######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.SahyuniyyaCalamiyya.Hindawi84759380 #META# Tags: history #META# ID: 84759380 #META# Title: الصهيونية العالمية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - الصهيونية قبل الميلاد‏ # 2 - الصهيونية من الميلاد إلى القرن التاسع عشر‏ # 3 - الصهيونية منذ وعد بلفور‏ # 4 - الصهيونية العالمية‏ # 5 - الصهيونية العالمية جنايتهم على أنفسهم‏ # 6 - الصهيونية العالمية دعوى الاضطهاد‏ # 7 - الصهيونية العالمية والنبوغ‏ # 8 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين السياسة والاقتصاد‏ # 9 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين الثقافة‏ # 10 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في المجالس النيابية‏ # 11 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في السياسة الشرقية‏ # 12 - الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (1)‏ # 13 - الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (2)‏ # 14 - الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (3)‏ # 15 - عصبية الصهيونية في ميدان الثقافة والسياسة‏ # 16 - مصير الصهيونية العالمية والأسباب الدولية‏ # 17 - مصير الصهيونية العالمية ونفوذها المهدد‏ # 18 - مصير الصهيونية العالمية وبنيتها المتناقضة‏ # 19 - الصهيونية العالمية مصيرهم في أعينهم‏ # 20 - مصير الصهيونية العالمية في أعين أصدقائهم‏ # 21 - مصير الصهيونية العالمية ومقاطعة العرب‏ # 22 - الاستعمار الصهيوني‏ # 23 - الصهيونية والمستقبل‏ # 24 - الصهيونية العالمية في الختام‏ # 1 - الصهيونية قبل الميلاد‏ # 2 - الصهيونية من الميلاد إلى القرن التاسع عشر‏ # 3 - الصهيونية منذ وعد بلفور‏ # 4 - الصهيونية العالمية‏ # 5 - الصهيونية العالمية جنايتهم على أنفسهم‏ # 6 - الصهيونية العالمية دعوى الاضطهاد‏ # 7 - الصهيونية العالمية والنبوغ‏ # 8 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين السياسة والاقتصاد‏ # 9 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين الثقافة‏ # 10 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في المجالس النيابية‏ # 11 - الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في السياسة الشرقية‏ # 12 - الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (1)‏ # 13 - الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (2)‏ # 14 - الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (3)‏ # 15 - عصبية الصهيونية في ميدان الثقافة والسياسة‏ # 16 - مصير الصهيونية العالمية والأسباب الدولية‏ # 17 - مصير الصهيونية العالمية ونفوذها المهدد‏ # 18 - مصير الصهيونية العالمية وبنيتها المتناقضة‏ # 19 - الصهيونية العالمية مصيرهم في أعينهم‏ # 20 - مصير الصهيونية العالمية في أعين أصدقائهم‏ # 21 - مصير الصهيونية العالمية ومقاطعة العرب‏ # 22 - الاستعمار الصهيوني‏ # 23 - الصهيونية والمستقبل‏ # 24 - الصهيونية العالمية في الختام‏ # | الصهيونية العالمية # | الصهيونية العالمية # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | الصهيونية قبل ms01 الميلاد # يغلب على ظن الكثيرين أن الصهيونية حركة دينية قديمة، وأنها مرتبطة بما ورد من الوعود للخليل ~~إبراهيم - عليه السلام. # والواقع أنها ليست بالحركة الدينية، وليست بالحركة القديمة في بني إسرائيل أنفسهم، ولكنها حركة ~~سياسية تابعة لقيام الدولة وسقوطها في بيت داود. # فغاية ما بلغه إبراهيم - عليه السلام - تحت قمة صهيون أنه اشترى قبرا هناك بالمال، كما جاء في ~~الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين في العهد القديم. # ومضت القرون بعد إبراهيم إلى عهد موسى - عليه السلام، ثم مضت القرون بعد موسى والحال على ما ~~كانت عليه، وبقيت مدينة بيت المقدس في أيدي اليبوسيين، وجاء في سفر القضاة من العهد القديم أن بني ~~بنيامين كانوا يسكنون مع اليبوسيين، ولا يدعون معهم حقا في المدينة، ثم أغار بنو يهودا عليها ~~فدمروها وأحرقوها، ولم يخطر لهم أن يتخذوا فيها مقاما ذا قداسة عندهم أو غير ذي قداسة. وعاد إليها ~~اليبوسيون فجددوها وأقاموا فيها إلى أن تولاها داود، وخلفه سليمان فبنى فيها الهيكل المشهور. ولم ~~يتفق اليهود أنفسهم على قداستها بعد قيام الهيكل فيها، فإن الملك «يهواش» ملك إسرائيل أغار عليها، ~~واستباح هيكلها، وغنم ما فيه من التحف والآنية، ثم قفل إلى السامرة، وجاء في العهد القديم خبر وفاته ~~على الصيغة المرضية فقيل عنه إنه اضطجع مع آبائه، أي قضى على الأقل غير مغضوب عليه. # وإذا رجعنا إلى كلمة «صهيون» نفسها لم نجد لها أصلا متفقا عليه في اللغة العبرية، وأكثر ~~الشراح يرجحون أنها عربية الأصل لها نظير في اللغة الحبشية، وأنها من مادة الصون والتحصين، وكانت ~~فعلا من حصون الروابي العالية. والمقصود بالعربية هنا لغة الأصلاء من أبناء الجزيرة الذين سكنوا أرض ~~فلسطين قبل هجرة العبرانيين بمئات السنين، وهم الذين أطلقوا على الأرض اسم أرض كنعان بمعنى الأرض ~~الواطئة، ولا تزال مادة كنع وقنع وخنع بهذا المعنى في لغتنا العربية الحاضرة. # والكلمة تكتب في العبرية تارة بالسين وتارة بالزاي، ولم يحرص عليها اليهود بعد دخولها في ~~حوزتهم، بل جاء في سفر صمويل ms02 الثاني أن داود غير اسمها باسم بيت داود ولم يشأ أن ينقل تابوت الرب ~~إليه بل مال به إلى بيت عوبية. كذلك كان شأن صهيون قبل سبي بابل، فلما حمل اليهود إلى الأسر أصبح ~~الحنين إلى صهيون رمزا للحنين إلى عودة المملكة الغابرة. وتحولت الوعود الإلهية في كتبهم تحولا ~~جديدا مع مصالح السياسة، فانحصرت في ذرية داود - عليه السلام - ليخرج منها غير ذي الذرية من ~~اليهود. # وليس هذا بالتحول الأول عندهم في هذه الوعود على حسب المصالح السياسية؛ فقد كان الوعد لإبراهيم ~~فحولوه إلى إسحاق ليخرجوا منه أبناء إسماعيل، ثم حولوه إلى يعقوب ليحصروه في سلالة إسرائيل، ثم حولوه ~~إلى ذرية داود لينحصر في مملكة الجنوب دون مملكة الشمال. وهكذا كان وعد صهيون (وعدا سياسيا) ~~تابعا لمآرب الدولة ومآرب الهيكل الذي يقام في جوارها، فلا شأن له بالعقيدة الدينية التي تشمل جميع ~~سلالة إبراهيم. # وفي الأسر البابلي تعلم اليهود بقايا الديانة القديمة، وما احتوته من البشائر عن عودة (مروخ) ~~إلى الأرض، وعودة رسول النور كل ألف سنة إليها لإصلاح فسادها، فتعلقت آمالهم بعودة المملكة على يد ~~بطل من أبطال الغيب، ولم يكن هذا البطل مقصورا عندهم على ذرية داود، بل زعموا مرة أنه هو «كورش» ~~الفارسي الذي سمي بالمسيح في الإصحاح الخامس والأربعين من سفر أشعيا. ولبثوا دهرا يتخيلون المسيح ~~الموعود ملكا صاحب عرش وتاج، يفتتح بيت المقدس بالسيف، ويعيد فيها الدولة الدائلة. ثم يئسوا مع ~~الزمن من تجدد المملكة بقوة السلاح فعلقوا الرجاء بالرسول المختار من عالم الروح، وقيل في وصفه كما ~~جاء في سفر زكريا «أنه عادل ومنصور ووديع يركب على حمار ابن أتان». # ولما بعث المسيح - عليه السلام - أنكر كهان الهيكل بعثته وآمن به بعض اليهود وبعض أنباء الأمم ~~المقيمين في فلسطين، واحتج القوم عليه بوعد إبراهيم، فقال لهم: إن أبناء إبراهيم بالروح هم الموعودون ~~بالخلاص، فكل من آمن بدينه فهو من أبنائه، ولا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن ربا واحدا للجميع. ~~كما جاء في الرسالة إلى ms03 رومية. # وقد حدث في عصر السيد المسيح أن اليهود تفرقوا في أنحاء الدولة الرومانية، واتخذوا لهم وطنا في ~~كل قطر من أقطارها الواسعة، فكتب فيلون فيلسوف الإسكندرية اليهودي يقول في تحديد موقفهم من الدولة: ~~«إن اليهود - لكثرة عددهم - لا تحتويهم بقعة واحدة، ويتفرقون لطلب الرزق في أغنى البلاد من أوروبا ~~وآسيا، على أنهم ينظرون إلى أورشليم مقر هيكل الله المقدس كأنها حاضرتهم الكبرى، ويحسبون وطنا لهم ~~كل أرض عاشوا فيها وعاش فيها آباؤهم وأجدادهم من قبلهم.» # والكلمة التي عبر بها فيلون عن الحاضرة هي الكلمة اليونانية «متروبوليس # Metropolis ~~» أي أم المدن من كلمة «متري» بمعنى أم وبوليس بمعنى مدينة، وتطلق على كل ~~مركز مهم من مراكز المعابد أو الدواوين. # فالصهيونية في الزمن القديم لم تكن عقيدة دينية، بل كانت نزعة سياسية، ثم ذهب الأمل في نجاحها ~~السياسي، فانقطعت العلاقة بينها وبين معناها الجغرافي، وأطلقت في بعض التعبيرات على معنى آخر بعيد كل ~~البعد من المعاني الجغرافية، وذاك حيث يقول صاحب الرسالة إلى العبرانيين من الإنجيل «إنكم لم تأتوا ~~إلى جبل ملموس مضطرم بالنار ... بل أتيتم إلى جبل صهيون، وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية ... ~~وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع.» # وواضح من تعبير هذه الرسالة أن الصهيونية قد تحولت إلى فكرة لا تتعلق بمكان معين، ولا تتطلب ~~العودة إلى فلسطين، ولذلك ناهضها المتدينون من اليهود عند ظهور الدعوة إليها، واعتبروا هذه الدعوة ~~تجديفا وإنكارا للمسيح المنتظر في عالم الروح، فتلاقت عقيدة المسيحيين المؤمنين بالمسيح - عليه ~~السلام - وعقيدة اليهود الذين ينتظرونه في آخر الزمان، فاتفقتا على شيء واحد، وهو الفصل بين ~~الصهيونية السياسية والفكرة الدينية. # والواقع أن الصهيونية كأختها القديمة: كلتاهما وليدة السياسة والسياسيين، أيا كان السبب الذي ~~تستند إليه. # وجملة أسبابها - كما يذكرها المؤرخون لها - هي الاضطهاد وظهور الفكرة القومية ومطامع ~~الاستعمار. # لهذا نشأت أول الأمر في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى، حيث بلغ الضغط على اليهود أشده في القرن ~~التاسع عشر، ثم نشأت مع المسألة الشرقية واستخدمها ms04 الساسة لتحقيق مطامعهم في بلاد «الرجل المريض» ... ~~أي الدولة العثمانية كما سماها رواد الاستعمار. # فلما اتجهت أوروبا كلها إلى طرق المواصلات بين الشرق والغرب خلال الدولة العثمانية، أراد ~~نابليون أن يستخدم اليهود للسيطرة على التجارة في هذه البقاع، فنشر بالصحيفة الرسمية إعلانا دعا فيه ~~يهود إفريقية وآسيا إلى موافاة جيشه بمصر، ليدخلوا معه إلى أورشليم، وراجت في باريس سنة 1798 دعوة ~~يهودية إلى اغتنام الفرصة، للاستعانة بفرنسا على تنظيم أعمالهم التجارية بين الوجه البحري في مصر ~~وعكا والبحر الميت وشواطئ البحر الأحمر. # ولم تكد هذه الدعوة تحبط بحبوط حملة نابليون حتى تصدى الإيرل أوف شافتسبري الإنجليزي سنة 1842 ~~لتبنيها واحتضانها، منعا لتنفيذها على يد دولة أخرى، وعلى الخصوص الدولة الروسية، فوضع مشروعا سماه ~~مشروع «الأرض بغير شعب للشعب بغير أرض»؛ ويعني بالأرض مكانا خاليا يصلح للاستعمار الزراعي في أنحاء ~~فلسطين، ثم انعقد مؤتمر برلين وهذه الفكرة الشائعة فيه بين الأروقة يزجيها رجال المال من وراء ~~الستار. # ولما فوتح السلطان عبد الحميد الثاني في هذه المسألة أراد بدهائه المعروف أن يسخرها لغرضين من ~~أغراضه: وهما الحصول على القروض بأيسر الشروط، واستخدام اليهود في رد حملات التشهير التي كانت تنهال ~~عليه باسم المذابح الأرمنية. وسنرى فيما يلي من الكلام عن أطوار هذه المسألة أنها كانت - ولا تزال - ~~ألعوبة من ألاعيب السياسة التي تتوارى خلف ستار من الدين، ولكننا - قبل أن ننتقل إلى الصهيونية بعد ~~العصر القديم - نود أن نميط الستار عن حقبة أخرى ترتبط بتاريخ الصهيونية، ويتجاهلها الذين تذرعوا ~~باسم الإنسانية لتعليل هذه الحركة الجهنمية. # فهم يقولون - ولا يملون تكرار القول - إن الاضطهاد هو علة الصهيونية الأولى، وإن قيام الصهيونية ~~يقضي على هذه العلة أو يمنع تجديدها. # والحقيقة التي نريد أن نقررها هي أن الاضطهاد نتيجة لداء مزمن في اليهود سيبقى معهم في دولتهم ~~الجديدة كما كان معهم في دولتهم القديمة. # فمن الذي اضطهد اليهود في مملكة سليمان حتى انقسمت على أهلها ثم انقسم كل شطر من شطريها على ~~أهله؟ # ومن الذي ms05 اضطهدهم يوم تمردوا على كل نبي من أنبيائهم، وكل قائد من قادتهم، وهم بعيدون من سلطان ~~غيرهم؟ # إن القرآن الكريم قد وصفهم حقا حيث قال عنهم: # تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى ~~. ولم يصفهم القرآن الكريم إلا بما وصفتهم به كتبهم ورسلهم من أقدم ~~عصورهم إلى ما بعد عصر المسيحية. # ففي الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر التثنية يقال لهم بلسان الرب: «إني عارف تمردكم ورقابكم ~~الصلبة.» # وفي الإصحاح التاسع من سفر نحميا أنهم «أعطوا كتفا معاندة، وصلبوا رقابهم ولم يسمعوا». # وفي الإصحاح السابع عشر من سفر أرميا أنهم «قسوا أعناقهم لئلا يسمعوا ولئلا يعقلوا». # وفي أعمال الرسل أنهم غلاظ الرقاب. وفي غير هذه الكتب إجماع على غلظ رقابهم، وشكاستهم، وامتناع ~~الوفاق بينهم. وهذه هي الآفة التي لا تفارقهم في دولتهم الجديدة، وما فارقتهم قط في دولتهم الغابرة، ~~حتى قضوا عليها قبل أن يقضي عليها أعداؤها. وقد جروا على أنفسهم الاضطهاد في كل بقعة وفي كل عصر. ~~وبين كل قبيل، فليس من المعقول أن تكون العلة في غيرهم، وليس للأمم من حيلة معهم إلا أن تخضعهم آخر ~~الأمر أو تخضع لهم برمتها، وإنه لهو المستحيل بعينه على كل فرض من الفروض، وإنما آفة القوم الكمينة ~~فيهم أنهم كائن ممسوخ من الوجهة الاجتماعية؛ لأنهم جماعة مقتضبة لم تصبح أمة، ولم ترجع إلى نظام ~~القبيلة البدوية، واشتبكت مع العالم وهي في مرحلة غير نامية وغير صالحة للنمو على حدة، فكل علاج لها ~~ميئوس من جدواه، ما لم يغلبها العالم على طبيعتها ويدمجها اضطرارا في طوية أممه، وسوف يكون ذلك لا ~~محالة؛ لأن غيره لن يكون. # الفصل الثاني # | الصهيونية من الميلاد إلى القرن التاسع عشر # منذ القرن الأول للميلاد لم يطرأ على «الصهيونية» شيء جديد قبل القرن التاسع عشر، فكل ما عرفه ~~اليهود عن الصهيونية في عصر السيد المسيح بقي كما في القرون الوسطى وفيما تلاها من قرون النهضة ~~والإصلاح إلى أوائل القرن التاسع عشر؛ أي إلى القرن الذي يصح أن يسمى في وقت واحد بعصر ms06 الثورة، وعصر ~~الاستعمار، وعصر الصناعة الكبرى، ولكل صفة من هذه الصفات علاقة باليهودية لا تخفى على النظرة ~~العاجلة، ولكنها تستحكم وتتغلغل في جميع الجوانب بعد إنعام النظر إليها. # كان اليهود يعيشون في أرجاء الدولة الرومانية بين أناس يخالفونهم في العقيدة، وكانوا يعزلون ~~أنفسهم عن المجتمع باختيارهم، وينشئون في أنحاء الدولة مراكز متفرقة للمعاملات التجارية، وشئون ~~الصيرفة، ومبادلة السلع والنقود، ولكنها متفقة فيما بينها على قصد وعلى غير قصد لانعزالها في كل بقعة ~~على حدة، فإذا سافر اليهودي من الإسكندرية إلى روما علم قبل سفره أن هناك بيئة مماثلة لبيئته، يذهب ~~إليها ليستعين بها على عمله، ويشترك معها وبإرشادها في استغلال من حوله. وكان هذا الاستغلال بطبيعته ~~سببا لنقمة الفقراء والأغنياء في وقت واحد، فكان اليهود عرضة لغضب المعوزين كما كانوا عرضة لغضب ~~المدينين وأصحاب المحصولات الزراعية من الضياع الواسعة، وبخاصة في إبان الأزمات والحروب الخارجية ~~والأهلية، وقد كانت تتعاقب على كثرة من قبيل انهيار الدولة الرومانية. # وكلما كثرت الحروب وضح لأبناء الأمم المختلفة أن هذا الشعب المسمى «اليهود» متفق عليهم، متفاهم ~~فيما بين أبنائه على ابتزازهم واستباحة أموالهم وأرزاقهم؛ لأنه يعتزلهم كافة بمجتمعه في كل بقعة، ثم ~~يرتبط بالمعاملة بينه وبين أبنائه في المعسكرات المتقاتلة، ولا ينظر اليهودي إلى زميله نظرة العداء ~~والمقاطعة، وإن قطعت الحروب والفتن بين البلدين. # ودانت أمم الغرب بالمسيحية شيئا فشيئا فلم تتغير هذه الحالة، بل جد عليها سبب مفهوم، للتقاطع ~~بين اليهود والمسيحيين، وهو عداء اليهود للسيد المسيح، فعاش اليهود في عزلتهم، وتعرضوا من جراء هذه ~~العزلة لتهم كثيرة وشبهات أكثر، حتى شاع عنهم في أيام الوباء أنهم هم الذين يسممون الماء ~~والطعام. # وضاعف الاشتباه فيهم أنهم كانوا ينفردون بمطاعمهم في المدن، وقلما يؤاكلون أحدا في ~~الريف. # وحدث غير مرة أن اليهود كانوا ينصرون كل مغير على البلد الذي يقيمون فيه، وحدث غير مرة أنهم ~~كانوا يصاحبون الجيشين المتقاتلين لشراء الأسرى، وبيع المؤنة، وبذل القروض، ثم يتقابلون على تفاهم ~~عند «تصفية الأعمال» والمساومة، فوقر في ms07 أخلاد الأمم أنهم شعب غريب. # وكان شعورهم نحو بيت المقدس خلال هذه القرون لا يتجاوز شعور الحنين إلى مجد قديم، وانتظار الوقت ~~الموعود في الزمن الذي يختاره الله، ولا شأن لهم بتقديمه أو تأخيره مع المشيئة الإلهية، وأصبحت ~~الصلوات التي يعيدونها كل يوم أو كل أسبوع طلبا للرضوان الإلهي، ألفاظا تعاد على الأكثر بغير معنى، ~~كأنها الدعوات التي يرددها الجهلاء من أتباع كل نحلة، وهم لا يفقهون معناها. # ويسجل التاريخ الأوروبي على اليهود أنهم كانت لهم مشاركة في كل فتنة وكل إغارة، ولكن المؤرخين ~~يختلفون في تعليل هذه المشاركات المتواترة؛ فيعزوها بعضهم إلى المصادفة لوجود اليهود في كل بيئة، ~~ويعزوها بعضهم إلى شعور النقمة الطبيعي على كل سلطان غاشم يخضع له المحكومون على رغم واضطرار، ~~ويعزوها بعضهم إلى التدبير المتعمد لهدم المجتمع المسيحي من داخله وتقويض دعائم الدولة والكنيسة في ~~وقت واحد، ومما قيل وأصر القائلون عليه أنهم أسسوا جماعة البنائين الذين اشتهروا باسم الماسون، ~~وقرنوا بين التعاهد على بناء الهيكل وبين هذه التسمية وما يتصل بها من المصطلحات والشعائر، وقيل غير ~~ذلك كثير مما تتشعب فيه الظنون ولا حاجة إلى استقصائه لأن الظواهر تغني فيه عن الأسرار. # وكان يتفق في بعض السنين أن يتجه اليهود والمسيحيون معا إلى بيت المقدس، على أثر الإشاعات ~~«الفلكية» التي يزعمها أناس من المنجمين موعدا لعودة المسيح - عليه السلام - فتكثر الهجرة إلى ~~المشرق على اعتقاد المهاجرين جميعا أن الدنيا تنتهي بهذه العودة الموعودة، وليست فكرة الوطن القومي ~~مما يدخل في هذا الاعتقاد، بل كان من المسيحيين من يرى أن ارتداد اليهود عن كفرهم بالديانة المسيحية ~~شرط لقيام الساعة، فلا أمل لهم قبل ذلك في اليوم الموعود. # أما فكرة «الوطن القومي» فلم تنشأ قبل عصر النهضات الوطنية، ولم يسمع فيه صوت لليهود إلا لأن ~~هذا العصر كان كذلك عصر الصناعة الكبرى وعصر الاستعمار. # فلا يخفى أن الاستعمار قد بدأ بالتجارة، وأن طريق الهند كان أهم الطرق التجارية في العالم ~~القديم، ومن ثم كثر الاهتمام بفلسطين ms08 ومصر، وارتفع في المجامع الدولية صوت اليهود لاتصالهم في وقت ~~واحد بالتجارة وبهذه البلاد، واشتبكت مسألة القروض بمطامع المستعمرين في أقطار الدولة العثمانية، فلم ~~ينظر الأوروبيون إلى مطالب اليهود كأنها مطالب منفصلة تعنيهم وحدهم ويغارون عليهم من أجلهم، ولكنهم ~~جعلوها من الوسائل المعول عليها في خدمة السياسة والاستعمار. # وأثار القرن التاسع عشر مسألتين لا مسألة واحدة فيما يرجع إلى موقف اليهود من العصر ~~الجديد. # أثار مسألة القومية اليهودية؛ لأن القومية كانت على كل لسان في البلاد التي يكثر فيها اليهود ~~خاصة كبولونيا ورومانيا وإسبانيا وهولندة، فخطر لليهود أن يطالبوا بقومية مستقلة، وأن يطالبوا لهذه ~~القومية بوطن تساعدهم الدول على احتلاله. # وأثار القرن التاسع عشر مسألة المساواة في الحقوق العامة، فاعترف بعض الأمم لليهود بالمساواة ~~بينهم وبين غيرهم من أبنائها. # واعترضت أمم أخرى على اعتبار اليهود من الوطنيين: لأن الوطنية لا تقبل الولاء لوطنين اثنين، ~~وكان اليهود قد أخذوا في ذلك الوقت ينادون بالوطن القومي على اختلاف بينهم على موقعه: أين يكون وكيف ~~يكون؟ # وفي هذه المرحلة صدر كتاب موريتس هيس # Moritz Hess # بعنوان رومة ~~أورشليم، ومداره كله على ضرورة الاعتراف بوطنين للشعب اليهودي، وعلى اعتبار أورشليم مركزا لليهودية ~~كما تعتبر رومة مركزا للكنيسة المسيحية الكبرى. # ومما يؤيد تلفيق الدعوى الدينية في مسألة الصهيونية الحديثة، أن إمام هذه الصهيونية الأكبر ~~تيودور هرزل لم يفكر فيها إلا بعد سنوات من صيحته الأولى في سبيل «خلاص اليهود»، وإنما كانت فكرته ~~الأولى تحويل اليهود إلى المسيحية، وإنشاء مدرسة في فيينا لابتداء هذه المحاولة، وإقناع الجاليات ~~اليهودية بين الأمم الأخرى بمحاكاتها، ثم نظر اليهود فوجدوا لهم «لزوما» في دسائس الاستعمار ومساعيه ~~الخفية الظاهرة، ووجدوا لهم «لزوما» في عصر الصناعة والطرق التجارية خلال بلاد الدولة العثمانية، ~~ووجدوا لهم «لزوما» في عصر المسألة الشرقية وتفاهم الدول المستعمرة على تقسيم تركة الرجل المريض ~~ومنها فلسطين، فجاءت الصهيونية بعد ذلك كله «وليدة» السياسة كما كانت وليدة لها في أقدم ~~عهودها. # وقبل أن تشتبك الصهيونية والمطامع الدولية خطر لليهود أن ms09 يصححوا مراكزهم ويلائموا بينهم وبين ~~العصر الحديث بوسائل متعددة. لم تعرض لهم فكرة «الوطن القومي» إلا في نهاية المطاف. # فأنشئوا جماعة هكسالا أو «شكل» في ألمانيا لتجديد العقيدة والتوفيق بين التربية الدينية ~~والتربية العصرية، وأنشئوا جماعة «حلوقة» على غرار الجماعة القديمة التي كانت تجمع التبرعات من ~~أنحاء الأرض، لإيواء الشيوخ والعجزة في أورشليم وصفد وطبرية وغيرها من مواقع فلسطين التي يكثر فيها ~~اليهود، وطمع بعضهم بقيادة موسى مونتفيور في شراء البقاع الواسعة في فلسطين من محمد علي الكبير ~~لتعميرها بالزراع من المهاجرين، وتألفت في الآستانة جماعة اليهود الروس المعروفين باسم «بيت يعقوب» ~~لتشجيع الهجرة بعد استئذان السلطان. # فلما شعر اليهود بسهولة الطمع في «الوطن القومي» رفضوا هذه المحاولات جميعا، واندفعوا إلى فكرة ~~«الدولة اليهودية» ولم يقنعوا بالوطن القومي لمجرد السكنى والتعمير. # ولكنهم - حتى في هذه المرحلة - لبثوا مترددين في اختيار الموقع بين أوغندة في إفريقية، وإقليم ~~من الأقاليم الخالية في الولايات المتحدة، وبقعة من البقاع على البحر الأسود بين روسيا والبلقان، ~~وكانت طائفة من أقوى جماعاتهم الدولية وأكبرها - وهي طائفة عقودة إسرائيل - تعارض فكرة الوطن القومي ~~إلى أيام الحرب العالمية الأولى، ولم تعدل عن معارضتها إلا بعد إعلان وعد بلفور. # وظلت فكرة الوطن القومي، أو فكرة الدولة اليهودية، كالسحاب الذي يتشكل على حسب أوهام الناظرين ~~إليه، حتى أوشك القرن التاسع عشر أن ينتهي دون أن تستقر على وضع محدود، ثم تبلورت على شكل ثابت في ~~مؤتمر بال بسويسرة سنة 1897، وتم تشكيلها على الوضع الأخير بوعد بلفور بعد عشرين سنة. # أما مؤتمر بال المسمى بالمؤتمر الصهيوني، فقد أصدر في اليوم الثاني من أيام انعقاده قرارا يقول ~~فيه تعريفا للصهيونية إنها حركة ترمي إلى إنشاء وطن للشعب اليهودي شرعي معترف به في أرض فلسطين، ~~ويرى المؤتمر أن الوسائل الآتية صالحة لتحقيق هذا الغرض وهي: ~~(1) # ترقية اليهود المقيمين بفلسطين في أعمالهم الزراعية والصناعية والتجارية. ~~(2) # تأليف اليهود في جميع البلدان جماعات محلية، أو جماعات عامة على حسب القوانين المرعية في تلك ~~البلدان. ~~(3) # تقوية الوعي ms10 اليهودي حيث كان. ~~(4) # اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على السند الضروري من الحكومات. # ثم نشبت الحرب العالمية، فاتصل الصهيونيون بالمعسكرين وساعدتهم ألمانيا والنمسا عند الباب ~~العالي لتحقيق هذا المطمع في فلسطين، وعلم جمال باشا أنهم يمهدون لانتصار دول الغرب على دول أوروبا ~~الوسطى فاشتد في مقاومة مشروع التعمير، واتفق في أثناء ذلك أن أستاذا كيمائيا في جامعة مانشستر ~~كشف طريقة لاستخراج المواد اللازمة للمفرقعات من بعض الحبوب، فطلبت الجامعة مكافأته، وأبى هو أن يطلب ~~شيئا لنفسه، قانعا بوعد من الحكومة البريطانية أن تصغي إلى مطالب قومه. # هذا الأستاذ هو الدكتور حاييم وايزمان الذي اشتهر بعد ذلك في زعامة الحركة الصهيونية، وشفاعته ~~هذه كانت المقدمة «المرغوب فيها» لإعلان وعد بلفور، ولكنه لم يعلن يومئذ في البلاد العربية، بل حظرت ~~الإشارة إليه في الشرق العربي كله إلى ما بعد الهدنة بشهور، وما كانت شفاعة الدكتور وايزمان إلا تعلة ~~لإصدار هذا الوعد الذي كان جزءا من السياسة البريطانية العامة ومعدا قبل إعلانه لتنفيذه في الوقت ~~المناسب، وقد كان في طريق التنفيذ بغير هذه الشفاعة، وإنما أصدرته الحكومة البريطانية ليكون ثمن ~~الدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة كي تحصل بريطانيا على المساعدات الأمريكية التي كانت في حاجة ~~ملحة إليها للمضي في الحرب العالمية الأولى. # الفصل الثالث # | الصهيونية منذ وعد بلفور # دخلت الصهيونية في دور العمل السياسي النافذ بعد وعد بلفور، وانتداب بريطانيا العظمى لإدارة ~~فلسطين. # وترجمة هذا الوعد «أن حكومة جلالته تنظر مع الموافقة إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي بفلسطين، ~~وستبذل أفضل مساعيها لتيسير الوصول إلى هذا المطلب، مع العلم بأنه لن يعمل شيء يمس الحقوق المدنية أو ~~الدينية للطوائف التي تسكن فلسطين الآن من غير اليهود، أو يمس الوضع السياسي المخول لليهود في أي بلد ~~آخر». # ويخيل إلى بعضهم من اليهود ومن العرب أن هذا الوعد منتزع أو مغصوب بحكم الضرورات الحربية، ولكنه ~~في الواقع جزء من سياسة عامة تتناول الشرق الأدنى برمته ومنه فلسطين وسائر البلاد العربية، فهذا ~~الوعد هو الجزء المقابل لوعود ms11 أخرى بذلت للأمراء في بلاد العرب التي خرجت من حكم الدولة العثمانية. ~~ومن سخرية القدر أن نرجع اليوم إلى أقوال زعماء اليهود بعد استقرار الانتداب البريطاني على فلسطين ~~نحو عشر سنين، فقد كان اللورد ملشت الصهيوني الإنجليزي يقول في سنة 1936: «إن إقامة ثلاثة ملايين من ~~اليهود في فلسطين سوف يقضي إلى الأبد على احتمال نجاح الثورة التي تهب على دولة الانتداب ...» وكان بن ~~غريون رئيس الوكالة اليهودية يقول: «من خان بريطانيا العظمى فقد خان الصهيونية.» # وكان غيره يصرحون بأمثال هذه التصريحات ولا يقتصدون فيها. ولو اطلع أحد على الغيب في تلك الآونة ~~لقال مع أبي العلاء: «وتقدرون فتضحك الأقدار ...» # ومن الواجب على الدوام تذكر المناورات السياسية التي أدت إلى قيام الوطن القومي في فلسطين، فكل ~~ما كان وليدا لهذه المناورات قد يموت بها في يوم من الأيام، ولا سيما وليد التلفيق، أو وليد ~~المفاجآت. # إن الواقع المحقق في مسألة الصهيونية أن اليهود يستغلون الدول، والدول تستغلهم، وهذا الواقع ~~المحقق وحده هو الذي يقرر لنا أن العامل المهم في بقاء الصهيونية بفلسطين يتوقف على إرادة الأمم ~~العربية في نهاية المطاف، فلن تدوم الصهيونية في الشرق الأدنى إذا عملت أمم العرب على أن تموت ولا ~~تدوم. # وقد تكون الشعوب بمأمن من تقلبات السياسة لو أنها نشأت نشأة طبيعية على أساس قويم، أما أن تكون ~~تقلبات السياسة هي مادة وجودها ومادة بقائها، فهي حالة لم تعرف لها سابقة في التاريخ. # عالجت بريطانيا مشكلة الانتداب فلم يسلس مقادها في يديها بعد عشرين سنة من وعد بلفور، فقسمت ~~فلسطين شطرين بينهما شقة مستقلة في الناصرة وبيت المقدس، وأبى العرب واليهود هذا التقسيم، فاقترح ~~العرب حكومة وطنية تراعى فيها مصالح الأقلية، واقترح اليهود حكومة يهودية تعيش فيها الأكثرية عالة ~~على اليهود مع فتح أبواب الهجرة لهؤلاء بغير قيود ولا حدود، ثم مضت سنتان وأعلنت دولة الانتداب قيام ~~الحكومة اليهودية على أن تصبح فلسطين بعد عشر سنين حكومة اتحادية، وسمحت بدخول خمسة وسبعين ألفا من ~~المهاجرين اليهود ms12 خلال السنوات الخمس الأولى بعد سنة 1939، فكانت لجنة الوصاية بعصبة الأمم أول ~~المعترضين على هذا الحل، واضطرمت نيران الحرب العالمية الثانية دون أن ينقض أو يوقف عن ~~التنفيذ. # ثم تأسست الجامعة العربية في أعقاب الحرب العالمية، وتكرر العدوان في أواخر تلك الحرب من عصابات ~~الإرهاب الصهيونية، وأشهرها عصابة أرجون وعصابة شتيرن، وعرضت حكومة العمال الإنجليزية مسألة فلسطين ~~ومسألة الانتداب على هيئة الأمم المتحدة سنة 1947، فأحيلت هذه المسألة كلها إلى لجنة من لجان الهيئة، ~~وعادت اللجنة إلى خطة التقسيم مقترحة أن تقسم البلاد إلى حكومتين مستقلتين في غير الشئون الاقتصادية، ~~وأن يوضع بيت المقدس تحت الوصاية الدولية. # وماذا كان هذا الاستقلال في غير الشئون الاقتصادية يعني بالنسبة إلى العرب وإلى ~~الصهيونية؟ # إن ربع قرن مضى في تشجيع اليهود على الهجرة والاستعمار ~~وتنظيم الشركات لم يبق للعرب بقية من الاستقلال في شئون الاقتصاد، فإذا استقل العرب وسلموا زمام ~~الاقتصاد إلى الحكومة العامة فمعنى ذلك أنهم يسكنون في حجرات بيت خلا من حجرة الطعام، وسلم مفتاحها ~~ومطبخها إلى الساكن الآخر يعطي منه ما يعطي ويمنع ما يمنع كما يشاء. # وقبل الصهيونيون هذا الحل ببعض التحفظ إلى حين، واحتج العرب عليه، واستعصى الأمر على الدولة ~~المنتدبة، فنظر مجلس الأمن فيه، وقرر بجلسة الثاني من أبريل سنة 1948 إحالته إلى هيئة الأمم لإعادة ~~النظر في التقسيم وبحث مسألة الانتداب على احتمال إسناد الوصاية الموقوتة إلى هيئة الأمم، فتركت ~~الهيئة مشروع التقسيم كما كان، وقررت أن توفد إلى فلسطين رسولا يصلح بين الفريقين ويبسط للهيئة ~~حلا يرضيانه أو ترضاه وتفرضه على الموافقين والمخالفين. # وكانت بريطانيا العظمى قد أعلنت عزمها على الجلاء عن فلسطين والتخلي عن مهمة الانتداب، وعينت ~~للجلاء موعدا في الرابع عشر من شهر مايو سنة 1948، فكأنما كان هذا اليوم موعدا لقيام دولة إسرائيل ~~واعتراف الولايات المتحدة بها قبل انقضاء ساعة من لحظة الإعلان. # ودخلت الجيوش العربية فلسطين، واجتاحت أمامها عصابات اليهود، ولأول مرة من تاريخ مجلس الأمن ~~تعمل المادة التاسعة والثلاثون من ميثاق الأمم ms13 المتحدة عملها الناجز في وقف القتال حرصا على سلام ~~العالم ... فكانت الهدنة فرصة لتزويد الدولة اليهودية بالسلاح والعتاد، وتهديد كل دولة عربية على ~~انفراد للكف عن القتال، مع الحرمان من كل مدد تستطيع أن تحصل عليه. # وقد تجددت في هذه المرحلة مناورات السياسة من الدول الكبرى التي تسيطر على سياسة العالم، ~~فاعتقدت كل دولة منها أنها آمنة من مساعدة الصهيونية؛ لأن الصهيونية في حاجة إليها، فالولايات ~~المتحدة تعطي القروض وتأوي في بلادها خمسة ملايين من اليهود، وبريطانيا العظمى صاحبة النفوذ الأكبر ~~في الشرق الأدنى وعلى مقربة من حدود إسرائيل، وروسيا يسكنها ملايين من اليهود وتدين بالمذهب الذي ~~نشره اليهودي كارل ماركس وتابعه عليه الكثيرون من أبناء جلدته في جميع البلدان. # ثم كان ما هو مذكور من وقف القتال في السابع عشر من شهر يونيو سنة 1949 وطغيان اليهود على بلاد ~~فلسطين جميعا إلى أقصى الجنوب، وذهب أبناء البلاد مشردين بالعراء، محرومين من المأوى والمرتزق في ~~مواطن آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين، وشذاذ الآفاق ينعمون بخيرات تلك المواطن ويتدفقون عليها بغير ~~حائل ولا مانع، حتى بلغ سكان إسرائيل أكثر من مليون وستمائة ألف عند نهاية سنة 1952. # لقد رأينا كيف يتدرج الصهيونيون من طمع إلى طمع كلما أنسوا التشجيع أو الإغضاء من دول ~~الاستعمار. كانوا يقنعون بالسكن حتى وجدوا من يطمعهم في الوطن القومي، فطلبوه وزادوا عليه إقامة ~~الدولة في ذلك الوطن المغصوب، وكانوا يقنعون بالقسمة فهم لا يقنعون اليوم بما دون السيطرة الكاملة ~~على جميع البلاد. ووضح من تسمية الدولة الناشئة باسم إسرائيل أنهم يتطلعون إلى مملكة يهوذا في ~~الجنوب، ووضح من دعوتهم ودعواهم على ألسنة المتهوسين منهم أنهم يطمعون في الدولة التي رسمت حدودها في ~~سفر التكوين «من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات ...» والتي رسمت حدودها في كلام يشوع «من البرية ~~ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات ... وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس». # وليست دعوة المتهوسين بين هؤلاء القوم غير دعوة العقلاء والحكماء كلما سنحت الفرصة وواتاها ms14 من ~~الأقوياء تشجيع وإغراء. وحسب صهيون من تشجيعهم وإغرائهم حتى الساعة أنها لم تحاسب قط على مخالفة، ولم ~~تحفل قط بقرار يتفق عليه الأقوياء أو يختلفون. وتنقضي الأيام على مصرع رسول الأمم، وعلى اقتحام بيت ~~المقدس، وعلى اختراق الحدود، وإهدار دماء الأبرياء، وترويع المشردين فوق ما أصابهم من ترويع وتشريد، ~~فلا تدان صهيون بجريمة من هذه الجرائم، بل تتجنى على غيرها وتشكوه. فتنفتح الآذان والصدور لاستماع ~~شكواها، ثم لا يقال لها أقل ما ينبغي أن يقال في هذا المجال: اذهبي فأطيعي الهيئة التي ترزئينها ثم ~~تستمدين العون منها. ولعلها ستعان ثم تعان قبل أن تؤمر يوما بأن تسمع وتطيع. # وفي وسع الدول الكبرى أن تصنع كثيرا لإسرائيل، إلا شيئا واحدا لا تستطيعه، لأنه لا ~~يستطاع. # ليس في وسعها أن تقيمها على قدميها وأن تغنيها عن معونتها، وهي لا تفتأ تستعين بها على نفقات ~~الدفاع، ونفقات الإيواء والتعمير، وسداد الديون، وإن طال صبرها على معونتها فليس في وسعها أن تضمن ~~لها دوام «التقلبات السياسية» في مصلحتها، ولا أن تقتلع من طباع أبنائها جذور ذلك الداء الذي شكاه ~~أنبياؤها قديما، وسيشكونه لا محالة أصبر الساسة من الأقوياء والضعفاء: داء الرقبة الغليظة، وليس له ~~دواء. # أما الأمم العربية فهي في الحق ضعيفة أمام أنصار إسرائيل، ولكنها تحبط ما يعملون بعمل واحد: وهو ~~الإعراض عنها والكف عن معاملتها. وإن دولا أقوى من إسرائيل وأسلم منها بناء في موطنها لتنخذل مع ~~الزمن إذا طالت المسافة بين من تعاملهم ويعاملونها، ونضبت مواردها عن تعويض منافعها من أقرب الناس ~~إلى مصانعها وأسواقها، وليس للأمم العربية من خيار إلا هذه المقاطعة، أو سيطرة إسرائيل عليها بما ~~تأخذه من خيراتها وتستفيده من جهودها. # ومن خيرته الحوادث بين هذين فقد وضح الطريق أمام عينيه. # الفصل الرابع # | الصهيونية العالمية # الصهيونية العالمية حقيقة واقعة. # هي قوة موجودة بأعمالها وآثارها، موجودة بدعايتها وأخبارها، موجودة بمقاصدها وغاياتها، ولا حاجة ~~بها إلى وجود في صورة أخرى ما دامت موجودة بالأعمال والدعاية والغايات. # ظهرت في القرن ms15 الماضي مجموعة من الوثائق السرية سميت بمحاضر مشيخة إسرائيل، وانتشرت من روسيا ~~حيث ظهرت أولا إلى فرنسا وإنجلترا ثم سائر الأقطار الأوروبية، وخلاصتها أنها تجمع المحاضر التي تسجل ~~قرارات المشيخة الصهيونية، وأن هذه المشيخة تلتقي من حين إلى آخر للنظر في شئون العالم، واتخاذ الخطط ~~المرسومة لتوجيه السياسة الدولية وإثارة الفتن والقلاقل في أمم الحضارة ، سعيا وراء غاية واحدة: وهي ~~تخريب العالم وهدم دعائم الأخلاق والأديان والقضاء على كل سيادة روحية أو دنيوية فيه، لتمكين ~~الصهيونية من السيطرة عليه، وتسليمه للصيارفة والسماسرة وأشباههم من خدام المال المستترين وراء كل ~~شبكة مالية واسعة النطاق، ومعظمهم من الصهيونيين. # والملاحظ على هذه الوثائق أنها لا تظهر في لغة من اللغات إلا اختفت على أثر ذلك، وأنها تختفي ~~كلما عادت إلى الظهور مترجمة أو مطبوعة من جديد، وهذه هي الشبهة القوية التي أقنعت بعض المشتغلين ~~بالنشر والصحافة الكبرى بصحة الوثائق، واهتمام الصهيونيين بإخفائها ومنع تداولها. # ونحن على بغضنا للصهيونية لا نريد أن نعطي هذه الوثائق فوق حقها، فنحن لا نجزم بنفيها ولكننا ~~كذلك لا نجزم بصحتها، ولا نرى أن الدلائل التاريخية كافية لإثباتها والتعويل عليها. # بل نحن نميل إلى الشك فيها كثيرا؛ لأننا نستكثر على الصهيونية أن يكون لهم خلق الطاعة والولاء، ~~وأن يتعودوا الإخلاص في خدمة هيئة علنية أو سرية. فلم يعرف في تاريخ هؤلاء القوم قط أنهم يخلصون في ~~طاعة هيئة دنيوية أو دينية، وليس في تاريخهم كله عشر سنوات متواليات خلت من الفتنة والعصيان والتمرد ~~على الرئاسة من أبناء جلدتهم ومن غير أبناء جلدتهم، ولا فرق بين رئاسة دينية أو دنيوية في هذه العاهة ~~المزمنة بين هؤلاء القوم. # بل هم لم يخلصوا في طاعة نبي قط من عهد إبراهيم الخليل إلى عهد موسى، إلى ما بعد انقضاء عهد ~~النبوات الإسرائيلية وظهور السيد المسيح، وقد وصفهم القرآن الكريم أصدق وصف في قوله تعالى: # بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ~~. # وهذا وصف إلهي صادق عليهم في جميع ms16 العصور، ولكننا لا نحب أن ندينهم بكتاب لا يؤمن به أنصارهم من ~~الغربيين، وفي كتبهم المعتمدة كفاية وفوق الكفاية لتوكيد هذا الحق الذي نسميه عاهة مزمنة فيهم، ما ~~زالت ولن تزال. # ففي التوراة من سفر الخروج «قال الرب لموسى: رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة.» # وفي السفر نفسه بلسان الإله: «أني لا أصعد في وسطك، لأنك شعب صلب الرقبة لئلا أفنيك في ~~الطريق.» # وفي سفر التثنية يقول لهم موسى - عليه السلام: «إني عارف تمردكم ورقابكم الصلبة.» # وفي سفر التثنية أيضا يقول لهم: «ليس لأجل برك يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها، ~~لأنك شعب غليظ الرقبة.» # وليس في العهد القديم سفر واحد خلا من وصف كهذا الوصف بمعناه أو بما هو أشد من معناه، ولم تتغير ~~طبائعهم بمضي الزمن إلى أيام السيد المسيح. فإن السيد المسيح هو الذي يخاطب أورشليم قائلا: «يا ~~أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع ~~الدجاجة فراخها تحت جناحها، ولم تريدي.» # وبعد السيد المسيح كان بولس الرسول يقول لهم: «يا قساة الرقاب، يا غير المطهرين بالقلوب ~~والآذان، أنتم تقاومون الروح في كل حين.» # فالصهيونيون لم يعرفوا في تاريخهم شيئا يسمى الولاء والإخلاص في الطاعة لمن يتولى شئونهم، وكل ~~ما عرفوه وعرفوا به في تاريخهم الطويل طبيعة التمرد والشكاسة والالتواء والعصيان، وليس هؤلاء بالذين ~~يخلصون في طاعة هيئة خفية أو ظاهرة، ولكنهم لا يحتاجون إلى ذلك لتحقيق مآرب الصهيونية العالمية، ~~فإنهم في غنى عن هذه الهيئة بما لديهم من الوسائل الأخرى، وهي كثيرة غير قليلة في العصر ~~الحاضر. # فهم موجودون في أوطان متعددة، ولهم - باصطلاح العصر الحديث - طابور خامس في كل دولة، ولهم ~~وسائلهم التي لا تتورع عن شيء من ضروب الرشوة وإرضاء الأهواء والشهوات. # وهم متعصبون متحزبون في كل مكان، لا يجمعهم حب بعضهم لبعض، ولكن تجمعهم كراهية الآخرين كما ~~يجمعهم الحقد على العالم، لأنهم استثاروه في كل بلد وفي كل زمن، واستثاروا في ms17 نفوس أبنائه سوء الظن ~~بهم وشدة النفور منهم، فهم بغضاء إليه يعلمون أنهم مبغضون، وحسبهم هذا ليعملوا مع متعصبين ~~متحزبين. # وقد قيل إن عشرة متفقين أقوى من ألف متفرقين؛ لأنهم في هذه الحالة عشرة أمام واحد، ويتكرر هذا ~~الموقف في كل بيئة على تباعد الديار بينهم، فتجتمع منهم حلقة مفرغة، تحيط بكل من يحاربون أو يطمعون ~~منه في معونة، فتتوافر لهم بذلك قوة متآمرة مستمرة، لا حاجة بها إلى رئاسة خفية تسيطر عليها في جوانب ~~الكرة الأرضية. # ومع هذا كله لا نعتقد أن قوتهم هذه كافية - وحدها - لبلوغ ما بلغوه في فلسطين. # إن نفاذ الصهيونية إلى فلسطين يرجع، ولا شك، إلى قوة الصهيونية العالمية، ولكن هذه الصهيونية ~~العالمية لا تعمل وحدها في هذا الميدان، بل تعمل معها قوتان أخريان أكبر منها، وهما: قوة المصالح ~~الاستعمارية، والتعصب الشديد على الإسلام. # إن الغربيين الذين يساعدون الصهيونية العالمية لا يساعدونها حبا لها، فما في الناس أحد يحب ~~الصهيونية، والصهيونيون أنفسهم لا يحب بعضهم بعضا حتى في فلسطين، وإنما المسألة هنا خدمة للمصالح ~~الاستعمارية وعداوة للإسلام وليست محبة للصهيونية. # إن الحالة الواحدة لتطرأ على إسرائيل وتطرأ على بلد من بلاد الإسلام، فينظرون إليها في المغرب ~~بعينين مختلفتين. # كل من الباكستان وإسرائيل دولة قامت على أساس العقيدة الدينية، وكل منهما تأخر وضع الدستور فيه ~~لاختلاف الآراء على التوفيق بين الأحكام الدستورية والأحكام الدينية. ولكنك تقرأ في كلام الغربيين أن ~~أمة الباكستان أمة متأخرة لأنها قائمة على أساس دينها، ومتأخرة لأنها لم تتم بعد دستورها، ولا تقرأ ~~شيئا من هذا القبيل بتة عن الصهيونيين ودولة إسرائيل، بل تقرأ عنهم كل ما شاءوا من أوصاف التقدم ~~والحضارة. # هي إذن ثلاث قوى تعمل في قضية فلسطين: قوة الصهيونية العالمية، وقوة المصالح الاستعمارية، وقوة ~~التعصب على الإسلام، ولهذا نقول: إن الصهيونية العالمية لا حاجة بها إلى مشيخة إسرائيل، فحسبها ~~الطابور الخامس المنتشر في كل مكان، ومعه الطوابير الأخرى التي تجتمع على البغضاء وإن لم تجتمع على ~~المودة والولاء. # الفصل ms18 الخامس # | الصهيونية العالمية جنايتهم على أنفسهم # الصهيونية منسوبة إلى صهيون في بيت المقدس. # ولكننا حين نتكلم عن الصهيونية العالمية، نعني بها شيئا أقدم من هذه النسبة، وأقدم من وصول ~~العبريين إلى أرض فلسطين منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة. # نعني بها ذلك الخلق الذميم الذي تأصل في طائفة من العبريين منذ أقدم العصور، وجعلهم بغضاء ~~منبوذين في كل مكان أقاموا فيه أو دخلوه. # نعني به خلق العدوان والادعاء والأنانية، وهو داء قديم في هؤلاء القوم، لم يفارقهم قط في عهد من ~~عهودهم التاريخية، ولا شك أنه كان ملازما لهم زمنا طويلا قبل ظهورهم على مسرح التاريخ. # هذه الصهيونية بغيضة إلى كل الناس، بغيضة من كل بلد، بغيضة في كل زمن، بغيضة في الزمن الحديث، ~~لا يحبها ولا يعطف عليها أحد بلا استثناء لأنصارها المستعمرين والمتعصبين. # ولقد كان الصهيونيون يعرفون أنهم مبغضون ولا يستغربون، وكان خصومهم يعرفون أنهم يبغضونهم ولا ~~يستغربون: كان هؤلاء وهؤلاء لا يستغربون بغض الصهيونية؛ لأنهم يعرفون أسبابه في زمانهم، وإن اختلفوا ~~فيمن هو على حق وفيمن هو على باطل. # أما العصور الحديثة فقد اختلط فيها الأمر على بعض الباحثين فخلطوا بينه وبين التعصب الديني على ~~اليهود، وهما شيئان منفصلان. # وأرادوا أن يطلقوا على بغض الصهيونية اسما جديدا فسموه كراهية الساميين # Anti-Semitism # لظنها أنها من عداوة الأجناس. # ثم ظهرت مباحث علم النفس الحديث - ولا يخفى أن الكثيرين من دعاته يهود - فراح الباحثون في علل ~~الظواهر الاجتماعية يبحثون عن علة نفسانية لكراهية الساميين، وحاول بعضهم أن يجعلها علة دخيلة تصيب ~~الأمم والجماعات كما تصيب المخبولين من آحاد الناس، فخبطوا في ذلك خبطا ذريعا، وجانبوا الصواب في ~~كل ما زعموه، لأن المحاولة من أولها قائمة على ضلال، أو على غرض يسوق إلى الضلال. # قال بعضهم: إن كراهية الساميين مرض اجتماعي يظهر في الأمم التي تصاب بمركب النقص وتشعر بأنها ~~محتقرة بين الشعوب، أو متخلفة عنها. # وقال بعضهم: إن كراهة الساميين مرض يصيب الأمم التي يتسلط عليها الخوف، فتتهم من تستطيع ms19 اتهامه، ~~وتجد اليهود بينهم منعزلين متميزين، فتخصهم بذلك الاتهام. # وقال بعضهم: إن كراهة الساميين داء تبتلى به الأمم المتكبرة التي توالت عليها الهزائم، فهي ~~تتشفى وتنتقم ممن تقدر عليه، كما فعل النازيون. # وقال آخرون: إن الأمم الفقيرة تصاب بداء الحسد، وتنتقم من الأجانب والغرباء عنها إذا اعتقدت ~~فيهم الثراء والنجاح. # وكل هذا لغو وخرافة؛ لأن الأمم كلها لا تصاب بالأدواء النفسية ويسلم منها الصهيونيون دون سواهم، ~~وإذا كان الصهيونيون مكروهين من قديم الزمن فالبحث العلمي المنزه عن الغرض يتجه إليهم أولا قبل أن ~~يتجه إلى الآخرين. # والواقع أن الصهيونيين لم يألفوا أحدا ولم يألفهم أحد منذ عرف اسم العبريين في التاريخ. # إن هؤلاء القوم من سلالة سامية نشأت في جزيرة العرب مهد الشعوب السامية، على أرجح ~~الآراء. # فشجر النزاع بينهم وبين جيرانهم وهاجروا إلى العراق في الجنوب، ثم هاجروا من جنوبي العراق إلى ~~شماليه في عصر يقارب عصر إبراهيم الخليل، ثم هاجروا من العراق الشمالي إلى الصحراء السورية فدخلوا ~~أرض كنعان، وهناك كان يسكن الأدرميون والمؤابيون والعمالقة وعشائر مختلفة من الآراميين والكنعانيين، ~~وبدأ التاريخ يسمع بأبناء القتال بين هؤلاء جميعا بعد دخول العبريين إلى أرضهم، وبدأ التاريخ يسمع ~~النزاع بين أتباع إبراهيم الخليل أنفسهم فانقسموا إلى شطرين. # ومنذ تلك الحقبة لا يعرف التاريخ لهؤلاء القوم فترة واحدة جمعتهم على ألفة ووئام مع جيرانهم، ~~فدخلوا مصر ونفر منهم المصريون، وعادوا إلى كنعان ونفر منهم الكنعانيون، وقامت لهم دولة في عهد النبي ~~داود فشغلتهم بالإغارة على جيرانهم واتقاء الغارة من أولئك الجيران، ثم جاء سليمان الحكيم فبنى لهم ~~الهيكل فثاروا عليه؛ لأنه فرض عليهم الإتاوات لبنائه وبناء قصره، ثم انقسموا بعده قسمين: إلى الشمال ~~وإلى الجنوب، وحفظت كتبهم ما قاله الشماليون في الجنوبيين، وما قاله الجنوبيون في الشماليين، فإذا هو ~~أشد وأشنع مما قاله أعداء الساميين فيهم أجمعين، من أقدمين ومحدثين. # ثم سباهم البابليون وحملوهم إلى أرض بابل، فلم تنعقد الألفة بينهم وبين جيرانهم هناك، وسرحهم ~~«كورش» عاهل الفرس بعد حين؛ نفيا ms20 في حقيقة الأمر، وعفوا عنهم في ظاهر الأمر كما قالوا وكما ~~قال. # وجملة تاريخهم بعد العودة من السبي تكرار لهذا التاريخ، ولما تفرقوا في البلاد بعد هدم الهيكل ~~حدث لهم في كل بلد ما حدث في البلد الآخر: نفور وقتال وكراهية للساميين بالتعبير الحديث. # ولا حاجة إلى بيان ما حدث لهم بعد ذلك، فإنه ماثل في جميع الأذهان، وهو من المواضيع التي لا ~~تنقطع الكتابة عنها والكلام فيها بين الغربيين والشرقيين، وبخاصة بعد اقتحامهم لأرض فلسطين متواطئين ~~مع ساداتهم المستعمرين ونصرائهم من المتعصبين. # أفكل العالم مريض والصهيونيون دون سواهم هم المبرءون من العلل والأمراض؟! # إن ذلك لهو اللغو بعينه كما أسلفنا في هذا الحديث، وكفى أن تبرئة الصهيونيين من الإثم والملامة ~~تلقي التهمة على أمم العالم جمعاء ... كفى ذلك لنعلم أنه اتهام باطل ينطوي على الغرض كما ينطوي على ~~الضلال ... # لكن الواقع أن أعراض المرض النفساني ظاهرة محققة في الصهيونيين على نحو لا يقبل المراء. # إنهم مصابون بالبارانويا Paranoia # بكل عرض من أعراضها التي ~~يحصيها الأطباء النفسانيون. # إن أعراض البارانويا هي غرور الأنانية والانفصام عن الوسط الذي يعيش فيه المريض، والوهم المتسلط ~~والشعور بالاضطهاد، والتوجس الدائم من الأعداء. # أي عرض من هذه الأعراض لا يظهر جليا واضحا في هؤلاء الصهيونيين؟ # إنهم يسمون رب العالم «رب إسرائيل» ويحسبون أنه خلقهم وحدهم لعبادته وخلق الأمم جميعا ~~لخدمتهم إلى آخر الزمان. # إنهم مصابون بالانفصال فيعزلون في كل مكان دخلوا فيه مجتمعين أو متفرقين. # إنهم يتوقعون الاضطهاد ويستثيرونه بوقوفهم موقف المقاومة له، سواء تعرضوا له أو حرضوه بالعزلة ~~والتآمر على استغلال الآخرين. # إنهم يجمعون كل أعراض البارانويا والشيزوفرانيا كما يحصيها الأطباء النفسانيون. # وكراهة الساميين إذن ليست مرضا في الأمم الإنسانية قاطبة باستثناء الصهيونيين، ولكنها مرض في ~~الصهيونيين يلازمهم في كل مكان وفي كل زمن، ويثير في النفس «رد الفعل» الطبيعي له من كل إنسان سليم ~~الطباع. إنهم لهم الجناة على أنفسهم، وإنهم لقوم «لا يعقلون» كما وصفهم القرآن الكريم. # الفصل السادس # | الصهيونية العالمية دعوى ms21 الاضطهاد # حديثنا هنا موضوعه دعوى الاضطهاد. # ونحن لا نسميها «دعوى الاضطهاد»؛ لأن الاضطهاد غير موجود أو لم يوجد في الأزمنة الماضية، ولكننا ~~نتكلم عن هذه «الدعوى» من جوانبها التي تخفيها الصهيونية، ويعاونها على إخفائها أذنابها المنتشرون في ~~بلاد العالم، ومنهم السافرون والمتسترون. # نريد أن نقول «أولا»: إن الصهيونية هي المسئولة عن كل اضطهاد تجره على نفسها وعلى أبناء ~~دينها. # وأن نقول «ثانيا»: إن الصهيونيين أشد الناس اضطهادا لغيرهم إذا ملكوا القدرة الظاهرة أو ~~الخفية. # وأن نقول «ثالثا»: إن الصهيونيين يستغلون دعوى الاضطهاد، ويتخذونها وسيلة لتخير الأمم باسم ~~الإنسانية والغيرة على الحرية. # إن الصهيونية مسئولة عن كل فاصل تقيمه بينها وبين أمم العالم؛ لأنها من قديم الزمن تقسم العالم ~~إلى قسمين متقابلين: قسم إسرائيل وهم صفوة الخلق وأصحاب الحظوة عند الله لغير سبب إلا أنهم أبناء ~~إسرائيل، وقسم آخر يسمونه قسم الأمم أو «الجوييم» ويشملون به جميع الناس من جميع الأقوام ~~والأجناس. # وفي كتب التلمود المعتبرة عندهم وصايا كثيرة عن المعاملة التي يستبيحونها مع غيرهم ولا ~~يستبيحونها مع أحد من ملتهم، ويكفي منها مثلان أو ثلاثة من تلمود شلقان عراق # Shulchan Araq # الذي لا يزال متداولا بينهم، ففي هذا التلمود يقال لهم: «إذا خدع يهودي ~~أحدا من الأمم وجاء يهودي آخر واختلس من الأممي بعض ما عنده بنقص الكيل أو زيادة الثمن، فعلى ~~اليهوديين أن يقتسما الغنيمة التي أرسلها إليهما يهواه.» وهو اسم الإله في التوراة. # ويقال لهم في هذا التلمود: «إنه وإن لم يكن من المفروض على اليهودي أن يقتل أمميا يعيش معه ~~بسلام، إلا أنه لا يجوز له في حال من الأحوال أن ينقذ حياة أحد من الأمميين.» # وقد ينكر بعض الصهيونيين أتباعهم لهذا التلمود، ولكنهم لا يستطيعون أن ينكروا أنهم يستبيحون ~~اليوم ما أبيح لهم قديما في التوراة، وقد جاء في كتاب الخروج من الأصحاح الحادي عشر أن شعب إسرائيل ~~أمر «بأن يطلب كل رجل من صاحبه وكل امرأة من صاحبتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب ... وأن الرب أعطى ms22 نعمته ~~للشعب في عيون المصريين»، فأخذوا الأمتعة وهم على نية الرحيل من الديار. # ومعاملتهم لأعدائهم من باب أولى لا تعرف الحدود، ومنها استباحة قتل الأطفال والنساء وإحراق ~~الحرث والنسل وتدمير المدن بما فيها من مساكن وحصون. # وليست عداوة الأمم داء قديما عفى عليه الزمن كما يقول اليوم بعض الدعاة الصهيونيين، فهي باقية ~~على أشدها حتى اليوم، وهي باقية حتى في شعور الصهيونيين نحو المنقذين لهم والقادمين لنصرتهم، وقد ذكر ~~كمشي # Kimche # داعية الصهيونية المشهور أن المحققين هالهم ما وجدوه من ~~شعور المعتقلين بالعداوة نحو المسيحيين في سنة 1946، وأن واحدا من اليهود مزق الجواز الذي يبيح له ~~السفر إلى الولايات المتحدة لأنه لا يطمئن إلى أحد من المسيحيين. # قال كمشي في الصفحة الثالثة والثمانين من كتابه الطرق الخفية: «إن عداوة الأمم # Anti Goyism # ذلك السرطان القديم في الحياة اليهودية قد جدد أخيرا ~~أجله في الحياة، وإنه مع الصهيونية يكهرب معسكرات اليهود في القارة الأوروبية.» # وكمشي هذا هو صاحب صحيفة «جويش أوبزرف» وصاحب المؤلفات المشهورة في الدعاية الصهيونية، ولا يزال ~~قائما بهذه الدعاية إلى الآن. # فالدعوة المعروفة بعداوة السامية أو عداوة اليهود حركة مشكوك فيها قابلة للاختلاف على بواعثها، ~~ولكن الدعوة التي لا شك فيها هي عداوة الأمم التي طبع عليها الصهيونيون المعاصرون، أو عداوة الجوييم، ~~أو ال # Anti Goyism # كما يسميها الصهيونيون المعاصرون جمهرة ولا ~~يتكلفون لمداراتها وتلبيسها، ثقة منهم بالضمائر المعروضة في سوق الخداع والتضليل، وثقة منهم فوق ذلك ~~بغفلة الغافلين، وفرط العداوة في نفوس بعض الناس للإسلام، فهم يحاربونه ولا يجهلون مساوئ ~~الصهيونيين. # فإذا كان هذا هو شعور الصهيونية نحو الأمم فلا غرابة في شعور الأمم نحوهم بفواصل التفرقة ~~والانقسام، ويتمم هذا الشعور أن الصهيونيين من أيام أسلافهم متوارثون خلائق العناد والشراسة، ويصفهم ~~أنبياؤهم بصلابة الرقاب، ويقول موسى - عليه السلام - نفسه: «إلى متى يغفر الرب لهذه الجماعة الشريرة ~~المتذمرة؟» # أما أن الصهيونيين معروفون باضطهاد المخالفين لهم كلما استطاعوا، فلا حاجة إلى الشواهد على ذلك ~~من التاريخ القديم، وهو مشحون ms23 بهذه الشواهد منذ أربعة آلاف سنة، بل حسبنا شهادة واحد منهم وداعية من ~~أكبر دعاتهم، وذلك هو صاحب «نيويورك تيمس» الذي ينشر لهم أباطيلهم في الولايات المتحدة، فإنه يقول: ~~إنه «ينفر من أساليب الإكراه التي يعمد إليها الصهيونيون في أمريكا؛ إذ يستخدمون الأسلحة الاقتصادية ~~لإسكات من يخالفونهم، وإنه هو نفسه - وهو أمريكي يدين باليهودية - قد يتعرض للمتاعب من جراء هذه ~~الشكوى». # إن هذه الشكوى مما أشار إليه دوجلاس ريد في الصفحة المائة والتسعين من كتابه «الدخان والخنق» ... ~~وزاد عليها أنه يستطيع أن يعززها بما يملأ كتابا كاملا عما يلقاه المخالفون للصهيونية من ضروب ~~الاضطهاد. # فليس من حق صهيوني أن يشكو الاضطهاد إذا تعرض له بسوء نيته وسوء خلقه وسوء فعله، فإنما الذنب ~~فيه ذنبه قبل غيره، وليس من شأن سوء النية وسوء الخلق وسوء الفعل أن يجر إلى المودة والشكر ~~والثناء. # والأعجوبة الكبرى في دعوى الاضطهاد أن الصهيونيين يستخدمونها لإقناع الناس بمطالبهم، ولا ~~يتورعون عن أكذوبة قط في سبيل مطلب مقصود. # هل يخطر على بال أحد أن هجرة اليهود من ألمانيا كانت باتفاق مع هتلر؟ # وأن حركة الاضطهاد كانت تنظم على علم من الدعاة الصهيونيين في القارة الأوروبية؟ # هل يخطر على بال أحد أن الصهيونية كان لها مكتب معترف به في برلين، وأنها كانت على اتصال دائم ب ~~«الجستابو» عن طريق هذا المكتب وفروعه في البلاد الألمانية؟ # نعم، كان لها مكتب علوم في العمارة رقم (10) من شارع مين ~~كستراس # Maine Chestrasse # يديره اثنان؛ أحدهما يدعى بينو # pino # والآخر ~~يدعى بار جلعاد # Bar Gilad ~~، وكلاهما من زعماء الحركة الظاهرين في ~~أنحاء القارة الأوروبية ... وكلاهما مذكور بالفخار في كتاب كمشي - الذي سبقت الإشارة إليه. # وكان هذا المكتب ينظم الهجرة الصهيونية سرا إلى فلسطين، في الوقت الذي تثار فيه الثائرة على ~~الجستابو وفظائعه المسلطة على اليهود ...! # ولما أعلن الجنرال مورجان، بعد هزيمة ألمانيا، أنه لم ير أحدا من اليهود المهاجرين في حالة ~~سيئة، وأنهم جميعا يهاجرون ووجوههم مشرقة، وجيوبهم منتفخة بالأموال؛ هبت عليه ms24 الأقلام المأجورة من ~~أنحاء العالم تتهمه بالنازية والتواطؤ مع الأعداء، وتلح على حكومته بوجوب تجريده من ألقابه ومن كسوته ~~العسكرية، جزاء له على كشف القناع عما وراء الستار. # هذه هي «دعوى الاضطهاد» في جوانبها التي تخفيها الصهيونية، وهي تدين المضطهدين قبل أن تدين ~~المضطهدين، وتبرئ العالم كله من إثم الصهيونية؛ لأنها لو وجدت في عالم من الملائكة لما كان لها فيه ~~نصيب أكرم من هذا النصيب، بل لعلها كانت في عالم الملائكة لا تنال من الرغد والنجاح ما تناله بالرشوة ~~وخدمة الشهوات في ميادين السياسة الدولية، كما ابتلي بها العالم الآن. # الفصل السابع # | الصهيونية العالمية والنبوغ # من الحقائق المتواترة، بل من المشاهدات العيانية الثابتة، أن الصهيونيين - كما قدمنا - مكروهون ~~في كل مكان وفي كل زمن، وأنهم يعرفون ذلك ولا يجهلونه، ويعترفون به ولا ينكرونه ... لأنه أظهر من أن ~~يجوز فيه المراء. # يعرف الصهيونيون أنهم مكروهون، ويعترفون بذلك لأنه ظاهر متواتر، ولكنهم لا يعترفون به لمجرد ~~الاعتراف بالواقع الظاهر المتواتر، بل يعترفون به لأنهم ينتفعون منه، ولأن دعواهم كلها قائمة على ~~شكوى الظلم والاضطهاد، وعلى الحاجة الملحة إلى الإنصاف. # يعرفون أنهم مكرهون، ويحاولون في الزمن الحديث أن يفسروا ذلك تفسيرا يبرئهم من العلة، ويرجع ~~بالعلة كلها إلى أمم العالم دونهم، فلا يفلحون! # على أنهم في الزمن الأخير يسلمون أن العلة منهم، ولكنها علة تشرفهم ولا تعيبهم، وإنما تعيب ~~غيرهم من أعداء الساميين. # العلة في زعمهم أنهم قوم محسودون؛ لأنهم قوم ممتازون بالنبوغ والنجاح، وأنهم أصحاب كفايات لم ~~تجتمع لغيرهم من الأمم ... فهم ناجحون في ميادين الأعمال، ناجحون في ميادين العلوم والفنون، وخليق بهذه ~~الكفايات النادرة، خليق بهذا النجاح الملحوظ أنه يجلب عليهم الحسد والكراهية، لغير ذنب جنوه! # وهذا هو الوهم الباطل بحذافيره! # هذه هي الإشاعة الكاذبة من الألف إلى الياء! # هذه هي الأكذوبة التي يقوم الدليل عليها بالحساب والأرقام، والنظر إلى الواقع الذي نراه بيننا، ~~ولا يذهب بنا إلى بعيد. # في مصر كثير من الجاليات التي تعمل في ميادين الحياة العامة ms25 غير الصهيونيين. # فيها جاليات من اليونان، ومن الأرمن، ومن إخواننا أبناء الأمم العربية الشرقية. # ونظرة سريعة إلى الناجحين من كل جالية، ترينا بالحساب والأرقام أنهم لا يقلون عن الناجحين من ~~الصهيونيين. # ويبقى بعد ذلك فارقان عظيمان: الفارق الأول أن الناجحين من هذه الأمم ينجحون في التجارة ~~والزراعة والصناعة والعلوم والفنون، وأن الصهيونيين - على خلاف ذلك - قلما ينجحون في عمل غير السمسرة ~~والتجارة. # والفارق الآخر أن الجاليات الأخرى تعمل وحدها ولا تستند إلى عصبة عالمية من أبناء قومها منتشرة ~~في أرجاء العالم، وليس منها طوابير خامسة مبثوثة في كل بقعة تعاونها سرا وجهرا، وتحارب من ~~ينافسونها ويزاحمونها، كما يفعل الصهيونيون. # فالصهيونيون - مع هذا التعاون بينهم وبين طوابيرهم الخامسة في أنحاء العالم - لم يبلغوا من ~~النجاح مبلغا يفوقون به غيرهم، ولم يبلغوا نجاحا إلا في ميدان واحد دون سائر الميادين. # ندع هذا ونعود إلى دعوى النبوغ في العلوم والفنون، فلا نرى أن الصهيونية أنشأت لها ثقافة مستقلة ~~قط في زمن من الأزمان، وإنما يستفيد الصهيوني الألماني من ثقافة ألمانيا، ويستفيد الصهيوني الإنجليزي ~~من ثقافة إنجلترا، ويستفيد الصهيوني الأمريكي من ثقافة أمريكا. ويقال مثل ذلك عن الصهيونيين في ~~إيطاليا وسويسرة وهولندة والبلجيك، فهم يستفيدون من ثقافات هذه الأمم، وينبغي لذلك أن يكون الناجحون ~~منهم في العلوم والفنون أضعاف الناجحين من جميع الأمم بالنسبة لعددهم، ولكنهم بالنسبة إلى عددهم ~~وبالنسبة إلى استفاداتهم من جميع الأمم، أقل من غيرهم في عدد النابغين بكثير. # وإذا ذكرنا الطوابير الخامسة في ميادين الأعمال الاقتصادية، فلنذكر هذه الطوابير الخامسة في ~~ميادين العلوم والفنون، ولنذكر أن الصهيونيين يتدخلون في شركات الصحف وشركات الإعلان وشركات النشر ~~والطباعة، وأنهم يتعصبون ويتألبون ويتحزبون، فينال الكاتب الصهيوني من الشهرة فوق ما يستحقه، ويبدو ~~ذلك جليا من شهرة أناس من أمثال لدفيج، وموروا، وزفايج، وكافكا، وريلكه، وبروست، وسارتر، وآخرين ~~وآخرين ... فإنهم أقل من نظرائهم في بلادهم، ولكنهم يشتهرون بفعل الدعاية والتآمر عليها، لأنهم ~~صهيونيون آباء وأمهات، أو لأنهم أبناء أمهات من الصهيونيين. # إن المقياس الصحيح ms26 لنبوغ الصهيونيين في العلوم والفنون هو تاريخهم القديم. # إن تاريخهم المستقل بثقافته ودراساته هو المقياس الصحيح لتلك العقول، أو لتلك الكفايات! # وقد كانت في الإسكندرية مكتبة جمعت مئات الألوف من المجلدات في الطب والفلك والجغرافية والحكمة ~~والرياضة وسائر العلوم، وكانت هذه المكتبة الجامعة التي احترقت في بعض الحروب عنوانا لثقافة الأمم ~~القديمة من يونان ورومان وبابليين ومصريين، وكانت فيها محفوظات من تآليف هذه الأمم ومقتبساتها، فكم ~~كتابا كانت فيها من تآليف الصهيونيين الأقدمين؟ # كم أثرا من آثارهم في علوم الفلك أو الجغرافية أو الهندسة أو الطب أو الفلسفة، أو غيرها من ~~ثمرات العقول الإنسانية؟ # لا كتاب! ولا أثر! ولا ثمرة ... وهذا هو المقياس الصحيح لتلك العقول وتلك الكفايات. # ولقد كان أذكياء اليهود يخجلون من هذه السبة، وكان أذكياء الأمم يعيرونهم بها ويسألونهم عنها، ~~كما فعل أبيان # Appian # حيث وجه السؤال بصددها إلى المؤرخ اليهودي ~~يوسفيوس، فبماذا أجابه يوسفيوس؟ # إنه لم ينكر السبة لأنه لا سبيل للإنكار، وإنما اعترف بها واعتذر منها كما قال بحروفه: «إننا ~~نسكن بلدا بعيدا من البحر، ولا نتصل بالمعاملات، وليست بيننا وبين الأمم مواصلات، فهل من العجب أن ~~أمة كهذه الأمة على بعدها من البحر قبل اشتغالها بالكتابة تظل مجهولة بين غيرها؟» # وقد أورد فولتير هذه العبارة، فعلق عليها قائلا - على فرض أن كتب العهد القديم تعد من كتب ~~الصهيونية: «لا بد نلاحظ أن اثنين وعشرين كتابا صغيرا ليست بالعدد الكبير إذا نظرنا إلى آكام الكتب ~~التي كانت محفوظة في مكتبة الإسكندرية ... ولا شك أن اليهود قد كتبوا قليلا وقرءوا قليلا، وأنهم ~~كانوا على جهل مطبقفي علوم الهيئة والرياضة والجغرافية والطبيعيات، وأنهم لم يفقهوا شيئا من تواريخ ~~الأمم الأخرى، ولم يبدءوا بالتعلم إلا في الإسكندرية، حيث أخذوا يهتمون بتحصيل بعض المعارف، وما كانت ~~لغتهم إلا خليطا بربريا من الفينيقية والكلدانية المحرفة، ناقصة في تصريفات الأفعال، فقيرة في ~~أدوات التعبير، وهم عدا هذا لا يظهرون الغرباء على كتبهم ولا على عناوينها ...» # ومن السهل أن يقال عن فولتير ms27 كل شيء إلا أنه كان من أعداء الساميين، ولو كان من أعدائهم لما قدح ~~ذلك في كلامه عنهم، لأنه لم يقرر كلمة واحدة في غير الواقع الملموس. # تلك حقيقة الدعوى التي يروجها الصهيونيون عن النبوغ المحسود، وعن الكراهية التي يثيرها في ~~النفوس امتيازهم بالكفايات والملكات، فهم في الثقافة عالة على كل أمة يستمدون منها التعليم، وهم في ~~ميادين الأعمال دون غيرهم من الأمم التي لا تستعين بالطوابير الخامسة كما يستعينون بها، وآية ذلك ~~ظاهرة من المقارنة بينهم وبين الجاليات الأخرى من الديار المصرية. # وتلك الطوابير الخامسة هي مصدر القوة الصهيونية العالمية، وهي التي نشرحها فيما يلي من ~~الفصول. # الفصل الثامن # | الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين السياسة والاقتصاد # الطوابير إذن هي مصدر القوة الكبرى للصهيونية العالمية؛ لأنها منتشرة في كل بلد، متفقة على ~~الحقد والضغينة وإن لم تتفق على المحبة والخير، مطلعة على أسرار الدول وأسرار الشركات وأسرار ~~المجتمعات. # ولا توجد قوة في العالم تنتشر هذا الانتشار، وتتفق على الحقد والضغينة هذا الاتفاق، وتطلع على ~~الأسرار وعلى وسائل استغلالها هذا الاطلاع. # لقد وجدت في العالم دول قوية نشرت جواسيسها في كل بلد، واستأجرت الدعاة لترويج مقاصدها وتمهيد ~~الأذهان لقبول سياستها، ولكنها لم تبلغ في القوة مبلغ الصهيونية العالمية؛ لأن الدولة القوية تناهضها ~~دولة قوية مثلها، وتستثير عليها الأوطان التي تحكمها، ولأن الجاسوس الذي يعمل لدولة غريبة أو قريبة ~~غير الجاسوس الذي يعمل لنفسه ولجنسه، ويصدر في عمله عن الحقد المتغلغل بين جوانحه، والموروث من أبيه ~~وجده. ويعتقد أن إلهه يبارك حقده وشره، ويتكفل له بالنصر على أعدائه، وقلما يتمكن الجاسوس في بلد من ~~البلدان كما يتمكن منه الصهيوني المقيم فيه، المرتبط بمعاملاته وعلاقاته، وقلما يتجاوز جواسيس الدول ~~الألوف إلى الملايين ... أما طوابير الصهيونية فهم يتجاوزون الملايين، من الظاهرين غير ~~المستترين. # نعم من الظاهرين غير المستترين؛ لأن الغالب على الكثيرين أن يحصروا الصهيونيين فلا يحسبون منهم ~~إلا المقيمين على ديانتهم المعترفين بنسبتهم إلى أبناء جلدتهم، ولكنهم لا يحسبون الصهيونيين الذين ~~أظهروا ms28 التحول عن دينهم، ليكون هذا التحول أعون لهم على الدسيسة، وأخفى لأغراضهم عن الرقباء، وأدنى ~~بهم إلى مكامن الأسرار وبواطن النيات. # وهناك غير الصهيونيين المقيمين على دينهم، وغير الصهيونيين المتحولين عنه إلى دين آخر، طوائف من ~~الصهيونيين بالمصاهرة والمقاربة في الشعور، لا يقلون في الغيرة على قضية الصهيونية عن زملائهم ~~الآخرين. # هناك الصهيونيون من الأمهات الصهيونيات، وقد ترقى بعضهم إلى مراكز الوزارة في أكبر الدول، ~~وتربوا من المهد على خدمة الصهيونية، كما يتربى الطفل على حب أمه، وهو لا يلتمس لذلك الحب علة ولا ~~برهانا غير العاطفة التي لا تحتاج إلى تعليم ولا تلقين. # فالصهيونيون أكثر من ملايينهم الظاهرين، وهم - مع هذه الكثرة - يطلعون على أسرار الدول ~~والمعاملات المالية بحكم صناعتهم؛ إذ كانت الصناعة الأولى التي توارثوها هي صناعة الصيرفة والسمسرة ~~المالية، وهي أحوج الصناعات إلى الاطلاع على الأسرار؛ لأن سرا واحدا عن الحرب والصلح قد يعمر ~~الخزائن بالملايين، وقد يخرب الخزائن ذات الملايين. # وهذا عدا أسرار المضاربات في الأسواق بمعزل عن أخبار الحرب والسلام ... فربما ارتفعت أسهم وهبطت ~~أسهم من جراء سر يعرفه المضارب قبل الأوان، وربما حل الدمار بقطر واسع من عواقب هذا الارتفاع وهذا ~~الهبوط. # وليست الأعمال المالية - أعمال الصيرفة والسمسرة - وقفا على الصهيونية، فهناك صيارفة كبار من ~~غير صهيون، وهناك البيوت المالية في جميع الأمم والقارات، ولكن الشبكة العالمية وقف على الصهيونية ~~العالمية، فلا توجد شبكة مثلها للصيرفة والسمسرة تضارعها في الانتشار. # يوجد في العالم أفراد من ملوك المال أمثال مورخان وروكفلر، ولكن لا يوجد فيه ملوك مال من قبيل ~~الإخوة روتشيلد: روتشيلد بريطاني في لندن، وروتشيلد فرنسي في باريس، وروتشيلد ألماني في برلين، ~~وروتشيلد نمسوي في فيينا، وحولهم شبكة محكمة، في السر والعلانية، تحيط بالأسواق ودواوين ~~الحكومات. # قال الكاتب الإنجليزي شسترتون الذي ننقل عنه هذه الملاحظة من كتاب «فاجعة السامية وعداوتها»: ~~«إن سفينة خرجت من ميناء في أمريكا اللاتينية أثناء الحرب العالمية، وأرادت الدولة البريطانية أن ~~تردها فلجأت إلى من؟ ... إلى بيوت روتشيلد، فوقفت السفينة ms29 حيث شاءت.» واستطاع المال في هذا الحادث ما ~~لم تستطعه القوة؛ لأن القوة تخشى عواقب المناورات السياسية، وتتقيد بالقانون الدولي، وتخاف من سوء ~~السمعة، ولكن المال يفعل فعله سرا دون أن يعلم أحد بمن عمل ولماذا عمل. وقد يكون في عمله الرضى ~~للمخدوعين غير العارفين، وللمنتفعين بتدبيره من العارفين. # ومضى شسترتون # A.kchesterton # يقول في الكتاب نفسه في الصفحة ~~الثمانين: «والأمر أعمق من ذلك وأخفى؛ فقد حدث قبل الحرب العالمية الأولى بعشر سنوات، أن أوغندة عرضت ~~على الصهيونيين فرفضوها؛ لأنهم علموا أن حربا عالمية في الطريق، وأن فلسطين في خلال تلك الحرب تنتقل ~~على سبيل الهبة إلى أيدي البريطان.» # قال شسترتون بعد ذلك: «إن يهوديا بريطانيا معروفا تحدث إلى ويليام هيكي # Hickey # عن مشروعات يتممها بعد الحرب، أي قبل أن تشتعل الحرب العالمية ~~الثانية بسنتين.» # وفي الصفحة الخامسة والثمانين من هذا الكتاب بعينه يروي شسترتون قصة الكتاب الأبيض الذي صدر من ~~وزارة الخارجية البريطانية عن ثورة روسيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأن هذا الكتاب الأبيض جمع ~~من الأيدي بعد صدوره، وتغيرت بعض عباراته، ولم يكن ما تغير منه إلا عبارات تشير إلى المساعي ~~الصهيونية، ثم صدر الكتاب كما هو بعد هذا التغيير. # وينقل الكاتب كلاما كثيرا من الصحيفة اليهودية الرسمية التي تسمى جويش كرونيكل # Jewish Chronicle # لا يخطر على البال إلا إذا اطلع القارئ على ~~نصوصه التي لا شك فيها، ومنها أن السير ستيوارت صمويل - كما جاء في عدد السابع عشر من شهر ديسمبر سنة ~~1909 - قد أنبأ عن تولي مستر شرشل لوزارة الداخلية في الوزارة القادمة، وأنه سيؤيد القوانين التي ~~ترضي النزلاء اليهود ولا يتيسر تأييدها في الوقت الحاضر. # وقد نشرت صحيفة مانشستر جارديان في عدد الحادي والعشرين من شهر أبريل سنة 1908 أن مستر شرشل ~~أرضى اليهود بأجوبته عن بعض الأسئلة، وأنهم فضلوه بتأييدهم وقدموه على اليهودي الصراح جوينسون هيكس # Joynson Hicks ~~... ولولا ذلك لما كان على المنبر الذي ارتقاه ذلك ~~اليوم ...» # ومستر شرشل كما يعلم حضرات القراء ms30 هو الذي كان يقول ولا يداري خبيئة صدره «إنه صهيوني» ... وهو ~~الذي نقلت عنه الديلي تلغراف في التاسع عشر من شهر يناير سنة 1926 أنه قال: «إني في كل حياتي ~~السياسية كنت على صلة حسنة بالمواطنين اليهود» ... وبعد هذا وذاك، لا يخفى أن الرجل ينتمي من جهة أمه ~~إلى سلالة يهودية! ~~••• # هذا طابور من الطوابير الصهيونية الخامسة التي تعمل للسيطرة العالمية، وهو طابور الصيارفة ~~والسماسرة، وله من الوسائل - كما رأينا - ما يطلع به على أسرار الحروب المقبلة، وما يجري فيها لمصلحة ~~الصهيونية، وله من الوسائل ما يتسلل به إلى مراكز الوزارات والمجالس النيابية، وله من الوسائل ما ~~لخصه روتشيلد في كلمة واحدة حيث قال: # مكني من إصدار النقد والإشراف عليه في أمة من الأمم ولا أبالي بعد ذلك من يشرع لها ~~القوانين. # وإن هذا الطابور الخامس لواحد من طوابير كثيرة، فإن كان في الأمر عجب فليس هو العجب لنفوذ ~~الصهيونية في العالم، بل العجب ألا يكون لها في العالم نفوذ أكبر من هذا النفوذ ... # الفصل التاسع # | الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين الثقافة # حسب الصهيونية العالمية سلاحا ماضيا في جميع الميادين؛ طابورها الخامس في ميدان المال ~~والاقتصاد. # إن هذا الطابور الخامس متغلغل في كل ميدان، في كل بلد، في كل حركة عالمية، في كل دولة من الدول ~~الكبرى على الخصوص. # وحسب الصهيونية العالمية أن يكون لها هذا الطابور الخامس، لتملك به وسائل السيطرة في كل ميدان ~~من ميادين الحضارة الحديثة، وفي مقدمتها ميدان الثقافة والدعاية العالمية. # لكن الصهيونية لا تكتفي بالطابور الخامس في ميدان المال والاقتصاد، ولا تكتفي بأثره القوي في ~~شئون الدعاية وما يتصل لها من شئون الثقافة وشئون الآداب والفنون على الجملة وإن كان في هذا الأثر ~~الكفاية. لا تكتفي بسلاح المال والاقتصاد عامة وإن كان فيه الكفاية، بل تعمل للسيطرة على الثقافة ~~العالمية مباشرة في ميدانها الأصيل، ولا تقنع منه بسيطرة الماليين والصيارفة وأصحاب الشركات ~~والمشروعات في ميدانهم الكبير. # تتوسل الصهيونية العالمية إلى السيطرة على الثقافة والفنون ms31 بوسائل كثيرة، نتكلم في هذا الفصل عن ~~بعضها لأنها أظهرها وأعمها، ولا نحصرها جميعا لأنها بطبيعتها متشعبة في كل طريق، ويوشك أن تتشعب إلى ~~كل مركز من مراكز الثقافة والدعاية من بعيد، أو من دورة ملفوفة لا تفطن لها الأنظار. # وسائلها الظاهرة للسيطرة على ثقافة العالم هذه الوسائل الأربع: # أولا: # وسيلة الصحافة العالمية. # ثانيا: # وسيلة الشركات التي لها اتصال وثيق بالصحافة ولا سيما شركات الإعلان. # ثالثا: # شركات النشر والتوزيع. # رابعا: # هيئات الثقافة العالمية. # وهذه الوسائل الأربع كافية - مع التضامن والتألب - لتمكين الصهيونية العالمية من السيطرة على ~~الكتاب والقراء، لا تتيسر لقوة عالمية أخرى. # تتمكن الصهيونية العالمية من الصحافة بالمساهمة في رءوس الأموال، والمساهمة في التحرير ~~والمراسلة، وبالمساهمة في السبق إلى الأخبار والأسرار. # ولكن الوسيلة النافذة هي الوسيلة الثانية، وهي شركات الإعلان. # فالصحف التي تطبع الملايين في البلاد الغربية لا تستغني عن الإعلانات، ولا يتأتى لها تعويض ~~النفقات الكثيرة بثمن البيع أو الاشتراكات السنوية، فإن ثمن الصحيفة أقل من ثمن الورق الذي تطبع ~~عليه، فضلا عن تكاليف التحرير والإدارة والطباعة والتوزيع، وكلما اشتدت المنافسة بين الصحف عملت على ~~نقص ثمن النسخة وازداد تعويلها على الإعلان، حتى بلغ ثمن الصحيفة المؤلفة من عشرين صفحة بنسا ~~واحدا، وبلغت أجور الإعلان خمسة أضعافها في الربع الأول من القرن العشرين. # والصحيفة التي تجازف بالموت هي الصحيفة التي تهاجم الصهيونية العالمية، أو تناهضها في دسيسة من ~~دسائسها، فإن المساهمين في رأس مالها يهددونها ويحرجونها في مجالس الإدارة، فإن لم تكن للصهيونيين ~~حصة كبيرة من رأس مالها، ولم يكن لهم دخل في تحريرها وإدارتها، فهناك الإعلانات التي تعول عليها ولا ~~تستغني عنها، فإنها تنقطع عنها فجأة، وتتركها عرضة للإفلاس، ولا تزال عرضة للإفلاس والتعطيل حتى ~~تتوقف فعلا عن الصدور، أو تدركها شركة جديدة، بمعونة جديدة، معلقة على قبول السياسة التي تملى ~~عليها، بأسلوب صريح أو غير صريح. # وليس كل الكتاب في الغرب من كتاب الصحافة الذين يعملون لها في التحرير والمراسلة واصطياد ~~الأخبار والأسرار، بل هناك كتاب ms32 الأدب وكتاب الاجتماع وكتاب المذاهب الفكرية والفنية على ~~التعميم. وهؤلاء لا تتركهم الصهيونية العالمية بمأمن من وسائل تأثيرها وطغيانها في كثير من الأحوال ... ~~ووسائل النشر والتوزيع والنقد بعض أدواتها الفعالة في عالم التأليف والتفكير. # وليس بالقليل بين دور النشر ما يملكه الصهيونيون منفردين بتمويله وإدارته، وأكثر من ذلك دور ~~النشر التي يساهمون فيها بالحصص والأسهم، أو الإدارة والإشراف، وكل هذه الدور لا تستغني عن الدعاية ~~الصحفية وغيرها من أساليب الدعاية في العصر الحديث. # وتأتي الهيئات العالمية بعد هذه الهيئات المشتغلة بالصحافة أو النشر أو الإعلان ~~والدعاية. # تأتي بعد ذلك هيئات عالمية لا تخطر على البال لأول وهلة؛ لأنها مفروض فيها أن تعمل لخدمة الأمم ~~الإنسانية جميعا، ولكنها لا تعمل لخدمة أحد كما تعمل لخدمة الصهيونية العالمية. # خذوا لذلك مثلا تلك الهيئة المعروفة باسم «اليونسكو» ... والتي يقال إنها مجعولة لخدمة الثقافة ~~الإنسانية في أرجاء العالم، والتي تتقاضى المال من كل أحد غير الصهيونيين. # فهذه الهيئة العالمية - الإنسانية - ينتشر في دواوينها الصهيونيون بين أمناء السر، ورؤساء ~~المكاتب، ومديري الحسابات، وزمرة المحررين والمسجلين، ولم تعمل حتى اليوم عملا أظهر وأجهر من ~~أعمالها في خدمة الصهيونية ومحاربة أعدائها، وبخاصة أعداؤها المعروفون بكراهة الساميين. # وبين أيدينا الآن نحو عشرين رسالة في موضوع العنصر والسلالة، تدور كلها من بعيد أو قريب على ~~محور واحد، وهو الدفاع عن الصهيونية وتسفيه آراء الناقمين عليها والمشهرين بها والقائلين بالفوارق ~~الجنسية التي تمسها وتغيبها في نظر الأمم الأخرى. # وظاهر هذه الدعوى أنها إنسانية عامة، وبعض المشتركين فيها يكتبون لها على هذا الاعتبار، ولكن ~~الاهتمام بها في الواقع إنما هو اهتمام بالسامية دون غيرها، لأنها هي مسألة العنصر المعروضة هناك على ~~الأسماع والأبصار، وعلى العواطف والعقول، ولا يوجد إنسان تبلغ به البلاهة أن يتصور «اليونسكو» عاملة ~~على محاربة الولايات المتحدة مثلا في قضية الزنوج السود، ولا عاملة على خدمة الصهيونية دون غيرها: ~~تبذل فيها أموال الأمم، وتسخر لها الهيئة العالمية الدولية، باسم العلم والإنسانية. # ولا يحسبن أحد في الشرق أننا نحن ms33 الشرقيين بمنجاة من هذه