######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.RuhCazimMahatmaGhandi.Hindawi20642737 #META# Tags: biographies #META# ID: 20642737 #META# Title: روح عظيم المهاتما غاندي #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # آفاق الإنسانية‏ # العناية الإلهية وتاريخ الإنسان‏ # روح الهند‏ # نشأة غاندي‏ # عقيدته‏ # صلاته‏ # ما هي «الاهمسا»؟‏ ~~«الاهمسا» من الوجهة العلمية‏ # ثقافة غاندي‏ # غاندي والجيل الجديد‏ ~~... والمرأة‏ # سياسته‏ # مفتاح شخصيته‏ # تقديره ونقده‏ # مصرعه‏ # هذا هو الإنسان‏ # آفاق الإنسانية‏ # العناية الإلهية وتاريخ الإنسان‏ # روح الهند‏ # نشأة غاندي‏ # عقيدته‏ # صلاته‏ # ما هي «الاهمسا»؟‏ ~~«الاهمسا» من الوجهة العلمية‏ # ثقافة غاندي‏ # غاندي والجيل الجديد‏ ~~... والمرأة‏ # سياسته‏ # مفتاح شخصيته‏ # تقديره ونقده‏ # مصرعه‏ # هذا هو الإنسان‏ # | روح عظيم المهاتما غاندي # | روح عظيم المهاتما غاندي # تأليف # عباس محمود العقاد # زاهد الهند نعى الدنيا وصام # أنا أنعاها، ولكن لا أصوم # طامع الغرب رعى الدنيا وهام # أنا أرعاها، ولكن لا أهيم # بين هذين لنا حد قوام # وليلم من كل حزب من يلوم ~~••• # يعبد الأقوام ما يخشونه # وأنا أعبد ما لست أخاف # ليس ينسى الله من ينسونه # فعلام البحث فيه والخلاف؟ # إن وصلتم أو وقفتم دونه # لم يقف دون مقام أو مطاف ~~••• # شرعك الحسن فما لا يحسن # فهو لا يحلو، وإن حل الحرام # ليس في الحق آثام بين # غير مسخ الحسن أو نقص التمام # ما عدا هذين مما يمكن # فاستبحه، وعلى الدنيا السلام # عباس محمود العقاد # | آفاق الإنسانية # آفاق الإنسانية واسعة، وأغوارها عميقة، ومداها من الزمن بعيد. # وحق على كل إنسان أن يذرع هذه الآفاق، وأن يسبر هذه الأغوار، وأن يبسط الرجاء على هذا ~~المدى البعيد. # لا لأنه يعلم سيرة هذا الإنسان وحسب، ولا لأنه يحيط بتاريخ هذه الأمة وكفى، ولكن لأنه ~~يحقق معناه ويبلغ به كماله، كلما عرف غاية من الغايات التي تنتهي إليها طاقة ~~الإنسان. # وليس أعون له على ذلك من سير العظماء؛ لأنهم يتماثلون ويتناقضون، ويعرضون لنا ألوانا من ~~القدرة، وأنماطا من الفطرة، وكلهم بعد ذلك على خلق عظيم. # وليس أجدر من عظمة «غاندي» بالمقابلة بينها وبين غيرها من ضروب العظمة الإنسانية؛ لأنك ~~تقابله بألف عظيم من الأقدمين والمحدثين، كلهم يخالفه في كثير أو قليل أو يناقضه في كل صفة ~~من الصفات، وهو بعد ذلك عظيم، وكلهم بعد ذلك ms01 عظماء. # والإنسانية العظيمة تطويهم في رحابهم أجمعين. # هذه صفحات تنزع إلى هذه الغاية ولا تنزع إلى غاية غيرها، ليست هي بسجل حوادث ولا تقويم ~~أيام، ولكنها مرآة صغيرة يبدو فيها مناط العظمة من «مهاتما الهند» ... وهو الروح العظيم. # | العناية الإلهية وتاريخ الإنسان # هل للتاريخ الإنساني وجهة معينة نستطيع أن نتبينها من جملة الحوادث الماضية؟ # هذا سؤال يتوقف جوابه على سؤال آخر وهو: ماذا عسى أن تكون وجهة التاريخ المعقولة إذا ~~تخيلنا له اتجاها يتوخاه على نهج مرسوم؟ # شيء يتعلق بالإنسان الفرد. # وشيء يتعلق بالناس كافة، أو بالإنسانية جمعاء. # فالشيء الذي يتعلق باتجاه الإنسان الفرد هو ازدياد نصيبه من الحرية والتبعة. # والشيء الذي يتعلق بالإنسانية جمعاء هو ازدياد نصيبها من التعاون والاتصال. # وزيادة نصيب الفرد من الحرية والتبعة هو المطلب الشامل الذي تنطوي فيه جميع المطالب، فهو ~~أشمل من القول بازدياد العلم أو ازدياد القوة أو ازدياد الفضائل والملكات؛ لأن هذه الخصال ~~كلها تتمثل في زيادة استعداده لحق الحرية وزيادة قدرته على احتمال التبعة. # وكذلك يقال عن التعاون بين عناصر الإنسانية برمتها، فهو أشمل من القول بارتقاء النظم ~~السياسية، وارتقاء المعاملات التجارية، وارتقاء الأخلاق الاجتماعية؛ لأن هذه الخصال كلها ~~تتمثل في التقارب بين الأمم والتعاون بينها على وسائل الوحدة والاتصال. # هذا وذاك هما الوجهة المعقولة التي نتخيلها للفرد وحده، وللناس كافة إذا كان للتاريخ وجهة ~~معقولة تدل عليها الحوادث الماضية. # وهذا وذاك هما في الواقع سبيل الاتجاه الوحيد الذي يطرد في حوادث التاريخ. # فكان الإنسان الفرد قبل نشأة القبيلة هملا مستباحا، لا يحفظ له حق، ولا يفرض عليه ~~واجب، ولا ينال من الحرية إلا ما يغفل عنه المعتدون عليه. # ثم نشأت القبيلة فنشأ معها للفرد نوع من الضمان، ولكنه ضمان شائع لا يستقل فيه بحرية ولا ~~بتبعة، فيؤخذ بذنب غيره في الثأر والمغرم، ويقاسمه غيره فيما يغنمه ويستولي عليه، فهو رقم ~~متكرر وليس بكم مستقل في الحساب. # ثم نشأت الأمم فازداد نصيبه من الحرية كما ازداد نصيبه من التبعة، وأصبح المقياس ms02 الوحيد ~~لارتقاء الأمة هو مقدار حظ الفرد فيها من الحريات والتبعات. # فليس لارتقاء الأمة علامة أصدق من هذه العلامة: وهي حريات الفرد وتباعته، بل ليس للارتقاء ~~عامة علامة غيرها يطرد بها القياس في جميع الأمور، أو كما قلنا في كتابنا «هتلر في ~~الميزان» إن: «مقاييس التقدم كثيرة يقع فيها الاختلاف والاختلال، فإذا قسنا التقدم بالسعادة ~~فقد تتاح السعادة للحقير ويحرمها العظيم، وإذا قسناه بالغنى فقد يغنى الجاهل ويفتقر العالم، ~~وإذا قسناه بالعلم فقد تعلم الأمم المضمحلة الشامخة وتجهل الأمم الوثيقة الفتية، إلا ~~مقياسا واحدا لا يقع فيه الاختلاف والاختلال: وهو مقياس المسئولية واحتمال التبعة، فإنك ~~لا تضاهي بين رجلين أو أمتين إلا وجدت أن الأفضل منهما هو صاحب النصيب الأوفى من المسئولية، ~~وصاحب القدرة الراجحة على النهوض بتبعاته، والاضطلاع بحقوقه وواجباته، ولا اختلاف في هذا ~~المقياس كلما قست به الفارق بين الطفل القاصر والرجل الرشيد، أو بين الهمجي والمدني، أو بين ~~المجنون والعاقل، أو بين الجاهل والعالم، أو بين العبد والسيد، أو بين العاجز والقادر، أو ~~بين كل مفضول وكل فاضل على اختلاف أوجه التفضيل ...» # تلك هي وجهة التاريخ المطردة في حالة الإنسان الفرد حيث كان. # أما وجهته في حالة الإنسانية كلها فالاتجاه إلى التقارب بينها مطرد متعاقب في كل مرحلة ~~من مراحل التاريخ. # ونحن الآن في عصر يلمسنا هذا التقارب في كل علاقة من علاقات العالم المعمور: في ~~المواصلات، وفي المعاملات، وفي الروابط السياسية، وفي نقل المعلومات وإذاعة الأخبار، وفي ~~هذا التضامن التام الذي يجعل الأزمة في ناحية من الأرض أزمة قريبة يحس بها أبعد الأمم من ~~تلك الناحية، أو يجعل القوي مهتما بموقف الضعيف منه مهما يكن من اعتزازه بالسطوة ~~والثراء. # ولم تكن الحروب ولا المطامع حائلا دون هذا الاتجاه، بل لعلها كانت من دوافعه ودواعيه، ~~فأسفرت كل حرب من حروب الرومان والفرس والعرب والصليبيين والعثمانيين عن تشابك بين ناحية ~~وناحية من الكرة الأرضية، ومن جراء هذه الحروب تشابكت آسيا وأوروبة وأفريقية، وانفتح الطريق ~~إلى القارات المجهولة. # وإذا ms03 نظرنا إلى أثر الحروب في المخترعات وتسخير قوى الطبيعة جاز لنا أن نقول: إن وسائل ~~المواصلات قبل غيرها مدينة للحروب بالشيء الكثير، فماذا يكون الطيران والرادار ومحركات ~~القوى جميعا، لولا ضرورات الحروب واشتراك غريزة الدفاع عن النفس في سباق هذا ~~المضمار؟ # بل نحن نتعلم من التاريخ أن الدولة الفاتحة لا تدوم إلا بمقدار ما يكون لدوامها من رسالة ~~عالمية. # فدولة الرومان دامت حين كانت لازمة للعالم، وأخذت في الانحلال حين بطلت رسالتها العالمية، ~~واستلزم التحول في أطوار الأمم واتساع مجالها رسالة عالمية أخرى على غير ذلك ~~النظام. ~~••• # ولنبحث عن دلائل هذا الاتجاه في تاريخ الإقليم الذي نتكلم في هذا الكتاب عن بطل من ~~أبطاله: وهو الإقليم الهندي، أو الأقاليم الهندية على التعبير الصحيح. # فقد كانت حروب الاستعمار الأوروبي محنة طامة على الشرق بأسره، نقم منها الشرق لما أصابه ~~من بلواها، ورغب فيها الغرب لأمر أراده وأرادت الحوادث غيره، ولم يخطر للشرق ولا للغرب على ~~بال. # لم تكن الهند قط وطنا واحدا في عصر من العصور. # لأنها كانت تتألف من شتى العناصر وشتى المذاهب، وشتى اللغات، وشتى المصالح، وشتى المواقع ~~الجغرافية. # فلم تدافع قط دفاعا واحدا، ولم تشترك قط في هجوم واحد، ولم تجمع قط على مطلب واحد بينها ~~وبين أبنائها، ولا بينها وبين الغرباء عنها والمغيرين عليها. # فلما ابتليت باستعمار واحد طغى عليها من أقصاها إلى أقصاها، وجد فيها «وطن واحد»، يواجه ~~ذلك الاستعمار بمطلب واحد، وهو مطلب الخلاص منه، كيفما تعددت وسائله بين طلابه. # وولدت الهند مولدا جديدا في التاريخ. # وزال الاستعمار أو كاد، وبقيت الهند الجديدة، وبقيت معها علاقات يشتبك فيها الشرق والغرب، ~~وتنتظم في الوحدة الإنسانية على نحو لم تعهده ولم تحلم به قبل محنة الاستعمار. ~~••• # إذا كان اتجاه التاريخ المعقول هو الاتجاه الذي تنتهي إليه الحوادث في حياة الفرد وحياة ~~الإنسانية عامة. # وكان هذا الاتجاه مما تلتقي عليه عوامل الوفاق وعوامل الشقاق، ويتوافى عنده ما يراد وما ~~لا يراد. # فمن عمل المؤرخ الباحث، لا من عمل ms04 المتدين المؤمن فحسب، أن يفهم للتاريخ معنى غير معنى ~~المصادفة العمياء، وأن يرى للعالم مصيرا مقدورا يمضي إلى غاية هذا الاتجاه حيث تهديه ~~عناية الله. # | روح الهند # ونعني بروح الهند ما يقابل «السيكولوجية القومية» التي تميز أمة من أمة في الخصائص ~~النفسية. # وليس من اليسير أن نتكلم عن سكان الهند كأنهم أبناء قومية واحدة؛ لأنهم لم تتفق لهم قومية ~~في العنصر، ولا في اللغة، ولا في العقيدة، ولا في الدولة، ولا في المعالم الجغرافية. # فلم يشعروا قط في تاريخهم القديم بشعور أبناء الدولة الواحدة، ولم يجمعهم قط فخار وطني ~~واحد، أو عصبية قومية واحدة. # فليس من اليسير أن نتكلم عن روح الأمة حين لا تكون هناك أمة، ولكن هذه الخاصة السلبية هي ~~في الوقت نفسه جامعة الهند الكبرى؛ لأن خلو النفس الهندية من دواعي العصبية القومية قد فسح ~~الطريق لشعور آخر يشغل تلك النفس ويستغرقها في مكان العصبية القومية، وهو الحاسة الدينية أو ~~الحاسة الروحانية. # فاتجهت النفس الهندية إلى هذا الشعور بقوة واحدة إذ كانت الأمم الأخرى تشغل جانبا من ~~روحها بالنخوة الوطنية وجانبا منه بالحياة الروحية، فكانت العقيدة للهندي ملاذ جسد وملاذ ~~روح، وعوضا من فخر الدول وعصبية الأقوام. # قال «تاجور» في محاضراته التي ألقاها على الأمريكيين عن القومية في العالم: «إنه لما كانت ~~مشكلاتنا في الهند داخلية أصبح تاريخنا تاريخ معالجة أخلاقية دائمة ولم يكن تاريخ قوة منظمة ~~للدفاع أو الهجوم. وما كانت العالمية الغامضة التي لا لون لها، ولا الوثنية العارمة التي ~~تتراءى في عبادة الأمة لنفسها لتكون هي الغاية القصوى التي يسعى إليها تاريخ بني ~~الإنسان». # وكأنما أراد الشاعر الكبير بكلامه هذا أن الهند بدأت حيث تنتهي أمم أخرى؛ لأن كفاح ~~القوميات سينتهي لا محالة إلى تعميم الآداب الإنسانية، أو إلى حل المشكلات الأخلاقية، وهي ~~المشكلات التي فرضت على الهند بحكم حالتها الخاصة منذ بداية تاريخها. # أما الأمة - كما عرفها الغرب - وعرفتها أقوام أخرى، فهي كما يقول تاجور: «وحدة سياسية ~~اقتصادية ليس لها غرض خارجي - أو ms05 غرض إنساني عام - لأنها هي غرض لنفسها إنها تعبير لدني ~~للإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا ولها غاية سياسية، ولكنها تتجه إلى غرض اجتماعي هو حفظ ~~الذات ... إنه جانب القوة وليس بجانب المثل الإنسانية العليا.» # ولا بد في رأي الشاعر من تقارب الرأي بين الوجهتين؛ لأن الغرب ضروري للشرق ضرورة الشرق ~~للغرب، وإنما هذا الاختلاف في وجهات النظر إلى الحياة هو الكفيل بأن يعطي الإنسان صورا ~~مختلفة للحق والأخلاق. # وكلام الشاعر عن الفارق بين الوجهتين صحيح في جملة حدوده، فإذا عمل صاحب القومية للجماعة ~~التي هو واحد منها، فصاحب العقيدة الروحانية يعمل «لروح الإنسان» أو يعمل لغاية إنسانية ~~تتجاوز الفرد كما تتجاوز الجماعة، إذ هي ليست غاية إنسان بعينه، وإنما هي غاية «الإنسان» ~~حيث كان. # وغاندي - نبي الهند - يفهم وطنه كما يفهمه تاجور شاعر الهند، ويشعر به على هذا النحو من ~~الشعور، فكان يقارن بين السواراج أو الاستقلال، وبين «الاهمسا» أو ضبط النفس، ومقاومة العنف ~~بالحسنى، فيقول: إن الاهمسا مقدمة على السواراج؛ لأنها هي الاستقلال الصحيح. ويريد بذلك أن ~~غاية الاستقلال هي خلاص البلاد من الحكومة الأجنبية، ولكن الإنسان قد يحكم بلده ولا يحكم ~~نفسه، ولا يفلت من طغيان شهواته وأهوائه، وإنما كان حكم النفس هو الاستقلال جد الاستقلال. # غاندي وطاغور. # وقد يكون الهندي مسلما لا يدين بالبرهمية ولا بالنحل التي تفرعت عليها، ولكنه يظل ~~هنديا في هذه الخاصة الهندية: وهي أنه ينوط وجوده باعتقاده ولا ينوطه بموضع ميلاده، ومن ~~هنا كانت دولة الخلافة أهم في نظر المسلم الهندي من القضية الوطنية في داخل بلاده. وكان ~~موقف الدولة البريطانية من الخلافة العثمانية هو الذي يعين موقف الهنود المسلمين من تلك ~~الدولة، ويجنح بهم تارة إلى موالاتها وتارة إلى الثورة عليها. # بل قد يكون الهندي عالما من أفذاذ علماء الطبيعة، كما كان جاقاديس بوز # Jagadis Bose # نابغة العلوم الطبيعية والنباتية في ~~زمانه (1858-1937). ولكنه لا ينسى هذه الروحانية في بحوثه وتجارب معمله، فكان يؤلف الكتب في ~~جهاز النبات العصبي، وفي استجابة الأحياء وغير ms06 الأحياء للمؤثرات الطبيعية ، ويخلص من ذلك إلى ~~القول: بوجود روح للنبات وشيوع الحس الروحاني في سائر الموجودات، كأنه يخلص إلى القول: ~~«بوحدة الوجود» من طريق العلم وتجارب «الفيزية» والكهرباء. # ولا نحسب أن الخلو من الدولة وحده هو الذي نزع بالنفس الهندية هذا المنزع الذي تفردت به ~~أو كادت بين النفسيات القومية، فإن الهند قد اجتمع لها من مظاهر الطبيعة وأنواع الأحياء ما ~~لم يجتمع لإقليم آخر، فكانت خليقة أن تنظر إلى هذه المظاهر وهذه الأحياء نظرة شاملة لكل ما ~~في الحياة، وأن تجعل حقيقة الوجود ماثلة في كل صورة من صورها، وكل نموذج من نماذجها، ولا ~~تفصل بين بعض منها وبعض في معالم الوجود، كما يحدث أحيانا في كل وطن يستأثر به نوع من ~~المظاهر أو نوع من الأحياء. # هذه الروحانية هي سمة الهند الكبرى، وهي التي تفسر لنا كثيرا من غوامضها، وغوامض ~~أبطالها، ومنهم - بل في طليعتهم - غاندي، موضوع هذا الكتاب. # وقد يحسن بنا أن نقول: إن الحاسة الروحية تراد هنا بمعناها الذي تقابله الحاسة الوطنية أو ~~الحاسة القومية، وليس من الضروري أن تقابل الحاسة الجسدية، فقد يكون الهندي منغمسا في ~~شهوات الجسد ومطامع المال والسطوة كما يكون أبناء الأمم الأخرى، ولكنه يخالفهم في إحساسه ~~بمعنى الوطن ومعنى الدين، ويخالفهم في إيمانه بالغاية القصوى من الحياة الوطنية. # وهذا هو الفارق المهم في هذا الموضوع. # | نشأة غاندي # من العظماء من يستطيع المؤرخ أن يهمل تاريخ أسرته ولا خسارة عليه ولا على العظيم الذي ~~يكتب تاريخه؛ لأن فهم ترجمته لا يردنا إلى تراجم آبائه وأجداده، ولا يزداد وضوحا بالرجوع ~~إليها. # ومنهم من ترتبط ترجمته وترجمة أسرته كما يرتبط الفصلان في قصة واحدة، فلا تفصله سيرته عن ~~سيرهم إلا عرض لها بعض النقص، أو بعض الحاجة إلى التساؤل والتفسير. # ذلك هو العظيم الذي تعرف أخباره وأخبار قومه فلا تزال تقول: نعم هذا هو جده الصالح، هذا ~~هو الأب الذي ينجله، هذه هي الأم التي تغذوه بلبانها وتنشئه في حجرها وتلقنه حروفه ~~الأولى. ms07 # وغاندي من هؤلاء العظماء، بل من أندر الأمثلة على الصلة بين حياة الأبناء وحياة ~~الآباء. # كانت أسرته أصلح أسرة يخرج منها قديس مثله، وكانت أمه على الخصوص هي الأم التي لا نستغرب ~~خلقا من أخلاقه ولا عملا من أعماله، إذا عرفنا سيرتها وعرفنا ما تلقاه من كيانها وما ~~تلقاه من قلبها ولسانها. # كان جده «أوتاغاندي» رئيسا للوزراء في «بور بندر» أو البلدة البيضاء، وكان مع اشتغاله ~~بالسياسة رجلا لا ينسى عهده ولا ينقض وده. # ألجأته صراحته إلى ترك وظيفته والهجرة من بلده واللياذ بأمير إقليم «جوتاجاد»، فلما لقي ~~الأمير سلم عليه بيده اليسرى إيذانا من اللحظة الأولى ببقائه على عهد أميره الأول، وقال: ~~إن يدي اليمنى هي اليد التي عاهدت بها أمير «بوربندر»، فلا أعاهد بها مرتين! # وكان أبوه كرمشاند غاندي - أو كابا غاندي، كما عرف بين أهله - هو الولد الخامس لجده، ~~والولد الأول من زوجته الثانية - وقد كان وزيرا في «راجكوت»، ثم وزيرا في «فانكانار»، ~~ومات وهو يتقاضى معاشا من حكومة راجكوت ... # وفقد كابا غاندي زوجتين قبل أن يتزوج بأم غاندي «بوتلباي» ثالثة زوجاته، ورزق منها بنتا ~~وثلاثة أبناء: أصغرهم هو «المهاتما» ... الذي سمي موهانداس. # وليس «كابا غاندي» قديسا ولا «مهاتما» كولده الصغير، أو ولده الروح العظيم. ولكن ليس في ~~خلائقه ما يمنعه أن يكون أبا لقديس أو مهاتما؛ لأنه كان رجلا صادقا أمينا مستقيم الطوية ~~لا يؤخذ عليه، إلا أنه كان غضوبا في صراحته، إذا كان في الصراحة وفاء بواجب: تطاول بعض ~~كبار الساسة على أميره في غيبته فحفظ الوزير الأمين غيبة أميره ورد على السياسي الكبير سوء ~~المقالة بمثلها، فحبس ليعتذر، فلم يعتذر، فأطلقوه. # وقد يؤخذ عليه أنه بنى بزوجته الرابعة وهو فوق الأربعين، ولكنه لم ينقض بذلك عرفا ولا ~~خرج على عقيدة، وإنما هي النزعة الجسدية التي ورثها منه ابنه، وغالبها فغلبها حين نذر نفسه ~~للقداسة والجهاد. # أما أمه «بتولباي» فلك أن تقول: إنها قديسة غير ذات رسالة، كانت تكتفي في اليوم بوجبة ~~واحدة من الطعام، ms08 وكانت تصوم في معظم الأيام، وكانت على غيرتها الدينية متصرفة في عقيدتها. ~~فقد قيل: إنها نشأت من الطائفة الفشنافية الهندوكية، فتحولت إلى العقيدة «الجينية»؛ لأنها ~~وجدتها أقرب إلى النسك وأقرب إلى الكمال. # منها تلقى الوليد الصغير إيمانه بالصيام، فكان عادة له في حياته الخاصة، وكان عادة له في ~~حياته العامة، بل كان أكثر من عادة في هذه الحياة التي حفلت بأحداث السياسة ... كان حصنا ~~يلوذ به لينتصر فيه أو ليموت، فنذر الصيام خمس عشرة مرة، آخرها صيامه الذي نذره قبيل وفاته ~~لكف عدوان الهندوكيين عن المسلمين، وطال خمسة أيام، وقد طال صيامه خمسة وعشرين يوما في ~~إحدى هذه المرات. # ومن أمه، أخذ ما كان أفعل في تاريخه وتاريخ الهند كلها من الصيام، وهو الإيمان بعقيدة ~~الجينية في «الاهمسا»، أو الكف عن العدوان. # فلا تنفصل عن «الاهمسا» حركة من حركات غاندي، ولا دعوة من دعواته، ولا علة من علل نجاحه، ~~ولا خليقة من الخلائق التي راض عليها عقله وطباعه، ولا تفهم رسالة لغاندي في السياسة أو ~~السلوك أو آداب الضمير، بمعزل عن هذه «الاهمسا» التي كان أصدق رسول لها منذ ارتفعت بها دعوة ~~في البلاد الهندية؛ لأنه رضعها من ثدي أمه قبل أن يتعلمها من مرشد إلى أدب، أو مبشر ~~بدين. ~~••• # ولد موهانداس في اليوم الثاني من شهر أكتوبر سنة 1869، في بلدة «پوربندر» كما تقدم، وهي ~~بلدة من إقليم يقع بين السند وبومباي يسمى الكوجرات، وينفرد بلغته وبعض عادات أهله بين ~~الأقاليم الهندية. # وقد روى لنا غاندي في سيرة حياته أو في اعترافاته شيئا من المحن التي عرضت له في ~~صباه. # قال: إنه كان جبانا وكان يستمع إلى الأحاديث عن اللصوص والأشباح والثعابين فيفزع منها ~~ولا يجرؤ على الخروج من بيته في الظلام، ولا ينام في حجرته إلا على نور، وظل كذلك حتى تزوج ~~- وقد تزوج في الثالثة عشرة من عمره على عادة أهل الهند جميعا من الزواج الباكر - فكان ~~يخجله أن يرى زوجته الصغيرة أقدر منه على مواجهة الظلام. # ونحن ms09 ننصف الرجل من تواضعه إنصافا للحقيقة فيما نراه. فقد يسمى ما وصفه جبنا، إذا كان ~~الرجل قد عرف في جميع أيام حياته بحادث واحد يشف عن خوف من المخاطر المادية أو ما هو أرهب ~~منها وأهول على الضمير: وهي المخاطر النفسية. وليس من المعقول أن يؤدي الإحساس بالجبن إلى ~~انقلاب في طبيعة الإنسان يجعله من أشجع الناس وأقدرهم على مواجهة الخطوب التي يتقيها أشجع ~~الشجعان، وإنما نسمي «الجبن» هذا بوصف آخر هو الوصف الذي اشتهر به الرجل طول حياته: وهو ~~ملكة التصديق والإيمان، فلا فرق عند صبي مطبوع على ملكة التصديق والإيمان بين شيء يصدقه ~~وشيء يمسه ويراه. وقد كان حديث المردة والشطار والثعابين حديثا مشاعا بين أطفال الهند ~~يسمعونه كلما أصغوا إلى أقاصيص العجائز في بيوتهم، فكان يؤمن بوجودهم حيث توهمهم كأنه ~~يلمسهم ويراهم. ونحن لا نصف بالجبن إنسانا يتقي مكامن اللصوص وجحور الحيات في الظلام، ~~ولكننا نصفه بالحيطة الواجبة على الرجل العاقل، ونلومه إذا استطاع أن يقهر المخاوف فأحجم عن ~~قهرها، ولكننا لا نطلب منه أن يتصدى لقهرها في ليله ونهاره بغير داع يدعوه إلى منازلتها، ~~وهو قادر على اجتنابها. # إلا أن اعتقاد غاندي الجبن في نفسه خطأ له شأن يذكر في تاريخ نشأته؛ لأنه دفع به إلى ~~تجارب نفسية كان لها أثر بليغ في تكوين خلقه واعتقاده. # ففي صباه كان صبيان الهند جميعا يتهمون أنفسهم بالجبن ويحسون بالنقص كلما عقدوا المقارنة ~~بينهم وبين شبان الإنجليز، وكانت تسري بينهم أبيات من الشعر نظموها بالإنجليزية نترجمها في ~~هذه الأبيات: # أنظر إلى ابن انجلترا # منتصرا مظفرا # يسطو على الهندي وال # هندي يشكو القصرا # لأكله اللحوم طا # ل واستطال وازدرى # ووقر في أنفسهم أنهم يكسبون الشجاعة وقوة الخلق إذا نبذوا معيشتهم، وأكلوا وشربوا ودخنوا ~~وقصفوا ولعبوا كما يفعل الشبان الإنجليز. # ووسوس بهذا إلى غاندي زميل من زملاء المدرسة، فسرق غاندي دريهمات من خادمه ليصبح بطلا ~~تعتز به الهند في وجه الدولة البريطانية ... وأكل اللحم المحرم، وهم باستباحة غيره من ~~المحرمات. وجرأته ms10 السرقة الأولى على سرقة أخرى، فعاد إلى السرقة في المرة الثانية؛ لأنه رأى ~~دائنا يلح على قريبه في طلب دين عليه، فاختلس من يد ذلك القريب قطعة ذهبية ليؤدي عنه دينه ~~الذي يمطل به غريمه. # وعز على غاندي وصاحبه أن يختلسا القوة هكذا، وألا يجسر أحدهما على مكاشفة أهله بما يفعل ~~فساورهما الأسف وحز في نفسيهما الكبت والروغان، وفكرا في «الانتحار» واشتريا السم فعلا ~~وأكلا منه، ولكن دون المقدار الذي يميت. # وخيل إلى غاندي فترة من الزمن أنه ينكر كل عقيدة ويلحد في الله، إلا أنها كلها محنة عارضة ~~لا مفر منها لقديس صغير، فإن القديس الصغير لا يولد وهو قديس كبير، فغشيته الصدمة الأولى ~~كما لا بد أن تغشاه، وكانت غاشية غريبة عن طبيعته ومزاجه وتربيته، فلم يلبث طويلا حتى ثاب ~~إلى إيمانه وتقاليد قومه. فاجتنب اللحم وعافه حتى بات يتقزز من رؤيته ويفزع من الحلم ~~بمنظره، وكان بره بوالديه - ولا سيما والدته - من أكبر أسباب توبته ورجوعه إلى سالف ~~اعتقاده؛ لأنه أشفق أن يعلما باستباحته أكل اللحم، وهي فظاعة عندهم كفظاعة أكل الخنزير عند ~~المسلم، وأنف أن يكذب عليهما ويلقاهما بالرياء والخداع، ولم يكن من طبعه نهما ولا مسترسلا ~~مع الإباحة والإنكار، فعاد بعد هذه الغاشية إلى إيمان أثبت من إيمان الطفولة وأقوى. # وتزوج غاندي - كما تقدم - على عادة قومه وهو في الصبا الباكر، فخطبت له الصبية «كسترباي» ~~من عشيرته وهو في الثامنة، وبنى بها وهو في الثالثة عشرة، ولم يبلغ العشرين حتى صار أبا ~~لأربعة أطفال، أكبرهم «هيرالال» الذي مات بعد مقتله ببضعة أشهر، وكانت وراثته «الغاندية» ~~قلقا دينيا خامره منذ صباه، فلم تعجبه الجينية ولا البرهمية، وانتحل الإسلام والمسيحية، ~~واعتزل أهله منذ فارق نحلة الأسرة إلى أن مات (يونيو 1948). # ولا يذكر غاندي بالرضى زواجه في هذه السن الباكرة. فكتب في ترجمة حياته أن أهله أصروا على ~~تزويجه وتزويج أخيه، وأحد أبناء أعمامه في يوم واحد «ولم ينظروا إلى مصالحنا ولا عنوا ~~بسؤالنا، كأنما كل ما في ms11 الأمر أنهم راضون وأنهم قادرون على تكاليف الزفاف، وليس الزواج عند ~~الهندوكيين بالأمر