######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.ShacirGhazalCumarIbnAbiRabica.Hindawi73070404 #META# Tags: biographies :: literary.criticism #META# ID: 73070404 #META# Title: شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة‏ # شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة‏ # | شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة # | شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة # تأليف # عباس محمود العقاد # | شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة # (1) الشاعر ونشأته # اتفق لي أن أخرج كتابا عن عمر بن الخطاب، وكتابا عن عمر بن أبي ربيعة في فترة ~~واحدة، ولم يكن ذلك عن قصد مرسوم ولا عن محض مصادفة، ولكنه كان مزيجا من القصد ~~والمصادفة، ووسطا بين الاختيار والاتفاق الذي يأتي على غير انتظار. # فقد دعيت منذ أكثر من سنة إلى الكتابة عن عمر بن أبي ربيعة بين مشاهير الأدب العربي ~~والتاريخ الإسلامي الذين اتجهت النية حينا إلى ضم سيرهم وتواريخهم في مجلد واحد. ~~فشرعت في دراسة الشاعر وتحضير سيرته ونقده حتى لم يبق منها غير الكتابة، ثم أرجأتها ~~إلى موعدها المقدور حين وقف العمل في كتاب أولئك المشاهير. # وحدث أنني كتبت «عبقرية محمد» واستلحق هذا الكتاب «عبقرية عمر» فانتهيت منها، وإذا ~~باقتراح من سلسلة «اقرأ» أن أكتب رسالة في الأدب على نحو الرسالة التي كنت أزمعت ~~كتابتها عن عمر بن أبي ربيعة. فهذا الذي جمع كتابي عن عمر بن الخطاب وعن عمر بن أبي ~~ربيعة في فترة واحدة، وفيه من الاختيار شيء، ومن التقدير السابق شيء، ولم يكن شأني ~~فيهما بأغرب من شأن التاريخ بين العمرين المتفاوتين هذا التفاوت في العمل والقول ~~والسيرة. # فقد قيل إن ابن أبي ربيعة ولد يوم مات ابن الخطاب - رضي الله عنه - فكان الناس ~~يقولون بعد ذلك: أي حق رفع وأي باطل وضع! ويعجبون لمجيء هذا إلى الدنيا يوم ذهاب ~~ذاك. # فأما أن حقا عظيما رفع من الدنيا يوم فارقها عمر بن الخطاب، فذلك ما لا ريب ~~فيه ولا خلاف. # وأما أن باطلا وضع في الدنيا يوم جاءها عمر بن أبي ربيعة ففيه ريب وفيه ~~خلاف. # ونحن لا يعنينا أن يتفق المختلفون على نصيب ابن أبي ربيعة من الحق والباطل، فليكن له ~~منهما ما يشاء ويشاء المختلفون. # وإنما يعنينا ms01 أن يستحق الدراسة الأدبية أو لا يستحقها. وهو موضوع لا يختلف عليه ~~الدارسون؛ لأن ابن أبي ربيعة - ولا ريب - ظاهرة أدبية، وظاهرة نفسية قليلة النظير في ~~الآداب العربية، وحقه في الدراسة كحق جميع الشعراء المعروفين بهبة الفن وصدق ~~التعبير. وإنه لفي الطليعة الملحوظة من هؤلاء. # وتاريخ شاعرنا وجيز في حساب الحوادث والسنين، فافرض ما شئت من سنتين بينهما ديوان ~~شعر، فذلك أهم تاريخ له بين سنة الميلاد وسنة الوفاة. # فمن المتفق عليه أنه ولد سنة ثلاث وعشرين للهجرة، ومن المختلف عليه سنة وفاته ~~وسبب وفاته. فقيل إنه مات حتف أنفه، كما قيل إنه مات مقتولا أو مدعوا عليه، وقيل: ~~إنه مات سنة ثلاث وتسعين كما قيل غير ذلك. فنحمد الله على أن ما اختلف فيه التاريخ من ~~أنباء الشاعر ليس مما يغير أو يبدل في حقيقته الشعرية أو حقيقته الفنية التي تعنينا ~~وتعني القراء. فحسبنا ديوانه وحده، نعلم منه كل ما يهم علمه، ونتخذ منه موازين أدبه ~~وحقائق نفسه. وإن أصدق الشعراء فنا وحياة لمن تعرفه بديوانه وتعرفه ~~لديوانه. # وعلى هذا ندع الإسهاب في الحواشي والفضول التي لا تؤدي إلى طائل في هذه الدراسة ~~الفنية وفي كل دراسة فنية على التعميم، ونكتفي من أخباره وأحاديثه بما يفهمنا ديوانه أو ~~بما يفهمنا سليقته وآثاره الفنية، وهو على قلته يغني ويفيد. # كان شاعرنا من سادة بني مخزوم، ومن أكبر بيوتات قريش، وكان جده أبو ربيعة يسمى ذا ~~الرمحين لطوله كأنه يمشي على رمحين، وقيل: إنه قاتل في يوم عكاظ برمحين فسمي بهما ~~لذلك. # وكان أبوه يدعى بحيرا، فسماه النبي - عليه السلام - عبد الله، واشتهر بين قريش بلقب ~~العدل؛ لأنهم كانوا يكسون الكعبة في الجاهلية من أموالهم سنة، ويكسوها هو من ماله سنة، ~~فلقبوه العدل؛ لأنه يعدل قريشا كلها في كسوة الكعبة، وقيل: إن العدل هو الوليد بن ~~المغيرة، وليس عبد الله بن ربيعة والد الشاعر. # وكان بحيرا - أو عبد الله - تاجرا موسرا يتجر بين الحجاز واليمن، وكانت أمه من ~~قبله عطارة يأتيها ms02 العطر من اليمن، واسمها مخرمة أو مخربة في رواية أخرى، وقد تزوجها ~~هشام بن المغيرة، فولدت له أبا جهل والحارث ابني هشام. # واستعمل النبي - عليه السلام - عبد الله على ولاية الجند وسوادها (في اليمن) فلم يزل ~~عاملا عليها إلى مقتل عمر - رضي الله عنه - وقيل: بل امتدت ولايته إلى عهد عثمان. وكان ~~له عبيد كثيرون من الحبشة يتصرفون في جميع المهن، فقيل لرسول الله حين خرج إلى حنين: هل ~~لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم؟ فقال: «لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا ~~زنوا، وإن فيهم لخلتين حسنتين: إطعام الطعام والبأس يوم البأس.» # أما أم الشاعر فكانت سبية من حضرموت أو من حمير يقال لها: «مجد». ومن هناك أتاه الغزل ~~كما قالوا في زمانه: «غزل يمان ودل حجازي!» وهي مع هذا ليست بالصلة الوحيدة بينه وبين ~~الحضارة اليمنية كما رأينا من علاقة أبيه وجدته بتجارة اليمن وتجارة العطر منها على ~~الخصوص، وهي التجارة التي بينها وبين معيشة الغزل والغزليين نسب قريب. # ونشأ عمر في النعمة على وسامة وفراغ، ومن حوله الجواري والأرقاء، يهيئون له من اللهو ~~ما يتهيأ للسيد الفتي الفارغ من متاعب الحياة، وقد وصفه بعض من رآه بين فتيان بني ~~مخزوم فقال إنه «قد فرعهم طولا، وجهرهم جمالا، وبهرهم شارة وعارضة وبيانا ...» فهو ~~تام الأداة للغزل ومصاحبة الحسان، وهو أقرب الفتيان من أبناء الحجاز إلى تمثيل بيئته؛ ~~حيث نشأ من مجتمع الحضارة اليمنية والحجازية في القرن الأول للهجرة؛ أي في القرن الذي ~~هدأت فيه بالحجاز حركة الدعوة النبوية، كما هدأت فيه حركة السياسة بانتقال الدولة ~~وعاصمتها إلى الشام، ثم بقيت له بعد هدوء هاتين الحركتين بقايا الترف القديم من عهد ~~الجاهلية، وطوالع الترف الجديد في دولة الإسلام. # وتواترت الأنباء بمطارحاته الغرامية طوال أيام الشباب، ومعظم هذه الأنباء لا يعدو أن ~~يكون منثور القصائد التي نظمها في ديوانه، فهي لا تحوجنا إلى تردد كثير، ولا إلى تمحيص ~~طويل. # فمن ديوانه نعلم - قبل أن نعلم من سيرته ms03 - أنه كان منقطعا لأحاديث الظريفات من بنات ~~مكة والمدينة، وكان ينتظر أيام الحج؛ ليلقى الحسان القادمات من العراق والشام واليمن، ~~أو يتعرض لهن في الطواف فيجنبنه حينا ويزجرنه حينا مخافة التشهير، وهو القائل في وصف ~~هذه المواقف: # وكم من قتيل لا يباء به دم # ومن غلق رهنا إذا ضمه منى # 1 # وكم مالئ عينيه من شيء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # 2 ~~... ... ... ... ~~... ... ... ... # فلم أر كالتجمير # 3 # منظر ناظر # ولا كليالي الحج يفتن ذا الهوى # إلا أن أناسا من أصحابه كانوا يعتقدون أنه على سنة الشعراء الذين يقولون ما لا ~~يفعلون، وسأله ابن أبي عتيق وهو أقربهم إليه: يا عمر! ألم تخبرني أنك ما أتيت حراما ~~قط؟ قال: بلى، فاستخبره عن قوله: # وما نلت منها محرما غير أننا # كلانا من الثوب المورد لابس # فأجابه: والله لأخبرنك. خرجت أريد المسجد، وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا لبعض ~~الشعاب، فلما توسطنا الشعب أخذتنا السماء، فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر فيقال لها: ~~ألا استترت بسقائف المسجد إن كنت فيه؟ فأمرت غلماني فسترونا بكساء خز كان علي، وهو ~~الثوب المورد المشار إليه. # وقال الزبير بن بكار: «لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر كان عفيفا يصف ويقف، ويحوم ~~ولا يرد.» # وأقسم هو مرة أنه ما اطلع على جسد حرام، وجاء في خبر آخر على لسانه ما يناقض هذا، ~~حيث يقول سمرة الدوماني: «إني لأطوف بالبيت فإذا أنا بشيخ في الطواف، فقيل لي: هذا عمر ~~بن أبي ربيعة. فقبضت على يده وناديته: يا ابن أبي ربيعة! فقال: ما تشاء؟ قلت: أكل ما ~~زعمته في شعرك فعلته؟ فأومأ إلي: إليك عني. قلت: أسألك بالله، قال: نعم وأستغفر ~~الله.» # وآخرون يسلمون غوايته أيام الشباب، ويقولون: إنه تاب وأقلع بعد المشيب. ومنهم من ~~يقسمها شطرين متساويين فيقول: إنه عاش ثمانين، فتك منها أربعين ونسك أربعين. # واتفقت أقوال كثيرة على نسكه في مشيبه وإعراضه عما كان يقبل عليه في شبابه، فكان ~~يلوم من يحدث امرأة في الطواف، ms04 وبلغ من إعراضه عن الغزل أنه أقسم لا ينظمن بيتا إلا ~~أعتق به عبدا أو جارية، واستنشده الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة حجه فاعتذر إليه ~~وقال: يا أمير المؤمنين! أنا شيخ كبير، وقد تركت الشعر، ولي غلامان هما عندي بمنزلة ~~الولد، وهما يرويان ما قلت، وهما لك. فأنشداه ولم يزالا ينشدانه حتى قام وقد أجزل صلته ~~ورد الغلامين إليه. # وقد يصح بعض هذا ولا غرابة فيه، فمن المستبعد جدا أن يكون عمر قد فعل كل ما ادعاه ~~وإن كان قد اشتهاه، ومن الجائز أنه تاب وأخلص في التوبة بعد المشيب. فالتوبة ليست ~~بالأمر النادر بعد فوات الشباب، وعمر مهيأ لها بشيء في طبيعة أسرته، كما يظهر من سيرة ~~أخيه الحارث وولده جوان. # فقد كان أخوه الحارث متدينا شديد النفور من الغزل ومصاحبة الحسان، وقيل: إنه وهب ~~أخاه عمر ألف دينار على أن يترك الغزل ولا يرجع إليه، وإنه كان عنده يوما، فأرسله في ~~حاجة لهما ونام مكانه، فإذا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله. فصاح بها: اغربي عني ~~فلست بالفاسق أخزاكما الله. وعلم عمر بالخبر حين عاد فقال للحارث: أما والله لا تمسك ~~النار أبدا، وقد ألقت نفسها عليك، فقال أخوه: عليك وعليها لعنة الله! # وعلى هذه الخليقة كان ابنه جوان الذي قال فيه العرجي: # شهيدي جوان على حبها # أليس بعدل عليها جوان؟ # فغضب لزج الشاعر باسمه في هذا المقام، وقد كان أبوه يصبح ويبيت فيه! # وكان من تدين أبيهم في الجاهلية أنه كان ينفرد وحده بكسوة الكعبة سنة، وتجتمع قريش ~~كلها على كسوتها في السنة الأخرى، وهو أمر إن دل على غناه من جانب، فهو من جانب آخر ~~دليل على تقواه. # فالتوبة الدينية غير بعيدة من مزاج ابن أبي ربيعة الذي تتجلى فيه آثار الوراثة، وهي ~~لا تغيب كل المغيب في حياة إنسان، وما زال معهودا بين كثير من الأسر التي تضطرب فيها ~~الحساسية العصبية أن يظهر فيها التقاة، كما يظهر فيها الغواة؛ لأن الطرفين يلتقيان في ~~خليقة ms05 «التأثر» على تناقض ما يتأثران به بعض الأحيان، وربما شوهد أن الغوي ينقلب ~~إلى التقوى، وأن التقي ينقلب إلى الغواية إذا اعتراهما طارئ تختلف به وجهة ~~التأثير. # ولكن المرء يتوب عن عمل يعمله، ولا يتوب عن مزاج طبع عليه، ولهذا نصدق أن عمر قد ~~تاب، ونصدق أنه بقي إلى ختام الحياة يعاود الحنين إلى صبوات الشباب، وفي الشيخوخة عبث ~~ذلك العبث الذي صبا به إلى لقاء شيخة كان يغازلها أيام الشباب، فلما جلس إليها وأحس ~~حركة البنات الناشئات ينظرن من ثقوب الستر، دعا بماء يوهمها أنه سيشرب، ثم مجه عليهن ~~في وجوههن، وراقه أن يتصايحن ويضحكن. وقال لصديقته العجوز وقد لامته على المجون والسفه ~~في سنه: ما ملكت نفسي لما سمعت من حركاتهن أن فعلت ما رأيت. # هذا المزاج لا يتوب منه من طبع عليه، وهذا المزاج هو الذي ننظر إليه من وحي الشاعر في ~~شعره، ولا تتغير دلالته من هذه الوجهة سواء صدق الشاعر في كل ما قال أو في بعض ما قال، ~~وسواء تاب عن صدق أو خادع نفسه وصحبه في المتاب. ~~(2) عصر ابن أبي ربيعة # لابن أبي ربيعة ديوان كبير يشتمل على بضعة آلاف بيت من الشعر، كلها في الغزل إلا ~~القليل، وكل غزلها في الحوار والرسائل التي تدور بينه وبين حسان عصره وظريفاته. # ويستغرب قارئ الديوان أن ينصرف شاعر في جميع شعره إلى هذا الغرض دون غيره، وهو ~~استغراب معقول يرد على كل خاطر للوهلة الأولى، إذا اقتصرنا على النظر إلى الديوان ~~وحده، وقابلنا بين موضوعاته وموضوعات الشعراء المشهورين في الدواوين الكبيرة. # ولكنه استغراب لا يلبث أن يزول أو ينقلب إلى نقيضه إذا تجاوزنا الديوان إلى العصر ~~الذي نظم فيه الديوان والبيئة التي عاش فيها الشاعر. فربما أصبح العجب عندئذ أن ~~يتمخض ذلك العصر عن ديوان واحد، ولا يتمخض عن دواوين شتى من هذا القبيل، وأن يكون ابن ~~أبي ربيعة شاعرا فردا في مجاله بغير نظير يحكيه في إكثاره وانقطاعه، وقد كان ينبغي أن ~~يقترن به ms06 نظراء متعددون؛ لأن العصر الذي عاش فيه ابن أبي ربيعة في تلك البيئة التي نشأ ~~بينها كان عصرا غزليا في جميع أطرافه، يشغله الغزل ولا يزال شاغله الأول فوق كل شاغل ~~سواه، وربما عيب على الرجل أن يتجافى عنه ويتوقر منه، كأنه مطالب به مدفوع إليه، ~~وليس قصارى الأمر فيه أن يسيغه ويأنس إليه. # فما من عالم ولا فقيه ولا أمير ولا سري بلغت إلينا أخباره وأحاديثه إلا كان له من ~~رواية الغزل والاستماع إليه نصيب موفور، وما من شدة كانت لا تلين له حتى شدة المحارم ~~والحرمات. # كان ابن عباس - رضي الله عنه - في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وجماعة من ~~الخوارج يسألونه ويستفتونه؛ إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين حتى ~~دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس يستنشده من شعره، فأنشده الرائية التي يقول في ~~مطلعها: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # إلى أن أتمها. # فالتفت إليه نافع بن الأزرق قائلا: «الله يا ابن عباس! إنا نضرب إليك أكباد الإبل من ~~أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترف فينشدك: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيخزى وأما بالعشي فيخسر # فبادره ابن عباس قائلا: ليس هكذا قال، إنما قال: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # 4 # وعجب نافع من حفظ ابن عباس للبيت، فأعاد عليه القصيدة كما جاء في بعض الروايات من ~~مطلعها إلى ختامها. وقال لمن لامه في حفظها: إنا نستجيدها. ثم أقبل على ابن أبي ربيعة ~~يستزيده فأنشده: # تشط غدا دار جيراننا # وسكت، فقال ابن عباس: # وللدار بعد غد أبعد # فقال له عمر: كذلك قلت - أصلحك الله - أفسمعته؟ # قال: لا، ولكن كذلك ينبغي. # وكان بعد ذلك كثيرا ما يسأل: هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا؟ ~~••• # وروي أن نوفل بن مساحق دخل مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فمر بسعيد بن المسيب في ~~مجلسه وحوله أصحابه فسلم عليه فرد السلام ms07 ثم سأله: يا أبا سعيد! من أشعر؟ أصاحبنا ~~أم صاحبكم؟ يريد عبد الله بن قيس وعمر بن أبي ربيعة، فقال نوفل: حين يقولان ماذا يا أبا ~~محمد؟ فأنشده أبيات عمر: # خليلي ما بال المطايا كأنما # نراها على الأدبار بالقوم تنكص # وقد قطعت أعناقهن صبابة # فأنفسنا مما يلاقين شخص # وقد أتعب الحادي سراهن وانتحى # بهن فما يألو عجول مقلص # 5 # يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا # إذا زاد طول العهد والبعد ينقص # ثم قال: حين يقول صاحبكم ما تشاء! # فأجابه نوفل: صاحبكم أشعر في الغزل، وصاحبنا أكثر أفانين شعر. # قال سعيد: صدقت. ثم انقضى ما بينهما من ذكر الشعر فجعل سعيد يستغفر الله ويعقد بيده ~~حتى وفى مائة. # فاتجه سائل إلى نوفل يسأله: أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر في مسجد رسول الله؟ قال ~~نوفل: كلا! هو كثير الإنشاد والاستنشاد للشعر فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر ~~بصاحبه. # وكان شأن الأمراء والرؤساء في هذا كشأن العلماء والفقهاء؛ فحدث الشعبي أنه دخل المسجد ~~فإذا بمصعب بن الزبير على سرير والناس عنده، فسلم وهم بالانصراف، فاستدناه مصعب ودعاه ~~أن يتبعه إذا قام. # قال الشعبي: فجلس قليلا ثم نهض إلى دار موسى بن طلحة وأنا أتبعه، ثم دعاني إلى ~~الدخول فدخلت معه إلى حجرته ووقفت، فالتفت إلي وقال: ادخل، فدخلت معه فإذا حجلة، ~~وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير، وسمعت حركة فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف، وإذا ~~بجارية تناديني: يا شعبي! إن الأمير يأمرك أن تجلس. فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة # 6 # فإذا أنا بمصعب بن الزبير، ثم رفع سجف آخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة، فلم ~~أر زوجا قط كان أجمل منهما. فقال مصعب: يا شعبي! هل تعرف هذه؟ قلت: سيدة نساء ~~المسلمين عائشة بنت طلحة! قال: لا، ولكن هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر: # وما زلت من ليلى لدن طر شاربي # إلى اليوم أخفي حبها وأداجن # 7 # وأحمل في ليلى لقوم ضغينة # وتحمل في ليلى علي الضغائن # ثم قال: إذا شئت فقم. # قال الشعبي: ms08 فلما كان العشي ذهبت إلى المسجد فإذا هو جالس على سريره. فاستدناني حين ~~رآني حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم مال إلي فقال: هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ قلت: لا ~~والله! فسألني: أفتدري لم أدخلناك؟ قلت: لا! قال: لتحدث بما رأيت. ثم التفت إلى ~~عبد الله بن أبي فروة أن يعطيني عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا. فما انصرف أحد بمثل ما ~~انصرفت به: عشرة آلاف درهم، ومثل كارة القصار # 8 # ثيابا، ونظرة من عائشة بنت طلحة. # والشعبي صاحب هذه القصة الذي حسب النظرة من غنائم يومه هو أكبر الرواة في زمانه ~~والثقة الحجة فيما حفظ من الأحاديث النبوية. # ومصعب بن الزبير هو الأمير الذي نازع ونوزع في الولاية وعاش على خطر من القتل حتى ~~قتل، وهو مع ذلك مشغول بالغزل كما رأيت ومشغول بأن يصبح هو وزوجه حديثا غزليا ~~للمتحدثين. # لا جرم يكون من تمام مروءة السري يومئذ أن يعيش للغزل وأن يسعى بالوساطة فيه، فكان ~~ابن أبي عتيق - وهو من سلالة أبي بكر الصديق - يتشفع لعمر بن أبي ربيعة عند صديقته ~~الثريا ولا يرى في الدنيا خيرا إذا تم الصدع بينهما. # حدث مولاه بلال أن سيده أنشد أبيات عمر التي يقول منها: # من رسولي إلى الثريا فإني # ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # فصاح: إياي أراد، وبي نوه، والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما. ونهض ونهضت ~~معه، فاكترى راحلتين وسار سيرا شديدا فقلت: أبق على نفسك، فإن ما تريد ليس ~~يفوتك! # فقال: ويحك، أبادر حبل الود أن يتقضبا. # 9 # وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا؟ ~~«فقدمنا مكة ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه وسلم عليه، ولم ينزل عن ~~راحلته، وقال له: اركب أصلح بينك وبين الثريا، فأنا رسولك الذي سألت عنه! وقدمنا ~~الطائف فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به ~~معترفا لك بذنب لم يجنه، معتذرا من إساءته إليك، فدعيني من التعداد والترداد، ~~فإنه من الشعراء ms09 الذين يقولون ما لا يفعلون. فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، وكررنا ~~إلى مكة فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل ...» # فالعصر الذي يكون هذا شأن الغزل عند علمائه وأمرائه وأصحاب المروءة فيه لا جرم يكون ~~الغزل حاجة من حاجاته التي لا يشبع منها، ويكون شعر الشاعر الواحد قليلا في التعبير ~~عن هذه الحاجة التي تعم كل بنيه وبناته، وتشغل كل متحدثيه ومتحدثاته. # وقد كانوا يحسون حاجتهم إلى مثل ذلك الشاعر ويقولون: إنهم يحسونها ويفتقدونها، فلما ~~مات عمر بن أبي ربيعة حزنت عليه نساء مكة، وكانت إحداهن بالشام فبكت وجعلت تقول: من ~~لأباطح مكة؟ ومن يمدح نساءها ويصف محاسنهن؟ وعزاها بعضهم فقال: إن فتى من ولد ~~عثمان بن عفان قد نشأ على طريقته وأنشدها بعض كلامه، فتسلت وقالت: هذا أجل عوض، وأفضل ~~خلف، فالحمد لله الذي خلف على حرمه وأمته مثل هذا. # وجاء في أخبار كثير بن عبد الرحمن الشاعر أنه مات وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد. ~~فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس، وغلب النساء على جنازة كثير يبكينه ~~ويذكرن صاحبته عزة في ندبتهن له. وأقبل محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يشق ~~طريقه ويضرب النادبات بكمه قائلا: تنحين يا صويحبات يوسف! فتصدت له امرأة منهن تقول: ~~يا ابن رسول الله لقد صدقت؛ إنا لصويحبات يوسف وقد كنا له خيرا منكم له. فأوصى بعض ~~مواليه أن يحتفظ بها حتى يجيئه بها بعد انصرافه، ثم جيء بتلك المرأة كأنها شرارة النار ~~كما قال راوي القصة، فسألها محمد بن علي: أنت القائلة إنكن ليوسف خير منا؟ قالت: نعم، ~~تؤمنني غضبك يا ابن رسول الله؟ قال: أنت آمنة من غضبي فأبيني. قالت: نحن يا ابن رسول ~~الله دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتع والتنعم، وأنتم - معاشر الرجال - ~~ألقيتموه في الجب وبعتموه بأبخس الأثمان وحبستموه في السجن، فأينا كان عليه أحنى وبه ~~أرأف؟ فقال محمد: لله درك! ولن تغالب امرأة إلا غلبت. ثم سألها: ألك بعل؟ ms10 فأجابته: ~~لي من الرجال من أنا بعله! قال أبو جعفر: صدقت! مثلك من تملك بعلها ولا يملكها ~~... ~~••• # تلك حال العصر وحال ساداته وسيداته من الغزل وأحاديثه، فليس العجب أن تستغرق هذه ~~الأحاديث ديوان شاعر واحد ضخم أو صغر، وإنما العجب أن ينفرد ابن أبي ربيعة بطريقته ~~وديوانه في ذلك العصر ولا يكثر معه الأنداد والنظراء، ولكل منهم مثل ذلك ~~الديوان. # والواقع أن مثل هذا الانفراد عجيب لولا أن نرجع إلى الحقيقة برمتها ولا نقف ~~عند النظرة الأولى إلى العصر كله على الإجمال. # فابن أبي ربيعة لم يكن شاعر الغزل في العصر كله، ولكنه كان في الحقيقة شاعر الطبقة ~~الوادعة المترفة من أبناء ذلك العصر وبناته دون غيرها، وهي طبقة يعد أفرادها بالعشرات ~~ولا يتجاوزونها إلى المئات، ومن كان من شعرائها يساويه في الحسب والجاه كالحارث بن خالد ~~أو العرجي سليل عثمان بن عفان؛ فقد كان له شاغل آخر عن الغزل ومصاحبة الحسان، فكان ~~الحارث واليا لمكة وكان العرجي يشهد الوقائع بأرض الروم، وكانا مع ذلك دون عمر في ~~الملكة الشعرية والطبيعة الغزلية، فإذا اجتمع التعبير عن الطبقة كلها في الديوان ~~الكبير الذي نظمه عمر بن أبي ربيعة فذلك حسب تلك الطبقة من حديث منظوم. # فهو وحده كان الشاعر المكثر بين الوادعين المترفين من أهل زمانه، وكان مكانه في ~~طبقته يبيحه أن ينقل عنها وتنقل عنه، ويسمع منها وتسمع منه، ويختلط بها وتختلط به على ~~سنة المصاحبة والمساواة. فقد كان في الذؤابة من بيوت قريش غنى وجاها وحسبا، ~~وكان همه موكولا بمن يساوينه في الطبقة من بنات تلك البيوت؛ إذ لا نعرف من أخباره ~~خبرا واحدا شبب فيه بفتاة من غير ذوات الشارات والأحساب، وإن عرض ببيت هنا وبيت ~~هناك لفتاة من زائرات الحج المجهولات النسب