم فيه، ووجد ~~المسكن الصالح في حوزة رجل من ذوي المرافق الواسعة، فأبى أن يسكنه بأجرته مخافة أن يكون ~~مالكه متورطا أو أن يدينه السكن فيه بمعروف يجزيه من سلطانه في الدولة. # لقد كان القائد الأعظم بحق فوق الشبهات والظنون، ولم يستطع خصومه أن يظنوا به علة ~~يتعللون بها لتفسير شدته في مطالبه أو مطالب قومه إلا أن يقولوا عنه: إنه رجل واسع ~~المطامع، ومن نجا بمثل هذا الظن الذي يقوله كل قائل عجز عن حصر التهم والعيوب فقد سلم؛ ~~لأنه ظن يقال أو لا يقال على حد سواء. # ومما قيل عنه، ولم يكن قائلوه في معرض الثناء وحسن النية، إنه رجل عملي واقعي مفرط في ~~الواقعية، وإنه لعملي واقعي ما في ذلك جدال، ولكن إذا كان المراد بالعملية الواقعية ~~أنها نقيض المثالية فهو خطأ مردود بغير مشقة، فإن العقل الذي يخلو من النزعة المثالية ~~لا يؤمن بقيام دولة أجمع خبراء السياسة والاقتصاد والاجتماع على استحالتها، وصرح بعض ~~معارضيه أنهم يسلمون ms064 له مطالبه ليشهدوه عجزه ويسمعوا منه إقراره بخطله، إنما كان جناح ~~عمليا واقعيا؛ لأنه كفؤ للعمل وكفؤ لتقدير الجهد الذي ينجزه، ومثل هذه الكفاءة تنقل ~~المثالية إلى عالم الواقع، ولا تلغيها من العقل الفعال، فإنما يفعل على مثال حيث يقنع ~~غيره بالنظر إلى المثال والعكوف على أحلام الخيال. # | المرحلة الثانية # سياسة القديس وسياسة القائد # بدأت سنة 1915 بمرحلة جديدة في حياة جناح العامة كما أسلفنا في ختام فصل سابق، وهي ~~المرحلة التي وضح فيها لجناح أن هيئة المؤتمر لا تكفي وحدها لخدمة القضية الهندية، وأن ~~الاعتماد على هيئتين اثنتين أمر لا مناص منه في هذه المرحلة. # لكن رد الفعل الذي طرأ من جراء هذا التحول لم يتجه بتفكير القائد الأعظم أول الأمر ~~إلى التباعد وتوسيع الشقة بين الهيئتين، بل كثيرا ما كان رد فعله اجتهادا في التوفيق ~~والتقريب ومبالغة في الإغضاء والمسامحة رأبا للصدع، ومنعا للفتنة وتوتر الأعصاب من ~~الجانبين، فاحتمل جناح في هذه المرحلة ما لم يكن يحتمله من قبل وفعل ما لم يكن يفعل، ~~وأيد أشد الغلاة في موقفهم أمام الدولة البريطانية، ومنهم أتباع طيلاق الذي كان يجهر ~~بأن الحركة القومية في الهند تحارب الدخلاء الهنود، ويعني بهم المسلمين، كما يحارب ~~الدخلاء الإنجليز. # وظل البراهمة إلى سنة 1921 يهتفون باسم رسول الوحدة جناح، ويعترفون له بالفضل في ~~التوفيق والتقريب، وأعربوا عن اعترافهم هذا ببناء قاعة في بومباي أطلقوا عليها اسم قاعة ~~جناح، ونقشوا على حجر الأساس فيها عبارة فحواها أن هذه القاعة «بنيت تقديرا للسيد ~~جناح؛ اعترافا بخدماته الخالدة لقضية الهند في سنة 1918.» وافتتحتها الشاعرة الهندية ~~سروجيني نايدو، وأبرقت إليه وكان في باريس تقول: «لقد عرفت الأمة فضل الرسول في ~~حياته.» # وقد لبث جناح سنوات طوالا بعد سنة 1915 وهو يلخص وظيفة العصبة الإسلامية باقتداره ~~المعهود على تحديد العبارات؛ فيقول لمن يناقشه في وجودها: إذا كان المؤتمر هو حكومة ~~المستقبل؛ فالعصبة هي المعارضة الدستورية التي لا بد منها ولا ضير فيها. # غير أن الخلاف - كما ألمعنا في هذه ms065 الصفحات آنفا - لم يكن مداره كله على الضمانات ~~الإسلامية، بل كان مع هذا وأهم من هذا خلافا بين عقليتين ومنهجين ومزاجين، كان ~~خلافا بين سياسة القديس النبي وسياسة القائد العامل، سواء في القضية الهندية العامة أو ~~في قضيتي البرهميين والمسلمين منعزلتين. # كان غاندي يبشر بمقاطعة الصناعة العصرية ومقاطعة المدارس ومقاطعة الوظائف ويحارب ~~الإنجليز «بالاهمسا»، ويفرضها جاهدا على أتباعه وهم يعملون بها تارة وينقضونها تارة ~~أخرى. # وكان جناح يؤمن بأن مقاطعة الصناعة ضربة للحياة الاقتصادية في الهند تصيبها كما تصيب ~~بريطانيا العظمى، بل ربما كانت الإصابة الهندية أفدح وأخطر من الإصابة ~~البريطانية. # وكان يقول: إن إقامة مصنع جديد إلى جانب المصنع القديم أنفع من ألف مغزل في المدينة ~~والقرية، وإذا لاحظنا أن المصانع الهندية كانت، أو كان معظمها، ملكا للبرهميين دون ~~المسلمين، تبين أن الرجل إنما كان ينظر إلى مصلحة الجميع، ولا يقصر نظره في مناهضة ~~غاندي على مصلحة المسلمين. # وكان يسأل: ماذا يصنع الطالب إذا لم يتعلم؟ وماذا يفيد الهند من إخلاء الدواوين من ~~الوطنيين وتسليمها جملة واحدة للغاصبين؟ # وقال غير مرة: إن الزعامة السياسية قدوة يأتم بها الأتباع والمتعلمون، فهل من الممكن ~~المعقول أن يصبح الهنود كلهم أنبياء قديسين كالمهاتما غاندي؟ وهل ينفع الهند أن يصبح ~~أبناؤها جميعا على هذا الغرار في السياسة القومية والمعيشة اليومية؟ # وصواب جناح في نظره كصواب غاندي في نظره: كلاهما مستمد من صميم وجدانه وصدق إيمانه، ~~ولم يكن الرجل ممن يغالطون أنفسهم في الحقيقة التي تثبت في ضمائرهم، أو يستبيحون مجاراة ~~التيار وكسب الرضى بالمجاراة والمداراة، ولو أجمع الناس ما عداه على مجاراته ~~ومداراته. # وقد أجمع الناس فعلا في إبان حركة المقاطعة وحركة الخلافة على مذهب في العمل السياسي ~~لا يرتضيه فوقف وحده يناضل ويقاوم حتى أعياه إقناع الرأي العام وثنيه عن جماحه، فهجر ~~الهند وأقام في إنجلترا معولا على الاشتغال فيها بالمحاماة والانقطاع عن السياسة؛ حتى ~~يثوب المختلفون إلى رأي يقبله ويؤمن بجدواه. # رئاسته للعصبة الإسلامية # ولقيه الأستاذ البيروني صاحب كتاب «صانعي الباكستان» ms066 خلال هذه الفترة، وهو مقيم في ~~إنجلترا سنة 1932 فقال له: وهو يحاول أن يستعيده إلى ميدانه: «وما العمل؟ إن البرهميين ~~قصار النظر، ولا أمل لي في إصلاح أخطائهم، والمعسكر الإسلامي ممتلئ بأولئك الخلائق التي ~~لا عظام لها، والتي تقول لي ما تقول ، ثم تبادر إلى صاحب السلطان لتسأله عما ينبغي أن ~~تعمل.» # وطفق المسلمون يبحثون عن قائد، وطفقت الدعوات إليه تتوالى لاستعادته إلى نشاطه، حتى ~~عن له من أشتات المعلومات التي تبلغه أن العمل ممكن على منهاجه، وأن الأمة الإسلامية ~~قطيع بغير راع، فاستخار عزمه وقفل إلى بلاده تلبية لصوت الواجب أو صوت التبعة الكبرى ~~التي استقرت على كاهله دون غيره، فرجع على شيء من الأمل، ونفض عنه وساوس التردد ~~والقنوط. # كان الزعيم محمد علي قد فارق الدنيا، وكذلك الزعيم محمد شافعي الذي طالت رعايته ~~للعصبة وبذل ما بذل في حياته لاستبقائها ولم شملها، وكان الزعيم «أقا خان» يلتفت إلى ~~الهند مرة، ويلتفت إلى مصائف أوروبة وميادين السباق فيها مائة مرة، وكانت العصبة في ~~غيبة الرءوس الصالحة على وشك الانحلال فأجمع أعضاؤها (في سنة 1934) على اختيار جناح ~~رئيسا لها مدى الحياة وهو مقيم بإنجلترا، فاضطر إلى العودة وصفى أعماله وروابط ~~معاملاته، وهي ليست بالقليل. # ولم تمض أيام على تسلمه مهام الرئاسة حتى شعر أعضاء العصبة ومن يعملون معها بدم جديد ~~يسري في أوصالها، وتحرك الجواد الذي قيل قبل ذلك: إنه جواد ميت يلهبون جلده بالسياط، ~~وعلم في أرجاء الهند أن هناك قوة جديدة يحسب لها حساب بعد أن لم يكن لها حساب. # إن هذه العصبة أنشئت بأموال الأغنياء، ولم يكن من ذلك بد في أول الأمر؛ لأنها أنشئت ~~لتقابل دعوة المؤتمر الهندي بدعوة مثلها، وليست موارد المؤتمر باليسيرة لكثرة أعضائه ~~وكثرة المشتركين فيه من أصحاب الملايين، فأصبح لزاما على أعضاء العصبة أن يوفروا لها ~~المال، وأن يضاعفوا رسوم اشتراكها ويعتمدوا على تبرعات المتفضلين من أنصارها، فنفعها ~~هذا السخاء من حيث ضرها، نفعها بما وفر لها من الموارد، وضرها بالعزلة ms067 بينها وبين سواد ~~الشعب من الفقراء وأصحاب الرزق المحدود، وأوشك أن يقوم بينها وبين الشعب سد من سوء ~~الظن، وحاجز من الوحشة والجفاء لهذه العزلة التي كانت في مبدئها عزلة اضطرار لا عزلة ~~اختيار. # وفطن جناح لهذا النقص فأسرع إلى تلافيه وأعانه على ذلك تقدم الشعب في فهم الهيئات ~~السياسية وتنظيم العلاقة بها، فعدل دستورها وجعل الاشتراك فيها حقا مباحا لكل من ~~يؤدي رسمه الصغير ولا يزيد على عشرة مليمات، وبث الدعوة لها في الأقاليم ونشر فيها ~~لجانها الفرعية والمركزية، وبذل غاية وسعه للتفاهم مع الجماعات التي طال العهد على ~~تأسيسها وعز عليها أن تفاجئها العصبة في هذا الدور الجديد بمنافستها القوية، ولم يحجم ~~عن التفاهم مع المؤتمر وتبادل المساعدة معه في الانتخابات التي يعول مرشحوه فيها على ~~المسلمين، ولا يخشى من منازعتهم لأحد من المسلمين في دوائره. # واتبع في إدارة العصبة نهجا ديمقراطيا يؤازره نهج دكتاتوري صارم عند اللزوم، فإذا ~~أنس من بعض الأعضاء اعتراضا أو سمع منه نقدا جمع المجلس وبسط فيه موضوع الاعتراض أو ~~النقد للمناقشة في صراحة وسماحة، وقد تطول المناقشة ساعات وتؤجل من جلسة إلى جلسة حتى ~~تتقارب وجهات النظر أو يقر المعارضون رأي الموافقين. # فإذا لزمت الصرامة عمد إليها في حزم وسرعة كائنا ما كان مقام الأعضاء أو غير الأعضاء ~~الذين استوجبوا تلك الخطة الصارمة، ومن ذاك أنه أسرع إلى فصل كل وزير مسلم قبل الوزارة ~~بغير إذن العصبة، وكلهم من أصحاب المقامات والأخطار الكبار، ولما نوقش في قراره قال: إن ~~الشعب الإسلامي لم يطالب بحقوقه لتفرض عليه «السلطة» مرشحيها وتحسبهم عليه نوابا ~~يعملون بمشيئته ويستمتعون منه بالثقة والتأييد، ولكنه طالب بتلك الحقوق ليختار من يشاء، ~~ولا يترفع أحد عن الرجوع إليه قبل ولاية الحكم الذي يستمده منه ويجريه عليه. # وقد ينصح وهو يعني الأمر المطاع إذا خولفت النصيحة. ويروى عنه أن رجلا من كبار ~~المسلمين زاره بعد زيارة الأقاليم الإسلامية؛ فسمع غاندي بأخبار هذه الزيارة، وأرسل في ~~دعوته للقائه وصرفه عن مقاطعة المؤتمر ms068 ومطاوعة العصبة في تنفيذ برامجها، فأطلع الرجل ~~جناحا على الدعوة وسأله رأيه فيها، فلم يصانع جناح ولم يداور في الجواب، بل قال له في ~~كلمات موجزة: «خير لك ألا تذهب.» # قال الرجل: «أنصيحة هي أم أمر؟» # قال جناح: «إن لم يكن بد فليكن أمرا، ولتعلم بعض المحظور الذي أخشى منه عليك منذ ~~الخطوة الأولى ... إنك ستذهب إلى غاندي فيتلقاك بتحية البراهمة مضموم الكفين، ويدعوك أدب ~~المجاملة أن ترد تحيته بمثلها، فإذا بالصحف تنشر لك صورتك على هذا النحو ولا تنشر معها ~~صورة غاندي، وإذا بهذه الصحف متداولة بين جماهير المسلمين ممن يفقهون ولا يفقهون، ~~فيريبهم من رئيس مسلم أن يحاكي البراهمة في تحياته، ولا يعلمون عنها أنها تحية مختارة ~~ومحاكاة مقصودة، ولا تدري أنت ما يتهامس به الشعب، وما يضاف إليه من الحواشي والإشاعات ~~حتى تهم بإصلاحه وتوضيحه، وقس على هذه المناورة مناورات مثلها لا حاجة بك أن تستهدف لها ~~وتبتلى بسوء أثرها.» # قال جناح: «وأما وقد علمت الآن شيئا من أسباب النصيحة التي حسبتها أمرا؛ فارجع ~~إليها واحسبها نصيحة وإن شئت قبلتها وإن شئت أعرضت عنها.» # قال بلوتارك أستاذ التراجم والسير في الأدب الإغريقي القديم: «إن كلمة أو نكتة تروى ~~عن العظيم قد تنم على ملكات له وأخلاق لا تنكشف للناس من روايات الفتوح والخطوب ~~الجسام.» # ونصيحة جناح تلك كافية لجلاء ما طبع عليه من الحزم والدهاء والفطنة لحيل الخصوم ~~وأطوار الجماهير. # ولقد ظهرت يد جناح في تنظيم العصبة وجذب الأنصار إليها ظهورا مفحما في الانتخابات ~~الثانوية التي أجريت ما بين سنة 1938 وسنة 1942، فإن العصبة نجحت في ست وأربعين دائرة ~~من ست