######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.SacdZaghlulZacimThawra.Hindawi47572963 #META# Tags: biographies #META# ID: 47572963 #META# Title: سعد زغلول زعيم الثورة #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - سعد في سطور‏ # 2 - القارعة‏ # 3 - الثورة‏ # 4 - سفر الوفد إلى باريس‏ # 5 - الوفد في أوروبا‏ # 6 - من سفر الوفد إلى لجنة ملنر‏ # 7 - المفاوضة في لندن‏ # 8 - مسألة السودان‏ # 9 - تصريح 28 فبراير‏ # 10 - من المنفى إلى الوزارة‏ # 11 - في رئاسة الوزارة‏ # 12 - من رئاسة الوزارة إلى رئاسة النواب‏ # 13 - رئاسة مجلس النواب‏ # 14 - زعامة سعد وأثرها‏ # مقدمة‏ # 1 - سعد في سطور‏ # 2 - القارعة‏ # 3 - الثورة‏ # 4 - سفر الوفد إلى باريس‏ # 5 - الوفد في أوروبا‏ # 6 - من سفر الوفد إلى لجنة ملنر‏ # 7 - المفاوضة في لندن‏ # 8 - مسألة السودان‏ # 9 - تصريح 28 فبراير‏ # 10 - من المنفى إلى الوزارة‏ # 11 - في رئاسة الوزارة‏ # 12 - من رئاسة الوزارة إلى رئاسة النواب‏ # 13 - رئاسة مجلس النواب‏ # 14 - زعامة سعد وأثرها‏ # | سعد زغلول زعيم الثورة # | سعد زغلول زعيم الثورة # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # تسير الأمم على هدى من غايتها كلما تبينت مواقع خطواتها بين ماضيها وحاضرها، ويعظم ~~رجاؤها في النجاح كلما أحست أنها أدركت نصيبا منه في الماضي وأنها خليقة أن تدرك نصيبا ~~مثله أو يزيد عليه في المستقبل، ومصر لا تكسب شيئا من قول قائل: إن جهادها كله عبث، ~~وإن زعماءها كلهم عجزة أو مقصرون. فإن هذا ظلم للماضي وللمستقبل في وقت واحد: ظلم للماضي؛ ~~لأنه يخالف الواقع الذي تدل عليه المقابلة بين أمسنا ويومنا، وظلم للمستقبل؛ لأنه يثبط ~~عزائم العاملين له، ويدخل اليأس على قلوب الآملين فيه، ومن دواعي التفاؤل أن سجل ~~النهضة المصرية يدل على نجاح أدركناه ونجاح سندركه، إذا صدقت العزائم، واطرد المسير على ~~الطريق المستقيم. # في هذه الصفحات التالية سجل النهضة التي نهضتها مصر على أثر الحرب العالمية الأولى، ~~ويطيب لنا ونحن نقدمها أن نسأل: أين نحن اليوم؟ وأين كنا؟ فإذا بالجواب الواقع الذي تقرره ~~شواهد العيان أننا تقدمنا ونرجو أن نتقدم، وأن التسوية بين مصر اليوم ومصر قبل ستين سنة ~~أمنية لا يتمناها لمصر مصري رشيد؛ فإن الفارق البعيد بين ما كناه وما صرناه ms001 هو المقياس ~~الصادق الذي تقاس به خطواتنا من أمس إلى اليوم، ونتمنى أن تستقيم في الغد إلى مدى أوسع ~~جدا مما أدركناه. # كيف كانت مصر في مستهل الجهاد الذي تسجله هذه الصفحات؟ # كانت الدولة كلها في قبضة «المندوب السامي»، أو قيصر قصر الدوبارة، يصرفها كيف شاء، ~~ويتولى شئونها الداخلية والخارجية بغير حسيب ... وكان جيشها كله بقيادة «السردار» الإنجليزي ~~الذي يثور ويسوق الأساطيل إذا هم بإصلاحه أمير أو وزير، وكانت كل وزارة في قبضة ~~مستشارها الذي يأمر وينهى ويبرم وينقض بغير إرادة الوزير وبغير علمه في كثير من الأحيان، ~~وكان كل إقليم في قبضة المفتش الإنجليزي الذي يختار الموظفين ويرشحهم للترقية أو للعزل من ~~المدير إلى العمدة إلى الخفير، وكانت كل محكمة عليا لها قاض من قضاة الإنجليز، وكل محافظة ~~في عواصم القطر الكبرى لها حكمدار من ضباط الإنجليز، وكان جيش الاحتلال من ورائهم يكظم ~~منافس القاهرة والإسكندرية، ويقبض مرتباته من ميزانية الدولة المصرية، وكانت السياسة ~~الاستعمارية تدير ميدان الاقتصاد المصري كأنه ديوان من دواوين الحكومة، فلا مصرف ولا شركة ~~ولا مرفق من مرافق الثروة العامة بيد أحد من المصريين، وكل ما بيدهم ديون ثقيلة كأنها ~~الأغلال في أيدي الأسرى والسجناء. وندع الفارق بين التعليم الذي تنفق عليه الدولة والأمة ~~أقل من نصف مليون، والتعليم الذي تنفقان عليه أكثر من خمسين مليونا، فإن الأرقام تغني ~~فيه عن الكلام. # ذلك مدى النجاح الذي أدركته مصر بنهضتها قبل ستين سنة، وإنها لسعيدة إذا تهيأت لها ستون ~~سنة أخرى بمثل هذا الفارق العظيم بين ما نحن عليه اليوم وما نطمح إليه. # واعتقادنا أن النهضة لم توفق هذا التوفيق إلا لأنها امتازت على تقدمها من النهضات ~~بمزيتين ظاهرتين: أولاهما أنها كانت نهضة أمة كاملة وجدت زعيمها، ولم يكن زعيم رهط ~~محدود أو طبقة خاصة، والثانية أنها طلبت الاستقلال حيثما وجدت إليه سبيلا، ولم تقيده ~~بوسيلة من الوسائل أو نظرية من النظريات. # وقد تغيرت ظروف العلم، وفعلت سنة التطور فعلها في تقدم الأمة المصرية، ومع هذا ms002 نرجع إلى ~~المشروعات التي كانت مقترحة قبل نيف وثلاثين سنة، فنرى أنها سبقت الزمن بشوط بعيد، فلو ~~نفذ مشروع منها لحقق لنا أمنية الجلاء وإلغاء الامتيازات قبل سنة 1936، وهي سنة ~~المعاهدة التي أبقت على بعض القيود ولم تحطم جميع تلك القيود. ولا ينتهي العجب من غيرة ~~الزعيم الشيخ سعد زغلول حين يعلم المطلع على هذه الصفحات أنه لم يقبل مشروعا ناقصا ~~إلا وهو على مضض وبعد الرجوع إلى مبدأ الاستفتاء والإجماع، حرصا منه على وحدة الوفد ووحدة ~~الأمة من ورائه جهد المستطاع. # هذه الوقائع التي تحملها هذه الصفحات خليقة أن تعزز الثقة بما بلغناه، والأمل فيما سنبلغه ~~بالمثابرة والاستقامة إلى الغاية، وقد اخترناها من كتاب «سعد زغلول» وافية على حدة ~~بتجلية الحوادث التي اشتملت عليها، وتوخينا في اختيارها أن تنتظم صلة الحاضر بالماضي، وأن ~~تستقيم بها الطريق على هدى التاريخ الصحيح. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | سعد في سطور # في أول يونيو سنة 1860 ولد سعد زغلول في قرية «إبيانة»، وكان أبوه الشيخ ~~إبراهيم زغلول عميد القرية، وأمه بنت الشيخ عبده بركات من أسرة عريقة. # ورث سعد من أبويه بنية الفلاح وصلابة الخلق وصدق العزيمة، ولما مات أبوه وهو ~~في سن السادسة عني بتربيته أخوه الأكبر. # ألحق سعد بمكتب القرية حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ثم أرسل إلى ~~الأزهر حيث ثابر على حضور الدروس بين يدي المجددين من أساتذته، وكان يتردد على ~~مجلس جمال الدين في داره. # حينما استعانت الحكومة بالشيخ محمد عبده في تحرير «الوقائع المصرية» سعى في ~~تعيين سعد لتحرير القسم الأدبي، فمكث محررا بها حتى نشبت الثورة ~~العرابية. # اشترك سعد في الثورة العرابية وناله من أذى الاعتقال بلاء غير يسير، وخسر ~~وظيفته، وبات في قائمة أنصار عرابي باشا. # اضطر إلى احتراف المحاماة، وكانت الدولة البريطانية قابضة على ناصية ~~الأمور، فنمى إلى المسئولين أن سعدا وزميلا له ألفا جماعة سرية باسم ~~«جماعة الانتقام»؛ فاعتقلا وظلا في الاعتقال بعد الحكم ببراءتهما أكثر من ~~ثلاثة أشهر. # وبعد ثماني سنوات ms003 عرضت عليه وظيفة «نائب قاض» بمحكمة الاستئناف في سنة ~~1892، فقبلها، وبقي في القضاء 14 عاما، ثم عين وزيرا للمعارف، ثم وزيرا ~~للحقانية. # اعتزل الوزارة وعزم على ترشيح نفسه للجمعية التشريعية، فنجح في الدائرتين ~~اللتين رشح نفسه فيهما نجاحا فاق كل تقدير، واختير وكيلا للجمعية التشريعية ~~فكان وكيلها المنتخب. # نشبت الحرب العظمى في يوليو 1914، وفي ديسمبر أعلنت الحماية البريطانية، ولم ~~تمض أشهر حتى أطلق الإنجليز أيديهم في دواوين الحكومة، وأمعنوا في التضييق ~~على أعداء الاحتلال. # وبعد انتهاء الحرب تألف «الوفد المصري» للسعي للحرية والاستقلال، واختير سعد ~~رئيسا للوفد؛ فكان قائد النهضة المصرية الباسل، وزعيمها العظيم، وقد كافح ~~وناضل، ونفي في سبيل بلاده. # كان أول رئيس لوزارة شعبية بعد الاستقلال، وأول زعيم مصري ألقى خطبة العرش ~~الأولى حين افتتح الملك فؤاد البرلمان في 15 مارس سنة 1924. # تولى رياسة مجلس النواب حتى توفي في 23 أغسطس سنة 1927 وهو في السابعة ~~والستين من عمره. # الفصل الثاني # | القارعة # لا بد لنا من قارعة! # تلك هي الكلمة التي كان يرددها سعد في الأسبوعين الأخيرين قبل نفيه؛ لأنه كان يرى بحق ~~أن السكوت يتبعه سكوت، وأن الحركة تتبعها حركة، ولم يكن جازما بأن الثورة آتية بعد ~~القارعة التي كان يتصدى لها ويستبطئ وقوعها؛ لأن المعسكرات والقلاع والمطارات في مصر كانت ~~تعج بالجيوش، وتزدحم بالمدافع والدبابات والطيارات، والمصريون مجردون من كل سلاح حتى ~~الهراوات والمدى وبنادق الصيد، والخطب ممنوعة والصحف مراقبة، والذهاب والإياب بمرصد من ~~الجواسيس والعيون، فإذا تعذرت الثورة على المصريين، فغير عجيب أن تتعذر، وغير لزام أن تثور ~~أمة في هذه القيود، وهي لا ترجو بالثورة العزلاء أن تغلب الغالبين المزودين بكل ~~سلاح. # لم يكن جازما بأن الثورة آتية، ولكنه كان جازما بأنها إذا أتت فلن يكون مجيئها إلا ~~بقارعة تشعل نيران الغضب في الأمة الوادعة المتحفزة، وفي وسعه هو أن يتصدى للقارعة ~~المرجوة المرهوبة. فليتصد إذن لها، وليعمل ما في وسعه، وعلى المقادير بقية ~~التدبير. # وعندنا أن سعدا لو كان جازما بالثورة جزما لا ms004 تردد فيه لكانت بطولته دون هذه ~~البطولة، ونصيبه من الإقدام دون هذا النصيب؛ لأنه يقدم ولا يخشى أن يطول الخطر الذي يقدم ~~عليه، ويجازف ويعلم أن غضب الثورة يحميه. فأما أن يقدم وهو لا يبالي أن يستهدف للنكال دون ~~أن يتبعه أحد، أو يقفو ضربته ضارب، فتلك هي البطولة العليا؛ لأنها بطولة الواجب، وهي أعلى ~~وأقوم من بطولة الحساب والتقدير. # ومضى يوم ولم تأت القارعة فاستبطأها، وكان من عادته أن يخرج من مكتبه ليتمشى في الطرقة ~~لحظة ثم يعود إليه، ففي مساء اليوم التالي لإرساله البرقية إلى رئيس الوزارة لقي عضوا من ~~أعضاء الوفد في تلك الطرقة فقال له: «إن الجماعة لم يأتوا بعد، أتراهم لا يأتون؟» ثم ~~قال: «هذا ليس بنافع، إنهم إما أن يدعونا نسافر أو يقبضوا علينا، وإلا فهم يتركوننا نموت ~~في مواضعنا.» # بيد أن هذا القلق لم يطل أكثر من يوم آخر؛ لأن «الجماعة» المنتظرين أتوا في مساء ~~اليوم التالي؛ أي في اليوم الثاني من شهر أغسطس. فجاء إلى بيت الأمة - عند الساعة الخامسة - ~~ضابط بريطاني برتبة صاغ، ومعه ضابط آخر برتبة الملازم ومترجم مصري، ووقف على جانبي الباب ~~الخارجي جنديان بريطانيان يحمل كل منهما بندقية في طرفها حربة، وكان طالب من طلاب المدارس ~~العليا قد دخل إلى بيت الأمة قبل مجيئهم مهرولا، فأبلغ الأستاذ فؤاد القصبجي # 1 # الذي كان يعمل يومئذ في قلم الكتاب والمترجمين الملحق بالوفد المصري أنه رأى ~~ضابطا بريطانيا يستوقف محمد محمود باشا في طريقه إلى بيت الأمة، ويركبه سيارة من ~~سيارات الجيش الإنجليزي. فخرج الأستاذ فؤاد ليخبر سعدا بما أبلغه الطالب، وإذا به أمام ~~الضابط البريطاني على باب الحجرة، فارتد هذا وبادره بالإنجليزية: «إني أريد مقابلة سعد ~~زغلول باشا فأين هو؟» فأجابه الأستاذ فؤاد بالفرنسية: «تفضل فانتظر في حجرة الاستقبال ريثما ~~أخبر الباشا.» وأشار إلى حجرة الاستقبال، فلم يفهم الضابط قوله وظن أن الباشا في الحجرة ~~التي أشار إليها، وعاد يقول: «هل سعد باشا هنا في الحجرة؟» فقال الأستاذ فؤاد: «لا، ms005 وإنما ~~أنا ذاهب لإبلاغه.» فنظر إليه الضابط نظرة فاحصة، وقال له: «بل أنا أريد أن أراه بغير ~~وساطتك.» فاعتذر الأستاذ وهتف في شيء من الاستغراب: «إن العرف هنا لا يبيح الزائر أن يقدم ~~نفسه بنفسه!» قال الضابط متهكما: «في هذه الزيارة لا بأس من المقابلة والتقديم في وقت ~~واحد!» والتفت إلى الأستاذ فؤاد فرآه واضعا يده اليمنى في جيبه، فخيل إليه أنه يخرج ~~سلاحا فناداه في لهجة عسكرية: «ارفع يديك.» وأسرع الضابط الثاني إلى مسدسه يستعد ~~لتجريده. # وكان سعد في مكتبه قد شعر بما يجري على حجرة الاستقبال؛ فخرج إلى باب المكتب، ولمحه ~~الأستاذ فؤاد والضابط هناك في وقت واحد، فقال الأستاذ للضابط: «ها هو سعد باشا.» فتركه ~~الضابط واتجه إلى الباشا وهو يحييه التحية العسكرية. # نظر الباشا إلى الضابط مليا ثم دعاه إلى المكتب، فرفع قبعته ودخل معه، ثم خرجا والباشا ~~يتقدمه في ثباته المعهود إلى درج السلم حيث وقف وقال له بالفرنسية: «لست أذهب معك على ~~قدمي، سأرسل في إحضار مركبة.» فلم يفهم الضابط قصد الباشا وردد قوله: «لدي أمر بالقبض على ~~سعادتك.» قال الباشا وهو يبتسم: «فهمت ذلك جيدا، ولكني أريد إحضار مركبة.» ففهم الضابط عند ~~ذلك بشيء من العناء، وأشار إلى حيث تقف السيارة العسكرية بالانتظار. وكانت آخر كلمة قالها ~~سعد قبل مغادرته بيت الأمة «تشجعوا» ... قالها بالفرنسية وكررها مرات. # ولما هم بالنزول التفت الضابط إلى الواقفين الذين تجمعوا في هذه الفترة وسأل: «أين ~~إسماعيل صدقي باشا؟» وكان صدقي باشا مع الواقفين فقال: «أنا هو.» فقال الضابط: «تفضل ~~بالمجيء معي.» فأجابه: «حسنا، ولكن تسمح لي بالرجوع لحظة إلى المكتب.» فوضع الضابط يده على ~~كتفه وقال: «لا، إني أخشى أن تذهب!» قال صدقي باشا: «لو كنت أريد الهرب لما أظهرت نفسي.» ~~ثم أفلت من يده ومضى إلى المكتب، فانتظر الضابط إلى أن عاد ... ثم سأل: «أين منزل حمد الباسل ~~باشا؟» فلم يجبه أحد، وبعد هنيهة أشار أحد الواقفين إلى المنزل ودل الضابط عليه. # ولم يذكر لي الأستاذ ms006 فؤاد قصبجي فيم كانت عودة صدقي باشا إلى المكتب تلك اللحظة، ولكني ~~علمت بعد ذلك أنه عاد إليه ليقصي بعض الأوراق الهامة مخافة أن تأخذها القيادة العسكرية ~~أثناء التفتيش. # ولما هم الضابط بالانصراف تقدم إليه عبد العزيز فهمي (بك) والاضطراب باد عليه، وقال ~~بالفرنسية: «إذا أردتم مرة أخرى استدعاء أحد منا فيكفي أن تكتبوا إليه وهو يحضر إليكم.» ~~واضطر إلى أن يكرر عبارته مرة أو مرتين؛ لأن الضابط لم يفهمها لأول مرة، فلما فهمها قال ~~له: «أشكرك.» ومضى. # وبعد نحو ساعة حضر إلى بيت الأمة حمد الباسل باشا، وكان قد علم بما حدث، فخاطب مركز ~~القيادة العليا بفندق سفواي سائلا: «إلى أين تريدونني أن آتيكم؟» فأحالوه إلى ثكنة قصر ~~النيل ليسألها ... وطلبت منه هذه الحضور على الأثر؛ فودع أصحابه وذهب إلى الثكنة. # وقد أدخل سعد وأصحابه في الثكنة، كل واحد منهم إلى حجرة منفردة حتى المساء، ثم سمح لهم ~~بالاجتماع ساعة العشاء، وقضوا الليلة في الثكنة يتساءلون عن مصيرهم، وفي الصباح أبلغهم ضابط ~~كبير أنهم قد سمح لهم باستحضار ثياب من منازلهم تكفيهم لمدة شهر، وبخادم لكل منهم، إذا ~~شاء. # وفي اليوم الثالث سئلوا: «هل أنتم على استعداد للمسير؟» فأجابوا: «على أتم استعداد.» ~~ونزلوا مع الحراس إلى فناء الثكنة، فركبوا سيارتين تتبعهما سيارة بضاعة، تحمل الأتباع ~~والحقائب. # وخرجت السيارات مسرعة إلى محطة العاصمة، فلما نزلوا منها أحاط بهم عشرون ضابطا ~~إنجليزيا، ومعهم محمود صدقي باشا محافظ العاصمة، وساروا بهم إلى الرصيف الذي يقف عليه ~~قطار بورسعيد، وأدخلوهم جميعا إلى ديوان واحد في القطار، ومعهم واحد من الضباط. # لم يكن سعد وأصحابه يعلمون الوجهة التي يتجهون إليها، فكانوا عند خروجهم من ثكنة قصر ~~النيل يحسبون أنهم منقولون إلى معسكر المعادي، فلما اتجهت السيارة يسارا، وبلغوا قطار ~~بورسعيد ظنوا أنهم منقولون إلى رفح أو إلى السويس، ثم وصلوا إلى بورسعيد ووجدوا هناك ضابطا ~~بريطانيا بالانتظار، فأركبهم معه سيارة إلى الميناء وأصعدهم إلى نقالة بريطانية تقل ألفين ~~من الجنود الإنجليز في طريقهم إلى ms007 بلادهم، وأخذ البحارة في تدريبهم على وسائل النجاة عند ~~الخطر؛ لأن السفن كانت تصطدم بالألغام كثيرا في بحر الروم. # علموا أنهم منقولون إلى جزيرة مالطة حيث كانت القيادة العسكرية تأسر المعتقلين من ~~المصريين والترك والألمان، ولكنهم لم يعلموا ذلك من ضابط النقالة إلا بعد الخروج من ~~الميناء. فقيل لهم في عرض البحر: إنهم ذاهبون إلى تلك الجزيرة. ووصلوا إليها بعد ثلاثة ~~أيام. # تساءل الكثيرون: على أي قاعدة جرت الحكومة الإنجليزية باختيار أصحاب سعد الثلاثة في هذا ~~الاعتقاد؟ وتعليل ذلك ما نرى أن القيادة العسكرية لاحظت التقاليد الرسمية في اختيار كبراء ~~الوفد الذين يعتقلون مع رئيسه، فإسماعيل صدقي باشا وزير سابق، ومحمد محمود باشا مدير سابق، ~~وحمد الباسل باشا من غير الموظفين هو رئيس قبيلة بدوية كبيرة يعرفه الإنجليز من أيام الحرب ~~الطرابلسية، وجميعهم يحملون لقب الباشوية، فاختيارهم هو الاختيار الوحيد الصحيح من وجهة ~~التقاليد الرسمية. # الفصل الثالث # | الثورة # سرى نبأ الاعتقال بطيئا متناقضا في اليوم الأول؛ لأن القيادة العسكرية حظرت على الصحف ~~نشره والتلميح إليه، فعلم به أعضاء الوفد وأصدقاؤه وموظفوه في يومه، وعلم به طلبة المدارس ~~العليا في اليوم التالي؛ لأنهم يجتمعون في أمكنة متقاربة، وينتمي بعضهم إلى أعضاء الوفد ~~وأصدقائه بصلة القرابة أو المعرفة، وتسامعت به أحياء القاهرة شيئا فشيئا، وانتقل منها إلى ~~الأقاليم بمثل ذلك البطء والتناقض، فلم يسر إلى القطر كله إلا بعد يومين أو ثلاثة. # أضرب طلاب المدارس العليا في صباح اليوم العاشر من شهر مارس عن تلقي الدروس، وخرجوا من ~~مدارسهم في مظاهرة كبيرة طافت بدور المعتمدين السياسيين للاحتجاج على اعتقال الزعماء، وعلى ~~كبت شعور الأمة وحرمانها الحق في إبداء مشيئتها، وهي تسمع كل يوم دعوة الأمم كافة إلى بيان ~~حقها وتقرير مصيرها. # وأضرب عمال الترام بعد الظهر، ثم أضرب الحوذية في اليوم الحادي عشر، وأصبحت الدكاكين ~~مغلقة في معظم أنحاء المدينة إلا الدكاكين الأوروبية، وتجددت المظاهرات من طلاب المدارس ~~وطلاب الأزهر وطوائف شتى من الجمهور، فقابلها الجنود البريطانيون بإطلاق المدافع الرشاشة ~~غير مفرقين ms008 بين كبير وصغير، ولا بين مشترك أو غير مشترك في المظاهرة. # وكانت نقابة المحامين قد أعلنت الإضراب؛ فانقطع المحامون عن المحاكم إلا من كان يوفدهم ~~المجلس إليها لطلب تأجيل القضايا، واستثارت القسوة في قمع المظاهرات غضب الناس وحنقهم؛ ~~فكثرت المظاهرات بدلا من أن تقل، واضطرمت وقدتها بدلا من أن تخمد، وطاش صواب الحراس ~~العسكريين من جراء هذه المفاجأة؛ فأصبحوا لا يميزون بين جمع وجمع، ولا يطيقون النظر إلى حشد ~~من الناس. ففي يوم الجمعة الرابع عشر من شهر مارس أطلقت السيارات المدرعة نيرانها على حشد ~~كبير بجوار المسجد الحسيني؛ فقتلت منهم بضعة عشر وجرحت خلقا كثيرين، ولم يكونوا في مظاهرة ~~ولا قصدوا إلى التظاهر، ولكنهم كانوا خارجين من المسجد بعد أداء الصلاة، وضابط الفرقة يجهل ~~كل شيء إلا أنهم قوم متجمعون، وعنده أمر صريح بإطلاق النار على كل قوم متجمعين! # وتعددت المظاهرات في مدن القطر، فقوبلت بمثل ما قوبلت به في القاهرة، وسرت أخبار القتل ~~وإطلاق الرصاص إلى أنحاء الأقاليم؛ فانفجر كمين السخط الذي طال كظمه في الصدور، وانفجرت ~~الثورة في كل مكان. # من الخطأ أن يقال: إن المظاهرات كانت هي سبب الثورة الوحيد، أو إن الثورة ما كانت ~~لتنفجر في القطر لولا مظاهرات العاصمة. فإنما كانت المظاهرات كالشرر الأول يتطاير من فوهة ~~بركان يغلي وهو يهم بالانفجار، فمن شهد تلك الثورة الجارفة التي اندفعت في حينها اندفاعا ~~يدل على عمق مكامنها وتأجج وقودها، أيقن أنها قوة لا تحبس طويلا، وأنها هي سبب المظاهرات ~~وليست نتيجة المظاهرات. # فقد صبر الناس زمنا على مظالم الحرب ومضانكها، ثم انتظروا الفرج بعد الهدنة، فإذا بهم ~~يعالجون مرارة الخيبة ويوجسون من مخاوف المستقبل فوق ما أوجسوا من مخاوف السنوات الماضية، ~~وزاد في نكايتهم أنهم يعانون هذا الكظم كله في الوقت الذي تعلو فيه دعوة الإنصاف وتتجاوب ~~فيه الأصداء بالظفر والرجاء، وأنهم يطلبون أمرا يسيرا هو حق الشكوى والاحتجاج فيجابون ~~بالتهديد والإقصاء عن البلاد، ثم يستنكرون هذا العنت الغاشم فيعاقبون بإطلاق الرصاص، ولا ~~يراد منهم ms009 إلا أن يختنقوا وهم صامتون. # فلما شاع خبر إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وشاعت أخبار الموتى والمعتقلين من الطلاب ~~والشبان العزل المسالمين، طغى الغضب بعد أن طم، وظهر بعد أن عم، وكان ظهوره على نمط واحد ~~في جميع البلاد بغير تدبير ولا سبق اتفاق، فبدأ انقطاع السكك الحديدية ما بين طنطا وتلا في ~~اليوم الثالث عشر من الشهر، ثم انقطعت في جهات كثيرة دفعة واحدة، وتناول التحطيم والتخريب ~~أسلاك التلغراف والتليفون وقضبان السكة الحديد حيثما وصلت إليها أيدي الثائرين. # ولم يخل هذا التحطيم من غرض تعمده الثائرون بتدبير مقصود، وهو تعويق القاطرات المسلحة ~~والفرق الجوالة عن الطواف بالمدن والقرى لجمع السلاح، وتفتيش المنازل العسكرية في جمع ~~السلاح من بداءة الحرب، حتى جمعت المدى الكبيرة والعصي الغليظة وكل ما يصلح للتسلح به ~~في عراك أو مشاجرة، ثم لمحت بوادر الثورة بعد اعتقال الزعماء، فعادت إلى حملة أخرى من حملات ~~التفتيش، وأوجس الناس من عواقب هذه الحملة شرا، فخطر لبعضهم أن يعوقوها بقطع ~~المواصلات. # إلا أن الباعث الأكبر إلى التحطيم والتخريب كان اندفاعا جامحا بغير قصد مرسوم: اندفاع ~~الساخط يحار فيما يصنع وهو ساخط، كأنما هو في هذه الفورة الجامحة صريع مكموم محبوس في بيت ~~مغلق، يريد أن تسمعه الدنيا ولو بتدمير أثاثه وإحراق داره. فجاءت عوارض الثورة متفقة في كل ~~مكان؛ لأن هذه العوارض هي كل ما يستطاع في تلك الحالة. ولو كان باعث التحطيم العدوان على ~~الملك والنفس، ولم يكن مجرد الاحتجاج وإبلاغ الصوت إلى العالم لاتجه الثائرون إلى نهب خزائن ~~الحكومة وأموال الأغنياء والمصارف، وهو ما لم يحدث قط في بلد من البلدان. # وظل الإنجليز مضللين عن فهم شعور هذه الأمة، يفسرون أعمالها بأسباب المصالح، ولا ينظرون ~~إلى بواعثها النفسية، كأنما البواعث النفسية عامل لا يحسب له حساب في حركات الجماهير. ~~فظنوا أن أعمال الثائرين لا تتفق هذا الاتفاق إلا بتدبير مصطنع ودسيسة أجنبية. وربما طاب ~~لرؤسائهم أن يفهموا ذلك؛ لأنهم أبلغوا حكومتهم في لندن أن الأمة هادئة فاترة، وأنها ms010 ضعيفة ~~لا يخاف منها انتفاض. # وأن أناسا كثيرين - ومنهم بعض المصريين - ليعجبون إذا عرفوا الآن أن هذه الثورة ~~المفاجئة لم يقع فيها تنظيم ولم تكن فيها رئاسة مدبرة على الإطلاق، وأن مظاهرة الطلبة ~~الأولى وقعت على غير علم سابق من الوفد، بل على خلاف النصيحة التي سمعها الطلبة من بعض ~~أعضائه الذين بقوا في القاهرة بعد اعتقال سعد وأصحابه الثلاثة. # لكنها هي الحقيقة التي نؤكدها بعد استقرائها من مصادر عديدة. فإن الطلبة أصبحوا مضربين ~~في مدارسهم يوم المظاهرة، وهم مختلفون في الخروج أو البقاء، ثم خطر لفريق منهم أن الخروج ~~ربما خالف مشيئة الوفد، وأفسد عليه رأيا يفكر فيه أو خطة يتوخاها، فبعثوا إلى «بيت الأمة» ~~أفرادا منهم يستفسرون، ويعودون إليهم بما يقر عليه رأي الأعضاء، وهناك التقوا بالأستاذ ~~«عبد العزيز فهمي بك»، فأفضوا إليه بقصدهم، وأبلغوه هياج الطلبة وتحفزهم للخروج والتظاهر في ~~أحياء العاصمة؛ فثار بهم الأستاذ وانتهرهم انتهارا شديدا وهو يقول لهم ما معناه: «إن ~~المسألة ليست لعب أطفال ... دعونا نعمل في هدوء، ولا تزيدوا نار الغضب اشتعالا عند ~~القوم.» # فتركوه وهموا بالانصراف متذمرين مغتمين، وإذا بالأستاذين محمود أبي النصر وعبد اللطيف ~~المكباتي يلحقان بهم ليخففا عنهم أثر الكدر الذي خامرهم من تأنيب عبد العزيز بك، فتلطفا ~~في التسرية عنهم والنصح لهم بالتزام السكون واجتناب المظاهرات، وانصرف رسل الطلبة على أن ~~يبلغوا زملاءهم ما سمعوه وهم مترددون بين الإغضاء عنه أو الإصغاء إليه، ولكن زملاءهم ~~كانوا قد استبطئوهم، وتهايجوا بما سمعوا من كلام خطبائهم واستثارة دعاتهم، فخرجوا قبل أن ~~يعود إليهم رسلهم بنتيجة سؤالهم، وتمت المظاهرة الأولى على هذا المنوال. # أما حوادث الأقاليم، فقد تمت بغير إيحاء ولا تدبير؛ إذ لم يكن للوفد في ذلك الحين لجان ~~يجوز أن يقال إنها اتفقت على تنفيذ خطة مرسومة في جميع الأقاليم، ولم يكن خبر السكة التي ~~قطعت بين طنطا وتلا قد شاع في القطر حتى يقال إنه جاء في طليعة الحوادث بمثابة الإيحاء ~~والقدرة على عمد أو على غير عمد. ms011 وإنما نجمت الثورة من بديهة الأمة كلها؛ لأنها كانت كلها ~~على اتفاق في الغضب المكظوم والتأفف الذي بلغ مداه. # ولقد أخطأت السلطة العسكرية في كل تدبير؛ فكانت تستفز الناس بكل عمل تقصد به إلى البطش ~~والإرهاب ، وتدفعهم إلى نقيض ما تريد من الخوف والطاعة، وتثير النفوس إلى التحدي والمعاندة ~~بدلا من الإذعان والسكينة. # بالغت في قمع المظاهرات فزادت المظاهرات، وأنذرت كل من يقطع المواصلات «بالإعدام رميا ~~بالرصاص بمقتضى الأحكام العرفية»، فكان جواب هذا الإنذار إضراب عمال السكة الحديدية في ~~اليوم التالي وخروجهم من مصانعهم متظاهرين، ثم اندفع الناس إلى قطع القضبان وأسلاك التلغراف ~~والتليفون غير مكترثين للعاقبة، فانعزلت القاهرة والمدن الكبرى من جميع الجوانب، واضطرت ~~السلطة إلى استخدام الجنود الإنجليز لتسيير القطر وتنظيم المواصلات. وبعد أن كانت تتوعد ~~القرى التي تنقطع السكة على مقربة منها بالغرامة عادت إلى نشر إنذار تقول فيه: إن كل حادث ~~جديد من حوادث التدمير «يعاقب عليه بإحراق القرية التي هي أقرب من سواها من مكان التدمير» ~~... واستدعى القائد العام بعض الوزراء والسروات في اليوم العشرين، وحذرهم من دفع السلطة إلى ~~«تدمير العمائر وتخريب القصور»، وطلب إليهم أن يبذلوا جهدهم في النصح للشعب بالهدوء ~~والإقلاع عن «المشاغبات». # كل ذلك والثورة تتفاقم، والجماهير تقدم وتقدم، ومنهم من أغاروا في بعض البلدان على مراكز ~~الشرطة، فانتزعوا ما فيها من السلاح؛ فاستخدمت السلطة الطيارات والبواخر النيلية لإيصال ~~المدد إلى الجهات المعزولة، وحدثت أثناء ذلك مناوشات قتل فيها خلق كثير. # على أن الثورة لم تكن فورة غضب بغير معنى، كما أراد أعداؤها والناقمون منها أن ~~يتخيلوها، فلو كانت كذلك لما ظهر فيها ما قد ظهر من نفحات النخوة القومية والأريحية ~~الإنسانية التي ترتفع إليها الشعوب كما يرتفع إليها الأفراد في ساعات السمو والإشراق ~~والفداء. فإن هذه النفحات لا تظهر في سورات الغضب الحيواني حين ينطلق على غير هدى وفي غير ~~مطلب، ولكنها تظهر حين تكون الثورة إعرابا عن شعور مكتوم ونزعة مشبوبة إلى الكمال، وقد ~~كانت الثورة المصرية كذلك، فغلب ms012 فيها الروح القومي على كل عصبية وكل علاقة وكل فارق، مشى ~~فيها علماء الأزهر يحملون بساط الرحمة في تشييع جنازات الشهداء، ويرفعون الأعلام وعليها ~~شارة الهلال والصليب، وقام القساوسة في المساجد يخطبون المسلمين، ويؤدون ما يؤدى لها من ~~الشعائر الدينية، وخرج العقائل والأوانس من الخدور يسابقن الرجال والشبان إلى المهالك ~~والأخطار ويستهدفن لجند مسلحين متأهبين كأنهم في ميدان قتال، وغلبت فرائض الحمية الوطنية ~~على كل فريضة وكل تقليد؛ فكان الضباط يسيرون إلى جانب القضاة والمحامين، وطلاب المدرسة ~~الحربية يسيرون إلى جانب الطلاب في كل مدرسة، وكانوا جميعا ينادون باسم مصر، ولا يذكرون ~~إلا أنهم مصريون. # وتجلت بسالة التضحية على مثال رائع نبيل كأنبل ما سطرت تواريخ الجهاد والفداء في وثبات ~~الأمم. فمات أناس يحملون العلم أنفا من الفرار أمام نيران المدافع وهم عزل من السلاح، ويرى ~~إخوانهم مصرعهم، فيبادرون إلى رفع العلم ليستقبلوا مصرعا كمصرعهم طائعين متنافسين، في لحظة ~~يطيقون فيها رؤية الجثث المطروحة لقى ولا يطيقون رؤية العلم ملقى على التراب. # وقد أحاطت بالمصريين في تلك الأيام موغرات كثيرة من فتك وإرهاب وخشونة واستفزاز، وفي ~~بعضها ما يشفع للناس لو طغت بهم مرارة النقمة وجمحت بهم لواعج الضغينة، لكنهم مع هذا لم ~~يقترفوا سقطة واحدة تشين صاحبها في غضبه أو رضاه، ولم ينسوا أدب المروءة في أشد أوقات ~~الهياج والاضطراب؛ فلم يعتد أحد قط على طفل أو على شيخ عاجز أو على امرأة، وشهد اللورد ~~اللنبي للثورة المصرية بهذا الأدب في الكتاب الأبيض حيث قال بعد ثلاث سنوات: «كانت سيدة ~~إنجليزية مستقلة مركبة مفتوحة، فهاجمها الرعاع وقذفوها بالحجارة يوم الجمعة في حي بولاق، ~~وقد نجت من الأذى البليغ بأن اتخذت من مظلتها مخبأ فمزقت الأحجار المظلة، وهي أول مرة ~~اعتدي فيها على امرأة في كل السنوات الثلاثة الماضية.» ولو ثبتت هذه الحادثة كل الثبوت ~~لما كانت شيئا يذكر؛ لأنها لن تكون إلا الندرة التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها، ولكن ~~التحقيق لم يثبت بوجه من الوجوه أن السيدة كانت مقصودة ms013 بالاعتداء والإساءة ... وإلا فما ~~الذي كان يحمي سيدة منفردة لا تحمل معها إلا المظلة من عدوان العشرات والمئات الذين ~~يقصدونها بالإيذاء؟! إن انفراد هذا الحادث في جميع سنوات الثورة لحقيق وحده بالجزم بنفيه ~~لا بمجرد التشكيك فيه، وقد سبقته الحوادث الكثيرة المشهورة في أعنف أيام الهياج، فكان ~~الثائرون يتورعون فيها جميعا عن المساس بالسيدات والأطفال، ومنها حادثة «بهيج» المشهورة ~~على الحدود الغربية، التي شهدت فيها صحف الاستعمار بترفع الثوار المصريين على هذه السقطات ~~ثائرة على المستعمرين، وفي وسعها أن تلفق عليها التهم وتزور عليها العيوب. # لقد حدث أن أفرادا من الأرمن أطلقوا الرصاص على المتظاهرين من نوافذ المنازل فلم يكن ~~جزاء الثائرين لهم إلا بمقدار ما يقتضيه دفع العدوان ومنع تكراره، وحدث أن الغوغاء في ~~أثناء المظاهرات قذفوا زجاج الدكاكين بالحجارة، فحسب بعض الأجانب أنهم مقصودون بالسخط ~~والعداوة، والحقيقة أن إلقاء الحجارة على تلك الدكاكين لم يكن عن شعور العصبية أو العداوة ~~للأمم الأجنبية، وإنما كان استنكارا لفتحها في أيام الإضراب، وإحساسا من الغوغاء بأن ~~أصحابها يجبهون شعور الأمة ويستخفون بمطالبها ويترفعون عن مجاملتها. فأصابوا دكاكين ~~المصريين التي اتفق فتحها في تلك الآونة كما أصابوا دكاكين الأجانب، ورجحت كفة الأجانب في ~~الخسارة؛ لأن متاجرهم أكثر عددا في الأحياء الإفرنجية التي تطوف فيها المظاهرات، ومع هذا ~~لم ينس الطلبة أن يعتذروا إلى «الضيوف» من عمل الغوغاء في بيان نشروه في الصحف العربية ~~والإفرنجية، وعلقوه على وجهات الدكاكين ووعدوا باتقاء تكراره في المستقبل. # ولم يجد المستعمرون في الواقع حادثا يستغلونه للتشهير والتشويه غير حادث ديروط أو ~~ديرمواس الذي قتل فيه ثلاثة من الضباط وخمسة من صف الضباط الإنجليز، وهو حادث على جسامته ~~لا يذكر إلى جانب الفظائع التي نزلت بالمصريين أثناء حملات التأديب والتفتيش ... ومنها فظائع ~~العزيزية والبدرشين والشبانات التي نترك تفصيلها إلى غير هذا المقام، وسنضرب عنها صفحا في ~~هذا الكتاب، ولا نذكر من فظائع قمع الثورة إلا مثلا صغيرا يغني بالدلالة عن الشرح ~~والإسهاب، وهذه خلاصته بعد التجاوز والتلطيف. # في ms014 أول سبتمبر سنة 1934 نقلت إلينا الأنباء البرقية من لندن أن جنديا إنجليزيا سيق ~~إلى المحكمة لاتهامه بمقتل عشيقته، فكان من المحاسن التي تشفع بها إلى المحكمة واعتقد أنه ~~يستحق بها العفو والرحمة أن قال بغير سؤال ولا مناسبة إنه كان صولا بالجيش البريطاني بمصر ~~سنة الثورة فقتل ثلاثة من المصريين، وإنه بعد بضعة أسابيع كاد صديق له أن يقتل فقتل هو ~~مصريا آخر، ثم عمل في شركة للسيارات رئيسا للمهندسين، وعمل في خدمة أمير مصري أربع ~~سنوات، وقد لخص القاضي الدعوى فقال: «إنه مهما يكن ما فعل تافني - اسم الرجل - فإن رؤساءه ~~يومئذ لم يعدوا ما فعله جريمة.» # فهذا جندي من قامعي الثورة يفاخر بما جنى بعد الثورة بخمس عشرة سنة! وبعد أن أكل خبزه من ~~خير أمير مصري أربع سنوات! وهو واحد من عشرات الألوف لا يسألون عمن قتلوا، ولا يحتاجون إذا ~~سئلوا إلى عذر أكثر من ادعاء الخطر والدفاع عن الحياة، وكل من لديه ذرة من التصور وذرة من ~~الإنصاف ليعلم بعد ذلك أن الفظائع التي نزلت بالمصريين أثناء ثورتهم أكبر وأهول بما لا ~~يقاس من فظيعة الاعتداء على فئة من الضباط والجنود كلهم مسلحون، ولا يتكاثر عليهم الجمهور ~~الأعزل من السلاح. # وندع فظائع الثورة جانبا ونسأل: لم كل هذا؟ أكانت هذه الزوبعة الدامية ضرورة لا محيد ~~عنها؟ أكانت حادثا لا يمكن اتقاؤه؟ كلا! لم تكن ضرورة ولا مصلحة. وكان ميسورا أن تجتنب ~~اجتنابا وأن يحقن كل ما سال فيها من دماء، ويصان كل ما خرب فيها من عمار وضاع فيها من ~~أموال، لولا الأخطاء المتلاحقة التي ارتطمت فيها السياسة الاستعمارية لقلة اكتراثها ~~للعواقب، وإلقاء اعتمادها كله على العدد الحربية، وأنها تضمن لها قمع الأمم الضعاف إذا ضاقت ~~الصدور عن الاحتمال. # فهي أخطأت في البداءة بإعلان الحماية واغتصاب أرزاق المصريين وأدوات معيشتهم في إبان ~~الحرب العظمى. وكان في مقدورها أن تتقي كل ذلك بأن ترد إلى المصريين استقلالهم، وتكل إليهم ~~أن يدبروا بأنفسهم ما يعنيهم من أمر ms015 المعاونة في الحرب بما يطيقون. فإن لم يوافقها ذلك ~~فماذا كان يمنعها أن تعلن الاستقلال، وترجئ النظر في تفصيل قواعده إلى ما بعد الفراغ من ~~القتال؟! # ثم أخطأت بحرمان زعماء المصريين إبداء مطالبهم والبحث في مستقبلهم، مع أنهم لم يقصروا في ~~المجاملة ولم يبدر منهم - وهم يخاطبون رجالها هنا أو في إنجلترا - أثر من التحدي ~~والإعنات. # ثم وقعت الأزمة الوزارية التي لا بد من وقوعها، فألقت على الزعماء تبعتها، وألقى الزعماء ~~التبعة عليها، ولم يكن رد الزعماء من قبيل التراشق بالتهم والمجاوبة على الادعاء بمثله، ~~ولكنه كان هو الحقيقة بعينها في نظر المنصفين الواقفين على الحيدة لا في نظر الوفد المصري ~~وحده؛ فالمسئول عن الأزمة الوزارية وعن صعوبة تأليف الوزارة المصرية هو السياسة ~~الاستعمارية، أو هو كما قال الوفد: «أولئك الذين وضعوا من هم أهل للوزارة في مركز حرج أمام ~~ضمائرهم وأمام مواطنيهم.» # وإلا فماذا يقول الوزير المصري لأبناء وطنه، إذا فرضنا أنه أراد فعلا أن يخدم السياسة ~~الاستعمارية ولا يحفل بمصير وطنه؟ أيقول لهم: إني خائن لا أبالي بغير الوصول إلى المنصب؟! ~~أم يقول لهم: إنني أتولى المنصب لأحول بينكم وبين المطالبة بالاستقلال أو السفر إلى حيث ~~تشتركون في تقرير مصيركم؟! وهل يستطيع أن يقول لهم ذلك في الوقت الذي ينادي فيه ساسة ~~الإنجليز أنهم لا يمنعون أمة متقدمة أو متخلفة أن تشترك في تقرير مصيرها؟! # فإحجام الساسة المصريين عن قبول الوزارة حتى لا حيلة لأحد فيه؛ إذ ليس يوجد في مصر ولا في ~~غير مصر مرشح للوزارة يشتري المنصب بهذه الخيانة الصريحة ولو كان مدخول الضمير؛ لأنها خيانة ~~سمجة مبتذلة لا تستر فيها ولا مغالطة ولا عذر لمن يشاء أن ينتحل الأعذار، ما دامت الأمة ~~تطلب حقها والوزارة التي أذعنت للحماية قد تحركت للبحث فيها، والعالم كله ينادي بحقوق ~~الشعوب وتقرير المصير ... ففي هذا العمل لو أقدم عليه المرشح للوزارة قضاء حياته السياسية إن ~~لم يكن فيه قضاء على الحياة. # لكن القيادة العسكرية شاءت مع هذا أن تلقي ms016 التبعة على الوفد في هذا الموقف الذي لا حيلة ~~فيه للوفد ولا لأحد من المصريين؛ فأخطأت خطأها الغاشم، واعتقلت رؤساءه جزاء على السيئة ~~التي أساءتها هي ولم يسيئوها. ثم أخطأت بعد هذه السلسلة من الأخطاء في بطشها الدموي بمن ~~غضبوا لذلك العسف المبين عزلا من السلاح، ومن نادوا بما كان ينادي به أقطاب الحلفاء في ~~مؤتمر السلام، ولعلها لو فسحت لهم جو بلادهم ينادون فيه بما يشاءون، لما خرجت الثورة من طور ~~الدعوة إلى طور التخريب والتحطيم. # وأكبر أخطاء السياسة الاستعمارية جميعا، بل هو الخطأ الذي يطوي فيه جميع الأخطاء؛ أنها ~~أساءت تقدير الشعور الذي كان يسور ويثور في نفوس المصريين قاطبة على تفاوت الطبقات ~~والمشارب، فليس في وسع إنسان سياسي أو غير سياسي أن يجهل هذه الأمور كلها كما يجهلها نائب ~~المندوب البريطاني - السير ميلن شيتهام - قبل الثورة بأقل من ثلاثة أسابيع؛ فإنه كتب إلى ~~حكومته في الرابع والعشرين من فبراير يقول: «إن الوزيرين رشدي وعدلي فقدا الشهرة الموقوتة ~~التي عادت عليهما من الاستقالة، وإن زغلولا لا يثق به أحد، وإن هناك قلقا يسيرا بين ~~أفراد الطبقة العليا الذين يطمعون في تعظيم مكانتهم ببلوغ مرتبة من مراتب الحكومة الذاتية، ~~ولكن الحالة لا تختلف في لبابها عن الحالة التي طرأت في سنة 1914 عندما رفض الأمير حسين ~~وكبار الوزراء طويلا أن يقبلوا الحماية ما لم تكن مشفوعة ببعض المنح التي لم نكن على ~~استعداد لإعطائها، وإن الحركة الحاضرة على كل حال ليست بالتي تضارع حركة مصطفى كامل، أو ~~بالتي يصح أن تؤثر في قرارات الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالمسائل الدستورية والوضع الذي ~~توضع فيه الحماية.» # ولما بدت طلائع الثورة لم يجد هذا السياسي النادر ما يداري به غفلته وعجزه عن سبر ~~غور الحرية الوطنية إلا أن يعزوها إلى أسباب أجنبية غير وطنية؛ فأبرق في التاسع من مارس ~~يقول: «إن الحركة معادية لبريطانيا معادية للعرش معادية للأجانب، وفيها نزعات بلشفية ~~نتيجة إلى تخريب الأسلاك والمواصلات، وهي منظمة مدبرة ولا بد أن ms017 تكون مأجورة.» # وأذاعت الحكومة البريطانية مذكرتها عن الثورة بعد ذلك بشهر فجاء فيها: «إن هناك شواهد ~~تثبت أن الخطة مدبرة منظمة بإحكام ... ومما يستحق الملاحظة أن الخطة التي نفذت تشابه ~~البرنامج الذي رسمه الألمان والترك للغارة على مصر في خريف سنة 1914، وهو البرنامج الذي ~~أفضى به إلى السلطات المصرية الجاسوس الألماني مورس المقبوض عليه في الإسكندرية، وإذا حسبنا ~~كل حساب للحالة العقلية أو لدواعي التذمر الناشئة بين الفلاحين المشار إليها آنفا، فكل هذا ~~لا يكفي لتعليل هذا الانفجار الخطير المنظم الذي تلوح فيه إصبع تركيا الفتاة، كما قد تلوح ~~فيه إصبع الألمان.» # إي والله! ثورة تشمل أربعة عشر مليونا يدبرها الترك والألمان في الخارج أو في الداخل، ~~ولا تعثر فيها السلطات الإنجليزية بدليل واحد على هذا التدبير غير التنجيم والتخمين! وإن ~~الإنسان لا يدري أيضحك أم يحزن من هذا التفكير العجيب الذي يعلل ثورة مصرية تنفجر في شهر ~~مارس بأنها دسيسة أجنبية دبرتها حكومات منهارة مضى على هزيمة رؤسائها وتفرقهم في البلاد ~~وانقطاع الصلة بينهم وبين أتباعهم عدة شهور ... وأدعى من هذا إلى الحيرة بين الحزن والسخر أن ~~تكون الثورة من صنع الطبقات العليا ومن صنع البلشفية في وقت واحد! # ولا نظن أن الغفلة وحدها هي سر هذه التعديلات المضحكة المبكية التي تعلقت بها السياسة ~~الاستعمارية في تلك الفترة، ولكنها رأت وكلاءها قد وقعوا في الجهل الذي لا رجعة فيه فاستغلت ~~جهلهم أحسن استغلال في استطاعتها؛ لأنها وجدت لها فائدة من تشويه الحركة المصرية بنسبتها ~~إلى جواسيس الترك والألمان، ووجدت أنها قد تحول بهذا التشويه بين الدعاة المصريين ومسامع ~~الحلفاء والأمة الإنجليزية. فمزجت بين الغفلة والذكاء هذا المزيج الجدير بأساليب ~~الاستعمار! # ولقد ظل القوم يتخبطون في فهم الحركة وسبر أغوارها حتى بعد عمومها وانتشارها، وطفقت ~~الحوادث تتلقاهم مرة بعد مرة بتكذيب ظنونهم وتقديراتهم، فلا تنجاب الغشاوة عن أبصارهم. ومن ~~ذاك اعتقادهم بعد شبوب الثورة في البلاد أنها ضرب من الشغب الذي يفرقون فيه بين طائفة من ~~الأمة وطائفة أخرى، كما ms018 كانوا يصنعون في العهد السابق تارة بين الباشوات ولابسي الجلاليب ~~الزرقاء، وتارة بين طلاب الوظائف وأصحاب المصالح الحقيقية، وتارة بين المسلمين والمسيحيين ... ~~فألقى اللورد كرزون بعد انفجار الثورة بنحو أسبوعين بيانا يثني فيه على الموظفين المصريين؛ ~~لأنهم ثابروا على أعمالهم في إبان الهياج الذي غمر البلاد، ويقول فيه: إنهم صفوة ~~المتعلمين من المصريين «فمسلكهم هذا يدل على أن عقلاء الأمة لم يشتركوا في الحركة ~~الأخيرة». فكان جواب هذا الثناء المزري أن أجمع الموظفون في الدواوين كلها على الإضراب ~~ثلاثة أيام إعلانا للتآزر بينهم وبين طبقات الأمة في المطالب الوطنية، وكتبوا عرائضهم بهذا ~~المعنى إلى صاحب العظمة السلطان، وأبلغوها الحكومة الإنجليزية. # لم تنقطع هذه الأخطاء ولا جرائرها، أيام الثورة ولا بعدها، ولم يقع منها الضرر على أحد ~~غير المظلومين فيها، ومن ذا الذي يحاسب الأقوياء حين يخطئون مع الضعفاء؟! # وهكذا يليق الخطأ ويليق التمادي فيه بالأقوياء؛ لأنهم في غنى عن حسبان العواقب، ويستأثر ~~الضعفاء بسوء العاقبة وإن جهدوا في اجتناب الأخطاء؛ لأنهم ضعفاء! # الفصل الرابع # | سفر الوفد إلى باريس # جلس سعد وأصحابه الثلاثة في طريقهم إلى المنفى يتساءلون، وأول سؤال طبيعي يخطر لهم وهم ~~مفارقون البلاد هو السؤال عما عسى أن يجري فيها بعد إقصائهم عنها: هل تسمع بالخبر؟ وهل ~~تملك أسباب الثورة؟ وهل تقوى القيادة العسكرية كظم النفوس طويلا بعد هذه الضربة؟ فأما سعد ~~فكان رأيه أن الثورة عمل شاق على بلد أعزل مرهق بالأعباء مشحون بالجند والسلاح والأرصاد. ~~ولكنها إذا كانت واقعة فشعور الناس بالاختناق والتماسهم المنفس للجهر بآلامهم المكبوتة كاف ~~لانفجارها والاستيئاس فيها. # وقريب من هذا رأي إسماعيل صدقي إلى نزعة من شكوك الرجل الحديث. # أما حمد الباسل ومحمد محمود فقد كان رأيهما الرأي الطبيعي لزعيم قبيلة بدوية وصاحب عصبية ~~في الصعيد؛ فآخر شيء يطيب لزعيم القبيلة أن يفكر فيه أن قبيلته لا تثور لأجله ولا تأخذ ~~بثأره، وكذلك صاحب العصبية في الصعيد، فاتفقا على ترجيح الثورة وإن لم يتفقا على ~~النتيجة. # ويظهر أنهم - سواء منهم من رجح ms019 الثورة العاجلة ومن لم يجزم بوقوعها العاجل - قد وطنوا ~~النفس على البقاء زمنا ليس بالقصير في جزيرة مالطة، ولم يخطر لهم أن الإفراج عنهم قريب. ~~فبحث سعد عن منزل يستأجره وفكر في استدعاء السيدة الجليلة قرينته إلى الجزيرة ؛ لحاجته إلى ~~العناية الصحية التي لا يجدها هناك في غير المنزل برعاية الزوجة الرءوم، ولم يفكر صحبه ~~الآخرون في ذلك؛ لأنهم شبان أصحاء بالقياس إليه. # وصلوا إلى مالطة بعد أن قضوا في النقالة ثلاثة أيام. وقد كان سعد متعبا من مشقة الانتقال ~~والدوار. وكان بين الشاطئ ومعتقل «بلفورستا» الذي اختاره حاكم الجزيرة لهم مسيرة نصف ساعة ~~على القدم، فبحثوا عن مركبات في جوار الميناء فلم يجدوا إلا مركبة صغيرة يجرها حصان واحد. ~~ركبها سعد وسار رفاقه وراءه على الأقدام، ووصلوا إلى المعتقل، فوجدوا أن السلطة العسكرية ~~قد أعدت لكل منهم حجرة للنوم وأخرى للاستقبال، وثالثة للمائدة ومكانا للحمام. # وأراد سعد أن يكون أول عمل له في منفاه استئنافا لعمله في القاهرة، وتحديا للنفي ~~والإرهاب، واستمرارا في المطالبة بالاستقلال وإنكار الحماية. فلم يكد يستريح من عناء سفره ~~حتى كتب الرسالة البرقية الآتية إلى رئيس الوزارة الإنجليزية، يكرر فيها المطالب التي جاء ~~من أجلها إلى هذه الجزيرة: # إن شرف الممالك يقدر بمقدار احترام ساستها ورجالها للمعاهدات السياسية التي ~~يبرمونها والتصريحات الرسمية التي يفوه بها رجال تلك الحكومة الرسميون. ولما ~~كانت إنجلترا في معاهدة لندن عام 1840 قد ضمنت استقلال مصر، كما أقسمت الملكة ~~فكتوريا والبرلمان بالتاج والشرف عام 1882 أن الاحتلال لن يكون إلا وقتيا وأعلن ~~جلادستون عام 1887 أن أوان الجلاء عن مصر قد آن، ولما كنتم جنابكم الرئيس ~~الممثل لحكومة جلالة ملك بريطانيا والمدافع عن كرامة بلاده وشرف الأمة الإنجليزية ~~الحرة؛ فإني أطالب جناب الرئيس المبجل برفع الحماية التي أعلنتها حكومتكم على ~~بلادنا قسرا لمقتضيات الحرب وجلاء الجنود البريطانية عن وادي النيل احتراما ~~للمعاهدات والتصريحات التي ذكرناها وصيانة لشرف أمة أنت على رأس حكومتها، وليأذن ~~جناب الرئيس بأن أذكر أن سياسة العنف ms020 والإرهاق التي اتبعت معنا لا تزيدنا - نحن ~~المصريين كافة - إلا تمسكا بمطالبنا، وثباتا في موقفنا، وأنه خير لإنجلترا أن ~~تكون لمصر صديقة، وهناك نستطيع أن نقطع على أنفسنا عهدا بأن نصون مصالحكم، ونروج ~~تجارتكم في بلادنا. # ولا شك أن آخر ما انتظرته الحكومة البريطانية - وهي تنفي زعيم مصر إلى جزيرة مالطة ~~عقابا له على طلب استقلالها - أن لا تفيد من ذلك إلا أن تصبح الجزيرة ميدانا آخر من ~~ميادين المطالبة بذلك الاستقلال! # نزلوا في المعتقل معزولين عن بقية الأسرى على خلاف السنة التي كانت متبعة فيه قبل ~~وصولهم، ولم يؤذن لهم بالخروج للرياضة في الخلاء إلا مرتين كل أسبوع بعد التوقيع على حلف ~~كتابي يقسمون فيه بالشرف أن لا يهربوا، ولا يساعدوا أحدا على الهرب، ولا يعطوا أحدا ~~نقودا، ولا يعملوا شيئا فيه إيذاء لجنود جلالة الملك ... وبعد كل هذا لم تكن السلطة ~~الإنجليزية تسلمهم من مالهم إلا بمقدار ما يلزمهم أول فأول لضرورة المعيشة، وكانوا قد برحوا ~~مصر وليس معهم من النقد إلا قليل، فأرسلوا - بوساطة السلطة - يطلبون مالا من ذويهم في مصر، ~~فجاءهم خمسمائة جنيه لكل من سعد وحمد الباسل ومحمد محمود، ومائة جنيه لإسماعيل صدقي، ~~فأودعتها السلطة مصرف الجزيرة، وأباحت لهم أن يشتروا ما يشاءون بتحويلات يقبضها البائع من ~~المصرف، ورخصت لهم في استخدام طاه ألماني وإبقاء النور الكهربائي إلى ما قبل منتصف الليل ~~بنصف ساعة، فكانوا يقضون الوقت في التعاون على تعلم اللغات التي يحسنها بعضهم ولا يحسنها ~~الآخرون. # ولم يسمعوا شيئا عن مصر ولا عن ثورتها إلا حين زارهم اللورد مثوين حاكم الجزيرة، وهو ~~يقول لهم عرضا: «أشعلتم النار في مصر وجئتم إلى هنا!» فعلموا أن في مصر أحداثا خطيرة، ~~وأدركوا أنها الثورة حين استطاع طاهيهم الألماني أن يدس إليهم بعض القصاصات عن صحيفة ~~التيمس، وعرفوا منا قبسا من مظاهرات الطلبة وثورة البدو في الفيوم، ولكنهم لم يسمعوا بما ~~يدلهم على مداها وتفصيلات وقائعها. # وبعد شهر من مالطة جاءهم النبأ بالإفراج عنهم والسماح لزملائهم في ms021 القاهرة بالسفر إلى حيث ~~يشاءون، وأنهم مأذون لهم في السفر على الباخرة «كاليدونيا» التي تقل أولئك الزملاء، وستصل ~~إلى الجزيرة صباح يوم الثلاثاء الموافق لنصف أبريل. # فكان لذلك النبأ في نفوسهم وقع عظيم؛ لأنه بشرهم بالحرية التي طالما تمنوها للسعي في ~~قضية بلادهم، وأثبت لهم أنهم يسعون في قضية تستحق عناءها، ولا تخيب رجاء الساعين ~~فيها. # فتفاءلوا بالإفراج عنهم خيرا، وفرحوا بما أولاهم من الثقة وتأكيد العزيمة أضعاف فرحهم ~~بالطلاقة من الاعتقال، وباتوا على شوق إلى صباح يوم الثلاثاء؛ لينعموا بلقاء أولئك الزملاء ~~الذين فارقوهم، ولا يعلم منهم أحد متى يكون اللقاء، وليسمعوا منهم تفصيل الحوادث التي لمحوا ~~بصيصا منها في شذرات الصحف الإنجليزية، وهي لا تصل إليهم إلا بعد لأي في خلسة من ~~الرقباء. # ثم أذنت السلطة لهم بزيارة الأسرى من أبناء وطنهم ومن الترك والألمان، فلبوا دعوة ~~المصريين المعتقلين بالمعسكرات الأخرى، فاستقبلهم الأسرى الأجانب معجبين، واستقبلهم الأسرى ~~المصريون فخورين، وكان بعض القادة الترك يقولون لأصدقائهم المصريين: «اعتبرونا منكم فقد ~~أحببنا بلادكم وأحببنا زعماءكم.» ورحب بهم الأمير هوهنزلرن ابن عم غليوم، ورفع لهم بعض ~~الألمان راية بيضاء مكتوبا عليها بالمداد الأحمر تاريخ (14 سبتمبر سنة 1807)، وهو تاريخ ~~جلاء الجنود الإنجليز عن مصر عندما طمعوا في احتلالها للمرة الأولى، وكان الأسرى الألمان قد ~~أقاموا معرضا فنيا لمصنوعاتهم التي استطاعوا أن يصنعوها بما لديهم من الأدوات القليلة ~~تزجية لأوقات الفراغ، فقدم أحدهم إلى سعد تمثالا عسكريا بالعدة الحربية الكاملة ~~للإمبراطور غليوم، مصنوعا من الورق المقصدر الذي تغلف به صناديق التبغ الصغيرة، فحياه ~~سعد وقال له: «إنه لتمثال عظيم يمثل عظيما.» ثم قال: «ولكننا لا نملك عدة الحروب، وإنما ~~نحن أمة سلام.» # وقد رست الباخرة «كاليدونيا» في ميناء مالطة ضحى يوم الثلاثاء، وعليها أعضاء الوفد ~~القادمون من القاهرة وهم حسب ترتيب الحروف الهجائية: أحمد لطفي السيد بك، وجورج خياط بك، ~~والدكتور حافظ عفيفي، وحسين واصف باشا، وسينوت حنا بك، وعبد العزيز فهمي بك، وعبد اللطيف ~~المكباتي أفندي، وعلي شعراوي باشا، ومحمد علي ms022 بك، ومحمود أبو النصر بك، ومصطفى النحاس بك، ~~ومعهم مكتب الوفد وفيه كتابه ومترجموه، ومنهم الأستاذ ويصا واصف الذي انتخب عضوا في ~~الوفد بعد وصولهم إلى باريس. # ولما رست الباخرة على الميناء انتظر الأعضاء فيها قدوم إخوانهم المعتقلين فطال الانتظار، ~~واستحسن بعضهم النزول إلى الجزيرة للقائهم، فوجدوا الخدم قد سبقوا سعدا وأصحابه إلى الشاطئ ~~بالحقائب ومؤنة السفر، وما هي إلا هنيهة حتى أقبل سعد وأصحابه الثلاثة يمشي معهم ضابط ~~إنجليزي وضابط من أهل الجزيرة لم يفارقهم إلا عند صعودهم إلى السفينة، فكان للقاء الزعيم ~~وأصحابه مشهد رائع لا ينساه من رآه، وامتزجت في لقائهم معان شتى من الشوق والإيناس، وشعور ~~الظفر والثقة والأمل في النجاح. # أما كيف تحولت السلطة البريطانية في مصر من الحجر الشديد إلى السماح للوفد بالسفر حيث ~~شاء، فخلاصة القول فيه أنه تحول ضروري قضت به الثورة، فلم يسع السلطة إلا أن تنقاد لحكمه ~~في النهاية؛ لأنها عجزت عن تيسير الأمور بأيديها، وعجزت عن تأليف وزارة وطنية تقبل الحكم ~~والوفد محبوس عن السفر، فلم تجد بدا من إطلاق سبيل الوفد عسى أن تفرج شيئا من حرج ~~الموقف، وتمحو شيئا من الحفيظة التي أفعمت قلوب المصريين وزادتها الفظائع في إبان الثورة ~~ألما على ألم. # وقد أدركت القيادة العسكرية من اللحظة الأولى أنها أخطأت التقدير، وانتهت باعتقال الزعماء ~~إلى عكس ما تريد؛ لأن اعتقالهم لم يردع السيل المتجمع وراء السدود، وإنما جاءه بمدد جارف ~~أطلقه ودفع به شوطا وراء شوط، ورسم للمصريين طريق المقاومة، فمن شاء منهم أن يرجع فلا حيلة ~~له في الرجوع، ومن خطر له أن يتردد فليس أمامه موضع للتردد ... وأن أول من دعا إلى الثبات ~~والمثابرة لهم أول من أصيب باعتقال الزعماء ومن هدد بهذا الاعتقال، وأول من ظن بهم أنهم ~~يتقهقرون ويوجلون: قرينة سعد وخلفاؤه المتروكون في القاهرة! # فالسيدة الجليلة قرينته لم تضيع لحظة واحدة في الحزن والجزع الذي لا يفيد ... عادت من ~~زيارة إحدى شقيقاتها حيث كانت ساعة الاعتقال، فما هو إلا أن ms023 علمت بما حدث أثناء غيابها حتى ~~كان أول ما خطر لها أن أرسلت إلى شعراوي باشا تبلغه أن مكتب سعد مفتوح له ولزملائه في ~~غياب سعد كما كان في حضوره وترجوه وزملاءه أن يقبلوا دعوتها إلى العشاء في ذلك المساء، وأن ~~يعقدوا جلستهم الأولى في مكان انعقادها المألوف؛ لكيلا يطرأ على سير الدعوة أقل تغيير بعد ~~ذلك الحادث الذي أريد به القضاء عليها. فقرر الأعضاء أن يلبوا رجاءها وأن يشكروها عليه، ~~واعتذروا من حضور العشاء لاشتغالهم بإعداد الاحتجاج الذي يقابلون به اعتقال الزعيم، واتخاذ ~~الخطة التي تلائم الموقف الجديد. # ولم يكن شعور الأعضاء بعد الاعتقال شعور فزع وارتداع كما قدرت السلطة البريطانية، بل ~~كان شعور استياء لاعتبارهم دون من اعتقلتهم السلطة في الخطر والأثر، وشعور رغبة في إفهام ~~السلطة البريطانية خطأها وتحديها واستفزازها بإتيان العمل نفسه الذي من أجله اعتقلت ~~سعدا وأصحابه. فكتب شعراوي باشا احتجاجا إلى رئيس الحكومة البريطانية على اعتقالهم، ~~وأبلغه فيه أن الوفد مثابر على خطتهم، ووجه مع زملائه في اليوم التالي خطابا إلى صاحب ~~العظمة السلطان، يلقي فيه تبعة إعراض الكبراء عن تأليف الوزارة على السلطة العسكرية: # فإنما هو النتيجة الطبيعية للخصلة التي اتخذت في مسألة سفر الوفد، فإن كل مصري ~~ذي كرامة لا يمكنه - حقيقة - أن يقبل الوزارة في هذا الظرف من غير أن يستهين ~~بمشيئة بلاده. # وختم الخطاب بقوله: # إليكم يا صاحب العظمة - وأنتم تتبوءون أكبر مقام في مصر، وعليكم أكبر مسئولية ~~فيها - نرفع باسم الأمة أمر هذا التصرف القاسي، فإن شعبكم الآن يحق له أن يعتبر هذه ~~الطريقة بادرة تخيفه على مستقبله، كما يحق له أن يكرر الضراعة لسدتكم العلية أن ~~تقفوا في صفه مدافعين عن قضيته العادلة. # أما الحكومة البريطانية فقد أحبت أن تيئس المصريين من كل أمل في اللين والهوادة، ~~فعينت الماريشال اللنبي مندوبا ساميا بعد نشوب الثورة بنحو أسبوع، بدلا من السير ~~ريجنالد ونجت الذي كان من رأيه السماح بسفر الوزيرين المصريين، وقد تعمدت بتعيينه غرضا آخر ~~هو إرهاب المصريين ms024 باسم القائد المنتصر في أقرب الميادين إليهم وهو ميدان فلسطين. وأذاعت في ~~الوقائع المصرية أنه «منح السلطة العليا في جميع الأمور المدنية والعسكرية، وفي اتخاذ ما ~~يراه من الإجراءات صالحا لإعادة النظام واحترام القوانين ... مع تثبيت حماية جلالة الملك في ~~مصر على أساس متين». # وقد بدأ الماريشال اللنبي عمله بعد قدومه إلى القاهرة باستدعاء الكبراء والسراة قائلا ~~لهم: إنه جاء إلى مصر لينهي الاضطرابات، ويتحرى أسباب الشكاية، ويزيل منها ما يقضي العدل ~~بإزالته. وطلب إليهم أن ينصحوا الناس بالهدوء والسكينة. # فتكررت هذه النصائح التي يوعز بها الإنجليز في غير جدوى، ولم يزل متعذرا على ~~«المستوزرين» أن يجترئوا على قبول الوزارة، ولم يزل تسيير الإدارة الحكومية في البلاد من ~~أصعب الأمور. # ولجأ الماريشال اللنبي إلى أعضاء الوفد المصري، فاستدعاهم إليه في السادس والعشرين من ~~مارس، وطلب إليهم أن يبسطوا أسباب الشكاية في تقرير يكتبونه، فقدموا له التقرير بعد أربعة ~~أيام وفيه تلخيص للمظلمة السياسية من بداءة إعلان الحماية. وقالوا في ختامه: # غير أن السلطة العسكرية مع ذلك قد استدعتنا مرة أخرى في يوم 16 الجاري، وأعلنت ~~إلينا أننا مسئولون عن هذا الاضطراب، وأننا مسئولون عن إزالته، ولكنها سمحت لنا هذه ~~الدفعة أن نناقش أمر المسئولية، فأجبناها بأن هذا الاضطراب ليس نتيجة متوقعة ~~لعملنا، ولا يصوغه برنامجنا بحال من الأحوال، بل نحن نأسف له. وأما تسكين هذا ~~الاضطراب فليس في يدنا وسيلة فاعلة فيه، ونصحنا بأن أنجع الوسائل في تهدئة ~~الخواطر بالطرق السلمية، إنما هو تأليف وزارة تعطي من الترضيات ما يرضي الشعب، حتى ~~تستطيع أن تقوم بأعباء الظرف الحاضر. # هذا رأي أعضاء الوفد الباقين بمصر في الثورة، وهذا رأيهم في تفريج الأزمة، وهو رأي اتفقوا ~~عليه مع كبار مصر الرسميين، ومنهم علماء الأزهر وبطريرك القبط الأرثوذكس وبعض الوزراء ~~والنواب والسروات. وكتب به هؤلاء جميعا خطابا إلى القائد العام في الرابع والعشرين من شهر ~~مارس؛ أي قبل استدعاء أعضاء الوفد إلى اللورد اللنبي بيومين، وكان تقديرهم أن الوزارة ~~التي تؤلف تعمل لتهدئة ms025 الحال، دون أن يشترطوا سلفا لهذه التهدئة إفراجا على معتقلين أو ~~سماحا لأحد بالسفر. # ثم قال أعضاء الوفد: «وفي اليوم التالي - وهو يوم 17 مارس - قابلنا الوزراء الثلاثة رشدي ~~باشا وعدلي باشا وثروت باشا، وأقنعناهم بأن يظهروا استعدادهم للمفاوضة في تأليف وزارة ~~تستطيع أن تقضي على هذه الحركة المخيفة التي تخشى عواقبها المجهولة، فأظهروا هذا ~~الاستعداد لرجال دار الحماية ولكن الأمر لم يتم، والاضطراب يأخذ نسبا وأشكالا ليس الحكم ~~على نتائجها في نفوس الناس بالشيء الميسور.» # وبعد أيام حان موعد صدور الميزانية وليس في البلاد وزارة ولا نواب يناقشونها، فلم ير ~~المارشال اللنبي مخرجا من هذه الورطة إلا أن يعتمد الميزانية باسم السلطة العسكرية، فأصدر ~~بلاغا بذلك في أول أبريل، ولكنه حل مشكلة وأثار مشاكل؛ فإن هذا التحدي ألهب في النفوس ~~جذوة الغضب وشحذ فيها عزيمة المناجزة؛ فعاد التجار إلى إغلاق حوانيتهم، وأضرب بعض الموظفين ~~ممن لم يكونوا مضربين، وتمرد طلاب المدرسة الحربية ومدرسة الشرطة، فخرجوا متظاهرين أمام ~~قصر السلطان ودور السفارات، وكانوا قبل ذلك يحتجزون عن المظاهرات، واشتدت ثورة الأزهر ~~وكثرت اجتماعاته، حتى لجأت السلطة العسكرية إلى مخاطبة شيخ الأزهر في إغلاقه دفعة واحدة أو ~~الاكتفاء بإغلاقه في غير أوقات الصلاة، فأبى واعتذر بأن الله ينهى المسلم عن إقفال مساجد ~~الله. # وفي السادس من الشهر وزع على الناس منشور من عظمة السلطان يقول فيه: # إني أنشر بين قومي هذه الكلمات التي كانت تختلج بصدري في الوقت الذي أخذت تتوارد ~~إلي فيه ملتمسات الأماني القومية نحو مستقبل البلاد، وإني بالطبع لا أعني بالبلاد ~~إلى بلادنا المباركة، لا أعني بالبلاد إلا وطننا العزيز: هذا الوطن الذي اقتضت حكمة ~~الله أن يكون جدي الأكبر محمد علي الكبير أكرم الله مثواه صاحب ~~عرشه. # وفي ختامه طالب عظمة السلطان أبناءه المصريين بما له من حق الأبوة عليهم أن يتناصحوا بعدم ~~الاستمرار على المظاهرات التي كانت عواقبها غير محمودة في بعض الجهات. # وبعد أن جربت السلطة العسكرية كل وسيلة، وفشلت في كل تجربة، لم يسعها ms026 إلا أن تجرب ~~الوسيلة الوحيدة الباقية التي اقترحها المصريون من اللحظة الأولى، وهي إطلاق الحرية للوفد ~~المصري ليسافر حيث شاء، فإن الحجر عليه هو سبب استقالة الوزارة، وهو سبب الإحجام عن تأليف ~~وزارة أخرى، وهو سبب غليان النفوس وانفجارها ونشوب الثورة وانتشارها، فأذاع المارشال اللنبي ~~في السابع من الشهر بلاغا يعلن فيه أنه بالاتفاق مع حضرة صاحب العظمة السلطان «لم يبق حجر ~~على السفر، وأن جميع المصريين الذين يريدون مبارحة البلاد يكون لهم مطلق الحرية»، وأن ~~«كلا من سعد زغلول باشا، وإسماعيل صدقي باشا، وحمد الباسل باشا، ومحمد محمود باشا يطلقون ~~من الاعتقال، ويكون لهم كذلك حق السفر». # فسرت نشوة الظفر والرجاء في نفوس الأمة قاطبة، وقامت مظاهرات الابتهاج في مكان مظاهرات ~~الغضب والهياج، واستولى على الناس شعور مقدس غسل حوبة النفوس فنسي المجرم إجرامه والموصوم ~~وصمته، وشوهدت جموع النسوة الشقيات المتبذلات على مركبات النقل يحيين وطنهن، ولا ينظر إليهن ~~ناظر بعين المهانة أو الريبة أو المجون الذي تثيره أمثال هذه الجموع في غير تلك ~~المظاهرات. # وامتنعت حوادث السرقة على سهولتها بين ذلك اللجب اللاجب؛ فخلت محاضر الأقسام من حوادث ~~الطرارين واللصوص، التي لم تكن تمتنع ساعة من أيام الشح والضيق ووفرة المال في جانب وندرته ~~في جانب آخر، ومشى أعظم الناس وأصغرهم على السواء في مظاهرات واحدة لا يتوقر عنها العالم ~~الهرم، ولا ينسى فيها الصغير دواعي الوقار، ولم ينغص هذه المظاهرات إلا اعتداء بعض الأرمن ~~عليها، وشكاسة بعض الضباط والجنود البريطانيين الذين أطلقوا الرصاص على المتظاهرين ~~المتهللين في غير عداء ولا تنكر، فقتلوا منهم أربعة وجرحوا كثيرين، ولعل هذه الحادثة ~~وحدها كافية لبيان ما وصلت إليه فوضى القمع والإرهاب، فإن هؤلاء الضباط والجنود تطوعوا ~~لفعلتهم دون أن يدعوهم رؤساؤهم إليها، بل لقد كانت القيادة العليا تستبشر بمظاهرات الفرح ~~التي أعقبت الإفراج عن الزعماء؛ لأنها قد تلطف سورة الحنق والعداء وتهيئ جو السياسة للوفاق ~~والمسالمة، وتتيح للوزراء المصريين أن يقبلوا مناصب الحكومة، ولكن الفوضى أخرجت أولئك ~~الضباط عن طورهم ms027 فأفسدوا هذه الدلائل، وعكسوا الأمر على القيادة العليا حتى كادت أن تفشل في ~~تأليف الوزارة التي كان يجري الكلام في تأليفها حينذاك؛ مما اضطر المارشال اللنبي إلى ~~الاعتراف بخطأ الجنود ونشر بيانا يقول فيه: # لقد تغيرت الحالة فجأة وأطلقت الحكومة البريطانية الزعماء المعتقلين في مالطة، ~~وأذنت للمصريين أن يرسلوا مندوبيهم إلى إنجلترا ليعرضوا شكواهم. وقد سر المصريون ~~لذلك بالبداهة وسمح لهم أن يقيموا الاحتفالات، كما يسمح لأبناء إنجلترا بالاحتفال ~~بأي نصر سياسي، ومن سوء الحظ أن الجنود لا يفهمون هذا على ما يظهر؛ لذلك حدث مرة ~~أو مرتين أن نفرا من الجنود قاموا بمظاهرات ضد المصريين الذين كانوا قد أقاموا ~~احتفالا غير موجه ضد سلطتنا بتة. وقد أدى عمل هؤلاء الجنود إلى اضطرابات ~~خطيرة، وإلى خسارة في الأنفس من الجانبين. على أنه المأمول الآن أن يلوذ الجنود ~~بالهدوء، ويلزموا السكينة، ويتركوا القانون والنظام للقائد العام. ومما يجب أن ~~يفهم أن كل عمل مستقل يقوم به الجنود يضاعف صعوبة مركزنا عشر مرات. # بقي سفر الوفد فعلا بعد السماح بالسفر قولا. # والظاهر أن السلطات الإنجليزية سمحت بسفره من جهة لتعرقله من جهة أخرى؛ لأنها تعللت ~~بقلة البواخر، وزعمت أن الأماكن فيها محجوزة سلفا، وأن الأماكن المطلوبة لا تتيسر قبل ~~ثلاثة أشهر! وعلم الوفد أن الانتظار إلى ذلك الموعد مضيع لفرصة الحضور أمام مؤتمر الصلح ~~أو الوصول إلى باريس في إبان انعقاده؛ فالتمس الإذن بالسفر على «يخت» صاحب العظمة السلطان ~~المسمى بالمحروسة، واتصل نبأ هذا الخبر بالإنجليز فخشوا أن يجاب بعد قيام الوزارة الرشدية ~~التي يعلمون من سياستها الأولى أنها تشايع الوفد في طلب السفر إلى أوروبا، ورأوا أن وصول ~~الوفد المصري إلى أوروبا على اليخت السلطاني يخوله «مظهرا رسميا» يتقونه ولا يحبون ~~دلالته الواضحة عند أمم العالم؛ فدبروا أمر الأماكن المطلوبة على عجل، وسرعان ما استطاعوا ~~أن يحجزوا الأماكن كلها في الباخرة «كاليدونيا»، ومعها ستة أماكن أخرى لمن يشاء السفر من ~~خصوم الوفد إلى باريس! # برح أعضاء الوفد العاصمة في الساعة الثامنة ms028 من صباح يوم «11 أبريل» فكان توديعهم الرائع ~~بمثابة توكيل جديد من الأمة قاطبة، فازدحمت الطرقات والميادين بعشرات الألوف من جميع ~~الطوائف والطبقات، ووزعت محافظة العاصمة أكثر من ألف تذكرة لعلية القوم ورؤساء الدين ~~والسروات الذين رغبوا في توديع الوفد على المحطة، فلم تكف هذه التذاكر لتلبية جميع ~~الرغبات، وبلغ عدد المودعين أضعاف العدد المقدور، وأوشك الناس ما بين العاصمة وبورسعيد أن ~~ينظموا موكبا واحدا للحفاوة بالوفد وتأييده وإظهار الابتهاج بسفره، وما كانوا يعلمون ~~بالسفر في يومها لصعوبة المواصلات وانقطاع أسلاك البرق في بعض الجهات، ولكنهم كانوا يرون ~~القطار المزين بالرايات والأزهار وعليه التحيات التي كتبها المودعون في محطة العاصمة، ~~فيعلمون الخبر ويتسامعون به في لحظات معدودات، ويهرولون إلى لقائه داعين هاتفين. # ولما وصل القطار إلى بورسعيد، خرجت المدينة تستقبله وترحب به وتصحبه إلى الباخرة التي بات ~~فيها ليلته، وأضاءت بورسعيد كلها في المساء، وحفت بالباخرة عشرات الزوارق المضاءة الصادحة ~~بالموسيقات والهتافات الوطنية طول الليل، وانثالت الرسائل البرقية من المدينة ومن أنحاء ~~كثيرة في القطر تشيع الأعضاء بالرجاء والتأييد. # وفي اليوم الذي أقلعت فيه الباخرة - وهو اليوم التالي - تألفت في القاهرة لجنة مركزية ~~كبرى تنوب عن الوفد في غيابه، وتتولى إنشاء اللجان التي تنوب عنه في الأقاليم. ~~••• # ويلي هذا الفصل فصل انتقادي عن العيوب التي لوحظت في تأليف الوفد، ثم فصل عن خطة الوفد في ~~مسألة الامتيازات الأجنبية التي أراد بها التفرقة بين بريطانيا العظمى والدول صواحب ~~الامتيازات، ثم ينتقل الكلام إلى عمل الوفد في أوروبا كما يلي. # الفصل الخامس # | الوفد في أوروبا # عندما طلع الرئيس ويلسون على العالم ببشارة السلام ومبادئ الحرية والإنصاف صدقه كثيرون ~~ورحب به كثيرون؛ لأنهم استبعدوا أن يخرج بنو الإنسان من تلك الأهوال والمآثم بغير عبرة، ~~وأن يقدموا على تكرار المأساة الجهنمية، وهم لا يزالون يكتوون بنارها ويتلوون من ~~آلامها. # ولم يهزأ بدعوة ويلسون من أساسها إلا طائفة من ثلاث طوائف، وهم المستعمرون الرجعيون؛ لأن ~~الدعوة لا توافق سياستهم، ولا تحقق لهم مطامع القهر والاستغلال. ms029 # واليائسون من أخلاق بني الإنسان؛ لأنهم يهزءون بجميع المبادئ ولا يحسبون الإنسان صادقا ~~في شيء غير المصالح القريبة والشهوات الحيوانية. # والاشتراكيون؛ لأنهم يرون أن العوامل الاقتصادية هي علة الدعوات الاجتماعية والمذاهب ~~الأخلاقية؛ فلا فائدة من أحاديث المروءة والرحمة وتقرير المصير ما دام نظام رأس المال هو ~~النظام القائم في المعاملات، وهو الحافز إلى الغارات والحروب والمنافسة بين المستغلين ~~والمستعمرين. # ولم يكن سعد مستعمرا رجعيا ولا يائسا من بني الإنسان ولا اشتراكيا ولا قارئا ~~متبعا لآراء الاشتراكيين، ولكنه كان رجلا مطبوعا على نجدة الضعيف وإغاثة المظلوم، فلا ~~غرابة عنده في هذه العاطفة، وكان قانونيا يقدس القوانين والشرائع فلا غرابة لديه في ~~التوسل بالتشريع وحقوق المعاهدات لفض المشاكل وإصلاح الآفات. # لذلك رحب بالدعوة الولسنية ولم يستبعد تحقيقها كما قال في خطابه بمنزل حمد الباسل باشا: # من الناس من يرون هذا المذهب السياسي الجديد أجمل من أن يتبع في هذه الحياة ~~الدنيا: حياة المزاحمة على البقاء والمغالبة على المنافع ... نعم، مذهب جميل! ولكن ~~تطبيقه ممكن متى جد الدكتور ويلسون في تطبيقه بحزمه المعروف. وإنه لجاد، بل أرتقي ~~إلى أن أقول إن تطبيقه سهل متى صحت نيات أكثرية الدول التي أقرته بالإجماع؛ ~~ذلك لأن هذا المذهب غير مخالف لما ألف الإنسان في الوصايا الدينية وقواعد ~~الفلسفة الأخلاقية، ثم هو متفق مع الأفق الذي وصلت إليه الإنسانية في تطورها الجديد ~~... # وعلى هذه العقيدة كان يرجو الخير الكثير من الدعوة الولسنية، وأقل ما يحق له أن يرجوه ~~أن لا تنقلب هذه الدعوة في إبان الصلح عونا للأقوياء على الضعفاء وعقبة في وجه المطالبين ~~بالحقوق، فكان أول ما فكر فيه ساعة وصول الباخرة «كاليدونيا» إلى مارسيليا أن أرسل إلى ~~الرئيس ويلسون يطلب منه الإذن في مقابلة خاصة للوفد المصري المطالب بحقوق الأمة المصرية، ~~فلم يجئه الرد المنتظر من رسول السلام، وإنما جاءه رد لم يكن يخطر على بال متفائل ولا ~~متشائم؛ فإن الولايات المتحدة اعترفت بالحماية البريطانية على مصر في اليوم التاسع عشر من ~~شهر أبريل؛ أي ms030 بعد وصول الوفد المصري إلى مرسيليا بيوم واحد! # يحار الإنسان ولا يدري كيف استطاعت السياسة البريطانية أن تحمل ذلك الرسول المبشر بحقوق ~~الضعفاء على نقض مبادئه رأسا على عقب، واستباحة الفصل في قضية لم تعرض عليه من جوانبها ~~المختلفة، ولكن ساسة الإنجليز - على ما نظن - قد أدخلوا في روعه أن المصريين أساءوا فهم ~~دعوته وتشجعوا بها على الثورة وتهديد الحضارة والمصالح الأجنبية، وأن كلمة منه تحقن ~~الدماء وتعيد الأمن إلى قراره، وتصون أرواح الأوروبيين ومرافق العمران، وأن ترك مصر عرضة ~~للتنازع عليها بين الدول قد يجر العالم إلى حرب كالحروب التي كان يتقيها ويبشر باجتنابها؛ ~~فبقاؤها في ظل الحماية أصون للسلام وأنفى للحروب، وربما وعدوه أن ينصفوا المصريين متى ثابوا ~~إلى السكينة واستعدوا للإصغاء إلى صوت الحكمة والنظام. # وقد اهتمت الحكومة البريطانية بنشر اعتراف الرئيس ويلسون في مصر من دار الوكالة ~~الأمريكية، فأذاعت دار المندوب البريطاني بلاغا جاءها من همسون جاري وكيل الولايات المتحدة ~~يقول فيه: # أتشرف بأن أقول: إن حكومتي أمرتني أن أبلغكم أن رئيس الجمهورية يعترف ~~بالحماية البريطانية على القطر المصري، وهي الحماية التي بسطتها حكومة جلالة الملك ~~في 18 ديسمبر سنة 1914. هذا وإن الرئيس باعترافه هذا يحفظ بالضرورة لنفسه حق ~~البحث فيما بعد في تفاصيل هذا الاعتراف، مع مسألة تعديل حقوق الولايات المتحدة ~~التعديل الذي يقتضيه هذا الأمر. وقد كلفت بهذا الصدد أن أقول: إن رئيس الجمهورية ~~والشعب الأمريكي يعطفان كل العطف على أماني الشعب المصري المشروعة؛ للحصول على قسط ~~آخر من الحكم الذاتي، ولكنهما ينظران بعين الأسف إلى كل مسعى لتحقيق هذه الأماني ~~بالتجاء إلى العنف. # وإن صيغة هذا التبليغ لتشف عن الغرض منه وعن المسعى الذي سعته الحكومة البريطانية عند ~~الرئيس ويلسون لإقناعه بوجوبه ... فباسم الأمن وكراهة العنف، وبعد الوعد بمنح المصريين قسطا ~~آخر من الاستقلال الداخلي، ظفرت الحكومة البريطانية بذلك الاعتراف وبادرت إلى إذاعته في مصر ~~وأوروبا، وتعمدت أن تصدم به الوفد ساعة وصوله إلى أوروبا ليفت الخبر في عضده، ويزعزع ما ~~عنده من ms031 ثقة وأمل، ويريه خيبة المسعى في معارضة القوة البريطانية حيث ذهب ... فكان تدبيرها ~~في الإفراج عن الوفد ولقائه بتلك الصدمة كتدبير السجان الذي يطلق أسيره ويرصد له على أبواب ~~السجن من يدهمه ويغتاله؛ ليحيق به الكيد في ساعة الفرح والاستبشار. # ولم تبالغ السياسة البريطانية كثيرا في وقع الصدمة المفاجئة على الوفد ساعة نزوله بالأرض ~~الفرنسية واقترابه من محكمة العدل والحرية؛ فقد بدا لسعد أول وهلة أن العمل في أوروبا لا ~~يجدي، وأن تركيز العمل في مصر أجدى وألزم. ولم يكن هذا ضعفا ولا نكوصا عن الكفاح؛ لأن ~~مقاومة الإنجليز في مصر تحت الأحكام العسكرية بعد الاعتراف بالحماية البريطانية أخطر وأعضل ~~من مقاومتهم في أوروبا على العاملين الجادين في المقاومة ... ولكنه كان رأيا رآه فيما هو ~~أصلح للقضية المصرية على حسب ما تبين من خطواته الأولى بالبلاد الأوروبية. # وقد لمس وقع الصدمة في نفوس فريق من زملائه فإذا هو أفدح وأقدح؛ فمنهم من كان قد دخل ~~الوفد على تردد وريب في سلامة العاقبة، ومنهم من كان يؤثر اللجوء إلى الحكومة الإنجليزية ~~ويؤمن في قرارة نفسه باستحالة الغلبة عليها، وقصارى ما طمعوا فيه من هوادتها أن تخشى بعض ~~المعارضة أو بعض المنافسة من الدول الأخرى في مؤتمر الصلح، فتغلق هذا الباب باستجابة بعض ~~المطالب المصرية. فإذا بمؤتمر الصلح في قبضة يديها وعلى رأسه أكبر الدعاة إلى الحرية وأكبر ~~القائلين بمشاورة الأمم المغصوبة في تقرير مصيرها ... فمن البين إذن في رأيهم أن «مهمة ~~الوفد» انتهت لم يبق له ما يرجوه من المؤتمر ولا من الحكومات المشتركة فيه. وقد صرحوا ~~برأيهم هذا وهموا بالعودة وأشاروا بها على زملائهم الآخرين. # وقد أرادت الحكومة البريطانية أن تتبع هذه الضربة بضربة أخرى، تعجل بعمل التفكك والانخذال ~~في صفوف الوفد والأمة المصرية؛ فنشرت التيمس «إشاعة» تشير فيها إلى إرسال لجنة مستقلة إلى ~~القطر المصري للبحث عن أسباب الهياج، واقتراح الإصلاحات الدستورية التي يتسع بها نطاق ~~الحكومة الذاتية، وتوقعت أن يصيب الخبر الوفد في سمعته وعزيمته إن لم يصبه ms032 في تكوينه ووحدة ~~رأيه، فإذا عاد بعض رجاله إلى مصر وبقي بعضهم في أوروبا فقد وقع الخلاف، وهو بدء الانحلال. ~~وإذا عاد الوفد جميعه فقد ملكته الحكومة البريطانية ورجعت به إلى قبضة يديها وعرضته ~~لسخرية أبناء وطنه، وإذا بقي الوفد كله في أوروبا فعندهم فسحة من الوقت لإرسال اللجنة إلى ~~مصر وسؤال المصريين عن مطالبهم وشكاياتهم بمعزل عن وفدهم الذي يدعي الوكالة عنهم ... فتلغي ~~وكالته وتلقي درسها الصادع على الوكيل ومن أوكلوه، وأي درس تشتهيه السياسة الاستعمارية ~~وتلقيه على الدعاة الوطنيين أنجع وأوجع من أن تضرب الوفد المصري وتعاقبه هذه العقوبة ~~القاصمة بيد الأمة المصرية؟! # ومهما يكن من حساب الحكومة البريطانية، فالشيء الذي لم تحسب حسابه - كما ينبغي - هو أثر ~~السخرية في الطبيعة المصرية؛ فإن المصري ليتقي السخرية أشد من اتقائه الضرر والخسارة، وقد ~~يستسلم للفجيعة، ولكنه لا يستسلم للغفلة؛ ولهذا كانت ضربتها للوفد المصري باعتراف ويلسون ~~ضربة قوية بارعة، ولكنها كانت خليقة أن تفشل بعد الصدمة الأولى؛ لأنها سخرية تعرضه ~~لسخرية أخرى. ولو أنها أبطأت برهة، ولم يكن فيها معنى الكمين المدبر والهزء المرتب في ~~لحظة الانتصار والتفاؤل، لكان رجاء الحكومة البريطانية في نجاحها أصدق وأسرع، ولكنها كانت ~~بمثابة الاستدراج إلى كمين مضحك أو «مقلب» مهين ... فجمعت لها الطبيعة المصرية كل ما عندها من ~~الكراهة للسخرية ومقاومة الشماتة المضحكة؛ وهما في الطبيعة المصرية قوة تعتصم بها في أحرج ~~الأوقات. # ولم يلبث سعد وأصحابه بعد الخاطر الأول أن أعادوا النظر في الأمر كله، فوجدوا أن العمل ~~في مصر قد يكون أولى وأصوب، ولكن العودة إلى مصر بعد كل هذه القيامة التي أقامتها الأمة ~~لتمكين الوفد من السفر، وهي خيبة أليمة لا تؤمن عقباها، وقد تيئس الأمة من رجالها ~~وتشككها في دعاتها، وتعجل بالتفرقة بين صفوفها. # ووجدوا كذلك أن البقاء في أوروبا لا يمنع تركيز العمل في مصر والاعتماد عليه في الدعاية ~~الأوروبية، وقد تنفع الدعاية الأوروبية في تنبيه عزيمة الأمة كلما احتاجت إلى تنبيه. # ومن مبدأ الأمر لم يكن رجاء ms033 سعد كله معقودا على الحكومات والوسائل الحكومية: إذا جاء ~~الرجاء من هذا الباب فذاك خير وأقرب سبيلا، وإن لم يجئ فالشعوب من وراء الحكومات، والطريق ~~إلى الشعوب مفتوح لمن يحسن ولوجه ويقوى على صعابه، وهو القائل: إن الشعب فوق الحكومة، ~~وهو الذي أبى أن يسلم المطالب المصرية إلى المندوب البريطاني والوزراء البريطانيين احتفاظا ~~بالجانب الأهم منها «لاستنارة» الرأي العام البريطاني الذي يخضع له المندوب والوزارة. وهو ~~الذي عرف أن النائب في «الجمعية التشريعية» - التي لا حقوق لها ولا نفوذ لأحكامها - يملك ~~من سلاح الحجة والبيان ما يكافح به الوزارة ويكافح به جبار قصر الدوبارة. فماذا حدث الآن؟ ~~هل حبط الرجاء في مؤتمر الصلح وفي ويلسون وفي لويد جورج؟ حسن! إن وراء هذه الأسماع ~~أسماعا، ووراء هذا المرجع مراجع: هناك الشعوب الأوروبية، وهناك شعب ويلسون وشعب لويد جورج ~~... ومن يدري؟! فلعل شعب ويلسون وشعب ما قال وسامع غير ما سمع، وبالغ في إحراج السياسة ~~البريطانية ما لم يبلغه رئيسه المخدوع بتلك السياسة. # يقول نيتشه: # كل ما لم يقتلني يزيدني قوة. # وهذه قولة تصدق على كل رجل كبير الهمة مطبوع على الكفاح. فضربة الاعتراف ~~بالحماية كانت ضربة نافذة، ولكنها لم تكن مميتة؛ ومن ثم كانت ضربة حافزة للعناد، مثيرة ~~للنخوة، نافعة في توطيد النفس على بعد الشقة. # قال جورج لويد في كتابه عن مصر منذ كرومر: # لم تنفع الصدمة إلا في إقناع زغلول إقناعا جليا بأن العراك خليق أن يجري إلى ~~مداه في الحومة المصرية. فوجه همه على الفور إلى تلك الحومة، وطفق يدير المعركة ~~من مقامه بباريس، ويبعث إلى أتباعه بمشجعات مموهة، ولكنها أخاذة باهرة بما تحدثهم ~~عن الأنصار الذي يستميلهم للقضية الوطنية، والنجاح الذي يصيبه رجاله. # وقد أدار سعد المعركة في باريس على أتم وجه يستطيعه وفد من الوفود الشعبية؛ فإن الوفد ~~المصري - على اعتباره غريبا عن الأجناس الأوروبية - قد استطاع غاية ما يستطاع من نشر ~~الدعوة إلى جانب مؤتمر الصلح. فكتب إلى المؤتمر يطلب استدعاءه لسماع أقواله؛ لأن «إلغاء ms034 ~~السيادة التركية يقتضي حتما تغييرا في حالة مصر السياسية التي قررتها معاهدة سنة 1840، ~~ولا يصح إجراء هذا التغيير في غيبة المصريين». واتصل الوفد بكل من تيسرت لهم مقابلته من ~~رجال المؤتمر وأعضاء وفوده وكبار موظفيه، وأقام المآدب للساسة والكتاب والصحفيين ~~الأوروبيين والأمريكيين ليشرح لهم الحوادث التي كانت تهملها الصحف، ويريهم صور المظاهرات ~~التي اشترك فيها السيدات ورجال الجيش، وظهرت فيها الأعلام وعليها الصليب إلى جانب الهلال، ~~ويذكر لهم ما استفاده الحلفاء من أموال مصر ورجالها مما كانوا يجهلونه ولا يعرفون خبرا ~~عنه. # وأقنع الوفد بعض مشاهير الكتاب بكتابة رأيهم في قضية مصر وحقوق أبنائها، ومنهم فكتور ~~مرجريت، وأناتول فرانس؛ فأصدر الأول رسالة في موضوع القضية المصرية، وقدمها الثاني بكلمات ~~وجيزة على سبيل التزكية. # واجتهد الوفد في اجتناب كل عمل يتيح للمستعمرين البريطانيين أن يتهموه - كما فعلوا من ~~قبل - بمشايعة دول الوسط، أو النزوع إلى المذاهب الفوضوية والاشتراكية، فلم يتصل بالمغفور ~~له محمد بك فريد حين تلقى خطابه من سويسرا، لما كان معروفا من مقام فريد بك في ألمانيا ~~وتركيا أثناء الحرب وبعدها. ولكنه اتصل بجميع المصريين المقيمين بفرنسا، ولا سيما أعضاء ~~الجمعية المصرية في باريس، وكان لفريق من هؤلاء أثر نافع في بث الدعوة، وتعريف الفرنسيين ~~من جميع المذاهب بالوفد ومطالبه وصعوباته. # ولا نسهب في تفصيل المقابلات والخطب والولائم واحدة واحدة؛ لأن التفصيل لا يزيد القارئ ~~شيئا على ما هو مفهوم بالإجمال، وحسبنا أن نقول: إن الوفد لم يدع في باريس ولا في ~~مراكز الدعوة السياسية أحدا يؤبه له إلا أبلغه مظلمة مصر، وأوجز له الحالة التي مرت ~~بالقارئ في صفحات هذا الكتاب. # وقد كان المصريون في لندن - ومعظمهم من الطلاب - يعاونون الوفد كما عاونه زملاؤهم في ~~العاصمة الفرنسية؛ فطبعوا الألوف من الرسائل، وقابلوا النواب، واستعانوا بالكتاب حتى ~~ضاقت بهم الحكومة الإنجليزية ذرعا، فدمر الشرطة مكان اجتماعهم وصادروا الأوراق التي فيه، ~~وظنوا أنهم قضوا عليها، وكانوا سيقضون عليها فعلا لولا أن الطلاب أخذوا بالحيطة، فأعادوا ~~طبع الأوراق مما كان مدخرا ms035 عندهم من المحفوظات في مكان أمين. # وقد تجاهل الساسة الإنجليز في باريس شأن الوفد المصري ما وسعهم أن يتجاهلوه، ولكنهم لم ~~يحسنوا كتمان حنقهم في بعض الأمور التي تقضي بها اللياقة، فلم يأت منهم من يرد الزيارة ~~لسعد باشا حين ترك بطاقته للمستر لويد جورج كما ردها بعض وزراء الدول الأخرى، وتجاوزوا ذلك ~~إلى عمل فيه من الصبيانية ما ليس يليق بكبار الرجال؛ فقد روى أحد أعضاء الوفد المصري أنهم ~~أرسلوا مرة «مذكرة» إلى الوفد البريطاني في مؤتمر السلام، فردت إليهم ممزقة داخل غلاف ~~وعليها عبارة قصيرة معناها: «مثل هذه الأقوال لا تستحق الرد». # 1 # وعلى الرغم من اعتراف الدول بالحماية فقد بدأت الحكومة البريطانية تشعر بالقلق بعد أن ~~اتجهت أنظار الوفد إلى نشر الدعوة في الولايات المتحدة، وظهرت دلائل الاهتمام بالقضية ~~المصرية بين ذوي النفوذ من الشيوخ الأمريكيين ورجال الصحافة ... حدث هذا دون أن يكون للرئيس ~~ويلسون فضل فيه؛ بل ربما كانت صدمته للوفد في باريس من أسباب اتجاه الوفد إلى الأمة ~~الأمريكية رأسا؛ ليثير في هيئتها الرسمية بهذه الوسيلة بعض العناية التي فاتته من رئيس ~~الجمهورية ومعاونيه في المؤتمر. فإن أقصى ما صادفه الوفد من النجاح عند رئيس الجمهورية ~~الأمريكية أنه تلقى منه ردا على خطاب كتبه سعد يطلب فيه المقابلة مرة أخرى، فإذا هو يعتذر ~~في رده لضيق الوقت ويرجو أن يتسع وقته في المستقبل للمقابلة المطلوبة! وكان الوفد قد فهم ~~أن استثارة «الرأي» في الولايات المتحدة لبحث القضية المصرية أمر مستطاع بعد ما أحسه من ~~أثر الأخبار التي بعث بها المراسلون إلى صحف أمريكا، وزاده أملا في المزيد من الاهتمام أنه ~~كان قد استخدم بعض الأيرلنديات والأمريكيين في أعماله الكتابية، فالتقى هؤلاء بالساسة ~~الأمريكيين الذين حضروا إلى باريس للدفاع عن استقلال أيرلندا، وعرفوا منهم الرغبة في تشديد ~~النكير على الاستعمار البريطاني بذكر المسألة المصرية إلى جانب المسألة الأيرلندية، ومن ~~هؤلاء الساسة مستر «والش» رئيس الوفد، ومستر «ريان» ومستر «دن» مساعداه. # وقد جرى الوفد المصري من قبل ms036 على سنة إرسال البيانات والاحتجاجات إلى المجالس النيابية مع ~~إرسالها إلى الوزراء وممثلي الحكومات، فوجدت بياناته واحتجاجاته في مجلس الشيوخ الأمريكي ~~صدى أقوى وأصرح مما وجدته في المجالس النيابية الأوروبية. # ففي جلسة الحادي والعشرين من شهر يونيو اقترح الشيخ «ماسون» الاعتراف بالجمهورية ~~الأيرلندية، فتصدى زميله مستر «بوراه » لفتح باب المسألة المصرية، وقال: «إن مصر تستحق ~~الاستقلال كما تستحقه الأمم الشرقية والأوروبية التي اعترف مؤتمر السلام باستقلالها.» فجددت ~~هذه الحملة رجاء الوفد في تحريك قضيته من جانب الأمة الأمريكية وشيوخها، وأرسل يشكر المستر ~~«بوراه»، ويبلغه أن المصريين ليعتمدون اعتمادا تاما على مساعدة الشعب الأمريكي محب ~~الحرية في تحقيق الآمال القوية لشعب حكم عليه بالاستعباد من غير أن يسمع دفاعه. # وعاد المجلس إلى ذكر مصر بعد أيام، فقام المستر «والش» واتهم الوفد الأمريكي في مؤتمر ~~السلام بخيانة المبدأ الذي غامر الأمريكيون بدخول الحرب من أجله، وقال: إن الولايات ~~المتحدة وبريطانيا العظمى إذا أرادتا أن تدلا على حسن النية، فيحب عليهما أن تتركا جزائر ~~الفليبين لأهل الفليبين وأيرلندا للأيرلنديين. وهنا قام مستر «مكس كورك» وقال: إن مصر ~~أيضا يجب أن تكون لأبنائها، وأيده مستر «بوراه» سائلا: لماذا يعترف مؤتمر الصلح ببولونيا ~~ورومانيا ويغض عن أيرلندا، ولا يصغي إلى كوريا ومصر كما أصغى لغيرها؟! فقال مستر «شرمان»: ~~«إن معاهدة الصلح إنما كتبت لخدمة المطامع البريطانية.» # كانت هذه الأقوال من أشد ما قيل وقعا في نفوس المستعمرين وفي نفوس المصريين على السواء. ~~فأما المستعمرون فقد أوجسوا من عواقبها في الولايات المتحدة وفي مصر نفسها، وأما المصريون ~~فقد شعروا بفضل الدعوة واستبشروا بما وراء ذلك من صدى الحملة في الدوائر السياسية الأمريكية ~~والبريطانية، وتبين الوفد أن الدعوة في تلك البلاد تستحق منه أن يضاعف العناية بها ~~ويتابع إشهارها وترويجها، ويتركها للمصادفة والمناسبات العارضة، فانتهى بوساطة مستر «والش» ~~إلى توكيل مستر «جوزيف فولك» في نشر الدعوة هناك، وكان الاختيار موفقا؛ لأن الرجل ممن سبقت ~~لهم الوكالة في القضايا السياسية الكبرى، وسبقت لهم ولاية المناصب وعلاج المشكلات؛ فهو ms037 ذو ~~منزلة مرعية بين النواب والرؤساء، وله علاقة منتظمة برجال الدولة وأصحاب الكلمة ~~المسموعة. # وأوشكت الدعوة الخارجية لمصر أن تنحصر خلال تلك الفترة في الولايات المتحدة، فعن لسعد ~~باشا أن يسافر إليها مع بعض الأعضاء، ثم استقر الرأي على إيفاد محمد محمود باشا في هذه ~~المهمة لمعرفته الإنجليزية، وتردد الوفد هنيهة بين هذه الفكرة وفكرة أخرى كانت ترمي إلى سفر ~~اثنين من الأعضاء إلى البلاد الإنجليزية، يدافعان عن مطالب المصريين ويبسطان ما أصابهم من ~~المظالم إما بالخطب أو بالنشرات إذا أحجمت الصحافة عن إذاعة ما يكتبان، ويفعلان ذلك ~~باسميهما لا باسم الوفد أو باسم رئيسه، ويعولان على الدعوة الشعبية دون الرجوع إلى الهيئات ~~الرسمية، التي أعرضت عن الوفد وتجاهلت شأنه، وكان الوفد يحرص على اجتناب الهيئات الرسمية في ~~إنجلترا حتى تجيء المفاتحة من جانبها بعد أن أقام هو بما يجب عليه من إيذانها بقصده، ويقال: ~~إن رجال الحكومة الإنجليزية وسطوا أناسا من سراة الأجانب المقيمين في مصر لتيسير ~~مقابلة بين سعد ومستر «بلفور» الوزير الفيلسوف الإنجليزي المعروف، فلم تتم هذه المقابلة ~~لرغبة الوفد عنها ما لم تكن الدعوة صريحة من جانب القوم، وتغلبت فكرة السفر إلى الولايات ~~المتحدة على هذه الفكرة. # ولم يستطع محمد محمود باشا أن يصل إلى أمريكا إلا في منتصف أكتوبر بعد مشقة في الحصول على ~~جواز السفر لم تذلل إلا بمساعدة مستر «فولك» وبعض الأصدقاء الأوروبيين. # وقد كان مستر «فولك» أثناء ذلك يوالي الكتابة في الصحف، ويبسط وجهة النظر المصرية بين يدي ~~مجلس الشيوخ ولجانه المنوط بها بحث هذه الأمور، وأهم ما أثمرته جهوده تصريح صرحت فيه ~~لجنة الشئون الخارجية «أن مصر تعد من الوجهة السياسية غير خاضعة لإنجلترا ولا لتركيا، ~~وأنما يجب أن تكون مستقلة وزمامها بيدها»، وخطاب ضاف ألقاه مستر «بوراه» عن مركز مصر ~~السياسي والأطوار التي مر بها قبل الاحتلال وبعده، والفظائع التي أصابت أهلها في أثناء ~~الحرب وبعد الهدنة، على ما سلف من معونتهم للإنجليز خاصة والحلفاء عامة. # فاهتمت المراجع البريطانية بإخفاء ms038 ذلك جميعه عن المصريين وتهوين خطره عندهم، ولا سيما ~~تصريح لجنة الشئون الخارجية؛ فإن خبره لم يصل إلى مصر إلا من رسالة برقية أرسلها سعد من ~~باريس إلى لجنة الوفد المركزية في التاسع والعشرين من أغسطس، فكان له فيها ضجيج لم يفرح ~~المصريين بمقدار ما أغضب الإنجليز ، وقد سعت المراجع الإنجليزية سعيها حتى حملت الوكالة ~~الأمريكية بالقاهرة على إذاعة تكذيب مبهم تقول فيه: إن الخبر خطأ. ولم تعقبه بتصحيح من ~~جانبها! # هذا في مصر. أما في الولايات المتحدة نفسها، فقد أزعج السفارة البريطانية فيها ما أبصرته ~~من أثر الدعوة المصرية واتساع نطاقه واشتماله على الكثيرين من المستمعين والأشياع؛ فاضطر ~~مستر «رونالد لندسي» القائم بأعمال السفارة في واشنطن - وقد كان بمصر أثناء الحرب العظمى - ~~إلى مقابلة تلك الدعوة بكثير من المساعي الخفية والعلنية، ومنها رد مفصل على سؤال مدير كتبه ~~إلى إحدى الصحف يغض فيه من معونة المصريين ويقول منه: «إن الحكومة البريطانية قد عنيت ~~بأن تتحاشى القضاء على السيادة المصرية، وإن الجنود المصريين يعملون في ظل العلم المصري ~~لا الإنجليزي، ولا ترفع الراية البريطانية إلا على دور السلطة العسكرية البريطانية، وفيما ~~عدا هذا ترفع الراية المصرية الخاصة. ولو أني أردت أن أجيبك على سؤالك جوابا لا يخرج على ~~مدلول الألفاظ المحدودة لقلت إنه لم ينضو جندي مصري تحت الألوية البريطانية، ولكنه يكون ~~بيانا ناقصا ولا مراء؛ إذ إنه في فبراير سنة 1915 عند هجوم الجيش التركي على مصر، اشتركت ~~فرقة من المدفعية المصرية مع القوات البريطانية في الدفاع عن خط قناة السويس، وكان هجوم ~~العدو قبل هذه الفرقة التي أدارت مدافعها بمهارة وكفاءة فساعدت على رد العدو. وفي اعتقادي ~~أن الخسائر كانت اثنين من القتلى وستة من الجرحى، ولم تشترك في العمل خلال الحرب أية قوة ~~مصرية أخرى مسلحة، ولكن في الأدوار الأخيرة من الحرب قامت ثلاث فرق مصرية أو أربع بحراسة ~~خطوط المواصلات في سيناء، بينما كان