فمن المحقق أن يكون مغريه بها النعمة ~~البادية والسمة التي تنم على الرفاهة والرخاء، ثم لا يتعقبها إلى زمن طويل. # أما حسانه اللائي اشتهر بالحديث عنهن وأحب أن يتسم بحبهن فكلهن من ذوات الحسب ~~والثراء، ms11 ومن طبقة محدودة لها ذوقها الخاص الذي لا يشبه عامة الأذواق. # فعائشة بنت طلحة التي تقدمت الإشارة إليها هي بنت طلحة بن عبيد الله وحفيدة أبي بكر ~~الصديق من ناحية أمها، وزوجة مصعب بن الزبير، وصاحبة الشهرة المستفيضة بالترف والعبث ~~بالمال، فمن أخبارها أن مصعبا دخل عليها وهي نائمة في الصباح ومعه ثماني لؤلؤات تقوم ~~بعشرين ألف دينار، فنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها، فما زادت على أن قالت: نومتي كانت أحب ~~إلي من هذا اللؤلؤ. # والثريا - ولعلها أحظى حسانه عنده - هي بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر ~~بن عبد شمس، ولها من الدور والرياض والمال حظ موفور. # والسيدة سكينة بنت الحسين، وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان لهما في النسب والثراء مكان ~~لا يعلوه في زمانهما مكان، ويلحق بهما من قريب أو بعيد حسان أخريات كلهن من كبار ~~البيوتات كزينب بنت موسى، وهند بنت الحارث المرية، ومن يشير إليهن بوصف النعمة ~~والبذخ فيدل على طبقتهن، وإن لم يصرح بالكنى والأسماء. # وعلى هذا لا عجب أن ينفرد عمر بحديثه المنظوم عن هذه الطبقة فهو شاعرها الذي اجتمع له ~~من أسباب التعبير عنها ما لم يجتمع لغيره. # ولا عجب أن يترك لنا ديوانا كاملا كله رسائل غرام؛ لأنه كان يعبر عن حاجة من حاجات ~~عصره تتسع لدواوين. # وقد يكون من تمام العلم بذلك الغزل الذي تفوق فيه أن نعلم ما هو الترف الذي كان من ~~أهله وكان موكولا بوصفه، فهو على الجملة ترف ساذج لا يخلو من مسحة البداوة، وقد تبدو ~~سذاجته في الدلال الخشن كما تبدو في إظهار النعمة بالمكاثرة والمباهاة التي يعوزها ~~الصقل والطلاء. فمن الدلال الخشن أن تترفع عائشة بنت طلحة عن ثماني لآلئ بعشرين ألف ~~دينار وهي لو طارت بها فرحا لكانت في ذلك غرارة طفولة هي أملح من كل ذلك الدلال، وسنرى ~~في فصول هذه العجالة المقبلة أن الثريا كانت تلبس الخواتم كسائر بنات عصرها في جميع ~~أصابعها، وأنها لطمت بيدها وجه عمر ms12 حتى أوشكت أن تخلع ثنيتيه! ونرى أن إحدى معشوقاته ~~ضربت جارية أرسلها إليها. فمن الواضح أن نلمس أثر ذلك كله في غزل ابن أبي ربيعة وفي ~~دلاله وهو بصبوته وشارته ومركبه وملبسه وشهرته الغرامية. فمن هنا كان شاعر عصره وشاعر ~~طبقته وشاعر طريقته في الغزل لا مراء. ~~(3) طبيعة غزله # كانت العلاقة بين الرجل والمرأة في قبائل العرب البادية على سنة الفطرة بين الجماعات ~~البشرية الأولى، ولكن الفطرة لا تكون على حالة واحدة؛ إذ تغلب عليها القوة كما يغلب ~~عليها الضعف، وتوصف بالعرام والشدة كما توصف بالسهولة واللين، وتظل على البساطة كما ~~يعرض لها بعض التركيب ويعتريها شيء من التعقيد. # ففي البداوة الأولى كانت مناعة الحوزة هي الفضيلة العليا التي لا تعلو عليها فضيلة ~~أخرى؛ لأنها غاية ما يتمناه البدوي في كفاح العيش ليضمن بقاءه بين منافسيه والمغيرين ~~عليه. # فالقبيلة الشريفة هي القبيلة التي تمنع ماءها ومرعاها، وتذود عن جيرتها وحماها، ~~والسيد الشريف هو الرجل الذي لا يستخف بجواره، ولا يعتدى على ذماره، والمرأة ~~الشريفة هي التي يصعب منالها ولا يسلس قيادها فالعفة هنا فضيلة «حربية» تابعة للفضائل ~~العامة التي تغلب على أحوال القبيلة برمتها: معقل منيع، وسيد منيع، وبئر منيعة، وامرأة ~~منيعة، وقس على ذلك كل ما تطلب فيه الحصانة والاستعصاء. ~~••• # وإذا نظرنا إلى المرأة من حيث هي عرض الرجل الذي يحميه ويغار عليه فلا جرم يصبح ~~اللغط باسم المرأة إهانة لها وإهانة للرجل الذي يحميها في وقت واحد، ويبلغ من ذلك أن ~~يحرم على الفتاة الزواج بالفتى الذي اشتهر بحبها ونظم الشعر فيها، هذا هو عرف الفطرة ~~الذي توحيه البداوة والبداهة. # ثم يجيء سلطان الدين فيضيف إلى حصانة البداوة مناعة إلى مناعة، ويزيد حق أولياء ~~النساء في حماية أسمائهن والمطالبة بعقاب من يغازلهن ويلغط بذكرهن؛ لأن اللغط بهن ~~ازدراء بأقدار أوليائهن وحرام في الدين. ~~••• # لكن الأدب البدوي يدركه أحيانا عرض من أعراض التغير أو الانحلال لجدب شديد يحطم ~~قيوده ويهدم حدوده، أو لترف تنغمس فيه القبيلة، فتلين بعد جفاء ms13 وتتراخى بعد صلابة، أو ~~لقلة الحاجة إلى القتال ونخوة العداء التي تجعل المناعة فضيلة الفضائل ومعقد الأخلاق ~~والآداب، أو لما يحدثه النعيم من حب الدعابة والسخر بالجلافة وإن اشتملت على سطوة ~~وانطوت على إباء. # فترى إذن من سهولة الغزل بين الرجل والمرأة ما تستغرب أن تراه في حاضرة من حواضر ~~العصر الحديث؛ لأن المتغزل البدوي قد يستخف بحواجز البداوة وحواجز الحضارة على ~~السواء، أما الحضري من أبناء العصر الحديث فقد يعرف له حدودا تثنيه ولا يحسن به أن ~~يتخطاها في بعض الأحاديث والمساجلات، وإن استطاع. # حدث أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة يزيد بن الطثرية فقال ما ننقله بتصرف يسير: ~~... كان كثيرا ما يتحدث إلى النساء. # قالت سعاد بنت يزيد: كان من أحسن من مضى وجها وأطيبه حديثا، وإن النساء ~~كانت مفتونة به. # وأمحل الناس حتى ذهبت الدقيقة من المال وتهتكت الجليلة، فأقبل صرم # 10 # من جرم ساقته السنة والجدب من بلاده إلى بلاد قشير وبينهم ~~وبين قشير حرب عظيمة. # فلم يجدوا بدا من رميهم بأنفسهم؛ لما قد ساقهم من الجدب والمجاعة وما ~~أشرفوا عليه من الهلكة. # ووقع الربيع في بلاد بني قشير فانتجعها الناس وطلبوها، فلم يعد أن لقيت جرم ~~قشيرا فنصبت قشير لهم الحرب. فقالت جرم: إنما جئنا مستجيرين غير محاربين ... ~~فأجارتهم قشير وسالمتهم وأرعتهم طرفا من بلادها. # وكان في جرم فتى يقال له مياد، وكان غزلا حسن الوجه تام القامة آخذا ~~بقلوب النساء. # والغزل في جرم جائز حسن وهو في قشير نائرة. # فلما نازلت جرم قشيرا وجاورتها أصبح مياد الجرمي، فغدا إلى القشيريات يطلب ~~منهن الغزل والصبا والحديث واستبراز الفتيات عند غيبة الرجال. فدفعنه عنهن ~~وأسمعنه ما يكره، وراحت رجالهن عليهن وهن مغضبات، فقال عجائز منهن: والله ما ~~ندري أأرعيتم جرما المرعى أم أرعيتموهم نساءكم؟ # وأشار بعض القوم أن يبيتوا جرما فيصطلموها، واستقبحه بعضهم لما فيه من غدر ~~بالجوار، وقالوا: لا تفعلوا. ولكن تصبحون وتتقدمون إلى هؤلاء القوم في هذا ~~الرجل فإنه سفيه من سفهائهم، فليأخذوا على يديه. ms14 فإن يفعلوا فأتموا لهم ~~إحسانكم، وإن يقروا ما كان منه يحل لكم البسط عليهم وتخرجوا من ذمتهم. # فلما أصبحوا غدا نفر منهم إلى جرم، فقالوا: ما هذه البدعة التي قد جاورتمونا ~~بها؟ إن كانت هذه البدعة سجية لكم فليس لكم عندنا إرعاء ولا إسقاء، وإن كانت ~~افتتانا فغيروا على من فعله. # فقهقهت جرم من جفاء القشيريين وعجرفيتهم، وقالوا: إنكم لتحسون من نسائكم ~~ببلاء. ألا فابعثوا إلى بيوتنا رجلا ورجلا. # قالوا: والله ما نحس من نسائنا ببلاء، وما نعرف عنهن إلا العفة والكرم. ولكن ~~فيكم الذي قلتم! # قالوا: فإنا نبعث رجلا إلى بيوتكم يا بني قشير إذا غدت الرجال وأخلف ~~النساء، وتبعثون رجلا إلى بيوتنا، ونتحالف أنه لا يتقدم رجل منا إلى زوجة ولا ~~أخت ولا بنت ولا يعلمها بشيء مما دار بين القوم. # حتى إذا كان الغد غدوا إلى الماء وتحالفوا أنه لا يعود إلى البيوت منهم أحد ~~دون الليل. وغدا مياد الجرمي إلى القشيريات، وغدا يزيد بن الطثرية إلى ~~الجرميات، فظل عندهن بأكرم مظل لا يصير إلى واحدة منهن إلا افتتنت به وتابعته ~~إلى المودة والإخاء، وقبض منها رهنا، وسألته ألا يدخل من بيوت جرم إلا بيتها. ~~فيقول: وأي شيء تخافين وقد أخذت مني المواثيق وليس لأحد في قلبي نصيب ~~غيرك؟ # ثم صليت العصر فانصرف يزيد بفتخ # 11 # وبراقع، مكحولا مدهونا شبعان ريان مرجل اللمة. # أما مياد الجرمي فظل يدور بين بيوت القشيريات مرجوما مقصى لا يتقرب إلى ~~بيت إلا استقبلته الولائد بالعمد والجندل، فتهالك لهن وظن أنه ارتياد منهن ~~له، حتى أخذه ضرب كثير بالجندل ورأى اليأس منهن وجهده العطش، فانصرف إلى سمرة ~~قريبا إلى نصف النهار نام تحتها نويمة وتوسد يديه فسكن بعض ما به من ألم ~~الضرب وبرد عطشه قليلا، ثم قرب على الماء حتى ورد على القوم قبل يزيد، فوجد ~~أمة تذود غنما في بعض الظعن فأخذ برقعها وألقى به وهو يقول: برقع واحدة من ~~نسائكم! وجاءت الأمة تعدو فتعلقت ببرقعها فردوه عليها وهو خجل. ms15 # ثم أقبل يزيد ممسيا وقد كاد القوم أن يتفرقوا، فنثر كمه بين أيديهم ملآن ~~براقع وفتخا، وقد حلف القوم ألا يعرف رجل شيئا إلا رفعه. # فلما نثر ما معه اسودت وجوه جرم وأمسكوا بأيديهم إمساكا ... فقالت قشير: ~~أنتم تعرفون ما كان بيننا أمس من المواثيق، فمن شاء أن ينصرف إلى حرام فليمسك ~~يده ... ~~••• # وأعجب من هذا في استباحة الغزل أو استحسانه ما رواه ياقوت في مادة «رباط» من معجم ~~البلدان؛ حيث قال في وصف أهل هذا البلد: «أهله عرب، وزيهم زي العرب القديم، وفيهم ~~صلاح مع شراسة في خلقهم وزعارة وتعصب، وفيهم قلة غيرة كأنهم اكتسبوها بالعادة. وذلك ~~أنه في كل ليلة تخرج نساؤهم إلى ظاهر مدينتهم، ويسامرن الرجال الذين لا حرمة بينهن ~~وبينهم، ويلاعبنهم ويجالسنهم إلى أن يذهب أكثر الليل، فيجوز الرجل على زوجته وأخته وأمه ~~وعمته وإذا هي تلاعب آخر وتحادثه فيعرض عنها، ويمضي على امرأة غيره فيجالسها كما فعل ~~بزوجته. # وسألت رجلا عاقلا منهم أديبا، فقلت له: بلغني عنكم شيء أنكرته ولا أعرف ~~صحته! # فبدرني وقال: لعلك تعني السمر؟ # قلت: ما أردت غيره! # فقال: الذي بلغك من ذلك صحيح، وبالله أقسم إنه لقبيح، ولكن عليه نشأنا وله قد ~~ألفنا، ولو استطعنا أن نزيله لأزلناه، ولو قدرنا لغيرناه. ولكن لا سبيل إلى ذلك مع ممر ~~السنين عليه واستمرار العادة.» ~~••• # والملحوظ من كل ما قدمناه أن خفض العيش وقلة الحاجة إلى نخوة القتال لهما اتصال بما ~~شوهد من سهولة الغزل بين القبائل العربية، ولهذا كان أكثره إلى سلالات اليمن التي عرفت ~~منذ القدم باسم «العربية السعيدة» لخفض عيشها ورقة أخلاقها، أو كما قيل: إنها «تلك ~~اليمانية الضعيفة قلوبها». # وعندنا أن أهل البادية أقرب إلى الغزل - متى ارتفع وازع الصولة أو ارتفعت سطوة ~~الدين - من أهل الحاضرة، خلافا لما يبدر إلى الظن أول وهلة؛ لأن أهل البادية أقرب إلى ~~غرائز الأحياء الفطرية فيما يعالجونه من أنفسهم ومن سياسة المخلوقات الحية التي يرعونها ~~ويعيشون عليها، ولأنهم كذلك أوفر نصيبا من الفراغ، ms16 وأدنى إلى اللقاء، وأقل من أهل ~~المدن الكبيرة أندية وملاعب للرياضة العامة يقضون فيها سويعات البطالة والراحة، فإذا ~~تيسر الرزق ولانت الشكائم وذهبت الغرائز في مداها كان اللهو ديدنا لا فكاك منه لمن ~~فرغوا له واستطاعوه، ولم يجدوا مصرفا عنه إلى غيره، وحسبوه ظرفا وملاحة لا يليقان ~~بغير أهله. # وقد نشأ شاعرنا - عمر بن أبي ربيعة - في حواضر الحجاز، تلك الحواضر التي كانت لعهده ~~وسطا بين البادية والمدينة العامرة. # فلم تكن خياما ولا بيوتا من الشعر منقطعة عن العمار، ولكنها لم تكن كذلك صروحا ولا ~~عواصم مستقلة بنفسها على مثال دمشق ومصر والقسطنطينية. # إنما كانت على الحقيقة مثابة الحجاج والقوافل ومنازل يأوي إليها المغتربون إلى حين، ~~ويسكنها أهلها لضيافة من يقصدها من غير أهلها في موسم الحج أو مواسم التجارة والارتياد، ~~فهي كالمحلة الصحراوية التي لا تشبه الصحراء، ولا تبلغ مبلغ العاصمة من استبحار ~~العمار. # وكانت وسطا بين غرام البادية كما نعرفها في الأعراب وبين ذلك الاسترخاء الذي أنبأنا ~~به أبو الفرج في الأغاني وياقوت في معجم البلدان. # فأسلس أبناء القبائل الذين سكنوها بعد خشونة وجفاء، ولكنهم لم ينسوا نخوة العرض ومنعة ~~المحارم؛ فلما شبب عمر بن أبي ربيعة بعائشة بنت طلحة من تيم بني مرة كبر الأمر على ~~فتيان تيم، فأنذروه لا يعودن إلى مثل ذلك، وإلا أصابه شر من أيديهم، فأقسم لا ~~عاد. # ولانت شدة الدين بعد الخلفاء الراشدين، ولكنها لم تبطل، ولم تتحلل في العرف الشائع ~~بين الناس؛ بل كان عمر يلهو ما يلهو ويتغزل ما يتغزل، ثم لا ينسى أن يعلن مع هذا جاهدا ~~أنه لا يستبيح محرما ولا يأتي بريبة، ولا يزال على سنة الشعراء الذين يقولون ما لا ~~يفعلون. # ولعل عائشة بنت طلحة كانت مثل المرأة الشريفة في تلك الآونة: تعطي حق الحياء ~~والدين، وتعطي معه حق النعمة والجمال، فكانت تترفع عن الريب، ولكنها لا تستر وجهها عن ~~أحد. وإذا عاتبها زوجها في ذلك قالت - وفي كلامها قبس من حجة الدين وحجة الدنيا: «إن ms17 ~~الله وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس، ويعرفوا فضله عليهم فما كنت لأستره، ووالله ~~ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد ...» # قال صاحب الأغاني: «وطالت مراودة مصعب إياها في ذلك، وكانت شرسة الخلق، وكذلك نساء ~~بني تيم هن أشرس خلق الله وأحظى عند أزواجهن. وكانت عند الحسين بن علي - رضوان الله ~~عليهما - أم إسحاق بنت طلحة، فكان يقول: والله لربما حملت ووضعت، وهي مصارمة لي لا ~~تكلمني!» # وهذا مثل المرأة التي لا تنسى جمالها، ولا تنسى بداوتها، ولا تنسى دينها، ثم تأتي ~~النساء دون ذلك درجات ممن وصفهن ابن أبي ربيعة فقال: # فلما تفاوضنا الحديث وأسفرت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما عرفني # وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا # 12 # وقربن أسباب الهوى لمتيم # يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # فهن جميعا مزهوات بجمالهن، حريصات على أن يشهدن أثره ويسمعن حديثه، مشغولات ~~بجده ولهوه، في عزة تتفاوت بين الصلف وبين تقريب أسباب الهوى لمن يحسن الاقتراب ~~ويتجنب الارتياب. # فمن الطبيعي أن ينشأ الغزل في هذه البيئة التي تغري فيها المرأة بالغزل وتصغي ~~إليه. # ومن الطبيعي أن ينشأ الشعراء الغزلون الذين يوافقون هذه البيئة من طرفيها، بين جد ~~وشغف، وبين لهو وتزجية فراغ. # وقد التفت إلى حديث المرأة كثير من الشعراء في ذاك العصر وفي تلك البيئة غير عمر بن ~~أبي ربيعة، وعلى غير طريقته ومنحاه، فكانوا على الجملة مدرستين مختلفتين في النزعة ~~والسليقة وجوهر العاطفة، وإن تشابهتا في ظاهر المعنى وظاهر الحنين والشكوى. # إحدى هاتين المدرستين هي مدرسة الشعراء الذين اشتهروا بحب امرأة واحدة كما اشتهر قيس ~~بليلى، وعروة بعفراء، وجميل ببثينة، وكثير بعزة، وتوبة بليلى. # والمدرسة الأخرى هي مدرسة الشعراء الذين تغزلوا بأكثر من امرأة واحدة أو اشتهروا بحب ~~النساء عامة، كعمر والأحوص والعرجي وقيس الرقيات. # والفرق - كما أسلفنا - بعيد بين العاطفة التي توحي شعر المدرسة الأولى والعاطفة التي ~~توحي شعر المدرسة الأخرى؛ لأن علاقة رجل بامرأة واحدة يبقى على حبها زمنا طويلا أو ~~يبقى على حبها ms18 مدى الحياة هي حادث لا يتكرر كل يوم ولا بد فيه من عامل الشخصية التي ~~تفرز المرأة من سائر النساء، ويصح أن يقال إن هذه العلاقة «إصابة حب» كسائر الإصابات ~~التي يتعرض لها الإنسان، فتطول أو لا تطول، وتصيبه وهو مستعد لها، أو تصيبه على غير ~~استعداد. فإنما المهم في تمييزها أنها إصابة عارضة وحادث من