الشبكة العالمية في قضايانا مع ~~الصهيونية، فإن الدعاية التي يسيطر عليها الصهيونيون لا تنسى الانتقام من أعدائها، ولا تنسى مكافأة ~~أصدقائها، وبين حين وحين نسمع تلك الدعاية الخارجية - التي لا تعرف حرفا واحدا من العربية - تهلل ~~لبعض الأعوان ولا تعرف لهم عملا إلا أنهم أغضبوا الإسلام ولم يغضبوا الصهيونية بفعل أو كلام. # ولنا أن نتخذها قاعدة عامة في الدعاية العالمية التي تتولاها الصهيونية، تلك القاعدة العامة ~~أنها لا تشيد بذكر كاتب من الأوروبيين أو الأمريكيين لا يعمل طوع بنانها في ترويج دعوتها الظاهرة أو ~~الخفية، ومن دعوتها الخفية هدم العقائد والأخلاق وتحطيم الأديان والأوطان، وليس على حضرات القراء ~~عناء كبير للتحقق من هذه القاعدة، فحسبهم أن يلتقطوا خمسة أسماء أو ستة من أصحاب الحظوة في الدعاية ~~العالمية، فلن يجدوا منهم واحدا يعادي الصهيونيين، وقد يجدونهم جميعا خداما للصهيونيين السافرين ~~أو المقنعين. # الفصل العاشر # | الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في المجالس النيابية # حديثنا هنا عن الطوابير الصهيونية الخامسة في المجالس النيابية. # والصهيونية العالمية تهتم بالوصول إلى المجالس النيابية أحيانا، ولكنها لا تهتم بالوصول إليها ~~في جميع الأحيان؛ لأنها تختصر الطريق فتصل إلى الحكومة مباشرة، فتعطل ما تعطل من القوانين الصادرة ~~ومن التشريعات المنتظرة، أو توجه السياسة عملا إلى غير وجهتها التي لا ترضى عنها. # ولقد حدث في بلاد المجر أن الصهيونية التهمت ثروة الفلاح الصغير، وملكت زمام الفلاح الكبير، ~~بالديون واشتباك المعاملات مع الشركات والمصارف، وساعدها على ذلك أن اليهود - منذ القدم - كثيرون في ~~أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية، وأنهم ازدادوا كثرة بعد قيام النازية في ألمانيا، فهاجروا آحادا ~~وجماعات من ألمانيا إلى المجر وانتشروا في العواصم والأقاليم، وأصبحت بلاد المجر معروفة في ذلك العهد ~~باسم «فردوس إسرائيل»؛ لأن زمام الثروة فيها تجمع بين أيدي اليهود الأصلاء واليهود المهاجرين. # فلما تفاقم الخطر وثار الشعب الجائع على المرابين والمستغلين، لم يكن في وسع الهيئة التشريعية ~~أن تصم آذانها عن هذا النذير العاجل، وتقدمت إليها مشروعات متعددة لإنقاذ ضحايا الربا الفاحش ms34 ~~والاستغلال الذريع، ونصت القوانين على تحديد حصة اليهود في كل شركة أو كل عمل مالي بستة في المائة، ~~وذهب بعضها إلى تنظيم المصادرة على آجال متتابعة، وصدر بعض هذه القوانين فعلا، وظل بعضها الآخر ~~معروضا للبحث والمناقشة بين التأجيل والإهمال. # من هذه القوانين ما توقف عند الوصي على العرش فأسقطه بحق «الفيتو» أو حق التعطيل. # ومنها ما صدر من البرلمان ومن ديوان الوصي على العرش، ولم ينفذ ولم يسمع له بعد ذلك خبر. # ومنها ما بقي في لجان البرلمان يدرس ويعاد درسه، ويؤجل ويعاد تأجيله، إلى أن طواه ~~النسيان. # فالصهيونية لا تهتم بالوصول في كل حين إلى المجالس النيابية، أو هي لا تهتم بها إذا أمكنها أن ~~تسيطر على الحكومة بوسيلة من الوسائل. فأما إذا تعذر عليها أن تسيطر على الحكومة واحتاجت إلى صوت ~~مرفوع في المجالس النيابية لتأييد قضية من القضايا العزيزة عليها، فهي لا تعيا إذن بالوسائل التي ~~تمكنها من التأثير في المجالس النيابية - ولو بعض التأثير - وأهم هذه الوسائل الدعاية العامة «أولا» ~~ثم استغلال الأحزاب التي تحتاج إلى المال في إبان الانتخابات، وقل أن تستغني خزائن الأحزاب عن المال ~~الكثير في إبان المعركة الانتخابية؛ لأنها تنفق المال جهرة وخفية على الحملات الصحفية، ومنشورات ~~الدعاية وتأمينات المرشحين، ولجان الدوائر وما إليها من الأعوان الحزبيين. # وقد تنبهت الأمم الديمقراطية إلى هذه المساومات الوبيلة، فأصدرت التشريعات التي تحدد المقدار ~~المسموح بإنفاقه في الحملة الانتخابية، أو التي تقضى بإعلان مصادر الأموال في خزانة الحزب، أو التي ~~تشدد العقاب على إعطاء الرشوة وقبولها أثناء الترشيح، ولكن هذه القوانين لا تنفذ إلا قليلا، لأن ~~الإدانة فيها تمس الغالب والمغلوب ... # وفي إنجلترا - مثلا - يكفي أن يقدم المرشح سيجارة إلى الناخب ليكون ذلك حجة للطعن في انتخابه، ~~ولكن الناخبين أحرار في الدعوة لمرشحهم، فما لا يفعله المرشح يفعله الناخبون. # وقد اهتم الصهيونيون بالوصول إلى مجلس النواب الإنجليزي بعد الحرب العالمية الثانية؛ لأنهم ~~اعتقدوا أن قضية فلسطين تحتاج إلى صوت مسموع في ذلك المجلس، فوصل إليه ms35 نحو سبعين منهم، كما جاء في ~~كلام البريجادير مكسون # Brigadier Mackeson # المثبت في سجلات ~~هنسارد # Hansard # الرسمية، وهو عدد يزيد على عشرة أضعاف النسبة التي ~~يقدرها لهم قانون الانتخاب. # ولم يكن هؤلاء السبعون جميعا متدينين باليهودية علانية، بل كان منهم ثمانية وعشرون يهوديا ~~ثابتون على دينهم، وكان سائرهم يهودا متحولين إلى المسيحية لتلبيس المقاصد الصهيونية على جمهرة ~~الناس. # قال دوجلاس ريد # Douglas Reed # في كتابه «من الدخان إلى الخنق»: ~~«إن عدد النواب اليهود في برلمان سنة 1945 من العسير تقديره فيما يلوح لي. فإن الصحف اليهودية تقدرهم ~~بثمانية وعشرين، ولكنها إذا أرادت بذلك عدد اليهود غير المعترفين بدينهم فالصورة بعيدة جدا من ~~الصحة، وقد حدث بعد المناقشة التي دارت بالمجلس في اليوم الثاني عشر من شهر أغسطس سنة 1947 عقب ~~اقتناص اثنين من الجنود البريطانيين في فلسطين ثم شنق الصهيونيين لهما؛ أن النائب البريجادير مكسون ~~وقف كما جاء في سجل هنسارد فأشار إليهم قائلا: هنا نحو ستين أو سبعين عضوا محترما من اليهود ~~يؤيدون الصهيونية.» # ثم استطرد المؤلف إلى الكلام على الحملة العنيفة التي شنها الصهيونيون على بريطانيا، لأنها لم ~~تتوسع في مطاردة العرب مرضاة لإسرائيل. # يحدث هذا في إنجلترا، أعرق البلاد البرلمانية، فلا حاجة إلى الكلام عما يحدث في غيرها من البلاد ~~التي لم تتمكن فيها بعد تقاليد الانتخاب. # والواضح أن السياسة العالمية كلها قد تأثرت بهذه المناورات الصهيونية فإن الدولة البريطانية ~~علمت أنها هدف لحملات الدعاية الصهيونية في العالم، وأن الصهيونيين يهددونها بالعزلة في الحرب ~~العالمية التالية، وقد كانت الدولة البريطانية تخشاهم خلال حرب عالمية، لعلمها بنفوذهم في الولايات ~~المتحدة، وقدرتهم على توجيه الرأي العام هناك - ولو بعض التوجيه - إلى اعتزال الحرب والوقوف على ~~الحياد ... وكانت - أي الدولة البريطانية - مطمئنة إلى كراهة اليهود لألمانيا، وسعيهم إلى تأليب الدول ~~عليها، ولكنها لا تدري كيف يكون الموقف خلال المنازعات الدولية التالية، فقد تقف الصهيونية بأسرها في ~~وجه إنجلترا لتعزلها وتبذل جهدها في إثارة الأمريكيين عليها، وقد تقف إنجلترا يومئذ وحيدة ms36 في الميدان ~~بتدبير المؤامرة الصهيونية ولهذا كانت تحتمل منهم في فلسطين إهانات ولطمات لم تصبر على مثلها في بلد ~~آخر، ولهذا اشتبك الدهاء البريطاني والدهاء الصهيوني في صراع الجبابرة استعدادا للنزال في المستقبل، ~~وما زال الدهاء البريطاني يحتال احتياله حتى أصبحت «بريطانيا العظمى» أقل الدول اليوم خوفا من ~~المؤامرات الصهيونية العالمية خلال الحرب المقبلة؛ لأن الولايات المتحدة هي صاحبة الشأن الأول فيها، ~~فإذا حاربها الصهيونيون وانضموا إلى أعدائها هدموا بيتهم على رأسهم عامدين أو غير عامدين. # وما أكثر ما يقال عن دسائس الصهيونية في المجالس النيابية لو اتسع المقال. # الفصل الحادي عشر # | الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في السياسة الشرقية # كان نابليون الكبير من الخبراء الحذاق بصناعة الحكم، وكان على علم بديهي بأطوار الجماعات ومصادر ~~النفوذ في الرأي العام، وكان من أجل هذا عظيم العناية بعوامل النفوذ الصهيوني في البلاد الفرنسية وفي ~~البلاد التي يتطلع إليها بنظره، لأغراض سياسية أو عسكرية. # كان في سنة 1806 سيد القارة الأوروبية غير مدافع، هزم النمسا وبروسيا، وتغلب على وليام بت في ~~ميدان العلاقات الدولية، ولكنه في تلك السنة كان يرفع يديه دهشا ويسأل من حوله قائلا: «بأية معجزة ~~أصبحت أقاليم كاملة من فرنسا مرتهنة لليهود، وليس منهم فيها أكثر من ستين ألفا؟!» # لا جرم يفكر نابليون في الصهيونية العالمية قبل حملته على المشرق، ويساوم هذه الصهيونية على ~~تبادل المنفعة من وراء تلك الحملة، فهم يعودون إلى أرض الميعاد ويعيدون فيها دولتهم البائدة، وهو ~~يستفيد من أموالهم ودعايتهم في تأييد تلك الحملة ومقاومة النفوذ السياسي، أو المالي، الذي يعترضها ~~ويعوق حركاتها. # ففي سنة 1799 نشرت صحيفة جازيت ناشيونال # Gazette Nationale # الرسمية بيانا لنابليون يدعو فيه يهود آسيا وإفريقية أن يهرعوا إلى رايته ليدخلوا تحت ظلالها إلى ~~أورشليم، ويقول إنه جند منهم فرقا تزحف على حلب. # وقبل هذا البيان بسنة واحدة نشر اليهود في باريس دعوة للاجتماع بها، والاتفاق مع الحكومة ~~الفرنسية على رد الصهيونية إلى وطنها، وذكروا أن ذلك الوطن يشمل ~~الوجه البحري من القطر ms37 المصري، مضافا إليه إقليم يحده خط من عكا إلى البحر الميت، وخط من جنوب البحر ~~الميت إلى البحر الأحمر، وأنهم باستيلائهم على هذه المملكة يسيطرون على تجارة الهند وبلاد العرب ~~وإفريقية الشرقية وإفريقية الجنوبية، وأن مجاورة هذه المملكة لحلب ودمشق تيسر لهم سبل التجارة مع ~~البلاد الفارسية، وتفتح لهم من طريق البحر الأبيض المتوسط أسواق إسبانيا وفرنسا وسائر أنحاء القارة ~~الأوروبية، وتصبح هذه المملكة من مركزها في وسط العالم مستودع المحاصيل العالمية فتمنح فرنسا - في ~~مقابلة المعونة على رد اليهود إلى وطنهم وحمايتهم فيه - جزاء ماليا وافيا، وحصة كبيرة من التجارة ~~وأرباحها. # وجاء في الدعوة اليهودية أن المقترحات التي عرضت في الوقت نفسه على الدولة العثمانية ستظل في طي ~~الكتمان، وأن المعول فيها على حكمة المجلس المشرف على هذه الدعوة، وعلى حسن النية من جانب الأمة ~~الفرنسية. # هذه الدعوة نشرت بنصها في كتاب سوكولوف # Sokolow # عن تاريخ ~~الصهيونية من سنة 1600 إلى سنة 1918، ونشر فيه كذلك بيان نابليون وبعض التعليقات التي تكشف القناع عن ~~دخائل المناورة وحواشيها. # وواضح من خطة نابليون أنه لم يكن يريد المعونة العسكرية من الصهيونيين، وأن الفرق المزعومة التي ~~قال إنها تهدد مدينة «حلب» لم يكن لها وجود، وإنما أراد بها معونة الأيدي الخفية في مراكز السياسة ~~العليا، كما أراد معونة المال إذا ضنت بها خزانة الدولة. # هذا مثل من الأمثلة على أساليب الصهيونية في علاقتها بالسياسة الشرقية، وأخصها سياسة فلسطين ~~والديار المصرية. # تستطلع الأسرار، وتحس بوادر الخطط الخفية قبل تنفيذها، وتحاول أن تساوم عليها، فلا تعدم من يقبل ~~هذه المساومة مخلصا أو غير مخلص في مقصده، وتجعل المصلحة المتبادلة ضمانا بعد ذلك لدوام المنعة بين ~~الطرفين. # فقبل حملة نابليون بسنة كانت الصهيونية على علم بموعدها، وكان سفراؤها في باريس يساومون عليها، ~~ولا ينسون السفارة عند السلطان العثماني، متكتمين طبيعة تلك المساومة، ولكنها ظاهرة من قرائنها، ولا ~~بد فيها من عنصر الرشوة وعنصر الحريم. # وبعد قرن على التقريب، بدأت طلائع الحملة الإنجليزية، وعملت فيها الصهيونية عملها ms38 الظاهر والخفي ~~على نحو من هذه الأساليب. # كان الخديوي إسماعيل يبحث عن القروض فلا يجد من يقرضه، ويرى بين يديه أسهم قناة السويس وهي ~~قريبة من نصف الأسهم، فتلح عليه الحاجة العاجلة وتضطره إلى عرضها للبيع سرا، لخوفه من مناورات ~~الهبوط والصعود في الأسواق المالية، وخوفه قبل ذلك من مناورات السياسة الفرنسية والإنجليزية، وهما ~~تتناظران ولا تكفان عن النزاع في شئون القضية المصرية. # وهنا تنبري الصهيونية للعمل ويتدخل بيت روتشيلد بواسطة الدوق ديكاز # Dicaze # لتحذير البيوت الفرنسية من شراء الأسهم المعروضة عليها، وتمكين بيكنسفيلد رئيس ~~الوزارة البريطانية الإسرائيلي من شراء الأسهم بالثمن المطلوب . # كيف تذلل هذه العقبة؟ # بل كيف تذلل هاتان العقبتان: عقبة السياسة الفرنسية، وعقبة السياسة البريطانية؟ # هنا تفعل الصهيونية العالمية أفاعيلها التي يعجز عنها الساسة، ولا تحيط بها المجالس ~~النيابية. # فرنسا عدوة مناظرة لبريطانيا العظمى، فكيف تترك لها هذه الغنيمة الشهية؟ # تتركها لأن بيت روتشيلد موزع بين باريس ولندن وبرلين، ولأن بسمارك يهدد فرنسا بعد حرب السبعين ~~ويعزلها في سياسة القارة الأوروبية، فإذا تدخل بيت روتشيلد لإقناع فرنسا بإرضاء بريطانيا، وللتقريب ~~بين السياستين الفرنسية والبريطانية في القارة الأوروبية، وللتعاون بين الدولتين معا على مناهضة ~~بسمارك أو مناهضة الدولة الألمانية الناشئة؛ فهي صفقة رابحة تأتي في أوانها، ويقوم بها سمسار قادر ~~عليها، لأنه يملك نفوذ المال في باريس ولندن وبرلين. # وربما سبق إلى الظن أن العقبة في بريطانيا أهون من هذه العقبة، لأنها تشترى وتستفيد، ولا حاجة ~~بها إلى إقناع للحصول على هذه الفائدة. إلا أن الواقع أن عقبة بريطانيا كانت أصعب من عقبة فرنسا! ~~وأحوج منها إلى التدبير والتواطؤ مع الصهيونية العالمية. # أولا: # لأن البرلمان كان في إجازة. # ثانيا: # لأن المحافظين كانوا يخشون معارضة الأحرار في كل أمر يتعلق بالمسألة الشرقية. # وكان المبلغ اللازم أربعة ملايين جنيه، وليس من السهل صرف هذا المبلغ ولا أقل منه بغير إذن ~~البرلمان. # ولكن بيكنسفيلد صهيوني، وروتشيلد صهيوني، وصاحب المصرف مستعد للمجازفة بالمال في جميع الأحوال، ~~فانحلت العقدة، وزال الإشكال، ولم يبال ms39 بيكنسفيلد أن يعلن بعد ذلك: # أن الصفقة مالية وسياسية وأنها لازمة لتمكين الإمبراطورية. # ودارت الأيام دورتها وجاءت الحرب العالمية الأولى وصدر وعد بلفور المشهور موجها إلى اللورد ~~روتشيلد كأنه - وهو رعية بريطانية - نائب دولة أجنبية أخرى. وتطايرت الإشاعات عن الباعث على وعد ~~بلفور، فقيل إنه كان مكافأة على اختراع كيماوي للصهيوني «وايزمان» أفاد الحلفاء في صناعة المتفجرات، ~~وما هذه الإشاعات عن الباعث المزعوم إلا تلفيقا من الدعاية الصهيونية والدعاية البريطانية لا يثبت ~~على المراجعة والتمحيص ... ففي الثاني والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1915 نشرت صحيفة «المانشستر جارديان» ~~مقالا صريحا ربطت فيه بين انتصار الحلفاء وقيام الصهيونية في أرض فلسطين، وقبل ذلك كان فلاديمير ~~جابوتنسكي # Jabotinsky # في القاهرة يؤلف فرقة النقل الصهيوني، ويشكو ~~من القائد سير مارك سايكس # Sykes # لأنه لا يؤيد الصهيونيين، ولم يتأخر ~~إعلان الوعد - وعد بلفور - إلا لمصلحة هؤلاء الصهيونيين، إذ كانوا ينتظرون النصر الحاسم في جانب ~~الحلفاء قبل أن يجهروا بتأييدهم، محافظة على حبل الاتصال بين الجانبين. # هذه هي أساليب الصهيونية العالمية في السياسة الشرقية لا نظنها من تدبير هيئة مسيطرة قائمة في ~~جميع الأوقات، ولكنها أسرار تعرف في أوقاتها، وفرص تغتنم من القادرين عليها، ولا حاجة بالصهيونية ~~العالمية إلى تدبير أثبت من هذا التدبير. # الفصل الثاني عشر # | الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (1) # تختلف أساليب الصهيونية بين عصر وعصر على حسب اختلاف الحوادث والأفكار والمناسبات واختلاف وسائل ~~الإقناع والدعاية والتأثير، ولكنها في جوهرها شيء واحد، تتلخص في استطلاع الأسرار والخفايا وتسخير ~~سلطان المال لاستغلال الحركات الاجتماعية والعلاقات الشخصية بذوي النفوذ، والاتجاه بها إلى الوجهة ~~التي تحقق لها مصالحها وأغراضها. # وينبغي قبل البدء ببيان هذه الأساليب، أن نعلم أنها بطبيعتها أساليب هدم ومقاومة، وأساليب غش ~~وتضليل، ولا مناص لها من ذلك إلا إذا خرجت على طبيعتها وتخلت عن وجودها؛ لأنها لا تستطيع البناء ~~والتعمير، ولا تستطيع الأمانة والعمل الصريح. # إنما تستطيع الصهيونية البناء إذا استطاعت أن تقيم دعواها على عقيدة تنشرها وتدعو الأمم إلى ~~الإيمان بها، ولكنها ms40 إذا فعلت ذلك نقضت دعواها الأولى والأخيرة، وهي احتكار الإله لنفسها، والإيمان ~~بأنه إله إسرائيل كما يدعونه في الصلوات، وليس للأمم الأخرى حظ من رضاه. # فالصهيونيون الذين يزعمون أن الله لهم وحدهم، وأنهم شعب الله المختار، دون غيرهم، لن يقبلوا ~~مشاركة أحد لهم في هذا الاحتكار، ولن تراهم قط مبشرين بدين يدعون الناس إلى الدخول فيه، خلافا ~~لأصحاب الأديان أجمعين. # إنهم كأصحاب الميراث الذين لا يقبلون شريكا فيه، أو كأصحاب الشركة التي ينفردون بها ولا يوزعون ~~على أحد سهما من أرباحها، فليس في استطاعتهم أن يقيموا سلطانهم على عقيدة عامة تشاركهم فيها الأمم، ~~وليس في استطاعتهم أن يقنعوا الناس صراحة بقبول الفكرة النابية، وكل ما في وسعهم أن يهدموا عقائد ~~الناس وأخلاقهم ودعائم أفكارهم وشرائعهم، ثم لا يخلفوها بعقيدة أخرى تقف لهم في الطريق. # كذلك لا تستطيع الصهيونية العالمية أن تسود بغير الخداع والتضليل؛ لأنها لا تعمل بسلطان القوة ~~الظاهرة أو بسلطان الملك والسلاح، وإنما تعمل بسلطان المطامع والمنافع والشهوات من وراء ستار. فلا بد ~~لها على الحالين من أساليب الهدم وأساليب الخداع. # لهذا تبادر الصهيونية إلى استغلال نفوذها في إثارة الفتن والقلاقل، وتظفر الفتنة بتأييدها كلما ~~توقعت منها الإمعان في الهدم والفوضى؛ لأنها لا تنجح في عالم فيه إيمان بالخلق أو بالوطن أو بالدين، ~~وإنما تنظر إلى الأخلاق والأوطان والأديان كأنها حصون تحمي منها فرائسها وضحاياها، ولا تطلق أيديها ~~بالعمل كما تشاء حيث تشاء. # أما إذا أصبح المسلم غير مسلم، وأصبح المسيحي غير مسيحي، وأصبح الوطني لا يبالي بوطنه، وأصبح ~~الضمير الإنساني ولا موضع فيه للحلال والحرام؛ فهي على الأقل في ميدان لا موانع فيه ولا عقبات، إن لم ~~يكن فيه أعوان وأذناب. # وقد اشتركت الصهيونية في كل حركة من حركات الهدم والتدمير، وآخر ما اشتركت فيه - ولا تزال ~~مشتركة فيه - حركة الشيوعية في العصر الحديث. # ربما كان الصهيوني من أصحاب الملايين، ولكنه يحرص على نشر الشيوعية ويمولها بالمال والدعاية، ~~ويواليها بالدسائس والمؤامرات في مجتمع السياسة الدولية. # ولا حاجة ms41 إلى أكثر من سرد الأسماء لإظهار الأيدي الخفية من وراء هذه الحركة في إبانها، وليست ~~هذه الأيدي الخفية إلا أيدي الصهيونية العالمية في كل مكان. # كان رئيس الدولة الشيوعية الأولى في العالم كله زينوفييف، واسمه الصهيوني أبفلبوم # Apfelbaum ~~، وكان رئيس البوليس السياسي ياجودا أو يهودا، وكان وزير ~~الخارجية ليتفينوف واسمه الصهيوني فنكلشتين # Finkelstein ~~. # وكان أهم سفير في الخارج مارسل روزنبرج، لأنه كان يعمل في إسبانيا لتوطيد الشيوعية بعد ~~الجمهورية، وكان تروتسكي وكانيف وتومسكى وريكوف وكاجانوفتش على رأس الدولة السوفيتية، ولم يكن فيها ~~من الزعماء الكبار غير لنين وستالين من الروس الذين لا يدينون باليهودية، ولكن «لنين» كان نصف يهودي ~~يسمى إيليانوفتش، وستالين كان صهرا لكاجانوفتش الصهيوني ... وهذا كل ما استطاعوا لإدخاله في زمرة ~~الصهيونيين. # ولقد أعلن جاكوب شيف # Jacop Schiff # الصهيوني صاحب الملايين، أنه ~~أمد تروتسكي بالمال لإقامة الدولة الشيوعية، وثبت أن صاحب الملايين «ماكس ووربورغ» في ستوكهلم كان هو ~~الواسطة القريبة لتزويد «تروتسكي» بالمال كلما احتاج إليه. # وإنها لضربة من ضربات القدر أطاحت بهذه الدولة الصهيونية قبل استقرارها على قواعدها العلنية ~~المعترف بها في العالم كله، فقد تغلب ستالين على تروتسكي، وأحس الغدر من عصابة الصهيونيين فعجل بها ~~قبل أن تعجل به، وتمكن من الغلبة على منافسه في مبدأ الأمر بمعونة فريق من العصابة، لأنه كان - كما ~~تقدم - زوجا ليهودية وصهرا لكاجانوفتش «أبيه في الحساب» كما يقولون. # أمصادفات في عرض الطريق؟ # كلا لا يمكن أن تتفق المصادفات كل هذا الاتفاق، ولا يمكن أن تسري هذه المصادفات في كل مكان، ~~فيتولى زعامة الشيوعية في المجر «بيلا كوهين» ويتولاها في النمسا فريتز أولر، وأوشك أن يتولاها في ~~ألمانيا ليبكنخت وروز الكسمبرج، لو لم تعاجلها الأقدار بما خيب الآمال. # ومن المعلوم، قبل هذا كله، أن إمام الشيوعية الأول هو «كارل ماركس» اليهودي، وأن منافسه في ~~ألمانيا لاسال من سلالة اليهود. # ولقد تأسست حكومة إسرائيل في فلسطين وهم لا ييئسون من تسخير الشيوعية لتأييدها في المجامع ~~الدولية، وتسخيرها من جهة أخرى لتخويف دول ms42 الغرب، وتهديدها بالتحول إلى جانب الكتلة الشرقية، إن لم ~~تسعفها بالمال والسلاح والمعونة الدولية ... وكانت الكتلة الشرقية ترجو أن تبسط يديها على إسرائيل من ~~وراء المهاجرين الشيوعيين فلم تلبث أن عرفت غلطتها، وأدركت أن الصهيوني يحترف الشيوعية، ويتسمى باسم ~~المسيحية، ويعلن الإلحاد جهرا، أو يدين به سرا، ولكنه صهيوني من الصهيونيين مهما تختلف الأسماء ~~والآراء. # ولم تكن هزيمة تروتسكي وشيعته نهاية الحلف القديم بين كارل ماركس وأبناء ملته. فإن الصراع بين ~~ستالين وتروتسكي لا يتكرر في كل بلد على هذه الصورة، وإذا تكرر فحسب الصهيونية كسبا أن تتهدم أركان ~~الوطنية والدين، وأن تنهار قواعد الأخلاق والآداب، فتستريح من هذه العوائق في طريقها، وتتفتح الأبواب ~~لسلطان المال والخداع بغير شريك ولا حبيب. ~~••• # إن بعض المؤرخين قد هالهم هذا الامتزاج بين الشيوعية والصهيونية فاعتقدوا أن الصهيونية قد خلقت ~~هذه الثورة خلقا، وصاغتها على يديها بمحض مشيئتها، بيد أنه غلو في تقدير قوة الصهيونية لا نقرهم ~~عليه، وأنها على تشعب مساعيها واتساع ميادينها لأهون شأنا من أن تخلق ثورة لم تخلقها أسبابها ولم ~~تسبقها مقدماتها، وإنما شأنها كله أن تستطلع الأسرار الخفية، وأن تغتنم الفرصة السانحة، وأن تتسلل من ~~الثغرة المفتوحة، وأن مثل الشيوعية لواحد من أمثلة كثيرة على أساليبها في استغلال الحركات ~~الاجتماعية، والاتجاه بها إلى وجهتها في العصر الحديث. # الفصل الثالث عشر # | الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (2) # من أساليب الصهيونية العالمية استغلال الحركات الاجتماعية والاتجاه بها إلى الوجهة التي تريدها، ~~وأحب هذه الحركات إليها من كان كفيلا بهدم القيم والأخلاق وتفكيك أوصال المجتمع وتلويث العرف الشائع ~~بين أهله، ولهذا ظفرت الحركة الشيوعية منها في العصر الحاضر بكل تشجيع وترويج، كما أسلفنا في الفصل ~~الماضي. # ومع استغلال الحركات الاجتماعية تعنى الصهيونية في كل وقت باستغلال المراكز العالمية والعلاقات ~~الشخصية بأصحاب النفوذ من حكومات العالم جميعا، وحكومات العالم الكبرى قبل سواها. # فما من رئيس ذي سلطان - في السياسة الدولية، وفي سياسة قومه - يتركه الصهيونيون بغير رقابة منه ~~على القرب، تحيط به وتنفذ ms43 إلى أسراره ونياته، وتبذل له الخدمة التي يتعودها، ويتوهم مع الزمن أنه لا ~~يستغني عنها، فلا يزال معولا عليها في كل عمل يفكر فيه أو يقدم عليه. # وقد لوحظ في إبان المشكلات العالمية - وفي إبان الحروب الخاصة - أن الحاشية التي تحيط بالعظماء ~~من قبل الصهيونيين تحكم حلقاتها، وتشدد رقابتها، وتتطوع للقيام بالمهام التي تؤثر في مجرى الأمور، ~~وقد تخلقها أحيانا لتقوم بها وتستجمع أزمة الأمور بين أيديها. # لوحظ ذلك في الحرب العالمية الثانية، ولوحظ قبل ذلك في الحرب العالمية الأولى، فأحاط الصهيونيون ~~بويلسون ولويد جورج كما أحاطوا بروزفلت وتشرشل، وعملوا جهرة وخفية كل عمل ينفع الصهيونية ويعجل ~~بتنفيذ مآربها. # ما من رئيس ذي خطر إلا يحيط به صهيونيون وصهيونيات، ولكل من الفريقين عمله وميدانه الذي يعمل ~~فيه. # وهؤلاء الصهيونيون ذوو حرص ودهاء، يخفون أنفسهم ما استطاعوا عن الأنظار والأسماع، ولكنهم تغلبهم ~~سكرة القوة أحيانا فيفخرون بها ويكشفون سرها، أو لعلهم يفعلون ذلك متعمدين غير مغلوبين على أمرهم، ~~كلما احتاجوا إلى الإرهاب وفت الأعضاد وإيقاع اليأس في نفوس الخصوم. # من ذلك أن وايزمان هدد بريطانيا العظمى قبل الحرب العالمية بإقامة القيامة عليها في ~~جنيف. # وتساءل المتسائلون: ما هي القوة التي يعتمد عليها وايزمان في هذا التهديد؟ ومن أين له السلطان ~~الذي يمكنه من اللعب بجنيف وعصبة الأمم فيها، ويتيح له أن يقيم القيامة هناك على من يشاء؟ # ومن ذلك أن مستر «باروخ» صديق روزفلت الحميم تحدث عن نفسه في إنجلترا يوما فقال: «إنه أخطر رجل ~~في أمريكا ...» وتحدث إلى فكتور لاسكي مرة فقال: «إنه هنا في إنجلترا يحمل العصا للأولاد الكبار لكيلا ~~يفسدوا عليه مشروعات السلام.» # وأذاع مراسلو الصحف المتحدة هذا الحديث، فبدا للمستر باروخ بعد هذا أن يكف من نشره فكان له ما ~~أراد. # وتساءل المتسائلون هنا أيضا: «من هو باروخ هذا؟ وما هي العصا التي يخوف بها الأولاد الكبار؟ ~~ومن الذي خوله هذه السلطة التي يعامل بها أقطاب الدول كأنهم أولاد كبار؟» # وقد كان جاكوب شيف # Jacob Schiff # الصهيوني ms44 يتولى الرئاسة في ~~جماعة صهيونية تسمى بجماعة الأمم الحرة، ويشاركه فيها خمسة من أصحاب المصارف اليهود، وكان على اتصال ~~دائم بكل رئيس ذي خطر في الولايات المتحدة، وأولهم الرئيس ويلسون صاحب الوصايا المشهورة ... # فما هو إلا أن علم أن الرئيس ويلسون يتردد في إقرار مسائل التعويضات حتى أدركه برسالة برقية ~~غيرت موقفه على الأثر من مسألة السار ومسألة سليزيا العليا ومسألة دانزيج وفيومي، لأنها كلها من ~~المسائل التي ترتبط بأموال التعويضات والمصانع العظمى، وكلها بطبيعة الحال من المسائل التي ترتبط ~~بمآرب الصهيونيين. # ونشرت التيمس أسماء المدعوين إلى القصر الأبيض لتكريم مستر أتلي # Attlee # في سنة 1945، فكان منهم القاضي فرانكفورتر عضو المحكمة العليا، والشيوخ ~~فوليت # Follette # وكوناللي # Conally # ووارين أوستن # Waren Austin # وسول ~~بلوم # Sol Bloom # وشارل إيتون # Charles Eaton # ووليام جرين # William Green # رئيس اتحاد العمال وإريك جونسون # Eric Johnson # رئيس الغرفة التجارية ومستر جون لويس ~~( # Lewis ~~) رئيس عمال المناجم، ومستر إيراموشر # Ira Mosher # عضو اتحاد الصناعات ومستر برنارد باروخ # Baruch # ومستر هربرت سووب # Swobe # الصحفي والناشر، ومستر ~~اويجين ماير # Egene Meyer # من أصحاب واشنطن بوست، ومستر جوزيف دافيز # Joseph Davies # السفير السابق عند الكرملين. # وما من عنصر أمريكي مثل في تلك الوليمة الفخمة كما مثل فيها الصهيونيون. # ولقد نشرت هذه المعلومات جميعا بين الصفحة المئتين والصفحة المئتين والعاشرة من كتاب مأساة ~~العداوة السامية # The Tragedy Anti Semitism # وجاء بها مؤلفو الكتاب ~~على سبيل التحدي للكاتب الصهيوني الذي تولى الدفاع عن أبناء قومه، فلم يكن له من جواب سائغ على خبر ~~من هذه الأخبار، ولم يستطع أن ينقض الوقائع وإن غالط في التفسير والتأويل. # وليس علينا أن نبحث طويلا للعثور على الأدلة القديمة أو الحديثة التي تثبت هذه الخطة الصهيونية ~~أو هذا الأسلوب الصهيوني في استغلال العلاقات الشخصية، فإن كتب اليهود التي يتعبدون بها طافحة بأخبار ~~الرجال والنساء الذين يجدون النعمة «أو اللائي يجدن النعمة في أعين الملوك والرؤساء»، ولا شك أن ~~المستور أكثر وأغرب من المنشور والمشهور. ~~••• # هذا أسلوب ms45 من الأساليب الصهيونية القديمة والحديثة، التي عهدت منهم قبل ثلاثة آلاف سنة، وتعهد ~~اليوم على نمط يوافق الزمن ومطالبه. فلا يتورع الصهيونيون عن استغلال العلاقات الشخصية والانتفاع ~~بنفوذ الرؤساء وأصحاب السطوة والجاه كلما احتاجوا إلى استغلالها، ولا يختلف بين أمس واليوم إلا نوع ~~الخدمة ونوع الوظيفة ونوع المهمة السياسية، وإنما الأسلوب الحديث هو الأسلوب القديم سواء عمل فيه ~~الصحفي ورئيس الشركة وعضو المجلس النيابي، أو عمل فيه الكاهن والصراف ومندوب الجالية المختار! # وفي كل حالة من هذه الحالات يضطر الصهيوني إلى الغش والإفساد لأنه لا يقدر على الصراحة ~~والاستقامة. إذ لا سبيل إلى الصراحة والاستقامة، إلا إذا قام العمل على الإقناع والمساواة، وما من ~~أحد يمكن أن يقتنع بتسخير الله لعباده أجمعين في خدمة الصهيونيين، وما من مساواة بين الناس عند إله ~~يسمونه «رب إسرائيل» ويعادي الأمم جميعا حبا لأمة واحدة هي أمة صهيون! # وهكذا فرضت طبيعة الصهيونية على قومها أن يعملوا للهدم والخداع سواء عملوا في استغلال الحركات ~~الاجتماعية، أو عملوا في استغلال العلاقات بذوي الجاه والرئاسة. # الفصل الرابع عشر # | الصهيونية العالمية ... أساليبها في العصر الحاضر (3) # كل جهود الصهيونية العالمية في الوقت الحاضر تنحصر في غاية واحدة، وهي إنقاذ «إسرائيل» من ~~قضائها الذي تخشاه، ولا سبيل إلى ذلك في تقدير الصهيونية - وفي الواقع الذي يراه غيرها كما تراه - ~~إلا بوسيلتين: # أولاهما: # الصلح مع العرب. # والأخرى: # استبقاء نفوذها في البلاد الأمريكية. # فالواقع أن إسرائيل هالكة لا محالة إذا استمرت مقاطعة العرب لها «سياسيا واقتصاديا» بضع ~~سنوات أخرى. # ولهذا يتعمدون خلق المشكلات بين إسرائيل والبلاد العربية، عسى أن يؤدي البحث في المشكلات إلى ~~البحث في الصلح، وعسى أن يؤدي البحث في الصلح إلى فك الحصار السياسي والاقتصادي عن الدويلة القائمة ~~على غير أساس. # وقد تحدث رؤساء العصابة التي تسمي نفسها حكومة إسرائيل عن مشكلات الحدود الفلسطينية، فقالوا: ~~إنها عمل من أعمال القصاص، وإن إسرائيل لا تلجأ إليها باختيارها، وإنا نضطر إليها اضطرارا لكف ~~العدوان على حدودها. # لكن الصهيونيين أنفسهم يكذبون هذه ms46 الدعوى، ويصرحون بما ينقضها في كلامهم الذي ينشرونه بين ~~الأمريكيين، ويعلنون أن خلق هذه المشكلات على الحدود إنما هو خطة مدبرة لإكراه العرب على الصلح، ~~وإنقاذ إسرائيل من الخطر المحتوم الذي تهددها به المقاطعة. # نشر أحدهم موشي برليانت # Moshe Brilliant # في عدد شهر مارس 1954 ~~من مجلة هاربر # Harper’s Magazine # مقالا بعنوان «سياسة القصاص ~~الإسرائيلية» كتب له على رأس المقال خلاصة قال فيها: «إن حوادث الحدود الدموية قلما تكون عرضية ... ~~وإنما هي من بعض جوانبها قصاص وأخذ بالثأر، ومن الجانب الآخر خطة مدبرة لسوق العرب كرها إلى مائدة ~~الصلح، ومن الناس من يصفها بالواقعية، ومنهم من يصفها بالخبث، ولكنها تؤذن بأن تنجح وتفيد.» # ومضى موشي برليانت يقول: «إن هذه الخطة جلبت على الحكومة اليهودية لوم مجلس الأمن في هيئة الأمم ~~المتحدة، وجرت عليها تأنيب لجنة الهدنة المشتركة في الشرق الأوسط، وبعض التقريعات الدبلوماسية من ~~واشنطون ولندن وباريس، بل أوشكت أن تحول عن الدولة اليهودية عطف أبناء دينها في الولايات المتحدة، ~~فقل الإقبال على تلبية النداء الموجه إليهم بطلب الإعانة من جماعة اليهود المتحدة، ولوحظت هذه القلة ~~على الدوام عقب حوادث القصاص على الحدود.» # وراح الكاتب يعدد المواقف التي أفادت فيها هذه الخطة المدبرة، فذكر منها الموقف الأول وهو إكراه ~~العرب على وقف القتال، وذكر منها الموقف الثاني وهو إكراههم على عقد الهدنة، وقال: إن هذه الخطة ~~بعينها ستكرههم على الموقف الأخير وهو قبول الصلح مرغمين، ولم يبال هذا الكاتب الصفيق أن يقول: إن ~~إسرائيل كانت تختلق المعاذير والتعلات لقتل من تقتلهم باسم الثأر على سنة العين بالعين، ولكنه استطرد ~~قائلا: «إنه أمام هذه السوابق تولد في إسرائيل شعور بأن الوسيلة الوحيدة لسوق العرب كرها إلى ~~مائدة الصلح إنما هي العلم بأن حالة الهدنة ضارة بهم غير موافقة لمصلحتهم. وهذا ضرب من التفكير يخالف ~~مزاج الأكثرين من الأمريكيين، ولكنه منطق من الصعب مقاومته، فضلا عن تعزيزه بمجرى الحوادث منذ سنة ~~1949.» # فهؤلاء الناس لا يخجلون من المناداة بتدبير الإجرام، وانتحال أسباب القتل ms47 والعدوان لتنفيذ خطة ~~سريعة مرسومة بالدم البارد كما يقولون، لإكراه العرب على مصالحتهم واضطرارهم إلى قبول استغلالهم ~~وتسخيرهم لمطامعهم، ويحسبون أن الرأي العام الذي يخاطبونه بهذه الصراحة لا يؤاخذهم على إجرامهم ~~وعدوانهم، لأنه يريد لهم النجاح بكل وسيلة مستطاعة، ولا يبالي ما يصيب العرب إذا كان في هذا المصاب ~~تحقيق مطامع إسرائيل. # إن هذه الصراحة في الاعتراف بالإجرام لدليل على كثير، وأدل ما تدل عليه أنهم يعتقدون أن ~~اللائمين لهم إنما يلومونهم على سوء السياسة، وعلى التورط في الأخطاء التي تعزى إلى الرعونة وقصر ~~النظر، فأما إذا كان العدوان تدبيرا محكما فلا لوم عليهم في التصريح به علانية، ولا ضير في اتخاذ ~~كل وسيلة لإكراه العرب على الإذعان لإسرائيل. # على أن الشواهد المتوالية تخيب ظن الصهيونيين في هذا التقدير؛ لأن هؤلاء الصهيونيين قد جاوزوا ~~الحد في الاعتماد على عطف المؤيدين وغفلة الغافلين، وقد بدأت بوادر السآمة بين الأكثرين في الغرب من ~~هذه اللجاجة التي لا تعرف الحياء، وضاق الناس ذرعا بما تكلفهم عصابة إسرائيل من ثمن ثقيل لا يؤدونه ~~اليوم حتى تعود فتكلفهم بثمن جديد، ومن هؤلاء الذين ضاقوا ذرعا بمشكلات العصابة الصهيونية أناس من ~~اليهود أنفسهم، كما قال موشي برليانت في المقال الذي أشرنا إليه. # ولقد أخذ الكثيرون من الأمريكيين يحسون أنهم يحتملون من أجل إسرائيل فوق الطاقة على غير جدوى ~~وإلى غير نهاية. # وقد ظهر هذا الإحساس في مواطن كثيرة، وأشفق الصهيونيون من عقباه فهداهم ذلك الطبع الأعوج الذي ~~فطروا عليه إلى الخطة التي جربوها مع الإنجليز بفلسطين، واعتقدوا أنها صالحة للتنفيذ في كل موضع وفي ~~كل آونة، وهي خطة الإرهاب والتهديد. # غرهم أنهم قتلوا «برنادوت» رسول الأمم المتحدة ولم يصبهم شيء من جراء قتله، فأنشئوا في البلاد ~~الأمريكية جماعة إرهابية من قبيل الجماعات التي اشتهرت بفلسطين، وكأنهم يئسوا من دوام نفوذهم القديم ~~بغير الإرهاب، فاستعدوا بالإرهاب لطوارئ الزمن وتقلب الأحداث، وخيل إليهم أن استبقاء نفوذهم في ~~البلاد الأمريكية ضرورة لا غنى عنها بكل ثمن وبكل حيلة، لأنها ms48 مسألة الحياة والموت في هذه المرحلة من ~~حياة الصهيونية العالمية، فهم يستميتون في سبيلها، وينسون أن الاستماتة قد تميت. # إن اليهود في الولايات المتحدة يبلغون خمسة ملايين، نحسب منهم من تتوسط بهم السن فوق الخامسة ~~عشرة ودون الأربعين، فنكاد نقول إنهم كلهم مشتركون في منظمة الإرهاب، لأن أعضاءها يعدون بمئات ~~الألوف، وربما كان المساعدون على الإرهاب أكثر من العاملين به، بل ربما كان اليهود المخالفون لخطة ~~الإرهاب عرضة للتهديد والانتقام قبل غيرهم من المخالفين. فلا مبالغة في القول بأن «الإرهاب» هناك خطة ~~خمسة ملايين، وليس بالخطة المقصورة على عشرات الألوف أو مئات الألوف. # إن هؤلاء الإرهابيين يكتفون اليوم بالتهديد الاقتصادي، وتهديد حملات التشهير والدعاية والفضائح ~~الاجتماعية، وقد يضغطون بالرؤساء على المرءوسين الذين يعارضونهم ولا يتواطئون معهم على مساعيهم ~~ودسائسهم طواعية بغير مقاومة، ولكنهم - أي هؤلاء الإرهابيين - سيندفعون ويتهجمون كلما اشتدت المقاومة ~~واشتد الخطر على نفوذ الصهيونية، وسيندفعون ويتهجمون كلما اغتروا بالقوة وأمعنوا في هذه الصناعة التي ~~تشبه رذيلة الإدمان في الإغراء بالمزيد، كلما استحكمت العادة ومردت عليها النفس المنكوبة ~~بشرها. # وفي تاريخ الإرهاب من عهد شيخ الجبل - أو عهد حسن بن الصباح - أمثلة على البداية والنهاية في ~~هذا الطريق، فقد بلغ الخطر أشده حين أحس به الجميع، فلما أحس به الجميع قضى عليه وجنى على نفسه كما ~~جنى على ضحاياه. # حياة الصهيونية العالمية في الصلح مع العرب، وفي استبقاء نفوذها بالبلاد الأمريكية، وكل جهودها ~~في العصر الحديث ضائعة إن لم تحقق هاتين الغايتين. # الفصل الخامس عشر # | عصبية الصهيونية في ميدان الثقافة والسياسة # عصبية الصهيونية الحمقاء داء قديم متأصل في نفوس القوم لا يسلم منه كبير فيهم ولا صغير، ولا ~~تخفى شواهده عمن تنزه عن الغرض، سواء نظر إلى تاريخهم القديم أو تاريخهم الحديث. # وقد أشرنا في هذه الفصول إلى هذا الداء الوبيل، وأتينا على بعض شواهده. # ونشير هنا إلى بعض آثار هذه العصبية وتبشيرها بالدعوات والحركات المضللة في ميادين الثقافة ~~والعلم والسياسة، فتمضي أكاذيبها بين الكثيرين من المستنيرين وكأنها حقائق ms49 لا تقبل الشك، أو آراء ~~جديدة تقابل بالجد والاهتمام. # وإنهم ليستعدون لترويجها والدعوة لها بمن يجندون من صفوفهم أو من حملة الأقلام المأجورة ~~لخدمتهم، ويظهر منها ما يظهر، ويختفي ما يختفي، مقدرا على حسب الأجواء المهيأة له، وكل ذلك يجري في ~~غفلة عن بواعثه الخفية والدسائس اليهودية. # وما أشد ما تتردد الدعايات الحماسية المحمومة في الكتب والصحف والمعارض ودور الصور المتحركة لما ~~يبتدعون أو يبتدع غيرهم من المدارس والمذاهب الأدبية والفنية العلمية والفلسفية التي تتجه إلى الهدم ~~خدمة للصهيونية، كما تتردد هذه الدعايات المجموعة من أجل هذا الغرض لتعلي شأن البارزين والبارزات من ~~اليهود حتى تطغى شهرتهم على من هم أولى منهم بالتقدير والشهرة، أو لتغض من أقدار النابغين من غيرهم ~~دون جناية لأحد من هؤلاء المظلومين إلا أنه ليس من اليهود ولا صنائعهم وأوليائهم، أو ممن قال فيهم ~~يوما كلمة الحق تغضبهم ، فاستحق من أهلها المقت واللعنة من رضوانهم ورضوان أذنابهم في كل ~~ميدان. # وأمامنا الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية في الغرب، وأصداؤها هنا وهناك، فإن دراستها على ~~حقيقتها دون عناوينها تدل على عبث الصهيونية بأقدس القيم، وتسخيرها كل حركة - ما استطاعت - لإفساد ~~العقول والأخلاق. # وقد كان من رأينا أن مثل هذه الحركات ينبغي أن تفهم مع فهم بواعثها في نفوس أصحابها والقائمين ~~بها، وأنه لا سبيل إلى فهمها بغير ذلك. # وهكذا ينبغي أن تفهم الحركات الحديثة في الغرب، وتفهم معها العوامل الصهيونية التي تحركها سرا ~~وعلانية، ليتبين ما فيها من حق وباطل، تنكشف بواعثها وأغراضها الحميدة والذميمة. # وقد قلنا منذ سنوات في مقال عن الوجودية: «لن تفهم المدارس الحديثة في أوروبا ما لم تفهم هذه ~~الحقيقة التي لا شك فيها، وهي أن أصبعا من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم ~~الأخلاقية، وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها مجتمع الإنسان في جميع الأزمان. فاليهودي كارل ~~ماركس وراء الشيوعية التي تهدم قواعد الأخلاق والأديان، واليهودي دركيم وراء علم الاجتماع الذي يلحق ~~نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة ويحاول أن يبطل ms50 آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهودي - أو نصف ~~اليهودي - سارتر وراء الوجودية التي نشأت معززة لكرامة الفرد فجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد ~~والجماعة بآفات السقوط والانحلال. # ومن الخير أن تدرس المذاهب الفكرية بل الأزياء الفكرية كلما شاع في أوروبا مذهب جديد. ولكن من ~~الشر أن تدرس بعناوينها وظواهرها دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة والتدبير المقصود.» # وهناك أمثلة على هذه العصبية من نوع آخر، تعزز كل ما قدمنا، وتؤكد لنا أن هذا الداء العياء لم ~~يسلم منه أحد بينهم حتى العلماء «المستقلين». # من ذلك فرويد صاحب المذهب المشهور في الطب النفساني، وإن كان ليقال فيه ما قلنا عن ماركس ~~ودركايم وسارتر، إنه كان من وراء علم النفس الذي يرجع كل الميول والآداب الدينية والخلقية والفنية ~~والصوفية والأسرية إلى الغريزة الجنسية، ويحاول أن ينسخ قداستها ويخجل الإنسان منها، ويسلبه الإيمان ~~بسموها وسمو مصدرها حين يردها إلى أدنى ما يرى هو في نفسه، وبهذا تتمزق صلاته بأسرته ومجتمعه والكون ~~وما وراءه. # ويبدو فرويد «مستقلا» بعلمه عن «يهوديته»، ولكنه كان في الحقيقة لا يطمئن إلى أحد في عمله إلا ~~أن يكون من «اليهود»، ولا يثق بعمل مساعد له من غير ملته في المستشفى والمعمل ومعهد التطبيب. # وكان من المولعين بالعقد النفسية، وكنا ولا نزال نرى أن الولع بهذه العقد قد يكون إحدى العقد ~~النفسية، وأن المكثرين من الحديث عنها قلما يسلمون من مركبات النقص وما إليها، وكذلك عاش ~~فرويد. # وكان الدكتور إرنست جونس أكبر تلاميذه الأحياء قد أصدر الجزء الثاني من ترجمة أستاذه، وجاء فيه ~~بشواهد كثيرة تعزز هذه الملاحظة، ولم يقصد بروايتها غير تقرير الحقائق، لأنه من المعجبين بالأستاذ ~~إعجاب التقدير والوفاء. من تلك الشواهد الكثيرة أن فرويد كان يتبع أوراقه فيحرقها قبل أن يتمكن أحد ~~من الاطلاع عليها. # ومنها أنه كان إذا نوى السفر ذهب إلى المحطة قبل وصول القطار بنحو ساعة. # ومنها أنه كان شديد القلق يعمد على الدوام إلى تهدئة أعصابه بالإفراط في تدخين التبغ اللاذع، ~~وتعزى ms51 إلى ذلك إصابته بالسرطان في فمه. # ومنها أنه كان يحيط نفسه بأعوان من اليهود، ويندر أن يعمل مع أحد من غير دينه. # وترد الصحف الغربية بأنباء الاحتفال بمرور مائة سنة على مولد فرويد فنري أعجوبة من أعاجيب ~~التذكار لهذه المناسبة، لأن العرف قد جرى على الإشادة بمآثر المحتفى به من أمثال هذه الذكريات، ولكن ~~الأطباء النفسانيين الذين اجتمعوا لإحياء ذكرى فرويد في مدينة شيكاغو - وعدتهم نحو أربعة آلاف - قد ~~فوجئوا بحملة عنيفة على فرويد ومذهبه يتولاها رجل مسئول في مركزه العلمي والرسمي، وهو الدكتور برسفال ~~بيلي # Bailey # مدير معهد النفسانيات بولاية النواز، وخلاصة حملته أن ~~البقية الباقية من طب فرويد قليلة لا يؤبه لها، وأن آراءه لا تضيف شيئا إلى القيم الإنسانية، لأنه ~~يرتد بالإنسان إلى الباطن، ويهمل جانبه المنطقي الشاعر، وأنه لم يكن يفهم المرأة، ولم يكن يتذوق ~~الموسيقى، ولا يحس جلال العقيدة . # وإنه لمن العجب أن يكون الدكتور إرنست جونس تلميذه الوحيد من غير اليهود ثم ينساق في تقديره مع ~~الوعظ التبشيري باسم العلم والثقافة. # ونحسب أن فرويد لم يعمل عبثا إذا كان العالم قد استطاع بعد أقل من عشرين سنة من وفاته أن يضعه ~~على المشرحة التي كان يضع عليها مرضاه. ويذكرني هذا بقصة التلميذ اليوناني وأستاذه في علم الجدل ~~والسفسطة، فإن التلميذ أنكر حق الأستاذ في الأجر المتفق عليه بعد انتهاء الدروس التي حضرها عليه، ~~وقال له إنه سيناقشه في هذا الحق، فإن أقنعه بأنه لا يستحقه فلا أجر له عنده، وإن لم يقنعه فلا أجر ~~له عنده كذلك، لأنه لم يعلمه كيف يقيم البرهان على دعواه. # قال الأستاذ: بل أستحق الأجر مرتين لأني علمتك أن تغلب أستاذك. وعلى هذا النحو يستطيع فرويد أن ~~يهدأ في قبره، لأنه علم الناس كيف يضعونه على المشرحة ليطبقوا مذهبه عليه. # ومثل آخر: ألبرت أينشتين صاحب نظرية النسبية، وأكبر ما في «يهوديته» أن الكثيرين يحسبونه ~~«مستقلا» منقطع الصلة بها لأنه يعيش أيامه كلها على اتصال بمعاهد العلم والعلماء. # ولكنه كان ms52 ينادي بالعصبية الصهيونية حين لا يضطره أحد إلى هذا النداء. # وقد نشرت بعد وفاته مجموعة من الرسائل والخطب في طبعة جديدة، وقيل إنه أقر اختيارها وتنسيقها في ~~هذا الكتاب. # ويجهر أينشتين في جملة من هذه الرسائل «بعصبية الصهيونية» ويؤمن بإسرائيل كأنها عالم البعث ~~للحياة اليهودية، وليست مجرد وطن أو «مأوى» للمضطهدين من المهاجرين. # ويعتقد العالم «المستقل» برابطة الوحدة التي لا تنفصم بين الصهيونيين ثم يزعم أن موقف العالم من ~~اليهود هو الذي يربط بينهم بهذا الرباط الوثيق، ولا يذكر أن موقف اليهود من «الجوييم» سابق لكل موقف ~~من مواقف الأمم الأخرى في المشرق والمغرب نحو هذه السلالة التي تعزل نفسها ولا تكتم عزلتها وانفصالها ~~بين الأمم بالنسب والعقيدة والمصلحة والسيادة الموعودة على أبناء آدم وحواء. # فهو يقلب الحقائق رأسا على عقب ليسوغ «العصبية اليهودية» ويلقي تبعتها على «الجوييم» وما كان ~~للجوييم هؤلاء من وجود في غير شعائر اليهود، ونصوص الترجوم والتلمود. # ومثل آخر من علمائهم ولكنه من طراز عجيب هو العالم الطبيب ماكس نوردو، الذي ترى من نظرة واحدة ~~إلى معارف وجهه ولمحات عينيه ذلك الحبر العبري القويم الذي لم تغير من قسماته ولا خصاله مئات السنين ~~التي قضاها أسلافه بين ربوع أوروبا، وقد شغف طول حياته بالهدم أشد من شغفه بالبناء. # ومن أعاجيب نوردو أنه كان يقسم الأخلاق إلى إسرائيلية وغير إسرائيلية، وأنه كان شديد الغيرة ~~للدعوة الصهيونية، حريصا على التبشير بها مع تطرفه في الإلحاد، كأنه كان يستخرج من إلحاده فخرا ~~صهيونيا، فإن نهاية الإلحاد أن ينفي كل ما وراء المادة، وفي ذلك شاهد على جودة الطبع اليهودي عنده ~~لأنه سبق إلى هذه النهاية، إذ لم تنظر الديانة الموسوية فيما وراء المادة مطمعا للإنسان. وكان طول ~~حياته يبشر بدين المنفعة، ونسميه دينا على عمد لأنه في الحقيقة دين يذب عنه بكل ما يكون لدين كهذا ~~من الغيرة وإصرار العقيدة. فهو يؤمن بدين المنفعة ولا يعرف للأشياء غاية تعدوها، ولا يثني على خلق ~~إلا إذا استطاع أن يبين نفعا ms53 ظاهرا في هذه الأشياء المحسوسة. # بل لو رجعنا إلى مواهب نوردو وعادات تفكيره لوجدنا أبرزها عادة ملكت نفسه وغلبت على هواه أيما ~~غلب، وهي فيما نرى مفتاحه الذي نستعين به على تقدير أحكامه ومعرفة اتجاهاته، وهذه العادة هي ~~«الإسرائيلية» التي يكاد لا ينساها في جميع آرائه، ولا يعدو أن يكون مدافعا عنها في كل مبحث من ~~مباحثه ولو بعدت الشقة بينه وبين الإسرائيلية والإسرائيليين. # فإذا رجعت إلى الصفات التي يثني عليها وينوه برجحانها ويتخذها مثلا للفطرة السليمة وعنوانا ~~على الصلاح في الحياة وجدتها هي صفات اليهود التي تفوقوا فيها على غيرهم أو اشتهروا بها بين الأمم، ~~وعلى نقيض ذلك نرى الصفات التي عرف اليهود بالتخلف فيها أو التجرد منها عرضة لتهكمه وتهجينه، أو ~~معدودة عنده في المراتب المرجوحة التي لا تميز أمة على أخرى، ولا تتفاضل بها معادن الرجال، وكثيرا ~~ما يحسبها من الصفات الكمالية أو الهمجية الصائرة إلى الضعف مع تقدم المدنية، وتارة أخرى يتجاهلها في ~~نقده أو يعتدها عرضا من أعراض النكسة والاضمحلال، وربما بدر ذلك منه عفوا في بعض الأحيان، ولكني لا ~~أظن إلا أنه قد كان يقصده أحيانا ويتحراه ويترفق في دفع شبهته عن قلمه، وكأنما شك الرجل في اليهودية ~~بفكره وبقي على اعتقادها بوجدانه، فرجع عن قولهم إن اليهود شعب الله المختار، ليقول إنهم هم شعب ~~الطبيعة المختار. # وخلاصة ما اعتمده نوردو من الرأي في الفصل بين الأخلاق والآداب هو قسمتها إلى ذينك الشطرين، فما ~~كان منها من صفات قومه فهو الصالح المطلوب، وما لم يكن من صفاتهم أو كان نصيبهم منه قليلا أو ~~ملتبسا فذلك هو النافلة الذي لا غناء به ولا معول في الحياة عليه، وهو لم يكن يدفع عن قومه فحسب ~~بإعلاء دين المنفعة، بل كان يدفع عن نفسه كذلك، فقد كان كما قدمنا يدين بدين المنفعة دون ~~غيره. # فهو - من حيث أراد ومن حيث لم يرد - صهيوني غارق في الصهيونية متعصب لها أشد التعصب بمزاجه ~~وأخلاقه ومولده (إذ هو ابن كاهن) ms54 وبأحوال عصره، فلما ظهرت الحركة الصهيونية كان من أعوانها الكبار ~~وأعوانها المعدودين، فشن الغارة على الكنيسة الكاثوليكية، واتهمها بالتحريض على ذبح اليهود في فرنسا، ~~وظل إلى آخر أيامه غيورا على نشر الدعوة الصهيونية لا يني كاتبا أو خاطبا في تأييدها وشد أزرها، ~~فلما صرح اللورد بلفور تصريحه المعروف شخص هو إلى لندن لمفاوضة الحكومة الإنجليزية في تفاصيل إنشاء ~~الوطن اليهودي بفلسطين. وهناك قال قولة تروى عنه وهي أن الإنجليز لا يساعدون اليهود حبا في سواد ~~عيونهم، ولكن طمعا في الدفاع عن قناة السويس، وأنه على هذه القاعدة من تبادل النفع يجب أن يبنى ~~الاتفاق بين شعب إسرائيل والحكومة الإنجليزية. # وهذه الكلمة مفتاح كل كتب نوردو، وخلاصة جميع آرائه فيها، لأنه لم يكن يؤمن بغاية للفرد والنوع ~~غير النفع المادي المحسوس في هذه الدنيا، وهو في هذا يجري على أساس أسلافه وعشيرته. ولما نشبت الحرب ~~العالمية الأولى وطرد من فرنسا رحل إلى أمريكا لخدمة الدعوة الصهيونية بمقالاته وخطبه ~~ومحاضراته. # وقد يستغرب من العلماء الماديين أن يلقوا بأنفسهم في غمار الحركات الدينية ويتشيعوا لها أشد ~~التشيع كما كان يفعل نوردو، ولكن هذا الذي يستغرب من سائر العلماء لا يجوز أن يستغرب من عالم ~~إسرائيلي لما هو معلوم من أن اليهودية وطن للإسرائيليين وجامعة نفعية لا دين ولا نحلة فحسب، ومن أجل ~~هذا ولأسباب أخرى صار نضال الرجل منهم عن نحلته صورة أخرى من نضاله عن نفسه ومصلحته وكرامة شخصه، ~~ولهذا لا نرى غرابة ما في تصدي طائفة من العلماء كلهم ملحدون لقيادة الدعوة الصهيونية. # وينبغي ألا تنسى هنا الحملة الشعواء التي شنها نوردو في كتابه «الاضمحلال» أو «الانحطاط» على ~~النابهين من أدباء عصره وغيرهم ممن وقع في طريقه، فقضى عليهم جميعا بالمسخ والخداج وانتكاس الأذواق ~~والعقول، وأضرم نارا من النقد الجائر كنيران محكمة التفتيش، فجعل يلقي فيها ما يلقي من كتبهم ~~ودواوينهم باسم العلم في هذه المرة لا باسم الدين. # وقد أنحى فيه على طائفة كبيرة من أعلام المفكرين وفحول الشعراء والأدباء ms55 الذين اشتهر ذكرهم في ~~عصره والعصر الذي قبله، وقسم أدباءه - أو قل مرضاه - إلى طبقتين: طبقة عالية تخفي فيها أغراض المسخ ~~بعض الخفاء، وأخرى واطئة لا تمتاز في شيء من سائر المعتوهين والأمساخ، واستخرج من معاني أشعارهم ~~ومضامين سطورهم دلائله التي خالها أعراضا شاهدة عليهم جميعا بالمسخ وفسولة الطبع، فمنهم - فيما زعم ~~- مجانين الأنانية، ومنهم أسرى الشهوات والمصابون بالاضطرابات المخية والنخاعية، ومنهم البله ~~والسوداويون، والمعذبون بالصرع والوسواس، والمتهوسون في الدين أو العصبية، والمتقشفون الموكلون ~~بتعذيب أنفسهم وتنغيص لذاتهم، والناشزون على العرف والآداب، وكثير من أمثال هذه الآراء التي أرسلها ~~في صفحاته بسخاء من ذلك القلم المنغمس في كتابة التفسيرات وأوراق الأدوية! # وقد تتلخص كل أعراضه في ظاهرتين اثنتين: هما العجز عن حصر الذهن وسوء نقل الحواس والأعصاب عن ~~مؤثرات البيئة أو عدم الإحساس بالأشياء على حقيقتها. # ولتعليل إعجاب قراء العصر بأولئك الأدباء والمفكرين رمى نوردو الطبقات القارئة كلها وبعضا من ~~الطبقات الأخرى بالضعف واختبال الحس، ثم مضى يعلل لهذه الأوهام ليدين عصره كله بالخلل ~~والفساد. # وحملة أخرى شنها نوردو في كتابه «الأكاذيب المقررة في المدنية الحاضرة»، ولكن حملته هنا على ~~المجتمع لا على الأدباء، وقد فضح كل ما ظهر له من أكاذيب الحضارة الأوروبية، وسمى ما لم يرقه ~~بالأكاذيب، ومما سماه أكذوبة الدين وأكذوبة الحكم المطلق وأكذوبة الزواج والأكذوبة السياسية ~~والأكذوبة الاقتصادية وما إلى ذلك، وهو في نقده لما سماه الأكاذيب متقحم متسرع، وقد أملى له في تهجمه ~~فوق ما قدمنا يقين الشباب وإقبال التفاؤل، ولولا هذا اليقين وجرأة في نوردو صحبته طول حياته، لكان ~~الأولى به أن يسمى «الحقائق في سبيل التطبيق» بدلا من «الأكاذيب المقررة»؛ لأن كثيرا من الأكاذيب ~~التي أوردها إنما هي حقائق يخالطها الزغل عند التجربة - كالديمقراطية مثلا - وأين هي الحقائق ~~الاجتماعية التي تتركها التجربة على صفائها؟ أليس من الحقائق الرياضية - وناهيك بدقتها - ما يختلف ~~بين الأوراق والأعمال؟ # وإذا كان هذا مبلغ العصبية الصهيونية عند العلماء المستقلين حتى الملحدين وانغماسهم في غمراتها ~~إلى هذا القرار، فكيف ms56 بمن ليسوا علماء ولا مستقلين ولا سيما المتدينين؟ وإذا كان هذا مبلغ الغلو في ~~العصبية عند من ينبغي لهم سترها أو الاعتدال فيها وهم قادرون عليه ولا ضرورة تمنعهم دونه، فكيف ~~بالمجاهدين المؤمنين الذين لا ينتظر منهم ستر ولا اعتدال ولا قدرة لهم عليه ولا مفر لهم منه. # ونختم حديثنا عن عبث الصهيونيين بالمذاهب والحركات الفكرية؛ بالإشارة إلى أن كثيرا من صنائعهم ~~والببغاوات من أدعياء الثقافة بيننا يتلقفون هذه الدعوات المغرضة في عالم الأدب والفن والفلسفة ~~وغيرها، ويبشرون بها باسم التقدم أو التحرر أو التجديد أو الإصلاح وما إلى ذلك من الأسماء كأنها هي ~~دعوات هداية وبناء من قادة منزهين عن المرض والغرض. وإن إلمامة خفيفة بما ينشر في الصحف والمجلات ~~والكتب بيننا للتبشير بتلك الدعوات، والتنويه بشأن البارزين من الصهيونيين وأعوانهم، واللغط الفارغ ~~بتاريخهم وأعمالهم، سواء كانوا من العلماء والأدباء والزعماء أو من فتيات المسرح ودور الصور المتحركة ~~وعارضات الأزياء؛ إن إلمامة خفيفة بذلك لتدل على أننا نعاني محنة في المروءة والأخلاق فضلا عن ~~محنتنا في العقول والأذواق. # ونحن لا نلوم «العلماء المستقلين» خدام الحقيقة المطلقة لأنهم يتعصبون للملة اليهودية، ولكننا ~~نلوم من ينسى مروءته بيننا من أجل كلمات يتلقفها ويسميها علما ينفصل بصاحبه عن بني قومه في معترك ~~العصبيات والأخطار، وإنهم لأحوج الأمم إلى عون العارف والجاهل في عزلتهم أمام الصهيونية والاستعمار ~~ودسائس الأعداء والطامعين من كل قبيل. # وندعو تلك الطائفة من أدباء العربية وعلمائها المستذلين للأذلاء لنقول لهم: من كان منكم أعلم من ~~فرويد وأينشتين وغيرهما ممن ذكرنا فله أن يقيس أدبه وعلمه على غير قياس، وأن يتصل به أو ينفصل عمن ~~يشاء من الناس. # ومن كان منكم يحسب أن الصهيونية أحوج من قومه إلى الأعوان فليبخل بعونه على هؤلاء القوم ~~«الأغنياء». # أما الخذلان ولا غنى عن الغوث فإن أهون وصماته ليخزي من لا يخزيه شيء. # وننتقل إلى بيان شواهد من عصبية الصهيونيين في ميادين السياسة، وهي أغلظ وأظهر، وإن أعمالهم ~~التي تدفعهم إليها حماقتهم لتوبقهم وتغني ms57 في القضاء عليهم لولا أن خصومهم يلقونهم أحيانا بمثل ما ~~عندهم من الحماقة. # ومن أحدث الشواهد التي تدل على الارتباط الشديد بين مسائل العالم في العصر الحاضر حملتهم الخفية ~~على إيدن رئيس الوزارة البريطانية في يناير هذا العام، وهي حملة تهدد مركزه كما يقولون من جراء حوادث ~~الشرق الأدنى. # ويتألب عليه في هذه الحملة فريق صغير من المحافظين وفريق كبير من العمال، وتدير الحملة كلها من ~~وراء الستار أيدي الصهيونية البريطانية تؤيدها الصهيونية العالمية من بعيد. # ولا عجب في انضمام فريق من المحافظين إلى الحملة إذا تذكرنا أن رئيس الحزب في الواقع هو ~~الاستعماري الصهيوني العتيق ونستون تشرشل، وهو يصرح بانتمائه إلى الصهيونية وإن كان يصرح بالسبب. ~~فإنما السبب الحقيقي أنه ينتمي من جانب أمه إلى سلالة إسرائيل. # أما العمال فلا عجب أيضا من دخولهم في الحملة أو قيادتهم لها جهارا؛ لأن خزانة الحزب تخوى من ~~المال إن فقدت معونة المرشحين الصهيونيين بارزين ومستترين. # ورئيس الوزارة البريطانية لم يفعل شيئا يجحف بإسرائيل ليستحق من الصهيونية هذه العداوة. # ولكن الدنيا تجهل إسرائيل وتجهل الصهيونية كلها إن لم تعلم أن القوم حمقى في الغاية القصوى من ~~الحماقة، ومن حماقتهم هذه الأنانية المريضة التي تخيل إليهم أنهم وحدهم شعب الله، وأن الله إلههم ~~وحدهم بغير شريك، وأن الساسة في العالم كله مطالبون بخدمتهم ومحاباتهم والتعصب لهم مائة في المائة، ~~وإلا فهم أعداء مغضوب عليهم بغير عذر ولا هوادة. # ونحن والله نود لو ينجحون في حملتهم على رئيس الوزارة البريطانية؛ لأن هذا النجاح سيكشف الحقيقة ~~لأعين الناس، ويخرجها من حيز المناورات البرلمانية وراء الستار، ويومئذ ترجع الصهيونية إلى وكرها ~~مسحوقة الرأس والذنب، ليستريح العالم من شرورها الجهنمية إلى أن يشاء الله. # إن القوم حمقى في الغاية من الحماقة، ولكنهم يسلمون من جرائر حماقتهم بحماقة مثلها في بعض ~~الخصوم الذين ينهضون لمكافحتهم والقضاء عليهم فينفعونهم ويضمون إليهم الأعوان والأشياع. # عاداهم كما قدمنا جماعة الكوكلكس كلان في الولايات المتحدة وبلغ عددهم أربعة ملايين كعدة اليهود ~~جميعا ms58 في تلك الولايات، ولكن حماقة هذه الجماعة سولت لها أن تعادي الصهيونية وتعادي معها الكنيسة ~~الكاثوليكية وحركة التحرير التي ترمي إلى إنصاف السود والملونين، فاجتمع عليها من الأعداء أكثر مما ~~تطيق. # وعاداهم في إنجلترا جماعة «المستميتين» في المحافظة إذ كان لسان حالهم صحيفة المورننج بوست، ثم ~~عاداهم موزلي وأصحابه من أنصار الفاشية والنازية، فانتفع الصهيونيون بعداوة هؤلاء؛ لأنهم جمعوا معهم ~~الأحرار والعمال والمحافظين المتوسطين. # ويعاديهم اليوم في فرنسا حزب «بوجاد» ولكنه لحماقته يحاربهم ويحارب الجمهورية ويريد أن يرجع ~~بالاستعمار مائة سنة إلى الوراء ليحكم الشعوب الشرقية حكم السادة للعبيد. # حماقة خصومهم هي التي تنقذهم من حماقتهم، ولكن الله سخر لهم دويلة إسرائيل لتكشف عنهم كل مستور، ~~وتثبت للعالم أنهم - كما وصفهم القرآن الكريم - # قوم لا يعقلون # فلا يريحون ولا يستريحون، ولن يزال العالم كله في خطر ما داموا يقبضون بأيديهم على زمام الدسيسة ~~والغرور . # فإذا انقطع هذا الزمام فهم شر على أنفسهم وذويهم، والعالم في أمان. # ولا شك عندنا في حقيقة الحملة التي ترامت أخبارها من البلاد الإنجليزية، فإن الأسباب الظاهرة ~~واهية لا تستر ما وراءها، وكلها تدور على غلاء المعيشة كأنه من المستحدثات في الأشهر الأخيرة، وقد ~~كان قبل شهر يونيو في العام الماضي (1955) حين اجتمع برلمانهم الجديد؛ أشد مما هو اليوم. # والبركة في إسرائيل والعياذ بالله من هذه البركة. # إن إسرائيل هي القضاء المبرم على إسرائيل وعلى الصهيونية بعدها بأمد قصير. # الفصل السادس عشر # | مصير الصهيونية العالمية والأسباب الدولية # تكلمنا في هذه الفصول عن الصهيونية العالمية، وعن المرض النفساني الذي تنطوي عليه، وعن الطوابير ~~الخامسة التي تعمل بها في البلاد المختلفة، وعن العوامل المجملة التي تستمد منها نفوذها، وعن ~~أساليبها في استغلال الحركات الاجتماعية والعلاقات الشخصية، وعن اضطرارها - بحكم طبيعتها - إلى الغش ~~والإفساد في كل أسلوب تعول عليه. # وننظر بعد ذلك في هذا الفصل وما يليه إلى مصيرها الذي تنبئنا عنه الوقائع الحاضرة، ونستطيع أن ~~نقول في كلمة موجزة: إن الصهيونية قوة مولية، وإن عوامل الزوال التي تحدق ms59 بها أكبر من عوامل ~~الثبات. # ولذلك أسباب متعددة، نتناول منها في هذا الفصل جملة الأسباب الدولية كما تبدو لنا الآن، وكما ~~تئول إليه مع التطور الواقعي في المستقبل القريب. # إن الصهيونية هيئة عالمية، ولا مهرب لها من التأثر بأطوار الشئون العالمية في هذا الزمن خاصة، ~~لأنه زمن تتداخل فيه شئون الأمم في كثير من المصالح والعلاقات. # لقد كانت الصهيونية هي الهيئة العالمية الوحيدة التي تعمل طوابيرها الخامسة دون التفات إليها في ~~القرون الخالية. # كانت كل أمة تحس بالصهيونية في حدود بلادها، وكان الإحساس بها مقصورا على الشئون الاقتصادية ~~كلما ثقلت على الناس وطأة الديون. ونشبت في أعناقهم مخالب المرابين والمستغلين، أما الاهتمام ~~بالصهيونية من الوجهة السياسية فلم يكن مما يشغل بال أحد؛ لأن السياسة «أولا» لم تكن شغلا شاغلا ~~لأذهان الجماهير، ولأن الصهيونية «ثانيا» كانت حريصة على التستر والعمل في السياسة من وراء حجاب ، ~~فكانت مساعيها العالمية مجهولة بين كل أمة، وكانت كل أمة لا تحس بها في غير شئونها التي تعنيها داخل ~~حدودها، وكانت هذه الشئون مقصورة كما تقدم على أزمات الديون والربا المضاعف والاستغلال. # أما اليوم فالعلاقات الدولية ظاهرة في أهم الشئون العامة، وليس في وسع الصهيونية العالمية أن ~~تعمل من وراء حجاب. فلا بد لها من العمل الظاهر، ولا بد لها مع العمل الظاهر من التحدي المكشوف ... ~~وتلك ولا ريب فاتحة الدمار؛ لأن الهيئة التي تتحدى العالم كله منهزمة في النهاية بغير مراء. # ومما تغير في الأحوال العالمية أن السيطرة الاقتصادية كانت فيما مضى سرا من أسرار المكاتب، ~~وعملا من أعمال السمسرة الخفية وراء الأسواق، وكان في وسع الصهيونية بالألاعيب المكتبية أو بحبائل ~~السمسرة أن تتلاعب بالأسواق والأسعار وهي آمنة وراء جدرانها. # أما اليوم فالسيطرة الاقتصادية مسألة متشعبة ترتبط بالأحوال الاجتماعية، والحقوق الوطنية، ~~وأنظمة الزراعة والصناعة في جميع القارات، وليس في طاقة هيئة عالمية - مختلسة - أن تقبض بأيديها على ~~أزمة هذه الشئون وأن تسخر لمشيئتها جميع العاملين في هذه الميادين. # وقد تفعل السمسرة فعلها في مبادلات العملة ms60 ومقادير الواردات والصادرات ولكن الألاعيب التي تقدر ~~عليها السمسرة الخفية تقف اضطرارا إذا اصطدمت بسياسة تحسب حساب الثورات والقلاقل، ولا تجازف ~~بالأخطار وتهديد عوامل الاستقرار، ومهما يكن من نفوذ الصهيونية في دولة من الدول فهو نفوذ مصطنع، ~~يتمرد عليه الساسة حتما كلما بلغ حد المخاطرة، ودفع بهم إلى تجاهل الواقع في مشاكل الأطوار ~~العالمية، وتدخل فيها مصالح كثيرة في الشرق والغرب، لا ينقاد زمامها للصهيونية العالمية، ولا لهيئة ~~من الهيئات على انفراد. # ومن أهم الأسباب التي زعزعت قوة الصهيونية في سياسة الأمم هذا التغيير الكبير الذي طرأ على ~~مراكز الدول العظمى، وهذه الضرورات العالمية التي أخرجت الولايات المتحدة من عزلتها، وجعلتها طرفا ~~مهما في كل نزاع بين المعسكرين المتناظرين. # كانت بريطانيا العظمى تقود أحد المعسكرين في كل حرب عالمية، أو كل حرب عامة تشترك فيها دول ~~كثيرة. # وكان دور الصهيونية العالمية عظيما جدا في الحروب والأزمات الكبرى من أجل ذلك، أي من أجل ~~قيام بريطانيا العظمى على قيادة أحد المعسكرين، في كل حرب عالمية. # ومن أيام حروب نابليون، كانت بريطانيا العظمى تستعين بالصهيونية العالمية لتضييق الخناق على ~~أعدائها، وضرب الحصار الاقتصادي المحكم على المعسكر الآخر ومن يعاملونه في أسواق التجارة. # واستفادت الصهيونية كثيرا من اللعب بالنفوذ بين الدول، ولم تكن متبرعة في الحقيقة بمساعدتها ~~لبريطانيا العظمى، لأن بريطانيا العظمى كانت مركز الصناعة والتجارة وميزان الأسواق. # ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وتلتها الحرب العالمية الثانية، فتعاظم شأن الصهيونية في السياسة ~~الدولية وراحت تساوم على الوساطة والدعاية وتملي الشروط، وتغلو في المطالب، واستخدمت نفوذها في ~~الولايات المتحدة لتهديد الإنجليز بالعزلة في ميادين القتال، فإن لم يستجيبوا لها في كل ما تطلب ~~أثارت عليهم الدعاية في الولايات المتحدة في أحرج الأوقات، وحاولت جهدها - وهو جهد غير قليل - أن ~~تبقى الدولة الأمريكية بعيدة من الميدان، وأن تحرم الإنجليز من معونتها المالية والحربية، أو تؤخرها ~~إلى ما بعد الأوان. # بهذا التهديد نجحت الصهيونية فحصلت على وعد بلفور بالوطن اليهودي في فلسطين، وكل ما يقال عن ms61 ~~تعليل الحصول عليه بقصة وايزمان واختراعه الكيماوي النافع في صناعة المتفجرات، فهو من خرافات العجائز ~~وأحاديث الأطفال، إذ ليس بالمعقول أن تتحمل بريطانيا أعباء الوطن اليهودي لتكافئ مخترعا يعمل في ~~مصانعها وجامعاتها ولا يستطيع أن يمنعها حق الانتفاع بذلك الاختراع! فما كان الاختراع إلا علالة قصد ~~بها التمويه لإخفاء الأسباب الحقيقية لهذا الوعد. # إنما نجح الصهيونيون في انتزاع وعد بلفور لأنهم جعلوه ثمنا للدعاية الأمريكية. ثم أرادوا أن ~~ينجحوا مثل هذا النجاح في الحرب العالمية الثانية فأخطأهم التوفيق؛ لأن الصهيونية لا تستطيع أن تعزل ~~بريطانيا في حرب هتلر والنازية، وإن فعلت ذلك فإنما تدور الدائرة عليها. # إلا أن هزيمة هتلر قد أطلقت أيدي الصهيونيين في التهديد وإملاء الشروط على الدولة البريطانية، ~~فاستكانت لهم هذه الدولة استكانة لم تقبلها من أحد، وطغى الأذلاء الذين صبروا على مظالم الطغاة مئات ~~السنين، فأنفوا أن يعاقب الإنجليز مذنبا منهم تثبت عليه جريمة الفتك والعدوان، وقبضوا على جند ~~الحكومة ليقتصوا منهم بالجلد والقتل إذا نفذ العقاب في الصهيوني المحكوم عليه، فأذعن الحاكمون ~~إذعانا مخجلا لهذه الغطرسة من هؤلاء الأذلاء، ولولا خوف الدولة البريطانية من دعاية الصهيونية بين ~~الأمريكيين لأتت على تل أبيب نسفا وهدما في لمحة عين. # وتغير الموقف الآن كل التغيير من الوجهة السياسية الدولية، فليس في مقدور الصهيونية أن تعزل ~~بريطانيا العظمى؛ لأن قيادة المعسكر الغربي انتقلت إلى الولايات المتحدة، وليس في مقدورهم أن يعزلوا ~~الولايات المتحدة، لأن سياسة العزلة ذهبت في خبر كان. ولو حاول الصهيونيون محاولة من هذا القبيل في ~~إبان حرب من الحروب لكانت هي القاضية عليهم في تلك البلاد. # وتم التغيير في الموقف الدولي بعد أن أصبحت للصهيونيين دويلة تسمى إسرائيل. # إن الصهيونيين كانوا يلعبون بالسياسة الدولية ويملكون وقت اللعب فلا يخسرون أو لا يصبرون على ~~الخسارة. # كانوا يلعبون بالسياسة الدولية فأصبحوا في بعض المواقف على الأقل لعبة للسياسة الدولية، وأصبحوا ~~هدفا ظاهرا لمن يهددهم بالانتقام، فما عليه إلا أن يضرب إسرائيل فإذا بالصهيونية كلها مضروبة من ~~وراء إسرائيل. ms62 # إن التغيير الذي طرأ على السياسة الدولية لا يجري مع المآرب الصهيونية في مجرى واحد، وهذا ~~التغيير في السياسة الدولية سبب من الأسباب التي تولي غدا بالصهيونية العالمية وتنذرها بما تستحق من ~~مصير. # الفصل السابع عشر # | مصير الصهيونية العالمية ونفوذها المهدد # من الحكمة ألا يستصغر المرء قوة عدوه. # ومثله في الحكمة ألا يستعظم قوة عدوه وألا يبالغ في استعظامها من باب أولى؛ لأنه إذا استعظمها ~~ضيع في الحذر منها جهودا يضره أن تضيع، وينتفع العدو بضياعها عليه. # والصهيونية العالمية قوة كبيرة، تملك وسائلها التي تؤذي بها خصومها وتنفع أعوانها وأذنابها، ~~ولكننا نعدو بها طورها ونجاوز بها حدها إذا قلنا مع القائلين إنها تخلق الثورات وتدبر الانقلابات ~~وتثل العروش وتهدم المماليك، فإنها لأهون شأنا من ذلك كما قدمنا في بعض الفصول الماضية، وإنما شأنها ~~أن تنتفع بالأسرار التي تعلمها وتغتنم الفرصة في حينها. # والحق أن الصهيونية العالمية أضعف مما ينبغي لمثلها، وأنها كانت خليقة أن تفعل أضعاف ما فعلته ~~لخدمة مآربها وإنجاح دسائسها، بالقياس إلى قدم عهدها وانتشار طوابيرها الخامسة في أجزاء المعمورة، مع ~~غفلة الغافلين عنها وتواطؤ أعداء الإسلام على مساعدتها، ولكنها تفقد الشيء الكثير بحماقتها واندفاعها ~~مع هوس العصبية الطائفية، فإن الصهيونيين - ولا ننسى وصف القرآن الكريم لهم - قوم لا يعقلون. # ومن المعلوم أن التنظيم والاتفاق في الغرض يجعلان العشرة أقوى من المائة ويجعلان المائة أقوى من ~~الآلاف. # والصهيونية العالمية قوة منظمة في الولايات المتحدة، ويسمي الساخرون مدينة نيويورك من أجل ذلك ~~بمدينة «جيويورك» # Jew York # أي «مدينة اليهود»؛ لأنهم يزيدون فيها على ~~المليون ويتعاونون قصدا وعلى غير قصد في ترويج مصالحهم والنكاية بأعدائهم ... ويتصلون بمثل الشبكة ~~المحكمة بالملايين الثلاثة الأخرى الموزعين في أنحاء البلاد الأمريكية، ولكنهم - على كثرة العدد ~~واتفاق الغرض - لم يبلغ من نفوذهم أن يصنعوا ما صنعته جماعة منع المسكرات في أعقاب الحرب العالمية ~~الأولى، ولم يكن أعضاء هذه الجماعة يزيدون على بضعة آلاف يؤيدهم أناس من رجال الدين. وكانوا يفرضون ~~على الشعب قانونا لا يريده، ms63 ويحاربون مصالح المعامل التي تصنع الخمور والشركات التي تبيعها، ويعرضون ~~تعديلا للدستور هو التعديل الذي اشتهر باسم التعديل الثاني عشر، وتسنى لهم بفضل التنظيم والمثابرة ~~على غرض واحد أن يعدلوا الدستور، وأن يصدروا قانون تحريم المسكرات من مجلس الشيوخ، ثم من مجلس ~~النواب، وأن يتغلبوا على الرئيس ويلسون الذي رفض القانون بحق النقض، فأعادوه إليه وعبئوا الرأي ~~العام في وجهه، فأمضاه مضطرا حسب نصوص الدستور. # هذه الجماعة «جماعة منع المسكرات» لا تذكر إلى جانب الصهيونية العالمية التي تستعين بكثرة العدد ~~وقوة المال وتغلغل الأعوان والأذناب في كل مكان، وقد كانت الصهيونية نفسها تقاوم هذا القانون في ~~الولايات المتحدة فانهزمت مع المنهزمين أمام «جماعة منع المسكرات». # ومما لا نشك فيه أن جماعة منظمة تكافح الصهيونية العالمية في الولايات المتحدة تستطيع أن تقهرها ~~وتمحو أثرها ولو لم تبلغ مليونا واحدا يحاربون خمسة ملايين؛ لأن الحقيقة المفهومة أن الصهيونية ~~بغيضة جدا إلى جمهرة الأمريكيين، وأنهم صبروا عليها طويلا، واستعدت نفوسهم للتمرد على سلطانها ~~الخبيث، لو وجدت الجماعة التي تتولى تنظيم المكافحة وتحصرها في غرض واحد لا تتشعب عليه المطالب ~~والجهود. # ولقد وجدت الجماعة التي تكافح الصهيونية فعلا أثناء الحرب العالمية الأولى - وهي الجماعة التي ~~أطلقت على نفسها اسم «كوكلكس كلان» # Kuklux Klane # وعاشت بضع سنوات ~~فوصل عدد الأعضاء فيها على تقدير الخبير الإحصائي ستانلي ~~فروست # Stanly ~~Frost # أربعة ملايين ونصف مليون. # إلا أن هذه الجماعة القوية وسعت حملتها وشنت الغارة على أعداء أربعة بدلا من عدو واحد، فجعلت ~~في همها محاربة الزنوج، ومحاربة التابعين للكنيسة الرومانية، ومحاربة الاشتراكيين والشيوعيين، ~~ومحاربة اليهود، وافتضحت لها أمور معيبة مكنت خصومها من إحباطها وتفريق شملها وتتبع العورات التي ~~تنسب إليها، ولو أنها قصرت محاربتها على الصهيونية لقضت عليها عنوة في سنوات معدودات. # لقد كان حظ الصهيونية أن «الكوكلكس كلان» أخطأت هذا الخطأ، وانفضحت تلك الفضيحة، ولكن حماقة ~~الصهيونية توازن حظها الحسن وتربي عليه، ومن حماقتها أنها تتهوس الآن في الدعاية لإسرائيل، وتزج ~~بالدولة الأمريكية في مآزق لا ms64 تؤمن عقباها من ورطة بعد ورطة، وإقحام بعد إقحام، وأنها لتوغر الصدور ~~عليها كرها بالصلف الذي لا يطاق، ولا بد أن يغضب عليها من تستغضبهم ولا تبالي عاقبة غضبهم، فينفضوا ~~عن كواهلهم ذلك العبء الثقيل الذي يسخرهم كل هذا التسخير لصهيون إسرائيل. # ومن بوادر الانقلاب على النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة أن الصهيونيين يخافونه ويدركون ~~خطره، وأن الخطر يذهلهم عن الصواب ويخرجهم عن السداد، فيحشدون اليوم جماعات الإرهاب للإيقاع بالخصوم ~~والمعارضين، ويعملون بأيديهم على مقابلة الإرهاب بمثله، فلا تعود لهم جماعة «الكوكلكس كلان» هذه ~~المرة بالحملة الموزعة عليهم، وعلى الزنوج، والاشتراكيين، وأتباع الكنيسة الرومانية، ولا تكسبهم ~~الأنصار من هؤلاء الشركاء في النقمة والبغضاء، بل تعود لهم ومعها أنصار متألبون ممن تجمع بينهم عداوة ~~الساميين. # إن الأمم قد تصبر على التسخير الذي تجهله ولا تعرف أضراره، ولكنها لا تصبر على التسخير المكشوف ~~الذي يلج به التحدي والغرور، فيركب رأسه غير حافل بما يثيره من السخط والنفور. وقد أوشكت الصهيونية ~~أن تواجه الشعب الأمريكي بمثل هذا الصلف في قضية إسرائيل، وفي قضايا السياسة الدولية، وأوشك هذا ~~الصلف أن يستدعي المقاومة المنظمة لمقابلة الإرهاب بالإرهاب، وتعددت فضائح الصهيونيين في مسائل ~~الجاسوسية وأسرار القذائف الذرية، فلن يطول الأمد على مثل هذه الحالة حتى تتكشف العداوة الصراح، ولن ~~يفعل الصهيونيون يومئذ إلا ما يضرم النار ويفسد الجوار. # وفي الولايات المتحدة اليوم أكثر من مائة ألف عربي ومسلم، ومنهم في نيويورك نحو خمسة آلاف مسلم. ~~بين بولونيين وشراكسة وهنود ويمانيين ومصريين، ومنهم في دترويت # Detroit # نحو عشرين ألفا بين لبنانيين وسوريين وألبانيين، وكل من في الولايات المتحدة ~~من المسلمين أو العرب المسيحيين ذوو همة ودأب وغيرة على القضية العربية، ولا يطلب من مائة ألف أن ~~يقاوموا خمسة ملايين متأصلين في البلاد، متشعبين في ميادين الأعمال، ولكنهم عدد لا يهمل في حساب ~~الفريقين، والاستماع لهم أيسر من الاستماع لأناس يفرضون لهم سيادة على البلد، ويسومون الدولة كل يوم ~~أن تزج بنفسها - لحسابهم - في مأزق بعد مأزق على ms65 غير جدوى وإلى غير نهاية. وهكذا يفعل الصهيونيون في ~~الولايات المتحدة، ويعلم الأيقاظ من أبناء البلاد أنهم يفعلون. # قلت في فصل مضى إن الصهيونية العالمية قوة مولية في ميادين السياسة الدولية، ولم نسمع من صهيوني ~~متفائل مبالغ في خداع نفسه أنه يطمئن إلى مصير النفوذ الصهيوني بين الأمريكيين، فقد برح الخفاء، ~~وتكشفت الدسائس، وعرف العامة ما لم يكن يعرفه إلا الخواص والأخصاء المقربون، فإذا جرى الصهيونيون على ~~عاداتهم من صلف الذليل، ورعونة المغرور. فتذرعوا ذرائع الإرهاب لاستبقاء النفوذ المهدد بالزوال؛ فتلك ~~علامة أخرى من علامات الإدبار، وما من إقبال يرجى لمدرع بالليل إذا طلع النهار. # الفصل الثامن عشر # | مصير الصهيونية العالمية وبنيتها المتناقضة # من علامات الفناء في الصهيونية أنها بنية متناقضة، يصلحها من ناحية ما يفسدها من ناحية أخرى، ~~ولا مفر لها من النقيضين، وليس من اليسير عليها أن تجمع بينهما، ولا أن تطمئن معهما إلى طول ~~البقاء. # وأكبر جراثيم الفناء في هذه البنية أن الخلاف شديد بين الصهيونيين على عقيدة الصهيونية. # فما هذه العقيدة في أساسها؟ # إنها في أساسها عقيدة دينية تقوم على الأمل في ظهور ملك من بيت داود، يبني عرشه بمعجزاته ~~وكراماته في بيت المقدس، وينشئ فيها مملكة أورشليم التي بها اختص إله إسرائيل شعبه دون سائر الشعوب، ~~وليست هذه المملكة من عمل الشعب اليهودي، ولا من عمل أحد من الناس، ولكنها العمل الذي يتولاه رب ~~إسرائيل بعد تكفير الشعب عن خطاياه: بالتشريد، واحتمال العذاب والاضطهاد. # هذا هو أصل العقيدة الدينية التي آمن بها الصهيونيون إلى القرن السابع عشر. ثم تحررت العقول ~~وظهرت بين اليهود حركات عقلية في القرن الثامن عشر ترتاب في هذه العقيدة، وتعددت المذاهب التي ~~تناقضها بين جماعة الهاسقالا # Haskala # وجماعة الأحرار، وجماعة ~~العصريين المحدثين، وغيرهم من الجماعات، وتلخصت هذه الحركات أخيرا في دعوة إسحاق ماير وايز # Issac Mayer Wise # الذي عقد مؤتمر فلادليفيا سنة 1869، وأعلن ~~بالقول الصريح أن رسالة اليهودية لا ترمي إلى تجديد ملك إسرائيل على يد ملك من ذرية داود، وأنها ms66 لا ~~تعني أن يعود اليهود إلى انفصال جديد بينهم وبين أمم العالم، ولكنها ترمي إلى قيادة الأمم الإنسانية ~~في طريق الخلاص على سنة الإخاء، وتكوين عالم جديد يضم جميع الشعوب بهداية روح إسرائيل، وهو العالم ~~الذي يشتمل يومئذ على مملكة أورشليم الموعودة التي تبقى إلى آخر الزمان. # وظهرت مع هذه الحركة المجددة حركة أخرى تخالفها في أسلوب التجديد، وهي الحركة التي تأثرت ~~بالهيئات القومية في القارة الأوروبية، فقام زعماؤها يقلدون دعاة الوطنية وينادون بقومية صهيونية، ~~تعمل لإنشاء وطن قومي يؤسسه اليهود بمجهوداتهم العالمية ولا ينتظرون الملك السماوي الموعود من بيت ~~داود، لتأسيس الوطن المنشود بمعجزات السماء. # ونشطت هذه الحركة بزعامة هيس # Hess # الألماني وسمولنسكن # Smolenskin # اللتواني، وكان هيس من دعاة الاشتراكية، يزعم أنه يريد ~~وطنا يهوديا في فلسطين، ليجعله نموذجا للمجتمع الاشتراكي الذي تقتدي به مجتمعات العالم، وتلك في ~~رأيه هي رسالة إسرائيل. # هذان مذهبان منشقان في الحقيقة عن العقيدة الصهيونية الدينية، أحدهما يلغي الفواصل بين اليهود ~~وبين أمم العالم خلافا لعقيدة الشعب المختار، والآخر يجعل الصهيونية وطنا قائما بغير العرش ~~الموعود في بيت داود. # فلما صدر وعد بلفور وتغلبت الفكرة القومية على الفكرة الدينية وعلى الفكرة العالمية، برز الدعاة ~~القوميون في الميدان وأسكتوا من عداهم من أصحاب المذاهب بين اليهود، وانتصروا على المعارضين ولا ~~يزالون منتصرين عليهم بقوة النجاح الموقوت. # ولكنه نجاح لا يدوم. # بل هو في الواقع نجاح مشئوم. # فاليهود الذين أوشكوا أن يحطموا الحواجز بينهم وبين أمم العالم قد عادوا بفعل ذلك النجاح ~~المشئوم إلى عزلة جديدة تنقلب مع الزمن شرا عليهم من عزلتهم الأولى. # وهؤلاء الذين نجحوا اليوم بإنشاء دويلة إسرائيل قد أثاروا في نفوس أبناء دينهم عصبية لا طاقة ~~لهم بإشباعها، ولا طاقة لهم بالاستغناء عنها، ولا مناص لها من الاصطدام بالواقع في زمن غير ~~قريب. # هل في وسع إسرائيل أن تصبح وطنا لجميع اليهود المتفرقين في أنحاء العالم؟ # هل في وسع اليهود أن يعيشوا في أنحاء العالم بعصبية قومية سائرة بين الأوطان التي يدينون ms67 لها ~~بالولاء؟ # إذا كانت العزلة قد جرت عليهم عداوة الأمم في الماضي فهي لا تنجيهم من تلك العداوة بعد شيوع ~~أمرها، وانتباه الناس لمؤامراتها ودسائسها. # وإذا كان نجاح الصهيونيين في إنشاء الوطن القومي بفلسطين قد نصرهم على معارضيهم من أبناء دينهم، ~~فلا غنى لهم عن دوام هذا النجاح لدوام هذا الانتصار. # ومن نقائض الدويلة الصهيونية أنها لا تنجح مع اضطهاد اليهود في العالم ولا تنجح إذا انتهى ذلك ~~الاضطهاد وسلم اليهود من بلواه. # فالوطن الفلسطيني لا يتسع للهاربين من الاضطهاد جميعا، ولا يستطيع أن يغلق الأبواب في وجوههم ~~كما تغلقها الأوطان الغربية، وإلا سقطت كل دعواه. # أما إذا زال الاضطهاد فقد زالت الدعوى من جذورها، وخمدت النار التي يلهبون بها الغيرة في صدور ~~أبناء دينهم، ويثيرون بها العطف عليهم في صدور الغرباء. # إن هذه الحركة القومية لا بد أن تعيش لكي تتغلب في المستقبل على العقيدة الدينية، وعلى مذاهب ~~الإصلاح العالمية، كما تغلبت عليها في هذه السنوات . # وقد تعيش سنوات معدودات من المعونة الخارجية التي يجود بها الاستعمار، أو يجود بها أبناء دينهم ~~مؤمنين مقتنعين، أو متورطين خاضعين للتهديد. # ولكنها لن تعيش على المعونة الخارجية مدى السنين، ولن تعيش طويلا إلا إذا قامت على قدميها ~~واستقلت بمواردها، وهذه هي النقيضة الكبرى التي تصير بها من نقيض إلى نقيض. # لن تعيش إسرائيل إلا بصناعة، ولن تعيش صناعتها إلا بخامات وأسواق، والبضاعة الناشئة تحتاج إلى ~~القصد الكبير في النفقات والتكاليف، ولا سبيل إلى القصد الكبير في نفقاتها وتكاليفها مع الأجور ~~العالية التي تفرضها أحزاب الصناع ولا تبالي أن تزيد بها على أجور المهندسين والأطباء وغيرهم من ~~الفنيين الممتازين. # وتحتاج الصناعة الناشئة إلى الخامات الرخيصة وإلى الأسواق التي لا مزاحمة فيها. # فإذا لجأت إسرائيل إلى شراء الخامات من بلاد بعيدة زادت خسارتها على أرباحها، وإذا أرسلت ~~مصنوعاتها إلى الأسواق البعيدة لم تجد من يشتريها بأثمانها الغالية، مع اشتداد المزاحمة في تلك ~~الأسواق. # لهذا تتهافت إسرائيل على مصالحة الأمم العربية، وفك الحصار الذي تضربه ms68 تلك الأمم عليها، ولا ~~يكفيها أن تزعم الأمم العربية على مصالحتها وفتح أسواقها لمصنوعاتها، بل يلزمها أشد اللزوم أن ترغم ~~العرب جميعا على البقاء - مدى السنين - بغير صناعة تنافس الصناعة الصهيونية، وتستأثر بالخامات ~~لمعاملها وأبنائها، وهذه هي النقيضة التي تضاف إلى غيرها من النقائض ولا تختمها على كثرتها. # إن نجاح إسرائيل نكبة على الصهيونية لأنه نجاح مشئوم ونجاح لا يدوم. # كان اليهود يشفقون من عزلتهم بين أمم العالم، ويفكرون في تحطيم حواجزها، وتقريب الفوارق بينهم ~~وبين الأمم الإنسانية على سنة الإخاء والروابط الوطنية في كل أمة ينتمون إليها. # فلما نجحت إسرائيل، وأقامت لها وطنا قوميا في فلسطين، لم يكن لنجاحها غير معنى واحد لا تسلم ~~من جريرته، وذلك هو العزلة الدائمة والعصبية التي تخضع العالم كله لدسائسها ومؤامراتها أبدا، أو ~~تخضع للعالم كله في النهاية خضوع المقهور. # وإن الصهيونية لتسير مع الزمن إذا كان الزمن يؤيدها في الانفصال الدائم من أمم العالم، والسيادة ~~الدائمة عليها، والغفلة الدائمة في هذا العالم الذي تسوده وتتحداه. # فإذا أبى عليها الزمن ذلك - وسيأباه لا محالة - فنصيبها من أمسها الذي تفر منه أهون من نصيبها ~~عند الغد المجهول، بل الغد المعلوم. # الفصل التاسع عشر # | الصهيونية العالمية مصيرهم في أعينهم # من المفيد - ونحن ننظر إلى مصير الصهيونية العالمية - أن نلم بأمثلة من نظرات الصهيونيين ~~وأعوانهم إلى ذلك المصير. # ومن الأمور ذات المغزى أن البحث في هذا المصير متعاقب متواتر بعد الحرب العالمية الثانية، فهم ~~من صهيونيين وأعوان للصهيونيين متفقون على أن الوطن اليهودي في فلسطين لا يحل مشكلة الصهيونية، وليس ~~هو على اليقين بالحل الأخير. # وهؤلاء الصهيونيون عصابة عاملة لا يعوزها النشاط في نشر الدعوة واستدراج الأعوان والأنصار إلى ~~المشاركة فيها، وهم على كثرة نشراتهم منذ الحرب العالمية لم يغيروا شيئا في جملة الآراء التي يرونها ~~في مصيرهم: يبدئون فيها ثم يعيدون، كرة بعد كرة، منذ الحرب العالمية الثانية إلى إعلان قيام الدويلة ~~الإسرائيلية، إلى هذه الأيام التي يعلقون فيها أكبر الآمال على مصيرهم مع جيران ms69 فلسطين. # فتارة يؤلفون فيه الكتب، وتارة ينشرون فيه الكراسات والفصول، وتارة يستكتبون فيه المقالات من ~~اليهود وغير اليهود؛ ليوسعوا العناية به جهدهم، ويجتذبوا إليه القراء الذين لا يقبلون على دعاية ~~ينفرد بها دعاة صهيون. # إحدى هذه المجاميع اشتملت على ستة عشر رأيا بعنوان «مستقبل اليهود»، واشترك فيها طائفة من ~~المؤرخين والصحفيين وأساتذة الجامعات وأعضاء المجالس النيابية، بعضهم من اليهود وبعضهم من المسيحيين ~~ومنهم الألمان والإنجليز والروسيون والبلجيكيون. # ولا يخفى أن أصحاب هذه الآراء من غير اليهود قد استجابوا للرجاء والإلحاح أو استجابوا لداعي ~~المنفعة والهوى ممن يعنيهم جمع الآراء في هذا الموضوع. # وهذه أمثلة من نظرات الصهيونيين إلى مصيرهم، نبدأ بها في هذا الفصل، ونتبعها بفصل آخر عن آراء ~~الأعوان والمجاملين من غير الصهيونيين. # أحد المساهمين في هذه المجموعة أستاذ روسي يسمى شتينبرج # Steinberg # عمل في تدريس الفلسفة بجامعة لنينجراد، واشترك في تأليف الموسوعة اليهودية ~~الكبرى التي تصدر في باريس، ورأيه أن العداوة السامية لم تختف من روسيا بعد اختفاء القياصرة، وأن ~~الجيل الجديد من الناشئة الشيوعية يضمر الكراهية لليهود كما كان يضمرها آباؤهم المتدينون، وأن الكاتب ~~الروسي مكسيم جوركي قد يئس من إزالة هذه العداوة بتدبير الحكومة وسلطان الشريعة، وأشار باصطناع الصبر ~~في علاجها حتى تزول بالتربية والإيحاء في برامج التعليم، فإن السلاح القديم قد تثلم، ولكنه لم ينكسر، ~~ولا يزال حاضرا في أيدي حامليه، والقول الفصل عند شتينبرج في مصير اليهود: «إن الشعب اليهودي في أصل ~~تكوينه هيئة عالمية أو دولية، وإن ستالين قد أصاب حين استبعد حل المشكلة اليهودية في وطن واحد، ولا ~~غنى لها عن عدة أوطان.» # ومن كتاب هذه المجموعة ريجنالد سورنسن # Sorensen # عضو مجلس ~~النواب الإنجليزي عن دائرة ليتون الغربية، ورأيه أنه «من الصواب أن تخصص أقاليم منعزلة في القارة ~~الأوروبية لإقامة اليهود فيها، وأن هذه التجربة لم تفلح في روسيا وقد تخفق في غيرها، ولكنها جديرة ~~بالتكرار حتى تنتظم شئون الوصاية على الأقليات، على نحو يضمن السلامة للأقليات اليهودية». # ومن كتاب هذه المجموعة ms70 هايمان ليفي # Hymen Levy # أستاذ الرياضيات ~~بجامعة لندن وغيرها من الجامعات البريطانية، ورأيه أن فلسطين برمتها لا تعدو أن تكون أقلية صغيرة في ~~قلب العالم العربي الكبير، وأنه من الخطأ أن يتوهم أحد أن الوطن اليهودي في فلسطين - وهو لا يضم إلا ~~القليل من الشعب اليهودي كله - يحل المشكلة ويختتم البحث فيها، ويستطرد فيقول: «ما من أحد - إلا أن ~~يكون أعمى البصيرة - يخفى عليه أن الدور المقبل من أدوار التاريخ الإنساني منتقل بالنظام الاقتصادي ~~في الدنيا بأسرها إلى الاشتراكية الأممية، وفي مثل هذا النظام تمحى القضية اليهودية كما يمحى الكابوس ~~الثقيل ... وليس العقل السليم وحده بالذي يوحي إلى اليهود أن ينخرطوا في حركة التقدم الإنساني الشامل، ~~بل يوحيه إليهم طلب السلامة والحرص على البقاء.» # ويبحث غير واحد من كتاب المجموعة في حل المشكلة برجعة اليهود المهاجرين من ألمانيا إلى أوطانهم ~~الأولى بعد انهزام النازية، ومن هؤلاء الباحثين «أوتو ~~ليهمان روسفلدت # Otto Lehman Russfueldt ~~» المولود في ألمانيا والعضو في الجماعة التي تألفت فيها باسم «عصبة ~~الحريات المدنية» ... وفحوى كلامه أن الرجعة إلى الوطن الألماني مستحبة بعد اتخاذ الحيطة لحماية اليهود ~~من خطر الاضطهاد، وتخويف الأمة الألمانية بالقصاص إذا تكرر ذلك الخطر على أيدي الحكومات التي تخلف ~~حكومة النازيين، قال: «إنني - وأنا ألماني ووطني عالمي - أنظر إلى الأثر الأدبي الذي نجم من عمل ~~اليهود في الإسكندرية أيام الدولة الرومانية، والأثر الأدبي الذي نجم بعد ذلك من عملهم في إسبانيا ~~وهولندة، وعلى مثال أوضح من ذلك في ألمانيا نفسها، فيطيب لي أن أهنئ العائدين وغيرهم من اليهود ~~المنتمين إلى الوطن العالمي من هذا الطراز إذا وجدوا سبيلهم إلى الديار الألمانية.» # والمصير كله معلق على مركز اليهودي بين الأمم في رأي الدكتور ليفي زلمانوفتز # Levy Zelmanovitz ~~، أكبر زعماء الصهيونيين في بلاد التشك، ~~وسكرتير الحزب اليهودي في بلده، ثم رئيس المجلس اليهودي في العاصمة الإنجليزية منذ نشوب الحرب ~~العالمية الثانية، فهذا الزعيم الصهيوني يقترح لحل مشكلة اليهود في أوروبا أن يتساوى اليهودي وغيره ~~في جميع ms71 الحقوق السياسية، وأن تعتبر الطائفة اليهودية حيث كانت «أقلية» قومية تحميها منظمة الأمم ~~المتحدة، ويحق لها بطبيعة الحال أن ترجع إلى تلك المنظمة لتحكم بينها وبين «الأكثرية» في وطنها كلما ~~شجر بينهما خلاف على تطبيق الحقوق. # ومتى تقرر لليهودي حق مساو لكل حق مفروض لغيره من أبناء الوطن الواحد، وتقرر للطائفة اليهودية ~~حق في تكوين الأقليات تحميه الدول الكبرى، فقد هانت مشكلة اليهود في العالم، وأصبحت قابلة للرقابة ~~والإشراف. # وخلاصة هذا الحل أن شعوب العالم مطالبة بإلغاء كل فارق بينها وبين اليهود، ولكن اليهودي غير ~~مطالب بإلغاء الفارق الذي يقيمه بينه وبين شعوب العالم، وغير مطالب بالنزول عن عقيدة الشعب المختار ~~الذي ميزه بها «يهوه» على شعوب العالمين أجمعين، وأن دول العالم الكبرى التي تدير منظمات الأمم ~~المتحدة مطالبة بالتدخل في شئون الأوطان الداخلية لتمكن اليهود من الاحتفاظ بعزلتهم وامتيازهم في نظر ~~أنفسهم، وتحقيق الشكايات التي تدعيها «الأقليات» اليهودية، وتنتظر الإنصاف فيها من الدول الكبرى، ~~ووراء هذه الدول نفوذ الصهيونية العالمية كما هو معلوم. # ولم يكتم المؤلف الذي جمع هذه الآراء طبيعة المشكلة المعروضة على ذوي الآراء لحلها والنظر إلى ~~مصيرها، بل قال في المقدمة: «إن مسألة مصير اليهود عولجت في هذه الصفحات على القاعدة التي توجب إشراك ~~اليهود إشراكا تاما في أوطان الشعوب المتحضرة وحلفاء الأمم المتحدة، وهي لا تنحصر في عرض قضية ~~الوطن القومي، بل تجاوزه إلى احتمال إنشاء أوطان قومية أخرى غير فلسطين.» # ثم قال في ختام المقدمة: «وسواء تعلق الأمر بأرض الموعد فلسطين أو بهيئة عالمية تتمثل فيها حقوق ~~اليهود ويتقرر بها مركزهم، فمستقبل اليهود بعيد من أن ينظر إليه كأنه مصير مبشر مأمول.» # والخلاصة في كلمتين «أن هؤلاء القوم الذين وصفهم القرآن بأنهم لا يعقلون لم يصنعوا بالوطن ~~القومي في فلسطين إلا أنهم جروا بأيديهم عداوة حامية كانوا مستريحين منها، وخلقوا للدول الكبرى مشكلة ~~كانت في غنى عنها، وعادوا مرة أخرى يبحثون عن أوطان، ويحارون فيما ينتظرهم من مصير». # الفصل العشرون # | مصير الصهيونية العالمية في ms72 أعين أصدقائهم # لخصنا في الفصل الماضي أمثلة من نظرات الصهيونيين إلى مصيرهم كما بدا لهم منذ الحرب العالمية ~~الثانية، ومؤداها جميعا أن مشكلة اليهود في العالم لا تحل بإقامة الوطن القومي في فلسطين، وأنهم ~~ينظرون إلى أوطان أخرى في القارة الأوروبية، وإلى حلول أخرى لمشكلة اليهود الفردية في كل بلد من ~~بلدان الحضارة. # ونلخص في هذا الحديث أمثلة من نظرات الأصدقاء المجاملين، وهم رجال ونساء مشتغلون بالمسائل ~~العامة، سألهم الصهيونيون أن يصرحوا بآرائهم في مسألتهم، فصرحوا بها على مناهج شتى، من مجاملة ~~النفاق، أو مجاملة التحفظ والاعتدال. # فمنهم من كان كالمعزي الذي أراد أن يسبق أهل الميت في العويل والصياح، فكان في آماله لأصدقائه ~~صهيونيا أكثر من الصهيونيين. # ومنهم من تذكر أمانة الفكر وتبعة النصيحة العامة، فقال ما لا يغضب الحقيقة. # ومنهم من لجأ إلى روغان كروغان الساسة، فجاء بكلام لا يربط قائله، ولا يمنعه أن يفسره بما ~~شاء. # فمن المجاملين الذين سبقوا أهل الميت في العويل والصياح كاميل هويسمان # Camille Huysmains # الفلمنكي الذي كان أستاذا بجامعة بروكسل ، ووزيرا للعلوم والفنون، ~~ورئيسا لمجلس النواب، فهذا المجامل الذي جاوز حدود دوره على المسرح حماسة وغيره يقول: إن حل قضية ~~العرب لا يتوقف على العرب، بل يتوقف على البريطان والأمريكيين، وعلى اليهود. ويخيل إليه أنه يقسم ~~الأرزاق للشعوب باسم هؤلاء الذين يتوقف عليهم مصير العرب، فيقول: إن العرب على كل حال لا يحق لهم ~~الشكوى من نصيبهم في الدنيا ... لأنه على وفاق هذا الرأي نصيب قد ارتضاه لهم البريطان والأمريكيون ~~واليهود. ويمضي فيقول: إن الصهيونية تستند إلى الضرورة، وإلى السلطان النافذ، وإلى المنطق، ويؤيدها ~~نصير أوروبي من غير أهلها، أراد أن ينفذ إلى لبابها، وقد نظرت إلى الصهيونية بعين وطني فلمنكي يعيش ~~في بلاد البلجيك، وربما استطعت من أجل هذا أن أفهمها بهذه السهولة، وقد اضطر البلجيكيون أيضا إلى ~~النضال لخلق دولتهم وتقرير مركزها، وثابر على النضال عدة قرون إلى سنة 1830، ثم ثابر الفلمنكيون - ~~وهم على الأقل نصف سكان - على نضالهم للاعتراف ms73 بحقوقهم الثقافية، فبلغوا به الغاية الموفقة من تجاوز ~~العنصرين واللغتين. # وعند هذا المؤرخ العلامة أن قضية العرب واليهود في فلسطين تشبه قضية البلجيكيين والفلمنكيين، ~~وأن إقامة دولة يهودية في محيط الكمنولث البريطاني ضمان لسلم الصهيونية وسلم القارة الأوروبية وحاجز ~~أمان إلى جوار قناة السويس. # ومن المجاملين المعتدلين كاتب من محبي السلام، منحته لجنة نوبل جائزتها سنة 1933، وهو نورمان ~~أنجل # Angell # صاحب كتاب «الوهم الأعظم» المشهور بالدعوة إلى الإخاء، ~~واحترام الحياة الروحية التي أوشكت أن تفقد احترامها في العصر الحديث. # فهذا الكاتب يترك مسألة الوطن القومي في فلسطين جانبا، ويوجه التفاته كله إلى مسألة الهجرة، ~~وتيسيرها للمضطهدين من اليهود ومن الشعوب الأخرى التي تضيق بها أوطانها بين الكثرة المتغلبة عليها، ~~ويشير الكاتب إلى المستعمرات البريطانية التي تتقبل الوافدين إليها من الخارج، ولكنها تقيد الهجرة ~~بقيود ثقيلة تكاد أن تمنعها، فيقول: إن المستعمرات حكومات مستقلة بشئونها الداخلية، ولكننا في ~~إنجلترا نستطيع أن نتقدمها بالقدوة الصالحة، فتعدل عن بعض تلك القيود، ولا تقدم على العدول إذا ~~استفادت من جهود المهاجرين إليها. # وتوماس مان كاتب آخر من حملة جائزة نوبل، ومن المتصدرين بين جماعات الدعوة إلى السلام والاجتماع ~~على التسليم، وأصله من سلالة يهودية ألمانية، ولكنه يتجنب الاندفاع في التعصب لقومه، ويحاول أن يصبغ ~~عليهم صبغة العطف على الضعفاء المضطهدين من كل ملة، ومقالته في هذه المجموعة تخلو من ذكر الوطن ~~القومي في فلسطين، وتدور بالأمل كله في مدار الهجرة الميسرة، والتسوية بين اليهودي وغيره في حقوق ~~الوطن والوظائف السياسية، وإذا تعرض لبقاء الصهيونية قال إنها ستبقى في المستقبل، لا كما بقيت في ~~الماضي، وإن مصائب التشريد والاضطهاد لا تدوم على حالة، واحدة. ثم يختم كلامه عن الهجرة بملاحظة ~~علمية، يحث بها الأمم الديمقراطية على تقدير الظروف الاستثنائية في تطبيق قوانين الهجرة، لأن هذه ~~القوانين لا تقدر في الوقت الحاضر أحوال الاضطهاد التي تسوق المئات والألوف إلى مغادرة أوطانهم في ~~آونة واحدة، ثم يقول: عسى أن يفيض المعنيون بمصير اليهود بموجات من العطف والغضب ms74 والثبات على المعونة ~~تبلغ إلى السفاحين الذين يزهقون الحقوق والفضائل الإنسانية فيخيفهم، ويكون لها فوق ذلك أثرها الفعال ~~في حث القادرين على المساعدة وتخفيف الآلام. # ومن الذين كتبوا بلغة السياسة في هذه المسألة سيدة إنجليزية اشتهرت في حركة المطالبة بحق المرأة ~~في الانتخاب والنيابة، وهي السيدة كوربت آشبي # Corbett Ashby # التي ~~نابت عن بريطانيا العظمى بين سنتي 1931 و1935 في مؤتمر نزع السلاح، وقد أيدت الدعوة الصهيونية كل ~~التأييد كأنها ملاذ «احتياطي» لمن يضطرون إلى الهجرة من أوطانهم، وأتبعت ذلك بالتحفظ السياسي الذي ~~تؤكد فيه ضرورة إنصاف العرب إذا أريد منهم أن يتقبلوا الوطن الصهيوني طواعية بحسن نية وبغير إكراه أو ~~مخادعة، وأن ينال العربي جميع الحقوق التي ينالها اليهودي في الدولة الصهيونية. # ويشبه السيدة آشبي في لهجتها السياسية إدوارد هلتون # Hulton # مؤسس البكتشر بوست Picture Post # وغيرها من الصحف العصرية، وهو لا ~~يدين بمذهب حزب من الأحزاب ولا يتقيد بخطة معينة في السياسة البريطانية، وقد ذكر في مقدمة كلامه أن ~~المسلمين تسامحوا في معاملة اليهود خلال القرون الوسطى، وأن اليهود يتعرضون للنفور والجفاء لعزلتهم ~~الدينية والقومية، وأن عداوة الساميين موجودة اليوم في البلاد الإنجليزية، وتزداد بعد الحرب ~~العالمية، ولكنها قد تهدأ بعد هزيمة النازيين، وتبطل الفائدة منها كلما استغنى الحكام المستبدون عن ~~هدف يحولون إليه حماسة الجماهير، ويثيرون به شعور البغضاء الذي يعتمدون عليه في التقرب إلى رعاياهم ~~المخدوعين، ثم انتهى قائلا: وبعد كل هذا ينبغي أن نعلم أن العرب موجودون في فلسطين، وأنها واقعة لا ~~تبطل بالجدل والمناقشة، ومن المشكوك فيه أن يتحقق إنصاف قوم باغتصاب آخرين، ولا سيما القوم الذين هم ~~طرف ثالث في المشكلة، ولا ذنب لهم فيما وقع على اليهود من إجحاف. ~~••• # هذه أمثلة من نظرات الأصدقاء المجاملين إلى مصير الصهيونية، تكاد في جملتها أن تنتهي بنا إلى ~~نتيجة واضحة، لا تختلف باختلاف الباحثين ما داموا من الباحثين المسئولين الذين لا يدركون تبعاتهم، ~~ويحاسبون أنفسهم على آرائهم، فما لم يكن الكاتب مأجورا رخيص الضمير فهو ms75 شديد التحفظ في مؤازرة ~~الصهيونية، ومجاراتها على شهوات العصبية التي تزين لها الهيام الأحمق باغتصاب فلسطين، واعتبار المقام ~~فيها - باسم الوطن القومي - حلا لمشكلة اليهود، يحسم المشكلة، ويريح الأمم والحكومات من هوس ~~الصهيونيين وأخطارهم التي يجرونها على أنفسهم وعلى سائر الشعوب. # وإذا كانت الدويلة الصهيونية تأتي بنكبات جديدة، ولا تدفع نكبة واحدة - فالمشكلة باقية ما بقيت ~~الصهيونية العالمية، وسلامة العالم أن تقلع الصهيونية العالمية عن هوسها، وأن يقلع المؤيدون لها عن ~~تشجيع ذلك الهوس الوبيل، فإنه لا دوام له مع انقطاع التشجيع والتأييد، وانكشاف السر «العالمي» في عصر ~~لا تحتجب فيه هذه الأسرار. # الفصل الحادي والعشرون # | مصير الصهيونية العالمية ومقاطعة العرب # إذا كان هناك شيء يتفق عليه العرب والصهيونيون، ويتفق عليه من يكتبون لمصلحة القضية العربية ومن ~~يكتبون لمصلحة الصهيونية، فذلك هو الحقيقة التي تبدو لأول نظرة ثم تبدو مؤكدة مرددة بعد مائة نظرة: ~~أن إسرائيل لا تحتمل البقاء مع مقاطعة العرب لها، فإذا قاطعها العرب وثابروا على مقاطعتها، فليس في ~~الأرض قوة تنصرها عليهم، وليس بالعرب من حاجة إلى سلاح يدفعون به خطرها أمضى من هذا السلاح. # إن الحقائق البينة التي يجترئ الصهيونيون على إنكارها كثيرة لا تحصى إلا هذه الحقيقة التي لا ~~تقبل المراوغة والمغالطة، فإنهم يسلمونها ويعلنونها، ويسلمها معهم أناس يبحثون قضية فلسطين بحث ~~العالم المجرد عن الهوى، وأناس لا يفوهون بحرف في هذه القضية إلا لخدمة إسرائيل أو خدمة ~~صهيون. # نشرت مجلة الشرق الأدنى في عدد الخريف سنة 1954 بحثا مفصلا بعنوان «اقتصاد إسرائيل المشوه» ~~ذكرت فيه العوائق التي تشوه هذا الاقتصاد أو تمزقه فقالت: # أولا: # مقاطعة العرب، ومنها إغلاق قناة السويس، فإنها تحرمها موردا رخيصا من موارد الخامات ~~وسوقا سهلة لتصريف البضائع المصنوعة. # وثانيا: # اضطرارها إلى إبقاء جيش قائم وإلى تقرير التجنيد العام، مما يكلفها نصف موارد الميزانية ~~العادية. # وثالثا: # قطع أنابيب البترول من العراق إلى حيفا، وهو أمر لا يقصر عمل المصنع الخاص بالتكرير على خمس ~~طاقته وكفى، بل يضطر إسرائيل إلى دفع عملة ms76 أجنبية ثمنا للبترول، بلغت في سنة 1953 نحو خمسة ~~وأربعين مليون ريال، وكان في ميسورها - لولا المقاطعة - أن تشتريه بالعملة الوطنية. # وكتب خبير عسكري في الديلي تلغراف - هو الجنرال ه.ج ~~مارتن # H.G Martin ~~- فقال: «إن إسرائيل مضطرة إلى الاستعداد ببارودها الجاف في كل وقت.» وهو تعبير ~~يراد به الاستعداد لتجريد السلاح بغير إمهال، فإن حدودها تبلغ ستمائة ميل، وليس لها عمق كبير، لأنها ~~تضيق حتى تنقص عن سبعة أميال، وتتسع فلا تزيد على عشرين ميلا. # ولهذا تنوء بأعباء التجنيد العام، وتفرض الجندية، سواء على الرجال والنساء من سن مبكرة، تبتدئ ~~في فرق الشباب في الرابعة عشرة، ونظامها الزراعي نفسه قائم على هذه الضرورة الحربية، لأن الخلايا ~~الزراعية الموزعة على الحدود أو بجوارها لا بد أن تقوم في الوقت نفسه بأعمال الاستطلاع وأعمال ~~الطلائع كأنها في الميدان. # وفي حديث جرى بين مندوب نيوزويك # Newsweek # الأمريكية في شهر ~~مايو سنة 1954 صرح وزراء إسرائيل بالخسائر التي توقعها بهم مقاطعة العرب، وقالوا: إنهم يضطرون إلى ~~جلب البترول من فنزويلا في أمريكا، وإن خسارة البترول وحدها تكلفهم أربعين مليون ريال، وهو مقدار ~~يساوي الإعانة التي حصلوا عليها هذه السنة من الولايات المتحدة ... ومضت الصحيفة، فقالت: «إن مقاطعة ~~العرب قد تعرض إسرائيل لنكبة جديدة غير نكباتها الماضية، فربما تدفق على أرضها نحو خمسمائة ألف من ~~يهود مراكش والجزائر وتونس الذين يحسون بوطأة المقاطعة العربية في تلك البلاد.» # فالحقيقة التي تواجه الصهيونية في مقاطعة العرب أشد عليهم وأوضح أمامهم وأمام غيرهم من أن ~~يكتموها وأن يغالطوا أنفسهم فيها. # ولكن العلة الأصلية في إسرائيل أنها مخلوق متناقض، يعتمد في بقائه على النقيضين، فهو يعادي ~~العرب، ويقتحم عليهم ديارهم، ويستغل مواردهم ... ثم يطمع منهم في المعونة التي يقدمونها بأيديهم ~~لتمكينهم من الاقتحام والاستغلال. # وقد تبلغ القحة والصفاقة بهم وبأنصارهم أن يصرحوا بالأمرين في وقت واحد، فمن أعجب ما قرأناه، بل ~~من أعجب ما يروى على طول الزمن، أن يقول قائل منهم: «إن إسرائيل حربة طاعنة في جنب العالم ms77 الإسلامي.» ~~ثم يعود فيقول: «إن الأمل معقود بأن تعيش إسرائيل بين العرب معيشة الجيران والعشراء.» # قبل عامين أوفدت «السنداي تيمس» مندوبا يسمى تريفور روبر # T.Roper # ليدرس أحوال إسرائيل، ويكتب لها عن موقفها ومصيرها كما يشير ~~إليه ذلك الموقف، فقال في عدد الرابع من شهر أبريل: «إن إسرائيل واغلة في قلب العالم الإسلامي وإنها ~~تلوح لهذا العالم الإسلامي كرأس الحربة الممتدة من حضارة أجنبية مهددة، وقد تكون فاتحة متوسعة»، ثم ~~يقول: «إن الفاتحين السابقين قد فرضوا على العرب طبقة حاكمة موقوتة، أما اليهود فإنهم بهجرتهم جماعات ~~جماعات قد أصبحوا مجتمعا كاملا، لا يبقى إلى جانبه موضعا لسكان آخرين.» # يقول هذا في عدد الرابع من أبريل، ثم يقول في العدد الذي يليه - أي عدد الحادي عشر من أبريل: إن ~~هذه الحرية في جنب العالم الإسلامي قد تعيش في جوفه معيشة الجيران فتقوى على البقاء والتعمير. # وقال: «إنه لا مناص لإسرائيل مع مقاطعة العرب في الوقت الحاضر من البحث عن أسواق بعيدة، تبيع ~~فيها حاصلاتها ومصنوعاتها، ولكن هذه المقاطعة إذا انتهت وقبلت الحكومات العربية حكومة إسرائيل لتعيش ~~إلى جانبها معيشة الجيران، فيومئذ تنظر إسرائيل كأنها بلجيكا أخرى أو كأنها ألستر أخرى في المشرق ~~...» # وعلينا - نحن العرب الطيبين الذين يقبلون الحربة جارا مقيما في أبدانهم - أن نفهم ماذا يعني ~~هذا الصهيوني الأريب بالمثل الذي ضربه عن بلجيكا أو ألستر دون غيرهما من البلدان. # فبلجيكا حربة في جنب ألمانيا، وألستر حربة في جنب أيرلندة، وكلتاهما تقيم في مكانها؛ لأن العدو ~~ملاصق لحدودها. # ومن العدو هنا غير الأمم العربية؟ ومن المطلوب منه أن يثبت هذه الحربة في جنبه غير الأمم ~~العربية؟ ومن الذي يقبل هذه الغفلة في ظن هذا الصهيوني وأمثاله غير الأمم العربية؟ # إن غفلة الأمم العربية وخيانتها لنفسها مطلوبتان لراحة إسرائيل وتخفيف متاعبها، فلم تتغفل الأمم ~~العربية نفسها باختيارها أو على الرغم منها؟ ولم لا تخون قضيتها وتبيع حاضرها ومستقبلها إذا كان ذلك ~~لازما لراحة إسرائيل، وتخفيف المتاعب عن إسرائيل؟ # عجب لا مثيل له ms78 في العجب. # وأقوال تقال ولا يدري قائلوها أن العربي لن يعقل منها غير معنى واحد أوضح أمامه من الشمس في ~~ضحاها، فلولا عداوة جهنمية - والعياذ بالله - لهذه الأمم العربية لما خطر لهؤلاء الناس أن اللفظ الذي ~~يهذرون به كلام يقال ويجوز على العقول. # إن الأمم العربية يطلب منها أن تعجز باختيارها عن مقاومة إسرائيل في ميدان المعاملات، ويطلب ~~منها أن تنظر إلى خنجر في يد صهيون فتفتح له صدرها، أو تأخذه من يدها لتغمده في تلك الصدور ~~الخاوية. # وكل هذه الأعاجيب التي لا تخطر على البال لو لم تنظر بالأعين وتسمع بالآذان، إنما هي في الواقع ~~من أعاجيب هذا المخلوق المشوه المتناقض المسمى إسرائيل، فإن بقاءه يتوقف على النقيضين، ولا بقاء ~~لمخلوق يقوم على نقيضين، فهو عدو العرب ومصيره بأيدي العرب، ولا حيلة للعرب في الأمر لأنهم مخيرون ~~بين مقاطعة هذا العدو، وبين إحيائه بالوسيلة التي لا حياة له بغيرها، وهي استغلال البلاد العربية ~~وتوطينها النفس على البقاء إلى الأبد رهينة بذلك الاستغلال، فإنها لا يكفي منها لإبقاء إسرائيل أن ~~ترفع الحصار عنها، بل يجب على كل أمة عربية بعد ذلك أن تظل مفتقرة إلى الصناعة لتشتري من إسرائيل ولا ~~تشتري من صناعتها، وأن تظل رخيصة الخامات لتأخذ منها إسرائيل ما تأخذه بالثمن البخس الذي تجود به ~~عليها، ونكاد نقول: إن العرب لو أرادوا ذلك لما استطاعوا، ولهذا ينكشف المصير المحتوم أمام الصهيونية ~~في إسرائيل، مصير يتوقف على المستحيل. # الفصل الثاني والعشرون # | الاستعمار الصهيوني # حديثنا هنا عن الصهيونية المستعمرة. واليهودية كلها لم تقم لها دولة في العالم منذ أكثر من سبعة ~~وعشرين قرنا، فلم تكن قط في عداد المستعمرين بقوة حكومتها وجيشها، وإنما كان عملها في الاستعمار ~~أنها تستتر وراءه، وتمهد له، وتعتمد عليه في الاستغلال وامتصاص دماء الشعوب. # ولكنها دخلت في عداد المستعمرين منذ ابتليت فلسطين بتلك العصابة التي تسمى دولة إسرائيل، فلا ~~وجود لها - ولا يتأتى أن تبقى في الوجود - إلا إذا عاشت على استغلال الشعوب من حولها، ms79 وليس من حولها ~~شعوب تطمع في استغلالها غير الشعوب العربية. # إننا نسمع عن التوازن بين إسرائيل والعرب، ونعلم أن هذا التوازن يقضي بحرمان العرب من كل قوة ~~حربية تزيد على قوة إسرائيل، أي يقضي بحرمان خمسين مليونا أن تزيد قوتهم على قوة مليونين اثنين على ~~أكبر تقدير. # وإذا تساوى العرب وإسرائيل في القوة الحربية، فمعنى ذلك أن إسرائيل أقوى من العرب جميعا. لأنها ~~تتصرف في قوة واحدة بإرادة واحدة، ولها بذلك فرصة أسرع على الأقل من فرص العرب مجتمعين. # لكن الواقع أن الموازنة الحربية ليست كل ما هنالك، وأن الموازنة الحربية لا تهم إسرائيل بمقدار ~~ما تهمها القوة الصناعية والاقتصادية، وهي التي تجعلها قوة مستعمرة أخطر من جميع المستعمرين، لأنها ~~لا تعيش بغير الاستعمار، ولا تجد لها مجالا للاستعمار غير البلاد العربية. # إن الموازنة الحربية لا تهم إسرائيل، ولا تعتقد هي أن بقاءها متوقف عليها، لأن في العالم أمما ~~كثيرة لم تعتمد على الأسلحة الحربية في البقاء، وإسرائيل بصفة خاصة تعتقد أن الذين خلقوها سيبادرون ~~إلى نصرتها ومعونتها إذا تعرضت للهزيمة في ميدان القتال، وقد تعرضت لها قبل بضع سنوات، فلم تنج من ~~الهزيمة بفضل سلاحها وجندها، بل بفضل الدولة المتألبة لحمايتها وخذلان العرب في ميدان القتال وفي ~~ميدان السياسة. # فالموازنة الحربية بين إسرائيل والعرب معناها رجحان إسرائيل على العرب مجتمعين، ولكنها - أي ~~الموازنة الحربية - مع ذلك لا تهم إسرائيل كما تهمها قوة الصناعة والاقتصاد، لأنها تعيش بغير موازنة ~~في السلاح، ولن تعيش بمواردها زمنا طويلا إلا إذا تفوقت على العرب في ميادين الصناعة ~~والاقتصاد. # إن إسرائيل لن تعيش إلا بوسيلة من وسيلتين، فإما أن تظل عالة على التبرعات والمعونة الخارجية ~~بغير انقطاع، ولا تستطيع دولة أن تعتمد على هذا المورد في تدبير وسائل البقاء الطويل. # والوسيلة الأخرى أن تعيش بمواردها في صناعتها ومرافقها التجارية والاقتصادية، وليس في استطاعتها ~~أن تعيش بمواردها الصناعية وثروتها الاقتصادية حين يتقدم العرب في الصناعة، وحين تصبح لهم تجارة ~~تناسب هذا التقدم في إخراج المصنوعات. ms80 # إذا عاشت إسرائيل فلا بد لها من الحصول على مواد الخامات بأثمان رخيصة، وهي لا تحصل على هذه ~~المواد بالثمن الذي تقدر عليه حين تتقدم الصناعة في البلاد العربية، وحين تصبح مساوية للصناعة الكبرى ~~أو الصناعة الصغرى في إسرائيل. فإن الأمة العربية التي تتقدم في صناعتها تستفيد بخاماتها، ولا تفرط ~~فيها ليأخذها المنافسون لها في إخراج المصنوعات وبيع السلع ورخص الأثمان. # وإذا أرادت إسرائيل أن تعيش بمصنوعاتها، فلا غنى لها عن بيعها في الأسواق القريبة منها. # وإنها إذا أرسلتها إلى الأسواق البعيدة تضاعف ثمنها وعجزت عن منافسة الصناعة الأوروبية ~~والأمريكية. # أما إذا أرسلتها إلى الأسواق القريبة فهي أسواق البلاد العربية، وهي لن تضمن الرواج في هذه ~~الأسواق إلا إذا كانت تلك البلاد العربية بغير صناعة وبغير مصنوعات. # فتعجيز البلاد العربية إلى الأبد شرط لازم لبقاء إسرائيل معتمدة على مواردها، غير معتمدة إلى ~~غير نهاية على صدقات المتبرعين ومعونة الحماة والنصراء من الدول الأجنبية. # ينبغي أن تظل البلاد العربية عاجزة عن التقدم الصناعي، فريسة للمستغلين من الصهيونيين، لتعيش ~~إسرائيل بثروتها وموارد صناعتها. # ينبغي أن يضرب الحجر الأبدي على بلاد العرب، فلا تكون لها قوة تزيد على قوة إسرائيل في ميدان ~~القتال، ولا تكون لها صناعة تعول عليها وتستغني بها عن الصناعة الصهيونية في أيام السلام. # ولا حاجة إلى كشف الأسرار ولا هدم الجدار للنفاذ إلى ما وراءه من الأغراض والأوطار. # فالمسألة بديهية ملموسة لا يختلف فيها قولان، ولا تقبل التصديق وإن اختلف فيها المكابرون ~~والمغالطون. # إذا كان رجحان الصهيونيين في عدة الحرب واجبا متفقا عليه، وخطة مقررة في عرف حماة الصهيونية، ~~فليس من المعقول أن يسمح للعرب بالرجحان في عدة الصناعة وموارد الثروة والمال، ولا حاجة إلى قراءة ~~الضمائر الخفية للعلم بالمقاصد المبيتة لبلاد العرب جمعاء، فلن تقف تلك المقاصد دون تعجيز العرب في ~~ميدان الحياة العصرية، وتقييد نهضاتهم وبرامج الإصلاح في أوطانهم كلما عملوا على تدبير ثروتهم وتوفير ~~مصنوعاتهم والانتفاع بخاماتهم، والاستغناء بها عن السادة المتحكمين، أو السادة المستغلين في ms81 ~~إسرائيل. # وهذه هي الصهيونية المستعمرة. # وهذا هو الاستعمار الصهيوني الذي لا يدانيه في الخطر استعمار قديم ولا حديث، لأنه يوصد طريق ~~التقدم - من جميع جهاته - أمام خمسين مليونا ليستغلهم مليونان، ولا ينتهي هذا الاستغلال بعد حين ~~قصير أو طويل، بل يزداد ويتفاقم مع الزمن، وتتواطأ عليه القوى البارزة والمستترة، ممن يسمون هذا ~~المسخ الأبدي توازنا في الاستعداد والعدة بين العالم العربي وعصابة صهيون. # ومن خفي عليه الأمر في مبدئه، فقد برح الخفاء أمام عينيه عاما بعد عام، فلا عذر له إن لم يفهم ~~معنى وجود إسرائيل، وعاقبة وجودها بين العرب على تعاقب الأعوام. # إنها لم توجد لتعيش بمواردها. # إنها لم توجد لتعتمد على نفسها. # ولكنها وجدت لتخنق الحياة العربية من حولها، وتتقدم وحدها بصناعتها بين بلاد لا صناعة لها، ولا ~~فائدة لها في العالم الإنساني غير امتصاص دمها لإحياء بنية طفيلية شاذة، تعطيها من فضلات الرزق ما ~~تجود به عليها، كي تستبقي في عروقها بقية من الدم تمتصه وتعيش عليه. # موازنة في السلاح ... # كلا! لا موازنة في السلاح إذا تساوت إسرائيل وبلاد العرب في القوة الحربية، لأن إسرائيل تملك ~~فرصتها منفردة بمشيئتها ، وليست قوة في يد واحدة كقوة موزعة بين الأيدي، وإن تكن على أتم وفاق. # إلا أن الخطب هين في هذه الموازنة بالقياس إلى موازنة أخرى أهم وألزم لإسرائيل من موازنة ~~السلاح. # إن تعجيز العرب أجمعين عن مجاراة إسرائيل وحدها في ميدان الصناعة والتقدم أفدح خطوب الاستعمار ~~منذ وجد الاستعمار. وهذا هو استعمار الصهيونية الذي يراد، ولا يستتر فيه المراد. ~~«وإن ربك لبالمرصاد.» # الفصل الثالث والعشرون # | الصهيونية والمستقبل # تترجح دولة إسرائيل بين الكفتين: كفة التمكن والبقاء وكفة التداعي والفناء. وفي كل من الكفتين ~~عواملها وأسبابها. ولكن عاملا واحدا إذا بقي في كفة التداعي والفناء كانت له الغلبة في النهاية لا ~~محالة، وهو عامل المقاومة العربية، أول عوامل التمكن والبقاء هو العامل الطبيعي الذي يسيطر على كل ~~حي في هذا العالم وهو حب البقاء. فالدويلة الصهيونية تحب أن تبقى وتتوسل ms82 إلى البقاء بكل وسيلة في ~~مقدورها وميسورها، ومنها وسائل العلم والصناعة ونشر الدعوة في العالم الخارجي، ومنها معونة الدول ~~الكبرى بالمال والسلاح. وفي سبيل البقاء تعمل هذه الدويلة على ري صحراء النقب، ونشر المحلات الزراعية ~~التي ظاهرها حرث وغرس وحصاد، وباطنها حصون ومعاقل استطلاع. وفي سبيل البقاء تستعد بقوة عسكرية أكبر ~~من كل قوة الأمم الأخرى بالنسبة إلى عدد سكانها، ولكن هذه العوامل كلها تقابلها على الكفة الأخرى ~~عوامل مثلها وأشد منها، وهي عوامل طبيعية غير مصطنعة كمعظم العوامل التي تساعد على بقاء ~~إسرائيل. # إن ثروة إسرائيل مثقلة بالتفاوت الكبير بين صادراتها ووارداتها ... # فوارداتها خمسة أضعاف صادراتها، وما دامت المقاومة العربية محيطة بها من جميع جوانبها فهي مضطرة ~~إلى جلب الخامات من بلاد بعيدة، وإرسال المصنوعات إلى أسواق بعيدة لا تستطيع المزاحمة بتكاليف ~~صناعتها الغالية. ويضاعف هذه التكاليف الصناعية أن جماعة «هستدروت» تصر على رفع الأجور، حتى بلغ أجر ~~العامل في إسرائيل ضعف أجره في البلاد الإنجليزية، ونجمت من ذلك مشكلة داخلية بين العمال المتفرنجين ~~والعمال الشرقيين الذين يقنعون بالأجور المعتدلة، فإن جماعة «هستدروت» تسعى إلى تقييد الهجرة إلى ~~إسرائيل من البلاد الشرقية منعا لهذه المزاحمة، وقد أصبح العمل في الدويلة الصهيونية شبه احتكار ~~للمتفرنجين المترفعين عن إخوانهم في الدين، وهم يزدادون تشبثا باحتكارهم كلما أحسوا بانفرادهم في ~~الميدان؛ لأن عدد المهاجرين من إسرائيل إلى خارجها يكاد يساوي في الوقت الحاضر عدد المهاجرين من خارج ~~إسرائيل إليها. وقد كانت الزراعة فيما مضى معهودة إلى طوائف الكبوتيين، وهي طوائف اشتراكية تملك ~~الأرض وتزرعها بالاشتراك بينها في العمل والمعيشة، فلما فترت الدفعة الأولى من دفعات الحماسة ~~والعصبية قل الإقبال على الملكية المشتركة، وغلبت عليها طوائف الموشوية، أو طوائف الملكية الفردية، ~~وبين الفريقين اليوم من التنافس والتناظر ما ينذر الزراعة بأزمة الصناعة، أو أعسر وأبقى. # ولا ننسى الباعث النفساني الذي كان يسوق اليهود إلى فلسطين عقب الحرب العالمية الأولى، فقد كان ~~باعثا فعالا يغذيه الأمل من جهة، ويغذيه الاضطهاد من جهة أخرى، فلما ms83 فتر الأمل وزال اضطهاد النازية ~~والفاشية - ضعف الباعث النفساني الذي كان يوما من الأيام (رأس مال) الحركة كلها، وأصبح الصهيونيون ~~يستغيثون بأبناء ملتهم ليعودوا إلى تلك الحماسة، ويتساندوا على التضحية في سبيل القضية العظمى، فلا ~~يسمعون لهذه الاستغاثة صداها الذي تعودوه؛ لأن الحماسة المصطنعة لن تغني غناء الحماسة المطبوعة بغير ~~كلفة أو تدبير، وقد تقدم أن الاستعداد الحربي في إسرائيل أقوى من كل استعداد في الأمم الأخرى بالنسبة ~~إلى عدد سكانها، وهذه ضرورة لا محيد لها عنها، وعبء فادح لا يتأتى لها أن تخفف منه ما دامت البلاد ~~العربية تقاومها وتقاطعها، فإن حدودها البرية تزيد عن ستمائة ميل لا بد لها من الحراسة الدائمة وخطوط ~~الدفاع المستمرة، ومهما تصنع من ضروب الحيطة فالأعباء أكبر من الطاقة، وهي اليوم أعباء تكلفها الكثير ~~وتلجئها إلى نظام من التجنيد ثقيل الوطأة على مواردها البشرية والاقتصادية. # فمن الرابعة عشرة ينتظم الذكور في فرقة الشباب إلى الثامنة عشرة ثم يدعى الذكور والإناث في ~~الثامنة عشرة إلى التجنيد للخدمة العامة، ومنها الخدمة في الطيران، ويظل النساء بعد انتهاء الخدمة ~~العامة أربع عشرة سنة رديفا تحت الطلب، وتتضاعف هذه المدة بالنسبة للذكور، فيدعون خلالها شهرا كل ~~سنة للتدريب. # هذا الاستعداد فيه من عوامل الضعف بمقدار ما فيه من عوامل القوة، وإذا انهزم جيش كهذا في القتال ~~فهي هزيمة الأمة كلها وفناؤها بالعدد والعدة، وهي نكبة لا يتعرض العرب لمثلها؛ لأنهم يزيدون على ~~أربعين مليونا. # ويستطيعون أن يخصصوا للتجنيد جيشا في عدة إسرائيل كلها برجالها ونسائها وأطفالها، ثم يخلفوه ~~بغيره وبغيره دون أن يستنفدوا ما عندهم من وسائل المقاومة والثبات. # إن التناقض يضرب بمعوله في كيان إسرائيل من أساسه، فإنها قد أنشئت لتكون وطنا قوميا لليهود، ~~فهل هي كذلك الآن؟ وكيف يمكن أن تكون وطنا قوميا لهم بأي معنى من معاني الوطنية؟ # إنها لا تسع يهود العالم، ولا يهود العالم يرغبون جميعا في الانتقال إليها. قد صدف عنها من ~~رحلوا إليها، وتبين للكثيرين منهم أن مقامهم في الديار ms84 الأجنبية أنفع لهم من محاولتهم العقيمة في ~~البلاد التي يزعمون أنها وطنهم المختار. وإذا طال بإسرائيل عمرها وجاء اليوم الذي يتكرر فيه اضطهاد ~~النازية والفاشية فليس من البعيد أن تصد إسرائيل سيول الهجرة إليها كما تصدها الأمم الأخرى؛ لأنها لا ~~تستطيع أن تؤويهم، بل لا تريد إيواءهم باختيارها، سواء قصدوا إليها للإقامة الدائمة أو للإقامة ~~الموقوتة. # ومع هذا التناقض صعوبات أخرى، لم يتغلب عليها اليهود قط ولن يتغلبوا عليها، وهي الصعوبات التي ~~تخلقها بينهم شكاستهم المعهودة منذ كانوا قبل أربعة آلاف سنة في جزيرة العرب، إلى أن أخرجتهم شكاستهم ~~منها، ثم أخرجتهم من العراق، ثم أخرجتهم من كنعان، ثم أخرجتهم من مصر، ثم أخرجتهم من فلسطين، ثم ~~عرضتهم للعدوان والبغضاء في كل وطن وبين كل أمة. ولولا أن الخطب في المرحلة الأخيرة أكبر من طاقتهم، ~~لظهرت شكاستهم هذه على عادتها بين طوائفهم المختلفة التي برزت حتى الآن في الدويلة الصغيرة، وعندهم ~~منها حزب الرجعة وحزب الفرنجة، وعندهم منها الماليون والشيوعيون، والشرقيون والغربيون، وفي وسعهم - ~~على الرغم منهم - أن يخلقوا للشكاسة أسبابا لا تخطر على بالهم ولا على بال أحد. فلن يزالوا كما ~~وصفهم القرآن الكريم مع حلفائهم # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ~~. # وتعود بنا صفتهم بأنهم لا يعقلون إلى وهم شاع عنهم بين من يعتقدون أنهم شعب ممتاز بالذكاء ~~والنبوغ، وقد عرضنا لهذا الوهم مرة، ورجعنا إلى حقيقته فكانت الحقيقة أنهم عالة على ثقافات الأمم. ~~فإن فضل كل أمة راجع إلى ثقافاتها التي أنشأتها، ولكنهم هم يعيشون بين كل أمة ويأخذون من كل ثقافة، ~~وإذا نظرنا إلى النجاح في عالم المال فلا امتياز فيه لليهود على طائفة أخرى تنتفع بالفرصة التي ~~ينتفعون بها، وشاهدنا على ذلك عدد الأثرياء في مصر بين طوائف الأرمن والإغريق وأمثالهم من أمم البحر ~~الأبيض المتوسط، فإنهم قد يزيدون على أثرياء اليهود أو يساوونهم في العدد، وقد يزيدون عليهم كذلك أو ~~يساوونهم في مقدار الثراء وتنوع مصادر الإثراء، وقلما يرجع نجاح الإغريقي ms85 أو الأرمني إلى تضامن بينه ~~وبين أبناء جلدته كما يتضامن يهود العالم. # وعلينا - بعد - أن نقدرهم ونسبر غورهم، ولكن بالمقياس الصحيح الذي لا مبالغة فيه من ناحية ~~القوة، ولا من ناحية الضعف، ولنذكر أسباب بقائهم في دويلتهم كما نذكر أسباب تداعيهم وانحلالهم، ولا ~~ننسى أن الدول الكبرى تعينهم تعصبا على الإسلام والعرب وإن لم يكن تعصبا لهم، ولكن البنية لا تستمد ~~الحياة من معونة غيرها إن لم يكن فيها قوام الحياة، ولن تحيا إسرائيل إذا بقيت مقاومة العرب راصدة ~~لها في كفة انحلالها وفنائها ولو دامت لها معونة الثقلين، وهي لا تدوم ... # الفصل الرابع والعشرون # | الصهيونية العالمية في الختام # شركة تبحث عن رأس مالها القديم، فتعلم أن الكثير منه قد تبدد، وأن ما بقي منه يوشك أن ~~يضيع. # تلك هي الصهيونية في العصر الحاضر، أو في المرحلة المتوسطة بين ماض عاشت فيه على استغلال ~~الاضطهاد واللعب بأعمال الصيرفة والمضاربات وتسخير الطوابير الخامسة في المؤامرات الخفية، وبين ~~مستقبل يجور على كل حصة من هذه الحصص التي تجمع منها رأس مالها، ويوشك أن يكشف حسابها جميعا، إن لم ~~يأت على بقية منها بعد بقية ، وعلى رصيد منها بعد رصيد. # فكل ما بحثوا فيه من أمر المصير وأشرنا إليه في الفصول السابقة ... # وكل ما يعلنونه أو يسرونه اليوم من الشكايات الحقة أو الشكايات المفتعلة، فإنما هو بحث عن رأس ~~المال المهدد بالضياع. # قيل إن الصهيونيين الإنجليز اتصلوا بالوفد الروسي المسيحي، في العاصمة الإنجليزية، وبحثوا معه ~~في أحوال اليهود المقيمين بالبلاد الروسية. # وقيل إن عمال اليهود الأمريكيين طلبوا من الرئيس أيزنهاور أن يفاتح مندوبي الروس إلى مؤتمر ~~«جنيف» في أمر السماح لليهود الروسيين بالهجرة إلى إسرائيل. # ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن أصحاب هذه المباحث وهذه المطالب يقصدون إلى الدعاية، ولا يقصدون ~~إلى الجد فيما يذيعونه من شكايات اليهود الروسيين وإقناع الحكومة الروسية بالترخيص لهم في الهجرة إلى ~~إسرائيل. # فليس من اليسير أن تعترف حكومة «الكرملين» على نفسها باضطهاد رعاياها وهي تذهب إلى جنيف ms86 لإعلان ~~مناياها الحكومية ورعايتها لحقوق المحكومين. # وليس من اليسير إذا اعترفت حكومة الكرملين باضطهاد اليهود أن ينتقل خمسهم ولا عشرهم إلى ~~إسرائيل، وعدة اليهود في روسيا تزيد على خمسة ملايين. # وليس من اليسير أن تستوعبهم إسرائيل وهي تضيق بمن فيها وتتوالى الأنباء بعزم الكثيرين منهم على ~~العودة من حيث أتوا؛ وتردد الكثيرين منهم في التحول من جنسيتهم إلى جنسية إسرائيل. # وإنما هي بضاعة الاضطهاد يشعرون بالحاجة إلى استغلالها في الآونة الحاضرة، لأن رصيدهم القديم ~~منها يقارب النفاذ. # كانوا يستغلون اضطهاد النازيين اليهود في البلاد الألمانية، وكان لهم مكتب في برلين يتواطأ مع ~~النازيين على تنظيم الاضطهاد وتنظيم الهجرة من جرائه إلى إسرائيل، وكان لهم رئيسان معروفان يديران ~~ذلك المكتب لحساب الصهيونية العالمية، وهما - كما ذكر في فصل سابق - رئيس يدعى بينو ورئيس يدعى ~~بارجلعاد. # ولا يعنينا هنا أن الاضطهاد يقع أو لا يقع، ولا يعنينا أنه يروى على حقيقته أو يروى مبالغا ~~فيه، ولكن الواقع في جميع الأحوال أنه بضاعة نفيسة تستغلها الصهيونية العالمية، وتمزح فيها بين ~~استغلال العطف الإنساني واستغلال الخوف من الأعداء. # فالنازية كانت العدو المخيف لأمم الغرب قبل منتصف القرن العشرين، فمن الأرباح النافعة التي ~~تستفيدها الصهيونية العالمية أن تثير العطف على ضحاياها وأن تثير البغضاء على العدو المخيف، وأن تكون ~~ضحية الأعداء الألداء التي تستحق العون من الساخطين على النازية، والمتوجسين من مطامع ~~النازيين. # والشيوعية اليوم هي العدو المخيف لأمم الغرب التي كانت بالأمس تحارب النازية في ميدان السياسة ~~وميدان القتال. # فالصهيونيون إذن هم ضحايا الاضطهاد في بلاد الشيوعية، ومن الواجب أن تثار الدعاية حول هذا ~~الاضطهاد في هذه الآونة على التخصيص، لأن فضائح الجاسوسية في الولايات المتحدة قد كشفت عن علاقة ~~وثيقة بين الجواسيس الصهيونيين وبين الدولة الحمراء، وقد ذكرت الأمريكيين بأن الشيوعية كلها قامت قبل ~~أربعين سنة على أيدي العشرات من دعاة صهيون. # رأس مال يتجدد لأنه قارب على النفاد، ودليل جديد على الصهيونية العالمية تعيش اليوم على رأس مال ~~مهدد بالضياع. # ويصبح سفير ms87 إسرائيل في الولايات المتحدة محتجا عل تفتيش السفن التي تعبر قناة السويس إلى ~~إسرائيل، ومتعجبا من إصرار العرب على مقاطعة الدويلة التي تحسب أنها شوكة في جنب الأمم العربية، ~~ومنكرا على هذه الأمم أنها - كما يزعم - تبني الآمال الكبار على خذلان أمريكا للصهيونيين، ومؤكدا ~~أن الحوادث العارضة لن تكدر صفو العلاقة الأمريكية الصهيونية، وأن آيات الصداقة والحب لا تنقطع في ~~الوقت الحاضر ولا في وقت من الأوقات. # رأس مال آخر مهدد بالضياع. # وكلام لا تثبت منه إلا حقيقة واحدة، وهي أن إسرائيل محرومة من عوامل البقاء بغير المعونة ~~الأمريكية، وأن الأمم العربية تعرف ذلك كما يعرفه الصهيونيون. # فالمطلوب على هذا من الأمم العربية أن تعدل عن المقاطعة، لأن معونة أمريكا لإسرائيل باقية، ~~ومقاطعة العرب في هذه الحالة لا تفيد. # وينسى السياسي الصهيوني أن هذه الصفحة يمكن أن تقلب عليه أو أنها قد تقرأ من اليمين إلى الشمال ~~كما تقرأ من الشمال إلى اليمين. # قد يقال مثلا: إن أمريكا ستعلم أن مقاطعة العرب دائمة، وأن معونتها إسرائيل في هذه الحالة لا ~~تفيد. # وقد يقال مثلا: إن عداوة العرب والعالم الإسلامي كله مشكلة خطيرة في السياسة الدولية، وإن ~~عداوة الصهيونية لأمريكا لن تكون مشكلة خطيرة يحفل بها الشعب الأمريكي أو الدولة الأمريكية؛ لأن ~~الصهيونية عالة على القوم لا قبل لها بمحاربتهم كما كانت تحارب البريطان والألمان. # والمسألة في جوهرها أكبر من مسألة الخلاف الحاضر بين العرب وإسرائيل. # فإنما هي مسألة الموازنة بين نتيجتين لا معدى عن إحداهما على تعاقب الأيام. # فإما أن تذهب إسرائيل من حيث أتت، وإما أن تبقى الأمم العربية فريسة لإسرائيل تأكل من لحمها ~~ودمها وتحول بينها وبين التقدم، لكي تأمن مزاحمتها اليوم وغدا وإلى آخر الزمان في ميدان الصناعة ~~والتجارة والارتقاء على الإجمال. # وذهاب إسرائيل من حيث أتت أهون النتيجتين وأدناهما إلى المعقول. # وذهابها من حيث أتت نتيجة محتومة في مصير صهيون. # إن صهيون عاشت من قبل على طوابيرها الخامسة في جميع الأقطار، وليس من طبيعة الطوابير الخامسة ms88 أن ~~تعمر طويلا إذا تفتحت عليها الأنظار. # إن صهيون عاشت من قبل على اللعب من وراء الستار بأعمال الصيرفة وأسواق المضاربات، وليس في ~~مقدورها اليوم أن تعيش بهذا اللعب المكشوف، لأن شئون الثروة ترتبط في العصر الحاضر بأطوار الاجتماع ~~وثورات الأمم وحقوق الطوائف الطبقات، ولا يسهل العبث بها وراء الأبواب وبين الجدران. # إن صهيون قد عاشت من قبل بالبضاعة التي تسميها «الاضطهاد» وتتجر بها بين اليهود وغير اليهود، ~~فإذا وقع الاضطهاد في العصر الحاضر فهو مشكلة لدويلة إسرائيل قبل أن تكون مشكلة للدول التي تضطهد ~~اليهود، أو تحاول إنقاذهم من الاضطهاد. # فإذا هي فتحت أبوابها للمضطهدين فهي مختنقة بالزحام، عاجزة عن إيواء المزدحمين على ~~الأبواب. # وإذا هي أغلقت بابا من تلك الأبواب فقد هدمت دعواها بيديها، وبذرت بذور الفتنة بين رعاياها ~~وبين اللاجئين إليها والمقيمين في غير بلادها. # وسيأتي اليوم الذي يعلم فيه الصهيونيون - كما يعلم غير الصهيونيين - أن قيام إسرائيل نكبة عليهم ~~ونكسة بهم إلى عزلتهم الأولى وعصبيتهم الباطلة التي يعاديهم الناس من أجلها ويعادون من أجلها كل ~~إنسان لا يحسبونه من خلق الله المرضي عنهم ولا يدخلونه في عداد «شعب الله المختار». # ومتى وقفت صهيون في جانب من عزلتها وعصبيتها، ووقف العالم كله على سعته في جانب الحذر منها؛ ~~فذلك هو المصير الذي لا مراء فيه، وذلك هو الختام. ms89