الجنرال اللنبي يغزو سوريا، وحدث كذلك أن فصيلة مصرية ~~كانت ببلاد الحجاز ms039 في وقت من الأوقات، لكن هذه القوات جميعها لم تتعرض لنيران القتال. ~~وفضلا عن ذلك قد ضم عدد كبير من المصريين إلى فرقة العمال الملحقة بالقوات البريطانية، ~~وكانوا يستخدمون لمدة قصيرة بين ثلاثة أشهر وستة، وقد قاموا لقوات الجنرال اللنبي ~~بالأعمال اليدوية التي لا تستدعي خبرة فنية، وبهذه الصفة كان ما أدوه من الخدمات عظيم ~~القيمة؛ لأنهم أتاحوا لعدد من الجنود الإنجليز أن يكونوا في خط القتال، ولولا ذلك ~~لاستخدموا في ساقة الجيش، ولست أستطيع أن أذكر عدد هؤلاء الرجال الذين ألحقوا بفرقة ~~العمال، ولكنهم بلغوا في بعض الأوقات من ثمانين إلى تسعين ألفا، وكان بعضهم يستهدفون ~~للنار، وهم يحفرون الخنادق وينقلون المؤن والذخائر بمقربة من خط القتال، فأصابهم بعض ~~الخسائر. وليس في وسعي أن أقول كم تبلغ هذه الخسائر على وجه التحقيق، ولكني أعتقد أنها تبلغ ~~في الجملة ألفا وخمسمائة بين قتيل وجريح في خلال سنوات الحرب الأربع.» # وعلى الرغم من محاولة السبك والدقة في ظاهرة هذا البيان، يرى القارئ أنه قابل لمخالفة ~~الواقع في عدة مواضع؛ لأن وصول العدد في الفوج الواحد من العمال إلى تسعين ألفا لا يمنع ~~أنهم يبلغون المليون، ويتجاوزونه في جميع الأفواج؛ ولأن إحصاء القتلى والجرحى بألف وخمسمائة ~~على وجه غير «وجه التحقيق» قد يفتح الباب لبلوغهم أضعاف ذلك على وجه التحقيق، إلا أن مستر ~~«فولك» لم يتوان في الرد على هذا البيان بعد مراجعة الوفد في باريس، فكتب إلى وزير ~~الخارجية بواشنطن خطابا يلفت فيه النظر إلى العبارة التي وردت في سياق كلام المستر «رونالد ~~لندسي» عن تحاشي المساس بالسيادة المصرية؛ لكيلا يشق على الحكومة الأمريكية الاعتراف ~~باستقلال مصر عند بحث معاهدة الصلح في مجلس الأمة، وكتب إلى رئيس لجنة الشئون الخارجية ~~خطابا آخر ضمنه رد رئيس الوفد على بيان السفارة الإنجليزية وفيه: # إن مليونا ومائتي ألف مصري جندوا لفرقة العمال، وإن الجيش المصري نفسه ~~قاتل على قناة السويس وفي شبه جزيرة سيناء وفي الحجاز، وحارب علي بن دينار في ~~السودان، وإن خسائر ms040 عظيمة نزلت بفرقة العمال وعلى الأخص من فتك الأمراض. # واستند مستر «فولك» إلى عبارة «السيادة المصرية»، فطلب توكيد الإخلاص في المقصود منها ~~بتصريح رسمي من الحكومة البريطانية تعلن فيه موعد الجلاء، وتفوض إلى عصبة الأمم - بعد ~~تأليفها - تقرير مركز مصر، وتتخلى عن كل معارضة في تمثيل الدولة المصرية عند الدول ~~الأجنبية، وعن كل معارضة في سفر وكلاء الأمة المصرية إلى الولايات المتحدة. # ولم تزل المسألة المصرية تتردد على ألسنة الأعضاء بمجلس الشيوخ تارة من حزب الحكومة، ~~وتارة من حزب المعارضة، حتى التفت إليها كثيرون ممن لا يسمعون بها، ووجدت الصحف مسوغا ~~لنشر الأخبار عنها وقبول المناقشة فيها، وأيقنت الحكومة البريطانية أن اطراد الدعوة على ~~هذا المنوال كاف لإقلاقها وتوقع المتاعب التي قد تضر بمصالحها كما تمس سمعتها، وإن لم ~~تعقبها نتيجة حاسمة في موقف الحكومة الأمريكية. # أما الدعوة في باريس، فقد كانت تنقطع حينا وتتصل حينا، ويثابر الوفد أكثر الأحيان على ~~خطة الدعوة الشعبية؛ لأنه علم أن النجاح فيها أقرب من النجاح في مخاطبة الحكومات ~~والوزراء، وطفق على الجملة يراسل المجالس النيابية وأقطاب الساسة وكبار الأدباء، ويكتب ~~إلى الصحف، ويلقى من ذوي الكلمة المسموعة من تيسر له لقاؤه، ويجدد الاحتجاج والبيان كلما ~~تجددت لذلك مناسبة من توقيع اتفاق أو عرض معاهدة أو وصول وفد أو غير ذلك، فجرى ذكر الحماية ~~البريطانية على مصر في أكثر من مجلس من المجالس الأوروبية على نحو لا يبلغ في القوة ~~والإفاضة ما جرى في الولايات المتحدة، ولكنه مع ضعفه واقتضابه أقلق الحكومة البريطانية، ~~وزاد مخاوفها من التمادي فيه إلى أن يدرك المصريون شأن الدعاية ونفاذ سلاحها تمام الإدراك. ~~ولعل أكبر ما حدث من دعوة الوفد خلال هذه الفترة وليمته في ثاني أغسطس في فندق كلاردج ~~بباريس، وهي الوليمة التي خطب فيها وزير سابق للبحرية الفرنسية وحضرها الكاتب المشهور فكتور ~~مرجريت، وتليت فيها كلمة من أناتول فرانس، وأجاب الدعوة إليها عدا هؤلاء بعض الشيوخ ~~والنواب والصحفيين من أمم كثيرة. # هذه الحركة التي كانت تؤذن بالاستفاضة ms041 والاتفاق على تعاقب الأيام قد أفهمت الساسة ~~الإنجليز أن «التجاهل» سياسة لا تفيد إلى زمن بعيد، وأنه لا بد من «شيء» تعمله في هذه ~~الحالة غير الاستخفاف الظاهر وطول البال، ولكنها لم تقصد إلى إرضاء المصريين بمقدار ما قصدت ~~إلى الخلاص من الوفد، وتفريق شمله بين الآراء المتضاربة والمذاهب المتعارضة؛ فعجلت بإيفاد ~~لجنة التحقيق برآسة اللورد ملنر إلى القطر المصري لسؤال المصريين عن مطالبهم وتقرير نظام ~~الحكم الذي يحكمون به في ظل الحماية، ودعاها إلى التعجيل بإرسالها غير ما تقدم سببان ~~آخران: «أحدهما» أن رؤساء الوفد في القاهرة أعلنوا العزم على مقاطعتها إذا هي حضرت في تلك ~~الظروف؛ لأن اللجنة تريد المفاوضة على أساس الحماية، وتستفتي البلاد وهي في قبضة الأحكام ~~العرفية، وتدعي لحكومتها الحق في نظر الشكايات المصرية كأنها صاحبة السيادة على ~~البلاد. # وقد شعر محمد سعيد باشا - رئيس الوزارة يومئذ - بإجماع الأمة على مقاطعة اللجنة، فنصح ~~للورد اللنبي بإرجاء إرسالها انتظارا للفراغ من عقد معاهدة الصلح مع الحكومة التركية، ~~ووضوح مركز مصر السياسي من حيث علاقتها بالدولة البريطانية، فلم يشأ اللورد اللنبي أن يصغي ~~إلى هذه النصيحة مخافة أن يتهم بالضعف والتراجع أمام صيحة المقاطعة من اللجان ~~الوفدية. # والسبب الآخر الذي دعا إلى تعجيل الحكومة البريطانية بإيفاد اللجنة في تلك الآونة أنها ~~علمت ببوادر التفكك التي أصابت بعض أعضاء الوفد في باريس، وقد عاد فعلا بعض هؤلاء الأعضاء ~~إلى الإسكندرية في الثاني عشر من شهر أغسطس، وهم: إسماعيل صدقي باشا وحسين واصف باشا ومحمود ~~أبو النصر بك، وأذاعت لجنة الوفد في السادس والعشرين منه أن علي شعراوي باشا قادم لأعمال ~~خاصة بإذن من رئيس الوفد وزملائه، وعاد قبل ذلك آخرون لأسباب من هذا القبيل؛ فحسبت الحكومة ~~البريطانية أن الفرصة سانحة للفصل بين الوفد والأمة أو لتمزيق شمل الوفد، وتشجيع ~~المترددين من أعضائه على تركه، ورجح عندها هذا الحسبان أنها علمت بما شاع عن آراء الأعضاء ~~العائدين، وأنهم يتشككون في نجاح مسعى الوفد لإشفاقهم من مهاجمة الحكومة البريطانية بالدعوة ms042 ~~الأجنبية، وإيثارهم أن تكون الدعوة في إنجلترا، وعلى رضى من رجالها الرسميين؛ فطمعت في ~~توسيع مسافة الخلف وبث الغواية من طريق اللجنة الملنرية، وما عسى أن تشير به من تحويل ~~النظم والمناصب، وتقريب الآمال والرغائب. # الفصل السادس # | من سفر الوفد إلى لجنة ملنر # استدعت الحكومة البريطانية السير «ريجنالد ونجت» توطئة لإقالته من منصبه في دار الحماية، ~~وهو الرجل الذي أحسن لها النصيحة، وأشار عليها بقبول سفر الوزيرين المصريين إلى العاصمة ~~البريطانية، وعادت هي إلى رأيه بعد فوات الأوان. # واستبدلت به المارشال اللنبي فاتح القدس؛ لأنها حسبت أنها تروع المصريين بهيبته العسكرية، ~~وهو خطأ غريب في تقدير الحالة وجمود على أساليب التخويف الدارجة بغير معنى؛ لأن مظاهر ~~الهيبة العسكرية والسطوة الحربية كانت كثيرة على مسمع ومبصر من المصريين أثناء الحرب ~~العظمى، لا يرون في بلادهم من الحكم الإنجليزي إلا المدافع والدبابات والجنود تغدو وتروح في ~~الحواضر والقرى بعشرات الألوف، فإذا كانوا قد ثاروا وهم على هذه الحالة، وجاءت ثورتهم على ~~أعقاب انتصار الدولة البريطانية في الحرب العظمى، فما كانت الثورة إذن لأنهم كانوا في حاجة ~~إلى مذكرة بالهيبة العسكرية والسطوة الحربية، وما كان اسم المارشال اللنبي عندهم إلا كاسم ~~كل قائد في الميادين البعيدة أو القريبة؛ بل هم كانوا يسمعون بغيره من قيادة الميادين ~~البعيدة سنوات قبل أن يسمعوا به في غزوة فلسطين. # جاء المارشال اللنبي إلى مصر وهو يقدر أن الرهبة من اسمه فوق كل كلام وتفكير، وأنه لا خوف ~~إذن من اتهامه بالضعف إذا هو تواضع إلى سماع الشكايات ومخاطبة الشعب بلسان رجاله؛ فخاطب ~~المصريين باسم الشيوخ ورجال الدين، كما خاطبهم باسم الوزراء والكبراء، وصدرت النصيحة ~~المطلوبة من هؤلاء وهؤلاء يحضونهم على السكينة والاستقرار وانتظار ما يقضي به ولاة الأمور، ~~فلم يكن لهم من أثر كبير ولا صغير؛ لأن الشعب لم يفهم من نصائحهم إلا أنهم مضطرون، أو أنهم ~~متهمون في إخلاصهم إن لم يكونوا مضطرين. # وقد وقفنا بالقارئ من حوادث الثورة المصرية وأحوال الحكومة في مصر على استقالة ms043 الوزارة ~~الرشدية لرفض الحكومة البريطانية سفر الدولة إلى أوروبا. # فلما سافر الوفد عادت الوزارة الرشدية في التاسع من أبريل، ولكنها لم تلبث قليلا حتى ~~استقالت؛ لأنها شعرت بالحرج من مطالب الضباط والموظفين، وهي معبرة عن مطالب المصريين ~~أجمعين. فطلب الضباط الوطنيون أن تسند الحراسة إليهم؛ لأن إسناد الحراسة في الميادين العامة ~~إلى أناس لا يفقهون لغة البلاد ولا يعرفون عاداتها كثيرا ما جر إلى إزهاق الأرواح بغير ~~موجب حتى من وجهة النظر البريطانية، كما حدث حين أطلق الرصاص على المصلين الخارجين من ~~المسجد، أو على المتظاهرين ابتهاجا بالإفراج عن الزعماء. # وألف الموظفون لجنة من اثنين وثلاثين عضوا لمخاطبة الوزارة في المطالب السياسية التي ~~لا يتعرض لها الضباط، وهي التصريح بصفة الوفد الرسمية، وأن قبول الوزارة الحكم لا يفيد ~~الاعتراف بالحماية، والإفراج عن المعتقلين مع إبطال الأحكام العرفية. # وجاءت الوفود تترى إلى ديوان الوزارة تعزز هذه المطالب وتلح في قبولها، وعم إضراب ~~الموظفين وأصحاب الأعمال الحرة انتظارا لتحقيقها؛ فاستقالت الوزارة ولما ينقض عليها ~~أسبوعان؛ لتعذر التوفيق بين مطالب الشعب والموظفين وإرادة السلطة العسكرية. # وقد أنذر القائد العام الموظفين بالفصل إن لم يعودوا إلى دواوينهم، وتوعدهم بالمحاكمة ~~العسكرية إن حرضوا على الإضراب، فعاد منهم فريق وقبضت السلطة العسكرية على زعمائهم الذين ~~لم يعودوا في الموعد المحدد. # وفي الحادي والعشرين من أبريل ألف محمد سعيد باشا الوزارة، وصرح لمندوبي الصحف يوم ~~تأليفها «أنها وزارة إدارية» لا تبت في شيء له مساس بمركز مصر السياسي ... وليست لها صبغة ~~سياسية؛ لأن المسألة المصرية لم يبت فيها بعد في مؤتمر الصلح، وأنها ستجتهد في استدعاء ~~الجمعية التشريعية وإلغاء الأحكام الاستثنائية، ومنها قانون المطبوعات. # ولقد كان محمد سعيد باشا رئيس هذه الوزارة رجلا داهيا يحب - بما استطاع من دهائه - أن ~~يجمع بين قضاء أغراضه واستبقاء سمعة سياسية يلبس لها لبوسها في كل مجال وعند كل فرصة. وكانت ~~العلاقة بينه وبين سعد باشا علاقة فتور وجفاء منذ كانا في الوزارة معا، ثم وقع بينهما ما ~~وقع من الخلاف ms044 الشديد في الجمعية التشريعية، ولهذا حاول سعيد باشا أن يجمع وفدا ثانيا إلى ~~جانب الوفد السعدي؛ لينازعه قيادة الأمة والدفاع عن القضية، معتمدا في أول الأمر على ~~الأمير عمر طوسون وأفراد من بقايا الحزب الوطني، ثم أحس نفور الأمة من هذا المسعى وصدود ~~الأمير عمر عن متابعته؛ فتراجع وظل يرقب الأحوال إلى أن عرضت عليه الوزارة فقبلها، ~~واخترع صيغة الوزارة الإدارية، وحيلة تأجيل الوزارات السياسية إلى ما بعد عقد الصلح، وأبرم ~~معاهداته مع الدول المحاربة ومع الدولة التركية على الخصوص؛ لأنه رأى في ذلك مخلصا من جميع ~~الجوانب. # فهو - بهذه الحيلة - يريح نفسه من المطالب السياسية، ولا يصادم الأمة في أمل من آمالها، ~~ثم هو يستبقي دعوة الحزب الوطني إلى وقت الحاجة؛ لأنه الحزب الذي يعتمد على حقوق السيادة ~~التركية في دعوته الوطنية، ثم هو يدفع لجنة التحقيق البريطانية بهذه الحجة إلى أقصى أمد ~~ميسور حتى إذا جاءت بعد اعتراف الدولة التركية بالحماية البريطانية - كما كان منظورا بين ~~جميع العارفين - استطاع أن يسوس الأمر بغير مشقة مع أمة أشرفت على اليأس ونفضت يديها من ~~جميع الدول، ووفد بدا فشله للأمة ... وحزب وطني لم يبق له ما يتعلل به من السيادة التركية، ~~ولكن بقى له من المنافسة للوفد ما يحفزه لحربه، ويطمعه في الغلبة عليه، وقد ظهرت للأمة ~~هزيمته وإخفاقه. # وأقبل سعيد - بمثل هذا الدهاء - على علاج المشكلات التي خلفتها الحماية والثورة لوزارته، ~~فاجتهد في إقناع الإنجليز بتحويل قضايا الوطنيين من المحاكم العسكرية إلى المحاكم الأهلية؛ ~~فاقتنعوا لأنهم يضمنون من صداقته لهم وإخلاصه في النصح أنه على الأقل عدو الوفد المصري ~~ورئيسه. # وتشفع في تخفيف بعض الأحكام الصارمة فقبلت شفاعته، ورفع شيئا من الضغط على الصحافة ~~والخطابة، واستمال إليه الموظفين بإغداق العلاوات عليهم، وزيادة مرتباتهم حتى بلغت ~~مثيلها. # غير أن الناس كانوا يستريبون بنياته، وينظرون إلى هذه الأعمال كأنها مخدرات ترمي إلى ~~تهدئة النفوس وإضعاف الحركة الوطنية؛ فأوغرت من صدور الناس عليه أكثر مما جذبتهم إليه، ونقم ~~الغلاة منه قبول الوزارة ms045 وتهيئة الخواطر للرضى بالحالة القائمة، فثار بعضهم عليه ورماه ~~أحدهم بقنبلة لم تصبه، وبلغ من كياسة الرجل أنه ذهب إلى المحكمة يؤدي شهادته، فطلب الرحمة ~~بالمعتدي عليه؛ لأنه إنما اجترح فعلته بدافع من عقيدة خاطئة غلبته على صوابه. # واستمرت العلاقات بينه وبين المارشال اللنبي على وفاق إلى أن اختلفا على مسألة لجنة ملنر، ~~ذلك الاختلاف النموذجي لكل اختلاف بين تفكير العسكري وتفكير الوزير المحنك من المدرسة ~~التركية؛ فاللورد اللنبي يرى أن امتعاض المصريين من قدوم اللجنة إلى بلادهم سبب كاف ~~لتعجيل قدومها! وأن إقناع المصريين بأن عواطفهم ومطالبهم لا حساب لها ولا اكتراث بها هو ~~المقدمة الصالحة لمجيء اللجنة التي كانت مهمتها الأولى إرضاء تلك العواطف والبحث عن تلك ~~المطالب! فإكراه الناس على قبول الأوامر هو المهم في السياسة العسكرية سواء نجحت اللجنة أو ~~لم تنجح، وعلى اللجنة وعلى المصريين بعد ذلك العفاء. # ورئيس الوزارة يرى - كما علمنا مما سلف - ألا تحضر اللجنة قبل الفراغ من حل القضية ~~المصرية بين الدولة العثمانية - صاحبة السيادة - والدولة البريطانية؛ وهو رأي له قيمته من ~~الدهاء والحصافة، ولكن لا قيمة له إلى جانب الأوامر العسكرية! وقد اختلف القائد والوزير، ~~فلا محيص إذن من أن يستقيل الوزير. # استقال سعيد باشا وخلفه يوسف وهبة باشا في الحادي والعشرين من نوفمبر، فجرى على «السنة ~~الإدارية» التي استنها سلفه، والتزم الحيدة مع اللجنة المقبلة، فلم يتخذ له موقفا معها أو ~~عليها. ولكنه لم يستطع أن يمنع بعض الرؤساء الإنجليز من تكوين حزب مصطنع من المنبوذين وطلاب ~~المنافع الذين لا خلاق لهم، أسماه «الحزب المستقل الحر»، وأعده للقاء اللجنة ومداراة ~~المقاطعة الإجماعية التي ستلقاها، ولم يفلح في هذه المحاولة على الرغم مما بذل فيها من ~~المصروفات السرية والغوايات المختلفة. # أما اللجنة التي تفاقم حولها هذا الخلاف، فقد وصلت في السابع من ديسمبر وهي محوطة بسوء ~~الطالع من كل مطلع. وكانت ممثلة لجميع الأحزاب الإنجليزية، ومؤلفة من رجال قديرين مشهود ~~لهم بمعرفة الشئون المصرية والمسائل السياسية عامة، وهم: اللورد ملنر ms046 وزير المستعمرات، ~~والسير رنل رود سفير إنجلترا السابق في روما، والقائد السير جون مكسويل الذي كان بمصر في ~~أوائل الحرب العظمى، والسير أوين توماس الخبير بمسائل الري، والمستر سبندر الكاتب الصحفي ~~المعروف، والسير سسل هرست الحجة في القانون الدولي، ومعظمهم ممن عرفوا مصر بالخبرة ~~والاطلاع. # لكنهم حضروا والفشل يسبقهم، والصدور موغرة بما توالى على الناس من دواعي الكراهية ~~والنفور، ووظيفة رئيسهم توحي إلى الناس أنه سيجعل مصر إحدى المستعمرات البريطانية. # وقبل أن ينقضي على اللجنة أسبوعان أو نحو أسبوعين، سرى في مصر نبأ الفرار الذي اعتمده ~~نواب الولايات المتحدة، وهو رفض المعاهدة التي وقعها الرئيس ويلسون، فبدلا من أن تجيء ~~اللجنة وتركيا معترفة بالمعاهدات - كما كان يريد محمد سعيد - جاءت الولايات المتحدة - وهي ~~قبلة أنظار العالم في ذلك العهد - تنقضها وتفتح الرجاء لإبطالها وتحقيق آمال الشعوب ~~المخذولة فيها. # وما استقرت اللجنة أياما حتى أحست أنها في حصار محكم من المقاطعة الإجماعية لا يتخلله ~~منفذ إلى لقاء أحد يجديها لقاؤه، ورأى اللورد ملنر من روح الوطنية المصرية غير ما كان يعهده ~~في أيامه السالفة بمصر كما قال لبعض أصحابه؛ فلجأ إلى الملاينة والمصانعة، وحاول أن يفسر ~~غرض اللجنة تفسيرا يحافظ به على الحدود التي رسمتها الحكومة البريطانية، ويجتنب في ظاهره ~~الكلمات المثيرة التي تنفر المصريين وأخصها ذكر الحماية، فنشر على الناس في التاسع ~~والعشرين من ديسمبر بيانا قال فيه: # أدهش اللجنة البريطانية الاعتقاد الشائع بأن الغرض من مجيئها هو حرمان مصر من ~~الحقوق التي كانت لها إلى الآن، ولا أساس على الإطلاق لهذا الاعتقاد؛ فإن اللجنة ~~أوفدت من قبل الحكومة البريطانية بموافقة البرلمان البريطاني لأجل التوفيق بين ~~أماني الأمة المصرية والمصالح الخاصة لبريطانيا العظمى في مصر، مع المحافظة على ~~الحقوق المشروعة التي لجميع الأجانب القاطنين في البلاد. ونحن على يقين من أنه يمكن ~~الوصول إلى هذا الغرض مع توافر حسن النية بين الجانبين، واللجنة ترغب رغبة صادقة في ~~أن تكون العلاقات بين بريطانيا العظمى ومصر قائمة على اتفاق ودي يزيل أسباب ms047 ~~الاحتكاك، ويمكن الأمة المصرية من صرف كل مجهوداتها إلى ترقية شئون البلاد في ظل ~~أنظمة دستورية # Self-governing Institutions # وتنفيذا لهذه المهمة تريد اللجنة أن تقف على كل الآراء، سواء صدرت من هيئات ~~نيابية أو أشخاص يهتمون اهتماما صادقا بخير بلادهم، ويمكن إبداء كل رأي بحرية ~~وصراحة، ولا رغبة للجنة في تقيد حدود المناقشة، كما أنه لا يخشى أي فرد أن ~~تعتبر مقابلته للجنة تنازلا منه عن معتقداته؛ فإنه لا يعد متنازلا عن معتقداته ~~بمفاوضة اللجنة إلا كما تعد هي متنازلة بسماعها، وبغير الصراحة التامة في المناقشة ~~يصعب وضع حد لسوء التفاهم والوصول إلى الاتفاق. # ويلاحظ القارئ أن اللجنة ترجمت العبارة الإنجليزية # Self-governing # بالأنظمة الدستورية، وهي ترجمة غير ~~دقيقة، صححناها في صحيفة الأهرام يومئذ بترجمتها الحرفية، وهي أنظمة «حكم ذاتي». # ولوحظ هذا الاختلاف في الترجمة فكان له شأن في اختلاف الرأي بين خطة سعد وخطة عدلي ~~وأصحابه بمصر حيال اللجنة. فقد قال عدلي في خطاب له إلى سعد مكتوب في التاسع والعشرين من ~~يناير: # رأينا قبل عمل أي شيء أن نعجل بالكتابة لتوضيح نقطة هامة ~~كان لها بحق أثر كبير في قراركم الذي اتخذتموه، وهذه النقطة هي ما فهمتموه من أن ~~بلاغ اللجنة ضيق للغاية من المناقشة فجعلها «وضع نظام حكومي في حدود الحكم الذاتي»؛ ~~مما جعلكم تعتقدون أنه مع هذا التحديد لا تنتقل المسألة المصرية من مركزها، فلا ~~ترتفع به الحماية بل تتأكد، والواقع أنه حصلت بيننا وبين اللورد ملنر مناقشة في هذا ~~الموضوع، وأكد لنا أن النص الإنجليزي ليس معناه الحكم الذاتي الذي يعبر عنه ب # Self-governing ~~، بل معناه الحكومة الدستورية، ~~وأن الغرض من ذكر هذه العبارة في البلاغ بيان أن الحكومة الإنجليزية لا يصح أن ~~ترتبط بمعاهدة حكومة لا تكون ذات نظام دستوري، وكذلك كانت الترجمة العربية الرسمية ~~وفق هذا التفسير، ولولا هذا لكانت أحاديثنا مبنية على غير أساس، ولما جاز لنا أن ~~ننقلها إليكم، ونستنتج منها ما استنتجناه. # والقرار الذي اتخذه سعد، وأشار إليه عدلي في الخطاب ms048 المتقدم هو قراره الذي نشره في بلاغ ~~بعث به إلى مصر عقب نشر اللجنة بيانها، وقال فيه ما نصه: # يحاول الأقوياء بجميع الوسائل أن يأخذوا منكم رضاه بحمايتهم؛ ليزدادوا قوة ~~ويزيدوكم ضعفا، فلا تنخدعوا إذا وعدوكم، ولا تخافوا إذا هددوكم، واثبتوا على ~~التمسك بحقكم في الاستقلال التام؛ فهو أمضى سلاح في أيديكم وأقوى حجة لكم، فإن لم ~~تفعلوا - وليس في قوة إيمانكم الوطني ما يجعل احتمالا لذلك - خذلتم نصراءكم، ~~وأهنتم شهداءكم، وحقرتم ماضيكم، وأنكرتم حاضركم، ومددتم للرق أعناقكم، وحنيتم ~~للذل ظهوركم، وأنزلتم بأمتكم ذلا لا يرفع منه عز، وإن تفعلوا - كما هو أكبر ظني ~~في عظم إخلاصكم ومتين اتحادكم وقوة وطنيتكم - فقد استبقيتم لأنفسكم قوة الحق، ~~وأعددتم لنصرتكم قوة العدل، فلا تذلوا وإن قهرتم، ولا تخشوا وإن ظلمتم، ولا بد من ~~يوم يعلو فيه حقكم على باطل غيركم، وينتصر فيه عدل الله على ظلم خصومكم، وتتحقق ~~بإذن الله الإله القدير آمالي وآمالكم في الاستقلال التام. # وصل هذا البلاغ إلى مصر، ونشر في صحفها عند منتصف يناير، وكانت لجنة الوفد المركزية قد ~~أعلنت بلاغا في معناه عقيب صدور البيان المتقدم من لجنة ملنر، وتعاقب على أثره صدور ~~البلاغات في هذا المعنى من ذوي الشأن والرأي في مقدمتهم الأمراء والعلماء، وأيقنت اللجنة - ~~لجنة ملنر - أن لا رجاء في الاتصال بينها وبين الأمة المصرية على قاعدة البيان الجديد؛ لأن ~~هذا البيان لم يغير من الأمر شيئا، ولأن الأمة لا ترى لها مصلحة في تجاهل وفدها النائب ~~عنها في قضيتها، كما ترى السياسة الإنجليزية المصلحة في هذا التجاهل أو هذا التفريق بين ~~الأمة ودعاتها؛ فلم يعد للجنة مناص من السفر أو من القناعة بما عندهم من وسيلة لاستطلاع ~~الآراء هنا وهناك، وزيارة بعض أعضائها لبعض أصحابهم الذين كانوا يعرفونهم من سراة المصريين ~~في القاهرة أو الريف، وشاع بين أبناء الريف أن أعضاء اللجنة الملنرية يطوفون البلاد خفية؛ ~~فأصبحوا يستريبون بكل سؤال يلقيه عليهم أجنبي غير معروف، ورويت في ذلك أحاديث شتى تدخل في ~~باب ms049 الملح والطرائف، ولكنها تدل في الوقت نفسه على الجد في كراهة الحماية وحب الاستقلال ~~والوفاء لزعيم الوفد والحذر من حيل الاستعمار؛ فكان الفلاح الساذج إذا سأله أجنبي لا ~~يعرفه: أين الطريق؟ بدر إلى ذهنه أنه عضو من أعضاء اللجنة يتخفى لاختلاس الآراء والأجوبة ~~بغير علم الوفد، فأجابه على الفور: عليك بسعد في باريس يخبرك أين الطريق، وإذا سأله: هل لك ~~أولاد؟ أو سأله: كم أجرك في اليوم؟ لم يزد على أن يحيله إلى سعد في باريس فهو أعلم بالجواب! ~~ولا يبعد أن يكون أعضاء اللجنة الذين اختلفوا إلى الأقاليم قد صادفوا شيئا من هذه الأجوبة، ~~وعرفوا من دلالتها السياسية ما هو أدل وأجلى مما كانوا يقصدونه بالتحقيق والسؤال. # ولا ينبغي أن ننسى أناسا من الداعين إلى مقاطعة اللجنة قد تشعبت بواعثهم ونياتهم، فلم ~~يكونوا جميعا على نية الأمة في تأييد الوفد ورعاية حق نيابته، أو صون كرامته على مهانة ~~التجاهل الذي قصدته الحكومة البريطانية، فكان ممن اتخذوا المقاطعة أناس اتخذوها إحباطا لكل ~~مفاوضة يجريها الوفد في الحاضر والمستقبل، ومنهم خصوم له كانوا يرضون باليسير في حل القضية ~~المصرية، ولا يطمعون في استقلال تام ولا ناقص، ولكنهم يصطنعون الغلو ويؤثرون التصعيب ~~وتوسيع المسافة بين طرفي الاتفاق؛ لاعتقادهم أن كل شرط يوضع للمفاوضة المقبلة إنما هو عقبة ~~في طريق الوفد دون غيره من الرجال الرسميين، فإن هؤلاء الرجال الرسميين لا يلقون أكثر ~~اعتمادهم على قوة الحكومة، ومن ورائها قوة الاحتلال. # أما الوزراء الذين كانوا معروفين يومئذ باسم أصدقاء الوفد - وهم رشدي وعدلي وثروت - فقد ~~أخذوا بالحيطة فلم يغضبوا الوفد ولم يغضبوا اللجنة، وكتبوا في السابع من يناير خطابا إلى ~~سعد يقترحون فيه عليه أن يعود هو وأصحابه إلى القاهرة لمفاوضة ملنر بعد الوعود التي أفضى ~~بها إليهم، ولا تخرج عن معنى البيان المتقدم، فلما أجاب الوفد بامتناع ذلك لأن بيان ملنر ~~يحصر الغرض من المفاوضة في الحكم الذاتي، أجابوه بما أسلفنا من تفسير كلمة «الحكم الذاتي»، ~~كما جاءت في الصيغة الإنجليزية، وقالوا: ms050 إن اللورد ملنر لا يرى مانعا من دخول الوفد ~~المفاوضة على أساس الاستقلال التام، وإن كان هو لا يستطيع الجهر بهذا الأساس، ولا يزال يرجو ~~بعد تمام المفاوضة أن يحسن «للرأي العام الإنجليزي» قبول ما ليس يقبله الآن. # وقد بسط سعد تفصيل رأيه في بيان رد به على التقرير الذي جاءه من لجنة الوفد المركزية ~~مع علي ماهر بك، وفيه يقول بتاريخ الحادي والعشرين من يناير: ~~... إننا لم نجد في بلاغ ملنر شيئا يخالف التصريحات السابقة عليه إلا خلوه من لفظ ~~الحماية وحسن أسلوبه. أما في الجوهر فقد وجدناه متفقا معها تمام الاتفاق؛ إذ هو ~~مثلها يعتبر مصر تابعة لإنجلترا، ولجنة ملنر لجنة تحقيق، موقف المصريين معها موقف ~~المجيب من المستجوب، وغاية أبحاثها الوصول إلى وضع نظام حكومي في دائرة الحكم ~~الذاتي، ونحن لا نعترف بشيء من ذلك؛ فلا تبعية لإنجلترا علينا، ولا نعرف لهذه ~~اللجنة سلطة التحقيق في بلادنا، والغاية التي نسعى إليها هي التمتع بجميع حقنا في ~~الاستقلال التام، نعم! إن هذا البلاغ وسع مجال المناقشة، ولكنه ضيق الغاية ~~منها؛ فجعلها وضع نظام حكومي في حدود الحكم الذاتي؛ وبذلك هدم بيد ما بناه باليد ~~الأخرى، وزاد أن اشترط لنفسه حرية العمل، وهو تحديد الغاية الذي لا ينقل المسألة من ~~مركزها، فلا ترتفع به حماية بل تتأكد، ولا يتم به استقلال بل يقل، ولا يفيد إلا ~~شيئا واحدا هو تسهيل مأمورية التحقيق على اللجنة، وما كان للمصريين أن يعرفوا لها ~~هذه الصفة وألا يسهلوا لها هذه المأمورية. وأكبر ما تعطيه أو تشير بإعطائه أقل من ~~حقهم بكثير. زد على ذلك أنها جاءتهم رغم أنوفهم وضد إجماعهم بأن استعملت كل وسائل ~~الشدة معهم تمهيدا لوصولها، وشكلت وزارة لم يرض الرأي العام بها. # إن عودة الوفد أو بعض أعضائه على أثر هذا البلاغ لم يخطر ببالنا للاعتبارات ~~السالف ذكرها، ولأن الإنجليز لا يتأخرون أن يتخذوا منها حجة على فوز سياستهم، ~~ويبنون عليها كثيرا من الأقوال التي ينشرونها لتضليل الرأي العام في ms051 أوروبا عموما ~~وإنجلترا خصوصا. ربما كان يسهل علينا أن نتعرض لمثل هذا الخطر، ونعجل لهم ذلك ~~الفوز لو أنهم وعدونا بشيء في مقابلته وعدا صريحا يصح الاعتماد عليه. ولكنهم لم ~~يفعلوا، وليس لنا أن نتوهم أنهم سيفعلونه بعد عودتنا على غير وعد سابق. لو أنهم مع ~~توسيع مجال المناقشة أطلقوا الغاية منها لصح لنا أن نتعشم أن نقنعهم بالبرهان ~~الصادق والحجة الدامغة بصحة مطالبنا، ولكنهم حددوها بما دون ما نطلب حتى في ذلك ~~البلاغ الذي نشروه بقصد استرضائنا؛ فكان مثلهم في ذلك مثل بعض القوانين الألمانية ~~القديمة التي كانت تقضي بسماع الشهود بعد الحكم في الدعوى؛ ولهذا رأينا أن العودة ~~ارتكانا على البلاغ المذكور لا تكون إلا عبثا مقرونا بالخفة والمخاطرة. ويصح ~~للإنجليز وغيرهم أن يقولوا إنه كفى أن يغير شكل التصريح، وأن يؤتى ببعض العبارات ~~الطلية في أن تغير الأمة المصرية بتمامها خطتها نحو اللجنة، فتخرج من مقاطعتها ~~إلى المفاوضة معها. كلا! إننا لم نبلغ هذا الحد من البساطة والسذاجة؛ إن المسألة ~~أكبر بكثير من أن يكون لاختلاف الصور والأشكال تأثير فيها. # إننا نقبل العودة للمفاوضة على شرط أن تكون بين متعادلين في حقوق المناقشة وطرفين ~~كل منهما يمثل أمة، وأن يكون الغرض منها الوصول إلى عقد معاهدة تضمن لمصر ~~استقلالها التام ولإنجلترا مصالحها التي لا تتعارض مع هذا الاستقلال التام، وأن ~~تعترف الدول بهذه المعاهدة وتسجل في عصبة الأمم. فإذا صرح الإنجليز بذلك رسميا ~~هنالك لا نتأخر عن العودة لمباشرة المفاوضة متى ألغيت الأحكام العرفية، وضمنت لنا ~~العودة لمباشرة أعمالنا عندما نريد. أما المفاوضة في أوروبا فنحن مستعدون لها مع ~~لجنة ملنر أو غيرها ما دامت المناقشة لا يترتب على الدخول فيها الالتزام بشيء ما. ~~وما دام أن العبرة بما يتم عليه الاتفاق في حدود التفويض لنا، فإذا كان الإنجليز ~~يرغبون حقيقة في ودنا وفي بناء علاقاتهم على الاتفاق معنا، فلا شيء أسهل عليهم ~~من اتباع إحدى هاتين الطريقتين للوصول إلى الغاية. وهم لا بد أن يفهموا أن ms052 الأمة ~~المصرية وصلت من اليقظة والانتباه ومعرفة حقوقها إلى درجة لا تركن معها إلى ~~الأقوال، ولا تعتمد فيها إلا على الأعمال، ولا ترضى عن استقلالها التام بديلا. ~~نعم! إن في قوتهم إرغامها على النظام الذي يريدون وضعه فيها، وقد لا يبعد عليهم ~~أن يحملوا كل الدول على الاعتراف بحمايتهم علينا، ولكن حقنا لا يضيع بهذا الإرغام ~~ولا بهذا الاعتراف، بل يبقى ثابتا، ونبقى مستمرين على المطالبة به والسعي للحصول ~~عليه، وإذا لم يكن في الحكومات الأجنبية الآن من يمد يد المساعدة إلينا، ففي شعوبها ~~كثير من الأحرار يعطفون علينا وينتصرون لقضيتنا بأقلامهم وخطبهم، وما يدرينا أن ~~يظهر غدا المساعد لنا؟! وللزمان تقلبات تجعل الحليف عدوا والعدو حليفا. # ولا يصح أن نسقط من حسابنا اتساع ملك بريطانيا وتباعد أطرافه، واضطراب الأحوال ~~في ممتلكاتها وجوارها، وانتشار المبادئ الديمقراطية في العالم عموما وفيها خصوصا، ~~وتهديد حزب العمال لحكوماتها بالاستيلاء عليها وقربه من هذه الغاية يوما فيوما، ~~كما تؤيده الانتخابات الجزئية والاعتصابات التي كثر تواليها في هذه الأيام. كل هذا ~~يجعلنا ألا نغامر بحقنا، وأن نبقى متشددين في التمسك به ومقاطعين للجنة التي حضرت ~~رغم أنوفنا لحملنا على الرضاء بإنقاصه حتى تعود خائبة؛ فيعلم الإنجليز وتعلم الأمة ~~والعالم معها أن مصر متحدة تمام الاتحاد على الوصول إلى استقلالها التام، وأن ~~إرادتها على ما تكره مخالف لشرف الوعود التي بذلتها إنجلترا، ومناقض للعهود التي ~~سجلتها، وغير منطبق على المبادئ التي قبلتها، ومكدر على الدوام لسلمها ومقلق ~~لراحتها، وأن خير سياسة تتبعها هي أن تبر بوعدها، وتتخذ من مصر حليفة صادقة لها ~~لا تابعة نافرة منها تترقب الفرص دائما للخروج عليها، وتفضل الموت على الاستسلام ~~لها ... # هذا بيان مفصل برأي سعد في احتمالات الحالة من جميع أطرافها، ومنه نعلم لماذا كان على ~~خلاف رأي الوزراء «الأصدقاء» في العودة إلى القاهرة لمفاوضة ملنر، ونعلم أنه لم يكن يرفض ~~المفاوضة إذا جرت في أوروبا؛ لأنها لا تكون هناك بمثابة تحقيق تجريه الدولة المتبوعة في ~~بلاد رعاياها فضلا عما ms053 فيها من اعتراف اللجنة بوكالة الوفد عن الشعب المصري، وهي لا تجهل ~~نصوص ذلك التوكيل ولا مطالب الشعب المحدودة فيه. # وبديه أن الوزراء «الأصدقاء» لم يكونوا لينتظروا لهم «دورا» يقومون به قبل تمام ~~المفاوضة بين الوفد ولجنة ملنر وانتهائها إلى صيغة محدودة يتفق عليها الطرفان، أو يظهر منها ~~على الأقل مبلغ استعداد الإنجليز لإجابة المطالب الوطنية، فأما قبل ذلك فليس في وسع الوزراء ~~أن يفاوضوا اللجنة في تفصيلات الاتفاق بمعزل عن إجماع الأمة وموقف الوفد بباريس ولجنته ~~المركزية بالقاهرة في وقت واحد، ولو أنهم أقدموا على هذه المفاوضة العقيمة لخسروا الجانبين ~~معا وأخفقوا في تقرير الاتفاق المطلوب لا محالة، ورجعوا وحدهم بتبعة الفشل أمام الأمة. ~~وأما الإنجليز، فهم لم يخطئوا في تقديرهم أن المفاوضة بين الوفد ولجنة ملنر لا بد أن ~~تسبق كل «دور» يقومون به في هذه المرحلة؛ ومن ثم اجتهدوا في إقناع سعد بالحضور إلى مصر ~~أو إيفاد من ينوب عنه لمفاوضة اللجنة، وكانوا متعجلين - ولا شك - فيما اقترحوه؛ لأنه اقتراح ~~أقل ما فيه أن يدل اللجنة الملنرية على تهافت المصريين وتراميهم على هذه الفرصة المدخولة ~~ترامي المناضل الذي استنفد موارده الأخيرة وقنع بالتعلل والمغالطة، وليس في شيء من هذا ما ~~يغري اللجنة بالتوسع في إجابة المطالب المصرية، أو يرجح عندها أن تتوقع رفضا لما تعرضه ~~أيا كان الحل المعروض، فلما تريث سعد ولم يقنعه تفسير العبارة الإنجليزية ذلك التفسير ~~الذي أسرع الوزراء إلى قبوله، دار الكلام في إيفاد رسول من قبل اللجنة إلى باريس لتمهيد ~~المقابلة بينها وبين الوفد بعد عودتها من القاهرة. # وقد دارت المناقشة بين عدلي وسعد في تفسير العبارة الإنجليزية وما احتوته من الإشارة ~~المزعومة إلى الأنظمة الدستورية، فأعرب سعد عن شكوكه في خطاب الحادي عشر من فبراير إلى عدلي ~~باشا إذ يقول: ~~... نعم! إن ترجمتكم العبارة الإنجليزية # Self-governing # بالحكومة الدستورية هي الأصح، ~~ولكن صحة هذه الترجمة في نفسها لا تحمل على تعديل قرارنا؛ لأن هناك أسبابا أخرى ~~غيرها، ولأن إيرادها في المكان الذي ms054 وردت فيه من البلاغ مع عدم اقتضاء المقام لها ~~بعد التصريح فيه بأن مأمورية اللجنة هي التي صورتها الحكومة ووافق عليها البرلمان ~~يوقع في الذهن بأن المقصود بها هو المعنى الذي فهمناه. والقول بأن القصد منها إنما ~~هو ألا يكون الاتفاق إلا مع حكومة دستورية، لا يتفق في ظاهره مع كون هذه العبارة ~~وردت على أنها نتيجة للتعاقد لا وسيلة له. ومع ذلك فإذا كان القصد منها هو كما يؤكد ~~جنابه من أن الحكومة الإنجليزية لا يصح أن ترتبط بمعاهدة إلا مع حكومة ذات نظام ~~دستوري؛ لزم قبل كل شيء وضع هذا النظام لتشكيل حكومة دستورية تكون أهلا للتعاقد ~~على تحديد العلاقات بين مصر وإنجلترا. # ومن هذا الخطاب نفهم أن سعدا لم يأخذ بالتفسير كما جاء في حديث ملنر مع الوزراء، ولكنه ~~أراد أن يستفيد من ملنر والوزراء على تفسيرهم بأن يمهد به لإنشاء الحياة النيابية وقيام ~~الحكومة الدستورية، ويجس النبض لاستطلاع ما هنالك من النيات والخطط المرسومة، فإن جاء ~~الدستور فذاك، وإن لم يجئ لسبب من الأسباب، فظهور ذلك السبب خير من كتمانه والمواربة ~~فيه. # قال سعد في خطابه المتقدم بعد ما أسلفناه: # ولا أخفي عليكم أن فكرة هذا النظام خطرت أول الأمر ببالنا على أنها الوسيلة ~~القانونية لحل المسألة؛ لذلك نحن نوافق كل الموافقة عليها بل نحبذها، والطريقة ~~المثلى للوصول إلى هذه الغاية في رأينا هي أن يبدأ بتأليف وزارة من غير أعضاء ~~الوفد موثوق بها، ويكون البروجرام الذي تعلنه هذه الوزارة هو وضع ذلك النظام، ثم ~~المفاوضة مع الحكومة الإنجليزية بغرض الوصول إلى وضع اتفاق يضمن استقلال مصر التام ~~ومصالح إنجلترا الخصوصية، ثم عرض ما تنتهي المفاوضة إليه على الهيئة النيابية التي ~~تتألف بموجب ذلك النظام للتصديق. ومتى تم تشكيل الوزارة على هذا النحو، وأعلنت ~~بروجرامها على هذه الصيغة أو بما في معناها، لا نتردد نحن وزملاؤنا في العودة إلى ~~مصر لمساعدتكم على القيام بمهمتكم لدى الأمة، والسعي في أن تنتخب أعضاء لهذه ~~الهيئة. إذا تم لكم ms055 أن تفعلوا ذلك خدمتم بلادكم أجل خدمة، وخلدتم لكم في التاريخ ~~أحسن الذكرى. # وزاد الموضوع تفصيلا بخطاب في اليوم التالي (12 فبراير) قال فيه: # إن الطريقة التي عرضناها فيما كتبناه لكم هي في اعتبارنا أمثل طريقة لحل العقدة ~~الحاضرة؛ لأنه من الطبيعي أن تجرى مفاوضة مع هيئة رسمية موثوق بها خصوصا من ~~الأمة، وأن يصدق على ما تنتهي المفاوضة إليه من النواب الذين تختارهم لهذه الغاية، ~~وهي تقرب في ظننا من التي يظهر أن اللورد ملنر يدلي بها في محادثاته معكم، وفيما ~~أكد لكم من المقصود بالعبارة الإنجليزية السابقة التي أوردها في بلاغه، إن لم تكن ~~هي بذاتها؛ ولهذا يغلب على ظننا أنه يهش لها ويعمل على تنفيذها، ولا يصعب عليه أن ~~يتضمن بروجرامكم عبارة الاستقلال التي أوضحناها فيما كتبناه لكم؛ لأنها لا تربط ~~غيركم، وهي فوق ذلك ضرورية جدا حتى لا تقابلكم الأمة بالنفور الذي تلاقي به كل ~~وزارة، لا يكون السعي إلى هذه الغاية أول قصدها وأكبر همها، نعم! إن فيها مشقة ~~عظيمة لكم ومسئولية كبرى عليكم، ولكنها ليست فوق همتكم، وأنتم أهل لتحمل كل هذه ~~المسئولية في خدمة بلادكم، والوفد مستعد لأن يعمل ما في وسعه لتسهيلها عليكم؛ ~~ولهذا يرى أن يكون أعضاؤه خارجين عن هيئتكم حتى لا يساء الظن في نزاهتكم، وتبقى ~~الثقة فيهم يستعينون بها في تأييدكم وتمهيد الطريق أمامكم. وبعد أن تتألف الهيئة ~~الجديدة تحت رئاستكم وتعلن بروجرامها، لا يترددون في العودة ليكونوا قريبين منكم ~~يعملون في تنوير الأفهام وصيانة الرأي العام من خطرات الأوهام، التي لا يقصد ذوو ~~الأغراض الفاسدة من بثها فيه وتسليطها عليه إلا ترويجا لمقاصدهم الفاسدة وتحصيلا ~~لمصالحهم الباطلة، ولا يهمنا فيمن تختارونهم لمعاونتكم إلا أن يكونوا محلا لثقتكم ~~وأهلا لأن يتضامنوا معكم في تحمل تلك المسئولية الكبرى. # وقد أجاب عدلي بخطاب في الخامس والعشرين من فبراير قال فيه: # نعم، إننا على رأيكم من أن وجود هيئة وزارة تعمل على تحقيق الأماني القومية ~~وتثق بها الأمة في ذلك من أهم ms056 الأمور، وربما كانت الوسيلة القانونية الوحيدة للحصول ~~على الغاية التي ننشدها، ولكننا نرى أيضا أنه لا يصح أن تستأثر هذه الهيئة ~~بالمفاوضة وحدها وبوضع النظام الدستوري للبلاد، بل يجب أن يكون هذا بالاشتراك مع ~~الوفد، وطريقة العمل في ذلك أن تعلن الوزارة حين تشكيلها أن برنامجها هو السعي ~~للوصول إلى اتفاق يوفق بين استقلال مصر والمصالح الإنجليزية والأجنبية، ووضع ~~مشروع نظام دستوري للبلاد، ثم تعهد المفوضة لهيئة تضم بعضا من أعضاء الوزارة، ~~وبعضا من أعضاء الوفد. # بعد هذه الرسائل المتبادلة بين سعد وعدلي انجلت سياسة سعد وسياسة الوزارة «الأصدقاء» مع ~~لجنة ملنر، بل انجلت سياسة كل من الفريقين مع الفريق الآخر، وأصبح في وسع الناظر إلى ما ~~وراء الظواهر أن يلمس النيات التي توحي إلى كل فريق بسياسته ومقترحاته. # فسعد يريد حلا للقضية المصرية لا مغالطة فيه، ويريد أن يترك للوزارة «الأصدقاء» ما هو ~~للوزراء ويبقي للزعامة ما هو للزعامة؛ فليس عنده ما يمنع أن تفاوض الوزارة الصديقة ~~الإنجليز متى ضمن سلامة المفاوضة وعرض النتيجة على الأمة. وهو لا يريد أن تسيطر الحكومة على ~~الرأي العام وتعرض الوفد للانقسام؛ لأنها إذا أدت عملها مستقلة به بقي للوفد عمل آخر عند ~~عرض النتيجة على الهيئة النيابية المماثلة للأمة، ولا بأس في أن يقوم به يومئذ متفقا مع ~~الوزارة؛ لأن المرجع في جميع ذلك إلى ميدان الانتخاب الذي يجوز لأعضاء الوزارة كما يجوز ~~لأعضاء الوفد أن ينزلوا إليه. # أما سياسة عدلي فهي قبول الوزارة مع التزام الخطة التي جرى عليها هو وزملاؤه من مبدأ ~~الحركة الوطنية، وهي خط الانتفاع بنفوذ سعد والاحتراس منه في وقت واحد، أو هي إشراك الوفد ~~في التبعة حذرا من رقابته وتعقيبه إذا استقل الوزراء بالمفاوضة والاتفاق على القضية ~~العامة! وهذه سياسة هي أدنى إلى العداوة منها إلى الصداقة وخلوص النية؛ فهم لا يريدون أن ~~يدعوا سعدا حرا في عمل واحد، ولا يعنيهم إلا أن يشركوه معهم في التبعة، ويسوقوه حيث ~~انساقوا، ويقطعوا عليه سبيل التعقيب والملاحظة، ويقدموه ms057 أمامهم خطوة خطوة ليحموا ظهورهم ~~ويحفظوا لأنفسهم طريق الرجعة. وكلما استطاعوا أن يهونوا عليه قبول ما قبلوه أسرعوا إلى ~~محاولة إقناعه؛ لأنهم لا يخسرون شيئا وإنما هو الخاسر عند الجمهور إن قبل! بل لعلهم ~~يكسبون أن يقنعوا الناس كما أقنعوا أنفسهم بأنهم كانوا على صواب في قبول الحماية، وأن ~~الأمة لن تنال بالثورة أو بغير الثورة وبالزعامة أو بغير الزعامة أكثر مما قبلوه. # فحسنوا لسعد أن يعود إلى مصر ويرضى بمغالطة نفسه ومغالطة الأمة في الألفاظ التي لا تسمح ~~بالمغالطة، ثم حسنوا له أن يشترك بفريق من أعضاء الوفد في هيئة المفاوضة ليدخلوه في التبعة ~~وهم قابضون على زمام الحكومة، ومن قبل ذلك رحبوا في أيام الحرب العظمى بدخوله معهم في ~~الوزارة ليعترف بالحماية كما اعترفوا بها، ونظروا في ذلك إلى أنفسهم غير ناظرين إلى البلد ~~الذي كان يجوز أن يهيب بسعد أو يهيب سعد به إلى بلوغ ما لم يبلغوا من استقلال وحرية، وأبوا ~~بعد الهدنة أن يسافروا إلا إذا سافر هو يوم جاءهم الإذن بالسفر إلى العاصمة البريطانية، وكل ~~ما صنعوه بعد ذلك في مفاوضات ملنر وكرزون مطرد مع هذه الغاية ومنبعث من هذه النية، وهي أن ~~يقاسموا سعدا في كل ما يدركه، وأن يشركوه معهم في كل ما وقعوا فيه، وألا يتركوه حرا في ~~فرصة من الفرص ليطلب فوق ما طلبوه، وينال فوق ما عسى أن ينالوه. # وهي خطة حافظ الوزراء «الأصدقاء» عليها أدق محافظة، ولن يتأتى لهم أن يتبعوها على نمط ~~واحد بغير تفاهم وممالأة، ولن يقع التفاهم عليها مع الصداقة وخلوص النية، وسواء حسنت ~~نتائجها أو ساءت فهذا الذي قصدوه بما بذلوا من مساعدة أو نصيحة، وعلى حسب هذا القصد يكال ~~لهم العذر أو الملام. # وقفت مسألة الوزارة التي دار الكلام عليها في الرسائل السابقة؛ لأن اللورد ملنر لم ~~يستحسنها عندما فاتحه عدلي فيها، وتعلل بقوله: «إن الفكرة لا بأس بها، ولكني لا أرى من ~~المصلحة تغيير الوزارة الآن؛ لأنه إذا شكلت وزارة مهمتها المفاوضة ms058 فربما اعترض هذه صعوبات ~~يكون من نتائجها سقوط الوزارة، على أن أعضاءها - وهم الذين سيكون عليهم المعول في إدارة ~~البلاد - يجب ألا يكونوا عرضة للتخلي عن خدمة البلاد بمجرد إشكال يمكن أن يحل فيما ~~بعد.» # فقال عدلي: «لم يبق إذن سوى حل واحد، وهو أن تتفاوضوا مع الوفد.» # وحوالي هذا الوقت ختمت لجنة ملنر أعمالها في مصر، وأصدرت في السادس من شهر مارس بيانا ~~رسميا قالت فيه: إنها أنجزت بحوثها، وأجلت عملها الباقي إلى أن تجتمع بلندن بعد عيد ~~الفصح لتحضير تقريرها. وذهب رئيسها في رحلة إلى فلسطين مكث فيها نحو أسبوعين، ثم عاد إلى ~~الإسكندرية في السادس والعشرين، وقفل منها إلى بلاده. أما الحالة في الفترة التي قضتها ~~اللجنة بمصر فخلاصتها أنها أسفرت عن إخفاق السياسة البريطانية في التفرقة بين الوفد والأمة، ~~وعن نجاح الحركة الوطنية في زعزعة الحماية التي كان الضعفاء يحسبونها قضاء مبرما لا يدفعه ~~دافع، ولاح من كلام الصحف المشهورة بنزعتها الاستعمارية عقب رجوع لجنة ملنر من مصر أن ~~الحكومة البريطانية لم تجد بدا من التفكير في إلغاء الحماية، فصرح بعضها - ومنها الديلي ~~ميل - بما يفيد تلك النية. # ولقد لمست الأمة المصرية قوة إجماعها بيديها في أيام اللجنة الملنرية، وشعرت باستقلالها ~~حقيقة ماثلة في ضميرها وإن جحدته المظاهر الرسمية؛ فصمدت على التفاؤل والاطمئنان إلى ~~المستقبل غير حافلة بما بدا من ضعف الأعضاء الوفديين الذين تراجعوا على أثر ما اصطدموا به ~~من اعتراف الدول جميعا بالحماية، وأعان المصريين على تحدي هذا الإجماع أنهم رأوا مؤتمرا ~~كالمؤتمر الأمريكي يرفض معاهدة فرساي؛ فشعروا بأن إجماع الدول على توقيعها ليس