######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.ShacirAndalusi.Hindawi49613641 #META# Tags: biographies #META# ID: 49613641 #META# Title: شاعر أندلسي وجائزة عالمية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # ألفريد نوبل‏ # الوصية‏ # أسباب المنح والمنع‏ # الجوائز والأمم‏ # الإسبان المختارون‏ # الأدب الإسباني في وطنين‏ # نحو القرن العشرين‏ # چوان رامون خيمنيز1‏ # بلاتيرو وأنا‏ # آراء وخواطر‏ # قصائد ومقطوعات‏ # صور أدبية‏ # ذكريات‏ # سطور‏ # تمهيد‏ # ألفريد نوبل‏ # الوصية‏ # أسباب المنح والمنع‏ # الجوائز والأمم‏ # الإسبان المختارون‏ # الأدب الإسباني في وطنين‏ # نحو القرن العشرين‏ # چوان رامون خيمنيز1‏ # بلاتيرو وأنا‏ # آراء وخواطر‏ # قصائد ومقطوعات‏ # صور أدبية‏ # ذكريات‏ # سطور‏ # | شاعر أندلسي وجائزة عالمية # | شاعر أندلسي وجائزة عالمية # تأليف # عباس محمود العقاد # | تمهيد # كانت أمامي مجموعة تشتمل على تراجم الأدباء المختارين لجائزة «نوبل» منذ ابتدائها في ~~أوائل القرن الحاضر إلى سنة الحرب العالمية الأولى، فسألت نفسي: ترى لو لم تذكر مناسبة ~~الجائزة في هذه المجموعة، هل يستطيع القارئ الناقد أن يعلم أسباب اختيار هؤلاء الأدباء دون ~~غيرهم من مئات الأدباء في هذه الحقبة التي تجاوزت الجيل في حدوده المصطلح عليها؟! # إنه يعلم ولا شك أن هناك وحدة مقررة جمعت بين أسمائها، ولكنه قد يبحث عن تلك الوحدة ~~طويلا قبل أن يقف على حقيقتها أو ما يقارب تلك الحقيقة. # ففي وسعه أن يعلم بغير مشقة أن هذه الأسماء لا تنتمي إلى أمة واحدة، ولا إلى فترة واحدة ~~تتقارب فيها الأعمار. # ولكنه لا يرى فيها دلالة على التطور أو الترقي في مطلب واحد من مطالب الأدب؛ لأنها ~~تقرن الشعر بالقصة، وتقرن هذين بالرواية المسرحية، وتقرن هذه المطالب جميعا بالتاريخ أو ~~بفلسفة الأخلاق، وتمضي في طريق ثم تعود إليه بعد ارتياد الطرق الأخرى على اطراد وعلى غير ~~اطراد. # ولا يرى الناقد في هذه المجموعة أنها جمعت أفضل نماذج الأدب في الأمم المتعددة ولا في ~~الأمة الواحدة؛ لأنه يرى للأدباء المختارين أندادا يماثلونهم أو يفوقونهم في أمتهم وفي ~~سواها. # ولكنه يعلم على التحقيق أن المجموعة تعطيه صورة واسعة متعددة الجوانب من ثقافة الغرب في ~~قرابة نصف قرن، ولا يفوته أن يلمح فيها غياب نوع من الأدب لا يمثله أديب من أدبائها، وهو ~~ذلك النوع الذي نصطلح على تسميته بدعوة الهدم والعنف، أو ms001 بما دون ذلك من دعوات الخشونة ~~والمرارة، فإذا لاحظ ذلك فقد وصف المجموعة على الجملة صفة مقاربة لحقيقتها؛ لأنها في ~~الواقع تجمع نماذج الفن الرفيع على شرط محدود، وهو خدمة السلام والتفاؤل بمصير الإنسان، ~~فإذا توافر الشرطان مع التوسط في الكفاية والإتقان، فذلك خير من الامتياز الراجح بواحد ~~منهما وفقدان الآخر. # وليست العصمة في وزن أحد الشرطين أو وزنهما معا أمرا مستطاعا أو ميسورا لعمل من أعمال ~~الإنسان، فقد يختل الوزن مع اختلاف الزمن واختلاف البواعث النفسية أو الاجتماعية، ولكن ~~الأمر الذي لا ريب فيه أن دراسة الجائزة على علاتها كفيلة بتعريف الناقد تعريفا صحيحا ~~بصورة وافية من صور الثقافة الغربية الحديثة من جوانبها المتعددة، ولا يقدح في ذلك غياب ~~الجانب المسكوت عنه من أدب الهدم والقنوط؛ فإن الجانب المختار يدل عليه ويشير إليه، ويكاد ~~يشرحه شرحا صريحا على سنة المقابلة ومعارضة النقيض على النقيض. # وهذا الذي اخترنا تأليف هذا الكتاب لأجله؛ فإن دراسة «جائزة عالمية» يستحقها من تختارهم ~~هيئة من الهيئات المرشحة لوظيفتها، لن تخطئ أن تعطينا صورة من تاريخ الأدب الحديث تستحق ~~النظر، وتستحق أن يدار عليها موضوع كتاب، ومما يستحق النظر من أجله أيضا أن يتعرف الناقد ~~المؤرخ مواطن الصحة والخطأ ومواطن الخطأ في موازين الهيئات الفنية، التي تتصدى لوزن ~~الكفايات والملكات على نطاقها الواسع بين أمم الحضارة؛ فإن العلم بمدى هذه الهيئات من ~~الصحة والخطأ، ومن الإنصاف والمحاباة، ومن محاباة الضرورة ومحاباة الاختيار، غرض لا يهمله ~~مؤرخ الأدب في ناحية من نواحيه. ~~••• # وعلى هذا الاعتبار نكتب هذه الدراسة عن الشاعر الإسباني «خيمنيز» صاحب جائزة نوبل لسنة ~~1956؛ فهو من هذه الزاوية يعرض للدراسة في هذه الصفحات. # ولقد دار البحث طويلا في موضوع الجائزة العالمية منذ سنوات، فخطر لبعض الباحثين أن تشمل ~~الدراسة تقديرا مجملا لجميع الأدباء الذين استحقوا من لجنة التحكيم جوائزها منذ السنة ~~الأولى إلى السنة الأخيرة عند تأليف الكتاب، وخطر لبعضهم أن تبتدئ الكتابة عنهم من السنة ~~الأخيرة، ويختار من المتقدمين بعد ذلك من ترشحه ms002 المناسبة أو يرشحه التفضيل والتمييز ~~بالقياس إلى قراء اللغة العربية. # ثم تردد الكلام عن «خيمنيز» لمناسبات شتى، وتردد كذلك عن «بسترناك» الشاعر الروسي الذي ~~نال الجائزة بعده لمناسبات أخرى، فرجحت كفة الشاعر الإسباني وزاد في ترجيحه أنه اختتم حياته ~~الأدبية وخلصت سيرته من لجاجة المآرب السياسية، وصلحت هذه السيرة صلاحها لتفصيل القول عن ~~العلاقة بين الأدب القومي والأدب الإنساني، كما تتحراها الجوائز العالمية بموازينها ~~المصطلح عليها. # وفي الصفحات التالية فصول كافية لبيان هذه الدراسة من زواياها المتعددة: عن الجائزة ~~وصاحبها ونشأتها ودستورها من وثائقها الرسمية، وعن لجنة التحكيم وسنتها المتبعة في اختيار ~~أدبائها، وعن الأدب القومي وآثار الآداب العالمية فيه، وعن بيئة الأدب الإسباني التي نشأ ~~فيها الشاعر، ثم الجزء الأخير من الكتاب عن الشاعر وتقدير أدبه وشواهد هذا الأدب التي ~~يستعان بها على تقديره. ~~••• # ونحسب أن هذا الكتاب سيتأدى إلى قصده ويستوفي غايته، إذا خرج منه القارئ على علم برسالة ~~الشاعر الإسباني قومية وإنسانية، وعلى علم بالمناسبة التي رشحته لجائزة العالمية. # | ألفريد نوبل # لما طلب لدفيج نوبل من أخيه الفريد - صاحب الجوائز - أن يكتب تاريخ حياته، كتب إليه هذا ~~ما معناه أن له نصف حياة في الواقع، وأن هذا النصف كان حقيقا أن يتولاه عند ولادته طبيب من ~~محبي الخير يكتم أنفاسه ساعة بدرت منه صيحته الأولى على أبواب الدنيا. # وأراد - بسليقته الأدبية - أن يسطر ترجمته في صورة بطاقة من بطاقات الشخصية فسطرها على ~~الصورة التالية: # ألفريد نوبل: # نصف إنسان # Demi-man # ضئيل، كان ينبغي أن ~~يتاح له طبيب طيب يقضى عليه يوم قدم صارخا إلى دنياه. # مزاياه: # ينظف أظافره، ولا يحب أن يثقل على أحد. # نقائصه وأخطاؤه: # بغير أسرة، كئيب، سيئ الهضم. # أهم رغباته: # ورغبته الوحيدة ألا يدفن بقيد الحياة. # خطاياه: # لا يعبد إله «المأمون»! # حوادث حياته الهامة: # لا شيء! # وعلى ما يظهر من المسحة الساخرة في هذه «البطاقة الحزينة» لا يخطر لأحد من المطلعين ~~على حياة الرجل من أهله وصحبه أنه كان مدعيا فيها للتواضع، أو متكلفا فيها ms003 للظهور بمظهر ~~الترفع عن الشهرة وبعد الصيت؛ فإنه قضى حياته يشعر بالفراغ ويتشاغل بالعمل الدائب عن هذا ~~الفراغ، ولا يحس بنفسه خلوا من شواغل العمل إلا ليحس في ضميره بخيبة الأمل، ويحس في جسده ~~بالوهن والحاجة إلى السكينة والعزلة! # وإنما يسمع الناس هذا عن رجل يدوي اسمه في العالم مع دوي المفرقعات، ويدوي اسمه في ~~العالم مرة على الأقل كل سنة مع أصحاب الشهرة العالمية في السياسة والعلم والأدب، فيعجبون ~~كيف تخلو حياته من شيء هام يذكره في «بطاقته الشخصية»؟! وكيف تكون أمنيته الوحيدة في الحياة ~~أن يدفن بعد الموت ولا يدفن بقيد الحياة؟! وحبذا لو لم يكن دخلها، ولم يعرف ما يتمناه فيها، ~~وما يحذره منها منذ اللحظة الأولى. # والعجب من هذا حق ولكنه يزول كلما رجعنا إلى أنفسنا، ولمسنا الفارق في أعمالنا بين ما ~~يهمنا وما يهم الناس منها؛ فقد تكون الجوهرة الغالية حلية يتنافس عليها الذين يشترونها ~~والذين يلبسونها والذين ينظرون إليها، ولكنها عند الذي يصقلها ويعدها للتنافس عليها إنما هي ~~تعب الليل والنهار وعمل من أعمال الحاجة والاضطرار، وقد يهز اللغم الذي صنعه مخترع ~~المفرقعات مدينة عامرة بالألوف من السكان، ولكنه عند صاحبه «تركيبة من المعادلات والأرقام» ~~لا يهمه أن يسمع صوتها إلا ليزيد عليها رقما هنا، أو ينقص منها رقما هناك. # وقد كان ألفريد نوبل يعيش حقا في فراغ أليم بينه وبين وجدانه، وبينه وبين أقرب الناس ~~إليه، وكان هذا الفراغ الأليم هو «أهم شيء» في حياته، إن أردنا أن نعرف الباعث له إلى خلق ~~الاهتمام، وإلى خلق الاهتمام في إبان الحياة، وهو خير عنده من الاهتمام بالذكريات ~~وبالآثار بعد زوال الحياة. ~~••• # فلما استقر رأيه على «العمل المهم» الذي ينفق فيه ماله، وراقه أن يكون هذا العمل المهم ~~تقديرا لخدام الإنسانية وإحياء للإيمان بالمثل العليا، لم يخطر له أن يكون هذا التقدير ~~تخليدا لذكرى العظماء الغابرين، أو تجديدا لآثارهم الباقية وآياتهم الموروثة من العصور ~~الخالية، بل أحب أن يجعله تقديرا حاضرا يشعر به خادم الإنسانية ms004 في حياته، وقد وجدت بين ~~أوراقه ألوف من رسائل الشكر والطلب، وتبين من بعضها أنه كان يرفض كل طلب يسأل فيه أن يشترك ~~في ذكريات التمجيد والتخليد، ويجيب كل طلب يعين صاحبه على عمل ينفعه وينفع ذويه في حياته، ~~وجاء في إحدى رسائله: # إنني أوثر العناية بمعدات الأحياء على العناية بذكريات الموتى. # وجاء في رسالة أخرى: # إن غيرتي على تكريم الموتى الذين لا يبالون أنصابنا المرمرية أضعف كثيرا من ~~غيرتي على إعانة الأحياء الذين يشعرون بمضض الفاقة. # وكان سخطه على الواقع - ولا ريب - هو سر هذا التطلع الدائم إلى المثل العليا، ~~وإغراء القادرين عليها بخدمتها والإيمان بها وبإمكان العمل لها في دنياهم، قبل أن يسلمهم ~~الموت إلى عالم الذكرى، أو عالم «الأنصاب المرمرية» كما سماه. # وإن هذا الفراغ الذي أضجره من عيشته وأسخطه على الواقع الملموس في دنياه لعجيب عند من ~~ينظرون إلى شهرة الرجل، ويسمعون بأعماله ومخترعاته، ويعرفون شيئا عن ثرائه ووفرة أرباحه من ~~مصانعه التي انتشرت بين عواصم الغرب وهو في عنفوان شبابه، ولكنه فراغ لا يعجب له من يعلم ~~أنه قضى عمره منذ طفولته دون العاشرة ولم يمتلئ فؤاده قط من شعور الوطن، ولا شعور السكن، ~~ولا شعور الحب والثقة بإنسان من عشرائه وشركائه، ولا بمبدأ من المبادئ التي كانت تروج ~~دعواها بين الناس في زمانه، وهو أعلم من سواه بحقائق هذه الدعوى وراء الستار. # فقد فارق وطنه في طفولته ليلحق بأبيه في عاصمة روسيا التي اختارها مركزا لتجربة مشروعاته ~~ومخترعاته، ثم قضى سائر عمره إلى يوم وفاته متنقلا بين روسيا وأمريكا وإنجلترا وفرنسا ~~وألمانيا وإيطاليا وعواصم الدول، أو ضواحي النزهة والاسشفاء، وأتقن في رحلاته هذه ثلاث لغات ~~غير لغته الأصلية وهي الإنجليزية والفرنسية والألمانية، واستطاع أن يتكلم بغير هذه اللغات ~~الثلاث في محادثاته العاجلة أثناء العمل أو التردد على البلدان المختلفة، ولكنه كان في ~~«حياته اللغوية» مثالا للغربة والانقطاع عن وشائج الفكر في أعماق النفس البشرية، وقد ظهر ~~ذلك من إخفاقه في محاولاته الأدبية؛ لأنه لم ms005 يجمع بين قريحته وبين اللغة التي يبث فيها ~~سرائر وجدانه سجية مطبوعة غير منقولة من عبارة الطبع إلى عبارة الترجمة والحكاية، فكان ينظم ~~الشعر بالإنجليزية فيجيد غاية الإجادة التي يملكها الناظم الغريب عن اللسان والبيئة، ولكنها ~~إجادة تقف به دون مرتبة الوحي المبتكر في لسانه الأصيل عفو البديهة، ثم يعود إلى لغة الأم ~~- كما يقال أحيانا عن لغة الوطن - فإذا هو غريب عنها يحاول أن يودعها سرائر وجدانه، فكأنه ~~ينقلها من لسان إلى لسان ومن بديهة إلى بديهة، وكأنه في هذه المحاولة يوسط أحدا بينه ~~وبين نفسه قبل أن يوسط الترجمان بينه وبين القراء. ~~••• # وشعر ألفريد نوبل - السري العالمي - بالحاجة إلى طمأنينة السكن، كما شعر بالحاجة إلى ~~طمأنينة الوطن، وربما كان فقدانه الوطن الصغير الذي يأوي إليه أقسى على نفسه من فقدان الوطن ~~الكبير؛ لأن العلاقات الوطنية لا تنقطع على بعد الديار، وليس بالعسير على مثله أن ينتمي ~~إلى موطنه الفخور به حيث كان، ولا بالمتعذر عليه أن يؤدي لذلك الوطن حقه كلما سنحت له فرصة ~~من فرص الحياة العامة أو مناسبة من مناسبات العلائق الدولية، ولكنه قد يملك ما شاء من الدور ~~والقصور في رحاب الأرض، ولا يجد بينها «البيت» الذي يأوي إليه الأب والابن والقرين والقريب، ~~ولا تفلح في بنائه الأموال والأمتعة إن لم تتوطد له أركانه بين حنايا الصدور. # وعاش السري العالمي بحاجة إلى هذا البيت في شبيبته الأولى، وربما استغنى عنه في ريعان ~~شبابه، أو شغل عنه بشواغل العمل وشواغل اللهو التي تتسع لها أوقات الشباب، ولكن صاحب ~~الأعمال الجسام الذي يلتقي كل يوم بأنداده من أرباب الأسر وملوك المال لا يستغني عن «المركز ~~الاجتماعي» في مسكنه الجدير بمكانته العالمية، ولا بد له - مع مكتب العمل - من ملتقى تتصل ~~فيه علاقاته بالناس في غير دواعي البيع والشراء وصفقات الصناعة والتجارة، وأحوج ما يكون ~~الرجل إلى هذا «البيت» إذا أحوجته إليه متاعب الجسد المتوعك ومتاعب الفكر المشغول ~~بمقلقات الدنيا على اتساعها، وهل من قلق في هذه الدنيا ms006 الواسعة أشد من قلق الصناعة التي ~~عمل فيها ولم ينقطع عنها؟! هل من صناعة أقرب إلى القلق من صناعة «المتفجرات» في عصر الحروب ~~وعصر الهدم والبناء؟ # كان الرجل يتمنى أن يسلم هذا البيت إلى الفتاة التي يهواها ولكنه فقدها في إبان صباها، ثم ~~أوفى على السن التي ينظر فيها الرجل إلى تقرير مصيره «البيتي» قبل فوات أوان التفكير في هذا ~~المصير، وأوشك أن يجد «ربة البيت» التي توافقه في سنه وتوافقه في مزاجه وتوافقه في عمله، ~~فعملت عنده النبيلة «برتا كنسكي» النمسوية كاتبة لرسائله ومديرة لبيته، وكانت في الثالثة ~~والثلاثين، وهو في الثالثة والأربعين، فلما أحس ذات يوم أنه يحبها ويرتضيها قرينة لحياته لم ~~يشأ أن يستغل حاجتها إليها، وأن يفاتحها بهواه قبل أن يتبين جوابها المنتظر لما سيعرضه ~~عليها في غير حرج ولا اضطرار إلى المواربة، فسألها: أهي طليقة القلب؟ ولم يكن جوابها إلى ~~اليأس ولا إلى الأمل؛ لأنه علم منها أنها أحبت فتى من نبلاء بلادها وأحبها الفتى، فنهاه ~~أهله عن الاقتران بها لفقرها وتفاوت السن بينه وبينها، وأنها هجرت وطنها لتنسى، ولعلها ~~وشيكة أن تنسى، ولكنه ذهب في رحلة من رحلاته، فكتبت إليه في غيبته تستودعه وتعتذر إليه من ~~سفرها قبل عودته، ثم علم أنها استجابت لدعوة عاجلة من فتاها، وأنه تمرد على مشيئة أسرته، ~~فتزوج بها وأرجأ إعلان الزواج إلى أن يقنع الأسرة بقبوله، وقضي على السري العالمي مرة أخرى ~~أن يأوي إلى العالم كله، ولا يأوي إلى بيت! # وقد ربح ألفريد نوبل منذ شبابه ثروة عريضة من مخترعاته ومقاولاته، وربح في كهولته ثروة ~~أعرض منها وأوسع انتشارا بين حواضر العالم وعواصم الدول ومراكز الحياة الاجتماعية، فلم ~~تعطه الثروة العريضة في شبابه وكهولته تلك الثقة التي كان يفتقر إليها ويود أن ~~يطمئن إلى ركن من أركانها؛ لأنه كسب الثروة من صناعة «المتفجرات»، وهي يومئذ تنوء بأوزار ~~قضية التسليح وقضية السلام، وتتجسم بين أيدي العاملين فيها فضائح الرياء في دعوات المجد ~~الوطني ودعوات الأخوة الإنسانية على السواء، ms007 فربما ارتفعت الصيحة إلى شراء السلاح باسم ~~الحماية من خطر الأعداء، وهو يعلم من أسرارها أنها صفقة من صفقات السمسرة والرشوة، وربما ~~قابلتها صيحة أخرى من صيحات الدعوة إلى السلام، وهي في باطنها وسيلة إلى إحباط تلك الخطة ~~للنكاية أو للمساومة على السكوت، وبين هذا وذاك مكائد الجاسوسية والمنافسة التي لا بد منها ~~في كل صناعة تقترن باستعداد الدول للدفاع والهجوم، وتقترن في الوقت نفسه بأسرار المخترعات ~~ومنازعات البيوت التجارية على توريد الأسلحة والذخائر، وإبرام العقود واحتكار الأسواق ~~الدولية. # فلا جرم يسوء ظن السري العالمي المطلع على أسرار هذه الدسائس والمناورات بجميع النظم ~~السياسية التي قامت عليها حكومات عصره، وقد اختبر منها نظام القيصرية في روسيا، ونظام ~~الجمهورية في فرنسا، ونظام الملكية الدستورية في إنجلترا، ونظام الملكية المتوسطة بين ~~الإطلاق والتقييد في ألمانيا، فلم يحمد خبرته لنظام من هذه الأنظمة، ووجدت بين أوراقه فاتحة ~~قصة شرع في تأليفها، وسمى بطلها باسم السيد أڤنير # Avenir ~~، ~~ومعناها بالفرنسية «المستقبل»، فألقى على لسان هذا البطل بيانا مفصلا عن عيوب كل نظام ~~منها بين عجز ولي الأمر عن العمل النافذ أو شطط القوة التي توكل إليه حين ترفع عنه ~~قيود الرقابة والمراجعة، وإنما يتم التوسط بين العجز والشطط - في رأي السيد أڤنير - ~~بتوزيع السلطة بين ولاة الأقاليم من جهة، وحصر السلطة العامة في الدولة كلها بين يدي واحد ~~منهم يختارونه وتؤيده المجالس النيابية. وكانت ثقته بمؤتمرات السلم أقل من ثقته بالنظم ~~السياسية في زمانه، فلم يشترك قط في دعوة من دعواتها، ولم ينتظر من ورائها نفعا قريبا ~~لقضية السلام التي كان يعمل لها في سره وجهره، والتي أوصى لها بجائزة من جوائزه بعد وفاته، ~~بل قال يوما للنبيلة برتاڤون ستنر # Suttner ~~: «إن مصانعي ~~ربما أبطلت الحروب قبل مؤتمراتكم؛ ففي اليوم الذي يستطاع فيه إبادة الجيشين المتقاتلين في ~~لمحة عين، قد يرجى أن تتفق الأمم المتحضرة على اجتناب الحروب وتسريح الجيوش.» # ومن سخرية الحظ أن ثروة نوبل جلبت له شيئا مذكورا من ألقاب الدول التي ms008 جرى العرف على ~~تسميتها بألقاب الثقة والتقدير، أو ألقاب الجدارة والاستحقاق، فزادته شكا ولم تزده ثقة، ~~ونقل عنه أنه كان يقول إنه مدين لألقابه من حكومات الشمال لبراعة طباخه وللمعدات ~~الأرستقراطية التي كانت تقدر براعة ذلك الطباخ، وإنه مدين بألقابه الفرنسية لصداقة أحد ~~الوزراء، وبألقابه من أمريكا الجنوبية لزيارة هذا الرئيس، أو لولع ذلك الرئيس بتمثيل أدوار ~~التشريف والإنعام. # وبقيت طمأنينة واحدة يعتصم بها في هذه الحيرة لو وجد سبيله إليها، وتلك هي طمأنينة ~~الإيمان بعقيدة من العقائد الدينية. # فهذه أيضا حيل بينه وبينها في عصر المذاهب المادية والقلاقل الاجتماعية، وشكوك العلم ~~والفلسفة واضطراب الأقوال عن إرادة الله وشعائر العبادة بين أحبار الدين الواحد - بل المذهب ~~الديني الواحد - في القطرين المتجاورين، فحار كيف يطيع أوامر الله ويؤدي شعائر العبادة على ~~سنة حبر من هؤلاء الأحبار، وقنع آخر الأمر بأن يهتدي إلى عقيدته الصالحة بوحي من ضميره، ~~وأن يعلم كيف لا يخالف إرادة الله متى آمن بوجود الله، وإنه ليؤمن بوجوده ويؤمن يقينا أنه ~~لا يخالفه في شيئين واجبين على كل ذي دين وكل ذي مروءة، وهما فعل الخير ونشدان الكمال ~~الإنساني على هدى المثل العليا، وليس بها من خفاء. ~~••• # إذا كانت لتراجم المشاهير صفحتان: ظاهرة وباطنة؛ فهذه هي الصفحة الباطنة التي تعنينا من ~~سيرة ألفريد نوبل؛ لأنها هي السيرة التي نعرف منها صاحب الجوائز، ونعرف منها بواعث عمله ~~الباقي الذي تناط به ذكراه، رجل يودع لطيف المزاج بحث عن الطمأنينة والثقة، فلم يجدهما في ~~حياته، فتعزى بالعمل لتحقيق الطمأنينة والثقة بعد مماته، وحرص على تقدير العاملين لهما ~~وشعورهم بهذا التقدير وهم بقيد الحياة، وما العمل لتحقيق الطمأنينة والثقة إلا العمل - ~~بعبارة أخرى - لتحقيق السلام والإيمان بالمثل الأعلى، مناط الثقة التي لا يدركها المشغولون ~~بالواقع المحدود، ويزيده كلفا بهذه الغاية أنه اخترع شيئا يصلح للتعمير في نطاقه ~~الواسع، فلم يلبث أن رآه بين أيدي الناس سلاحا من أسلحة الحرب والدمار، فهو يرصد المال ~~الذي ربحه من هذه الصناعة للتكفير عن سوء ms009 أثرها في أيدي ساسة الأمم وزبانية الحروب، وما كان ~~له من باب للتكفير غير هذا الباب إلا إلغاء ما صنع ومحو ما اخترع، وليس ذلك بالنافع ولا ~~بالمستطاع. ~~••• # أما سيرته الظاهرة فقد أصاب حين قال إنها لا تشتمل على حدث ذي بال؛ فإن «المتفجرات» لها ~~دويها الذي يزعج الأسماع، ولكنها عند من يخترعها لا تعدو أن تكون سلسلة من الأرقام ~~والمعادلات وتجارب المحاولة والتنفيذ. # كان عمانويل نوبل - أبو ألفريد - يجهل أصله، ويعتقد أن اسم «نوبل» غريب عن اللغة ~~السويدية، وربما كان اسم قس إنجليزي انتقل إلى بلاد السويد في عصر من عصور الاضطهاد الديني ~~مع من هاجر من إنجلترا إلى الشمال في تلك العصور، ولم يكن لهذا الاعتقاد من أساس غير الظن؛ ~~لأن هذا الاسم محرف من اسم بلدة نوبولوف السويدية # Nobbelov ~~، وقد تسمى به في القرن السابع عشر أول ~~رجل من أسلافه تعلم في مدرسة عالية، واتخذ له اسما منسوبا على حسب النظام المتبع في ~~تقييد أسماء الطلاب بالجامعات، ومما بقي من أخبار هذا السلف - بترس أولاڤي # Olavi ~~- نعلم أن ميراث العبقرية فيه قد تخلف لأبنائه ~~وحفدته إلى أعقابه المشهورين في التاريخ الأخير، وأشهرهم عمانويل وابنه ألفريد؛ فإن أولافي ~~كان على نجاحه في دروس الجامعة موسيقيا مطبوعا على حب الفن، ونشأ سليله عمانويل فنانا ~~مخترعا على قلة حظه في تعليم المدرسة فضلا عن الجامعة، وقد اضطرته أحوال الأسرة إلى العمل ~~بإحدى السفن التي كانت مقلعة إلى البحر المتوسط وهو يقارب الرابعة عشرة، ثم تتلمذ في ~~صناعة البناء على بعض البنائين، واستطاع أن يحضر دروس العمارة فترة قصيرة في العاصمة، ثم ~~أصابه نحس الطالع فاحترق بيته الذي اقتناه، وصفرت يده من المال والصفقة، فاضطر إلى مغادرة ~~ستوكلهم سنة 1837 بعد أربع سنوات قضاها بين البطالة والمحاولة المخفقة، ولجأ إلى العاصمة ~~الروسية أملا في تأسيس عمل جديد تتسع له تلك البلاد التي لا تزال في أوائل حركتها الصناعية ~~بحاجة إلى الخبراء من المهندسين والصناع، فأسس عمله وأفلح فيه وكثرت عليه طلبات ms010 الدولة بعد ~~نشوب حرب القرم، فأسرع إلى توسيع مصنعه حتى تعذر عليه أن يستبقيه على اتساعه بعد ~~انتهاء الحرب، ثم تكاثرت عليه الديون التي اقتضاها بقاء المصنع بنفقاته الأولى، فأعلن ~~إفلاسه وعاد إلى وطنه لتجربة العمل فيه بمعونة بنيه. # وتعتبر هذه الهجرة الأولى بلاء مشتركا للأسرة، بما في البلاء من معنى المصاب ومعنى ~~الاختبار والامتحان، بلاء عرفت منه الأسرة - كبارها وصغارها، ومقيمها وراحلها - خير ما ~~عندها من استعداد للعمل المبتكر، والصبر على الشدة، والقدرة على مغالبة اليأس، وتجديد الأمل ~~بين النجاح والإخفاق، وبين إقبال الحظ وإدباره، فالأب يرحل منفردا ليتصدى وحده لأعباء ~~الغربة وعوارض التوفيق والخيبة، وربة الأسرة تبقى في أرض الوطن مع أطفالها الصغار - وهم ~~ثلاثة أبناء - مضطلعة وحدها بتربية هؤلاء الأطفال وتدبير معيشتهم في غيبة أبيهم، وفي انتظار ~~الفرج من تلك المغامرة في البلد المجهول، وقد تمخضت السنون الخمس التي انقضت بين هجرة أبيهم ~~(سنة 1837) ولحاقه بهم (سنة 1842)، عن معدن الجد والهمة في هؤلاء الصغار الذين قضوا ~~طفولتهم الأولى في حضانة أم تقوم لهم مقام الأب والأم، يوما بعد يوم، وعاما بعد عام، على ~~أمل تارة، وعلى خوف من الحرمان تارات، فنشأوا - ثلاثتهم - أعلاما نابهين بين الأقطاب ~~العالميين من رجال الصناعة والمال: روبرت الكبير مؤسس صناعة النفط في باكوم، ولدفيج الأوسط ~~مؤسس مصانع الذخيرة والسلاح في بطرسبرج، وألفريد صاحب الجوائز الذي كان عمره أربع سنوات يوم ~~رحل أبوه من السويد. أما ربة هذه الأسرة فهي تلك الأم - أو تلك الإنسانة الوحيدة - التي بقي ~~لها ألفريد طوال حياته على عهد البر والعطف إلى أن فارقت الحياة وهو يقارب الستين. وقد جاء ~~في سيرته أنه كان يترك أعماله وشواغله حيث كان ليخف إلى مقرها في عيد ميلادها، ويتلقى منها ~~بركة الأم الراضية لولدها المرضي عنه، ويسألها عن هدايا رأس السنة التي تحب أن ترسلها ~~باسمها إلى ربات البيوت من صديقات صباها في أيام الضنك والكفاف. # ووصل ألفريد إلى بطرسبرج وهو دون العاشرة لم يختلف قبلها إلى مدرسة من مدارس التعليم ms011 ~~المنتظم غير بضعة شهور، فعوض هذا النقص بالدروس التي كان يتلقاها على أستاذه الخاص في ~~داره، ثم قد انقطعت هذه الدروس أيضا وهو في السادسة عشرة، فتعلم باجتهاده وفطنته كل ما ~~وعاه من تلك المعارف التي أعانته على الاختراع والإدارة وتحصيل ما حصل من ثقافة جعلته ندا ~~مشهودا له بالفضل بين أصحابه وعشرائه من نخبة العظماء والرؤساء، ومنها ثقافة الرحلة ~~إلى فرنسا وأمريكا وألمانيا للمشاهدة والاطلاع، وغشيان معاهد الصناعة والعلم، وإن لم تكن ~~مما يزاوله في عمله المباشر أو يتصل بمصالحه ومصالح أبيه، وكأنما شاء القدر من ضروب ~~التربية لهذه الأسرة أن يصاب آباؤها وأبناؤها كل منهم بحصته من ضربات الحوادث وخسائر الأنفس ~~والأموال، فدمر الانفجار مصنع ألفريد باستكهولم (سنة 1864)، وقضي على أخيه الصغير إميل مع ~~من قضي عليهم من الصناع والخبراء، وحطم البقية الباقية من عزم أبيه وأوشك أن يقضي على صوابه ~~فلم يفق من جرائر هذه الفاجعة حتى قضى نحبه (سنة 1872)، ونهض ألفريد بالعبء كله في تجديد ~~المصنع والإشراف على معاملاته ومعاملات أسرته بين الأقطار التي زارها، وتعرف إلى أقطاب ~~الأعمال فيها أثناء رحلاته أيام الطلب والاستطلاع. ويتكشف معدن الرجل من قدرته على توسيع ~~أعماله والنهوض من كبواته مع سوء ظنه بالناس عامة وبأقرب المقربين إليه بعد تجربتهم ~~في أيام سعوده ونحوسه، ومفاجآت رواجه وكساده، وفي إحدى رسائله يقول لمن ذكر له أصدقاءه ~~المرجوين: # صدقني حين أقول لك إننا لا نجد الأصدقاء في غير الكلاب التي نطعمها، أو الديدان ~~التي تطعم نفسها من أجسادنا. # وأدل من ذلك على معدن هذه النفس القوية أنها احتفظت بقوتها بين متاعب القلب والجسد: متاعب ~~القلب حرفا ومعنى؛ لأنه كان مصابا بالذبحة الصدرية، ومتاعب الجسد من فرط الجهد ومن سوء ~~الغذاء، أو من قلة هذا الغذاء الصالح الذي كانت تسمح به معدته الواهية، بين أكداس الأموال ~~التي تفي بشهوات ألوف المعدات من طعام وشراب. وإنما كان عزاؤه عن حرمانه أن يؤمن بالعلم ~~ويؤمن بأنه كفيل غدا «بالمعيشة الحسنة؛ أعني معيشة الجماعات، ولا أعني ms012 ترف الآحاد من ~~الموسرين.» # وحقق مبادئه - عملا - قبل أن يختتم حياته في أواخر القرن التاسع عشر (سنة 1896)، فلم ~~يحفل بنصيب الآحاد من ميراثه كما حفل بنصيب الجماعات، ومنه نصيب خدامها في ميادين الصناعة ~~والصحة والأخلاق. # | الوصية # يقول ألفريد نوبل في وصيته بعد أسطر الافتتاح المألوفة في وثائق التوصية: # يكون التصرف في تركتي المحصلة على الوجه التالي: # يودع رأس المال بإشراف منفذي الوصية في ودائع مضمونة، ويكون منه مبلغ تنفق ~~أرباحه سنويا على صورة جوائز توزع على الذين قاموا في السنة السابقة بأنفع ~~الخدمات للإنسانية، وتقسم هذه الأرباح على خمس حصص متساوية توزع كما يلي: حصة للشخص ~~الذي قام بأهم كشف أو اختراع في مباحث العلم الطبيعي - الفزيقية - وحصة للشخص الذي ~~قام بأهم كشف أو تحسين في مباحث الكيمياء، وحصة للشخص الذي قام بأهم كشف في علم ~~التشريح أو الطب، وحصة للشخص الذي أنتج في الآداب نتاجا هاما ذا وجهة مثالية، ~~وحصة للشخص الذي قام بأكبر أو أفضل عمل لتحقيق الإخاء بين الأمم، ولإلغاء أو نقص ~~عدد الجيوش القائمة، ولدعوة المؤتمرات العاملة للسلم أو نجاحها. # ويمنح مجمع العلوم السويدي جائزة الطبيعة والكيمياء، ويمنح معهد كارولين ~~باستكهولم جائزة التشريح والطب، ويمنح مجمع استكهولم جائزة الآداب، وتقرر منح جائزة ~~السلام نخبة مؤلفة من خمسة أعضاء ينتخبها مجلس النواب النرويجي. وإن رغبتي الصريحة ~~في منح الجوائز ألا ينظر في ذلك إلى وطن المرشح؛ لينال الجائزة من هو أحق بها، سواء ~~كان من الأمم السكندنافية أم لم يكن منها. # باريس في 27 من نوفمبر سنة 1895 # وقد توفي ألفريد نوبل في سان ريمو بإيطاليا في العاشر من شهر ديسمبر سنة 1896، وأعلنت ~~وصيته بعد أيام، ولكنها لم توضع موضع التنفيذ إلا بعد انقضاء أربع سنوات، وكان هذا التأخير ~~من الأمور المنتظرة منذ فتح الوصية والشروع في تنفيذها؛ لأن البدء في تنفيذ هذه الوصية ~~بصيغتها المجملة التي نقلناها فيما تقدم لم يكن مستطاعا قبل الفراغ من إجراءات قانونية ~~وعملية شتى يتبعها وكلاء التنفيذ بغير إرشاد من صاحب ms013 الوصية، ولا سابقة من وصية قبلها ~~يهتدون بها ويعملون على مثالها. # فكان ابتداء العمل بالوصية موقوفا - أولا - على حصر التركة الموزعة بين أقطار متفرقة ~~تختلف فيها قوانين التركات ومعاملات التبادل والاتفاق على قيم العملة والأعيان الثابتة ~~والمنقولة بينها وبين الأقطار الأخرى. # وكان من الضروري بعد ذلك أن يرضى الورثة عن توزيع الثروة على الوجه الذي نصت عليه ~~الوصية، وقد كان من هؤلاء الورثة من يطعن في الوصية من ناحية «الشكل القانوني» الذي أفرغت ~~فيه، ومن ناحية التطبيق الذي يحتاج إلى تفصيلات كثيرة تتسع للخلاف والشك في مدلول الكلمات ~~والموضوعات. # وكان التنفيذ يتوقف مع هذا كله على موافقة الهيئات واللجان التي نيط بها الحكم في ~~الترشيحات، والنظر في تلك الترشيحات قبل اختيار صاحب الجائزة، ومن أعضاء تلك الهيئات ~~واللجان من كان يرفض النظر في شأن من شئون الوصية قبل إقرارها واعتمادها في المراجع ~~الرسمية. # وتعرضت الوصية لمنازعات السياسة والدعايات الاجتماعية بين المؤيدين لها والمعترضين عليها، ~~ومن أصحاب هذه الدعايات من كان يحسب الوصية اختلاسا من حقوق الأمة السويدية، ومن يحسبها ~~على خلاف ذلك كسبا أدبيا لهذه الأمة، ووسيلة كريمة لتعزيز مكانتها في ميادين الثقافة ~~العالمية. # وأشفق كبار الساسة من عواقب التدخل في مشاكل الحكومات الأجنبية وعداوات الدول التي لا ~~سبيل إلى اجتناب التحزب فيها والتحيز إلى أطرافها، كلما حان أوان النظر فيمن يستحق جائزة ~~السلام ومن لا يستحقها من قادة العالم ودعاة السلم أو الحرب بين الوزراء والمفكرين. # ورفع الأمر إلى الملك، فاستدعى إليه عمانويل نوبل - ابن شقيق ألفريد - ونبهه إلى ~~المحرجات التي تعترض تنفيذ الوصية على التعميم واختيار المرشح لجائزة السلم على التخصيص، ~~واستحسن أن يوضع لتنفيذ الوصية نظام يلائم ضرورات السياسة، ويحقق أمنية صاحبها جهد ~~المستطاع. # قال الملك: «إن عمك كان منقادا للمتهوسين من دعاة السلم ولا سيما النساء!» # قال عمانويل: «ربما كان صاحب الجلالة يوافق الجنرال مولتكي الذي كان يقول: إن السلام ~~الأبدي حلم، وإنه لحلم - على هذا - غير جميل!» # قال الملك: «أقال ذلك؟! حلم! وحلم غير جميل!» ms014 وكررها مرتين. # وأضيفت صعوبة أخرى إلى صعوبات السياسة بعد اشتداد حركة الاستقلال والانفصال في النرويج، ~~فإن ساستها لم يستريحوا إلى تكليف مجلسهم بمهمة تابعة لحكومة السويد يرجع التصرف في مصادرها ~~المالية إلى صاحب حقوق الميراث وأصحاب الوكالة عليه. ~~••• # وبعد مطاولة مضنية استنفدت حيل الأمناء الموكلين بإبرام الوصية، تمت تصفية التركة وسددت ~~الرسوم المقررة عليها بحساب القوانين الوطنية والقوانين الأجنبية، وبقي منها رصيد يقابل ~~ثلاثين مليون كرونر كانت موزعة بين تسعة أقطار: هي السويد، والنرويج، وألمانيا، والنمسا، ~~وفرنسا، واسكوتلاندة، وإنجلترا، وإيطاليا، وروسيا. وقيمتها يومئذ تساوي نحو مليوني جنيه، ~~وتساوي أكثر من عشرة أضعاف هذا الرقم إذا لوحظ فرق القيمة الشرائية بين زمن التصفية والزمن ~~الحاضر. # وصدرت المراسيم بتنظيم هيئات التحكيم، وتعريف هذه الهيئات بالأسماء «الرسمية» المصطلح ~~عليها. # فعهد الحكم في جوائز الطبيعة والكيمياء إلى مجمع العلوم الملكي باستكهولم، وعهد الحكم في ~~جوائز الطب والتشريح إلى كلية الطب والجراحة الخاصة، وعهد الحكم في جوائز الأدب إلى المجمع ~~السويدي الذي نص في مرسوم إنشائه على أنه «مؤسس للعمل على تنقية اللغة السويدية وترقيتها ~~وتحقيق سلامة الذوق وتهذيبه». # وعهد الفصل في جائزة السلم إلى لجنة من خمسة أعضاء يختارها مجلس الأمة النرويجي لمدة ست ~~سنوات. # وتقرر أن تخصص في كل هيئة من الهيئات الأخرى لجنة تتألف من ثلاثة إلى خمسة أعضاء، ~~وتألفت لمساعدة اللجان في أعمال التحضير والتحرير مؤسسة عامة سميت بمؤسسة نوبل، وألحقت ~~بها مكتبة خاصة لجمع الكتب والأسانيد الضرورية لمراجعاتها وبيان أسباب ترشيحاتها ~~وأحكامها. # وتفاهمت اللجان من مبدأ الأمر على معاني بعض العبارات المطلقة التي وردت في الوصية، ~~فاتفق الأعضاء على أن كلمة «الآداب» تشمل فنون الكتابة التاريخية والفلسفية، ولا تقصر على ~~فنون المنظوم والمنثور التي جرى العرف في الغرب على تسميتها بالكلم الجميل. # واتفق الأعضاء على أن العناية الأولى في الترشيح للجائزة تتجه إلى العمل الذي ظهر في ~~السنة السابقة لتاريخ منحها، ثم تضاف إليه العناية بسائر الأعمال السابقة فيما يوافق ~~الاعتبارات العامة التي نصت عليها الوصية. # وقد أضيفت إلى المؤسسة ms015 - بعد إنشائها معامل ودواوين علمية أو إدارية لمعاونتها، واستفادت ~~اللجان من تجارب البحوث المتصلة منذ توزيع الجوائز لأول مرة سنة 1901 - فوائد عملية كان ~~لها أثرها المتتابع في تنقيح دستورها وتعديل خطتها وتنظيم برنامجها، وبخاصة في مسائل ~~الابتداء بالترشيح وانتخاب الأعضاء المحكمين. # وتقرر أن يحتفل بتوزيع الجوائز في اليوم العاشر من شهر ديسمبر تكريما لذكرى صاحب الجوائز ~~الذي توفي في ذلك اليوم، ويجرى الاحتفال بتوزيع الجوائز جميعا بعاصمة السويد، ما عدا ~~جائزة السلام؛ فإن الاحتفال بتسليمها يجرى في عاصمة النرويج. # وتقام الحفلة العامة بمعهد الموسيقى الأكبر في استكهولم، ويشهدها الملك وأعضاء الأسرة ~~المالكة والوزراء بملابس الاحتفالات، ويدعى إليها أفراد أسرة نوبل، وسفراء الدول، وأعضاء ~~الهيئات السياسية، وأعضاء مجلس الأمة، وكبار رؤساء الدواوين، وسراة البلاد، والمندوبون ~~المختارون عن الجامعات والمجامع العلمية والفنية، وكل من منح الجوائز في السنوات ~~السابقة، وربات الأسر من زوجات المدعوين وسيدات المجتمع ذوات الأثر المشهور في أعمال البر ~~والخدمة الإنسانية. # وتعزف الفرقة الملكية نشيد التحية عند تقديم أصحاب الجوائز، مع إلقاء كلمة التعريف ~~والتقدير، ثم تسلم الجائزة والشهادة والنوط الذهبي الذي رسمت عليه صورة ألفريد ~~نوبل. # وتختم الحفلة بترتيل نشيد السويد، ثم يشهد المدعوون في المساء مأدبة تقيمها المؤسسة في ~~أكبر فنادق العاصمة، تفتتح بنخب الملك، وتتلوه دعوة من الملك أو من ينوب عنه إلى تحية ذكرى ~~ألفريد نوبل، ثم يدعى أصحاب الجوائز لإلقاء كلماتهم، وهي غير الكلمات المطولة التي ~~يبسطون فيها آراءهم العلمية أو الأدبية، فإنها تلقى أحيانا في غير هذه المأدبة، ثم تنشر ~~مع السجل السنوي الذي تصدره المؤسسة. # وتسلم الجائزة عادة إلى صاحبها، ومعها نوط نوبل الذهبي منقوشا عليه اسمه وتاريخ منحه ~~الجائزة، فإن حيل بينه وبين حضور الحفلة سلمت الجائزة والنوط إلى سفير دولته أو المندوب ~~الممثل لها عند الحكومة السويدية. # أما جائزة السلام فإن الاحتفال بها يقام بمجلس الأمة في (أوسلو) عاصمة النرويج، يفتتحه ~~رئيس المجلس بخطاب رسمي، ويعقبه خطاب رئيس اللجنة المختارة من أعضاء المجلس، ثم جواب صاحب ~~الجائزة في موضوع ms016 بعيد عن الخوض في المسائل الدولية، وسيأتي في الفصول التالية مزيد من ~~الشروح والتعليقات على المبادئ والشروط التي تتحراها المؤسسة في تنفيذ دستورها أو تسوقها ~~إليها لوازم العمل في ظروفها المختلفة. # | أسباب المنح والمنع # يفهم من دستور الجوائز، ومن الموضوعات التي اشتهر بها مستحقوها في نظر اللجنة السويدية أن ~~هذه اللجنة تتقيد بالاتجاه الذي يتحراه الأدباء، ولا تتقيد بالموضوعات التي يشملها عنوان ~~الأدب على أوسع نطاق. # فلا بد من تحقيق الاتجاه إلى السلام والرخاء، أو السعي إلى المثل الأعلى والمقاصد ~~المثالية، وهذا هو الشرط الذي لا محيد عنه ولا اختيار للجنة في قبوله أو ~~اجتنابه. # أما الموضوعات فلا قيد لها، ولا ترجيح لموضوع منها على سواه ما دام من موضوعات الفنون ~~الأدبية، وما دام له نصيبه من جمال الفن وجودة الأداء. # وقد أجيز الشعر الغنائي كما أجيز شعر الوصف الطبيعي، وأجيزت القصة كما أجيز التاريخ، ~~وأجيز النقد كما أجيز الإنشاء والابتكار، وأجيزت المباحث الاجتماعية كما أجيزت الفلسفة، ~~وكاد اختيار اللجنة يطرد على مقياس واحد قبل الحرب العالمية الأولى، ولكنه تباين واختلف ~~بعد ذلك فلم يطرد على وتيرة واحدة في جميع الأحوال؛ لأسباب تظهر من مراجعة الترشيحات بين ~~ظروف الحرب والسلام. # بدأت اللجنة جوائزها الأدبية منذ السنة الأولى في القرن العشرين، ونشبت الحرب العالمية ~~الأولى بعد أربع عشرة سنة، ونشبت الحرب العالمية الثانية بعد خمس وعشرين سنة، فمضى عليها ~~جيل كامل في هذه الأثناء، تكشفت فيه طريق الحرب والسلام، وتبين فيها منهج اللجنة في ~~التوفيق بين رعاية الشروط الفنية الأدبية ورعاية شروط الاتجاه إلى الوجهة المقصودة بإقامة ~~المؤسسة كلها، وهي وجهة السلام والرخاء. ~~••• # كان العالم الأوروبي عند مطلع القرن العشرين يتجاوب بأسماء الأعلام النابهين من أصحاب ~~الشهرة العالمية في طبقة تلستوي وهاردي وزولا وإبسن، ومن يلحق بهم في شأوهم من كبار الأدباء ~~في لغات الحضارة، ولكن اللجنة السويدية تجاوزتهم - لأسباب سيأتي ذكرها - إلى الشاعر المفكر ~~الفيلسوف (رينيه سولي برودوم) عضو الأكاديمية الفرنسية، وصاحب جائزة ڤيتيت # Vitet # للشعر في فرنسا، وهو يزيد ms017 قليلا على الأربعين من ~~عمره، وقالت إنها منحته الجائزة «تقديرا لتفوقه في الأدب، ولا سيما الشعر الذي يتسم بالروح ~~المثالية السامية، والإتقان الفني والتوفيق النادر بين الضمير والعبقرية». # وكان صاحب الجائزة في السنة التالية مؤرخا ألمانيا فخم الأسلوب راجح الفكرة نافذ ~~البصيرة هو تيودور مومسن مؤلف الأسفار المستفيضة في تاريخ الرومان «لأنه أعظم أساتذة ~~المؤرخين الأحياء في زماننا مع التنويه بعمله في تاريخ رومة»، وكانت لهذا المؤرخ الكبير ~~مشاركة قيمة في نظم الشعر وترجمته من اللغات الأخرى إلى الألمانية. # واختصت اللجنة السويدية بجائزتها للسنة الثالثة شاعر الأمم الشمالية بجورنسون # Bjornson # النرويجي، الذي كان يومئذ يجاوز السبعين من ~~عمره، وقالت إنها تمنحه جائزتها «تقديرا لعمله الشعري العظيم النبيل في جوانبه المتعددة، ~~مع امتيازه بالوحي المبتكر وصفاء الروح»، وقد كان جواب الشاعر على خطاب استقباله حملة صارمة ~~على الذين يستبيحون - باسم الفن للفن - مخالفة الشاعر لمبادئ الخير والصلاح. # وعادت اللجنة إلى ميدان الشعر الفرنسي، فاختارت في السنة التالية - سنة 1904 - شاعرا من ~~إقليم (برفنس) ينظم قصائده بلهجة الإقليم، ويتفرغ للنظم بعد تخرجه في دراسة القانون. هذا ~~الشاعر هو فردري مسترال # Mistral # الذي منحته الأكاديمية ~~الفرنسية جائزتها لسنة 1861، وهو يومئذ في الحادية والثلاثين من عمره، وقالت إنها تجيزه ~~«لسلاسته الرائعة، وإجادته الفنية التي صور بها مناظر وطنه وحياة الريف فيه تصويرا ~~صادقا، أضاف إليه عنايته بدراسة لغة الإقليم»، وقد أشركت معه شاعرا إسبانيا من شعراء ~~المسرح وكتابه هو الأديب النائب السياسي جوزي إشيجاري # Echegaray ~~«لبراعته وإحاطته واقتداره - في استقلال ~~وإبداع - على إحياء تراث الدرامة الإسبانية». # ومنحت جائزة السنة التالية - سنة 1905 - لهنريك سينكفيش # Sienkiewicz # الروائي البولوني الأشهر، الذي أودع ~~رواياته تاريخ وطنه وسيرة أبطاله، واستحق التقدير من جامعات الأمم السلاڨية، كما استحق من ~~الجمهورية الفرنسية وسام «فرقة الشرف» تنويها بفضله وجهاده، وكان توجيه الجائزة إليه في ~~تلك السنة التي ناهز فيها الستين «تقديرا لعظمته في تأليف الملاحم التاريخية». # وكان كردوتشي # Carducci # شاعر إيطاليا في القرن التاسع عشر ~~صاحب الجائزة لسنة 1906، وقالت اللجنة: «إنها ms018 تمنحه الجائزة بصفة خاصة إجلالا لمثابرته ~~وروعة أسلوبه، وملكته الغنائية التي بدت في آياته المنظومة، فضلا عن سعة معارفه ومباحثه ~~النقدية.» # وفي سنة 1907 تنبهت اللجنة إلى شاعر إنجليزي وصفته بأنه «عالمي الشهرة»، وهو رديارد كبلنج ~~الذي قدرت فيه «قوة الملاحظة، والتخيل المطبوع، والوعي المتيقظ، والتصوير ~~الصادق». # وكان رودلف يوكن # Eucken # الألماني أول فيلسوف استحق ~~الجائزة الأدبية في تقدير اللجنة السويدية؛ لأنه عرف «بالجد في البحث عن الحقيقة، وبالنظر ~~الثاقب، والبصيرة الواسعة، والتصوير الذي يجمع بين الحرارة والقوة، واستخدم ذلك كله في جلاء ~~العالم على الصورة المثالية». # وأول من منح الجائزة من أمة السويد شاعرتها وناظمة ملاحمها سلمى لاجرلوف # Selma Lagerlof ~~، التي أصبحت بعد ذلك