الهين، فقد يجر الخراب على أسرتين، وفيه ما فيه من تضييع المال والوقت ~~وقضاء أشهر في إعداد الملابس والحلي وأدوات الزينة وإقامة المآدب، ومباراة كل من الأسرتين ~~للأخرى في النفقة؛ لتبذها في السرف ومظاهر الوجاهة.» # وأصاب غاندي في امتعاضه من هذه العادة التي لا خير فيها؛ لأن نفقات هذا الزفاف الضخم قد ~~نالت من ثروة أبيه وهي ليست بالثروة الطائلة. فقد كان الرجل أعف من أن يستخدم منصبه لابتزاز ~~المال، ولعل امتعاض غاندي من تزويجه في هذه السن على غير موافقة منه قد ظل عالقا بنفسه إلى ~~أن تولى زعامة قومه، فأنحى على هذه العادة أشد إنحاء، واستهدف من جراء ذلك لغضب الكثيرين من ~~المحافظين. # ويمكن أن يقال: إن الصبي القديس كان يقبل على الشيء أن ينفر منه بمقدار نصيبه من اختياره، ~~فنفر في صباه من المسيحية؛ لأن المبشرين بها كانوا يفرضون بشارتها فرضا على الصغار ~~والكبار، ونفر من الألعاب الرياضية؛ لأنها كانت «مادة إجبارية» في المدرسة، وكان إصغاؤه إلى ~~أحاديث المسلمين عن دينهم أيسر وأسمح؛ لأنهم كانوا لا يقحمونها على مستمعيها. # أما تعليم الصبي فقد اتبع فيه أهله ما يتبع في تعليم الأطفال من أبناء أمثالهم، وكان أبوه ~~في راجكوت حين بلغ موهانداس الصغير سن السابعة أو سن الدراسة الابتدائية، فألحقه بمدرستها ~~وانتظم في المدرسة الثانوية وهو في الثانية عشرة، وقال عن نفسه: إنه كان في طفولته فج ~~الذاكرة فلم يحفظ جدول الضرب إلى بشق الأنفس، ولم يكن من التلاميذ اللامعين، ولكنه كان يقبل ~~على دروسه ولا يتوانى في استذكارها. # ولم يتعلم في المدرسة كثيرا من الدروس الدينية، ولكنه كان يتلقاها في البيت والمعبد ويعي ~~منها كل ما يلقى إليه. # ومات أبوه وهو في السابعة عشرة من عمره، فكفله أخوه الأكبر، وكان أيضا أخا جديرا بقديس ~~... فإنه توسم النجابة في أخيه الصغير فنسي أثرته ورشح هذا الأخ الصغير للقيام على رئاسة ~~الأسرة، والترقي إلى مركز في ms12 الوزارات الإقليمية كمركز أبيه، ولا يهيئه لهذا المركز في عصره ~~إلا تعليم كتعليم الجامعات في الهند والأقطار الأجنبية، فأشار على كبراء الأسرة بإعداد ~~موهانداس لهذا التعليم. # وكان أمامه جامعتان: إحداهما جامعة بافنجار والأخرى جامعة بومباي، وهي أكبر نفقة مما ~~يطيق، فاختار كلية ساملداس في الجامعة الأولى. وقال: إنه غرق في علومها فنقل إلى بيته بعد ~~نهاية السنة الأولى، فنصحه برهمي صديق للأسرة بالسفر إلى البلاد الإنجليزية لدرس القانون، ~~ومال هو إلى الطب ... فذكره أخوه أن أباهما كان يمقت تشريح الجثث، وأن وظيفة الطبيب لا ترشحه ~~لولاية الوزارة، فجنح إلى الدراسة القانونية إكراما لذكرى أبيه. # وهنا قامت في وجهه العقبة الكبرى؛ لأن إيغال فتى مثله فيما وراء البحار مستنكر في شريعة ~~الجينيين، ولم يكن في الهند كلها سيدة أشد تحرجا من مخالفة عقيدتها من السيدة «بوتلباي» ~~والدة غاندي، فضلا عن تحرج أهله وسائر أقربائه. # إلا أن غاندي الذي شب في صباه وديعا مطواعا قد شب كذلك قوي العزيمة لا ينثني عن رأي عقد ~~النية عليه، فلم تنفع حيلة من حيل آله في إقناعه، واستطاع كاهن الأسرة أن يجد للأمر مخرجا ~~يرضي الأم ويرضي فتاها، فقال لهم: إن النذر باجتناب المحرمات في بلاد الغربة كاف إذا وثقت ~~الأسرة من رعاية الفتى لنذره. وكانت الأم تعرف وليدها وتطمئن إلى صدقه في وعده، فأقسم بين ~~أيديهم لا يقاربن امرأة ولا يذوقن خمرا ولا يأكلن لحما أو طعاما محرما ... ومع هذا لم ~~يسلم الفتى من غضب المتشددين من كهان عشيرته، فاستدعاه رئيسهم في بومباي وهو يهم بركوب ~~الباخرة إلى البلاد الإنجليزية، ونبهه إلى الخطر على عقيدته من معاشرة الأوروبيين في ~~بيوتهم؛ لأنهم يشربون الخمر ويأكلون اللحوم، ولا يتورعون عن مقاربة النساء. فلم يحفل غاندي ~~بتنبيهه، وأصر على السفر في حينه، فأعلن الكاهن عقوقه وحظر على أبناء العشيرة أن يذهبوا ~~لتوديعه. # ويمتحن مهاتما المستقبل في هذه الرحلة بالفتنة الكبرى. # فالنزعة المادية طاغية، والإباحة الخلقية فاشية، وفلسفة العصر في أواخر القرن التاسع عشر ~~- بين الجيل الجديد خاصة ms13 - أن اللهو حق له بل فريضة عليه. وقد أوشك غاندي أن يطلب هذا الحق ~~ويدين بهذه الفريضة، فتدرب على الرقص وتعلم العزف على بعض الآلات الموسيقية، وصحب رفاقه إلى ~~السهرات وراض نفسه على أدب المغازلة، ثم أحس أنه يتكلف ولا يخف بطبعه إلى استجابة هذه ~~الفتنة. وشاءت المصادفة أن تقترن فلسفة العصر بفلسفة أخرى في البيئات التي تعنيه، وتستحوذ ~~على هواه إذ كانت نهاية القرن التاسع عشر أيضا فترة الاستشراق، والتوفر على دراسة أطوار ~~الشرق القديم والشرق الحديث: فكثر بين علماء الغرب من يدرس اللغة الهندية ومأثورات البرهمية ~~والبوذية، إما استجابة لدواعي الاستعمار، أو استجابة لنوازع الروح وامتعاضا من غواية ~~المادة ولجاجة الإلحاد التي أفسدت على بعض العقول معنى الحياة. وكانت هذه الشواغل القليلة ~~أقرب إلى سليقة غاندي وأقمن منه بالتلبية والإصغاء، فاتصل بالأندية الصوفية، واطلع في ~~اللغة الإنجليزية على آداب قومه التي فاته أن يطلع عليها في اللغة السنسكريتية، وعاد من ~~طريق أوروبة الحديثة إلى تاريخ وطنه القديم. # ونال إجازة الحقوق بعد ثلاث سنوات، فرجع إلى وطنه وهو أطيب ما يكون قلبا بلقاء أمه ووفاء ~~نذره، ولكنه سمع - أول ما سمع - بنعي تلك الأم التي ماتت في غيبته، وكتموا نبأ موتها عنه ~~إشفاقا عليه من صدمته وسوء وقعه في طمأنينة نفسه وانتظام دراسته، فاستفاد يقينه من هذه ~~الصدمة المفاجئة فائدة لم يطلبها ولم تقع في حسابه؛ لأن وفاءه لذكراها قد ضاعف حفاظه على ~~نذرها، واجتمعت الأمومتان: أمومة الجسد، وأمومة الوطن في أمومة واحدة، وهي أمومة العقيدة ~~الروحية. # وزاول غاندي صناعة المحاماة زهاء سنتين في وطنه، فكانت أول تجربة له فيها إخفاقا تاما؛ ~~لأنه حصر عن الكلام، ولم ينجح فيها بعد تكرار التجربة ولا رضي عن عمله في هذه الصناعة؛ لأنه ~~أخذ نفسه بالصدق في قبول دعاواه، وأنف من اقتناص أصحاب القضايا بالحيلة ومعونة السماسرة. ~~فما هو إلا أن دعي إلى أفريقية الجنوبية حتى بادر إلى قبول الدعوة ووصل إلى بريتوريا في ~~سنة 1893، وهو لا يعلم بما يضمره له الغيب ms14 في هذه الرحلة المفاجئة فقد كانت مفرق الطريق في ~~حياته وفي حياة بلاده على الإجمال. # سافر غاندي إلى أفريقية الجنوبية بدعوة من بعض الشركات الإسلامية التي كانت تتجر على ~~شواطئ المحيط الهندي من أقصاه إلى أقصاه، ولم يدع للمحاماة، بل لمساعدة المحامين الكبار من ~~الإنجليز؛ لأن المحامي الإنجليزي هو الوكيل القضائي الذي يسمع له صوت في محاكم أفريقية ~~الجنوبية. # ولكنه ذهب في الواقع إلى تلك البلاد لأمر آخر مطوي عنه وعن موكليه في عالم الغيب ~~المجهول. # ذهب ليتلقى رسالته في حياته. # فتلقى رسالته وعرف قضيته ووضع قدمه على فاتحة الطريق التي انتهت به إلى زعامة الهند كلها، ~~بعد جهاد طويل دام نحو عشرين سنة، ووضع هناك (سنة 1908) دستور الهند في جهادها السياسي ~~والأخلاقي، فكان هو الدستور الذي قاد به الهند إلى استقلالها. # في أفريقية الجنوبية ضرب غاندي وأهين؛ لأنه اجترأ على النزول في الفنادق الأوروبية ~~والركوب في السكك الحديدية مع الأوروبيين، وكاد أن يحرق حيا في النزل الذي أوى إليه بعد ~~العودة من زيارة قضاها في بلاده؛ لأن «البيض» قد حسبوا أنه مهد السبيل في هذه الزيارة ~~لإغراق أفريقية الجنوبية بالعمال الملونين. # وهناك عرف القوانين التي كانت تفرض الحيف فرضا على الأسيويين والأفريقيين من الشعوب التي ~~يسمونها بالشعوب الملونة، ولا سيما طوائف الزراع والصناع. # وهناك ألغى أعماله كلها ليعيش عيشة الفاقة والضنك مع أولئك البائسين، ويشاطرهم الظلم الذي ~~يخضعون له ويريد أن ينقذهم منه. فأنشأ لهم مزرعة يعملون فيها كما يعمل ويعيشون فيها عيشة ~~الكفاف؛ ليحطموا قوانين الحكومة الظالمة بالصبر والمقاومة السلبية، وسماها مزرعة ~~تولستوي. # ونزل الفتى النظري الروحاني في معركته السياسية الأولى إلى ميدان كله عمل ومادة؛ لأنه ~~عالم السلاح والمال، ولكنه - عند النظر إلى الوسائل والنتائج - قد كان في ميدانه هذا ~~عمليا أنجح من العمليين، وقد بلي منه العمليون بخصم جديد لم يعهدوا مثله قط فيما عهدوه. # غاندي في الجامعة. # لقد عهدوا من معارضيهم حملات الصحافة، ولم يهمل غاندي هذه الحملات؛ لأنه تولى تحرير صحيفة ~~سماها (الرأي الهندي) ms15 تصدر بالإنجليزية وثلاث لغات هندية، ولكنها لم تكن قصاراه من ~~الكفاح. # ولقد عهدوا من معارضيهم حملات المنابر، ولم يهمل غاندي هذه الحملات؛ لأنه كان يخطب ويقنع، ~~ويخاطب المتعلم والجاهل بما يفهمان، ولكنها كذلك لم تكن قصاراه من الكفاح. # إنما السلاح الجديد الذي جاءهم به هو سلاح لم يخافوه قط ولم يحسبوا يوما أنه يخيف لو ~~أنهم عرفوه، وذاك هو سلاح المقاومة في غير عنف، أو سلاح المقاومة السلبية كما عرفه ولاة ~~الأمر في حكومات الجنوب. # كان بعض الهنود ينقادون لغاندي في حملات المقاومة السلبية؛ لأنهم يؤمنون مثله باجتناب ~~العنف والتورع من إزهاق كل حياة. # لكن عمال الجنوب فيهم صينيون وأندونسيون، وفيهم هنود غير مؤمنين بالنحلة التي يؤمن بها ~~الزعيم، وفيهم زنوج ووثنيون لا يعرفون من الأديان غير أديان الهمجية الأولى. # وكانوا مع ذلك يطيعونه جميعا ويعملون بما أرادهم عليه؛ لأنهم مطمئنون إلى إخلاصه الذي لا ~~تشوبه شائبة ولا ترتقي إليه مظنة. # هذا الإخلاص النزيه هو العنصر الذي جهله ولاة الأمر، واستخفوا بالمقاومة السلبية لجهلهم ~~بفعله في هذه الحركة، وفي كل حركة سياسية. # فلما التقاهم به الفتى القديس وجدوا منه ما لم يجدوه من قبل في خصومات الساسة، ومشاغبات ~~الدعاة. # ترك غاندي كل عمل فيه ربح مالي، ووقف ما عنده من المال على معونة المعوزين من المظلومين، ~~وسكن من حيث كانوا يسكنون، وأكل مما كانوا يأكلون، ونزل بالسجن مرات حيث ينزلون، وهجر ~~الحضارة وزينتها في الملبس والشارة، وعرض نفسه لكل مهانة يتعرض لها أضعف الضعفاء وأفقر ~~الفقراء. # فأغمضوا العيون وفتحوا البصائر واتبعوه. # وهكذا يصنع الأتباع مع كل متبوع لو وجدوه، ولكنهم لا يجدونه واحدا فردا بين عشرات ~~ومئات. # وأوصاهم إذا كفوا عن أعمالهم أن يكفوا عن إكراه من يعمل على ترك عمله، وأن يكفوا عن ~~مقاومة الجند الذين يسوقونهم سوقا إلى المصانع والمزارع؛ لأن الجند لن يحركوا أيدي العمال ~~بالفئوس والآلات إذا شاءوا أن ينبذوها ولا يحركوها، أما إذا ضربهم الجند أو جرحوهم أو ~~قتلوهم فليصبروا وليصبروا، وليطيلوا الصبر بغير سأم ms16 ... إن المعتدي خليق أن يسأم عدوانه قبل ~~أن يسأموا الصبر على ذلك العدوان. وقد جعلهم يتحدون أوامر الحظر في الأماكن الممنوعة ~~فذهبوا إليها بالألوف وحيروا الحكومات والمحاكم؛ لأنهم لا يبالون السجن ولا تتسع السجون ~~كلها لهذا العدد الكثير من السجناء. # وكان يجمع من المال ما وسعه أن يجمع لتموين العمال المضربين، ويمضي في تنظيم المزارع ~~النموذجية ليستخرج لهم منها بعض القوت الكفاف، وهو أكثرهم في العمل وأقلهم في نصيبه من ~~الغذاء، وليست وسائله هذه بالوسائل التي تغني في انتظام معيشة يعتمد عليها الألوف من العمال ~~المضربين إلى أجل طويل، ولكنها كافية لتعجيز المصانع والشركات عن الانتظام، أو تعجيزها عن ~~مقاومة الإضراب وذلك هو المقصود. # وطال صبر الفتى القديس عشرين سنة، ولم يطل صبر المصانع والشركات، ولا صبر الجند وولاة ~~الأمور، فانتصر وانكسروا وأفلحت هذه المقاومة العجيبة في تحطيم سلاح القوة وتحطيم سلاح ~~القانون. واضطرت حكومات الجنوب إلى نسخ كثير من القوانين التي تحجر على حرية العمال ~~الملونين في الإقامة، أو تقتر عليهم في الأجور، أو تسومهم الطاعة لما لا يطاق من الغبن والإجحاف. # غاندي في أفريقية الجنوبية. # وكأنما كان غاندي يحس في أيام أفريقية الجنوبية أنه قد نوى الصمود على جهاد لا تجدي فيه ~~أنصاف القوى، فلا غنى له عن عدته الروحية الكاملة، أو لا عدة له على الإطلاق. # ففي أفريقية الجنوبية - وهو يناهز السادسة والثلاثين - نذر النسك والتبتل، أو نذر ما ~~يسميه الهنود «بالبرهماشاريا» أي: الإعراض عن الجسد والسلوك إلى الله، واتفق وزوجه على هذا ~~النذر، فأصبح يدعوها بعد ذلك «با» أو يا أماه. # وللروح - إن صح التعبير - عضلاتها كما للجسم عضلاته، وللصراع في إبرام تلك العضلات أثر ~~كأثره في إبرام هذه العضلات. فلما عاد غاندي إلى الهند بعد صراعه الطويل في أفريقية ~~الجنوبية، عاد بروح قد عرف كيف يلوي الحديد. # عاد إلى الهند بعد نيف وعشرين سنة (1915)، فإذا بسمعته تسبقه إلى كل بقعة من بقاعها: سمعة ~~القديس بل سمعة المخلص الموعود أو «الأفاتارا» # Avatara # الذي ~~تنتظره الهند أبدا ms17 في أزمة الضيق والأمل . # وكان أمل الهند في الخلاص قد تجدد في أوائل القرن العشرين. لأن أبناءها الذين خيل إليهم ~~زمنا أن الاستعباد ضربة لازب عليهم وعلى أمثالهم من الأسيويين، قد أفاقوا يوما فإذا بدولة ~~أسيوية لا تبلغ عدتها خمس عدتهم قد سخرت الجيوش والأساطيل على أحدث نظام، فقهرت بها دولة ~~من أكبر الدول شهرة بالقوة والبأس بين الهنود والأسيويين على التعميم. كانت غلبة اليابان ~~على روسيا مبعث رجاء جديد في جميع الأقطار الأسيوية التي منيت ببلاء الاستعمار، وجاءت الحرب ~~العالمية الأولى بعد ذلك بأقل من عشر سنوات، فكشفت لأبناء الهند عن حاجة الدولة الأوروبية ~~الأولى - الدولة التي تسيطر عليهم - إلى معونة منهم لمقاومة خصومها أو لإنقاذ ~~كيانها. # فعلموا أن رضاهم شيء يؤبه له، أو شيء له ثمن يؤديه القوي المسيطر عليهم، وهو راض أو ~~كاره. # وفي هذه الآونة عاد غاندي إلى بلاده، فلا جرم يحسبونه قد هبط عليهم من السماء في ساعة ~~الضيق وساعة الرجاء. # ولم ينغمس غاندي بادئ الأمر في لجة السياسة الهندية التي كانت تضطرب بالخصومات الحزبية ~~والطائفية في تلك الآونة، لعله أخذ في ذلك بوصية الزعيم جوكهيل # Gokhale # الذي نصح له بمراقبة الحالة سنة كاملة ريثما يستجمع فكره على رأي ~~يستخلصه من تجاربه ومشاهداته، أو لعله آثر بطبعه إصلاح الأخلاق وتقويم المجتمع ومساعدة ~~العمال والزراع على طريقته التي جرى عليها في أفريقية الجنوبية. فسعى في إنصاف العمال ~~والزراع بالحسنى أو بالمقاومة السلبية، وطفق يجول في الريف ويتنقل على قدميه من قرية إلى ~~قرية؛ ليرفع من شأن الطبقة الفقيرة في القرى بما استطاع. وبدأ منذ هذه الرحلات القصيرة في ~~مقاطعة الآلة الحديثة كلما أمكنه أن يقاطعها، فلم يركب السيارة ولا القطار، إلا حيث كان ~~الركوب ألزم للرحلة من المسير على الأقدام. # ولم يلبث أن طارت شهرته بالقداسة، بل بالكرامة والخارقة المعجزة، فأخذ الناس من ثم يروون ~~عنه الخوارق التي كان هو أول المكذبين لها، ومن تلك الآونة تعود القديس أن يرى في طريقه ~~أمهات يلمسنه بأطفالهن الصغار ms18 طلبا للبركة والهداية، وعجائز ضريرات يعز عليهن أن يعبرن ~~طريقهن دون أن يعرج عليهن، فيترصدن في مجاز السيارة ليلمسنها ولو على خطر الموت، إن فاتهن ~~أن يسعدن بمصافحة القديس العابر في الطريق، وتعاظمت هذه الشهرة في الاستفاضة والرسوخ حتى ~~جاء يوم من الأيام، بعد فترة من الزمن، آمن فيه عامة أهل الهند بأن الزلزال الذي أصاب ~~«بيهار» إنما كان عقوبة إلهية أرسلها الله على القوم؛ لأنهم لم يستمعوا إلى عظات غاندي في ~~معاملة المنبوذين. # ولم يكن هذا إيمان العامة وحدهم، بل كان من راجات الهند وخاصتها من يرفع صورة غاندي في ~~قصره تيمنا بقداسته، وإن خرج بذلك على مقتضى التقية في مسلك الأمراء والعظماء. # كانت هذه الشهرة المقدسة تتجمع حول غاندي يوم جذبته السياسة إليها جذبا على غير ~~اختياره. # وكان أهل الهند يومئذ في سياستهم الوطنية على مذاهب شتى: فريق يجنح إلى الثورة الدموية، ~~وفريق يجنح إلى التعاون مع الإنجليز تمهيدا لبلوغ المزيد من الحقوق الدستورية، أو حقوق ~~الحكومة الذاتية، وفريق يجنح إلى عدم التعاون استعجالا لبلوغ هذه الغاية. # وليس في هذه الأحزاب كلها حزب يحجم عن عمل من أعمال العنف، أو أعمال الغيلة والفتك، إذا ~~أحرجته الضرورة إليه. # وكان على زعامتهم جميعا في أوائل القرن العشرين رجل من أعظم نوابغ الهند في الزمن ~~الحديث، وهو «لوكمانيا بال جانجدبار طيلاق». # ولقد كان طيلاق عالما واسع المعرفة بالعلوم الرياضية والثقافة الهندية والغربية، قويم ~~الخلق، عالي النفس، قوي الشكيمة، صعب المراس، يقول فيه غاندي: إنه لو ظهر في الزمن القديم ~~لكان من مؤسسي الدول والعروش. # وأكبر الظن أنه لو عاش طيلاق وطال به العمر، لوقعت النبوة بينه وبين غاندي في برنامج ~~السياسة الوطنية؛ لأنهما مزاجان متباينان، ولكنه قضى زمنا في السجن ثم قضى نحبه في سنة ~~1920، قبل أن تنعقد الزعامة الإجماعية لغاندي، فظلا مدى الحياة على الوفاق. ~~••• # وكأنما كانت الهند تروز مكان الزعامة منها حتى وجدت زعامتها التي تلائمها، بعد هذا ~~التمهيد من تطور غاندي وتطور الحياة الشعبية في بلاده، فلما تولى ms19 غاندي زعامتها تولاها ~~زعامة هندية وروحانية توائم الهند كل المواءمة، وتصلح لها حيث لا تصلح الزعامات على منهاج ~~الشعوب الأوروبية. # ويبدو لنا أن صفات غاندي كلها قد رشحته لهذه الزعامة الروحانية، حتى عيوبه الظاهرة، فإن ~~القماءة والضآلة والانكسار نقص في الزعيم، ولكنها في الداعية الروحاني كمال أو توفيق حسن ~~بين دعوته ومرآه، وقد اقترنت صفاته جميعا بالإخلاص الذي يعلو على الشبهات، فكانت شهادة له ~~عند الخصوم كما كانت شهادة له عند الأصدقاء. # قلنا حين كتبنا عنه قبل نيف وعشرين سنة: «لم يظهر بعد طيلاق الزعيم الهندي الذي مات في ~~الأعوام الأخيرة زعيم كان أجل خطرا وأبعد صيتا، وأكثر أتباعا من غاندي، هذا الذي لقبه ~~قومه بالنبي أو القديس. وقد اعتاد غاندي أن يقول عن سلفه الراحل: إنه لو ظهر في القرون ~~الغابرة لأنشأ له دولة وعرشا، وهو إنما قال فيه هذا القول لما عرفه من شدة مراس طيلاق وقوة ~~شكيمته وبعد أمله واعتداده بنفسه وبروز شخصيته. ولا نظنه إلا كان شاعرا بالتفاوت بينه وبين ~~صاحبه في هذه الخصال حين التفت إليها ونوه بها أكثر من مرة، فإن الاختلاف في الخلق من هذه ~~الناحية هو أوضح مواضع التباين بين الرجلين: صاحب العرش الذي تأخر به الزمن عن عرشه، والنبي ~~الذي لم يتأخر به الزمن عن شرف النبوة! ~~«والعهد بالأغلب الأعم من أبطال النهضات، وقادة الحركات الاجتماعية والسياسية أن يكونوا ~~صعاب الطبائع ضخام الأنانية، أولي طمع وكبرياء، وأنهم إلى أخلاق الغزاة الفاتحين أقرب منهم ~~إلى أخلاق الأنبياء والنساك. ولو قدر للهند ألا يتولى الزعامة فيها أحد من غير ذلك الطراز ~~الذي نبغ منه طيلاق لما سمعنا باسم غاندي قط، ولما كان له دور يؤبه له في رواية الهند ~~الحديثة ... نعم فليس غاندي بذلك الرجل الجبار بشخصيته، الغلاب بحيلته، ولا هو بالمزاول ~~المداور، القوي العارضة، الخلاب الفصاحة، ولا هو بالرجل الذي تروعك هيئته، وتستحوذ على ~~إعجابك هيبته، لا بل خلاف ذلك يراه واصفوه من أتباعه وغير أتباعه يقولون: إنهم يبصرونه في ~~ضواه، ونحافة ms20 جسمه، ورخامة صوته، ووداعة نظراته ، فكأنما يبصرون طفلا صغيرا لا بطلا ~~مسموعا يقود الملايين وينهض لمناوأة أكبر دولة في الأرض. وقد رأيت له عدة صور مطابقة لهذا ~~الوصف، وقرأت أخباره مع حكومة الهند، وأساليبه الغريبة في مصاولتها، فلم أشك في أن رؤساء ~~الحكومة هناك كانت تمر بهم لحظات لا يتمالكون فيها من الابتسام لهذا القدر الذي امتحنهم ~~بكفاح هذا النبي السياسي، فأصبحوا أمام حملاته التي كان يصبها عليهم صبا لا يدرون في أي ~~باب يسلكونها: أفي باب اللدد في الخصومة، أم في باب عناد الطفولة الطاهرة البريئة؟ ولا ~~يكادون يعلمون هل يجد هذا الخصم العنيد، أو هو يداعب حكومة الهند برهة، ثم هو تاركها ~~وشأنها حين يلهمه هواه. # إلى هذا الحد يتصور الفكر غاندي غير مطبوع على إثارة البغضاء، وهي خصلة أفادته أجل فائدة ~~في مهمته التي قيضته الظروف لها، وما كانت لتقيض لها رجلا هو أخلق بها منه ... إنها كانت ~~مهمة صاحبها في غنى عما يتصف به الزعماء الجبابرة من خلق غضوب يستنفرون به في جانبهم وجانب ~~خصومهم أقصى ما عند الفريقين من نعرة الجنسية وعداوة العصبية، فهي مهمة جهاد سلمي، سلاحها ~~الرفق والصبر، وأصلح الناس لقيادتها ذلك الرجل المسالم بطبعه، الوديع بحكم تكوينه، الذي ~~يحذر أتباعه أشد الحذر من مقارفة العدوان والعنف، ويقول لهم: إذا كان لا بد من العدوان ~~فكونوا أنتم ضحاياه ولا تكونوا أنتم جناته، ويعظهم أن يعلوا بأنفسهم عن غضب السباع وشراسة ~~الحيوانية، وهي كذلك مهمة تأليف بين عنصرين فرقتهما ترات تاريخية كانت إلى عهد قريب تسيل ~~الدماء، وتذكي ضرام البغضاء، وتبعث الأنفة والاعتزاز بالآباء، فكلما كان القائم بها سهل ~~العريكة، بعيدا عن الكبرياء الشخصية والخنزوانة الدينية، كان ذلك أعون له على الإصلاح ~~والتوفيق ومسح الترات، ولم الصفوف، وهي مع هذا وذاك مهمة قناعة وإعراض عن لذات المدنية ~~وغواياتها، ومن لها غير غاندي المتواضع المتقشف، القانع باليسير من الغذاء والرخيص من ~~الكساء؟ لو أنه كان من رجال المطامع، وعشاق الدنيا المفتونين بجاهها وزينتها ولذاتها ~~وملاهيها ms21 - أتراه كان يخطر له أن يتخذ نفسه قدوة لاتباع دعوته، فيغدو ويروح في ثياب من أرخص ~~ما تنسج الهند، أو يعيش على الفاكهة والأرز المسلوق؟ لقد صار للدين ومكارم الأخلاق كل ما ~~عمله غاندي ونطق به، حتى الدعوة إلى نبذ مظاهر المدنية الغربية قد وجد لها حجة من مكارم ~~الأخلاق تحث عليها، فكان يقول لجماعته: «إنني لأستحيي أن أخاصم رجلا يمن علي بنسج ملابسي ~~...» وما هو بهازل ولا متكلف فيما يقول. # ويخيل إلي أن ضمور الشخصية أفاد غاندي أكثر مما أضر بنفوذه، وأكسبه من الأنصار أكثر ممن ~~أبعد عنه، إذ كانت الشخصية الضامرة هي التي ساعدته على بلوغ تلك المنزلة الدينية الرفيعة، ~~التي مهدت له سبيل التمكن من أقوى جوانب النفس الهندية - وهو جانب الشعور الديني - فإنه ما ~~زال من سمات النساك والروحانيين بساطة المظهر وخشوع النفس والجسم، والبعد عن صور السطوة ~~والوجاهة الدنيوية، بذلك يتسم النساك الصادقون، وكذلك يتراءى للناس النساك المتصنعون، ~~فصاحبنا غاندي في بنيته النحيلة وقده الصغير، أصدق عنوان للزهد والورع وأقرب صورة إلى ~~الصلاح والتقوى. ويمكن أن يقال على سبيل المجاز: إن الطبيعة تورعت في تركيبه فلم تعمد إلى ~~البذخ والروعة، فكان الرجل متقشفا في الحياة، وكانت الحياة متقشفة فيه. # وكثيرا ما رأينا الكبراء، من ذوي الصلف والنفوذ يقبلون الطاعة لأمثال غاندي ممن لا سلطان ~~لهم في ذواتهم، ولكنهم مظهر من مظاهر سلطان الله، الذي لا يتعالى على سلطانه عظيم ولا حقير: ~~يقبلون الطاعة له، ولا يقبلونها لمن يتقدم إليهم بمزايا من جنس مزاياهم؛ لأن الأول يترك لهم ~~الدنيا التي هي موضع تفاخرهم وتناحرهم، ومثار التنافس والحسد بينهم، فيخرجونه من ميدان ~~المنافسة، ولا يرون في أنفسهم غضاضة من تقديمه عليهم جميعا، والثاني يتقدم إليهم بحظه من ~~تلك المزايا لينافسوه أو ليستكبروه عن منافستهم، فيسلمون له عند العجز مجبرين أو مختارين ~~كمجبرين. وللضعيف الهيئة في بعض الأحيان أن يغتبط بضعفه الظاهر، ويحمد عواقبه لأن الناس لا ~~يكلفونه ما يكلفون القوي ولا يقيسون أعماله بمقياس ذوي القدرة والخطر ms22 ... يستكثرون منه القليل ~~إذ يستقلون من غيره الكثير، ويعجبون منه بما ليس يعجبهم من سواه، مثله في ذلك كمثل الطفل ~~الصغير يرفع اللبنة فتسير بحديثه الأمثال، وليس هذا ولا أضعافه مما يذكر للرجل ~~الكبير. ~~... إن غاندي كما رأينا مما تقدم صاحب زعامة خاصة بموقفه ومهمته، أي: إنه لم يخلق ليكون ~~زعيما على كل حال، ولا نقول ذلك بخسا لشمائل الرجل ولا تنقصا من قدرته، فإنه فضلا عن ~~فصاحته وسهولة اجتذابه للسامعين حاصل، كما نعتقد، على صفتين من ألزم صفات الزعامة على ~~الناس، بل هما ألزم صفاتها قاطبة ولولاهما لما أفلح داع قط، ولا استحق الكرامة زعيم، وهاتان ~~الصفتان هما: الإخلاص والإيمان. # فإخلاص غاندي فوق كل شبهة، وإيمان غاندي قد صفته المحن ومحضه النسك، وتنزه عن الشكوك ~~الهادمة والوساوس القاتمة ... عرف له إخلاصه وإيمانه أبناء قومه فعظموه وأكرموه ورفعوه بينهم ~~مكانا لا مطمع فوقه لطامع، وما أدراك ما مكانه عندهم؟ إنهم يلقبونه: النبي أو الروح العظيم ~~(ماه-آتما) وهي منزلة ليس بعدها ولا أرفع منها في دين البراهمة إلا منزلة واحدة ... هي الروح ~~الكلية (بارام-آتما) وهي روح برهما: روح الله. # ولم ينفرد بتنزيه غاندي عن التهم أبناء وطنه من البراهمة والمسلمين، فقد شهد بنزاهته كذلك ~~كل من رآه من الأوروبيين، حتى أنصار الاستعمار من الإنجليز، بل شهد له قاضيه الذي أمضى ~~الحكم بالسجن عليه. ورأينا بين كتاب الإنجليز من يقول في مجلة «نيشن» غير متلعثم ولا ~~محترس: إنه ليس من التجديف أن يقارن بين غاندي والمسيح، وهي كلمة كبيرة من إنجليزي مسيحي في ~~العصر الحديث، ولم يستطع السير فالنتين شيرول أن يلقي عليه الغبار الأسود الذي لا يعييه ~~إلقاؤه على مخلوق يناهض الاستعمار البريطاني، فقال: إنه في الحركة الهندية «بلا فأس يشحذها ~~لنفسه ...» وهذه الفأس عندهم هي كناية عن المصلحة الشخصية والأغراض المريبة، وكم من فأس خلقها ~~شيرول وشحذها على حسابه لأناس لا يحملون الفئوس!» ~~••• # خلصت الزعامة لغاندي على هذا النحو الذي يعد أعجب ما حدث من نوعه في تاريخ الزعامات ~~السياسية؛ ms23 لأنك تستطيع أن تقول: إنه بلغ الزعامة بغير مجهود، كما تستطيع أن تقول: إنه بلغ ~~الزعامة بأكبر مجهود يدخل في طاقة إنسان. # فغاندي لم يزاحم أحدا على زعامة وطنه، ولم يزاحمه أحد عليها، فهي زعامة من ثم بغير ~~مجهود. # ولكن غاندي قد استحق الزعامة باعتراف موافقيه في الخطة ومخالفيه، واعتراف المستعمرين ~~أنفسهم؛ لأنه انتصر في أصعب المعارك على المجاهدين: وهي معركة الشهوات والمطامع، وراض نفسه ~~على ترك كل ما يصعب تركه واحتمال كل ما يصعب احتماله، فدانت له النفوس سهلة القياد بعد أن ~~دانت له نفسه حيث لا تدين النفوس، وكانت أكبر شهادة له بين أبناء وطنه من أكبرهم وأولاهم أن ~~ينفس عليه، وهو الشاعر تاجور، فقال عنه من كلام كثير: «إنه أعظم شخصية إنسانية ~~رآها». # ولما خلصت له زعامة وطنه على هذا النحو مضى بها على سنته التي لا يحيد عنها، وهي سنة الحب ~~الشامل والاحتراس من كل نزعة من نزعات الكراهية والعداء، وإن أصابه شر ما يصاب به المرء من ~~أذى الكراهية والعداء. # ولا تخالجن أحدا ذرة من الشك في صدق غاندي حين يقول: إنه يحارب الاستعمار ولا يكره ~~المستعمرين. فهكذا كان في كل صغيرة وكبيرة من حركاته ودعواته منذ بدأ جهاده في أفريقية ~~الجنوبية: كان يحارب الأوروبيين والإنجليز ولا يعاديهم، وكان يرى لهم عليه حقوق الإنسانية ~~كما يراها لأبناء وطنه وللمظلومين من أبناء الشعوب الملونة. فجند فرقة للصليب الأحمر في ~~أيام حرب البوير، وأنشأ مستشفى في جوهانسبرج لعلاج جميع المرضى بالطاعون حين فشا في ~~جوانبها، وهادن الحكومة في أوقات الحرج حتى جلب على نفسه سوء الظن من أبناء وطنه أنفسهم، ~~فضربوه (في سنة 1907) ضربا مبرحا ليقتلوه، ولم يتركوه إلا وهم يحسبون أنه قد مات. # وهكذا كان يصنع في خصومة الحكومة الهندية على اختلاف موقفه منها، فكان يدعو أحيانا إلى ~~التعاون وأحيانا إلى المقاطعة، واشتد في حركة المقاطعة (سنة 1920) حتى أمر أتباعه ~~بالاستقالة من وظائف الحكومة ورد الرتب والألقاب الإنجليزية والإضراب عن أداء الضرائب، وعن ~~المساهمة في القروض ms24 الحكومية، وحرم عليهم كل سلعة أجنبية، ونقض جميع القوانين التي تحتكر ~~بها الحكومة سلعة من السلع، وتجاوز هذه القوانين إلى غيرها إذا وجب تحدي جميع القوانين لشل ~~حركة الحكومة. # ولكنه كان في كل هذه المواقف معاونا أو مقاطعا، يوصي ويكرر الوصية باجتناب العنف ~~واحتماله عن رضى وطواعية، واستخدام السلاح الوحيد الذي كان يرى أنه سلاح النصر في حالتي ~~النجاح والإخفاق، وهو سلاح المحبة والمسالمة. وكان يقول لأتباعه: حاربوهم بالسلاح الذي ~~يخافونه لا بالسلاح الذي تخافونه أنتم، وبينوا لهم أن سلاحهم لا يخيفكم فتفلوا ذلك السلاح ~~في أيديهم، أما السلاح الذي كان غاندي يرى أنه يخيف المستعمرين فهو سلاح المحبة؛ لأنه سلاح ~~جديد لم يتعودوه. # ومن اعتزازه بهذا السلاح أنه وصفه لهتلر ... نعم وصفه لهتلر كما يصنع أصحاب مصانع الأسلحة ~~إذ يصفون مخترعاتهم الماضية لمن يحتاجون إليها. فكتب إلى هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية ~~يقول له بعد مقدمة يذكر فيها تردده قبل الكتابة إليه: «... وظاهر جدا أنك اليوم الرجل ~~الوحيد الذي يستطيع أن يمنع حربا قد تهبط ببني الإنسان إلى درك الهمجية، فهل من اللازم أن ~~تبذل هذا الثمن لأي غرض من الأغراض بالغا ما بلغ من الرجاحة في نظرك؟ أتراك تصغي إلى توسل ~~رجل تعمد عن روية طويلة أن يتجنب وسائل القتال فلم يفته نصيب غير قليل من النجاح؟ غفرانك ~~على أية حال إن كنت قد أخطأت في الكتابة إليك ...» # وهذا الخطاب يدل على أساليبه السياسية، كما يدل على اعتزازه بسلاحه. فإن غاندي صارح ~~الإنجليز بوجوب الجلاء عن الهند بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، وقال: إنه لا يبغي بذلك ~~إعناتهم في وقت المحنة، وإنما يعجل بالطلب؛ لأنه لا يرى ما يوجب تأخير الجلاء إلى ما بعد ~~وقوف القتال في الميادين الأوروبية أو الأسيوية، ولكنه مع هذا لم ينظر إلى الحرب العالمية ~~كأنها فرصة مواتية يترقبها لمصارحة الإنجليز بطلب الجلاء، وحاول بما في ميسوره أن يثني عنها ~~من يخشى منهم الإقدام عليها. # غاندي الزعيم. # وتهتاج الخواطر ما تهتاج وتتبيغ الدماء ما ms25 تتبيغ، ويفلت زمام العقول والأعصاب من قبضة ~~العلية والدهماء على السواء، وغاندي على عهده في صدق الخصومة سرا وعلانية، وفي صدق ~~الإيمان بسلاحه وصدق النفور من كل سلاح غيره، ولم يبح قط لنفسه أو لأحد من أعوانه أن ينسى ~~المحبة في حركة واحدة يقابلون بها المعتدين عليهم، أو ينسى الصدق في كلمة واحدة يذكرونها ~~عنهم. وأدهش البريطانيين بشدة حرصه على صدق الكلمة الواحدة في حادث - على الخصوص - كان أخلق ~~الحوادث أن يطلق الألسنة بالاتهام في غير تمحيص وإحجام، وهو حادث امرتزار المشهور. # في الثالث عشر من شهر أبريل سنة 1919، وقعت أكبر وصمة في تاريخ الاستعمار البريطاني ~~للهند، وهي مذبحة امرتزار وكانت هذه المذبحة أضخم خطأ تجمعت فيه أخطاء الإدارة والسلطة ~~العسكرية في حساب السياسة، وحساب المبادئ الإنسانية، وحساب العرف والنظام. # كانت الهند كلها تشتعل بالسخط والغضب، وكان الهندوسيون والمسلمون على السواء على أشد ~~النقمة من الحكومة البريطانية؛ لأنها أخلفت وعودها لهم، وناصبت الخلافة الإسلامية عداء ~~صريحا في تأييدها هجوم اليونان على أرض الأناضول، بعد أن حارب المسلمون في صفوفها معتمدين ~~على وعد قاطع منها ألا تمس الخلافة الإسلامية بعد هزيمة الجيوش التركية. # وخرج غاندي في رحلة سلمية يهدئ أبناء وطنه ويجمع الهندوسيين والمسلمين على خطته في اجتناب ~~العنف وإهراق الدماء، فقبضت عليه الحكومة وأعادته إلى بومباي. وسرى الخبر في أرجاء الهند ~~فوقعت بعض حوادث العدوان هنا وهناك وكانت «امرتزار» من المدن التي وقعت فيا هذه الحوادث ~~ونهب فيها بعض الدور والدكاكين. # فوصل الجنرال «سير ميشل داير» إلى المدينة يسبقه إعلان - لم يعلم به أحد - بمنع ~~الاجتماعات، وكان اليوم الثالث عشر من شهر أبريل موعد اجتماع ديني في ميدان محصور يسمى ~~«جلنوالا باغ» فاعتقد الجنرال أن المجتمعين يتحدونه ويعصون أمره، فأمرهم مرة أخرى بالتفرق، ~~فلم يستطيعوا أن يتفرقوا على عجل لأن المكان محصور، فأطلق عليهم مدافعه الرشاشة حتى نفذت ~~ذخيرته، وقتل في هذا اليوم عدد عظيم من المجتمعين والمجتمعات يقدرهم بعضهم بأربعماية، ويبلغ ~~به بعضهم أربعة أضعاف هذا العدد. ولم يكتف ms26 الجنرال بإهراق الدماء حتى أضاف إليه إذلال ~~النفوس، فأمر ألا يعبر الهنود طرقا معينة إلا زحفا على الركب؛ لأنها الطرق التي أهينت ~~فيها بعض السيدات خلال الحوادث التي وقعت قبل وصوله إلى المدينة. # إن الجريمة أفظع من أن يلتزم فيها أقل حيطة في الاتهام. # ولكن غاندي أبى - مع فظاعة الجريمة التي تغري بكل تهمة - أن يثبت في محضر التحقيق حرفا ~~واحدا لا تقوم البينة القاطعة على ثبوته، فلما اجتمعت لجنة التحقيق الوطنية لكتابة تقريرها ~~عن الحادث، ووردت فيه بعض الأقوال التي يؤخذ منها أن الجنرال «داير» تعمد أن يستدرج ~~المجتمعين إلى الأماكن المغلقة التي ينالهم فيها الرصاص، أصر على حذف هذه الأقوال لأنها في ~~رأيه «لا تعقل» ولم يقم عليها من الأدلة ما ينفي الشبهة عنها. ثم أصر في مؤتمر «امرتزار» ~~الذي عقد عند نهاية السنة على استصدار قرار من المؤتمر كله باستنكار أعمال العنف التي وقعت ~~من جمهرة الهنود في البنجاب والكوجرات، فصدر القرار على الرغم من معارضة كثير من أقوى ~~الأعضاء لاقتراح غاندي، وعلى رأسهم «داس» ومؤيدوه. # ويشبه هذا الحادث في صدق الكلمة وأمانة العقيدة إعلانه وقف العصيان المدني على تبعته وحده ~~بعد الهياج الذي انفجر في المدن الهندية لمناسبة زيارة ولي العهد الإنجليزي لمدينة بومباي ~~(1921). # ففي ذلك الوقت كان رؤساء المؤتمر جميعا معتقلين أو مسجونين، وكان الطلقاء منهم على خطر ~~من الاعتقال أو السجن، وكان غاندي يتولى رئاسة صحيفة «الهند الفتاة» التي كانت بمثابة صحيفة ~~المؤتمر الرسمية، فقرر المؤتمر إسناد السلطة التنفيذية إليه في خلال هذه المحنة، واتفق ~~الرأي على إعلان العصيان المدني فحدث على أثر إعلانه أن الدهماء ثاروا في «شورى شورا» ~~وقتلوا في هذه الفتنة اثنين وعشرين من رجال الشرطة. فلم ينتظر غاندي حتى يجمع المؤتمر ويعرض ~~عليه إعادة النظر في قراره، بل أعلن باسمه وحده وقف حركة العصيان المدني إلى أن يتهيأ سواد ~~الشعب لفهم هذه الحركة وتنفيذها على وجهها المقصود: وهو المسالمة واجتناب كل عمل فيه عدوان ~~على أحد من الحاكمين أو المحكومين، ms27 واشتدت الثورة عليه في المؤتمر من جراء هذا الإعلان ~~الجريء، واقترح أحد الأعضاء توجيه اللوم إليه وناصره أعضاء آخرون، ولكنه عند أخذ الرأي لم ~~يظفر بكثرة الأصوات. # ومن الجائز أن هذه المواقف المستغربة التي كان «المهاتما» يقفها من قومه في أحرج الأوقات ~~وأشدها جماحا بالنفوس، كانت تمتحن قداسته في نظرهم أعسر امتحان تمر به زعامة سياسية، ولكنه ~~كان هو الناجح أبدا في كل امتحان من هذا القبيل، وكان أبناء قومه يخرجون من كل محنة وقد ~~انقلبت في نظرهم إلى امتحان عسير لهم، يمتحنهم في قدرتهم على مجاراة القداسة وحاجتهم إلى ~~رياضة النفس على طاعتها والائتمار بأمرها، فيخرج غاندي من كل محنة من هذه المحن وهو أعلى ~~مكانا وأقدر على قيادة الخاصة والعامة في أوقات الفتنة والضيق. # أما الإنجليز فقد كانت مخالفة غاندي لهم ومخالفته لنزعات قومه تواجهانهم معا بظاهرة ~~إنسانية عجيبة لا نظير لها في حضارتهم الغربية: ظاهرة يعرفون منها ما يعرفون ويجهلون منها ~~ما يجهلون، ويحيط بها كل ما يحيط بالمجهول من الهيبة والاستغراب، ولكنه استغراب لم يخل قط ~~من عطف وتقدير. # أكبره قومه، وأكبره خصومه، وكانت القوة الروحانية التي استحقت هذا الإكبار هي الجيش ~~الزاخر الذي يحارب به في ميدانه، ويختار ميدانه حيث شاء كما يشاء؛ لأنه لا ينهزم في ميدان ~~اختاره ولا يؤمن بأنه ينهزم، ولا يبالي الهزيمة إذا جاءت بوادرها بغير ما يروم. ~~••• # كان الإنجليز يحارون في هذه القوة كيف يلقونها وكيف يعالجونها إلا شيئا واحدا لا يحارون ~~فيه، ولا يحار فيه غيرهم وهو جدارتها بكل احترام. # وتجلى هذا الاحترام في تلك المحاكمة الفريدة التي لم يشهد لها مثيل في تاريخ القضاء كله، ~~وهي محاكمة «المهاتما» المشهورة التي بدأت في الثامن عشر من شهر مارس سنة 1922 أمام محكمة ~~أحمد أباد. # دخل المتهم الهزيل إلى ساحة المحكمة، فوقفت المحكمة إجلالا له حتى استوى في ~~مكانه. # وسئل عن التهمة - وهي تعريض الحكومة للكراهية وتصعيب مهمتها في حكم الهند - فأجاب بأنه ~~«مذنب» على حسب القانون القائم، ثم وجه ms28 خطابه إلى القاضي «برومفيلد » قائلا: «إنك لا معدى ~~لك في مقامك هذا من أحد أمرين: إما أن تعتزل منصبك وتنفض يدك من السوء، وإما أن تصدر حكمك ~~بأقسى العقوبة إذا اعتقدت أن هذا النظام وهذا القانون الذي تطبقه فيهما الخير لأبناء هذه ~~البلاد، وأن عملي من ثم ضار بمصالحهم.» # فمضى القاضي في تلخيص التهمة، وكان في تلخيصه كأنما يستعطف المتهم ويعتذر للحكومة؛ لأنها ~~اضطرت إلى تقييد حريته وكفه عن الاسترسال في دعوة تحول بين الحكومة - كحكومة - وبين القيام ~~بعمل من الأعمال التي تتولاها الحكومات.ثم وجه الخطاب إلى «المتهم» فقال: «إنك رجل يرى فيك ~~الناس - حتى مخالفيك - إنسانا من ذوي المثل العليا والحياة النبيلة بل المقدسة»، ثم نطق ~~بالحكم فإذا هو يقضي عليه بالحبس البسيط ست سنوات. وعقب على ذلك قائلا: «إنه لن يكون أحد ~~أسعد منه إذا استخدمت الحكومة حقها فقصرت هذه المدة أو أطلقت سبيله»، وعاد يسأل غاندي ~~مهونا لوقع هذا الحكم: ألم يحكم بمثله من قبل على طيلاق؟! # فكان مسلك القاضي في القضية كلها مسلك من ينفض الإدانة عن نفسه، ويحاول أن يبرئ نفسه أمام ~~العالم وأمام التاريخ من اتهام يخشى أن يقترن باسمه، ولم يكن مسلك رجل يعاقب ويدين. # لم يكن غاندي «يمثل» في إدانة نفسه، ولم يكن القاضي «يمثل» في تبرئة نفسه، ولكنه كان ~~يعتذر للقانون ويعتذر للسياسة في حضرة قوة أكبر من القانون وأكبر من السياسة، وهي القوة ~~التي لا تجهل ولا يجهل لها أثر، وكان أثرها المحقق أنها قد غلبت قانون الحاكم الأجنبي كما ~~غلبت جيوشه وأساطيله، وانتصرت بالسلاح الذي اختاره صاحبها، وقال غير مرة: إنه يحارب به لأن ~~السلاح الماضي هو السلاح الذي يخافه الخصم لا السلاح الذي يخافه حاملوه. # ولقد أسف أناس من فضلاء الهند ومن عباقرتها النابهين وفي طليعتهم تاجور؛ لأن غاندي سخر ~~هذه القوة الروحانية المثلى في خدمة السياسة. # ولكن الذين عاشوا منهم بعده أو عاشوا إلى أخريات أيامه، قد علموا أنه كان على صواب فيما ~~صنع؛ لأنه لم يفسد ms29 روحانيته، بل نقل الروحانية إلى السياسة فأصلحها، وجعلها في نظر الأنصار ~~والخصوم حرفة جديرة بقديسين. ~~••• # لقد كانت هذه القوة الخارقة عنصرا فعالا في تاريخ أربعمائة مليون من الآدميين، وستظل ~~عنصرا فعالا في تاريخ البشر جميعا إلى زمن بعيد. # بم نقيسها إذا أردنا أن نذرع آمادها وندرك أغوارها وآفاقها؟ # أبحماية البقرة أو عبادتها؟ أبالصيام إلى أجل أو بالصيام حتى الموت؟ أبالتقشف والزهادة؟ ~~أباجتناب مطلق لكل ضرب من ضروب العنف بغير قيد ولا شرط، ومع جميع الناس، وفي جميع ~~الأحوال؟ # كلا، إنما هذه كلها صور وعناوين، وإنما القوة الصحيحة من وراء هذه الصور والعناوين، وكل ~~قوة صحيحة في نفس الإنسان فهي القوة التي تعدو به طوره المحدود، وتخرجه من أثرته الضيقة ~~وتقيمه إنسانا يعلو على صغائر الساعة، ويدين بالإنسانية الشاملة في عمرها الخالد المديد. ~~وما العبرة في القياس الأصيل إلا بهذه القوة الصحيحة، دون ما تتسمى به من الصور ~~والعناوين. # وليس هذا القياس بدعا في القوى الروحانية وحدها، فقد نجد له مثيلا في القوة الجسدية وفي ~~هذه الملموسات المادية التي نحسبها مرجع الصحة والصدق والفهم العملي الذي لا تشوبه المغالطة ~~والخداع. # فهل من «مادية جسدية» أدخل في باب المادة والتجسد من غذاء الأبدان؟ # إنه المادة من صميم المادة في عرف الواقعيين والمثاليين والخياليين، ومع هذا نحن نحسه على ~~نحو، وننتفع به في أجسادنا على نحو آخر. # نحن ننتفع بالغذاء لأنه فحم وجير وحديد وملح وفسفور إلى غير ذلك من المعادن المحدودة التي ~~تدخل في بنية الأحياء، فمن الذي يأكل طعامه لأنه فحم أو جير أو حديد أو ملح أو فسفور؟ إن ~~الطبيعة لم تخدع الناس حين جعلتهم يأكلون ويشربون؛ لأنهم يطلبون طعما حلوا، أو طعما ~~حامضا، أو طعما مزا، أو طعما يجلب الشهية ويلذ في المذاق؟ # إن الطبيعة لم تخدعهم بهذه العناوين التي اتخذتها أذواقهم ولم تدخلها في تحليل المعامل، ~~ولا أدخلتها في مناقشة الأفكار، ولا هي مثلت لهم الحاجة البدنية بمصطلحات الكيمياء، ولكنها ~~ترجمت لهم نفع الغذاء بهذه الطعوم التي تسيغها ms30 الأذواق، ولولا هذه الطعوم لما كان ~~الغذاء. # وهي لم تخدعهم كذلك؛ لأنها ساقتهم إلى حفظ نوعهم بلذة جسدية أو بعاطفة من عواطف الشوق ~~والحنان، ولكنها تتكلم أكثر من لغة واحدة حين تعبر عن حقائقها، وكلها بعد ذلك صدق حاصل على ~~اختلاف العبارات. # فالروحانيون لا يضللون العقول، والماديون لا يعرفون معنى التضليل إذا كانوا يعبرون عن ~~حقائق الحياة بلغة واحدة لا تقبل التنويع، فمادتهم التي يجمعون فيها الصدق كله أشد تضليلا ~~للأحياء من كل دعوة روحانية، إذا جعلنا اختلاف التعبير عن قوى الحياة من قبيل التضليل، أو ~~جعلنا اختلاف الشيء في الحس، وفي وظائف البنية الحية، آية على التناقض والبطلان. # هكذا تعبر الطبيعة عن غذاء الأبدان. # فلماذا نكذبها إذا هي عبرت بمثل هذا التعبير عن غذاء الأرواح؟ # إننا إذن لا نصدق مع الروحانيين ولا نصدق مع الماديين! # ولك أن تكون ماديا، أو واقعيا، أو حسيا، في مناقشة الألفاظ التي قالها غاندي ~~والآراء التي بشر بها كما تشاء، ولكنك لن تكون ماديا، ولا واقعيا ولا حسيا إذا أنكرت ~~الواقع المحسوس. # والواقع المحسوس أن غاندي قد حفز روحانية الهند إلى عمل من أعظم أعمالها في تاريخها ~~الطويل، وأنه قد أتى بخارقة لم يأت نظراؤه بأعظم منها في جميع أطوار التاريخ. # | عقيدته # يسبق إلى الظن - حين يذكر غاندي زعيم الهند - أنه يدين بالبرهمية: ديانة الهند الكبرى، ~~وأقدم عقائدها المعروفة. # ولكن الحقيقة أنه لا يدين بالبرهمية ولا بالبوذية، التي هي أشهر المذاهب في خارج الهند ~~بعد الديانة البرهمية. # وإنما يدين - كما أسلفنا في الكلام على نشأته - بنحلة خاصة من نحل تلك الديانة القديمة، ~~وهي النحلة الجينية، ولا يزيد عدد أتباعها في الهند اليوم على مليون ونصف مليون. # ولا غنى في الكلام على عبقرية غاندي عن تقرير هذه الحقيقة الهامة؛ لأنها توضح لنا تلك ~~العبقرية من جانبين خطيرين: أحدهما أن الجينية - مع كونها نحلة دينية - هي في الواقع ثورة ~~قومية على سلطان الغزاة الآريين، بل هي أقدم ثورة قومية روحية في الهند على ذلك السلطان؛ ~~لأنها ms31 أنكرت نظام الطبقات الذي سجل به الغزاة سيادتهم على الشعوب الهندية الأصيلة، وأخذت في ~~كتابة أسفارها المقدسة باللغة الشعبية المعروفة بالبراكريتية، وهي مشتقة من السنسكريتية ~~القديمة لغة الغزاة الآريين، مع تحريف وزيادة طرأت عليها من اختلاط الغرباء بأبناء البلاد ~~الأصلاء. # فالمهاتما إذن قد ورث دواعي الثورة على - السيادة الغالبة - من عقيدة الجينية، ولم يكن في ~~حاجة إلى جهد كبير ليتجه بفكره وطبعه إلى مقاومة الغزاة الجدد في القرن العشرين ... # وقد ورثت كذلك دواعي الإصلاح الاجتماعي من تلك العقيدة القومية الروحية، فلم يكن في حاجة ~~إلى مشقة كبرى للتفكير في إنصاف الضعفاء، والتسوية بين الطبقات. # أما الجانب الآخر الذي توضحه لنا تلك العقيدة من عبقرية غاندي، فهو مصدر آدابه الروحية ~~التي كثر الكلام عليها بين الكتاب من الغربيين. # فقد سمعنا كثيرا أنه مدين بآداب السلام والمحبة لهذا الكاتب أو ذاك من الحكماء ~~الأوروبيين، وذكروا اسم «تولستوي» الحكيم الروسي على الخصوص؛ لأنه كان أوفر الأعلام ~~العالميين نصيبا من أحاديث الناس وتعليقاتهم، حين نشأ غاندي وأخذ في الاطلاع على الثقافة ~~الأجنبية؛ ولأن غاندي نفسه قد خاطبه مرة خطاب التلميذ للأستاذ، وأشار إليه غير مرة في ~~أحاديثه ومقالاته، وجاءت دعوته بعد دعوة تولستوي في البلاد الروسية، على مبادئ السلام ~~والمحبة واجتناب العنف والانتقام. # إلا أن الواقع الذي لا مراء فيه أن مبادئ غاندي جميعا مستمدة من العقيدة الجينية، وأنه ~~لم يدع إلى خطة واحدة في الإصلاح الاجتماعي أو السياسي لا ترد بجملتها وتفصيلها إلى تلك ~~العقيدة، وكل ما استحدثه فيها من الخطط العصرية فهو من تصرفه ووحي عبقريته، ونزعة مزاجه ~~وتفكيره، على حسب الحوادث والمناسبات. # فعبقرية غاندي لا تفهم على حقيقتها بمعزل عن العقيدة الجينية، وهي أحوج النحل الهندية في ~~خارج الهند إلى شيء من البيان والتوضيح. # تنسب هذه العقيدة إلى «الجينا» بمعنى الظافر أو الغلاب، ويراد بالغلبة هنا غلبة الإنسان ~~على شهواته وغوايات طبعه، ويلقب «بالجينا» عندهم كل إمام من أئمة الهداية يظهر في أوانه ~~المقدور، وهم يظهرون على التوالي في كل دورة ms32 من دورات الدهر الطويلة، وهي عندهم دورات أبدية ~~بغير نهاية ولا بداية، تعود كلما انتهت دواليك من أزل الآزال إلى الأبد الأبيد. # ويظهر في كل دورة من الدورات أربعة وعشرون إماما متلاحقين على حسب الحاجة التي تدعو ~~إليهم، ثم يفارقون عالم الجسد إلى غير عودة؛ لأنهم يخلصون من الجسد أرواحا مصفاة، لا تبقى ~~فيها بقية من شوائب المادة تردهم إلى حياة التجسيد. # والإمام الذي يدين به غاندي هو آخر هؤلاء الأئمة في هذه الدورة الدهرية، ظهر في القرن ~~السادس قبل الميلاد، وكانت دعوته معاصرة للدعوة البوذية، ولعلها قد سبقتها بجيل أو نحو جيل ~~... أما إذا أخذنا بكلام أتباعها فهي أقدم من ذلك بعدة أجيال، بل بعدة دورات من آماد الأزل ~~القديم. # ويسمى هذا الإمام «ترثنكارا ~~ماهاڨيرا # Tirthankara Mahavira ~~» وهو اسم مركب من عدة أسماء، معناها: البطل العظيم صانع المعبر ~~أو القنطرة، كناية عن العبور باتباعه في طريق النجاة. # فكلمة «ترثا» معناها المعبر أو القنطرة، وكلمة «كارا» معناها الذي يصنع، وكلمة «ڨيرا» ~~معناها البطل أو الظافر، وكلمة «ماها» معناها العظيم، ومنها كلمة «المهاتما» التي لقب بها ~~غاندي بمعنى الروح العظيم. # والظفر الأعظم الذي يستحق به الإمام لقب الغلاب أو «الجينا» من كلمة «جي» - أي: النصر - ~~هو الظفر على الشهوات الكبرى، وهي الغضب والكبرياء والجشع والخداع، ومن الشهوات التي يتغلب ~~عليها ما هو دون ذلك في القوة وصعوبة المراس، وهي الهم والخوف والاشمئزاز ولذة الجنس، وما ~~إليها من اللذات. # وخلاصة الدين عندهم اجتناب الإضرار بجميع الأحياء. # ويلخصون هذه الخلاصة في كلمة واحدة هي كلمة «أهمسا» ... وهي كلمة مركبة من كلمتين: همزة ~~النفي عندهم، وهمسا: بمعنى الإضرار. # وهم لأجل ذلك نباتيون لا يبيحون أكل الحيوان على اختلافه، فيحرمون لحوم جميع الأحياء من ~~الأنعام والماشية والسمك والطير، ولا يأكلون البيض والشهد، ويستثنون اللبن لأنه مما يرضعه ~~الإنسان في مهده، فلا تحرم عليه «الألبان»؛ لأن الرضاعة مقترنة بالرحمة والحنان. # ومن عجائب اعتقادهم أنهم آمنوا بوجود ألوف الألوف من الجسيمات الحية التي لا تراها العين ~~قبل ms33 أن يعرفها العلم الحديث، فحرموا الخمرة والجعة ؛ لأن الاختمار يقضي على تلك الأحياء، ~~وحرم غلاتهم كل نبات ينمو تحت الأرض - كالبطاطس والفجل والجزر - لاعتقادهم أنها تحمل من ~~باطن الأرض ألوفا لا عداد لها من تلك الأحياء الصغار. # وليست مسألة الأوامر والنواهي عندهم مسألة تحليل وتحريم، كما هو شأنها في جميع الديانات. ~~ولكنهم يعملون الشيء أو يجتنبونه؛ لأن العمل به أو اجتنابه يناسبان طبيعة الروح. # فالسمو إلى عالم الروح هو غاية الغايات من ترقي الإنسان في معارج الحياة. # وعلامة الاقتراب من عالم الروح أن المرء لا يقتل ولا يغضب ولا يسيء إلى أحد من الأحياء؛ ~~لأن شواغل الجسد هي التي تسول له العدوان وتثير فيه البغضاء، فمن غلبته هذه الشواغل بقي ~~في عالم الجسد وعاد إليه، ومن غلبها فآية الغلبة التي يسمو بها إلى عالم الروح هي «المحبة» ~~والسلام، إذ كانت الروح