وخمسين، ولم ينجح من مرشحي المؤتمر المسلمين غير ثلاثة نواب، وبقية الناجحين من ~~المستقلين. # وأذيع إحصاء عن عدد المشتركين في العصبة سنة 1941 فبلغوا مليونا وتسعة وثمانين ~~ألفا، وهو عدد يقارب عدد المشتركين في المؤتمر على قدمه وضخامة موارده، ولم يكن أعضاء ~~العصبة يزيدون في سنة 1939 على ستمائة ألف من المشتركين، وهو مع هذا عدة ms069 أضعاف ~~المشتركين قبل ذلك بأربع سنوات. # أما «المشروعات» والدساتير التي عرضت على العصبة لتسوية القضية الهندية في أيام رئاسة ~~جناح فهي متعددة لا فائدة من الإسهاب هنا في تفصيلها، بيد أن المهم منها هو مشروع ~~الحكومة الاتحادية «الفدرالية» الذي عرض للتنفيذ في سنة 1935، وكان منذ فترة قريبا إلى ~~القبول مع تنقيح بعض نصوصه، فلما عرض في سنة 1935 رفضه المؤتمر ورفضته العصبة، وعلة رفض ~~العصبة له صلابة المؤتمر في مسألة المرشحين ورفضه لكل مرشح في الأقاليم لا ينتمي إلى ~~المؤتمر، ثم حصر السلطة العليا في أمور الدفاع والسياسة الخارجية والخزانة بين يدي ~~الحكومة المركزية، وأقوى من هذا وذاك سوء الظن الذي فشا بين المؤتمرين والعصبيين خلال ~~السنوات الأخيرة، فإنه جعل استقلال الحكومتين حلا وحيدا لا محيص منه ولا طاقة لأحد ~~بتعديله، ومن البديهي أن المؤتمرين لم يتشبثوا بالوحدة إلى اللحظة الأخيرة عشقا لطلاب ~~الانفصال، وحرصا على استبقائهم، ولكنهم تشبثوا بها؛ لأنهم أصحاب الكفة الراجحة ~~فيها. # على أنه من الثابت أن العصبة لم تتبع خلال الفترة من المناداة بالتقسيم إلى تنفيذه ~~خطة من الخطط في مسألة كبيرة أو صغيرة ترمي بها إلى إحباط الاستقلال وتغليب البريطان ~~على البراهمة، فكل برامجها كانت تبدأ وتنتهي بطلب الاستقلال للحكومتين، أو كما قال جناح ~~بأسلوبه الناصع الساخر: «إن استقلال البقرة رهين باستقلال الباكستان.» # قال المؤلف الكندي رالي باركن # Raleigh Parkin # في ~~كتابه «الهند اليوم» وقد ظهر قبل نفاذ التقسيم: # لا يمكن يقينا أن يقال عن العصبة: إنها جانحة إلى البريطان، وكثيرا ما ~~تعاونت فيما مضى مع المؤتمر أو كانت على استعداد لمعاونته في الحركة الوطنية، ~~غير أنها في السنوات الأخيرة، وبخاصة منذ أواخر سنة 1937 جعلت خطتها التي لا ~~لبس فيها مقاومة المؤتمر ومقاومة البرهميين، ومهما يكن شأنها في الماضي؛ فاليوم ~~لا ريب أنها أقوى الهيئات الإسلامية في الهند وأوسعها نفوذا؛ وأنه ما من سياسي ~~مسلم يستطيع الآن أن يغفل شأنها. # كذلك لا يجري في خلد إنسان عارف بتاريخ الهند الحديث أن يتخيل أن تقسيم ms070 الباكستان ~~يخدم قصدا أو على غير قصد سياسة بريطانيا العظمى التي تقوم على قاعدة «فرق تسد» ... فمثل ~~هذا الخاطر يقابله العارفون بتاريخ الهند الحديث بالسخرية والاستخفاف؛ لأن بريطانيا ~~العظمى كانت تعرض على الهنود حلا بعد حل وتسوية بعد تسوية، وتصانع المسلمين حينا ~~والبرهميين حينا آخر فرارا من التسليم بالتقسيم، ولم يكن أنفع لها ولا أعون لحكامها ~~وساستها أن يدخلوا بالتفرقة بين الأمتين من بقائهم في دولة واحدة يضربون فريقا منها ~~بفريق كلما شاءت لهم سياستهم أن يحصلوا على التأييد من الفريق الغالب، ولو كان خليطا ~~من الأمتين. وقد لمح بيفرلي نيكولاس صاحب كتاب «حكم في القضية الهندية» إلى تلك الفكرة، ~~فأجابه جناح محتدا: «إن الرجل الذي يدور في خلده هذا الظن لضعيف الثقة حقا بذكاء ~~البريطان، بله الثقة بسلامة مقاصدي، فإن الأمر الوحيد الذي يبقي البريطان في الهند هو ~~الفكرة الزائفة التي تدعى وحدة الهند كما يبشر بها غاندي، وأعود فأقول: إن الهند ~~الواحدة اختراع بريطاني، أو هو أسطورة بل أسطورة جد خطرة، تجر إلى شقاق ليس له نهاية، ~~وما دام هذا الشقاق قائما فهناك عذر يعتذر به البريطان للبقاء، وهذا هو الشذوذ في ~~قاعدة فرق تسد ...» # قال بيفرلي: «إذن أنت تقول لهم: «قسموا واخرجوا؟» # قال جناح: «لقد أصبت محزها.» # وخرج الصحفي من هذه المحادثة وهو يقول: إن القاعدة التي تصدق على قضية الهند هي ~~«وحد واحكم وفرق واخرج ...» # وقد أكد جناح له في هذا الحديث أن الفهم الصحيح لهذه الفكرة سهل الورود على ذهن الرجل ~~المخلص، ولو كان من البريطان، فإن جون برايت خطيب الحرية في عهد غلادستون (والوزير الذي ~~استقال من وزارة غلادستون احتجاجا على ضرب الإسكندرية) قال في إحدى خطبه: «إلى كم من ~~الزمن تريد إنجلترا أن تحكم الهند؟ ليست الإجابة على هذا السؤال في وسع أحد، ولكن لتكن ~~دولة الإنجليز في الهند خمسين سنة أو مائة أو خمسمائة، فهل يحسب إنسان له ذرة من ~~الإدراك السليم أن بلادا شاسعة بما فيها من أمم تبلغ العشرين، ولغات ms071 لا تقل عن العشرين ~~يتأتى أن تضم وتنحاز في حدود قطر واحد متماسك تدوم فيه إمبراطورية واحدة؟ أعتقد أن ~~شيئا كهذا مستحيل.» # وقد أعاد المؤلف خطب برايت إلى جناح وهو مؤمن بوجهة نظره، وجاء الواقع بعد قليل فأقر ~~هذه الوجهة ببرهان ضخم يحسم كل جدل ويفند كل منطق، وهو نجاح الباكستان. # قوة البيان # مهما تكن عناصر القوة في الزعماء الذين ينشئون الدول بغير السيف فالبيان قوة لا غنى ~~لهم عنها، وبخاصة في هذا العصر عصر المؤتمرات والمناقشات والأحاديث الصحفية والردود ~~عليها. # لا غنى للزعيم عن قوة البيان ... # ولكن أي بيان ...؟ # ليس من المفارقات أن نقول: إن كلمة «البيان» لا تبين وحدها في هذا الصدد، فإن البيان ~~أساليب، ولكل خطيب أو كاتب بين أسلوبه الذي يكاد يخصه بملامحه وبسماته، وكذلك كان ~~بيان جناح في دعوته السياسية، بيانا خاصا به لا يشبه بيان أحد من زعماء الأمم في ~~عصره. # كانت خاصة هذا البيان أنه يحسن تلخيص المسائل المعقدة في كلمات موجزة تعلق بالذهن لما ~~فيها من المفاجأة النافذة: تلك المفاجأة التي يشعر السامع لأول وهلة أنها حلت له العقدة ~~بمجرد التعبير عنها في وجازة وصفاء. # وكانت له مع هذه الخاصة خاصة الجواب المسكت والعرض المقنع، أو خاصة الضربة السريعة ~~التي يتلقاها المهاجم وقد ظن أنه أصاب الرجل في المقتل، فإذا هو المصاب. # خطر لي حينا أن جناحا قد استفاد هذا البيان من صناعة المحاماة على نظام المحاكم ~~الإنجليزية؛ لأن قضاتها يتدربون على تلخيص الأقوال المتناقضة للمحلفين أو لأعضاء ~~المحكمة الآخرين، ويطلب من القاضي في المحاكم العسكرية على الخصوص أن يجمل الكلام من ~~جميع أطرافه لتبسيطه من الوجهة القانونية. # كذلك يحتاج الدفاع في هذه المحاكم إلى القدرة على المساجلة التي يسمونها # Cross examination # وقوامه كله على الاستدراج، وعلى ~~السؤال المفاجئ والجواب السريع. # إلى أن قرأت في كتاب «صوت آسيا» حديثا دار بين مؤلفه جيمس ميشنر # Michener # والآنسة فاطمة جناح شقيقة القائد الأعظم، فوقع ~~في نفسي من أسلوب الرد والإقناع في هذا الحديث أن ms072 الملكة التي امتاز بها جناح أقرب إلى ~~الطبع الموروث منها إلى التعليم المكتسب؛ لأن أسلوب الآنسة شقيقته كان نسخة مطابقة ~~لأسلوبه، مع اختلاف كاختلاف الرجل والمرأة في ملامح الأسرة الواحدة. # قال المؤلف: «شعرت بوخز نقدها حين لاحظت أنه من المستغرب أن جناحا الذي لم يكن من ~~رجال الدين المتعبدين ينشئ دولة ثيوقراطية، فانفجرت قائلة: ماذا تعني بدولة ثيوقراطية؟ ~~إننا دولة مسلمة، وهذا لا يعني أنها حكومة دينية، إنما تعني أنها حكومة مسلمين، فماذا ~~تريدنا أن نكون؟ أحكومة مسيحيين؟ أحكومة براهمة؟ إننا لسنا حكومة يديرها قسيسون ولسنا ~~حكومة كهانة، وإنما نحن حكومة قائمة على مبادئ الإسلام، وأقول لك: إنها مبادئ جميلة في ~~إقامة الحكومات.» # قال المؤلف: «وأردت أن أستعيد موقفي فقلت: إن الذي عنيته أن حكومتكم تعلن أن الإسلام ~~هو دين الدولة الرسمي! فما فهت بها حتى تلقيت طوفانا كانت حملة السؤال السابق مطرة صيف ~~بالقياس إليه، وتكلمت الآنسة جناح بأسلوب السخرية والإصماء الذي تعوده الناس من جناح في ~~دفاعه عن الباكستان، وضحكت وهي تقول: «لا تقل هذا ... فالحكومات جميعا تعترف بدين رسمي ~~هو الغالب عليها، والمسيحية هي الدين الرسمي في البلاد الأمريكية.» # وحاولت أن أقول: إن هذا غير صحيح كل الصحة، ولكنها ضحكت مرة أخرى، وقالت: لعلك تعثر ~~على تفسير ماهر يساعدك على إنكار الصبغة المسيحية في حكومة أمريكا، ولكن ماذا عسى أن ~~تزعم عن ألوف الجماعات المبشرة التي ترسلونها إلى أنحاء العالم؟ ولماذا تحاول أمريكا أن ~~تحولنا من ديانة حكومتنا إلى ديانتكم؟ ولماذا تتدخل حكوماتكم بالقوة حماية للمبشرين إذا ~~لم نصبأ باختيارنا؟ # قلت: «ليس هذا هو الواقع، وعلى فرض وقوعه فحكومتنا لا تؤيد أولئك المبشرين.» # فقاطعتني الآنسة جناح قائلة: «حكاية مليحة! فمن أين إذن تأتي الأموال التي ينفقها ~~المبشرون لتحويل أهل الهند والباكستان عن دينهم؟ تقول: إنها تأتي من الموارد الخاصة، ~~حسن! فلماذا تبذل الموارد الخاصة تلك الأموال؟ إنها تبذل؛ لأن أصحابها يؤثرون دين ~~بلادهم، ولا اعتراض لي على ذلك، وليس لكم كذلك أن تعترضوا على إيثار أهل الباكستان ms073 ~~لدينهم، فإنما هي بواعث متشابهة في نفوسنا ونفوسكم.» # وقد صدق المؤلف حين شبه أسلوب الآنسة في الرد والمناقشة بأسلوب شقيقها، فهما في الحق ~~متشابهان كما تتشابه ملامح الأخ والأخت في الأسرة الواحدة. # كان جناح لا يتلجلج ولا يتلعثم إذا فوجئ بالسؤال المحرج، أو السؤال الذي يريد به ~~السائل الحرج، بل يلاحق السائل بالجواب المسكت الذي يقطع اللجاجة قطع الموسى الرميضة ~~لخيوط الشباك. # قال له صحفي إنجليزي مرة في مقام الاعتراض: ولكنك يا سيد جناح كنت يوما عضوا ~~بالمؤتمر، قال: «نعم، وكنت يوما تلميذا بالمدرسة الابتدائية.» # وقال له زعيم هندي يحارب اقتراح الباكستان: «إننا لا نفهم ما هذه الباكستان التي تدعو ~~إليها؟» # فقال: «ولماذا إذن تحاربها قبل أن تفهمها؟» ولما قيل له: «إنك عجزت عن تأليف وزارة، ~~فما بالك تطمح إلى إنشاء الباكستان؟» قال: «لكيلا نعجز عن تأليف وزارة!» # وافتخر عليه «ضحايا» الوطنية بأنهم سجنوا وهو لم يسجن، فقال: «إن دخول السجن أسهل من ~~العمل السياسي.» # وأطال في هذا المعنى فقال: «إنني لا أؤمن بالبدء في حركة سياسية سعيا وراء ~~الاعتقال، وصدقوني أنه لا يصعب علي أن أذهب إلى السجن لأقضي ثمة ستة شهور أو نحو ذلك، ~~وما أصاب السيد غاندي بعد ضرر من سجنه، فقد كان في أمان بين جدران قصر أغاخان، وكان معه ~~كاتبه، بل كان معه كل أسرته، ولكن من ذا يتلقى الرصاص وأنا في معتقلي؟ إنهم ~~إخواني.» # وقال في مناسبة أخرى: «يعيبوننا بأننا لم نضح في سبيل غايتنا، وأخشى أن أقول: إننا لا ~~نستطيع أن نساهم في تلك التضحية التي تدرب عليها ساسة المؤتمر: أن نتصدى للزعامة، أن ~~نجلس صابرين تحت سياط الشرطة، أن نذهب إلى السجن، أن نشكو بعد ذلك من نقصان الوزن، أن ~~ندبر حينئذ وسيلة الفرج والانطلاق ... كلا، لست أؤمن بهذا الفن من الكفاح، ولكنني إذا وجب ~~أن أواجه الخطر فلست أبالي يومئذ أن أكون أول من يصمد للنار.» # ومن تلخيصاته السهلة قوله عن الوحدة والتقسيم: «إن الوحدة التي خلقها مدفع المستعمر ~~لا تصلح ms074 بعد جلائه.» # ومنها: «إن الآفة في سياسة المؤتمر أنها تشكو من مركب الزيادة أو الرجحان # Superiority complex # لا من مركب النقص.» # وأشهر تلخيصاته التي جمع فيها مزايا التقسيم: «إن استقلال الباكستان ضمان لاستقلال ~~البقرة المعبودة.» ومثله في الشهرة تلك الكلمة التي جمع فيها موانع الوحدة: «إنهم ~~يعبدون البقرة ونحن نأكلها، فكيف يحكمنا نظام واحد؟» ~~••• # أما بلاغته في الخطب والرسائل والبيانات فهي من هذه البلاغة الخاصة التي هي على ما ~~رأينا أقرب إلى الطبع الموروث منها إلى التعليم المكتسب: بلاغة ليست من بلاغة التفخيم ~~أو التجميل، وليست من بلاغة التحليق إلى الأعالي أو الغوص إلى الأعماق، ولكنها بلاغة ~~تمتاز بالبساطة والنفاذ السريع، تلم بأطراف المسألة وتنفذ إلى محورها وتترك السامع أو ~~القارئ وهو يحس أنه قد ألم بأطرافها، ونفذ من محورها إلى الصميم. # قال عن الديمقراطية في الإسلام: «إن الديمقراطية غريبة عن المجتمع البرهمي، وليس من ~~غرضي أن أتناول مجتمعا كائنا ما كان بغير الاحترام، ولكن الواقع أن المجتمع البرهمي ~~مقيد بالطائفية منهوك بقيود هذه الطائفية، وليس للمنبوذين فيه مكان اجتماعي أو اقتصادي ~~أو مكان ما يسكنون إليه. # على أن الديمقراطية في دم المسلم الذي يدين بالمساواة بين جميع الناس، وهاكم مثلا من ~~أمثال، وهو أنني كثيرا ما أذهب إلى المسجد ومعي سائقي يصلي إلى جانبي، وما زال ~~المسلمون يدينون بالإخاء والمساواة والحرية. # وبعد فكيف يكون في مقدور قلة أن تصد كثرة؟ هذه جرأة في الادعاء، ونحن من ثم لا نصد ~~الكثرة، ولكننا أهل لأن نستقل بحكم أنفسنا.» # وقال في ذكرى الشاعر إقبال (سنة 1944): # إنني أحيي في هذا اليوم ذكرى عزيزة؛ هي ذكرى شاعرنا القومي إقبال: هذه الذكرى ~~التي نحيي فيها اسم الشاعر الحكيم الفيلسوف المفكر العظيم، سلام على روحه في ~~ساحة الخلود. # إننا لا نراه بيننا الآن، ولكن شعره المقتبس من معدن الخلود يقيم على الدوام ~~معنا ليهدينا ويوحي إلينا، وهو بجمال نظمه وحلاوة لفظه يصور لنا عقل الشاعر ~~العظيم وقلبه؛ فنرى في هذه الصورة مبلغ إخلاصه لآداب الإسلام. # وما ms075 كان إقبال بالواعظ أو الفيلسوف وكفى، بل كانت تتمثل فيه مع التفكير ~~والإلهام مزايا الشجاعة والعمل والثبات والاعتماد على النفس والإيمان قبل كل ~~شيء بالله والإخلاص للدين، وكانت تتلاقى في نفسه آمال الشاعر المثالية وسليقة ~~الرجل الذي ينظر إلى وقائع الأمور، وبهذا يتجلى لنا مسلم حق الإسلام ... # وقال عن دعوة السلام من خطاب في أغسطس سنة 1938: ~~... في كل بلد مخرفون يقولون: إنهم وقوف إلى جانب قضية السلام ... وما من شيء ~~أريده كما أريد أن يعم السلام الشامل أرجاء الكرة الأرضية، فلا يكن في الدنيا ~~حرب ولا يكن هناك غير الرخاء والأمان، وليس من ناحيتي اعتراض على إلغاء الحروب ~~جميعا في كل مكان، غير أننا فيما نحن بصدده لا نناقش أولئك السادة الموقرين ~~أنصار السلام، فليست المسألة في رأيي مسألة إيمان بالسلام أو كفر بالسلام؛ لأن ~~المطلوب منا أن ننقذ رقابنا حين يحيق بنا الخطر، وما يدور في نفسي لحظة أن أصيب ~~أحد بأذى، وما أريد إلا أن أكون إنسان خير مفرطا في الخير، ولكنني لا أضمن من ~~أجل هذا أن يكون الناس جميعا خيرين، وألا يكون فيهم أحد يؤذيني أو يطوي النية ~~على إيذائي، فليست المسألة سلاما أو لا سلام، وإنما هي دفاع أو لا دفاع، هذه ~~هي مسألة اليوم، وجوابي أنا عليها الدفاع ... # واقترح عليه غاندي أن يجتمعا للبحث في مشكلة الوحدة والانفصال، فقال غاندي في أول ~~لقاء: إنه ينوب عن نفسه ولا ينوب عن هيئة سياسية، ولم ير جناح نفعا في مباحثة يتقيد ~~بها ويقيد العصبة الإسلامية معه ولا يتقيد بها غاندي ولا المؤتمر، وعلق على ذلك في خطاب ~~ألقاه بمدينة بومباي (1945) قال فيه: # إنه لا يقنع بمهمة المستشار للمؤتمر ولجنته العاملة، بل يقيم نفسه مستشارا ~~ناصحا للحاكم العام ومن ورائه الأمة البريطانية، وتنعقد اللجنة العاملة صباحا ~~ومساء وهو الروح الملهمة وراءها، وهو مع هذا يروقه أحيانا ألا يمثل أحدا فلا ~~يمثل أحدا، ويصبح فردا لا صفة له غير صفته الفردية، ولا يعتبر في هذه الحالة ~~عضوا كأولئك ms076 الأعضاء الذين يمثلون المؤتمر بحق الدريهمات التي تخولهم الاشتراك ~~فيه، وينزل بنفسه إلى مرتبة الصفر ليستلهم صوته الباطن ... أما إذا راقه أن يكون ~~غير ذلك فهو السيد المطلق في المؤتمر، وهو بهذه المثابة ينوب عن الهند ~~بأسرها. # وعاد إلى هذه الدعوى في اجتماع مجلس العصبة (28 يوليو سنة 1946) فقال: # إن مستر غاندي يتخذ من نفسه اليوم مستشارا ناصحا للجميع، يقول: إن المؤتمر ~~يمثل الهند بأسرها، وإن المؤتمر هو الوصي الأمين على أبناء الهند قاطبة، وإنها ~~لمرتبة هائلة تلك التي يبتغيها، ولقد كفانا ما ابتليناه من الوصي الأمين الذي ~~تسلط علينا مائة وخمسين سنة، فما نحب أن نستبدل به وصايا المؤتمر، لقد كبرنا ~~وبلغنا رشدنا، فلا وصاية على الأمة الإسلامية لغير الأمة الإسلامية. # ولم يكن أسلوبه أن يقابل التهديد بالمزايدة في التهديد مرضاة لسورة النفوس التي ~~يعجبها هذا الأسلوب، فلما عرض عليه الصحفيون خطاب السردار باتل وسألوه رأيه فيه قال: ~~«إن السردار باتل رجل قوي كما وصفوه فلا جرم يعمد إلى اللغة القوية، إلا أن الكلمات لا ~~تكسر عظما، فإذا كان يعني بقوله له: «إننا أعددنا السيف للسيف» أن الكثرة ستذبح القلة ~~في أرجاء الهند فتلك طلعة بشعة. وغاية ما أقوله إنه على ما يظهر لا يدرك أن كل من يحرض ~~هذا التحريض فهو أعدى الأعداء لكل طائفة ...» # وتصدى له الشيوعيون ليكرهوه على قبول مطالبهم باسم القومية فقال: # يلوح لي أن أمهر طائفة تبث دعوتها هي معشر الشيوعيين. إنهم قد أكثروا من ~~الرايات التي يستظلون بها وأخالهم يحسبون أن البركة في الكثرة (ضحك) ... إنهم ~~يرفعون الراية الحمراء، ويرفعون الراية الروسية، ويرفعون راية الجماعات ~~السوفيتية، ويرفعون راية المؤتمر، ويتفضلون الآن فيستعيرون منا رايتنا راية ~~العصبة الإسلامية، وإذا جمعت فئة كل هذه الرايات معا فمن حقنا أن نتوجس ونحذر، ~~إنهم يصيحون يطلبون اتفاقا بين العصبة والمؤتمر فسامحهم الله من الذي يطلب غير ~~ذلك؟ إنما السؤال هو: على أي أساس يكون الاتفاق؟ # وخطب في جماعة النساء المسلمات (في سنة 1942) فقال: # يسرني أن أرى أن ms077 النساء المسلمات يفهمن رسالة الباكستان كما يفهمها الرجال ~~المسلمون، وما من أمة تثابر على طريق التقدم بغير معاونة من نسائها، فإذا كانت ~~المسلمات يعاون رجالهن كما صنعت المسلمات في عهد نبي الإسلام فقد وصلنا إلى ~~غايتنا. # وقال عن رسالة القرآن: # وصف الإنسان في القرآن الكريم بأنه خليفة الله، فإذا أردنا أن نحقق هذه ~~الصفة فأولى ما توجبه علينا أن نتبع مع غيرنا سنة الله مع بني آدم في أوسع ~~معانيها، سنة الحب والصبر، وكونوا على يقين أنها سنة عاملة وليست سنة مانعة ~~وكفى. # وإذا كنا نؤمن حقا إيمان اليقين والحب في معاملة خلائق الله من كل قبيل فعلينا أن ~~نتبع هذه السنة في معيشتنا اليومية وفرائض تقوانا وعبادتنا، ولسنا نرى في هذا اليوم ~~المبارك - يوم العيد - علامة على الروح التي أذكاها في قلوبنا شهر الصيام أظهر من العزم ~~الوثيق على نشر السلام والوفاق في ديارنا بين أنفسنا وبين أصحاب العقائد جميعا في ~~أوطاننا، وأن نعمل في حياتنا الخاصة وحياتنا العامة عملا يتنزه عن الأثرة، ويتوخى ~~الخير الأعظم لقومنا ولأبناء آدم أجمعين. # إنه مطمح سام عظيم يتقاضانا الجهد والإيثار والفداء، واحسبوا حساب الشكوك التي ~~تساوركم فينة بعد فينة، شكوك لا تنحصر في النزاع المادي الذي يوزع قلوبكم وقد يسهل ~~عليكم أن تغلبوه بشجاعتكم، ولكنها شكوك روحية لا مناص لنا من مواجهتها، وليس في وسعنا ~~أن نروضها غدا إذا أعيتنا رياضتها في هذا اليوم الذي تخشع فيه نفوسنا لخالقها. ~~... واعلموا أنه لا غنى في كل نشأة اجتماعية أو حرية سياسية من الاعتماد آخر الأمر على ~~سر عميق في حياة الإنسان، وأرجو أن تعلموا أن هذا السر العميق هو روح الإسلام، فليست ~~الخطب العظيمة ولا المؤتمرات الكبرى هي التي تصنع سياسة الأمم، وأقول للشبان الكثيرين ~~الذين تعودوا أن يسألوني كيف يقدرون على خدمة بلادهم هلموا يا أصدقائي الفتيان، ~~واعذروني إذا عرضت للسياسة في هذا المقام، فإنما أعرض لها لأقول لكم: إننا جميعا نطالب ~~بالحقوق وندعي الدعاوى في الهند المقبلة، فينبغي ألا نركب مركب ms078 العناد في السعي إليها، ~~فإن العناد نقيض ما يوحيه إلينا هذا العيد من الحب والمسامحة والبركة التي يأمرنا النبي ~~عليه السلام أن نبسطها لغيرنا، وفي وسع كل منا أن يخدم هذا الوطن برياضة النفس وأنها ~~لجوهر كل قداسة نحييها في هذا الموسم. فليسأل كل نفسه: أهو على نظام في معيشته؟ أينام ~~في موعده؟ أيسير في الطريق على جادته؟ أيصون الطريق عن منبوذاته ومطروحاته؟ أيخلص في ~~عمله ويلتزم الأمانة في شغله؟ أيعين غيره بما في وسعه؟ أيعامل غيره بالصبر والسماحة ...؟ ~~هذه أمور قد تبدو صغارا، وهي على هذا نواة كل نظام كبير القيمة فيما تتضافر الطوائف ~~جميعا على ادخاره لخدمة وطنها، خدمة هند أعظم وأعلى، وربما كانت خدمات لا تبرز صاحبها ~~في أضواء السياسة، ولكنها تكفل لكم سلاما باقيا في قلوبكم كلما شعرتم أنكم قد أديتم ~~حصتكم لتيسير السياسة كلها ... # وكان من دأبه أن يذكر سامعيه وتلاميذه بحكمة هولندية هذه ترجمتها: # ضاع المال ... لم يضع شيء. # ضاعت الشجاعة ... ضاع شيء نفيس. # ضاع الشرف ... ضاع أنفس ما نملك. # ضاعت الروح ... كل شيء ضاع. # هذه نتف متفرقة من كلمات جناح في معارض شتى، نحسبها نموذجية في التعريف بخصائص بيانه، ~~وهو وسيلة من وسائل نجاحه في زعامته، وفيها كذلك تعريف بمناحي تفكيره، وهو على جملته ~~تفكير صريح سهل مستقيم. # على الحاشية # العزيمة والفصاحة والقدرة على التنظيم عناصر ملموسة في كيان القائد الأعظم، ولكنها لا ~~تحصر جميع الخصائص التي تتألف منها معالم هذه الشخصية، تلك هي عناصر نجاحه في الزعامة، ~~ولكنها تقترن بصفات أخرى على حاشيتها ترسم لنا سائر معالمها، وقد تكون أيضا من عناصر ~~النجاح أو العناصر الفعالة في ولايته لأمور الدولة الجديدة. # من تلك الصفات خليقة المسالمة. # ويدهش كثير من الناس إذا سمعوا أن هذا الرجل الصارم مسالم؛ لأن الصرامة في الأذهان ~~عامة مرادفة للشدة في معاملة الآخرين والتحفز لمخاشنتهم والجور عليهم، ولعلهم لا يخطئون ~~في الجمع بين الصرامة والجور في خلة واحدة، إلا أن الصرامة في صميمها صرامتان: إحداهما ~~صرامة في دفاعنا ms079 عن حدودنا، والأخرى صرامة في الجور على حدود غيرنا، وشتان ما بين ~~الخليقتين. # إن الرجل الذي يشتد في الذود عن حدود حقه قد يكون مثلا للمسالمة إذا أمن على تلك ~~الحدود، وقد يصوره للناس في صورة الجائر المعتدي أن تضعه الحوادث في مقام الدفاع أبدا ~~فلا يتخيلونه إلا مشتدا محتدا متحفزا متوفزا، لا يؤمن جواره ولا تهدأ ثورته، ومن ~~استغرب وصف جناح بالمسالمة لعله يتصوره دائما في تلك الصورة الثائرة دفاعا عن موقف أو ~~كشفا للعدوان في موقف خصومة، بيد أن المتابعة والاستقصاء تنتهي بكل ثورة من تلك ~~الثورات الصارمة إلى حد تقف عنده ولا تتخطاه، وليست كذلك ثورة الجور والعدوان. # تجلى خلق المسالمة فيه يوم سالت الدماء في الهند وتوالت الأنباء عن مقاتل المسلمين في ~~مساكنهم أو في طريقهم إلى الباكستان، وغلت الدماء في العروق وأوشك الزمام أن يفلت من ~~الأيدي، وخيف في كل مكان أن يتغلب الغيظ على الحكمة والرحمة، وأن يطيش الثأر فيؤخذ ~~الأبرياء بذنوب