######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.QarnCishrun.Hindawi94028070 #META# Tags: literature #META# ID: 94028070 #META# Title: القرن العشرون #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الباب الأول: عرض وبيان‏ # 1 - الطعام والطاقة‏ # 2 - التعليم‏ # 3 - الفضاء‏ # 4 - حكم العالم‏ # 5 - إلى مليون سنة‏ # 6 - تعقيب وتمهيد‏ # الباب الثاني: تعقيب ومراجعة‏ # 1 - التاريخ‏ # 2 - غاية النوع‏ # 3 - الآلة‏ # 4 - خواص المادة والنظرة «المادية»‏ # 5 - الإيمان‏ # 6 - العوالم الأخرى‏ # 7 - عالمنا‏ # 8 - أفريقيا وآسيا‏ # 9 - المجتمع‏ # 10 - الأسرة والمرأة‏ # 11 - الفن والعلم‏ # 12 - خاتمة في سطور‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: عرض وبيان‏ # 1 - الطعام والطاقة‏ # 2 - التعليم‏ # 3 - الفضاء‏ # 4 - حكم العالم‏ # 5 - إلى مليون سنة‏ # 6 - تعقيب وتمهيد‏ # الباب الثاني: تعقيب ومراجعة‏ # 1 - التاريخ‏ # 2 - غاية النوع‏ # 3 - الآلة‏ # 4 - خواص المادة والنظرة «المادية»‏ # 5 - الإيمان‏ # 6 - العوالم الأخرى‏ # 7 - عالمنا‏ # 8 - أفريقيا وآسيا‏ # 9 - المجتمع‏ # 10 - الأسرة والمرأة‏ # 11 - الفن والعلم‏ # 12 - خاتمة في سطور‏ # | القرن العشرون # | القرن العشرون # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # اقتربت مطالع القرن العشرين، وأبناء القرن التاسع عشر يحسبون أنهم مقتربون من ~~عصر خامل إلى عصر يشبهه في خموله، وكانوا قد عبروا الأعوام العشرة الأخيرة ~~من القرن وهم يمرون بها مرور الملل وقلة الاكتراث؛ ركود لا يستغربونه؛ لأنهم ~~أطلقوا عليه كلمة: «آخر ~~القرن # Fin de ~~Siècle ~~»، كما نقول نحن في اللغة العربية: «آخر زمن»، ~~ونفسر به كل فعل منتظر على غراره ومن معدنه؛ معدن الإسفاف والابتذال، فلا ~~اكتراث له ولا غرابة فيه؛ لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، كما يقال ~~ويعاد. # وليس أدل على جهل الناس بغدهم القريب من هذه الغفلة في نهاية القرن التاسع عشر ~~عن ضخامة القرن العشرين بين قرون التاريخ القديم والحديث منذ عرف التاريخ، ~~فلم يكد هذا القرن ينتصف، حتى التفت العالم من جميع أركانه وأقطاره إلى هذا ~~القرن الذي خيل إليه أنه بقية العكارة من أعقاب التاريخ الأخير، فإذا هو عصر ~~العصور في حوادثه، وفي مكتشفاته ومخترعاته، وفيما يتوقع بعده من جلائل ~~الآمال. نعم، وجلائل الأهوال. # حربان عالميتان من عشرته الثانية إلى عشرته الرابعة، واقتحام للفضاء، وفتح ~~للقمقم عن مارد الطبيعة الأكبر، وهو القمقم الذي يحتويه ms001 أصغر ما فيها من ~~ذرات لا تدركها الأبصار. # هل تعجل الإنسانية إلى النصر على الطبيعة، أو تعجل إلى الدمار على يدي الإنسان ~~بما كشفه من أسرارها؟ وهل اقترب الإنسان حقا من الحرب التي تختم الحروب، ~~فلا حرب بعدها ولا محاربون، أم هو يقترب شيئا فشيئا من يوم النصر على ~~الطبيعة، وعلى ما في طبيعته هو من بوائق الشر والدمار؟ # وذهبت السكرة وجاءت الفكرة؛ ذهبت نشوة الفتح والانتصار على المارد المكنون في ~~ذرات المادة، وانجلت المفاجأة عن حساب طويل لهذا الفتح المبين، بل حساب ~~عسير. # ماذا في وسع العلم أن يهب لنا من علانيته وسره؟ ماذا عنده من الوعد، وماذا عنده ~~من الوفاء؟ وماذا فيه من الخير المأمول؟ بل ماذا في الخير المأمول من محذور ~~يتستر وراءه النفع المنظور؟ # إن غلبة الإنسان على الطبيعة سوف تؤتيه الغلبة على السقم والوباء، وسوف يزداد ~~الناس ببركة العلم، فماذا عند العلم لهؤلاء الناس من الأزواد، ومن الشواغل ~~والأعمال؟ أعنده الكفاية لهم من القوت والمأوى، أم هو مرسلهم إلى عالم ~~يتغالبون عليه، ثم يلتمسون الغلب بذلك السلاح الجديد؛ ذلك السلاح ~~المبيد؟ # وعاد الباحثون إلى نذير «مالثوس» يدرسونه وينقدونه، وينقصون منه أو يزيدون ~~عليه، فوضح لهم أن نذير الأمس قد أصاب في كل شيء، إلا فيما اعتمد عليه من ~~معلومات وأسانيد، ولم يخطئ حين أنذر بالخطر من زيادة الأحياء على الكفاية في ~~الأرض من الطعام، ولعله قد ذكر بعض المخاوف، ونسي بعضها الذي توارى عنه، فلم ~~يبلغ في زمنه مبلغ الخطر الملموس، وهو زيادة الآلات والأدوات على ما يلزمها ~~من غذائها المدخر في الأرض، وهو مناجم الوقود. # ولجأ الباحثون إلى نبوءاتهم يستخبرونها عن الغد المخبوء قبل نهاية القرن ~~العشرين، ولكنها نبوءات تتسم بطابع القرن، وصبغة العلم والصناعة، كأنها ~~نبوءة المتحدث عن سيار في السماء أو في الأرض، يعرف مداره، ويعرف كم ~~يدور. # نبوءات أقرب إلى التقديرات والإحصاءات، ليست من نبوءات الطوبى، ولا من نبوءات ~~الأحلام، ولا من نبوءات العصور الذهبية، ولكنها أشبه بأرصاد الفلك، لو لم ms002 ~~يكن فيها شيء من الغيب المجهول قد يخطئ فيه الحساب. # ماذا عند هذا العصر - عصر الصناعة - من وعود؟ وماذا من هذه الوعود حقيق أن ~~يتبعه الوفاء؟ وماذا يحول دون وفائه بوعوده مما يقع في الحساب، ومما يقع ~~وراء كل حساب؟ # هذه هي الأسئلة التي تدور على جوابها فصول هذا الكتاب، ونرجو أن نوفق للإجابة ~~عنها غاية ما تلهمنا ظواهر الأمور، وغاية ما نهتدي إليه بهداية تلك الظواهر، ~~وهداية الأمل المصدوق. # وسنحاول أن نجيب عنه جوابين متلاحقين لا متقابلين ولا متناقضين، يضيف أحدهما ~~إلى الآخر، ولا يزحزحه عن مكانه ليلغيه، أو يطغى عليه. # فمن حيث انتهى بالقرن العشرين تطوره الصناعي يبتدئ النظر إلى ما يليه من ~~الممكنات، وما يعترض تلك الممكنات من العوائق والعراقيل، وهذا هو الشطر ~~الأول من الكتاب الذي نعول فيه على خبراء الصناعة؛ حيث بلغت الصناعة غايتها، ~~واستعدت للمضي في تقدمها إلى ما بعد تلك الغاية، في حدود القرن العشرين ~~وفيما يليه، وسننقل في هذا القسم خلاصة كافية للمشكلة التي أحدثتها الصناعة، ~~والمشكلة التي تعالجها الصناعة، ومدارها على تقدير سعة الأرض من المؤونة ومن ~~السكان، وعلى ما يشتبك بذلك من قضايا السلام، وقضايا السلاح، وبخاصة في ~~القرن العشرين. # وننتقل بعد العرض الموجز لتقديرات الخبراء إلى الشطر الثاني من الكتاب: شطر ~~التعقيب والمراجعة فنأخذ فيه بحق العلم الذي تحراه أولئك الخبراء الثقات، ~~ونضيف إليه واجب العلم الذي لا يسقط عنه، ولا يخليه منه الحفاظ على ~~حقه. # فمن واجب العلم أن يفرض وأن يستكشف، وأن يجمع بين أشتات اليقين كلما وسعه أن ~~يجمعها إلى فكرة مقبولة تهدي إلى مزيد من اليقين، ومن واجبه أن يفتح أبواب ~~الاحتمال فلا يغلق منها بابا يفضي إلى المجهول، ويربط بين الماضي والمستقبل ~~بسبب موصول، وعلى أضواء هذا الواجب العلمي ننظر إلى مشكلات الإنسانية، وإلى ~~أكبرها في القرن العشرين مشكلة الصناعة، لنقابل بين ماضيها وحاضرها، ونحاول ~~أن نضعها في مكانها من تاريخ الإنسان، هل هي فلتات مبعثرة في غياهب من ~~الفوضى، وأخلاط من الطوارئ والمصادفات، ms003 أو هي سلسلة متلاحقة تتبعها - أو ~~تتبع المعلوم من حلقاتها - فنفهمها على اتصال بين ماضيها وحاضرها، ثم نفهمها ~~على اتصال بين حاضرها وما يليه من لواحق الغد المنظور؟ # والذي نفرضه - على أساس الفرض العلمي - أن المقابلة بين مشكلات الإنسانية ، وبين ~~أدوار الصناعة في تاريخها تسفر عن معنى يفهم، ولا تتيه بالذهن في فراغ مبهم ~~خلو من كل معنى مجرد من كل نسق، فمشكلات الإنسانية جزء من معالم الطريق لم ~~ينفصل عن فتوحها، وأطوار انتصارها وارتقائها، والصناعة - منذ وجدت الآلة ~~البدائية - هي السمة الأولى التي غيرت بين ملامح الحيوان الأعجم وملامح ~~الحيوان الناطق منذ أقدم الأزمان، وعلى هذه الصورة لا ينقطع المستقبل، ولا ~~تزال الصورة آخذة في التمام على استقامة واطراد، وإن تخللتها الفجوات ~~والظلال. # ودعوانا التي نؤكدها ولا نتردد في توكيدها أن نظرة التفاؤل والرجاء إلى الغد ~~قائمة على أسبابها التي توازن أسباب التشاؤم والقنوط، وإن القول بعبث ~~التاريخ أصعب دليلا من القول بمعنى التاريخ، وإننا نختار معناه على بصيرة ~~بينة، دون معانيه التي يؤثرها المتشائمون القانطون، وبحسبنا منه أن يكون ~~معنى واضح المدلول، أسبابه التي تعززه أوضح من الأسباب التي تنفيه. # الباب الأول # | عرض وبيان # | المحتويات # يشتمل هذا الشطر من الكتاب - وهو الباب الأول منه - على الفصول ~~الآتية: ~~(1) # فصل عن الطعام والطاقة في العالم، ملخص من ~~كتاب «مائة السنة التالية، موارد الإنسان الطبيعية ~~والصناعية»، تأليف هاريسون براون، وجيمس بونر، وجون ~~وير من أعضاء مؤسسة كليفورنيا للمباحث ~~الفنية: # The Next Hundred Years by ~~Harrison Brown، James Bonner. John weir ~~... # California Institute of ~~Technology. ~~(2) # فصل عن التعليم، ملخص من الكتاب المتقدم، وبعض ~~المراجع. ~~(3) # فصل عن الفضاء منظور فيه إلى مراجعه المذكورة ~~فيه. ~~(4) # فصل عن حكم العالم منظور فيه إلى كتاب برتراند ~~رسل «آمال جديدة»، وكتاب هانزكون عن القرن ~~العشرين. ~~(5) # فصل عن العالم إلى مليون سنة، ملخص من كتاب ~~مليون السنة التالية، تأليف شارلز جالتون ~~داروين. ~~(6) # بين تعقيب وتمهيد. # الفصل الأول # | الطعام والطاقة # طعام الإنسان يؤخذ مباشرة أو بالواسطة من النبات، وهو ms004 ذو خاصة تمكنه ~~من تحويل ثاني أكسيد الكربون من الجو إلى المركبات الكيمية ~~الضرورية لتغذية الإنسان، ونحن نأكل بعض النبات كالحبوب والخضر ~~مباشرة، ونأكل بعضه بعد تحوله إلى اللحم واللبن والبيض في ~~الحيوانات المدجنة، ويمكن أن يقال بعبارة أخرى: «كل لحم ~~نبات.» # ولا بد للفرد الإنساني - ليعيش عيشة صحيحة عاملة - من ثلاثة آلاف سعر ~~حرارة في اليوم، وعليه إذن أن يستنفد كل يوم ما يساوي نحو رطل ~~وثمانية أعشار الرطل من النبات يحتوي سبعة أعشار الرطل من الكربون، ~~وهو داخل على أشكال كثيرة في التركيبات التي يتكون منها النبات. ~~فلا بد للفرد الإنساني إذن من مائتين وستين رطلا من الكربون كل ~~سنة، ويتحول على ظهر الأرض في كل سنة نحو مائة وخمسين بليون طن ~~كربون من ثاني أكسيد الكربون إلى مادة نباتية، وهو مقدار إذا ~~استنفده الناس وخلصت فائدته كله للتغذية كان كافيا لتموين عدد من ~~السكان يساوي خمسمائة ضعف الموجودين على الأرض في الوقت الحاضر، ~~ولكن مصدره من ضوء الشمس يذهب كثير منه - لسوء الحظ - إلى ماء ~~البحر، ولا ينتفع به الإنسان في طعامه، ولو بقي ما يقع على اليابسة ~~من مصدره الشمسي وقفا على الغذاء لكان كافيا لعدد من الناس يساوي ~~خمسين مثلا من سكان الأرض الموجودين، إذ كان من عادات الإنسان في ~~التغذية أن يقصر طعامه على النبات المزروع، والحيوان الذي يتغذى ~~وبه، ولا يستنفد هذا ولا ذاك أكثر من ربع مصادر الغذاء الضوئية ~~التي تنصب على سطح الكرة الأرضية، على أن هذا القسط - لو خلص أيضا ~~للتغذية - لكان كافيا لعشرة أمثال سكانها. # فمحصول الأرض الزراعية لا يكفينا الآن لما يصاب به من ألوان النقص في ~~نظام تدبيرنا للأطعمة، إذ يستخدم نصف المحصول على وجه التقريب في ~~إطعام الحيوانات الداجنة، وإنما يأكل الحيوان جزءا من النبات، ~~ويعطينا منه أغذية حيوانية كاللحم واللبن والبيض ونحوها مما يتألف ~~منه عشر أسعار الحرارة، أي إننا نعطي الحيوان مائة سعر يستنفد ~~تسعين منها، ويعطينا عشرة. # ويعرض للمحصول نقص آخر من أن ms005 الإنسان لا يأكل جميع النبات، بل يأخذ ~~حبة القمح مثلا ويدع القشور والجذور، ويقدر ما يأكله بنحو عشرين ~~في المائة من جملته، وليس الغذاء بعد هذا خالصا للإنسان والحيوان ~~الداجن؛ لأن الأحياء الأخرى من الحشرات وجراثيم الأوبئة تلتهم نحو ~~الثلث من محصول النبات الذي كان للإنسان أن يستأثر به لولا ذاك، ~~ولهذه العوارض لا يبقى من محصول الأرض إلا ما يكاد يكفي سكانها ~~الموجودين. # والعالم في الواقع يربى محصوله من المادة الغذائية الصالحة على الحاجة ~~الضرورية، إذ هو ينتج مائة وخمسين طنا لكل فرد إنساني لا تزيد ~~حاجته منها على ثلاثة أعشار الطن الواحد، فلولا تلك العوارض لكان ~~لدينا وفر من الطعام. # ويجري توزيع الطعام على حسب المواقع الأرضية، فيبلغ على الأرض الآن ~~بليونين وأربعة أعشار البليون من الأفدنة المزروعة، أي فدان على ~~وجه التقريب لكل إنسان، ولكن سكان الأرض موزعون توزيعا سيئا على ~~هذه المساحة، فيخص الساكن في الولايات المتحدة فدانان مزروعان، ~~ويخص الساكن في كندا حيث تتسع الأرض، ويقل السكان ثلاثة أفدنة وستة ~~أعشار الفدان لكل ساكن، على حين أن الساكن في اليابان لا تزيد حصته ~~على خمسي فدان من الأرض المزروعة، ولا تزيد حصة الساكن في القارة ~~الآسيوية على خمسي فدان، أما في أوروبا الغربية فحصة الإنسان الفرد ~~أقل من فدان. # وتستخرج المحاصيل من الأرض الزراعية في العالم على أساليب متفاوتة في ~~الإنتاج، فنحن في الولايات المتحدة نحصل يوميا على نحو أربعة ~~آلاف سعر من مادة الغذاء من الفدان الواحد، وهو مقدار يزيد على ~~إنتاج آسيا الذي يبلغ أربعة آلاف سعر مع الفرق بين تربة الشرق ~~والجنوب الشرقي حيث تزيد الأولى على الثانية، وتحصل أوروبا الغربية ~~بوسائلها المركزة على مقدار يتفاوت بين سبعة آلاف وثمانية آلاف، ~~وأشد ما يكون تركيز الوسائل الزراعية في اليابان حيث يؤتي الفدان ~~ثلاثة عشر ألف سعر، أي نحو ثلاثة أمثال ونصف المثل من متوسط إنتاج ~~الفدان في العالم، وهو ثلاثة آلاف وثمانمائة. # والأمريكي يطعم حيواناته معظم محصول أرضه من القمح والشوفان، ولا ms006 ~~يستنفد طعام الإنسان منهما على حالتهما الطبيعية غير النزر القليل، ~~إذ يأخذ الأمريكي نحو الثلث من أسعار غذائه من اللحم واللبن ~~والبيض، وعلى خلاف ذلك الآسيوي الذي يأكل معظم نباتاته، ولا يزيد ~~غذاؤه من المواد الحيوانية على خمسة في المائة، ويأتي الأوروبي ~~وسطا بينهما، فيعطي الحيوانات ما يزيد على النصف بقليل، ويأخذ ~~عشرين في المائة من أسعار الغذاء من المواد الحيوانية، وترتبط ~~عادات التغذية بنسبة مساحة الأرض المزروعة، فلا يقدر السكان على ~~ترف استخلاص الغذاء من الحيوان إلا حيث تزيد حصة الفرد الواحد من ~~الأفدنة. # ولا يبدو أن الاختلاف في مقادير المحصول راجع إلى أسباب تتعلق بالخصب ~~والإقليم، وإنما يرجع على الأرجح إلى درجة المعرفة الفنية ووفرة ~~السكان، فنحن في الولايات المتحدة نعلم كل ما يعلمه اليابانيون من ~~أساليب الزراعة، ولا نعنى مثل عنايتهم بتركيزها؛ لأن هذا التركيز ~~لا تدعو إليه الضرورة بعد، مع زيادة حصة الفرد من الأفدنة، أما في ~~آسيا - عدا اليابان - فالناس يجوعون، والحاجة تدعو إلى مضاعفة ~~الإنتاج، ولكنهم لا يستخدمون وسائل التركيز لنقص المعرفة الفنية، ~~وصعوبة الحصول على أدواتها التي يحصل عليها في أوروبا ~~الغربية. # ويستعمل الأوروبي مقدارا من المخصبات يساوي أكثر من ضعف ما يستعمله ~~الأمريكي، وما يستعمله الياباني يساوي ضعف ما يستعمله الأوروبي ~~منها، وقلما تستعمل المخصبات في الهند لندرتها، وقلة ما يعلمه ~~الفلاح الهندي عنها، ويقال مثل ذلك عن الخبرة بتحسين النبات على ~~حساب وسائل إنمائه وتربيته ووقايته من الآفات والأوبئة؛ مما يجهله ~~أبناء الأمم المتخلفة، وقد ساعد ارتقاء الآلات كما ساعد ارتقاء ~~وسائل التربية والوقاية على توفير محاصيل النبات، ولكننا حريصون ~~ألا نبالغ في جدوى الآلات فيما يتعلق بغلة الفدان، فإن أكبر ما ~~تجديه الآلات أن تزيد المحصول بنسبة اليد العاملة، وتنقص ساعات ~~العمل، فيخلو الوقت للاشتغال بأعمال الصناعة، وتلاحظ في الواقع ~~علاقة وثيقة حيث تتقدم الصناعة بين نسبة التركيز وعدد الأيدي ~~المتفرغة للزراعة. ففي اليابان التي تبلغ نسبة التركيز فيها أقصاها ~~يستخدم نصف قوتها العاملة في إنتاج هذه النسبة، ويستخدم في ms007 أوروبا ~~الغربية عدد يتراوح بين الربع والثلث، ولا يزيد عمال الزراعة في ~~الولايات المتحدة على تسعة من كل مائة عامل، فلا غنى لتركيز وسائل ~~الزرع من تركيز القوى العاملة. # ويفهم من المقارنة أن المقصود هو أن يكون من المتيسر رفع نسبة الإنتاج ~~في الأرض الصالحة للزراعة، وأن يتيسر ذلك بنشر المعرفة الفنية، ~~ونشر أدواتها بين أبناء البلاد المتخلفة، وينبغي أن تتيسر المضاعفة ~~- وأكثر من المضاعفة - برفع نسبة الإنتاج هناك إلى مثل نسبتها في ~~بلاد أوروبا الغربية. # ولنسأل: ما مبلغ السرعة التي تترقبها نتيجة لنشر المعرفة الفنية، ~~وأدواتها الفعالة؟ فعلينا لمواجهة هذا البحث أن نراجع مدى التقدم ~~حيث تستخدم هذه الأدوات الآن، فاليابان بدأت فيها الثورة في أساليب ~~الزراعة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وظل عدد سكانها من قبل سنة ~~1870 ثابتا، كما ثبتت مثله مقادير إنتاج الأرز ومقادير إنتاج ~~المواد الغذائية، ويمكن الرجوع إلى الإحصاءات منذ سنة 1878 إلى ~~الآن، فمن عشرة السبعين ارتفع محصول الأرز ارتفاعا بطيئا مطردا ~~حتى زاد على الضعف خلال فترة من خمسين إلى ستين سنة، وجاء ذلك ~~نتيجة لزيادة غلة المحصول من كل فدان، تبعا لزيادة المخصبات، ~~وزيادة العناية بتوليد النباتات، وقد قوبلت زيادة الغلات اليابانية ~~خلال ربع القرن الأخير - من القرن التاسع عشر وربع القرن الأول من ~~القرن العشرين - بما يوازنها في غلات أوروبا الغربية، فكانت نسبة ~~الزيادة هنا وهناك بمقدار اثنين في المائة كل سنة تؤدي إلى ضعف ~~المحصول بعد خمسين أو ستين سنة، مما يفهم منه أن زيادة الزراعة ~~بطيئة بالقياس إلى زيادة الصناعة، إذ قد علمنا أن محصول الحديد ~~والصلب في اليابان كان يتضاعف كل خمس سنوات خلال هذه الفترة، ~~ولنلاحظ أن الإنتاج الزراعي يترقى من مستوى هابط إلى حده الأعلى، ~~فلم تتغير النسبة إلا قليلا في اليابان منذ سنة 1935 على الرغم من ~~جهود التركيز الفنية. # ففي الماضي إذن كانت زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة اثنين في المائة كل ~~سنة، سواء في آسيا أو أوروبا الغربية، فهل ينتظر الوصول إلى نسبة ms008 ~~أكبر من هذه النسبة في المستقبل بعد تقدم المعرفة الفنية، وتقدم ~~وسائل النشر والتلقين؟ وجواب هذا السؤال أننا نعلم فعلا كيف نزيد ~~مقدار الغذاء، وكيف نزيد سرعة إنتاجه، ولكن زيادة غير كبيرة، ففي ~~الولايات المتحدة - مثلا - زاد الإنتاج الزراعي خلال العشرين سنة ~~الأخيرة بنسبة اثنين في المائة كل سنة، بعد ما توافر لدينا من ~~المعرفة بعلوم الحياة وعلوم الزراعة، ووسائل الإرشاد والمشورة، ~~وتكاد نسبة الزيادة في الطعام - على هذا - تضارع نسبة الزيادة في ~~عدد السكان، ومن المعلوم أن سكان الولايات المتحدة يحصلون على ~~الكفاية من الغذاء، فلا تلح الحاجة بتعجيل النظر في مضاعفة ~~المنتجات، فلنوجه النظر إذن إلى بلد معرض لنقص الأرزاق ~~والثمرات. # لقد أفاد برنامج حسن التحضير من مؤسسة روكفلر في زيادة الإنتاج بأرض ~~المكسيك بنسبة ثمانين في المائة خلال عشرين سنة، تعادل أربعة في ~~المائة كل سنة، وقد ارتفعت نسبة الطعام بحساب الفرد الواحد ~~ارتفاعا مناسبا مع تكاثر عدد السكان بنسبة ثلاثة في المائة كل ~~سنة، وهذه الزيادة الملحوظة إنما تيسرت بتوسيع مساحة الأرض ~~المزروعة نتيجة لتحسين الري وتعليم الزراعة، وشتى المباحث الفينة، ~~وحصلت المكسيك في أثناء ذلك على معونة فنية من الولايات المتحدة ~~ساعدت على إنجاز هذا التطور، ومنه نرى مبلغ ما نترقبه - حدا أقصى ~~- للتقدم الزراعي على الأقل في حالة الافتقار إلى التطورات ~~الاجتماعية. أما البلاد الآسيوية فقد كان التقدم فيها دون هذا في ~~السرعة، ولم تتجاوز نسبته نسبة الزيادة في عدد السكان إلا بشيء ~~يسير، ويصدق هذا حتى على بلاد كالهند بذلت فيها ولا تزال تبذل ~~مجهودات قوية لتحسين أحوال التغذية، إذ يبلغ المال المخصص للزراعة ~~في مشروع السنوات الخمس نحو خمس نفقات المشروع كله، فتقررت أعمال ~~الري، وأنشئت معامل السماد، ونشرت دروس التعليم، وأدت هذه الجهود ~~إلى زيادة نحو خمس عشرة في المائة، أي بمعدل ثلاثة في المائة كل ~~سنة، ولا يزال نصيب أهل الهند من الغذاء مع هذا أقل مما كان قبل ~~الحرب العالمية الثانية، إذ بقي إنتاج الطعام على حاله اثنتي عشرة ms009 ~~سنة قبل الابتداء في مشروع السنوات الخمس على حين كان عدد السكان ~~مستمرا في الزيادة. # وقد علم من جداول الإحصاء والمقابلة أن زيادة الإنتاج بوسائل الزراعة ~~التقليدية لا تزال ترتفع حتى تنتهي إلى مستوى يصعب المزيد عليه. ~~فمما يسوغ لنا الأمل في مضاعفة الغلات أن كثيرا من المساحات ~~الزراعية في العالم لا تزال بحالتها الهابطة قابلة للمزيد من ~~التحسين، فكم من الناس على ظهر الكرة الأرضية نستطيع أن نزودهم ~~بالمئونة الكافية بعد الانتهاء إلى الحد الأقصى؟ # بعد تذليل الصعوبات الإقليمية في مناطق الأرض المختلفة، يمكن تقدير ~~المساحة التي يتم استصلاحها بنحو بليون فدان، تظهر فوائدها الكبرى ~~في القارتين الأمريكتين؛ حيث تزداد المساحة بمقدار خمسين أو ستين ~~في المائة، وأقل من ذلك فوائدها للقارة الآسيوية؛ حيث تقدر الزيادة ~~بثلاثين في المائة، فإذا تم ارتفاع الإنتاج في هذه المساحات على ~~النسبة المعهودة بالقارة الأوروبية، بلغ محصولها نحو ضعفي محصول ~~الكرة الأرضية في الوقت الحاضر، واحتاج إتمام العمل فيه إلى زمن ~~يتراوح بين ثلاثين وخمسين سنة، وإلى مقدار من المال يبلغ نحو ~~خمسمائة بليون دولار، تنفق لإقامة مراكز الإرشاد على جوانب الكرة ~~الأرضية، وإنشاء معامل السماد ونشر التعليم، ويكفي المحصول - متى ~~تمت جميع هذه المجهودات - لتموين عدد من السكان يتراوح بين أربعة ~~بلايين أو خمسة، وهذا على اعتبار أن سكان آسيا يظلون في تغذيتهم ~~مكتفين بنسبة قليلة من المواد الحيوانية، وأن سائر سكان العالم ~~يظنون مكتفين بتمثيل عشرين في المائة من أسعار الحرارة في الأغذية ~~الحيوانية، وهو مقدار مناسب ملائم للصحة، وإن لم يكن على أحسن ما ~~يشتهى في ألوان الطعام. # ولكن ماذا ينتظر متى بلغت غلة الفدان في العالم ما يقارب غلته في ~~أوروبا الغربية؟ هل لنا أن نأمل مزيدا من ارتفاع النسبة على أساس ~~التجربة في اليابان؟ قد نجازف بجواب عن هذا السؤال، وننتظر مضاعفة ~~النسبة بالاعتماد على مزيد من التركيز، واستخدام التجارب العلمية، ~~والإكثار من جهود الأيدي العاملة، فإذا تأتى لنا بهذه الوسائل أن ~~نرفع النسبة في ثلث المساحة المزروعة ms010 من الكرة الأرضية، وأن نبلغ ~~بثلثيها ما يعادل النسبة الحاضرة في أوروبا الغربية أمكننا - ~~نظريا - أن نزود بالمئونة عددا يتراوح بين سبعة بلايين وثمانية ~~على معدل مناسب من التغذية الصالحة. # والخلاصة أن توفير الأزواد الغذائية مستطاع بالتوسع في تطبيق الأساليب ~~الفنية، وأن مضاعفة الغلات الزراعية تتأتى بزيادة الري، وزيادة ~~المخصبات، وزيادة المطهرات من الحشرات وجراثيم الآفات، وزيادة ~~التحسين في أنواع النبات، وزيادة التركيز على المثال المتبع في ~~اليابان. ونسبة هذه الزيادة في السنة بين اثنين وأربعة في المائة ~~كل سنة، ينبغي أن تجري على وتيرة الزيادة في عدد سكان العالم، ومتى ~~وصلنا إلى هذا المستوى في زمن يقدر بما بين خمس وسبعين سنة ومائة ~~سنة يكون عدد السكان قد بلغ مستوى الاستقرار. # وكل هذا عن الأطعمة التقليدية ووسائل التحضير الشائعة في الري ~~والزراعة. # غير أننا نستطيع أن نعالج بالكيمياء أجزاء من النبات تنبذ، ولا تؤكل ~~من قبيل الخشب والهشيم. ومن الممكن أن تعالج هذه النفايات بالأحماض ~~الحارة؛ فنجني منها شرابا عسليا بمقدار النصف من زنتها، ويكلفنا ~~ذلك عشرة أمثال تكاليف العسل الذي نستخرجه من السكر والبنجر، بل ~~يمكن بعد ذلك أن تعالج هذه الأشربة بالخمائر لنجني منها مادة غنية ~~بالبروتين، كما أن الخمائر المستخرجة من العسل تصلح لتغذية ~~الإنسان. # والخطوة العملية التي تجدي في تحقيق الغاية الثابتة من تنمية الغذاء ~~العالمي ينبغي أن تتصل بتدبير الماء، إذ هناك بقاع شاسعة تثمر ~~الغذاء الوافر إذا استطيع تخصيبها بالأمواه الكافية، فالبقاع ~~المزروعة الآن بالوسائل التقليدية تساوي مساحتها نحو أحد عشر في ~~المائة من الأرض المزروعة، وهي تزداد زيادة سريعة في أمريكا ~~الجنوبية وآسيا، ويقدرون أن أربع عشرة في المائة من الأرض يروى ~~بتلك الوسائل التقليدية إذا حسن تصريف أمواه الأنهار في أرجاء ~~العالم، وقد يرتفع هذا المقدار إلى عشرين في المائة، يجري ريها ~~وزرعها بالنفقات العادية، وقلما تكفي مياه الأنهار والينابيع ~~لزراعة مساحة أكبر من تلك المساحة، فلا أمل إذن في تخصيب الصحارى ~~والسهوب بالوسائل التقليدية، وهي تزيد في اتساعها على مثلي ms011 سعة ~~الأرض المزروعة، وعلينا أن نلجأ إلى ماء البحر لاستخدامه في إصلاح ~~الأرض البور وزرعها، فكيف يتأتى ذلك بالطرق الاقتصادية؟ إن تكاليف ~~الفدان الواحد من ماء البحر بعد تصفيته وإعداده للري تساوي ضعف ثمن ~~الغلة التي تجنى منه، فضلا عن تكاليف الأقنية والقناطر والأنابيب ~~الموصلة للماء، ولكن إصلاح الصحارى البور يظل مع هذا بابا مفتوحا ~~عند الاضطرار . # أما عن الطاقة اللازمة، فإن الوقود الذي يستنفده العالم - إذا بقي على ~~حاله ولم يطرد في الزيادة - يظل كافيا إلى زمن غير محدود، حتى لو ~~نفدت جميع موارد الفحوم والحفريات، وذلك باستخدام القوى المائية ~~والانتفاع بأحطاب الغابات، ولكن هذا الوقود إذا ازداد عليه الطلب ~~كما رأينا، وامتد الازدياد بعد نفاد البترول فلا مناص للإنسان من ~~اللجوء إلى أنواع من الطاقة غير أنواعها التقليدية، ونعرض لأنواع ~~هذه - الطاقة المحتملة - فنرى أن ما كان منها من قبيل حرارة الأرض ~~وقوى الرياح والتيارات المائية - على أحسن ما يرجى منها - محدود ~~الفائدة، إذ المواقع التي يستفاد فيها من تسخير هذه القوى قليلة ~~اليوم بين أرجاء المسكونة، وهي متى حسبت تكاليفها تبين أنها أقل ~~بكثير مما يتطلبه سكانها، ولنذكر على نطاق واسع أن معولنا الأكبر ~~يزداد شيئا فشيئا على الطاقة المستمدة من الشمس والطاقة النووية، ~~وكلتاهما كما نعلم الآن من الوجهة الفنية ميسور الاستغلال، وإنما ~~المسألة في أيهما أوفر نفعا تئول إلى المسألة الاقتصادية، وقد ~~وضعت تركيبات شتى لتحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء، ولكنها كانت ~~كلها كبيرة النفقة، ففي الأقاليم الحارة يستطاع استبدال الطاقة ~~الشمسية بوقود الحفريات في توليد الكهرباء من تسخين الماء، وينبغي ~~لتحقيق ذلك أن تقام الصفائح المعدنية لاستجماع الأشعة، وربما بلغت ~~نفقات العدد المقامة على كل فدان نحو عشرين ألف دولار، تربى تكاليف ~~كهربائها على جميع التكاليف المعهودة. ويمكن توليد الكهرباء أيضا ~~من تسليط الأشعة على ما يشبه الموصلات الكهربائية # Semi Conductors ~~، وينتفع بها في بعض ~~الصناعات الصغيرة، ولكن توسيع العمل بها يقتضي من النفقات ما لا ~~يطاق. # وبين وسائل الانتفاع بالطاقة الشمسية غرس الأشجار ms012 في الشمس، وإحراق ~~أحطابها، أو تخمير السكر الذي نحصل عليه من غرس القصب والبنجر، ~~ويستخرج منه الكحول أو الغازات والسوائل لاستخدامها في توليد ~~الكهرباء، ولكن الحاجة إلى الأرض المزروعة لتدبير الطعام لا تبقي ~~من مساحاتها بقية تذكر لغرس أشجار الوقود، وثمة وسيلة بارعة وضعت ~~أخيرا لتوليد الطاقة من طحلب يربى في مناطق مشبعة بثاني أكسيد ~~الكربون، ويجمع الطحلب ويخمر لتكوين الميثين والهيدروجين، ثم تحرق ~~هذه الغازات لتوليد الكهرباء، ثم يرد ثاني أكسيد الكربون لتربية ~~الطحلب، ويتأتى بهذه المثابة في الأحوال الملائمة أن يتحول من واحد ~~إلى ثلاثة في المائة من الطاقة الشمسية إلى كهرباء، والجهاز الذي ~~يقام على هذا الأساس يمكن أن نحصل منه على الكهرباء بسعر يتراوح ~~بين سنتين ونصف سنت، وبين خمسة سنتات للكيلووات في الساعة، وتقدر ~~قيمة الوقود السائل المستخرج منه بمائة وخمسين دولارا للطن ~~الواحد، ومع الشك في إمكان مزاحمة الطاقة الشمسية للطاقة النووية ~~في توليد الكهرباء في نطاق واسع، يلوح لنا أنها نافعة جدا في ~~النطاق المحدود، والأرجح أن أهم وجوه النفع من الطاقة الشمسية في ~~المستقبل إنما يقوم على تدفئة الفضاء، ونحن نعلم أن المنازل يمكن ~~أن تبنى في الأقاليم الحافلة بالسكان بحيث يعتمد في تدفئتها على ~~الطاقة الشمسية دون غيرها إلى ما يوازي مدينة بوسطن في الشمال، ~~وربما حالت التكاليف الإضافية اللازمة لتشييد المساكن دون ~~استخدامها على سعة، ولكن المأمول عندما تعلو أسعار الوقود أن يبنى ~~معظم المساكن بحيث تنتفع غاية الانتفاع بالطاقة الشمسية. # وإننا لعلى يقين معقول الآن من إمكان الحصول على الكهرباء من الطاقة ~~النووية بسعر يقل عن سنت واحد للكيلووات في الساعة، «عشرة ~~ملات # Mills ~~»، وفي مؤتمر ~~المصالح السليمة للطاقة النووية الذي انعقد بمدينة جنيف سنة 1955 ~~هبط التقدير إلى أربعة ملات، والمنظور في الولايات المتحدة أن ~~يساوي في المستقبل من أربعة ملات إلى ستة. وقد درس سابير # Sapir ~~، وفان هيننج # Van Hyning # حالة الطاقة ~~النووية في اليابان، فتبين لهما أنه من الممكن الحصول على ~~الكيلووات في الساعة بسعر عشرة ms013 ملات حوالي سنة 1960، وبسعر سبعة ~~ملات حوالي منتصف سنة 1970 تقارب تكاليفه خمسة ملات، ويقابل هذا ~~السعر ستة أو سبعة ملات لما يستخرج من الفحم حديثا في الولايات ~~المتحدة وثمانية عشر ملا في اليابان، ويرى - من ثم - أن الطاقة ~~النووية قد تنافس الفحم في مستقبل غير بعيد، وأنها وشيكة أن تعم ~~أقطار العالم في حينها. # وتختلف الأحوال في معظم بلاد العالم عما هي عليه في الولايات المتحدة ~~فيما يتعلق بوفرة الوقود، فإذا أضيف إلى هذا الاختلاف بعض العوامل ~~الأخرى، كان للفارق مظهر أدعى إلى الالفتات، وأحد هذه العوامل فرق ~~العملة الأجنبية، فإن البلاد التي تعاني أزمة التوريد، وتتكلف ~~الكثير لمقابلة الواردات من الفحم والبترول بما يساوي قيمتها من ~~محصولاتها، قد ينتهي بها الأمر إلى تفضيل الاعتماد على الطاقة ~~النووية مع ارتفاع سعرها، وهناك عامل آخر من عوامل الاختلاف يرجع ~~إلى اجتهاد كل أمة في تدبير وسائل الكفاية الذاتية، وليس تدبير أمر ~~البترول بالأمر الموثوق به، إذ كان شطر كبير من ينابيع بترول ~~العالم كامنا في الشرق الأوسط حيث تغلب الحساسية لأطوار العلاقات ~~الدولية، وكثير من الأمم تحتمل التكاليف العالية لاستخدام الطاقة ~~النووية، وتفضل ذلك على مورد أرخص منها، ولكنه غير مضمون. # ويظهر أن الاتحاد السوفيتي له حالة خاصة فيما يتعلق بلوازم الطاقة ~~الذرية، فإن بلاد الاتحاد - على ما تملكه من مناجم الفحم الغنية - ~~يقع فيها معظم هذه المناجم بين أرجاء سيبريا، وتظل بقيتها مفتقرة ~~إلى الوقود، ولهذا يستورد في كل سنة على ما يظهر نحو خمسة عشر ~~مليون طن من الفحم من قره غنده وقازاقستان إلى روسيا الأوروبية، ~~وهي مسافة تبلغ من ألف وخمسمائة ميل إلى ألفي ميل، وهذا أحد ~~الأسباب التي حملت الحكومة السوفيتية على الاهتمام بتصنيع سيبريا، ~~وهو كذلك أحد الأسباب التي دعت إلى إقامة خمس محطات لتوليد الطاقة ~~النووية في موسكو، ولننجراد، وجبال الأورال، ومن خلاصة ما تقدم يرى ~~جليا أن الطاقة النووية سيكون لها دور هام في بقاع كثيرة من ~~العالم، وبخاصة في أوروبا، وأمريكا الجنوبية، ms014 والشرق الجنوبي من ~~آسيا واليابان، وإن ذلك يتم حالما يتهيأ إعداد الأجهزة الصالحة ~~لتوليد الكهرباء بسعر عشرة ملات للكيلووات الواحد في الساعة أو أقل ~~من ذلك، ومن سخرية المصادفات أن الولايات المتحدة التي تملك - على ~~الأرجح - أتم المعدات الفنية لاستخدام الطاقة النووية لا تشعر ~~بالحاجة إليها في الوقت الحاضر، إلا فيما يلزم للمقاصد العسكرية، ~~وأنها عندما تشعر بالحاجة إليها سوف يأتي ذلك على بطء بالقياس إلى ~~الكثير من بلدان العالم. # وكلما قاربت ودائع العالم من البترول أن تنفد - كثر الإقبال على ~~استخراج الوقود السائل من الصفائح الصخرية، ورمال القطران، وتقطير ~~الفحم، ومن حوالي سنة 1975 ينتظر أن تتسع الفجوة بين البترول ~~والفحم باعتبارهما ينابيع أولية لتوليد الطاقة، وينبغي بعد سنة ~~1980 أن تكون للطاقة النووية نسبتها المحسوسة باعتبارها بديلا ~~للوقود المستخرج من الحفريات في توليد الكهرباء، وقد تبلغ هذه ~~النسبة ثلث المستنفد من الطاقة حوالي نهاية القرن العشرين، فإذا ~~قارب القرن المقبل منتصفه، فالغالب أن يكون المعول على الطاقة ~~النووية في أكثر ما نحتاج إليه مع الاحتفاظ بودائع الفحم لتوليد ~~الوقود السائل، وبعض المواد الكيمية. # ولنسأل الآن: كم من الزمن ننتظر أن تبقى في الكرة الأرضية ذخائرها من ~~عنصر الأورانيوم وعنصر الثوريوم صالحة لتزويد هذا العالم الصناعي ~~بالوقود؟ إن هذين العنصرين هما - كالفحم والبترول - من وقود ~~الحفريات، تكونت كلها مع تكوين العناصر الأرضية، ولا يتكونان الآن ~~من جديد، فمقدار ما نحصل عليه منهما محدود، ولكنهما - على هذا - ~~ينتجان من الطاقة أضعاف ما يحتويه الفحم والبترول، ويرجع ذلك إلى ~~أن العنصرين موجودان في الطبقات السفلى بمقادير وافرة من بقية ~~القشرة الأرضية. # وتحتوي القطعة العادية من الصخر المحبب - الجرانيت - أجزاء عنصر ~~الأورانيوم بنسبة أربعة من المليون، وأجزاء عنصر الثوريوم بنسبة ~~اثني عشر من المليون، إلا أن كلا من العنصرين في الطن المتوسط ~~يحتوي ما يساوي طاقة خمسين طنا من الفحم، ومن الطبيعي أن هذه ~~الطاقة ليست كلها ميسرة للانتفاع بها لما تستلزمه عملية إخراج ~~العنصرين من التكاليف بين كسر الحجارة وسحقها، ونقل ms015 صفوتها إلى ~~المعمل الكيمي، ولا حاجة إلى القول بأن هذه العملية لا تجدي شيئا ~~إذا تساوت تكاليف الطاقة اللازمة لها وتكاليف الطاقة التي تستمد ~~بعد ذلك من العنصرين. # على أنه قد تبين أن العنصرين يوجدان في الصخر على نحو يجعل الطاقة ~~اللازمة لاستخلاصها جد قليلة، ويستطاع لهذا أن يستخلص من طن الصخر ~~ما يعادل الطاقة المستمدة من خمسة عشر طنا من الفحم بتكاليف ~~معقولة من الوجهة الاقتصادية ، ومعنى هذا أن الإنسان غير مفتقر إلى ~~استخدام أجود أنواع الأورانيوم والثوريوم لتوليد الكهرباء، إذ ~~يستطيع أن يعول على الموجود منهما في القشرة الأرضية. # ويحتمل على طول المدى أن تتولد الطاقة من تفاعل الحرارة والطاقة ~~النووية، أي من التحام الهيدروجين باعتباره عملا مستقلا عن ~~انشقاق الأورانيوم، ولا يعلم إلى الآن كيف تجري هذه العملية، وإن ~~كان إمكانها حقيقة مسلمة، فإذا تمكن العلم من تذليل المصاعب ~~الفنية، فكل ما على الأرض من البحار مدد صالح للانتفاع به في توليد ~~هذه الطاقة، وقد تكون هذه العملية أكبر كلفة من عملية شق ~~الأورانيوم، إلا أنها حاضرة للانتفاع بها في حينها يوم يحتاج ~~إليها. # ويتضح في الختام أن ذخائر الطاقة التي يعتمد عليها الإنسان موفورة إلى ~~زمن بعيد، وعلينا أن نحول هذه الذخائر من قوة مخزونة إلى قوة ~~فعالة، وأن السؤال عن إمكان هذا التحويل في الوقت المناسب لسؤال ~~حقيقي بالتوجيه والتأمل، إذ يتوقف جوابه على خليط مشتبك من الظروف ~~السياسية والاقتصادية والاجتماعية. # 1 # الفصل الثاني # | التعليم # أخذ الغربيون اسم المدرسة من كلمة يونانية بمعنى الفراغ؛ لأن طلب ~~العلم كان في الزمن القديم شاغلا من شواغل الفراغ يستطيعه من ~~يستغني عن العمل أو يعجز عنه، فمن علامات الزمن أن تصبح المدرسة ~~مدار العمل كله، لا يستغني عنه أحد في جميع الوظائف الاجتماعية، ~~وتدعو إليه ضرورات المعيشة كما تدعو إليه مطالب الفهم ~~والتهذيب. # لا بد من المصانع لتزويد العالم بمعرفة المعيشة، ولا بد من الخبراء ~~والصناع لإدارة المصانع، ولا بد من المدرسة لتخريج الخبراء ~~والصناع، ويكاد المختصون بتدبير ms016 مطالب التعليم الفني في الحاضر ~~والمستقبل أن يشعروا بأن الحاجة أكثر من العدد المطلوب. # يقول مؤلفو كتاب مائة السنة التالية: # تعتبر الولايات المتحدة في الوقت الحاضر أدق ~~المجتمعات تركيبا صناعيا في العالم، إذ تمهد ~~الفرص التي تكاد لا تحصى للتعليم من شتى فروعه مع ~~الحرية في اختيار الوظائف والأغراض الفنية، فإذا ~~درسنا الموارد التي تؤخذ منها القوى الفكرية دراسة ~~نقد وتحليل تسنى لنا أن نلم بمثال حسن لقضايا العرض ~~والطلب في مسألة تدبير المهندسين والعلماء مع الحرية ~~الاقتصادية. # ومنذ سنوات عدة يلاحظ النقص في عدد العلماء ~~والمهندسين، وهو نقص يزداد حرجا، ولا نرى له الآن ~~نهاية قريبة، وبلغ من حرجه أن المنظمات الصناعية تحد ~~من جهود البحث والتحسين لقلة العاملين ~~المدربين. # وتتباين الآراء عن السبب الصحيح لهذا النقص الحاضر، ~~فيرى بعضهم أنه راجع إلى نقص المواليد في سنوات ~~الكساد، وما تلاه من نقص الإقبال على معاهد التعليم ~~العليا حوالي سنة 1950، ويرى آخرون أن كثرة الطلب ~~على الخبراء من جراء النفقات الكبيرة على شئون ~~الدفاع هي التي أدت إلى الشعور بذلك النقص، وسنرى - ~~على أية حال - أن النقص إنما جاء من دقة التركيب ~~الصناعي في الولايات المتحدة، وقصور وسائل التدريب، ~~والتحضير عن مداركة الطلب على حسب الحاجة. # وبعد الإفاضة على هذا النحو في شرح وجوه الحاجة إلى الطاقة الفكرية، ~~وازدياد هذه الحاجة على توالي الأيام عقد مؤلفو الكتاب فصلا ~~بعنوان: «مدى الطاقة الفكرية المدخرة» بدءوه بهذا السؤال: ما هو ~~أقصى ما يتيسر لنا من ذخيرة الطاقة الفكرية؟ ثم أجابوا عنه بما يلي: # إننا نستطيع أن نحصل على ضعفي عدد العلماء ~~والمهندسين إذا أزلنا العوائق التي نتعرض من جرائها ~~لنقص التعليم بين الفئة الصالحة لإتمام تعليم ~~الكليات في العلوم والهندسة، ويتضاعف هذا العدد مرة ~~أخرى إذا فتح باب التعليم الفني للنساء، وأمكن ~~إغراؤهن بالإقبال عليه، وشجعن على هذا الإقبال، وهذه ~~الزيادة المضاعفة تعطينا أربعة أمثال العدد الذي ~~نخرجه الآن من العلماء والمهندسين دون أن نمس بمطالب ~~الصناعات الأخرى، وكذلك يزداد نفع ذوي ms017 الكفايات ~~الفنية إذا نحن أحسنا استخدام قواهم كما ينبغي، ~~وشجعناهم على المزيد من الإنتاج والابتكار، فتصبح ~~ذخيرتنا من الطاقة الفكرية ثمانية أضعاف ما نحصل ~~عليه الآن، وقد تقدم أن لاحظنا أن المحصول السنوي ~~وعدد المتخرجين من العلماء والمهندسين يبلغ عشرة ~~أضعافه كل خمسين سنة في الولايات المتحدة منذ سنة ~~1800، وتساءلنا هل يمكن تكرار ذلك في نصف القرن ~~الباقي منذ اليوم إلى سنة ألفين؟ فنقول: إن تكرار ~~ذلك مرجح ، وإنه فيما يتعلق بالولايات المتحدة يستطاع ~~الوصول إلى عشرة أضعاف ما لدينا من المحصول الفني، ~~وعدد العلماء والمهندسين، وربما كان ذلك هو ~~الختام. # ومن المهم أن ننبه أن هذه النتيجة ميسرة بغير حاجة ~~إلى حمل الطلاب على ترك الدراسات الأخرى التي تساوي ~~هذه الدراسات في اللزوم والفائدة، فليس في تقديرنا ~~أن يزيد عدد الخريجين من العلماء والمهندسين، وأن ~~تتغير نسبتهم المطردة منذ ثلاثين سنة، بل تبقى على ~~حالتها إلى نهاية القرن العشرين. # ومن المهم كذلك أن نذكر أن المدد الذي يتوافر لنا ~~من العلماء والمهندسين لن يظل على ازدياد إلى غير ~~نهاية في المستقبل على نسبة هذه الزيادة فيما مضى، ~~وفي أوروبا - كما في الولايات المتحدة - ينقص مدد ~~الطاقة الفكرية، فيبلغ عدد العلماء والمهندسين في ~~أوروبا الغربية أربعمائة وخمسة وعشرين ألفا من ~~مجموعة السكان الذين يبلغون مائة وأربعة وخمسين ~~مليون نسمة، ويقابل ذلك في الولايات المتحدة سبعمائة ~~وستون ألف مهندس من عدد السكان الذي يبلغ مائة ~~وثمانية وستين مليون نسمة، وينطبق على الحالة في ~~القارة الأوروبية كل ما ينطبق عليها في الولايات ~~المتحدة، مع ملاحظة الفارق بين التعليم الجامعي ~~هناك، والتعليم الجامعي عندنا، ففي الولايات المتحدة ~~يلاحظ أن ثلاثين في المائة من كل طبقة من طبقات السن ~~ينبغي أن يتمموا التعليم في الكلية، على حين أن ~~التعليم العالي في أوروبا مقصور على النخبة القليلة، ~~ولا تزيد نسبة المتممين للتعليم بالكليات على خمسة ~~في المائة، وسيزداد عدد العلماء والمهندسين زيادة ~~كبيرة كلما اتسع نطاق التعليم الحر، وتمكن الطالب من ~~المضي فيه إلى غاية ms018 استعداده. # على أن الحالة في الاتحاد السوفيتي تختلف عن كلتا ~~الحالتين، وتتيح لنا بابا نافعا من أبواب المقارنة ~~بين النظم والإجراءات، ففي الاتحاد السوفيتي ينظم ~~التعليم العام بحيث يوافق حاجة الدولة، وينظر إلى ~~مهمة التعليم نظرة عالية، والشاب الروسي يشجع على ~~الترقي في درجات التعليم إلى أعلى ذروتها، وينال من ~~الامتيازات والوظائف بقدر ما ينال من محصول الدراسة، ~~وينتقل الطالب من درجة إلى درجة في مراحل الدراسة ~~حسب نجاحه في امتحانات المسابقة، وتتكفل الدولة ~~بنفقات التعليم، وقد يمنح بعض الطلاب معونة في أثناء ~~سنواته المدرسية، وتتجه العناية في التعليم العالي ~~إلى العلوم الفنية، كما تتجه إلى الطب والزراعة ~~وصناعة التدريس، ونحو نصف طلاب المعاهد العليا ~~يتفرغون لهذه الدراسات، وستون في المائة منهم ~~متخصصون للدراسة الفنية والعلوم الطبيعية. # فالاتحاد السوفيتي يشعر بمسيس الحاجة إلى التعليم ~~الفني لمتابعة التقدم السريع في سياسة التصنيع، ~~وينجم عن ذلك أن يلاحظ في نظام التعليم أن يجور عدد ~~الفنيين على عدد المتخصصين للمباحث الذهنية، وإذا ~~تخرج الطالب من المدرسة العليا يكون قد أمضى ست ~~سنوات في علم الحياة «البيولوجي»، وخمس سنوات في ~~العلوم الطبيعية، وأربع سنوات في الكيمياء، وأربعا ~~في الرياضيات، يقابل ذلك عندنا أن الطالب الذي يريد ~~أن يتخصص للعلم يمضي سنتين في دراسة علم الحياة، ~~وسنة في العلوم الطبيعية، وسنة في الكيمياء، وثلاث ~~سنوات في الرياضيات. والطالب الروسي في مستوى تعليم ~~الكلية يعتبر من السعداء المجدودين إذا استطاع أن ~~يصل إلى مدرسة فنية؛ لأنه يتمكن بذلك من الارتقاء ~~إلى الطبقة الممتازة في البلاد الروسية اليوم، وفي ~~وسعه بوظيفته العلمية أو الهندسية أن يقتني سيارة، ~~ويسكن في جناح مستقل، ويحصل على مرتب حسن، ويشغل ~~مركزا من مراكز التقدم والنفوذ، وعلى هذا نجد أن ~~الروسيين قد عملوا بكثير من النظم والإجراءات التي ~~بحثناها فيما تقدم، ورأينا أنها مجدية في الاستكثار ~~من المهندسين والعلماء في الولايات المتحدة، ~~فالاتحاد السوفيتي إذن قدوة يحتذى بها فيما يمكن ~~إدراكه إذا روعي في نظام التعليم كله أن يدار لغرض ~~واحد، وهو ms019 تخريج أكبر عدد مستطاع من العلماء ~~والمهندسين والأطباء والمدرسين مع التضحية القريبة ~~بالدراسات الأخرى من قبيل العلوم الإنسانية والأشغال ~~والتجارة. وقد كان من نتيجة هذه الخطوة أن الاتحاد ~~السوفيتي يسبق الولايات المتحدة، ويخرج ضعف ما تخرجه ~~من المهندسين والعلماء. # ويلوح لنا من المحتمل أيضا أن هذه الفجوة ستتسع ~~فترة أخرى من الوقت. ويضاف إلى هذا أن جميع ~~المهندسين والعلماء في الاتحاد السوفيتي يعملون في ~~صناعاتهم على حين أن الذين يعملون في صناعاتهم عندنا ~~حوالي ثلثي المهندسين وثلث العلماء، وأن نحو الثلث ~~من الفنيين في الاتحاد السوفيتي نساء، ومعدل النسبة ~~في تخرج المهندسين والعلماء هناك توحي إلينا أن ~~الأمة التي تريد أن تقتدي بالاتحاد السوفيتي، وتتخذ ~~لها خطة كخطته الصارمة في التهوين من شأن الدراسات ~~غير الصناعية سوف تصل إلى نتيجة أكبر من النتيجة ~~التي أشرنا إليها آنفا، ولكن مع تضحية ذات بال ~~بالحرية. # وفي وسعنا عند تقدير الطاقة الفكرية المدخرة في ~~الأمم المتخلفة أن نجري على المنهج الذي توخيناه عند ~~الكلام على الولايات المتحدة؛ لأن توزيع الملكات ~~الذهنية على قدر ما نعلم مشابه لتوزيعها بيننا، ~~ويكاد أن يكون المتوسط من ثلث أبناء الأمة إلى نصفهم ~~قادرين من وجهة الملكات الذهنية على كسب معرفتهم في ~~معاهد التعليم العليا. # وهنالك - كما لا يخفى - عوامل اجتماعية وثقافية ~~واقتصادية يرى معها أنه من البعيد - إن لم يكن من ~~المستحيل - أن تقدر تلك الأمم اليوم على تخريج ~~المتعلمين في الكليات بهذه النسبة، فليس ثمة دلائل ~~على التقدم الذهني ظاهرة في المجتمعات البدائية أو ~~في تلك المجتمعات التي لا بد لها من تركيز جهودها ~~المباشرة لتحصيل ضروراتها من الطعام والمأوى، مما ~~يسمح لنا - نظريا - أن نقدر وجود ودائع من الطاقة ~~الفكرية لم تمس إلى الآن في أرجاء العالم، وبينما ~~تتناقص هذه الودائع في الولايات المتحدة وأوروبا ~~الغربية تظل في العالم بجملته ودائع عظيمة منها. ~~فإذا استطاعت الهند بما فيها من سكان يبلغون ثلثمائة ~~وستين مليونا أن تخرج من المهندسين والعلماء عددا ~~يضارع في نسبته أقصى ما ms020 نستطيع تخريجه - أي أربعة ~~أمثال عددهم الحاضر - ففي وسعها أن تخرج أربعمائة ~~وخمسمائة ألف كل سنة، وهو عدد يكاد يساوي عدد ~~المتعلمين من حاملي البكالوريا العلمية عندنا في ~~الوقت الحاضر. # وظاهر - من ثم - أن رصيد الطاقة الفكرية العالمية ~~عظيم جدا، وكلما مضت الأمم الأخرى في التصنيع ~~تضاعف العمل الذي يبقى على الطاقة الفكرية أن تنجزه، ~~وقد يتيسر لنا في الولايات المتحدة أن نستورد ~~الخبراء من الخارج، ونعتمد على الاستيراد كوسيلة ~~موقوتة إلى حين، إذ لا بد أن يأتي الزمن الذي يوجب ~~استبقاء هؤلاء الخبراء في البلدان التي نشئوا بين ~~ظهرانيها، ومتى نظرنا إلى الأمد الطويل جاز لنا أن ~~نقدر أن العالم سيعتمد على محصوله من الطاقة الفكرية ~~في أعمال التصنيع، كما نعتمد نحن على طاقتنا الفكرية ~~الآن. # وبعد عرض هذه التقديرات عن مطالب العالم من الطاقة الفكرية استجابة ~~لضرورات التصنيع والتموين، عرج مؤلفو الكتاب على تقدير عوامل ~~النكسة التي قد تعرض لبرامج التنظيم في المجتمعات المصنعة على ~~احتمال وقوع الحرب أو توقعها، وما يستدعيه هذا التوقع من صرف ~~الجهود إلى أعمال الدفاع والتسليم. # قالوا من فصل عنوانه: نظرة إلى الأمد البعيد: # إن ~~المجتمع المصنع أشد استهدافا للخلل والتهدم مما ~~يخطر للكثيرين؛ لاشتماله على شبكة متوشجة من المناجم ~~والمصانع يصل بينها مباشرة - وغير مباشرة - نظام ~~متماسك من المواصلات، مما ينجم عنه شل الحركة في ~~المجتمع كله إذا أصيبت مفاتيحه المحكمة، ويتبع ذلك ~~امتناع وسائل الإصلاح بعد وقوع التعطيل، فلا تتأتى ~~إعادة الشبكة إلى العمل قبل تعريض المجتمع كله ~~للهلاك. # واستطرد المؤلفون من ذلك إلى بيان أثره في البلاد التي لم يتم ~~تصنيعها، فضربوا المثل بإقليم كجزيرة سيلان، وقالوا: «إنها إذا حدث ~~- مثلا - أنها لم تستطع أن تحصل على المادة المطهرة المعروفة ~~بالدي دي تي، فقد يفضي هذا النقص إلى تفشي الوباء، وزيادة الوفيات ~~فجأة زيادة جائحة تمتنع معها أساليب الوقاية السهلة، فيسري الوباء ~~إلى البلاد التي تجاورها، وتأوي مئات الملايين كالهند والصين، ~~وتتعرض هذه البلاد للدمار الجائح كما تعرضت له مجتمعات ms021 وافية ~~التصنيع.» # قالوا: وأهم من ذلك أن القدرة على الحرب تزداد بازدياد القدرة على ~~التصنيع، فالأمة التي تملك معدات الحرب لا بد أن تملك نظاما ~~صناعيا واسع النطاق، أو أن تزود بهذه المعدات ممن يملكونها. ~~وكلما امتدت حركة التصنيع زاد عدد الأمم التي تقدر على الحرب، وعلى ~~تزويد نفسها بأسلحتها من المدافع والطائرات والقذائف النووية، وقد ~~رأينا أن اليابان وبلاد الاتحاد السوفيتي كانت بين أحدث الأمم التي ~~دخلت ميدان التصنيع، وآل بها الأمر إلى المواقف الخطرة كلما تهيأت ~~لها معدات القدرة على شن الحروب الحديثة، ترى ماذا عسى أن يحدث إذا ~~تسنى لأمم كالهند والصين أن تملك هذه المعدات؟ # ومن جوانب الخطر التي تواجهنا ذلك التلهف المعقول من قبل الشعوب على ~~تحسين أحوالها، فالتصنيع عمل بطيء عند النظر إلى عمر الإنسان، ومدة ~~سنوات خمس أو عشر، تبدو من حيث التصنيع خطوة سريعة جدا من خطى ~~النمو والتقدم، ولكن الإنسان الفرد يحتاج إلى أمد من الزمن كي يشعر ~~بالتحسن في معيشته، ويعود سبب من أسباب ذلك إلى أن الجهود الأولى ~~من محاولات التصنيع ينبغي أن تخصص لإقامة العدد والمعامل التي ~~تستعد للإنتاج بعد ذلك، فتبنى المعامل التي تصنع الآلات والأدوات، ~~ويقصر إنتاج السلع والبضائع المستنفدة على أقله وألزمه، ومعنى ذلك ~~بلغة الاقتصاد أن يكون هناك ادخار ورأس مال متجمع، يترتب عليه ~~تأجيل انتفاع المستنفد بالصناعة إلى حين، ثم يترتب على هذا التأجيل ~~في المدن الناشئة على الخصوص شعور بالقلق يؤدي إلى الاضطراب ~~والعنف، ويشتد هذا القلق مع إبطاء تهيئة المطلوب من الأغذية على ~~حسب الاستعداد الحاضر. وقد رأينا أنه من الممكن في السنين الخمسين ~~التالية زراعة وجه الأرض للحصول على غذاء يكفي سكان الكرة الأرضية ~~المتكاثرين إذا استطعنا تجويد العمل الذي نقوم به الآن، وقد يتسنى ~~لنا تدبير الغذاء في القرن المقبل إذا توخينا في الإنتاج وسائل ~~أفضل من بعض الوسائل غير الاقتصادية التي نتوخاها الآن، ولكن مما ~~يؤسف له أن إنتاج الطعام الكافي لا يمنعه مانع من الوجهة النظرية، ~~في ms022 حين أنه من وجهة التنفيذ لا يستطاع سنة بعد سنة حسب الزيادة في ~~عدد الأنفس خلال تلك السنة، وما لم يتيسر لنا إقلال النسل أو ~~التعجيل بالإنتاج فعلينا أن نتوقع من أعمال التصنيع أن أقاليم يجوع ~~سكانها، ويظلون زمنا طويلا في المستقبل جائعين، وثمة خطر آخر ~~نواجهه إذا أفضى قلق الشعوب المتخلفة إلى إقامة الحكومات المستبدة ~~محاكاة للاتحاد السوفيتي؛ أملا في التعجيل بخطوات الادخار ~~والتصنيع وتعميم الزراعة، وقد وقع ذلك فعلا في الصين، وتحاول ~~الهند أن تحقق برامج التصنيع على أساس النظم الديمقراطية في بيئة ~~اقتصادية بعضها على نمط اشتراكي، وبعضها خاضع للولاية الخاصة، فإذا ~~استمر التصنيع واستمرت زيادة السكان وقلت الأطعمة واشتد القلق ~~والتذمر، فلا ندري هل تقوى الديمقراطية هنالك على مقاومة الطوارئ ~~التي خلقتها، ويجوز أن تقضي عليها؟ ففي هذه الأيام التي يتأتى فيها ~~قلب النظام الديمقراطي بين ليلة ونهار، يتعذر التحول من الاستبداد ~~إلى الديمقراطية؛ لما يتوافر للحكام من ذرائع الإقناع ~~والإخضاع. # فإذا أمكن في الحقبة التالية أن نتجنب الحرب النووية، وأمكن الأقاليم ~~المتخلفة في الوقت الحاضر أن تحقق برامج التصنيع، فقد اقتربنا من ~~الزمن الذي يتم فيه تصنيع العالم، ويستطاع فيه أن نقيم أودنا ~~باستخدام الأردأ فالأردأ من المواد الصالحة، حتى نلجأ أخيرا إلى ~~صخور القشرة الأرضية وإلى غازات الهواء وأمواه البحار، ويومئذ تكون ~~صناعة المناجم قد زالت وخلفتها مصانع كيمية متشبعة الأغراض، تتزود ~~من الصخر والهواء وأمواه البحار، وتفيض منها موارد تشمل الماء ~~العذب والقوى الكهربائية، ومواد الوقود السائل والمعادن، ومتى أفضى ~~الإنسان إلى هذه المرحلة من ثقافته، فقد بلغ إلى الطريق التي لا ~~رجعة فيها، فلا استئناف بعدها للطريق إذا وقع الخلل والانتقاض في ~~نظم التصنيع العالمية، فإن السير على برامج التنظيم إنما سهل ~~الابتداء به، والمضي فيه بما كان في حوزة الإنسان من موارد الحديد ~~والفحم والنحاس والنفط والكبريت، وغيرها من المواد النافعة، وكلها ~~صائرة إلى النفاد بعد حين، ولكن معارفنا النفيسة تتيح لنا أن ~~نستغني عنها ما دامت حضارة التصنيع قائمة، أما ms023 إذا وقعت الواقعة ~~واختلف صوت الحضارة، فمن المشكوك فيه أن نقدر بعد ذلك على النهوض ~~فوق طبقة المعيشة الزراعية. # إن المصادر اللازمة لإعادة الانتفاع بالصخر وماء البحر، وإعادة تركيب ~~النظم المتشابكة من برامج التصنيع قد تكون أعظم جدا مما يستطاع ~~السيطرة عليه. وتصور مثلا أن القوة اللازمة لإعادة الشبكة ~~الصناعية لا بد أن تستمد من مصادر نووية، وأن هذه المصادر لا بد أن ~~تقام بوقود غير وقود الفحم والنفط وكل وقود عدا الصخور، ففي هذه ~~الحالة - مع فقدان الطاقة الصالحة - يتعذر الانتفاع ببقايا الحضارة ~~الصناعية، وسيأتي اليوم الذي قد تنسحب فيه المعرفة الفنية، وتجنح ~~إلى الاحتجاب، وقد حدث في القرون الوسطى أن أمناء تلك العصور ~~استخدموا وجهات الرخام الرومانية في المباني الجديدة حقبة من ~~الدهر، بعد نسيان الكثير مما عرفه الرومان من هندسة البناء، وأن ~~الذي يحدث عدا في مثل هذه الحالة لأعظم مما حدث من قبل ~~بكثير. # وكذلك نرى أن مشكلات الغد كثيرة خطيرة، وأننا من الوجهة النظرية ~~قادرون على تدبير حلولها بما نملكه من القدرة الفكرية، ومثال ذلك ~~أن بعض الأخطار يسهل اتقاؤها بإقامة الهيئات الدولية التي يراد بها ~~منع الحروب كهيئة الأمم المتحدة وسائر الهيئات التي تشرف عليها، ~~وغير هذه الأخطار قد يسهل اتقاؤه ببذل الجهد في الإقلال من ظروف ~~التعرض والاستهداف، وغيرها قد يسهل اتقاؤه بالاتفاق بين المجتمعات ~~المصنعة على تمهيد دور الانتقال إلى التصنيع في المجتمعات المتخلفة ~~بأقل ما يستطاع من المشقة، ويتم هذا الانتقال بإعارة رأس المال ~~والإعانة بالخبرة الفنية، كما يتم أيضا بابتداع أساليب مستحدثة في ~~الصناعة والزراعة والتعليم وتحديد النسل، وهي أساليب لم تستخدم في ~~الغرب حتى الآن لقلة الحاجة إليها، ولكنها قد تجدي كبير الجدوى في ~~البلاد التي لا تزال آخذه ببرنامج التطور. # وقد شرعنا منذ خمس وعشرين سنة في جمع المعلومات النافعة للاهتداء إلى ~~أفضل الأساليب لمعونة البلاد المتخلفة على إنتاج طعامها، وأخذنا ~~ندرك بعض العقد والعوائق التي تحد من محاصيل الزراعة، ورأينا أن ~~سير العمل بطيء في مشروعات الزراعة؛ ms024 لأنه يستدعي تعليم العدد ~~الكبير من الزراع، وتعديل طرائقهم وأساليب تفكيرهم وآرائهم ~~الثقافية، ومأثوراتهم التقليدية، وهي جميعا مما يعسر تغييره في ~~وقت قريب، وإننا لفي مسيس الحاجة إلى مزيد من الفهم والإحاطة ~~بعوامل نشر الأساليب الزراعية الجديدة، وتشجيع المجتمعات المتخلفة ~~على قبول المعرفة المستحدثة، وكذلك ينبغي النظر في أمر تحديد النسل ~~عند البحث في ترقية الأحوال الاقتصادية، ولعل الصعوبة في تحديد ~~النسل في المجتمعات الزراعية ترجع إلى الآراء والمعتقدات. على أن ~~تحديد النسل عندها يفيد في التطور الاقتصادي، ويعتبر بمثابة ~~الزيادة في محصول الزراعة والصناعة، ومن الواضح أن الشعوب التي ~~تريد المحافظة على نقص نسبة الوفيات ينبغي أن تقابل ذلك بنقص ~~المواليد، ومؤدى ذلك قبول تحديد النسل، وأن تكون الحيطة لاتقاء ~~الجوع والفاقة بمقدار قبوله في أوسع نطاق. # بيد أننا أمعنا النظر وأبعدناه إلى أقصى المدى فيما نترقب للعالم ~~الواسع من الأطوار خلال القرن المقبل، فالمشاكل الكبرى من قبل ~~الصناعة أهون من مشاكل العلاقات بين الناس، ودواعي التفاهم بينهم ~~على التعاون والاتفاق، وأن ينظموا أنفسهم بحيث تنصرف عبقريتهم، ~~وتصورهم إلى المشكلات التي تواجههم، وتتلخص مشكلتهم الكبرى في ~~موالاة قوانا الفكرية بالتوسيع والتوفير والتحسين والتعبئة ~~والتجهيز. # إن العلماء السلوكيين والأخلاقيين أخذوا يكشفون الغطاء عن بعض مبادئ ~~السلوك الإنساني، وسيزدادون بها علما، ويعولون عليها في تربية ~~أطفال أهم وأسلم، وفي تمكين الناشئين من الانتفاع - أتم انتفاع - ~~بملكاتهم ومواهبهم، ولنا أن نأمل الاهتداء إلى آراء خير من آرائنا ~~الحاضرة في إدراك طبائع الإنسان، وأسرار التفكير المنتج، وأسرار ~~التخيل والبصيرة الباطنة، وكلما ازددنا علما بدوافع حركات ~~الجماعات وبواطن السلوك الاجتماعي والسياسي، أعان هذا العلم على ~~توجيه العواطف والأحاسيس إلى العمل البنائي والأهداف الصالحة، وعلى ~~صرفه عن أعمال الهدم والعدوان، والإكثار شيئا فشيئا من عدد ~~الشبان القادرين على الابتكار والإبداع، ولكن هل تتوافق المساعي ~~الموجهة إلى الإصلاح الحيوي والسلامة البدنية، والمساعي الموجهة ~~إلى تنمية الإدراك وسلامة التفكير؟ وهل يتخذ الإنسان الخطوة ~~اللازمة في الوقت اللازم لحسن التصرف في مسائل التصنيع التي تفتأ ~~تتشابك وتتركب على ms025 الدوام؟ هل يسوس الإنسان دوافع شعوره قبل أن ~~تهلكه وتقضي عليه؟ ذلك هو محور المشكلات جمعاء. # لقد رأينا أن الإنسان قادر - من حيث المبدأ - إذا أراد أن يعيش عيشة ~~الوفر والإنشاء في نطاق الحرية، وظاهر أن الصعوبات جمة، والأخطار ~~كثيرة، ولكن الأمر الواضح هو ما ينبغي على الإنسان أن يقوم به ~~لتذليل العقبات، ويبقى علينا أن نرى غدا هل يدرك هذه المشكلات في ~~حينها ليبلغ إلى حظ من السلامة أوفر وأعلى، أو يسمح بضياع حظه ~~الراهن من الحضارة، وذهابه إلى حيث لا نجاة ولا مآب، ومصير المجتمع ~~الصناعي يدور حول السؤال عن اقتدار الإنسان على العيش مع أخيه ~~الإنسان. ~~••• # هذه البحوث التي لخصنا بعضها، وترجمنا بعضها بقليل من التصرف، قد ألمت ~~بمستقبل التعليم فيما يواجه ضرورات التموين والتصنيع، وفيما يواجه ~~ضرورات التفاهم والتعاون بين الأمم خلال الفترة التي تنقضي في ~~تعميم هذا التعليم والترغيب فيه، ويرى الخبراء أن إعداد العالم ~~للمعيشة الحرة الرخية أمر مستطاع ميسر الأسباب إذا صحت عزيمة ~~الإنسان عليه. # وليس أوسع من آفاق التعليم وأغراضه عند الكلام على أثره في حاضر ~~العالم ومستقبله، ومن هذه الآفاق الواسعة أفق التعليم فيما يحدثه ~~الآن، وما يحدثه غدا من الأثر السريع في تكوين المجتمع وتأليف ~~طبقاته وهيئاته التي تتولى شئون معيشته ومعاملاته، وهو ذلك التكوين ~~الذي يرتبط بكل مصير قريب نتصوره لسياسة الأمم في داخلها، وسياسة ~~الأمم المشتركة بينها. ومن أهم البحوث التي اطلعنا عليها أخيرا ~~بحث للخبير الاقتصادي الأمريكي الأستاذ بيتر دراكر # Druker # عن تكوين الكثرة ~~الاجتماعية من أصحاب المرتبات، ونتائج هذا التكوين فيما يتعلق ~~بمذاهب الاجتماع، وأطوار الشعوب وخطط السياسة الكبرى. وقد افتتح ~~الأستاذ بحثه مشيرا إلى الزيادة المطردة منذ سنوات ثلاث في عدد ~~أبناء الطبقة المكونة من ذوي المهن الصناعية والفنية والإدارية بين ~~سكان الولايات المتحدة، وقال: «إنه يعني بها الطبقة التي تجملها ~~كلمة الطبقة الوسطى من أصحاب المرتبات.» ثم قال: # منذ ثلاث عشرة سنة - يوم خرجنا من الحرب العالمية ~~الثانية - كان عمال الصناعة لا يزالون أكبر ms026 طائفة من ~~طوائف المجتمع الأمريكي، ينتمي إليها واحد من كل ~~أربعة في المجتمع، وكان ذلك ختام فترة بدأت منذ مطلع ~~القرن التاسع عشر حين نشأت عندنا معامل المصنوعات، ~~أما الآن فواحد من كل خمسة ينتمي إلى طائفة أصحاب ~~المرتبات المختصين بالفن والإدارة، ويقرب عددهم من ~~ثلاثة عشر مليونا. # إلى أن قال: # وفي سنة 1975 أي بعد سبع عشرة سنة فحسب نترقب أن ~~يبلغ نتاجنا الصناعي ضعفي نتاجنا في الوقت الحاضر ، ~~وأن يزداد عدد الصناع بيننا بمقدار الثلث، ولكن ~~الطائفة التي تعلو نسبة زيادتها على نسبة الصناع، ~~ونسبة السكان جميعا هي الطبقة الوسطى من أصحاب ~~المرتبات، ومتى تمت دراسة الصبية والبنات الذين ~~يدخلون المدارس الآن، ومضت سبع عشرة سنة، تضاعف عدد ~~أبناء هذه الطبقة ضعفين، ووجب أن تكون نسبتهم نحو ~~الخمسين من جملة القوى الصناعية. # ثم لاحظ الأستاذ دراكر ظواهر الزيادة في أنواع المصنوعات التي صاحبت ~~نمو هذه الطبقة، فقال: إنها تتمثل على الخصوص في زيادة المطبوع ~~والمتداول من الكتب الشعبية، وإن أثر هذه الطبقة ينجلي شيئا ~~فشيئا في ثقافة الأمة، وسياستها وقيمها وعلاقاتها الاجتماعية، إلى ~~أن قال بعد الإشارة إلى نظريات كارل ماركس: «إنه قد مضى عليها الآن ~~قرن من الزمان، وأنها كانت تقوم على نظرة جريئة تنبئ عن ظهور ~~الصانع، وعامل المكنة قوة نامية محركة في المجتمع، ومضت بعد ذلك ~~خمس وسبعون سنة كان الصناع وعمال المكنات فيها حقا أكثر الطوائف ~~نموا، وإن لم يبلغوا قط نصاب الكثرة في مجتمع من المجتمعات ~~الصناعية، غير أنهم كانوا على حدة أكثر الطوائف عددا في كل مجتمع ~~منها، مما أكسب الماركسية قوتها ونفاذها باعتبارها عقيدة وفلسفة ~~على الرغم من مواطن ضعفها، واليوم - في الولايات المتحدة وغيرها - ~~تنجم طبقة جديدة، وتسرع في نموها الذي يجعلها أكبر طائفة مستقلة ~~بين مختلف الطوائف، وهؤلاء هم الفنيون أصحاب المرتبات الذين لا هم ~~بأصحاب رءوس الأموال ولا بالصعاليك، ولا هم بالمستغلين ولا ~~بالمستغلين.» ~~••• # وفي بحث آخر يجمل الأستاذ دراكر إحصاءات التعليم بالنسبة إلى هذه ~~الطبقة، فينقل عن ms027 إحصاءات مكتب العمل أن حملة الشهادات العليا ~~أصبحوا في السنة الماضية - 1957 - هم الكثرة الغالبة بين المشتغلين ~~بالصناعة في الولايات المتحدة، قال: «إنني لما بدأت العمل منذ نحو ~~ثلاثين سنة كان التعليم الثانوي هو الندرة المستثناة، وكنت أنا ~~يومئذ منفردا وحدي بإتمام هذا التعليم بين الكتبة الشبان في مكتب ~~من مكاتب التصدير، ولم يكن رؤسائي يكتمون عني أن هذا التعليم كان ~~عقبة - لا عدة صالحة - في سبيل الأعمال التجارية، وكان الذهاب إلى ~~الجامعة في ذلك الحين مقصورا على القلة النادرة جدا بين ~~المتعلمين، ولعلها كانت أكثر يومئذ من مثيلاتها في بلاد أوروبا ~~الغربية.» ~~••• # والنتيجة الطبيعية لتعميم التعليم الصناعي على هذه السعة، وبهذه ~~السرعة أن تصبح الكفاءة البدنية أقل الكفاءات المطلوبة لتدبير ~~لوازم المجتمع، وتنظيم معاملاته وعلاقاته، وأن تتوزع الأعمال بين ~~كفاءات كثيرة: فكرية، ونفسية، وذوقية، لا يتأتى حصرها في طائفة ~~واحدة، ولا يتأتي - من ثم - أن تطغى على المجتمع لتسليط مشيئتها ~~عليه دون أن يلحقها شيء من الضرر الذي يلحق سائر الطوائف، وقد يأتي ~~اليوم الذي تناط فيه الجهود الإنسانية بالأعمال التي يغنى فيها ~~الإنسان على تفاوت ملكاته، ولا تؤديها الآلات مستقلة بها أو بإشراف ~~من يديرها، فلا يتولى الفنيون عملا تقوم به المكنات في الوقت ~~الحاضر والمكنات التي تترقى وتبلغ غايتها من الدقة بافتنان ~~المخترعين والمقترحين من نوابغ الفكر والصناعة في المستقبل. وبعض ~~هذه المكنات يقال عنه اليوم: إنه «يفكر» على سبيل المجاز، ويجري ~~العمل فيه على نسق يشبه عمل الدماغ الإنساني في تلقي الإشارة، ونقل ~~التنبيهات، وتنفيذ المقترحات، وكلما استدقت معارف العلماء ~~بالكهربية الدماغية، وروقبت حركات الدماغ أثناء انفعالاته ~~وتوجيهاته لحركات الأعضاء تبين الفارق بين عمله العقلي الخاص ~~بالإنسان وعمله الجسدي من قبيل رد الفعل الذي تستطاع محاكاته في ~~المكنات، وسيكشف الغد عن حدود هذه المكنات في أداء الأعمال التي لم ~~توكل قبل الآن لغير الإنسان العاقل، فليس من المنتظر أن تجمع ~~المكنة بين وظائف الأمر والتنفيذ، ووظائف الابتكار والتقليد، ~~ولكنها ستؤدي - ولا شك - كثيرا من المساعدات الفكرية ms028 التي تستنفد ~~الآن جهود الملايين من حذاق المتعلمين. # يقول الدكتور جورج تومسون # Dr. Gerorge ~~Thomson # من أصحاب جائزة نوبل ~~في العلوم من فصل بعنوان: الفكر الصناعي والطبيعي في كتاب ~~المستقبل المكشوف # The Foreseeable ~~Future ~~: # من السائغ أن نترقب زمنا تحل فيه المعرفة الحقة ~~بعمل الدماغ محل هذه المعرفة المترددة، وأصعب من ذلك ~~أن نقدر أثر هذه المعرفة في الحياة الإنسانية، ~~وأتكلم عما أعلم فأرى أن قليلا من المعرفة السطحية ~~قد ارتفعت ارتفاعا عظيما بإعجابي وتقديري ~~للإنسانية، فإن هذه المكنة المعقدة التي نملكها ~~جميعا - أو التي هي نحن أن شئت - بما احتوته من ~~دقائق تبلغ عشرة آلاف الملايين، وبما بينها من خيوط ~~الاشتباك في العمل لتفوق كل حد ترتقي إليه أية صنعة ~~نقدر عليها، وتخالف كل ما نعهده من هذه الكائنات ~~التي ندرسها نحن الطبيعيين مخالفة الصور في طلاء ~~الجدران للبلورات الحقيقية. # ثم قال: إن عرفاننا كيف نشعر قد يكون أعظم أثرا في أعمالنا من ~~عرفاننا كيف نفكر ونتصور، وقد يدهشنا كيف يمكن أن نبقي نوازع ~~العصبية الجامحة بعد العلم - من الوجهة الكهربية - بمجراها الذي ~~جرت عليه عند تكوينها. # لننظر إلى الفكاهة مثل هذه النظرة، فإنما النكتة - كما هو ظاهر - ~~مسألة انطلاق تيار أو إفلات مجموعة من الدوافع المتناقضة لنتخذ لها ~~نسقا آخر، فهل تبقى فيها أعجوبتها إذا علمنا بهذا النسق الآخر: ما ~~هو وكيف يكون؟ إنني لأرجو ذلك حقا، فلا ينقص من متعتنا بالمسرحية ~~أو القصة علمنا بأنها مؤلفة، ولعل الأمور التي يجب على الناس أن ~~يكبروا من خطرها هي التي تصاب أشد المصاب من جراء ذلك، فإن المبادئ ~~ليعسر الثبات عليها بعد العلم بأنها أشبه شيء بالدورة الكهربية، ~~وقد ينجم من ثمة ضرر على الخصوص لتلك العقول - غير القليلة - التي ~~يخيل إليها أن الرجوع بأصول الإنسان إلى أصول الإحياء الدنيا يغض ~~من كرامة البشرية، وإنه لمن المهم عند من يحرصون على استبقاء ~~المبادئ - وليس منا من لا يحرص عليها - أن يوطنوا أنفسهم على ما ~~يكون من هذه الحقيقة، وأن ms029 يتعلموا كيف يحافظون على ما نشعر الآن ~~أنه جدير بالمحافظة عليه، وإن تبدلت منه الصورة دون الجوهر، وإنه ~~لمن الخطأ أن يرد على الخاطر أن العلم والقيم شيئان مختلفان لا ~~يؤثر أحدهما على الآخر، فإن الكون الذي يحيط بأفكارنا وأحاسيسنا ~~واحد، وليس فيه جزء ينفصل كل الانفصال عن سائر أجزائه. ~~••• # إلى هذا الأمد يمتد الأمل في التعليم والصناعة، وتتعدد الآمال فتتفق ~~ولا تتفق، ولكنها على الحالين لا ينتفي منها الأمل في انتفاع الفكر ~~بالصناعة، وانتفاع الصناعة بالتفكير . # الفصل الثالث # | الفضاء # كان السؤال الشائع بين المشغولين بأمر الطيران في مطلع القرن العشرين: ~~هل من الممكن أن يطير في الفضاء جسم أثقل من الهواء؟ # وكان المرتابون في إمكان ذلك كثيرين، بينهم فئة معدودة من العلماء ~~وخبراء الصناعة، غلب على اعتقادهم وتفكيرهم أن الطيران لا يتأتى ~~بغير وسيلة واحدة، وهي وسيلة المناطيد التي تحملها القباب مملوءة ~~بأنواع من الغاز أخف من الهواء، وما عدا ذلك فهو خرق لقانون ~~الطبيعة كما فهموه. # وتقدم القرن العشرون إلى منتصفه، ثم جاوز منتصفه بسنوات فأصبح السؤال ~~الشائع بعد نيف وخمسين سنة: هل من الممكن أن نستغني عن الهواء في ~~تسيير الطيارات؟ # لم يتغير شيء في هذه السنين من قوانين الحركة، ولا من العلم الذي ~~يرصدها ويتولى تطبيقها، وإنما تغير التطبيق فأصبح خبراء العلم نفسه ~~يسألون عن إمكان الاستغناء عن الهواء بعد أن كان السابقون لهم في ~~مدى سنوات يحسبونه «وسطا» لا يصلح للطيران. # وجواب الثقة عن هذا السؤال: نعم! إن تزويد الطائرة بالأجهزة التي ~~تدفعها في فضاء لا هواء فيه ممكن، وإن استخدام الوسائل الكيمية ~~والكهربية يذلل الصعوبة التي كانت قبل الآن عصية على التذليل بغير ~~الدفع الجوي، فليس من المستحيل، ولا من البعيد في الواقع أن تصنع ~~الطيارة التي تجوب الأفلاك العليا فوق جو الأرض وبين آفاق ~~السيارات، ولا تعرف الآن صعوبة فنية تحول دون الرحلة إلى الكواكب ~~إذا استطاعها الإنسان، أما استطاعة الطائرات أن تصمد لتلك الرحلة ~~فليس فيها الآن خلاف. # يقول سير جورج تومسون ms030 صاحب جائزة نوبل في الطبيعيات: «ومهما تكن ~~الطريقة المتبعة، فإن تسارع الصاروخ على مهل بعد مجاوزته جو الأرض ~~أمر لا يعرف له مانع، ولا يعارض قاعدة من القواعد الطبيعية، ورد ~~الفعل النووي كفيل بتدبير الطاقة الطرفية، ولا خوف من الإفراط في ~~التسخين مع استخدامه على مهل، في حين أن المواد اللازمة ليست مما ~~يمتنع تدبيره، مع الدفع بهذه السرعة، وقد يحوم هذا الصاروخ في مدار ~~المنظومة الشمسية ويطيف بالسيارات وبالقمر، ويعتمد على الأجنحة عند ~~عودته إلى الأرض لنقص السرعة بمقاومة الطبقات العليا من ~~الجو.» # ويرى هذا العالم المحقق أن اتخاذ المراكز من الأقمار الصناعية لتجديد ~~الاندفاع إلى الآفاق العليا يدخل في نطاق المعلومات الصناعية ~~الميسرة للخبراء في العصر الحاضر، قال: «وهناك مشروع يهتم به ~~فون برون # Von Braun # الذي ~~رسم القمر المسمى بالراند الثاني # V.2 # في الولايات المتحدة ~~يرمي به إلى إدارة قمر دائم حول الكرة الأرضية، ويمكن اتخاذه محطة ~~وسطى للسفر إلى السيارات، ويحتاج تركيبه إلى إطلاق أجزاء صغيرة ~~بالصواريخ تتجمع في الفضاء على النحو الذي قدمناه، ويستطاع تزويد ~~هذا القمر بجاذبية مصنوعة إذا تم تركيبه على شكل إطار يدور دورة ~~سريعة تطرد كل شيء في وسطه بالقوة المركزية إلى جداره.» # 1 # وبعد أن شرح الأستاذ تومسون كل ما يرد على خاطر العالم من مصاعب السفر ~~إلى الكواكب قال: «إن الظاهر من هذه العجالة أن صعوبات السفر بين ~~الكواكب كثيرة عدا صعوبة الإفلات من أفق الأرض، ولكن لا يرى أن ~~هناك صعوبة أساسية، ولا يسعنا إلا أن نطمئن على ثقة بأن براعة ~~المهندسين تتغلب عليها خلال الخمسين أو المائة السنة ~~التالية.» # وأحدث ما اطلعنا عليه في هذا الموضوع كتاب عنوانه: «صاروخ إلى القمر» ~~ألفه المهندس النرويجي إريك برجوست، وخبير الطيران والقذائف ~~الأمريكية سبروك هل، وقدم له فون برون مهندس الأقمار الصناعية - ~~المتقدم ذكره - عجل فيه المؤلفان بالموعد المنتظر من خمسين سنة إلى ~~سبع سنوات، وقالا في الفصل الأول منه: «إن الخطوة التالية - بغير ~~ركب إنساني - تحتاج إلى أجهزة من ms031 الأقمار الصناعية أفضل وأكبر، ثم ~~إلى أقمار تحمل الحيوانات، ثم إلى أقمار تحمل الحيوانات وتعود بها ~~سالمة إلى الكرة الأرضية، ومتى تم ذلك استطاع الإنسان أن يذهب إلى ~~الفضاء، ولكن الفتح العظيم الذي يقارن بإطلاق القمر الصناعي الأول ~~إنما هو استطاعة الإنسان أن يهبط على سطح القمر، ويرجى أن يتم ذلك ~~- بل قد يتم فعلا - قبل سنة 1965 في أقل من سبع سنوات.» # 2 # ويقول مهندس الأقمار الصناعية في مقدمته لهذا الكتاب: «إن تحقيق ~~المخترعات الصاروخية المطلوبة لا يعوزه شيء من معرفة المبادئ ~~العلمية والصناعية، وكل ما يحتاج إليه عزيمة ومال.» # والمؤلفان يستهلان كتابهما ببيان الأغراض التي توجب على أبناء العصر ~~الحاضر متابعة النظر في تحقيق رحلات الفضاء، فيذكران في مقدمتها حب ~~الاستطلاع، ويستشهدان بكلام للمهندس الكبير فون برون يقول فيه: «إن ~~سببا من أول أسباب البحث في كل كشف أو ارتياد جديد يتلخص في مجرد ~~التشوف وحب الاستطلاع، وليس من الحكمة ولا من الخبرة الواقعية أن ~~نصر - سلفا - على المسوغات لكل بحث من هذا القبيل على أساس ~~المنفعة العاجلة والنتائج العملية المحتملة، فإن تاريخ الفنون ~~والمعارف الصناعية زاخر بالأمثلة التي تثبت أنها لا تقدر على دراية ~~الإنسان بالأنباء عما تسفر عنه الكشوف والمخترعات.» # ويلي هذا السبب المفروض في جميع البحوث والمحاولات سبب معروف النتيجة ~~يقوم على غريزة حب الحياة، والدفاع عن الذات، ويكفي أن يكون ~~الاختراع صالحا لاستخدامه في هجوم أمة على أمة كي يكون العلم به ~~واجبا لاتخاذ الحيطة والدفاع، ويقول المؤلفان: إن تنظيم البعثات ~~المشتركة لارتياد الفضاء فوق القمر محتمل، بل قريب الاحتمال، ولكن ~~الاتفاق على احتلال القمر بعيد؛ لأن استخدامه في الأغراض الحربية ~~يغري السابقين إليه بالاستئثار واجتناب المشاركة فيه جهد ~~المستطاع. # أما السبب الذي لا شك فيه ولا اختلاف عليه فهو جمع المعلومات، وكشف ~~الحقائق عن أسرار العناصر المادية، وأسرار الضوء والطاقة ~~المغناطيسية والجاذبية، وما إليها من الأسرار التي تتفتح مغاليق ~~الطبيعة أمام من يعلمها، وتزيده عرفانا بحقائق الكون وما فيه ومن ~~فيه من الأحياء ms032 العاقلة، إن كان فيه أحياء عاقلة غير الإنسان، وقد ~~يشهد البشر يومئذ شهادة العيان أمورا من خفايا الغيب ظلت آلاف ~~السنين حيرة للأفكار، ومسبحا لشوارد الظن والخيال. # الفصل الرابع # | حكم العالم # يتفق الراسخون في علوم الاجتماع - من أصدقاء السلم والإنسانية - على ~~رأي واحد في أنظمة الحكم التي تصلح للعالم بعد القرن العشرين، ~~قوامه أن يمتنع طغيان الدول القوية على السياسة العالمية، وأن يكون ~~تدبير مصالحه موكولا إلى هيئة دولية، لا يضيع فيها صوت أمة من ~~الأمم، ولا تنسى فيها مصالح المتخلفين والمستضعفين. # ويكتب الجلة من ذوي الخبرة والنية الصالحة عن هذا الرأي كأنه المخلص ~~الوحيد من شواجر النزاع والصدام بين الأقوياء، وبينهم وبين ~~الضعفاء، فإذا جعلوه أملا مرموقا فهم لا يجعلونه كذلك؛ لأنهم على ~~ثقة بينة من بلوغه وإمكانه، وإنما يتعلقون به لأنه المخلص الوحيد ~~من أخطار الحكم في المستقبل، فينبغي أن يكون الأمل الوحيد؛ لأنه ~~المخلص الوحيد. # وهؤلاء الثقات المتعلقون بهذا الرجاء يقاربونه على منهجين: منهج أقرب ~~إلى الفلسفة العلمية، ومنهج آخر أقرب إلى السياسة والإحصاء، ولعلهم ~~على هذين المنهجين يتمثلون على أحسن الوجوه في كاتبين من أبرز كتاب ~~العصر في هذه الموضوعات، وهما الفيلسوف الرياضي برتراند رسل، ~~والمؤرخ الاجتماعي هانس كون، وكلاهما معدود اليوم في طليعة الكتاب ~~العالميين. # آراء برتراند رسل في الحكم العالمي ومصير الإنسانية مبسوطة في كتبه ~~الكثيرة، ملخصه في آخر ما صدر منها عند منتصف القرن العشرين، وهو ~~الكتاب الذي سماه: «آمال جديدة لدنيا متغيرة»، # 1 # وجمع رءوس موضوعاته في بضعة أسطر يقول فيها: «إن ~~الحياة في العصر الذري معنية بوسائل العلاج الثلاث من المشكلات ~~التي طالما ابتلي بها نوع الإنسان، وهي مشكلة النزاع بين الإنسان ~~والطبيعة ومشكلة النزاع بين الإنسان وسائر الناس، ومشكلة النزاع ~~بينه وبين نفسه، والمشكلة الأولى من شأن العلم، والثانية من شأن ~~السياسة، والثالثة من شأن الدين والدراسات النفسية.» # وعنده أن الفقر لم يعد في عصر الصناعة الحديثة ضربة لازمة، ولا محنة ~~محتومة على الأكثرين من بني الإنسان، وإنما يعود الإخفاق ms033 في علاج ~~مشكلته إلى رسيس من العقائد والعادات البالية، لا موضع لها من ~~الحياة الحديثة، وإن هذه الحياة الحديثة قد أبطلت الحاجة إلى ~~المزاحمة على الأرزاق، وجعلتها أقل ما يكون لزوما لمن كانوا ~~يتزاحمون عليها، وأن المخاوف الرثة التي خامرت النفوس دهرا طويلا ~~لا ضرورة لها الآن، وأن الإنسان العصري في وسعه أن يزيل وساوس ~~الخوف والقنوط. # واستطرد إلى الفريضة التي يتطلبها تحقيق هذه الغاية فيما تتولاه أنظمة ~~الحكم، فقال: «ينبغي أن تكون هناك هيئة عالمية تشرف على تدبير ~~الأغذية والخامات، وأن يكون في وسعها منع الأساليب الزراعية التي ~~استنفدت التربة في أفريقيا الشمالية والولايات المتحدة، فلا يسمح ~~للزراع بالاستكثار من الثراء بتبديد موارد الرزق التي تعول عليها ~~الأجيال المقبلة.» # ثم قال عن النزاع بين الإنسان وسائر الناس: «إن الخطر الأول هو خطر ~~التهديد بالحرب، فلا قرار لشيء من الأشياء مع بقاء الناس على خوف ~~من نشوب القتال، ولا سيما القتال بآلاته الحديثة، وما من وسيلة ~~تعصم الإنسان من هذا البلاء أنجع من تزويد العالم بقوة عالمية ~~واحدة تملك المحاجزة بين الدول، ولا ضرر من قيام الجيوش المحلية ~~التي تحفظ الأمن في بلادها بالوسائل الميسرة للشرطة، ولكن الأسلحة ~~الوبيلة جميعا ينبغي أن تعهد إلى القوة العالمية التي لا تنفرد ~~بها دولة واحدة.» # ثم يعرض الفيلسوف لمسألة التعليم فيقول أنها ينبغي أن تقوم على مبادئ ~~عالمية، وأن يمتنع التعليم الذي يغري بالعدوان، وينفخ في جذوة ~~البغضاء والنقمة بين الشعوب «وينبغي أن نتدرج إلى تعميم التجارة ~~الحرة، وأن تباح حرية السياحة على النحو الذي كان شائعا قبل الحرب ~~العالمية الأولى، وأن تتبادل الأمم طلابها لكيلا يتعرض الكثيرون في ~~شبابهم لآفة التحجر على العادات والتقاليد.» # ثم يعرض للشخصية الفردية فيقول: «إنه من اللازم أن يحمى الفرد من ~~طغيان الجماعة كما يحمى من المخاوف التي تساوره في قرارة وجدانه، ~~وهما ضرران بينهما من الارتباط أشد مما يخطر للكثيرين، إذ يغلب على ~~طغيان الجماعة أن يكون وليد الوساوس والخوف.» # قال: «وينبغي اجتناب القسر في التنسيق، ms034 والتوحيد بين الشخصيات الفردية ~~مما يحق للمجتمعات المصنعة أن تخشاه، ويجب عليها أن تتقيه بما ~~استطاعت من تدبير، ولا بد من فسح المجال للأفذاذ الموهوبين ~~كالشعراء والفنانين الذين لا يظفرون بالتأييد من أصحاب ~~التقاليد.» # واختتم فصوله قائلا: «إن الإنسان في أدهاره الطويلة منذ هبط إلى ~~الأرض من أغصان الشجر، قد تقحم الفجاج المرهوبة وتركها وهي محفوفة ~~بعظام الهالكين ممن سلكوها قبله، يداخله جنون الجوع والضنك، والفزع ~~من الضواري، والرهبة من الأعداء، أعداء من الأحياء ومن الأشباح ~~التي تساوره وتتعمق في وجدانه بما تغلغل فيه من الأوجال والأوهام، ~~وبعد لأي جاوز الصحراء إلى الأرض الباسمة، ولكن بعد أن نسي كيف ~~يبتسم، وأصبحنا نرتاب ولا نصدق بالصباح البهيج والنهار المنير، ~~نحسبه من الوهم الكاذب ونتشبث بالخرافة البالية والأسطورة الكامنة ~~التي تملي لنا في حياة الخوف والكراهية، ولا سيما كراهية ذواتنا، ~~والنظر إلى أنفسنا كأننا بقية من المذنبين الخطاة، تلك حماقة، فما ~~يحتاج الإنسان اليوم لخلاص نفسه إلا أن يفتح قلبه لفرح الحياة، ~~ويدع الخوف يتسرب في ظلمات الغابر المهجور.» ~~••• # وقد استوفى الأستاذ هانس كون بحث الموضوع من ناحيته التاريخية ~~السياسية، فاستهل كتابه عن القرن العشرين بتفصيل أطوار الأمم التي ~~سلفت منذ ثلاثة قرون، وكان لها أثرها في ظهور القومية والعنصرية، ~~وحركات الاستعمار، ومذاهب الحكم المطلق، ومعارك الطبقات، وسائر هذه ~~الأطوار التي تعد من بعض وجوهها حواجز بين الأمم، وتعد من حيث ~~النظر إلى نتائجها مقدمات لا بد منها لتطور العلاقات بين الأمم من ~~العزلة إلى العالمية، وانتهى به المطاف إلى تلخيص المعقبات التي ~~تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، فقال في الفصل الرابع عشر من ~~الكتاب: «إن هذه الحرب قد جددت للديمقراطية قوتها الحيوية، وإنه لا ~~خطر على الأمم التي تدين بها من طغيان مذاهب الاستبداد على ~~أنواعها، وإن حماية الأمم الديمقراطية لا تتم بإعداد السلاح وحده؛ ~~لأن سلاح التفكير لازم لها لزوم العدة العسكرية، وقد تعلم ~~الأمريكيون في العشرين سنة الأخيرة أن يحرروا أنفسهم من العزلة ~~المريحة، وفهموا أن حدودهم لا تنتهي ms035 عند شواطئ بلادهم، وأن ذلك لا ~~يعني أن تفرض الدولة مشيئتها على الأمم؛ لأن عبرة الماضي القريب قد ~~أبرزت خطر هذه السيادة على سلام العالم وعلى الدولة التي تحاولها.» ~~قال: «إن الأمريكيين حريون أن يعلموا أن الحضارات المنوعة ~~والتقاليد المتعددة تعيش معا في هذا العالم، وأن ثروة التنوع أهم ~~عناصر التاريخ والتقدم، ومن المستحيل في دور الانتقال أن يتطور ~~العالم على نظام واحد، وفي هذه المرحلة من التاريخ لا يتأتى ~~الاتفاق التام بين أجزاء العالم، ولا يقتضي ذلك حتما وقوع القتال، ~~وعلى الأمم الغربية أن تعيش خلال هذه الفترة دون اتفاق ودون حرب ~~جنبا لجنب مع الأمم الشيوعية، وهو أمر يتطلب القوة والصبر وبعد ~~النظر، ولكنه لا يعوض بالحلول السريعة، ولا بالطريق المقتضب، ولا ~~بالترياق السريع.» # الفصل الخامس # | إلى مليون سنة # توفرت المباحث التي لخصناها من قبل على بيان «حالة العالم» عند نهاية ~~القرن العشرين، وفيما يليه من زمن قريب، وأحجم الباحثون عمدا عن ~~الخوض فيما وراء ذلك ذهابا مع الزمن المتطاول؛ إيثارا منهم ~~للوقوف عند حدود الإحصاء، وما هو أشبه به من ضروب التقدير، ولم ~~يجدوا في التقديرات المحسوبة معينا لهم على تقدير المصير ~~«الإنساني» الذي يتصل بنفس الإنسان أو طبيعة الإنسان. # تلك هي حالة العالم في شئون المعيشة، وفي موارد الصناعة والطبيعة، تلك ~~هي معيشة الإنسان بعد مائة سنة؟ فكيف يكون الإنسان نفسه في تلك ~~الحقبة؟ كيف يكون الإنسان روحا وخلقا وضميرا في ذلك العالم ~~الموعود؟ إن صحت جميع المواعيد؟ # وكيف يكون بعد السنين المائة وبعد القرن العشرين والقرن الحادي ~~والعشرين؟ كيف يكون بعد خمسة قرون وبعد عشرة قرون؟ وبعد الدهر ~~الطويل الذي يحسب بآلاف السنين. # إن هذه الأسئلة لم تترك بغير جواب يفهم من خلال السطور، وإن لم يرد ~~لها جواب مقصود على سؤال مذكور، ومن الباحثين العلميين من أطلق ~~فكره من قيود الإحجام العلمي، وجازف بالنبوءة وراء القرون إلى ~~الدهور، ونظر إلى الإنسان كما سوف يكون بعد مليون سنة، فإذا هو ~~ينطلق من إحجامه في عداد ms036 السنين، ويكاد يتعثر في القيود كلما زحف ~~زحفة واحدة في تلك الآماد الطوال، فلم يكن في حسابه أن مليون سنة ~~قد تنفسح يوما من الأيام لطارئ غير مألوف من طوارئ الغيب، أو تسمح ~~بشيء من التغيير يخالف التغيير الذي سمح به للأعوام التي تعد ~~بالألوف أو بالمئات. ~~••• # في كتاب صورة الغد لمؤلفه «جورج صول» أمل يرجى «للإنسان» من طريق ~~التقدم في مجمل أحواله وأعماله ومعاملاته، يناط كله بالتعليم الذي ~~لا بد منه لترقية الصناعة، وتدبير مطالب المعيشة. # ليس للإنسان أمل في عالم يحكمه القلة من الأذكياء والخبراء، وينقاد ~~فيه للحكم المطلق جماهير الرعايا المسخرون على كره أو على طواعية، ~~فقد أفلس حكم كهذا الحكم منذ القدم في دولة الرومان. # وليس للإنسان أمل في عالم تستغرق أوقاته في الكد والهم، ولا يتسع فيه ~~بعض الزمن لعمل من أعمال الفراغ يقضي على اختيار وشوق بعد قضاء ~~مطالب المعدات والجلود: مطالب الحيوان. # إنما الأمل للإنسان - لروح الإنسان - في عالم تتكفل فيه الصناعة بأكثر ~~المطالب في أقل الأوقات، ويبقى فيه شطر من اليوم يقضيه الإنسان ~~فيما يختاره، ويختار فيه ما يرتضيه العارف المدرك الآمن على ~~الكفاية فوق الكفاف. # يقول المؤلف في ختام فصوله: إن علوم التصنيع تبدل من حالة العالم الذي ~~نعيش فيه تبديلا قويا خليقا أن يبدل من وجهات العقول، فليست ~~الآمال ولا الأحكام التي كانت ملائمة للمجتمع قبل بضعة أجيال بالتي ~~تصلح لهذه العقول، ولنجمع هنا طائفة من وجهات التغيير التي تجري ~~الآن والتي يرى أنها وشيكة أن تجري في الزمن القريب، كي نبني عليها ~~«تخمين» وجهات الفكر بعد التبديل المنظور. # إن بعض أبناء هذه البلاد لا يقدرون على الكفاية من القوت والكساء ~~والمسكن الصالح، ولكن الظاهر من نمو الدخل الفردي أن هذه الحالة ~~قريبة إلى النهاية في الولايات المتحدة، وينتهي بانتهائها أقدم خوف ~~للإنسان وهو الخوف من الفاقة، وكلما اقتربت الحالة من إشباع مطالب ~~الكفاية تحولت هذه المطالب إلى غير الماديات، وإنها لمطالب حاضرة ~~نحسها جميعا، وإنما يتناول التغيير المنظور أن ms037 نتمكن من تخصيص ~~مزيد من الوقت والسعي للحصول عليها. # وقد أدى ارتفاع مستويات المعيشة المادية في الولايات المتحدة إلى ~~التقدم السريع نحو المساواة في الدخل والمورد، ويؤخذ من الإحصاءات ~~منذ سنة 1930 أن فئات المشتركين في الدخل الواحد والمعيشة الواحدة ~~تنقص على عجل، ويصح هذا حتى بعد تعديل الإحصاءات من جراء ارتفاع ~~الأسعار، وعلى حسب قيمة الدولار سنة 1950 يحصل نحو الخمس من تلك ~~الفئات على دخل يقل مقداره عن ألف دولار ما بين سنتي 1935 و1936، ~~فهبط هذا العدد إلى أقل من العشر سنة 1950، ومعظمنا على تفاوت ~~مواردنا نلبس من أصناف متشابهة من الكساء، كما نأكل أصنافا ~~متشابهة من الطعام، ونسكن في حجرات تتقارب عند المقارنة بينها، ولا ~~تزال السيارات الرخيصة تدنو في مظهرها وسرعتها من ذوات الأثمان ~~الغالية عاما بعد عام، ويرتفع عدد العائلات التي تملك سيارة واحدة ~~على الأقل إلى نسبة تضارع ثلاثة أرباع عدد العائلات في البلاد، ~~وهذه حالة تختلف كثيرا عما كان مشهودا قبل فترة من الوقت، ولا ~~يزال مشهودا في كثير من البلاد حيث يعتبر اقتناء السيارة والتفرغ ~~للرياضة والاستمتاع بالأطعمة الحسنة مزية من المزايا الاجتماعية ~~النادرة. # ويشكو بعض النقاد من أن هذه التسوية مفضية إلى صورة من المشابهة على ~~نمط واحد لا تنوع فيه، إن لم تفض إلى نمط من المماثلة الجامدة، ~~وهذا خطر ولا ريب، إلا أن النتيجة أشبه أن تكون انتقالا إلى ~~التمييز بين الأفراد بغير المزايا المادية، من أن تنتقل بنا إلى ~~فقدان الشخصية، واختفاء التنوع في الأذواق، فيكثر عدد الأفراد ~~الذين ينفقون أوقاتهم في مرضاة أذواقهم وتعبيرا عن ذواتهم، ولا ~~يفرغون للمنافسة على مظاهر الثروة المادية، ومن كانت الوجاهة لديه ~~بغية غالية كان أحرى أن يلتمسها بإنماء ما عنده من ملكات المهارة ~~والذوق والمزايا الأدبية، ولم يلتمسها في المظاهر والأعراض، ولا ~~ينتظر أن تزول المنافسة بين الناس، ولكنها تتحول على نحو أوسع ~~وأشمل من الماضي إلى منافسة على السبق في خصلة من الخصال غير ~~النجاح في كسب المال والمغانم ms038 الاقتصادية. # وتدل اتجاهات العمل على أن عدد العمال المشتغلين بإنتاج السلع المادية ~~في التعدين والزراعة والمصنوعات آخذ في النقصان، وأن الزيادة تطرد ~~في عدد العمال المشتغلين بتوزيع تلك السلع وإدارة المواصلات وسائر ~~الخدمات ما عدا الخدمة المنزلية التي تميل كذلك إلى النقصان، وبعض ~~هذه الخدمات قد دعت إليه الحاجة من ترقي العناية بالصحة، وكثرة ~~الطلب لمن يطببون المرضى، ويشرفون على أسباب الوقاية، وبعضها قد ~~دعت إليه الحاجة من كثرة طلب المتعلمين للإقبال على المدارس ~~الثانوية والكليات، وينجلي الواقع في كثرة الطلب على المعلمين ~~والمدرسين من أن عدد الموظفين الحكوميين يربى على عدد المستخدمين ~~في المرافق الخصوصية، وأن وظائف الحكومة إنما تخصص لتوفير أنواع من ~~الخدمات التي تقتضيها حياة الحضارة الصناعية، ومعنى التحول من ~~إنتاج السلع إلى أداء الخدمات أن هناك تحولا من مزاولة الأشياء ~~الجامدة إلى مزاولة المعاملات مع الناس، وتوكيد العلاقة المشتركة ~~بينهم والبواعث العاطفية التي تتولد منها، ومنها بواعث الشعور ~~بقضايا الاجتماع التي تتميز بها حضارتنا، وأبرز التغييرات وأحراها ~~بالالتفات إليه أن عدد العاملين غير الفنيين ينقص على العموم، ولا ~~يقف النقص فيه عند قلة النسبة إلى مجموعة السكان، ومغزى ذلك ~~استئصال المشاق التي تضعف القدرة عليها بعد تجاوز الأربعين، وتقل ~~أجورها، ويكثر فيها التعرض للبطالة. # ولما كان الناس يعملون من عشر ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة كل يوم، كان ~~لا بد لهم من وقت للراحة وتجديد النشاط للعمل؛ كي لا تكون أعمارهم ~~سلسلة متلاحقة من الكد والمشقة، أما وأسبوع العمل الذي يكتفي فيه ~~بأربع وأربعين ساعة يوشك أن يعم وأن ينقص إلى أقل من ذلك قريبا، ~~فالوقت متسع أمام كثير من الناس لقضاء الفراغ في الشواغل الجدية لا ~~لمجرد الراحة والاستجمام، وكلما اقترب أسبوع الساعات الأربع ~~والعشرين من التحقق فكر ذوو الفطنة في طريقة يشغلون بها ستة أسباع ~~أوقاتهم، وليس الكسب الذي ينتظرونه من ذلك مالا يشترون به مزيدا ~~من بضائع السوق، بل أحرى أن يكون وسيلة لإشباع ما يروقهم مما ~~يفضلونه على المشتريات بعد استيفاء الضروريات، ms039 ومن ذلك الرياضة ~~الصحية، واللهو السائغ، والمرح الجياش بالشعور، والمتعة بإتقان بعض ~~الهوايات، وتذوق الفنون، ولذة المعرفة، والقيام بالخدمات النافعة ~~في الحياة السياسية والاجتماعية، وإن المجتمع الذي يتاح لكل فرد ~~فيه على وجه التقريب أن يختار ما يشاء أن يشغل به معظم أوقاته ولا ~~يساق اضطرارا إلى العمل الذي يجده كائنا ما كان، لهو مجتمع خليق ~~أن يوصف بالمجتمع الحر على مثال أفضل وأوفى من كل مجتمع عرفناه ~~فيما سلف، وهذه حرية تقترن كسائر الحريات بتبعة الاختيار الحسن كما ~~يجوز أن يساء استعمالها، ومتى شعر الناس بالحاجة إلى اجتناب هذا ~~الاستعمال السيئ لنشدان السعادة، كان شعورهم هذا حافزا هاما ~~لابتكار الجديد من النظم الاجتماعية وأساليب العرف والعادة. # والمعلوم أن النوع الإنساني ينفرد بين الأنواع بصفة حيوية هي حاجته ~~إلى الحضانة الطويلة، وتمتاز الثقافات المتطورة على ما دونها من ~~الثقافات بطول الوقت الذي تستلزم قضاءه في التعليم والاستعداد، ~~وليست الحضارة الفنية المتطورة بالاستثناء لهذه القاعدة، ففي سنة ~~1910 كان نحو 86 في المائة من أبناء الولايات المتحدة بين السابعة ~~والثالثة عشرة منتظمين في المدارس، وهي سن يفرض فيها التعليم ~~الإلزامي الآن، وفي سنة 1950 كانت نسبة المنتظمين في هذه السن نحو ~~ستة وتسعين في المائة، ويتضح الفرق كلما ارتقينا في السن بعد ذلك ~~إلى الرابعة عشرة والخامسة عشرة إذ تبدأ الدراسة العالية، فإن ~~النسبة وثبت من خمسة وسبعين في المائة سنة 1910 إلى نحو اثنين ~~وتسعين في المائة سنة 1950، والنتيجة التقريبية أن نحو ثلاثة أرباع ~~عدد الشبان والشابات قد أتموا دراستهم العالية أو هم موشكون أن ~~يتمموها. # وليس أمام مجتمعنا في المستقبل مسألة أهم من مسألة التعليم، وبغير ~~إنجازها على الوجه الأمثل لن يكون لدينا الخبراء المختصون اللازمون ~~لإدارة دولاب المجتمع المترقي في الاقتصاد الصناعي، ولن يكون لدينا ~~الظهارة التي لا غنى عنها، للتعليم الحر المطلوب لفهم المشكلات ~~المعقدة، ومعالجتها حق علاجها، مما يرتبط بذلك التطور، ويسايره في ~~أحوالنا القومية، وعلاقتنا الدولية. # على أن التعليم لا يتوقف بجملته على المدارس وحدها، ms040 فإن المفكرين ~~الكفاة يثابرون على تعليم أنفسهم زمنا طويلا بعد نهاية السنوات ~~المدرسية، ولكن لا بد من اقتدار المدرسة على تربية الأذواق، وتوليد ~~الميل الذي يعين على كسبها، وإن النجاح في هذه المحاولة يؤدي إلى ~~إتقان العمل في الصنعة كما يؤدي معه إلى حسن استخدام الوقت بعد ~~الفراغ من العمل المطلوب لكسب الرزق، وقد نصل إلى الثقافة الناضجة ~~في حضارتنا الصناعية من طريق المساعي التي نبذلها طلبا للفطنة ~~النافعة في تكوين أفكار ومبادئ تعيننا على المساهمة في مقاصد الفعل ~~التي لا حد لها، ومحاسن الفنون، وسائر ما يهذب الشخصية الإنسانية، ~~ويهذب معها المجتمع الذي تعيش فيه، ولا يكون قصارى الأمل من تلك ~~المساعي المبذولة أن تجلب لنا الثروة والمظاهر المادية. # ومن الجانب الآخر يخشى الخطر الجائح من الإخفاق في استخدام السيطرة ~~على الطبيعة التي أتاحتها لنا الخبرة الصناعية استخداما يهدف إلى ~~الغايات الإنسانية؛ إما من التطوح إلى الحروب، أو من إقامة المجتمع ~~على أنصاب من الآدميين محيت ملامحهم الشخصية. فما استطاع من قبل - ~~حتى الرومان - أن يضمنوا طول البقاء لمجتمع يقوم على نخبة من ~~العلية الأذكياء، وجمهرة من الرعية تراض على السكينة بالخبز وحلقات ~~الألعاب، وإن المجتمع الغني الديمقراطي لينوط أكبر الرجاء بما ~~لجميع أبنائه من الكفايات والأخلاق. # 1 ~~••• # على هذا النمط يسبق الكاتب الغد بنظرته إلى عواقب اليوم، فيخطو على ~~مهل ويتجنب الوثبة، ولا ينسى مواطن الزلل مع عثرات الأمل، فلا ~~نبوءة في الواقع هنا، وإنما هو ترتيب لسلسلة من الحلقات يتبع بعضها ~~بعضا، ولا تأتي بجديد على غير انتظار، فالصناعة تقارب بين الأعمال ~~والأرزاق وتمهد السبيل لكسب الوقت الذي يبذله من يشاء في تحصيل ~~المزايا والأذواق التي توفر ثروات العقول والنفوس، ولا تحصر التقدم ~~الصناعي في توفير المال والعتاد، وهذا إن شاء من يملكون سعة الوقت ~~أن يبذلوها في مقاصد الفكر والروح. # وذلك هو مصير «الإنسان» كما تنبئنا به هذه «النبوءات» الوئيدة على حذر ~~لا يخلو من رجاء، ورجاء لا يخلو من حذر. # وفي حدود هذه الخطوات الوئيدة ms041 ينظر كاتب علمي آخر إلى مصير «الإنسان» ~~في عصر الصناعة، أو ينظر - كما قال في عنوانه كتابه - إلى الناحية ~~الإنسانية من العلم فيعلق مصير الإنسان كله على «تربيته الشخصية» ~~ويربط بين تربيته الشخصية وشواغل المادة ومطالبها، فلا يراهما ~~منفصلين، ولا يراهما مع ذلك شيئا واحدا تستغرقه الماديات، ~~وتستأثر به كله مطالب الرغد والرخاء. # وخلاصة تقديراته أن الإنسان يمكن أن يكون إنسانا تاما بشخصيته ~~تامة، ولكنه لا يكون كذلك إلا إذا التفت إلى كل جانب من جوانب ~~«الشخصية الإنسانية»، ولم يقصر التفاته إلى جانب المادة أو جانب ~~البدن منها؛ لأن الشخصية الإنسانية عاطفة وعقل وضمير وليست مجرد ~~أعضاء ووظائف وخلايا وأعصاب، ولو عرف الإنسان كل شيء من تركيب بدنه ~~لما أحاط بأسرار قواه الشخصية، ولما نفذ إلى حقيقة سر الحياة، ~~فإننا لا نعرف الموسيقى إذا عرفنا كل دقيقة وجليلة من الأخشاب ~~والمعادن والأوتار التي تدخل في تركيب العود والقيثار والبيان، ~~وبعض علماء الحياة يراقبون تغذية الحيوان ويلاحظون مثلا أن ~~العواطف تتأثر ببعض الأغذية فتنقص أو تزيد: لاحظوا أن الفارة التي ~~يقل المنجنيز في غذائها تهمل صغارها ولا تعطف عليها، وأنه لحسن ~~منهم أن يلاحظوا هذا، ويصلوا منه إلى زيادة حصة الحيوان من ذلك ~~الغذاء، ولكنهم إذا جاوزوا ذلك فقالوا: إن عاطفة الأمومة هي مقدار ~~معلوم من المنجنيز فهم مخطئون، وخطؤهم في هذا الرأي كخطأ القائل: ~~إن نغمات الموسيقى أخشاب وأوتار، وإن نقص الغذاء لينقص حركة الجسم ~~وحركة الدوافع الحية، ولكن مادة الغذاء وعاطفة الحياة شيئان ~~مختلفان، ومن الواجب أن نعرف تركيب الجسم وتركيب كل مادة فيه، ~~ولكننا لن نعرف الشخصية الإنسانية من معرفة هذا التركيب؛ لأن هذه ~~الشخصية الإنسانية تكوين عجيب يعجزنا الآن لأن نسبر أغواره، ولكننا ~~قد نلمحها لمحا إذا لاحظنا الفوارق التي لا نهاية لها بين إنسان ~~وإنسان، أو بين شخصية وشخصية، فلكل إنسان صوته، ولكل إنسان ملامحه، ~~ولكل إنسان خطوط أصابعه، ولكل إنسان كتابة لا يكتبها غيره، ولكل ~~إنسان تركيبه في فصيلة الدم وخلايا البروتين، ولكل إنسان قابليته ms042 ~~للصحة والمرض وللمقاومة والإصابة، وهذا كله في المحسوسات التي ~~ندركها بأيسر نظرة. أما الخفايا فمنها ما يجهله الإنسان نفسه في ~~وعيه الباطن أو في وعيه الذي لا يتضح للشعور، ونعلم أن أدواتنا ~~العلمية لا تمكننا من كشف هذه الخفايا إذا علمنا أنها تكمن كلها في ~~الخلية التي يولد منها الإنسان، وأن جميع الناسلات التي يولد منها ~~النوع الإنساني يمكن أن توضع في فنجان، وسيبقى الإنسان محجوبا عن ~~نفسه ما دام محجوبا عن أعماق هذه الشخصية، وما دام منصرفا عن ~~جانب الضمير منها، أو ما دام متجها إلى الخلط بين مادة جسمه وبين ~~العوامل الحية التي ترتبط بتلك المادة؛ لأن ألحان الموسيقى لا توضع ~~ولا تفهم ولا تتذوق بمعرفة الأخشاب والأوتار. كلا، ولا بمعرفة ~~العلامات والإشارات التي تضبط بها الألحان والنغمات، وهنا ينبغي أن ~~نسأل: ما هي حقائق الضمير؟ والجواب: أننا لا نعرفها جميعا، وأن ما ~~نعرفه قد يختلط عند بعض الناس للجهالة أو للهوى والضلال، ولكن ما ~~نجهله أو نخطئ فيه لا نتركه ولا نحتقره، بل نثابر على طلبه لنصحح ~~خطأه وننفي جهله، ولو أننا تركنا كل حقيقة وجهلناها وأخطأنا فيها ~~لما بقيت عندنا معرفة بالمادة ولا بالضمير. # وهنا يضرب المؤلف مثلا بالطفل الذي يبيت ليلة عيد الميلاد وهو يحلم ~~بالهدايا التي يضعها القديس نيقولادس - أو سانت كلوز راعي الأطفال ~~- إلى جانب وسادته، فإن هذا الطفل ولا ريب يحلم بخيال، ولكنه خير ~~من الطفل الذي لا يتخيل شيئا عن فرحة عيد الميلاد، ولا عن هدايا ~~الغيب، ولا عن شوق الانتظار الذي يخامر جميع النفوس في أمثال هذه ~~الأوقات، فما دام عيد الميلاد موجودا، فالطفل الذي يدركه على صورة ~~من الصور - حسبما يستطيع في خياله وفكره - أصح إدراكا من الطفل ~~الذي لا يدركه إدراك الصغار، ولا إدراك الكبار، وعلينا في هذا ~~العصر خاصة أن نعلم أن معرفة المحسوسات الظاهرة لا تستدعي إنكار ~~الغيب، ولا إنكار ما وراء المحسوسات؛ لأن علمنا بالمادة المحسوسة ~~قد انتهى بنا أو كاد أن ينتهي بنا إلى ms043 عالم كعالم الغيب وراء ~~المحسوس أو وراء المعقول. # ويقول المؤلف بحق: «إن كبار العلماء لا ينكرون الغيب، وإن أناسا لا ~~يزالون معدودين من أكبر العلماء كانوا يؤمنون بما وراء المحسوس، ~~كان نيوتن مكتشف قانون الجاذبية يصلي ويؤدي فروضه الدينية في ~~مواعيدها بغير انقطاع، وكان جاليليو مكتشف دوران الأرض يؤمن بالله ~~والدين، وكان أينشتين يقول: إنك إذا أردت أن تعرف غاية الحياة ~~فمعنى ذلك أن تكون متدينا، وكثير من خلفاء هؤلاء العلماء في العصر ~~الحاضر يرجعون إلى الغيب كلما أوغلوا في العلم بالمحسوسات.» # ويردد المؤلف قول القائلين: إن الخوف كبير في عصرنا من شطط الإنسان في ~~استخدام معلوماته، ومن الجائز أن يكون حتف النوع الإنساني في هذه ~~الطاقة المخيفة إذا أساء استخدامها في الحروب، ولكن المؤلف يعود ~~فيقول: إن هؤلاء المتشائمين يبالغون في الخوف من عوامل الشر والهدم ~~التي ينطوي عليها طبع الإنسان، ولا يعطون عوامل الخير والبناء حقها ~~من الأمل والثقة، مقاسا على الماضي في أحوال كأحوال العصر الحديث، ~~ولقد كان اختراع النار يكفي للقضاء على عمران الإنسان كله في ~~زمانه، ولكنه عزز هذا العمران وعلمنا أن نخترع أنواعا من النار لم ~~تكن معروفة في عهد أجدادنا الغابرين، وكل ما اخترعناه من أنواع ~~الوقود فهو توسع في استخدام النار، ولكنها قد حسن استخدامها في ~~أوقات، وساء استخدامها في أوقات، وكلها في النهاية قد أضاف إلى ~~العمران، ولم يكن سببا للقضاء عليه، ولا خطر على الإنسان في الغد ~~على هذا الاعتبار، ولكننا لا نقنع بالأمان من الخطر إذا استطعنا أن ~~نتمم أنفسنا، ونحن قادرون على إتمامها إذا عشنا بشخصية متوازنة بين ~~عوامل العقل والعاطفة والضمير. # وهل معنى ذلك أننا سنعرف كل ما في أنفسنا من الخفايا والأسرار؟ لا ريب ~~أننا نزداد علما بتلك الخفايا والأسرار جيلا بعد جيل، إلا أننا ~~لا يلزمنا أن ننتظر طوال الأجيال لنعرف منها كل ما يستطاع؛ لأننا ~~نعرف مطالب العقل والعاطفة والضمير، نعرف التطلع إلى الحقيقة، ~~ونعرف الشوق إلى جمال الطبيعة والفنون، ونعرف كرامة المبادئ ~~الرفيعة ms044 والأمثلة العليا في الأخلاق والآداب، ونعرف مطالب الضمير ~~من العقيدة الروحية، وما نعرفه من هذه الجوانب المتعددة في الشخصية ~~فهو حسبنا للموازنة بينها وبين مطالبنا البدنية، وحسبنا في الحذر ~~من مسخ طبيعتنا بالاستسلام إلى جانب منها دون سائر الجوانب، وهو ~~حسبنا للتقدم في طريق التمام. # وعند المؤلف أن هناك غاية أعلى من غاية الموازنة بين جوانب البدن ~~وجوانب العقل والعاطفة والضمير، فإن عباقرة العالم كلهم يتوازنون ~~في جميع الجوانب، ومنهم من تغلب عليه نزعة تغطي على جميع نزعاته، ~~وبها يمتاز على سواد الناس، ويتمكن من خدمتهم بالفتوح الجديدة في ~~ميادين العلوم والفنون والأخلاق ، إلا أن العبقريين يوسعون شخصيتهم ~~بهذه النزعة الغالبة ولا يضيقونها، وأنهم يتمون بها ولا ينقصون، ~~وهم الاستثناء في هذه القاعدة، ولا تخلو قاعدة من استثناء. # وسؤال المبدأ والختام عند المؤلف: ماذا يمكن أن يكون الإنسان غدا؟ ~~وليس جواب المؤلف أنه سيعلو على الإنسانية إلى طبقة السوبر مان ~~التي حلم بها دعاة القرن التاسع عشر، وإنما جوابه أن الإنسان يتمم ~~نفسه غدا فلا يحاول التحليق بجناح واحد، وأن المستقبل لإنسان يعرف ~~حق البدن ولا ينسى حق العاطفة وحق الروح والضمير. ~~••• # والعالم الطبيعي شارلز جالتون داروين - حفيد داروين الكبير - يثب ~~وثبته البعيدة في حساب السنين إلى ما بعد مليون سنة، ولكنه لا ~~يجاوز في وثبته ذلك المدى الذي ذهب إليه زملاؤه من القانعين بالنظر ~~إلى مدى القرن العشرين أو القرن الحادي والعشرين، فيكاد أن يقضي ~~بالأمل في مصير الإنسانية دونهم، ويكاد أن يقول: إن العصر الذهبي ~~يمضي ولا يقبل، وإن التنازع على البقاء خليق أن يعود بالعالم إلى ~~معاركه العنيفة يوم كان العالم المعمور يضيق بساكنيه، ويضن عليهم ~~بالكفاف الذي يكفيهم جميعا، فيتقاتلون أو يدفع بعضهم بعضا إلى ~~الهجرة والابتعاد، وسيأتي اليوم الذي تضيق فيه موارد العالم عن ~~سكانه، ولا يسعهم يومئذ أن يعتصموا بالهجرة لامتلائه بالسكان، وضيق ~~منادح الخلاء في جميع بقاعه، إلا أن يقع ما ليس في الحسبان من أمر ~~الأرزاق والسكان. # ويرى العلامة حفيد صاحب النشوء ms045 والتطور أن الناس يتغيرون ويتطورون مع ~~الحضارة، ولكن الإنسان في دخيلته لا يلوح عليه أنه استراح إلى ~~التطور الذي جاءه من قبل الحضارات المتوالية؛ لأنه يكن في طواياه ~~بقايا الأزمنة المتطاولة التي سبقت تلك الحضارات، ويستريح إلى ~~معاودتها كلما وجد بين يديه منفسا للمعاودة، وقد ينكشف منه الحنين ~~إلى الماضي في كثير من عادات الجد واللعب التي تشملها أعماله ~~السلمية، كأنها البديل الحاضر عن سوابقه في العراك والنزاع. # ولا ينسى داروين الحفيد أن الإنسان يتعلم، وأنه أقدر الحيوانات العليا ~~على التعلم والاستفادة من التجارب المتعاقبة، والفرق بينه وبين ~~أنواع الحيوان في # 2 # هذه الخصلة عظيم لا مثيل له في الفوارق المتعددة بين ~~نوع منها ونوع آخر، إلا أن الحيوان يورث أبناءه تجاربه الطويلة؛ ~~لأنها تتمثل في الغريزة التي تنتقل في لبابها بالوراثة، وليس علم ~~الإنسان المكتسب بالعلم الموروث أو القابل للتوريث. # وهناك وراثة تكاد أن تكون خاصة بالإنسان تعوض النقص في وراثته لمعارف ~~آبائه وأجداده، وتلك هي وراثة العقائد من طريق الجماعة التي يولد ~~فيها، فلا يولد الإنسان بعقيدته العامة، ولا يخلقها لنفسه، ولكنه ~~ينشأ عليها بتلقين من الجماعة يشعر به أو يتقبله على غير شعور منه، ~~وتدور هذه العقائد قرابة عشرة أجيال، ثم تضعف وتخلفها عقائد أخرى ~~مشتقة منها أو مناقضة لها في بعض الأحايين، ومن هذا التوارث في ~~العقائد العامة يعود على الناس خير محمود العاقبة إذا بنيت العقيدة ~~على صلاح؛ لأن وراثة الاعتقاد ووراثة الحماسة له تؤديان إلى القصد ~~في جهود الجماعة فلا تحتاج في تجديد بواعثها إلى العمل كل ~~جيل. # ويشير الدكتور داروين إلى الفرق بين الطبائع الإنسانية في أمر ~~الاعتقاد، ويقتبس للتفرقة بينهما اصطلاحا شائعا يقسم الناس في ~~هذا الأمر إلى قسمين: قسم الخراف، وقسم المعز، أو قسم المنقادين في ~~القطيع، وقسم المفرقين من هنا وثم تارة على استقامة وتارة على ~~انحراف، وكلا القسمين لازم لحياة العقيدة في استمرارها على وتيرة ~~واحدة أو في استعدادها لقبول التنويع والتنقيح. # وليس من اللازم عند الدكتور داروين أن ms046 تكون العقيدة ديانة من ديانات ~~العبادة الكبيرة التي ينتمي إليها عشرات الملايين من مختلف الشعوب، ~~بل هو يعني بالعقيدة كل مبدأ يؤمن به صاحبه، ويستلهم منه الهداية ~~في غاياته ومعاملاته لأبناء قومه أو أبناء نوعه، ولا غنى عن هذه ~~العقائد الآن ولا بعد آلاف السنين. # فإذا أراد المصلحون تهذيب الإنسان فوسائل الإصلاح المعروفة الآن ثلاث: ~~أن يتولى المصلح تعليم أتباعه بالإقناع والتفهيم ينتهي سعيه ~~بانتهاء حياته، ولا يجتذب إليه غير القليلين ممن يعملون بآرائهم، ~~ويتغلبون بالفهم على التقاليد والبواعث الموروثة، فإن لم يعتمد ~~المصلح المهذب على الإقناع والتفهيم فسبيله أن يعتمد على التحسين ~~«البيولوجي » أو تحسين الطبيعة على الطريقة التي تتبع في تحسين ~~النبات والحيوان، وقد تنقضي الأجيال قبل أن تظهر لهذا التحسين ثمرة ~~تدعو إلى المضي فيه والمثابرة عليه، فلا يبتدئ العمل به حتى يدب ~~إليه الإهمال ويتوقف السير فيه إلى غايته المرتجاة، وقلما يتعاقب ~~مصلحان اثنان يتمم أحدهما عمل صاحبه على نسق واحد، وقلما تتيسر له ~~أسباب التنفيذ بعد حياته على النمط الذي يتوخاه، وينظر إلى ~~عقباه. # فلم تبق من وسائل التهذيب المجرية غير وسيلة العقيدة الموروثة، وهي ~~عند سريانها تمتد بأثرها عدة قرون، أو عشرة أجيال على التقدير ~~المألوف. # وغاية ما يبلغه حفيد صاحب المذهب النشوئي ملخص في ختام كتابه إذ يقول: ~~«إن الأمل كله مرهون بإمكان تقرير القوانين العلمية التي تسيطر على ~~الحياة بما يقارب الدقة التي تقررت عليها قوانين العلوم الطبيعية.» ~~ثم يقول: إن من حق غيري ممن يعرفون عن التجارب البيولوجية ما أجهله ~~أن يمهدوا لتقرير تلك القوانين، ولكنني - مع التواضع البالغ - ~~أجترئ على بيان الأسس التي أحسبها صالحة لأن تقاوم عليها، فإما أن ~~نأخذ في هذه الأسس بقول القائلين: إن الإنسان - باعتباره حيوانا - ~~خاضع لقانون تنوع الأنواع الذي يحكم على الإنسان بالبقاء بغير ~~تبديل يذكر إلى مدى مليون سنة، وفي ذلك قضاء على فكرة الكمال ~~الإنساني وآمال المتطلعين والمترقبين من ذوي الضمائر النبيلة ~~والمطامح العالية، وإما أن نأخذ في تلك الأسس بقول القائلين: ms047 إن ~~الإنسان حيوان آبد لا يسري عليه ما يسري على الحيوانات المدجنة، ~~وإما أن نأخذ فيها بقول القائلين: إن الصفات المكتسبة لا تورث، وهو ~~قول مقرر في شئون الحيوان، ولكنه قليلا ما يؤبه له في الشئون ~~الإنسانية، فإذا بني العمل على هذه الأقوال على ما يقابلها، ~~ويستبدل بها أمكن أحيانا أن نزن بها صلاح السياسة المتبعة في ~~قيادة الشعوب، وأن يلاحظها السياسي الحكيم في عمله فلا يضيع جهده ~~عبثا؛ لأنه بذلك دون سواه يستقيم على جادة التوفيق. # فما التدبير الذي ندبره إذن لمستقبل النوع الإنساني؟ أخشى أن يسفر ~~الجواب عن قليل، وذلك لسبب جد بسيط وهو قلة اكتراث الناس لما سوف ~~يجري في المستقبل البعيد، ومعظمهم إنما يكترث للغد الذي يمس ~~أبناءهم وحفدتهم ويلوح له ما وراء ذلك كأنه شيء بعيد من الواقع، ~~وقد ينظر المفكرون إلى المستقبل البعيد، ويرون في الوقت نفسه أن ~~الشكوك والريب أكبر من أن تتضح خلالها خطة مقررة، ولنضرب لذلك ~~مثلا: نفاد الوقود في الأزمنة المقبلة، فإنني أعلم أن أبنائي لا ~~يصادفون منه أزمة ذات بال، وقد أعلم أن الجيل الخامس عشر بعد ~~أبنائي لن يجدوا عندهم فحوما على الإطلاق، أتراني أكف عن إيقاد ~~الفحم في الليالي الباردة خوفا من اليوم الذي يبحث فيه أبناء ~~الجيل الرابع عشر من نسلي عن الفحم فلا يجدونه؟ إن هذه الأمور تلوح ~~لنا في ابتعادها من الواقع المحسوس بالمكان الذي يجردها من الوزن ~~والخطر، وإن الحياة لعلى خطر التقلب في كل حين، ومن العسير أن ~~نتيقن من البقاء ولو إلى عشر سنوات، فلا جرم لا نرى أحدا يبالي جد ~~المبالاة ما سيكون بعد قرن من الزمان، وما من خطب من خطوب الدنيا ~~يشغل الإنسان أمدا أطول من ذاك. # بيد أن المستقبل البعيد قد يعمل له الآن ما لم تجر العادة بعمله قبل ~~الآن، ومن ذاك أن مساعي الإصلاح كانت فيما مضى تنحصر في تحسين ~~أحوال الإنسان ولا تعني كثيرا بتحسين طبيعته، فما هو إلا أن تتبدل ~~الأحوال حتى تذهب ms048 المساعي إلى ضياع، وإنما الأمل الوحيد أن تنصب ~~تلك المساعي على خطة من الإصلاح لا تنقضي بانقضاء الأحوال والظروف، ~~وستكون أصول الوراثة المقررة في علم الحياة مرساة يستقر عليها كل ~~نفع وثيق يرجى لنوع الإنسان. # وأعبر في الختام عن ميولي الخاصة فأقول: إنني شديد الاهتمام بمصير ~~العالم، وأود حق الودادة أن يكون لذريتي دورهم فيه، ومهما يكن من ~~نزارة العلم بالمستقبل، فليس مما يقنعني أن يكون مستقبلا تنقطع ~~الصلة بيني وبينه، وأيا كان مصير الحياة إلى السعادة أو إلى الشقاء ~~بعد أجيال - ولا مفر من الشقاء على أية حال - فإنها لتجربة تستحق العناء. # 3 # الفصل السادس # | تعقيب وتمهيد # من نماذج البحوث التي أسلفنا إيجازها وتلخيصها نتعرف إلى شكل من ~~الأشكال الخاصة بالقرن العشرين في بحوث علمائه التي يستفتحون بها ~~مغاليق الغيب، ويتطلعون فيها إلى مجاهل المستقبل القريب والبعيد، ~~فإن للقرن العشرين طابعا منفردا في هذه البحوث بين بحوث العلماء ~~في بابها قبل بضعة قرون. # هناك نظرات الحكماء إلى المستقبل من قبيل الطوبيات # vtopias # أو المدن الفاضلة كما سماها ~~الفارابي في ترجمته لجمهورية أفلاطون، وطريقة الطوبيين حين ينظرون ~~إلى المستقبل أن يتفطنوا لعيوب الحاضر، ثم يرسموا للمستقبل مجتمعا ~~يتنزه عن تلك العيوب ويصلحها بما يستطاع من أعمال الإنسان أو أعمال ~~العناية الإلهية، ولا سبب عندهم يدعوهم إلى انتظار الطوبى ~~الموعودة، إلا أنها أفضل من المجتمع الحاضر، وينبغي أن يكون مفضلا ~~عليه في عرف الناس، ولا يدرون بعد ذلك أقريب هو أم بعيد؟ وموجود ~~بعد حين هو أم غير قابل للوجود؟ # وهناك أحلام اليقظة التي يتعلق بها فكر الحكيم، ويصوغها على ما ~~يرتضيه، وكأنه ضرب من القصص التي تجمل الواقع بحلية مستعارة من ~~الرؤيا والخيال. # وهناك الفراسة التي يستعان بها على كشف المجهول في الغد، كما يستعان ~~بها على كشف المجهول في هذا الزمن؛ ظنون ألمعية كالتي عناها شاعرنا ~~العربي إذ يقول في وصف ممدوحه: # الألمعي الذي يظن بك الظ # ن كأن قد رأى وقد سمعا # وأتم ما تكون هذه الفراسة حين ms049 تترقب الممكن، وتتجنب الشطط في الحدس ~~والرجاء. # وهناك العصور الذهبية التي يلفقها الفكر والخيال معا من وقائع ~~الماضي، وأمثلة الحاضر وأماني المستقبل، وقد يتوهم بعضهم أنها صفحة ~~مطوية يعاد نشرها، أو أنها صفحة يكتبها الغيب وتستطلع منها السطور ~~بعد السطور. # نظرات الباحثين عن المستقبل في القرن العشرين ليست في طابعها الخاص به ~~على نموذج من هذه النماذج: ليست هي من الطوبيات، ولا من الأحلام ~~ولا من فراسة الحدس والفطنة، ولا من صور العصور الذهبية، ولكنها ~~أشبه ما تكون بحساب المهندس لحركات الجهاز المعروف بسرعته وطاقته، ~~يمشي في أرض مرسومة على الورق، كما ترسم الخرائط على البيد ، وقد ~~يكشف العيان منها عن خلل في التفاصيل، وإن لم يكن بها خلل في ~~الأبعاد. # هي حساب: فهي تصيب كما يصيب الحساب، وتخطئ كما يخطئ، ولا يمتنع أن ~~يكون خطؤها من وراء الحسبان أشد من خطأ الظن والفراسة. # ونحن نراجع «التقديرات» التي يبسطها لنا الباحثون في القرن العشرين ~~كما ننظر إلى الخائض على قدميه في البحر اللجي إلى مقربة من ~~الشاطئ، ونعلم أنه يخوض الموج على أرض ثابتة راسخة، ولكن ماذا يحدث ~~يا ترى إذا أخذ في العوم والسباحة بعد المشي على قدميه؟ وكيف يتغير ~~البحر اللجي عليه بين قوة الموج وقوته هو على السباحة، وبين الساحل ~~القريب والقرار العميق؟ # سيحدث الخلاف في التقدير لا محالة، ولكن التقدير مع هذا يظل لدينا ~~تقديرا صحيحا على أصدق ما يكون في حيز الإمكان، وقد نلمحه نحن ~~كما يلمحه الخائض السابح، وقد نجهله جميعا ولا لوم علينا أو ~~عليه. # ومما يتسم به هذا الطابع الخاص بتقديرات القرن العشرين إلى المستقبل ~~أنه مصحوب الحذر والتحفظ، يؤثر أن يتريث في مكانه خطوتين على أن ~~يتقدم خطوة واحدة لا يعلمها، وتلك سمة من سمات البحوث العلمية في ~~مختلف الدراسات، لا نريد أن نقول: إنها أصدق في العلم وأقرب إلى ~~الأمانة العلمية، ولكنا نريد أن نقول بحق: إنها مأمونة عند الحساب ~~قليلة الكلفة عند المطالبة بالدليل، فإذا لاحت للعالم صورة مشكوك ms050 ~~فيها، ثم سكت عنها أمن المحاسبة، وخلص من المطالبة بأدلة الإقناع ~~أو أدلة الترجيح، ولعله لا يناقض العلم إذا قرر ما يراه، وأبان عن ~~شكه فيه، بل لعله لا يناقض العلم إذا قرره كما تقرره النظريات التي ~~لا غنى عنها قبل الإثبات القاطع بالبرهان أو بالعيان. # وعلى هذا الحذر والتحفظ من المتطلعين إلى المستقبل في القرن العشرين، ~~نرى أن التفاؤل بالغد شيء يبيحه لنا مد النظر إلى غاية مداه، فإنه ~~تفاؤل لا يدخل بنا في عالم الطوبيات ولا في أحلام اليقظة، وليس من ~~قبيل الحنين إلى العصور الذهبية، ولا من قبيل الفراسة التي تتأمل ~~على البعد قبل أن تلمس البوادر مما تراه. # علم القرن العشرين فيه وعد كبير، أوشك من كبره أن ينقلب في بعض نواحيه ~~إلى وعيد. # فمن وعده الكبير أنه يهيئ للأمم المتقدمة والمتأخرة شروط المعيشة ~~الصحية، ويعلمها فنون العلاج والوقاية ويوفر لها أنواع المطهرات ~~والمبيدات التي تدفع الأمراض، وتستأصل جراثيم الأوبئة، فتكثر ~~المواليد وتقل الوفيات، ويتضاعف سكان الكرة الأرضية على نسبة لم ~~تعهد في القرون الغابرة، وذلك كله علامة خير وبشير أمان، ولكنه - ~~بما فيه من الخير والأمان - ينطوي على نذير بالشر غير مأمون ~~العاقبة، بعد أجيال. # ونذيره بالشر أنه يربى بعدد السكان على الكفاية من الأقوات والأرزاق، ~~فيتناحرون ويلجئون في حروبهم إلى أسلحة جائحة لم يعهد لها كذلك ~~نظير من قبل في الإبادة والتدمير. # ويسمعنا القرن العشرون وعده الآخر بعد هذا الوعيد المحذور: يسمعنا ~~وعده بالقدرة على استدراك النقص في الأقوات والأرزاق بما يستطيعه ~~الآن، وما يهدي إليه في المستقبل، من تسخير العلم والصناعة في ~~استخراج الأقوات والأرزاق من الأرض البور، ومن المواد المستصلحة ~~للغذاء، ومن ذخائر الطبيعة التي أهملها الإنسان قبل الآن عجزا عن ~~تسخيرها وجهلا بما تحتويه، وقد يتقي إنسان المستقبل غوائل ذلك ~~النذير بتدبير نفسه في شئون نسله وأسرته، فلا يضيق بالرزق له ~~ولذريته على قدر مقدور. # ويعود المنذرون المتشائمون فيتساءلون: ترى هل تتم الوقاية قبل الخطر؟ ~~وهل من ضمان لتأجيل الخطر، وتعجيل ms051 الوقاية قبل فوات الأوان؟ # ومناط الأمل كله في دفع الخطر أنه خطر عظيم، بل إنه الخطر الأعظم ~~والخطر الأخير الذي لا خطر بعده، ولا استدراك لجرائره ومعقباته، ~~فإن لم يكن في وسع الإنسان أن يتعقل ويعمل رويته في هذا المأزق ~~الذي لا مأزق قبله ولا بعده، فالآفة في جهله شر من الآفة المحذورة ~~من كل مصاب، وبليته واقعة محتومة قبل البلية بأسلحة. # ومن وعود القرن العشرين التي يرجى أن تنجزها الأيام على مهل، وعلى ~~درجات أنه سوف يتأدى إلى صلاح الإنسان نفسه، وصلاح الجماعة ~~الإنسانية بما يمهده لها من حسنات العلم والصناعة. # وأقرب هذه الحسنات إلى التحقيق أن تتقارب الأمم وتتقارب الطوائف ~~والطبقات في المجتمع الواحد، فإن اشتباك العلاقات والمعاملات بين ~~أمم العالم يسوقها إلى التعاون باختيارها وعلى كره منها، وانتشار ~~الصناعة يؤدي إلى توزيع الأعمال والأرزاق بين الطوائف والآحاد، كما ~~يؤدي إلى توزيع الكفايات والمواهب، فلا تتحكم طائفة واحدة في ~~غيرها، ولا تعجز طائفة من الطوائف عن صيانة حقوقها، ولا تنفصل هذه ~~الحقوق كل الانفصال بين فريق وفريق من أبناء الأمة الواحدة، ويشفع ~~هذا التقدم في حق الفرد وحق الطائفة أن يتسع الفراغ للمطالب ~~الكمالية - مطالب الذوق الجميل والفطنة المتفتحة والرياضة المقومة ~~للأبدان والأذهان - فيتقدم الإنسان في خلقه وأدبه، ولا يقف به تقدم ~~الصناعة عند تقدم الآلات والمصنوعات، وبين الوعد والوعيد من طوالع ~~القرن العشرين تسوغ لنا الموازنة على الغيب، فلا نغلو في التفاؤل ~~إذا رجحنا جانب الوعد على جانب الوعيد، فإنه جانب له أسبابه ~~الملموسة ومقدماته الراجحة، ودعائمه التي تستقر على الأرض، ولا ~~تطير إلى أشباه السحاب من دعائم الطوبيات والأحلام. ~~••• # فيما يلي من فصول هذا الكتاب تعقيب يضيف إلى ما تقدم من التمهيد ولا ~~يخالفه في أساسه، ولا في سياقه؛ لأنه لا يفارق قواعد العلم التي ~~تحراها الباحثون وأصحاب الآراء، ولكنه يتحرى التفسير والأمل، حيث ~~يتحرون الإحصاء والحذر، وكلاهما جائز لنا - بل واجب علينا - إذ ~~أردنا أن نأخذ من علم هذا القرن كل ما يعطيه. # ليس العلم ms052 مجعولا للأخبار وحدها، ثم ينقلب بعدها جهلا لا فائدة ~~فيه. # إنه لمجعول كذلك للفروض، أو لما يسميه العلماء المتحرجون بالنظريات، ~~وإنها لتلحق بكل علم من علوم اليقين، وتسبق كل علم يتبعها، وإن لم ~~يبلغ بعد مبلغ اليقين. # ونحن فيما يلي من التعقيب لا نبيح لأنفسنا أن نلم بفرض أو تفسير لم ~~تمهده لنا سوابق العلم ومقدمات التاريخ، ولكننا - على الكفة الأخرى ~~- لا نبيح لأنفسنا أن نهمل فرضا واحدا يقوم إهماله على مجرد ~~الدعوى، أو على مجرد الحذر، ولا يقطع به قول فصل أو خبر ~~وثيق. # وقبلتنا في النظرة إلى الغد أن نسأل الماضي عن معناه، وأن نلتمس هذا ~~المعنى فيما سيكون - وفيما سوف يكون - قياسا على ما كان. # إن للتاريخ الإنساني وجهة تدل عليها العقبات والعوائق، كما تدل عليها ~~الدوافع والممهدات، وإن تاريخ الآلة من عهدها الحجري إلى عهد الذرة ~~لمعالم قائمة تهدينا إلى تلك الوجهة من البداية إلى النهاية، وعلى ~~هذا الفرض - أو هذه النظرية - مدار النظر فيما يلي من ~~التعقيب. # الباب الثاني # | تعقيب ومراجعة # يشتمل هذا الشطر من الكتاب - وهو الباب الثاني منه - على الفصول ~~التالية: ~~(1) # معنى التاريخ. ~~(2) # غاية النوع. ~~(3) # الآلة. ~~(4) # خواص المادة والنظرة «المادية». ~~(5) # الإيمان. ~~(6) # العوالم الأخرى. ~~(7) # عالمنا. ~~(8) # أفريقيا وآسيا. ~~(9) # المجتمع. ~~(10) # الأسرة والمرأة. ~~(11) # الفن والعلم. ~~(12) # خاتمة في سطور. # الفصل الأول # | التاريخ # هل للتاريخ الإنساني معنى؟ هل للماضي رابطة بالحاضر تهدي إلى المستقبل ~~على سبيل اليقين أو على سبيل الظن والترجيح؟ # يخطر هذا السؤال على الذهن كلما نظر إلى المستقبل ليستطلع خباياه، ~~ويعود الذهن بعد الجهد الجهيد بجوابين مختلفين كلاهما يحتاج إلى ~~دليل. # نعم، للتاريخ معنى يدل على خطة مطردة بين ماضيه وحاضرة ~~ومستقبله. # كلا، ليس للتاريخ معنى، ولكنه مصادفات تتكرر أو تتناقض على غير وتيرة ~~معروفة. # والذين يقولون بهذا الرأي يحسبون أنهم خلصوا من السؤال والمناقشة، ~~وأنهم غير مطالبين بالدليل؛ لأنهم ينكرون ولا يدعون. # لكنهم في الواقع مطالبون بأدلتهم كما يطالب بها القائلون بالخطة ~~والتدبير، فإن الإثبات والنفي يتساويان في طلب الحقيقة، وأن اختلفا ~~في ساحة القضاء، ms053 وليس المدعي وحده هو الذي يبحث عن الحقيقة ويسأل ~~عنها. # إن الكواكب والسيارات تجري في أفلاكها وتطلع في بروجها ومنازلها، ~~ونعلم من حركاتها الماضية كيف تكون حركاتها التالية، ومتى يعرض لها ~~الكسوف والخسوف، وأين تشرق وأين تغيب. # فلم تجر حركات التاريخ الإنساني على غير هذا النسق؟ وكيف ينتظم مدار ~~الفلك، ولا ينتظم مدار الحياة الإنسانية؟ # من قال: إن النظام هنا موجود كالنظام في حركات الأفلاك، ولكنني أجهله ~~ولا أعرف من ماضيه وحاضره ما يدل على مصيره فهو - بحق - صاحب القول ~~الذي يعفي قائله من الدليل. # أما الذي يقرر الاختلاف جزما وتوكيدا بين حركات الأفلاك وحركات ~~الأمم ، ولا يرى في ذلك غرابة، ولا يسأل له عن سبب فهو الذي يقرر ~~حكما متعسفا بغير دليل، ولا بد له من دليل. # لم يختلف نظام الكواكب ونظام الأمم؟ ولم يعتبر هذا الاختلاف أمرا ~~طبيعيا يدعيه من شاء، ولا يلزمه البرهان على ما يقول؟ # إن إنكار النظام هنا ليس بأيسر الجوابين، بل هو عند البحث في أسبابه ~~ونتائجه أصعب الجوابين وأغربهما، وأحوجهما إلى البحث من جديد، إلى ~~أن يستقر البحث على قرار. # من قال بالخطة المتبعة والتدبير المقدر فليس من اللازم أن يبسط أمامنا ~~الخطة المتبعة بتفاصيلها، ويضع أيدينا على أوائلها وخواتيمها، وكل ~~ما يلزمه «أولا» أن يدحض حجة الفوضى والارتجال الأعمى، وأن يقرر ~~الفرض المعقول، ثم يقرر أن الواقع يؤيده، ويجري في مجراه، وأدل من ~~ذلك على صحة الفرض المعقول أن الغرض المقصود من الخطة المتبعة ~~يتحقق بما يظهر أنه يناقضها، كما يتحقق بما يظهر أنه يجاريها ويمضي ~~في طريقها. # وسنرى أن هذه الدعوى يسيرة الإثبات، أو أنها على الأقل أيسر إثباتا ~~من دعوى الفوضى والعمل الجزاف. # أما نفي الخطة المتبعة، وادعاء المصادفة المحضة، فليس من اليسر ~~بالمكان الذي يحسبه من يقولون بالمصادفة على أي وجه من الوجوه، ~~وإنهم ليقولون بالمصادفة على وجوه كثيرة، دليل بعضها غير الدليل ~~الذي يقوم به ادعاء الآخرين. # فالمصادفة عند بعضهم مرادفة لمعنى الفوضى والخبط في الظلام، تهدم ~~اليوم ms054 ما تبنيه، وتبني ما تهدمه، وتتقدم وتتأخر في العمل الواحد ~~وفي الساعة الواحدة، وتتصرف في عموم حركاتها وأفعالها كأنها مئات ~~من الأضداد يجذب كل منها إلى ناحيته، ولا يستطيع أحد أن يعلم أنه ~~يجذب في الناحية الواحدة مرتين، ومن ادعى لك ذلك فلا حاجة إلى ~~تفنيد قوله بالبحث الطويل وراء حوادث الماضي والحاضر، فإن ظواهر ~~اللحظة الواحدة كافية لتفنيد ما يدعيه، وإن فهمه للمصادفة حتى على ~~هذه الوجه لا يتأتى بغير وجود النظام الذي ينبغي أن تقاس إليه ~~مصادفات الفوضى والخبط في الظلام، ولا بد من بعض النور لنعلم كيف ~~يكون ذلك الخبط في الظلام. # والمصادفة عند غير هؤلاء لا تنقض النظام، ولكنها قد تصاحبه وتتممه، ~~وقد تلازمه في حالات وتفارقه في حالات، وعلى هذا النحو تفهم ~~المصادفة في مذهب الفيلسوف الكبير شارل بيرس # Charles Peirce # رائد ~~اليرجمية المشهور، فإنه لا يفهم المصادفة كأنها الضد المناقض ~~للقوانين الطبيعية، بل يفهم منها أنها قوانين في انتظار التكوين، ~~وأن قوانين الكون لم تتم جميعا في لحظة واحدة، ولم تكن هكذا كما ~~نعهدها الآن في كل زمن وكل ظاهرة طبيعية، ولكن القوانين الكونية ~~أخذت في جريانها مجرى العادة على درجات وأدوار متعاقبة، ومن الجائز ~~أن يشمل القانون الواحد كل ظاهرة من ظواهره في الكائنات المادية، ~~ولا يشمل جميع الظواهر فيما يتعلق بالحياة، ومن أمثلة ذلك عنده أن ~~قانون الحركة المكنية التي تطرد وتنعكس لا ينطبق على حركة النمو في ~~النبات أو الحيوان، وأن الحقائق التي تستخرج من حركات الأجسام في ~~الجملة لا يلزم أن تطابق حركات أجزائها، أو جزئياتها الدقيقة كل ~~المطابقة. # فالمصادفة عند الفيلسوف بيرس لا يتحتم أن تناقض القانون الطبيعي أو ~~تبطله، وقد يكون حكمها كحكم مشروعات القوانين أو حكم القرارات ~~الفرعية في اصطلاح المشرعين، فمن قال بها لم يحسب من القائلين ~~بإلغاء الخطة المتبعة في سياسة الكون. ~~••• # وتفهم المصادفة بمعنى غير ما تقدم عند فريق من القائلين بنفي القصد ~~والتدبير في حركات التاريخ وحركات الطبيعة على الإجمال، فلا هي ~~فوضى ms055 تناقض القوانين، ولا هي تتمة للقوانين أو زيادة عليها تجاورها ~~ولا تدحضها. # فعند هذا الفريق من القائلين بالمصادفة أن المصادفة هي القوانين ~~الطبيعية ذاتها، وأن القوانين الطبيعية إنما تولدت من المصادفة ~~بغير تدبير مقصود. # قال أحد هؤلاء: إننا لو فرضنا أن فردا أمام صناديق الحروف يرتبها ~~جزافا على كل وضع محتمل لتكونت منها في وضع من الأوضاع كتب مفهومة ~~كإلياذة هوميروس؛ لأن الإلياذة مجموعة من الحروف على وضع من ~~الأوضاع لا بد أن ينتهي إليه التعديل والتبديل في ترتيب حروف ~~الصناديق على طول الزمن، وليس أطول من الزمن الذي مضى على الكون ~~مضطربا متقلبا بين ألوف الألوف من الأشكال والقوالب التي تتناسق ~~أحيانا، وتتضارب أحيانا، ولا بد لها من التناسق على شكل من تلك ~~الأشكال في وقت من الأوقات. # وهذا القول ضرب من التخمين يستلزم وجود التدبير وراء ذلك التبديل أو ~~التعديل؛ لأنه يستلزم «أولا» أن يجري التبديل أو التعديل في وضع ~~الحروف على كل وجه محتمل، ولا يدع وجها واحدا يتخيله الذهن إلا ~~صار إليه ثم عدل عنه إلى غيره، ويستلزم «ثانيا» أن يكون هناك ~~اجتناب متعمد للخطأ، وأن يكون ذلك الخطأ معروفا بالنسبة إلى ~~الصواب المقصود في النهاية، وإلا فإن الفرد يمكن أن يقع في أخطاء ~~متعددة ويعود إليها أو إلى مثلها بغير نهاية، فإن قدرنا أن ذلك لا ~~يقع فنحن نقدر إذن أن هناك تدبيرا يقود يديه ويوحي إليه أن يختار ~~ترتيبا بعد ترتيب على كل وضع يخطر على البال، وقد يضع الألفات في ~~موضع الياءات، أو يضع الحروف جميعا في عين واحدة، فلا يؤدي تكرار ~~وضعها إلى نسق تتألف منه الكلمات، وإن مصادفة كهذه المصادفة لهي ~~أدل على الغاية والاستقامة على طريقها من قول الذين يقررون قيام ~~القوانين من البداية، هكذا بطبيعة مستقرة في أصل الوجود، وهو قول ~~غريب - ولا ريب - ولكنه أقل غرابة من الخطأ الذي يتكرر على وجه، ~~ولا يعود إلى الخطأ مرة أخرى، ولا يدع احتمالا واحدا إلا استقصاه ~~كأنه يحصي جميع الاحتمالات ms056 بغير نسيان ولا إخلال. # وآخرون يقولون: إن القوانين ليست بقوانين في لبابها، وإنما نحن جزء من ~~هذا الكون نلائمه ويلائمنا، ولا بد أن نشعر بالوفاق بين وجوده ~~ووجودنا، فنسمى هذا الوفاق قانونا وما هو بقانون، إنما نحن ~~مستقرون في عالم من العوالم، وهذا الاستقرار هو العلاقة القائمة ~~بيننا وبين عالمنا، نسميها نظاما وليست هي بنظام في جميع الأحوال، ~~وعلى جميع التقديرات. # وفحوى كلام هؤلاء أن القانون لا يوجد وليس من طبيعته أن يوجد، وأنه ~~إذا وجد، فمن الواجب ألا نكون نحن موجودين على وفاق معه؛ لأن هذا ~~الوفاق يلغي تصورنا للقانون في جميع الأحوال، وعلى جميع التقديرات، ~~وفحوى هذا الكلام مرة أخرى أننا بين عالمين لا يتشابهان: عالم ~~نستقر فيه ولا يوجد فيه القانون، وعالم يوجد فيه القانون ولا قرار ~~لنا فيه. ~~••• # وعلى أي معنى من هذه المعاني فهمنا المصادفة، نرى أنها حل قاصر عقيم، ~~أو نرى أنها في نهايتها إغضاء عن الحلول، وبحث موقوف كأنه إلقاء ~~للعبء عن الكاهل في منتصف الطريق، مع تجاهل البقية الباقية من ~~الطريق، فليست المصادفة إذن أقرب الحلول ولا أضمن المواقف، وليست ~~هي كما يحسب أصحابها أمانة علمية تنتهي عند حدود المعرفة ~~الإنسانية؛ لأنها في هذا الباب أقل من حرف «س» الذي يشير إلى ~~المجهول، ويتركه مجهولا إلى حين، فإن حرف «س» أمانة علمية لا شك ~~فيها من جانب الباحث الذي يجهل الحل ويعترف بجهله إياه، ولكن ~~المصادفة جزم برأي ونفي لرأي مخالف له، وهو الرأي القائل بالتدبير، ~~ومن جزم بهذا الرأي بغير دليل قاطع ينفي ما عداه، فليس له أن يسمي ~~ذلك أمانة علمية، وإن كان من العلماء الأمناء. # إنما الأمانة في مسألة كهذه أن نقف منها موقفنا من الأرصاد الجوية ~~التي تصيب وتخطئ، وقد تخطئ أكثر مما تصيب، وهي - مع ذلك - تنبئنا ~~عن ظواهر طبيعية محكومة بقوانينها التي لا يمتري فيها باحثان، فما ~~من عالم يقول: إن الرياح وأشعة الشمس وعوارض المد والجزر وحرارة ~~القشرة الأرضية وطبقات الجو العليا تندفع بغير ضابط ms057 وتسكن لغير ~~سبب، وما من عالم يزعم أن النبوءة عنها مستحيلة مع الوقوف على جميع ~~أسبابها وعواملها، غير أن الرأي السليم فيها أن نفهم أنها عوامل ~~طبيعية قابلة للتقدير الدقيق بجميع تفصيلاتها وتقلباتها، ولكننا لا ~~نحيط بها جميعا، ولا نحقق النتائج على صحتها؛ لأننا لا نحقق ~~الأسباب على صحتها، وهي هي تلك العوامل المحسوسة المتكررة الخاضعة ~~للمراقبة والتسجيل في مواقعها من الأرض والفضاء. # ونحن نسمح لأنفسنا بالجهل في أمثال هذه الظواهر الطبيعية، ونسمح ~~لأنفسنا بالتردد في الحكم عليها، ونقرر وجود الضوابط لها، ونحن ~~عاجزون عن ضبطها، فأحرى بنا أمام العوارض التاريخية التي تتسع ~~لمجهولات الطبيعة الظاهرة والباطنة أن نقف منها موقفا كهذا ~~الموقف، وأن ندين بالأمانة العلمية على هذا النحو، فلا نزيد عن حرف ~~«س» الذي يرمز إلى المجهول، حتى نستبدل به جوابا أقرب إلى الوضوح ~~والبيان. # ولسنا نريد أن نخطو خطوة واحدة وراء الحد الذي تسمح به الأمانة ~~العلمية حين نفضل القول بالتدبير على القول بالمصادفة العمياء، ~~ولكننا نريد أن نضيف النظريات العلمية إلى التجارب المقررة؛ لأن ~~الأمانة العلمية تقضي علينا بأن نطرق كل باب من أبواب التفسير، ولا ~~نغلق بابا منها بغير برهان. # إن الأرصاد لم تثبت لنا شيئا قاطعا عن حركات الكهارب والنويات، وعن ~~السوالب منها والموجبات، والمتردد منها بين السلب والإيجاب، تارة ~~إلى هذا وتارة إلى ذاك، ولكننا أضفنا النظريات إلى التجارب فيما ~~نعلم عنها، فصح التقدير في كثير من الأحوال. # لتكن عندنا إذن شجاعة النظريات العلمية لتفسير الظواهر المطردة في ~~تواريخ الأمم، لا بل هو الواجب العلمي وليس بالشجاعة العلمية وكفى، ~~إذ كان الواجب يأبى علينا أن ندع نظرية من النظريات دون أن يكون ~~لإهمالها سند ثابت لا مراجعة فيه. # وأحرى بالمفكر العصري أن يتوسع في مذهب الفيلسوف الكبير وليام جيمس ~~الذي شرحه قبل هذا القرن العشرين في مقاله البديع عن إرادة ~~الاعتقاد (1897)، وسماها أحيانا بشجاعة الاعتقاد، وحجة المفكر ~~العصري في ذلك أن الزمن قد تقدم بنا كثيرا في هذه الوجهة وفرض ~~علينا شجاعة أدبية ms058 غير الشجاعة الأدبية التي كانت مفروضة علينا في ~~عصور الحجر الظالم والتقليد الأعمى والاستسلام الذليل للخرافات ~~والأوهام خوفا من إغضاب الطغاة أو إثارة الدهماء، ففي تلك العصور ~~الغاشمة كان الشك واجبا عقليا، وكان إعلان الشك شجاعة أدبية ~~نفسية، ولكن هذا الشجاعة في عصرنا هذا سيف يضرب في الهواء وحرب في ~~ميدان خلو من الأعداء، وإنما الشبح الجديد الذي يتقاضانا شجاعتنا ~~الأدبية هو شبح العناد في الإنكار والانطلاق إلى الطرف الآخر وهو ~~طرف الأحجام عن إظهار الاعتقاد أو الميل إليه خوفا من مظنة التأخر ~~والجحود، فأصبح الإنكار مجاراة للعرف أيام الجهالة والجمود. # يقول الفيلسوف الكبير وليام جيمس في مقاله عن إرادة الاعتقاد: # إن القضية التي أدافع عنها هي: إن طبيعتنا ~~الوجدانية لا يحق لها، بل يجب عليها أيضا أن تفصل ~~في مسألة الاختيار بين الآراء كلما كان الاختيار ~~بينها داعية صدق لا تقبل الحل بالوسائل العقلية؛ ~~لأننا إذا قلنا في هذه الحالة: دعونا نترك الباب ~~مفتوحا، فهذه حالة وجدانية لا تختلف عن القول بنعم ~~أو بلا، وفيها نفس المجازفة بفقدان ~~الحقيقة. # ويقول في مقاله هذا، وهو قريب مما نسميه بشجاعة ~~النظريات: # إن الاعتقاد - حين نقيسه ~~بالمقياس العملي - لا بد أن يسبق الإثبات العلمي، ~~ونزيد على ذلك أنه هناك طائفة من الحقائق يكون ~~الاعتقاد عاملا من عواملها كما يكون معبرا عنها، ~~وأن العقيدة بالنسبة إلى هذه الحقائق لا تعتبر جائزة ~~أو مناسبة ولا زيادة، بل تعتبر مع ذلك جوهرية ~~وضرورية لا غنى عنها، وأن هذه الحقائق لا تصبح حقائق ~~حتى تكون عقيدتنا هي التي جعلتنا ~~كذلك. # وعلى هذه السنة نكون علميين، ولا نقنع بالفلسفة وحدها إذا وضعنا ~~النظرية العلمية مكان القانون العلمي المقرر، وفسرنا ظواهر التاريخ ~~بمعنى القصد والغاية، ورأينا أن الاعتماد على الشجاعة العقلية هنا ~~أولى بنا من الاعتماد على الراحة والقول بالمصادفة هربا من تكاليف ~~الدعوى، وإسقاطا لمئونة التفسيرات. # ليكن هذا المذهب في دراسة التاريخ نظرية علمية تقيس المعلوم على ~~المجهول، وتطرق أبوابا من الاحتمال المفتوح لا يجوز للعقل الأمين ms059 ~~أن يوصدها، ويحرم النظر فيها بغير برهان. # ودعوانا أن نظرية التاريخ المفهوم، أو نظرية الغاية في التاريخ، تفسر ~~لنا أمورا كثيرة لا تفسرها المصادفة البحتة بغير معنى، فضلا عن ~~المصادفة التي تلغي المعنى، وتحسب الحوادث فوضى تخبط من ماضيها إلى ~~مستقبلها خبط عشواء. # وعلينا أن نبني دعوانا على أساس صالح لإقامة البناء عليه، وهذا الأساس ~~هو مطابقة الواقع للغاية التي يمكن أن نتخيلها إذا قررنا أن ~~التاريخ تدبير يشير إلى وجهة، فما هي الغاية التي يتصورها العقل، ~~ويتطلبها البحث من وراء حوادث العالم بالنسبة إلى النوع الإنساني، ~~وبالنسبة إلى الإنسان الفرد، وبالنسبة إلى الطوائف ~~والجماعات؟ # إننا إذا استطعنا أن نوفق بين الحوادث المتفرقة، وبين هذه الغاية جاز ~~لنا، بل وجب علينا أن نقول بمعنى التاريخ، وذلك ما نتحراه ونرجو أن ~~نتبينه في المقارنة الموجزة بين بداية التاريخ المعروفة وبين حاضره ~~المشهود. # الفصل الثاني # | غاية النوع # إذا كانت للتاريخ الإنساني وجهة فهي وجهة أبدية تحيط بالزمن كله غير ~~مقصورة على الإنسان منذ ابتداء تاريخه، ولا قبل ابتداء ذلك ~~التاريخ. # ومثل هذا الوجهة لا ندركها من الإلمام بنقطة واحدة في مجرى الزمن، ولا ~~نستطيع أن نحيط بها إلى نهاية الزمن، إن كانت له نهاية. # إن نقطة واحدة من الزمن كنقطة واحدة من المكان، لا تدل على شيء في ~~ذاتها ولا تدل على ما حولها، وقد تبدو لنا كأنها بقعة مهملة أو ~~وصمة تستحق أن تزال، كما تبدو النقطة الصغيرة في الصورة الكبيرة، ~~وهي - لو زحزحنا عنها الغطاء قليلا من قبلها ومن بعدها - ترينا من ~~الصورة عينا ناظرة في وجه كائن حي ندرك وجوده، وإن كنا لا ~~نراه. # أما غاية الزمن كله - ولا سيما الغاية الأبدية - فنحن لا نحيط بها، ~~وأن تكشفت لنا بجميع أسرارها؛ لأننا - في مداركنا المحدودة - لا ~~نحيط بوجود أبدي غير محدود، ولن نرى من الغاية القصوى إلا ما اقترب ~~منا ووافق أبصارنا وبصائرنا، ولن نراه على حقيقته الكاملة الوافية، ~~بل قصارانا من الجهد أن نراه كما يتمثل لنا رموزا ms060 مترجمة عن ~~الحقيقة، كما نترجم هزات الأثير والهواء بالألوان والأصداء. # إنما ندرك وجهة التاريخ بفترة منه بين النقطة الحاضرة والغاية ~~الأبدية. # ندركها بشوط من أشواطه الطويلة يبتدئ وينتهي على علم منا، وله بين ~~بدايته ونهايته مسيرة مطروقة نعرف منها معالمها ومراحلها، ونعرف من ~~تلك المعالم والمراحل: هل هي وجهة متتابعة أو شتات من الخطى في كل ~~اتجاه، وإلى غير اتجاه؟ فلنفرض ولنقدر. # ولنا - بل علينا - أن نفرض ونقدر كما تعلمنا من العلم العزيز علينا ~~نحن أبناء القرن العشرين. # لنفرض وجهة التاريخ التي نعقلها والتي نتمناها للنوع الإنساني، كما ~~نتمناها للإنسان الفرد والجماعة من الناس. # لا نستطيع بعقولنا وعواطفنا أن نتمنى للنوع الإنساني غاية أفضل وأطيب ~~من الوحدة العالمية التي يتحقق بها وصف النوع وتمامه. # ولا تستطيع عقولنا وعواطفنا أن تتمنى للإنسان الفرد غاية أفضل وأطيب ~~من زيادة الكفاية والمعرفة. # وليست للجماعات المتفرقة غاية أفضل لها وأطيب من أن تتقارب على سنة ~~الإنصاف، وأن تزول بينها فوارق الظلم والخضوع. ~~••• # فإذا كنا قد أحسنا التقدير على هذا الفرض الذي نتمناه ونعقله، فلعلنا ~~نحسن الملاحظة إذا رجعنا إلى حوادث التاريخ من مطلعه، ففهمنا أن ~~هذه الوجهة قائمة، وأن النوع الإنساني يتجه فعلا من التفرق إلى ~~التضامن، كما يتجه الفرد من الهوان والضياع إلى الكرامة والكفاية، ~~وتتجه الجماعات من التفاوت والتغابن إلى التقارب والإنصاف، وقد ~~تتردد في الاختيار بين هذه الوجهة وبين وجهة أخرى تماثلها، ولكننا ~~لا نتردد طويلا في ترجيح هذه الوجهة وأمثالها على القول بالعبث ~~والفوضى في تاريخ الإنسان كله أو القول بنقيض تلك الوجهة في جميع ~~تلك الأحوال. ~~(أ) وجهة النوع الإنساني # فالنوع الإنساني ينتقل في تاريخه المعروف من التفرق في ~~الموقع والمصلحة إلى التضامن في جوانب الأرض، وفي مرافق ~~المصلحة العالمية. # ينتقل من القبيلة، إلى الشعب، إلى الدولة، إلى الجامعة ~~الدينية أو العنصرية، إلى التوازن بين مجموعة ومجموعة من ~~الفئات الدولية، إلى هذا الاشتباك المتلاحم في سياسة ~~العالم ومواصلاته، وعلاقته إلى الوحدة التي أوشكت أن تكون ~~وحدة للكرة الأرضية أمام ms061 غيرها من العوالم ~~والأفلاك. # وقد أصبح التضامن العالمي تيارا يطوف بكل جانب من جوانب ~~الكرة الأرضية، ولا يقوى على الخروج من نطاقه أقوى من ~~الدول والشعوب، بل إن أقوى الأقوياء مضطر أن يحمل من ~~أعباء هذا التضامن وجرائره ما ليس يضطر إلى حمله من هم ~~أقل منه قوة وأضعف منه علاقة بمسائله ومراميه. # وقد مضى على الكرة الأرضية من مستهل التاريخ ألوف السنين وهي ~~منقسمة إلى عالمين منعزلين، يجهل أحدهما الآخر، ويجهل أنه ~~موجود معه على ظهر الكرة الأرضية، ثم مضت عوامل الوحدة ~~العالمية في طريقها فانكشف كل من العالمين لصاحبه، وقبل ~~عنهما منذ ذلك الحين: أنهما عالم جديد، وعالم ~~قديم. # ثم مضى ردح من الزمن خيل فيه إلى أحد العالمين أنه قادر على ~~الاعتزال بأهله وبلاده عن الشطر الآخر من الكرة الأرضية؛ ~~إيثارا للسلامة واجتنابا للمآزق، واكتفاء بما عنده من ~~مسائله وشواغله، وهي غير قليل، وافترق ساسة هذا العالم - ~~وهو العالم الجديد - فكان أعلاهم صوتا وأكثرهم أتباعا ~~من ينادي بالعزلة، ويوصى بالابتعاد غاية الابتعاد من ~~مشاكل القارة الأوروبية، وغيرها من القارات في العالم ~~القديم، وكانت الحرب العالمية الأولى حجة لأنصار العزلة ~~يذعن لها معارضوهم أو يكادون يذعنون مترددين متحيرين، ~~فإذا بالحرب العالمية الثانية تنقل المسألة من مجال ~~الرأي، والبحث إلى مجال لا محل فيه لحكم غير حكم الضرورة، ~~ولا متسع فيه لتعدد البحوث والآراء، وإذا بالعالم الجديد ~~يشترك في كل مشكلة من مشاكل القارات التي كان يحسبها من ~~قبل فضولا لا يعنيه، فلو أراد أن يتنحى عنها لما استطاع ~~ولو أراد كلا العالمين أن يعتزل صاحبه لأعياه سبيل ~~الاعتزال. # وقد يكون دليل النكسات أدل على وجهة التاريخ هذه من دليل ~~الخطوات المطردة في طريق التضامن والوحدة، فإننا لا نزعم ~~أننا نعلم كيف كانت هذه النكسات جزءا من عوامل السعي إلى ~~الوجهة المتتابعة، ولكننا نكتفي بأن ننظر إلى كل نكسة من ~~هذه النكسات على حدة ثم ننظر إلى حالة العالم الإنساني ~~قبلها وبعدها، فنرى على التحقيق أن العالم الإنساني كان ms062 ~~بعد كل نكسة منها أقرب صلة، وأدنى إلى التضامن مما كان ~~قبلها بسنوات. # كانت حروب الشرق والغرب على عهد الدولتين الفارسية ~~والرومانية أبعد شيء أن تكون تمهيدا للتقارب بين أنحاء ~~العالم وأبنائه، وكذلك كانت غارات التتار وغارات ~~الصليبيين وغارات المستعمرين كانت نكبات ونكسات، وحاربها ~~من ابتلي بشرورها كما تحارب النكبات والنكسات، ولكننا ~~ننظر إلى العالم بعد كل نكسة، أو نكبة منها، فنرى أنه ~~تقارب ولم يتباعد، وأنه تهيأ بعدها لنكسة جديدة أكبر منها ~~ليخرج منها كذلك أقرب صلة وأدنى إلى وجهة الوحدة العامة ~~والتضامن الوثيق. # وكانت الصين في عزلتها العريقة، فلما سطا عليها الاستعمار ~~خرجت من عزلتها واجتمعت كلمتها بعد فرقتها، وكان من عجيب ~~شأنها أنها أخرجت أمة أخرى من عزلتها المختارة - وهي أمة ~~الولايات المتحدة - لتقضي في مسألة الشرق الأقصى بسياسة ~~الباب المفتوح لجميع دول العالم، بدلا من استبداد كل ~~دولة بحصة من الحصص تستأثر بها، وتذود الآخرين ~~عنها. # وكانت الهند أمما لا يجمعها اسم ولا تربط بينها عصبة، فلما ~~ابتليت بالاستعمار أصبحت أمة واحدة؛ لأنها وجدت نفسها ~~أمام عدو واحد، وخرجت من غاشية الاستعمار دولتان عالميتان ~~لهما في سياسة الشرق والغرب وزن لا يسقط حسابه من ~~ميزان. # وقد كان عدد الأمم التي استقلت وأخذت مكانها في السياسة ~~العالمية أكثر عددا وأكبر شأنا بعد كل من الحربين ~~العالميتين مما كان قبلها، وكانت مهمة الهيئات الدولية ~~المشتركة بعد الحرب الثانية أهم وأعم من جميع الهيئات ~~التي سبقتها. ~~(ب) الإنسان الفرد # ووجهة التاريخ بالنسبة إلى الإنسان الفرد أوضح - فيما نرى - ~~من وجهة النوع كله، كما تبينت من الانتقال المتتابع من ~~تضامن القبيلة المنعزلة إلى تضامن العالم الذي تمتنع فيه ~~العزلة على من يريدها. # فلا شك أن التاريخ يتنقل بالإنسان الفرد من حالة مبهمة مهملة ~~إلى حالة الشخصية المستقلة بحقوقها وتبعاتها، المتميزة ~~بكيانها وحرمتها. # فمن فرد لا تتميز حياته من حياة أبناء القبيلة إلى «شخصية» ~~محدودة المعالم تحاسب بعملها ولا تؤخذ بجريرة ~~غيرها. # وكان الفرد من أفراد القبيلة يقتل بذنب كل فرد ms063 من أفرادها، ~~وبقيت هذه الحياة الضائعة في حياة المجموع إلى ما بعد عصر ~~القبيلة البدائية بأجيال طوال أدركت عهد الشرائع المكتوبة ~~في دول الحضارة والسنن الاجتماعية، فكانت شريعة حمورابي ~~تقضي على الأب الذي قتل بنت رجل آخر أن يسلم بنته إلى ذلك ~~الرجل ليقتلها قصاصا لبنته، وتحسبها - من ثم - شيئا ~~مضافا إلى أسرتها أو إلى أبيها لا تستقل بحياة خاصة لها ~~أو بحقوق واجبة لحياتها، وجاءت شرائع الرومان بعد ذلك على ~~هذه الوتيرة في حقوق الأتباع والفروع، ثم تقدمت مع تقدم ~~الزمن حتى أصبح كل فرع من فروع الأسرة أصلا قائما على ~~جذوره مستقلا بكيانه، أهلا للحق وأهلا للتبعة في ~~عمله. # وليس للتفاضل بين الإنسان والإنسان مقياس واحد أصدق من ~~المقياس الذي نستمده من وجهة التاريخ بالنسبة للإنسان ~~الفرد كما كان وكما يكون مع تعاقب الأطوار وتتابع ~~الأجيال، وأوجز ما يقال في المقياس الذي نستمده من وجهة ~~التاريخ أنه المقياس الذي ينبئ عن تكامل الشخصية ~~الإنسانية في حقوقها وتبعاتها. # فالعالم يعطينا مقياسه الذي نفضل به العالم على الجاهل، ~~والأخلاق تعطينا مقياسها الذي نفضل به خلق الصلاح والنفع ~~على خلق السوء والضرر، والاجتماع يعطينا مقياسه الذي نفضل ~~به الوجاهة والشرف على الضعة والخمول، والمال يعطينا ~~مقياسه الذي نفضل به المليء المكتفي بنفسه على العاجز ~~المفتقر إلى غيره، والعبقرية تعطينا مقياسها الذي نفضل به ~~الفطنة المبدعة على الذهن العقيم، والخاطر الكليل. # وهذه كلها مقاييس صادقة للتفاضل بين الناس في مواضعها ~~وموضوعاتها. # ولكنها كلها لا تبلغ في الدقة، وفي الصحة، ما يبلغه المقياس ~~المستمد من وجهة التاريخ، وهو مقياس «الشخصية» المسئولة ~~الكاملة: الشخصية التي تسأل عن أعمالها، وتحاسب ~~بتبعاتها. # ليس العالم بأفضل من الجاهل في كل حالة، ولكنه أفضل منه في ~~حالة واحدة، هي الحالة التي يكون فيها العالم أقدر منه ~~على النهوض بالتبعة والاستقلال «بالشخصية» في حقوقها وفي ~~واجباتها. # وليس العباقرة والسراة بأفضل من الأغبياء والوضعاء في كل ~~حالة، ولكنهم أفضل منهم في تلك الحالة بعينها، وهي القدرة ~~على النهوض بالتبعة. # ولنا ms064 أن نقول ما نشاء في فضل الكبير على الصغير، والسيد على ~~العبد، والرئيس على المرءوس، والرجل الرشيد على الطفل ~~اللاعب، والعلم المشهور على النكرة المجهول. # لنا أن نقول ما نشاء عن فضل إنسان على إنسان كيفما كان هذا ~~الإنسان أو ذلك الإنسان، ولكننا نخطئ في التفضيل ما لم ~~يكن مرجع الفضل إلى تلك المزية التي نستمدها من وجهة ~~التاريخ، وهي مزية الشخصية الكاملة المسئولة عن تبعاتها، ~~فإنها هي المزية التي لا يدل عليها فضل العلم ولا فضل ~~الأخلاق، ولا فضل العبقرية، ولا فضل الوجاهة، ولا فضل ~~السن، ولا فضل الخبرة، فإنها جميعا أفضال تنفصل عن مزية ~~النهوض بالتبعة فلا تغني شيئا، ولا تتم لها قيمة، فإذا ~~سكت عن كل فضل وكل صفة وقلت عن إنسان: إنه أصلح للنهوض ~~بالتبعة فقد غنيت عن البيان وجمعت الفضائل بأنواعها ~~ودرجاتها في فرد عنوان. # وتلك هي المزية الأولى التي تبرز لنا من متابعة النظر إلى ~~وجهة التاريخ: إنها انتقال من حالة الكم المهمل والرقم ~~المتكرر إلى حالة «الشخصية» المتميزة بالحق والتبعة، ~~ولعلها المزية التي تعيننا في كل مفاضلة بين مجموعة من ~~الناس، وغيرها من المجاميع الإنسانية، وليس مبلغها من ~~الصدق أن تعيننا في أسباب المفاضلة بين إنسان وإنسان، فمن ~~قال عن أمة من الأمم إنها أوفر نصيبا من «الشخصيات» ~~الحرة التي تناط بها التبعات فلا حاجة به إلى الإسهاب في ~~تسمية الفضائل والصفات. ~~••• # ولم تخل هذه الوجهة من نكساتها في العصور المتطاولة بين ~~ثورات الحرية وثورات الطغيان، وبين دعوات التقدم ودعوات ~~الرجعة والجمود على القديم، وبين قلاقل الاضطراب في ~~انتظار الاستقرار، ويحسبون من هذه النكسات تلك المذاهب ~~المتأخرة التي تغض من قداسه الحرية الفردية، ولا تبالي أن ~~تغرقها في غمار الجماعة؛ لاعتبار أصحاب تلك المذاهب أن ~~الحرية الفردية ومصلحة الجماعة طرفان متناقضان. # على أن العبرة بالأعمال لا بالأقوال، وبالنتيجة المقصودة لا ~~بألفاظ المصطلحات التي تجري على ألسنة الدعاة. ونتيجة تلك ~~المذاهب - إن صحت مقدماتها - أن تتحرر الشخصية الإنسانية ~~من ذل الضنك والفاقة، وتتخلص من ms065 مهانة التسخير وربقة ~~الاستعباد، وأن ينال الملايين من الكرامة تلك المنزلة ~~التي كانت في الأزمنة الغابرة حكرا للآحاد المعدودين، ~~وليست هذه النتيجة مما يناقض وجهة التاريخ في انتقاله ~~بالفرد من الإهمال إلى الرعاية والحسبان. ~~(ج) الطوائف والجماعات # والطوائف الصغيرة لا تعد مجرد مجموعات حسابية من الأفراد ~~لأنها ظواهر اجتماعية ترتبط بتركيب بنية الأمة، ولكنها ~~على أغلبها وأعمها لا تبرز بوجهة تاريخية خاصة بمعزل عن ~~حياة الأمة التي تحتويها، إلا أن تكون من تلك الطوائف ~~التي تتنازع الغلبة على المجتمع لولاية الحكم أو تأييد ~~ولاته، كما يحصل فيما سمي حديثا بحرب الطبقات، ويؤخذ من ~~تجارب العصر الحديث أن هذه الطبقات ذات وجهة تاريخية تؤثر ~~في مجرى الحوادث، وأنها تميل إلى التوازن والتعاون أو إلى ~~التقارب والتضامن كلما ارتقى النظام الاجتماعي في الأمة، ~~وتمضي مجارية ولا تمضي مدابرة للوحدة العالمية. # وربما حدث في الأمم المتخلفة أن تنبري فئة من طلاب الانقلاب ~~لاستئصال كل طبقة في المجتمع غير الطبقة التي تعتمد عليها ~~في تقرير سلطانها، ولكن هذه الطبقة لا تلبث أن تتمخض عن ~~طبقات جديدة تملأ فراغ الطبقات المستأصلة، وتؤكد من جديد ~~أن الشخصية الإنسانية تستوفي كيانها، وأن الأمم لا تستغني ~~عن التعاون بين طوائفها. ~~••• # من هذا العرض المجمل نرى أن الغرض الذي قدرناه غير بعيد عن ~~الواقع في وجهة التاريخ بالنسبة إلى النوع الإنساني أو ~~إلى الإنسان الفرد أو إلى الجماعة التي تبرز لها مع الزمن ~~وجهة تاريخية، ويسوغ لنا أن نقول: إن كثيرا من الفروض ~~التي يتقبلها الباحثون العلميون تختلف عند التطبيق العملي ~~اختلافا أبعد من الاختلاف بين الوجهة المفروضة والوجهة ~~الواقعية في هذه المسألة، وقد يحق لهذا الفرض عن وجهة ~~التاريخ أن يتلقى من قبول العلماء أكثر مما تلقاه ~~ويتلقاه، ولا نخالهم يترددون في قبوله ويسرعون إلى ~~الاعتراض عليه لو لم يكن تحقيق تلك الوجهة مصحوبا ~~بالكوارث والشرور التي امتلأت بها الدنيا في تاريخها ~~الطويل، ولا تزال تمتلئ بها في تاريخ العصر الحاضر، ولا ~~يؤمل أن تنتهي فيما يتوقع من ms066 تاريخ المستقبل ~~القريب. # يقولون: أيجوز أن نقول بالحكمة والقصد في تاريخ العالم مع ~~هذه النقائص والآلام التي يبتلى بها الأحياء من كل نوع ~~ولا سيما نوع الإنسان؟ ألا يجوز لنا أن نتردد ونرتاب قبل ~~الذهاب إلى القول بالحكمة والغاية في عالم يتخبط هذا ~~التخبط بين التقدم والتأخر، وبين الرجاء والخيبة، وبين ~~الثقة والحيرة؟ # نقول: بلى، يجوز إذا استنفدنا كل تفسير معقول لهذه ~~المفارقات، وجربنا غير هذا الغرض فوجدناه أقرب إلى الفهم ~~والأمل مما فرضناه وقدرناه. # لم لا نقول: إن عوارض النقص والألم ودواعي الحيرة والخيبة هي ~~بعض النكسات التي رأينا أنها تفعل الخطوات المسددة في هذا ~~الطريق؟ # لم لا نقول: إن الوجود الأبدي لا يحكم عليه من نقطة واحدة، ~~أو نقط شتى غير متصلة ولا متلاحقة في العصر الواحد، ولا ~~في مختلف العصور. # لم لا نقول: إن الكون لا ينحصر في مرضاة المخلوق، وأن «الكل» ~~لا يرمى بالنقص لما يقع لا محالة من النقص في ~~الأجزاء. # إن الأمانة العلمية - ولا نقول الأمانة الدينية - تتقاضانا ~~أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة، وأن نفرغ من أجوبتها ~~اليقينية قبل أن نجزم بالقول الفصل في هذه المسألة ~~الكبرى، ولعلها أكبر مسائلنا - نحن بني الإنسان - على ~~الإطلاق؟ # وقبل أن نلغي من أذهاننا فكرة الوجهة التاريخية المقصودة من ~~أجل نقائص الكون وشروره، ينبغي أن نتصور الكون الذي يخلو ~~من النقائص والشرور كيف يكون، وينبغي أن نؤمن بأن الصورة ~~الأخرى أقرب إلى الحكمة مما فرضناه وقدرناه. # عالم ليس فيه صغير يكبر، ولا ناقص يتم، ولا جزء يستوفيه جزء ~~آخر، ولا حاضر يأتي بعده مستقبل، ولا مجهود يبذل، ولا ~~فارق بين موجودين يتسلل من جانبه الشعور بالحاجة والسعي ~~إلى تداركها، والحيلة في دفعها وإصلاحها من حين إلى حين، ~~ومن مكان إلى مكان. # عالم كهذا كيف يكون؟ وإذا كان كيف يكون أصلح وأكرم لوجود ~~الإنسان؟ # أناس يتساوون جميعا في السعادة والرضى، ويتساوون جميعا في ~~السن والميلاد، وفي الصحة والفكر والقوة والأخلاق ~~والجمال. # أناس على هذه المساواة نفرض وجودهم، فنفرض أنهم ms067 يوجدون هكذا ~~كما توجد المصنوعات في قوالب الصناعة، وليت هذا الفرض ~~متيسر بغير فرض آخر أصعب منه، وأبعد من الإمكان، وأقرب ~~إلى الاستحالة والامتناع. # ذلك الفرض الآخر هو المساواة بين الأماكن والأوقات، ومن وراء ~~ذلك المساواة بين الأيام والأفلاك والعناصر والأشياء، ومن ~~وراء ذلك عالم لا شيء فيه؛ لأن الشيء لا يوجد في عالم ~~تمتنع فيه الفروق وتتشابه فيه جميع الموجودات. # ما البديل المفضل إذن من هذا العالم الذي نحن فيه؟ # ليس ثمة إلا بديل واحد، وهو أن يوجد الناس بطبائع الخير ~~والسعادة، كما توجد المعادن والجمادات بخصائصها ~~وتراكيبها. # والناس يوجدون كذلك - إن أمكن وجودهم - في عالم لا تتكرر فيه ~~المخلوقات، ولا تتعاقب ولا تحس الحاجة إلى شيء، ولا يحدث ~~لها الإحساس إلا كما يحدث الأثر في المادة الصماء. # والناس لا يمكن وجودهم على هذه الصورة في عالم تتميز فيه ~~الأشياء؛ لأن الأشياء لا تتميز في عالم يتشابه فيه الزمن ~~والمكان، وتتساوى أجزاؤه، كما تتساوى أجزاء ~~الفضاء. # هذا هو البديل من العالم كما عهدناه، فمن ارتضى هذا البديل ~~فله أن ينكر الوجهة في التاريخ، وأن يفهم المصادفة كما ~~يشاء، ويفهم الحكمة والتدبير كما يشاء، ولكنه لا يستطيع ~~أن يزعم أن هواه قضية مسلمة، واختيار متفق عليه. # الفصل الثالث # | الآلة # قصة الآلة أعجب القصص في تاريخ الإنسان؛ لأنها القصة التي نستطيع أن ~~نبصر في خلالها عوامل الحضارة من بداءتها إلى ما انتهت إليه في ~~أيامنا، وما تنتهي إليه بعد هذه الأيام، وهي إلى جانب ذلك قصة ~~الحكمة الخالدة التي تتجلى لنا من وراء تاريخ الإنسان، ونستطيع أن ~~نلمس عبرتها في أدوار ذلك التاريخ. # الآلة من عمل الإنسان، أو الإنسان من عمل الآلة؟ # من قال: إن الآلة من عمل الإنسان لم نشعر بغرابة في قوله، ولكننا كذلك ~~لا نرى أنه قال قولا يستحق عناء ترديده؛ لأنه من تحصيل الحاصل، ~~ومن تبيين ما لا يحتاج إلي بيان. # ولكننا نستغرب أن يقال: إن الإنسان من عمل الآلة، ولكنها الغرابة التي ~~تتراءى بها كل حقيقة ms068 جديرة بالنظر فيها والبحث عنها، خفية عند ~~النظرة الأولى، جلية بعد التأمل وإعادة النظر أصدق جلاء. # ليكن رأي العلماء ما يكون في مذهب النشوء والتطور، وليكن منهم من ~~يقول: إن الإنسان حيوان من الحيوانات العليا، نشأ معها أو تسلسل ~~منها، أو فليكن منهم من يرفض هذا القول، ويقصر التطور على كيان ~~الإنسان عضويا حيويا أو أدبيا فكريا كيفما اختار. # ليقل من شاء هذا وليقل من شاء ذاك، فلا اختلاف بين الفريقين في حقيقة ~~واحدة لا تتوقف على هذا القول أو ذاك، وهي أن استخدام الآلة كان من ~~أوله أكبر فارق بين الإنسان والحيوان الأعجم، وإن الإنسان - لو بقي ~~كالحيوان - عاجزا عن استخدام الآلة لم تكن له حضارة، ولم تكن له ~~حياة اجتماعية، أو فردية، تختلف كثيرا عن حياة الحيوان. # إن الحيوانات في جملتها عاجزة عن استخدام الآلة على أبسط ما تكون في ~~حالتها البدائية، عاجزة عن استخدامها دفعة واحدة على فترات متقطعة، ~~وعاجزة عن مواصلة استخدامها من باب أولى. # فليس في وسع الحصان - مثلا - أن يقذف حجرا، أو يحمل عصا أو يحرك ~~شيئا بواسطة من الوسائط غير أعضاء جسده. # وقد تستطيع الحيوانات العليا - كالقردة - أن تقذف بالحجر أو تحمل ~~العصا من فروع الشجر، وربما استطاعت أن تحرك شيئا بعيدا عنها إذا ~~شاهدت أمامها من يفعل ذلك، فعمدت إلى محاكاته وهي لا تدري ما تفعل، ~~أو تدريه، ولا تبتدئه من عندها عن روية وتفكير. # ولكنها - سواء درت أو لم تدر - عاجزة عن مواصلة الانتفاع بالآلة ~~البسيطة من الحجر أو من فروع الشجر؛ لأنها تحتاج إلى يديها لتمشي ~~عليها، ولا تقوى على استخدام الرجلين والاكتفاء بهما في حركة المشي ~~خطوة واحدة إذا هي انتقلت من مكانها. # فاستخدام الآلة وانتصاب قامة الإنسان أمران متلازمان، واستقامة ~~الإنسان في وقوفه ومشيه هي الفاصل الواضح بين أطوار الحياتين: ~~أطوار الحياة الإنسانية، وأطوار الحياة الحيوانية. # وبين انتصاب القامة وصلاح اليدين للعمل المتواصل المتعدد ملازمة ظاهرة ~~في تكوين بنية الإنسان، وتكوين دماغه، وارتباط الحركة اليدوية ~~بالحركة الفكرية في ms069 أعماله. # ولا يهمنا أن يقال في هذا السياق: إن الإنسان ارتقى؛ لأنه صنع الآلة ~~أو أنه صنع الآلة لأنه ارتقى، فكلا القولين يفيد شيئا واحدا، ~~وينتهي إلى نتيجة واحدة، وهي ارتباط تاريخ الآلة بتاريخ الإنسان ~~وحضارته وتفكيره وسائر مزاياه التي ميزته من عامة الأحياء أعلاها ~~وأدناها على السواء، فالإنسان حيوان صانع للآلات كما قال بنيامين ~~فرنكلين في تعريفه الجامع المانع لهذا الحيوان الناطق بما ينطوي ~~عليه معنى النطق من ملكة واستعداد، ومن قال: إن الآلة ميزت الإنسان ~~بين أنواع الحيوان، فله أن يقول: إن الآلة صنعت الإنسان. # قلنا في كتابنا عن فرنكلين: «إن تعريف فرنكلين للإنسان في الحقيقة ~~أصدق تعريف له وأوفاه بالشرط الجامع المانع في التعريف، فما من ~~فارق بين الإنسان والحيوان أوضح وأثبت من قدرة الإنسان على صنع ~~الآلة واستخدامها، وهذه القدرة هي المقصودة بتعريف فرنكلين لا وجه ~~للاعتراض عليها بتفاوت الناس فيها، فليس الاعتراض الصالح على تعريف ~~الإنسان بالحيوان الناطق أن بعض الناس لا ينطقون ولا يفكرون، وأن ~~بعضهم يولدون بكما أو مجانين، وليس من الاعتراض الصالح على تعريف ~~الإنسان بالحيوان الاجتماعي أن يشد بعض الناس ويتأبد في الخلاء ~~وينفر من الاجتماع، ولكن العبرة من هذه القصة أوسع وأدق من أن يحيط ~~بها تعليق واحد، وكفى منها هنا أن تبرز قدرة العقل العلمي المطبوع ~~على التعريف وإقامة الحدود والفوارق، وأن تبرز تلك الرابطة الوثيقة ~~في طبيعة فرنكلين بين الإنسانية وصنع الآلات.» # هذه الرابطة الوثيقة بين قصة الآلة وتاريخ الحضارة الإنسانية، أو ~~تاريخ نوع الإنسان في تطوره وارتقائه، هي مدار العبرة الخالدة، ~~ومظهر الحكمة الإلهية في ذلك التاريخ، وأدعى الأمور إلى إظهار هذه ~~الحكمة أن نذكر أن الآلة قد فرضت على الإنسان اضطرارا كما تفرض ~~الأخطار والنكبات، وأن نذكر من آراء الناس فيها قديما وحديثا كيف ~~نظر إليها الهداة من الفلاسفة والقديسين، فإنهم لم ينظروا إليها قط ~~نظرة المختار الذي يحمدها ويتمناها لأبناء نوعه، ولم يكن في أقوال ~~الفلاسفة والقديسين عنها ما يدل على أنها من تدبير نوع ms070 الإنسان ~~لنفسه، وإنما هي من تدبير آخر غير تدبير النوع الإنساني، يساق إليه ~~حينا على ما يريد، وأحيانا على غير ما يريد. ~~••• # فمنذ القدم جعلت الآلة رمزا للتسخير وفقدان الإرادة، ولحق بها في هذا ~~الاعتبار من يعمل بالآلة ومن يصنعها، فالعاملون بالآلات مسخرون، ~~والذين يصنعونها مسخرون، وكلهم تجردهم الآلة من إنسانيتهم، وهي في ~~منشئها مزية الإنسان على عامة الأحياء. # ولما تخيل الناس الأرباب على صورة البشر تخيلوا الرب الذي يصنع الآلات ~~دميما ممسوخا أعرج شائه المنظر، يتقبله الأرباب في علياء ~~«الأوليمب» على مضض، ويهمون بطرده من سمائهم أنفة من جلوسه إلى ~~جوارهم، ولم يصبروا عليه إلا لحاجتهم إليه . # ذلك هو «هيفستوس» الحداد كما عرف في ملاحم اليونان الأقدمين، ويسمى ~~أيضا «ملسيبر» الذي عاشت قصته بهذا الاسم في الآداب الأوروبية إلى ~~العصور الحديثة، وقال في ملتون: إن زيوس رب الأرباب قذف به من ~~السماء: «فظل يهوي من الصباح إلى وقت الظهيرة، ومن الظهيرة إلى ~~المساء الندي نهار صيف كامل، هبط بعده عند مغرب الشمس كالنجم ~~المنقض من السمت إلى جزيرة بحر إيجه: لمنوس.» # وفي قصة أخرى من قصص «هومر»: إن أمه هي التي قذفت به من سمائها بعد ~~مولده؛ لأنها استقبحته وعافت منظره فنبذته خجلا من الظهور به بين ~~الأرباب، وقد هبط به الشعراء المتأخرون من «أوليمب» الآلهة، وزعموا ~~أنه يعمل في مخبأ مدفون في الأرض تحت البراكين الثائرة، فخلط ~~الرومان بينه وبين الرب «فلكان» رب المواقد والنيران. # ويظهر أن تمثيل هيفستوس على هذه الصورة قديم متواتر بين شعوب المغرب ~~والمشرق، ففي الإصحاح الرابع من سفر التكوين: «إن لامك اتخذ لنفسه ~~امرأتين: اسم الواحدة عادة، واسم الأخرى صلة، فولدت صلة توبال قين ~~الضارب كل آلة من نحاس وحديد.» وهو اسم مركب من كلمة طورانية وكلمة ~~سامية، حيث التقت اللغتان قديما في وادي النهرين، ومعنى توبال ~~أعرج، ومعنى قين حداد، وتطلق في العربية أحيانا على العبد المسخر ~~في الصناعة. # قال الأستاذ سليمان البستاني مترجم إلياذة هومر في تعليقاته على ~~النشيد الثامن عشر ms071 منها: # قيل أخذ اليونان عبادته ~~عن المصريين حيث كان يسمى فتالي، وآلهة النار عند ~~البلاسجة والطرواد، ثم الرومان، تدعى - فستا - تطرقت ~~إليهم عبادتها من الفرس، ومن الغريب أن يكون هذا ~~التشابه بين المعبودين، وأحدهما ذكر والأخرى أنثى، ~~والأغرب من ذلك أن أول صيقل لجميع المصنوعات ~~الحديدية والنحاسية في التوراة هو توبال قين، وتوبال ~~أو طوبال باللغات التترية - ومنها التركية - الأعرج، ~~وقين باللغات السامية - ومنها العربية - الحداد، ~~وكلاهما لقب هيفست، مع أن توبال قين كان قبل عهد ~~هوميروس بحسب نص التوراة بنحو ألفي ~~عام. # وإذا كان هذا شأن صناع الآلات ومخترعيها بين الأرباب وأوائل الأسلاف، ~~فلا جرم يهون شأنهم بين البشر، ويساويهم أو يقل عنهم من يعملون ~~بها، ويعولون في معيشتهم عليها، فقد أوشك هذا العمل أن يكون من ~~لوازم الرق والعبودية أو لوازم الضعة والهوان، فمن عمل الآلة لنفسه ~~أو عمل بها لغيره فهما عند الأقدمين في المهانة سواء. # وجاء أرسطو فقسم النوع الإنساني إلى طبقتين: طبقة حرة ذات إرادة، ~~وطبقة مستعبدة لا حرية لها ولا إرادة، وجعل هذه الطبقة في حكم ~~الآلات؛ لأنها وسيلة لخدمة المسخرين لها بغير اختيارها. # ولما ظهرت آلات البخار والكهربا وشاعت المكنات الكبرى التي يديرها ~~المئات من العمال والصناع لم يرتفع شأن العامل والصانع في نظر ~~المحدثين عما كان عليه في نظر الأقدمين، بل هبط كثيرا في القرن ~~الأول من نشأة الصناعة الكبرى، لأن الصناع الأولين كانوا ينفردون ~~بأعمالهم أحيانا ويتصرفون بإدارة آلاتهم وأدواتهم، ويحتاجون إلى ~~الذكاء والحيلة في إتقان مصنوعاتهم، ويفوقون غيرهم ممن لا يحذقون ~~الصناعة في حسن الفهم والملاحظة، فلما نشأت المكنات الكبرى وتشابهت ~~أعمال الصناع استغنى الصانع عن الفهم والملاحظة، وكاد أن يعتمد على ~~يديه أو على عضلات بدنه في أداء مهمته المتكررة المتشابهة بغير ~~تنويع أو تفكير، وصح فيه أنه أصبح في حكم الآلة التي يديرها، بل ~~تطورت صناعة المكنات شيئا فشيئا، حتى حلت فيها المفاتيح والأزرار ~~محل الأيدي والعضلات. # ولم يمض غير قليل على انتشار الصناعات التي تدار بالبخار والكهرباء ms072 ~~حتى انطوت كلها في عنوان واحد يحتوي الآلات في أطوائها، ويحتوي ~~معها أصحاب المصانع وأصحاب أموالها، وجمهرة العاملين فيها من ~~العاملين بأفكارهم، والعاملين بأيديهم، بل يمتد حتى يحتوي سياسة ~~الدول التي اتسعت فيها ميادين الصناعة الحديثة، ودفعتها إلى التوسع ~~في غزو البلدان وفتح الأسواق واحتكار موارد لخامات المصنوعة، وحصر ~~المناطق التي تباع فيها، والتنازع بينها على السيادة العالمية ~~للاستئثار بتلك الأسواق والمناطق، والاستعداد لذلك التنازع بما ~~يستلزمه من سلاح ومكيدة، وما يقتضيه من إثارة الفتن وشن الغارات، ~~وإشعال نيران الحروب، فأصبحت كلمة «الصناعة الكبرى» عنوانا لجميع ~~هذه الخطط والمطامع، ولكل ما يتصل بها من مرافق المال، ومساعي ~~السياسة ، وبواعث الأخلاق والعادات. # ونظر المفكرون إلى «الصناعة الكبرى» في إبان نشأتها وامتدادها نظرتين ~~متعارضتين: فمن كان من بناتها ومؤسسيها والمقيدين بنظامها فقد ~~حسبها من ضرورات التقدم التي تقترن فيها النعمة بالنقمة، ويحتمل ~~فيها الضرر الكبير في سبيل المنفعة التي لا غنى عنها، ومن كان من ~~المفكرين خلوا من مطالبها وأغراضها بعيدا من قيودها وشباكها فهي ~~عنده محنة من محن الزمن الأخير تربى سيئاتها على حسناتها وتغيب ~~منافعها في غياهب آثامها وجرائرها، ووصفها بعضهم بالصناعة ~~الجهنمية، وخيل إليه أن «المكنة الضخمة» إنما هي «الجقرنوت» ~~الساحقة يركبها إله المال بدلا من إلهها القديم «فشنو»، ويجتاح ~~بها كل ما قابله في طريقه ليستوي عليها معبودا بين قرابينه ~~وضحاياه. # وتقابل في رأي المفكرين المنكرين عالم الصناعة وعالم الطبيعة، أو ~~تقابلت عندهم الحياة المصطنعة الملفقة، والحياة الفطرية السليمة ~~التي بدا لهم أنها الحياة المثلى، وأنها نقيض تلك الحياة المختلفة ~~التي تمسخ النفوس، وتفسد ما بين الإنسان والإنسان من روابط العطف ~~ووشائج الرحم والولاء. # وعلى أثر الهجمة الأولى من هجمات هذا «الجقرنوت» الحديث سرت في العالم ~~دعوة خفيفة، أو رفيعة، كادت تغطي شيئا فشيئا على ضجيج «المكنة» ~~الصاخبة التي ملتها الأسماع، وأعارتها ما أعارته من صغواتها على ~~كره منها، وكانت تلك الدعوة التي سرت خفيفة تارة، ورفيعة تارة ~~أخرى، هي دعوة العودة إلى الطبيعة أو دعوة السلام مع ms073 الله كما ~~سماها بعض أقطابها الأولين، وتقاس هذه الدعوة في الزمان، كما تقاس ~~في المكان، فينكشف لنا مدى اتساعها ونشاط الأذهان لقبوها حيثما ~~تنقلب الصناعة الكبرى في خطواتها، كأنما تطاردها في مسيرها على حسب ~~انتشارها وشيوعها، واحتدام مشاكلها وأخطارها. # فمن شعراء البحيرة في إنجلترا بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل ~~القرن التاسع عشر، إلى هنري ثورو # Thoreau # في أمريكا الشمالية من أوائل القرن ~~التاسع عشر إلى ما بعد منتصفه، ثم تنتقل إلى شرق القارة الأوروبية ~~في روسيا، فينادي بها رسولها تولستوي بين أواخر القرن التاسع عشر ~~وأوائل القرن العشرين، وتبلغ الهند فتعود إليها مع الجقرنوت ~~الحديث، وترتفع بها عقيدة قديسها وزعيمها مهاتما غاندي، أكبر رسلها ~~في العالم الحديث، وآخر من حارب «المكنة» الضخمة ليعود بالناس إلى ~~آلات البداءة التي يكاد أن يصنعها الصانع بغير حاجة إلى معمل ولا ~~أداة. # وتلاقى المصلحون الأخلاقيون، والمصلحون الاقتصاديون في هذه الدعوة إلى ~~الطبيعة فنشأت مدرسة «الطبيعيين»، وقال المؤمنون بمذهبها: إن الأرض ~~ينبوع كل خير ومنبت كل عمل، وإن الأرض تعطي ولا تعقب عطاءها بالشر ~~والعداوة، ولكن الصناعة التي تنفصل من الأرض تأخذ منه أضعاف ما ~~تعطيه، وتسوي بينه وبين الآلة الصماء في التقدير والتقويم، ولكنها ~~لا تعفيه من الألم والضغينة إعفاءها للآلة الصماء. ~~••• # وعلى هذا النمط قضى عقل الإنسان قضاءه في الآلة منذ خرج بها من عداد ~~العجماوات، وامتاز بها بين عامة الأحياء، وهو لا يدري بهذه المزية، ~~فلو كان في مقدور نوع الإنسان أن يدبر لنفسه على مدى القرون، لما ~~ارتضى الآلة تدبيرا له يقدر له منافعه ونتائجه قبل عشرات الألوف ~~من السنين، ويثابر على رضاه مستزيدا من خطاه شاعرا باقترابه في ~~كل خطوة من هدف مرسوم يريده، ويصبر على عثراته؛ لعلمه بما وراءها ~~من نهاية مطلوبة وأمنية مبتغاة. # كلا، إن نوع الإنسان كان خليقا أن يحكم على الآلة في كل مرحلة من ~~مراحل تاريخها كأنها - على أحسن ما تكون - ضرورة مكروهة يلجئه ~~إليها ما هو أكره منها، ويعتمد عليها لأنه مسوق إليها، ms074 يرميها من ~~يده قبل استخدامها لو استطاع، ولا يصبر عليها - كما هو شأنه معها - ~~إلى أن يلقيها من يده بعد الفراغ منها. ~~••• # وجملة القول: إن تاريخ الآلة عند الإنسان ينتهي إلى تاريخ شيء محتقر ~~أو مكروه، ولكننا إذا نظرنا إليها نظرا يحيط بالنوع الإنساني منذ ~~نشأته إلى هذه السنوات الأخيرة، وما سيليها من السنوات اللاحقة، ~~فقد يسفر هذا النظر عن حقيقتين يقل الخلاف عليهما، وهما: ~~«أولا» إن الآلة صاحبت تقدم الإنسان فردا وجماعة، وكانت مقياسا ~~لدرجات الحضارة عند أممه عصرا بعد عصر وفي جميع العصور، فهي على ~~الجملة مقياس الفارق بينه وبين الحيوان الأعجم في أعلى أنواعه ~~وأقربها إليه . # والحقيقة الثانية أن منافع الآلة غير المقصودة لا تقل عن منافعها ~~المقصودة التي تدخل في تدبير الفرد أو الجماعة، فما من آلة قديمة ~~أو حديثة تنحصر منافعها في حدود الغاية التي تستخدم لها وتخترع من ~~أجلها، وما من حكمة إنسانية يمكن أن تنحصر فيها تلك المنافع، أو ~~يمكن أن تستوعب مقدماتها ونتائجها من النظرة الأولى. # كانت الآلة الأولى صخرة أو فرعا من فروع الشجر وسيلة لإصابة الصيد أو ~~اتقاء السباع الضارية، وهذه هي فائدتها التي تدركها حكمة الإنسان، ~~ويعمل على طلبها. # ولكن الفائدة غير المقصودة من استخدام الصخرة أو فرع الشجرة أكبر ~~جدا من هذه الفائدة التي تكفل له البقاء وحماية النفس بين ~~الأعداء؛ لأنها فائدة تتقدم به وتزيد في قدرته، وتنمي ملكاته، ~~وتنقله من الحيوانية إلى الإنسانية، وتخطو به الخطوة التي يقف ~~عندها الحيوان فلا يتقدم، ويبتدئ منها الإنسان فيبلغ ما هو بالغه ~~اليوم من تمييز وامتياز. # فاستخدام الآلة في رأي العلماء جميعا هو الذي جعل اليدين في الإنسان ~~أتم وأقدر من اليدين في ذوات الأربع، وهو الذي شحذ العلاقة الفكرية ~~والمادية بين الدماغ وسائر أعضاء الجسد وحواسه، ولا اختلاف بين ~~الباحثين في علم الإنسان على ذلك، وإنما يختلفون في التقديم ~~والتأخير بين سائر الإنسان على قدميه منتصب القامة وبين ارتقاء ~~دماغه وابتدائه في التفكير. # فمن العلماء من يرى أن ms075 الإنسان ارتقى فكرا، فهداه التفكير إلى ~~استخدام الآلة واكتسب المرونة الجسدية والفكرية من توفيقه بين ~~الأغراض، والمجهودات التي يستخدم من أجلها الآلات، ويرى علماء ~~آخرون أنه استوى قائما على قدميه، واستطاع أن يمشي معتدل القامة، ~~فتمكن من استخدام الآلة، واستعمال اليدين في حملها وتصريفها، ~~وتسديدها إلى غاياتها، وتعلم من ذلك كيف يوفق بين حركات الجسم ~~وهداية الدماغ، فكان هذا سببا لنموه واطراد تقدمه، وازدياد قدرته ~~على الفهم والحركة الجسدية في وقت واحد. # فالأستاذ واشبرن # Washburn # أستاذ علم ~~الإنسان «الإنثروبولوجي» في جامعة شيكاغو يقول في فصل كتبه سنة ~~1941: «إن المعروف عن الأجزاء الأخرى من الهيكل العظمي قليل، ولكن ~~يستطاع أن نعتبر من المقرات البينة الآن أن اعتدال القامة وكل ما ~~يصاحبه مما يساعد عليه في تركيب الجسم هو مرحلة بلغها الإنسان قبل ~~وصوله إلى هيئته التي استقر عليها.» # 1 # وقد لخص الدكتور أشلي مونتاجو طرفي الرأي حول هذه المسألة في عجالة ~~علمية سماها: «الإنسان في أول مليون سنة»، قال فيها عند الكلام على ~~نسب الإنسان: # في أفريقيا الجنوبية - وبخاصة في ~~أخريات السنوات العشرين - كشفت هياكل عظمية من ~~متحجرات القردة سميت قردة الجنوب، وأدعى ما فيها إلى ~~الالتفات أنها في كل شيء قردية، إلا في سعة الجمجمة، ~~وعظام الفخذ والساق والقدم؛ فإنها شبيهة بالعظام ~~البشرية، ويتحقق من عظام الفخذ والساق أن قردة ~~الجنوب كانت تمشي معتدلة أو على نحو من الاعتدال، ~~ومن ثم نشاهد لأول مرة علامات ثابتة تدل على ترتيب ~~تطور البنية الإنسانية، وقد حدث هذا الاعتدال قبل ~~نمو الدماغ إلى الحجم الذي يماثل دماغ الإنسان، وكان ~~بعض الثقات يحسبون أن الترتيب مختلف، ولكننا الآن ~~نعلم يقينا أن سلف الإنسان اعتدلت قامته أولا قبل ~~أن يبلغ مبلغ الإنسانية. # كم عاشت هذه القردة الجنوبية؟ لا نعلم علم اليقين ~~لأن طبقات الأرض في الإقليم الذي وجدت فيه بقايا تلك ~~القردة لم تدرس دراسة وافية، إلا أن الأكثرين من ~~المختصين يرجحون أنها عاشت في العصر المحدث ~~الأخير Pleistocene # أي قبل مليون سنة أو نحوها، ms076 ~~وربما انقرضت هذه القردة قبل ربع مليون سنة أو أقل ~~من ذلك. # ثم استطرد قائلا بعد استبعاده أن تكون هذه القردة أسلافا مباشرة ~~للإنسان: «هل كان لها نوع من الكلام؟ لا نعلم، وربما كانت لها ~~مبادئه الأولى، فهل كانت لديها آلات؟ يجوز أنها كانت تستخدم شيئا ~~منها، فإن في بعض أقاليم أفريقيا الجنوبية حصى دقاقا مصفحة كثيرة ~~العدد من المحقق أنها استخدمت كالآلة، ويجوز أنها من صنع سلف ~~الإنسان، وقد وجد بعضها ومعه أسنان القردة الجنوبية، ويزعم بعضهم ~~أن تلك القردة الجنوبية استخدمت عظام الرباح - أحد السعادين - آلات ~~لها، ودعا إلى هذا الظن أن جماجم كثير من هذه السعادين قد وجدت مع ~~بقايا القردة الجنوبية على حالة يفهم منها أنها ضربت على رءوسها، ~~فاعتقد الأستاذ رايموند بارت # Bart # من أفريقيا الجنوبية أنها من عمل القردة، وأن هذه كانت تستخدم بعض ~~الآلات أو الأدوات، وأن كان كثير المختصين يتردد في اعتقاد ذلك ما ~~لم تؤيده أسانيد أخرى.» # 2 # وقد خيل إلى آحاد من النشوئيين أن تكرار التجربة التاريخية بوسائل ~~العلم الحديث مستطاعة، فشرعوا في إعداد العدة للاستعانة بالجراحة ~~على تقويم عظام الحيوانات العليا التي تقوى على المشي معتدلة بعد ~~تعديل عظام الحقوين، وتثبيتها في مفاصلها على نحو يمكنها من الحركة ~~ولا يحوجها إلى المشي على أربع من حين إلى حين، ويظن النشوئيون ~~الذين يشرعون في هذه التجارب أنهم سيعرفون بعض الشيء على الأقل عن ~~ترتيب نشوء الكلام، واستخدام الدماغ والأجهزة الصوتية في النطق ~~المفيد، وهم لا يجهلون أن الحيوان الفرد لا يدرك في مدى حياته ~~القصيرة ما أدركه نوعه في مئات القرون، ولا يجهلون كذلك أن الذي ~~يدركه الفرد بعملية جراحية في عظامه لا يورث ولا ينقل بالوارثة - ~~كله أو بعضه - ما لم يتسرب أثره إلى الخلايا الناسلة # Genes # وصبغياتها # Chromosomes # ولكنهم ~~يترقبون من تغيير مسلك الحيوان بعد اقتداره على المشي المعتدل أن ~~يفهموا كيف ابتدأ تحسين الأجهزة الصوتية، وتهيئة اللسان للكلام مع ~~التجاوب بين عمل الدماغ وحركات الأعضاء، وقد يحدث ms077 في عمر الحيوان ~~الفرد ما يكفي لتعيين الاتجاه إن لم يكن كافيا لإدراك الوجهة أو ~~للاقتراب منها كما حدث في أطوار التاريخ. ~~••• # ونعود فنقول: إن النشوئيين قد يختلفون فيما بينهم، وقد يختلفون بينهم ~~وبين غيرهم، ولكن الواقع الذي لا خلاف فيه أن الفارق بين الحيوان ~~والإنسان مرتبط بتاريخ استخدامه للآلات، وأنه لولا قدرة الإنسان ~~على صنع الآلات والاستعانة بها على مطالبه لما كانت له مزية تفرق ~~بينه وبين العجماوات. # وننتقل من الإنسان الفرد إلى الإنسان الاجتماعي في الشعب أو ~~الأمة. # إننا في غنى عن تتبع الأدوار التي مرت بها الصناعات لنعلم أنها كانت ~~في كل دور من أدوارها مقياسا لحضارة الأمة، وعنوانا على المزايا ~~الفكرية والخلقية التي تميزها على غيرها، وقد نعلم من عرض حالة ~~الصناعة في دور واحد من أدوارها أن فوائدها المقصورة لا تستقصي ~~جميع فوائدها، وإن الصناعات التي يتقنها الإنسان للحرب لا تلبث أن ~~تدخل في عداد الصناعات التي يقوم عليها السلم ويقوم عليها العمران، ~~ومن المشكوك فيه أن الصناعة كانت تتقن تطريق الحديد وتليينه على ~~درجات من المرونة والمضاء لو لم تعمل على إتقان السيوف والحراب ~~والدروع، فإن آلات الحرث والحفر تصنع بغير حاجة إلى الإمعان في ~~أساليب التطريق والتليين، ولكن معالجة الحديد قد أغنت في صناعات ~~السلم والعمران فوق غنائها في صناعات القتال والتدمير. # ولما نشأت صناعات البخار والكهرباء ظهر للآلات أثر جديد لم يكن منه بد ~~لترقية الاجتماع، ولم تكن إليه وسيلة بغير «المكنة الضخمة» التي ~~جاء بها إلى التاريخ عصر البخار والكهرباء، وهي تلك «الأداة ~~الجهنمية» أو «تلك الأداة الشيطانية» كما وسمها الحكماء بمعزل عن ~~حكمة التاريخ. # لقد كان بناء الصناعة الكبرى على المكنات الضخام مظهرا من مظاهر ~~التوازن في المجتمع بين أصحاب الثروة الزراعية وأصحاب الثروة ~~المعدنية وأصحاب الثروة التجارية، وكان قيام هذه الصناعة الكبرى ~~دليلا على تكافؤ القوى بين أصحاب الضياع وأصحاب المعامل وأصحاب ~~المتاجر والأسواق، ثم جاءت المكنة الضخمة بقوة جديدة لم تكن تعرف ~~نفسها، ولم يكن أحد يعرفها، ولم ms078 يكن لها - لو عرفت - من سبيل إلى ~~سماع صوتها، فقد جمعت المكنة الضخمة مئات الصناع وألوفهم في صعيد ~~واحد، وكان اجتماعهم بهذا العدد في رابطة واحدة عدة حية تعتمد ~~عليها الصناعات في انتظامها وتوفير إنتاجها، فتم التوازن الاجتماعي ~~حيث اجتمعت هذه القوة للطوائف التي كان من السهل ظلمها ومن الصعب ~~إنصافها، وهي متفرقة تدير آلاتها المفردة على حدة. # كان لأصحاب الأموال سلطانهم الذي لا يدفع، سواء كانوا من ذوي الثروة ~~الزراعية، أو ذوي الثروة الصناعية، أو ذوي الثروة التجارية، وكانوا ~~ربما تنافسوا بينهم فاضطرتهم المنافسة إلى الاعتدال في مطالب كل ~~فريق منهم، ولكنهم كانوا إذا استبدوا بسطانهم يدا واحدا لم ~~يردعهم رادع، ولم يعسر عليهم أن يجوروا بمطامعهم على حقوق غيرهم ~~وعلى حدود الشريعة والعرف السديد، فكان قيام القوة الجديدة - قوة ~~الأيدي العاملة - خيرا عميما يحقق مصالح الطوائف جميعا، ويجعل ~~مسألة الإنصاف الاجتماعي مسألة لا تتوقف على حسن النية من طلاب ~~الخير العميم. # بيد أنه كان خيرا لم يخلص من الشر في جميع الحالات، إذ كانت الصناعة ~~الكبرى قد ظهرت في بلاد لا توازن فيها بين قوى الثروة المنوعة كما ~~ظهرت في البلاد التي توازن فيها سلطان أصحاب الضياع وأصحاب المعامل ~~وأصحاب المتاجر والأسواق، فكان ظهور القوة الجديدة سببا من أسباب ~~الطغيان على المجتمع من الأدنى إلى الأعلى، بعد أن كان الخوف كل ~~الخوف من طغيان العلية على من دونهم مالا وعلما، وقدرة على إسماع ~~الصوت وإبلاغ الشكاية، وإحقاق الحقوق، وتبين مع شيوع الجهل ~~والتنافر بين طوائف الأمة أن تسخير الجهلاء من المحرومين لعبة سهلة ~~على من يحسن خداعهم وإثارة ضغائنهم واستغلال شكاياتهم، وقد يسخرهم ~~دون أن يشبعهم أو يرفه عنهم؛ لأنه يشبع فيهم شهوات النقمة على من ~~هو أحسن حالا وأكبر جاها وأدنى إلى رخاء المعيشة، وقلما يعنيهم ~~أمر الحكومة الحرة؛ لأن فقدان الحرية لا يسلبهم شيئا يحرصون عليه ~~من فكرة أو مبدأ أو متعة روحية. # ولا ريب أن الطغيان من الأدنى بغيض وخيم العاقبة كالطغيان من الأعلى ~~أو ms079 أبغض وأوخم في عقباه البعيدة أو القريبة، ولكنه مع هذا ضرورة لا ~~محيد عنها إذا كان هو الوسيلة التي لا وسيلة سواها لإنقاذ الملايين ~~من مرارة الضيم والإهمال، وأنه ليهون خطبه - على فداحته - إذ بدا ~~من ورائه أمل في زواله وتلطيف جرائره بعد الاستفادة منه في كبح ~~طغيان الأقوياء على الضعفاء. # وعند «المكنة الضخمة» ترياق العلة التي جلبتها، ومنها يكون الدواء كما ~~كان منها الداء. # إن المكنات الضخام لا تبقى طويلا على الصورة التي عهدها الناس منها ~~لأول نشأتها. # لقد كانت لأول نشأتها تحتاج إلى مهندس واحد يفهم تركيبها ويحسن ~~إدارتها، ويعتمد في تنظيم عملها وإصلاح خللها على الذكاء والدراية ~~العلمية، وقد يعاونه على إدارتها مساعدون قليلون - بل جد قليلين - ~~يتعلمون مثل تعليمه ويفهمون مثل فهمه، ولا حاجة بعد المهندس ~~ومساعديه إلى معونة غير المعونة اليدوية التي يتساوى فيها الذكاء ~~والغباء، ويتكرر فيها العمل الواحد على أيدي المئات والألوف كما ~~تتكرر أعمال الآلات. # إنسان واحد وألف آلة، ولا فرق في ذلك بين نوع ونوع من المكنات الضخام ~~التي قامت عليها الصناعة الكبرى منذ أواسط القرن التاسع عشر، إلى ~~العقود الأولى من القرن العشرين. # إن عهد هذه المكنة ينقضي في كل أمة من الأمم التي نهجت على سياسة ~~التصنيع وذهبت تتدرج في تعميم الصناعة الكبرى، وسيصبح «الآدميون ~~الآلات» نمطا عتيقا لا نفع له بعد شيوع التنويع في المكنات، ~~وشيوع الأجهزة المختلفة في المكنة الواحدة، ولن تكون هناك سخرة ~~آلية محصورة في فئة كبيرة من فئات العاملين في الصناعة، ولن تكون ~~هناك قوة طاغية تعتمد على السخرة الآلية متى زالت هذه السخرة من ~~قرارها. # وكلما انتشرت الصناعة لزم الذكاء في استخدام الآلات، وشاع استخدامها ~~في المكتب والنادي والمتجر والبيت والديوان، ولم يبق عمل الذكاء ~~مقصورا على المكنة الضخمة في المصانع الجماعية، وأصبحت الصناعة ~~اليدوية المجردة من الخبرة العقلية والدراية الفنية شيئا نادرا ~~يقل من يزاولونه ويرتضونه ويناط أداؤه بذوي القصور الطبيعي من ~~الأغبياء وضعفاء العقول، وقد رأينا فيما تقدم من البحوث عن ms080 حالة ~~التعليم في القرن المقبل أن علماء التربية سيحتاجون إلى جهد غير ~~قليل لتدبير العمل الذي يوكل إلى هؤلاء القاصرين ضنا بالذكاء أن ~~يبذل في أعمال تستغني عن الذكاء، وشعورا بالحاجة المزدادة إلى ~~درجات من الفطنة تصلح لكل درجة من درجات الإنتاج وتسيير ~~الآلات. # ولا يخفى أن تهيئة التعليم الصناعي الذي ينجب الخبراء المطلوبين في كل ~~فرع من فروع الصناعة، لا يتأتى بغير مرحلة عامة من التعليم الأولي ~~كفيلة على الأقل بمحو الأمية، وتزويد الناشئ المتعلم بقسط من ~~المعرفة، يرتفع به عن تلك الآدمية الآلية التي تنساق مغمضة الأعين ~~للدعاة المغررين والطغاة المستبدين. # ويصحب هذا في المجتمع الصناعي المتقدم نظام آخر يمنع التفاوت الواسع ~~بين الطبقات ، فإن المساهمة في الشركات التي تملك معامل الصناعة ~~الكبرى باب مفتوح لكل من يملك ثمن السهم والسهمين والأسهم القليلة ~~التي لا يعجز عنها أصحاب الموارد المحدودة ممن يعيشون بالمرتبات ~~والأجور. # فالمكنة الضخمة التي تشق المجتمعات، وتقطع الصلة بين طبقاتها تعود ~~فتعقد هذه الصلة، وتملأ الفجوة بين كل طبقة، وما يليها ممن هم ~~فوقها، ومن هم دونها في العلم والعمل والذكاء والمعيشة، ومن آثارها ~~في مناح كثيرة أنها تقارب بين دواعي الاتصال والتعاون، وتباعد بين ~~دواعي القطيعة والبغضاء، وتتقارب هذه الدواعي اضطرارا كما تتقارب ~~اختيارا بما يناسبها من الآداب والأخلاق، فإذا امتنع التوازن في ~~المجتمعات التي يسيطر عليها أصحاب الأموال أو يسيطر عليها أصحاب ~~الأعمال اليدوية، فلا بد من التوازن في المجتمعات التي يملك فيها ~~الأوساط سلاحا كسلاح الأغنياء المحتكرين للثروة أو سلاحا كسلاح ~~العمال اليدويين القادرين على تعطيل الأعمال أو على التهديد ~~بالإضراب، إذ يستطيع هؤلاء الأوساط أن يجردوا سلاحا كسلاح أصحاب ~~الأموال؛ لأنهم يحتلون مراكز الإدارة الهندسية والاقتصادية، ~~ويستطيعون أن يجردوا سلاحا كسلاح العمال اليدويين؛ لأنهم يملكون ~~التعطيل ويملكون التهديد بالإضراب، وليس من اليسير أن يستبد أصحاب ~~الأموال أو يستبد العمال اليدويون متى قامت في المجتمع طبقة وسطى ~~بين الطبقتين لها صوت مسموع ووسيلة إلى إسماع صوتها وإثبات حقها ~~ورفع الضغط عنها من ms081 أعلاها ومن أدناها، وأبعد ما يكون المجتمع عن ~~استبداد العلية أو استبداد الجماهير إذ امتدت فيه طبقاته الوسطى ~~امتدادا يتغلغل بها في الطبقتين ممن هم أعلى منها، ومن هم دونها، ~~ويحاول من يريد التفرقة هنا أو هناك أن يضع الخط الفاصل حيث ينقطع ~~الشبه بين الجانبين فيعييه الفصل الحاسم على وجه من الوجوه. ~~••• # فتاريخ الإنسان الاجتماعي، أو تاريخ الإنسان في