لا تشتمل في طبيعتها على داعية من دواعي النفور والنزاع، وإنما تأتي ~~هذه الدواعي جميعا من شواغل المادة، أو من «الكارما» كما يسمون هذه الشواغل، ويطلقونها على ~~كل عمل من الأعمال الجسدية التي تحول بين الإنسان وبين الصفاء والنجاة. # وللأحياء عندهم خمس درجات يعلو بعضها فوق بعض على حسب نصيبها من الإحساس: أول هذه الدرجات ~~درجة الأحياء ذات اللمس، وتليها درجة الأحياء ذات اللمس والذوق، وتليها درجة الأحياء ذات ~~اللمس والذوق والشم، وتليها درجة الأحياء ذات اللمس والذوق والشم والسمع والنظر، وتليها ~~درجة الأحياء ذات العقل أو الروح «ماناس» # Manas # وهي نوع ~~الإنسان. # وفي الإنسان وحدة تتجلى الروحانية العليا في الوجود، ومنهم من يعتقد أن الروح الإلهي لم ~~يصعد إلى الروحانية الإلهية من غير هذا الطريق. # ولا بد من الولادة مرة بعد مرة للخلاص من أوهاق الجسد ونقائص المادة وحجب الشهوات، فإذا ~~مات الإنسان ترك في الأرض جسده وذهبت روحه بجسدين متلابسين أحدهما أرق من الآخر وأصفى، ولن ~~يخلص من محنة التجسيد حتى ينسلخ عن جميع هذه الأجساد، ولولا ذلك لاستطاع الإنسان أن ينجو ~~إلى عالم الروح بقتل نفسه ms34 بيديه، وهو عندهم غير جائز له، كما لا يجوز له قتل سائر الأحياء، ~~ومن هنا لا يقولون: بقتل المرأة نفسها بإحراقها مع زوجها، كما تقول الكثرة من ~~البرهميين. ~~••• # وليس الزواج محرما في النحلة الجينية بطبيعة الحال، ولكن الإمام الذي يرتفع إلى درجة ~~الهداية في دورة من الزمن لا ينجو من العودة إلى الولادة ولا يبلغ «الموكشا» أي: الخلاص إلا ~~إذا عصم نفسه من كل علاقة جنسية ومنها الزواج، فهو يولد من جديد ما دام يلد أو ينقاد لغريزة ~~التناسل، ولو لم يكن له أبناء. # ولا ينحصر الزواج بين الجينيين في أبناء طبقة واحدة؛ لأن الجينية لا تدين بتفاوت الطبقات ~~ولا تجعلها أصلا من أصول الدين، فعمل الإنسان هو الذي يرتفع به أو ينحدر في طبقات الخليقة، ~~وتنص كتبهم نصا صريحا على أن الإنسان بعمله وحده يصبح من البرهمان أو الكشترية أو الفيشا ~~أو السدرا وهم المنبوذون. ومن الرذائل التي تحول عندهم بين الإنسان والخلاص الروحاني أن ~~ينظر إلى أحد نظرة استعلاء ولو كان من المجرمين، فالحب # Daya # هو ملاك جميع الأخلاق والفضائل وآية الحب أن تحسن، ولا تنتظر الجزاء، وأن تفرح لفرح غيرك ~~وتحزن لحزنه، وتبتئس لسوء حظ المسيء الذي حرم نعمة الإحسان. # وعلى كل جيني أن يروض نفسه على الشظف والقناعة والصبر وضبط الشعور، وأن يعطي دائما ولا ~~يأخذ من أحد شيئا بغير رضاه. ~~••• # وتعتبر الجينية فلسفة كونية كما تعتبر من ديانات التعبد والسلوك. # فالكون عندهم عناصر أربعة هي: الزمان، والمكان، والروح، والمادة، ويضاف إليها عنصران ~~آخران يربطان بينها، وهما: الحركة، والسكون. # والمادة عندهم مركبة من أجزاء دقيقة لا تتجزأ، كالجوهر الفرد في تعريف فلاسفة ~~اليونان. # ولا تسبق الروح الجسد في تركيب الإنسان، بل تنشأ الحياة الجسدية قبل الحياة الروحية، ثم ~~تترقى الروح إلى مرتبة الصفاء بما تحاوله من مغالبة النوازع الجسدية واستخلاص حريتها من ~~القيود المادية. ولها في ذلك ثلاث مراحل: أولاها سابقة لتطور قواها، وثانيتها في خلال هذا ~~التطور، ونهايتها تأتي بعد انتهاء التطور وبلوغ مرتبة الخلاص ms35 والصفاء. # وعلامة التطور الناجح ثلاث: عقيدة الحق، ومعرفة الحق ، وعمل الحق، ولا سبيل إلى هزيمة ~~الروح في صراعها مع الجسد إذا تناسقت فيها هذه الصفات. # وهم يقولون بالروح الذاتية لكل حي من الأحياء، ولا يقولون بفنائها في روح أكبر منها، ~~ويخالفون بذلك عقيدة البراهمة الأولين في وصف الله وتجريده من الذات، وقد يصفون الله بصفات ~~الخلق والتكوين، ويتجهون إليه بالصلاة طلبا للهداية والتعليم والمعونة على فتن ~~الشهوات. # فالجينية تدين بالذات الإلهية، ولا تعتبر الإله «معنى» خلوا من الوحدة الذاتية، ولكنها ~~تستلهمه الصواب كما يستلهم التلميذ معلمه، وتسترشد به كما يسترشد الساري بدليله في ظلمات ~~المجهول، وتقول لأتباعها: إن الله لا يعين أحدا ما لم يكن منه عون لنفسه، فلا مناص من عمل ~~الإنسان واجتهاده قبل كل خلاص واهتداء. # وفي جملة هذه الفلسفة الكونية ما يرجح الظن برجوع الفيلسوف الألماني «هيجل» إليها، في ~~تفصيل مذهبه الذي يسمى بالمثالية الثنائية # Dialectic ~~Idealism ~~. # فالجينيون يقولون: بأن الوجود الصحيح جوهر # dravya ~~. # والجوهر عندهم لا بد أن يحتوي فيه ثلاث حالات: حالة النشوء، وحالة النقض، وحالة ~~الدوام. ~~«فلا يظهر شيء في الوجود بغير نقض، ولا يكون نقض بغير نشوء، ولا سبيل إلى نشوء ونقض في ~~غير دوام.» # وخلاصة مذهب «هيجل» أن كل شيء ينشئ نقيضه، ثم يجتمع الشيء ونقيضه في موجود أكمل من ~~الموجود الأول، ثم يعود هذا الموجود الأكمل فينشئ نقيضه كرة أخرى، حتى تستوفي الحقائق ~~وجودها من جملة وجوه، ولا تنحصر في وجه واحد. # وهذا التطور في مذهب «هيجل» ينتهي إلى ظهور «العقل الواعي» في الكون حتى يظهر فيه الإنسان ~~... وقد أسلفنا أن الجينيين يقولون: إن تطور الإنسان هو المظهر الذي تتجلى به الروح في هذا ~~الوجود. ~~••• # وتشتمل الكتب الجينية على وصايا كثيرة تدل على أنهم يقينيون في عقيدتهم الدينية، وليسوا ~~من الشكوكيين «اللاأدريين»، كما تدل على أنهم يقينيون جازمون في مسائل الأخلاق. # وهذه أمثلة من تلك الوصايا مقتبسة من كتبهم الكثيرة: # الإحسان بغير عقيدة، لن يكون وسيلة للخلاص. # على المرء أن يعامل ms36 الخلائق جميعا، كما يجب أن تعامله. # إن تأملات الشكوكيين لا تنتهي إلى معرفة. فهم بأنفسهم لا يصلون إلى الحق ولن ~~يصلوا بغيرهم إليه. # الرعاة الصالحون «الكهان» يرحمون جميع الكائنات، ويجتنبون الخبائث، ولا يمدون ~~أيديهم إلى طعام يصنع لهم خاصة، ولا يقدمون على شر أو إساءة. # غلبة النفس عسيرة، ولكنها إذا تيسرت فكل شيء مغلوب. # لا معرفة للحق بغير عقيدة في الحق، ولا سلوك على الحق بغير معرفة للحق، ولا ~~خلاص بغير سلوك ولا كمال بغير خلاص. # ينتصر الإنسان على ألوف من الأعداء الشجعان، ولكنه أعظم من ذاك انتصارا إذا ~~لم ينتصر على غير إنسان واحد: هو نفسه. # من جمع حياته في روحه لم يرهبه الموت إلا كما يرهب المرء من تبديل كساء ~~بكساء. # الأعداء والأقرباء، والنعيم والبأساء، وحفنة من التراب وقبضة من الذهب سواء ~~عند الناسك المنقطع للروح # Shramana ~~. # أجهد نفسك واحكمها. # قد يمسخ الروح كلبا، وقد يصعد الكلب إلى عليين. # وسائل ثلاث لا تسيء بها إلى أحد: كلمات، وأفكار، وأعمال. # شر من الكافر، من يضع شريعة القتل. # لا شقاء لمن لا وهم له، ولا وهم لمن لا شهوة له، ولا شهوة لمن لا مطمع له، ~~ولا مطمع لمن ليس في يده شيء. # كل ما حققته والفكر هادئ، والحس مغلوب، فذلك هو الروح المطلق. # للإجرام وسائل ثلاث: عمل الجريمة، والإغراء بها، والثناء عليها. # الحكمة تعترف بحق الشريعة. # أقسم على خمس: لا تقتل، لا تكذب، لا تسرق، لا تستسلم للشهوة، لا تتعلق بعروض ~~الحياة. # في كل ما يعرض للروح من أحوال بعد أحوال، هي وحدها مسئولة عن كل حال. # هذه خلاصة كافية في هذا المقام للعقيدة الجينية - عقيدة غاندي - وهي أهم شيء في كيان ~~غاندي وسيرته وعمله؛ لأن العقيدة عنده مقدمة على السياسة وعلى الوطنية، وهي مرجعه فيما يأخذ ~~وفيما يدع من وجوه الإصلاح ووجهته في دعوة الحرية ومبادئ الأخلاق، وهي باعثة الثورة فيه على ~~القوة الغالبة، ومعدن السلاح الذي استعد به لتلك الثورة: سلاح الحب ومقابلة العدوان بالصفح ~~والغفران. # وقد ms37 أشرنا في فصل آخر إلى تعليقات لغاندي على ديانته وعلى الديانات عامة، ونشير هنا إلى ~~العقائد التي يستغرب من مثل غاندي - في استنارته وجرأته على إنكار ما لا يسوغ في ذهنه - أن ~~يدين بها من هذه النحل البرهمية، وفي مقدمتها عبادة البقرة أو حمايتها كما يؤثر هو أن ~~يسميها في تعبيره عن هذه العقيدة، فإن شعائر دينه تنقسم عنده إلى نوعين: أحدهما يقبله عقله ~~كتناسخ الأرواح ورجعة الإنسان إلى الحياة الدنيا عدة مرات، والآخر يفسره على وجه خاص ليقبله ~~كما يقبل العقائد السائغة في تفكيره، ومن ذلك عبادة البقرة التي لا يجوز عنده أن تعبد على ~~التأليه والتقديس؛ وإنما تعبد لأن عبادتها أو حمايتها رمز للصلة بين الأحياء الناطقة ~~والأحياء العجماء، أو رمز لشمول الحياة في العالم لكل كائن تدب فيه حياة، وعنده أن حماية ~~البقرة أصل جوهري من أصول الديانة البرهمية على هذا الاعتبار، وأنها أعجب ظاهرة في تطور ~~الإنسان، إذ كانت البقرة على الاعتبار المتقدم رمز ما دون الحياة الإنسانية من ضروب الحياة ~~التي تناولها التطور والارتقاء، وهي أصلح تلك الأحياء لإبراز هذا الرمز الشامل في أطيب ~~مظاهره، فليست هي بحيوان مفترس، وليست هي بحيوان مؤذ، وليست هي بالحيوان البعيد من معيشة ~~الإنسان منذ أقدم عهوده، وقد كتب عنها يقول: «إن أمنا البقرة أبر في كثير من الأمور من الأم ~~التي تلدنا، فإن الأم التي تلدنا تعطينا اللبن نحو سنتين وتنتظر منا أن نخدمها طويلا متى ~~بلغنا أشدنا، أما أمنا البقرة فلا تنتظر منا شيئا غير الحب والعشب.» # وقد كان يذكر أحيانا كلمة السيد المسيح: «أحبب جارك كنفسك» ثم يضيف إليها: «وكل كائن حي ~~للإنسان جار.» # ولا يفوتنا أن نستعيد دائما في هذا الصدد كلمته التي يقولها عن هوى كل إنسان لديانته وإن ~~لم تسلم من عيب، فقد كان يقول: «إن المرء يحب ديانته كما يحب امرأته، وهو يحب امرأته وإن لم ~~تكن أجمل أنثى في نظره؛ لأنها هي امرأته؛ لا لأنها أفضل النساء.» # وما نحسب أن غاندي ms38 كانت تفوته الفطنة لغرائب ديانته، ولكنه كان يأخذها على العلات؛ لأن ~~الإيمان مع التجوز في بعض رموزه خير عنده من ترك الإيمان. # | صلاته # عقيدة غاندي هي أهم شيء في بنيان شخصيته. # وصلاة غاندي هي أهم شيء في بنيان عقيدته. # فنحن لهذا نقترب من فهمه كلما اقتربنا من فهم صلاته؛ لأن الصلاة عنده لا تنبعث عن طلب أو ~~استغاثة أو ابتهال، ولكنها تنبعث إلى حس فوق الحس، وفوق التفكير، وفوق الطلب ~~والابتهال. # وهي عنده - كما هي عند الجينيين عامة - أعلى مراتب الوعي الذي يتاح للكائن ~~الموجود. # فالروح الإلهي في اعتقادهم سار في جميع هذه الموجودات، مبثوث في جميع الأجسام والأجساد، ~~ولا يزال الإنسان محصورا في أوهاق الجسد أو في أوهاق المادة على العموم، ما دام معتمدا ~~على الحواس، أو على العواطف أو على التفكير في إدراك ما حوله، ولكنه يرتقي إلى مرتبة من ~~الوعي أعلى من مراتب التفكير، عندما يدرك الروح خالصا منزها من هذه الأوهاق. # فهو لا يصل بالحس إلى شيء أرفع من المادة أو المحسوسات المادية. # وقد يرتقي بالتفكير إلى شيء أرفع مما يدركه الحس، ولكنه لا يتجاوز به حدود ~~المحسوسات. # وهناك مرتبة من التفكير أعلى من مرتبة «التعقل المنطقي» وهي مرتبة «التأمل» والانقطاع ~~بالوجدان عن كل ما يحيط بالإنسان. # ففي هذه المرتبة يستطيع الإنسان أن يسيطر على جسده ويسيطر على الطبيعة، ويرتقي إلى الحالة ~~التي يقهر بها المادة ويصنع الخوارق، ويخالف العادات، وهي تسمى عندهم حالة «السديهي # Siddhis ~~» أو الصديقية إذا كان للفظ صلة باللغات السامية. ~~ولكن هذه الحالة لا تزال دون حالة الخلاص المطلق بكثير، وهي التي يسمونها كيڨاليا # Kaivalya # أو التجلي الأعظم، بل ربما خيف على صانع الخوارق ~~أن يفسد كل ما صنع إذا أعجبته قدرته على تسخير الطبيعة فاغتر بها واسترسل فيها؛ لأنه لا ~~يزال محصورا في «أنانيته» الباطلة، كلما أعجبته السيطرة وأحب المزيد منها، وإنما ينفعه صنع ~~الخوارق لسبب واحد، وهو تثبيت يقينه بالسير على الهدى في طريق الخلاص، وأنه قد بلغ إلى ~~مرتبة ms39 ينتقل منها إلى المرتبة التي تليها، وهي غاية الغايات التي تسمو إليها قداسة ~~الإنسان. # ومتى ترقى القديس إلى مرتبة الخلاص فهنالك يلتقي بالروح الإلهي خالصا مجردا من علاقات ~~كل مادة وكل محسوس، ويلمح الحقيقة المجردة التي تضل عنها الحواس والعقول، وينتقل إلى سماء ~~من السعادة المطلقة لا توصف، ولا تقبل الوصف بالكلمات ولا بالأفكار؛ لأن الكلام مقيد ~~بالفكر، والفكر لا ينطلق من جميع القيود، ويطيب للقديس أن يستعيد هذه اللحظات كلما استطاع، ~~وهو لا يستطيعها في كل حين. # وقد كان غاندي يصلي ليستعيد هذه السعادة، ولا ينتظر شيئا غيرها من الصلاة، ولم يعنه قط ~~أن يصنع الخوارق أو يسيطر على قوانين الطبيعة؛ لأن الخوارق لا تقصد لذاتها، ولا تراد إلا ~~على سبيل البرهان، ولا حاجة بالمتثبت إلى برهان. # وكان يود لو ينقطع للصلاة مدى حياته، ولكنه كان يعلم أن لقاء الروح الإلهي مدى الحياة أمر ~~يفوق الطاقة الإنسانية، فكان يتزود منها بغاية ما يطيق، ويؤثر هذا الزاد على كل زاد فيه ~~غذاء للجسد، أو غذاء للعقل، أو غذاء للروح. # قال في محاضرة له عن الصلاة: «إن من يختبر سحر الصلاة قد يستغني عن الطعام أياما، ولا ~~يستغني عن الصلاة لحظة واحدة، إذ لا سلام في داخل الضمير بغير صلاة.» # وقال لسامعيه من الطلاب في تلك المحاضرة: «إن في صدر الإنسان لصراعا أبديا ثائرا بين ~~قوى الظلام وقوى النور، ومن لم يكن له مرفأ أمين من الصلاة يلوذ به، فهو خليق أن يقع فريسة ~~لقوى الظلام.» # ثم قال: «إن الصلاة هي صميم قلب الحياة الإنسانية، وهي الجوهر الحيوي في كل ديانة، وقد ~~تكون توسلا أو اتصالا من باطن الروح، ولكن الغاية التي تنتهي إليها واحدة، فإنها حين تكون ~~توسلا ينبغي أن يكون التوسل التماسا لتطهير الروح وتنظيفها من الأدران، وانتشالها من ~~أطباق الجهل والظلام التي تطبق عليها، فكل من تطلع إلى إيقاظ الجانب الإلهي في نفسه فلا ~~مناص له من اللياذ بالصلاة. إلا أن الصلاة ليست تمرينا في الكلمات أو التراتيل، ms40 وليست مجرد ~~تكرار للصيغ والعبارات، فما من تكرار لتراتيل «الرماناما» إلا وهو عقيم إن لم تصحبه يقظة في ~~الروح، وخير في الصلاة قلب بغير كلمات من كلمات بغير قلب ...» # وهذه هي الصلاة كما يصفها للمتعلمين، وقد كان يخاطبهم حين يكلمهم عنها باللغة التي ~~يخاطبونه بها، وهي لغة العلوم التجريبية، فكان يقول لهم: «إن نفع الصلاة قد ثبت للمصلين ~~بالتجربة من قديم الزمن، فلا يجوز لهم إنكارها إلا بعد تجربتها، ولن يجربوها حتى يجدوا في ~~التجربة ولا يتخذوها عبثا أو سخرية.» وكتب له أحد الطلبة يقول: «إنه لا يصلي لأنه لا يعلم ~~ما جدوى الصلاة.» فقال له: «ألا يتعلم التلاميذ برامجهم إلا بعد أن يعرفوا تلك البرامج ~~ويعلموا جدواها؟» وقال في هذا الصدد: «إن العقل شيء عظيم، ولكنه يصبح غولا كريها إذا ادعى ~~لنفسه أنه قادر على كل شيء محيط بكل شيء، وأن نسبة هذه القدرة إليه لهي نمط رديء من ~~الوثنية. فالعقل عند هؤلاء العقليين وثن يعبدونه كما يعبد الوثني حجرا أو نصبا، ويعتقد ~~فيه أنه إله.» # وأشار إلى التجربة في حالة الإنكار فقال: «إن الذين انقطعت الصلة بينهم وبين الله وامتنعت ~~عليهم وسيلة الاتصال به بوحي الغريزة أو المعرفة أو التقليد، قد شعروا - على الأقل - بسوء ~~الحالة وجربوا أنها حالة محزنة موحشة في أعماق الطوية، ومنهم برادلو # Bradlaugh # الفيلسوف الملحد المشهور ... فالتجربة في الحالتين تدل على قيمة ~~الصلاة.» # وغاندي يذكر التجربة للذين يناقشونه في الصلاة بأساليب العلوم التجريبية، ولكن الصلاة في ~~حياته ليست تجربة ولا استطلاعا ولا وسيلة إلى غاية، إنما هي غاية الغايات؛ لأنها هي ~~التقاؤه بالروح الإلهي في أفق أعلى من أفق الحس والتفكير والمراجعة، وليس للإنسان غاية أسمى ~~من هذا اللقاء. # فإذا شعر بأنه قد صلى وأن صلاته قد استولت عليه، ونقلته من شواغل ذاته إلى أفق الروح ~~الإلهية، خرج من صلاته ماضيا فيما آمن به واتجه إليه، ولم يبال ما يعرض له من النقائض ~~والمجادلات عند التطبيق أو المناقشة؛ لأن المناقشات والمجادلات والنقائض من أحابيل ms41 الفكر ~~التي يصطاد بها صغائر الأمور، ولكنه لا يبلغ بها أن يحدق بعظائم الأمور. # وإيمان غاندي بالصلاة على هذا المعنى مفتاح من مفاتيح هذا العقل الذي كان يتناقض في ~~وصاياه وأعماله، ولم يكن من الجهل بحيث يخفى عليه هذا التناقض في لغة الفكر والتعبير، ولكنه ~~كان يحتكم بالنقائض والمناقشات إلى مرجع عنده فوق مرجع الفكر ومرجع البرهان، وهو النفاذ إلى ~~مصدر الفكر ومصدر البرهان من الروح الإلهي المحيط بكل هذا الوجود، وبكل ما فيه من الأجزاء ~~والفوارق والمفارقات. # لقد تقدم أن رسول «الاهمسا» قد بلغ من ثقته بسلاحه أنه وصفه لهتلر قبيل الحرب العالمية ~~الثانية، وقد حاول أن يقنعه بمضاء هذا السلاح في كل مشكلة، وأنه لأمضى من كل ما أعد من عدة، ~~وكل ما جند من جنود. # ولكن رسول «الاهمسا» قد عاش حتى شهد التجربة الأولى لأمضى سلاح من أسلحة الحروب عرفه ~~المقاتلون: سلاح أمضى من كل ما أعده هتلر وأعده محاربوه في فاتحة الحرب العالمية الثانية: ~~وهو سلاح القذيفة الذرية. # وظنت الصحيفة الأمريكية «مارجريت بورك هوايت» أنها تفحمه بسؤاله عما أعده لمقاومة القذيفة ~~الذرية، فلم يصف لها عدة للمقاومة غير عدته المعهودة التي تفل عنده كل سلاح: وهي اجتناب ~~العنف والصلاة. # قال: «أقاومها بالصلاة العاملة ... أخرج إلى العراء، وأدع ربان الطائرة يرى أنني لا أواجهه ~~بوجه عدو، إنه لا يرى وجهي على ذلك العلو الشاهق، ولكن الصلاة القلبية التي لا تكن له ضررا ~~ولا تنطوي على بغضاء، تبلغه في سمائه فتفتح عينيه. إن الذين أماتتهم القذيفة الذرية في ~~هيروشيما لو أنهم ماتوا وهم في صلاة عاملة، واستقبلوا الموت والصلاة في قلوبهم دون أن تنفرج ~~شفاههم بأنة ألم أو صيحة خوف، لما انتهت الحرب كما انتهت بتلك النهاية المخزية.» # ونعترف بأنه جواب غير مقنع، ولكننا نعترف أيضا بأنه ما من جواب يجيب به ناظر إلى خير ~~الإنسانية كلها، هو أدنى من هذا الجواب إلى الإقناع. # | ما هي «الاهمسا»؟ # ما هي هذه «الاهمسا» التي صيرت غاندي قديسا، وطوعت له تلك ms42 القوة التي صنع بها ما لم ~~يصنعه زعيم من زعماء بلاده؟ # إننا إذا فهمنا منها مجرد حب السلامة من طريق المسالمة كانت أسهل مذهب من مذاهب الحياة ~~يدعى إليه ويستجاب. # لأن حب السلامة غريزة في جميع الأحياء. # ولكننا إذا فهمنا «الاهمسا» هذا الفهم كان أخطأ الخطأ في عرفانها على حقيقتها؛ لأنها ليست ~~أسهل مذهب يدعى إليه ويجاب، بل هي في الواقع أصعب المذاهب في الدعوة، وأصعبها في الاستجابة، ~~وأعسرها على التنفيذ والمراعاة. # فهي أصعب من الدعوة إلى القتال؛ لأن الدعوة إلى القتال لم تعدم مجيبا في وقت من الأوقات. ~~وهي أصعب من الدعوة إلى الشجاعة؛ لأن الشجاعة قد تكون مطاوعة لدواعي الفطرة، أو دواعي ~~الحماسة الاجتماعية، فلا تعدم الدعوة إليها مجيبين في كل حين. # هي أصعب من هذه الدعوات وأمثالها؛ لأنها تتطلب مغالبة للنفس لا تتطلبها دعوة أخرى، وقد ~~تتطلب هذه المغالبة بغير فخر لصاحبها وبغير صدى من الإعجاب في نفوس أبناء قومه، ولعلها على ~~نقيض ذلك تعرضه للخزي والازدراء. # وقد تنحصر الشجاعة في ضبط النفس واستجماع قوتها في وجه الخطر، ولكن «الاهمسا» تكلف العامل ~~بها أن يضبط نفسه، ويستجمع قوته في وجه الخطر، وفي وجه الإغراء وفي وجه السمعة السيئة فلا ~~يهمه أن يوصف بالجبن إذا كان هو على يقين أنه ليس بجبان وأنه لا يخاف. # وإذا قلت: «لا خوف» فقد حصرت الشجاعة من جميع أطرافها، سواء أردت الشجاعة في المسائل ~~الجسدية أو أردت الشجاعة في المسائل الأدبية. # ولكنك لا تحصر «الاهمسا» بهاتين الكلمتين؛ لأنها تنفي الخوف وتنفي معه الكراهية، فلا خوف ~~ولا كراهية، بل شجاعة ومحبة، وهاتان الخصلتان هما «الاهمسا» في اللباب. # وقد قال غاندي غير مرة: إنه يفضل العنف على الجبن والفرار من الخطر، قال ذلك في إبان ~~الفتنة الهندية سنة 1920. وقال يومئذ: إنه يفضل العنف ألف مرة على مسخ النوع برذيلة الجبن ~~والفرار، ومن كان لا يبالي أن يقتل ويقتل فهو خير ممن يفر من النزال؛ لأنه يخاف القتل في ~~مشتجر القتال. وقد كان يعلم الآثمين ms43 أنفسهم أن الفرار من الرذيلة أحجى بهم من الفرار من ~~الموت: جاءه متهم مرة في جريمة سرقة واعترف له بالجريمة، فقال: عجبا! إنك كنت تعلم أنك ~~تسرق وكنت تعلم العقاب على السرقة فلماذا فعلتها؟ قال الرجل مقتنعا: لأنني لا بد أن أعيش ... ~~فأعاد غاندي كلمته مقتنعا أيضا: لا بد أن تعيش! لماذا؟ يريد أن يقول: إن العيش مع الرذيلة ~~خير منه الموت. # ف «الاهمسا» هي ترك العنف شعورا بالقوة والقدرة النفسية، وليست هي ترك العنف شعورا ~~بالضعف وعجزا عن المقاومة. # وقد كانت دعوة «الاهمسا» أصعب الدعوات في الهند خاصة، حين تصدى غاندي للتبشير بها ~~وإحيائها في الآداب الهندية؛ لأن دعوته قد صادفت الثورة الوطنية في إبانها، وصادفت كفرانا ~~من أبناء الهند بعقيدتهم القديمة في السماحة والمسالمة، إذ كانت فيهم من يعلل سطوة الإنجليز ~~وخنوع الهنود بأن الإنجليز يأكلون اللحوم، وأن الهنود يحرمون أكلها ويعيشون على غذاء ~~النبات، وشاعت بينهم أغنية بهذا المعنى يرددونها في المدارس والمحافل، فكانت دعوة غاندي ~~يومئذ تقاوم تيار الشعور في الهند نفسها، وإن كانت من أعرق الدعوات في البلاد. # ولم يكن غاندي نفسه يجهل ما في غذاء اللحوم من الفائدة الجسدية. فقد كان يرى من علاج ~~الجرحى أن آكلي اللحوم يقاومون النزف، وتندمل جراحهم قبل اندمال الجراح في آكلي النبات، ~~وكان يرى أن القوة البدنية أعم وأظهر في آكلي اللحوم، ولكنه كان يقول: إن القوة الإنسانية ~~لا تأتي من قوة العضلات بل من قوة الإرادة، وإن غلبة الروح على البنية أليق بالإنسانية من ~~غلبة البنية على الروح. # وكل دين عرضة لأسئلة التعجيز أو التنطع من طلاب الفتاوى المتمحلين، فلم يعدم غاندي عشرات ~~الأسئلة من هذا القبيل، إما تعجيزا له أو رغبة في استيفاء العمل بنصيحته، فمنهم من كان ~~يسأله: هل يجوز لي أن أقتل الثعبان، أو يجب علي أن أتركه يمضي لسبيله؟ ومنهم من كان ~~يسأله: هل تنفق الهند على جيش مسلح أو لا تنفق عليه؟ # فكان يجيب على كل سؤال من هذه الأسئلة بما يناسبه ms44 ويحصره في حدوده. كان يقول لسائله عن ~~الثعابين: إنك لا تقتل ثعابين الغضب والجشع التي في صدرك ، ثم تبحث عن الثعابين التي قد ~~تصادفها في طريقك. إن هذه الثعابين ليست بمشكلة خلقية، وإنما المشكلة الخلقية أن تقتلع جذور ~~الكراهية والاندفاع مع الشهوة والهوى من صميم نفسك، وأنت في حل بعد ذلك من كل صنيع تدفع به ~~الأذى في غير عداوة ولا انتقام. # وكان يقول لسائليه عن الجيش: إن مسألة الجيش مسألة سياسية يحلها السياسيون، ولكن ~~«الاهمسا» مسألة خلقية يحلها كل إنسان لنفسه ليضبط عنانه في يمينه، وهو المرجع في كل فتوى ~~تعرض له متى اطمأن من وسواس الجبن والكراهية والكبرياء. # هذه هي خلاصة «الاهمسا» كما كان غاندي يبشر بها أبناء أمته، وأبناء كل أمة تصل إليهم ~~دعوته. # وهي ولا شك دعوة لا تقبل كلها ولا ترفض كلها، ولكنها خليقة ألا تبخس حقها بسوء التصور أو ~~سوء التطبيق. # وقد تتوقف كلها على فهم المراد بالعدوان أو سبب العدوان، فربما كان العدوان الأكبر في ترك ~~المعتدي يفعل ما يشاء، وهو في أمان من سوء عقباه. # وقد صدق غاندي حين قال: إن العقل الذي كشف عن «الاهمسا» عبقرية أعظم من نيوتن وأشجع من ~~ولنجتون، ولكنه قد يكون كذلك، ولا يلزم ضرورة أن تكون هذه العبقرية في عصمة من الخطأ ~~والإسراف. # | «الاهمسا» من الوجهة العلمية # في الوقت الذي قام فيه غاندي بالدعوة إلى السلام واجتناب المقاومة العنيفة، كانت أوروبة ~~تضطرب بدعوة أخرى تناقضها تمام المناقضة، وهي دعوة القوة والقسوة، أو دين القوة كما سماه ~~أتباعه ومروجوه. # وكانت الدعوة إلى دين القوة تنبعث من جانب الفلاسفة والمفكرين، كما تنبعث من جانب الساسة ~~وقادة الجماهير. # فانتشرت النازية والفاشية في أوروبة الوسطى وأوروبة الجنوبية، وقام لها أنصار في البلاد ~~التي تزعزعت فيها مبادئ الديمقراطية، أو عجزت فيها الديمقراطية عن حل مشكلاتها وتعزيز ~~الرجاء في تحقيق مثلها العليا. # وكانت الشيوعية تحارب النازية والفاشية، ولكنها لا تخالفها في الإيمان بالقوة والاعتماد ~~عليها وحدها في إتمام الانقلاب الذي يقضي على ms45 نظام رأس المال، ويقيم النظام الشيوعي في ~~مكانه. # وكان من الطبيعي أن تثير هذه الدعوة المطبقة مخاوف أنصار السلام، ولا سيما بعد الحرب ~~العالمية الأولى التي ابتلي فيها الأوروبيون من شرور الحرب بما بغضها إليهم، وضاعف مساعيهم ~~في منع الحروب وتقرير مبادئ الوساطة والتحكيم. فنشأت جماعات الأمم وكثر دعاة السلم ~~والمسالمة، وتصدى للكتابة في هذا الغرض نخبة من أقطاب المفكرين وحملة الأقلام وتحول الأمر ~~إلى عقيدة شعورية لفرط النفور من الحرب، وشدة الحاجة إلى إيمان يقابل إيمان المبشرين بدين ~~القوة وشريعة العنف والقسوة. # وانتقل صدى «الاهمسا» إلى أوروبة فوصل إليها في أوانه، ودان بها بعض كتابها على طريقة ~~الغربيين في كل دعوة، وهي عرضها على العقل من جانب البحث والعلم، غير مكتفين بالبشارة ~~الروحية أو المواعظ الدينية على طريقة دعاة «الاهمسا» من الهنود. # ومن خيرة الكتاب في هذا الغرض - على هذا النحو - «ريتشارد جريج # Gregg ~~» صاحب كتاب «قوة اللاعنف أو المسالمة» # The Power ~~. # فإنه قد حشد لتعزيز هذا المذهب كل ما يمكن أن يحشد له من تقريرات العلوم الحديثة، وفي ~~مقدمتها علم الحياة وعلم النفس، واستشهد بتجارب التاريخ كما استشهد بكل تجربة نافعة من ~~تجارب الزمن الأخير. # ومن أمثلة آرائه التي تدل على منحى تفكيره، قوله في تعليل الخوف والغضب: «إن لهما - من ~~الوجهة الفزيولوجية - وظيفة نافعة وهي إعداد البنية للعمل عند الحاجة إلى الهرب أو القتال، ~~ويشتمل هذا الإعداد على استنهاض قوى البنية وحفزها بجملتها: دماغا وأعصابا مسيطرة على ~~العضلات الخاضعة للإرادة، أو أعصابا مسيطرة على العضلات التي تعمل من تلقائها، أو جهازا ~~للتنفس، أو نظاما للدورة الدموية، أو إفرازا من بعض الغدد التي تدخل فيها الغدة الدرقية ~~والغدة الكظرية والكبد؛ لتقذف في مجرى الدم من المواد ما يصلح لتوليد الطاقة والحركة. وإذا ~~كانت الأفكار على الأغلب الأعم في طبيعتها من قبيل الخطط التي ترسم وسائل العمل الممكنة، ~~كان من شأن الخوف والغضب أن يعملا في العقل كذلك، بحيث يمكن أن يقال: إن الخوف والغضب ~~يعتبران حالة انتقال من ms46 نشاط أقل إلى نشاط أوفر وأقوى.» # وعرض للناحية النفسية فاستشهد بقول العالم النفساني شاند # Shand ~~: إن الدهشة تجب شعور النفور والاشمئزاز والاحتقار بما هو موضوع ~~للدهشة، فإذا اعتدى إنسان على إنسان فقاومه المعتدى عليه عنفا بعنف وقسوة بقسوة، فماذا ~~يكون من أثر ذلك في نفس المعتدي؟ إنه يزداد إيمانا بصحة الوسيلة التي استخدمها واعتبارها ~~مرجعا صالحا لتسوية النزاع بينه وبين خصمه، فلا يتزلزل اعتقاده بحقه فيما عمل، بل يتأكد ~~عنده هذا الاعتقاد وينشط للمضي في عدوانه. ولكنه إذا اعتدى فلم يلق من المعتدى عليه مقاومة ~~من طبيعة اعتدائه، فقد يقع في روعه لأول وهلة أنه جبن ومهانة وضعف من ذلك المعتدى عليه، ~~ولكنه لا يلبث أن يعلم من مظهره ومخبره أنه ليس بالجبان ولا بالمهين في نظر نفسه حتى تأخذه ~~الدهشة، فيكف عن الاحتقار والترفع، ويرجع إلى نفسه فيحاسبها على اعتدائه، ويستطيع أن يدرك ~~في هذه الحالة أن الاعتداء مخجل لصاحبه، وليس بالمرجع المعترف به في معاملة غيره. # ولا نزاع عندنا في صواب هذه التقريرات من الوجهة الفزيولوجية أو الوجهة النفسانية، ولكنها ~~فيما نرى محل نزاع كثير في تسويغ «الاهمسا» على إطلاقها، أو في القول: بأن المقاومة من جنس ~~العمل أمر لا تدعو إليه الحاجة في حياة الفرد أو حياة الجماعة. # فقد تكون عوارض البنية التي تنفع الإنسان في حالة الغضب أو الهرب تدبيرا فيزيولوجيا لا ~~تدعو الحاجة إليه الآن كما كانت تدعو إليه أيام الهمجية الأولى، أو قبل هذا الطور من أطوار ~~الحضارة، وهو طور لا ينتفع فيه الإنسان بالغضب والخوف على ذلك المنوال، ولا يحتاج إلى الهرب ~~ولا إلى النزال كلما غضب أو خاف. # لكن الواقع أن الأخلاق جميعا تقترن بحالات جسدية من هذا القبيل، وأن الدواعي الجسدية قد ~~تزول ويبقى الخلق لازما بعد بطلان الأسباب التي أوجبت دواعيه الجسدية. # ومثال ذلك خلق «الأنفة» وهو كما يدل عليه اسمه، خلق كان في نشأته مقترنا بحركة تلاحظ على ~~الأنف خاصة. # فإن الإنسان إذا أنف في عصر الحضارة من بعض ms47 ما يسمع به أو يراه، شمخ بأنفه أو قبض منخريه ~~أو أشاح بهما إلى هذا الجانب أو ذاك، كأنما يتقي رائحة كريهة يعافها ويود الابتعاد ~~عنها. # وكان أصل هذه الحركة الجسدية فعلا هو اتقاء الروائح الكريهة التي لا يحب الإنسان أن تسري ~~إلى صدره، ثم أصبحت هذه الحركة الجسدية ملازمة للأنفة من الأشياء التي لا رائحة لها ولا ~~علاقة لها بالمنخرين أو بالنفس الذي يدخل إلى الرئتين. # كذلك يبصق الإنسان أحيانا علامة على الامتعاض والاستهجان، وما هي في الأصل إلا حركة ~~جسدية تعليلها هياج غدد اللعاب عند مقابلة النظر أو الشم لشيء لا يقبله الجوف، ثم انتقلت من ~~المحسوسات إلى الأشياء التي لا يقبلها العقل أو الضمير. # ويتطاول الإنسان إذا وقف في مواقف الصولة والكبرياء، وكان ذلك مما ينفعه أمام خصمه ليروعه ~~بامتداد أعضائه وقوة جسده. ولكنه الآن يتطاول كلما اعتز بقوة نفسية أو جسدية، وقد تكون ~~القوة نفسية محضا لا تقع عليها العين. # ويشير الإنسان بظهر يده في غير جهد ولا اكتراث إذا استخف بأمر من الأمور، وكأنه يدفع ~~شيئا بلغ من خفته وهوانه، أنه يدفع بأيسر حركة من أصابع اليد الواحدة. # وهو إذا استخف عقله، أو استخفت نفسه بذلك الأمر، لا يدفع شيئا يدفع باليدين على أية ~~حال. # فالحركات النفسية قد تقترن بحركات جسدية بطلت حكمتها أو بطلت موجباتها «الفزيولوجية»، ~~ولكن بطلان تلك الموجبات لا يدل على بطلان الحركات النفسية التي تلازمها، ولا يفيد أن الغضب ~~والخوف مثلا لا ينفعان اليوم لأن العوارض الجسدية التي لازمتهما زمنا طويلا كانت نافعة ~~من الوجهة الفزيولوجية، ثم بطل نفعها في عصر الحضارة من هذه الوجهة. # فإن الغضب والخوف قد ينفعان اليوم من الوجهة النفسية، وإن لم تستفد بنية الإنسان من هياج ~~الغدد أو تيقظ الأعصاب وتنبه الدماغ. # أما أن المعتدي يخجل من اعتدائه إذا رأى السماحة من المعتدى عليه في غير جبن ولا استكانة، ~~فذلك صحيح في كثير من المعتدين، وله ولا شك أثره في تأنيب الضمير وتعويده الكف عن العدوان، ms48 ~~وقلة الاعتزاز به والالتجاء إليه. # ولكننا، سواء حدث هذا أو لم يحدث، لا يصح أن نفهم منه أن الخير قوة «سلبية » لا عمل لها ~~إلا أن تترك الشر يعمل ثم تقابله بالسماحة والإغضاء. # فهل قصارى الخير أنه لا يقاوم الشر؟ وهل من حق الشر وحده أن يبدأ بالعمل ويتمادى فيه، وأن ~~نترك له أن يخجل أو لا يخجل من عاقبة عمله؟ # ألا يوجد ثمة نوع من الكبح والزجر يعيد المعتدي إلى ضميره فيشعر بتأنيبه ويرجع عن ~~عدوانه؟ # ألا يلزم أن يشعر المعتدي بعجزه عن الاعتداء في كثير من الأحيان؟ # أليس هناك فرق بين من تأصلت فيه ضراوة العدوان وبين من يستسهله لأمان عقباه، وهو على ~~استعداد للرجوع عنه إذا لقي المقاومة من أول اعتداء ...؟ # ألا يكون الخير خيرا إلا إذا ضربه الشر فصفح عنه؟ # ألا يجب على الخير أحيانا أن يضرب الشر وهو خير لا يزال؟ ~~••• # فإذا قصرنا الخير على المسامحة، أو جعلناه فضيلة سلبية أو فضيلة مجاوبة، فقد يصح على ~~احتمال من الاحتمالات أن الكف عن مقاومة الشرير تصلحه في حالات، ولا تصلحه في حالات. # وينبغي أن تهدينا دهشة الشرير من الكف عن مقاومته إلى حقيقة نفسانية أخرى جديرة بالاعتبار ~~في معاملة الأشرار، وهي أن هذه الدهشة تدل على إيمان متأصل في النفس الإنسانية بأن رد ~~العدوان إليها جزاء معقول يصيبها بالحق. فهو من ثم لا يضريها بالشر ولا يملي لها فيه، كلما ~~اعتدت فقوبلت بمقاومة الاعتداء، وبخاصة حين تجيء المقاومة من المجتمعات التي تتولى صيانة ~~نفسها بأحكام القوانين، لانتفاء «البواعث الشخصية» هنا وصدور الحكم ممن ليست له فيه مصلحة ~~أو دافع انتقام. # أما إذا اعتبرنا الخير قوة عاملة أو قوة إيجابية، فمن الواجب إذن أن تعمل وأن تزيل ~~الموانع من طريقها، وكثيرا ما تكون إزالة الشر وإزالة الشرير شيئين متلازمين. # وأيا كان الأثر في نفس الشرير فمما لا شك فيه أن إزالة شرير من العالم أربح للعالم من ~~إزالة خير انتظارا لإصلاح شرير؛ لأن بقاء الخير المضمون أربح ms49 للعالم من الرجاء في خير ~~فقط، قد يكون وقد لا يكون. ~~••• # لكن العبرة في مذهب «الاهمسا» بعد هذا كله، هي أن المذاهب الإنسانية تتوازن وتتقابل، ~~وينطلق أحدها إلى أقصى الشدة فينطلق الآخر إلى أقصى اللين. # ف «الاهمسا» معقولة إذا كان في العالم مذهب ينادي بأن القسوة دين مقدس، وأن القوة الغاشمة ~~مقطع الحق كله، وأن البطش بالضعفاء حق مطلق للأقوياء، وأن العلاقة بين القوي والقوي لا تكون ~~إلا علاقة نزاع وغلاب. # هذا الغلو في العنف يقابله ذلك الغلو في اللين. # ولا بد من قوام بين الطرفين النقيضين، وهو قوام الأمر الذي أخذت به العقيدة الإسلامية، ~~فلا اعتداء ولا قبول للاعتداء، وإذا صفحت فذلك حق لك، ولكنه ليس بحق عليك في كل حال. # ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~. # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم ~~. # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~. # إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان ~~. # فمن تصدق به فهو كفارة ~~له ~~. # وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله ~~غفور رحيم ~~. # وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم والله غفور رحيم ~~. # في هذا القوام بين طرف العنف وطرف اللين صلاح الأخيار والأشرار، فالعدوان ممنوع ورد ~~العدوان حق، والصفح عنه جائز لمن يطيقه أو لمن يراه. # وبهذا يخرج الخلق من «الآلية» إلى مجال التصرف الإنساني الذي يليق بذوي النفوس والعقول، ~~فلا عدوان في كل حال، ولا مسالمة في كل حال؛ لأن هذا وذاك عمل آلات لا تفرق بين موضع العنف ~~وموضع اللين، وإنما يكون الخلق خلقا حين يتعالى عن صنيع الآلات. # والإنسانية بحمد الله لا تأخذ كل ما يقوله الدعاة ولا تنبذ كل ما يقولون، بل هي لا تأخذ ~~ما تظن أنها أخذته، ولا تنبذ ما تظن أنها نبذته، وإنما يخلص لها ما تعرفه وما لا تعرفه من ~~تلك الدعوات. # وفي ذلك آية شاهدة على أنهم جميعا مسوقون لما يراد بهم لا لما يريدونه، أو هي آية شاهدة ~~على عناية من فوق إرادة ms50 الإنسان. # وإذا ألقى هذا الصيدلي في بوتقة الدواء عقارا غير صالح، وألقى ذلك الصيدلي فيها عقارا ~~آخر غير صالح، ثم خرج من هذه العقاقير كلها دواء فيه صلاح، فذلك دليل على الطب ودليل على ~~الطبيب. # | ثقافة غاندي # كتب غاندي في صحيفته مرة عن الطالب والمطالعة، فقال عن الأدب المكشوف: «لقد كان رينولد - ~~أحد الكتاب المشهورين بوصف المناظر المكشوفة - صاحب حظ بين الطلاب في أيام تلمذتي، فلم أنج ~~من قراءته إلا لأنني كنت أبعد شيء عن أن أوصف بالطالب الألمعي، ولم أعن قط بالخروج من نطاق ~~الكتب المدرسية، ولكنني ذهبت إلى إنجلترا فوجدت مع هذا أن أمثال هذه القصص منفية من كل بيئة ~~متحشمة، وأنني لم أخسر شيئا إذ لم أطلع على واحدة منها ...» # ونحن نفهم هذه الكلمة فهما صحيحا إذا فهمنا منها أن «المهاتما» لم يكن متبحرا في ~~المطالعة، ولم يكن قط من أولئك الذين يوصفون بين الغربيين بأنهم ديدان كتب أو أحلاس ~~مكتبات. # ولكننا نخطئ فهمها إذا خطر لنا أن نصيب الرجل من الثقافة كان نصيبا نزرا بين أمثاله، أو ~~أنه عاش في عزلة عن ثقافة الأمم الأخرى، وبخاصة ثقافة عصره، ونعني بها ثقافة القرن التاسع ~~عشر على التخصيص. # فالواقع أن غاندي لم يكن منزور الحظ من الاطلاع، ولم يكن مقصورا في قراءته - أثناء ~~التلمذة في أوروبة - على الدروس التي كان متخصصا لها بحكم هذه التلمذة، وهي دروس التشريع ~~والعلوم السياسية. # فقد اطلع على أفلاطون وترجم منه «دفاع سقراط» إلى اللهجة الجوجراتية، وهي لهجته ~~الوطنية. # واطلع على كارل ماركس، وجون ستيوارت ميل. # وأعجب بتولستوى الروسي، وماتسيني الإيطالي. # وتتبع آثار «رسكن» وترجم له كتابه «حتى هذا المصير» # Unto this ~~last # إلى اللهجة الجوجراتية. # وكان يقرأ «ماكولي» ويستطيب أسلوبه وبراعته في تعبيره. # وكان يستحسن «ثورو» الأمريكي، ويعجب بمعيشته وآرائه. # ودرس اللاتينية فاستطاع أن يتذوق فيها عيون الأدب القديم في بلاغته الأصيلة. # وقليل من المصلحين الشرقيين في زمانه من أخذ بنصيب من الثقافة العامة أوفى من هذا ~~النصيب. ~~••• # غير أننا نخطئ مرة ms51 أخرى إذا فهمنا من هذا أنه تتلمذ لواحد من هؤلاء وتوجه معه إلى وجهته ~~الفكرية أو الروحية، وإنما كان يتجه إلى الكاتب أول الفيلسوف حين يجده في اتجاهه الذي نشأ ~~عليه بين أبيه وأمه؛ فيختاره لأنه نهج من قبله في طريقه المرسوم. # وخير ما يقال في علة اغتباطه بهؤلاء الكتاب والمفكرين أنه شبيه باغتباط الإنسان حين يحل ~~في بلد غريب، فيعثر فيه على أناس يتكلمون بلسانه، ويعرفون بلده، ويذكرونه بوطنه ~~الأصيل. # فلم يعجب بأحد من كتاب أوروبة في زمانه كما أعجب بتولستوي ... قرأ قصصه الكبيرة والصغيرة، ~~وكتب إليه، واعتز بجوابه، وأطلق اسمه على مزرعته التي أنشأها في أفريقية الجنوبية للرياضة ~~الجسدية والروحية، وكان يستشهد به في عظاته ومقالاته. فلم يجد مثلا يذكره عند الكلام على ~~تحريم التدخين غير مثل السكران الذي قال تولستوي في بعض أقاصيصه: إنه تردد عن الجرم وهو ~~سكران، ثم أقدم عليه بعد تدخين سيجارته، وهو مستريح إليه. # ولكنه أحب تولستوي لتبشيره بالمقاومة السلبية، واجتناب العنف والثورة الدموية، ولم تكن ~~هذه المقاومة إلا شعبة واحدة من شعب العقيدة التي شب عليها غاندي، وهي عقيدة «الاهمسا» التي ~~تقدمت الإشارة إليها. # كذلك أحب «ثورو»؛ لأنه كان يوصي بالعصيان المدني # Civil-disobedience # ويتنسك بين أحضان الطبيعة. # ولم يستحق «رسكن» إعجابه بما كتبه عن نقد الفنون، وشرح مذاهب التصوير، ولكنه استحق منه ~~هذا الإعجاب بنزعته «النباتية» وإنحائه على الصناعات الكبرى؛ لأنها تمسخ الإنسان وترده إلى ~~عداد الآلات في تفكيره وعمله. # وكانت حقوق الإنسان وحقوق الأمم، هي أهم ما استهواه في ماتسيني زعيم النهضة ~~الإيطالية. # وكان الإنحاء على «رأس المال» شفيع كارل ماركس لديه ولم يوافقه في شيء غير هذا من دعوته ~~إلى الثورة والانقلاب. # وكان يدرس «جون ستيوارت ميل»؛ لأنه كان نبي الحرية بين فلاسفة العصر الحديث، ويقرأ ~~«ماكولي» لأنه عاش في الهند، وتكلم عن تاريخها وعلق بعض التعليق على أدبها القديم. # ولم تعنه قط مدرسة فكرية في بلاد الإنجليز كما عني بمدرسة المتصوفين الروحانيين ~~“Theosophists” # لأنهم هم أنفسهم يرجعون إلى كتب ms52 الهند ~~ومراجع الشرق القديم. # ومن عجائب أطواره في التثقيف، أنه دان بكتب الهند الدينية ولم يطلع عليها في اللغة ~~السنسكريتية، فلما وصل إلى إنجلترا قرأ سفر «البهاجفاد» # Bhagavad ~~Gita # في ترجمته الإنجليزية التي ترجمها السير «إدوين أرنولد»، وسماها ~~بالقصة السماوية # The Story Celestial ~~. # فالرجل لم «يتكون» بمادة هذا الغذاء الذي أقبل عليه في أوروبة؛ ولكنه أقبل عليه لأنه صاحب ~~«قابلية مكونة» تتغذى بما تشتهيه، وتختار لبنيتها ما يوافقها من الغذاء. ~~••• # ويبدو لنا أن دروسه التي تخصص فيها لم تعطه من هذا الغذاء غير ما أراد أن يأخذ ~~منها. # فقد تخصص للتشريع والعلوم السياسية، ولكنه أخذ من هذه الدروس ما يوافقه في منحاه ورسالة ~~حياته، ولم يستفد منه شيئا في أعمال المعيشة أو خطط السياسة. # فقد تعلم ليكون محاميا في دور القضاء. # ولكنه لم يفلح في المحاماة، وما كان ليستطيع أن يفلح فيها. # لأنه أبى كل الإباء - حين عاد إلى وطنه - أن يستعين بسماسرة القضايا الذين كانوا عمدة ~~المحامين الناشئين في ترويج شهرتهم، ولا يزالون كذلك إلى الآن. # وعز عليه في أول قضية قبل توكيلها أن يرهق المدعى عليه بالأسئلة المحرجة، فكان حرجه هو في ~~المحكمة أشد من حرج المدعى عليه. # وحدث في أفريقية الجنوبية أن صاحب قضية خدعه عن حقيقة دعواه، فأخفى عنه بعض الحقيقة وصور ~~له بعضها على غير صورتها، فلما اتضح له من مناقشة خصمه أمام القضاء أن المدعي مبطل وأن ~~المدعى عليه مظلوم، نهض - في كثير من الخجل - معتذرا للمحكمة، طالبا منها رفض القضية؛ ~~لأنه علم من حقيقتها في تلك الساعة ما لم يكن يعلمه حين قبل الوكالة فيها. # ولما سافر إلى أفريقية الجنوبية، كان سفره بدعوة من أبناء إقليمه الذين كانت لهم تجارة ~~واسعة في عدة بلاد منها، وكان عمله أن يساعد كبار المحامين من الإنجليز في بعض قضاياهم ~~الكبرى، فلم يسترح ضميره إلى هذه الخصومة التي ظهر له أنها في غير طائل وفي غير موجب، وأنها ~~قابلة للصلح والتوفيق، وجعل همه الأول أن يسعى في ms53 الصلح بين الفريقين، ولو كان في ذلك ~~اقتضاب لطريقه إلى الشهرة والانتفاع. # وأخذ على نفسه عهدا، لا يطالبن أحدا بحق له من طريق المحاماة، ولا يستخدمن هذه الصناعة ~~لنفسه، ولا يستخدمنها لغيره إلا دفاعا عن مظلوم أو حق مهضوم. # وفحوى ذلك أن هذا الرجل الذي لقبوه وصدقوا في تلقيبه: بالروح العظيم، كان صاحب «روح» ناضج ~~التكوين حين قرأ لثقافته، وقرأ لصناعته على السواء، فلم يأخذ من تفكير عصره ولا من دروس ~~صناعته، إلا ما تطلبته «بنيته الروحية» وهي عالمة بما يصلح لها من غذاء، ومن وسيلة قوة ~~ونماء. ~~••• # وكأنما ختم غاندي مطالعاته الأدبية باختتام عهده في المطالعات المدرسية، فلم يرو عنه أنه ~~توفر على قراءة قصة أو كتاب من كتب الأدب بعد عودته من البلاد الإنجليزية، وصرف اهتمامه كله ~~إلى دراسة كتب الأديان والعقائد على اختلافها، فقرأ القرآن والأناجيل في ترجماتها ~~الإنجليزية، وقرأ كتب الديانة الصينية والديانة المجوسية في تلك اللغة، وقرأ طرفا من علم ~~المقابلة بين الأديان، وانتهى منها على أن الديانات العظمى جميعا موحاة من عند الله، وأنه ~~لا خير في تحول المؤمن من دين إلى دين، وإنما تصلح البرهمي أو المسيحي أو المسلم بأن تجعله ~~برهميا أحسن أو مسيحيا أحسن، أو مسلما أحسن وذلك ميسور له مع البقاء على دينه، ما دام ~~في دينه ما يوصيه بالحق والخير والصلاح والمودة لجميع الناس. # وقد لوحظ على غاندي أنه أغفل جانب الفن في عمله وفي وصاياه، فلم يشغل باله بالصور ~~والتماثيل والشعر والموسيقى وغيرها من الفنون الجميلة، واتفق مريدوه وناقدوه على هذه ~~الملاحظة، وسأله غير واحد من المريدين عنها فأجابهم بما أقنع بعضهم ولم يقنع ~~الآخرين. # من هؤلاء طالب اسمه راماشندران # Ramachandran # قدمه إليه ~~صديقه الإنجليزي مستر «أندروز»، فلازمه أياما وجعل يناقشه ويستفسره في مضامين فلسفته ~~واعتقاده، فكان جواب غاندي له حين سأله عن الجمال ما فحواه: إن الأشياء حقيقة وظاهر، وإنه ~~لا يحفل بالظاهر ما لم تكن فيه دلالة على الحقيقة الباطنة. # قال الطالب: أليس في الفن تعبير ms54 عن قلق النفس وجيشانها بالحس في كلمات وألوان ~~وأشكال؟ # قال غاندي: ولكن أصحاب هذه الفنون لا يحفلون كثيرا بعمل الروح. # وسأله الطالب مثالا، فمثل له بفن أوسكار وايلد؛ لأن قضيته وكتبه كانت حديث الناس في أيام ~~مقام غاندي بالبلاد الإنجليزية. # قال الطالب: لقد زعموا أنه أعظم فنان بين أدباء زمانه. # قال غاندي: نعم، «إنما كان وايلد يرى الفن الأعلى في الصورة الظاهرة؛ ولهذا نجح في تجميل ~~الرذيلة، وكل فن حق فمن الواجب أن يعين الروح على تحقيق جوهرها الأصيل، وإنني فيما يخصني ~~أرى أنني أستطيع أن أصرف النظر عن جميع المظاهر في تحقيقي لجوهر روحي، وأستطيع أن أدعي أن ~~في حياتي ما يكفي من الفن، وإن كنت لا ترى حولي ما تسميه آيات فنية.» # قال الطالب: إنهم يجدون الحق في الجمال. # قال غاندي: بل أحرى أن نجد الجمال في الحق. # فسأله الطالب: ألا يمكن الفصل بين الاثنين؟ # فأجابه غاندي سائلا: أترى كل امرأة وضاحة الملامح جميلة، ولو كانت تنطوي على نفس ~~خبيثة؟ # فقال الطالب: إن الفنان في هذه الحالة يودع بين طيات ملامحها ما ينم على خبث ~~نفسها. # قال غاندي: إذن نرجع إلى الباطن في تحقيق معنى الجمال، أو نرجع إلى أن الملامح الظاهر ~~ليست هي الجمال. # وعاد الطالب يسأله: كيف نفهم إذن أن كثيرا من الآيات الفنية الجميلة قد خلقها أناس لم ~~يكونوا على خلق جميل. # فقال غاندي: كل ما يفهم من هذا أن الحق ونقيضه قد يتجاوران، وأنهما لا ينفصلان في جميع ~~الأحوال. # وختم هذا الحوار قائلا: لا يكون شيء من الأشياء جميلا إلا بمقدار دلالته على خالقه، ~~وإلا فكيف بغير ذلك يوصف بالجمال. # وبدا على الطالب أن المهاتما أقنعه برأيه، فتمنى لو أنه يكتب في نقد الفنون على هذا ~~الأسلوب، فاعتذر «المهاتما» لأنه لا يحسب نفسه من ذوي الاختصاص في نقد أعمال الفنانين ~~... # وهذه ولا شك وجهة نظر ناسك، معرض عن فضول العيش وزخارف الأشياء، ولكنها مع هذا وجهة نظر ~~يأخذ بها كثير من الكتاب الفلسفيين الذي ms55 يرفعون أعمال الفن إلى الذروة العليا بين شواغل ~~الإنسان في كل زمان، ومنهم أروين إدمان # Irwin Edman # الذي ~~يقول في كتابه مسألة الفلاسفة Philosophers Quest ~~: «إن هذه ~~اليقظة للكون كله - لا للصورة والنغمة - هي غاية كل من يسمون إلى اليقظة الكاملة ولا بد لهم ~~- إذا أرادوا أن يبلغوا هذه الغاية - من أن يذهبوا وراء الفنون ووراء الفلسفة، وإن ذهبوا ~~إلى هذه الغاية من طريق الفلسفة نفسها، إلا أنهم لا ينبغي أن يقفوا عند خطوات النقاش والبحث ~~والتفكير، بل عليهم أن يذهبوا وراء الكشف والرؤية؛ ليروا ثمة أن الكون كله يصبح أمامهم كأنه ~~الصورة أو اللحن في نظر الناظر وسمع السامع المستغرق في الرؤية والسماع، هناك يبدو كل شيء ~~واضحا في سره وعجبه، وينظر الشاب الذي راض روحه هذه الرياضة فإذا هو ناظر بكل ما فيه من ~~قوى الروح التي استولى عليها هذا الشعور، وإذا هو في يقظته قد تخلص من نفسه مضحيا مفاديا ~~ليمتزج بما وعاه.» # ومهما يكن من حكم النقد الفني على هذه النظرة، فإن هذا النقد لا ينفي - ولا يستطيع أن ~~ينفي - أن المرء قد ينظر هذه النظرة إلى الفنون ولا يحرم حظ المتعة بجانب من جوانب الجمال، ~~وقد كان غاندي على التحقيق يستمتع من الجمال بكل طيب بسيط، فكان يطرب للأناشيد الروحية، ~~ويبتهج برقص الأطفال، ويهش لرؤية الأزهار والمروج، وكان أسلوبه الكتابي نفسه أسلوبا رائقا ~~صافيا لا يخلو من نغم وجمال وإن خلا من كل تنميق، وقد اعتبر الموسيقى عاملا من عوامل ~~التربية القومية ولا سيما رياضة الجماهير ... لأن الجماهير تحتاج إلى النظام والأنغام نسق ~~ينهي عن الفوضى. وأسف لأن الموسيقى في الهند نعمة مقصورة على الخاصة، وقال غير مرة: إنه يود ~~لو استطاع أن يفرض تعليمها فرضا وأن يشترط في جميع المؤتمرات الكبرى أن يحضرها كبار ~~الموسيقيين. # ولا خفاء بعد هذا كله في مكان الفنون عند غاندي بالنسبة إلى الصناعات، فإن نصيب الصناعات ~~من عنايته كان أوفر جدا من نصيب الفنون. # ولكننا خلقاء أن نفرق هنا ms56 بين نوعين من الصناعات على حسب الآلات التي تستخدم فيها. # فالصناعات التي يسخر فيها الإنسان للآلة شر على ملكات الروح. # والصناعات التي تسخر فيها الآلة للإنسان خير لملكات الروح. # تلك تجعل الإنسان عبدا للآلة، وهذه تجعله سيدا للآلة وسيدا لنفسه، وهذه هي تربية الروح ~~وتربية الجسم وسبيل الاستغناء. # وكل شر في العصر الحديث - على رأي غاندي - فهو راجع إلى تلك الآلات التي حولت الإنسان إلى ~~آلة معلقة بها، وزادت حاجاته فزادت أعماله، وزادت - تبعا لذلك - هذه العبودية للصناعة ~~والمصنوعات. # وكل خلاص من هذا الشر فإنما سبيله وضع الآلة في موضعها، وهي أن تصبح في يد الإنسان، فلا ~~يعمل يومئذ أكثر مما يحتاج إليه. # لهذا قرر في برنامج تعليمه أن تكون