المجرمين، ويقع العدوان على قوم من البراهمة انتقاما للمسلمين الذين ~~قتلهم البراهمة في غير الباكستان. # في تلك الأيام لم ينم جناح ولم يغفل لحظة عن مواطن القلق والخوف، وطفق يرسل النداء ~~بعد النداء، ويطلق الوعاظ في الحواضر والقرى ليبصر الناس بأوامر دينهم، وما يجب عليهم ~~لإخوانهم في وطنهم، حتى حفظت الباكستان مسلمها وبرهميها كلمته التي كان يرددها: إن ظلم ~~البريء انتقاما من الظالم مجاراة للظلم وإجرام فوق إجرام. # وتجلى هذا الخلق في معاملته للحكومات المجاورة كما تجلى في معاملته لرعاياه، فكانت ~~أوامره المتلاحقة لجنوده أن تسالم ولا تهاجم، وأن الدفاع إذا وجب فهناك يسمعون منه أمر ~~الدفاع إلى أن يبيد آخر رجل، بل آخر امرأة وآخر طفل قبل أن يفرطوا في قيراط من حوزتهم، ~~أما قبل ذلك فلا محل للحرب ما دام في السياسة متسع للسلام. # وقد شهدت الهند والباكستان صفحة أخرى لهذه الصرامة عند نشأة الدولة، وإلحاح المشكلات ~~الخارجية عليها في إبان التقسيم. # في تلك الفترة كانت صرامة جناح شدة تتلوها ms080 شدة، وإصرار على هذه الشدة لا يعرف الهوادة ~~أو المساومة. # في تلك الفترة صادر كثيرا من الدعوات، واعتقل كثيرا من القائمين بها، وأنكر أن يكون ~~هناك غرض سليم وراء المقاومة التي يقدم عليها معارضوه. # وانتقد المنتقدون، واعتذر المعتذرون. # أما المنتقدون فقد استندوا إلى مبادئ الحرية والديمقراطية، وأما المعتذرون فقد شبهوا ~~الحالة يومئذ بحالة الحرب، بل بحالة الخطر على سلامة الأمة، وقالوا: إن في حياة الأمم ~~أياما يباح فيها للحاكم الموثوق بإخلاصه ما لا يباح له في كل يوم. # حجتان سمعتا في أقطار كثيرة غير الباكستان، وانتقاد واعتذار لم ينقطعا فيما مضى ولا ~~ينقطعان في هذا الزمان، وأقل ما يكون ذلك الانتقاد وذلك الاعتذار أحسن ما يكون، فما من ~~أحد يزعم للسلطان المطلق أو للحرية المقيدة أنهما أكثر من ضرورة مكروهة في جميع ~~الأحيان. # وقد سبقت الإشارة إلى مخالفة جناح لزعماء الهند من المسلمين والبراهمة في مسلكهم، أو ~~مسالكهم المتلاحقة، في مسألة الخلافة، ويجوز أن يقع في الخاطر أن جناحا لا يعنى ~~بالأمم الإسلامية أو الأمم الشرقية خارج بلاده، وأنه لا يشعر بالعطف لغير وطنه وأمته، ~~وهو خاطر يجوز أن يقع في الخاطر كما أسلفنا قبل الاطلاع على آراء الطرفين في كل مرحلة ~~من مراحل هذه المسألة المعقدة المفعمة بالنقائض بين ظواهرها وبواطنها، وحسبنا منها في ~~الهند قيادة غاندي لحركتها وإحجام جناح وإقبال في بعض المواقف عن مجاراتها. # أما الحقيقة التي يسفر عنها الاطلاع عن الآراء المتقابلة في المراحل المتعاقبة؛ فهي ~~أن جناحا كان يعترض على العبث ولا يعترض على الجد في هذه الحركة وما يماثلها. # كان ينكر تضييع الجهود حيث يكون تضييعها خسارة على الهند ولا يرجى منه نفع للخلافة، ~~وكان بثاقب نظره يرى النزاع بين السلطان العثماني والرعايا المطالبين بالحقوق الوطنية ~~والحرية الدستورية فيفصل بين المسألتين، ولا يحب أن يكون مؤيدا «للخليفة» وخاذلا ~~لرعاياه. # وفيما عدا ذلك لم يتوان يوما عن تعقب أخبار الشرق من اليابان إلى أقصى المغرب، ولم ~~يسكت قط عن كلمة نافعة تقال في قضية من ms081 قضايا الأقطار الإسلامية على الخصوص، فصرح ~~للحاكم العام في إبان الحرب العظمى بأن معاونة المسلمين معلقة على ضمان الوطن الإسلامي ~~في فلسطين، وخرج على المعهود من اتزانه في عباراته الرسمية فحذر الغرب يوما من تلك ~~السياسة التي ترمي إلى استئصال السيادة الإسلامية في جميع بلادها، واحتج على خطط هولندة ~~في «إندونيسيا» واستعدى هيئة الأمم عليها، وتابع الاطلاع على أطوار القضية المصرية حتى ~~قيل له مرة: لماذا لا تنال القضية الهندية مثل هذا الاهتمام من بريطانيا العظمى؟ فقال: ~~وهل عندكم هنا «جامع أزهر» تخرج جموعه بالرايات السود كلما حزب الأمة المصرية حازب، فلا ~~تبلغ نهاية الطريق حتى يكون الخبر في دوننج ستريت؟ # وتداول القوم عن جناح أنه الزعيم «الأرستقراط»، تداولها الإنجليز كما تداولها الهنود، ~~وسلمها الأصدقاء كما سلمها الخصوم، ونظن أنه هو لا ينفي من هذه الشهرة أنه رجل محافظ ~~على سمعته معتكف لا يستكثر من العشراء في جميع علاقاته، فمما يزكيه مع هذا أن العناية ~~بالطبقة الفقيرة كان على رأس القائمة في جميع برامجه، وأنه لم يكن يفعل ذلك جريا وراء ~~الجماهير؛ فإنه من المفروغ منه أن الجري وراءها مظنة لم تخامر نفوس القادحين فيه فضلا ~~عن مادحيه، وقد جاءته الأصوات إلى عقر داره وألح عليه علية القوم أن يتولى الرياسة مدى ~~الحياة، بل هتفوا له باسم الشاهنشاه فاعتذر وقال لمن عرضوا عليه رياسة الدولة طول ~~حياته: «دعوني أزوركم من حين إلى حين فأسمع منكم وتسمعون مني، وأسألكم أصواتكم ~~وتسألونني ما في نفوسكم ...» # وأصدق ما نشبه به جناحا في مناقبه وخصائصه التي أجملناها أنه صاحب «شخصية» غير ~~مطلقة، ولكنها غير موصدة: شخصية كالخزانة التي لا تعرض نفائسها في واجهة بلورية، ولكنها ~~لا تحفها بالشوك أو تحيطها بالحراس والأرصاد، وتنفق مما تحتويه إنفاق الكريم السخي الذي ~~لا يمتن على أحد بعطائه، ولكنه لا يقبل فيه السوم والمساومة، وإليه المرجع حين يعطى ~~وحين يكف عن العطاء. # | حياته الخاصة # حياته الخاصة # كتب الشاعر الألماني هنريك هايني عن فيلسوف الألمان الكبير «عما نويل كانت» ms082 فقال: إن ~~ترجمة حياته الخاصة من أعسر الأمور، لأسباب كثيرة، أولها أنه لم تكن له حياة ~~خاصة! # ويستطرد الشاعر الظريف فيقول: إن الفيلسوف كان يأكل وينام ويستيقظ ويتمشى للرياضة ~~ويجلس للتدريس بالساعة، وإنه كان إذا ظهر في رواق الزيزفون يتمشى كعادته كل أصيل نظر ~~إليه الناس وأخرجوا ساعاتهم فضبطوها! # مثل هذا الكلام يقال عن القائد الأعظم ، ولكن لعلة غير العلة التي تعلل بها الشاعر ~~الساخر للفيلسوف الحكيم. # فمن أعسر الأمور كتابة حياة خاصة للقائد الأعظم، ولكن لعلة غير هذه العلة، وتلك هي ~~علم الجميع بحياته الخاصة، فليست له حياة خاصة بين الجدران أو وراء الحجب يعلم بها أناس ~~ويجهلها أناس: حياته الخاصة كانت هي حياته التي تخصه ويعلم بها جميع عارفيه، ولم يكن ~~لها ظاهر متكلف ولا سر محجوب. # كان زعيم أمة قوامها الدين، ولكنه لم يلبس مسوح القديسين أو يرائي أحدا بالنسك ~~والعبادة: كان إذا شهد اجتماعا وحضرت الصلاة أم الحاضرين في الصلاة الجامعة، ولم ~~يشاهد قط في محفل على صورة تخالف ما ينبغي للرجل المسلم الذي يقود في معترك السياسة ~~أمة إسلامية، ولكنه لم يشاهد كذلك متخذا من التدين مراسم للظهور والمراءاة في حدود ما ~~يليق بالزعيم، ولا التزام لحدود غير تلك الحدود. # ولم تقيده الزعامة بقيد تأباه السماحة وسعة الصدر وآداب الاجتماع، فكان من زواره ~~مسلمون وغير مسلمين، وكان يزور من يزوره ويرى في بيوت الطوائف الأخرى كما يرى أناس من ~~أبناء الطوائف الأخرى في بيته، وزياراته أو زياراتهم في جميع الأحوال ليست بالشاغل الذي ~~يستغرق فراغ وقته، كما يتفق لرجل السياسة الذي تملأ تكاليف المجتمع حيزا كبيرا من ~~وقته، بل هي زيارات الرجل الذي لا يريد أن ينقطع ما بينه وبين الناس، ولا يريد كذلك أن ~~تقطعه تكاليف المجتمع عن أمانته الكبرى: أمانة السهر على تكوين أمة وحكومة. # وكانت علاقاته بمعارفه، وبمن يلقاهم في عمله، علاقة خلت من التكلف، وربما بدا عليها ~~من أجل ذلك مسحة من الخشونة، أو بدا عليها نقيض الخشونة حين يخشى أن ms083 يحسبه الناس خشنا ~~في معارضته، فيخفض من جناحه ويلين في حديثه، وقوة معارضته في ذلك الحديث باقية في ~~مدلوله ومرماه. # زواجه # صرفته الحياة العامة عن الزواج حتى بلغ الأربعين، فلما تزوج في تلك السن كانت لزواجه ~~قصة «جناحية» تطابق ديدنه المطرد في حياته العامة، فإن سفير الوحدة قد تزوج من فتاة ~~زردشتية، وأبت الأقدار إلا أن يكون زواجه آية أخرى من آيات هذه السفارة التي صمد عليها ~~ما استطاع. # كان جناح رجلا وسيما وظل شيخا وسيما معتدل القامة إلى أن توفي وهو يجاوز ~~السبعين. # كان علما بارزا في جلسات المؤتمر والعصبة التي انعقدت في سنة 1916، وكان يقود ~~العصبة ويقود المؤتمر ويدير الحوار ويرد على كل سؤال، ويخرج عن كل معركة حامية بالحجة ~~الناصعة والرأي المسموع، وكان السير «دنشا بتيت» أغنى أغنياء الفرس في بومباي يشهد ~~الجلسات ومعه فتاته الذكية الحسناء رتن بتيت، فأعجبها الرجل الوسيم وأعجبها الخطيب ~~المبين، وهامت به وفاتحته بحبها، وسمحت لها تربيتها الأوروبية أن تعرض عليه الزواج وهي ~~دون العشرين. # وفوجئ جناح باقتراحها وراجعها في الأمر، وبصرها بالعواقب التي تترقبها عاجلا وآجلا ~~من جراء هذا الزواج مع اختلاف الدين وتفاوت السن، ومحظورات التقاليد، فزادتها المراجعة ~~إصرارا وقالت له: إنها لا تجهل هذه العواقب وأولها الحرمان من مال أبيها، والحرمان بعد ~~ذلك من الميراث، فلما آمن أن يقال: إنه قبل زواجها لمالها، وأعلمها أنه يتوقع ما ~~توقعته من حرمانها، قابلت هي هذا النبل من الرجل الذي أحبته بإعلان إسلامها، فنشرت ~~الصحف أنباء عقد الزواج وإسلام الفتاة في وقت واحد، وقامت القيامة عليهما وثبت لها ~~الزوجان في غير مبالاة. # ساقهما أهلها المقتدرون إلى القضاء، وودوا لو يدعون قصورها لولا أن سنها بشهادة ~~الميلاد تخولها أن تختار زوجها بإرادتها. # ولما أراد القضاء أن يحرجه لينفض يده من هذا القران المغضوب عليه، واتهمه على ملأ من ~~شهود الجلسة بأنه يجري وراء الفتاة الغنية طمعا في مالها، لم يشأ أن يجيب وترك لها ~~الجواب، فقالت للقاضي مغضبة: إنه لم يجر وراءها ولم ms084 يجر وراء مالها، وارتضى أن يبني بها ~~وهو يعلم أنها ستحرم من ثروة أهلها، وهي تعلن في ساحة القضاء وفاقا لما أراد أنها قد ~~استغنت عن معونة أهلها كل الاستغناء. # ومن الأخبار القليلة التي وردت متفرقة في سيرة القائد الأعظم؛ نعلم أن هذه الزوجة ~~النبيلة كانت جديرة بزوجها في أنبل مناقبه؛ وهي الشجاعة والاستقلال بالرأي والكرامة ، ~~فهان عليها أن تنبذ الملايين في سبيل الرجل الذي أحبته، وهان عليها أن تكبت حياءها وهي ~~تبرئه من إغوائها، وتجهر في ملأ من شهود الجلسة أنها هي التي عرضت نفسها عليه. # ومن قصة طريفة تناقلها الهنود يومئذ تتراءى لنا الفتاة الغضة جديرة بزوجها في بديهته ~~الحاضرة، وصراحته النادرة، وصلابته القوية، وجوابه السريع؛ فإنها - مع تربيتها ~~الأوروبية الكاملة - كانت تأخذ نفسها باحترام عادات قومها، وتنكر النزول عن سمت البلاد ~~حين يكون النزول عنها تزلفا لأصحاب السيطرة الأجنبية، ودعيت مع زوجها إلى وليمة في قصر ~~الحاكم العام فحيته حين قدمت إليه بالتحية الهندية، ولم تنحن متراجعة على طريقة ~~الأوروبيين في مقام التعريف لأول مرة، فامتعض الحاكم العام واغتنم فرصة التحدث إليها ~~فقال لها في لهجة السيد الموتور: «إن زوجك يا سيدتي لذو مستقبل عظيم أمامه فلا تفسديه ~~عليه ... والمثل يقول: في روما اصنعي كما يصنع الرومان.» قالت غير متهيبة: «وهذا الذي ~~صنعت ... ففي الهند نقدم التحية كما يقدمها الهنود!» # ودعيت إلى وليمة أخرى في القصر فاستطرد الحديث إلى الكلام عن البلاد الألمانية، وراح ~~اللورد ريدنج يقص شيئا من ذكرياته أيام التلمذة هناك، ثم قال: إنني مشوق إلى زيارة تلك ~~البلاد وأخشى ألا أستطيع، قالت السيدة جناح: «ولمه؟» فعاد