بالسد المنيع ~~الذي يستعصى اختراقه، ويحق عليهم اليأس من تداعيه يوما بعد يوم، كلما تبدلت أطوار الشعوب ~~وعلاقات الحكومات. # وظل النفور مستحكما بين الحكام العسكريين والأمة المصرية في إبان زيارة اللجنة الملنرية، ~~وكأنما كان يهم هؤلاء الحكام العسكريين أن يوقعوا في أخلاد المصريين أن حضور اللجنة إلى ~~هذا البلد لا يعني أن الدولة البريطانية تبالي بشعورهم، وتكترث لرفضهم أو قبولهم، ms059 فدأبوا ~~على الغطرسة والعناد. ولولا قليل من الحرية في نشر بعض الآراء لظلت الحالة كما كانت عليه ~~قبل حضور اللجنة بلا اختلاف. # وزاد الجو اكفهرارا لجاج حكومة السودان في مشروعات الري والزراعة، وهي المشروعات التي ~~ترمي إلى بناء خزان على النيل الأزرق وخزان آخر على النيل الأبيض، واستدراج الحكومة المصرية ~~إلى القيام بتكاليف هذه المشروعات ليستفيد منها أصحاب الأموال في إنجلترا، ويستعينوا بها ~~على إصلاح الأرضين الواسعة وزرع القطن الذي يزاحم قطن مصر، ولا ينتفع به أهل السودان؛ فبلغ ~~الحنق من هذه المشروعات أقصاه، وساء تأويل كل ما يقال وكل ما يراد في هذا الباب، وتعرضت ~~حياة وزيرين مصريين من رجال الهندسة والري - وهما إسماعيل سري باشا ومحمد شفيق باشا - للخطر ~~من جراء البحث فيها؛ إذ ألقى بعض الشبان على كل منهما قنبلة في طريقه، واتفقت الحادثتان ~~معا في أثناء زيارة اللجنة الملنرية، فدلتا على اكفهرار الجو أثناء زيارتهما أيما ~~اكفهرار. # الفصل السابع # | المفاوضة في لندن # بعد أخذ ورد قبل عدلي باشا أن يقدم موعد سفره إلى باريس إجابة لطلب سعد في ~~العشرين من شهر مارس. # ولم تكن هذه الدعوة ابتغاء الوساطة في لقاء بين الوفد واللجنة كما أشاع بعضهم في تلك ~~الأيام؛ فقد كان ملنر في الشرق حتى ذلك اليوم، وكان محتملا أن يمر بباريس عند عودته خلال ~~ذلك الأسبوع، قبل ذهاب عدلي إلى باريس على أي تقدير. # وإنما دعاه سعد؛ لأنه أراد أن يعرف بالمحادثة ما لا يعرف بالمراسلة، وأن يطلع على ~~الحقيقة قبل أن يبت بالرأي الحاسم في مسألة اللجنة، عن يقين لا تشوبه الظنون. # وهنا بدرت من عدلي بادرة جديدة من البوادر التي لا تني تدل على نيات الوزراء «الأصدقاء» ~~فيما يتخذون من علاقة بسعد خاصة وبالوفد عامة، فلما أبرق سعد إلى عدلي يرجوه «تقديم موعد ~~حضوره إلى باريس بقدر المستطاع» كان هم عدلي الأول أن يتمسك على سعد وعلى الوفد بوثيقة ~~مفصلة قبل أن يجيب هذه الدعوة! فأبرق إليه يقول إنه «قبل تعيين ميعاد السفر ms060 يكون سعيدا لو ~~تسلم خطابا تفصيليا منكم». وليس هذا مسلك تعاون خاص، ولكنه مسلك تقييد بالأسانيد ~~المكتوبة، قد يكون فيه مصلحة لعدلي ولكن، لا مصلحة فيه للقضية المصرية، ولا للمساعي ~~المنتظرة في المستقبل. # فإن القضية المصرية لا تستفيد من وثيقة يبسط فيها الوفد أغراضه المفصلة قبل الاطلاع على ~~فحوى الحالة كلها من محادثة عدلي والموازنة بين المعلومات الأخرى. # لقد كان عدلي ينتظر من الوفد خطابا «مفصلا»، يكشف فيه نياته نحو اللجنة ونحو مستقبل ~~المفاوضة إن كانت هناك مفاوضة. فأي مصلحة وطنية في كشف هذه النيات؟! ولماذا هذا الحرص على ~~تقييد الوفد بخطة مفصلة قبل تعيين موعد السفر؟! ليس في ذلك إلا أنه دليل على بواطن السرائر ~~وعلى الفرق بين مسلك المعاونة الخالصة ومسلك التمسك بالوثائق والقيود كما يتمسك ~~الخصوم. # وغني عن القول أن سعدا لم يجب هذا الطلب الغريب، ولكنه كرر الرجاء على عدلي ~~بالإسراع في السفر «لتبادل الآراء». # فبرح الإسكندرية في السادس عشر من أبريل، ووصل إلى باريس في الثاني والعشرين منه، وفي هذا ~~دليل على أن الغرض الأول من دعوته لم يكن هو السعي في تدبير مصادفة للقاء بين الوفد وأعضاء ~~اللجنة الملنرية في أثناء اجتيازهم بالعاصمة الفرنسية، وإنما كان الغرض الأكبر منه استيفاء ~~المعلومات التي ينبني عليها رسم الخطة التالية بعد تجربة اللجنة في البلاد المصرية. # أما اللورد ملنر فقد عاد من مصر، وهو يعتقد أن مفاوضة الوفد أمر لا محيص منه قبل تقرير ~~النظام الذي يوصي الحكومة البريطانية باتباعه؛ لأنه إذا فرض نظامه فرضا على الأمة المصرية ~~قابلته لا محالة بالنفور والمقاومة، وضاعت المنح التي لعله يوصي بها هدرا في تيار هذه ~~المقاومة، فلا هو احتفظ بها للمساومة والأخذ والعطاء، ولا هو أرضى الأمة المصرية، ولا هو ~~جرى على سنة تقرير المصير التي يهم الدولة البريطانية أن تجري عليها بعد شيوعها على الألسنة ~~في أثناء مؤتمر الصلح، والتحدث بمبادئ الرئيس ويلسون، وقيام عصبة الأمم الجديدة بما لها من ~~حق الإشراف على الوصاية والانتداب وما إليهما من ms061 العلاقات بين الدول القوية والأمم التي لا ~~تملك استقلاها وسيادتها. وخير للحكومة البريطانية أن تعامل مصر على أساس التعاهد والاتفاق ~~من أن تحسبها غنيمة مملوكة تدخل في حساب المقايضات والمنافسات بين الدول الاستعمارية؛ فإن ~~معاملة مصر على هذا الأساس تخرج بها من حساب المقايضات والمنافسات بين الدول الاستعمارية، ~~وتحفظ لبريطانيا العظمى سمعة الديمقراطية وحسن العلاقة بينها وبين الشعوب العزلاء المطالبة ~~بحقوق الحرية. # ورأى اللورد ملنر أنه لو أهمل الوفد المصري كل الإهمال، ومضى في وضع تقريره بغير اكتراث ~~به ولا رجوع إليه، لأوجب على الوفد خطة المقاومة، وعلى الأمة أن تجاريه في هذه الخطة، ~~وقطع الرجاء في أعضائه المعتدلين والمتطرفين على السواء، فلا ينشط منهم أحد - بعد إهمالهم ~~أجمعين - لترويج المقترحات المعروضة على الأمة وجلب الأنصار إليها ولو وافقته تلك ~~المقترحات. # ثم ما العمل في الوزارة التي تبرم المعاهدة وتستفتي فيها الأمة؟! أيؤلفها الإنجليز من ~~المنبوذين الذين لا مطمع لهم في أنصار كثيرين أو قليلين؟! إن فعلوا ذلك فرفض المعاهدة محقق ~~بغير جدوى، وقد يجر ذلك إلى مجافاة «الوزراء الأصدقاء» أيضا وإلجائهم مختارين أو غير ~~مختارين إلى مسايرة الوفد والإجماع، والوقوف من المقترحات موقف المعارضة أو الإعراض. # أما إن كان الإنجليز يؤلفون الوزارة من عدلي ورشدي وأصحابهما، فهل يرجو اللورد ملنر منهما ~~أن يقبلا تأليفها بمعزل عن الوفد كله دون أن يطمعا في تأييده أو تأييد فريق من أعضائه؟! ~~إنهما لا يقدمان على ذلك كما يعلم اللورد ملنر، وخير ما يرجوه أن ينتظرا حتى تكون هناك ~~مفاوضات مع الوفد، ويكون هناك أمل في استمالة بعض الأعضاء الموافقين على المقترحات، فهما ~~يقدمان حينئذ على تأليف الوزارة بتأييد من أولئك الأعضاء. # فكل عمل كان يعمله ملنر قبل مفاوضة الوفد عبث: # عبث أن يلقي إلى الأمة بمقترحات يقاطعها الوفد بالإجماع، وهو معذور لديها ولدى جميع ~~المنصفين. # وعبث أن يسلم المقترحات إلى وزارة منبوذة تجني عليها من الخطوة الأولى. # وعبث أن يطمع في قيام وزارة عدلية تناصب الوفد العداء ولا تعتمد من أعضائه على ms062 ~~أحد. # فمفاوضة الوفد هي الطريق الوحيد الذي لا طريق غيره، وعلى هذه العزيمة عاد ملنر من القاهرة ~~بغير جدال؛ فلا اعتداد بما قيل يؤمئذ عن وساطة الوسطاء وكياسة الأكياس الذين جذبوا اللورد ~~ملنر إلى مفاوضة الوفد على غير قصد منه ولا ارتياح، ولا يزالون ينقذون سعدا من الورطات ~~كلما احتاج الأمر إلى وساطة أو كياسة! # غير أن اللورد ملنر يعلم أن سعدا يرفض المفاوضة مع لجنة يقال إنها لجنة تحقيق تبحث عن ~~شكايات المصريين وتنظر في تنظيم الحماية، ولكنه يفاوضها على اعتباره وكيلا عن الأمة، يطلب ~~لها الاستقلال التام ويسعى في إلغاء الحماية. فلا بد من تمهيد يصحح الأمور، وينفي عن ~~المفاوضة صبغة الاعتراف بالحماية والخروج عند حدود التوكيل؛ ولهذا أوعزت الحكومة البريطانية ~~إلى أحد النواب أن يلقي سؤالا في نحو منتصف شهر مايو يقول فيه: «هل صحيح أن لجنة اللورد ~~ملنر قد ذهبت إلى مصر لتثبيت الحماية البريطانية عليها، ومن أجل ذلك كان معقولا أن يجفل ~~المصريون منها؟» فأجابه مستر بونارلو قائلا: «كلا! لم يكن هناك شيء من ذلك، ولكن اللجنة ~~قصدت إلى مصر؛ لتشير بأحسن النظم الصالحة لحكم البلاد.» # وفي تلك الجلسة بعينها ألقى مستر كنورثي سؤالا في هذا الموضوع فقال مستر بونارلو جوابا ~~عليه: # لو كان الممثلون المصريون على استعداد للمناقشة في الضمانات ~~المعقولة الكافية لصيانة المصالح البريطانية فيما يتعلق بقناة السويس والمصالح ~~التجارية والمالية مقابلة لوعد بريطانيا العظمى باحترام استقلال مصر، لكانوا ~~اغتنموا فرصة بلاغ اللورد ملنر الذي نص على إطلاق حدود ~~المناقشة. # وقد سأل المستر كنورثي بعد ذلك: «هل من الممكن مع هذا أن يفتح باب المناقشة من جديد ~~حتى يتيسر الوقوف على رأي هؤلاء السادة المصريين في الاتفاق الذي سيعقد بين ~~البلدين؟» # فقال مستر بونارلو: «إنني على يقين من أن كل مناقشة يكون وراءها نتيجة مرضية تقبل بلا ~~إبطاء، ولكن يجب أن تقدر الحكومة فائدة هذه المناقشة والنتائج التي تنتظر من ~~ورائها.» # وقابل سعد هذه التصريحات بما يناسبها، فقال لمراسل صحيفة الجورنال حين سأله ms063 في هذا الصدد: ~~«لا أنكر قيمة هذه التصريحات، ولا أنكر أن فيها ما يقرب المسافة بين وجهة النظر ~~الإنجليزية ووجهة النظر المصرية، على شريطة أن يصاحبها ما يجعلنا نترقب لها نتائج فعلية، ~~ومن الصعب مع هذا أن يعرف الآن ما تراه مصر في هذه التصريحات؛ إذ يجب ألا يغرب عن الذهن ~~أن إنجلترا عدلت أخيرا - بمحض إرادتها وبغير استشارتنا - نظام وراثة العرش بمصر، وليس ~~هذا بخير السبل للتقريب بين البلدين بأواصر الثقة والمودة، وإنما تكسب مودة المصريين وثقتهم ~~بالاعتراف باستقلالهم والكف عن التعرض لخاصة شئونهم.» # ثم قال سعد: «إنه لا يوافق مستر بونارلو على قوله: إن المصريين ضيعوا فرصة المناقشة مع ~~لورد ملنر.» وأضاف إلى ذلك أنهم لم يتلقوا دعوة من لورد ملنر للمفاوضة باعتبارهم ممثلين ~~للأمة المصرية، ثم سأله المراسل: هل هو استعداد للمفاوضة على أساس إعطاء الضمانات المعقولة ~~لمصالح إنجلترا في قناة السويس ومصالحها التجارية والمالية إذا هي وفت بعهودها؟ فقال: ~~«إننا مستعدون لإعطاء كل الضمانات المعقولة للتوفيق بين مصالح إنجلترا واستقلال مصر، ولا ~~نرفض الدخول في المفاوضات اللازمة باعتبارنا وكلاء الأمة المصرية إذا كان من وراء ذلك ~~الوصول إلى هذه النتيجة.» # وعقب ذلك بأيام وصل إلى باريس مستر سسل هيرست - أحد زملاء ملنر - لدعوة الوفد إلى ~~الاجتماع باللجنة في لندن للمناقشة في قواعد الاتفاق بين مصر وبريطانيا العظمى؛ ففضل ~~الوفد - كما جاء في رسالة سعد إلى لجنة الوفد المركزية بالقاهرة - أن ينيب عنه محمد محمود ~~باشا، وعبد العزيز فهمي بك، وعلي ماهر بك، في السفر إلى لندن لاستطلاع الحالة والتحقق من ~~استعداد بريطانيا العظمى نحو استقلال مصر، قبل الانتقال بهيئته الكاملة إلى العاصمة ~~الإنجليزية. وقد لقي هؤلاء الأعضاء اللورد ملنر فذكر لهم أن إنجلترا تعترف باستقلال مصر ~~التام إذا هي ضمنت مصالحها الخاصة وانتهت من المفاوضة إلى هذه النتيجة، فكتبوا إلى سعد بما ~~سمعوه، وشفعوا ذلك باستحسان حضور الوفد كله إلى لندن للبدء في المفاوضة، فلبى الدعوة وأبرق ~~إلى لجنة الوفد المركزية بالقاهرة يعلن للأمة اعتزام السفر ms064 في الخامس من شهر يونيو عسى أن ~~يصلوا بالمفاوضات إلى حل مرض «مستمدين القوة من اتحاد الأمة وحكمة أبنائها، والحجة من ~~وضوح الحق والمعونة من الله ناصر الضعفاء». # ولسنا نعرف مبلغ ما كان يرجوه سعد للقضية المصرية من وراء هذه المفاوضة، ولكنه لم يكن ~~مستطيعا أن يرفضها دون أن يعرض الوفد للانشقاق والتنازع، ويهيئ للمغرضين أسباب اتهامه ~~بتضييع الفرص وسوء السياسة، والخوف من مواجهة الحقيقة التي اضطلع بها دون أن يعتمد على ~~وسيلة أخرى مضمونة الفلاح والجدوى. وهو لو رفض المفاوضة مكتفيا بنشر الدعوة بين الشعوب ~~الأوروبية لم يعد هنالك من يلقي عليه اللوم ويبرئ بريطانيا العظمى من التهمة؛ لأنها مهدت ~~له سبيل التفاهم والمناقشة الحرة، فأعرض هو عنها وأشفق على نفسه وعلى أمته من مناقشتها ~~ومساجلتها! وفي وسعه أن يعود إلى نشر الدعوة متى احتاج إليها يوم ينجلي سوء النية من جانب ~~السياسة البريطانية، وينجلي عذر المصريين في رفض مفاوضتها بعد الاستجابة إليها، ولكن ليس في ~~وسعه أن يقنع الناس جميعا بإخفاق المفاوضة قبل الدخول فيها، ولا أن يمنع الفتنة أن تدب ~~دبيبها بين أعضاء الوفد، ومنهم من ود لو رجع سعد إلى القاهرة وقبل نصيحة «الوزراء ~~الأصدقاء»، حين زينوا له مفاوضة اللجنة الملنرية قبل رجوعها إلى بلادها، فإذا رفض ~~مفاوضتها في هذه المرة وأغلق باب المفاوضة إغلاقا لا رجعة فيه، فماذا ينتظرون؟! وعلام ~~يصبرون؟! # ومن العجز أن يتهم الإنسان نفسه ويتهم قومه بالخوف من المناقشة لإظهار حقهم وإثبات ~~مطالبهم، فإذا كان مقدرا للوفد أن يختلف، لا مناص، فخير للأمة المصرية ألا يختلف قبلها؛ ~~لأن الخلاف يومئذ يكون على أمور مذكورة مسطورة تظهر من ورائها النيات والدعاوى، ويسهل ~~الدفاع عنها وبيان وجه القوة والضعف في جانبيها، ولكن الخلاف قبل المفاوضة إنما تقوم به حجة ~~من يقبلونها وتسقط به حجة من يرفضونها، ويتاح لمن يشاء أن يتهم الرافضين بالعبث والتعنت ~~وإهمال الوسائل المعروضة، لأسباب مبهمة أو لغير سبب على الإطلاق. # وقد وازن سعد بين جميع الدواعي والموانع، فاستقر رأيه على ms065 إجابة الدعوة، واعتزم السفر، ~~ووصل إلى لندن في مساء الخامس من شهر يونيو ومعه زملاؤه. # فاستقبلهم المصريون هناك أحسن استقبال، وتمت المقابلة الأولى بينهم وبين لجنة ملنر في ~~اليوم السابع، فقام بالتعريف بين الفريقين عدلي باشا الذي كان قد سبق أعضاء الوفد إلى ~~العاصمة الإنجليزية. وبدأت المفاوضة في اليوم التاسع، فبسط اللورد ملنر غرض الحكومة ~~البريطانية منها، وهو عقد اتفاق ودي بين الأمتين الإنجليزية والمصرية تعترف فيه باستقلال ~~مصر، وتطمئن به إلى الضمانات الضرورية لمصالحها ومصالح الأجانب واستقرار النظام والسكينة، ~~ومن هذه الضمانات إقامة حامية عسكرية في أماكن يقررها الخبراء، وإبداء الرأي في التشريع ~~الذي يمس الأجانب إلى أن ينزلوا لبريطانيا العظمى عن امتيازاتهم التي تعود باستقلال البلاد، ~~وتوطيد حكومة ملكية دستورية ينص عليها في المعاهدة. # ثم دارت المناقشة بجلسة أخرى في مسألة المستشارين الإنجليز وغيرها من المسائل التي تلحق ~~بها، وكان وكلاء الوفد في جلسات المناقشة: رئيسه، ومحمد محمود باشا، وأحمد لطفي السيد بك، ~~ووكيلا اللجنة الملنرية: رئيسها، وسمرت رنل رود. ويحضر عدلي باشا الاجتماعات برضى من ~~الطرفين. # ولا نطيل في سرد التفصيلات؛ فالخلاصة أن البحث انتهى منتصف شهر يوليو إلى تدوين كلا ~~الطرفين مذكراته بما فهمه كلاهما من نتائج المناقشات السابقة؛ فاشتملت مذكرة اللجنة ~~الملنرية على ما يأتي: # أن تستبدل بالحالة الحاضرة معاهدة تحالف دائم بين بريطانيا العظمى ومصر يشترط فيها: # أولا: # تتعهد بريطانيا العظمى بضمان سلامة مصر واستقلالها باعتبارها ~~دولة ملكية ذات أنظمة دستورية. # ثانيا: # تتعهد مصر من جهتها بألا تعقد معاهدة سياسية ما مع دولة أخرى ~~بغير موافقة بريطانيا العظمى. # ثالثا: # نظرا للتبعة التي أخذتها بريطانيا العظمى على عاتقها في ~~المادة السابقة، ونظرا لما لبريطانيا العظمى من المصلحة الخاصة في ~~حماية المواصلات في أملاكها بالشرق والشرق الأقصى، تمنح مصر بريطانيا ~~حق إبقاء قوة عسكرية على الأرض المصرية وحماية مواصلات بريطانيا العظمى ~~مع تلك الأملاك. أما الموضع أو المواضع التي يعسكر فيها الجنود فتعين ~~في المعاهدة. # رابعا: # توافق مصر على تعيين مستشار مالي باتفاق مع حكومة جلالة ms066 الملك ~~تعهد إليه جميع السلطات التي لأعضاء صندوق الدين الآن لحماية حملة ~~الأسناد المصرية، ويكون تحت تصرف الحكومة المصرية لكل أمر آخر ترغب في ~~استشارته فيه. # خامسا: # تتعهد بريطانيا بمساعدة مصر في تحرير نفسها من القيود التي ~~تقيد حريتها في التشريع والإدارة بسبب الامتيازات والضمانات التي يتمتع ~~بها الأجانب في مصر، وأن تساعدها في إقامة نظام يكون من شأنه تطبيق ~~القانون المصري على المصريين والأجانب على حد ~~سواء. # سادسا: # نظرا لتخلي الدولة الأجنبية عن الامتيازات الخاصة التي يتمتع ~~بها رعاياها حتى الآن، ولضرورة تأمين تلك الدول على أن حقوق الأجانب ~~المشروعة ستحترم مع هذا، تمنح مصر بريطانيا العظمى حق التدخل بواسطة ~~معتمدها في مصر لتوقف تنفيذ أي قانون يخالف حقوق الأجانب المشروعة، أو ~~يخالف المتبع في البلاد المتمدنة، وإذا ادعت الحكومة المصرية في حالة ~~من الحالات أن حق التدخل هذا استخدم استخداما لا ينطبق على العقل، ~~فيصح عرض الأمر على عصبة الأمم. # سابعا: # يبقى نظام المحاكم المختلطة، أو أي نظام آخر مساو له يحل ~~محله، ويوسع بحيث يتناول القضايا الجنائية، وجميع القضايا الأخرى التي ~~تمس الأجانب في مصر. # ثامنا: # توافق مصر على تعيين موظف بريطاني في وزارة الحقانية بالاتفاق ~~مع حكومة جلالة الملك، يكون له مركز وسلطة تكفي لتمكينه من ضمان تنفيذ ~~القانون تنفيذا عادلا فيما له مساس بالأجانب. # تاسعا: # ترضى حكومة جلالة الملك بأن تأخذ على عاتقها تمثيل مصر في أية ~~دولة لا يعين فيها معتمد مصر، ولكن مصر لا تعهد بتمثيلها على هذا النحو ~~إلى أية دولة غير بريطانيا العظمى. # عاشرا: # تعترف الحكومة المصرية بأن لمركز المعتمد البريطاني في مصر صفة ~~خاصة، وأنه باعتباره ممثل دولة حليفة تكون له الأولوية على جميع ~~المعتمدين الآخرين. # حادي عشر: # يسوى مركز من عدا المذكور في المواد السابقة من الموظفين ~~البريطانيين والأجانب باتفاق خاص يعقد بين الحكومتين البريطانية ~~والمصرية يعد جزءا من الاتفاق الذي يعقد بينهما. # وظاهر من هذا المشروع أنه لم يخرج بمصر عن الحماية الصريحة في أضيق حدودها، وأن اللجنة ms067 ~~لم تتقرب به خطوة واحدة إلى موقف المصريين، ولم تزد على أن جمعت فيه ما تريده بريطانيا ~~العظمى بحذافيره إلى أقصى مداه، وليس فيه شيء يصح أن يقال إنه كان موضع تفاهم واتفاق بين ~~المندوبين الإنجليز والمندوبين المصريين؛ لأنه دون المطالب من جانب واحد، ولم يتزحزح فيها ~~قيد أنملة إلى جانب المطالب الأخرى. # أما مذكرة الوفد التي أرسلها بعد وصول هذه المذكرة إليه بيوم واحد، فقد لاحظ فيها الرغبة ~~الصحيحة في الاتفاق، ولم ينس حدود وكالته التي يجب عليه التزامها. وقد صدرها سعد بكتاب قال فيه: ~~... إني أبادر، فأعرض على فخامتكم طي هذا، مشروع اتفاق يحوي النقط التي جرت ~~المناقشة بشأنها في أحاديثنا، وهي النقط التي يلوح لي أنكم تقبلونها ... # ونحن نعتقد أن هذا المشروع - بالصفة التي هو عليها - من شأنه أن يرضي ~~الطرفين. فعلى هذه القواعد يمكننا أن نضع دعائم صداقة متينة، وتعاون عماده الإخلاص ~~بين الشعبين الإنجليزي والمصري. ومن المتفق عليه بيننا أن النقط التي لم تبحث بعد ~~تكون موضوع اتفاق يعقد فيما بعد. # ثم قال: # ولي الثقة التامة بأن أعمالنا التي توليتم رئاستها بتلك الكياسة، يمكن أن تنتهي ~~قريبا بحيث يتيسر لي السفر إلى شاتل وفيشي قبل فصل الخريف للاستشفاء الذي لا بد ~~منه لصحتي على ما يظهر. # وأتبع ذلك بالمذكرة، وهذه ترجمتها: # أولا: # تعترف بريطانيا العظمى باستقلال مصر، وتنتهي الحماية التي أعلنتها ~~بريطانيا العظمى على مصر والاحتلال العسكري البريطاني، وبهذا تسترد مصر ~~كامل سيادتها الداخلية والخارجية، وتؤلف دولة ملكية ذات نظام ~~دستوري. # ثانيا: # تسحب بريطانيا العظمى جنودها من الأرض المصرية في مدة، ابتداء من ~~وقت نفاذ المعاهدة الحالية. # ثالثا: # تتعهد الحكومة المصرية بأنها ~~عند استخدام حقها في الاستغناء عن خدمات الموظفين الإنجليز، تعامل هؤلاء ~~الموظفين المعاملة الممتازة التالية: فيما عدا الإقالة لبلوغ نهاية سن ~~الخدمة، أو عدم القدرة على العمل، أو الأحكام التأديبية، أو انتهاء مدة ~~التعاقد والاستخدام؛ يمنح الموظف الذي يقال من الخدمة تعويضا إضافيا ~~مقداره مرتب شهر عن كل سنة من سني خدمته. وتتناول ms068 هذه المعاملة الممتازة ~~الموظفين الذين يتركون خدمة الحكومة المصرية من تلقاء أنفسهم في بحر سنة من ~~نفاذ هذه المعاهدة. # رابعا: # لتخفيف وطأة نظام الامتيازات إلى حين إلغائها تقبل مصر أن تستخدم ~~بريطانيا باسم الدول حقوق الامتيازات التي لهذه الدول الآن، ويكون ذلك ~~بالصفة الآتية: ~~(أ) # تكون الإضافات والتعديلات في النظام القضائي المختلط ~~معلقة على موافقة بريطانيا العظمى. ~~(ب) # جميع القوانين الأخرى التي لا يمكن أن تسري الآن على ~~الأجانب المتمتعين بالامتيازات إلا بعد موافقة الدول، أو ~~مداولة الجمعية التشريعية للمحكمة المختلطة أو جمعيتها ~~العمومية، تصير نافذة عليهم بموجب قرار يسن لذلك، إلا إذا ~~عارضت الحكومة البريطانية في ذلك، وتبلغ هذه المعارضة لوزير ~~الخارجية المصرية في مدة، من نشر القرار في الجريدة الرسمية. ~~ولا تكون المعارضة إلا فيما يحتويه القانون من أمور لا مثيل ~~لها في أي تشريع من تشريعات الدول المتمتعة بالامتيازات، أو ~~إذا كان القانون خاصا بضرائب وكان في هذه الضرائب إجحاف ~~بالأجانب دون الوطنيين. # وفي حالة اختلاف الحكومتين على أحقية هذه المعارضة لمصر أن تعرض المسألة ~~على عصبة الأمم للبت فيها. # خامسا: # في حالة إلغاء محاكم القنصليات وإحالة النظر في الجرائم والجنح ~~التي يرتكبها الأجانب إلى المحاكم المختلطة توافق مصر على تعيين أحد رجال ~~القضاء البريطانيين في مركز النائب العام لدى المحاكم ~~المختلطة. # سادسا: # تقر الحكومة البريطانية بأنها على استعداد لأن تنظر الحكومة ~~المصرية بعد خمس عشرة سنة في مسألة إبطال تقييد سيادة الحكومة المصرية ~~الداخلية الناشئ من الامتيازات التشريعية والقضائية التي للأجانب، وتحفظ ~~مصر لنفسها الحق عند الاقتضاء في عرض هذه المسألة على عصبة الأمم بعد مضي ~~المدة المتقدمة. # سابعا: # في حالة إلغاء لجنة الدين العمومي تعين مصر موظفا ساميا، ~~تقترحه بريطانيا العظمى، وتكون له الاختصاصات الحالية التي للجنة الدين، ~~ويكون الموظف السامي المذكور تحت تصرف الحكومة المصرية لكل الاستشارات، أو ~~المهمات التي ترى تكليفه بها في المسائل المالية. # ثامنا: # للحكومة البريطانية - إذا ~~رأت ضرورة - أن تنشئ على نفقتها نقطة عسكرية على الضفة الآسيوية لقناة ~~السويس للاشتراك ms069 في دفع أي اعتداء أجنبي يحتمل حدوثه على القناة. وتعين ~~حدود هذه النقطة فيما بعد بواسطة لجنة من خبراء حربيين، يعين كل فريق ~~نصفهم. ومن المتفق عليه أن إقامة هذه النقطة لا يخول بريطانيا أي حق ~~للتدخل في شئون مصر، ولا يمكن أن يمس بأية حالة من الحالات حقوق السيادة ~~التي لمصر على المنطقة المذكورة التي تبقى خاضعة لسلطة مصر محكومة ~~بقوانينها، كما أن إقامة النقطة لا يقيد السلطات التي اعترف بها لمصر ~~بموجب اتفاق الآستانة المعقود في سنة 1888 خاصا بحرية قناة السويس. وبعد ~~مضي عشر سنوات من تاريخ سريان المعاهدة الحالية، يفحص الطرفان المتعاقدان ~~مسألة ما إذا كان يصح أن يترك لمصر وحدها تولي حماية القناة، وفي حالة ~~الخلاف تعرض المسألة على عصبة الأمم. # تاسعا: # في حالة ما إذا لم تجد مصر - التي لها الحق المطلق في تعيين سفراء ~~لها - ضرورة لتعيين ممثل سياسي مصري في أي بلد من البلدان، تعهد بالمصالح ~~المصرية في هذا البلد إلى ممثل بريطانيا العظمى الذي يتبع تعليمات وزير ~~الخارجية المصرية. # عاشرا: # يعقد الطرفان المتعاقدان بالعقد الحالي محالفة دفاعية للغايات ~~التالية: ~~(أ) # تتعهد بريطانيا العظمى بالمساعدة على الدفاع عن ~~الأراضي المصرية ضد كل اعتداء تقوم به دولة ~~أجنبية. ~~(ب) # في حالة وقوع اعتداء من دولة أوروبية على ~~الإمبراطورية البريطانية تتعهد مصر - ولو لم تكن سلامة أرضها ~~مهددة مباشرة - بأن تقدم لبريطانيا العظمى في أرضها تسهيلات ~~المواصلات والنقل لحاجتها الحربية، ويحدد اتفاق خاص طرق هذه ~~المساعدة. # حادي عشر: # تتعهد مصر أيضا بألا تعقد أية معاهدة تحالف مع دولة أخرى دون ~~اتفاق سابق مع بريطانيا العظمى. # ثاني عشر: # هذه المحالفة معقودة لمدة ثلاثين عاما يمكن للطرفين المتعاقدين ~~بعد انتهائها النظر في أمر تجديدها. # ثالث عشر: # تكون مسألة السودان موضوع اتفاق خاص. # رابع عشر: # جميع النصوص المخالفة للمواد الحالية والواردة في جميع المعاهدات ~~الأخرى خاصة بمصر تعتبر ملغاة وكأنها لم تكن. # خامس عشر: # تودع المعاهدة الحالية في مكتب عصبة الأمم لتسجيلها بها، وتقر ~~الحكومة البريطانية من ms070 الآن بأنها توافق فيما يختص بها على دخول مصر عصبة ~~الأمم دولة حرة مستقلة. # سادس عشر: # تصير المعاهدة الحالية سارية المفعول بمجرد تبادل عقود إبرامها بين ~~الطرفين المتعاقدين. # ويكون إبرامها فيما يختص بمصر على أثر إقرارها بواسطة جمعية قومية، تعقد ~~للاقتراع على الدستور المصري الجديد. # هذا هو مشروع الوفد كما لخصه في مذكراته، وظاهر منه - كما أسلفنا - أنه مشروع أناس ~~يجدون في طلب الوفاق ما استطاعوا، ولا يتلاعبون بالألفاظ في التقريب بين حقوق الاستقلال ~~ومصالح بريطانيا العظمى، التي لا تفرضها على مصر وعلى العالم إلا بحكم القوة. وقد احتفظوا ~~من معالم السيادة الوطنية بالقسط الضروري الذي لا ترضى أمة تطلب الاستقلال بأقل منه، فمن ~~يطالبهم بالتبرع من عندهم بقبول قسط أقل من هذا، فهو كأنما يطالب الأمة المصرية بالثورة ~~والتضحية لغير نتيجة إلا أن تصحح مركز بريطانيا العظمى في مصر، وتزودها بقوة النصوص ~~المشروعة والموافقة الودية فوق ما لها من قوة السلاح والسطوة! وهو أمر لا يعقل أن يكون ~~موضع اتفاق ومفاوضة بين طرفين وفيه الربح كل الربح من جانب، والخسارة كل الخسارة من الجانب ~~الآخر؛ وإنما المعقول المفهوم أن يكون ما قبله الوفد أقل ما يسعه قبوله ما دام المرجع فيه ~~إلى الاختيار والاتفاق، فإذا تجاوز هذا الحد فهو يعطي بريطانيا العظمى كل مزايا الاتفاق ~~الحر ويبوء - والأمة المصرية معه - بكل مساوئ الإكراه، ومع هذا استغربوا في إنجلترا «جرأته» ~~- كما سموها - وقالوا: إن سعدا يحسب أنه هزم الدولة البريطانية، ويملي عليها شروطه ~~إملاء الظافر في ميدان القتال! ~~••• # توقفت المفاوضات، وقيل إنها تنقطع أو انقطعت؛ لأن الوفد رفض مذكرة اللجنة، كما رفضت ~~اللجنة مذكرة الوفد، ثم توسط عدلي يكن باشا في الأمر؛ فاضطر سعد إلى إرجاء السفر ريثما تتم ~~هذه الوساطة، وبقي في لندن حتى تسلم مذكرة اللجنة الثانية في الخامس من شهر أغسطس، فانفتح ~~بها باب جديد للمناقشة، وجرى التعديل مرة أخرى في بعض العبارات، وتعذر الاتفاق على جميع ~~المسائل، فاستمر البحث فيها إلى منتصف أغسطس، وهنا اختلفت آراء ms071 الأعضاء بين القبول والرفض ~~ومعظمهم إلى القبول، واقترح بعضهم عرض المشروع الأخير على الأمة لتبدي ملاحظتها عليه ثم ~~يعاد بحثه بين الوفد واللجنة بعد الوقوف على جملة الآراء ومواضع الملاحظة ~~والاستدراك. # ويغلب أن يكون هذا الاقتراح إنجليزيا في منشئه، أوحاه إلى اللجنة ما كانت تسمعه من سعد ~~وزملائه من الاعتذار بوكالة الأمة وتعذر الخروج عن حدود هذه الوكالة؛ لأن الأمة ترفض كل ~~ما يخرج على تلك الحدود - لا محالة - ولو قبله الأعضاء. فكان أعضاء اللجنة يقولون: إنما ~~الوكالة برنامجكم أنتم، وفي أيديكم أن ترجعوا إليه بالتعديل والتحويل إن اقتنعتم بصواب ما ~~تعرضونه على الأمة التي أوكلتكم. وكان من الطبيعي أن يخطر للجنة اقتراح الرجوع إلى الأمة ~~تخلصا من هذا الاعتذار، وسعيا وراء الخلاف إن لم يكن سعيا وراء الإقناع. # فتردد سعد في العمل بالاقتراح مخافة الانقسام ~~والشتات، ولكنه رأى بوادر الانقسام والشتات تبدو في داخل الوفد، فآثر أن يتداركها وأن يرجئ ~~ظهورها ما استطاع، وهو يرجو أن يستعين بجلاء رأي الأمة على معالجة تلك البوادر أملا في رأب ~~الصدع وتوحيد الصفوف، فتقرر إيفاد أربعة من الأعضاء إلى القاهرة، وهم: محمد محمود، وأحمد ~~لطفي السيد، وعبد اللطيف المكباتي، وعلي ماهر، ينضم إليهم في القاهرة مصطفى النحاس، وويصا ~~واصف، وحافظ عفيفي لعرض الموضوع على طوائف الأمة واستطلاع رأيهم فيه، وتقييد ملاحظاتهم عليه ~~والرجوع بها إلى الوفد في النهاية لاستئناف البحث فيها جميعا مع اللجنة الملنرية، وإن كان ~~رئيسها قد أعلن أن المشروع تضمن أقصى ما توصي به اللجنة وتطمع في إقراره من لدن الحكومة ~~البريطانية، وأنها تشك في إقرارها لبعض ما فيه. # وعلى هذا سافر سعد من لندن في السادس عشر من شهر أغسطس، وتبعه الأعضاء في اليوم التالي، ~~وتبعهم عدلي في اليوم الذي بعده، وهذه صيغة المذكرة التي تم الاتفاق على استطلاع رأي الأمة ~~فيها: # قواعد الاتفاق ~~(1) # لأجل أن يبنى استقلال مصر على أساس متين دائم يلزم تحديد العلاقات بين ~~بريطانيا العظمى ومصر تحديدا دقيقا، ويجب تعديل ما تتمتع به الدول ms072 ذوات ~~الامتيازات في مصر من المزايا، وجعلها أقل ضررا بمصالح البلاد. ~~(2) # ولا يمكن تحقيق هذين الغرضين بغير مفاوضات جديدة تحصل للغرض الأول بين ممثلين ~~معتمدين من الحكومة البريطانية وآخرين من الحكومة المصرية، ومفاوضات تحصل للغرض ~~الثاني بين الحكومات البريطانية وحكومات الدول ذوات الامتياز؛ وجميع هذه ~~المفاوضات ترمي إلى الوصول إلى اتفاقات بنيت على القواعد الآتية : # أولا: # تعقد معاهدة بين مصر وبريطانيا العظمى تعترف بريطانيا ~~العظمى بموجبها باستقلال مصر كدولة ملكية دستورية ذات هيئات ~~نيابية، وتمنح مصر بريطانيا العظمى الحقوق التي تلزم لصيانة ~~مصالحها الخاصة، ولتمكينها من تقديم الضمانات التي يجب أن تعطى ~~للدول الأجنبية لتحقيق تخلي تلك الدول عن الحقوق المخولة ~~لها بمقتضى الامتيازات. # ثانيا: # تبرم بموجب هذه المعاهدة نفسها محالفة بين بريطانيا العظمى ~~ومصر، تتعهد بمقتضاها بريطانيا العظمى أن تعضد مصر في الدفاع ~~عن سلامة أرضها، وتتعهد مصر أنها في حالة الحرب - حتى ولو لم ~~يكن هناك مساس بسلامة أرضها - تقدم داخل حدود بلادها كل ~~المساعدة التي في وسعها لبريطانيا العظمى، ومن ضمنها استعمال ~~ما لها من الموانئ وميادين الطيران، ووسائل المواصلات للأغراض ~~الحربية. ~~(3) # تشمل هذه المعاهدة أحكاما للأغراض الآتية: # أولا: # تتمتع مصر بحق التمثيل في البلاد الأجنبية، وعند عدم وجود ممثل ~~مصري معتمد من حكومته تعهد الحكومة المصرية بمصالحها إلى الممثل ~~البريطاني، وتتعهد مصر بألا تتخذ في البلاد الأجنبية خطة لا تتفق ~~مع المحالفة أو توجد صعوبات لبريطانيا العظمى، وتتعهد كذلك بألا ~~تعقد مع دولة أجنبية أي اتفاق ضار بالمصالح البريطانية. # ثانيا: # تمنح مصر بريطانيا العظمى حق إبقاء قوة عسكرية في الأرض المصرية ~~لحماية مواصلات الإمبراطورية، وتعين المعاهدة المكان الذي تعسكر ~~فيه هذه القوة، وتسوي ما ستتبعه من المسائل التي تحتاج إلى ~~التسوية، ولا يعتبر وجود هذه القوة بأي وجه من الوجوه احتلالا ~~عسكريا للبلاد، كما أنه لا يمس حقوق حكومة مصر. # ثالثا: # تعين مصر بالاتفاق مع الحكومة البريطانية مستشارا يعهد إليه في ~~الوقت عينه بالاختصاصات التي لصندوق الدين، ويكون تحت تصرف ~~الحكومة المصرية لاستشارته فيها. # رابعا: # تعين ms073 مصر بالاتفاق مع الحكومة البريطانية موظفا في وزارة ~~الحقانية، يتمتع بحق الدخول على الوزير، ويجب إحاطته علما على ~~الدوام بجميع المسائل المتعلقة بإدارة القضاء فيما له مساس ~~بالأجانب، ويكون أيضا تحت تصرف الحكومة المصرية لاستشارته في أي ~~أمر مرتبط بحفظ الأمن العام. # خامسا: # نظرا لما في النية من نقل الحقوق التي تستعملها إلى الآن ~~الحكومات الأجنبية المختلفة بموجب نظام الامتيازات إلى الحكومة ~~البريطانية، تعترف مصر بحق الأجانب في رفض أي قانون مصري يستدعي ~~الآن موافقة الدول الأجنبية، وتتعهد بريطانيا العظمى من جانبها ألا ~~تستعمل هذا الحق إلا حيث يكون مفعول القانون جائرا على ~~الأجانب. # صيغة أخرى لهذه الفقرة: # نظرا لما في النية من نقل الحقوق التي تستعملها الآن الحكومات ~~الأجنبية المختلفة بموجب نظام الامتيازات إلى الحكومة البريطانية، ~~تعترف مصر بحق بريطانيا العظمى في التدخل بواسطة ممثليها في مصر ~~لتمنع أن ينفذ على الأجانب أي قانون مصري يستدعي الآن موافقة ~~الدول الأجنبية، وتتعهد بريطانيا العظمى من جانبها ألا تستعمل هذا ~~الحق إلا في حالة القوانين التي تتضمن تمييزا جائرا في مادة فرض ~~الضرائب، أو لا توافق مبادئ التشريع المشتركة بين جميع الدول ذوات ~~الامتيازات. # سادسا: # نظرا للعلاقات الخاصة التي تنشأ عن المحالفة بين بريطانيا ~~العظمى ومصر، يمنح الممثل البريطاني مركزا استثنائيا في مصر، ~~ويخول حق التقدم على جميع الممثلين الآخرين. # سابعا: # الضباط والموظفون الإداريون، من بريطانيين وغيرهم من الأجانب ~~الذين دخلوا خدمة الحكومة المصرية قبل العمل بالمعاهدة، يجوز ~~انتهاء خدمتهم بناء على رغبتهم أو رغبة الحكومة المصرية في أي ~~وقت خلال سنتين بعد العمل بالمعاهدة، وتحدد المعاهدة المعاش أو ~~التعويض الذي يمنح للموظفين الذين يتركون الخدمة بموجب هذا النص ~~زيادة على ما هو مخول لهم بمقتضى القانون الحالي. وفي حالة عدم ~~استعمال الحق المخول بهذا الاتفاق تبقى أحكام التوظيف الحالية بغير ~~مساس. ~~(4) # تعرض هذه المعاهدة على جمعية تأسيس، ولكن لا يعمل بها إلا بعد نفاذ ~~الاتفاقات مع الدول الأجنبية على إبطال محاكمها القنصلية وإنفاذ الأوامر ~~العالية المعدلة لنظام المحاكم المختلطة. ~~(5) # يعهد ms074 إلى جمعية التأسيس في وضع قانون نظامي جديد، تسير حكومة مصر في ~~المستقبل بمقتضى أحكامه، ويتضمن هذا النظام أحكاما تقضي بجعل الوزراء مسئولين ~~أمام الهيئة التشريعية، وتقضي أيضا بإطلاق الحرية الدينية لجميع الأشخاص، ~~وبالحماية الواجبة لحقوق الأجانب. ~~(6) # تحصل التعديلات اللازم إدخالها على نظام الامتيازات باتفاقات تعقد بين ~~بريطانيا العظمى والدول المختلفة ذوات الامتيازات، وتقضي هذه الاتفاقات بإبطال ~~المحاكم القنصلية الأجنبية لكي يتيسر تعديل نظام المحاكم المختلطة وتوسيع ~~اختصاصها، وسريان التشريع الذي تسنه الهيئة التشريعية المصرية دونه التشريع ~~الذي يفرض الضرائب على جميع الأجانب في مصر. ~~(7) # تنص هذه الاتفاقات على أن تنتقل إلى الحكومة البريطانية الحقوق التي كانت ~~تستعملها الحكومات الأجنبية المختلفة بمقتضى نظام الامتيازات. # وتشمل أيضا أحكاما تقضي بما يأتي: # أولا: # لا يسوغ العمل على التمييز الجائر على رعايا أي دولة وافقت على ~~إبطال محاكمها القنصلية، ويتمتع هؤلاء الرعايا في مصر بنفس ~~المعاملة التي يتمتع بها الرعايا البريطانيون. # ثانيا: # يؤسس قانون الجنسية المصرية على قاعدة النسب، فيتمتع الأولاد ~~الذين يولدون في مصر لأجنبي بجنسية أبيهم، ولا يحق اعتبارهم ~~مصريين. # ثالثا: # تخول مصر موظفي قنصليات الدول الأجنبية نفس النظام الذي يتمتع ~~به القناصل الأجانب في إنجلترا. # رابعا: # المعاهدات أو الاتفاقات الحالية التي اشتركت مصر في التعاقد ~~عليها في مسائل التجارة والملاحة؛ ومنها اتفاقات البريد والتلغراف ~~تبقى نافذة المفعول. أما في المسائل التي ينالها مساس من جراء ~~إبطال المحاكم القنصلية فتعمل مصر بالمعاهدات النافذة المفعول بين ~~بريطانيا العظمى والدول الأجنبية صاحبة الشأن؛ مثل معاهدات تسليم ~~المجرمين وتسليم البحارة الفارين، وكذلك المعاهدات التي لها صفة ~~سياسية، سواء كانت معقودة بين أطراف عدة أو بين طرفين. مثال ذلك ~~اتفاقات التحكيم والاتفاقات المختلفة بسير الحروب، وذلك كله ريثما ~~تعقد اتفاقات خاصة تكون مصر طرفا فيها. # خامسا: # تضمن حرية إبقاء المدارس وتعليم لغة الدول الأجنبية صاحبة الشأن، ~~على شرط أن تخضع جميع هذه المدارس من جميع الوجوه للقوانين السارية ~~بوجه عام على المدارس الأوروبية بمصر. # سادسا: # تضمن أيضا حرية إبقاء أو إنشاء معاهد دينية وخيرية كالمستشفيات ms075 ~~... إلخ. وتنص المعاهدة أيضا على التغييرات اللازمة في صندوق ~~الدين، وعلى إبعاد العنصر الدولي عن مجلس الصحة في ~~الإسكندرية. ~~(8) # التشريع الذي تستلزمه الاتفاقات السالفة الذكر بين بريطانيا العظمى والدول ~~الأجنبية، يعمل به بمقتضى مراسيم تصدرها الحكومة المصرية، وفي الوقت عينه يصدر ~~مرسوم يقضي باعتبار جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والقضائية التي اتخذت ~~بمقتضى الأحكام العرفية صحيحة . ~~(9) # تقضي المراسيم العالية المعدلة لنظام المحاكم المختلطة بتخويل هذه المحاكم كل ~~الاختصاص الذي كان مخولا إلى الآن للمحاكم القنصلية الأجنبية، ويترك اختصاص ~~المحاكم الأهلية غير ممسوس. ~~(10) # بعد العمل بالمعاهدة المشار إليها في البند الثالث تبلغ بريطانيا العظمى نصها ~~إلى الدول الأجنبية، وتعضد الطلب الذي تقدمه مصر للدخول في جمعية الأمم. # الفصل الثامن # | مسألة السودان # أما مسألة السودان فلم تطرح تحت البحث، ولكن الوفد قد حصل على تأكيدات تضمن الطمأنينة على ~~مياه النيل لري الأرض المصرية المزروعة الآن والقابلة للزراعة في المستقبل. # وقد بين الأعضاء المندوبون مهمتهم في هذه المرحلة بكلمة ذيلوا بها المذكرة وقالوا فيها: # أما مهمة أعضاء الوفد المندوبين فبيانها أنه لما وصلت المفاوضات بين الوفد ولجنة ~~ملنر إلى أن قدمت اللجنة هذه القواعد على أنها نهائية في الأساسات التي بنيت ~~عليها، رأى الوفد - أخذا بالأحوط واستمساكا برأي الوكالة على إطلاقه - ألا يبت في ~~الموضوع برفضه أو قبوله، بل رأى أن الحكمة تدعو إلى عرض الأمر على البلاد. فإذا ~~قالت البلاد: «إن هذه القواعد صالحة أساسا للمعاهد»، دخلت المسألة في دورها ~~النهائي، ووضعت معاهدة على القواعد المذكورة، وعرضت على الجمعية الوطنية التي هي ~~صاحبة الرأي الأعلى في الأمر، ولها دون غيرها الكلمة الأخيرة في الموضوع. فبعد أن ~~تدرس تفاصيل المعاهدة وصيغتها تقرر قبولها أو رفضها. # وقد رأى سعد أن يجعل رأيه في المشروع للأساتذة: مصطفى النحاس، وويصا واصف، وحافظ عفيفي؛ ~~لأنهم لم يحضروا البحوث فيه بالعاصمة الإنجليزية كما حضرها زملاؤهم القادمون من أوروبا، ~~فكتب إليهم في الثاني والعشرين من أغسطس ما يأتي: # أهديكم أطيب تحياتي، وبعد فإنكم تجدون طي هذا بلاغا لنواب الأمة وأرباب ms076 الرأي ~~فيها، تعلمون مضمونه من المشروع الذي ستعرضونه على الأمة - أنتم والقادمون إليكم من ~~إخوانكم - وهذا موافق للحقيقة؛ لأنه - وأريد أن يكون الأمر بيني وبينكم - مشروع ~~ظاهره الاستقلال والاعتراف به، وباطنه الحماية وتقريرها؛ ففيه من خصائص الحماية ~~ومميزاتها الشيء الكثير، كالقوة العسكرية، والتدخل في التشريع للأجانب وفي القضاء ~~المختص بهم، والتدخل في المالية وفي الحقانية بواسطة موظفين إنجليز، وجعل المعتمد ~~الإنجليزي ذا مقام خاص وله التقدم على غيره من وكلاء الدول الأخرى، وتقييد حرية مصر ~~في عقد المعاهدات وفي اختيار وكلائها السياسيين، وفي التجاء هؤلاء لممثلي إنجلترا، ~~وتولي إنجلترا دون مصر عقد المعاهدات المتعلقة بإلغاء الامتيازات مع الدول ~~الأخرى. # وفضلا عن ذلك، فإن ما اشترط من تعليق تنفيذه على قبول الدول لإلغاء المحاكم ~~القنصلية وصدور الذكريات بإعادة تنظيم المحاكم المختلطة، يجعل الفوائد التي تعود ~~منه على المصريين وهمية؛ إذ قد ينقضي الدهر، ولا تقبل الدول ذلك الإلغاء ولا تصدر ~~الذكريات بذلك التنظيم. ولكن إخواني لا يرون فيه رأيي، ولم أرد أن أظهر الخلاف ~~بيني وبينهم حرصا على الوحدة التي هي قوتنا، ولكيلا يشمت الأعداء بنا. ولو أن ~~إخواني أصغوا إلى قولي أو لو لم أكن أخشى على هذه الوحدة من الانقسام لفارقت الندوة ~~في يوم 22 يونيو الماضي، وهو اليوم الذي وردنا فيه خطاب من اللورد ملنر عن مشروع ~~سابق وضعته لجنته ورفضناه لكونه كان يرمي إلى ما يخالف مبدأنا وتوكيلنا، وكان رفضنا ~~له بالإجماع. ومن الغريب أن المشروع الثاني جاء أبلغ في باب الحماية لاشتماله على ~~كثير من مميزاتها، ومع ذلك رأى الإخوان صلاحية عرضه على نواب الأمة، ولا أريد أن ~~أشكو منهم إليكم؛ لأنهم إنما رأوا ذلك لأسباب قامت عندهم وأقنعتهم بصحة آرائهم، ~~أهمها تغير ظروف الحال وعدم وجود السند والنصير لنا في الخارج، وانفراد الدول ~~الإنجليزية بالعزة والسلطان، وعدم قوة الأمة على متابعة المعارضة والمقاومة، وإني ~~أعترف بأهمية هذه الأسباب، ولكنها لا يمكن أن تقلب حقيقة المشروع من حماية إلى ~~استقلال، ولا أن تجعلنا نرضى بما نهضنا ms077 لمقاومته وقمنا للمطالبة ببطلانه، وما ضحت ~~الأمة في سبيل النفور والقضاء عليه بدماء الكثير من أبنائها وحرية العدد العديد من ~~شيوخها وفتيانها، ولا يحملنا - نحن دعاة الاستقلال وحماة ألويته والصائحين به في كل ~~صقع وناد - على أن نتحول إلى تأييد ما هو بعيد عنه في الواقع وإن كان قريبا منه ~~في الظاهر. أما إذا قبله غيرنا وكان الإنجليز معهم، فذلك شيء آخر لا تقع تبعته ~~علينا؛ ولهذا رأيت أن أكتب لكم بفكري حتى تكونوا في مستوى واحد مع إخوانكم الذين ~~سيشتركون معهم في عرض المشروع، وأن يكون مركزكم إذا استحسنتم من الذين تستشيرونهم ~~مركز الشارح للحقائق العارض للوقائع من غير تأويل ولا تفسير، لكيلا يجد خصومكم ~~سبيلا للطعن عليكم، ولا حسادكم حجة يقيمونها ضدكم، وسوف تطلعون على جميع المكاتبات ~~التي دارت بيننا وبين لجنة ملنر، وعلى المشروعات الثلاثة التي ورد في البلاغ ذكرها، ~~وتقفون من الإخوان على جميع المعلومات التي يهمكم الوقوف عليها في هذا الشأن. وإني ~~على ثقة تامة بأنكم ستكونون في عرض هذا المشروع مثال الدقة والنزاهة والبعد عن ~~مزالق القدم، وإني مستعد لأن أرسل إليكم كل ما تشاءون من الأوراق، ولأن أجيبكم عن ~~كل ما تشاءون الوقوف عليه من المسائل. والله يكون في عونكم ويقيكم شر خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور. # وبدهي أن هذا الخطاب لم يعلن للأمة ولا لأحد غير الأعضاء الذين خوطبوا به ~~وأصدقائهم المقربين. ولكن الرئيس مهد لتقديم المذكرة إلى الأمة ببيان منه وصف به المشروع ~~الوصف الذي ينبغي في هذا المقام؛ فقال فيه: ~~... وانتهت المناقشة بوضع ثلاثة مشروعات: أولها من لجنة ملنر رفضناه بتاتا، ~~والثاني منا ورفضته هذه اللجنة كذلك، والثالث منها وهو الأخير، قد صرح رئيسها لنا ~~عند البحث فيه أنه غير قابل للمناقشة في الأساسات التي بني عليها، وأنه