الصناعة اليدوية درسا إلزاميا لكل تلميذ في كل ~~مرحلة من مراحل الدراسة، وأخذت حكومة الهند الوطنية برأيه في برامجها الحديثة. # وهذه البرامج - في رأي غاندي - هي في وقت واحد تربية روحية وحل لمشكلة من أعصى مشكلات ~~الاجتماع في الحضارة العصرية. # وليس هذا الرأي بخلو من الصواب. # لأن الحقيقة المتفق عليها أن حسن الإنسان وعقله قد استفادا من مرانته على الصناعات ~~اليدوية. ويقول بعض علماء النفس المحدثين: إن نمو الخلايا الصفراء في الدماغ قد نشأ من ~~استخدام الإنسان لأصابعه وإبهامه. وقد وافق غاندي على اعتقاده في شرور الصناعات الكبرى قائد ~~عسكري من نقاد التاريخ: هو الجنرال فلر # Fuller # صاحب كتاب ~~التسليح والتاريخ فقال في كتابه هذا: «إن الحرب وباء كامن في الحضارة الأوروبية؛ لأنها تدور ~~في حلقة مفرغة من الحرب والصناعة ... فإن القوى الآلية تؤدي إلى البطالة، والبطالة تزيد في ~~نزعة الخصومة، ونزعة الخصومة تتطلب عدوا تخاصمه، والسياسة تدبر لها ذلك العدو، فتأتي ~~الحرب من ثم وتعالج مشكلة البطالة إلى حين.» # إلا أن الثقافة التي زاولها غاندي لا تقاس في جوهرها بمقياس الصواب والخطأ، ولا بمقياس ~~العلم والجهل في عرف زمانه، ولكنها تقاس على حقيقتها بمقياس المبدأ الذي يغلبه على جميع ~~المبادئ، والأصل الذي يقدمه على جميع الأصول عند نظره إلى ms57 صلاح الإنسان الذي يقاس بمقياس ~~الدوام فوق عوارض الزمن وعوارض الدول والجماعات. # فقد كان هذا الرجل يعلم كل شيء يحتاج إليه في رسالته، ولم يكن يجهل شيئا يدخل في ~~حسابه. # فإذا قاوم المخترعات الحديثة، أو قاوم العلم الحديث، أو قاوم الطب الذي تشفى به الأجسام، ~~فهو لا يفعل ذلك كما يفعله أصحاب الخرافة والجمود، إذ إنه يعلم ما يجهله الخرافيون ~~الجامدون، ولا يصدر في رأيه عن جهل بما فاتهم أن يعلموه. # ولكنه يقاوم ما يقاومه وهو عارف بقيمته كما يعرفها معارضوه، إنما يعرف هذه القيمة ويعرف ~~ما هو أعلى وأدوم منها في اعتقاده، وهي سلامة الروح، فما سلمت به الروح فهو معرفة ~~كافية. # وما عطبت به الروح فهو جهل منكر، أو علم عارض لا ينكر نفعه ولا ينكر ضرره، وهو أكبر ~~وأبقى، وإن سلمت به الأجسام. # | غاندي والجيل الجديد # كثيرا ما تكون موازين الشعوب أصدق من موازين المؤرخين في تقرير مكان العظيم بين أبناء ~~قومه، ولا سيما حين تطيع تلك البداهة في تعبيراتها الفطرية التي تجمع الكثير من المعاني في ~~القليل من الكلمات. # وقد عرفت بداهة الهند أين تضع غاندي من أمته، فلم تضعه موضع الزعامة السياسية، ولا موضع ~~القيادة الاجتماعية ولكنها وضعته موضع الأبوة المحبوبة الموقرة، التي يحق لها أن تطاع ~~وينتظر منها أن تغتفر بعض العصيان، بدالة الأبناء على الآباء. # لم تنظر إليه نظرتها إلى الزعيم السياسي؛ لأن السياسة لم تكن له غاية ولم يكن لها المقام ~~الأول في سعيه ورأيه. # ولم تنظر إليه نظرتها إلى القائد الاجتماعي؛ لأن القيادة الاجتماعية في أكثر الأحيان ~~قيادة حركة أو إرشاد في مرحلة من مراحل التطور، ولم يكن غاندي قائد حركة، أو دليل مرحلة ~~تنتهي إلى غرض محدود. # بل هي لم تنظر إليه كأنه داعية نهضة؛ لأن النهضة كثيرا ما تتعلق بجيل واحد هو الجيل ~~الناشئ أو الجيل الناهض، وترمي إلى تبديل لا يلبث أن يتلوه تبديل. # إنما نظرت إليه كأنه «أبوها» المرموق بعين البر والإجلال، وكانت تدعوه بهذه الدعوة ~~المستحبة: ms58 بابوجي، أي: يا أبتاه. # وقد كان كبار القوم وصغارهم ينادونه بهذا النداء، ومنهم من هو في سنه ومن هو أسن منه؛ ~~لأنه تمثل لهم في صورة وطنهم الروحاني الخالد، أو في صورة الأبوة القومية # Fatherland # التي لا تقاس بأعمار الآحاد. # ولم تكن له من ثمة رسالة خاصة إلى الجيل الجديد؛ لأن أقدم الأجيال وأحدث الأجيال في ~~رسالته الروحانية يستويان. # فكانت ناشئة الهند تحبه وتجله وتثق به وتستحيي من إغضابه، وكانت لقداسته مكانة خاصة ~~بينهم؛ لأنه قديس صنع نفسه ولم تصنعه المسوح والمحاريب: تعلم كما تعلموا، وكان في وسعه أن ~~يطمح إلى مظاهر الدنيا كما يطمحون إليها، فبينه وبينهم قرابة لا يشعرون بها فيما بينهم وبين ~~أحبار الدين الذين سيقوا إلى القداسة بحكم الصناعة، وله عندهم مكانة العقيدة التي يعتقدونها ~~ومزية النشأة العصرية التي نشأوا عليها وكرامة «الهندي» الذي جعلهم يفخرون بالهند بين ~~الأمم، وجعل للروحانية محلا مرعيا بين مذاهب العصر الحديث، ولكنهم - على ما نظن - كانوا ~~يحارون في أمره كما كان يحار فيه كل من سمعوا بدعوته، ولا يرون أنه يدعوهم إلى خطة يمكن ~~العمل بها في مجال السياسة أو مجال العيش أو مجال الأخلاق. # ومنهم من كان يصارحه القول في هذا، ولا يمنعه الحب والتوقير أن يكتب إليه «أنه لا يحسبه ~~يفهم ما يجول في خواطر الشباب». # وكانت وصاياه في مسألة النزعات الجنسية أعسر شيء على الشباب أن يستجيبوا إليه بطبيعة ~~الحال، فلما أكثر من الكتابة في ضبط هذه النزعات وأوصى الأزواج من الشبان والشابات مرة بعد ~~مرة أن يمتنعوا عن العلاقة الجنسية لغير النسل، كتب إليه أحدهم يقول: «إنني أقرأ ما تكتب ~~فيخامرني الشك في فهمك للعقل الناشئ، فإن ما استطعته أنت ليس من الضروري أن يستطيعه جميع ~~الشبان، وإنني لمتزوج وقادر على ضبط نفسي، ولكن زوجتي ليست مثلي، وهي كذلك لا تريد الآن ~~أطفالا، وتريد أن تعطي نفسها حظها، فماذا ترى أن أصنع ... أليس من واجبي أن أرضيها؟» # والواقع أن العظماء من أبناء جيل قد يفوتهم أن ms59 يفهموا الجيل الذي ينشأ بعد زمانهم، ولكن ~~المسألة هنا ليست مسألة جيل قديم وجيل جديد؛ لأن النزعات الجنسية غير مجهولة في جيل من ~~الأجيال أو أمة من الأمم. ولو أن غاندي قال ما قاله عن النزعات الجنسية قبل ألف سنة لكان ~~موقفه من أبناء ذلك الزمان كموقفه من أبناء زمانه، وهو يعلم ذلك ولا يجهله، وقد أجاب الطالب ~~الذي وجه إليه ذلك الخطاب بما في هذا المعنى، ثم قال له: إن ضبط النفس لا يعني أن تكف عن ~~العمل الجنسي وحده، وإنما يعني الكف عن الإغراء وعن التغذية المثيرة وعن الملامسات الذهنية ~~والحسية، كما يعني القدرة على تحويل الغريزة إلى جهة غير وجهتها الجسدية بما يشغل النفس من ~~شواغل العطف والفكر والمحاسن الروحانية. ولكنه إقناع لا يخفق مع سامعيه لضعف في الحجة أو ~~نقص في البيان، بل لقوة في الغريزة ورغبة عن الاقتناع. # كذلك كانت وصايا غاندي بالمسالمة في وجه كل عدوان تجاوز طاقة الاحتمال. فإن الجيل الجديد ~~كان يصغي إليها، وكان لا يكفر «بالاهمسا» التي تلقاها مع موروثاته من مئات السنين، بل ألوف ~~السنين، ولكنه كان يتكلف عنتا حين يتكلف كظم الفتوة التي تغلي في دمه، وكان يستحيي أن يغضب ~~«المهاتما» إذا نوى الصيام احتجاجا على أعمال العنف والمقاومة الدموية، فيمسك عن المقاومة ~~إلى حين، وهو يعلم أن المهاتما يكلفه ما لا يطيق. # إلا أن غاندي مع هذا لم يهبط في نظرهم، بل ارتفع إلى مقام الآلهة والأنبياء، فجعلوا ~~وصاياه من قبيل وصاياهم، وجعلوا عصيانهم لها مكرهين من قبيل عصيانهم للوصايا الإلهية حتى ~~تقصر عنها طاقة البشر، وإن كانت عندهم أهلا للإيمان، وأهلا للاتباع. # ومن الأمور التي لها دلالتها في هذا الصدد أن غاندي مات بيد شاب جاوز الثلاثين، فكان هذا ~~أعنف اصطدام بينه وبين مخالفيه، ولكنه لم يكن اصطداما بينه وبين شاب من أنصار التقدم أو ~~أعداء القديم، بل كان اصطداما بينه وبين شاب يتعصب للقديم ولا يقبل التسامح فيه. # ومن هنا يبدو لنا محور المشكلة في دعوة ms60 غاندي أو محور الصعوبة في مجاراة هذه الدعوة، ~~فليست هي مشكلة الصراع بين عقل قديم وعقل حديث، ولكنها هي المشكلة الأبدية التي لا تزال ~~قائمة مع كل إصلاح، ونعني بها مشكلة التغلب على الطبيعة البشرية، أيا كان تفكير المصلح أو ~~تفكير المخالف ... وهي معركة باقية لا تتغير في العسر أو اليسر بين جيل وجيل. # | ... والمرأة # يقول الذين يعتقدون تناسخ الأرواح من الهنود: إن الذي يلد يولد، وإن الإنسان يعود إلى ~~عالم الجسد ما دام يلد الأبناء ويخرجهم في عالم الجسد، وإنما ينفصل من المادة ويتصل بعالم ~~الروح، ويفلت من سلسلة الولادة المتجددة، بعد انقطاعه عن كل صلة جنسية، وقيامه بفروض النسك ~~والتبتل. # فولادة النسل عمل يجزى عليه الإنسان بالعودة إلى الولادة، ويستوي في هذا الجزاء الرجل ~~والمرأة، فليس في الديانة الهندية لعنة خاصة بالمرأة في الإغراء على الخطيئة. # ولهذا يندبون الذكور والإناث إلى ضرب من الزواج تنقطع فيه العلاقة الجسدية بين الزوجين، ~~وتقوم الصلة فيه بينهما على العلاقة الروحية دون غيرها. # فكانت هذه الروحانية أشد على المرأة الهندية من لعنة الخطيئة التي لاحقتها في الديانات ~~الأخرى. # لأنها أنشأت في الهند زواج الأطفال، وأنشأت فيها عادة إحراق الأيامى مع أزواجهن، ثم منعت ~~الحكومة الإنجليزية إحراق الأيامى فاستبدل به التأيم وتحريم زواج المرأة بعد موت زوجها ~~الأول مدى الحياة. # ويتفق أن يموت الزوج وهو في العاشرة أو دون العاشرة؛ لأنهم قد يعقدون الزواج بين الطفل ~~والطفلة في السنة الأولى من عمرهما، ولا يندر ذلك بالنسبة إلى زواج الكبار، فإن نسبة ~~الأطفال الذين عقد زواجهم قبل تمام السنة الأولى من عمرهم قد بلغ ثمانية في المائة خلال سنة ~~1931، وبلغ عدد الأيامى في هذه السن أكثر من ألف وخمسمائة، وبلغ عدد الأيامى ممن تجاوزن ~~الثالثة ولم يتجاوزن الرابعة أكثر من تسعة آلاف. # فتولد البنت ثم تتأيم قبل أن تبلغ مبلغ النساء، وتظل أيما إلى أن تموت، وهي حرام على غير ~~زوجها الأول؛ لأن لها روحا واحدا، وهي بهذا الروح لا تنفك عن روح ذلك ms61 الزوج. # وكان غاندي مؤمنا بتناسخ الأرواح أقوى الإيمان، حتى لقد كتب مرة أن تناسخ الأرواح عنده ~~أكثر من عقيدة؛ لأنه حقيقة واقعة كهذه الشمس الطالعة. # وكان كذلك يؤمن بوجوب الانقطاع عن علاقات الجسد لبلوغ «الموكشا» أو الخلاص. # ولكنه كان ينكر زواج الطفولة كما ينكر تأيم الأطفال، وكان له عمل مشكور في إصلاح الزواج ~~وإبطال عادة التأيم، بل كان يوصي الشبان باختيار زوجاتهم من بين المتأيمات خاصة؛ لأنهن لا ~~يحسبن متزوجات بأي حسبان صحيح. # وقد ثار عليه أنصار القديم أعنف ثورة حين تصدى لإبطال هذه العادة وأعلن نصيحته للشبان ~~بالتزوج من البنات المتأيمات. كان هؤلاء الجامدون يطيقون أن يبطلوا هذه العادة عملا، ~~ولكنهم لا يطيقون أن يقدح فيها زعيم من زعمائهم علانية وكأنها سخف لا يجوز اعتقاده ولا يجوز ~~اتباعه، إلا أنه لم يحفل بثورتهم عليه؛ لأنه كان على ثقة من أن هذه العادة التي تصدى ~~لإبطالها ليست من الدين وليست من العقل ولا من الخلائق الإنسانية. # كان ينكر أصلا أن إحراق الأرملة على جثة زوجها قد أمر به الدين البرهمي في كتاب من كتبه ~~المعول عليها. وكان يقول: إنه لو صح أن إحراق الأرملة على جثة زوجها واجب لاتصال روحيهما، ~~لوجب مثله إحراق الزوج على جثة امرأته المتوفاة، وإن إحراق إنسان حي لا يحيي أحدا بل يزيد ~~في عداد الأموات. # وكان يقول: إن الرهبانية المقصودة هي رهبانية من يغالب غواية الجنس ويقوى على مغالبتها، ~~فلا رهبانية للطفل ولا للطفلة قبل بلوغهما مبلغ الرجال والنساء. # أما الزواج عامة فهو فيه وسط بين المنع والإباحة، فلا ضير من العلاقة الزوجية ولا موجب ~~للخجل منها، ولكن بمسوغ واحد: وهو طلب النسل لا طلب المتعة الجسدية. وقد سأله بعضهم عن ~~المعقمات لمنع النسل في بعض الحالات التي يتقي فيها الوالدان كثرة البنين والبنات، فحرمها ~~كل التحريم، وقال: إن اتصال الزوج بزوجه لمحض اللذة لا حجة له أقوى من حجة الشذوذ الجنسي ~~البغيض، ولا مسوغ له أشرف من مسوغ المتعة الجنسية التي يجدها شواذ النساء ms62 وشواذ ~~الرجال. # أما «الموكشا» أو انطلاق الروح من جميع الشهوات الجنسية فهو الكمال الذي يتوخاه من يطيقه، ~~ولكنه لا يفرض على جميع الناس. # سأله الطالب رامشاندران - وهو من تلاميذ صديقه الإنجليزي مستر أندروز - لماذا يبشر ~~بالموكشا؟ # فقال: لأن الزواج في غنى عن التبشير، حسبه دافع الغريزة داعيا إليه. # قال الطالب: أليس في ذلك خطر من انقراض النوع الإنساني؟ # قال: كلا، بل في ذلك تصفية النوع الإنساني وتهذيبه. # قال الطالب: أليس من واجب العبقري أن يعقب عبقريا مثله؟ # قال: إن عبقريته تعقب له أبناء أكثر مما يستطيع أن يلد. # وسئل مرات عن الطلاق كما سئل مرات عن الزواج، فكان يأبى تيسير أسباب الطلاق، ويقول: إنه ~~لا يحل مشكلة الزوجين، فإن المرأة التي لا تجد من زوجها حسن المعاملة لا تنتفع بالطلاق، ~~ولعلها لا تجسر على طلبه، وإنما يأتي حسن المعاملة من معرفة المرأة بحقوقها وتعليمها الواجب ~~لها والواجب عليها، وعندئذ تقل الحاجة إلى الطلاق أو تصبح الحالة في المجتمع خيرا من إكثار ~~المطلقين والمطلقات فيه لجهل الزوجين بما بينهما من الحقوق والواجبات، وكأنه كان يرى - وكان ~~على حق فيما يرى - أن الهند تنتقل في حياتها الاجتماعية نقلة طافرة لو تحولت من زواج أبدي ~~ينتهي بإحراق الزوجين على كومة واحدة، إلى زواج يباح فيه الطلاق لأهون الأسباب. # ويطرد مع هذا الرأي أن يشجع غاندي كل حركة تساعد المرأة على الاستقلال والكرامة. وهكذا ~~كان في مسألة «حق الملكية» ... فإنها كانت مثار خلاف بين الهنود عند البحث في تقرير حقوق ~~النساء المدنية والسياسية، فكان الأكثرون منهم يتوجسون من إباحة حق الملكية للمرأة؛ لأنه ~~يغريها بالنشوز وقلة الاكتراث لمرضاة زوجها عنها. وكان غاندي على خلاف هذا الرأي يبيح ~~الملكية للمرأة كما يبيحها للرجل، ويسأل معارضيه: هل أفسد حق الملكية أخلاق الرجال وعلمهم ~~قلة الاكتراث لمرضاة الزوجات؟ إذن ليكن شأن النساء كشأن الرجال، فلا قيمة للأخلاق التي تبنى ~~على عجز إنسان من الناس عن الاستقلال برأيه ورزقه، وليست الأخلاق أخلاقا إلا إذا جاءت من ~~محض الاختيار ms63 ووحي الضمير. # على أنه لم يكن يستحسن للمرأة أن تتعلم لتعمل في كسب المعيشة وتتمرس بأعباء التجارة ~~ومغامرات السوق، ويؤثر لها العمل في البيت على كل عمل في معترك الحياة. # وكان يوجس شرا من الحرية التي تبيح العبث واللعب بالعاطفة. وكتب مرة يقول: أخشى أن يكون ~~من هوى البنت العصرية أن تلعب لعبة جولييت مع ستة «روميهات» في وقت واحد، وذاك من فاقة ~~النفس لا من حرية الإرادة واستقلال الشعور. # وقد واجهته مشكلة النسوة الشقيات اللواتي احترفن البغاء بمعضلة مضنية، فإنهن يتجاوزن على ~~حسب تقديره خمسة ملايين امرأة في أرجاء الهند كلها، قياسا على عددهن في بلدين زارهن فيهما، ~~وهما: كوكونادا وباريسال، فمنهن من أربت على الثلاثين ومنهن من لم تبلغ الثانية عشرة، وكلهن ~~لا يطمعن في الزواج ولا يجدن من يقبلهن زوجات إذا طمعن فيه، فكان يواسي من يلقاهن منهن ~~ويدعوهن بالأخوات، وكان يدبر لهن وسائل الاشتغال بصناعة النسيج، ويوصي القائمين بمقاطعة ~~البضائع الإنجليزية بتفضيل منسوجاتهن لإغنائهن عن التبذل في سبيل كسب العيش، وإحياء كرامتهن ~~بالمساهمة في هذه الحركة القومية، ورحض عار الدنس والمهانة عن نفوسهن. # وكان بوده أن يلقي العبء الأكبر في مهمة إصلاح هؤلاء البائسات على حرائر الهند ينشئن لهن ~~الملاجئ ويهيئن لهن الخدمة الصالحة في البيوت، فحالت التقاليد بين حرائر النساء وبين النجاح ~~في هذه المهمة. ورأى غاندي أن يجندهن لقضية من قضايا الهند الاجتماعية لا تقل عن قضية ~~المرأة المنبوذة: وهي قضية الطائفة الكبيرة التي عرفت في الهند باسم المنبوذين أو الأنجاس، ~~وهم أحق الناس أن ينتفعوا بعطف المرأة عليهم فيما ضرب عليهم من الذلة والشقاء. # قال في خطاب ألقاه على نخبة من السيدات والفتيات: «إنه لمن الفواجع أن الديانة في زماننا ~~هذا أصبحت لا تعني شيئا غير الامتناع عن بعض الطعام والشراب، أو الترفع عن بعض الطبقات، ~~ولن تكون هناك غباوة أغلظ من هذه الغباوة، فإن الموالد ومراسم التقاليد لن يناط بها رجحان ~~للمرء أو نقصان، وإنما مناط ذلك كله الأخلاق، وما خلق الله ms64 الناس وعليهم علامة الرفعة ~~والدناءة، وما من كتاب يدمغ إنسانا بالخسة أو النجاسة منذ مولده يستحق منا الرعاية ~~والاحترام، إنه ليجحد الله ويجحد الحق الذي هو الله، وما كان الله وهو الحق والصدق والعدل ~~ليرضى عن ديانة تنظر إلى خمس أبناء هذه البلاد كأنهم أنجاس لا يجوز مسهم ... وإني لأريد منكن ~~أن تبرئن أنفسكن من هذه الشناعة البالغة فالنجاسة التي تأتي من العمل النجس موجودة، ولا بد ~~أن تقترن بكل عمل نجس وتلحق بكل أحد منا ينغمس فيها، ثم تفارقنا حين نغسل أنفسنا من الضر ~~والوضر فلا تلزمنا النجاسة، ولكنه ما من عمل أو مسلك يدمغ رجلا أو امرأة بالنجاسة أبد ~~الآبدين.» # ومن ثقته بذخيرة العطف في نفس المرأة أنه كان يعول عليها في معركته الكبرى، وهي معركة ~~«الاهمسا» أو مقاومة العنف بالصفح والإحسان. # كان يعول على نساء الهند في الهند وعلى نساء العالم كله في العالم كله؛ لأن المرأة في كل ~~مكان هي رمز التضحية ومثال الغفران والاحتمال، وهي في معركة «الاهمسا» تصنع ما يصنعه الرجل ~~وتزيد، ولكنها في معركة العنف لن تزال هي الجنس المغلوب. # فلما عرج على إيطاليا في طريق عودته من إنجلترا سألته السيدات الإيطاليات كلمة لهن فقال ~~لهن - وإيطاليا يومئذ في ظل الحكومة الفاشية: «إنكن تستطعن ما لا يستطيعه الرجال من محاربة ~~العسكرية، قلن لأنفسكن ماذا يصنع قادتكم وجنودكم إذا كان نساؤهم وأمهاتهم وبناتهم يأبين أن ~~يشتركوا في الأعمال العسكرية!» # وقال للسيدات في لوزان حين سألنه أن يدلهن على درس يتعلمنه من المرأة الهندية: تعلمن منها ~~الاهمسا ... فإن أوروبة إذا «شربت» هذا الدرس فإنما تتناوله من أيدي بناتها. ~~••• # وجملة القول: إن علاقة هذا الرجل بالجنس الآخر لم تكن إلا علاقة قائد جيش يوجه فرقة منه ~~إلى الحملة التي تقدر عليها في معركته الكبرى، وهي معركة السلام. # ولم تعرف الدنيا له علاقة بالنساء عامة غير هذه العلاقة. # ولكن الدنيا كانت خليقة ألا تعرفه على الإطلاق من جراء المرأة، أو كانت خليقة أن تعرفه في ~~صورة أخرى ms65 أبعد ما تكون عن صورة القداسة: صورة زير نساء، أو فتى من فتيان الأندية ~~والسهرات. # فإن القديس لم يولد قديسا، وتلك مفخرة من مفاخره؛ لأن قداسته كلفته شيئا عسيرا من ~~مغالبة نزعاته، ولم يجدها حين أرادها سهلة ميسرة على طرف الثمام. # كان للمرأة هوى شديد في نفسه. # وكان لا يطيق الابتعاد عن زوجه في السنين الأولى من اقترانه بها، فكان مرض أبيه - على ~~إعزازه لأبيه - لا يحول بينه وبين الإسراع إلى مخدعها كلما سنحت له الفرصة من غفوة المريض ~~أو استغنائه عن ملازمته، وخرج مرة من حجرة المريض على عادته، فجاءه النبأ بعد هنيهة بأن ~~أباه قد مات. # وظل حياته كلها يقرع نفسه على هذا العقوق، أو هذا التهافت على الشهوات. # وهم أربع مرات أو خمسا بمقاربة نساء غير زوجه، ولكنه لم يسترسل في نزواته هذه لمصادفات ~~عاقته، كما قال في ترجمة حياته، ولعله من تواضعه يحيل الأمر إلى المصادفة ولا يحيله إلى قوة ~~العفة في طبعه. # وغاندي - ولا شك - مثل من أندر الأمثلة على قوة المناعة التي يكسبها الإنسان من التربية ~~الدينية والنشأة المنزلية في مقاومة الشهوات الجنسية وغيرها. # وربما أعانته على ذلك طبيعة فيه عرف بها في جميع أطوار حياته من صباه إلى شيخوخته، فإنه ~~خلق مطبوعا على الحب الشامل الذي لا يميز أحدا عن أحد، ولم يخلق لاختصاص أحد بحبه وهواه، ~~من الرجال أو النساء، فلم يكن له صديق واحد منفرد بحبه وتمييزه، وكتب هو في ترجمة حياته ~~فانتقد هذا النوع من الأثرة بالصداقة، وقال عنه: إنه لا يؤدي إلى خير. # ومع هذا كان في هذا الرجل فتنة خاصة لبعض النساء، فكن يهجرن الدنيا ليلتحقن به في صومعته ~~ويعشن إلى جانبه عيشة الفاقة والشظف. # لا جرم أن الرجل القوي يظل فتنة للمرأة ولو كانت قوته في ترك المرأة. # ترى هل كانت امرأة من النساء تظفر بالمعجبات اللاتي يهجرن الحياة من أجلها لو نسكت مثل ~~هذا النسك وتقشفت مثل هذا التقشف؟ إنهن إن أقبلن عليها أقبلن على كل ms66 حال مشتركات في مواساة ~~واحدة، ولم يقبلن مقدسات ولا معجبات. # ومن النساء اللواتي كن يلذن به فتيات غير هنديات، منهن إنجليزيات وأمريكيات، جذبهن إليه ~~شعور قلق نحو الحضارة الغربية، وإيمان صادق بأنه معطيهن من سلام الروح ما لا يأخذنه من تلك ~~الحضارة التي أوشكت أن تفلس، فلا تقوى على إعطاء. # وكانت أعظم عبقرية نسائية أخرجتها الهند - وهي الشاعرة: نايدو - تؤمن به، وتخلص له، وتصمد ~~إلى جانبه حين يتخلى عنه المعارضون لسياسته السلمية في أوقات السخط والهياج، ولم تخذله قط ~~في وقت من الأوقات. # | سياسته # إذا قلنا: إن غاندي لم يكن سياسيا فنحن لا نريد بذلك أنه كان دون السياسيين في ملكات ~~عقله، ولا أنه كان مفتقرا إلى الدهاء الذي تقوم عليه السياسة، فإنه لم يكن خلوا من ~~الدهاء، ولم يكن مقصرا عن الساسة في ملكات العقل والسليقة، ولكنه لم يكن سياسيا؛ لأنه ~~كان يعمل في سياسة قومه بأسلوب غير أساليب الساسة، بل غير أساليب الدعاة الشعبيين في أكثر ~~الأحيان. # كان يعمل في السياسة بأساليب القديسين. # وكانت «الاهمسا» أو المقاومة السلبية رأس ماله في كل خطة يواجه بها قومه، أو يواجه بها ~~الدولة البريطانية، أو يواجه بها كائنا من كان ممن يخشى منهم خطرا على بلاده. # كان الخطر الياباني محدقا بالهند بعد جلاء الجيوش البريطانية عن سنغافورة وبرما وبلاد ~~الملايو في إبان الحرب العالمية الثانية، وكان هو يعلن الإنجليز بوجوب الجلاء عن جميع ~~البلاد الهندية قبل توقف القتال، فلما سأله مراسلو الصحف الأجنبية عن الخطر الياباني قال: ~~إننا نواجه هذا الخطر بالمقاومة السلبية، كما واجهنا بها سلطان الدولة البريطانية. ولم يكن ~~هذا رأي نهرو وزملائه من أصحاب الرأي في المؤتمر الهندي؛ لأنهم كانوا على استعداد لمواجهة ~~الخطر الياباني بالمقاومة العسكرية، وكانوا على استعداد للموافقة على إبقاء فرق من جيوش ~~الحلفاء في الهند للاشتراك في الدفاع عنها. ولم يرفض غاندي كل الرفض أن تبقى الجيوش لهذا ~~الغرض دون غيره، ولكنه كان يؤمن بالمقاومة السلبية فوق إيمانه بالقوة العسكرية، وكان يقول ~~لأبناء وطنه ms67 وللأجانب المتحدثين إليه: «إنني أؤمن - سواء صدق الناس أو لم يصدقوا - أنه كلما ~~كان العمل عملا من أعمال ترك العنف أو المقاومة السلبية فالعامل الحاسم في هذا الموقف، هو ~~الله.» # فإذا أغار اليابانيون على الهند فكل ما يطلب من أهلها لدفع خطرهم هو الكف عن مقابلة العنف ~~بالعنف والكف عن التعاون معهم في حكم البلاد، وهذه - في رأي غاندي - مقاومة كافية لتحقيق ~~الغرض منها، وهو فل سلاح العدوان وتعويق المعتدي عن بلوغ مقصده من عدوانه، فإن بقي بعد ~~ذلك عمل لازم لكبح جماح المعتدي فما بقي بعد ذلك فهو من عمل الله. # ومتى كانت «الاهمسا» هي رائد السياسي في مقاومته، فلا عليه أن يحدث من جرائها ما عسى أن ~~يحدث من شدة وضرر، فإنما الحرام هو إيقاع الضرر عمدا وإيقاعه من طريق العنف والسورة ~~الغضبية، فإذا جاء الضرر من غير هذه الطريق فلا جناح عليه ولا حيلة له في منعه؛ لأنه لا ~~يستطيع أن يمنعه لو شاء. # زار البلاد الإنجليزية للتشاور في القضية الهندية، فأخذوه إلى مساكن العمال المتعطلين ~~وأشهدوه ما فيها من بؤس وفاقة، وأحبوا أن يقنعوه من حيث يقتنع إذ طرقوا فكره من باب الرحمة ~~والتورع عن إيذاء الأبرياء فقالوا له: إن هذا البؤس الذي يراه أثر من آثار سياسته التي يدعو ~~إليها، وهي مقاطعة البضائع الإنجليزية وتعويل أهل الهند على ما يصنعونه بأيديهم من الكساء ~~ومطالب المعيشة. # فبدا عليه أسف شديد، ولكنه قال: إنه لا يستطيع أن يعدل عن دعوته، وإن في الهند من ألوان ~~البؤس والفاقة ما هو أنكأ للنفس مما رآه. # نهرو رئيس الحكومة الهندية يصغي إلى ~~غاندي. # ولم يكن هذا الإصرار عجيبا من قديس الرحمة والمحبة بين الناس، فإنما كان شأنه في هذا ~~كشأن الطبيب الذي ينهى الناس عن التخمة والإفراط في المآكل فلا يلام إذا كان في اتباع الناس ~~لنصيحته خسارة على المطاعم أو الصيدليات، ولا يطلب منه أن يسكت عن محاربة التخمة والإفراط؛ ~~لأن أناسا يستفيدون إذا تخم الناس ويخسرون إذا أخذوا ms68 بالحمية والاعتدال. ~~••• # وقد قيل له مرة: لماذا يفرغ جهده في المطالبة باستقلال الهند ولا يفرغ هذا الجهد فيما هو ~~أعظم من ذلك وأكمل؛ وهو المطالبة بالإخاء العالمي أو بالوحدة العالمية؟ # فكان جوابه غاية في الإقناع وغاية في الدهاء ، وقال لسائليه - وهم من الصحفيين الأمريكيين ~~- إن الإخاء العالمي لا يصلح إلا لإخوة أحرار، وإنه إذا كان مقصورا على المنتصرين في ~~الحرب، فغاية ما يرجى منه أن يمكن فريقا من فريق، وأن يقسم العالم إلى أعداء غالبين وأعداء ~~مغلوبين، فإذا صدقت النية في التبشير بالإخاء بين بني الإنسان فليكن إخاء بين أحرار، وليدخل ~~في زمرته المنهزمون في ميادين القتال، ولا يعامل أحد من هؤلاء المنهزمين معاملة التشفي ~~والانتقام. ~~••• # وغني عن القول: أن غاندي لم يكن ليحرم المقاومة العنيفة على أهل الهند ويبيحها لغيرهم من ~~الأمم في سبيل غاية من الغايات، فمن شاء أن يقاوم عدوه بالسلاح فهو وشأنه فيما يشاء، وقد ~~كان غاندي يكتب إلى «شيان كاي شيك» زعيم الصين فيحيي فيه جهاده في تحرير بلاده، ولكنه إذا ~~سئل رأيه في أفضل الوسائل فليست لديه وسيلة أفضل من «الاهمسا» لدفع كل خطر وتبليغ كل مقصود، ~~وبخاصة إذا كان المقصود هو تعميم الإخاء بين بني الإنسان وإقامة الوحدة العالمية بين جميع ~~الشعوب، فما من بلاء يحول بين الناس وبين إقامة هذه الوحدة إلا كانت «الاهمسا» ترياقا له ~~أنجح من كل ترياق، ولا استثناء في هذا لشيء قط حتى بلاء الفاشية أو بلاء النازية أو بلاء ~~المذاهب المادية، فما على الناس إلا أن يكفوا عن مقاومة عنفها بمثله، وأن يكفوا عن معاونتها ~~في مطامعها، وأن يقرنوا الكف بالكفاف والقناعة، فإذا بهذه الغاية الموموقة أدنى إلى هذه ~~الوسيلة من كل وسيلة يعتمد عليها الساسة والدعاة. ~~••• # ومن البديهي أن رجلا كهذا لا يضمر في طوية نفسه عداء لأحد من خصومه أو الساخطين عليه، ~~وكثيرا ما كان يحرج أولئك الخصوم ويوقعهم في الحيرة والارتباك بجرائر عمله، كما كان يفعل ~~حين يعلن المقاطعة أو عدم التعاون أو ينذر ms69 الصيام حتى الموت أو يتحدى القوة والقانون، ولكنه ~~لا يبالي بحرج من يحرج وحيرة من يحار ما دام هو مستريح الضمير، وإنه لمستريح الضمير أبدا ~~ما دام في حدود «الاهمسا» التي هي في شرعه رأس الحكمة وجماع الفروض والواجبات، أو ما دام ~~مخلصا في اجتناب العدوان، مخلصا في منع الحرج لو استطاع. ~~••• # وإذا كانت هذه أساليبه في معاملة الدولة البريطانية لا جرم يجري على هذه الأساليب نفسها ~~في معاملة الطوائف الهندية من غير النحلة الدينية التي ينتمي إليها. فكان يعطف على طائفة ~~المنبوذين ويطلب لهم حقوقا مساوية لسائر الحقوق ولا يبالي ما يلهبه من الغيظ في صدور ~~المتعصبين من البراهمة بهذه الدعوة التي تخرق سنن الحياة الهندية من أقدم عصورها، وكان يأبى ~~اضطهاد المسلمين ويثير عليه السخط من جراء هذه المجاملة التي أودت بحياته، وسئل مرة وهو ~~يطالب الإنجليز بالجلاء عن الهند كلها: هل هو على استعداد لتسليم الحكومة الهندية إلى جماعة ~~الرابطة الإسلامية إذا وجب قيام حكومة موقوتة في فترة الانتقال بين جلاء الإنجليز وقيام ~~الحكومة الهندية الدائمة؟ سأله تاجر مسلم من بومباي هذا السؤال باسم القائد الإسلامي الأعظم ~~محمد جنة، فكان جوابه: نعم بلا قيد ولا شرط ولا تحفظ، إنني أقبل في هذه الحالة تسليم ~~الحكومة الهندية لجماعة الرابطة الإسلامية في أقاليمها وفي غير أقاليمها. # ومن أبناء الطوائف من يتهمه بالمكر والمداجاة في سياسته مع هذه الطوائف، وأنه يظهر لها ~~الحسنى ويبطن التعصب لأبناء نحلته من ورائها. قالوا: ومن أدلة ذلك أنه نذر الصوم حين همت ~~الحكومة البريطانية بتقسيم «دوائر انتخابية» للمنبوذين ينفردون بالانتخاب فيها؛ لأنه كان ~~يخشى أن تتمزق أوصال البلاد وتنطلق فيها دواعي الفتنة بهذا التقسيم. # قالوا: ومن أدلة ذلك أيضا أنه كان على رأس قادة المؤتمر في مناقشة «الباكستان» وتبادل ~~السكان. # وهذه ولا ريب تهم خليقة أن تقال في أمثال هذه الأحوال ولكن غاندي لم يزعم قط أنه منبوذ أو ~~أنه مسلم، ولم يزعم قط أنه خارج عن نحلته واعتقاده، فلا يطلب منه أن يكون ms70 من أبناء هذه ~~الطوائف في طويته وسعيه، ولا أن ينكر على طائفته كل ما تدعيه، وما لم يطلب منه هذا فالحقيقة ~~التي لا تقبل المكابرة أن إنصافه للطوائف أكرم إنصاف ينتظر مع هذا الخلاف. # ومن السخف أن يقال : إن الرجل وقف حياته «للاهمسا»، ونفض عنه فتن الحياة وشهواتها ليروج ~~السياسة الطائفية من وراء هذا الستار. # فهو مخلص في عقيدته وفي سياسته غاية ما يستطاع من إخلاص، وليس في طاقة الإنسان وراء هذا ~~الإخلاص غاية لمستطيع. # وليست نظريات «الاهمسا» هي موضع البحث حين نبحث في قدرة غاندي السياسية أو في برامجه ~~الوطنية. # فإن إنكار القوة العنيفة كل الإنكار خطأ لا شك فيه، وإن الإيمان بالقوة العنيفة كل ~~الإيمان خطأ كذلك لا شك فيه. # وكل مذهب سياسي يمكن أن يقال في جملته ما يقال عن مذهب غاندي في معرض التخطئة ~~والتصويب. # وإنما موضع البحث في هذه القدرة السياسية ما اقتدرت عليه، وما أنجزته على هوى غاندي وعلى ~~غير هواه. # مثل غاندي في ذلك مثل من ينشئ قوة كهربائية لغرس الأزهار والرياحين، فتنشأ هذه القوة ~~وتغرس بها الآجام والأدغال وكثير أو قليل من الأزهار والرياحين. # فلا نسأل في تقدير تلك القوة: ماذا أراد المهندس؟ ولكننا نسأل ماذا يجدي مراد الآخرين لو ~~لم يعطهم المهندس تلك القوة؟ وقد كان غاندي مهندسا عظيما؛ لأنه أنشأ تلك القوة وإن ترك ~~الانتفاع بتصريفها في أيدي المقادير. # | مفتاح شخصيته # سيرة غاندي في معيشته من أبسط السير التي عرفناها لعظيم من عظماء العالم قديمه وحديثه، ~~ولكن هذه السيرة على بساطتها قد اشتملت على جملة من النقائض، قلما عرفت عن حياة ~~عظيم. # إن الرجل «عصري» بزمنه وتعليمه، تعلم في أحدث الجامعات، وعاش في أحدث البيئات الإنجليزية، ~~وتثقف في بلاده وفي أوروبة على النمط الحديث، ولكنك تحسبه من عجائز القرون الوسطى إذ سمعت ~~مثلا برأيه في الطب والعلاج. # فكان يأبى أن يدخل لقاح الجدري في جسمه؛ لأنه مأخوذ من جسم البقر، ويقول لمن حوله: إنهم ~~في حل من التوقي بهذا اللقاح، ms71 أما هو فلا يستحله لنفسه وإن كان لا ينكر فعله في ~~الوقاية. # ولم يقبل أن يعالج بالجراحة في السجن إلا حين رأى مدير السجن يضطرب بين يديه ويخشى ~~العاقبة إذا مات وهو سجين عنده، لما يحدثه موته في السجن من سوء الأثر في سمعة الدولة ~~البريطانية. # ومرض ابنه الثاني بذات الصدر فأصابه الهزال، واحتاج إلى غذاء أقوى من الأغذية النباتية ~~والأغذية المباحة في الشريعة الجينية، وأشار الأطباء بإطعامه البيض وحساء الفراريج وغيرها ~~من الأطعمة الحيوانية، فأبى غاندي أن يغذي جسما حيا بجسم حي، وإن كانت حياة ولده في خطر، ~~وكانت هذه التغذية منقذة له في رأي الأطباء، وأبرأ ذمته بعرض الأمر على ولده، وقال له: إنه ~~يرجو خيرا من استخدام العلاج ~~المائي # Hydropathetic ~~Treatment # لمداواة علته، فكان الولد سر أبيه حقا، وأبى الصبي أن يأكل البيض ~~والفراريج، مكتفيا بعصير البرتقال وبعض الأغذية المباحة، معتمدا على وصفة الأطباء ~~المائيين، فشاءت المقادير أن يتم له الشفاء. # ومن رأي غاندي في الأدوية عامة أن ضررها أكبر من نفعها؛ لأن البنية كفيلة بإصلاح نقصها، ~~وغاية ما يستفيده المريض إذا أتخم معدته أو جار على قواه فاستشفى بالدواء، أن يغريه هذا ~~الشفاء بالعودة إلى الخطأ والتمادي فيه، ولولا ذلك لقوم معيشته فاستقام. # على أن المهاتما يستعين بالنظارات وبالأسنان الصناعية، ولا يرى في استخدامها خروجا على ~~سنة التقشف وترك الفضول. # إلا أن هذا الرجل الذي يتحرج هذا التحرج من المساس بحياة مخلوق لم يتحرج من قتل عجل ولا ~~من الإشارة باستخدام المقلاع في طرد القردة التي تغير على الحقول، وهي أكثر من أن تطاق حيث ~~كان يقيم في «أحمد أباد». ولكنه لم يقبل قتل العجل إلا بعد أن برحت به آلام المرض تبريحا ~~لا يرجى شفاؤه منه، ولم يقبل تعريض القردة للموت برمية حجر هنا أو هناك؛ إلا لأنها كانت ~~تعرض للموت والجوع حياة الآدميين. ~~••• # وكان غاندي يعيش في عصر «الصور المتحركة» الذي غلبت فيه شهرة الممثلين والممثلات على شهرة ~~الساسة والعلماء، وتسامع فيه الأميون بين ms72 القرى السحيقة بأسماء أبطالها وبطلاتها حيث لا ~~يسمعون بما وراء قريتهم في سائر الشئون. # ولكنه مع هذا لم يعرف من هو «شارلي شابلن» حين زاره في العاصمة الإنجليزية وحمل إليه ~~حاجبه بطاقة الممثل الكبير فسأل الحاجب: من يكون السيد صاحب البطاقة؟ وأغرب من هذا أنهما ~~لما التقيا رأى الحاضرون في ذلك المجلس الطريف ما لم يخطر لهم على بال: رأوا أمير الجد ~~والنسك هو الذي ناوش أمير الفكاهة واللهو ضاحكا مستغربا طوال فترة الحديث. # وكان غاندي يؤمن بأن «الموكشا» أو اعتزال العلاقات الجنسية هو سبيل الخلاص الأعظم ومعراج ~~الروح إلى عالم الصفاء والخلود. # وكان يؤثر المذهب الكاثوليكي على المذهب البروتستانتي في الديانة المسيحية، ويقول: إن ~~الرهبانية هي التي صانت للكنيسة الكاثوليكية نضرتها وحفظت عليها قداستها. # وقد أقسم وهو في نحو السابعة والثلاثين قسم التبتل المعروف عندهم بالبرهماشاريا # Brahmacharya # فاعتزل زوجته منذ ذلك الحين. # ولكنه لما عرضت له مشكلة الأيامى الصغيرات جرد نفسه للعناية بتزويجهن، وأوصى الشباب أن ~~يقبلوا على التزوج من هؤلاء الفتيات المهجورات خلافا للعرف الذي قضى في الهند بتحريم ~~الزواج عليهن مدى الحياة؛ لأنهن منذورات لأزواجهن في عالم الجسد وفي عالم الروح. # ولما سئل رأيه في المعقمات أنحى عليها أشد الإنحاء؛ لأنها تجعل العلاقة الجنسية بين ~~الزوجين محض شهوة، وتسلبها المسوغ الوحيد لقيامها، وهو إنجاب الأبناء. ~~••• # وكان غاندي صحفيا يصدر صحيفة دورية ويكتبها ويواظب على إصدارها وكتابتها. # ولكنه حذر من الصحافة وأسف لتهافت الناس عليها، فقال غير مرة بمختلف العبارات: «أقول لكم: ~~إن الصحافة لن تعطيكم شيئا فيه لكم مصلحة دائمة، وإنها لن تعطيكم شيئا يساعدكم في تكوين ~~أخلاقكم، ولا أجهل مع هذا ولع الناس بها في هذا الزمان فهو محزن ومخيف.» ~~••• # نقائض كثيرة من هذا القبيل في أعماله وفي وصاياه. # فهل يقال من أجل ذلك: إنه لغز من الألغاز النفسانية التي تحيرنا في نقائض بعض ~~العظماء. # لا نحسب أنه لغز غير مفهوم، وإن بلغت نقائضه أضعاف ما أشرنا إليه؛ لأن الشخصية الملغزة هي ~~الشخصية التي تعمل ما ms73 لا تنتظره منها، أو الشخصية التي تفاجئك في كل تصرف من تصرفاتها بمصدر ~~جديد تصدر عنه في أعمالها وأقوالها. # وليس غاندي كذلك على التحقيق. # لأننا إذا عرفناه لم ننتظر منه غير ما فعل وغير ما قال في جميع هذه الأحوال. ~~••• # إننا لا نحاسب غاندي محاسبة الفيلسوف ولا محاسبة الحاكم، ولا محاسبة الفنان. # وإنما يوزن غاندي بميزانه الذي ليس له ميزان غيره، وهو ميزان الناسك المصلح الجاد في نسكه ~~وإصلاحه: مطلبه الأول هو خلاص الروح قبل كل شيء وبعد كل شيء، وليس في الكون كله ما يعدل ~~عنده هذا الخلاص؛ لأنه اتصال بالإله مصدر الخير والسعادة، وكل ما عداه فهو اتصال بما دون ~~الإله. # قال في ترجمة حياته: «إن أعمالي في ميدان السياسة معروفة الآن في الهند، بل معروفة على ~~نحو ما في العالم المتحضر بأسره، وهذا كله ليس بذي شأن كبير عندي، فإن ما أردت أن أبلغه في ~~هذه السنين الثلاثين هو تحقيق روحي وتصحيحها؛ أو هو لقاء الله وجها لوجه، والوصول إلى - ~~الموكشا - أو الخلاص.» # فالرجل كما أسلفنا ناسك جاد في نسكه قبل كل شيء وبعد كل شيء؛ عنايته الكبرى منصرفة إلى ~~المسائل الأبدية التي تحسب بأعمار الأكوان ولا تحسب بأعمال الآحاد، ولكنه زعيم الهند وقائد ~~أبنائها في طريق الحياة القومية، فلا مناص له من العناية بمسائل الحاضر وشواغل الساعة، ومن ~~هنا يأتي التناقض لا محالة، كما لا بد أن يأتي في كل توفيق بين مسائل الأبد الباقي ومسائل ~~الساعة العابرة. # قد يقال: وما للناسك الجاد في نسكه وللسياسة؟ إنه غريب عنها وهي غريبة عنه ... عليه أن ~~يعتزلها مع الدنيا، وأن يدع للناس أمر دنياهم يدبرونه على هواهم، وينجو بروحه وضميره من هذا ~~الزحام، إلى صومعة من صوامع الوحدة والقنوت. # وهذه حقيقة تقال وتسمع في سيرة غاندي وأمثاله. # ولكنها حقيقة ناقصة؛ لأنها حقيقة من جانب واحد، وهو الجانب الذي يملكه غاندي ويختاره، دون ~~الجانب الذي يساق إليه على الرغم منه، وهو قيادة الهند بأجمعها في طريق الخلاص. # إن الهند ms74 لا تنفعها إلا زعامة واحدة: وهي الزعامة التي تخاطب روحها وتنفذ إلى صميم ~~وجدانها. # إن زعامة الساسة الذين ينغمسون في الدنيا تضلها وتؤذيها وتثير فيها الريبة وسوء ~~المظنة. # فلم تخلق لها زعامة أصلح من زعامة الرجل الذي لا يستراب في مقاصده ونياته، وهو الرجل ~~الناسك المقبل على عالم الروح. # فالهند لا تترك غاندي إذا تركها. # وهو إذا تركها كان أقل من غاندي وأصغر؛ لأنه يؤثر خلاصه على خلاصها، وينظر فيما يريحه ولا ~~ينظر فيما يريحها. # وإنما يكون ترك الزعامة «تضحية» عندما تكون الزعامة كسبا وجاها لصاحبها، فيقال: إنه ~~ضحى بالكسب والجاه في سبيل العزلة الروحانية. # أما الرجل الذي يغنم من العزلة ولا يغنم من الزعامة، فالتضحية عنده أن يعيش بين الناس ~~ويعمل مع الناس؛ لأنه يعطيهم كل ما يستطيع إعطاءه، ولا يأخذ منهم شيئا من الأشياء، في عالم ~~الجسد ولا في عالم الروح. # ومثل هذا الرجل لن يعمل غير ما عمل غاندي، ولن يقول غير ما قال، فليس في وصايا زعيم الهند ~~على هذا الاعتبار لغز مستغرب، بل هي وصاياه التي تجري في مجراها ونفهم معناها، وكل ما عداها ~~فهو الغريب الذي يحتاج إلى تفسير. ~~••• # وقر في يقين «المهاتما» أن آفة العالم كله، وآفة الهند خاصة، هي الحضارة الآلية؛ لأنها ~~تحجب عن الإنسان مطالبه العليا وتشغله بمطالب لا يحتاج إليها. # فهذه الحضارة الآلية لا تغني الإنسان، بل تخلق له الحاجات التي هو غني عنها، وتسخره في ~~سبيل هذه الحاجات المصطنعة، فيتهالك عليها ويتنازع فيها، ويضري على العدوان من جراء هذا ~~التهالك وهذا النزاع. # وليس لهذه الآفة دواء في عقيدة غاندي غير البساطة الطبيعية، وهي الاستغناء عن كل ما يمكن ~~الاستغناء عنه، ووضع الآلة والصناعة في وضعهما الأصيل، وهو خدمة الإنسان في ضروراته، وسد ~~نقص الطبيعة في خدمة هذه الضرورات. # وهو لا ينكر العلاج بالطب الحديث لذاته، ولا ينكره على طريقة الخرافيين الذين يستبدلون به ~~طبا آخر ينوب فيه علاج الجهل عن علاج المعرفة والتجربة العلمية، ولكنه يرى أن العلاج ~~الطبي ms75 ضروري في حالة الحضارة الآلية ولا ضرورة له ولا فائدة في حالة البساطة الطبيعية، ~~ولعله لا يخلو من الضرر إذا شفي به المريض، فاعتمد عليه وانحرف عن سواء الطبيعة لاطمئنانه ~~إلى إمكان الشفاء عن طريق العلاج. # فالبنية التي يلتزم صاحبها معيشة البساطة لا يختل مزاجها ولا يصعب - عند اختلاله عرضا - ~~أن يعود بتدبير البنية السليمة إلى سوائه، ولكنه إذا تناول الدواء فشفاه تعود مخالفة ~~البساطة ولم يحذر عواقب المخالفة، فأضعف بنيته عن قدرة التعويض والتصحيح، واستمرأ العبث ~~بطعامه وشرابه وأسلوب معيشته؛ لأنه لا يحذر عقباه. # أما علاج المرض بتغذية الجسم بالأغذية المحرمة في شريعة الهند فذلك شيء آخر؛ لأن الأمر ~~فيه يرجع إلى التعارض بين واجبين والموازنة بين أي الواجبين أولى بالترجيح على حسب اعتقاد ~~المريض أو على حسب مشيئته واختياره. # فغاندي الذي يسوم أهل الهند أن يعرضوا عن فتنة الحضارة الآلية بعلم أنهم لا يقدرون على ~~ذلك إلا بقوة تعصمهم من تلك الفتنة، وهي قوة الإيمان. # فهذا الإيمان هو الحصن المنيع الذي ينبغي ألا تنفتح فيه ثغرة، ولا يتزلزل له أساس. # فإذا وقفت الحياة الفردية أمام هذا الإيمان فهذه هي الحيرة أو هذا هو مجال الحسم ~~والإيثار. # وغاندي إذن لا يهمل العلاج بالطب إهمالا للحياة، بل صيانة لكل حياة. # وإذا رجعنا إلى المبدأ لم نجد خلافا بين غاندي وبين المصلحين من جميع النحل والعقائد؛ ~~لأنهم يؤمنون جميعا بصيانة الحياة الإنسانية، ويؤمنون مع ذلك بمبدأ آخر لا اختلاف بينهم ~~عليه، وهو: أن هذه الحياة لا تصان بكل ثمن، وعلى الرغم من كل فريضة توجبها العقيدة أو ~~توجبها الأخلاق. # والفرق بين غاندي وغيره من المصلحين هو اختلاف العقيدة، لا اختلاف الرأي في هذا المبدأ ~~المتفق عليه. # فهناك أشياء تهون فيها الحياة في سبيل هذا المبدأ كلما تعارضت الحياة وسلامة الضمير ~~والوجدان. # ولا معارضة للضمير عند المسلمين والمسيحيين مثلا في تغذية المريض أو الصحيح بلحوم ~~الحيوان، ولكن هذه المعارضة قائمة في عقيدة الهنديين، واحترام هذه العقيدة أمر لا يترخص فيه ~~رجل يقيم ms76 دعوته كلها على الإيمان، ويعلم أن الإيمان هو العصمة الوحيدة التي يغلب بها فتنة ~~الحضارة وفتن السياسة والسطوة والثراء. # ولك أن تقول: إنه غير مصيب ولكنك لا تستطيع أن تقول: إن في هذه الحالة لغز غير ~~مفهوم. # ولك أن تقول أيضا : إنه يكلف الناس ما لا يستطاع، ويحملهم على محمل لا يقوى عليه كل إنسان ~~من أتباعه ومريديه. # ولكنك إذا قلت هذا وجب أن تذكر أن غاندي في هذه الخصلة وسائر الدعاة والمصلحين سواء؛ ~~لأنهم جميعا يفرضون ما يجمل اتباعه، ثم لا يتبعه إلا القليل من القادرين عليه، ويبقى ~~الأكثرون وهم يحاولون فيفلحون تارة ويخفقون تارات. ~~••• # ولا تناقض بين اشتغال غاندي بالصحافة واستهجانه لتهافت الناس عليها والاشتغال بأحاديثها ~~وأخبارها، فإنما الصحافة عنده صلة روحية بينه وبين قرائه، وليست للقارئ صلة روحية بصحافة ~~تشغله باللغط والثرثرة وتضيع عليه الوقت في التطلع والمحال. # فالجد في النسك هو تفسير كل لبس في حياة هذا الناسك العظيم، ولولا هذه القوة الخلقية ~~الهائلة لما تأتى له أن يكبح شهواته وهي ميسرة كل التيسير إن شاء، ومنها شهوات يستعصي ~~كبحها على أقدر الرجال كشهوة الحكم، وشهوة الترف، وشهوة المال. # ولولا هذه القوة الخلقية الهائلة لما استنهض الهند كلها في صراع يحتاج منها إلى كل قوة ~~مدخرة فيها، وهي فقيرة في قوة العلم وقوة السلاح. # ولو أن الهند تلقته زعيما يلبس أحدث الأزياء، ويغشى أظرف الأندية، ويأخذ بكل بهجة من ~~مباهج العيش الحديث لما زاد على الهند ولا على العالم شيء، ولكنها كانت تخسر كل ما استفادته ~~من تلك البساطة الهائلة، بالغا ما بلغ فيها التناقض والإغراب. ~~••• # على أن الجد في النسك لا يدل في غاندي خاصة على خلق من خلائق التجهم والصرامة، وهما أول ~~ما يبادر الذهن من كلمة النسك وكلمة الجد مقترنتين. # فلم يكن في الرجل تجهم ولا صرامة، بل كانت له سماحة تفيض بالمرح والفكاهة في كثير من ~~المواقف، وكانت له فطنة لمواقف الضحك الطبيعية، لا تخطئها نكتة بريئة من الإساءة ~~والتكدير. # وتعبيراته عن ms77 أخطر الأمور تدل على هذه الخليقة السمحة وهذه السليقة الفكاهية التي يلطف ~~بها جهامة العظائم والخطوب. # سألوه مرة: كيف تغيب عنه معائب عقيدته التي يدين بها نفسه ويدين بها أتباعه ومريديه، فحل ~~المشكلة أظرف حل وأصدقه في كلمات قليلة، وقال: إن عقيدة المرء كزوجته، وهو لا يحب زوجته ~~لأنها أجمل النساء وأسلمهن من العيوب ولكنه يحبها ويلازمها لأنها أقرب النساء إليه. # ودعاه نائب الملك مرة في جمع من كبار الموظفين ورجال الدولة، فجاءوه ببعض الشراب الحلو ~~فاعتذر ودعا بكوب من الماء، فلما جاءوه به أخرج من حزامه صرة صغيرة، فأذاب ما فيها وهو ~~يضحك، وشربها «في صحة نائب الملك» وإذا هو ملح ممنوع، يشربه في المكان الذي يصدر منه المنع ~~والتحريم. # ودعاه نائب الملك مرة أخرى فسأله حفيده الصغير: إلى أين تذهب يا جداه؟ قال الجد الوقور ~~متبسطا: إلى نائب الملك. # قال الطفل دهشا: ولكنك تذهب دائما دائما إلى نائب الملك، فلماذا لا يحضر نائب الملك ~~مرة إليك؟ # فلم يزل غاندي يضحك حتى فارق الدار. # إن الفكاهة فكاهتان: فكاهة النقمة وهي سلاح عدوان ودفاع، وفكاهة السماحة، وهي عاطفة تغتفر ~~صغائر الناس كما يغتفر الآباء صغائر الأبناء. # وقد كان نصيب غاندي من هذه الفكاهة أوفى نصيب. # إلا أنها فكاهة من قبيل السليقة النفسية وليست من قبيل الملكة الفكرية، فهي تسري إلى ~~الشعور، وقلما تروى بالكلام. ~~••• # وقد تناقض النسك والحصافة في رأي أكثر الناس، بل قرنوا - قديما وحديثا - بين الإعراض عن ~~الدنيا وانخلاع العقل والشعور، كأنهم - لإكبارهم متاع الدنيا - لا يصدقون أن أحدا ينصرف ~~عنها وله حظ من العقل الحصيف. # ولكن غاندي على التخصيص كان نقضا بارزا لهذا التناقض المزعوم، فقد كانت له حصافة وكان ~~له دهاء، وكان من الأذكياء المعدودين، وإن لم يكن من المعدودين بين أعاظم المفكرين. # فقد يأتي بين أعاظم المفكرين في الصف الثاني أو الثالث. # وقد يأتي في الصف الثاني أو الثالث أيضا بين أعاظم الساسة وخطباء الجماهير. # ولكنه بين جبابرة الروح في الرعيل الأول لا مراء. # وبهذه ms78 القوة الهائلة فيه قد استطاع ما لم يستطعه أحد في الصف الأول من صفوف المفكرين، أو ~~صفوف الساسة والخطباء. # | تقديره ونقده # كان غاندي يناوئ الحكومة البريطانية في إبان الحرب العالمية الثانية، فحنق عليه بعض ~~الإنجليز واتهموه بأنه من أعوان هتلر، أو أنه من أولئك الذين عرفوا في إبان الحرب باسم ~~«الطابور الخامس»، وهم الذي يساعدون النازيين بإزعاج خصومهم في إبان القتال. فتصدى للدفاع ~~عنه رجل من أكبر رجالات الإمبراطورية: وهو المارشال سمطس القائد السياسي الفيلسوف، وقال: إن ~~غاندي أرفع من أن تلصق به تهمة؛ لأنه رجل من أعظم رجال العالم، وهيهات أن يسخر لخدمة غرض من ~~الأغراض. # وكان برنارد شو يقول: إن غاندي من العظماء الذين لا يجود التاريخ بأمثالهم إلا مرة في كل ~~ألف سنة. # وكان رومان رولان - وهو من أكبر كتاب الغرب وأشرفهم في العصر الحديث - يضع غاندي في طليعة ~~أقطاب الإنسانية، ويبشر الغرب بأمثلته العليا، وله في سيرته كتاب يشف عن إجلال بالغ وحب ~~عميق. # ولما نعي غاندي إلى أمم الغرب أسف البابا لمنعاه وهو رأس الكنيسة المسيحية الكبرى، وقال ~~أسقف من رجال الكنيسة الأمريكية: إن غاندي مسيح، ثم عطف فقال: إنه لا يعني بذلك أنه كالمسيح ~~أو أنه يتشبه بالمسيح، ولكنه يعني أنه السيد المسيح بعينه قد عاد إلى عالم الجسد لإتمام ~~رسالة الحب والصلاح. # وتلقى نواب فرنسا منعاه وقوفا خاشعين. # ورثاه رئيس الوزارة الإنجليزية - أكبر خصومه في ميدان السياسة - فأطنب في تعظيمه والأسف ~~لفجيعة الشرق وبني الإنسان فيه. # وليس في هؤلاء جميعا أحد يؤمن بديانة غاندي، بل ليس فيهم أحد يرى في صلاح الحياة البشرية ~~مثل رأيه، فهم لا يعظمونه لأنهم يوافقونه ويتبعون عقيدته ورأيه؛ ولكنهم يعظمونه لأنه ~~عظيم. # وإذا لم يكن تعظيم الرجل مقصورا على شيعته وأهل وطنه وعقيدته، فتلك آية العظمة الإنسانية ~~لا مراء. # فليس العظيم من لا يخالفه أحد، فقد يبلغ العظيم غايته من العظمة ومخالفوه أكثر من ~~موافقيه. # وليس العظيم من خلا من ناحية نقص، فقد يكون حسبه أنه امتلأ بناحية ms79 عظمة، وكان فيه موضع ~~للنقص كما كان فيه موضع للكمال. # وإذا ظهر نقص العظيم فليس تعليل ذلك أنه غير عظيم، وإنما تعليله أن الإنسانية تتسع لأنواع ~~شتى من العظمات، وأنواع شتى من الدعوات، وإنها لن تكون في جملتها إنسانية كاملة إن كانت لا ~~تعرف إلا نوعا واحدا من العظمة وناحية واحدة من نواحيها. # وتعدد العظمات معناه الوحيد أن كل عظمة منها لازمة، وأن كل عظمة منها متممة للأخرى، ~~وأنها تتم من ناحية النقص فيها. فلا غرابة في استهداف عظيم للنقد والتعقيب، بل لعله لا ~~يستهدف للنقد والتعقيب إلا لأنه عظيم. # وهكذا كان غاندي في دعوته، وهكذا كان