الحضارة ملازم إذن ~~لتاريخ «الآلة» كل الملازمة: تطورها مقياس صادق لتواريخ الحضارات ~~وللفوارق المحمودة - أو غير المحمودة - التي تمييز بعضها من بعض، ~~وترتقي الآلة البسيطة إلى المكنة الضخمة فيكون ارتقاؤها في ~~المجتمعات المتقدمة مظهرا عاما من مظاهر التوازن بين طوائفها ~~ووسائل نفوذها واقتدارها على تبليغ صوتها وتقرير حقها، فإذا ظهرت ~~الصناعة الكبرى في مجتمع لم يستوف تكوينه الاجتماعي، ولم تتوازن ~~فيه القوى والمصالح فهي خليقة أن تتدارك هذا النقص وأن تخلق هذا ~~التوازن مع الزمن وتخلق معه أسباب التعاون بين الطبقات، وأسباب ~~التغلب على كل طغيان من إحداها على الأخرى. ~~••• # إن أثر الآلة في حضارة الإنسان الاجتماعي لا يقل عن أثرها في ثقافة ~~الإنسان الفرد أو في قياس الفارق بينه وبين الحيوان. # ولا يقل عن هذين الأثرين البارزين أثرها في حياته العالمية: حياة ~~النوع الإنساني على تباعد أقطاره، وتفاوت أقوامه، وتنازع القوى بين ~~حكوماته وشعوبه. # فقد ولد العالم بعلاقاته المشتبكة يوم ولدت المطبعة والإذاعة والباخرة ~~والطيارة، وتقررت مبادئ التضامن العالمي عملا في هذا العصر من ~~عصور الصناعة بعد أن طالت دعوة المصلحين إليه، وترددت كلمة «النوع ~~الإنساني» بغير معنى أو بمعناها المصطلح عليه في الألسنة والأوراق، ~~ومهما يقل القائلون في قيمة هذا التضامن الحديث فليس هو اليوم ~~بالحبر على الورق، ولا بالصدى الذاهب بين الألسنة والأسماع: إن ~~العالم الإنساني اليوم أوسع نظاما من أن تحكمه أكبر دولة وأوثق ~~اتصالا من أن تهمل فيه أصغر دولة، وما من كارثة في جزء من أجزائه ~~تؤمن عاقبتها في أجزائه المترامية، على ما بينها من تباعد في ~~المكان وتباين في المصالح والأهواء، ولا يحدث ms082 هذا في العالم بغير ~~تضامن «واقعي» بين أجزائه، كائنا ما كان سببه، وكيفما اختلف النظر ~~إليه في دساتير الأخلاق. # فإذا قيل: إن هذا التضامن ضرورة غير مقصودة، لأسباب غير محمودة، ففي ~~ذلك مصداق للحكمة التي تفوق إرادة الإنسان وتسوقه في تاريخه مرحلة ~~بعد مرحلة، وهو جاهل بما يساق إليه. # ونعود فنقول: إن الإنسان لم يصنع الآلة وهو يقصد إلى جميع فوائدها ~~وعواقبها، وإنه قد يقصدها سلاح حرب فلا تلبث أن تصير على غير قصد ~~منه دعامة سلام، وقد صح هذا كثيرا في تاريخ الإنسان الفرد، وتاريخ ~~الإنسان الاجتماعي، ولكنه أصح من ذلك في تاريخه العالمي أو تاريخ ~~هذا التضامن العالمي في الزمن الأخير، فما كانت منافع المواصلات ~~لتقود الإنسان إلى إتقان الطيران هذا الإتقان لولا فعله في الغارات ~~والحروب، وما كانت أمانة العلم لتفلح وحدها في شق الذرة، وإبداع ~~الأقمار الصناعية، وإطلاق الصواريخ، وتركيب سفن الفضاء، وما كانت ~~خصائص المادة وأسرار العناصر والأجسام لتنكشف للعلماء وتنقاد ~~للمخترعين لو لم يكن منها سلاح ووقاء وخوف من عدو أو عزم على ~~اعتداء، فليست هذه الروائع العلمية مما يتاح للعلماء وينقاد ~~للمخترعين بغير القناطير المقنطرة من الذهب، وليس إنفاق القناطير ~~المقنطرة مما تتحمله شركات البيع والشراء أو تتفتح له حزائن ~~الأغنياء، أو يأذن به ولاة الأمر والنهي إذا انكشف عنه ~~الغطاء. # الفصل الرابع # | خواص المادة والنظرة «المادية» # النظرة المادية نقيض النظرة المجردة إلى الأشياء في اصطلاح الأقدمين ~~والمعاصرين، سواء كانوا من الفكريين المثاليين أو من الحسيين ~~الواقعيين. # وأساس هذه التفرقة قديم عند الأمم التي اشتغلت بالفلسفة والعلم، مع ~~اختلافها في المزاج والعقيدة ووجهة النظر. # فعند الفيلسوف الهندي القديم: إن المادة وهم باطل، وإننا مطالبون بأن ~~نلغي وجودها ونفرض عدمها إذا أردنا أن ننفذ إلى الحقيقة المجردة ~~التي لا تتلبس بالأوهام والأباطيل. # وعند الفيلسوف اليوناني: إن المادة كثيفة غليظة، وإن الفكر في لبابه ~~صاف خالص من شوائب التجسيم والتجسيد، ولا شك أن الفكرة الجغرافية ~~كان لها عمل كبير في هذه التفرقة من أساسها الأول، ms083 لأنها فرفت بين ~~الكائنات الأرضية والكائنات السماوية، أو فرقت بين هذه المحسوسات ~~الكثيفة الترابية، وبين الكائنات العليا التي لا يحس منها غير ~~النور الذي ينبعث منها، وهو بسيط صاف لا تركيب فيه، ولا يعتريه إلا ~~ريثما يختلط بالأجسام، ثم ينفصل عنها فيعود إلى الطهارة ~~والنقاء. # فكل ما تحت القمر فهو مادي غليظ عرضة للفساد والانحلال، ويأتيه الفساد ~~والانحلال من جانب التركيب الذي لا يدوم على حالة واحدة، ومن ~~فقدانه الدوام يتطرق إليه العطب والفناء. # ولا نذكر هنا فلسفة المصريين الأقدمين فيما يرجع إلى النظرة المجردة ~~والنظرة المادية، فإنهم لم يفصلوا بين النظرتين ولم ينظروا إلى ~~الوجود كله إلا على اعتباره وجودا واحدا تمتزج فيه الروح والجسد ، ~~ولا يلزم من اختلافهما أن ينفصلا عنصرين متناقضين، فلا تنفرد الروح ~~بالبقاء، ولا يمتنع على الجسد أن يبقى ملازما لها أو منفصلا عنها ~~إلى حين. ~~••• # ثم انقضى عصر الفلسفات القديمة واتخذت التفرقة بين النظرة المادية ~~والنظرة المجردة مناهج شتى في العصور الوسطى بين الفلاسفة ~~المستقلين والفلاسفة المفسرين لأصحاب الآراء الخالية، فانقسم هؤلاء ~~جميعا إلى قسمين متناقضين: قسم الواقعيين، وقسم الاسميين، وأطلق ~~«الواقعيون» على الذين يحصرون الوجود في الأفراد المحسوسة، وأطلق ~~«الاسميون» على الذين يقولون بوجود النوع مستقلا عن الفرد بكيان ~~غير محسوس. # فالواقعيون يقولون بوجود هذه الشجرة وتلك الشجرة وكل شجرة يرونها، أو ~~يلمسونها ويحسونها على نحو من الإحساس الجسداني، ولكنهم يرون أن ~~«الشجر» كلمة تقال لتدل على جنس الأشجار في جملتها، واسم لا وجود ~~له في الخارج غير وجود مسمياته المتفرقة. # وعلى نقيض هؤلاء «الاسميون» الذين يقولون بأن «النوع» هو الموجود ~~الحقيقي، وإن الأفراد المحسوسة إنما هي محاكاة ظاهرية تحاول أن ~~تمثل ذلك الوجود العام على صورة من صور الوجود الخاصة التي تدركها ~~الحواس. # وجاء بعد الواقعيين والاسميين أناس مثلهم في هذه التفرقة بين النظرة ~~المادية والنظرة المجردة، ولكن على أسلوب آخر: هؤلاء هم الحسيون ~~العقليون يقابلهم المثاليون المنطقيون، فلا وجود عند الحسيين ~~العقليين لتلك الأمثلة العليا والحقائق الغيبية التي يؤمن بها ~~المثاليون ms084 المنطقيون، ويستدلون عليها ببراهين المنطق وأدلة القياس، ~~وإنما الوجود الحق للمادة التي يحدها المكان والزمان، ويثبتها ~~العيان، وما يؤيده من حواس الإنسان. # ثم جاءت المادية الحديثة قبيل القرن العشرين فأنكرت جميع المجردات، ~~ولم تثبت شيئا غير الأجسام كيفما كانت في تراكيبها التي تدركها ~~الحواس أو تكشفها أدوات الرصد والتحليل. # وسمي العصر الحديث - بين أسمائه الكثيرة - باسم العصر المادي أو عصر ~~الماديات على إطلاقها، وجعلوا الماديات على كل شيء يطلبه الجسد، ~~ويستمتع به الحس، ولا يتجرد عن «الجسدية» على حال من ~~الأحوال. # ولقد حسب الكثيرون أن هذه «المادية» خليقة أن تقضي على نظرة التجريد ~~قضاءها المبرم الذي لا رجعة لها بعده، وأن الذي بقي من نظرات ~~التجريد - بعد فلسفة الواقعيين وفلسفة العقليين - وشيك أن يذهب ~~ذهابه الأخير في إبان عصر المادة الحديث، فكلما استغرق الباحث في ~~النظرة المادية فهو مبتعد بحكم الضرورة عن نظرات التجريد، ابتعاد ~~النقيض من النقيض. # وغير هذا هو الذي حدث ويحدث مع توالي الكشوف عن أسرار المادة وعناصر ~~الأجسام ومآل هذه العناصر في النهاية ونشأتها قبل أن تتعدد وتبلغ ~~العشرات. # فلم يعرف الناس نظرة التجريد كما عرفوها في هذا «الزمن» الغارق في ~~ماديته كما يقال. # كان الفيلسوف المادي - والعالم المادي معا - في منتصف القرن التاسع ~~عشر يعلن الإيمان بالمادة دون غيرها لأنه يحسب أن وجودها هو الوجود ~~الثابت بغير برهان، وأنها تملأ عيانه، وتصدم يديه وقدميه، ولا ~~تحوجه إلى فهم حقيقتها وراء النظر واللمس، ووراء صدمة الواقع ~~المقرر بغير جدال، ولا إمعان في الخيال. # ولكن ما هي تلك «المجردات» التي يتحدث عنها غير الماديين؟ # وهم لا نراه، خيال لا نعقله، فروض لا تبرأ من النقائض، وضروب ~~المحال. # ثم وصف علماء المادة وفلاسفتها هذه المادة التي لا تجريد فيها، فإذا ~~هم يعيدون فيها ما قاله، الروحانيون عن المجردات، فما يقوله ~~الماديون عن سر المادة إنما هو وهم لا يرى وخيال لا يعقل، ونقائض ~~من الفروض في التفسير الواحد، ودع عنك غيره من التفسيرات. ~~••• # كانت مادة الأقدمين معدنا للكثافة ms085 والغلظة، وضدا لمعنى الصفاء ~~والتجريد؛ لأنها من معدن يناقض النور السماوي في بساطته ولطفه ~~ونزاهة مكانه، فأصبح قوامها كله من النور المحض يتساوى أكثفها ~~وألطفها، كما يتساوى أثقلها وأخفها في استمداد هذا القوام من ~~ينبوعه الأصيل، وكلما ثقل وزنها كان هذا الثقل عنوانا لوفرة ~~نصيبها من النورانية أو من الشعاع المنطلق بلا جثمان. # وكانت مادة المحدثين حقيقة واقعة مأخوذة في اليدين، يعدون من غريب ~~القول إن يسأل السائل هل هي مفهومة أو غير مفهومة؛ لأنها أظهر ~~وأثبت من أن يصل الأمر فيها إلى الفهم بالذهن المجرد وهي قائمة ~~أمامنا بألوانها وأحجامها وأجرامها الصلدة التي تصدم الأكف ~~والأقدام، فأصبحت هذه الحقيقة الواقعة المأخوذة باليدين شيئا يدق ~~عن إدراك العقول ويبلغ من الدقة غاية ما يبلغ الروح المجرد في ~~خفائه وصفائه، فكل هذه الأجسام الكثيفة إنما هي ذرات صغار لا ~~تدركها العيون، ولا يدركها العقل إلا بالحساب والتقدير، وكل ما ~~انطوت عليه هذه الذرات، إنما هي هزات أو جزئيات لا ندري على ~~التحقيق أيهما تكون، وقد يفسرون الظاهرة الواحدة بالهزات من ناحية ~~والجزئيات من ناحية أخرى، ويتممون هذه بتلك على نحو يستغربونه من ~~شراح «الروحانيات» والمجردات، وما إليها من خلائق البديهة ~~والخيال. # وما قصارى الهزات والجزئيات بعد هذا التردد بين التفسيرين؟ قصاراها ~~أنها حركات في ظن من الظنون يسمى بالأثير، لا يعرف بلون ولا طعم ~~ولا مس ولا عدد ولا طول ولا عمق مقيس بغير الحساب والتقدير. # وآل أمر الامتداد كذلك إلى الحساب والتقدير؛ لأنه جاوز الحس والتصوير ~~ولحق في النهاية بالغيبيات وما شاكلها من فروض البديهة والخيال، ~~ففي الثانية الواحدة يعبر شعاع النور قريبا من ثلثمائة ألف من ~~الكيلومترات، وكم يعبر إذا انقسمت خفقة الثانية الواحدة إلى ألف ~~خفقة؟ وماذا يكون جزء من ألف جزء من الثانية في حساب الزمن ~~المعهود. # وتضاءل شأن «الامتداد» الذي سميت باسمه المادة فأصبح إدراكه وإدراك ~~المعاني الذهنية على حد سواء، لا نهاية للصغر بعد أن كان المظنون ~~أن اللانهاية صفة من صفات السعة الشاسعة من ms086 الآفاق والآباد. # وإذا تركنا اللانهاية في الصغر أو في الكبر، ووقفنا عند المحدودات في ~~عالم الأجسام والمعاني، فالعجب هنا أعجب من كل أعجوبة روحانية عزت ~~على قرائح المتعمقين في التفكير والتخمين. # إن الناسلات أو الجنيات # Genes # التي ~~يتكون منها النوع الإنساني كله توضع في فنجان صغير يحتوي كل ما في ~~هذا النوع من القوى الكامنة والخصائص المميزة والموروثات الباقية ~~في وظائف الأعضاء وفي الأذهان والطوايا الخفية: يحتوي من جراثيم ~~التكوين كل ما توزع من الملكات والأخلاق في أكثر من ألفي مليون من ~~أبناء الأمم الأحياء يتوارثون ملكاتهم وأخلاقهم من أضعاف هذه ~~الملايين في مئات القرون، فلماذا بقي من معنى الامتداد القديم؟ ~~وأين مسافات الفضاء أو مسافات الزمن في هذه المقاييس والمقادير؟ ~~وأين يذهب بنا التجريد المفروض وراء هذه الخفايا التي لا تؤخذ ~~باليد ولا بالفكر إلا مع التسليم والاعتراف في النهاية بالعجز ~~والقصور، وإذا كان جزء من ثلاثة آلاف مليون جزء محتواة في فنجان ~~صغير يحفظ جرثومة الطبائع والأفكار والأعضاء في إنسان عظيم أو ~~صغير، فماذا بقي من المعجزات للذين يتحدثون عما وراء الطبيعة، وما ~~وراء المادة وما وراء العقل والعيان؟ وأين هو الفاصل القائم الذي ~~يسمح للمادي الفخور بماديته أن يقول لخصمه: أنا مادي المس الحقيقة، ~~وأنت خيالي تطير وراء المحال؟ ~~••• # زعم فيثاغوراس قبل خمسة وعشرين قرنا أن الوجود كله قوامه من عدد ~~ونغم، أو أن الوجود كله بعدده ونغمه يقوم على النسب ~~الموسيقية. # ولم يذكر فيثاغوراس شيئا عن الموجودات المعدودة، فهو يذكر العدد، ولا ~~يعنيه أمر المعدودات كأنه يقدم العدد في الاعتبار، ويجعل النسبة ~~الموسيقية بين الأعداد أصلا تتبعه الفروع. # وسمع بهذا الرأي الفلسفي كاتب يعرف الكيمياء معرفة الصيدلي الماهر، ~~ويشتغل بالدراسات العلمية الحديثة، ولا سيما مذهب النسبية في ~~شعبتها الخاصة وشعبتها العامة، فما كاد الكاتب الصيدلي يصغي إلى ~~ذلك الرأي الفسلفي حتى صاح محنقا: ما هذا اللغو السخيف؟ الوجود ~~كله عدد؟ الوجود كله نسب موسيقية؟ أما آن للعقل البشري أن يتحرر من ~~هذا الهراء العقيم الذي أكل ms087 عليه الزمان وشرب وضاعت فيه الدهور ~~عبثا بين الجدل والسفسطة؟ # ولم يقنع الكاتب الكيمي بما قال في ثورة العضب، بل كتب مقالا بهذا ~~المعنى لم يعدل فيه عن وصف الفيلسوف الكبير بالسخف ~~والجهالة. # ولقيت صاحبنا فقلت له: إن آخر من يحق له أن يرمي الفلسفة العددية ~~بالسخف لهو الباحث الذي يعرف الكيمياء معرفتك، ماذا تقول الكيمياء ~~عن أصل المادة بحذافيرها وأصل المعدودات على «تعدد» حسابها. # قال: إنها من عناصرها المعروفة. # قلت: وماذا نعرف من عناصرها؟ # فمضى يسرد التعريفات المعلومة لتركيب النواة وكهاربها بين موجبة ~~وسالبة ومحادية، إلى آخر ما يقال عنها في بسائط الكيمياء. # قلت: علام يقوم الاختلاف بين عنصر وعنصر منها؟ # قال: إنه بالطبع قائم على عدد النويات والكهارب. # قلت: والنويات والكهارب من أين جاءت؟ أليست هي جميعا من شعاع وتئول ~~إلى شعاع بعد الانحلال؟ فما هو الشعاع؟ أليس هو هزات في الأثير؟ ~~وما الفرق بين هزات الأثير إن لم يكن فرقا بين عدد ونسبة؟ وهل في ~~الأثير شيء معدود غير هذا العدد المفروض؟ # إن عناصر المادة إذن تختلف باختلاف ما فيها من أعداد الهزات في ~~الأثير، ونرجع إلى الأثير فلا نجد هنالك جسما ولا كائنا شبيها ~~بالأجسام التي تقاس بالوزن أو بالحجم أو بالأطوال والأبعاد، وكل ما ~~نعرفه إذن أعداد مفروضة لا نعرف معها معدودات موجودة، فماذا قال ~~فيثاغوراس غير هذا مما يحق لنا اليوم أن نصفه بالسخف والهراء؟ عدد، ~~ونسب مقررة بين الأعداد، يتبع بعضها بعضها، ولا يعسر على الخبير ~~بها أن يتبين الموضع الخالي في السلسلة المتلاحقة على حسب أعدادها ~~وضوابط النسبة بينها. # كل ما نعرفه عن تركيب المادة أنها أعداد مفروضة ومعدودات مجهولة، ومن ~~قال بهذا الرأي قبل العلم الحديث بخمسة وعشرين قرنا لا يستحق منا ~~الوصف بالسخف والهراء، بل هو حقيق منا بكل إعجاب وإكبار، وجدير بنا ~~أن نتعلم منه كيف نفكر ونفتح أبوبا التفكير أمام عقولنا، فإن لم ~~نتعلم منه ذلك فلنتعلم على الأقل كيف نتردد في إغلاق أبواب الفكر، ~~وفي حجب العيون ms088 بالأيدي حتى لا ترى ما لعلها قادرة على رؤيته، لولا ~~هذا الحجاب. # على أن العلم الرياضي قد اضطر العلماء الماديين وغير الماديين أن ~~يسلموا بقول يشبه رأي فيثاغوراس في العدد بلا معدود، فلم يقل أحد ~~منهم عن إقليدس: إنه مخرف سخيف لأنه يقول عن النقطة الهندسية أنها ~~شيء بغير طول ولا عرض، ولا عمق أو ارتفاع، ثم يقول مع ذلك: إن الخط ~~المستقيم مجموعة من هذه النقط بغير عدد معروف يميز بين الطويل منه ~~والقصير. # اضطر الماديون وغير الماديين اضطرارا إلى تسليم هذا الفر المجرد، ~~وبنوا عليه علوم الهندسة العملية والنظرية، فهي قائمة على غير ~~أساس، إن لم تقم على هذا الأساس. # وزبدة هذه الفروض في العلم الطبيعي أو الفلسفة أو الرياضة أن الحواس ~~لا تعطينا وصفا للمادة - أو للامتداد نفسه - يغنينا عن النظرة ~~المجردة التي يدركها العقل، ولا تدرك بالأبصار والأسماع، بل ربما ~~عجز العقل عن إدراكها، ولم يستطع أن يذهب فيها مذهبا وراء ~~التسليم. # ومن أقرب النتائج إلى موقف العلم الحديث عن هذه الفروض المسلمة أن ~~نلغي كل ما وقر في أخلادنا عن النظر المجرد إلى حقائق الوجود، ~~فليست الكثافة هي الحقيقة كلها، وليس الخفاء هو العدم كله، وليس في ~~المحسوسات على إطلاقها شيء واحد لا ينتهي بنا إلى خفاء. # وإذا عاب الماديون على الفكريين أنهم يتوارثون أوهام الأقدمين في ~~المسائل الروحية، ولا يتخلصون منها على ضوء العلم الحديث، فمن ~~واجبهم أن يذكروا نصيبهم من هذه الوراثة، ومن هذا العجز عن الخلاص ~~من بقايا القرون الخالية، فما يزال في أذهانهم أثر - بل آثار - من ~~صورة الأرض التي تقابل السماء وتناقضها في الجوهر والبناء، فلا ~~ثبوت عندهم إلا لهذا القرار الذي يصدم القدمين، ولا معنى عندهم لما ~~بعد الطبيعة، ولا يجوز عندهم أن تكون الطبيعة نفسها حقيقة وراء ~~الحواس ووراء العقول. # الفصل الخامس # | الإيمان # لم يكن العلماء المفكرون في القرن السابع عشر أفضل تفكيرا من خصومهم ~~الجامدين من رجال الدين في زمانهم أو من عامة الجهلاء ~~المقلدين. # كان الخصمان ms089 المتنافران يصلان إلى النتيجة الواحدة من المقدمة ~~الواحدة. # إثبات دوران الأرض حول الشمس ينفي وجود الله، ويبطل الإيمان به عند ~~هؤلاء وعند هؤلاء، فهم من الجانبين المتقابلين يفكرون على نسق ~~واحد، ويرجعون إلى قضية واحدة في فهم الكفر والإيمان. # ولم يخطئ العلماء المفكرون هذا الخطأ؛ لأنهم أساءوا فهم العلم، وعجزوا ~~عن التفكير القويم، وإنما ساقهم إلى الخطأ أنهم خلطوا بين الإيمان ~~وبين رجال الدين، وخيل إليهم أن رجال الدين هم أصحاب قضية الإيمان ~~وهم المختصون بفهمها وتفسيرها، والهداية إلى أسرارها، فإذا بطلت ~~دعواهم بطلت دعوى الإيمان من أساسها، ولم يبق لأحد حق بعد حقهم في ~~تجديدها واستئنافها. # ولو تمادى العلماء المفكرون كلهم في هذا الخطأ حتى اليوم لصح القول ~~بقضاء العلم على الدين منذ ثلاثة قرون، وتقرر في الأذهان أن العالم ~~يبتعد من الدين كلما ازداد نصيبا من معارف العلم الحديث. # ولكننا اليوم بعد ثلاثة قرون لا نستطيع أن نقول: إن العالم أبعد من ~~الدين مما كان عند ظهور طوالع العلم الحديث، ونستطيع أن نقول على ~~التحقيق: إن نصيبه من العلم الحديث أوفر وأوفى من نصيب العالم في ~~القرن السابع عشر، بل من نصيبه عند بداءة القرن العشرين. # ما الذي تغير من تفكير علماء الأمس وعلماء اليوم؟ # تغير وضع القضية. # تغير أصحاب الدعوى، فأصبح لها طرف واحد، يتلقى المدعون فيه ~~والخصوم. # قضية الإيمان اليوم هي قضية الوجود، وليست قضية الجامدين أو المتحررين ~~من رجال الدين، وإذا صار الأمر إلى قضية الوجود، فالإثبات والنفي ~~فيها مطلوبان من كل موجود يعقل ويبحث عن حقيقة وجوده، أيا كان رأي ~~الجامدين أو المتحررين من رجال الدين في جميع الأديان. # تغير وضع القضية فتغير فيها موقف الهجوم وموقف الدفاع، من هجم فيها ~~فإنما يهجم على عقله ووجدانه، ومن دافع فيها فإنما يدافع عن عقله ~~ووجدانه، ومن ظن أن طائفة من الناس أحق بالهجوم والدفاع فقد نزل عن ~~حقه في وجوده وحياته، وعن حقه في استطلاع أسرار الوجود والحياة ~~فيما حوله، وهو أكبر ما للحي العاقل ms090 من حقوق. # في رسالتنا عن «عقائد المفكرين في القرن العشرين»، قلنا: «إن أسباب ~~الشك منذ نشأة العلوم الحديثة خمسة ليس أقوى منها وأعظم فعلا في ~~عقول المفكرين الأوروبيين وفي عقول غيرهم ممن نظروا إلى دلالتها ~~مثل نظرتهم وحكموا بها على الأديان مثل حكمهم، وهذه الأسباب الخمسة هي: # أولا: # كشف كوبرنيكس لمركز الأرض من ~~المنظومة الشمسية، ومن الأجرام السماوية على ~~العموم. # ثانيا: # ظهور القوانين الطبيعية التي سميت ~~بالقوانين المادية أو الأولية. # ثالثا: # مذهب النشوء ~~والارتقاء. # رابعا: # علم المقارنة بين الأديان ~~والعبادات. # خامسا: # مشكلة الشر، وهي ليست من مشكلات ~~القرن العشرين خاصة، ولكنها تخصص بالقرن العشرين لما ~~تفاقم فيه من الحروب.» # كان التقليد الشائع عند المفكرين المنكرين من طراز القرن السابع عشر ~~أن يحيلوا على الدين كل خطأ من أخطاء رجال الدين الجامدين الذين ~~يرفضون كشوف العلم وآراء العلماء في هذه البحوث والنظريات. # وكان لهم وجه من الشبهة في ذلك التقليد الذي نظلم العلم بنسبته إليه، ~~ولكن ما هي الشبهة عندهم على الإيمان بالله إذا تحولت القضية من ~~قضية خاصة برجال الدين الجامدين إلى قضية عامة للوجود، ولكل ما هو ~~موجود. # ما الذي يمنع أن يكون دوران الأرض حول الشمس أدل على الحكمة الإلهية؛ ~~لأنها في موضعها من المنظومة الشمسية قد أصبحت أصلح للحياة من جميع ~~السيارات. # وما الذي يمنع أن تكون النواميس في الطبيعة أدل على الحكمة الإلهية من ~~الفوضى والاختلال؟ # وما الذي يمنع أن يكون التطور آية من آيات الهداية الإلهية التي ترتقي ~~بالمخلوقات، وتبث فيها عوامل التنوع والارتقاء. # وما الذي يمنع أن يكون التدين اجتهادا يبلغ فيه الإنسان ما هو قادر ~~على إدراكه طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل. # وما الذي يمنع أن يكون «الشر» أدل على فضل الحياة والحرية من خلق ~~الناس كما تصنع القوالب وتخرط الحدائد والأخشاب. # إن تلك الكشوف العلمية لا تطوي صفحة الدين إلا إذا أسيء وضع القضية، ~~وفهم الدين على أنه بضاعة فئة من الناس يروجونها، ولا يحفل أحد ~~غيرهم برواجها أو كسادها، بل ms091 عليهم أن يحترسوا منها كما يحترس ~~المشتري من تاجر ماكر يبيعه ما لا يحتاج إليه. # إلا أنها إذا وضعت في موضعها، وفهمت على أنها قضية الوجود والحياة، ~~فكل ما كشفه العلم وما سيكشفه خليق أن ينشر منها كل يوم صفحة ~~جديدة، ويفتح منها كل مرة بابا لم يكن قبل ذلك بمفتوح للباحثين، ~~وقد فهمت تلك الكشوف على هذه الصفة حديثا فلم ينكر الفكر مكان ~~الكرة الأرضية في وسط المنظومة الشمسية، بل رأى فيها آية من آيات ~~الحكمة الإلهية أقرب إلى التصديق من زعم الزاعمين أنها مستقرة في ~~مركز الكون، وأن القائلين بانحرافها عن ذلك المركز يبطلون القول ~~بحكمة النظام في الأرض والسماء، وحكمة خلق الإنسان في موضعه من ذلك ~~النظام. # لو كانت الأرض ترتج من فزع أبنائها لارتجت فعلا من فزع المتدينين ~~الجامدين يوم سمعوا أنها كرة، وأنها تدور ولا تستقر في مكانها من ~~مركز الوجود، ولكن الكرة الأرضية خرجت من ذلك المركز المزعوم ودارت ~~في مدارها بين السيارات، فتمت لها في هذا المدار شرائط الحياة، ~~واستعدت بذلك لظهور الأحياء عليها، وإظهار البرهان القوي على ~~الحكمة والقصد، من حيث لا يظهر للعقل من إثباتها في مركزها ~~القديم. # لم توسطت بمدارها بين أقصى البعد من الشمس وأدنى القرب منها، وبين ~~أقصى البرد وأقصى الحرارة؟ # ولم توسطت في حجمها بين الضخامة التي تشل حركة الأجسام بوطأة ~~الجاذبية الثقيلة وبين الخفة التي تطلق الموجودات عنها إلى الفضاء ~~ولا تمسك حولها بالجو الصالح للحياة؟ # ولم اختلف عليها النور والظلام فتيسرت فيها تراكيب الكيمياء التي لا ~~تتيسر مع أطباق النور أو أطباق الظلام؟ # ليكن تعليل هذه الأحوال على الوجه الذي ترتضيه عقول الباحثين فيها من ~~جوانب النظر المتباينة، فإنما نحن على كل وجه من وجوه التعليل أمام ~~صفحة مفتوحة للبحث في أسرار الخلق لم يطوها القول بخروج الأرض من ~~مركز الكون المزعوم إلى مدارها المتنقل بين السيارات، وهكذا تبقى ~~القضية التي خيل إلى المنكرين في القرن السادس عشر أنها قضية سقطت ~~فيها الدعوى وبطل فيها ms092 الخلاف، وهكذا مضت عدة قرون ولم يبتعد العقل ~~في القرن العشرين من الإيمان بمقدار نصيبه من المعارف والكشوف، بل ~~هو أحرى أن يبتعد من الإنكار كلما اطلع على كشف جديد من كشوف العلم ~~الحديث، وأحرى بالعصر الحاضر أن يسمى عصر الشك في الإنكار، إذا قيل ~~عن العصور القريبة الماضية إنها عصور الشك في الإيمان. ~~••• # ولا ندري ماذا تصنع ثلثمائة سنة أخرى بمسألة الإيمان والإنكار في نظر ~~العقل والبديهة بعد هذه الخطوات التي خطاها الفكر الإنسان منذ ~~القرن السابع عشر إلى هذا القرن العشرين، ولكن المشاهد أن أفكار ~~المعاصرين قد استفادت كثيرا من تحويل المسألة من مسألة جدل ~~وملاحاة بين العلماء وأدعياء الدين المحترفين إلى مسألة إنسانية، ~~يضيرنا أن نهملها، ولا ينفعنا أن نكتفي فيها بالتفتيش عن سخافة ~~الجامدين والجهلاء. # ومما استفاده الفكر الإنساني في القرن العشرين أنه فصل في مسألة أخرى ~~لا تقل عن هذه المسألة في قيودها الوبيلة، وفي نتائج الخلاص من ~~إسار تلك القيود، وتلك هي مسألة القطيعة بين العلم والفلسفة، ~~وحسبان النظر فيما وراء المادة فضولا يوشك أن يخل بكرامة العلماء ~~ويخرج بهم من نطاق العلوم. # فالنظرة المجردة اليوم نظرة اضطرارية لا اختيار فيها للعالم الذي كان ~~يظن أنه في حل من تركها، بل يظن أنه مطالب بالابتعاد عنها، فليس ~~للعقل العلمي اليوم محيص من النظر المجرد إلى أصول الموجودات وهو ~~قائم في صميم هذه الموجودات المادية، وليس «ما وراء المادة» في ~~القرن العشرين عالما سحيقا يوغل فيه بالظن والخيال، بل هو عالمه ~~الذي يشاهده بالعين وينتهي إليه بالتجربة ويفكر فيه، ويتخيله على ~~اضطرار بعد انتهائه بالحس إلى غاية مداه، وقد كان الفرض الرياضي ~~عند علماء التجربة العملية حيلة موقوتة يسمح بها مغضيا عنها في ~~انتظار الوصول إلى الحل المأمول، وكانت النقطة الهندسية - مثلا - ~~لغزا علميا من ألغاز الرياضة التي تشبه الألعاب التي يقبلها من ~~يقبلها ريثما يصل إلى الجد المفيد في التطبيقات العملية: قل أيها ~~الرياضي الحريص على تعريفاته العزيزة كيفما شئت إن النقطة شيء ليس ms093 ~~بشيء، وبعد تمتد منه جميع الأبعاد، ولا طول له ولا عمق ولا ~~ارتفاع، فما دمنا نبني ونهندس، ونحسب في عالم الأبعاد والمسافات ~~فلا بأس علينا من فروضك وألغازك في فراغ الأوهام. # غير أن الرياضي المولع بتعريفاته الأولية يعود اليوم فيسأل علماء ~~التجربة والعمل أن ينتهوا بتجاربهم إلى شيء في الفضاء يختلف في ~~إدراك العقول والحواس عن النقطة الهندسية فلا يحيرون جوابا، ولا ~~يحسبون أنهم أفلتوا قيد شعرة من المادة إلى فراغ الأوهام، كل ما ~~نلمسه ونحسه ونراه ونعقله إن هو إلا حركة في الأثير، وكل ما نعرفه ~~من الأثير أنه فضاء لا ندري ما الذي يتحرك فيه، وما معنى الحركة ~~فيه من هنا أو هناك. # ويضطر الطبيب وعالم الحياة - كما يضطر الرياضي وعالم الطبيعة - إلى ~~هذه النظرة المجردة حين يشرح مخ الإنسان وينتظر نتيجة التشريح فيرى ~~أن جسم «المخ» لا يحتوي الفكر احتواء الآنية المحسوسة كما خطر ~~للكثيرين من الماديين الذين قرنوا بين مادة المخ ومادة التفكير، ~~فقد يزال جزء من المخ كثير أو قليل ويبقى للعقل كل ما كان فيه من ~~علوم ومعارف وذكريات وأخيلة وكلمات ومعان ولغات، وقد يعاب تكوين ~~المخ وصاحبه من فلتات العبقرية والنبوغ، وقد يصغر المخ حجما ~~ووزنا، وقدرته على التفكير أكبر من قدرة المخ الذي يزيد عليه في ~~حجمه ووزنه، وقد كان الفيلسوف ديكارت يرجح على سبيل الظن أن الغدة ~~الصنوبرية في الدماغ هي نقطة الوصل بين الجسد والفكر وملتقى ~~العالمين المتقابلين: عالم المادة، وعالم الروح، وكان الفيلسوف ~~يعتقد أنه بلغ غاية التسامح الذي يستطيعه من يفرق بين العالمين ~~ويضطر إلى صلة يعقدها بينهما مع هذا التفريق، فاليوم لو عاد لرأي ~~المغرقين في التجسيم يسبقونه إلى التسليم باختلاف مادة التفكير من ~~مادة الدماغ كله، بما فيه من غدة صنوبرية ومن أغشية ~~وتلافيف. # ولم تتمحض - بعد - بحوث العلم في إشعاع الدماغ وعلاقة هذا الإشعاع ~~بالتفكير والانفعال، ولم تجر المقارنة الوافية بين الإشعاع المنبعث ~~من دماغ الإنسان والإشعاع المنبعث من دماغ الحيوان في أحوال الشعور ~~والانفعال، ms094 ولم يظهر للعلماء الباحثين في هذه الظواهر محور الفارق ~~بين إشعاع المخ الإنساني في حالة التفكير والتأمل وإشعاع المخ ~~الحيواني في حالة الاضطراب الجسداني الذي لا تفكير فيه، ولم تكمل، ~~بعد، محاولات التجربة العكسية في هذه الظواهر الفكرية أو الشعورية، ~~فلم يعرف أحد من الباحثين كيف يستطيع أن يحدث بالإشعاع الذي يرسله ~~إلى الدماغ أثرا كالذي ينشأ في داخل الدماغ أثناء اشتغاله بالتأمل ~~أو بالروية أو بالأعمال الفنية والعلمية، وكل أولئك من التجارب ~~اللازمة في هذه الدراسة الطريفة التي لم تسبق لها سابقة من نوعها ~~قبل القرن العشرين. بيد أننا لا نحتاج إلى الانتظار الطويل لنعلم ~~أن العالم المهم في التفكير شيء غير الحجم والمقدار، وأن المخ لا ~~تنقص معلوماته ومحفوظاته بنقصان جزء منه يستأصله الجراح في بضع ~~لحظات، ولسنا نريد أن نسبق السنوات فضلا عن الأجيال والقرون، ~~ولكننا نستبعد منذ الآن أن يجيء اليوم الذي يستطاع فيه تكييف المخ ~~بالأشعة المرسلة إليه من الخارج ليعرف لغة من اللغات أو قضية من ~~قضايا الفلسفة أو درسا من دروس الكيمياء والجغرافية والرياضة، أو ~~ليكسب ملكة من ملكات النظم والتصوير والتمثيل وما نحا نحوها من ~~الفنون، وغاية المستطاع - على ما نعتقد - أن ينجح الباحثون في ~~تسجيل إشعاع المخ بالرسوم الكهربية، وإدراك دلالتها على نشاط المخ ~~أو كسله وعلى رجحانه أو نقصه، وربما نجحوا كذلك في تنشيطه وتنبيه ~~قدرته، وحضه على عمله، وتمييز ذلك العلم الذي يحض على أدائه، أما ~~أن تنقل الأشعة إلى المخ فكرة لم يبتدعها ولم يستعد لها بتكوينه ~~وتربيته فليس ذلك بالمستطاع، ولا هو مما تنبئنا عنه أوائل البحث ~~كما بدرت لنا حتى الآن. # وأيا ما كان مآل هذه البحوث بعد زمن قريب أو بعيد فليس من الممكن أن ~~نرجع بعمل المخ إلى حركة أكثف من مادة الشعاع في الأثر، وذلك شوط ~~في تنزيه الملتقى بين الجسد والفكر لم يحلم به الفيلسوف الذي قنع ~~بالغدة الصنوبرية ملتقى بينهما في تكوين الدماغ، وجعل التفكير أساس ~~البراهين على صدق وجود الإنسان ms095 ووجود الإله. ~~••• # إن الشوق إلى الإيمان من أقوى أشواق النفس الإنسانية، شوق متصل بحب ~~الحياة وحب المعرفة وحب الجمال وحب الكمال، وحسبنا منه أنه شوق ~~يعيننا على اليأس ويمنحنا الأمل، ويجعل للحياة معنى يتصل ~~بالدوام. # وليس المتشككون أضعف الناس حظا من هذا الشوق المتأصل في أعماق النفس ~~البشرية، فإنه كالعاشق القلق المستريب حظه من الحب أعمق من حظ ~~الخلي الذي يسقط الحب من حسابه، فلا يعينه أن يثق، ولا أن يشك، ولا ~~أن يستريح من قلق يساوره وخواء يشعر به ولا يرتضيه. # هؤلاء المتشككون في هذا العصر يحارون بين شك يحيك بضمائرهم وشوق محتبس ~~لا يجد سبيلا إلى الانطلاق، وفضيلة القرن العشرين في أمر هؤلاء ~~المتشككين أنه فتح أمامهم هذا السبيل وفسح لهم مجال النظر في ~~الغيبيات، وحقائق الوجود من وراء الحواس والعقول: كان العلم يخجلهم ~~من هذه الغيبيات كما يخجلهم من الأوهام التي انقضى زمانها بانقضاء ~~الخرافات، بل بانقضاء الفلسفة التي تخوض في ظنون لا تقع تحت الحس ~~ولا تقبلها العقول، فأصبح العلم أقرب إلى هذه الغيبيات من المخرفين ~~والمتفلسفين، وحقت عليه الكلمة من مقدماته التي لا يملك الرجوع ~~عنها إذا ملك الفيلسوف أو صاحب الظن أن يرجع عما يشاء من الفروض ~~والأظانين. # وفضيلة القرن العشرين بعبارة أخرى أن العقل البشري إذا اشتاق فيه إلى ~~الإيمان استطاع أن يطلبه ولم يخجل من طلبه، وأنه يطلبه من العالم ~~والفيلسوف والمتصوف والمؤمن بدينه، ولا يطلبه متخاذلا متنابذا ~~يداري سره من علانيته، ويستر جانبا من تفكيره؛ لكيلا يطلع عليه ~~جانب آخر يعارضه أو يزدريه. # إن ثلثمائة سنة في عصر السرعة تصنع المعجزات في عالم المجهول علما ~~وصناعة وإيمانا واعتقادا وعلاقات بين الأمم في الدنيا الواسعة، ~~وبين آحاد الناس في الأمة الواحدة، وقد يضل البصر عما سيكون بعد ~~تلك السنين، ولكننا نتقدم على أمان إذا قصرنا النظر على ما بقي في ~~القرن العشرين من سنيه الأربعين؛ لأننا نبصر مواقع الخطى في هذا ~~الأمد القريب، ونلمس طبيعة العقيدة التي تتهيأ لمن يبحث عنها وهو ms096 ~~لا يهاب النظرة المجردة إلى الغيب، ولا يخضع لسلطة ترهبه بالزواجر ~~والقيود، وكلما أمعنت به الوحدة العالمية في مناهجها الفكرية ~~والخلقية خلص من قيد ثقيل من قيود العصبية التي تفكك روابط ~~الإنسانية، وتجعل الدين سدا من سدود الفرقة والبغضاء، بدلا من ~~الإيمان بوجود واحد فوق الأرض وتحت السماء. ~~••• # نحن نتقدم على أمان في استطلاعنا للغيب القريب إذا تذكرنا كيف انتهى ~~الزمن بقضية الإيمان والإنكار من القرن السابع عشر إلى القرن ~~العشرين: إنه نقلها من خصومة على المراسم والشعائر ودعاوى ~~المتدينين المحترفين، إلى بحث صادق عن حقيقة الحياة وحقيقة الغيب ~~والشهادة بغير خصومة ولا لجاجة بين قوم أصلاء في الدعوى وقوم أصلاء ~~في الإنكار، وليس للباحث الذي يتقدم على هدى هذه الحقيقة من قبلة ~~غير جوهر العقيدة الخالصة مبرأة من حواشي المراسم والشعائر ~~والتقاليد، عالمية غير ذات عصبية، وبصيرة غير منقادة لبقية موروثة ~~ولا سلطة ظاهرة أو خفية. # قبلة الإيمان في المستقبل تتلاقى مع وجهة النوع الإنساني الذي يتقدم ~~إلى الوحدة العالمية ووجهة الإنسان الفرد الذي يتقدم إلى الحرية ~~والكرامة، ولا حرج على متدين أن يبقى على دينه الموروث ويستصفي منه ~~جوهره المبرأ من غواشي الخرافة ونفايات التقليد، فإن الأديان تتوحد ~~بالجوهر وتتفرق بتلك الغواشي والنفايات، ولا مبالاة بالقشور التي ~~تعلق بلباب الدين حيث يقوى ضمير الفرد الحر على التخلص منها، وحيث ~~تتمكن عوامل الوحدة الإنسانية من التغلب عليها فتبقيها متسامحة أو ~~تنفيها متجافية، ولا تسمح لها على الحالين أن تعوقها عن ~~قبلتها. ~~••• # وحسب القرن العشرين حصة من الحرية الفكرية أنه أطلق الفكر من عقاله ~~الذي حاكه لنفسه بيديه، فإنه وصل بالعلم إلى ما وراء المادة ~~المحسوسة فلم يجد هنالك خرافة من خرافات العجائز ولا أسطورة من ~~أساطير الأولين، بل وجد الأصل الأصيل لكل موجود مشهود أو غير ~~مشهود، فاستباح لنفسه أن يبحث ويتطلع ويطرق الأبواب التي تطرق ~~للإفضاء إلى ما وراء المادة والفضاء، ومنها أبواب الفلسفة وأبواب ~~العقيدة، وكانت حريته هذه من قيود نفسه أنفع له من كل حرية ~~استفادها ms097 من ثورته على رجال الدولة أو رجال الدين، إذ كانت حريته ~~المستفادة من ثورته على غيره لا تحميه أن يتعثر في سعيه إلى ~~الحقيقة وهو يضع العراقيل بيديه أمام خطواته، ويحسب أنه يصون ~~كرامته بالأحجام عما وراء المادة ووراء التجربة المادية، فيما ~~استأثر به قبل ذلك دعاة العقيدة وأصحاب الفلسفة المثالية. # ونحسب أن الثمرة الأولى من ثمرات هذه الحرية «الذاتية» قد ظهرت، ولم ~~تزل تمعن في الظهور في أواخر القرن الماضي إلى منتصف القرن الحاضر، ~~وبدا من طوالعها أن تتمشى العقول في طريق واحد على تعدد الميادين ~~التي تسلكها، فليس بينها اليوم ذلك التقاطع المقرر منذ البداءة بين ~~قبلة العالم وقبلة المتصوف وقبلة الفيلسوف، كل منهم يولي شطرا غير ~~شطر صاحبه، إلى غير لقاء. # وقد ندرك هذا الاتفاق في الغاية من أيسر نظرة إلى مذاهب الفلسفة التي ~~نشأت بين أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر، فإن المذاهب ~~الجديدة - من واقعية أو مثالية - تمضي على نهج واحد أو على خط واحد ~~في الاعتراف بالمادة والفكرة، وكل ما تختلف فيه أن تذكر موضع ~~الابتداء وموضع الانتهاء، ومثلهم في ذلك مثل من يسمي خط السفر ~~فيقول: إنه خط يمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، أو يقول: ~~إنه يمتد من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، وكلاهما يتكلم عن ~~خط واحد لا عن خطين اثنين. # فالبرجمية مذهب ينادي إمامه الأكبر - وليام جيمس - بإرادة الاعتقاد أو ~~بواجب الاعتقاد، وهو - على هذا - أجهر الفلاسفة صوتا بتقرير ~~الواقع دون أن يناقض نفسه في الحالتين، غذ هو ينادي بتقرير الواقع ~~ولا يعتبره نقيضا للفكرة ولا للآراء المثالية، وإنما هو ترجمان ~~الحقيقة الذي يفسرها ويشرحها ويتولى إثباتها وضبط معاييرها، وفرق ~~بعيد بين من يقول بالواقع المحسوس وينفي ما عداه، ومن يقول: إن ~~الواقع لا غنى عنه للدلالة على ما عداه. # وننظر إلى المذهب المثالي والمذهب الواقعي كما يتمثلان في آراء ~~الفيلسوف برادلي # Bradley # والفيلسوف صمويل ألكسندر # Alexander ~~، فإن مذهب برادلي ~~المثالي فحواه أن الوجود الإلهي حقيقة لا بد منها ms098 تترقى الموجودات ~~المادية إليها ولما تدركها، ويقابله مذهب ألكسندر الواقعي بما ~~فحواه أن الوجود الإلهي حقيقة لا بد منها أيضا، ولكنها تنتج من ~~ارتقاء المادة شأوا بعد شأو من تفاعلي الزمان والمكان. # فهما إذن رأيان لا ينكران الواقع، ولا ينكران الحقيقة الإلهية، ولا ~~يختلفان فيما هو الأعلى منهما وما هو الأدنى، ولكنهما يختلفان بعد ~~ذلك في نقطة الابتداء. # وجدير بالتنويه هنا أن المذاهب الواقعية والمثالية جميعا في القرن ~~العشرين تعنى أشد العناية بحركة الزمان في الفضاء، فإن هذا الزمان ~~الذي كان في عرف الأكثرين فرضا رياضيا يقتضيه ترتيب الحوادث قد ~~أصبح الآن جوهرا أصيلا للموجودات بعد أن تبين العلماء أن ~~الموجودات المادية كافة تئول إلى حركة في الأثير، وهو مرادف عندهم ~~للفضاء، وهذا الذي عنيناه حين قلنا في التعليق على مذهب ألكسندر: ~~«لا شك أن مذهب أينشتين عن الزمان والمكان كان له أثر كبير في وقوع ~~هذا الخاطر في روع الفيلسوف، ولكن الأثر الأكبر ولا شك يرجع إلى ~~مباحث العلوم الطبيعية في الحرارة والكهرباء، ولا سيما المباحث ~~التي قررت أن ذرات المادة تتحول إلى إشعاع، فإذا كان الإشعاع هو ~~أصل المادة، وكان الإشعاع مجرد حركة، فلا جرم يخطر للفيلسوف أن ~~حدوث الحركة في الفضاء هو أصل المادة في صورتها الأولى.» # 1 # ومن عجائب الاتفاق في هذه المناحي الفلسفية أن يكون ألكسندر الواقعي ~~تلميذا في مذهبه عن الزمان لهنري برجسون أكبر المثاليين من أعلام ~~الفلسفة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فمذهبه ~~في الزمان شبيه بمذهب برجسون الذي يقول بأن الزمان أصيل في خلق ~~المادة، وأن «التغير» الذي هو قوام الزمان ينشئ الكائنات وينميها ~~ولا يفنى ماضيه بانقضائه، بل يتسع مع الحاضر كما يتسع النهر في ~~مجراه ويشق طريقه إلى المستقبل محتفظا بما كان وبما هو كائن إلى ~~أن يتجمع كله فيما يكون. ومثل هذه الصورة للزمان لم تكن لتخطر على ~~بال الفلاسفة المحدثين لو لم تمتلئ أذهانهم بفكرة الحركة في الأثر ~~كما تتراءى في سريان شعاع الضوء خلال ms099 الفضاء، فإن الفيلسوف لا يعدو ~~حدوده حين يقول بأصالة الحركة الزمانية قبل تجسم المادة، إذا كان ~~العالم - الموكل بالتجارب الحسية - يقول بأن المادة «مستمدة» من ~~شعاع يسري في فضاء، وأنها حركة مجردة لا يعرف العلم ما هو المتحرك ~~فيها وما هو مصدر الحراك على صورة الضوء أو على صورة الحرارة أو ~~على صورة الكهرباء. # هذا في نطاق البحوث الفلسفية. # أما في نطاق البحوث العلمية فقد أصبح البحث فيما وراء المحسوسات خطوة ~~طبيعية بعد تجريد المادة في الأثير من صبغتها المحسوسة، فنشأ في ~~أوائل القرن علم حديث يسمى بالسيكولوجية المقارنة Parapsychology # يدور ~~البحث فيه على انتقال المشاهدات بغير وساطة الحواس، ولا يزال هذا ~~العلم معدودا من الخطوات الجريئة بحكم التقاليد التي يطول أمدها ~~بعد أوانها في عادات الكثيرين، ولكن العلماء الذين باشروا التجربة ~~في هذا العلم الحديث يرون أن الظواهر التي راقبوها لا تقبل التفسير ~~بفرض من الفروض المصطلح عليها، وأن المضي في التجربة أجدى وأقرب ~~إلى الأمانة العلمية من العدول عنها، وذلك حسب الحديث من بواكير ~~النجاح. # يقول الأستاذ راين # Rhine # من جامعة ~~ديوك # Duke # بالولايات ~~المتحدة: «إن بعض الرواد السابقين في هذه المباحث كانوا من علماء ~~الطبيعة النابهين، كالسير أوليفر لودج، والسير ويليام كروكس، ~~والسير ويليام باريت، ثم حدث بين حين وحين أن كان يسهم في تلك ~~المباحث بعض العلماء الممتازين، وأن ظل بعض المتخصصين من علماء ~~الدراسات النفسية بمعزل عنها، وقد كان بين أولئك الرواد الأساتذة ~~ويليام جيمس، وجورج هيمانز، وويليام مكدوجال، وكان من ثمرة مباحثهم ~~أن يقام أساس صالح لاستمرار النظر في النجوى على البعد # Telepathy ~~، وصحيح أن ~~المباح التي أجريت في معامل هارفارد وجروننجن وستانفورد خلال ~~السنين الخمس والعشرين الأولى من القرن العشرين لم تعمر طويلا ~~لقلة المشجعات من جانب المتخصصين، إلا أن النتائج التي أسفرت عنها ~~مباحث الرواد كانت مشجعة على المضي فيها، وأن لم تقبل على علاتها، ~~لأنها ساعدت على إقامة معمل خاص لها بعد قليل، فقد بدئت مباحث علم ~~النفس المقارب في جامعة ms100 ديوك سنة 1930 برعاية الأستاذ مكدوجال، ~~وأدى استمرار البحث فيها إلى تأسيس مركز لها سمي بعد ذلك بمعمل ~~جامعة ديوك للدراسات النفسية المقاربة، وظهرت في سنة 1934 رسالة ~~مقصورة على هذا الموضوع تلخص نتائج التجارب التي أجريت خلال ~~السنوات الثلاث بعنوان: «مدركات ما وراء الحس» وتلاها إصدار مجلة ~~علم النفس المقارب سنة 1937 يشارك فيه تحريرها الأستاذ ~~مكدوجال.» ~~••• # واستطرد الأستاذ راين إلى إجمال التحقيقات التي تمت منذ إنشاء المجلة ~~إلى ما قبل منتصف القرن العشرين، وأشار إلى الشروط التي اتبعت ~~لتوحيد أسلوب البحث وضمان الاتفاق في التجربة وامتحان النتائج ~~الموثوق بها أيها ينسب إلى النجوى على البعد # Telepathy # وأيها ينسب إلى ~~الكشف # Clairvoyance # وأيها ينسب إلى ~~المصادفة، فإذا بقيت بعدها نتائج أخرى أمكن أن يقال: إنها مما يثبت ~~وجود الوساطة غير المحسوسة بين الإنسان وما يدركه من الأشياء، ~~ويؤخذ من الإحصاءات أن جانب المصادفة قليل، وأن التجارب التي تحتاج ~~إلى تفسير غير معهود يزداد ويبتعد في خصائصه عن كل من النجوى على ~~البعد، وعن الكشف كما يبتعد عن الاشتباه بالتنويم المغناطيسي، وهذه ~~تجربة من تجارب شتى تدل على سائرها. # قال الأستاذ: «ودلت التجارب على وجود عامل غير مجرد المصادفة، واقتنع ~~المجربون أنفسهم بأن النتائج لا يمكن تأويلها بسبب من الأسباب ~~المعهودة.» # إلى أن قال: «ووضعت البطاقات في منزل آخر على بعد مائة ياردة، وحاول ~~هيوبرت بيرس الذي كان يومئذ طالبا لعلم اللاهوت أن يميز البطاقات، ~~فأسفرت التجربة عن ستين - يمكن أن ينسب إلى المصادفة - من ثلثمائة، ~~أي عشرين في المائة، وعن 119 مرة أصاب فيها بيرس، أي ما يقرب من ~~أربعين في المائة، وهي نسبة لا يمكن أن تعزى إلى المصادفة، إذ كانت ~~مثل هذه المصادفات لا تتفق أكثر من مرة في كل ترليون، واحتمال ~~التواطؤ بين الرجلين يدحضه إجراء التجارب بعد ذلك على مشهد مني.» # 2 # فإذا استمرت التحقيقات على هذه الوتيرة بقية السنين الأربعين من هذا، ~~فالمنتظر أن تتم وسائل التأكد من المصادفة وغير المصادفة في هذه ~~التجارب، ms101 وأن يتقرر الامتحان العلمي الذي تعرض عليه مباحث هذا ~~العلم الجديد، وقد تثبت الوسائل المختارة وجود العوامل غير ~~المحسوسة أو لا تثبتها ولا تنفيها، إذ كان من الواجب أن نفرق بين ~~وسائل الكشف وبين الحقيقة المطلوب كشفها. فإن المنظورات والمسموعات ~~كانت ملء الفضاء والهواء قبل أن تمسكها المصورة الشمسية وأجهزة ~~الإذاعة، وليس في وسع العلم أن ينفي «المجردات» مع وجود الأثير ~~مجردا من جميع صفات المادة، واقترابه بذلك من حدود المجردات ~~الفكرية والنفسية. ~~••• # ويرى أن الأستاذ راين حرص في كلمته على التنبيه إلى قيام الرواد في ~~مباحث الظواهر النفسية من بين الأقطاب المشتغلين بالعلوم الطبيعية؛ ~~لأن المشهور عن الباحثين في علوم الطبيعة أنهم أشد الباحثين ~~إنكارا لما وراء الطبيعة، وما يشتمل عليه من المسائل الغيبية، ~~خلافا للباحثين في مسائل علم النفس فإنهم أقرب العلماء إلى ~~المسائل الروحية وأحراهم أن ينظروا إلى شئون الغيب بشيء من الترخص ~~والسماحة الفكرية. # على أن المشاهد في السنوات الأخيرة أن كفة التردد في شئون الغيب تتحول ~~من جانب الإيمان إلى جانب الإنكار بين أقطاب العلوم الطبيعية، فليس ~~بالنادر بينهم من يستند إلى علمه في ترجيح الإيمان على الإنكار، بل ~~لعل هؤلاء العلماء اليوم ينقسمون إلى فريقين لا تناقض بينهما في ~~مسألة العقيدة الغيبية، إذ ينعقد الإجماع بينهم على أن العلم ~~التجريبي وصاف غير كشاف، يجمع الوقائع ويرتبها ولا يتعدى الإحصاء ~~والتقرير إلى كشف المجهول، والتعرض له بالنفي والاثبات، فهم بين ~~مؤمن يرى في علمه ما يعزز إيمانه ويشجعه عليه، وبين واقف موقف ~~الحيدة يترك الدعوى العلمية جانبا كلما عرض لشئون الغيب ~~والعقيدة. # ومن علماء الطبيعة الذين يحق للقارئ أن يعتبرهم مثلا لأصحاب الإيمان ~~المعزز بالعلم الأستاذ كريسي ~~موريسون # Cressy Morrison # لأنه كان رئيسا لمجمع العلوم ~~بنيويورك وعضوا دائما من أعضاء مجمع العلوم البريطانية، وزميلا ~~في متحف التاريخ الطبيعي وركنا من أركان مجلس البحوث العلمية، ~~وكتابه الذي سماه «الإنسان ليس وحيدا» # 3 # فحواه في بضع كلمات أن حقائق الوجود لا تقبل التفسير ~~بغير تقرير وجود الخالق ms102 الحكيم. # ويبدأ العلامة كريسي كتابه النفيس ببيان الضعف البالغ في تعليل الحياة ~~على الأرض بمحض المصادفة فيقول في مفتتح الفصل ~~الأول: # خذ عشرة بنسات كلا منها على ~~حدة وضع عليها أرقاما مسلسلة من واحد إلى عشرة، ثم ~~ضعها في جيبك وهزها هزا شديدا ثم حاول أن تسحبها ~~من جيبك حسب ترتيبها من واحد إلى عشرة، إن فرصة سحب ~~البنس رقم واحد هي بنسبة واحد إلى عشرة، وفرصة سحب ~~رقم واحد ورقم اثنين متتابعين هي بنسبة واحد إلى ~~مائة، وفرصة سحب البنسات التي عليها أرقام 1 و2 و3 ~~متتالية هي بنسبة واحد إلى ألف، وفرصة سحب 1 و2 و3 ~~و4 متوالية هي بنسبة واحد إلى عشرة آلاف، وهكذا حتى ~~تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول من واحد إلى ~~عشرة هي بنسبة واحد إلى عشرة بلايين، والغرض من هذا ~~المثل البسيط هو أن نبين لك كيف تتكاثر الأعداد بشكل ~~هائل ضد المصادفة، ولا بد للحياة فوق أرضنا هذه من ~~شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال - حسابيا ~~- أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة ~~على أي أرض في أي وقت، لذلك لا بد أن يكون في ~~الطبيعة نوع من التوجيه السديد، وإذا كان هذه صحيحا ~~فلا بد أن يكون هناك هدف. # وبعض علماء الفلك يقولون لنا: إن مصادفة مرور نجمين ~~متقاربين لدرجة تكفي لأحداث مد خفاق هدام هي في نطاق ~~الملايين، وإن مصادفة التصادم نادرة لدرجة وراء ~~الحسبان، ومع ذلك تقول إحدى نظريات الفلك: إنه في ~~وقت ما - ولنقل منذ بليوني سنة مضت - قد مر نجم ~~بالفعل قريبا من شمسنا لدرجة كانت كافية لأن تحدث ~~أمدادا مروعة، ولأن تقذف في الفضاء تلك الكواكب ~~السيارة التي تبدو لنا هائلة ولكنها ضئيلة الأهمية ~~من الوجهة الفلكية، ومن بين تلك الكتل التي اقتلعت ~~تلك الحزمة من الكون التي نسميها بالكرة الأرضية، ~~إنها جسم لا أهمية له في نظر الفلك، ومع ذلك يمكن ~~القول بأنها أهم جسم نعرفه حتى الآن، ويجب أن نفرض ~~أن الكرة الأرضية ms103 مكونة من بعض العناصر التي توجد في ~~الشمس لا في أي كوكب آخر، هذه العناصر مقسمة على ~~الكرة الأرضية بنسب مئوية معينة، قد أمكن التحقق ~~منها لدرجة مقبولة فيما يتعلق بالسطح، وقد حولت جملة ~~الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة، وحدد حجمها وسرعتها ~~في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية، ودورانها على ~~محورها قد حدد بالضبط لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة ~~في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات ~~الفلكية، ويصحب الكرة الأرضية كوكب نسميه بالقمر، ~~وحركاته محددة، وسياق تغيراته يتكرر كل ثماني عشرة ~~سنة، ولو أن حجم الكرة الأرضية كان أكبر مما هو أو ~~أصغر، أو لو أن سرعتها كانت مختلفة عما هي عليه ~~لكانت أبعد أو أقرب من الشمس مما هي، ولكانت هذه ~~الحالة ذات أثر هائل في الحياة من كل نوع بما فيها ~~حياة الإنسان، وكان هذا الأثر يبلغ من القوة بحيث إن ~~الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك ~~إلى درجة ملحوظة لما أمكن وجود الحياة فوقها، ومن ~~بين كل الكواكب السيارة نجد أن الكرة الأرضية فيما ~~نعلم الآن هي الكوكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس ~~سببا في جعل نوع حياتنا ممكنا. # أما عطارد، فإنه بناء على القوانين الفلكية لا يدير ~~إلا وجهة واحدة منه نحو الشمس ولا يدور حول محوره ~~إلا مرة واحدة في خلال الدورة الكاملة للشمس، وبناء ~~على ذلك لا بد أن جانبا من عطارد هو أتون صحراوا ~~والجانب الآخر متجمد، وكثافته وجاذبيته هما من القلة ~~بحيث إن كل آثار للهواء فيه لا بد أن تكون قد تسللت، ~~وإذا كان قد بقي فيه أي هواء فلا بد أن يكون في شكل ~~رياح هوجاء تجتاح هذا الكوكب من جانب إلى ~~آخر. # أما كوكب الزهرة، فهو لغز من الألغاز به بخار سميك ~~يحل محل الهواء، وقد ثبت أنه لا يمكن أن يعيش فيه أي ~~كائن حي. وأما المريخ، فهو الاستثناء الوحيد، وقد ~~تقوم فيه حياة كحياتنا سواء في بدايتها أو تكون على ms104 ~~شفا الانتهاء، ولكن الحياة في المريخ لا بد أن تعتمد ~~على غازات أخرى غير الأكسجين، وعلى الخصوص ~~الهيدروجين، إذ يبدو أن هذين قد أفلتا منه ولا يمكن ~~أن توجد مياه في المريخ، ومعدل درجة الحرارة فيه أقل ~~كثيرا من أن تسمح بنمو النبات كما نعرفه ... # وتدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل أربع ~~وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة، والآن ~~افرض أنها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة، ولم ~~لا؟ عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هما الآن عشر ~~مرات، وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة ~~نباتاتنا في كل نهار أو في الليل قد يتجمد كل نبات ~~في الأرض، إن الشمس التي هي مصدر كل حياة تبلغ درجة ~~حرارة مسطحها اثني عشر ألف درجة «فارنهيت» وكرتنا ~~الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه النار ~~الهائلة بالدفء الكافي لا بأكثر منه، وتلك المسافة ~~ثابتة بشكل عجيب وكان تغيرها في خلال ملايين السنين ~~من القلة بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها، ولو ~~أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل ~~خمسين درجة في سنة واحدة لمات كل نبت، ومات معه ~~الإنسان حرقا أو تجمدا. والكرة الأرضية تدور حول ~~الشمس بمعدل ثمانية عشر ميلا في الثانية، ولو أن ~~معدل دورانها كان مثلا ستة أميال أو أربعين ميلا ~~في الثانية لكان بعدنا عن الشمس أو قربنا منها بحيث ~~يمتنع معه نوع حياتنا ... إلخ. # 4 # ثم عرض العلامة كريسي لمشاهدات أخرى مستمدة من سائر العلوم الطبيعية ~~يتعسر تفسيرها بمحض المصادفة غير المقصودة وتوحي إلى الذهن صدق ~~الإيمان بالخلق والتدبير، وأولها في علم الحياة تلك الجرثومة الحية ~~التي تنبعث بقوة لا وزن لها ولا كثافة ولا امتداد فتغالب الطبيعة ~~وتشق الصخر وتفرض على العناصر أن تنحل لتعيد تركيبها، وتحول الماء ~~والحمض الكربوني إلى ماء وخشب وتجعل الخلية الحية «البروتبلاسمية»، ~~وهي أشبه بنطفة من ضباب قادرة على بث الحياة في كل جسم يتقبلها، ~~وهي بذلك ذات قدرة ms105 أكبر من قدرة النبات والحيوان لم تخلقها ~~الطبيعة؛ لأن قدرتها هذه لا تنبت من غيرها، ولم يكن في وسع الصخر ~~الذي صهرته النار ولا الماء الذي لا ملح فيه أن يهيئ لها أسبابها ~~فما الذي هيأ لها هذه الأسباب؟ # ويضرب الأستاذ أمثلة من علم الحيوان لا تفسرها المصادفة، ولا تكفي ~~كلمة الغريزة لتفسيرها؛ لأنها ليست أكثر من كلمة ترمز إلى الصورة ~~الواقعة، ومن ذلك غريزة سمك السلمون الذي يعيش في البحر زمنا ثم ~~يرجع إلى مكانه من النهر الذي خرج منه وينفلت من كل جدول من الماء ~~ينقل إليه غير الجدول الذي ولد فيه، ومثله ثعبان الماء الذي يخرج ~~من الأنهار عند نضجه، ويتجه إلى البحر المحيط عند جزائر معلومة يضع ~~ذريته في شواطئها، ثم يموت فتعود هذه الذرية إلى مواضع الماء العذب ~~التي نزح منها آباؤها، ولم يحدث قط أن ثعبانا منها يصاد في أوروبة ~~إذا كان موطنه الأول في الأمواه الأمريكية أو يصاد في أمريكا إذا ~~كان موطنه الأول في أمواه القارة الأوروبية. # ويذكر الأستاذ من تلك المشاهدات عوامل الوراثة في الناسلات والصبغيات، ~~فإن هذه الناسلات والصبغيات التي يتولد منها نوع الإنسان كله توضع ~~في جوزة صغيرة، ومنها تنبت جميع الخصائص الموزعة في الذكور والإناث ~~من جميع بني الإنسان، فكيف تكمن عوامل الوراثة كلها في ذلك الحيز ~~الصغير لتحفظ لكل فرد من الناس أخفى ما استدق من صفاته ووظائف ~~حياته وتركيب أعضائه وخلاياه على ما فيها من ودائع لا يدركها ~~الإحصاء؟ # وقد عرض المؤلف لغير ذلك من الأمثلة العلمية التي يفسرها المنكرون ~~بكلمة لا معنى لها كالغريزة أو المصادفة ويفضل عليها المؤمنون ~~تفسير القصد والحكمة في تدبير أحوال الوجود، ويطلبون ممن يرفض هذا ~~التفسير دليلا على رفضه أقوى من الدليل على قبوله، فلا يسمع منهم ~~دليل. # ولا يخفى أن آراء العلماء والفلاسفة إنما هي سند للإيمان الديني ~~يعززه، ولا يخلقه ما لم يكن له قرار في بديهة الإنسان، فهذه ~~البديهة تسعى سعيها وتتلمس طريقها في هذا العصر كما ms106 تلمسته فيما ~~غبر من عصور التاريخ، وستعمل ما تستطيعه وتتزود من العلم والفلسفة ~~بما يصلح لها من زاد تسيغه، ولم تعقم بديهة التدين، ولا يبدو أن ~~العالم اليوم أقل إيمانا مما كان في زمن من الأزمنة الخالية، ولا ~~أن النفوس تطمئن في زماننا إلى شكوك التعطيل التي كانت تقلقها ~~وتحيرها قبل عصر العلم الحديث، وإنما موضع النظر أن المرتابين من ~~الأقدمين كانوا يهجرون دينا ليدخلوا في دين يتلوه، وكانوا يرتابون ~~وينتظرون النبوءات لجلاء شكوكهم واستلهام عقائدهم، فماذا ينتظر ~~المرتابون في عصر العلم الحديث؟ هل ينتظرون نبوءة جديدة تأتيهم ~~بدين جديد؟ # قد يكون في المرتابين من أبناء العصر من تخامره هذه الفكرة، فهو في ~~مرد أمره سواء ومن يبحث عن عقيدته على هدى بصيرته وعقله، لأن المهم ~~في مشكلته أن يشعر بالحاجة إلى العقيدة، وأن يعلم أنها معرفة شريفة ~~لا يمنعها العلم الصحيح ولا يعارضها التفكير السليم، ومن صدقت ~~طويته على هذه النية فهو قريب من معتقده الذي يهتدي إليه ببديهته ~~وتفكيره، وليس أقرب من الملقى بين العقائد الإلهية إذا خلصت إلى ~~جوهرها وصفيت من أخلاط الوثنية وقشور التقاليد. # ولا ننسى عمل «الشخصية الإنسانية» في الهداية الروحية، فإن العقيدة ~~تظل معنى من المعاني يحوم عليه الذهن كما يحوم على حقائق الرياضة ~~والحكمة ما لم تتمثل في «شخصية» محبوبة موقرة تنقلها إلى الحياة ~~بما تبعثه من الثقة وتوحيه من القداسة التي تقرب السماء من الأرض، ~~وتعقد الصلة بين الحياة الأبدية التي لا حدود لها وبين هذا العالم ~~المحدود. # كذلك كانت رسالة الأنبياء، وكذلك تكون الرسالة من الهداة المصلحين ~~الذين يترسمون آثار الأنبياء في دعواتهم إلى الخير والكمال، وسيأتي ~~اليوم القريب الذي يكون فيه العلم معوانا ميسرا لذوي الرسالات من ~~الدعاة المصلحين، إنه يغنيهم عن خوارق العادات التي تطلبها الأولون ~~ردحا طويلا من الدهر ليستيقنوا من عالم الغيب ويلمسوا دلائل ~~القدرة التي لم يلمسوها في عالم الشهادة، فمن هذا العلم يتعلم ~~الإنسان الحديث أن العادات كلها خوارق، وأن المحسوسات جميعا ~~مغروسة في الغيب ms107 المحجوب الذي لا تدركه الأبصار ولا العقول، وقد ~~تكشف لنا الفترة الباقية من هذا القرن أن المستقبل أصلح للدين من ~~الماضي السحيق الذي ظن أوجست كونت أنه أوان الدين، وظن أن الدين ~~ثمرة من ثمرات جهله وضعفه، وأنها قد انتهت بانتهائه، فنحن نرى من ~~الآن أن التدين لا ينتهي عند ابتداء التعقل والدراية، بل أوضح من ~~ذلك أمامنا أن المعرفة تبلغ بالعقل الإنساني غاية مداه، فتطرق له ~~أبواب الإيمان. # الفصل السادس # | العوالم الأخرى # كان العلماء في أول هذا القرن يشكون في إمكان الطيران بجسم أثقل من ~~الهواء، ومضت سنوات على منتصف القرن والطيارة - من كل وزن - تسبق ~~الصوت، ولا تكتفي بما وصلت إليه. # وبعد أن كان السؤال، هي نرتفع في جو الأرض بجسم أثقل من هوائها، أصبح ~~السؤال على ألسنة العلماء والمستطلعين، هي نصل بالطائرة إلى أجواء ~~السماء؟ وهل نصعد بها إلى جو القمر وأجواء السيارات الشمسية من ~~ورائه؟ وهل تقلنا الطائرة يوما ما إلى ما وراء شمسنا وسياراتنا في ~~أجواز الفضاء؟ # إن العلماء والمخترعين يخافون كلمة المستحيل بعد ما ثبت من إمكان ~~الأمور الكثيرة التي جزموا باستحالتها ثم تحققت بعد ذلك بقليل من ~~السنوات، ويلوح من جملة الآراء والظنون أن المتنبئين يفضلون التعجل ~~في الجزم بالإمكان على التعجل في الجزم بالاستحالة، وتكاد كلمة «لا ~~مستحيل» أن تعود إلى أفواه قادة العلم والاختراع بعد أن لهج بها ~~قادة الحرب، والحكم على مذهب نابليون الكبير، فإن خيف اليوم شيء في ~~هذه النبوءات، فإنما الخوف من التورط في الأمل، حذرا من كلمة ~~«المستحيل» التي أخلفت الظنون غير مرة في بضع سنوات. # والأمل الغالب في هذه المرحلة من مراحل فن الطيران أن الصعود إلى ~~الكواكب ممكن ولكنه لا يزال محفوفا بكثير من الصعوبات، وأن ~~الصعوبات في هذه المرة من جانب الطائرين لا من جانب الآلات ~~الطائرة، فليس من العسير إتقان الآلة التي تصعد إلى الأجواء ~~العلوية بين كواكب السماء، ولكن العسير أن نضمن حياة الإنسان في جو ~~غير جو الأرض وعلى جرم غير ms108 جرمها وبيئة من الأحوال الطبيعية غير ~~بيئتها، وأن نزود البنية الإنسانية بالقوة التي تحتمل أعراض التغير ~~الطارئ عليها، إذا تيسر للمخترعين أن يجهزوا الطائرة بما يعوضها عن ~~ضرورات الحياة في الأرض إلى حين. # والمشكلة الحاضرة في أمر الطيران هي مشكلة طب الفضاء أو مشكلة «الطاقة ~~الإنسانية» في البيئات المجهولة من الآفاق العلوية، ومنها ما يتعذر ~~الاحتياط له ويدري أحد كيف يكون الاحتياط له، وهو مجهول. # فمشكلة الطائرة التي تحمل ركابها إلى الآفاق العليا لا تعد الآن من ~~الصعوبات الأساسية أمام المخترعين، سواء سارت بالدفعات المتعددة ~~كما تسير الصواريخ، أو سارت بالمحركات المستمرة كما تسير الطيارات ~~المعهودة، أو سارت بالقوتين مجتمعتين واستخدمت في جميع الحالات ~~أنواع الوقود ومنه الوقود المستمد من الطاقة الذرية، لأن النظريات ~~العلمية التي تطبق في هذه الحالات جميعا معروفة مقررة، ووسائل ~~تنفيذها قابلة للتحسين مع استمرار التجربة والمراجعة العلمية ، أما ~~الصعوبات الصحية فليست بالهينة ولا بالمفهومة على جلائها، ومما ~~يحصونه منها في الوقت الحاضر صعوبة الجو والجاذبية والأشعة ~~الكونية، وأنواع الأشعة المختلفة، وقذائف الفضاء من الشهب، ~~والنيازك، والمذنبات. # فالجو الأرضي ينتهي بعد مئات من الأميال فوق سطح الكرة الأرضية، فإذا ~~خف هذا الضغط فمن الواجب أن يحتاط راكب الطيارة لتغيير الحالة إذا ~~استطاع، وإلا تسربت السوائل التي في جسمه وتمددت الغازات التي في ~~جسمه وانفجرت الأوعية والشرايين، وليس في السيارات الشمسية سيارة ~~واحدة تشبه الأرض في أحوالها الجوية، فمنها ما ليس له جو على ~~الإطلاق، ومنها ما له جو كثيف خانق لا يسهل التنفس فيه، ومنها ما ~~يتجه إلى الشمس على الدوام بصفحة واحدة، مع اختلاف كبير في درجات ~~الحرارة واختلاف أكبر منه في درجات الرطوبة حيث يوجد الماء، وهو ~~معدوم في أكثر السيارات، ولا يسمع الكلام - بالبداهة - حيث ينقطع ~~جو الهواء. # وصعوبة الجاذبية مرتبطة بحجم الكوكب الذي يهبط عليه الإنسان، فإذا كان ~~حجم الكوكب كبيرا اشتدت الجاذبية، وازداد ثقل الجسم، وتعذر تحريك ~~الأعضاء، وامتنعت كل حركة سهلة على الكرة الأرضية، وإذا صغر حجم ~~الكوكب اختل التوازن ms109 في جسم المركب على حسب الجاذبية الأرضية ~~ويزداد الاختلال عنفا حيث ينقطع جو الهواء. # وقد يبدو أن صعوبة الأشعة الكونية وأنواع الأشعة المختلفة أهون من ~~صعوبة الجو والجاذبية، ولكن بعض العلماء يخشى أن تكون هذه أصعب ~~الصعوبات في رحلة الفضاء وراء الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية؛ ~~لأن هذا الغلاف عازل منيع يحمي الأحياء من تأثيرات تلك الأشعة ~~وتأثيرات الشحنة الكهربائية أو المغناطيسية التي تكمن في بعضها. ~~فإذا جاوزت الطائرة غلاف الأرض فإن جدرانها المعدنية لا تمنع ~~ركابها أن يصابوا بأضرارها؛ لأنها تنفذ في الرصاص طبقة بعض طبقة، ~~فلا يؤمن أثرها في الأنسجة الحية إذا نفذت إليها، مع كثرتها وتتابع ~~أمواجها أو ذراتها في كل خطوة. # وربما احتيل على الأشعة بحيلة من حيل الوقاية المانعة إذا نجح العلماء ~~في تحديد خصائصها واهتدوا إلى سبل الوقاية الصحية منها، ولكن الخطر ~~الذي لا يسهل اتقاؤه هو الخطر الذي لا يعرف موضعه ولا تعرف قوته ~~ولا تعرف الساعة التي يطرأ فيها، ونعني به خطر الشهب والنيازك ~~والمذنبات، فإنها تتفرق في أنحاء الفضاء وتندفع على غير انتظار ~~وتصدم الطائرة تارة بجسم صغير، وتارة بجسم كبير، وقوتها تختلف على ~~حسب الحالتين وعلى حسب المادة التي تتكون منها، وقد تكون أصلب من ~~جدار الطائرة وأسرع من الطائرة وأشد اندفاعا وخطرا في حالة ~~الاصطدام. # تلك بعض المصاعب التي يواجهها الباحثون في طب الفضاء، ولا يقال الآن: ~~إنه أفلح في تحقيقها وحصر أضرارها، فأما التغلب عليها وتدبير ~~علاجها فلا يدعيه أحد من ثقات هذا العلم، وهم في الوقت الحاضر جد ~~قليلين. # نعم إن طب الفضاء قد استفاد معلومات كثيرة من تجارب الصواريخ التي ~~تحمل الحيوانات إلى مسافة بعيدة من الجو، إلا أننا نذكر «أولا» أن ~~الصواريخ لا تتجاوز نطاق الجاذبية الأرضية، ونذكر «ثانيا» أن جو ~~الصاروخ شبيه من جميع الوجوه بالجو الذي نعيش فيه على سطح الأرض، ~~ونذكر «ثالثا» أن الصاروخ يصعد ويهبط في وقت قصير جدا بالقياس ~~إلى الرحلة بين الكواكب، ونذكر أخيرا أن الحيوانات لا تتأثر ~~بالعوامل ms110 النفسية والفكرية كما يتأثر بها الإنسان. # ومما يبحث عنه علماء طب الفضاء حالة الجراثيم أو المكروبات في الآفاق ~~العليا من جو الكرة الأرضية، فهل تعيش الجراثيم إذا وصلت إلى تلك ~~الآفاق؟ وهل تفعل فعلها المعهود في الأجسام الحية والأجسام الميتة؟ ~~لهذا قيل: إن علماء طب الفراغ كانوا يترقبون فرصة نادرة بالكشف على ~~جثة الكلبة التي قيل: إنها صعدت إلى الجو على بعض الأقمار ~~الصناعية؛ لأنهم ترقبوا أن يعرفوا منها كيف يكون سريان الفساد في ~~جسم الحيوان بعد مفارقة الحياة على مسافة من سطح الكرة الأرضية، ~~وأن يعرفوا كيف يدب الفساد من داخل الجسم ومن خارجه بعد توقف عمل ~~الحياة فيه، وربما ظهر لهم أن وجود الإنسان فترة من الوقت في ~~الآفاق العليا كاف للشفاء من بعض الأمراض، وأن هناك مناعة من ~~المكروبات أو عاملا من عوامل المقاومة لها في طبقة من طبقات الجو ~~الأرضي يصل إليها الإنسان أو يستطيع أن يصنع حوله جوا يحاكيها ~~وهو مقيم في داره أو مستشفاه. # وعلى الجملة يقال الآن: إن طب الفضاء ماض في دور المراقبة والجمع ~~والتسجيل، وإن المعلومات المتفرقة التي جمعها تنتظر المراجعة ~~والمقابلة قبل أن ينتظم منها محصول كاف لإقامة القواعد التي تبنى ~~عليها نتائج النظر والتفكير، ثم يأتي بعد ذلك ما يمكن أن يعمل وما ~~يلزم أن يعمل، وليس كله من عمل الأطباء، بل منه ما يتم على أيدي ~~المخترعين والصناع بتوجيه المختصين من علماء الطبيعة والأطباء، وقد ~~يحتاج الأمر إلى كسوة مزودة بأجهزة للتنفس وأجهزة لموازنة فعل ~~الجاذبية وفعل الضغط على اختلاف الأبعاد والطبقات، ولا بد مع هذا ~~من تكوين جو الطيارة على النحو الذي يناسب جميع ركابها معا، ~~ويناسب كل راكب منهم على انفراد؛ لأن كل واحد منهم يستقل بحركات لا ~~يشاركه فيها زملاؤه في الطيارة، ولا يشاركونه فيها - من باب أولى - ~~متى وصلوا إلى مكان يهبطون عليه. # فمسألة السفر بين الكواكب ليست إذن بالسهولة التي نتخيلها في الوقت ~~الحاضر، وسواء جاءت الصعوبة من تركيب بنية الإنسان أو من ms111 تركيب ~~الفضاء والأفلاك، فالمتفق عليه أنها صعوبة كثيرة العقبات وأن ~~عقباتها لم تذلل، ولا يرى أنها قريبة التذليل ولو تقدم اختراع ~~المكنات وأدوات الانتقال أضعاف ما انتهى إليه حتى الآن. # وقبل أن تستقر هذه المحاولات على نتيجة مقنعة فيما يمكن تذليله من هذه ~~العقبات، يتساءل المطلعون والمتطلعون: ماذا يرجى من وراء تذليلها؟ ~~وماذا يجد السائح السماوي في الكواكب العليا إذا وصل إليها؟ أثمة ~~حياة؟ أثمة أحياء عاقلة على نجم من تلك النجوم؟ أثمة عالم آخر؟ ~~أثمة مخلوقات سماوية؟ # والظاهر من هذه الأسئلة أنها لا تسلم من إيحاء اللفظ ولعب الخيال، ~~واسترسال الذهن مع تداعي الخواطر والمشابهات. # فالذين يسألون عن «العالم الآخر» تثب أذهانهم من هذه الكلمة إلى ~~«العالم الآخر» الذي يترقبه المؤمنون في حياة بعد هذه الحياة، ~~ويخيل إليهم أنه في آخر الكون لأنه بعيد من الأرض في آفاق تشبه ~~«الآخرة» في أعلى السماوات، فما يدريهم أن آخر الكون لا يكون في ~~هذه الأرض أو لا يكون على مقربة منها؟ ومن أين يكون الابتداء وإلى ~~أين يصير الانتهاء في هذا الفضاء، وكله فضاء؟ # والذين يتكلمون عن الكواكب كأنها السماء يستخدمون العبارات التي ~~استخدمها الأقدمون يوم كانوا يحسبون أن الأرض في قرار الكون، وكل ~~ما طلع من نجم شارق فهو فوقها في مكان يعلو عليها. # ولكننا إذا استخلصنا الألفاظ من هذه الإيحاءات، فالحياة التي نسائل ~~عنها في الكواكب الأخرى قد تكون دون الحياة في الأرض كما تكون أعلى ~~وأكمل منها في تركيبها، وقد تكون الأرض سماء عليا بالنسبة إليها ~~ومكانا قصيا على مدى شاسع منها لم يفصل بين الأرض وبينها، وقد ~~تكون الأرض أصلح منها للحياة، منفردة بشروطها التي تلائمها. # وليس بالقليل بين المفكرين وعلماء الطبيعة من يرى هذا الرأي الأخير، ~~ويعتقد أن شروط الحياة لم تتوافر في سيارة من سيارات المنظومة ~~الشمسية، كما توافرت في سيارتنا التي نعيش عليها، فإذا تجاوزوا ~~المنظومة الشمسية إلى ما وراءها، فغاية ما يعلمونه عنها أن وجود ~~المنظومات التي تشابهها في آفاق الكون الواسعة مستحيل، ms112 ولكنه كذلك ~~غير لازم لزوم اليقين. # ومن المفكرين الذين يرجحون انفراد الأرض بشروط الحياة العلامة كريسي ~~موريسون الذي أجملنا رأيه عن حكمة الحياة في الكلام على الإيمان، ~~ويوافقه على هذا الرأي نخبة من المفكرين وعلماء الطبيعة متدينون ~~وغير متدينين، ونكتفي بسرد أمثلة من الخصائص التي تلائم ظهور ~~الحياة ولم يثبت توافرها على كوكب آخر، فهي كما لخصناها في كتاب ~~عقائد المفكرين عن روبرت كلارك: «وجود الماء الغزير، وانحلال الملح ~~الصالح فيه دون الأملاح السامة، ووجود النبات الذي يمثل الطعام ~~للأحياء على اليابسة، ووجود الكربون وأكسيده الثاني على حالة لا ~~يمحوها الجو المحيط بالكوكب، وقيام هذا الجو على حالة من الكثافة ~~والانجذاب إلى الكوكب بحيث لا يكظم ما تحته ولا يرسله شعاعا في ~~الفضاء، وليس يتحقق ذلك إذا كان الكوكب عظما كالمشترى وزحل، فإن ~~الكربون في هذه الحالة يوجد على شكل غاز الميثان # Methane # فلا يصلح مصدرا ~~للكربون الذي يلائم المادة الحية، وليس يتحقق كذلك إذا كان الكوكب ~~صغيرا كعطارد والقمر، فإن ثاني أكسيد الكربون لا يوجد في هذه ~~الحالة، وقد ينعدم الجو على الإطلاق.» # 1 # وينبغي أن تبدأ الملاءمة للحياة من الأدوار الأولى حيث تتكون الخلية ~~التي تدخل في بنية الأحياء العليا، أو كما جاء في كتاب سيرة الأرض ~~لمؤلفة جورج جامو # Jamow # إذ يقول: ~~«من النقط الهامة التي ينبغي أن تدخل في الحساب عند كل بحث في ~~طبيعة الحياة والنبات أن الخلية الأولى تتألف مما يسمى بالمحلول ~~الغروي # Colloidal Solution # أي من ~~مواد عضوية في الماء، وهذه المحلولات الغروية - عضوية أو غير عضوية ~~- مستحلب دقيق جدا من ذريرات مشحونة بالكهرباء تتماسك على بعد ~~بفعل تلك الشحنة وتبقى في الماء طويلا؛ لأن الماء الصرف موصل ~~رديء، فإذا أخذنا محلولا غرويا من الذهب - مثلا - وأضفنا إليه ~~بعض الملح حتى تزيد قابلية الماء للتوصيل فقدت الذريرات شحنتها، ~~وأشرعت إلى التلاصق والانضمام. ويمكننا أن نحدث هذا التلاصق أيضا ~~بضم محلولين كل منهما له شحنة مضادة لشحنة الآخر، أما المحلول ~~الغروي من المواد العضوية، ms113 فمن خاصته أن خلايا الكربون المركب على ~~ألفة كيماوية مع الماء، وإن نتيجة قيامه في الماء على الأبعاد ~~المطلوبة تحول دون فقدان الشحنة الكهربية.» # 2 # والاستدراك المعقول الذي يرد على الذهن كلما قيل: إن الكرة الأرضية ~~انفردت بالحياة أن هذه الكرة بين النجوم والكواكب أقل من ذرة رمل ~~في صحاراها الشاسعة، فكيف تنفرد وحدها بالشروط التي هيأتها لظهور ~~الحياة فيها؟ ألا يجوز أن تتكرر هذه الشروط في نجم من ملايين ~~النجوم التي نراها بالعين بآلات الرصد أو لا نراها على الإطلاق؟ ~~ألا يجوز أن توجد الحياة بغير شروطها الأرضية؟ ألا يجوز أن تكون ~~للحياة صور لا تتصورها في كوكبنا الصغير، ولا تتوقف على الأحوال ~~التي نتخيلها لكل حياة؟ # بلى، ذلك جائز. ولا يمتنع في العقل أن تتقبل الحياة تركيبا آخر غير ~~تركيبها الذي عهدناه في كوكبنا الصغير، وقد قيل كثيرا: إن عنصر ~~السليكون يمكن أن يحل محل الكربون في الكائنات الحية، وأن عملية ~~الفلورة # Fluorination # قد ~~تعمل على الأكسدة في توليد الطاقة، # 3 # وهو رأي لم يجمع عليه المختصون، ولا يزال منهم من ~~يستبعد تكون الحيوان الكبير من هذا التركيب، ولكن هذا الفرض يفتح ~~لنا بابا واسعا من أبواب التأمل في شروط نشأة الحياة، فليس المهم ~~أن تتوافر الشروط المادية التي تتقبل تركيب الأجسام الحية؛ لأن ~~عنصر السليكون موجود على الأرض كما يوجد عنصر الكربون، ولم يحدث قط ~~أن عنصر السليكون تولدت منه الطاقة الحية بعملية الفلورة ولو في ~~الحيوانات الصغيرة أو الخلايا البدائية، وإذا كان تشابه العناصر من ~~حيث قبول الحياة لا يؤدي إلى تكرار ظهورها في الكوكب الواحد، فليس ~~من الضروري عقلا أن يؤدي تشابه الشروط المادية في الكواكب الكثيرة ~~إلى تكرار ظهور الحياة على صورة أخرى. # ومع هذا يبقى الباب مفتوحا للظن، ولما هو أكبر من الظن العارض إذا ~~عززته مسوغات العلم، وقال به أناس من المتخصصين للتحليل الكيمي، ~~وتركيب الضوء ورصد الأجواء بالخبرة المستفادة من ذلك التحليل ~~والتركيب، ومن أصحاب التخصص في هذه الدراسات أناس يحتملون ms114 وجود ~~الأحياء في أجسام من العناصر المادية، ولا يستبعدون وجودها في غير ~~هذه الأجسام، وآخر ما انتهى إلينا من هذه الآراء خبر علمي لم نطلع ~~على تفاصيله يقول كاتبه: «إن الآراء التي كانت من قبل وقفا على ~~ملحقات الصحف أيام الآحاد قد أبداها في الأسبوع الماضي الدكتور ~~ملفين ~~كلفن # Melvin Calvin # العالم الكيمي المشهور من جامعة ~~كليفورنيا المختص بأرصاد تركيب الضوء، ويؤيد الدكتور كلفن قوله ~~بالمنطق الهادئ تدعمه ثروة وافرة من المعلومات تجمعت من تجارب ~~المعامل الكيمية ومنها معمله، ويقدر أستاذ جامعة هارفارد الدكتور ~~هارلو ~~شابلي # Harlow Shapley # أن في الكون المعروف نحو مائة مليون ~~سيار شبيه بالكرة الأرضية في أحواله لا يقل عمرها عن خمسة بلايين ~~سنة، وعليها جو من الأكسجين يتخلله الكربون وتصل بينه وبين أحد ~~النجوم التي تصدر منها الطاقة مسافة شبيهة، ويبتدئ كلفن من حيث ~~انتهى شابلي فيقول: إن هناك - فيما عدا السيارات الكربونية - نظما ~~أخرى قائمة على العناصر الأخرى كالسليكون والنيتروجين، وقد تقوم ~~على غير هذه العناصر المادية # Anti-matter ~~، فإذا ~~اعتبرنا سيارات الكربون، فظهور الإنسان على الأرض لم يستغرق غير ~~وقت قصير بالقياس إلى أعمار تلك السيارات التي تقدر بخمسة بلايين ~~من السنين؛ لأنه يبلغ زهاء مليون سنة، ومن الواضح إذن أننا يحق لنا ~~أن نقدر ظهور الخلايا الحية، وما قبل الخلايا الحية في تلك ~~السيارات، كما يحق لنا أن نقدر ظهور الحياة عليها فيما بعد الطور ~~الإنساني، فإذا ذكرنا أن كيانات شتى تعمل على ملايين من السيارات ~~رأينا أن الحياة ظاهرة كونية نافذة، وأن حياة الإنسان إحدى عواملها النافذة.» # 4 # نعم، هذا رأي سائغ مشروع، يحق لنا أن نراه، ولكن يحق لنا معه أن نشعر ~~بأننا نبتعد ونقترب من مواطن الحياة الكونية في وقت واحد، لأننا ~~نستغرب أن توجد الحياة في سيارات هذا الفضاء وتنقطع الصلة بين ~~أبنائها، فلا يحاول بعضهم أن يدل على مكانه ولا يفلح في الكشف عن ~~مكان غيره، فهل تراهم يجهلون مواطن إخوانهم وشركائهم في هذا الوجود ~~الذي ينفردون فيه ms115 بالوعي والشعور على ما بينهم من تباعد الآفاق؟ أو ~~هم يعلمون ولا يملكون وسائل التفاهم والاتصال؟ # يحق لنا كلما نظرنا إلى تلك الآفاق نظرة الأستاذ كلفن ومن يرون رأيه ~~أن نقدر وجود الأحياء في طائفة من سياراتها قبل وجودهم على سيارتنا ~~الأرضية، ولم لا؟ لم يمتنع وجود الحياة في زمان قبل زمانها المحدود ~~على هذه الكرة؟ لم توجد الحياة حيثما وجدت في زمان واحد، ولا يكون ~~بعضها قد وجد قبل عمرها الأرضي بمئات الأعمار المحسوبة بملايين ~~السنين؟ ولم لا تكون لها قدرة على الاتصال بنا أكبر من قدرتنا نحن ~~على الاتصال بها إذا كانت قد سبقتنا إلى الوعي والمعرفة، وأدركت من ~~العلم ما لم ندركه في زماننا؟ وإذا كانت ندا لنا في عمرها فما بال ~~هذه الحياة لا تنشأ حيث نشأت إلا في آونة واحدة مع اختلاف المنشأ ~~في السيارات والكواكب والنجوم وهي وراء حدود الإحصاء؟ # كلما أنعمنا النظر في أمر هذه الحياة الكونية رأينا أنها تبتعد ~~وتقترب، وأنها تنجلي من هنا لتغمض من هناك، فمن الشطط في الأمل أن ~~نتخيل أن البقية الباقية من القرن العشرين حسبنا من أمد لإعداد ~~معدات السفر إلى مواطنينا الكونيين قبل أن نعرفهم ويعرفونا، وقبل ~~أن نتقارب فيما بيننا بلغة التفاهم والمراسلة، إن كانت هناك لغة ~~كونية لجميع الأحياء، وأدنى من ذلك إلى الأمل المشروع أن نختم ~~القرن العشرين، وقد وصلنا إلى الخبر اليقين عن مواطن الحياة في هذا ~~العالم، وعن شروط الحياة أو الحيوانات المتعددة بين أرجائه الفساح، ~~بل نكاد نستبعد هذا الأمل ونطمح مع ذلك إلى أمل كبير؛ لأنه يزيدنا ~~علما بحياتنا على وجه الأرض، ودراية بالمادة وما تحتويه من أجسام ~~الأحياء. # فمن الآمال التي نكاد نلمسها أن تترقى أدوات الرصد حسا ومعنى في ~~بقية القرن العشرين فنهتدي بها إلى أسرار الضياء والإشعاع، وعلاقة ~~الذرات المبثوثة في الفضاء بظواهر الكهرباء والمغناطيسية وحقيقة ~~الجاذبية الأرضية وغير الأرضية، ومن الجائز جدا أن ننفذ على هدى ~~تلك الأرصاد إلى ذلك الينبوع الجامع لظواهر الطاقة والقوة، ms116 وأن ~~نحول بعضها إلى بعض بوسائل الصناعة في غير كلفة مجهدة تربى على ~~فوائدها وثمراتها. وإن اليوم الذي نستطيع فيه أن نحول الجاذبية إلى ~~مغناطيسية وكهرباء ليضع أيدينا على ينبوع من القوة لا ينفد ولا ~~تعرف له نهاية، وقد تغنينا هذه القوة عن استخراج الطاقة من الفحم ~~أو الحجارة أو النفط أو تيارات الماء أو كوامن الذرات، فإن قوة ~~الجذب بين الأرض والسماء شائعة في كل مكان، ولعلها هي مصدر الطاقة ~~التي تتولد في الأرض وما عليها من العناصر المعروفة، ومما هو صالح ~~لتوليدها من القوى الكامنة التي نجهلها الآن. # ولعل العلم بسر «الجاذبية» بين الأكوان يهيئ لنا الصلة التي تربطنا ~~بعوالم الحياة المجهولة في سياراتها، فنرتبط بها على وعي وشعور كما ~~نرتبط بها الآن بمادة الأجسام. # الفصل السابع # | عالمنا # ومن الخير ألا تتعجل هذه الكرة الأرضية لقاء العوالم الأخرى قبل أن ~~تتلاقى هي عالما واحدا، يقطنه نوع واحد: نوع إنساني واحد في شرعة ~~الرأي والخلق ، لا في شرعة علماء الأجناس عند تقسيم فصائل ~~الحيوان. # وهي اليوم عالم متضامن في حكم الواقع ما في ذلك مراء، ولكن كم بين ~~العالم المتضامن في الخير والشر، وبين العالم المتعاون في الخير ~~والشر من مسافة واختلاف؟ # هنا مجال واسع لكثير من التشاؤم، ومجال أوسع منه لكثير من المتشائمين، ~~ففي الدنيا مشكلات لا تحل ومخاوف لا تغلب، وعداوات لا تهدأ، وغوامض ~~من شئون العيش وشئون الرأي لا تنكشف اليوم على جلاء، وعلى كل لسان ~~يتحدث بهذه الشئون سؤال لا يسمع له جواب شاف: هل تقع الحرب ~~المحذورة المرتقبة؟ وهل تبقى من بعدها بقية من نوع الإنسان أو بقية ~~من الحضارة الإنسانية؟ # ويلوح للناظرين إلى الغد أن السنين الأربعين التي بقيت من القرن ~~العشرين أقصر من أن ترفع الستار عن غوامض هذه الشئون، وأنها في ~~الحق لكذلك، فربما انتهت والعالم الإنساني يزداد تضامنا، وينتقل ~~إلى التعاون الوثيق في علاقاته وقضاياه، وربما انتهت وهو مشتبك في ~~نضال يقطع العرى بين أوصال هذا التضامن الواقع فلا يعدو ms117 إلى مجراه ~~إلى بعد حين، إن قدر له أن يعود. # لا ندري على التحقيق أي هاتين العاقبتين كائن في أوائل القرن الحادي ~~والعشرين، فهل ترانا لا ندري أي العوامل التي تعمل لكلتا العاقبتين ~~أرجح وأقوى في أيامنا هذه، وأيها يرجى أن يزداد رجحانا وقوة على ~~مدى الأيام؟ # إذا كان هذا هو مدار السؤال فمن الإفراط في الشك والحذر أن نحجم عن ~~الموازنة بين عوامل الأمل وعوامل القنوط؛ لأن هذه العوامل قابلة ~~للموازنة والمقارنة، وظاهرة في طبيعتها التي تمضي مع التيار ~~المأمول أو تدبر بذلك التيار وتصده إلى الوراء، ومن هذه الموازنة ~~بين العوامل المقبلة والعوامل المدبرة لا يستطيع المتشائم أن يوقن ~~بأنه على صواب، وقد يستطيع المتفائل أن يطمئن إلى مآل الصراع بين ~~دواعي التضامن ودواعي التصدع والانحلال. # فمن المشكلات التي تروعنا اليوم مشكلات لم تكن لتظهر ولا لتنذر بالخطر ~~الداهم لو لم يكن بين الأمم رباط من التضامن في المصالح والعلاقات، ~~يضطرها إلى المبالاة بالقريب والبعيد من مشكلات الأقوياء ~~والضعفاء. # مشكلة في أفريقيا الجنوبية، أو مشكلة في الشرق الأوسط، أو مشكلة في ~~زاوية من زوايا القارة الآسيوية، وكلها تحدث اليوم فتبعث القلق ~~والتربص والاستعداد في محافل الأمم بعد أيام. # وقديما كانت المشكلة في موقع من هذه المواقع تحدث وتنقضي ولا يعلم ~~بها أحد، ولا ينبعث منها القلق إذا علم بها بعيد أو قريب. # فإذا أقمنا الموازنة بين عوامل التفاؤل وعوامل التشاؤم في هذه ~~المشكلات حق لنا أن نتفاءل بها ولا نتشاءم منها؛ لأنها من علامات ~~التضامن الواقع الذي يوحد بين الأخطار ويضطر الأمم إلى توحيد ~~العزائم لدفع تلك الأخطار، واتقاء وقوعها قبل التفاقم ~~والاستفحال. # إن كفة الخير في هذه المشكلات أرجح من كفة الشر، وإنها لتحسب من ~~البشائر بتذليل المصاعب، ولا تحسب من العقبات التي لا تنقاد ~~للتذليل. # على أن العالم الإنساني فيه كثير من المشكلات المنذرة بالخطر غير تلك ~~المشكلات. # فيه مشكلات النزاع بين الأوطان، وفيه مشكلات النزاع بين المشرق ~~والمغرب، وفيه مشكلات النزاع بين الميسورين والمحرومين، وكلها ms118 من ~~المشكلات التي تتشعب بين الأمم وتتغلغل بين طوائف الأمة الواحدة، ~~وتأبى للعالم في عصرنا هذا أن يتعاون ويتوحد، وقد تأبى عليه ~~أحيانا أن يرغب في التعاون والاتحاد. # فأين هي عوامل الأمل وعوامل القنوط في مشتبك هذه الأخطار؟ # لا ندري ما مصيرها؟ فهل ترانا لا ندري عند الموازنة بينها وبين عوامل ~~التضامن العالمي أيها أقوى وأيها يمضي في اتجاه الزمن، وأيها يحسب ~~من بقايا الأمس التي تسرع أو تبطئ إلى الزوال. # إن التضامن العالمي أقوى منها جميعا وأحدث منها في أسبابه على الأقل، ~~وأدنى - من ثم - أن يكون له الغد المرجو، ولا يلحق ببقايا الأمس ~~التي أخذت في الزوال. # إن مشكلة النزاع بين الأوطان لمن أخطر المشكلات على تضامن العالم فيما ~~مضى وفي العهد الذي نحن فيه. # ولكنه خطر يتغير ويسرع في التغير، ويأتي التغير فيه من جانب الأقوياء ~~الطامعين، ومن جانب الضعفاء المطموع فيهم، ومن جانب المحايدين ~~الذين تقف بهم علاقات السياسة أحيانا في وسط الطريق لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء. # فالدولة القوية التي كانت قبل مائة عام تطمع في وطن ضعيف لم يكن ~~يمنعها مانع أن تنقض عليه، وأن تقهره وتضطره إلى الخضوع لحكمها ما ~~دامت تريد البقاء فيه، ولم يكن من العسير عليها إذا تنافس الأقوياء ~~من نظائرها أن تتفاهم على التقاسم وتبادل السكوت والإغضاء. # أما اليوم فالدولة القوية التي تطمع هذا الطمع تجد الموانع من داخلها، ~~ومما حولها، ومن نظرائها، ومن الضعيف ومن يشبهه في حالته من غير ~~الأقوياء. # يمنعها في داخلها فريق من أبنائها يزهد في العدوان على الوطن الضعيف؛ ~~لأنه لا يستفيد منه، إن لم يزهد فيه إيمانا بالحق ~~والإنصاف. # ويمنعها مما حولها ومن نظرائها أنهم يخسرون باحتكارها الحكم في غير ~~وطنها ولا يتعوضون من هذه الخسارة شيئا تمنحهم اياه، وتملك أن ~~تمنعه عنهم بمشيئتها، وكلما عظمت الدولة وعظمت ثروتها تشعبت ~~مصالحها، واشتدت رغبتها في فتح الأبواب لها ولغيرها، لأنها تستطيع ~~- ولو نافست ذلك الغير - أن تحقق مصالحها في البلد المفتوح بما لها ms119 ~~من الوفر والقدرة على الصبر والاحتمال، وعلى تبادل المنافع بينها ~~وبين مختلف الأمم والجهات، وربما كان من الأمم التي تحتاج إليها ~~ذلك القوي الطامع في احتكار السيطرة على هذا الوطن أو ذا. ~~••• # وتأتي قضايا الأوطان في الصف الأول بين قضايا الخطر على السلام ~~العالمي والوحدة الإنسانية، ومنها قضايا الاستقلال في الأمم التي ~~تحكمها أمم أجنبية، وقضايا النزاع بين الأوطان المتنافسة على ~~النفوذ والمرافق المشتركة، وقضايا النزاع بين الدول القوية التي ~~تختلف فيما بينها على سياسة المحكومين وعلى العلاقات الدولية في ~~جملتها، وكلها من ينابيع الخطر التي لا تؤمن غائلتها على علاقات ~~التضامن بين الأمم، ومن ثم على الأمل في اقتراب عهد الوحدة ~~الإنسانية. # غير أن هذه القضايا أيضا من أسباب التمهيد التي لا محيد عنها لتحقيق ~~الوحدة الإنسانية أو تحقيق التعاون بين أقوياء الأمم وضعفائها، ~~وبين المتقدم منها والمتخلف في الحضارة وأحوال المعيشة، فقيام ~~الأوطان المعترف بها خطوة لازمة قبل خطوة الوحدة العالمية، إذ كانت ~~الوحدة لا تتأتى بين أوطان مغصوبة وأوطان غاصبة، وبين أمم مجردة من ~~الحقوق وأمم تعتدي على تلك الحقوق ولا تعترف بها ولا بالاعتداء ~~عليها، فمن الطبيعي إذا قامت للعالم أسرة واحدة أن تتألف هذه ~~الأسرة من أعضاء تربط بينهم رعاية القرابة، والمشاركة في الحركة ~~والكرامة، وليست قضايا الأوطان إلا المقدمة التي لا بد منها لتلك ~~النتيجة التي تفضي إليها، وهي اليوم ينبوع من ينابيع النزاع ~~والخطر، ولكنها في الغد ضمان من ضمانات السلام والتعاون والمشاركة ~~في الأعباء العالمية، مثلها في ذلك مثل الحقوق الشخصية التي أصبحت ~~في كل مجتمع من مجتمعات الحضارة ضمانا للنظام والشريعة في ذلك ~~المجتمع، بعد أن كان النزاع بين الأشخاص حائلا دون قيام الوحدة في ~~الجماعة على أساس القومية. # إن قضايا الأوطان هي أيضا من طلائع الوحدة العالمية التي تنطوي على ~~البشارة حين تنطوي على النذير، وهي اليوم محل اعتراف في الرأي وإن ~~لم تبلغ بعد مبلغ الاعتراف في الواقع، إذ كان تقرير المصير مبدأ ~~مسلما في معاملات الدول ومحافلها المجتمعة، ms120 فلا ينكره أحد من ~~المعارضين له في سياسته العملية، بل نرى من الحاكيمن الأجانب من ~~يحتال عليه بتوحيد الوطن الحاكم والوطن المحكوم، واعتبار الرعايا ~~شركاء للرعاة في الحقوق الوطنية ووظائف الدولة، وهي ظاهرة من ظواهر ~~العصر لا تبخس قيمتها العملية فضلا عن قيمتها النظرية؛ لأن المضي ~~في الدعوى المنكرة بإجماع الأمم أمر لا تطول المغالطة فيه. # وأخطر من قضايا الأوطان على الوحدة العالمية قضايا العناصر والسلالات؛ ~~لأن الخلاف عليها لم ينحسم بعد في الرأي ولا في الواقع، ولا تزال ~~ذريعة للدعوى باسم من الأسماء تتفاوت في الصراحة والاستقامة، وفي ~~الرياء والالتواء. # على أننا إذا نظرنا إلى تاريخ دعوى العناصر والأجناس من ناحيتها ~~النظرية لم نخطئ أن نلمس فيها جنوحا مطردا إلى التقارب، ~~وابتعادا مطردا عن التشبث بالفواصل المزعومة بين عناصر البشر في ~~الزمن القديم. # كان علم الأجناس البشرية يتجه في القرن التاسع عشر إلى توسيع المسافة ~~بين أجناس البشر وإثبات الفوارق البعيدة بين كل جنس منها وسائر ~~الأجناس الأخرى، وكان يخلط كثيرا بين فكرة الأمة وفكرة العنصر، ~~وهما شيئان مختلفان لأن الأمة على الأرجح رابطة اجتماعية تاريخية، ~~في حين أن العنصر رابطة من روابط الدم والسلالة العصبية، وقد تتفرق ~~مواقعها فلا تجمعها بقعة واحدة، وكان للعوامل الدولية والسياسية ~~حكمها في كل من الاتجاهين، فكان الاستعمار وحب التسلط هما الباعث ~~الأكبر على توسيع الفوارق بين الأجناس، وعلى تفضيل جنس منها على ~~سائرها، تسويغا للسيطرة والاستغلال وإقامة الحكم الأجنبي في ~~البلاد المستعمرة، أو تسويغا للسيادة والانتفاع بالمرافق والجهود ~~المسخرة. # كانت الدولة الجرمانية تبحث عن مستعمرات لها في الشرق الأقصى بعد أن ~~تم تقسيم المستعمرات في أفريقيا وآسيا، فنادى الساسة فيها بالخطر ~~الأصفر، وأرادوا به الخطر المتوقع من جانب اليابان والصين إذا ~~انطلق «التنين الأصفر» - كما سموه - في طريق الحرية والتقدم، ~~وترددت صيحة الخطر الأصفر في كل دولة تبعا لموقفها من البلاد ~~الشرقية، سواء وقفت منها موقف الطامع في ضم البلاد أو موقف الطامع ~~في الامتيازات التجارية والاقتصادية. # وشاعت بعد صيحة الخطر الأصفر ms121 دعوة التفرقة بين الآريين والساميين، ~~واشتدت هذه الدعوة حين أصبحت كلمة الساميين في أوروبا مرادفة لكلمة ~~اليهود، وأصبح اليهود هم المقصودين بعداوة السلالة السامية، ~~واقترنت الدعوة الآرية بتقسيم الأوروبيين إلى شماليين وجنوبيين ~~لادعاء أصحاب هذه الدعوة أن أبناء الشمال في القارة الأوروبية ~~آريون خالصون، لم يختلطوا بالأجناس الأخرى التي يزعمون أنها دون ~~أبناء الشمال في الذكاء والأخلاق، وتجدد الخلاف في أثناء ذلك على ~~حقوق الزنوج - أو حقوق السود - بين أبناء البلاد التي يختلطون فيها ~~بالأجناس البيضاء، فاعتمدوا - عدا هذه الحقوق - على الفوارق ~~العنصرية، وبالغوا في توسيع هذه الفوارق وراء فوارق اللون والشكل، ~~كأنها من الفوارق العميقة في التكوين لا تمحوها المساواة في الحقوق ~~السياسية، ولا يجدي فيها توحيد التربية والتعليم. # كانت هذه العوامل الدولية أهم العوامل التي دعت إلى توسيع الفوارق بين ~~الأجناس البشرية في القرن التاسع عشر، ولم تزل شائعة قوية إلى ~~منتصف القرن العشرين. # أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تغير اتجاه الدعوة لأسباب كثيرة، ~~منها: يقظة الشعوب الشرقية، ورغبة الدول الكبرى في كسب مودتها. ~~ومنها تنافس الدول الكبرى، وسعي كل منها في إبطال حجج الدول ~~المنافسة لها، ومنها اجتهاد اليهود في تبرئة أنفسهم من النقائص ~~والعيوب التي تخصهم بين الشعوب السامية، ومنها تقدم العلم واتساع ~~نطاق البحث بين الأجناس المجهولة، وكثرة الأدلة على بطلان بعض ~~الفوارق، واقتراب وجوه الشبه بين الناس من مختلف الألوان ~~والأوطان. # فالباحثون اليوم في علم الأجناس لا ينفون وجود الفوارق بين جنس وجنس ~~منها، ولا يقولون: إن النوع الإنساني كله جنس واحد لا تمييز فيه ~~بين الصفات الجسدية والعقلية، ولكنهم يقللون من المبالغة في أصالة ~~هذه الفوارق، ويقولون: إنه تتغير أحيانا بتغير المعيشة والبيئة، ~~وإن الصفات المميزة لكل جنس منها قد تنتقل إلى الجنس الآخر ~~بالتربية والقدوة، وتعود المعيشة والمعاملة في مثل أحواله وظروفه، ~~وقد انتقل منها الكثير حتى الآن، إما لطول الاختلاط بين الأمم، ~~وإما لكثرة التبدل والتطور في ظروف المعيشة، وإما لوقوع الاختلاف ~~الطبيعي بين أفراد الأمة الواحدة والجنس الواحد كما ms122 يحدث في الأسرة ~~الواحدة فضلا عن البلد والإقليم. # وما من صفة من صفات البنية والتركيب ثبت بعد البحث والمقارنة أنها ~~خاصة مقصورة على جنس واحد لا يتصف بها جنس آخر إذا تعرض لظروفه ~~وملابساته، فشكل الرأس بين الاستدارة والاستطالة كان معدودا من ~~العلامات الفاصلة بين الأجناس، فظهر من بحوث العالم الأمريكي ~~فرانز بواس # Franz Boas # أنها علامة تتغير بتغير البيئة، وأن الأطفال المهاجرين من بلاد ~~أخرى تختلف أشكال جماجمهم ولا تشبه جماجم آبائهم كل الشبه مع تبدل ~~الموطن والمعيشة، وأبناء السويد - كما هو معلوم - معدودون من خلاصة ~~الأجناس الشمالية أو النوردية، ولكن العالمين ريتزيوس # Retzius # وفورست # Furst # سجلا نتيجة الكشف على ~~خمسة وأربعين ألف شاب من المطلوبين للتجنيد فتبين لهما أن الصفات ~~المخصصة للجنس الشمالي الخالص لا تجتمع لأكثر من خمسة آلاف منهم، ~~وإن