يلزم إما ~~أخذه كله أو رده كله؛ لأنه تضمن في اعتباره أقصى ما يمكن إنجلترا الاتفاق مع مصر ~~عليه، بل زاد أن هناك شكا في جواز التساهل في بعض ما اشتمل عليه، ms078 ولكنا وجدناه ~~مع ذلك معلقا بتنفيذه على غير إرادتنا وغير واف بمطالبنا؛ فلم يسعنا قبوله لخروجه ~~عن حدود توكيلنا، وأظهرنا للجنة ملنر عدم رضائنا به. غير أنه - نظرا لاشتماله على ~~مزايا لا يستهان بها، ولتغير الظروف التي حصل التوكيل فيها، وعدم العلم بما يكون من ~~الأمة بعد معرفتها بمشتملاته، وقياس المسافة التي بينه وبين أمانيها - رأى إخواننا ~~معنا خروجا من كل عهدة وحرصا على كل فائدة واستبقاء لكل فرصة، ألا يبت فيه ~~رسميا بما يقتضيه توكيلهم قبل عرضه عليكم - أنتم نواب الأمة المسئولين وأصحاب ~~الرأي فيها. # ثم قال: # فإذا رفضتم أعلن الوفد رسميا رفضه، وإذا قبلتم دخلت المسألة في دورها النهائي ~~ووضعت معاهدة على القواعد التي تضمنها، وعرضت على الهيئة النيابية للتصديق عليها ~~ووضع نظام دستوري للبلاد. # وهذه الخطة التي سلكها سعد في التوفيق بينه وبين أعضاء الوفد هي غاية ما كان في وسعه من ~~الموافقة والمجاراة، فلم يكن مستطيعا أن يعلن استحسان المشروع وهو لا يستحسنه، ولا يرى في ~~ضميره أنه محقق لإلغاء الحماية وإقامة الاستقلال، ولم يكن مستطيعا أن يقدم المشروع بغير ~~بيان، ولا أن يقول في البيان غير ما قال من وصف صادق لجميع نواحيه في جانبي المزايا ~~والنقائص، مع إطلاق الرأي لمن يشاء فيما يشاء. # ووصل الأعضاء المندوبون إلى الإسكندرية في اليوم السابع من سبتمبر بعد نشر البيان بيومين، ~~فاحتفى بهم الشعب في الإسكندرية والقاهرة وعلى طول الطريق بينهما، وبدأ الاستفتاء بعد ~~يومين. فعرض المشروع على المحامين وأعضاء الجمعية التشريعية ورجال الدين ورجال القضاء ~~وأعضاء مجالس الأقاليم والمجالس المحلية، وأجمعت الطوائف في جملتها - ما عدا أنصار «الوزراء ~~الأصدقاء» - على وجوب التعديل والتنقيح في بعض قواعده وتضمينه النص الصريح على إلغاء ~~الحماية، وحذف ما جاء فيه عن امتياز المندوب البريطاني «بمركز استثنائي» غير مركز المندوبين ~~الآخرين، وطلب الأكثرون تعيين حدوده المبهمة ومواعيده المرسلة، وإخلاءه من كل لبس واشتباه ~~في مسألة السيادة القومية، وذهب كثيرون إلى رفضه بتاتا وفي مقدمتهم فريق من الأمراء، ~~وذكروا السودان ووجوب الاحتفاظ بحقه ms079 وحق مصر فيه. نشروا على الملأ بلاغا قالوا فيه: «إننا ~~لا نبرر عقد أي اتفاق ينافي أو ينقص استقلال مصر مع سودانها استقلالا تاما حقيقيا بلا ~~قيد ولا شرط»، ثم فوضوا الأمر إلى الأمة صاحبة الرأي الأعلى. # وبعد عشرين يوما مضت في عرض المشروع والتعقيب عليه في الصحف والمجالس، اكتفى الأعضاء ~~المندوبون بما اطلعوا عليه من آراء، وكتبوا بيانا شكروا فيه الأمة على ما قابلتهم به من ~~الحفاوة، ونوهوا بالاستنارة التي «خلقت فرصة جديدة ظهر فيها رشد الشعب وحسن تقديره لجميع ~~الظروف السياسية التي تحيط الآن بالفصل في مصيره ...» # وفي هذه العبارة ما لا يخفى من دلالة على نتيجة الاستفتاء عند المندوبين، وهي نتيجة ~~يعتبرونها تمهيدا للقنوع والقبول لا تمهيدا للرفض أو التعديل. # ويلي هذا الفصل فصول عما حدث في مصر خلال المفاوضة، وبعد عودة أعضاء الوفد المندوبين ~~لاستفتاء الأمة، إلى قيام الوزارة العدلية وعودة سعد إلى مصر، والخلاف على تأليف لجنة ~~المفاوضة، ثم ذهاب عدلي باشا إلى لندن لمفاوضة الحكومة البريطانية، واستقالته لتعذر الوصول ~~إلى اتفاق مقبول، ثم مساعي سعد في توحيد الصفوف ونشره البيان الذي حل السلطة الفعلية على ~~التعجيل بنفيه، وفي ختامه يقول: # إنكم أنبل الوارثين لأقدم مدنية في ~~العالم، وقد حلفتم أن تعيشوا أحرارا أو تموتوا كراما، فلا تدعوا التاريخ يقول ~~يوما فيكم: «أقسموا ولم يبروا بالقسم»، فلنثق إذن بقلوب كلها اطمئنان، ونفوس ~~ملؤها استبشار بالاستقلال التام أو الموت الزؤام. # وقد نفي سعد وخمسة من صحبه إلى جزائر سيشل في أواخر سنة 1921، ونقل منها إلى جبل طارق، ~~ولم تكد السياسة البريطانية تطمئن إلى إبعاده من ميدان الحركة الوطنية في مصر حتى بادرت إلى ~~إعلان تصريح 28 فبراير المشهور. # الفصل التاسع # | تصريح 28 فبراير # أرسل المركيز كرزون في الثالث والعشرين من ديسمبر البرقية الآتية إلى الفيكونت اللنبي كما ~~جاء نص ترجمتها في الكتاب الأبيض: # ليس ثمة اعتراض من جانب وزارة المستعمرات على إبعادك زغلولا وأنصاره إلى سيلان ~~في أول فرصة كما اقترحت في تلغرافك المؤرخ في 22 ms080 ديسمبر. والتعليمات مرسلة إلى حاكم ~~سيلان طبقا لذلك. ولكن إذا ظهر أنه من غير المرغوب فيه حجزهم هناك لاعتبارات ~~محلية، فإن في الوسع إرسالهم إلى سيشل. ومعلوم لدينا أن الاستعداد اللازم لهم ~~يمكن توفيره في سيشل. وينبغي الإبراق إلى حاكم سيلان مباشرة بالتفاصيل الوافية عن ~~تاريخ الإبحار من السويس وعن تأليف القوم المبعدين. # فاستطير الفيكونت اللنبي فرحا بهذه الموافقة كما بدا من برقيته التي بادر بإرسالها ليشكر ~~المركيز كرزون كثيرا. وانتظر إبعاد زغلول وأصحابه إلى سيلان ليوقع اليأس في قلوبهم وقلوب ~~المصريين من كل مستقبل مرجو لهؤلاء القوم المبعدين في عالم السياسة المصرية. ولأمر ما - ~~لا يعنينا بحثه هنا - تغير المنفى واستبدلت جزائر سيشل بجزيرة سيلان، ولبث سعد وأصحابه في ~~انتظار النقل إلى المكان المقدور، حتى أعلن تصريح 28 فبراير في مصر فكان يوم إعلانه - ~~إعلان الاستقلال - هو يوم انتقال «القوم المبعدين» من عدن إلى منفاهم السحيق. # ولولا الحرص الشديد على الانتقام من سعد والتشفي منه ومن أنصاره، لكان التمهيد بنفيهم ~~لتأسيس النظام الجديد من أعجب ما يخطر على العقول، وكان رجاء النجاح بعد ذلك التمهيد من ~~أغرب الأحلام التي يحلم بها الساسة العمليون، وهي أغرب مخترعات الخيال، فإن النفي ليصلح ~~عنوانا لكل شيء إلا أن يكون عنوانا للحرية والاستقلال، ودليلا على أن البلاد قد ظفرت ~~بحكم نفسها وتحقيق مشيئتها، وأن بلدا يضيق بزعمائه في يوم إعلان حريته واستقلاله لأعجوبة ~~من أعاجيب النقائض والأضداد. وما كان بدعا من المصريين أن يتشاءموا بتصريح يمهد له ذلك ~~التمهيد، ولا أن يسمعوا في يوم واحد بنفي سعد إلى سيشل وباستقلالهم هم في وطنهم بما يرومون ~~ومن يرومون؛ فلا يستطيعون التوفيق بين الأمرين، ولا يجدون بدا من الشك في إحدى الروايتين. ~~وإنما البدع أن تؤكد لهم النفي والاستقلال في وقت واحد، وألا تتركهم ينسون نبأ النفي في ذلك ~~اليوم خاصة، ثم تطمع منهم في اعتقاد غير ما اعتقدوه ويقين غير ما أيقنوه، وتريدهم على أن ~~يستبشروا بالتصريح وبالعهد الذي يليه. # ولو كان التصريح استقلالا ms081 حقا لما عيب على المصريين أن يتشاءموا به ويوجسوا منه ~~ويعرضوا عنه وعن دعاته ومروجيه؛ لأن نسيان الأعزاء المنكوبين والانتصار لخصومهم الظافرين ~~اغتباطا بغنيمة سياسية أو منفعة وزارية أمر قد يفهمه الساسة، ويحمدونه في حساب المساومات ~~والمعاملات، ولكن النخوة في الشعوب أولى بالتقدير والإعجاب من جميع المنافع والغنائم التي ~~تنطوي في النظم والدساتير؛ لأنك إذا بحثت عن النخوة في سواد الأمة فوجدتها عندهم، فليس ~~يضيرك ألا تجد فيهم موازين الساسة المحنكين، وإذا بحثت عنها فلم تجدها، فهناك الضير كل ~~الضير والوخامة شر الوخامة والإسفاف الذي لا تغني فيه حنكة ولا نظم ولا وزارات. # إن المصريين لم يشعروا بتصريح 28 فبراير إلا كما ينبغي أن يكون شعورهم به، سواء في ذلك ~~من حمدوه ومن أنكروه ومن دقوا له الطبول ومن حثوا على وجهه التراب ... وأظرف ما يروى في هذا ~~الباب ما رواه البارون «فان دن بوش» البلجيكي في كتابه «عشرين سنة بمصر» نقلا عن مذكراته ~~التي وصف بها الاحتفال بالاستقلال في محافظة الإسكندرية؛ فقد روى كيف خطبوا يوم ذاك، وكيف ~~هللوا بالعهد الجديد، ثم قال: «إن رجلا قصيرا على رأسه طربوشه المنحرف، تقدم في مشية ~~إبليسية ورفع يده في وقار وعيناه تلمعان ثم نادى: ليحي الاستقلال التام! فهبطت كلماته في ~~وسط سكوت مكروب ...» # أين الاستقلال؟ لا أحد يصدق أنه الاستقلال حتى المبتهجين بيوم الاستقلال! # وكان من الميسور أن يتنبأ الفيكونت اللنبي وأصدقاؤه الوزراء المصريون بما يوشك أن يلقاه ~~التصريح الذي مهدوا له ذلك التمهيد، ولكنهم بلغوا بالتمهيد غاية فيها الكفاية: وهي الخلاص ~~من زغلول والغلبة عليه؛ وهي غاية مقصودة لذاتها ولو لم تعقبها نتيجة مرموقة من النتائج ~~السياسية. وقيل: إن بعض أولئك الوزراء قد لجت به الضغينة على سعد حتى اقترح محاكمته ~~وإعدامه بتهمة الثورة والخيانة العظمى. وقيل: إن الفيكونت اللنبي لم يرفض ذلك الاقتراح ~~ولم يحجم عن الرجوع به إلى الحكومة البريطانية، وإنها هي التي ساومته في الصفقة المعروضة ~~إلى أن قنع من الإعدام بالإبعاد! # ومما يعزز أن اللورد اللنبي ms082 نفسه طلب لزعماء الوفد جميعا الإعدام في هذه المناسبة أو ~~غيرها، ما رواه السفير الأمريكي الدكتور مورتون هول عن مقابلة اللورد اللنبي ومستر اسكويث ~~بعيد مقتل السردار، حيث قال في كتابه «مصر ماضيا وحاضرا ومستقبلا»: # عندما لقيته قدمني إلى مستر اسكويث، وكنا جميعا واجمين، واللورد اللنبي - بصفة ~~خاصة - مهتاج الشعور، وكان يقول: إن الأطباء الآن يفحصون حالة الحاكم العام، وإنه ~~يخشى أن تكون الإصابة قاتلة. ثم قال: إن زغلولا باشا رئيس الوزراء حضر قبيل ذلك ~~ليعرب عن أسفه لهذه الفعلة الشنيعة، ولكنه لم يجد متسعا من الوقت ولا من الكلام ~~لهذه المقابلة. # ثم ختم كلامه عن هذه المسألة بقوله: # إنني قد أردت أن أشنق جميع هؤلاء ~~الناس من وقت قبل هذا فلم توافق الحكومة، وكأنه يعني - كما فهمت ساعتئذ - أنه لو ~~أجيب إلى طلبه وترك لرأيه لما وقعت هذه الفاجعة. # فالانتقام من زغلول - ومن هؤلاء الناس - كان إذن غرضا يراد لذاته، أو كان هو الغرض ~~الأول من قضية التصريح والاستقلال المزعوم. لعله بعد نفي زغلول يعين على نسيانه ~~وإهماله. # وبعد الفراغ من هذا الغرض الأول تفرغ اللورد اللنبي والوزراء المصريون أصدقاؤه لما بقي ~~لهم من الغرض الآخر الذي لا يهم النجاح فيه، كما يهم النيل من زغلول والغض من مكانته ~~وكبريائه، ونعني بالغرض الآخر إرضاء مصر بالتسوية الجديدة من طريق إقناع المعتدلين، وإجبار ~~المتطرفين على الاعتدال؛ فلم تطل الأيام حتى وجدوا أن «التصريح» كان عبثا باطلا وجهدا ~~ضائعا من حيث تحقيق هذا الغرض الآخر؛ لأنهم قد اضطروا إلى اتباع الخطة التي كانوا مضطرين ~~إلى اتباعها لو لم يوجد هذا التصريح، وهي خطة القمع والتجسس والمحاكمات العسكرية، تقابلها ~~من الجانب المصري المظاهرات وسلسلة من حوادث القتل السياسي لم تكن معروفة قبل ذلك في تاريخ ~~الثورة المصرية؛ لأن الإنجليز الذين أصيبوا قبل تصريح 28 فبراير، إنما كانوا يصابون في ~~أثناء المظاهرات أو في أثناء الصدام والمقاومة وكانوا جميعا من الجنود، ولكن حوادث ~~الاعتداء بعد ذلك التصريح كانت تصيب الجنود والموظفين وغير الموظفين، ms083 وكان القائمون بها ~~أناسا يتآمرون ويدبرون ويقدمون عليها للحفيظة والانتقام. # وانقلب العداء إلى عناد والعناد إلى مناجزة يبذل فيها كل فريق قصارى ما عنده لتحدي ~~الفريق الآخر وإحباط مسعاه، فإذا منعت الحكومة الاجتماعات والمظاهرات التي تهتف بحياة سعد ~~زغلول، نابت عنها الأغاني الشعبية في الشوارع والأزقة والحواضر والقرى، وكل مكان يتسع فيه ~~الفضاء للغناء والترنم والإنشاد. وإذا حظرت الحكومة على الصحف أن تذكر سعدا أو تشير إلى ~~اسم الجزيرة التي هو منفي فيها، استورد الناس الآنية الخزفية من أوروبا وعليها رسمه، وكتبوا ~~اسمه على الجدران وعلى ورق النقد الذي كانت تتداوله الأيدي بمئات الألوف في تلك الأيام ~~لانتشار الأوراق الصغيرة من جميع الفئات، وإذا اعتقلت الحكومة أعضاء من الوفد، قام في ~~مكانهم على الأثر أعضاء غيرهم يعرضون أنفسهم للاعتقال والجزاء وهم مستبشرون، فأصبحت ~~العلاقة بين الفريقين علاقة غالب أو مغلوب ومنتصر أو منهزم، وهذا كل ما ظفر به التصريح من ~~«التقريب» و«تسوية» العلاقات بين البلدين. # وقد ظهر من سفر اللورد اللنبي إلى لندن أيام المفاوضة في التصريح - كما ظهر بعد ذلك من ~~الوثائق الرسمية - أن الوزرة البريطانية لم تخل من أناس يعارضونه معارضة شديدة، ~~ويستكثرونه على مصر كأنه غنيمة لا ينبغي لها أن تطمح إليها. وراق الوزراء المصريين أن ~~يحسبوه كذلك من الغنائم التي لا تنال إلا بالدهاء و«المرونة» ولطف المدخل على عقول ~~الإنجليز، بل راقهم أتباعهم أن يحسبوا أنفسهم خادعين، ويحسبوا الفيكونت اللنبي ومستشاريه ~~الإنجليز مخدوعين في هذه المساومة التي ما كانت لتفلح في زعمهم لولا ما وهبوه من قدرة على ~~طرق الأبواب وتذليل الصعاب. ومن الطبيعي أن يكون هذا رأيهم أو زعمهم في تعظيم ما عملوه ~~وتسويغ ما فعلوه، ومن الطبيعي كذلك أن تمانع الحكومة البريطانية في المبادرة بإعلان التصريح ~~ما دامت تستطيع أن تمانع وتساوم وتعطي بالثمن الكبير ما هي خليقة أن تعطيه بالمجان، ولكن ~~الحقيقة أن الدولة البريطانية كانت وشيكة أن تفرض ذلك التصريح أو ما شابهه على مصر بغير ~~جهد الفيكونت اللنبي ولا مخادعة من ms084 الوزراء المصريين؛ لأنها اتبعت هذه السنة في كل أمة ~~شرقية غير مصر بعد الحرب العظمى، وبعد رواج المبادئ الولسنية التي استغلتها بريطانيا العظمى ~~في سياستها الاستعمارية، كدأبها في جميع المبادئ والدعوات الصالحة للاستغلال، فاعترفت ~~بمملكة الحجاز ومملكة العراق وخولتهما مظاهر الملك وألقابه وحقوق الدول والعروش دون أن يزعم ~~زاعم أن وزيرا بارعا أو غير بارع ضحك من عقول الإنجليز هناك فساقهم بدهائه ولباقته إلى ~~التسليم بالاستقلال من حيث لا يدرون ولا يشعرون. وعمم الإنجليز هذه السياسة حتى اعترفوا ~~بالحكومات الوطنية في مستعمرات أفريقيا التي لا نصيب لها من الحضارة، فهناك اليوم أمراء ~~وطنيون ومحاكم وطنية ورؤساء وطنيون ومراسم من هذا الطراز تخدع من يعبرون بالبلاد عبور ~~السائح، ولا ينفذون فيها إلى بواطن الأمور. ولم تخسر بريطانيا العظمى كثيرا، ولا قليلا ~~بهذه البدعة الطريفة من بدع الحرب العظمى، بل استفادت كل ما تبغيه وفوق ما تبغيه من السطوة ~~والمصلحة والدعاية؛ لأنها كسبت سمعة الحرية والإنصاف بين أمم العالم على أثر الدعوة ~~الولسنية، وكسبت إيقاع الفتنة بين الوطنيين وتدويخهم بالمنازعات الداخلية بدلا من الاتفاق ~~بينهم على السيطرة الأجنبية، وكسبت إلقاء التبعة عن كاهلها وإلقاءها على كواهل الوطنيين، ~~لتعود في يوم من الأيام فتتخذ من سوء الإدارة الذي لا بد منه في جو المنازعات والدسائس ~~وتغليب المفسدين وطلاب الفرص والمغانم حجة لها على أولئك الوطنيين، وكسبت إرضاء الأغرار ~~وذوي الأغراض الذين ترضيهم المظاهر والصور الخلابة؛ فيحسبون أنهم مستقلون لأنهم يوصفون ~~بأوصاف المستقلين. ونجحت هذه السياسة نجاحا أغرى الدول الاستعمارية باقتباسها والحدو على ~~مثلها، فاقتدت بها فرنسا في سوريا والبلاد المغربية واليابان في الأقطار التي اقتطعتها من ~~الصين. # ومعلوم أن بريطانيا العظمى احتفظت لنفسها في تصريح 28 فبراير بشروط أربعة، هي: ~~(1) # تأمين مواصلات الإمبراطورية في مصر. ~~(2) # الدفاع عن مصر من كل اعتداء أو تدخل أجنبي بالذات أو ~~بالواسطة. ~~(3) # حماية المصالح الأجنبية وحماية الأقليات. ~~(4) # مسألة السودان. # وهي لو لم تحتفظ بهذه الشروط الأربعة لكان في جيشها المقيم بالبلاد الكفاية ~~لتحقيق كل دعوى تدعيها وتضييع كل ms085 استقلال تعتصم به البلاد المحتلة. فإذا أضيفت إلى القوة ~~العسكرية هذه الشروط أو هذه الحقوق كما تريدها الحكومة البريطانية، فالذي يبقى من الاستقلال ~~لا يساوي عناءه، والذي يبقى من الحماية أو من الضم الصريح هو الجوهر الصميم الذي ليس يعني ~~القوم شيء سواه. # تحدث سعد بعد عودته من المنفى عن تصريح 28 فبراير فقال على أسلوبه في سرد الأمثال: # هو ناقة البدوي التي تباع بمائة درهم وتباع التميمة التي في رقبتها بألف، ولكن لا ~~تباع الناقة بغير التميمة؛ فما أملحها من صفقة (لولا الملعونة في ~~رقبتها)! # الفصل العاشر # | من المنفى إلى الوزارة # كان عدلي هو الذي قطع المفاوضات مع كرزون، وكان سعد هو الذي نفي إلى سيشل بعد قطع هذه ~~المفاوضات! # وليس هذا كل ما هنالك، بل كان اللورد اللنبي حريصا على بقاء الوزارة العدلية في الحكم، ~~ولما استقالت وأكدت استقالتها مرة أخرى كان حريصا على «إقناع أعضاء من حزب عدلي ~~بالانضمام إلى الحكومة»؛ لأنه يشعر كما قال في برقية العشرين من ديسمبر إلى حكومته «بأن هذا ~~الحزب لا محالة ممزق ما لم يتقدم الآن». # وهذا تصرف من جانب الإنجليز لا معنى له إلا أنهم يعتقدون أن المعارضة التي أحبطت ~~المفاوضات هي معارضة زغلول، وأن ما عداها إنما هو معارضة «المظاهر» والمراسم ومقتضيات ~~الأحوال. # وقد اجتمعت المعارضة الحقيقية ومعارضة المظاهر بعد نفي زغلول وأصحابه في صف واحد؛ فاجترفت ~~كل ما دبرته السياسة الإنجليزية وخيبت رجاءها في كل ما قدرته من تخويف المصريين بتهديد ~~اللورد كرزون في كتابه إلى السلطان، وشملت المعارضة السياسيين وغير السياسيين، فاشترك فيها ~~كبار القضاة والمحامين والأطباء، و«حزب عدلي» - كما يسميه اللورد اللنبي - وسائر الأحزاب ~~التي تنضوي إلى هذا الجانب أو ذاك، أو تقف بين بين في انتظار الطوارئ والتقلبات. # استقال عدلي وأكد استقالته مرة أخرى بعد اعتقال سعد وأصحابه لكيلا ينسب إليه الاشتراك في ~~هذا التصرف، وأسرع إلى اللورد اللنبي «يؤكد أنه شخصيا سيظل مؤيدا لحكومة السلطان ولقوى ~~القانون والنظام»؛ أي للأحكام العسكرية البريطانية بطبيعة الحال؛ ms086 لأنها هي القوى التي ~~تدعي حفظ القانون والنظام فيما عدا حكومة السلطان! # واستحال تأليف وزارة جديدة بعد المعارضة الإجماعية من جميع الطبقات للسياسة التي رسمها ~~اللورد كرزون في كتابه. # وبعد مفاوضات بين ثروت واللنبي أعلن في الثامن والعشرين من فبراير التصريح المنسوب إلى ~~هذا التاريخ؛ لأن أحدا لم يستطع أن يسميه تصريح إلغاء الحماية أو تصريح الاستقلال، أو ما ~~إلى ذلك من الصفات، لا فرق بين أنصاره المرحبين به، وخصومه المعترضين عليه! # تألفت الوزارة الثروتية عقب هذا التصريح، وأرسلت وزارة الخارجية المنشأة حديثا منشورا ~~في منتصف شهر مارس إلى وكالات الدول السياسية تبلغها النطق الملكي المعلن استقلال مصر ~~واتخاذ ولي الأمر لقب صاحب الجلالة ملك مصر. # وفي الوقت نفسه أعلنت الحكومة البريطانية الدول أن كل معاملة بينها وبين مصر على غير ~~الخطط التي رسمتها لاستقلالها تنظر إليها بريطانيا العظمى كأنها عمل من أعمال ~~العداء. # وبقيت الأحكام العسكرية وبقي اللورد اللنبي صاحب السلطان الأكبر في مصر المستقلة! وبمقتضى ~~هذه الأحكام كانت تغلق الصحف، وتمنع الاجتماعات، وتصادر الحريات في كل صباح ومساء، بل ~~بمقتضى هذه الأحكام العسكرية حوكم سبعة من أعضاء الوفد بعد إعلان الاستقلال بنصف سنة؛ لأنهم ~~أصدروا منشورا فيه إغراء وتحريض ضد نظام الحكم الحاضر؛ أي ضد الاستقلال! فوقف حمد الباسل باشا # 1 # وكيل الوفد إذ ذاك يتلو على المحكمة الكلمة الوحيدة التي قبلوا أن يلفظوا بها ~~في هذه المحاكمة، ومنها قولهم: «لو أن المحكمة تأخذ بتصريح حكومتها، أو تعتبره تصريحا ~~جديا، وهو أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، لكان حقا عليها أن تعلن من تلقاء نفسها عدم ~~اختصاصها بمحاكمتنا. لكم أن تحكموا علينا غير ضمائرنا وتوكيل الأمة التي يروقكم أن شرفتنا ~~وقوانين بلادنا ومحاكمنا؛ فمهما تكن العقوبة التي تروقكم أن تشرفونا بها، فإننا سنقابلها ~~بالسرور والفخار؛ لأنها خطوة إلى الأمام في طريق المجد الذي تسير فيه مصر إلى مصيرها ~~الخالد.» # وقد حكمت المحكمة العسكرية عليهم بالإعدام. ثم عدل الحكم إلى سبع سنوات وغرامة خمسة آلاف ~~جنيه على كل منهم. ms087 وأبلغوا حكم الإعدام أولا فهتفوا «لتحي مصر» قبل أن يسمعوا ما وراء ~~ذلك. ثم تليت عليهم تتمة الحكم وفيها ذلك التعديل، فكرروا الهتاف لمصر بالحياة. # أما الوفد بعد اعتقال سعد فقد عاد إليه بعض أعضائه المنفصلين، ثم تركوه بعد أيام لسبب ~~ظاهره أنهم اختلفوا على اختيار عضو من الأعضاء الجدد، وباطنه أنهم عرفوا السياسة التي ~~رسمت للمستقبل، وهي سياسة «حزب عدلي» - كما سماه اللورد اللنبي - فرجعوا إلى تأييد هذه ~~السياسة. # وقد أصدر الأعضاء الباقون منشورا مفصلا ببرنامج المقاطعة، وسياسة عدم التعاون مع ~~الإنجليز في الحكومة وخارج الحكومة؛ فقبض عليهم ثم أفرج عنهم، وعادوا فأصدروا منشورا ~~حضوا فيه الأمة على بذل ما في الطاقة لإعادة سعد وأصحابه من منفاهم، فقبض عليهم في الرابع ~~والعشرين من شهر يوليو، وحوكموا في التاسع من شهر أغسطس، وانتهت المحاكمة بعد ثلاث جلسات ~~وجيزة؛ لأن الأعضاء رفضوا بتاتا أن يجيبوا على أي سؤال. # أما الوزارة الثروتية فأهم ما صادفها من العقبات - غير مقاومة الأمة - احتجاج الحكومة ~~البريطانية على كثرة الجرائم السياسية التي كانت تقع على الموظفين وغير الموظفين الإنجليز، ~~ومنها ما كان يقع نهارا في أعمر الأحياء بالسكان. وقد قالت الحكومة البريطانية في ~~احتجاجها: # إن عدم الاهتداء إلى مرتكبي تلك الجرائم وبقاءهم ~~بعيدا عن طائلة العقاب يدل أوضح الدلالة على عدم كفاية التدابير التي اتخذت لمنع ~~وقوع تلك الاعتداءات، وإن الحكومة البريطانية تجد نفسها تلقاء هذه الحالة مضطرة ~~لأن تعتبر الحكومة المصرية مسئولة عن تعويض من يقع به اعتداء من الأجانب، أو تعويض ~~ورثته إن أدركته الوفاة، كما أنها تحتفظ بحق تقدير ما إذا كان التعويض الذي تمنحه ~~الحكومة المصرية كافيا أو غير كاف. # وفيما عدا ذلك الاحتجاج الرسمي كانت العلاقات بين الإنجليز والوزارة الثروتية علاقة مودة ~~وتأييد متبادل، وكانت العقبة الكبرى التي تلقاها الوزارة إنما هي الخلاف المتعاظم بينها ~~وبين الملك فؤاد على مسألة الدستور. # وخلاصة المسألة الدستورية أن الوزارة أنشأت برأيها ورأي أصدقائها لجنة مؤلفة من ~~ثلاثين عضوا برئاسة «حسين رشدي باشا» لوضع الدستور ms088 الجديد، تمهيدا لانتخاب الهيئة التي ~~تبرم الاتفاق بين مصر وإنجلترا على القضية المصرية. ودعت الوزارة عضوين أو ثلاثة من الوفد ~~المصري إلى الاشتراك في اللجنة فلم يجيبوا الدعوة؛ لأن تمثيل الوفد بهذا العدد القليل بين ~~ثلاثين من أنصار الوزارة المعادية للوفد ورئيسه عبث، لا يناله منه إلا التبعة وتصحيح مركز ~~الوزارة تصحيحا يقويها ويضعفه ويفل سلاحه، ولأنه كان من ناحية أخرى يقترح انتخاب جمعية ~~تأسيسية لوضع الدستور برأي نواب البلاد لا برأي الوزارة ومن يشايعها، ولأنه كان يستريب ~~بمقاصد عبد الخالق ثروت، ويناصبه العداء مقابلة لعدائه بمثله، وتطبيقا لسياسة عدم التعاون ~~التي أعلنها بعد اعتقال سعد وأصحابه. # وارتسمت الخطة التي كان ينويها ثروت باشا وأصدقاؤه، ويطمئنون إلى جريان الأمور في مجراها ~~إلى الغاية المنشودة؛ وهي تنفيذ الاتفاق بينهم وبين الإنجليز باسم النواب المنتخبين وضمان ~~الحكم على القواعد الدستورية. # فسعد وأصحابه في المنفى، والبقية الباقية من أعضاء الوفد البارزين في السجون أو ~~المعتقلات، والانتخابات تجري على الأسلوب الذي يحسنه ثروت باشا وجرى عليه في جمع التوقيعات، ~~وهو وأصدقاؤه من «حزب عدلي» ينزلون إلى ميدان الانتخاب بغير منازل، أو يقهرون منازليهم ~~بمعونة الحكومة وما عندها من وسائل الترهيب والترغيب وقضاء المصالح من هنا ومنعها من هناك؛ ~~ولا يبقى إلا النجاح والاستئثار بالأمر إلى زمن طويل. # ولهذا كانت الوزارة وأنصارها يقررون المبادئ التي تلائمهم في الدستور، وهي مبادئ التبعة ~~الوزارية والاعتراف بالأمة وحدها مصدرا للسلطات، بدلا من حصر السلطة الدستورية في أيدي ~~الملك، وهو الجانب الذي كانوا لا يأمنونه ولا يرجون منه المساعدة على نجاح الخطة المرسومة ~~وجريانها في ذلك المجرى المعلوم. وكان يشايعهم المخلصون من أعضاء اللجنة الذين لا ينظرون ~~إلى المآرب الحزبية ويؤثرون المبادئ الديمقراطية في الدستور على مبادئ الاستبداد. # فاستفاد الدستور كثيرا من حيطة الوزارة وإخلاص المخلصين، وجاء على الجملة دستورا لا بأس ~~به في القواعد والنصوص. # لكن الملك فؤادا كان يريد الدستور على غير هذه القواعد، فيما يرجع إلى التبعة الوزارية ~~ومصدر السلطات، ومجمل ما يريده في هذا الباب ms089 أن تكون الوزارة مسئولة بين يديه، وألا ينص في ~~الدستور على أن الأمة مصدر السلطات جميعا. فتوترت العلاقات بين القصر والوزارة الثروتية، ~~ولاح في الأفق أن الملك فؤادا يترقب الفرصة التي يتخلص فيها من تلك الوزارة دون أن يفتح ~~للإنجليز باب التدخل في الموضوع، وقد سنحت هذه الفرصة بعد زمن وجيز بما نقله محمد سعيد باشا ~~إلى الملك من حديث رواه حسن صبري «بك» المحامي عن الخديو السابق، وفحواه أن الخديو ~~يعتبر ثروت باشا من رجاله، ولا يخشى منه أن يقيم الصعوبات في تسوية ما له من المسائل ~~المالية ... وواجه الملك ثروت باشا بهذه الرواية، فلم يبق للرجل إلا أن يستقيل بعد قيام هذه ~~الشبهة، ثم قضى على تردده في نية الاستقالة أنه دعي للصلاة مع الملك في الجامع الأزهر، ~~وسمع من المصادر المختلفة أن مظاهرة كبرى ستلقاه في داخل المسجد وخارجه بما يكره من ~~هتافات التشهير والاتهام على مسمع ومشهد من ولي الأمر والحاشية الملكية، فعجل بالاستقالة ~~ولم يذكر فيها من أسبابها إلا أنه قال في ختامها: «وقد كنت أرجو أن أمضي مع زملائي في ~~تنفيذ برنامجنا حتى تمامه، ولكن أرى أن أترك الأمر لغيري.» # فجاءه الأمر الملكي بقبول الاستقالة بعد نصف ساعة من رفعها، وكان ذلك في التاسع والعشرين ~~من نوفمبر، وفي اليوم التالي قامت الوزارة النسيمية وغرضها الأول تعديل الدستور، وتوسيع ~~حقوق الملك في التبعة الوزارية، وتعيين أعضاء مجلس الشيوخ. # أما وسيلتها إلى هذه الغاية، فهي التقرب من الوفد واسترضاؤه بما يجنح به إلى السكوت عن ~~التعديل المقصود؛ فلا يرى الإنجليز وجها للاعتراض مع موافقة الملك والشعب على المبادئ ~~الدستورية التي يستقر عليها القرار. # ولهذا أكثر من دعوة الوفد إلى القصر الملكي وإلى الصلاة في المساجد التي يحضرها الملك ~~أيام الجمعة. وكتب ردا على مذكرة اللورد اللنبي التي يحتج فيها على حوادث الاعتداء ~~السياسي قال فيه: «إن تكرارها المؤلم منذ نحو سنة يحمل على الاستنتاج أن هناك رد فعل ضد ~~سياسة لا تراعي عواطف الأكثرية من الأهلين ms090 المراعاة الكافية، وهو رد فعل يؤسف له، كما ~~أنه صادر عن قلة روية من قبل بعض العناصر المتهوسة غير المسئولة، كما يوجد لسوء الحظ ~~في كل بلد. والذي يزيد في ترجيح هذا الافتراض أمر يستوقف النظر، وهو أنه في كل المدة التي ~~يؤمل فيها الوصول إلى اتفاق ودي بين لسان حال تلك الأكثرية والحكومة البريطانية ليس فقط ~~لم ترتكب جريمة من تلك الجرائم، بل إن العلاقات بين المصريين والإنجليز لم تكن قط أكثر ~~ثقة وأوفر ولاء مما كانت في تلك الفترة، مع أن الأمر صار على العكس من ذلك من يوم ما ~~أصبحت الحكومة البريطانية غير متصلة بممثلي الأكثرية المصرية بسبب المفاوضات غير الرسمية ~~أولا، ثم بسبب تدابير العنف التي تلت قطع المفاوضات الرسمية، وأخيرا بسبب التدابير التي ~~صاحبت الاتفاق مع أقلية لا تأثير لها حقيقة في الأمة؛ فزادت الحالة تحرجا والعواطف تألما؛ ~~مما جعل الاتفاق المرغوب فيه أكثر صعوبة.» # بيد أن هذا التقرب إلى «الأكثرية» لم ينفع الوزارة النسيمية طويلا في تخدير الأمة ~~وتهيئة الجو لتعديل الدستور؛ ذلك التعديل الذي يضيق من حدوده ويكاد ينقضه من أساسه، وهو ~~الاعتراف بسلطة الأمة والتبعة الوزارية. # فقد كانت الأمة أيقظ من أن تؤخذ بهذه الأساليب، أو تستمع فيها إلى رأي أحد، وزادها يقظة ~~وحذرا أن الوزارة لم تصنع شيئا في مسألة المنفيين والمعتقلين كما كان منتظرا منها، ولم ~~تصنع شيئا لتمثيل مصر في مؤتمر لوزان الذي كان منعقدا للنظر في مسائل الشرق وتنقيح ~~المعاهدات بين الحلفاء والدولة التركية صاحبة السيادة القديمة على مصر. فأذاع الوفد المصري ~~بيانا في العشرين من يناير قال فيه: «ما زالت الوزارة ملتزمة خطة الصمت، وما زالت مصالح ~~البلاد معطلة، فلا مثلت مصر في مؤتمر لوزان تمثيلا شعبيا، ولا ألغيت الأحكام العرفية، ~~ولا احترم حق الأمة في أن يكون الدستور وليد إرادتها، ولا عاد الوكلاء المنفيون، ولا أطلق ~~سراح الزعماء المسجونين، وهذا سر ما استولى على النفوس من الحيرة والقلق.» ثم قال: ~~«والأخبار متواترة أيضا على وقوع أمور ms091 خطيرة بشأن مشروع الدستور؛ فإنهم يؤكدون أن هناك ~~أخذا وردا بين الوزارة والإنجليز متعلقين بالنص الخاص بالسودان، وأن الوزارة قد أدخلت ~~من جهتها تعديلا جديدا على نص المشروع يقضي بزيادة عدد الأعضاء المعينين في مجلس الشيوخ ~~إلى النصف وتقرير مسئولية الوزارة أمامه.» # وأتبع هذا البيان بيانات أخرى في معناه. # ثم استقالت الوزارة النسيمية؛ لأن الإنجليز تخطوها ووجهوا إلى الملك إنذارا يطلبون فيه ~~حذف النص الخاص بالسودان من الدستور والاكتفاء فيه بلقب «ملك مصر» بدلا من «ملك مصر ~~والسودان»؛ فقبل نسيم باشا هذا الطلب واستقال بعد قبوله وتنفيذه! # وهنا يجب أن نلخص الحالة من حيث المناورات الوزارية لنفهم حقيقة الموقف الذي وقفه سعد ~~باشا من هذه الوزارة؛ لأنه موقف في حاجة إلى التوضيح. # وذاك أنه لما أحس رؤساء الوزارات والمرشحون لرياسة الوزارة أن رشدي وعدلي وثروت ~~وأصحابهم قد احتكروا الميدان في السياسة المصرية تألبوا حزبا واحدا على مقاومة هذا ~~الفريق، وأصبحوا فريقا آخر يرأسهم محمد سعيد وأحمد مظلوم وتوفيق نسيم ويوسف وهبة وإخوان ~~هذا الطراز، وأصبح في مصر على هذا التقسيم فريق وزاري يصح أن يسمى بالمدرسة المتفرنجة وهم ~~عدلي وأصحابه، وفريق آخر يصح أن يسمى بالمدرسة التركية وهم محمد سعيد وأصحابه. # وبحكم العداء بين الفريقين أصبح لزاما على «المدرسة التركية» أن تخطب ود الوفد وتتقرب ~~إليه، وتلوذ بالقصر الملكي؛ لتستند إليه في وجه المعاونة المكشوفة من الإنجليز لعدلي ~~وأصحابه. # وهذا سر الصداقة التي كان يبديها محمد سعيد وتوفيق نسيم وأحمد مظلوم لسعد زغلول بعد أن ~~كانوا جميعا يحاربونه أو لا يتقدمون إلى مساعدته بعمل من الأعمال. فسعى محمد سعيد في إنشاء ~~وفد غير الوفد السعدي، وأبى توفيق نسيم أن يوقع التوكيلات القومية، ولبث أحمد مظلوم على ~~صداقته للاثنين. # فلما جاء توفيق نسيم عقب عبد الخالق ثروت المجاهر بعداء سعد وأنصاره، واتبع سياسة التقرب ~~إلى الوفد، وكتب مذكرته يطلب فيها الاعتراف بالكثرة القومية، واستقال قبل أن ينسخ الدستور ~~وتنكشف أغراضه الخفية بلغ ذلك كله إلى سعد في جبل طارق، وهو بعيد ms092 من مجرى الحوادث ووسائل ~~الاستقصاء الوافية؛ فكتب إليه البرقية التي يقول فيها: # إنكم بعملكم الشريف ~~المفعم بالوطنية والحكمة استحققتم تقدير الوطن. # ونظر إلى الموقف في جملته بين أن ينصر حزب ثروت أو ينصر حزب نسيم، فاختار ~~ما اختاره بعد هذه الموازنة المجملة، وحدا به إلى حسن الظن بالرجل وعدم استغراب سياسته ~~الجديدة أنه كان صهرا له؛ إذ كانت شقيقة نسيم زوجا لشقيق سعد المرحوم أحمد فتحي ~~زغلول. # ولسنا نقول هذا لتسويغ ذلك التقدير، فإننا لا نسوغه الآن كما لم نسوغه في حينه، ولكننا ~~نقوله لتبيين الأسباب التي باعدت بين حكم سعد على الوزارة النسيمية، وما تستحقه هذه الوزارة ~~بما عملته وبما تنويه. # بعد سقوط الوزارة النسيمية اتجهت الأنظار إلى عدلي يكن باشا لاستئناف الخطة التي اقتضبت ~~على ثروت قبل تمامها، وكان عدلي باشا قد أنشأ حزبا ينزل به إلى ميدان الانتخاب وسماه من ~~أجل ذلك «حزب الأحرار الدستوريين». # ولكن الملك كان لا يرغب في استيزاره، ولا يزال يرجو أن تقوم وزارة من رجاله تعيد النظر في ~~الدستور على المبادئ التي يريدها، وتعاظمت المصاعب أمام عدلي بين مقاومة الوفد ومقاومة ~~القصر وكثرة الجرائم السياسية في أيام ترشيحه وصعوبة إصلاح الخطأ الذي وقعت فيه الوزارة ~~النسيمية، وإنجاز الوعود التي لم تنجزها، فاعتذر عن تأليف الوزارة وأصر على اعتذاره، وانتهى ~~الأمر في منتصف شهر مارس 1923 بإسنادها إلى يحيى إبراهيم باشا، وهو قاض نزيه ولكنه رجل ~~ضعيف كان يخشى كثيرا أن يتم تعديل الدستور المطلوب على يديه، وضاعف هذه الخشية قوله في ~~اليوم التالي لتأليفه الوزارة: «إن كان الناس قد تكلموا كثيرا عن التعديل الذي أدخل على ~~الدستور وتساءلوا عما إذا كانت وزارتنا تسلم بالتعديل الذي قد أدخلته الوزارة النسيمية ~~فتصدر الدستور كما عدلته، أم ترجعه إلى أصله كما وضعته اللجنة، فإن ما وضعناه نصب عيوننا هو ~~أن يحقق الدستور رغبات الأمة كل التحقيق.» # وهذا كلام ليس فيه من نفي التعديل بقدر ما فيه من ترجيحه. فاسترابت الأحزاب بما وراء هذه ~~الفاتحة، وكتب ms093 الوفد المصري بيانا يقول فيه: «إن ما نشر عن رئيسهم - رئيس الوزراء - كله ~~تنصل وإبهام؛ ففي الدستور لم تكن سيادة الأمة وإرادتها موضع عناية، بل إنه أقر من سبقه على ~~اغتصاب حق الأمة في وضعه، ورفع الأحكام العرفية ليس لديه إلا مجرد أمل من الآمال، وإصدار ~~قانون التضمينات بالقيود التي يود الإنجليز أن يقيدوا بها سيادة البلاد وحرية أبنائها قضاء ~~محتوما لا يرجو فيه - كما قال - سوى لطف فخامة اللورد والتخفيف. أما مسألة السودان على ~~أهميتها فقد اكتفى بأنها ستكون موضع مباحثاته مع زملائه.» # واحتج حزب الأحرار الدستوريين على التعديلات التي قيل إنها أدخلت على الدستور في عهد ~~الوزارة النسيمية، وأبلغ الوزارة الجديدة مطالبه في السياسة العامة، وأهمها العمل على اتباع ~~سياسة الاتحاد والوئام؛ لأنه أيقن أن مجاملة الكثرة خير من مجافاتها؛ ومن ثم طلب رفع ~~الأحكام العرفية في الحال وفك المعتقلين والإفراج عن المبعدين والمسجونين السياسيين، كما ~~طلب إصدار الدستور كاملا شاملا للمبادئ التي قررتها لجنة الدستور. # ونشر الأستاذ عبد العزيز فهمي بك خطابا مفتوحا إلى رئيس الوزارة، سرد له فيه المبادئ ~~التي لا يستغنى عنها في الدستور، وقيل إنها مست بالتعديل في عهد الوزارة النسيمية، وهي: ~~سلطة الأمة، واشتراك الوزارة في الإنعام بالرتب والنياشين، واقتصار حق الحل على مجلس النواب ~~دون مجلس الشيوخ، وإبقاء عدد الشيوخ المعينين دون عدد المنتخبين، وإشراك مجلس الشيوخ في ~~تعيين رئيسه، وعدم إصدار مراسيم أثناء دور انعقاد البرلمان قبل عرضها عليه، وعرض معاهدات ~~التجارة والملاحة على البرلمان، وإشراف الوزارة على المعاهد الدينية، وترك القيود التي قيد ~~بها تنقيح الدستور على ما هي عليه. # أمام هذا الإجماع من الأحزاب المختلفة تراجعت الوزارة، وأفضى وزير الحقانية في الوزارتين ~~النسيمية والإبراهيمية بحديث إلى الصحف اعترف فيه بحذف المادة التي تنص على أن الأمة مصدر ~~السلطات، وقال فيه عن عدد الشيوخ: «أؤكد لكم أننا قبل أن تخطر لنا فكرة الاستقالة عدلنا عن ~~تعديل كنا عدلناه في المادة الخاصة بمجلس الشيوخ بالنسبة إلى عددهم؛ لأن اللجنة الاستشارية ~~لفتت ms094 نظرنا إليها، ولم تزل هذه المسألة باقية تحت البحث كغيرها من المسائل.» # ثم سرت الحملة في مسألة الدستور من مصر إلى الصحافة الإنجليزية، فقالت التيمس بالعبارة ~~الصريحة: إن القصر هو المؤخر لصدور الدستور. وساندتها صحف أخرى من صحف الأحرار ~~والمحافظين، وتماوج الرأي العام في مصر حول هذه المسألة، فثبت للوزارة أن التعديل على ~~المبادئ التي يريدها القصر عسير غير مأمون العواقب، وصدر الدستور بغير تعديل ذي بال في ~~التاسع عشر من شهر أبريل. # وفي خامس يوليو صدر قانون التضمينات، وهو قانون تعويضات الموظفين الأجانب أهم ما أصدرته ~~الوزارة الإبراهيمية بعد الدستور، وقد أفرغ في قالب اتفاق بين مصر وإنجلترا ليمتنع تعديله ~~على البرلمان، واعترف بالحالة الفعلية فيما يتعلق بالأرض التي استولت عليها الحكومة ~~البريطانية، وعهد بالأشخاص المحكوم عليهم من المحاكم العسكرية إلى لجنة يسود فيها رأي ~~الإنجليز دون المصريين، ولم تقبل الحكومة الإنجليزية فيه أن تحمل التبعة فيما اتخذته من ~~التدابير أيام الحرب وما بعدها، بل اكتفت بوعد مبهم «أن تكون مستعدة على الدوام للاتفاق مع ~~الحكومة المصرية على الحل الذي تقتضيه الحالة بروح العدل والإنصاف» إذا حدثت حالة من ~~الأحوال التي تعود فيها الخسارة من جراء التدابير الإنجليزية. # وبصدور هذا القانون تم التمهيد لإلغاء الأحكام العرفية بالإنجليزية، فألغيت «مع استمرار ~~السلطات العسكرية على مباشرة الحقوق التي خولتها إياها الإعلانات المختصة بتنفيذ معاهدات ~~الصلح فيما عدا الحقوق الجنائية، وذلك إلى أن تتم التدابير المقررة في تلك الإعلانات، وتبقى ~~القضية المنظورة أمام المحاكم العسكرية إلى أن يحكم فيها». # ومن القوانين التي أصدرتها الوزارة الإبراهيمية - ولا تقل عن هذا القانون في الخطر والضرر ~~- قانون تعويضات الموظفين الإنجليز، وهو الوثيقة التي تعهدت مصر بموجبها بأداء ما لا يقل عن ~~عشرة ملايين من الجنيهات لتعويض الموظفين الأجانب، ثمنا لحريتها في الاستغناء عنهم واختيار ~~غيرهم، وهي لا تملك إلى الساعة هذه الحرية! # قبل صدور قانون التضمينات بثلاثة أشهر أفرجت الحكومة البريطانية عن سعد في جبل طارق، ~~وقالت في بلاغها: إن الطبيب المعالج لزغلول باشا قرر ms095 «أن تغيير نظام الحياة والاستحمام ~~بالمياه المعدنية في أوروبا ضروريان لصحة الباشا. ولهذه الأسباب قررت الحكومة بعد استشارة ~~المندوب السامي أن تفرج عن زغلول باشا من جبل طارق». # وكانت الأسباب الصحية في الواقع من أقوى الأسباب التي حملت الحكومة البريطانية على هذا ~~القرار؛ لأن الدكتور موريسون الذي زار سعدا في الثاني والعشرين من أكتوبر رأى أن الحالة ~~الصحية على جملتها مقلقة للسكر أو الزلال أو الأسيتون، وأخفى الخبر عن سعد فلم يطلعه على ~~تقريره المفصل بعد كتابته، تفاديا من إزعاجه. # وكان في النية التعجيل بالإفراج عنه عقب ذلك، ولكن اللورد اللنبي ظل يعارض أمر الإفراج ~~ويتوعد بالاستقالة، وصرح مستر بونارلو بذلك لأحد النواب المهتمين بالسؤال عن حالة سعد ~~وقرار الحكومة بشأنه في السابع عشر من شهر ديسمبر، فقال للنائب: «تريدون الإفراج عنه! حسن. ~~ولكن ذلك معناه إقالة اللورد اللنبي على الأثر.» # إلا أن الأسباب الصحية لم تكن هي كل الباعث إلى شروع الحكومة البريطانية في إطلاق سعد ~~زغلول؛ ففي مقدمة الأسباب الأخرى اقتناعها بفشل اللورد اللنبي في المقاصد التي كان يرمي ~~إليها باعتقاله وتأييد ثروت وأشياعه؛ فقد ساءت العلاقات بين المصريين والإنجليز أشد ما يتاح ~~لها من سوء، وبلغت من الحرج ما لم تبلغه قط في وقت من الأوقات، وتعاقبت أعمال القمع ~~والقضايا العسكرية من جهة، وحوادث الاعتداء ومظاهرات الاحتجاج من جهة، حتى أصبحت مصر ~~المستقلة المطلوب منها الرضى والاستقرار كأنها ميدان حرب دائمة بين عدوين متناحرين، ~~وليس هذا هو المقصود بسياسة التصريح، ولا يمكن أن يكون مقصودا بسياسة أخرى في بلد من ~~البلدان. # ولما سقط ثروت وأخفق عدلي في تأليف وزارة بعد الوزارة النسيمية، وصار الوزراء والأحزاب ~~يقدمون طلب الإفراج عن سعد وسائر المنفيين والمعتقلين على كل طلب آخر في البرامج الوزارية ~~والحزبية، شعرت الحكومة البريطانية بأن نجاح كل سياسة في مصر مستحيل مع بقاء هذه الحال أو ~~بقاء سعد في منفاه، وشعرت قبلها - أو بإيعاز منها - صحف الأحرار والعمال وبعض صحف المحافظين ~~بخطل السياسة التي سار عليها اللورد ms096 اللنبي، فأنحت باللائمة عليه، وأجمعت كلها على وجوب ~~النظر من جديد في عواقب تلك السياسة الخرقاء. # ومن الأسباب التي دعت إلى الإفراج عن سعد تلك القضية التي رفعها وكيل سعد في إنجلترا ~~طالبا الحكم فيها ببطلان أمر اعتقاله؛ لأنه سجن بغير محاكمة ولا تهمه معروفة. # نعم! إن الحكم من المجلس الأعلى قد صدر برفض هذه الدعوى، ولكنه لم يصدر إلا بعد جهد ~~شديد من النائب العام السير دجلاس هوج «اللورد هليشام» لإقناع الأعضاء باجتناب هذه السابقة ~~الخطيرة في معاملة الثائرين على الإمبراطورية، ويغلب على الظن أن أعضاء المحكمة كانوا ~~يفهمون بالإيحاء أن الإفراج حاصل عما قريب، فلا ضرورة لتسجيل المبدأ الخطير من أجل تحصيل ~~الحاصل. وقد نمى إلى بعض المطلعين أن الوزارة البريطانية قررت الإفراج في أول فبراير ~~وإرجاءه إلى أن ينتهي الفصل في القضية، وقد انتهى في التاسع من شهر مارس، وليس معنى ذلك ~~أن القضية لم تفعل فعلها في تقرير الإفراج، بل معناه أن الوزارة اهتمت بها، واهتمت في ~~الوقت نفسه بحسن التخلص منها ومن مثيلاتها؛ لئلا يقال إن الحكم هو الذي أكرهها على اتخاذ ~~ذلك القرار. # وربما كان أهم الأسباب جميعا - إلى جانب سبب الصحة - تلك الحركة التي أحسن توجيهها ~~الدكتور حامد محمود بين فريق كبير من نواب الأحرار والعمال بلغت عدتهم تسعة وتسعين؛ فقد كثر ~~الكلام في الدوائر البرلمانية عن فشل السياسة الإنجليزية المصرية، وعن وصمة العار التي تصم ~~الدولة البريطانية باعتقالها الشيخ العظيم وتعريضه للموت في منفاه، فترددوا على الوزارة ~~سائلين ملحين في وجوب الإفراج، وأجمعوا آخر الأمر على كتابة عريضتهم المشهورة، فقدموها في ~~التاسع والعشرين من شهر مارس وأذيع الأمر بالإفراج بعدها بيومين. # يضاف إلى ذلك أن قانون التضمينات سيصدر، وأن الأحكام العسكرية ستلغى، وأن ~~الانتخابات ستجرى، ولا بد أن تسفر عن انتخاب نواب مجمعين على المطالبة بعودة سعد إلى ~~بلاده؛ لأن خصومه وأصدقاءه كانوا يعلمون علم اليقين أن رضاء الشعب بغير هذه الوسيلة من ~~وراء كل رجاء، ولا معنى لإلغاء الأحكام العسكرية في ms097 مصر وإجراء الانتخابات فيها وزعيم ~~النواب المنظورين خاضع للأحكام العسكرية في منفاه. # ولقد كان الرجاء قويا في تحضير الانتخابات على الوجه الذي يهواه اللورد اللنبي أيام ~~ثروت وأشياعه، ولكن أي رجاء هناك في هذه النتيجة بعد سقوط ثروت وإحجام عدلي عن تأليف ~~الوزارة، وصعوبة المضي في هذه السياسة من جميع الأنحاء؟! # فالإفراج عن سعد كان كجميع الحوادث التاريخية متعدد الأسباب غير محصور في سبب واحد، وإنما ~~كانت المسألة مسألة الزمن، أو الانتظار حتى تتفق جميع هذه الأسباب. # غادر سعد جبل طارق بعد خمسة أيام من إعلان الإفراج عنه إلى طولون، ومعه السيدة الجليلة ~~صفية زغلول، وكانت قد وافته في منفاه لما اشتد عناؤه من