في تفكيره على الخصوص، كان فيه متسع للإعجاب الكبير، ~~ومتسع للنقد الكبير. # وأحق ناحية فيه بالنقد هي الناحية التي استحق بها الإعجاب، وهي ناحية الكفاح في سبيل ~~الروح، أو هي ناحية الكفاح بين الأشرف والأخس من طبيعتي الإنسان. # وأول ما ينقد من هذه الناحية أنه حصر ميدان الكفاح. # فالرجل الذي كان يؤمن بأن الأبد كله هو معركة بين الروح والجسد، قد أخرج كفاح الحضارة من ~~هذا الميدان، وحصر الكفاح كله في روح الإنسان وأعضاء الإنسان. # لكن كفاح الحضارة في الواقع هو الميدان الأكبر لغلبة الفكر وغلبة الروح، أو لتقوية النفس ~~صعدا في معارج البأس والانتصار. # فالهرب من الحضارة هرب من ميدان هذا الكفاح، أو هو على الأقل انتصار في غير ملحمة، وبأس ~~لم يتعرض لتجربة تدله على نفسه، أو تدل غيره عليه. # إن سيئات الحضارة هي سيئات الجسد في مجال أوسع وأبقى ... وفرصة الروح، أو فرصة العقل في ~~ترويض هذه السيئات - هي فرصة الأمم مجتمعات متعاقبات، فهي ألزم من معركة الصومعة المنعزلة ~~بين روح إنسان وجسد إنسان. # وإذا كان الإنسان الفرد يجد روحه في كفاح مطالب الجسد وشهواته، فالأمم التي لا عداد لها ~~تجد روحها في كفاح مطالب الحضارة وشهواتها، أو في هذا الصراع الذي يتلاقى فيه الخير بالشر، ~~والقوة بالضعف، والمعرفة والعلم بالجهل والغباء. # وما تعلمت الإنسانية من شيء قط كما تعلمت ms80 من الشدائد، وفي مقدمتها الحروب، وهي شر ما ~~يبتلى به الناس. # غاندي ورومان رولان. # فكل حرب يأتي بعدها للإنسانية تاريخ جديد. # فتحت الحروب الصليبية أبوابا كانت مغلقة بين المغرب والمشرق، وفتحت الحروب العثمانية ~~أبوابا كانت مغلقة بين العالم الحديث والعالم القديم ، فظهرت القارات الخمس بعضها لبعض، بعد ~~أن كان شطر منها مطويا وراء الحجاب. # وجاءت الحروب الحديثة فتقدمت معها المخترعات، وأصبحت هذه المخترعات شغلا شاغلا للأمم في ~~سبيل الدفاع عن الحياة، ولم تكن قبل ذلك تشغل أحدا غير الخاصة من العلماء ~~والمخترعين. # وقد يستطيع العالم الواحد أن يعرف أسرار القنبلة الذرية، ولكن الأمر يحتاج إلى اهتمام أمة ~~كبيرة ليحصل ذلك العالم على الملايين من الذهب؛ ليبني بها المصانع ويتخير بها الآلات، ~~ويترقى بها في مراتب التدقيق والإحكام. # وهكذا تساق الإنسانية إلى المعرفة بعصا من الضرورة، وتندفع مع الشر فتنتهي إلى الخير، ~~وتنقاد للشهوات ونوازعها ثم تقبض على زمامها بعد طول الجماح. # ومن طريق العقل يترقى العالم والحكيم. # ولكن الأمم لا تندفع معه إلا إذا اندفعت بغريزة قاهرة، دفاعا عن الحياة أو طلبا للمجد ~~والسيادة. # والطبيعة تعلمنا ذلك كل يوم وتعلمنا إياه في ولادة كل مولود. # فكل أب وكل أم يسهران الليل ويشقيان بالنهار لحفظ النوع وتربية الأطفال، ولكن قل أن يعيش ~~طفل في هذه الدنيا لو قيل للآباء والأمهات: إنكم تحفظون النوع وتعملون لغير أنفسكم، ولم ~~تعطهم الغريزة سرورا وغبطة تختلج بها الأجساد، إذ يحتملون هذه التضحية من أجل بقاء الحياة ~~لأحفاد لا يرونهم بعد مئات السنين، وألوف السنين. # وهكذا تساق الإنسانية إلى التعاون بين أبنائها والتضامن بين أقويائها وضعفائها، يطمع هذا ~~في السيادة على الدنيا، وينبري هذا للدفاع عن حياته، فلا يسود هذا ولا يدافع هذا عن حياته ~~وكفى، بل يعملان معا للوحدة الإنسانية في أوانها المقدور ... # ومن طريق الحروب ومخترعات الحضارة تقاربت الأمم واشتركت في هذه الوحدة الإنسانية فاشتبكت ~~بينها المواصلات والمعاملات، وبلغ من تقارب الكرة الأرضية ما لم يبلغه في عصر من العصور: ~~ينطق القائل بالكلمة فإذا ms81 هي مسموعة بعد هنيهة على مسافة الألوف من الفراسخ، كأنما القائل ~~والسامع يجلسان في حجرة واحدة، ويقع الحادث في الصباح فلا يعود صباح بعده حتى يملأ خبره ما ~~تملأه الشمس من الأرضين والبحار، وتهم الدولة القوية بعمل من الأعمال فتنظر إلى أصغر دولة ~~في أقصى الأرض لعلها تأبى ما تريده، ولعلها تقلب ميزان النصر في أزمة من أزمات النضال، ~~فيتحول النصر من فريق إلى فريق. # من أين كنا نبلغ هذا لو أحجمنا عن الحضارة من مرحلتها الأولى؟ # إننا أطعنا المادة غاية ما تطاع، حتى كشفنا عنها الستار فإذا هي نور. # وعلم الناس من خبر «القنبلة الذرية» أن المادة شعاع، وأن الشعاع «حسبة رياضية» تدركها ~~العقول ولا تتوقف على كثافة الأجساد. # فعادت بنا المادة إلى عالم العقل المجرد، ولكن من طريق الإيغال فيها لا من طريق الإحجام ~~عنها، أو من طريق الكفاح لا من طريق التسليم. # ذلك كله حق نلمسه الآن. # وذلك ما لم يدخله غاندي في حسابه، وهو يبشر بدعوته. # ولكن هل كان في وسعه أن يدخله في حسابه، وتبقى له دعوة تدعى؟ # إن المثل هنا أعون على الجواب من إطالة الشرح والبيان. # فالطب قد تعلم ولا ريب من الأوبئة والطواعين، ولولا الوباء بعد الوباء لما عرف الأطباء ~~أسرار الجراثيم، ولا حقائق الأمراض. # ولكن الطبيب مع هذا يوصي بالدواء، ولا يوصي بالطاعون. # وغاندي هو الطبيب وشرور الحضارة هي الطاعون! # فإن كانت له في هذا العالم دعوة فلن تكون هذه الدعوة إلا كما دعاها، وإن لم تكن قط فتلك ~~هي الخسارة على الناس في هذا الميدان الفسيح الذي يتسع لجميع الدعوات. # ومثله بين المصلحين كمثل العازف الماهر الذي لا يسمع وحده، ولكنه إذا سكت كانت كل فرقة ~~موسيقية ناقصة بغيره. # ومكانه من العظمة أنه يتمم هذا النقص. # وليس مكانه من العظمة أنه خلا من كل نقص يعاب عليه. # وحسبه ذلك من مراتب الكمال التي تتاح للإنسان. # | مصرعه # في صباح يوم السبت (الثامن والعشرين من شهر فبراير سنة 1948)، خرجت من أرض الهند ms82 آخر فرقة ~~من الجيش البريطاني كانت معسكرة فيها، بعد أن احتلها هذا الجيش بمئات من الفرق، زهاء مائتي ~~سنة. # خرجت من ميناء بومباي. # ووقفت قبل خروجها تبادل فرقة من الجيش الهندي تحية السلاح. # وعزفت موسيقاها بنشيد «حفظ الله الملك» ونشيد الهند الوطني «فاندي ماترام». # وهتف قائدها «جاي هند» أي: لتحيا الهند ... وكان آخر من صعد إلى السفينة، في عودة كان ~~مقدمها في الواقع قبل مائتي عام. # وبهذه الصفحة طوي السجل الذي كتبت صفحته الأولى في الثالث والعشرين من شهر يونيه سنة ~~1757: وهو يوم المعركة التاريخية في حياة الشعوب الهندية، وحياة الدولة البريطانية: معركة ~~«بلاسي» التي بسطت يد اللورد «كلايف» على العروش في الهند والشعوب. # كنت أقرأ في صباي كتاب «الأبطال» لتوماس كارليل الفيلسوف الأيقوسي الكبير، وكنت أعجب منه ~~بالفصل الذي كتبه فيه عن شكسبير، وكان أعجب ما يعجبني منه خاصة قوله: إن شكسبير أعز على ~~الأمم التي تتكلم الإنجليزية من الهند وكنوزها؛ لأن الهند وكنوزها ستخرج من أيدينا في يوم ~~من الأيام، أما شكسبير فهو الفخر الذي لا يسترد ولا يزول. # ستخرج الهند من الدولة البريطانية في يوم من الأيام؟ # نعم، إن يوم الخروج لا بد آت ولكن متى؟ متى يحين ذلك الحين الذي نظر إليه ~~الفيلسوف؟ # لم نقدر بأية حال أنه حادث من الحوادث التي نشهدها في هذه الحياة، وأنه سيصبح عما قريب ~~خبرا من أخبار البرق، التي يوالينا بها في هذه الأيام. # وأكبر الظن أنه لولا رجل واحد ظهر في الهند، لتأجل موعده إلى حياة أبناء، بل حياة ~~أحفاد. # ذلك الرجل الواحد هو «غاندي» بلا مراء. ~~••• # لقد اشتركت في تهيئة ذلك المنظر الصغير - على ميناء بومباي - عوامل لا تحصى في ~~صفحات. # عوامل بعضها من الهند نفسها، وبعضها من القارة الأسيوية في جملتها، وبعضها من الكرة ~~الأرضية بأسرها. # ولكنها إذا وجب أن تحصر في شخص واحد، لم نجد شخصا واحدا نحصرها فيه، غير ذلك الجسد ~~الضئيل: ذلك الروح العظيم. # إنه هو الرجل الواحد الذي يمكن أن يقال: إنه عجل ms83 بذلك اليوم حتى دخل في حوادث هذه السنة ~~(سنة 1948) للميلاد ... # لأنه هو الرجل الواحد الذي أدخل في روع الإنجليز أن بقاءهم في الهند عناء لا جدوى لهم ~~فيه، وأن الجلاء عنها أصلح لهم من البقاء. ~~••• # فقد كان من الجائز - بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وزوال الخطر الياباني ~~عن الهند - أن توازن بريطانيا العظمى بين البقاء والجلاء فيبدو لها أن البقاء أيسر كلفة من ~~الجلاء، ولكن غاندي هو الذي قلب لها كفتي الميزان فأقنعها بأن الأمر معها على نقيض ذلك، وأن ~~جلاءها أيسر كلفة عليها من بقائها؛ لأنه جعل المقاطعة السياسية والاقتصادية سلاحا قاطعا ~~يضاعف مشقة الإنجليز في حكم الهند والاضطلاع بتبعة الدفاع عنها ويقلل من منافع هذا الحكم ~~ومزاياه، وكان مرجع الفضل في نجاحه إلى إخلاصه وتجرده المطلق من المآرب الشخصية، فلم يشق ~~على أحد من خاصة أهل الهند وعامتهم أن يقنع بالكفاف وأن يتحدى المحن والشدائد، وهو يرى ~~أمامه رجلا عالميا موفور الكرامة والوقار يقنع من الكساء والغذاء بكلفة لا تتجاوز بضعة ~~دريهمات. # وأعانه على رسالته أنها رسالة من طبيعة الهند وعنصرها؛ لأنها رياضة روحانية في بلد ~~«الفقراء» والنساك، فصح فيه أنه رد الهند إلى روحها أو رد روح الهند إليها. # وبحق جعل الهنود مغزله شارة الهند على علمها المثلث، ذي اللون «الأخضر، الأبيض، ~~البرتقالي» ... وحولوه إلى مغزل «بوذا» الذي يغزل به خيوط الحياة. # وقد وعى القوم درسهم من الحرب العالمية الأولى، فلما نشبت الحرب العالمية الثانية لم ~~يقبلوا كما قبلوا في الحرب الأولى أن يبيعوا عاجلا بنسيء، وأخذوا على أنفسهم العهد أن ~~ينصروا قضية الديمقراطية، وأخذوا على الإنجليز العهد أن يكون لهم من هذه الديمقراطية نصيب ~~لا وكس فيه ولا تسويف، وكان غاندي على طليعة «المتطرفين» في هذه الحملة؛ لأنه جعل نداءها ~~على كل لسان: «اتركوا الهند» ... وأصر على الجلاء بغير شرط ولا قيد ولا تسويف. # غاندي بين حفيدتيه. # وبدأت هذه الحملة والحرب قائمة، والجيوش اليابانية تغير على بورما وسنغافورة، وتجد لها ~~أشياعا في داخل الهند ms84 من أبنائها الذين استجابوا لدعوة (آسيا للآسيويين). # وكانت مسألة الخلافة الإسلامية قد انتهت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فعمل المسلمون ~~في الحركة الوطنية غير مرتبطين بخطة من خطط السياسة البريطانية قبل دولة الخلافة، سواء فيما ~~اختاروه من مقاومة أو وفاق. # وراحت حكومة بريطانيا العظمى تقترح الحل بعد الحل، وتشرع النظام بعد النظام، وتستشير تارة ~~وتنفرد بالرأي تارة أخرى، فانتهت إلى حل موقوت في حكم البلاد الهندية بجملتها ريثما تنجلي ~~عنها وتنفض من تبعاتها كلتا يديها، وهو حل الحكومة الاتحادية التي يقوم عليها مجلس وزراء ~~وهيئة نيابة يشترك فيها الهندوسيون والمسلمون. # فحبط هذا الحل أمام عقبة كأداء تنفرد بها الهند خاصة بين بلاد العالم، وهي عقبة ~~الأقليات. # وليس شأنها في الهند كشأنها في سائر البلاد الأخرى؛ لأنها في الهند أقليات وليست ~~بأقليات. # فالمسلمون في الهند كثرة غالبة في بعض الأقاليم، وقلة صغيرة في بعض الأقاليم، وقلة كبيرة ~~في أقاليم أخرى. # وبينهم وبين الهندوسيين اختلاف شديد في الجنس واللغة والعقيدة، لخصه السيد محمد علي جناح ~~رئيس الرابطة الإسلامية في كلمة واحدة حين قال: كيف يحكم بنظام واحد قوم يعبدون البقرة وقوم ~~يأكلونها؟ # وأعضل ما في الأمر أن وطنية الهندوسيين هي في صميمها وطنية عقيدة روحانية، أو عقيدة ~~دينية، وأن زعيمها لم يفلح في دعوته إلا لأنه قاد دعوتها الوطنية من هذه الناحية، وما في كل ~~يوم يجد المسلمون أمامهم زعيما كغاندي يعتصم بالسماحة في قوة وصدق طوية، ويستطيع أن يروض ~~أتباعه على العدل والرفق وحسن المعاشرة وفض المشكلات بترضية المخالفين في الرأي ~~والعقيدة. # على أن غاندي نفسه قد غالته يد هندية؛ لأنه استهجن ذبح المسلمين والتشنيع بنسائهم ~~وأطفالهم على مشهد من الشرطة وجنود الحكومة الهندية، فإذا أوجس المسلمون شرا من حكومة ~~كهذه فلهم العذر كل العذر في شرعة المنصفين. ~~••• # ولم يجدوا بدا في النهاية من إقامة دولتين منفصلتين: إحداهما هندوسية والأخرى إسلامية ~~تعرف باسم الباكستان، وينتقل من يشاء من أتباع إحدى الدولتين إلى بلاد الدولة الأخرى مع ~~تنظيم الهجرة وتبادل السكان. # ولم ms85 يكن تنظيم الهجرة بالأمر الميسور؛ لأنه بمثابة اقتلاع ملايين من الأسر من أماكن قد ~~استقرت فيها وارتبطت فيها بمعاملاتها وأسباب معيشتها، إلى أماكن أخرى لا تتسع لها في كثير ~~من الأحيان، وليس هناك من يعوض أحدا عن ماله المتروك في البلد الذي يهاجر منه، أو البلد ~~الذي يهاجر إليه. # وما هو إلا أن أعلن قيام الدولتين حتى كانت مشكلة السكان هذه مثار الخصومات والفتن في كل ~~بقعة يعيش فيها المسلمون مع الهندوسيين والسيخ منهم خاصة. وانطلق أناس من غلاة المتعصبين ~~يطاردون المسلمين من مساكنهم ويعملون القتل والسلب فيهم، ويغيرون على المساجد فيلوثونها أو ~~يهدمونها أو يحولونها إلى معابد هندية وينصبون فيها صورهم وأوثانهم، ولا يعترضهم أحد من ~~الشرطة والجنود، بل يشاركونهم في هذه الجرائم ويحرضونهم عليها، ويزودونهم بالسلاح الذي يعلم ~~العارفون بالهند أنه كان محظورا على جميع الهنود في عهد الدولة البريطانية، واقترف هؤلاء ~~الغلاة من الآثام والمجازر في صيف تلك السنة (1947) ما لعله لم يحدث قط في هذا الزمن في بلد ~~من البلدان. # وكان على رأس المجرمين الذين فعلوا هذه الأفاعيل جماعة وطنية متهوسة تعرف باسم «مهاسابها» ~~أو الجماعة الكبرى، تتلخص مبادئها في إقامة حكومة هندوسية واحدة والقضاء على حكومة ~~الباكستان وتجنيد جميع الشبان ومطاردة المسلمين ومعاملتهم معاملة الجواسيس المهددين لأمن ~~الدولة الهندوسية، وتحريم الدخول في الدين الإسلامي على أبناء النحل الدينية الأخرى. # وكانت هذه الجماعة لا تبالي في نشراتها اليومية - وهي تحرض الغوغاء على القتل والسلب - أن ~~تؤكد لهم علانية، معاونة الجيش والشرطة، وحمايتهم من الاعتقال والتحقيق. # وكان غاندي أشد أهل الهند نقمة على هذه الفتنة المخزية وجرت على لسانه كلمات يأس وشكاية ~~لم تسمع منه قط في أحلك أيام جهاده، فكان يقول لمن حوله: هذه أحوال لا تغري بالعيش، ويسأل ~~مع الشاعر: إلى متى أقيم في هذه الدنيا ألعب هذه اللعبة؟ يعني الحياة. # ولما أعرض المهيجون عن نصائحه المتكررة نذر الصيام حتى الموت أو تجاب مطالبه ويتحد ~~المسئولون على العمل بها: وهي كما نشرتها صحيفة نيويورك تيمس ms86 (في يناير سنة 1948) «السماح ~~للمسلمين بإقامة احتفالهم السنوي في معبد مهرولي القريب من دلهي، وإعادة المساجد المغتصبة ~~إليهم، وصيانة حياتهم وأموالهم، والترحيب بعودتهم إلى مساكنهم وتأمينهم في السفر، والكف عن ~~مقاطعتهم في الحياة الاجتماعية.» # ومضى في صومه خمسة أيام، ثم جاءه الزعماء وقادة الجماعات مستغفرين، وقطعوا له العهد على ~~قبول وصاياه جميعا والعمل بها توا، فعدل عن صيامه، واستطاع أن يتوجه إلى مهرولي؛ ليشهد ~~مع المسلمين مولد قطب الدين بختيار، الذي احتفلوا به في السابع والعشرين من شهر يناير، ~~وعاوده الرضى بعد ما انتابه في الفترة الأخيرة من يأس قاتم، وحزن أليم. # إلا أنها الفتنة قد جن جنونها وانقطع عنانها، ونظرت إلى غاندي وهو يكبح شهوتها، كما ينظر ~~الوحش المهتاج إلى الحارس الذي يدفعه عن فريسته، إنه قد يدع فريسته إلى حين لينشب أظافره في ~~الحارس الذي حماها. # ففي العشرين من شهر يناير ألقى طالب اسمه «مادان لال» قذيفة على غاندي لم تصبه، فلم يجفل ~~ولم يرتجف منه عصب، ومضى إلى الصلاة وهو يوصي الشرطة ألا يعنفوا على «الصبي ~~المسكين!» # واتجهت الشبهة في هذا الحادث إلى جماعة رياضية على النظم الفاشية، تسمى جماعة المتطوعين ~~لإنقاذ الوطن، ولكن التهمة لم تثبت عليها وظهر أن الجريمة من عمل متآمرين ينتمون إلى ~~«المهاسابها» أو الجماعة الكبرى. # ولم يردعها إخفاق هذه المحاولة عن جريمتها التي بيتت النية عليها، فعادت إلى الاقتراع بين ~~أعضائها على من يتولاها وينجح فيها، فكانت القرعة من نصيب فتى من محرري الصحيفة المتطرفة ~~«هندوراشترا» يسمى: «ناثورام فيناياك جودس»، فتقبل القرعة متهللا؛ لأنه كان من أشد ~~المبغضين لغاندي ودعوته الإنسانية، وكان كثيرا ما يقول: «إن لي رسالة لا بد من ~~أدائها». # وما نظن أن قاتلا ضريت نفسه بالشر كما ضريت نفس هذا التعس المفتون، فحسبك نية القتل إذا ~~كان القتيل هو غاندي، تلك وحدها كافية. ~~«جودس» قاتل غاندي. # ولكنها لم تجمع كل ما في طويته من ضراوة إبليسية. فقد تعمده بالقتل وهو في موقف يثني يد ~~الشر ويخلق الضمير النادم لمن ms87 مات فيه الضمير، تعمده بالقتل وهو يسعى إلى الصلاة بين ~~حفيدتين بريئتين، وينظر إليه نظرة العطف الوديع التي يغمر بها كل من حياه. # كان غاندي في يوم الجمعة (الثلاثين من شهر يناير) يتحدث إلى السردار باتل في شأن خطير، ~~فأخره الحديث عن موعد الصلاة، فلما كانت الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة، قال لمحدثه ~~العظيم: الآن دعني ... إنه موعد الصلاة ... وخرج بين حفيدتيه آفا ومانو ليؤدي صلاته في معبد ~~قريب ... فاقترب منه فتى في سترة خاكية وصدار أخضر، وهو يطوي ذراعيه على صدره علامة التحية ~~الهندية، وقال له: لقد تأخرت يا أبت. فتمتم غاندي مطرقا كالمعتذر، وهو يقول: نعم تأخرت يا ~~بني. وانحنى الفتى كأنما يهم بتقبيل قدميه، فنظر إليه غاندي نظرته الوديعة وابتسم له في رفق ~~وممانعة، وطوى ذراعيه على صدره ردا للتحية، فإذا بالفتى قد وثب واقفا وفي يده أداة لا ~~تكاد تنظر - مسدس بيريتا الصغير - وأطلق منه ثلاث رصاصات على صدر المهاتما على مدى ذراع، ~~فهتف غاندي بالصلاة «آي رام. آي رام» ... وسقط إلى الأرض رافعا يديه كما كان يرفعهما لمن ~~يدعون له بالحياة. # جثمان غاندي على شاطئ النهر المقدس - نهر ~~«جمنا». # ولم يعش بعدها غير ثمان وعشرين دقيقة، ولم يفه بعدها بغير هذه الكلمات: «إذا كنتم لا ~~تريدون أن أعيش ... فلا أرب لي في العيش.» # وظل القاتل كلما سئل بعد ذلك يضحك ويقول: لست بنادم ... ولست أجهل ما ينتظرني ... ولكنني لا ~~أبالي ... إنني أقحمت اسمي على التاريخ بأحرف من نار ...» # صدق! فما في وسع التاريخ أن ينساه؛ لأنه في تاريخ بني الإنسان كله اسم وحيد. # وتم العجب من سيرة غاندي حيا وميتا. # رجل رفع أبصار الناس إلى أوج السماء، فهبط بها قاتله إلى قراره الجحيم. # رجل وهب للهند حريتها، فسلبته الهند حياته. # رجل أراد أن يمسح العدوان من ظهر الأرض، فمات معتدى عليه. # | هذا هو الإنسان # وجمت حين سمعت النبأ. # وما أظن النبأ إذا قيل على إطلاقه محتاجا إلى تفسير. فما كان للكرة الأرضية من شاغل غيره ~~في ms88 زاوية من أقصى زواياها. لقد أوشك أن يكون حادثا من حوادث الكون بما رحب، بل كان حقا ~~حادثا من حوادث الكون؛ لأنه على أوثق اتصال برسالة الروح. # وجمت وطال بي الوجوم، بل ذهلت وطال بي الذهول؛ لأن الخبر إنما يمهد له خبر مثله؛ ولأن ~~الحادث إنما يقاس على نظيره، ولا نعرف نظيرا لمصرع غاندي في كل ما سمعنا به من أنباء ~~العالم، وفي كل ما عرفناه من حوادث التاريخ. # لقد قتل من قبل مصلحون وقديسون. # ولكنهم قتلوا بيد السلطة التي تخاف منهم على نفسهم، أو قتلوا بأيدي الطغام المهتاجين وهم ~~يسفهون أحلامهم، ويحطمون أصنامهم، ويبدلون شعائرهم، وينكسون منابرهم، فيثور الشر في نفوسهم، ~~ويهجمون على القتلى وهم لا يفقهون ولا يفيقون. # ولكن مصرعا كمصرع غاندي لم يحدث قط فيما علمناه من حوادث التاريخ. # لم يحدث قط أن ترتفع يد بالشر إلى رجل لا يسفه الأحلام ولا يبشر بغير السلام: رجل في ~~الثامنة والسبعين يسعى إلى الصلاة يتوكأ على حفيدتين بريئتين، ويكف الشر في النفوس بوقار ~~سنه وضعف شيخوخته وطيبة سكينته واستسلامه، رجل يدين بما يدين به قاتله المتعصب لعقيدته. ~~وقصارى ما تنتهي إليه تلك العقيدة - عند ذلك القاتل التعس - أن قتل البقرة حرام، وأن قتل ~~القديس العظيم مباح. # خارقة من خوارق الإثم تشده العقل وتشل الخيال، فلا تدري الأذن كيف تسمعها، ولا يدري الحس ~~كيف يحملها إلى رأس أو ضمير. # لقد خرج غاندي إلى البحر يتحدى «قانون الملح» المشهور، وخرج وراءه ألوف من الرجال ~~والنساء، وأمرهم أن يصبروا للضرب ولا يضربوا، وأن يتعرضوا للأذى ولا يردوه بمثله، ثم لاح ~~ذلك الشبح الهزيل للجند القائمين في طريق البحر وهم صفوف من وراء صفوف، فانفرجت صفوفهم له ~~وتركوه يمضي في سبيله، ثم انطبقت من بعده على الجموع التي تبعته لتعمل فيها الضرب واللكم ~~وتهوي عليها بالعصي والهراوات. فإذا بقزم الجسد مارد الروح، قد وقف عند البحر خاشع الرأس ~~دامع العينين، يبكي وحيدا لأنه سلم وحده، وأصيبت من ورائه تلك الرءوس والأجسام. # لقد مثل ms89 بين يدي القضاء فسأله قاضيه: أمذنب أنت بحكم القانون؟ فقال: نعم مذنب، وأعود إلى ~~الذنب متى قدرت عليه ... فأحس القاضي إحساس المذنبين أمام هذا المتهم الذي لا يحس إلا إحساس ~~الشهداء. وقال قولته التي سيخلد بها في سجل القضاة: إنني أحكم عليك مكرها، وسأكون أول من ~~يهنئك مبتهجا، إذا استخدم حاكم الهند حقه في العفو عنك، وهو حق لا يملكه القضاء. # مستعمرو بلاده هابوه ويجلوه. # غاصبو وطنه أحجموا عن المساس به والقسوة عليه. # ويشاء النحس لذلك الوطن المنكوب أن يشتمل على مخلوق من أبنائه: مخلوق من أبناء البشر، ~~تتحرك يمينه بالقذيفة القاتلة إلى صدر لم يبق فيه مع الحب الشامل لبني الإنسان - ولكل بني ~~الإنسان - غير جلود وعظام. # قيل منذ أيام: إن قذيفة ألقيت على غاندي فنجا منها. # فوقع في الأنفس أن نجاته من تلك القذيفة حدث من أحداث الطبيعة لا غرابة فيه ... كأن المادة ~~نفسها تهاب أن تمضي بالأذى إلى هيكل ذلك الروح ... كأن القذيفة ترتد - ولا تستطيع إلا أن ترتد ~~وحدها - عن القداسة التي أخضعتها، ولم تخضع لها قط في تجارب الحياة. # فلما قيل: إنه قتل بيد إنسان، قد والله سألت: كيف تحركت عضلة في جسد بشري بضربة قاتلة ~~لذلك الشهيد؟ # قد والله سألت عن اليد التي لا تعقل؛ لأنها كانت خليقة أن تعجز عن الحراك إذا سيمت مثل ~~هذا الحراك الذي يشذ عن كل قانون ... ولم أسأل كيف سولت نفس، ولا كيف هجس ضمير ... لأن من الهول ~~الهائل أن يدخل مثل هذا الجرم في حساب نفس أو ضمير. # وباسم الوطن وخدمته يقتل القاتل ويصاب الشهيد! # باسم الوطن وخدمته، يعتدي أكبر مسيء إلى وطنه على أكبر محسن إلى ذلك الوطن ~~المنكوب. # فليس في العالم صديق للهند ولا عدو من أعدائها، تخامره ذرة من الشك في فظيعة من الفظائع ~~يقدم عليها المتعصبون هناك، إذا كان النهي عن التعصب ذنبا يستحق عليه مثل غاندي أن يحرم ~~نصيبه من الحياة. # ومن غاندي الذي يحرم هذا النصيب الضئيل؟ # غاندي الذي تدين له ms90 الهند بأعظم الديون ... # غاندي الذي وهب الحرية للهند، وصنع للهند ما لم يصنعه هندي قط منذ خلقها الله. # غاندي الذي تفدى حياته بحياة الملايين؛ لأن الإنسانية لا تزال مفتقرة إلى أمثاله، ولو كان ~~فيها من أمثاله ألوف ... فكيف بافتقارها إليه وهو واحد مفرد في هذا الزمان. # كبر على الهند أن يظهر من أبنائها أشرف إنسان في زمانه، فأبى عليها النحس إلا أن يظهر ~~فيها أشأم إنسان في كل زمان. # ومن يقتل شرف الإنسانية كلها إلا مخلوق يخجل من إنسانيته كل إنسان، بل كل حي من الأحياء، ~~وكل ضارية من ناهشات الأبدان، وكل ساعية من نافثات السموم. # ويسألون: ألا جزاء يجزى به وراء الإعدام؟ # فما الإعدام في جانب الوصمة الأبدية يحملها المسكين وحده في تاريخ البشرية بأسرها، فيذكر ~~وحده إذا ذكر الخزي الذي لا خزي مثله في طوايا التاريخ. # هذا هو الإنسان في بؤرته السفلى. # وذاك هو الإنسان في ذروته العليا. # وفي خشوع لا ينتهي، نحيي الإنسان المشرف للإنسانية. # وفي حياء لا ينتهي نزوي البصر عن خزي الإنسانية في جميع تواريخها. # أعانها الله على كفارة تمهد بها العذر لنفسها، بين يدي ضميرها وبين يدي كل حي من خلائق ~~الحياة تحمله هذه الغبراء ... # وبين يدي الله ... # عظماء الهند ينتظرون جثمان غاندي (في الوسط: سردار ساتل، أبو الكلام ~~آزاد، والشاعرة نايدو، ونهرو). ms91