اللورد ريدنج يقول: «إن ~~الألمان اليوم لا يحبوننا، وهم نافرون منا بعد الحرب، وفي الزيارة حرج على الإنجليزي ~~الذي يذهب إليهم ...» قالت على الأثر في شيء من شيطنة الشباب: «عجبا! وكيف إذن حضرت إلى ~~الهند في هذه الأيام؟» # موت زوجته # وسعد الزوجان على غير الشائع عن زواج الحب أو زواج التفاوت بين الزوجين في السن ~~والعقيدة والنشأة الاجتماعية، ms085 ورزقا بنتا سمياها «فينا» ... ثم نكب البيت السعيد بموت ~~ربته وهي دون الثلاثين، وحار جناح في تربية الطفلة الصغيرة فأبقاها عند جدتها لأمها، ~~فادخرت له الصروف فيها نكبة نكأت جرحه الذي لم يندمل بعد نكبته في أمها، فإنها نمت في ~~بيئة زردشتية، فتزوجت من أحد أبناء ملتها على الرغم من تحذير أبيها، وانقطعت الصلة بينه ~~وبين الفتاة بقية حياته. # وقد أوغلت النكبة في قلب الرجل العظيم إيغالا أوشك أن يكون مميتا، ولكنه لم يسمع ~~شاكيا ولا متضجرا ولم يشاهد واجما ولا متوانيا في مهمته القومية، وكل ما تغير منه ~~بعد النكبة أنه أفرط في التدخين، وأنه راح يغرق آلامه في متاعبه السياسية ومساعيه ~~القومية، فاتخذ من النكبة القاصمة مصلحة له ولقضية بلاده، وخلق من الحزن دافعا يضاعف ~~القوة، وأبى عليه أن يثقل همته فيضعفه ويفت في عضده. # ومن المصادفات التي قل أن تتوارد في حياة زعيم ~~كما تواردت في حياة جناح؛ أن الوقت الذي ودع فيه برنامج الوحدة هو الوقت الذي انتهت فيه ~~آية الوحدة في بيته وأسرته، فلم تكن سياسته بعد سنة 1929 التي توفيت فيها زوجته إلا ~~تباعدا مستمرا عن فكرة الوحدة، واقترابا مستمرا من برنامج التقسيم والفصل بين ~~الدولتين، وقد عن لبعضهم أن الحادثين مرتبطان - حادث الأسرة وحادث السياسة الهندية - ~~ولو لم تكن الحوادث السياسية في إنجلترا وفي الهند وفي العالم كافية لتفسير برنامج ~~الانقسام؛ لأمكن القول بأن انقضاء الزواج بين الزعيم المسلم والفتاة الزردشتية كان له ~~شأن في التعجيل، إن لم يكن في التعديل والتحويل، ولكن الخوالج النفسية التي تتعاور ~~النفس في أمثال هذه الأحوال عودتنا أن تكون الذكرى بعد الموت أقوى من العلاقة الحية، ~~فلو قيل: إن ذكرى القرينة المحبوبة كانت هي الآصرة المتجددة بينه وبين السلالات الأخرى ~~بعد موتها؛ لكان هذا أحرى بالقبول من القول على أثر الوفاة في تفاقم سياسة الانفصال، ~~فضلا عن أن الزوجة كانت مسلمة وعاشت مع قرينها مسلمة لا تثنيه عن شيء في أعماله ~~السياسية. # أخلاق جناح # والقول في أخلاق ms086 جناح كالقول في حياته الخاصة، فما كانت له أخلاق بين الأقلين تغاير ~~أخلاقه بين الأكثرين، وما كان دأبه في معاملة أعضاء الهيئات الحزبية أو الحكومة يخالف ~~دأبه في معاملة كاتبه أو ضيفه في بيته. # صراحته هنا هي صراحته هناك، واستقلاله في رأيه هو استقلاله في ذوقه، ونزاهته هي حيث ~~كان. # وقد وصفه عارفوه، شخصيا وسياسيا، فتكلموا عنه بلسان واحد يصدق على ~~الحالتين. # قال الدكتور ريدي # Reddi ~~: «إنه فخر الهند وليس خاصا ~~للمسلمين.» وقال سير مودي # Mddi ~~: «إنه شجاع مستقيم لا ~~يبحث عن السمعة، وهو مثال نادر للبراءة من نفاق السياسة.» # وقال الصحفي البرهمي نهال سنغ # Singh ~~- وقد أذاع ~~بعضهم أن تشرشل يسخر جناحا لخدمة غاياته: «إن شعوري أن محمد علي جناح قد يكون هو ~~المسخر لتشرشل، وأنه يتعالى بنفسه أن يجعلها آلة لذلك الوزير السابق من ~~المحافظين.» # وقال مستر آرثر مور محرر الاستيتسمان: «إن صعود نجم جناح في المجلس الإسلامي لا تكفي ~~لتأويله براعته في التنظيم والتدبير، ولكنه كما علمت من المسلمين جزاء له على سيرة ~~طويلة في الحياة العامة تحققت فيها نزاهته عن اغتنام الفرص لنفسه، وإذا كان مستر غاندي ~~معصوما من غواية المال؛ لأن المال لا يغويه فمستر جناح معصوم من غوايته؛ لأنه يملك منه ~~ما يكفيه ويغنيه، واستقلاله الذي تربى عليه في خدمة القانون خير كفيل له بالاستقلال عن ~~المغريات.» # وقال الدكتور السيد حسين: «إنني على معارضتي للباكستان لا يسعني إلا أن أصرح بأن ~~جناحا هو الرجل الوحيد في الحياة العامة الذي هو أرقى ما يكون عن الشبهات. إنك لا ~~تستطيع أن تشتريه بالمال ولا بالهبة ولا بالمنصب، ولم يستفد قط شيئا من البريطان، وما ~~هو من رجال هذا المعدن، فأخلاقه تسامي في الرفعة أرفع الأخلاق التي أثرت عن زعيم في ~~الهند كيف كان، ولم يقبل قط شيئا من البريطان سواء من النفع أو اللقب، وإن كان غاندي ~~قد قبل شيئا منهم بعد حرب البوير، وتعلم جماهير المسلمين أن جناحا هو الرجل الذي لا ~~يعوزه المال ولا ms087 يستهويه طمع السلطان.» # ولم يسع هوراس ألكساندر صاحب كتاب «الهند منذ كريبس» أن ينكر عليه الألمعية وتوقد ~~الذكاء، غير أنه أراد أن يعيبه بالتناقض فدفع عنه أشهر التهم التي يرددها خصومه؛ لأنهم ~~لا يجدون تهمة غيرها تلقى من الناس حظا من الإصغاء، وهي أنه حريص على نظام معيشته ~~وهندامه، ولهذا عارض سياسة المؤتمر «غير الدستورية» ... فإذا بصاحب الكتاب يعيبه ~~بالتناقض ؛ لأنه دفع بالعصبة في طريق المقاومة «غير الدستورية» وحولها من الوقار ~~«الأرستقراطي» إلى الجلبة الشعبية! # وغاية ما ذهب إليه نهرو في تفسير خطته أن نجاحه المتأخر قد لواه عن قبول الآراء ~~والاقتناع بما يقترح عليه، فلما سأله لورد مونتباتن في محادثة بينهما عن رأيه الخاص في ~~جناح موجزا في كلمات قال: «إنه رجل تأخر عليه النجاح، ولو أن الحكومة البريطانية تركته ~~حتى يطلب هو ما تطوعت بإعطائه لكان أقرب إلى الاعتدال.» # ونهرو رجل فاضل لا يستجيز لضميره أو يواربه، ولكننا لم نفهم ما يعنيه بالنجاح ~~المتأخر، فإن جناحا نجح في صناعة المحاماة وهو دون الثلاثين، وكان المؤتمر على استعداد ~~لانتخابه رئيسا له ورئيسا لأول وزارة يؤلفها، ورئاسته للعصبة وهو في نحو الخمسين هي ~~تتويج نجاح وليست أول نجاح، وكلام نهرو - بعد - لا يعيب الرجل على أي وجه ~~صرفناه. ~~••• # وقد راجعنا ما قيل عن جناح في كتب قصرت على ~~ترجمته، وكتب أشارت إليه في سياق الحوادث، فلم نقرأ فيها وصفا لحياته الخاصة الأصح أن ~~يقال إنه كذلك وصف لحياته العامة، وإنه بهذه الصفات جميعا منذور لغير الأثرة ~~والأنانية، فصفاته الخاصة والعامة مما يوقف على خدمة الأمم، ولا تستأثر به خدمة فرد من ~~الأفراد، غير مستثنى منهم جناح. # وفاء حتى الممات # قال جناح يوم المناداة بقيام دولة الباكستان: «إن الباكستان وسيلة وليست بغاية.» وإن ~~قيامها ابتداء عمل ليس له انتهاء. # وجاء الواقع بحوادثه التي لا تنتهي ومطالبه التي يأخذ بعضها برقاب بعض، فأعاد ما قاله ~~القائد الأعظم بألف لسان. # وراح القائد الأعظم يعمل في رئاسة الدولة كأنه لم يعمل شيئا قبل ذلك، ms088 وكأنه مطالب ~~بعد اليوم بأن يعمل كل شيء. # وكان عمله من قبل مرهقا معنتا فأصبح - بعد النجاح - أشد إرهاقا وعنتا. # وهذا هو النجاح الذي تتشبث به أحلام بني آدم وحواء: أعظم ما يكون أقسى ما يكون على ~~الناجحين. # وقد حدث لليائسين كثيرا أن بخعوا أنفسهم، ولم يحدث لناجح أنه بخع نفسه إشفاقا من ~~نجاحه، وما أغناه عن ذاك؟ إن النجاح لقمين أن يعمل ما لم يعملوه. # إلا أن القائد الأعظم كان يرهق نفسه قبل قيام الدولة، وعنده ذخيرة من القوة يسعفها ~~مدد من الصحة والشباب. # وأما بعد قيام الدولة - وهو في السبعين - فالجهد في ازدياد والطاقة في نقصان. # وعلم أطباؤه هذا ولم يجهله أحد، فما هو من الخفاء بحيث يختلف فيه علم الأطباء وعلم ~~الدهماء. # بل علمه القائد الأعظم قبل أن يعلمه طبيب، وكأنه لم يعلمه ولم يقع في خلده أن يعلمه، ~~فلم يستمع إلى تحذير ولم يحفل بنذير. # وكلما وعد أن يمسك عن العمل، أو أن يجعل لعمله حدا، غلبته شهامة قلبه فنسي الوعد ~~الذي لم يتعود قط أن ينساه، وأكب على عمل جديد، تعقبه أعمال جديدة؛ لأن الكف عن العمل - ~~وهو ناظر إلى مطالبه - يتقاضاه من القلق والجهد أضعاف ما يتقاضاه شغلان فكره بالأعمال، ~~وعذره لنفسه سائغ معقول. # إلا أن الشيخوخة في السبعين، ومعها إعياء القلب، لا تسيغ ذلك العذر ولا تعقله، ويستوي ~~عندها من يجترئ على حكمها القاهر معذورا أو غير معذور. # إلى أن بلغ الكتاب غايته وحم الأجل في يوم من أيام الصيف التالي لقيام الدولة الفتية، ~~فشوهدت في سماء العاصمة طائرة قادمة من «بلوخستان» في ساعة الغسق، قل من كان يعلم ما ~~فيها تلك الساعة ... وفيها القوة المحركة للدولة كلها، جاءت إلى عاصمتها لتصبح رفاتا بعد ~~ساعات. # وكان حرس المطار من العارفين بوديعة تلك الطائرة المدلجة في الظلام، فأدوا لها ~~التحية، وشاهدوا - لفرط دهشتهم - آخر حركة «رسمية» لذلك البنيان النحيل الذي ما كف ~~يوما عن الحركة: يتحامل على نفسه ليرد التحية وهو بين الحياة والموت. ms089 # وبلغت الساعة العاشرة منتصفها حين أذن القضاء بختام تلك الحياة، وسرى النبأ بطيئا ~~بطيئا كأنه ينوء بحمله الثقيل، وخف الوزراء إلى الدار يمشون كالأشباح بين حجرات غارقة ~~في الضياء. # وعجت الدار بالنشيج المختنق، وانفجر النشيج بعد مغالبة لم تفلح، فترامى في جوانب ~~القصر رجال أشداء، جبابرة من جنود الحرس في موكب القائد المسجى على فراشه، تعودوا أن ~~يذهبوا به وأن يعودوا به من حيث ذهبوا، وعلموا أنهم عما قليل سيذهبون به إلى حيث لا ~~عودة، وسيذهبون به ولا يسمعون له صوتا، وقد عهدوا له ~~- حيث ذهب - صوتا مسموعا يتجاوب صداه في الدنيا، ويصغي إليه المنصتون في كل ~~مكان. # وإلى جوار الجثة ظل لا يهتز ولا ينشج ولا يهم بالنشيج: تلك هي الآنسة الشقيقة في ~~السواد، وهول الصمت في عينيها الجامدتين أشد من هول الدموع في أعين أولئك المردة ~~الناحبين. # وما هو إلا أن سرى النبأ المرهوب في أنحاء العاصمة حتى غص الطريق بالوافدين: مائة ~~ألف، مائتان ثم اشتملت الطرق المحيطة بالدار كل من في المدينة من قادر على المسير، لم ~~يتخلف رجل ولا امرأة ولا طفل صغير. # وفتحت الأبواب للجموع المشيعة تلقي النظرة الأخيرة على الوجه الذي لن تراه بعد اليوم، ~~فتعاقبت في نظام لم ينظمه أحد غير ما في باطن النفوس من خشوع، واستند بعضهم على أكتاف ~~بعض يبكون، وألعج قلوبهم بالحزن وفجر عيونهم بالدموع تلك الابتسامة التي ارتسمت على ~~الوجه القوي الوقور، رسمها الموت حيث ضنت متاعب الحياة أن تتركها هنالك مرتسمة عليه كل ~~يوم. # من قال إن النقيضين لا يجتمعان فليمدد بصره إلى دخيلة النفس البشرية في ساعة من ساعات ~~الهول: تصدق ولا تصدق، وتعجب ولا تعجب، وتحس الهول وكأنها لا تحسه، أو كأنها تتحداه ~~بالأمل الذي يتراوح فيها بين الضمور والظهور. # قد مات القائد الأعظم ... يا للهول! # هل مات القائد الأعظم؟ كلا، إنه لم يمت ... لعله وهم، لعله خبر كاذب، لعلها معجزة تتجلى ~~بعد حين ... من قال إن رجلا كهذا يموت؟ # وفي ساعة الهول هذه كانت ms090 الآية الكريمة في كل خاطر تفرق بين الشك واليقين # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~... وكانت ~~حوقلة المحوقلين عصمة الحائرين ومنفس المكظومين، لا حول ولا قوة إلا بالله، يسمعها ~~السامع ويجيب بها المجيب. # وفرغت المنابر وأصوات الإذاعة في جوانب الباكستان لتلاوة القرآن الكريم يتخللها من ~~ساعة إلى ساعة إعلان النبأ ، والترحم على الفقيد العظيم. # قال زائر لعاصمة الباكستان بعد الوفاة ببرهة غير قصيرة: إنني كنت أعبر الطرقات وأحسب ~~أنني سمعت القائد الأعظم في رؤيا حلم؛ لأنني كنت أشعر بمحضره حيث مشيت وحيث نظرت، ومن ~~العسير علي أن أصدق بموت إنسان يطل علي وجهه من كل مكان. # إن حداد الباكستان على جناح كان حداد أمة على أبيها، وكان في العيون والوجوه والقلوب، ~~ولكنه وفاء ساعات أو أيام أو شهور، ثم تسكن النفوس إلى القضاء كما قال شاعرنا ~~الحكيم: # وللواجد المكروب من زفراته # سكون عزاء أو سكون لغوب # أما الوفاء الخالد، الجدير بالزعيم الخالد، فهو تخليده في عمله وأمله، وتصديق وصاياه ~~فيما بقي من تراث مجده، وإنه لتراث حي ما بقيت أمته كما أرادها وتمناها، وما فهم ~~الأوفياء هذا المعنى من الوفاء، وأيدوه بالعزم والصبر والولاء. # | الباكستان بين الماضي والحاضر # مفارقة متعمدة # منذ سنتين (أي في سنة 1950) صدر في إنجلترا كتاب باللغة الإنجليزية اسمه «خمسة آلاف ~~سنة من تاريخ الباكستان» لمؤلفه (ر.ا.م.هويلر) # Wheeler # مدير الحفريات السابق في الحكومة ~~الهندية. # مفارقة بينة على غلاف الكتاب، واعتراف في أول سطر من سطور المقدمة بتعمد هذه ~~المفارقة؛ لأن أمم الأرض جميعا كانت تعلم يوم صدور هذا الكتاب أن الباكستان دولة جديدة ~~لم يكد يمضي على إنشائها أربع سنوات، وأنها جديدة باسمها كما أنها جديدة بنشأتها؛ لأنه ~~اسم لم يكن معروفا في لغة من اللغات قبل الربع الثاني من القرن العشرين. # جاء في السطر الأول من مقدمة الكتاب «إن عنوان هذا الكتاب مفارقة متعمدة، ولكنها ~~تشتمل على حقيقة أساسية.» # أما هذه الحقيقة الأساسية فهي أن البلاد ms091 التي شملتها الباكستان الآن - أو شملت معظمها ~~- هي الهند التي عرفتها الأمم قديما، ثم أطلقوا اسمها على البلاد الهندية كلها في ~~القرون الأخيرة، فلم يعرف الفرس والصينيون واليونان والعرب شيئا يذكر عن داخل البلاد ~~الهندية، وكلما وصلوا إليه وهمهم أن يعرفوه هو مداخل الهند الغربية على بحر العرب ~~ومداخل الهند الشرقية على خليج البنغال، وهذه على وجه التقريب هي دولة الباكستان ~~اليوم. # قصد السياح والتجار والغزاة إلى تلك الشواطئ قبل آلاف السنين، وحملوا منها السلع ~~والمحصولات إلى أرجاء العالم شرقا وغربا، وتبين من «الحفريات» الحديثة أن الحضارة على ~~تلك الشواطئ معرقة في القدم، وأنها عرفت فنونا من الأبنية والمصنوعات تشهد لأهلها ~~بالخبرة في العمارة والصناعة، وتترجم عن ثقافة دينية متقدمة بالقياس إلى المعتقدات التي ~~كانت شائعة في تلك البقاع قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة، ولا يزال علماء الحفريات يكشفون ~~بين آونة وأخرى عن معلومات تتم مواضع النقص في ذلك التاريخ العتيق. # ويؤخذ من المعلومات المكشوفة، ومن التواريخ المعروفة؛ أن مسالك التجارة والسياحة بين ~~الهند والعالم الغربي قد اطردت في سبلها المطروقة التي عهدها الناس إلى أواخر القرون ~~الوسطى، وهي سبل البحر إلى العراق واليمن، ثم سبل البر منها إلى مصر والشام. # وقد كانت الدول الكبرى في العصر القديم تتسابق إلى السيادة على تلك السبل، فبسطت فارس ~~سلطانها على اليمن لتجمع بين يديها سائر السبل من شبه الجزيرة العربية، وأراد الرومان ~~أن ينتزعوا هذه السبل جميعا فجردوا حملاتهم على العراق واليمن، وقنعوا آخر الأمر ~~بالسيادة على منتصف الطريق، فتكفلوا بحماية الأمراء الغساسنة في صحراء الشام، ورشحوا ~~للملك في مكة قبل الإسلام زعيما من قريش يدينون له بالطاعة في ظل قيصر، ولم يكن في ~~طاقة قيصر أن يفرض الملك عليهم بالقوة فهددهم بإغلاق أبواب الشام في وجوههم، وأمر ~~الغساسنة بالترصد لهم على تلك الأبواب، وحال ضعف الدولة الرومانية في ذلك العصر دون ~~مرماها في جوف الصحراء. # وهكذا استقلت مكة بطريق التجارة من الهند، إلى اليمن، إلى مصر والشام. # وهكذا نسج التاريخ إحدى ms092 موافقاته التي تمتد من مئات السنين قبل الدعوة المسيحية إلى ~~مئات السنين بعد الدعوة المحمدية، وجاز لمن شاء أن يقول: إن الباكستان أقامت مكة قبل ~~الإسلام، وإن مكة - بعد الإسلام - قد أقامت الباكستان. # أراد الفراعنة من قديم الزمن، ثم أراد القياصرة بعدهم، أن يجعلوا البحر طريقا لتجارة ~~الهند فغلبتهم سفينة الصحراء وانتظمت رحلة الشتاء ورحلة الصيف على أمواج الرمال، كما ~~كانت قبل ملك القياصرة والفراعنة، واستقرت لهما مرحلة وسطى في منتصف الحجاز، فذاك حيث ~~قامت مكة في الجاهلية الأولى، تتلقى قوافل الشتاء من الجنوب، ثم تلقي بها مع قوافل ~~الصيف إلى الشمال. # الباكستان الجديدة # وبعد سبع وأربعين وتسعمائة وألف سنة من الميلاد المسيحي، ولدت الباكستان الجديدة ~~باسمها، والجديدة بأسباب وجودها، إلا سببا واحدا غير جديد عليها، وهو الدين الذي ظهرت ~~رسالته في مكة منذ أربعة عشر قرنا، ولولاه لكان للشرق كله تاريخ غير تاريخه ~~المعلوم. # معجزة من معجزات الإيمان التي لا تنقضي مع الزمن: معجزة تتحدى التجارة، وتتحدى ~~المنفعة، وتتحدى سلطان الدول، وتتحدى المعقول والظنون، وتتغير السبل ويتغير السالكون ~~فيها، ويبقى الإيمان فيصنعها معجزة خارقة لم يصدق بها أحد قبل وجودها، ثم توجد فيصدق ~~بها من يرى ويسمع، وتصبح بعد ذلك سندا للعقول التي عرفت بها الممكن والمستحيل، وقد ~~كانت تخلط خلطها الذريع بين الممكن والمستحيل. # أمكن ما لم يكن في الإمكان. # شجرة تحمل تسعين مليونا من الفروع الآدمية، تنقطع جذورها جميعا، وتنغرس جذورها، ولا ~~تذبل ولا تفنى، بل يسرع إليها النماء والإيراق، ومن حيث قدر لها الذبول والفناء. # معجزة في زراعة الشجر. # أما في زراعة الأمم فوصفها بالإعجاز قصد واعتدال، ولو كانت مع الزارعين هنا كل ~~معداتهم لعظمت المشقة وناءت بها كواهل العصبة أولي القوة، ولكنهم كانوا يغرسون المعدات ~~كما يغرسون الفروع، ويخلقون التربة كما يخلقون غروسها وثمارها، ولا قبل لهم بالانتظار، ~~يوما أو بعض يوم؛ إذ كل يوم جديد، يأتيهم بقطع جديد، ووصل جديد. # لقد حسبوا عدد المهاجرين إلى الباكستان فبلغوا ثمانية ملايين: حسبوا عدد المهاجرين ~~وحدهم كأنما ms093 كان سكان الباكستان الذين بقوا فيها قد خرجوا من عداد المهاجرين المتنقلين، ~~وما بقي منهم أحد على قراره الذي استقر عليه قبل نشأة الباكستان، وما كان منهم أحد إلا ~~وهو في حكم المهاجر من مكان إلى مكان، المنقطع عن منبت في طريقه إلى منبت، الماثل على ~~أبواب حكومته يسألها عن مصيره ومصير مورده ومصدره، وكلما أشير له إلى مصير إذا به قد ~~تحول وتحول معه ألف مصير، والمدد متلاحق متسابق، والسكوت عنه يوما مشكلة تتبعها ~~مشكلات. # دوامة في إعصار، ولا سبيل إلى الدوار؛ لأن الدوار غرق عاجل بغير قرار. ~~••• # وقد قيل: إن الإخفاق صدمة وإن النجاح عبء يكبر كلما كبر النجاح. # وأطوار الأمم تتوالى بالشواهد على صدمات الإخفاق وأعباء النجاح في مختلف العصور، أما ~~في عصرنا الحاضر فهذا المثل أقرب الأمثلة على أعباء النجاح التي تخف إلى جانبها صدمات ~~الإخفاق. # وقد كان الزعماء المشرفون على بناء الدولة الجديدة ينتظرون عونا موعودا ويتأهبون ~~للمتاعب كما قدروها، فأما العون المنظور فلم يأت، وأما المتاعب فقد جاء منها ما هو ~~مقدور وما ليس بمقدور. # كان للباكستان حصة من أموال الدولة يقضي اتفاق التقسيم بتسليمها إليها، فلم ~~يتسلموها. # ونقلت إليها في الطريق بعض الودائع التي لا خير في احتجازها، فاغتالها الطريق نهبا ~~وإتلافا قبل أن تبلغ الحدود. # وخرجت الباكستان من القسمة بظلم المكان بعد ظلم السياسة، فكان نصيبها من ودائع الأرض، ~~ومن الخيرات التي لا تنقل، أصغر النصيبين، وكادت أن تخلو من المصانع والمدارس كما خلت ~~من أنفس المناجم وأصلح الموانئ، ولم تظفر بحصة قط في تراث التقسيم إلا كانت هي المرجوحة ~~المزهود فيها من الحصتين. # أما المتاعب التي جاءتهم على غير انتظار، أو على خلاف ما قدروه، فأولها متاعب الطابور ~~الخامس مأجورا وغير مأجور، فاستغل الدساسون ربكة القلق التي ساورت أصحاب المصالح ~~وزينوا للضعفاء منهم أن ينفصلوا باختيارهم؛ لأن علاقاتهم بأقاليم الهند أوثق من ~~علاقاتهم بأقاليم الباكستان، وأشاع بعضهم أن الحكومة في صدد إلغاء اللهجة البنغالية ~~التي يتكلمها أكثر من نصف السكان، وأشاعوا ms094 أن القبائل ستحكم على نظام جديد، وهي تلك ~~القبائل التي لم تعرف نظاما للحكم منذ آلاف السنين غير نظامها الموروث، وأشاعوا أن ~~الحكومة سترفض الدين و«تتفرنج» في تقرير قواعد التعليم والقضاء، وكان على ولاة الأمر أن ~~يلاحقوا هذه الإشاعات بالتكذيب العملي تكذيب الوقائع الملموسة قبل أن تستفحل وتستعصي ~~على التدبير؛ لأن تكذيب الأقوال في هذه الأحوال قلما يصغى إليه. # وعرف القائد الأعظم أن العدو الأكبر في هذه الغاشية المتراكبة هو الرشوة والسوق ~~السوداء، فضرب على أيدي المفسدين من الموظفين والتجار بغير رحمة، ولم يكن له مناص من ~~قمع الرشوة والعمل على استئصالها من دواوين الحكومة؛ لأن التجارة الصادرة كلها قد آلت ~~إلى أيدي الدولة، فلا أمل في عمار الدولة مع العبث والفساد في الدواوين. # ولا نطيل في سرد المتاعب، ولا في سرد الجهود التي تغلبت عليها، فقد تغني عن الإطالة ~~هنا مقابلة الأرقام في باب واحد بين السنة الأولى بعد التأسيس والسنة الخامسة؛ إذ ~~ارتفعت موارد الدولة من نحو ستمائة وسبعين مليون روبية إلى نحو ألف ومائتين وسبعين ~~مليونا، وزاد الوارد على المنصرف بعد أن كانت ميزانية الدولة منصرفا لا مورد له على ~~الأكثر غير القروض. # أما نظام الحكم في الدولة فهو قائم على أساس الديمقراطية والدستور، وأن تكون الأقاليم ~~مستقلة في حدودها مشتركة في الشئون التي تتوحد في الدولة، وهي شئون الدفاع والسياسة ~~الخارجية وتدبير العملة، وأن تسأل الوزارة أمام الهيئة النيابية في العاصمة، ويختار كل ~~إقليم هيئته النيابية التي تراقب حكومته، وسيحرص الدستور على تمثيل المصالح في جميع ~~الطبقات، وينص على تخصيص الدوائر لتمثيل الصناعة، والزراعة، والتجارة، والعمال، ومعاهد ~~التعليم العليا، ويعطي المنبوذين من البرهميين الذين فضلوا الإقامة في الباكستان على ~~الهجرة إلى الهند حقا يخولهم أن ينفردوا بانتخاب ممثليهم، وكذلك يعطي هذا الحق ~~للمسيحيين حيث يكمل لهم عدد يستقل بالانتخاب. # والعصبة الإسلامية اليوم هي الجماعة السياسية التي تتمثل فيها آراء القادة في ~~الباكستان، ولكنها لا تتألف من حزب واحد في مذاهب السياسة والاجتماع؛ إذ يوجد فيها غلاة ms095 ~~الاشتراكيين كما يوجد فيها غلاة المحافظين، ويوجد فيها من يحاربون رأس المال ومن ~~يؤيدونه ويستديمونه، ويوجد فيها على الأغلب الأعم من يرون أن الإسلام طريق ثالث بين ~~طريق رأس المال وطريق الشيوعية، ويمكن أن يقال إن العصبة الإسلامية تعبر عن مبادئ ~~المؤمنين بقيام دولة الباكستان، خلافا لمن كانوا يعارضون قيامها ويتخذون لهم وجهة غير ~~وجهتها، ولهذا تعتبر العصبة أن من يعارضونها من خارجها معارضون لتكوين الدولة في ~~أساسها، وتسمح بالمعارضة في داخلها ولا تسمح بالمعارضة من خارجها، ونحسب أن الحذر من ~~هذه المعارضة في دور التكوين وشيك أن يتسهل بعد تصعيب، وأن يكون زواله علامة على زوال ~~الخطر على كيان الدولة وسلامة المجتمع، فلا تصبح معارضة العصبة معارضة للدولة والأمة، ~~ولا تحتاج أحزاب السياسة إلى رقابة غير رقابة الرأي العام. ~~••• # ليس في وسع منصف أن ينظر إلى العمل الرائع الذي تم في