الذين تجتمع لهم هذه الصفات في إقليم من أقاليم الشمال على نحو ~~أربعين في المائة، وقد أعيد إجراء هذه البحوث بعد ثلاثين سنة، ~~وسجلت صفات سبعة وأربعين ألفا من المجندين فتبين أن واحدا ~~وثمانين في المائة منهم كانوا رق العيون زرقة خفيفة، وأن ثمانية في ~~المائة منهم لهم عيون مشوبة اللون، وأن خمسة في المائة منهم لهم ~~عيون بنية، أما لون الشعر فقد كان في سبعة في المائة منهم كتانيا، ~~وفي ثلاثة وستين في المائة بنيا خفيفا، وفي خمسة وعشرين في ~~المائة بنيا مسودا، وفي ثلاثة في المائة أحمر أو أدنى إلى ~~احمرار. وسجلت العلامة الكبرى - أو العلامة الأولى - من علامات ~~الفوارق بين الأجناس، وهي شكل الجمجمة، فظهر أن أصحاب الجماجم ~~المستطيلة لا يزيدون على ثلاثين في المائة، وأن ستة وخمسين في ~~المائة منهم متوسطون بين الاستطالة والاستدارة، وأن أربعة عشر في ~~المائة عراض الرءوس، وظهر أن لون الشعر ولون العين يقتربان، ولكن ~~لا صلة لهذا اللون أو ذاك بطول القامة وتركيب الدماغ. # هذا غاية ما انتهى إليه صفاء المزايا العنصرية في بلاد السويد، وهي ~~أقصى البلاد شمالا، وأبعدها عن الاختلاط بأمم الجنوب، وتسفر ~~الإحصاءات عن ms123 نتيجة كهذه النتيجة في سكان البلاد الجرمانية، ففيها ~~أصحاب العيون الزرق، والجماجم المستطيلة، والقامات الطوال، وفيها ~~الملايين ممن يشبهون أهل الجنوب ويسمونهم بالسلالة الألبية، نسبة ~~إلى جبال الألب، وفيها وسط بين هؤلاء وهؤلاء موزعين بين الأقاليم ~~الشرقية والغربية وبين الشمال والجنوب. # 1 # وإذا تجاوزنا الصفات الجسدية إلى صفات العقل والخلق، فالواقع الذي لا ~~جدال فيه أن الحضارات العالمية جميعا لم تنشأ في قطر من أقطار ~~الشمال، وأن أعظم هذه الحضارات قد نشأ في الجنوب على شواطئ البحر ~~الأبيض المتوسط، وبعضها قد نشأ في الشرق الأقصى بين الشعوب الصفراء ~~أو في البلاد البابلية والفارسية والهندية، وهي متعددة العناصر ~~والأجناس. وقد ظهر من اختلاف العادات والتقاليد أنها لا ترجع في ~~أساسها إلى اختلاف أصيل في التكوين، وأن الناس قد يخجلون من بعض ~~الأمور ولا يتفقون على تلك الأمور في كل أمة ولا في كل زمن، ولكن ~~شعور الخجل موجود بينهم جميعا، وإن كان بعضهم يخجل من شيء وبعضهم ~~يحسبه من المألوفات التي لا ضير فيها، فلا يمكن أن يقال من أجل ~~هذا: إن هذه الأمة تعرف الأخلاق وتحترمها، وإن تلك الأمة تجهلها ~~ولا تكثرت لها، فمثل هذا يحدث في اختلاف الأطعمة على حسب المواقع ~~الجغرافية والمحاصيل الزراعية، فتعيش جماعة من الناس على لحوم ~~الصيد والماشية، وتعيش جماعة أخرى على لحوم الأسماك، ويعيش غيرها ~~على النبات، وقد يحرم أكل الحيوان، ويتناول غيرهم جميع هذه الأطعمة ~~حسبما يتيسر منها لديهم، ولا يقال من أجل ذلك: إن هذه الأمة تعرف ~~الجهاز الهضمي وتلك الأمة لا تعرفه، ولا يقال من أجله: إن تكوين ~~المعدات والأجسام في أساسه مختلف لا يقبل التغير والتطور، وربما ~~حدثت من تنوع مواد الغذاء قابليات جسدية محسوسة الأثر، بل ربما حدث ~~لجماعة من الجماعات المتعددة أن تصاب بالمرض من أكله تسيغها جماعة ~~أخرى وتنتفع بها، ثم يقف الأمر عند ذلك ولا يعدوه إلى التفرقة بين ~~هذه الجماعات في أصول التركيب وفي أجهزة الجسم ووظائف الجوارح ~~والأعضاء، وعلى الجملة يحق لنا بعد تجارب ms124 العلم الحديث في هذه ~~السنين أن نردد قول شاعرنا أنهم جميعا أسرة واحدة «أبوهم آدم ~~والأم حواء» مهما يكن تفسير العلم الحديث لمعنى تلك الأبوة وتلك ~~الأمومة، وكل ما ثبت من الفروق - حتى الفروق الوراثية - يعود في ~~وقت قريب أو بعيد إلى أسباب مكتسبة تتغير مع البيئة والزمن وطول ~~الاختلاط بين الأمم والقبائل، فليس للسيادة صفات ثابتة في جنس دون ~~جنس، ولا في أمة دون أمة، وقد سادت في القارة الأوروبية أمم من ~~المغول والساميين، وساد أناس من السود بين أناس من البيض، ودارت ~~الحضارة دواليك من شرق إلى غرب ومن جنوب إلى شمال، ومهما تتعدد ~~أجناس الإنسان، فالنوع الإنساني واحد والخصائص الإنسانية عامة ~~مشاعة غير محتكرة ولا مقصورة مدى الزمن على بقعة دون بقعة، ولا على ~~سلالة دون سلالة. # ولا ننسى موطن العبرة في هذا الاتجاه الصالح الذي يتجه إليه علم ~~الأجناس بعد الحرب العالمية الثانية، فإن العلم قد تطغى عليه ~~السياسة حقبة تطول أو تقصر، ولكنه يتخلص من طغيانها ليجري في ~~مجراه. ~~••• # هذه آراء علمية من ولائد القرن العشرين، لم يكن يقابلها في القرن ~~التاسع عشر غير دعوات إنسانية تتمثل في المناداة بتحرير الأرقاء أو ~~إنصاف الشعوب المحكومة من جنس الحاكم المتسلط عليها أو من غير ~~جنسه، ولم تكن منها دعوة تستند إلى البحث في خصائص الجنس أو تكوين ~~السلالة أو شواهد العلم التي تقارب بين أبناء النوع الإنساني في ~~الخصائص والتكوين، وقصاراها من الإنصاف - إنصاف العاطفة والمروءة - ~~أنها كانت تنادي بأن العبيد أكرم من الحيوان، فلا يجوز أن يباعوا ~~ويشتروا في الأسواق كما تباع الماشية العجماء، ولا يمنع هذا أن ~~يكون المنادي بتفضيل الإنسان الأسود على الحيوان مناديا عن يقين ~~وثقة برسالة الرجل الأبيض وأمانته المنوطة بجنسه دون سائر الأجناس ~~البشرية، وهي أمانة السيادة على جميع تلك الأجناس. # أما البحث العلمي الذي يسفر عن التسوية في الأصول والفروع بين أبناء ~~النوع الإنساني فهو - كما تقدم - من ولائد العشرين لم يسبق إليه ~~فيما مضى من القرون، وهو إحدى ms125 علامات الزمن، ولو قيل: إنه بلغ ما ~~بلغه في القرن العشرين لحداثة البحث في علم الإنسان وعلم الأجناس، ~~فإن الاهتمام بهذا البحث هو نفسه علامة كبرى من علامات الزمن جاءت ~~في أوانها على قدر مع سائر البحوث التي تجنح بالأمم طوعا أو كرها ~~إلى التضامن والوحدة الإنسانية. # وكل علامة من علامات الزمن لها شأنها ولها دلالتها، ولكننا لا نغلو ~~بها فنجعلها في قوة الحكم الملزم للناس بالطاعة والاتباع، فقد يؤمن ~~الناس بالأخوة في الأسرة - فضلا عن الأخوة في النوع بأسره - ولا ~~يؤمنون بالمساواة أو بالإنصاف، ولكن دلالة الزمن إذا اقترنت بنتائج ~~الواقع كانت هي قوة الحكم الملزم للناس بالطاعة والاتباع، ومن ~~نتائج الواقع في القرن العشرين أن يخفق دعاة العدوان باسم العصبية ~~العنصرية، وأن يتعذر تسخير العصبيات للعصبيات بالقوة أو بالحلية، ~~ولا نعرف في التاريخ قرنا تعذر فيه حكم الجنس للجنس المغاير له ~~كما يتعذر هذا الحكم في القرن العشرين، وقد جربت دعوة الجنس الآري ~~للغلبة على غير الآريين، وجربت دعوة الجنس الأصفر لسيادة أمة من ~~الأمم على القارة الآسيوية على مبدأ «آسيا للآسيويين» فلم يجد ~~أصحاب هذه التجارب من ثمراتها ما يغريهم بالمعاودة والتكرار، ولم ~~يظهر لنا من قبل - ولا يظهر لنا الآن - أن اصطدام سلالة بسلالة خطر ~~يجتاح العالم ويشطر بني الإنسان معسكرين أو عدة معسكرات. # كلا، بل يظهر لنا اليوم أن الخطر الذي ينذر باجتياح العالم ويوشك أن ~~يشطره إلى معسكرين متناحرين، إنما هو خطر واسع يطوي الأجناس ~~والطوائف في برنامج شامل يعده كل من الطرفين المتقابلين لتطبيقه ~~على جميع الشعوب من جميع الأجناس والألوان. # كل على طريقته يبشر بالوحدة العالمية، وقد ينقسم أبناء الوطن الواحد ~~والجنس الواحد فريقين متقابلين، يريد أحدهما أن يوحد العالم ~~الإنساني على هذه الطريقة، ويريد مخالفوه ومناقضوه أن يحققوا هذه ~~الوحدة على الطريقة الأخرى. # هنا أيضا يتراءى لنا أن تيار الوحدة العالمية هو الغالب على كل تيار ~~يعترضه وينثني به عن مجراه، فلا تناقض في الوجهة، وإنما التناقض في ~~الدفة التي تسير ms126 بالسفينة إليها. # ولا يرى حتى الآن أن المعسكرين «وهما - كما هو ظاهر - معسكر ~~الديمقراطية ومعسكر الشيوعية» يتباعدان في التطبيق ويولي كلاهما ~~إلى الطرف الأقصى من دعواه، بل يرى على خلاف ذلك أن المستقبل كفيل ~~بالتقريب بين الديمقراطية والشيوعية في مسألة المسائل بين المذهبين ~~وهي مسألة الطبقات؛ لأن معسكر الديمقراطية يقل التفاوت فيه بين ~~أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء وتتوزع الثروات الكبيرة فيه بين أصحاب ~~الحصص والسهوم، فلا يتمكن فيها أحد من حصر الثراء في يديه أو من ~~الاستئثار بنفوذ المال، ونفوذ الحكم والجاه، ويقابل هذا في المعسكر ~~الشيوعي أن الطبقات تتعدد ولا تتوحد، وأن العمال يتفاوتون كما ~~تتفاوت الأعمال، وأن الاحتكار ينتقل من أيدي الأفراد والشركات إلى ~~أيدي الدولة، ويوشك أن يثير عليها رعاياها ويضطرها إلى النزول عن ~~كثير من السلطان المطلق الذي يمكنها منه احتكار المال والصناعة، ~~وليس هنالك من تضارب أساسي بين أسلوب المعيشة الذي يؤدي إليه توزيع ~~السلطة، وتوزع العمل، وتوزع الثروة على كلتا الطريقتين: طريقة ~~الديمقراطية، وطريقة الشيوعية على وجهتها التي تتجه إليها. ~~••• # وغير بعيد - مع الممهدات الكثيرة للتوفيق بين مذاهب الشرق والغرب - أن ~~يقع المحظور قبل بلوغ الأمد المنظور، فإن الخطر لا يطرأ من تباين ~~المذاهب أو البرامج في جميع الأحوال، بل كثيرا ما يطرأ من تنازع ~~القائمين عليها والمتولين لتنفيذها؛ خوفا على أنظمة الحكم التي ~~تسندهم أو عجزا عن التفاهم بينهم وبين أعدائهم في الداخل والخارج، ~~أو صرفا لأنظار الشعوب عن أسباب القلق والشكاية، وما هي إلا خطوة ~~تزل بها القدم فيستعصي على حكمة العالم كله أن يأمنوا عواقبها قبل ~~فوات أوانها، وقد حدث ذلك في التاريخ القريب كما حدث في التاريخ ~~البعيد، فوقعت الحروب لغير ضرورة عامة تستلزمها، ولم يكن من الحتم ~~وقوعها لأسبابها العارضة، فما يحسب أحد من المؤرخين لحوادث الحربين ~~العالميتين يعتقد أن حادثة سيراجيفو أو حادثة دانزج كانتا توجبان ~~الحرب ضربة لازمة لولا سوء التقدير من الحاكمين وولاة الأمور، ومثل ~~هذا قد يحدث غدا فتتبعه الحرب الثالثة، وتدفع بالعالم الإنساني ~~إلى ms127 الهاوية التي لا نجاة له منها كما نجا من الحروب الغابرة، قبل ~~اختراع القذائف النووية والصواريخ الموجهة، وما إليها من أسلحة ~~الفناء والدمار. # ذلك كله غير مستحيل، إلا أننا حريون أن نذكر أن ضوابط السلم في العالم ~~قد بلغت في عصرنا هذا ما لم تبلغه قط في عصور التاريخ القريبة أو ~~البعيدة، وإننا في عصر لا تؤمن فيه غوائل الحروب على المنهزمين ~~والمنتصرين، ولا يسهل فيه الهجوم على الحرب قبل استنفاد كل حيلة من ~~حيل التوفيق أو حيل التأجيل والإمهال. # فالقوى بين المعسكرين متكافئة متوازنة مهما يكن من الفارق بينها، فهو ~~فارق لا يغري بالطمع في الغلبة على ثقة من عوارض الحرب ونكساتها ~~المجهولة. # وقد كانت شرور الحرب فيما مضى تنتهي بنهايتها، وتتلوها الغنيمة ~~المضمونة لمن يفوز بالغلبة فيها، وليست الغنيمة اليوم مضمونة ~~للظافر المتغلب، بل لعله يبوء من الغلبة بالخسارة والتعويض للأمم ~~التي أصابتها الهزيمة الفادحة، وعلى قدر فداحة الهزيمة يكون سوء ~~الحالة بين الشعوب التي تبتلى بجرائرها، ويكون العبء الثقيل على ~~كواهل الظافرين المسئولين عن تلك الجرائر، الخائفين على أنفسهم من ~~عقابيلها، وأولها انهدام القواعد التي يقوم عليها بناء المجتمع ~~عندهم سواء منها ما قام على الديمقراطية أو على الشيوعية. # ومن ضوابط السلم في عصرنا أن الهجوم على الحرب عسير على ولاة الأمر في ~~الأمم الدستورية، وغير يسير على ولاة الأمر في الأمم التي تخضع ~~للحكم المطلق على صورة من صوره السافرة أو المقنعة. فليس في هذه ~~الأمم أو تلك رئيس واحد يملك أن يعلن الحرب وأن يقض على زمامها وهو ~~آمن على بقاء ذلك الزمام في يديه إلى النهاية، ولا بد من النظر إلى ~~عامل جديد في هذا العصر لم يكن له شأن خطير في حروب الأزمنة ~~الغابرة، ونعني به شأن المحايدين الذين يرجحون إحدى الكفتين ~~بالتزام الحيدة أو بالسماح لأحد الفريقين بمعونة التموين وتيسير ~~المواصلات، ونقل الأخبار والمعلومات، فلم يكن للمحايدين مثل هذا ~~الشأن في حروب الأزمنة الغابرة، وليس من المستطاع في حرب عالمية ~~إغفال شأنهم ms128 كبارا وصغارا في بقعة من بقاع الكرة الأرضية، وليس ~~من اليسير إقناعهم ولا انتزاع معونتهم على الرغم منهم، فإذا تيسر ~~لولاة الأمر في دولة كبيرة أن يقنعوا المعارضين لهم في بلادهم، ~~فليس إقناع المعارضين لهم في خارج بلادهم بالأمر اليسير. # وقد نرى غدا أن وبال الأسلحة الجديدة هي صمام الأمان ومفتاح الأمل في ~~اجتناب الحرب العالمية، فإن تعذر اجتناب الحرب فربما اتفق الرأي ~~على اجتناب الأسلحة الجائحة من قذائف الذرة والصواريخ الموجهة وما ~~إليها، ويصح القياس في هذا الأمل على أسلحة معروفة تمكن المقاتلون ~~من اجتنابها وهي أفتك وأقرب إلى متناول الجميع من أسلحة الذرة ~~والصواريخ، وتلك هي الأسلحة المكروبية. # فالأمم التي تقدر على صناعة أسلحة المكروبات والجراثيم أكثر من الأمم ~~التي تخترع الأسلحة الذرية والصاروخية، ونفقات الأسلحة التي تنشر ~~عدوى الطواعين والأوبئة أقل من نفقات شق الذرة وتوجيه الصاروخ، ~~والكوارث التي تلحقها بالأعداء أشد من كوارث القذائف المرهوبة من ~~كل سلاح جديد، وقد أصبحت صناعة الأسلحة المكروبية في طاقة عشرات من ~~الأمم قبل إتقان الطيران، وقبل التمكن من إصابة المرمى البعيد ~~بالمدفع والبندقية، فإن تلويث الأنهار والأمواه - بل تلويث الأجواء ~~- في البلاد المعادية لم يكن عسيرا على أمة لديها معامل التحليل ~~والتركيب، وإن لم تكن لديها مصانع التسليح، وفي وسع شرذمة من ~~الجواسيس أن تندس في أطراف البلد المقصود فتنشر فيه الوباء وتعطل ~~فيه كل وسيلة من وسائل القتال والاستعداد وكل وسيلة من وسائل ~~التموين والعلاج، ولم يحدث حتى اليوم أن أحدا في مأزق من مآزق ~~الهزيمة التي تهون كل شيء على اليائس المستميت قد أغراه اليأس ~~باستخدام هذا السلاح، فلا نغلو في التفاؤل إذا علقنا الرجاء بحكمة ~~الشعوب الإنسانية أن تتجنب خطر الذرة، كما تجنبت خطر ~~الجراثيم. # والذرة المنشقة - بعد - ليست بالكلمة الأخيرة في علم المخترعين بأسرار ~~الإشعاع وحركات الأثير، فقد يعلمون بعد حين ما يجهلونه الآن من ~~حركات الأمواج الأثيرية دفعا وطردا، وسرعة وبطئا فلا يستعصي ~~عليهم أن يقابلوا الموجات المندفعة من شق الذرة بموجات تصدرها ~~وتلغيها، ms129 ولا يعسر عليهم أن يهيئوا منطقة من الجو لتعديل الموجات ~~الشعاعية، وتوجيهها إلى الأعلى أو إلى الأسفل أو إلى الوجهة التي ~~تتحول بها من الحركة الضارة إلى الحركة السليمة، وإنه لحلم من ~~أحلام العلم لو تحقق لكان في مخترعات الصناعة عصمة من بوائقها ~~الجائحة، ولم يوكل رجاء الناس كله إلى عصمة الضمائر ~~والأخلاق. # وسيتحقق هذا الحلم في بقية هذا القرن العشرين أو يظل من أحلال العلم ~~والإنسانية زمنا يعلمه الله، ولكن مسير العالم من التضامن إلى ~~التعاون لا يتوقف عليه، فإذا اشتبكت علاقات التضامن غاية اشتباكها، ~~فالتعاون بين الشعوب العالمية كائن لا محالة ضرورة واختيارا في ~~حقبة من المستقبل القريب لا تطول بعد نهاية القرن العشرين. # الفصل الثامن # | أفريقيا وآسيا # إن أربعين سنة مضت منذ الحرب العالمية الأولى قد صنعت الأعاجيب في ~~قضايا القارتين الأفريقية والآسيوية، فماذا تصنع السنون الأربعون ~~التي تمضي من الآن إلى نهاية القرن العشرين؟ # لقد كانت القارتان سلعة تباع وتشرى، فأصبحتا بعد الحرب العالمية ~~الثانية على الخصوص شريكتين في سياسة العالم، وإن لم تكونا موفورتي ~~الأسهم في مشاركتها. # ولم يحدث هذا التحول في هوادة ومطاوعة، ولا كان حدوثه مفاجأة بغير ~~مقدماته الطوال، وإنما فصل العالم في هذه القضية بعد أن فصل في ~~قضاياه المتشعبة التي تتوقف عليها، وهي قضية تقرير المصير، وقضية ~~اللون والعنصر، وقضية الاحتكار، وقضية العزلة السياسية، فكانت قضية ~~القارتين هي مجموعة هذه القضايا في دور التفاهم والاتفاق. # ونظرة سريعة - بل نظرة مملوءة بالتدبير والروية - إلى حالة القارتين ~~في مطلع القرن العشرين وحالتهما في منتصفه ترينا أن العالم غير ~~واقف في هذه القضايا، وأن حلوله لها ليست كلها من قبيل الخداع ~~والتمويه كما يحلو لبعض المتحذلقين أن يرددوا ويعيدوا ويبدئوا في ~~الحكم على كل مرحلة كبيرة من مراحل الانتقال، وليست الغفلة في الظن ~~والاتهام بأقل من الغفلة في الثقة والتصديق، بل ربما كان الاتهام ~~الأعمى أضل وأضيع للفكر وللمصلحة من الثقة العمياء. # إن نظرة مملوءة بالتدبر والروية فيما حدث في القارتين منذ الحرب ~~العالمية ms130 الأولى ترينا أن الخضوع للحكم الأجنبي كان هو القاعدة ~~المطردة في القارتين قبيل منتصف القرن العشرين، وكان الشذوذ فيهما ~~هو الحكم المستقل أو الحكومة الذاتية، ومن مسائل الحساب - لا من ~~مسائل السياسة - أن نحصى الآن عدد الأمم الخاضعة للحكم الأجنبي، ~~وعدد الأمم المستقلة بحكمها والمشتركة في حكومتها، فنعلم أن الأمر ~~قد تحول من نقيض إلى نقيض، فأصبح الخضوع للأجنبي شذوذا، وأصبح ~~الاستقلال على درجاته قاعدة يعترف بها المتنازعون عليه وغير ~~المتنازعين. # ومن الحذلقة أن يقال: إنه استقلال لم يحققه العمل ولم يثبته الواقع، ~~فإن الفرق فيه كالفرق بين الحدث الناشئ الذي لا يملك التصرف لقصوره ~~وإنكار حق التصرف عليه، وبين الرجل الرشيد الذي يشق عليه أن يفعل ~~ما يشاء وهو يملك أن يفعل ما يشاء عند مؤاتاة الفرص، وملاءمة ~~الظروف، كلاهما قد يشبه صاحبه أمام الواقع الذي لا يقدر عليه، ولكن ~~الفرق بين القاصر والرشيد فرق صحيح في الواقع لا يستهان به، ولا ~~يزهد فيه. # إن الاستعمار القائم على السلام والاحتكار صفحة مطوية لا يقوى أحد في ~~العصر الحاضر على نشرها، وإن العلاقة بين الأمم اليوم علاقة مشاركة ~~يقع فيها الغبن كما يقع فيها الإنصاف ولكنها - كيفما كان الحال - ~~علاقة غير علاقة السلعة التي تباع وتشرى وتحتكر أو تبذل في ~~الأسواق. # وفيما عدا شعوبا قليلة سيأتي موعدها من تقرير المصير لا محالة، ~~يستطيع من يحقق النظر أن يعلم أن حدود الاستقلال قائمة على أساس ~~واحد في جميع القارات، وإنما حدوده القدرة التي تتفاوت كلما تفاوتت ~~حظوظ الشعوب من الحضارة والصناعة والثروة والتربية السياسية، فليس ~~في العالم أمة محكوم عليها بالخضوع الدائم؛ لأنها غير أهل ~~للاستقلال، وليس في العالم كذلك أمة مستقلة تمام الاستقلال إذا كان ~~معنى ذلك أنها تفعل ما تريد وتستبد بالرأي في كل ما تبتغيه، ولكنها ~~تملك من الاستقلال بمقدار ما تملك من العلم والثروة والكفاية ~~السياسية، وكذلك يستقل الآحاد الراشدون في حقوق التصرف والمعاملة ~~فلا حجر عليه بحكم الشريعة، وإنما يصيبه الحجر أو يرتفع عنه إذا ~~أصابه ms131 النقص في قدرته، أو عوفي من نقص القدرة بعمله وعمل ~~سواه. # إن الأقوياء في عصرنا هذا يحتاجون إلى من هو أقوى منهم، ومن هو أقوى ~~منهم لا يسمح لهم، ولا يقبل منهم أن يحتكروا الأسواق والميادين، ~~ولا يرى ضرورة لاحتكار الأسواق والميادين لنفسه؛ لأنه قادر على ~~المنافسة والمناظرة بغير احتكار، وهذا هو دستور العلاقات الدولية ~~الجديد بعد دستور الاستعمار القائم على الاحتكار بقوة السلاح. فلا ~~مناص مع هذا الدستور الجديد من علاقة المشاركة كيفما كان اختلاف ~~الأنصباء فيها، وكيفما كانت قسمة الشريك من الغبن والخسارة أو من ~~الربح والغنيمة. # طويت صفحة السلعة التي تباع وتشرى، ونشرت بعدها صفحة المشاركة بين ~~الأكفاء وغير الأكفاء، وهي أشرف وأربح في جميع الأحوال من الصفحة ~~المطوية، وهي - بعد حين - مرهونة بمصير التضامن العالمي إلى ~~التعاون على اضطرار أو التعاون على اختيار. # وسيجري التعاون في مجراه الذي توحيه ضرورات الحوادث ودراية الخبراء، ~~وقد يهدينا تاريخ القرية الصغيرة في ماضيها المعلوم إلى تاريخ ~~العالم الواسع في مستقبله المجهول، فإن القرية قد تمثل لنا أطوار ~~العالم في مستقبله، كما يمثل الجنين أطوار نوعه في ماضيه على قول ~~النشوئيين. # والقرية قد فرغت من تنظيم المبادلات بين أصحاب المال وأصحاب الحاجة، ~~فعالجتها في سوقها الصغير بعلاجاتها المختلفة وهي: العملة، أو ~~المقايضة، أو الرهن، أو الضمان، أو الخدمة سدادا للدين، أو حساب ~~الضائع والمفقود والإحسان، ثم لجأت أخيرا إلى علاج يجمع بين مصالح ~~الباعة والمشترين، وهو جماعات التعاون التي يعتبر المشتركون فيها ~~من البائعين ومن المشترين، ولا يحتاج العالم الواسع إلى ابتداع ~~علاج جديد غير هذه العلاجات التي طال عليها القدم، ولكنه يحتاج إلى ~~الأساليب التي تمكنه من تطبيقها في نطاقه الواسع، ويحاول الآن شتى ~~المحاولات فيهتدي حينا، ويضل حينا، ولن يزال ردحا طويلا بين ~~الهدى والضلال. # ومهما يكن من صواب الآراء التي توحي بتلك المحاولات، فالتجارب العملية ~~حيلة ضرورية لا تغني عنها محاولة يختارها أصحاب هذه الآراء. # فهذه التجارب العملية هي التي تهدي كل أمة إلى اجتناب الجهود الضائعة ms132 ~~في تقدير لوازمها والموازنة بين ما تحتاجه من العالم، وما يحتاجه ~~العالم منها، واستمرار الإحساس بالنقص والتعويض من هنا تارة ومن ~~هناك تارة أخرى، خليق أن يوقظ الغافل، ويرشد الضال، ويصحح المخطئ ~~عن جهالة منه وعن لجاجة في الباطل. # وإذا كانت المحاولات من أهل الرأي لا تغني عن التجارب العملية، فالأمر ~~الذي لا شك فيه كذلك أن التجارب العملية لا تغني وحدها عن محاولات ~~أهل الرأي، وعن اختيار الحلول التي تتمشى مع حلول الضرورة فتعجل ~~خطاها وتقوم اعوجاجها، وقد كان التساند بين ضرورات الواقع ومحاولات ~~المدبرين والمتدبرين ديدنا طبيعيا يتكرر في كل حركة من حركات ~~التاريخ الكبرى، ويصدق على أعمال الأفراد، كما يصدق على أعمال ~~الجماعات. # فالهيئات الدولية - ولو لم تكن لها سلطة عامة - تستطيع أن تجمع ~~الإحصاءات الدقيقة والبيانات الوافية، وأن تضع أمام المسئولين في ~~كل أمة تقديرا نافعا يلاحظونه في استخراج محصولاتهم ومصنوعاتهم، ~~فلا تضيع الجهود عبثا في زيادة صنف لا يطلب، أو نزارة صنف ~~مطلوب. # والحواجز المصطنعة التي تقام بين المعسكرين المتقابلين لا تثبت طويلا ~~أمام الضرورات الحقيقية التي يحسها الناس في أرجاء الكرة الأرضية، ~~والأخطار الملفقة التي يخلقها الحاكمون لحماية أنفسهم تتطلب من ~~الأمم فوق طاقتها، وتدفعها جميعا إلى أخطار حقيقية يعجز الحاكمون ~~عن إخفائها. # وليست العقبات في طريق التعاون بين الأمم وليدة اليوم، ولا هي مما ~~يزول غدا كل الزوال، ولكنها صحبت الإنسان في عمله لذات نفسه وعمله ~~لأهله وقومه، ولا تزال تصحبه حيث كان، لا يصلحها ولا يخفف ضررها ~~إلا ما يخفف كل ضرر اجتماعي من تطور الأخلاق، وتطور الضمانات التي ~~تكف عدوان المعتدي، وتكفل للمصاب بالضرر أن يدفعه عنه بقوة العرف ~~والقانون أو قوة الاتحاد بين المشتركين في المصاب الواحد، وعلى هذه ~~الوتيرة زالت عقبات كثيرة بالأمس وتزول غدا عقبات كثيرة لا مناص ~~من زوالها مع تبدل الأحوال. # ولنرجع إلى مثل القرية التي عالجت شئونها في مشكلات العملة والمقايضة ~~والرهن والضمان وسائر ما هنالك من أشباه هذه المشكلات، فالتاجر ~~الذي يملك في القرية ms133 مالا يقرضه لأناس من أهلها ويشارك به أناسا ~~آخرين في الزرع والماشية، يكسب بهذا المال جاها يستغله في المشروع ~~وغير المشروع من مآربه ولباناته، وقد يستغله في ابتزاز الحقوق وهتك ~~الأعراض وإيذاء الأبرياء، ولكنه لا يجعل هذا العمل قاعدة يعلنها، ~~ولا هو يعترف به إذا اتهمه به أحد ضحاياه، ويختلف نصيب التاجر من ~~هذا الجاه باختلاف القرى واختلاف الآداب والعلاقات بين أهلها، ~~فيستطيع في قرية ما يعجز عنه في غيرها، وقد يصبح الجاه ضريبة في ~~عنقه يؤديها لمن يحترم جاهه ويقبل مكانته بين عشيرته، وقد يصبح ولا ~~جاه له بينهم إذا عرفوا كيف يستغنون عن تجارته، وكيف يتبادلون ~~البيع والشراء بينهم على سنة التعاون، وتكافؤ المنافع والصفقات، ~~وإن هذه الأحوال العامة في القرية لهي من معدن الأحوال العامة في ~~الدنيا العريضة بما رحبت، ولعلها هي هي بعد تكبير الأحجام وامتداد ~~المسافات والأقوام، والأعوام. وقد كانت الدولة العظيمة قبل مائة ~~سنة تسيطر - كتاجر القرية - على أسواق الدنيا وتكسب بعدتها وعتادها ~~جاها يتيح لها أن تسخر شعوبها تسخير الأرقاء، وأن تستفيد من ~~حاجاتهم إليها ما يستفيده التاجر من حاجات العملاء، فأصبحت الدولة ~~العظيمة وهي اليوم عاجزة عما كانت تقدر عليه قبل مائة سنة، وقبل ~~عشرين سنة، وتغيرت أمور كثيرة في الدنيا قبل أن يتم هذا التغيير؛ ~~بعض هذه الأمور الكثيرة أن الدولة العظيمة أصبحت دولا عظاما ~~تتنافس فيما بينها، وتحد كل منها من إرادة غيرها كما يحد غيرها من ~~قدرتها، وبعض هذه الأمور الكثيرة أن القابضين على أزمة الدولة في ~~داخلها تغيروا وتغيرت مصالحهم في حكم أنفسهم وحكم الشعوب التي دخلت ~~في حوزتهم، وبعض هذه الأمور الكثيرة أن السيادة على الشعوب بالقوة ~~والقسوة أصبحت من الصفقات الخاسرة التي تزيد كلفتها على غنيمتها، ~~وبعض هذه الأمور الكثيرة أن المغلوبين عرفوا حقوقهم وعرفوا حاجة ~~الغالبين إليهم، وعرفوا بينهم روابط من الشكاية المشتركة، ~~والمقاومة المشتركة لم تكن معروفة لأسلافهم، وجملة هذه الأمور تجيز ~~لنا أن نوازن بين عوامل التضامن العالمي، وعوامل الفرقة والشقاق، ~~فلا نبالغ ms134 إذا قلنا: إن الأولى راجحة على الثانية؛ لأن عوامل ~~التضامن مقبلة متقدمة وعوامل الفرقة والشقاق مدبرة مترددة تنكس على عقبيها. # 1 # كانت القارة الأفريقية تسمى بالقارة المظلمة؛ لأنها بقيت مجهولة على ~~خريطة الكرة الأرضية يسكنها السود فيما عرف في أطرافها، ويحيط بها ~~سواد من الظلام والخفاء. # وكانت تسمى أحيانا بالقارة المتنحية كأنها تركت ركب الإنسانية يسير ~~في تاريخه الطويل، ولبثت في مكانها كما كانت في مجاهل ذلك ~~التاريخ. # وليست هي اليوم بالقارة المظلمة؛ لأنها تكشفت عن دخائلها، وتسلطت ~~عليها أنوار الاستطلاع في جوفها ومن حولها، فلم تبق منها زاوية ~~مجهولة أو بقعة غير مطروقة. # وليست هي بالقارة المتنحية؛ لأنها أدركت ركب العالم في نهاية شوطه ~~ويرجى أن تماشيه وتمده فيما يستقبله من مراحل حضارته. # وقد صدق من سماها في السنوات الأخيرة بقارة الغد؛ لأنها في الغد تبدأ ~~مصيرها الذي تختاره بعد أن تفاهم العالم الإنساني على حق الشعوب ~~جميعا في تقرير المصير. # وكل مصير لأفريقيا لا يكون مصيرا مرضيا للأفريقيين يخل بتضامن ~~العالم، ويعوق سيره إلى التعاون والمؤاخاة، فلا تعاون بين الأمم في ~~عالم يتخذ من أفريقيا مطية يسوقها إلى مصير غير مصيرها الذي ترضاه ~~أو يتخذها ضيعة للمتغلبين المستغلين يبتزون ثمراتها، ولا يتركون ~~لأبنائها من تلك الثمرات غير فضلة الأجير المغبون. # إن سكان أفريقيا ثلاث طوائف: أولها بطبيعة الحال أبناء أفريقيا ~~الأصلاء الذين ولدوا فيها وولد فيها من قبلهم أسلافهم إلى أزمنة ~~مجهولة، والطائفة الثانية هم المهاجرون من القارة الآسيوية وأكثرهم ~~من العرب والهنود وأبناء الجزر الملاوية، والطائفة الثالثة ~~أوروبيون مستعمرون، وليس للطائفة الثانية مشكلة عسيرة الحل؛ لأنها ~~تبقى وتندمج في القارة أو تعود إلى أوطانها باختيارها. أما المشكلة ~~التي لا تحل بالحسنى فهي مشكلة المستعمر الذي يبسط سيادته على ~~أهلها بغير أمل في انتهاء هذه السيادة، إلا أن يظل الأفريقيون ~~تابعين له مسخرين في خدمته أو يثوروا عليه فيطردوه، ومهما يبلغ من ~~سلطانهم على القارة فهو أضعف من الغاية التي يطمحون إليها والنية ~~التي يبيتونها، وهي نية الإصرار ms135 على استعباد مئات الملايين بغير ~~أمل لهم في خلاص قريب أو بعيد، وتلك نية تعارضها الطبيعة كما ~~يعارضها أولئك الملايين المصابون بها، وقد يتخاذل دونها سلطان ~~المستعمرين يوما من الأيام، فلا تجتمع كلمتهم عليه في موقف الحسم ~~حيث يحتاجون إليه، ولن تصبح أفريقيا وطنا للمستعمرين إلا بوسيلة ~~واحدة، وهي أن يصبحوا أفريقيين كسائر الأفريقيين، وأن يجيء اليوم ~~الذي يقفون فيه مناضلين عن أفريقيا كما فعل الأمريكي في نضاله مع ~~البريطان والأسبان. # وسيخرج الأفريقي الأصيل من القرن العشرين بفائدة أكبر من فائدة تقرير ~~المصير، إذا تعود في السنين الباقية منه أن يلتمس الدراية التي ~~تجعله يدا عاملة في تعميم النفع بخيرات بلاده وينابيعها الغنية، ~~إذ لا معنى لتقرير المصير بغير هذه الدراية التي يقعده عنها اليوم ~~جهله وسقمه، وما ينوء به من بقايا الخرافات، وتقاليد السذاجة في ~~النظم الاجتماعية. ومما يبعث الأمل في نهضة لالتماس هذه الدراية أن ~~طلاب المصالح العالمية من أمم الحضارة محتاجون إلى تعليمه، ~~والانتفاع بمعونته، وهم يجدون أن التعاون معه على فهم ورضى أيسر من ~~تسخيره على الرغم منه، أو الاستغناء عنه في تدبير مرافق ~~بلاده. # يقول الخبير الاقتصادي كلارانس راندال: «إن المارد النائم يستيقظ، وإن ~~قلب أفريقيا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب يخفق بآمال جديدة ~~ومطامح جديدة، وإن الأفريقيين مستعدون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ~~وأن يقرروا مصيرهم بأيديهم. إن الروح الاستقلالية التي كانت سائدة ~~بيننا في عام 1776 أصبحت الآن منتشرة في هذه البلاد الشاسعة حيث ~~تكونت من البراري أمم جديدة لها نفس التصميم والجرأة اللذين امتاز ~~بهما الرواد الأوائل من أسلافنا، وأفريقيا التي كانت قارة عريقة في ~~القدم يوم ولد متوشالح قررت اليوم أن تندفع قدما إلى حضارة القرن ~~العشرين، وهي في ميزان القوى موفورة الثراء في الموارد الطبيعية ~~التي سيحتاج إليها العالم الصناعي ذات يوم، ولاتحاد أفريقية ~~الجنوبية مستوى عال من الرخاء القائم على أساس من مناجم الذهب ~~والماس والأورانيوم، ولاتحاد روديسيا ونياسالاند أعظم مستودعات ~~النحاس والكروم في العالم، واكتشفت أنجولا النفط في ms136 أراضيها، وفي ~~الكونغو البلجيكية معدن الكوبالت والأورانيوم وصناعة الماس، وتستعد ~~أفريقيا الاستوائية الفرنسية لإقامة مشروع ضخم لخامة المنجنيز، وفي ~~نياجرا الصفيح والكوبلت، في ليبيريا وأفريقية الغربية الفرنسية خام ~~الحديد، وفي غانة تكثر أشجار الموجنة حتى لتصنع منها سلال ~~المشروبات الخفيفة، وتستعمل أخشابها في الشئون العادية، وإن أعظم ~~موارد القوى الكامنة على كل حال لهي القوة الرائعة التي لا حدود ~~لها؛ قوة توليد الكهرباء من مساقط الماء. # ففي العصور الجيولوجية عندما تكونت القارة الأفريقية ألفي منحدر هائل ~~من المحيط الأطلسي إلى داخل القارة مواز لسواحلها الغربية، وعلى ~~هذا المنحدر الذي يشمل معظم الجانب الأدنى من أفريقيا تنساق ~~الأنهار الكبرى إلى الجريان فوق شلالات قبل أن تنصب في المحيط ~~الأطلسي، ولقد كانت هذه الشلالات حواجز منيعة في وجه السفن ~~البحرية، فتأخر اكتشاف ما وراءها، ولكن هذه الشلالات والمساقط ~~تعتبر الآن بالنظر إلى أفريقيا التي أفضت بأسرارها للطائرات عشرات ~~من أمثال شلال نياجرا، وهي تنتظر الترويض والاستغلال، وهناك ~~مستودعان كبيران لتوليد الكهرباء من مساقط المياه في طريقهما إلى ~~الظهور الآن، فنهر زامبيزي يقوم عليه خزان كاريبي الذي شارك البنك ~~الدولي في تمويله وسيمد المناجم والمصانع في روديسيا بالقوى ~~المحركة الوافرة، ولسوف يكون للكاميرون الفرنسي قريبا خزان في ~~إقليم إيديا على نهر ساجانا، وهناك مشروع خزان انجا على نهر ~~الكونغو في الكونغو البلجيكية، وهو مشروع يبلغ من الضخامة أن تساوي ~~القوى المولدة منه بعد تمامه خمس القوى التي تتولد في الولايات ~~المتحدة، وعدا هذا وضعت الطبيعة إلى جانب كل منطقة لتوليد الكهرباء ~~على وجه التقريب مستودعات منجمية لا مثيل لها من البوكسيت الذي ~~يكفي لتزويد العالم كله بمعدن الألمنيوم عدة أجيال، وقد حدث تطور ~~لا بأس به في وسائل المواصلات، فإن خطوط الطيران التي تستخدم ~~الطائرات الحديثة وتقدم أحسن الخدمات تعبر سماء القارة ذهابا ~~وجيئة في كثير من الاتجاهات، ويقتحم شريط السكة الحديدية طريقها ~~إلى داخل القارة، وأصبح في مقدور سيارة نقل أن تبدأ رحلتها في ~~الشاطئ الشرقي عند موزنبيق وتمضي إلى الساحل الغربي ms137 فوق طرق ممهدة ~~يتصل بعضها ببعض خلال روديسيا وأنجولا، وأنشئت في كل مكان على كلا ~~الشاطئين موانئ جديدة، وتزداد الأجور زيادة مطردة لا سيما على طول ~~الشاطئ وفي مناطق المناجم كما تزداد الواردات من البضائع والسلع ~~المستنفدة.» # وهذه الموارد التي ذكرها الخبير المطلع لا تستوعب جميع الموارد ~~المعروفة، ولا جميع الموارد التي يمكن أن تعرف من قبيلها، وهي كلها ~~موارد موجودة مهيأة للتثمير والاستغلال بأدوات المصانع العصرية، ~~ولكنها غير الموارد المدخرة للتثمير والاستغلال من ينابيع غير ~~معهودة، ولا مطروقة في الصناعة العصرية، ونريد بها موارد الثروة ~~التي يمكن أن تستخرج من إصلاح الصحارى الكبرى واستخدام أجوائها ~~وشواطئها لخلق المناخ الملائم والتربة الغنية بثمراتها الزراعية ~~والصناعية، فهذه إذن قارة مستوفية لعتادها على أهبة لمجاراة أغنى ~~القارات وأرقاها في تزويد العالم بمطالبه وضروراته، لا تعوزها كيما ~~تتم أهبتها إلا أن يملك أهلها عدتهم من الحرية والدراية، فهل يمر ~~الزمن دون أن يقترب ذلك اليوم الذي يستوفى لها عتادها من حرية ~~أهلها ودرايتهم، كما استوفت عتادها من موارد الصناعة والزراعة؟ وهل ~~ترجع إلى أمسها المظلم أو تتقدم إلى مستقبلها ومستقبل العالم معها؟ ~~قبل أن ينتهي القرن العشرون ستعلم الدنيا المتطلعة مدى الخطوات ~~التي تتقدم بها قارة الغد إلى مصيرها، وسترى أن تذليل مصاعب التقدم ~~أهون جدا من الصعوبة التي تواجه العقل حين يتخيلها ناكصة على ~~عقبيها مدبرة إلى ما كانت عليه يوم كانت كهفا مغلقا أو فرقة ~~متنحية عن مكانها من صفوف الأمم في ركب الحضارة، ونحسب - على هذا - ~~أن وصف القارة الأفريقية «بالتنحي» عن الركب ظلم لا تقره دعوى ~~النشوئيين إذ يتتبعون أول خطوة خطاها البشر من حظيرة الحيوان ~~الأعجم فيرجعون بها إلى مجاهل أفريقيا في أقدم عهودها، فإذا صدق ~~ظنهم لقد كانت هذه القارة أول من سبق الصفوف، وكانت حركتها أعظم من ~~أن يقاس بها مسير الحضارة من مبدئها إلى منتهاها اليوم في عصر ~~الذرة والطائرة الفلكية، ولقد تكون لها في الغد خطوة جديدة تضارع ~~في نسبة الزمن خطواتها الأولى. # أما ms138 القارة الآسيوية، فهي كالبرزخ بين أفريقيا وسائر القارات، كانت ~~تقرن بأفريقيا فتشملان مقاما يطلق عليه الشرق على سبيل التجوز أو ~~من باب التسمية السياسية التي لا تتقيد بالحدود الجغرافية، لأن هذا ~~الشرق كان يخضع لحكم # 2 # الأجنبي تارة، وللامتيازات الأجنبية تارة أخرى، فكان ~~نحو خمسمائة مليون من الهنود والأندونسيين، وأبناء الجنوب الشرقي ~~في آسيا يخضعون لحكومات أوروبية، وكان نحو خمسمائة مليون آخرين في ~~الصين وما حولها يخضعون لامتيازات دولية تمتزج فيها سيطرة السياسة ~~بسيطرة الاقتصاد، ولكن آسيا اليوم لها شأن أفريقيا في علاقة الشرق ~~بالدول الكبرى، وتكاد أن تكون قد فرغت من قضية الحرية والسيادة ~~بينها وبين حكامها من صميم أبنائها، فارتبطت هذه القضايا المعقدة ~~بأشتات من قضايا النظم الاجتماعية، ومسائل المعيشة، وحقوق الرعايا ~~المحكومين وسلطات الرعاة الحاكمين، وهذه هي القضايا التي تجعلها ~~برزخا بين الأمس والغد، كما جعلتها بزرخا بين أفريقيا وسائر ~~القارات، فهي من ناحية تنظر إلى الغد لتعالج مشكلات المعيشة والحكم ~~على أضواء العلم الحديث والحضارة الصناعية، وهي من غير هذه الناحية ~~تنظر إلى ماضيها الذي أخرج للعالم في جميع القارات عقائده وأديانه ~~وقدم له شرائع بوذا وكنفشيوس، كما قدم له شرائع موسى وعيسى ومحمد ~~عليهم السلام، فما من سؤال عن آسيا أهم من السؤال عما تعتقده ~~وبماذا تدين، ويعاد هذا السؤال اليوم على مفترق الطريق ليسمع ~~العالم جوابا جديدا نحو الإيمان أو نحو الإنكار، وإلى الحياة ~~الروحية السماوية، أو إلى الحياة المادية الحيوانية، وأمل بني ~~الإنسان أن تكون لآسيا - قارة الأمس - بقية من ميراث الروح تمدهم ~~به في بحثهم عن نور الهداية، فماذا تملك آسيا من نورها الخالد في ~~عصر النور الذي تتطلع إليه، كما يتطلع العالم في جميع قاراته؟ ماذا ~~تملك من نورها بعد أن أصبح النور في لغة العلم والدين رمزا لمعاني ~~الحس ومعاني التجريد والتنزيه؟ # إن أربعين قرنا مضت لا تنتهي إلى غير شيء في هذه السنين الأربعين ~~التي بقيت من القرن العشرين. # الفصل التاسع # | المجتمع # من أضر الآفات بنظام الاجتماع أن تكون ms139 الطبقة الوسطى في الأمة محرومة ~~من وسائلها لإبلاغ صوتها وإثبات حقها، وتقرير مشيئتها. # فهذه الطبقة التي تؤدي للمجتمع معظم أعماله المتوسطة بين اقتناء ~~الثروة والقيام بالصناعات اليدوية، لا تملك المال والجاه كما ~~يملكها العلية، ولا تملك سلاح الإضراب والعمل المشترك كما يملكه ~~أصحاب الأجور، ولو ملكت معها بعض ما ينبغي لها من المشاركة في ~~الرأي والنفوذ لاستحال قيام الحكم المطلق بسند من أصحاب المال ~~والجاه أو بسند من أصحاب الأجور والصناعات اليدوية. # إن المجتمع المثالي هو المجتمع الذي تستطيع كل طبقة فيه أن تأخذ ~~بنصيبها وتذود عن حقها بوسائلها، ومثل هذا المجتمع لم يوجد بعد على ~~تمامه، ولكنه يوجد شيئا فشيئا كلما اتسع نطاق الصناعة الكبرى ~~وتعددت مرافق المعاملات الاقتصادية، وحالة الطبقة الوسطى هي أصدق ~~المقاييس التي تقاس بها درجة المجتمع من الارتقاء والانتظام والعدل ~~والحرية، فلا سبيل إلى استبداد فئة بغيرها في مجتمع تتكافأ طبقاته ~~وتتوازن في القدرة والوسيلة، وإنما ينجم الاستبداد حين تتغلب فئة ~~على سائر الفئات، وتعجز الفئات المغلوبة عن مقاومتها ، ورد عاديتها ~~بسلاح من أسلحة المصلحة والكفاية. # فأصحاب الثروة قلة تعوض قلة العدد بوفرة الجاه والنفوذ، وأصحاب ~~الأعمال اليدوية كثرة تعوض الثروة بالقدرة على الاتحاد والاشتراك ~~في المطالبة، وكلتاهما تستطيع أن تتحكم في المجتمع الذي تقف فيه ~~طبقته الوسطى مشلولة الحركة محرومة من وسائل جمع الكلمة والإعراب ~~عنها، ولكنهما لا تستطيعان منفردتين أن تتحكما في أمة تتوسطها طبقة ~~غير قليلة العدد، ولا محرومة من وسائل الاتحاد، كالطبقة الوسطى ~~التي تظهر بين الفريقين كلما اتسع مجال الصناعة، وتعددت الأعمال ~~الفنية، وضروب التصرف في التجارة والزراعة، وجملة المرافق ~~الاقتصادية. # ومن بوادر الأمل في المستقبل أن المجتمع الحديث يتمشى إلى هذه الغاية ~~المثالية، وأن «الآلة» تعود فتظهر في التاريخ أداة من أدوات النجاة ~~كلما استحكمت مشكلات الاجتماع، وتفاقمت من جرائها زعازع الفتنة ~~والبغضاء. # فالثروة في المجتمعات الصناعية لا تكفي وحدها للقبض على زمام النفوذ؛ ~~لأنها تحتاج أبدا إلى خبراء الصناعة والإدارة والاقتصاد، وليس في ~~وسع صاحب الثروة أن يتخذ ms140 من المصنع الكبير سلاحا يملي به مشيئته ~~على قومه؛ لأنه - وهو يملك المال - يضطر إلى معونة المهندس والمدير ~~وخبير الاقتصاد، ومتعهد الترويج والإعلان، وربما جهل من شئون ثروته ~~ما يعلمه هؤلاء ويقدرون على التصرف فيه. # وهذه الثروة التي كانت تنحصر في يد واحدة أو أيد قليلة يستدعي نظام ~~المعاملة في مجتمعات الصناعة الكبرى أن تتفرق بين الشركاء ~~والمساهمين على حسب الحصص والسهوم، فيحسب رأس المال بالملايين ~~ويحسب مالكوه بالمئات والألوف، ويصعب تقسيم المالكين في هذه الحالة ~~إلى طبقات وفئات يقف بعضها من بعض موقف المغالبة والصراع، ويسري مع ~~نظام المساهمة نظام التعاون بين البائعين والشراة على سنة المشاركة ~~والتضامن في الكسب والخسارة، وقلما تتباعد المسافة بين الطبقات حيث ~~تحسب الثروة بالحصص والسهوم بين المتعاونين والشركاء. # وقد كان العمل اليدوي خلوا من الفطنة والخبرة الفنية في مصانع القرن ~~التاسع عشر، وكان العمال اليدويون هم الكثرة الغالبة بين إجراء ~~الصناعة يزيد عددهم على عشرة أمثال الحذاق من الخبراء ومساعديهم ~~الفنيين، فتطورت الصناعة ولا تزال تتطور حتى اختلفت النسبة بينهم ~~أبعد اختلاف، وأصبح العمل اليدوي أقل الأعمال في المصانع الكبرى، ~~وما يصاحبها من المصانع الصغرى وأجهزة الصناعة في البيوت والمكاتب ~~وأندية الفن، ومعاهد التجارة وحقوق الزراعة، وتلاحقت الدرجات من ~~أعلى وظائف الهندسة والفن إلى أدناها، فاشتملت على طبقات مشتبكة ~~الأطراف يصعب التمييز بينها والفصل بين مصالحها عند تمييز الطبقات ~~على النحو القديم. # وكل تطور ينمو بالمجتمع نحو التقارب في الطبقات والتشابك في المصالح ~~والحقوق فهو خطوة ثابتة تنمو به نحو الاستقرار والحرية، فلا يتأتى ~~في مثل هذا المجتمع أن تسطو فئة منه على الفئات الأخرى، ولا هي ~~بحاجة إلى ذلك تلح عليها فتحرضها على السطو والثورة، إذ كان معظم ~~أسباب السخط والتمرد إنما ينجم من الهوة الفاصلة بين فئة وفئة أو ~~من الظلم الواضح في تقسيم الأقدار والأرزاق، وما من داع إلى ~~الطغيان والاستبداد بالأمر في مجتمع تقل الفواصل وتكثر الروابط ~~ويرجع فيه تفاوت الأقدار والأرزاق إلى الدراية بالعمل النافع ~~للجميع، ولا يرجع ms141 إلى التقاليد المبرمة والحواجز المفروضة بغير ~~فارق معقول. # فالتعاون بين الطبقات هو التطور الملازم للصناعة الكبرى، ولا استقرار ~~قبل بلوغ ذلك الطور الذي يستعصي فيه على طبقة من الطبقات أن تستبد ~~بغيرها، ولا مفر من الاستبداد في مجتمع تتغلب فيه إحدى الفئات، ~~وتجور على سواها. # أما ثورة المحرومين فليست من لوازم الصناعة الكبرى، وليست هي بالطور ~~الأخير المحتوم الذي تنتهي إليه هذه الصناعة، وإنما تحدث هذه ~~الثورة في عهد الصناعة قبل اتساعها واستقرارها، كما حدثت قبل عصور ~~الصناعة في التواريخ الغابرة، ولا بد أن تحدث مع الظلم والتفاوت ~~كلما تهيأت لها بواعثها ومشجعاتها، ومنها - بل في مقدمتها على ~~الدوام - أن تضعف هيبة الحكم القائم، وأن يتيسر للمحرومين أن ~~يتألبوا في مكان واحد، إما في حالة كحالة الجند المنهزمين، وإما في ~~حالة كحالة العمال والزراع المحشودين في جوار واحد بين المناجم ~~والحقول. # حدثت أشباه هذه الثورات بعد زوال الدولة القديمة في مصر قبل أربعة ~~آلاف سنة، فشوهدت فيها جميع أعراض الثورات التي يربطها بعضهم ~~بصناعة القرن العشرين، ويحسبها الطور الأخير من أطوار تاريخ ~~الإنسان إلى نهاية الزمان، فجاء في محفوظات البردي التي تخلفت لنا ~~من عهود الأسرات المالكة بعد السادسة أن العامة شكوا في الدين ~~وأضربوا عن الشعائر والقرابين، وأن أحدهم كان يقال له: تقرب إلى ~~الإله المعبود فيقول: لو عرفت مكانه لحملت إليه قربانه، وأن أواصر ~~الأسرة قد انحلت، فاستباح الأخ قتل أخيه، واجترأ الولد على حرمات ~~أمه وأبيه، وأن الزواج بطلت قداسته واستبيحت أعراض المصونات من ~~كرائم البيوتات، وأن التي كانت تنظر وجهها في الماء أصبحت تقتني ~~المرآة والحلية المنتقاة، وأن أصحاب السمت والوقار خلعوا سمتهم ~~ووقارهم وتزلفوا إلى الخدم وشذاذ الآفاق، وأن الضياع هجرت والقصور ~~دمرت، واستولى من استطاع على ما استطاع كما سولت له المآرب ~~والأطماع، وحدث هذا كله بعد حقبة جارت فيها علية القوم على ~~سفلتهم، وانحصرت فيها الثروة بين أمرائهم وسرواتهم، وتوالت فيها ~~الغارات والقلاقل من خارج البلاد وداخلها، وسيق فيها الألوف من ~~الزراع والعمال ms142 حشدا بعد حشد لبناء الأهرام وتشييد الهياكل ~~والتنقل من سخرة إلى سخرة في خدمة الرؤساء وولاة الأمر بغير أجر، ~~بل بغير قوت في كثير من الأحيان غير الخبز القفار. # وحدثت حركة الأرقاء في إسبرطة قبل الميلاد بأربعة قرون، وهم الأرقاء ~~المعروفون باسم الهيلوت # Helots # أو ~~باسم الضواحيين نسبة إلى الضاحية Perioeci # وكلهم من ~~الفلاحين زراع الأرض بالحصة والمقاسمة في الثمرات، وقد تجمعوا ~~بالألوف على مقربة من المدينة وهزموا قادة إسبرطة، وألجئوا هذه ~~المدينة الحربية الصارمة إلى طلب النجدة من جيرانها، فلم تقدر على ~~صد الأرقاء الثائرين إلا بعد حوالي عشر سنوات. # وحدثت حركة الأرقاء في الدولة الرومانية بقيادة سبارتاكوس (سنة 72ق.