الوحدة مع انحراف الصحة والحاجة إلى ~~حسن الرعاية. # فتلقاه الطلبة المصريون في عرض البحر بالترحيب والتهليل، ومنهم مندوبون عن زملائهم في ~~جامعات فرنسا وسويسرا حضروا خصوصا لتحيته وتجديد عهده. وخطبوا يذكرون مآثره، وخطب فيهم ~~راجيا أن ينسوه في تلك اللحظة ليفكروا في الذين لا يزالون يرسفون في قيود السجن ~~والاعتقال، ثم قال: «إن مصدر قوتي هو أني لست إلا معبرا عن شعور الأمة وآرائها معربا عن ~~تصميمها على أن تعيش حرة مستقلة.» # ثم توالى الإفراج عن المعتقلين في مصر؛ فأفرج أولا عن أعضاء الوفد الذين كانوا معتقلين ~~بقصر النيل، ثم أفرج في الرابع عشر من شهر مايو عن المعتقلين في صحراء ألماظة «المخزن»، ~~وهم حمد الباسل باشا وأصحابه الذين كتبوا منشور المقاطعة والاستبسال في رد سعد إلى وطنه، ثم ~~أفرج في آخر مايو عن المنفيين إلى سيشل، ثم سمح بزيارة بيت الأمة بعد إغلاقه برهة مع منع ~~الاجتماعات فيه، ثم نشرت الحكومة المصرية بلاغا في العشرين من شهر يوليو صرحت فيه ~~«بإمكان عودة جميع المبعدين» ومنهم سعد باشا؛ لأنه كان إلى ما قبل صدور قانون التضمينات ~~ممنوعا من العودة إلى بلاده. # وفي الثالث عشر من سبتمبر أبحر سعد من مرسيليا فوصل إلى الإسكندرية في السابع عشر منه، ~~ووصل إلى القاهرة في غده، وتكررت مظاهر الحفاوة الكبرى ms098 التي قوبل بها في العودة الأولى، ~~وزاد عليها في هذه المرة اشتراك الأجانب في الاستقبال بما كانوا ينثرون عليه من الأزهار ~~والرياحين بأيدي السيدات والأطفال حتى امتلأت بها السيارة. # وقد انحلت مشكلة الاستقبالات الرسمية هذه المرة؛ لأن القصر الملكي لم يعد مقاطعا الوفد ~~كما كان في المرة الأولى، ودار المندوب البريطاني لم تعد دار الحماية بعد إلغائها، فزار ~~سعد القصر وزار دار المندوب . # ونشطت مساعي التوفيق بين القصر وسعد على يدي توفيق نسيم ومحمد سعيد وأحمد مظلوم، فتمت ~~المقابلة الأولى بين الملك فؤاد وسعد في تاسع نوفمبر بعد ظهور نتيجة الانتخابات الثلاثينية، ~~وتحقق النجاح للوفديين فيها، وكان المظنون يومئذ أن سعدا لا يشكل الوزارة، وأنه قد يعهد ~~بها إلى توفيق نسيم أو أحمد مظلوم على الأرجح، أو إلى محمد سعيد على احتمال بعيد، وكان هو ~~لا يبوح بنياته لمن يسألونه في هذا الموضوع، وإلى ذلك أشارت صحيفة التيمس في بعض مقالاتها، ~~فزعمت أن سعدا لا يقدم على تأليف الوزارة؛ لأنها «مقبرة الشهرة» ... ولا يبعد أن يكون ~~هذا الاحتمال ملحوظا في مساعي التوفيق. # وقد جرت الانتخابات الثلاثينية في السابع والعشرين من سبتمبر؛ لأن الانتخاب كان على ~~درجتين لا على درجة واحدة، وجرت الانتخابات لمجلس النواب في الثاني عشر من يناير 1924، ~~فأسفرت عن نجاح مائة ونيف وتسعين نائبا وفديا من مائتين وأربعة عشر عدة الأعضاء في مجلس ~~النواب، ومن حسنات الوزارة الإبراهيمية أن رئيسها كان قاضيا نزيها في مباشرة الانتخاب، ~~كما كان قاضيا نزيها في المحاكم؛ فأدار المعركة الانتخابية بالحيدة الواجبة، وشهد ~~الكثيرون من رجال الأحزاب المختلفة أن الانتخابات في عهده كانت أنزه الانتخابات في جميع ~~العهود، حتى لقد أخفق هو نفسه في دائرته ولم يظفر بالنيابة التي كان يبتغيها. # بقيت انتخابات الشيوخ وتعيين الخمسين من الأعضاء الذين تعينهم الوزارة القائمة، فلم يبق ~~مناص من تأليف الوزارة الدستورية لمباشرة هذا التعيين، وعلى هذا أعرب سعد لمكاتب روتر عن ~~رأيه حين سأله فقال: «إذا اتبعت القواعد الدستورية وجب على يحيى إبراهيم باشا أن ms099 يستقيل ~~أمام حقيقتين كبيرتين: الأولى أن البلاد أوضحت رأيها بشكل لا يمكن الشك فيه، والثانية ~~أن رئيس الوزراء قد هزم في الانتخابات.» # وبدا من هذا جليا أن سعدا زعيم الكثرة البرلمانية لا يؤيد بقاء الوزارة إلى أن تتولى ~~اختيار الشيوخ المعينين، فاستقال يحيى إبراهيم باشا في السابع عشر من يناير، وتأجل النظر في ~~قبول استقالته إلى أن يعود الملك من السويس، فلم تقبل إلا بعد عشرة أيام. # وقبل إعلان قبولها بيومين أدب النواب لسعد مأدبة كبرى في فندق شبرد، خطب فيها مظلوم باشا ~~وسعيد باشا راجيا أن يقبل سعد رئاسة الوزارة إذا عرضت عليه، فنهض سعد وتلا خطابا مكتوبا ~~لم يشر فيه إلى شيء في قبول الوزارة، ولكنه لم يشر فيه كذلك إلى رفضها، وعرض على السامعين ~~ما يصح أن يسمى برنامجا وزاريا يسير عليه. # وفي اليوم التالي لقبول استقالة الوزارة الإبراهيمية دعي سعد إلى القصر الملكي، فمكث في ~~حضرة الملك نحو نصف ساعة، ثم خرج وتلا على الجموع المحتشدة في بيت الأمة نص الأمر الملكي ~~الصادر بتأليف الوزارة وإسناد رتبة الرئاسة إليه. # وفي ذلك اليوم كتب سعد بيانه الوزاري وهذا نصه: # مولاي صاحب الجلالة # إن الرعاية السامية التي قابلت بها جلالتكم ثقة الأمة ونوابها بشخصي الضعيف ~~توجب علي والبلاد داخلة في نظام نيابي يقضي باحترام إرادتها، وارتكان حكومتها ~~على ثقة وكلائها ألا أتنحى عن مسئولية الحكم التي طالما تهيبتها في ظروف أخرى، وأن ~~أشكل الوزارة التي شاءت جلالتكم تكليفي بتشكيلها من غير أن يعتبر قبولي لتحمل ~~أعبائها اعترافا بأية حالة أو حق استنكره الوفد المصري الذي لا أزال متشرفا ~~برئاسته. # إن الانتخابات لأعضاء مجلس النواب أظهرت بكل جلاء إجماع الأمة وتمسكها بمبادئ ~~الوفد التي ترمي إلى ضرورة تمتع البلاد بحقها الطبيعي في الاستقلال التام لمصر ~~والسودان، مع احترام المصالح الأجنبية التي لا تتعارض مع هذا الاستقلال. كما أظهرت ~~شدة ميلها للعفو عن المحكوم عليهم سياسيا، ونفورها من كثير من التعهدات والقوانين ~~التي صدرت بعد إيقاف الجمعية التشريعية وأنقصت من ms100 حقوق البلاد، وحدت من حرية ~~أفرادها، وشكواها من سوء التصرفات المالية والإدارية ومن عدم الاهتمام بتعميم ~~التعليم وحفظ الأمن وتحسين الأحوال الصحية والاقتصادية، وغير ذلك من وسائل التقدم ~~والعمران؛ فكان حقا على الوزارة - التي هي وليدة تلك الانتخابات - وعهدا مسئولا ~~منها أن توجه عنايتها إلى هذه المسائل، الأهم فالمهم منها، وتحصر أكبر همها في ~~البحث عن أحكم الطرق وأقربها إلى تحقيق رغبات الأمة فيها، وإزالة أسباب الشكوى ~~منها، وتلافي ما هناك من الأضرار مع تحديد المسئوليات عنها وتعيين المسئولين فيها، ~~وكل ذلك لا يتم على الوجه المرغوب إلا بمساعدة البرلمان؛ ولهذا يكون من أول واجبات ~~هذه الوزارة الاهتمام بإعداد ما يلزم لانعقاده في القريب العاجل، وتحضير ما يحتاج ~~الأمر إليه من المواد والمعلومات لتمكينه من القيام بمهمة خطيرة الشأن. # ولقد لبثت الأمة زمنا طويلا وهي تنظر إلى الحكومة نظر الطير للصائد لا الجيش ~~للقائد، وترى فيها خصما قديرا يدبر الكيد لها لا وكيلا أمينا يسعى لخيرها، ~~وتولد من هذا الشعور سوء تفاهم أثر تأثيرا سيئا في إدارة البلاد وعاق كثيرا ~~من تقدمها؛ فكان على الوزارة الجديدة أن تعمل على استبدال سوء هذا الظن بحسن الثقة ~~في الحكومة، وعلى إقناع الكافة بأنها ليست إلا قسما من الأمة تخصص لقيادتها ~~والدفاع عنها وتدبير شئونها بحسب ما يقتضيه صالحها العام؛ ولذلك يلزمها أن تعمل ما ~~في وسعها لتقليل أسباب النزاع بين الأفراد وبين العائلات، وإحلال الوئام محل الخصام ~~بين جميع السكان على اختلاف أجناسهم وأديانهم، كما يلزم أن تبث الروح الدستورية في ~~جميع المصالح، وتعود الكل على احترام الدستور والخضوع لأحكامه؛ وذلك إنما يكون ~~بالقدوة الحسنة وعدم السماح لأي كان بالاستخفاف بها والإخلال بما تقتضيه. # هذا هو بروجرام وزارتي وضعته طبقا لما أراه وتريده الأمة شاعرا كل الشعور بأن ~~القيام بتنفيذه ليس من الهنات الهينات خصوصا مع ضعف قوتي واعتلال صحتي، ودخول ~~البلاد تحت نظام حرمت منه زمنا طويلا، ولكني أعتمد في نجاحه على عناية الله وعطف ~~جلالتكم وتأييد البرلمان ومعاونة الموظفين وجميع ms101 أهالي البلاد ونزلائها. # فأرجو إذا صادف استحسان جلالتكم أن يصدر المرسوم السامي بتشكيل الوزارة على الوجه ~~الآتي مع تقليدي وزارة الداخلية: # محمد سعيد باشا لوزارة المعارف العمومية، وأحمد مظلوم باشا لوزارة الأوقاف، ومحمد ~~فتح الله بركات باشا لوزارة الزراعة، ومصطفى النحاس بك لوزارة المواصلات، ومحمد ~~نجيب الغرابلي أفندي لوزارة الحقانية، ومحمد توفيق نسيم باشا لوزارة المالية، وحسن ~~حسيب باشا لوزارة الحربية والبحرية، ومرقص حنا بك لوزارة الأشغال العمومية، وواصف ~~بطرس غالي أفندي لوزارة الخارجية. # وإني على الدوام شاكر نعمتكم وخادم سدتكم. # ومن الملاحظات على هذا البيان ما لوحظ في القصر الملكي، وهو أن رئيس الوزارة ذكر ~~«الرعاية السامية التي قابل بها جلالة الملك ثقة الأمة ونوابها»؛ فجعل الأصل في ولاية ~~الوزارة ثقة الناخبين. # وأنه قال: «شاكر نعمتكم وخادم سدتكم»، ولم يقل كما جرت العادة «عبدكم الخاضع أو خادمكم ~~المطيع». # ولوحظ في الدوائر القضائية تعيين الأستاذ الغرابلي لوزارة الحقانية، وفيها قدماء ~~المستشارين وكبار الموظفين من رجال القانون، وقد كان لهذه الملاحظة صداها فنقل الأستاذ إلى ~~وزارة الأوقاف، كما لوحظ في الصحف والدوائر السياسية تعيين سعيد باشا لوزارة المعارف، وهو ~~رئيس وزارة قديم، وهي من الوزارات التي لا تعد في الصف الأول بين وزارات الحكومة، وفهم من ~~ذلك أن اشتراك سعيد وصاحبيه مظلوم ونسيم في الوزارة إنما كان في مقابلة الدور الذي داروا ~~به لمعاونة الوفد على خصومه والتقريب بين الوفد والقصر بعد سقوط الوزارة الثروتية، وليس ~~اشتراكهم فيها عن تجانس أصيل في الميول والأفكار. # ومن قبل ذلك لاحظ بعض الناقدين أن دخول سعد ميدان الانتخاب يعد اعترافا بتصريح 28 ~~فبراير الذي أنكره واحتج عليه، وهي ملاحظة لا محل لها من الاعتبار؛ لأن تمثيل المصريين في ~~الحكومة حق لا نزاع فيه، فإذا اعترف به الإنجليز فليس ذلك سببا داعيا لصاحب الحق إلى ~~النزول عنه وإسقاطه بيديه، وقد دخلت جميع الأحزاب المصرية ميدان الانتخاب حتى ما كان منها ~~منكرا للمفاوضات والمعاهدات مع الحكومة الإنجليزية؛ فلا موجب إذن لانفراد الوفد بمقاطعة ~~الانتخاب، وهو لو ms102 قاطعه لما كان لذلك من نتيجة إلا تمكين خصومه من ادعاء النيابة عن ~~الأمة، وأن يبرموا باسمها ما يأباه الوفد وتأباه. # ولاحظ بعض الناقدين أن سعدا قبل الوزارة وكان عليه ألا يقبلها، وأن يعهد بها إلى ~~أحد أنصاره وحلفائه؛ لئلا يضطر وهو في الوزارة أن يجيز ما لا يجيزه الزعيم الوطني في حل ~~القضية المصرية، وفات هؤلاء أن مجرد التنحي عن رئاسة الوزارة لهذا الغرض معناه إعلان ~~الاستعداد للرضى بما دون المطالب الوطنية، واتخاذ المناورات المصطنعة لتسهيل النزول عن ~~تلك المطالب، ثم ماذا يكون إذا تطلب الأمر موافقة النواب وسعد رئيس النواب؟! فليس هنا من ~~ضرر يتقى باجتناب سعد رئاسة الوزارة عقب الانتخابات الأولى، ولكن الضرر كل الضرر في ذلك ~~الاجتناب. إنما ينبغي للزعيم الوطني أن يتنحى عن الانتخاب، أو يتنحى عن رئاسة الوزارة إذا ~~حبطت وسيلة الدستور لتحقيق المصالح العامة والمطالب القومية، وذلك تقدير لا يطالب سعد ~~بافتراضه في ذلك الحين، ولو كان يعلم الغيب العلم القاطع الذي لا مراء فيه لوجب عليه أن ~~يقنع الجماهير بما هو مقتنع به، وأن يضع أيديهم على الحقيقة بتجربة لا تحتمل الجدل. # وخير مقياس نقيس به خطة من الخطط أن ننظر إلى الخطة التي تناقضها، ونذهب معها إلى جميع ~~نتائجها لكي نوازن بين النتائج في الحالتين، وليس في نتائج رفض الانتخاب ورفض الوزارة في ~~ذلك الحين ما هو أجدى وأحق بالاطمئنان من نتائج القبول على أسوأ الفروض. # ومن ثم نحن من المعتقدين أن سعدا أصاب في قبول الوزارة هذه المرة، وأنه كان يخطئ لو ~~رفضها بعذر من تلك الأعذار، وليس منها ما يستحق المبالاة. # في أثناء وضع الدستور كان الملك فؤاد ينوي أن يجعل نصف مجلس الشيوخ من المعينين، وأن ~~يكل إلى هذا المجلس حق النظر في الثقة بالوزارة. # وبعد الانتخاب كان يأمر باستدعاء النواب الناجحين إلى القصر واحدا بعد واحد لينشئ بينه ~~وبينهم الصلة التي ينال بها من السلطان النيابي ما لم ينله بنصوص الدستور. # فلما استقر حكم الدستور على تعيين ms103 الخمسين من أعضاء الشيوخ، وحرمان هذا المجلس حق ~~الاقتراع على الثقة بالوزارة، كان من رأي الملك بداهة أن يتولى هو حق اختيار الأعضاء ولا ~~يكون للوزارة إلا التنفيذ، وهكذا نجم أول خلاف بين الملك فؤاد وسعد في عهد الدستور، وانحسم ~~الخلاف في حينه بتقرير المبدأ الذي يخول الوزارة حق الاختيار، وإجابة الرغبة الملكية في ~~ترشيح فئة من الأعضاء. # ثم جاءت أزمة أخرى من أزمات المراسم والأشكال، ولكنها تمس الخلاف بين الوفد وخصومه في ~~صميم المبادئ الأصلية، ساقها التقويم السنوي في ركابه ولم يسقها أحد باختياره. # وذاك أن اليوم الخامس عشر من شهر مارس يقترب والحكومة القائمة وفدية والبرلمان ~~وفدي، وتصريح 28 فبراير نظام بغيض لجميع هؤلاء، فكيف يحتفلون بهذا اليوم؟! لقد احتفلوا ~~به في السنة الماضية لأنه عيد الاستقلال، والرأي الغالب بين المصريين أن الاستقلال لم ~~يترتب، ولن يترتب على ذلك التصريح، فهل يحتفلون به هذه السنة على هذا المعنى، أو يهملونه مع ~~ما يتربط به من تبليغات مصر إلى الدول وإعلان لقب صاحب الجلالة؟ مشكلة بحق من مشاكل ~~الأيام. وقد حلها سعد باختيار ذلك اليوم لافتتاح البرلمان. فإذا تعطلت فيه دواوين ~~الحكومة، فلمن شاء أن يفهم أنها تتعطل احتفالا بعيد الدستور، وافتتاح الهيئة النيابية ~~الأولى في البلاد! # وهكذا كان، وخرج سعد في ذلك اليوم إلى جانب الملك يفتتحان البرلمان الأول، وتلاحمت ~~الجماهير والجند بين قصر عابدين ودار النيابة. وسمع لأول مرة هتاف الجماهير بحياة الملك ~~وسعد في صوت واحد، وكان شعار ذلك الموكب «يعيش الملك ويحيا سعد»، وهي كلمة لم تسمع قبل ذلك ~~في أنحاء وادي النيل؛ إذ كان الحجاب كثيفا بين القصر والرعية، ولم يزل كذلك إلى أن عاد سعد ~~من منفاه، فعود الجماهير كلما هتفوا بحياته أن يجيبهم قائلا بل نادوا: «لتحي مصر، وليحي ~~الملك»، فكانوا يجيبون عليه موفقين بين الأمرين: «يعيش الملك ويحيا سعد»، وكذلك كان ~~هتافهم يوم اجتمع الملك وسعد في موكب واحد، ومن عجائب التقادير أن هذه البدعة الناشئة لم ~~تقع من المسامع الملكية ms104 موقع الاستحسان. # الفصل الحادي عشر # | في رئاسة الوزارة # كان سعد باشا يقول إذا ذكرت وزارة الشعب الأولى وأزماتها ومعضلاتها: # إن عيبنا الأكبر في تلك الوزارة أننا أخذناها جدا وصدقنا أننا ~~مستقلون! # وهذا عيب من وجهة النظر الإنجليزية لا شك فيه؛ لأن الذي كان مطلوبا من سعد - على ما يظهر ~~- هو أن يصدق أنه رئيس حكومة مستقلة ولكن بمقدار ما يؤدي ثمن الاستقلال، ويحمل ما فيه من ~~المغارم والتكاليف، ثم ينسى الاستقلال كلما كان للسياسة البريطانية مطلب تبتغيه، وهو وشأنه ~~بعد ذلك في تمثيل هذا ا الدور ذي الوجهين. # لكنه يخلف لتمثيل دور ذي وجهين في رواية طويلة كرواية الاستقلال، فاكتفى بتمثيل الدور من ~~جانب واحد وهو جانب الاستقلال الصحيح، ومضى في وزارته كما يمضي كل رئيس حكومة في أمة ~~مستقلة، وترك للسياسة البريطانية أن تقنع بهذا الدور الصريح، أو تعلن أغراضها الخفية من ~~وراء الظواهر والمراسم، فتقوم هي بتمثيل الدور ذي الوجهين. # بدأ وزارته بالإفراج عن جميع السجناء السياسيين، وألغى نفقات جيش الاحتلال الإنجليزي التي ~~كانت تدرج في الميزانية المصرية، كأن بقاء الاحتلال مطلب من مطالب البلاد! # ورجع بالموظفين الإنجليز إلى حدودهم القانونية التي ترسمها لهم صفتهم الرسمية؛ وهي صفة ~~المستشارين والخبراء الفنيين، الذين هم موظفون يخدمون الحكومة المصرية لا الحكومة ~~الإنجليزية، يسألون فيجيبون بما يعلمون، ويتركون الرأي الأخير للوزير المسئول. # وأصبح هؤلاء الموظفون خاضعين للقوانين بعد أن كانت إرادتهم وحدها هي القانون. فلما ظهر ~~الخلل في أعمال بعضهم بوزارة المالية ووزارة المواصلات أمر بتحقيق التهم المنسوبة إليهم، ~~وقدم واحدا منهم إلى مجلس التأديب، وأصر على تقديمه للمحاكمة على الرغم من احتجاج دار ~~المندوب. # وكان على الحكومة المصرية أن تتلقى الأوامر من كل إنجليزي له مصلحة، أو هوى في السيطرة ~~عليها ولو لم يكن من الموظفين، فكان مستر كارتر يعمل - مثلا - في تنظيف مقبرة «توت عنخ ~~آمون»، ويستبد بفتحها وإغلاقها حين يشاء ولمن يشاء، ولا يبالي بما تقرره مصلحة الآثار من ~~مواعيد الفتح والإغلاق. وكل حقه في المقبرة أنه رجل ms105 مرخص له في التنقيب عن الآثار بالشروط ~~التي تسمح بها الحكومة لجميع المنقبين. # فلما نبهته الحكومة إلى خطئه لم يكترث لها، وأرسل إلى سعد باشا برقية ينذره فيها «بإقفال ~~المدفن ومقاضاة الحكومة المصرية»، وهو ينتظر في هذه الحالة ما ينتظر من كل حكومة مصرية ~~ينتهي إليها تهديد واحد من السادة المحتلين كيفما كان؛ لأن المرجع في الوزارات لمستشار أو ~~مفتش إنجليزي، وهو لا يقبل من المصريين أن يسمعوا هذا التهديد ولا يسرعوا إلى الخوف ~~والإذعان، فلما وصل الإنذار إلى سعد كتب إليه يقول: «لكم الحرية في أن تقاضوا الحكومة، ولكن ~~الحكومة تريد أن تكون مواعيد الزيارات مصونة ومحترمة، وأما ما يتعلق بإغلاق المدافن كما ~~تقولون، فإنه يشق علي أن أضطر إلى تذكيركم بأن المدفن ليس ملكا لكم، وأن العلم الذي ~~تدعونه بحق لا يمكن أن يسلم بإقدامكم مع زملائكم - من أجل أمر خاص بزيارة أفراد تريدون ~~تمييزهم - على ترك التنقيبات العلمية التي لا تهتم بها مصر وحدها أعظم اهتمام، بل يهتم بها ~~العالم كله أيضا.» # إنه جواب لا يعدو حدود الإنصاف ولا حقوق الحكومة، ولكنه قوبل بالاستياء بين الجالية ~~الإنجليزية؛ لأنه يخالف ما تعودوه، لا لأنه يخالف الإنصاف. # ولما نمى إلى سعد أن السودان سيمثل رسميا في معرض «ويمبلي» مع المستعمرات البريطانية، ~~كتب إلى حاكم السودان يسأله: «على أي قاعدة دعي السودان للاشتراك في هذا المعرض الخاص ~~بالمستعمرات؟ وكيف قبلتم أن تشركوا فيه من غير إذن الحكومة المصرية؟» # فجاءه الرد من دار المندوب البريطاني بأن حاكم السودان أبلغه نبأ تلك البرقية، وأنه كتب ~~إلى حكومته يستفسر عن المسألة، وسيكتب إلى الحكومة المصرية بفحوى جوابها. # فكتب سعد مرة أخرى إلى حاكم السودان يسأله ما سبب تأخير رده ويقول له: «إن المسائل التي ~~كلفتموها من شأنكم دون سواكم لتعلقها بأعمال هي من خصائصكم، وإني ما زلت في انتظار الرد ~~منكم، وأرجو ألا يتأخر الرد زيادة عما مضى.» # وأبرق إلى وزير مصر المفوض بالعاصمة الإنجليزية ليبلغ حكومتها احتجاج مصر على دعوة ~~السودان إلى ms106 معرض خاص بالمستعمرات البريطانية بدون علم الحكومة المصرية، وعلى قبول حاكم ~~السودان الدعوة بغير إذن من تلك الحكومة، وفي كلا الأمرين اعتداء على حقوق مصر، وعمل غير ~~ودي موجه للحكومة المصرية. # وقد جاءه الرد من الحاكم العام بالاعتذار من التأخير؛ لأنه أبلغ المعلومات المطلوبة إلى ~~المندوب السامي الذي هو الطريق المعتاد للمخاطبة بين الحكومة المصرية وحكومة السودان عملا ~~بالإجراءات المتبعة. # وجاءه الرد بهذا المعنى من اللورد اللنبي مشفوعا ببيان عن دعوة السودان إلى المعرض يقول ~~فيه: # إن الحكومة البريطانية لم يكن ليخطر لها أن تطلب أخذ رأيها ~~إذا وجهت الحكومة المصرية دعوة لحكومة السودان لتشترك في معرض تجاري شبيه بهذا ~~يعقد في مصر. وقد سبق أن قبلت حكومة السودان مباشرة ودون رجوع إلى دار المندوب ~~السامي أو الحكومة البريطانية ما عرضته الحكومة المصرية من تخصيص حجرة لمعروضات ~~السودان في المكتب المصري للتجارة والصناعة بالقاهرة، وذلك في يونيو سنة 1920. ومن ~~جهة أخرى فإن معرض ويمبلي ليس وقفا على الإمبراطورية البريطانية، بل إن فيه ~~أشياء أخرى متنوعة ذات فائدة عامة، مثل صورة لمسجد فارسي، ونماذج لشلالات نياجرا، ~~ومعرض من التبت، والسودان موصوف في الخرائط والفهارس المعروضة في القسم الخاص ~~بأفريقيا الشرقية باسم السودان الإنجليزي المصري؛ ولذلك لا محل لتساؤل الزائرين ~~للمعرض عن اشتراك السودان فيه. # وقد أجاب سعد بخطاب إلى اللورد اللنبي يقول فيه: # يتضح جليا من نص المادة الثالثة من الاتفاق المذكور - اتفاق سنة 1899 - أن ~~حاكم السودان العام موظف يعينه ملك مصر ويستمد سلطته من هذا التعيين ذاته، وتنص ~~المادة الرابعة صراحة على أن كل إعلان للقوانين والأوامر واللوائح يجب أن يبلغ ~~في الحال إلى المعتمد البريطاني في القاهرة وإلى رئيس مجلس نظار سمو الخديو المعظم؛ ~~وبناء عليه يكون الطريق الطبيعي الوحيد للتخاطب بين الحكومة المصرية وحاكم السودان ~~العام إنما هو الطريق المباشر، وهذا ما قصده واضعو اتفاق سنة 1899. وفعلا كانت ~~الحكومة المصرية وحاكم السودان العام يتخاطبان مباشرة في غضون المدة التي تلت توقيع ~~الاتفاق ... # ثم قال: # أما من جهة ms107 تمثيل السودان بمعرض ويمبلي، فقد بينت أنه بالنظر إلى الظروف التي حدث ~~فيها، لا يمكن أن يبرره الحكم الثنائي في إدارة السودان الداخلية، كما أوضحت أنه ما ~~كان يوجد لدى الحكومة المصرية أي اعتراض على أن يمثل السودان في معرض صناعي أو ~~تجاري بحت، وليس هذا حال معرض ويمبلي؛ ولذلك احتججت على تمثيل السودان في معرض ~~المستعمرات البريطانية. ولا شك أنه كان يسرني ألا يكون تمثيل السودان في هذا المعرض ~~إلا في نفس الموضع الذي وضع فيه تمثيل العجم والولايات المتحدة وتيبت في المعرض ~~المذكور. ولست في حاجة لأن أزيد على ما تقدم أني آسف لأن الحادث وقع ونحن على ~~أبواب المفاوضات. نعم! إن مسألة السودان كلها سيدور البحث عليها بيني وبين المستر ~~مكدونالد، ولكن من واجبي أن أحتج على كل عمل أعتبره ماسا بحقوق مصر. # ولما حان موعد المفاوضات بين سعد ومكدونالد كان الاستقلال هو الحق الأول الذي بنى عليه ~~المفاوضة، وجعله مبتدأ الحديث فيها ليكون ملحوظا بعد ذلك في كل دعوى أو مطلب عن المصالح ~~البريطانية، وفي ذلك يقول مستر مكدونالد من الكتاب الأبيض الذي صدر في سابع أكتوبر: أثناء ~~محادثاتي مع رئيس الوزارة المصرية أوضح لي زغلول باشا ما هي التعديلات التي لا يرى بدا من ~~إدخالها في الحالة الحاضرة في مصر. فإذا كنت قد فهمته حق الفهم فهذه التعديلات هي كما يأتي: # أولا: # سحب جميع القوات البريطانية من الأراضي المصرية. # ثانيا: # سحب المستشار المالي والمستشار القضائي. # ثالثا: # زوال كل سيطرة بريطانية على الحكومة المصرية، ولا سيما في العلاقات ~~الخارجية التي ادعى زغلول باشا أنها تعرقل بالمذكرة التي أرسلتها الحكومة ~~البريطانية إلى الدول الأجنبية في 15 مارس سنة 1922 قائلة: إن الحكومة ~~البريطانية تعد كل سعي من دولة أخرى للتدخل في شئون مصر عملا غير ~~ودي. # رابعا: # عدول الحكومة البريطانية عن دعواها حماية الأجانب والأقليات في ~~مصر. # خامسا: # عدول الحكومة البريطانية عن دعواها الاشتراك بأية طريقة كانت في ~~حماية قناة السويس. # أما في شأن السودان فإنني ألفت ms108 النظر إلى بعض البيانات التي فاه بها زغلول باشا باعتباره ~~رئيس مجلس الوزراء أمام البرلمان المصري في الصيف في 17 مايو، ويؤخذ مما علمته في هذا الصدد ~~أن زغلول باشا قال: «إن وجود قيادة الجيش المصري العامة في يد ضابط أجنبي وإبقاء ضباط ~~بريطانيين في هذا الجيش لا يتفق مع كرامة مصر المستقلة.» فإبداء مثل هذا الشعور في بيانات ~~رسمية من رئيس الحكومة المصرية المسئول لم يقتصر على وضع السردار السر لي ستاك باشا في مركز ~~صعب، بل وضع جميع الضباط البريطانيين الملحقين بالجيش المصري أيضا في هذا المركز. # ولم يفتني أيضا أنه قد نقل لي أن زغلول باشا ادعى لمصر في شهر يونيو الماضي حقوق ~~ملكية السودان العامة، ووصف الحكومة البريطانية بأنها غاصبة. ~~«فلما حادثت زغلول باشا في ذلك قال لي إن الأقوال السابقة التي قالها لم يكن مرددا ~~فيها صدى رأي البرلمان المصري فقط، بل رأي الأمة المصرية أيضا ...» # وبعد العودة من المفاوضات أوشكت مدة المستشار القضائي أن تنتهي فرفض سعد إبقاء هذه ~~الوظيفة، وأبى تجديد العقد لمن كان يشغلها، وكان ذلك في الثاني عشر من شهر نوفمبر لذلك ~~العام؛ لأنه لم يذهب إلى المفاوضة ليكون كل ما كسبه منها أن يعود متطوعا لتنفيذ السياسة ~~الإنجليزية، قابعا من قضيته بطلبات لا تجاب. # لا جرم صدق سعد أننا مستقلون وعمل بما صدق! لكننا نسأل هل كان في وسعه ألا يصدق؟ وهل كان ~~ينفعه عند الإنجليز - فضلا عن المصريين - أن يمثل الدور على وجهين؟ # إن الكثيرين ليفهمون أنه لم يفعل بمسلكه هذا في الوزارة إلا ما ينبغي لزعيم ينادي ~~بقضية وطنية، ولكنهم لو نظروا إلى الموقف من جميع جوانبه لفهموا كذلك أنه فعل ما ينبغي ~~للسياسي اللبق الذي يلمس الواقع ويحذر العواقب، ولا يفرط في شيء قل أو كثر من أجل «لا ~~شيء». # ولا حاجة إلى القول بأن سعدا لم يكن يطمع من المفاوضات في الوصول إلى كل ما جاء في ~~الكتاب الأبيض من المطالب، وهو نزول الإنجليز دفعة واحدة ms109 عن كل دعوى يدعونها وتهاونهم في كل ~~مصلحة يرومونها، ولكنه كان مسئولا أن يقر الأمور في نصابها ويضع القضية المصرية في موضعها. ~~وليس في استطاعته أن يأمل النجاح من مفاوضة يكون الأساس فيها أن مصر هي المطالبة ~~وإنجلترا هي صاحبة الحق في المنع والإعطاء، وإنما الأساس الصالح للمفاوضة أن مصر هي صاحبة ~~الحق في بلادها، وأنها إذا قبلت أن تراعي بعض المصالح البريطانية، فذلك من حسن نيتها ~~ورغبتها في السلام والصداقة. وقد سأل مستر مكدونالد سعدا في بداءة المفاوضة: ماذا تطلبون؟ ~~فكان الجواب الطبيعي أننا لا نطلب من إنجلترا سخاء ولا مبرة، وإنما شأن البلاد المستقلة ~~أن تكون على الصفة التي تقدمت في الكتاب الأبيض؛ لا إملاء ولا سيطرة على الحكومة في ~~سياستها الداخلية والخارجية، وكل ما نقص من ذلك فهو عطاء من مصر، ودليل على الهوادة والرغبة ~~في الوفاق. # هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعلم سعد أن الإنجليز لم يخلوا بينه وبين الوزارة ليمكنوا له ~~في الحكم ويثبتوا مركزه من الزعامة، ولكنهم أخلوا بينه وبين الوزارة عسى أن تكبحه أعباء ~~الحكم ومطامعه وتكف من غيرته وشنآنه، فيسمعوا من سعد الحاكم غير ما سمعوا من سعد الزعيم، ~~ولا يلبث المصريون أن يروا زعيمهم على حال غير الذي عهدوه وضعف غير الذي توقعوه؛ فيقال ~~لهم إن الزعامة الوطنية ليست إلا جعجعة في الخلاء يلغط بها غير المسئولين طمعا في ~~المناصب ومنافسة على المآرب، ثم يصبح الزعماء وغير الزعماء سواء فيما يقبلون ويرفضون، ~~وفيما يعملون ويقولون، ويذهب عناء الأمم وجهادها مع الريح! # وعلى كون هذه النية واضحة من سوابق الإنجليز مع سعد وازدادت وضوحا في أيام الحكم وبعد ~~تلك الأيام؛ لم يقتصر الأمر فيها على الظن والاستقرار، بل فاه بها اللورد اللنبي فعلا في ~~السودان بعد قيام الوزارة السعدية؛ حيث راح يقول لمن يلقاه من رؤساء الإنجليز الناقمين على ~~تلك الوزارة: «لقد وضعت زغلولا في قفص! وسنرى كيف يخرج منه أو يبقى فيه.» # ولعله كان يقول ذلك ليحفظ مهابته ويدخل في ms110 روع مرءوسيه أنه لم ينهزم، ولم يكن رجوع زغلول ~~إلى مصر ثم إلى الوزارة على كره منه وبغير تدبير مقصود على حسب رأيه، ولكنه لم يقل في ~~الحقيقة غير ما ينويه، وينويه معه رجال دوننج ستريت. # ولا شك أن مستر مكدونالد كان يود - بل كان يتمنى - أن ينجح في حل القضية المصرية وإبرام ~~الاتفاق بصددها مع سعد زغلول، إلا أنه كان يود ذلك لنجاحه هو في توطيد وزارته المتداعية ~~وإرضاء المحافظين والأحرار عن بقائه، والحل الذي يرضي المحافظين عن وزارة عمال متداعية ~~يريدون إسقاطها لن يكون نجاحا لسعد ولا نجاحا للقضية المصرية. # ولقد دلت الطوالع من أحاديث مكدونالد وتصريحاته على العواقب التي يرجى أو يخشى أن تؤدي ~~إليها، فإن مكدونالد كان يعلم أن سعدا لا يقر تصريح 28 فبراير، وأن هذا التصريح لم ~~يتيسر إعلانه في مصر إلا بعد أن يمهد بنفيه إلى سيشل، وأنه إذا جرت مفاوضات مع سعد فليس ~~بالمعقول أن يقبل دخولها على أساس هذا التصريح، ومع هذا كان مكدونالد لا يفتأ يعلن مرة بعد ~~مرة أن التصريح هو أساس ما يدعو إليه من مفاوضات، وأن السياسة البريطانية لا تتحول في ~~هذا الموضوع، ولو أنه قال إن المفاوضات حرة من كل قيد لما اعتبر ذلك نزولا من الحكومة ~~البريطانية عن تصريحها، ولكنه كان ييسر للزعيم المصري دخول المفاوضات على ذلك الأساس. ~~فكأنما كان المقصود هو اضطرار سعد عاجلا إلى الاعتراف بما لم يكن يعترف به قبل الوزارة وهو ~~يقدم على مفاوضات لا يضمن فيها النجاح، وقد يكون كل ما يصيبه منها أن ينقض موقفه بيديه وأن ~~يقيم الحجة عليه لخصومه، وأن يسجل على نفسه التقلب من أجل المناصب الحكومية من النقيض إلى ~~النقيض. # وما جاءت هذه المفاوضات إلا بعد مطاولة في المواعيد وتقاذف بالخطب والتصريحات وحوادث ~~مدبرة في مصر والسودان، وعزي في أثناء ذلك إلى مستر مكدونالد حديث جاء فيه أنه «حدثت في ~~الوقت نفسه حوادث يؤسف لها في السودان، تقع المسئولية في حدوثها على الحكومة المصرية ms111 بلا ~~جدال. وإني معتقد تمام الاعتقاد أن القلاقل الحديثة دبرها بعض أعضاء الحكومة المصرية، ~~وأن دولة زغلول باشا غض الطرف عن أعمال المتطرفين». # ثم انتهى الحديث بوعيد جاء فيه أنه «لا يمكن بحال ما أن يكون هناك محل للكلام في جلاء ~~الجنود البريطانية عن مصر، أو إبعاد القوات البريطانية عن منطقة القناة وفي استطاعتي أن ~~أقول إننا أعددنا العدة التامة لجميع الطوارئ»، فأغضى سعد عن هذا الوعيد، واكتفى بأن صرح في ~~حديث مع مراسل الديلي إكسبرس بأنه أخذ تذكرة العودة إلى مصر في يوم 17 سبتمبر - وكان يومئذ ~~في باريس - ثم قال إنه ظل ينتظر أن تعين الحكومة البريطانية الزمان والمكان للاجتماع، ولكنه ~~لا يرغب أن ينتظر أكثر من ذلك الآن وبعد أن صرح مستر مكدونالد بأن مواعيده المقبلة لا تسمح ~~له بترتيب موعد قريب للمقابلة. # فكان لهذا التصريح أثره، وكذب مستر مكدونالد الحديث المعزو إليه قائلا إنه دهش أشد ~~الدهش لسماع ما عزي إليه ... ووصف أقوال المراسل بأنها مناورة خبيثة مما يسمونه ~~صحافة! # وكتب مستر مكدونالد إلى سعد قائلا إنه يرغب رغبة شديدة في الاشتراك في إعادة حسن التفاهم ~~في العلاقات بين البلدين، وإنه يكون مسرورا لمقابلته بلندن في أواخر هذا الشهر. # وعلى ذلك سافر سعد إلى لندن، فكان من المصادفات التي لها دلالتها أن وفد السودان الذي ~~استقدمته الحكومة الإنجليزية لتمثيل السودان في معرض ويمبلي كان بين المستقبلين على المحطة ~~عند وصول سعد إلى العاصمة الإنجليزية، وكان أشد الهاتفين هتافا لاستقلال وادي النيل، وشارك ~~السودانيين رهط من أبناء الهند وفارس، فجعلوا يهتفون بلغاتهم وباللغة الإنجليزية لزعيم ~~الشرق الكبير، وكذبوا بذلك ما يقال من أن هذه المظاهرات لا تحصل حيث حصلت إلا بتدبير ~~وتحضير. # أنذرت الظواهر بالفشل من أول لقاء، وكأن مستر مكدونالد لم يكفه ما هنالك من النذر ~~والعلامات، فعمد إلى «مناورة» صبيانية لا خير فيها غير التكدير والإساءة والإغراء بالتشاؤم ~~والعناد؛ فبعد أن استقبل سعدا في حجرة بيته معتذرا بالمرض والإعياء، جاءته رسالة على حين ~~غرة، فوثب ms112 مهرولا إلى الديوان، ونسي مرضه وإعياءه، وخرج يعتذر في غير اكتراث وكأنه يقول: ~~«هناك مسائل لحجرة البيت ومسائل للديوان!» ولعله استكثر من رئيس وزارة مصرية أن يأنف من ~~مطاولة المواعيد ويستوثق من أساس المفاوضة قبل البدء فيها كما فعل سعد ... فأراد أن يريه ~~بهذه المناورة الصبيانية مبلغ ما تستحقه قضية مصر عند رئيس وزارة بريطانيا العظمى من ~~الاحتفاء والاهتمام. # وانقطعت المفاوضات في أوائل أكتوبر ولم تكد تستغرق الأسبوع. وقال سعد لمراسلي الصحف ~~الإنجليزية: ~~... لاحظت مع ذلك أن وزارة مكدونالد ترتطم الآن ~~بصعاب عديدة جعلتها مهددة بالسقوط. وقال لي مستر مكدونالد - بالرغم من كثرة شواغله ~~- إنه على استعداد للمناقشة وإياي، ولكني أختار المناقشة مع رجل أكثر حرية وأقل ~~مشغلة منه، وهو محاط بالشواغل من كل جانب. # ولا يظن ظان أنني أتيت إلى لوندرا لأوقع على اتفاق يمس حقوق مصر! فمن ظن هذا ~~وقع في الخطأ. إنني أتيت لأكسب لا لأخسر. فإذا كنت لم أكسب شيئا فإنني لم أخسر ~~شيئا. # وقال في حديث مع الماتان بعد عودته من باريس: # إن المحادثات فشلت نظرا ~~للتمسك بحفظ قوات بريطانية على قناة السويس ... وإنما إذا كانت حماية القطر المصري ~~للقناة تلوح غير كافية، فقد يقبل المصريون أن يضعوا القناة تحت حماية عصبة الأمم. ~~وإن مصر لا يسعها أن تتخلى عن السودان. # وقال في حديث مع البتي باريزيان: # إني قبل الدخول في المحادثة اشترطت ~~أن الشروع في المباحثات لا يمكن على أي وجه من الوجوه أن يمس حقوق مصر أو يضر ~~بها. ثم إن هناك أمرا تم التسليم به، وهو أنه إذا أفضت المحادثات إلى مفاوضات، ~~فإن هذه المفاوضة تجري على حد المساواة التامة، أو تكون مفاوضة الند ~~للند. # فيرى من جميع ما تقدم أن سعدا الزعيم لم يسلك في الوزارة إلا كما ينبغي أن يسلك ~~الوزير المحنك الخبير بعواقب الأمور. إنهم كانوا يسوقونه إلى شرك لا مفر له من الوقوع فيه ~~أو النجاة منه، وقد اختار هو النجاة واختار لها آمن طريق، وليس في مقدور ms113 ناقد أن يدله على ~~طريق آمن ولا أجدى عليه وعلى القضية الوطنية مما توخاه. # نعم، كان في الوسع تأجيل المفاوضة إلى موعد آخر، ولكن ماذا عسى أن يفيد هذا التأجيل؟ إن ~~مستر مكدونالد إذا سقط فليس الذي يليه بأسهل قيادا منه ولا أقرب إلى إجابة المصريين، ~~فالدخول في المحادثات كان ضربة لازب، وكان ضربة لازب أن تفشل، وكان ضربة لازب مع هذا ~~التقدير أن يسلك سعد في مفاوضاته وفي علاقاته بالسياسة البريطانية مسلك الزعيم، وهو بعينه ~~مسلك الوزير القدير والسياسي الخبير. # على أن المتاعب قد صادمت الوزارة السعدية من اللحظة الأولى، ولا سيما في مسألة السودان. ~~فلما أراد أن ينص في خطاب العرش على الاستقلال التام لمصر والسودان، حال بينه وبين ذلك ~~عبارة الإنذار الذي وجهته بريطانيا العظمى إلى جلالة الملك مباشرة - في عهد الوزارة ~~النسيمية - لاشتمال الدستور على اسم «ملك مصر والسودان». ولم يشأ صاحب العرش أن يستهدف ~~لأزمة أخرى من ذلك القبيل؛ فاستغنى سعد عن عبارة تحقيق الاستقلال التام لمصر والسودان ~~بعبارة «تحقيق الأماني القومية بالنسبة لمصر والسودان». # وهي العبارة التي أوشكت أن تدفع بسعد إلى الاستقالة، حين تعرض النواب لها بالتعديل ~~والتفسير، وقد أتبعها في بعض أحاديثه بتفسير يقول فيه: إن الآمال القومية هي الاستقلال ~~التام. # وما زالت مسألة السودان مثار السؤال والجدل والإحراج والتعنت من خصوم سعد الإنجليز ~~والمصريين في وقت واحد، كلا الفريقين يريد أن ينقلب المنصب الوزاري على سعد شركا ~~مرديا، وكلاهما يريد أن يرى كيف يعجز ويفشل، ولا يريد أن يرى كيف يقتدر وينجو بكرامة ~~الزعامة وكرامة القضية. # فالمعارضون في مجلس النواب يطالبون بعرض ميزانية السودان كما كانت تعرض على مجلس الشورى، ~~وهي أحرى أن تعرض على أول برلمان. # والموظفون الإنجليز في السودان يجمعون الأذناب والأتباع ليعلنوا ولاءهم للحكومة ~~البريطانية دون غيرها، واستمساكهم بالتبعية والإخلاص لتلك الحكومة العادلة المحبوبة تعريضا ~~بحكومة المصريين. # وإذا قوبلت هذه المظاهرة بمظاهرة من السودانيين المتعلقين بوحدة وادي النيل حل بهم ~~البطش الشديد، وحاق بهم العذاب الأليم. # فإذا شكوا ms114 إلى الحكومة السعدية - وليس لهم من يشكون إليه غيرها - فخصوم سعد الإنجليز ~~يمعنون في إحراجه بزيادة البطش والتعذيب، وخصومه المصريون يمعنون في إحراجه بطلب الإفراج عن ~~المعاقبين، وتعجيل الحساب والعقاب للموظفين المسئولين، وكان من هذا وذاك أنه استقال، ولم ~~يكد يمضي على الوزارة ثلاثة أشهر. # استقال بعد تصريح اللورد بارمور باسم الحكومة البريطانية - حكومة العمال - «بأن الحكومة ~~البريطانية لن تترك السودان بأي معنى كان». # فأجاب سعد على هذا التصريح بتصريح مثله في مجلسي النواب والشيوخ جاء فيه: # إنني بالنيابة عن الشعب المصري جميعه، وفي حضرتكم الموقرة، أصرح ~~بأن الأمة المصرية لن تتنازل عن السودان ما حييت وما عاشت ... إن حقوق الأمم لا ~~تضيع بمجرد أن يقول الغاصب إني أريد أن أتمتع بها دون أصحابها ... نعم أيها السادة، ~~لا يمكننا مطلقا أن نتنازل عن السودان، لا لأنه مستعمرة، بل لأنه جزء من كياننا، ~~بل لأنه منبع حياتنا، بل لأنه لا يمكن لمصر أن تعيش بدون السودان ~~أصلا. # وربما ظنت الحكومة البريطانية أنها تبيح نفسها مثل ذلك التصريح دون أن يجسر سعد على إباحة ~~مثله نفسه؛ لأنه قائم في منصب الوزارة، فيسمعه ويغضي عنه ويذهب إلى المفاوضة وهو مسلم به ~~سكوتا قبل أن يسلم به مقالا! فكانت إجابته على التصريح بمثله حتما، وكان حتما معها أن ~~يعرب عن زهده في الوزارة التي يحسبونها قيدا له يجبره على الإغضاء، وقد استقال فرفض الملك ~~قبول استقالته، وأبدى له - كما أبدى الشيوخ والنواب - أن فيما صرح به الكفاية للرد على ~~التصريحات الإنجليزية. # لم يكن المقصود إذن أن يرى خصومه الإنجليز والمصريون كيف يعمل في الوزارة، بل كان ~~المقصود أن يروا كيف يعجز عن العمل، وكيف يتغير في الوزارة ويخل بأمانة الزعامة، فلا هو ~~وزير ولا زعيم، وليس له وهو محاط بهذه النيات المدخولة أن يصنع غير ما صنع وأن يعالج ~~الشرك المنصوب بغير ما عالجه به من ثبات ومراس، هما في وقت واحد إقدام الزعامة وحيلة ~~السياسة، وإخلاص المجاهد وحيطة الأريب. # ولقد أصيبت وزارة سعد ms115 بالإجرام كما أصيبت بالإحراج، فوقعت في عهدها جنايتان وبيلتان، ~~إحداهما موجهة إلى حياته والأخرى موجهة إلى وزارته، وكلتاهما في اعتقاد سعد من تدبير ~~واحد. # أما الجناية الأولى، فهي حادثة الاعتداء عليه في محطة العاصمة، حين كان ينتوي السفر إلى ~~الإسكندرية لحضور تشريفات عيد الأضحى (12 يوليو سنة 1924). # اعتدى عليه شاب مفتون من أعداء المفاوضات؛ لأنها في رأيهم تصد الأمة عن سبيل الجهاد ~~الناجع، وقال في التحقيق إنه تعمد إرهاب سعد؛ لأنه يرغب في المفاوضة، ولأنه قال: «إن ~~الإنجليز خصوم شرفاء معقولون.» # وقد أصابته الرصاصة في الساعد الأيمن ثم في صدره، وحاول الجاني أن يطلق غيرها فتكاثرت ~~عليه الجماهير، وهموا بتمزيقه لولا رجال الشرطة الذين أحاطوا به فأنقذوه. ومن غرائب ما ~~حدث في هذا الاعتداء أن المسدس الذي كان مع الجاني اختفى عقب الاعتداء فلم يعثر له على ~~أثر، وشهد محام كان على مقربة من الجاني أنه رأى ضابطا إنجليزيا من ضباط الشرطة يخفيه ~~في جيبه، وأنكر الضابط ذلك واعترف بأنه أخفى شيئا في جيبه، ولكنه كان مقبض المنشة التي كان ~~يحملها وانكسرت في الزحام. # وأشرف على التحقيق بعض الوزراء، واستمر على الإشراف عليه حسن نشأت باشا وكيل وزارة ~~الأوقاف يومذاك، وبعد بحث طويل أحيل الجاني إلى الكشف الطبي، فقرر الدكتور «ددجن» كبير ~~الأطباء العقليين أنه مجنون، وتقرر اعتقاله في مستشفى المجاذيب، وهو المعتدي الوحيد على ~~الوزراء الذي صار إلى هذا المصير. # لقد تبينت شجاعة سعد منذ صباه في شدائد السجن والنفي والاضطهاد، كما تبينت شجاعته بالجهر ~~برأيه وإمضاء عزمه، ولو تصدى لإغضاب أقوى الأقوياء ... ففي هذه الجناية تبينت منه شجاعة أخرى ~~قد لا يتاح ظهورها كثيرا في حياة الأبطال المجاهدين بسلاح الحجة والإيمان لا بسلاح النار ~~والحديد، وتلك هي شجاعة الرجل في وجه الموت الداهم وهو منه على يقين؛ فقد نفذت الرصاصة إلى ~~صدره، وهو مصاب بشتى الأمراض التي لا تؤمن معها الجراح إذا نجا صاحبها من الموت بفتك ~~الرصاص، فما وجم ولا تردد ولا فكر لحظة فيما أصابه، ولبث ms116 كأنه ينظر إلى مصاب أحد لا يعنيه، ~~والتفت إلى الوزراء الباكين حوله يقول لهم: «لا تحزنوا، ولا تبتئسوا، إذا مات سعد فمبدأ سعد ~~باق لا يموت، اعملوا من بعدي، وثابروا على تحقيق سعيي.» # ولما قال بعض الوزراء: إن الله أرحم بمصر من أن تصاب بسوء، عاد يقول: «وماذا في ذلك؟ ~~نحن ميتون، فلنمت نحن وليحي الوطن.» # ونظر إلى جماهير الطلبة والشبان وهي تندفع على باب الحجرة التي نقل إليها، فوثب على ~~قدميه وجرحه لا يزال ينزف، وناداهم بصوت جهير يضرم الحمية في النفوس: «لا تكتئبوا ولا ~~تهتموا، إلى الأمام دائما، إلى الأمام!» ثم قالها بالفرنسية # Enavont ~~Enavont ~~. أما الجناية الثانية - وهي التي اعتبرها سعد موجهة «ضده» كما ~~قال عند سماع خبرها - فهي حادثة الاعتداء على «السردار» لي ستاك باشا بعد عودته من المفاوضة ~~بنحو شهر واحد. # فقد عاد سعد من المفاوضات، فوجد خصومه مجدين في محاربته بالشغب تارة والدسيسة تارة أخرى، ~~وسعى هؤلاء الخصوم بالوقيعة عند الأزهريين؛ لأنهم يعلمون من ماضي سعد أنه هو صاحب الرأي ~~قديما في إنشاء مدرسة القضاء الشرعي التي تخرج القضاة الشرعيين، وأن الأزهريين كانوا ~~ينقمون من نشأة هذه المدرسة؛ لأنهم يطلبون أن تنحصر فيهم وظائف القضاة وما إليها من وظائف ~~التعليم الديني وتعليم اللغة العربية قبل السماح بإجراء الإصلاح في برامج التعليم الأزهرية، ~~وكانوا قد عرضوا على الوزارة السعدية مطالب لتحسين أحوالهم فألفت الوزارة لجنة خاصة لدرسها ~~والإشارة بما تراه فيها، وعاد سعد من المفاوضات فاستثارهم خصومه مدخلين في روعهم أن مدرسة ~~القضاء عائدة وأن مطالبهم غير مجابة؛ فخرجوا في الطرقات يتظاهرون ويهتفون ويعرضون بسعد ~~في هتافهم مهددين متوعدين، ونسوا أو نسي صغارهم أن أمر المعاهد الدينية بيد الملك لا بيد ~~الوزارة، فإذا تأخرت إجابة المطالب، فليست الوزارة صاحبة الرأي الفصل في التأخير أو في ~~الرفض والقبول. # ثم تعاقبت أمثال هذه الدسائس والسعايات، واجترأ بعض الموظفين على الخوض فيها والحض عليها ~~لاعتقادهم أن الجهات العليا ترحب بإضعاف الوزارة السعدية وتنفير الناس منها، ولا سيما ~~رجال ms117 الدين والموظفين. # وكان يساعد على سريان التذمر بين طبقة الموظفين أن الوزارة فكرت في إصلاح نظام الدرجات ~~والترقية والتعيين، فخشي جمهرة منهم أن يتبع ذلك نقص المرتبات أو الاستغناء عن بعض الوظائف، ~~واستقال أحد الوزراء وهو محمد توفيق نسيم باشا المعروف بعلاقاته بالقصر الملكي، فكان هذا ~~وأشباهه من دواعي الظن بقرب أيام الوزارة وسهولة الخروج عليها والإساءة إليها. # وهكذا توالت الأزمات والمشكلات والمساعي الظاهرة والخفية، فبرم سعد بما يلقاه من كل ذلك، ~~وقدم استقالته إلى جلالة الملك في منتصف شهر نوفمبر مبينا لجلالته الأسباب الصريحة التي ~~تدعوه إلى الاستقالة، وفيها أن أناسا من كبار الموظفين المنسوبين إلى القصر يستخدمون اسم ~~جلالته لمحاربة الوزارة في الخفاء ... فقال له جلالته: إنه يثق به ويعتمد عليه، ورغب في عدوله ~~عن عزمه، فاعتذر بأنه قد فرغ من التفكير في هذا الموضوع. # فقال الملك لنبق المسألة إذن إلى غد. وحدث في هذه الأثناء أن الشيوخ والنواب أوفدوا ~~إلى جلالة الملك من يتوسل إليه أن لا يقبل الاستقالة، وأوفدوا إلى سعد من يرجوه العدول ~~عنها. فقبل أخيرا أن يستعفي من الاستعفاء - كما قال - ولكنه طلب إلى جلالة الملك - توكيدا ~~للثقة وقطعا لدسائس الدساسين - أن تدخل مسائل الأزهر والمعاهد الدينية ومناصب السلك ~~السياسي ومناصب القصر والرتب والنياشين في اختصاص مجلس الوزراء. ولكل طلب من هذه الطلبات ~~سبب من الحوادث التي مرت بالوزارة السعدية وبخاصة في الأيام الأخيرة. # فهو يريد أن تنظر الوزارة في مسائل الأزهر ليكون مسئولا حقا عن الإصلاح لا ليحرجه ~~المحرجون بطلب الإصلاح، ويمنعوه عمدا مبالغة في الإحراج، وهم يتظاهرون بصداقة ~~الأزهريين. # ويريد أن تنظر الوزارة في مناصب السلك السياسي لئلا يتمادى الوزراء المفوضون والسفراء في ~~إحراجها مع الدول - كما حدث من بعضهم في أوائل قيام البرلمان - وهم آمنون ما يستحقون من ~~جزاء. # ويريد أن تنظر الوزارة في مناصب القصر والإنعام بالرتب والنياشين؛ لأنه طلب إقصاء حسن ~~نشأت باشا من وكالة الأوقاف فنقل إلى القصر، وجاء على أثر ذلك إلى شرفات مجلس النواب وهو ~~يتشح ms118 بالوشاح الأكبر من نوط النيل، وقد أنعم به عليه بغير رأي الوزارة. # فأجاب الملك سعدا إلى هذه الطلبات، ووعده أن تضاف إلى الدستور، وأن يشرع في ذلك عقب رد ~~الاستقالة إذا شاء، هذا في اليوم السادس عشر من نوفمبر، وفي اليوم السابع عشر أعلن سعد في ~~مجلسي النواب والشيوخ أنه «تشرف أمس بمقابلة جلالة الملك، فأعرب له أنه متفق تمام الاتفاق ~~مع الأمة ومجلسي الشيوخ والنواب في الثقة بالوزارة، وأنه أمام هذا الإجماع لا يسعه قبول ~~استعفاء الوزارة؛ وبناء على هذا وعلى التصريحات التي لطفت من عبء العمل عليه ومن عنائه، ~~لم ير بدا من سحب الاستقالة والعود إلى العمل في حدود صحته». # سبق إلى بعض الظنون أن الوزارة سوف تستريح برهة بعد عودته إلى العمل لتتفرغ لشئون ~~الإصلاح التي شغلتها عنها الأزمات السياسية، ولكن لم يمض يوم واحد حتى وقع الاعتداء على ~~حياة السردار «لي ستاك باشا»، وهو خارج من وزارة الحربية، ولسوء الحظ كان الرجل على نية ~~السفر إلى السودان قبل ذلك بيوم، ثم أرجأ سفره لحضور مأدبة أقيمت له في القاهرة، فصادفته ~~المنية على أيدي أولئك الجناة. # ولو شاءت السياسة البريطانية لعلمت أن جناية كهذه قد وقعت في العاصمة الإنجليزية - وهي ~~قتل المارشال ويلسون - فلم يقل أحد: إنها دليل على خلل الحكومة أو سوء النية أو التقصير في ~~حفظ الأمن والنظام. # ولو شاءت لعلمت أن سعدا خليق أن يكره وقوع هذا الاعتداء أشد من كراهة الحكومة ~~البريطانية؛ لأنه اعتداء يصيبه هو ويصيب وزارته ويصيب الحكومة النيابية التي يمثلها، ولا ~~ينفعه في شيء، بل ينفع خصومه من الإنجليز والمصريين. # ولو شاءت لعلمت أنه قد أصيب باعتداء على حياته من جراء المفاوضات قبل أن ينزع الجناة إلى ~~إصابة حاكم السودان. # ولو شاءت لعلمت أن حاكم السودان هو قائد الجيش المصري، ولا مانع يمنعه من «تقدير ~~الظروف» وحماية حياته بما لديه من الحراس والجنود، وليس بالإنصاف ولا بالميسور أن تطالب ~~الوزارة السعدية بعناية أكبر من عناية الرجل نفسه، وفي البلاد ms119 «إدارة أوروبية» للأمن ~~والاستعلامات لا يفوتها الانتباه والتحذير. # ولكن السياسة البريطانية لم تشأ أن تعلم شيئا من ذلك وهو معلوم غير مجهول، وكل ما شاءته ~~أنها اغتنمت الفرصة كأنها كانت في انتظارها، أو كانت تشفق أن تضيع منها، وهي قد كانت حقا ~~في انتظار فرصة تزعج بها الوزارة السعدية جهد ما استطاعت من إزعاج. # قال اللورد جورج لويد في الجزء الثاني من كتابه «مصر منذ عهد كرومر»: # تخلت وزارة مستر رامزي مكدونالد عن الحكم في نهاية أكتوبر، ~~وخلفتها وزارة محافظة تولى فيها مستر أوستن شمبرلن وزارة الخارجية، وكان مستر ~~مكدونالد يفكر - بمعاونة المندوب البريطاني - في توجيه تبليغ إلى الحكومة المصرية ~~يسرد لها المخالفات المكررة التي خالفت بها النظام المتبع أو الحالة الواقعة، فواصل ~~مستر شمبرلن بحثه مع القاهرة في الصيغة التي يفرغ فيها هذا التبليغ، وكانت هذه ~~المخالفات تزداد أثناء ذلك، وآخرها رفض زغلول في الثامن عشر من نوفمبر بقاء وظيفة ~~المستشار القضائي وامتناعه من تجديد العقد للسير إيموس الذي كان يشغلها إذ ~~ذاك. # سنحت الفرصة إذن فينبغي ألا تضيع، وبلغ من التهافت على انتهازها أنهم لم يكلفوا أنفسهم ~~مشقة إخفاء النية المبيتة وراءها؛ فجاء في الإنذار البريطاني أنهم يطلبون من الحكومة ~~المصرية «أن تبلغ المصلحة المختصة أن حكومة السودان ستزيد مساحة الأطيان التي تزرع في ~~الجزيرة، فبدلا من أن تكون ثلاثمائة ألف فدان تكون غير معينة المقدار على نسبة ما تقتضيه ~~الحاجة» ... وجاء في ملحق الإنذار «أن القوانين والشروط الخاصة بخدمة الموظفين الأجانب ~~الذين لا يزالون في خدمة الحكومة المصرية وتأديبهم وخروجهم من الخدمة؛ يجب أن يعاد النظر ~~فيها وتنقح طبقا لرغبة الحكومة البريطانية»، وأنه «إلى أن يتم الاتفاق بين الحكومتين على ~~موضوع حماية مصالح الأجانب في مصر، تحافظ الحكومة المصرية على مركز المستشار المالي ومركز ~~المستشار القضائي، وتحترم سلطتهما وامتيازاتهما كما نص عليهما عند إلغاء الحماية، وتحترم ~~بالمثل مركز المكتب الأوروبي في وزارة الداخلية، ومعهما المالية كما حددت بالقرار الوزاري، ~~وتأخذ بعين الاعتبار المشورة التي يقدمها مديره العام ms120 في الأمور الداخلة في ~~اختصاصه». # أما الطلبات الأخرى فمنها الاعتذار الوافي الكافي، وقمع كل مظاهرة شعبية سياسية، ودفع نصف ~~مليون جنيه، وإصدار الأوامر برجوع الضباط المصريين والوحدات المصرية البحتة في الجيش المصري ~~من السودان خلال أربع وعشرين ساعة ... ومهد لهذه الطلبات بعبارة جاء فيها أن حكومة جلالة ~~الملك «ترى أن هذا الاغتيال - الذي يعرض مصر بالحالة التي تحكم بها الآن إلى ازدراء ~~الشعوب المتمدينة - هو النتيجة الطبيعية لحملة عدوانية على حقوق بريطانيا العظمى وعلى ~~الرعايا البريطانيين في مصر والسودان». # وعلم اللورد اللنبي أن أمنيته المرقوبة قد حانت آخر الأمر؛ فاحتفى ما شاء بمظاهر ~~التخويف والتشفي والإرهاب، وذهب في ركب يتقدمه مئات من حاملي الرماح إلى مجلس الوزراء، ~~وأعلن وصوله بنفخ الأبواق وقعقعة السلاح، فلم يتمالك سعد - كعادته - أن يلمح الجانب المضحك ~~من هذه المبالغة في استغلال فاجعة أليمة، وقال واللورد اللنبي يدخل عليه: «ماذا؟ هل أعلنت ~~الحرب؟!» # أما جواب الحكومة المصرية على الإنذار، فقد قبلت فيه ما له علاقة بالجريمة كالاعتذار ودفع ~~التعويض واقتفاء أثر الجناة ومنع المظاهرات المخلة بالنظام، ولم تقبل ما عدا ذلك من المطالب ~~التي لا علاقة لها بسبب الإنذار، فما هي إلا ساعات حتى أخذت البلاغات تتعاقب من اللورد ~~اللنبي بأنه أمر حكومة السودان أن تسرح الضباط المصريين، وأن تطلق يدها في زراعة الجزيرة، ~~وأنه سيتخذ ما شاء لحماية الأجانب، وأنه سيحتل الجمارك، ويتبع ذلك بضروب أخرى من النذر ~~والقوارع. # وكانت الوزارة قد رفعت استقالتها إلى جلالة الملك، فلما تعاقبت هذه التبليغات كتبت إلى ~~جلالته عريضة تقول فيها إنها «إزاء هذه التعديات المتتالية المضرة بالبلاد، لا يسع الوزارة ~~إلا أن تلح على جلالتكم بأن تتفضل بالإسراع في قبول الاستقالة؛ لأنه ربما كان في هذه ~~الاستقالة وفي قبولها ما يقي شر الأضرار المتوالية»، فقبل جلالته الاستقالة، وأعلن سعد في ~~المجلسين قبولها، وعقب على ذلك بقوله: «كذلك أصرح لكم أنا وزملائي بأننا مستعدون بكل ~~إخلاص لأن نؤيد في مجلس النواب الذي نحن أعضاء فيه كل وزارة تشتغل لمصلحة ms121 البلاد، ليس فينا ~~عاطفة معارضة إلا فيما يختص بالمصلحة العامة، فإننا نخدم هذه المصلحة ونؤيد كل من يؤيد هذه ~~المصلحة.» # وبذلك تم للسياسة البريطانية ما أرادته من إقصاء سعد، وإن لم يتم لها ما هو أفضل لديها من ~~الاستقالة العاجلة، وهو قبول المطالب ثم معاودة الإحراج لإقصائه بعد حين. # وإن الإنسان لا يدري بعد ذلك هل تعتبر السياسة الاستعمارية هذه الحوادث من المصادفات ~~السعيدة أو من الفواجع المحذورة؟! # فمقتل غردون في الخرطوم - وإنما قتل ؛ لأن الإنجليز القابضين على الحكومة المصرية لم ~~يبادروا إلى إنقاذه - قد أكسب السياسة الاستعمارية نصف السودان وهو القطر الذي يعدل القارات ~~في الاتساع وخصوبة الموارد، ولا تنال الدول مثله إلا بسفك دماء العشرات من القواد وعشرات ~~الألوف من الجنود. # وقالت السياسة الاستعمارية يومئذ إنها لا تشارك مصر في السودان؛ لأنها تدعي حقا في ~~ملكه أو السيادة عليه، ولكنها تريد هذه الشركة توسلا بها إلى منع سريان الامتيازات ~~الأجنبية عليه، وهي تسري على كل قطر تابع للدولة العثمانية، وقد يكون في سريانها على ~~السودان تعطيل لإصلاحه، وتقييد لحرية المصريين في حكمه ... وفيما عدا ذلك لا مطمع للدولة ~~البريطانية في الحكم ولا في الاستغلال. # وباسم مصر وحقها احتجت إنجلترا على فرنسا حين احتل القائد مرشان «فاشودة»؛ لأن ~~التعليمات قد صدرت «بتوطيد السلطة المصرية على ذلك الإقليم». # وباسم مصر وحقها دفعت الخزانة المصرية أكثر من عشرين مليونا من الجنيهات لتعمير ~~السودان وحراسته وتحصينه وتسديد العجز في موارده! # ثم جاء مقتل لي ستاك بعد مقتل غردون بنحو أربعين سنة؛ فضيع على مصر كل ما بذلته من ~~مالها ودمها في العصور القديمة والحديثة، ونقل ذلك حلالا زلالا سائغا إلى أيدي السياسة ~~الاستعمارية تتخذه ذريعة إلى زرع ما تشاء من الأرض، وإقصاء جميع الموظفين المصريين، وطرد ~~الجيش المصري كله، مع تكليف الخزانة المصرية سبعمائة وخمسين ألف جنيه للدفاع عن ~~السودان! # إن السياسة الاستعمارية لو راجعت نفسها لحارت كما نحار نحن؛ فلم تدر هل هذه الحوادث من ~~المصادفات السعيدة أو من البلاء المحذور! ms122 # ونعود إلى مصاعب الوزارة السعدية فنقول: إن الشواغل والأزمات لم تكن موقوفة على ~~العلاقات المصرية الإنجليزية وحدها وما يتفرع عليها؛ فإن الوزارة السعدية لم تقم في الحكم ~~أياما حتى قابلتها مشكلة عسيرة مع الحكومة الإيطالية، وهي إلحاح هذه الحكومة في تسليم عشرة ~~من اللاجئين السياسيين من أهل طرابلس قدموا إلى مصر، واعتقلتهم الوزارة الإبراهيمية قبل ~~قيام الوزارة السعدية. وكانت حكومة موسوليني تأبى أن تقنع بما دون التسليم، وثارت ثائرة ~~الأمة المصرية لهذه المطاردة العنيفة لأناس لم يقترفوا من وزر إلا الدفاع عن حرية بلادهم ~~كما يحق لكل إنسان، بل كما يجب على كل إنسان، واحتدمت النفوس غيظا من هذا اللدد الغريب في ~~ملاحقة اللاجئين بالعقاب بعد أن هجروا ديارهم وألقوا سلاحهم وذاقوا مرارة الخيبة والهزيمة، ~~كأنما هم الواترون وإيطاليا هي الموتورة المعتدى عليها التي لا ينبغي لها أن تنسى جزاء ~~الوتر والعدوان. # والطرابلسيون بعد جيران المصريين وإخوانهم في اللغة والدين وفي قضية الحرية ~~والاستقلال، والوزارة السعدية لا تشعر إلا بهذا الشعور، ولا يجمل بها - وعلى رأسها زعيم ~~المجاهدين الوطنيين في الشرق العربي - أن تسلم بيديها أولئك الغرباء المساكين للموت ~~والبلاء؛ فرفضت تسليمهم وأصرت على الرفض كل الإصرار، وخشيت في الوقت نفسه أن يتفاقم الخلاف ~~بينها وبين الحكومة الإيطالية تفاقما يجر إلى دخول الحكومة البريطانية في القضية؛ لأنها ~~مسئولة - كما تدعي - عن حماية الأجانب وعن علاقات مصر الخارجية، حيث يؤذن الخلاف بتعريض مصر ~~لاعتداء أو تهديد من إحدى الدول القوية؛ فتوسط سعد في فض هذه المشكلة بحل لا يسخط الحكومة ~~الإيطالية كل السخط وإن كان لا يرضي المصريين كل الرضى، واكتفى بإطلاق اللاجئين ~~المعتقلين ليبرحوا القطر إلى حيث يشاءون. # ولم ينته الخلاف مع إيطاليا بهذه المشكلة، بل نشبت بعدها مشكلة أخرى لإكراه الحكومة ~~المصرية على ضم واحة جغبوب إلى البلاد الطرابلسية، وقد استغرب الناس هذا التحرش بالوزارة ~~السعدية من الحكومة الإيطالية، حتى بدر إلى ظنهم أنها مغراة بذلك من أناس يتصلون بها، ويجوز ~~أن يحرضوها على خلق الأزمات لإحراج سعد وتكبير ms123 المصاعب عليه، وطال الأخذ والرد في هذه ~~المشكلة، حتى انتهت بالاتفاق بين قائد السلوم ومندوب الحكومة الإيطالية على حد موقوت بين ~~مصر وطرابلس تدخل به جغبوب والسلوم في الأرض المصرية، وسرعان ما عادت الحكومة الإيطالية ~~وحدها إلى تغيير هذا الحد بغير مشاورة ولا استئذان! # يضاف إلى هذه المشاكل كلها شواغل البرلمان الأول التي لا بد منها؛ فقد كان على الوزارة ~~البرلمانية الأولى أن تعرض عليه جميع القوانين والمعاهدات التي حدثت بعد فض الجمعية ~~التشريعية ، وكان عليها وعلى البرلمان أن يشتركا في ترتيب نظامه الداخلي وعلاقته بالوزارة ~~ومصالح الحكومة، وأن يشتركا في تعديل قانون الانتخاب على الوجه الذي يرضاه السعديون، وهم لا ~~يرضون عن قانون الدرجتين. # والبرلمان هل كان يخلو من صعوباته؟ وهل كانت الوزارة السعدية لا تحسب حسابه إلا لتستعين ~~به على خصومها في جميع قراراته ومناقشاته؟ # كلا! فقد كانت لأبي الديمقراطية المصرية صعوباته ومساجلاته أيضا مع البرلمان بمجلسيه من ~~نواب وشيوخ، وكان يحتاج أحيانا إلى قوته كلها ليروض بها قوة هذا البرلمان. ولا نعني ~~المعارضة وحسب؛ فإنها لم تكن تتجاوز عشر المجلسين في عدد الأعضاء، ولكننا نعني الأعضاء ~~الوفديين، وهم أنصار سعد وأبناؤه ومريدوه، وكانت تتألف منهم الهيئة الوفدية التي اكتمل ~~تأليفها بعد انعقاد البرلمان بنحو شهرين لتنظيم المناقشات ومنع الاحتكاك بينها وبين ~~الوزارة، وقال سعد في خطابه لأعضائها من مجلس النواب: # النظام يتطلب من ~~كل منكم أن ينزل عن جزء يسير من حريته حتى تجتمع الحرية كاملة من هذه الأجزاء ~~للهيئة التي قبلتم العمل تحت لوائها، والحرية متوافرة من قبل في اختيار الهيئة التي ~~تتضامنون معها واختيار النظام الذي تسيرون عليه، فلا معنى للقول بأن الحرية تنعدم ~~مع النظام. إن الحكومة منكم وأنتم عضد الحكومة، فيجب أن تكون هيئتكم منظمة ليمكن ~~أن يكون سير الحكومة منظما. # ومع هذا لم تخل جلسات الشيوخ والنواب من معارضة للحكومة في أمور أصرت فيها الحكومة على ~~رأيها وأصروا فيها على رأيهم، فلم يرجعوا عنه بعد طول المساجلة والجدال. # أودعت الحكومة القوانين الني ms124 صدرت قبل اجتماع البرلمان مكتب مجلس النواب، وفيها قانون ~~الاجتماعات المنظم لحق الاجتماع المباح بحكم الدستور في حدود القانون، فنظر مجلس النواب هذا ~~القانون في غيبة الوزارة دون أن يكون مدرجا بجدول الأعمال، وقرر إلغاءه بلا تقييد ولا ~~تعديل؛ فجاء سعد في الجلسة التالية (2 يوليو)، ولاحظ على مبدأ نظر القوانين في غيبة الحكومة ~~المصرية قائلا: # إن المسألة التي أريد عرضها على حضراتكم هي أنكم نظرتم ~~قانون الاجتماعات مع أنه غير وارد بجدول الأعمال، ولم تكن الحكومة حاضرة؛ فهل يجوز ~~أن يتخذ مثل هذا القرار في غيبة الحكومة؟! هذا ما أردت طرحه على حضراتكم لإبداء ~~الرأي فيه. # فقال أحد الأعضاء: # المجلس صاحب الحق المطلق في جدول أعماله، فموضوع ~~البحث هو: هل للمجلس - إذا لم تكن الحكومة ممثلة - أن يغير جدول أعماله قبل أن ~~يخطرها بذلك أم لا؟ فيجب أن تقرر أولا أن الحكومة تعمل على تمثيل نفسها دائما ~~في المجلس لتتوقى مثل هذه المسائل، والذي أفهمه أن مكتب المجلس كان يجدر به أن ~~يخطر الحكومة من باب المجاملة .... # فقال سعد: # ليست المسألة مسألة مجاملة. إني لا أقبل المجاملة في هذا! ~~ومحل ذلك في المسائل الشخصية، ولكني أعرض المسألة الآن رسميا، وليس هذا حق ~~الحكومة فقط، بل حق كل عضو علم بجدول الأعمال ولم يحضر الجلسة ثم عدل جدول الأعمال ~~فله أن يعترض، وأولى بالحكومة أن تعترض على ذلك باعتبارها الطرف الآخر «طرفا ~~مهما» ... وأن مصلحة المجلس تقضي بإعلانها؛ لأنها إذا كانت لا تقبل قرارا صدر في ~~غيبتها، فلها أن ترده للمجلس لا من باب المجاملة بل من باب ~~الإلزام. # واحتدت المناقشة طويلا، ثم أصرت الحكومة على رأيها وأصر المجلس على رأيه، وغاية ما سمح ~~به أن تنتظر الحكومة الفرصة التي تسنح عند إعادة القانون في مجلس الشيوخ إذا أعاده إلى مجلس ~~النواب، أو تتقدم إلى مجلس النواب بقانون اجتماعات جديد، أما الإلغاء فلا رجوع فيه. # وعرض القانون على مجلس الشيوخ فعدل بعض أحكامه ولا سيما في العقوبات، وعلم وكيل الداخلية ms125 ~~أن الحكومة ستنهزم في المناقشة، فاستنجد بوزير الداخلية محمد توفيق نسيم باشا، ودارت ~~المناقشة بعد حضوره كأشد ما تكون بين خصمين متناجزين، ثم سأل رئيس المجلس: ما هو رأي ~~الحكومة النهائي في هذه التعديلات؟ # فقال سعد باشا: «إن الحكومة لا تزال عند رأيها.» # وأخذت الأصوات فإذا المجلس يؤيد التعديلات ويخذل الحكومة، ولم يكن سعد يتوقع هذا، ولكنه ~~اغتبط به بعد ذهاب سورة المناقشة، وحمد الله «أن في مصر نوابا وشيوخا لا يقولون نعم ~~نعم ولا لا كلما قالها الحاكم أو الزعيم». # هذه الصعوبات البرلمانية كانت تتعب الوزارة في بعض الأحايين، فاصطلحت فيها الوزارة ~~والبرلمان على حد سواء بين الفريقين؛ فأما المسائل التي يتأزم بها مركز الوزارة والبرلمان ~~معا، فقد كان سعد يعتصم فيها بالثقة، وكان البرلمان يجاريه فيها؛ لأنه يعلم أن ليس وراء ~~قدرة الوزارة فيها قدرة قصرت في استخدامها. كذلك حدث في مسألة خطبة العرش وتفسير الأماني ~~القومية، وكذلك حدث في مسألة الجزية التركية التي رأى سعد أن يبطل التزام مصر بها ويودعها ~~في الوقت نفسه أحد المصارف انتظارا للفصل فيها محافظة على سمعة البلاد المالية، ورأى ~~المجلس غير ذلك ثم ثاب إلى رأي سعد في ختام المناقشة، وإن لم يعرض سعد مسألة الثقة في هذه ~~الجلسة. # وأما المسائل الأخرى فقد كان موقف سعد فيها كموقفه في قانون الاجتماعات؛ يدلي برأيه ويصغي ~~إلى رأي النواب والشيوخ، ويعمل بما يقررون. # وبعد هذه الشواغل جميعها، لا عجب إذا كان وقت الوزارة لم يتسع لإنجاز أعمال الإصلاح التي ~~كانت في نيتها وفي مقدروها. وهي لم تلبث في الحكم إلا تسعة أشهر تحسب منها أيام البطالة ~~وأيام السفر وأيام الاستشفاء والعلاج. فحسبها مع هذا جميعه أنها استطاعت أن تحقق معنى ~~الحكومة الأول وهو إطلاق الحرية للمحكومين في أوسع الحدود؛ فقد كان المصري يستمتع في عهد ~~الوزارة السعدية بحرية واسعة لا يستمتع الإنجليزي ولا الفرنسي بأوسع منها، وكان الأنصار ~~والمعارضون في هذه الحرية على حد سواء. فمن قرأ ما كانت تكتبه صحف المعارضين عن ms126 سعد وآل ~~سعد ووزارة سعد، علم أن الحرية المنشودة لا تتسع في بلد من البلدان لأكبر من هذه الحقوق ~~في النقد والمعارضة، بل في المهاجمة والتجريح. # واستطاعت الوزارة السعدية أن تشرع في إصلاح ميناء السويس، وفي مد السكك الحديدية بالوجه ~~البحري والتمهيد لتوسيعها بين الأقصر وأسوان، وفي إنشاء الطرق الهامة بالقاهرة كطريق الأزهر ~~وطريق الأمير فاروق، وما شابه ذلك من أعمال العمران، وأن تشرع في تعميم التعليم الإجباري ~~حسبما تتهيأ له موارد الدولة، ولم تحجم عن تشييد الجامعة المصرية إلا لأنها كانت تفهم من ~~معنى الجامعة أن تجعلها شيئا غير اجتماع المدارس العليا في صعيد واحد، كما قال سعد في ~~حديثه مع كاتب هذه السطور عندما كان ناظرا للمعارف العمومية، أو كما قال وهو رئيس للوزارة: ~~«إن الذي أفهمه أن الجامعة - بمعنى اجتماع المدارس العليا - موجودة الآن، وهي وزارة ~~المعارف!» وهو يعني أن الجامعة التي يريد إنشاءها - وقد وضع حجرها الأول يوم كان قاضيا ~~بمحكمة الاستئناف - هي الجامعة التي تعلم الطلاب الاستقلال بالبحث والتوسع في الإحصاء، ولا ~~تكتفي بالبرامج المعهودة في المدارس العالية قبل إنشائها. # ترى ماذا كان شعور سعد بسلطان الحكم الذي جلب عليه جميع هذه المتاعب وحمله جميع هذه ~~الأعباء وأحاطه بجميع هذه الدسائس والنكايات؟ أسرور؟ نعم! لا شك أنه تقبل سلطان الحكم في ~~بادئ الأمر بشيء غير قليل من السرور والرجاء، ولكنه سرور غير سرور الضعيف المزهو بمرتبة ~~رفعته، أو ارتفع هو لها بين سائليها والمتطلعين إليها، وإنما هو سرور الانتصار على الذين ~~حسبوا أنهم حائلون بينه وبين هذا المكان عنوة وقهرا، فإذا هو يدركه بحوله وقدرته ولا يحتاج ~~فيه إلى شفاعة شافع أو معونة معين؛ فهو شعور الظافر في الميدان والرابح في الرهان، لا شعور ~~الكسب أو المتعة بالعطاء! # ولكنه سرعان ما فقد حتى هذا السرور قبل أن يستقيل ببضعة أيام؛ ففي الليلة التي استرد فيها ~~استقالته كنت أتناول العشاء على مائدته مع بعض المدعوين، وكانت الطرقات حول «بيت الأمة» ~~تموج بالهاتفين والمهنئين، وهو في موقف ms127 خليق أن يحسبه انتصارا على الخصوم، ونجاحا فيما ~~طلب وفاتحة لعهد جديد. فتحولنا بالحديث إلى الحكم ومتاعب الحكام الدستوريين والمستبدين على ~~السواء ... فقال رحمه الله وهو يزم شفتيه في امتعاض وأسف: «إن أردتم الحقيقة ... أنا غير ~~ملذوذ!» وهكذا حوافز الحياة، أقوى ما فيها من عزاء للأقوياء العاملين أنهم قادرون على ~~النهوض بها وقادرون على احتمال صدماتها وعقابيلها، ولولا ذلك لما ثابروا على رجائها ولا ~~ثابروا على عنائها والعودة إليها، أما سرورها فهباء لا فرق فيه بين الأقوياء العاملين ~~والضعفاء الحالمين. # ويلي هذا الفصل فصل عن العلاقات بين الملك فؤاد وسعد، يليه تلخيص الحوادث التي جرت في مصر ~~بعد استقالة الوزارة السعدية إلى عودة الحياة النيابية كما يأتي. # الفصل الثاني عشر # | من رئاسة الوزارة إلى رئاسة النواب # فكر سعد في بقاء الدستور بعد ذهاب الوزارة، فأعلن في خطابه - الذي ألقاه على النواب ~~تبليغا للمجلس باستقالة الوزارة - أنه مستعد مع أصدقائه الكرام من أعضاء هذا المجلس لأن ~~يؤيدوا كل وزارة تشتغل لمصلحة البلاد. # وأعلن مثل ذلك في ندائه إلى الأمة باعتباره رئيسا للوفد، وفي خطاب ألقاه على الجموع ~~الذين وفدوا إلى بيت الأمة بعد استقالته حيث قال: # إنني مستعد لتأييد كل ~~وزارة تأتي وتكون حائزة للرضاء العام، عاملة على تحقيق أماني البلاد؛ فإن الموقف ~~دقيق جدا وأنا واثق من أني - وأنا خارج الوزارة - سأستطيع خدمة البلاد أكثر ألف ~~مرة مما لو كنت داخلها. وتأكدوا أن الله معنا، ولا بد أن تفوز الأمة في النهاية ~~إن شاء الله. # ولكن الغرض الأكبر في تلك الأيام لم يكن هو الخلاص من حادث السردار بوسيلة من الوسائل ~~المرضية، بل هو استغلال ذلك الحادث العظيم لتحطيم سعد ومن يواليه، ولا سبيل إلى هذا التحطيم ~~مع بقاء البرلمان وسريان أحكام الدستور. # وقد احتج البرلمان بمجلسه إلى عصبة الأمم على استغلال الحكومة البريطانية لحادث السردار ~~في اهتضام السودان وتمزيق الاستقلال المصري، فلم يجد هذا الاحتجاج صدى له بين أعضاء العصبة ~~إلا مندوبي إيران والسويد وأرجواي الأمريكية، وتعلل مندوبو الدول ms128 الكبرى بأن الاحتجاج لم ~~يعرض على العصبة من قبل حكومة قائمة؛ لأن الوزارة السعدية كانت قد استقالت والوزارة ~~الزيورية التي تلتها لا تحب أن تحتج على شيء من مطالب الإنجليز، ولا ترى للمسألة حلا ~~مستطاعا عندها إلا الإذعان لما طلبوه. # وأذعنت الوزارة الزيورية فعلا لجميع المطالب البريطانية، وأرسلت من مصر رسولا إلى ~~الضباط المصريين في السودان تأمرهم بالجلاء والعودة إلى بلادهم؛ لأنهم كانوا قد امتنعوا عن ~~العودة وتسليم السلاح، حين بلغهم نائب الحاكم العام أمره باسم الحكومة البريطانية، ردوا ~~عليه بأنهم لا يطيعون غير ملك مصر وأوامر حكومتها، فجاءهم هذا الأمر من الوزارة مع رسول في ~~طيارة بريطانية، فأطاعوا راغمين وتمسكوا بالعودة حاملين السلاح والأعلام، غير مخفورين ~~بالجنود الإنجليزية في طريقهم إلى الحدود. # وقد ترك زيور باشا رئيس الوزارة كل شيء للإنجليز من جانب، ولحسن نشأت باشا وكيل القصر ~~الملكي من جانب، ولإسماعيل صدقي باشا وزير الداخلية فيما بقي له من شئون الوزارة، فلا رأي ~~له ولا برنامج ولا إرادة، وسلمت الوزارة للإنجليز في مسألة جغبوب بالصحراء الغربية ومسألة ~~نهر الجاش في السودان، وهما الهديتان اللتان ساومت عليهما بريطانيا العظمى صديقتها إيطاليا ~~على حساب الحقوق المصرية والسودانية، وسلمت على الإجمال في كل ما أراده الإنجليز، ~~واستباحوا به نصوص الدستور والقانون التي لا تقبل التأويل، ومنها القبض على النواب وهم في ~~كنف الحصانة البرلمانية قبل أن يعرض الأمر على مجلس النواب، وجعلت شكوى النواب من عدوانها ~~على الدستور والقانون وتفريطها في حقوق البلاد ذريعة إلى حل المجلس، وتعطيل البرلمان قبل أن ~~تتقدم إليه. # ولم تعارض في مطلب من المطالب الإنجليزية إلا التوسع في زراعة القطن بالسودان؛ لأنه ~~المطلب الذي فضح المناورة الاستعمارية، وأحست الحكومة البريطانية أن اللورد اللنبي أخطأ ~~خطأ فاحشا في تضمينه إنذاره النهائي إلى سعد زغلول، وكان له دخل كبير في إقالة اللورد ~~اللنبي بعد ذاك بشهور، فاهتمت بمداراته وإصلاحه، وأوعزت إلى أحمد زيور باشا بالمراجعة فيه، ~~ولولا ذلك لما تحرك هو لمراجعة أو استدراك؛ لأنه رجل أشهر ما ms129 اشتهر به قلة الاكتراث ~~وفلسفة المعيشة الرخية وعلى الدنيا بعد ذلك السلام؛ فما كلف نفسه قط قراءة الصحف المعارضة ~~أو الموالية، وأعجب من ذلك أنه لم يكلف نفسه قراءة الدستور ... فإذا عرضت عليه حملة في إحدى ~~الصحف على الوزارة قال: أغلقوها، أغلقوها. ونسي أن الدستور يمنع إغلاق الصحف بالوسائل ~~الإدارية، وأن إغلاقها بهذه الوسائل مما تضيق عنه دائرة الاحتيال على النصوص، ويعرض ~~الحكومة للمطالبة بالتعويضات، وكلما كرروا له التنبيه كرر هو النسيان! # ولم يكتمل لوزارته في الحكم شهران حتى كان «حزب الاتحاد» قد ظهر في عالم الوجود، وظهرت له ~~صحيفة عربية وصحيفة فرنسية بأموال ليست أمواله على كل حال. وأصبح معيار الترقية عند عمال ~~الإدارة عدد الأعضاء الذين ينضمون على أيديهم إلى حزب الاتحاد وينفضون من الهيئة الوفدية، ~~وأبيح لهم في ذلك كل مباح، وتمادى بعضهم في حرب الدعوة لهذا الحزب ولغيره تماديا يزري ~~بشرف الإنسان، فضلا عن شرف الموظف الأمين. ومن أمثلة ما استباحوه في اضطهاد الوفديين فظائع ~~الدقهلية التي عرفت بفظائع أخطاب، وضجت منها أرجاء البلاد وألهبت في صدور المصريين كافة ~~ذحولا لا ينطفئ لها أوار، ولا يرجى معها فلاح لحكومة من الحكومات، وصدر فيها حكم القضاء ~~على ملاحظ البوليس بالسجن خمس سنوات جزاء له على ما ثبت من جناياته، وهو أيسر ما اتهم به ~~ونسب إليه، ومنه إجهاض الحوامل، وقص شوارب الفلاحين بمقصات الحمير، وإكراههم على التسمي ~~بأسماء النساء، وإهراق الماء على الأرض وتمريغ أنفسهم بأنفسهم في الوحل الذي صنعوه. # أما الانتخابات فقد كان الواجب أن تتم في ميعاد لا يتجاوز الشهرين على حسب نص الدستور، ~~وأن ينعقد المجلس الجديد في خلال الأيام العشرة التالية ليوم الانتخاب، ولكن الوزارة تعللت ~~بتعديل قانون الانتخاب وتنقيح الجداول للمطاولة في هذه المدة، فلم تحصل الانتخابات إلا في ~~اليوم الثاني عشر من شهر مارس، ولم ينعقد المجلس إلا في الثالث والعشرين منه، ويكفي لبيان ~~الأساليب التي جرت عليها الانتخابات الثلاثينية، ولم يعرف أن سعد زغلول أخفق في ~~الانتخابات الثلاثينية ولم يظفر ms130 بخمسة عشر صوتا تجعله مندوبا ثلاثينيا في الحي الذي هو ~~فيه! وعلى هذه الطريقة جرت الوزارة في تقسيم الدوائر حسبما يروق مرشحيها، وكتابة أسماء ~~الناخبين وحذفها كما يملي أولئك المرشحون، وإقامة الحراس في الطرقات ليصدوا أناسا عن ~~الصناديق ويدفعوا إليها بأناس آخرين. وبعد هذا كله ظهرت النتيجة، فإذا بسعد قد فاز بمائة ~~وأحد عشر صوتا في اليوم الأول، ولا تزال في الدوائر بقية لم تظهر لها نتيجة. ثم أدب النواب ~~السعديون مأدبة لزعيمهم في فندق سميراميس، فحضرها مائة وثلاثة عشر نائبا، واعتذر ثلاثة ~~بمرضهم مع تأييدهم للزعيم، وفي هؤلاء وحدهم الكثرة اللازمة لإسقاط الوزارة المهزومة. # إلا أن الوزارة زعمت أنها هي الفائزة بالكثرة المطلقة، وحسبت من أصواتها أصوات جميع ~~الأحزاب الأخرى، وهي: حزب الأحرار الدستوريين، وحزب الاتحاد، والحزب الوطني مضافا إليهم ~~المستقلون، وهم بطبيعة الحال لا يرجحون فريقا على فريق إلا بعد اجتماع البرلمان والاقتراع ~~على الثقة. وبهذه الدعوى استقالت الوزارة لتتألف مرة أخرى من جميع الأحزاب وفاقا لما ظهر ~~لها من نتيجة الانتخاب، وقال زيور باشا في خطابه إلى جلالة الملك: «لما كان البرلمان قد ~~أوشك أن ينعقد، فإن الوزارة ستعلن خطتها السياسية عند تقدمها إليه، وإني أتشرف بأن أعرض على ~~سدتكم أسماء حضرات الوزراء الذين قبلوا معاونتي في هذه المهمة محتفظا لنفسي بمنصب وزارة ~~الخارجية، وهم: يحيى إبراهيم باشا لوزارة الحقانية، وتوفيق دوس بك لوزارة الزراعة، وإسماعيل ~~سري باشا لوزارة الأشغال العمومية، ويوسف قطاوي باشا لوزارة المواصلات، وعلي ماهر بك لوزارة ~~المعارف العمومية، ومحمد علي بك لوزارة الأوقاف.» # ومن هؤلاء الوزراء أربعة من الأحرار الدستوريين، وأربعة من الاتحاديين، والبقية من ~~المستقلين، واحتفظ زيور باشا لنفسه بوزارة الخارجية خلافا للعرف الذي اطرد بالجمع بين ~~رئاسة الوزارة ووزارة الداخلية، ودليل على أن وزير الداخلية لا يزال في هذه الوزارة ~~منوطا بمهمة خاصة للإشراف على الانتخابات، وتسخير الإدارة في ضم الأنصار، وتشتيت الخصوم لا ~~يضطلع بها كل وزير، ولا يضطلع بها زيور باشا من باب أولى. # وألحت الوزارة في دعواها إلى ms131 أن كان يوم انعقاد البرلمان وانتخاب رئيس مجلس النواب، فلم ~~يظفر مرشح الحكومة عبد الخالق ثروت باشا بأكثر من خمسة وثمانين صوتا، وبلغت أصوات سعد مائة ~~وثلاثة وعشرين صوتا عدا صوته؛ لأنه انصرف قبل الاقتراع لانتخاب الرئيس. # وتأجلت الجلسة إلى المساء لإتمام انتخاب المكتب، والوزارة في هذه الأثناء تعد المرسوم بحل ~~مجلس النواب للسبب الأول الذي حلته من أجله في السنة الماضية، وهو الإصرار على تلك السياسية ~~التي كانت سببا لتلك النكبات التي لم تنته البلاد من معالجتها! وهو مناقض لنص الدستور ~~الذي يحرم حله مرتين بسبب واحد. # وجاء المساء فدخل زيور باشا ومعه ثلة من الجند وقرأ المرسوم وانصرف، وكان يلتفت قبل ~~تلاوته إلى منصة الرئاسة ليرى سعدا عليها، وينعم هو وشركاؤه بما رتبوه من رؤيته نازلا من ~~المنصة بعد انتصار الصباح، ولكنه كان قد ذهب إلى حجرة الرئاسة، ولم يعد إلا في أثناء ~~تلاوة المرسوم. # غاية ما يقال تلخيصا للحرب الانتخابية في هذه المرة أنها كانت حربا بين من استفادوا ~~بحادثة السردار، ومن أصيبوا بهذه الحادثة ومنهم الأمة بحذافيرها؛ فلا جرم أن تكون الأمة في ~~الجانب الذي ينبغي أن تكون فيه، ولا يعقل أن تنحاز إلى غيره. ومن خطأ اللورد اللنبي ~~وخلفائه أنهم قدروا للانتخابات المصرية مآلا غير المآل. # ويظهر أن إقالة اللورد اللنبي عقب الخطأ الفاحش الذي ارتكبه في الإنذار النهائي كانت ~~أمرا مبتوتا فيه منذ أوائل العام، ولكنهم أجلوه في الوزارة البريطانية ريثما تنجلي ~~المعركة الانتخابية عن مصيرها، خوفا على أصدقائه الوزراء المصريين من الفشل والهزيمة من ~~جراء تلك الإقالة أو الاستقالة، وأملا في الظفر بمجلس نيابي يساعده ويتوج سياسة التصريح ~~- تصريح 28 فبراير - بالنجاح. ولكن الانتخابات أسفرت عن خيبة جديدة وتقويض لسياسة الرجل لا ~~أمل بعده في الترميم والتلفيق؛ فعادت الصحف الإنجليزية تتحدث باستقالته، وهو ينفيها من ~~القاهرة ويوعز إلى الصحف الاحتلالية بتكذيبها. وتحققت الإشاعة بعد أسابيع، فأبلغها اللورد ~~اللنبي إلى جلالة الملك في التاسع عشر من شهر مايو، وغادر البلاد بعد أيام. # إن السياسة ms132 المصرية - على التخصيص بين السياسات العالمية - لا تتغير لسبب واحد. ولكننا ~~إذا أردنا أن نعرف لها قاعدة واحدة تتكرر في جميع التغييرات الهامة، فالأغلب أن الإنجليز ~~يشرعون في التغيير كلما انحصر النفوذ في ناحية واحدة، سواء أكانت ناحية القصر أم ناحية ~~الأمة؛ وعلى هذا غيروا سياسة الوفاق بعدما تبين لهم في عهد السير الدون غورست أن نفوذ ~~الخديو عباس ينبسط في أنحاء الأمة والحكومة، وغيروا سياسة الحكم الدستوري بعدما تبين ~~لهم أنه يقوي سعدا ولا يضعفه كما كانوا يقدرون، وأنشئوا حكومة زيور وهم يظنون أنها ~~حكومة متزنة يتعارض فيها نفوذ القصر ونفوذ الأحرار الدستوريين، وأن هؤلاء جميعا يسلطون ~~نفوذهم على سعد زغلول، فلا يرجح جانب على جانب من نفوذ الأمة أو نفوذ القصر أو نفوذ الوزارة ~~... فسرعان ما ظهر لهم أن تعطيل الدستور قد حصر النفوذ بأيدي القصر، وهيأ له أن يستبقيه ~~بين يديه في غياب الدستور وفي وجود الدستور، وانكشف لهم ما وراء إنشاء حزب الاتحاد من ~~المقاصد والتدبيرات ... إن الانتخاب الأول بعد استقالة سعد قد اشترك فيه الاتحاديون ~~والدستوريون من جماعة الوزراء، أما الانتخاب الثاني فلن يتسع لحزب غير الاتحاديين؛ لأنهم ~~سيوحدون فيه جميع الأحزاب! # وبرزت هذه النية بعد تشكيل الوزارة الزيورية الثانية، وانطلاق حسن نشأت باشا - وكيل القصر ~~الملكي - في السيطرة على دواوين القاهرة وفروع الأقاليم؛ فكانت أوامره تصدر إلى المأمورين ~~مباشرة في المراكز بغير وساطة الوزير أو المدير، وكانت أوامر الوزراء تلغى ولا تطاع، ولم ~~يلبث الاشتراك أن أفضى إلى الاحتكاك بين الأحزاب وبين أشخاص الوزراء، ثم سنحت الفرصة أخيرا ~~للخلاص من الدستور بضربة واحدة ترمي إلى هدفين؛ فقد ألف الأستاذ علي عبد الرازق - وهو ~~عالم ديني من أبناء بيوتهم الكبيرة - رسالة في الإسلام وأصول الحكم أدحض بها القول القائل ~~بوجوب الخلافة في الإسلام؛ فاهتم الاتحاديون بتجريد هذا العالم من صفة العالمية؛ لأن تجريده ~~يرضي القصر بما يقتص من رجل يعوق المسعى إلى الخلافة، ويرضيه من طرف آخر بما يحرج الأحرار ~~الدستوريين ويضطرهم إلى اعتزال الحكومة. ms133 فتم هذا التجريد، واستقال الوزراء من الأحرار ~~الدستوريين، واستعد الاتحاديون لخوض معركة الانتخاب منفردين. # فلما وصل السير - اللورد جورج لويد خلف اللورد اللنبي - إلى مصر، وصل وله وجهة مرسومة في ~~السياسة المصرية لا يطول فيها التردد والاضطراب؛ نفوذ القصر يجب أن يقف عند حد محدود، ~~والحياة النيابية يجب أن تعود، ولكن هل تعود الحياة النيابية ليعود سعد زغلول إلى نفوذه ~~الحكومي القديم؟ كلا! بل تعود الحياة النيابية في برلمان مؤتلف من جميع الأحزاب؛ فيحول ~~البرلمان دون انفراد القصر بالسلطان، ويحول الائتلاف دون انفراد سعد بالوزارة والبرلمان، ~~ولا ينحصر النفوذ في يد واحدة من أيدي المصريين. # وفي الوقت الذي كانت فيه السياسة البريطانية تتجه إلى هذا الاتجاه، كانت الأحزاب المصرية ~~تشعر بالخطر الواحد يهددها جميعا، وتعلم أن لا نجاة لها بغير الائتلاف؛ فتحدث رجالها في ~~توحيد الصفوف، وتزاوروا لتقريب ما بينهم من شقة الخلاف، وأزف موعد انعقاد البرلمان بحكم ~~الدستور في السبت الثالث من شهر نوفمبر، فعول الأعضاء على الاجتماع مدعوين أو غير مدعوين، ~~وأعلنت الوزارة أنها تمنع بالقوة كل اجتماع داخل البرلمان أو في مكان آخر، واحتلت دار ~~النيابة بنحو ألفين من الجنود، ولكن النواب والشيوخ اجتمعوا في فندق الكنتننتال، وباتوا من ~~أجل ذلك في الفندق لكيلا يحال بينهم وبين دخوله في الصباح. ومن طرائف زيور باشا أنه - وهو ~~يسكن ذلك الفندق - لم يدر بما كان يجري فيه، واستغرب هذه الضجة هناك على خلاف ~~المألوف! # وافتتحت الجلسة قبل الظهر فانتخب سعد رئيسا، ثم أصدر المجلسان قرارا بالاحتجاج ~~على تصرفات الوزارة، وعلى منع الأعضاء من الاجتماع في دار البرلمان بقوة السلاح، وباعتبار ~~دور الانعقاد موجودا قانونا، واستمرار اجتماعات المجلس في المواعيد والأمكنة التي يتفق ~~عليها الأعضاء. # ثم ندب الحاضرون وفدا من حضرات فتح الله بركات باشا، ومحمد محمود باشا، وعبد الحميد سعيد ~~أفندي لرفع القرار إلى جلالة الملك وتبليغه إلى الوزارة. # أما الوزارة فقد كان كل ما وسعها بعد هذا الاجتماع أنها كتبت إلى مفتش الجيش العام تلفته ~~إلى مسلك الضباط ms134 والجند، الذين أدوا التحية العسكرية لسعد وهو يمر بمجلس النواب في طريقه ~~من بيت الأمة إلى فندق الكنتننتال! # وقد اجتمع أصحاب السمو الأمراء بعد اجتماع البرلمان، واتفقوا على كتابة عريضة إلى جلالة ~~الملك يؤيدون فيها إعادة الحياة النيابية إجابة لقرار الشيوخ والنواب. # وبين هذه المآزق التي لا تعيش معها وزارة في بلد مستقل، لم ينقطع رجاء الوزارة الزيورية ~~في التعمير وحكم البلاد بالدستور أو بغير الدستور، بل راحت تشرع القوانين لفض الأحزاب، ~~وتمحو وتثبت في قانون الانتخاب، وعندها أنها بخير ما دامت لا تسمع من الإنجليز شرا ولا ~~تحس منهم نفورا، والإنجليز لم يسمعوها الشر ولم يشعروها النفور؛ لأنهم كانوا ينتظرون ~~منها الخدمة الأخيرة وهي تسليم جغبوب إلى الحكومة الإيطالية، فسلمتها ووقعت المعاهدة في ~~سادس ديسمبر، وظنت أنها قد اشترت البقاء من الإنجليز بهذا الثمن الفادح، ولم تدر أنها قد ~~ختمت بيديها على كتاب موتها، وكتبت وصيتها حين كتبت تلك الوثيقة. # ففي اليوم السادس أمضيت المعاهدة، وفي اليوم الثامن قابل اللورد جورج لويد جلالة الملك، ~~وطلب إلى جلالته إقصاء حسن نشأت باشا عن القصر، متذرعا بما حام حول اسمه من الأقاويل في ~~قضية مقتل السردار، فأجيب إلى طلبه بعد ممانعة قصيرة الأجل، وأقصي نشأت باشا إلى وظيفة في ~~السلك السياسي لم تكن مما يرتضيه. # وقد استمر التحدي والنضال بين الوزارة والأحزاب، فأجمعت الأحزاب على تجاهل قوانينها، ~~وأضرب العمد عن تنفيذ قانون الانتخاب، وحكم القضاء ببراءتهم حين أحيلوا إليه بتهمة عصيان ~~القوانين ومخالفة الأوامر، وازداد التقارب بين الأحزاب بهذه الوحدة بينها في محاربة ~~الوزارة، فكان أقوى مظاهرها مأدبة النادي السعدي التي أدبها سعد للنواب والشيوخ على اختلاف ~~أحزابهم «ليتم التعارف بينهم ويزول ما يكون في نفوس بعضهم لبعض من نفرة وجفاء، ويحل مكانهما ~~ما تقضي به روح التسامح من عطف وولاء». # ثم أعلنت الأحزاب في أوائل السنة الجديدة (1926) إجماعها على مقاطعة الانتخابات على غير ~~القانون الذي تريده، وخطا الزعماء خطوة أخرى في سبيل الوفاق، فزار معظمهم بيت الأمة، ورد ~~لهم سعد ms135 الزيارة في بيوتهم، واتفقوا على الدعوة إلى مؤتمر وطني يجمع الوزراء السابقين ~~والشيوخ والنواب ورجال الأحزاب وأعضاء مجالس المديريات والمجالس المحلية وسائر الجماعات ~~النيابية في القطر كله، ليقنعوا الوزارة بإجماع المرشحين على مقاطعة الانتخابات حسب قانونها ~~الجديد، فعجلت الوزارة قبل انعقاد المؤتمر بإجابة طلب الأحزاب (في 18 فبراير) وبلغته إلى ~~المؤتمرين، وقالت في بلاغها: إنه «توخيا لخطة الاتفاق التي سلكتها الحكومة الحاضرة في ~~أعمالها على الدوام وابتغاء التعجيل باجتماع البرلمان، قرر مجلس الوزراء في مساء هذا ~~اليوم أن يعرض مشروع مرسوم على حضرة صاحب الجلالة الملك للتصديق على إيقاف العمل بقانون ~~الانتخاب الصادر في 18 ديسمبر سنة 1925، وإجراء الانتخابات على مقتضى القانون نمرة 4 لسنة ~~1924». # أما المؤتمر الوطني، فقد التأم بمنزل محمد محمود باشا، وجلس سعد على منصة الخطابة وعلى ~~يمينه عدلي وعلى يساره ثروت، ثم تكلم في الحالة العامة فلخصها تلخيصا سريعا منذ استقالت ~~وزارته إلى قبول الوزارة الزيورية قانون الانتخاب المباشر، الذي يرضاه الوفديون ولا ترضاه ~~الأحزاب الأخرى ... وأشار إلى أن الوزارة عجلت بقبوله لتوقع الشقاق بين الأحزاب قبل ~~انعقاد المؤتمر، فقال في ختام خطابه ليقضي على رجائها هذا: «أذاعوا بأن الانتخاب على أساس ~~ذلك القانون أريد به إيقاع الشقاق بين الأحزاب المؤتلفة؛ لتنحل رابطتهم وتنقسم وحدتهم، ~~ولكنهم واهمون في زعمهم؛ لأن الاتحاد متين بين هذه الأحزاب.» # ثم دارت مناقشة طويلة في دخول الانتخابات أو عدم دخولها اعتمادا على أن المجلس القديم ~~قائم والحل باطل، فاتفق الحاضرون على دخولها ما عدا أربعة، وتلي عليهم اقتراح فحواه ~~المطالبة بإقالة وزارة موثوق بها للإشراف عليها. ثم انفضت جلسة المؤتمر بعد تأليف لجنة من ~~الأحزاب المختلفة لإنفاذ القرارات وبحث المقترحات. # على أن الوزارة لم تستقل، ولم يصر المؤتمرون على استقالتها لعلمهم بعجزها عن مقاومة ~~الأحزاب المؤتلفة في المعركة الانتخابية، واكتفوا باستعجال يوم الانتخاب، فصدر المرسوم ~~بدعوة الناخبين في اليوم الثاني والعشرين من شهر مايو لانتخاب أعضاء مجلس النواب ... وليس في ~~المرسوم موعد لانعقاد البرلمان! # وكانت الأحزاب قد تفاهمت مع الوفد المصري ms136 على الدوائر التي يتركها لها، ولا يرشح فيها ~~أحدا من أنصاره. فلما كان يوم الانتخاب أسفرت النتيجة عن انتخاب مائة وخمسة وستين ~~وفديا، وتسعة وعشرين حرا دستوريا، وخمسة من الحزب الوطني، وستة من المستقلين، وخمسة ~~من الاتحاديين ... إلخ. # على هذا وجب أن يدعى سعد باشا لتأليف الوزارة الدستورية، ولكن الوزارة الزيورية لم ~~تستقل، وهي لم تعلن من قبل ذلك موعد انعقاد البرلمان ... فهل قصدت إغفاله لأنه كان من الجائز ~~عندها - أو عند من أوعزوا إليها - أن يحصل الانتخاب ولا يحصل الانعقاد، أو يحصل ولكن ~~بشروط؟! # تداولت الألسن أن زيور باشا فاتح اللورد جورج لويد في أمر الاستقالة بعد الانتخاب ~~توا، فاستمهله بضعة أيام ريثما يتم الاتفاق على اختيار الخلف، وتحقق أن الإنجليز يريدون ~~عدلي يكن ولا يريدون سعد زغلول في رئاسة الوزارة، وتقابل سعد وجورج لويد في هذه الأثناء ~~فسأله جورج لويد: «هل ينضم عدلي إلى وزارتك إذا ألفتها؟» قال سعد: «أعتقد ذلك.» فقال جورج ~~لويد: «ولكن الإحساس الذي عندي لا يسمح لي بهذا الاعتقاد!» # غير أن سعدا هو زعيم الكثرة الغالبة على الرغم من تجاوزه عن بعض الدوائر في ~~الانتخابات، فكيف السبيل إلى منعه بمشيئة حكومة أجنبية أن يلي الوزارة الدستورية؟ # لا سبيل إلى ذلك لو جرت الأمور في حدود الصراحة، ولكن قضية الاغتيالات السياسية باقية، ~~ولا تزال فيها بقية صالحة للاستغلال. فلتكن هذه القضية إذن وسيلة امتناعه من تأليف ~~الوزارة، كما كانت قضية مثلها بالأمس وسيلة اعتزاله الوزارة وهو قائم فيها. # أصدرت محكمة الجنايات حكمها في قضية الاغتيالات السياسية اليوم الخامس والعشرين من شهر ~~مايو (1926)، فقضت «بالنسبة لمحمود أفندي عثمان مصطفى، والحاج أحمد جاد الله، والدكتور أحمد ~~ماهر، والأستاذ محمود فهمي النقراشي، والأستاذ حسن كامل الشيشيني، وعبد الحليم البيلي بك ~~ببراءتهم من التهمة التي نسبت إليهم وبالإفراج عنهم فورا إلا إذا كانوا محبوسين رهن قضايا ~~أخرى». # وعلى هذا يكون اتهام الوفد بتدبير هذه الجنايات باطلا بحكم القضاء، كما بطل من قبل ~~اتهامه بتدبير مقتل السردار؛ لأن الرجلين البارزين ms137 من رجال الوفد اللذين كانا بين المتهمين ~~- وهما الأستاذان ماهر والنقراشي - قد برئا من التهمة، ولم تعد للوفد صلة بهذه القضايا ~~على جميع الاعتبارات. # إلا أن ما يبطل بحكم العقل أو يبطل بحكم القضاء قد تشاء السياسة ألا تبطله، فيكون لها ~~الحكم النافذ متى كان وراءها الجيوش والأساطيل. # فبعد أسبوع من صدور الحكم - أي بعد قيام مشكلة الوزارة - كتب مستر كرشو أحد القضاة ~~الثلاثة الذين كانوا في محكمة الجنايات خطابا إلى وزير الحقانية استهله بقوله: # آسف لاضطراري إلى إبلاغ معاليكم أنني - بعد مداولة مع زميلي دامت خمسة أيام - ~~أجدني لا أستطيع الموافقة على الحكم الصادر في قضية محمد فهمي علي وآخرين إلا فيما ~~يتعلق بمحمد فهمي علي المحكوم بإعدامه، ومحمود فهمي النقراشي المحكوم ببراءته، وعبد ~~الحليم البيلي المحكوم ببراءته. فإن الأدلة على الاثنين الأخيرين كانت غير كافية، ~~أما باقي الحكم فهو لزميلي، وعندي أن حكم البراءة في تهمة محمود عثمان مصطفى، ~~والحاج أحمد جاد الله، وأحمد ماهر، وحسن كامل الشيشيني يناقض وزن الأدلة إلى حد ~~الإخلال بتنفيذ العدالة. وقد بلغت خطوة هذا الإخلال في رأيي وخطورة النتائج التي ~~تنجم عنه حدا جعلني أعتبر أن من واجبي الخروج في هذه الحالة على مبدأ المحافظة ~~على سر المداولة، وتوجهت بعد إصدار الحكم إلى دار المندوب السامي، فأطلعت فخامته ~~على رأيي باعتباره حاميا للأجانب. # ويرى من هذا الخطاب أن مستر كرشو خالف أمانة القضاء، وأنه قاض واحد من ثلاثة قضاة، ~~وأنه نسي أنه قاض مصري لا شأن له بدعوى المندوب السامي في المسائل السياسية، ومع هذا كان ~~من رأي الحكومة البريطانية أن حكمه وحده هو الحكم الصحيح، وأن ما عداه لغو لا يجوز ~~الاستناد إليه؛ فكتب اللورد جورج لويد إلى زيور باشا بلاغا يعلنه فيه بأن حكومته - حسب ~~النصيحة المقدمة إليها في الوقت الحاضر - ترفض أن تعتبر الحكم دليلا على براءة الأربعة ~~المذكورين كائنة ما كانت الأسباب التي بناه عليها القاضيان المصريان. # وسيلة صالحة - سواء كانت حسنة أو غير حسنة - لاستغلال القضايا في ms138 الأزمات السياسية. فإذا ~~ألف سعد الوزارة، فهناك هذا البلاغ كفيل بخلق المشكلات وإكراه الوزارة على الاعتزال ~~العاجل؛ لأنه قد يؤدي إلى قبض السلطة البريطانية على «الأربعة المذكورين» وإعنات الحكومة ~~الجديدة إعناتا لا حيلة فيه إلا أن تطلق أولئك السجناء، وهي لا قوة لها على إطلاقهم، أو ~~تستقيل. # هذا إذا ألف سعد الوزارة. أما إذا ألفها غيره فلا ضرورة لاتخاذ عمل من الأعمال، ولا ~~خطر من الإخلال بتنفيذ العدالة وتبرئة الجناة! # وهكذا كان؛ فإن سعدا تنحى عن الوزارة وعدلي يكن ألفها، فلم يسمع أحد بعد ذلك بخبر ذلك ~~البلاغ أو الإنذار، ونفعت قضايا الاغتيال سياسة الاستعمار نفعها السريع في إقصاء سعد زغلول ~~عن الحكومة. # والواقع أن سعدا لم يكن يأبى أن يتولى عدلي تأليف الوزارة، وأنه صرح بذلك لبعض ~~أصحابه قبل الانتخابات وبعد الانتخابات، ولكنه بعد الأنباء التي نشرتها الصحف الإنجليزية ~~وصحف القصر في مصر بأنه مرغم على ذلك، وأنه لن يتولى الوزارة أبد الآبدين لأن حزبه متهم في ~~مقتل السردار وغيره من الإنجليز، أحب أن يكشف الرياء حول هذه المسألة كلها، ولا سيما وقد ~~صدر الحكم ببراءة الأستاذين ماهر والنقراشي من كل تهمة. فإذا شاء الإنجليز أن يقصوه عن ~~الحكم، فليظهروا بعد ذلك بالسبب الصحيح من مقاصدهم السياسية المكشوفة، لا بما يتعللون به من ~~التعلات. # فلما حدثت الأزمة وانكشفت الحيلة كلها تنحى عن الوزارة، ورجع إلى الرأي الذي ارتضاه أولا ~~وصارح به أصحابه، وهو إسناد الوزارة إلى عدلي باشا واختيار أعضائها من النواب والشيوخ ~~المؤتلفين. # والرأي عندنا في موقف سعد من تأليف الوزارة في هذه المرحلة أن ولايته الوزارة لم تكن ~~ضرورة لازمة، ولم يكن فيها كذلك ضرر محذور على المصالح الوطنية لولا تلك الأزمة التي خلقها ~~اللورد جورج لويد في آخر لحظة، وعلى هذا لا ملامة عليه في طلبها ولا في التنحي عنها. # أما تأليف الوزارة العدلية الجديدة فكان على النحو الآتي: عدلي يكن باشا للرئاسة ~~والداخلية، وعبد الخالق ثروت باشا للخارجية، ومحمد فتح الله بركات باشا للزراعة، ومحمد ms139 ~~الغرابلي باشا للأوقاف، وأحمد محمد خشبة بك للحربية والبحرية، ومحمد محمود باشا للمواصلات، ~~وأحمد زكي أبو السعود باشا للحقانية، ومرقس حنا باشا للمالية، وعلي الشمسي أفندي للمعارف ~~العمومية، وعثمان محرم باشا للأشغال العمومية. # ومن تأليفها على هذا النحو يبدو لنا مقدار التساهل الذي ارتضاه سعد لرعاية الائتلاف؛ إذ ~~لم يكن في هذه الوزارة أكثر من خمسة وزراء على اتصال صحيح بالوفد، والباقون كلهم من غير ~~الوفديين. ولم يعهد بوزارة هامة إلى أحد من وزراء حزب الكثرة، وهم أكثر من ثلاثة أرباع ~~النواب. # وقد وصف سعد هذه الوزارة بأنها وزارة «اندماج» ~~(Amalgamation) # لا وزارة ائتلاف ~~(Coalition) ~~، كما شاع اسمها في الصحف وأروقة البرلمان؛ ~~فدل بذلك على نظره البعيد وتفريقه الدقيق بين الأوضاع البرلمانية؛ فإن وزارة الائتلاف قد ~~أقيلت إقالة بعد بضعة عشر شهرا لخروج حزب القلة منها، وليس خروج القلة بالعذر الصالح ~~لإقالة الوزارة لو كانت وزارة اندماج في حزب الكثرة النيابية. # رأيت سعدا في أوقات كثيرة منذ قيامه بالدعوة الوطنية، فما أعرف وقتا تسرب فيه السأم ~~والتعب إلى بنيته وإلى نفسه كما كان يتسرب أحيانا خلال الفترة من مقتل السردار. # كانت هذه الفترة أقل أوقاته حركة؛ ولهذا كانت أكثرها سأما وتعبا، وكان قصارى ما اهتدى ~~إليه خصومه من محاربته أن يحاصروه في بيت الأمة بالجند والسلاح ويمنعوا وفود الناس إليه، ~~فكان يراقب الحالة على بعد، ولا يملك النهوض لها بجهد من جهوده ... وكان يؤلمه في الوقت نفسه ~~أن يستطيع الموظفون الإداريون كل ما اجترحوه من إرهاق الناس واستفزازهم دون أن ينالهم ~~جزاؤهم الذي يستحقونه ... وفي أكثر الأيام كان يسأل: «ما الذي يوغر صدور هؤلاء الموظفين على ~~الأمة؟! وما الذي يبغضهم في أيام الوزارة الشعبية؟!» وقد قلت له يوما إنهم تعودوا أن ~~يكونوا طوال حياتهم مأمورين وآمرين، ووزارة الشعب فرضت لهم حرية وفرضت للناس حرية، فلا هم ~~مأمورون ولا هم آمرون، ولو عرفوا أنها دائمة لخافوها وعلقوا رجاءهم برضائها، ولكنهم لا ~~يحسبونها تدوم ... قال لا يبعد أن يكون كذاك؛ فقد كنا ms140 نعامل هؤلاء الموظفين معاملة الشركاء في ~~الحكومة، ولا نعاملهم معاملة الآلات، وكنا ننتظر منهم غيرة وطنية، ولا ننتظر منهم طاعة ~~عمياء، فوجدوا منا غير ما تعودوه. # وذات ليلة كان يسأل: «ما الذي يبعث القوة في الشعب؟» وكنا ثلاثة على مائدته: محاميا ~~معروفا والأستاذ عبد القادر حمزة وكاتب هذه السطور. فقال المحامي وظن أنه يرضيه بما قال: ~~يا باشا كلمة منك تبعث فيه القوة ... كلمة منك تبث فيه الحياة الفنية ... واسترسل في مثل هذا ~~الكلام. # فنظر إليه سعد هنيهة، ثم قال: «ما هذا؟! أتريد أن تخطب؟ أتريد أن تتحمس؟ طيب: تفضل اخطب ~~وتحمس، وانتظر من يسمع!» # وكانت نفسه برمة جدا بمن يعبثون بهذا الموضوع؛ لأنه كان مهموما به لا يطيق الهزل ~~فيه، بل كثيرا ما سمعته يتضجر في تلك الأيام من حب النكتة في الطبيعة المصرية ويقول: «لولا ~~أن المصريين يضحكون من زيور وغرائبه لما احتملوه هذا الزمن الطويل!» # وفي أوائل هذه الفترة زرته بفندق «مينا هوس»، وكان يأوي إليه أحيانا أيام الشتاء. فرأيته ~~كثير التفكير كما يكون حين يلتبس عليه وجه العمل وطريق الحركة، وسألني وهو ينظر إلى الصحف ~~على مقربة منه: «ماذا يقولون؟» # قلت: «وماذا غير قولتهم المعهودة! أن سعدا ترك الميدان واستقال!» # قال: «لو بقيت في الحكم لقالوا إنه يخرب البلد تشبثا بالمنصب ... هؤلاء لا يعتد لهم ~~بكلام!» # ثم نشط كعادته حين ينبعث الكلام في موضوع نضال بينه وبين خصومه ومضى يقول: «وهذه الصحف ~~الإنجليزية ما بالها تمسي وتصبح وهي تلغط بزغلول؟ ... إن زغلولا يدبر ... إن زغلولا يتربص ~~... زغلول، زغلول. نعم يا هؤلاء، إنكم لم تستريحوا من زغلول!» # وهكذا كان في هذه الفترة، يسأم ويتعب ويخيل إلى من رآه أنه يهم بأن ينفض يديه، ثم يتحداه ~~متحد فإذا هو واقف على قدميه لا يسره أن يستريح منه الخصوم. # الفصل الثالث عشر # | رئاسة مجلس النواب # كانت رئاسة مظلوم باشا لمجلس النواب الأول مشهورة بضرب الجرس لحفظ النظام؛ بحيث يصح أن ~~يقال إن الجلسات - ما لم يحضرها رئيس الوزارة، أو ms141 تحتدم فيها المناقشة لأمر يشغل النواب - ~~كانت مقسومة بين لغط الرئيس بدق الجرس ولغط النواب بالكلام. # وأذكر أن زميلنا الأستاذ محمود عزمي حرمه مجلس النواب تذكرته التي يحضر بها المجلس ~~لما كان يكتبه عنه من القوارص والغمزات؛ فانتقل إلى مجلس الشيوخ واستمر على نشر أخبار ~~مجلس النواب، وهو يزعم أنه يتلقى تلك الأخبار من طريق المكاشفة والتنويم! فلقيته يوما ~~بمجلس الشيوخ وسألته أن يرينا معجزة من معجزاته على سبيل المداعبة ... فيذكر لنا ما يجري ~~الساعة في المجلس الآخر، فهام بنظره قليلا كأنما يستطلع الغيب وقال: مظلوم باشا يدق الجرس! ~~قلنا جميعا: آمنا لك بالمكاشفة ... ما في ذلك جدال! # ففي عهد رئاسة سعد للمجلس بطل دق الجرس أو كاد، ولاحظ المختلفون إلى المجلس في العهدين ~~أن الجرس قد أصبح من الأدوات النيابية الملغاة، وكان الأجانب والمصريون على السواء ~~يقولون: ليس هنا مجلس ورئيس، ولكنه معلم محبوب بين تلاميذ مطيعين. # ولم يكن سعد يستعين في حفظ النظام بنصوص القانون ولا بحق الرئاسة في منع الكلام وفض ~~المناقشات، إنما كان يستعين بسلطان هو أشد رهبة من جميع النصوص والحقوق، وهو سلطان العارضة ~~القوية والفكاهة الحاضرة؛ فكان العضو من الأعضاء يقول قولا سديدا أو يصمت؛ لأنه يخشى إذا ~~أطلق لسانه بغير السداد أن يستهدف على الأثر لجواب مفحم أو نكتة لاذعة من منصة ~~الرئاسة. # حدث لما ذهب ثروت باشا إلى لندن لمصاحبة جلالة الملك والتماس الفرصة الملائمة لفتح باب ~~المفاوضة في القضية المصرية؛ أن عضوا من الأعضاء الذين يخالفون مبدأ المفاوضة من أساسه ~~وجه استجوابا إلى نائب رئيس الوزارة، يستوضح فيه موقف ثروت باشا في لندن، ويحرج الوزارة ~~إحراجا لا تملك الجواب فيه؛ لأن المفاوضة لم تكن هي الغرض الرسمي لسفر ثروت باشا، وإنما ~~كانت بغية متفقا عليها بين ولاة الأمر يرجى أن تتاح لها الفرصة الملائمة بعد جس النبض ~~واستطلاع الأحوال، فإذا قالت الوزارة - ردا على الاستجواب - إنها ستفاوض أو إنها لا ~~تفاوض، فليس في ذلك تسهيل لما كانت تنويه. # وألح كثير من ms142 الأعضاء على صاحب الاستجواب أن يلغي استجوابه، فلم يفعل ولم يستمع وجنح إلى ~~الإحراج والعناد، وأشار الوزراء بالمطاولة والمراوغة في عرض الاستجواب، فأبى عليهم سعد أن ~~يخالف نظام المجلس، وقال لهم: بل يعرض الاستجواب، ونعالجه بما يستحقه الإحراج ~~والعناد. # وجاء الموعد المحدد وتلي الاستجواب، وانتظر العضو المحترم جواب الوزارة، وهو موقن بأنه ~~قد وضعها في الفخ الذي لا خلاص منه بغير إحباط المفاوضات، ولكنه لم يكد يتهيأ لسماع الجواب ~~المأمول، حتى فاجأه وزير الحربية - باتفاق سابق مع سعد - قائلا: «إن هذا الاستجواب موجه ~~إلى شخص غير موجود.» # وقال سعد: «ما قول حضرة العضو المحترم في ذلك؟ في الواقع أنه لا نائب لجلالة الملك ولا ~~لرئيس مجلس الوزراء!»، فسأله صاحب الاستجواب: «أيؤخذ من ذلك أن الحكومة لا تريد أن تجيب؟» ~~فقال سعد: «ليست المسألة مسألة إرادة أو عدم إرادة، وإني ألفت حضرة العضو - فضلا عما ~~ذكرته - إلى أن الاستجواب يحتاج إلى ثمانية أيام حتى لو كان مستوفيا جميع الشروط، ~~والدورة البرلمانية على وشك الانتهاء، فهل لا يرى العضو المحترم أن تأجيله أولى؟» # أما سر الغلطة في شكل الاستجواب، فهو - كما رأى القارئ - أنه كان موجها إلى «نائب رئيس ~~الوزراء»، ولم يصدر عند سفر ثروت باشا أمر رسمي بإنابة أحد عنه في رئاسة الوزارة اكتفاء ~~بأن يؤدي عمله في وزارة الداخلية أقدم الوزراء الموجودين عهدا بالمناصب الوزارية. # قال صاحبنا: «كيف؟! أليس هنا فلان باشا؟» # فقال سعد: «نعم، ولكنه ليس بنائب رئيس الوزراء!» # فتردد صاحبنا وصاح مذهولا: «إذن من نسأل؟» # قال سعد: «اسأل محاميا!» # وقعد الرجل بين القهقهة والضجيج، وتأجل الاستجواب إلى موعد غير مسمى بموافقة العضو ~~المحترم! # وتناقش المجلس في قانون خلط الأقطان، وفيه عقوبة مفروضة على من يخلطون صنفا منها بصنف، ~~فنهض أحد الأعضاء وقال: «ولكن، ألا يتفق أن يسهو أحد فيحصل الخلط على غير قصد ~~منه؟» # فضحك سعد ضحكته المعروفة وقال: «نعم يا حضرة العضو المحترم، يتفق! ولكن أتقدر حضرتك أن ~~تقول لنا كم كيسا من القطن تملؤه وأنت ساه ms143 عن نفسك؟!» # وطلب بعض الأعضاء إنارة طريق مقفل وعزز طلبه بأن القتيل يقتل هناك في وضح النهار. # فعاجله سعد سائلا: «ولماذا تطلب أن ينار؟!» # وبهذه الأجوبة الحاسمة وهذه الفكاهة السريعة، كان يحفظ النظام في المجلس، ويحفظ الألسنة ~~في الأفواه. # واستطاع من ثم أن يقف في ميدان الفصل بين جميع السلطات وجميع الهيئات، فيفصل بين ~~الأعضاء من أنصاره ومعارضيه، ويفصل بين المجلس والوزارة، ويفصل بين الوزارة والإنجليز، ~~ويمشي بالوئام بين القصر والنواب والوزراء، ويأخذ من كل لكل حسبما تتجه الحوادث، وتتبدل ~~الأحوال . # ومن أخطر الأزمات التي وقعت في أثناء رئاسته لمجلس النواب وعالجها بما له من النفوذ ~~والحنكة أزمة الوزارة العدلية، وأزمة ميزانية الأزهر، والمخصصات الملكية، وأزمة الجيش التي ~~أثارها اللورد جورج لويد عقب الحملة التي حملها عليه مجلس النواب. # فأما أزمة الوزارة العدلية فقد نجمت من اقتراح اقترحه بعض النواب لشكر الوزارة على ~~مساعدتها بنك مصر، ثم قيل في الرد على هذا الاقتراح إن الشكر غير لازم؛ لأنه من قبيل ~~تحصيل الحاصل. فاغتنم عدلي باشا هذه المناسبة واستقال؛ لأنه كان على ضجر وامتعاض من مطالب ~~اللورد جورج لويد التي لا تجري على قانون ولا اتفاق. # وبذل سعد باشا زغلول جهده في إقامة وزارة أخرى - هي الوزارة الثروتية - قبل أن يتسع الأفق ~~للدسائس والمناورات التي لا تنقطع في السياسة المصرية. # والذي نعتقده نحن أن أزمة الوزارة العدلية وافقت رضى من سعد في تلك الآونة؛ لأنه لم ~~يستحسن من عدلي تهديده بالاستقالة إذا تعرض المجلس لتصرفه في مسألة كتاب «الشعر الجاهلي» ~~للدكتور طه حسين، ولم يكل إليه الرأي كله في هذا التصرف. وقد كان علي الشمسي باشا وزير ~~المعارف من قبل الوفد، وكان رأيه كرأي عدلي باشا في هذه المسألة على خلاف المظنون ~~والمقدور، فكان نصيبه أيضا من المجلس تجريح قوانينه التي عرضها لتعديل برامج الدراسة، ~~وإفهامه من ثم أن اضطرار وزير إلى الاستقالة أمر غير عسير، ولو دخل في حماية رئيس ~~الوزراء وحسب له حسابا قبل حسابه لزعيمه. # وسلك سعد في ms144 مسألة ميزانية الأزهر ومسألة المخصصات الملكية مسلك المجاملة للقصر مع ~~المحافظة على نص الدستور؛ فقد كان كثير من النواب يلحون في وجوب عرض الميزانية الأزهرية على ~~المجلس، وكان المجلس يكاد أن يتخذ قرارا بتأييد هذا الطلب؛ فذكر لهم سعد أن الدستور ينص ~~على أن المعاهد الدينية تنظم بقانون؛ فالاقتراح سابق لأوانه قبل وضع ذلك ~~القانون. # وفي مسألة المخصصات الملكية، كان بعض الأعضاء ينسى الدستور، ويطالب الحكومة بنقصها في ~~الميزانية، وهو ما لا يجوز؛ لأنه مخالف للمادة المائة والحادية والستين من الدستور ، فكان ~~سعد يسمح للأعضاء بالمناقشة في هذه المسألة ويمنع الشطط فيها، ويكتفي بتوجيه المجلس إلى ~~التماس تعديل المخصصات من جلالة الملك رعاية للاقتصاد، ويصبغ احترام النصوص التي لا محيص ~~عنها بصبغة المجاملة على هذا المنوال. # أما أزمة الجيش، فهي أعجب الأزمات وأدلها على العنت الذي يلقاه الساسة المصريون من ~~ألاعيب السياسة البريطانية؛ حيث تعمد إلى خلق الأزمات؛ فكل ما حدث من أسباب هذه الأزمة أن ~~لجنة الحربية في مجلس النواب اقترحت زيادة عدد الجيش وتحسين سلاحه، وهو اقتراح قديم عرضه ~~سبنكس باشا نفسه في عطلة الدستور، وليس فيه خروج على حدود النيابة ولا سوابق الاتفاق بين ~~الحكومتين المصرية والبريطانية. # إلا أن المندوب السامي كان موتورا من المجلس ومن الشعب؛ لأنهم استنكروا منه أن يباشر ~~عمله دون أن يقدم أوراقه كسائر السفراء والوزراء المفوضين، كما استنكروا رحلاته إلى ~~الأقاليم واستقباله الأعيان والوجهاء كأنه ملك يستقبل رعاياه. وليس للمجلس بد من هذا ~~الاستنكار؛ لأن سكوته عنه أمر غير مفهوم إلا على معنى الإقرار والتفريط في أمانته الوطنية ~~وأمانته الدستورية، ولكن اللورد جورج لويد لا يعرف عذرا لأحد في معارضة أهوائه وبدواته، ~~ولا يرى للمصريين - حكومة ونوابا وشعبا ومتطرفين ومعتدلين - إلا أن يذعنوا لتلك الأهواء ~~والبدوات ... فكظمها في صدره حتى سنحت مناسبة كأنها لا مناسبة على الإطلاق ... وراح يمطر ~~الحكومة المصرية باحتجاجاته الشفوية والكتابية، ويطلب منها ما لا طاقة لحكومة في الدنيا ~~بقبوله، وهو مد خدمة سبنكس باشا ثلاث سنوات ومنحه رتبة ms145 الفريق، وتخويله السيطرة على الضباط ~~في الترقية والتعيين، واتصاله المباشر بجلالة الملك، وتعيين وكيل له ووكيل للوكيل من ~~الإنجليز! وغير ذلك من المطالب التي أقلقت الحكومة والمجلس، وأضاعت عليهما الوقت في غير ~~طائل ... فإن خضعت الحكومة لهذا، وإلا فالبوارج البريطانية على شاطئ الإسكندرية، وأرواح ~~الأجانب في خطر داهم! وإن قالوا هم ونادى بعض سفرائهم بأنهم في أمان يعيشون بين المصريين ~~معيشة الإخوان! # وقام وزير الخارجية البريطانية السير أوستن شامبرلن بمجلس النواب البريطاني فقال في بيان ~~أسباب الأزمة: «إن أنظار فريق من رجال السياسة في مصر اتجهت إلى الجيش منذ زمن، وهم يرمون ~~«أولا» إلى زيادة الجيش الحالي، و«ثانيا» إلى اتخاذه سلاحا في يد حزب سياسي، ولا ريب ~~أن هذه المساعي من المسائل التي تهم الحكومة البريطانية مباشرة؛ لأن الدفاع عن القناة من ~~المصالح الجوهرية، وحماية الأجانب من العهود التي قطعناها على أنفسنا.» # إلى أن قال: «والحكومة البريطانية على استعداد للشروع توا في فتح باب المفاوضات للوصول ~~إلى هذه الغاية، وهي الاتفاق على المسائل المختلف عليها، ولكن علينا إلى أن يتم ذلك الاتفاق ~~أن نصر على بقاء الضمانات التي دلت الخبرة الماضية على أنها فعالة!» نعم ... وعلى ~~المصريين طبعا أن يفهموا أنه لا سلامة من هذه الأزمات حتى يساقوا سوقا إلى ~~المفاوضات! # وبعد محال وجدال استقر الرأي على إجابة بعض المطالب، وهي ترقية سبنكس باشا ومد خدمته ~~وتعيين وكيل له، وانتهت أزمة من تلك الأزمات التي تخلق من الهباء ويضاع فيها الوقت على ~~ساسة المصريين، ثم لا يسلمون بعدها من اللوم والاتهام بالتقصير في أعمال الإنشاء والإصلاح! ~~وقد بذل سعد من الجهد في تهدئة النواب والجمهور ما ليس يقدر على بذله سواه، وكان موضع ~~الملاحظة عليه من بعض أنصاره - ومنهم كاتب هذه السطور - أنه يشتري الدستور بأغلى من ثمنه، ~~ويطيل المسألة حيث لا يرجى أن تقابل بمثلها أو يكف عن العدوان. # وكنت في أمثال هذه المناسبات أقول وأكتب مؤكدا لهذا المعنى، كما قلت في أواخر مايو سنة ~~1926 من مقال في ms146 صحيفة البلاغ: # ويلوحون لنا بعهد كرومر وإلغاء الدستور، ~~وما عهد كرومر بشر من دستور كهذا لا ينال المصريون منه إلا التبعات الجسام، ولا ~~يجنون منه إلا الأباطيل والأوهام. فإما أن نسلم للإنجليز بكل زعم يزعمونه وكل مطلب ~~يدعونه، وإما أن ينسخوا الدستور ويعبثوا بالعلاقات بين الشعب والعرش والبرلمان. ثم ~~ماذا نأخذ نحن من هذا الدستور الذي يسوموننا فيه هذا السوم الغشوم؟ لا شيء على ~~الإطلاق. نعم! لا شيء إلا الضرر والمحال مشفوعا بالفرقة ~~والانقسام. # وإنما ذكرت هذه الملاحظات لأذكر رد سعد عليها وحجته في ردها، فقد كنت إذا حدثته فيما ~~يلاحظ من فرط الحرص على الدستور أمام التهديد والوعيد يقول لي: «ليذهب الدستور حيث يذهب ... ~~هذا حسن. ولكن يجب أن نذكر أن الإنجليز قادرون على تضييع جهودنا كلها في طلب الدستور، ~~وأنهم لولا رغبتهم فيه لضاع علينا ما سلف من جهود. يا فلان! إن في صلب الدستور كلمات لا ~~تزال مكتوبة بخط موظف إنجليزي في دار المندوب.» # وحجته في موقفه من أزمة الجيش خاصة، أن تضييع الدستور من أجلها عجلة لا تقضي بها الضرورة. ~~ومتى كان القوم يشيرون إلى المفاوضة بلسان وزيرهم، فلا ضرر من إرجاء الخلاف كله بضعة أشهر ~~إلى أن نتفق على قرار، أو يذهب الدستور إلى حيث يذهب كما تقول. # وعلى ضيق الوقت وغلبة الشواغل السياسية والأزمات المصطنعة، قد اتسع المال لأعمال شتى ~~ومقترحات صالحة، كإلغاء السخرة وتعميم التعاون بين الفلاحين، وفتح الطرق ودرس مشكلة العمال، ~~وما إلى ذلك من مطالب الإصلاح الاجتماعية. # غير أننا لا نريد هنا أن نسرد سجلا للأعمال والمقترحات التي أشرف عليها سعد في أثناء ~~رئاسته لمجلس النواب، فإن هذه الأعمال والمقترحات قد يشرف عليها كثيرون من رؤساء المجالس ~~النيابية، ثم لا يمتازون بقدرة غير معهودة في الرؤساء عامة، إلا أن الغاية التي ما بعدها ~~غاية في هذه الصناعة أن يستوي المرء فيها على مستوى الواجب كما يتخيله المتخيل ويصبو إليه ~~المتأمل. # والمثل الأعلى في الرئاسة هو الرئيس الذي يملك القدرة على القصد ms147 في أوقات المجلس والقصد ~~في جهوده، ويملك القدرة على حفظ نظامه بغير حاجة إلى زواجره وقوانينه، ويملك القدرة على ~~تعليم أعضائه وهدايتهم إلى أكبر ما يستطيعون من صواب وأقل ما يتعرضون له من خطأ. # ويكون مع صيانته لحقوق مجلسه قائما بالقسط بينه وبين جوانب الحكومة الأخرى، مانعا ~~للصدام بينه وبين ما يحيط به من القوى والعراقيل؛ فبهذه القدرة استحقت رئاسة سعد أن تحسب ~~مزية من مزاياه وصفحة من صفحاته، لا أن يكون مبلغها من الذكر استقصاء جزء من تاريخه ~~والإلمام بعام أو عامين من حياته. # الفصل الرابع عشر # | زعامة سعد وأثرها # يقول لنا علماء التوحيد: إن المعجزة الكبرى لنبي من الأنبياء هي المعجزة التي تطابق ~~خلائق الأمة المبعوث فيها؛ فموسى بعث بالعصا الساحرة في أمة السحر والكهانة، وعيسى بعث بآية ~~الشفاء في أمة المصابين والضعفاء، ومحمد بعث بالقرآن في أمة الفصاحة والبيان، فلكل منهم ~~معجزة تطابق أحوال قومه وتستمد الإقناع من معدنه وأصله. # فما أصدق ما يقول العلماء فيما رأيناه في عصرنا من سير الزعماء! فغاندي كان خير زعيم على ~~أهل الهند؛ لأنه ناسك من أمة الناسك، ومصطفى كمال باشا كان خير زعيم بين الترك؛ لأنه جندي ~~من أمة الجنود، وسعد كان خير زعيم في مصر؛ لأنه فلاح من أمة الفلاحين. وحسبك أن تعمد إلى ~~نموذج الفلاح المصري فتضاعف ما فيه من خلائقه وعاداته وخصائص بيئته لترى أمامه سعدا ماثلا ~~في عظمته المصرية، قائما على مرتقى المثل الأعلى لتلك الخصائص القومية، وليست آية أفصح من ~~هذه الآية على صدق النهضة السعدية وجريانها مع طبائع الأمور. # وقد اجتمعت لسعد من مزاياه الشخصية ومن توفيقات العصر في حياته صفة الزعامة الواجبة على ~~المصريين، أو الزعامة الملائمة لأطوار النهضة الأخيرة في هذه الأمة. # فهو - لأنه كان فلاحا من أصحاب المراتب العالية - قد استطاع أن يجمع حوله السواد والعلية ~~من أبناء الفلاحين، وهو قوام الأمة المصرية. # ولأنه كان صديقا لقاسم أمين على رأيه في تهذيب المرأة، قد استطاع أن يقود النهضة الأولى ~~التي اشترك ms148 فيها الرجال والنساء، وشملت الأمة كلها؛ لأنها شملت البيت كله. # ولأنه كان يطلب الاستقلال من الترك كما يطلبه من الإنجليز، فقد استطاع أن يمحو الفوارق ~~الدينية والعصبية المذهبية في الحركة الوطنية؛ لأن المسيحيين والإسرائيليين قد علموا أنهم ~~شركاء في دعوة واحدة، وليسوا مسوقين مع حركة دينية يطلب دعاتها سيادة الترك لأنهم مسلمون، ~~وإنما الحق أن يطلبوا السيادة المستقلة لأنهم مصريون. # ولأنه كان حاضر الفتوة، وافر الحماسة في الشباب والكهولة والشيخوخة، قد استطاع أن يقود ~~الشبان المتلهبين كما يقود الشيوخ المحنكين، أو استطاع أن يجمع الجيلين في ثورة واحدة، ~~وقلما يجتمعان. # قالت صحيفة التيمس وهي ترثيه: # مما عهد في الزعماء الشرقيين أنهم يعتزلون العمل قبل زملائهم الغربيين، إلا ~~زغلولا؛ فإنه احتفظ بنشاطه الغزير إلى النهاية، وليس بين الثائرين المتطرفين في ~~التاريخ إلا عدد قليل بقيت له عقيدته السياسية على شدتها وعنفوانها بعد الخمسين، ~~ولكنه هو بلغ أقوى ما بلغ من السلطان على الجماهير عندما ناهز الستين، وكأنما كان ~~تقدمه في السن يزيد من حماسة الشباب ونزواته! على أن مفاجآت طبيعته وأطوار حياته ~~وتقلبه في تحصيل العلم بين الفقهاء العرب والأساتذة الفرنسيين، ومضاء عزيمته ~~وفصاحته، وما كان من الأثر على تربية ذهنه لأناس بينهم من الاختلاف مثل ما بين جمال ~~الدين داعية الجامعة الإسلامية واللورد كرومر؛ كل هذا لا يكفي لتفسير قبضته الغربية ~~على شعب كثير التحول. فإن وراء كل هذا، وفوق كل هذه العوامل المؤهلة للنجاح قدرة ~~خاصة قيضت له ذلك النفوذ على أبناء وطنه، ومغناطيسية شخصية تجذب إليه الألوف من ~~التابعين. # وقد أدى البحث في أصل سعد إلى اختلاف الأقاويل بين قائل يزعم أنه من البدو، وقائل يزعم ~~أنه من المغاربة، وقائل يزعم أنه ليس من هؤلاء ولا هؤلاء، ولكنه يشبه الترك في بعض الملامح ~~والأخلاق، فليختلفوا ما شاءوا، وليعزز كل منهم أقاويله بما شاء؛ فإن الحقيقة التي لا تقبل ~~الجدل الكثير أن صفات سعد التي لا شك فيها هي أصلح الصفات لزعامة المصريين، وأن مزاياه ~~الشخصية وتوفيقات زمانه السياسية ms149 والاجتماعية قد جعلته الزعيم المصري الذي ليس بين معاصريه ~~أحد أجدر منه وأولى بالزعامة، وذلك وحده كفيل بتقرير مكانه كما قرره لنفسه وقررته الأحداث ~~والتوفيقات. # فهو في طبيعته العملية، وفصاحته المقنعة، وفكاهته المرتجلة، وعزيمته الماضية، وسماته ~~المهيبة، ومنزلته الرفيعة، خير من ترشحه مصر لزعامتها من صميم تكوينها، وإنه لأصل في زعامة ~~الشعوب ليس بعده رسوخ ولا عمق في الأصول. # كان ساحرا للفلاح الساذج وابن البلد الظريف؛ سمعه فلاح من قنا في الاحتفال بعيد النيروز ~~فبكى، ثم أفاق لنفسه وهو شيخ لم يتعود أن يبكي إلا لحادث يصيبه في آله أو ماله؛ فطفق يعجب ~~لنفسه ويسأل من حوله: ما بالي أبكي؟! أمات أبي؟! أماتت أمي؟! أغرقت مراكبي؟! أأجدب زرعي؟! ~~وما لهذا الرجل يبكيني؟! أساحر هو؟! أفاتن هو؟! والله لا أدري! ولكن الفلاح الساذج الحائر ~~في بكائه قد بين لنا أوجز البيان أن سلطان سعد على النفوس المصرية حادث كحوادث القضاء ~~والقدر، أو هو من قبيل الحوادث التي تحرك تلك النفوس وتهزها في أعماقها، أو هو من قبيل تلك ~~العوامل التي ظن الفلاح الساذج أنها هي وحدها خليقة أن تسيل الدموع من عينيه. # وسمعه مصري من أبناء البلد يخطب في نادي «سيروس» ويضحك ضحكته العالية من خصومه؛ فما تمالك ~~أن صاح: «يا سلام يا باشا! ضحكتك حلوة، حلوة جدا الله! الله!» فما ترك سعد هذا التعقيب ~~«البلدي» على ضحكته الساخرة أو الساحرة دون أن يشفعه بتعقيب من جنسه، وهتف بالحاضرين في طلب ~~السكوت كما يناسب المقام: «سمع، سمع هس!» # فمواقف الخطابة أو مواقف الزعامة لم تكن عند هذا الزعيم إلا تيارا جارفا ينبعث من قرارة ~~وجدانه، فيحتوي الحاضرين في غمراته ويردهم إلى عنصرهم الأصيل؛ فيشعرون على البديهة أنهم ~~وهذا الزعيم من موطن واحد في الشعور وموطن واحد في الإرادة وموطن واحد في الجد والفكاهة، ~~غير أنه يقدر من حيث لا يقدرون، أو يقدر وهم من ورائه تابعون. # والزعامة إذا بلغت هذا المبلغ من الأصالة كانت قوة مطبوعة - بل فرصة إلهية - لا تفرط ms150 فيها ~~أمة رشيدة، ولا تقدر على التفريط فيها أمة ولو كان ديدنها التفريط؛ لأن الأمر في هذه ~~الزعامات من وراء المشيئة والتدبير. # وقد يكون في الأمة عشرات أو مئات يقاربون ذلك الزعيم في جملة الصفات، أو يفوقونه في بعض ~~الصفات، لكنهم لا يغنون ولا يعوضونه وهو واحد وهم عشرات أو مئات؛ لأن الفضل في الزعامة ~~للدرجة والنوع لا للعدد والكثرة، والشأن هنا كالشأن في درجات الجمال؛ لو اجتمع ألف وجه على ~~اعتدال في المحاسن لما بلغت كلها من الأثر والفتنة ما يبلغه الوجه الواحد الفائق في حسنه، ~~ولا لوم على القلوب إذا هي آثرت أن تفتتن بذلك الوجه الواحد أضعاف ما تفتنها تلك الوجوه ~~الشتى؛ لأن الطبيعة لا تحس إلا هكذا، ولا يحسن بها ولا ينفعها أن تنحرف عن سوائها، وكل ~~إحساس مطبوع فهو قوة مطبوعة نافعة في إيقاظ قوى الأفراد وقوى الشعوب، ومتى كان سبب التأثير ~~طبيعيا، فالتأثير لا جرم طبيعي لا اصطناع فيه، وإنما الآفة الكبرى أن تكون الزعامة من ~~توليد الاصطناع والمواربة والتمويه والتواطؤ على الغش والمغالطة والانتفاع؛ فإنها تكون ~~حينئذ كالصحة التي تصنعها المخدرات ليست من الصحة وليست من الشفاء، ولكنها من ~~السقام. # لما نهض سعد بالدعوة الوطنية، لم تكن مصر خالية بطبيعة الحال من أولئك «المحكمين» ~~الأزليين، أو أولئك المتحذلقين أحلاس القهوات الذين يخطئون كل عمل، ويخطئون كل رجل، ~~ويخطئون كل رأي، ولا يحسبون الأمور في الدنيا تجري أبدا إلا على خلاف ما يحكمون ~~ويستحسنون ... ثم لا يعرفون بعد ذلك أنهم هم المخطئون. # كان هؤلاء المحكمون الأزليون يرون كل إنسان في مصر صالحا للزعامة إلا الزعيم القائم ~~بها في حينها؛ لأن أصول الصناعة تقضي بذاك، وإلا لم تكن هناك صناعة ولم تكن هناك قهوات ... ~~ولم يكن هناك محكمون. # أفما كان زيد أولى بحل القضية المصرية لأنه مقرب من الإنجليز؟ أفما كان فلان أولى منهم ~~جميعا لأنه خليفة فلان؟ ولعلهم لو طولبوا بالاتفاق فيما بينهم لما انتهوا إلى اتفاق؛ لأن ~~الثرثرة لم تكن قط وسيلة الاتفاق، ms151 وإنما كانت وتكون أبدا وسيلة المحال والشقاق. # وأوجز ما يوصف به هؤلاء - على أحسن الظنون بهم - أنهم كسماسرة الزواج؛ كل خطيب عندهم غير ~~أهل لخطيبته، وكل خطيبة عندهم غير أهل لخطيبها، إلا أن يكون لهم نصيب في الوساطة والمهر ~~والوليمة؛ وعندئذ يكون كل خطيب وخطيبة في الدنيا على ما يرام. # وإذا حاورتهم باصطلاح سماسرة الزواج، فليس بالنادر أن يصيبوا من حيث يخطئ الأزواج ~~والأصهار؛ فهذا الفتى الممقوت خير من جميع الفتيان؛ لأنه يملك المستقبل وينتظر الميراث، ~~وهذه الفتاة الدميمة السقيمة خير من جميع الفتيات؛ لأنها تدخل إلى بيت قرينها والوظيفة معها ~~بجاه أبيها أو ذويها، وهذا الشيخ خير من جميع الشبان؛ لأنه غدا يموت، وهذه المرأة النصف لا ~~تضارع في بيت القرين؛ لأنها تغنيه ولا تحاسبه على ما يبقيه ويفنيه ... نصائح نافعة من حيث ~~ينظر السمسار وأشباه السمسار، ولكن النصائح التي هي أنفع منها وأغلى هي النصائح التي يستمع ~~إليها الناشئ الصغير بإلهامه والناشئة الصغيرة بإلهامها؛ لأنها هي النصائح التي توحي بها ~~الفطرة الخالدة وتنوط بها بقاء الحياة وتقدم الأحياء. # وهذا الإلهام هو الذي استمعت إليه الأمة المصرية، ولم تستمع إلى حكمة السماسرة وأحلاس ~~القهوات؛ فما كانت تلبية سعد إلى ندائه سبيلا إلى المنافع، أو سبيلا إلى الوظائف، أو ~~سبيلا إلى الراحة والاطمئنان، ولكنها كانت على نقيض ذلك: مضيعة للمنفعة والوظيفة، مجلبة ~~للمحنة والبلاء؛ فطاعتها هي من قبيل الطاعة التي يلهمها الناشئ والناشئة لصوت الفطرة ودعاء ~~السريرة. يخطئ من يسمعها في بعض الأحايين من الوجهة الدنيوية، ويخطئ ألف مرة من يصم عنها ~~أذنيه من وجهة الحياة الباقية والحكمة الخالدة، وإن كان خطؤه لا يظهر له ولا للآخرين؛ لأن ~~الذي يفقد الكمال لا يشعر بفقد الكمال، أو لا يعترف بخسارته كما يعترف فاقد الخبز ~~والحطام. # وإذا ظفرت الأمة بالزعيم الذي تكون طاعته من قبيل هذا الإلهام، فتلك هي الزعامة التي ~~تنتظرها الأجيال بعد الأجيال، وتلك هي الفرصة التي يخشى عليها الضياع؛ لأن الزعامة التي ~~تكون طاعتها من قبيل الاهتداء بحكمة السماسرة ms152 وأحلاس القهوات هي فرصة لن تضيع؛ إذ هي فرصة ~~موجودة كوجود المنافع وعلم الحساب في كل مكان. # هذا الإلهام الفطري هو الأثر الأكبر لزعامة سعد زغلول، وهو شيء لا يدخل في الإحصاء ~~والأرقام، ولكنه مع هذا شيء لا غنى عنه لكل منفعة أو مصلحة يدركها الإحصاء وتحصرها ~~الأرقام. # والزعيم لا يحاسب في التاريخ بحساب الدفتر الذي يحمله الأجير؛ فلا يعطى فيه درهما إلا ~~بما يقابله من عمل في ساعات النهار. إن الرجل الذي لا تظهر مآثره إلا بهذا الحساب لهو ~~أنقص الناس من صفات الزعامة وقيادة الشعوب؛ لأنه إذن يعمل بيديه كما يعمل الآخرون، ويتلقى ~~جزاءه كما يتلقاه سائر الناس، ويحاسب بمفرده بما يدعو الناس إليه؛ وإنما يحاسب الزعيم حساب ~~الشمس التي تشرق على الحقول، أو حساب النهر الذي يجري بين الأعشاب والأشجار؛ لا يضرب كلاهما ~~فأسا ولا يغرس جذرا ولا يخط سطرا بهندسة، ولا يبني جدارا على حوض أو خزان، ولكن ~~الضاربين بالفئوس جميعا والغارسين للجذور جميعا والعاملين في الهندسة والبناء جميعا لا ~~ينبتون سنبلة واحدة بغير الشمس والماء. # فإذا استطاع هذا الزعيم أن يبث هذا الروح أو يوقظه أو يجمعه حواليه، فكل ما تنشئه الأمة - ~~وهي مأخوذة بهذا الروح - فهو من عمله وصنع يديه. أما إذا كان عمله كله هو ما يعمله بنفسه ~~ويرسم عليه طابع يديه، فما هو بزعيم. # وسعد زغلول قد بث في مصر هذا الروح، أو هو قد أيقظه، أو هو قد جمعه حواليه؛ فكل ما نهضت ~~به الأمة من اشتغال بالصناعات، أو مصارف الأموال، أو شركات التجارة، أو معاهد التعليم، أو ~~مجامع السياسة مما لم يكن فيها قبل تلك النهضة، ففيه سهم لا ينكر لزعامة سعد زغلول. # هذه الزعامة هي التي التقى حولها المصريون فعلموا أنهم أمة، وعلموا أنهم مسلمون ومسيحيون ~~ولكنهم أمة، وأنهم رجال ونساء ولكنهم أمة، وأنهم شيب وشبان ولكنهم أمة، وأنهم حضريون ~~وريفيون ولكنهم أمة؛ فانبعثت للأمة حياة ماثلة إلى جانب حياة كل فرد وكل طبقة وكل طائفة وكل ~~جنس وكل ms153 دين، ورأينا الأيام التي نسي فيها اللص أنه سارق ولم يذكر إلا أنه مصري من ~~المصريين، ونسيت فيها البائسة الموصومة أنها متاع مهين ولم تذكر إلا أنها مصرية تطالب ~~بقضية، وفهم حتى هؤلاء أن هنالك معنى من معاني الرفعة الإنسانية يسمى الشرف ويسمى ~~الحياء، بل رأينا السنين التي لبث فيها المئات والألوف يسامون الخسار، فيقبلون الخسار ولا ~~يقبلون المراء في العقيدة، ويخيرون بين منفعة النفس ومنفعة الأمة التي يدينون بها، ~~فيختارون منفعة الأمة ولا يحفلون بمنفعة النفس ولا بمنافع الآل والبنين . وتلك غنيمة قومية ~~لا تدخل في حساب الأرقام، ولكن الأمة التي تهملها وتبخس قدرها لا تدخل هي نفسها في ~~حساب. # وسرى قبس من روح الوحدة المصرية إلى كل أمة في الشرق تعلم أن شأنها في طلب الحرية كشأن ~~المصريين، وأن حاجتها إلى الوحدة الوطنية كحاجة المصريين؛ فظهر الوفاق بين الطوائف في ~~بلدان، لم تعرف قط وفاقا ولا رغبة في وفاق، وأصبح سعد زغلول علما للنهضة الشرقية بأسرها ~~لا للنهضة المصرية وحدها، ورمزا لدعوة الوحدة في كل بلد ممزق بين العصبيات الداخلية ~~والمطامع الأجنبية. # روى موظف مصري أنه لقي المهاتما غاندي في لندن حين زارها لحضور المؤتمر الهندي فيها، فجرى ~~الحديث بينهما عن القضية المصرية، واستطرد إلى ذكر سعد فقال المهاتما: «إنني تتبعت سيرة هذا ~~الرجل القدير من سنة 1919 إلى الآن، ولا يزال له في نفسي أثر عظيم، وأنا أعده قدوة وأراه ~~بمثابة أستاذ.» # قال الموظف المصري: «ذلك تواضع منك، ولا ريب أن الأمة المصرية أربعة عشر مليونا، وأنت ~~قد شملت حركتك ثلاثمائة وخمسين مليونا من الناس.» # قال المهاتما: «على هذا التقدير يكون سعد هو صاحب الفضل في السبق والابتداء. ثق أن ~~الحركة الهندية سارت على أعقاب الحركة المصرية، إني اقتديت بسعد في إعداد طبقة بعد طبقة من ~~العاملين في القضية الهندية، فلا تعتقل طبقة منهم إلا لحق بها خلفاؤها على الأثر، وعن ~~سعد أخذت توحيد العنصرين، ولكني لم أنجح بعد كما نجح فيه ... إن سعدا ليس لكم وحدكم ms154 ولكنه ~~لنا أجمعين.» # وأيا كان نصيب هذه الرواية من الصحة، فالحقيقة التي لا تحتاج إلى إثبات ولا استشهاد هي ~~أن الوحدة المصرية سابقة لكل وحدة في دعوات الشرق الوطنية، وأن الوحدة المصرية مدينة ~~لسعد بمزاياه التي توافرت له أو توافرت حوله فجعلته - دون غيره - أصلح الزعماء للزعامة على ~~جميع المصريين. # لقد كانت الزعامة بداهة فيه تقابلها التلبية البديهة من الجماهير. كان يدبر ويقدر ويأخذ ~~الأمور بالروية والنظر البعيد، ولكنه لا يعول على التقدير والتدبير بعض تعويله على البداهة ~~التي ترتجلها الشعوب في غير تكلف ولا استعصاء، وعنده أن العناية الإلهية تعمل في هذه ~~البداهات المرتجلة ما ليس يخطر على بال؛ ومن ثم كانت كلمته التي يرددها كلما اتجهت ~~الحوادث إلى غير اتجاهها المنظور، أو انفرجت الأزمات من غير مظنة الفرج المقدور: «إنها ~~العناية، إنها العناية!» ويرفع بصره إلى السماء ولا يزيد. # أذكر في الأيام التي أعقبت عودته من المفاوضات مع مستر مكدونالد أننا زرناه وعنده الأستاذ ~~حامد جودة المحامي يقترح عليه بعض الآراء. # فقال سعد بدعابته المعهودة: «يا حامد، أنا ختمت العلم! فهاتوا العمل الناجع، فلا حاجة بي ~~إلى اقتراح.» # ثم قال: «ماذا تروننا صانعين في مواجهة الإنجليز؟» # قال أحد الحاضرين: «الإضراب العام يشترك فيه الموظفون حتى تجاب مطالب البلاد.» # فسأل الباشا: «وهل يقع هذا الإضراب؟» # فقال بعض الحاضرين: «يقع عاما.» وقال غيرهم: «يقع في بعض الجهات.» وخالفهم آخرون ~~فقالوا: «إنه لا ينتظم ولا يطول.» # قال سعد: «الدليل على أنه لا يقع ولا يصمد طويلا - إن وقع - أنكم مختلفون فيه ... إن هذه ~~الحركات لا تأتي إلا عفوا.» وقالها بالفرنسية # Spontanement ~~، وعندما يكون الجو مهيأ لن تختلفوا فيها، ~~بل تجيبون بلسان واحد: «إنها أمر واقع لا ريب فيه». # ولتعويل سعد على هذه البداهة كان لا يكرب ذهنه كثيرا بهموم المستقبل، ولا يزيد على أن ~~يعطيها حقها من التفكير والروية، ثم يدع البقية للمفاجأة أو للبداهة أو العناية كما يقول. ~~واطمئنانه إلى المستقبل من هذه الناحية كاطمئنان التاجر الغني الوطيد المكان الذي ms155 يعمل عمل ~~الرجاء، ولا يضيره أن تفاجئه السوق بالهبوط أو الكساد؛ لأنها كيفما تقلبت واضطربت لن تجده ~~إلا على استعداد للصعود والهبوط، وغيره قد يطمئن إلى المستقبل مع هذا الاطمئنان فيضيع ~~ويبور، أما هو فالثروة التي لديه ضمان لا يعتريه خذلان، فمن فضول الوهم أن يكرب نفسه طويلا ~~بالوساوس والهموم. # كان لقومه مدد من عزمه، وكان لعزمه مدد من قومه، وكانا كالشحنتين الكهربائيتين كلتاهما ~~بمفردها في سكون، ولكنهما لا يلتقيان حتى تندفع القوة الكامنة التي لا تندفع على ~~انفراد. # ولم يكن أقدر منه على الاتجاه والتوجيه، إن لم يكن بوحي البداهة فبالكلام الذي يبلغ مبلغ ~~البداهة من أخلاد سامعيه. # كان خصومه يدسون عليه في بيت الأمة أناسا من المشاغبين الذين لا خلاق لهم ليلغطوا في ~~مواقف التأثير والاحتدام، فيفسدوا الخطاب عليه وعلى السامعين، وكان الجمهور يحار في تأديب ~~هؤلاء؛ لأنه لا يدري هل يتركهم فيفوته حظ السماع، أو يجاوبهم فينقطع الخطاب. وتمادى سليط من ~~هؤلاء يوما، فضاق الجمهور به ذرعا وأخذوا بتلابيبه وبهم إشفاق من ضياع الخطبة، فهم ~~يترددون ولا يدرون كيف يصنعون: هل يضربونه فيقع الاضطراب، أو يرسلونه فيعود ويجترئ أمثاله ~~السلطاء على مثل عمله ... وكخطف البرق تبدر الكلمة من سعد، فيكون فيها فصل الخطاب مع هذا ~~السليط ومع من تحدثه نفسه من زملائه بركوب هذا المركب العسير، ويقول سعد: «لا يضرب في ~~بيتي!» ويترك مقام الخطابة! وكخطف البرق يفهم الجمهور ما يريد ... وينقطع دابر هؤلاء السلطاء ~~فلا يرجعون. # كتب سعد وهو في نحو العشرين من عمره في الوقائع المصرية - صحيفة الحكومة - يشهر ~~بالاستبداد، ويحض الناس على دفعه، ويستشهد بقول النبي عليه السلام: «إن الناس إذا رأوا ~~الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده.» ويختم كتابته بقوله: «إن ~~شريعتنا شريعة سمحة، تأبى أن يتولى أمور ذويها من لا يراعون للشرع حرمة ولا يحفظون للسنة ~~ذمة، وتوجب الشورى على كل من الرعية والحاكم جميعا؛ ذلك هو الحق، والله يهدي من يشاء ~~إلى سواء السبيل.» # ويروى ms156 عن السيد جمال الدين الأفغاني أنه أمر تلاميذه بالكتابة في موضوع الحرية، فكان سعد ~~- وهو أصغر التلاميذ سنا - أحسنهم كتابة في هذا الموضوع؛ فقال السيد: «إن من علامة نشأة ~~الحرية في هذه الأمة ألا يجيد الكتابة فيها إلا ناشئ كهذا الفتى!» # حضرته أثناء الحرب العظمى يسمع قصيدة حافظ العمرية، فما استعاد ولا صفق فيها لأبيات كما ~~استعاد أبيات الشورى وصفق لها، حتى مال إليه محمد محمود باشا يداعبه قائلا: «معلوم! وكيل ~~الجمعية التشريعية.» # فكراهة الاستبداد في طبعه ... # وقيادة الشعوب في طبعه ... # ولو لم يكن حبه الحرية مصلحة عامة وعقيدة راسخة، لكان مصلحة خاصة تقوم عنده مقام العقيدة؛ ~~فهو يذود عن كبريائه حين يقضي للفلاح بحق الحرية، ولا يرى فيه رأي الزملاء من حكام الترك ~~الذي يقضون عليه بالخضوع، ويقضون لنفسهم بالسيادة. ومن اتفقت له كراهة الاستبداد والقدرة ~~على دفعه، واستنهاض الشعب إلى صدع قيوده، والشعور مع الشعب بعزته وهوانه، فقد رشحته إرادة ~~الغيب، ولم ترشحه إرادة الناس للزعامة والاضطلاع بهذه الأمانة، واصطلحت هداية الإلهام ~~وهداية التفكير على تقديمه لهذا الأمير الكبير. # لقد وجدت الأمة المصرية نفسها على يدي سعد، ولم يكن لها قط وجود أكمل من وجودها إلى جانب ~~هذا الزعيم، وهذا أثر لزعامته لا شك فيه! وهذا وحده في عالم السياسة أثر يعلو على جميع ~~الآثار. ms157