######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.Sara.Hindawi72707304 #META# Tags: novels #META# ID: 72707304 #META# Title: سارة #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أهو أنت ...؟‏ # موعد‏ # الشكوك‏ # علاج الشك‏ # الرقابة‏ # وكيف الرقابة؟‏ # مضحكات الرقابة‏ # القطيعة‏ # من هي؟‏ # وجوه‏ # كيف عرفها‏ # أيام‏ # لماذا هام بها؟‏ # حبان‏ # لماذا أشك فيها؟‏ # جلاء الحقيقة‏ # أهو أنت ...؟‏ # موعد‏ # الشكوك‏ # علاج الشك‏ # الرقابة‏ # وكيف الرقابة؟‏ # مضحكات الرقابة‏ # القطيعة‏ # من هي؟‏ # وجوه‏ # كيف عرفها‏ # أيام‏ # لماذا هام بها؟‏ # حبان‏ # لماذا أشك فيها؟‏ # جلاء الحقيقة‏ # | سارة # | سارة # تأليف # عباس محمود العقاد # | أهو أنت ...؟ # مضت خمسة أشهر قبل أن يجرؤ على عبور ذلك الشارع مشيا على قدميه. # وليس الشارع مقفرا أو مخيفا؛ لأنه محاط بالعمار مزدحم في جوانبه بالسابلة ~~والسكان. # وليس هو بالبعيد عن طريقه؛ لأنه يوشك أن يحتاج إليه في ذهابه وإيابه إلى حيث يقيم في ~~ضاحية المدينة. # ولكنه كان شارعا يلتقيان فيه عند ذهابهما إلى دار الصور المتحركة، ثم يلتقيان فيه عند ~~خروجهما منها. # وكانا يجلسان إذا دخلا تلك الدار في مكانين متجاورين، ولكنهما لا يدخلان إليها ولا يخرجان ~~منها متجاورين، بل يرسل هو إلى نافذة التذاكر من يبتاع التذكرتين لكرسيين في مكان قلما ~~يتغير، ثم يلقاها في ذلك الشارع، فتأخذ إحدى التذكرتين وتسبقه إلى الدار، ويظل هو بضع دقائق ~~في بعض الأندية العامة، ثم يلحق بها إلى المكان المعروف. # وكان من عادتها أن تقارن بينها وبين بطلة الرواية إذا أحست منه إعجابا بها أو ثناء ~~عليها، وتسأله في ذلك أسئلة ذكية خبيثة لا تسهل المغالطة في جوابها، إلا على سبيل المزاح ~~والمداعبة. # سألته مرة وقد لمحت منه اهتماما بالروايات التي تظهر فيها إحدى الممثلات: إذا سمحت لك ~~هذه الممثلة بقبلة ... أتقبلها منها؟ # فعلم أن الجواب الجد عن هذا السؤال غير سليم العواقب، وعمد إلى العبث والمرواغة. # قال: وهل من الأدب أن أرفض قبلة تعرضها سيدة؟ # قالت: دعنا من حديث الأدب فما عن هذا أسأل ... أنا أسألك عن دخيلة نفسك، أسألك عن رغبتك ... ~~فهل ترحب بتلك القبلة إذا وجدتها؟ # فعاد ثانية إلى العبث والمرواغة، وطفق يقول: أما إن كنت أمثل معها على الستار ~~الأبيض فأنت تعلمين أن القبلة لا غنى ms001 عنها ... تلك واجبات الفن يا صديقتي، ولا تتم الفنون ~~إلا ببعض التضحية! # قالت: أوتضحية هي؟ # قال: نعم، كل قبلة غير قبلة المرأة التي يحبها الرجل هي تضحية، بل هي - إن شئت - ~~سخرة! # فرضيت وهي تعلم أنه يغالط ويراوغ في الجواب، وأحبت أن تشعر أنه لا يقبل تلك الممثلة ~~الجميلة إذا أتيح له تقبيلها ... وهي تعلم أنه لا يقول صدقا ولا يعمد إلى الصراحة! ... وقالت ~~وهي تضحك: لقد نجوت! إن قبلة تتمناها لهي خيانة في الضمير، ولا فرق بين خيانة الضمير وخيانة ~~الواقع إلا التنفيذ. # وإذا خرجا للرياضة بعد الفراغ من الصور المتحركة فكثيرا ما كانت تمد يدها إلى مفكرته في ~~جيبه فتكتب فيها كلمة تناسب رواية الليلة، أو تناسب الرياضة التي خرجا لها إن كانت مناسبة ~~ملحوظة. # فكتبت مرة وقد شهدا رواية المرأة المترجلة: «هل أعجبتك رواية المرأة المترجلة؟ أما ~~أنا فسأكون لك امرأتك فقط.» # وكتبت مرة أخرى وقد شهدا رواية المرأة المحتالة: «أرجو ألا ترى المرأة المحتالة إلا في ~~السينما، أما في الحياة فحسبك المخلصة ... فلانة.» # وربما مضت سنة أو سنتان على مشاهدة الرواية وهي تذكر كل كلمة قالها في التعليق عليها أو ~~في انتقادها، فاتفق يوما أنهما حضرا الصور المتحركة في إحدى الضواحي الصيفية، حيث تعرض ~~المشاهد القديمة بعد سنة أو سنتين من عرضها في المسارح الكبيرة، وشهدا هناك رواية هزلية عن ~~صياد فاشل يستعيض من فشله في الصيد بالمبالغة في الوصف والحكاية، فكان يرفع البندقية ~~ويطلق الطلقة الواحدة في اتجاه واحد فيقع الطير على يمينه وشماله من جميع الجوانب، ويظل ~~يتساقط من هنا وهناك إلى ما بعد إطلاق البندقية بلحظة غير قصيرة. # فقال لها: أليس الأحسن والأبرع أن يسقط هذا الطير مشويا على الأطباق؟ # فضحكت طويلا وقالت: أتذكر؟ إنك قلت هذه الكلمة بعينها عندما شهدنا هذه الرواية في البلد ~~للمرة الأولى! # ولا يندر أن يسمع منها أثناء التمثيل كلمات سريعة وتعليقات مبتدرة تكشف بها - على غير ~~قصد منها - عن أعمق أعماق المرأة، وتهزأ فيها بالرياء الأنثوي الذي ms002 يبدو في خجل المرأة ~~وامتناعها. # من ذلك أنهما شهدا رواية من روايات الثورات يبدو فيها طريد جريح مهدد الحياة بجراحه، ~~ومهدد الحياة بمطاردة أعدائه، وقد لاذ بأحد البيوت فأكرمه أهل البيت وكتموا أمره، وتعهدته ~~بالعلاج فتاة فيما دون العشرين من العمر سليمة القلب وسيمة الطلعة ممشوقة القوام، فمالت ~~إليه شفقة ثم مالت إليه حبا، ثم تمالك نفسه بعد طول العلاج، حتى انفردا في بعض الجلسات ~~فبلغ من سرورها به وسروره بها أن نظر إليها ونظرت إليه، وعيونهما تومض بالمحبة، ثم اعتنقا ~~في قبلة طويلة جارفة ... # وكان بين المتفرجين على مقربة منهما سيدة نصف في نحو الأربعين، وفتيات ناهدات في مثل ~~سن الفتاة، فصاحت السيدة: انظرن إلى الخائن! ... إنه خدعها! # فمالت صاحبتنا وهمست ساخرة ... أتقول خدعها؟ إنه كافأها أحسن مكافأة يستطيعها! ~~••• # وهكذا كانت دار الصور المتحركة عندهما شيئا أكثر من ملهى الفراغ وموعد اللقاء، كانت محور ~~حياتهما الغرامية، وهل كانت لهما من حياة في ذلك الحين غير الحياة الغرامية؟ وكانت ملتقى ~~الذكريات ووسيلة التقارب والتفاهم فيما يشعران به وما يلاحظانه من أحوال المحبين ~~والمحبات، وكانت ذخيرة من المناظر التي يقترن كل منظر منها بكلمة، أو بخاطرة، أو ~~بمناقشة، أو بأمنية يملكان تحقيقها، أو بأمنية يكتفيان منها بالحلم والخيال. # فلما وقعت الجفوة بينهما وانقطع طريقهما إلى تلك الدار كانت كل خطوة في تلك الطريق ~~كأنما تثقل النفس بآكام فوق آكام من الذكريات والآلام، وكانت كل زاوية من الزوايا كأنما ~~تخفي فيها رصدا من الشياطين الثائرة والعقبان الكاسرة، وكان اجتناب تلك الطريق أسلم الأمور ~~وأهون المحذورات. # ثم مضت الأشهر وخيل إلى صاحبنا أنه لم يعد يخشى أو يذكر، فاجترأ على العبور ~~بالطريق مرة بعد مرة، وعبر بها ثلاث مرات أو أربعا على الأكثر، وكانت الرابعة هي التي ~~فوجئ بها هذه المفاجأة التي لم تكن في الحسبان. # إنه لم ير صاحبته بعد اللقاء الأخير في أثناء تلك الأشهر الموحشة؛ لأنه اجتنب الأماكن ~~التي عساه أن يراها فيها، ولزم بيته في معظم الأيام وقد علم ms003 أنه ما من مرتاد أو متنزه ~~يقصد إليه إلا وهو خليق أن يعاوده ببعض الذكريات، إن لم يعاوده ببعض ما يسوءه أن ~~يراه. # فلما عبر الشارع المهجور تلك الليلة مطرقا كعادته حين يسير على غير قصد إلى مكان ~~معلوم، سمع من جانبه صوتا يناديه، صوتا يعرفه بين ألف صوت، بل بين جميع ما خلق الله من ~~الأصوات والأصداء، صوتها هي بعينها يهتف به: أهو أنت؟ # أهو أنت؟ سمع هاتين الكلمتين فأحس لهما صدى كانفغار الهاوية تحت السفينة في البحر ~~اللجي من أثر عاصفة أو زلزال، وقبل أن يجيب على السؤال الذي لا يحتاج إلى جواب، وفي أقل ~~من رجع الصدى، بل في أقل من اللمحة الخاطفة التي انقضت بين ارتفاع رأسه إليها والتقاء نظره ~~بنظرها، هجم على نفسه طوفان من الدوافع والهواجس التي لا يوجد لها اسم في اللغات ~~الإنسانية؛ لأن اللغات الإنسانية لا تستطيع أن تضع اسما لألوف من النقائض والمفاجآت التي ~~يجتمع فيها الرعب والسرور والشوق والنفور والهيام والاشمئزاز، وتريد فيها النفس أن تقف، ~~وتريد فيها القدم أن تسير، بل تريد فيها النفس أن تقف؛ لأنها لا تقوى على أن تريد. # ولو أنه رآها عند أول الطريق قبل أن يفاجئه من صوتها ذلك الهاتف الطارئ، لعله كان يعرف ما ~~هو مقبل عليه ويستعيد في نفسه شيئا من ذلك العزم الذي أعانه على القطيعة، وأمده بدواعي ~~الإصرار عليها، كلما جنح إلى اللين والإغضاء والمغالطة. # ولكنه أخذ على حين غرة. # فوقف هنيهة لا يدري ما يقول. # ووقفت هي أيضا لا تدري ما تقول، وكأنما ندمت على الكلمة لأنها لم تسمع لها جوابا ~~سريعا، ولم تزل تخشى ما يجيء به ذلك الجواب، فأومأت إلى مركبة قريبة واقفة بين مركبات ~~كثيرة، وإذا بهما يسيران معا إلى تلك المركبة، فتجلس فيها ويجلس هو إلى جانبها وهي تقول: ~~هذا خير من أن يرانا الناس مشدوهين كالصنمين. # والواقع أن الناس التفتوا فعلا وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويتهامسون. # فقال لها: صدقت ... هو خير! # ثم صاح ms004 الحوذي: إلى أين يا بك؟ # فلما لم يسمع ردا من «البك» عاد يسأل: إلى أين يا سيدتي؟ # فهمست صاحبتنا: ألا تقول للحوذي إلى أين؟ # فأجابها وهو يوجه خطابه للحوذي: إلى حيث تشاء! # وكأنما ندمت مرة أخرى على الركوب، وعلى اللقاء، وعلى السؤال؛ لأنها كانت تنتظر من صاحبها ~~لهفة على مكان من أماكن الرياضة المعهودة التي ألفا أن يترددا عليها ... فجلست ~~صامتة. # وجلس كذلك صامتا. # وطال الصمت ... لا لأنه كان يريده، أو لأنه كان يأبى الكلام، ولكن لأنه كان يفتش عن كل ~~كلام في الدنيا فإذا هو يهرب ... أو يستعصي ولا ينقاد. # كان الكلام الذي يريده هو التواعد إلى غد حيث يلتقيان في المنزل، وحيث يقولان ويعيدان ~~ويتأهبان للعذر ويتأهبان للملام. # ولكن هذا هو بعينه الكلام الذي كان لا يريده. # يمنعه أن يفوه به مانع الكبرياء، ومانع الخوف من تجديد ما فات، ومانع الشك فيمن تصاحب ~~وفيما تضمر وفيما عسى أن تلقى به كلامه في دخيلة نفسها من الزراية والاستخفاف. # وطال الصمت، وقالت وكأنما تناجي نفسها: يحسن بنا أن نقف هنا للنزول. # واعترف هو في طوية ضميره أنه لا يريد أن تنزل قبل أن يقول لها شيئا أو يسمع منها ~~شيئا. # واعترفت هي في طوية نفسها أنها لا تريد أن تنجز تهديدها ولا تريد أن تبرزه في صورة ~~التهديد؛ لأنها تعلم أن جواب صاحبها الوحيد على التهديد هو التحدي ... أو هو تركها تنزل ~~وحدها، وإن كان يود استبقاءها في الحقيقة. # ولعلها أخطأت في حسابها هذه المرة؛ فإن صاحبها بعد أن جلس إلى جانبها، وبعد أن أحس حرارة ~~جسمها، وبعد أن لمس بضاضة معاطفها، وبعد أن تلقى أنفاسها على صفحة خده وهي تميل إليه تنتظر ~~كلامه، وبعد أن غاص في تلك الغيبوبة التي استنام إليها كما يستنيم الساهر البعيد العهد ~~بالنوم إلى أول ضجعة على الفراش، وبعد أن أصبح هو وعزيمته شيئين منعزلين بينهما من البعد ~~ما لا ينجح فيه دعاء ولا استحضار ... بعد هذا كله لعلها كانت لا تخاطر كثيرا إذا ms005 هددته ~~بالنزول من المركبة واقتضاب ذلك الصمت العقيم. # ولكنها لم تهدد ولم تنزل ... بل صاحت غاضبة: ما بالك لا تنطق؟ أمعقود اللسان وأنت لك ~~لسان كالثعبان؟ # وربما أحب أن ينفي عنه تهمة الاضطراب والحصر والضيق بالكلام في مفاجأة اللقاء. # فقال لها وهو يتلعثم: أين كنت؟ # قالت: في السينما. # قال من حيث لا يشعر بمعنى ما يقول: مع من؟ # فأجفلت مقطبة وأجابته بلهجة فاترة ولكنها مفعمة بالتهكم والتأنيب: أولا أذهب إلى ~~السينما إلا مع أحد؟ ألا تزال في ضلالك القديم؟ # قال: وماذا بدا لي من الهدى الجديد فأعدل عن الضلال القديم؟ ولماذا صرفت كلامي إلى ما ~~فهمت؟ ألا يجوز أن تذهبي إلى السينما مع سيدة؟ فلماذا تستغربين السؤال؟ # قالت: لأنك غريب في هذه الليلة، ماذا أقول؟ لأنك غريب في كل حين. # ثم اقتضبت على غير انتظار وهي تشيح بوجهها وتهمس بصوت مسموع: هذا شرح يطول، ونحن نهيم ~~في الشوارع على غير مقصد، فأولى بنا أن نرجئ الحديث إلى وقت آخر، ألا ألقاك غدا في ~~المنزل؟ ... غدا في الساعة الخامسة، أسمعت؟ # قالت ذلك وهي تستوقف الحوذي وتهم بالنزول عند محطة الترام. # وإنها لتنزل من المركبة إذ تعمدت أن تدنو بوجهها من وجهه وتزم شفتيها وتغمض جفونها قليلا ~~وهي تنظر إليه أو تنظر إلى غير وجهة. # فقبلها كأنه أداة كهربائية ديس على مفتاحها وشعر بالندم وشفتاه لا تزالان على شفتيها، ~~ولكنه شعر به وشعر بنفسه في تلك اللحظة غريقا بعيدا كما يشعر بالجسد الغريق الهامد يراه ~~في أعماق الأوقيانوس الهدار، وقال وهو أيضا نادم: غدا في المنزل. # قالت: في الساعة الخامسة موعدنا القديم. # وافترقا على موعد اللقاء. # | موعد # فارقته على موعد اللقاء في الساعة الخامسة «موعدنا القديم». # وكأنما كانت كلمة الموعد «القديم» وحدها طلسما ساحرا نقله من حالة إلى حالة، وأخرجه من ~~الحذر والتردد إلى الراحة والاستبشار ... فاحتجبت عنه صفحة الشكوك والآلام والمنغصات، ولم ير ~~أمامه إلا «الموعد القديم» بل «المواعيد القديمة» في كل يوم، وما كانت تحتويه من سرور ~~ومتعة وصفاء، وذكريات ms006 لا تزال مرتسمة في الذهن، سارية في الجوارح كأنها وظيفة من وظائف ~~الأعضاء. # وانطلق من المركبة خفيف الخطى موفور النشاط يكاد لا يعرف أحدا، ويكاد لا يعرفه من كان ~~يراه قبل ذلك بساعة أو أقل من ساعة. # وأول ما خطر له أن يدخل في ذلك المساء دار «الصور المتحركة» التي كانا يلتقيان فيها معظم ~~الأوقات، كأنها باب كان موصدا أمامه ففتح على مصراعيه، أو فاكهة ممنوعة رفع عنها ~~المنع والحرمان. # ومن عجائب العاطفة الإنسانية أنها أبدا مولعة بالمراسم والشعائر، فلا تستولي على النفس ~~حتى ترسم لها «طقوسا» وعادات تذكر الإنسان بطقوس العقائد والعبادات. # فلما خطر له أن يقصد إلى دار «الصور المتحركة» أو إلى ذلك «الحرم» الذي كان ممنوعا حتى ~~ذلك المساء، لم يكتف بتذكرة واحدة، بل طلب له تذكرتين اثنتين، وهو لا ينوي أن يصطحب ~~أحدا، ولو جاءه أحد يصطحبه لفر منه كما يفر المرء من غريم. # وقضى الوقت الباقي إلى الساعة التاسعة في قلق واشتياق كأن موعد التمثيل هو موعد اللقاء ~~المنظور. # ثم بدأ عرض الصور وهو يزعم لنفسه أنه يشهد الرواية ويتتبع الممثلين والممثلات، وليس في ~~خلده من ذلك شيء إلا كما يرى الناعس المهموم ما حوله من الأشباح، أو يسمع ما حوله من ~~الأصداء ... كل ما يثبت في خلده منها أنها أشباح وأنها أصداء! # ثم جاءت فترة الاستراحة فإذا بالفتى الذي يبيع هناك بعض الحلوى والمرطبات مقبل عليه في ~~دهشة واستفهام يسأله: أكنت مسافرا يا بك؟ # وقبل أن يسمع الجواب أسرع فقال: إن السيدة كانت هنا في حفلة الغروب. # وإذا بصاحبنا يسأله وهو لا يقصد السؤال، ولو فكر في سؤاله قبل أن يلفظ به لكتمه وأخفاه: ~~أكانت وحدها؟ # وخيل إليه أنه يلاحظ في نظرات البائع ولهجته تلميحا خبيثا يقول له ما لا يريد أن ~~يعرفه، ولا يريد أن يجهله في الوقت نفسه، فسلبته تلك الملاحظة كل طمأنينة إلى ما سيقوله ~~البائع من خبر مقبول أو خبر مرفوض، وود لو أنه يسكت فلا يجيب بشيء. # ولكن البائع ms007 لم يزد على أن هز رأسه وقال: لا أدري ... كانت إلى جانبها سيدة ... ولعلها كانت ~~معها. # فاندفع من صاحبنا سؤال آخر كما اندفع السؤال الأول وهو يغالط نفسه، ويحسب أنه يتهكم أو ~~يريد من البائع أن يحسبه متهكما غير جاد في مطاولة الحديث: جانبها؟ أي جانب؟ إن للإنسان ~~جانبين لا جانبا واحدا كما تعلم. # وهنا ظهر من البائع الخبيث أنه فهم كل ما هنالك من الشك والاستطلاع، فقد عودته صناعته ~~أمثال هذه المواقف وأمثال هذه الأسئلة وأمثال هذه الشكوك، فلم يفته أن «البك» يستطلع ويرتاب ~~... ومن يدري؟ فلعله كان يرى بعينه ما يدله على أن البك جدير بالاستطلاع والارتياب. # فتمهل قليلا وقال: «كان إلى جانبها الآخر هذا الممر ...» وأشار بيده إلى أحد الممرات التي ~~بين الصفوف. # فارتفع كابوس ثقيل عن صدر صاحبنا، وأحب أن يعتقد أن كلام البائع خليق أن يزيل من ~~نفسه جميع الشكوك، لا مجرد الشك الذي خامره عن زيارة السيدة لدار الصور المتحركة في ذلك ~~اليوم. # إلا أنها طمأنينة عاجلة لم تلبث أن ذهبت كما جاءت في طرفة عين، وإذا بصاحبنا يناجي نفسه ~~ذلك النجاء الذي كان غائبا عن خاطره منذ فترة وجيزة، يا عجبا! إني لأجتنب هذه الدار ~~كأنها تجمع شياطين الأرض كلها في حيز واحد، وهي تزورها ولا ترى فيما كان بيننا من القطيعة ~~موجبا لاجتنابها ... لو كان قلبها خاليا من هوى آخر لما استطاعت ذلك، ولفعلت كما كنت أفعل ~~أنا إلى هذا المساء ... والأغلب الأرجح أن هذا البائع يعلم من خفية الأمر أكثر مما يبوح به أو ~~يريد أن يبوح، ألا ترى إلى غمزات عينيه وحركات وجهه ونغمات كلامه؟ فماذا على المنحوس لو ~~أفضى بما عنده وأراحنا من هذا العناء؟ # وعاد صاحبنا يتساءل في ضميره: ما عنده؟ أهكذا جزمت سريعا بأن «عنده» سرا وأنه يستطيع ~~أن يبوح بأكثر مما قال؟ ألا يجوز أنه لم يعرف سرا على الإطلاق، وأن ما حسبته غمزات ~~ونغمات مريبة في صوته إنما هي عادة هذه الطبقة عندما تتحدث لرجل ms008 عن امرأة، أو عندما تتحدث ~~في كل شأن بين رجال ونساء؟ ~~- يجوز. ~~- لا يجوز. # وهكذا انطلقت في مخيلة صاحبنا أوهام وأشباح لا عداد لها في تلك الساعة القصيرة، ولا ~~يقاس عليها كل ما شهدته تلك الدار من الأوهام والأشباح ومن المبكيات والمضحكات. # ولم ينقذه مما استغرق فيه إلا انتهاء التمثيل وزحام الخروج ولقاء بعض الأصحاب وسهرة كثرت ~~فيها الشواغل وطال الحديث. # ونام تلك الليلة على أثر انفضاض السهرة وكان يقدر أنه لن ينام. # ولكنه لو قضى الليل كله ساهرا لما عمل في اليقظة إلا الذي عمله وهو نائم، حلم وتفكير ~~وهواجس وخيالات تضطرب وتصطخب ويتبع بعضها بعضا، ولا تميل إلى جانب الرضا لحظة حتى تعود إلى ~~جانب الوسواس والمنغصات. # ثم استيقظ في الصباح وهو يسأل نفسه كأنما يسأل مخلوقا غريبا يجهل ما عنده من نية ~~وشعور: أتنوي أن تنتظرها في الموعد؟ # فما هو إلا أن وضح السؤال في خاطره حتى شعر بأنه سؤال غريب يدل على ما وراءه، وحتى بدت ~~الدهشة من أن تكون هناك نية معقولة غير الانتظار. # وهنا دارت في سريرة هذا الرجل - هذا الرجل الواحد - مناقشة عنيفة طويلة كأعنف ما تدور ~~المناقشة بين رجلين مختلفين، كلاهما مصر على عزمه، وكلاهما يحاول جهده أن يخدع الآخر ~~ويستميله إلى رأيه، وكلاهما يبذل كل ما هو قادر عليه في هذا الحوار من أساليب الإقناع ~~والإغراء والرياء والتصريح: كيف لا تنتظرها؟ أتعطي سيدة موعدا ولا تنتظرها فيه؟ أهذا يليق ~~برجل؟ ~~- ولكنها ليست سيدة كسائر السيدات، ولا زائرة من زائرات المجالس العامة اللواتي تقع بيننا ~~وبينهن هذه التكاليف ... إن هذه المجاملات أو هذه القيود لا حساب لها في العلاقات التي انطلقت ~~من جميع القيود. ~~- ولكن مم عساك أن تخاف؟ انتظرها وقل لها أنك لا تريد أن تراها بعد هذا الموعد. ~~- عجبا ... أتجهل ما أخافه؟ أتجهل تلك الآلام التي لا حيلة فيها لمخلوق ولا تزال تبتدئ من ~~حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبتدئ؛ لأنها تبتدئ وتنتهي من الشكوك، وليس للشكوك قرار حاسم، ولا ms009 ~~مقطع بيقين؟ # أتجهل تلك الأشباح اللئيمة التي تطل عليك في أطيب أوقاتك فتنغص عليك كل لذة وتكدر عليك كل ~~صفاء؟ ~~- لكن علام كل هذه الشكوك التي ليس لها من أول ولا آخر؟ ... اصرفها عنك مرة واحدة ~~وافرض أسوأ الفروض، وقدر أنها تخونك وأنك تلهو بها في ساعات فراغك، ولا يعنيك من شأنها ~~بعد ذلك إخلاص ولا خداع. ~~- أأنت مخلص فيما تقول؟ وكيف تنقلب هذه المرأة التي كانت كل نساء الأرض عندي، وكل ما يخفق ~~له قلبي، فتصبح بين مساء وصباح وهي لهو ساعة ومتعة فراغ؟ أهذا خداع يجوز على إنسان؟ ~~أوتضمن إذا أنا اتخذتها لهوا ومتاعا ألا يتمكن اللهو ويطيب المتاع، وأننا لا ننكفئ بعد ~~أيام أو بعد أسابيع إلى استغراقنا القديم وشكوكنا القديمة وعذابنا الأليم؟ لا لا، هذا ~~محال باطل، واستدراج لا يستر ما وراءه وتزوير لا أرضاه. ~~- لكن الفتاة مليحة مع ذاك ... تصور بضاضتها وهي جالسة إلى جانبك في المركبة، وأنفاسها وهي ~~تهب على خدك فتسري في جميع أوصالك، وقبلتها وهي ترتعش على شفتيك، وحلاوتها وقد زادها ~~النحول في هذه الأشهر حلاوة على حلاوة، ونحولها نفسه وما ينبئ عنه ويكشفه لك من المودة ~~والحنين، وتصور ذلك كله بين يديك في مدى بضع ساعات وأنت مع هذا تفكر ... تفكر في ماذا؟ في نبذ ~~هذه النعمة التي تسعى إليك، وفي الخوف والجبن والفرار. ~~- هذا حق كله، إن الفتاة لمليحة ولا نكران ... ولكن! ~~- ولكن ماذا يا أخي ...؟ انتظرها واله بها ولا تدعها لغيرك ينال منها ما لا تنال ... ولا ~~تستضعف عزيمتك هذا الاستضعاف المهين وأنت رجل ذو عزيمة ومضاء ... فإذا عاودتك الشكوك فأنت ~~قادر على قطع العلاقة بينك وبينها كما قطعتها من قبل، وإلا فأنت رابح ما استرجعت من متعة ~~وسرور. ~~- عزيمتي؟ وأين هي عزيمتي إن كانت لا تنجدني في هذا النزاع العنيف؟ ~~- إنها تنجدك في كل حين ولكنك أنت لا تريدها الآن ... لا تريد عزيمة الجفاء والقطيعة، ومتى ~~أردتها غدا فهي حاضرة لديك، وهي في كل ساعة طوع يديك ... ومع ms010 هذا ألا يشوقك أن تستمع إلى ~~حديثها عن أيام القطيعة بينكما؟ ألا يجوز أن تفسر لك بعض الغوامض، وتريك من البواطن ما ينقض ~~الظواهر وتصف لك من حالها في غيابها عنك ما يهمك ولو من باب الدراسة والاستقصاء؟ # وتعاقبت الساعات ساعة بعد ساعة في هذا الحوار الحثيث ولا قرار. # وتناول صاحبنا غداءه ولا قرار. # وجاءت الساعة الرابعة ولا قرار. # نعم، لا قرار فيما يشعر به صاحبنا أو صاحبانا المتحاوران على أصح التعبيرين، غير أن الذي ~~حدث بعد ذلك يدل دلالة لا شك فيها على أن الإنسان يقرر ما ينويه وهو لا يشعر ولا يعترف ~~بشعوره، بل يدل على أن صاحبينا المتحاورين لم ينفردا بالميدان فيما شجر بينهما من عراك ~~عنيف، وإنما كان معهما ثالث لا يدريان به وهما ماضيان في الإقناع والإنكار. # ففي الساعة الرابعة وبضع دقائق - والحوار على أشده بغير قرار - وجد صاحبنا أنه يلبس ملابس ~~الخروج ويفتح باب حجرته وينحدر على الدرج إلى حيث لا يعلم إلا أنه خارج من المنزل وكفى، ~~ومضى في طريقه مهرولا كمن يمضي إلى غاية معلومة يخشى أن يفوته لحاقها، وركب سيارة لم ~~يعرف إلى أين تحمله إلا بعد أن استقر فيها، واستطاع أن يمكث حيث ذهب ساعات ثلاثا لا ساعة ~~واحدة ولا نصف ساعة كما كان يتمنى وهو يعالج أن ينجو من الموعد المحدود. # ثم ساوره القلق ودلف إلى منزله بالسرعة التي فارقه بها، واستحالت كل حيرته قبل الخروج إلى ~~حيرة أخرى، أو شوق آخر، وهو أن يعرف ما حدث في غيابه بجميع تفصيلاته، هل حضرت في الساعة ~~الخامسة؟ أو حضرت قبلها أو بعدها؟ وماذا قالت حين علمت بخروجه؟ وما بدا على وجهها وهي ~~تصدم بهذه «المقابلة»؟ وإذا كانت لم تحضر فما الذي عاقها عن موعدها؟ ولماذا ضربت ذلك ~~الموعد باختيارها؟ هل ضربته وهي تنوي أن تخلفه من اللحظة الأولى، أو طرأ الحائل بعد ذلك على ~~الرغم منها؟ # وأنه ليفتح الباب بالمفتاح الذي في جيبه ولا ينتظر أن يدق الجرس كعادته في ms011 الأوقات ~~الأخرى، إذا بالخادم يصادفه وراء الباب، وهو يظن - بل يرجو - أن يخبره على الفور أن سيدة ~~حضرت في غيبته ولا تزال في انتظاره، ويغلو به هذا الوهم حتى يعجل بالالتفات إلى حجرة ~~الاستقبال ليلقى السيدة التي تنتظره فيها. # ولم تمض في ذلك إلا لمحة خاطفة والخادم شاخص لا ينبس بحركة ولا يلوح عليه أنه يحمل ~~خبرا من الأخبار يستحق أن يقال، ويساوي تلك اللهفة التي تعتلج في صدر صاحبنا. # فأسرع صاحبنا سائلا: ألم تحضر إلى هنا السيدة؟ ألم تقل شيئا؟ # فقال الخادم في فتور غريب: لا أعلم! # فانفجر صاحبنا غاضبا: كيف لا تعلم؟ ألم تكن هنا؟ هل هي أوصتك بأن تقول ذلك؟ # قال الخادم وفي صوته احتجاج من يستغرب ولا يفقه معنى هذا الاتهام: يا سيدي قلت لا أعلم؛ ~~لأنك نزلت من هنا وأنا نزلت وراءك حسب المعتاد في سائر الأيام. # فاشتعل صاحبنا غيظا، وهم أن ينقض عليه لولا أن هرب الرجل من أمامه فتبعه إلى باب ~~الخدم، وهو يعلنه بالطرد وألا يعود ليريه وجهه مرة أخرى، ولم يصفح عنه إلا بعد ثلاثة ~~أيام، وبعد أن شفع له أن الرجل معذور؛ لأنه لم يأمره بالبقاء في المنزل، وقد أنساه أن ~~يأمره بالبقاء فيه ما كان مشغولا به من حوار. # | الشكوك # من النادر جدا أن يتواعد محبان على اللقاء بعد فراق طويل ثم لا يسرعان إلى موعد ~~اللقاء بلهفة شديدة واشتياق عظيم، إن لم يكن حبا أو حنينا أو رغبة في المتعة ~~والسرور، فعلى الأقل من قبيل الفضول والاستطلاع والرغبة الملحة عند كل منهما في الوقوف ~~على أخبار صاحبه وأحواله في الغياب الطويل: هل أحبت غيره؟ وهل أحب غيرها؟ وهل ~~سلت؟ وهل سلا؟ وبماذا يشعران في الحب الجديد؟ أو ماذا بقي عندهما من الحب القديم؟ وماذا ~~تقول له حين تخلو به؟ وماذا يبدر من كلامه حين يخلو بها؟ وأشباه ذلك من الأسئلة التي يلقيها ~~كلاهما على نفسه ويحسب أنه في أشد الحاجة إلى الوقوف على جوابها، فربما كان هذا الفضول ms012 من ~~أقوى مظاهر الحب، ومن أوثق روابط الاتصال بين كثير من الناس؛ محبين كانوا أو غير ~~محبين. # فإذا حدث غير ذلك واجتهد أحد العاشقين أو كلاهما في اجتناب الموعد المنتظر بعد طول ~~العزلة والجفاء، فلا بد أن يكون بينهما شبح قائم من الآلام والأكدار يغطي على جميع ~~المشوقات والمرغبات، ويعكس الفضول والاستطلاع؛ فيستحيل إلى صمم ونفور، ويصبح كل شيء أهون ~~من تجديد تلك الحالة المكروهة والعودة إلى ذلك الشبح المرهوب. # وهكذا كانت الشكوك التي تمثلت لصاحبنا؛ فانساق بغير وعي ولا إرادة إلى اجتناب الموعد، ~~والفرار من المنزل، والهزء بكل إغراء وتشويق ينبعث في أعماق حسه من شيطان ذلك الشغف ~~القديم. # كانت شكوكا مريرة لا تغسل مرارتها كل أنهار الأرض، وكل حلاوات الحياة، كانت كأنها جدران ~~سجن مظلم ينطبق رويدا رويدا، ولا يزال ينطبق وينطبق وينطبق، حتى لا منفس ولا مهرب ولا ~~قرار، وكثيرا ما ينتزع ذلك السجن المظلم طبيعة الهرة اللئيمة في مداعبة الفريسة قبل ~~التهامها، فينفرج وينفرج وينفرج حتى يتسع الفضاء بين الأرض والسماء، ثم ينطبق دفعة واحدة، ~~حتى لا يمتد فيه طول ولا عرض ولا مكان للتحول والانحراف، بطل المكان فلا مكان ولا أمل في ~~المكان، ووجب البقاء حيث أنت في ذلك الضيق والظلام فلا انتقال ولا رجاء في الانتقال. # وكان صاحبنا كالمشدود بين حبلين يجذبه كلاهما جذبا عنيفا بمقدار واحد وقوة واحدة، ~~فلا إلى اليمين، ولا إلى اليسار، ولا إلى البراءة، ولا إلى الاتهام ... بل يتساوى جانب ~~البراءة وجانب الاتهام فلا تنهض الحجة هنا حتى تنهض الحجة هناك، ولا تبطل التهمة في هذا ~~الجانب، حتى تبطل التبرئة من ذلك الجانب، وهكذا إلى غير نهاية وإلى غير راحة ولا ~~استقرار. # وضاعف هذه الحالة ذكاؤها من ناحية، وطبيعة ذهنه وتفكيره من ناحية أخرى؛ فهي من الذكاء ~~بحيث لا تقدم على عمل واحد أو حركة واحدة لا يختلف فيها وجهان، ولا تقبل التضليل ~~والنكران، وهو في تفكيره وطبيعة ذهنه يخلق الاحتمالات الكثيرة، فلا يجوز عنده احتمال راجح ~~إلا جاز عنده ms013 في اللحظة نفسها احتمال راجح في قوته ووزنه وجوازه، ولا يدفع هذا أو ذاك إلا ~~بدافع حاسم لا تردد فيه. # ألم لا نظير له في آلام النفوس والعقول، وحيرة لا تضارعها حيرة في الإحساس والتخمين، ~~وأقرب ما كان يشبه به هذه الحيرة حالة الأب المستريب الذي يشك أفجع الشك في وليد منسوب ~~إليه: هل هو ابنه أو هو ابن غيره؟ ومن هو ذلك الطفل الصغير الذي يتقاضاه حقوق البنوة على ~~الآباء؟ هل هو رمز الحب والعطف والصدق والوفاء، أو هو رمز الخداع والخيانة والاستغفال ~~والاحتقار؟ هل هو مخدوع في عطفه عليه، أو هو مخدوع في نفوره منه؟ وكيف يفصل في هذين ~~الخداعين؟ وكيف يطيق الصبر على واحد منهما، وكلاهما لا يطاق. # بذلك كان يشبه حيرته وهو يحاول الاستمتاع بعاطفته التي هو مستغرق فيها، ويحاول في ~~اللحظة بعينها أن يبترها وينساها ولا يعود إليها، ثم لا يدري في أي المحاولتين هو مصيب، ولا ~~بد أن يدري، وهيهات لا سبيل إلى الدراية بحال! # وإذا كان بعض الشكوك في العشق من وساوس الأوهام، فمما لا نزاع فيه أن العاشق أصدق ~~الناس في شكوكه حينما يبنيها على أسباب صحيحة وحقائق ملموسة؛ لأنه يعرف صاحبته معرفة لا ~~يخفى معها عارض من عوارض التغير، ولا لمحة من لمحات العين، ولا همسة من همسات الضمير: يعرف ~~نظراتها ويعرف كلماتها، ويعرف ما تقوله عن سجية وما تقوله بتكلف واصطناع، ويعرف أن ~~بعض الخشونة أدل على الحب والإخلاص من بعض المجاملة، ويعرف نفسها وكيف تستتر فيها ~~الخفايا، ويعرف جسدها وكيف تختلج فيه النوازع والشهوات. # وقد يسأله من يسأله كيف خامرتك الشكوك؟ فيضحك من نفسه أن يجيبه بما يلوح له أو يطلعه ~~على بعض تلك الأسباب، وقد يؤثر في معظم الأحيان أن يكتمها ويموهها على أن يفضي بها إلى ~~إنسان كائنا ما كان. # وبعد، فهل الغدر في الحب مستحيل؟ # كلا، ليس هو بمستحيل ولا مما يقارب المستحيل، وليس صاحبنا بالذي يصدق ولا صاحبتنا بالتي ~~تصدقه وتدعيه. # لقد اعترفت له بعلاقتين ms014 سابقتين: إحداهما متينة مستحكمة طويلة، والأخرى هوجاء حامية ~~سريعة، وإحداهما مع كهل يقارب الأربعين، والأخرى مع فتى في نحو الخامسة والعشرين، ~~وإحداهما صيدت فيها ولكن على غير كره منها، والأخرى كانت هي فيها الصائدة، وهي التي نصبت ~~الشباك، فوقع الصيد على عجل وأسرع الحراس الحانقون فأطاروه! # اعترفت له بما كانت تحتال به من الحيل البارعة لتلقى عشيقها الأول، وبما كانت تعمي به ~~على من حولها حتى لا يرتابوا في أمرها، وإذا استرابوا لم يجدوا عليها ما يثبت الريبة ~~ويقطع اللسان. # واعترفت له بالردود المفحمة التي تدبرها لترغم المتهمين على السكوت. # واعترفت له بما تخجل منه المرأة المعتزة بجمالها ومكانتها، فقالت له إنها لم تكن على ~~يقين من حب عاشقها الأول، ولم تكن تبالي أن يحبها اكتفاء بعلمها أنها هي تحبه، وذهبت في ~~امتهان كرامتها - وهي مغرورة بفتنتها وامتيازها - إلى حد من الخضوع لا يحمد إلا في ~~التدين والإيمان، فقالت إنها لمحت منه مرة أنه يطيل النظر في مجلسها إلى امرأة أخرى من ~~صديقاتها ... فخطر لها أن تناجي نفسها سائلة: هل يجسر على أن يطلب منها الوساطة بينه وبين ~~تلك المرأة في التقريب والتمهيد؟! ... قالت: «فراعني هذا السؤال، ولكني، عدت فشعرت أني ~~سأفرح بأن أسره، وإن جاء سروره من هذا الطريق المهين!» # ثم انقطعت هذه العلاقة على الرغم منها وعلى الرغم منه، وتمادت بها الوحدة وهي في دهشة ~~مخيفة، فجعلت تلتفت إلى شاب وسيم من الجيران، ثم تمعن في الالتفات إليه حتى أصبح ~~انتظاره وهو عائد إلى منزله في الهزيع الأخير من الليل شغلا لها شاغلا في اليقظة والمنام، ~~وأخذت تحاسبه في طويتها على هذه السهرات وتتخيل مع من تكون وكيف تكون ...! ويزيدها ذلك لجاجة ~~في الولع ولجاجة في الانتظار، ولم يلبث هذا الالتفات منها أن أدى إلى الالتفات منه ثم إلى ~~التحية ثم إلى لقاء جنوني في المنزل الذي يحيطها فيه الآل والأقربون، وكانت هذه المغامرة ~~العجيبة هي العلاج الباتر لذلك الجنون العجيب! # وراح صاحبنا يذكر كيف اجتمع بها أول ms015 مرة، ويذكر ما تحدثت به إليه في أول خلوة، لم يطل ~~بهما الجلوس يومئذ حتى استأذنت في الانصراف؛ لأنها ذاهبة إلى موعد مع صديق، وأرته خطابا ~~من ذلك الصديق يقول لها فيه إنه يشتري في ذلك اليوم سيارة ويحب أن يستأنس برأيها وبذوقها في ~~اختيار اللون والطراز، فأذن لها صاحبنا وهو يقول مازحا: «هذا موعد يرشحك لصناعة مفيدة ... ~~فلا تهمليه ...» # قالت له في أول لقاء بعدها: «لشد ما كنت أترقب منك أن تستبقني وتؤخرني عن ذلك الموعد، ~~ولو قلت لي: لا تذهبي! لما ذهبت ... ولو مزقت الخطاب أو خطفته من يدي لجزيتك على صنيعك ~~أحسن الجزاء!» # وكانت تحب الضحك وتفطن إلى الفكاهة وتضحك أحيانا حتى تشرق عيناها الواسعتان بالدموع، ~~ولكن صاحبنا لا يذكر أنها ضحكت يوما كما ضحكت أمامه وهي تمثل الصديق صاحب السيارة، وتروي ~~ما جرى بينها وبينه حين اجترأ أول مرة على اقتراح خطير، بعد تمهيد وتحضير، وحذر ~~وتحذير. # وما هو الاقتراح الخطير؟ # قبلة ...! # نعم، قبلة، وأكدت الكلمة وهي تروي الحكاية مرتين. # قالت: إنه كان ينتظرني في طريق الزمالك، فلمحت أول ما وقع نظري عليه أنه مهموم قلق ~~يخفي على أطراف شفتيه نية من النيات، وكان ذلك بعد أن التقينا عدة مرات وانفردنا في ~~الخلوات ساعات، فلم يعسر علي أن أستشف تلك النية، وراقني أن أستدرجه إلى الإفصاح عنها ~~لأرى كيف يتدرج في الكلام، فأضجرني كثيرا قبل أن يستجمع في قلبه القدرة على أن يقول: يا ~~فلانة! # قلت: نعم يا فلان. # قال: إن لي أمنية أحب أن أفاتحك فيها، وأرجو ألا ترفضيها ولا تسيئي تأويلها. # قلت: إنني أحب أن أرى أمانيك كلها تتحقق، ولا سيما الأماني التي فيها لك الخير ~~والنجاح. # قال: أشكرك ... لكن هذه الأمنية في يديك أنت؟ # قلت كالمستغربة: في يدي أنا؟ ما علمت قبل الآن أنني رئيسة عليك، ولا أنني قادرة على ~~نفعك وتوفير ما تتمناه! # فأحجم قليلا، وخشيت أن يعدل عن مجرى حديثه فعدت أقول: ومع هذا أسمع منك هذه الأمنية ~~فلعلي أشير عليك ms016 بما يفيد. # وبعد جهد جهيد صرح وهو يستغفر ويتلعثم بأنه يتمنى على الله أن أسمح له بقبلة! # فسكت هنيهة لا أدري هل أضحك أم أتغاضب، وظن أنني أتجهم وأقطب وأنني أهم أن ألومه ~~وأخاطبه بما يسوءه، فأسرع إلى الاعتذار، وأسرعت أنا إلى الكلام لئلا أضحك، قائلة: أوهذا ~~يحسن بك يا فلان؟ لكأني بك غدا تتمادى إلى أكثر من ذاك ... # فصاح كمن مسته نار: أنا؟ أتظنين يا فلانة أنني من هؤلاء؟ معاذ الله يا فلانة! معاذ ~~الله! ~~••• # لم ينس صاحبنا كيف كانت تضحك وهي تحكي له هذه الحكاية، واستدل من ضحكها أكثر مما استدل ~~من كلامها على مبلغ استخفافها بما يسمونه الصداقة بين النساء والرجال، فما الذي يمنعه أن ~~يصدق أنها تستخف بالوفاء وتمضي مع أيسر الأهواء؟ # لا، بل هي قد اعترفت له بما هو أدعى إلى الشك والريبة من جميع ما تقدم ... فقد غضب منها ~~وغضبت منه قبل الغضبة الأخيرة مرات عديدات، بعضها يعقبه الصلح في يومها وبعضها يتجاوز ~~الأيام وقد يتجاوز الأسابيع، ففي إحدى المرات افترقا بعد عراك عنيف بالغ في العنف ~~والتهجم فوق ما تعودا من عراك وصدام، وسافر إلى مصيفه وسافرت إلى مصيفها، ولا مطمع لهما ~~في لقاء، وبلغ من يقينه بالفراق الفاصل أنه عاد من سفره وهو لا يترقب منها سلاما ولو سلام ~~المجاملة والتكليف، ولكنه بعد أيام قليلة تلقى غلافا فيه صور شمسية تمثلها إلى جانب ~~بعض المشاهد الخارجية التي يرحل إليها المصطافون والسائحون، ومضت أيام معدودات وإذا بجرس ~~التليفون يدق، وإذا بالمتكلم ذلك الصوت الذي لا يلتبس عليه بين ألوف الأصوات: الحمد لله على ~~السلامة! ~~- سلمك الله وعافاك! ~~- هل لي أن ألقاك اليوم؟ ~~- نعم، تفضلي! ~~- أتفضل؟ لا، لست أتفضل، ولكني أزورك لألتمس الغفران ... هل في وسعك أن تمثل دور الكاهن في ~~الديانة المسيحية؟ # قال: أخشى أن يكون دورك إذن هو دور الخاطئة؟ # قالت: هو ذاك، فإلى اللقاء ... فالتليفون لا يتسع لمثل هذا الحديث. # لم يشعر ذلك اليوم وهو ينتظرها بخداع ولا باستغفال ولا احتقار ms017 ، ولكنه شعر بخسارة ~~وأسف، وانتظرها كما ينتظر الطبيب مريضا يلجأ إليه، واستقبلها عاطفا عليها متطلعا إلى ما ~~وراء حديثها مستعدا للتسامح في الإصغاء إليها، فدخلت وهي تقول في غير احتجاز ولا ~~امتناع: لا قبلات ولا تحيات حتى تعرف قصتي وأعرف رأيك. ~~«اسمع يا فلان، إنني لا أؤمن بصداقة المرأة للمرأة ولا عزاء لي في معاشرة الصديقات ~~المزعومات على الإطلاق، فإن لم يكن إلى جانبي رجل أهابه وأحبه وأعتمد على سنده فأنا في ~~وحشة الهالكين، وأنا ضعيفة ضعيفة ضعيفة لا طاقة لي على دفع الغواية، وقد افترقنا ~~يائسين ليس لك حق عندي وليس لي حق عندك، وأنا لا أحاسبك على شطحاتك في مصيفك إن كانت لك ~~شطحات، ولكني أسمح لك أن تحاسبني على الصغيرة والكبيرة وأبوح لك بأنني زللت في المصيف ~~وانغمست في صلة غرامية ليس فيها غرام في الحقيقة، ولم أحضر إليك اليوم، بل لم أرسل ~~إليك الصور إلا وقد قطعت تلك الصلة وهيأت نفسي لاستئناف مودتنا القديمة، هأنذا الساعة بين ~~يديك فماذا أنت قائل؟ هل تقبلني؟» # فاستزادها من خبر تلك الصلة التي لا غرام فيها كما تقول، واسترسلت هي في تفصيلات لم ~~تستر فيها سرا ولم تصبغ فيها أمرا بغير لونه، ولم تقف دون معرة أو نقيصة كأنها تفرغ ~~قلبها بين يدي الكاهن على حسب «إنذارها» في حديث التليفون. # قال بعد أن أصغى إليها في صمت وإبهام: إنني يا فلانة لا أملك أن أجيبك هذه الليلة، إن ~~أنا قبلتك فلست آمن أن أندم، وإن أنا رفضتك فلست آمن كذلك أن أندم، ولكن دعيني بضعة أيام ~~ريثما أروض سريرتي على عزم وثيق وأخبرك بما صحت نيتي عليه، غير خائف من عواقب ~~العجلة. # وما انقضت تلك الأيام حتى استقبلها صافحا، وسألها أن تذكر أبدا أنه قد يفهم عذرها من ~~الضعف، ولن يفهم لها عذرا من الختل والخداع، وحمد لها صراحتها، ولكنه في الواقع لم يسلم ~~من الاحتراس والتوجس منذ تلك الساعة، ولم يزل على تفاهم دخيل بينه وبين طواياه أنه لا ms018 ~~يأوي إلى حصن حصين، وأنه مع ذلك هو حصنه الذي لا بد أن يأوي إليه! # فلما ساورته شبهات الشك توالت أمامه الدلائل من فلتات اللسان وشوارد الخواطر وعلامات ~~الزينة والحلي والملابس، وما إلى ذلك من علامات هي لمن يعهدها أثبت من البراهين وأصدق من ~~الشهود، ورانت السآمة على كل لقاء، وتغلغلت اللواعج والأشجان في كل فراق، وغلبت الأكدار على ~~كل صفاء وكل رجاء، ولم يبق إلا أن يقبلها على أن يستغرق هو في حبها، ويسمح لها هي أن تفرغ ~~لغيره وهذا مستحيل، أو يقبلها على أن يلهو بها وتلهو به وهذا أيضا مستحيل، أو يسوم نفسه ~~قطيعتها، وهذا ما قد عول عليه، وظن أنه استطاعه وقدر عليه خمسة أشهر. # وأنه لفي حسبانه هذا يوشك أن يودع القلق والأسر ويقبل على الطمأنينة والحرية، إذا به ~~يهاجم في الصميم، وإذا بالظواهر والبواطن كلها تضمن له وهي تتدفق عليه أنه عائد لا محالة ~~إلى ما ودع من شقاء وألم، وليس بين تلك الظواهر والبواطن كلها ما يضمن له أقل ضمان أن ~~يعود إلى ما ودع من ثقة ونعيم، فماذا عساه أن يصنع؟ لا تسل فكره ولا تسل قلبه ولا تسل ~~ضميره، بل سل كل وشيجة من وشائج لحمه ودمه وأعصابه التي عزمت عزمها بغير اكتراث لفكره أو ~~لقلبه أو لضميره، واستقلت بإرادتها وهي لا تترجم عن تلك الإرادة إلا بالعمل الواقع دون ~~التفكير ودون التعليل ودون التفسير، فطلبت النجاة بالبداهة المرتجلة وحملت الجسد الذي هي ~~قوامه إلى خارج المنزل وهي لا تعي ولا تفقه إلى أين تسير، ولا لوم على من يطلب النجاة، ~~فإنما هكذا تطلب النجاة! # | علاج الشك # مواجهة الحقيقة من أصعب المصاعب في هذه الدنيا. # أولا: # لأننا في الغالب لا نعرف ما هي الحقيقة. # وثانيا: # لأننا في الغالب لا نحب أن نعرفها إلا مضطرين، حين نيأس من قدرتنا على جهلها ~~ونشك ثم نشك ثم نرى آخر الأمر أن الشك أصعب وأقسى من مواجهة الحقيقة والصبر ~~عليها. # وثالثا: # لأننا إذا عرفناه ففي ms019 الغالب - أيضا - أنها تكلفنا تغيير عادة من العادات، ~~وليس أصعب على النفس من تغيير ما اعتادت ... فالموت نفسه لا صعوبة فيه لولا أنه ~~يغير ما تعودناه، وفراق الموتى لا يحزننا لولا أنه تغيير عادة أو عادات ~~كثيرة. # وقد كانت الحقيقة أنهما - أي صاحبنا وصاحبتنا - قد تغيرا كثيرا بعد أن مضت على صحبتهما ~~برهة من الزمن، ولكنهما لبثا برهة أخرى من الزمن وهما لا يريدان أن يعترفا بهذا ~~التغيير. # تغيرا فلا سرور لهما في اللقاء، وقد كان اللقاء عندهما أكبر سرور يشعر به ~~الإنسان. # ولكنهما لم يزالا يتلاقيان. ~~••• # تغيرا واشتد بهما التغيير، وهما لا يجسران على مواجهة الحقيقة ... فلو سأل نفسه هل يريد ~~اللقاء حقا أو يريد الفراق لما استطاع الجواب، أو لقال في نفس واحد أنه يريد اللقاء ~~ويريد الفراق. # ولو سألت هي نفسها هذا السؤال لكان جوابها أنها لا تعلم لماذا تحضر في الموعد كل يوم، ~~ولماذا لا تفضل الانقطاع عن الحضور. # هو لم يجزم بخيانتها كل الجزم؛ فلماذا يتركها؟ ... ولكنه لا يسر بلقائها؛ فلماذا ~~يلقاها؟ # وهي لم تيأس من صلاح شأنه معها، أو لعلها لم تيأس من قدرتها على خداعه، ويعز عليها أن ~~تتهم نفسها بهذا العجز وهي تفخر بذكائها؛ فلماذا تفقد الثقة بحيلتها وبراعتها واقتدراها؟ ~~ولماذا لا تجرب كياستها مرة بعد مرة حتى تنجح أو يستوي لديها الفشل والنجاح؟ # وهكذا ظلا أشهرا عديدة يمثلان سعادتهما الأولى، ويخرجان من مسرح التمثيل كل يوم ~~راضيين أو ساخطين، وخير ما وصلا إليه في تلك الفترة الطويلة أن يظفرا بالتصفيق من ~~المتفرجين ... وهما وحدهما المتفرجان والممثلان! # وكلما حان موعد اللقاء ذهبا إليه كما يذهب الممثل إلى حضور تجربة جديدة بعد أن فشلت ~~تجربته السابقة، ولا بد له من الذهاب، ولا سرور له في القعود والإحجام والتسليم بينه وبين ~~ضميره أن الذهاب لا يفيد. # لقد كانا يحضران إلى الموعد بحكم العادة التي لم يجسرا بعد على تغييرها؛ لأنهما كانا ~~يخافان من التفكير في التغيير، ويخافان من التفكير في ذلك الخواء الموحش الذي ms020 يستولي عليهما ~~لا محالة بعد ذلك التغيير. # فهما يحضران لأنهما خائفان من الغياب، لا لأنهما راغبان في الحضور. # أما قبل ذلك فما أبعد الفرق وما أهول الاختلاف وما أحب اللقاء بعد طول الانتظار! وإن ~~أطول أمد لهذا الانتظار ما كان ليزيد على يوم واحد، أو بعض يوم في بعض الأوقات. # كانت الساعة الخامسة كأنها علامة موسومة في مدار الفلك بالشهب والكواكب والهالات، وكان ~~صاحبنا يتعجل الوقت قبل حلولها بربع ساعة فيلتزم مكانه وراء النافذة لينظر من ثقوبها إلى ~~منعطف الطريق حيث يلوح القادم أول ما يقبل على الدار، وكثيرا ما كانت الغيوم تكفهر ~~والغيوث تنهمر والهواء يعصف باردا قارسا في صبارة الشتاء، وصاحبنا واقف وراء النافذة ~~قبل الموعد بربع ساعة يوشك وهو وجل منقبض الصدر غائم الخاطر أن ييأس من وصول صاحبتنا في ~~موعدها، ولها العذر كل العذر إذا هي تأخرت ساعات أو عدلت عن الخروج طوال ذلك اليوم، ولا ~~يزال في مرقبه نهبا لهذا الوسواس لمحة بعد لمحة، كأن الزمن قد استحال إلى أجزاء تعد ~~بالملايين وملايين الملايين لا بستين دقيقة في الساعة وستين ثانية في الدقيقة! وكلما تقدم ~~جزء من هذه الملايين تضاعف الوجل وتفاقم الحذر واختلجت الهواجس المثيرة كما تختلج الذرات في ~~قارورة يرجها الشلال الدافق أعنف ارتجاج، وبعد مليون جزء من أجزاء الزمن تقترب الساعة ~~الخامسة فإذا هي الساعة الخامسة إلا عشر دقائق! وبعد مليون آخر ثم مليون ثم مليون تقترب ثم ~~تقترب فإذا هي الساعة الخامسة والدقيقة الثانية ... والويل له إذا تجاوزت هذا الحد ولو إلى ~~دقائق معدودات؛ لأن الدقائق المعدودات لا بد أن تترجم في لغة الانتظار والهواجس بالملايين ~~بعد الملايين التي لا يجمعها الحصر والإحصاء، وأنه ليطيل النظر إلى الطريق حتى يعتريه شبه ~~غيبوبة لا يحقق الناظر فيها ما يراه تحت عينيه، فما رآها مرة بعد هذا الانتظار تهل من ~~مطلع الطريق إلا كما يرجع إلى النائم صحوه، أو كما يرجع إلى المذهول رشاده، وتتقدم وهي ~~تتهادى في خطواتها التي كأنما تتهيأ كل ms021 خطوة منها لعناق مشوق، وينفتح الباب وينقسم العالم ~~إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما في الذهن ولا في الخيال: قسم فيه كل شيء، وقسم ليس فيه من ~~شيء ... أو قسم موجود، وقسم لا وجود له، والبيت هو القسم العامر الزاخر الحافل الوهاج، ~~والدنيا هي القسم المهجور الذي تتسع قاراته وبحاره ومن فيها وما فيها من السكان لأوسع من ~~مكانها في خرائط الأطفال. # والذي يحدث في الشتاء قد كان يحدث مثله في الصيف أيام السموم والحرور، فلا تأخير ولا ~~اعتذار، ولا سلامة مع ذلك من قلق الانتظار، حتى يحين الموعد ويستقر القرار. # في تلك الأيام كانت كل هنيهة لها شعورها المحبوب المتجدد البهيج: إذا انفتح الباب للقاء ~~فذلك شعور القائد الذي يفتح باب حصنه ليتلقى نجدة الأمان والاطمئنان إلى زمن طويل، وليطرد ~~المخاوف من وراء ذلك الباب إلى مهرب سحيق، وإذا انفتح الباب للوداع فذلك شعور الشارب الذي ~~استوفى نصيبه من العقار وبقي له نصيبه من النشوة والتذكار، ونصيبه من الشوق في الغد إلى مثل ~~هذا اللقاء ومثل هذا الوداع ومثل هذا الانتظار، وبين لقاء كل يوم ووداعه ألف لقاء ووداع، ~~وألف انتقال من حال إلى حال، وألف سكينة وألف ابتدار. # تلك أيام! # ثم جاءت بعدها أيام. # وشتان أيام وأيام. # نعم شتان حقيقة وتمثيل ... وأي تمثيل؟! تمثيل اللاعب الذي يساق إلى دوره سوقا لأنه ~~يخشى الفشل لا لأنه يأمل النجاح. # واستمرت المواعيد، واستمر اللقاء، واستمرت السآمة، واستمر الشقاق، واستمرت مع كل ذلك ~~محاولات عقيمة مستميتة أن يعود ما لا سبيل إلى أن يعود. # وكانت هي تقلد نفسها في أيام الصفاء فتمد يدها إلى جيبه بعد عاصفة من اللوم الجارح ~~والملاحاة الموجعة كما كانت تمدها إلى جيبه بعد ساعات الرضى والدلال لتخرج منه المفكرة ~~المعهودة وتكتب فيها أسطرا أو كلمات تسجل بها ما كان في ذلك اليوم، فكتبت يوما بعد ~~مقابلة لم يسمع فيها إلا جدال ومحال أو سكوت هو أثقل من الجدال والمحال: «نزهة رسمية ~~في عربة، ثم مناقشة جدية، ثم ms022 مصافحة وتقبيل، ولا عجب في ذلك ... فإن الحب يسهر!» # نعم، يسهر من الأرق لا من العناية! # وسهر الحب إلى اليوم التالي فالتقيا وتراضيا وتناولت هي المفكرة وكتبت فيها خمس كلمات: ~~«سامحت من غير سبب، أحبك.» # ولكنها كانت آخر ما كتبت في مفكرة ذلك العام، وفيما بعده من أعوام. # ومن الناس من يستطيب أمثال هذه المقابلات ولو لم يكن فيها إلا تمثيل ناجح أو تمثيل ~~فاشل، وصاحبنا خليق أن يكون واحدا من هؤلاء الناس لو اقتصر الأمر على الفتور والتكلف ~~والمناقشة والملال، ولكن الشيء الذي لا يطاق هو أن تشك ثم لا تستطيع أن تصل إلى الحقيقة، ~~ولا أن تكف عن الشك ولا أن تستقر عليه، فإنها حالة لا يطاق لها دوام ولا بد لها من ~~انتهاء. # فكيف هذا الانتهاء؟ # أول ما اتفقا عليه أن يتفاهما على الفراق أسبوعا أو أسبوعين ريثما يعرفان كيف يكون ~~صبرهما على هذا الفراق القصير، ويعرفان من ثم كيف يكون صبرهما على الفراق الحاسم الذي لا ~~لقاء بعده، فإن هان عليهما بعد هذه المحاولة أن ينفصلا بسلام فلينفصلا إذن بغير ندم ولا ~~خصام، وإن عزت عليهما القطيعة فعسى أن يكون الاشتياق إلى اللقاء فاتحة الرغبة الصادقة من ~~جديد، وعسى أن يفهم كلاهما من مكان صاحبه عنده ما ينهاه عن مطاوعة الهواجس ومجاراة ~~الشكوك. # وقد استفادا من هذه المحاولة العسيرة فائدة لا يحتقرانها بعد طول السآمة وطول النزاع، فإن ~~اللهفة الصادقة التي طغت عليهما يوم عادا إلى اللقاء قد عادت بهما إلى حنين شبيه بالحنين ~~بالقديم، ونعما في ذلك اليوم بمتعة هنيئة لم ينعما بها منذ عهد طويل. # ولما شيعها إلى الباب وهو يقول إلى اللقاء في الغد، قالت: لا ... إن اللقاء بعد يومين أو ~~ثلاثة أمتع وأشهى ... وسأخبرك أو تخبرني عن الموعد متى طلبناه ... ولا نتفق عليه الآن! # واستحسن منها هذا التسويف كما كان من قبل يستحسن منها نشاطها في تعجيل المواعيد، وود في ~~خلده لو يتأجل اللقاء خمسة أيام أو ستة لا يوما أو يومين ms023 ، ففي ذلك فطام للهوى وشحذ للشوق ~~والرغبة، وامتحان لقوى النفس يسبر غورها ويلذ فيه حب الاستطلاع. # إلا أنها محاولة قصيرة لم يكتب لها العمر المديد. # فما هو إلا موعد أو موعدان حتى أحس كما يحس كل رجل يفهم طباع المرأة التي يهواها أنها ~~لم تحافظ على وفائها ولم تعصم جسدها أيام الغياب، وأنها أصبحت ترحب بالتسويف؛ لأنها تريده ~~وتستريح إليه ... ورجع إلى ذاكرته يفتش لعله يذكر هل هي التي اقترحت في بادئ الأمر أن يعالج ~~الشك بالتسويف والمباعدة بين المواعيد أو هو الذي بدأ بالاقتراح، فتذكر أنها كانت تحوم حول ~~الاقتراح وتوحيه إليه وتهتم بأن توقع في ذهنه أنه هو صاحبه وموحيه ... فقال لها متهكما: أرى ~~أن الحل الأخير الذي اهتدينا إليه يرضي أكثر من اثنين! # قالت: ماذا تعني؟ # قال: أعني أنه ربما أرضى ثلاثة بدلا من اثنين، وربما أربعة ... من يدري؟ # قالت متهكمة: وربما خمسة أو ستة ... زيادة خير ... ولماذا تكره الرضى لعباد الله؟! # وتلا هذه المحاورة منظر من مناظر المسابقة في الإيلام والتبكيت والغضب والإغضاب، قال فيه ~~وقالت، وتمادى فيه وتمادت، وباح فيه وباحت، وخرجت من المنزل حانقة لا تودع ولا تسلم ولا تعد ~~بلقاء مؤجل ولا بلقاء سريع. ~~••• # وانقضت مدة لا يسمع منها ولا تسمع منه، ولا يسعى إليها ولا تسعى إليه، ونازعته أهواؤه ~~مرات في أثناء هذه المدة أن يراها وأن يتحدث إليها فنفر أشد نفور وكظم هذه الرغبة بجهد ~~أليم، وبينما هو يحسب نفسه غاضبا نافرا إذا به يتحول رويدا رويدا إلى مشفق حزين، ~~وإذا بإشفاقه الحزين أقرب إلى إشفاق الأبوة الرحيمة منه إلى إشفاق الغرام اللجوج، وإذا به ~~في ساعة من الساعات يكتب إليها في الخطاب: # أيتها الصديقة: # أيا كان رأيي فيك أو رأيك في فلا ضير في إرسال هذه الكلمة إليك، ولا خسارة ~~علي إن ضاعت عندك أو صادفت نصيبا من الإصغاء ... إن مسحة من الألم ألمحها على ~~وجهك تخيل إلي أنني أخاطبك منك مستمعا، وأن موضعا حيا في ضميرك لا يزال ~~مفتوحا ms024 لهذا الخطاب. # لا حاجة إلى البحث في تفاصيل حياتك القديم منها أو الجديد، فحسبي ما سمعته من ~~لسانك، وحسبي أنك تعترفين لي أنا بعلاقات ماضية مع أكثر من رجل واحد، وفي ~~هذا كفاية وفوق الكفاية! # فلو قيل لي إنني سأسمع هذا الخبر من إنسان لما خطر لي قط أنني أسمعه منك أنت ~~باختيارك، ولو جاز أن تبوحي به لكل أذن لكانت أذني هي الأذن الوحيدة التي يجمل بك ~~أن تكتمي السر عنها؛ لأنني أنا الرجل الوحيد الذي يرى لك كرامة غير كرامة جسدك، ~~ويحب أن يعرف لك قيمة أكبر من هذه القيمة. # ومع هذا بأي بساطة كنت تتحدثين عن علاقاتك بالرجال وخلوتهم بك هنا وهناك! ... ~~لكأنما كنت تفخرين ... أو كأنما كنت تشفقين من كتمان هذا الحظ السعيد ... فيا صديقتي ~~لشد ما ضللك الشقاء حتى جهلت ما تعرفه المرأة بالفطرة بغير حاجة إلى تعليم ~~وتلقين، وحتى نسيت أن المرأة تستطيع أن تكون لهذا ولذاك، ولكنها لا تستطيع أن ~~تفخر بشيء لم تعجز عنه امرأة بين النساء، فهل أصدق حقا أنك تلك المرأة التي ~~لم يبق لها إلا هذا الفخر المخجل الأليم؟ وهل أنت حقا تلك المرأة التي تجد ~~سعادتها في هذا المجال؟! # أظن - وأرجو أن يكون ظني صحيحا - أنك تخدعين نفسك يا صديقتي الخادعة ~~المخدوعة. # لست أنت التي تشعر بالسعادة في هذه العيشة الأسيفة. # غيرك من النساء تنعم بها وتستطيبها، ولكن شقاءك أنت بها لا يعدله شقاء. # انظري إلى وجهك في المرآة، انظري إلى ألم ضميرك الذي يبكيك كثيرا ولا ريب في ~~ساعات الوحدة والانفراد. # ثم اسألي نفسك: ما نهاية كل هذا وما العاقبة وما المصير؟ لو بقيت على هذه الحالة ~~سنة واحدة لفقدت جمالك في عنفوان شبابك، وفقدت كل ثقتك واحترامك لشعور ~~الأنوثة الذي لا سعادة لامرأة بغيره. وماذا في الحياة بعد فقد الثقة وفقد احترام ~~الشعور؟ أنت في تلك الحالة بين اثنتين: إما أن تألفي العيشة التي تؤلمك الآن، ~~وهذا هو موت النفس الذي يموت به كل سرور صحيح ms025 . # وإما أن تتعذبي بها أبدا بغير عزاء يهون عليك فقد الصحة والنضارة، وأنت ~~إنما تفرين من العذاب وتطلبين الراحة والاطمئنان. # أنت تتألمين ولكنك تجهلين ما يدفع عنك هذا الألم المخيف ... فاذكري نوبات الحيرة ~~وتبكيت الضمير التي كانت تساورك حين تحضرين إلي، واذكري كيف كنا نفترق وقد هدأت ~~نفسك بعض الهدوء واستراح ضميرك بعض الراحة ... كان اهتمامي بك حتى بالغضب عليك ~~يفرج شيئا من الضيق الذي يسد عليك منافذ الأمل؛ لأنه يعطيك فكرة عالية في ~~نفسك، فيعزيك ويقويك ويرفع عنك ذلك الصغار الذي يسمم كل شعور وينغص كل ~~نعيم. # اذكري كيف كان وجهك يشرق بالبشاشة من عهد قريب، وكيف ظهر ذلك على صحتك ~~وملامحك، فسألتني في يوم من الأيام بين الجد والمزاح: أصحيح؟ أصحيح أن وجهي ~~يمتلئ ويحلو؟ كان ذلك وأنت تشعرين إلى جانبك بنفس إنسانية تحنو عليك وتفكر ~~فيك وتجتهد في عذرك ما استطاعت، وترعاك في الغيبة والحضور، وهذا أحوج ما تحتاج ~~إليه المرأة خاصة في هذه الحياة. # فكل امرأة - كل امرأة بلا استثناء - في وسعها أن تجد رجلا يأخذها جسدا ويطرحها ~~سائما بعد حين بلا أسف ولا شكر ولا احترام. # ولكن ليست كل امرأة واجدة تلك النفس العطوف التي تفهم الدنيا وتفهمها وتحب لها ~~الخير لغير غاية وتهتم بها وحدها بين جميع الناس، وتراها أهلا للرضى والغضب ~~والشكر والملام. # أنت أم فاذكري ذلك جيدا. # أنت فتاة ذكية متعلمة حساسة يقل بين الفتيات مثلك في هذه الصفات، فلا تنسي ~~عزتك التي تليق بك ولا تنزلي قدرك منزلا لا ترضاه لقدرها كل فتاة، واسألي نفسك ~~مرة أخرى: هل وصلت امرأة إلى العاقبة المخيفة - إلى المرض والهوان - من غير هذه ~~البداية؟ وهل وصلت امرأة إلى تلك العاقبة وهي تظن أنها واصلة إليها أو قريبة منها؟ ~~كلا! ... كلهن يا صديقتي يحسبن أن النهاية بعيدة، وأن الاحتراس كاف للأمان الدائم ~~والنجاة من عاقبة غيرهن، والعاقبة واحدة على كل حال! # ولست أنت لسوء حظك كأولئك النساء اللواتي تحوطهن حمايات كثيرة وقرابات مشتبكة ~~تستر العيوب وتضلل ms026 الشبهات. # فأنت في حياة التجرد والانفراد عرضة لكل شيء وفريسة رخيصة لكل واش أثيم، وكم ~~جنى عليك حرمانك من أنس القرابة الشفيقة وحنان الأم الرءوم ومعيشة الزوجية ~~الهانئة، فخسرت السعادة وأفسد عليك اليأس عاطفة الرحمة والإخلاص. # ولكن هل من الضروري لك أن تجني أنت أيضا على نفسك بيديك فتسلبيها حتى سلوة ~~الألم الشريف وإباء الحرمان العفيف؟ وهل يبقى حرمان فوق حرمان المرأة التي لا تعرف ~~السعادة ولا تعرف الألم الذي تحترمه هي ويحترمه الناس؟ # أنا لا أيأس على الرغم من كل شيء ... بي من عطف عليك وعلم بحقيقة نفسك الضعيفة ~~الطيبة و«ظروفك» السيئة ما يمنعني أن أنظر إليك نظرة قاسية. # وما تمنيت ولا أتمنى شيئا كما أتمنى أن أراك بعين الإعجاب والفخر والمحبة، ~~ولكني أقول لك وأنا آسف: إن فقدك لم يكن هينا علي في وقت من الأوقات كما هو ~~هين علي الآن، فإذا كتبت إليك هذه الكلمة فإنما هي كلمة صديق يريح ضميره وواجب ~~أخير لا بد من أدائه، وإذا أبيت إلا أن تفهمي لها معنى من معاني الأنانية فافهمي ~~إذن أنها كلمة إنسان يذكر برهة من حياته ويود أن يحتفظ بهذه الذكرى نظيفة شريفة ~~إلى آخر أيام الحياة. # والوداع، والسلام. # | الرقابة # لماذا كتب ذلك الخطاب؟ # إنه لم يستوضح نفسه سببا لكتابة ذلك الخطاب وهو يفكر في كتابته، ولا استوضحها السبب ~~وهو يكتبه ويسلمه إلى الرسول الذي تعود أن يسفر بينهما بالرسائل، ولكنه جلس بعد كتابته ~~يسأل ويعجب: أي خاطر ذلك الخاطر الذي ورد على باله وهو يحسب أنه واصل إلى نتيجة ترضيه من ~~كتابة هذه المواعظ؟ أيظن أن خطابا كهذا قد يثوب بها إلى الوفاء والإخلاص إن كانت تخون ~~وتخدع؟ أيزعم ولو على سبيل الوهم البعيد أنها تتعظ وتندم لأنها تقرأ كلاما كهذا الكلام ~~وتروي النظر في مصير كذلك المصير؟ # آخر ما يطمع فيه العاقل أن يظفر بهذه النتيجة من امرأة يميل بها الهوى ويوسوس لها شيطان ~~الخداع! فكيف بصاحبتنا التي يعرفها حق عرفانها ويعرف أن الكلام لا ms027 يستحق عندها الهزء ~~والتحدي بمزية أفضل من مزية الوعظ والتذكير ... إنها تريد أن تثور وتجمح، ولا شيء أقمن بإشباع ~~شهوة الثورة والجماح من مخاطبة الإنسان بكلام يصدر عن العقل ويلبس ثوب النصيحة والهداية! ~~وإن الرجل من رجال الدين ليستحق عندها كل إكبار وتبجيل؛ لأنه يخالف في حياته الخاصة ما ~~يعظ به الناس في حياته العامة، وقد خاضا في حديث بعض «الأئمة النساك» مرة فقال لها: لست ~~على يقين أن مولانا هذا يحب السماء والآخرة، ولكني على يقين من حبه الأرض والدنيا ... ألا ~~تعلمين ذلك؟ ... قالت: أعلم كل العلم، بل أعلم أنه يحب فلانة وفلانة وفلانة وفلانة ... غلطان ~~أنت يا صديقي إن حسبت أنك تغض من «مولانا» بما اتهمته، إن خفاياه تلك لهي التي تعجبني ~~وتكبره في نظري وتحملني على تقبيل يديه، وإنني ما سمعت عظاته يوما إلا استعظمت منه أنه ~~قادر على مخالفتها، ثم راحت تقول مازحة - وكانت كلمة غلطان يا صديقي من لوازمها في الحديث: ~~غلطان أنت يا صديقي إن حسبت أن المرأة تنقم على رجل الدين أنه يدع السماء من ~~أجلها! # قال: وما رأيك في الراهبة التي تترك السماء من أجل رجل؟ ألها عندك مثل هذا المكان من ~~الإعجاب؟ # قالت: إن الراهبات لا يعظن أحدا، واللعبة تفقد كثيرا من بهجتها بهذا الدور البسيط الذي ~~تمثله الراهبة الغاوية، وأعني به دور الوجه الوحيد! # إذن ما أضيع الوعظ عند صاحبتنا التي لا تعجب من الوعاظ إلا بقدرتهم على الوعظ وقدرتهم بعد ~~ذلك على نقض المواعظ. # نعم، إنها تتذوق الكلام وتعطيه «درجته» العادلة من التقريظ والتأثر، ولا يبعد أن تبكي إذا ~~كان فيه ما يحرك الشجن ويستدر الدمع، ولكنها لن تزيد على ذلك، ولن تخلط بين التقدير الفني ~~والنتائج العملية! ولو كانت في موضع السلطان العثماني «سليم الأول» لبكت من قصيدة الشاعر ~~الذي تشفع لديه بالشعر البليغ ليعفو عنه، ثم أمرت كما أمر بسوقه إلى ساحة الموت عقيب ~~إنشاده القصيدة؛ لأن الفن شيء والسياسة شيء آخر! # أم أن صاحبنا، وليكن اسمه ms028 «هماما»، وليكن اسمها منذ الآن «سارة» لتيسير الكلام عنهما ~~... # أم أن صاحبنا «هماما» قد شاقته الفتاة بعد الفراق القصير ولم يشأ أن يعترف بشوقه ولا أن ~~يستدعيها إليه صراحة فعمد إلى كتابة الخطاب ليفتح باب الحديث فاللقاء ...؟! # لا، ولا كل هذا. # إن «هماما» لم يكن من دأبه أن يقصر في مراجعة نياته ودسائس طبعه، ولقد يغلو في ذلك حتى ~~يعزو إلى نفسه من المقاصد ما ليس في حسبانه، ولكنه - غلا أو لم يغل - ما كان في وسعه أن ~~يزعم أنه بحاجة إلى تلك الحيلة لتدبير اللقاء دون استدعاء؛ فاللقاء لم يكن بالشيء العسير، ~~ولم يكن بينهما بعد القطيعة ما يلجئ إلى الحيلة والمناورة، ولعل انتظاره الهداية من توجيه ~~ذلك الخطاب أقرب إلى التصديق من التذرع به إلى تدبير لقاء. # السبب في الحقيقة أنه لا سبب هناك. # السبب هو الحيرة الملحاح التي تستحثنا إلى كل عمل مستطاع دون أن نستوضح أنفسنا عن علة ~~معقولة أو نتيجة مأمولة، وكل من حار هذه الحيرة يوما يذكر أنه فعل شيئا لا علة له، ~~ولا هو يقبل التعليل. # كذلك يفعل الأب الذي يرى بين يديه ولدا مريضا ميؤسا من شفائه وهو لا يستقر إلى ~~التسليم، وكذلك يفعل المحرج الذي يرى أن العمل واجب؛ لأنه خير من سكون لا صبر له عليه، ~~وكذلك يفعل الذي لا بد أن يفعل؛ لأنه بالفعل يستريح، أما بالسكون فلا راحة ولا أمل في ~~الراحة. # وأتبع وصول الخطاب حديث بالتليفون. # لم يكن هذا الحديث بالمقصود، ولكنه لم يكن كذلك بالمكروه ولا بالمرفوض. # وأتبع الحديث موعد وزيارة. # وجاءت في الموعد وهي تبدو بتلك الطلعة التي يعهدها منها بعد كل مغاضبة وقبل كل مصالحة، ~~طلعة السفير الذي يدخل المملكة الغريبة ولا يدري أحرب أم سلام، فهو لا يبرز القوة ولكنه ~~يتقي أن يبرز الضعف، ولا يحمل غصن الزيتون ولكنه مستعد به في الحقيبة المغلقة، ولا يتجهم ~~ولكنه لا يتطلق ويتبسط ... فلم تتهيأ للموعد بزينتها التي تعلم أنها تروقه وتستجلب هواه، ~~ولكنها لم تهمل ms029 زينتها إهمال المعرض قليل الاكتراث، فهي زينة صالحة مع قليل من الاعتذار، ~~وإذا وصل الأمر إلى هذا فأي اعتذار لا يغني غناه ولو جاء عفو الساعة؟! # وكان من دأبها أن تختلس رضاه وتحطم الحواجز بينها وبينه بسلاح من سلاحين: بالدعابة ~~والتهكم، أو بالأسى والتضعضع، فأما في هذه المرة فسلاح الأسى والتماس الشفقة لن يلائم مظهر ~~السفارة التي تتردد بين الحرب والسلام، فدخلت من الباب وهي تشهر سلاح التهكم والمناوشة، ~~والتفتت وهي داخلة كمن ضل الطريق وأفضى به السير إلى غير المكان المتوقع، فقالت وهي تلقي ~~بقبعتها: من أكبر العجب أنني وصلت إلى هنا ولم أصل إلى المعبد! # قال «همام» في سره: ويحك! هذه تحية وعظك! ثم أجابها من نمط تحيتها قائلا: معبد؟ ~~استغفري الله يا أمة الله! وهل تستطيع قدماك أن تحملاك إلى المعبد ولو قادك إليه ألف ~~دليل؟ # قالت ولم تتريث: إنه لتقريظ حسن لبيتك أن يكون هو المكان الوحيد الذي تحملني إليه ~~قدماي! # قال: وهل تحسبينني أغتبط بهذا التقريظ؟ # قالت: معاذ الله! ولا سيما وأنت بخطابك صاحب دعوى في الهداية والإرشاد لا تقل عن دعوى ~~أهل الصناعة ... ومع ذلك لا أظنك آسفا لهذه الغلطة. # وبدأت في نغمة الدلال بعدما أنست من لهجة الحوار أن الساعة ساعة غصن الزيتون لا ساعة ~~السيف، ثم دنت منه تقبله فقبلها وضمها وأجلسها وجلس إلى جانبها وهو يغمغم متخاذلا: لو ~~أنها غلطة قدمين يا «سارة»؟! # قالت: غلطة قدمين أو غلطة يدين، ألا تستطيع أن تتعلم «الربوبية» ساعة وتغفر ~~الزلات؟ # وضحكت ضحكة حلوة خبيثة مسترسلة ليس لها معنى إلا أنها تقول فيها: أنا أعرف كيف أرضيك، ~~أليس كذلك؟ # فجاراها في الضحك وقال بلهجة المستظرف والعاشق معا: وهل أحرص عليك يا ملعونة إلا لهذه ~~الحذلقة؟ متى علمت أن ربا من أرباب الأساطير غفر الزلات لشريكة قلبه! إنما يغفرون ~~للمخلوقات التي تخون المخلوقات من أمثالها، أما «الخيانة العظمى» فأين هم الأرباب الذين ~~يغفرونها؟ ~~••• # واطمأنت إلى مكانها، وشعرت أنها في بيتها ... نعم، في بيتها لا في «سفارة» ms030 تقبل عليها غريبة ~~وتخرج منها مقبولة أو مريبة، فوثبت من جانبه كما يثب الطائر بلا تنبيه ولا انتباه، إلى أين؟ ~~إلى «الرشاش» كعادتها في كل زيارة بلا اختلاف بين صبح ومساء وصيف وشتاء؛ لأنها لا تميز ~~الفصول كما تقول إلا بالتقويم وجريدة الأزياء! # أفي هذه تريد التفريط يا همام وهي في قبضة يديك؟ لا يا صاح! لست معك في هذا ... إنما ~~التفريط فيما يعوض ويستبدل، فأما الذي لا عوض عنه ولا بديل له فإن احتمال الأذى فيه ~~لخير من احتمال ضياعه واللهفة عليه. # وإنه لفي هذه المناجاة إذا هي تتهادى وتنفض شعرها كما تنفض الفرس الكريمة عرفها، وإذا هي ~~أمام المرآة مصقولة ندية كالثمرة الناضجة في شعاع الفجر البليل ... وكالشيطان! # منذ الأزل وقفت هذه الفتنة إلى جانب ووقف إلى الجانب المقابل لها حكماء الأرض وهداتها ~~ومشترعوها وأصحاب النظم والدساتير فيها، وقالت هذه الفتنة كلمتها، وقال الحكماء والهداة ~~كلمتهم، ونظرت ونظروا، ووعدت وأوعدت ووعدوا وأوعدوا، وأمامك الناس جميعا فاسألهم واحدا ~~واحدا: كم مرة سمعتم هذه وكم مرة سمعتم هؤلاء، وأنا الضمين لك أن في تاريخ كل إنسان مرة ~~واحدة على الأقل سمع فيها لهذه الفتنة ولم يسمع معها لحكمة الحكماء ولا لشيء من ~~الأشياء. # ليست هي المرأة المسموعة هنا ولكنها هي الطبيعة. # والمرأة والرجل والحكماء والحكمة ألعوبة الطبيعة التي لا تسأم اللعب، ولا تعرف الجد لأنها ~~لا تعرف التعب، وربما كانت المرأة أضعف هذه الألاعيب كما يكون الطعم أضعف من السمكة التي ~~تأكله، وإن كان الطعم ليقودن السمكة إلى الهلاك. # ومن القاضي الفاصل بين الطبيعة والحكمة؟ إنما القضاء لمن ينتظر منهما الحجة الأخيرة ~~والنتيجة الخاتمة. # ولكن ليس للطبيعة انتهاء. # فهي في جميع الأزمان صاحبة القول الأخير. # في ملحمة الصراع بين الفتنة والحجى ينسى الإنسان ما لا ينسى، ويخطر له الإغضاء عما ~~يشهده بعينيه ويثبته ببرهانه، ولقد خطر هذا لهمام في تلك اللحظة ووسوس له الهوى أن ينزل ~~بتلك المرأة الماثلة أمامه إلى حيث ينسى خيانتها ولا يذكر إلا متعتها، فتمنى في ms031 تلك اللحظة ~~أمنية غريبة، تمنى لو كان حبه لها أمل، وماضيه معها أقصر، وشرطه عليها أقرب وأيسر، إذن ~~لاكتفي منها بما تعطيه، واستبقاها على شرطها ومرامها لا على شرطه ومرامه. # إن الرجل الذي يهب للمرأة ساعة من يومه يكتفي منها بساعة من يومها، ولكن هل يكتفي منها ~~بتلك الساعة وهو يهب لها ساعاته وأيامه وينسج حولها ماضيه وحاضره، ويحجب بيديه ضياء ~~المستقبل الذي يطلع عليهما مفترقين كأنه يطمع من الدنيا في غرام بغير فراق؟ # إن الابن لن يكون ابنا أو نصف ابن، وإن التحفة النفيسة لن تكون صحيحة أو نصف زائفة، فهي ~~إما صنعة الفنان المنسوبة إليه والفترة المردودة إليها أو هي ليست بصنعته على ~~الإطلاق. # فلا تقريب ولا توسط في هذه الأمور. # وهذه المرأة، بل هذا العالم الحاشد من النساء؛ لأن كل لحظة من لحظاته معها تمده بنسخة ~~منها قلما تختلط بأخواتها، هذه المرأة التي لا مرأة غيرها كيف يرضاها ولديها رجل غيره في ~~إبان هواها؟ # ليست الحكمة هي التي تتكلم هنا ولكنها هي الطبيعة، ومن ذا يقاوم الطبيعة في غوايتها غير ~~الطبيعة في ثورتها؟ إن الصراع هنا لبين ندين متكافئين، والويل للفريسة المطرودة بين ~~الندين. # لا، سأحتفظ بهذه التحفة وأصونها جهد ما في وسعي من احتفاظ وصيانة، ولكنني لن أحتفظ بها ~~إلا تحفة نفيسة ... فإذا بعتها فلن أبيعها إلا وقد أيقنت أنني غير مغبون فيها ولا نادم ~~عليها تحفة بين يدي لا شك فيها. # أقول حينا إنها تحفة نفيسة فليس في كنوز الأرض ما يعدلها ويقوم بثمنها. # وأقول حينا إنها تحفة زائفة فلو بعتها بدرهم لما كنت بخاسر. # وهذه هي الحيرة، فقولي يا حكمة الحكماء ويا هداية الهداة، وقولوا لي يا صيارفة هذه ~~الجواهر ويا دهاقين هذه المعادن، ويا من يستطيعون أن يضعوا المنظار لحظة واحدة وراء هذه ~~العين اللامعة فيلمحوا هنالك الفارق الهائل بين ما يباع بدرهم وما ليس يباع بكنوز ~~الأرض وذخائر البحار. # لا، لن أبيعها إلا بدرهم، فإن كانت الأخرى فلا بيع ولا شراء : # لما ms032 غلا ثمني عدمت المشتري # نعم، وعدمت البائع أيضا ... # هذه هي الحيرة فكيف الخروج منها؟ لا حاجة إلى أكثر من نظرة واحدة لتسويم هذه الجوهرة، ~~فمن ذاك الذي تتاح له تلك النظرة؟ # كان همام في تلك الأيام يقرأ رواية «سيدة الأكاذيب» للكاتب الفرنسي الكبير بول بوربيه، ~~ولعله قرأها لعنوانها وما يرجو أن يطلع عليه من أكاذيب سيدتها ... وفي الرواية امرأة لعوب ~~من نساء الأسر المترفات، وزوج غافل وعاشق كهل يبذل المال والحلي والهدايا، وعاشق ناشئ يبذل ~~شبابه وجماله وطرافة هواه، وكل من هؤلاء راض بنصيبه إلا العاشق الفتى الذي يتنطس ويتوجس ~~ويلح في كشف الأسرار فيعمد إلى الرقابة ولا يلبث أن يخلص إلى الحقيقة. # فما الرأي إذن في الرقابة؟ # إن نظرة من رقيب أمين لتغني عن كل صيارفة الجواهر الذين يسومون معادن الوفاء وليس لهم ~~معيار واحد يبطل فيه الخلاف ... فإن لم يكن من الرقابة فلتكن الرقابة، ولكل شيء من جنسه ~~آفة! # وأثلجت تلك الخاطرة صدر همام وإن كانت قد غضت من سروره باللحظة التي هو فيها، ومن أين ~~يخلص السرور وبينك وبينه رقيب؟ # تتابعت الخواطر عدوا دراكا في رأس همام وهو يتأمل الفتنة الماثلة أمام المرآة ويتنامى ~~شغفه بها كلما تمادى في تفتيشها واستقصائها، ولم تستغرق كل هاتيك الخواطر منه إلا ريثما ~~فرغت «سارة» من تسريح شعرها وتجفيف إهابها؛ لأنه كان يستعرض هاتيك الخواطر كما يستعرض صفحة ~~مفتوحة بين يديه يحيط بها في نظرة واحدة، ولم تكن خواطره لتشغله عن كلمة من هنا وتعليق ~~من هناك جوابا لما كانت تعابثه به من الملاحظات والمناوشات، غير أنها فطنت لما يجول في ~~خلده، وأدركت أنه ليس معها بجميع قلبه ولسانه، وأشفقت أن يستطرد ويستطرد فتتسع المسافة ~~بينهما، فاستدارت إليه من المرآة متفترة متكسرة، ومدت جيدها وثنت أعطافها وقالت: أراني ~~متعبة، أرى أن أذهب أو أريد أن أنام. ~~••• # وانقضى اليوم بسلام، ونسيا أو تناسيا خطاب «الوعظ» بعد ما كان من عبث التحية الأولى، ~~ونزلت سارة وهي مستريحة مستبشرة خفيفة القلب والطوية لا يبدو ms033 عليها أثر من التكلف والرياء، ~~ومن دأب المرأة إذا انتعشت حواسها أن تخف وتنشط ولا يثقل على ضميرها عبء من الأعباء، وهذا ~~الذي يلوح للرجل في صورة البراءة فينخدع، أو هذا الذي يسمونه أحيانا بعمق المرأة وقدرتها ~~على إجادة الرياء وإخفاء ما في الطوية، وإنما هي خفتها كالطفل الذي تأخذه حماسة اللعب فلا ~~تحضره الشواغل ولا تثقله الدخائل، وقد ود «همام» لو يستطيع أن يخلط بين هذه الخفة وخفة ~~البراءة، وما هو بمستطيع، فليرجع إلى الرقابة فهي مرجع الإنصاف ومقطع الخلاف، وفيها وحدها ~~تسويم لتلك المتعة بكنوز الأرض وذخائر البحار، أو بدرهم لا يندم عليه ملقيه في ~~التراب. # | وكيف الرقابة؟ # صحت النية على الرقابة فلا مناص منها. # وبقي أمر الرقيب والعثور عليه. # فمن يكون هذا الرقيب؟ # لم يشرع همام في بحث هذه المسألة حتى وضح له أنها مشكلة كثيرة الشعاب. # فخطر له في بداية الأمر أن يستعين برجل يؤدي هذه المهمة وينقده على ذلك أجرا ~~يرضيه. # ثم قلب الأمر على وجوهه فرأى أن هذا الرجل المستأجر يحتاج إلى رقيب عليه لضمان إخلاصه ~~وجده وحسن التبصر في عمله، فإذا بغير رقيب فأغلب الظن أنه يأتي في آخر كل نهار ومعه كشف ~~طويل عريض بأجور السيارات والجلوس على القهوات ورشوة الخدم والبوابين، ولا فائدة من جميع ~~ذلك غير التضليل والمراوغة والتشويق لاستطالة الرقابة واغتنام الأجور. # ثم تنقضي الأيام وهو لم يعرف شيئا ولا أعان على معرفة شيء. # وهبه عرف بعض الحقيقة أو عرف الحقيقة كلها، فهذا أخطر وأخسر ... لأنه يستغل معرفته كلما ~~احتاج إلى المال لابتزاز الإتاوات والإنذار بكشف الأسرار، فيوما يهدد السيدة ويوما يهدد ~~السيد ويوما يقارب الأقرباء والأولياء ويلوح لهم بما وراء الغطاء، ولعله يختصر الطريق من ~~أوله فيطلع السيدة على مهمته ويفسد الأمر فسادا لا صلاح بعده. # رقيب أجير لا ينفع في هذه المواقف. # ولن ينفع فيها إلا الصديق الصدوق. # نعم، لا ينفع فيها إلا رجل يعنيه أن يعرف الحقيقة ويؤمن قبل ذلك بأنها حقيقة تستحق ~~عناءها! فكم عندك ms034 يا همام من أمثال هذا الصديق؟ مئات؟ عشرات؟ آحاد؟ # إن الناس يحسبون «الضيق» محك الصداقة الذي لا يكذب ولا يخيب. # والناس في ذلك مخطئون. # لأن الصديق الذي ينجد صديقه في الضيق قد يتخلى عنه وينقلب عليه في أعماق السريرة. # وليست المعونة الصادقة هي المعونة التي تدخل في رقابة العرف أو في رقابتك أنت بينك وبين ~~صديقك، ولكنها المعونة التي لا حسيب عليها غير الضمير، ولا باعث لها غير اتفاق الهوى ~~وامتزاج الشعور. # كثير من الأصدقاء يعينون أصدقاءهم في الضيق لأن العرف يحمد لهم هذه المعونة ويتخذهم ~~مثالا للأمانة والوفاء وجميل الفداء. # وكثير من الأصدقاء يعينون المرء على الشئون التي يشعر هو بمعونتهم أو بتقصيرهم فيها؛ ~~لأنه يحمد لهم ما صنعوا ويجزيهم بما أسلفوا ويرد لهم ما أقرضوا. # أما الشئون التي لا رقابة عليها للمرء ولا للعرف فالمعينون عليها أقل من القليل، وهمام ~~أو غير همام سعداء إن ظفروا من كل ألف صاحب بواحد فذ من هؤلاء الأعوان. # في هذه الشئون يستطيع الصديق أن يقصر وأنت لا تشعر بتقصيره، وبما قصر ولم يؤمن هو ~~بأنه مقصر ملوم؛ لأنه لا يؤمن بجنون العاطفة ونزوات الهوى ... فكيف يتقي مغبة التقصير ويصبر ~~في سبيل ذلك على الجهد العسير أو اليسير؟ # وإذا انكشف تقصيره فمن ذا الذي يلومه؟ لعله يلقى يومئذ من المعذرة والثناء أضعاف ما ~~يخشاه من العذل والمذمة. # ذلك كله على أهون الفروض. # أما أصعب الفروض فهو أن تنقلب الرقابة إلى مطاردة، والمطاردة إلى اقتناص ... وليس أصعب ~~الفروض دائما بأبعدها وأندرها في الوقوع! # حيرة جديدة «نجا» إليها همام من الحيرة الأولى ... والحيرة الأولى باقية كما كانت في موضعها ~~القديم. # وإن هماما ليضرب أخماسه في أسداسه ويبرح في ضربه وإيجاعه إذا بالقدر يحل المشكلة العصية ~~أسهل حل مستطاع، وإذا بالسماء تنفتح على حين غرة ويهبط منها الرقيب المنشود! ~~- ماذا جاء بك يا أمين؟ ~~- جاءت بي إجازة أيام. ~~- ويحك! أنت طول عمرك تفصل من أعمالك بغير داع، أفما كان في وسعك هذه النوبة أن تنفصل ms035 ~~فصلا نهائيا يا لئيم! # قال أمين وقد فوجئ: لماذا هذا الاستعجال على الفصل؟ ما الخبر؟ # قال همام: الخبر أنك لازم لنا مدة طويلة ... أطول من أيام ... ولعلها أطول من أسابيع. # وسرد له المسألة بأقصى ما رآه صالحا من التفصيل والإسهاب، فلم يكذبه حدسه، وأسرع أمين ~~بالإجابة والموافقة، وأوشك أن يسرع بالشكر والتهلل كأنه كان يتمنى ما اقترح عليه، ووعد أن ~~يأتي بقصارى جهده في هذه الأيام القليلة ولا حاجة إلى الفصل المألوف! # لم يكن همام قد نسي أمينا في مشكلة الرقابة، وليس أمين بالصديق الذي ينسى في مشكلة ~~من قبيلها؛ لأنه يؤمن بالواجبات الشعرية أشد من إيمانه بجميع الواجبات الإنسانية، وهو ذو ~~أريحية ومروءة وصدق لسان وصراحة شيمة، ويحسب أن خيانة الصديق في العشق لا تقل عن الخيانة ~~في أقدس الحرمات، وبينه وبين المطاردة والاقتناص هذا الخلق المستقيم الجميل وشيء آخر غير ~~مستقيم ولا جميل! وهو أسنان عوجاء مثرمة ووجه كثير التجاعيد والغضون ... فإلى أن يمسخ طبعه ~~وتنصلح أسنانه ووجهه هو ولا ريب وفاق الشرائط من وجوه كثيرة، وأحق من الصحب قاطبة بالتذكر ~~والاعتماد. # إلا أن هماما تخطاه بادئ الأمر لسببين؛ أحدهما أن أمينا كان يومئذ يعمل بقرية بينها ~~وبين القاهرة مسيرة ساعات على جميع وسائل المواصلات: على القدم وعلى المطية وعلى السفينة ~~وعلى القطار أو السيارة. # وثانيهما - وأخطرهما - سهوات الذكاء التي اشتهر بها أمين، ويا لها من سهوات! فهي كعيب ~~ذلك الزنجي الذي يكذب في السنة أكذوبة واحدة ... وفي هذه الأكذوبة الواحدة قاصمة ~~الظهور. # فيجوز أن يكون إخلاصه هو كل المطلوب في هذه المواقف، ويجوز أيضا أن يكون هو المحذور، ~~وهمام وحظه ونصيبه بين الجوازين! وإليك المثال: # كان السيد أمين في إحدى إجازاته القصيرة ينزل بمنزل همام، ودق التليفون عصاري يوم في ~~مسألة عاجلة، فخف همام إلى الخارج وأوصى أمينا أن ينتظره ريثما يعود بعد نصف ساعة، وأن ~~يستقبل ضيوفا قادمين في هذه الآونة ويعتذر إليهم بعذر همام المفاجئ، ويبلغهم أنه سيرجع بعد ~~هنيهة ليقضي معهم الأصيل حسب الموعد، ms036 وقد عاد همام بعد نصف الساعة المقدور فلا أمينا ولا ~~ضيوفا وجد في المنزل! وكل ما وجده بطاقات الضيوف في عقب الباب عليها كلمات تشف عن الأسف ~~والاستغراب. # ولبث همام يقدر في ذهنه ما توهمه الضيوف من أسباب مغيبه المتعمد ولا مراء، فإنه لا يخرج ~~في هذه الساعة، وليس للضيوف إلا أن يعتقدوا كل الاعتقاد أنه راغ عن الموعد أو أخفى نفسه ~~وتركهم يرجعون على أعقابهم مسافة ليست بالهينة ولا بالقصيرة. # وبينما همام يستغرب خروج أمين ولا يدري ماذا أخرجه خاصة في هذا اليوم الذي سئل فيه ~~الانتظار، أقبل السيد أمين يحمل في يديه قازوزتين وقليلا من الفاكهة والحلوى وهو راض عن ~~نفسه رضى الرجل الضليع بمهام الأمور. # قال أمين وهو يخفي اعتزازه واغتباطه بحسن تدبيره وعرفانه بالواجبات التي ينساها الغافلون: ~~إنك يا صاح قد نسيت أن الثلاجة خالية وأن الضيوف قادمون، وقد ذهبت أحضر لهم بعض الشيء فعسى ~~أن يستطيبوه! # فضحك همام غيظا وعجبا من اهتداء صديقه إلى العمل الوحيد الذي لا ينبغي أن يعمل، ~~واعتقاده مع ذلك أنه هو الواجب الذي ينبغي دون سواه، وربت على كتف الصديق قائلا: أحسنت ~~أحسنت يا مولانا، وما عليك الآن إلا أن تعدو بالقازوزة والفاكهة في أثر الضيوف، فلا شك أنهم ~~منتظروها في الطريق! وأراه البطاقات وما هو مكتوب عليها، فما زاد على أن فغر فاه ونطق ~~بحكمته المأثورة كلما أدرك خطأه: «مدهش! حضروا وعادوا؟ ليس لهم حق! ... ما كان يصح أن ~~ينتظروا؟» # نعم، كان يصح أن ينتظروا، أما هو فلا يصح أن ينتظرهم في البيت. # وكان أمين وبعض صحابه يجلسون إلى منتدى على مقربة من مكتب «جماعة المؤاساة» وكلهم من ~~شراة نصيبها المكثرين، فارتفعت الجلبة والصياح من جانب المكتب ونهض أمين يستطلع الخبر، وعاد ~~بعد دقائق فجلس وعلى سيماه قلة الاكتراث وهو يقول: إنما هي النمر الأربع الكبيرة! # فانفجر الصحاب ضاحكين وأطالوا في الضحك، وأمين لا يدري مم يضحكون، حتى سأله أحدهم: ~~أواطلعت على النمر؟ # فأخذ يفطن لسهوته البارعة، وحاول أن ms037 يصلحها كعادته فقال: أوكنتم تريدون الوقوف ~~عليها؟ # فزادوا ضحكا وركبوه بالعبث من جميع نواحيه، وجعل هذا يقول له: «لا، معاذ الله! وهل يليق ~~أن نربح إلا الجنيه والجنيهين؟» وذلك يجذبه من كسائه ويصيح به: «يمينا لو ربحنا النمرة ~~الكبيرة لنقذفن بها في التراب، وهل ثمانية عشر ألف جنيه مما يساوي عناء السؤال؟» ... وذلك ~~يناديه: «اقعد يا شيخ اقعد، لا كانت النمر الكبيرة ولا كان من يسأل عنها، إنما القناعة كنز ~~لا يفنى، وإنما المعول على الدراهم والملاليم!» ... وآخر يصطنع الجد ويقول وصاحبنا يتوقع منه ~~الإنصاف: «لا، لا يا إخوان، أنا أعرف ما ينتظر أمين ... إنه ينتظر كشف الخسائر ~~والغرامات!» # فلم يجد الرجل مخلصا من هذه الحملة المتداركة إلا أن يلوذ هربا بمكتب المواساة ويرجع ~~إليهم بأرقام النمر الكبيرة ويقتحم في سبيل ذلك زحام المزدحمين الذي تلاحقوا من كل صوب في ~~تلك اللحظة، وتكوفوا حتى أغلقوا مسالك المكتب ... وعناء على كل حال أخف من عناء. # وأفلح الرجل، ووصل إلى الكشف، وكتب الأرقام الأربعة، ورجع بها ليقرأها على أولئك ~~المشاغبين الذين لا يرحمون، ولم يبق إلا شيء يسير جدا هو الذي فاته يحسب حسابه، وهو ~~قراءة الأرقام. # فإن الأرقام الملعونة تآمرت عليه مع المتآمرين، وأبت أن تنقرئ لا من اليمين ولا من الشمال ~~ولا من الأعلى ولا من الأسفل، وراح المسكين يجاهد ويعالج، وراحت هي تأبى وتصر على الإباء ... ~~ويحمر وجهه ولا فائدة! ويحملق ولا فائدة! ويحاول أن يفسر عجزه ولا فائدة! حتى رحمه أحد ~~الصحاب فانتزع منه الورقة فإذا هي تذكرة ترام، وإذا بالأرقام مكتوبة على صفحة التذكرة التي ~~تمتلئ بالكتابة، ومن ورائها صفحة أخرى يوشك أن تكون فارغة لم يلتفت إليها أمين لأنها - ~~لأمر ما لا يعلمه هو ولا يعلمه أحد - غير جديرة بالالتفات! # لقد كانت الحملة الأولى رحمة سماوية بالقياس إلى الحملة الأخيرة؛ فأينما تحول ببصره فثمة ~~لسان بارز أو تحية ساخرة أو تبويخة حاضرة، وهو صامت يغوص في أعماق القريحة عن المعاذير ~~والمسوغات، ولا تطمئن عزيمته الماضية إلى ms038 التسليم والاعتراف. # ومن عادته إذا اعتذر أن يجيء بطرفة أطرف من الأضحوكة الأصيلة التي أثارت الضحك ~~والمشاغبة، وعرف أصحابه ذلك منه فطفقوا يحرضونه على الكلام كلما بدرت منه تحفة من تحفه ~~المأثورات، وبالغوا في الإلحاح يومئذ لينظروا بماذا يتجلى عليه السهو المبارك بعد تلك ~~السهوات الألمعيات، فلم يخلف ظنونهم آخر الأمر فتكلم، وكان ما قال بيت القصيد وآية الآيات ~~في ذلك اليوم الخصيب. # انقلب من الدفاع إلى الهجوم، وقال لهم مستجمعا سكينته واعتداده: تترقبون ألوف الجنيهات! ~~تريدون أن تكسبوا ... وهل أنتم وجه مكسب، الله لا يكسبكم؟! إنني تعمدت أن أجيئكم بالأرقام، ~~واكتفيت بما أذكر من أرقام الأستاذ همام وأرقامي ولم أحفل بما عدا ذلك! وهل كنتم من ~~البلاهة والغفلة حيث تحسبون أنني أراجع لكم أرقامكم ومكاسبكم لأكسب منكم هذا الهراء الذي لا ~~تفلحون في غيره؟! # ويلاحظ أنه لم يختلق هذه المعذرة إلا بعد ما حصل الصحاب على الكشف وراجعوا الأرقام ~~ويئسوا جميعا من الأرباح، ولم يختلقها قبل ذلك مخافة أن يكذبه الواقع عند مراجعة الكشف ~~فيسقط في يديه. # إلا أنهم لم يتركوه ينعم بأكذوبته المهلهلة التي ساقه إليها الحرج والنكاية والمزاح ~~وراحوا يقولون له بعدما أوسعوه سخرا وأشبعوه هذرا: يا مكابر! أتذكر سبعين نمرة بين كبيرة ~~وصغيرة قرأتها منذ أيام ولا تذكر نمرا أربعا قرأتها منذ دقائق؟! طيب ... ها نحن أولا معك، ~~أعد علينا النمر الأربع ولك عن كل واحدة جنيه! # فحار وأبلس، ابتأس وعبس، وألقى يد السلم واستسلم، وزادت تجعيدة حديثة إلى جانب كل تجعيدة ~~قديمة في ذلك الوجه المشدوه. ~~••• # تلك نماذج غير منتقاة من سهوات السيد أمين حديثها وقديمها، نضعها إلى جانب إخلاصه ~~واستقامة طبعه فنفهم المركب الذي ركبه همام من تفويض الرقابة إليه، وأصدق ما يوصف به أنه ~~كالسفينة التي لها شق متين يكافح الأمواج والرياح، وشق هزيل محلول الدسر والألواح، ولا مناص ~~من السفر عليها، ولا أمان في البقاء على الساحل. # فأما الرقابة فلا حيلة غيرها. # وأما الرقيب فغير أمين لا يوجد. # وكل ما يملك همام ms039 من اختبار فهو الإكثار من التوصية والإلحاف في التحذير والمعاودة ~~بالتنبيه، وقد فعل جهده ثم أغمض عينه، وآوى إلى السفينة وهو يترقب الغور كما يترقب ساحل ~~النجاة. # | مضحكات الرقابة # ترى لو شهدنا حوادث الحياة كلها دفعة واحدة، هل تصعب أو تهون؟ وهل يقع أثرها في النفس ~~فاجعا أو مضحكا سخيفا مغريا بالهزء والابتسام؟ # تشغلنا الحادثة أياما وشهورا فلا نفكر إلا فيها، ولا نحسب أن في الدنيا أمرا جديرا ~~بالتفكير والاهتمام غيرها، ولا نظن أننا نطيق العيش ونصبر على البقاء لو تحقق ما نحذره ~~منها، ولا نرضى من أحد أن يستخف بها ويستكثر ما نعيره إياها من الهم والقلق والأهبة، ثم ~~تمضي الحادثة وتتبعها العاقبة بعد العاقبة فتصبح عندنا - نحن لا غيرنا - تسلية نرويها ~~ونضحك منها ونتفرج بها كما نتفرج برؤية المشاهد الفنية التي تقع لشخوص المسارح ~~الخيالية! # ترى لو رأينا الحادثة وعاقبتها، أو الحوادث وعواقبها، دفعة واحدة هل تكون كلها فاجعة ~~كما نراها في حينها؟ أو تكون كلها خفيفة مسلية كما نراها بعد فواتها؟ وهل يكون اجتماع ~~الحوادث بمثابة الفاجعة تضيفها إلى الفاجعة فلا تقوى النفس على احتمالها؟ أو تكون بمثابة ~~الشيء يلغيه ما بعده فيطفئ بردها حرها، ويذهب قيظها بشتائها؟ # سواء كان هذا أو ذاك يخطئ من يظن أن عبرة الايام تعلمنا الاستخفاف بالحاضر كما نستخف ~~بالماضي، فإنما هي تعلمنا الاستخفاف بالماضي ولا زيادة، ولو علمتنا أن ننظر إلى حوادث ~~اليوم كما ننظر إلى حوادث الأمس لحلت نسج الحياة وفكت خيوطها ومسحت أصباغها وتركتنا ~~أمام حياة لا لون لها ولا مادة! كما تجتمع ألوان الصورة الزيتية مرة واحدة بدلا من أن ~~تتفرق في مواضعها، فلا ملامح إذا اجتمعت، ولا أشكال ولا ألوان! # إن خير ما يتاح لأبناء الفناء أن يقلقوا ويضحكوا من القلق بعد فواته، فيأخذوا الدنيا ~~طبيعية فنية على هذا المنوال: طبيعية حين يعيشونها ويقلقون بشواغلها، وفنية حين ينظرون ~~إليها على البعد بعد ذلك كما ينظرون إلى روايات الخيال. # بدأت الرقابة وفاقا لما كان منظورا منها بغير اختلال: ms040 أمانة بالغة وشدة لا هوادة ~~فيها، ثم مضحكات لا تنقطع يوما إلا ريثما تنقضي عليها ثلاثة أو أربعة أعوام، أما في أوانها ~~فأيسر ما فيها يغيظ غيظ الجنون. # ومن اليوم التالي ظهرت أمانة الرقيب حرفا حرفا في كل جليلة ودقيقة، فطابقت رواياته كل ~~ما كان يعلمه همام من أخبار سارة التي تحكيها له طواعية أو التي يتحرى سؤالها عنها في ~~ثنايا الحديث، وما كان همام يطلع أمينا على مواعيده مع سارة، ولا على الساعة ولا على الجهة ~~التي ينويان اللقاء فيها، فكانت مطابقة الأخبار لهذه المواعيد وما يلحق بها من الحواشي ~~والملابسات مؤكدة لهمام ما كان يعتقده من صدق أمين وصواب الاعتماد عليه. # وجاء أثناء الرقابة يوم شات من أيام الزمهرير، عاصف قارس مطير، فأشفق همام أن يتصرف ~~أمين فيستبيح لنفسه إهمال الرقابة في ذلك اليوم ولا لوم عليه، إذ أين هي السيدة الرشيقة ~~الأنيقة التي تغادر دارها بين أوحال الأرض وسيول السماء؟ # إن أمينا لمعذور إذا هو استباح الإغضاء والهوادة في مثل ذلك اليوم المكفهر العبوس، ~~ولكن الذي يعرف سارة لا يعرف يوما هو أحق بتشديد الرقابة من ذلك اليوم؛ لأن هذه الأوقات هي ~~أوقاتها المختارة للتسلل والروغان، وفرق عشرين درجة في ميزان الحرارة الجوية لا يقابله فرق ~~مثله في حرارة جسمها الفتي المنيع؛ لأنها لم تعرف قط ما هو مدلول كلمة الزكام في الآناف ~~والأجسام. # أشفق همام من ذاك فهبط ملتفا في دثاره، وركب ساعة ليبلغ إلى المكان الذي يتربص فيه ~~أمين، فألفاه متربصا حيث يقيم كل يوم. # لا خوف إذن من هذه الناحية. # ولا غبار على نتيجة الرقابة في اليوم كله، فقد خرجت سارة فعلا قبيل العصر وعادت إلى ~~المنزل قبيل المغرب، ولم تذهب فيما بين ذلك إلا إلى منزل صديقة عزيزة لها كانت تناجيها ~~بأشجانها وتطلعها على أسرارها، فلم يشأ همام أن يكون مفرطا في التوجس والافتراض، ولم ~~يلاحظ إلا أن الخروج في اليوم المطير لزيارة صديقة أمر غريب مريب، واكتفى بتفسير هذه ~~الغرابة بأنها واحدة ms041 من غرابات «سارة» وبدواتها التي لا تتقيد بالعرف والاصطلاح ... ولو ~~أتيح له أن يعلم يومئذ - كما علم بعد شهور - أن الصديقة العزيزة لم تكن إذ ذاك في ~~المنزل ولا في القاهرة لما كبح ظنونه عن الإفراط في التوجس والافتراض. ~~••• # وأخلص أمين لطبعه كما أخلص لصديقه، فلم ينس حق السهوات عليه وبالغ في أفانينها ومعجزاتها ~~بمقدار ما كان يبالغ في اجتنابها والاحتراس منها. # وكان الرسم المتفق عليه بين همام وأمين أن يقص أمين كل ما يراه ويسمعه منذ خروج سارة من ~~منزلها إلى عودتها كائنا ما كان شأنه من التفاهة وقلة الدلالة في نظره، فلا يسقط شيئا ~~ولا يستهين بشيء وإن هان، وضرب همام مثلا لذلك لون الرداء وزي الملابس، فهو شيء لا يختلف ~~مدلوله في رأي أمين، ولكنه يدل على الكثير في رأي همام، وضرب مثلا آخر أن تركب السيدة ~~الترام فتتخطى مقصورة السيدات إلى مقصورة الرجال، أو تتخطى هذه وتلك إلى كراسي الدرجة ~~الثانية، فلا يمكن أن يكون ذلك بغير دلالة تقترن بدلالة أخرى فتعين على جلاء الحقيقة، ~~وهكذا من أمثال هذه الطفائف والقرائن التي لا غنى عنها للوصول إلى نتيجة من وراء الملاحقة ~~والرقابة. # ولم يكن في سرد هذه المشاهدات صعوبة على أمين؛ لأنه كان مطبوعا على التقاط ما يبصر ~~ويسمع، ومحاكاة ما يلتفت إليه من اللهجات والحركات والإشارات، فجاء يوما بعد مراقبة نهار ~~كامل بحكاية ما شك همام وهو يسمع أوائلها أنه لن ينتهي إلى أواخرها حتى يضع يده على لباب ~~الحقيقة ويتطرق منها إلى النبأ اليقين. # قال: لقد خرجت السيدة عصرا تلبس رداء عنابيا ومعها طفل صغير، فذهبت إلى بيت صعدت ~~إلى دوره الأعلى ثم نزلت ومعها سيدة تكبرها بعدة سنوات، ومضتا إلى دار من دور الصور ~~المتحركة في شارع عماد الدين فجلست أنتظرها على القهوة الملحقة بالدار، ولم يمض نصف ساعة ~~حتى خرجت وحدها وليس معها الطفل ولا السيدة ...! # ما شك همام حين وصل أمين إلى هذه المرحلة من حكايته أن في الأمر شيئا ، وأنه ms042 يتعقب الأثر ~~الصحيح إلى النتيجة الصحيحة. # نعم، إن أمينا أخطأ إذ لم يدخل معها إلى قاعة الصور المتحركة، ولكن خروجها بعد ذلك قد ~~أصلح ذلك الخطأ وعفى عنه ... وما يراه بعد الخروج هو المهم، وليس ما يراه في القاعة إن رأى ~~هناك ما يستحق الالتفات ... وإلا فلماذا تخرج بعد نصف ساعة؟ ولماذا تخرج وحدها؟ وذلك الثوب ~~العنابي أليس هو الثوب الذي تحب أن تتزين به لخلوتها وتحسبه أجمل عليها من سائر ~~ثيابها؟ # فالحقيقة إذن على مدى خطوتين، ويستر الله فلا يعثر أمين بإحدى سهواته في إحدى هاتين ~~الخطوتين، وماذا عسى أن يعثره بعد هذا المدى؟ وكيف يعثر يا ترى؟ ذلك بعيد ... وأغلب الظن أن ~~الأمر سينكشف وأن الغاشية ستنجلي، وإن ليل الشكوك والهواجس المضطربة سيسفر بعد لحظة عن ~~فجر صادق بين. ~~- ثم ماذا يا أمين؟ # ثم سهوة من تلك السهوات التي تنقض في صدمة المباغتة، والتي لا ترد على البال ولا تقع في ~~الأوهام، والتي يخيل إليك أن أمينا لم يعثر بها إلا لأنه تعمد أن يعثر بها وأصر على ~~تدبيرها؛ لأن ما صنعه هو الشيء الوحيد الذي لا ينتظر أن يكون. # اعتدل أمين في مجلسه واتكأ على عصاه، وقال في راحة الذي لم يضيع أقل فرصة وأقصى احتمال: ~~إن السيدة لم تعد بعد خروجها من دار الصور المتحركة! ~~- ويحك! وإلى أين ذهبت؟ ~~- لا أدري. ~~- وكيف لا تدري؟ ألم تتبعها؟ ~~- لا، لأنني ما شككت في أنها خرجت لحاجة لها ثم تعود ... ولا يليق أن أتبعها. # فانتفض همام وهو يغالب غيظه وسخطه وصاح به: يا أخرق! أليس في دار الصور ما يغني سيدة ~~مهذبة عن الخروج إلى منعطفات الطريق؟ # ففطن أمين ساعتئذ لسهوته «الجبارة» ... وأخذ في تمحل الأعذار والمسوغات، وهو - على صدقه - ~~لا يتورع في هذه الأزمات المحرجات عن أكذوبة صغيرة يتقي بها التهزئة والتسخيف أشد من ~~اتقائه الملامة والتعنيف، وقال: الواقع أنني صادفت والدي عابرا فحياني وجلس معي وخشيت إن ~~أنا تبعت السيدة فجأة أن يستريب ويتكدر، فلبثت في مكاني ms043 على رجاء أن تعود. # ومن الجائز حقا أن تكون السيدة قد ذهبت ولم تعد؛ لأنها واعدت صاحبتها أن تلقاها في ~~مكان اتفقتا عليه، ولكن إلى أين ذهبت؟ ولماذا ذهبت؟ # هنا الحيرة التي لا تدع للذهن أن يتجه خطوة إلى اليمين حتى يرجع فيتجه خطوة مثلها إلى ~~الشمال، ثم يتبلد حائرا في موقفه لا إلى هنا ولا إلى هناك. # في الحي الذي قصدت إليه بيوت فيها مخادع محجوزة لطلاب الغواية، وفيه أسرتان بينهما ~~وبين سارة ولاء وثيق، وبعض الأطفال في إحدى الأسرتين مريض، ويجوز أن تكون سارة قد ذهبت إلى ~~مخدع من مخادع الغواية كما يجوز أنها ذهبت لسؤال عن الطفل ولم تصطحب طفلها خوفا عليه ~~من العدوى، وما عدا ذلك من الاحتمالات يتقابل ويتوازن بحيث لا ترجح كفة على كفة، وإن رجحت ~~إحدى الكفتين فإنما ترجح بالتخمين والتقدير، وليست الرقابة للتخمين بل لليقين القاطع المفصل ~~الذي لا لبس فيه. # ويجيء أمين في يوم آخر بنبأ من هذه الأنباء التي تدنو بهمام إلى مدى خطوتين من الشاطئ ثم ~~تقذف به في لمحة عين كما يقذف الموج الغريق إلى مدى آباد لا تعبر، وقد حدث نفسه ~~بالنجاة. # ذهبت السيدة إلى دار الصور المتحركة ولقيها شاب مديد القامة، فحمل الطفل وقبله ودخل ~~معها إلى الدار، وودعها بعد الانصراف إلى أن ركبت الترام الذي يصل بها إلى المنزل، فتبعها ~~أمين ولم يتبع الشاب الذي هو موضع البحث والسؤال! # وتضاربت الظنون في وهم همام حتى كانا بعد يومين يسيران هو وأمين في الطريق، فأوشك أمين أن ~~يقفز من جانبه ويعدو وراء شاب مقبع طويل وقد صاح في صوت مسموع: هذا هو الشاب! # فلم يمنعه همام أن يستمر في صياحه وعدوه إلا بمشقة، وأدرك الشاب وتبينه، فمن رأى أمامه؟ ~~... أخاها! # ولا ذنب لسهوات أمين في هذه القصة إلا في غفلته عن متابعة الشاب وإيثاره أن يتابع السيدة ~~بعد ركوبها الترام ... كأنما المقصود أن يعرف منزلها لا أن يعرف من كان معها، أما البقية ~~فالذنب فيها ذنب ms044 همام؛ لأنه كتم عن صاحبه كل ما يتعلق بسارة غير شخصها ومسكنها؛ حذرا من ~~سهواته لا حذرا من نياته. ~~••• # ولزمت سارة مسكنها يوما لا تريمه إلى زيارة ولا إلى مسرح، وتلك نادرة لم تتكرر فيما ~~عدا أيام حفلاتها وولائمها غير مرات معدودات؛ فليس لسارة عالم تعيش فيه غير عالم الدنيا ~~الواسعة وعالم الحب والمحبين. # أما عالم الضمير الذي يروده الإنسان وحده ويأنس فيه إلى التفرد والوحشة فذلك أبغض العوالم ~~إليها وأثقلها وطأة عليها، لا تمكث فيه هنيهة إلا بإغراء كتاب، وقلما يكون الكتاب عندها إلا ~~منفذا إلى الدنيا الواسعة، ودنيا الحب والمحبين. # فسنحت لهمام خاطرة أن يجرب الرقابة داخل المنزل لعل هناك أحدا تحوم حوله شبهة ويصلح ~~لاتجاه المظنة، ولما سأل أمينا عن النور في جناح سارة من أين كان مصدره في ذلك اليوم، علم ~~أنه كان يصدر فيما بين الساعة السابعة والساعة الثامنة من الحجرة التي يعلم همام أنها حجرة ~~النوم، وهي حجرة لا تأوي إليها سارة إلا لتنام، ولم تتعود أن تستقبل زوارها ولا أن تقرأ في ~~غير حجرة الاستقبال، ولم تختل تلك الوتيرة سنوات كان همام يجاورها فيها ويلم بجميع ~~عاداتها وحركاتها في منزلها، فلماذا تختل في ذلك الموعد من المساء؟ لماذا تختل القاعدة في ~~الموعد الذي تكون فيه على انفراد بعد نوم الطفل وانصراف الخادمة؟ # ربما كانت الرقابة داخل المنزل ألزم وأجدى من الرقابة خارجه ولو يوما من الأيام، وقد أدى ~~أمين رسالته في هذه الرقابة الجديدة وخاب كما خاب في غيرها، لولا أن الخيبة هنا كانت مشفوعة ~~بخطر الضرب المبرح والفضيحة الشنيعة، فما سلم منه إلا بأعجوبة من أعاجيب السياسة! # ذلك أنه ولج المنزل متسللا وصعد السلم متلكئا ليقرأ الأسماء التي على الأبواب، ولمحه ~~فتى يهبط من أعلى المنزل فظن أنه يتلصص أو يتجسس، وليس التجسس ببدع في ذلك الحين. # فانتهره الفتى مزدريا، وناداه متأففا: مالك تتسكع على الأبواب يا هذا؟ ماذا ~~تريد؟ # ولم يكن أمين بالذي يتراجع إذا هوجم، ولا بالذي يلين إذا خوشن، ms045 وقد تملكه الربكة إذا ~~خوطب في رفق وأدب واضطر إلى تدبير الجواب وتحضير المعاذير، فأما إذا قوبل بالتوقح ~~والإهانة فلا ربكة ولا عناء ... إنما هي دقة بدقة وصيحة بصيحة، وصفعة بصفعة، إذا استطرد ~~اللجاج إلى هذه النهاية. # فما حفل أمين بالفتى ولا زاد على أن نظر إليه متجهما متجعدا وقال: امض في سبيلك، فليس ~~هذا من شأنك! # ولقد دهش الفتى والتفت إليه مذهولا وهو يتمتم: ليس من شأني كيف؟ إنني أسكن هنا ... إن في ~~المنزل آلي وحرمي! يا لها من أعاجيب! يا لها من صفاقة! # ولكنه مع ذلك نزل، وسمعه أمين ينادي على البواب من أقصى الطريق ويقول له: أين أنت؟ وماذا ~~عساك أن تصنع إذا كنت تسمح لهذا الجاسوس أن يقتحم البيت ويتسمع على الأبواب؟ # جاسوس؟ # لقد سلم أمين بفضل الجاسوسية والخوف من الجاسوسية، ومن ذا يضرب الجواسيس ووراءهم قوة ~~الشرطة وقوة الدولة وكل قوة تخاف في تلك الأيام؟ # سلم أمين من الضرب وهبط السلم يتهادى غير هياب ولا وجل! وألهمه الله أن يتشمخ بأنفه ~~ويزجر البواب قائلا: أنتم تأكلون بغير عمل، أنتم لا تستحقون أجوركم ... لقد صفقت وناديت ~~فما أجابني أحد، ولقد حاولت أن أراك لأسألك عن جناح فما اهتديت لك إلى شبح، ولو سكنت في ~~هذا البيت لما أبقيت عليك! # فقبع البواب واستخذى، ولاح له أنه غانم سالم إذا انجاب هذا الرجل السليط سواء كان جاسوسا ~~أو باحثا عن مسكن، وتركه ينفتل لطيبته وهو يتبعه بقوله: معذرة يا بك! لا بأس يا بك! حقك ~~علينا يا بك! # وافترقا وكلاهما يحمد الله على النجاة. # إلا أن أمينا قضى منذ تلك الساعة على مستقبله في الرقابة مضروبا وناجيا أو غير ناج! ~~فما كان في وسعه أن يتراءى وهو آمن على جلده «حول مكان الواقعة» كما يقولون في لغة الشرطة ~~قبل أن تنصرم أيام وأيام ... وشاءت المصادفات إلا أن تكون الخسارة عظيمة، فإن عناء الرقابة قد ~~ضاع بغير جدوى، وأن الإجازة قد قاربت الانتهاء. # | القطيعة # حصلت القطيعة ولم تسفر الرقابة ms046 عن نتيجة. # حصلت ولم يردها أحد، ولم يغتبط بها أحد، كأنها مخلوق قائم بمعزل عن أبويه، تريد له بنيته ~~المستقلة ما تريد ولا يريد لنفسه أو يريد له أبواه، يمرض وينحل ويموت وهو لا يريد الموت ولا ~~يريده له القوامون عليه، بل كأنه الجنين الذي استوفى حمله فلا بد له من الظهور ولو ماتت ~~أمه وانفطر قلب أبيه. # أولم يقل همام إنه لن يفرط في هوى سارة ولن ينفصل عنها إلا وهو واثق كل الوثوق من ~~خيانتها، وعاجز كل العجز عن صيانتها؟ # أولم يقل إنها حلية مونقة إن غلت سومت بكنوز الأرض وذخائر البحار، وإن رخصت هانت ~~على السوام والصيان؟ # أولم يقل ذلك ويعتزم العزم كله ويستجمع النية كلها على أن لا فراق ولا قطيعة إلا وقد ~~عرف ما تساويه من قيمة وما تستحقه من غيرة وضنانة؟ # بلى، قال كل ذلك، ونوى كل ذلك، ولكن الحب الذي أوحى إليه كل ذلك قد فسد وانحل ومات، ولم ~~يبق إلا أن يدفن! وأن يحمله إلى الدفن أبواه! وهما آخر من يود له الموت، ويخف به إلى ~~ذلك المصير. # لو كانت المسألة قضية تنظر وحكما يصدر بعد نظرها لكان عجيبا أن تثبت القطيعة قبل ~~ثبوت الخيانة، وأن تقع العقوبة قبل وضوح الجناية. # ولكن من هو القاضي هنا؟ ومن الجاني؟ ومن الفريسة؟ ومن صاحب الفصل وشارع ~~القانون؟ # هنا قضية لا تلمح فيها قاضيا حتى تراه جانيا وتراه فريسة وتراه مقضيا عليه، فلا حكم ~~ولا براهين ولا شريعة! بل حادث من حوداث القدر ينقض كما تنقض الصاعقة، أو يشتعل كما ~~تشتعل النار. # هنا عناصر طبيعية لا تسأل فيها ماذا تنوي وماذا تريد؟ بل تسأل فيها ماذا عملت بعد أن ~~تعمل، كالذي يهرب من السيل ليقع في الهاوية، وكالذي يهرب من البركان ليقع في اللجة الزاخرة، ~~وكالذي يهرب من النمر ليبتلعه التمساح، وكالذي يهرب من الرصاص لتنوشه الرياح، كل ما أنت ~~قادر أن تجزم به هنا أنه لن يستطيع البقاء حيث كان ... وهل يستطيع البقاء حيث ms047 صار؟ كلا! ولا ~~هنالك يستطيع البقاء. # فإذا سألت لماذا اعتزم همام القطيعة بعد أن كان يعتزم التربص والمطاولة، فليس سبيلك أن ~~تعلم أنه آثر القطيعة وحمد مغبتها واستمرأ مذاقها، وإنما سبيلك أن تعلم أنه لا قرار على ~~ما كان فيه، وأنه مدفوع إلى الهرب منه كما يندفع الهارب من النمر إلى التمساح. ~~••• # في أيام الرقابة وبعدها بأسابيع قليلة تكررت الزيارات وتسابق همام وسارة في الاستزادة ~~منها وهما يتكلفان، ولا يجهلان أنهما يتكلفان. # أجل، ما كانا يتمليانه من سويعات الهوى في تلك الأيام إنما كان بالقياس إلى هواهما الخصيب ~~المطواع كالثمار المحفوظة في العلب بالقياس إلى الثمار على أشجارها بين غياضها ~~وأنهارها. # ولم يكن همام يصور لحدسه كيف تشعر سارة بتلك السويعات المصطنعة، ولكنه هو كان يشعر شعورا ~~لا يزال يعاوده ويبرز أمامه كلما جهد في تبديله والإشاحة عنه بخياله، كان يشعر كمن يلهو ~~ويتلاهى على مقربة من جنازة وفي جوار مقبرة، فمن حيثما أقبل أو أعرض فهنالك ظلال الموت، ~~وكآبة الفناء، وسوانح الأحزان. # ومن أعجب ما كان يتمثله وهو يداعبها ويعانقها ذات يوم سرير شيخ محتضر يتابع التدخين ولا ~~يلقي بلفيفة إلا أومأ إلى من حوله في طلب لفيفة أخرى. # وما كان الشيخ يصنع ذلك قبل أن يثقل عليه السقام ويتدانى منه شبح الحمام، ولكنه كان يدخن ~~مرة فدخل عليه همام عائدا، واستبشر قائلا: بركة يا عماه! إن الذي يتطعم الدخان يتطعم ~~العافية، وأراك تتقدم إلى الشفاء إن شاء الله. # ومن تلك الساعة لم تعد للشيخ وسيلة يحاذر بها وهم الموت غير التدخين كلما شارف اليقين، ~~فهو يتبع اللفيفة بأختها ليقنع نفسه بأنه يشتهيها، وأنه ما دام يشتهيها فهو على رجاء في ~~العافية والبقاء. # لقد كان يدخن ويبالغ في طلب التبغ خوفا من خيال الموت لا سرورا بموالاة التدخين، وما ~~أقرب هذه الصورة الفاجعة مما كانت فيه سارة وهمام. # لقد كانا يحرقان من لفائف الحب أضعاف ما أحرقا في عنفوانه وانطلاق طوفانه، ولكنهما يفرطان ~~في الحب ويتكلفان الإفراط لشعورهما بقنوطه ms048 لا لشعورهما برجائه، ولإقبالهما على شتائه الأجدب ~~لا لإقبالهما على ربيع بهجته وروائه. # وكانا في عنفوان الهوى يتشاجران ولا يباليان الشجار، ويتغاضبان ولا يجفلان من الغضب، ~~ويختلفان ويلحان في الخلاف ولا يتحرزان من الخلاف والإلحاح، جسم فتي قوي فماذا تضيره ~~هبة من عاصفة أو لفحة من هجير؟ # فلما شاخ الحب أجفلا من الغضب والخلاف، كما يجفل الشيخ الهرم من غضبة تنذر بالقضاء ~~عليه، فلا هما هانئان بوئام ولا هما قادران على خصام. # سرور مشكوك فيه، وإن غاب عنه الشك فهو هزيل. # وألم حق لا شك فيه، ثم يتلو اللقاء فيزيد هماما علامة من علامات الخيانة التي ليس بعدها ~~من إقناع عنده غير يقين اللمس والعيان. # وإنهما ليدافعان الغضب والخلاف ويطاولان المغالطة والمراء إذا بالغضب يدفعهما في شلاله ~~بين صخوره وأوحاله، فيندفعان ويندفعان كأبشع ما يكون الهياج والثوران، وكأنما هما نادمان ~~على ما كان من مصانعة وبهتان. # كلا، لا جدوى من المراء، لا بقاء لهذه الحال، لا مناص من الفراق، إن كان لا مناص منه ... ~~ولا مناص! ~~••• # كانا يتلاقيان - إذا لم يتلاقيا في المنزل - عند مفترق طريق في الضاحية ينشعب يمينا ~~إلى ناحية الصحراء، ويسارا إلى ناحية الأندية ودور الصور المتحركة، وكانت تلمحه مقبلا ~~فتسبقه خطوات إلى حيث تواعدا من قبل؛ فإما في الصحراء أو في بعض الأندية يدخلانها على ~~انفراد. # وقد تواعدا - بعد أسبوع من تلك الغضبة الثائرة - على اللقاء عند ذلك المفترق من الطريق، ~~ليعطيها أوراقها وصورها وذكرياتها ويسترد منها أوراقه وصوره وذكرياته، ثم يفترق كل منهما في ~~طريقه إلى حيث يختفي من حياتها وتختفي من حياته. # وقبل الموعد بساعة أخذ في جمع تلك الأوراق ومراجعتها ليعلم منها ما هو مطلوب وذو بال وما ~~هو مهمل ومطروح، فيا لله كم تبلغ الورقة الخفيفة من وقر وفداحة! وكم تختلف المعايير ~~والأحجام في موازين الأكف والأذهان! لقد كانت الرسائل والصور والهدايا كلها لا تملأ حقيبة ~~صغيرة تحملها اليد الواحدة، ولكنه كان يحمل الورقة منها وكأنما يزحزح جبلا راسخا يشل ~~السواعد والأقدام ms049 دون صخرة واحدة من صخوره. # ومشى إلى الموعد مشية لا اختيار فيها ولا إكراه، مشية الرجل الذي يسعى بقدميه إلى غرفة ~~الجراحة ليبتر عضوا من أعضائه غير آمن أن يكون في بتره الموت، أو مشية الأمهات اللواتي ~~كن فيما مضى يحملن فلذات أكبادهن إلى مذبح الأرباب قربانا غير رخيص ولا مزهود ~~فيه. # وسبقها إلى الموعد فانتظرها دقائق معدودات لاحت له كأنها آباد، ولكنه في الواقع كان يتمنى ~~لها الفوات. # ثم أقبلت في ثوبها العنابي وطرتها المشتهاة! ونظرت إليه وهمت أن تنحرف إلى ناحية ~~الصحراء ... ثم؟ إنهما اتفقا على اللقاء لحظة في مفترق الطريق يأخذ منها ويعطيها ولا حاجة ~~بهما إلى مراجعة، وكانت الطريق في تلك الساعة خالية إلا من عابر بعيد أو عابرة بعيدة، ~~ففيم انحرفت إلى ناحية الصحراء ولو شاء المراجعة هنالك لما أعانهما غبش المساء؟ إنه حكم ~~العادة على ما يظهر. أما هو فكل ما ساوره في تلك اللحظة خشية الانفراد والأمن من الأنظار، ~~وخشية ما يزجيه الموقف المنفرد من كلمة أو عبرة أو نظرة وجيعة، وخشية الوهن والتردد ~~والإرجاء، وخشية العودة من البداية إلى التيه المفزع الذي أشرف في تلك اللحظة على النهاية، ~~وتلك جرعات لا يطيب للفم أن يترشف منها كل يوم. # أخذ منها وأعطاها، وسلم ولم تجبه، أو سلمت ولم يجبها، أو نسيا السلام والوداع معا، ~~لا يذكر، وافترقا في طريقين متدابرين. # لو كان همام في غير ذلك الموقف لتذكر وقال وتدبر؛ تذكر مفترق الطريق بالأمس وتذكر مفترق ~~الطريق في هذا المساء، وقارن بين لقاء قلما يضن فيه بشيء ولقاء قلما يجاد فيه بسلام ~~الوداع الأخير، ولكنه كان مغمور الفؤاد في جو من الغم واليأس كجو الضباب الكثيف، لا ~~تسترسل فيه العين إلى مدى بعيد، ولا ترى ما حولها إلا في غلاف من نسيج الأطياف، وكل ما ~~يذكره بعدما افترقا أن جسما غاب عن النظر ولم يشيعه وهو يغيب. # وسار في وجهة المنزل وكأنه يريد أن يبتعد منه لا أن يدنو إليه بخطاه، وفي يده ms050 حقيبة صغيرة ~~لا يدري ماذا يصنع بها، ويزعم أنه يود لو ألقاها في عرض الصحراء لولا ما فيها من حديث ~~يصونه عن الإفشاء ... يزعم ذلك ويفهم من حيث لا يشعر أن ساطيا لو سطا على الحقيبة في تلك ~~اللحظة ليمزقها ويحرقها لذاده عنها كما يذود الشحيح عن بقية ما لديه من حطام. # ثم دخل المنزل وتهافت على أقرب كرسي في أقرب حجرة، فلو شهده شاهد يجهل ما كان فيه لخاله ~~قادما من مسيرة أيام لا مسيرة لحظات ... # وكان في المنزل عشير قديم يعلم أين ذهب ومن أين عاد، فلما طال سكوت همام وعزوفه قال له ~~صاحبه يمازحه ويسليه: علام أنت آسف يا صاح؟ هل تركت فيها من بقية وطر تشتهيها؟ هل عندها ~~من متعة لم تستوف شبعك منها؟ فما بالك تأسى وتكتئب وقد أراحك الله من رفاتها بعد أن ~~نعمت بروحها ولبابها؟ # عزاء حسن حين تكون المرأة التي تفقدها مائدة تفرغ منها وقد أتيت على آخر لقمة منها، أما ~~حين تكون جزءا من الحياة لا تنفصل إلا فصلت معها من لحمها ودمها وظاهرها وباطنها، فذلك ~~أضعف العزاء، بل هو نقيض العزاء. # إنما يعزيك الزميل الذي تحسه قريبا بشعور مثل شعورك، ولقد يغنيك من عزائه إحساسك بقربه ~~ساعتئذ وهو صامت واجم، دون كلام ولا إيماء. # أما الكلام الذي سمعه همام من صاحبه وهو في جواره فقد تركه يصغي إليه كأنه يتسمع ~~ألفاظا مغلقة من هاتف لا يراه. # | من هي؟ # من هي سارة؟ # من هي الفتاة التي مشينا معها هذا الشوط ولا نعرفها، والتي رأينا منها خطوطا ولم نر ~~منها صورة، والتي قرأنا عنها كلمات كثيرة ولكنها كلمات بينها كثير من الفواصل، وحروفا ~~كثيرة ولكنها يعوزها كثير من الإعجام؟ # هي شيء يعرف ولا يعرف ... # أنتكلم بلسان الصوفية؟ كلا، بل بلسان العرف المقرر والمشاهدات اليومية، فإن سارة بنت من ~~بنات الواقع الحي الملموس ... وبنات الواقع هن اللواتي نعرفهن جيدا ولا نعرفهن جيدا، ولو ~~كانت من بنات الخيال لما بقي منها شيء مجهول . # وليس ms051 بالنافع أن نصفها كما كان يراها همام في أيام صفوه وهيامه، أو نصفها كما كان يراها ~~في أيام نفوره واشمئزازه، أو نصفها كما كان يراها وهو على القرب سائم، أو كما يراها وهو على ~~البعد مشوق، ولكننا قد نصفها مزيجا من جميع هؤلاء فنخلص من وصفها إلى صورة تشبه «سارة» ~~التي خلقها الله، وتشبه سارة التي يذكرها همام بعد زوال الغاشية وانقضاء السنوات. # هي جميلة؛ جميلة لا مراء، ليست أجمل من رأى همام في حياته ولا أجمل من رأى في أيام ~~فتنته وشغفه، ولكنها جميلة جمالا لا يختلط بغيره في ملامح النساء، فلو عمدت إلى ترتيب ألف ~~امرأة هي منهن لنظمتهن واحدة بعد واحدة في مراتب الجمال المألوف، ونحيت سارة عن الصف ~~وحدها ... وإن كنت لا تنكر - ولا تبالي أن تنكر - أنها تأتي بعد مئات. # لونها كلون الشهد المصفى، يأخذ من محاسن الألوان البيضاء والسمراء والحمراء والصفراء ~~في مسحة واحدة. # وعيناها نجلاوان وطفاوان، تخفيان الأسرار ولا تخفيان النزعات، فيهما خطفة الصقر ودعة ~~الحمامة. # وفمها فم الطفل الرضيع لولا ثنايا تخجل العقد النضيد في تناسق وانتظام، ولها ذقن كطرف ~~الكمثرى الصغيرة، واستدارة وجه وبضاضة جسم لا تفترقان عن سمات الطفولة في لمحة الناظر، وبين ~~وجهها النضير وجسمها الغضير جيد كأنه الحلية الفنية سبكت لتنسجم بينهما وفاقا لتمام ~~الحسن من كليهما، فليس هو جيدا كأي جيد، ولكنه الجيد الذي يوائم بين ذلك الوجه وذلك ~~القوام. # يتخطاها من يراها على عجل، ثم يعود مدركا أنه قد تخطى شيئا لا يفات، فليست من الروعة ~~بحيث تقسرك على التحديق إليها، وليست من سهولة المرأى بحيث ترسلك ناجيا في سبيلك ... قوام ~~بين هذا وذاك، أو طراز آخر غير هذا وذاك. # لو تكفل بها مدير معهد من معاهد التجميل الحديث لخفف شيئا من قوامها الرداح بين ~~الربعة والطويل، قبل أن يبرزها في معرض الرقص والرشاقة. # ولو تكفل بها قهرمان القصر عند كسرى أو عبد الحميد لما ضاره أن يزيد فيها حيث ينقص ~~زميله الحديث، قبل أن يزفها ms052 إلى الشاهنشاه. # حزمة من أعصاب تسمى امرأة. # وهيهات أن تسمى شيئا غير امرأة. # استغرقتها الأنوثة فليس فيها إلا أنوثة، ولعلها أنثى ونصف أنثى؛ لأنها أكثر من امرأة ~~واحدة في فضائل الجنس وعيوبه، لا لأنها أضعف من امرأة واحدة. # ولقد يخيل إلى الإنسان في أحايين أن يتمم مخلوقا ببضعة من مخلوق، وأن يسوي تكوينا ~~بتكوين، ويمزج عنصرا من الأبدان بعنصر، فامرأة يتممها رجل، وآدمي يتممه حيوان، وطلعة فتاة ~~يتممها قوام وأبوة أحرى أن تنتقل إلى أمومة، وأشباه ذلك من أخيلة المزج والتركيب. # أما هذه المخلوقة فلو انتقل عصب منها إلى تكوين ليث غضنفر ليبقى هنالك عصب أنثى بين جميع ~~ما حوله من ألواح وأمشاج، ولو بقي ألف سنة. # ولو أنها تفرقت بين أجسام شتى لكانت فيها خميرة أنوثة يوشك أن تطغى على جميع تلك ~~الأجسام. # شغلتها جواذب الجسد قبل أن تفقه معناها وتسمع باسمها ومسماها، فلما كانت بنية دراجة ~~في المدرسة ذهبت يوما إلى كرسي الاعتراف تستغفر الكاهن عن مخالفة وصية من الوصايا العشر ~~التي حفظتها، وتتوب من مقارفة الخطيئة التي دعوها في المدرسة «ترفا» على سبيل الكناية! ~~فذعر الكاهن ولم يصدق ما يسمع، واستعادها مرة بعد مرة وهي آخذة في ذعر كذعر الكاهن من مس ~~العدوى ورهبة الصوت ... ماذا؟ فيما دون العاشرة وبين جدران مدرسة ليس فيها إلا البنات تزل ~~بنية لم يكعب ثدياها وتقترف أم الخطايا التي يقترفها النساء والرجال. # وما سكنت بلابل الكاهن المذعور حتى بدا له من لهجتها أنها لا تفقه ما تقول، وأنها بمحاكاة ~~المعترفات لأنها أحبت أن تصنع مثل ما يصنعن، وبحثت عما تعترف به فلم تجد غير هذه ~~الخطيئة التي تجهلها، وقد نجت الخاطئة الصغيرة بعركة أذن وجيعة، ثم ذهبت تسائل الزميلات ما ~~هذا الذي ذعر منه الكاهن ذلك الذعر الشديد؟ فلا تفوز بغير ضحكات وغمزات. # قال لها همام وهي تحكي له حكايتها: لقد حسب لك اعترافك قبل أوانه ... ولئن اعترفت بالأمس ~~وما أخطأت فلأنت اليوم تخطئين وما تعترفين. # وعاشت بعد ذلك تنظر إلى ms053 خطايا الأديان نظرة المرأة الوثنية التي نشأت قبل أن ينشأ ~~الأنبياء، فهي ليست كالمتدينة التي خامرها الشك في دينها، ولكنها كالمرأة التي لم تتدين ~~قط ولا قبل لها بالتدين، عن نزعة طبيعية فيها لا عن بحث ونقاش واطلاع، ومثلها كمثل ~~الطفل يأكل الحلوى خلسة إن لم يأكلها جهرة، وآباؤه مع ذلك هم الملومون لأنهم منعوه، ~~وليس بالملوم لأنه اختلس مالا بدله من اختلاسه! # ليست غواية الجسم عندها كجوع الحيوان يشبعه العلف، ولا كضجر المدمن يخدره العقار، ولكنها ~~كرعدة الحمى وصرعة الفرح الجموح يتبعها النشاط والمراح كما يتبعها الإعياء والبكاء. # لها فراسة نفاذة في كل ما بين الجنسين من علاقة، لو حصلتها بالتعليم والتلقين ~~لاستغرقت أعمارا إلى جانب عمرها في القراءة، ولكنها تفطن لما في نفس المرأة لأنها امرأة، ~~وتفطن لما في نفس الرجل لأنها امرأة، وبعينها ذكاء موصول بالفطرة وتعبير يتضح في ذهنها وإن ~~يتضح بعض الأحايين على لسانها. # والحق أن هذه الفتاة كانت في معرفتها بطبيعتها الأنثوية أعجوبة، وكان همام يسمع منها ما ~~قل أن تفهمه امرأة وإن شعرت به، وقل أن تقوله وإن فهمته، وقل أن تحسن التعبير عنه وإن أرادت ~~أن تقوله؛ إذ المعهود في المرأة أنها تشعر ولا تفهم شعورها، أو أنها تفهمه ولا تعمد إلى ~~الصراحة فيه، أو أنها تعمد إلى الصراحة فيه ولكن لا تحسن التعبير، أما هذه الفتاة فعلم ~~الأنوثة عندها كعلم الحساب عند بعض الأطفال الذين يجمعون ويضربون عشرات الأرقام بغير تدوين ~~ولا مراجعة، مسألة بداهة سهلة لا إجهاد فيها للفكر ولا اعتساف ولا تعليم! # في سهرة من سهرات الصور المتحركة شاهدا رواية من روايات الغرام بين الكهول بطلها «أدولف ~~منجو» الممثل المشهور بتمثيل هذه الأدوار، أو المشهور بقدرته على غزو قلوب النساء ~~الناضجات. # وكان «منجو» بغيضا إلى همام كما هو بغيض إلى كثير من النظارة في دور الصور، فأراد همام ~~أن يناوئ صاحبته وقال لها: أما والله إن النساء لسخيفات إن كان لمثل هذا الرجل هذه الحظوة ~~عندهن. # فأجابته متحدية : ولم ms054 لا تكون له هذه الحظوة عند النساء؟ ألا تعجب المرأة إلا بفتى صبوح ~~أو بفتى متين الأركان؟ هذا خطؤكم معشر الرجال، إن الفتيان الحسان الأشداء قد يفتنون ~~المرأة، وقد يخلبونها، وقد يهيجون نفسها، ولكنهم لا يقربونها إليهم ولا إلى نفسها، إن أحدهم ~~لينظر إليها كأنه غريب يمشي في بلد غريب يخشى أن يتقدم أو يتأخر، متهيبا يعديها بالتهيب ~~فتقوم بينهما الحواجز والسدود ولا يسهل التقريب بينهما بعد ذلك. # أو ينظر إليها نظرة القانص الفاتك فيربكها ويزعزع شعورها ويوقع الهزيمة في ~~سريرتها. # أما الرجل الخبير بالنساء من أمثال «أدولف منجو» فإنه ينظر إليها بعد أن نظر إلى مئات من ~~قبلها، فإذا به يعرفها مكشوفة معراة من كل ستر ومن كل طلاء، وإذا بها تحس كل الإحساس ~~أنه يعرفها كما تعرف نفسها في مخدعها، وإذا هي قريبة منه لا تحتاج إلى تقريب، بل قريبة منه ~~بوحي لا تدركه ولا تلتفت إليه، قريبة منه كما يكون الرجل والمرأة في الخلوة بعد عشرة ~~أعوام. # والرجل الخبير بالنساء يشبع منهن فيزهد فيهن ولا يتهالك عليهن، فإذا أحست المرأة بالفتور ~~منه في الطلب والمغازلة خشيت أن تكون هي المعيبة المجفوة في نظره بالقياس إلى من عرف من ~~النساء، ولم تتهمه في ذوقه بل اتهمت نفسها في جمالها و«جاذبيتها» كما هو دأب المرأة من سوء ~~الظن بنفسها أمام هؤلاء الرجال، ونشأت عندها الرغبة في اجتذابه واستطلاع رأيه، واستسلمت له ~~في سهولة وطواعية، لعلمها أن الحيلة معه لا تخفى عليه، بعدما شهد الكثير من حيل ~~النساء. # هل بحثت سارة في هذا الموضوع بحث الفلاسفة؟ هل قرأته في كتاب من كتب الصور المتحركة؟ ~~يجوز! ولكن فطنتها وحسن روايتها لما قرأت لا تزالان عجيبتين بين شبيهاتها من ~~الفتيات. # وتمييزها لملامح الرجولة ومظاهرها تمييز لا يخطئ؛ لأنه أشبه بالغريزة التي لم تعرف غير ~~الصواب، لأنها لم تعرف غير صواب واحد، كصواب النحلة في بناء الخلايا. # فالرجال الذين يشبهون النساء لا يستحقون منها حتى نظرة الزراية؛ لأنها لا تشعر لهم بوجود، ~~وما ms055 عدا هؤلاء من رجال فهم نماذج عدة تبلغ المئات ولكنهم مشمولون جميعا في رجولة واحدة ~~خلاصتها القوة والثقة والبروز، والطغيان القابل للرحمة والحنان، وقبس من أريحية الخيال، ~~ونفحة من حماسة الروح تحسبان في الزينة عرضا ولا تضمنان الرجحان في الميزان. # ولهذا تضل بعض الطريق الذي تسلكه مع من تهواه ولو سلكته مرات في النهار؛ لأنها تلقي كل ~~اعتمادها على صاحبها حتى لتكاد تنظر بعينيه وتمشي بقديمه، وأبغض من تبغض - وهي قارئة حصيفة ~~- أولئك النسوة الثائرات على الرجال المطالبات بما يسمينه حقوق الحرية، فهي تقول إنها لو ~~سئلت أن تكون رجلا ما قبلت، وأنها لو كانت تثور لثارت على الرجال لأنهم يستمعون إلى هذا ~~الهراء. # ومن لوازمها التي لا تفارقها أنها ما حضرت قط رواية فيها نزاع بين رجل وامرأة وعاشق ~~وعاشقة إلا كان عطفها في جانب الرجل وإن غدر وإن خان، ويشق عليها منظر العاشق الموله ~~المغموم فتهتف من قلبها لا من لسانها وحده: ما من امرأة تستحق هذا العذاب! # تحب التدليل كما تحبه كل بنت من بنات حواء، ولكنها تكره التدليل السخي الفياض كما تكره ~~التدليل المعسول الناصع الحلاوة، وإنما تحب أن يقطر لها التدليل تقطيرا، وأن يشاب أبدا ~~ببعض التوابل والأفاويه. # سألت صديقها وقد صفت واستسلمت لعطفه عليها: أتحزن علي إذا مت؟ # فلم يدر كيف يجيبها، ولكنه قال: هذا سؤال سابق لأوانه يا بنية. # قالت: ستبكي ولا شك لا أسألك في ذلك ... ولكن كم عبرة يا ترى تميزني بها على من ~~بكيتهم؟ # قال وهو لا يظهر المزح ولا يحاول أن يكتمه: أراجع ما عندي من «رصيد» العبرات وأجيبك ~~قبل الوقت المناسب بقليل! # قالت: أنت لا تريح. # قال: ولكني أراك مرتاحة ... أأنت تموتين؟ ومن الذي يأذن لك أن تموتي؟ # وكانت مرتاحة حقا لما سمعت. ولو أنه أسمعها غير ذلك حسرات التفجع والتعوذ ومواعيد الحزن ~~القاتل وعهود الوفاء الدائم لفترت وملت وانقلبت عليه، ولكنه إذا ضمها وربت عليها وضن بعد ~~ذلك بالكلام فقد وفاها من التدليل غاية مناها ، وضمن ألا ms056 تفسد عليه صفاء الساعة التي هي ~~فيها. # وكان همام يمتحن معارفها الغرامية كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر مرة على أبعد تقدير، ~~ويرشحها على أثر كل امتحان لوظيفة من الوظائف التي «تؤهلها» لها تلك المعارف الكثيرة ... إلا ~~أنه استقر آخر الأمر على أنها أصلح ما تكون مديرة للإضاءة في مسرح تمثيل. # لأنها تعلم مواقع الرؤية علما لا خطأ فيه، وربما وقفت في المكان المكشوف والنوافذ مطلة ~~عليه من جوانب شتى، ثم لا تبالي أن تمازح صاحبها وتغريه بمزاحها وتجميشها، فإذا أحجم وتردد ~~ضحكت منه ساخرة، وأولعت بتعييره والتهكم عليه؛ لأنه لم يفهم لأول وهلة كما فهمت هي أن ~~الأشعة المردودة عن زجاج النوافذ هناك تحجب النظر من ورائها! # تعلمت وهامت بأوروبا، فأوروبا عندها نبي معصوم؛ كل شيء فيها خير من كل شيء في غيرها، ~~وهذه التي تغفل عن الأديان حتى يخيل إليك أنها لم تسمع قط بمكة وبيت المقدس وطور سيناء، ~~هذه الوثنية في عالم الدين تراها في عالم الأزياء، فتعلم لأول وهلة أنها لا تغفل لحظة ~~واحدة عن وحي باريس ومناسك الأزياء في العالم الأوروبي بأسره؛ لأنها تتحرج من وضع شريط في ~~غير موضعه أو لبس زي في غير موعده تحرج الزاهد الصالح من ذنب ينفيه عن رحمة الله ويخلده ~~في جحيم عذابه. # وكان صاحبها همام على نقيضها؛ يهزأ بالعرف وقد يتعمد الخروج عليه ولو في المجامع العامة، ~~لحق بها ليلة بدار الأوبرا وهو في ملابسه الصباحية فكادت حين رأته إلى جانبها تجن من ~~الغيظ وتتجاهل معرفتها به ومصاحبتها إياه، وجعلت تنظر إليه نظرات فيها من الاستغراب ~~والاستهوال والإكبار لهذه الجرأة أو لهذا التهور بمقدار ما فيها من الأسف والحنق ~~والاستنكار، ومالت إليه تقول: ماذا يظن هؤلاء الناس؟ إنهم لن يقولوا إلا أن هذه الفتاة ~~مسكينة مع هذا الرجل! قال متظاهرا بالاعتذار وقد علم أن المعابثة أنفع أساليب الاعتذار ~~معها في هذه الحالة: لا عليك أيتها الفتاة المسكينة، في المرة التالية سأحمل في يدي كسوة ~~السهرة لأدفع ms057 عنك هذه المسبة ... إلا أنهما - حين خرجا من الدار - غلب عليها حب التحدي على ~~الرغم من رغبتها في التستر والمداراة، فخرجت وهي آخذة بذراعه كأنما تغيظه هو أو تغيظ ~~المتفرجين! # وتقرأ أوروبا كما تعبد أزياءها، ولكن ماذا تقرأ؟ إن شئت فلا مانع من بيرون وشوبنهور، على ~~شريطة أن يوصيها بقراءتهما رجل يفهمها وتفهمه، وأن تقرأ في ديوان بيرون قصة دون جوان، وأن ~~تقرأ في القصة أنباء خلاعته وعيثه بين مخادع الجواري الحسان في قصر السلطان، أما ~~شوبنهور فيجب أن يكون كله على وتيرة مقاله في الحب والشهوة بين الذكر والأنثى وليتشاءم بعد ~~ذلك ما استطاع! # عاطفتها حية غير أنها مشغولة بشاغل واحد، فلا تهمها الشفقة على المظلومين والمنكوبين ~~ولا تهمها المظالم والنكبات، لا لأنها قاسية ولا لأنها مغلقة جاسية، ولكن لأن مكان الشفقة ~~مشغول مستغرق، فلو خلا جانب منه برهة لما استعصى على الشفقة أن تنفذ إليه أو تطغى ~~عليه. # وكأنها الطيارة المحلقة، وكأن نزواتها هي القوة الدافعة لها في الفضاء، فإذا دفعتها فهي ~~ناهيك من حركة وصعود وهبوط، وإن وقفت لحظة فهي حجر ملقى على التراب، ولسان حالها في ~~العواطف الإنسانية أن تقول لرجلها: أشفق أنت وتمرد على الظالم واعن بما تشاء، وأنا وراءك ~~إلى حيث تقودك قدماك. # وهي وثنية في مقاييس الأخلاق كما هي وثنية في التدين، لا تؤمن بالعصمة الإنسانية في أحد ~~ولا في صفة، وشديدة الإيمان بضعف الإنسان مع أضعف المغريات ... استطرد الحديث يوما إلى جان ~~دارك فقالت هازئة: كم رجلا يا ترى عرف أنها عذراء؟! # فقال لها همام: إنها عذراء بشهادة الطب وشهادة الخواتين الموقرات. # فقالت: لقد شهد لها أضعاف هؤلاء بالمعجزات، فهل تصدق معجزاتها؟ # وكان من دأبها أن تحب الغلبة في المناقشة على طريقة كل أنثى مع تنوع الأسلوب والعبارة، ~~فإذا عز عليها الجواب راغت منه وغيرت مجرى الحديث، أو تقول حينا: أسكتني وما ~~أقنعتني! وحينا آخر: ناقشني يا أخي ناقشني ولكن بحق السماء والأرض عليك لا تكتفني، دع لي ~~يا أخي حرية الكلام! ms058 ... فهي تريد جوابا يروقها ويترك لها باب الكلام مفتوحا بغير ~~انتهاء. # فلما سألته: هل تصدق معجزاتها؟ قال: نعم ... أصدق أنها صنعت المعجزات، وجاءت بخوارق ~~العادات، ولكنها معجزات إنسانية لها أسباب إنسانية، وإن تضاربت فيها أقوال المفسرين من ~~المؤمنين وغير المؤمنين. # ثم قال: والفرق بعيد مع هذا بين شاهد يقص ما تراه العين وشاهد يقص ما يخيله له الإيمان ... ~~فشاهد العين مصدق، وشاهد الإيمان لا يلزمنا تصديقه إلا إذا جاريناه في إيمانه. # قالت: هذا قميص الكتاف يا أخي! هذا قميص الكتاف! ~~••• # ومن الصعب أن تفهم ما يرضيها إذا اتهمت أمامك أخلاق الناس جميعها وراحت تقدح في دعاوي ~~الصداقة والوفاء والفداء، فليس يرضيها أن تكون على رأيها لأنها تحب الرجل أريحيا ذا نخوة ~~وحماسة وطموح إلى عظائم الآمال والرغائب، وتصديق بالوفاء والفداء. # وليس يرضيها أن تناقضها وتضطرها إلى التسليم؛ لأن الإكراه مكروه على كل حال. # ولكنها إذا كانت تجاري طبيعة المرأة في حب الجدل والثرثرة والعناد فهي تجاري طبيعة المرأة ~~أيضا في إعجابها بطموح الرجل وصلابته وأحلامه، وربما استراحت إلى الشعور بقوة عقله كما ~~تستريح إلى الشعور بكل بأس فيه، فما كان يدري همام هل يناقضها أو يجاريها فيما تقول ... وتلك ~~حيرة يعالجها كل من عالج النساء. # قصت عليه مرة قصة صديق لزوجها أرسله إليها «وسطاء الخير» ليسفر في الصلح بينها ~~وبينه. # قالت: فهل تدري ما صنع؟ إنه جاء يغازلني ينفخ في جمرة الغضب بيني وبين زوجي! # ثم قالت: ما أكذب الصداقة في هذه الدنيا! # قال همام وقد أراد أن يعابثها ويسليها: إن صاحبنا لمعذور، وإن الإغراء بالخيانة لعظيم ... ~~فليت جميع الأصدقاء لا يخونون إلا بإغراء كهذا الإغراء. # ثم ضحك وضحكت، وتماجنت في الضحك وراحت تقول له: أراك ضننت علي بقميص الكتاف اليوم؟ لا، ~~لا، إنني أريد اليوم قميص الكتاف ... قل، قل أليست كل صداقة في هذه الدنيا لغرض؟ هل يصادق ~~الناس أحدا إلا لمال أو جمال أو سلطان أو نحو ذلك من الذرائع واللبانات؟ # قال همام: ومن لم يكن له مال ms059 ولا جمال ولا سلطان ولا مزية من المزايا، فهل هو إنسان ~~يستحق صداقة إنسان؟ # فوثبت وصفقت كما يصفق الطفل الأرعن قد ظفر بالأمنية الممنوعة، وجعلت تقول: ها هو ذا قميص ~~الكتاف، ها أنت إذن أخيرا يا بني! وأقبلت عليه تقبله وتناوشه، وتبذل له ذخيرة من ~~السرور، كأنها فاكهة مترعة برحيقها ليس لها قشر ولا بذور. # وهي على ولعها بحديث الأكاذيب الشائعة في أخلاق الناس وعودتها إليه آونة بعد آونة لم ~~تنع على الناس أكاذيبهم قط بمرارة الناقم واستخفاف المتشائم، وإنما تتحدث بها كما تتحدث ~~بصفحة من الطعام الشهي لم يتقنها الطاهي ... ولا حرج أن تمضي في حديث انتقادها بعد ~~ازدرادها. # فهي لهذا يصح أن تسمى «وثنية» في تقويم مقاييس الأخلاق، ولا يصح أن تسمى متشائمة أو ~~ناقمة على الناس. ~~••• # أما مذهبها في «الكرامة» فمذهب خليق أن يخيف من يحب لها الكرامة، ويود أن يأوي من ~~كرامتها إلى حصن منيع على الطراق. # وأحسن ما توصف به الكرامة على مذهبها أنها «كسوة اجتماعية» لا يخلعها المرء في المجالس ~~ولا يلبسها ممزقة أو مرقعة أو موصومة، فعيوب الكرامة وعيوب الكساء سواء في هذا ~~القياس! # إذا قيل أمامها إن فلانة أباحت نفسها لخادمها قالت - وهي تزعم المناقشة حبا للمناقشة: ~~إن المرأة قد تهفو هذه الهفوة وهي لا تنظر إلى مثل ذلك الرجل إلا كما تنظر إلى حذاء، وليس ~~كل رجل يصل إلى فراش المرأة يسودها، بل هو قد يكون خادمها في ذلك الفراش. # وإذا قيل لها إن فلانا ضرب حبيبته قالت: وهل ضربها إلا لأنه يحبها؟ إن المرء ليضرب نفسه ~~في الحائط إذا بلغ به الغيظ ذلك المبلغ، لو كان ضرب النفس يشفي غلة المغيظ! # وإذا قيل لها إن امرأة في التاريخ أو في قيد الحياة تهالكت على اللذات قالت: إن المرأة لا ~~تتهالك على اللذات إلا أن تفقد الرجل الذي يفوق اللذة في روعها، فتحب الرجل لأجل اللذة ~~بدلا من أن تحب اللذة لأجل الرجل الذي تهواه وتستكين إليه. # وما نفرت قط من ms060 مذمة خبيثة عن مبدأ وعقيدة، وإنما تنفر من جميع الأشياء التي تأباها كما ~~ينفر المرء من طعام يعافه؛ فهي مسألة ذوق ورغبة وليست مسألة شرف واعتقاد. # ومثل هذه الكرامة لن تعصم صاحبها أن يقارف أخبث المنكرات كلما حلت له وغفلت عنه عين ~~الرقيب. # ويحار طبيب الأخلاق كما يحار طبيب الأبدان في إيواء هذا المزاج إلى مأواه من الصحة ~~والداء، أفمن كانت كذلك في نزغاتها وخلجاتها أتكون في رأي الطب امرأة سليمة مستقيمة على ~~سواء الطبيعة؟ إن الإغراق يستلزم الزيغ والاختلال في التركيب ... ولكن أي اختلال عسى أن يكون ~~في تركيب الجسم الذي يندمل جرحه بعد يوم ويقضي النهار والليل في صبارة الشتاء بلباس الصيف ~~ولا يدري ما الزكام؟ كل اختلال يجاور هذه المناعة هو اختلال عجيب الجوار عميق ~~القرار. # أكبر الظن أن الفتاة على ما بها من جموح وشطط كانت وشيكة أن تستقيم وتتزن لو رزقت ~~زوجا يوائم شوقها إلى الرجولة ويغلق عليها منافذ الغواية، ولكنها خابت في الزواج فشقيت، ~~ولجت بها الشقاوة حين كفرت بصداقة الصديقات ومواساة الشقيقات، فعاشت في عالم قد أقفر من ~~جنس حواء إلا أن تكون منافسة مريبة أو عاذلة رقيبة، ولم يبق فيه إلا رجال! # | وجوه # ذو الوجهين منافق، وذو الوجه الواحد ميت! # يعيب الإنسان أن يصنع له نفسا غير نفسه ووجها غير وجهه، وأن يبدو للناس بوجهين يلعن ~~أحدهما الآخر، ويعلم أنهما - كليهما - ملعونان. # ولا يعيبه أن يكون له مائة وجه ينم كل منها على سمة من سماته ومعنى من معانيه، ويعرض لنا ~~من ذهنه وسليقته وقلبه في ساعة ما ليس يعرضه في ساعة أخرى؛ لأن كل وجه من هذه الوجوه حق ~~وليس بكذب، وجوهر وليس بطلاء، وصفحة من كتاب لا تتم قراءته إلا باستعراض جميع ~~الصفحات. # ذو الوجهين في كل وجه من وجهيه كذب وطلاء. # وذو الوجوه المنوعة السمات، المعددة الملامح، المفرقة المعاني، راوية صادق الخبر يرينا كل ~~يوم بينة جديدة على صدقه، ولونا جديدا من تمامه ونقصه، ونفسا جديدة في تعبير ~~جديد. ms061 # والرجل الذي لا تختلف له صورة من صورة ولا تمثال من تمثال هو جماد يختلس عنوان ~~الحياة. # والوجه الذي يصوره مائة مصور فيخرجون جميعا بطابع واحد لا يتبدل هو جدار في هيئة ~~إنسان، ولكنه جدار لا تختلف عليه الظلال والألوان. # لنابليون بونابرت مئات من الصور الشمسية والزيتية، ولا نذكر إلا صورة واحدة لنا حين ~~نبصرها لأول وهلة، هذا وجه إيطالي لا مراء ...! فلولا أننا نعلم أن نابليون إيطالي من شعبة ~~إيطالية لقلنا إن الصورة كاذبة، أو أن فراستنا هي التي كذبتنا ما رأيناه، ولكننا نعلم أنه ~~إيطالي من شعبة إيطالية؛ فالصورة إذن أصدق من جميع الصور التي خفيت فيها ملامحه الإيطالية ~~ولم تبرز لنا البروز. # وجمال الدين الأفغاني يختلف المترجمون فيه؛ هل هو من الفرس أو من الأفغان؟ ولكن صورة من ~~صوره التي ترتسم فيها عيناه القلقتان الوامضتان وصدغاه الناتئان وشفتاه العصبيتان تفض ~~الجدال وتقول فيه أصدق مقال؛ إن هذا الوجه لأفغاني ولو ولد في البلاد الفارسية، وإنه ~~لأفغاني ولو نماه إليهم قوم من الفرس، ونفاه عنهم قوم من الأفغان. # وليس منا إلا من يعرف صاحبا يحاول أن يخفي بعض مثالبه أو بعض سيئاته ثم يلتقطه المصور ~~التقاطا فإذا هو حاسر الطبيعة بغير نقاب، على كره منه وعلى كره من المصور، ولعله هو ~~نفسه يرى الصورة فلا يفطن لما كشفت من أمره؛ لأنه يفهم إفشاء الكلام ولا يفهم إفشاء السمات ~~والقسمات. # وليس من اللازم اللازب أن يطول الزمن بين الصورتين المختلفتين للوجه الواحد، فإني لأذكر ~~أني رأيت صورا ثلاثا لطفل واحد في السنة الأولى من عمره أخذت في ساعة واحدة في ~~مكان واحد تذكارا ليوم ميلاده، ترى إحداها فلا تملك أن تقول: ما أشبه هذا الطفل بأبيه، ~~وترى الثانية فلا تملك أن تقول: ما أشبه هذا الطفل بأمه، وترى الثالثة فتستطيع أن تقول إنه ~~ليشبه أمه كما تستطيع أن تقول إنه ليشبه أباه. # ويصدق هذا على كبار السن كما يصدق على صغارها، فلا يندر أن يلتفت الإنسان التفاتة خاطفة ~~على ms062 غير قصد منه أمام المرآة فيلوح له شبه من عمومته أو شبه من خئولته لم يكن قبل ذلك ~~يلمحه في صفحة وجهه، وقد تنصرم السنون ولا يلمحه مرة أخرى إلا في مثل تلك اللفتة ~~الخاطفة. # وأعرف أبا مشهورا له خمسة من الأبناء الذكور يجلس كل منهم إلى جانبه فلا تخفى ~~المشابهة بينهما أقل خفاء، ولا يحتاج الناظر إلى فراسة ثاقبة ليعلم من فوره أنهما ابن ~~وأبوه، ثم يجتمع الإخوة الخمسة فلا يبدو بينهم هذا التشابه إلا بفراسة المتأمل، لتقارب ~~الأصل وفروعه وتباعد الفروع متفرقات. # ومما لا ريب فيه أن سمات الأخلاق والأفهام شيء يستكن في النفس قبل أن يبدو على أسارير ~~الوجوه، وأنها شيء لا يزول من النفس وإن زال أثره الظاهر في بعض الأحيان، وأنه على قدر ~~معاني النفس يكون تعدد الملامح وتعدد الوجوه، وعلى قدر تعدد الوجوه يكون الأنس بالمنظر ~~المتجدد والمحضر المتعدد، ويقل السأم ويعظم الشوق والنشاط إلى اللقاء. # وسارة كانت من ذوات الملامح والوجوه اللواتي لا يطالعنك بمنظر واحد في محضرين متواليين، ~~تراها مرة فأنت مع طفلة لاهية تفتح عينيها البريئتين في دهشة الطفولة وسذاجة الفطرة بغير ~~كلفة ولا رياء، وتراها بعد حين - وقد تراها في يومها - فأنت مع عجوز ماكرة أفنت حياتها في ~~مراس كيد النساء ودهاء الرجال، وتضحك ضحكة فتعرض لك وجها لا يصلح لغير الشهوات، وضحكة ~~أخرى - وقد تكون على إثر الأولى - فذاك عقل يضحك ولب يسخر، كما تسخر عقول الفلاسفة ~~وألباب الشيوخ المحنكين. # هي تارة أم رءوم تفيض بحنان الأمهات حتى ليوشك أن تسع به أطفال العالمين، وحسبك أن ترسمها ~~هكذا ولا تضع في أحضانها طفلا يرضع ولا إلى جانبها طفلا يدرج، لتستحق الصورة عنوان ~~الأمومة. # وهي تارة أخرى شريدة بوهيمية لم تستقر قط في دار ولا وطن، وما استقرت قط مع ~~عشيق. # لها صورة إلى جانب سرير لو نحيت عنها السرير جانبا لمثلت لك راهبة خاشعة تهم بالصلاة، أو ~~ضحية من ضحايا الآلهة تساق إلى محراب القربان. # ولها صورة على سفح ms063 الهرم لو أخفيت منها الهرم لخلتها حورية مخمورة في أرض يونان القديمة ~~تهم بالرقص في كروم باخوس. # وكان همام يراقب هذه الشخوص ويتصفح هذه الوجوه وهو مغتبط تارة ومشفق تارة أخرى، ويعزو ~~تقلبها واطرادها إلى الفتوة الحية التي لم تحبس في محابس الأفكار والعادات والتقاليد، ~~فهي أبدا في أيدي العواطف والنوازع كعجينة الخلق المهيأة للصوغ والتركيب في كل ~~ساعة. # وخطر له أن ينشئ حولها رواية مسرحية هي جميع أبطالها، وهي البطل الوحيد فيها، تدور ~~محاوراتها على المثال الآتي: # سارة ~~: # إني لا أرضى أن أصاحبك في الطريق وأنت في هذه الثياب الفاضحة. # سارة ~~: # وهل تحسبين أنني أسر بمصاحبتك وأنت بهذه السحنة العابسة وهذه المسوح المحزنة ~~وهذا الزي الذي يشبه زي الحداد؟ # سارة ~~: # على رسلكما أيتها الصديقتان، لا تتخاصما ولا تشرعا في تمزيق ما عليكما من ثياب، ~~إنها تستركما على كل حال، وأنتما ضيفتاي غدا ... فهل تحضران إلى وليمتي وقد شحذت كل ~~منكما أظافرها لصاحبتها؟ لا عليكما من المصاحبة في الطريق ... احضرا من طريقين ~~مختلفين ولتكن كل منكما في الثياب التي تروقها، فأنتما تعلمان أني أحبكما، ولا ~~أنكر منك يا سارة شفوف الخلاعة، ولا منك يا سارة مسوح الرهبانية. # سارة ~~: # وهل عندك وليمة غدا؟ من دعوت إليها غيرنا من السيدات؟ # سارة ~~: # دعوت سارة و... # سارة ~~: # سارة! أخشى أن تكون تلك الفتاة التي لا تتحدث أبدا إلا عن زينتها وجواهرها ~~وحلاقها ومواشطها. # سارة ~~: # لا، بل هي سارة التي لا تتحدث أبدا إلا عن وليدها. # سارة ~~: # ها أنا ذا قد حضرت في غير الموعد الملائم على ما يظهر ... وآسف لأني قطعت عليكن ~~لذة الاغتياب، فالغيبة لذيذة، ولا سيما غيبة الصديقات. # سارة ~~: # لم نقل عنك شيئا، وإنما أردنا تعريفك فقلنا إنها هي سارة التي تحب وليدها ~~العزيز ولا تفتأ تتحدث عنه. # سارة ~~: # وأي عجب في ذلك؟ ألا تحب الأم وليدها؟ وهل للمرأة فخر أشرف وأشهى من ~~الأمومة؟ # سارة ~~: # أخطأت يا صديقتي، إن فخر المرأة جمالها. # سارة ~~: # بل فخر المرأة ذكاؤها. # سارة ~~: # بل فخر المرأة من ms064 تحبه ويحبها ... ويحي ويحي! ... لقد كانت المشاجرة بين اثنتين فما ~~زلنا حتى جعلناها بين أربع. # سارة ~~: # وإن شئتن فلتكن بين خمس ... علام تختلفن؟ ألا تسمحن لي بنصيب في هذا ~~الخلاف؟ # سارة ~~: # أهلا بك سارة ... أخشى أن تكون لك فرصة باقية لخلاف. لقد استنفدنا جميع الفرص ~~بين قائلة إن فخر المرأة أمومتها وقائلة إن فخر المرأة جمالها وقائلة بل فخرها ~~ذكاؤها، وقائلة لا هذا ولا ذاك ولا ذلك، بل فخرها حبها وغرامها ... فما أنت قائلة ~~بعد ما قيل؟ لقد ضيعت الفرصة يا مسكينة. # سارة ~~: # كلا يا صاحبتي، لا تتعجلي بالرثاء لحالي، فقد نسيتن فخرا للمرأة لا ينقطع عن ~~الأمومة ولا الذكاء ولا الجمال ولا الغرام، ولا أدري كيف نسيتنه هذا النسيان؟ فخر ~~المرأة عذابها يا أخوات. # سارة ~~: # صدقت يا صديقة. # سارة ~~: # ماذا تقولين؟ صدقت؟ يا للعار! هذا كلام العجائز، هذا حديث خرافة، هذا مذهب عتيق ~~أقدم من حواء والحية، إنما خلقنا للسرور نأخذه ونعطيه، فمن نذر المرأة للعذاب ~~لا أصاب في الدنيا غير العذاب. # سارة ~~: # ليسقط التمرد! # سارة ~~: # ليحي التمرد! # ثم يتقاربن ويتلاحمن ويتسربن كلهن في شخص واحد، يبقى على المسرح في ثياب الشرطة! ويصيح: ~~أين المشاجرة وأين المتشاجرات ...؟ ~~••• # وقد تلا همام على سارة هذا الفصيل الصغير فاستملحت الفكرة وصفقت لها طويلا. # قال همام: كفاية، لقد ظفرنا بتصفيق الممثلة الوحيدة للرواية. ~~••• # ولم تكن هي في بادئ الأمر تفطن لهذا الذي يلاحظه همام من غرائب شخصها وطرائف ملامحها، ~~إنما كانت تعرف كيف تبدي بضاضتها في الثياب البيضاء، وكيف تخيل لك النحافة في الثياب ~~الدكناء أو السوداء، وكيف تصفف طرتها بما يظهر من وجهها سمات الطفولة، وكيف تصففها بما يكشف ~~منها جانب الذكاء ويزين القسمات بإشراف جبينها الوضاء، وتلك صناعة تحذقها كل امرأة تلتفت ~~إلى محاسنها وتسمع رأي الرجال والنساء فيما يعجبهم من مرآها، لكنها لم تكن تلتفت إلى ما ~~وراء ذلك من تقلب المعاني وتعدد الشخوص. # فإنهما لفي يوم رائق صاف جميل الأصيل وهمام يتأمل وجهها الذي تبدل الأشعة والظلال من ~~معانيه ms065 كل لحظة، وتبدل العواطف والخلجات من ملامحه كل فترة، إذا به يهتف فجأة بكلمات لا ~~مقدمة لها ولا سابقة لتفسيرها. ~~- كم لك من وجوه يا سارة؟ # فانتفضت في ذراعه، وحسبت أنها مقدمة لاتهام وملاحاة، وهما يستمرآن نعيم ذلك اليوم الرائق ~~الصافي الجميل، وقالت: ماذا تعني؟ # قال: هدئي من روعك، إنما ثناء أردت لا ملامة، وأخذ يشرح لها ما يعنيه كأنه يحدثها عن ~~امرأة غائبة أو عن شخص من شخوص الروايات، وهي تصغي إليه، ثم مستريحة، ثم مبتسمة ثم ~~طروبا متهللة، وهو يرى فيما يرى مصداق ما يلاحظه عليها ويحدثها عنه، حتى كان ختام الحديث ~~اقتراب الشفاه بداهة وطواعية، ثم نكتة من نكاتها التي لا تخذلها في أمثال هذه المواقف، ~~ألقتها إليه وهي تتناءى عنه مرحة ضاحكة: احمد ربك، عندك من سارة المظلومة حريم كامل، فلا ~~تشكر نفسك كثيرا على الوفاء. # | كيف عرفها # ترتيب الحوادث أن تنتهي ثم نكر راجعين للسؤال عن بدايتها، وسبيل التواريخ أن تنطوي ~~السير وتنصرم الدول ثم نتقصى مناشئها وأسباب ظهورها. # فنحن لا نحيد عن مجرى الزمان حين نعرف الساعة كيف تلاقت سارة وهمام، بعد أن عرفنا منذ ~~برهة كيف كانت القطيعة وكيف كان اللقاء الأخير. # لم يقصد همام أن يلتقي بسارة ولم تقصد سارة أن تلتقي بهمام، وإنما جاء اللقاء كما تجيء ~~معظم الحوادث الكبرى في معظم التواريخ والسير، من زواج وفراق ورحلة واختيار مساع واقتحام ~~غيوب، مصادفة لا يسبقها عمد، وعرضا لا يمهد له بتفكير. # خرج همام يتمشى في الخلاء ضحوة من ضحوات الخريف التي تبتهج فيها الشمس في هدوء، ويرقص ~~فيها الهواء في حنين، ويرق فيها الجو في تشوق وارتقاب، وتطرح فيها النفس أعباءها كما تطرح ~~القافلة أحمالها عند مشارفة الواحة المبشرة بالماء الغزير والظل الظليل، ريثما تنهض بالعبء ~~من جديد. # ماذا عسى أن يكون العبء المنظور؟ # لا تقول الشمس، ولا يجيب الهواء، ولا يشف عنه الجو، ولا تحفل النفس ما يكون، حتى يكون ... ~~إن كان! # ويعود همام من رحلته وقد علق جميع همومه ms066 وأجل جميع نياته، وأصبح جزءا من الشمس والهواء ~~والجو، ولم يعد جزءا من عالم الإنسان. # وألفى نفسه وهو عائد إلى منزله على مقربة من مسكن صاحبه الأستاذ زاهر، وهو رجل ظريف طيب ~~النحيزة من أولئك الذين يرضون فيسلون ويطربون، ويسخطون فيكونون أدنى إلى التسلية والطرب، ~~لطرافة ما يرتجله في هذه الحالة من مفارقات اللذع والتنديد. # وكان يومئذ يسكن في بيت من بيوت الحجرات المفروشة تديره خائطة فرنسية، ليكن اسمها ~~«ماريانا» ... فدلف همام إلى المنزل يزور صاحبه ويقضي معه فترة يقفزان فيها بين معارض الحديث ~~التي لا وصلة بينهما، ويضحكان ضحكا كثيرا، إن لم تكن فيه فكاهة عالية ففيه ولا شك تمرين ~~نافع للرئتين. # ووجد «ماريانا» في فناء الدار تطعم الديكة الرومية التي عندها صفحة من «المكرونة» ~~البائتة، وعندها فتاة مليحة يصعب تقدير سنها؛ لأنها تصلح للعشرين كما تصلح للخامسة ~~والعشرين، وتسمى آنسة كما تسمى سيدة، وهي مشغولة بكساء تقلبه وتمعن النظر ~~فيه. # قال همام: أسعد الله الصباح، أين زاهر يا مدام؟ # فردت تحيته بمثلها، وقالت: أولا نراك إلا زائرا لزاهر؟ إنه خرج منذ هنيهة على أن يعود ~~بعد قليل. # والتفت همام إلى صفحة المكرونة قائلا: أرى أن الديكة اليوم إيطالية وليست رومية. # فلم تجب ماريانا بغير ابتسامة عريضة، وإنما أجابت الفتاة قائلة: إن كان الجنس بالطعام ~~فالديكة هنا عالمية لا تدين بجنس من الأجناس، مصرية إن أكلت الفول المدمس، وإنجليزية إن ~~أكلت البطاطس، وهندية إن صبرت على الصيام الطويل. # فنظرت إليها «ماريانا» نظرة العتب المصطنع، واستظرف همام جوابها واستغرب مشاركتها في ~~الحديث في وقت واحد، ورحب مع ذلك بهذه المشاركة التي أحس لتوها أنها وافقت هواه، وأنه كان ~~يسوق الحديث إليها إن أبطأ المساق. # قال همام: إن الآنسة تعرف كل شيء عن ديكة البيت وتذبذبها في الوطنية، ولكني لا أذكر أنني ~~رأيتك هنا يا آنسة قبل الآن. # ماذا يقول؟ أيقول لا أذكر أنني رأيتك؟ أكان من الجائز إذن أن يراها ويهملها وينسى أنه ~~رآها؟ # أحس همام أيضا أن الكلمة لم ms067 توافق هواها، وسمعها تجيب بشيء من الامتعاض المكتوم كأنها ~~تخاطب نفسها: ولماذا تدعوني يا آنسة؟ أتستصغرني؟ إنني ربة بيت، وأم! ~~••• # يا للمرأة! أتريد أن يفهم أنها غضبت لأنه دعاها يا آنسة؟ لا والله! لقد كان بريق الرضى ~~بهذه التسمية يومض في عينيها ... إنما عز عليها أنه جعلها شيئا مهملا يجوز أن يراه مرة أو ~~مرات ثم ينساه، فأسفرت عن الغضب وسترت السبب، وتوارت وراء حجاب المجاملات والألقاب. # فأحب أن يغيظها قليلا وعاد يقول: ولكن السيدات يا آنسة ... يلبسن في أصابعهن علامة ~~تسمى خاتم الزواج، فأين هذه العلامة؟ # قالت: لذلك شرح يطول. # قال: عسى أن أسمعه في وقت قريب. # ثم اقتضب الحديث والتفت إلى شيخ متهدم يعبر الفناء، فسأل الخائطة: أهذا ضيف جديد عندك ~~يا مدام؟ # فزمت شفتيها لا يدري أهي مشمئزة من الرجل أم راثية لحاله، وقالت: ضيف، ولكن لا أظنه طويل ~~المقام، ألا تراه يتعثر بقدميه؟ وفي أقل من دقائق لا تتجاوز الخمس عرف همام والفتاة كل ما ~~تعرفه «ماريانا» عن الرجل وعاداته وأطواره، وثروته التي تربي على الألوف، ولا وارث له ولا ~~قريب تلوذ به في شيخوخته الكئيبة. # قال همام: وما حاجته إلى البحث عن وارث؟ إن الورثة يبحثون عنه ولا يقصرون «عند ~~اللزوم». # قالت: ألا يحتاج إلى من يعوله ويواسيه ويحف به وهو يودع دنياه. # قال همام: إن كنت يا ماريانا حريصة على خروجه من حجراتك فانصحي له بكتابة إعلان في ~~الصحف السيارة، يقول فيه إنه يملك كذا من الألوف ويحتاج إلى كذا من الأخوال وأولاد الأعمام ~~وأولاد الأخوال، وانظري كيف يضيق بيتك عن الطالبين والطالبات ممن «آنسوا في نفوسهم ~~بالشروط». # فنسيت الفتاة غضبتها الصغيرة واندفعت ضاحكة، وما زالت حتى أجبرت هماما - وهو في غنى عن ~~الإجبار - أن يحول الحديث إليها. فسألها قائلا: وأنت يا سيدة، نعم أنت يا سيدة في هذه ~~المرة، لأية قرابة ترشحين نفسك إذا أعلن الرجل إعلانه؟ # فهزت رأسها تفكر، ثم قالت: أوفرها نصيبا في الميراث؟ # قال: لا تكونين إذن إلا زوجة؟ # قالت ms068 ما معناه: فأل الله ولا فألك، أي غرام غرامك هذا بذكر الزواج والزوجات والأزواج؟ ... ~~ثم رفعت رأسها متأففة كأنها تطوي حديثا لا تحب أن يجري لها على لسان، وهي في الواقع تود لو ~~أفرغت كل ما في جعبتها من ذلك الحديث، أول ما تسعف المناسبة وتبدر من همام بادرة ~~إغراء. # قال همام: لا تؤاخذيني إن ذكرت الزواج مرة أو مرتين، فإنني لم أتزوج قط ولا خبرة لي ~~بهذا الجانب من مزعجات الدنيا ... # قالت: أصحيح؟ ... لقد أراحك الله، فبأي جانب من مزعجات الدنيا أنت خبير؟ # فأسرع همام قائلا: لذلك شرح يطول! # قالت: يا لك من منتقم ... على أنك تستطيع أن تطمئن كل الاطمئنان، فإنني لا أكلفك عناء هذا ~~الشرح ولا أستطلع دخائل شأنك ... لست فضولية بحمد الله. # قال: وإذا كنت أنا فضوليا؟ # قالت: إذن يختلف الأمر. # قال: كيف يختلف؟ # قالت: يلوح لي أنك كما وصفت نفسك؛ أنت فضولي ولا فخر. # قال: ليس مع كل الناس. # قالت: تحيات وغزل ... وعما قريب عيناك ووجنتاك وأهواك ولا أنساك، إلى آخر هذا الموال ~~المحفوظ. # قال: ولماذا عما قريب! ... الآن! # قالت: أنت عجول، وأنت جريء أيضا. # قال: إن وعدتني أن أجني للصبر ثمرة فأنا أصبر من أيوب، قوليها كلمة واحدة وأنا لا ~~أتعجلك شيئا، وأنصرف الآن! # قالت: وصاحبك الذي تسأل عنه؟ # قال: ها ... يلوح لي أنني أعجبتك! وأنك تسبقينني! # قالت: لولا أنك تمزح لقلت إنك مغرور، غروركم كلكم معشر الرجال، لا تتكلم الواحدة كلمتين ~~مع واحد منكم حتى يحسبها مجنونة بهواه. # قال: أو يحسب أنه مجنون بهواها! # قالت: طيب والله لقد قطعنا شوطا بعيدا جدا في نصف ساعة، ولا أدري ما خطب «ماريانا» ~~سامحها الله! أين ذهبت وتركتنا؟ ألعلك على اتفاق معها أن تهيئ هذا اللقاء؟ ... ما في ذلك من ~~عجب، فهكذا تصنع الخائطات فيما يقال. # وسمعت «ماريانا» اسمها فعادت تهرول وتتساءل: ماذا تقولين عني يا سارة؟ # قال همام: إنها تتهمك بأنك تدبرين عن عمد خلوة غرامية بين هذه الديكة وهذه ~~الدجاج. # قالت ماريانا : أنا أعلم ms069 على الأقل أن الدجاج لا تحتاج إلى من يدبر لها الخلوة مع ~~الديكة. # قالت الفتاة: قاتلك الله يا عجوز السوء، لماذا تنصلين من التهمة؟ أما كان الأولى أن ~~تتمهلي لمحة لعلي كنت أنوي أن أشكرك على ما صنعت؟ # فطاش الفرح بهمام، وأوشك قلبه أن يفلت من نياطه، وانتشى نشوة خمسين كأسا في رشفة ~~واحدة، وقال وهو يهجم على «ماريانا»: بل دعي لي أنا أن أشكرها، إنني أقبل وجنتيها ... ~~إنني ألثم فاها ... وصنع ما يقوله قبل أن تفيق «ماريانا» من دهشتها وقهقتها، ومال إلى الفتاة ~~قبل أن تدري ما هو صانع قائلا: وأقبلك أنت أيضا إكراما لماريانا. وقبلها! # ثم جلس مأخوذا بما حدث يتوقع ماذا تكون الكلمة الأولى التي تلفظها الفتاة؛ أتشتم؟ أتصطنع ~~الغضب؟ أتنطلق من المنزل؟ # وكأنما كان التوقع هو شغله الشاغل في حينها دون ما يتبعه من ثورة أو مسامحة، فاستطال ~~الأمد، وما انقضت غير ثوان في توقع ما يكون، وزاده فرحا على فرح أن شيئا مما توقعه لم ~~يحدث، وأن كل ما حدث أن الفتاة بهتت وراحت تقول شيئا لا بد أن يقال، فقالت في صوت خافت: ~~لقد آذاني شاربك الطويل! ~~••• # وتم التعارف بالأسماء. # واسترسل الحديث أصداء لا يقصدها القائل ولا يصغي إليها السامع، لحظة يسيرة ثم انقلب الفرح ~~غما ثقيلا بغير منفذ وبغير دلالة، فإن الفتاة لبثت تتكلم ويبدو من عينيها أنها تفكر في ~~غير ما تتكلم، ثم خرجت ساهمة بغير استئذان إلا حين قاربت الباب، فقد انثنت تحيي هماما تحية ~~من يؤدي «واجب اللياقة» لا تحية من يجامل في وداع. # قال همام: ما معنى هذا؟ # قالت «ماريانا»: لا عليك منها، إنها ستعود يوما لا محالة. # قال: لست عن هذا أسأل؟ فهل هي غاضبة؟ # قالت: مم تغضب؟ أمن القبلة؟ فلم لم أغضب أنا؟! # قال: خيبة الله عليك يا عزيزتي ماريانا ... دعينا من غضبك أنت ورضاك، فإنها هي القبلة ~~الأولى والأخيرة بغير مراء! ولئن رضيت عنها فما أنا براض ... ولكن الذي يعنيني ألا تكون ~~قبلتها هي القبلة الأولى ms070 والأخيرة. فما رأيك؟ # قالت: ابغ لك مستشارا غيري، إنني أعرف كيف أوفق بين الكسوة وصاحبتها، ولا معرفة لي ~~بالتوفيق بين رجل وامرأة! # فلم يشأ همام أن يطيل الكلام، ولم ينتظر صاحبه الذي لم يعد، ولم يكن يبالي في تلك ~~الساعة أن يعود، وخرج منقبضا متحاملا يلوم نفسه على خروج الفتاة ولا يلوم نفسه على ~~تقبيلها، كأنما كان يستطيع الفصل بين الأمرين! ... وعادت القبلة إلى شفتيه كأنها طيف يرف على ~~مهاده الأول، حتى لقد أوشك أن يضم شفتيه ليلامس ذلك الثغر الذي لاح له أن ينضغط وينضغط من ~~لينه وطراوته إلى غير نهاية، وسرت لذعته الباردة كلذعة النعناع الذي هدأت سورته وبقيت ~~ذكراه، فازداد غما على غم، ولعن ذلك الشيطان الكامن في أعماق كل نفس يثير لواعجها ~~وينكأ جراحها، في حيثما احتاجت إلى التهوين والنسيان. # وذهب إلى المكتب فتلقاه الخادم قائلا: إن سيدة سألت عنك بالتليفون. # فلم يعره كبير التفات. # وعاد الخادم بعد فترة يقول: إن سيدة على التليفون تسأل عنك، وأظنها السيدة الأولى. # فنهض همام إلى التليفون وآخر ما في ذهنه أن المتكلمة هي فتاة ذلك الصباح، وقال بغير ~~اكتراث: من المتكلم؟ # قال صوت كصوت الفتاة بعد التحريف المعهود في أداء التليفون: ألا تعرفني؟ # قال: عرفتك الآن، أنت سارة ولا ريب! # ولم يلاحظ هو ولا لاحظت هي أنه حذف اللقب وخاطبها باسمها كما يتخاطب الأصدقاء ~~الأقدمون! # قالت: أوكنت تنتظر هذه المحادثة؟ # قال: لا أزعم أنني كنت أنتظرها، ولكني أحسب أنني كنت أتمناها! # قالت: إذن هل تحب أن أراك الليلة في دار الصور المتحركة ...؟ # قال: بل أحب أن نلتقي على انفراد، فذلك أروح وأسلم. # قالت: إنما عنيت أن تشهد الرواية؛ لأنها تشبه قصتي تمام المشابهة، ويجوز أن تكون القصة ~~مما يعنيك. # قال: لأن أسمعها من لسانك خير من أن أشهدها مع مئات. # قالت: فأين إذن؟ # قال: ما رأيك في حديقة الأهرام؟ إنها مكان قلما يغشاه أحد في هذه الآونة، وسنلتقي في ~~زاوية من الطريق ونستقل سيارة من هناك إلى الحديقة، وأسمع ms071 منك أو أقول لك كل ما ~~تحبين. ~~••• # كان أول ما فاهت به وهي تجلس إلى جانبه في السيارة أن قالت: لا بد أنك حسبتني مجنونة ~~وقلت في خلدك: ما هذه الرعناء التي تقبل التقبيل، ثم تخرج مغضبة، ثم تتكلم بالتليفون، ثم ~~تحضر إلى الموعد طائعة؟ فماذا حسبتني بربك؟ قل لي ولا تكذب! # قال: على كل حال لست بآسف لجنونك. # قالت: وأنت يا حضرة العاقل اللبيب الرشيد، أما حاولت أن تفهم لماذا كان خروجي بهذه ~~المفاجأة قبل أن ترميني بالجنون؟ # قال مستفهما: أللأمر علاقة بماريانا؟ # قالت: هو ذاك، فلو أنني أطلت المكوث لباخ الغضب بعد ذلك، ولو أننا تواعدنا أمامها لوقعت ~~في براثنها بلا رحمة، فإما أن أطيعها في كل ما يعن لها، وإما التهديد والإنذار. # فربت على خدها كأنها طفلة أجادت درسها، وقال: إنك لحصيفة يا هذه التي تتطلع مني إلى ~~تهمة الجنون، ولكنها حصافة مخيفة. # ثم حكى لها ما قالته ماريانا بعد انصرافها، وكيف أنها لم تغضب حين قبلها، فكيف تغضب ~~الفتيات الماجنات؟ ... فأخذت تضحك حتى اغرورقت عيناها بالدموع، وثابت إلى الحصافة فأوصته أن ~~يزور «ماريانا» في اليوم التالي ويثابر على سؤالها بضعة أيام، ثم ينسى المسألة كأنه ألقى ~~بها في ذمة المصادفات. # وانطوت المسافة إلى حديقة الأهرام بمثل لمح البصر، وزعم همام وهو يناول السائق أجره أن ~~سيارته أسرع ما أنجبته المصانع الحديثة، وأنه حرام عليه أن يشترك بها في سباق ~~السيارات. # وخف كل شيء في الدنيا حتى أشفقا أن يذهل قانون الجاذبية عن واجبه المرسوم، وشعرا بهذه ~~الخفة من حولهما، ولا سيما حين بصرا بالمكان خاليا من كل إنسان، فانطلق الكلام كأنه ثرثرة ~~الأطفال، وانبعثا معا في خلق جديد. # وطلبا الطعام فظهر لهمام أن صاحبته من صاحبات النظام المتحذرات من كل ما يجلب السمنة في ~~طعام وشراب، فصدقت على كل ما اقترحه عليها إلا صفحة شواء لا تشبع، فأراد أن يحذرها من ~~القسوة على جسدها، وقال لها إن بعض الأجسام إذا خف لم تكن خفته على استواء ms072 واحد، فيخف ~~هنا ويسمن هناك ويشوه من حيث يراد له حسن الهندام، ولا ينال أصحابه إلا الجوع ~~والندم! # فنظرت إليه بعيني طفلة تخاف، وسألته مستوثقة: أحق ما تقول؟ # قال: حق كل الحق، وسأريك إذا زرتني في المنزل صور التماثيل التي يعدونها في العالم ~~بأسره نماذج لجمال الأنوثة، فإن تماثيل الزهرة التي صنعها اليونان - وهم أساتذة الذوق ~~السليم - ليست على نحافة ولا ودقة في الخصور والأطراف، ولكنها مثال الجسم المتين المنسوق. ~~وسيفسد علينا سماسرة البدع الحديثة تنويع الجمال في بنات حواء. فأين نرى البضاضة والسموق إذ ~~أصبح النساء وكلهن نحيفات هزيلات؟ وكيف تتعدد القوالب إذا كانت المرأة لا تخلق لنا إلا في ~~قالب واحد؟ # وسرها ما سمعت فسألته عفوا: أيعجبك إذن هندام جسمي على ما هو عليه؟ # قال متماجنا: ومن أين لي أن أحكم؟ # ثم أحجم عن التمادي في هذه النغمة، وأيقن أنهما في هذه الخفة التي يشعران بها ليستطيعان ~~أن يتحدثا عن الموت كما يتحدثان عن الرقص واللهو والمجانة، وأحب أن يتحول الحديث إلى ~~قصة الزواج التي وعدته أن تقصها عليه، والتي يتوقف على فهمه إياها أن يفهم مدى العلاقة التي ~~ستجمعه بهذه الفتاة الجالسة في تلك الساعة أمامه، فقال وهو لا يحذر من تنغيصها باستطراده: ~~إن كنت لا ترضين زوجا بالتماس النحافة فعلام كل هذا العناء؟ أهناك رجل آخر؟ # وصح ما قدره همام، فكان جوابها على نغمة الخفة التي شملت في تلك الساعة كل شيء، ~~وقالت: أوتحسب أن المرأة لا تتزين إلا لزوج أو حبيب؟ إنها لتتزين لنفسها، وإنها لتتزين ~~للرجل الذي في عالم الخيال، ولو لم يكن له في عالم الواقع وجود. # واسترسلت تتهكم كأنما سألت نفسها وهي تسأله: أأرضي زوجا؟ ألا ليت هذا كل ما يعنيني! ... ~~إذن لأكلت قنطارا من الأرز والزبدة كل يوم! # واجتازت النقلة بين إرضاء الزوج وقصة الزواج في جملة أو جملتين، ثم انقضى نصف ساعة علم ~~فيه همام صفوة ما أرادت أن يعلم، فلو سأله سائل: أصدقها في جميع قولها؟ أعذرها في جميع ms073 ~~فعلها؟ لكان من الصعب عليه أن يجيب بالإيجاب. # بيد أنه أدرك مما سمع أنها طفلة فقدت رحمة الأمومة، ونمت وهي لا تعرف إلا جماح الحيوية ~~العارمة لا تمسكها هداية أم ولا تقوى على حبسها التقاليد الضعاف، مع ذلك الذكاء الوقاد ~~الذي لا تخفى عليه خافية الموانع والمحظورات، وأنها لو سيقت إلى زوج «يملأ عينها» ويحقق ~~معنى الرجولة في رأيها وعاطفتها لاستقرت بعض الاستقرار وقنعت بعض القنوع، ولكنها أخطأت حظها ~~من الزواج، وبرمت بفراغ قلبها فلم تعذر الدنيا، والتمست لقلبها وحده جميع الأعذار. # قالت وقد سردت له قصتها: أصغرت الآن في نظرك؟ # قال: أمني تطلبين الحكم؟ أنا حاكم مغرض فلا تنفعك الشهادة مني، غير أني أقول إن الذين ~~ينصفونك في الدنيا قليلون. # قالت: لا حاجة بي إلى إنصاف الدنيا، فلتحفظه لمن يطلبونه. ~~••• # ولقد رجعا من الحديقة إلى الجيزة مشيا على الأقدام، لم يتعبا ولم يشكوا طول الطريق، ~~وجاء الترام فركبت في مقصورة النساء وركب مع الرجال. # وكان الموعد الثاني في بيت همام. # | أيام # أجل، هي فتاتي لا مراء فيها. # ولئن خشيت حبا فإنما هذه الفتاة التي يحق لي أن أخشى حبها وأخشاها. # سنحت هذه الخاطرة في حدس همام مع سنوح سارة في أول الطريق طفرة واحدة. # وكان همام ممن يقيسون ارتقاء المرأة بسلوكها في مسألة المواعيد، فأبغض النساء إليه ~~المرأة التي تحسب سرور الرجل بلقياها سببا كافيا لتنكيده بالانتظار وتكديره بالإبطاء في ~~الحضور إلى الموعد، ولو كان في وسعها أن تسبقه إليه ... وعندها أنه ما دام راغبا في لقائها ~~فلا يصح أن يهنأ بهذه الرغبة خالصة ويسعد بهذه المتعة صافية، وعليه أن يبذل ثمنها نكدا لا ~~ضرورة له وغصة لا حاجة إليها، وهو صاغر راغم يحرق الأرم ولا يعرف له حيلة غير الإنابة ~~والتسليم، وإلا فماذا هو صانع؟ # وجواب «ماذا هو صانع؟» هذه يختلف باختلاف الرجال واختلاف أنواع الهوى، أما جوابها عند ~~همام فهو الانتظار خمس عشرة دقيقة على الأكثر ريثما ينقضي أقصى المدى المفروض لاختلاف ~~الساعات في التقديم والتقدير، ثم ms074 ينصرف ولا يسأل عن العاقبة، إلا إذا اتضح له بعد ذلك أن ~~العذر مقبول. # فلما رأى سارة - وهو يراقب الطريق من وراء النافذة - قد أقبلت في أول الطريق قبل الموعد ~~بدقيقتين أو ثلاث، ولاحظ للمرة الثانية أنها تتحرى الدقة في رعاية المواعيد، فرح بمعرفتها ~~ورحب بالعلاقة بينه وبينها، وأوجس في حينها أن تنشب هذه العلاقة جذورها في فؤاده فيتبعها ~~ما لا بد أن يتبعها من لواعج ونكبات وفواجع، وأيقن أن هذه الفتاة تفهم كثيرا جدا؛ لأن ~~الفتاة التي تفهم أن لها قيمة غير قيمة الدلال المصطنع، وأن العاطفة أنفس من أن تشاب ~~بالتنكيد والتكدير لغير داع، لهي صاحبة ذكاء مطبوع يفقه قيمة الزمن وقيمة الشعور وقيمة ~~السرور، ولا يقتصر ذكاؤها على النظر على عقربي الساعة لإدراك الميعاد! # وفي الحق أن سارة قد بهرت همام بأشياء كثيرة في أول زياراتها لمنزله غير رعايتها ~~للمواعيد. # فلو كانت تعرف ما يروقه ويستهويه من النساء معرفة تفصيل وتدقيق لحسب أنها تجوز امتحانا ~~عسيرا وتتعمد أن تخرج منه بالتزكية التي ليس بعدها تزكية، والشهادة التي ليس فوقها ~~شهادة. # هو قليل المرح، فيروقه من المرأة أن تكون مرحة بغير تكلف ولا مبالغة، ويسمى المرح الذي ~~يزين المرأة ويشوق الرجل مرحا «موقعا» تشبيها له بالغناء الذي ينطلق انطلاقا وينبعث ~~انبعاثا ولكنه يقف حينما يحسن به الوقوف، ويسكن حينما يطيب منه السكون؛ يقف ويسكن لا على ~~اقتضاب موحش وانقطاع ناشز، ولكن على نغمة تفصل اللحن من اللحن، أو على قافية تختم البيت ~~بعد البيت، فهو الوقوف الذي يريح ويشوق ويزيد لذة الإيقاع وطرافة السماع. # وهو يحب من المرأة الزينة التي تغري من يبصرها إغراء لا يخفى، ولكنها لو أنكرته وزعمت ~~أنها لم تتعمده ولم تفكر فيه لما استطاع أحد تكذيبها ببرهان. # وهو يحب المرأة التي تدرك الفكاهة، ويكره التي تتخذ من فكاهتها صناعة أو معرضا مفتوحا ~~في كل ساعة، وأقرب دليل عنده على اتفاق المزاجين هو دليل «نيتشه» الذي يقول إن الضحك من ~~نكتة واحدة هو العنوان الواضح ms075 على تقارب الضاحكين في المزاج والتفكير، وما انفصل اثنان ~~بفاصل هو أبعد من ابتعادهما في تمييز النكات. # وهو يحب ربة البيت التي تكون أول خادمة فيه لأنها سيدته الوحيدة، ويحتقر المرأة التي تأنف ~~من تلويث يديها في مطبخها كما يحتقر الرجل الذي يأنف من تلويث يديه في حقله أو حديقة ~~داره. # وهو يحب المرأة التي تستطيع أن تكون «إنسانا» في بعض الأوقات بمعزل عن الأنوثة ~~والذكورة، فلا تكون الأنوثة الحيوانية هي كل وظيفتها في الحياة. # ولقد تجلى له كل أولئك من سارة في أقل من ساعة، يوم جاءته في أول زيارة. # جاءته في زينة تلفت العين إلى كل مزية في جسدها، ولا تلفت النظر إلى عيب في ~~نفسها. # ولم يكد يستقر بها المجلس حتى نهضت إلى أثاث الحجرة تضعه في مواضعه التي تهواها، وإلى ~~جوانب البيت تعيد تنظيمه على النحو الذي تود أن تراه، وإلى المطبخ تجول فيه بنظرة فاحصة ~~تدرك لأول وهلة كيف طهيت كل صفحة، وكيف أعدت كل طبخة، وكيف لوحظت النظافة في التحضير ~~والغسل والتجفيف. # وحان وقت المائدة فقدم لها «الديك» قائلا: هذا اعتراف بفضل الديك في تعارفنا، وتمهيد ~~محادثتنا الأولى. # فما أسرع ما قالها حتى بادرته متهافتة: لا أحب يا صاحبي أن تعرف لي فضلا على هذه ~~الطريقة! # فطرب للنكتة ووجم في وقت واحد، ولو كان يتوقع عند فتاة صغيرة هذه الفكاهة الماضية ~~لاحترس بعض الاحتراس، ولكنها فاجأته بها فوجم ولم يسعه إلا أن ينقذ نفسه وهو يردد في شيء من ~~التلعثم: إن كنت لا تأبين أن أمزجك بدمي ولحمي وأن أجعلك جزءا مني فالطريقة لا تهم، ~~وأنت أكلة شهية تطيب لي بغير حاجة إلى السكاكين والقدور! # وكان حديثها على المائدة - وقد استغرقت ساعتين - على هذه الوتيرة من أمتع وأفكه ما تكون ~~أحاديث الموائد. # لاحظت أنه لا يأكل من صدر الديك ويقصر اختياره على الجناحين والوركين، فقالت: كان من ~~حقنا أن نتزوج، فنحن زوجان طبيعيان، أنت لا تأكل الصدر وأنا لا آكل غيره، فلا يشجر بيننا ms076 ~~نزاع. # قال عفو الخاطر غير عامد لما يقول: هذا مذهب شوبنهور منقولا إلى المطبخ! # وأحس أنه أقحم شوبنهور في غير مقحم؛ أعلى المائدة ومع فتاة يدار ذكر الفيلسوف ~~المتشائم عدو النساء؟! # وإنه ليهم بتوبيخ لسانه والتراجع إلى موضوع غير هذا الموضوع الذي أثاره، وإنه ليريد ~~أن يأخذ عليها سبيل السؤال عن شوبنهور ومذهب شوبنهور إذا هي تلاحقة قائلة: نعم، القصير ~~يطلب الطويلة، والأبيض يطلب السمراء، والبدين يطلب النحيفة، ومن يأكل جناح الدجاجة يطلب ~~من لا تأكل الجناح ... هذا تطبيق صحيح لمذهب الفيلسوف. # فراعه تعقيبها وسرعة التفاتها إلى «محل الشاهد» - كما يقولون - أضعاف ما راعته نكاتها، ~~ولمحت هي دهشته فاستطردت تقول: على رسلك، لا تخف ولا تعجل، فلست بحمد الله فيلسوفة، وما ~~قرأت شوبنهور إلا لأن «أحدا» أرادني على قراءته، ولأن تفهيمه إياي كان ذريعة اللقاء ~~بيننا، وما كان بالجائز أن يحضر إلي ليفهمني رواية أو مقالة ممتعة ... فلم يعد لنا بد من ~~الفلسفة وأمرنا إلى الله! فأغرب همام في الضحك؛ لأنه تخيل شوبنهور العظيم بوجهه العبوس ~~وعينيه الظريفتين تبرقان من الحرد والسخرية وهو يسمع بأذنيه كيف انتقمت منه امرأة وهزئت به، ~~وسخرت فلسفته لغرامها. # وأثنى همام على صراحة سارة وقلة دعواها، واطمأن إلى سياق الفلاسفة والشعراء فقال: الآن ~~آمنت مرة أخرى أن صديقي «هيني» خبير بالنساء في جده ومزاحه ... # قالت: ومن صديقك هذا هيني؟ # قال: لا تتهيبي، فليس هو بفيلسوف مغلق، ولا هو بالكاتب الذي يحوجك إلى ترجمان أو مفسر، إن ~~حلا لك أن تقرأيه وحدك فهو شاعر سلس سائغ، وما أحسب له نظيرا في الدعابة وخفة ~~الروح. # قالت: أصحيح؟ وماذا قال عنا معشر النساء هذا الشاعر الظريف؟ # قال: إنه ضجر من سيدة دعية لها عين واحدة تتطفل على الأدب، فكتب عنها يقول: كل ~~امرأة تكتب فإنما تتجه عينيها إلى القرطاس وبالعين الثانية إلى رجل ... ما عدا فلانة طبعا ~~... فإن لها عينا واحدة كما يعلم القراء! # فراقتها غمزة الشاعر للمرأة الدعية، وقالت: أما من جهتي أنا فإني لأقر وأقسم بين ms077 يديك ~~وبين يدي الله أن هيني لظريف وإنه لصادق، فما تقرأ المرأة إلا عن رجل أو بسبب رجل، وكل ما ~~عدا ذلك كذب وادعاء. # وتشعب الحديث، وتفتحت مغاليق الأسرار من الجانبين، وفي غير مناسبة ظاهرة سألته وفي ~~عينيها خبث كخبث الأطفال المناوئين: كم عمرك يا همام؟ # قال همام: دعي هذه المحرجات يا بنية، فإن أبيت إلا الإلحاح فسأخبرك على شريطة واحدة، ~~وهي أن تخبريني أنت - بداءة - لماذا تسألين؟ # قالت: ولم؟ أيتغير عمرك بتغير أسباب السؤال؟ على أنني لا أنوي أن أدعك تطيل التخمين، ~~وأريد أن أفرض لك اثنتين وثلاثين سنة إذا كنا متفقين في نسبة السن كما اتفقنا في غيرها من ~~المقارنات ... فإنني أنا في الثالثة والعشرين، وينبغي أن يكون عمر المرأة نصف عمر الرجل ~~مضافا إليه سبع سنوات. # قال: بل تسمحين أن يكون عمرك خمسا وعشرين ليتفق الحساب من الطرفين، وأقسم لك أنني ما ~~أسقطت يوما واحدا، وأنك أسقطت السنتين الناقصتين! ~~••• # من الواجب أن نعرف لأيام النعيم وداعا غير وداع الأسى والأنين الذي اصطلح عليه شعراء ~~الاصطلاح في بعض العصور العربية. # فمن الخيانة للسرور عند هؤلاء الناس أن تلوح له ساعة وداعه بمنديل غير مبلول، وأن تفرغ ~~منه شبعان راضيا عن الشبع شاكرا للزاد، خاليا بذكرياته للتملي به والتأمل فيه. # وشعراء الاصطلاح جهلاء بالإنسان، لا يدرون ما الأسى ولا يدرون ما السرور، فالواقع أن ~~الإنسان ليرحب بالشبع من النعيم وهو شاكر كما يرحب بالشبع من المائدة وهو شاكر، وترتفع ~~المائدة فلا يحزنه أن ترتفع بعدما استوفى صنوفها وروى أحشاءه من آكالها وأشرباتها وهنأ ~~حواسه جميعا بما استطاع أن يلتهم من دسمها وحلواها، ومن شبع من الروضة زهرا ولونا ~~وأريجا وظلا فلا بد أن يشوقه أن يغمض عينيه ليشبع منها خيالا ومراجعة، ويضع لها صورة ~~مجملة يتأملها ويستبقيها، ويفسح لها مكانا من متحف النفس تأوي إليه أبد الآبدين بنجوة عن ~~الواقع وطوارق الأحداث؛ انتهى السرور الظاهر فليبدأ السرور الباطن، وذهب السرور العابر ~~فليبق السرور الدائم، وتم السرور الذي يملكنا ويؤثر ms078 فينا فلننظر في السرور الذي نملكه ~~ونؤثر فيه. # وهكذا ودع همام يومه شبعان جد الشبع، قانعا أوفى ما يكون القنوع في تركيب أبناء ~~الفناء، مستريحا إلى الوداع كما يستريح الشاكر المكتفي لا كما يستريح السائم الملول، وأغمض ~~عينيه على فراشه تلك الليلة يستعيد ويستجمع ويستمرئ ويتحدى النوم وهو مقبل إليه: أيها ~~النوم، أتحدى أحلامك أن تعطيني فوق ما أخذت اليوم في صحو اليقظة ... وأنا كاسب الرهان على ~~الحالين ... ~~••• # وتوالت المواعيد بعد الزيارة الأولى على تباعد بينهما في مبدأ الأمر، ثم على تقارب يوشك ~~أن يكون بلا انقطاع. # إلا أنهما اتفقا على أن ينذرا سحابة يوم الجمعة لخلوة كاملة لا مشاركة فيها ولا يعوقهما ~~عنها عائق. # فيوما على رمال الهرم؛ لأنها تريد أن توقظ الفراعنة! # ويوما على القناطر الخيرية؛ لأنها تريد أن تحاسب النيل العتيق على عرائسه ~~الغريقات. # ويوما على زورق بين روض الفرج والروضة، ويوما في حلوان عند آثار صقارة، ويوما في ~~صحراء ألماظة، ويوما في جوار عين شمس والمطرية، فإن لم تكن رياضة خلاء فعكوف في المنزل ~~من الصباح إلى المساء، وذلك أمتع الأيام. # يخلو المنزل نهارها فلا طاهي فيه ولا خادم ولا نزيل غير سارة وهمام، وقد جعلا خدمة المنزل ~~في ذلك اليوم شعائر مقدسة كالشعائر التي يتولاها الكهان، فهما يتبركان بها ولا يخجلان منها ~~وهي في يدها المكنسة وهو في يده سكينة التخريط ... أو هي تمزج الحلوى وهو يقلب الآنية على ~~النار ... أو هي تملأ الأطباق وهو ينقلها إلى المائدة، حتى إذا حان وقت الطعام مثلت إلى جانب ~~المائدة في وقار وخشوع، وقالت: انتهى دور الخدمة، فتفضلوا أيها السادة. # وتتسرب إلى المنزل أنباء الأصيل بالاستقراء لا بالمشاهدة في معظم الأيام، فيقرآن أو ~~يسمعان بعض الأغاني، أو يلعبان «الدومينة» قليلا، وهي لعبة تحذقها سارة ويعتقد همام أنها ~~أصح الألعاب وأشدها مطابقة للحياة. # فالشطرنج والضامة يعولان على الحيلة، وكل شيء فيهما مكشوف بعد ذلك، والنرد يعول على ~~المصادفة والذكاء، وكل شيء فيه مكشوف بعد ذلك، والورق إما مصادفة وإما ms079 صراع قلما يشبه صراع ~~الحياة. # أما «الدومينة» ففيها حساب للمصادفة، وفيها حساب للتدبير، وفيها حساب لليقين، وفيها حساب ~~للظنون، وفيها حساب للغيب الذي تجهله أنت وخصمك، وللغيب الذي تجهله أنت ويعرفه خصمك، أو ~~يجهله هو وتعرفه أنت، وللعيان الذي يعرفه كل من يشاء، ولها قوانين تمنعك أن تتحرك على ~~هواك، ولها حرية تمنحك الخيار بين ما في يديك. # قالت سارة يوما بعدما استعادته شرح «فلسفة الدومينة» للمرة الخامسة أو السادسة أو ~~السابعة: أولا تستمتع بشيء إلا أن تكون له فلسفة؟ # قال: لا، بل أستمتع بالشيء ثم أبحث عن فلسفته، وإنني لأبحث عن فلسفته كما يجيل الشارب ~~الكأس في جميع جوانب فمه ولهواته، كي لا يبقى جانب من النفس لا يأخذ نصيبه من متاعه، فأحسه ~~وأعمله وأذكره وأفكر فيه وأستقصي معناه. # وأمثال هذه الأسئلة كانت تصدر منها كما يسأل الصبي أباه الشيخ في دالة ومحبة، أو كما يفتش ~~المالك منزلا دخله واستولى عليه فراح يسأل عن كل صغيرة وكبيرة فيه، فما كان في تلك ~~الأسئلة فضول غريب ولا تهجم واغل، ولكن السائل والمسئول عنه هما جزء من مكان واحد ~~تدور عليهما أسواره وتحتويهما جدرانه، ويتفقد فيه من يشاء ما يشاء، ولا فضول ولا ~~اقتحام. # | لماذا هام بها؟ # حواء أخرجت من جنة، وبناتها كل يوم يخرجن من جنات ... فهل المرأة ضرة الجنة تغار منها ~~غيرة الضرائر؟ لا ندري، ولكنها هي المرأة أبدا لا تريد للرجل أن ينعم بغير نعيمها، أو يسعد ~~بغير سعادتها، وليس يعنيها أن تفرح معه كما يعنيها أن تكون سبب فرحه وينبوع سعادته دون كل ~~ينبوع، وربما أرضاها أن تكون سبب ألمه وألمها، ولم يرضها أن تشاركه السعادة الوافية، إن كان ~~للسعادة سبب سواها. # كان همام قانعا بالمودة الهنيئة الوادعة بينه وبين سارة، إن حضرت سره حضورها، وإن غابت ~~لم يغضبه غيابها، لا يفرض عليها حقا، ولا يحسب أنها تفرض حقا عليه، ويتصلان وينفصلان ~~ولا قلق في الأمر ولا استطلاع ولا استكراه؛ لها وقتها كله وله وقته كله، إلا ms080 ما يشتركان فيه ~~من الوقت فهو لهما على السواء، بلا اقتسام ولا جور ولا اعتداء. # غير أن «سارة» لم يعجبها هذا الجدول المترقرق المنساب، وأبت إلا أن تراه شلالا يعج ~~ويثور، ويضطرب ويمور، فنصبت فيه الحواجز وأقامت فيه الصخور. # كان يسألها في مبدأ العلاقة بينهما عن الموعد المقبل فتذكر له يوما ويذكر هو أن ذلك ~~اليوم يوم زيارة صديق أو يوم شهود احتفال أو يوم عمل من الأعمال التي تشغله عن اللقاء، ~~ويرجوها أن تنظر في تأجيل الموعد فلا يعجبها ذلك. # وكانت تستعجل الانصراف في بعض زياراتها وتعتذر إليه بموعد أو بمصلحة أو بما شابه هذه ~~المعاذير، فيأذن لها ولا يمسكها، فلا يعجبها ذلك. # وقالت له يوما بعبارة صريحة إنه لو «أمرها» بالبقاء لبقيت وهي مسرورة. # وقالت له أياما إنه لو فضل موعدها على كل موعد غيره لفهمت أنها أثيرة عنده وأن لقاءها ~~محبب إليه مفضل لديه، فلما قال لها إنه يفضل لقاءها على غيره إذا كان حرا في ~~الارتباط بهذا أو بذاك، قالت هذه حجج يحتج بها الرجال حين لا يريدون وينبذونها حين لا ~~يريدون، وإنه لو ترك من أجلها ميعادا لتركت من أجله مواعيد. # واستباحت لنفسها رويدا رويدا أن تفتش في أوراقه الخاصة وهو لا يمنعها، فعثرت فيها مرة ~~بصورة فتاة هيفاء ممشوقة القوام في غلالة تنم على محاسن بدنها وانسجام أوصالها، فصاحت به ~~عابسة ما هذه؟ # وكان همام قد نسي الصورة ونسي أنها هناك، فنظر إليها وقال بغير اكتراث: فتاة ~~راقصة. # غير أنه لاحظ أن سارة لم تؤخذ بجمال الفتاة كما أخذت بنوع جمالها، فلو كانت أجمل مما ~~هي مائة مرة وكانت تشبه سارة في بضاضتها لما راعها أن تعثر بصورتها هناك تلك الروعة التي ~~بدرت منها في صيحتها العابسة، لكن الفتاة هيفاء، وجميلة الهيف، وليس فيها ما يعيب بعض ~~النحيفات من هزال وقلة اعتدال، وطلعتها مع ذلك طلعة راقصة كسائر أوصالها تكاد تنضح بالخفة ~~والنغم. # وقد كانت نوبة النحافة والتنحيف يومئذ في بدايتها وفي إبانها، وكانت ms081 سارة تروض بدنها ~~رياضة قاسية لتخف وتستوي على طراز لجمال الحديث، فكان هذا جميعه مما ضاعف اهتمامها بالفتاة ~~وألهب فضولها. # قالت: وفيم تحتفظ بها؟ # قال: صورة فنية جميلة، كأنها تمثال، كأنها تحفة. # قالت وهي تنظر إلى توقيع الفتاة وخطها الركيك: ولماذا هذا التوقيع؟ ولما لم تقرنها ~~بثانية وثالثة ورابعة؟ أهي الراقصة الوحيدة التي راقك جمالها؟ # قال: إن كان لا يقنعك إلا مجموعة كاملة من صور الراقصات فليس في الأمر صعوبة ... ثم قال: لو ~~علمت يا خبيثة مقدار ما وهبك الله من حدة الذكاء لأنفت أن تغاري من صاحبة هذه الصورة ~~وأنت ترين «أميتها» ماثلة في خطها. # قالت: أوتظن أنني أبتهج بأن تحبني لحدة ذكائي وتحب هذه الراقصة لما ... لما لست أدري ما ~~أنت واجد فيها؟ # قال: أنا لا أحبها. # قالت: أصحيح؟ إذن هل أنا في حل من تمزيق الصورة؟ # قال: لا أمنعك ولكنها خسارة. # قالت: أهي خسارة أم تخشى أن تسألك عنها صاحبتها؟ إنني لا أنافس الراقصات يا سيدي، فاحتفظ ~~بالصورة كما تهوى، ولكن أرجوك أن ترد إلي صورتي، فلست أختار لها أن تقيم هنا وأمثال هذه ~~الصور في مكان واحد. # فكبر الأمر على همام، وأحس لأول مرة أن فراق سارة يثقل عليه، فقال لها: إن كان لا يريحك ~~إلا أن تمزقي الصورة فمزقيها ... # فما أمهلته أن يتم جملته حتى قبضت على الصورة تمزقها كل ممزق كأنها تضمر لصاحبتها ضغينة ~~وهي لم ترها ولم تسمع باسمها، ولا يذكر همام أنه بصر بامرأة تفرح هذا الفرح بتمزيق ورقة ~~إلا امرأة جاهلة أسلمها الساحر المشعوذ لفة من الورق زعم أنها هي الرقية التي كتبتها لها ~~الضرائر ليبتلينها بالسقم في جسمها والنكد في عيشها، فمزقتها وكأنها تود أن يصير جسمها كله ~~أيديا تشترك في تمزيقها. # وهكذا أخذت تحاسبه وأخذ يحاسبها، وشعر بالتضييق عليه، ولكنه لم يضجر منه ولم يتبرم ~~بالباعث إليه، وأنشأ يتعود أن يفكر فيما تصنعه وفيمن تلقاه أثناء غيابها، ويتعود أن يسألها ~~وأن يتحرى حركاتها ... وفرغ لها فوقع في روعه ألا ms082 يقنع منها بما دون الاستئثار والتفرد، ~~وانقلب الجدول الهادئ المنساب رويدا رويدا فغاب فيه الحمل الوديع وبرز منه الأسد المتحفز، ~~ولو ظل كما كان جدولا وديعا لصفا واسترسل، أو لانتهى كما ينتهي النهر إلى مصبه في رفق ~~وسخاوة. ~~••• # ذلك سبب من أسباب الهيام، وقلما يكون الهيام لسبب واحد. # ومن أسبابه الكثيرة لذة الاستكشاف الدائم المصحوب بالتجديد والتنويع؛ فإن الرجل ليسره ~~أن يستكشف المرأة ويسره ألا يزال واجدا فيها كل حين ميدانا جديدا للاستكشاف، ويسره ~~أن يراقب المرأة وهي تستكشفه وتتخذ لها مسربا إلى عواطفه، وترفع من دخائله حجابا وراء ~~حجاب، ويسره أن يستكشفا الدنيا معا والناس معا والطبيعة معا بروح مركبة من روحين ~~وجسد مؤلف من جسدين، وضياء كله شفوف وتجديد وآفاق تنساح إلى آفاق. # فإن وقف الاستكشاف ولم يتجدد من جانب الرجل ومن جانب المرأة فقد يكون سببا للسآمة ~~والعزوف لا سببا للشغف والهيام. # إن المرأة في استكشافها الرجل لكمن يجوس خلال الغابة المرهوبة ليهتدي أولا وآخرا إلى ~~موطن الرهبة منها ووسيلة الطمأنينة إلى تلك الرهبة، ثم يرتع في صيدها وثمرها ويشبع من مظاهر ~~العظمة والفخامة فيها. # وإن الرجل في استكشافه المرأة لكمن يجوس خلال الروضة الأريضة ليهتدي إلى مجتمع الظل ~~والراحة والمتعة والحلاوة بين ألفافها وثناياها؛ فهو يستكشفها ليعرف أحلى ما فيها وهي ~~تستكشفه لتعرف أرهب ما فيه، ثم تصبح الروضة روضة وغابة، وتصبح الغابة غابة وروضة، ويقوم ~~حواليهما سور واحد يشعران به إذا خرجا إلى الدنيا، ولا يشعران به وهما بنجوة ~~منها. # وكان همام وسارة يتكاشفان كل يوم ولا يخفيان أنهما يتكاشفان، بل يتحدثان بما يعن من ~~شأنها وشأنه كأنهما رحالتان في نزهة طويلة، يشتركان في مراجعة عمل النهار كلما سكنا إلى ~~ظلال الخيمة في ظلام المساء. # كان يراقبها في نفسها ويراقبها في نفسه، كان يرى المرأة المرحة الطروب وهي تلهو وتعبث، ~~ويرى المرأة الكسيرة المطواع وهي تلتمس الأمان والعزاء، ويرى الإنسانة الفطرية وهي تطيع ~~الغريزة وتلبس «دورها» على مسرح الطبيعة بين نباتها وحيوانها ومكانها وأهوائها، ويرى ms083 المرأة ~~الذكية وهي تقرأ النثر والشعر وتنتقد الصور المتحركة، ويرى المرأة العصرية وهي تتغلب على ~~امرأة الجيل الغابر في ميدان، وتخضع لها وتنهزم أمامها في ميدان، ويرى من وراء ذلك جميعه ~~وفي خلال جميعه المرأة الخالدة التي لا تتحول ولا تتبدل، والأنثى السرمدية التي يهمها من ~~«الذكر» الحماية والجاه قبل كل شيء وبعد كل شيء، ولا يهمها العقل والرجحان والفضائل ~~والمناقب إلا لأنها وجه من وجوه الحماية والجاه. # لقد أكبرته كثيرا وهي تسمع الثناء عليه في مجالس أناس من علية الناس لا يعلمون ما ~~بينهما من صلة، ولا يستريحون إليها لو علموها. # ولقد أكبرته كثيرا وهي تقرأ له أسفار النوابغ من أساطين الأقدمين وفحول المحدثين ~~الغربيين، وهو يعقب على ما يسمع بكلمة هنا وكلمة هناك، ويناقش لها ما يبدو أنه حقيق ~~بالمناقشة، وليست هي من الجهل بحيث يخفى عليها سداد مناقشاته، وليست هي من قلة الثقة به ~~بحيث تغلق المنافذ على ذهنها مكابرة وتقليدا كما يفعل العامة الجامدون، وليست هي من العلم ~~بحيث تفهم أن نوابغ الغرب كائنة ما كانت أقدارهم وبالغا ما بلغ صيتهم واشتهارهم خاضعون ~~للنقد قابلون للتشريح والتصحيح، بل هي نشأت نشأتها الأولى على تقديس هؤلاء النوابغ والعلو ~~بهم إلى مرتبة العصمة والتأليه، فإذا بدهتها الملاحظة ولم تجهل سدادها فغرت فاها الصغير ~~وحملقت بعينيها الواسعتين كما تفعل الطفلة وهي تتفرج على منظر طريف، وجال في قلبها إكبار ~~تعبر عنه بكل ما تستطيع من علامات التحبب والتدليل. # إلا أن شيئا من ذلك - في مدى السنوات الطوال - لم ينعشها ولم يلمس كوامن أنوثتها ولم ~~يقدح من سرورها به وحنينها إلى جواره مثل ما نعشها وسرى فيها وتجلى عليها في حادثة عرضية ~~حدثت ذات مساء في مركبة من مركبات الأجرة بين الزمالك والجزيرة. # كانت المركبة تسير على مهل والحوذي قد غفل عن إشعال مصابيحها بعد مغيب الشمس، فصدمت ~~واحدا من ثلاثة أو أربعة من رجال الضبط كانوا يتمشون على ساحل النيل في محاذاة العوامات ~~والذهبيات، وذلك جرم من الحوذي تضيق ms084 عنه رحمة الله! فإن كل شيء ليجوز للحوذي الغافل إلا أن ~~يصدم السادة «رجال الضبط»، وهم هم أصحاب الحول والطول والقول الفصل في الخيل والمركبات ~~والسيارات والحوذية والساقة، وما يحملون ومن يحملون! ... فإذا كان ذلك في أثناء «تأدية ~~وظيفة» كما يسهل القول والإثبات، فويل يومئذ للمسكين ... إنه لذاهب من الدار إلى النار وما ~~له من شفيع. # وقد كان أصاب الغافل الأثيم جزاءه اليسير في سرعة لا تليق بمركبات الخيل ولو كان لها مائة ~~حصان، فجذبه «رجال الأمن» من مقعده الرفيع وصافحوا صدغيه بكل ما وسعته الكفوف من مران على ~~هذا الضرب من المصافحات، وجعل الرجل يستغيث ويعتذر ويتوسل ولا جواب له إلا ضربات متداركات ~~تتبارى فيها الألسنة والكفوف. # وطال الخصام ولاح لهمام أنه لا يؤذن بختام ... فلم يجد مناصا من النزول والسعي في ~~الإصلاح، ولم يغب عن باله أن اللجاجة قد تفضي برجل الضبط «المعتدى عليه» إلى كتابة محضر ~~واستدعاء شهود، وأنه سيكون لا محالة واحدا من هؤلاء الشهود، فإذا أفضى الأمر إلى ذلك فقد ~~كان ينوي أن يعطيهم عنوانه إن قنعوا به أو يصاحبهم بعد أن يحتال في صرف سارة وإبعادها عن ~~القضية ما استطاع. # على أن المسألة لم تلجئ إلى شيء من ذاك، ولم تستغرق أكثر من دقيقة أو دقيقتين، فقد كان ~~«رجال الضبط» ظرفاء رقاق الحاشية يعرفون همام بالرؤية والسماع وإن لم تجمعهم به صداقة، ~~فتلطف أكبرهم وحيا هماما بلقبه دون اسمه، واتجه إلى الحوذي بعد أن صفعه الصفعة الأخيرة ~~وأسلمه الرخصة المنزوعة ... وهو يهنئه بالسلامة، إكراما للرجل الذي معه لا إكراما لأمه ~~وأبيه اللذين من صفاتهما كيت وكيت، كما علم قبل ذلك على ما يظهر. # ولم تكن سارة من السذاجة بحيث تفرق من محذور هذه الحادثة، ولم تكن من قلة الحيلة بحيث ~~تعي بتدبيرها أن ساءت الجريرة وقد أفهمها همام قبل نزوله من المركبة أن اتقاء المحذور سهل ~~من «الوجهة الرسمية»، وقد سبق لهما أن تعرضا معا لمهاجمة بعض العاطلين الذين يأخذون ~~الطرقات على المارة في ms085 الضواحي البعيدة رجاء المساومة على ما يحسبونه من الفضائح الغرامية، ~~فنظرت إليهم غير حافلة وتركت هماما يزجرهم وينهرهم ليعلموا ألا رجاء في مساومة ولا خوف ~~من فضيحة، فلم يكن سرورها بصاحبها تلك الليلة سرور النجاة من مأزق مخيف والفزع من عاقبة ~~محذورة، وإنما كان سرور المرأة بالحماية والثقة والاستسلام وهي مغمضة العينين. # فلما عاد همام إلى المركبة واستوى في مكانه فيها لم تزد على أن زحفت إلى جانبه ~~واستكانت إلى جواره وتطامنت في حضنه تطامن الفرخ في حضن أبيه، وهمست تحت أذنه وهي تمسح خدها ~~بخده: ما أسعدني بجوارك سيدي ومولاي! وكانت تلك أول مرة دعته فيها تلك الدعوة، وكان ذلك كل ~~ما فاهت به من تعبير عن سرورها، وما كانت في حاجة إلى أن تزيد؛ فقد كان شعور همام بسرورها ~~الناعم المرفرف الشكور غنيا عن كل كلام. # وعرف همام أنها استكشفته وطبعته في صفحة المحاكاة عندها بعد فترة وجيزة، فجعلت تحكيه ~~وتمثله في ضحكه وحديثه وتأمينه الصامت، واعتراضه بالإشارة، وردوده وهو مشغول، وردوده وهو ~~حاضر القريحة، وتعقد أحيانا محادثة طويلة بينها وبين نفسها تتكلم فيها مرة بصوتها ~~وأسلوبها ومرة بصوت همام وأسلوبه، فتجيد المحاكاة في اللهجة والتفكير إجادة لا يعيبها ~~الفرق بين الصوتين والجسمين والهيئتين، بل يزيدها ملاحة على ملاحة. # وإنها لقد عرفت منه بزكانة المرأة في شهر واحد ما لم يعرفه أصدقاؤه وخلطاؤه في أعوام، ~~فتقول له إن الزوبعة منك لا تخيف ولا تطول بمقدار ما يخيف الاستقرار الذي بطل فيه التردد ~~وخلا من كل هياج وكل ثورة، وتقول له: إنني إذا أردت أن أهزمك لم أبرز لك بسلاح ولم ~~ألبس لك شكة الحرب، فأقودك من أذنيك. ~~••• # وما زالا يتكاشفان ويتكاشفان حتى علما أنهما مكشوفان لا يتواريان في جنة لا ينبت فيها ~~ورق التين، فكان هذا التكاشف سببا ثانيا من أسباب هيام همام، وقلما ينحصر الهيام في سببين ~~اثنين. # نعم، فقد كان لهيامه بها أسباب مختلفات، بعضها محدود واضح المعالم وبعضها مزيج من شتى ~~أسباب لا تتضح لها ms086 حدود. # فمن تلك الأسباب الواضحة أنه كان يحس إحساسا شديدا أن توديع هذه العاطفة قد يرادف في ~~معناه توديع الحياة. # لأنه تعلق بها وهو في العقد الرابع من عمره، فإذا انقطع ما بينه وبينها فمن بفتاة ~~تخلفها في ذكائها ونضارتها وموافقتها؟ وإذا وجد الفتاة فمن له بالقلب الذي يلبي دواعي ~~الصبا وينزع منازع الفتوة ويتقد ويخبو على حسب المشيئة، ويغامر اليوم في عاطفة مرجوة ~~وقد كان بالأمس في عاطفة يائسة مضيعة؟ # إن خبت هذه العاطفة فهي جذوة الغرام الأخيرة، عليه أن يذكيها ويرعاها كما كان الأقدمون ~~يرعون الشعلة المقدسة مخافة أن تنطفي فلا يستعيدوها، قبل أن يحذقوا صناعة الزناد ~~والثقاب. ~~••• # ومن أسباب هيامه بها ألفة متغلغلة في أنحاء النفس والجسد كألفة المدمن للعقار المخدر، من ~~شاء أن يسميها حبا فهو صادق، ومن شاء أن يسميها بغضا فهو صادق، ولمن شاء أن يزعم أن ~~المدمن يتعاطى عقاره وهو راغب فيه، ولمن شاء أن يزعم أنه يتعاطاه وهو ساخط عليه فقصارى ~~القول أنه يتعاطاه، وأن الإقلاع عنه يكلفه جهد الطاقة وغاية المشقة. # ومن الحق أن نذكر هنا أن الرجل يعشق الأنثى في مبدأ الأمر؛ لأنها امرأة بعينها؛ امرأة ~~بصفاتها الشخصية وخلالها التي تتميز بها بين سائر النساء، ولكنه إذا أوغل في عشقها وانغمس ~~فيه أحبها لأنها «المرأة» كلها أو المرأة التي تتمثل فيها الأنوثة بحذافيرها وتجتمع فيها ~~صفات حواء وجميع بناتها، فهي تثير فيه كل ما تثيره الأنوثة من شعور الحياة، وأي شعور هو ~~بعيد من نفس الإنسان في هذه الحالة؟ إن الأنوثة لتثير فيه شعور القوة، وشعور الجمال، وشعور ~~الألم، وشعور الجموح والانطلاق من قيود المنطق والحكمة، وشعور الإنسان كله، وشعور الحيوان ~~كله، بل تثير فيه حتى الشعور بما وراء الطبيعة من أسرار مرهوبة ومن أغوار لا يسبر مداها في ~~النور والظلام؛ لأن المرأة حين تمثل الأنوثة هي مناط الخلق والتكوين، وأداة التوليد والدوام ~~والخلود، وهي مظهر القوة التي بيديها كل شيء في الوجود وكل شيء في الإنسان. ~~••• # وكذلك تجمعت أسباب ms087 الهيام من ألفة إلى متعة إلى تفاهم إلى اتفاق في أمور غيرها، حتى ~~استحكمت أواصر الملازمة، وتلاحمت وشائج الفتنة، فلما أنشأ يحاسبها على حقوق الوفاء، ~~ويتقاضاها أمانة الإخلاص، لم يكن ذلك غلوا منه في تنزيه العصمة الإنسانية، ولا غلوا ~~في تنزيه عصمتها، ولكنه حاسبها ذلك الحساب لأنه حتم لا مندوحة له عنه، ولأن السكوت عنها ~~كان أشق عليه من حسابها. # وإلا فماذا هو صانع؟ أيفارقها؟ ذلك عسير! # أيستبقيها على أن يكون لها وحدها ولا تكون له وحده؟ ليس ذلك بيسير! # وهكذا يتفق أن يحاسب الرجل المرأة بميزان الملائكة، وهو لا يستبعد منها غدر ~~الشياطين. # | حبان # إذا ميز الرجل المرأة بين جميع النساء، فذلك هو الحب. # إذا أصبح النساء جميعا لا يغنين الرجل ما تغنيه امرأة واحدة، فذلك هو الحب. # إذا ميز الرجل المرأة لا لأنها أجمل النساء، ولا لأنها أذكى النساء، ولا لأنها أوفى ~~النساء، ولا لأنها أولى النساء بالحب، ولكن لأنها هي بمحاسنها وعيوبها، فذلك هو ~~الحب. # وقد يميز الرجل امرأتين في وقت واحد، لكن لا بد من اختلاف بين الحبين في النوع، أو ~~الدرجة، أو في الرجاء. # فيكون أحد الحبين خالصا للروح والوجدان، ويكون الحب الآخر مستغرقا شاملا للروحين ~~والجسدين. # أو يكون أحد الحبين مقبلا صاعدا، والحب الآخر آخذا في الإدبار والهبوط. # أو يكون أحد الحبين مغريا بالرجاء، والحب الآخر مشوبا باليأس والريبة. # أما أن يجتمع حبان قويان من نوع واحد في وقت واحد فذلك ازدواج غير معهود في الطباع؛ ~~لأن العاطفة لا تقف دون المدى ولا تعرف الحدود، وإذا بلغت مداها العاطفة جبت ما ~~سواها. # وقد كان همام يحب امرأة أخرى حين التقى بسارة في بيت ماريانا، يحبها الحب الذي جعله ~~ينتظر الرسالة أو حديث التليفون كما ينتظر العاشق موعد اللقاء، وكانا كثيرا ما يتراسلان أو ~~يتحدثان، وكثيرا ما يتباعدان ويلتزمان الصمت الطويل إيثارا للتقية واجتنابا للقال والقيل ~~وتهدئة من جماح العاطفة إذا خافا عليها الانقطاع، ولكنهما في جميع ذلك كانا أشبه بالشجرتين ~~منهما بالإنسانين ، يتلاقيان وكلاهما ms088 على جذوره، ويتلامسان بأهداب الأغصان، أو بنفحات النسيم ~~العابر من هذه الأوراق إلى تلك الأوراق ... # كانا يتناولان من الحب كل ما يتناوله العاشقان على مسرح التمثيل، ولا يزيدان. # وكان يغازلها فتومي إليه بأصبعها كالمنذرة المتوعدة، فإذا نظر إلى عينيها لم يدر ~~أتستزيده أم تنهاه، ولكنه يدري أن الزيادة ترتفع بالنغمة إلى مقام النشوز. # وكان يكتب إليها فيفيض ويسترسل، ويذكر الشوق والوجد والأمل، فإذا لقيها بعد ذلك لم ير ~~منها ما ينم على استياء، ولم يسمع منها ما يدل على وصول الخطاب، وإنما يسمع الجواب باللحن ~~والإيماء دون الإعراب والإفصاح. # وربما تواعدا إلى جلسة من جلسات الصور المتحركة في مكان لا غبار عليه، فيتحدثان بلسان ~~بطل الرواية وبطلتها، ويسهبان ما احتملت الكناية الإسهاب، ثم يغيران سياق الحديث في غير ~~اقتضاب ولا ابتسار. # وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة، لا يزالان يحومان في نطاق واحد، ~~ويتجاذبان حول محور واحد، ولكنهما يحذران التقارب ... لأنه اصطدام! # ولم تكن هند - وليكن اسمها هندا - لتعتقد الرهبانية في همام، ولا لتزعم بينها وبين ~~وجدانها أنه معزول عن عالم النساء، غير أنها لم تكن تحفل اتصاله بالنساء ما دام اسمهن ~~نساء لا يلوح من بينهن اسم امرأة واحدة، وشبح غرام واحد؛ فإن اسم النساء في هذه الحالة ~~لا يدل على معنى، ولا انتقاص فيه لما بينهما من رعاية واستئثار. # فلما شعرت بأن النساء تحولن عنده إلى امرأة لها شأن غير شئون أخواتها من بنات حواء زارته ~~على حين غرة في مكتب عمله، وهي الزيارة الأولى والأخيرة من قبيلها، ولم يكن لها مسوغ من طول ~~الغيبة ولا امتناع الحديث في التليفون، فما شك لحظة في غرض الزيارة ولا في باعثها، وتوقع ~~منها عتبا عنيفا على أسلوبها في التعبير الصامت المبين، ولكنه علم سلفا أنها غير منصفة ~~في عتبها؛ لأنه لم يختلس منها شيئا هو من حقها عليه، فرحب بها وأبدى لها استغرابه ~~لزيارتها وابتهاجه بسؤالها عنه، وأنصت مترقبا ... فقالت بعد فترة وصوتها يتهدج: لست زائرة ~~ولا سائلة! # قال: ms089 إذن ... # ولم يتمها لأنها نظرت إليه كمن يستحلفه ألا يتكلم، وانحدرت من عينيها دمعتان. # فما تمالك نفسه أن تناول يدها ورفعها إلى فمه يقبلها ويعيد تقبيلها، فمانعته ولم تكف عن ~~النظر إليه، ثم استجمعت عزمها ونهضت منصرفة، وهي تتمتم هامسة: دع يدي ودعني! ثم انصرفت بعد ~~أن سكن جأشها وزال من صفحة وجهها أثر الدموع. # لو جاءت هذه الزيارة وهمام في بداية العلاقة بسارة لما كان بعيدا أن تقضي على تلك ~~العلاقة، وأن ترد سارة اسما مغمورا في عامة عنوان النساء. # بيد أنها جاءت وقد أوغلت العلاقة بينهما إيغالها الذي لا تراجع فيه، وصمدت على طريقها ~~تعدو مع الأيام عدوا لا تنظر فيه إلى الوراء، وفسح لها الطريق أن هماما لم يتوغل فيها ~~مثقلا بتبكيت ضمير؛ لأنه لم يخن هندا ولم يقصر في حقها عليه، ولا وهم أنها تغضب من أمر ~~لا عهد بينه وبينها فيه. ~~••• # ولقد كانت سارة وهند على مثالين من الأنوثة متناقضين؛ كلتاهما أنثى لا تخرج عن نطاق ~~جنسها، غير أنهما من التباين والتنافر بحيث لا تتمنى إحداهما أن تحل محل الثانية، ويوشك أن ~~تزدريها. # ماذا أقول؟ بل لعلهما من التباين والتنافر بحيث تتمنى كلتاهما قبسا من طبيعة الأخرى، ~~ولولا أنها تنكر الاعتراف بذلك بينها وبين نفسها، فتسمح للتمني أن يستحيل إلى نفور. # فإذا كانت سارة قد خلقت وثنية في ساحة الطبيعة، فهند قد خلقت راهبة في دير، من غير ~~حاجة إلى الدير! # تلك مشغولة بأن تحطم من القيود أكثر ما استطاعت، وهذه مشغولة بأن تصوغ حولها أكثر ما ~~استطاعت من قيود، ثم توشيها بطلاء الذهب وترصعها بفرائد الجوهر. # الحزن الرفيع والألم العزيز شفاعة عند هند مقبولة إذا لم تكن هي وحدها الشفاعة ~~المقبولة، أما عند سارة فالشفاعة الأولى، بل الشفاعة العليا، هي النعيم والسرور. # تلك يومها جمعة الآلام، وهذه يومها شم النسيم. # تلك تشكو ويخيل إليك أنها ذات أرب في بقاء الشرور تستديم بها معاذير الشكوى، وهذه تشكو ~~كما يبكي الطفل لينال نصيبا فوق نصيبه من ms090 الحلوى. # تلك مولعة بمداراة نقائصها لتبدو كما تتمنى أن تكون، وهذه مولعة بكشف نقائصها لتمسح عنها ~~وضر الخجل والمسبة، وتعرضها في معرض الزينة والمباهاة. # تلك لها عدة المتانة والمجاملة، وهذه لها عدة الرخاصة والبساطة، لو عملت تلك عمل الرجال ~~لانتظمت في السلك السياسي، ولو عملت هذه عمل الرجال لانتظمت نديما في حاشية أمير ~~مفراح. # كلتاهما جميلة، ولكن الجمال في هند كالحصن الذي يحيط به الخندق، أما الجمال في سارة ~~فكالبستان الذي يحيط به جدول من الماء النمير، هو جزء من البستان لا حاجز دون البستان، وهو ~~للعبور أكثر مما يكون للصد والنفور. # تلك ذات طموح وهمم، وهذه تحسب الواقع الذي يوائمها خيرا وأشهى من كل مطمع ومن كل ~~همة. # تلك تعطيك خير ما أعطت على البعد والحيطة، وهذه تعطيك خير ما أعطت على القرب ~~والسرف. # كلتاهما ذات ثقافة وألمعية، لكن ثقافة هند إلى المعرفة، وثقافة سارة إلى الفطرة. # ولو نسينا العرف والاصطلاح لحار الإنسان أيهما أقوم في السجايا والأخلاق، ولكن الذي لا ~~ريب فيه ولا حيرة فيه أن سارة أرجح وأصلح قبل أن ينزل التكليف على أبناء آدم وحواء، وأن ~~هندا أرجح وأصلح حيثما نزل تكليف ... أي تكليف! ~~••• # وما زالت الصور النسائية تتوارى وتتهافت في بديهة همام حتى احتجبت كل صورة إلا هاتين ~~الصورتين المتقابلتين، إحداهما قائمة في محراب، والأخرى باثقة كالزهرة من زبد العباب! ~~وتعاقب الأيام فأصبحت صورة فنية نفيسة لا تقوم بمال ومثلت الأخرى كما كانت تمثالا من لحم ~~ودم. ~~••• # وكانت سارة لا تعلم من شأن هند إلا أن هماما يعرفها ويكبرها ويزورها حينا بعد حين، ~~فكانت تبرم بهذه الزيارات، ثم كانت تتوخى أن تغويه وتشغله في اليوم الذي يختاره لزيارة هند ~~... فيؤجل الموعد لأنه لم يكن في الحقيقة بموعد، ولأن البعد يمنع الاتصال بسارة وما عندها ~~من سرور، ولكنه لا يمنع الاتصال بهند في ذلك اليوم، وفي كل يوم. # وراح همام ينسرق من نفسه وهو يدري تارة ولا يدري تارة أخرى، حتى ابتلعته اللجة وشغلته ~~سارة عن ms091 كل شاغل، أو أصبحت على الأصح ممزوجة بكل شاغل، فبعد أن كانت في بداية التعارف ~~بينهما واحدة من ألوف وملايين يشملهن عنوان النساء مفضلة إن حضرت، وتغيب فيغني عنها ~~من حضر، عادت وهي الواحدة وحدها لا يغني عنها سواها، وعاد همام ينظر إلى النساء في ~~الطرقات ويوشك أن يسأل جدا وصدقا: ما بال هؤلاء؟ ولماذا خلقن؟ ومن ذا الذي ينظر ~~إليهن؟ # | لماذا أشك فيها؟ # اثنان لا يشكان في المرأة التي يحبانها، وباب الشك فيها مغلق عندهما: شاب في مقتبل ~~أيامه، مخدوع في أحلامه، مؤمن بقداسة الحبيبة على منوال عصور الفروسية يرتفع بها إلى سماء ~~الطهر، ويكبرها أن تخون ويكبر نفسه في الحقيقة أن يخان، ويسمع منها أنها تمحضه الحب وتخلص ~~له الولاء، فلا يدور بخلده أنه يسمع كلاما يحتمل الصدق والكذب، ويجوز فيه الغلو والتزويق، ~~ويتعاهدان على دوام الصفاء بقية العمر كله فلا يخيل إليه أنهما يتعاهدان على مستحيل؛ لأنه ~~يتمنى، ولا يفرق بين ما سيكون وبين ما يتمنى أن يكون. # والآخر رجل مطموس البصيرة مملوء الخياشيم بالغرور والدعوى، يؤتى إليه أنه حسب المرأة من ~~أمنية ومطمع، فلا منصرف لها عنه، ولا معدى لها إلى غيره، وإلا فماذا عساها أن تبغي عند ~~غيره؟ إنه رضى النساء من جمال واعتدال وقوة ومال، فإذا قنعت به فما هي بمظلومة، وإن ~~تقنع به إنها إذن لظالمة! # حسن، ولكن ألا يحدث في الدنيا أن تكون المرأة ظالمة؟ # كلا؛ لأن ذلك لا يسره! وكفى ألا يسره شيء من الأشياء حتى لا يكون ولا يجوز أن ~~يكون! # ولم يكن همام بهذا ولا بذاك. # لم يكن شابا في مقتبل أيامه؛ لأنه جاوز الثلاثين وأوشك أن يصعد إلى الأربعين. # ولم يكن مخدوعا بهذا الضرب من الغرور؛ لأنه موكول إلى ضروب من غرور النفوس، مطبوع على ~~أن لا يعلق قيمته في معارض الفخر والمباهاة على رأي إنسان من النساء، أو من الرجال. # وكان قد خبر من أحوال المرأة والرجل ما أقنعه أن الخيانة بينهما ليست من الصعوبة ~~والامتناع بحيث ms092 يتوهمان، فما من رجل كبر أو صغر إلا والمرأة واجدة بديلا منه يغنيها عنه ~~في جميع نواحيه أو بعض نواحيه. إن كان محبوبا ففي الرجال من هو أحب، وإن كان مهيبا ~~ففي الرجال من هو أهيب، وإن كان جميلا أو سريا أو قويا ففي الرجال من هو أجمل وأسرى ~~وأقوى، ولقد تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فليس من الضروري أن تفاضل المرأة بين الحسن ~~والصالح والأصلح، وليس من الضروري - إن هي فاضلت - أن تكون مختارة مفتوحة العينين فيما تدع ~~وفيما تأخذ، فقد تكون مخدوعة مسوقة ثم تستنيم إلى الخديعة، وقد تؤثر الرجل على الرجل شهوة ~~طريق، كما يذهب الإنسان إلى غدائه فيلقاه مطعم يفعم أنفه ببعض روائحه، فيميل إليه وقد يعافه ~~في غير تلك الساعة. # وكان همام يعتقد أن الغش عند المرأة كالعظمة عند فصائل الكلاب، يعضضها الكلب المدلل ~~ويدخرها حيث يعود إليها وإن شبع جوفه من اللبن واللحم والأغذية المشتهاة؛ لأن ألوفا من ~~السنين قد ربت أسنانه وفكيه على قضم العظام وعرقها، فهو يطلبها ليجهد أسنانه وفكيه في ~~القضم والعرق ولو لم تكن به حاجة إلى أكلها. # وألوف من السنين قد غبرت على المرأة وهي تخاف وتحتال وتراوغ وترائي وتلعب بمواطن الضعف في ~~الرجل، حتى أصبح بعض النساء ممن قويت فيهن عناصر الوراثة وبرزت في طباعهن عقابيل الرجعة ~~ينشدن الغش التذاذا به وشحذا للأسنان القديمة التي نبتت عليه. ويسرهن أن يصنعن الشيء ~~ويخفينه ولو لم تكن بهن حاجة إلى صنعه ولا اخفائه؛ لأن المرأة من هؤلاء تشتهي العظمة بجوع ~~عشرين ألف سنة، وتشتهي اللحم واللبن بجوع ساعات. # ولقد عرف همام سارة، فلماذا لا يعرفها غيره؟ ولم يصعب عليه أن ينال عطفها، فلماذا يصعب ~~على غيره أن يناله؟ # إنه لم يكن يستبعد الغش والخيانة، وليس بين الشيء الذي لا يستبعد والشيء الذي يتوقع ~~إلا خطوة وعلامة محسوسة، على أن الإنسان قد يتوقع الغش لفرط إشفاقه من الفقد والخسارة لا ~~لفرط اتهامه وسوء ظنه. # فالخزانة التي تتركها فارغة هي ms093 بعينها الخزانة التي تملؤها بالذهب والفضة والجواهر ~~الثمينة، لكنك تخشى على متانتها وهي حافلة عامرة ولا تخشى على متانتها وهي فارغة ~~منسية. # وربما خرج الرجل الواحد من المنزل تنتظره فيه أم حنون وزوجة قالية، فإذا تأخر عن موعد ~~الإياب فأول ما يخطر على بال الأم أن ابنها قد أصابه مكروه، وأول ما يخطر على بال الزوجة أن ~~زوجها يعبث ويعربد، ولا يمكن أن يكون الرجل الواحد رجلين في الرشد والحصافة والقدرة على دفع ~~الأخطار، وإنما اختلف التوقع باختلاف الشعور والخشية، فتتوقع الأم المكروه؛ لأنها تخشى ~~المكروه ولا تبالي سواه، وتتوقع الزوجة العربدة؛ لأنها تخشى العربدة ولا تبالي سواها، ولا ~~يسوءها أن يصاب زوجها البغيض كما يسوءها أن يصيبها في غيرتها وكرامتها الزوجية. # لهذا أصبح همام يحذر الخيانة حين أصبحت هذه الخيانة شيئا يهمه ويشغل باله، ولم يتأهب ~~لنفيها كما تأهب لقبولها، ولم يكبح خواطره عن التمادي في الظلم؛ لأنه علم أن ضمان العدل ~~موجود لا يغفل! وضمان العدل أن سارة عزيزة عليه، فما هو بمستعد للتفريط فيها تجنيا عليها ~~ومطاوعة لوهم عارض أو شبهة طفيفة، وما هو بقادر على التفريط إلا وقد أصبح وأمسى وليس ~~له عن التفريط محيد. ~~••• # خذوا أسرارهم من صغارهم ... وسر «سارة» إنما طرق مسامع همام - أول ما طرقها - من لسان ~~طفلها الصغير. # كانا يتنزهان يوما في أرباض القاهرة ومعها طفلها الصغير، فلعب الطفل ومرح وعدا وطفر ما ~~شاء له من مرح الطفولة ومرح المكان ... ثم اتجه - طفرة أيضا - نحو أمه وهو لا يدري ماذا ~~يصنع، فاتخذ منها موقف العاشق المدله وجعل يفوه بألفاظ من عبارت المناجاة والغزل والتحبب ~~والتدليل لا تسمع إلا بين عاشقين في خلوة غرام، وانطلق يرصها رصا كأنما يتلقاها من ~~ملقن أو يتلوها من كتاب، فصحا همام من حلمه الذي كان سادرا فيه على مهل وتكاسل كأنه ~~لم يتبين بعد معنى ما يسمع، وأسرعت هي فانتهرت الطفل انتهارا شديدا وعنفت عليه وهي ~~تبالغ في نهيه أن يسترسل في تمثيل دوره، وأرادت أن توقع ms094 في روع همام بغير اكتراث ظاهر ~~أنها إنما تزجر الطفل لبذاءة الكلام الذي يسرده لا لأنها تكتم سرا يوشك أن يفضحه بثرثرته ~~وهذره، فقالت: تلك مصيبة العشرة السيئة والقدوة المرذولة ... ما أدري والله ماذا صنع بهذا ~~الطفل في سنه الصغيرة؛ فلا هو يصلح للمدرسة ولا هو يطيق الحبس والعزلة عن أنداده وأترابه، ~~ولا هو يسلم من معاشرة الأنداد والأتراب. # قال همام: ولكنك تعرفين أنداده وأترابه، فمن منهم تحسبينه خليقا أن يعيد على مسمعه تلك ~~العبارات؟ # قالت: ومن أين لي أن أعلم؟ فقد يسمعونه من خادمة أو خادم في أكنان الحدائق وزوايا ~~الطريق. # قال: أوهذا كلام خدم؟ إن الخدم لا يصطنعون التدليل والغزل على هذا المنوال. # فسكتت وسكت، وما في ذهنه ذرة من الشك في أن بعضا من ذلك الكلام الذي لغط به الطفل قد صدر ~~من أمه ... لأنه كلامها، فكيف تسرب إليه؟ ومن أين؟ # إن هماما ليذكر جد الذكر أنهما لا يتخاطبان في محضر الطفل إلا كما يتخاطب الرجل والمرأة ~~في المجلس المشهود، وليس لسارة زوج يعيش معها، وليس من عادة الأزواج مع هذا أن يتغازلوا على ~~هذا المنوال بمسمع الأطفال الصغار، فمن أين تسربت إليه المناجاة بطرفيها؟ من أين؟ نعم، من ~~أين؟! # واقترنت تلك الظاهرة في حينها بظواهر مريبة مثلها ... ف «ماريانا» التي كانت لا تؤتمن على ~~سر المعرفة بينهما ما بالها اليوم قد أصبحت مأمونة الجانب مغشية الدار حتى لا حذر من ~~التواعد لديها على غير ضرورة؟ وتلك الزينة المعهودة بعطرها وشياتها ما بال سارة تحتفل بها ~~في غير أيامها؟ ونوازع الغرائز التي لا سلطان عليها للمرأة ما بالها تتبدل؟ ووسائل الحيطة ~~الخفية ما بالها تتعدد؟ وذلك التلطف المريب تلطف الآثم الذي يمسح حوبته بفرط المجاملة ويكفر ~~عن خيانته الباطنة بفرط المصالحة الظاهرة، ماذا وراءها وماذا في أطوائها؟ # علامات وقرائن لا يأخذ بها القاضي في قضائه بالإدانة، ولكنها كافية للتشكيك في خلوص ~~النية. # والقضاء بعد مطالب بإقناع غيره محظور عليه أن يكتفي بإقناع نفسه ... أما الرجل الذي ينشد ms095 ~~الطمأنينة مع المرأة فلمن يحكم إن لم يحكم لنفسه؟ وبأي اقتناع يدين إن لم يدن ~~باقتناعه؟ # وراء الأكمة ما وراءها ... تلك حقيقة لا ريب فيها، ولكن ماذا وراءها؟ قد يجهل الرجل ذلك على ~~التحقيق والتفصيل، ولكن ألا يكفي أن تكون هناك أكمة وأن يكون هناك شيء مجهول وراءها ليقوم ~~الحائل بين القلبين، ويكدر الجو بين الصفيين؟ # وجائز عند همام أن تنصرف سارة إلى غيره، ولكن ليس بالجائز أن تستغفله؛ لأنها تتوهم في ~~دهائها القدرة على الجمع بينه وبين غيره! # جائز أن يكون هو وهي ألعوبة واحدة في يد الطبيعة التي تسوقه وتسوقها، ولكن ليس بالجائز ~~أن يكون هو ألعوبة في يدها وأن تكون هي اللاعبه بلبه وولائه! # وقد نصب لقلبها الميزان الذي نصبه لقلبه في السر والعلانية، وأخذ عليها شبهات كثيرة ولم ~~تأخذ عليه شبهة واحدة، واتهمها فلم يشاهد عليها عذاب المرأة التي تفجع في حب تقابله بحب ~~مثله، بل كان كل ما شاهده عليها مجال المتهم الذي يجهد في تفنيد تهمة، ويود لو فاز بالغلبة ~~ووقع على الأدلة الدامغة. # هل ظلمها؟ # يجوز ...! # وكلما أعاد همام هذا السؤال، وأعاد معه هذا الجواب لمس به أغوار فتنتها، واعتقد أنه يخدع ~~عقله باختياره، ويساعدها على تضليل حسه ورأيه، وأنه لم يظلمها ولا افترى عليها! ولولا ذلك ~~لقد كانت شبهة أهون من هاتيك الشبهات كافية كل الكفاية للبت في أمرها وطي السؤال والجواب ~~عنها. # وخير له أن يفارقها بغير جريرة قادرا على آلام فراقها، صائما عن مسراتها، من أن يعاشرها ~~عاجزا عن فراقها، باذلا كل ما عنده من اهتمام، مستحقا كل ما عندها من احتقار ~~واستغفال. # لقد سلبته الطمأنينة وكفى! # | جلاء الحقيقة # انتهت مهمتي! # إي نعم، انتهت المهمة، وبطلت الرقابة، واستراح الرقيب! # وكان «أمين» موفقا في هذه المرة كل التوفيق؛ لأنه زود هماما بالحجة القاطعة التي ~~يواجه بها غوايته ويقمع بها نكسات ضعفه، كلما ساوره الندم وعزت عليه السلوى. # ولم تأت هذه الحجة إلا بعد استئناف الرقابة بزمن غير قصير، وجهد غير قليل. ms096 # ولكن علام الرقابة بعد القطيعة؟ ألم ينحسم كل ما بين ذلك الرجل وتلك المرأة من علاقة؟ ~~ألم يقصر همام عن ذكر سارة ووفاء سارة وخداع سارة؟ ألم يعول كل التعويل على أن يظن أسوأ ~~الظنون ويفرض أشنع الفروض، ويوطن عزيمته على خيانتها ولا يغالط وهمه في شأنها ولو تفتحت ~~له أبواب المغالطة؟ # بلى، كان ذلك! # غير أنها كانت أحلاما، ولم تصح الأحلام إلا بضعة أيام، وقد صحت الأحلام في الأيام الأولى ~~بعد القطيعة، حتى ظن همام أنه قد سلا، واستقر على السلوى، فما يبالي بعدها من خان ووفى ~~ومن ضل وغوى. # على أنها كانت راحة موقوتة أشبه براحة اللديغ حين ينقلب من جنب إلى جنب، وما به من نوم ~~ولا غفوة على هذا الجنب ولا على ذاك. # ثم خرج همام من هذه الراحة الموقوتة إلى شيء آخر، إلى شيء غير الراحة وغير السلوى، إلى ~~الشعور القاصم بالفراغ، وبالحرج والضيق ونفاد الحيلة كلها في ذلك الفراغ. # كل حاسة من حواسه فقدت شيئا، وكل لحظة من لحظاته فقدت شيئا، وكل مكان يغشاه فقد شيئا، ~~وكل سرور من مسراته أو كل ألم من آلامه فقد معناه وغايته ولبابه، وماذا عوضها جميعا؟ ... ~~عوضها نقيضها الذي يلغيها عنها، فإما غم محبوس كظيم، وإما حيرة عمياء ليس لها اتجاه، وإما ~~سكون موحش بعد حركة وجيعة، وكل أولئك في فراغ فارع لا مبدأ له ولا نهاية ولا مهرب فيه ~~ولا قرار. # خوى الجحيم الحي وهبط في مكانه الزمهرير الميت، وبئس هذا الموت وبئست تلك الحياة. # زمهرير لا يعيش فيه الأحياء، ولكنما هو زمهرير خاص للتعذيب لا لمأرب غير التعذيب، فلهذا ~~يعيش فيه من يعيش من الأحياء! # وجرب السلوى، وما خامره الشك في أنها علاج مطلوب، وأنها علاج مستطاع. # ولم لا يكون مستطاعا أن يسلو الرجل امرأة بامرأة مثلها أو أفضل منها؟ ألا يسلو ~~الجائع عن صفحة من الطعام بصفحة مثلها أو أشهى منها؟ فلماذا يعيبه أن يسلو عن المرأة ~~بغيرها من بنات حواء؟ # ونسي همام أنه ليس ms097 بجائع وإنما هو عليل مسلوب الاشتهاء ... فمن حاجته قبل أن ينظر في ~~انتقاء طعامه أن يعيد ذوقه إلى اعتداله، وأن يجد هذه اللذة فيما يشتهيه، ويستوي عنده قبل ~~ذلك أطيب الطعام وأخبث الطعام، كما يستوي الأكل والصيام. # بل نسي أن الرجل حين يحب المرأة فإنما يريدها ولا يريد ما هو أجمل منها، وإنما يحسها ويحس ~~بها؛ لأنها هي هي لا لأنها امرأة لا فارق بينها وبين سائر النساء. # وكالنظارة التي تجلو العين؛ لأنها نظارتها تكون المعشوقة للعاشق الذي عاشرها وألف ~~محاسنها وعيوبها، وتمثل كل صفة من صفاتها كأنها شخص مستقل «مخصوص» لا مشابهة بينه وبين ~~الصفات عامة، فلا النظارة التي هي أبعد أمدا وأنفس زجاجا تغني العين التي تنظر بما دونها، ~~ولا المرأة التي هي أجمل طلعة وأكرم سليقة تغني القلب الذي تعود أن يخفق لها أو يخفق ~~معها. # لا، بل تكون التسلية هنا أحجى بأن تنكأ الجرح وتضاعف الحسرة وتضرم لوعة الفقد والغيبة، ~~فالمرأة المجهولة تغني عن المرأة المجهولة؛ لأنك لا تعرف لها صفة تنكرها عند أختها ... أما ~~التي «تشخصت» في حسك كل صفة من صفاتها، فكيف ترى امرأة غيرها دون أن تشعر في كل لمحة وكل ~~لمسة أن لها وجها غير وجه فلانة، وعينا غير عينها، وصوتا غير صوتها، وقواما غير ~~قوامها، وأعطافا غير أعطافها، وروحا غير روحها، وكلاما غير كلامها؟ # وكيف تشعر بذلك دون أن تنقلب التسلية غصة، ودون أن ينقلب العوض المنشود ذريعة من ذرائع ~~الفقد الدائم والحرمان المتجدد؟ # كلا، لا تسلية عن «النظارة» المضبوطة بنظارة أنفس منها وأقدر على التقريب ~~والتوضيح. # ولا تسلية عن الابن الضائع بابن من صلب غيرك ولا من صلبك، ولو كان أبر الأبناء الذين ~~ولد الآباء، ولا تسلية عن المرأة المعشوقة بامرأة تفوقها ملاحة وتبرعها ذكاء، وتبذها عندك ~~وعند غيرك في بعض الخصال ولا في جميع الخصال. # وفي الحب كثير من بقايا الطفولة وتراث الغريزة، فلا بد للقلب من فترة طويلة يعاف فيها ~~كل هوى غير هواه، كما يعاف الطفل كل ms098 ثدي غير ثديه، أو يعاف الطير كل أليف غير أليفه، أو ~~يعاف الحيوان كل سكن غير سكنه بين أمه وأبيه. ~~••• # في هذه الفترة عاد «أمين» إلى القاهرة في إجازة طويلة، ورأى من الأمسية الأولى التي ~~قضاها مع همام أين تقف الأمور كما يقول، بغير حاجة إلى إفاضة شرح وإطالة سؤال. # الحقيقة غير معروفة، والسلوى غير ميسورة، والوقت ثقيل كسيح لا يخف ولا يتحرك! وكل وسيلة ~~يقطعانه بها لا تلبث أن تمسه قليلا حتى تتثلم وتكل وترتد عن صفحته الكثيفة وجلده الصفيق؛ ~~فالقراءة لا تنفع واللعب لا يمنع الذهن أن يشرد ويتيه، والسماع لا يطاق، والرياضة مطلوبة ~~مستحبة على أن تكون في غير الأماكن التي كان يطرقها همام وسارة، وهل من مكان لم ~~يطرقاه؟ # وكثر التحدث عن الجنون والمجانين وبوادر الهوى التي تصيب العقلاء من حيث لا يعلمون ولا ~~يعلم أصحابهم المقربون، فكان همام يقول: ما أحسب إلا أنني سأكون بين الناس في بعض الأيام ~~فأخلط بالحديث عن سارة وظنون سارة، ثم يسأل أمينا: ترى كيف تقع هذه المفاجأة في فلان ~~وفلان؟ وكيف يكون هذا الخلط لو كان؟ # ثم يأخذان في التمثيل والمحاكاة كأنهما يتلهيان ويتفكهان، وإنهما لفي مرارة سقيمة تفسد ~~جميع الطعوم! # هذا أو يعمد أمين إلى فنون من الألاعيب الصبيانية ينفي بها الملل ويموه بها الكآبة، فيدق ~~التليفون ويجيبه الرجل المقصود أو غير المقصود، فيجري بينهما حديث كهذا الحديث: هل أنت ~~فلان؟ ~~- نعم، أنا هو. ~~- أواثق أنت مما تقول؟ ~~- عجبا، ما معنى هذا السؤال؟ ~~- عفوا يا سيدي عفوا ... إنما أردت أن أتحقق من صواب عاملات التليفون، فهل عندك الرقم ~~المطلوب بعينه؟ ~~- نعم يا سيدي، هل من خدمة؟ ~~- بل سؤال صغير إن سمحت! ~~- تفضل. ~~- أرجو أن تجيبني ولا تستغرب، هل قرأت صهاريج اللؤلؤ؟ ~~- صهاريج اللؤلؤ؟ ما هذا؟ ~~- أي نعم، صهاريج اللؤلؤ للسيد توفيق البكري، ظننتك قد سمعت به ... أما سمعت به؟ أما ~~قرأته؟ ~~- بلى، قرأته، فما هذه الأسئلة العجيبة؟ ~~- إذن، تقرءه مرة ثانية! # ثم يلقي السماعة، ويمضي في تخيل فلان ms099 هذا وهو يغضب ويصخب، وينعي على مصر والمصريين هذه ~~الفصول التي لا تحدث في باريس ولا لندن ولا برلين! # صبيانيات من هذا القبيل تشغل الوقت، ويندر جدا أن تغصب هماما على ضحكة أو ابتسامة، ~~إلى أن كانت ليلة من هذه الليالي المتشابهات طال فيها السأم ونزر فيها الكلام ورانت فيها ~~الكآبة، فقال أمين: ما الرأي في استئناف الرقابة؟ # ولعله قالها لفتح باب من أبواب السمر، أو لعله قالها لدفع السآمة، أو لعله قالها شوقا ~~إلى إتمام عمل بدأ فيه وكبر عليه أن يتركه بغير نتيجة ... إلا أن هماما رحب باقتراحه وحاول ~~أن يجد في معارضته كي يمهد لأمين طريق التراجع إن كان قد تعجل أو بدر منه ذلك الاقتراح ~~تزجية للوقت وجذبا لأطراف الحديث، فلم تسعفه أسباب المعارضة ولم يسعه إلا الموافقة، وهو ~~لا يدري من فائدة لاستئناف الرقابة إلا أنه عمل لن يزيده تعبا على تعبه، وقد يريح. # وبدأت الرقابة بكرة وقد تدرب عليها أمين من جهة، وتهيأت دواعيها من جهة أخرى، وعاونتها ~~المصادفات من جهة ثالثة فنجحت بعد محاولة طويلة نجاحا كان جديرا بعناء المحاولة؛ لأنه ~~أراح هماما وأراح أمينا وصوب الضربة إلى رأس الأوهام واللواعج والمعاذير فقضى ~~عليها. # عاد أمين من رحلته ذات يوم متهللا مسرعا يتكلف الحزن والأسف تكلف الناعي الذي ينقل ~~أخبار الوفاة إلى وارث مدين يتنازعه الحزن والسرور. # قال همام: خير. # قال أمين: خير، كل الخير. # ولولا احتراسه أن يصدم صديقه بالنبأ السعيد المشئوم لصاح صيحة «أرخميد» ... وجدتها، وجدتها ~~... وحق له أن يصيح؛ فقد كان يمتحن زيفا دقيقا لا يقل عن الزيف الذي امتحنه الرياضي ~~العظيم. # وسرد القصة بتفصيلاتها عملا بالوصية الأولى، إن لم يكن همام بالحريص في هذه المرة على ~~التفصيلات، بعد أن نجحت الرقابة وظهرت النتيجة. # وفحوى القصة أنه تبع سارة من منزلها حتى نزلت في ميدان باب الحديد، فمشت أمام ومشى وراء، ~~ودارت بعينيها فيما حولها تروز الطريق وتتوقى الأنظار، فأطل رجل من سيارة وكانت واقفة ~~بالانتظار وأشار إليها ، فانفتلت إلى ms100 السيارة في سرعة البرق، وتبين أمين الرجل بثيابه ~~وسيماه. # قال همام: وهل تبعت السيارة؟ # قال أمين: لا، فقد غابت عن النظر قبل أن أدركها بسيارة أخرى. # قال همام مستضحكا جذلا ليصرف عنه أسفه المصطنع ويسري عنه ندامة هذا الفشل الصغير، ~~ويسره بنتيجة تعبه: أحسنت يا سيد أمين، أحسنت، قد وصلنا، وصلنا وإن لم نصل إلى باب ~~الدار، فاستمر على بركة كيوبيد. ~~••• # وانقضت أيام في مثل حالة المفجوعين الذي اطمأنوا إلى موت فقيدهم في ديار الغربة، ولم يبق ~~إلا أن تصل الجثة إلى مقرها الأخير بعد سنوات من وقوع المصاب، لا حدة ولا حداد ولا حرارة في ~~الانتظار، بل مسايرة للأيام والحوادث إلى أن تنتهي حيث يروقها الانتهاء. # ففي بعض هذه الأيام كان همام يركب الترام قبل الموعد بنحو الساعة إلى حيث يلقى أمينا - ~~عشاء كل يوم - بعد رحلته اليومية المعهودة، فإذا بأمين يقفز إلى جانبه والترام سائر على ~~أقصى سرعة. # فنسي همام ما كانا فيه ولم يذكر إلا نوادر أمين في الخوف من ركوب الترام والنزول منه وهو ~~سائر، فليس أظرف من سهواته المحفوظة إلا نوادره في خوف الترام والمركبات والزوارق وكل ما ~~يسير ويخشى من سيره الهلاك، فقد ولع به أصحابه من جراء ذلك وتعقبوه بالمناوأة والمحاورة عسى ~~أن يقلع عن خوفه فما أقلع ... وآخر نوادره في هذا الباب كان في خلال ذلك الأسبوع، وكان هو ~~وأصحابه يغادرون حديقة الحيوان وهم يوهمونه أنهم سيركبون الترام الذي يهم بالمسير، ~~ويتباطئون لقلة اكتراثهم أن يركبوه وهو سائر، فأسرع قبلهم ليدركه قبل أن يتحرك، فتركوه ~~ووقفوا ينظرون إليه وينظر إليهم وهو لا يجسر على النزول! # وأبى أمين أن يقنع بهذا في أضاحيك يوم، فزاد عليه أضحوكة أخرى من سهواته وبدواته: مضى مع ~~الترام إلى آخر الخط ثم قضى في البحث عن أصحابه بقية الظهيرة، وقد كان في وسعه أن ينزل في ~~المحطة التالية ويركب معهم القطار الذي ركبوه ... ولكن الرجل سخي بسهواته ومخاوفه لا ينفق ~~منها بحساب! # ذكر همام هذا حين رأى ms101 المعجزة التي ما رآها قط ولا توقعها ... وعلم أن أمرا خطيرا لا بد ~~قد جرى في الدنيا وقفز بأمين تلك القفزة النادرة، بل تلك القفزة المقطوعة النظير! ولا شك أن ~~الضحك الذي سرى تلك الساعة إلى خاطر همام قد كان بطانة ناعمة وثيرة نسجتها المقادير ~~ليتلقى عليها الخبر المشئوم الميمون، المترقب بنافد الصبر ونافد الحيلة منذ شهور، وقد كان ~~له شأن أي شأن في تهوين المسألة كلها وتلطيفها وإفراغها في مرحلتها الأخيرة في قالب السخر ~~والفكاهة. # فلما جلس أمين إلى جانب همام لم ينتظر سؤالا ولم يأبه للضحك الذي كان يلوح على عيني ~~همام، وقال في رصانة وتؤدة: انتهت مهمتي. # قال همام: لا ريب في ذلك، فإن قفزتك وحدها لدليل أقوى من كل دليل، فأوجز يا صاح، أوجز ~~ولا ضرورة للتفصيل. # قال أمين: الآن هي في مخدع مريب في بيت قريب، تبعتها إليه وعرفته وعرفت اسم صاحبه ~~الذي يستأجره، وعرفت أنها تغشاه من حين إلى حين. # فلم يزد همام على أن أغمض عينيه هنيهة، أغمضهما كأنه يتحاشى النظر إلى سبة شائنة، أو كأنه ~~يتهيأ للراحة بعد سهاد طويل في ارتقاب خبر مكتوم مضنون به عليه، ثم أسرع فصافح أمينا ~~وهز يده هزة الشكر والرضى والابتهاج، وقال له: صدقت، صدقت، لقد انتهت المهمة، فهلم نحتفل ~~بتشييعها! # ونشط كلاهما نشاطا لم يدريا ماذا يصنعان به وكيف يجريانه في مجراه، فانطلقا إلى أطراف ~~المدينة يمشيان بل يغذان السير على غير هدى، وطفقا يطوفان ويعودان إلى حيث كانا حتى صادفا ~~اثنين من أصحابهما الأدباء يلتمسان السهر ولا يتفقان على مكان، فانساقوا جميعا إلى ناد ~~متطرف على هامش الصحراء، وكانت الليلة مقمرة والجو رائقا والسيارات ذاهبة آيبة في خفة ~~وطرب واشتياق. # ويتم التوفيق فيكون أحد الأديبين صاحبنا الذي كان أمين يختلق له الأسئلة في التليفون، ~~ويتم التوفيق مرة أخرى فيجري الحديث في الأدب وفي النثر البليغ وفي صهاريج اللؤلؤ ... أي ~~نعم، في صهاريج اللؤلؤ بعينها، ويقول صاحبنا: لقد قرأته مرتين، ويوشك أمين وهمام أن يسألا: ms102 ~~أكان ذلك بعد نصيحة التليفون؟ ولكنهما يكتفيان بالإيماء ويحبسان الضحك، ويضيفانه إلى حساب ~~السرور الخفي الذي يحتويانه منفردين. # فيم كان ذلك السرور؟ # لعله كان سرورا بتقليم مخالب العذاب التي كانت تنوشه من كل جانب وهو ملقى بينها عاجز عن ~~النجاة منها. # ولعله كان سرور الرضى بتحقيق الظنون وانقطاع الشكوك. # ولعله كان سرور القدرة على التفريط في سارة بغير لاعجة من حسرة ولا خالجة من ندم ... ~~أولم تعد مرأة من النساء بعد أن كانت المرأة «المخصوصة» بعاشق واحد دون سائر الرجال؟ ~~ألم تنقشع عنها سرابيل الحب الأثير التي كانت تغليها وتعلو بها في ضمير همام؟ ألم يسقط عنها ~~«سحر» الانفراد الذي جعلها محبوبة لا تغني عنها واحدة ممن يحملن عنوان النساء؟ # بلي! كان ذلك أكبر ما سر هماما في تلك الليلة بما سمع من «بشارة» أمين، وظل على سروره ~~هذا أياما يترشفه ويكرع منه ولا يروي منه بالجرعة والجرعتين، وصفا له شعور الراحة ~~والسكينة برهة لا ينساها بقية أيامه، فلم يرنقها عليه كدر ولا ألم من نكسات الداء ~~القديم، ولم يكد يشعر أن للداء القديم رسيسا باقيا إلا حين انقضت إجازة أمين وودعه صباح ~~يوم للذهاب إلى عمله، فقد كانا معا كالسائحين في طريق واحد معروف المعالم والأنحاء لهما ~~على السواء، فلما افترقا أحس همام كأنه قد ضل الطريق، وألح عليه هذا الإحساس المبهم بضعة ~~أيام، ثم تراجع رويدا رويدا إلى رضوان صحيح، أو رضوان يقنع نفسه بأنه صحيح. # إلا أن كوبيد شيطان مريد له لؤم الشياطين ونزعاتهم ومكائدهم وكراهتهم أن يتركوا الناس ~~هادئين وادعين، فمن حين إلى حين كان همام يسمعه يهجس له ويوسوس في صدره ليسلبه ارتياحه ~~إلى فراق سارة وقدرته على تناسيها، فلا يفتأ يعاوده أبدا بهذا السؤال: أليس من الجائز أنها ~~وفت لك في أيام عشرتها واستحقت وفاءك لها وصيانتك إياها وغيرتك عليها؟ أليس من الجائز أنها ~~يئست منك فزلت بعد الفراق ...؟! ms103