هذه الدولة الناشئة خلال خمس ~~سنوات بغير نظرات الإكبار، وليس في وسع منصف أن ينكر عليهم صدقهم واقتدارهم وحسن ~~تصريفهم للأمور التي تجل أحيانا وتدق أحيانا عن التصريف، وليس في وسع منصف أن يضن ~~عليهم بالمعاذير فيما عرض لهم من النقص وتورطوا فيه من الأخطاء، وليس في وسع منصف أن ~~ينفي عنهم كل نقص ويعصمهم من كل خطأ، فمن يتكلم عن العصمة لا يتكلم عن إنسان. # إلا أن الشهادة التي هي أعظم وأشرف من كل شهادة لهؤلاء القادة هي التعالي عن استغلال ~~الغرائز الثائرة؛ تمكينا لأنفسهم في مناصب الحكم، وتمهيدا للبقاء فيها وتغشية لأعين ~~الجماهير عن التنبه لما يقعون فيه من الأخطاء، ويؤخذ عليهم من العيوب. # ففي مثل هذا الموقف، بل في أهون من هذا الموقف، يندر أن نرى زعيما يتعفف عن كسب ~~«الحماسة الشعبية» له ولسلطانه بإذكاء الضغينة وإثارة العصبية، وتغذية الكراهية بين ~~الطوائف والأقوام بكل ما يلعج الخواطر ويلهب النفوس، ويفتح آذانها كل يوم لما يلقيه في ~~روعها، ويغلق آذانها كل يوم عن سماع الحق والإصغاء إلى النقد الصحيح. # رأينا هذا في دولة النازيين، وفي دولة ms096 الفاشيين، وفي دولة الشيوعيين، ورأينا زعماء ~~هذه الدعوات يحرضون طائفة على طائفة، وحزبا على حزب، وجيلا على جيل، بل رأيناهم ~~يحرضون أقوامهم على العالم بأسره مصوريه لهم في صورة العدو الذي يتحفز لهم ويتربص بهم، ~~ويتحين الفرص للانقضاض عليهم، ولا يبالون ما وراء هذا الغل الدفين من شر يحيق بهم وبمن ~~حولهم، ولا يسلم منه قريب ولا بعيد. # فمن الشهادة العالية لقادة الباكستان أنهم تغلبوا على هذا الإغراء مع وفرة المغريات ~~وكثرة العداوات، وأنهم لم يتعففوا عن إثارة الغرائز وكفى، بل عقدوا العزائم على تصفية ~~القلوب وغسل الصدور ومحو الترات، وجعلوا هجيراهم أن يقربوا بين المفترقين ويفثأوا سورة ~~الغاضبين، واستهدفوا من جراء ذلك للغيلة والإيذاء، ممن حسبوا طيشا منهم وجهالة أن حسم ~~العداء والبغضاء ممالأة للأعداء. # هذه شهادة لهم أرفع من كل شهادة بالخبرة والاقتدار على التصرف في الأزمات والمفاجآت؛ ~~لأنها تسجل لهم أنهم قادة أمة وليسوا مجرد حكام محترفين للسياسة، وأن إخلاصهم لأمانتهم ~~مقدم عندهم على الإخلاص لمناصبهم ومنافعهم، وهي روح شماء لولاها لما أنجزت الباكستان ~~بعض ما أنجزته في أقل من خمس سنوات، وبمثلها في الأمم الهندية والآسيوية على العموم ~~يرجى أن تنحل العقد الشائكة وتنحسم المنازعات المتشعبة، فإن أمم الشرق أحوج إلى القوى ~~التي تبددها تلك العقد والمنازعات على غير جدوى، وأحق أن تتوفر بها على لم شملها وجمع ~~عزائمها، والتعاون فيما بينها على أداء رسالتها الإنسانية واللحاق بركب الحضارة الذي ~~تخلفت عنه عدة قرون. # دروس نافعة # ما أكثر معارض البحث والنظر في سيرة الباكستان وسيرة قائدها الأعظم: كلها معارض بحث ~~ونظر، وكلها دروس تجدد آراء الدراسين فيما فهموه قديما من أسرار المجتمعات، وظواهر ~~الدول التي خيل إليهم أنهم فرغوا منها أو يئسوا من الفصل فيها، ومنها ما هو فيصل ~~التفرقة في مسألة المسائل جميعا، وهي مسألة العالم ومصيره أو مسألة الجماعات البشرية ~~وبواعث تكوينها وتماسك أجزائها. # هل الحكم كله في مسألة المسائل هذه للمعدة أو للضمير؟ هل للبطولة شأن في حياة الأقوام ~~أو هي في حياة ms097 الأقوام صفر على اليسار؟ هل المادة وحدها هي الترجمان المفسر للتاريخ، أو ~~لهذا التاريخ مفسرات أخرى قد تهزم تفسير المادة وتنقضه وتتحداه؟ # في موقف الفصل هذا نجحت الدولة الطارئة كأنما بعث بها الغيب فيصلا للتفرقة في هذا ~~التنازع بين الضمير والمعدة على مستقبل الأمم، ومصير الجماعات الإنسانية. # نجحت هذه الدولة الطارئة من جهة لتبسط حكمها على مسافة من الأرض ومن الجهة الأخرى ~~لتبسط حكمها على مسألة المسائل وقضية القضايا، وتصحح للمفكرين آراءهم وتصحح للعقول ~~مناهجها في التفكير، وتضع الأسناد بين القائلين بالمذاهب السياسية أو الاجتماعية عملا ~~لا قولا، وواقعا لا جدلا، بل عملا واقعا في جثمان يملأ الآفاق، ويحصيه الحساب ~~بألوف الفراسخ وملايين الأرواح. # وقد وصلت إلينا، ونحن نكتب الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب، مجموعة البحوث الدولية عن ~~السنة المتداخلة بين سنتي 1950 و1951، ونعني بها المجموعة التي تطبعها جامعة هارفارد ~~بإشراف الأستاذ بادلفورد Padelford # العالم الخبير ~~بشئون الدراسات الدولية، فإذا بقيام الباكستان قد دخل في عداد الأسانيد التي تجدد ~~المقررات والمعلومات عن بواعث التاريخ الكبرى، وعن التعريف الصحيح لمعنى الأمة ومعنى ~~الجنس أو السلالة. # يقول سير ارنست باركر في باب القومية على ضوء التجارب العصرية: # ليست الأمة حقيقة بدنية من دم واحد، ولكنها حقيقة عقلية أو نفسية من تراث ~~واحد. # واستطرد البحث إلى العامل الديني في تكوين الأمم فقال الأستاذ: «كان الرأي الشائع إلى ~~زمن قريب أن أثر الدين في تكوين الأمم يتضاءل ويضمحل، وهذا الاعتقاد في تضاؤل أثر الدين ~~في شئون السياسة يتطلب التنقيح بعد قيام دولتين على أثر الحرب قائمتين على الوشائج ~~الدينية؛ وهما دولة الباكستان المسلمة، ودولة إسرائيل اليهودية.» # ثم استطرد الباحث إلى سحر البطولة وفعله في استجاشة الآمال والأحلام بين الأمم ~~الآسيوية في العصر الحاضر، فاعتد «الشخصيات» المقدسة عاملا من أقوى العوامل في تطور ~~الأمم وتحويل مجراها. # من هذا الجانب الفسيح الرحاب ينظر إلى قضية الباكستان كل من ينظرون إلى حاضر الإنسان ~~ومصيره، وإلى الدوافع الفعالة في حركات آحاده وجماعاته، ولا ينحصر النظر إلى تلك ms098 القضية ~~في نطاق المسائل الشرقية والمسائل الإسلامية، ومهما يكن دين المعتقد أو رأيه في الأديان ~~فليس محور النظر هنا عقيدة مسلم أو عقيدة مسيحي، أو عقيدة برهمي، أو تفضيل عقيدة على ~~عقيدة، أو إثبات عقيدة وتفنيد أخرى، وإنما محور النظر هو: معدة أو ضمير؟ جسد أو روح؟ ~~بطولة إنسانية أو تكرار أعداد وأرقام؟ # ومن فضل الباكستان في نشأتها أنها قامت فرجحت في ميزان التاريخ جانب الضمير، ومن حق ~~كل مؤمن بعقيدة يدين بها ضميره أن يغتبط بهذا الترجيح، سواء في ذلك المسلمون ~~والبرهميون. # | موازنة بين غاندي وجناح # ما وراء التاريخ ... كل تاريخ # علم وزير إنجليزي من أحرار العمال أن الهند تمضي في طريق الحرية؛ لأنه رأى فيها ~~زعيما يملك شجاعة الرأي ويواجه بها المئات من المخالفين منفردا مصرا على استقلاله، ~~وهو محمد علي جناح. # والعلامة التي لمحتها فراسة السياسي الخبير علامة صادقة، ولكن هناك علامة أصدق منها ~~على استعداد الهند للحرية، وهي أنها احتاجت إلى زعيمين صالحين لقيادتها في طريق الحرية ~~فوجدتهما حيث احتاجت إليهما، وهما غاندي في الهند، ومحمد علي جناح في الباكستان. # كلاهما صالح لقيادة أمته. # وكلاهما عمل غاية ما يرجى من الزعيم لأداء أمانته. # كلاهما رسم الخطة التي تكره المستعمر على الجلاء، فنفذت كما رسم، وإن اختلفا بينهما ~~فيما رسماه. # وكلاهما ولا شك كان مخلصا لمبادئه، مخلصا لدعوته، مخلصا في وجهة نظره، ولهذا لزم ~~الوجهتين قائدان، ولزم كلا منهما أن يقف أمام صاحبه موقف المعارضة والخلاف. # وإذا رأينا أن أحدهما كان أقرب إلى الدهاء، وأن الآخر كان أقرب إلى الصراحة فذلك هو ~~حكم القضيتين عليهما، أو ذلك هو حكم الإخلاص عند كل منهما لقضيته ووجهة نظره. # كان غاندي يطلب التغليب والتسليم بسياسة واحدة، ولا معدى لمن يطلب هذا من محايلة ~~ومحاولة. # وكان جناح يطلب الانفصال ويرفض السيادة الواحدة، ولا معدى لمن يطلب هذا من صراحة ~~ومجاهرة بكل ما يريد. # إن المقابلة بين العظماء أنفع الدراسات النفسية، فهي دراسة نافعة لفهم حقيقة الإنسان ~~وفهم حقيقة الجماعات، ونافعة لكل ms099 من يعنيه أن يحسن تقدير الأعمال الكبرى والدعوات ~~الشاملة، ونافعة لمتعة العقل وتوسيع آفاقه. # غاندي وجناح. # وما من مقابلة أو موازنة بين عظيمين تخلو من منافعها الفكرية والعملية في جميع هذه ~~الأغراض. # إلا أن الموازنة بين الزعيمين الهنديين تذهب بنا إلى مدى أوسع جدا من الموازنات ~~الشائعة بين الزعماء من قبيل واحد أو من أنماط متعددة؛ لأنها تكشف لنا النقاب عن سر من ~~أسرار التاريخ طالت فيه المناقشة، بل طالت فيه المكابرة، ولا تزال تطول. # هل المرجع في التاريخ إلى ضمير الإنسان، أو إلى المادة الذي توزن حينا بميزان ~~الطعام، وتوزن حينا بميزان النقد في الأسواق؟ # والمقابلة بين الزعيمين الهنديين تجيب على هذا السؤال جوابا يحار في نقضه من ~~يستضعفون عمل الضمير، ويرجعون بكل عامل من عوامل التاريخ إلى «المادة» بمختلف ~~الأسماء. # ها هنا رجلان ولدا في إقليم واحد، وهو إقليم راجكوت ودرجا في جيل واحد، وهو الجيل ~~الذي نشأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. # وتكلما في صباهما بلغة واحدة وهي اللغة الكوجراتية. # ونبتا في طبقة واحدة، وهي الطبقة الوسطى المتيسرة التي يغلب عليها اليوم اسم ~~البرجوازية. # وتعلما على نسق واحد، فدرسا القانون في الجامعات الإنجليزية، بعد إتمام الدراسة ~~الثانوية في البلاد الهندية. # والسن بينهما متقاربة، بل التكوين البدني فيهما يتقارب إلى الدقة والنحافة، وإن كان ~~أحدهما إلى الطول والآخر إلى القصر. # واشتغلا بالمحاماة أولا ثم اشتغلا بالسياسة في ميدان واحد؛ وهو ميدان القضية الهندية ~~أمام الاستعمار البريطاني كما يتولاها حزب المؤتمر. # ثم حكمت العقيدة الدينية حكمها؛ فإذا بكل منهما في طرف من طرفين لا يلتقيان. # وليس المفترق بينهما في برامج السياسة التي تتغير بتغير الحكومات والأحزاب، بل هو ~~مفترق في أطوار الفكر والمزاج كأنهما ينتميان إلى أبعد الأقاليم والبيئات، ولم ينتميا ~~قط إلى إقليم واحد وطبقة واحدة، أو يتكلما في المهد والصبا بلغة واحدة، ويتخرجا في ~~الشباب والرجولة من معاهد تعليم واحد. # هذا يقاطع الحضارة، وذاك يستزيد من الحضارة. # هذا يرى القوة في تحطيم الصناعة الكبرى، وذاك ms100 يرى القوة في تأسيس هذه الصناعة الكبرى ~~وتدعيمها. # هذا يعول على المقاومة «السلبية» على شرعة الاهمسا، وذاك يعول على التنظيم والتأهب ~~بالجماعات المنظمة للعمل في حينه، وكما تقتضيه دواعيه. # هذا يسميه قومه «المهاتما» وذاك يسميه قومه القائد الأعظم، وفي مفترق التسمية مفترق ~~المسميات، كأبعد ما يكون الافتراق. # لم يختلفا قط إلا في عقيدة الضمير، ولم يتفقا في شيء قط بعد ذلك، حين دخلا في ميدان ~~العمل الحاسم، وكلاهما مخلص لعمله بغير جدال. # والرجلان في هذا مثالان صادقان للأمتين: أمة الهند الكبرى من البرهميين، وأمة ~~الباكستان الناشئة من المسلمين. # لم تكن الوحدة الجغرافية هى التي فعلت فعلها الأكبر في نشأة الباكستان، فإنها شطران ~~من الأرض بين الشرق والغرب يفصلهما أكثر من ألف ميل. # ولم تكن الوحدة الاقتصادية هي التي فعلت فعلها الأكبر في نشأتها؛ لأن السكان في شرقها ~~يزدحمون كل سبعمائة في الميل المربع، ولا يزيدون في غربها عن مائة في الميل، ومحصولاتها ~~الرائجة تصنع في غير مصانعها، ومنها جهات لا محصولات فيها ولا صناعات، وجهات تتعلق ~~مرافقها بالشقة الأخرى من الهند البرهمية. # ولم يكن جنس السلالة هو الفارق بين الهند والباكستان، فإن محلل الدم لو أغمض عينيه ~~وحلل دم ألف من أهل الباكستان، ودم ألف من أهل الهند لخرج من التحليل بنتيجة متقاربة، ~~أو لكان الفارق بينهما كالفارق بين ألف من الباكستان وألف أيضا من الباكستان. # وليس في وسع أحد أن يبرز عاملا واحدا مفسرا للتاريخ كما برز عامل العقيدة وحدها في ~~الباكستان، فهو العامل الموجود حيث تختفي جميع العوامل أو توجد على ضعف وتفرق، وهو ~~العامل الذي قام وحده في وجه كل العوامل، فكان له قضاؤه الذي لا مرد له ولا معقب ~~عليه. # ويترائى لنا من مراجعة التاريخ الحديث خاصة في بلاد الهند أن هذه البلاد ساحة لا نظير ~~لها لتحرير الأصول التاريخية التي يصعب تحريرها في أكثر بلاد العالم؛ لأن تاريخها قد ~~تكفل بعزل كثير من العوامل التي توقع اللبس في ذهن المؤرخ فلا يدري متى تعمل مشتركة، ms101 ~~ومتى تعمل على انفراد. # إن الكيماوي الذي يجرب فعل المواد في الأجسام يعزلها واحدا فواحدا؛ حتى يتسنى له ~~الجزم بفعل كل مادة في الجسم الذي يختبره. # والأمم الشرقية والغربية قد اختلطت فيها عوامل الوطنية والجامعة الدينية والتيارات ~~الخارجية وحروب الطبقات والطوائف، فكل ما ينسب فيها إلى فعل عامل من هذه العوامل يجوز ~~أن يشترك فيه عامل آخر، ويصعب تقدير الباعث فيه والغاية على وجه صريح خلو من اللبس ~~والاختلاط. # بيد أن تاريخ الهند قد عزل التيارات الخارجية بعد سيطرة المستعمرين على البلاد ~~الهندية، فكل ما وصل إليها من تيارات الخارج فإنما كان سلطان أولئك المستعمرين، أو مما ~~يأذن به ذلك السلطان. # هذا الذي عنيناه حين قلنا: إن تاريخ الهند الحديث، خاصة، قد تكفل بعزل كثير من ~~العوامل التي توقع اللبس في ذهن المؤرخ؛ فلا يدري متى تعمل مشتركة ومتى تعمل على ~~انفراد. # ومن أثر هذا العزل في دراسة تاريخها أن امتحان دلائل القصد أو المصادفة في التاريخ ~~يتيسر هنا بأقل ما يمكن من دواعي اللبس والإشكال. # عرضنا لهذه المسألة في كتابنا عن غاندي فسألنا: «هل للتاريخ الإنساني وجهة معينة ~~نستطيع أن نتبينها من جملة الحوادث الماضية؟» # وقلنا: إنه سؤال يتوقف جوابه على سؤال آخر وهو: ماذا عسى أن تكون وجهة التاريخ ~~المعقولة إذا تخيلنا له اتجاها يتوخاه على نهج مرسوم؟ # والجواب: شيء يتعلق بالفرد، وشيء يتعلق بالناس كافة أو بالإنسانية جمعاء، فالشيء الذي ~~يتعلق بإتجاه الإنسان الفرد هو ازدياد نصيبه من الحرية والتبعة، والشيء الذي يتعلق ~~بالإنسانية جمعاء هو ازدياد نصيبها من التعاون والاتصال. # وزيادة نصيب الفرد من الحرية والتبعة هو المطلب الشامل الذي تنطوي فيه جميع المطالب، ~~فهو أشمل من القول بازدياد العلم أو ازدياد القوة أو ازدياد الفضائل والملكات؛ لأن هذه ~~الخصال كلها تتمثل في زيادة استعداده لحق الحرية وزيادة قدرته على احتمال ~~التبعة. # وكذلك يقال عن التعاون بين عناصر الإنسانية برمتها، فهو أشمل من القول بارتقاء النظم ~~السياسية وارتقاء المعاملات التجارية، وارتقاء الأخلاق الاجتماعية؛ لأن هذه الخصال ms102 كلها ~~تتمثل في التقارب بين الأمم والتعاون بينها على وسائل الوحدة والاتصال. # هذا وذاك هما الوجهة المعقولة التي نتخيلها للفرد وحده، وللناس كافة، إذا كان للتاريخ ~~وجهة معقولة تدل عليها الحوادث الماضية. # ثم قلنا: ولم تكن الحروب ولا المطامع حائلا دون هذا الاتجاه، بل لعلها كانت من ~~دوافعه ودواعيه، فأسفرت كل حرب من حروب الرومان، والفرس، والعرب، والصليبيين، ~~والعثمانيين عن تشابك بين ناحية وناحية من الكرة الأرضية، ومن جراء هذه الحروب تشابكت ~~آسيا، وأوروبة، وأفريقية، وانفتح الطريق إلى القارات المجهولة. ~~«وإذا نظرنا إلى أثر الحروب في المخترعات وتسخير قوى الطبيعة جاز لنا أن نقول: إن ~~وسائل المواصلات قبل غيرها مدينة للحروب بالشيء الكثير، فماذا يكون الطيران والرادار ~~ومحركات القوى جميعا لولا ضرورات الحروب، واشتراك غريزة الدفاع عن النفس في سباق هذا ~~المضمار؟ بل نحن نتعلم من التاريخ أن الدولة الفاتحة لا تدوم إلا بمقدار ما لدوامها من ~~رسالة عالمية، فدولة الرومان دامت حين كانت لازمة للعالم، وأخذت في الانحلال حين بطلت ~~رسالتها العالمية ...» # واستطردنا إلى دلائل ذلك الاتجاه في تاريخ الهند وفي حروب الاستعمار الأوروبي «وهي ~~محنة طامة على الشرق بأسره، نقم منها الشرق لما أصابه من بلواها ورغب فيها الغرب لأمر ~~أراده وأرادت الحوادث غيره، ولم يخطر للشرق ولا للغرب على بال.» # ومما أرادته الحوادث ولم يرده الغرب المستعمر اجتماع كلمة الهند في وحدة تحارب الغرب ~~المستعمر، قلنا إنها - أي الهند: «لم تكن قط وطنا واحدا في عصر من العصور؛ لأنها كانت ~~تتألف من شتى العناصر، وشتى المذاهب، وشتى اللغات، وشتى المصالح، وشتى المواقع ~~الجغرافية، فلم تدافع قط دفاعا واحدا، ولم تشترك قط في هجوم واحد، ولم تجمع قط على ~~مطلب واحد بينها وبين أبنائها، ولا بينها وبين الغرباء عنها والمغيرين عليها، فلما ~~ابتليت باستعمار واحد طغى عليها من أقصاها إلى أقصاها وجد فيها وطن واحد يواجه ذلك ~~الاستعمار بمطلب واحد، وهو مطلب الخلاص منه، كيفما تعددت وسائله بين طلابه.» # وقد تعددت وسائله بين طلابه فكانت الباكستان وكانت الهند، ms103 ولكنهما قبل أن تصبحا ~~دولتين كانتا «وحدة» متفقة على مكافحة المستعمر وإكراهه على الجلاء. # ولو شئنا لقلنا: إن قيام الدولتين بعد الخلاص من الاستعمار كان نفعا مضافا إلى نفع؛ ~~لأنه يستصفي لكل منهما جهودها، ويفرغها لرسالتها التي هي أقدر عليها، ويعفيها من ~~المنازعات الداخلية، ويفتح الباب للتعاون بين الدولتين في السياسة العالمية والإنسانية، ~~ولكننا نكتفي باجتماع القوى على محاربة السيطرة الأجنبية؛ لأنه النتيجة الطبيعية التي ~~لا خلاف عليها: نتيجة طبيعية غريبة لمقدمات طبيعية أغرب منها. ~~••• ~~«أقصد ذا المسير أم اضطرار؟» # إن المؤرخ الذي لا تلجئه هذه الأطوار وأشباهها في تاريخ الهند إلى إلقاء هذا السؤال ~~على نفسه؛ يتعرض للنظر في التاريخ بعين لا تبصر، وليس أعمى من لا يريد أن يرى كما كان ~~يقول جناح. # ومسألة «الزعيم المناسب» في الحركة الهندية الحديثة هي إحدى المسائل التي تلجئ المؤرخ ~~إلى تكرار ذلك السؤال، ولا كذلك مسألة الزعيم في كثير من الأقطار ولا سيما الأقطار ~~الأوروبية، فإن مكان الزعيم فيها يمتلئ كما يمتلئ مكان الحرف الناقص في الصحيفة ~~المطبوعة، مكان محدود وحرف يتمم الكلمة كسائر الحروف، وكلمة معروفة التهجئة في كل ~~الصندوق. # أما الزعيم الذي يأتي إلى مكانه في الحركة الهندية فهو أشبه بالحرف الذي يتعين به ~~هجاء الكلمة ويتعين معناها، ولا تتم الكلمة قبل استقراره في مكانه. # كم تصفية للزعماء تمت قبل بعث العصبة الإسلامية. # كم تصفية للحوادث سبقت قبل أن تتهيأ الباكستان لزعامة جناح، وقبل أن يتهيأ جناح ~~لزعامة الباكستان. # كم تطور جناح، وكم تطورت حوادث الهند، وكم تطورت حوادث آسيا بين الصين واليابان، ~~والسياسة الأمريكية، والسياسة الأوربية على التعميم وسياسة بريطانيا العظمى على ~~التخصيص؟ وكم بدل هذا التطور من عزائم الدول وعزائم القادة قبل الحرب العالمية الثانية ~~وبعدها. # وكم كان لهذا التطور من شأن في إعداد كل خطة، وإعداد كل قضية، وإعداد كل زعيم. # أقصد أم اضطرار؟ # سؤال لا بد منه على الأقل، إن كان هناك بد من الجواب على نحو معلوم. # وتحضرنا هنا أحجية الشمسية التي أشار إليها ms104 جناح في بعض خطبه، فقد ضحك الناس من أول ~~رجل شوهد في الطريق وهو يحمل شمسية ... فلما كثر حاملوها ضحك حامل الشمسية الأول من أولئك ~~الضاحكين المتعجلين. # مثل للزعيم الذي يبده الناس بفكرة غريبة، ثم لا تلبث تلك الفكرة الغريبة أن تصبح ~~مألوفا كأشيع المألوفات. # والمثل صالح للقياس عليه. # فمتى يكف الناس عن الضحك من حامل الشمسية؟ إنهم يكفون عن الضحك منه حين تكون حاجتهم ~~إلى الشمسية قائمة، ولكنها مجهولة، فيسبقهم أي إنسان إلى إثبات هذه الحاجة، ويلحقون به ~~بعد قليل. # وفي هذه الحالة نسأل: كيف وجدت الشمسية؟ هل وجدت لأن حاملها الأول اخترعها، أو لأن ~~الناس محتاجون إلى اختراعه؟ ومن صاحب الأثر الفعال في هذه الحالة: المخترع أو الذين ~~اخترعت الشمسية لأجلهم، ومن أجل حاجتهم إليها كفوا عن الضحك منه واستغراب ~~مفاجأته؟ # وكيف أحس الرجل بحاجة الناس؟ أهي مصادفة أم هي حس أم هي إلهام على غير وعي منه ولا ~~إرادة؟ # المحقق أن الشمسية تظل مضحوكا منها لو بقيت بدعة لا تتكرر، والمحقق أنها تبقى بدعة ~~لا تتكرر لو لم يشعر الناس بالحاجة إليها. # والأحجية هي: لماذا اتفق اختراعها والناس يضحكون منها، ولماذا اتفق اختراعها وهم ~~مستعدون للعلم بلزومها؟ # هذا هو لغز التاريخ. # مفاجأة غريبة يبدو بعد حين أنها ليست بغريبة، ويتساءل الباحث: كيف تكون مقصودة وهي ~~سخرية الساخرين، وكيف تكون مصادفة وهي حاجة مطلوبة؟ بعض العقول يفسر الأحجية على طريقته ~~فيقول: إننا نحسب الاختراع مقصودا مدبرا؛ لأننا ننسى مئات من المفاجآت التي ضحك الناس ~~منها ثم ماتت ومات ذكرها؛ لأنهم لم يشعروا بالحاجة إليها، فإذا جاءت مفاجأة في حين ~~الحاجة إليها فتلك مصادفة صحت من مئات المصادفات التي عفى عليها النسيان. # وبعض العقول يفسر الأحجية على طريقته فيقول: إن «المصادفة» التي تصح ليست مصادفة؛ ~~لأنها صحت بأسبابها ولم تصح بأسباب غيرها، ولم تدم بعد صحتها بمصادفات أخرى أوجبت لها ~~الدوام. # وبين علماء الطبيعة خلاف كهذا الخلاف بين علماء التاريخ. # هل وجدت العين بهذا التركيب لتنظر؟ # أو هي قد ms105 نظرت؛ لأنها وجدت بهذا التركيب؟ # وبعبارة أخرى: هل هو قصد أو اضطرار؟ # ونخال بعد تقليب السؤالين على شتى الوجوه أن الخلاف بينهما كالخلاف بين القائل: إن ~~الغطاء يطابق آنيته، والقائل: إن الآنية تطابق غطاءها! ... فالمهم أن التوافق قد ~~حصل. # غير أن القائلين بالمصادفة يقولون: إنه حصل بعد مليون سنة ولم يحصل بعد لمحة واحدة، ~~فهل هم على صواب؟ ومن أين لهم أن تحقيق الغرض مرهون بوقت محدود، يشترط فيه على الدوام ~~أنه وقت قصير؟ # إن الفريقين يتفقان ويتقابلان في وسط الطريق، فكلهم يقولون: إن الوظيفة تخلق العضو ~~الذي يؤديها، وإن إرادة النظر هي التي أوجدت أشكالا وألوانا من النواظر. # إرادة النظر تسبق النظر. # حسن ... هذا في بنية حيوان صغير أو كبير، فكيف إذا كانت البنية بنية الكون بما رحب من ~~الآزال إلى الآباد؟ أليست ثمة وظيفة تتبعها أعضاء تناسب المقام؟ أليست ثمة إرادة تتبعها ~~أعمال صالحة لأغراضها؟ أيشترط في الوظيفة التي تسبق العضو أن تكون صغيرة محصورة ويمتنع ~~عليها أن تكون عظيمة غير محصورة؟ أيفرض عليها أن تكون جزءا من الكون ويحرم عليها أن ~~تكون في الكون بما رحب من الآزال إلى الآباد؟ # غاية الخلاف بين القائلين بالمصادفة والقائلين بالقصد في التاريخ وفي الحياة العضوية ~~أن الغطاء يطابق آنيته، وأن الآنية تطابق غطاءها. # أو غاية الخلاف على وضع آخر أن المطابقة تمت في عشرات الملايين من السنين، أو هي قد ~~تمت في لمحة وما دونها. # خلاف على العرض لا على الجوهر. # وإذا كانوا مع هذا الخلاف يتفقون على سبق الوظيفة للعضو، وسبق الإرادة للوظيفة، فلا ~~حرج عليهم أن يسموا الوظيفة التي تريد للكون كله بما شاءوا من الأسماء، وليفهم من شاء ~~ما بدا له أن يفهم من القصد، وليفهم من شاء ما بدا له أن يفهم من المصادفة، فإنهما ~~كلمتان، معناهما سواء. ms106