أول عضو في ~~الأكاديمية السويدية، وهي الهيئة المشرفة على توزيع الجوائز واختيار مستحقيها، وقد قال رئيس ~~الأكاديمية وهو يوجه الجائزة إليها: «إن الساعة قد حانت لبروز السويد إلى الطليعة بين الأمم ~~الكبرى المتنافسة في حلبة الأدب.» وإنها جديرة بالتكريم لأنها لمست أشرف شمائل (أمنا) ~~السويد كما لمست أكرم الشمائل الإنسانية. # ونال الجائزة لسنة 1910 بول فون هيس # Heyse # الأديب الروائي ~~الألماني، الذي ألف نحو مائة قصة بين تاريخية واجتماعية، وعني مع كتابة القصص بترجمة أشعار ~~الأمم اللاتينية من الإيطالية والإسبانية، ونظم في لغة قوية نخبة من لطائف الشعر الغنائي ~~تسلكه في أكبر شعراء اللغات الجرمانية في هذا الشعر، وقد نال الجائزة وترقى إلى مراتب ~~النبلاء في سنة واحدة، وأطنبت لجنة نوبل في الثناء عليه فقالت إنها تقدر «فنه الممتاز ~~بالجودة والروح المثالية، الذي توفر عليه في جهاد طويل قيم، وهو يدأب على نظم الشعر الغنائي ~~وكتابة الدراما والرواية والنوادر القصار ذوات الشهرة العالمية». # وكانت الجائزة لسنة 1911 من نصيب إحدى الأمم الأوروبية الصغيرة، وهي الأمة البلجيكية، ~~فنالها موريس مترلنك الذي ارتقى إلى رتبة «كونت» لمناسبة بلوغه السبعين من عمره، وهو شاعر ~~يكتب للمسرح «الفكري»، ويبحث في الأسرار الدينية، ويشتغل بدراسة النحل من الوجهة ~~الاجتماعية، واستحق الجائزة من اللجنة «لخصب ملكاته الأدبية، وبخاصة مبتكراته المسرحية التي ms019 ~~اتسمت بالتخيل الفني والروح المثالية الشاعرة التي تنم أحيانا في قالب الأسطورة المسرحية ~~عن بصيرة عميقة تمس وجدان القارئ وأشواقه النفسية». # وأجيز الكاتب الألماني جرهارت هوبتمان في سنة 1912 لجهوده في فن المسرحية العصرية على ~~التخصيص، مع التنويه بصدقه في تصوير الطبيعة، وبراعته في الوصف، وفي رسم المناظر ~~والشخوص. # وأجيز «تاجور» في السنة التالية، وهو الشاعر الشرقي الوحيد الذي اختصته اللجنة بجائزتها ~~«لنظمه العميق الرفيع الذي وفق في صيغته الإنجليزية لإحلاله بالمقام الكريم بين الآداب ~~الغربية». # ونشبت الحرب العالمية الأولى في سنة 1914، فتوقفت فيها اللجنة عن إعلان جائزتها، ثم ~~استأنفت عملها بعد عام، فوجهت الجائزة إلى بطل من أبطال السلام بين حملة الأقلام، أصابه ~~العنت الشديد بين قومه من جراء دفاعه عن السلم واستنكاره للحرب، وحملته على ذوي المطامع ~~من عباد المال والسلطان، وذلك هو الكاتب الفرنسي المجيد «رومان رولان» أكبر النقاد ~~الفنيين في الموسيقى بين أبناء جيله، ومؤلف الروايات التي ارتفعت بالرواية من طبقة التسلية ~~وتزجية الفراغ إلى طبقة الإلهام والإرشاد، وقد جاءته جائزة نوبل بعد تكريمه بالجائزة العليا ~~من الأكاديمية الفرنسية بسنتين، وقالت اللجنة السويدية إنها تقدر في أدبه «الروح المثالي ~~المجيد، والتصوير الزاخر الأمين للشخصيات الإنسانية الذي يدل على بعد الغور وعمق ~~العاطفة». # وبلغ الشاعر الناقد السويدي فيرنر فون هيدنستام # Heidenstam # سنته الخامسة والسبعين حين آثرته اللجنة في ~~إبان سنوات الحرب - سنة 1916 - بجائزة الأدب الفعال في خدمة السلام، وقالت في تحيتها له ~~إنها تقدر «عظمة شأنه في الدعوة إلى عهد جديد في فنوننا الجميلة»؛ لأن هذا الشاعر قد اشتهر ~~بمذهب في علم الجمال يبشر بالقيم العليا في الآداب والفنون، وينحى أشد الأنحاء على إسفاف ~~الأدباء والفنانين إلى التبذل الرخيص باسم «الواقعية الطبيعية». # وكأنما شاءت اللجنة في سنوات الحرب أن تبتعد عن جوانب الدول الكبرى المشتركة فيها؛ فكانت ~~جوائز السنوات (1917 و1918 و1920) من نصيب أدباء الأمم الصغيرة التي التزمت الحيدة ~~خلالها. # فأجازت الدنمركي كارل جلروب # Giellerup # سنة 1917، وقالت ~~إنها تقدر في هذا الشاعر المفكر «وفرة محصوله ms020 في فن القصة مع التنوع والنزعة المثالية»، ~~وأشركت معه في جائزة السنة أديبا دنمركيا آخر هو الروائي الحكيم هنريك بنتوبدان Pontoppidan ~~، الذي أسهب في بحث مشكلات الروح الإنسانية ~~كما تمثلت له بين أبناء قومه، وقدرته اللجنة السويدية لما امتاز به من «الأوصاف القيمة ~~للحياة الحاضرة في بلاده». # وأجازت في سنة 1919 الأديب السويسري كارل سيتلر # Spitteler ~~، صاحب الملاحم المطولة والمقالات الكثيرة في ~~الوصف والنقد والملاحظات الاجتماعية. # وكان صاحب الجائزة في سنة 1920 نمطا فريدا بين مستحقيها من سنتها الأولى إلى هذه السنة ~~في أعقاب الحرب العظمى، إذ وجهتها اللجنة إلى أديب من العصاميين في الأدب لم تتيسر له دراسة ~~منتظمة بمعهد من معاهد التعليم، ولكنه قضى سنوات صباه يتكسب من صناعة الأحذية تارة، ومن ~~العمل في السفن تارة أخرى، ويتنقل من بلد إلى بلد بين أوروبة وأمريكا، مشتغلا بكل ما ~~تهيأ له من الأعمال في الترام أو القطارات أو المزارع أو مصائد الأسماك، ويطالع في أثناء ~~ذلك ويجرب قلمه فيما يعنيه من شدائد العيش، حتى نشرت له قصة صغيرة في صحيفة دنمركية عنوانها ~~«الجوع»، فتلقفها القراء في بلاد الشمال؛ لأنها صادفت «موضوع الساعة» بينهم وبين معظم ~~الشعوب التي أوقعتها الحرب في جرائرها المتلاحقة من أزمات الفقر وثورات الطبقات المحرومة، ~~وقد كان شعور الكاتب بمتاعب العيش منزها عن آفة النقمة والتهجم على قواعد الحياة ~~الاجتماعية ومبادئ الأخلاق، فغلبت فيه عاطفته الإنسانية على رذائل الحسد والبغضاء، ولقيت ~~صيحته حقها من الإصغاء والتلبية بين المنصفين في جميع الطبقات والآراء، ثم تتابعت قصصه ~~وفصوله والتفت إلى المسرح كما التفت إلى الرواية المطولة والنادرة الصغيرة، وتابع الطواف ~~بين بلاد المغرب والمشرق، مستفيدا من التجربة والرحلة مسجلا لثمرات هذه التجارب والرحلات ~~في آثاره الأدبية على اختلاف موضوعاتها، ملزما في أسلوبه أصول الكتابة على منهج المحافظين ~~من بلغاء السلف من رواد الثقافة والأدب؛ خلافا لنظرائه من العصاميين في ميادين الأدب ~~واللغة. # ذلك هو الكاتب النرويجي العالمي كنوت هامسون # Hamsun # أو ~~كنوت بدرسين كما كتب في شهادة الميلاد، ms021 وأشهر ما اشتهر به فيما عدا ذلك المحصول الضافي من ~~الزوايات والملاحم والأقاصيص: نداؤه البليغ بعنوان «اللغة في خطر» تحذيرا لأبناء الشمال من ~~فوضى الكتابة باسم التقدم والتجديد. ~~••• # وقد اتسع مجال الاختيار بعد انعقاد الصلح وتبادل العلاقات السلمية بين الأمم المتقاتلة، ~~فعادت اللجنة إلى الترشيح من جميع الأمم، وبدأت مرة أخرى بفرنسا فاختارت أناتول فرانس ~~«لبراعته التي تتسم بالأسلوب الرفيع والإنسانية الكريمة وجمال الأداة، مطبوعا بطابع ~~العبقرية الفرنسية الصحيحة». # واختارت (سنة 1922) الشاعر الروائي الإسباني جاسنتو بينافينتي # Jacinto ~~Benavente # لاتفاق الناطقين ~~باللغة الإسبانية في وطنها وفي أمريكا الجنوبية على اعتباره عنوانا لبلاغة هذه اللغة في فن ~~الدراما. # واختارت (سنة 1923) الشاعر الأيرلندي وليام بتلر ياتس # Yeats # لشعره الملهم الذي يعبر بصورته الفنية عن روح ~~أمته. # واختارت (سنة 1934) شاعرا بولونيا لمثل هذا السبب، وهو لاوسلو ريمونت # Reymont ~~، ولوحظ في اختيار الشاعرين الأخيرين - على ما ~~يظهر - أنه كان بمثابة التحية الأدبية لأمتيهما في نهضة المطالبة بالحرية. # واختارت (سنة 1925) أشهر أدباء اللغة الإنجليزية يومئذ الكاتب الأيرلندي برنارد شو ~~لجهوده الأدبية القائمة على أساس من الطموح المثالي والعاطفة الإنسانية، يقترن بالنقد ~~الشامل الذي يمتزج أحيانا بنفحة شعرية خاصة بصاحبها. وقد تبرع الكاتب بقيمة الجائزة لتشجيع ~~العلاقات الثقافية بين السويد والبلاد الإنجليزية. # واختارت (سنة 1926) الكاتبة الإيطالية جراتسيا بليدا # Beledda ~~؛ لأنها وصفت بأسلوبها الرفيع حياة أبناء وطنها ~~في جزيرة سردينية، وتناولت شئون الإنسان جميعا بحرارة وحمية. # واختارت (سنة 1927) هنري برجسون الفيلسوف الفرنسي «لأفكاره الواسعة المثمرة التي صاغها في ~~قالبها الفني البارع». # واختارت (سنة 1928) الكاتبة النرويجية سيجريد أوندست # Undset # بصفة خاصة لاقتدارها على تصوير حياة الأمم ~~السكندنافية خلال القرون الوسطى. # واختارت (سنة 1929) الكاتب الروائي توماس مان تقديرا على الخصوص، لقصته المطولة (آل ~~بودنيروك) التي نالت من الإعجاب على توالي الأيام ما جعلها ملحمة كالملاحم السلفية في تصوير ~~العصر الحاضر. # واختارت (سنة 1930) الكاتب الأمريكي سنكلر لويس، لفنه العظيم الحي الذي استخدمه في وصف ~~الحياة وصفا يدل على ملكة مقتدرة على خلق النماذج البشرية تشملها الفكاهة الذكية. # واختارت (سنة 1931) إريك آكسل ms022 كارفيلد # Karlfeldt # السويدي ~~عضو الأكاديمية السويدية، وعضو اللجنة الموكلة بالحكم في الترشيحات الأدبية، ولكن ~~اختيارها له كان بعد وفاته؛ لأنه رفض الجائزة حين وجهت إليه قبل ذلك معتذرا بجهل قراء ~~الأدب بمؤلفاته خارج البلاد السويدية، ثم قبلها لانتهاء مدته في وظيفته، وابتدأت إجراءات ~~الترشيح على هذه النية، ولكنه توفي قبل إعلان النتيجة في موعدها. # واختارت (سنة 1932) الكاتب الإنجليزي جون جالزورثي # Galzworthy ~~، وهو أول من نال الجائزة من صميم الإنجليز ~~لوصفه الممتاز الذي بلغ الذروة في روايته المطولة عن الحياة العصرية. # واختارت (سنة 1933) الكاتب الروسي المنفي من وطنه (إيفان بونين) # Bunin ~~«لملكاته الفنية الناطقة التي اقتدر بها على ~~تصوير طبائع الأمة الروسية». # واختارت (سنة 1934) لويجي بيراندلو الإيطالي، لما اتصف به من «الشجاعة والإبداع في تجديد ~~الدرامة وفن المسرح». # واختارت (سنة 1936) مؤلف المسرحيات الأمريكي يوجين ~~أونيل # Eugen O’neill ~~، الذي نال جائزة بولتايزر الأمريكية ثلاث مرات، قبل أن ينال جائزة ~~نوبل لاقتداره على تزويد المسرح الحديث بروائعه الناجحة، وقد جاء اختياره لجائزة العام بعد ~~سنة لم تمنح فيها جائزة الأدب السويدية وهي (سنة 1935). # واختارت (سنة 1937) القصصي الفرنسي مارتن دي جارد الذي نال في تلك السنة جائزة مدينة ~~باريس عقب إنشائها حديثا، ولم يكن أحد من وطنه قد رشحه للجائزة السويدية اكتفاء بترشيحه ~~للجائزة الفرنسية على ما يظهر، ولكنه منح جائزة نوبل «لقدرته الفنية، وصدقه في وصف ~~النقائض الإنسانية، وتصوير بعض السمات البارزة في حياة العصر الحاضر»، وهي السمات التي أراد ~~بها أن يبين في أسلوب القصة كيف كانت أخلاق الناس ممهدة لوقوع الحرب العالمية لا ~~محالة. # واختارت (سنة 1938) الكاتبة الأمريكية بيرل بك # Buck ~~، ~~«لأوصافها ذات المسحة «الملحمية» الصادقة التي صورت بها في رواياتها حياة الريف في الصين»، ~~مع تقدير آياتها في كتابة التراجم والسير. # واختارت (سنة 1939) أديبا فنلنديا على أثر الدفاع الذي صمدت له أمته في وجه الغارة ~~الروسية على أرضها، فاختصت اللجنة أديبها فرانس أميل سلانبا # Sillana ~~، لجمال أسلوبه في تصوير الحياة الإنسانية ~~والمناظر الطبيعية في وطنه. # ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، ms023 فصدر في السويد مرسوم ملكي بوقف توزيع الجوائز، مع ~~مثابرة اللجنة على عملها إلى أن يتيسر لها تنفيذ برنامجها بغير حرج من مراسم العلاقات ~~الدولية أثناء القتال. # ثم أعيد توزيع الجوائز منذ سنة 1944 فنالها من تلك السنة إلى نهاية سنة 1959 خمسة عشر ~~مرشحا أشهرهم: أندريه جيد الفرنسي، وإليوت وفولكنر الأمريكيان، وبرتراند رسل الإنجليزي، ~~ومورياك الفرنسي، وشرشل الإنجليزي ، وهمنجواي الأمريكي، وخيمنيز الإسباني، وكامي الفرنسي، ~~وبسترناك الروسي، وقد تنحى عن شهود الاحتفال بتسليمه الجائزة بعد قبوله إياها وشكر اللجنة ~~على توجيهها إليه. # ولم تختلف شروط الإجازة الفنية بعد الحرب العالمية ولا بعد الحرب العالمية الثانية، فهي ~~في مجموعها تتلخص في الإجادة واستقلال الملكة في كتابة نوع أو أكثر من أنواع الكتابة ~~الأدبية. # وكذلك لم تختلف شروط الإجازة من حيث الوجهة التي يتجه إليها الأديب بحملة كتاباته؛ فهي ~~على الدوام تتلخص في تحقيق السلام والرجاء. # ولكن الملاحظ في الحالتين أن التفاوت كبير بين مستحقي الجوائز، سواء في حالات السلم أو ~~حالات الحرب، أو الحالات المنذرة بالخطر والشقاق. # فمن أصحاب الجوائز من يعد في طليعة الأقطاب العالميين أركان الأدب ورواد المدارس في ~~موضوعاته المنوعة، ومنهم من يحسب من الأتباع المتفوقين في باب واحد محدود بموضوعه وشهرته ~~بين قرائه. # وقد أجازت اللجنة أناسا لهم وجهتهم الواضحة في الطموح إلى المثل الأعلى والإيمان بمصير ~~الإنسان، ثم أجازت معهم أناسا لا يزيد عملهم على المحاولة التي لا تصمد إلى غاية معروفة، ~~بل لا تزيد على الحيرة بين المسالك المتعارضة، وغاية فضلهم أنهم لا يستسلمون لليأس، ولا ~~يخلو التشاؤم عندهم من عطف وطيبة ضمير. # وصرحت اللجنة غير مرة بتقديرها لسيرة الأديب وكرامته الخلقية، ولكنها أغفلت هذا الجانب ~~مرات، وأجازت آحادا من الأدباء بين حين وحين لا يبالون العرف والحياء في مسلكهم ~~الاجتماعي، بل لا يكتمون في كتاباتهم أنهم مستخفون بالعرف والحياء. # ومما لا جدال فيه أن العالم لم يخل في أكثر السنوات من أديب أو أدباء أفضل من صاحب ~~الجائزة في تقدير اللجنة، ولم يكن عذر ms024 اللجنة أنها تجهله، أو أن الاطلاع على كتابته لم ~~يكن ميسورا لقراء اللغات الأوروبية. # ومن البديهي أن اللجنة ليست بالمعصومة من الخطأ، ولا من الأهواء النفسية، فمن هذا التفاوت ~~ما يرجع - ولا ريب - إلى خطأ في مقاييسها الفنية، أو إلى هوى من أهواء السياسة وغواية ~~الميول العارضة التي تشيع بين الأمم في إبانها، ولكن النظرة المنصفة ترينا - بعد المقابلة ~~بين الترشيحات ودواعيها - أن ضرورات الظروف - قبل كل شيء - كافية لتفسير التفاوت الكبير بين ~~أصحاب الجائزة في الأغلب الأعم من الحالات. # فلا يخفى أن اللجنة بدأت عملها والمقاييس العالمية على اتفاق أو على تقارب يشبه الاتفاق، ~~وطريق السلام بادي المعالم للمفكرين، والقادة يعرفون فيه غرضا واحدا وهو اجتناب النزاع ~~بين الأمم، واجتناب الفتن التي تناقض مبادئ الأخلاق ودعائم الاجتماع، وحدث فيما قبل الحرب ~~العالمية الأولى أن تقدير الأديب من قبل اللجنة يوافقه تقدير دولته، أو تقدير هيئاتها ~~العلمية، فيجمع بين المكافأة الأدبية وبين المكافأة «الرسمية»، أو المكافأة الشعبية بإجماع ~~الآراء، أو بما يقرب من الإجماع، واستطاعت اللجنة أن تختار على سعة قبل الحرب العالمية ~~الأولى، ثم اضطرت إلى حصر اختيارها أثناء الحرب في نطاق محدود من الأمم الصغيرة التي التزمت ~~الحيدة بين الطرفين؛ لأن عمل اللجنة لم ينقطع أثناء الحرب، كما انقطع أثناء الحرب العالمية ~~الثانية لاحتلال المقاتلين معظم بلاد الشمال. # فلما انحصر اختيار اللجنة في ذلك النطاق المحدود هبط الميزان من أفق المكانة العالمية إلى ~~ما دونها بكثير، وتعذر في هذا النطاق المحدود أن تجتمع للأديب شروط الفن وشروط السلام ~~والطموح إلى الأمثلة العليا، التي تتفق عليها مقاييس الأفكار والأخلاق. # ثم أسفرت نهاية الحرب العالمية الأولى عن وجهات شتى في ميدان السياسة الدولية، وميدان ~~المذاهب الاجتماعية، وميدان التفكير، والنقد الفني على الإجمال؛ فظهرت مذاهب الشيوعية ~~والفاشية والنازية، واندفع كل فريق من أتباع هذه المذاهب إلى التأهب بالدعاية وبالسلاح ~~لاتقاء الخطر أو للثأر من الهزيمة، واقترنت خصومات السياسة والاجتماع بالخلاف على المشارب ~~والعادات ومبادئ السلوك وضوابط الأخلاق بين المحافظة والإباحة وبين ms025 التزمت والانطلاق. ~~فلم يكن يسيرا على اللجنة بين هذه المنازع المتعارضة أن توحد المقاييس بينها وبين الأشتات ~~المتفرقة من حملة الأقلام المضطربين في هذا الخضم المريج من الدعايات والرد على الدعايات، ~~وقنعت اللجنة بقسمتهم جميعا إلى قسمين: أحدهما يكثر في كلامه ترديد لهجة العداء والنقمة ~~إلى الطرفين، والآخر - وهو أصغر القسمين - يقف عند حدود الحيدة، ولا يتورط في حملات الدفاع ~~والهجوم بين المعسكرين، وقلما يتفق أن يكون هؤلاء المحايدون المنعزلون على القمة ~~العالية من قمم النبوغ والمكانة العالمية. # ولا مناص للجنة بعد توزيع الجوائز سنوات متوالية أن تلاحظ نصيب الأمم الكبيرة وزيادة ~~النسبة في بعضها أو نقصانها عن القدر الذي يبرئها من تهمة المحاباة والإجحاف، فإذا شعرت ~~بالزيادة في نصيب أمة من الأمم، فقد يلجئها ذلك إلى قبول المرشح من أمة أخرى، ولو لم يكن له ~~حق من الشروط الفنية أو الشروط الإنسانية كحق منافسيه. # وقد برزت مع الخصومات الدولية قضايا الحرية في بعض الأمم الصغيرة المغلوبة على أمرها، فلم ~~يكن التفات اللجنة إليها هذه المرة كالتفاتها إليها خلال الحرب العالمية؛ إيثارا لها ~~بجوائز السلام لوقوفها موقف الحيدة بين المتقاتلين، بل كان التفاتها إليها تحية لها في ~~المطالبة بالحقوق الإنسانية، وسدا لباب من أبواب الحرب تفتحه مطامع الدول الكبار، وتدفعها ~~إليه المغالبة على السيادة والسلطان، ومن هذا السبيل وصلت الجائزة إلى أدباء أيرلندة ~~وبولونيا وفنلندة، ووصلت إلى أدباء بعض الأمم المستقلة التي طغى عليها المستبدون من أبنائها ~~وأقاموا حكمهم فيها على مبادئ سياسية أو اجتماعية تناقض مبادئ العدالة والسلام. # وينبغي أن نذكر أن الأدباء المتأخرين في تاريخ نيل الجائزة لم تكن لهم هذه المكانة قبل ~~ذلك بسنوات، فلا تفاوت في التقدير - مثلا - بين برنارد شو (سنة 1925) وهيس (سنة 1910)؛ لأن ~~خمس عشرة سنة بين التاريخين تفسر هذا التفاوت، ولا ترجع به إلى اختلاف المقاييس. # ولا ننس أن اللجنة نفسها تتطور في نظراتها إلى الأدب وفي مقاييسها التي تقدر بها ~~الأدباء، وأنها تتطور كذلك في حكمها على الأخلاق، وما تستوجبه منها في ms026 الأديب الذي تتوافر ~~له أمانة الفكر ولا تتوافر له أمانة السلوك؛ فلا جرم يرجح لديها في منتصف القرن من لم يكن ~~راجحا لديها عند مطلعه، ويتقبل الناس حكمها الأخير ولم يكن مقبولا لديهم قبل ذاك. ~~••• # إلا أن هذه العوارض الضرورية قد تعطي حقها من الاعتبار، ولا تنفي الغرابة التي قوبل ~~بها إهمال اللجنة تلك الفئة التي ارتفعت إلى قمة الذروة العالمية، قبل أن تبدأ اللجنة عملها ~~في مطلع القرن العشرين، ونذكر منها أسماء تولستوي الروسي، وإبسن النرويجي، وزولا الفرنسي، ~~وهاردي الإنجليزي. وقد قوبل بمثل هذه الغرابة إهمالها لفئة أخرى من الأعلام والأقطاب لم تزل ~~تصعد درجات الشهرة خلال الربع الأول والربع الثاني من القرن العشرين، حتى استقرت قبل منتصفه ~~على مثل تلك القمة من الشهرة العالمية، ومنهم كروشة الإيطالي، وإبانيز وأنامونو ~~الإسبانيان. # وقد عم هذا الاستغراب أرجاء العالم الثقافي لأول وهلة بعد إعلان الجائزة الأولى، وكان ~~مظهره في بلاد السويد أشد وأصرح من مظهره في البلاد الغربية التي كانت تترقب جميعا أن ~~يكون الفائز الأول تولستوي دون برودوم الذي وجهت إليه على غير انتظار. # ولم يسع اللجنة أن تغفل هذا الاحتجاج العالمي، فاعتذرت له بأعذارها يومئذ، ثم ~~توسعت في شرحه وشرح عوامل الترشيح والإجازة على العموم في أول كتاب أصدرته المؤسسة ~~لمناسبة انتصاف القرن العشرين، وقد يزيل الاطلاع عليه بعض الغرابة، وينفع في إيضاح ~~العوامل التي تحيط بمواقف الهيئات التي تتصدى لأمثال هذه المهمة العالمية، ومنه ما تشاؤه ~~باختيارها، أو تنساق إليه ولا مشيئة لها فيه. # بعد إعلان الجائزة لأول مرة غضب أدباء السويد ومؤلفوها لتخطي اللجنة اسم تولستوي، ~~فاجتمع اثنان وأربعون منهم وكتبوا تحيتهم إلى الكاتب الكبير احتجاجا على عمل اللجنة، ~~واعتذارا عن الأمة السويدية، وأيدهم المثقفون من السويديين في هذه التحية وهذا ~~الاعتذار. # أما اللجنة فقد تبين من أقوال المطلعين على أعمالها أنها استجابت في الترشيح الأول ~~لتزكية متعددة من جانب أعضاء الأكاديمية الفرنسية، وهي الهيئة التي تعتبر الأكاديمية ~~السويدية وليدة لها وتقتدي بها في أعمالها، فلم يسعها ms027 - كما قالت - أن تعرض عن هذه التزكية، ~~وتتخطى برودوم إلى كاتب آخر لم يرشحه أحد من المسئولين، ولم يكن في برنامج اللجنة يومئذ أن ~~تستقل بالترشيح والتفضيل، كما تقرر بعد سنوات من التجربة تكررت فيها مخالفة اللجنة لآراء ~~الهيئات الرسمية التي قصر عليها حق الترشيح. # واتجهت النية عند فريق من أعضاء اللجنة إلى استدراك هذا الإهمال في السنة التالية ، ورأى ~~فريق آخر من أعضائها أن شروط الجائزة توافق أعمال تولستوي الأدبية، ولكنها لا توافق آراءه ~~الاجتماعية التي ينادى فيها بتقويض معالم الحضارة، وإنكار الحكومة بأنواعها، وإسقاط حق ~~الحكومات في معاقبة الجناة، وحق الساسة والقادة في تعليم الناس على أسس الثقافة العصرية؛ ~~لأنها - في رأيه - قشور لا تنتهي إلى لباب. # وتوسط بين الفريقين طائفة من ذوي الرأي بدا لهم أن التوفيق بين الجانبين يسير، إذا نصت ~~اللجنة على بيان أسباب الجائزة، ولم تذكر فيها آراءه الاجتماعية. # على أن المشادة حول هذه المسألة قد بلغت غايتها في هذه الأثناء، وكان على رأس اللجنة ~~السويدية رجل مشهور بقوة الشكيمة، واستقلال الرأي إلى حد الإصرار والعناد، وهو الأستاذ ~~كارل ويرسن # Wirson # الذي كان استقلاله هذا سببا لاختياره في ~~مقام الحكم المنزه عن مؤثرات الضغط والإكراه حيث تضطرب الأغراض، ويكثر الرجاء والإلحاح من ~~مختلف الجهات، وكان ويرسن يرى أول الأمر أن التوفيق بين الجانبين مستطاع على الوجه الذي ~~انتهوا إليه، وهو استثناء آراء تولستوي الاجتماعية عند التنويه بمزاياه التي استحق بها ~~جائزة الفن والسلام، ولكنهم فوجئوا جميعا بحديث من أحاديث تولستوي أنحى فيه على الجوائز ~~المالية، وأنكر فيه أن يكون المال مكافأة لفكرة المفكر وأدب الأديب، فكتب ويرسن تقريره ~~الأخير إلى اللجنة يشرح فيه الموقف بتفصيلاته، ويقترح فيه العدول عن تسمية تولستوي لجائزة ~~تلك السنة؛ لأنه يخشى أن يرفضها لاستنكاره مبدأ الجوائز المالية، وأن يرفض التقدير الأدبي ~~إذا قيدته اللجنة بأسبابها وصرحت في بيانها باعتراضها على فلسفة الكاتب الاجتماعية ~~وأقواله عن نظام المجتمع والحكومة في ظل الحضارة. ~~••• # وكان اسم هنريك إبسن أقرب الأسماء إلى الترشيح ms028 في اللجنة السويدية؛ لأنه من أبناء الشمال، ~~ولم يكن أقل في الشهرة العالمية من تولستوي بين رواد المسرح وطلاب المباحث الاجتماعية، ولكن ~~انتسابه إلى أمم الشمال أخره ولم يقدمه في تقدير اللجنة عند افتتاح عملها «العالمي ~~الإنساني»، الذي يشترط فيه التسوية بين الأمم، واتقاء شبهات العصبية الجنسية، فأشفقت أن ~~تفتتح عملها بما يلقي عليها شبهة التعصب لأبناء عنصرها، فلما زال الحرج من توجيه الجائزة ~~إلى أحد من أدباء الأمم السكندنافية، بعد إجازة أديب من فرنسا وأديب من ألمانيا، كانت مشكلة ~~الدعوى إلى الانفصال بين النرويج والسويد على أشدها وأعنفها، ولاح لبعض أعضاء اللجنة أن ~~تأخير منح الجائزة لواحد من الأدباء السكندنافيين الكبار قد يعزى إلى سوء النية، ويحمل على ~~محمل اللدد في الخصومة السياسية، على حين أن اختصاص أديب من أبناء النرويج بها يبرئ اللجنة ~~من شبهة العصبية لوطنها، ويلطف كثيرا من توتر الخصومة بين القطرين الشقيقين، وكان في ~~النرويج علمان من أعلام الأدب العالمي هما إبسن # Ibsen # وبجورنسون، أحدهما مشترك في الحركة السياسية، والآخر منعزل عنها أو قليل الاكتراث بها، ~~أحدهما من أنصار النزعة المثالية، والآخر أقرب إلى الواقعية والترخص في القيم الأخلاقية، ~~وأحدهما يتسنم أوج الشهرة، والآخر قد استنفد جذوته - كما قال فريق من أعضاء اللجنة - فرجحت ~~كفة بجورنسون لأنه أوفى بالشروط المطلوبة، ولأنه إذا تخطضاه الاختيار لم يفهم من تخطيه إلا ~~أنه عقوبة له على اشتراكه في الحركة الوطنية، ولجاجته في الخصومة التي تسعى اللجنة إلى ~~تلطيفها وجبر كسورها، ثم مات إبسن بعد انفصال النرويج عن السويد، ولم يكن من الميسور منح ~~الجائزة لأديب نرويجي سنتين متواليتين لو أريد ذلك، فأخطأته الجائزة وظهر في أمره كما ~~ظهر في أمر تولستوي أن ظروف الحوادث عامل من العوامل التي تغلب المختار على اختياره في ~~موازين الأدب العالمية، كلما اتصلت بالأمثلة العليا وأزمات السياسة. ~~••• # أما توماس هاردي الشاعر القصاص، فقد كان موقف اللجنة منه سليما من الوجهة الحرفية ~~ضعيفا من الوجهة النفسية، وقد أثبت هذا الموقف حقيقة واضحة عن تقديرات ms029 اللجنة لا تحب أن ~~تثبت عنها؛ لأنها تغض من شأن موازينها، وتلك الحقيقة الواضحة هي أنها قد تحرم الأديب من ~~تقديراتها سنة بعد سنة في أوجه شهرته، ثم لا يحط ذلك من قدره في موازين الأدب، ولا في ~~موازين الإنسانية. # قال كارفلد أمين سر اللجنة عن هاردي: إنه يجل عمله، ويزكي اقتداره على تصوير مناظر ~~الطبيعة في بلده، وخصائص الأخلاق بين قومه، ويشفق من سوء أثر إهماله في نفوس أبناء وطنه، ~~ولا يرى غضاضة على الشاعر ياتس من إرجاء تقديره إلى سنة أخرى لصغر سنه. # وقال مؤلف القسم الأدبي من كتاب «نوبل: الرجل وجوائزه» إنه كان من المؤيدين لترشيح ~~هاردي، ويرى وجوب الالتفات بصفة خاصة إلى شعره الأخير الذي يعد فتحا أدبيا جديدا من رجل ~~في مثل سنه، ولكن الفكرة التي كانت شائعة بين الأكثرين من أعضاء اللجنة أنه شديد التشاؤم ~~والاستسلام للقدر المقدور على نحو لا يلائم روح الجوائز ومنحاها. ولم تتغير هذه الفكرة - ~~لسوء الحظ - مع ترداد الترشيح عاما بعد عام، حتى أصبح كبر سنه أخيرا أكبر العوائق ~~دون توجيه الجائزة إليه، لما سيبدو في هذه الحالة من أنها قد جاءته بعد فوات أوانها وفقدت ~~معناها. # والخطأ هنا أن تشاؤم هاردي لم يكن أسوأ من تشاؤم أناطول فرانس الذي أجازته اللجنة لجمال ~~أسلوبه وجودة فنه، وأن الموازين الآلية في فهم التشاؤم عجز يقع فيه من لا يفرقون بين ~~تشاؤم العطف والأسى على الإنسانية، وتشاؤم الفتور وقلة الاكتراث، أو تشاؤم النفور وجمود ~~الوجدان؛ إذ لا يتساوى في التشاؤم كاتبان: أحدهما يرثى للإنسان عطفا عليه وأسفا لقصوره أو ~~شقائه، والآخر ينعي عليه عيوبه كأنه يتقصاها ويستريح إليها، ولا يريد أن يهتدي إلى حسنة ~~بينها تقدح في سوء ظنه بها وحرصه على تسجيلها وإثباتها، ونحن لا نسمي الأب متشائما إذا ~~صدمته الخيبة في وليده، فصاح به أنه لم يفلح، ولا نخاله مفلحا في حياته، ولكننا نحسب ~~من التشاؤم أن يقال ما هو أهون من ذلك عن الطفل الغريب أو القريب كراهة ms030 للخير، واستراحة إلى ~~الشر، حيث يكون وحيث يعم في مواطن الأمل ومواطن اليأس على السواء، ولعل تشاؤم هاردي فيه من ~~الحب للإنسانية والتشوق إلى إسعادها ما ليس في المرح الرخيص الذي يتغنى به جمهرة ~~«المتفائلين»، وليس عندهم من التفاؤل إلا عفو الساعة من المتعة المبذولة والغفلة عن مصائبهم ~~ومصائب الناس، وهي غفلة مريحة ولكنها لا تحمد ممن يريد الخير ويطلبه لبني ~~الإنسان. ~~••• # وكيفما كان حكم اللجنة على هؤلاء الأعلام الثلاثة - تولتسوي وإبسن وهاردي - لقد كان لهم ~~فيها أنصار مؤيدون، وكان لمعارضيهم حجة تستند إلى نصوص دستور اللجنة أو إلى تفسير تلك ~~النصوص، فلم تتجاهلهم اللجنة، ولم تعتبر إهمال أدبهم أمرا مفروغا منه غنيا عن المناقشة ~~والتأويل. # فالغرابة في موقف اللجنة منهم أقل من غرابة موقفها من نظرائهم الذين بلغوا مبلغهم من ~~الشهرة العالمية ووافقوا في كتابتهم شروط النزعة المثالية، بل تعرضوا في سبيل مبادئهم ~~وآرائهم لمحنة الشدة والاضطهاد، فثبتوا عليها ولم يتزحزحوا عنها، وعرف لهم العالم - كما عرف ~~لهم ذوو الرأي من أبناء وطنهم - حق الجهاد وفضل الثبات عليه إلى ختام حياتهم، ومنهم من صمد ~~لمقاومة العدوان في أزمات الحربين العالميتين، ومن قضى نحبه بعد الحرب العالمية الأولى في ~~منفاه. # أحد هؤلاء «إبانيز» # Ibanes # الكاتب الإسباني، داعية ~~الإصلاح والتعمير على قواعد الاشتراكية العادلة قولا وعملا في وطنه وفي أمريكا الجنوبية، ~~وقد ناهض الحرب العالمية الأولى، وعاش بعد انقضائها بضع سنوات ذاعت في خلالها كتبه ~~ورواياته، وترجمت إلى اللغات الأوروبية، وعرضت على اللوحة البيضاء، ومات (سنة 1928)، وله من ~~الشهرة العالمية غاية ما يبلغه الكاتب باللغة الإسبانية في العصر الحديث، وقد آثرت عليه ~~اللجنة أحد مواطنيه وهو في أوج شهرته بعد الحرب العالمية (1922)، فكان أغرب ما في هذا ~~التمييز أنه حدث دون أن يسمع معه صوت واحد يقابل بين الأديبين، ويذكر وجه التفضيل والرجحان ~~لسبب من الأسباب، وقد يقال في تفسير ذلك إن إبانيز كان معدودا من «المهيجين» السياسيين في ~~عرف حكومته وجماعة المحافظين من أبناء قومه، ولكنه على أية حال كان ms031 خليقا أن يرشح وأن ~~يقال في الاعتراض على ترشيحه ما عسى أن يقال من هذا القبيل. # ولا ندري نحن علة لهذا الموقف الغريب، إلا أن يكون مرجعه إلى رأي إبانيز في حكم أبناء ~~الشمال لوطنه وتصريحه عند المقارنة بينه وبين الحكم العربي بأنه قد خرب في سنوات كل ما بناه ~~العرب في عدة قرون. # وتجاهلت اللجنة مواطن إبانيز الفيلسوف أنامونو # Unamuno # على هذا النحو من التجاهل الصامت، حتى قضى نحبه في معتقله (سنة 1936)، واسمه يتردد على ~~الألسنة حيث تنطلق اللغة الإسبانية في العالمين القديم والحديث، وحيث تقرأ روائع الفلسفة ~~والأدب البليغ في سائر اللغات، ولعله كان بين الفلاسفة المحدثين صاحب القلم الذي لا يجاريه ~~كاتب مفكر في طلاوة اللفظ وبلاغة التعبير، بل لعله كان أوفى كتاب الفكر والفلسفة بشرط ~~النزعة المثالثة المقدم على غيره من شروط الجائزة؛ إذ كان يبغض الاستنامة إلى عقيدة من ~~العقائد والجمود عليها، دون أن ينبعث المعتقد بها مع أشواق التطلع والطموح إلى الآمال ~~التي تفوقها والأسرار التي تكمن في أعماقها، وهو القائل في كتابه عن الجانب الفاجع من ~~الحياة: «إن عملي - وأكاد أقول رسالتي - أن أزعزع عقيدة كل معتقد يثبت، وكل معتقد ينفي، وكل ~~معتقد يتشكك، وكل معتقد يكف عن البحث والتفكير؛ وذاك لأنني أومن بالإيمان لذاته، وأعتقد ~~العقيدة في جوهرها، وأناقض كل من يركن إلى مذهب من المذاهب في استسلام وتفويض سواء دان ~~بالكثلكة، أم بالعقل، أم تردد على مذهب الشكوكيين.» # فهو ينكر الجمود حيث كان، ويريد المثالية عملا وسعيا، كما يريدها فكرا وشعورا، ما دام ~~بقيد الحياة، ويجوز أن تكون هذه النزعة المثالية على خلاف شرط اللجنة فيما تفهمه من معنى ~~النزعات المثالية، ولكن الذي نستغربه أن يكون هذا الرأي مسكوتا عنه مفروغا منه، وأن يتقرر ~~الحكم فيه بغير بحث وبغير حجة من طرفي الخلاف. # وموقف اللجنة من أنامونو شبيه بموقفها من قرينه ومعاصره الفيلسوف الإيطالي «كروشه»، نصير ~~الحرية وعدو الفاشية، الذي ثبت على مقاومتها طول حياته إلى أن توفي سنة 1952، وهو في ms032 ~~السادسة والثمانين، ومذهبه في الفن وفي علم الجمال مذهب المقبل على الحياة والمؤمن بالواجب ~~وبالقدرة على أدائه. ولم يكن إيمانه هذا مجرد عقيدة في أطواء الضمير، أو دعوة من فيلسوف ~~يقول ولا يعمل، ويشرح النظريات ولا يعنيه ما تئول إليه في حيز الوقائع والعمليات، بل كان ~~يدين بالواجب كما اعتقده ويؤديه على النحو الذي يرتئيه. وقد اعتزل منصبه في وزارة التعليم، ~~ثم اعتزل الحياة العامة يوم حيل بينه وبين الجهر برأيه والعمل على منهجه، والتزم هذه ~~العزلة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إذ كتب له أن يعيش حتى يشهد بعينيه مصداق ~~نبوءاته عن عواقب الحروب والمنازعات في كتابه الذي سماه (التاريخ سياق الحرية)، ولم يبال ~~أن ينشره بعد تمام تأليفه (سنة 1938)، ولم تستطع الفاشية أن تمنعه؛ لأنها لم تشأ أن تشهد ~~على نفسها بمناقضة الحرية في الحال والمآل. ~~••• # إن إهمال هؤلاء الأعلام وغيرهم من نظرائهم غير مفهوم، وأغرب منه أن يكون إهمالهم بغير ~~مناقشة بين أصحاب الآراء المتباينة، وبغير حجة يستند إليها فريق، وينقضها فريق كما يحدث ~~في أمثال هذه الترشيحات. # فليس في الأسباب الأدبية سبب يقف في تفسير ذلك الإهمال المسكوت عنه، ويخطر لنا إذن أن ~~هذا الصمت المتفق عليه أشبه بصمت السياسة الذي يتم التفاهم عليه، ولا يجري التصريح به في ~~كتابة أو مقال. # فلا يخفى أن جوائز نوبل ترتبط بمراسم الدولة، ويشترك رجالها المسئولون في حفلاتها، ~~ويتبادلون الخطب والتصريحات حول موضوعها وأسباب منحها، فمن الجائز أن يتم التفاهم بين ~~المسئولين من قبل اللجنة وقبل الحكومة على اجتناب الأمم التي تنقسم على نفسها، وتتولى ~~الحكم فيها سلطة مستبدة يثور عليها بعض أهلها، ويؤيدها من يؤيدها على غير رضا من سائر ~~رعاياها، وفي هذه الحالة تلتزم اللجنة خطة السكوت على تفاهم بينها وبين المسئولين من رؤساء ~~الدولة، وتتحاشى أن يكون ترشيحها للأديب دخولا منها بين أحزاب الأمة، وتأييدا للثائرين ~~على نظام الحكم فيها؛ فإن الحكومة السويدية تتصل على أية حال بجميع الحكومات وتبادلها ~~التمثيل السياسي والعلاقات التجارية والاقتصادية، فلا ms033 يستغرب منها أن تتحرج من مناصرة ~~الخارجين عليها، وبخاصة حين يدعو الأمر إلى بيان عمل الأديب ووجهته ومقاصد أدبه وتفكيره، ~~وقد كان الأدباء الثلاثة - إبانيز وأنامونو وكروشة - على موقف صريح بالعداء للفاشية ~~وللحكومة المطلقة في إيطاليا وإسبانيا، وكانت شهرتهم الأدبية مقارنة لاشتهارهم بالمعارضة أو ~~الثورة وهم منفيون أو معتقلون. # وما من سبب أدبي أو سبب سياسي غير هذا السبب يغني في تفسير ذلك السكوت المتفق ~~عليه. ~~••• # بقي أمر الأدباء الشرقيين وهم يكتبون بلغات شتى، يبلغ عدد المتكلمين ببعضها خمسمائة ~~مليون، ولا يقل عدد المتكلمين بأضيقها انتشارا عن عشرة ملايين، وهو قريب من عدد المتكلمين ~~ببعض اللهجات من اللغات الأوروبية التي أجيزت مرات. # ومن هذه الأمم جميعا لم ينل جائزة نوبل الأدبية في ستين سنة غير أديب واحد وهو ~~رابندرانات تاجور. ولما أجازته قالت في بيان مزاياه: إن أدبه قد أصبح جزءا من الآداب ~~الغربية، حيث تقول: «إنه جعل أفكاره الشعرية كما عبر عنها بأسلوبه في اللغة الإنجليزية ~~جزءا من الأدب الغربي.» # فهل يفهم من ذلك أن اللجنة لا تجيز أدبا غير الأدب الغربي، أو الأدب الشرقي الذي يصبح ~~جزءا منه؟ # إننا إذا لم نفهم هذا فهمنا أن ستين سنة في الشرق العريق بآدابه وفنونه لم تنجب من مئات ~~الملايين مثل ما أنجبته أمة السويد على انفراد، وقد نالت الجائزة منها أديبة وثلاثة ~~أدباء. # وقد شوهد أن اللجنة تبحث عن الأدباء المستحقين، ولا تنتظر اشتهارهم بشهادة الصحف أو دور ~~النشر أو أقلام النقاد، ومن أمثلة ذلك أننا اطلعنا على صحف الأدب الإنجليزي التي أصدرت ~~سجلاتها الدورية عند منتصف القرن العشرين لتاريخ الأدب الغربي خلال خمسين سنة، فلم نقرأ ~~فيها اسم (لاكسنس) صاحب الجائزة (سنة 1955)، ولا اسم (خيمنيز) صاحب الجائزة سنة (1956)، ولا ~~اسم (كواسيمدو) صاحب الجائزة سنة (1959). وقيل عقب إعلان الجائزتين الأخيرتين إن الإسبان ~~والطليان أنفسهم فوجئوا بهذا الاختيار، وجاء في تعبيرات أحد النقاد أن اللجنة تحفر عن ~~مرشحيها كأنهم من خبايا الأحافير! # وأيسر من هذا البحث كان خليقا أن يهدي اللجنة ms034 إلى شاعر من أبناء الهند معاصر لتاجور، ~~ومؤمن مثله بطلب الكمال وبالنزعات المثالية، وهو الشاعر الصوفي الفيلسوف محمد إقبال. # نعم إن محمد إقبال شاعر متدين يمتزج الكثير من قصائده بالتسبيح الصوفي والابتهالات ~~الإلهية، ولكن الشعر الوجداني غير قليل في منظوماته المطولة أو القصيرة، يتلوه من يشاء من ~~المؤمنين بالأشواق الروحية على اختلاف الأديان والآراء، ومنهم برهميون وبوذيون ترنموا ~~بشعره كما ترنم تاجور نفسه بشعر المتصوفة الأولين من المسلمين، وليس الاعتراض على ~~«روحانياته» بحائل مع هذا بينه وبين الجائزة العالمية؛ لأن اعتراضا مثله وجه إلى روحانيات ~~تاجور فلم تأخذ به اللجنة، وانتهت بعد النظر فيه إلى إقرار الترشيح. # ففي أثناء الموازنة بين المرشح الشرقي تاجور ومنافسيه الغربيين، كتب الأستاذ هرالد هجان ~~رئيس اللجنة الجديد تقريره، فقال فيه إن شعر تاجور لا يتيسر التفريق فيه بين ما هو من وحي ~~عبقريته وما هو من وحي العبقرية السلفية الموروثة، وهي حافلة بالتراث الديني في الأمة ~~الهندية من أقدم عهودها «ولا بد من زمن يمضي لتمييز هذه الوشائج التاريخية للاستعانة بذلك ~~على صحة التقدير واستقلاله، والعلم بما هو مطبوع من كلام تاجور، وما هو من تلقين الصوفية ~~الدينية والشعر القديم ...» # ونظرت اللجنة في هذا الاعتراض من رئيسها، فرجحت جانب الإقرار على جانب الرفض؛ لأنها لم ~~تشأ أن تضيع المناسبة التي وضعت بين يديها اسما شرقيا لا يرد عليها نظيره في كل ~~مناسبة. # ولسنا نذكر الحرج السياسي في أمر إقبال؛ فإن ظروف إقبال لا تختلف من ظروف تاجور في ~~اعتبارات السياسة التي تنظر إليها الدولة السويدية، فقد منح كلاهما مرتبة الفروسية، ولقب ~~(سير) عرفانا بمكانته الأدبية، وقد يكون هذا التقدير السياسي للمكانة الأدبية منبها للجنة ~~إلى البحث في هذا الجانب دفعا لشبهة التفرقة بين أديبين - أو بين أدبين - لا موجب للتفرقة ~~بينهما. ~~••• # هذه البواعث التي تحيط بأسباب منح الجائزة ومنعها قد تصلح لتعميم الحكم على منهاج هذه ~~الجوائز جميعا أيا كان الدستور الذي تتقيد به لجان الجوائز العالمية في شروطها؛ فإن ~~البواعث العملية تجري على ms035 وتيرة واحدة بحكم الضرورة التي لا اختيار فيها لواضعي الشروط ~~الأدبية أو منفذيها. # فكل لجنة من لجان الجوائز العالمية على غرار اللجنة السويدية عرضة للتفاوت في تقريرها ~~عامدة أو غير عامدة، وقد تكون اللجنة السويدية في طليعة اللجان الموثوق بسداد رأيها وسلامة ~~عملها، جهد الثقة من الإنسان بعمل الإنسان. # فمن الطبيعي أن يتفاوت الاهتمام بين القريب والبعيد، وبين اللغات المتداولة في بيئة ~~المحكمين واللغات التي تنقل إليهم أو يفهمونها على السماع والرواية، وبخاصة حين تتباعد ~~الأقطار، وتتباين الأمزجة، وتمتزج الفوارق الفكرية بالفوارق التاريخية، أو فوارق العنصر ~~والسلالة. # ومن الطبيعي أن يتفاوت التقدير، حيث يتسع مجال النظر بين عشرات الأمم على اختلاف ~~ثقافتها، واختلاف تقاليد الثقافة فيها حسب ما يعرض لها من الأطوار الاجتماعية. # ومن الطبيعي أن يتفاوت التقدير بين أدباء الأجيال المتعاقبة، وأن يحدث هذا التفاوت طفرة ~~كما يحدث تدريجا، وأن يحدث في موضوع واحد من موضوعات الكتابة، كما يحدث في جملة هذه ~~الموضوعات. # ومن الطبيعي أن يتفاوت ميزان النقد بين المحكمين أنفسهم، ولو لم يتغيروا في الجيل أو ~~الجيلين، فإن تغيروا فالتفاوت مرتقب غير مستغرب، ولو كان من قبيل التفاوت في تطبيق القاعدة ~~الواحدة والمقياس الواحد حسب اختلاف الوسائل والأساليب في التطبيق والتعقيب. # ولا مناص من التفاوت مع التزام شرط غير الشروط الأدبية وغير شروط الإجادة والإتقان في ~~الكتابة؛ إذ يضطر المحكمون في هذه الأحوال إلى تفضيل الوسط الذي تجتمع له شروط الفن، وشروط ~~الأخلاق والمطالب الإنسانية على الراجح الممتاز الذي تعلو به كفة وتهبط به أخرى في الميزان ~~المشترك بين الفنون والأخلاق. # بل لا مناص من التفاوت مع توافر الشروط الفنية والإنسانية، إذا وجب في حساب المحكمين سنة ~~من السنين أن ترعى جانب أمة طال إهمالهم إياها، ثم أتيحت لها الفرصة النادرة لتقديم من ~~ترشحه في تلك السنة، ولا يتاح تكرار هذا الترشيح بعد فوات الأوان؛ فإن أديب هذه الأمة ~~قد يقدم على سواه لهذا الاعتبار، وإن لم يكن مقدما عليه بجودة الفن وسمو ~~الغاية. # وخير ما ينتظر ms036 من لجان الجوائز العالمية بين هذه الاعتبارات أن تضمن الحسن، ولا تدعي أنه ~~الأحسن في جميع الموازين، وحسبها من رضا الناس بحكمها أن يقال إنه هو الأحسن على قدر ~~الإمكان. # | الجوائز والأمم # كتب الأسقف جوتفريد بلنج تقريرا إلى رئيس لجنة المحكمين قبل منح الجائزة للسنة الثانية، ~~قال فيه: «إن الجائزة ينبغي حقا ألا تتخذ صبغة العمل السياسي، ولكنه من الحق الذي لا ~~نزاع فيه أيضا، ولا سبيل إلى اتقائه أنها قد نظر إليها فعلا، وسينظر إليها كأنها ذات ~~صبغة سياسية، وهذه نتيجة لا محيد عنها في عمل له هذه الصلات الدولية - العالمية - ومهما ~~تحاول اللجنة أن تبتعد عن صبغة العلاقات الدولية، فلا مناص من التعقيبات التي تخوض فيها ~~الصحافة من جميع الجوانب غير مستثنى منها الجوانب القومية.» # وقد أصاب الأسقف الحكيم، ووقع ما توقع منذ السنوات الأولى لتوزيع الجائزة إلى هذه السنوات ~~الأخيرة بعد زهاء ستين سنة من بداءة عملها، فنحن اليوم نراجع أسماء الفائزين بالجوائز في ~~أكثر المراجع التي تعنى بتدوين أخبارها وأخبار أمثالها، فنعلم من النظرة العابرة كم ~~نالها من أدباء هذه الأمة أو تلك بين الأمم الأوروبية والأمريكية، ونعلم من بعض الموسوعات ~~القومية نسبة الفائزين من بعض الأقوام إلى جملة الفائزين منهم جميعا دون أن نقصد من ذلك ~~تلميحا إلى شبهة المحاباة أو الإجحاف. # ولا يفوت القارئ أن يلحظ أن الأمم الإسكندنافية فاز منها عشرة أدباء، ولم تفز بمثل هذه ~~النسبة أمة من الأمم، سواء نظرنا إلى اللغة أو تعداد الأدباء والسكان، ولا يفوت القارئ أن ~~يلحظ أن ملة من الملل بلغت نسبتها أربعة أضعاف المعدل المفروض لها عند المقابلة بينها وبين ~~غيرها، وقد يحسن القارئ ظنه بنية اللجنة، فيعزو ذلك إلى المصادفة أو إلى حكم الظروف ~~العارضة، ولكن المسألة الباقية على اختلاف الظنون أن الجوائز العالمية كلها - من حيث المبدأ ~~- موضع نظر كثير ومناقشة طويلة، يمتد البحث فيها من إنكار كل فائدة للجوائز العالمية إلى ~~القول بقلة فائدتها وإمكان الاستغناء عنها، إلى الجزم بضررها وسوء عقباها ms037 في الأعمال الفنية ~~وفي العلاقات الدولية أو الإنسانية. # وسبيل الوصول إلى الرأي الراجح في هذه المناقشات أن نسأل عن الفائدة التي يعنيها طلابها، ~~ويحق لهم أن ينتظروها منها ومن كل عمل يماثلها؟ فما هي هذه الفائدة؟ وكيف يستطاع تحقيقها إن ~~لم تحققها الجوائز العالمية؟! # هل هي الإنصاف الذي تتفق عليه الآراء وتصطلح عليه جميع الموازين؟ # إن كان هناك خطأ فهو خطأ الناقد الذي ينتظر هذا الإنصاف من عمل حكم في الأدب والفن يتولاه ~~فرد واحد أو يتولاه جملة أفراد. # فليس هذا الإنصاف في استطاعة أحد، ولا هو من الأحكام التي يريدها من يشاء باختياره على ~~أحسن ما تكون النية، وأحسن ما يكون وزن المحاسن والعيوب، ويجوز أن يوكل كل هذا الإنصاف إلى ~~التاريخ يصححه ويعيد تصحيحه حتى ينتهي به إلى قراره الأخير، ولكنه بعد انتهائه إلى هذا ~~القرار يعرض له اختلاف الفهم واختلاف أسباب الثناء والانتقاد. # وإذا كنا نخطئ في انتظار الإنصاف المطلق من لجان التحكيم، فما هي الفائدة التي يجوز لنا ~~أن ننتظرها غير مخطئين؟! هل يجوز لنا أن ننتظر منها خلق الأعلام الموهوبين الذين يستحقون ~~الإجازة ويبلغون فيها مبلغ التقدير؟ # من البديهي أن الذين استحقوا الجوائز إنما استحقوها بعد أن بلغوا نهاية الطريق، ومنهم من ~~خطا وتقدم في خطوه مرحلة بعيدة إلى الشهرة العالمية قبل أن توجد الجائزة بأعوام، وإنما ~~كانت الجائزة بالنسبة إليهم علامة انتهاء، ولم تكن قط علامة ابتداء أو حض على الابتداء، ~~فإذا أفادت هذه الجائزة في خلق عبقرية أدبية فإنما تخلقها لأنها تستحثها على القدرة، ~~وتدفعها إلى النبوغ بدافع الأمل في مثل ذلك الجزاء. وقد تكون هذه الفائدة من الفوائد ~~المرجوة التي لا تبلغ مبلغ الاستحالة في المعهود من شئون الناس بين طلاب الأدب وطلاب النبوغ ~~ونباهة الشأن في شتى المساعي والأغراض. ولكننا نخطئ كذلك إذا انتظرنا منها أن تعطي الأمل ~~وتعطي القدرة على تحقيقه في وقت واحد، بل نخطئ إذا انتظرنا منها أن تعطي الأمل على ثقة ~~وبغير قيد ولا شرط كما يقال؛ ms038 فإن الجائزة نفسها مشروطة بشروطها التي لا يرضاها كل أديب ولو ~~قدر عليها، فغاية ما يستفيده الأديب إذا أحس القدرة على إتقان فنه أن يبتدئ على شيء من ~~الأمل لا يلقي عليه كل تعويله، ولا يستمد منه كل كفايته وصفوة ملكاته، وإنه لمبتدئ في طريقه ~~- لا محالة - بما في سليقته من البواعث التي لا تنتظر تحقيق الآمال. # هذه فائدة تذكر للجوائز على عمومها ، ولكنها إذا انحصرت فيها جدوى الجوائز لم تكد تكون ~~أهلا لما يبذل فيها من الجهد وما يدور حولها من الريب والشكوك، وما ينفق فيها من أوقات ~~المحكمين والنقاد والمعلقين. # فجوائز الأدب والفن في الأمم الأوروبية والأمريكية أكثر من أن يحيط بها الإحصاء، توزعها ~~الأكاديميات والجماعات الأدبية أو أصحاب الوصايا والتبرعات، ومنها ما يخصص للشعر، وما يخصص ~~للرواية والمسرح، وما يخصص للمقالات والدراسات، وقد تبلغ مئات الجنيهات بحساب الجنيه قبل ~~هبوط العملة في الزمن الأخير، وكل هذه الجوائز معروفة التاريخ يندر منها ما يرجع إلى ما قبل ~~القرن التاسع عشر الذي عرفت فيه أوقات ظهور الكتب ونشأة الكتاب، فدلت المقارنة بين ~~أعمال الفائزين بالجوائز قبل وجودها وبعد وجودها على أن الفرق بينها غير محسوس أو غير ذي ~~بال، ولم يثبت أن أديبا أفادته الجائزة فائدة لم تكن ميسورة له بغيرها، بل لم يثبت أنها ~~شملت بالموازنة والتشجيع طائفة الأدباء أجمعين؛ إذ كان الأكثرون منهم يحجمون عن التقدم ~~إلى المحكمين حذرا من التفضيل والاعتراف بقضائهم بعد الاحتكام إليهم، ومن اعترف بهذا ~~القضاء عاد فتمرد عليه، وجعل الخيبة بديلا من النجاح، يعلنه كأنه مفخرة من مفاخر التنويه ~~المعكوس، ولا ينسى القراء فكاهة الحرد والنقمة التي أعلن بها الفيلوسف شوبنهور فخره بها ~~والخيبة بعد تجربتها أيام الشباب؛ فإنه نشر رسالة في الأخلاق وكتب على غلافها (إنها لم ~~تصادف قبولا من الجامعة) التي سماها، وكانت في الحق شهادة له على المحكمين وعلى الجائزة ~~سقطت بها قيمتها وصرفت عنها المتنافسين عليها. # فلا نزاع في عجز هذه الجوائز عامة عن خلق العبقريات، وليس هناك ms039 كبير نزاع في قلة جدواها ~~على العبقري الذي يقنع منها بشحذ الهمة واختصار الطريق. # أما الفائدة التي ثبتت لهذه الجوائز بغير نزاع، فهي فائدة الترويج ولفت الأنظار إلى الأثر ~~الذي تأتيه الشهادة من الهيئات العالمية، وهي ولا ريب خليقة أن تشهد لما يستحق الشهادة ~~بحسنة من الحسنات إن لم يكن مستحقا لها بأفضل الحسنات، وقد يكون في جملة شهاداتها ~~المتعاقبة دليل على معالم الطريق في تطور الآداب من حقبة إلى حقبة، ومن ميدان إلى ميدان، ~~وقد تبينت هذه الفائدة المحققة - فائدة الترويج ولفت الأنظار - في أعمال المغمورين أو أصحاب ~~الشهرة المحدودة، كما تبينت في أعمال المشهورين أصحاب الصيت الذائع بين جوانب العالم ~~المعمور. ومنهم من ظهرت لمؤلفاته طبعات منسوقة على نسق جديد بعد الإعراض عنها واستنفاد ~~الثناء عليها لكثرة الترداد وآفة السآمة مما يتواتر الثناء عليه. # وأحسن ما في هذه الجوائز العالمية - بعد - أن اتصالها بالدولة في أية أمة، وعلى أي نوع ~~من أنواع الحكم لا يخولها السيطرة على أقلام الأدباء فيما وراء بلادها، وقد يجعلها أحيانا ~~تابعة لاتجاه الرأي العام إذا سمح لها أن تقف منه موقف التوجيه البعيد بين آونة وأخرى، ولا ~~خطر منها على أية حال كالخطر الذي يخشى من جائزة تتحكم فيها سيطرة الحاكم المستبد؛ فإنها ~~في هذه الحالة تضيف قيود الإغراء إلى قيود الطغيان، وتموه بطلاء الذهب سلاسل ~~الحديد. # | الإسبان المختارون # يقول الأستاذ آندرز أوسترلنج # Anders Osterling # أحد أعضاء ~~اللجنة في الفصل الذي كتبه عن جوائز الأدب من كتاب (نوبل - الرجل وجوائزه): # لو أن أحدا أراد بعد النظر في أسماء المختارين للجائزة أن يتتبع نموذجا للتطور ~~في الأدب العالمي خلال نصف القرن الماضي؛ لكان من العسير أن يجد أمامه نسقا ~~مطردا للحركات الأدبية، وهو أمر لا يعود إلى غياب الأقطاب البارزين من أعلام ~~الأدب وحسب، بل يعود كذلك إلى فقدان هذا النسق في الحركات الأدبية على المثال الذي ~~تتبعه في آثار البحوث العلمية. # وهذا صحيح فيما يقال عن الآداب العالمية على إطلاقها؛ فليس هناك اطراد ms040 على نسق واحد في ~~آداب الأمم، ولا في الخطة التي اتبعتها لجنة الجوائز عاما بعد عام لاختيار الموضوعات أو ~~اختيار الممتازين في كتابة تلك الموضوعات، ولكننا ننتقل من الآفاق الواسعة التي تحيط ~~بالآداب العالمية إلى آداب الأمم التي تكرر اختيار الممتازين من أدبائها، فلا يعسر علينا أن ~~نرى هنالك معالم النسق المطرد الذي نبحث عنه في آفاق الآداب العالمية فلا نراه؛ إذ يكفي ~~أن نسرد أسماء الفئة التي أصابها الاختيار من أدباء فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا أو أمريكا ~~أو إسبانيا لنعلم على الأثر أن «تصنيف» أولئك الأدباء من كل أمة لم يكن من باب المصادفة، ~~ولم يأت عفوا بغير نظر إلى جوانب الثقافة ومظاهر تمثيلها في تلك الأمة. وحسبنا على سبيل ~~المثال أن نلم بالنماذج الأربعة التي تم اختيارها من أدباء اللغة الإسبانية - لغة ~~خيمنيز موضوع هذا الكتاب - لنرى في الحق أنها نماذج ممثلة لجوانب أدبها في جوهره، وليست ~~مجرد حالات فردية متفرقة لم يفكر من جمع بعضها إلى بعض على هذه الصورة في المقابلة بينها ~~والنظر إلى فوارقها ومتشابهاتها، وإلى الصورة التامة التي تؤلفها في جملتها. # فقد اختارت اللجنة أربعة من الإسبان بين سنة 1904 وسنة 1956، كأنها اختارتهم في أربع ~~سنوات متوالية لا تفرق بينها فجوة من السنين تزيد في مجموعها على الخمسين. # اختارت في سنة 1904 جوزي أشيجاري، ثم اختارت بعد نحو عشرين سنة نظيره ونقيضه (جاسنتو ~~بينافنتي)، وهما إسبانيان من الأمة الأصيلة بالقارة الأوروبية، ثم نظرت بعد أكثر من عشرين ~~سنة إلى الضفة الأخرى من عالم اللغة الإسبانية، فاختارت أديبة من أمريكا الجنوبية هي ~~جابرييلا مسترال، وعادت بعد إحدى عشرة سنة، فاختارت الشاعر خيمنيز المولود في إسبانيا ~~والمقيم بجزيرة (بويرتريكو) في بحار أمريكا الوسطى، وكل من هؤلاء الأربعة يمثل جانبا من ~~جوانب العبقرية الإسبانية لا يمثله سائرهم، وهم جميعا يبرزون هذه العبقرية على أتمها، ولا ~~ننسى منها نهضتها النسوية. # إن روح العبقرية الإسبانية لم تتجل قديما وحديثا في فن من فنون الأدب كما تجلت في ~~المسرح ms041 والأغنية؛ فقد كان المسرح مرآتها التي تنظر فيها إلى أركان قوامها الاجتماعي من ~~الكنيسة والقلعة والضيعة، أو مروج الريف بين غناه وفقره واتساعه وضيقه، فعلى جذور الدين ~~تفرعت موسيقاها وتراتيلها وأنباء قديسيها وأبطالها، وما تداولته من كرامات الأولياء ~~والشهداء، أو مفاخر الأبطال والعظماء، وتألف منه ذلك النسيج الديني والدنيوي الذي يتقارب ~~فيه الفارس المجاهد والقديس المتبتل، ويؤمن به الصالحون ولا يكفر به العصاة، ولو جرت على ~~ألسنتهم فلتات النقمة والتجديف. # وفي الأغنية يودع الشاعر ابتهاله إلى عالم الغيب والإيمان، وابتهاله إلى عالم الحس ~~والعاطفة: قريب من قريب في لغة الفن وفي لغة الحياة، وقريب من قريب في هيام المؤمن ~~بالمعبود، أو هيام العاشق بالمحبوب. # وقد بلغ ارتقاء الفنين أوجه في القرون الوسطى من أثر الثقافة العربية وأثر اليقظة ~~القومية، وتمثلت عبقرية القصة والمسرح في أكبر أعلامها الخالدين أمثال: سرفانيتز، ولوب دي ~~ڨيجا، وكلدرون. فتدفقوا بالفيض الزاخر من ألوان الرواية والملحمة كأنهم الظواهر الطبيعية ~~التي تعطي من أعماق ينابيعها عطاء السيل الأتي والبحر المائج، ولا تتأتى به مع قيود ~~الفن أناة الحوض والساقية، وتشابهت ملكات هؤلاء الأفذاذ وظواهر الطبيعة في نضجها ~~وخشونتها، فلم يعوزها نضج الخامات الصالحة للبناء والتعمير، ولم تفارقها كذلك خشونتها التي ~~تنتظر الصقل ولا بساطتها التي تنتظر التسوية والتنسيق. # أما الأغنية فهي الفن الشائع الذي لا تنفد ذخيرته بين سواد الأمة ولا بين الملأ من العلية ~~والسادة، إذ يكاد كل فتى أن يشعر بفريضة العرف على فتوته وصباه، وأولها الغناء تحت نافذة ~~الحبيبة والترتيل في مجامع الصلاة، ولا يخلو عصر متقدم أو متأخر من غناء يستطيبه أبناؤه ~~وبناته، ولكنهم قد يرتضون الشائع المحفوظ في عصور النكسة والجمود، ويتطلعون إلى المبتكر ~~المتجدد في عصور النهضة والطموح. # وبعد ثلاثة قرون غبرت على الأمة الإسبانية في سبات القرون الوسطى، تنبهت شيئا فشيئا على ~~أصداء العالمين القديم والحديث بعد الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية، فلاحت فيها ~~تباشير البعث والإحياء قبيل ختام القرن التاسع عشر، وأدركت ركب الحضارة بعد ذلك في إبان ~~الحركة الجياشة ms042 التي شغلت أمم الغرب بين مقدمات الحرب العالمية الأولى ومعقباتها التي ~~تلاحقت إلى أيام الحرب العالمية الثانية، وحدثت في هذه الأثناء ثورتها الأهلية التي تمثل في ~~جانبيها المتنازعين كلا المعسكرين المتقابلين في العالم الإنساني: معسكر الديمقراطية الحرة، ~~ومعسكر الحكم المطلق بصورته الإسبانية. وقلما أخذ الإسبان في تاريخهم العريق صورة من صور ~~الحكم، فلم تصطبغ عندهم بصبغتها القومية التي تميزها من جاراتها في القارتين. # في إبان عصر البعث والإحياء نبغ المهندس الرياضي الشاعر الأديب (جوزي أشيجاري)، فتحول إلى ~~الأدب بمفاجأة من تلك المفاجآت العجيبة التي تلازم أطوار النوابغ ذوي الشخصيات النادرة في ~~أعقاب القرون الوسطى، وألف للمسرح وهو يناهز الأربعين، فتدفقت الدرامات من قلمه على تلك ~~الوتيرة التقليدية التي عرف بها أسلافه سرفانتيز ودي ڨيجا وكلدرون، وامتلأت دراماته ~~بالعجيج الصاخب والحركة المتداركة على غير مهل، وعجز المسرح عن ملاحقة التأليف بالتمثيل، ~~فاكتفى منها بما تيسر له إبرازه وإخراجه وهو في طبقة المنسي المغمور. # كان مسرح أشيجاري هو مسرح كلدرون يعود إلى الحياة في أزياء القرن التاسع عشر، فلما استوفى ~~حظه من الذكرى ومن البعث الجديد، جاء بعد أشيجاري نده الذي يضارعه في قوام المردة، ودفعة ~~العمل، وغزارة المحصول. واستطاع هذا الند الحديث - جاسنتو بينافنتي - أن يملأ الفراغ الذي ~~تركه سلفه القريب، ولما يكد يتوارى وراء الستار، ولكنه ملأه بمحصول غير ذلك المحصول، ~~وعلى أسلوب غير ذلك الأسلوب. ~~••• # كان فن أشيجاري كافيا لإحياء التراث الغابر، وإشباع رواد المسرح قبل انتقال المشكلات ~~العصرية إلى ساحة المجتمع الإسباني مع طوارئ الحرب العظمى وأزمات المصنع والمزرعة ومضانك ~~التموين والتمويل، فلما انتقلت إليها تلك المشكلات من وراء حدودها غلبت على مسرح الفن كما ~~غلبت على مسرح الحياة، ولم يفتقد طلاب الفن ضجة الفروسية وصخب المفاجآت التي تخلقها ~~«الملودرامة» من نسج الخيال وافتعال الحوادث؛ لأن مشكلات الصناعة والعمل، وكفاح الطبقات ~~ونوبات النفوس المشدودة بين بقايا الماضي وبوادر الحاضر، قد شغلت الأذهان بما هو أملأ لها ~~من القوارع المولية والشواغل المدبرة على مثال قوارع المسرح وشواغله أيام كلدرون، ms043 وأيام ~~أشيجاري خليفته في ثوبه الحديث! # وإلى هذا العهد - عهد «الملودرامة» والأغنية التي تعيش إلى جانبها - كان العرف المسلم ~~به بين قادة الفكر، والذوق أن (خط نصف النهار) في عالم اللغة الإسبانية يمر بمدريد، ولا ~~يتحول عنها مع الذين تحولوا عن أرض الوطن الأصيل إلى أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية. فلما ~~نهضت تلك الجاليات الأمريكية بأعبائها في العالم الجديد نبتت لها مشاكلها، وجاشت معها ~~بواعثها، وظهرت فيها مدارس الأدب المستقلة جنبا إلى جنب مع مدارس التقليد والمحافظة على ~~التراث الموروث، وأبى الإسباني النازح إلى عالمه الجديد أن يسلم لقرينه في الوطن بأصالة ~~أصدق من أصالته، وغيرة أعمق من غيرته، وقدرة أوثق من قدرته على النهوض بأمانته القومية ~~ورسالته الفنية، بل كاد الإسبان المقيمون أن يستروحوا أنفاس الحياة الجديدة في لغتهم، ~~وأنفاس الحرية في دعوتهم الاجتماعية من ناحية إخوتهم الذاهبين مع الشمس وراء البحر الأطلسي، ~~فاستمعوا لغنائهم واستجابوا لهتافهم. ولو قام في الغرب الإسباني مسرحه الذي يقابل مسرح ~~كلدرون وأشيجاري لا تنقل إليه «خط الزوال» الذي علقه أبناء الوطن الأصيل بمدريد، ولكن ~~المسرح الإسباني على ما يظهر نبات تسري جذوره في أرض الوطن ولا تهجره مع المهاجرين من ~~أبنائه، فراحت الأغنية وحدها تسري بين الوطن القديم والوطن الجديد سريان الطير المهاجر بين ~~العدوتين، وانتقل المغني والأغنية معا في طريق هذه الهجرة بعد الحرب الأهلية، فطاب هذا ~~الاغتراب لأكثر من شاعر لا يطيق الوطن الأصيل، أو لا يطاق فيه. # وفي أمريكا الإسبانية ترددت الأغنية التي تعبر عن العبقرية الإسبانية في هذا الجو ~~العالمي الفسيح، الذي لا يستوعبه التراث القديم، ولا يأبى الانطلاق مع دواعي الاستقلال، ~~والمباراة في المجال العالمي حيثما اتصل بالغرب والشرق في الأمريكتين أو في القارة ~~الأوروبية، وربما ترامت به الصلات العالمية إلى أطراف الصين وجزر البحار الشرقية حيث بقيت ~~للغة الإسبانية بقية حية من عهود الكشف والاستعمار. # وأبلغ ما يكون الشعر تمثيلا لهذه الطلاقة العالمية؛ إذ تنشده امرأة باللغة التي لم ~~يتعود أبناؤها أن يستمعوا صوتا للمرأة من صفحات كتاب. ms044 فلم يكن عجبا أن يشتهر النساء ~~الشاعرات، ويبلغن من الشهرة ما لم يبلغه أندادهن الشاعرون، ولم يمض غير قليل على ظهور ~~الباكورة الأولى من الشواعر الإسبانيات في أمريكا الجنوبية، حتى كانت أكبرهن وأنبغهن - ~~جابرييلا مسترال - أشهر أعلام الأدب وأحبهن غناء إلى قراء لغتها، وقد نشأت في «شيلي» ~~ولكنها لم تلبث بعد ذيوع ديوانها الأول أن نسبتها قرابة الأدب واللسان إلى كل أمة من أمم ~~أمريكا اللاتينية، فدعاها المكسيكيون إلى زيارة بلادهم، ودعتها جامعة (بويرتريكو) للمحاضرة ~~فيها وإلقاء أناشيدها على أسماع طلابها وطالباتها، وأتاحت لها الرحلة الطويلة خارج بلادها ~~أن تمثل عبقرية قومها في أوسع آفاقها، وأن تحس ما حولها من مشكلات العصر الحديث في كل مجتمع ~~تعيش فيه أو تسمع أخباره، فأصبحت بحق لسانا ناطقا بلواعج النفس الإسبانية كما ينبغي أن ~~يهتف بها هاتف الشعر في القرن العشرين. وقد كانت جابرييلا - واسمها الأصيل لوسيلا - تقارب ~~الستين حين خصتها لجنة نوبل بجائزتها عند نهاية الحرب العالمية الثانية (سنة 1945)، ~~وكان اسمها وأغانيها يومئذ على كل لسان يترنم بلغة الإسبان. # وفي (بويرتريكو) التي نضجت فيها عبقرية الشاعرة بعد الأربعين ثبت (خط نصف النهار) حتى ~~استمع العالم الإسباني منها إلى صوت شاعره الجديد، الذي كتب له أن يمثل العبقرية الإسبانية ~~بعد غاشية الثورة السياسية والحرب الأهلية؛ إذ كان لا بد لها أن تثوب - ولو في جانب من ~~جوانبها - إلى فترة من فترات العبرة والتأمل أو من فترات التعب والسكون، وفي أمثال هذه ~~الفترات تحن النفوس حنين السآمة والانقباض من معارك الصراع ودوافع اللجاجة والنزاع، فينجم ~~بينها من هنا وهناك من يهيب بها تارة أن ترجع إلى الله، أو ترجع إلى أحضان الطبيعة، أو ترجع ~~إلى بساطة الفطرة وسلامة الطفولة، وكذلك حدث في المغرب يوم سئم الناس قوارع الحروب ~~والغارات بعد القرون الوسطى فتنادوا بالعودة إلى الدين، ويوم سئموا قوارع الثورات الصناعية ~~فتنادوا بالعودة إلى الطبيعية، ويوم سئموا أخيرا هذه النوازع المذهبية، وهذه الضلالة وراء ~~الأهداف الكاذبة، فراحوا يتنادون ما استطاعوا إلى تقشف الزهد أو ms045 وداعة الطفولة أو براءة ~~الأمن والسلام في ظلال الريف. # فقد اختلطت في العالم الإسباني مذاهب الأدب ومذاهب الدعوات الثورية بين الحربين ~~العالميتين وتباعدت الشقة بين أطراف المذاهب، كما يحدث دائما لكل مجتمع محافظ عريق ~~التقاليد والموروثات يصطدم فجاءة بقضايا العصر الجديد على نطاق واسع يمتد بين قارات ~~العالمين القديم والجديد، فبرزت في اللغة الإسبانية دعوات المحافظين الذين لا يترخصون في ~~نزع حجر واحد من بنائهم التالد المجلل بقداسة الدين والتاريخ، وقابلت فيه دعوات الهدم ~~التي لا تريد أن تبقي على حجر واحد من ذلك البناء ولا من سواه. ومضت فترة ما بين الحربين ~~في تجربة الثورات من كل طرف وتجربة الخيبة بعد كل ثورة، فرانت على النفوس فترة من الملل ~~والحيرة توحي الشك في كل دعوة وفي كل داع وتزعزع الثقة بالنيات، كما تزعزع الثقة بالأعمال ~~والأقوال، وغلب على أصحاب المزاج الوادع الطيب من الفنانين والشعراء حب النجاة من غوائل هذه ~~الفتن إلى الملاذ الأمين من حياة البساطة، حيث تكون بساطة الإنسان الفطري، وبساطة الطفل ~~البريء، وبساطة المحبة الصافية التي تشع بها أغاني الرعاة ونجوى الريفيين والريفيات. ولم ~~يبرز هذا الملاذ الأمين صوتا أعذب ولا أصدق ولا أقرب إلى الرضا بالأمل والغبطة بالحنين من ~~صوت خيمنيز شاعر اللغة الإسبانية الذي ولد في أرض الوطن، وهاجر إلى الغرب فاستقر زمنا، ~~حيث يتوسط العالم الإسباني، وحيث أوشك «نصف النهار» في ذلك العالم أن ينقل خطه الأخير إلى ~~هناك، متصلا بين أدب المرأة الإسبانية والأدب الريفي المشوق إلى ظلال الريف. # وفي هذه الفترة ينظر نقاد السويد الباحثون عن ضالتهم «الإنسانية» بين مشتجر المذاهب ~~والدعوات، فلا يجدون لها مثالا أوفى بالشرط المطلوب من هذا المثال؛ لأنه أقربها جميعا إلى ~~حظيرة السلام والأمل، ولأنه الجهة الرابعة في هيكل العبقرية الإسبانية قد تمت عندها جهاته ~~الأربع: جهة المسرح الموروث، وجهة المسرح المتجدد، وهاتان - بعد - جهة الغناء من صميم ~~المجتمع، وجهة الغناء من صميم الريف. # إن خيمنيز يتقن الفن وهو يدعو إلى الطبيعة، وينتمي إلى الوطن الأصيل ms046 وهو ينتقل إلى وطن ~~الهجرة، ويتصل بالحاضر وهو لا ينقطع عن التاريخ، فهو عنوان لا يتخطاه القارئ الذي يعرض ~~أمامه أدب قومه، ولن يعرضه أمامه إلا رأى مكانه ثمة خاليا بعد أشيجاري وبينافنتي ~~وجابرييلا مسترال. # ونحسب أن الناقد الأدبي كيفما كان لا يملك أن يغفل عن جوانب النظر في أدب الأمة الواحدة ~~ليستوفي تمثيلها وإنصاف ممثليها كلما التفت إليها، فإذا كانت اللجنة السويدية لا تملك أن ~~تستوفي هذا التمثيل في أدب العالم الإسباني كله، فهي مسوقة إلى استيفاء تمثيل الأدب في كل ~~أمة على حدة حين تراجع السابقين واللاحقين من مرشحيها للجائزة، فلا تكرر نفسها في تزكية ~~مذهب واحد، ثم تهمل غيره، وهو معروض لها موافق لشرطها، ونحسب أن شأن الآداب السكسونية عندها ~~كشأن الأدب اللاتيني في هذه الخصلة؛ فإن قائمتها الإنجليزية - مثلا - تشمل: الشاعر، ~~والفيلسوف، والقصاص، وشاعر الدولة، وشاعر الجزيرة المستقلة، وناظم الشخوص الاجتماعية، وناظم ~~الشخوص الفنية. وقائمتها الأمريكية تشمل: أديب الشمال، وأديب الجنوب، وأديب المسرح والدرام، ~~وأديب القصة والمقال، كما تشمل الكاتب والكاتبة، ومن يختار بيئته في دياره، ومن يختارها من ~~ديار المشرق الأقصى في اليابان والصين، ويقال مثل هذا عن أدباء الألمان والسكندنافيين، كما ~~يقال عن أدباء الفرنسيين والطليان، وهكذا تئول الشروط العالمية في منح الجوائز إلى تمييز ~~«القوميات» بأجزائها وجوانبها على قصد لا مناص منه، ولعلها لا تحقق صفة «العالمية» في ~~تقديرها إلا بما تحاوله من الموازنة العامة بين القوميات التي تعنيها، حسبما تراءى لها من ~~أسباب العناية. # | الأدب الإسباني في وطنين # عرفت أسبانيا ظاهرتين كبيرتين من ظواهر الأدب في وطنه الأصيل وفي وطن الهجرة، وهو أمر ~~نادر في تواريخ الآداب لعله لم يعرف على هذا النحو في غير البلاد الإسبانية. # إحدى هاتين الظاهرتين نعرفها نحن أبناء اللغة العربية لأنها تشمل آداب هذه اللغة في ~~المغرب، ويحسبها بعض النقاد والمؤرخين شطرا من شطرين متعادلين يسمى أحدهما أدب المغرب، ~~ويسمى الآخر أدب المشرق، وقد يقصدون بذلك إلى المقابلة بينهما في القيمة والغزارة، ولا ~~يقصرون على تقسيم الموقع ms047 والمدة الزمنية. # أما الظاهرة الأخرى فهي هذه الظاهرة الحديثة، التي أصبحت أسبانيا فيها موطن الأدب الأصيل ~~بعد انتقال المهاجرين منها إلى أوطانهم المختارة في أقطار أمريكا الوسطى وأمريكا ~~الجنوبية. # والمقابلة بين الظاهرتين تسفر عن تشابه قريب بين آثار الهجرة في الأدب العربي المنتقل ~~إلى الأندلس، وآثار الهجرة في الأدب الأندلسي المنتقل إلى البلاد الأمريكية. # فالشعور بالانفصال من أصل عريق يحدث في نفوس الجاليات المنتقلة منه أثرين متلازمين يخيل ~~إلينا عند النظرة الأولى أنهما متناقضان أو متعارضان، وإنما هما شيء واحد يستقبله النظر من ~~ناحيتين. # إن أثر الشعور بالانفصال أن تختلف عوامل البيئة حتما واضطرارا، سواء أراد المنفصلون ذلك ~~الاختلاف أم لم يريدوا، ولكنهم كلما اختلفوا زاد بهم الحنين إلى موطنهم الأصيل، والاعتزاز ~~بماضيهم البعيد، وقد يبالغون في ذلك مبالغة المشفق من الضياع بين مصير الأدعياء الذين يقال ~~عنهم إنهم تركوا أصولهم وتركتهم، ومصير اللصقاء الذين ينزلون بين قوم يرفضونهم ولا يرحبون ~~بانتسابهم إليهم. # فالجاليات تنطلق من قيود العادات والتقاليد التي فارقتها، ولا تلبث أن ترى أنها تغيرت ~~باختيارها، وعلى الرغم منها وأنها تستريح إلى هذا التغير أحيانا وتتبرم به أحيانا أخرى، ~~ولكنها لا تنسى أصولها، ولا تزال تناظرها من بعيد مناظرة الند للند، والشريك للشريك، وتود ~~لو أنها سبقتها في صيانة النسب، وزادت عليها بالنسب المكتسب، فلا يقال عنها إنها فرع منقطع ~~عن أرومتها، بل يقال عنها إنها جذور الشجرة نبتت في التربة الجديدة، فجادت بالثمرة التي لا ~~تجود بها في تربتها. ~~••• # والذي حدث بعد انتقال الأدب العربي إلى وطن الهجرة في الأندلس أنه تأثر وأثر، وأن أثر ~~الانتقال إلى أحوال المعيشة في الوطن الجديد ملحوظ في شعره ونثره وفي مبناه ومعناه. # فالأسلوب العربي - الأندلسي - أسهل وأبسط وأقرب إلى الترخص والسلاسة، كأنه وسط بين ~~اللغة الفصيحة ولغة المعيشة اليومية؛ فإن الناطق بالعربية تعود بين المتكلمين بها من ~~الغرباء عنها أن يقيس لغته إلى لغتهم، فلا يحس بالإسفاف والخطأ بالقياس إليهم، ولا يزال يرى ~~في لهجته الشائعة أنها أفصح وأقوم من ms048 لهجاتهم، وأن لهجته الشائعة على إسفافها لا تزال ~~مطلبا رفيعا فيما يحاوله الأعاجم من حكايتها وفهمها. # وقد سرت السهولة إلى أنماط البلاغة ومعانيها، فأصبح العربي والأندلسي أقرب إلى التصرف ~~وإلى مجاراة أحوال المعيشة في وطن الهجرة، ولعل المسألة هنا مسألة استطاعة، لا مسألة ~~روية ومشيئة؛ فإن المنقطع عن وطنه القديم لا يستطيع أن يحافظ على أحواله وأطوار ~~معيشته، كما يستطيع ذلك أهلوه الذين يصبحون ويمسون بين تلك الأحوال والأطوار ، ولا يتكلفون ~~جهدا ولا حركة في المحافظة عليها. # وقد ظهر أثر البيئة الطبيعية وأثر الحياة الاجتماعية معا في أعز الفنون على السليقة ~~العربية وهو الشعر؛ فكثر فيه وصف البساتين والرياض وذكر الجداول والأنهار، وتوسع الشعراء في ~~تعديد القوافي الذي بدأ في المشرق بالتسميط والازدواج، ولم يتوسع المشرقيون فيه لقلة الحاجة ~~بينهم إلى الغناء المشترك والإيقاع على حركات الرقص في الحلقات الجامعة التي يشترك فيها ~~المنشدون والمنشدات، فلم يترك الشاعر العربي الأندلسي قافيته التي انفردت بها القصيدة ~~العربية، بل احتال على التوفيق بينها وبين تنويع الأدوار للمنشدين والمنشدات بالإكثار من ~~مواضع القافية وتوزيعها على حسب مواضع الإعادة والترديد. # ووضح الفرق بين المحافظة ومجاراة البيئة والوقت في موضوعات الفكر والعلم، كما وضح في ~~موضوعات الفن والأدب، فلم يعتصم ابن رشد - فيلسوف الأندلس الأكبر - باستقلال المحافظة أمام ~~الحكمة اليونانية، ولم يحاول أن يلحقها على وجه من الوجوه بالحكمة المشرقية، بل كاد يكون في ~~شرحه لفلسفة أرسطو ودفاعه عنها أشد حرصا على آراء الفيلسوف من الأوروبيين ورثة الثقافة ~~اليونانية، ولعله كان حريا أن يعتدل في الدفاع عنها لو أنه أخذها من الغرب وتلقاها من ~~مصادرها الأوروبية، ولكنه دافع عنها دفاع من يعلم أنها بضاعته جاء بها إلى الغرب، كما جاء ~~إليه بثقافته العربية، فلم يشعر قبلها بعصبية الغربة والغرابة، التي تنبه في الذهن نزعة ~~المقاومة والاعتراض، بل رأى المقاومة لها والاعتراض عليها من الغرب نفسه قبل أن يراهما من ~~أبناء قومه، فلم يقف منها موقف زملائه المشرقيين، ولم يقابلها بالمحافظة أو ~~بالنفور. # أما الأصول المقدسة ms049 في الوطن المهاجر فهي السند الدائم الذي يركن إليه النازحون من ~~ديارهم إلى ديار الهجرة، وهي الذخيرة المضنون بها على التفريط والنسيان؛ لأن التفريط فيها ~~أو نسيانها يسلك المهاجر الغريب مسلك الطريد المنبوذ من منبته، ولا يبلغ به أن يعد من ~~الأصلاء المعرقين في بلاد الغربة التي استقر فيها، وقصاراه أن يكون في هذه البلاد دخيلا ~~غاصبا يحتمي بالقوة أو ينطوي في غمار مجهول. # وآية الآيات على أن الملاذ الروحي هو وطن الأمة قبل الإقليم الجغرافي والتربة الأرضية أن ~~حرص المهاجر على الأصول يتلخص في تراث الروح والعاطفة، ويشتد غاية اشتداده في هذه الأمور، ~~ولا يبلغ مثل هذه الشدة يوما في الشئون المحلية وما يمكن أن يسمى بشئون الإقليم ~~والمناخ. # وتلك هي الأصول التي صينت من الضياع في دار الهجرة العربية الأندلسية، فلم يكن وطن من ~~الأوطان الشرقية أشد حرصا على عقائد الدين وأقوى غيرة على التراث الروحي من العرب ~~الأندلسيين. # ولا يتبين ذلك من عمل الفرد، ولا من تشدده أو تسامحه في مسائل التحريم والتحليل، فربما ~~كان الفرد الأندلسي أطوع لهواه وأسلس لغواية المتعة والطرب من أخيه في الموطن الأصيل، وإنما ~~تتبين صيانة الأصول في العرف الاجتماعي، وفي الآداب العامة التي يتمثل بها قوام «الروح ~~الوطنية»، وتتراءى فيها ملكة المحافظة على البقاء. # وأظهر علامات هذه المحافظة أن الأندلس لم تنتشر فيها بدعة من بدع المذاهب المتطرفة أو ~~المنحرفة التي شاعت في بلاد المشرق وفي صميم البلاد العربية، فلم يزد عدد القائلين بهذه ~~المذاهب على أفراد متفرقين يفهمونها لأنفسهم ولا يشيعونها بين جيرانهم، ولم تتجمع من ~~أتباعها والقائلين بها طوائف كثيرة أو قليلة تحسب في عداد الفرق التي جاوزت السبعين فيما ~~يقال بين أبناء البلاد الشرقية، وإنما تجمعت في المغرب من الأندلس إلى أفريقية الشمالية ~~طوائف الموحدين والمرابطين ومن إليهم من الغلاة المتنطسين الذين استكثروا حرية الغزالي ~~الفكرية، وهو في المشرق حرب على أدعياء الحرية في الدين. # وأصيب فلاسفة المغرب بما لم يصب به غير القليل من زملائهم المشرقيين، وكان ms050 للسياسة عملها ~~فيما أصاب هؤلاء وهؤلاء، كما يحدث لكل حركة فكرية على اختلاف الأمم والأديان، ولكن أعداء ~~الفلاسفة بين أمراء المغرب لم تعوزهم الذرائع التي يسوغون بها اضطهادهم ومصادرتهم، كما ~~أعوزت الكثيرين من أمراء المشرق في حملاتهم على أصحاب المذاهب والبدع من الفقهاء، أو من ~~المعتزلة والمتصوفة والمتكلمين وأبناء الطريق، فما كان في وسع هؤلاء الأمراء المشرقيين أن ~~يخلقوا ذرائعهم لاضطهاد مخالفيهم في كل يوم، ولا في كل مناسبة ، وإنما كانت مناسبتهم الغالبة ~~لتسويغ تلك الحملات فرصة من فرص الفتنة السياسية أو فرص التمرد والانقلاب، ويصعب عليهم ~~فيما عدا ذلك أن يخلقوا ذرائع الاضطهاد لكثرة المذاهب والفرق، وصعوبة جمعها في زمرة دينية ~~تجيز لولي الأمر أن يعاملها معاملة الخارجين على الدين. # ومما يلاحظ على مذاهب التصوف التي نشأت بالأندلس أنها لم تنشر كتابا واحدا من مراجعها ~~الكبيرة في ربوع المغرب، وأن الصوفي الأكبر من أبناء المغرب - محيي الدين بن عربي - هجر ~~المغرب إلى المشرق، وعلم أكثر تلاميذه بين الحواضر الشرقية، ولم ينتشر له في غير هذه ~~الحواضر أتباع أو مفسرون. # وأحق من ذلك بالملاحظة في هذا الباب أن مذاهب أهل السنة أنفسهم لم تنتشر بين مسلمي المغرب ~~كانتشارها بين مسلمي المشرق من تخوم الهند إلى تخوم وادي النيل، ولما اختار المغاربة مذهبهم ~~بين مذاهب السنة الأربعة وقع اختيارهم الأول على مذهب أهل المدينة - مدينة الرسول - كما سمي ~~المذهب المالكي عند قيام الإمام مالك بن أنس بتدريسه إلى جوار قبر الرسول، وكان من فضائل ~~هذا المذهب عندهم أنه أقرب المذاهب مأخذا من السلف، وأكثرهم رواية عن بقية الصحابة في ~~مدينة الرسول. وقد تمذهب به الخليفة عبد الرحمن الثاني على يد يحيى بن يحيى الملقب بحكيم ~~الأندلس، وهو على مثال أستاذه الإمام مالك في المحافظة على سنن السلف والاعتماد على الكتاب ~~والحديث، وقد قيل إن العصبية الأموية كان لها أثرها في الإعراض عن مذاهب الشيعة في المغرب، ~~إلا من كان من المغاربة ثائرا على الأمويين، فإنه أقبل على الدعوة الفاطمية، وناصر ~~خلفاءها ms051 وخرج باختياره على سلطان الأمويين، ولكن انتشار المذهب المالكي في المغرب لا ~~يفسر بسبب آخر غير حب المحافظة على سنن السلف، وحب التبرك بالأثر المنقول عن مدينة ~~الرسول؛ فقد كان الإمام مالك مواليا لآل علي، ولم يكن له ولاء معروف للدولة العباسية في ~~المشرق، ولا للدولة الأموية في المغرب. وقد تتلمذ له - مع هذا - خليفتان عباسيان وهما: ~~الأمين والمأمون، ودخل في مذهبه خلفاء بني أمية المحاربين للعلويين. # وقد ظهر في المغرب مذهب من مذاهب السنة كان له دعاته السابقون في المشرق، وهو المذهب ~~الظاهري الذي تولى إمامته بالمغرب الفقيه الحكيم ابن حزم صاحب الدراسات الواسعة في ~~الملل والنحل، ومذاهب السنة والشيعة، وسائر المذاهب الإسلامية وغير الإسلامية، ولكنه ~~لما اختار له مذهبا يعلمه ويدافع عنه لم يرتض له سندا يقيم عليه مذهبه غير الأخذ ~~بظاهر النصوص من آيات القرآن وأحاديث النبي عليه السلام، ولم يشأ أن «يتفلسف» في أمور ~~الدين، وهو أعرف أبناء عصره بأقوال الفلاسفة والفقهاء. ~~••• # ويلي العقائد والشعائر في حرماتها المقدسة عند النازلين بديار الهجرة حرمة اللغة وحرمة ~~الأدب، الذي يحسب الفخر به فخرا بلغة الضاد والناطقين بالضاد، بين من لا ينطقون بها من ~~أبناء اللغات. # وتكاد نزعات المحافظة جميعا تبدو للناظر في كتب الأندلس من صفحاتها الأولى؛ إذ لا تخلو ~~هذه الصفحات من اسم المؤلف منسوبا إلى قبيلته وإلى بلده وإلى مذهبه، يتلوه التقديم الذي ~~يوشك أن يكون وثيقة نسب وتعريفا بمصادر الأدب الذي تلقاه، وأسانيد الرواية التي عول ~~عليها. # وليس في موسوعات الأدب المغربي من مرجع متداول في البلاد العربية اليوم أهم وأنفس من هذه ~~الكتب الثلاثة: العقد الفريد لابن عبد ربه، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، ونفح ~~الطيب للمقري، وكلها مثل في المحافظة على صلة المغرب بالمشرق، أو مثل في المناظرة ~~التي لا تخفي دلائل الفخر بالمحاكاة والمقابلة، ولسان حالها المفهوم من ثنايا السطور: إننا ~~لمشرقيون هنا مثلكم أيها المشرقيون. # فكتاب ابن عبد ربه يروي تواريخ العربية وآدابها من عصر الجاهلية إلى العصر الذي ms052 عاش فيه، ~~ويقتبس المؤلف أكثر ما رواه من أستاذيه: ابن مخلد، وابن عبد السلام القرطبيين، وكلاهما رحل ~~إلى المشرق ولم يقنع بما وصل إليه من أدبه في مكتبات قرطبة، وهو كثير. # وقد وصلت نسخة من الكتاب إلى الصاحب بن عباد، فتصفحها ليطلع منها على أخبار المغرب، ~~فطواها وهو يقول: «هذه بضاعتنا ردت إلينا.» لأنه وجد بين يديه كتابا قلما يذكر المغرب، ~~إن ذكره، إلا كمن يذكره على السماع. # وكتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» عرض لنوابغ الأدب من أبناء المغرب الذين ~~يذكرون مع أندادهم ونظرائهم من المشرقيين، ولسان حاله - كما أسلفنا - أن للجزيرة ~~الأندلسية نصيبا من فخر العربية جديرا بما سبق من فخر الجزيرتين: جزيرة العرب وجزيرة ما ~~بين النهرين. # وكتاب «نفح الطيب» رحلة إلى البلاد الشرقية، تروي أخبار المغاربة الذين رحلوا مثل هذه ~~الرحلة إلى مكة، أو القاهرة، أو دمشق، أو بغداد، أو حواضر الأدب العربي، حيث كانت من رقعة ~~البلاد الإسلامية، ويكاد الأديب لا يذكر في هذه الموسوعة الكبيرة إلا لما ينتسب به إلى ~~حاضرة من تلك الحواضر، وما قام به من حجة دينية، وحجة «أدبية لغوية» قلما تفترقان. # وكان من ديدن النقاد في المغرب أن يشبهوا كل شاعر من فحول شعرائهم بنظير له بين شعراء ~~المشرق، فكان عندهم متنبي الأندلس، وبحتري الأندلس، ونواسي الأندلس. وكانوا يفخرون بالشاعر ~~إذا بلغ من شهرته أن تروى له أبيات فيما وراء البحر من بلاد الناطقين بالضاد، كأنه قد ~~أبرأ الذمة، وأقام حجة النجابة للبنين في موطن السلف الغابرين. # وإننا لندرك الشيء الكثير من بواعث الحركات الأدبية في الأمم ذات الوطنين، إذا رجعنا بها ~~إلى مناط الفخر بالأصول عند المقيمين والمهاجرين بين عرب الشرق وعرب الأندلس والمغرب على ~~العموم. # فليس مناط الفخر هنا بالمكان ولا بالسكان ولا بشيء مما يقع عليه العيان؛ فإن الفخر ~~بمكان من الأمكنة لذاته أبعد ما يكون عن أمة نشأت على الرحلة بادية وحاضرة، في طلب المرعى ~~أو في طلب الكسب والتجارة، وأمرها كتابها أن تسيح في الأرض، ms053 وعلمتها تجارب الفتوح والنقلة ~~أن سعة المضطرب في ملك الله امتداد للوطن، وليست عقوقا له ولا خروجا منه إلى سواه. # والفخر بالسكان المقيمين في بلادهم أبعد شيء عن خواطر إخوانهم المهاجرين الذين ينتسبون ~~مثلهم إلى أعراقهم وأصولهم، ويستمدون شرف النسبة كما يستمدها كل منتسب إلى تلك الأصول ~~والأعراق. # فليس العربي الأندلسي مفاخرا بمكان تركه في المشرق، ولا بسكان تركهم فيه يعيشون معه ~~في زمانه وينتمون إلى الشرف الذي ينتمي إليه، ولكنما الفخر عندهم جميعا «بوطن روحي» واحد ~~ينتمي إليه بنوه بالضمير والفكر وبما يشرف الإنسان من وجدان ولسان، فإذا هم أعطوه حقه من ~~القداسة والصيانة فلا جناح عليهم بعد ذلك أن يتنافسوا ويتناظروا، بل لا جناح عليهم أن ~~يتنازعوا ويتنافروا، ويذهب كل منهم مع حاضر زمنه ومآلف سكنه، حيث طاب له الذهاب في أبعد ~~مطاف وأوسع رحاب. # وكذلك صنع الأندلسيون في دواعي الجد واللهو من مطالب المعيشة اليومية، فتصرفوا بفنون ~~النظم والغناء، وطوعوا الموشحة الفصيحة والزجل العامي على هوى المجلس والسامر الذي ألفوه ~~في رحاب الوطن الجديد، واستطاعوا أن يبدعوا لتلك السوامر الراقصة وفاقها من المعاني الشعرية ~~والأوزان المستحدثة، وتمموا المقابلة بينهم وبين أبناء الجزيرة في المشرق إلى أبعد غاياتها ~~المعروفة عند ازدواج الفنون العربية والفنون الفارسية حول الحيرة وبلاد النهرين؛ فقد أخذ ~~العرب من الفرس معازفهم وآلات موسيقاهم، ولكنهم لم يأخذوا منهم شعرهم ولا عروضهم، بل ~~أعطوهم على نقيض ذلك أوزانا عربية، وبحورا من العروض العربي ينظمون فيها أشعارهم ~~الفارسية ويقيسون عليها أغانيهم التي توقع على المعازف وأناشيدهم التي تنظم للتلاوة ~~والإلقاء. # ومثل هذا قد حدث في الأندلس كلها وما جاورها بعد امتزاج الشعر العربي بفنون الرقص ~~والموسيقى الإسبانية؛ فإن الأمة الوافدة أخذت من الأمة المقيمة مجالسها ومعازفها وعادات ~~إنشادها ورقصها في الجماعة المشتركة من الجنسين، ولكنها أعطتها الأوزان والأعاريض، ويسرت ~~لمن ينظم فيها بلغات الغرب ما لم يكن يسيرا أن ينظم في الكلام الموزون قبل ذاك. # ولم يكن فتح العرب للأندلس فاتحة مرحلة كبيرة في تاريخ الآداب العربية ms054 بالمغرب وحدها، بل ~~كان على صورة أوضح من ذلك فاتحة المرحلة الأولى في آداب القومية الإسبانية منذ أقدم عهودها؛ ~~فإنه لمما لا شك فيه أن هذا الفتح كان حدا واضح المعالم بين عهدين في حياة الإسبان ~~الثقافية: أولهما سابق لفترة الفتح، ولم يكن فيه للأمة الإسبانية شيء يصح أن يطلق عليه اسم ~~«الآداب الإسبانية» ولا سيما الآداب المقروءة أو الآداب التي أطلق عليها بعد ذلك اسم الفنون ~~المهذبة Polite ~~، والآخر لاحق بالدولة العربية تنسب إليه ~~آثار النظم والنثر والرواية المسرحية والكتابة المهذبة، ويعتبر - على ما تقدم - أول مرحلة ~~في تاريخ أمة موحدة تسمى بالأمة الإسبانية، فلم يكن لهذه الأمة قبل فتح العرب لغة عامة تتسع ~~للتأليف والدراسة والآثار الفنية، وكانت لغة الكلام فيها موزعة بين لهجة قسطيل ولهجة ~~الباسك ولهجات الأقاليم المتفرقة التي لم تبلغ قط أن تكون أداة ثقافة قومية. وقد دخلت ~~اللاتينية إلى بلاد الإسبان بعد فتح الرومان، فتعلمها الخاصة ورجال الحكم، وسرت من ألسنة ~~الجنود بلهجاتهم الدارجة إلى زوجاتهم وأولادهم، فامتزجت بتعبيرات العامة في كل لهجة من ~~لهجات البلاد، وتولدت منها لغة هجينة لا هي باللاتينية ولا بالإسبانية، وظل الإسبان ~~المتعلمون يرتضخون من اللاتينية الفصحى أسلوبا يتميزون به بين كتابها والناطقين بها ~~يتندر به فصحاء اللاتين، فيصفه شيشرون باللوثة أو الجلافة # Aliquid Pingue ~~، ويسخرون منه كما يسخر أهل الحاضرة اليوم بمن يحاكيهم من أبناء ~~الريف. # وجاء الفتح العربي في إبان الدور الذي بدأ فيه تطور اللغة الإسبانية، ووجدت فيه ~~الثقافة التي يمكن أن تودع اللغة المكتوبة، وتنقل إليها المؤلفات التي كانت مقصورة على ~~اللاتينية، وكلها من كتب الدين وما إليها، وقد تم هذا التطور كله بعد شيوع الثقافة العربية ~~وسريان البحث فيها والاطلاع عليها بين طبقة المتعلمين وصفوة العلية من المرشحين لمناصب ~~الحكم والرياسة. وليس أدل على مدى هذا الشيوع من أقوال الراضين عنه والمتبرمين به على ~~السواء، ويكفي في مقامنا هذا أن ننقل منه رسالة الكاتب الإسباني الفارو التي أوردها (دوزي) ~~في كتابه عن الإسلام الأندلسي ms055 حيث يقول: «إن أرباب الفطنة والذوق سحرهم رنين الأدب العربي، ~~فاحتقروا اللاتينية وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها، وساء ذلك معاصرا كان على نصيب ~~من النخوة الوطنية أوفى من نصيب معاصريه، فأسف لذلك مر الأسف، وكتب يقول: إن إخواني ~~المسيحيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء ~~المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح، فأين ~~اليوم من غير رجال الدين من يقرأ التفاسير الدينية للتوراة والإنجيل؟ وأين اليوم من يقرأ ~~الأناجيل وصحف الرسل والأنبياء؟ وا أسفاه! إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا ~~يحسنون أدبا أو لغة غير الأدب العربي واللغة العربية، وأنهم ليلتهمون كتب العرب ~~ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان، ويترنمون في كل مكان بالثناء على الذخائر ~~العربية، في حين يسمعون بالكتب المسيحية، فيأنفون من الإصغاء إليها محتجين بأنها شيء لا ~~يستحق منهم مؤنة الالتفات، فيا للأسى! إن المسيحيين قد نسوا لغتهم، فلن تجد فيهم ~~اليوم واحدا في كل ألف يكتب بها خطابا إلى صديق. أما لغة العرب فما أكثر الذين يحسنون ~~التعبير بها على أحسن أسلوب! وقد ينظمون بها شعرا يفوق شعر العرب أنفسهم في الأناقة وصحة ~~الأداء.» # ولقد كان شيوع التعليم بالعربية على هذا المدى الواسع سببا لإهمال اللاتينية والإغريقية، ~~وخطوة لا بد منها لإحياء اللغات الشعبية وتداول الشعر والبلاغة والعلم من طريق غير طريق ~~رجال الدين، ومن هذا الطريق سرت إلى لغة القوم أنماط النظم والتعبير، التي قال صاحب تلك ~~الرسالة: إن متعلمي العربية كانوا يحتفلون بتجويدها احتفالا يفوقون به العرب أنفسهم في ~~الأناقة وصحة الأداء. # ولا شك أن الثقافة الطارئة على البلاد كان لها أثرها الذي سرى إلى الأفكار والأذواق من ~~طريق التأثير في مرافق المجتمع، وتبديل نظمه ومعاملاته، وتوزيع الأرزاق والمزايا الاجتماعية ~~بين طوائفه وأفراده، وهو تأثير متشعب بعيد الغور صاحب تكوين الأمة الإسبانية في ~~نشأتها الجديدة، فشوهدت له نتائجه في كل تغيير تتميز به الأمة الناشئة من أسلافها الأقدمين ~~منذ خضوعهم للدولة الرومانية، وبعض ms056 هذا التغيير يتصل بالعقائد التي تركها الفاتحون ~~لأهلها، وتركوها لوكلاء الكنيسة القائمين عليها. # قال صاحب كتاب العرب في التاريخ: # إن أسقف إشبيلية رأى من الضروري في الوقت نفسه أن يترجم الكتاب المقدس إلى ~~العربية، ويضبط شروحه وتعليقاته بهذه اللغة، ولم يفعل ذلك للتبشير به بل لفائدة ~~أتباعه، واشتغل كثير من المسيحيين بأعمال الدولة، ومنهم قساوسة كان أمراء بني أمية ~~يرسلونهم للسفارات السياسية الهامة، وأطلق اسم المستعربين في هذه الفترة على ~~المتكلمين بالعربية من المسيحيين، وقد عرف الداخلون منهم في الإسلام باسم ~~المرتدين، وأطلق عليهم العرب اسم المولدين. # وقد كان عهد عبد الرحمن الثاني (822-852م) عهد سلم طويل بالقياس إلى غيره، وقد ~~أعاد تنظيم الإدارة الحكومية في مملكة قرطبة على أسس الإدارة العباسية بأساليبها ~~المكتبية وأنماطها في ترتيب الحاشية الملكية، وكان مشهورا برعايته للآداب، جلب إلى ~~البلاد كثيرا من المصنفات، وكثيرا من المصنفين والمؤلفين المشرقيين، معززا ~~بذلك صلة إسبانيا الإسبانية بثقافة الإسلام في المشرق. وكان من أشهر هؤلاء زرياب ~~الموسيقي الفارسي الذي أقصاه عن بلاط هارون الرشيد ببغداد غيرة أستاذه منه، فوجد ~~له ملاذا حسنا في بلاط قرطبة، وأصبح ثمة الحكم المسموع في شئون الذوق والزي، ~~فأدخل إلى العاصمة الإسبانية طرائف كانت مجهولة فيها من أساليب الحضارة الشرقية ~~تختلف بين ألحان الموسيقى والافتنان في طعام الهليون. # إلى أن قال عن عهد عبد الرحمن الثالث الذي تلقب بلقب الخلافة لأول مرة في المغرب: # وكان عهده عهد استقرار سياسي وأمن داخلي بينه وبين الأمراء الإقطاعيين وقبائل ~~البربر الجبلية الذين أطاعوه وخضعوا لأمره، وضعف سلطان المشرق فنشأت في مكانه حضارة ~~عربية إسبانية، اصطبغت فيها تقاليد الماضي بالصبغة المحلية، مع استمرار العلاقات ~~التجارية وافتتاح العلاقات السياسية بين إسبانيا ودولة بيزنطة مما يدل على مكانة ~~الدولة الأموية ... # وصحيح أن الأثر الباقي للعرب في البلاد الإسبانية أقل كثيرا من أثرهم في ~~البلاد الفارسية، حيث بقيت معالم الحياة الفكرية والروحية عربية إلى عصرنا هذا، ولا ~~تزال هذه المعالم لاتينية بين الإسبان. إلا أننا نرى - حتى من الكلمات التي ms057 تخلفت ~~عن أدوات المعيشة - مبلغ دين البلاد للعرب في شئون الاقتصاد والاجتماع وشئون ~~السياسة في بعض الأحوال، وإن تراث العرب في شئون الثقافة أيضا لجدير أن يعرف له ~~أثره الجليل على إسبانيا وعلى سائر أنحاء أوروبة الغربية؛ فقد كان المسيحيون ~~يفدون إلى إسبانيا من كل صوب ليتلقوا علومهم من الأساتذة العرب أو ~~الإسرائيليين، وينقلوا تلك العلوم إلى اللغة اللاتينية. وقد عرف التراث الإغريقي ~~لأول مرة من طريق لغة العرب واطلع عليه الغربيون بتلك اللغة، وكانت طليطلة التي ~~أعيد فتحها (سنة 1085م) أكبر مركز للمعرفة انتقلت منه ثقافة العرب إلى العالم ~~المسيحي، وبقي فيها كثير من علماء المسلمين، ولحق بهم اللاجئون اليهود من الجنوب ~~الإسلامي الذي كان قد غلب عليه يومئذ ملوك الموحدين المتشددين ... وفي خلال القرنين ~~الثاني عشر والثالث عشر على عهد الملك ألفونس الحكيم والملك ليون (1252-1264م) دأبت ~~مدارس الترجمة بطليطلة على نقل مؤلفات كثيرة تشتمل على كتاب القانون لأرسطو، وبعض ~~كتب إقليدس، وبطليموس، وجالينوس، وبقراط مضافا إليها ثروة من شروح العرب ~~وتعليقاتهم ... # وترك العرب طابعهم على بلاد الإسبان في خبرة الفلاحين والصناع وفي الألفاظ ~~التي يصنعون بها أعمالهم، وفي الفن والعمارة والموسيقى والأدب، وفي العلوم ~~والفلسفات التي شاعت بشبه الجزيرة وأرجاء المغرب أيام القرون الوسطى مما حفظه ~~العرب، ونقلوه نقل الأمانة وزادوا عليه وتبسطوا فيه، وبقيت ذكريات الأندلس ~~محفوظة بين العرب أنفسهم بعد رحيلهم عن شبه الجزيرة إلى إفريقية الشمالية، حيث ~~يتسمى أناس منهم حتى اليوم بأسمائهم الأندلسية، ويعلقون مفاتيح بيوتهم في قرطبة ~~وإشبيلية على جدران منازلهم بمراكش والدار البيضاء. # 1 # ومهما يكن من عناية الباحث بالناحية الأدبية، أو ناحية الشعر من فنون الأدب كله، فالحقيقة ~~التي لا تجهل أن الشاعر يقتبس من وحي زمانه، وأن المجتمع الإسباني قد تمخضض عن عرف ~~جديد بعد عصر الحضارة العربية غير ذلك العرف الذي توارثه القوم بضعة قرون متلاحقة لم ~~تعقب بعدها أثرا باقيا من فنون المنظوم أو المنثور التي تحسب في عداد الآداب ~~القومية. # ولا يفوت المؤرخ أن يذكر بين ms058 خصائص الأدب الذي ينسب إلى وطنين متباعدين خاصة مألوفة في ~~كل ظاهرة من قبيلة تشوبها أهواء العصبية، ولا تخلص من الهوى في حالتي الإثبات والإنكار، ~~ولكن هذا الهوى الخفي قد يكشف عن نفسه، فلا يكلف الناقد شيئا من العناء للشك فيه حين ~~يتمادى إلى اللغو والهراء، فيزعم أن أدبا من الآداب ينفصل عن فعل الزمن بعد عدة قرون، فلا ~~يبقى فيه ما ينسب إلى تلك القرون في صيغته ولا في موضوعاته ولا في معانيه، ومن هذا القبيل ~~إنكار بعض الغلاة لكل فائدة خرج بها أدب الإسبان من مئات السنين في ظل الحضارة العربية، ولم ~~يكن لها مثيل ولا أصل معروف قبل ورود تلك الحضارة على البلاد. # يقول الأستاذ (جب) في الفصل الذي كتبه عن الأدب من مجموعة التراث الإسلامي: # إن أول هذه القضايا أصعبها وأوفرها حظا من الخلاف والمناقضة؛ فهناك نموذج جديد ~~من الشعر له مجال جديد ونزعات اجتماعية جديدة وفن جديد يظهر فجأة إلى الوجود في ~~جنوب فرنسا عند نهاية القرن الحادي عشر، ولم يكن في شعر فرنسا قبل ذلك بادرة تتجه ~~إلى هذه الوجهة، ولكنه من الناحية الأخرى على مشابه قوية من بعض نماذج الشعر ~~العربي المعاصر في البلاد الإسبانية، فأي شيء أقرب إلى المعقول من الظن بأن ~~شعراء پروڤنس الأوائل كانوا يقتدون بالنماذج العربية. # إن هذا الرأي كان يلقى القبول الذي لا يتعرض لغير القليل من المناقشة عدة قرون، ~~وكان أشد مؤيديه ومقرريه جياميري باربييري في إبان النهضة السلفية (الكلاسيكية)، ~~كما بسط في كتابه عن أصول الشعر الذي طبع سنة 1790، وكانت الأذهان لا تزال ~~مشبعة بسحر الشرق حين اتجهت الأفكار عامة بقيادة سسموندي وفرييل إلى القول بالشبه ~~القريب بين الشعر العربي وشعر پروڤنس، ولم يتغير هذا الاتجاه إلا بعد فترة حوالي ~~منتصف القرن التاسع عشر؛ إذ بدت بين المستشرقين ودعاة الأدب (الرومانتيكي) ومباحث ~~اللغة التي تدور عليه حركة معارضة لذلك الرأي، وراح النقاد يطالبون أصحابه ~~بالأسانيد التي تثبت الصلة بين پروڤنس والأندلس ولا يجدونها، فيذهبون إلى الطرف ms059 ~~الآخر منكرين مفرطين في الإنكار، وإذا عزونا ذلك بغير نية سيئة إلى الحماسة ~~الوطنية التي كانت تعم شعوب الغرب يومئذ، فمن العسير مع هذا أن نجد ناقدا ~~(رومانتيكيا) يقدم على الدفاع عن فكرة التأثير العربي أمام آراء المستشرق المشهور ~~دوزي الذي ينفيه ويسخر منه. # إلا أن الرأيين - على إفراطهما في الإثبات والنفي - لا يعتمدان في الحقيقة على ~~سند غير مجرد التخمين، فلم يأت من قبل البحث التحليلي الذي يجريه المستشرقون ~~غير سند قليل، أو لا سند على الإطلاق. ولكن البينة الحديثة التي تبرز الآن إلى ~~الضوء تذهب بعيدا إلى إزالة كل شك في وجود أثر محقق لشعر الجنوب على شعراء ~~پروڤنس؛ فإن جدة شعرهم لا تظهر في موضوعاته، بل في الأساليب التقليدية التي يصاغ ~~فيها. فليست هذه الحرارة النابضة تعبر عنها تلك اللهجة المصقولة الغنية بالأخيلة ~~والصور شيئا مألوفا قبل ذلك في الأغاني الشائعة على سذاجتها واندفاعها؛ إذ هي ~~نظرية عاطفية، ونحلة مجازية رومانتيكية، وعارض من داء النفس تمكن إثارته بالوسائل ~~الفنية، ولا يجنح إلى الهيام بالبنت العذراء بل بالمرأة الزوجة التي يستمد الشاعر ~~من رعايتها وخدمتها زادا يستوحيه ويسمو به ويعيش عليه، فمن أين جاء فن العشق هذا؟ ~~ومن أي مصدر صدرت نحلة (السيدة) هذه بعد نحلة العذراء؟ إنها لم تصدر من تقاليد ~~القوم كما تعرضها آدابهم، سواء أكانوا من التيوتون أم الرومان؛ فقد كان نساء القرون ~~الوسطى - كما قال بروتنيير - يحنين الرءوس إلى أهون حضيض هبطن إليه تحت شريعة العسف ~~والحيوانية، ولم يكن لتلك الرعاية أثر في عرف الفروسية التي كانت يومئذ آخذة في ~~الظهور بين أبناء الطبقات العليا. فما كان هذا الحنين العاطفي على وفاق مع عقيدة ~~الصولة والقتال، وما كانت هذه المثالية التي تتعلق بالأنثى المرأة إلا على نقيض ~~المثالية التي تشيد بها الكنيسة حول البنت العذراء، ولو أنها نشأت من شغف الشاعر ~~بسيدة القصر التي ترعاه لقد كانت خليقة أن تصاغ في قالب أقرب إلى التواضع ~~والاستكانة، ولم يؤثر عن أدب اليونان واللاتين بين عصريهما ms060 الذهبي والفضي ما يحسب ~~أساسا لمثل هذا الشعور، بيد أنه ولا شك مستمد من تقليد أدبي مقرر، وإن ذلك ~~التقليد الأدبي لحقيق أن يبحث عنه على الأقل في شعر الأندلس العربية؛ إذ كان الشعر ~~العربي في القرن الحادي عشر قد مضى عليه زمن طويل وهو ينمو ويتطور على تقاليده ~~الموروثة، ومهما يكن من طول هذا الزمن، فما من عهد غبر عليه كان خلوا من نظم ~~قوامه العشق والغزل. # وأقدم ما عرف منه شعر البادية بصوره المترددة في لغته المصقولة وتشبيهاته الدقيقة ~~وأوزانه المركبة وقوافيه المحكمة؛ لأن اللغة العربية كانت أول لغة حرصت على ~~القافية المتواترة التي لا تسمح بالخلل، وكانت كل قصيدة من قصائده تفتتح بالشكوى من ~~فراق الحبيبة التي تتجدد ذكراها عند مشهد الأطلال في الربوع المهجورة، ولما انتقل ~~الشعر من البادية إلى الحاضرة لازمته نغمة الغزل، وازدادت فيه توكيدا وتكرارا مع ~~الصقل والتهذيب الذي أحل الرقة الملطفة محل المتاع الحسي الصريح في غزل ~~الصحراء، ونشأت المقطوعة الغنائية التي يتحدث فيها الشاعر عن نفسه وعن عاطفته بعد ~~القصيدة المطولة، ومضت بضع عشرات من السنين استنبط فيها الشعر العربي نبعا جديدا ~~من الفكاهة وصدق الوصف لأحوال الحياة قبل أن تستقر المقطوعة الغنائية على أسلوبها ~~وتقاليدها، وتولد منها في نظم شعراء القصور الملكية ضرب من الغزل واللهو الظريف، ~~يشترك فيه النغم الموسيقي وطلاوة الصناعة لتحل محل البواعث النفسية القوية. أما ~~جمهور الشعراء من سواد الأمة فقد استخدموا مقطوعة الغزل للتعبير عن هوى الشاعر ~~المدنف الذي ذهب الحب العذري بلبه شوقا إلى حبيبة مثالية لا مطمع فيها، واستخدمها ~~المتصوفة للتعبير عن معان أخرى من الحب الروحاني الرفيع رمزا لأشواق الروح ~~وتقديسها للمحبوب، وغلبت نغمات الحب الحسي الجريء وأخيلته على شعر المتصوفة من ~~العرب والفرس على السواء. وأحق أطوار هذا الشعر الغنائي بالتنويه نشوء أدب واضح ~~المعالم حول الحب الأفلاطوني ممتزجا بالفكرة الاجتماعية الأخلاقية عن الحب التي هي ~~حصة بلاد العرب من المساهمة في هذا الأدب. # وقد كان بعض شعراء القصور في بغداد ms061 في زمن لا يرجع إلى ما قبل القرن الثامن قد ~~عكفوا على النظم في هذا الضرب من الغزل، ولم يكد ينقضي على ذلك قرن واحد، حتى كان ~~شاعر فتى لم يعد سن الصبا الباكر يدون منظومات هذا الغزل في كتاب شائق سماه كتاب ~~الزهرة، وقسم فيه ألوان الحب مع الشرح والتعليق، ذلك الفتى الشاعر هو ابن داود، ابن ~~الرجل الذي أسس مدرسة من أشد مدارس الإسلام تزمتا وغيرة على الدين وخليفته ~~على مدرسته، وقد فصل في الكتاب سجايا الحب وآدابه وأساليب التعبير عنه على هدى ~~الحديث الذي أسنده إلى النبي، وفحواه أنه «من عشق فكتم فعف فمات فهو ~~شهيد». # وإن وحدة الثقافة في العالم الإسلامي قمينة أن تنبت بذور هذا الضرب من الغزل ~~كذلك في بلاد الإسبان، وإن كان قد تطور هنا على نحو آخر يلائم الامتزاج بين العناصر ~~العربية والعناصر الإسبانية مع الحافز الدائم من الشعور بالصراع مع الدول المسيحية ~~في الشمال، ولم يحدث قط في عصر من عصور الأدب العربي أن شاع بين جميع طوائف الناس ~~ولع بالشعر كهذا الولع به بين ربوع الأندلس، ولا استعداد كهذا الاستعداد ~~لتلقي وحي الجمال والقدرة على أدائه باللفظ الذي يجمع بين الأناقة وجيشان ~~الشعور، ومن الشعراء المعروفين وغير المعروفين ممن نظموا في هذه المقاصد سعيد بن ~~جودي الذي ذكره دوزي، وكان مثلا يحتذى فيما تقرر هنا أيضا من أدب الغزل ~~العذري، وقد تحدث الناس بابن حزم، وسار بذكره المثل في الصلاح وشدة المراس، كما ~~سار بذكره المثل في الغرب لاعتباره مؤسسا لبحوث المقارنة بين الأديان، وإن هذا ~~الرجل مع هذا ليتصدى للكتابة في موضوع العشق، ويسوق الشواهد عليه من نظمه على ~~نمط ينافس به كتاب الزهرة وقد يعلو عليه، وهو يتقبل مبدأ الحب الأفلاطوني، ويراه ~~سببا من أسباب ائتلاف أجزاء النفس الموزعة وبلوغها مبلغ الوحدة الكاملة في ~~الحياة الأرضية، ويبسط على هذه القاعدة من (الرومانتيكية) الصافية تحليلا للحب ~~يعتبر من وجوه كثيرة أنه هو الحب الذي تغنى به الشاعر الجوال - التروبادور ms062 - في ~~القرن التالي، وإن كان الشعراء الجوالون قلما ارتفعوا إلى أوجه في آفاقه ~~المتوهجة. # ورأي الأستاذ جب في هذه المدرسة الغزلية التي انفردت بها آداب العرب هو الرأي الغالب بين ~~فئة راجحة من المؤرخين المتخصصين لدراسة القرون الوسطى في أمم الغرب، ولا سيما الأمة ~~الإسبانية، ومن أشهرهم وأوفرهم دراسة للأداب الإسباني الأستاذ جيرالد برينان # Brenan # صاحب كتاب آداب الأمة الإسبانية، # 2 # وفيه يقول عن هذا الرأي من فصل أفرده للعهد العربي: # إننا إذا طالعنا سير الشعراء العرب على عهد ملوك الطوائف وجدنا أنهم قد أتقنوا ~~هذه الصناعة - صناعة المديح والهجاء - وأنهم كانوا لا يفتأون يتنقلون ولا يكفون ~~عن التطواف - وهو قوام نحلة الشعراء الجوالين - لينزلوا بساحة هذا الأمير إن لم ~~ينفحهم ذاك الأمير بالعطاء، وأي مأثرة من المآثر يحمدونها في قصيدهم؟ إنها مأثرة ~~الكرم؛ إذ هي الصفة التي لا تتم بغيرها صفة الشجاعة، ولا صفة العزة، ولا صفة من ~~صفات الإمارة، فلا غنى للأمير عن منح الهبات، وبهذه الهبات من الذهب والجوهر الذي ~~كان يبذل للشعراء إجازة لهم وجزاء على مديحهم تتجاوب الأحاديث بين أرجاء الشرق ~~بأسره. ونعود إلى الشعراء الجوالين، فنرى أن أشعارهم قد نشأت في ظروف جد قريبة من ~~هذه الظروف بين قصور أمراء الإقطاع من فرنسا الجنوبية، فقد بطلت قبيل أواخر ~~القرن الحادي عشر عادة ادخار الذهب والفصوص الكريمة والإنفاق من غلات الأرض، ~~وخلفتها نزعة جديدة إلى البذخ والزهو بالحلل والأسلحة والأناشيد، وأصبح نظم ~~الأبيات والمقطوعات من السنن المألوف المستحب إلى جانب الغرب الجنوبي من فرنسا، ~~فظهر الشاعر الجوال في مكان المهرج الوضيع، وارتفع الشعر الأوروبي لأول مرة بعد عصر ~~الإمبراطور أغسطس إلى منزلة اجتماعية ذات خطر يعسر علينا أن نشك فيما كان للمسلمين ~~الإسبان من أثر فيه، فإنما كانت سيرتهم هي القدوة التي اقتدى بها أمراء ~~الإقطاع. # إلا أن هناك فكرة أخرى تستقر في أساس أدب الشعراء الجوالين، وتتطور في شعر دانتي ~~وبترارك، وترجع كذلك إلى مصدرها الإسلامي، وهي فكرة الحب المثالي الأفلاطوني، أو حب ~~أهل ms063 السمت والرياسة، فكرة الحب كأنه طاعة وولاء خلافا لحب الأخذ والاستيلاء، وقد ~~يدهش من يسمع بأن حبا كهذا ينجم من معدن الحياة الحسية التي تنسب إلى المسلمين؛ ~~فإن إسفاف مستوى الدراسات العربية بأوروبة لم يهيئ أذهاننا لقبول فكرة كهذه الفكرة، ~~ولكن الدراسات الأخيرة تعلمنا أنها حقيقة لا محل للشك فيها؛ إذ نقرأ - مثلا - عن ~~شاعر قرطبي هام بجارية فتاة لم يبصرها غير لحظات معدودات، فأصبحت مصدر وحيه ~~وإلهامه طوال أيام حياته، ووصف لنا ابن حزم هواه الأفلاطوني لفتاة رآها وهو بعد ~~غلام صغير، فظلت صورتها تعاوده وتذكي قريحته سنوات عدة بعد ذلك، وشرح لنا في كتابه ~~الذي ألفه سنة 1022 أمثلة من الحب الخاضع المستسلم الذي يعم الشعر العربي، كأنما ~~المحب مجند في سبيل الجهاد لا إرادة له إلا أن يطيع، فكل واجبه أن يسلم ~~زمامه لحبيبته ولها هي أن تعذبه وتذيقه الألم والموجدة، ويقول ابن اللبانة - ~~مثلا - إن حبيبته كالسيف المصلت الذي يمزق فؤاده، وفؤاده مع هذا يفيض بحلاوة ~~هواها والشوق إليها، وهذه النغمة المولعة بالألم تعم شعر القرن الحادي عشر أينما ~~كان، فلا يزال المحب يخضع للتحكم والهوان من إعراض حبيبته حتى ليسقم وينحل أو يقضي ~~نحبه كالشهيد، وعلى هذا النحو نقرأ لابن سهل اليهودي الذي دان بالإسلام وتوفي ~~بإشبيلية (سنة 1251) أنه جمع بين ذلين لأنه يهودي وعاشق، وعلى هذا النحو نقرأ ~~لابن زيدون قوله في الأميرة ولادة: # بيني وبينك ما لو شئت لم يضع # سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع # يا بائعا حظه مني ولو بذلت # لي الحياة بحظي منه لم أبع # يكفيك أنك لو حملت قلبي ما # لم تستطعه قلوب الناس يستطع # ته أحتمل، واستطل أصبر، وعز أهن # وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع # وهذه نظرة إلى الحب لا ترجع إلى أقوال الشعراء وقصص الغرام وحسب، بل تستند فوق ~~ذلك إلى فلسفة مقررة شرحها في القرن العاشر فقيه من فقهاء بغداد، وبين في شرحه ~~مزية الحب الأفلاطوني على حب الشهوة، وتلته طائفة من الأدباء أشادت بهذا ms064 الحب ~~العذري - نسبة إلى قبيلة بني عذرة - ونظمت الشواهد لتصويره، وكانت حركتهم هذه على ~~صلة بحركة التصوف التي سرت في العالم الإسلامي بدعوتها إلى الحب الشامل ونحلتها من ~~النساك السياح في الأرض، وليس من العسير أن نفهم كيف تنتشر هذه النظرة إلى الحب في ~~بلاد يحول فيها نظام الحجاب دون إباحة اللقاء بين الجنسين وإن كان حجابا لم يبلغ ~~من الحرج في ذلك العصر ما يبلغه في الأزمنة الأخيرة، فلا يستطيع الرجل والمرأة أن ~~يتلاقيا كما كان يستطيع ذلك جمهرة الرجال والنساء بين أمم الشمال، وإن هذه النظرة ~~إلى الحب لتوافق مقاصد الشعر؛ لأن نظم الشعر وسيلة من وسائل المناجاة تنتهي ~~بلقاء الوصال، فإذا ابتعدت فكرة الوصال قام بسريرة الشاعر هوى التغزل والمناجاة ~~على البعد والجفاء، فإذا امتنع الأمل في لقاء الوصال كل الامتناع فقد يتسامى الحب ~~إلى لون من الحب المقدس كذلك الحب الذي لهج به دانتي وبترارك. وعلى هذا يحق لنا أن ~~نعتقد أن الحب على البعد كما سماه شاعر من أوائل الشعراء الجوالين، وكان ملاك ~~الشعر الغنائي إلى أيام الشاعر دون # Donne # له أصل ~~من الشرق، وسرى إلى پروڤنس فعلا من الأندلس الإسلامية. ولا بد أن نعرض لنوع آخر من ~~شعر العرب الأندلسيين لم نذكره بعد، وذاك أن ابن بسام - صاحب تاريخ الأدب المؤلف ~~في القرن الثاني عشر - يروي أن شاعرا ضريرا يسمى مقدم نشأ بجوار قرطبة، وعاش ~~حوالي سنة (900م) كان أول من نظم الموشحة والزجل على غير اكتراث بلغة العامة - كما ~~قال ابن بسام - فما هي هذه الموشحة؟ وما هو هذا الزجل؟ # إن الموشحة - ومثلها الزجل - مقطوعات منظومة من مصاريع مقفاة قصار، على خلاف ~~القصائد التي تنظم عادة من أعاريض طويلة، وتلاحظ فيها النبرات؛ لأنها تنظم للغناء ~~وإن كانت كترانيم القديس أميروز تجري على أوزان القصيد، وهي تبتدئ بفاتحة تسمى ~~المركز تتألف من سطرين أو ثلاثة أسطر مقفاة، وتتلوها مقطوعات تلتزم القافية في ~~ثلاثة أسطر منها، ويأتي السطر الرابع على قافية المركز، وهو وزن تعودناه ms065 من ~~المرددات الشعبية - الفولكلور - فهو وزن أغنية الحلقة أو الفرقة الراقصة ينشد ~~قائدها المركز والخرجة، وتردد الفرقة سائر الأبيات؛ ومن ثم نعلم أن الشاعر ~~مقدم لم يبتدع هذا النمط من النظم، وإنما عمد إلى أغنية الحلقة فصاغها صياغته ~~الفنية وعممها واتفق ذلك في وقت له شأنه؛ إذ كانت الأندلس يومئذ تثور على حكم ~~البلاط، ويشترك المسلمون والمسيحيون صفا واحدا في تلك الثورة، وينبغي أن نذكر أن ~~اللغة العربية وإن كانت لغة البلاط، إلا أن اللغة الشائعة كانت مزيجا من اللهجات ~~الإسبانية المتداولة المسماة بالرومانس، يتكلمها كثير من المسلمين في قرطبة، ~~ويكون الشاعر الضرير إذن قد اشترك بشعره في ثورة وطنية موجهة إلى لغة الفاتحين، ~~تشابه تلك التي حدثت قبل نصف قرن في بلاد الفرس. # وبعد أن قابل المؤلف الناقد بين أوزان الشعراء الجوالين وأوزان العرب، خلص إلى رأي ~~يتوسط بين نسبة التطور كله إلى أثر الآداب العربية وبين إنكار كل أثر لهذه الآداب في مناهج ~~أولئك الشعراء بما احتوته من معنى ومن صيغة لفظية؛ فنحن معه قد نبتعد عن الطرفين المتقابلين ~~في بيان آثار الهجرة العربية إلى الأندلس: أولهما يتطوح مع الإنكار، ويكاد يزعم أن العرب لم ~~يدخلوا ذلك الإقليم، أو دخلوه ولم يتغير بدخولهم كلام ولا عمل بين أهله، والآخر يحصر أسباب ~~التغيير كلها فيما صنعه الفاتحون قاصدين أو على غير قصد منهم، فكلاهما غريب لا يعقل ولا ~~يخفى ما فيه من هوى التحيز والانحراف، وإنما الرأي الصحيح هو الذي يستغرب أن تجري الأمور في ~~غير مجراه. فلا بد من أثر ولا بد من صلة لهذا الأثر بالحضارة العربية مع انقطاع كل أثر سواه ~~بالمصادر الأخرى، وما من شيء أقرب إلى طبيعة الأمور. # والرأي الذي لا غرابة فيه أن يكون العرب قد تأثروا بالبيئة الطبيعية التي انتقلوا ~~إليها وأثروا في البيئة الاجتماعية، فلم تثبت على حالها التي وجدوها عليها، ولعلهم في ~~هذه الظاهرة الإسبانية النادرة - ظاهرة الثقافة ذات الوطنين - نموذج صالح للقياس عليه، ~~حينما تمثلت لنا المحافظة والتجديد جنبا ms066 إلى جنب في حركة واحدة من حركة واحدة من حركات ~~الثقافة والحياة الفكرية. فهم محافظون متشددون كلما ارتبط الأمر بالأصول وخيف أن يحسب ~~المنقطعون عن تلك الأصول منبوذين من موطنهم الأول دخلاء على موطنهم الجديد، وهم مجددون بعد ~~ذلك فيما يختارونه أو لا يختارونه من مجاراة الأحوال الطبيعية حيث استقر بهم المقام جيلا ~~بعد جيل، وقد يطيب لهم أن يسلكوا في تجديدهم مسلك المنافسة لإخوانهم الذين تركوهم وراءهم ~~بموطنهم الأول، ما داموا ينظرون إليهم نظرة الند للند في انتسابهم إلى الأصل ~~العريق. # وسنرى أن هذه الظاهرة تكررت على صورة قريبة من هذه الصورة، حين أصبح الإسبان أصحاب أدب ~~مهاجر يناظر أدب الوطن العريق من وراء البحار. # | نحو القرن العشرين # كان كل قطر من أقطار العالم في أواسط القرن التاسع عشر يستمع إلى دعوة من دعوات التغيير ~~والتجديد، وكل دعوة من هذه الدعوات ترادف في مرماها الدعوة إلى مراجعة الماضي للانفصال ~~عنه أو للعودة إليه، ولكنها على اختلاف تفهم أنها سائرة إلى مستقبل خير من الحاضر، وأنها لا ~~ترضى عن بقاء الحاضر كما تراه. # واستمعت الأمة الإسبانية إلى هذه الدعوات، كما استمع إليها العالم الأوروبي من حولها، ~~ولكنها لم تسر في حركة التجديد قدما بغير تردد - أو بقليل من التردد - كما سارت ~~جاراتها من الأمم الأوروبية، وإنما كانت تسير إلى غدها، وتتلفت خطوة بعد خطوة إلى ماضيها ~~لأن جذور الماضي في هذه الأمة أثبت في مكانها من جذوره في جاراتها، ولعلها ثبتت هذا الثبوت ~~لأن هذه الأمة صنعت ماضيها قريبا، ولم تتطاول عليه العهود طبقة بعد طبقة حتى لحق بذمة ~~الغيب المجهول. # كانت السلطة الدينية فيها أقوى وأوسع نطاقا من نظائرها في جميع بلاد القارة الأوروبية؛ ~~لأنها من القوى القليلة التي احتشدت لمقاومة العقائد الغالبة التي تخالف المسيحية، ثم ~~احتشدت لمقاومة المذاهب التي نشأت في المسيحية نفسها بعد عصر الإصلاح وعصر النهضة، ثم ~~احتشدت لمقاومة العلوم الحديثة التي تصدى لنشرها أناس من غير رجال الدين. # وكانت السلطة السياسية تعتز باعتمادها على ms067 هذه السلطة الدينية، وتضيف إليها سلطان ~~الدولة الإمبراطورية التي تبسط حكمها على ديارها وعلى ما وراء البحار من أقطارها، وتجمع ~~بين يديها أعنة السيطرة المطلقة التي لا بد منها في أمة قلتية لاتينية جرمانية، تتنازع ~~في داخلها ولا تتماسك بغير سلطان صارم يتغلب على عوامل التنازع بينها. # وكانت تقاليد المحكومين وعاداتهم أقوى من سلطان رجال الدين ورجال الدنيا سندا للماضي ~~وإقرارا له وغيرة عليه، فلو أراد الحاكمون تغييرا إلى الغد منفصلا عن الأمس لحالت بينهم ~~وبين ذلك إرادة المحكومين، ولا سيما المحكومين الذين تتجمع إرادتهم في الامتناع؛ فإنه ~~يسير عليهم لا يكلفهم جهدا يعجزون عنه. # واتفق في أواسط القرن التاسع عشر أن الأمة الإسبانية منيت بحكم الأجنبي على أثر ~~الثورة الفرنسية، فأصبحت دعوتها إلى الحرية شعورا وطنيا عارما تستطيع أن تذهب فيه إلى ~~غاية مداه، ولكنها تحقق هذه الحرية، ثم تعود إلى استخدامها في تدبير أمورها، فلا ~~تستغني عن رياضة الماضي على موافقتها، ولا ترى أن مقاومتها لسلطان التقاليد تسمح لها بتلك ~~الحرية التي أعانتها على مقاومة السلطان الأجنبي، بل على مقاومة السلطان الوطني في حدود ~~الدواوين والأنظمة الحكومية. # ولهذا حدث لبعض مفكريهم وقادة النهضة الأدبية بينهم أن يكون أحدهم على أشد ما يبلغه ~~التطرف في الدعوة إلى الحرية، وهو مغترب عن بلاده منفيا أو متبرما بالحكم المستبد في ~~وطنه، ثم يعود إلى الوطن ويأخذ في العمل، فينقلب من التطرف إلى المحافظة، ومن التغني بالأمل ~~في المستقبل إلى الإشادة بالماضي وتجميله بصورة من صور الخيال وحلية من حلي الفخر والحماسة، ~~وأشهر هؤلاء المتطرفين المنقلبين إلى المحافظة أنجيل سافدرا # Saavedra # المتوفى سنة 1865 بعد أن ارتقى إلى منصب الدوقية، وقضى سنواته ~~الأخيرة يتغنى بمفاخر القرون الوسطى ومآثر حماة الكثلكة من ملوكها. # ومن الشعراء الذين ترددوا بين نزعات الحرية والتجديد وبين الحنين إلى مجد السلف أديب من ~~الأدباء (الموسوعيين) في معارفه ومطالعاته، هو مانويل جوزيه كونتانا # Quintana # الذي هجر مبادئ التطرف بعد أن بلغ الستين، ~~وعكف على إحياء الأساليب السلفية في شعره، ms068 كما جرى عليها شعراء القرن الثامن عشر، قبل أن ~~يتحول الجيل الجديد من السلفية إلى الرومانية (المجازية)، ومن هذه الرومانية المترددة إلى ~~السلفية الجديدة. # وليس بالقليل من أدباء الإسبان الناشئين بعد حروب نابليون من يثبت على تطرفه، ويتطوح ~~بدعوته «الجديدة» إلى أقصى الشمال، ثم يتكشف هذا التطرف عن معارضة للسلطة الدينية، وإيمان ~~بوجوب التفرقة بين هذه السلطة وسلطة الحكومة السياسية، دون أن يتحول عن الإيمان بالدين أو ~~عن الإيمان بالأفكار الدينية التي يقوم بها المجتمع في بلاده؛ فهو ممن يطلق عليهم اسم ~~«اللاكهنوتيين» # Anticlericals ~~، ولا يسمون باللادينيين أو ~~الملحدين، وأغرب من هذه الطائفة أناس يحسبون أنفسهم من الملاحدة أو أصحاب المذاهب المادية، ~~ولكنهم يصدقون ما يصدقه عامة الجهلاء ويتعوذون بالرقى والطلاسم التي يتعوذ بها العامة ~~دفعا للشر والمرض، وجلبا للصحة والطالع السعيد. ~~••• # وتظهر مجاذبة الماضي لأفكار المجددين من مدارسهم الفكرية التي يعلنونها، ولو لم تكن لها ~~صبغة سياسية أو اجتماعية تتسم بسمات الثورة على نظم الحكم والتمرد على العرف القديم، ~~ومنها مدارس أدبية تعلنها فئة من الشعراء والكتاب، ولا يفهمها شاعران أو كاتبان على وجه ~~واحد، وقد يعلنها أمام المدرسة ويتبعه فيها تلاميذه ومريدوه، ثم ينقلب عليها وينكر انتسابه ~~إليها، ولا يعرف الناقد من أعماله أين هو فيصل التفرقة بين أدبه، وهو يبشر بمذهب تلك ~~المدرسة، وبين أدبه وهو ينحي عليه، ومن الأمثلة الكثيرة على التردد بين أنماط الشعر ~~الغنائي - وهو الفن الإسباني الذي لا ينقطع في جيل من أجيال هذه الأمة - أن الشاعر جرمان ~~بليبرج # Bleiberg # نشر أغانيه (في سنة 1936)، فاتخذه شعراء ~~الجيل الناشئ بزعامة أشهرهم في نظم الموشحة (نييتو) # Nieto # رائدا للمدرسة السلفية الجديدة، وهي الهدف الذي صوب إليه بليبرج حملته العنيفة بعد صدور ~~ذلك الديوان. ولم يلبث نييتو وزملاؤه أن اشتهروا تارة باسم الفرقة الزرقاء، وتارة باسم ~~السلفية فوق الواقعية (السريالية)، وخالفوا أمثالهم من شعراء المدارس التي تحمل هذه ~~العناوين في الأمم الأخرى. # وربما كانت ثورة إسبانيا الكبرى أصدق صورة للنفس الإسبانية في موقفها بين الماضي والحاضر، ms069 ~~وبين روابط التاريخ وروابط الحياة العصرية؛ فإن هذه الثورة وصفت على حقيقتها حين ~~سميت بالحرب الأهلية، وشاع عنها هذا الوصف بدلا من وصفها بالثورة أو الانقلاب، كما ~~شاع عنها فترة من الزمن بعد انتشار أخبارها في الصحف العالمية؛ إذ كان النزاع الأكبر بين ~~المتقاتلين فيها نزاعا بين القوميين والجمهوريين وكلاهما من أحزاب اليمين، ولم ينفرد ~~الثائرون اليساريون في الطرف الآخر بقوة مستقلة تعتمد على أنصارها وحدهم لمقاومة خصومها، بل ~~كان أكثر اليساريين متبرمين بالواقع غير منفصلين عن التراث القديم، وكان خروجهم على المجتمع ~~أشبه شيء بخروج الإنسان من مكان ضيق ينقطع فيه عن موارد المعيشة، فهو أدنى أن يكون ~~انتقالا من مسكن مكروه أو منزل وخيم، ولم ينجح أصحاب المبادئ الثورية في ضم المتبرمين ~~إليهم؛ لأنهم أقنعوهم وحولوهم عن ماضيهم، ولكنهم نجحوا معهم لأنهم طلاب تغيير حيث كان، ~~ومثل هذا الطلب يجيبه من يضيق بمكانه ولا يطيق الصبر على مقامه، ولو لم يفتح عينيه على مكان ~~ينتقل إليه. # ولهذا يلاحظ أن الأدب المسمى بالأدب الموجه أو الأدب الهادف يفقد أنصاره من القائلين ~~والمستمعين معا بعد الحرب الأهلية وبعد الحرب العالمية الثانية؛ لأن محاولات التوفيق بين ~~التراث الإسباني وبين مطالب الحياة الحديثة في كل وجهة من تلك الوجهات المتعددة لم تحقق ~~أملا من الآمال، ولم تسفر عن يقين يؤمن به طلاب التغيير والتجديد، ويكاد الساخطون ~~ينشدون الرضا اليوم في أحضان الطبيعة وفي وداعة الفطرة، وينظرون في ريب شديد إلى تلك ~~«الطوبيات» التي يتصدى لقيادتهم إليها دعاة الخطط والأهداف. # وبينما تظهر هذه الأسماء والعناوين وتحتجب، وبينما يتفق عليها الدعاة ويختلفون، كانت ~~النفس الإسبانية الكامنة في أعماقها تواصل الترجمة عن نفسها بنشيدها العريق، الذي تعيد ~~وتبدئ فيه على نغمتين خالدتين؛ لأنهما نغمة الحب والعبادة، نغمة المناجاة والصلاة، أو نغمة ~~الحياة والخلود، وكانت الموشحة الريفية - أداة هذا الفن المطبوع - تزدهر في إبان عصر ~~الاضطراب والجيشان بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين؛ لأنه العصر الذي ~~ابتعث كوامن الأمة من الأعماق، وقد سيقت شعوب ms070 الأقاليم خلال هذه الفترة إلى التآلف ~~والاقتراب لاشتراكها في المحنة وفي المرافق الوطنية أمام السلطان الأجنبي والحوادث العالمية ~~فاتصلت جليقية بقسطيلة، وانتقلت أغاني الريف بلهجتها الساذجة إلى الحاضرة الكبرى على يد ~~شاعرة من الأقاليم أقامت في مدريد وفارقت موطنها، ولم يفارقها الحنين إليه ولا إلى ألحانه ~~وموشحاته؛ لأن موشحات جليقية كما قالت: «كلها موسيقى، وخفاء، وشكاية، وتنهد، وابتسام ~~لطيف.» # هذه الشاعرة روزاليا كاسترو ولدت سنة 1837 وتوفيت سنة 1885، وكان مولدها ببلدة ~~سنتياجو دي كومبستلا من بلاد جليقية، ومقامها بمدريد أكثر أيامها من نشأتها إلى وفاتها، وقد ~~ولدت أم نبيلة لم تتزوج، فدفعتها إلى امرأة فلاحة تربيها بين أسرتها الفقيرة بإشراف أمها، ~~وقد نظمت الشعر باللهجة الجليقية وباللغة الإسبانية، فكانت حياتها كلها موافقات عجيبة ~~للتقريب بين الأطراف المتقابلة والنقائض التي لا بد لها من التجاور والمصاحبة. # أخذت بزمام مولدها من بواكير عصر الثورة إلى إبان حومتها قبل مطلع القرن العشرين، وعرفت ~~بنشأتها وتربيتها معيشة القصور ومعيشة الأكواخ، فاستطاعت أن تنصف الفقير المحروم دون أن ~~تلوث سريرتها بعداوة الميسر المجدود، بل استطاعت أن تعرف تقاليد المجتمع كما تعرف ~~خبايا النفاق فيه ومدارج الخروج على تقاليده وقيوده، وكانت - بما نظمته في لغة إقليمها ولغة ~~الأمم الإسبانية في موطنها وديار هجرتها - صلة حية توافق دواعي الوحدة القومية التي نشطت ~~مساعيها من مطلع القرن إلى ختامه، ومما لا ريب فيه أن مكانتها التي كسبتها بهذه الموافقات ~~العجيبة كان لها شأنها في تعميم قدوتها بين بنات جنسها في الشعوب الإسبانية وراء البحار، ~~كما كان لها هذا الشأن في تنبيه الأذهان إلى استماع صوت الفقير المحروم في أندية الأدب ~~الرفيع والفن المهذب، فتفتحت الأسماع بعد شيوع دواوينها للإصغاء إلى نوابغ الشعراء من ~~أبناء الفقراء وأواسط الموسرين من غير النبلاء. وقد نبغت على آثارها فئة من الشواعر في ~~أمريكا الجنوبية نالت إحداهن جائزة نوبل كما تقدم، ونبغت بعد جيلها فئة من أبناء الطبقة ~~الفقيرة التي ندر قبل ذلك أن تنجب شاعرا يقرأ له كلام في الصحف السيارة والكتب ms071 المنشورة، ~~ومن هؤلاء فكتوريو كريمر # Cremer # الذي بدأ حياته ببيع الصحف ~~في الطرقات، ومانولو بيلارز Pilares # الذي بدأ حياته عاملا ~~في منجم، ومنهم جوزيه هييرو # Hierro ~~، وكارلوس سالمون # Salomon ~~، وجوليو ماروري # Maruri # الذين كدحوا لأنفسهم في طفولتهم وصباهم، وآخرهم ~~ظاهرة نفسية اجتماعية غير نادرة في البيئة الإسبانية؛ لأنه اعتزل العالم وهو يناهز الخامسة ~~والعشرين ليسكن إلى حياة النسك والرهبانية. ~~••• # وعادت المسرحية الإسبانية إلى الازدهار مع الموشحة الريفية في حقبة واحدة، وكان ينبغي ~~أن يزدهرا معا على هذا الاختلاف الظاهر بينهما في الأوضاع الفنية؛ لأنهما - على هذا ~~الاختلاف - يستقيان من ينبوعين قريبين إن لم تقل إنهما ينبوع واحد، فالموشحة في ~~إسبانيا وليدة الحب والعبادة، والمسرحية في إسبانيا وليدة البطولة والقداسة، وكلتاهما قريب ~~من قريب في معدن النخوة والإعجاب. # ففي أواسط القرن التاسع عشر كثر الإقبال على مسرحيات بريتون دي لوس هيروروس # Herreros ~~، وأديلاردو لوبيز # Lopez ~~، ومانويل تمايو # Tamayo ~~، وتبعهم جوزيه أشيجاري صاحب جائزة نوبل سنة ~~1904، وبعد هذا الجيل بقليل خلفهم جيل آخر من طبقة الأخوين الفارس كوينتيرو # Alvarez Quintero ~~، وجاسنتو جرو # Grau ~~، ومارتيني سييرا، وجاسنتو بينافنتي # Benavente # صاحب الجائزة سنة 1922. # ثم غلبت روح المزح والسخرية في سياق النقد الاجتماعي على مسرحيات الجيل الناشئ قبيل الحرب ~~العالمية الأولى من أمثال: إريات # Iriat ~~، وڤاليجو # Vallejo ~~، وفريل # Fraile ~~، ~~والديكوا # Aldecoa ~~، وفرلزيو # Ferlosio ~~، وغيرهم من كتاب الفكاهة والنقد الاجتماعي اللاذع على أسلوب ~~الصحيفة الأسبوعية المسماة بالحجلة # La Codorniz ~~، التي تقارب ~~في طريقتها بعض صحفنا الناقدة بأسلوب المويلحي في فصول عيسى بن هشام ومساجلات ~~الكشكول. # ولقد كانت المسرحيات الناقدة والمازحة جميعا إسبانية في الصميم حين تحولت بالدراما من ~~البطولة والقداسة إلى العبث والسخرية؛ فقد أصاب من قال: إن الجليل والمضحك لا يفرق بينهما ~~غير لفتة صغيرة، كأنها عثرة البطل الذي يروع الناظرين، ثم تطرحه أمامهم مطرح الضحك عثرة ~~صغيرة تمرغه بالتراب. # ولم يكن كتاب الجيل الناشئ بعد مطلع القرن العشرين أول من نقل البطولة هذه النقلة، أو عثر ~~بها هذه العثرة، فعرضها للسخرية واللهو بعد الإعجاب ms072 والمهابة؛ إذ كان سرفانتيز إسباني ~~الإسبانيين حين شيع عهد البطولة والفروسية بتلك المرثاة الضاحكة، التي خلد بها فارسه ~~المسكين دون كيشوت وخادمه الأمين سانكوبانزا، ولم يفعل نقاد الأجيال الأخيرة من أدباء ~~الأمة الإسبانية غير ما فعله رائدهم الكبير في إحساسه بالفروسية بعد عثرتها، وفي تحوله ~~بالإعجاب إلى الرحمة والرثاء من خلل الضحك والدعابة، ولم يغادر كتاب المسرح منذ أوائل ~~القرن التاسع عشر حومة البطولة والفروسية، حين أقاموا قواعد النقد الاجتماعي على السخرية من ~~أدعياء الوجاهة والرياسة؛ لأنهم أبطال مدعون وفرسان مزيفون؛ فإن الذي يسخر من الفارس ~~المزيف يعجب بالفارس الصادق والبطل الصحيح. ~~••• # على هذا النحو يتغير أدب الأمة المتوطنة من أثر اختلاف الزمن، يتغير التعبير ولا يتغير ~~فحواه أو معناه الذي يراد التعبير عنه، وقد يكون هذا التغيير شبيها بالتشكل الذي يمر ~~به الكائن الحي من طور إلى طور، وهو هو الكائن الحي بذاته وفصيلته في جميع أطواره، وكأنه ~~مادة في داخل القالب تتغير، ولا يتغير القالب المحيط بها ولا قوام المادة التي ~~يحتويها. # وعلى هذا النحو أيضا يتغير أدب الأمة المهاجرة من أثر اختلاف المكان، فيبقى على أصوله ~~التي ترتبط بأصول الأمة ولا تحب هذه الأمة أن تغيره، بل لا تستطيع له تغييرا بمحض مشيئتها، ~~وإنما يطرأ التغيير على كل ما له علاقة بأحوال المعيشة في ديار الهجرة، فلا يختلف الإسباني ~~في العالم العصري من سائر أبناء الأمم المعاصرين له إلا لسبب واحد، وهو اختلاف ماضيهم مع ~~اتفاق الحاضر بينهم على جملته، ولولا أن الماضي شيء لا يزول لما اختلفت آداب الأمم في عصر ~~واحد. ~~••• # إن أدباء اللغة الإسبانية في ديار الهجرة بالعالم الجديد قد أعلنوا في برامجهم منذ أوائل ~~القرن التاسع عشر أنهم يريدون الانفصال في الحكم وفي التوجيه الفكري، ولكنهم لا يريدون ~~الانفصال عن التاريخ ولا عن ميراث الأسلاف، وجمعوا شعارهم في كلمتين هما: الاستقلال ~~والتراث، فذهبوا يحققون استقلالهم الفكري بالاتجاه إلى كل وجهة مع تيارات الثقافة في أرجاء ~~العالمين القديم والجديد، وصدر البيان الأول لشاعر (فنزويلا) ms073 الأشهر من لندن في سنة 1823 ~~باللغة الإسبانية ~~(Alacvcion a la Poesia) ~~، ولكن هذا الشاعر ~~قضى حياته مقبلا على دراسته الخاصة في نحو اللغة الإسبانية على أصوله العريقة، بعد ~~إعلانه في ذلك البيان أنه نداء الاستقلال للشعراء، إلى جانب استقلال الرعية عن رعاتها ~~الأولين في مدريد، ونظر الأدباء في أمريكا الجنوبية إلى أكثر من قبلة واحدة في مبدعات ~~النظم والنثر، فكان منهم من يعتبر الأمريكيين في الشمال زملاء لهم في حركة الاستقلال لأنهم ~~سبقوهم إلى المطالبة بالانفصال من حكم القارة الأوروبية، كما سبقوهم إلى المطالبة بحرية ~~التوجيه والابتكار، وكان منهم آخرون يميلون بقبلتهم إلى باريس لأنها ثائرة مثلهم على ~~الإمبراطورية داعية مثلهم إلى الجمهورية مشتركة معهم في السليقة اللاتينية، بل اشتركت ~~الأمة الإسبانية في موطنها الأصيل مع أبنائها المهاجرين إلى الغرب في موقف واحد إزاء السلطة ~~الحاكمة، فنظرت إلى المجددين الأمريكيين نظرتها إلى شركاء في الثورة أتيحت لهم الفرصة التي ~~تتمنى هي أن تتاح لها، ولم تنظر إليهم نظرتها إلى الخارجين عليها والمنشقين عنها، ~~ومما يعين القارئ على جلاء هذا الموقف المتراوح بين الانفصال والاتصال أن شعوب أمريكا ~~الجنوبية لم تحجم عن إيفاد الوفود منها إلى مدريد للاشتراك في ذكرى كولمبس، واختار بعضها ~~مندوبين عنها يجمعون بين تمثيل الدولة وتمثيل الثقافة القومية، فكان روبين داريو # Ruben Dario # أشهر شعراء نيكارجوا وبيرو وشلي ~~وجواتيمالا مندوب وطنه نيكارجوا في احتفال الذكرى، ووصل إلى العاصمة سنة 1892، ثم عاد إليها ~~بعد ست سنوات، فإذا هو قد أصبح أمام مدرسة من أكبر مدارسها ينتمي إليها أنامونو ~~ومشادو # Machado # وخيمنيز الذي تكتب عنه هذه ~~الرسالة. ~~••• # ولم تمض بعد استقلال الإسبان الأمريكيين فترة طويلة أو قصيرة خلت من معارك المنافسة بين ~~الموطن الأصيل وموطن الهجرة في نطاق الجامعة الواحدة، وأشهرها تلك المعركة التي دارت حول ~~«الجغرافية الفكرية» التي يحددون بها خط منتصف النهار عند مدريد وبرشلونة، أو عند البحر ~~الكريبي وما يليه إلى المغرب، يقول كاباريللو # Cabarello # في ~~الغازيتة الأدبية # Gaceta Literaria # إنه لا يبتعد عن ~~مدريد، ms074 وتقول صحيفة مارتن فييرو # Martin Fierro # في ~~الجمهورية الفضية ما فحواه أنها جغرافية قديمة وخريطة تحتاج إلى التنقيح في خطوط طولها ~~وعرضها. # وقد يتغنى الشاعر في (بوليڤيا) بوطنه الجديد، فيذكر بوليڤار وواشنطون في شطر واحد، كما ~~صنع أوتيرو ريش # Otiero Reich # في قصيدته الطويلة التي سماها ~~«أمريكا»، ولم يصفها بالجنوبية ولا الشمالية. # لكن الحرب الأهلية في إسبانيا وسعت نطاق الجامعة الفكرية بمقدار ما ضيقت من حدود ~~الأوطان السياسية؛ لأن ديار الهجرة رحبت بأدباء الوطن الأصيل الذين قذفت بهم حماستهم ~~الوطنية من ديارهم، أو برمت نفوسهم بالمقام في تلك الديار لاضطرابها بزعازع السياسة والفتن ~~الداخلية، فكانت حماستهم لوطنهم تلازمهم في ديار الهجرة التي اتسعت لآرائهم، ولم ~~تضق بحماستهم الفكرية أو الروحية، وانطلقت أصداء بابل على اختلاطها في ميادين الأدب ~~الهادف، أو الأدب الموجه كما يسميه أنصاره من دعاة اليسار أو اليمين ، وكان اختلاط هذه ~~الأصداء على أشدها في أوطان الجامعة الإسبانية بين المشرق والمغرب، ولعلها اشتدت في تلك ~~الأوطان هذا الاشتداد لما طبع عليه أهلها من الاستجابة السريعة لدوافع الشعور وثورات ~~الطموح والرجاء، ولكنه لم تلبث أن بلغت غايتها من الحدة، ولم تبلغ غايتها من أهدافها ~~الاجتماعية أو السياسية، فتراجعت إلى القرار الوحيد الذي تستقر عنده النفس الإسبانية إذا ~~أعياها المخرج من القلق إلى عمل مستطاع أو أمل ناجح، وذاك هو ملاذ الطمأنينة الخالد حيث ~~تسكن إلى أحضان الطبيعة وأحضان الأسرة وبراءة الفطرة والطفولة. # وقد بقيت الأغنية هي الأغنية بما تردده على الدوام من نغمات المناجاة أو الصلاة، ~~ولكن الموضع الذي خلا بانهيار الأمثلة العليا التي تخيلها طلاب الأهداف الاجتماعية قد ~~شغله الحنين إلى عالم آخر غير عالم الصناعة والفلسفة الاقتصادية، وهو عالم الإنسان الطفل في ~~مهد الطبيعة أو الإنسان الطفل في مهد الأمومة، ولا بد للنفس البشرية من حنين إلى قرار تسمو ~~إليه أو تستريح إليه حيث كان، فإن لم يكن حنينا إلى رجاء تبلغه بالصراع والجهاد، فهو حنين ~~الدعة الذي تبلغه حين تقتدي بالإنسان الوديع في حضن الطبيعة أو ms075 بالإنسان الوديع في بواكير ~~الطفولة. # ومما يلفت النظر أن خيبة الرجاء في الأدب الهادف قد شغلت مكان هذا الرجاء في بلاد اللغة ~~الإسبانية جميعا بالحنين إلى الريف أو الحنين إلى الحياة الطيبة في ظل الطفولة، وقد ~~يصادف القارئ ذلك الحنين إلى البراءة من ضوضاء الحياة المصنوعة، أو الحياة الصناعية حيث ~~ينتظر الحنين والحنان في تعبيرات العاطفة ونفحات الشعر والبلاغة، فلا يصادفه بما يلفت ~~النظر؛ لأنه حديث منتظر في مواضعه ومناسباته، ولكنه يعجب حتى تصادفه لفتات الكاتب إلى أيام ~~الطفولة، أو إلى الحديث عن الطفل وعن الريف ومروجه ومراعيه بين فصول القصة وبين غضون ~~المقالة في غير مناسبة تستوجبها وتستطرد إليها، كأنما يملأ بها الكاتب مكانا خاويا ليس في ~~وسعه أن يتركه على خوائه، ولا أن يملأه بتلك الأهداف المعبودة التي تحطمت كما يتحطم الصنم ~~المنبوذ في محرابه المهجور. # ومن الصعب بعد الحرب الأهلية والحرب العالمية أن نفرد الأدب الإسباني بعنوان واحد ~~أصدق من عنوان «أدب الفطرة»، بما تشتمل عليه من فطرة الطبيعة وفطرة الطفولة، فهذا هو ~~الموضوع الذي يأخذ بقسطه الشائع في قصائد كل شاعر وفصول كل ناثر، ولكنه يوشك أن يستأثر ~~بالشعر كله وبالكتابة كلها في أدب خيمينز بين مقامه بموطنه الأول ومقامه بديار الهجرة، فهو ~~أديب الريف والطفولة غير مدافع، وهو إمام هذه المدرسة بين أبناء قومه، ولا جرم يحسبه ~~النقاد إمامها بين سائر الأقوام من أمم الغرب في العصر الحديث؛ لأن الموضوع «أندلسي إسباني» ~~حيث ينتمي إلى أقرب مواطنه إليه. # | چوان رامون خيمنيز1 # يقول الشاعر الكوبي الحديث سنتيو فيتير # Cintio Vitier # عن ~~خيمنيز: «إنه أبونا الشعري: أبونا في الأدب الذي فتح لنا أبواب الحياة الحقة، وأرانا الريف ~~وخلائقه الطالعة من ضباب فجرها الأصيل، وسمى لنا الأشياء بأسمائها، ووضعها في أيدينا ~~المتلهفة المرتجفة، تلك الأشياء في أصباغها الطيفية، حزينة أو سعيدة بكونها في هذه الدنيا ~~كما هي كائنة ... فإذا كان داريو قد صنع لنا لغة من ذهب فقد صنع لنا خيمنيز لغة من ~~ضياء.» # هذه مكانة «للشاعر الأب» ms076 توليها إياه أذهان المعجبين به، كما تمحضها له قلوب المحبين ~~الشاكرين له من تلاميذه ومريديه، وقد يزاحمه في هذه المكانة جهابذة من أدباء عصره، وشعراء ~~جيله يضارعونه في العلم والبلاغة ويفوقونه في الأثر والشهرة، ولكن تاريخ الأدب الإسباني ~~الحديث لم يعرف أحدا يزاحمه في المكانة الأبوية التي جاءته من فيض الود، ولم يطلبها بسعيه ~~واختياره؛ لأنه لم يكن يعلم أحدا غير ما تعلمه واستفاده وبدا فيه لتلاميذه كأنه التلميذ ~~الأول الذي يردد لنفسه ما يسرهم أن يرددوه، وإن لم يسألهم ترديده ولم يدعهم إليه إذا ~~خالفوه. # أبوة أدبية أو أستاذية فنية نالها من تلاميذه؛ لأنهم شاركوه كما شاركهم في دروسها الطيعة ~~التي سبقهم إلى اقتباسها بخبرته واجتهاده، ولم يسلمها إليهم إلا كما يتسلم التلاميذ في ~~حلقة المذاكرة توفيقات زميلهم السابق الذي يحسبون نجاحه من نجاحهم، ويضيفون اجتهاده إلى ~~اجتهادهم، ولو قالوا إنه أخ لهم يحل منهم محل الأب المحبوب باختيارهم وعطفهم لما جاوزوا ~~الصواب. # فالأستاذ الأب أو الأستاذ الأخ قد نشأ في عهد المدارس المتعددة، وكان تلميذا لكل مدرسة ~~منها في أوانها، ثم شفعت له المشاركة في التجربة بعد التجربة عند الناشئين الذين سبقهم ~~قليلا إلى معاناتها فأعفاهم من أكثر العناء وأقنعهم لأنه سلم قبلهم للتجربة الغالية فلم ~~يحسبوا أنهم يسلمون له بهداية لم يشتركوا فيها، وكلهم - صفا بعد صف - متلاحقون في ~~التقدم وفي التسليم. # ونحن لم نقرأ للشاعر الناقد كتابا كاملا غير كتابه عن بلاتيرو الذي اقتبسنا منه طرفا ~~صالحا في الصفحات التالية، فكل ما قرأناه له مقصور على المختارات المترجمة له إلى اللغة ~~الإنجليزية، وجملتها لا تزيد على كتاب واحد معتدل الصفحات، ولكننا نحس ونحن ننتقل من إحدى ~~قصائده إلى الأخرى، ومن إحدى مقالاته إلى المقالة التي تليها أننا ننتقل بين الجهات الأربع ~~في غير اتجاه واحد إلى اليمين أو إلى اليسار وإلى الأمام أو إلى الوراء. فلولا الوحدة ~~الروحية التي تتشابه في أساليبه على تنوعها وتبدلها لخطر لنا أن المجموعة خليط من ~~المختارات لأشتات من الشعراء والأدباء، ms077 وربما سرت في الأساليب المتعددة روح أخرى تلحقها ~~بوحدة فنية مشتركة غير الوحدة التي تحافظ عليها سليقة الشاعر في أدوار حياته وفي تجارب فكره ~~وقلمه؛ فإن روح العصر الحديث أظهر في جملة منظوماته ومنثوراته من أن يختلط بأساليب الشعر ~~والنثر في عصر آخر من عصور الآداب الإسبانية أو الآداب الأوروبية على عمومها، ولكن الاختلاف ~~بين الأساليب - بعد ما يشملها من تشابه السليقة وتشابه العصر - وشيك أن يفرقها بين الجهات ~~الأربع ولو في مكان محدود. ~~••• # وقد تعددت مناهج الشاعر الناثر ومدارسه القلمية على قدر تعدد مطالعاته في الآداب ~~المأثورة بين أبناء زمنه، وقد كانت له مطالعات تكثر كلما اقتربت من العصر الذي عاش فيه. ~~فربما كان محصوله من المطالعات السلفية من تراث اليونان واللاتين وأدباء القرون الوسطى أقل ~~من المألوف بين جلة الأدباء القراء في جيله، ولكنه كان أوفر محصولا من أدب القرن السابع ~~عشر بعد عصر النهضة وفي مقدمته أدب شكسبير، وكان محصوله من أدب القرن التاسع عشر في القارة ~~الأوروبية برمتها أوفر من كل محصول تجمع له من بقايا القرون الغابرة. فاطلع على آداب ~~المدارس الفرنسية المعاصرة وآداب الأمريكتين في لغاتها المختلفة، ولم يفته الاطلاع ~~على أدب تاجور وبعض المترجمات عن المأثورات الأسيوية، وجمعت بينه وبين الشاعر الهندي قرابة ~~نفسية لا تخفى على من يقرأ الشاعرين في وقت واحد، فإنهما زميلان في مدرسة التصوف الحديث وإن ~~يكن تصوف تاجور أقرب إلى الروح وقداسة الدين، وتصوف خيمنيز أقرب إلى الذوق وجمال الفن ~~والسكون إلى جوار الطبيعة، ولكنهما مدرسة واحدة في خليقة الطيبة والدماثة التي يتسم بها ~~المتصوفة من كل قبيل. # وكانت هذه الدماثة في روح الشاعر أشبه شيء بخاصة السلاسة التي تجعل الجسم الطبيعي مطواعا ~~للتشكل بشكل الوعاء الذي يحتويه، وكأنها كانت في أثرها المزدوج سر تلك السهولة أراحته من ~~مقاومته للناس ومن مقاومة الناس إياه، فلم يكن من طبيعة أدبه أن يقاوم المخالفين أو يثير ~~المقاومة من جانبهم، وقمين بهذه السلاسة أن تقترن في النظر بملامح السلامة ~~والسلام. # إلا ms078 أنه على كثرة المناهج القلمية التي انتسب إليها، وهو يتطور بفكره من صباه الباكر إلى ~~كهولته لم يولع بمنهج منها، كما أولع بالمنهجين الغالبين عليه لاقترابهما من سجيته ~~واستعداده، وهما مدرسة التنميق التي تتلمذ فيها على أدب: وليام باتر الإنجليزي، وجوتييه ~~الفرنسي، ومدرسة المحدثين المتأخرين التي مزج فيها بين الرمزية وما فوق الواقعية # Surrealism ~~، وتطرف بها غاية التطرف فترة قصيرة حتى ~~أوشكت كتابته فيها أن تكون إشارات إلى الأفكار الطائرة كإشارات الخرس إلى الكلمات المتناثرة ~~في معاجم اللغة، وقد أكثر من الكتابة على هذه الطريقة في صوره القلمية التي رسمها بالحروف ~~والألفاظ، وكاد يرسمها بالخطوط والنقاط كما صنع في تصويره - القلمي - للشاعر بكوير، وليس هو ~~بأغمض الصور عنده، ولا السطور التي ننقلها هنا بأغمض ما في سائر السطور، كما يظهر من ~~المقابلة بين الترجمة الحرفية بالعربية والترجمة الحرفية بالإنجليزية. # ففي تلك الصورة يقول: # وحول بكوير كالخلاصة الصفراء الفضية من الزهرة المثالية، وبين العصافير المتجمعات ~~لتتويجها، والمنقار الغيور يغرد بها، تطير الأوزان والألحان في أحوال شتى قبل وبعد ~~المبتذل من الأشياء، فريدا صادقا فيه؛ إذ ليست هي إلا سجعاته القاسية ~~الشمطاء. # جرس وقافية - حقا - تمر السنون في إسبانيا ولا يستخدمان بغير رجعة إلى ~~بكوير. # جرس. قافية. قافية. جرس. قافية. قافية النهد الأسود والأبيض المحفوظ على صفحة ~~الطغراء، طغراء الرواق على حجر القبر، على جدار الدير، على الغرفة المغلقة بسماء ~~إشبيلية الغربية خضراء وقرنفلة ومعها الماء والشمس على صفحة الزجاج. # وترجمتها بالإنجليزية تدل من يعرف تلك اللغة على تأصل الغموض واللغو في ذلك الأسلوب، ~~وأنهما لم يتطرقا إلى المعنى عرضا لافتراق وسيلة الأداء بين اللغة العربية واللغة ~~الإسبانية. # وهذا نص الترجمة الإنجليزية كما وردت في المختارات: # All around Becquer, Like the Yellow and silver sum of ~~the ideal flower, among birds all united to crown it, the ardent beak ~~chirping at it, Rhyme flies, in so many cases before and after a vulgar ~~thing unique and authentic in him as it is ms079 only his hard grey assonance. ~~Sound, Rhyme, indeed for many years they will not be used in Spain without a ~~return to Becquer. Sound, Rhyme, Rhyme, Sound, Rhyme, the Rhyme of the Black ~~and white breast preserved on the escutche on of the portico on the stone of ~~the tomb, on the wall of the convent, on the closed balcony with the Western ~~Sky of Seville, green and pink with water and sun, on its pane of ~~glass. # ومن حسنات الملكة المطبوعة - ولا ريب - أن الشاعر نجا من محنة التقليد تجربة بعد تجربة من ~~تلك التجارب التي ساقه إليها إغراء الجديد وحب امتحان قوته، فيما تستطيع على عادة كل من ~~يشعرون بقوة فكرية أو جسدية على مقربة من ساحتها المفتوحة للمراس أو المباراة، وقد كانت ~~ساحته المفتوحة أمام عينيه أوسع ساحة يرتمي البصر بين آفاقها من أقطار العالم القديم إلى ~~أقطار العالم الجديد. وهي محنة لو ابتلي بها أديب من أصحاب التقليد لضاع بين غواياتها ~~المتعددة، أو غاصت به تجربة منها إلى أعماقها، فسكن في القاع أو طفا على وجهها وهو ~~غريق. # ولكن شاعرنا تورط في هذه التجارب تورط القادر على امتحانها وامتحان نفسه، فخرج ~~منها إلى فن قوام بينها يلائمه ويأبى عليه أن يعدل به منهجا من مناهج الدعوى والمحاكاة. ~~فعاد يقول أن المدارس الأدبية تجود بالفن الرفيع كلما استغنى فيها عن الانتساب إلى مدرسة من ~~المدارس، فلم تكن له صفة غير صفة الفن الجيد الذي لا تلحق به علامة من علامات الأزياء ~~الموقوتة والجدائل المتقلبة. فهو يرى أن المدارس السلفية والمثالية والواقعية وما فوق ~~الواقعية والمستقبلية وغيرها وغيرها من مدارس الفنون التي تتعدد عناوينها، أو تتعدد ~~موضوعاتها، قد تأتي بالجيد النفيس من المنظوم والمنثور، ولكنه لا يوصف بالجودة إلا لأن صفة ~~الجودة وحدها تغنيه عن كل صفة أخرى، فلا يقال إنه جيد واقعي أو جيد مثالي أو جيد سريالي أو ~~جيد رمزي إلى غير ذلك من النعوت والتصنيفات، ms080 بل يقال إنه جيد لأنه ارتقى إلى مرتبة الفن ~~الخالد الذي يرتضيه كل زمن، ويتقبله كل ذوق وتشمله صفة العالمية أو صفة الإنسانية في أوسع ~~نطاق، كلما اتسع النطاق فاحتوى القاعدة الشاملة، ولم يترك بعدها بابا للاستثناء غير ~~الاستثناء الذي لا بد منه ولا محيد عنه في قاعدة من قواعد الفنون والآداب. # ومقاييسه التي يعرف بها هذا الفن الوحيد الغني عن الأوصاف تبلغ من الدقة أحيانا مبلغ ~~التعاريف الرياضية والقوانين العلمية؛ فلا يلتبس معناها على القارئ البصير بتعبيرات الفن ~~ومقاييس الأدب التي تتراوح أبدا بين الواقع والخيال. # فالشعر الجيد هو الشعر الذي يبقيه ناظمه كله ولكن بعد جهد جهيد؛ فقد يكون فيه ما هو حقيق ~~بالحذف والإلغاء، ولكن إبقاءه أسهل من حذفه بعد طول المراجعة والموازنة والتعديل. # وليست البساطة الفنية عنده أن يعفي الشاعر قريحته من الجهد والكلفة، ولكنها هي تدبير ~~المفاجأة التي يخيل إليك أنها وثبت إلى الشاعر بغير طلب؛ لأن المجهود الوحيد المحمود فيها ~~أنه عناء يبذل لإخفاء العناء! # ومن أوابده البارعة في تعريف الحسن من القديم والجديد أن للحسن من الفن جذورا وأجنحة، ~~ولكنها الجذور التي ينبغي أن تطير، والأجنحة التي ينبغي أن تنبت لها جذور. # وهو يفرق بين التقليد والمشابهة فيتقبل مشابهة «العدوى»، وينكر مشابهة المحاكاة، ولا ضير ~~من «عدوى» الجمال لأنها خلق متكرر أو خلق منقول! # وقد يفرق بين الشعر والأدب في هذه الخصلة، فيتقبل الحكاية في الأدب ويأباها في الشعر؛ لأن ~~مقاييس الأدب عمل من أعمال الفكر يأذن بالتطبيق والاحتذاء ويتبع الإنتاج المبتكر أحيانا ~~ليقاس عليه، وليس من الشعر الأصيل شعر يقصد به القياس والتطبيق. # وله في هذه التفرقة معنى يشبه معنى شاعرنا أبي الطيب في تفرقته بين الجمال الموهوب ~~والجمال المكسوب ، أو بين حسن البداوة وحسن الحضارة: # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وللبداوة حسن غير مجلوب # وقد يجعل حسن «المصادفة» خاصة من خواص الشعر يعول عليها ولا يستغني عنها، ولا تصلح ~~المصادفة عنده أساسا من أسس الأدب الخالق أو الأدب الناقد؛ لأنه في الحالتين ms081 محتاج إلى ~~أعمال الروية وانتظام التفكير. # وأصح ما في مقاييسه للشعر أو للأدب أنه عرف بها حدود فنه وحدود ملكته أو حدود ~~المسموح به وغير المسموح به لشعره وأدبه، فانصرف إلى الشعر والأدب الذي تغني فيه الريشة ~~غناء القلم، وتنقله الألوان من متناول الضمير إلى متناول العيان، فهو مصور في كل سطر من ~~سطوره وكل بيت من أبياته، وهو مصور ألوان قبل أن يكون مصور أشكال أو مصور حركات، وعالمه ~~كله من العوالم التي يحيط بها نظر الجالس على سجيته في ظلة من ظلل الطبيعة، ويده على منظاره ~~يرفعه إلى عينه، كلما أراد أن يقرب ويستوثق دون أن ينتقل إلى بعيد، وسواء هنا بعيد الأمكنة ~~والمطارح، وبعيد الأزمنة والأفكار. # ومن عادته في تصوير اللون أن يستقصي كل مسحة، وألا يدع في الصورة شية من الشيات ~~البارزة أو المطوية بين الجوانب الخفية بغير إشباع وتثبيت؛ فلا يكفيه أن يقول عن الزهرة ~~الصغيرة أنها حمراء، أو ذهبية، أو ذات لون غالب عليها يدل على ما عداه، بل يحصر النظر فيها ~~ولا يحوله عنها إلا إذا فرق عليها ألوانه، وقال لنا كيف تكون حمراء هنا، وصفراء هناك، ~~وضاربة إلى الخضرة أو السواد في هذه الحاشية، أو تحت تلك الزاوية إلى غاية من التدقيق ~~والاستقصاء تمل القارئ أحيانا لولا ما يتخللها من لمسات العطف ونفحات البهجة ~~بالجمال. # وطريقته في فهم شيء من الأشياء - بل في فهم إنسان مجهول أو إنسان معروف - أن يعطيه صورة ~~ويسبغ عليه ألوانا ويرمز إلى أفكاره الباطنة بهيئة من الهيئات التي تقع تحت الحس، أو تقع ~~تحت المنظار من بعيد، في وضوح تارة، وفي غموض لا وضوح فيه تارات. # وكذلك يرسم نقده لمشاهير الأدباء رسما تدركه العين، ثم تدرك معناه من طريق الرموز ~~والإشارات، وفلتات التعبير على انقطاع بينها يكاد يلحقها بالخطوط والنقاط، ويخرجها من عداد ~~الكلمات والحروف، ولكنه تخفف من هذه الرموز في صوره الأخيرة، واستعاض منها بأشكال الخيال ~~التي يبث فيها الحياة، ويرسلها أشباحا في الظلام تستغني بالظلال ms082 عن الألوان. # من قبيل هذه الصور التي تنوب فيها الأشباح عن الألوان صورة النوافير في جنة العريف التي ~~ترجمنا سطورا منها في الصفحات التالية؛ فهو إذا وصفها تحت جنح الليل لم ينظر إلى شيء منها ~~يفيض عليه ألوانه وشياته كما تعود أن يصنع بكل منظور تحت أشعة النور، ولكنه يستمع إلى أصوات ~~الماء في صعوده وهبوطه، وفي أنينه وزئيره، وفي انسيابه واندفاعه، فيرسلها ظلالا ويجعل ~~الظلال أشباحا، ويطلق حولها من أوهام الخوف والهرب، أو أصداء الضحك والمرح، أو صرخات الذعر ~~والجنون، أو وسوسة الندم والإعياء، فنونا من القصص تلائم أصوات الظلام، وتتوارى فيها ~~الأطياف غير أشباح وأوهام؛ فهو في تصويره إما ناظر يغرق مناظره في أقواس قزح، وأما سامع ~~تختفي أمامه الألوان، فينتقل بها من عالم النور إلى عالم الظلال، ويصور الظلال من جانب ~~السمع بعد أن خفيت عليه من جانب العيان. # وغاية ما يقال عن دنياه وعن الطبيعة كلها في دنياه إنها خلقة فنية يقيسها بمقاييس ~~الذوق، ولا يعرف لها تقسيما غير تقسيم الحسن والقبح وجودة الأداء وسوء الأداء، وغاية ما ~~تبلغ من رضاه أنها تدعو إلى إعجاب، أو تدعو إلى امتعاض وانقباض، ولكنه امتعاض لا يشتد عنده ~~ولا يثور أبدا ثورة السخط والاشمئزاز؛ لأنه في حدود الذوق يقنع بالاستحسان أو الاستهجان، ~~ولا يتسع وجدانه الفني لثورة من ثورات الشعور تدفعه إلى ما وراء ذلك، فليس عنده لما ينكره ~~الذوق درجة من السخط وراء حد الإعراض، أو تحويل الوجه عن المنظر الدميم! # وهو يسمي هذه العلاقة الفنية بينه وبين الطبيعة وبينه وبين الدنيا كلها بوحدة ~~الوجود. # وتصدق هذه التسمية جد الصدق على اعتبار واحد، وهو اعتبار الوجود كله متحفا واسعا يجري ~~فيه الخير والشر، والحق والباطل، والقدرة والعجز، والإحسان والإساءة على سنة الذوق ~~بمعيار الفن الجميل، ثم يتساوى فيه كل مخلوق وكل شيء، كما تتساوى صورة الملك وصورة ~~الشيطان، أو تتساوى صورة الحورية وصورة الغول في عمل الفنان القدير، إذا نظرنا إليه بمقياس ~~الإتقان وصدق الأداء. فلا محل في ms083 هذا المتحف لتنازع البقاء، ولا لعبادة القوة، ولا لسورة ~~البطولة، ولا للصراع بين ما يستحق البقاء وما يستحق الفناء؛ لأنها جميعا في مكانها من ~~المتحف سواء، وكل منها صالح في النهاية لأن يستخرج منه شيء للفن يوضع فيه حيث يضعه الفنان ~~الكبير. # وقد عاش خيمنيز حياته يتعبد بوحدة الوجود، ويتذوق الإيمان بعقيدة الفنان والمتفرج في ~~آن، وارتضى من حياته ما يرتضيه المتفرج الذي يتقبل من الدنيا كل ما تلقاه به غير ما يقطع ~~عليه الفرجة، وينغص عليه متعة التأمل وسكينة العابد الناسك في هذا المحراب، ولم يحفل ~~بوجود قط وراء هذا المتحف المزدحم أمامه بالصور والألوان. # ولقد كان من القدر المتاح لهذا الشاعر الوديع أن ينشأ في بلاده، وهي مرجل من مراجل ~~الشر والبغضاء وميدان من ميادين الحروب الأهلية كأعنف ما تضطرم بها ميادين الأمم في عصر من ~~العصور، وسميت فتنتها بالحرب الأهلية لأنها أعنف من الثورة وأشد اختلاطا من عداء ينفجر بين ~~ظالم جائر ومظلوم غاضب؛ إذ كان مثار النزاع بين المتنازعين كأنه برج بابل من المبادئ ~~والعقائد والأغراض، والشكايات والمقاصد التي يعلنها دعاتها والمقاصد التي يكتمونها أو ~~يجهلونها ولا يدرون بواطنها وخفاياها، ففي كل طرف من الأطراف المتلاقية والمتعادية ملكيون ~~وجمهوريون وزعماء من علية الأرستقراطية، وزعماء آخرون من أوساط الناس وعامتهم وجهلائهم ~~وأراذلهم في العقول والأخلاق، وبين هؤلاء وهؤلاء متدينون ومنكرون، وبين المتدينين أناس من ~~أنصار الكنيسة، وأناس آخرون من ألد الأعداء للقساوسة والرهبان ... وبين المنكرين مؤمنون ~~بالمثل العليا وآخرون لا يؤمنون بغير ضرورات المادة ومعيشة الحيوان. # ويسأل كل طرف من هذه الأطراف: ما المصير؟ وما المخرج؟ وأين القرار؟ وكيف يكون القرار؟ فلا ~~يسمع لسؤاله جواب، ولا يستطيع الواقف بينهم موقف الحيدة أن يجرد هذه القضايا المشتبكة من ~~أخلاطها وشوائبها أو يخلص منها إلى ناحية يجزم برجحانها على العلات. # وتلك حيرة عاتية شقي بها المتمرسون بعلاج المشكلات من دهاة السياسة في القوم، ومن قادة ~~الاجتماع الذين ألفوا ضراوة الأحداث، وعرفوا كيف يصابرونها إن لم يعرفوا كيف يقودونها ~~ويسلسون ms084 زمامها؛ فأحرى بهذه الحيرة الجهنمية أن تشقي فنانا وديعا لا عهد له بمراسها، ~~ولا طاقة له بالنظر فيها بله الصبر على مضانكها والأمل في تدبيرها. # وكل ما ثبت له عن يقين بين هذه الدعوات والشكوك أن الحرية جديرة بالانتصار، وأنه مطالب ~~بالتشيع لها والسعي في سبيلها، ولكن أين هي الحرية؟ ومن هم الأحرار من قبل اليمين أو من ~~قبل اليسار؟ إنه يرى بعينيه أن الحرية ضائعة، وأن العبودية واقعة كلما انتصر هذا الفريق أو ~~ذاك الفريق؛ فالذين يطلبون الحرية لحماية النظام الاجتماعي باسم الأرستقراطية يدعون الشرف ~~بغير حق من المعرفة ولا من الخلق ولا من الدراية العملية بسياسة الأمة وتدبير مرافقها، ~~وغاية دعواهم أنهم بقية رثة من تراث قديم تخلفت قشوره، وذهب لبابه، وفقد فضائل أهله، ولم ~~يكسب فضائل غيره. والذين يطلبون الحرية باسم الديمقراطية خنقوا الحرية، وجعلوا ديمقراطيتهم ~~نقيضا للإنسانية، فلم يعرفوا للإنسان حقا في الحياة غير حق الماشية، بل حق البهيمة ~~الضارية التي انفردت بين الضواري بافتراس نظائرها في نوعها واستحقت أن تسمى باسم آكلي ~~البشر، أو باسم «الكانيبال» كما سماها في مقام التفرقة بينها وبين دعوة الأحرار ~~الآدميين. ~~••• # ولم يخذله إلهام الشاعر مع إخلاصه الإنساني في النفاذ ببصيرته إلى مقطع الحق من قضية ~~الأرستقراطية وقضية الديمقراطية في المستقبل الذي يتطلع إليه طلاب الإصلاح من كل مذهب؛ فإنه ~~وضع القضيتين في موضعهما الصحيح، وخرج بهما من ذلك الوضع المغلوط الذي جمد عليه أصحاب ~~المصطلحات الاجتماعية والسياسية في أمته وفي كل أمة معاصرة بقيت فيها بقية من النزاع بين ~~القضيتين. # فما زال الأكثرون من علماء الاجتماع والسياسة يقيمون القضيتين على خصومة دائمة بين ~~المبادئ تكون في المستقبل كما كانت في الماضي، ولا تستقر إحداهما إلا إذا زالت الأخرى من ~~الوجود وبطلت مبادئها في العقول وفي أطوار الحياة. # أما الأرستقراطية التي فهمها خيمنيز فهي كاسمها في اللغة حكومة الأحسن، ومناط الحسن ~~فيها صفات الإنسان لا صفات آبائه وأجداده الحقة أو المدعاة. فأحسن الناس هو أصلحهم ~~خلقا وأصدقهم ذمة، وأوفرهم عقلا، ms085 وأقدرهم عملا، وأوسعهم علما بما ينفع الناس مجتمعين ~~ومتفرقين، ومن الواجب على الأمم أن تعمم هذه الصفات ليشترك فيها الناس، ويبلغوا فيها غاية ~~ما يبلغه أبناء الأمة من المساواة، ويختصوا الحاكم بالاختيار لأنه يتصف بأفضل صفاتهم، لا ~~لأنه يحتكر أحسن الصفات لنفسه ولفئة من أقربائه ونظرائه في النسب والجاه. # والديمقراطية إذن حالة انتقال، ولا يصح بحال أن تكون أملا تنتهي إليه الآمال؛ فإن ~~الديمقراطية واحتكار الحكم نقيضان لا يجتمعان، وإذا أصبحت صفات الحكم غدا ملكا مشاعا يعم ~~أبناء الشعب جميعا؛ فليس هناك أرستقراطية ولا ديمقراطية، وليس هناك شعب حاكم وشعب ~~محكوم. # وإذا كانت الديمقراطية اليوم انتصارا للشعب على من يسخرونه وينكرون حقوقه، فهي حالة ~~تنتهي عند نهاية الفارق بين الحاكمين والمحكومين في المزايا والكفايات؛ إذ ليس للحاكم ~~يومئذ من دعوى يدعيها غير صلاحه للنيابة عن شركائه في جملة مزاياهم وكفاياتهم، وقد ~~تتفاوت هذه المزايا والكفايات بين فرد وفرد وبين ألوف وألوف من الأفراد، ولكنه تفاوت ~~متداول بينهم جميعا لا حكر فيه لطائفة محدودة ولا استئثار فيه لفريق دون فريق. # وعلى هذ الفهم الصحيح للديمقراطية والارستقراطية في المستقبل يتغير وضع القضيتين في ~~ماضيهما، وتصبح الديمقراطية في حالة الانتقال قنطرة يعبرها الشعب كله إلى الأرستقراطية ~~المرجوة التي تنتشر فيها أحسن الصفات، ويختار فيها للحكم أوفق أبناء الشعب لولاية الحكومة ~~وأوفرهم نصيبا من الصفات الحسنى بتزكية المحكومين. # وبهذا الوضع الصحيح تصبح الديمقراطية أرستقراطية المستقبل، وينقضي ذلك التاريخ العتيق ~~الذي جعل الحكم الأرستقراطي مرادفا للماضي المهجور أو مرادفا للأنساب التي طواها التراب؛ ~~فإنما الأرستقراطية المرجوة غدا حق الأبناء والأحفاد، وليست هي بحق مدفون مع الآباء ~~والأجداد. ~~••• # ويتجلى صدق الشاعر في هذا الإيمان بهذه العقيدة؛ لأنه الإيمان الوحيد الذي يلائم طبيعته ~~الهادئة ويلائم ذوقه الفني وعطفه المطبوع. فلا إيمان له بالحاضر الضائع بين زعازع الفوضى ~~ونقائض الولاء والعداء من كل فريق لكل فريق، ولكن إيمانه بالغد يقين بأن الزمن معه وأن ~~أطراف الخصومة في هذه الأيام لا يملكون فصلا مرضيا لما اختصموا فيه قبل موعده ms086 المنظور، ~~وأن الأمل في التطور. # أتراه قد آمن بأن الجهاد في طرف من أطراف النزاع عبث باطل؛ لأنه فطر على الوداعة ~~والهدوء، ولم يفطر على الخصومة والجهاد؟ # وقد تكون فطرته وراء إيمانه بتطور الغد ووراء نفوره من صراع اليوم. # ولكن إيمانه بتطور الغد لا يبطل لهذا السبب، وليس مما ينقضه أن خصوم اليوم فطروا على ~~غير الوداعة والهدوء، فلعله أنهض منهم حجة؛ لأن إيمانه بالغد يبرئه من شبهة الغرض، ويدفع ~~عنه تهمة التشيع لهذا المعسكر أو لذاك لمأرب موقوت يشغله عن النظر البعيد. # ولما انتهى إلى الإيمان الوثيق بالتطور وجد نفسه في أحضان الطبيعة بالمكان القرير الذي لا ~~تعجله عنه صيحة من اليمين أو صيحة من اليسار. # وفي أحضان الطبيعة سكن إلى حياة الريف، وأيقن أن الأمل الكاذب هو الأمل الذي لا ينبت في ~~هذه التربة ولا يترعرع فيها كما يترعرع النبت المثمر في أوانه، ولن تعجله صيحة من اليمين أو ~~اليسار أن يثمر قبل الأوان. # ومن الريف شعاره الذي دان به في عمله وفي نصيحته لطلاب العمل من تلاميذه ومريديه: أنك إن ~~تعجلت جرى الزمن أمامك كالفراشة التي لا تدرك، وإن تأنيت أخذت بعنان الزمن فمشى وراءك ~~مشية المطية الذلول. # وعلى كره شديد كان ينصح تلاميذه ومريديه بغير هذه النصيحة إذا ألحفوا عليه بالسؤال، ~~فعلى الشباب أن ينضوي أبدا إلى جانب التطور المتقدم، كما قال لبعض سائليه من الأمريكيين ~~الجنوبيين، ولكنهم في حل من العجلة إذا اختنقوا؛ فإن التنفس هو الحركة التي لا تقبل ~~الإرجاء، ولا بقاء بغيرها لحي من الأحياء. ~~••• # وربما كان خيمنيز هو الوحيد الذي نجا بسمعته القوية من غوائل الحرب الأهلية بين أنداده من ~~أعلام الأدب في اللغة الإسبانية؛ فإن الحروب الأهلية كما نعلم من جميع تجاربها فتنة عمياء ~~تصيب العدو والصديق، ولا يسلم منها الواقفون على الحيدة بين المعسكرين؛ لأنهم قد يخرجون من ~~الوسط بعداوة الفريقين إذا كانت حيدتهم مخالفة لمصلحة هؤلاء وهؤلاء، كما يحدث كثيرا عند ~~اضطراب الأمور وتفرق المصالح والغايات. وقد كان أناس ms087 من الواقفين موقف الحيدة بين اليمين ~~واليسار يتعرضون للاتهام بخذلان القضية القومية وفتور الغيرة على مصالح الشعب أو مصالح ~~الأمة، وكان للشعب معنى غير معنى الأمة في إبان الفتنة؛ لأن المنادين باسم الشعب كانوا ~~يحصرون الشعبية في طبقة واحدة من المحرومين في عصرهم، ولا يشملون بها طبقات الأمة جميعا في ~~حاضرها ومستقبلها وفي ماضيها العريق ومصيرها المنظور. ولكن حيدة خيمنيز لم تكن حيدة المصلحة ~~التي تخالف مصلحة اليمين ومصلحة الشمال، وإنما كانت حيدة الزهد في المغانم اليمنى واليسرى ~~واشتراك الشعور الإنساني بينه وبين المحرومين وطلاب الحرية حينما كان للشعور الإنساني صوت ~~مسموع. فإذا خالف القسوة الكانيبالية - كما كان يسميها - لم يكن خلافه لها مشايعة لأصحاب ~~المغانم من المجدودين؛ لأنه كان ينحي على مساوئ الجشع عند هؤلاء أشد الإنحاء، ولكنه كان ~~قريبا إلى جانب العطف الإنساني في نفس المحروم المظلوم وفي نفس المجدود المظلوم، فخرج من ~~بينهما بأخف التهم التي يتعرض لها الواقفون موقف الحيدة في معمعة الحروب الأهلية، وكان أقسى ~~ما اتهم به أنه اتخذ أحضان الطبيعة في الريف «نقطة انتقال» في انتظار المستقبل الذي ~~يسفر عنه «التطور» الموعود، وهو التطور الذي يأخذ في عصر الصناعة خير ما يعطيه، ولا ينفصل ~~عن أحضان الطبيعة ولا عن «وحدة الوجود» الخفية التي تدب في عروق الأحياء، بل تسري في النبات ~~والجماد مسراها في الكائن الحي من الآدميين وغير الآدميين. وقد كان خيمنيز يزور عواصم ~~الحضارة في القارتين الأوروبية والأمريكية، ويشهد بعينيه معالم القوة والثروة ومعجزات العلم ~~والفن التي تمخض عنها عصر الصناعة في تلك العواصم، فلا يجهل فضلها ولا يغمط حقها، ولكنه ~~كان يزداد أملا في ذلك التطور الإنساني الذي يحلم به كلما ازداد علما بما يتطلبه روح ~~الإنسان، ويبحث عنه عبثا بين معالم الحضارة المادية والعظمة الصناعية، وربما أنس إلى منظر ~~«مقبرة» في وسط المدينة يرف عليها الطير، وينبت في تربتها الزهر، ويتعهدها الأحباب ~~والأقرباء بالزيارة مقبلين إليها من أرجاء الحاضر التي تعج بالأصداء وتموج برواد السلع ~~والآلات؛ لأنه يلمس روحه ms088 هناك حيث يفقدها في ميادين الجلبة والزحام والتدافع بالمناكب ~~والأقدام على المال والحطام، ويرفع بصره إلى ما فوقه فلا يصدق أن ما يراه بعينيه هو قمر ~~السماء، بل يكاد يحسبه إعلانا عن القمر بين سائر الإعلانات المتلألئة بالأضواء! ~~••• # إن حياة خيمنيز في الطبيعة وأمله في الطبيعة، وحلمه بالطبيعة بين لجب الحضارة والصناعة، ~~هو السر المكشوف في كل رسالة للفن، والإيمان يبشر بها شاعر «المقرة» وخليفة شعرائها ~~الأندلسيين بعد ثمانية قرون. # وإذا كان أناس من مؤرخي الأدب يربطون بين مدرسته الشعرية ومدارس الشعر الأندلسي في القرن ~~الثاني عشر، فالبساتين والعيون هي الملتقى المأنوس الذي يؤلف بينه وبين سليقة العربي ~~المقبل من صحرائه القصية، الحالم بجنته الأبدية على هذه الصورة الدنيوية. فهذه حلة من ~~قداسة السماء لبستها البساتين والعيون، واستعارتها من جنات تجري تحتها الأنهار منذ فتح ~~العربي أعين الصحراء على جنة العشب والماء، وما كان لهذه الجنة رسم معهود في أخيلة الشاعر ~~الأندلسي قبل تلك الهجرة العربية، ولا كان لها في وجدانه شوق يمتزج بحنين العشق وشهوة ~~الغرام كذلك الشوق الذي يتغنى بها عاشق الحسناء في قصائد الشعراء من أبناء الصحراء. ~~••• # ولقد عاش خيمنيز حتى ناهز السابعة والسبعين، ولكنه أدرك رسالته في الفن ورسالته في الحياة ~~وهو في إبان نضجه واستواء ملكاته، ولا نقول في عنفوان قوته وريعان صباه؛ لأنه لم يكن قط ~~ذا عنفوان وريعان، ولم يخل قط من وعكة وانحراف منذ عرف معنى للصحة واعتدال المزاج، ~~وحياته على نقيض صوره المثقلة بالألوان والظلال إلى حد الإرهاق، إنما ترسم للناظر أو ~~المترجم صورة «ساكنة» تقل فيها الألوان الصارخة وما دونها من الألوان التي تلفت إليها ~~الأنظار، فلا حركة في ذلك العمرم المديد فيما عدا حركات الأسفار بين وطنه الأوروبي ووطنه ~~الأمريكي، وبين وطنيه هذين ومقامه بأمريكا الشمالية، ولم تقترن رحلته إلى موطن من هذه ~~المواطن بحركة مجهدة تقطع عليه سلسلة التأمل في سلام، فلا جرم تنجذب إليه في ختامها جائزة ~~السلام! ~~••• # ولد خيمنيز في قرية المقرة بجنوب الأندلس، ونشأ في ms089 بيت أسرة ميسورة الحال بين البحر ومروج ~~الريف، وتعلم في القرية صفوة ما يتعلمه الطفل القروي من معارف دينه ودنياه، ومن ثقافة ~~الريف المطبوعة المتوارثة وثقافته المصنوعة التي تنقلها الدراسة والمطالعة، فلم يكد يبلغ ~~الرابعة عشرة حتى كان له شعر ينشر في صحف إشبيلية ومدريد، ويمهد له السبيل إلى ندوة الأدب ~~في العاصمتين، وقد تلقاه أدباء العاصمتين بالعطف والترحاب، فقضى سنواته الأولى بعد ظهور ~~اسمه في الصحف الأدبية يتنقل بين الريف والحضر، ويسكن أكثر أيامه إلى المصحات وضواحي ~~الاستشفاء بعيدا من «شبكة» الدسائس الأدبية التي لا يبرأ منها جو الحواضر في عصور الفتنة ~~والانتقال على الخصوص، ولعله عوفي بالمرض من لجاج التنافس والخصومة فدرج في نشأته على نهج ~~مريح مأمون العثرات، وقد أخذ في إصدار دواوينه قبل أن يبلغ العشرين، واشترك في إصدار صحيفة ~~الشمس # Helios # سنة 1902، ثم في صحيفة النهضة أو المولد ~~الجديد # Renacimients # سنة 1907 التي أصبحت لسانا ناطقا ~~لأنصار المدارس المستحدثة في عالم اللغة الإسبانية، وعملت على توحيد جو الثقافة الشعرية ~~بين الأمة الأصيلة وأمم أمريكا اللاتينية. وقد التقى وهو في نحو السابعة والثلاثين بالأديبة ~~زنوبية كمبروبي في مدريد، ولحق بها في زيارته الأولى لنيويورك (سنة 1916)، حيث تم بينه وبين ~~أسرتها الاتفاق على الزواج، وكانت زوجته الأديبة شريكته في ترجمة الشاعر الهندي رابندرانات ~~تاجور من الإنجليزية إلى الإسبانية، وقد عاد الزوجان إلى وطنهما ولبثا بين حواضره وقراه ~~زهاء عشر سنوات، ثم أزعجتهما عنه الحرب الأهلية (سنة 1936)، فرحلا إلى بويرتوريكو وإلى كوبا ~~ثم إلى نيويورك وواشنطون، وبعد سنوات قضياها في الولايات المتحدة غلبهما الحنين إلى جو ~~اللغة الإسبانية، فانتقلا إلى بويرتوريكو مرة أخرى (سنة 1952)، واختارته جامعتها لإلقاء ~~محاضراته عن الشعر والأدب والثقافة العامة، فأصبح مجلسه إلى جوار الجامعة قبلة الرواد ~~من ناشئة أمريكا اللاتينية، وشاءت المقادير بعد أربع سنوات من مقامه بالجزيرة التي تلتقي ~~فيها الثقافتان الإسبانية والإنجليزية أن تأتيه بشرى الجائزة العالمية، وأن يمنى بوفاة ~~زوجته الوفية في أسبوع واحد، وقد أدركه الأجل المحتوم بعد عام. # أما ms090 مؤلفاته من المنظوم والمنثور فقد والى إصدارها نحو ستين سنة على انتظام تارة وفي ~~فترات متباعدة تارة أخرى، وأكثرها من الشعر المنظوم على أوزان الأغاني والترانيم ~~الاجتماعية، وبعضها فصول منثورة في النقد والآراء الاجتماعية والدينية على أسلوب سهل من ~~البحث القريب، والإيحاء المستمد من الواقع والخيال يرجح فيه منهج الفن على منهج الدرس ~~والتحقيق، وقد ظهرت دواوينه الأولى وهو يجاوز العشرين، فاشتهر منها ديوان الأحاديث الحزينة # Apias Tristes ~~، وديوان الجنات القصية # Jardines Lejanos ~~، وديوان أناشيد الرعاة، ثم لحقت ~~بها وهو يقارب الثلاثين مجموعاته التي سماها بالقصائد الصافية والقصائد الوسطى والقصائد ~~الشجية، وبدأ في هذه الفترة تخطيط كتابه الأشهر عن حماره الذي سماه Platero # أي الصائغ الفضي، وقال عنه ناقد «الفيجارو» ~~الفرنسية: إنه قل في أدب العالم الحديث أن يوجد كتاب له قدرة هذا الكتاب على الرجوع ~~بالإنسان إلى طفولة السن وطفولة الفطرة في أحضان الطبيعة، ويظهر أنه بدأ فيه ولم يقصد ~~الانتهاء من كتابته لتوه، ليجعله بمثابة مفكرات فنية لحياته في الريف، فقضى في تدوين هاته ~~المذكرات عشر سنوات، وأظهره بعد عودته من رحلته الأولى إلى أمريكا الشمالية (1917)، ولا شك ~~أنه أدل كتبه عليه. # وله مجموعات شتى من القصائد والمقطوعات والفصول والمحاضرات، آخرها وأهمها فصول عن ~~«الله المريد # Dios Deseado ~~» أودعه خلاصة فلسفته في ~~العقيدة والحياة، وزبدة هذه الخلاصة في عبارة وجيزة أن الله أقرب ما يكون إلى من يرقبون ~~آيات الجمال في خلقه، ويؤثرون بساطة النعمة على كثافة المتعة في مطالب الحياة، وهي مبذولة ~~لمن يقنع بها ويرتضيها. # وقد اخترنا للشاعر الناقد المتأمل نماذج من الشعر والنثر صالحة لتعريف القارئ العربي به ~~في مراحل تطوره من بواكيره إلى خواتيمه التي استوى فيها على أوجه، ولم نرتبها على حسب ~~الزمن؛ لأن القارئ يميز بينها في غير جهد ولا تردد، فكل ما كثرت فيه الصنعة وظهر فيه حب ~~المحاكاة وتجربة الملكة فهو من أعمال صباه، وكل ما اطمأن فيه الشاعر إلى البساطة ~~والسلاسة فهو من صنعة النضج والفكرة المستقلة، أو من ms091 الفن الذي قال عنه أنه يسمى «فنا» ~~وكفى؛ لأن الجيد من كل مدرسة هو الفن الذي تتلاقى فيه مدارس الذوق والنقد، ويتخطى حدود ~~الأوقات وفوارق الأذواق والآراء. # ولقد قيل إن «الاستحداث» وصل إلى الأدب الإسباني مع «داريو» وانفصل عنه مع خيمنيز، ولا بد ~~من التفرقة بين الشعر المستحدث والشعر الجديد؛ فإن الاستحداث عرضة لآفة الولع بالتغيير ~~والابتداع مخالفة للمألوف على قياس وعلى غير قياس، وليس التجديد في كتبه في كثير من الأحيان ~~غير تصحيح المقاييس التي يقاس بها الشعر الخالد السائغ للإنسان في جميع العصور. # | بلاتيرو وأنا # بلاتيرو: حمار صغير وافر الشعر ناعم الملمس، يخيل إليك من فرط نعومته أنه مصنوع من القطن ~~بغير عظام، لولا مرآتان لامعتان من الكهرباء السوداء كأنهما جعلان بلوريان، هما ~~عيناه! # أرسله فينطلق إلى المرج يتنسم بأنفه الأزاهير اللطاف موردة ولازوردية ومذهبة، ~~وأدعوه مترفقا: بلاتيرو! فيقبل إلي في ركضة مرحة كأنها ضحكات خفية مترنمة. # يأكل كل ما أعطيه، ويلتذ البرتقال واليوسفي، والعنب العنبري، والتين القرمزي تنديه ~~قطراته العسلية. # إنه كالطفل ودود رقيق، ولكنه كالصخر صلب متين. أمتطيه أيام الآحاد وأسعى به في دروب ~~القرية فيرمقه الفلاحون، وهم يمشون على مهل ويقولون: إنه لمن حديد! # أي نعم. من حديد، ومن فضة كشعاع القمراء سواء! # الفراش الأبيض # يهبط الليل في غبش ذي وهج، وتتخلف وراء برج الكنيسة ومضات مخضرة زاهية، وترتفع ~~الطريق ملأى بالظلال والأجراس ونفحات العشب، ملأى بالسآمة والشوق، ويخرج علينا من جانب ~~الخص المحتجب في أكياس الفحم شبح قاتم في يده شوكة يلتمع وجهه لمحة في ضوء سجارته ~~الأحمر، فيخاف بلاتيرو ويسأل الرجل: أمن شيء تحملون؟ ~~- انظر تر بعينيك. فراشات بيضا! # ويهم الرجل أن يغرز شوكته في السلة فلا أمنعه، وأفتح له الجراب فلا يرى فيه شيئا، ~~ويذهب غذاء الأرواح حرا خالصا، لا مكوث عليه! # ألعاب الشفق # في شفق المساء وقد كدنا نيبس من البرد، تقدم بلاتيرو - وأنا - في الظلام البنفسجي ~~إلى الزقاق الوضيع قبالة مجرى النهر الناضب، فالتقينا بأطفال القرية - من أبناء الفقراء ~~- يصطنعون ms092 التمثيل ويتبادلون التخويف والتهويل، ويحكون أبناء السبيل: هذا يغطي رأسه ~~بجراب وهذا يتعامى، وذاك يظلع في مشيته، وفي لمحة عين - على دأب الطفولة من سرعة التقلب ~~وسهولة الانتقال من حال إلى حال - يعودون فيزعمون أنهم أمراء؛ إذ هم على الأقل لابسون ~~منتعلون، أطعمتهم أمهاتهم، وما يدري أحد غيرهن كيف زودنهم بالطعام: # أبي عنده ساعة فضية! # أبي عنده حصان! # أبي عنده بندقية! # نعم، ساعة توقظه في مطلع الفجر، وبندقية لا تقوى على قتل الجوع، وحصان يحمله إلى ~~الشقاء. # ثم تشتبك الأكف ويدورون في حلقتهم راقصين، وتغني في الظلمة بنية صغيرة كأنما صوتها ~~النحيل بلور سائل فتصيح في كبرياء: # أنا الأرملة الفتية. # أرملة الكونت أوريه! # نعم. نعم. يتغنى أطفال الفقراء، وعما قريب في يقظة الشباب، يخيفكم الربيع كأنه ابن ~~سبيل يتستر بزي الشتاء! ~~- هلم بنا يا بلاتيرو! # الكسوف # على غير قصد منا دسسنا أيدينا في جيوبنا، وأحسسنا على جباهنا لمسة ظل برود، كأننا ~~نخطو إلى غابة من الصنوبر غبياء، # 1 # وطفقت فراريج الدار تصعد إلى الأكمة التي تؤويها واحدة بعد أخرى، والتفت ~~جوانب القرية بوشاح مضرج كأنه حجاب المحراب، وبدا البحر من بعيد كأنه حلم، وتراءت ~~هنا وهناك نجيمات شاحبات، ويا للعجب! أي بياض هذا الذي اكتست به السقوف بعد بياضها ~~المألوف! # وجعلنا نحن على السقوف نتنادى بما يخطر على اللسان من مقال، أشباحا صغارا في سكون ~~الكسوف المحيط بنا أجمعين. # ومضينا ننظر إلى الشمس بكل ما اتفق لنا: منظار المسرح، ومجهر الرصد، وزجاج القوارير، ~~وزجاج مغشي بالدخان، وندير النظر من كل زاوية وإلى كل وجهة، تارة من جانب المخدع، وتارة ~~من جانب السلم، خلال ألواح الفضاء بين حمراء وزرقاء. # وعندما احتجبت الشمس - وهي التي كانت منذ لحظة تضاعف كل شيء حسنا وبهاء، مثنى وثلاث، ~~بل مائة مرة بما تفيض عليه من نور وذهب - حالت الأشياء دون أن تعبر بتلك النقلة الطويلة ~~من ألوان الشفق، فاستكانت إلى العزلة والفاقة، كأنما تبدل الذهب فضة، ثم تبدلت ~~الفضة نحاسا بين نظرة وأخرى، وصارت البلدة ms093 كلها كأنها فلس من النحاس الممسوح. فيالله ~~ما أعتم وما أبخس ما تبدو الطرقات والرحاب ومسالك البرج والجبل! # وبلاتيرو هناك في رحبة الدار كأنه كائن مريب، يتضاءل ويختفي ويلوح كأنه حمار غير ذلك ~~الحمار! # الخوف # يصاحبنا القمر مستديرا صافيا، ونلمح على المروج الناعسة أشكالا من الظلال كأنها ~~المعيز بين شجيرات التوت، ونمر فإذا بشيء هنا وهناك كأنه يتردى في سكوت، وعلى الطريق ~~شجرة ملتفة من أشجار اللوز يعلوها من نوارها الأبيض إكليل كأنه نسيج من الثلج الناصع ~~وأشعة القمر الساطع، تحت سماء الربيع المرصعة بالنجوم، وتنتشر في الجو رائحة نفاذة من ~~عطر البرتقال، ومعها البرد والسكون، ومسارح الجنة والأطياف. # إنه البرد يا بلاتيرو! # ولا أدري أكان يحفزه خوفي أو خوفه، فيركض فيجنح إلى مجرى الماء، ويطأ على بساط ~~القمراء فيمزقه، ويبدو كأنه فوج من الرياحين البلورية المتوردة تشتبك بقدميه لتعوق ~~خطاه. # ويعدو بلاتيرو صعدا وقد لم عقبه كأنه يخشى من خلفه أحدا يلاحقه، وعلى البعد ذلك ~~الدفء الناعم في القرية المقتربة، يحسه ويخيل إليه أنه يبتعد منه فلا سبيل إليه. # روضة الأطفال # لو أنك - يا بلاتيرو - ذهبت إلى الروضة مع أولئك الأطفال لتعلمت «أبجد هوز»، وعرفت ~~كيف تكتب، ووعيت ما لا يعيه حمار الشمع صديق عروس البحر الذي تزينه ضفائر الأزهار، خلال ~~البلور الذي تأوي إليه عروس البحر في لحيتها الخضراء، لعلمت إذن يا بلاتيرو ما ليس ~~يعلمه في القرية القس والطبيب! # على أنك - وما عدوت الرابعة - كبير على غير نسق، فكيف يتسع لك الكرسي الصغير؟! وعلى ~~أي لوحة تخط يداك؟ أو أي قلم وأي صحيفة تجديك؟! وأي فرقة تترنم فيها بأناشيد ~~التسبيح؟! # كلا يا صاح. إن (دونا دومتيلا) في مسوحها الناصرية، وزنانيرها الصفراء على طراز ~~الكساء الذي يلبسه (ريسي) السماك، سوف تسومك الركوع ساعتين - على الأقل - في ركن من ~~أركان البستان، أو تلهب حوافرك بعصاها القاسية، أو تأكل غذاءك من السفرجل، أو تضع ~~الورقة المشعلة تحت ذنبك حتى تحمر أذناك كما تحمر أذن ابن الفلاح قبيل المطر! ... # كلا. يا ms094 بلاتيرو. كلا، بل تعال معي أرك نوار الأرض ونجوم السماء، لا يسخر منك أحد ~~كما يسخرون من الصبية الأغبياء، ولا يضع أحد على رأسك تلك القبعة التي تحكي رءوس ~~الحمير، بأذنين أطول من أذنيك مرتين! # الأبله # أخال أنني منظر غريب في هذه اللحية البنية، تحت القلنسوة الصغيرة السوداء، فوق ظهر ~~بلاتيرو. # أخرج من أطراف الطريق، في طريقي إلى الكرم، كأنها في لألائها مغسولة بيضاء بأشعة ~~ذكاء، فإذا بأطفال النور تنكشف أطمارهم - الخضراء والحمراء والصفراء - عن بطونهم ~~التي لوحتها الشمس، ويمدون أصواتهم بالصياح: المخبول! المخبول! # إننا نستقبل الخلاء المكشوف وجها لوجه تحت قبة السماء المتوجهة الزرقاء، تتفتح عيناي ~~وما أقصاهما عن أذني! وتتلقيان في خشوع تلك السكينة التي لا تسمى، في ذلك الصفاء الإلهي ~~الذي تتجلى به آفاقه الأبدية. # وهناك على البعد على الحقول والمروج، أصوات تصيح، ترن، تتكسر، تخفت، تزول: المخبول! ~~المخبول! # يهوذا # لا تخف يا صاح. ما بالك؟! تعال. تعال على مهل، إنهم - أيها الغر - إنما يقتلون ~~يهوذا. # أجل، يقتلون يهوذا، ويقضون عليه واحدا في كل شارع: واحدا في شارع أنميديو، وآخر في ~~شارع منتوريو، وواحدا في كونسيجو. رأيتهم أمس معلقين، كأنما تشدهم قوة من عالم الغيب، ~~فلا تلمح العين موضع الحبل المفتول الذي يتدلى بهم من الشرفات. # أي مزدحم هذا من القلانس والأكمام والشارات والمآزر تحت بريق النجوم. # تنبحهم الكلاب وهي تحلم أن تبرح مكانها ولا تكاد، وترتاب الخيل بهم فتأبى أن تعبر ~~الطريق تحتهم، وها هي ذي النواقيس - يا بلاتيرو - تعلن أن حجاب المحراب ينجاب، ولا أحسب ~~أن بندقية واحدة في القرية فاتها أن تنطلق على يهوذا؛ فإن رائحة البارود تسري حتى على ~~ذلك البعد السحيق، وهذه طلقة، وهذه ثانية، وهذه أخرى وأخرى! # اليوم. اليوم فقط - يا بلاتيرو - يتلبس يهوذا بالنائب، بالمعلم، بالجابي، بالعمدة، ~~بالداية، ويطلق كل إنسان قذيفته قبل مشرق العيد على من تخيل من الأعداء، كأنهم يصطنعون ~~التمثيل والإخفاء. # بواكير التين # كان مطلع الصبح فجا مشتملا بالضباب، أصلح ما يكون لبواكير التين، وخرجنا إلى ~~(ريكا) ms095 من ثم عند السادسة نجتنيه. # وهذه عروق الشجر المعمر تدور جذوعه كأنها عضل مفتول في الظل البرود، يجللها كالرداء ~~المسدل حيث يهجع الليل لا يزال، وحيث يندى الورق العريض بالظل المنحدر عليه: ورق كالذي ~~كان يكتسي به آدم وحواء، وعليه لآلئ تبيض بها خضرته اليانعة، ننظر من خلاله، فنرى ضياء ~~الفجر يصبغ ستار الشرق بصبغته الحمراء. # واهتاجنا المرح فانطلقنا نستبق لنرى أينا يدرك الشجرة ويجتني الثمرة، وأخذت روسيلية ~~معي أول ورقة، ثم جذبت يدي في ضحكة محتبسة، فوضعتها على قلبها الذي يعلو عليه نهدها ~~الصغير ويهبط، وهي تقول: هنا. هنا. ضع يدك! ولم تكد أويلا تجري لأنها سمينة قصيرة، ~~فجعلت تسخط من بعيد، وجنيت ثنيات من هنا وهناك وضعتها لبلاتيرو على دالية كرم عتيق، ~~لعله يغالب الملل، فلا يضجر! # وسخطت أويلا من ثقلتها، فأثارت معركة التين وعلى شفتيها ابتسامة وفي عينيها دموع، ~~ورمتني بتينة فانفجرت على جبهتي، ثم اقتحمنا المعركة أنا وروسيلية، فالتهمنا من التين ~~بعيوننا وأنوفنا وأكمامنا أضعاف ما التهمناه بأفواهنا، وتساقطت الضحكات مع فروع التين ~~على ورق الكرم النضر، فأصابت بلاتيرو تينة، فأصبح هدفا ينهال عليه الضحك والمزاح، ولم ~~يكن في وسعه أن يدفع عن نفسه أو يرد الهجوم بمثله، فانضويت إلى جانب وتوليت القتال ~~باسمه، وترامى في الجو طوفان من الثمر كأنه ينهمر من مدفع رشاش، وارتفعت من جانب الأرض ~~ضحكة مزدوجة رخية، تعلن من فم الأنوثة نداء التسليم. # صلاة العذراء # انظر يا بلاتيرو، كيف تتناثر الأزاهير في كل صوب زرقاء. قرنفلية. حمراء. لا لون لها. ~~يخيل إليك أن السماء تمطر الورود والرياحين، وهذا جبيني، وكتفاي، ويداي، تغمرها الورود، ~~ما تراني أصنع بكل هذه الورود؟ # أحسبك تعلم من أين تأتي هذه الخلائق اللطاف؛ فإنني أنا لا أعلم ينبوعها الذي تفيض ~~منه كل يوم، وتنضر به وجه هذا الأديم فتشيع فيه حلاوتها، بين بيضاء وزرقاء. وإليك ... ~~إليك هذا مزيد من الورود، ومزيد من الورود، كأنها لوحة من صنع (فرا انجليكو) تنبت ~~رياضها في مواقع الركوع والسجود. # يخال الناظر ms096 أن الرياحين تلقى علينا من عليين في السماء السابعة كأنها صيب من ~~الثلوج الدفيئة تهبط على الأبراج، على السقوف، على الأشجار. ألا ترى إلى كل شيء خشن ~~الملمس ترق حواشيه ويحلو مرآه بزينتها الساحرة في كل مكان؟! ورود. ورود. ورود. # وإني لأحسب - يا بلاتيرو - أن النواقيس تدق، وهذه الحياة - حياتنا كل يوم - تنضو عنها ~~قسوتها، وتتنزل في مكانها حياة غيرها أحكم منها وأرفع وأنقى، يمدها ينبوع من النعمة ~~المباركة يسمو بها إلى تلك النجوم، تلك التي أخذت تلمع بين أشتات الورود. مزيد من ~~الورود، وإن عينيك يا بلاتيرو - وأنت لا تراهما - لوردتان جميلتان أراهما، وأنت ترفعهما ~~إلى السماء في خشوع واتضاع، بين تلك الورود. # الحفرة # بلاتيرو العزيز، إنك إن أدركت أجلك قبل أجلي، فلن تحمل إلى مستنقع الموت، ولا إلى ~~تلك الهاوية، ولن تحملك عربة الدلال إلى طريق الجبل، كما تحمل الحمير والكلاب والخيل ~~التي ليس لها من يحبها ويرعاها، ولن تبدو ضلوعك المحمرة من نقر الجوارح والغربان ~~كأنها عروق الزورق الماثلة تحت سماء الشفق الأرجواني، منظر نافر على طريق السالكين إلى ~~محطة القديس جوان في سيارة الساعة السادسة، كلا ولن تظل هنالك وارمة منتفخة بين الأصداف ~~الغضة في قاع الحفرة تخيف الأطفال الناشطين في طلب الجلبة والسورة بين صفوف أشجار ~~الصنوبر متطلعين إلى الهاوية من حافة الطريق. # هون عليك يا بلاتيرو وعش في سلام. إنني سأدفنك عند ساق الصنوبرة الكبيرة في ذلك ~~البستان الذي تهواه، وتنام ثمة على مقربة من بهجة الحياة والجمال، يلعب الأطفال إلى ~~جوارك، وتتعلم البنات الصغار تطريز الثياب على كراسيهن الصغار في جانبك، وتطلع على ~~أشعاري التي توحيها إلي الوحدة، وتسمع أغاني الغاسلات عند حديقة البرتقال، ويزيدك ضوضاء ~~البئر فرحا وبردا في رقادك الطويل، ويدور الحول وأنت تسمع شدو القنابر والبلابل ~~والعصافير، كأنها بين خضرة المروج الخالدة وقبة السماء قبة أخرى وجيزة من النغم ~~والغناء دون تلك القبة الأبدية الزرقاء. # الحسكة # أخذ بلاتيرو يظلع عند مدخل الأرض الخضراء، فترجلت مسرعا لأرى. ~~- ما بالك يا بني! ms097 # فرفع بلاتيرو يده اليمنى، وتعلقت تلك اليد لا وزن ولا قوة، ولا تكاد تلمس الرمل ~~المتقد تحتها، ليكشف عن باطن الحافر، وأراه! # ونظرت مواسيا له، مترفقا به فوق رفق طبيبه داربون ولا مراء، فلمحت في باطن الحافر ~~الجريح حسكة خضراء من حسك البرتقال، كأنها خنجر زمردي دقيق، سحبتها مشفقا من إيلامه، ~~وقدت المسكين إلى بركة السوسن؛ عسى أن تلمسه من مائها الجاري ببسلم يبرد جرحه الصغير، ~~ثم أقبلت إلى ناحية البحر، أقوده ويتبعني متعثرا، فيصدمني خفيفا كلما تعثرت به ~~خطاه. # عصافير الجنة # تلك هي - هناك - يا بلاتيرو، سوداء طروبا في عشها الرمادي على الإفريز الذي استوى ~~عليه تمثال العذراء، عذراء مونتماير، وقليلا ما اقتربت منه يد مخلوق. # إن الطائر المسكين لحائر، وأحسبه هذه المرة قد وقع في غلطة، كما غلطت الفراريج قبل ~~أسبوع وهي تأوي إلى مبيتها عند كسوف الشمس تحسبه الغروب. وقد شاء دلال الربيع أن ~~يفد إلينا مبكرا هذا العام، ولكنه على رغم منه يرتعد في عريه الرقيق ويقفل به ~~راجعا إلى مهاد شهر مارس الغائم، وإن القلب ليحزن إذ يرى أزاهير البرتقال تموت في ~~الأكمام. # عادت عصافير الجنة - يا بلاتيرو - وهي على هذا قلما يسمع لها صوت كذلك الصوت ~~المترنم الذي نسمعه منها كل عام؛ إذ تروح وتغدو بالتحية والسلام لكل ما ألفته من معاهد ~~الديار، وكأنها تتأمله وتعيد النظر إليه تستوثق من بقائه كما كان، وتظل توسوس للأزهار ~~بكل ما شهدته في أفريقيا، فتروي لها كيف كانت تنام على الماء بجناح، وتبسط الجناح الآخر ~~كالشراع، وكيف كانت تستريح على سواري السفين، وتقص عليها العجائب عن مغارب أخرى ومشارق ~~شتى وليال كثيرة في آفاق بعيدة بين رحلة في الذهاب ورحلة في المآب! # إن عصافير الجنة لا تدري ما تصنع تطير هنا وهناك حائرة، صامتة، كما تحار النمال إذا ~~وطئت صفوفها قدم طفل لعوب، ولا تجسر على الصعود والهبوط من جانب الشارع الجديد، ~~ماضية على سواء إلى موطن الزحام، وكأنها تهاب الطواف بأعشاشها عند العيون، وتجفل من ~~الهبوط ms098 على سمط منسوق فوق أسلاك البرق حيث تطن الرياح، وأحسبها ستهلك بردا يا ~~بلاتيرو! # الإسطبل # أذهب إلى بلاتيرو عند الظهيرة، فأرى على ظهره الفضي شامة مذهبة من أشعة الشمس في سمت ~~السماء، وعلى الأرض السوداء تحته إلى اخضرار، يدر السقف العتيق نقودا مجلوة من ~~النار. # هناك تلعب (ديانا) بين أقدام بلاتيرو فتقبل إلي راقصة، وترفع يديها إلى صدري تحاول ~~أن تلحس فمي بلسانها الأحمر، وتنظر إلي العنزة من مجثمها في أعلى المذود مستطلعة ~~متفرسة، تميل برأسها يمنة ويسرة بدلال كدلال النساء! أما بلاتيرو فقد سبقني قبل دخولي، ~~فأطلق نهيقه بتحية القدوم، واجتذب حبله يحاول الفكاك منه، واستحال بجملة كيانه ألوانا ~~من الألاعيب. # وينفذ الشعاع من الثقوب بألوانه القزحية، فأرفع البصر صعدا على ذلك الدرج النوراني ~~إلى قبة السماء بعيدا من هؤلاء الأصدقاء، ثم أعود إلى الأرض بعد هنيهة، فأعلو الصخرة ~~لأنظر من فوقها إلى المروج. إنها تعوم في فيضان مشرق من وهج الظهيرة، ومن بعيد في أوج ~~الصفاء المحفوف بإطار من الجدران يسمع رنين ناقوس. # المهر الخصي # كان أسود، له شيات من القرمز والعشب والفيروز، سواد مفضض كالجعل والغربان، وتومض في ~~عينيه الفتيتين لمحة بعد لمحة، نار متقدة بالحياة، كالجمر في موقد (رامونا) بائعة ~~القسطل بميدان المركيز. وكم له من طرقات متداركات بحوافره الصلاب، وهو يخب إلى المدينة ~~من جانب الرميلة إزاء صوى # 2 # الشارع الجديد. ما أخف! ما أسرع! ما أنفذ وأمضى! وهو يشيل برأسه الصغير ~~ويعدو بقوائمه الدقاق. # ويمضي على نمطه الرائع في طلاقة وكبرياء ولعب، على باب المعصرة الوطيء، وهو أحلك ~~سوادا منه قبالة الشمس المحمرة: شمس القلعة التي شخصت هناك كأنها بطانة الروات. ثم ~~جاوز أرومة الصنوبر التي وضعوها مكان العتبة، فملأ الرحبة في المعصرة بهجة وطربا ~~وزقا، من أفواه الدجاج والحمائم والعصافير، وترقبه ثمة رجال أربعة عقدوا أذرعتهم ~~الشعراء على قمصان شتى الخطوط والنقوش، فاحتملوه إلى شجرة الفلفل، وألقوا به على كومة ~~المعصرة بعد فترة من العراك العطوف لم تلبث أن استطردت إلى عراك عنيف، ms099 وجلسوا عليه إذ ~~مضى البيطار (داربون) ينجز عمله، ويختم محاسن المهر الجميل، كما قال شكسبير لصديقه الذي ~~لم يتزوج: «جمالك البديع يموت معك وتبذله فهو جلادك القاضي عليك ...» وصار المهر حصانا ~~وديعا يتصبب عرقا، في حزن وإعياء، ولم يكلفهم غير رجل واحد يقوده ويغطيه ويسير به على ~~مهل في الطريق. # سحابة مجدية كانت بالأمس مشحونة بالبروق، فإذا هي اليوم مروضة ذلول، وإنه اليوم كأنه ~~كتاب غير مضموم، وإنه لا يخطو على الأرض بعد أن عزلت الحدوة بينها وبين حافره بعنصر ~~غريب، وتركته لا يحس وقع قدميه؛ شجرة مجتثة كالذكرى في حومة ذلك الصباح من أيام ~~الربيع. # بيت في عرض الطريق # بلاتيرو! إن ذلك البيت في عرض الطريق قد كان في صباي يلقاني أبدا بسحر عظيم. # وبدأت (أولا) في سكة (ربيرا) بمنزل (أربورا) السقاء ورحبته إلى الجنوب مذهبة أبدا ~~بأشعة ذكاء، أطل منها علي كلما علوت جدار البستان، ويأذنون لي من حين إلى حين أن ~~أدخلها ومعي ابنة السقاء، أحسبها يومئذ امرأة - وهي اليوم كذلك بعد الزواج - فتمنحني ~~هنالك سفرجلا حلوا وقبلات. # ثم يأتي الشارع الجديد، ثم كانوفاس، ثم جوان فراي پيريز، مسكن دون جوزي حلواني ~~إشبيلية الذي كان يبهرني بحذائه الأصفر من جلد الجداء، ويزين الشجر المعمر بقشور البيض، ~~ويطلي باب الدهليز بلون الكنار موشعا بالخطوط الزرقاء، وربما زارنا بالمنزل حيث ينقده ~~والدي شيئا من المال، ويستمع إلى حديثه عن مروج الزيتون، وكم من أحلام صباي هزته ~~شجرة الآس العتيقة تلك التي كنت أراها من شرفتي مزدحمة بالعصافير فوق سقف دون جوزي. ~~وكانت هناك - في نظري - شجرتان للآس لم أحسبهما قط شجرة واحدة: إحداهما التي كنت ~~أغانيها من الشرفة قمة عالية بشمسها وهوائها، وأخرى كنت أراها في رحبة دون جوان من ~~جذعها إلى أعلاها. # وفي المساء الصحو، وفي الظهيرة المطيرة ، وفي كل لحظة تتبدل مع جو النهار والليل على ~~حالة من الحالات، تسترعيني بأي هوى وأي اشتياق، من شرفتي. من نافذتي. من عرض ~~الطريق. # الشبح # كان أمتع اللهو عند أنيلا ms100 - صانعة الزبدة - التي كان شبابها اليانع المتدفق ينبوع فرح ~~لا ينضب، أن تتزيا بزي شبح مخيف. # فهي تضفي على جسدها ملاءة بيضاء، وتمسح وجهها السوسني البياض بطلاوة من الدقيق، وتغطي ~~ثناياها بفصوص الثوم، وبعد تناول العشاء نجلس في حجرة المائدة مهومين، فتظهر لنا فجأة ~~من ناحية السلم الرخامي، وفي يدها شمعدان مشتعل تخطو على مهل في رصانة ووقار، وإنها - ~~بهذا الزي - لتجعل من عريها كساء، وتبعث الفزع بما استعارته من مثال أهل القبور، ولكنها ~~- على هذا - تسحر العيون ببياضها الناصع سحرا تداخله غوامض الرغبات. # ولن أنسى يا بلاتيرو! تلك الليلة من شهر سبتمبر، حين ثارت العاصفة تخبط المدينة كأنها ~~ضربات قلب مريض، وتصب شآبيب الماء والسقيط تتوالى بينها نوازل البروق والرعود، وقد فاض ~~الحوض فأغرق الرحبة، وانقضت معالم المساء الأخريات من دقات الساعة التاسعة، إلى مركبة ~~السيارة، إلى نواقيس المساء، إلى ساعي البريد. ومشيت وأنا أرجف من الخوف إلى حجرة ~~المائدة لأشرب، فلمحت على ضوء عقيقة زاهية من البرق كافورة بيت فيلار - شجرة الوقواق ~~كما ندعوها - وقد وقعت منقصفة على سقيفة المخزن. وعلى حين غرة سرت بيننا نأمة يابسة، ~~كأنها ظل صدمة من صدمات البرق المدوية خطفت أبصارنا وزلزلت جوانب الدار. فلما ثاب إلينا ~~وعينا بعد تلك الصدمة إذا بكل واحد منا في مكان غير الذي كان فيه منذ لحظة، ~~منفردا مشغولا بما هو فيه عن سواه: هذا يشكو الصداع، وهذا يلمس عينيه، وهذا يتحسس ~~قلبه بين حنايا صدره، ويعودون واحدا واحدا إلى حين كنا مجتمعين! # ثم هدأت العاصفة، ولاحت أسارير القمر بين الغمائم تفضض صفحة الماء الذي يغمر رحبة ~~الدار، وذهبنا نتفقد حولنا كل شيء، وانطلق (لورد) يعدو إلى السلم ويعود وهو ينبح نباح ~~الجنون. ثم اتبعناه - يا بلاتيرو - إلى الكرم المتلألئ من حيث تنبعث إلى الأنوف رائحة ~~تغثي النفوس. وهناك يا بلاتيرو رقدت (أنيلا) في ثوب الشبح، ولا يزال شمعها يشتعل في يد ~~- من لفحة الصاعقة - سوداء. # الأبله الصغير # كلما عبرت بشارع دون جوزي رأيت الأبله الصغير يجلس ms101 على عتبة داره يرقب ~~العابرين. # لقد كان واحدا من أولئك الصغار المساكين الذين لم يرزقوا قط نعمة الكلام ~~ولا نعمة الجمال، فرح بينه وبين نفسه، حزن لمن ينظر إليه، كل شيء عند أمه، لا شيء عند ~~الناس. # ويوما من الأيام، بعد ذهاب الريح السوداء، لم يظهر الطفل على باب داره، وظهر مكانه ~~عصفور يغرد على عتبة الدار، فذكرت (كروس) ذكرى الوالد قبل ذكرى الشاعر الذي راح يبحث ~~عبثا عن روح وليده الفقيد بين فراش جليقية: (أين الفراشة ذات الجنيحات ~~الذهبية؟!) # والآن وقد عاد الربيع، أتذكر الأبله الصغير الذي ارتفع إلى السماء من شارع القديس ~~جوزي، وأحسبه على كرسيه الصغير، إلى جانب النوار والريحان، ينظر بعينين، فتحتا بعد ~~إغماض، فيرقب العابرين من أهل النعيم. # دون جوزي القس: الآن يا بلاتيرو، يمضي مجللا بالقداسة مترعا بالكلم المعسول، إلا أن الشيء ~~الملائكي حقا في أتانه: أنها سيدة! # وأخالك لمحته يوما في شبانه بسراويل الملاحين وقبعة الرحالين، يقذف باللعنات ~~والحجارة معا أولئك الصغار الذين يختلسون برتقال البستان، وقد رأيت - ولا شك - ألف مرة ~~خادمه البائس (بلتزار) يسحب قدمه المتورمة كأنها نفاخة البهلوان؛ ليذهب إلى البلدة أيام ~~الجمع يبيع هنالك مكانسه الحقيرة، أو يصلي مع الفقراء رحمة بالموتى من أقارب ~~الأغنياء. # وما رأيت قط إنسانا أطلق منه لسانا بالدنس، وأدعى إلى غضب السماء بما يثيره من ~~لعنات. # ومن الحق - كما يقول على الأقل في صلاة الساعة الخامسة - أنه يعرف كل شيء أين يكون ~~وكيف يكون، فوق ... في عليين! الشجرة، المدرة، النبعة، النسمة، زهرة القسطل. وهي كلها آية ~~في الحسن والنعمة والنضارة والصفاء والإشراق، تبدو لعينيه مثلا للخلل، والقسوة، ~~والجفاء والغلظة، والدمار. وفي نهاية كل يوم تتبدل مواقع الحجارة في بستانه، كلما قذف ~~بها في ثورة الغضب أسراب الطير والصبية والغسالات والأزاهير. # فإذا حان موعد الصلاة حالت الحال، وسمع صمت دون جوزي خلال صمت الخلاء، وأسبغ كسوته ~~على جسده، ووضع قلنسوته على رأسه، ونفذ إلى القرية لا يكاد يرى، وهو على متن أتانه كأنه ~~شبح المساخر ms102 على هيكل عظام. # الربيع # يا لها من لمعات، يا لها من نفحات! # في مروج فرحات، عمرت بالضحكات. # أغنية شعبية # أقلقت هجعة الضحى صيحات أطفال عفاريت، فانتبهت متبرما ضجرا، ولم أستطع أن أعود إلى ~~الرقاد فتركت الفراش يائسا، ونظرت من النافذة المفتوحة، فلم أجد أطفالا أقلقوني، ~~ولكنها العصافير! # وهبطت إلى الحديقة أتغنى بنشيد الشكر لرب النهار الصحو والسماء الزرقاء. # ومن حيث أصغيت سمعت فرق الغناء الطائرة طليقة المناقير، ترسل موسيقاها مبتكرة سخية ~~بغير انقطاع. # عصفور الجنة في غرابة أطواره يغرد إلى ناحية البئر، والشحرور يصفر على جنى البرتقال، ~~والصفير الذهبي يزقو ويتوثب من خضراء إلى خضراء، والزمير الأزرق يسترسل من ضحكة إلى ~~ضحكة بين غصن وغصن من شجرة الكافور، ولا تزال الزرازير في حوار على ذؤابة الصنوبرة ~~الفرعاء. # ياله من صباح: شمسه الساطعة تنثر الذهب والفضة على الغبراء، وألوف من الفراش في حلل ~~الزخارف والألوان تتطاير في كل مكان، تجول بين الأزهار مرة من المنزل، ومرة إليه فوق ~~الجدول الثرار، وحيثما أدرت البصر رأيت جوانب الريف تنبض متفتحة لحياة وافرة وعيش ~~طريف. # لكأننا نعيش في خلية كبيرة من الضياء، لعلها قلب وردة أرجوانية هائلة، تنفح بأريج ~~الحياة. # الخبز # قلت لك، يا بلاتيرو، إن بلدتنا مقرة روحها الخمرة. # أتراني قلت لك ذلك؟ كلا. إن زوجها لهو الخبز، فضي في الباطن كاللباب الطري، وذهبي في ~~الظاهر كالقشر الناعم. # عند الظهيرة - ووهج الشمس على أحره وأحماه - تدخن القرية، وتفوح بمزيج من روائح ~~خشب الصنوبر والخبز الساخن، وتفتح القرية كلها فاها، كأنها فم واحد كبير يلتهم رغيفا ~~واحدا مثله في الكبر. # الخبز الحياة، يؤدم به كل مأكول: الزيت، الحساء، الجبن، العنب ... ومن قبلاته نكهة تسيغ ~~مذاق الخمر، والمرق، واللحم، وتسيغ مذاقه بمذاقه، بين خبز ينفرد انفراد الأمل، وخبز له ~~إدام، وهم من الأوهام. # ويقبل صبيان الخبازين على المطايا الرواكض يقفون أمام كل باب موصد، فيصفقون ~~ويصيحون: الخبز. الخبز. # وتمتد المعاصم العارية بالسلال، فيصطدم فيها الرغفان بالأطواق والفطائر ~~بالأقراص. # وسرعان ما يقبل الصغار المحرومون يطرقون الأبواب، ms103 ويسألون: كسرة من الخبز لله! # الفتاة المسلولة # كانت تجلس مستوية على كرسي هابط وضيع، يعلو وجهها بياض ميت كبياض السوسنة المهصورة، ~~في وسط الحجرة الباردة. # وكان الطبيب يوصيها بالنزهة في الخلاء، تتلقى شعاع الشمس - شمس مايو البرود - ولكن ~~الطفلة المسكينة لا تستطيع. # قالت: إنني إذا وصلت إلى القنطرة - وهي قريبة كما ترى - لهثت من الإعياء، وخذلها ~~صوتها الهزيل المتقطع، كما تنخذل النسمة الخافقة في حرارة الصيف. # وعرضت عليها بلاتيرو لرحلة قصيرة، فركبته وسرى الضحك على صفحات وجهها الذابل، ~~تفتر عنه الثنايا البيض والعينان الكحيلتان. # وتتطلع النسوة من الأبواب ينظرن إلينا عابرات، ويسير بلاتيرو على هينة، كأنه يعلم ~~أنه يسير بحمل من قوارير، والفتاة على ظهره في ثوبها النقي - كعذراء تتماير - تسري ~~فيها روح الأمل ونفحة الحمى، فتلوح للعين ملكا يعبر القرية إلى سماء الجنوب. # صندوق الدنيا # على حين غرة، وعلى نغم رتيب، سمعت في الشارع الصامت دقات طبل صغير خشن الرنين، وتبعته ~~صيحة مزعزعة مرتعشة، وطرقات أقدام صغار، وصبية يتصايحون: صندوق الدنيا. صندوق ~~الدنيا. # في زاوية من الزقاق صندوق أخضر تعلوه رايات أربع صغار، ماثلا على قائمته في ~~انتظار. # ويدق الشيخ، ويدق، ويحيط به جمع من الصبية المفاليس، أيديهم في الجيوب أو وراء ~~الظهور، وهم ينتظرون صامتين. # ويهرع من بعيد طفل يقبض كفته على دريهم عزيز، فيتقدم وينظر في ثقب ~~الصندوق. # وينادي صاحب الصندوق وهو يدق طبله بصوت ملول: والآن. تتفرج وتشوف، القائد (بريم) على ~~صهوة جواد. # وبعد دقات وصيحات يعود فيقول: ميناء برشلونة، تتفرج وتشوف. # ويهرع أطفال آخرون فيسرعون إلى الشيخ يسلمونه دريهماتهم، وينتظرون تهويله ~~المألوف. # قلعة (هافانا) تتفرج وتشوف. # وكان بلاتيرو قد ذهب مع طفلة الجيران وكلبها إلى زفة الصندوق، فدس رأسه بين رءوس ~~الأطفال، وخامرت الشيخ لفتة عارضة من الفكاهة، فأخذ بأذنه يسأله: وأين درهمك؟! # فتضاحك الصبية (المفاليس)، ونظروا إليه مستعطفين! # لورد # لا أدر يا بلاتيرو هل تفهم الصورة الشمسية؟ أو أنت كأبناء الريف الذين أريتهم صورا ~~منها فلم يفهموا منها شيئا؟ # حسنا. هذا هو لورد يا ms104 بلاتيرو، ذلك الكليب من فصيلة الكلاب عدوة الثعالب الذي حدثتك ~~عنه فينة بعد فينة. انظر إليه. إنه ... أتراه؟ إنه على إحدى الوسائد في الباحة المرمرية ~~يستشرق، وينعم بشمس الشتاء بين أزاهير الخزامى. # مسكين لورد. إنه جاء من إشبيلية يوم كنت هناك أعمل في فن الرسم، كان أبيض كأنه بلا ~~لون في ذلك الضياء الناصع، وكان بضا سمينا كأنه فخذ امرأة رداح، متوثبا جامحا ~~كأنه دفاع الماء من فم صنبور، وربما تناثرت فيه الشيات المتفرقة كأنها فراشات سود، ~~وعيناه السوداوان تلتمعان كأنهما في حيزهما الضيق مددان جياشان بالعطف الكريم، ~~وتعروه أحيانا لوثة من جنون، فيمضي مهرولا - لغير سبب - بين زهريات الساحة التي تزين ~~كل شيء في الربيع بين حمراء وزرقاء وصفراء تحت الأشعة التي تنبعث من بلور الفضاء كأنها ~~الحمائم التي يرسمها (دون كاميلو)، ويصعد تارة أخرى إلى سطح الدار، فيثير اللغط واللغو ~~في أعشاش الطيور، وتغسله (مكاريو) كل صباح غسلة جيدة بالصابون فيقابل الشمس يا بلاتيرو ~~بضياء كضياء السقوف اللامعة بجصها النقي. # ولما مات أبي لبث لورد طول الليل إلى جانب تابوته يرعاه، ومرضت أمي فلزم سريرها ~~شهرا لا يصيب من طعامه غير القليل الذي يمسك الرمق، وجاءنا بعضهم ذات يوم ينبئنا أن ~~كلبا مسعورا عضه، فأخذناه إلى حوض القلعة وربطناه إلى شجرة البرتقال بمعزل من ~~الناس. # إن نظراته التي كان يرددها وراءه يودع بها الدار يوم احتملناه إلى مربطه لتنفذ ~~في أعماق قلبي الآن كما نفذت فيه يومذاك، وإنها لتبقى بعده كما يبقى الكوكب خبا منه ~~الضياء في عليائه مدرجا في ظل أفوله الحزين، وكلما شكني ألم في الجوانح تجدد في ~~فؤادي ألم النظرة التي طرحها لورد بيد طويلة مسترسلة على طريق الأبد. أي يا بلاتيرو، ~~على مدى الطريق من البركة إلى صنبورة كورنا، كأنها آثار أقدام مختلجة تنم على الأسى ~~والعذاب. # الحمارية! # قرأت في معجم للكلمات الغريبة «حمار جرافي» حمارية. صفة تطلق تهكما على من يشبه ~~الحمار. # مسكين أيها الحمار، بكل ما فيك من الكرم والطيبة والدراية، ويقال ms105 تهكما ولا يقال ~~جدا ما ينسب إليك من الأوصاف، فلم هذا التهكم؟! ألا يبلغ من قدرك أن تستحق صفة ~~جدية، وأنت الذي يوصف فتكون صفاته أشبه بصفات موسم الربيع. # لماذا يقال عن الرجل الطيب إنه حمار؟ لماذا لا يقال عن الحمار الرديء إنه إنسان؟! ~~لم هذا التهكم؟ التهكم منك أنت المفكر، صديق الشيوخ والصبية، وصديق البركة والفراشة ~~والشمس والقمر والكلب والزهرة. أنت الصبور المتأمل، الشجي المحب (ماركوس أوريليوس) ~~المراعي والمروج! # وبلاتيرو يفهمني ولا شك، ويرمقني بعينين تتراءى فيهما الشدة واللين، وتنعكس فيهما ~~الشمس من قبتها التي تخضر إلى سواد. # آه! لو درى رأسه الكبير الأشعر - الشعري - أنني أنصفه، وأنني أعرف ما لا يعرفه ~~كتبة المعاجم، وأنني أضارعه أو أكاد في الطيبة والكرم. # لقد أضفت على هامش الكتاب: إن الحمارية وصف ينبغي أن يطلق - تهكما بالطبع - على ~~الحمقى الذين يكتبون المعجمات. # صراع الديكة # لست أدري بم أشبه ذلك الانقباض الذي اعتراني يا بلاتيرو؟! # رابية أرجوانية، مذهبة، ليس لها سحر رايتنا القومية في مقابلة البحر أو مقابلة ~~السماء. # بلى. لعلها راية إسبانية تقابل سماء حلبة الثيران، وتبدو دخيلة لها منظر المحطات على ~~سكة الحديد بين والبة وإشبيلية. احمرار واصفرار يترجمان عن وحشة وانقباض، كأنهما ~~الألوان في كتب جالدوس، أو الألوان على لافتات مخازن التبغ فيما يمثلون به الحرب ~~الإفريقية من صور شائهة. # إنها وحشة كتلك التي أحسها كلما نظرت إلى بطاقات اللعب منقوشة بوشم كوشم الرعاة، ~~أو نظرت إلى أصباغ علب التبغ وصناديق الزبيب، أو اللصائق على قناني النبيذ، أو أنواط ~~الجدارة من مدارس الملاجئ، أو الرسوم الصغار على قطع الشوكلات! # ما بالي هنا في هذا المكان؟! من الذي قادني إليه؟! إن الدفء في هذه الظهيرة الشتوية ~~يتمثل لي كالنفير الفرنسي في فرقة البهلوان. تنتشر منها رائحة كرائحة الخمر الجديدة، أو ~~جشاء المقانق، أو أنفاس الطباق. وكان النائب هناك، ومعه العمدة، ومعهما (متري) مصارع ~~الثيران القديم من والبة. # وكانت حلقة الصراع صغيرة خضراء، تحف بها وجوه محتقنة كأنها أحشاء الماشية الذبيحة، ~~وجوه ms106 تتمثل فيها جلافة القلوب من لحظات العيون، ويعلو فيها الهتاف من النظرات! # وكان الجو حارا، والحلقة الضيقة - حلقة الديكة - مقلقة كأنها عالم محبوس. # وفي شعاع الشمس الذي تحركه سحب من الدخان كأنه ينعكس من زجاج كدر، يلوح الديكان ~~الإنجليزيان - زهرتان خشنتان - يمزق كل منهما أخاه، وينقر عينيه ويواليه بالهجوم الرتيب ~~لحظة بعد لحظة، بعداوة إنسان وأظافر مسمومة أو محمضة، لا يسمع لهما صوت ولا هما يبصران ~~أو يعيان ما يصنعان. # وأنا ... ما بالي هنا على ما يخامرني من غثيان ونفور؟ لا أدري. # ومن حين إلى حين كنت أنظر من خلل الستار الممزق الذي يضطرب في الهواء كشراع الزورق، ~~فأبصر وراءه شجرة البرتقال البريئة تعطر الجو بما تحمله من ثمرات وأزهار. # قلت لنفسي: ما أطيب خلقة هذه البرتقالة! ما أطيب خلقة الهواء! ما أطيب خلقة ~~ذكاء! # ولم أنصرف مع هذا من ذلك المكان. # الحساء # في شفق القرية الهادئ المكبوت، كم من الشعر في تخيل ما هنالك على البعد، وفي تذكر ~~المنسي الخفي الذي قلما يبرز من طوايا الضمير، لكأنها عدوى سارية من رصد قديم ~~يمسك القرية كلها على صليب من هاجس مهجور. # هنالك نفحة من الحبوب النقية التي تجمعت في أهرائها تحت أنجم السماء، يا ~~لسليمان! # هنالك الحراثون يهمهمون في سآمة ناعسة، والأرامل عند الأبواب يفكرن في أعزائهن ~~المفقودين الذين يرقدون على مدى قريب وراء الدور، والأطفال يعدون من ظل إلى ظل عدو ~~العصافير من شجرة إلى شجرة، ولعل ذلك البصيص الخافت على جدران البيوت المتطامنة حيث ~~المشاعل الغازية قد أخذت تحمر قبل الخمود، لعل أطيافا أرضية تدب هناك مشيحة صامتة؟ ~~بين متسوشل طارئ، أو غريب يمشي إلى أرض الحراث، أو لعله لص يتسلل، وكلهم في مرآهم ~~الكئيب المريب نقيض لتلك الوداعة التي يضفيها الشفق على كل شهود من منظر معهود . ويدخل ~~الأطفال من الأبواب المظلمة، فيستمعون - لعلهم - لنجوى الحديث عن أولئك الرجال الذين ~~يستنزفون الشحم من أجساد الأطفال ليشفوا به بنت الملك من داء السلال. # الخاتم # كان على مثال ساعة ms107 يا بلاتيرو، وتنفتح العلبة المفضضة الصغيرة، فيدوس به على لبد ~~مشبع بالمداد يستقر عليه كالطائر في عشه. وما كان أعظم فرحي بعد أن تناولته بيدي أن ~~أطبعه عليها، فيظهر على بياضها الاسم المكتوب: # فرنسسكو رويز # مقرة # كم حسدت زميلي في مدرسة دون كارلوس على ذلك الخاتم، وحاولت أن أصنع مثيله من بقايا في ~~نفايات البيت فلم أفلح ولم ينطبع منه شيء! فلم يكن هذا الخاتم كذلك الذي كان في يسر وفي ~~كل مكان يترك تلك الدمغة المقروءة: # فرنسسكو رويز # مقرة # ويفد إلى منزلي - ذات يوم - مع الصائغ الإشبيلي (أرياس) بائع جوال يبيع أدوات ~~الكتابة، فما كان أوفر ثروته المعروضة من المساطر والبراجل والروايات من جميع الألوان ~~والطوابع والأختام. فكسرت حصالتي ونقدته ربع الريال الذي كان فيها ليصنع باسمي خاتما ~~كالخاتم المرموق، واستمهلني أسبوعا وما كان أطوله من أسبوع، وكم تلاحق خفقات القلب عند ~~وصول البريد! وكم من خيبة خامرتني كلما وصل الساعي في الطريق ولم يقف على باب ~~الدار! # وبعد لأي وصل الخاتم المنشود، هنة صغيرة وقلم وريشة وحروف، وضغطت على لولب فبرز ~~الخاتم جديدا يتلألأ، فهل بقي في الدار شيء لم ينطبع عليه؟ وهل في الدار ما ليس بملك ~~لصاحبه؟! # جوان رامون خيمنيز - مقرة # حريق الغاب # الناقوس الهائل: # ثلاث دقات. أربع دقات ... حريق! # تركنا مائدة العشاء، وصعدنا الدرج الضيق وفي صدورنا ضيق، وعلينا غاشية من الصمت ~~المجهود، إلى السطوح. # صاحت (أنيلا) وقد سبقتنا إلى رأس السلم قبل انتهائنا إليه: إنها في حقول ~~لوسينا! # دنج. دونج ... دنج. دونج. سمعنا الناقوس يجلو دقاته، ويجيلها في أسماعنا ويرن أو يرين ~~بها عل صدورنا، وخرجنا إلى الطريق، يا للغوث! # ما أعظم! ما أهول! إنه حريق جسيم! # وعلى مدى النظر من أفق الصقور يتأجج اللهيب المكبوح كأنه طلاء من القار والسيلقون، ~~أشبه شيء بصورة السباق من عمل (بيير دي كوسيم) حيث ترتسم النيران سوداء، حمراء، بيضاء. ~~تسطع حينا، وتتورد حينا، وتعود أحيانا في شحوب الهلال الوليد. # سماء أغسطس عالية هادئة، والنار فيها تلوح كأنها ms108 عنصر من عناصرها الدائمة، وفي جانب ~~منها يسري شهاب ثاقب ثم يهوي فوق مونجاس. وليس من حولي أحد. وحيد! # وأسمع نهيق بلاتيرو فأثوب إلى نفسي، وقد ذهبوا جميعا فتعروني رعشة الليل في هزيعه ~~الأخير، ويخيل إلي أن الماجن الذي حسبته في صباي يضرم النيران في الآجام قد عبر بي في ~~تلك الساعة. إنه طراز من (أوسكار وايلد) مقري، يدب الآن شيخنا موخوط الفودين بالمشيب، ~~يلف سمنته ويدرج في سراويله الموشعة بالبياض ولون القسطل منتفخة بعيدان الثقاب ~~الطوال. # صراع الثيران # أراهن يا بلاتيرو، أنك لا تعلم ما يريده هؤلاء الصغار. # إنهم يسألونني أن أعيرهم إياك ليذهبوا في طلب مفتاح الحلقة، حلقة الصراع التي ستنعقد ~~عصاري اليوم، فلا تبال. لقد قلت لهم: لا يخطرن شيء من ذلك على بال. # إنهم كانوا في لهفة جامحة يا بلاتيرو، والبلد كله يتلهف مثلهم على رؤية الصراع: تعزف ~~الفرقة من مطلع الفجر على أبواب الحانات حتى كلت من العزيف، والمركبات مصعدة منحدرة ~~ومنحدرة مصعدة، على الشارع الجديد، وهناك ينقشون (الكنارية) مركبة المصارعين الصفراء ~~التي يطوفون عليها أنحاء القرية ويهيم بها الأطفال الصغار، وقد عريت الحدائق من ~~أزهارها التي تزف إلى السيدات الراعيات، وإنها لأمسية كثيرة الأشجان يرى فيها ~~الفتيان وهم يترنحون في الطريق بقبعاتهم العراض وسجائرهم المشتعلة، وقمصانهم التي تفوح ~~منها روائح الخيل والخمور. # وعند الساعة الثانية يا بلاتيرو - تلك الساعة التي تنفرد فيها الشمس بعزلتها، ويتهيأ ~~المصارعون والراعيات للظهور بحلل الميدان - سأخرج أنا وأنت إلى الخلاء من وراء الطريق ~~كما صنعنا منذ عام. وما أجمل ما يكون الخلاء حين يخلو حقا من عابريه! إن الكروم ~~مهجورة، والبساتين مقفرة، وما من أحد هناك - ولو شيخا هرما - يحنو على عنقود، أو يميل ~~إلى جدول. وعلى البعد في المدينة تعلو جلبة الصراع من هتاف الحناجر، وتصفيق الأيدي، ~~ودقات الطبول، ونفخات الزمور. وإن الروح يا بلاتيرو، لتبسط ملكها على ساحة الطبيعة بما ~~رحبت حيث تسخو لمن يمنحها حقها من التحية بكل ما لديها من كنوز الزخرف والجمال. # قطوف الكرم ms109 # قليلا ما وفدت الحمير بقطوف الكرم هذا العام يا بلاتيرو، وعبثا يخطون على ألواح ~~الإعلان أرقام الأسعار والأثمان. # ستة ريالات! # أين هي حمير لوسينا، وحمير المنث، وحمير پالوس؟ # أين هي موقرة بالرحيق الذهبي الأسود يطل من العناقيد على الجانبين؟ أين هو ذلك القطار ~~المتصل من البغال ينتظر دوره في المعصرة ساعات بعد ساعات؛ إذ يسيل النبيذ الحلو ~~وتمتلئ منه طاسات وجرار، يحملها النساء والصغار؟ # ما كان أجمله موسما يومذاك! ما كان أجمل الموسم في ديثمو يا بلاتيرو تحت شجر السمور! ~~إذ يهزجون ويهرجون، وهم يغسلون الزقاق إذ يقبل الرجال عراة الأقدام؛ ليفرغوا فيها ~~عصيرهم الحلو وهو يفور بالزبد، وإذ دقات المطارق على أخشاب الدنان تتردد من قبل ~~الطنف القريب. # وعلى صهوة (أميرال) تنبعني نظرات الود من أعين الحصاد، وألج من باب إلى باب، حيث ~~يتقابل البابان، يفضي كلاهما إلى أخيه بفيض من الحياة والنور. # يديرون عشرين معصرة بالليل والنهار، وكم من جنون! كم من سورة! كم من رجاء! # أما في هذا العام يا بلاتيرو فالنوافذ كلها مغلقة، ومعصرة واحدة كافية، وعصار واحد أو ~~اثنان، يقضيان ويزيدان. # ولا بد لك من عمل يا بلاتيرو، فليس بالحسن أن تستسلم إلى الكسل طوال النهار. # إن الحمير الأخرى - بأوقارها الثقال - ترمق بلاتيرو بنظراتها، فلا تنظرن إليه شزرا ~~ولا تضمرن له سوءا، وعلي أن أحمله بوقر من الكرم فأقوده على مهل إلى المعصرة، ثم ~~أعود به ثانية وهم لا ينظرون. # النيازك # في سهرات شهر سبتمبر نجلس على الرابية وراء حائط البستان، نصغي على البعد بين أعطار ~~الزنبق على شط البركة، إلى ضجة المدينة في محفل العيد، ويجلس - قبالتنا - (بيوزا) حارس ~~الكرم العتيق مخمورا يعزف على ربابته في ضوء القمراء. # وتبدأ ألعاب النيازك أخيرا: تبدأ بفرقعتها الصماء، يتلوها صاروخ واحد يمضي مصعدا، ~~ثم يتنهد عن نفثات من الشظايا كالشرر في المقلة الزائغة؛ إذ يضاء لها الخلاء في أفواف ~~من النور حمراء وقرنفلية وزرقاء؛ وإذ تنحني أقواسا كأنها العذارى يطرقن للسجود. أو شجر ~~الصفصاف يتدلى بالزهر المنضود ms110 وما أبدعها ثمة منة! # وتسري القشعريرة في أوصال بلاتيرو، كلما ارتفعت فرقعة جديدة من صاروخ طواويس متوهجة ~~في جنة من النجوم. # وتسري القشعريرة في أوصال بلاتيرو كلما ارتفعت فرقعة جامحة من صاروخ جديد، وكلما ~~تناثرت شظاياها فتطاول تحتها ظله وتقاصر على سفح الرابية، أكاد ألمح الخوف بين حدقتيه ~~السوداوين! # فإذا انتهى المحفل إلى أوجه، وارتفع من الشظايا المتفرقة إكليل القلعة الذي يبهر ~~النساء فيغمضن العيون ويضعن الأصابع في الآذان؛ بلغ القمة عند بروج الكواكب، وخرج ~~بلاتيرو ينهق كالمجنون بين دوالي الكروم صوب أشجار الصنوبر الساكنة، كأنها روح يطارده ~~الشيطان. # الراعي # على قمة الرابية التي يصبغها المساء هنيهة بعد هنيهة بظلمائه المرهوبة، يجلس الراعي ~~الصغير كالشبح الأسود قبالة الأفق الأخضر، ينفث أشجانه في قصبة المزمار تحت الزهرة - ~~ربة الحب - متألقة في سمت السماء. # وبين أريج الرياحين التي تكاد تتجسم بعطرها كلما اختفت ملامحها وغابت في ظلالها، ~~تشتبك رنات الجلاجل من قبل الخراف المسرعات، متفرقات متقاربات قبل أن يتلاقين في وجهة ~~القرية على جادة الطريق. ~~- ليت لي ذلك الحمار يا سنيور! # كذلك صاح بي الصبي، أسود مما كان بين النور والظلام، كأنه واحد من عابري السبيل ~~الذين ألفناهم في رسوم الإشبيلي الطيب برتلمي اسبتان. # ووددت لو نزلت له عن حماري، ومن لي أن أعيش بغيرك يا بلاتيرو؟! # لقد كان القمر يصعد إلى الذروة على دير منتماير يريق ضياءه برفق وحنان على الأرض التي ~~يخيل إليك أنها من مغاني الأحلام تحف بها أهداب هفافة لا تمسكها الأوهام. والصخور ~~تتطاول، تتقارب، تمعن في الشجى والحنين، كلما علا نواح الماء في الجدول المختبئ عن ~~العيون. # ونسمع الصبي ونحن نبتعد عنه يناجي نفسه بطمعه المسموع: أي. أي. ليت لي ذلك ~~الحمار! # أميرال # أنت لا تعرفه. إنه ذهب قبل أن تجيء، ومنه تعلمت النبل كما ترى، وتلك هي البطاقة التي ~~تحمل اسمه، وعندها سرجه ولجامه ومثواه. # ما كان أبهج اليوم الذي رأيته فيه يخطو إلى الرحبة لأول مرة يا بلاتيرو، مقبلا من ~~الكثبان يحمل بين جوانحه خزانة ms111 من القوة والمرح والحياة! # ما كان أجمله وأحلاه! أخرج به مبكرا كل صباح إلى الساحل، وأركض به بين العيون، وأثير ~~بركضاته سحبا من الغربان حائمة حول الطواحين، ثم أقبل به على الشارع الجديد، يتخايل ~~في خطو ثابت وئيد. # وفي أصيل شتاء، جاءني بالمنزل السيد ديبون يحمل سوطه في يده، وترك على المائدة بضع ~~ورقات من ورق العملة، ومضى إلى الرحبة مع (لورد)، ثم أنظر من النافذة عند المساء، فإذا ~~بمركبة السيد ديبون في الشارع الجديد يجرها أميرال. # لا أدري كم غبر من الأيام بعد ذلك وأنا محسور كسير، وجيء بالطبيب فوصف لي البرومود ~~والأثير وما لا أدري من العقاقير لأنام، وما زلت أذكره حتى ذهب الزمن بذكراه، كما ذهب ~~بذكرى لورد والبنية الصغيرة، وكما ذهب ويذهب بكل ذكرى. # نعم يا بلاتيرو، كنتما خليقين أنت وأميرال أن تصبحا نعم الصديقين! # الأسطورة # منذ صباي يا بلاتيرو أكن في ضميري فزعا من الأسطورة، ومن البيعة، ومن الشرطة، ومن ~~مصارعي الثيران، ومن أرغن اليدين! # إن الخلائق المساكين التي تنطق بالهذر من أفواه القصاصين قد خلفت في نفسي نفرة منها، ~~كنفرتي من أجسامها المتجمدة في متاحف التاريخ الطبيعي، وكل كلمة تفوه بها كانت تقع عندي ~~موقع العين الزجاجية والجناح السلكي والأعضاء الملفقة من بضاعة التزوير المصنوع. فلما ~~رأيت هذه الخلائق المروضة في والبة وإشبيلية لاحت لي هناك كأنها بقايا كابوس منسي من ~~أيام صباي. # وكبرت يا بلاتيرو، فتعلمت من لافونتين كاتب الأساطير الذي طالما حدثتك عنه كيف ~~أطمئن إلى الحيوان الناطق؟ وكيف أحسب بيتا من أبيات قصيدة كأنه هو الصوت الذي يفوه به ~~الغراب والحمامة والعنز؟! وتعودت أن أعرض عن ختام القصة حيث تتعلق القطة، كما تتعلق ~~الريشة المنبوذة والرماد المذرو في الختام. # ولا يخفى عليك يا بلاتيرو، أنك لست بالحمار بمعنى الكلمة الشائعة، ولا بالحمار في ~~تعريف المعجم الذي وضعته الأكاديمية الإسبانية. إنما أنت حمار بالمعنى الذي أفهمه، ولك ~~لسانك الذي لا ألحنه، ولا ألحن مثله لسان الوردة، ولا الوردة - هي أيضا - تلحن لسان ms112 ~~البلبل، أو البلبل يلحن لسانها. فلا تخش حين تراني أنظر إليك، وأقرأ في كتبي أن أجعلك ~~بطلا من أبطال الأساطير، يجاوب بلفظه المزعوم حوار الثعلب أو القنبرة، ويتشدق آخر ~~الأمر بعظة الختام على منوال هاتيك الخواتيم. # لا يا بلاتيرو. حاشاك! # المساخر # اليوم جميل يا بلاتيرو! # إنه (إثنين) المساخر، والأطفال يتنكرون بالأقنعة الملونة والحلل الزاهية، وقد ألبسوا ~~بلاتيرو عدة الركوب المغربية، مزركشة بالأحمر والأزرق والأبيض والأصفر من النقوش ~~العربية. # والمطر، في صحبة الشمس، في صحبة البرد، في صحبة الشآبيب من قصاصات الورق أشكالا ~~وألوانا من الشرفات تتماوج مع رياح الأصيل، والمعربدون بفرحة العيد يدسون أكفهم ~~يبحثون عن الدفء في طيات الجيوب، وجمع من النسوة يلقانا في الميدان بثياب فضفاضة، ~~يحكين بها ثياب اللائي مسهن عارض الجنون، ويقبلن مرسلات الشعور، مزدانة غدائرهن ~~بالرياحين والعطور، محدقات ببلاتيرو يدرن حواليه ويهربن منه وإليه، وهو بينهن ~~كالعقرب التي أحدقت بها ألسنة اللهيب، يتلمس سبيل الهروب، ولا سبيل للهروب. ويستصغره ~~النسوة فلا يخفنه ولا يبتعدن منه، ولا يزلن به عابثات لاهيات، ويقتدي بهن الصبية ~~فيسخرون من حيرته وضيقه، ويركضون كركضه، ويصدعون الفضاء بنهيق كنهيقه، ثم يصفقون إذا ~~أجابهم، ويغدقون عليه إعجابهم، ويضطرب الميدان كله حولهم، خليطان من النهيق والضحك، ~~ونفخات المزامير ودقات الطبول، وأصداء الأناشيد. # وبعد جهد جهيد يعتزم بلاتيرو عزمة رجل، فيخترق الحصار ويفلت من الإسار، ويدنو مني ~~مقشعر البدن، عاريا من العدة والرسن، ما له وما لي بهذه الألاعيب؟! كلانا في ~~نبوة منها، وكلانا في جوارها غريب. # الموت # ألفيت بلاتيرو مضطجعا على فراشه من الهشيم، ذابل العينين جد حزين، وذهبت إليه ~~وربت كتفيه، وحدثته ألاطفه وأواسيه، وأحاول أن أنهض به على قدميه. # وجاهد المسكين أن ينهض وهو يرتعد، فثنى قدما ووقف بقدم، إنه لا يقوى على القيام، ~~فربت كتفيه مرة أخرى ودعوت بالطبيب. # ونظر إليه الشيخ داريون ففتح فمه الأدرد، وهز بصلة رأسه ذات اليمين وذات اليسار، وراح ~~يقول: لا أمل! # ولا أدري بم أجاب، فالمسكين يموت، ولعله جذر من الجذور السامة أكله في ms113 العلف بين ~~الحشيش. # وعند الظهيرة قضى بلاتيرو، وانتفخ بطنه القطني كأنه كرة، وامتدت قوائمه متخشبة، ~~وتساقط شعره كما يتساقط شعر العرائس الباليات، وأتلفت في الحظيرة الصامتة، فلا أرى ~~إلا فراشة مثلثة الألوان تمر بالشعاع النافذ من الثقب، فتبدو كلما مرت به كأنها شرارة ~~من اللهيب. # إلى بلاتيرو # بلاتيرو العزيز، حماري الصغير المحبوب، الذي حمل روحي - ليس إلا روحي - بين تلك ~~الدروب من شجيرات الصبار والتين والعلند والياسمين. # إليك يا بلاتيرو، هذا الكتاب، منك ولك، وأنت قادر على فهمه الآن في ظلال النعيم. حيث ~~تقيم روح الأرض الخضراء - أرض مقرة - التي لا بد لها من روح صاعد في جوار عليين، وعلى ~~متنه من الورق ترتفع سريرتي، وتمعن يوما بعد يوم في عالم الصفاء. # نعم إنني لأعلم كلما درجت في المساء على مهل بين شجر البرتقال إلى الصنوبرة التي تسهر ~~على مرقدك الأخير، إنك في غبطة المروج الأبدية تلمحني من وراء تلك الزنابق البيض التي ~~نبتت من فؤادك، كلما وقفت لديها أحييك. # إلى بلاتيرو في ثراه # إلى جانبك - لحظة - أقبل يا بلاتيرو لأسكن إليك، لم أعش، ولم يحدث شيء. كل ما هنالك ~~أنك حي وأنني معك. # أعود إليك وحيدا. # إن البنات والبنين اليوم نساء ورجال. وقد صنع البلى صنيعه بثلاثتنا - وأنت تعلم - ~~فانطرحنا في صحرائه غانمين أنفس ما يغتنم. تلك ما نملك من قلوب. # قلبي! أجل عساه يكفي صاحبي معي. عساهم يفكرون كما أفكر. لا. بل معاذ الله. وحماهم ~~الله أن يحملوا ما حملت من آلام وأوزار وسيئات. # بأية غبطة، وبأية راحة، أبثك ما أقول وأنت وحدك به عليم. # سأنظم أعمالي فأجمعها كلها في حاضر يرجعون إليه في عالم الذكريات، فلا يبقى لديهم من ~~الماضي غير زهرة كالزهرة البنفسجية ذات لون وحيد تبث رياها في ظل ظليل. # إنك وحدك يا بلاتيرو في عالم الماضي، وما يغنيك من عالم الماضي؟ وأنت في العالم الذي ~~لا زمان فيه، أنت الذي تملك ثروتك وافية - كثروتي أنا - وما هي إلا الشمس التي تتوهج كل ~~صباح وتنبض ms114 بسرمدية الله. # مقرة 1916 # | آراء وخواطر # في الولايات المتحدة، التي لا ترزح مثلنا بأثقال التقاليد من بقايا الأرستقراطية الخاوية ~~أحيانا، أو أثقال الديمقراطية المبهمة في كثير من بلاد العالم القديم، حيث لا حاجة إلى ~~التخلص من بعض الصعوبات الموروثة للنفاذ إلى جوهر الحقيقة التي تحيط بها تلك التقاليد، ~~يتسنى لي أن أوضح لنفسي ما موضع الاثنتين - الأرستقراطية والديمقراطية - في المجال ~~الاجتماعي، وما هي الصفة التي لا تتوافر لهما على حسب المفهوم منهما في القارة ~~الأوروبية. # إن الذي يسمونه الشعب هنا يترقى في درجات من المعيشة الحسنة، ويحصل على قسط عادل من ~~الثقافة الميسرة أثبت وأظهر مما يتاح لأمثالهم في سائر أنحاء العالم التي أعرفها، ~~حتى لو أدخلنا في حسابنا خطر التعرض للركود الذي يصيبهم من فقدان الأمثلة العليا والمبادئ ~~الوجدانية، الذي يجنيه عليهم هذا الرخاء نفسه؛ إذ ينقلهم إلى طبقة برجوازية من قبيل الطبقات ~~المعهودة في العالم القديم، ويبتعد بهم على السواء من الشعب ومن طبقة الوجهاء. # فالوجاهة، أو الارستقراطية الحقة - كما أفهمها - هي حالة يتفق فيها للإنسان على مثال رفيع ~~أن يهذب وجدانه أو كيانه الباطن، وأن يؤمن ببساطة المعيشة الخارجية، فيجمع بين المثالية ~~والتدبير المقتصد، وبهذا يصبح أنبل الوجهاء إنسانا، أقل ما يكون افتقارا إلى شيء يأخذه من ~~العالم الخارجي، فهو لا يزهد في الضروريات، ولكنه كذلك لا يتعلق بالعوارض والنفايات. # أما الديمقراطية فما هي؟ إنها في مشتقات اللغة تعني حكم الشعب، ولا بد للشعب الحاكم من أن ~~يصلح نفسه جسدا وروحا، ويعنى بصحة تكوينه وصحة تفكيره، ومتى تم للشعب هذا التهذيب فهو ~~في الواقع ند للارستقراطية، لا توجد معه طبقة دونه ولا منازعة بين طبقات. فإنما هي ~~برجوازية متعفنة تلك التي تريد أن تحكم من دونها دون الشعب ودون السراة، وليس من العدل أن ~~يظل الشعب كتلة جافية من الدهماء على حاله في كثير من البلدان بفضل الصخابين من حماته. ~~فلست أومن بإنسانية متراصة على هذا المثال، متساوية بالمزية التي لا يحسن الاكتفاء بها ~~والبقاء عليها، ولكني ms115 أومن بالمجتمع الذي تتلاقى الشخصيات الفردية فيه على سنة ~~المساواة. # ولا أراني الآن بحاجة إلى تعريف الديمقراطية؛ لأنها - فيما أراه - سبيل متوسط، وطريق ~~للوصول منه إلى ما بعده؛ للارتفاع بالشعب إلى الحالة المهذبة التي ينبغي أن يصير إليها. فإن ~~كان لا بد من التعريف، فلتكن الديمقراطية الحقة هي صاحبة الصفات الأرستقراطية التي لم تتحقق ~~لأدعياء هذه الطبقة. # وكثيرا ما تخرج الأفكار إلى الحياة وتنتهي، وهي على خطأ وضلال وتلفيق مصطنع، كما حدث ~~لفكرة «السلفية» مثلا؛ فإن كل أثر فني يصبح (سلفيا) # Classic # إذا بلغ من قبوله أن يثبت ويعيش مع الأجيال، ~~وبهذا كان أدب الإغريق في القرن الخامس (سلفيا)، ووجب إذن ألا يختلط العمل الذي تغلب على ~~الزمن، والعمل الذي يدعي أصحابه مزية السلفية ولم يتغلب على شيء. ومما يزيد الاختلال أن ~~يسمى عمل من الأعمال سلفيا جديدا # New Classic ~~، وما هو ~~في الحقيقة غير سلفي مدعى، أو سلفي زائف. # وإن شيئا شبيها بهذا ليحدث على نحو آخر ووضع مختلف في أمر الديمقراطية ~~والأرستقراطية. # فليس الديمقراطي ديمقراطيا، ولا الأرستقراطي أرستقراطيا؛ لأنه يحكي أحدا قبله كما ~~يحكي السلفي المدعي من أصبحوا سلفيين بحكم الغلبة على الزمن. # فالرجل الممتاز بجميع عيوبه - ولا يخلو إنسان ممتاز من عيوب - قد يستوفي حظه من الإدراك، ~~على نحو ما اتفق لرجل مثل ليورنادو دافنشي جمع بين التهذيب وسعة الصدر، وحقق وعيه وحياته ~~كل يوم عاش فيه، ولكن ذرية هذا الرجل لا يصبحون ممتازين لمجرد انتمائهم إليه ومحاكاتهم له ~~في أحواله، فما من أحد يصير أرستقراطيا متقدما، أو ديمقراطيا متقدما إلا ذلك الذي ~~يصير كذلك بمجهوده وتحقيقه لوعيه ووجوده. وإذا صح هذا بالنسبة إلى النوابغ الممتازين، فما ~~بالنا بالذرية الخاوية من النكرات التي تلتصق بأشجار النسب عارية من الورق ~~والثمر؟! # وأعيد وأكرر أن الأرستقراطي لا يسمى أرستقراطيا لأنه حلقة من سلسلة ميزها العرف في ~~الأزمنة الغابرة، ولا يسمى الديمقراطي ديمقراطيا لمجرد دعوى يدعيها عن مبادئ التقدم في ~~المستقبل، ولا بد من إعادة النظر في الحالتين لوضع الأرستقراطية ms116 والديمقراطية معا على ~~أسسهما القويمة، فالديمقراطية على نحوها الشائع بقية من الماضي؛ لأنها تطلع إلى الغد ~~يقوم على مظالم الأمس وسيئاته، والأرستقراطية - كما أفهمها - ينبغي أن تكون أملا مقبلا ~~لأنها مصير الشعب الذي استوفى حقوقه وتهذيبه. وخليق بذلك أن يقنعنا بأننا لسنا أرستقراطيين ~~لأننا سلالة بيت من أصحاب الأدمغة الثورية أو الثعبانية، وأصحاب الشارات الموسومة بالطنين ~~دون أن توسم باللحن الموزون، أو سلالة سلف ملتبس الخلائق قتل كذا من العرب، أو أعان ملكا ~~من الملوك بالذهب المغتصب. كلا، ولن نكون ديمقراطيين؛ لأننا سلالة كائن مستذل من بقايا ~~العجز والزراية، ولكننا نصبح أرستقراطيين لأننا نرتفع أو نطمح إلى الارتفاع إلى حالة ~~نصنعها جميعا، ونرتقي بها إلى غاية الوسع من الرقي في الزمن المقبل، ولن نصبح أرستقراطيين ~~بإسناد ظهورنا إلى ماض يتراجع ويتهدم باسم بطل بهيمي من حملة السيف أو التابوت. # وليست الأرستقراطية - لغة - إلا أن يوكل الحكم إلى الأحسن والأفضل ممن عرفت لهم ~~هذه الصفة بالخبرة والتجربة، وينبغي أن تكون الديمقراطية بهذا المعنى؛ وإلا فهي كلمة خاوية ~~بغير معنى إذ كان الشعب خليقا أن يكون أحسن الطبقات وأفضلها. # وإذا قيل كما يقول الأرستقراطيون التقليديون: إن الله كان في البداية، فنحن جميعا من عند ~~الله، والله هو القبلة التي علينا جميعا أن نسعى إليها، وأن نجعله أمامنا غاية المسعى، ~~أليس إلى الله مصيرنا أجمعين؟! أليس الله أمل الإنسان المأمول؟! ~~••• # في هذه المحاضرة أقصد البلاد الإسبانية بالكلام؛ لأنها البلاد التي أعرفها وأعرف بلاد ~~العالم القديم من طريقها. فأقول: إن الفلاحين - ولا أذكر الصعاليك فإنهم جماعة أخرى - هم ~~على العموم الأرستقراطية البدائية، وهم يمثلون الوجاهة والشعبية معا، ويثبتون خطأ الذين ~~يعرفون الطبقتين بالكلمات والمصطلحات، وقد عرفت بلدي وتنقلت في أرجائه، فلقيت في عزلة الريف ~~نماذج حسنة للوجاهة التي تنشد التقدم، وأعزو ذلك إلى التطبع العام في البيئة، وإلى ~~الملابسة الفردية بين الإنسان وبين حياة طبيعية صاحية طيبة على مثال الحياة في جملة البلاد ~~الإسبانية، وأنوه بهذه الملابسة - على وجه خاص - لاعتقادي أن الشرف إنما ms117 يتوافر لكل فرد، ~~ولكل جماعة، ولكل أمة، بمقدار الوفاق فيما بينه وبين الحياة الطبيعية من وشيجة متصلة، أو ~~فيما بينه وبين الطبيعة على الجملة؛ لأننا عند الطبيعة - في الواقع - نلتقي بالعواطف ~~والمعاني التي تترجمها إلى لغة الحياة الاجتماعية المثلى، فلا شيء كالطبيعة يروض النفس على ~~اعتدال المزاج وحفظ التناسب بين الأمور، ولا شيء مثلها يلغي الخسة ويبطلها، كما أنه لا شيء ~~مثلها يميزنا ويرفعنا إلى العظمة. وقد يلوح لنا أننا عند الطبيعة أصغر منا عند المدنية ~~(خلافا لكم في نيويورك حيث المدنية مأوى طبيعي من النبات)، ولكننا نحس على هذا بأننا نضارع ~~طبيعتنا التي نعيش فيها سعة وكبرا، ويحس هذا كل من وهب نفسه للطبيعة، وقابل بين موقفه منها ~~إنسانا أمام اتساعها وكبرها. وإن الإنسان الحضري لكالشجرة المقتلعة التي تنمي الورق، وقد ~~تنمي الزهر والثمر، ولا تزال كل ورقة وكل زهرة وكل ثمرة آية من آيات الحنين إلى أمه الأرض ~~التي فارقها. # وإن الفلاح الإسباني في شعوره بالحلول الطبيعي والبواطن الخفية يتسم باللطف والدعة ~~والكرم؛ لأنه يحب. وليس الشعور بالوحدة بين الإنسان وبواطن الطبيعة إلا شعورا بألفة الحب، ~~وهو هو سمة النبل الصحيح. # إنه يحب عناصره من الأرض والهواء والنار، وبهذا الحب تتناسق حياته والسماء الزرقاء، وإذا ~~أراد أن يتمم وجوده بالعدل الاجتماعي، فليس يتطلب إلا أن يوضع في وضع اقتصادي له كرامته ~~وبساطته على نحو يختلف بعض الاختلاف من تلك العناصر التي ينفخ فيها كل يوم من مدد حياته، ~~والشعب الإسباني - من ثم - يكمل كما يكمل اليوم شعب هذه البلاد بنهجه على سبيله المثالي ~~من وحي شعوره العميق ومسلكه المطبوع. # ولكن ما أقل ما نفهم نحن الإسبان عما يقال له طبقة عليا؟! وما أسوأ ما نجري مجرانا مع ~~تلك الطبقة الخارقة منا؟! # ما أقل ما نصنعه بعون الجماهير النبيلة لمعاونتها على إنشاء حريتها وتقريرها؟! ~~••• # إن الكاتب الإسباني الأندلسي سلفادوري رويدا الذي حاول جهده أن يصور بالشعر حياة الحضر ~~والريف في إسبانيا، قد كان أخلق أن يعظم فوق عظمته بين ms118 الأمة لو أنه - وهو ابن الشعب - حاول ~~أن يصوغ نفسه في هذا القالب بدلا من صوغها في القالب الأجنبي الذي هو غريب عنه. وقد ذهب ~~مرة إلى حفل شعبي بمدريد فسر به سرور الطفل، وبذل جهدا جهيدا لكي يبدو مع الشعب في ~~حفله ولا يلوح غريبا عنه كما أخبرني، ولما وضع نفسه في هذا الزي لم يشأ أن يزورني لأنه ~~حسب أنه يجرح بهذا الزي ما يسميه بذوق الأرستقراطية عندي، وقلت في خاطري: أي رأي لهذا سلفا ~~دوري رويدا الذي يظن أنه يجرح شعوري إذا لبس النعال، ويجرح شعور الشعب إذا لبس ~~الحذاء؟! # ولقد كنت يومئذ ناشئا، وكان هو في الخمسين، فاجترأت مع ذلك أن أقول له: إنني أوثر أن ~~تحضر لي وفي قدميك نعال إن كنت ترى أنها لائقة بك، ولا يسرني أن تدوسها لمجرد اعتقادك أنها ~~مناسبة للمقام. وأحسب أن المكان الذي لا ينبغي أن تذهب إليه بذلك النعال إنما هو ذلك الحفل ~~الذي كنت فيه. والحق أنه لم يبد كأنه واحد من آحاد الشعب لأنه لبس نعالهم، ولكنه بدا كذلك ~~لتلك الملامح الطيبة التي تشبه ملامح الصناع، ولا تتفق وما كان يتزيا به ليذهب إلى المحفل ~~الأدبي الذي رأيته فيه عند دون جوان ڤاليرا، ذاك الكاتب الذي كانوا يعدونه من أبناء ~~الطراز الأرستقراطي في معيشته وفي القصة كذلك، ويا للأسف والأسى! # كلا. يا رويدا حيث أنت الآن ترى في ثرى وطنك ولديك روح الشعب الذي لم يتمثل فيك ... كلا. ~~لا بالنعال لتبدو في زي الشعب، ولا بالحذاء الأنيق لتبدو في زي النخبة من السادة المجمعيين. ~~فلا حاجة بك إلى الرياء لمجاراة الشعب، ولا إلى الرياء لمجاراة النبلاء، ولا حاجة بك إلى ~~الرياء لمجاراة نفسك؛ فإن النعال البسيطة المريحة النظيفة التي تعيش أطول زمن هي التي نحتاج ~~إليها جميعا من ديمقراطيين وأرستقراطيين. # إن الرجل الشاعر بكيانه ووعيه يبدي نبله بغير إخفاء نفسه بين الشعب، وبغير شعور منه ~~بفقدان الاحترام الواجب لذلك الشعب الذي عليه أن يعاونه في هذه ms119 الشئون وفي سواها، وعلى ~~الإنسان أن يبدو حيث كان كما كان، وكما صنعته ثقافته وتربيته، غير نازل عن حقيقته من أجل ~~شارة لم يبدعها بمشيئته، وإن اجتناب حب الظهور لعلامة حسنة في الإنسان، ومثلها في الحسن أن ~~يلتزم الإنسان ما يناسبه ولو تعرض لاعتزال غيره. # إن دون ميجويل دي أنامونو، وهو رجل عظيم ونصير عظيم للفردية، كان بنشأته القسطلية مزيجا ~~من الشعبية والأرستقراطية على نمط مرعب لا يتقبل التبديل، وكان منذ رأيته لأول مرة يلبس ~~جاكتة تزرر إلى العنق، ولا يلبس معها قلادة، ولا يضع على رأسه غير قبعة صغيرة مفرطة في ~~الصغر، كأنها مشط نحيل مغروس في حمالة ضخمة، وكنا نراه ونتمثله على هذه الصورة دون أن نلقي ~~بالنا كثيرا إلى غرابة فيها. وحدث ذات يوم قبيل وفاته وبعد أن تقرر مكانه وتقررت ~~تصانيفه، أن دعي أثناء قيام الجمهورية الإسبانية الثالثة إلى القصر لمقابلة رئيس ~~الجمهورية، فخلع تلك الجاكتة وتلك القبعة، ولبس الطوق والقلادة وما كان قط يلبسهما في عهد ~~الملك - الذي سماه مرة في دار الحكمة: ملكي - لدهشتي ودهشة سامعيه يومذاك. # وقد لاح لي أنامونو مبتذلا ممسوح الملامح يوم رأيته في صورته الشمسية، يحف به الصحفيون ~~وهو خارج من قصر الرياسة، متنكرا على ذلك المثال من صورته المعهودة، غريبا في مرآه عن ~~كل ما ألفناه، وما اقترن بصورته من جهاده وتجاريبه. # كلا، يا دون ميجويل أنامونو الذي أضر به كثير من الناس وأضر بنفسه! # ما كان بك من حاجة أن تخدع أولئك العلية بخداعك لسواد شعبك، وإن كسوة بسيطة كالتي يلبسها ~~كل أحد، أو كالتي تبررها منزلتك الشخصية في غير أناقة ولا كلفة لتصلح لك في كل قصر وفي كل ~~مقصورة، ما دام هناك قصور ومقاصير. وما كان بك من حاجة إلى لبس القلادة أو خلعها أنت الذي ~~علمتنا كثيرا، والذي كنت طوال أيامك محاسبا لنفسك، ما أغرقت في ضحك قط، ولا أغرقت في ~~نحيب قط، وما زدت على أن تبتسم أو تتأوه في سمت الأرستقراطية الصحيحة. كيف ms120 نسيت كل ~~هذا؟ # نعال، جكتات، قلائد، أطواق ... تلك على ما يظهر أشياء ضرورية جوهرية لوجودنا. # ونذكر الآن اللحية الإسبانية؛ فإن اللحية في إسبانيا محك آخر وعلامة أخرى، وما أكثر ~~ما عرف الإسبان من اللحى التقليدية. ما أكثر اللحى فيمن نعرفهم من طبقات الشعب والعلية! ~~ولم لا؟ لم يجوز للغني أن يحمل لحية ولا يجوز للفقير أن يحملها؟! لم يجوز ذلك للطبيب ~~ولا يجوز للنجار؟ لم يجوز لراسم السحب ولا يجوز لراسم الأبواب؟ إن كاتبا إسبانيا في ~~الخمسين الآن نشأ في بيئة برجوازية، وعاش أياما كثيرة من حياته بين طبقات الشعب، يحمل ~~لحيته كما يرى من الصورة التي رسمها له يواقين سوين في مدريد. ولما نشبت الحرب غير المدنية ~~وغير القومية خلافا لمن يسمونها بالمدنية والقومية مع ما قذفتنا به من البرابرة من كل نوع ~~ومن كل صوب ليمزقوا إسبانيا ويمعنوا في طعنها. لما نشبت تلك الحرب الوحشية كان بعض ~~الموظفين يحملون اللحى شعارا أرستقراطي؛ أعني شعارا كاذبا لأن الطرف الآخر كان فيه ~~كثير من القادة والرهبان يحملون اللحى. وجعل الفوضيون الذين يرون في الصور بلحاهم، أو ~~مهملين الحلاقة، ينظرون شزرا إلى جماعة الملتحين بأعين تطل من وجوه بقيت فيها من اللحى ~~بقية كبقية أعواد السنابل المحصودة في حقولها، وإني الآن لتال عليكم نبذة مسلية من رواية - ~~حربية - بقلم أرنستينا دي شمبرشين حيث تقول: # في عرف بعض الأذكياء الألباء أن كل من عبر عن نفسه بأسلوب مصقول وعلى نحو ~~مهذب، فلا بد أن يكون من جماعة الفاشيين، وأستطيع أن أذكر لذلك مثل الشاعر الذي ~~انضوى من اللحظة الأولى بباعث نفساني كريم إلى صفوف الدهماء، واهبا قواه الروحية ~~والمادية بلا قيد ولا شرط في سبيل تلك القضية، ولم يكن في الواقع إلا ضحية لاختلاط ~~ذهني محزن، وقد سألته أفريقية صديقته المعجبة به أن يزور ملجأ الأطفال ليسليهم ~~بأحاديثه؛ إذ كان مشهورا بالإفاضة والتجلي حين يشعر حوله بالأطفال الصغار، إلا ~~أن العاملين في الملجأ لم يقدروا جميعا قيمة هذا التبرع الصغير، وحدث أن ms121 الحرس ~~الجديد الذي حل في نوبته محل الحرس السابق وصل إلى الملجأ في تلك الساعة وليس فيه ~~من يعرف الشاعر، فاستقر في روعهم أن إنسانا بهذا المظهر المقبول وهذه اللحية ~~السوداء الممشوطة لا يمكن أن يكون إلا واحدا من زمرة الفاشيين. فقال أحد الحراس: ~~إذا لم يذهب هذا الرجل توا فإني حالق لحيته لا محالة. وقلقت إفريقية نفسها من هذه ~~السخافة، فبسط الشاعر جناحيه وطار يبغي له مطارا أصلح من هذا المطار. # وكذلك نرى الشاعر - على حسب هذه الرواية - لا يعنى بإخفاء نفسه بين قومه، بعد أن قضى ~~حياته الأولى متشبها بالأرستقراطيين، فلم يخطر له - وقد رآهم في حرب - أن يزيل لحيته؛ لأنه ~~عد إزالتها عملا من أعمال الجبن والنذالة، سواء أكان بين فوضيين أم غير فوضيين. والعجيب ~~كما جاء في الرواية أن (لنين) كان يحمل لحية، وكذلك كان ماركس، وإن كان أصحابه لم يروهما ~~بأعينهم. وقد نشأت بعد الحرب أزياء مختلطة وتقاليد متشابهة، فحمل الفريقان اللحى غير مستثنى ~~منهم حتى (كامبزنيو) نفسه. وقد قال كاتب آخر إنه لا يبالي أن يحلق لحيته اتقاء للخطر، ~~فإذا هو يعود إلى إرسال اللحية بعد شيوع اللحى مرة أخرى في كل مكان، لعله يخدع الثائرين ~~وغير الثائرين. # وهذه الشواهد وغيرها مما لم أقرأه عليكم إنما أسوقها للعبرة النافعة، ولا أعني بها مجرد ~~التسلية والفكاهة. # إننا نعيش بالأمثلة، ولأجل الأمثلة أكتب محاضراتي لأفكر فيها قبل إلقائها، وأجعلها ~~محاضرات بالمعنى الصحيح. فلنعلم أن المعركة في إسبانيا تدور حول أمثال تلك الصغائر، فلا ~~يتغير هنالك شيء ذو بال، وإنما هي صيحات وأراجيف حول إرسال اللحية وحلاقة اللحية، وحول ربط ~~القلادة والاستغناء عنها، وحول النعال الساذجة أو الحذاء الملمع. ويجري مثل هذا - على ما ~~أحسب - في بلاد العالم القديم الأخرى. فهل يا ترى تسري هذه العدوى أيضا إلى بلاد العالم ~~الجديد؟ # الشعر والأدب # الشعر المكتوب - فيما لاح ولا يزال يلوح لي - إنما هو نمط من أنماط التعبير، ~~كالموسيقى وما إليها، عن المعاني التي لا تدرك ولا يحيط ms122 بها الوصف، وأرجو المعذرة إذا ~~لجأت إلى الكلمات الطنانة فقلت إنه عبارة عما يفوق العبارة ولا تلحق به ~~الأوصاف. # أما الأدب فهو التعبير عن المحسوس وعما يدرك وينال. # ولما كنت ممن يدينون بأن الروح شيء لا يدرك ولا يوصف، فمن البديه إذن أن يكون الشعر ~~فيما أحسب تعبيرا غير محسوس أو محصور، وإن الأدب لا يفرض ذلك على نفسه ولا يحاوله؛ ~~لأن له مجالا غير هذا المجال. # وموضوعات التعبير عما يفوق الوصف هي وحدة الوجود، والصوفية ولا أقصرها على الصوفية ~~الدينية، والحب وأعني به النفاذ إلى أعماق الطبيعة وكشف الحجاب عنها لرؤية ما يرى وما ~~لا يرى، وإلى الازدواج في كل شيء حيث يكون لكل شيء موجود ظله الذي ليس له وجود. # وإن الإنسان لمفطور على الجنوح إلى هذه الأشياء بالشعور والتأمل والطموح، ونتيجة ~~ذلك - صامتة أو مكتوبة - هي العاطفة الشاملة، وندع هنا كلمة الكونية لأنها من ألفاظ ~~المشاع في الآونة الحاضرة. # ويكون الشعر إذن امتزاجا حميما - عاليا عميقا - بيننا وبين أنفسنا ليلتقي فينا ~~الصحيح الذي نحسب أننا نعرفه وندركه، والبعيد الذي نحسب أنه أرفع وأنزه من أن يحده ~~الإدراك؛ ومن ثم يصبح في وقت واحد مزيجا من الغنيمة والفقدان. # هذه حالة موزونة مترددة كالقافية، ومن هنا وجب أن يكون الشعر موزونا مقفى، ولا ~~يكون صورة منظورة؛ لأن الموسيقى والرقص يتطلبان الإيقاع، وتدور فيهما العين إلى أنفسنا ~~لا إلى الأشياء المرئية. ولا يخفى أن الوعي لا يعمل في هذه الحركة المستغرقة، وأن الشعر ~~يجب - من ثم - أن يكون إلهاميا وأن يكون بسيطا؛ لأنه هو موضوع نفسه، ولا حاجة به ~~إلى التزويق واستعارة الزينة، وسواء كتب الشاعر أم لم يكتب فهو في الحالتين راقص مثالي، ~~أو راقص في حالة التجريد، تقتضي المطابقة بينه وبين هذه الحقيقة أن يظل صامتا ولا ~~يكتب، وإنما هي حالة ضعف تدعوه إلى الكتابة التي هي من عمل الأديب. # إن الأدب - وكل كتابة ضرورية - يعتمد على العين كالتصوير، ولا غنى له عن الزينة ~~والفهم والمظهر؛ لأنه ليس ms123 بخلق ولكنه مقارنة ومشابهة. # الأدب ترجمة، والشعر أصيل، فإذا وكل الشعر بالبواطن العميقة، فالأدب خليق أن ~~يوكل بالظواهر العارضة، وإذا كان الشعر وحيا بديهيا موجزا ملموما كالزهرة ~~والثمرة، فلا جناح على الأدب أن يستقصي ويفصل ليدمج فيه الظواهر، ويتصيد المتناسق منها ~~والمتنافر. # وأعتقد أن الفنون - والعلوم أيضا - تنقسم إلى قسمين: خلاقة ومقلدة أو ممثلة. ~~فالخلاقة هي الشعر والرقص، وفلسفة ما وراء الطبيعة؛ إذ كانت هذه الفلسفة أقرب إلى ~~الفنون منها إلى العلوم. # أما الفنون المقلدة أو الممثلة فهي التصوير والنحت والقصة، ويتراوح التمثيل بين ~~الخلق والتقليد، فهو خلاق إذا وكل بالمجردات والمعاني، ومقلد إذا وكل بالنوادر ~~والحكايات. # والشعر المكتوب - كسائر الفنون الخلاقة - طبيعي كائنا ما كان حظه من الإتقان، أو ~~هو متقن كامل في الواقع لأنه طبيعي، على حين أن الأدب لا يكون إلا مصنوعا يزداد ~~إتقانا كلما ازداد من الصنعة، ويستطاع بلوغ الأدب صفة الجمال النسبي، على حين أن الشعر ~~ينبغي أن يطمح أبدا إلى الجمال المطلق، ولن ندرك شأوه إلا إذا تنزل علينا، ~~وأصبحنا أهلا له بالطموح وحماسة الروح، وهذا الذي يراد به - على الأسلوب الأفلاطوني - ~~أن الشاعر ممسوس، أي مصاحب لإله يستولي على وجدانه. وإنه لممسوس حقا ما دام هذا ~~الإنسان يحتوي قبسا من الإلهية وهي الحق، ويخيل إليه أنه قادر على الحق، وأن صوره على ~~صورته. # وواضح أن الشعر المكتوب لا يتسنى له أن يدرك الكمال؛ ولهذا يتعذر بلوغ الغاية ~~فيه، وإن لم يكن بلوغها متعذرا في كتابة القصة أو صنع التمثال فإنهما مما يصلح ~~للاستيفاء وللختام أعني للموت؛ ولهذا السبب عينه لا نرى الشاعر الحق يترخص كثيرا ~~لمطابقة الأنماط السارية، بل يحدث أكثر الأحيان - أو يحدث حين يحسن ذلك - أن يخترع ~~نمطا جديدا، أو يحول الأنماط التي تواضع عليها أهل الأدب من الصيغ الجامدة إلى صيغة ~~بينة المرونة. # وقد جعل الأدب هذه الأنماط مسألة معقدة، وربما وقع الشاعر أحيانا في الأنماط ~~المعيبة لقلة اكتراثه للظواهر، وهو شرك يعده له حسدته الطامعون من أهل الأدب والنقاد، ms124 ~~فيستبدلون الشين الرديء بالزين الحسن. # إن بين الشعر والأدب لفارقا يشبه الفارق بين الحب والشهوة، أو بين الحساسية والرغبة ~~الجنسية، أو بين الكلام والثرثرة؛ إذ كان الأدب يميل إلى الدعوى والمبالغة، و(الدون ~~جوانية) ويخلق مواضع التوكيد والإلحاح عنده من مصطلحات جوه، أو يفصل عرفه على ~~حسب أزيائه، ولكن الشعر لا يتعقد ولا يصعب إلا إذا كانت بلاغته وليدة الكلمة والقلم، ~~ولم تكن وليدة الفكرة والروح؛ ولهذا خلق الأدب صناعة البيان والبديع، وهما لعبة حواة ~~يخترعها مهرة الكتاب، وإن الشاعر ليعبث بنفسه أحيانا - غفلة منه - فيقع فريسة لتلك ~~الآفة، ويتورط في تمثيل دور الأدباء بديلا من دوره، فيدرك من المعجزات ما يقصرون عنه؛ ~~فإن الأديب قلما يخطئ في أحكام الصنعة، ولا يزال قديرا على تلقف الأطباق التي ~~يقذف بها في الهواء، فإن سقط واحد منها سقط على رءوس الآخرين، ولكن الشاعر قد يفقد ~~طبقا من أطباقه فلا يسقط على رأس أحد، بل يغيب متواريا في آفاق الفضاء، لتلك الصداقة ~~التي بين الشاعر وبين سعة الآفاق. # وإن في الدنيا لكثيرا من البلغاء الحواة الذين يتوهمون أنهم - لعلمهم بالقواعد ~~التي هي بضاعتهم - يمدون للشعر طعما مغريا، فيقبضونه روحا وجسدا بين أيديهم، ~~ويجدونه قلبا وقالبا، ويكتبونه ويسجلونه ويقيدونه، ولكن الشعر - لحسن الحظ - لا يقيد ~~ولا يقبل التحقق والضبط باليدين، والشاعر الحق هو الذي يدعه يفلت من الأوهاق؛ لأنه ~~إنسان صادق يعيش مع الصدق، وما كانت النعمة الشعرية: نعمة النشوة الجياشة، والمعجزة ~~النابضة التي ينجم منها النغم الصادق، إلا عملا من أعمال الطيران، وصورة من صور الحرية ~~والطلاقة. # وليس يناقض الشعر والحب شيء، كما يناقضه الأدب المحكم المحبوك الذي يدعي الحق في ~~الحب الكامل، فالأديب يسخر من العاطفة الجياشة في عمقها، ويستبدل بها مظهر العاطفة ~~ليقول إن الشاعر - ذلك المخلوق المسكين الذي لا جدوى له - قلما يتحرك ويتقدم، ويسمع ~~الناس ما يقال، فيبهرهم اللمعان الهازل والرنين الخالب، ويقولون كذلك إن الشاعر - ~~البلبل - مخلوق مسكين لا نفع فيه. # والشعر الصادق إنما يعرف بعطفه العميق وتياره الزاخر ms125 وسبحاته الفطرية إلى ما وراء ~~الطبيعة، وإذا قيل إن الناقد العليم أعمق من الشاعر المبدع، فالقائلون لذلك ينسون أن ~~العمق أنواع وضروب؛ فهناك عمق الإدراك، وعمق الفكر، وعمق التخيل، وعمق الشعور، إلى غير ~~ذلك من ضروب الأعماق. ومن قال ذلك فمثله كمثل من يقول إن البطيخة أعمق من الوردة، ~~ولا وجه للمقارنة بين غير الأشباه التي تقبل المقارنة، فقد يكون الأدب غنيا بالعمق في ~~الأسلوب وفي الصور والتشبيهات والأشباح والمجسمات، إلا أن هناك أعماقا أعمق وأبعد ~~غورا من ذاك، هناك أعماق لا يسبر لها غور، ولا يدرك لها قرار؛ لأنها بغير قرار. # ولما كان الأدب يستمتع بالطنين الفخم ويشبه الأرستقراطية من هذه الوجهة؛ فلا عجب ~~يتراءى بريش الطاووس وريش الببغاء، ويترك الشاعر البسيط يقنع بريش البلبل الذي أفلت من ~~القفص، وهو البلبل الذي قال بعض الشعراء إنه ولد قبل مولد الأفعال والأسماء ~~والحروف. # وليس في الوسع أن نستطرد في هذا الموضوع لأنه موضوع لا يؤدي الاستطراد فيه إلى نهاية، ~~فليكن ختام الحديث تلخيصا لما قلت في كلمات معدودات، فأقول إن الأدب حالة من حالات ~~الثقافة المصنوعة، وإن الشعر سمت لا كلفة فيه، يسبق التثقيف المصنوع ويتلوه. # التجديد في الأدب # كل من تقدم في مطلب من مطالب التهذيب، كالشعر - مثلا - أو الفقه، أو الفن، أو العلم، ~~وغيرها وغيرها؛ فإنه متقدم لا محالة في سائر المطالب، وإن لم يعتبرها من مطالبه التي ~~يعنى بها ويتفرغ لها. فإذا أراد أن يضيف مطلبا منها إلى مطالبه المحصلة فإنه سيبلغ فيه ~~الطبقة التي ارتفع إليها في سائر المطالب، ولعله لا يحيط بالمطلب الجديد إحاطته بما ~~عنده من قبل، ولكنه ولا شك يعامله ويخوله من الحق مثل ما تعوده مع فنه الذي توفر ~~عليه؛ فإن الرجل المتقدم ينظر إلى العالم كله نظرته إلى مرتقى واحد، يستريح إلى صعوده، ~~ويفرح برياضة نفسه عليه لإحساسه بقدرته على ارتقائه وإحساسه - مع هذه القدرة - بأن ~~ارتقاءه هو الارتقاء العالمي في جملة نواحيه، ومن دأب الإنسان المطبوع على التقدم أن ~~يدفع ms126 العالم إلى الأمام، وإن لم يخطر له أن يفعل ذلك، وهذه هي عقيدتي منذ صباي، ومنذ ~~صباي عملت على تحقيق ما اعتقدت. # إن الشاعر المتقدم - أي الشاعر المتجدد - ابن عصره وأوانه إنما يصلح كذلك - أولا - ~~بفضل روحه، لا بفضل بيئته العلمية أو الفنية على الإطلاق، ولا بفضل الموضوع الذي يشتغل ~~به في عمله، وإنما يحدث التغيير في البيئة، أو في موضوع العمل أفقيا، ولا يحصل صعودا ~~وارتقاء، ولا تزال الصنعة كفيلة بارتقاء التكوين المادي، دون أن تجاوز ذلك إلى ما بعده، ~~وأن الشاعر ليستطيع أن يترنم كل يوم بلذة من لذات الحب المادية، كما يستطيع أن يترنم ~~بلذة من لذات الطعام والمعدة، دون أن يرتبط ذلك بوشيجة من الوشائج الروحية أو الذهنية، ~~أو الظواهر المثالية، أو يكسبه نصيبا من الثقة والكرامة، وإذا أخفق إنسان في إثبات ~~نفسه بوسيلته الذاتية، فليس في الوسائل العالمية ما يعينه على إنتاجه وخلقه. والشاعر ~~الذي لا عمل له إلا أن يحقق الواقع اليومي من شئون معيشتنا بغير تطلع إلى الأمور ~~الموجودة أو المفقودة التي تخلقها بصيرته الأخلاقية بكهربائها النافذة، أو بغير الواقع ~~الذي لا يكون على الأقل إلا من قبيل الواقع السحري؛ فليس في وسعه أبدا أن يصبح شاعرا ~~جديدا. # وتقول حكمة إسبانية إن الواقعي يعني السلفي - الكلاسيك - يعني «الأبدي الخالد». فعلى ~~الشاعر أن يكون أبدا جديدا؛ لأن الجدة هي الاستمرار بلا انقطاع، ومن العسير أن ~~تتصور البقاء والدوام بغير تصور الحاضر الراهن، وأن الدوام - وإن تفرق في كل وجهة - ~~لن يهرم ولن يرى نفسه هرما؛ ومن ثم يقال عن الأبدية مجازا إنها الوجود الذي لا ~~يشيخ ولا يفنى، وإنما الشاعر تقدم باطني وخارجي في مجرى فترة من الزمان والمكان، ومن ~~أحس أن الزمن أو الأبد قديم، فهو ذلك الذي لا يحس بزمنه،ولا يحس بما في استطاعته أن ~~يدركه من دوام الخلود، أو هو ذلك الذي لا يحس برسالته في الحياة، وربما كان الشاعر ~~التقليدي شاعرا حسنا يحسن المتاع بشعره، ولكنه لن يؤدي رسالته التي ms127 تعطي النور، وتنقل ~~المشعل في يده من أمسه إلى يومه إلى غده، أو تنقل المشعل منه إلى غيره، وما كانت أسطورة ~~الرجعة الأبدية، أو أسطورة الربيع الأبدي، إلا الشعر نفسه في الصميم. # والحياة إن لم تكن طموحا إلى الخلود ماتت، وهي تحيا وقتلتها الواقعية الراهنة في ~~إبانها؛ ولهذا ترى كثيرا من الموتى راضين بأنهم موتى، راضين بموتهم لرضاهم بالحصر بين ~~جدران أنفسهم، لا يتوقون إلى الخروج منها، ولا يتطلعون إلى التقدم في بواطنهم، ولا ~~إلى التقدم في غيرهم، ولا بد لمن يريد أن يكون حيا وأن يستحيي نفسه أبدا وأن لا يزال ~~جديد أبدا؛ أن يدرك ذلك بغريزة تسمو إلى المثالية الروحية وإن كانت لا تغفل عن تهذيب ~~يوم بعد يوم وساعة بعد ساعة، وإلا فهو ناكص عن الصف الأول إلى الصفوف التي تليه. # وإنما الروح دوام في حركة لا تنقطع، ولن تفهم الحياة إلا أن تكون حركة تنتقل من ~~الكينونة إلى الصيرورة، كأنها أمواج البحر التي لا تهدأ دون أن تفارق ماءها ودون أن ~~تفارق سواحلها، وإنما هي جديدة لأنها لا تكف عن الحركة ولا تنثني عن التقدم، ~~والشاعر الروحاني الذي يفهم الناس ويفهم نفسه بما في طويته من إشراق يسمو بذاته، ويسمو ~~بموضوعه هو وحده الذي ينفذ ببصره إلى دخائل الحياة، ويوفق بين جوانبها ويسيطر ~~عليها. # وقد بالغت الإنسانية خلال هذه الأعصر الأخيرة في «الواقعية» مما يرادف قولنا إنها ~~شاخت وفقدت سجية الدوام وانحصرت في الزمن الذي هي فيه. # المثالية # المثل الأعلى، ولنتدبر ذلك لنعلم أن الإنسان أو المجتمع الإنساني لن ينتهي أحدهما إلى ~~الغاية القصوى؛ لأن كلا منهما يجوز أن يصبح خيرا مما هو، ويرتفع إلى حالة أسمى من ~~الحالة التي أدركها. وينبغي أن يرتفع إلى تلك الحالة لأن كل مرحلة ينتهي إليها تفتح ~~مطارح النظر إلى ما وراءها، وما زال الوهم - على كونه مخالفا للحقيقة - كأنه من الجهة ~~الأخرى مرآة، تعرض لنا جانبا من حقيقة منشودة إذ كانت النتيجة المادية أن نسعى إلى ~~غايتها، وعلينا أبدا ms128 أن ندور وندور حول هذا الكوكب من أفق إلى أفق ما دمنا نحوم ~~في فضاء هذا الكون، ولا نصطدم هنالك بالكارثة القاضية، وليس الإنسان ولا المجتمع ~~الإنساني في الواقع إلا مرحلة دائمة من مراحل التقدم والنقلة الموقوتة بين حاضر ~~وحاضر، وهذا هو مصدر قوة الإنسان العظمى. # وإن فضيلة الشوق إلى التقدم جديدة أبدا، فكل ما يشوقنا يتمثل لنا بمغناطيسية ~~جديدة، فلا سبيل إلى بلوغ المثل الأعلى؛ لأننا نحن أيضا نتجدد وننتقل من جديد إلى ~~جديد، سواء شعرنا بذلك أو لم نشعر، وسواء انتفعنا بهذه الجدة أم تركناها تذهب ~~سدى. # المساواة والآراء # إن أعلى صورة من صور المساواة بين الناس نفهمها من طريق الشعور، أو نعبر عنها بلغة ~~الشعور، وربما صح أن الغريزة التي يروضها التقدم الصناعي تسمو على الغريزة التي لا ~~رياضة لها غير ضرورات الساعة، إلا أن الذكاء لا يصح أن يتخذ سببا لشعورنا بالتفوق ~~على سوانا، ولا للشعور بهذا التفوق على حساب غيرنا، أو للتفرقة بيننا وبين الآخرين؛ إذ ~~الواجب على الذكاء والفهم أن يكونا سببا لفهم الآخرين والتفاهم بيننا وبينهم من طريق ~~التهذيب الباطني والنفاذ إلى أدب السريرة. ولا يحسن أن يتخذ الفهم سببا لانقسامنا إلى ~~عناصر أو أجناس أو ألوان أو طبقات أو درجات من الثقافة والعرفان، بل الحسن من الفهم أن ~~يكون سببا للتعاطف بيننا وبين الناس بكل وسيلة من وسائل العطف والمودة. وإذا كانت ~~حواسنا الخمس سواء نحن بني الإنسان، فكيف يشق علينا أن يماثل بعضنا بعضا؟ إن حقا ~~علينا أن نبذل لكل أحد ما كسبناه من التقدم المختار، ولا نخفيه أو نموهه على أولئك ~~الذين يلوح لنا أنهم «عمليون» واقعيون غير متقدمين، وأن نتقبل جهلهم ونسوسه، ونرضي فيهم ~~نزعة التطلع الساذج كما نصنع في معاملة الأطفال - أطفالنا على الخصوص - ولا ينبغي أن ~~نحكم عليهم بما يبدو من تقلب أطوارهم،على مثال من الطفولة النابية التي تمعن في ~~نبوها كلما تشبهوا بنا على جهل منهم بمعنى هذا التنبه أو بالغاية منه. # وإنه لمن الشائق أن ms129 نستطرد في هذا البحث لعلنا نرى أن الذي يفرق الناس ليس هو ~~الذكاء والفهم على وجه اليقين، وإنما هو ما يسمى بالمبادئ سواء منها ما يعتقد للخير أو ~~للشر؛ لأن المبدأ الذي يقال عنه إنه خير يعزل الإنسان الذي يقال عنه إنه شرير، كما ~~يعزل المبدأ السيئ من يوصفون بالخير، والظاهر أن المبادئ السيئة أو الأفكار السيئة هي ~~التي تثير الحروب بين الناس، وأن الشعور وحده هو الذي يستطاع تنبيهه لتلطيف الشر الذي ~~ينجم من تلك المبادئ أو الأفكار، فإذا كانت الغازات الخانقة - مثلا - لم تستخدم في ~~القتال، فإنما امتنع استخدامها احتراما للشعور مما يصح أن يفهم منه أن الشعور يفوق ~~الذكاء، وأن من اليسير علينا أن نقترب من الآخرين بالاحتكام إلى الشعور، وأن المذاهب ~~الفكرية - أي الأيديولوجية - هي التي تحتاج إلى المعالجة لتيسير الاتصال من جانبها، فلا ~~يخفى أن الأفكار والمبادئ لذاتها، لا تكون خيرا أو شرا، ولا توصف الأسلحة والسموم ~~لذاتها بالخير أو بالشر، وإنما يأتي خيرها أو شرها من جانب المفكرين أو الأيديولوجيين ~~الذين عجزوا عن الشعور، وإن الديانات لهي خير - جد خير في الحياة العملية - كلما رجعت ~~إلى الشعور وليست كذلك لأنها ترجع إلى «الأيديولوجية» والتعليلات الذهنية. وما يعتري ~~الديانات من تخلف وهبوط إلا أن يكون ذلك إلى العلوم الكهنوتية أي إلى المحاولات ~~العقيمة للتخريج والتفسير وتمثيل العواطف الباطلة على صورة تلائم مصيرها. ومن ثم ~~يمكن أن يقال إن التقريب بين الناس مستطاع من طريق العلوم قبل الفنون، وإننا ينبغي أن ~~تتطلع إلى فهم العلم الأجنبي والمخترعات الأجنبية، كما رأينا أننا نستطيع أن نعتمد على ~~الشعور لتحقيق هذه الغاية، ويبقى - بعد هذا - أن نوجه أنفسنا راشدين. # إن جميع الأفكار التي يدين بها جميع الناس جديرة بالاعتبار صالحة لأن يستفاد منها ~~على أسلوب الاستفادة من الفكرة المشتركة على وفاق ، ولا شك أن الديمقراطية إذا نظرنا ~~إليها على أنها أمل ميسور التحقيق فكرة رفيعة، أو أنها هي الفكرة الإنسانية الرفيعة ~~التي ينبغي أن تقوم عليها حياة الإنسان الكاملة ms130 كما لخصها مفكرنا الواقعي أرسبرست دي ~~هيتا # Arcipreste de Hita # حيث قال إنها هي الحصول على ~~العيش والعشرة الرضية. وكذلك تكون الديمقراطية المترقبة تحولا مستمرا إلى ~~الشرف الصحيح شرف الأرستقراطية الجديرة بالكرامة التي تورث كل إنسان ميراثا من الثقافة ~~الروحية والمادية، فلا تكون الديمقراطية على هذا الاعتبار مرضا متقدما كما يراها ~~بعضهم في العصر الحاضر، بل تكون هي المناعة المتقدمة، وتستمد عناصرها جميعا من الصحة ~~والقوة واللطف والسمت والجمال، ولن تنال الديمقراطية حقا إذا طلبناها على أنها ~~مزية لأمة خاصة أو لأناس معلومين، ولكنها تنال وتستحق الطلب حين تفهم أنها حق ~~لجميع الأمم وجميع البلاد. وسيكون الديمقراطي - أو أرستقراطي المستقبل بعبارة أخرى - هو ~~الإنسان من سواد الناس أو عامة الناس. وفي كلمة العامة دليل على مدلولها المستكن فيها، ~~وهو معنى العموم والتعميم (أي المعنى الذي لا يتفق مع التخصص والتمييز). # واجب الشباب # خير قدوة يستطيع الإنسان الكبير أو الصغير أن يقدمها للدنيا التي يعيش فيها - كما ~~يلوح لي - هي التفوق الذي يأتي من طريق المحبة العالمية الواعية، فإذا تقدم بهذه ~~القدوة لم يكن اتباعه فيها مقصورا على شركائه في العاطفة والشعور، بل يتبعه كذلك من هم ~~دونه في عالم الأحياء. # وقد سألني منذ فترة قصيرة طائفة من الطلاب الشبان في برجواي: ما هو واجب الشبان في ~~العصر الحاضر؟ هل يجب عليهم أن يصبحوا مناضلين مجاهدين أو أن يقفوا موقف المراقبين ~~المتفرجين؟ # فأجبتهم قائلا: إن الدنيا تدور في فلكها إلى القبلة الوحيدة التي يؤدي إليها ~~دورانها، وهي قبلة التقدم والمثالية، وكل ما عدا ذلك فهو جولة تائهة أشبه شيء ~~بالتمرينات الرياضية، ولكن كل دورة عضلية تضيف قوة مثالية إلى القوة المادية ~~الزائدة. # وأهم الطوائف اليوم - بحكم كثرتها - هي جمهرة الشعب، كما يرى كل من فتح عينيه على ~~الواقع، وهي الجمهرة التي لم تدخلها الطائفتان الأخريان في حسابها من قبل، وهما طائفة ~~الأرستقراطية وطائفة البرجوازية. # وقليلا ما تستطيع السياسة أن تدفع حركة التطور، أو حركة الثورة في بلادها، أو في ~~البلاد الأخرى. ms131 ولكن جمهرة الناس هي التي تخلق ذاتها، وإنما الجمهرة في عملها شبيهة ~~بالكوكب الأرضي في عمله، تارة هي زلزال واضطراب وبروق ورعود، وتارة هي تطور وانتقال من ~~حال إلى حال، وإن شبان برجواي، بل شبان أمريكا الإسبانية جميعا، بل شبان العالم بأسره ~~لمنساقون بمشيئتهم، أو بغير مشيئتهم، إلى القيام بحركة التطور، كما يحتمل أن ينساقوا ~~أحيانا إلى حركة الاضطراب والزلزال. والمهم في جميع الأحوال أن يشعروا بما هم فيه، وأن ~~يساعدوا جهدهم على الاتجاه إلى قبلة التطور، إلا في حالة الاختناق والكظم، فلا حرج من ~~الاتجاه إلى الوجهة الأخرى، وماذا عسى أن يبقى من علاج غير هذا العلاج؟! # على أننا حريون أن نذكر أن الارتقاء الإنساني قد يحدث - فرديا - في بعض ~~الأحايين دون أن يحتاج الأمر إلى شيء محسوس مجسم، كأنه ظاهرة كهربية في الكيان ~~الاقتصادي. وعلينا ألا ننسى كلمة الهنود الحمر: إنك إذا رفعت قبضتك فقد ودعت ~~عقلك. # ونحن منذ منتصف القرن ننتقل إلى فترة من (الدينامية) أو الدفعة العاجلة، يكاد تكرار ~~الكلام فيها أن يكون من قبيل تكرار القوالب المحفوظة والجمل المعادة. فليست هي مسألة ~~أفكار بل وقائع وأفعال، ولا ينقضي يوم دون أن نهرول فيه من هنا وثم كيفما كان الاتجاه؛ ~~إذ تصوغ الفترة الجديدة ذاتها بلهيبها الصاعد وبطولتها الصاعدة، وإن بطولة الرشد في ~~ثباتها وحريتها وتضامنها - على مثال غاندي - قد تصنع الكثير، وقد تكون في ترقبها أفضل ~~ثورة وأقربها إلى الصحة والإقناع، ولا يسعني - وقد ذكرت غاندي - أن أغفل الذكريات التي ~~تعلق بذهني من تحية مجلة الجنوب # Sun # في مدينة بوينس ~~أيرس لهذا الرجل، الذي ينتمي إلى قوم آخرين في ظروف أخرى، فإن القلب ليحزن حين يقابل ~~بين هذه التحية وبين التعقيب الذي شفع به بعض الأوروبيين على غير وعي منهم نعي غاندي ~~ملخصين إياه بقولهم: إنه ختام الصراع بين وجبة اللحم - الروستبيف - وبين الطبخة ~~الهندية! # فهو عندهم صراع طبقات آخر هذا الصراع بين الروستبيف وبين الطبخة الهندية! # إن واجبنا - نحن بني الإنسان في مسعانا نحو ms132 أنفسنا نحو مصيرنا - أن نتعاون على تكوين ~~وعي جامع شامل بين تلك الأمم. المفروض أنها على حظ وافر من الثقافة، وتلك الأمم المفروض ~~فيها أن الثقافة تعوزها؛ لندرك العالم بهذا الوعي إدراكا يلائم الزمن الذي يحيا فيه ~~إنسان اليوم في جميع الأوطان. # | قصائد ومقطوعات # ربة الشعر # جاءتني أول الأمر على استحياء طفلة بريئة تكسوها براءتها، طفلة صغيرة ~~أحببتها. # ثم راحت تزين نفسها بما يحلو لها من حليها، فكرهتها ولا أدري كيف ~~كرهتها؟! # ثم بايعوها ملكة، وجللوها بالجواهر من فرعها إلى قدمها، فكانت سخافة مرة من ~~النقائض لا معنى لها. # وعادت تعرى من دثارها فابتسمت لها، ولم تزل حتى تجردت من أوقارها، وثابت إلى ~~التفضل على سجيتها، فعدت كذلك مؤمنا ببراءتها. # وخلعت لبسة المتفضل أخيرا، ولم يبق لها حجاب غير براءتها العارية. # آه يا ربة الشعر المجرد: بغيتي من حياتي ... أنت لي الآن مدى الحياة. # اللب # أيها اللب العليم. # هب لي من الأشياء أسماءها في صميمها. # هب لي الاسم الذي هو الشيء تخلقه نفسي لأول مرة، ويصل إليه - من قبلي - من ~~جهلوه، فلم يصلوا إليه. # واجعل من نسى الأشياء فلاذت منه بالخفاء، ومن قبلي يهتدي فيلقاها. # حتى الذين يعشقونها من قبلي يبحثون عنها ويعرفونها. # اسمها الصحيح - أيها اللب العليم - تمنحني إياه، وتمنحني اسمي واسمك واسمه، ~~وسائر الأسماء لجميع الأشياء. # وددت # وددت لو أن أشعاري جميعا، تلوح كما تلوح السماء ليلا، حقيقة لساعتها بغير ~~تاريخ. # وددت لو أنها - كالسماء - تعطي في كل لحظة كل شيء، بكل ما عندها من نجوم، لا ~~طفولة ولا فتوة ولا هرم، ولا لمحة من كل هذا تختلس منها شيئا، أو تلقي بظل من ~~الظلال على جمالها العميق في غوره السحيق. # روعة ... لمعة ... نغمة ... تستقبل عيني وتطبق من فوقي! # والروعة، واللمعة، والنغمة، معا ماثلة بين عيني. # السماء كلها في جناني، السماء كلها في خلدي . # كتاب مفتوح. # غن # صوتي. غن. غن. إنك إن تركت شيئا لم تقله، لم تقل شيئا. # أنا # أنا لست أنا. # أنا هو. # هو الذي يمشي ms133 إلى جانبي ولست أراه. # هو الذي أوشك أن أراه بعض حين. # هو الذي أوشك بعض حين أن أنساه. # هو الذي أتكلم وهو صامت صاف. # هو الذي يغفر وأنا ناقم، وهو الذي يسعى حيث لا أكون. # هو الذي سيبقى وقد أدركني الفناء. # السرعة # إن أسرعت مهرولا عدا الزمن أمامك وسبقك، كأنه فراشة تطير أمامك. # وإن تأنيت متمهلا، مشى الزمن وراءك كأنه الثور الذلول. # لا أحد! # لا أحد. # لكنه الماء. أترى الماء لا أحد؟ كيف يكون الماء لا أحد؟! # لا أحد. إنها زهرة. أليست الزهرة أحدا؟! # لا أحد. بل هناك الريح، فالريح ما بالها؟ أليست أحدا؟! # ليس إلا الوهم هناك. # ليس إلا الوهم. أليس الوهم بأحد؟! # بحق السماء # صمتا بحق السماء # إنك لن تعرف كيف تقولها. # دع أزاهيري مفتحة # ودع معها الأحلام ~~••• # يسير على القلب أن يستمع لحروف حنانك، وأن يستمع لديه إلى الماء يترقرق بين ~~لمعات السلسبيل، وإلى ذلك الضباب يسري معه حالما، والقمر المورد، والصدى من ~~أعماق تلك الطاحون. # بحق السماء لا تطفئ ذلك اللهب المتوقد بين جوانحي، وصمتا بحق السماء؛ فإنك ~~لن تعرف كيف تقوله حين تقول. # أغنية الشتاء # غناء. غناء. أين هو الطير الذي يسمع منه الغناء؟! # إنها تمطر، ولا ورق على الأعواد، ويسمع غناء، ولا يرى السرب الذي يرسل ~~الغناء. # ليس في القفص طير، ولا أطفال تبيع الطير، وغناء يسمع ولا طير. والوادي بعيد، ~~جد بعيد، فأين، أين ذلك الغناء؟! # لست أدري أين هاتيك الطيور التي تغني، تغني، تغني، أين؟ أين ذاك ~~الغناء؟! # رماد ورد # دعوتك باسمك، وأجابني منك صدى وئيد كلما دعوت. # ولكن أين أنت - تلك المرأة - التي هي الآن ملك يدي؟! # أين أنت. فإنني لا أراك؟! # يا بستانا من الذكريات لا تذوي. # يا قبلة من أحلام مضت، ومن أحلام ستمضي. # يا نسيما يدنو بأطياف الأماني، وهن بعيد. # أترينني الآن أسلك دروب الحياة كالضرير يتحسس طريقه في الضياء؟! # نعم. كل آهة مني أجابتها آهة منك، وأنت هنا. أجل هنا. تسكرينني، وأحسك معي. ~~ولكن أين أنت؟! تلك ms134 المرأة التي هي ملك يدي. # أين أنت فإنني لا أراك؟! # الطرف الآخر # من الذي يعلم ما في الطرف الآخر من كل ساعة؟! # كم من مرة توارى الفجر وراء الجبل! # كم من مرة توهج الأفق بأرجوانه الملكي، وبين أحشائه الذهبية تكمن ~~الصاعقة! # كم من مرة كانت الوردة سما، وكان السيف واهب حياة! # وكم حسبت أن المرج يزدهر في أعقاب الطريق، فإذا بالمرج بركة حمئة! # وكم حلمت بمجد إنسان، وفتحت عيني على حفرة الهية! # افتحوا الأبواب # افتحوا الأبواب. # دعوها الليلة مفتوحة لذلك الذي فارقنا مع الموت، لعله ينوي الليلة أن ~~يعود. # افتحوا كل سبيل. # لعله يعود ليرى مثال جسده في أجسادنا، ليرى قبسا من روحه بقية باقية في ~~أرواحنا، ليرى الأبد العظيم يرتفع بنا حين يهبط علينا، ليرى قليلا منا يتسرب ~~وراء نفوسنا يوم نسلم الروح. # افتحوا الدار كلها كأنها احتوته حاضرا في زرقة الليل. # معنا كأنه قطرات من دمنا، ومع النجوم كأنها زهر يحوم. # حياتي وحريتي # هذه حياتي. # تلك التي في أوج العلا. # تلك التي تهفو مع النسيم. # تلك التي تصحب الطائر إلى أقصى المطار. # تلك التي تستوي على قمة الظلام. # هذه حريتي. ~~••• # أشم الوردة، وأشق الماء بيدي العابثة، وأقطف المرج حتى يعرى، وأقبس الشمس ~~أبدية الشعاع. # مرة أخرى # سأولد مرة أخرى حجرا. # وسأحبك أيتها الأنثى. ~~••• # وسأولد مرة أخرى إعصارا. # وسأحبك كذاك، أيتها الأنثى. ~~••• # وسأولد مرة أخرى موجة طافية. # وسأحبك، سأحبك نعم أيتها الأنثى. ~~••• # وسأولد مرة أخرى نارا. # وكذاك أحبك أيتها الأنثى. ~~••• # وسأولد مرة أخرى رجلا. # وأحبك مرة أخرى أيتها الأنثى. # الربيع الأصفر # أقبل أبريل مترع الكئوس بكل ريحانة صفراء. # وجري الجدول أصفر، وسفح الهضبة أصفر، وحاشية البستان صفراء. # والمقبرة التي تضم صغار البنين. # الحديقة التي ألف الحب مأواها. # تتنزل عليها أشعة الشمس صفراء، تقطر أهدابها، صفراء صفراء. # واها للزنابق من نضار! # واها للماء الدفيء من تبرموار ! # للفراشة الصفراء خافقة، تحوم. # على الورود الصفراء! # ضفائر من أصفر تلتف بالأغصان، ونهار معطر بالذهب، نعمة مفاضة في يقظة ~~الحياة، بين رفات الذاهبين. # ويد ms135 الله تتفتح مملوءة بالثروة الصفراء. # جنة العريف # من آثار العرب في غرناطة # لا أحد، كلها مفتحة خالية. # لكن، لا شيء مفقود! # وما هن بنساء، وما هم بأطفال، وما هم برجال. # إنهم دموع. # ومن ذا ينهض بوقر تلك الدموع، فائضات، مرتجفات، يغرقن أنفسهن في غمار ~~الماء؟ ~~••• # وكان الماء يتكلم، وكان الماء ينوح. # تحت المرمر. تحت الرخام. # ينوح. يترنم. # بين الأسى المزدهر، والسلسبيل المعتكر، ينوح ويترنم. ~~••• # جنون بالبكاء. جنون بالغناء. # أرواح ودموع، بين جدران أربعة، ماء يتعذب، كأنه لهيب. # أرواح تتكلم، تتبرم. # ودموع منسية تتحطم. # والماء يترنح وينوح. # أرواح سجينة، تغدو وتروح. ~~••• # هنالك يخنقونها. # هنالك يحملونها، يجرونها. # عارية يبصرونها. # بدار. بدار. إنهم يهربون بها. # روحها تمنت لو تفيض. # لو تصبح غرفة من الماء. # تجري هنا وهناك، فيضا من كلمات. # فيضا من عبرات. # بين رشاش الماء، روحا مع الأرواح. ~~••• # على السلم. # كلا. بل يهبطون الدرج. # يا لها من خليط، من أرواح، من أمواه، من دموع. # يا لها من آكام شاحبة، من فرار واكفهرار. # ومن ذا يدري؟ أين القرار؟ ~~••• # أين ترف القبلة، أيتها الروح. # كيف ننظر فلا نرى أرواحا، ولا نرى دموعا، في حنايا الماء؟! # لا انفصال، ولا افتراق. # دعهم يفروا. دعهم يذهبوا. # أتراهم ذهبوا يتنسمون الأنوار؟! يطلون وراء الأسوار؟! يختبئون في أغصان ~~البان، يتحدثون إلى النبع الفوار؟! # سكوت. سكوت. إنهم الآن لا يتوهون. # اسمع. اسمع. إنهم الآن لا يتكلمون. # إن الماء ينام ويحلم. إنهم يمسحون عنه الدموع. إن الأرواح المأسورة لم تكن ~~بالدموع. إنها أجنحة تطير. # طفلة حلوة في شبابها. # فتاة بوردتها الموردة. # وليد يحملق في الدنيا. # خطيب وخطيبة. # هذا الذي كان الغناء والمراح. # هذا الذي كان الأنين والنواح. # في وهجات الشمس الغاربة على ذؤابات الشجر، بين أعطاف الريح. # أعلى ما يكون الصياح. # من روح جريح. # فاترة، هاجعة، كسيرة. ~~••• # أمواه بيضاء علوية، أشتات وأوصال تتمطى على ذراعيها. # تهمس لأشجانها وأحلامها. # أحلام هربت من عذابها. # وسكون، وتسليم، واستسلام. # يمينها تصافح روحها. # والنجم في أوانه حضرة أبدية، تضلها عن هواها، تضلها عن هداها. ~~••• # وتعود الآن ms136 كرة أخرى. # تعود إلى قبلة عذابها. # تواري جبينها في كفيها. # لا تريد أحدا. لا تريد شيئا. # تريد أن تغني. # تهرب إلى غير مأوى. # وعلى غير هدى. ~~••• # الأمواه تتكلم. تتألم. # الأرواح تنوح. تترنم. # يا له من عناء، هباء! # يا له من عناء، ولا عزاء! # هيام، وتجوال وتحوام، ولقاء في الركن القصي، ولا مقام. # وترديد بين الشفاه، كترديد النيام وبث على الأقدام. # رأس يصدمه الجدار. # ولا قرار، ولا سلام. ~~••• # روح تذوب في سلسال. # وينطرح جسد، وتنزف أوصال. # ويفارق الجسم دموعه وآهاته. # يبقيها وراءه للجدول الرقراق، والماء الزلال. # تتألم. تتكلم. تترنم. # مع الأرواح. مع الأشباح. تتلوى في تيه العذاب، تحت الشفق اللماح. # والأسى عند نوافيره يجنح إلى سواد، والليل مطبق الجناح، في ساعة ~~الرواح. # أمنية # ووددت لو سالت حياتي إلى منيتها، كهذا الجدول من الماء الزلال في صباحه ~~المشرق، ثرارا، لامعا، حساسا، طروبا، كأنما هو ذوب الدنيا بما وسعت، ~~يخفت بعيدا ويذهب وهو يترقرق على نغم رائق بهيج. # على ضريح ملاح # إلى قبة السماء ينظر الناظر ليرى مثواك. # إن منيتك من صيب كوكب. # إن الحجر لا يحجبك، ولكنه عالم من الأحلام يحيط برفاتك. # في المجهول تعيش، في كل موجود. # في السماء، في البحر، في الثرى، في أحضان الحمام. # البحر # الثرى يذهب بنا إلى الثرى. # ولكنك أيها البحر تذهب بنا إلى الآفاق. # معالم الطريق فيك رواسخ من فضة ومن ذهب عند لألاء تلك النجوم. # طريق البر سبيل الجسد. # طريق البحر للروح سبيل. # نعم هكذا نخال، فما للبحر غير الروح من عابر، بنجوة من التراب. # خضراء # خضراء. # خضراء كانت العذراء. # عيناها. غدائرها. خضراء! خضراء. # والوردة البرية في أجمتها. # لا هي بالحمراء ولا هي بيضاء. # إنها. إنها خضراء. # وبين نسمات الهواء الأخضر أقبلت إلي. # كل شيء على الغبراء، يخضر لها في الطريق. # إزارها اللامع ما هو بذي زرقة، وما هو بذي بياض . إنه ذو اخضرار. # البحر الذي أقبلت عليه أخضر. # والسماء - حتى السماء - من أجلها خضراء. # وهذه الحياة حياتي، لا يزال لها بابها الأخضر تنساب منه ms137 كلما أقبلت ~~عليه. # تعالي! # إن عليين اليوم زرقاء، والطبول تبشر بعيد الربيع. # لتحيا الورود. لتحيا ورود الحب. # ولتدخل خضرة المروج مع الشعاع الوضيء. # تعالي إلى المرج. لريحانة الإكليل. # تعالي. تعالي. # للريحانة، وللحب. ~~••• # سألتها: هل تدعينني أحبك؟ # وقالت وهي تتوهج: إذا طلع نجم الربيع أحببتك بكل قواي. # تعالي إلى المرج. لريحانة الإكليل. # تعالي. تعالي للريحانة، وللحب. # | صور أدبية # روبين داريو # Ruben Dario # 1 # خمس مرات. سبع مرات. ثلاث عشرة مرة. سبع عشرة مرة. أستعيد روبيني وداريي في هذه ~~الصورة. # إن روبين داريو في وجداني كان ولا يزال حيا، مطردا، واضحا، وكان ولا يزال جديدا ~~أبدا. # وقد رسمت له من قبل ظلالا متعددة، إحداها باسم روبيني وداريي، والأخرى باسم مع وعلى ~~روبين داريو، وغيرها باسم روبين داريو. وغيرها باسم الإسباني ليس إلا، وهكذا وهكذا إلى ~~أشباه هذه الصور، وليست واحدة منها بالصورة التي ترتسم له في الأسطر التالية. # وإن الصورة التي بعثها الآن نبأ وفاته تملؤني اليوم بالحزن، وأنا أتناول القلم ~~لرسمها، كما ملأتني بالحزن حين أبحرت من إسبانيا إلى نيويورك (في سنة 1916) ذات يوم ~~قارس من أيام شهر فبراير، مقلعا من نيوفوندلاند، يغشى على عيني الإعصار الجائح، ويحمل ~~إلي المذياع ذلك النبأ الفاجع عنه في بعض الطريق. # واليوم أنا مقترب من موطنه في نيكارجوا، وهو قد ذهب جثمانه، وحامت في خلدي أمواج من ~~ذكريات داريو - داريو البحر - كما أوحته إلي صورته التي أعارني إياها صديقه ألفونس ~~ريس # Reyes ~~، قائما في الجو الغائم المطير على شاطئ ~~فلوريد، في ثوبه الأبيض بزي الربان الملاح: ذكرى للأصيل الذهبي الدفيء! # لقد كان داريو دائم الذهول أمام الأمواج، أمام مولد الزهرة ربة الجمال. أمام الملح ~~المشبع بالعافية، ولم يكن - لهذا - يعلم ماذا يصنع بكسوة الفروك، وبالقفاز، وبالقبعة ~~العالية. وبزيه المتنكر في الحلة الدبلوماسية. فما كان هذا بزيه المفضل سفيرا لمليكته ~~الشرقية، أو أميرا بحارا عند الإله نيتون، فقد كان يحتفظ بعري أشد من هذا العري في ~~صوان ملابسه بحجرات الدار؛ ولهذا كثيرا ما كان يرى مستلقيا ms138 عند الميزاب متبرما ~~بالكسوة الرسمية لأن استدارته السمينة على قدمه الصغيرة كأنه سمكة القرش واقفة على ~~ذنبها لن تحتمل ضغط الصدار، وربما تخيلته أحيانا سلطانا من الدلفين ينعم بين حريمه ~~الملتف به من عرائس الماء. # كلا. كلا. أيها السادة، إن ترنحه المنتظم لأقرب إلى هزات الموج الزاخر في البحر ~~المحيط منه إلى دوار نوح، وكلما أخرج ساعته الأعجوبة ونظر إليها وإلى الجهات الأربع ~~فهمت أنه يستلهم التوجيه من إبرة الملاح، لا من إبرة ساعة! # إن موطنه الحق هو جزيرة الأرجنوت. جزيرة كولمبس. وكلمته المحبوبة - الأرخبيل - تحسبه ~~حين ينطق بها داخل حلقه كأنه يبتلعها ابتلاع بحار مدله له وزينة من المحار، ولا موجب ~~عنده لخلق أرض القارات إلا أن تكون بمثابة فردوس لذرية الآلهة والناس من سلالة الزهرة ~~ربة الجمال؛ فقد كانت الزهرة ترعاه منذ صباه كما قال: «إن الزهرة من أعماق الهاوية ~~لترمقني بنظرات الشجى والحنين.» # ولقد أعدته أربابه الوثنية في ساعة التجلي ليأوي إلى جزيرة زمردية في صفاء لون ~~السماء، يتجسم في نضرتها الخالدة طيف الأمل المستجاب، وما كان ينظر إلى الأبدية إلا كما ~~ينظر إلى جزيرة تختتم عندها الحياة اليومية، كما تختتم السمفونية الإلهية في نهايتها، ~~ويئوب إليها الحي مآب الملاح المشوق إلى الملاذ الموموق. وطالما رأيته في الحلم على ~~صورة ربان قرصان يسيطر على ذخائر البحر جمعاء، بين رباتها وسحبها وآكام مرجانها، ~~وعرائسها، ومنازل نجومها وشموسها ولآلئها ورياحها. # رياحها التي تحيل حرير السماء الأزرق وما تضرجت به أعلام أرباب البحر الحمراء. # روزاليا دي كاسترو # Rosalia De Castro # 2 # تمطر السماء في جميع أنحاء جليقية، وتشتبك الأرض بالسماء في ذلك القلب الرباعي ~~التجاويف الذي تجري فيه دوافق الأمطار، وإن هذا القلب الموار ليحيط بجوانب جليقية ~~جمعاء! # وفي القرى تتناسق الكنائس التي ضربتها الأمطار زمنا، فاسودت بين حالكة وأحلك منها ~~تمج روائح الرطوبة من هذه الحظيرة الآدمية. # ووقفت روزاليا كاسترو على باب دارها في ثوب الحداد تفكر في حقلها: دلو من الذرة ~~والعنب والغلال، يجري إلى جوارها الماء. # وترى ms139 روزاليا المطر يتدفق على الخضرة الناعمة، وعلى الثرى المبتل، وعلى الماء ~~الوحل! وترى البقرة تخوض في ذلك الوحل، كما ترى ذلك اليافع الشاحب الذي يحييها وهو عابر ~~في سبيله، وكما ترى الحاج الأشعث، والقس الأغبر، والطفلة المعتلة، والمركبة ذات ~~الأنين، وتستمع إلى دقات الأجراس تكاد تغرق في الهواء المطير. # أجراس بسطابل. # أسمعك ترنين. # فأذوب من الحنين. # فقر وعزلة، وكرب وحزن، واختناق يرين على ما حوله من فرط ما ابتلي به من العزلة ~~والضيق. # وفم واسع، وعطف دميم، وبكاء وقنوط ونشيج. # روزاليا كاسترو الشاعرة الجليقية الفاجعة، قانطة، باكية، ناشجة، لا تهدأ ولا تني في ~~قنوط وبكاء ونشيج. # ثيابها كجوارح جسدها مهملة، تنطوي على روح ذهبي في حوضها! ويا له من روح محزون جميل ~~مأسور! بل دفين بقيد الحياة، ويحدق بها قطيع من الآدميين، لا فارق بينه وبين القطعان من ~~غير الآدميين، وكلهم سواء في البطء المنهزم، والرائحة اللاصقة والغريزة المستسلمة ~~الذلول. # وروزاليا لا تعنى بنفسها، ولا يسعها أن تعنى بنفسها، ولكنها تجن بما في سريرتها من ~~النغم الموزون، مزيجا من الدمع والمطر ونبضات أجراس الكنيسة، يندمج في فؤادها وما ~~جليقية كلها إلا مارستان مرطوب تتعذب فيه، جليقية سجن من النوافذ والأبواب، وقضاء من ~~الماء والضباب والدموع، تتأمل فيه روزاليا محيا روحها وضميرها، ولا ترى في مرآته غير ~~القرار من غوره الدفيء. # الضباب في جليقية، يطفو ويستدير حول القطن، ويرغي كالزبد من الملح المخفوق، ويحدق ~~بفروع الماء من قبل الخضم الرجراج، يحاصر الجدران، وينتشر على الشطآن، ويلف كل شيء في ~~طياته الجون. وتأتي السقى فتدخل مغمضة العيون، أو هي لا تهتدي إلى المدخل. وهي هناك في ~~سكنها، في حقلها، في شاطئها المجهول، حيث المواقع في أرضها قريب من قريب، تتمشى طويلا ~~على هينة وقلق، حول الصخور الأربع والجدران الأربعة المبتلة، وعلى البعد منها، وعلى ~~مقربة منها، في كل دار منعزلة، وفي كل صخر منفرد: ضريحان توأمان مملوءان أو فارغان، تحت ~~أسداف المساء الأبدي من يوم كيوم الكفارة عن جميع الأرواح، وحيثما نظرت ms140 فهناك روزاليات ~~أخريات، أكبر منها أو أصغر، أيامى الأموات والأحياء اللائي لا يعزيهن أحد، ولا يعرفن ~~العزاء. # جوزيه مارتي # Jose Marti # 3 # قبل أن أرى كوبا لم يلتق بصري بجوزيه مارتي حق اللقاء، فلا لقاء له قبل لقاء وطنه ~~ومآلف حياته، وإن رجلا لا بطانة له من نفسه أو من أنفسنا، لهو ذات ضائعة بغير ملامح ~~وأوصاف، وسبيلي على الدوام أن أفتش عن بطانة وراء الأنفس، أو وراء الأشياء؛ فإن ~~البطانة تكشف عن الكيان الصادق، وعن أطوار ذلك الكيان لشيء أو لإنسان، فإن لم أجد ما ~~أفتش عنه فمن الخير أن أقنع بصورة لإنسان شفاف، أو لكائن شفاف. # ولقد رأيت مارتي الذي في كتبه، أو مارتي الذي في كتب المترجمين له، يوم رأيت مارتي في ~~كوبا الخضراء الزرقاء الشمطاء بما يكتنفها من الشمس والماء وزوابع الهواء، وما يتناثر ~~من الخيل منبسطا أو منزويا في واحة هنا وواحة هناك، وما يتفرق من أجم وأودية ونسمات ~~وخلجان وجبال ملأى بما احتواه مارتي من طلاقة التقدم والنهوض. # من خلال هذا كله نفذت إلى مارتي في كتبه وكتب مترجميه. # إن ميجويل دي أنامونو وروبين داريو قد صنعا الكثير لتعريف إسبانيا بالمزيد من مارتي. ~~مارتيهما الأثير لديهما، مذ كان مارتي خصم إسبانيا السيئة أخا لأولئك الإسبان، الذين ~~يخاصمون إسبانيا عدو مارتي الغضبى عليه. # وداريو مدين له بالكثير. # وأنامونو مدين له بالجم المعدود. # وإسبانيا وأمريكا الإسبانية مدينة له بالمشاركة الشعرية من جانب الولايات المتحدة، ~~وكان مارتي بهجراته إلى منفاه في نيويورك - وهي للإسبان الأمريكيين كباريس للإسبان ~~الأوروبيين - أقدر من سعى لتقريب الولايات المتحدة من العالم الإسباني بين أصحاب ~~الأقلام. وأحسب أن ويتمان - وهو أعرق أمريكية من مواطنه پو - إنما اقترب منا نحن ~~الإسبان على يد مارتي الذي كتب مقاله عنه فأوحى إلى داريو تحيته إلى الشيخ الطيب، ~~واجتذبني إلى شاعر بحيرات الخريف الرفيق العنيف. # وإن مارتي - بعد حياته لنفسه في نفسه لموطنه كوبا - ليحيا بشعره ونثره معا في نفس ~~داريو الذي اعترف له بدينه منذ البداءة، ms141 وإن الذي تلقاه عنه ليدهشني اليوم بعد استيعابي ~~لهذا وذاك. فيا له من عطاء! ويا له من قبول! # وأذكر منذ الطفولة، ولا أذكر أين، قرأت لمارتي هذه السطور: # إنني لأحلم بالصوامع المرمرية. # وهي في صمتها المقدس. # قائمة والأبطال لديها هاجعون. # وعلى ضوء من الروح أتحدث. # إليهم تحت جنح الظلام. # ولقد فكرت فيه، ولم يفارقني، ورأيته يومئذ غريبا مخالفا للإسبان الأمريكيين وليس ~~لنا نحن، ورأيته أقوم وأخفى وأمضى وأغمض وأوفر نصيبا من الوطن، وأوفر نصيبا من ~~العالم، وأبعد من معاصره جوليا ول كازال الكوبي الآخر على صورة أخرى من الدعوة العصرية ~~الزائفة، التي على الرغم من ذلك جذبت داريو إلينا نحن الإسبان، ثم هناك سلفادوري رويدا، ~~ثم فرنسسكو فلسبيزا بعد ذاك. # وما كان كازال قط ممن أسيغ على هواي. أما داريو فهو على فرط فرنسيته كصاحبه كازال ~~في دور النكسة، فإن لهجته الهندية الإسبانية الفطرية في شعره المخصب على أحسنه لتسحرني ~~وتستهويني. كلا! كلا. إن مارتي لشيء مختلف جد مختلف، وإنه لأقرب إلي وألصق بي، ومن ذا ~~الذي يرتاب في مارتي المجدد المستحدث؟! ومن ذا الذي يفهمه فلا يحسبه عصريا كسائر ~~العصريين من الإسبان الأمريكيين؟! # وكنت - إذ ذاك - لم أقرأ من مارتي غير القليل، أو قرأت منه ما يكفي للتعرف إلى ~~معناه ومبناه، وكانت كتبه - وهي كغيرها من الكتب الإسبانية - غير مطبوعة في باريس، ~~وقلما ترى في إسبانيا، ولم أعرف غير النادر من نثره الإسباني، بل المغرق في الإسبانية ~~المنمقة، أو عرفته بعبارة أخرى، ولم أعرف أنه هو نثره؛ لأنني كنت أصادفه مضمنا ~~فيما يكتبه داريو، إذ كان كتاب القشتيلي لداريو صالحا لأن يخرج من يراعة مارتي، لولا ~~أن مارتي لم يكن قط من المأخوذين بذلك الرونق الإسباني المزخرف، الذي كان يبهر داريو ~~فيفتح عليه كل عينيه كالطفل الريفي المشدوه، وقد ظل داريو في جميع حالاته خارجا من ~~نطاق تلك الشخوص التقليدية، من ملك وأسقف وفارس وأستاذ فقيه مصطبغين بصبغة المراسم ~~والشعائر، وما كان مارتي ليعرب أبدا عن المظهر الموشى حتى ms142 في حديثه عن النساء، وهن ~~ما هن عنده على مثالهن عند داريو ولكنه على صورة أخرى؛ فليس لمارتي سلفية عريقة في غير ~~مفردات اللغة وغير المفردات التي تمتاز بينها بالتعبير عن فكرة أو عن خالجة موقرة، وما ~~كنت لأشعر بهذه الموازاة بين مارتي وداريو لو لم أذهب إلى كوبا، وليس من أربي - ولو في ~~سبيل إنصاف مارتي - أن أغض من داريو العظيم أو أجور عليه؛ لأنني معجب به في غير هذه ~~الناحية، بل معجب به أيضا فيما يشبهه من الصفات لصراحته واعترافه بالاستفادة من مارتي ~~في تلك الصفات، وإنما الفرق بينهما في غير ما يختلف به وجودان مستقلان راجع إلى أعماق ~~التجارب المختلفة التي ابتلاها كل منهما في حياته؛ لأن مارتي حمل في أطوائه جرحا ~~إسبانيا لم يصب مارتي بمثله. # إن هذا جوزيه مارتي، هذا القائد العنكبوت الذي نسج خيوطه من الحب والبغض بين الورود ~~والكلمات والقبلات البيض، منتظرا مصيرة المقدور، قد سقط في أرضه التي شهدتها الآن ~~فريسة الهوى والحسد وقلة الاكتراث بعض الأحوال كما كان مقدورا له على سنة الفرسان ~~المجاهدين صرعى الغرام في كل وطن وفي الماضي والحاضر والمستقبل، وقد كان هذا الدون ~~كيشوت الكوبي يحيط بالروحانية الأبدية والمثالية الإسبانية. # فيا معشر الكوبيين، إنكم أخلق من سواكم أن تكتبوا أنشودة مارتي وأقاصيص خياله، وهو ~~بطل الحياة والموت الذي ذاد عن وطنه وعن قرينته وعن أمته ذودا جميلا بما أقدم عليه ~~من التضحية بحياته الشاعرية الرفيعة، وقد كانت تلك الرصاصة التي أردته من نصيبه حقا، ~~فجاءته - لهذا - كما تجيء كل رصاصة ظالمة من كل فوج ومن جوانب شتى ومن تراث القرون ~~المسفة، فلم يبرأ من جريرتها غير القليلين من الإسبان والكوبيين، فكلهم مسئولون عن تلك ~~الشظية التي نفذت إلى جثمانه، ولست أشعر - أنا أيضا - بخلوي من تلك الشظية، وإن لم ~~تكن من حقي ومن سهمي. وقد شعرت به وبما كان يختلج من شعوره دائما، كما نشعر حيث نكون ~~في النور إلى جانب الشجرة والماء والأزاهير ذوات المعاني والرعاية. ms143 وإنني لمن ذلك ~~الطراز الواجد المبتهل الذي يؤمن بأن الخير يهلك ظاهرا، ولا يهلك جدا بما يقصده به ~~الآخرون؛ لأن الشر يهلك نفسه بيديه. # بكوير # Becquer # 4 # بسط بكوير إحدى يديه وأسلم نفسه للريح البحرية حول كرمه المعسول، مأواه الأمين من ~~بغتات الوابل الدافق المرعد في شهر مايو كلما حن إلى لحظة من لحظات الظل والعطر بين ~~غيوم السوداء والقنوط. وإنه ليرتجف ويختلج ويسعل ويقبض بيده في الوقت نفسه على قبعته ~~العالية، وهو يواجه هبات الرياح، وإنه ليجهد جهده ليلف الربابة الخيالية في ردائه ~~القصير الذي يكاد لا يغطيه في هذه اللحظة من الربيع القارس المكظوظ بالزوابع السافية ~~والغيوث الهامية. أتراه في ذلك الصباح في ركن مظلم من الحجرة قد انتزعها - تلك الربابة ~~- بأوتارها العارية وأجنحتها الناعسة كأنها شجرة اللوز المزهرة؟ إلى أين يا ترى يحملها ~~ليرسل نغماتها؟! وأي خليط هناك من العسل المشتار، والهم، والربيع، والمرأة، ~~والقشعريرة، تحويه تلك الربابة المثالية؟ # ربابة أو امرأة، وتر أو معصم. إنها جميعا تحلم بالحب الخفي: «يختم خيانته ~~بقبلة!» # لقد طوى في صدره صدى مسمرا في دخيلة الروح، ومضى يتعذب به كأنه وخزة الشوكة من ~~الثمرة المفخمة على شجرة البرتقال: ذبحة لا تطاق، ولكنها لا تقتل صريعها بطعنة ~~واحدة. # مضى يحمل الألم الملتهب، ويرى هل يطيق أن يدفع به إلى البحر الواسع من نهر الدم الذي ~~يسري في عروقه، وإنه ليدق ويدق في كل أنحاء سمعه، ومن قدمه إلى فرعه، تحت سحابة خانقة ~~من خفقان قلبه الكليل. # قلق فاتر يقابل سبحات الخيال البيض المذهبات المتألقات بشتى الألوان، وبهذه النبضات ~~القلبية يصنع نغماته، ويسمو إلى الأبد حيث تخفق الحياة في القصيد من وحي الإسبان: ~~«واليوم تنزل الشمس إلى أعماق الروح». وحول بكوير - كالخلاصة الصفراء الفضية من الزهرة ~~المثالية، وبين العصافير المتجمعات لتتويجها، والمنقار الغيور يغرد بها - تطير ~~الأوزان والألحان في أحوال شتى قبل وبعد المبتذل من الأشياء، فريدا صادقا فيه؛ إذ ~~ليست هي إلا سجعاته القاسية الشمطاء. # جرس وقافية - حقا - تمر السنون في إسبانيا، ms144 ولا يستخدمان بغير رجعة إلى ~~بكوير. # جرس. قافية. قافية. جرس. قافية. قافية النهد الأسود والأبيض المحفوظ على صفحة ~~الطغراء، طغراء الرواق على حجر القبر، على جدار الدير، على الشرفة المغلقة بسماء ~~إشبيلية الغربية: خضرا وقرنفلية، ومعها الماء والشمس على صفحات الزجاج. # | ذكريات # نيويورك 5 من أبريل # الفتاة الزنجية تنام وفي يدها وردة بيضاء. # والوردة والرؤيا تبددان ما تناثر من زينتها الحزينة كأنهما غشاوة من السحر منبسطة عليها: ~~تلك الزينة من الجوارب المطرزة، والمئزر الأخضر، والقبعة الذهبية، بخشاخيشها ~~الأرجوانية. # وإنها لتحلم - وهي مستسلمة للمنام - بالوردة البيضاء في يدها السوداء. # ما أشد قبضتها عليها! # لكأنها تحلم بأنها تحميها وتحرسها، وإنها لتعنى بها عناية السائر في نعاسه، وتتخيل - ~~على ما يرى - أنها ولدتها في ذلك الصباح، وأنها أصبحت أما والدة لروح وردة بيضاء. ومن حين ~~إلى حين يخنق النعاس إكليل الوردة المطوي التي لو كانت ذهبية لسطعت في أشعة الشمس فتنغض ~~رأسها وتلمس نهد الفتاة أو كتفها. فلا تلبث الكف التي تمسك بالوردة أن تذود عن كرامتها: ~~كرامة حامل العلم لبواكير الربيع. # ويقابل هذا الحلم - غير منظور - واقع من الضجيج في الجوار القريب يغطي على كل شيء حيث ~~يرين الحر والقدر وقلما يحسان. # وكل من هنالك ألقوا صحفهم وتركوا المضغ والصياح في غاشية من الملل والشجن مستغرقين في ~~النظر إلى تلك الوردة البيضاء، كأنها الوعي الباقي في ذلك الجدار. # والوردة - بين ذلك - تشع بنفحة جميلة كأنها روح لا جسد له، أو حضور شامل يحيط بكل ما ~~هنالك، إلى أن يتسربل الحديد والفحم والصحائف، كرامة للوردة البيضاء، بربيع أجمل، في خلود ~~غير محدود. # القمر # نيويورك 23 أبريل # برودواي. المساء. روائع في السماء من صنوف الألوان تصيب النظر بالدوار. ~~... والقمر. # القمر ... # لننظر. لننظر إليه بين ذينك الصرحين العاليين فوق النهر، على تلك الذروة ~~الحمراء. ألا تراه؟ مهلا لنرى. # أهو القمر يا ترى أم هو مجرد إعلان عن القمر؟! # ليحيى الربيع # نيويورك # العجوز ذات الأظافر الملوثة تتيقظ . # وأقبلت السفن الداكنة إلى هدسون المضطرب في حلقة من ms145 حديد، كأنها كواكب الليل تقبل ~~بعد الشفق نحو النور من جانب الظلام. # وجاء الربيع، بحنينه إلى الطهر، يعززه الفجر العائم في السماء، وعلى وجه الماء، نحو ~~المدينة. # ويستوي النهار في مكانه، ويمينه على التليفون، من مركز برودواي. # وقضى - الربيع - ليلته كلها يتجمل ويزدان سابحا في ضياء القمراء، تندى وروده ~~الدافئة برونق الفجر الذي لا يزال في طريقه يصارع (شركة الدخان والغبار والأوحال ليمتد) ~~ليتلقاه مرشد بوغازها! # لكنه وا أسفاه! يعود الفجر فيسقط في الماء منهزما، حيث تمتد إليه أشعة من الشمس ~~المحمرة لإنقاذه. فينتشلونه ويسعفونه بالتنفس الصناعي عند تمثال الحرية. # ويا للمسكين! ما أشد فرحته بالنجاة وهو مهزوم! # إن الذهب الشاحب من شعاع الساعة التاسعة كاف لتتويجه. نعم إن البراعم المتسخة على ~~شجر الرصيف لتبتسم في سمت وضيء، وإن العصافير على المداخن لتغني غناء تشوبه ذكريات ~~الثلوج، ومقابر الشاطئ ترسل الغبار الأسود نثارا كالشرار، وشريط من القرمز المشرق يصبغ ~~أعالي الأبراج حيث تدق أجراس الخطر وأجراس المعابد في اختلاط. # انظر إلى الربيع الآن! # إنه الساعة قوي متجرد في ميدان واشنطون تحت القوس، يتأهب للمسير من الشارع الخامس نحو ~~الحديقة، ثم لا يزال يدق قدميه تزجية لوقت الفراغ، ولا يتقدم! # إنه يحني رأسه، الآن. # وليحيى الربيع. وليحيى الربيع. وليحيى الربيع. # مقبرة برودواي # نيويورك # هذه المقبرة الصغيرة تؤدي إلى حي الأعمال، يصل إليها القادمون من أربعة مفارق ~~متزاحمة، جو وترام وسيارات بالعداد ونفق. ولا يخذلها بين هذا كله صمتها الصابر ~~الصغير. # ولا نهاية للعناوين المتألقة المتقابلة التي تعلن بالأحمر والأسود كل ما في نيويورك ~~من (ال ... وشركائهم) تصوغها شمس الغروب، وتجمعها وتفرقها على أنماط وأشكال، بين اتصال ~~وانفصال، فتصطبغ بها الأكتاف والظهور من حجارة الشواهد على القبور، وتتوشح هنا وهناك ~~بوشائح من صبغ القلوب التي في الصدور. # مسكينة هذه البحيرة من عالم الفناء بما يلحق بك من معبد صغير - كأنه لعبة معبد - ترن ~~أجراسه حالمة محاصرة؛ لما فيك من سكينة تحيط بها الأبواق والمطارق والصفافير. # إلا أن هذا الصفاء - على صغره وعلى ms146 انحصاره - خالد تحت ذلك العشب الحائل الذي نماه ~~رفات جيل آفل. وما فيه غير زهرة واحدة ينحرف إليها شعاع الشمس الغاربة، فتغمر بالشعر ~~هذه الرهبة من وحشة الساعة الخامسة، وتجلها التوأم الوحيد لشمس الغروب في جلالها ~~السرمدي الذي انعزلت عنه المدينة العامرة. # مقبرة أيضا # بين نيويورك وفلادلفيا # مرة أخرى نعم. # بل مائة مرة. إن أعظم ما يستهويني من أمريكا كامن في سحر مقابرها. # إنها قريبة منا، لا يحيط بها حائط من حولها، وكأنها البلد الوحيد في كل بلد، يستهوينا ~~إليه وحيه الشعري من سكينته المغردة بطيورها، أدنى إلى معترك الحياة من الحدائق ~~والموانئ والمتاحف، تخرج الطفلة الصغيرة فتعبر بها من دارها إلى جوارها، وتتلبث هنالك ~~هنيهة تلاعب عروسها، أو ترمق الفراشة التي تتطاير أمامها، وتنعكس صلبان الشواهد على ~~زجاج النوافذ من حولها، فيجتمع البيت والضريح في ظل واحد، ويطير العصفور من شاهد ~~القبر إلى نافذة الدار، آمنا أمان الطفلة الصغيرة في المقبرة. # يا له من نصر! هنا ينتصر به الجمال على الموت، ويا له من مثل مطمئن بين أمثلة شتى ~~من العجلة والقلق فيما يليه! # أيتها الوردة طاب رياها. # أيها الماء ساغ شرابه. # أيها الحلم نعمت به أعين الحالمين. # ما أحرى الموتى أن تستريح بينك يا هضاب نيويورك، مطمئنة إلى الحياة الأبدية ~~بين عوارض هذه الحياة اليومية! # مدريد # ما أقربها من الروح! # ما أقرب البعيد! البعيد، الذي لا يزال بعيدا من الأيدي، قريبا من الروح. # كأنه ضياء من كوكب سحيق. # كأنه صوت غير مسمى. # كأنه أحلام سارية، كأنه جواد نتسمع حوافره الراكضة بآذان على أديم الصعيد. # كأنه أصداء الموج من البحر المريج، في سماعة التليفون! # وتنشأ الحياة خلقا جديدا بين جوانحنا في ضياء لا يخبو، من نهار جميل يسطع في مكان ~~ناء عن هذا المكان القريب. # آه ما أحلاه ما أحلاه! ما أحلى الحق ولما يبرزه التحقيق! # الإصغاء إلى الماء # أظلم المساء، وجلست على مقربة من سلم الماء الصغير بجنة العريف من غرناطة (مدينة ~~الرمان). # جلست متعبا من مسرات الأصيل ms147 الذي انقضى في نعمة فردوسية متلاحقة، وهبطت كالطيف الذي ~~لا ظل له ولا جسد، في أطوار الظلمة النامية التي تحلو لك كل لحظة، ولا تزال تشف عن سماء ~~عرت فيها النجوم من سرابيلها. # وأحدق الماء بي مصطبغ الأصداء، برودا، قريبا وبعيدا، متسربا جاريا في كل ~~قناة وكل جدول وكل شؤبوب، وكنت قريبا منه حيثما كان، فملأ مسامعي وهجس لي بأخفى ~~وساوسه، وكاد يتمثل لي معزفا منسوق النغمات متجاوب الأصوات، بل لعله استغرق فغرق في ~~نفسه موسيقى من الماء، بل موسيقى هي الماء. # وسمعت موسيقاه غامضة وواضحة: غامضة لأنها الآن لم تكن منعزلة عني، بل كامنة متنقلة في ~~عروقي، ودمي الذي يسري في جوانبي، فمن خلال هذا الماء تمتزج بالدنيا الباطنة كل وشيجة ~~منها إلى نفسي ومن نفسي إليها. # وواضحة لأنها صوت يعلو كلما راحت في الظلام شبحا لا يرى، وكلما ترددت في السمع ~~وتجاوبت بالترداد صفت روحي وغرقت في الصفاء، حتى لا تسمع ولا تقول؛ لأنها هي المسموع ~~والمقول. # ولمحت من جانب العين ظلا مديدا في قامة إنسان، منفردا، مصغيا، يجاور ظله على درج ~~السلم، ويخطو رويدا رويدا مقتربا مني، ويقول لي بصوت سمعته وسمعت الماء معه: تصغي ~~إلى الماء؟ # قلت: نعم. ونهضت قائما وأنا أتحدث إليه قائلا: وأنت مثلي أراك تستمتع بالإصغاء ~~إليه. # قال: لا حاجة بي أن أستمتع بالإصغاء إليه؛ فإنني أصغي إليه منذ ثلاثين سنة. # فهتفت به: ثلاثين سنة! وقلتها وأنا لا أذكر، ولا أعني أن أذكر، منذ كم من السنين كان ~~إصغائي إليه. # ثم سمعته كأنه يقول: تخيل ما قد أخبرني به. وتخيل ما قد سمعت منه. # وانسرب في رفق فغاب في الظلماء، وغاب في الماء. # قنطرة # إلى قنطرة الهوى. # إلى الحجر الجاثم بين الصخرتين. # إلى موعد المواعد التي لا ينتهي موعدها. # أتيت ومعي قلبي. ~~••• # وما كان لي عند القنطرة من حبيب غير الماء. # أبدا يجري ولا يخدع أبدا. # وأبدا يجري ولا يتغير أبدا. # وأبدا يجري ولا ينتهي أبدا. # نهر هدسون # ولكي أذكر كيف عشت عدت ms148 إليك يا نهر هدسون من بحري «العذب كعذوبة هذا النور يتجلى ~~حبا.» # وتحت هذه القنطرة التي احتوت من نيويورك أكثر ما تحتويه، يجري جدول طفولتي المذهبة. ~~طفولتي؟! أي نعم؛ فقد أعود طفلا مرة أخرى، وأنمو - كيفما أنمو - فيستوعبني صغيرا ما ~~هو أكبر وأعرق وأبقى. # أيتها الأسطورة التي لا انتظار لها، والتي تعذب كعذوبة النور يتجلى حبا، إن ~~نيويورك هذه لشبيهة بمقرة، شبيهة بإشبيلية، شبيهة بمدريد، وإني لأفتح الباب حيث أقيم ~~لتدخل إلي الشمس حبا بهيجا كبهجتها، وألقى أحدا فأضحك، وأثوب كرة أخرى إلى ~~ملاذي المدخر من العزلة والصمت، سواء في الطبقة التاسعة أو الطبقة التي على الأرض ~~تستقبل السماء، حبا وضياء، والحب حلو كالضياء. # الصور من صنع موريلو # 1 # تنظر إلي خلل النوافذ، والعصافير العالمية تغرد على الأسلاك، وأنا ~~والعصفور نتبادل الغناء ونتساجل الحديث، وأصغي فتهب علي ريح العالم الواسع بصوت ~~امرأة. فما أملحه شارعا أرتضيه سكنا لأطيافي وأشباحي وما يحوم في رأسي من الأخيلة ~~والأوهام! # إن الشمس تحرق الجانب الجنوبي من ركني، وهذا القمر المنقوش على الحصير يوقظني لأهرب ~~من هذا الفقر الموشى مبادرا إلى قنطرة واشنطون، أصدق القناطر جميعا في نيويورك حيث ~~يجري جدول طفولتي الموشاة. # وشبعت نفسي فرجعت إلى الشارع، تفتح الريح معطفي كما تفتح قلبي، فأبصر الوجوه الحسان، ~~وأرى أشجار الحور في حديقة يوحنا الرباني آتية من مدريد. وأتحدث إلى كلب هنا وقطة هناك ~~بالإسبانية، وأسمع صبيان الكنيسة يرتلون الصلوات باللسان العالمي الذي يتناجون به في ~~جنات الفردوس وفي أفق القمر، وأحذو حذو النواقيس مع أشعة الظهيرة، حيث تعوم السماء في ~~بحر تمازج فيه البنفسج والذهب على وفاق، كأنه قوس قزح على أبدع مثال. # إن الحب حلو كالضياء. # | سطور # الأدب السلفي هو الأدب الذي تم في زمنه - أو لأنه تم في زمنه - أصبح فوق ~~الزمن، غير محدود بزمانه دون سائر الأزمان. # ما مضى يوم دون أن أمحو فيه صفحة. # لن تجد في العزلة إلا ما حملته أنت إليها . # ما أشد النزاع في نفسي بين الحسن وما ms149 هو أحسن! # تشجع الشباب، تحاسبه. # تؤدب الناضج. تحتمل الشيخ! # إنني أخبئ عروس الشعر في داري لمتعتي ومتعتها، وما بيننا من صلة إلا الصلة ~~التي بين المحبين المشغوفين. # حركة. نشوة. نعمة. مجد. شعري. # طهر، تجدد. # علامة الشعر الصادق العدوى. # حاذر! ليست العدوى بالمحاكاة! # الأسلوب.ليس بالقلم، وليس بالكلام. # ما يراه الشباب فينا مهم، فإنما الشباب أول المستقبل. # أحسن ما صنعت، ندم لما صنعت. # روحي: مرآة في الظلام، أينما حلت تقبس الشعاع. # دعونا نربي أولا: القدرة على الرفض. # النقد: لست أحتمل الرأفة، ولكنني أتقاضى الإنصاف. # جذور وأجنحة، ولكن دع الأجنحة تنمي لها جذورا، ودع الجذور تطير. # في حياتي وفي موتي، لا أسباب لي غير أسباب الجمال. # الدنيا لا تشيخ. إنها تسترد الشباب في كل جيل. # الإتقان في الموقوت أيضا، كأنه مفروغ منه. # لنفرح بالفرح الأكبر: فرح الإنجاز. # الإيجاز أدب الفن الرفيع. # تبقيه جميعا، ولكن بجهد جهيد. # طائر الماء على البر أوزة! # زهرة حزينة، تفتحت عنوة! # أن تنقح معناه أن تدبر المفاجأة! # القصيدة كالنجم، عالم يرى كأنه فص من جوهر. # الفجاجة، كالدقة، لا تطلب ولكنها مصادفة. أو هي ملاحة بلا تطرية. ms150