######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.RijalCaraftuhum.Hindawi95950851 #META# Tags: biographies #META# ID: 95950851 #META# Title: رجال عرفتهم #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # علي يوسف‏ # مصطفى كامل‏ # محمد فريد‏ # مصطفى لطفي المنفلوطي‏ # محمد المويلحي‏ # وراء التراجم والسير‏ # الدكتور يعقوب صروف‏ # جميل صدقي الزهاوي‏ # محمد فريد وجدي‏ # الشيخ رشيد رضا‏ # عبد العزيز جاويش‏ # إبراهيم الهلباوي‏ # جرجي زيدان‏ # فرح أنطون‏ # رجال حول «مي»‏ # أحمد لطفي السيد‏ # ميرزا محمد مهدي خان‏ # فؤاد «الصاعقة»‏ # تقديم‏ # علي يوسف‏ # مصطفى كامل‏ # محمد فريد‏ # مصطفى لطفي المنفلوطي‏ # محمد المويلحي‏ # وراء التراجم والسير‏ # الدكتور يعقوب صروف‏ # جميل صدقي الزهاوي‏ # محمد فريد وجدي‏ # الشيخ رشيد رضا‏ # عبد العزيز جاويش‏ # إبراهيم الهلباوي‏ # جرجي زيدان‏ # فرح أنطون‏ # رجال حول «مي»‏ # أحمد لطفي السيد‏ # ميرزا محمد مهدي خان‏ # فؤاد «الصاعقة»‏ # | رجال عرفتهم # | رجال عرفتهم # تأليف # عباس محمود العقاد # | تقديم # في الصفحات التالية تعليقات متفرقة على سير طائفة من الأعلام الذين كنا نسميهم بالشيوخ ~~أو الأقطاب، حين بدأت حياتي الصحفية قبل الحرب العالمية الأولى بسنوات، ومنهم من لم يكن من ~~الشيوخ والأقطاب في تلك الفترة، ولكنهم لحقوا بهم في الطريق وعرفناهم كما عرفنا الأولين، ~~ووصفنا معرفتنا بهم كما وصفنا معرفتنا بأولئك الشيوخ والأقطاب، من زاوية خاصة تتيح لنا أن ~~نقول عنهم ما ليس في التاريخ العام الذي يقال في كل تعليق أو تقدير. # وأكثر هؤلاء الأعلام من الصحفيين أو الذين كانت لهم مشاركة موجهة في الكتابة الصحفية، ~~ونسمي كتابتنا عنهم بالتعليقات ولا نسميها بالسير أو التراجم أو التحليلات؛ لأننا لم نكتبها ~~لنستقصي الحوادث أو نحلل «الشخصيات» من وجهتها العامة، ولكننا كتبناها لنبدي لهم رسوما ~~قريبة من الزاوية التي اتفقت لنا معرفتهم فيها، وتوخينا في هذه الرسوم أن تكون كصور السياحة ~~التي يلتقطها صاحب الصورة الشمسية لبعض المناظر أو بعض الشخوص حيثما مرت به في رحلاته، ~~فليست هي أطلسا جغرافيا للمواقع والبلدان، وليست هي شرحا تاريخيا للشخوص والأعلام، ~~ولكنها بمثابة المذكرات المدونة في الطريق لتسجيل المعالم الخاصة من زاويتها العارضة، وإن ~~لم تخرج بهذا التخصيص عن مجال التعميم. # وقد اتفق التقاء هذه الزملة المختارة في مجموعة واحدة كما يتفق التقاء الصور المتفرقة في ~~جعبة واحدة من ms001 هذه الرحلة أو تلك، بغير مفاضلة مقصودة بين الذين ذكرناهم والذين لم نذكرهم ~~ممن نعرفهم كمعرفتنا بهؤلاء الأعلام والأقطاب، وربما جمعت المناسبة بين طائفة أخرى كهذه ~~الطائفة في مكانتها وحق الكتابة عنها، فلا تحسبها مسألة تقديم وتأخير ولا مسألة موازنة ~~وترجيح، وإنما رحلة أخرى من رحلات الحياة الصحفية أو الأدبية أو السياسية، ولا مفاضلة بين ~~معالم الرحلات فيما يعرض لها من أسباب التقديم والتأخير. # وحسبنا عند أصدقائنا القراء أن تكون هذه المجموعة «حفلة استقبال» اجتماعية، نعرفهم فيها ~~بأقطابها كما عرفناهم على سنة التحية في مجالس الأصدقاء، وذلك خير ما نبغيه. # عباس محمود العقاد # | علي يوسف # 1 # تجري المقارنة أحيانا بين الكاتب الصحفي الذي كان يكتب في صحافتنا العربية قبل سبعين ~~أو ثمانين سنة، وبين كاتبنا الصحفي الذي يكتب الآن في صحافتنا، بعد أن بلغت مع الصحافة ~~العالمية آخر أطوارها من وسائل الطباعة والتحرير إلى وسائل الإدارة والتوزيع. # وقد نوجز هذه الفوارق التي يمكن أن تتعدد إلى غير نهاية فنقول: إن الفارق هنا هو ~~الفارق بين «روبنسون كروزو» في جزيرته، وبين رحالة من سياح اليوم ترتسم له طريقه من رقم ~~الكرسي في الطيارة إلى رقم الحجرة في الفندق، إلى أسماء الخطوط الجوية والبحرية في كل ~~مدينة وكل فندق، وكل يوم من أيام الرحلة، منذ «قطع التذكرة» إلى تسليم البطاقة عند باب ~~المطار الأخير، مع سلامة الإياب. # وفارق آخر ربما أوجز لنا تلك الفوارق على نحو آخر من المشابهة: وهو الفارق بين طبيب ~~القرن التاسع عشر وطبيب القرن العشرين. # إن طبيب القرن العشرين يعرف عمله المطلوب من خلال عشرين كشفا وتحليلا وأداة طبية أو ~~كيماوية بين يديه، ويستوحي وصفه للدواء من تحليل الدم وتحليل المواد الجسدية على ~~اختلافها، ومن كشف الأشعة ورسامة القلب وشهادات للأحوال الخاصة والعامة يرجع إليها في ~~سجلاتها إذا شاء. # ولم تكن لطبيب القرن التاسع عشر وسيلة من هذه الوسائل الميسورة اليوم في أكثر ~~العيادات، فربما أعوزته السماعة فلم يعتمد في جس النبض على وسيلة غير الإصغاء بأذنيه، ~~وهو ms002 بعد ذلك يعالج العلل جميعا فلا يتخصص لعلة واحدة يستعد منذ عهد المدرسة «لتشخيصها» ~~وتدبير علاجها. # وكتابنا الصحفيون من أعلام القرن التاسع عشر كثيرون. # ولكننا إذا نادينا أسماءهم من الذاكرة، لم يكن منهم من هو أسرع تلبية للنداء العاجل ~~من اسم «علي يوسف» صاحب «المؤيد» أخيرا، وصاحب «الآداب» قبل ذلك. # إن «علي يوسف» كان يصنع «صناعته» الصحفية ليتعلمها الناس منه، ولم يكن يتعلم تلك ~~الصناعة على أساتذتها في الشرق والغرب، ولا على أدواتها التي تمليها عليه. # لم يكن يعرف لغة للصحافة غير العربية، ولم يكن يعرف من العربية غير ما اعتمد في ~~معرفته على نفسه، بل غير ما اعتمد على نفسه قبل ذلك في اختيار أستاذه الذي يراجعها ~~عليه. # وكان يسمع، ولا شك، بالصحافة الأوروبية ويعرف منها بالسماع أكبرها وأشهرها، ولكنه لم ~~يعرف من صحافة الغرب صحيفة واحدة ينهج على منهجها، ولم يكن من غايته ولا طاقته أن يعرف ~~«التيمس» أو «الطان» ليحكي هذه أو تلك في طبعها وتحريرها، ولكنه - هو وأقرانه من كتاب ~~عصره - كانوا يبتدئون في الصحافة طريقا أخرى غير تلك الطريق التي تقدمتهم فيها الصحف ~~الأوروبية: طريقا يستطيعونها وتستدعيهم إليها، وقد تكون الطريق لكل صحفي منهم غير ~~الطرق الأخرى التي يستقيم عليها سائر زملائه. # كان «علي يوسف» يرتجل صناعته الصحفية في كل شيء: في التقاط الأخبار، وفي جمع الآراء، ~~وفي تحرير المقالات، وفي سياسة الجمهور وسياسة ولاة الأمور. # وظهر من قضية «التلغرافات» التي سيق من أجلها إلى القضاء أنه كان يستطلع أخبار الحملة ~~على السودان قبل وصولها إلى ديوان الوزارة؛ لأنه كان على صلة بموظف المكتب الذي ~~يتلقاها، ولم يكن أحد يعرف «الواسطة» التي تحمل النبأ من مكتب البرق إلى مكتب ~~التحرير. # وكانت تعبئة الآراء قبل هذا الجيل لازمة وعسيرة في وقت واحد، بل كانت إدارتها كلها ~~مجهولة، يخترعها كل صاحب صحيفة على سنته في اختراع هذه الأدوات المرتجلة. # أما «علي يوسف» فقد كادت وسيلته لتعبئة الآراء أن تكون شخصية بينه وبين نفسه وصحبه، ~~ومن يرجع إليهم ms003 في حياته الخاصة أو يرجعون إليه. # فلما اتهم اللورد كرومر هذه الأمة بالتعصب الديني وعداوة الجانب، جمع الشيخ «علي ~~يوسف» نماذج الآراء التي تدفع هذه التهمة عن كل صاحب صفة ترشحه لإبداء الرأي فيها. # فقال الخواجة ميماراكي اليوناني: «أشهد أنني ما شعرت قط في معاملاتي مع المصريين ~~بأنني أعامل أناسا يخالفونني في العقيدة.» # وقال الفرنسي وكيل مصرف الكريدي ليونيه الفرنسي: «إننا لا نشعر بهذا التعصب الذي ~~اتهمت به الأمة المصرية، اللهم إلا إذا كان التعصب موجودا في غير الدائرة التي إليها ~~معاملاتنا.» # وقال شكور باشا الإداري اللبناني: «إنني أفضل أن أمشي وحدي ليلا في جهات السيدة زينب ~~والنحاسين، على أن أمشي وحدي ليلا في جهات مونمارتر بضواحي باريس.» # وقال إسكندر عمون المحامي: «إن المصري أكثر إكراما للغريب من سائر الشعوب.» # وقال باسيلي تادرس باشا: «لا صحة لما يقال من وجود التعصب الديني أو الجنسي في ~~مصر.» # وحين سأل الشيخ كلا من السيد عمر مكرم والشيخ محمد بخيت من رجال الدين الإسلامي لم ~~ينس أن يسأل رجلا ينكر الأديان جميعا، وهو الدكتور شبلي شميل الذي قال: «إن التعصب ~~غير موجود في مصر على الإطلاق.» # أما المقالة فعي الصحفة المختارة على مائدة الشيخ علي يوسف بغير جدال. # وقد تكتب المقالة في موضوعها بأسلوب أجمل من أسلوبها، وعلى نمط من اللفظ والمعنى أبلغ ~~من نمطها في لفظها ومعناها، ولكن مقالة «علي يوسف» هي مقالة علي يوسف التي لا يكتبها ~~غيره، ولا يؤدي الغاية منها أحد كما يؤديها بقلمه ورأيه؛ فهي من الكلم المفصل على حسب ~~قياسه جملة جملة وسطرا سطرا من فاتحتها إلى ختامها، وليست من الكلم «المجهز» على ~~قياسه ولو على وجه التقريب الذي يحكمها إحكام التفصيل. # وإذا أردنا أن نجمع لهذه «الشخصية» النادرة مفتاحها في كلمة واحدة، فهي كلمة ~~«العصامية»؛ حيث تصل العصامية أحيانا إلى حدود المغامرة. # لقد كان ل «علي يوسف ومصطفى كامل» طريقتان مختلفتان - بل مختلفتان جدا - في الكتابة ~~الصحفية، وفي الخطة السياسية، وفي الدعوة الوطنية. # ولقد فرق النقاد ms004 بين الطريقتين، فكان الفرق بينهما عند أناس أن طريقة مصطفى كامل هي ~~طريقة التطرف والحماسة، وأن طريقة علي يوسف هي طريقة المحافظة والاعتدال، وكان الفرق ~~بينهما عند أناس آخرين هو الفرق بين التعليم الحديث والتعليم القديم، أو هو الفرق بين ~~الشباب والكهولة، أو الفرق بين السياسة القومية وسياسة القصر والحاشية الخديوية، أو ~~الفرق بين الخطيب المنطلق والكاتب الحصيف. # لكن الواقع أن الفرق الوحيد الذي يحتوي جميع هذه الفروق هو «شعور العصامية» في نفس ~~الرجل الذي كان مثله الأعلى في الحياة أن يصل باجتهاده وحيلته إلى مكانة السيد الموقر، ~~ليرعى له السادة الوارثون للسيادة كرامة الرأي وكرامة «الخاطر»، كما نقول في عرفنا ~~المأثور. # وكان من حق العصامية الناجحة عند علي يوسف أن يتكلم مع ذوي «الاعتبار» كما يتكلم ذوو ~~الاعتبار، ولا يخف به القلم خفة الحديث المتعجل أو الحديث المستثار. # وإذا قال، كما كان يقول كثيرا، إنه لا يرضى السياسة على مذهب الرعاع، فليست كلمة ~~الرعاع هنا مقابلة عنده لكلمة النبلاء أو «الأرستقراطيين»، وليس إنكاره ل «مصطفى كامل» ~~إنكارا لإنسان دونه في المقام والمكانة الاجتماعية؛ لأن «مصطفى كامل» كان له نصيبه من ~~الألقاب التي خلعت على الشيخ علي يوسف، وإن لم تغلب عليه. # وإنما كانت المقابلة عنده مقابلة بين خفة النزق والعجلة ورصانة «العقلاء» من ذوي ~~الرأي والحنكة في كل طبقة؛ ولهذا كان يكثر من تلقيب مصطفى كامل ب «الطائش»، ويكثر من ~~وصف سياسته بالطيش، ويجذبه عرق الدراسة العتيقة فيقول معتذرا من تكرار كلمة الطائش ~~إنها تطابق اسم مصطفى كامل في حساب التنجيم؛ لأن مجموع الحروف بحساب الجمل في كلمة طائش ~~وكلمتي مصطفى كامل واحد وهو (319). # وهذه القيمة - قيمة العصامي الذي بلغ في المكانة الاجتماعية مبلغ ذوي الرأي - هي هي ~~التي جعلت لكتابته السياسية صبغة كصبغة اللغة الدبلوماسية بين وزراء الخارجية والسفراء، ~~وهي هي التي جعلته يعتزل الصحافة بعد أن أسندت إليه وظيفة «سيد السادات» أو شيخ الطريقة ~~الصوفية. # وقد كان يكتب عن خصوم القصر الخديوي جميعا، فيبيح لقلمه من المغامز ms005 في الكتابة عنهم ~~ما يرضي القصر ويستجيب لأمره وإيعازه، ولكنه كان يأبى كل الإباء أن يحمل على رجل ممن ~~أحسنوا إليه في نشأته الأولى، كمحمد عبده، وحسن عاصم، وسعد زغلول؛ لأن هذه المحافظة على ~~سمت الرجل الكريم تدفع عنه سبة النعمة المحدثة والمقام المدخول. # فإذا جاء بين تضاعيف الأخبار في صحيفة «المؤيد» شيء يمس هؤلاء مرضاة للحاشية ~~الخديوية، فإنما كان يترك كتابته لغيره أو يفرغه في القالب الذي يوافق مظهر الكرامة ~~وينفي عنه شبهات العتب والملام. # غير أن المحافظة على المظهر شيء، ومطاوعة الحيلة والدهاء من وراء الستار شيء آخر؛ ففي ~~الوقت الذي كان فيه التشهير الصريح باسم محمد عبده محرما على أقلام المؤيد، كان وكيل ~~المؤيد بالآستانة يتطوع لمصاحبة الشيخ المفتي الغريب عن المدينة، فيقحمه من مواطن ~~الفرجة ما يتحاماه أمثاله، ويتواطأ بذلك مع رؤساء الشرطة ليفجئوا الشيخ والوكيل بين ~~مواطن الريبة، ثم ينتهي الأمر إلى «وصمة» شائنة تصيب الشيخ في دار الخلافة الإسلامية، ~~فلا يشق على الخديو بعد ذلك أن يعزله من مناصبه الدينية برخصة من مقام الخليفة الأعظم، ~~ويتراجع أمامها مجلس الوزارة في مصر، فلا يعتبر عزل المفتي في هذه الحالة إخلالا بنظام ~~العزل والتوظيف. ~~••• # وقد عمت الصبغة الدبلوماسية كل منحى من مناحي تفكيره وعمله في السياسة، وفي علاقاته ~~بالسياسيين الوطنيين وغير الوطنيين، وظهرت في كل تصرف من تصرفاته العامة حتى في صياغة ~~المبادئ الوطنية التي قررها لحزبه أساسا للمطالبة بحقوق الأمة ونظام الحكومة، فقد أوشك ~~أن يجعل هذه المبادئ توريطا دبلوماسيا من كلام المحتلين أنفسهم؛ ليسكتهم ولا يفتح ~~لهم بابا للاحتجاج على ولي الأمر أو اتهامه بتحريض الصحف والأحزاب عليهم؛ إذ كان ~~انتساب الشيخ علي يوسف إلى القصر الخديوي أمرا مفروغا منه، مفهوما بالتواتر بين ~~دوائر السياسة الشعبية والرسمية في القاهرة وعواصم الدول ذات الامتيازات في هذه البلاد، ~~وكان وكلاء «المؤيد» يزورون الدواوين - خارج القطر - كأنهم ملحقون بسفارات القصر، قبل ~~أن توجد له سفارات. # فالمحتلون كانوا يسمون أنفسهم بالمصلحين، ويقولون إن إصلاح الأداة الحكومية غرض من ms006 ~~أغراضهم الأولى التي ينجزونها قبل مغادرة البلاد. # والشيخ علي يوسف يسمي حزبه بحزب الإصلاح، فأي اعتراض للدولة البريطانية عليه أو على ~~الخديو إذا أقام قواعد حزبه على المطالبة بالإصلاح؟! # والمحتلون كانوا يقولون إنهم يدربون المصريين على حكم أنفسهم ويحولون بين الأمير ~~والاستئثار بالسلطة في مسائل الإدارة والمال على الخصوص. # والشيخ علي يوسف يقيد الإصلاح بأنه «إصلاح على المبادئ الدستورية»، ولا يذكر الدستور ~~على إطلاقه لأنه قد يزعج الدولة العثمانية صاحبة السيادة التي لم تكن في بلادها حكومة ~~نيابية، وقد يزعج الإنجليز أصحاب السلطان الفعلي كما يزعج الخديو صاحب السلطة ~~الشرعية. # ولما ذكر «الاستقلال» ذكره مشروطا بالمعاهدات التي ارتبطت بها بريطانيا العظمى، وقال ~~إن تحقيقه تنفيذ لوعود هذه الدولة بالجلاء، وقد زادت هذه الوعود على السبعين. # وكل مقالة من مقالات «المؤيد» في السياسة العامة فهي على هذا النمط، مذكرة رسمية لا ~~يأبى السفير أن يوقعها باسمه واسم ولي أمره ورئيس حكومته، فإذا جاوزت هذا الحد إلى شيء ~~من الشدة في التعبير، فغاية خطبها أن تكون بمثابة المقال «الموعز به» إلى لسان حال رسمي ~~من ألسنة الحكومات التي تسمى أحيانا ب «الصحف الشبيهة بالرسمية». # وقد اشتد الشيخ علي يوسف غاية شدته في الحملة على لورد كرومر بعد اعتزاله، أو عزله من ~~منصب المعتمد البريطاني في القاهرة، وكان الشيخ علي حريصا على ترويج الظن الذي شاع في ~~البلد عن نجاح الخديو في مساعيه عند بلاط سان جيمس لعزل كرومر وتعيين رجل من أصدقائه في ~~مكانه، ولكنه كان على حذر شديد من إعلان هذه الدعوى؛ مخافة أن يغضب الدولة البريطانية ~~ويضطرها إلى الأخذ بناصر عميدها المخذول؛ صيانة له من مهانة الشماتة، وصيانة لها من ~~الاعتراف أمام الناس بخذلانها لرجالها وخدام سياستها. # فإذا بالشيخ علي يوسف يخلص من هذا المأزق على أحسن حال من الكياسة والإنصاف، فيتهم ~~كرومر نفسه بأنه فضح حقيقة الموقف بثورته المحنقة في خطاب الوداع، ويسأل: لماذا كل هذا ~~الحنق والرجل لم يفارق قصر الدوبارة على الرغم منه كما يقال؟ # وإذا بالشيخ ms007 يعترف للعميد المعزول بكل مأثرة من مآثره المدعاة، فلا ينكر عليه حسنة ~~واحدة يعتبر إنكارها على دولته كلها من ورائه. # ثم يعمد الشيخ اللبق إلى الخطبة الكرومرية نفسها، فلا يضيف إليها حرفا من عنده، بل ~~يأخذها بنصوصها للإيقاع بينه وبين المحتفلين بوداعه وبين المتشيعين لسياسته والمسخرين ~~أو المتبرعين بالشهادة لحكمه وحكم أعوانه ومستشاريه. # كان الأمير حسين كامل على رأس المدعوين للاشتراك في حفلة التوديع، فلم يكن تعليق ~~الشيخ علي يوسف نقدا للأمير - عم الخديو - بل كان إبرازا واضحا لإساءة كرومر إليه، ~~مرة بالإنحاء على أبيه إسماعيل ومرة بالسكوت عن الإشارة إليه كأنه من سقط المتاع، وهو ~~حاضر أمام عينيه: «هذا الأمير الجليل الذي والى جناب اللورد بالصداقة زمنا طويلا وخصه ~~باحترامه دائما، وكان له في عهده أعظم أثر في خدمة البلاد معه خدمة حقيقية بأخذه ~~الجمعية الزراعية الخديوية؛ لم ير اللورد أنه خليق بكلمة ثناء يوجهها إليه في جنب ما ~~وجه من عبارات الثناء من الأحياء والأموات.» # ولم يتحدث الشيخ علي عن أحد من المحتفلين باللورد كأنه خصم يحاربه وكأنه صديق اللورد ~~وموضع حظوته، بل كان حديثه عنهم جميعا كأنهم ضحاياه وضحايا سياسته وسوء خلقه في حاضره ~~وماضيه. # قال كرومر عن رياض باشا إنه علق الجرس في عنق الهر، فكان ثناء علي يوسف على رياض باشا ~~أكبر من ثناء اللورد عليه، ولكنه استدرك قائلا إن اللورد: «لم يقل إن رياض باشا لما ~~أراد في زمنه هو أن يعلق الجرس في عنق الهر قطعت يده وحلف اللورد ألا يعود إلى خدمة ~~الحكومة ما دام هو في البلاد، وزاده عقوبة فرفت ابنه من وكالة الداخلية في اليوم التالي ~~من استقالة أبيه، فكان المستبد إسماعيل أخف وطأة على رياض باشا من المستبد ~~كرومر.» # وأثنى كرومر على بطرس غالي باشا ومدحه بسعة الحيلة في حل المشكلات فقال الشيخ علي: ~~«نعم، ولكنها المشكلات التي كان يخلقها اللورد بينه وبين الجناب العالي، وبينه وبين ~~قناصل الدول من جهة أخرى.» # وتساءل الشيخ علي: «لماذا أعرض اللورد عن ms008 ذكر بقية الوزراء كأنهم ليسوا نظارا في ~~الحكومة وليس لهم عمل مطلقا فيها؟» # وقد أشاد كرومر بالوفاق الإنجليزي الفرنسي الذي تم على يديه، فسرد له «الشيخ علي» ~~سلسلة من الإساءات إلى الثقافة الفرنسية والخبراء الفرنسيين، وأنه يفعل ذلك «ليس حبا ~~في مصلحة مصر، ولكن ليحل محل كل قدم فرنساوية قدما إنجليزية». # ولم يكن كرومر ليعدل عن هذه الخطة مرة إلا إذا جاءه الأمر من رؤسائه في العاصمة ~~البريطانية. # والحق أن براعة علي يوسف في التعقيب على أقوال كرومر كانت هي البراعة «الموصوفة» للرد ~~على كل كلمة فيها بما يناسبها ويقلبها على صاحبها عند أنصاره قبل خصومه والشامتين به ~~وبعهده، وقد قلنا - فيما تقدم: إن مقالة علي يوسف هي مقالة علي يوسف التي لا يكتبها ~~غيره، وإن كتب ما هو أجمل منها وما هو أبلغ منها وأوفى. # فهذه المقالات في توديع كرومر هي بعض الشواهد على هذه «الخصوصية اليوسفية»؛ إذ لم ~~يكتب أحد من مودعي كرومر نظيرا لها بهذا الأسلوب «الدبلوماسي العصامي» الفريد، وإن ~~كتبوا على أساليبهم ما هو جدير بالإعجاب من ناحيته في عبارته وفحواه. # ولم يستغرق هذا الأسلوب الدبلوماسي قلم الشيخ الألمعي في كل ما كتب من مقال أو خبر، ~~فقد كان للكاتب «الإنسان» قلمه الذي يجري على هذه الطبقة من الفصاحة وحسن الأداء، ويجري ~~كذلك مع العاطفة التي كان يأبى لها أن تقوده في مواقف السياسة والمطالب العامة، ولكنها ~~العاطفة في نفس «العصامي» الذاكر لعصاميته، كيفما تقلبت به الحال بين الرضا والغضب، أو ~~بين الفرح والأسى. # وله في رثاء ولده الوحيد عمر كلمات كتبها يوم نعيه ويوم تشييعه، لم يحتفل لها بعدة من ~~عدد البلاغة غير الشجن والتجلد والتسليم للواقع الذي بطلت فيه حيلة الألسنة والأقلام ~~كما بطلت فيه حيلة العقول والقلوب. # نعاه قلمه فقال: # فقد صاحب هذه الجريدة الساعة السادسة بعد ظهر أمس ولده الوحيد - عمر يوسف ~~- في الحادية عشرة من عمره، بعد مرض قليل الأيام كثير الآلام. فإلى الله مآبك ~~يا عمر، وإلى الله مآبك أيها ms009 الزهر الذي قطفه الموت في أزكى شذاه. # إلى الله مآبك أيها الكبد الذي يمشي على الأرض، ثم هوى إلى حفرة أبدية ~~يسمونها القبر، ولو استطعنا لكان في القلب، بل هناك قلبان أولى بهما أن يكونا ~~قبره: قلب والده الحزين وقلب أمه الثكلى. # وعاد من تشييع جنازته فكتب الخبر بقلمه وهو يمحو سطوره بدموعه، وقال بعد كلمات: # خرجنا به من الدار التي ولد فيها، فألفها منذ كان طفلا يحبو إلى أن صار فتى ~~يمشي بها مشية الخيلاء؛ من الدار التي كان يضيق فناؤها - على سعته - به، فيذهب ~~إلى الشارع وإلى المتنزهات تحيط به الخدم أو يصيبه أذى، إلى ذلك اللحد الضيق ~~الذي لا يستطيع أن يعيش فيه إنسان ساعة من الزمان، ولكنه - مع ما به من وحشة ~~ووحدة - أوسع المنازل بعد الموت وآنسها لمن يلقى الله طاهرا مثل عمر. # خرجنا به، لا كما يخرج في عربته إلى المدرسة يصحبه خادمه، بل محمولا على ~~الأعناق مودعا بجماهير المشيعين، في سرير كما تزف العروس مغشى بالحرير الأبيض ~~مجللا بالزهور، ولكنه كان زفافا محزنا يعلوه جلال الموت خطيبا يصيح: الصبر ~~أجمل. والناس يصيحون، سار مشيعوه جميعا مطرقي الرءوس كأن عليها الطير وتخاف أن ~~يطير؛ إلا رأسين كانا يتلفتان إلى النعش بنظرات الملهوف: رأس والده الحزين في ~~مقدمة الجنازة، ورأس والدته الثكلى في مؤخرتها، فيهما أربع أعين هامية، ودونهما ~~قلبان مستعران ومهجتان زافرتان. # ويشاء القدر لهذه العصامية التي لم تفارقه في تشييع فلذة كبده، وأعز أهله عليه، أن ~~تلازمه إلى أخريات حياته، وأن تسلبه كثيرا كما وهبت له كثيرا، فقد صحبتها دفعة الثقة ~~بالنفس في مغامراتها، فغامر في طلب الحب كما غامر في طلب الكسب، فلم تكتب له السعادة في ~~هذا ولا ذاك؛ لأنه شقي بالحياة الزوجية التي حسبها غاية الأمل نعمة وشرفا. # وشقي بالمال الذي اقتناه فضاع كله بين عثرات الجد وعثرات الطموح والإقدام. # 2 # من المصادفات التي عرضت لي في حياتي الصحفية، أنني جلست على مكتب علي يوسف أياما في ~~أثناء نيابتي عن ms010 الأستاذ أحمد حافظ عوض، الذي كان يتولى رئاسة «المؤيد» في تلك الأيام. ~~وقد دعي الأستاذ أحمد حافظ عوض لمصاحبة الخديو في رحلته التي طاف فيها بأقاليم الوجه ~~البحري على سبيل المظاهرة أمام الإنجليز؛ لأنه أحس أنهم يفكرون في خلعه وتعديل نظام ~~الخديوية وولاية العهد في الأسرة العلوية، وقد كانت سفرته الأخيرة من مصر بعد الطواف ~~بالأقاليم، وزيارة الوجهاء والنواب في مساكنهم، واستقبال الشعب في المنازل والطرقات، ~~والتهويل على الدولة المحتلة بمظاهر الولاء التي أراد أن تحف به قبل رحيله من الديار، ~~ولكنه خلع فعلا بعد سفره بثلاثة أشهر، واحتج الإنجليز لخلعه بانضمامه في العاصمة ~~التركية إلى دول أوروبة الوسطى، متابعة للدولة العثمانية. # وقد عهد إلي الأستاذ أحمد حافظ عوض أن أتلقى رسائله ورسائل وكلاء الصحيفة أثناء تلك ~~الرحلة، وأفهمني أنه يعد العدة لتأليف كتاب عنها يقدمه إلى الخديو بعد عودته إلى ~~الديار. # وتقدرون فتضحك الأقدار! # فلا الخديو عاد إلى الديار، ولا عاد إليها كتشنر الذي رسم الخطة قبل سفره من مصر ~~لتغيير نظام الحكم كله في هذه البلاد، ولا الكتاب «المنتظر» كتب فيه حرف واحد؛ لأنني ~~رفضت العمل فيه، واستقلت من تحرير «المؤيد» أثناء اشتغال الأستاذ حافظ بجمع الصور ~~والتواريخ لتأليفه وتنسيقه. # ومن المصادفات أن يتفق لي الجلوس على ذلك الكرسي، وأن أكتب على ذلك المكتب، الذي لم ~~أكد أفرغ من حملاتي على صاحبه وعلى سياسته أثناء حياته وبعد مماته، ولا أذكر أنني لقيت ~~فيه صاحبه غير مرة واحدة، كانت هي المرة الوحيدة التي حييته فيها لكلام كتبه في السياسة ~~الوطنية. # وكان كثير من الشبان المصريين قد تفرقوا بين الأحزاب السياسية في الفترة التي سبقت ~~الحرب العالمية الأولى، فمال معظمهم إلى جانب الحزب الوطني؛ لاقتراب السن والتعليم بين ~~مصطفى كامل «الحقوقي» وطلاب مدرسة الحقوق، الذين كانوا أكثر الطلاب اشتغالا بالسياسة، ~~ومالت طائفة منهم إلى حزب الأمة وهم في الغالب أبناء الأسر الذين تألف الحزب من آبائهم ~~وذويهم، ولم يجنح أحد من الشبان إلى حزب الشيخ علي يوسف وهو حزب الإصلاح ms011 على المبادئ ~~الدستورية؛ لأن خطة الحزب كانت إلى «الدبلوماسية» أقرب منها إلى السياسة أو إلى الدعوة ~~الوطنية، وكان «المؤيد» يتبع في كتابته أسلوب الصحيفة التي تعتبر لسانا شبيها بالرسمي ~~للقصر والحاشية الخديوية، وليس هذا الأسلوب بالذي يروق الشاب أو يوافق حماسته الفتية، ~~ولم يكن الإعراض عن «المؤيد» من جانب واحد؛ لأنه إعراض متبادل من الطرفين، وكان علي ~~يوسف يأبى على الطلاب أن يشتغلوا بغير الدراسة في سنوات التعليم، وكان مذهبه أن ينتظر ~~رجال الغد إلى أن يأتيهم غدهم الذي هم رجاله، أما قبل ذلك فكل ما كان يرتضيه الشيخ منهم ~~أن يدينوا بشرعة الولاء لأمير البلاد. # وكنت من فريق الشبان القلائل الذين نفروا من الأحزاب منذ اللحظة الأولى، فلم يكن لي ~~حزب أتعصب له وأنتمي إليه، ولم تكن لي صحيفة أتشيع لسياستها ومنهجها في كتابتها، ولكنني ~~كنت أفضل «الجريدة» في جانب الثقافة، وأفضل «اللواء» في شدته على الاحتلال والوزارة، ~~وأقرأ «المؤيد» لمقالاته الشرقية والإسلامية، وأعتقد أن الخطة المثلى هي خطة «مصر ~~للمصريين» تمييزا لها من خطة المحافظة على السيادة العثمانية، وكان بعضهم يترخص في ~~تسمية هذه الخطة وأصحابها باسم «حزب المفتي»؛ لأن الأستاذ الإمام محمد عبده - رحمه الله ~~- كان أشهر المعروفين بذلك الرأي في تلك الفترة، ومعه في ذلك سعد زغلول وأحمد لطفي ~~السيد. # على أنني - في المعارك القلمية - كنت أجد نفسي إلى جانب مصطفى كامل كلما نشبت الخصومة ~~الحامية بينه وبين علي يوسف، وكنت أكتب إلى اللواء منتصرا له كلما دخلت المعركة في دور ~~من أدوار المساجلة الأدبية، ومن ذاك أن الشيخ علي يوسف كان يكثر من تلقيب مصطفى كامل ~~بالطائش، ويتخذ لهذا اللقب شفيعا من حساب الجمل بموافقة مجموع الحروف في كلمة طائش ~~واسم مصطفى كامل بذلك الحساب! وكنت يومئذ أدرس حساب الحروف والطوالع فيما كنت أحاوله من ~~فضول الاستطلاع، فلفقت لعلي يوسف لقبا مساويا لاسمه بذلك الحساب، وهو لقب «نوري» بفتح ~~النون أو ضمها على السواء، ومعنى نوري بالفتح أنه من شذاذ الآفاق المعروفين باسم النور، ~~وكان ms012 هو متهما بالانتساب إليهم، كما كان يقال عنه إنه من «المسلمانية» الدخلاء من ~~ناحية جده الأول، وواجهه خصومه في قضية الزوجية بهذه الدعوى أمام القضاء الشرعي، ~~ليثبتوا أنه غير كفء للزواج من بنت «السادات» ويؤيدوا بذلك طلب التفرقة بين ~~الزوجين. ~~••• # ثم حدثت المعركة القلمية التي جمعت الرأي العام كله - على تعدد ألوانه وأذواقه - في ~~صف واحد مع الشيخ علي يوسف، والتي سمع فيها صاحب المؤيد هتافا بحياته بعد عشر سنوات ~~مضت من أيام قضيته التي اشتهرت باسم قضية «التلغرافات» وظل فيها الشيخ علي «بطل الساعة» ~~في حومة الصحافة بضعة شهور، وقد كان الهتاف بسقوط «المؤيد» وحياة «اللواء» يتكرر ~~ويتواتر في المظاهرات الشعبية، حتى أصبح - على حد تعبير الظرفاء - من أولاد البلد ~~كليشيهات مسموعة، وحتى اضطر الشيخ إلى التسليم بها، وعمد إلى الشعر لتعزية نفسه ومكايدة ~~خصومه كلما واجهوه بمظاهرة من مظاهراتها، فنظم هذين البيتين: # يدعون للواء بالحياة # لأنه يعد في الأموات # ويهتفون: يسقط المؤيد # لأنه نحو السماء يصعد # أما المعركة القلمية التي أعادت الهتاف بالحياة والتحية إلى مسمع الشيخ، فهي معركة ~~عنيفة دارت بين الصحف ورجال السياسة حول توديع اللورد كرومر بعد خطابه الذي ألقاه على ~~ملأ من كبار الموظفين وأصحاب المقامات «الرسمية» من المصريين والأجانب والشرقيين، ولعل ~~الشيخ علي يوسف قد «صعد إلى سمائه» في هذا الأفق؛ لأنه أفق الكتابة «الدبلوماسية»، ~~ولأنه استطاع بالأسلوب «الدبلوماسي» أن يعزل اللورد كرومر وحده في ذلك الموقف بين مختلف ~~التيارات السياسية، أو استطاع أن يكون دبلوماسيا وحماسيا إلى الغاية في دفاعه عن ~~ولي نعمته «الخديو عباس الثاني» خصم كرومر اللدود. # كتب الشيخ علي مقاله في السابع من شهر مايو (1907) وهو اليوم التالي لإلقاء الخطاب، ~~فاشترك في التهليل له والإعجاب به قراء الصحف من كل طائفة وطبقة ومن كل مشرب ونزعة، ~~وأهدى إليه جوهري كبير محبرة من الفضة المذهبة، وازدحمت رحبة «المؤيد» بالمتظاهرين ~~والهاتفين من الطلاب وجمهرة الشباب، ومنهم أزهريون، ودرعميون، وحقوقيون، وموظفون. وتلقى ~~«المؤيد» رسائل التأييد ممن لم يكن يؤيده أو يطيف به ms013 من قريب أو بعيد، فأصبح «المؤيد» ~~لفظا ومعنى، وكان «أولاد البلد» يأبون عليه أن يكون كذلك إلا بالقاف القاهرية؛ لأنه ~~«يقيد» بقيود الأمير. # وفي هذه المعركة كتبت للمؤيد كلمة التأييد التي كنت في المعارك السابقة أكتبها عليه، ~~وقلت عن تلك المقالة الطنانة إننا: # تلوناها كلمة كلمة وسطرا سطرا، فكنا كلما قرأنا كلمة أزالت تأثير لمحة من ~~تلك الخطبة، وكلما تلونا سطرا انهزم سطر منها، حتى جئنا على آخرها، فكأنما حقل ~~ثقل وارتفع، أو هام جهام وانقشع، ولا غرو أن كانت مسهبة طويلة، فإنها تذيب ~~سبابا كالقار أسود لا يصهر إلا على أشد حرارة النار. # لقيت صاحب المؤيد في مكتبه للمرة الأولى والأخيرة لأسلمه تلك الكلمة، فاستقبلني مع ~~رهط من الزوار والمحررين، ورأيته يكتب وهو يحمل الورقة في يده ويلتفت إلى محدثيه لحظة ~~ثم يعود إلى ورقته يسطر فيها كأنه لم ينقطع عنها، ثم وضع الورقة على المكتب بعد الفراغ ~~منها، وسألني: هل أنت طالب؟ # ولم أكن يومئذ طالبا ولا موظفا، بل كنت بين طالب وموظف؛ لأنني كنت أستعد للعمل ~~بمصلحة التلغراف وأتلقى دروسا في الكهرباء والكيمياء بمدرسة الصناعة، فقلت: بين طالب ~~وموظف! # فابتسم واستفسرني، وأوجزت له تفسير هذا العمل الجامع بين طلب العلم والوظيفة، وقد ~~نبهته ذكرى «التلغرافات» على ما يظهر، فأقبل على التحدث إلي وعاد يسألني: وما الذي ~~أعجبك في المقال؟ فقلت: أعجبني المقال كله، وبخاصة موقع الاستشهاد فيه بهذين البيتين، ~~وهما من شعر أبي العلاء: # ربما أخرج الحزين جوى الحز # ن إلى غير لائق بالسداد # مثلما فاتت الصلاة سليما # ن فأنحى على رقاب الجياد # فقال وهو يقطع الكلمات: إذن أنت طالب، وموظف، وأديب. ووعدني بنشر الكلمة فنشرها بهذا ~~التقديم «من حضرة الفاضل صاحب الإمضاء». # وكان الإمضاء «ع. م. العقاد» على عادة التوقيع بأوائل الحروف في المجلات الأوروبية التي ~~كنا نقرؤها. # وتشاء المعارك القلمية - والحرب سجال كما يقال - أن يقرأ الشيخ بعد ذلك هذا التوقيع ~~تحت مقال عنه بعيد جدا من مقالات الثناء والتأييد؛ لأنني كنت أوقع به كتابتي ms014 في صحيفة ~~«الدستور» لصاحبها الأستاذ محمد فريد وجدي، وفيها كتبت وصفا مجملا للمظاهرة ~~«العدائية» التي لقيها الشيخ بدار الجريدة بعد سنة من تاريخ خطاب اللورد كرومر، ولها ~~قصة نوجزها فيما يلي: «شرع المحتلون بعد عهد كرومر في تنفيذ سياستهم الجديدة التي سميت ~~بسياسة الوفاق بينهم وبين الخديو عباس، فكف المؤيد عن انتقادهم ومحاسبتهم، وتجاوز ~~المجاملة أحيانا إلى الرضا والتأييد، وسرت في الأمة يومئذ حركة قومية تطالب الأحزاب ~~جميعا بتعيين موقفها من السياسة الجديدة، فأعلن الأستاذ الجليل - أحمد لطفي السيد - عن ~~خطاب شامل يلقيه بدار «الجريدة» في شارع غيط العدة، بيانا لموقف حزب الأمة من السياسة ~~المصرية على العموم (مايو سنة 1908)، واكتظت دار الجريدة بمئات من المستمعين بينهم كثير ~~من الطلبة والشبان، ونجح الأستاذ الجليل في اجتذاب الأسماع إليه، ولكنني سمعت إلى جانبي ~~همهمة متواصلة في أثناء إلقاء الخطاب، ورأيت خمسة أو ستة من الشبان يخرجون ويعودون ~~ومعهم قراطيس ملأى بالطماطم والبيض، ومع اثنين منهم حمائم يخفيانها تحت سترتيهما، وهما ~~متحفزان.» ~~«وكان المقصود بهذه الحركة كلها إبراهيم الهلباوي بك، ولكنها تناولت الشيخ علي يوسف ~~اتفاقا حين رآه الحاضرون في الاجتماع، ولم يكن منظورا أن يشهده؛ لما بين حزبه وحزب ~~الأمة من الخلاف الشديد. فما هو إلا أن فرغ الأستاذ لطفي السيد من خطابه، حتى انطلقت في ~~جو المكان تلك الحمائم، وانطلق معها هتاف كالرعد بسقوط جلاد دنشواي. ثم تلاه الهتاف ~~بسقوط المؤيد وصاحبه أو سقوط سياسة النفاق، ونال الرجل من قذائف الحاضرين يومئذ أذى غير ~~قليل. وقد وصفت الحفلة في صحيفة الدستور، فقلت إن مظاهرة غيط العدة نسخت مظاهرة قضية ~~التلغرافات، وإن الشعب المصري إذا كان قد حيى صاحب المؤيد عند الحكم ببراءته في تلك ~~القضية فقد سحب تحيته الأولى بهذه الثورة عليه». ~~«ولقيت الشيخ علي يوسف مرة أخرى في تلك السنة بفندق شبرد على الأرجح، حيث أقيمت حفلة ~~توديع لوفد من أعيان البلاد، اعتزموا السفر إلى لندن لإقناع وزارة الخارجية بتوسيع نصيب ~~مصر من الحياة النيابية، وكان هذا الوفد مؤلفا ms015 من إسماعيل أباظة باشا ومحمد الشريعي ~~باشا ومحمود سالم بك والسيد حسين القصبي وعبد اللطيف الصوفاني بك وناشد حنا بك والدكتور ~~إبراهيم الشوربجي وبعض المترجمين والمحررين. وحضرت هذه الحفلة منتدبا من جريدة ~~«الدستور»، ولم نكن راضين عن مخاطبة الإنجليز في مسألة الدستور. ولكن الصحيفة ندبتني ~~لتسجيل ما أراه في تلك الحفلة أو الوليمة على الأصح؛ لأنها كانت مقصورة على من ذكرنا من ~~الأعيان وبعض الصحفيين، ومنهم الشيخ علي يوسف عن المؤيد وفارس نمر باشا عن المقطم ~~وآخرون.» ~~«وفي تلك الوليمة بدا لي أن صاحب المؤيد لم ينس كلمتي عنه في التعليق على اجتماع دار ~~الجريدة، فسألني: أنت ع. م. العقاد؟ قلت: نعم. قال: هل بينك وبين السيد حسن موسى العقاد ~~قرابة؟ قلت: هي مشابهة أسماء. فضحك ضحكة غير خالصة وقال: بل لعلها مشابهة في غير ~~الأسماء أيضا. وهو يعني - على ما اعتقدت - ثورة السيد حسن موسى وتمرده؛ لأنه كان في ~~أكثر أحواله مغضوبا عليه من المؤيد وشيعته السياسية.» # ولا أذكر أنني قابلت الشيخ في مجلس من المجالس الخاصة غير هذه المقابلات أكثر من ~~مرتين، يحضرني في إحداهما حديث عن الرتب والنياشين بمكتب أحمد زكي باشا السكرتير العام ~~لمجلس النظار. # وكنا مع زملائنا الصحفيين في طوفتنا اليومية بين «نظارة» الداخلية ومجلس النظار؛ ~~لتسلم نشرات الأخبار الرسمية التي تطبع في الدواوين وتوزع على مندوبي الصحف في مواعيدها ~~اليومية، وقد نشر في ذلك اليوم خبر الإنعام على أحمد زكي باشا برتبة من رتب التشريف، ~~أظنها الباشوية، فخطر لنا - نحن زمرة الصحفيين - أن نمر به مهنئين باعتباره زميلا ~~كبيرا في صناعة القلم، فوجدنا عنده الشيخ علي يوسف يهنئه ويحدثه في مسألة من مسائل ~~المجلس، وكان معنا الأستاذ جورج طنوس مندوب «الوطن» لصاحبه جندي إبراهيم، وكان جورج ~~مشهورا بين زملائه وعارفيه باللجاجة وقلقلة الحديث، فتطوع للنيابة عنا وافتتح التهنئة ~~مخاطبا السكرتير العام على النغمة التي كانت مألوفة في ذلك المقام، فجعل يقول له بصوته ~~الجهوري كلاما في هذا المعنى: «إن الرتبة تزدان بك ولا تزينك، ms016 وإن الباشوية لقب يفخر ~~به صاحب العزبة وصاحب الثروة من المال والعقار. وأما صاحب القلم فهو يذكر باسمه - أحمد ~~زكي - وكفى، وبهذا نناديك أيها الكاتب الكبير ولا نزيد.» # وقاطعه الشيخ علي متململا، وتوقعنا أن يقول شيئا يرد به على تهنئة الزميل اللجوج ~~لأكثر من سبب، فإن رجلا يعلم الناس أنه لسان حال القصر يأبى له «دوره» السياسي، إن لم ~~نقل شعوره النفساني، أن يوصف أمامه إنعام الأمير بأنه تحصيل حاصل ونافلة من النوافل ~~التي لا يحفل بها أصحاب الأقلام، وإذا سكت علي يوسف - لسان حال الأمير - عن هذا ~~الاستخفاف بألقابه ونعمه فمن العسير أن يسكت عنه علي يوسف «موزع» الرتب والنياشين، إذ ~~كان للرتب والنياشين موزعون معروفون يبيعونها بأسعارها من رتبة الميرمران الرفيعة بألف ~~جنيه إلى رتبة البيكوية من الدرجة الثانية بثلاثمائة أو أربعمائة جنيه؛ لأن بخل عباس ~~الثاني كان يأبى عليه أن يسخو بالإعانة من ماله على كبار الأعوان، أو يسخو بها على ~~إدارة الصحف الكبرى كلما احتاجت إلى المال الكثير، وكانت لصغار الصحفيين إعاناتهم من ~~«ميزانية المعية السنية» ومن هبات ديوان الأوقاف. # أما «المشروعات الصحفية الواسعة» فقد كان المعول في سداد نفقاتها على أثمان الرتب ~~والنياشين، وكان لها موسمها في كل عام في مناسبات الأعياد والمهرجانات الخديوية، فكانت ~~الحصة الأولى من هذا المحصول السنوي للشيخ علي يوسف وأعوانه في الإسكندرية وعواصم ~~الأقاليم، وكان سكوت الشيخ عن تهوين شأن هذه «السلعة» على مسمع منه غير معقول ولا ~~منتظر، ولعل صاحبنا جورج طنوس لم يقل كلمته تلك إلا وهو يتعمد إثارة الشيخ واستفزازه ~~للرد عليه، ولم يمهله الشيخ - فعلا - أن يتم كلامه إلى نهاية ثرثراته التي لم تكن لها ~~نهاية، فاستوقفه متبرما وقال وهو يخاطبه خطاب من يعرفه ولا يجهل عاداته بين زملائه: ~~«مهلا مهلا يا معلم، إن الرتبة تقدير من ولي الأمر وتقرير لفضل صاحبها بين من يعرفونه ~~ومن يجهلونه، وهل ترفضها يا معلم جورج؟» # ثم التفت إلى السكرتير العام فأعاد عليه التهنئة وهو يقول: «سيهنئك أصحابنا هؤلاء ~~بمزيد ms017 من الرتب إلى أعلاها وأرفعها إن شاء الله!» ~~••• # أما مقابلات الطريق فقد كانت مركبة الشيخ تصادفنا أحيانا في طريقنا مع أصحابنا من ~~العباسية حيث أسكن إلى الحي الحسيني حيث نلتقي بأكثر إخواننا الأدباء، أو إلى مقهى ~~عابدين إلى جوار مدرسة الحقوق القديمة حيث كنا نلتقي بطائفة من الطلاب الحقوقيين وغير ~~الحقوقيين، وليست هذه المقابلات العرضية وسيلة من وسائل التعريف تفيدنا كثيرا في كلام ~~نكتبه عن الشيخ كما عرفناه، ولكن إحدى هذه المقابلات ربما عرفتنا بالشيخ في خليقة من ~~خلائقه التي أثرت عنه طوال حياته؛ وهي خليقة «المحافظة» على السمت القديم كما نشأ عليه، ~~وربما عرفتنا مقابلة أخرى بهوى من أهواء نفسه أو أهواء قلبه التي كادت تشغله كما شغلته ~~المحافظة على شارة السمت والوقار. # رأيناه مرة في طريقه إلى قصر عابدين في يوم من أيام التشريفات، فرأينا عجبا من أزياء ~~الرتب المدنية؛ لأنه حافظ على العمامة مع كسوة التشريفة التي تؤهله لها رتبته الرفيعة، ~~ولم يشأ أن يغير عمامته كما غيرها الكثيرون ممن يلبسون كسوة الباشوية، وكان يبدو وهو ~~جالس كأنه يلبس العمامة على «بدلة الأفندية» من لابسي السترة والبنطلون؛ وهو زي كان ~~يتزيا به في القاهرة أبناء طائفة واحدة هي طائفة عمال شركة النور الذين كانوا يخرجون ~~إلى الشوارع في المساء بسترتهم الملونة وسراويلهم الأفرنجية لإشعال مصابيح النور. وقد ~~سخر إخواننا الشبان بهذه المفارقة وتنادروا بها غير قليل، ولكنني في الواقع أعجبت ~~بالرجل لهذه المحافظة وهو يتحدى العرف والسخرية، وأحسست فيها عصامية تأبى أن تفصل مظاهر ~~الألقاب بينها وبين ماضيها. # ومرة أخرى رأيت الشيخ مع السيد توفيق البكري قادمين في مركبة واحدة من قصر السيد ~~بالخرنفش إلى ناحية باب الحديد، فإذا هما في زي واحد من ملابس النزهة الفضفاضة على غاية ~~من الأناقة التي يقصدها القاصد من لابسي هذا الزي التقليدي في القاهرة الفاطمية! وزاد ~~المشابهة في لون الكساء وتفصيله وهندامه أن الشيخ والسيد كانا نمطا واحدا في البنية ~~والقامة وصورة الوجه الدقيق والرأس الصغير، فكأنما كان الشيخان في ms018 تلك «الطلعة » الأنيقة ~~فتيين من فتيان الحسينية الظرفاء، يتبادلان المجاملة بهذه المباراة «الودية» في معرض من ~~معارض الصبوة، ولكنها صبوة في حدود «التقاليد» على سنة «المشيخة» من أئمة الطريق، وكلا ~~الرجلين كان من أبناء «الطريق» في مقام الرئيس أو مقام المرشح للرئاسة! # ولا ننسى أن «قضية الزوجية» قد عملت عملها المنتظر في الاندفاع بالشيخ إلى هذه الطلعة ~~العاطفية. # إن السيد البكري كان طراز القدوة المختارة بين أبناء طبقته وزيه في الوسامة والقسامة ~~ووجاهة المركب والشارة، وقد طمح الشيخ إلى البناء بأكرم الكرائم من بيت السادة ~~الوفائية، فهل تطيب نفسها أن تراه، وتراه أترابها معها، في طلعة دون طلعة الطراز ~~المرموق من سلالة السادة البكرية؟! # على أنها فتنة «عاقلة» لم تجاوز حدودها التقليدية في نطاق المشيخة كما تقدم، ولم يسلم ~~حافظ إبراهيم من غلو الشعر حين قال في وصف تلك الصبوة من الشيخ الكهل إنه: # أتاه الغرام بسن الشيو # خ فجن جنونا ببنت النبي # فإن الصبوة لم تخرج الرجل قط عن سمته الذي طبع عليه طبعا وتكلف ما لم يطبع عليه منه ~~تكلفا طويلا، وما كان لمثل تلك الصبوة أن تنسي الرجل كل ما كان يشغله في بواكير شبابه ~~إلى خاتمة حياته، وهو شاغل «المقام» الملحوظ بين ذوي الشرف الموروث من علية السادة وذوي ~~القدر والمهابة، وربما كان تحفظه المتأصل فيه هو الذي ألزمه، على غير اختيار منه، ديدن ~~المحافظة إلى حد الاحتجاز، أو الاحتجاز إلى حد الانزواء، أو الانزواء إلى حد الاستكانة ~~التي لم تفارقه بعد ارتفاعه بالجد والجهد معا إلى حيث أراد من دنياه. # كتب الأمير شكيب أرسلان في عدد يناير من المقتطف (1927) في روايته لبعض ذكرياته عن ~~صاحب المؤيد: # كنا نجتمع دائما في مجلس المرحوم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وأكثر ما ~~نسمر عند صاحب الدولة سعد باشا زغلول، وهو يومئذ سعد أفندي زغلول المحامي ~~الشهير بمصر، وكان ينتاب تلك الحلقة شيخ شخت الخلقة اسمه الشيخ علي يوسف، يأتي ~~فيجلس في الآخر ويلبث أكثر المجلس ساكنا مستمعا، ونكاد ms019 نرثي له لضعفه ~~ومسكنته. # ولا نستغرب أن يرى «علي يوسف الشاب» في إبان فقره وانقباضه وخفاء ذكره على سمة توصف ~~بالمسكنة التي يرثي لها من يراه؛ لأن الناظر إلى صاحب المؤيد بعد ارتفاع الشأن وذيوع ~~الصيت كان يستطيع أن يصفه باستكانة تشبه المسكنة إذا نظر إليه وهو صامت ساكن بين ~~الجلساء والنظراء، لولا أن الاستكانة صفة لا يوصف بها المرء وهو يملأ الدنيا بما يقوله ~~وما يقال فيه! # وإنما هو مزاج أصيل فطر عليه هذا العصامي الناجح وعرفه من ذات نفسه فعرف ما خلق له ~~وما لم يخلق له من أول مسعاه، فلم يضيع جهده عبثا في غير ما يستطيع. # إنه خلق لكل ما يبلغ المرء بالذكاء والحيطة ولباقة القلم وحضور الخاطر وحسن التفاهم ~~مع القلائل المعدودين من النافعين والمنتفعين، ولم يخلق للسيطرة الغالبة في جلبة الزحام ~~ولا للعظمة المزهوة بالطنين والخيلاء، فانتهى إلى غايته وهو يبدو في زاويته كالقابع ~~المستكين، لولا أنه يقدر على خطوب لا يقدر عليها القابع المستكين. # | مصطفى كامل # ولد مصطفى كامل سنة 1874، وكان عمره ثماني سنوات عندما احتل الجيش الإنجليزي القلعة في ~~الحي الذي نشأ فيه. # سنوات ثمان تسمى - بحق - سنوات الثورة، ولكنها أحق من ذلك أن تسمى سنوات الخطابة؛ لأن ~~الثورة قد اشتعلت اشتعالها الأكبر قبل ختامها، أما الخطابة فقد كانت في أوجها عند مولد ~~الزعيم، وبلغت قمة ذلك الأوج عند دخول جيش الاحتلال. # كان حي الصليبة، الذي ولد فيه الزعيم الخطيب، أحد الحيين الكبيرين اللذين تنافسا على ~~الوطنية القاهرية عدة أجيال، وكان هذا الحي أحفل بمعالم الحركة الوطنية من الحي الآخر، الذي ~~كان ينافسه «الفتوة» على عهد الحملة الفرنسية؛ لأنه حي القلعة التي كانت مسكن الوالي، ثم ~~صارت معسكر الجيش المحتل، وبقيت إلى جوارها ساحة المحافل القومية: من ركب المحمل، إلى ركب ~~الولاية بعد مبايعة الأمير، إلى ركب العروض العسكرية. # وكانت مساجد هذا الحي أعمر المساجد بالخطباء الثوريين، ولم يكن في القاهرة مسجد أعمر منها ~~غير الجامع الأزهر في تلك الفترة، وهو في ms020 المكان الأوسط بين طرف الصليبة من ناحية، وطرف ~~الحسينية من الناحية الأخرى. # وكان مصطفى كامل في الخامسة أو السادسة يوم كان «عبده الحامولي» يسأل: أين نسمعك هذه ~~الليلة؟ فكان يجيب مازحا: أنا الليلة سهران مع عبد الله نديم في فرح آل فلان. # ولم يكن «عبد الله نديم» وحده خطيب هذه الحفلات، بل كان معه عشرات الخطباء المعممين ~~والمطربشين يتداولون منابر المساجد والأعراس، ممن لم يشتهروا شهرة عبد الله نديم، وكان يصحب ~~أستاذهم الأكبر تلميذه الناشئ «مصطفى ماهر» في سن تكبر سن مصطفى كامل ببضع سنوات؛ وهو ~~التلميذ الذي قال عنه النديم مرة إنه أخطب من «غلادستون»؛ لأنه تكلم في أربعة موضوعات ~~وغلادستون لا يحسن أن يتكلم في أكثر من موضوع! # وانقضت سنوات الصدمة الأولى بعد الاحتلال في ركود من حركة الخطابة، وفي ركود من كل حركة ~~سياسية أو اجتماعية، ولكنها كانت بمثابة فترة الانتقال بين اختفاء الخطباء الأول وظهور ~~الخطباء اللاحقين؛ لأن مهمة الخطيب في عالم السياسة لم تلبث أن تجددت على أشدها وأوسعها، ~~بعد ذهاب الدهشة من قيام الجيش المحتل في عاصمة البلاد. # وجاء في هذه الفترة زمن كانت الخطابة فيه أهم من الكتابة، وكان الصحفي الذي يحسن أن يتكلم ~~كما يحسن أن يكتب أقرب إلى الميدان من زميل يحسن عمل الصحافة ولا يحسن عمل المنبر، ولو كان ~~زميله هذا أقدر على البيان وأوفر حظا من الفكر والدراية. # ويكفي أن نذكر أربعة من أصحاب الصحف اليومية، بعد انقضاء عشرين سنة على دخول المحتلين، ~~كانوا من الخطباء الكتاب وهم: مصطفى كامل في «اللواء»، وفارس نمر في «المقطم»، وجندي ~~إبراهيم في «الوطن»، ومحمد أبو شادي في «الظاهر». ولم يكن تادرس شنودة المنقبادي صاحب صحيفة ~~«مصر» خطيبا في طبقة هؤلاء، ولكن رئيس تحريره توفيق عزوز كان أقدر المتكلمين على المنابر ~~بين أبناء الطائفة القبطية، مع زميليه أخنوخ فانوس وجندي إبراهيم. وكان علي يوسف صاحب ~~«المؤيد» لا يخطب مرتجلا، ولكن كتاب صحيفته الخطباء لم يكونوا قليلين، وفي مقدمتهم ~~«إبراهيم الهلباوي» كاتب مقالات: «إلى ms021 أين نحن مسوقون؟» بل لا ننسى أن «أحمد لطفى السيد» ~~رئيس تحرير «الجريدة» - وقد غلبت عليه شهرة الفلسفة والكتابة - كان من المحامين، وكان قبل ~~ذلك من وكلاء النيابة المبينين. # وتتشابه الأسباب التي أبرزت مهمة الخطابة في البلاد الشرقية غير مقصورة على الديار ~~المصرية، ولكننا نذكر الأسباب التي حفظت للخطابة مهمتها بعد الثورة العرابية في هذه الديار: ~~وأولها قيام المحاكم العصرية، واشتداد الحاجة دفعة واحدة إلى المحامين ولو لم يدرسوا ~~القانون بمدارس الحقوق، ومنها افتتاح الكنائس الإنجيلية، وانتداب الخطباء المفوهين من القسس ~~للوعظ على منابرها. وقد عني المسيحيون القبط بمنافسة هؤلاء الخطباء كما عني المسلمون ~~المعممون والمطربشون، وأذكر أنني حضرت أياما في «قنا» كان «الأنبا لوكاس» يعظ فيها على ~~منبر الكنيسة القبطية، والقس إسحاق يعظ على منبر الكنيسة الإنجيلية، والشيوخ الأدباء يخطبون ~~في المساجد ومعهم أشهر المحامين والقضاة الشرعيين، وأشهرهم محمد نور أستاذ مكرم عبيد في ~~الخطابة. # ولد مصطفى كامل في هذا العصر؛ عصر الخطابة، وشهد خطباء حي الصليبة في الخامسة والسادسة، ~~وهي سن التقليد والمحاكاة، واستفاد من حي «الصليبة» أول نفحة من نفحات «الوطنية المحلية»، ~~التي كانت مدار التنافس على بطولة القاهرة بين «فتوة» الحسينية و«فتوة» الصليبة، وربما تعثر ~~بين الحبو والعدو في إحدى تلك الوقعات، التي كانت تنتقل من ساحة الأزهر أحيانا إلى جوار ~~شيخون أو جوار قيسون؛ لأنه لم ينس هذه الحمية «المحلية» بعد أن وصل في تعليمه إلى المدارس ~~التوجيهية، وكانت دعوته الأولى أنه دعا إلى تأليف جمعية «الصليبة»، فانتظم فيها نحو سبعين ~~من المواطنين المحليين، قبل أن يدعو إلى تأليف الحزب الوطني بعدة سنين. ~~••• # رأيت مصطفى كامل لأول مرة وأنا في الخامسة عشرة؛ أي في مثل سنه يوم تصدى لقيادة «الوطنية ~~المحلية» بحي الصليبة. # كنت ببلدتي أسوان أشتغل مع زملائي بإحدى الدعوات المحلية، وهي دعوة التطوع للتعليم ~~بالمدارس الأهلية. # وقد تقدمنا في هذه الدعوة، زميل لنا في مدرسة أسوان الأميرية، تخرج قبلنا وانتظم في ~~وظيفة عسكرية بمصلحة خفر السواحل؛ وهو اللواء محمد صالح حرب، رئيس جماعة ms022 الشبان المسلمين، ~~وكان يساعد المدرسة الأهلية التي تبعناه في التعليم بها ويتبرع لها بالمال من مرتبه، بعد أن ~~حيل بينه وبين التطوع للتدريس فيها. # وقدم مصطفى كامل إلى أسوان في موسم الشتاء، ومعه الأمير حيدر ومدام جولييت آدم وكاتبة ~~إنجليزية من الأحرار تسمى مسز يونج - على ما أذكر - وهم جميعا في رحلة نيلية. # وخرج مصطفى كامل ذات صباح يتمشى على شاطئ النيل ومعه الكاتبتان الفرنسية والإنجليزية، ~~فوقفوا عند باب المدرسة الأميرية وسألوا البواب عن «حضرة الناظر» فغاب هنيهة، وعاد يقول له: ~~إنه غير موجود! # وذكر مصطفى كامل أن صاحب المدرسة الأهلية - وقد كان يراسل اللواء - قد دعاه إلى زيارتها، ~~فقال لصحبه: مدرسة بمدرسة، فلنذهب إلى المدرسة التي «ناظرها موجود». # ودخل غرفة السنة الرابعة وفيها درس اللغة العربية، فجلس مكان التلميذ الذي كان يكتب على ~~اللوحة، وأملى عليه هذا البيت لأبي العلاء ليعربه ويشرح معناه: # والمرء ما لم تفد نفعا إقامته # غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر # وترجم مصطفى كامل هذا البيت إلى اللغة الفرنسية في طلاقة وثقة، وناقش التلميذ في شرح ~~معناه، فتلعثم التلميذ ولم يجب بطائل، فأسعفته معتذرا له بأن الغيم الذي لا يمطر في أسوان ~~ولا يسير نعمة محبوبة، وأن الغيم الممطر وغير الممطر عندنا قليل! # ولاح لي أن «الباشا» لم يسترح لهذا التعقيب، ولم يتقبل منه الإشارة إلى خطئه في اختياره، ~~وإن لم يكن في الأمر غير فكاهة تتلاقى فيها التخطئة والتصويب. # صورة مصطفى كامل التي بقيت في خلدي مدى الحياة، هي الصورة التي انطبعت فيه من أثر هذه ~~الرؤية الأولى. # حركاته كلها كانت تنم على إحساسه بدقة تكوينه، يبدو ذلك من شموخه وزهوه، كما يبدو من طول ~~طربوشه وارتفاع كعبه، ومن سترة «البنجور» التي كانت لا تلائم سنه وهو دون الثلاثين. # وهذا البيت من قصيدة أبي العلاء، أليس فيه تعريض بالأجسام التي تسد عين الشمس فتحجب ~~الضياء ولا تجود بقطرة من الماء؟ # وربما شغلته دقة تكوينه بسمت الوقار، فلم تسمح لها بمجاراة روح الفكاهة، ولا ms023 سيما الفكاهة ~~على حسابه، والفكاهة التي فيها تخطئة لاختياره. # وقد كان من شأن المواقف الأخرى التي اقتربت فيها من شخص مصطفى كامل، أن تؤكد هذه الصورة ~~ولا تمحو عندي ظلا من ظلالها. # كنت أحرر صحيفة «الدستور» مع صاحبها الأستاذ محمد فريد وجدي، وكان الأستاذ وجدي أحد ~~الأعضاء الذين دعوا إلى تأسيس الحزب الوطني قبل وفاة مصطفى كامل ببضعة أشهر، فلما انتهى ~~رئيس الحزب من عرض برنامجه، اقترح إرسال تبليغ بالبرق إلى وزارة الخارجية البريطانية ~~لإعلانها بتأليف الحزب الوطني ومطالبتها بالجلاء، فأقره الأعضاء جميعا على اقتراحه، ما عدا ~~الأستاذ «وجدي» الذي كان من رأيه أن يعمم إرسال التبليغ إلى جميع الدول؛ دفعا لشبهة ~~«المركز الخاص» الذي تدعيه بريطانيا العظمى باحتلالها هذه البلاد، فأبى مصطفى تعديل اقتراحه ~~وأصر على طلب قبوله بصيغته التي عرضه بها على الأعضاء، وكاد أن يقاطع صاحب «الدستور» فلم ~~يتبادلا الزيارة بعد ذلك، إلى أن توفي مصطفى فخرج صاحب «الدستور» من قطيعته ورثاه بمقال ~~حزين جعل عنوانه: «مال أكبر رأس في مصر. إنا لله وإنا إليه راجعون». فلم تزل كلمة «أكبر ~~رأس» تعلق بذاكرتي منذ ذلك اليوم إلى أن ذكرتها في كلمتي عن «الملك أحمد فؤاد» بمجلس ~~النواب: أكبر رأس يحطم الدستور. ~~••• # كنت أحرر صحيفة الدستور مع صاحبها كما تقدم، وكان صاحبها عضوا في الحزب الوطني، والصحيفة ~~لسان من ألسنة هذا الحزب القليلة في ذلك الحين بين الصحف اليومية والأسبوعية. كانت ~~«الدستور» لسان الحزب الثاني و«اللواء» لسانه الأول، ولكني لم أشترك في الحزب بعد إعلان ~~تأليفه كما اشترك فيه زملاؤنا الصحفيون. ولا يخطر لي الآن، ولم يخطر لي قبل الآن، أن تلك ~~الصورة التي ارتسمت في ذهني من لقاء مصطفى كامل للمرة الأولى هي التي أخرتني عن طلب ~~الاشتراك في حزبه، فلم يزل مصطفى كامل أحب المجاهدين إلينا في حومة القضية الوطنية بين ~~أصحاب الصحف وأعلام القضية المصرية يومذاك، وكنت أتشيع له إذا نشبت المعركة بينه وبين ~~خصومه، كما تقدم في الكلام على الشيخ علي يوسف - صاحب «المؤيد ms024 » - وبعد أن عرفت من حقائق ~~الدعوة الوطنية وحقيقة نفسي ما لم أكن أعرف. أستطيع أن أقول إن اختلاف الطبيعة البعيد قد ~~رسم أمامي مثالا للإمامة المذهبية غير هذا المثال، فإن مصطفى كامل كان من أصحاب الطبيعة ~~الخطابية الشعورية، وكانت الطبيعة الأدبية والفكرية أقرب إلي وأحرى بالاتباع، فضلا عن ~~نفور أصيل عندي من التقيد بالحزبية في الرأي، أيا كان مقصدها في السياسة أو الأدب أو ~~الثقافة على الإجمال. # واختلاف الطبيعة هو الذي جعل لي سبيلا في المسائل القومية غير السبيل التي كان يختارها ~~مصطفى كامل في كثير من مواقفه العامة. # فلم يعجبني موقف المصري المتوسل أمام تمثال فرنسا يناجيها ويناديها: # يا فرنسا يا من رفعت البلايا # عن شعوب تهزها ذكراك # أنقذي مصر إن مصر بسوء # وارفعي النيل من مهاوي الهلاك # ولم يكن أدب فرنسا، ولا ما اطلعنا عليه من تاريخ ثورتها، داعيا عندنا للثقة بنجدتها ~~واستعدادها لإنقاذ مصر أو سواها، ولم تكن طبيعتي التي تأبى طلب المعونة من القادرين عليها ~~كما تأبى طلبها من العاجزين عنها مما يقنعني بإمكان التعويل في قضية الاستقلال على معونة ~~دولة قط، من الدول الكبار أو الصغار. # ولهذا أيضا لم يعجبني تعليق الاستقلال المصري بالسيادة العثمانية؛ لأننا على عطفنا ~~الدائم على الدولة العثمانية في مكافحتها للتعصب الأوروبي، لم نكن نفهم أن هذا العطف ينتهي ~~بجهادنا إلى الرضا باستقلال تشرف عليه سيادة دولة أخرى، وقد كان مصطفى كامل يمزج كثيرا بين ~~المصرية والعثمانية حتى في أحاديثه الخاصة، كما قال في جوابه لسؤال الجنرال «بارنج» شقيق ~~لورد كرومر: هل أنت مصري أو عثماني؟ فكان جوابه: مصري عثماني. وعجب الجنرال بارنج فعاد ~~يسأله: كيف تجتمع الجنسيتان؟ # قال مصطفى: ليس في الأمر جنسيتان، بل في الحقيقة جنسية واحدة؛ لأن مصر بلد تابع للدولة ~~العلية، والتابع لا يختلف عن المتبوع في شيء من أحكامه. # ولقد أوشكت ثورة مصطفى كامل أن تنحصر في الثورة على الاحتلال، ولا تنظر إلى تبديل شيء من ~~النظم السياسية أو الاجتماعية، فلم يكن في نزعات نفسه ولو ms025 قبس ضعيف من الثورة على المساوئ ~~الخديوية، ولم يختلف في كثير ولا قليل عن أبناء عصره في تعظيم الألقاب الرسمية واعتبارها ~~«إنعامات» مشرفة لمن يتلقاها، بل كان على صلة بالقصر الخديوي في التوسط بين طلابها وبين ~~الأمير لتوزيعها على من يتطلع إليها، ولا شك أنه كان أنظف الساسة الذين كانوا يومئذ يتوسطون ~~مثل هذه الوساطة؛ لأنه كان ينفق منافعها على خدمة الدعوة الوطنية لحاجته إلى المال في هذه ~~الدعوة، وبخل الخديو بالمال الكثير أو القليل بغير هذه الوسيلة، ولكن إيمان مصطفى كامل بشرف ~~هذه الرتب والألقاب ربما كان أدعى إلى النقد من وساطته في توزيعها، فقد بلغ من إيمانه بها ~~أنه لم يصدر «اللواء» يوم جاءه خبر الإنعام عليه بالباشوية من دار الخلافة إلا بعد تغيير ~~«الكليشيه» الذي كان اسمه فيه متبوعا بلقب الباشوية. # جاء في الجزء الثالث من مذكرات أحمد شفيق باشا وهو أحد رؤساء الحاشية الخديوية: # إن الرتب أصبحت كالسلع السهلة، وكان لهذه التجارة وسطاء كثيرون، منهم: الشيخ علي ~~يوسف، وحسين بك زكي، وأحمد بك العريس، وإبراهيم بك المويلحي، وهو مقيم بالآستانة، ~~يأتي كل شتاء لأخذ بضاعته من مصر، وأحمد شوقي بك الشاعر، ومصطفى كامل، الذي كان ~~ينفق ما يأخذه في الدعاية لقضية مصر. # ولا شك فيما قاله صاحب المذكرات من تخصيص مصطفى كامل بين سماسرة الرتب والنياشين بالإنفاق ~~من منافعها على الدعاية الوطنية، ولا سيما الدعاية في العواصم الأوروبية، ولكن حرص الباشا ~~على الوجاهة التي لا تقل عن وجاهة الأمراء ربما كلفته هناك أضعاف نفقة الدعاية. # ولم تخف دخائل هذه الأحوال على طائفة الصحفيين والمشتغلين بالسياسة الوطنية، ولكنها لم ~~تغض من قدر الزعيم الشاب، ولم تشكك أحدا في إخلاصه لدعوته وغيرته على قضية بلاده، وبلوغه ~~بالشعور الوطني مبلغ الهوى، الذي يملك على العاشق لبه ويجرد هواه للأوطان من تقدير الوطن، ~~بحساب المبادئ والواجبات أو حساب المطالب والآمال، فقد كان مصطفى كامل من أكثر المجاهدين ~~شفيعا إلى قلوب أنصاره وخصومه؛ لنزاهة أخطائه جميعا من شائبة الغرض الملتوي والنفاق ms026 ~~الذميم. # إن الزعامة السياسية لا تخلو من أخطاء في الحياة العامة أو الحياة الخاصة، وربما كانت ~~زعامة مصطفى كامل أقل الزعامات خطأ في أوائل دعوتها، ولست أذكر أنني تبينت هذه الأخطاء أو ~~تبينت غيرها من الأخطاء السياسية بحثا وتفكيرا وإمعانا في تحقيق المطالب الوطنية وتحقيق ~~أساليب العمل لها والوصول إليها؛ فإن هذا البحث جهد لا يطيقه عقل صبي في الخامسة عشرة أو ~~شاب فيما دون العشرين؛ وهي سني يوم عملت في الصحافة اليومية، لا أذكر - إذن - أنني أحجمت عن ~~الاشتراك في حزب مصطفى كامل بعد البحث المفصل والموازنة الواعية بين مقاصد الزعامات ~~السياسية وطرائق الزعماء في ذلك الحين، ولكن الذي أذكره جيدا أنني كنت أقرأ مقالات مصطفى ~~كامل وأسمع خطبه، فأحمد له غيرته وأعجب بصدقه في جهاده، ولكنني أراني أمام منهج من الكتابة ~~والقول غير المنهج الذي أتلقى منه رسالة الفكر والعاطفة وتستجيب إليه بديهتي المتطلعة إلى ~~الوعي والمعرفة، فإن ذلك الأسلوب «الخطابي الشعوري»، الذي كان له أبلع الأثر في جمهور مصطفى ~~كامل، لم يكن هو ذلك الأسلوب المختار الذي عهدته فيما اطلعت إليه من كلام مقروء أو كلام ~~مسموع. # ولعل أشهر الأمثلة للأسلوب «الخطابي الشعوري»، الذي كان ذريعة التأثير الكبرى في خطب ~~مصطفى كامل؛ قوله في خطبة زيزينيا الكبرى، وهي أقوى خطبة وآخرها قبل وفاته، إذ يقول: # بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك ~~لبي وجناني، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر. # فإن هذا الإطناب وما شابهه لا يعطيني ما أتطلبه من الإقناع ولا من العبارة الأدبية عن ~~العواطف، وإنما هو أشبه بدقات النفير تتكرر على وتيرة واحدة لتحتفظ بأعصاب السامعين في طبقة ~~مشدودة من الانفعال والتنبه، سواء كان هذا الانفعال للوطنية أو لغيرها من العقائد ~~الشعورية. # وأحسب أن قدرة مصطفى كامل على هذا النوع من التأثير كانت تطغى على كل قدرة خطابية فيه، ~~ومنها القدرة على الإقناع؛ فلم تبلغ قدرته على الإقناع في كلام قرأته له أو ms027 سمعته عنه ~~مبلغا يسوقه إلى الإعراب عنه، أو إعطائه نصيبا من أسباب التأثير إلى جانب الحركة الخطابية ~~الشعورية، وأسميها «الحركة»؛ لأنها في الواقع أقرب إلى بواعث الحركة «اللاإرادية» من مجامع ~~الأعصاب. # ولا يظهر ذلك في الخطب كما يظهر في الأحاديث الخاصة والمساجلات الشفوية، فلم يكن مصطفى ~~كامل المتحدث مقنعا للجنرال «بارنج» حين سأله هذا هل هو مصري أو عثماني، فقال له إنه مصري ~~وعثماني معا؛ لأن التابع يشبه المتبوع في أحكامه، فماذا لو قال له الجنرال: ولكن التابع لا ~~يحسن به أن يشتهي التبعية وأن «يتحمس» لها ويصر على البقاء، وقد يحمد من المتبوع أن يستبقي ~~علاقته بتابعه، ولا يحمد من التابع أن يستبقي تلك العلاقة برضاه! # وإنه لمن ضعف الإقناع أن يفوت الزعيم الوطني المتحدث أن يجيب «بارنج» سائلا: هل أنت ~~إنجليزي أو بريطاني؟ فكل جواب لهذا السؤال محرج للمجيب موافق للمصري والعثماني من وجهة نظره ~~في مناقشات السياسة مع البريطانيين الإنجليز. # وخلاصة ما بقي في نفسي من أثر لهذا الزعيم المجاهد - كما عرفته - أنه كان نعم الزعيم على ~~منهجه وسجيته، ولكن زعامته كانت تتسع في عصره - وبعد عصره - لزعماء آخرين على مناهجهم ~~وسجاياهم؛ لأن الوطنية المصرية كانت تشمل مصطفى كامل بكل ما احتواه من غيرة وحماسة، ولكنه - ~~رحمه الله - لم يكن يستغرق الوطنية المصرية بكل ما تحتويه أو ينبغي أن تحتويه. # | محمد فريد # محمد فريد من أكبر أعلام الوطنية المصرية، بل من خيرة شهدائها الذين يستحقون التمجيد ~~والتخليد في صفحاتها الباقية. # عرفته في أسوان قبل أن ألقاه في القاهرة بسنوات عديدة. # عرفته من قضية «المؤيد» التي اشتهرت بقضية التلغرافات. # وعرفته من مؤلفاته التاريخية؛ لأن كتابه في تاريخ الدولة العثمانية كان أول كتاب قرأته في ~~تاريخ هذه الدولة. # وقد كان في هذا الكتاب مؤرخا واسع المصادر حريصا على التحقيق، مع عطف واضح على الدولة ~~وكراهة لأعدائها. # وقد كان شأنه في ذلك شأن جميع الشرقيين أو جميع المسلمين خاصة؛ لأن الدولة العثمانية كانت ~~إحدى الدول القلائل التي بقي لها استقلالها ms028 في الشرق، وكانت إلى جانب هذا دولة الخلافة ~~الإسلامية، فكان لها نصيب كبير من عطف الشرقيين الطامحين إلى استقلالهم، ومن عطف المسلمين ~~الذين بايعوا آل عثمان بالخلافة، بعد زوال الخلافة العباسية. # وهنا موضع إيضاح لا غنى عنه في سياق هذه الفصول؛ فقد تقدم غير مرة أننا كنا ننكر السيادة ~~العثمانية، ونكره أن يكون الاعتراف بها مبدأ من مبادئ الوطنية المصرية، فمن الواجب أن نلفت ~~الأنظار هنا إلى الفارق بين كراهة الدولة العثمانية وكراهة سيادتها، وإنما كان استقلال مصر ~~مطلوبا عندنا كاستقلال الدولة العثمانية، بل كان استقلال مصر مقدما بالطلب على استقلال ~~الدولة إذا وجبت المقارنة بين المطلبين. # وأذكر في هذا السياق أنني كنت أعتقد أن تشبث الدولة العثمانية بسيادتها على الأمم الأخرى ~~يضيع عليه جهودها في غير طائل، ويعرضها للمتاعب على غير جدوى. # ومن المصادفات العجيبة أن الرأي الذي أخذ به «مصطفى كمال» زعيم الترك العظيم بعد الحرب ~~العالمية الأولى في سنة 1920، كان هو الرأي الذي دعوت إليه قبل ذلك بثماني سنوات، وهو ~~اعتماد الدولة على بلادها الآسيوية، وإعفاء نفسها من المشكلات والجهود التي يسوقها إليها ~~الاحتفاظ بالسيادة على أمم البلقان، فكتبت في مجلة «البيان» - سنة 1912 - مقالا بعنوان ~~«مستقبل الدولة العثمانية» قلت فيه: «كذلك زلزلت الصدمة قلوب العثمانيين فيئسوا من الدنيا، ~~كأن أوروبا هي كل الدنيا، ولو كانت الدولة العثمانية شجرة لا تنبت إلا في أوروبا، لحق لهم ~~ألا يرجوا منها بعد الآن ثمرا، ولكنها شرقية المنبت، وهذه أرومتها لا تزال في الشرق، وما ~~هذه الولايات الأوروبية إلا فروع منها لا يميتها انفصالها منها. وقد كان يمكن أن يدور ~~التاريخ دورة غير التي دارها، فلا تتحول أنظار محمد الفاتح البتة إلى القسطنطينية.» # وهذا رأينا القديم في مسألة السيادة العثمانية على الأمم الأجنبية، فأحرى به أن يكون هو ~~رأينا الأقدم في مسألة السيادة على هذه البلاد. # لقد كنت أومن بهذه العقيدة وأنا أشد ما أكون غيرة على الدولة العثمانية واهتماما بماضيها ~~وحاضرها ومستقبلها، ومن أجل ذلك شغلت نفسي بقراءة مئات ms029 الصفحات في ذلك التاريخ وأنا لا أعدو ~~الرابعة عشرة، ومن أجله كتبت ما كتبت عن مستقبلها؛ لأنه - على ما اعتقدت - هو المستقبل ~~الوطيد الذي تستقر فيه على أساس المنعة والتقدم والسلام. # وجئت إلى القاهرة وأنا أسمع اسم «محمد فريد» الوطني المخلص، ولا أنسى اسم «محمد فريد» ~~العالم المؤرخ! # ولقيته مرات في المجتمعات الكبيرة والمجتمعات الصغيرة، ولكني لم أتحدث إليه في مجلس خاص ~~غير مرة واحدة. # وكان ذلك في مكتب صحيفة «الدستور». # كان هذا المكتب في منزل بدرب الجماميز إلى جوار ديوان المعارف العمومية. # وكان الدور الأرضي منه مخصصا للمطبعة، والدور الثاني على قسمين: أحدهما مسكن الأستاذ ~~الجليل محمد فريد وجدي بك صاحب الدستور، والآخر مكتب التحرير والإدارة. # وكان الأستاذ وجدي بك يؤثر الكتابة في مسكنه، وقلما يجلس في مكتبه إلا لاستقبال زائر أو ~~مراجعة عمل من أعمال الصحيفة، وإذا ب «محمد فريد بك» يحضر إلى الدار ذات يوم على غير موعد، ~~فجلست معه أتحدث إليه ريثما يرتدي الأستاذ وجدي بك ويحضر للقائه. # ولست أذكر تاريخ اليوم على التحقيق، ولكني أذكر أنه كان بعد أوائل شهر مايو سنة 1908؛ لأن ~~حديثي مع «سعد» - رحمه الله - كان مدار الكلام في تلك الفترة، وقد جرى حديثي مع «سعد» حوالي ~~ذلك التاريخ، وكان أول حديث لصحفي مصري مع أحد الوزراء المصريين. # قال «فريد بك» - رحمه الله - بعد أن عرفني: «إنك لتحفظ لجارك في درب الجماميز حق ~~الجوار.» # ففهمت ما أراد، وقلت: «وهو حقيق بحفظ الجوار.» # ثم انتقل الكلام إلى تعليم اللغة العربية، فقلت: إن تحويل التعليم من اللغة الإنجليزية ~~إلى اللغة العربية في جميع مراحل التعليم لا يتأتى في شهر واحد ولا في سنة واحدة؛ لأنه خطوة ~~لا بد أن تسبقها خطوة أخرى من تخريج المعلمين وتأليف الكتب أو ترجمتها. # ووافق ما قلت أن سعدا قد أمر في تلك السنة نفسها بتعيين المتخرجين من مدرسة المعلمين ~~للتدريس في المدارس الثانوية، والابتداء بالتعليم باللغة العربية في السنة الأولى من تلك ~~المدارس، ثم في السنة الثانية. # ولاح ms030 لي أن «فريد بك» لا يصر كثيرا على قوله في هذا الموضوع، ويحيل فيه إلى ما يذكره ~~الشيخ عبد العزيز جاويش. # ثم حضر الأستاذ وجدي واستأذنت في الذهاب إلى مكتبي، وانصرف فريد بك بعد قليل. # تلاحقت الضربات على ذلك الزعيم الكريم وذهب الاضطهاد الظالم بثروته العريضة، وهي تقدر ~~يومئذ بمئات الألوف. # وغادر الرجل القطر ليستطيع العمل في حرية وطلاقة، واستقر به المطاف في عاصمة الدولة ~~العثمانية. # وهنا تتجلى بطولة «فريد». # لقد كان «فريد» يناصر الدولة العثمانية وهو في غنى عنها، ولعلها هي التي كانت في حاجة إلى ~~مناصرته، وكان رأيه في علاقة مصر بالدولة العثمانية ذلك الرأي الذي أعلنه حزبه في تقريره عن ~~حوادث سنة 1907، وهو أولا «استقلال مصر كما قررته معاهدة لوندرة في عام 1840 وضمنته ~~الفرمانات السلطانية، ذلك الاستقلال الضامن عرش مصر لعائلة محمد علي، والضامن للاستقلال ~~الداخلي للبلاد». # وهو أخيرا «بذل الجهد لتقوية علاقة المحبة والارتباط والتعلق التام بين مصر والدولة ~~العلية». # ولقد غادر «فريد» وطنه، والعداء بينه وبين الخديو عباس على أشد ما يكون العداء. وقد علم ~~وهو في الآستانة أن العسكريين من رجال الدولة يقصدون بالحملة على مصر، في أثناء الحرب ~~العالمية الأولى، أن يغيروا نظام الحكم في البلاد المصرية، ويتعرضوا لحقوقها وحقوق عرشها. ~~علم هذا وهو في قبضة أيديهم، ولعله في حاجة ماسة إلى كل معونة منهم، ولا ملاذ له من غضبهم ~~في مصر؛ لأنها موصدة أمامه، ولا في أوروبا؛ لأنها تضطرب بأهوال الحرب في كل بقعة من بقاعها، ~~فلم يحفل بشيء مما يصيبه من جراء غضبهم، وراح يعلنهم باستنكاره لخطتهم واحتجاجه عليهم، وعلق ~~في عروة كسائه شعار «مصر للمصريين»، وقد كان أبغض شعار إلى القائمين بالأمر في الآستانة ~~يومذاك! # حدثني صديقي الفاضل الدكتور حسين همت بك - وهو ممن شهد تلك الأيام في الآستانة - أن طلعت ~~باشا - أخطر رجال الدولة التركية في عهده - كان يمتعض كلما لمح ذلك الشعار الذي يحمله فريد ~~وصحبه، وكان يعجب لأنهم ينكرون على الترك حكم مصر، وإنهم ليتكلمون التركية ms031 خيرا مما ~~يتكلمها أهل الآستانة! # ومع هذا ظل فريد وصحبه يحملون شعارهم، ويعلنون استنكارهم حتى تعذر عليه البقاء في العاصمة ~~التركية، فهجرها إلى أوروبا لينتقل بين ربوعها على غير هدى، ويشقى بتلك المعيشة الضنك في ~~ظلمات تلك الغاشية العالمية، بغير أمل وبغير عزاء. # نعم المثل للوطنية الصادقة ذلك الشهيد الكريم - رحمه الله وخلد ذكراه. # | مصطفى لطفي المنفلوطي # في فترة من تاريخ ثقافتنا، وفي أيام لا تتجاوز أيام الحرب العالمية الأولى، كان السائل ~~يسأل: من أكتب الكتاب في لغتنا العربية؟ فيسمع الجواب من الكثرة الغالبة بين قراء تلك ~~الفترة: إنهما اثنان: الشيخ علي يوسف والشيخ مصطفى لطفي المنفلوطي! # وربما حرص المجيب على تقديم لقب الشيخ على الاسم، خلافا للعادة في تداول أسماء ~~المشهورين. # وكانت عصبية لا شك فيها، قد نسميها بالعصبية الأخوية، أو العصبية المحلية، أو العصبية ~~الفخرية، ولكنها - بأي الأوصاف وصفناها - وزنة لازمة لتصحيح التقدير في موازين الأدب ~~والأدباء، فلا تصح هذه الموازين ولا تعرف الحقائق التي كمنت زمنا وراء أسباب الإقبال ~~والإعراض على مدارس الكتابة عندنا بغير الوقوف على معنى تلك العصبية. # ونسأل: ما معناها؟ # فلا نستطيع أن نقول إنها عصبية من المعممين والمطربشين؛ لأن السيد توفيق البكري والشيخ ~~عبد العزيز جاويش والشيخ حفني ناصف قبل ذلك كانوا من المعممين، ولكنهم لم يحسبوا في عداد ~~الزمرة التي تجنح إليها تلك العصبية وتخصها بالتنويه والتفضيل. # كذلك لا نستطيع أن نقول إنها عصبية السبق إلى موضوع الكتابة المختارة؛ فإن المويلحي ~~الكبير والمويلحي الصغير قد سبقا معا إلى الكتابة في موضوع المقالة الإنشائية والمقامة ~~الأدبية، وكتب كلاهما في الصحف السياسية كما كتب علي يوسف دائما وكما كتب المنفلوطي ~~أحيانا، ولكنهما لم يحسبا في عداد تلك الزمرة، ولم يسمع لكتاب «عيسى بن هشام» ذكر بين ~~نماذج الإنشاء التي اختارها للتلاميذ مدرسو اللغة العربية كما اختاروا مقالات «النظرات» ~~و«العبرات» و«المختارات» و«مجدولين» و«في سبيل التاج»، وكل كتاب ألفه المنفلوطي أو ترجمه ~~بمعونة غيره. # ولم تكن العصبية عصبية المعهد الذي انتمى إليه علي يوسف والمنفلوطي؛ لأنهما ms032 أزهريان لم ~~يتما التعليم الأزهري، والمدرسون الذين يزكونهما في دروس الإنشاء أو يتشيعون لهما في ~~«الحزبية الأدبية» أكثرهم من خريجي دار العلوم، وبينهم وبين إخوانهم الأزهريين منافسة لا ~~تخفى. # إنما كانت تلك العصبية في حقيقتها عصبية المعرفة باللغة الأجنبية والجهل بها، فهي لا تشمل ~~المطلع على لغة أجنبية ولو كان من أصلاء المعممين كالسيد توفيق البكري، وهي لا تستثني أحدا ~~يجهلها ولو كان من غير المعهد الذي ينتمي إليه المعجبون، وقد لحق بالكاتبين المعممين كاتب ~~مطربش كان له سهمه في هذه العصبية؛ لأنه لم يحصل من اللغات قسطا يعتمد عليه في المطالعة ~~والكتابة، وهو مصطفى صادق الرافعي خريج المدرسة الابتدائية وربيب الأسرة «المشيخية». # وقد كانت «العصبية اللغوية» لا تخلو من ناحيتها الفكاهية كما هو الشأن في كل عصبية من ~~قبيلها، ولكن أصحابها لم ينفردوا بهذه الناحية الفكاهية؛ لأنهم كانوا يقابلون من الطرف ~~الآخر بناحية تضارعها أو تزيد عليها في نزعتها المضحكة؛ إذ كان «المتفرنجون» يومئذ يزهون ~~برطانتهم المستعارة زهو الحديث النعمة، أو زهو الغني الذي نسميه «غني الحرب»، وإن كان غناه ~~من غيرها، وقد كان بعض هؤلاء المتفرنجين ينسى لغته - اللغة الأم كما يقال - في عرض الخطاب ~~فيلوي لسانه بالكلام الدارج في الإنجليزية أو الفرنسية، كأنه يجهل ما يقابله باللغة العربية ~~الفصيحة أو العامية. # وكان المعنيون بالأدب منهم يبالغون في اشتراطهم تعلم اللغات لتكوين ملكة الكتابة، حتى ~~خلطوا بين القدرة على الكتابة وبين القدرة على توسيع موضوعاتها وتصحيح معلوماتها واختيار ~~مناسباتها العصرية بعد مناسباتها التقليدية، وما زالت العصبيتان على انفراج بعيد في الزاوية ~~إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية بقليل، ثم أخذت هذه الفرجة شيئا فشيئا في الاقتراب حتى ~~التقى الخطان أو كادا قبيل هذه الأيام؛ لأن دارسي العربية عرفوا اللغات الأجنبية وتعلموها ~~واطلعوا على ثقافتها وعلى المترجم من روائعها، ودرس «المتفرنجون» آداب شعرائنا وكتابنا ~~الذين سبقوا أيام الحضارة الفرنجية وتقدموها، فكفكفوا من غلوائهم الأولى وعلموا أن ملكة ~~الكتابة قد توجد على أحسنها وأبلغها عند أديب لا يعرف كلمة من ms033 اللغات الأوروبية. ~~••• # وذات يوم من أيام الحرب العالمية الأولى، والزاوية المنفرجة آخذة في التلاقي والاقتراب، ~~شاءت أزمة الصحافة المعطلة أو المقيدة أن أشتغل بالتعليم، ناظرا لمدرسة المؤاساة الإسلامية ~~ومدرسا للأدب والترجمة، ثم مدرسا بالمدرسة الإعدادية الثانوية، فمدرسة وادي النيل ~~الثانوية. # وعلى صفحات كراسة الإنشاء التقيت بالأسلوب المنفلوطي لأول مرة، وعنيت بنقده لأول مرة في ~~دروس التعليم، قبل عنايتي بنقده في مجال الثقافة الواسع ببضع سنوات. ~~••• # كانت الوصية الأولى لطالب «الإنشاء» عند أساتذة اللغة العربية بإجماع الآراء: اقرأ كتب ~~المنفلوطي واكتب على منواله. # وكان موضوعات الإنشاء كلها تنتهي بالبكاء على بطل من الأبطال المألوفين في النظرات ~~والعبرات، وهم كلهم أناس يبكون ويبكى عليهم؛ لأنهم مخذولون منكسرون، أو مضيعون في ذمم ~~اللئام وقرناء السوء، وقل منهم من هو مسئول عن خيبته أو قادر على إنصاف نفسه والاقتصاص ~~لها ممن يجني عليه، وكان من ديدن التلاميذ إذا كان الموضوع في غير هذه الأغراض أن ينحرفوا ~~به إلى عبارة محفوظة يستطردون بعدها إلى مناسبة للبكاء والشكوى، يسردونها أحيانا بكلماتها ~~المسطورة في القصة أو المقال. # في ذلك العهد كنت أناهز الخامسة والعشرين، وكانت قراءاتي المفضلة في فلسفة الحياة موزعة ~~بين فكرتين تجتمع حولهما جملة الأفكار عن المثل الأعلى للشباب الناظر إلى مكانه من الدنيا ~~ومن الناس، وهما: فكرة «السوبرمان» للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، وفكرة البطولة أو عبادة ~~البطولة لتوماس كارليل فيلسوف البريطان الأيقوسيين، الذي كان بعض أبناء وطنه يلقبونه ~~بالأيقوسي «المتجرمن»: لأن كتابته عن الأدب الألماني كانت أكثر وأقرب إلى الإعجاب من كتابته ~~عن أدب بلاده. # وقد كتبت عن نيتشه مقالا في مجلة «البيان» قبل الحرب العالمية، لعله كان أحد المقالات ~~الثلاث أو الأربع الأولى التي كتبت عنه باللغة العربية، وتحدثنا كثيرا مع الشيخ البرقوقي ~~صاحب «البيان» عن كتاب «الأبطال»، فلم يهدأ حتى عهد إلى زميلنا الكبير «محمد السباعي» ~~بترجمته والابتداء به قبل سائر الكتب المختارة للترجمة والتلخيص في برنامج المجلة. # ونشبت الحرب العالمية الأولى بعد قليل، فلم يكن لقراء الأدب الغربي يومئذ حديث في ms034 غير ~~فلسفة «نيتشه»؛ داعية القوة والعظمة عند الألمان ومحرك القوم في رأي بعض النقاد إلى الحرب ~~والمغامرة في سبيل السيادة على العالمين. # ولم أكن قط مؤمنا بفلسفة نيتشه، ولا معجبا بسوبرمانه على صفته المترددة بين أشتات ~~أقواله ودعواته، فقد كان مثال القوة المحبوبة عندي ذلك البطل القوي الذي يعطي الضعفاء من ~~قوته ولا يأخذ من ضعفهم لنفسه، مجتمعين كانوا أو متفرقين. # ولم يكن بطل كارليل كذلك مثلي الأعلى في تقدير العظماء، وإنما كان النفور من استكانة ~~الضعف عندي أقوى من الأعجاب بسطوة البطولة، ما لم تكن بطولة فداء وزجر للطغاة من الأبطال، ~~وقد حفزني التفكير اللاعج في هذه المسألة - أثناء السنة الأولى من سنوات الحرب - إلى تأليف ~~رسالتي عن «مجمع الأحياء» للموازنة بين فلسفة القوة وفلسفة السوبرمان وفلسفة المثل ~~الأخلاقية العليا، وجعلت ذلك على ألسنة الحيوان من الثعلب والقرد والحمامة والأسد وابن آدم ~~وبنت حواء إلى ختام الرسالة بخطاب الطبيعة، وفي خطاب القرد أقول عن الخير أمام القوة: # وبحسب الخير أنه منذ اهتدى إليه الناس تراجعت القوة وتمردت النفوس على شريعتها، ~~فأصبح أقوى الأقوياء لا يجرؤ على الاعتداء والجور باسم القوة العمياء، إلا أن يتمحل ~~لها المعاذير ويتذرع لها بسبب من الحق والعدل، فبطل القول القديم: اعمل ما تستطيع. ~~وخلفه القول الجديد: اعمل ما يحق لك عمله، وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ولست ~~أعني أن القوة العمياء قد خضعت للحق كل الخضوع ودانت له في الصغائر والكبائر، فهذا ~~ما لا يدعيه الحق، وما ينبغي للحق أن يدعي ما ليس له، ولكن عنيت أن الناس لا يسلمون ~~اليوم بظلمها وإن اضطروا إلى الخضوع لها، ولا تقتنع ضمائرهم بشريعتها، وإن لم تكن ~~لهم حيلة في تبديلها. ويا ضيعة العالم إن سلموا! ويا سوء المنقلب إن اقتنعوا! إذ ~~ليس وراء ذلك إلا أن يسترخي الأقوياء فيفقدوا العزيمة والمضاء، وينزل الضعفاء عن ~~الحياة بنزولهم عن الرجاء، فتنعدم القوة الحافزة المجددة بين هؤلاء وهؤلاء، وينهار ~~سلم النشوء والارتقاء إلى حضيض الموت والفناء، فاذكروا ms035 يا قوم - أقوياءكم وضعفاءكم ~~- أن التسليم للقوة الغاشمة يفسد القوي منكم والضعيف، وأنه لا شيء يشرف التسليم له ~~الأقوياء، كما يشرف الضعفاء، غير الحق، فاتخذوه لكم قبلة وإماما، واجعلوه لكم ~~صاحبا ولزاما، واذكروا أن العالم لم يسلك طريق هذه الآداب وله ندحة عن سلوكها، ~~ولم يلجأ إليها وفي وسعه الاستغناء عنها؛ لأن الطبيعة لا تملك الخيار بين طريقين. # ولقد بلغ بي الاشمئزاز من الاستكانة للضعف مبلغ النفور الحسي مما لا يطاق النظر إليه ~~بالأعين أو لا يطاق شمه بالأنوف، وبعض ذلك ظاهر من القصيدة التي نظمتها خلال الحرب ~~العالمية، وقلت فيها أوجه الخطاب إلى الشباب الضعفاء: # نحوا وجوهكم عني فقد سئمت # نفسي المقابر في أسلاخ أحياء # في كل دار شباب ينهضون بها # إلى العلا بين جيران وأعداء # لا يحفلون أعاشوا وهي ناجية # أم أصبحوا طي أرماس وأحناء # يعلو بهم ذكر من بادوا ومن لحقوا # وأنتم عار آباء وأبناء # ويتصور القارئ «معلم إنشاء» يعالج في طويته كل هذا النفور الثائر على أعراض الاستكانة ~~والخور، ثم يرى أمامه - عند جمعه لأول محصول من محاصيل الكراسات الإنشائية - تلا من تلك ~~الكراسات لا تخلو إحداها من ميزاب دمع أو مأتم شجو وأنين! # لقد كانت «مظاهرة» ضعف لم أجد ما أقابلها به غير مظاهرة سخرية تصلح لها، أوحاها إلي منظر ~~حجرة المطبخ التي تطل عليها الفرقة المدرسية، وفيها خزين اللوازم المدخرة لإعداد الطعام من ~~البصل والثوم والأرز والدقيق وما إليها، وكانت المدرسة الإعدادية التي اشتغلت بالتعليم فيها ~~مع صديقي المازني مدرسة «نصف داخلية»؛ أي إنها تقدم طعام الغداء للطلبة ولمن يشاء من ~~المدرسين، مع خصم ثمن الوجبات آخر الشهر من المرتب وعليه الزيادة من حساب القهوة أو الشاي ~~أو الأشربة الصيفية. # واستدعيت الطباخ إلى الغرفة، وسألته سؤال العارف كما يقال: أعندك بصل صعيدي حار؟ # قال الرجل مستغربا: كل البصل الذي عندنا من الصعيد، ومن الصنف الجيد، والغالب عليه أنه ~~حار شديد الحرارة! # قلت: حسن، هذا ما نريد، فإذا جاءك أحد من تلاميذ هذه الفرقة فأعطه ms036 ما يطلب من هذا الصنف، ~~ولا تتركه يفارقك حتى تذيقه الكفاية منه لمسيل الدموع؛ مقدار منديل أو منديلين، وقدم الحساب ~~- باسمي - إلى ضابط المدرسة السيد عبد الحميد. # وكان السيد عبد الحميد هذا من أظرف الضباط الذين عرفناهم في المدارس الثانوية، وهو الذي ~~كنا نسأله عن الحضور صباحا: هل دق الجرس الثاني؟ فيجيب وهو جاد لا يبتسم: من زمان يا ~~أستاذ، قبل الأول! # وانصرف الرجل وهو لا يصدق أذنيه، حتى واجهته بالضابط الظريف وأفهمت هذا سر «المظاهرة» ~~فتممها من فنونه المعهودة: ومنها أن البصل لازم للعمل في حصة الإنشاء، ومنها أن المطبخ قد ~~أصبح ملحقا بالمعمل في دروس هذا الأستاذ! إلى آخر ما اخترعته بديهته التي لم تكن تخذله في ~~مثل هذا المقام. # والتفت إلى الطلبة قائلا: من كان منكم يخزن في عينيه فائضا من الدمع فالبصل أولى بمهمة ~~تصريفه من كراسة الإنشاء! ~~••• # ولا يحسبني القارئ العصري الحديث أنني بالغت في شعوري بإفراط المنفلوطي في البكاء أو ~~بإفراط فئة من شباب تلك الآونة في النعومة والفتور، فإنني لم أقل عن دموع المنفلوطي بعض ما ~~رثاه به شوقي وهو يقول من أبيات كثيرة: # من شوه الدنيا إليك فلم تجد # في الملك غير معذبين جياع؟ # أبكل عين فيه أو وجه ترى # لمحات دمع أو رسوم دماع؟ # أما الشباب الناعم فقد كان موضوعا مألوفا مطروقا بين موضوعات التمثيل الفكاهي ~~والأحاديات المسرحية «المنولوجات». وكان أشهر الممثلين المغنين سلامة حجازي يخصهم بغير قليل ~~من نغماته، وإحداها قصيدة الدكتور شدودي التي نظمها بعنوان: «فتى العصر» وقال في ~~مطلعها: # بالله قل لي يا فتى العصر # ماذا تركت لربة الخدر؟ # فلم تكن سورة «السوبرمانية» ولا البطولة المعبودة هي التي كانت تحضرني حين رأيت الكراسات ~~أمامي تفيض بكلمات «النظرات» و«العبرات»، وبعضها منقول بحروفه من مقالات هذا الكتاب أو ~~ذاك. # وقد عرفت أسلوب المنفلوطي في الصحف قبل التقائي بأسلوبه المنقول في كراسات الإنشاء، ~~ولكنني كنت أتناوله من جانب المطالعة الأدبية العامة ولم أنظر إلى الجانب «التربوي»، ولا ~~شعرت بالاتصال بينه وبين ms037 غاشية الضعف عند ناشئتنا قبل أن أشهد هذا الأثر في أكبر معاهد ~~التعليم «الأهلي» في تلك الآونة. ~~••• # وسرعان ما وصلت قصة الدموع والبصل إلى السيد المنفلوطي من طريق المطبخ أو طريق الفرقة أو ~~طريق الضابط الظريف؛ فقد أشار إليها في أول لقاء بيننا بعد ذلك بالمكتبة التجارية، ولم أكن ~~ألقاه كثيرا في المجالس الخاصة، ولا أذكر أنني لقيته في مجلس خاص غير مرة أو مرتين ببيت ~~الأمة، ولكنني كنت أشتري أكثر كتبي العربية من المكتبة التجارية فألقاه هناك بين حين وآخر، ~~ويجري بيننا الحديث كثيرا في المسائل العامة، وقليلا في المسائل الأدبية والثقافية. وفي ~~هذه المرة لقيته يوقع على بعض الأوراق، فقال لي بلباقته «البلدية» التي اشتهرت عنه: بسم ~~الله، أو «بسم اللا» باللهجة الدارجة، وهي كما يعلم القراء دعوة إلى الطعام. # فقلت له سائلا: «بسم اللا» في التوقيع فقط أو في قبض الفلوس؟! # فعاد يقول بتلك اللهجة البلدية أيضا: الحكاية لا تستحق «مش قد المقام»، إنها أرخص من ~~«البصل»! # قلت مجاريا في سياقه: ولعله أحلى من العسل. على حد نداء الإخوان في منفلوط. # ولاح لي في المناقشة الوجيزة التي جرت بيني وبينه، على أثر ذلك، أنني لم أنفذ منه إلى ~~موضع إقناع في كل ما ذكرته عن أدب الشكاية أو أدب البكاء، وأيقنت أنه غير قابل للتحول عن ~~الشعور التقليدي بأن العاطفة هي الرقة وأن الرقة هي البكاء، وكل ما سمعته منه حول هذا ~~المعنى يتلخص في أنه يسأل الله أن يلهمه إعطاء الرحمة حقها وإعطاء البأس حقه، ولعله عنى ~~بذلك تصويره للعاشق المبارز في قصة «ماجدولين»، وتصويره للبطل المغامر في قصة «في سبيل ~~التاج»، ووصاياه الحسنة فيما كتب عن القضية الوطنية، وهو غير قليل بتوقيع منه أحيانا أو ~~بغير توقيع. ~~••• # وكانت أيام الأعياد مجتمع الأدباء بمجلس الزعيم الكبير سعد زغلول، فلقيت المنفلوطي مرة من ~~هذه المرات ومعنا جعفر ولي باشا - وزير الحربية يومئذ - وهو كثير الاطلاع على منظوم العرب ~~ومنثورها، وأساتذة لا أعرفهم، فجرى الحديث عن أساليب بعض ms038 الكتاب، فقال سعد: إنني أتناول ~~أسلوب هؤلاء الكتاب جملة جملة، فإذا هي جمل مفهومة لا بأس بها في الصياغة، ولكنني أتتبع هذه ~~الجمل إلى نهايتها فلا أخرج منها على نتيجة، ولا أعرف مكان إحداها مما تقدمها أو لحق بها، ~~فلعل هؤلاء الكتاب يبيعون بالمفرق «بالقطاعي» ولا يبيعون بالجملة! # قال الشيخ المنفلوطي: يغلب يا باشا أن يشيع هذا الأسلوب بين الصحفيين الذين يكلفون ملء ~~فراغ، ولا تتيسر لهم المادة في كل موضوع. # فابتسم الباشا، وقال الشيخ: «إنك يا أستاذ تتكلم عن الصحفيين وهنا واحد منهم!» ثم التفت ~~إلي وقال: «ما رأيك يا فلان؟» # قلت: «هو ما يقول الشيخ المنفلوطي مع استدراك طفيف.» # قال: «ما هو؟» # قلت: إن هذا الأسلوب هو أسلوب كل من تصدى لملء فراغ لا يستطيع ملأه سواء كتب في الصحافة ~~أو في غير الصحافة. # وعاد الشيخ المنفلوطي، فقال: «إن العقاد لا يحسب من الصحفيين لأنه من الأدباء.» # قال الباشا: «أوكذلك؟» # ثم تفضل بوصف موجز لكاتب هذه السطور، ليس من حقنا أن نرويه. # ولسنا نريد أن نحصر الأدب المنفلوطي كله في هذه الزاوية التي تلاقينا لديها على كراسات ~~الإنشاء، فهكذا عرفناه ويعرفه غيرنا إذا لقيه من هنا وعلى يمينه «سوبرمان» نيتشه و«بطل» ~~كارليل، وعلى يساره قضية تربوية في إبان أزمتها. # ولكن المنفلوطي في غير هذه الزاوية، يعرف بمكانته الأدبية العامة، فلا يعرف له نظير بين ~~أعلام الأدباء الناثرين من مطلع النهضة الكتابية قبل مولده إلى ما بعد وفاته، فليس بين ~~أدبائنا الناثرين من استطاع أن يقرب بين أسلوب الإنشاء وأسلوب الكتابة كما استطاع صاحب ~~«النظرات» و«العبرات»، فربما ذهب القصد في الكتابة بجمال الإنشاء في أساليب الناثرين ~~المجيدين، ربما ذهب الأسلوب «الإنشائي» الجميل بالمعنى المقصود في كتابة أدباء الفكر ~~والتعبير، ولكن المنفلوطي - قبل غيره - هو الذي قارب بين الجمال والصحة على نسقه الفصيح في ~~سهولة لفظ ووضوح معنى وسلاسة نغم، وهو لا يبلغ مبلغ التبرج بالصقل والزينة، ولا يترك التبرج ~~والزينة ترك المتقشف في مسوح النساك، وليس لدروس الإنشاء نموذج ms039 أصلح من هذا النموذج من ~~وجهته الفنية، وعن أدبه هذا أقول في بعض فصول «المراجعات»: إنه أحد الذين أدخلوا المعنى ~~والقصد في الإنشاء العربي، بعد أن ذهب منه كل معنى وضل به الكاتبون عن كل قصد، وكانت ~~الكتابة قبل جيله قوالب محفوظة تنقل في كل رسالة، وكانت أغراض الكتابة كخطب المنابر تعاد ~~سنة بعد سنة بنصها ولهجة إلقائها. # وقد اطلعت على مجموعة وافية مما كتب المنفلوطي للفن وما كتب بغير كلفة، فكان لكتابته على ~~كلا النمطين المتباعدين طابع الرائد المجاهد في أمثال هذه الرسالة: رسالة التقريب بين حفاوة ~~الإنشاء ورخصة الخطاب واطراح الكلفة. # ويتمثل طابع الرائد في تباعد الشقة بين موضع الحفاوة وموضع الرخصة مما يكتب للفن وما يكتب ~~لخاصة أمره، فكان المنفلوطي «يدبج» مقالاته الفنية فلا يفوته موضع العناية بكل كلمة وكل ~~فاصلة، وكان يكتب رسائله لصحبه - ومنهم المتعلمون بل المعلمون - فلا يبالي أن ترد فيها ~~أمثال هذه التعبيرات الدارجة: «فيدوني تلغرافيا» أو «مرسول لحضرتكم» أو «تأملوا ~~الأسطوانات حتى لا تكون مستعملة ثم أرسلوها في البوسطة» أو «فهموها أن ترسل شهادة المدرسة ~~المتخرجة فيها» أو «أهديك سلامي» أو «تلامذتك بخير يسلمن عليك وأرجو تبليغ سلامي لحضرات ~~الأفاضل إخوانك المعلمين». # وكلها من شواهد النظر إلى الكتابة الفنية، كأنما هي كتابة «الاستعداد والحفاوة»، وما عدا ~~ذلك من كتابة الأغراض الخاصة فرخصة العرف فيها أولى من كلفة الاستعداد، أو كلفة «السمعة ~~والحشمة!» # وتعيد إلينا قدرة المنفلوطي على تبسيط الأسلوب الجميل كلمة «أناتول فرانس» التي يقول ~~فيها: «إن البساطة الجميلة هي القدرة على إخفاء الجهد والكلفة، وإن النور الأبيض بسيط في ~~النظر، ولكنه أوفر الألوان تركيبا؛ لأنه توليفة من جميع الألوان.» # | محمد المويلحي # كانت للحياة الأدبية في القرن الماضي مؤامراتها ودسائسها التي تشبه المؤامرات والدسائس في ~~حياة القصور الملكية، والصواب أن مؤامرات الأدب ودسائسه كانت في باطن أمرها فرعا من فروع ~~المؤامرات المعهودة في كل حاشية ملكية؛ لأن الأدباء كانوا على اتصال قريب أو بعيد بحاشية ~~الأمير، وكان للقصر أشياع ودعاة بين أصحاب ms040 الأقلام كما كانت له خصوماته معهم على حسب الظروف ~~والعلاقات التي تتغير بينهم جميعا من حين إلى حين، وربما كان حامل قلم عونا على حامل قلم ~~آخر مرضاة للسياسة أو مرضاة للمنافسة المعهودة بين أبناء الصناعة. # وكان لمحمد المويلحي صاحب «عيسى بن هشام» نصيب واف من مؤامرات القصور، ولعله استحقها بقدم ~~الصلة بين أسرته وبين الأسرة الخديوية من عهد مؤسسها محمد علي الكبير، وقد عاش أبوه إبراهيم ~~في معمعان سياسة القصور بين عابدين بالقاهرة ويلدز بالآستانة، وكان صاحب القلم الوحيد الذي ~~اصطحبه الخديو إسماعيل إلى منفاه، سفيرا له في علاقاته بعد المنفى بالسلطان عبد ~~الحميد. # ولم يسلم المويلحيان معا من مؤامرات عابدين، ولم يسلم عابدين ويلدز معا من مؤامرات ~~المويلحي الكبير على الخصوص، وكان حامل القلم الذي اختارته حاشية عابدين للنكاية ~~بالمويلحيين صحفيا من أقرب الناس إليهما وأشدهم إعجابا بهما ومحاكاة لهما في أسلوبه، وهو ~~صاحب «الصاعقة» أحمد فؤاد، وما كان يرجو لصاعقته حظا في ميدان الصحافة أعظم من مقارنة ~~«مصباح الشرق» صحيفة المويلحيين في هذا الميدان. # وقد كانت وقيعة «أحمد فؤاد» بالمويلحي الكبير ألوانا لا تحصى من الشائعات والأراجيف ~~و«القفشات» التي كان ينشرها على الأندية والقهوات، وكانت وقيعته الكبرى بالمويلحي الصغير ~~أنه كان يجرده من ملكة الكتابة الأدبية، ويزعم أن «عيسى بن هشام» من قلم أبيه، وأنه كان يرى ~~مسودات المقالات بخطه في مطبعة المصباح! وكانت وقيعته بأبيه أنه طامع في إمارة الشعر بقصر ~~الأمير. # أما المويلحي إبراهيم، فكان أكثر من ند «لأحمد فؤاد» في ألوان الوقيعة؛ إذ كان يفل الحديد ~~بالحديد، ويكيل لتلميذه المتمرد بالكيل الذي يكيل به ذلك التلميذ، ويزيد. # وقد سكت عنه حتى أوهمه الصلح والرضا، ثم أوفده برسالة إلى الآستانة من تلك الرسائل التي ~~كانت تغدق الهيل والهيلمان على حامليها بين عابدين ويلدز وبين يلدز وعابدين، ثم بادر فأبلغ ~~الخبر إلى مدير «الشحنة» بالآستانة، فتلقى هذا صاحبنا أحمد فؤاد على «أسكلة الميناء» وانتزع ~~منه أوراقه انتزاعا، فإذا هي في سبيله إلى السجن بدلا من دار ms041 الضيافة! # وأما المويلحي محمد، فقد كان على مشابهته لأبيه في كثير من خصاله أقرب إلى عزلة التصوف ~~وترفع الوجاهة والإمارة، فلم يكن يعنيه من أحاديث أحمد فؤاد وأمثاله إلا أن يعقب عليها ~~بنكتة لاذعة أو سخرية واسعة، ونسميها بالسخرية الواسعة لأنها كانت تتسع حتى تشمل السخرية ~~بالشهرة الأدبية نفسها، فماذا لو لم يكن المويلحي الصغير كاتب «عيسى بن هشام» أو كاتبا على ~~الإطلاق؟ ذلك خطب هين كما كان المويلحي الصغير يقول، ولم يكن في الواقع يبالغ في تكلف ~~السخرية بالشهرة الأدبية؛ لأنه كان يرتضي لنفسه منزلة أحب إليه وأرفع عنده من منزلة الأديب ~~الصحفي المشهور، وهي منزلة الوجيه الحكيم العزوف عن الدنيا والناس. # ولقد شاعت وقيعة أحمد فؤاد في حينها، فلم نكد نسمع أحدا يتكلم عن «حديث عيسى» إلا وهو ~~يتقبلها أو يتساءل متشككا: أحقا كتبه المويلحي الصغير ولم يكتبه له أبوه؟ # وكنا نحن نعلم من أخبار «محمد المويلحي» أنه أوفر اطلاعا من أبيه، وندرك الفارق البعيد ~~بين ملكته الأدبية وملكة أبيه المرتجلة، ونعرف خلال سطوره مدى اطلاعه على كتب اليونان وكتب ~~الأوروبيين المتأخرين، مما توفر عليه ولم يتوفر عليه أبوه من قبله، ولا بعد اشتراكه معه في ~~حياته الأدبية، فكنا نعجب لشيوع تلك الوقيعة ولا نستطيع أن نفسره بغير هوى النفوس لاستماع ~~الوشايات والاغترار في تفرقتهم بين ملكة الأب وملكة الابن بالتفرقة بين اسم المويلحي ~~الكبير، والمويلحي الصغير. # ولكننا لقينا صاحب «عيسى بن هشام» بعد العلم به من طريق المطالعة وطريق السماع، فعرفنا ~~سببا أدعى من ذلك السبب لرواج الوقيعة التي أذاعها صاحب «الصاعقة»، فقد كان «محمد ~~المويلحي» أصدق مثل رأيناه لقول القائل: «سماعك بالمعيدي خير من أن تراه»، حتى كنا نروي ~~المثل بعد ذلك: «سماعك بالمويلحي خير من أن تراه»، وقد نزيد عليه: المويلحي الصغير توكيد ~~للنسخة الجديدة من ذلك المثل القديم! # كان صديقنا المازني يقول عن مشهور من مشاهير الشرق الحديث بغير حق: «إنك لا تحتاج إلى ~~أكثر من خمس دقائق في محادثته لتنزل به إلى مكانه ms042 من الاحتقار.» # والمويلحي الصغير تراه خمس دقائق، فلا تحتقره ولا تشعر من سمته ورصانته أنه قابل ~~للاحتقار، ولكنك تقدر له ما شئت من الصناعات الموقرة غير صناعة القلم أو صناعة الكتابة ~~الفنية، فإذا تكلم زادك إيمانا بأنه من أبعد خلق الله عن الكتابة، ولا سيما كتابة اللباقة ~~الفكاهية؛ لأنه يتعثر في كلامه وتعترضه فأفأة قد تطول، حتى تضطره إلى اختتام الكلام ~~والإشاحة بوجهه علامة الضجر من الحديث أو الرغبة في السكوت، وإنما هو استحياء من تلك ~~العثرات التي تعترضه أحيانا خلال الحديث. # رأيت أول مرة - كما رأيته آخر مرة - بكساء «البونجور» الذي لا يغيره في الشتاء ولا في ~~الصيف، وإن غيره من لون إلى لون ومن نسيج إلى نسيج. # ورأيته بعد المقابلة الأولى أسابيع متوالية لم أكن أسمع منه خلالها غير الكلمات التي يفوه ~~بها رئيس العمل وهو يوقع الأوراق الرسمية أو يعيدها للمراجعة والاستيفاء، ولكنني كنت في كل ~~مقابلة من تلك المقابلات القصار أخرج من مكتبه وقد ازددت علما بسرعة خاطره وسداد ملاحظته ~~وقدرته على إيجاز القول والكتابة بما يفيد على البديهة، بغير كلفة ولا إطالة روية. ~~••• # لقيت «محمد المويلحي» لأول مرة في ديوان الأوقاف وهو يومئذ مدير قسم الإدارة، ويتبعه ~~تحرير مجلس الديوان الأعلى ومجلسه الآخر الذي كان يسمى بمجلس الإدارة أو المجلس الإداري، ~~ومن أقلامه قلم «السكرتارية»، وهو يومئذ ندوة المنشئين والمترجمين والأدباء والمحررين، ~~يعملون «رسميا» في إعداد المذكرات التي ترفع إلى المجلسين وتهذيب أسلوبها وتصحيح لغتها، ~~ولا يفرغ منهم لهذا العمل في الواقع غير اثنين أو ثلاثة، مع الاستعانة - قليلا أو كثيرا - ~~بمعارف الأدباء اللغوية، إذا التبس عليهم الأمر في صحة كلمة أو سلامة أسلوب، وقد كان في قلم ~~السكرتارية من المنشئين والشعراء والمترجمين والمشتغلين بالأدب والتحرير رهط منظور إليه في ~~الديوان كله من طراز عبد العزيز البشري، وعبد الحليم المصري، وأحمد الكاشف، وحسين الجمل، ~~وحسن الدرس، وأمين الدولة، ومحمد فكري، وغيرهم فئة قليلة من الكتاب الديوانيين غير معروفين ~~بين أكثر الموظفين، وغير هؤلاء رهط آخر ms043 في الديوان ولكن في غير قلم السكرتارية، نذكر منهم ~~صديقينا الشاعرين المجيدين علي شوقي، ومحمود عماد. # وكانت كتابتي الأدبية - السياسية - طريقي إلى وظائف الديوان، والفضل في ذلك لخصلة من خصال ~~الفضول المحمود عند صديقنا الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة «البيان» طيب الله ثراه. # كان من دأبه أن يطمئن إلى تحرير مجلته بإهدائها إلى شيوخ الأدب والصحافة وسؤالهم عن ~~موضوعاتها كلما زارهم أو زاروه في مكتب المجلة، وكان ممن يسألهم في ذلك حافظ عوض ومصطفى ~~صادق الرافعي، ومحمد المويلحي، وهو قليل الزيارة، لا يزار في غير مكتبه بالديوان، فلاحظ ~~حافظ عوض أن اسم الكتاب الذي أترجم بعض فصوله لا يطابق أصله باللغة الإنجليزية، وهو ~~«الأكاذيب المتفق عليها، في مدنيتنا» والمجلة تذكره باسم «الأكاذيب المقررة في مدنيتنا ~~الحاضرة». # فزاد انتقاده من ثقة الشيخ بكاتب هذه السطور؛ لأنني ترجمت العنوان كما ذكره الأستاذ حافظ، ~~ولكنه هو اقترح تسجيع العنوان لأنه أجمل بعناوين الكتب، فلما جاءه النقد من بعيد - وهو على ~~عادته سريع التصديق - قال لي إنه لن يرفض رأيا لي مطاوعة لرأي السجعة بعد الآن! # وكنت أسمع من البرقوقي غير مرة أنه يحفل برأي مصطفى صادق الرافعي في البلاغة العربية، ~~ولكنه لا يحفل به، بل يرفضه، في أذواق الأدب الحديث ومباحثه الفكرية، وقد أنحى الرافعي على ~~«ماكس نوردو» صاحب الكتاب وعلى كاتب هذه السطور مترجم فصوله، فكانت هذه الشهادة المعكوسة ~~خيرا من الثناء في تقدير الشيخ. # ثم سأل المويلحي - وهو يعلم عنه كثرة الاطلاع على أمثال هذه المؤلفات الأوروبية - فعاد ~~المويلحي يسأله: بماذا يشتغل هذا الشاب؟ # قال الشيخ: بلا شيء! # قال: أتراه يعيش على شيء من ميراث جده العقاد؟ # فأفهمه الشيخ أنني لا أنتمي إلى السيد حسن موسى العقاد المشهور، وأنني أعيش بالقليل مما ~~يردني من أهلي وبالقليل من أجور المقالات أو فصول الكتب المترجمة، فقال المويلحي مبتسما: ~~إنه أولى بالوظيفة من أكثر «التنابلة» عندنا، فشجعني ما سمعت على طلب الوظيفة في الديوان، ~~فطلبتها فأجيب طلبي لساعته بغير امتحان، وبدأت العمل فيه ms044 مساعدا لكاتب المجلس الأعلى بقلم ~~السكرتارية، وهي وظيفة من أخطر وظائف الديوان في تلك الفترة، قبيل تحويل الديوان إلى وزارة ~~ذات «ميزانية» ملحقة بميزانية الدولة. # وتتابعت المناسبات التي كانت تدعوني إلى مراجعة «المدير» في بعض الأوراق، فلا أذكر أنني ~~سمعت منه حديثا غير الذي يصدر من «مدير الإدارة» وهو يملي توقيعاته ويوجه مرءوسيه، إلا مرة ~~واحدة كان الحديث فيها دائرا بينه وبين بعض زواره حول مسألة تتصل بالسياسة وطلب الدستور، ~~فجرى ذكر الفيلسوف «هربرت سبنسر» وعلمت من إشارته الوجيرة إليه أنه كان على إلمام بكتابه عن ~~«الإنسان والدولة». # على أن الأحاديث التي تتعاقب عن مسائل فنية تتعلق بتحرير المذكرات وإملاء التوقيعات لا ~~تخلو بطبيعتها من دلالة على مبلغ اقتدار الرئيس الإداري في فن الكتابة الأدبية، وكل ما ~~أستحضره اليوم من إشارات المدير المجملة، وتصحيحاته العاجلة، وتوقيعاته المبرمة، أنها من ~~إيحاء «معلم» في صناعة القلم على هينة وفي غير كلفة ولا مشقة. # فكان على أناته في الحديث يملي التوقيع المصحح للعبارة الرسمية فلا يتوقف في الإملاء، ولا ~~ينسى ضرورة التوفيق بين العرف الديواني وبين العبارة العربية الفصيحة، ولا يبدو عليه أنه ~~ينتقل من الارتجال إلى الروية وهو يمضي في إملائه على من حوله، وقد يتعدد هذا الإملاء في ~~وقت واحد. # ومما روجع فيه حكمه الفني - والديواني معا - كلمة طال عليها الخلاف بين أنصار العرف ~~الديواني وأنصار الابتكار والتجديد في أساليب الموظفين؛ فقد كان المألوف بعد إقرار المذكرة ~~أن تذيل بكلمات قليلة لا تتغير لتوقيع المدير عليها، وهي: «محول على مجلس الإدارة»، أو ~~«محول على المجلس الأعلى». # وخطر لأديب من أدباء السكرتارية أن يخرج على هذه الوتيرة؛ حبا للتصرف الذي يليق ~~بأمثاله، وأنفة من «التقليد» الذي يلتزمه الموظف العتيق، فذيل المذكرات المعروضة على الجلسة ~~كلها بكلمة «محال على المجلس»، ولم يذكر صفته اكتفاء بعنوان الديباجة. واحتكم المختلفون إلى ~~المدير، فكانت إحدى الفتاوى التي ظهر فيها صاحب «عيسى بن هشام» من وراء صاحب العزة البيك ~~المدير. # قال المويلحي: الحق أنني لا أرى صيغة ms045 «التحويل» إلا ذكرت محطة باب الحديد، وذكرت «محولجي» ~~الرصيف! # ولا بأس بصيغة «محال» بدلا من صيغة «التحويل» فهي صحيحة مليحة، ولكن يخشى إذا قيل «محال ~~على المجلس» أن يفهم المجلس أنها مستحيلة عليه، وتبتعد هذه الشبهة إذا قيل «محال ~~إليه». # ثم سأل: ولماذا لا يذكر اسم المجلس الذي تحال إليه؟ # فقال صاحب التعديل: لأنه معروف من ديباجة العنوان. # فحكمت «النكتة» حكمها على صاحب «عيسى بن هشام» وقال للأديب المتحذلق: وهل تكتب على ظرف ~~الجواب «ملحق بما تقدم» بدلا من العنوان السابق فيما تقدم من الجوابات؟ إن الوثائق الرسمية ~~لا تعرف الملل من التكرار، فاكتبوا اسم المجلس كاملا في ذيل كل مذكرة ولا «تدوشونا» بمشكلة ~~«محول ومحال» في جلسة أخرى، فلا حرج من تكرار صحيح في أمثال هذه الأوراق! ~~••• # وربما لمحنا صاحب «عيسى بن هشام» قبل صاحب العزة المدير في هذه الملاحظة الديوانية، فمنها ~~نلمح ذوقه في اجتناب ما يتحرى اجتنابه من الكلمات المطروقة، وتلك على الأكثر كلمات اللغة ~~الفصحى التي تسري إلى اللهجة العامية فتجري على ألسنة الناس مجرى العبارات التي يختلط فيها ~~الابتذال بالإفصاح، ثم تتلبس - مع تداعي الخواطر - بكلمات معلقة بأحاديث السوق أو أحاديث ~~الصناعة اليومية، وأظهرها هنا مادة التحول الفصحى، التي «تحولت» مع الاستخدام الحديث إلى ~~تحويلة الرصيف وإلى قافية «المحولجي» - على حد التعبير الدارج بين «شخصيات» عيسى بن ~~هشام. # وإنك لترجع إلى كتابات محمد المويلحي، فلا تلبث أن تلاحظ إذا التفت إلى هذه العادة ~~القلمية عنده، أنه أقل كتاب عصره إساغة للكلمات المطروقة من هذا القبيل، إلا على سبيل ~~النكتة والدعابة، وقد كانت هذه الكلمات المطروقة تتخلل المقالات في عصره بالعشرات والمئات، ~~ولكنك تحسبها في كتابات المويلحي فلا تراها تزيد على أصابع اليدين، وقد تعمدت أن أراجعها في ~~كتابه «علاج النفس»، وهو في أكثر من مائتي صفحة، فوجدت منها قوله: «انصرافهم بكليتهم نحو ~~المستقبل»، أو قوله: «فترى الواحد منا إذا اضطجع فوق فراشه»، أو قوله: «إن الفضل فيها بينهم ~~ليس للشخص»، إلى عبارات كهذه لا يخطر ms046 للقارئ أنها من قبيل اللفظ الدارج المطروق، إلا إذا ~~علم أنها قد سلكت سبيلها إلى الشارع والسوق. # وربما كان الابتذال أبغض شيء إلى الرجل في كل خصلة من خصاله، وفي كل شاغل من شواغل حياته، ~~فمن مراقبتي لمسلكه المطبوع قرابة سنتين أستطيع أن أفهم أنه كان - كما تقدم - يرتضي لنفسه ~~سمتا واحدا لا يعلوه عنده سمت يظهر به الإنسان بين الناس، وذلك هو سمت السري الحكيم ~~العزوف عن مواطن الزحام، فهو عنده أعز وأكرم من سمت الرئيس الملقب والأديب المشهور، وهو في ~~طبيعته وراثة، قد زادها تمكنا منه أنه لم يرث من أبيه طلاقة اللسان، التي كانت تحبب إليه ~~غشيان المجلس أو مناوشة الجلساء بالكلام، كما كان يناوشهم بالقلم على صفحات الأوراق. # وروي عن أبيه أنه مر بدكان تاجر كبير - وهو راكب - فحياه، فلم ينهض لرد تحيته ودعوته إلى ~~النزول لديه، فمضى قليلا، ثم عاد إلى التاجر يسأله عما عنده من فناجين القهوة، حتى عرض ~~عليه التاجر فنجانا ثمنه عشرة مليمات، فألقاه من يده على الأرض فانكسر، وناول التاجر قرشا ~~وهو يقول ويهم بالانصراف: إن من يقيمه ويقعده قرش لا يحق له أن يترفع عن رد التحية على كائن ~~من كان. # وقد كان عزوف محمد أشد من عزوف أبيه، وكان يلزم داره شهورا لا يفارقها، إذا صفرت يده من ~~المال الذي يجاري به أقرانه في مجال الإنفاق خارج الدار، واستقال من وظيفته بديوان الأوقاف ~~بعد إعلان الحرب العالمية الأولى - وهو لا يستغني عن مرتب وظيفته - لأنه أحس أن أعوان ~~السلطان الجديد يغضون من قدره ولا يعاملونه بما هو أهله، وعكف على داره بقية حياته لا ~~يبرحها إلا لرياضة أو عمل يلجئه إلى الخروج. # وفي اعتقادنا أن هذه الأنفة إنما كانت وليدة اعتزازه بنسبه وعقله قبل اعتزازه بأدبه ~~وعلمه، وأن مواجهة أقرانه بهذه الأنفة قد أصبحت عدته الكبرى لحفظ مكانته بالكرامة الملحوظة، ~~بعد أن زالت ثروة البيت التي كانت تغنيه - لو بقيت - عن إحضار هذه المناظرة في ذهنه، بين ~~أناس من ms047 ذوي البيوتات أقدر منه على مظهر البذخ والجاه. # وأشد ما تكون هذه المناظرة حين يتنافس أبناء «الذوات» من الطبقتين المتقاربتين في ذلك ~~العهد: طبقة «الذوات» أبناء العرب، وطبقة الذوات «أبناء الترك» أو طبقة الوجاهة «البلدية» ~~وطبقة الوجاهة «الأتركة». # فإنك لا تقلب صفحتين من حديث «عيسى بن هشام» إلا لمست فيها هواه من أبناء البلد وسخريته - ~~بل استجهاله واستحماقه - لنفخة الذوات من الطبقة الأخرى، وهو لا يعفي أبناء البلد من دعابته ~~وغمزه، ولكنه يداعبهم ويغمزهم كما يفعل أبناء الأسرة الواحدة في مناوشات الدار بغير زراية ~~ولا نقمة، وعلى غير هذا النحو كان منحاه إذا كتب عن الآخرين. # بل نحسب أنه لم يكن يألف موضوعا للكتابة إلا ما يحسب من موضوعات الناقد المترفع أو ~~المشرف المتبسط في ساعات فراغه، فكل ما كتبه في «حديث عيسى بن هشام» فهو نظرات إلى الدنيا ~~والناس من هذه الشرفة المطلة عليها وعليهم، وكل ما اتخذه من أدوار هذا النقد الاجتماعي، ~~فإنما هو دور «فرجة» لا دور صناعة قلمية، مهما يبلغ من شأنها، فما بلغ في عرف مناظريه من ~~ذوات «الأتركة» أن تقارن منزلة الوجاهة والرئاسة. # وهذه العصبية بين «ذوات» البلد وذوات «الأتركة» هي التي ضمته مع أسرته جميعا إلى معسكر ~~الثوار وأبعدته عن معسكر «الخديو» وأعوانه من الجراكسة وخدام الدولة، وقد كان بيت المويلحي ~~أقرب إلى بيت محمد علي منذ قيامه في الحكم من أكثر البيوتات الوطنية. # ولما فرغ من نشر «عيسى بن هشام» لم يعمد إلى إتمامه و«تقفيله» كما يقال في اصطلاح ~~التأليف، ولكنه عمد إلى موضوع آخر من موضوعات الحكمة والتهذيب تليق بتلك الشرفة التي يستوي ~~عليها الناقد الاجتماعي، فألف كتابه «علاج النفس» الذي طبع بعد وفاته، وساقه مساق الواعظ ~~الحكيم للمتأدب المستمع، وإن كان قد تلطف في تقديمه فقال إنه ليس «في منزلة أوامر الطبيب ~~للمريض، بل في منزلة دواء مجرب من مريض إلى مريض، ومن عاجز مستزيد إلى طالب مستفيد». # ولا نرى أن الأمر في لياذه بتلك «الشرفة» كان أمر وجاهة وسمعة ms048 وكفى، فإنه كان في لبابه ~~أقرب إلى قداسة الدين لما فيه من حفظ أمانة الانتساب إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين؛ إذ ~~كان بيت المويلحي ينتسب إلى الحسين - رضي الله عنه - وكانت له بهذا النسب سيادة مرعية في ~~بلاد العرب، وولاية على محلة «المويلح» لا ينساها خلفاؤه الأدباء في عهد المناظرة والمنازعة ~~بين سلالة العرب الأقدمين، وسلالة الترك المحدثين. ~~••• # إن المويلحي الصغير قد أصبح أكبر المويلحيين في العصر الحاضر، وإنما يذكر ب «حديث عيسى»، ~~وقلما يذكر بكتابه الآخر عن «علاج النفس»، وهو على هذا طبقة في بابه لا تقصر على طبقة عيسى ~~بن هشام في بابه، ولكن مزية هذا أنه فاتحة منفردة في الأدب العربي الحديث، تذكر بها حقبة ~~كاملة سجلها فأبدع في صدق تسجيله وحسن تمثيله، وكان فيها الكفاية لذكر كاتبها بين الرعيل ~~الأول من رواد عصره وما بعد عصره من عصور الآداب العربية المقبلة، وسيظل هذا الكتاب نموذجا ~~يقتدي به من يطلب التجديد، ويتعلم الابتداء به على نهجه القويم؛ فهو مثال من النقد ~~الاجتماعي يضارع أبلغ المثل في الآداب الأوروبية المعاصرة، ولكن المؤلف لم يقطعه مبتورا من ~~جذوره بموطنه ليغرسه غريبا بين مواطن الضاد على غير منبته، بل تناول جذور المقامة العربية ~~فأقامه عليها وأحسن تناولها وإقامتها لفظا ومعنى، فهو مقامة يرتضيها «بديع الزمان» ومنهج ~~من النقد العصري يرتضيه «سويفت» و«لي هنت» و«هايني» و«أناتول فرانس». # | وراء التراجم والسير # 1 # في حديثنا عن محمد المويلحي صاحب عيسى بن هشام، أشرنا إلى دسائس الأدب، بل ودسائس ~~القصر، في عصره، وقلنا: «إن مؤامرات الأدب ودسائسه كانت في باطن أمرها فرعا من فروع ~~المؤامرات المعهودة في كل حاشية ملكية؛ لأن الأدباء كانوا على اتصال قريب أو بعيد ~~بحاشية الأمير.» # واتفق أن نشرت إحدى المجلات الأدبية قبل كتابة الحديث - في باب «الفكر والأدب قبل ~~ستين سنة» - نبذتين منقولتين عن صحيفة «مصباح الشرق» وصحيفة «الصاعقة» لهما اتصال وثيق ~~بتلك المؤامرات، وفيهما دلالة على محور المؤامرات التي كانت تدبر في القصر وتتصل ~~بالكتاب والأدباء ممن تحدثنا ms049 عنهم، وهم: علي يوسف، ومصطفى كامل، ومصطفى لطفي المنفلوطي، ~~والبكري، ومحمد المويلحي، ولا يستطيع ناقد خالي الذهن مما وراء تراجمهم من خفايا القصور ~~أن يفهم طبيعة الحملات الأدبية والمناوشات القلمية، فضلا عن حملات السياسة ومناوشاتها ~~التي يشتركون فيها؛ ومن هنا وجب أن نكشف النقاب عما وراء تاريخ الأدب من تاريخ القصر في ~~تلك الفترة. # جاء في النبذة التي نقلت عن «مصباح الشرق» بعنوان «حادثة دراكتوس»: # اشتغل صاحب المؤيد طول الأسبوع بالكتابة عن حادثة دراكتوس فكتب ما يلي: ساءنا ~~أن أحد أبناء الذوات المشهورين بالذكاء والنباهة قد استعمل الشدة والقسوة مع ~~محرر إحدى الجرائد الأسبوعية المشهورة بحسن الكتابة والتوقيع، والنابغ في ~~الانتقادات الشخصية، فضربه على خده وصفعه على قفاه. ولا صحة لما قيل من أنه جره ~~بيده من أذنه بلا جريرة ولا ذنب سوى أن المضروب رحب بالضارب عند دخوله حانة ~~دراكتوس قائلا مازحا: أهلا بالفاتن أو الفتان. # ثم عقب محرر «المصباح» على ذلك قائلا: # ثم كتب - المؤيد - غير ذلك في عدد 5نوفمبر ما يضيق المقام عن نقله لطوله، وقد ~~حدثت لنا حادثة كنا نظنها من الأمور الخاصة: أنا محمد المويلحي أقر وأعترف ~~بأنني كنت في دكان دراكتوس عشية يوم السبت 25 من شهر أكتوبر مع جماعة من ~~الأصحاب، وبينما أنا جالس إذ دخل محمد بك نشأت وقال لي: بونسوار مويلحي! فأجبته ~~كعادتي معه مازحا: أهلا بالفتني! وهي تعريب الكلمة التي يطلقها عليه أصحابه ~~بالفرنسية ~~“Petit interegat” ~~، فما كان منه أن ~~ضربني بكفه على وجهي فلم أتحرك من مكاني ولم تتغير جلستي، وقلت له: ما زدت أن ~~فعلت ما يمكن لأي حمار في الطريق أن يفعله مع أكبر كبير ... إلخ إلخ. # فهذه القصة إحدى قصص ثلاث لها سلسلة من العناوين المتقاربة: عام الكف، وعام الكفء، ~~وعام الكفر، محورها هم: محمد المويلحي، وعلي يوسف، ومصطفى كامل، وبواعثها من دسائس ~~القصر رغبة الحاشية الاستيلاء على مناصب الرئاسات الدينية في البلاد، ولا سيما الرئاسات ~~التي لها إشراف على الطرق الصوفية وأوقافها، وتقترن بها منافسة ms050 أصحاب الأقلام على مركز ~~شاعر الأمير، وكاتب الصحيفة السيارة التي تعتبر لسان حال الأمير. # ولقد كان محمد المويلحي مرشحا للعمل الصحفي الذي يمثل سياسة الأمير، ويقوم مقام لسان ~~الحال بالنسبة إليه، وكان يعين أباه على طموحه إلى مركز شاعر الأمير، فكان كلاهما ~~منافسا خطيرا للشيخ علي يوسف في عالم الكتابة السياسية والمنادمة الشخصية للأمير في ~~مجالسه الخاصة، وهما أكتب من الشيخ علي من الوجهة الأدبية وأوسع ثقافة في اللغة العربية ~~واللغات الأجنبية، وأقدم عهدا بالاتصال الوثيق بالأسرة الخديوية التي صاحبتها أسرة ~~المويلحي منذ عهد مؤسسها، ورفع شأنها عند هذه الأسرة انتساب المويلحيين لآل البيت ~~النبوي، نسبة أثبت من تلك التي ادعاها صاحب المؤيد بعد ذلك، عندما أراد الخديو عباس ~~ترشيحه لمشيخة السادات الوفائية، ومهدوا لذلك بمصاهرة الشيخ علي يوسف لهذا البيت على ~~الرغم من عميده السيد عبد الخالق؛ مما انتهى به الأمر إلى قضية الزوجية المشهورة وعزل ~~الخديو للشيخ أحمد أبي خطوة قاضي المحكمة الشرعية التي حكمت بإلغاء الزواج، وتعيين ~~الشيخ الرافعي الذي كان يؤوي السيدة صفية في بيته بعد صدور القرار بالفصل بين الزوجين ~~خلفا للأستاذ الإمام. # فما هو إلا أن سمع الشيخ علي يوسف بخبر اللطمة التي أصابت محمد المويلحي، حتى فتح ~~لأخبارها وتفصيلاتها صدر صحيفته، وحرص على تسمية المكان الذي وقع فيه الحادث باسم ~~«الحانة»، وتحريف الكلمة التي قالها المويلحي لتظهر للسامعين بها كأنها من لغة ~~المغازلة، وفي كلا الأمرين ما يعطل المويلحي عن الترشيح لمقام لسان الحال ومقام المشيخة ~~الصوفية، ولم يحفل المويلحي بالرد على «المؤيد» إلا ليقول إن الحادث وقع في «دكان» لا ~~في حانة، وإن الكلمة التي فاه بها هي كلمة «الفتني» لا كلمة الفتان. # وسمى المؤيد العام كله باسم عام الكف، وألح على ذكر الحان في المنظومات الشعرية التي ~~كانت تنشر تحت هذا العنوان، ومنها: # يا صريع الأكف صدغك أمسى # خلقا مثل طيلسان ابن حرب # أنت في الحان في أمان وسلم # وهو في معمعان حرب وضرب # ومنها: # لا تدخل الحان والصناع ثائرة # حتى ms051 تقام حواليك المتاريس # وألح الشيخ كذلك على ذكر شهر الصيام في إبان المعمعة، فكتب بعض شعراء هذه المقطوعات ~~يقول: # إن شهر الصوم قد حل ففز # فيه بالأجر وشكر الشاكرين # وختم المقطوعات بأبيات تشير إلى شهر رمضان يقول ناظمها: # إن هذا الشهر شهر يجتني # فيه أمثالك صفع الصافعين # قد محونا آية الكف وها # نحن نتلو اليوم آي الراحمين # وكان المشاع يومئذ أن المقطوعات جمعيا من نظم الشاعر إسماعيل صبري؛ لأن المويلحي كان ~~يلقبه في مجالسه باللقيط! ولكن المعلوم أن شعراء آخرين قد اشتركوا في نظمها، ما عدا ~~حافظ إبراهيم صديق المويلحيين. ~~••• # وجاء دور الشيخ علي يوسف في تشهيرات هذه العناوين المتسلسلة، فظهر عام الكفء بعد عام ~~الكف! إذ كان السيد عبد الخالق قد طلب تطليق ابنته من صاحب المؤيد؛ لأنه غير كفء للزواج ~~من الشريفات، وجده مشكوك في إسلامه، واستعان المويلحي باطلاعه الواسع على الأدب ~~العربي القديم، فاستخرج من قصة الشاعر الأحوص مع مطر زوج أخت امرأته التي كان يهواها ~~بيتين من أبيات الأحوص، كأنما نظما لهذه المناسبة، وأبيات الأحوص هي: # كأن المالكين نكاح سلمى # غداة نكاحها مطرا نيام # فلا غفر الإله لمنكحيها # ذنوبهم، وإن صلوا وصاموا # فلو لم ينكحوا إلا كفيئا # لكان كفيئها الملك الهمام # وإن يكن النكاح أحل شيئا # فإن نكاحها مطرا حرام # سلام الله يا مطر عليها # وليس عليك يا مطر السلام # فطلقها فلست لها بكفء # وإلا يعل مفرقك الحسام # وكأنما الإشارة هنا إلى أن الأمير نفسه هو الكفء لبنت السادات، وليس الشيخ علي الذي ~~أذن له الأمير في زواجها. # ولم يكن مع المويلحي أحد من كبار الشعراء في عالم الكفء غير حافظ إبراهيم، وقد كان ~~«يرد الجميل» في وقت واحد للشيخ علي يوسف بعد حملات المؤيد على المفتي، وللشاعر أحمد ~~شوقي منافسة على الشهرة وعلى مطمع آخر ستأتي الإشارة إليه، فنظم حافظ لهذه المناسبة ~~قصيدته البائية بعد طول صمته، وقال فيها: # حطمت اليراع فلا تعجبي # وعفت البيان فلا تعتبي # فلا تعذليني لهذا السكوت # فقد ضاق بي منك ms052 ما ضاق بي # إلى أن قال عن قضية الزوجية، ولم ينس الناحية الدينية فيها: # وقالوا «المؤيد» في غمرة # رماه بها الطمع الأشعبي # دعاه الغرام بسن الكهول # فجن جنونا ببنت النبي # فضج لها العرش والحاملوه # وضج لها القبر في يثرب # وقالوا لصيق ببيت الرسول # أغار على النسب الأنجب # والطمع الأشعبي في البيت يشير إلى ضياع ثروة الشيخ علي في مضاربات «البورصة»، وهي من ~~المقامرة التي لا تحمد من أحد، فضلا عن شيخ الطريق. # ولقد كان لحافظ إبراهيم نصيبه المهم من هذه الدسائس التي كانت تحاك لترشيحه لوظيفة ~~شاعر الخلافة في البلاد العربية الإسلامية، منافسة لشاعر الأمير أحمد شوقي، فما زال به ~~الخبثاء حتى زينوا له نظم أبيات في الشاب «شكيب» معشوق أبي الهدى الصيادي صاحب النفوذ ~~الأكبر في حاشية السلطان عبد الحميد، فقال على لسان الشيخ أبي الهدى: # أخرق الدف إن رأيت شكيبا # وأفض الأذكار حتى يغيبا # فاسألوا سبحتي فهل كان تسبي # حي فيها إلا شكيبا شكيبا # فذهبت مساعي من رشحوه ذلك اللقب الفخم بعد اقترابها من النجاح. # أما عام «الكفر» فلم يكن له شأن هذين العامين من أقلام الأدباء، ولم يهتم به صاحب ~~«المؤيد» كثيرا؛ لأنه آثر أن ينتظر للخلاص من مزاحمة مصطفى كامل مناسبة أخرى، وتلك هي ~~مناسبة إغلاق الصحف التي كان مصطفى كامل يصدرها باللغات الأجنبية، وهي التي كان علي ~~يوسف يخشى أن تجعل مصطفى كامل لسان حال للأمير في الصحافة الأجنبية ولم يكن يخشى ~~مزاحمته في الصحافة العربية؛ لأن مصطفى كامل نفسه كان ينوي أن يقطع صلته الصحفية ~~بالقصر، حتى كتب خطابه الصريح إلى الخديو عباس يبلغه فيه أنه سيبتعد عن كل صلة بالحاشية ~~الخديوية؛ صيانة لمقام الأمير من تهديد المحتلين إياه من جراء تلك الصلة، وهذه هي ~~الفعلة التي استكثرها بعض المتملقين على صحفي يخاطب أميره، فحملوا عليها بعنوان «عام ~~الكفر»، وأسكتها الناصحون بإيعاز من الأمير. # على أن صحيفة المويلحيين لم تصبح لسانا سياسيا للقصر، ولكنها أصبحت لسانا للحركة ~~الأدبية مسموع القول في نقد الكتابة والشعر ms053 وفي الموازنة بين الكتاب والشعراء، وكان ~~قولها في ذلك منتظرا مرموقا في أندية الأدب والثقافة، ومنها أندية القصر نفسه وأندية ~~المعارضين لسياسته ومؤامراته. وكانت خطتها العامة - فيما عدا فترات القلق الزئبقي التي ~~اشتهر بها المويلحي الكبير على الخصوص - أن ترجح كفة حافظ إبراهيم على منافسيه، فلم يكن ~~من اليسير أن تساق إلى خطة الزراية به وتهوين شأنه ونكران فضله، ولكن «مصباح الشرق» ~~كانت تنافسها، وتحاكيها «صحيفة» أخرى على أسلوبها، هي صحيفة «الصاعقة» الأسبوعية، ~~وصاحبها أحمد فؤاد تلميذ المويلحي، يواليه يوما ويكيد له أياما، على حسب الطلب ~~والجزاء. وفي الصاعقة كانت تنشر الحملات التي يأباها «مصباح الشرق» ويترفع عن قبولها أو ~~مجاراة طلابها، ولا سيما الحملة على حافظ، ومحاولة الإيقاع بينه وبين نصيره الأكبر ~~الأستاذ الإمام، وقد أملى على صاحبها أن ينكر على حافظ قدرته على الشعر والنثر معا ولو ~~كان من النثر المترجم؛ فلا يصلح بطبيعة الحال لولاية الديوان العربي ومعه ديوان ~~الترجمة، فجاء في مقال نشرته بعد صدور الجزء الأول من ترجمته ل «البؤساء»: # إنا لنبدأ بأولهم؛ ذلك المعجب بنفسه الذي عرضه الغرور للاستهزاء، وهو حافظ ~~إبراهيم، ولما كان معدوما من مزية تمييز الصحيح من الفاسد والخطأ من الصواب ~~والجيد من الرديء، وكان مجبولا على الإعجاب بنفسه؛ ظن فاسده صحيحا وخطأه ~~صوابا ورديئه جيدا فيما جمعه في البؤساء من خليط كلام الغابرين. # إلى قول الكاتب: # ولقائل أن يقول: لو أن الكتاب كذلك، فلم قرظه المفتي؟ فنجيب المعترض بأن ~~فضيلة المفتي من العلماء الأعلام، وعنده من الاشتغال بأمور الإسلام ما يشغله عن ~~قراءة مثل هذه الترهات. ولكن جبرا لكسره، وتخلصا من إلحاح حافظ، وفرارا من ~~تحمل غصص رؤيته والاجتماع به؛ قال ما قال، وعلم الله أن فضيلة الأستاذ تأذى ~~كثيرا من تقريظ البؤساء. # ويقول المطلعون على أحوال القصر إن المويلحيين أوشكا في وقت من الأوقات أن يبلغا ~~مطلبهما من الأمير، وهو مركز شاعر الأمير للمويلحي الكبير، ومهمة الدفاع عن سياسته ~~للمويلحي الصغير. # وربما كان إبراهيم المويلحي أصلح أبناء عصره لوظيفة ms054 الشاعر في قصر الإمارة، كما كانت ~~تفهم في تلك الحقبة؛ لأنها كانت وظيفة تجمع بين نظم الشعر لمناسباته ومواسمه، وبين ~~منادمة الأمير في مجالسه وسهراته وساعات طربه وخلوته لسماع المغنين والمغنيات، ولم يكن ~~إبراهيم المويلحي دون علي الليثي ومحمود أبي النصر في فن النظم ولا في المنادمة، بل كان ~~أعرف منهما بأدب العرب والإفرنج، وأقدر منهما على الحديث في مختلف شجونه، وقدرته على ~~نظم التواريخ بعدد الحروف المعروفة بتواريخ «الجمل» لم يكن يدانيها أحد من معاصريه، ~~وقد كانت هوى الملوك والأمراء من شعر المديح لتسجيل أوقاته ومواعيده، فلم ينظم شاعر من ~~هذا الفن قصيدة تضارع قصيدة المويلحي الكبير التي استقبل بها عباسا الثاني (سنة 1902)، ~~وكل شطر منها تاريخ للسنة الهجرية (سنة 1220) يوافق معاني الكلمات في غير تكلف ظاهر ~~يقتضيه التوفيق بين النظم ومجموع الأرقام، وهذه أبيات منها: # وافى الخديوي فحسب النيل أفراحا # واستبشر الناس لما نجمه لاحا # والمجد ينصره والقطر يشكره # والملك يذكره بالعدل إن ساحا # وقد كان الخديو عباس يأنس لإبراهيم المويلحي في مجالسه، ويعلم ولع جده إسماعيل ~~بمسامرته ومنادمته، فضلا عن الاعتماد على لباقته للسفارة بينه وبين ولاة الأمر في ~~الدولة العثمانية، ويعلم أن جده قد بلغ من ولعه به أنه اصطحبه دون غيره من أصحابه ~~وندمائه عند مفارقة القطر إلى منفاه. ولعله كان موضع اختياره شاعرا له لولا اعتراض ~~المحتلين على تقرير هذه الوظيفة في الميزانية؛ لأن النظام المالي في حكومات العصر ~~الحديث لا يعرف عملا يسمى عمل الشاعر أو النديم الخاص بمجالس الملوك والأمراء، ومن أجل ~~هذا سميت وظيفة «أحمد شوقي» باسم رئيس الديوان العربي، ولم تعرف «رسميا» باسم شاعر ~~الأمير. # وربما كان طموح الوالد إلى هذه الوظيفة سببا من أسباب نقد ابنه لشعر شوقي وقوله - ~~على الخصوص - إنه لم يكن يحسن الحديث عن الملوك والأمراء، ولولا ذلك لما تحدث عن ~~إسماعيل، وهو يقول عنه إنه: «الخديو المشار إليه»، ولا تحدث عن توفيق فقال: «ثم مد ~~إلي العزيز يده فقبلتها واجما .» ولا أذكر أنه كان يركب ms055 حمارا أبيض وهو يذهب للقاء ~~الأمير، ولا أكثر من مقدمته من الزهو والسهو والحشو كما قال، ولا شبه العزيز بعمر بن ~~الخطاب فقال وهو يصف حفلة الاستقبال: # فهو بينهم عمر # والوفود تنتدب # وإنما عمر بن أبي ربيعة هو الأجدر «بمجلس الطرب والعزف، والرقص والقصف، والقدود ~~والخدود، والصدور والنهود، والنحور والعقود». # فقد كان هذا النقد - كما هو ظاهر - أقرب إلى نقد «لياقة النديم» منه إلى نقد بلاغة ~~الشاعر، وعند لياقة النديم تنتهي منافسة المنافسين للأديب الظريف والسمير الممتع؛ أبيه ~~إبراهيم! # إلا أن المويلحيين كانا - ولا ريب - وفاق الشروط جميعا، بمقياس الأمير قبل كل شيء، ~~لوظيفة شاعر القصر ولسان حاله، لولا قصورهما عن شرط واحد، كان عند الأمير أهم وألزم من ~~جميع هذه الشروط، وهو شرط الاستقرار والكتمان الذي لا بد منه لكل من يعمل في حواشي ~~الأمراء، فقد كان كلاهما - ولا سيما الأب - من أصحاب المزاج الزئبقي الذي لا يطول ~~قراره، ولم تكن لهما حالة في السياسة ولا في العلاقات الحميمة يطول الاطمئنان إليها، ~~فلم يفلحا حيث أفلح شوقي الصامت الحصيف، وعلي يوسف الناطق الأمين بلسان الحال. ~~••• # وفي «الصاعقة» التي كانت تخدم الحاشية الخديوية كما تقدم، نشرت أعنف قصيدة من قصائد ~~الهجاء للخديو عباس ولجميع الأمراء في أسرة محمد علي من قبله ومن بعده، وتلك هي قصيدة ~~الاستقبال التي اتهم البكري والمنفلوطي بنظمها، وهي فيما نرجحه من نظم البكري كلها، ما ~~عدا بيتا أو بيتين اشترك فيهما المنفلوطي أو أضافهما إليها بموافقة السيد ~~توفيق. # وقد كان موقف العميد «الصوفي» الكبير من بيت محمد علي كموقف المويلحيين بين الإقبال ~~والأعراض، وبين المودة والجفوة، وبين المعونة والمكيدة، ولكن عميد السادة البكريين كان ~~له موقفه الخاص بين رواد القصر، وهو موقف بيت بكري من بيت الأسرة العلوية، فكان على حذر ~~دائم من الخديو عباس؛ لأنه - في ذكائه واطلاعه على ما وراء الستار، ومصاحبته لعباس منذ ~~أيام الدراسة - لا يجهل سياسة البيت العلوي من جميع البيوتات التي اشتركت قديما ~~وحديثا في خلع الولاة وتنصيبهم بمراجعة ms056 الباب العالي في الآستانة، وأولها: بيت البكري ~~العريق، وسياسة عباس لم يكن بها خفاء نحو جميع البيوتات ذوات الرئاسة الدينية، فإنه كان ~~يحاول جهده أن يحل فيها أشياعه ومريديه وينحي عنها الأقوياء من أبنائها ذوي «الشخصيات» ~~الملحوظة في الدوائر العليا، وأحذر ما كان يحذره أولئك الذين تتصل العلاقة بينهم وبين ~~كبار الأجانب من السفراء ووكلاء الدول، ولم يكونوا أقرب إلى هذه الأوساط من السيد توفيق ~~البكري؛ لمعرفته باللغات الأجنبية ونشوئه نشأة الأمراء في المعاهد الأوروبية. ومن يدري؟ ~~إن أعيان القاهرة وقناصلها كان لهم الشأن الأول في تنصيب الولاة حتى بعد قيام الأسرة ~~العلوية إلى أيام إسماعيل، فإذا حدثت بين زعازع السياسة التركية والأوروبية حادثة تدعو ~~إلى تغيير الأسرة الحاكمة، فهل من البعيد أن يرشح للحكم الجديد سليل بيت عريق في ~~البلاد، له من سمته وتربيته وعلاقته بالآستانة ووكالات الدول ما يلفت الأنظار إليه عند ~~البحث عن الخلف المطلوب؟ # والذي لا نشك فيه أن القصيدة كانت من نظم البكري مع مشاركة قليلة للمنفلوطي في بعض ~~أبياتها؛ لأن المناظرة بالآباء والأجداد والمقابلة بين الدخيل «القولي» والأصيل ~~«البكري» تخطر لسليل بيت الصديق ولا تخطر للمنفلوطي، على انتمائه لآل البيت النبوي بغير ~~تلك الوجاهة الملحوظة في تاريخ الولاية، ولقد كانت آخر كلمة وجهها السيد توفيق إلى ~~الخديو عباس حين وبخه هذا، وقال له على مسمع من الملأ في حفلة المحمل: أنت قليل الأدب: ~~«كلا، لست أنا قليل الأدب، أنا وزير مثلك، وآبائي وأجدادي لهم الفضل على آبائك ~~وأجدادك.» # لا جرم يكون قائل هذه الكلمة هو ناظم تلك الأبيات التي يقول فيها: # يذكرنا مرآك أيام أنزلت # علينا خطوب من جدودك سود # رمتنا بكم «مقدونيا» فأصابنا # سهام بلاء وقعهن شديد # فلما توليتم طغيتم وهكذا # إذا أصبح «القولي» وهو عميد # أعباس ترجو أن تكون خليفة # كما ود آباء ورام جدود! # فيا ليت دنيانا تزول وليتنا # نكون ببطن الأرض حين تسود # ونحن ننقل الأبيات هنا كما سمعناها بالرواية مخالفة للقصيدة المنشورة في «الصاعقة » ~~بعض المخالفة، وكل ما فيه ms057 من ذكر القصور والنعمة المحدثة والأسرة الطارئة كلام من له ~~نشأة راسخة في القصور والنعمة التالدة والحسب العريق. # ولم يكن عباس - وهو الذي سماه كرومر أستاذا في فن الدسائس - قاصرا على «رد الجميل» ~~من نوعه في هذه الحملة، فإنه أراد أن يستخرج من مادة الشعر وثيقة على البكري بخط يده ~~تسقطه في بيئة الدوائر الأجنبية العليا، وأهمها عنده دوائر الوكالة البريطانية، فأوعز ~~إلى ولي من أولياء القصر بين رجال الأدب أن يستدرج السيد إلى كتابة قصيدة ينظمها في ~~موضوع من موضوعات الغزل المحظور، وكان حفني ناصف أقرب هؤلاء الأدباء صلة بالسيد البكري ~~ينشده ويستمع إليه، فلما ذهب يزور السيد، وأقبل هذا ينشده من جديد نظمه، تعمد حفني أن ~~يستثيره وقال له: أيها السيد! إنك ممن لا ينبغي لهم الشعر، فدعه لنا وحسبك فخار الشرف ~~والجاه! وحمي غضب السيد فتحداه أن يجاريه في نظمه إن استطاع، وقبل حفني التحدي على ~~شريطة أن يكون موضوع القصيدة شخصيا لا يستعار من ناظم آخر في باب من الغزل المحظور، ~~فكتب البكري أبياتا في المعنى المقترح بخطه، وكتب حفني أبياتا في معناها، ثم أخذ ~~أبيات البكري فأظهر الاعتراف برجحانه عليه في فن الشعر فوق رجحانه عليه في الحسب ~~والنسب! وذهب إلى النافذة يوهم السيد أنه يمزق الورقتين ويلقيهما حيث تلقى المهملات، ~~ولكنه مزق ورقته وأبقى الورقة الأخرى في جيبه، ثم أسرع بها إلى القصر ليسلمها إلى ~~الخديو، فأسلمها الخديو إلى لورد كرومر في أول لقاء بينهما، وقيل إنها كانت آخر العهد ~~بدعوة السيد إلى حفلات الوكالة البريطانية، وآخر العهد بزيارة العلية من رجال الدول ~~لقصر الخرنفش؛ حيث كانت لهم زيارات متكررة في المواسم والأعياد. ~~••• # نقرأ ل «حفني ناصف» - رحمه الله - رسالة من أبلغ رسائل العتاب على الأسلوب السلفي، ~~كتبها إلى توفيق البكري يقول فيها، وكان قد زاره فتخطاه السيد إلى جاره ولم يقرئه السلام: # وجاء السيد في موكبه، وجلالة محتده ومنصبه، فقمنا لاستقباله وهينمنا بكماله، ~~فمر يتعرف وجوه القوم حتى حاذاني، وكبر على عينيه أن ms058 ترياني. # إلى أن يقول: # فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الأجناس، فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس، ~~وإلا فلماذا يطوف على بعض الضيوف، ويحييهم بصنوف من المعروف، ويتخطى الرقاب إلى ~~صروف، ويخترق لأجله الصفوف؟ فإن زعم السيد أنه أعلم بتصريف الأقلام، فليس ~~بأقدم هجرة في الإسلام، وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه، فليس بالممكن أن ~~يتخذه من أوليائه. # والمقصود بصروف، كما هو معلوم، صاحب «المقتطف» الدكتور يعقوب صروف، ولم يؤثره ~~السيد لأنه أقدر على إطرائه، فإن الدكتور يعقوب لم يكن من أصحاب أقلام الإطراء، ولكنه ~~آثره لأنه ربما كان أقدر في الدوائر العليا على محو المسبة التي جاءته من ناحية الحاشية ~~الخديوية. ~~••• # ونحن لا نتجاوز في مقالنا هذا بعض الأمثلة على مؤامرة الأدب التي لا تفهم دون العلم ~~بما وراءها من مناورات القصور، ولم نزد فيها هنا على ما يحيط منها بالأعلام الذين كتبنا ~~عنهم في هذا الكتاب. # 2 # في مقالاتنا بعنوان «حياة قلم» عرضت مناسبة لعلاقة «إبراهيم المويلحي» بمؤامرات ~~القصور في القاهرة والآستانة، ذكرنا فيها بعض حوادثها ملخصة في القصة التالية: # حدث أن حركة في القاهرة زلزلت عرش عبد الحميد بالآستانة - وهي حركة تركيا ~~الفتاة - وأن رجلا، شهرته دعوة القلم واللسان، ذهب إلى إيران لإتمام هذه ~~الدعوة، فطرده الشاه، وأهانه اثنان من وزرائه، فقتل الثلاثة جميعا، وقال ~~قاتلوهم إنهم قضوا عليهم بالحق انتقاما لذلك الداعية الطريد: جمال ~~الدين! # وكانت هذه الحقيقة من وقائع الحال الغنية عن المقال، ومن طرائفها المروية أن ~~السلطان عبد الحميد كان ينام في يلدز وعيناه على شارع محمد علي بالقاهرة، واتفق ~~يوما أن المويلحي الكبير - صاحب مصباح الشرق - دخل مكتب «المؤيد» ووجد فيه ~~نخبة من كتاب عصره وفضلائه، فتوقف عند الباب، وقال وهو يرفع يديه إلى سقف ~~الحجرة: قادر أنت يا رب أن تسقط هذا السقف على من تحته، فيستريح عبد الحميد! ~~قال محمد عبده - وكان من زوار الحجرة - نعم، لو تقدمت أنت خطوتين! # ذكرنا طرفا من أخبار المؤامرات وقصرنا الكلام ms059 فيها على أعلام الأدب الذين تقدمت ~~الكتابة عنهم، وهم: علي يوسف، ومصطفى كامل، والمنفلوطي، والمويلحي صاحب عيسى بن هشام، ~~ولكنهم طائفة معدودة من الذين اتصلوا بالقصور واجتذبتهم حبائلها أو اشتملت عليهم ~~شباكها، وغيرهم كثيرون من أبناء عصرهم وأبناء العصر الذي يليه، تعرضوا لمثل ما تعرض له ~~زملاؤهم من قبل، وامتزجت حياتهم العامة والخاصة كما امتزجت حركاتهم الأدبية والفكرية ~~بأسرار تلك المؤامرات، فلا سبيل إلى تقديرهم وتقدير بواعث أعمالهم بغير الاطلاع على تلك ~~الأسرار. # ومن أشهر الأخبار عن العلاقات المتصلة بين القصور ودوائر الأدب، ذلك الخبر الذي لم ~~يكتب في حينه، ولكنه ورد في مذكرات أحمد شفيق باشا التي نشرها بعد خلع السلطان عبد ~~الحميد والخديو عباس الثاني، وذلك هو خبر الأستاذ الإمام محمد عبده مع شبكة الجاسوسية ~~الصحفية في القاهرة والآستانة، وكان الخديو عباس شديد النقمة على الأستاذ لمعارضته إياه ~~في سياسة الأزهر وديوان الأوقاف، ولكنه لم يكن يستطيع عزله لغير سبب يمكن تقريره ~~والاستناد إليه، ولم يكن نظام مجلس الوزراء يسمح له بالتصرف في المناصب الكبرى بوحي من ~~أهوائه الشخصية، فأراد أن يتمسح بحقوق الخليفة الأكبر - عبد الحميد - في المسائل ~~الدينية، وانتهز فرصة السياحة الصيفية وسفر الأستاذ إلى الآستانة لتوريطه في موقف مريب ~~يؤدي بالاتفاق مع جواسيس «المابين» إلى اعتقاه «متلبسا» بحالة من الحالات الشائنة التي ~~لا تجمل بمفتي الديار، فلا يصعب على الخديو بعد ذلك أن يأمر بإخراجه من المناصب الدينية ~~ومن وظيفة التعليم بالجامع الأزهر، ولا يستطيع المستشارون الذين يشهدون مجلس الوزراء أن ~~يعارضوه باسم القانون المالي ونظام تأديب الموظفين. # وقد تولى هذه المهمة مكاتب «المؤيد» بالآستانة، فقدم نفسه إلى الأستاذ، وعرض عليه ~~خدمته لتمكينه من الفرجة على مناظر البلد التي يجهلها السائح الغريب ولا يهتدي إليها ~~بغير دليل، ولولا يقظة الشيخ محمد عبده وانتباه بعض المصريين في الآستانة إلى خبيئة هذه ~~الدسيسة، لاعتقل الشيخ في جهة من جهات اللهو المنكر يراقبها الشرطة، ويستطيعون على ~~الأقل أن يخرجوا من البلد من يصطدم فيها بالمشاغبين الغرباء، فيحق القول ms060 على الإمام ~~«المتهتك»، وتكون هي القاضية على سمعته وعلى جهوده ومشروعاته في سبيل الإصلاح. # وأمثال هذه «المؤامرات» بين سماسرة القصور وحملة الأقلام أكثر من أن تحصى، كنا نسمع ~~ببعضها في حينه، ولكنها لا تنشر في الصحف السيارة إلا بأسلوب التورية والتلميح، أو تنشر ~~عنها الكتب التي تصاغ بأسلوب «القصة الخيالية» وأبطالها جميعا معروفون. # ولم تنقطع هذه المؤامرات كل الانقطاع إلى زمن فاروق، ولكنها ذهبت شيئا فشيئا على ~~مراحل متعاقبة، ترتبط كل الارتباط بتواريخ القصور «ذات الشأن»، كما يقال في التعبيرات ~~الحديثة، وهي مراحل العلاقة بين قصر يلدز وقصر عابدين، ثم مراحل العلاقة بين قصر عابدين ~~وقصر الدوبارة، وهو عنوان دار الوكالة البريطانية المشهور. # ولهذا كانت الناحية الدينية غالبة على هذه المؤامرات في مرحلتها الأولى، وكان محورها ~~الأكبر مسألة الخلافة ومسألة السمعة الدينية أو الدعاية التي لها علاقة بالدين ~~وبالأخلاق. # كان السلطان العثماني يتهم الخديويين بالسعي إلى تحويل الخلافة من الترك إلى البلاد ~~العربية، وكان الخديويون يحذرون من سلطان الخليفة لأنه السلطان الذي كان من حقوقه أن ~~يخلع أمير مصر أو يبدل نظام الوراثة أو يساوم الدول الأوروبية على حساب الخديوية ~~المصرية، كلما كانت له في ذلك مصلحة من مصالح السياسة الدولية. # ومن هنا جاءت تلك القضايا التي ترتبط بمناصب الإفتاء ومشيخة الطرق الصوفية ومنازعات ~~الزوجية والكفاءة لها من وجهة النسب والوجاهة الاجتماعية، كما جاءت تلك الأقاويل التي ~~تدور على اتهام كبار الرجال العاملين في نهضة هذه الأمة، لأنهم ينازعون الخليفة أو ~~الأمير، ولا يسهل التغلب عليهم بغير التشهير وتدبير المواقف التي تنفر الناس منهم باسم ~~النخوة الدينية على الخصوص. # وقد ذهب عهد عبد الحميد، وبقيت لمسألة الخلافة ذيولها التي شهد المعاصرون آثارها في ~~حياتنا الفكرية، فإن الثورة الفكرية التي اشتبكت فيها أقلام العلماء والأدباء شهورا في ~~هذا البلد بعد ظهور كتاب «الإسلام وأصول الحكم»؛ لم تكن لتشتعل هذا الاشتعال لولا طموح ~~أحمد فؤاد إلى الخلافة، واعتقاده أنها توطد مكانه عند الدولة البريطانية لتستعين به على ~~حكم الإمبراطورية الهندية، ولو بلغ ms061 من شأنه أن يستفحل حتى يؤدي إلى سقوط الوزارة وإثارة ~~المشكلة الدستورية على وضع جديد. # وللناقد الأدبي - إذن - أن يجعل شعاره «فتش عن القصر» أو «فتش عن قضية الخلافة»؛ ~~ليفهم حقيقة لا غنى عنها في تقدير مدارسنا الأدبية في الجيل الماضي، وتقدير أسباب ~~التجمع والتفرق بين حملة الأقلام في كل مدرسة منها، وبغير هذا «الشعار» يتعذر عليه كل ~~التعذر أن يدرك الأسباب الكامنة وراء تكوين تلك المدارس من مجرد العلم بآثارها المكتوبة ~~وتراجمها المعروفة. # ولنضرب لذلك - مثلا - قصيدة الاستقبال التي قيل في مطلعها: # قدوم ولكن لا أقول سعيد # وملك وإن طال المدى سيبيد # وقيل في ختامها: # أعباس ترجو أن تكون خليفة # كما ود آباء ورام جدود # فيا ليت دنيانا تزول وليتنا # نكون ببطن الأرض حين تسود # فدسيسة القصيدة - على حد قولنا دسيسة الرواية - هي قضية الخلافة واتهام الخديو عباس ~~الثاني بالطموح إليها. # والأطراف المعنيون في القصيدة - كما ظهروا للناس - هم: السيد توفيق البكري، والسيد ~~مصطفى المنفلوطي، والشيخ حمزة فتح الله، وأحمد فؤاد صاحب «الصاعقة»، ومن وراء الستار ~~السيد إبراهيم المويلحي والسيد محمد المويلحي، والسيد علي يوسف، وأدباء الحاشية ~~الخديوية. # فالسيد توفيق البكري شيخ الطرق الصوفية والسادة البكرية ركن مهم من أركان قضية ~~الخلافة، بما كان له من المكانة الدينية، وما كان له في الآستانة من «الصفة الرسمية»، ~~التي خولته منزلة من الرئاسة تقارب منزلة الخديويين، وهذه هي الصفة التي عناها حين ~~أهانه الخديو عباس، فقال في جوابه: أنا وزير مثلك، وآبائي وأجدادي لهم الفضل على آبائك ~~وأجدادك. # والسيد مصطفى لطفي المنفلوطي كان في تلك الآونة طالبا فقيرا من طلاب الجامعة ~~الأزهرية، ولكن انتسابه إلى الشرف النبوي هو الذي قربه من شيخ الطرق الصوفية، وزج به في ~~منازعات الخلافة ومناوراتها. # والشيخ حمزة فتح الله هو أحد علماء اللغة من المغاربة الذين كان القصر الخديوي ~~معنيا بضيافتهم مع أمثالهم من علماء البلاد العربية، لاكتساب الصفة الإسلامية، ودوره ~~في قضية القصيدة أنه شطرها ليرده هجاءها إلى ناظمها، ويعنيه عناية خاصة من ناحية النسب ms062 ~~وعراقة البيت، وفي هذا التشطير يقول: # قدوم ولكن لا أقول سعيد # على فاجر هجو الملوك يريد # لئام لهم «بيت» من اللؤم عامر # وملك وإن طال المدى سيبيد # وأحمد فؤاد هو صاحب صحيفة «الصاعقة»، التي أنشئت لتكون صحيفة «الهجاء الاجتماعي» ~~الأخرى أمام السيدين المنتسبين إلى الإمام الحسين، وقد كان يومئذ إلى جانب الآستانة، في ~~تردده الطويل بين القصرين: قصر يلدز وقصر عابدين. # والمويلحيان وعلي يوسف كلهم ينتسب إلى الشرف، وكلهم يخوض معركة الكفاية الزوجية باسم ~~الانتماء إلى السادات، ومنظومات عام الكف وعام الكفء بعض ثمرات هذه المناوشات. # ومن وراء ذلك حاشية الأدباء في قصر عابدين، ودورهم في القضية مستور، ولكنهم يقومون به ~~من وراء الحملات التي تشن على أدباء القضية من وراء ستار. ~~••• # وفي المرحلة الثانية من مراحل المؤامرات بين القصور وحملة الأقلام، تأتي مؤامرات ~~النزاع بين قصر عابدين وقصر الدوبارة؛ مقر العميد البريطاني الذي كان يلقب بقيصر قصر ~~الدوبارة، وإليه يوجه حافظ إبراهيم قصيدته حين يقول: # قصر الدوبارة هل أتاك حديثنا # فالشرق ريع له وضج المغرب # وعنه يتحدث حين قال: # وما دام في قصر الدوبارة ربه # فسعد ودنلوب لعمرك واحد # وعلاقته البعيدة بمدارس الشعر تظهر في منظومات أناس، بلغ من قحة أحدهم أن يسمي قصائده ~~بالكرومريات معارضا بها «الشوقيات». ~~••• # ولولا أن عاملا جديدا ظهر في الوسط - وهو عامل الحركة الوطنية - لكان مجال ~~المؤامرات القلمية بين قصر عابدين وقصر الدوبارة أوسع من كل مجال آخر، بلا استثناء ~~لمجاله الأكبر بين يلدز وعابدين، ولكن ظهور هذه الحركة تحول بأصحاب الأقلام إلى معركتها ~~الصريحة في الصحف وعلى منابر الخطابة، ولم يترك للشئون الديوانية من الجانبين غير ~~«إجراء إداري» في يد الإنجليز لصرف الأقلام عن الكتابة السياسية، وإجراء إداري آخر في ~~يد الخديو لصرفها عن الصحافة «المشاغبة» عموما إلى ديوان الأوقاف، فكان نفوذ ~~المستشارين وراء تشجيع المجلات العلمية والأدبية، باشتراك الوزارات في مئات النسخ من ~~أعدادها الشهرية أو نصف الشهرية، وكان نفوذ الخديو وراء تعيينات الأدباء الكبار ~~والناشئين بديوان الأوقاف ، ومنهم محمد المويلحي كاتب ms063 «مصباح الشرق» و«عيسى بن هشام»، ~~وأحمد الأزهري صاحب مجلة «الأزهر»، وعبد العزيز البشري ابن شيخ الإسلام، ومعهم أدباء ~~آخرون لم يكن للخديو يد مباشرة في تعيينهم بالديوان، ولكن تعيينهم هناك شغلهم بالشعر عن ~~الكتابة الصحفية، وجعل من بعضهم شعراء يتسابقون إلى نظم المدائح الخديوية في مناسبات ~~المواسم والأعياد. ~~••• # وانتهت بانتهاء العلاقة بين مصر والدولة العثمانية مدرسة الكتاب والأدباء، الذين ~~كانوا يضعون قدما في هذا البلاط أو ذاك وقدما أخرى في بلاط صاحبة الجلالة، ونشأ الجيل ~~الجديد من الكتاب والشعراء في الهواء الطلق، أو في جو الحركة الوطنية بما اشتمل عليه من ~~نواح وأطراف، تارة إلى القصور وتارة عليها في صف المعسكر الجديد، وهو معسكر الأمة ~~بنواحيه وأطرافه التي أشرنا إليها. # انتهت تلك المدرسة من أصحاب الأقلام، ولم تنته مؤامرات القصر «القلمية» من طرف واحد ~~أو من كلا الطرفين، وقد كانت المصروفات السرية بعض وسائل القصر الخديوي لاصطناع الأنصار ~~ومحاربة الخصوم، ولم تكن كلها تصرف في خدمة السياسة الخديوية أو مطامع الخديو الشخصية، ~~ولكنها كانت كلها تصرف فيما يرضي الموكلين بتوزيعها على محرري الصحف والمشتغلين بالأدب ~~المنظوم والمنثور، وبعضهم كان من كبار موظفي القصر، وغيرهم كانوا من سماسرة الرتب ~~والنياشين غير الموظفين، وربما استعين بأموال الخاصة لهذا الغرض إذا خيف انكشاف الأمر ~~لديوان الرقابة على الميزانية. # وإلى عهد غير بعيد كان لأموال الخاصة - مع المصروفات السرية - عمله في اصطناع ~~المحررين والمؤلفين لتعبئة المعسكر «القلمي» حول دعوة الخلافة تارة، وحول الخصومات ~~الأدبية التي تعني القصر تارة أخرى. # فكانت الخاصة في عهد أحمد فؤاد تتولى الإنفاق على أبناء بعض الكتاب في المدارس ~~المصرية والأجنبية. # وكانت هذه الخاصة - مع مكتب المصروفات السرية - تنفق على إنشاء المطابع والمجلات؛ ~~لمحاربة الأدباء المخالفين لسياسة القصر والمناصرين لدعوة غير دعوته الخفية أو ~~العلنية. # في هذه الفترة نشأت المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها كاتب هذه السطور، وفي هذه ~~الفترة تعرضت هذه المدرسة للتشهير والتنديد في الصحف الأسبوعية التي تخصصت للهجاء ~~الاجتماعي والمناورات الأدبية والسياسية ، وكلها صحف يعرف من عرفوها ms064 أنها تقصد بحملاتها ~~من يبذلون المال في سبيل اتقائها، ولا يعنيها أمر أمثالنا من الناشئين الفقراء، إلا أن ~~يكون مصدر الحملة من ورائها، لا من بين يديها! # وتقدير الحملات الأدبية، والمدارس الفكرية أيضا، في هذه الفترة المتأخرة يعود ~~بالناقد المحقق - لا محالة - إلى ما وراءها في سراديب القصر وحواشيه، فلا حيلة له في ~~اجتناب هذه الناحية الخفية لتصحيح الحكم على طبيعة كل حملة أدبية ولباب كل خصومة عامة ~~أو خاصة بين القائمين بها، وإن لم يكن كله لازما في أمر المدارس المتأخرة لزومه في أمر ~~المدارس على عهد الأدباء الأسبقين. # ونظرة واحدة إلى ما وراء الستار قد تغني عن بحوث مستفيضة يجتهد لها الباحثون لوزن ~~الدعوة أو وزن الحملة بميزانها الصحيح، فلن يدرك الباحث حق الأسلوب من الرفق أو الشدة، ~~ومن الاعتدال أو الاندفاع، إذا كان نظره قاصرا عما يستدعيه ويدفع بصاحب القلم إليه، ~~فإن الأسلوب الذي يستدعيه نقد فكرة غير الأسلوب الذي يستدعيه إحباط مكيدة من وراء ~~الستار، يمالئها سلاح السلطان كما يمالئها سلاح الدرهم والدينار. # | الدكتور يعقوب صروف # كنت في زيارة للقاهرة حين لقيت الدكتور يعقوب صروف صاحب «المقتطف» حوالي سنة 1905. # وكانت زيارات القاهرة فرصة للبحث عن الكتب الخاصة التي لا تصل إلى الأقاليم مع الباعة ~~المتجولين، وقد يتطلب البحث عنها زيارة حي «الكتبية» إلى جوار الأزهر، أو زيارة حي الفجالة ~~حيث تباع المطبوعات العصرية؛ لأن قوائم المكتبات لم تكن يومئذ شيئا معروفا في بيئات النشر ~~والمطالعة، وكان المعروف المتداول منها لا يغني عن البحث في المطبعة التي طبعت الكتاب ~~والمكتبة التي تبيعه، وقلما يباع في سواها. # أما الكتاب الذي قصدت إلى دار المقتطف في مدخل شارع عبد العزيز للبحث عنه، فهو كتاب ~~«الكائنات» للشاعر الباحث العراقي جميل صدقي الزهاوي، وكانت مجلة المقتطف هي التي تولت طبعه ~~في القاهرة؛ لأنه يبحث في موضوع من موضوعات «فلسفة ما وراء الطبيعة»، وهي تلك الموضوعات ~~التي كانت تثير الريبة في الأقطار الشرقية إلى ما بعد أوائل القرن العشرين. # ولقد كان لقاء ms065 الدكتور يعقوب صروف - فيلسوف العصر عند المحدثين - هو الغرض الأول من زيارة ~~الدار؛ إذ كان في وسعي أن أسأل عن الكتاب بمخزن المطبوعات هناك، وكان في وسع عامل المخزن أن ~~يتولى إخراج الإذن ببيعه من رئيسه في إدارة المقطم أو إدارة المقتطف، ولكنني قدمت إلى ~~القاهرة من مدينة «قنا»، حيث كنت أعمل تلميذا بالقسم المالي في انتظار التثبيت، وأنا خارج ~~من إحدى «المعامع» الأدبية أو الفكرية، التي كان «يعقوب صروف» محورا من أهم محاورها ~~الكثيرة طوال أيام الحرب الروسية اليابانية. # ولا بد من ذكر الحرب الروسية اليابانية في هذا المقام؛ لأنها كانت في الواقع محور المحاور ~~في ميادين العصبيات السياسية والوطنية، والصحفية والأدبية يومذاك، بل كانت محور المحاور في ~~كل عصبية يثور لها الشباب الذي يعنى بشأن غير شئون الخاصة كيفما كان. # وكان النزاع حول الطرفين - روسيا واليابان - يشمل ضروبا من النزاع حول كل موضوع عام يشغل ~~أذهان الناشئة على الخصوص. # فكان النزاع الوطني يميل بالأكثرين من الشبان المصريين إلى جانب الدولة الشرقية الناهضة، ~~أو دولة «الشمس المشرقة» التي ألف فيها مصطفى كامل كتابه بهذا الاسم، كأنها المثال الأول ~~للأمم الشرقية المجاهدة في قضايا الحرية والنهضة والاستقلال، وفيها يقول حافظ ~~إبراهيم: # هكذا الميكاد قد علمنا # أن نرى الأوطان أما وأبا # وكان التنافس بين خريجي المدارس الإنجيلية والمدارس المحلية الأرثوذكسية على أشده وأوسعه ~~في عواصم الصعيد، ولا سيما في أسيوط؛ فكانت روسيا رمزا لعصبية المدارس الأرثوذكسية، وكانت ~~اليابان رمزا للعصبية الأخرى؛ لأنها صديقة الدول الإنجيلية التي تعادي روسيا في قضايا ~~السياسة العالمية، وفي مقدمتها إنجلترا والولايات المتحدة. # وكانت العداوة بين دولة القياصرة ودولة الخلافة الإسلامية سببا لعصبية أخرى، جمعت أنصار ~~دولة الخلافة إلى صف واحد يناصر اليابان، في سبيل الوطنية وفي سبيل الدين. # وكان أصحاب المقطم والمقتطف للمرة الأولى في صف واحد مع أنصار الوطنية وأنصار الدولة ~~العثمانية، مع ما هو معروف من موقفهم حيال تركيا وحيال بريطانيا. # أما عصبية الثقافة، فقد أبرزت أمام الخريجين من المدارس الإنجيلية اسمي: «يعقوب صروف» ms066 ~~و«فارس نمر» صاحبي المقتطف والمقطم؛ لأنهما كانا في عالم الكتابة أنبغ من اشتهر من كتاب ~~العلم والسياسة في عالم الصحافة الشرقية. وكانت هذه العصبية تبلغ الهزل على ألسنة المتشيعين ~~لهذين الكاتبين، حين يجعلونهما موضوعا من موضوعات النظم شعرا وزجلا، وهم لا يحسنون هذا ~~ولا ذاك باللغة الفصحى ولا باللغة العامية، ومما يحضرني من أبيات «الزجل» في الثناء على ~~«فارس نمر» قول أحدهم: # فارس نمر تعلملي وتهذبلي # وفي فنون العصر نابغلي # نابغلي في علوم العصري # وكان ساكنلي في بلاد الشاملي # واسمع له في الخطابة وتعال قل لي # واقرأ في المقطم والمقتطف يا خلي # وإذا بلغ بالحماسة «الأدبية» أن تنطق من لا ينطق بهذا «النشيد» فقد يتصور القارئ العصري ~~كيف كانت حماسة المتشيعين لكاتب المقتطف وكاتب المقطم عن فهم وإدراك صحيح؟ # أما نحن - من غير ناشئة المدارس الإنجيلية - فقد كان تشيعنا لليابانيين لا يبلغ عندنا أن ~~يشفع ل «فارس نمر» أو يقربه إلينا، كاتبا أو سياسيا، أو عالما كما اشتهر في أوائل عهده ~~بالصحافة، ولكننا كنا نمحض يعقوب صروف من إعجابنا الأدبي كل ما كنا نأباه على زميله، وكان ~~اعتزال صروف للدعاية السياسية يخرجه من ميدان الخصومة ويكسبه من كرامة العلم ولاء مشتركا ~~نتفق عليه مع زملائنا الخريجين من المدارس الإنجيلية. # وقد أذكر إلى اليوم كيف لقيني رهط منهم بعد عودتي إلى قنا ومعي نسخة من كتاب «الكائنات» ~~عليها كلمة بخط العالم الكبير. # ولقد كانوا يستمعون لي كأنهم يستمعون إلى حديث رؤيا غير قابلة للتصديق، وكانوا يسألون: ~~كيف حييته؟ وكيف رد عليك التحية؟ وماذا قال لك حين أسلمك الكتاب؟ وهل فاتحك في بحث من ~~بحوثه؟ وماذا قلت له عن المؤلف وعن موضوع التأليف؟ وقد كانت دهشتهم الكبرى أنني لم أجد في ~~الرجل ما يثير الدهشة إن كانت الدهشة بمعنى الرهبة، بل كان الرجل في الحق مثلا للطيبة ~~الأبوية والوداعة الحكيمة، فلم يختلف شعوري بلقائه الأول بعد أن لقيته مرات في مكتبه وفي ~~داره وفي بعض المجالس الأدبية، ولم أره بعد ذلك على ms067 غير تلك الصورة التي شهدتها منه أول ~~مرة! بساطة لا تخلو من تحفظ السمت والوقار، وعاطفة أبوية يشمل بها كل من عرفوه من ناشئة ~~الكتاب والدارسين. # عتب علي أول الأمر أنني فاجأته بالدخول إلى مكتبه بغير استئذان، ولكنه عاد يستسمحني حين ~~أكدت له أنني طرقت الباب طرقا خفيفا لعله لم يسمعه وهو مستغرق في القراءة، فقال مبتسما: ~~«بل هو ثقل في السمع يعتريني من حين إلى حين، فلا تؤاخذني إذا عتبت عليك!» # ولكن الحدة التي فاتتني من صاحب الدار لم تفتني من عامل المخزن، حين خرجت بالكتاب لتسليمه ~~ورقة الإذن ببيعه - وأظنه كان متمصرا طال مقامه بالقاهرة - لأنه نظر في عنوان «الكائنات» ~~وقال مازحا: «جاك كائنة!» وهي دعوة لا يعرفها غير المصريين أو المتمصرين، وإنما قالها ~~ليقول إنني أفلحت في تهدئة غضب الدكتور وأعفيته من الجزاء الذي كان مستحقا له لو لم أقنع ~~الدكتور ببراءة موظفيه من التقصير؛ لأنني قصدت أن ألقاه ابتداء، ولم يكن دخولي إلى مكتبه ~~لخطأ من أولئك الموظفين. ~~••• # ولا يحضرني تفصيل الحديث الموجز الذي سمعته من الدكتور صروف في تلك المقابلة الأولى، ~~ولكنه دار على الإجمال حول فلسفة «ما وراء الطبيعة»، وعلقت بذهني كلمة منه لغرابتها أو ~~لغرابة صدورها من «الفيلسوف يعقوب صروف»، وتلك هي قوله إنه لا يتقبل تلك الفلسفة، أو لا ~~يهضم تلك الفلسفة، أو عبارة دارجة بمعنى هاتين العبارتين، على حد القائلين في التعبيرات ~~الأوروبية الشائعة: «إنني لا أبتلع هذه الفلسفة». # وفوجئت - ولا غرابة - بذلك التصريح من رجل لم يشتهر في عالم الثقافة العربية يومئذ بما هو ~~أشهر من صفة الفيلسوف، ولم نعلم أن أحدا غيره وغير زميله «فارس نمر» حصل على لقب «الدكتور ~~في الفلسفة» من جامعة غربية، وإنما كنت أفهم في بداءة عهدي بالاطلاع على فلسفة «ما وراء ~~الطبيعة» أنها هي الفلسفة كلها، أو هي الفلسفة في أهم مسائلها وقضاياها، فإن لم تكن هذه ~~كذلك، فهي - على الأقل - شيء لا يصعب هضمه على «الفيلسوف» - بألف التعريف! # إلا أن الدكتور عرفني بتلك ms068 الكلمة العابرة بحقيقة رسالته في نهضة الثقافة العربية بين ~~أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فكان من الخطأ أن نفهم من تلقيبه بالدكتور في ~~الفلسفة أنه فيلسوف كفلاسفة البحوث المنطقية النظرية، في قضايا الغيب المجهول ومشكلات ~~«ماهية الوجود» على منهج أرسطو وابن سينا وابن رشد والغزالي ومحيي الدين، وإنما هو فيلسوف ~~في نطاق العلوم التجريبية التي يقوم برهانها على الوقائع والمشاهدات، وإن تناولت مباحث ~~التاريخ والأخلاق، ولا تقيم براهينها على الفروض والأقيسة من قبيل براهين الكائنات لإثبات ~~الفضاء المحدود وغير المحدود. # وبعد أكثر من عشر سنوات، سمعت منه مثل هذا الرأي في فلسفة «ما وراء الطبيعة»، خلال حديث ~~أذكر مناسبته ولا أذكر زمنه على التحديد، وقد كانت هذه المناسبة تعقيبا على مقال للآنسة ~~«مي زيادة» حول فلسفة «برجسون» لم أقرها على كثير مما فيه، وكان الدكتور صروف يقرأ تعقيبي ~~وهو يبتسم، ويقول بين آونة وأخرى: «يا رجل! أتتمرجل على بنت؟» فاستعدت منه المقال، وعلمت ~~بعد ذلك أنه أطلع الآنسة على ملخص ذلك التعقيب! # وفي خلال المناقشة حول كلام الآنسة وتعقيبي عليه، علمت منه مرة أخرى أنه ينظر إلى ~~الفلسفات التي على غرار فلسفة برجسون من ناحيتها العلمية التي تنطبق على قضايا الحياة ~~الإنسانية، ولا تخوض وراء ذلك في أحاديث «الغيبيات» وفروض ما وراء الطبيعة، وأن فكرة التطور ~~في كتابة برجسون تعنيه لأنها على اتصال بمذهب داروين، ولا أذكر أنني سمعت منه - يومئذ - ~~كلاما يدل على التوسع في الاطلاع على مذهب الفيلسوف الفرنسي، ولا على مذاهب زملائه ~~الأوروبيين في تلك الفترة. # وبعد سنوات أخرى قرأت خلاصة المناقشة التي دارت بين الدكتور صروف وبين الأستاذ الإمام ~~الشيخ محمد عبده في مجلس علي مبارك باشا، فأكدت لي أصالة هذه النظرة إلى الفلسفة في رأي ~~الدكتور صروف منذ زمن بعيد، وخلاصة هذه المناقشة أنهم تحدثوا في المجلس عن كاتب وصفته الصحف ~~بالفيلسوف، فقال الدكتور: «إن الناس قد ابتذلوا هذه الكلمة حتى صاروا يطلقونها على غير ~~أهلها.» ثم تساءل الحاضرون: «من يكون الفيلسوف إذن ms069 على المعنى الصحيح؟» قال الدكتور في ~~رواية السيد رشيد رضا: «هو الذي يتقن جميع العلوم.» فقال الشيخ محمد عبده: «إذن لا يوجد على ~~الأرض فيلسوف.» فعاد الدكتور يقول ما معناه: «إنه لا بد أن يتقن علما من العلوم ويلم ~~بسائرها.» فقال الشيخ محمد عبده: «إن الذين يتعلمون على الطريقة الحديثة يخرجون من المدارس ~~العالية وقبلها الثانوية، على إلمام بالعلوم ويتقنون بعضها، فما أكثر الفلاسفة بين الأطباء ~~والمهندسين وسائر الطلاب بهذا المعنى!» ولما سئل الشيخ محمد عبده: «من يكون الفيلسوف إذن؟» ~~قال: «إن الفيلسوف - كما يفهمه - هو الذي له رأي في العقليات والاجتماعيات يمكنه الاستدلال ~~عليه والمدافعة عنه.» # ولم أزل ألقى الدكتور صروف بين آونة وأخرى إلى ما قبل وفاته بقليل، فأعرف منه في كل ~~مقابلة صورة واحدة لم تتغير منذ رأيته للمرة الأولى: صورة فيلسوف له عقل عالم مشغول بالواقع ~~من الخبرة العملية، وله مع هذا العقل العلمي قلب إنسان ودود يحب الخير للناس ويغتبط ~~بتوفيقهم للنجاح. # وأذكر اغتباطه بتوفيق الناشئين إلى النجاح؛ لأن كتابه المترجم عن صمويل سمايلز باسم «سر ~~النجاح» كان أول كتاب قرأته له، وأخبرته بإعجابي به حين سألني عن مؤلفاته، ولم أزل كلما ~~زرته أسمع منه سؤالا واحدا قبل كل سؤال: «ماذا صنعت لنفسك ولمستقبلك؟» فوقر في نفسي أن ~~كتاب «سر النجاح» لم يكن مجرد كتاب ترجمه وأضاف إليه ودل به على طريقته العلمية في تحقيق ~~السير والأخلاق، ولكنه كان قبل ذلك ترجمانا لسجية الخير والمودة فيه، وعنوانا لرغبته في ~~الحياة الناجحة ورغبته في تعليم الناشئين جميعا كيف ينجحون ويسعدون بالحياة. # كان يقول لي مازحا: «إياك أن تكون من شعراء شكوى الزمان ومعاتبة الإخوان، وحذار أن تحسب ~~البؤس زينة للأديب وقسمة مقدورة للأذكياء!» # وسألني مرة: «ألا تصدق قول القائل: إن الناس في طلب الدين حتى يصلوا إلى العلم، وفي طلب ~~العلم حتى يصلوا إلى المال؟» # وقبل أن أجيب سؤاله، ولعله سأله وهو لا ينتظر جوابي عليه، قال: «إنك إن صدقته أو لم تصدقه ~~تستطيع أن تكون ms070 على يقين من حقيقة حسابية لا خلاف عليها وهي: اجمع الدراهم والدنانير تجمع ~~نفسها!» ~~«ولا أعرف أحدا من كبار الأدباء الذين عرفتهم في أيام نشأتي قد عناه أمر عملي الذي أعول ~~عليه في معيشتي غير اثنين: أحدهما الدكتور صروف، والآخر محمد المويلحي الذي رشحني للعمل ~~بديوان الأوقاف.» # فلما علم الدكتور صروف أنني استقلت من العمل بالمدرسة الإعدادية، فكر مليا ثم قال: ~~«إنني أعلم أن القيادة العسكرية تبحث عن مندوبين صحفيين وتفضل أن يكونوا من المسلمين؛ لأنها ~~تنوي أن تندبهم من حين إلى حين للسفر إلى خطوط القتال وراء القناة وفي حدود سيناء، ولا تريد ~~أن يكونوا متهمين في رواياتهم عن مناعة تلك الخطوط، إن كانوا على غير دين الترك المغيرين ~~على البلاد.» # فلما تبين مني النفور من القيام بهذه المهمة الصحفية مع وفرة العائد منها، قال: «أرى أن ~~شعورك غير مستريح إليها.» وقالها بالإنجليزية. # فأجبته: «نعم؛ فإن المسألة إن كانت من إحدى جهتيها غارة تركية على حدود مصر، فهي من الجهة ~~الأخرى حرب بين الجيش التركي وجيش الاحتلال!» # قال: «فليكن لك رأيك وشعورك.» ثم سألني أن أعود إليه بعد يوم لأمر لا علاقة له بهذه ~~البعثة، فإذا به قد اتصل بمدير مدرسة وادي النيل ليبلغه أنه يرشح لمدرسته معلمين يعرف ~~كفايتهما الأدبية وصلاحهما للتدريس، ويسأله أن يزوره غدا ليلقاهما عنده إذا شاء. # أما اختياره لهذه المدرسة بذاتها، فقد كان سببه - كما علمنا بعد ذلك - أن له «أطيانا» ~~بإقليم الفيوم، وأنه عرف عبد الله وهبي باشا لهذا السبب معرفة وثيقة يوم كان عبد الله باشا ~~كبيرا للمهندسين المشرفين على الري في ذلك الإقليم، وقد ذكر لنا أن الباشا كان حسن العناية ~~بأطيانه، ولم يذكر لنا أنه هو - أي الدكتور صروف - كانت له في تزكية الباشا عند كبار ~~الرؤساء الإنجليز، ودفع الوشاية التي عرضته للمحاكمة، وانتهت باستقالته دون تقديمه إلى مجلس ~~التأديب. # وقد كان من جراء ذلك أن عبد الله وهبي باشا لم يأمل خيرا في وظائف الحكومة لأبنائه، ~~فأنشأ المدرسة الثانوية ms071 باسم «وادي النيل» لابنه الأكبر، واتجه أبناؤه الآخرون إسماعيل ~~ويوسف وعباس للعمل «المستقل» في المحاماة وفن التمثيل وشركات الهندسة والمعمار. # وإنني لأذكر كلمة «الأطيان» هنا كما كان يرددها الدكتور في طيبة وديعة لا ننساها؛ لأننا ~~كنا نحس منه ارتياحا لتكرارها وهو يقول: «ذهبت إلى أطياني»، و«شكرت لعبد الله باشا عنايته ~~بأطياني»، و«فكرت في قضاء الصيف بأطياني»، وكنا نحس مع هذا التكرار بغبطة بريئة كغبطة الطفل ~~بكسوته الجديدة في غير عتو ولا خيلاء، ونحس مرة أخرى أننا مع الفيلسوف العليم بحكمة الحياة ~~وحب النجاح. # وتعددت الزيارات لدار المقتطف بعد اشتغالي بمدرسة وادي النيل؛ لأن الدارين كانتا ~~متقاربتين يومئذ بحي باب اللوق، وكانت مكتبتي الخاصة لا تكفي للمراجعة في مباحث التاريخ ~~والأدب التي كنت أتطلب مراجعتها بدار الكتب وفي غيرها، وقد رخص لي الدكتور في الانتفاع ~~بمكتبة المقتطف ومجلداته القديمة كلما وجدت فيها منتفعا لبحوثي، التي كان يسميها بالبحوث ~~«السبنسرية»؛ نسبة إلى هربرت سبنسر إمام مذهب الفلسفة والتقدم في الفلسفة الإنجليزية، إذ ~~كان يقول كلما ناقشته في رأي مخالف لرأيه: «إنها حجة سبنسرية: # Spincerian ~~argument # وإن طريقتي في الاستدلال تشبه طريقة سبنسر في تحقيقاته.» وما ~~كنت لأعيد هذا «التقريظ الشفوي» اليوم في كتابتي عنه، لولا أنه سجله في المقتطف حين قرظ ~~ديوان صديقنا المازني، فقال عن مقدمتي له: إنها اشتملت على تحقيقات تشبه طريقة سبنسر في ~~الاستدلال. ~~••• # وعلى تعدد الزيارات لم يكن ينسى كلما زرته أن يسألني عما أصنعه لنفسي ولمستقبلي، وعما ~~أجده في المدرسة وفي شواغلي الأدبية، وكان يحثني كل مرة على إتمام دراستي لأبي العلاء ~~المعري، التي نشرت منها مقالين في المقتطف، ثم اقتضبتها للعودة إليها مع زيادة الشرح ~~والتحليل، فإذا انتقل الحديث إلى موضوعات المقتطف أو موضوعات الدكتور التي يفكر فيها، فقلما ~~كان الحديث يستطرد بنا إلى غير اللغة ومسائل الاجتماع مما له علاقة بالدين والأخلاق، وقلما ~~عرض للسياسة إلا أن تتفق الزيارة على أثر حادث من الحوادث البارزة التي لا يتخطاها ~~المتحدثون في إبانها، وكذلك رأيته يوما وعلى ms072 وجهه مسحة الامتعاض الظاهر بعد أن تعاقب إلقاء ~~القذائف على طائفة من الوزراء ورؤساء الدولة، فقال بشيء من المرارة: «إننا تقدمنا جدا ~~وأفرطنا غاية الإفراط في التقدم، ولم لا؟ هذه مبادئ التطرف في الوطنية تنتهي إلى الطرف ~~الأقصى من مبادئ الفوضويين!» # وزرته يوما وهو يقرأ كلاما في الصحف عن نهضة الإسلام وعودة السلطان إلى الأمم الإسلامية ~~يستشهد فيه الكاتب بالآية القرآنية من سورة القصص: # ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين ~~. # فسألني بلهجته اللبنانية متبسطا: «وليش ما عمل؟» # قلت: «إن الخالق يريد، وعلى الخلق أن يعملوا بما أراد.» # فعاد يقول في جد ووقار: «نعم يعود الإسلام إذا عاد أهله إلى صدق العقيدة.» ثم يستطرد ~~فيقول: «إن الأعرابي والمعزة لا يبقيان على شيء أخضر حيث ذهبا. ولكن غيرة الإسلام هي التي ~~ابتعثت من الأعرابي صانعا للدول والسلطنات.» وأحسبه قال: «إن عالم الإسلام - محمد عبده - ~~قد عرف طريق العودة ودل المسلمين عليه، وما من طريق لتلك العودة غير العلم ~~والأخلاق.» # وربما جشمه البحث عن تحقيق كلمة لغوية أن يصعد السلم ليلتقط هذا الكتاب من هنا وذاك ~~الكتاب من هناك، فلا يستريح أو يحقق الصواب في الكلمة قبل استعمالها فيما يكتب أو يترجم. # رأيته يوما على السلم يبحث عن كلمة «الشهية» هل وردت في الكلام الفصيح بمعنى القدرة على ~~اشتهاء الطعام؟ وهل من الجائز أن يقال على بعض التوابل والأباريز إنها تفتح «الشهية»؟ ~~فانتهى على أن كلمة المشهيات أصح ما يقال في هذا المعنى، وأن القابلية خير من «الشهية» ~~للدلالة على المقصود من تهيئة الجسم لطلب الطعام. # ووجدته يوما يردد كلمات «نفق ونبق ونبك» بتفخيم الباء والكاف؛ لأنه كان يشك في أصل كلمة ~~«النفاق» ويحسب أن اجتماع الفاء والقاف في هذا الوزن قليل في اللغة العربية، مطروق في ~~اللغات السامية والتركية. # قلت له: «لقد اجتمعتا في كلمتي الفقر والفراق، وهما عربيتان بلا خلاف.» قال ضاحكا: «يا ~~سوء ما اجتمعتا: فقر وفراق!» # وتطرقت الأحاديث كثيرا إلى مسائل الدين، ولم ms073 يكن يكتم رأيه أن الخلاف قائم بين بعض ~~العقائد وبعض المشاهدات العلمية، ولكنني لم أسمعه قط يتكلم عن الدين في إجماله بغير ~~الاحترام، ولم يكن له موقف من الديانات ورجالها غير موقف «سيد المجتمع» من العلمية ~~المسئولة، وهو كما رأيت منه في شتى المناسبات شبيه بموقف الرجل المهذب أمام الشيخ المطاع، ~~بما له من حق السن والخبرة في كل ما خالفته فيه. # وكذلك كان الفيلسوف الوديع في عادات تفكيره وسلوكه: إنسانا اجتماعيا يعطي العلم والعمل ~~حقهما، ولا ينسى حقا من حقوق العرف والتقاليد. # | جميل صدقي الزهاوي # 1 # من اللمحة الأولى تمثل لي كل ما في طوية هذه «الشخصية» القلقة من نقائض التفكير: ~~حماسة تختلج لها كل أعصاب جسده ويتهدج معها صوته وتتلاحق فيها كلماته ونبراته، وفيم هذه ~~الحماسة؟ # في النداء بالعقل وحده، دون أن تخامره سورة من حماسة العاطفة والخيال. # ذلك هو الزهاوي في حديثه، وذلك هو «الزهاوي» في صفحات كتبه ودواوينه. # دعوة إلى برهان الواقع والمنطق، وصرخة من صرخات الشعور، كأنها فقدت كل برهان وكل ~~وسيلة من وسائل الإقناع. # وكان لقائي الأول له في مجلس الآنسة «مي» بمسكنها الأول عند ضريح الشيخ «المغربي»، ~~وهو من مزارات القاهرة في حي من أحيائها التي تسمى بالأفرنجية. # وقد ساقنا الحديث عن الضريح المعترض في غير مكانه إلى الحديث عن الخرافات التي تروى ~~عن كرامات الأولياء، واستطرد به هذا الحديث إلى ذكرياته عن مجلس الأعيان بالعاصمة ~~التركية يوم كان عضوا من أعضائه العرب في عهد السلطان «عبد الحميد». # قال: «إن قطعة من قطع الأسطول العثماني احترقت، فقام أحد زملائه في المجلس يقترح على ~~الوزارة أن تشتري من كتاب البخاري نسخا بعدد قطع الأسطول، تودعها فيها، أمانا من ~~الحريق وضمانا للسلامة.» # فوثب «الزهاوي» ليرد على الزميل، وليقول له: «إن السفن الحربية لا تسير في هذا الزمن ~~بالبخاري، وإنما تسير بالبخار!» # وقد وثب «الزهاوي» وهو يعيد هذه القصة ما استطاع الوثوب. # وداعبته قائلا: «وهل سلمت من عاقبة هذا التجديف؟» # قال في غير تمهل: «إن لم ms074 أسلم فإنني لم أندم!» # وأعجبت الآنسة «مي» بحديثه، فأولعت به تستثيره لمناقشتي في مسألتين لم يكن بيننا قط ~~وفاق على واحدة منهما: مسألة الألم، ومسألة المرأة. # فقد كانت تدين بأن الألم طبيعة الحياة، وكنت أعود بقضية الألم إلى قضية المرأة كلما ~~سمعتها تردد هذه العقيدة، فما هي إلا طبيعة الشكوى التي تحلو لبنات حواء، وطبيعة الحنان ~~الذي يسرها أن تعطيه كما يسرها أن تتلقاه. # أما الخلاف على قضية المرأة، فقد كنت فيها مع السيدة والدة الآنسة طرفا واحدا تنفرد ~~أمامه الآنسة وحدها كلما اختلفنا على كفاية المرأة للنيابة وللانتخاب، في إبان معركة ~~الدستور. # وأذكر أنني استحلفتها يوما إذا تنافس أمامها مرشح يمشي على قدميه إلى صندوق الانتخاب ~~ومرشح آخر يصل إليه في سيارته «الرولز رويس»، فمن منهما يظفر بصوتها؟ # فأسرعت والدتها تجيب عنها: «أنا أقول لك ولا حاجة بك إلى كلامها: صاحب السيارة ولا ~~خلاف!» # فلما حمل الراية في هذا الخلاف رجل «من جنسي» كانت شماتتها أكبر من شماتة الغلبة في ~~الرأي، وطفقت تستعيده إلى قضية المرأة تارة وإلى قضية الألم تارة أخرى كلما أوشكنا أن ~~نفرغ منهما، فلما أردت أن أحسم هذا «النزاع» المدبر أخيرا وقلت للأستاذ: «إنني قد أرى ~~معك أن الآلام أكثر من الأفراح في الحياة.» صفقت بيديها، وضحك «الزهاوي»، ولم أمهله حتى ~~حسبت عليه هذا الضحك حجة تفند دعواه، فسألته: «ألعلك لا تنتصر كثيرا مثل هذا ~~الانتصار؟» # ولسنا بصدد الإفاضة في هذه المسألة لبيان ما أعتقد في نصيب الحياة من اللذة والألم، ~~ولكنني أوجز ما عنيت بكثرة الألم مع إنكار طبيعة الألم في الحياة؛ عنيت أن الحوائل دون ~~الفرح قد تتكاثر وتتكرر، ولكنها لا تمنع أن طبيعة الحياة بغير حائل هي الفرح ~~والرجاء. ~~••• # ورأيت بقية النقائض في هذه «الشخصية» - التي لا تعرف التوافق بينها وبين نفسها - يوم ~~زرته بمسكنه في حجرته المفروشة إلى جوار صحيفة الأهرام، فقد كان نصير السفور الأكبر ~~يخاطب زوجته من وراء ستار كثيف يحجبها عن النظر، ويكاد يحجب صوتها الخفيض لو لم ms075 نجتهد ~~في الإصغاء إليه! # ولم أكد أفرغ من التحدث إليه في جملة عقائده حتى تحققت أنها وثبات كوثبات اللاعب ~~الرياضي في ساعة واحدة: صعود وهبوط ثم هبوط وصعود، ثم عود إلى الصعود وعود إلى الهبوط، ~~كأنما كان كل وقت من أوقاته نموذجا مختصرا لأدوار التطور في العمر كله، لولا أنها ~~أدوار لا تتسلسل على اطراد. # وعلمت بسفره في اللحظة الأخيرة، فأسرعت إلى محطة العاصمة أودعه، وتمنيت أن أراه مرة ~~أخرى في القاهرة فقال: «ذلك ما أرجوه، وأحب إلي أن أراك في بغداد.» # ثم تمت النقائض جميعا بعد سفره ببضعة أشهر، إذ سألني أحد قرائه في «تونس» عن رأيي في ~~أدبه، فأبديت ذلك الرأي كما اعتقدته، وقلت إنه في بحوثه الفكرية أرجح منه في معانيه ~~الشعرية. # وكان من الحق أن يغتبط نصير العقل على العاطفة بهذا الثناء الذي لا غنى فيه، من وجهة ~~نظره، لو استقام على السواء في إيمانه بالعقل دون الشعور والخيال، ولكنه غضب مما كان ~~خليقا أن يرضيه، وجاءني البريد من بغداد بخطاب عليه توقيع مستعار، يقول كاتبه: إن مجلة ~~«لغة العرب» للأب «الكرملي» تنوي أن تتناول ديوانك بالنقد اللاذع في لفظه ومعناه، وإن ~~«الزهاوي» صديق للكرملي في وسعه أن يثنيه عما ينتويه! # إن في هذه المناورة «البريئة» دلالة على طيبة في غضب الرجل أظرف وأطرف من طيبته في ~~رضاه، وإنها - ولا ريب - لن تصدر من قلب يضمر الكيد، أو يكون له من الكيد حظ أوفر من حظ ~~الطفل البريء! # 2 # اطلعت في مجلة المكتبة البغدادية على مقال للسيد «أكرم زعيتر» عن ذكرياته لشاعر ~~العراق الزهاوي، قال فيه من حديث جرى بينه وبين الشاعر في آخر لقاء له قبل سفره من ~~«بغداد»: قال - أي الزهاوي: «هل اطلعت على «الأوشال»؟ قد كنت أظن، وقد رق عظمي، أن زمني ~~لن يمتد بي كثيرا، فسميت مجموعة قصائدي الأخيرة «الأوشال»، ثم نظمت بعد ذلك قصائد ~~أخرى، أعتقد أنها آخر ما أنظم في حياتي التي أراني مغادرها قريبا، وقد جمعتها في ديوان ~~سميته ms076 الثمالة ليكون آخر ما يطبع لي.» # قلت: «وهل للأستاذ شعر لم يطبع غير الثمالة؟» قال: «أجل، إنه ديوان لا ينشر في القرن ~~العشرين.» # وكنت قد علمت من «الزهاوي» نفسه أن له شعرا كثيرا لا ينشره، وأنه سيوصي بنشره بعد ~~وفاته، وفارق «القاهرة» وهو يكرر لي حديثه عن الشعر المطوي الذي يعتقد أنه إذا نشر في ~~يوم من الأيام فلن يتسع لنشره بلد غير القاهرة بين البلدان الشرقية. # وقد سمعت أخيرا أن كتابا ظهر في القاهرة باسم «الزهاوي وديوانه المفقود» فاعتقدت ~~لأول وهلة أنه هو مجموعة الشعر الذي تحدث عنها «الزهاوي» إلى الأستاذ «أكرم زعيتر» ~~ببغداد وأومأ بنبئها إلي في «القاهرة»، واطلعت على الكتاب لمؤلفه الأديب «هلال ناجي» ~~فصدق ظني في موضوعه، وإن كان المؤلف الأديب قد توسع في أبوابه فتناول فيه مباحث شتى عن ~~«الزهاوي» وما كتبه وما كتب عنه، غير ديوان «النزغات» وهو اسم الديوان المفقود. # وحرص المؤلف على تحقيق نسبة «النزغات» إلى «الزهاوي»، فاستقصى الشواهد والقرائن التي ~~تدل على صحة هذه النسبة، وكلها مقنعة، بل قاطعة في إثبات نظم الشاعر لجملة القصائد ~~والمقطوعات التي احتواها ديوان «النزغات»، كما تركه «الزهاوي» عند تسليمه إلى الأستاذ ~~«سلامة موسى»، وعند انتقاله منه إلى الدكتور «زكي أبو شادي» بغير زيادة فيه، وهو مرقوم ~~على الآلة الكاتبة غير مصحوب بالأصل المخطوط. # على أننا نستطيع أن نصحح نسبة النظم في هذا الديوان إلى «الزهاوي» من الدليل ~~«الداخلي» في أسلوب الشاعر «النظمي» كما يقول النقاد، وأظهر ما في هذا الدليل «الداخلي» ~~أن أبيات القصائد والمقطوعات تشتمل على كثير من ذلك الشد والفتل، الذي يطوع به الشاعر ~~كلماته لأوزان العروض. # فالشاعر الذي يقول: # عاش في الغاب القرد دهرا طويلا # قبل أن يلقى للرقي سبيلا # هو الشاعر الذي يقول في ديوان النزغات: # هذه الدنيا دار كل جزاء # وهو الذي يقول فيه: # عسى الذي عاف أرضه أن # يضمه عالم جديد # وغير ذلك كثير من «الأسلوب النظمي» في سائر منظومات الديوان. # أما الأسلوب «الفكري» فهو كذلك مطابق لأسلوب الزهاوي ms077 في كل ما نظم من الشعر منذ عالج ~~نظمه في أوائل حياته، ومما لا شك فيه أن أفكار الديوان المفقود ليست غورا جديدا في ~~تكوين آراء الشاعر مع الزمن، كما قد يتوهم القارئ من قول الزهاوي إنه آخر ما نظم، وأنه ~~يحتوي أفكارا لم ينشرها قبل ذلك في حياته؛ إذ المحقق من معارضة دلائل الشك والتردد ~~ودلائل الإيمان واليقين، أن هذه الدلائل جميعا قد وجدت في مؤلفاته الباكرة، كما وجدت ~~في مؤلفاته الأخيرة، على درجة واحدة من القوة والوضوح. # وأغلب الظن أن العالم الديني المفكر «محمد فريد وجدي» قد أصاب الحقيقة حين قال في ~~مجلة الأزهر مما نقله الأديب «هلال ناجي» في الصفحة ال «300» من كتابه، فإنه لاحظ أن ~~«الزهاوي»: «يكتب الشيء ثم ينقضه بقول آخر كما فعل في كتابه الكائنات؛ فقد جرى فيه على ~~أسلوب الماديين، ثم ختمه بكلمة تحت عنوان «ابتهال» حقر فيها كل الآراء التي قررها في ~~الكتاب، وذكر أنه إنما جرى فيها على أسلوب الماديين لبيان مذهبهم، أما هو فيبرأ إلى ~~الله منهم ومن آرائهم، ويرجو من يقرأ الكتاب ألا يعتد بما قرره فيه.» # ثم عقب الأستاذ وجدي على هذا الأسلوب قائلا: «إنه أسلوب في الكتابة، كل ما يمكن أن ~~يعتذر عنه أنه يلجأ إليه هربا مما قرره.» # وكل ما نزيده على تعقيب الأستاذ «وجدي» أن «الزهاوي» قد يبادر في مفتتح كتابه إلى ~~تحقير آراء المتهجمين على الحقائق الكبرى، كحقائق عالم الغيب وما يسميه الباحثون بحقائق ~~ما وراء المادة، فإنه افتتح كتابه «الكائنات» الذي ألفه في مقتبل صباه بهذين ~~البيتين: # وما الأرض بين الكائنات التي ترى # بعينيك إلا ذرة صغرت حجما # وأنت على الأرض الحقيرة ذرة # تحاول جهلا أن تحيط بها علما # وهذا غاية ما يقوله المفكر المتواضع أمام عظمة الكون؛ لكبح الغلاة من الباحثين في ~~حقائقه عن الشطط الأهوج والغرور الكاذب، بقدرة العقل البشري على إدراك هذه الأسرار ~~المطبقة حول حقائق الوجود. # والذي نلاحظه في مواقف «الزهاوي» العقلية بين الشك واليقين سهولة شكوكه وسهولة ردوده ms078 ~~عليها في وقت واحد. # فكل شكوك «الزهاوي» بلا استثناء مما يقبل الرد والاستخفاف من النظرة الأولى؛ لأنها ~~مبنية على تصور العامة الجهلاء للخرافات والأساطير التي يلصقونها بالدين وهو بريء منها ~~بعيد عنها، وليس من هذه الشكوك شك واحد يقوم على فهم الدين كما ينبغي أن يفهمه المؤمنون ~~به على صحته، وقد كان خطأ «الزهاوي» الأكبر أنه يتلقى حجة العقائد من الأوهام الشائعة ~~بين المقلدين دون الثقات المجتهدين، وإنما تقوم قضية الدين على الضمير الإنساني الذي ~~يناط به التمييز بين كل دعوة تشيع في العالم، ولم تقم حجة الدين قط على ما يفهمه ~~المقلدون أو يفهمه المغرورون من الأدعياء، وإنما تقوم حجته على البصيرة الصادقة والوحي ~~الأمين. # لا جرم كان تقريره لقواعد الإيمان بعد ذلك سهلا غنيا عن جهد التردد والبحث في ~~أمثال تلك الشكوك، ومن حق من يبتلى بأمثال تلك الشكوك أن يثوب يقينه إلى يقين «الزهاوي» ~~الذي عبر عنه بهذه الأبيات في موقف الحساب: # قال ما دينك الذي كنت في الدن # يا عليه وأنت شيخ كبير؟ # قلت كان الإسلام ديني فيها # وهو دين بالاحترام جدير # قال من ذا الذي عبدت فقلت # الله ربي وهو السميع البصير # وقبل ذلك يقول في كلمة منثورة: «لم آت في حياتي أمرا إدا ولا ارتكبت منكرا، أنظم ~~الشعر وأودعه عصارة شعوري وتفكيري، وأجعله منبرا أدافع منه عما يتراءى لي أنه الحق، ~~غير حاسب لمخالفة الناس إياي حسابا، وهذا ما كان يثيرهم علي ويجعلهم يعملون على ~~معاكستي، حتى هموا مرة أن يقتلوني، مع أني معتقد بالوحي مؤمن بالأنبياء وبالمرسلين ~~وملائكة الله وكتبه، وقمت بشعائر الدين كلها؛ فصمت وصليت وزكيت وجاهدت وحججت إلى بيت ~~الله وزرت قبر رسوله الكريم # صلى الله عليه وسلم ~~.» # وهو الذي ردد هذه الشهادة في مواطن كثيرة من شعره، كما قال في هذا المعنى غير ~~مرة: # أنا ما كفرت بكل عم # ري بالكتاب المنزل # أنا لم أزل أشدو بنع # ت للنبي المرسل # وإنه بمثل هذا اليقين لخليق أن يكذب كل هاتيك الشكوك ms079 التي تثيرها أوهام الجهلاء ~~وخرافات أصحاب الخرافات من المقلدين. # وجملة القول في الديوان المفقود وفي الدواوين المنشورة أنها طور واحد من الفكر لم ~~يتغير في مدى خمسين سنة، ويوشك أن ينقل كل بيت في ديوان من هذه الدواوين المتتابعة إلى ~~ديوان آخر صدر قبله أو بعده، بغير اختلاف في المعنى أو في النسق أو في الأسلوب، إلا ما ~~تقتضيه المرانة الطويلة من تيسير النظم في نهاية الشوط بعد تعسر فيه عند ~~الابتداء. # والسرعة في التفكير، مع السرعة إلى العدول عن الفكرة في وقت واحد، هما آفة العجلة في ~~مواجهة «الزهاوي» لمسائل العلم والأدب أو مسائل الاجتماع والأخلاق، فليس أسرع منه إلى ~~اختطاف الرأي الشائع أو اختطاف الرد عليه، ونحسب أن بنية الرجل «مسئولة» كما يقولون عن ~~هذا الولع بالسرعة والقلق من الاستقرار؛ فإن مصابه بالداء الذي أقعده عن الحركة قد بدأ ~~معه اضطرابا مقلقا، قبل أن يثقل على أعصابه ويثقله عن حركته، وما أكثر ما نظم في ~~«الصراط» وصعوبة العبور عليه من شعره الأول ومن شعره الأخير. # ولا ريب عندنا، ولا عند قراء «الزهاوي» شعرا ونثرا، في قدرته الفكرية ولا في ملكته ~~الرياضية، ولكنك تراجعه من بواكيره إلى خواتيمه، فيبدو عليه أنه يثب إلى الآراء وثبة ~~بعد وثبة، ولا يتطور معها على أمد مديد يتصل فيه الانتقال من مكان إلى مكان، فهو في ~~وثباته المتلاحقة على مكان واحد يصعد منه وينزل إليه، ويثبت عليه صاعدا ونازلا ~~ومترددا ومستقرا، وهكذا كان في آخر ديوان كما كان في أول ديوان، وللقارئ بعده أن ~~يبقيه حيث شاء، بما هو أهل للبقاء. # 3 # جاءني الخطاب الآتي من أحد القراء ب «تونس»، قال كاتبه الأديب بعد ديباجة التعارف: # أما الآن فبقيامكم ضد الثرثارين، وتقويضكم لبناء ما كانوا يحسبونه آثارا ~~أدبية، وإماطتكم عن كل من كنا نعدهم من الشعراء الفحول والكتاب المبرزين، قد ~~أسفرت النتيجة عن تجدد حقيقي في اللغة والأدب؛ إذ أدركوا ما ترمون إليه في ~~انتقاداتكم، فهبوا يتبارون فيه جاهدين قرائحهم وصارفين مهجهم نحو ms080 «الحياة»، نحو ~~«الجمال»، نحو «المثل العليا»؛ تلكم الكلمات الحية التي ما وجهت طرفي نحو أي ~~سطر من فصولكم ومطالعاتكم ومراجعاتكم، ونحو أية صفحة مما تكتبون؛ إلا عثرت ~~عليها، ولصرف مهجتكم إلى هذه المطالب ونقدكم الصحيح الخالص من الأغراض، وسعيكم ~~وراء الحقيقة - رضي القوم أم غضبوا - أتيت أعرض عليكم كلمة في رفيق صباي ومربي ~~روحي، راجيا منكم التفضل بإبداء رأيكم فيه، ولكم الشكر الجزيل سلفا؛ لأن كل ~~هاتيكم الخلال جعلتني كما جعلت غيري يعتبرون قولكم الفصل فيمن تكتبون له أو ~~عليه. # ذلكم الرفيق يا سيدي هو فخر العراق، كما تقولون، جميل صدقي الزهاوي، فقد ~~عرفته منذ دخلت المدرسة وولعت بديوانه، حتى إنني كدت أن أحفظه نثرا ونظما، ~~فمن نزعته في الشعر إلى قوله في القبر: # ولست بمسئول إذا ما سكنته # أكنت عبدت الله قبلا أم اللاتا # إلى قوله في مهاجميه: # يا قوم مهلا مسلم أنا مثلكم # الله ثم الله في تكفيري # وعندما أسأم استمرار قراءاتي فيه، أعمد بعد تحضير واجباتي المدرسية إلى ~~مطالعة أحد الدواوين، فأرى نفسي كأنني انتقلت من روضة حافلة بأزهار من كل صنف، ~~زاهية بالماء الزلال الجاري، والهزار على أشجارها يشدو بنغماته العذبة الشجية ~~إلى أرض قاحلة، لا ماء فيها ولا شجر ولا هزار، فلا ألبث أن أعود إلى ديواني ~~الأول، وشغفي به يزداد كلما رأيته سابقا وغيره لاحقا، وهكذا. # وما أقوله لكم في ديوانه، أقوله لكم في مباحثه التي تنشر في الهلال، حتى إنني ~~إذا لم أجد فيه فصلا من فصول الزهاوي انقبضت نفسي لذلكم كثيرا، وإذا رأيت فيه ~~مبحثا له قدمته على سائر الموضوعات، فقرأته وأعدته المرار العديدة حتى تعلق ~~بذهني جمل منه، ومن الجمل أفكار، ومن الأفكار مناقشة، تنتهي بي إلى قضاء جزء ~~كبير من أوقاتي معه. وحمادى القول أن السيد «جميل» لهو أحق بالنقد من سواه، ~~وبمن يظهر آثاره الأدبية والفلسفية. وهذا لا يتصدى للبحث فيه إلا أمثالكم الذين ~~يقدرون الأدب حق قدره؛ إذ من العار أن نبقى كما قال فيلسوف العراق لا نعرف ms081 قيمة ~~للأديب في قطرنا إلا بعد مماته: # من بعد ما في قبره # أوصاله تتبعثر # ماذا من التكريم ير # جو ميت لا يشعر؟ # هذا وإنني أعتذر إلى سيدي الأستاذ من تجرئي على مكاتبته؛ إذ لست ممن يراسلون ~~أمثاله، ولولا إعجابي بجميل صدقي الزهاوي وحبي لناقد خبير ينشر للقراء آراءه، ~~ويبين لهم فجها من ناضجها، ما تسرعت في المراسلة أترجى ما يقال في فخر العراق ~~وعنه. # جاءني هذا الخطاب من شهر مضى، وفيه غير ما نشرت هنا كلام مسهب في مثل هذا المعنى ~~ولواحقه، فتوسمت من لهجته وخلوص إعجابه أدبا جما ونفسا مستشرفة إلى الحقيقة، وهممت ~~أن أجيبه إلى رغبته، ولكنني ترددت لأنني أعلم أنني أستطيع أن أتبسط في شرح كل رأي أراه ~~في الأدب والشعر، دون أن أعرض للأستاذ «الزهاوي» نقدا أو تحبيذا أو خلافا أو وفاقا، ~~ولأنني أوقر هذا الباحث الفاضل وأعرف استقلال فكره واستقامة منطقه وجرأته في جهاده ~~وغبنه بين قومه، فلا أحب أن أقول فيه - لغير ضرورة من ضرورات البحث - مقالا لا يوائم ~~ذلك التوقير ولا يناسب ما له عندي من القدر والرعاية. ثم عن لي أن في الكلام عليه ~~مجالا لكلمة أخرى تقال عن التفريق بين الملكة العلمية والملكة الشعرية، وبين بديهة ~~الفيلسوف وبديهة العالم، لا ضير منها على أحد عامة، ولا على الأستاذ «الزهاوي» ومن ~~يعجبون به خاصة؛ إذ هو ممن يقال فيهم قول حق لا يغضب الطبيعة القوية والنفس المروضة ~~والضمير الواثق من قصده وعمله، فكتبت هذا الفصل الموجز آملا أن أجيء فيه بحقيقة تسوغ ~~المساس برجل لا أحب أن أمسه بغير ما يرضيه. # أول كتاب قرأت لل «زهاوي» كان كتاب «الكائنات» أو «رسالة الكائنات»؛ لأنه عجالة ~~مختصره من القطع الصغير، وكان ذلك قبل عدة سنوات، وأنا يومئذ كثير الاشتغال بما وراء ~~الطبيعة وحقائق الموت والحياة ومباحث الدين والفلسفة، فراقني من الرسالة سداد النظر ~~وقرب المأخذ ووضوح التفكير والجرأة على العقائد الموروثة، مع ما في ختام الرسالة من ~~اعتذار لا يخفى ما وراءه، ولا يغير ms082 رأي القارئ فيما تقدمه، وكنت كلما عاودتها تبينت ~~فيها منطقا صحيحا يذكر القارئ بإشارات «ابن سينا» ونجاته، ويزيد عليهما بالجلاء ~~والترتيب، ثم قرأت لل «زهاوي» شعرا ونثرا وآراء في العلم والاجتماع تدل على اطلاع ~~واستقلال ونزعة إلى الثقة والابتكار، وكان آخر ما قرأت له رسالة «المجمل مما أرى»، ثم ~~شعر ينشره في الصحف المصرية من حين إلى حين. # هل «الزهاوي» شاعر، أو عالم، أو فيلسوف؟ إن آثاره في الشعر والنثر تدعوك إلى هذا ~~السؤال، فمباحثه مما يتناوله الفيلسوف والعالم، ونظمه يسلكه بين طلاب المقاصد الشعرية، ~~وقد يختلف جواب الناس على السؤال الذي سألناه، فيعده بعضهم من الفلاسفة وبعضهم من ~~الشعراء، ويميل به بعضهم إلى فريق العلماء، أما أنا فرأيي فيه أنه صاحب ملكة علمية تطرق ~~الفلسفة، وتنظم الشعر بأداة العلم ووسائل العلماء. # الشاعر صاحب خيال وعاطفة، والفيلسوف صاحب بديهة وبصيرة وحساب مع المجهول، والعالم ~~صاحب منطق وتحليل وحساب مع هذه الأشياء التي يحسبها ويدركها، أو يمكن أن تحس وتدرك ~~بالعيان وما يشبه العيان، فإذا قرأت مباحث «الزهاوي» برزت لك ملكته المنطقية لا حجاب ~~عليها، ولمست في آرائه مواطن التحليل والتعليل، ولكنك تضل فيها الخيال كثيرا والعاطفة ~~أحيانا، وتلتفت إلى البديهة فإذا هي محدودة في أعماقها وأعاليها بسدود من الحس والمنطق ~~لا تخلى لها مطالع الأفق ولا مسارب الأغوار، فهو يريد أن يعيش أبدا في دنيا تضيئها ~~الشمس وتغشيها سحب النهار، ولا تنطبق فيها الأجفان ولا تتناجى فيها الأحلام، وليست دنيا ~~الحقيقة كلها نهارا أو شمسا، ولكنها كذلك ليل وغياهب لا تجدي فيها الكهرباء! وقد خلق ~~الخيال والبداهة للإنسان قبل أن يخلق العقل، ثم جاء العقل ليتممهما ويأخذ منهما لا ~~ليلغيهما ويصم دونهما أذنيه. فأما «الزهاوي» فهو يحاول أن يلغي الخيال والبداهة، ويظن ~~أن الإنسان لا يتصل بالكون إلا بعقله، ولا يهتدي إلى الطريق المفطور إلا بعقله، وليس ~~هذا بصحيح في حكم العقل نفسه، إذا أنصف العقل ووفى لمنشئه الأول وقصارى مطمحه ~~الأخير. # إن كل منطق لا يكون صحيحا إلا إذا ms083 دخل في حسابه أمران محيطان بنا متغلغلان فينا لا ~~مهرب منهما ولا روغان؛ نعني بهذين الأمرين «المجهول» أولا و«العاطفة» ثانيا، فهما ~~راصدان لكل قضية منطقية يهدمانها هدما، ما لم يكن لهما في زواياها مكان مقدور، فالعالم ~~لا شأن له بالمجهول، وليس له شأن كبير بالعاطفة كما يحسها الشعراء، وهو، إذا أراد، حصر ~~نفسه في معمله وخرج منه بنتيجة عملية لا غبار عليها من ناحية النقد والاستقراء. ولكن ~~الفيلسوف إذا خرج إلى دنيا لا مجهول فيها ولا عاطفة توحي إليها، إنما يخرج إلى دنيا غير ~~دنيانا هذه، وإنما يأتي لنا بفلسفة خليقة بعالم آخر غير عالمنا الذي يحيط به مجهوله ~~وتعمل فيه عواطفه، وقد يصيب بمنطقه هذا في حقائق الأرقام والإحصاءات، ولكنه لا يصيب به ~~في معاني الشعور وأسرار الحياة؛ إذ كيف يحسب حسابا لهذه المعاني والأسرار وهو لا يحسها ~~ولا ينقاد لدوافعها؟ وكيف يصيب في المباحث النفسية وهو لا يحسب حسابا لتلك المعاني ~~والأسرار؟ # من منا يكون محبا معقولا مطابقا للمنطق إذا هو نظر إلى حبيبه بالعين التي يراه ~~بها جميع الناس؟ إن نظرك إليه قد يكون معقولا مطابقا للمنطق إذا نظرت إليه بتلك العين ~~التي يراه بها من لا يحبونه ولا يؤثرونه على سواه، ولكنك أنت نفسك - أنت الناظر - لا ~~تكون «محبا منطقيا» موافقا للمعقول والمعلوم من شئون المحبين حين تتساوى أنت وسائر ~~الناس في الإعجاب بحبيبتك؛ لأن المحب المعقول هو الذي يرى حبيبته بعين لا يراها بها ~~الآخرون، وكذلك الحياة قد تكون أنت منطقيا إذا عرفتها بالعقل وحده كما يعرفها غير ~~الأحياء لو كان غير الأحياء يعرفون الحياة، ولكنك لا تكون «حيا منطقيا» إذا أنت لم ~~تعرفها كما يعرفها كل حي مخدوع بها غارق في غمرة عواطفها وأشجانها، فكن لنا «حيا ~~منطقيا» أو أنت إذن إنسان لا يعنينا رأيه في الحياة؛ لأنه ليس منها بمكان قريب أو على ~~اتصال وثيق. # و«الزهاوي» تخونه الحقيقة حيث يسعى إليها على جناح من العقل، لا يعضده جناح من ~~الشعور، فلم أغتبط بتعرض ms084 الشعور لتفكيره مثلما اغتبطت به وهو يحاول - بالمنطق - أن يثبت ~~الرجعة إلى هذه الأرض بعد الممات، أو إلى عالم آخر ينتقل إليه الإنسان، فهو يقول في ~~«المجمل مما أرى» إن «مظاهر الحياة من مظاهر المادة التي ليست في أصلها إلا قوة. وإن ~~هذا الفضاء الذي صرحت بأنه لا يتناهى، يحتوي على عدد غير متناه من العوامل النجمية، وإن ~~في كثير من هذه العوالم نظاما مثل نظامنا الشمسي، وإن في ذلك النظام أرضا مثل أرضنا، ~~وفي بعضها أرض تشبه أرضنا إلى زمن محدود ثم تختلف عنها، وإن في كل أرض مشابهة لأرضنا ~~إنسانا مثلي وآخر مثلك وآخرين مثل غيرنا من الناس، قد ولدوا من آبائهم كما في أرضنا، ~~وقد جرى لآبائهم فيها ما جرى لهم في هذه تماما». ~~«وبعض هذه الأرضين اليوم مثل أرضنا في حالتها الحاضرة، وبعضها أخذت تهدم، وبعضها من ~~بداءة تألفها، فإذا مات الإنسان في أرضنا، فهو يولد في غيرها من نفس آبائه الذين ولد في ~~أرضه هذه منهم، وإذ إن هذين الأرضين لا تتناهى فكل فرد من الناس غير متناهي العدد، غير ~~أنه في كل أرض واحد يجهل أن له أمثالا في هذا الكون اللامتناهي، وإن الذي يشقى في هذه ~~قد يسعد في التي تشبهها إلى زمن محدود ثم نخالفها، فإن عدد هذه المخالفات أيضا غير ~~متناه، والذي يسعد في هذه قد يشقى في تلك، فالطبيعة عادلة قد قسمت السعادة والشقاء على ~~السواء، فإن زيدا إذا كان هنا شقيا فهو في أخرى سعيد، وإذا كان سعيدا فهو في تلك ~~شقي، وأرضنا هذه بعد أن تصير إلى الأثير تتولد ثانية بعد ربوات الملايين من السنين، ~~فيجري عليها تطوراتها طبق ما جرت في دورها هذا، ويتولد آباؤنا كما تولدوا، ونتولد منهم ~~كما تولدنا، ونموت كما في هذه المرة وقد تكررنا من الأزل وسوف نتكرر إلى الأبد.» ~~«ورب قائل: ما الفائدة من هذا التكرار وهو لا يتذكر ما مر به في أدواره الأولى؟ ~~فأجيب: إن فائدة التذكر هي العلم، فإذا ms085 حصل إلينا العلم بطريقة أخرى فهو مثل العلم ~~بالذكر، وكفى به نفعا أنه يطامن الإنسان أن موته مؤقت ليس أبديا. وهذه النظرية مبنية ~~على أسس ثلاثة: الأول أن العالم بما فيه من الأجرام غير متناه. والثاني أن لا شيء يذهب ~~إلى العدم، بل ينحل تركيبه وينحل إلى الأثير بعد تطورات متعددة، وهذا الأثير يتركب من ~~جديد فيكون مادة بعد تطورات متعددة، ثم ينحل ثم يتركب إلى ما لا يتناهى. والثالث أن ~~جواهر كل جرم من الأجرام متناهية العدد مهما كثر هذا العدد، وأقدارها كذلك متناهية، ولا ~~يمكن أن يوجد جرم واحد غير متناهي السعة. والأرض هذه تتألف في أزمنة غير متناهية على ~~أشكال لأن جواهرها متناهية، وشكلها الحاضر أحد تلك الأشكال غير المتناهية التي تتألف ~~عليها وتدور من أحدها إلى الآخر، فهو كغيره من الأشكال يتكرر إلى ما لا نهاية له ~~والإنسان جزء متمم لشكلها الحاضر، فهو أيضا يعود بشكله وعقله وإلا لم يكن الدور ~~تاما، والعالم أجمع تابع لهذا الناموس الدوري الأعظم.» # هذه هي نظرية الدور كما أجملها الأستاذ «الزهاوي» في رسالته «المجمل مما أرى»، ~~فالمنطق هنا يتكلم، ولكن حب الحياة هو الذي يحركه إلى الكلام! على أنه بعد منطق لم ~~يمتزج بالحياة في الصميم؛ لأنه يتعزى بالعلم، والحياة لا يعزيها أن تعلم بأنها خالدة، ~~وإنما يعزيها أن تشعر بالخلود، وهو بعد هذا وذاك منطق خاطئ؛ لأنه يستلزم الدور، ولا شيء ~~يدعو إلى استلزامه، فما دامت الجواهر لا تتناهى، والحركات لا تتناهى، والفضاء لا ~~يتناهى، فالنتيجة أن تكوين الأجرام بأشكالها لا يتناهى، ولا حاجة إلى تكرارها وعودتها ~~هي بعينها مرة بعد مرة إلى غير نهاية، ويجب الآن أن نضرب صفحا عن لانهاية الزمان التي ~~تخدعنا باحتمال هذا التكرار، فيما يلي أو فيما سبق قبل الآن. يجب أن نضرب صفحا عن ~~لانهاية الزمان؛ لأن لانهاية الفضاء موجودة في هذه اللحظة، فأي شيء فيها يستلزم أن ~~الأرض مكررة في مكان غير مكانها الذي هي فيه؟ لا شيء! وإذا لم يكن إنسان ms086 مكررا على هذه ~~الأرض بعينها، فلماذا نفرض أن كل إنسان مكرر في أرض تشبهها تمام الشبه في هذا الفضاء ~~السحيق؟ ~~••• # ثم إلى أين ننتهي من كل ذاك؟ ننتهي إلى أن الأستاذ «الزهاوي» صاحب ملكة علمية رياضية ~~من طراز رفيع، وأنه يصيب في تفكيره ما طرق من المسائل التي يجتزأ فيها بالاستقراء ~~والتحليل، ولا تفتقر إلى البديهة والشعور، فمن ينشده فلينشد عالما ينظم أو يجنح إلى ~~الفلسفة، فهو قمين بإصغاء إليه وإقبال عليه في هذا المجال، وإن خير مكان له هو بين رجال ~~العلوم ورادة القضايا المنطقية، فهو لا يبلغ بين الفلاسفة والشعراء مثل ذلك ~~المكان. # 4 # قرأت في زميلتنا «السياسة الأسبوعية» ردا للأستاذ «الزهاوي» على مقال كتبته عنه ~~مجيبا به الأديب التونسي الذي سألني إبداء رأيي فيه، وكان فحوى ذلك المقال أن نصيب ~~الأستاذ «الزهاوي» من الملكة العلمية أكبر وأصلح من نصيبه من الملكة الفلسفية والملكة ~~الشعرية، ولم يرض الأستاذ عن هذا الرأي فكتب رده في السياسة الأسبوعية يناقشه ويناقض ~~الأسباب التي بنيته عليها، فهو يحب أن يقول إنه فيلسوف وإنه شاعر لا يقل حظه من الفلسفة ~~ومن الشعر عن حظه من الملكة العلمية. وليس يضيرني أنا أن يزيد عدد الفلاسفة والشعراء في ~~الأرض واحدا أو أكثر؛ فإنني لم أتكفل بهم ولا تحسب علي أخطاؤهم أو يختلس مني صوابهم. ~~ولست ممن يحبون الجدل في غير حقيقة تجلى أو رأي يستوضح؛ فإن الجدل الذي يطول فيه الأخذ ~~والرد لغير شيء من هذا هو لغو كلام وفضول بطالة، فإذا رجعت اليوم إلى الموضوع، فليست ~~رجعتي إليه لحرص على تقليل حظ «الزهاوي» من الفلسفة والشعر، ولا المطاولة في الجدل، ~~وإنما هي لاستخراج الحقيقة التي أردتها من رد الأستاذ نفسه، وبيان المعنى الذي ذهبت ~~إليه من طريقة الأستاذ في ملاحظة الأشياء وفهم أعمال الناس. # ليس للمجهول ولا للعاطفة حساب كبير في إدراك الأستاذ «الزهاوي» لأعمال الإنسان؛ ولهذا ~~فإنه يخطئ في تصورها والحكم عليها ومتابعتها إلى أسبابها وغاياتها، وفي رده أدلة كثيرة ~~على حاجة الفيلسوف ms087 - فضلا عن الشاعر - إلى حسبان ذلك الحساب، وفهم الإنسان ومكانه في ~~هذا الكون كما هو إنسان في حقيقته، لا كما يتصوره الذين يستهدون بالعقل وحده غير ~~معتمدين على البديهة وعلى الشعور. وإليك بعض هذه الأدلة مأخوذة من ذلك ~~المقال: ~~(1) # يقول الأستاذ «الزهاوي»: «من طار بجناح العقل أخيرا لندبرغ، وصل إلى ~~باريس من نيويورك في 34 ساعة، فليخبرني الأستاذ إلى أين وصل الذين طاروا ~~بجناح العاطفة؟» # وأنا مخبره إلى أين وصل الذين طاروا بجناح العاطفة: أخبره أنهم وصلوا من ~~نيويورك إلى باريس في 34 ساعة، ولعلهم يصلون غدا في أقل من هذه الساعات؛ ~~لأن لندبرغ لم يطر على المحيط الشاسع المخيف بجناح العقل، بل بجناح العاطفة ~~وحدها طار، وعلى جناح العاطفة وحدها تلقته الجماهير التي هتفت له هتاف ~~الحمد والإعجاب. # ولم يسبق لندبرغ طائر في الفضاء، ولن يلحق به طائر مثله، إلا كانت ~~العاطفة هي محركه، وهي جناحه وهي جزاؤه إذا نجح، وعزاؤه إذا خاب، وليس ~~الطيران كله إلا حلما من أحلام العواطف أجج الرغبة وألهب الخيال، فجاء ~~العقل كالخادم الأجير يحقق ما تعلقت به الأخيلة واتجهت إليه ~~الرغبات. # وأي عقل يزين للندبرغ أن يخاطر بحياته بعد كارثة المفقودين في هذا ~~المضمار القاتل؟ وأي عقل يزين له أن يرفض المال الذي انثال عليه من شركات ~~الصور وطلاب المحاضرات والمساجلات؟ ليس العقل هو الذي أعطانا الطيارين ~~وآلات الطيران، وإنما هي دوافع الإحساس وبواعث الخيال، وهي «العواطف» التي ~~تحمل الإنسان على كل جناح إذا قعد به التفكير وحده في قرارة العجز ~~والجمود. # ونتجاوز نحن هذا الحد إلى ما بعده، فنقول إن الغربيين في هذا الزمان ~~يسبقوننا في ميدان الكشف والاختراع؛ لأنهم يطلبون من الحياة فوق ما نطلب، ~~لا لأنهم يحسنون ما لا نحسنه من الفهم والتفكير؛ فكل مصنوع يصنعه الغربيون ~~نستطيع - نحن الشرقيين - أن نفهمه ونصنع على مثاله، ولكننا لا نستطيع ~~البداية؛ لأنها وليدة البواعث، وهي قاعدة عندنا ناهضة عندهم، فالتفاوت ~~بيننا وبينهم تفاوت في البواعث، أي في الخلق والإحساس وليس تفاوتا في ms088 ~~العقل والتفكير، وطريقتنا نحن في الإحساس بالأمور هي التي ينبغي أن ~~يتناولها الإصلاح وليست طريقتنا في فهم ما يحتاج إلى الفهم ~~والتحصيل. ~~(2) # ويقول الأستاذ «الزهاوي»: «أنا مادي لا أرى لغير الحواس أبوابا للمعرفة ~~مستثنيا من ذلك معرفة ذاتي، ولا آذن للخيال أو العاطفة أن يلجأ باب الشعر ~~إلا إذا اطمأننت إلى أنهما لا يفسدان وجه الحقيقة التي ما زلت أتغنى بها في ~~شعري.» # أما الذي أقوله أنا فهو أن الحياة هي التي خلقت الحواس، وهي صقلتها ~~وهذبتها وألهمتها أن تعي ما يتصل بها، وأن الحياة لم تعلن إفلاسها بعد خلق ~~الحواس ولا قبله، فهي شيء أكبر من الحواس، وهي على اتصال وثيق لا انفصام له ~~بهذا الوجود قبل أن تفتح بينها وبينه نوافذ الآناف والأذواق والأسماع ~~والأبصار، وإن الحواس تتفاضل بقدر ما فيها من الشعور والاستمداد من باطن ~~النفس لا من ظواهر الأشياء، فالدنيا لا تتغير. ولكن نظر الشاب إليها غير ~~نظر الشيخ، وإحساسه بها على الجملة غير إحساسه، لماذا؟ لأن الحواس تستمد ~~شعورها من القوة الحية التي خلقتها ونوعتها، وهي قادرة على تغيير الحلق ~~والتنويع. وليس بالمنطق الصحيح ذلك المنطق الذي يجهل أن الوظيفة تسبق ~~العضو، وأن القوة الحية تنشئ الحاسة وتزيدها وتهذبها، فهذه القوة الحية ~~تدرك ما هي فيه وإن اختلف أسلوب إدراكها عن أسلوب الحواس في الإدراك، بل ~~لولا هذه القوة الحية الخالقة لما عملت حاسة في الجسم شيئا، فلتكن للحواس ~~إذن معرفتها المحدودة التي نعهدها في العلوم والصناعات، ولكن لا يعزب عنا ~~أبدا أن وراء هذه الحواس ينبوعا لا ينفد من وسائل الإدراك، وإن كان ~~إدراكا لا حد له من الصيغ والتعريفات. ~~(3) # ويقول الأستاذ «الزهاوي»: «لو جعلنا الخيال والبداهة في المنزلة التي ~~يضعها فيها الأستاذ الفيلسوف، لوجب أن يكون الإنسان الابتدائي، بل الحيوان، ~~أكبر فلاسفة الأرض، لولا ما ينقصهما من البصيرة والحساب. أما الذي أعرفه ~~أنا في الفيلسوف، فهو تحريه للحقائق المستورة عن الأكثرين بنظره النافذ ~~ليكشف أسرار الطبيعة ويستفيد من نواميسها ويفيد غيره ، وما الفيلسوف ms089 ذاك ~~الذي يرضي عواطفه، وإلا كانت الحيوانات كلها فلاسفة كما سبق. وكم جرح دارون ~~الشهير عواطف الناس بنظريته في نشوء الإنسان من الحيوان! وكم خالفه أهلها! ~~وكم مقتوه وعادوه وسبوه لأنه خالف عواطفهم! ولكن في النهاية كان هو ~~الفيلسوف، ومعارضوه بقوا ذوي عواطف لا غير.» # هذا الذي يقوله «الزهاوي»! ويدهشني منه أنه يتكلم عن العاطفة كما يتكلم ~~عنها المغنون و«أولاد البلد» حين يتشاكون جرح العواطف ويتناشدون رعاية ~~الإحساس! فهم إذا قالوا: «فلان صاحب عواطف» قصدوا بهذه الصفة أنه لا يجرح ~~عواطف الآخرين، وأنه «حسيس» بالمعنى الذي يفهمونه! وليس هذا ما نريد؛ لأن ~~العواطف قد تجرح العواطف كما تبقي عليها؛ فالحب عاطفة، ولكنه يجرح نفوسا ~~كثيرة، والغضب والإعجاب والحماسة والغيرة عواطف كلها، ولكنها قد تجرح من ~~النفوس أكثر مما تواسيه، وليس تقسيمنا الناس إلى أصحاب عقول وأصحاب عواطف ~~تقسيما لهم إلى من يجرحون نفوس الآخرين ومن لا يجرحونها؛ فإن أصحاب العقول ~~ربما عرفوا كيف يسوسون الناس فلا يغضبونهم، فكانوا بذلك أقمن ألا «يجرحوا ~~العواطف» بلغة المغنين و«أولاد البلد» المتظرفين. # وأدعى من هذا إلى الدهشة أن يقول الأستاذ إن نصيب الحيوان والإنسان الأول ~~من الخيال والبديهة أكبر من نصيب الإنسان الأخير، فالحقيقة أن الحيوان لا ~~خيال له ولا بديهة، وأن الإنسان الأول أقل نصيبا من الإنسان الأخير في ~~هاتين الملكتين، وليس نصيبنا نحن من الفهم ما نعلم أننا نفهمه، بل نحن نفهم ~~أشياء شتى بالبديهة وبالخيال ولا نعلم بها وهي تعمل عملها في الإحساس ~~والتفكير. # ولقد ذكر الأستاذ اسم «دارون» صاحب «النشوء والارتقاء»، فهل له أن يذكر ~~أيضا أن الخيال كان أصدق من العقل ألوفا من السنين، حين كان العقل يجزم ~~بقيام كل نوع على انفراده، وكان الخيال يقص علينا قصصه ويجزم لنا بتقارب ~~الأنواع وتلامع الإنسان والحيوان؟ نعم إن الخيال لم يفصل لنا «النظرية» ~~العلمية؛ لأن له شأنا غير هذا الشأن، ولكن ألم يعم العقل عن تلك النظرية ~~كل العمى يوم أن كان الخيال يرسمها محرفة بعض التحريف من وراء الظلال ms090 ~~والرموز؟ وهل للأستاذ أن يذكر أيضا أن «دارون» ما كان لينفذ بفطنته إلى ~~تقارب الأنواع لولا روح العطف الذي كان يحس به خوالج الحيوان وتعبيراتها ~~على الوجوه والأعضاء؟ أيمكن أن يؤلف كتاب التعبيرات الحيوانية ودلالاتها ~~رجل لا يخالطه العطف العميق، ولا يسري بينه وبين الأحياء سيال من الإحساس ~~الدقيق؟ وما هو نصيب العقل بعد كل هذا في مذهب «النشوء والارتقاء»؟ ما كان ~~له من نصيب إلا أن يصحح أخطاءه هو لا أخطاء الخيال ولا أخطاء الإحساس، ~~فالحقائق التي استند إليها النشوئيون قائمة منذ الأبد، والعقل هو الذي كان ~~يداريها أو يضلل فيها الخيال والإحساس. # ويسألني الأستاذ: «لا أدري أي مناسبة للعاطفة بالمنطق!» وهذا الذي أقوله ~~أنا، وأقول معه إن مناسبة العاطفة أنها هي شيء موجود لا يصح المنطق إلا إذا ~~حسب له حسابه، فأي منطق يحق له أن يكون هكذا، أو لا ينبغي أن يكون كذلك إن ~~لم يكن يحس العاطفة الإنسانية ويستكنه مضامينها ويقيم لها وزنها؟ إن ~~الأستاذ ينبئنا أن العقل أسعد الإنسان بالعلم، فما هي السعادة؟ إن لم تكن ~~عاطفة فهي لا شيء، وإن لم يكن العلم علم إنسان «عاطف» فلا حاجة به ~~لإنسان. # نود أن يتأكد هذا في العقول؛ لأننا على مرحلة يجهل فيها الشرقيون ما ~~ينقصهم، فيجب أن يعلموا أن الذي ينقصهم هو «الإحساس القويم»، وأن سبيل ~~خلاصهم هو سبيل العاطفة الحية والشعور الصادق الجميل. أما نظرية الدور ~~والتسلسل، فهي لا تعنينا في هذا الصدد، ولكني أرجو الأستاذ «الزهاوي» أن ~~يسأل نفسه هذه الأسئلة وهي: ~~(أ) # ألا يمكن أن نقول إن عدد «الأشكال» لا نهاية له بنفس المعنى ~~الذي نريده حين نقول إن عدد الأجرام والجواهر لا نهاية له في ~~هذا الفضاء الذي لا يتناهى؟ ~~(ب) # لماذا نشترط البعد في الزمان والمكان لظهور الشخصين ~~المتماثلين كل التماثل؟! لماذا يتحتم أن يكون أحدهما في هذا ~~الزمن والآخر على مسافة ملايين السنين أو ملايين الأميال؟ إن ~~المقتضي للتماثل هو أن الأشكال تتناهى والجواهر لا تتناهى في ~~قول أصحاب ms091 الدور والتسلسل. حسن، فلا داعي إذن لاشتراط التباعد ~~بين الشخصين المتماثلين في الزمان والمكان، بل يجب أن نرى ~~أناسا كثيرين يتماثلون على سطح هذه الأرض في المدينة الواحدة ~~وفي الوقت الواحد، وإلا كان رأي أصحاب الدور والتسلسل باطلا ~~يستند إلى دليل مشكوك فيه، أم تراهم يشترطون التباعد ليقولوا ~~لنا إذا أنكرنا عليهم دعواهم: اذهبوا فطوفوا الفضاء الذي لا حد ~~له، وجوسوا في جوانب الزمان الذي لا بداية له ولا نهاية، فإن ~~لم تجدوا أناسا يتماثلون وأجراما تتماثل، فنحن إذن المخطئون ~~وأنتم المصيبون، وإن وجدتم فعودوا إلينا بالنبأ ~~اليقين؟! # إن اللحظة الحاضرة من الزمان تشمل أشياء مختلفة مضت عليها ~~أزمنة مختلفة وأوضاع مختلفة، فهي بهذه المثابة ككل لحظة من ~~الماضي أو المستقبل، وإن هذا الموضع من المكان هو ككل موضع ~~غيره في اقتضاء التماثل، إن كان له اقتضاء. فإذا وجب أن نرى ~~شخصين أو أكثر من شخصين يتماثلون كل التماثل على كوكبين بعيدين ~~في زمنين بعيدين، فيجب - لهذا السبب عينه - ألا يمتنع ظهور مثل ~~هذين الشخصين في هذا المكان في الزمن الحاضر، وإلا فما هو ~~المانع إن كان أصحاب الدور والتسلسل يمنعونه فيما ~~يزعمون؟ # نرجو الأستاذ أن يسأل نفسه هذه الأسئلة، ونحن نرجح أنه لا ~~يجيب عنها أجوبة يسهل التوفيق بينها وبين القول بالدور ~~والتسلسل، وليعلم - حفظه الله - أنني لا أجد عزاء لنفسي في ~~تكرار «العقاد» إلى غير نهاية بين أجواز الفضاء وأبديات ~~الزمان، فإذا ثبت له ثبوت اليقين أن في هذه اللحظة عقادين لا ~~عداد لهم، يكتبون مقالاتهم في بلاغاتهم الأسبوعية التي تصدر في ~~قواهرهم وأفريقاتهم، للرد على الزهاويين الذين لا أول لهم يعرف ~~ولا آخر لهم يوصف؛ فرجائي إليه أن يكتم عني هذه الحقيقة؛ فما ~~في علمها إلا الشقاء بتضاعف الأشغال وتراكم الأحمال، وما في ~~ذلك ترفيه ولا عزاء! # | محمد فريد وجدي # هو فريد عصره غير مدافع! # وتلك كلمة مألوفة، طالت ألفتها حتى رثت وبليت وأصبحت حروفا بغير معنى. # ولطالما قيلت عن عشرات من حملة الأقلام في عصر واحد، ms092 كلهم فريد عصره، وكلهم واحد من جماعة ~~تعد بالعشرات، فلا معنى لها في باب العدد ولا في باب الصفات، ولا سيما صفات الرجحان ~~والامتياز. # إلا أننا نقولها اليوم عن «محمد فريد وجدي» لنعيد إليها معناها الذي يصدق على الصفة حرفا ~~حرفا، ولا ينحرف عنها كثيرا ولا قليلا حتى في لغة المجاز. # فقد عرفنا في عصره طائفة غير قليلة من حملة الأقلام ورجال الحياة العامة، فلم نعرف أحدا ~~منهم يماثله في طابعه الذي تفرد به في حياته الخاصة أو العامة، وفي خلقه أو تفكيره، وفي ~~معيشته اليومية أو معيشته الروحية، وأوجز ما يقال عنه في هذه الحالات جميعا أنه لم يخلق في ~~عصره من يتقارب المثل الأعلى والواقع المشهود في سيرته كما يتقاربان في سيرة هذا الرجل ~~«الفريد». # نعم، الفريد حتى في لغة الجناس؛ لأن اسمه فريد، والفريد حتى في عزلته؛ لأنه كان في عزلة ~~النساك والرهبان، عليما غاية العلم بالتحليل والتحريم. # بدأ حياته الفكرية على مبدأ لم يخالفه قط في أيام رخاء ولا في أيام عسرة، فقصر طعامه على ~~النبات، وانفرد بهذا الطعام بين أهل بيته، واجتنب الولائم التي يدعى فيها إلى طعام غير ~~طعامه. # وأخذ نفسه بسمت الأولين من عباد «الله» الصالحين، فتورع عن كل بدعة من بدع الضلالة أو ~~الجهالة ينكرها الدين، وجهر باستنكاره لهذه البدع حين صمت الصياحون من الناطقين. # ذكرنا في حديث الخديوي و«البكري» - في غير هذا الفصل - قصة الطرق الصوفية يوم توديع ~~المحمل بميدان المنشية، وخلاصتها أن السيد «محمد توفيق البكري» كان محنقا على الخديو في ~~بعض السنين، فمنع أصحاب الطرق من الخروج لموكب المحمل تحية للأمير في ميدان الاحتفال، فخلا ~~الميدان إلا من الموظفين المدعوين، وغضب الأمير لأنه فهم من ذلك أنه زراية بالموكب الذي ~~تعود أن يشهده العام بعد العام، فانتهر السيد «توفيق» وقال له بصوت مسموع على ملأ من رجال ~~الدولة: «أنت قليل الأدب!» وغضب السيد «توفيق»، فانصرف من الاحتفال وهو يقول للأمير بصوت ~~مسموع كذلك بين الحاضرين: «لست أنا قليل الأدب. ms093 إنني وزير مثلك، وآبائي وأجدادي لهم الفضل ~~على آبائك وأجدادك.» # ولم تأخذ صحيفة واحدة بناصر السيد «البكري» في هذا الموقف؛ لأن الصحف الإسلامية لا تغضب ~~الأمير من أجل شيخ الصوفية، ولأن الصحف غير الإسلامية لم تشأ أن تتعرض لمسألة من مسائل ~~الدين. # إلا صحيفة «الدستور» التي كان يصدرها «فريد»، فإنها أخذت بناصر «البكري»، وهو من غير ~~المقبولين عند صاحبها؛ لاختلافهما في المسلك والسيرة، ولكن صاحب الدستور نظر إلى شيء واحد ~~في هذا الخلاف، وهو أن مظاهر الطرق الصوفية بدعة لا يستحسنها، وأن الأمير لم يكن على حق في ~~غضبه على شيخ الطرق لمنع حضورها. # وتتم هذه الخصلة الفريدة في صاحب الدستور صباح اليوم التالي ليوم خروج المحمل، فقد اطلع ~~«البكري» على الصحيفة فأرسل إلى صاحبها بمبلغ من المال كانت في أشد الحاجة إليه، فلم يقبل ~~منه «فريد وجدي» غير قيمة الاشتراك لعام واحد، ثم رد إليه البقية قبل أن ينتصف ~~النهار. # ولقد كانت أزمة الصحيفة أثرا من آثار «المبدأ» الذي لا ينحرف عنه الرجل قيد شعرة، وهو ~~الجهر بالرأي، ولو خالف القوة والكثرة وخالف أحب الناس إليه، وقد كان من رأيه عند تأليف ~~الحزب الوطني أن يكون تبليغ تأليفه والاحتجاج على الاحتلال عاما غير مقصور على الدولة ~~البريطانية، فلم يقبل «مصطفى كامل» مقترحه، ولم يسكت «فريد وجدي» عن تأييد رأيه، فانصرف ~~قراء اللواء عن قراءة الدستور، ولم يكن للدستور قراء من الشيع السياسية الأخرى، فكسدت ~~الصحيفة وعجزت عن النهوض بتكاليفها، ولم يقبل صاحبها أن يعوض الخسارة بالمعونة المعروضة ~~عليه من الجهات السياسة التي لا يوافقها. # ومن المعونات التي عرضت عليه في أحرج أيام الأزمة معونة كبيرة من جماعة «تركيا الفتاة»، ~~يبذلونها للدستور مشاهرة ليكون لسانا عربيا لحركتهم الدستورية، ولكن على شريطة واحدة: ~~وهي أن يرفع من صدر الصحيفة كلمة «لسان حال الجامعة الإسلامية»، فرفض الرجل هذه المعونة، ~~ورفض أن يجعل صحيفته لسانا للحزب إلا بشروطه التي يرتضيها، ولو وافق الحزب على بقائها ~~لسانا للجامعة الإسلامية . # وفي الوقت الذي كانت هذه ms094 المعونات تعرض عليه من شتى الجوانب - ومنها جانب الحاشية ~~الخديوية - كان الرجل يتحامل على نفسه وعلى القليل من موارد مؤلفاته، لينفق عليها بعد تصغير ~~صفحاتها واختصار أعدادها، فلما استنفد كل ما قدر على إنفاقه في هذا السبيل أعلن تعطيلها وهو ~~مدين لتاجر الورق وموظفي التحرير والإدارة بمقدار غير يسير، فأبت عليه نزاهة النفس أن يؤخر ~~مليما واحدا لصاحب دين، واتفق مع تاجر الورق على استخلاص دينه من مؤلفاته بثمن يقل ~~أحيانا عن عشر ثمنها في المكتبات، ومنها على ما نذكر معجمه المسمى بكنز العلوم واللغة، ~~وثمنه مائة وعشرون قرشا، فاتفق على حسبانه بثلاثة عشر قرشا، واشترط على التاجر أن يشتري ~~النسخ التي تصرف للموظفين بما بقي لهم من متأخر الأجور والمرتبات، وحضر بنفسه تسليم النسخ ~~واستلام الأثمان. # هذا هو الرجل الفريد في نزاهة نفسه واستقامة خلقه وحفاظه على مبدئه ورأيه. # وهو كذلك، أو أكثر من ذلك انفرادا بين كتاب عصره بجهوده في مؤلفاته، فلا نعرف أحدا منهم ~~توفر وحده على تأليف «دائرة معارف» كاملة، ولا على التأليف في تفسير القرآن وفي معجمات ~~اللغة والعلم، ولا على الجمع بين الدراسات الدينية والقصص الخيالية، ولا على الاستقلال وحده ~~بإصدار صحيفة يومية، ولم يكن معه من المحررين غير كاتب هذه السطور، ولو استطاع وحده أن يؤدي ~~أعمال التحرير خارج المكتب، ومنها الأحاديث وأخبار الدواوين، لاستقل وحده بالإدارة ~~والتحرير. # وأشرف ما يكون صاحب المبدأ إذا كان استقلاله برأيه لا يأبى عليه أن يعرف لغيره حقهم في ~~الاستقلال بما يرون. # وقد كنت يوم اشتغلت بتحرير الدستور كاتبا ناشئا، خامل الذكر، ليس لي بحق الشهرة أن يكون ~~لي رأي مستقل مسموع، ولكني كنت أخالفه في بعض آرائه، بل في بعض مبادئه السياسية وبعض ~~معتقداته عما وراء المادة وتحضير الأرواح، وأشهر ما كان من ذلك حول موقف الحزب الوطني من ~~«سعد زغلول»، فلم يمنعني ذلك أن أنشر في الدستور ما يخالف هذا الموقف، وأن أحادث «سعد ~~زغلول» حديثا ينفي كل ما يعزوه إليه كتاب اللواء. وقد صارحته ms095 غاية الصراحة فيما كان ~~يعتقده من تحضير الأرواح، وصارحني غاية الصراحة في أمر المتشابهات من العقائد والأحكام، فلا ~~أذكر أنني لمحت منه عند أشد المخالفة نظرة غير نظرته حيث تقترب الأفكار والآراء. # ومما انفرد به في صناعة الكتابة أنه كان يكتب منفردا كما يكتب بين جمع من الزوار ~~والعمال، وأن سرعة قلمه بالكتابة لم تكن دون سرعة لسانه بالكلام، وأنه كان سريع النظم للشعر ~~كما كان سريع النسج للنثر البليغ، وإن لم يكن يشتغل بنظم الشعر في غير موضعه من قصص الخيال. # ومن شعره في هذه القصص الخيالية قوله: # رمت المخاوف والمخاطر # فرويت ما لم يرو شاعر # وجمعت ما بين البدا # وة والحضارة والمظاهر # وشهدت ما لو قلته # عدوه من عبث الخواطر # وخرجت من ذا كله # بحقيقة تغني المكابر # هي أن هذا الناس قد # سحرتهم فتن سواحر # ظنوا السعادة في التأ # نق والتظرف والتفاخر # وإقامة الدور الشوا # هق والعلالي والمقاصر # والجري أعقاب اللذا # ئذ والتورط في الكبائر # بين افتتان بالقشو # ر ووقفة حول الظواهر # أما السعادة فهي في # أن تفتق الحجب السواتر # وتحصل السر الذي # شقت لمطلبه المرائر # وتنال من معناك ما # حرمته همات قواصر # أن ترتقي بالروح حي # ث الحق عالي القدر سافر # هذي السعادة كلها # فاظفر بها إن كنت ظافر # وله شعر في هذه القصص يقول فيه عن المدنية: # ضل أهل الألمعية # في علاج المدنية # هي من أقدم عهد # عضلة العلم القوية # هي للجثمان غنم # وهي للروح بلية # والذي قر عليه ال # رأي من أهل الروية # أنها شر ضرور # ي لخير البشرية # ولو كانت طواعية النظم للناظم آية الملكة الشعرية لكان «فريد وجدي» في طليعة الشعراء ~~المطبوعين، ولكن سهولة نظمه كسهولة نثره، كلتاهما دليل على بساطة في الطبع، سلمت من العقد ~~المركبة وتقابلت فيها الأعماق والظواهر بغير حجاب من خفايا النيات وعوج الأهواء، فلا تشق ~~عليه سلاسة التعبير ولا سلاسة التفكير. # ومن صراحة خلقه وإيمانه باستقلال الرأي عنده وعند غيره، أنه كان يستمع إلى رأيي في شعره ~~فلا ms096 يغضبه ولا يهمه أن يكون له حظ من الشعر أكبر من حظه، وقد قلت له مرة: حسبك من الشعر ما ~~يقنع قلب المتصوف ولسانه. فقال: والله إنه لخير كثير، ومن لنا ببعض هذا النصيب؟ ~~••• # روى العالم اللغوي الشيخ «عبد القادر المغربي»، وهو من تلاميذ السيد «جمال الدين ~~الأفغاني»، أن السيد عرض عليه الزواج فقال: إن «جمال الدين»، وهو متزوج رب أسرة وصاحب بيت، ~~يأوي إليه بين أهله وبنيه صورة من صور الخيال، أغرب من صورة الشيخ «عليش» وهو يسعى إلى ~~«الأزبكية»، ليجلس إلى حانة من حاناتها ويصفق بيديه يستدعي «الجرسون»، ليأمره بسؤال من حوله ~~عما يطلبونه من مشارب الحانات. # أقول إنني قد رأيت بعيني في الواقع ما هو أغرب من هاتين الصورتين، وهو منظر «محمد فريد ~~وجدي» يتمشى في قلب «الأزبكية» بين المتاجر والحانات، وهي لا تدري من هذا الذي يغيب في ~~أطوائها بين هذا الزحام، ولعله هو أيضا لا يدري أن هذه هي «الأزبكية»، إلا كما يدري الطيف ~~في الصور المتحركة أين يضعه المخرجون بين مشاهد الأفلام. # فقد كان السير على الأقدام من رياضات الرجل قبيل الأصيل كل نهار، وكان يمضي في رياضته حيث ~~ساقته قدماه؛ تارة إلى مفازة الخلاء، وتارة أخرى إلى حي «السكة الجديدة»، وحينا إلى قصر ~~النيل، وحينا آخر إلى شارع «جلال» أو «عماد الدين»، ولا يحس من يراه في مكان من هذه ~~الأمكنة، وهو ينظر إلى ملامح وجهه، أنه يفرق بين مكان منها ومكان سواه، كأنه «لانطوائه على ~~نفسه» يتمشى في عالم السريرة ولا يتمشى في عالم العيان. # وكنت أراه أحيانا في طريقي ولا أعرف من هو بين غمار الناس، على علمي ببعض آثاره وسماعي ~~ببعض أخباره، ومنها في قفشات الأدباء «أولاد البلد» أنه يعيش فيما وراء المادة، في عطفة من ~~عطفات عالم الروح. # فلما رأيته لأول مرة بعد إعلانه عن إنشاء صحيفة الدستور أسفت لما فاتني من الشعور بتلك ~~الأعجوبة التي كنت أشهدها كما يشهدها غيري من عابري الطريق ، ولا يشعرون بها! ~~«ما وراء ms097 المادة» كله ينتقل إلى حي «الأزبكية» في ضوء النهار؟! # إنني لأشعر اليوم أنه منظر عجب غاية العجب: منظر أعجب من «جمال الدين» رب الأسرة والدار، ~~أو منظر الشيخ «عليش» جليس القهوة والبار. # وقد صحبته في رياضة من هذه الرياضات أول يوم لقيته فيه، فعلمت حقا أنه كان يغشى تلك ~~الأماكن وكأنه لا يغشاها؛ لأنه يستطيع أن يمضي في عزلة عما حوله، كما يستطيع أن يجلس إلى ~~مكتبه ليكتب ويفكر ويناجي سريرته، ولا يدري من يخاطبهم ويخاطبونه أنه بعيد عنهم وأنهم ~~بعيدون عنه، في عالم آخر من وراء المادة، إذا شاء «أولاد البلد» الظرفاء. # وكنت قد عرفته من كتاباته زمنا قبل أن أعرفه رأى العين، ولكنني بعد أن صاحبته في مكتب ~~الدستور من يوم إنشائه إلى يوم تعطيله - إلا فترات من الزمن لا تحسب - أراني أستطيع أن أقول ~~إنني كنت أعرفه من كتاباته كذلك وأنا معه في دار واحدة؛ لأنه كان يعمل في مسكنه بالدار ولا ~~ينتقل إلى مكتبه إلا للقاء طارئ من الزوار، أو للاجتماع بلجنة من لجان الصحيفة لمراجعة ~~أحوال الإدارة والتحرير والتوزيع، وكان يعفيني من إطلاعه على ما أكتب قبل إرساله إلى ~~المطبعة، فربما مضى الأسبوع ولم ألقه، إلا إذا طرأ من شئون الصحيفة ما يدعو إلى مشورته أو ~~تبليغه عنه ليتصرف فيه بما يراه. # قرأت إعلانه عن طلب محرر للصحيفة، فكتبت إليه أخبره بأنني أرشح نفسي للعمل في الصحافة ~~لأول مرة، فجاءني الرد منه بعد يوم أو يومين يسألني أن ألقاه بدار مطبعة الواعظ لصاحبها ~~الكاتب المعروف - يومئذ - «محمود سلامة»، وكنت أقرأ مقالاته النقدية، ويعجبني منه ما يعجبني ~~من مدرسته كلها: وهي مدرسة «عبد الله نديم» و«أحمد سمير»، وكنت أعرف مكان مطبعة الواعظ؛ ~~لأنني فكرت زمنا في إصدار صحيفة على مثالها وفي مثل حجمها، قبل أن أستقيل من وظيفتي ~~الحكومية. # فلما ذهبت إلى الموعد - بالدقيقة - أخرج الساعة من جيبه ونظر فيها، وسكت هنيهة ثم ~~سألني عما اطلعت عليه من مؤلفاته التي أشرت إليها في الخطاب، ثم اختار ms098 صحيفة من الصحف التي ~~كانت على مكتب صاحب الواعظ وقال لي: هل قرأت هذا؟ فنظرت في الصحيفة فعلمت أنه يشير إلى مقال ~~عن رحلة لكاتب المقال في العاصمة الفرنسية، كنت قد اطلعت عليه قبل ذلك، فرددت الصحيفة إليه ~~وأنا أقول: إنني لم أذهب إلى باريس، ولكن موضع العجب عندي أن الكاتب لم يطرق منها غير الحي ~~اللاتيني، ولم يعرف في الحي اللاتيني غير معارض الخلاعة والمجون، فهل هذه هي باريس؟ فضحك ~~صاحبنا ضحكة تنم على كل ما في طوية نفسه من براءة طيبة كبراءة الطفولة، وقال: هذه هي باريس ~~كلها، إذا كانت القاهرة كلها هي ما تراه الساعة. هل لك في رحلة قصيرة نقضي بها رياضة ~~اليوم؟ # وسرت معه حيث سار، فلاح لي أنه كان كأنما يسير معي ولا يوجهني إلى مكان مقصود بعينه، أو ~~كأنني كنت أوجهه كما كان يوجهني على السواء. # وقال لي في صراحة لا تكلف فيها، إنه عرض علي مقال الصحيفة عن رحلة باريس امتحانا لرأيي ~~بعد أن أغناه أسلوب خطابي عن امتحاني في الكتابة، وبعد أن أغناه حضوري إلى الموعد - ~~بالدقيقة - عن امتحان نظامي في العمل، فلي أن أعتبر نفسي محررا بصحيفة الدستور منذ تلك ~~اللحظة، ولي أن أسأله عما أشاء عن نظام العمل المطلوب. # ولم أسأله عن شيء من ذلك، ولكنه هو قد مضى يسهب في بيان مقصده من إنشاء الصحيفة وبيان ~~خطتها في السياسة والوطنية، ثم مضت الأيام بعد الأيام في هذا العمل المشترك بيني وبينه، لا ~~يعاوننا فيه أحد غير أخيه «أحمد» الطالب بكلية الحقوق، وغير آحاد من زملائه الطلبة ومن ~~وكلاء الصحيفة في الأقاليم، ولم ينقطع عملي في الدستور غير بضعة أسابيع، تركت الصحيفة فيها ~~لخلاف وقع بيني وبين أخيه، لاعتراضه على بعض آرائي في السياسة الحزبية، والحق أنه اعتراض لم ~~يكن فيه ما يسوء، لولا أنني استكثرته من الأخ، وهو يعلم أن أخاه الأكبر لا يبدي على ما أكتب ~~مثل هذا الاعتراض فيما يخالفه أو يناقضه من الآراء السياسية. # ولم ms099 ألق «محمد فريد وجدي» بعد تعطيل الدستور غير مرات معدودات، وكنت قد برحت «القاهرة» ~~إلى «أسوان» ثم عدت إلى «القاهرة» للعلاج من وعكة قطعتني عن العمل بضعة أشهر. # وفي حديث من أحاديث الرياضة على الأقدام كان لقائي الأول له بعد عودتي إلى «القاهرة»، ~~فإنني عرفت مسكنه بعد انتقاله إليه من مسكنه بدار الصحيفة، فقصدت إليه على أثر رياضة في ~~الخلاء وبيدي كتاب من كتب الفلسفة الاجتماعية، فقال لي وقد نظر في الكتاب ولمح على وجهي ~~أعراض السقم: وفي مثل هذا الكتاب تقرأ وأنت ترتاض للاستشفاء؟ # وأذكر أنني فاتحته باعتقادي قصر العمر وقلة الجدوى من الاستشفاء، فابتسم ابتسامته ~~الأبوية، وفتح الصفحة الأولى من الكتاب وهو يقول لي: اكتب هنا. ثم أملى علي كلاما فحواه ~~أنني سأعود إلى هذه الأسطر وأنا شيخ معمر، لكي أعرف أنني كنت على خطأ كبير حين قدرت لنفسي ~~نهاية العمر القصير. # رحم «الله» ذلك القلب الطهور، وذلك الروح الكريم، وذلك الحق الفريد. # إن يكن اليوم لا يذكر حق ذكراه، فما هو بالخمول ولا هو بالقصور عن الخلود، ولكنه يعيش في ~~عزلة من دنيا التاريخ كما عاش أيامه في عزلة من دنيا الحياة. # | الشيخ رشيد رضا # يقول «محمود رشاد بك» في رحلته الروسية: «سألني التتار عن الشيخ محمد عبده، والشيخ علي ~~يوسف والشيخ رشيد رضا ومصطفى باشا كامل وفريد بك وجدي، وشكروا لهم صدق غيرتهم على ~~الدين.» # وقد لقيت أنا في بلدتي أناسا من أبناء «إفريقية الغربية»، الذين يعبرون بأسوان في طريقهم ~~إلى الحج ذاهبين أو عائدين، فوجدت بينهم من يقرأ مجلة «المنار» ويعول عليها في فهم شعائر ~~الإسلام وأحكامه. # وقد تكفي نظرة في باب الأسئلة والفتاوى التي كانت تنشر بتلك المجلة لتقدير مدى انتشارها ~~في الأقطار الإسلامية؛ لأنها كانت تتلقى الأسئلة والفتاوى من جميع الأقطار. # وقد كنت أطلع على بعض أعدادها حرصا مني على متابعة آثار الشيخ «محمد عبده» في كل مظنة، ~~فكنت أحمد له الدعوة إلى التحرر من ربقة القديم ، ولكني أسأل نفسي دائما بعد قراءتها: ms100 «من ~~أين يلم بالنفس هذا الشعور بشيء غير مستساغ في كثير مما يكتبه الشيخ «رشيد»؟!» # ولم يكن هذا شأني وحدي فيما كنت أقرأ من كتاباته، ولكنه كان شعورا يشاركني فيه عدد غير ~~قليل من القراء، وما زلت أسائل نفسي حتى تبين لي بعد تجربة الحياة والأدب، وبعد لقاء الشيخ ~~«رشيد»، أنه ضرب من الحاجة إلى الصقل، ولا سيما الصقل من ناحية الكياسة والفكاهة، فما أحسب ~~أن الشيخ - رحمه الله - كان يلتفت إلى شيء من طرائف الحياة التي تتجلى في نقائص الدنيا ~~وأعاجيبها، ولا غنى عنها لتمام التعاطف والتفاهم بين الناس. لقيته مرات لا تحصى، ولكني لم ~~أتحدث إليه غير ثلاث مرات أو أربع في مناسبات قليلة. # أولها في دار المنار بدرب الجماميز؛ كانت دارا صغيرة، لها سلم ضيق تصعد عليه إلى حجرة لا ~~تزيد في مساحتها على أربعة أمتار مربعة، وفيها ديوان مفروش، وعلى أرضها حصيرة فوقها فروة، ~~يجلس عليها الأستاذ وقد ثنى قدمه، وفي يده ورقة يكتب عليها للمنار. # وكنت أعبر بتلك الدار كثيرا في طريقي إلى دار الكتب، فلم يخطر لي أن أزورها أو أعرج ~~عليها، حتى أعلن الشيخ «رشيد» عن كتابه في ترجمة الأستاذ الإمام، وصدر منه جزآن، هما الجزء ~~الثاني والثالث، وأرجئ صدور الجزء الأول إلى حين. # كان الجزء الثاني يشتمل على طائفة من مقالات الأستاذ الإمام ورسائله التي نشرت بتوقيعه أو ~~بغير توقيعه. # وكان الجزء الثالث يشتمل على المراثي الشعرية والنثرية التي قيلت فيه إلى ما بعد حفلة ~~الأربعين، ومعها بعض كلمات المقدرين والمؤمنين من أبناء البلاد الشرقية والغربية. # ولم تكن «ميزانية» الكتب يومئذ تسمح لي بشراء جزأين كبيرين في وقت واحد! فاخترت أن أبدأ ~~بالجزء الثاني، وأرجئ شراء الجزء الثالث بضعة أسابيع. # ولقيت عاملا على السلم فأخبرته بما أطلب، فلم يبد مانعا، وذهب ليجيئني بالجزء الذي ~~طلبته، وعاد به وأنا في حضرة الشيخ «رشيد»، وتناولت الجزء وأخرجت الثمن - فسأل الشيخ ~~«رشيد»: «ما هذا؟» # ثم قال: «إن الجزأين لا يباعان على انفراد.» # ولا أخفي على ms101 القارئ أنني حين سمعته يسأل: ما هذا؟ خطر لي أنه سيعفيني من الثمن، بعد أن ~~تناول الحديث بيني وبينه سيرة الأستاذ الإمام، ولمحت منه الرضا عن رأيي في خصومه وناقديه. # فلما فهمت مرمى سؤاله شعرت بخيبة أمل، وازداد شعوري هذا حين أصر على بيع الجزأين، مع ~~توكيدي له بأنني سأعود بعد فترة لشراء الجزء الأخير. # ثم تأخر صدور الجزء الأول أكثر من عشرين سنة، وهو الجزء الذي يحتاج من المؤلف إلى عناء ~~ومراجعة وتحضير، فهيأت تلك المساومة نفسي لاعتقاد خاطئ في حق الرجل، ووقع عندي أنه بادر إلى ~~إصدار الجزأين لما في هذه المبادرة من كسب لا يجشمه شيئا من الكلفة والمشقة، وأنه أخر ~~الجزء الأول لما يتجشمه فيه من التعب، وما يلقاه في سبيله من الخصومات. # ولكن الجزء الأول صدر بعد طول التأخير، وظهر من وقائعه وأخباره أن الشيخ «رشيد» كان موفور ~~العذر في إرجاء صدوره، لأنه لم يكن يستطيع نشره في عهد عباس الثاني ولا في إبان الحرب ~~العالمية، فانتظر حتى زالت المحظورات التي حالت دون إصداره طوال تلك السنين. # ولقيت الرجل مرة أخرى مع اللجنة التي تألفت للاحتفال بعيد المقتطف الذهبي، وكان الدكتور ~~«فارس نمر باشا» قد دعانا إلى حفلة شاي في داره؛ للإعراب عن شكره للجنة الاحتفال وشكر زميله ~~العلامة «يعقوب صروف». # وجلست مع «سعيد شقير باشا» والشيخ «رشيد». # وطاف «فارس باشا» بضيوفه يحييهم، فقال للشيخ: «إنك يا سيد تسمن كثيرا، ألا تتعود رياضة ~~المشي؟ امش بقدر ما تستطيع.» # ثم استطرد الحديث إلى الصحة، فقال «سعيد باشا» إنه يحس إعياء وخواء يشبه «الدوخة». # فسألته: هل كشفت عن الكبد؟ # فقال: إن المصيبة كلها من هذه الكبد! # ولاح على الشيخ «رشيد» كأنه قد سمع مني نبوءة، فسألني: وهل درست الطب؟ # قلت: إن علاقة الكبد بهذه الحالة لا تحتاج إلى علم طبيب. # ثم تبين لنا من جملة الحديث أن عناية الشيخ بالاطلاع على المعارف العصرية العامة أقل ~~بكثير من عنايته بالاطلاع على مسائل الفقه والدين. # وتحققنا من هذا حين ms102 صدر الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام ووجدت فيه إشارة استفهام بعد ~~اسم «عبد الله منو؟» # فاستغربت أن يكون الشيخ على غير علم بتاريخ هذا القائد الفرنسي، وقد دان بالإسلام وكانت ~~له علاقة في مصر ببيت من أكبر البيوتات الإسلامية، ولكن الاطلاع على هذه المسائل التاريخية ~~لم يكن - على ما يظهر - من هم الشيخ. ~~••• # ولقيته مرة أخرى في قطار «المترو» ليلة من ليالي شهر رمضان ومعه قريب له يسمى - على ما ~~أذكر - «عاصما». # فجرى الحديث على المعجزات. # وقال الشيخ: «إن المحقق من سيرة النبي - عليه السلام - كاف للدلالة على وحي القرآن؛ لأنه ~~- عليه السلام - لم يأت بمثل هذه البلاغة قبل الأربعين، وكان يشكو انقطاع الوحي فترة بعد ~~نزول القرآن الكريم عليه.» # فقلت: «إنه دليل حسن ولكنه غير ملزم، فقد اشتهر مثلا عن النابغة الذبياني أنه لم ينظم ~~الشعر قبل الأربعين أو نحوها، وذلك تعليل لقب النابعة في بعض الروايات، واشتهر كذلك عنه وعن ~~غيره أنه أجبل؛ أي انقطع عن النظم فترة ثم عاد إليه، فنحرت قبيلته الذبائح فرحا بانطلاق ~~لسانه؛ لأنه أنفع لها من غزوة تنتصر فيها على أعدائها.» ~~«إنما المعجزة الكبرى هي الرسالة المحمدية، التي لا ينهض بها فرد ولا أمة بغير معونة ~~إلهية. # وإنما المعجزة الكبرى هي أثر القرآن في الضمائر، وأثره في تواريخ الأمم الإسلامية ~~وغيرها.» # ومن حق الشيخ أن أذكر له في هذا السياق أنه لم يغضب ولم ينكر وجاهة التعقيب على كلامه، ~~ودعاني ملحا إلى زيارته في «دار المنار». # ولكنني لم ألقه بعد ذلك، وإن كنت ألقاه حينا بعد حين في صفحات مجلته «المنار»؛ لأنها من ~~المجلات العربية التي حرصت على اقتنائها من أول أعدادها إلى آخرها. # | عبد العزيز جاويش # كلما ذكرت الشيخ عبد العزيز جاويش، ذكرت زيه على الخصوص؛ لأنه كان أول ما لفتني إليه، ولم ~~يزل موضع التفاتي بعد ذلك كلما رأيته أو سمعت بخبر من أخباره في بعض المناسبات. # كان لنا زميل في مدرسة «أسوان الأميرية »، لا تقل شهرته بيننا بالجهل عن ms103 شهرته بالعبث وقلة ~~المبالاة. # وتخرج بعدنا من المدرسة، فعينته وزارة المعارف مدرسا بها للترجمة، لشدة الحاجة يومئذ إلى ~~المدرسين. # وكنا نعجب لكتابته العربية أكثر من عجبنا لكلامه باللغة الإنجليزية، فهو يعرف الإنجليزية ~~كما يعرف العربية، ومعرفته للعربية بعد ذلك هي موضع الشك الكبير. # وإنه ليلقي درسه في الترجمة ذات يوم إذا بمفتش معمم يدخل عليه، فظنه مفتشا للغة العربية ~~قد ضل طريقه إلى هذه الحصة، فاطمأن على جهله وعلمه، ومضى في درسه بغير اكتراث، ولم يكن من ~~دأبه كما أسلفنا أن يكترث لشيء من الأشياء. # وفوجئ باعتراض من المفتش المعمم، فقال له بغير تردد: «إن هذه القطعة منقولة من كتاب ~~مقرر.» # وسأله المفتس: ما هو؟ # فقال: كتاب مرشد المترجم. # وطلب منه المفتش أن يريه القطعة في الكتاب، فقلب الصفحات كأنما يبحث عن واحدة معينة منها، ~~ثم أشار إلى جملة في الصفحة، وقال للمفتش بكل ثقة واطمئنان: هي هذه القطعة! # وهنا المباغتة التي كان أهون منها على صاحبنا أن ينفتح أمامه قمقم مغلق ويخرج منه مارد من ~~الجن؛ لأن الشيخ المعمم قد أخذ يقرأ القطعة الإنجليزية ويسأله عن العلاقة بينها وبين ~~العبارة العربية. # إن المفتش المعمم هو الشيخ «عبد العزيز جاويش» مؤلف كتاب مرشد المترجم، مع زميل من ~~المعلمين! # وضجت المدينة ليلتها من الضحك، ولم يزل شاهدو القصة يذكرونها إلى الآن. لا عجب إذن أن يظل ~~زي الشيخ عالقا بذهني على تعاقب الأيام. ~~••• # وذهبت سنة وجاءت سنة، وتتابعت سنوات بعد سنوات، وألفت في «القاهرة» منظر الشيخ في جبته ~~الغراء، وهي في أشد شتائها قلما أحوجتنا يومئذ - نحن أبناء الصعيد - إلى معطف ثقيل. # ثم استقال الشيخ من وظيفته بوزارة المعارف، بعد إنشاء مدرسة القضاء الشرعي وإسناد نظارتها ~~إلى المربي الكبير «عاطف بركات بك»، وأخذ في حملته على وزارة المعارف على النحو الذي يذكره ~~قراء اللواء في تلك الأيام. # وحضرنا يوما إلى مكتب الصحافة بوزارة الداخلية، فسألنا موظف فيه: «هل صحيح أن الشيخ ~~جاويش اعتزل عمله في تحرير «اللواء»؟» # فقال زميل صحفي: «إن ms104 صحيفة الوطن قد نشرت الخبر.» وقال زميل آخر: «إني أشك في صحة الخبر.» ~~وقلنا جميعا: «إن دار اللواء قريبة، والسؤال هناك أيسر من الشك بغير دليل.» # ودخلنا مكتب الشيخ فوجدناه فيه، وتبين من الكلمة الأولى أن الخبر غير صحيح، ثم مضى الشيخ ~~في كلامه من التعليق على صحيفة الوطن إلى تعليق على الصحف عامة، وعلى السياسة والأحزاب، ثم ~~إلى الكلام عن حرية الصحافة وحرية الزعماء السياسيين. # وجلست أسمع وأنا أعجب لرجل يفهم الوطنية المصرية في نهضة المطالبة بالاستقلال، ثم ازداد ~~عجبي حين قدم للمحاكمة، فكان دفاعه الأول أنه «غير مصري»؛ لأنه ينتمي إلى أسرة تونسية، ~~و«تونس» خاضعة للحماية الفرنسية. # ثم ازداد العجب حين سافر إلى «الآستانة» وأنشأ فيها صحيفة «الهلال العثماني»؛ لينشر بها ~~دعوته السياسية على الوجه الذي كان يفهمه ولم يعدل عنه بقية حياته، وبلغ غايته حين علمنا ~~أنه أنشأ في «الآستانة» حزب «الوطن العثماني»؛ ليعارض به حزب «محمد فريد»، الذي جعل شعاره ~~«مصر للمصريين». # وكانت صحيفة «الهلال العثماني» تصل إلينا سرا في فترات متقطعة، فكنت أسأل نفسي: هل بلغ ~~من يقين الشيخ بمذهبه في الوطنية أن يفترض قبوله على كل مصري يسمع باسمه من بعيد؟ # وعدنا إلى زي الشيخ حين سمعنا نبأ الحملة التركية على هذه البلاد، فقد قيل يومئذ إن كسوة ~~المشيخة الإسلامية كانت في حقيبة الشيخ، وإنه قد حيل بينه وبين مصاحبته الحملة في اللحظة ~~الأخيرة لامتعاض شيخ الإسلام هناك من حركاته حول مصر والحجاز. ~~••• # وانتهت الحرب، ولقيت الشيخ اتفاقا قبل تعيينه مرة أخرى بوزارة المعارف، فإذا هو هو في ~~تفكيره وتقديره عن السياسة الوطنية: «أنقرة» هي صاحبة القول الفصل في السيادة المصرية، ~~«أنقرة» هي المرجع الأخير في الامتيازات الأجنبية، معاهدة سنة 1840 هي أساس ما نطالب به من ~~حقوق! # قلت: «الحمد لله، لقد تغيرت مصر كثيرا في عشر سنوات، وإن لم يتغير الشيخ عبد العزيز ~~جاويش، ومن جرى على مجراه.» ~~••• # لقد ذكرنا «رشيد رضا» في الفصل السابق، وبين الشيخ «رشيد» والشيخ «جاويش» جامعة لا غنى ms105 عن ~~الإشارة إليها لتقدير كل منهما معا، وكل من دخل معهما في هذه الجامعة، فبعد «جمال الدين» ~~و«محمد عبده» أصبح من هم كل شيخ ناشئ أن يصبح أستاذا إماما أو نمطا آخر من «جمال ~~الدين». # ومن هنا نشأت مدرسة «رشيد رضا»، و«مصطفى المراغي»، و«طنطاوي جوهري» و«عبد الحميد ~~الزهراوي»، و«محمد الخضري»، و«محمد المهدي»، و«النجار»، وغيرهم. # ولكن الشيخ «عبد العزيز» كان يتشبه ب «جمال الدين»؛ حيث يتشبه أقرانه على الأكثر بالأستاذ ~~الإمام. # وفارق آخر بينه وبين الشيخ «رشيد» أن الشيخ «رشيد» كما قلنا كانت به جفوة عن الفكاهة ~~والكياسة. # أما الشيخ «عبد العزيز»، فقد كانت فيه من «أبناء البلد» الظرفاء مشابهة كثيرة. # ذهبت يوما لزيارة الأستاذ «محمد صادق عنبر» بمكتب صحيفة العلم على ما أذكر، فوجدت الشيخ ~~«عبد العزيز» يصيح صيحة المحنق الذي يغالب ضحكا مكظوما: إنه خبر أدهش البقر، إنه خبر أدهش ~~البقر! # فسألت الأستاذ «صادق عنبر»: ما هذا الخبر؟ # فجعل يغمغم بين الضحك والخجل وهو يقول: إنه مصحح عندنا من أهل الشرقية، جاءه من بلده خبر ~~عن بقرة قتلها قطار السكة الحديد، فاختار للخبر عنوانا يليق بهذه الفاجعة العالمية، وكتبه ~~بهذا العنوان: «خبر أدهش العالم!» وفي رأي الأستاذ كما سمعت أن الدهشة من حق البقر في هذا ~~المقام! # قلت: صدق أبو العيناء، رأوه يأكل في الطريق أمام الغادين والرائحين فلاموه. # قال: أمن البقر حياء؟ ~~«وأراد أن يثبت لمن لاموه أن القوم بقر، فوقف ونادى: أيها الناس! قال هي بن بي عمن ~~لا يوثق له برأي: من بلغ طرف لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة. فلم يبق من حوله أحد إلا أخرج ~~لسانه يحاول أن يبلغ أرنبة أنفه!» ~~«ومضى أبو العيناء وهو يقول لمن لاموه: ألم أقل لكم؟» وقد أبى الأستاذ «صادق» إلا أن ينقل ~~الحديث الروي لصاحب الخبر ليرى أين هو من قول الشيخ «عبد العزيز» ومن قول «أبي ~~العيناء». # | إبراهيم الهلباوي # كان في مصر قبل الثورة العرابية حزبان سياسيان: أحدهما حزب «محمد شريف باشا» والآخر حزب ~~«مصطفى رياض باشا». # وقد ms106 يخطر للقارئ العصري أن تعريف الأحزاب بالأشخاص دليل على أن الحركة كلها شخصية لا ~~علاقة لها بالبرامج السياسية، ولكن الواقع أن تعريف الأحزاب بالأشخاص كان سنة معروفة في ذلك ~~العصر حتى في أعرق الأمم البرلمانية، فكان الحزبان المتناظران في إنجلترا يعرفان يومئذ باسم ~~حزب «غلادستون» وحزب «بيكنسفيلد»، ولم يكن ذلك دليلا على وحدة البرامج بين الحزبين. # وقد كان الحزبان المصريان كذلك مختلفين في البرامج، ولم يكن الخلاف بينهما مقصورا على ~~الانتماء إلى هذا الوزير أو ذاك الوزير. # كان حزب «شريف» أقرب إلى التجديد السريع. # وكان حزب «رياض» أقرب إلى المحافظة مع التقدم في رفق وأناة. # وكان «الهلباوي بك» ناقما على «رياض باشا» لسبب من الأسباب، فكان يطلق فيه لسانه ويكتب ~~عنه ما لا يرضيه. # فأمر عالما من رجال الدين أن يستجوب الشيخ «إبراهيم الهلباوي» تمهيدا لمعاقبته. فبدأ ~~العالم المحقق كلامه بتهديد الشيخ الناشئ، واستطرد قائلا: إن ناظر النظار سيخرب بيتك إن لم ~~تكف عن الحملة عليه. # فضحك الشيخ «إبراهيم» وأجابه ساخرا: إنه لا يستطيع. # فعجب العالم المحقق وقال: كيف لا يستطيع وهو ناظر النظار والحكومة كلها في يديه؟ # قال الشيخ «إبراهيم»: «وليكن ناظر النظار، أو أكبر من ناظر النظار، ليكن أمير البلاد، ~~ليكن خاقان البرين والبحرين، بل ليكن الله جل جلاله، فإنه لا يستطيع أن يخرب لي بيتا.» ~~ففزع العالم المحقق، وخيل إليه أن المسألة تنتقل من التمرد والعصيان إلى الكفر بالله، ~~والعياذ بالله! # فصاح بالشيخ الناشئ حنقا: أهذا الذي تعلمتموه من «جمال الدين»؟! # وكان «جمال الدين» مظنة «الزندقة» عند بعض العلماء في ذلك الحين، فطاب للعالم المحقق أن ~~يجد في كلام التلميذ برهانا على زندقة الأستاذ. # وكان الشيخ «إبراهيم الهلباوي» من تلاميذ «جمال الدين»، فلم يكن أسرع منه إلى رد التهمة ~~إلى المتهم، وقال لصاحبنا: بل هذا الذي تعلمناه منكم قبل أن نتعلمه من «جمال الدين»! # قال الرجل: أعلمناكم نحن الكفر؟ # قال الفتى المتحذلق: بل علمتمونا أن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل، وخراب بيتي مستحيل؛ ~~لسبب واحد، وهو أنه ms107 ليس لي بيت! # على أن تلمذة «الهلباوي» «لجمال الدين»، لم تكن تمنعه أن يستطيل عليه بمثل هذه الحذلقة ~~إذا «حكمت القافية» كما يقولون، فلعله هو التلميذ الوحيد الذي كان يجترئ على السيد بالدعابة ~~في مجالس الدرس أو مجالس الحديث. # قال لي عظيم من عظماء هذا العصر الذي حضروا كثيرا من تلك الأحاديث - أو تلك الدروس - ~~وكانت كل أحاديث «جمال الدين» من قبيل الدروس: إن السيد كان يتكلم يوما عن بعض الرذائل ~~التي تصيب الجسد والنفس الناطقة، وبعض الرذائل التي تصيب الجسد ولا تمس النفس الناطقة. # فقاطعه «الهلباوي» قائلا: يا خبر! وهل السيد من هؤلاء؟ # فانتفض السيد مغضبا وصاح به: «اغرب عني أيها الخبيث. لعنة الله عليك!» # و«الهلباوي» الذي تدل عليها هاتان النادرتان هو «الهلباوي» الذي عرفه الناس طوال حياته، ~~ويمكنك أن تلخصه في عبارة واحدة، وهي أنه - رحمه الله - كان «ذلاقة لسان، لا تطيق نفسها، ~~ولا تريح صاحبها». # ومن هذه الذلاقة المتعجلة، كان يؤخذ على «الهلباوي» كل ما هو مأخوذ عليه. ~~••• # سمعنا عنه قبل أن نراه، أو نسمع عنه ممن رآه. # كان أشهر المحامين بين الفلاحين بلا استثناء، وكان من آيات شهرته أنها دخلت في «النكتة ~~المصرية»؛ فكان الذين يساومون القصابين في شراء لسان الذبيحة يقولون إذا اشتط عليهم القصاب ~~في الثمن: والله ولا لسان الهلباوي! # وسمعنا بشهرته كاتبا كما سمعنا بشهرته محاميا، فكان عنوان مقالاته «إلى أي طريق نحن ~~مسوقون؟» يتردد على كل لسان، وكنا نسمع به وإن لم نقرأ تلك المقالات. # ثم أدركته آفة التعجل وقلة الاستقرار، فتحول في الوطنية إلى خطة «الاعتدال» وفسر الاعتدال ~~بمصانعة الاحتلال. # ثم كانت الطامة الكبرى، ونعني بها قضية «دنشواي» التي وقف فيها موقفا ظل نادما عليه طول ~~حياته. # وعن قضية «دنشواي» قلت في كتابي «سعد زغلول»: لقد كنا أربعة نقرأ وصف التنفيذ في «أسوان»، ~~فأغمي على واحد منا ولم نستطع إتمام القراءة إلا بصوت متهدج تخنقه العبرات. # ويستطيع القارئ إذن أن يتخيل مبلغ السخط الذي أثارته في نفوسنا رؤية «الهلباوي» أمامنا ~~وجها ms108 لوجه في دار الجريدة، يوم ألقى الأستاذ «لطفي السيد بك» خطابه الذي أشرنا إليه في ~~الكلام عن صاحب «المؤيد». # لقد كان اغتباطي شديدا بما أصابه من الأذى في ذلك اليوم، ولكني أقول إنصافا له إننا ~~رأينا في الرجل شجاعة لم نرها في غيره من المقصودين بالهتاف العدائي ذلك المساء؛ فقد أوى ~~بعضهم إلى حجرات الدار حتى اطمأن إلى انصراف الجمهور الغاضب، وأبى «الهلباوي» إلا أن يقتحم ~~الجمع خارجا من الدار في إبان الهياج، ولم يحفل بما تعرض له في طريقه من اللكم ~~والإيذاء. # وغاب «الهلباوي» زمنا عن ميدان السياسة، ثم ظهر بعد الثورة الوطنية معارضا ل «سعد ~~زغلول»، وكانت المساجلات بين الأحزاب يومئذ على أعنفها، ولكني أشهد القارئ أنني ما وجدت ~~القلم ينبعث في يدي انبعاثا إلى القول القارص العنيف كما كان ينبعث في الرد على خطب ~~«الهلباوي» وأحاديثه، فردودي عليه فيما أعتقد كانت أعنف ما كتبت على الإطلاق. # ثم مضت الأيام، وشاء القدر أن يكون للهلباوي شأن في موقف من أهم المواقف في حياتي ~~السياسية؛ لأنه الموقف الذي اعتزمت فيه جديا أن أترك الهيئة الوفدية مستقلا عن جميع ~~الأحزاب. # كان الوفد والأحرار الدستوريون مؤتلفين على عهد الوزارة «الصدقية» التي عدلت الدستور. # وجاء اليوم الثالث عشر من شهر نوفمبر، فعقد «الأحرار» الدستوريون اجتماعا في دار حزبهم، ~~وذهبنا إليه تأييدا لمظهر الائتلاف. # وإذا «بالهلباوي» هو خطيب الاجتماع. # وإذا بي جالس أمامه على قيد خطوة واحدة، وإذا به يحتال في كلامه ليهملني عند مناسبة ذكري، ~~ويتجاوز الإهمال إلى التعريض. # وعلقت على الخطبة في اليوم التالي، ورآها فرصة سانحة لإرغامي باسم الائتلاف. # وجاءتني دعوة إلى بيت الأمة، حيث تجتمع طائفة من أعضاء «الوفد» على رأسهم «مصطفى النحاس ~~باشا». # ما الخبر؟ # الخبر - كما قالوا - أن مصير الائتلاف معلق على بيان مطلوب منا، ونحب أن نتلوه عليك. # قلت: وما شأني في هذا البيان؟ # قالوا: بل الشأن شأنك؛ لأن فحوى البيان أن الوفد لا يقر ما كتبت عن «الهلباوي بك». # قلت: إنكم أحرار فيما تكتبون، ولكنني ms109 سأرد لا محالة على هذا البيان، وأقول لكم سلفا إنني ~~أنا المسئول عما أكتب، ولم يعلم الناس قط أنني أكتب بإشارة من أحد. # ثم ذكرت لهم سابقة «سعد» مع اللورد «جورج لويد» حين حملت على اللورد من أجل زياراته ~~للأقاليم، وثار «اللورد» ثورته التي أوشكت أن تعصف بالبرلمان، وأرسل إلى «سعد» من يقول له ~~إن «اللورد» يعتقد أنه هو الموعز بتلك الحملة، فقال سعد كلمته المأثورة: «إنها تهمة لا ~~أدفعها أو شرف لا أدعيه.» ولم يفاتحني في الأمر حتى انقضت الأزمة، لكي لا أفهم أنه يقترح ~~علي الكف عن الكتابة في هذا الموضوع! # ولكنهم لم يقتنعوا وقالوا إن صدور البيان من «الوفد» أمر لا محيص عنه، فإن شئت فاسمعه ~~لتقترح تغييره أو تعديله فيما لا يرضيك. # قلت: «لن أسمعه، ولن أسكت عن الرد عليه.» # في ذلك المساء زارني «مكرم عبيد باشا»، والمرحوم «صبري أبو علم باشا»، وسألاني: ماذا ~~صنعت؟ # قلت: كتبت ردا على البيان سينشر في عدد الغد من جريدة «مصر» - وكانت من الصحف الصباحية ~~- وفيها كنت أكتب مقالاتي كل يوم. # فحاولا وقف المقال. # فقلت لهما: إذا كنت لم أستطع أن أقنعكم بوقف بيانكم، فلن تستطيعوا إقناعي بوقف المقال. # ثم قلت لهما: إنني أملك أن أنشره في غير الصحيفة الوفدية، إذا حيل بيني وبين نشره ~~فيها. # وكان قد جاءني فعلا من يعرض علي العروض الطوال العراض لأعطيه المقال وينشره حيث يشاء. # وبعد مناقشة طويلة قال «مكرم باشا»: إننا كنا نود لو قبلت رجاءنا وعدلت عن نشر مقالك، أما ~~وأنت مصر على نشره فاقبل منا رجاء آخر. # قلت: ما هو؟ # قال: أن يخلو المقال من الملام الشديد. # قلت: إنني إذا ذكرت الحقائق كما حصلت، فلا حاجة بي إلى ملام شديد. # ومضت سنوات ثلاث أو نحوها و«الهلباوي بك» لا يقع لي في طريق. # وحدثت في خلال ذلك جفوة بيني وبين المرحوم «عبد القادر حمزة» لمناقشة دارت بيني وبينه حين ~~كنت أكتب في صحيفة «الجهاد». # ثم زارني يوما بعد طول القطيعة، وهو يقول ms110 لي: لقد مررت بدارك وأنا في «مصر الجديدة» ~~فحمدت هذه الفرصة وقلت لنفسي: فلنزره إن كان هو لا يزورنا، فما رأيك؟ # قلت: إنه فضل لك سبقتني به، وعلي أن أشاركك فيه. # وزرته في دار «البلاغ» - بعد يوم أو يومين - فإذا «بالهلباوي بك» هناك، فكدت أهم بالرجوع. # بيد أن «الهلباوي بك» كعادته هجام لا يتردد، فجذب يدي وبدأني بالحديث. # ولقد خطر لي في تلك اللحظة أن واقعتي معه آخر ما يذكره في تلك المقابلة، ولكنها على عكس ~~ذلك كانت أول ما ذكره وأسهب فيه، وجعل يقول وهو يضحك: كنت والله يا رجل أحب أن يكتب الله لي ~~ثواب إخراجك من تلك الجماعة، ولكنه فاتني، وأراك خارجا منها على التسعين! # وبعد حديث متشعب، دعاني والأستاذ «عبد القادر» إلى قضاء سهرة في منزله فاعتذرت، وخرج معي ~~حين انصرفت حتى افترقنا عند دار «محمد محمود باشا» - رحمه الله. # ويظهر أن رغبته في زيارتي له بقيت تساوره زمنا حتى صدرت صحيفة «روزاليوسف» اليومية ~~وواليت الكتابة فيها، فدعانا جميعا إلى قضاء السهرة عنده، وذهبنا إليه مع السيدة ~~«روزاليوسف» والدكتور «محمود عزمي»، وكانت في الحق من أمتع السهرات؛ لأن الرجل محدث ظريف لا ~~يمله المستمع إليه. # ولقد كانت أحاديثه في تلك الليلة أكثر من أن تذكر، إلا أنني أذكر من طرائف السهرة أن ~~السيدة «روزاليوسف» كانت تخاطب قرينته وهي تظن أنها زوجة ابنه، لبعد الفارق بينها وبين ~~زوجها في السن، ولم تزل على ظنها حتى نبهها إلى خطئها بنكتة من نكاته التي تناسب المقام. # نابغة من نوابغ عصره لا مراء، كان يسلم من كثير مما يؤخذ عليه، لولا تلك الحيوية التي ~~أقلقته وباعدت بينه وبين الصبر والاستقرار. # | جرجي زيدان # كنت حوالي سنة 1905 أعمل في دواوين الأقاليم: «قنا» ثم «الزقازيق». # وكنت أزور القاهرة مرة كل أسبوعين، أو كل شهر، عندما كنت أعمل في «الزقازيق». # أزورها لغرضين في وقت واحد: أن أشهد التمثيل بفرقة «سلامة حجازي»، وأن أبحث عن الكتب التي ~~لا تصل مع الباعة المتجولين إلى الأقاليم. ms111 # وفي مرة من هذه المرات، قصدت إلى حي الفجالة لأسأل عن كتاب ما - أي كتاب - في فلسفة ~~الجمال. # ولم أكن أعرف باسم الكتاب الذي أبحث عنه لأنه - كما ظهر لي بعد ذلك - لم يوجد من قبل ~~باللغة العربية، ولم يوجد إلى اليوم. وإنما كنت أتصفح فصول الأديب الخطيب الإنجليزي «إدمون ~~بيرك» عن الجليل والجميل، فخطر لي أن مثل هذا المبحث لا بد أن يكون مطروقا باللغة العربية، ~~وكان اعتقادي في كتابنا المحدثين منذ أواسط القرن التاسع عشر كاعتقاد أجدادنا في الأوائل ~~إذ يقولون: ما ترك الأول شيئا للآخر. فإذا كانت اللغة الإنجليزية قد اشتملت على بحث في ~~فلسفة الجليل والجميل، فأكبر الظن أن كتابنا المترجمين لم تفتهم ترجمة بحث من هذه ~~البحوث. # ودخلت المكتبة فوجدت على شمال المنضدة المعدة لعرض الكتب رجلين يجلسان على كرسيين ~~متجاورين: أحدهما مطربش والآخر معمم، وطرق مسمعي اسم السيد «توفيق» و«صهاريج اللؤلؤ»، فسمعت ~~الرجل المطربش يقول لمحادثه المعمم: إن السيد «توفيق» قد عاد بالنثر العربي خمسمائة سنة إلى ~~الوراء. # وسألت البائع: هل يوجد عندكم كتاب في فلسفة الجمال؟ # قال مستغربا: فلسفة ماذا؟! # فأعدت قولي بلهجة التوكيد: فلسفة الجمال! # والتفت الرجل المطربش إلى هذا الحوار، فنظر نظرة استفهام إلى البائع، فأجابه هذا: إن ~~الأفندي يسأل عن كتاب في فلسفة الجمال! # فتمهل الرجل المطربش، ثم قال: ما أظن كتابا في هذا الموضوع قد ألف باللغة العربية. ~~ثم سألني: هل رأيت الكتاب المطلوب وعرفت اسمه، أو اسم مؤلفه؟! # قلت: كلا، ولكني رأيت شيئا في بحث الجليل والجميل بالإنجليزية فخطر لي أن البحث مطروق ~~بلغتنا. # قال في تؤدة وهو يبتسم: ينبغي حقا، ولكنه لم يطرق في كتب مستقلة، ولا يزيد ما كتب عنه ~~على بعض الإشارات المتفرقة في المجلات. # علمت من البائع أن الرجلين المتحادثين هما: جرجي زيدان صاحب «الهلال»، و«أبو بكر لطفي ~~المنفلوطي» أخو «مصطفى لطفي المنفلوطي» الكاتب المعروف. و«أبو بكر » نفسه كاتب لم يشتهر شهرة ~~أخيه، وهو الذي كان يكتب بعد ذلك بسنوات في جمعية «مصر الفتاة» ms112 مقالات يحكي بها مقالات أخيه ~~في «المؤيد» بأسلوب كأسلوب «صهاريج اللؤلؤ» في التفخيم والإغراب. # ولا أزال أذكر صورة «جرجي زيدان» كما رأيته في ذلك اليوم؛ رجلا بسيط المظهر بعيدا عن كل ~~تكلف في زيه وجلسته وحديثه: يتكلم في الأدب والبلاغة والأحاديث العامة بأناة العالم المحقق، ~~ولكن بسهولة المتحدث المفيد، كأنه يقول ما يقوله للتعليم دون أن يبدو عليه مظهر المدرس في ~~حصة التدريس، ولا أذكر أنني رأيت من أبناء عصره كاتبا بمثل شهرته ومكانته وبمثل هذه ~~البساطة في المظهر والحركة والحديث، وقد رأيته بعد سنوات في داره وفي ساعات فراغه فلم أجد ~~بين مظهره وهو بعيد من الناس ومظهره وهو في المكتبة العامة أقل خلاف. ~~••• # وقد طبعت أول ما طبعت من كتبي بمطبعة «الهلال»، وهما كتاب «خلاصة اليومية»، ثم «رسالة ~~الإنسان الثاني عن المرأة»، وتاريخ طبعهما كما هو مكتوب عليهما (سنة 1912). # ولهذه المناسبة كنت أرى «جرجي زيدان» أحيانا في مكتبة «الهلال» وأحيانا أخرى في مطبعة ~~الهلال، فإن لم يكن في المطبعة ووجب سؤاله عن شأن من شئون الطبع، فالدار التي يسكنها غير ~~بعيدة من دار المطبعة، والاستئذان بالتليفون قبل الزيارة لم يكن من مألوفات ذلك الزمن، ولم ~~يكن شيوع التليفون بين المكاتب والمنازل كشيوعه في هذه الأيام، وإنما كان طالب الزيارة يطرق ~~الباب ويسأل عن صاحب الدار: أهو حاضر؟ وهل يمكن لقاؤه؟ وغالبا ما يجاب بغير حاجة إلى موعد ~~آخر محدود. # وكان العمل مقسما بين الإخوة الثلاثة: «جرجي» للمجلة و«متري» للمطبعة، و«إبراهيم» ~~للمكتبة، وليس بين المطبعة ومسكن صاحب الهلال غير خطوات قلائل، أما المكتبة فقد كانت بينها ~~وبين المطبعة مسيرة دقائق معدودات. # وأحسب أن الأمر لم يدع إلى مقابلتي إياه بداره أكثر من مرة واحدة سألته فيها عن رأيه في ~~فلسفة التفاؤل والتشاؤم، وعلمت فيما عدا هذه المقابلة - عرضا - مبلغ عناية الرجل بالاطلاع ~~على موضوعات العلوم من شتى المباحث والمطالب، وإن لم تكن لزاما من موضوعات النشر بمجلة ~~«الهلال». # سألته: أيهما أصح وأصوب؛ نظرة المتفائل أو نظرة المتشائم؟ # وربما كان ms113 السؤال: أي الفلسفتين أصدق؛ فلسفة التشاؤم أو فلسفة التفاؤل؟ # لست أذكر نص السؤال بكلماته، ولكنني أذكر موضوعه العام لأنني كنت مشغولا في كل مطالعة ~~وكل نظرة إلى مسائل الأدب والحياة، وفي كلا الكتابين اللذين طبعتهما بمطبعة «الهلال» إشارة ~~إلى الإمامين المتشائمين: «أبي العلاء»، و«شوبنهور»، وهما متلازمان في ذهن كل قارئ عربي ~~يسمع بالتشاؤم في الثقافة الأوروبية. # ففي خلاصة اليومية أقول بعنوان «القول والقائل»: «انظر إلى ما قيل لا إلى من قال - قاعدة ~~لا يصح إطلاقها في كل حالة - فالكملة تختلف معانيها باختلاف قائليها، فإن كلمة مثل قول ~~المعري: # تعب كلها الحياة فما أع # جب إلا من راغب في ازدياد # يؤخذ منها ما لا يؤخذ مما تسمعه في كل حين بين عامة الناس من التذمر من الحياة وتمني ~~الخلاص منها، فإننا نثق بأن المعري مارس الأمور الجوهرية في الحياة ودرس الشئون التي تكون ~~منها عذبة أو مرة، نكدا أو رغدا، ولم يسبر منها أولئك العامة إلا ما يقع لهم من الأمور ~~التي لا تكفي للحكم على ماهية الحياة.» # وفي «رسالة الإنسان الثاني» بعنوان «عصر المرأة» أقول: # وقفت على آراء في المرأة للفيلسوف الألماني آرثر شوبنهور، فأعجبني حذق الرجل ~~وجرأته على المجاهرة بأقوال، يعد قائلها في أوروبا خلوا من التهذيب وسلامة الذوق، ~~وإن كنت أراه قد غلا في مذهبه إلى حد ربما كان الدافع به إليه غلو المدنية العصرية ~~في نظرها إلى المرأة ورعايتها إياها. # وقد سألت صاحب الهلالي في هذا الموضوع لأنني انتظرت أن أعرف الرأي الراجح من تجاربه كما ~~أعرفه من اطلاعه ودرسه، فسمعت منه الجواب المفيد عن الأمرين. # قال لي في بساطة الرجل الذي يتحدث عن الجو أو أحاديث السمر العارض: «إننا نعرف من التشاؤم ~~مزاج صاحبه كما نعرف ذلك من التفاؤل، وقد يكون رأيهما واحدا في حقيقة من الحقائق العلمية، ~~أو الفكرية، ولكن هذا يجعله سببا للرضا والآخر يجعله سببا للسخط على حسب مزاجه، فليست ~~المسألة معهما مسألة صحة أو بطلان، ولكنها مسألة التأثر على حسب المزاج.» # وأحسب ms114 أنه قال أيضا: «إننا نترك البحث عن الأصح ونبحث عن الأصلح، فنرى أن التفاؤل أصلح ~~للعمل في الحياة والنجاح فيها؛ لأنه أصلح لاحتمال الشدة وأصلح للأمل في النتيجة.» # وأحسن ما حسن عندي من سمت الرجل، ومن بساطته في حديثه وبساطته في كتابته؛ أنه لم يتخذ من ~~قواعد العلم كتافا لعقله يحجر عليه ويحرجه إحراج الموسوس، الذي يكرر الواقعة مرة بعد مرة ~~ليستوثق من صحتها وضبطها من جميع نواحيها وأطرافها، ثم يرى أنها هي العلم وكل ما عداها فليس ~~من العلم في شيء. # وكذلك لم يتخذ من قواعد العلم كساء مزركشا يخشى عليه اللابس أن تنكسر قصبة فيه إذا طاوع ~~عقله في الحركة بعض المطاوعة، ولم يتخشب مع الكساء المزركش، على سنة الوقار أو على سنة ~~الجمود. # فقد كان على اطلاع واسع في العلوم التجريبية كاطلاعه على بحوث التاريخ والاجتماع، ولكنه ~~كان في سماحة الفكر وسهولة النظر بحيث يحس كما يفهم أن العقل قد يكون «علميا» وهو يخوض في ~~كلام لم يقرره العلم ولم يقرر نقيضه كذلك. # ولهذا كان «جرجي زيدان» يبيح لفكره أن ينظر في «علم الفراسة الحديث» وليس هو من العلوم ~~التي فرغت التجربة من قوانينها كما فرغت - مثلا - من قوانين الحركة. # وكان يبيح لفكره أن ينظر في أصول اللغات وأصول الكلمات وأصول القواعد اللغوية دون أن يكون ~~للعلم حكم قاطع في كل أصل من تلك الأصول. # فإن لم يكن ما يقوله علما مصبوبا في قالبه الأخير، فهو - بلا شك - مادة علمية يجب أن ~~تتهيأ لقالبها على شكل من الأشكال، ويمتنع علما أن تترك بغير التفات إليها؛ فإن عمل العلم ~~في تشكيل المادة قبل ثباتها على شكل من الأشكال أوجب من صب القوالب على الشكل الأخير، وأوجب ~~من ذلك ألا يكون «الشكل الأخير» هذا هو كلمة الختام، وهو الحكم الذي لا يقبل النقض ~~والتنقيح. # وقد كتب «جرجي زيدان» في كل مسألة من مسائل عصره الاجتماعية والفلسفية والأدبية، فكان في ~~كل منها بسيطا تلك البساطة التي عهدناها منه وهو يتكلم ms115 عن أسلوب «البكري» أو عن كتاب فلسفة ~~الجمال، أو عن فلسفة التفاؤل والتشاؤم، ولكنه قال فيها جميعا رأيه الذي لم يناقضه العلم ~~ولم يأت بما هو أثبت منه على اختلاف النظر في الأمور. # ولسنا نحسب أن تناول الدراسات المختلفة بمثل هذه البساطة مسموح به لكل صاحب قلم مشتغل ~~بالبحث والتفكير. # إنما يسمح به - في غير حاجة إلى الرخصة من أحد - للعقل الذي يستمد بساطته من مصدر واحد: ~~وهو مصدر القوة التي هي أكبر من قيود البحث ومراسم الدراسة، وهي في طمأنينتها إلى قدرتها ~~على سبك القوالب وصهر المادة التي تملؤها تعالج المادة في دور التشكيل كما تعالجها في ~~قالبها الأخير. # | فرح أنطون # مضت عدة سنوات على احتجاب ذلك الطيف الذي كان كثيرا ما يرى في هذه العاصمة غاديا أو ~~رائحا في خطوة وئيدة وعزلة بعيدة، كأنما يسري من حيث لا يعلم الناس إلى حيث لا يعلمون، ~~ذاهب الطرف أنى سار كالعابر من عالم لا يذكره إلى عالم لا يرجوه، غير مشغول بأمر الطريق، ~~على وجهه سماحة تظللها سحابة من أسف شجي ولوعة مخامرة، وفي عينيه حيرة قرت من فرط القلق ~~فعادت في رأي العين طمأنينة راضية، وعلى شفتيه صمت مصر كظيم، يصف لك من صاحبه هاتفا دعا ~~ثم ألحف داعيا مناديا حتى مل وفتر، فلم يستمع إليه مصيخ ولم يجب إلى صوته صدى، فأطبق ~~شفتيه إطباقة من لا ينوي افترارا ولا يهم بصيحة ولو علقت النار بردائه. # مضت سنوات على احتجاب ذلك الطيف واحتباس حركته، فكان مغيبه في نفوس المحبين والعارفين ~~رزءا فادحا وألما بارحا ونزعة شديدة وشقة بعيدة، وكان في تصور الخيال خطوة واحدة كخطوة ~~الطيف الهائم جفلته لواعظ الأصوات فأوى إلى ظلمته الساكنة. # مضت سنوات على وفاة «فرح أنطون». # ولقد رأيت «فرحا» مرارا، ولكني لم أكلمه إلا مرتين أو ثلاثا. وكانت مرة منها في مكتب ~~«الأهالي»؛ إذ كان يعمل في تحريرها، فتلاقينا في غرفة الأستاذ صاحبها وتعارفنا على يديه، ~~فسمعت من نبرة صوته وفاق ما رأيت من خشوع ms116 نظراته، وأحسست موضع دائه، فقلت له مؤاسيا، وكان ~~كلامنا على النهضة السياسية: إنك يا «فرح أفندي» طليعة مبكرة من طلائع هذه النهضة العامة، ~~وسيعرف لك المستقبل من عملك ما لم يعرفه الحاضر، وستكون حين تفترق الطريقان خيرا مما كنت ~~في هذا الملتقى المضطرب. فأومأ برأسه إيماءة شاكرة وحرك يده حركة فاترة وقال: «إنه يا أخي ~~تيار جارف، فماذا يحفل المستقبل بالحاضر، وماذا يبالي السائر المغذ بمن كان قبله في مفترق ~~الطرق؟!» فبدا لي أن الرجل يئس من الحياة، وأنه جرب كل سهامه حتى ساء ظنه بالسهام والهدف. ~~على أنه كان إلى يوم وفاته ممسكا بالقوس لا يحول بصره عن الهدف الذي خدعه، وذلك ديدن غالب ~~في النفوس الراجية، وهو كهامة الأمل تتردد حتى تفيض روحه. # ما يئس ذلك الفاضل الأبي هذا اليأس إلا لأنه أبعد منزع الرجاء، فلم يكن غريبا أن يمنى ~~بحسرة المضيع المنبت عن غايته، لم يكن ذلك غريبا ولو أنه كان في بلاد الغرب الناشط ~~منشؤه، وفي ذلك الميدان الممهد جهاده، فكيف به وقد نشأ في هذا الشرق المسرف الذي يمشي بين ~~الأمم في أطمار الفاقة، ويمزق ما يضفي عليه من نسج العقول تمزيق البذخ والغنى! إلا أننا ~~نقول: من أين للشرق المسكين أن يفعل غير ما فعله؟ ومن أين لعظمائه المغبونين أن يفعلوا غير ~~ما يفعلون؟! كفاهم عزاء أنهم أضخم من عظماء الغرب واجبا وأجل منهم قربانا، فإن يكن أمدهم ~~بعد الأين والنصب قريبا وأثرهم بعد الجهاد ضئيلا قليلا، فلتكن سلواهم - لا بل فخرهم - أن ~~واجبهم ثقيل وأن سفرهم على قرب الأمد سفر طويل. # و«فرح أنطون»: كسائر الكتاب الذين يستوحون قلوبهم ويقطرون على القرطاس من دمائهم، مفكر ~~تؤثر في تفكيره عوامل الحياة وتنبث في نفسه ألوان الجو الأدبي الذي يحيط به. ولقد فاتني أن ~~أحيط بكل ما كتب ذلك الأديب الفقيد، ولكن الذي قرأته من كتبه ناطق بحياة صاحبه، يدل على أنه ~~من وحي ذهن لا تمر به مذاهب الفكر الشائعة في زمانه عبثا، ولا تتعارض ms117 حوله تيارات الحياة ~~بغير جدوى، ولعل أصوب ما يقال في كتاباته أنها خير دليل على اتجاه تيار الفكر في أيامه ~~وخاصة في نشأته الأولى؛ أي في عهد الصبا المتفتح للدنيا، المقبل على كل جديد، الذي قل أن ~~يوصد بابه في وجه طارق من طوارق الأفكار الجميلة، أو يضن بموضع في نفسه على ضيوف الأحلام ~~اللاعبة والخواطر الوسيمة. # نشأ «فرح أنطون» في سورية، وكانت نشأته في أواسط النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فبقي ~~في حياته الفكرية أثر واضح من وطنه المكاني ووطنه الزماني. فأما وطنه المكاني فظاهر الأثر ~~في حملته على رجال الدين وشغفه بالمؤلفات التي تنحي عليهم أو تخفض من دعواهم وتقوض من دعائم ~~سلطانهم، فمن ذلك إكثاره من الكتابة عن «تلستوي»، وتلخيصه لكتاب «رينان» في «تاريخ المسيح»، ~~واشتغاله بالمقارنة بين «الدين والعلم والمال» وبين ما يتنازعه سدنة هذه الأرباب الثلاثة من ~~سيادة على الضمائر والأجسام، ومن ذلك دعوته إلى الفصل بين الكنيسة والحكومة، ورأيه الذي ~~ارتآه في كلامه على ابن رشد ذاهبا فيه إلى انتقاد الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية في ~~الخلافة الإسلامية، وهو الرأي الذي كان من أسباب فشله وكساد مجلته «الجامعة». # ولعل سائلا يسأل: ولماذا يكون التحدي البين للنفوذ الديني خاصة من خواص النشأة السورية؟ ~~فأقول لهذا السائل: إنني كنت كذلك أعجب لهذا الأمر وأستغرب الغيظ الشديد الذي تتوهج به ~~كتابة السوريين الأحرار حين يحملون على النفوذ الديني في بلادهم ويصفون تغلغله في شئون ~~قومهم، وكنت لا أعرف لذلك علة حتى تذكرت القوة التي يقبض على زمامها رجال الدين في سورية، ~~فخطر لي أنه لا عجب! لأن رجال الدين هناك ربما كانوا أقوى الطوائف الدينية في العالم، وأوسع ~~رعاة الكنائس إشرافا على حياة أتباعهم، فقد جمعوا بين الزعامة في الدين والزعامة في ~~السياسة والزعامة في العلم. # وناهيك بها من سطوة هائلة تغري بالتحدي وتغري بالمناجزة ! أما سبب اجتماع هذه السطوة لهم، ~~فللحوادث التاريخية التي حدثت عقب غارات الصليبيين وعقب الاتفاق على الامتيازات الأجنبية؛ ~~دخل عظيم فيه. ms118 وخلاصته القريبة أن طائفة رجال الدين كانت في البلاد السورية - ولا تزال - ~~معقد آمال الشعب المسيحي في الحرية السياسية، لما بينها وبين الحكومة الفرنسية والحكومات ~~الأوروبية الأخرى من صلة معروفة، وأنها كانت - ولا تزال - قائدة الأفكار وقدوة المسترشدين؛ ~~لأنها منشئة المدارس وطابعة الكتب ومربية الصغار والكبار. وإذا اجتمعت لفئة واحدة أزمة ~~السطوة الروحية من كل جانب - كما اجتمعت لفئة القسيسين السوريين - فغير عجيب ألا يرضى عنها، ~~وأن يتبرم بها، فريق الشبان المتعطشين إلى المعرفة الحرة، التواقين إلى الآراء المتجددة من ~~أصحاب النفوس الأبية والعقول الطليقة والأخلاق المعتقة من أسر التقاليد والعادات، وغير عجيب ~~أن يجعلوا تحديها والإغراء بها هجيراهم وشغلهم الشاغل في كل ما يدرسون ويكتبون، وهذا ما ~~تراه في كتابات «فرح أنطون» مع شيء من الرفق والاعتدال، وتراه على تفاوت في الجرأة وغلو في ~~اللهجة في كتابات الأدباء السوريين المهاجرين إلى الأقطار الأمريكية. # أما وطنه الزماني، فأثره ظاهر في الطريقة الكتابية التي تبعها منذ عهده الأول ولم يغيرها ~~إلا قليلا في عهده الأخير، ونعني طريقة الكتاب القائلين بالعودة إلى الطبيعة، وهي - كما لا ~~يخفى - الطريقة التي كانت كتبها وآراؤها ميسورة للقارئ الشرقي في ذلك العصر حيث يأخذ في ~~مطالعة الآداب الفرنسية، ولا سيما الخفيف القريب المتناول منها، فلما ترعرع «فرح» واشتاقت ~~نفسه إلى ما عند الغربيين من زاد الفكر ولذة النفس، ألفى بين يديه كتب «روسو» و«برناردين» ~~وغيرهما تدعوه إلى موائدها السهلة الهنيئة، فأقبل عليها ولهج بها وتملكت لبه وأصابت من ~~فطرته الوادعة الكريمة موقعا حسنا، وحق لها أن تصيب ذلك الموقع؛ لأنها كانت في عصرها أصدق ~~ما يعبر به عن سآمة النفوس من آفات المدنية وأدرانها وجور الطغاة من ساسة القرن الثامن عشر، ~~ويخيل إليك أن أديبنا كان يكتب بقلم من أقلام أولئك الفلاسفة والأدباء الذين تعشقهم ~~وأغرم بآرائهم لقرب مأخذه من مأخذهم ومشاكلته إياهم في أسلوبهم وطلاوة عباراتهم. ولا أقول ~~إنه كان يقلدهم أو يترسم خطاهم، فإني أجله عن ذاك ولا أضعه دون «برناردين» مثلا في منزلة ms119 ~~أو صفة، ولكني أقول إنه توافق في الفطرة وتطابق في النظرة يسلكه في مضمارهم ويتقدم به إلى ~~صف الكثيرين منهم. # على أنني لا أحسبه استمر طويلا على الإيمان بعقيدة العود إلى الطبيعة وابتغاء السلام في ~~حظيرتها؛ إذ هي عقيدة لا تثبت على تجارب الأيام واختيار حقائقها ولا تبهر النظر في ضوء ~~المذاهب المستحدثة بعد «روسو» وتلاميذه. ولا أشك في أنه اجتواها وأعرض عنها بعدما زاول من ~~حقائق الدنيا ونظر في «دارون» و«نيتشه»، فإن الاطلاع على «دارون» و«نيتشه» ومن حذا حذوهما ~~ينشئ للنفس إحساسا جديدا بمسئوليات الحياة، يغض من قداسة الرجعة إلى الطبيعة، ويجعل ~~النكوص من المعترك وصمة وعارا. هذا فضلا عن أن الطبيعة التي يصورانها ليست بالملاذ الأنيس ~~ولا بالملجأ الأمين من شرور المدنية وأوضار المجتمع، إنما هي والمدنية سواء في حكم تنازع ~~البقاء وبطش الأقوياء بالضعفاء والأشرار بالأتقياء. # وفي مناجاة الكاتب لشلال «نياجرا» وقفة تريك العابد يمسح صنمه ويؤنبه ويسبح باسمه ويذكر ~~له قلة غنائه عنه، تريك «فرحا» يحب الطبيعة وينكرها ويلومها ويعذرها، ويقول فيها ما يقوله ~~الكافر الذي يود لو يؤمن والمؤمن الذي شق عليه أن يكفر، ففي مزاجه حنين إلى عقيدته القديمة ~~فيها، وفي عقله نبو عنها وسوء ظن بها. ومن هذا النزاع بين مزاجه وعقله استملى مقالا من غرر ~~ما يقرأ على نمطه في آدابنا الحديثة، وبث زبدة حياته وصفوة تجاريبه في بضع صفحات لا يمل ~~تكرارها، وعندي أنها حسب كاتبها من أثر في عالم الكتابة إن لم يكن له قط أثر سواها. # كان «فرح أنطون» كاتبا على استعداد للرواية والقصص، وكانت ملكته القاصة تظهر أحيانا في ~~مقالاته الأدبية والسياسية كما تظهر في رواياته وحكاياته، فمال به هذا الاستعداد إلى وضع ~~الروايات، فأحسن وارتفع في روايته «أورشليم الجديدة»، ثم تقلبت به صروف، وألمت به محن، ~~وتجرع من مرارة الخيبة مرارا. # وطلب إليه وهو بين اليأس والرجاء أن يترجم أو يكتب للمسرح، فلبى وبدأ بداءة حسنة، ولكنه ~~لم يحقق بغيته، ولم يصنع شيئا يليق به أو يضاف ms120 إلى محاسنه، وقد حضرت إحدى رواياته ~~التلحينية، فما أطقت الصبر على أكثر من فصل منها، ولم أر في موضوعها، ولا في فنها، ولا في ~~غنائها، ولا في ممثليها، ولا في الجمهور الذي يسمعها، أثرا ل «فرح أنطون» الذي نعرفه، ولا ~~علامة على ملكته السامية ومكانته الأدبية، وهي زلة نأسف لها ونعتبر بها. ولكن هل هو أول من ~~يلام على اضطراره إلى هجر ملكته والخروج عن جادته؟ ألم يكن يربح في الرواية الواحدة من هذه ~~الروايات ما يعادل ربحه من جميع مؤلفاته ومترجماته الصالحة؟ فمن المسئول عن ذلك؟ أهو أم ~~الجمهور الأحمق المأفون؟! وماذا كان يصنع «فرح أنطون» إن لم يؤلف تلك الروايات؟! ألا فلنعلم ~~أننا إذا كنا لا نختار للأديب النابغ المريض المنقطع الموارد إلا أن يموت بيننا على ~~«الكتمان» جوعا، فقد يحق لذلك الأديب أن يختار لنفسه خاتمة أسلم وأكرم من تلك. # | رجال حول «مي» # مي. # في سجل الأدب «الخاص» من عصر النهضة العربية الحديثة مكان فسيح لصفحات جميلة لا تزال ~~مطوية إلى اليوم، وإن كان منها ما يهم أن يطلع إلى عالم النور من طيات الخفاء. # ونعني بالأدب الخاص، ذلك الأدب الذي لم يقصد للنشر، وإن كان فيه ما يشوق الاطلاع عليه ~~كثيرين غير أصحابه في حياتهم الخصوصية. وعلى رأس هذه الصفحات صفحة «الندوة» التي كانت ~~تعقدها نابغة جيلها «ماري زيادة»، وقد اختارت لتوقيعها الأدبي اسم «مي» من الحرفين الأول ~~والأخير في اسمها بدفتر الميلاد، وتأتي هذه الصفحة على رأس أمثالها بين صفحات هذا الأدب ~~الخاص، لمكان «مي» من نهضة الأدب ونهضة المرأة في آن. # لو جمعت الأحاديث التي دارت في ندوة «مي»، لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة «العقد ~~الفريد» ومكتبة «الأغاني» في الثقافتين الأندلسية والعباسية. # ولو جمعت الرسائل التي كتبتها «مي» أو كتبت إليها من نوع هذا الأدب الخاص لتمت بها ~~ذخيرة لا نظير لها في آدابنا العربية، وربما قل نظيرها عند الأمم الأوروبية التي تصدرت فيها ~~المرأة مجالس الأزياء الأدبية والأزياء الاجتماعية، إلا أن يكون ms121 ذلك في عصر «الصالونات» أو ~~عصر النهضة منذ القرن السابع عشر إلى ما قبل القرن العشرين. # أذكر هذا بعد قراءة الرسائل التي نشرتها مجلة «الهلال» للعلامة المفضال أستاذ الجيل «أحمد ~~لطفي السيد»، فإن هذه الرسائل تعرفنا بصورة «للطفي السيد» لا نعرفها من كتابته في الجريدة ~~ولا في كتابته في تراجم «أرسطو»، ولا في كتابته بدواوين الوزارة، وفيها من طابع الشخصية، ~~وطابع الندوة، وطابع العصر ما تحسبه خاصا إن شئت، وتحسبه ملكا عاما، من ناحية الفن، ~~لقراء الأدب الذي اقترن باسم «لطفي السيد»، واسم «مي»، وأسماء كتاب الندوة وأدبائها ~~الكثيرين. # وعند «مي» - على ما نعلم - أنماط عديدة من الرسائل التي تسللت في عداد هذا الأدب الخاص ~~ولا ندري أين موضعها الآن، وإن كنا نخشى أن تكون قد أحرقتها أو ردتها إلى كتابها لتسترد ~~منهم كتبها إليهم، كما صنعت في غمرة من غمرات الحزن، غلبتها على صبرها بعد وفاة والديها. # ولكن الذي بقي منها في موضعه أو عند أصحابه، يساوي الجهد الجميل الذي يبذل في جمعه، ~~وإنقاذه، وتسليمه لأصحاب الحق الأخير فيه، وهم قراء الآداب ومحبو الفنون. # كم كان زوار تلك الندوة العالية؟ وكم كان كتاب الرسائل منها وإليها؟ # إنني أعد ممن رأيتهم غير مرة نحو الثلاثين، أذكرهم كما ترد أسماؤهم على القلم في هذه ~~الساعة: «لطفي السيد»، «عبد العزيز فهمي»، «شبلي شميل»، «سليمان البستاني»، «أحمد شوقي»، ~~«خليل مطران»، «أنطون الجميل»، «داود بركات»، «نجيب هواويني»، «توفيق حبيب»، «توفيق ~~إسكاروس»، «أمين واصف»، «مصطفى عبد الرازق»، «مصطفى صادق الرافعي»، «هدى شعراوي»، «إحسان ~~القوصي»، «إدجار جلاد»، «سليم سركيس»، «يعقوب صروف»، «حافظ إبراهيم»، «إسماعيل صبري»، ~~«إدريس راغب»، «فؤاد صروف»، «عبد القادر حمزة»، «منصور فهمي»، «طه حسين»، «ملك حفني ناصف»، ~~«مجد الدين حفني ناصف»، «عبد الستار الباسل»، ونخبة من هذا الطراز على اختلاف التشكيل ومع ~~حفظ المقام. كما يقال في هذا المقام. # وكل زائر من هذه النخبة كان حقا له أن يزور الندوة في موعدها في أصيل يوم الثلاثاء، ~~وكان يرى من حقه، أو واجبه، أن يعتذر ms122 لفوات موعده منها بعض الأيام، بل كان من حقه أن يكتب ~~رسائل الاعتذار أو رسائل السؤال والتحية، وإن لم يكن من مطمعه دائما أن يتلقى الجواب. # أكل هؤلاء عشاق؟ # وعلى كل من هؤلاء ينبغي ل «مي»، إذا أجابت، أن تجيب جواب المحبوبة التي تتقبل العشق ممن ~~يدعيه. # هذا هو الخاطر العاجل الذي يسبق إلى الوهم كلما ذكرت تحيات الرسائل، أو القصائد أحيانا، ~~من غير واحد في هذه الزمرة المختارة. # وهذا هو الخاطر الذي تصححه لمحة سريعة أيضا، إلى طبيعة الندوة وطبيعة التحية «العرفية» ~~التي تناسبها، بل تستوجبها بقانون الشعر والفن، وإن لم نقل بقانون الجنتلمانية ~~والفروسية! # فتاة جميلة أديبة، يزورها أدباء وشعراء وكتاب قصة وأصحاب ذوق في جمال الكلمة وجمال ~~الطلعة. # إن فات أحدا من هؤلاء واجب التحية المناسبة للمقام، فما هو بزائر صالح لمثل هذه الزيارة، ~~ولو لم تكن زيارة عشق ومناجاة. # وإن فات «ميا» أن تتقبل هذه التحيات، أو وجب عليها - كما قد يخطر على بال الأقدمين - أن ~~تصدها بالعبوس والغضب، فليست هي زيارة «ندوة» إذن، ولكنها زيارة واحدة قد تنتهي كما تبتدئ ~~عند باب الدار. # وهذا هو تأويل الرسائل على أسلوب الفن العاطفي، أو العاطفة الفنية، بين صاحبة الندوة ~~وأكثر من زائر من نخبة هؤلاء الزوار. # ولكل منهم أسلوبه في تعبيره داخل هذا الإطار من التحية. ~~«لطفي السيد» وأسلوب الجنتلمان الفيلسوف. # و«عبد العزيز» وأسلوب الصمت الخجل، كأنه الصبي في مجلس الفتيات القريبات. # و«أنطون الجميل» وأسلوب بائع الجواهر في معرض الهوانم. # و«شبلي شميل» وأسلوب المصارع في حلبة الفكر والشعور. # و«خليل مطران» وأسلوب «موليير» على غير مسرح التمثيل. # و«سليم سركيس» وأسلوب الدعاية للبيوتات في صالونات من أشهر صالونات البيوت. # و«مصطفى صادق الرافعي» وأسلوب المفاجأة بالكتابة التي يغني الاطلاع عليها عن السماع. # و«إسماعيل صبري» وأسلوب الشاعر الذي يعلم أن حق الغزل الصريح أولى بالرعاية من حق الكناية ~~والتلميح، وهو الذي كان يكتب الأبيات قبل يوم الزيارة مستئذنا في الحضور: # إن لم أمتع بمي ناظري غدا # لا كان صبحك يا يوم ms123 الثلاثاء # و«أحمد شوقي» وأسلوب الإيماء من بعيد، وعليه تعليق الفيلسوف المعجب بالطرفين! # تتألف لجنة من لجان المحافل الثقافية، فيخرج «شوقي» من صمته مرة واحدة ليشترط أن تكون ~~«مي» سكرتيرة اللجنة، وإلا فلا احتفال. # ويدركه «لطفي السيد» ليسأل: أهذ اقتراح شعري أو اقتراح في النظام؟! # وغير ذلك من الأساليب كثير على كل لون، ومن كل طراز، ولكنها كلها أساليب التهذيب واللباقة ~~التي تناسب الزوار وصاحبة الدار. # وبين الزائرين الذين كانت لهم زلفى الرعاية الطويلة «إدريس راغب» رئيس المحافل الماسونية ~~إلى عهد الملك «أحمد فؤاد»، ولم تكن «مي» من أعضاء المحافل الماسونية على ما أعلم، ولكن ~~«إدريس راغب» كان يملك مطبعة المحروسة وينزل لوالد «مي» «إلياس زيادة» عن حق إدارتها وإصدار ~~الصحيفة منها، وكانت ل «إدريس راغب» هواية صحفية تمكنت منه على الخصوص بعد عزله عن وظائف ~~الإدارة على أثر القضية المعروفة بقضية أرض المطرية بين الخديو «عباس» و«حسن موسى العقاد»، ~~فاقتنى المطابع لإصدار الصحف الفرنسية والعربية، وخص والد «مي» بالإشراف على المطبعة ~~العربية دون أن يقيده بسياسة يمليها عليه، وكانت زيارته لندوة «مي» أشبه بالزيارات العائلية ~~كلما اصطحب معه إحدى كريماته الفضليات، وإن أبت عليهم محافظة الأسرة أن يجلسن مع الزوار، ~~فإذا حضر منفردا عرفنا ذلك من سؤال «مي» عن آل بيته السيدات، ومن جوابه بالاعتذار عنهن، أو ~~دعوتها إلى زيارتهن في موعد قريب. # وكانت الآنسة «مي» حريصة على تقاليد العرف في الصالونات العائلية إلى حد التكلف، فهي تعقد ~~ندوتها الأسبوعية للأدب والأدباء، ولكنها لا تنسى برنامج الصالون المصطلح عليه في البيوت، ~~ولا تحب أن يظن الزوار العائليون أن أدبها ينسيها تقاليد «ربة الصالون» في مجتمع الأسرة، ~~وأن مادة الثرثرة الاجتماعية «نمرة» منتظرة في كل صالون يحضره أناس من أصدقائها الأدباء، ~~الذين تعرفهم معرفة عائلية وتقابل زوجاتهم وأخواتهم في بيوتهم وفي ندوتها، وقد كان يلوح لي ~~غير مرة أنها كانت تنتظر من أولئك الزوار العائليين خبرا أو أخبارا عما يجري فيه الحديث ~~بينهم في شئون الزواج والطلاق والخلاف والوفاق، وتعقب عليه ms124 بملاحظة عابرة أو نكتة فكهة، إلا ~~أن يكون فيه شيء من المساس الصريح بالأخلاق المرعية، فهي في هذه الحالة تتابعه بالصمت أو ~~تصرفه بكلمة عابرة. # قال أحد الحاضرين يوما: أسمعتم أن الأستاذ «حافظ رمضان» قد تقدم لطلب الزواج من السيدة ~~«هدى شعراوي»؟ # فقالت: «إنه خطيب كفؤ للزوجة المخطوبة»، والتفتت إلي كالمتسائلة عن رأيي في رأيها هذا، ~~لأن الخطيبين لهما شأن في الحياة العامة، فقلت بغير اكتراث كأنني أساق سوقا إلى الحديث: إن ~~الأمر يعنيهما، وبارك الله للعريس في العروس وللعروس في العريس! # وقد كانت «الحشمة الصعيدية» لا تفارقني بحكم العرف الذي نشأت عليه، وكنت أشهد مجلس والدي ~~في صباي فلا أسمع خبرا من هذه الأخبار التي تدور على الحريم وكل ما يتصل به من سر أو ~~علانية، فإذا عرض اتفاقا فإنه يعرض ليصرف على الأثر ولا يعاد إليه، وكانت - رحمها الله - ~~مولعة بالإلحاح علي في هذه الأحاديث خاصة، وهي تنظر إلى تحرجي من الخوض فيها نظر الحضري ~~إلى الريفي «الخام» القادم من القرية صباح يومه! # سألتني مرة: هل صحيح أن الأستاذ «عبد القادر حمزة» تزوج من السيدة «منيرة ثابت» صاحبة ~~«الأمل»؟ # قلت: لا أعلم، ولم ينشر الخبر في البلاغ على الأقل! # قالت متهافتة: أولا تعلم من أخبار زملائك في البلاغ إلا ما ينشر في الصحيفة؟ # قلت: أو ما يعنيني أن ينشر! # فعادت تقول في شيء من التخابث المصطنع: لا لا يا أستاذ، لعل الخبر لا يرضيك لأمر ~~يعنيك! # وكانت تتحدث قليلا جدا عمن يخطبونها كأنها تعتذر لرفض الخطبة بعد الخطبة، لغير سبب ~~وجيه في رأي الأصدقاء الذين قد يلومونها على إعراضها الدائم عن الزواج. # قالت مرة لمن سألها عن خطبة شاب من أسرة غنية ذات لقب غير مقبول: أتريد أن تناديني غدا ~~باسم مدام «بعجور»؟! ونحن نذكر اسم «بعجور» هنا بدلا من اسم الأسرة الصحيح، رعاية لشعور ~~أبنائها الأحياء. # وخطبها طبيب لبناني، فعاتبها صديق له؛ لأنها ردته بشيء من الجفاء، فقالت: إنه لطيف لا ~~خلاف، ولكن اللطف الذي قد يسميه ms125 من شاء «تأنثا» لا يعجبني. # وخطبها صحفي ثرثار كانت تصفه «بيبوسة المخ»، فلم تزد في جواب السائلين على السماح للخطيب ~~المرفوض يوما من أيام الندوة بالانطلاق في الحديث عن عادته من اللجاجة والعنت، فكاد ~~الحاضرون أن ينصرفوا جميعا، وكان هذا هو جوابها الغني عن البيان! # وتحدث بعضهم عن فتيات لاهيات متطرفات في الحرية الاجتماعية، وأبدى إشفاقه من فوات حظهن في ~~الزواج بمن يناسبهن، فقالت ساخرة: ولكن هؤلاء وأمثالهن، يا أستاذ، هن اللواتي يسرع إليهم ~~الأزواج من الأكفاء، وفوق الأكفاء! # ولقد كان لكل من رواد ندوتها العائليين، دور «عائلي أدبي» ملحوظ على منهجه المألوف. # كان للدكتور «شميل» دور الأب العصري الذي يحض فتاته على التحرر من قيود التربية العتيقة، ~~وكان رفع الكلفة مع الناس جميعا طبعا من طباع الدكتور «شميل» لا يتكلفه مع أحد، فإذا ~~استقبلته يوما في الندوة، فلمح على محياها أثرا من آثار الوجوم والاحتجاز، صاح بها صيحة ~~الغضنفرية: ما هذا يا صغيرتي؟! # أنا حاضر هنا إلى صغيرة مثل بناتي، فماذا أرى؟ شيخة أناديها يا «أم شولي»؟ # وكان «شميل» يملك حريته كلها في الندوة، كأنه صاحب الدار وصاحبته هي الضيفة الزائرة فيه، ~~فرفع عصاه ذات يوم على الخطاط المشهور «نجيب هواويني» ولم يدعه حتى أخرجه من الباب، وذنبه ~~الذي استحق عليه هذا الطرد العنيف أنه كتب قصيدة كان الدكتور يلقيها ويقول فيها على ما ~~أذكر: # ماذا دهاك وكنت دين سياسة # ورئاسة يا أيها الإسلام # فكتب الخطاط «الكسلان» بدل الإسلام، وثارت ثورة الدكتور على الرجل الذي يبلغ من غبائه ~~أن يكتب في القصيدة الواحدة قافية بالنون بعد قافية بالميم، وأبى أن يكون لمثل هذا حق في ~~حضور ندوة يحضرها من يقرءون ويكتبون! # وكثيرا ما كان «شميل» يحمل على «الأدباء» في عصره حملاته المنكرة، ويصيح بهم كأنهم ~~حاضرون أمامه يخاطبهم ويخاطبونه: فضونا من غلبتكم يا أدباتية يا أولاد الكلب! # وكانت الآنسة تجيبه ضاحكة كلما صاح هذه الصيحة: قلمك يقول إننا أولاد القرد ولسانك يقول ~~إننا أولاد الكلب، فمن من الوالدين الكريمين ms126 تستقر نسبتنا إليه؟! # وكان للأستاذ «داود بركات» مثل هذا الدور الأبوي المتحرر من الفتاة الرصينة المتحرجة، وقد ~~يتجاوز النصيحة الكلامية إلى الأخذ بيدها في محافل العائلات التي يسمح فيها بمراقصة الفتيان ~~والفتيات، ليجذبها جذبا إلى مراقصة هذا أو ذاك من زوار الدار، وكانت هي تتملص من يده بلطف ~~ووداعة، ولكن بعناد وإصرار. # والأستاذ «الجميل» كان كصديقه «شبيلي» و«بركات» في هذه الأبوة الأدبية، ولكنه كان يؤثر ~~نصيحتها برعاية صحتها وراحتها على النصيحة بالتحرر والانطلاق من قيود التحرج والاحتجاز، وقد ~~كانت له شدة تبلغ منه غاية ما يستطيعه بمزاجه «الدبلوماسي» المطبوع، كلما لحظ عليها نوبات ~~العناد والإصرار في أيام مرضها الأخير، فربما قال لها وهو يظهر قلة المبالاة: ماذا تظنين ~~وأنت تهملين صحتك هذا الإهمال؟! أتظنين أن العالم الأدبي يجفل في احتجاجك الصامت هذا ويجلس ~~للبكاء عليك أو للضراعة بين يديك؟! التفتي إلى نفسك، التفتي لمصلحتك، وإلا فأنت الباكية ~~وحدك لما يصيبك من هذا الإهمال، وهذا العناد. # أما الأستاذ «خليل مطران» فقد كان دوره في الأبوة الأدبية كهذا الدور بعينه، ولكن من ~~ناحيته الفنية الشعرية، ولعله كان دور «الأب» الممراح في صورة من صور أبطال «موليير» تلقى ~~القبول والاختيار؛ حيث تكون الأبوة هناك أبوة جد وإلزام. # كانت طريقته معها طريقة الدعابة السمحة والنقد المباح، وكان في دعابته أحيانا يضع تكلفها ~~الاجتماعي أو العاطفي موضع «الرياء» المتفق عليه، ويغايظها بإبراز هذا الرياء للعيان، فلا ~~تغضب منه ولا تأباه، بل تضحك منه كما يضحك الزوار. # خرجت يوما لتودع سيدة جليلة وكريماتها من أصدقاء «مطران» فخرج معهن، وطال بهن الموقف عند ~~باب الندوة بين التوديع، وإعادة التوديع، والحزن للفراق والرجاء في قرب اللقاء، فلما انقضى ~~هذا «الفصل» الذي لا حيلة في تمثيله على البداهة أو على الروية، سبقهم الشاعر الكبير عائدا ~~إلينا وهو يفرك يديه ويتباكى من الحسرة والأسى، وراح يقول وهو ينظر إلى الآنسة: يا سلام! يا ~~سلام! «الجماعة دول وداعهم مؤثر. مؤثر قوي!» # فقلت له متشككا كأنني أقتص من دعابته التمثيلية: «مش باين» ms127 يا أستاذ. # قال: رحمتك يا أخ، أتريد أن ألطم؟ # وحضر في أثناء ذلك زائر كبير من زوار الندوة وهو يغالب الضحك على خلاف عادته من الوقار، ~~فقال «مطران»: الحمد لله، ماذا يضحك يا أستاذنا الجليل؟! # وكان الزائر الحاضر هو العالم الفيلسوف الأمثل الأستاذ «مصطفى عبد الرازق»، وقد مر ببار ~~اللواء في طريقه إلى دار الآنسة، فاستوقفه صديقه الإداري الأديب «أمين واصف» وحدثه عن ~~رئيسها «أحمد شفيق باشا» في جماعة الرابطة الشرقية، وراح يحكيه وهو يمشي إلى محطة العاصمة ~~بملابسه التي اخترعها لتوحيد الأزياء الشرقية، وكان من حديثه عنه أنه لم يسلم عليه حين رآه ~~للوهلة الأولى؛ لأنه حسبه في ذلك الزي مسجونا يسفرونه تحت الحراسة إلى الليمان! # وانقلب «التباكي» القريب إلى «انفجارة» مندفعة من ضحك القوم جميعا؛ لأنهم كلهم يعرفون ~~أضاحيك «أمين واصف» ومراسم الشيخ المتزمت الغالي في التزمت «أحمد شفيق». # وثاب الشيخ «عبد الرازق» إلى وقاره بعد هنيهة، فقال كالمعتذر من هذه الثورة الضاحكة إلى ~~الآنسة ربة الدار: ما هذا؟! إننا نضحك هذا الضحك مرة واحدة، فلا تؤاخذينا، فالعتب على ~~القافية. # ولحقه «مطران» بغير أناة وهو يواصل ضحكه ويقول للشيخ: اضحك، اضحك يا مولاي، من الذي يطول ~~ضحكة من هذه الضحكات في هذه الأيام؟! ~~••• # وكان مطران أخبر زوار الندوة باللغة التي يجيب بها عن أسئلتها كلما سألت عن أحد، أو عن ~~أمر، لا يسمح المقام بالصراحة «التامة» في الحديث عنه، جرى ذكر شيخ من كبار المستهترين في ~~زمانه فضحكنا، فسألت: لماذا تضحكان من سيرة هذا الشيخ؟ ومن هو؟! # قلت: إنه شيخ متعبد وشرب الخمر أخف معاصيه. # قالت: يا حفيظ! # والتفتت إلى «مطران» ففهم أنها تستزيد البيان، فقال: هو رجل مستريح الضمير! # وربما كانت الألفة «العائلية» أقرب من ألفة الأدب في ترجيح دور «مطران» في الندوة ؛ لأن ~~والدة الآنسة «مي» - وهي سيدة ذكية حازمة - كانت تعرف أهله كما تعرفه وتستمع إليه وإن لم ~~يتحدث عن الأدب والفلسفة. # وانطلق ذات ليلة في نوادره ومداعباته وأخباره، لا يكاد يسكت أو يؤذن السامعين ms128 بالسكوت، ~~فهمست في أذن الآنسة أقول: يحق للسيد «خليل» أن يعجبه كلامه كما يعجبنا، فإنه محدث ظريف ~~خبير بأفانين السمر. # وسمعت والدتها هذه الملاحظة الهامسة فابتسمت وقالت بصوت مسموع: إنه كأمه تماما، أمه مثله ~~كلمة كلمة! # وقد كنت - كلما ازددت معرفة ب «مي» وبحياتها في ندوتها وفي بيتها - أشعر بحنان هؤلاء ~~الأفاضل الأبويين نحوها، فإنهم - ولا ريب - كانوا يقصدون التسرية عنها، ويدركون من بواكير ~~صباها أن فرط التزمت في طويتها يجاوز حده المأمون، وإنما يوشك أن تعاني كثيرا من عادة ~~العزلة النفسية التي جنت عليها في أخريات أيامها، وأنها تغالب شجنا كمينا لانطوائها ~~الشديد على ذاتها، يخيل إلي أنه مزيج من الصدمة العاطفية وشعور التبتل العميق في سليقتها ~~الدينية. # | أحمد لطفي السيد # 1 # كان في فكرته «أفلاطونيا» بجميع معاني هذه الكلمة، ومن معانيها «الأفلاطونية» التي ~~هي فكرة بغير منفعة أو بغير داع من دواعي الأثرة والأنانية، كالحب العذري كما تفهم ~~بالعربية. # ومن معانيها، وهو أقرب إلى ما نعنيه في هذا المقال، أن الرجل العام ينبغي أن يعيش ~~للمصلحة العامة تطوعا وحسبة بغير جزاء، وألا يشتغل بخاصة أموره «الشخصية»؛ لأن الدولة ~~التي يتجرد لخدمتها هي التي تتكفل له بكل وسائل التفرغ لتلك الخدمة، وليس له بعد ذلك حق ~~في وقته الخاص لغير القيام بحقوقها. # وهذا هو دستور الحكم الأفلاطوني كما شرحه الفيلسوف اليوناني في كتابه الموسوم باسم ~~«الجمهورية»، وقد اشتهر في العالم القديم والعالم الحديث باسم «جمهورية ~~أفلاطون». # ولقد كان «لطفي السيد» يعيش فعلا على وفاق هذا الدستور، وكان - من زمن بعيد - يعهد ~~في زراعة أرضه وتثميرها إلى بعض أقربائه، ولا يتعرض لتفصيلات حسابها، مكتفيا بما يقدمه ~~وكيله عليها من حساب مجمل عن غلاتها ونفقاتها. وكانت طريقته في تدبير نفقات البيت ~~كطريقته في تدبير حساب ضيعته، وهي الضيعة التي أبى أن يملكها كلها حين أراد أبوه أن ~~يختصه منها بخمسمائة فدان لا تدخل في تقسيم الميراث بينه وبين إخوته، فأبى ذلك وأصر على ~~الإباء، ولم يقبل من الميراث غير حصته التي ms129 يستحقها مع سائر الورثة على سنة المساواة. # يفكر للكون كله # طال حديث اللغة والمجمع يوما حتى وصلنا إلى نادي «محمد علي»، وكان النادي على ~~مقربة من المجمع اللغوي؛ إذ كان مقره بأول شارع القصر العيني، فدعاني إلى إتمام ~~الحديث في مجلسه المختار بالنادي، حيث كان يقضي أوقات الفراغ ويتناول أحيانا طعام ~~الغداء أو العشاء. # وحضر إلى النادي صديقه الدكتور «بهي الدين بركات»، فعلم منه عرضا أنه ينوي السفر ~~إلى عزبته لبعض أعمال زراعية تستدعي حضوره، فسأله مصطنعا الجد كعادته في توجيه بعض ~~الأسئلة التي يريد أن يستطرد منها إلى مناوشة من مناوشاته الفلسفية، قال يخاطب ~~الدكتور «بهي الدين»: وهل من حق «الرجل العام» أن يفرغ لخاصة شئونه. # ففهم الدكتور مقصده من هذه المقدمة التي تعودها منه - على ما يظهر - كما تعودها ~~محدثوه، وقال ما معناه: وهل العمل في الأرض محرم في شريعة الحكمة؟ # قال: أنا لم أقل هذا. # وأردت أن أشترك في المناوشة فقلت: إنما هو سؤال ليس إلا. # قال الدكتور «بهي الدين»: أهو سؤال بريء؟ # قال الأستاذ: أما أنه سؤال بريء فلا! # ومضى الدكتور «بهي الدين» يتحدث عن العمل الذي يسافر إلى العزبة من أجله، ومنه ~~مشروعات للتعاون والخدمة الاجتماعية لمصلحة الفلاحين. # فعاد الأستاذ يقول: أما هذا فمرخص به للرجل العام. # وقد كان أقدم زملائه وأصدقائه من أيام الدراسة الثانوية «عبد العزيز فهمي» باشا ~~يداعبه كثيرا من هذه الناحية، ويقول كلما خالفه في رأي من آرائه الفلسفية أو ~~اللغوية: إنك يا «لطفي» تفكر للكون كله، ولا يعنيك أمر الزمن القريب ولا أمر هذه ~~الخلائق الفانية. # وكان أمتع ألوان الحديث بين الرجلين الكبيرين تلك الأحاديث التي كانت تجري بينهما ~~في السيارة أثناء الطريق من دار المجمع إلى «مصر الجديدة»، حيث يقيمان وأقيم على ~~مقربة منهما، ويتفق كثيرا أن يدعواني إلى صرف سيارتي ومصاحبتهما بعد انتهاء جلسات ~~المجمع، ولا سيما الجلسات التي يطرأ عليها بعض الخلاف بيني وبين «عبد العزيز باشا» ~~في مسائل اللغة أو الأدب، وحدث ذلك كثيرا أيام المناقشة ms130 على كتابة اللغة العربية ~~بالحروف اللاتينية، وهو موضوع شغل صاحبنا القانوني الكبير يومئذ عدة شهور، ولم يكن ~~يطيق المعارضة فيه. # فقال لي مرة، وقد أنس من الأستاذ «لطفي» شيئا من الميل إلى ترجيح رأيي: «اوع ~~تطلع فيها يا عقاد على طريقة أستاذنا «لطفي»، إن «لطفي» ينظر إلى هذه الأمور التي ~~نشتغل بها نظرة الأرباب، قل له: ما رأيك إذا كتبت العربية غدا بالحروف الصينية؟ ~~يقل لك على الأثر: «ويجرى إيه؟»» # فقال لطفي: «ويجرى إيه؟!» # وعاد «عبد العزيز» يكرر الحديث عن نظرة الأرباب وصديقه يكاد يهم بالتأفف من هذا ~~التكرار، حتى قال متأثرا: ألا ترى أنك تسخر مني بهذا الحديث عن الأرباب والنظرات ~~الكونية؟ # فأسرع «عبد العزيز» يرد على صديقه بلهجة جافة، كلهجة الدائن الذي يخاطب المدين ~~المماطل: ما هذا التجني يا أخي؟! # فصرف لطفي موضوع هذه المناقشة قائلا: ليكن حديث أرباب، دع الأرباب هي التي تحتج ~~عليك هذه المرة! # معركة ولي العهد # وأشهد أنني ما عرفت خليقة الحلم في «لطفي السيد»، ولا فضل هذا الحلم في دوام ~~الصداقة بينه وبين أصدقائه وأخصهم «عبد العزيز فهمي»، إلا من أمثال هذه المساجلات ~~التي تنتهي بالجفاء في الخطاب، وقد اشتد بعضها حتى بلغ من الشدة أن «يقفل» «عبد ~~العزيز فهمي» التليفون في وجه صديقه، على أثر محادثة سريعة كان موضوعها أيضا ذلك ~~الموضوع الشائك عن الحروف اللاتينية. # روت إحدى الصحف عن الأمير «محمد علي توفيق» أنه يستنكر الدعوة إلى كتابة العربية ~~بالحروف اللاتينية، فثارت عليه ثائرة «عبد العزيز فهمي»، وبسط لسانه فيه بكلام حاد ~~على مسمع من أعضاء نادي «محمد علي»، وقد كان الأمير «محمد علي» رئيسه يومذاك، وكان ~~أيسر ما قال في تلك الحملة خطابه لسامعيه وهم يجتهدون في تهدئته: أتحسبون أنني لا ~~أحترم الأمير «محمد علي»؟ أتحسبون أنه حين يتكلم عن الكتابة بألفاظه الفصيحة ~~«كخذروف الوليد» يستحق مني غير الاحترام؟ كلا، إنني مطالب باحترام ولي العهد بحكم ~~الدستور! # ثم خرج من النادي توا إلى قصر عابدين فكتب اسمه في دفتر التشريفات، ms131 وجعل مناسبة ~~هذه الكلمات في غير موعد من مواعيد التهنئة أو المعايدة: أنه يسأل الله أن يرزق ~~الملك ولي عهد رشيدا تقر به عيناه! # وسمع «لطفي السيد» بهذه الجملة، فخاطبه تليفونيا ليرجوه أن يترك الأمير وشأنه ~~على الأقل في أحاديث النادي، فوضع «عبد العزيز» سماعة التليفون بعنف شديد ولم يعتذر ~~من هذا المسلك مع صديقه إلا بعد أيام، وإن كان على هذا في سائر أحواله عظيم الإكبار ~~له عظيم الثناء عليه. ~~••• # ولا شك أن كلام القاضي الكبير عن نظرات صديقه الكونية لم يخل من أسلوب الدعاية ~~التي تبيح بعض المبالغة، ولكنها - بعد السماح للمبالغة بحصتها في وصف هذه النظرات - ~~لم تخل من العدل في تقرير الواقع إلى حد محدود. # ف «لطفي السيد» كان ينظر إلى المسائل الفكرية والاجتماعية نظرة محيطة واسعة، يوشك ~~أن تتعادل فيها جميع الجوانب والأطراف، ولكنه كان من أشد المفكرين اهتماما بما ~~يعتقد فيه الخير والصلاح، وكنا نلمس على محياه أمارات الغم الصامت كلما خولف ~~اعتقاده وجرت الأمور على غير ذلك الاعتقاد في الحياة العملية. # إلا أن الأمر الذي كان يبيح لصديقه أن يحسبه من الأرباب في تفكيره، أنه على كل ~~إيمانه بعقائده العقلية والخلقية لا يرى من المستحيل أن يكون لغيره الحق في إيمان ~~كهذا الإيمان على خلاف ما يراه بعقله ووجدانه. # وكان كثيرا ما يقول لمن يحتم أمرا من الأمور: وهل في هذه الدنيا شيء ضروري؟ وهل ~~في هذه الدنيا أحد ضروري؟ وهل يمتنع غدا أن تتساوى النتائج وتتلاقى الأضداد التي ~~نحسبها الآن على افتراق بلا لقاء؟ # رأي ل «سعد زغلول» # وهذه النظرة المحيطة هي سر «ديمقراطيته» في مسلكه بين الناس ومسلكه بين زملائه في ~~العمل، وإن خالفوه أبعد المخالفة في الآراء، ولا أذكر مرة واحدة في نحو عشرين سنة ~~قضيناها معه بمجمع اللغة العربية، أنه حاول بالتصريح أو التلميح أن يؤثر في اتجاه ~~المناقشة أو يقاطع صاحب رأي يعارضه وينفر منه، وإنما كان على الدوام يصغي باهتمام ~~إلى نهاية المناقشة ولا يشعر المخالفين له ms132 بعد ذلك أنه كان معهم على خلاف. # تلك السماحة الواسعة في تقدير وجوه الخلاف التي جعلته مرجعا للمشورة الصادقة بين ~~أصدقائه وتلاميذه من المشتغلين بالحكم والقائمين بأعمال الوزارات، فقد كان يمحضهم ~~الرأي من جميع جوانبه ويوازن لهم بين جميع احتمالاته، ويتركهم أحرارا فيما ~~يختارون، وإن كان ليتركهم أحيانا أخرى على باب التيه يحارون بين مضطرب الأفكار ~~ومفترق الظنون والتقديرات، ولا أدري ممن سمعت - أمن «سعد زغلول» أم من «محمد محمود» ~~- أن «لطفي السيد» قوي الفكر، ولكنه قد يكون في بعض تقديراته واحتمالاته قوتان ~~متعارضتان، فيقف به هذا التعارض دون العمل المستطاع، أو يقف به دون الحماسة لرأي من ~~الرأيين؟ ولا بد من الحماسة «ذات النظر الواحد» لمن يريد أن يمعن إمعان الجد ~~والعناد في طريق مقصود إلى غرض محدود، ولم يكن «لطفي السيد» قط ذا نظر واحد يحجب عن ~~تفكيره سائر الأنظار. # فلم يكن من طبعه أن يصادم أحدا أو يصطنع في الخصومة قسوة ولددا، ولكنه كان يثبت ~~في مكانه ويترك لمن يخالفه أن يصطدم به إذا شاء، ولا سماحة فيما وراء ذلك إذا سامته ~~السماحة أن يتحول عن مكانه الذي استقر عليه. فهو عند رأيه لا ينحرف عنه وإن أعطاه ~~من الصور الفكرية ما يدفع عنه شر الضغينة والافتراء. # مصر للمصريين # كان من مبدأ «لطفي السيد» - كما هو معلوم - أن استقلال مصر مقدم على الاعتراف ~~بالسيادة العثمانية، وكان هذا معنى شعاره وشعار زملائه في الرأي والعقيدة: أن مصر ~~للمصريين. # ووقعت الجفوة بينه وبين الخديو «عباس الثاني»؛ لأن الخديو وجده على غير ما كان ~~يرتضيه حين اختاره عضوا في الجماعة السرية التي تنشر الدعوة إلى القضية الوطنية في ~~الديار الأوروبية. واتفقا مع أعضاء هذه الجمعية على سفر «لطفي» من مصر وإقامته ~~بسويسرا سنتين لاكتساب الجنسية السويسرية والانتفاع بهذه الحماية في مكافحة ~~الاحتلال، فلم يستحسن «لطفي السيد» هذه الحيلة، ولم يلبث أن تنحى عن الجماعة حين ~~أحس أن الخديو يريد أعضاءها خداما لشخصه وأعوانا لسلطانه على غير المبادئ ~~الدستورية، وتمت القطيعة ms133 بينه وبين القصر بعد ولاية «لطفي» لتحرير «الجريدة» لسان ~~حال حزب الأمة، فتحمل القصر وحاشيته معاذيرهم لرفع الدعوى الجنائية عليه، واتخذوا ~~من مناداته الصريحة بالاستقلال التام دليلا «قانونيا» على «خيانة» السيادة ~~المعترف بها للخليفة العثماني والمتفق عليها في العلاقات الدولية، بمقتضى المعاهدات ~~التي يقرها المحتلون ولا يستطيعون «قانونا» أن يسقطوا العقوبة عمن يخرج عليها. # وخطر للطفي السيد أن يحبط هذه المكيدة بعد أن جهرت بها الصحف الموالية للقصر، ~~ومنها «المؤيد» الذي كان له وزنه ونفوذه في الصحافة العربية. # قال «لطفي السيد» مدافعا عن رأيه: إنه يدعو إلى استقلال مصر ولا ينكص عن هذه ~~الدعوة، ولكن التمام غير الكمال، وقد يقال إن الطفل إنسان تام، ولكن الإنسان الكامل ~~لا وجود له بين الأطفال ولا بين الكبار، وكان من حجته التي أعدها للدفاع عن رأيه أن ~~بقاء الخلافة لا يقتضي أن تكون مصر مسلوبة السيادة، ولا أن يكون استقلالها ناقصا ~~غير تام. # وشاءت المصادفات في دراسات المجمع أن تعرض مسألة الفرق بين التمام والكمال، وأن ~~أذكر رئيسنا برأيه القديم، فابتسم وقال: لعله من الوجهات السياسية رأي مقبول، ~~ولكنني لم أندم على شيء ندمي على ذلك التفسير الذي أحبطت به دسيسة القوم، ووددت لو ~~أنني تركتهم يدعون ما يدعون ولم ألحق مبدأ «الاستقلال التام» بأي تفسير. # وبقي الرجل على شعار «مصر للمصريين» ومبدأ «الاستقلال التام» بغير تفسير، وكان هو ~~ثالث ثلاثة وضعوا صيغة توكيل الوفد في طلب الاستقلال التام، أما الاثنان الآخران ~~فهما صديقاه «عبد العزيز فهمي» و«سعد زغلول»، ولولا أنه لم ينتخب عضوا للجمعية ~~التشريعية، لكان ثالثهما في زيارة دار الحماية للمطالبة بإلغاء الحماية البريطانية ~~والاعتراف لمصر بالاستقلال التام، مع إنكار السيادة العثمانية والحماية البريطانية ~~على السواء. # المرشح الديمقراطي # وقصة سقوطه في انتخابات الجمعية التشريعية إحدى أعاجيب الدعاية الانتخابية التي ~~تعرض لها من جراء المناداة بالحقوق الديمقراطية؛ إذ كان منافسه يشيع عنه أنه يطلب ~~للمرأة الحق في الجمع بين أزواج أربعة؛ لأنه يطلب لها المساواة الديمقراطية، ~~ويسألونه: هل أنت حقا من طلاب ms134 الديمقراطية؟ فيجيبهم بالتأكيد ويعيد لهم الشرح من ~~جديد. # ومما أذكره أنني ذهبت إلى مكتبه بالجريدة لمؤاساته في هذه الخيبة المؤسفة، فوجدته ~~قد تلقاها بصبر الحكماء وفكاهة العظة والاعتبار، وهو لا يخفي إعجابه بذلك «الريفي» ~~الماكر الذي غلبه باسم الديمقراطية! ثم حضر «الشيخ طه حسين» وأنا عنده، وكان شابا ~~يلبس العمامة لا يزال، فإذا بالأستاذ يتبسط معه ويعزيه؛ لأن زميله في ترجمة بعض ~~الكتب - الأستاذ «محمد رمضان» - قد خرج بمثل هذه الهزيمة من معركة الانتخاب، وكان ~~الشاب «طه حسين» كفؤا لهذه الدعابة، فكان جوابه للأستاذ: إنني أتقبل التعزية ~~ولكنني أرجو يا أستاذنا ألا ترفضها! # وهذه الديمقراطية التي نادى بها لطفي السيد - فكرة وقولا - قد عاش لها وعاش بها ~~عملا وإيمانا، وقد كانت هي الطابع الذي طبع عليه بمزاجه قبل أن يطبع عليه بتفكيره ~~ودراسته، ولم تمنعه شيمته التي تتمثل فيها كل خلائق الوجاهة الفطرية أن يكون ~~«أرستقراطيا» بالشكل ديمقراطيا بالموضوع، إذا جاز هذا التعبير. # كان هذا الرجل الممتاز بشخصيته وخلقه فكرة في حياة، أو حياة ملكتها الفكرة في ~~خاصة شأنه وعامة عمله وقوله، وإخالنا نقيمه في مقامه الوطيد بين مفكري العصور حين ~~نقول إنه في عصرنا هذا زميل عربي «لأرسطو» اليوناني، تجدد مع الزمن في مدرسة الثورة ~~الفرنسية؛ مدرسة «فولتير»، و«روسو»، و«مونتسكيو». وعاش بعدهم فتقبل من حكمة العصر ~~ما كانوا يتنزلون إلى قبوله من حكمة القرن العشرين، ولكنه لم يزل بعد منتصف هذا ~~القرن العشرين على نمطه السلفي الأفلاطوني، فكرا في إهاب إنسان. # حول مذكرات عبد العزيز فهمي # بعد وفاة «لطفي السيد» - رحمه الله - ظهرت لزميله وصديقه «عبد العزيز فهمي باشا» ~~مذكرات عن تاريخ حياته، تكلم فيها عن أعمالهما في الحياة العامة، وفي حركة الوفد ~~المصري الذي كانا عضوين فيه، واستوقفني خلال المذكرات بعض مواضع للملاحظة والتصحيح ~~ولم يتسع المجال للتعقيب عليها جميعا، فاكتفيت بما جاء منها عن مقدمات الحركة وهو ~~كاف للإبانة عن مدى الاختلاف بين الواقع والرواية في سائر المذكرات، وهذا هو ~~التعقيب كما نشرناه في صحيفة الأخبار: # قرأنا ms135 في مذكرات الأستاذ «عبد العزيز فهمي باشا» فصلا عن تأليف الوفد ~~المصري، وعن الأعضاء الثلاثة الذين قابلوا المندوب البريطاني «سير ريجنالد ~~ونجت»، قال فيه: «هؤلاء الثلاثة هم سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز ~~فهمي، ومما تجب ملاحظته هنا أن اختيار هؤلاء الثلاثة إنما وقع بطريق ~~المصادفة والاتفاق، وإلا فباقي إخوانهم فيهم من هو أكفأ في النضال المنطقي ~~وأولى بالسفارة، مثل رجلنا الكبير أحمد لطفي السيد، ولعل التقدم في السن ~~كان هو السبب الطبيعي الذي أدى إلى اختيارهم.» # هذا ما جاء في المذكرات بنصه منقولا عن أحد الأعضاء الثلاثة، يليه كلام عن ~~المناقشات التي دارت بين «سعد» وزملائه حول الاستعداد لإثارة القضية المصرية أمام ~~مؤتمر الصلح، يدل كله على ضرورة «التبييض» في كل كلام يتعرض لمسائل الخلاف في ~~السياسة؛ لأنه يحتمل السهو والنسيان كما يحتمل التأثر بالميول والخصومات، ولكننا ~~نكتفي هنا بالفقرة الأولى من هذه القصة كلها؛ لأن الحقيقة فيها أظهر من أن تحتاج ~~إلى المراجعة والمناقشة، وهي تتعلق بسبب اختيار الأعضاء الثلاثة لمقابلة ممثل ~~الدولة البريطانية دون غيرهم من المشتركين في الوفد بعد تأليفه. # لم يكن اختيار هؤلاء الأعضاء الثلاثة مصادفة واتفاقا، ولم يكن للتقدم في السن ~~على سائر الأعضاء، ولكنهم كانوا هم نواب الجمعية التشريعية بين الأصدقاء الخمسة ~~الذين تألفت منهم نواة الوفد في المرحلة الأولى، وهم كما ذكرهم الأستاذ «أحمد لطفي ~~السيد» في قصة حياته: «سعد زغلول» و«عبد العزيز فهمي» و«علي شعراوي» و«محمد محمود» ~~و«لطفي السيد»، ولم يكن الاثنان الأخيران من أعضاء الجمعية التشريعية، فتقرر ~~الاكتفاء «بسعد» وكيلا للجمعية و«شعراوي» و«عبد العزيز» العضوين فيها، ليكون ~~للثلاثة صفة الكلام بالنيابة عن الأمة. # وقد كان الانتخاب للجمعية التشريعية أهم أسباب هذا الاختيار باتفاق الأعضاء، ~~ولكنه لم يخل من أسباب أخرى لوحظت فيه - كما سمعنا من «سعد» بعد ذلك - ومنها أن ~~«علي شعراوي» يمثل أعيان الفلاحين، وأن «عبد العزيز فهمي» - الذي كان نقيبا ~~للمحامين - يمثل طائفة المتعلمين، وأن الأول من الوجه القبلي والثاني من الوجه ~~البحري، فهم صالحون لتمثيل الناخبين في ms136 أوسع نطاق. # ولما تقرر القبض على الزعماء الأربعة ونفيهم إلى جزيرة مالطة، لم يكن هذا ~~الاختيار أيضا من قبيل المصادفة والاتفاق في نظر الجهات الرسمية، ولكنه كان عند ~~هذه الجهات موافقا لتقاليد «البروتوكول» في نظام الأولية، فكان «سعد زغلول» رئيس ~~الوفد ووزيرا سابقا، وكان «إسماعيل صدقي» عضوا يليه في الأسبقية الوزارية، وكان ~~«محمد محمود» مديرا من كبار الموظفين، وكان «أحمد الباسل» يحمل لقب الباشوية ويمثل ~~رؤساء العشائر في البلاد. # فلم يكن هنالك محل للمصادفة، ولا لاعتبارات السن، في اختيار الزعماء من جانب ~~الوفد أو من جانب السلطات الرسمية، ولكنه عمل من أعمال النظام متفق عليه، وقد سها ~~عن ذلك رجل من أولى الناس بذكر مسائل النظام فضلا عن كونه أحد هؤلاء فكيف بسائر ~~الروايات؟ وكيف بسائر الرواة؟ # أما بقية الكلام على المناقشات التي دارت عند التفكير في إثارة القضية الوطنية، ~~فهي أحوج من هذه القصة إلى التعقيب، وهي لحسن حظ التاريخ مما يكفي للتعقيب عليه ~~مجرد البيان الوجيز. # 2 # كان حزب الأمة يضم بين أعضاء مجلس إدارته وسائر أعضائه البارزين فئة كبيرة من السروات ~~وأصحاب الجاه والثراء في البلاد، وكانت الصلة الجامعة بينهم كافة أنهم من «غير المرضي» ~~عنهم في قصر الأمير، وأرادوا أن يتخذوا لحزبهم صحيفة على «أوجه» طراز بين الصحف ~~الأوروبية، وبخاصة صحافة «فرنسا» التي كان معظم المتعلمين من رؤساء الحزب يتثقفون ~~بثقافتها ويفضلون صحفها على صحف «إنجلترا» دولة الاحتلال، فاختلفوا زمنا على اختيار ~~إحدى الصحفيتين الكبريين في باريس مثالا لصحيفة الحزب اليومية، وهما «الطان» ~~و«الجرنال». # أما «الطان» فكان المرجح لها عند العارفين بالشئون الصحفية أن ترجمة اسمها «الزمان» ~~تجعلها أصلح للنداء عليها في اللغة العربية. # ولكن «الطان» صحيفة شبيهة بالرسمية وعلى صلة بالدواوين العليا، فليس من الموافق لحزب ~~يسمى بحزب الأمة ويتجنب الاتصال بقصر «عابدين» وقصر «الدوبارة» على السواء، أن يتخذها ~~مثالا لصحيفته القومية. # فانتهى الخلاف إلى اختيار «الجورنال» نموذجا لصحيفتهم، و«الجريدة» هي ترجمة اسم ~~الجورنال. # وظهرت «الجريدة» على مثال الجورنال في الصبغة «غير الرسمية» وفي نظام ms137 التحرير وترتيب ~~الصفحات، وأظهر ما كان في هذا النظام فتح صفحات «الجريدة» للكتابة الأدبية، بأقلام ~~ناشئة الجيل الحديث، وربما أفسحت في صفحتها الأولى - إلى جانب المقال الافتتاحي - ~~موضعا بارزا لقصيدة عاطفية أو مقال طريف من مقالات الوصف والنقد اللغوي، وترددت على ~~صفحاتها أسماء «هيكل» و«عبد الرازق» و«طه حسين» و«محمد السباعي» و«شكري» و«المازني» ~~و«القاياتي» وكاتب هذه السطور، وغيرهم وغيرهم كثيرون. # وكان «اللواء» لسان حال الحزب الوطني، و«المؤيد» لسان حزب الإصلاح على المبادئ ~~الدستورية يتقبلان الكتابة بأقلام الناشئين، ولكنهما يقصرانها على الناحية السياسية ولا ~~يرحبان بالكتابة الأدبية، إلا إذا كانت بأقلام الشعراء والكتاب النابهين من طراز «شوقي» ~~و«حافظ» و«مطران» و«المويلحي» و«المنفلوطي» وأمثالهم بين أدباء الجيل المتقدم، فاتجه ~~الأدباء الناشئون إلى «الجريدة» ولا سيما الطلبة والموظفون؛ إذ كانت الكتابة في السياسة ~~محظورة عليهم، وكانوا يكتبون فيها أحيانا إلى الصحف عامة - ومنها الجريدة - بتوقيع ~~مستعار. # وكنت أرسل مقالاتي أو مقطوعاتي الشعرية بالبريد فتنشر بعد يوم أو يومين من وصولها، ~~ولكني قدرت لإحدى المقالات أنها لا تحل عند قلم التحرير محل الترحاب إذا وصلت إليه ~~محولة من مدير التحرير، فتعمدت أن أسلمها إلى المدير يدا بيد، ولم أجد صعوبة في لقائه ~~عندما قصدت إلى مكتبه على غير ميعاد. # كانت المقالة على ما أذكر نقدا لكتاب الأستاذ «محمد لطفي جمعة» عن «كلمات نابليون»، ~~وكان الأستاذ «جمعة» قد نقل بعض الكلمات كلما ترجمتها بحروفها ولم يشر إلى هذه الترجمة، ~~فلما نبهت إلى ذلك في تعليقي على كتاب الأستاذ «محمد لطفي جمعة»، تذكرت أنه صديق لأكثر ~~المحررين «بالجريدة». فكان ذلك من دواعي التفكير في لقاء الأستاذ «أحمد لطفي السيد» ~~لتسليمه المقالة، ولإرضاء فضول الشباب برؤية ذلك «الفيلسوف» الكبير الذي كنا نقرأ له ~~ولا نراه. # واستقبلني مدير الجريدة استقبال الرعاية والترحاب، ثم تصفح المقالة على عجل وأمر ~~بإرسالها إلى المطبعة على الأثر، وهو يقول مبتسما: ألا تخاف من نابليون يا ~~بني؟! # قلت وأنا أعلم أن كلمة الديمقراطية من أحب الكلمات إليه وأكثرها ترددا على لسانه ~~وقلمه: الحمد لله على ms138 نعمة الديمقراطية! # ولفت نظري أن إمام الديمقراطية المصرية يلبس «البونجور»، ويحرص على السمت ~~«الأرستقراطي» في زيه وتقاليد سلوكه المهذب مع زواره ومرءوسيه، فثبتت في ذهني هذه ~~الصورة ولا تزال ثابتة إلى اليوم، فإذا ذكرت «لطفي السيد» في غيبته، فلست أذكره إلا وهو ~~يلبس «البونجور»، بعد أن رأيته عشرات المرات بالزي «الإفرنجي» المألوف. # وعزز هذه الصورة عندي أنني رأيته بعد ذلك يخطب بدار الجريدة وهو يلبسها، ورأيته وهو ~~يلبسها بديوان الأوقاف؛ إذ حضر يوما لزيارة وزيرها «محمد محب باشا» وكنت في حجرة ~~استقباله، لأسلم مدير المكتب بعض المذكرات التي تعرض على مجلس الإدارة. # أما أن «لطفي السيد» ديمقراطي المبدأ في تفكيره وسياسته ودعوته الوطنية، فلا مراء في ~~ذلك ولا خلاف. # وأما أنه «أرستقراطي» السمت والشارة في مظهره ووجاهته، فذلك أيضا مما لا مراء فيه ~~ولا خلاف. # ولم تطل بي الحيرة للتوفيق بين الحالتين ولا أراهما نقيضين. # لأنني لم ألبث أن شعرت من مراقبته ومراقبة الوجهاء من أبناء الفلاحين أنهم جميعا ~~ديمقراطيون على هذا المثال، فهم كلهم ديمقراطيون؛ لأنهم ينكرون سيادة الطبقة التركية ~~واستئثارها بشرف الوجاهة الاجتماعية، وقد كان الوجيه التركي يأبى على أكبر الوجهاء ~~الفلاحين أن يساويه أو يصاهره أو يتخذ من المظاهر الاجتماعية مثل مظهره، وقد سمعنا ~~الكثير من تعليقات البيوتات التركية على قبول رئيس الوزارة لمصاهرة «سعد زغلول»، وهو - ~~على وجاهته بين أبناء الفلاحين - علم مشهور من أعلام القانون في عصره. # قال لي «عبد العزيز فهمي باشا» مرة: إن «لطفي» ديمقراطي الرأي والعقيدة، ولكنه طول ~~عمره أرستقراطي بين الأرستقراطيين، وحكى لي أنه كان يقتني جوادا خاصا يتنقل به من ~~بلد إلى بلد للتحقيق والتفتيش وهو وكيل للنيابة، ولا يكلف نفسه أن يطلب جوادا من خيل ~~الشرطة كغيره من وكلاء النيابات، وأنه كان يتحدى عظمة التركي بعظمة الفلاح، فيلبس قفطان ~~الوجيه الريفي، وهو في الدار. # إن «أحمد لطفي السيد» أشهر المنادين في الصحافة بمبدأ مصر للمصريين، قد كان ~~ديمقراطيا ليساوي المصريين بغيرهم من أصحاب السيادة في بلادهم، وكان أرستقراطيا ~~ليتحدى ms139 الأرستقراطيين من أولئك السادة المتغطرسين، وقد أصهر إلى أسرة رجل كان من أقران ~~الخديو «إسماعيل» في زمانه، وهي أسرة المفتش «إسماعيل صدقي». # فليست ديمقراطية «لطفي السيد» إلغاء للعرف الاجتماعي في آداب الطبقات، ولكنها ~~ديمقراطية المساواة بين أبناء كل طبقة من المصريين وغيرهم من الغرباء، كل الغرباء في ~~الأصل؛ لأنهم شركاء الطبقة في المجتمع وأجانب من جميع الأجناس على عهد سيادة ~~المحتلين. # والديمقراطية على هذه السنة بجميع معانيها هي المبدأ الواسع الذي كان يلحظه هذا ~~الفيلسوف الوجيه في حقوق الرأي وفي حقوق الطبقة، فليس إيمانه بتغليب رأي الكثرة مانعا ~~عنده للقلة أن تبدي رأيها وتقبل به آراء الأكثرين من المخالفين. # كان شعار «الجريدة» كلمة الفيلسوف الأندلسي «ابن حزم»، وهو من قرائه في مسائل الأخلاق ~~والعقائد واختلاف الطوائف والعبادات. # وكان «ابن حزم» يقول: «من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق، وإن آلمتها ~~لأول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكبر من مدحهم إياه.» # وقد وضع هذا الشعار تحت عنوان «الجريدة» منذ صدورها في شهر مارس سنة 1907 إلى ~~احتجابها بعد ذلك بنحو ثماني سنوات؛ لأنه كان في طوال هذه المدة يعلم أن معارضيه بالرأي ~~أضعاف مؤيديه، وكان أنصار الأحزاب من القائلين بالسيادة العثمانية والمشايعين للحاشية ~~الخديوية والجانحين من الطرف الآخر إلى مشايعة السلطة الفعلية أو مشايعة الاحتلال، كل ~~أولئك الأنصار كانوا أضعاف أنصاره في حزب الأمة، وقد فارقه شطر كبير من هؤلاء الأنصار ~~في منتصف الطريق، وجنحوا إلى ناحية القصر احتجاجا على ما سموه «استبداد محرر الجريدة ~~بسياستها»، وفيها ما فيها من مناصبة الأمير. # وهذا الديمقراطي الذي أباح للقلة أن تعلن رأيها في غير مداراة ولا مواربة، هو هو ~~الديمقراطي، الذي يسلم للكثرة بحقها عند مفترق الطريق، وعند مفترق الطريق هذا سلم ~~للكثرة من أعضاء اللجنة السياسية بما قررته في المفاوضات التي أجرتها وزارة «أحمد ~~ماهر»، وهو على رأي في تلك المفاوضات غير ما تراه. # ولقد هنأني في الصباح الباكر على مقال كتبته بالأهرام مؤيدا فيه خطة الوزارة ~~«الماهرية»، ms140 فلما وافق اللجنة أخيرا على قرارها، سألته في ذلك ونحن عائدان في سيارته ~~من المجمع إلى مصر الجديدة، فقال: «إذا كانت كثرة اللجنة وكثرة أهل البلد على هذا ~~القرار؛ فالكثرة لها حكمها الذي لا حيلة لنا فيه.» # وذكرته يومئذ - مازحا - بمخالفته للزعيم «سعد زغلول» بعد مفاوضات «لورد ملنر»، فقال: ~~«بل هذا - أيها الأخ - من ذاك؛ فقد خالفت سعدا، ولكني لم أخالف كثرة الوفد في ~~النهاية.» # على أن المبالاة بالعرف الغالب لم تكن شيئا هينا في تقديرات هذا السري الفيلسوف؛ ~~فقد كان يولي ذلك العرف فوق حقه من المبالاة، إلى جانب تقديراته الفكرية أو تقديراته ~~المنطقية، فلم تزل رعايته للفكر مع المراسم والتقاليد أرجح عنده من هذه الرعاية له إلى ~~غير الجانب الموافق لتلك المراسم والتقاليد. # وليس من التناقض أن يكون «لطفي السيد» الفيلسوف كذلك، وهو الثائر على الجمود والرجعية ~~بلا مراء، فإنه في ثورته يقف إلى جانب مجتمع كبير، ولا يقف إلى جانب الشذوذ والانفراد، ~~وإنما كان إيمانه بمبادئ الحرية على قواعد الثورة الفرنسية إيمانا أيده مع الزمن أضعاف ~~من خالفوه. ~~••• # لقد كانت لهذا الثائر تقاليده التي يثور عليها ويعلن الحرب على أنصارها. # ولكنه لم يكن يحاربها إلا من أجل تقاليد أخرى يسالمها ويقرها ويعمل على إقرارها. # وإنما كان يفضل بعضها على بعض بشفاعة الواقع، أو بشفاعة «قانون» التقدم، كما آمن به ~~الثائرون العلميون في إبان القرن الماضي، وثبتت عليه بقيتهم إلى هذه الأيام من القرن ~~العشرين. ~~••• # لقيته بمكتبه وهو مدير لدار الكتب لتجديد رخصة الاستعارة، وقدم زميله العالم الجغرافي ~~«رأفت بك» مدير المتحف العربي التابع لدار الكتب في بناء واحد. فحيا تحية مقتضبة يلوح ~~عليها شيء كثير من الامتعاض والابتئاس، والتفت إليه الأستاذ «لطفي» يسأله: كيف حال ~~متحفك وآثارك يا «رأفت بك»؟ قال «رأفت بك» ولم يفارقه امتعاضه وابتئاسه: إنها أثر بعد ~~عين، شباب هذا العصر لا يحفلون بماض لا وحاضر، لا يقرءون، لا يدرسون، افتقدهم في متحف ~~آثار أو معرض فنون، فلا تجدهم ولا تسمع خبرا عنهم، ولكنهم ms141 موجودون ليلا ونهارا بين ~~المراقص، والقهوات، والبارات، زفت وقطران، زفت وقطران. ألا يسمع هؤلاء الشبان بأحوال ~~أندادهم في البلاد الأوروبية؟ ألا يسمعون بأندادهم من الأوروبيين في بلادنا؟ ألا يعرفون ~~المفازة والغابات ومصاعد الجبال التي ينطلق إليها الشباب يستجلون فيها جمال الطبيعة ~~وينشدون فيها صحة الجسد والذوق؟ # فنظر إليه الأستاذ «لطفي» مليا، وقال له معاتبا في لهجة لا تخلو من التأنيب ~~اللطيف: الله، ومالك منفعلا ثائرا هكذا يا سيدنا البك؟ # فهدأ «رأفت بك» ثم قال بصوت كصوت الصدى يحاكيه في لهجته: عفوا يا سيدنا البك. # قال الأستاذ «لطفي»: يغضبني ذلك أكثر مما يغضبك، ولكن الحق على من في هذه التقاليد ~~الرثة؟ أرأيت هناك شابا يخرج إلى المفازة والغابات وحده؟ ألا يخرج الفتى ومعه الفتاة ~~أو تخرج الفتاة ومعها الفتى؟ ألا يعرفون الحب بينهم قبل أن يعرفوا حب الجمال في السهول ~~والجبال؟ # وشاركت الأستاذين في الحديث قائلا: وهل يبتعد الفتيان عندنا عن البنات حيث يذهبون ~~إلى المراقص والبارات؟ # قال الأستاذ «لطفي»: وماذا يصنعون؟ إنهم يسرقون الحرية في المرقص والبار، وإن نصيبهم ~~من الحرية المشروعة لا يزيد عن نصيب الفتيات في الخدور. # وهنا نلتقي «بالجنتلمان» الديمقراطي في مجلسه وفي تفكيره، إنه لم يستطع أن يجيز ~~لزميله ذلك «الانفعال» الممنوع في قانون «الإتكيت»، ولم ينتصر للثورة على التقاليد ~~الرثة إلا لأنه ينتصر لتقاليد أخرى لا تزال في ثوبها القشيب. ولكنها، على أية حال، ~~تقاليد لها شفاعة من «قانون» التقدم المتفق عليه. وقد ظل الفيلسوف السري على إيمان بهذا ~~التقدم المتفق عليه حتى نهاية حياته، وحتى بعد تعديل ذلك القانون بقانون آخر ينسخ منه ~~مادة مرفوضة كلما أقر منه مادة مقبولة، وهو قانون التطور الذي لا يقول بالتقدم المطلق ~~المطرد في كل سبيل، ولا يستلزم أن يكون كل حديث في عصرنا أصلح من كل قديم في ماضي ~~العصور، وبخاصة في مسائل الأخلاق والآداب. # وكلما أباح فيلسوفنا لنفسه أن يمضي مع «ابن حزم» في شجاعة الرأي ومخالفة الإجماع، عاد ~~إلى رأيه المخالف، فلم يتقبله إلا لأنه ms142 قانون الغد المتفق عليه سلفا، لو سارت الأمور ~~حيثما ينبغي أن تسير. وقد قال في ذلك من نصائحه للشباب: «كل ما تفكر فيه أو تلفظه أو ~~تفعله، انظر هل ترضى أن يكون قانونا للعالم أولا، فإن رضيت فافعله في غير خوف، وإن لم ~~ترض فلا تفعله أبدا.» ~~••• # وقد رأيت «أحمد لطفي السيد» مديرا للجريدة ومديرا لدار الكتب ومديرا للجامعة ~~وعضوا بمجلس الشيوخ ووزيرا ورئيسا للمجمع اللغوي ورئيسا للجمعية الخيرية، فلم تحجب ~~عني خصلة من خصلتيه في وظيفة من هذه الوظائف الملاحقة، وهما السمت الوجيه والديمقراطية ~~الصادقة، وكانت «ديمقراطيته» أجمل ما تكون في مجال الرأي ومباحث التفكير، وقد شهدناه ~~نحو عشرين سنة في هذا المجال، بعد أن عملنا منه عضوا بمجمع اللغة العربية، ثم رئيسا ~~للمجمع بانتخاب أعضائه، فكان أقدر رئيس عرفناه في مجمع من مجامع البحث العلمي؛ دانت له ~~ديمقراطيته بغير كلفة، ودان لها زملاؤه احتراما لحق الحرية الفكرية، واحتراما لرئاسته ~~الأبوية، تلك الرئاسة التي كان لها سند من العطف المتبادل أقوى من أسناد المراسم ~~والتقاليد. # وكان - رحمه الله - يشترك في المناقشة ويورد الشواهد في أثنائها من محفوظاته الكثيرة، ~~وأولها القرآن الكريم، وفي جملتها قصائد الشعراء الأقدمين من الجاهليين والمخضرمين ~~والأمويين والعباسيين، وربما حفظ للمحدثين كما يحفظ للأقدمين، ولكنه يقصر شواهده في ~~مقام الاحتجاج بالسند المقبول، على الأولين دون الآخرين. # وكان إجماع الأعضاء على توقيره وحبه يريحه كثيرا من كلفة الرجوع إلى النظام في ~~رعايته لسنة المساواة التامة بين الأعضاء عند إبداء الآراء، ولكنه كان يعمد إلى الصمت ~~الوديع؛ كلما احتدم النقاش، وحميت وقدة الخلاف، وتكلم من يتكلم، ورد عليه من يرد، ~~واعترض عليهما من يعترض دفعة واحدة. تختلط فيها الأصوات، وتحار معها الأسماع. # ويميل الرئيس إلى أقرب الأعضاء إليه يسأله مستسلما: هل آمنت معي بأننا في المجمع ~~اللغوي؟ ويتفق أن أكون إلى جواره فأقول: بغير شك يا أستاذنا، وتسكين الغين في هذه ~~الساعة! # ويعود النظام توا في لمحة عين. وقبل أن يحوجه الأعضاء إلى دق الجرس؛ لأنهم يفهمون ~~من ms143 همسته في أذن جاره أو انطوائه على صمته أنه يدق لهم أبلغ الأجراس! # وقد عرفناه من قبل، ومن بعد، على صورته التي لا تتغير ولا يختلف مظهر منها عن مخبر؛ ~~لأنها صورة المفكر الذي تتجلى أعمق أفكاره في مسالك حياته، والذي يعيش لفكره وبفكره ~~وعلى وفاق فكره، ثائرا محافظا على قدره، وديمقراطيا في قرارة طبعه، يزيده من ~~الديمقراطية ولا ينقصها عنده أنه لم ينسها قط وهو في سمت العلية وفي عزوف الحكيم ~~الفيلسوف. # 3 # كان «لطفي السيد» من المرحبين بالظاهرة الأدبية التي تمثلت في فن «المنفلوطي»، أو في ~~أسلوبه الإنشائي، عند ظهورها في عالم الصحافة وبعد جمع المقالات في كتاب «النظرات»؛ لأن ~~المقالة الإنشائية كانت «قالبا لفظيا» لا عناية فيه بالمعنى قبل «المنفلوطي»، وقبل ~~«محمد المويلحي» في فصول «عيسى بن هشام» على التخصيص، فكانت كتابة «المنفلوطي» على عهد ~~«الجريدة» التي كان يحررها «لطفي السيد» ظاهرة ملحوظة بين المنشئين. # وقد كتب في تقريظ مقالات «النظرات» يقول: # من الكتاب من هو ضنين بشخصيته لا يدعها تتلاشى في بيئة الكتاب، لا يتكلف ~~تقليد شيخ من أشياخ الكتابة ولا يكتب للكتابة، بل لا يكتب إلا إذا قامت بنفسه ~~أغراض واضحة يجب أن يبرزها للناس في الثوب الذي يناسبها على تفصيل «مودة» ~~الأذواق الحاضرة، وحسبما يقتضيه الفصل الزمني للأفكار. وكتاب هذا الصنف قليلون ~~عادة في كل أمة وفي كل جيل، إلا أن كتاباتهم على قلتها هي المربي الوحيد للأمم ~~والعلل الأولى التي تدفعها إلى الأخذ بكل نوع من أنواع الرقي والنجاح، وهي خير ~~اللغات وأبقاها. # ثم ينتقل من هذا التمهيد فيقول عن أسلوب «المنفلوطي» بين هذه الأساليب: # من أشياخ البيان عندنا السيد «مصطفى المنفلوطي». أكاد لا أجد له في طريقته ~~مثيلا بين كتابنا، فإنه يمتاز بالمساواة، وقل من يعرف المساواة. يمتاز ~~باستعمال ألفاظ الخصوص، فلا يلبس معنى الألفاظ الذي لا يكاد يشاركه فيه معنى ~~آخر. # والمساواة والخصوص في هذا السياق كلمتان من تعبيرات «لطفي السيد»، لم يكن معناهما ~~غنيا عن التفسير عند استخدامهما للمعنى الذي ms144 أراده؛ فقد أراد بالمساواة أن تكون ~~العبارة اللفظية مساوية للغرض الفكري الذي تؤديه، وأراد بالخصوص أن يكون اللفظ على قدر ~~معناه، أو يكون باصطلاح العرف الحديث كثوب «التفصيل»، وليس كالثوب المجهز لكل لابس على ~~التقريب بعد القص والتوسيع، وقد يصح أن يقال عن أسلوب المساواة والخصوص إنه هو أسلوب ~~«القصد» بمعنييه: معنى الاقتصاد ومعنى الإرادة؛ لأن أسلوب القصد هو الأسلوب المحكم الذي ~~لا فضول فيه، وهو الأسلوب الذي يؤدي به الكاتب لفظه؛ لأنه يقصده بذاته وفاقا لغرضه ولا ~~يقصد غرضا سواه، ولولا أن كلمة القصد أقرب إلى الإحكام والتقدير منها إلى التسوية ~~والتنسيق، لكان فيها الغنى عن كلمتي المساواة والخصوص. # والتفات «لطفي السيد» إلى هذه «الخاصة» في الأسلوب الإنشائي لم يكن بالأمر الغريب من ~~كاتب «القصد المحكم» في اللفظ والمعنى؛ لأن تحديد ما يريد بالكلمة كان هو طبيعة عقله ~~الغالبة على تفكيره وتعبيره، بل على تقديره للأمور وتقديره للأعمال، فلم يكن للعمل عنده ~~شأن أكبر من شأن المطابقة للكلمة والمطابقة للفكرة التي تدل عليها، وكانت حياته لفكرته ~~هي الحياة الأولى التي تتلوها بعد ذلك كل حياة عملية تعنيه. # وكانت مرانة عقله على تحديد عباراته تشغله للتسلية والرياضة كما تشغله للجد والتدبير، ~~كأنه الجبار الرياضي الذي يداعب صحبه بالضغط على أكفهم عند المصافحة أو بالشد على ~~ظهورهم عند المعانقة، يوهمهم أنها ملاكمة ومصارعة وليست بمصافحة وعناق، وكذلك كان «لطفي ~~السيد» يصنع بتحديد معاني الألفاظ كلما طابت له الدعابة مع صاحب أو زميل، بين يدي عمل ~~من أعمال الفكر والنظر أو أعمال الإدارة والتنفيذ. # دخل إلى مكتبه بوزارة الداخلية وكيل الوزارة يتأبط ملفات الحركة الإدارية فبادره ~~قائلا: ماذا تتأبط يا حسن؟ خيرا؟! # قال حسن: نعم خير إن شاء «الله»، الحركة الإدارية! # قال «لطفي السيد» متجاهلا: حركة؟ وهل هذه حركة في الزمان أو في المكان؟ # ربما كان الكلام على حركة الزمان والمكان أول كلام من نوعه ورد على مسمع وكيل ~~الداخلية الحائر في أمره بين يدي هذا الفيلسوف الوزير، فعاد يقول: بل هي ms145 حركة التنقلات ~~بين المديرين ووكلاء المديريات والمأمورين وموظفي الإدارة على العموم. # قال الفيلسوف: وهل هي حركة بغير مقتض؟ ولماذا يتحركون؟ هل طلبوا منك أن ~~تحركهم؟ # ثم انقضت هذه المحادثة كما شاء الوكيل أن يقضيها، وكانت فكاهة الليلة في مجلس رئيس ~~الوزراء «محمد محمود»! ~~••• # وعاد إلى مصر مع ثلاثة أعضاء من «الوفد» لمراجعة الأمة في المقترحات البريطانية، ~~فقابله الصحفيون على الميناء وسأله أحدهم: هل أنتم قادمون بمهمة سياسية؟ فكان جواب ~~الصحفي القديم على الصحفي الناشئ: ماذا تعني بالسياسة: دبلوماسية أو بوليتيقية؟ # وحاول صاحبنا أن يخلص من الورطة بقوله: أعني الاثنتين! # قال الفيلسوف: ليس لنا مهمتان، ولسنا سفراء فتكون لنا مهمة دبلوماسية، ولا وزراء ~~فتكون لنا مهمة بوليتيقية! ولقد ذهب الصحفي الحائر فكتب هذا اللغز الفلسفي كما استطاع، ~~وبدل فيه وعدل كما أراد. ~~••• # ولما ألف أصدقاؤه «الأحرار» الدستوريون حزبهم كان هو معارضا لهذه التسمية، وظل ~~معارضا لها بعد تأليف الحزب بزمن طويل، وإنما كان اقتراحه أن يسمى الحزب باسم «الحريين ~~الدستوريين»، وحجته في تفضيل هذه التسمية أن كلمة الحريين هي التي تقابل كلمة «ليبرال» ~~بالفرنسية والإنجليزية، وإلا فماذا نسمي المحافظين خصوم الأحرار؟ هل نسميهم «بالعبيد» ~~وهم لا يقنعون بالحرية وحدها دون السيادة على العالمين؟! # ولم يكن يكرثه أن يداعبه إخوانه من ظرفاء الحزب قائلين: أهلا بالحري، سلاما على ~~الحري، ذهب الحري، جاء الحري، ولا لزوم للتسمية مع هذا التحديد. # قال «لطفي السيد» في قصة حياته: # نشأت من الصغر ميالا إلى العلوم المنطقية والفلسفية، ولقد لفت نظري في ~~«أرسطو» أنه أول من ابتدع علم المنطق وأكبر مؤلف له أثر خالد في العلوم ~~والآداب، ولما كنت مديرا لدار الكتب المصرية تحدثت مع بعض أصدقائي في وجوب ~~تأسيس نهضتنا العلمية على الترجمة قبل التأليف كما حدث في النهضة الأوروبية. ~~ولما كانت الفلسفة العربية قد قامت على فلسفة «أرسطو»، فلا جرم أن آراءه ومذهبه ~~أشد المذاهب اتفاقا مع مألوفاتنا الحالية، والطريق الأقرب إلى نقل العلم في ~~بلادنا وتأقلمه فيها؛ رجاء أن ينتج في النهضة الشرقية مثل ms146 ما أنتج في النهضة ~~الغربية. # والحق أن «لطفي السيد» كان «أرسطيا» قبل أن يعرف «أرسطو» أو يفكر في ترجمته؛ لأن ~~تكوين عقله المنطقي هو الذي حبب إليه منطق «أرسطو» حين اطلع عليه، وحبب إليه صاحب ~~المنطق حتى كان يتحدث عنه متبسطا فيسميه «سيدنا أرسطو رضي الله عنه». وقد استفاد من ~~أرسطو ما كان مستفيده من مراجعة عقله بغير اصطلاحات المنطق وألفاظه «المخصوصة» على حد ~~تعبيره، فإن الفكرة المحددة كان ديدنا طبيعيا عنده، ولم تكن من الدروس التي تكتسب ~~بالتعلم، وقد كان حرصه على حد الفكرة أشد وأكمل من حرصه على حد العمل؛ لأنه عرف ~~بالتجربة أن نتائج الأعمال قد تختلط بينها وقد تتناقض المقدمات والنتائج فيها، لكثرة ~~العوامل المنطقية وغير المنطقية التي تحيط بها، ولكن حدود الفكرة في ذهنه لم تكن تلتبس ~~بين معنى ومعنى، ولم تكن تخرج على حدود المساواة بين أغراضها وعباراتها، وقد كانت كلمة ~~«يجرى إيه؟» تجري على لسانه - كما لاحظ صديقه «عبد العزيز فهمي» - عند التسوية بين ~~نتائج الأعمال، ولو كانت في ظاهرها على أبعد ما تكون من التناقض والاختلاف، ولكن «يجرى ~~إيه؟» كانت تنقلب إلى «يجرى كل شيء»، إذا حدثت التسوية بين كلمة وكلمة لا تتساويان في ~~النتيجة المنطقية؛ لأن حدود المنطق واضحة أمامه بمقياس الشعرة وبغير لبس ولا اختلاف بين ~~أقرب النتائج وأشدها شبها في ظاهرها. # وقد ذكرت في غير هذا المقال أن أستاذ الجيل كان يتجنب التصريح برأيه أثناء مناقشات ~~المجمع اللغوي؛ تورعا منه عن التحيز إلى جانب من جوانب المناقشة، ولكنه كان في اللجان ~~التي تعد القرارات للفصل فيها يشترك في المناقشة ولا يترخص في رأيه عند المعارضة بين ~~اقتراحه واقتراحات غيره، بل أذكر في جلسة من جلسات اللجان أننا قضينا نصف الوقت في ~~الخلاف على كلمتي المفكرة والمذكرة، أيهما أصلح للترجمة عند التفرقة بين اليومية ~~والقائمة والمدونة والمذكرة، فكانت معارضته لكلمة «المفكرة» طويلة في غير هوادة، ~~واستغرقت نحو نصف الوقت كما تقدم؛ لأنه - كما قال - لا يفهم كيف ينسب التفكير إلى ms147 ~~المفكرة وكيف يكون الخلط بين مدلول التفكير ومدلول التذكير. ~~••• # في أوائل عهدي بالصحافة قرأت مقالات لبعض الرحالين السياسيين، حكموا فيها على إحدى ~~الأمم الشرقية حكمهم الذي يداخله الهوى كما يداخل أحكام الساسة على العموم. ثم قرأت ~~نقدا للرحلة ولأمثالها من الرحلات يدور على فكرة واحدة، وهي أن رحلة الأسابيع المعدودة ~~في أمة من الأمم - كبيرة كانت أو صغيرة - لا تكفي للحكم عليها. # وقرأت النقد كما قرأت الرحلة، فوافقت الناقد في تخطئته لكثير من أحكام كاتب الرحلة، ~~ولكنني عدت إلى نفسي أسألها: أمن الحق أن الأمم لا تعرف من سياحة أسابيع بين ربوعها؟ ~~وهل إقامة السنين تكفي من ليس لديه مقياس صحيح للعلم بأحوال الأمة التي قام ~~فيها؟ # وظلت هذه الخاطرة تشغلني زمنا طويلا حتى انتهيت منها إلى الرأي الذي أعتقده اليوم، ~~وهو أن العبرة بالمقياس وبمن يقيس، وليست العبرة بطول الوقت أو قصره عند فقدان المقياس ~~الصحيح، وصح عندي أن شيئين اثنين قد يعينان الناظر على العلم بنصيب الأمة والفرد فلا ~~يصعب الوصول إلى تقدير هذا النصيب في بضعة أيام، فضلا عن الأسابيع. # هذان الشيئان هما: تقدير الكلمة وتقدير الوقت، فلا شك في تقدم الأمة التي تعرف للكلمة ~~قيمتها وتعرف للوقت قيمته، ولن تكون الأمة التي تستخف بالكلمة أو تستخف بالوقت على نصيب ~~من التقدم أو من قوة الخلق وسلامة الفطرة، ولو أعجبتنا جميع ظواهرها الأخرى. # وليس من الصعب أن نعرف نصيب الأمة من تقدير الكلمة وتقدير الوقت بعد يومين نقضيهما ~~بين أبنائها، ففي عناوين الدكاكين ونداءات الباعة ومواعيد المواصلات ومواعيد الزيارات ~~مادة كافية للقياس الصحيح في جميع الحالات. # وقد درجت - منذ وقرت في نفسي هذه العقيدة - على قياس العظماء وغير العظماء بهذين ~~المقياسين: ما قيمة الكلمة عند هذا العظيم أو عند هذا الأديب أو عند هذا الإنسان كائنا ~~من كان؟ وما قيمة الوقت عنده فيما يعنيه؟ ولا أعرف أنني أخطأت تقدير إنسان أمكنني أن ~~أعرف قدره بهذين المقياسين. # وكذلك تعرف قيمة الكلمة على حسب معدنها المأثور عند من يقدرها ms148 ويحرص عليها، فإذا كان ~~هناك تفاوت بين عظيمين يقدران الكلمة ويحرصان عليها، فمعدن الكلمة هو موضع التفاوت بين ~~ذينك العظيمين. # ولقد خطر لي يوما أن أقابل بين «لطفي السيد» وبين أناس ممن عرفتهم من أبناء جيله ~~وهم: «سعد زغلول» و«عبد العزيز فهمي» و«محمد محمود»، فظهر لي مرة أخرى أن الكلمة هي ~~الرجل كما قيل. # وكانت الكلمة عند «سعد زغلول» كائنا عضويا يكاد ينضح بالدورة الدموية، وكان هو ~~يفهمها هكذا من كلام غيره كما كان يفوه بها من كلامه على غير تعمد منه، فلا يسمعها ~~السامع إلا أحس أنه سيحضر معها أثرها «الحيوي» انفعالا نابضا في نفس المخاطب بها ~~فردا كان أو جماعة. # وكانت الكلمة عند «عبد العزيز فهمي» «حيثية» في حكم قضائي، يعنيه منها قبل كل شيء ~~ماذا تقرر من الحكم وماذا تدفع من وجوه الأشكال أو الاعتراض، وقد يسمع الكلمة فلا ~~يستريح إليها؛ لأنه يحس أن هناك اعتراضا قد يرد عليها، وإن لم يتضح له هذا الاعتراض ~~لأول وهلة، ثم يعرف السبب فلا يلبث أن يبدل الكلمة المقبولة بالكلمة المعترض عليها، وله ~~على ذلك قدرة المرانة على التمييز بين النصوص وقدرة الاطلاع على كتب الأدب ~~والقانون. # وكانت الكلمة عند «محمد محمود»، بل كانت كلمات اللغة كلها، تصريفا لكلمة واحدة هي ~~كلمة «الكرامة» أو الوجاهة، وربما التقى في هذا التصريف قاموس السيد الصعيدي وقاموس ~~«الجنتلمان». # أما «لطفي السيد» فالكلمة عنده «حد منطقي» في قضية كاملة، ولا التباس عنده بين حد وحد ~~من الوجهة المنطقية الصميمة، وإنما يعرض لها اللبس حين تتعرض للنزاع بين المنطق العقلي ~~والمنطق «السيكولوجي»، أو منطق الوعي الخفي والوجدان العاطفي؛ لأنه - على تسليمه الدائم ~~بجوانب الضعف الإنساني - لم يكن من طبيعة عقله أن يسمح للضعف أن ينتقل إلى كفة الميزان ~~في موازنته بين الحقائق الفكرية، وربما جاء من هذا العزل بين منطق الفكر ومنطق النفس أن ~~روح الفكاهة في كتابته تختفي وراء الرأي الممحص والتقدير المحكم بالقياس الصحيح. ~~••• # ولقد كان يستطيب «القفش الحلو» كما سماه في بعض ms149 مقالاته، ولكنه لم يكن سريعا إلى ~~«لقط» النكتة، ولم تكن له تلك الضحكة العميقة التي تملأ الأفواه كما تملأ الصدور، وقد ~~يشترك المجلس كله في الضحك ولا يشاركهم فيه، فيحيل الخطأ على نفسه ويقول معتذرا: لا ~~مؤاخذة! إنني بطيء في فهم النكتة! # ومما أذكره نماذج شتى من النكات «البلدية» التي كانت تضحك جلساءه ولا تضحكه، ومنها ~~حديث أطرفنا به الأستاذ «عبد الوهاب خلاف» - رحمه الله - عن صاحب له ولنا من الشيوخ ~~المعممين الملتحين الذين لا يعطون المشيخة ولا اللحية كل حقهما من التزمت والحشمة، ~~وكانت مناسبة الحديث «دردشة» عارضة - على حد تعبير رئيسنا - فيما يقال قبل انعقاد جلسات ~~اللجان الخاصة بالمباحث اللغوية في موضوع من الموضوعات، وكان موضوع الجلسة تعريب ~~المصطلحات الموسيقية أو تهذيبها. # وقال الأستاذ «عبد الوهاب» عن ذلك الشيخ المرح إنه شوهد وهو يتأبط ذراع الموسيقي ~~المعروف «سامي الشوا» فسئل: ما الذي يجمع هذا على ذاك؟ وما الذي يقرن بين زمرة الأولياء ~~وزمرة الطرب والغناء؟ # قال الشيخ غير متلعثم: ولم لا؟ هذا شيخ «كمان»! # وشوهد الشيخ في إحدى سهراته وأمامه كأس من الوسكي، فسأله الزائر الطارئ مستنكرا: أما ~~تستحي لهذه العمامة فوق هذه اللحية التي وخطها الشيب؟! # فقال كذلك غير متلعثم: وماله، هذه أيضا «بلاك آند هوايت!» # وكان يقول للمازحين من أصحابه كلما ذكروه بوقار اللحية: إنها لا تربيني، أنا الذي ~~أربيها! # وقد كان الرئيس - خلال هذه الدردشة - يبتسم ولا يضحك، ويعود فيلقي اللوم على تقصيره ~~هو في هذا المجال. # وعلينا أن ننصفه من نفسه في هذا اللوم؛ لأن النكتة الجناسية في الواقع ليست من أجود ~~النكات ولا من أصدق ألوان الفكاهة، وليس بالمستغرب من العقل المنطقي ولا من صاحب القلم ~~الحريص على «ألفاظ الخصوص» ألا يأنس إلى لعب الجناس «اللفظي»، وألا يشغل باله بعد ~~استيفاء شروط العقل بحواشي المشابهات في الآذان، وقد مرت بنا فيما نقلناه من تقريظه ~~لأسلوب «المنفلوطي» كلمة من الكلمات الجناسية يتحاشاها في مكانها من يلقي باله إلى ~~مشابهاتها، ولكنها لم تكن مما يتحاشاه ms150 «أرسطو المصري» في لغة الجد والتحقيق. # إنه يقول عن كتاب الخصوص: # إن كتاباتهم - على قلتها - هي المربي الوحيد للأمم والعلل الأولى التي تدفعها ~~إلى الأخذ بكل نوع من أنواع الرقي والنجاح. # وكم من نكتة جناسية في هذه «العلل» لمن يشاء أن يحكم «القافية» في لغة التفكير ~~والتعبير! # إلا أن الإنصاف الذي يعفي فيلسوفنا من اتهام نفسه بالتقصير في مجال النكتة، لا يمنع ~~المنصف أن يلاحظ أن نصيب الروح الفكاهية في كتاباته قليل، يشكو الحرمان من جور الجد ~~المنطقي عليه. ~~••• # وبعد، فإن الكلمة عند «لطفي السيد» هي موضوع مقالنا، ولكننا ذكرنا في عرض المقال ~~مقياسا آخر للأمم وللرجال غير مقياس الكلمة وهو مقياس الوقت، فلا ننسى أن نضيف هذا ~~المقياس إلى ذلك المقياس، ولا نرانا بحاجة إلى كلمات كثيرة لنقول إن الكفة ستبقى على ~~رجحانها في الحالين. # لقد تولى «لطفي السيد» رئاسة مجمع اللغة وهو يقارب التسعين، فلم يتخلف عن المجمع ~~يوما واحدا وهو قادر على الخروج من داره، ولم تأت الساعة الحادية عشرة في يوم من أيام ~~حضوره وهو بعيد من كرسيه بقاعة الجلسة، ولا تتم الدقيقة التاسعة والخمسون ويده بعيدة عن ~~جرس التنبيه! # | ميرزا محمد مهدي خان # زعيم الدولة ورئيس الحكماء # نشرت في صحيفة «الدستور» سلسلة من الفصول عن شعراء الفرس النابهين، معتمدا فيها على ~~قصائدهم وأخبارهم المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وحدث في صيف سنة 1909 أن شاه الفرس أراد ~~أن يلغي الحياة النيابية فنشبت الثورة في البلاد، واضطر إلى النجاة منها بنفسه، فبايعت ~~الأمة ولي عهده وهو في نحو الحادية عشرة من عمره، ونقلت الأنباء البرقية عنه أنه بكى حين ~~بويع بالملك بين تلك الزعازع المرهوبة، فكتبت يومئذ مقالا في صحيفتي «الدستور» و«مصر ~~الفتاة»، وجهت فيه الخطاب إلى الشاه الصغير، وقلت في مفتتحه: «أنت في الشرق، بين أمة الشعر ~~والشعور.» ثم قلت: «إنك إن لم تضمر لهم سوءا ولم تحمل عليهم ضغنا، فالعرش أوثر من المهد، ~~وحجر الأمة ألين ملمسا من حجر الأم، وأنت مع ذلك أسعد أسلافك؛ ms151 لأنك أول من رفعته إيران إلى ~~عرشها بيدها، وأيمن شاه؛ لأنك توليت الحكم في العهد الذي سيذكر التاريخ أنه أول عهد وافق ~~نهضة الإسلام من جديد.» # ولقيني غير واحد من صحبي بعد نشر هذا المقال وهم يقولون لي: «إن مقالك قد أعجب الدكتور ~~«مهدي خان» وهو يحب أن يراك.» # فمن هو هذا الدكتور «مهدي خان»؟ # لقد كانت القاهرة يومئذ تموج بالتيارات السياسية، بين ظاهرة وخفية. كانت كأنها مرصد ~~الحوادث في الشرق الإسلامي كله؛ فكان فيها دعاة من العرب، ودعاة من الترك، ودعاة من الفرس، ~~ومن آسيا الوسطى على اختلاف شعوبها، ومنهم من يعمل للحرية والتجديد، ومنهم من يعمل في خدمة ~~المستبدين، بل في خدمة الاستعمار. # وكان الدكتور «مهدي خان» في ذلك الحين علما من الأعلام المشهورة بين أولئك الدعاة. # كان يعرف في بلاده باسم «الدكتور ميرزا محمد مهدي خان زعيم الدولة ورئيس الحكماء»، وكان ~~مولده في أوائل القرن التاسع عشر، وكان قد ناهز التسعين حين لقيته، وكان نموذجا صادقا ~~لثقافة القرن التاسع عشر في زمنه وفي وطنه؛ لأنه تعلم الطب في فارس، ثم حضر دروسا مختلفة ~~في علم الأديان المقارنة على أساتذة من الألمان، وكان ينظم الشعر الفارسي أحيانا، ويكتب ~~العربية والتركية، ويتكلم الألمانية مع أهلها، وربما كان على معرفة بالفرنسية؛ ولهذا كان ~~يشترك في مباحث الفلسفة كما طرقها أولئك الفلاسفة الأطباء. # ولست على يقين من تفصيلات برنامجه السياسي، ولكنني أعلم أن صحيفته «حكمت» كانت تصادر ~~أحيانا في بلده، وكان يرسلها سرا في كثير من الأوقات إلى جهات من بلاد الدولة العثمانية ~~تنقل منها إلى إيران وبعض بلاد المسلمين الذين كانوا تابعين يومئذ للحكومة القيصرية. # وكان شديد السخط على الحركة البابية، ويعتقد أنها تخدم مآرب الإنجليز والأمريكيين في ~~إيران. # ولم ألقه على أثر كتابة مقالي إلى الشاه الصغير، ولكنني لقيته بعد ذلك بفترة وجيزة، ~~وعرفني إليه صديقنا الشاعر المجيد الأستاذ «علي شوقي» رئيس قلم النظارة بوزارة ~~الأوقاف. # كان من أسباب ترحيبي بمعرفة الدكتور «مهدي» أنه مرجع موثوق به في الشعر ms152 الفارسي خاصة، وقد ~~تحققت منه مما كنت أرجحه ترجيحا عن خطأ الترجمات الأوروبية لشعر الخيام وغيره من شعراء ~~الفرس المترجمين، فإذا هي في الواقع محشوة بالأغاليط؛ عن جهل باللغة تارة، وعن رغبة من ~~المترجمين في التزويق تارة أخرى. # وكان للرجل فضل في تمكننا من حضور ليلة عاشوراء بالتكية الفارسية، ولم يكن ذلك ميسورا ~~لكل راغب فيه، فلم يكن في التكية ليلة شهدنا الحفلة أحد من المصريين غير «حسين رشدي باشا» ~~وثلاثة من الزملاء والأدباء هم: الأستاذ «المازني»، والأستاذ «علي شوقي»، والأستاذ «عبد ~~الرحمن البرقوقي» - رحمه الله. # على أنني مدين له بالفضل في الوقوف على أسرار مسألة من أخطر مسائل السياسة الشرقية في ~~أيامها، وهي مسألة المطبعة العثمانية التي يتوقف على العلم بها تقدير أناس يحسبون الآن من ~~أبطال الحرية والدعوة الوطنية. # فقد كنت أرى الرجل كلما زرته في مكتبه شديد الحذر على أوراق صحيفته، وعلى أسماء المشتركين ~~فيها من المقيمين في إيران وروسيا على الخصوص. # وكنت أعيب عليه هذا الحذر، وكان يقول لي: إنك يا بني لا تعلم أنها مسألة خطرة على حياة ~~المئات. ومن يدري؟ فقد تتعرض لما تعرض له أصحاب المطبعة العثمانية من حيث لا نعلم، وذلك ~~غاية ما نخشاه. # أما مسألة المطبعة العثمانية هذه فيستطيع من شاء أن يراجعها في الصحف المصرية (أبريل سنة ~~1902)، وخلاصتها كما سمعتها من هذا الرجل العليم بها - دون أن نتوسع هنا في تفصيلاتها - أن ~~أحرار الترك نشطوا يومئذ لنشر الدعوة إلى الدستور والحكومة النيابية، وأصدروا بالقاهرة ~~صحيفة كانوا يرسلونها خفية إلى أنصار هذه الحركة في أنحاء الدولة العثمانية، وقلق السلطان ~~«عبد الحميد»، واشتدت رغبته في الوقوف على أسماء هؤلاء الأحرار من رعاياه المقيمين في ~~بلاده، وجزاؤهم - لو أنهم عرفوا - قضاء بالموت أو بالعذاب في غيابات السجون، فإذا بقضية ~~تدبر في القاهرة للحجز على المطبعة العثمانية؛ ظاهرها أنها دعوى مدنية، وباطنها أنها حيلة ~~للاستيلاء على الأوراق التي فيها الأسماء والعناوين. # ويفزع أحرار الترك حذرا من سوء العاقبة على إخوانهم الغافلين في بلادهم، فيلجئون ms153 إلى ~~الوكالة البريطانية! # وتتخطى الوكالة البريطانية القانون، فتأمر بكسر الأختام وتسليم الأوراق إلى أصحابها وترك ~~ما في المطبعة ما عدا ذلك محجوزا عليه، وتكسب بذلك ولاء طائفة من أحرار الترك، ومعاكسة ~~السلطان «عبد الحميد». # وهنا يقرأ العجب من شاء الرجوع إلى الصحف في تلك الأيام: بين الغيرة على الأختام، والغيرة ~~على أرواح المئات من طلاب الحرية والدستور. # | فؤاد «الصاعقة» # أحمد فؤاد. # إذا كان سبب من أسباب السمعة مانعا للكتابة عن أحد، فهذا الكاتب الصحفي أولى الناس ~~بالسكوت عنه. # ولكنه أحق الصحفيين بالكتابة عنه إذا كان تاريخ «الأدوار الكتابية» في حياة الصحافة عندنا ~~موجبا للكتابة عن صاحب الدور. # فقد كان «أحمد فؤاد» صاحب صحيفة «الصاعقة» الأسبوعية أشهر الصحفيين من أبناء جيله في ~~تمثيل ذلك الدور الذي عرفناه في صحافتنا، بعد ظهور الصحف السيارة عندنا وانتشارها في أواسط ~~القرن التاسع عشر، فإذا وجب أن تختصر أسماء الصحف التي يصح أن نطلق عليها عنوان «صحافة ~~الهجاء الاجتماعي» في اسم واحد، فاسم «فؤاد الصاعقة» هو ذلك الاسم الذي لا يزاحمه شريك مثله ~~في هذه الصناعة. # كان الناس يعرفون اسم «فؤاد الصاعقة» ولا يعرفون اسم «أحمد فؤاد» إذا انفرد بغير هذه ~~القرينة، وقد يكتفون باسم «الصاعقة» ولا يزيدون، فيعرف قراء الصحافة من يريدون. # وقد كان «فؤاد الصاعقة» ممثلا في المجتمع المصري لدور واحد على صورتين: صورة تظهر في ~~محيط الأدب الشعبي، وهي صورة «الأدباتي» المتجول بين بلاد الريف والحضر. # وصورة «مفصحة» من هذا الأدباتي وهي صورة الأديب «الأريب» المحتال لعيشه في لغة المقامات، ~~واسم «أبو زيد السروجي» في مقامات «الحريري» عنوان عليه. # وإذا أردنا أن نترجم هذه الصناعة بالأسلوب الاقتصادي لتفسير الأدب والتاريخ، فالصحفيون من ~~طائفة «أحمد فؤاد» هم «محصلو ضريبة الوجاهة والهيبة» في المجتمع الجديد. # ولنا أن نتخيل أن هذا المجتمع سلطان من السلاطين الأقدمين كان له خدامه على طريقته، وكان ~~لهؤلاء الخدام نصيب من التزاماته وجباياته المقررة على رعاياه، فإن هؤلاء الأدباتية يخدمونه ~~بالرقابة على أصحاب الجاه والهيبة، فيحيلهم بتحصيل الضريبة لحسابه أو ms154 لحسابهم من جميع ~~هؤلاء، هربا من تكلف المغارم والوفاء بحق الجزاء الصريح؛ لأن المجتمع نفسه وأصحاب الجاه ~~والهيبة فيه، أولئك الجباة المسلطون عليهم، كلهم جميعا غير صرحاء. # على أن «الوظيفة» هذه لم تكن مخجلة لأصحابها، ولا كان أصحابها يكتمونها ويدورون حولها. # جلس أحدهم بين زمرة من الكتاب والفضلاء يتحدث عن صديقه السري الذي يستدنيه منه ويسومه أن ~~يجاريه بتعاطي المخدرات وشم «الكوكايين»، وكان يومئذ بدعة «أولاد الذوات» المتبطلين من رواد ~~السهرات. # قال الأدباتي «السروجي» الحديث: «ولكن من ذقنه فتل له، كان - بسلامته - يريد مني أن أشم ~~له الكوكايين لأعينه على السهر، ولكنني كنت أسهر بغير كوكايين وأجمعه عندي إلى ساعة الحاجة ~~في آخر الليل، تلك الساعة التي توصد فيها أبواب الصيدليات ومخابئ العقاقير الممنوعة، وتحلو ~~فيها الشمة الواحدة بأضعاف سعرها في جميع الأسواق السوداء، وأبدي لصاحبنا الغيرة على خدمته ~~والتحرق على شمة أو شمتين معه قبل انقضاء السهرة، فلا يقنعني في الجرام الواحد أقل من ثمن ~~عشرة جرامات، وأخرج من هنا وفي جيبي حصيلة الأسبوع من الكوكايين المدخر لتلك الساعة، ثم ~~أعود إليه ببقية «العشرة الجنيهات» قروشا معدودات، ولم أصرف من الورقة نصف مليم!» # وتحدث صحفي آخر عن كلمة غمز بها بعض الوجهاء، وفهمها ذلك الوجيه وفهم المقصود منها، فأرسل ~~إليه خمسة جنيهات ولمح هو من الوسيط أن الحكاية قابلة للمساومة والزيادة جنيهين أو ثلاثة ~~جنيهات. # ثم اعتدل الصحفي الأدباتي، وهو يقول في زهو وخيلاء: «ولكن فشر! محسوبكم «بري فكس»، كلمته ~~واحدة لا يقبل المساومة، عشرون جنيها على داير المليم، وإلا فالذي قرأه الباشا غمزا يقرؤه ~~الناس جميعا تصريحا على المكشوف، وعينك ما تشوف إلا النور ، لقد جاءتني الجنيهات العشرون ~~قبل مغيب الشمس في ذلك المساء.» # كان هذا الصحفي يلقب بيننا «بالزبرا» أي حمار الوحش، وكان بعضهم يتطلف فيسميه الفنان؛ ~~لأنه من أسماء الحمر الوحشية، فلما سمعنا منه هذه القصة صاح الأستاذ «أحمد صبري» المصور ~~المعروف متهكما متبرما وهو يلوح له بيديه في وجهه: لا والله، ومن الآن فصاعدا حمار ms155 وكفى، ~~ولا «زبرا»، ولا فنان، ولا يحزنون! # على هذا المثال كان «الصحفي الأدباتي السروجي» يؤدي وظيفته في بقايا المجتمع من القرن ~~التاسع عشر، وكان محصوله من هذه الوظيفة ضريبة المجتمع على الوجاهة والهيبة بحسب براعته في ~~التحصيل. # وكان «فؤاد الصاعقة» أبرع هؤلاء الجباة في استغلال وجاهة الوجيه وهيبة المهيب شفويا ~~وتحريريا بغير عناء، وهو عالم بحدود العرف والقانون مع كل طبقة من تلك الطبقات. # كان له جعل من المصروفات السرية يصيبه حينا ويفقده حينا ويتطلبه في جميع الأحيان، وكان ~~«عبد الخالق ثروت باشا» و«حسين رشدي باشا» ممن عودوه المنحة بعد المنحة من هذه المصروفات. # وانقطعت عنه منحة «ثروت باشا»، وهو لا يزال رئيسا للوزارة، فتربص به إلى ساعة اجتيازه ~~ببار اللواء مشيا على قدميه كعادته في أكثر الأوقات، وتعمد أن يجلس ذلك اليوم بين رهط من ~~كبار رجال وزارتي العدل والداخلية. فما هو إلا أن عبر «الباشا» بهم، وهو يعرفهم جميعا، حتى ~~وثب «فؤاد الصاعقة» وراءه، ووقف على قارعة الطريق يناديه: يا سي «عبد الخالق»، يا سي «عبد ~~الخالق»! # فهرول أولئك العلية إلى داخل البار، وعاد إليهم مقهقها وهو يقول: ليس بيني وبينه ~~تكليف! # وقال أحدهم وهو يلطمه على فمه: ولا بيني وبينك تكليف يابن ... # ولمح «رشدي باشا» عند محطة الرمل بالإسكندرية بعد اعتزاله الوزارة، فوضع ذراعه تحت إبطه ~~ونظر إليه في غاية من الهدوء والتبسط وهو يمازحه قائلا: لا صاحب دولة الآن ولا صاحب عطوفة، ~~ولا حجاب على الباب ولا حراس في الطريق، كلانا سواء يا «حسين»! فدفعه الباشا عنه بتلك ~~البساطة الطريفة التي عرفت عنه، وقال له كأنه يرد المزاح بمثله: لكن أنا عندي فلوس يابن ... # وكانت صحيفة «الصاعقة» أسبوعية كما تقول رخصتها أو يقول عنوانها. # ولكنها في الواقع لم تكن أسبوعية ولا يومية ولا شهرية ولا سنوية؛ إذ كان لا بد من تحديد ~~الموعد بوقت معلوم. # وإنما تصدر كلما وجدت «الضحية» التي تؤدي ضريبة الجاه والهيبة، سواء من هذه الضريبة ثمن ~~الثناء أو ثمن الهجاء أو ثمن ms156 النجاة من التهديد والوعيد. # ويحدث كثيرا أن تقع المعاملة مع هؤلاء الضحايا بالجملة، كما حدث في رثاء بعض الأعلام من ~~المشاهير، فإن رثاء العلم المشهور لم يستغرق غير كلمات في بضعة أسطر، ثم عقب «فؤاد» بعد هذه ~~الكلمات متسائلا: أيجوز في شرعة القدر أن يموت مثل هذا ويعيش أمثال فلان وفلان وفلان؟! إلى ~~آخر القائمة المطولة من أسماء المغضوب عليهم والمطالبين بسداد الاشتراك، عند عددين في ~~السنة، أو بضعة أعداد! # وقد يصدر العدد من أجل عنوان واحد يتكرر على الصفحة بجميع البنوط: # لا تبيعوا أقطانكم إلا بمائتي ريال! # لا تبيعوا أقطانكم إلا بمائتي. # لا تبيعوا أقطانكم. # لا تبيعوا. # لا ... لا ... # ويبلغ من يعنيه الأمر أن الإعلان سيعاد ويعاد مع مضاعفة الأجور في كل مرة، فيسرع من يعنيه ~~الأمر إلى السداد. # أما من كان يعنيه الأمر في قصة بين القطن، فهو رجل من أصحاب المزارع والمحاصيل، كانت له ~~مساهمة في صناعة القلم على أسلوب المقامات وما جرى مجراها، وكانت منافسة «الصاعقة» له سببا ~~مضافا إلى سبب الطمع في ماله، أو في ضريبة الجاه والسمعة من يديه، فحسب عليه تلك النصيحة ~~الفاشلة التي ضيعت على الفلاحين محصول العام زلة يهدده بها كلما نقم منه واحتاج إلى ~~جدواه. # وقد يؤجر «فؤاد الصاعقة» على التحرش بالأدباء والكتاب ممن لا مال ولا جاه، فيعرف قراء ~~«الصاعقة» ذلك كلما طلعت لهم الصحيفة بفصل من فصول الكاتب المغضوب عليه، يتبعه تهديد ~~للمشتركين المتخلفين بمواصلة النشر والإعادة من أمثال هذه الفصول! # وربما أخذ التوقيع الذي يوقع به الكاتب مقالاته فترجمه من عنده على هواه؛ فتوقيع «ك. ك» هو ~~توقيع «كامل كيلاني» بالحرفين الأولين من اسمه، ولكنه عند «فؤاد الصاعقة» إما «كلب كلب»، ~~وإما «كاهن كذاب»! # ولم تبلغ الجرأة بأحد مبلغ هذا «الأدباتي السروجي» في مخاطبة الأمراء والرؤساء؛ فقد ~~انقطعت عنه المعونة الشهرية من ديوان المعية الخديوية، فكتب إلى الأمير مباشرة خطابا يقول ~~فيه: إن كان بعضهم يظفر بعطايا الأمير لأنه ينظم فهو حقيق بهذه العطايا لأنه ينثر، وإن ms157 كان ~~لعيب من العيوب، فهو - أي «فؤاد الصاعقة» - يضم إزاره بحمد الله على تلك العيوب، وعلى شر ~~منها، وزيادة عليها، ثم يمضي في تعداد عيوبه غير مقتصد فيها، كأنها عيوب ضحية من ضحاياه. # واسم «الصاعقة» نفسه مثل من أمثلة الشهادة على نفسه في مقام المقابلة بينه وبين غيره. # كان «فؤاد الصاعقة» يدين بالأستاذية للمويلحيين الكبير والصغير. # وكان المويلحيان أستاذين في ذلك الجيل للكتاب من مدرسة «النقد الاجتماعي» على الأسلوب ~~المهذب في لفظه ومعناه. # فأخذ تلميذهما اسم «المصباح» وحوله إلى «الصاعقة». # وأخذ أسلوب «النقد» وحوله إلى أسلوب «الهجاء». # وارتد على الأستاذين بالتهديد والوعيد، وحاول أن يتقاضى منهما ضريبة الابتزاز والإتاوة، ~~فعلمه المويلحي درسا قال له فيما بعد إنه قد فاته أن يتعلم منه مع الهجاء؛ هجاء الألف ~~والباء. # أرسله إلى الآستانة برسالة يغنم فيها الهيل والهيلمان، من سلطان «آل عثمان». # فلما وصل إلى الميناء كان في استقباله مدير الشحنة السرية بدلا من مدير التشريفات ~~بالمابين، وقضى في السجن ما شاء المويلحي الكبير أن يقضيه هناك، قبل أن يشفع له ويدفع ~~الشبهة عنه. # ولقد سمعت من هذا «الأدباتي السروجي» وصية تدل على طريقته في تقاليد هذه الصناعة. # كان يقول لي كلما لقيني بدار البلاغ أو الأهرام: أنا أعلم أنك لا تخافني كما يخافني فلان ~~وفلان، وكل ما أرجوه منك ألا تجهر بذلك أمام هؤلاء، ودعنا نأكل عيشنا معهم، يرزقنا الله ~~وإياك. # ومرة واحدة لقيني جالسا إلى بعض زملائنا الصحفيين على قهوة بجوار البنك الأهلي، فهتف بي ~~كالمعاتب الناصح: كله إلا هذا يا أستاذ، إن الكاتب الذي يلقبه «سعد زغلول» بالجبار لا يجلس ~~على القهوات، دعهم يحسبونك من مردة الأساطير، يتلو أحدهم الطلسم كلما خطر له أن ~~يراك. ms158