عوارض الأحداث. # أما حب الغزل بالنساء عامة فهو مزاج يلازم صاحبه ملازمة الأمزجة للطبائع، ولو لم يتصل ~~بنساء معروفات، فهو مخلوق على هذا المزاج كما يخلق الإنسان بلون من الألوان أو صفة من ~~الصفات. # فالرجل المغرم بحديث النساء ومجالستهن ومناوشتهن يقصد الجنس ولا يقصد الشخصية، ~~ويستطيع أن يرضي شعوره هذا دون أن يتقيد بأخلاق الوفاء وآداب العشق وخصال التضحية ~~والصبر والتعذيب النفسي، الذي لا معنى له عند من يتحدث اليوم إلى امرأة أو نساء كثيرات ~~متجمعات، ويتحدث غدا إلى امرأة أخرى أو نساء كثيرات أخريات. # أما الرجل الذي «يفرز» بحبه امرأة دون غيرها ففي نفسه عوامل أدبية وعهود أخلاقية ~~وبواعث روحية لا موضع لها في الحالة السابقة ولا حاجة إلى التعبير عنها في شعر الغزلين ~~المولعين بجميع النساء، إلا على سبيل التجمل بالمحاكاة. # فالمدرستان مختلفتان أيما اختلاف في مقاييس الشعور ومقاييس الجنس ومقاييس الأخلاق، ~~ولا يجمع بينهما إلا تشابه الكلام في ظاهره دون التشابه في الباعث والاتجاه. # ولا يقدح فيما تقدم من التفريق أن بعض العشاق يخون وأن بعض اللاهين بالغزل ~~يعشقون، فقد علمنا أن يزيد بن الطثرية أحب امرأة حتى أشرف على الهلاك، وأن عمر تزوج ~~ببعض من كان ينسب بهن. كما علمنا أن كثيرا امتحن في حبه فظهر غدره وقلة وفائه، وهذا ~~وذاك جائزان في الطبائع الآدمية ولكنهما لا ينقضان الحقيقة التي لا جدال فيها، وهي أن ~~طبيعة العشق غير طبيعة اللهو والغزل، وأن نفس الرجل الذي يعشق امرأة واحدة غير نفس ~~زير النساء المشغوف بالسمر الأنثوي والمناوشة الجنسية. كالفندق يتفق في أيام أن ينفرد ~~بالإقامة فيه نازل واحد، وكالبيت يتفق في ms19 أيام أن ينزل فيه ضيوف كثيرون، ولكن هذا لا ~~يمنع أن الفندق غير البيت وأنهما يختلفان في البناء والتأثيث والإدارة والغرض ~~والمعاملة، وأن التشابه بينهما من المصادفات وليس من النظام المطرد في جميع ~~الأحوال. # إن العاشق الذي يخون حبيبته لا يشبه زير النساء الذي يتصل بنساء كثيرات؛ لأن خيانة ~~العاشق المفرد معناها أنه مطالب بالوفاء والعكوف على حب امرأة واحدة فإذا خان هذه ~~المرأة الواحدة لم يصبح زير نساء بل أصبح عاشقا مخلا بالوفاء. # أما الآخر الذي يتصل بنساء كثيرات فلا يقال فيه إنه مخل بالوفاء ولا يواجه المرأة ~~بالعاطفة التي تقبل الوفاء. فهما في صميم الاستعداد مختلفان، وإن كانا في ظاهر الفعل ~~متشابهين. ~~••• # وقد كان عمر بن أبي ربيعة إمام مدرسة اللاهين بالغزل غير مدافع، أو كان أصلح زملائه ~~لإتقان هذه الصناعة؛ لأنه كان على يسار يعينه على اللهو والفراغ، وكان على وسامة ~~مقبولة وشأن يرفع من شأن غزله في قلوب النساء، وكان للوراثة دخل في غزله إذا صح ما قيل ~~في ترجمة حياته إن أمه «كانت أم ولد يقال لها مجد سبيت من حضرموت أو من حمير، ومن ~~هناك أتاه الغزل إذ يقال غزل يمان ودل حجازي...» وقد تقدم من وصف غزل اليمانية في بدوهم ~~وحضرهم ما يزكي هذه الملاحظة ويعززها. فإذا نحن أضعفنا قول القائلين بانتقال الأخلاق من ~~الأمهات إلى الأبناء من طريق الوراثة وهو غير ضعيف في حكم العلم ولا في حكم التجربة؛ ~~فليس في وسعنا أن نضعف القول بتأثير العادة وانتقال الأخلاق من طريق الملازمة ~~والمشاهدة. # وربما رشحه للسبق في هذه الصناعة جانب أنثوي في طبعه يظهر للقارئ من أبياته ~~الكثيرة، التي تنم على ولع بكلمات النساء واستمتاع بروايتها والإبداء والإعادة فيها، ~~مما لا يستمرئه الرجل الصارم الرجولة. وأدل من ولعه بكلمات النساء على الجانب الأنثوي ~~في طبعه أنه كان يشبههن في تدليل نفسه وإظهار التمنع لطالباته كما يبدو من قوله: # قالت ثريا لأتراب لها قطف # 13 # قمن نحيي أبا الخطاب عن كثب # فطرن حدا ms20 لما قالت وشايعها # مثل التماثيل قد موهن بالذهب # أو كما يبدو من قوله الذي عيره به كثير في بعض الروايات، وهو: # قومي تصدي له ليبصرنا # ثم اغمزيه يا أخت في خفر # قالت لها قد غمزته فأبى # ثم اسبطرت تمشي على أثري # قالت لها أختها تعاتبها # لا تفسدن الطواف في عمر # وصدق كثير حيث قال: «أتراك لو وصفت بهذا الشعر هرة أهلك ألم تكن قد قبحت وأسأت لها ~~وقلت الهجر.» # ولعل جانب الأنوثة فيه لا يظهر من شيء كما يظهر من تدليل اسمه بين تلقيب وكناية ~~وتسمية كما يعهد في أحاديث النساء، فهو تارة أبو الخطاب وتارة المغيري وتارة عمر الذي ~~لا يخفى كما لا يخفى القمر، وأشباه هذه الأنثويات التي يقارب بها المرأة في المزاج ~~ويسايرها في الحديث. # ومن قبيل هذه الأنثويات أنه كان يقول: «لقد كنت وأنا شاب أعشق ولا أعشق، فاليوم صرت ~~إلى مداراة الحسان إلى الممات. ولقد لقيتني فتاتان مرة فقالت لي إحداهما: ادن مني ~~يا ابن أبي ربيعة أسر إليك شيئا، فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني، فما شعرت بعض ~~هذه من لذة سرار هذه.» # وهذا حديث من هو عاشق لنفسه قبل أن يكون معشوقا لغيره؛ ففيه خليقة المرأة أن تشعر ~~بجنسها مطلوبة ولا تشعر بجنسها طالبة، وما من شاب يبلغ من العمر أن تعشقه المرأة إلا قد ~~بلغ من العمر أن يعشقها ما لم يمنعه مانع من عرف أو زهادة، فإن لم يكن هذا المانع ففي ~~انتظاره أن يطلب معشوقا قبل أن يطلب عاشقا أنثوية لا ترضاها طبائع الفحول. ~~••• # على أن ابن أبي ربيعة كان من «الطبقة الاجتماعية» التي ينتمي إليها ظريفات المجالس ~~اللائي يدور الحديث عليهن ومنهن في تلك الآونة، فكان أقرب إلى معرفتهن وحكاية أحاديثهن ~~والحظوة عندهن والتوسل إلى مرضاتهن من سائر الشعراء الغزلين من غير هذه الطبقة ~~الاجتماعية، وينبغي أن نذكر هنا أن المسألة لم تكن عند ابن أبي ربيعة مسألة النساء أو ~~مسألة الأنثى على تعميمها، وإنما كانت مسألة المرأة من ms21 طبقة واحدة هي طبقة بنات الأسر ~~المنعمات اللاهيات بمجالس السمر ومساجلات الغزل عن كل شاغل. فلم يتفق مرة أن شبب ~~بامرأة فقيرة كما يتفق لمن يشغل بالمرأة لأنها امرأة أو لأنها من جنس الإناث، ولكنه ~~كان يحرص على ذكر الخدم والحشم وآثار النعمة والترف كأنه مطالب بإثبات الغنى واليسر ~~لمن يتغزل بهن، ومن ذلك قوله: # ومد عليها السجف يوم لقيتها # على عجل تباعها والخوادم # فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا # عشية راحت كفها والمعاصم # معاصم لم تضرب على البهم في الضحى # عصاها ووجه لم تلحه السمائم # يعني أنها ليست براعية ولا رائدة تتعرض للسمائم وهي تسوق الضأن في ~~البادية. # ومنه قوله: # يرفلن في مطرفات السوس آونة # وفي العتيق من الديباج والقصب # ترى عليهن حلي الدر متسقا # مع الزبرجد والياقوت كالشهب # ومنه قوله: # فقامت إليها حرتان عليهما # كساءان من خز دمقس وأخضر # ومنه قوله: # نواعم قب بدن صمت البرى # 14 # ويملأن عين الناظر المتوسم # ومنه قوله: # وترى النسوان إن قا # مت وإن قمن خشوعا # وهو معنى شائع في جميع وصفه يكاد لا ينساه في صفة امرأة واحدة من صاحباته. # وعلى هذا لم يكن ابن أبي ربيعة معنيا بامرأة واحدة شأن العاشق، ولا بالنساء؛ حيث كن ~~شأن المغرم بالنساء عامة، وإنما كان معنيا بالمرأة من بنات طبقة خاصة هي الطبقة التي ~~ينتمي إليها. فلا جرم يبرع غيره في مدرسة الشعر التي تدور قبل كل شيء على أحاديث ~~الظريفات، ويحظى عندهن في مجال لم يكن إلا مجال المناوشة بالأحاديث. # فليس في شعره كله بيت يدل على سطوة رجل يروع الأنثى بما تميل إليه فطرتها من مظاهر ~~البأس والغلبة، أو يدل على سحر جمال يأخذ المرأة ولو لم يسبقه حديث، وإنما يدل شعره كله ~~على لباقة المتحدث وطرافة المسامر وأناقة الظريف المعروف بوسامته وشارته ~~وردائه: # قالت أبو الخطاب أعرف زيه # وركوبه لا شك