م) ~~الرقيق الذي تعلم المصارعة وتمكن من جمع زملائه في الرق، فحشد منهم ~~قرابة سبعين ألفا ودوخ الجيوش الرومانية بحملاته القوية، حتى ~~استنفد جهود الدولة وكلفها أن ترصد له أكبر قوادها من طراز ~~كراسوس # Crassus # وبومبي Pompey # فلم ~~يخمدوا ثورته إلا بعد عناء شديد. # وحدثت حركة الأرقاء في العصر الإسلامي بعد منتصف القرن الثالث للهجرة ~~«وبعد منتصف القرن التاسع للميلاد» حين ثار زنج البصرة بقيادة علي ~~بن محمد بن عبد الرحيم، وما برحت ثورتهم تحتدم وتخبو من أيام ~~الخليفة المهدي بن الواثق إلى أيام الخليفة المعتمد بن المتوكل، ~~وتمكن هؤلاء الزنج من التجمع؛ لأنهم كانوا يعملون في الموانئ وسكنى ~~الشواطئ كما كانوا يعملون في الزراعة ونقل البضاعة، ولم يكن هؤلاء ~~الأرقاء ولا أرقاء «سبارتاكوس» أو أرقاء الهيلوت والضواحيين عمالا ~~مسخرين في صناعة كبرى أو صغرى، بل كانوا فلاحين أو حفارين في ~~المناجم أو حمالين على الشواطئ جمعتهم أماكن عملهم ووحدت الشكاية، ~~ووحدت المصلحة بينهم، فخرجوا في تلك الحركات الاجتماعية قبل عصر ~~الصناعة الكبرى بأكثر من عشرين قرنا في الزمن القديم ونحو عشرة ~~قرون في زمن الإسلام. # وعملت في كل حركة من هذه الحركات الاجتماعية عواملها المشتركة التي لا ~~بد منها في جميع العهود، وهي عوامل الدعاية والقيادة والهزيمة أو ~~سقوط الهيبة وظهور العجز عن تدبير الأمور من قبل الهيئة ~~الحاكمة. ms143 # ولا نعلم على التحقيق كيف كانت دعاية الثورة المصرية بعد عهد ~~الأهرامات، ولكن تفرق الدعاة والأسر في الوجه القبلي على الخصوص، ~~مع شيوع الشكوى بين الفلاحين قد يدل على دخيلة الدعوة التي جذبت كل ~~فريق من الثائرين إلى زعيم من زعماء الأسر وطلاب العروش. # أما ثورة الهيلوت فالمعروف عنها كثير، ومن هذا الذي عرف عنها أنها ~~رزقت القيادة الحسنة على يدي أرستومين # Aristomene # وأرستديمس # Aristodemus # وجاءتها دسائس الفتنة الخارجية من ~~جانب الفرس مسخرين لها أناسا من الطامحين إلى الملك على رأسهم ~~القائد بوزانيوس Pausanius # وأناسا من رؤساء العصابات كانوا على خطر دائم من فتك الشرطة ~~الخفية المختصة بتعقب الأرقاء البارزين بين صفوف أبناء جلدتهم، ~~وكانت لهم خفية خاصة تترصدهم يسمونها الكربتية # Krypteia # وتشبه الخفية القيصرية قبل الثورة ~~الشيوعية في نظام التجسس، وحبائل الإيقاع والاستطلاع. # والمعروف عن ثورة الأرقاء على روما أكثر من المعروف عن ثورة الأرقاء ~~على إسبرطة، قياسا على اشتهار الأنظمة الرومانية واشتباكها بالأمم ~~المحيطة بها، فلا ينظر المؤرخ في تفصيلات الحوادث التي انتهت بنشوب ~~ثورة سبارتاكوس إلا وجد فيها جميع العوامل التي تخلف هذه الثورات ~~من الأزمات السياسية والاقتصادية إلى هزائم الحروب، وسقوط الهيبة ~~إلى تحريض الدعاية، وإمكان حشد الثائرين في صعيد واحد. # تعاقبت الغارات على روما من برابرة الشمال في القرن الأول قبل ~~الميلاد، وانقسم ولاء الجيوش الرومانية بين المشرق والمغرب، ~~وتضعضعت الحكومات القنصلية أو الشبيهة بالجمهورية ومهدت الطريق ~~لقيام سلطان الاستبداد، وظهور الحاكمين بأمرهم من القادة وزعماء ~~العشائر، وخابت آمال المصلحين في برامج الإصلاح، ومنها تقييد ~~الملكية الزراعية، ورسم الخطط الواسعة لتوزيع الأرض والثروة بين ~~الملاك الكبار والصغار بالتدريج. # وكان الأخوان طيبريوس وجايوس جراشي # Gracchi # قد استنفدا الحيل ~~في إقناع العلية وأعضاء مجلس الشيوخ بإعادة توزيع الأرض العامة ~~لزيادة عدد الملاك الصغار، واستصدر أولهما من مجلس الشيوخ قرارا ~~بالحد الأقصى للأرض الزراعية العامة، فجعله ثلثمائة فدان (سنة ~~133ق.م) ثم جاء أخوه فأراد أن يتوسع في تعميم الحقوق السياسية ~~وأنشأ طائفة من المشترعين دون طائفة الشيوخ وكل ms144 إليها الحق في ~~محاسبة الولاة السابقين ومن إليهم من رجال الدولة، وكانت هذه ~~المنازعات على الحقوق السياسية والحقوق المدنية بداءة الانقسام بين ~~طوائف العلية من سادة المجتمع الروماني القديم، واتفق هذا في الوقت ~~الذي تتابعت فيه غارات البرابرة الشماليين على تخوم الدولة، فكان ~~عجز الحاميات العسكرية عن صد المغيرين حجة مقنعة سوغت للقائد جايوس ~~ماريوس أن ينظم الجيش بقيادته ويستغل سمعته في الحروب الأفريقية ~~للاستئثار بالسلطة في حروب الدفاع عن تخوم الشمال، وجر هذا ~~الاستئثار إلى انقسام الدولة بين جيش الوطن بقيادته، وجيش الولايات ~~المتحدة بقيادة كرنيلوس سولا، ووقعت بين الفريقين معارك عنيفة لم ~~تنحسم قبل انقضاء سنوات في القلاقل والفتن والأزمات، خرج منها ~~«سولا» منتصرا على ماريوس حوالي سنة احدى وثمانين قبل الميلاد ~~فدانت له الدولة بالطاعة حوالي سنتين، ولم تنقض شهور على موت سولا ~~(سنة 78ق.م) حتى تجددت المساعي الحثيثة التي تتجه من كل جانب إلى ~~هدم النظم الجمهورية، وإقامة السلطان المطلق بزعامة هذا أو ذاك من ~~القادة المتنافسين، وفي هذه الفترة نشبت ثورة سبارتاكوس، فوجدت لها ~~أشياعا من أشتات الأسرى الذين جاءت بهم حروب الرومان في تراقية - ~~وطن سبارتاكوس - وبلاد الغال وسائر أرجاء الدولة الواسعة، وكان ~~منهم أناس لحقوا بالجيش وتدربوا فيه على الأعمال الحربية، وأناس ~~آخرون من رعاة الجنوب في إيطاليا ممن كانوا يحملون السلاح لحماية ~~قطعانهم # Latifundia # ويشتبكون في ~~حروب كحروب العصابات كلما ضعف سلطان الحكومة القائمة، فانقاد - ~~لسبارتاكوس - جيش كبير من المقاتلة والمصارعين بعضهم من الأرقاء، ~~وبعضهم من الشذاذ النافرين، وتمكن من الانتصار على جيش الدولة ~~بقليل من العناء (73ق.م) ثم هزم الجيوش التي جردت لقتاله بقيادة ~~القناصل والولاة في بلاد الغال، واستشرى خطبه حتى كاد أن يحكم ~~البلاد الإيطالية فيما وراء العاصمة، ولم تقدر عليه الحكومة ~~بجيوشها التي تخلفت من أيام النزاع، وانقسام الولاء بين القادة، ~~حتى تصدى للأمر رجل من رجال «سولا» الكفاة هو القائد كراسوس، فجند ~~لقتاله جيشا جديدا تولى تدريبه وتنظيمه على يديه، ودارت الدائرة ~~على سبارتاكوس في معركة أبوليا ms145 # Apulia ~~(71ق.م) وقد كاد أن يفلت بفلول جيشه ~~على أسطول من السفن الصغيرة عند مسينا. ثم تبين أن الثائرين لم ~~يكونوا جميعا من الأرقاء المملوكين لسادة معروفين، وأحصي منهم نحو ~~ستة آلاف لم يعرف لهم سادة يملكونهم، ولم تكن لأكثرهم سابقة في ~~الرق، وإنما كانوا مع طائفة من الفلول الهاربين ثوارا على الظلم ~~والخلل، وطلابا للحرية والحقوق الإنسانية. # والمعروف عن ثورة صاحب الزنج في الدولة العباسية أكثر مما عرف عن ثورة ~~الأرقاء في الدولة الرومانية؛ لأنها حدثت في عهد تاريخي وافر ~~المراجع والمآخذ قريب بالنسبة إلينا في أحواله وأوقاته، ومصادر ~~دعوته ودعواه، وقد كانت الدعوة والدعوى معا كأوهن ما تكون الدعوات ~~والدعاوى من السخف والتضليل، ولكنهما فعلتا فعلهما المعهود مع ضعف ~~الدولة واحتشاد الثوار في مكان واحد وسهولة انتحال الحجة التي ~~يستند إليها الثائر على الدولة القائمة في أعنف أوقات النزاع بين ~~العباسيين أصحاب السلطان، والعلويين أصحاب الحق في عقيدة الأكثرين ~~من أبناء الإقليم وما جاوره من الإقليم، ورواية أخبار هذه الثورة ~~من وجهة نظر غربية أدنى إلى التناسق مع أخبار الثورات من قبيلها في ~~تاريخ اليونان والرومان، ولهذا نرويها هنا كما لخصها «سير وليان ~~موير» # Muir # في كتابه عن تاريخ ~~اضمحلال الخلافة إذ يقول من أخبار سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة ~~(869م) ما يلي: # إن فتنة الزنج أشاعت الذعر والفتك ~~من حولها خمس عشرة سنة، وكان زعيمها فارسيا انتحل ~~النسب إلى علي بن أبي طالب، فكان يدعو أول الأمر ~~بهذه الصفة إلى بعض الآداب الروحية، ثم ما عتم أن ~~كشف عن خبيئته فإذا هو متمرد منتفض يسري عليه لقب ~~الخبيث، وكان يحوم في شبه الجزيرة العربية قبل ذلك ~~على غير طائل، ثم رفع راية العصيان، ونادى بالحرية ~~لجميع المستعبدين ووعدهم بما لا حد له من الأسلاب ~~والغنائم إذا التفوا برايته، واتخذ له شعارا آية من ~~القرآن كتبها على الراية تبطل الرق وتلغيه # إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون وعدا ms146 عليه ~~حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن # وفسر الآية بأن الله اشترى ~~الرءوس والأموال فلا يملكها أحد، ولم يكن بالمستغرب ~~من العبيد، الذين علمهم أن يهينوا سادتهم أن يهرعوا ~~إليه بالألوف، ومعهم أهل البادية من طلاب الأسلاب ~~والغنائم. أما اسم الزنج، فمعناه الأثيوبيون من ~~أوشاب القارة الأفريقية، ومن هنا نسبت إليهم الفتنة، ~~فسميت بفتنة الزنج، وكانت سنة خمس وخمسين ومائتين ~~بداءة عصاينهم ومجاهرتهم بالقتال، وتلتها سنتان ~~انتشروا فيهما بين جوانب وادي النهرين وشواطئ قزوين ~~إلى الأهواز، فبسطوا أيديهم من ثم على هذه الأنهر، ~~وشجعهم النجاح فأغاروا في سنة سبع وخمسين ومائتين ~~(871م) على البصرة واقتحموها، وأعملوا في الآهلين كل ~~منكر وفظيعة، ثم نادوا بالأمان غدرا، فقتلوا كل من ~~اغتر بأمنهم من جمهرة السكان المخدوعين، وهدموا ~~المسجد الكبير، وأشعلوا النيران في المدينة كلها، ~~وقد راع الخليفة مقتربهم من عاصمة الخلافة، فأنفذ ~~الموفق على رأس الجيش لقتالهم، فنشط للقتال نشاطا ~~قويا، ولكنه لم يظفر بهم إلا قليلا في المعارك ~~الأولى لاضطراره إلى وقف القتال حينا بعد حين ~~واشتغاله بدرء المخاطر في مواقع أخرى من الدولة، ~~ولقي موسى وغيره من القادة مثل هذا الفشل سنة بعد ~~سنة ثابر الزنج خلالها على الغارة مع ما كانوا يمنون ~~به من الهزيمة في بعض المعارك، وجعلوا يغيرون على ~~العراق وخوزستان والبحرين عصابات متفرقة أو جموعا ~~مصفوفة، فنهبوا الأهواز واتخذوا «واسط» معسكرا ~~يشنون منه حروب التخريب والتقتيل، وانقضت على البلاد ~~تسع عشرة سنة من الشقاء والفزع، ثم فرغ لهم الموفق ~~بعد الخلاص من الأعداء الخارجيين، فوحد الجيوش تحت ~~قيادته وقيادة ابنه المعتضد، ودارت الدائرة من ذلك ~~الحين على جموع الأرقاء، فطردوا أولا من خوزستان، ~~ودفعوا إلى الجانب السفلي من النهر حيث استعصموا ~~بالمواقع الحصينة واحتموا بالأقنية والجداول المحيطة ~~بها، ولا تزال أخبار المعارك التي تلت ذلك نحو خمس ~~سنوات محفوظة تروى بتفصيلاتها المسهبة المملة، وأجلى ~~العدو من مواقع كثيرة، ولكنه لبث بعد جلائه عن تلك ~~المواقع ثلاث سنوات مستعصما ببعض الحصون لانقطاع ~~الحصار فترات متوالية من جراء إصابة ms147 الموفق بجراح ~~أقعدته عن العمل السريع، وأخذ الثوار يتسللون زرافات ~~زرافات إلى الموفق، فيتقبل منهم التوبة برفق وسماحة، ~~وبلغ من رفقه وسماحته أنه أعلن العفو عن المسيء ~~الأكبر، فأعرض عنه هذا بصلف وقحة، ثم سقطت القلعة ~~وعاد كثير من النساء السبايا إلى ديارهن، ووقع ~~الخبيث في الأسر، وهو يمعن في الهرب، فقتل وحمل رأسه ~~حيث رفع على مشهد من الجموع المتخوفة؛ فخروا سجودا ~~يشكرون الله على النجاة من ~~شره. # وتلخيص موير هذا لفتنة الزنج يصدر عن نظرة تاريخية على الحيدة بين ~~الداعية والدولة التي يثور عليها، فلا يمتزج بالغضب الديني الذي ~~يشعر به المؤرخ المسلم وهو يتكلم عن فتنة من فتن المروق والإباحة ~~والافتراء على الحضرة النبوية، وهي - في رواية موير - على نسق تام ~~مع الثورات التي من قبيلها، وإن تفاوتت أبعد التفاوت في الأزمنة ~~والأمكنة وأجناس الثوار ومطالبهم وعقائدهم التي يأخذون بها أو ~~ينتقضون عليها. # فكلها ثورات حصلت لأنها أمكنت، وكلها ثورات أمكنت؛ لأنها ثورات أناس ~~من أصحاب الشكايات الاجتماعية أو المنتفعين بالقلاقل والفوضى حيث ~~كانت، تجمعوا في صعيد واحد واستضعفوا السلطان لما مني به من ~~الهزيمة والعجز، فاستخفوا بأمر الخروج عليه، ولا يلزم من ثوراتهم ~~هذه أن يكونوا من الفلاحين أو الصناع أو العاطلين، ولا أن تتقدم ~~ثوراتهم أو تتأخر حسب الأطوار التي يرتبها المفسرون الماديون للتاريخ. # 1 ~~••• # وقد تكررت في أوائل عصر الصناعة الكبرى ظواهر اجتماعية من قبيل ما ~~سلف، فتكررت فيها الثورات التي تفرقت في أنحاء الزمن ولم يختص بها ~~عهد من العهود، ولوحظ في كل ظاهرة منها تكررت حديثا أنها تأتي في ~~أول أطوار الصناعة الكبرى، كأنها مفاجأة غير مألوفة تعتري ~~المجتمعات التي لم تتهيأ لتوسيع مجال الصناعة والتوفيق بينها وبين ~~مرافقها ومصادر ثروتها، فهي عرض من أعراض المفاجأة، وليست نتيجة ~~خاصة مدخرة للصناعة الكبرى في آخر أطوارها، ولا هي من الطوارئ ~~المعلقة وراء حجاب الزمن إلى أن يحين حينها وتدور بها ~~أدوارها. # أما الثابت من مراقبة الحوادث بعد تمكن الصناعة الكبرى التي استوفت ~~أطوارها، ms148 فهو الاستقرار الذي تقل فيه المفاجآت، ويقل فيه انتظارها ~~وتوقعها؛ لأن زيادة الثروة من اتساع مجال الصناعة الكبرى تصاحبه ~~كثرة المالكين، وكثرة أنواع الأعمال، وكثرة الروابط التي تقضي ~~بالتضامن بين أعضاء المجتمع الواحد في المنافع والأضرار. # وسوف يتسع مجال الصناعة فوق اتساعه في هذه السنوات الوسطى من القرن ~~العشرين، وقد يقصر المدى قبل نهايته دون استقامة هذا المجال في ~~أرجاء العالم، ولكن الأوضاع التي يبلغها التطور قبل نهايته كافية ~~لتصحيح الآراء عن علاقة التطور الصناعي بنهاية الطبقات، جديرة ~~بتعليم الناس أن العاقبة للتعاون بين طبقات المجتمع الواحد، وأن ~~الاستقرار والحرية مفقودان حيث تسطو فئة من المجتمع على سائر ~~فئاته، رهينان بتعدد الطبقات، وتعدد الكفايات، وتعدد أنواع ~~الأعمال، ومن هذا التعدد يخلق الترياق الواقي من الأثرة والطغيان، ~~فإنهما خرق لنظام الحياة العامة، لا يستطاع ولا يحتاج إليه حيث ~~تتقارب الأقدار والحقوق، وتتداخل المصالح والعلاقات. # الفصل العاشر # | الأسرة والمرأة # بدأت قضية المرأة على حق يشوبه الغلط، ولم يكن لها بد من البدء على ~~الحق المشوب بالغلط وإلا تأخرت، أو جمدت، فلم تبدأ على وجه من ~~الوجوه. # بدأت في معمعة المطالبة بالحقوق : رعايا يطلبون حقوقهم من ملوكهم، ~~وعبيد يطلبون حقوقهم من سادتهم، وأجراء يطلبون حقوقهم من أصحاب ~~الأموال، وشعوب مغلوبة تطلب حقوقها من شعوب غالبة، بل أبناء يطلبون ~~حقوقهم من الآباء، وعباد يطلبون حقوقهم من المعبود. # فلما جاء دور المرأة في هذه المعمعة كانت مطالبتها بحقوقها خصومة ~~جديدة في معترك الخصومات الكثيرة، خصومة مع الرجل أو خصومة بين ~~الجنسين، وهذا هو موضع الغلط في قضيتها التي بدأت على حق لا ينكره، ~~ولا يجدي نكرانه بعد الانتباه إليه، وكثيرا ما يبتدئ الانتباه ~~إليه من الرجال قبل النساء. # فمن الحق أن المرأة كانت مظلومة مسخرة قبل عصور المعرفة والحرية، ولكن ~~الغلط في وضع قضيتها أن يكون هذا الظلم خصومة بينها وبين الرجل، أو ~~خصومة بين الجنسين، فإن الجنسين معا كانا ضحية لعدو واحد لم ~~يعرفاه إلا على مهل وبعد ضلال بعيد عنه، وعن منافذ الخلاص ms149 ~~منه. # كان الرجل ضحية جهله يوم كانت المرأة ضحية جهلها وجهله. # وكان الرجل مظلوما يوم كانت المرأة مظلومة، وكانت مسئولة مثله عن هذا ~~الظلم - أو غير مسئولة - فهما على الحالين مستويان. # وكان كل ما تشكوه المرأة من مساوئ الاجتماع يشكوه الرجل مع اختلاف في ~~الدرجة، واختلاف في القدرة على الشكاية، وربما صمتت الشكاية ~~باختيار متفق عليه بين الرجال والنساء، وقد يقف الرجال والنساء ~~معا في حظيرة الاتهام أمام ضحية أخرى لا هي بالخصم، ولا هي بالطرف ~~المعقول في موقف من مواقف الخصومة، وتلك هي ضجة الطفولة المظلومة ~~من البنين والبنات، قبل أن يصبحوا مع الزمن رجالا ونساء وآباء ~~وأمهات. # فما من شك في ظلم الطفولة يوم كان الرجال مظلومين والنساء مظلومات، ~~وما من شك كذلك في مصاب الجميع بجرائر هذا الظلم؛ مصاب الظالمين، ~~والمظلومين. # كم ظلمت الأم في العصور الغابرة من وليد تحبه ووليدة تحبها؟ وكم ضاع ~~هذا الظلم بين تبعة لا تعرف وتبعة تعرف على جهل وضلالة؟ # ومن المسؤول عن الجهل والضلالة؟ قل على حد سواء: إنهم البنون والبنات، ~~كما تقول: إنهم الآباء والأمهات، أو تقول: إنهم الرجال ~~والنساء. # فإذا قيل: إن قضية «تحرير المرأة» قضية حق في نشأتها، فذلك صدق لا ~~جدال فيه، ولكنها توضع موضع الغلط حين يقال: إنها قضية خصومة بينها ~~وبين الرجل، وإن الفصل فيها إنما هو انتصار طالب على مطلوب، أو صلح ~~بين ضدين يكسب أحدهما بمقدار ما يخسر غريمه في هذه ~~المقاضاة. # إنما توضع قضية المرأة في موضعها الصحيح يوم يقضى فيها على أنها علاقة ~~بين شريكين يتوزع بينهما العمل على حسب اختلاف الوظيفة والاستعداد، ~~وكلاهما خاسر مغبون إذا أخل بحق شريكه ونازعه في عمله وكفايته، ~~وكلاهما رابح إذا عرف أين يعطي، وأين يأخذ من قسمة الخلق بين ~~الجنسين. # ليس في الطبيعة ظاهرة محسوسة يتجلى فيها توزيع العمل، وتتمثل فيها هذه ~~الشركة كما نراها في المقابلة بين وظائف الجنسين، فكل مخلوق إنساني ~~إنما هو شاهد في تكوينه على هذه الوظائف المتقابلة في تركيب ms150 بنية ~~الذكر وبينة الأنثى، ومن ضحالة الفهم أن يسبق إلى الظن أن هذا ~~التقابل في تركيب الجنسين ينتهي عند أعضاء الجسد، ولا يستدعي معه ~~تقابلا في استعداد العاطفة والفكر والبديهة الخفية التي نحسها ~~أحيانا، وتحتجب عن الحس أحيانا أخرى، لعلها أعمق وأقوى مما ندركه ~~نحن - رجالا ونساء - من هذه المحسوسات. # والمسألة - بعد - ينبغي أن تخرج من أفق التنازع على الحقوق والكفايات ~~إلى أفقها الذي تدور فيه إلى مستقرها، كيفما كان القرار. # ومن الغلو في الأمل أن نترقب حلها في البقية الباقية من القرن ~~العشرين، ولكننا نتحدث عن أمل قريب - إن لم لكن أملا محققا فيما ~~نراه اليوم - إذا رجونا أن توضع قضية المرأة موضعها الصحيح بعد جيل ~~أو جيلين، فينقضي الدور الذي بدأ بالخصومة بين المرأة والرجل، ~~ويتبعه دور يعملان فيه عمل الشريكين اللذين يتقاسمان الواجب كما ~~يتقاسمان الحق، ويحذران الخسارة؛ لأنها خسارة في الحصتين. ~~••• # ولا شك أن حالة الأسرة أدل من حالة الطبقة على نصيب المجتمع من ~~السلامة والاستقامة؛ إذ كنا نطلع من حالة الطبقة على أوضاع ~~اجتماعية واقتصادية قلما نتخطاها إلى ما وراءها إلا على سبيل ~~الاستطراد ، في حين أننا نستلهم من حالة الأسرة حكمة الطبيعة في ~~تقسيم الجنسين ونهتدي منها إلى أخلاق الفرد والجماعة، ونستشف منها ~~بداهة النوع في احتياله للمحافظة على بقائه ونموه، ولا يفوتنا حين ~~نطلع على تكوين الأسرة أن نلم بأحوال المجتمع في علاقاته ~~الاقتصادية والسياسية. # ونحن نستلهم حكمة الطبيعة فنعلم أن المجتمع يبتعد من السلامة ~~والاستقامة كلما ابتعد بالمرأة عن الأسرة، ونحى بينها وبين وظيفة ~~الأمومة وتربية الجيل المقبل، وتدبير البيت لتسكن إليه وتسكن إليه ~~الأسرة موئلا للعطف والراحة من تكاليف السعي والمعيشة. # وليس مدار البحث هنا أن نعلم مدى الحقوق السياسية التي تنالها المرأة ~~في أمتها، ولا عدد الوظائف التي تشغلها والدراسات العلمية التي ~~تتلقاها ومراكز الأعمال العامة التي تتولاها؛ فإننا لا نواجه خطرا ~~مقبلا إذا استغنت المرأة عن هذه الأعمال، ولا يئود المجتمع أن ~~يولي الرجل كل ما تتخلى عنه المرأة ms151 يوم تكتفي بوظيفة الأم، وسياسة ~~الأسرة في الحياة البيتية. # ولكننا نواجه الخطر المحقق إذا تخلت المرأة عن حياة الأسرة ولوازمها، ~~ونبتعد عن حكمة الطبيعة، فنفهم أن المرأة والرجل كليهما يعملان في ~~مجتمع بعيد من السلامة والاستقامة، وينبغي أن نتوخى في الإصلاح ~~الاجتماعي رد المجتمع إليهما، وتثبيط الدوافع التي تحفز الناس - ~~نساء ورجالا - إلى الشطط عن سواء الطبع في توزيع الأعمال بين ~~الجنسين. # ومن اللجاجة أن تنقلب هذه المسألة الحيوية إلى منازعة على كفاءة ~~الجنسين في شئون العلم والعمل، فالأمر الذي لا منازعة فيه أن ~~المرأة خلقت للأمومة، وصلحت لتربية عواطف الأسرة، فلا يحسن ~~بالمجتمع أن يضطرها إلى التخلي عن مكانها في الأسرة، وأن يلجئها ~~إلى التضحية بالبيت سعيا إلى الرزق، أو اشتغالا بأعمال يغني فيها ~~الرجل عنها. # وليس لنا أن نتجاهل الحقيقة الواقعة، وننسى أن المرأة تضطر في الحضارة ~~الحديثة اضطرارا إلى هجر البيت والتضحية بلوازم الأسرة في سبيل ~~لوازم المعيشة، إلا أن الحذر من تجاهل هذه الحقيقة لا يوجب علينا ~~أن نغتبط بها ونقيم قواعد المستقبل عليها، وإنما نعترف بها لنعطيها ~~حقها من معاذيرها واعتباراتها، ونسعى إلى إصلاحها وتثبيط الدوافع ~~التي تضطر النساء والرجال إليها. # وقديما اضطر الفقراء - وغير الفقراء - إلى تسخير القاصرين، وإهمال ~~تعليمهم في سن الطفولة الباكرة فيما يشق عليهم ويضر بأجسامهم ~~وعقولهم؛ إيثارا للانتفاع بأجورهم على احتمال نفقتهم، فلم نجعل ~~هذه الضرورة قاعدة تقام عليها تربيتهم وتفريج الضائقة عن ذويهم، ~~واعترافنا بهذه الحقيقة لنصلحها ونغني المضطرين إلى تسخير أبنائهم ~~عن هذه السخرة الشائنة، فاستغنى عنها الكثيرون منهم وأنفوا منها ~~بضمائرهم وقلوبهم بعد أن تعودوا مع الزمن أن يتجنبوها خوفا من ~~العقوبة وطاعة للشريعة. # ولا يبدو الآن أن الضرورات التي تصرف المرأة عن حياة الأسرة يمكن أن ~~تعالج بهذه السهولة في الجيل الذي نحن فيه، وأكبر الظن أنها تستعصي ~~على العلاج في الجيل المقبل أو الذي يليه، ولكننا نأمل فلا نغلو في ~~الأمل أن يتكفل القرن العشرون قبل انتهائه بوضع هذه القضية الجلى ~~في موضعها الأمين، فيختتم ms152 صفحة الخلاف عليها كأنها خصومة بين الرجل ~~والمرأة، ويتركها للأجيال المقبلة شركة يتعاون فيها الجنسان كما ~~يتعاون الزميلان. # الفصل الحادي عشر # | الفن والعلم # ولعلنا نختم هذه الظنون والنبوءات بخبر من أخبار المستقبل لا حاجة به ~~إلى ظن ولا نبوءة، وقد يكون أوثق من أخبار الماضي الذي تتضارب فيه ~~الرواية. # إن القرن العشرين سوف يصفي قبل نهايته حساب البدع الفنية التي نشأت ~~فيه، وهذا هو الخبر الذي لا يحتاج إلى الظن والنبوءة، إذ تحمل ~~البدعة في طياتها نبوءة مصيرها، وتأتي البدعة ثم تمضي كما تأتي ~~أزياء الثياب والحلى زيا بعد زي، ثم تمضي باختيار من يبدعونها ~~ويولعون بها، ولولا هذا التقلب السريع لما فكر أحد في ~~ابتداعها. # وقد كانت ذخيرة القرن العشرين من بدع الفنون أوفر وأعجب من ذخيرة سلفه ~~القرن التاسع عشر، ومن ذخائر أسلافه في العصور الحديثة التي أولع ~~فيها الناس بالجديد، ثم ازدادت سرعتهم في تغييره والتبرم به إلى أن ~~بلغت شأوها الأخير في هذه السنوات الأخيرة. # ويرجع الإقبال على البدع في القرن العشرين إلى جميع أسبابه التي تغري ~~به، وتحرض عليه؛ إلى الجرأة على التقاليد المرعية ، وإلى شيوع ~~الطرافات العلمية التي يتداولها الفنانون، وجمهرة المتحدثين ~~بالعلوم والفنون، وإلى اتساع ميادين النشر من طباعة وإذاعة وصور ~~متحركة ومسارح عرض وتمثيل. # والجرأة على التقاليد المرعية قديمة منذ عصر النهضة وعصر الاستنارة، ~~وما تلاهما من عصور الثورات العلمية والسياسية، إلا أن الجرأة على ~~التقاليد كانت تصدر فيما مضى من جانب واحد باسم المجددين الثائرين ~~على المحافظين، أو باسم اليسار المنتقض على اليمين، فلما تقدم ~~القرن العشرون جاءت الغارة على التقاليد شعواء ذات اليسار وذات ~~اليمين، فأنصار الدعوة الاجتماعية من الماديين يحطمون التقاليد ~~الماضية لأنهم يهدمون كل بناء قام في الماضي على قواعد الطبقات من ~~غير طبقة الأجراء، وأنصار الدعوة الفردية ينكرون طغيان الجماعة على ~~حرية الفرد فيعارضون الدعوات الاجتماعية التي تلغي الفرد من أجل ~~الجماعة، ولكنهم - على مذهب بعض الوجوديين - يبيحون للفرد أن يستقل ~~برأيه وهواه، ويثبت وجوده بالخروج على ms153 العرف، واقتحام الطريق الذي ~~يروقه على غير اكتراث بالأصول والعادات في مسائل الذوق على الخصوص ~~ومنها الفنون. # أما شيوع الطرافات العلمية فهو فيما نعنيه هنا شيء غير شيوع المباحث ~~العلمية التي يمحصها العلماء ويمتحنونها على أصول التجربة والتطبيق ~~الأمين، فهذه المباحث العلمية تفيد الفن والفنان وتؤدي إلى قيام ~~المدارس الفنية التي تثبت في تاريخ العلم والثقافة، ولا تظهر ثم ~~تغيب كما تغيب البدع والأزياء. # إن الطرافات العلمية شيء غير هذه المباحث والدراسات، فإنها لا تعدو ~~القشور التي تستهوي النظر العاجل، ويتخطفها المتندرون في الأندية ~~لما فيها من غرابة تجري في نسق واحد مع غرابة الأقاصيص والبدوات، ~~ومنها ما يحسن فهمه ويساء تطبيقه لسوء التمييز بين موضوع العلم ~~وموضوع الفن، وبين مسائل التفكير ومسائل الشعور والخيال، وأشهر هذه ~~التطبيقات الخاطئة في بدع الفنون دعوة المدرسة الطبيعية في القرن ~~التاسع عشر # Naturalism # وهي من أصح ~~المدارس الأدبية في نظرتها، وأسرعها إلى الخطأ في تطبيقاتها لسوء ~~التمييز بين أساليب العلم وأساليب الآداب. # كان مبعث هذه الدعوة أن أصحابها أرادوا أن يميزوا أنفسهم على غيرهم من ~~الكتاب والشعراء بالتزام الأمانة العلمية في وصف أحوال الناس ~~والتعبير عن عواطفهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وقالوا: إن الكاتب ~~ينبغي أن يتجرد من أهوائه وآرائه عند الكتابة كما يفعل العالم عند ~~دراسة الظواهر الطبيعية، وأن تعبيره عن الحقائق الاجتماعية ~~والنفسية ينبغي أن يصاغ في قالب كقالب التعبير العلمي أو قالب ~~المسائل الرياضية. # ومن الحسن ولا شك أن يلتزم الكاتب أمانة العلم إذا كان المقصود بهذه ~~الأمانة أن يتجنب الزخرف الكاذب والأباطيل الخرافية، ولكنه لا يكون ~~أمينا بمعنى الأمانة العلمية ولا الفنية إذا عبر عن نفسه تعبيرا ~~آليا يتجرد من الملامح الشخصية؛ لأن الفن كله قائم على وجهة نظر ~~الفنان وملكاته الشخصية التي لا تتشابه بين كاتب وكاتب، ولا بين ~~شاعر وشاعر، ولا بين مصور ومصور، ولا تأتي مقرراتها متشابهة أبدا ~~كما تتشابه مقررات العلماء، ولهذا كانت الصورة اليدوية مفضلة على ~~الصورة الشمسية بالغة ما بلغت هذه من الصدق والإتقان، ولو ms154 كان ~~المقصود بالأمانة العلمية مطابقة الصورة لأصولها المحسوسة لكانت ~~الصورة الشمسية أرفع شأنا من كل صورة تبدعها ريشة الفنان الصناع، ~~ولكن الأمانة العلمية في الفنون شيء غير الأمانة الآلية؛ لأن العلم ~~يقول لنا: إن الآلة غير الإنسان، فلا يجوز لنا أن ننتظر - باسم ~~العلم - تصويرا إنسانا يشبه صناعة الآلات، ولا تتحقق أمانة ~~العلم وأمانة الفن معا بغير هذا الاختلاف، بل يصدق هذا على الفرق ~~بين الصورة الشمسية الممتازة والصورة الشمسية المجردة من المزية، ~~فإننا إذا أعجبتنا صورة شمسية بارعة لمسنا على الأثر براعة المصور ~~الذي التقطها في اختيار الموقع، واختيار الوجهة، واختيار الألوان ~~والظلال، واختيار اللمحات البادية على الوجوه، وعلى صفحات ~~الأشياء. # ومن الواجب أن نفهم معنى الأمانة العلمية حين نطبقها على بدائع ~~الفنون، فهي لا توصف بوصف الأمانة إلا إذا حسبت حسابا للفارق بين ~~عمل الآلة وعمل الإنسان. # ويهون سوء التطبيق في الدعوة إلى المدرسة الطبيعية إذا قيس إلى ~~التطبيقات السيئة التي ابتليت بها دراسات علم النفس بين الحربين ~~العالميتين، فتسربت إلى الفنون والآداب من كلمات الوعي الباطن ~~ومركبات النقص والعقد النفسية وما شابهها من مصطلحات فقدت معناها ~~لكثرة استعمالها في غير مواضعها، وخلقت من أفانين الأوهام ما لم ~~تخلقه خرافة من الخرافات التي ماتت قبل أن تبلغ القرن ~~العشرين. # وقد نسي دعاة البدع التي نبتت من كلمة الوعي الباطن أن هذا الوعي ~~الباطن لم يخترعه فرويد، ولم يزعم أن الفنانين من قبله جهلوه ~~وأهملوه، بل قرر غير مرة أنه يعتمد في تفسيره على أعمال أولئك ~~الفنانين وأقوالهم من كتاب وشعراء ومصورين، وما من أحد ذي بصر ينظر ~~إلى صورة من صور الأقدمين ومن تلاهم في عصر النهضة وتلاميذهم ~~المبرزين من أبناء العصور الحديثة إلا أدرك لأول وهلة أنهم أحسوا ~~الوعي الباطن من وراء الظواهر، وعرضوه لنا على قسمات الوجه وحركات ~~الأعضاء، ودلوا على قدرتهم بهذا العرض الذي يرينا الخفايا كما ~~يرينا الظواهر بلمسة من لمسات الريشة وخفقة من خفقات النور واللون، ~~وتركوه لنا نفسره كما يفسر كل سر ms155 من أسرار النفس البشرية قد ينطوي ~~عن صاحبه كما ينطوي عن الناظرين إليه، ولذلك كان وعيا باطنا ~~ينقله الفنان القدير على غموضه أو جلائه نقل الأمانة الملهمة ~~والإدراك الخفي والحس المشترك بين الوضوح والغموض. # وينسى هواة الطرائف العلمية أن علماء النفس لم يكشفوا الوعي الباطن ~~ليلغوا به الوعي الظاهر ويبطلوا به عمل الحواس؛ لأن معرفتنا ~~بعقولنا الخفية لا تمنعنا أن ننظر بأعيننا، ونسمع بآذاننا، بل ~~تساعدنا على محو الضلالة والتثبيت من حقائق المنظور ~~والمسموع. # والمصورون ممن يدعون تصوير الوعي الباطن ينسون أنهم تعلموا فن الرسم ~~والشكل، ولم يتعلموا الكهانة والتنجيم، ولو كان فنهم كله قائما ~~على تخمين الظنون على العقل الباطن لتساوى المصورون وغير المصورين، ~~وتساوى كذلك الشعراء وغير الشعراء، والفنانون وغير الفنانين فيما ~~يتعاطونه من الوصف والتعبير، إذ كان التخمين عملا نستطيعه جميعا ~~ولا يتقاضانا غير الحدس والاسترسال مع الخيالات، ولا يصح أن يستأثر ~~فيه صاحب وعي بما يتوهمه دون أصحاب الوعي من الناظرين والفنانين، ~~فقد يتفق عشرات الألوف في البصر والسمع، ولا يتفق اثنان في الخفايا ~~الباطنة ولو كانا أخوين أو عشرين مدى الحياة، وما دام الوعي الباطن ~~مختلطا مرتبكا غير مشهود ولا مفهوم، فليس في الدنيا من يعجز عن ~~محاكاة الاختلاط، والارتباك على نحو من الأنحاء. # ومن فكاهات هذه الدعوات أن المنتحلين لها يتخطفون أطرافها على عجل، ثم ~~ينقطعون عنها ولا يعرفون ما طرأ عليها في مباحث أصحابها الأولين ~~وروادها المبتكرين، فقد عدل فرويد في أيامه الأخيرة عن مغالاته ~~بدعوى الوعي الباطن أو العقل الباطن، ورأى أن العبارة في تركيبها ~~متناقضة لا تستقيم في التفكير. # فليس بالعقل شيء لا نعقله ولا بد من تعبير أصح من هذا التعبير للدلالة ~~على الفوارق بين طبقات السريرة الإنسانية من أعماقها المستورة إلى ~~ظواهرها المكشوفة، ولهذا أهمل فرويد مصطلحات الوعي الباطن واللاوعي ~~وما إليها في أخريات أيامه واستبدل بها ال «ايد # Id ~~» أو الطوية، وال «إيجو # Ego ~~» أو الذات، وال ~~«سوبر إيجو # Super-Ego ~~» ~~أو الذات العليا، ولم يفصل بين دوافع هذه ms156 القوى الثلاث إلا في ~~حالات المرض والاختلال أو حالات الارتباك التي تعتري الأصحاب في ~~حالات الكرب والشدة فلا يستقر لهم قرار إلى أن تزول. # وقد تراجعت مصطلحات فرويد الأولى إلى الصفوف التالية في مباحثه ~~الأخيرة، ولما تزل تشغل الصفوف الأولى في أعمال الفنانين الذين ~~تلقفوها بالسماع ولم يفهموا منها أولا وآخرا غير ما فهمه ثراثرة ~~الأسمار. ~~••• # ومن المألوف أن تعزى كثرة الخوض في النفسانيات بين الحربين العالميتين ~~إلى قلق الأفكار وتوتر الأعصاب في هذه الفترة، من جراء الأزمات ~~والشكوك التي تنتاب أبناء العصر فترهقهم وتلجئهم إلى التنفيس عن ~~صدورهم بهذه الأحاديث، كما تلجئ العلماء والمفكرين إلى البحث في ~~أعراضها ووسائل علاجها، ويشبه أن يكون هذا هو الواقع في تعليل كثرة ~~الخوض في العوارض النفسية، لولا ما نعهده من أخطائنا المتكررة عند ~~المقارنة بين الحاضر والماضي في مسائل الشعور والعاطفة، فما حضر ~~أشد عندنا مما غبر في مسائل الحر والبرد، ومسائل السرور والألم، ~~ومسائل العافية والمرض، ولا يبعد أن تكون أزمات القرن التاسع عشر ~~أشد وقعا على أبنائه من أزمات المحدثين بين الحربين العالميتين؛ ~~لأنه لم يخل من قلاقله، وشكوكه، وثوراته، وحروبه، ومفاجآته، وصدمات ~~الخيبة لأصحاب الآمال العامة والخاصة من أبنائه، فإذا كانت أحاديث ~~العقد النفسية لم تتردد في فنون القرن التاسع عسر، كما ترددت في ~~فنون القرن العشرين، فليس من المحتم أن يرجع ذلك إلى ندرة الأزمات ~~النفسية فيما مضى وكثرتها فيما حضر، بل يجوز أن كثرة الحديث عنها ~~إنما ظهرت مع ظهور العلوم النفسية تبعا لتقدم العلوم في جملتها، ~~وأنها وجدت متسعا من ميادين النشر، وحرية التصريح بالآراء في ~~الزمن الأخير لم تجده في أول عهدها بالظهور قبل بضعة أجيال. # وقد مضى الآن على ابتداء اللهج بالعلل النفسية أكثر من جيل كامل وضحت ~~فيه مصادر هذا اللهج الطارئ من أعمال الفنانين وأعمال أدعياء ~~الفنون، فلم يعسر على نقادهم أن يميزوا بين سمينهم وغثهم، وبين ~~الجد والهزل في أعمالهم وأقوالهم، فهم بين طائفتين تتميزان جدا ~~بعد هذا السنين التي عرضت ms157 لنا من ثمراتهم ما يكفي لمعرفتهم؛ طائفة ~~جادة في شعورها وتعبيرها تصور لنا دخائل النفوس وعللها كما يصورها ~~الفنان الملهم في كل آونة، وطائفة مصطنعة متكلفة تعرض لنا فنا ~~مصطنعا متكلفا هو نفسه عرض من أعراض الأمراض النفسية، والفرق بين ~~الطائفتين هو الفرق بين المعبر عن المرض وبين المصاب بالمرض الذي ~~نفهم مرضه من حالته ولا نفهمه من مبتكراته وأقاويله، ولا يشق على ~~نقاد الفن أن يدلونا على الآية التي تميز كلا من الطائفتين تمييزا ~~يدفع اللبس والاشتباه، فكل نتاج فني يلغي القواعد وينطلق مع الفوضى ~~فهو ظاهرة مرضية وبدعة موقوتة لا تدوم إلا ريثما تنسخها بدعة من ~~قبيلها، وكل نتاج فني يقوم على قاعدة مفهومة فهو تعبير صحيح، وإن ~~جاءت هذه القاعدة على نسق جديد يخالف ما اطردت عليه فنون الأقدمين، ~~ولا بد من التفرقة بين القواعد والقيود في الأعمال الفنية على ~~اختلافها، فإن القواعد هي قوام الفن الذي لا ينفصل عنه، ولا يمكن ~~أن يخلو منه بحال، وما عرف الناس لعبة من لعب الكبار والصغار - ~~فضلا عن الفنون العليا - يمكن أن تلعب بغير قاعدة مرعية عند ~~الطرفين ويجوز للاعب أن يتحرك فيها بغير ضابط معلوم ولا خطة مقررة، ~~فلا قوام للفن بغير القاعدة، ولكنه قد يقوم على أحسنه مع زوال ~~القيود التي يحده بها العرف، ويتناولها التغيير والتبديل في كل ~~جيل. # ولم يمض على ظهور البدع الفنية - بدع الفوضى والإباحة - بضع سنوات بعد ~~الفترة بين الحربين حتى أمكن التمييز بينها وبين الفنون المعبرة ~~بوحي الإلهام والبداهة الصادقة. # فمن البدع الزائلة كل دعوة تنم عن المرض النفساني، كما تنم عليه ~~أعراضه وأماراته، ومن الفنون الصادقة كل فن يعبر عن المرض وهو غير ~~مريض، وينفس عنه وليس هو بضحية من ضحاياه، ولكل منها علاقة ~~بالدراسات النفسية غير علاقة الآخر بها، فإن البدع لا تستفيد من ~~الدراسات النفسية ولا تتعلم شيئا منها، ومثلها في علاقتها بحقائق ~~علم النفس مثل المريض في علاقته بالطب الذي لا يعرفه، وعلى خلاف ~~ذلك يكون الفن ms158 الصادق في علاقته بالدراسات النفسية، فإنه يستفيد من ~~العلم بها، ويصحح بها أخطاء الحس والرأي والشعور، ويعتمدها في نقد ~~أعمال الأقدمين وتوجيه أعمال المحدثين. ~~••• # منذ أواخر القرن الماضي بدأت مشاركة العلم في نقد تاريخ الفنون، ولا ~~سيما فنون: التصوير، والنحت، والمخطوطات الكتابية، فتمكن علماء ~~التاريخ والكيمياء من تحقيق أوقات التحف الفنية، وتصحيح نسبتها إلى ~~أصحابها وعهودها، إما بالمقابلة التاريخية بين الأساليب والتوقيعات ~~وأنواع الورق والمداد، أو بالفحص الكيمي عن التفاعل بين الأصباغ ~~والأنسجة، وبين عوارض الجو والتربة، وكانت لهذه المساهمة العلمية ~~قيمتها النفسية في التحقيق والتمحيص من الوجهة التاريخية التي ~~تنتهي عند تصحيح النسبة إلى هذا الفنان أو ذاك وتبيين الفرق بين ~~أساليب عصر وعصر، وأنماط مدرسة ومدرسة. ولكن النقد العلمي لم يتمكن ~~من المشاركة في التمييز بين الفن السليم، والفن السقيم، وبين أسباب ~~الدقة في الأداء، وأسباب الخطأ والانحراف فيه، إلا بعد التقدم ~~الحثيث في علم البصريات، وما يرتبط به من طب العيون والأعصاب، فإن ~~علماء البصريات وأطباء العيون قد أمكنهم أن يميزوا بين الخصائص ~~التي كانت تحسب في عداد المدارس والأساليب الفنية، وبين الخصائص ~~التي تنشأ من أمراض البصر ويضطر إليها الفنان لخلل في تركيب عينه ~~يحجب عنه بعض الألوان، أو يعرضه لطول البصر أو قصره، أو للزيغ عن ~~النظر المستقيم إلى ما يواجهه من أمامه، ففي هذه الحالات يبالغ ~~الفنان في توكيد لون من الألوان، وتخفيف ما عداه، وتتراءى صورة ~~أقرب إلى استطالة أو أقرب إلى الاستدارة، وفيها بعض الميل من جانب، ~~وبعض الإقحام من جانب آخر، على حسب الاختلاف بين تركيب عينيه، وبين ~~تركيب العيون عند صاحب النظر السليم، وكان النقاد الأسبقون ينظرون ~~في هذه الخصائص فيحسبونها من بدع الاختيار والابتكار، ومن فوارق ~~الأساليب المقصودة والمدارس التي يدور البحث فيها على تعدد الآراء ~~والأذواق، وما هي إلا نظرة فاحصة من عالم البصريات حتى ينجلي له أن ~~الأمر لا يرجع إلى اختلاف الآراء والمذاهب، ولا إلى الرغبة ~~والاختيار، وأن مرجعه كله إلى عيب في البصر يمثل الأشياء ms159 لصاحبه ~~على صورة غير سوية ويوقعه في ذلك الخطأ الذي لا حيلة له فيه، وقد ~~يظهر من المقابلة بين صور الفنان الواحد أن بعضها ينم على انبساط ~~الحدقة، وبعضها ينم على بصر سليم، فيتبين من النقد التاريخي أنه ~~يحاكي أسلوب غيره في الصور المثالية أو الصور المقدسة؛ لأن ذلك ~~الأسلوب قد أصبح في زمانه بمثابة الزي المصطلح عليه لتمثيل ~~«الشخوص» المحوطة بهالة من القداسة والرعاية المثالية، ولكنه يثوب ~~إلى بصره فيعتمد عليه فيما يرسمه من المناظر اليومية والشخوص التي ~~لا يحيطها بتلك الهالة من القداسة والتبجيل، وهذه وسيلة من وسائل ~~التمييز بين الأنماط والأساليب، وبين أسباب الاختيار فيها ~~والاضطرار لم تكن معروفة قبل ارتقاء علم البصريات وأدوات الفحص عن ~~وقع المسافات والمرئيات في النظر المنحرف والنظر السليم. # ويؤخذ من بحث لطبيب جراح من أطباء العيون أن نسبة الحسر في طلاب ~~التصوير أكبر من النسبة العامة بين غير المصورين: «ففي إحصاء ~~للتلاميذ والأساتذة في مدرسة الفنون الجميلة بباريس عند أوائل ~~القرن العشرين ظهر أن المصابين بالحسر أكثر من ستين من مائة ~~وثمانية وعشرين، وأن نسبة طول البصر في المدرسة كلها سبعة وعشرون ~~في المائة ، على حين أن نسبتهم في عموم الناس ثلاثة أمثال المصابين ~~بالانحسار.» # قال الطبيب: «ومما يدعو إلى الدهشة كثرة المصابين بالحسر بين أساتذة ~~المدرسة التأثرية أو الإحساسية # Impressionists # فمن المرجح أن مونيه # Monet # كان محسورا، ولكن الحسر ~~محقق عند سيزان # Cezanne # وديجاس # Degas # ومفهوم على ~~وجه يكاد أن يكون أكيدا عند رينوار # Renoir # الذي يحكي فولار # Vollard # أنه كان في الرابعة ~~والستين يقرب الأشياء من بصره ليثبت منها، وهي السن التي لا يستطيع ~~غير المحسورين أن يتثبتوا فيها من رؤية قريبة بغير نظارة محدبة. ~~وقد كان بيسارو Pissaro # محسورا ~~أيضا مع اضطراب في القرنية أصيب به في طفولته من أثر القروح، ~~وكذلك كان ديران # Derain # وبراك # Braque # وماتيس # Matisse # ودوفي # Dufy # ودع عنك ~~الآخرين ممن لا يبلغون مبلغ هؤلاء في الشهرة من أمثال ماتيجكو ~~البولوني # Matejko # الذي حفظت ms160 نظارته ~~في متحف كراكاو # Cracow ~~.» # 1 # مثل هذا النقد العلمي - وإن شئنا فلنسمه بالكشف الطبي - يرد أخطاء ~~الفنون إلى عللها الأصلية، ويلم شعث الأفكار المهدرة في مناقشات لا ~~طائل لها بين النقاد حول أمور يحسبونها مذاهب مقصودة وهي من ضرورات ~~النقص والخلل التي لا حيلة للفنان فيها، ومنهم من يستنبط من الهباء ~~فلسفة خاوية عن معنى تفضيل هذا اللون، وإهمال ذلك اللون في لوحات ~~بعض المصورين، وقد يبحثون أسرار التشبيهات في قصائد الشعراء على ~~هذه الوتيرة فيذهبون بها إلى ما وراء الطبيعة وينحلونها من المقاصد ~~والتأويلات ما لم يخطر لناظميها على بال، فإذا اشترك النقد العلمي ~~والنقد الفني في تعليل تلك التشبيهات فأول ما يجنى من ذلك أن تصان ~~أوقات الناس وأذواقهم من التخبط على غير جدوى في تيه من الأوهام ~~والأضاليل، إذ تنكشف علل الأخطاء الفنية والأدبية فيتقبلها من ~~وافقته على علاتها، أو يرفضها ويتنبه لأسباب رفضها فينظر في ~~مداواتها بما يصلحها ويشفيها. # والعلوم النفسية لم تتقرر بعد في تحقيق العلة والعلاج كما تقررت علوم ~~البصريات ومباحث الكيمياء والطبيعة، ولا نخالها ستبلغ في يوم من ~~الأيام هذا المبلغ من اليقين والوضوح، ولكنها - على ما هو عليه ~~الآن - كفيلة بالتمييز بين البدع السقيمة والمذاهب الجدية في مدارس ~~الفن والأدب، فكل ما انطلاق بغير قاعدة، واختلاط بغير بنية، وإساءة ~~للفهم في تفسير المبادئ العلمية - فهو من العلة والسقم - وكل ما ~~يقام على قاعدة مفهومة - ولو أقيم على قاعدة مهدومة من قبل - فهو ~~مذهب من مذاهب التحديد يضيف إلى ثروة الفن والأدب، ويصلح للبقاء ~~إلى حين. # وستغنم الإنسانية كثيرا من هذا الفيصل الصادق بين أعراض السقم في ~~الآداب والفنون، وما ينشأ فيها من المذاهب المطبوعة والمدارس ~~الجدية، فما من شيء أضر بالأذواق والعقول من أن تساق إليهم أعراض ~~المرض، كأنها فتح من فتوح التقدم يتهافتون عليه، ويروضون أذواقهم ~~وعقولهم على محاكاته، وشر ما يبتلى به مريض النفس والذوق أن يغتبط ~~بدائه ويتمادى في تمكينه، وهو - لولا ذلك - خليق أن يأسف له، ويبحث ms161 ~~عن دوائه، ونحن منذ اليوم نحس أن غواية البدع السقيمة تنهزم سنة ~~بعد سنة أمام حقائق العلم ودراسات الطبائع والأخلاق، فإذا انتهت ~~كشوف القرن العشرين في هذا الباب بالتمييز بين فوضى الفن وقواعده، ~~فأنعم به من ختام لا تنقضي حسناته ومزاياه. # الفصل الثاني عشر # | خاتمة في سطور # إذا أخذنا بالمقدمات التي رتبها الثقات في إحصاءاتهم وآرائهم - وهي ~~جديرة أن يؤخذ بها - فنحن أمام نتيجة منتظرة نلمحها من وراء السنين ~~عند نهاية القرن العشرين وبعد القرن العشرين، ولا نقول إننا أمام ~~أمل مشروع وحسب، فإن الأمر هنا إلى الحساب أقرب منه إلى ~~الرجاء. # وزبدة هذه النتيجة في سطور: إن موارد العالم كافية لسكانه، وإن ~~التكافؤ بين عدد السكان، ومقادير المؤن والأزواد مستطاع بفضل ~~التقدم في العلم والصناعة وأحوال الاجتماع، تعترضه عقبات قابلة ~~للتذليل إلا أن تكون عقبة الحرب العالمية التي يخشى أن تعاجل ~~العالم قبل استيفاء مطالبه من التقدم والكفاية، فلا يؤمن أن تطيح ~~بجميع ما وعاه من حضاراته الماضية، ومن حضاراته الصناعية القائمة ~~أو المرجوة، ولا عصمة للإنسان من تلك الحرب المحظورة إلا أنها - ~~كما يعلم - أخطر الأحوال التي يخشاها، وأنها الهول الذي لا يخشى ~~بعده هول، ولا يبقى بعده من يخشى. # فإذا انتفع بهذه العصمة فالعالم ماض في طريق الصلاح والأمان: تتعاون ~~أممه وأجناسه، ويبطل النزاع بين الطبقات في الأمة الواحدة، وتئول ~~«الشخصية الإنسانية» مع تعاون الأمم والطبقات إلى حياة منزهة من ~~سموم العداء وضغائن المنافسة، متفتحة لأشواق النفس الرفيعة ~~وأمثلتها العليا، فيمضي النوع الإنساني في جملته إلى غاية كماله، ~~ويبلغ الإنسان الفرد ما في وسعه أن يبلغه باجتهاده وتيسير بيئته، ~~مالكا لزمام فكره وعاطفته بنجوة من طغيان الجماعة عليه. # وإذا انتقلنا من هذه النتيجة المرتقبة إلى الأمل المشروع، فمن الأمل ~~المشروع أو من التفاؤل الحسن أن نؤمن بمصير الإنسانية إلى إيمان ~~بالحق يعززه العلم، ويلتقي فيه عالم المادة بعالم الغيب فلا ~~يتنازعان، ولا ينشطر بينهما الضمير الإنساني شطرين، يورثانه مرض ~~النفس، ويبتليانه في قرارة وجدانه بفصام دخيل، يخيل ms162 إليه أن ~~الإيمان، وهو نقيض الإيمان. # ونترخص في الأمل، دون أن نجاوز به آفاق الأمل المشروع، فنقول: إننا ~~خلقاء ألا نيأس من الأزمات التالية بعدما شهدناه من عواقب الأزمات ~~الماضية، وقد سمحت لنا حربان عالميتان أن نقول مرة: «إن الصراع ~~الأكبر الذي نشهده اليوم سينتهي أيضا إلى عاقبة فيها بعض ~~الاطمئنان أو كل الاطمئنان؛ لأنها تناقض القوة العمياء؛ قوة الحديد ~~والنار، وتشايع القوة البصيرة، قوة العدل والحرية.» # وسمحت لنا أن نقول قبل ذلك: «أينما وجدت نفس تحسن أن تدرك فثم حقائق ~~تدركها، ولن تظمأ حاجة من حاجات النفس ومواردها - من تلك الحقائق - ~~باقية، اللهم إلا تلك الحاجة المحكوم عليها بالظمأ الأبدي، والتي ~~تموت إن رويت: وهي الحاجة إلى الكمال، وبها تتم الحاجات جميعا ومن ~~قبلها يجذبنا زمام الغيب القدير، وهذه ينابيع الإنسان التي يعول ~~عليها، كلما أضاع أملا أخرجت له أملا جديدا، وكأنها خزانة الجدة ~~العجوز تتربص بالأبناء المسرفين حتى يقنطوا ويضيقوا ذرعا، فتفرج ~~أزماتهم، وتسري عنهم وتزودهم بالنصائح الموفقة لهم، وهذه الجدة ~~العجوز لا تبض لك بأمل وعندك أمل خلافه، ولا تفتح لك بابها وأمامك ~~باب سواه، وتقنعك كل مرة بأنك تحرز الأمل الأخير، فلا تكاد تصدقها ~~حتى يتبين لك أنها خزانة لا تنفد، وكنز ذو أوان، يفتأ يتجدد ولا يتبدد.» # 1 # ولقد كان إنسان الأمس كفئا لأزماته، ولا يئوده الغد أن يلقى عظائمه ~~بما هو أعظم منها، أفقا بعد أفق، وقمة فوق قمة، ومصيرا وراء ~~مصير. # عباس محمود العقاد ms163