غير مراء! # وكل ما في شعره من معرفة بطبع المرأة فإنما هو مقصور على الجانب الذي يتناوله المناوش ~~اللبق ليثير ms22 اهتمامها تارة بحب الثناء، وتارة بالإعراض أو تحريك الغيرة أو لغو ~~الفضول. # فقوله في الدالية المشهورة: # ولقد قالت لجارات لها # ذات يوم وتعرت تبترد # أكما ينعتني تبصرنني # عمركن الله أم لا يقتصد # فتضاحكن وقد قلن لها # حسن في كل عين من تود # حسدا حملنه من أجلها # وقديما كان في الناس الحسد # هو رواية صادقة أو تخيل صحيح لمثل هذه الواقعة، ويماثله قوله وقد أبلغت صاحبته أنه ~~تزوج: # خبروها بأنني قد تزوج # ت فظلت تكاتم الغيظ سرا # ثم قالت لأختها ولأخرى # جزعا، ليته تزوج عشرا # وأشارت إلى نساء لديها # لا ترى دونهن للسر سترا # ما لقلبي كأنه ليس مني # وعظامي إخال فيهن فترا # من حديث نمى إلي فظيع # خلت في القلب من تلظيه جمرا # فهو كذلك رواية صادقة لما تقوله المرأة التي يبلغها زواج صاحبها لجاراتها ولذوات السر ~~عندها. # وهكذا قوله: # واشتكت شدة الإزار من البه # ر وألقت عنها لدي الخمارا # حبذا رجعها إليها يديها # في يدي درعها تحل الإزارا # وهكذا سائر أقواله في هذه الأغراض. غير أنها جميعا لا تنبئ بشيء يخفى على ظرفاء ~~المجالس وحذاق المناوشين بالكلام، ولا تنطوي على شيء من نقائض طبع المرأة وألغاز ~~سريرتها ودخائل أشجانها وأفراحها، فعلم ذلك لم يكن قط من علم مجالس السمر ومناوشات ~~الحديث. # إنما تأتي خبرة ظرفاء المجالس من تقارب الإحساس بين المرأة وبين هذه الطائفة من ~~اللاهين والمتغزلين، فهم يحسون كما تحس أو على نحو قريب مما تحس، وهم يشبهونها بعض ~~الشبه فيصدقون في الحكاية عنها والتحدث بخوالج نفسها. وفرق بعيد بين هذا وبين الرجل ~~الذي يعلم طبع المرأة وهو يخالفها في طبعها، ويستجيش ضمائرها؛ لأن هذه الضمائر تجاوبه ~~مجاوبة الأنثى للذكر، فيعرف من مجاوبتها كيف تضطرب نفسها وتتقلب هواجسها وخواطرها. ~~هذا يرى أثر الرجل في طبع المرأة فيعرفه، وذاك يعرف ما في طبعها؛ لأن الطبعين غير ~~مختلفين في جملة الشعور. # والمرأة تألف أحاديث هؤلاء اللاهين الغزلين وتفضلها على أحاديثها مع بنات جنسها؛ ~~لأنها تستحضر بها شعور المماثلة وشعور المناقضة ms23 في وقت واحد، وهو شعور لا تستحضره في ~~مثيلاتها ولا في مجلس الرجل الذي تجاوبه مجاوبة الإناث للذكور وتكون معه مأخوذة من ~~أعماق طبيعتها مشغولة عن مناوشات الحديث. # ومن الواضح أننا أردنا بصدق ابن أبي ربيعة في الرواية عن المرأة صدق الرواية الفنية ~~ولم نتجاوزه إلى البحث في صدق الرواية الخبرية وبيان ما حدث وما لم يحدث من أخباره في ~~جميع شعره، فهو لا يقدم ولا يؤخر فيما نحن بصدده. # وحسبنا أنه تخيل فأصاب التخيل، وأنه عاش زمنا على النحو الذي وصفه ببعض قصائده، ~~وما من شك بعد ذلك في أنه قد اعتمد على الخيال كثيرا ونزع منزع القصاصين كثيرا، وأضاف ~~من عنده ما لم يرد على لسان صاحبة له ولا صاحب ممن أسند إليهم الكلام والحوار. # وقد سره هو أحيانا أن يفهم الناس أنه يقول ما لا يفعل وأنه داخل في حكم القرآن ~~الكريم على الشعراء عامة: أنهم يقولون ما لا يفعلون؛ فذلك أسلم له وأليق بالسمت الذي ~~كان يتخذه بين ذوي الوقار حين يقول: إنه يتجنب المحظورات. # قيل في سيرته: إن سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - كانت جالسة في ~~المسجد الحرام فرأت عمر يطوف بالبيت فأرسلت إليه فقالت حين جاءها: ما لي أراك يا ابن ~~أبي ربيعة سادرا في حرم الله؟ ويحك أما تخاف الله؟ ويحك إلى متى هذا السفه؟ فقال: أي ~~هذه! دعي عنك هذا من القول، أما سمعت ما قلت فيك؟ قالت: لا. فأنشدها البائية التي يقول ~~فيها: # ردع الفؤاد بذكرة الأطراب # وصبا إليك ولات حين تصاب # إن تبذلي لي نائلا يشفى به # سقم الفؤاد فقد أطلت عذابي # وعصيت فيك أقاربي فتقطعت # بيني وبينهم عرى الأسباب # وتركتني لا بالوصال ممتعا # يوما ولا أسعفتني بثواب # فقعدت كالمهريق فضلة مائه # في حر هاجرة للمع سراب # يشفى به منه الصدى فأماته # طلب السراب ولات حين طلاب # قالت سعيدة والدموع ذوارف # منها على الخدين والجلباب # ليت المغيري الذي لم نجزه # فيما أطال تصيدي وطلابي # كانت ترد ms24 لنا المنى أيامنا # إذ لا نلام على هوى وتصاب # خبرت ما قالت فبت كأنما # رمي الحشا بنوافذ النشاب # أسعيد ما ماء الفرات وطيبه # منا على ظمأ وحب شراب # بألذ منك وإن نأيت وقلما # ترعى النساء أمانة الغياب # فلما فرغ من إنشاده قالت له: أخزاك الله يا فاسق! ما علم الله أني قلت مما قلت ~~حرفا، ولكنك إنسان بهوت. # فهذه قصة طويلة عريضة تقاس بها مثيلاتها، ولعل ادعاءه في غير هذه القصة أقرب إلى ~~البهت وأدنى إلى التخيل؛ لأنه يضع الغزل والشكوى على لسان سيدة حصان تخاطبه بالوعظ ~~والنصيحة. فما أحراه أن يخلق الغزل على من يظن بهن الخوض فيه والحنين إليه! # ويخيل إلينا أن كثيرا من الحسان اللائي كن يتصدين له ويشجعنه على التغزل بهن ونظم ~~القصائد في وصفهن إنما كن يفعلن ذلك إرضاء لغرورهن وتنويها بجمالهن وحبا للتحدث ~~بأخبارهن، ولا سيما المقبلات في الحج من بلاد غير بلاد الحجاز. فقد كان يرضيهن - ولا ~~ريب - أن يرجعن إلى بلادهن بأبيات تتساير بها الركبان ويفهم منها الأتراب المنافسات ~~أنهن ذهبن إلى الحجاز فخلبن ألباب رجاله وأطلقن ألسنة شعرائه وصرفنهم عن الغزل بحسانه، ~~وقل في الحسان من ليست تغتر بمثل هذا الغرور في زمان عمر، وفي كل زمان. # ومن أمثلة ذلك قصة العراقية التي رواها صاحب «الأغاني»؛ حيث يقول: # بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى امرأة من أهل العراق فأعجبه ~~جمالها، فمشى معها حتى عرف موضعها، ثم أتاها فحادثها وناشدها وناشدته وخطبها، ~~فقالت: إن هذا لا يصلح ها هنا. ولكن إن جئتني إلى بلدي وخطبتني إلى أهلي ~~تزوجتك. فلما ارتحلوا جاء إلى صديق له من بني سهم وقال له: إن لي إليك حاجة ~~أريد أن تساعدني عليها. فقال له: نعم. فأخذ بيده ولم يذكر له ما هي، ثم أتى ~~منزله فركب نجيبا له وأركبه نجيبا آخر، وأخذ معه ما يصلحه وسارا لا يشك ~~السهمي في أنه يريد سفر يوم أو يومين، فما زال يحفد حتى لحق بالرفقة، ثم سار ms25 ~~بسيرهم يحادث المرأة طول طريقه ويسايرها وينزل عندها إذا نزلت حتى ورد العراق. ~~فأقام أياما ثم راسلها يتنجزها وعدها، فأعلمته أنها كانت متزوجة ابن عم لها، ~~وولدت منه أولادا، ثم مات وأوصى بهم وبماله إليها ما لم تتزوج، وأنها تخاف ~~فرقة أولادها وزوال النعمة، وبعثت إليه بخمسة آلاف درهم واعتذرت، فردها عليها ~~ورحل إلى مكة وقال في ذلك قصيدته التي أولها: # نام صحبي ولم أنم # من خيال بنا ألم # إلى آخر هذه القصيدة. # فهذه الحسناء العراقية لم ترد حبا ولا زواجا ولا متعة حديث، ولكنها أرادت أن ~~يشتهر بين الناس أنها أزعجت شاعر الغزل في الحجاز عن وطنه حتى لحق بها وتمنى زواجها ~~فلم تجبه إلى مناه، وهذا الذي صنعته الحسناء العراقية تصنعه الحسان الحجازيات ~~اللائي يأبين السكوت عنهن إن كان معنى هذا السكوت أنهن أقل جمالا وفتنة ممن نظم فيهن ~~الغزل وجرى بوصفهن الحديث. فيتصدين للغزل ولا يتجاوزن به هذه الملهيات أو هذه المناوشة، ~~وإن طاب للشاعر أن يصرف هذا التصدي إلى غير معناه، وأن يرضي به غروره هو كما أرضين ~~غرورهن به من ناحيتهن. ~~••• # وشبيه بالبحث في صدق أخباره بحثنا هنا في صدق توبته وسبب تلك التوبة، فهل تاب؟ ولم ~~تاب؟ أتاب إيثارا للهدى؟ أخوفا من السلطان؟ أيأسا من الغواية بعد إدبار الشباب؟ ~~أحبا للمال الذي وعده أخوه أن يجريه عليه إذا هو أقلع عن الغزل والتشبيب؟ # بحث ذلك نافع في استقصاء سيرته وأخلاقه، ولكنه لا يلزمنا هنا في تحليل معانيه والنفاذ ~~إلى حقيقة غزله وأسلوب فنه ودخيلة مزاجه وطبعه، وما يستطيع إنسان أن يتوب عن المزاج ~~والطبع وإن تاب عن بعض الأفعال أو بعض الأقوال، فسيبقى كما خلق لا يبدل شيئا من ~~خلائقه إلا ما يستطاع فيه التبديل. # قال مولى لعمر: «كنت مع عمر وقد أسن وضعف، فخرج يوما يمشي متوكئا على يديه حتى ~~مر بعجوز جالسة فقال: هذه فلانة! وكانت إلفا له. فعدل إليها فسلم عليها، وجلس عندها ~~وجلس يحادثها. ثم قال: هذه التي أقول فيها: ms26 # ما زال طرفي يحار إذ برزت # حتى التقينا ليلا على قدر # فأطلعت رأسها إلى البيت وقالت: يا بناتي هذا أبو الخطاب عمر بن أبي ربيعة عندي، فإن ~~كنتن تشتهين أن ترينه فتعالين! فجئن إلى مضرب قد حجزن به دون بابها، فجعلن يثقبنه ويضعن ~~أعينهن عليه يبصرن، فاستقاها عمر. فقالت له: أي الشراب أحب إليك؟ قال: الماء! فأتي ~~بإناء فيه ماء، فشرب ثم ملأ فمه فمجه عليهن وفي وجوههن من وراء الحاجز، فصاح الجواري ~~وتهاربن وجعلن يضحكن. فقالت العجوز: ويلك! لا تدع مجونك وسفهك مع هذه السن! فقال: ~~تلوميني؟! فما ملكت نفسي لما سمعت من حركتهن أن فعلت ما فعلت ...» # والمزاح الذي أشرنا إليه آنفا كما تدل عليه هذه القصة هو موقع الاستشهاد، فهو مزاج ~~رجل لا يسلو معابثة النساء ولا يملك أن يستعصم من التصابي حيث تستغويه دواعيه. فالقصة ~~على هذا النسق ترجمان ذلك المزاج المعروف في الشيوخ المتصابين، إن صحت فهي خبر صادق، ~~وإن لم تصح فالتصابي في الشيوخ من أشباه عمر بن أبي ربيعة صحيح؛ لأنه لا يبطل ببطلانها ~~ولا يعتمد في وجوده عليها. ~~(4) صناعته # ابن أبي ربيعة من أحسن النماذج الأدبية التي يتجلى فيها الفرق بين الإمامة في الطريقة ~~الشعرية والإمامة في الصناعة الشعرية. # فقد يكون الشاعر أصلح الناس لتمثيل طريقة أو مدرسة من مدارس الشعراء المختلفة، ولكنه ~~لا يكون مع ذلك إماما في صناعة النظم وصياغة القصيد. # وقد كان شاعرنا بمولده ومزاجه ومعيشته وبيئته وشارته أصلح من يمثل شعراء عصره ~~المشهورين بالغزل في أكثر من امرأة واحدة والولع بمجالسة النساء، ولكنه في اعتقادنا لم ~~يكن أفضلهم نظما ولا أبرعهم قصيدا، ولا أقدرهم صناعة، على إجادته الموفقة في أبيات ~~ومقطوعات. # وقد كثرت الشهادات له في عصره ممن تروى عنهم الشهادة للشعراء ويسمع لهم رأي في ~~المفاضلة بين ضروب الكلام. فكانت مشيخة من قريش لا تعدل بشعره شعرا قط وقد تستحسن منه ~~ما يقبح من غيره، وكان بعضهم يزعم أن «العرب كانت تقر لقريش بالتقدم في كل شيء ms27 عليها ~~إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به حتى كان عمر بن أبي ربيعة فأقرت لها الشعراء ~~بالشعر أيضا ولم تنازعها شيئا». # وروي عن نصيب أنه تكلم عن عمر بن أبي ربيعة فقال: «هو أوصفنا لربات الحجال.» # وروي عن الفرزدق أنه سمع طرفا من نسيبه فقال: «هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته ~~وبكت الديار، ووقع هذا عليه.» # وإنه اجتمع به فما زال عمر ينشده وهو يطرب ويستزيد حتى أنشده القصيدة التي يقول ~~فيها: # فقمن لكي يخليننا فترقرقت # مدامع عينيها وظلت تدفق # وقالت: أما ترحمنني! لا تدعنني # لدى غزل جم الصبابة يخرق # فقلن اسكتي عنا فلست مطاعة # وخلك منا - فاعلمي - بك أرفق # فصاح الفرزدق: أنت والله يا أبا الخطاب أغزل الناس. # وكان جرير على ما زعم الرواة يسمع شعر ابن أبي ربيعة فيقول: «هذا شعر تهامي إذا أنجد ~~وجد البرد.» فأنشدوه يوما من كلامه: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى، وأما بالعشي فيخصر # قليلا على ظهر المطية ظله # سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست لشيء آخر الليل تسهر # فقال: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر وأنشدوه مرة من كلامه: # سائلا الربع بالبلي # 15 # وقولا # هجت شوقا لي الغداة طويلا # أين حي حلوك إذ أنت محفو # ف بهم آهل أراك جميلا # قال ساروا فأمعنوا واستقلوا # وبرغمي لو استطعت سبيلا # سئمونا وما سئمنا مقاما # وأحبوا دماثة وسهولا # فقال جرير: «إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه وأصابه هذا القرشي.» # ومما نسب إلى جرير أيضا أن رجلا من أبناء المدينة استنشده فلم يجبه وقال: «إنكم يا ~~أهل المدينة يعجبكم النسيب، وإن أنسب الناس المخزومي.» # وسئل حماد الراوية عن شعره فقال: «ذلك الفستق المقشر!» # فهذه الشهادات وأمثالها تدل على شيء واحد لا تعدوه، وهو الشهرة بالنسيب بين أبناء ~~عصره، ولكنها لا تؤخذ مأخذ الجد ولا تصمد على المناقشة في معرض النقد الصحيح، وأولها ~~ما روي ms28 عن فحول الشعراء من معاصريه كجرير والفرزدق ونصيب؛ لأن الشعر الذي زعموا أنه ~~أرغمهم على الشهادة لعمر وتفضيله عليهم ليس مما يرغم المكابر ولا المنافس ولا المنصف ~~الخلي من الغرض، إن شاء أن ينكره ولا يعترف بتفضيل، فإن كان الاعتراف بالتفضيل مجاملة ~~ومسايرة للمحادث فليس هو إذن بالنقد الذي يؤخذ به في تمحيص الأقدار وموازنة ~~الأشعار. # ويساوي هذه المجاملة في قيمة الشعر قولهم: إن العرب أنكرت على قريش الشعر حتى ظهر ~~ابن أبي ربيعة فاعترفت لهم به وكفت عن المنازعة. # فمتى حصل ذلك؟ وكيف كان حصوله؟ في أي مؤتمر وفي أي محضر؟ وعلى أي صورة تبين الإنكار ~~والمنازعة ثم تبين الاعتراف والتسليم؟ لا مؤتمر ولا محضر ولا إشهاد بإنكار ولا بتسليم. ~~وهذا فضلا عن تكرر هذه الشهادات من هؤلاء الشاهدين أنفسهم لشعراء آخرين غير عمر بن ~~أبي ربيعة وبعضهم من معاصريه. فمشيخة قريش التي تقدم ذكرها هي بعينها التي روى صاحب ~~الأغاني عنها في ترجمة «الغريض» أنها اتفقت على اختيار ابن قيس الرقيات شاعرا لقريش في ~~الإسلام، ونصيب هو الذي قال كما روى صاحب الأغاني أيضا: «لقد نحت (جميل) للناس مثالا ~~يحتذون عليه. أما أصدقنا في شعره فجميل وأما أوصفنا لربات الجمال فكثير، وأما أكذبنا ~~فعمر بن أبي ربيعة، وأما أنا فأقول ما أعرف ...» # فأمثال هذه الشهادات كلام يقال ولا محصول له، إلا أن الشاعر مشهور مشهود له بالتفوق ~~في بابه بين جمهرة عارفيه، ولا غنى عن الرجوع إلى الشواهد عند تقدير هذه الشهادة ~~وتقويمها بما يثبت لها من قيمة صحيحة. # ومحصل هذه القيمة كما تدل عليه الشواهد من أقوال الرجل وملكاته أنه كان بمولده ~~ومزاجه ومعيشته وبيئته وشارته أصلح الشعراء في عصره لإمامة هذه الطريقة، التي فرغ لها ~~وتقدم فيها، وأنه يأتي بالروائع بين الشعراء، لما يبدو عليه في أكثر كلامه من الفتور ~~والإعياء. # فمن روائعه التي جرت مجرى الأمثال، قوله في بيان أقصى مدى الحب: # حبكم يا آل ليلى قاتلي # ظهر الحب بجسمي وبطن # ليس حب فوق ما ms29 أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجن # وقوله: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # وقوله: # وذو الشوق القديم وإن تعزى # مشوق حين يلقى العاشقينا # وله وصف حسن كما قال: # أبت الروادف والثدي لقمصها # مس البطون وأن تمس ظهورا # ووصف جوادا مجهدا فأبدع حيث قال: # تشكى الكميت الجري لما جهدته # وبين لو يسطيع أن يتكلما # إلا أن الأكثر من شعره يبدو عليه الجهد والإعياء في تقويم البيت والوصول به إلى ~~القافية، وأمثلة ذلك كثيرة منها: # فقامت ولم تفعل ونامت فلم تطق # فقلت لها قومي فقالت ولم لم # تبن غير أن قد أومأت فعهدتها # كشارب مكنون الشراب المختم # فكرر «لم» لغير موجب غير حرج القافية، وفرق بينها وبين الفعل الذي تنفيه في بيتين وهو ~~لا يساغ. # ومنها: # مرحبا ثم مرحبا بالتي قا # لت غداة الوداع يوم الرحيل # للثريا قولي له أنت همي # ومنى النفس خاليا والجليل # أي وأقسم بالجليل، واضطرار الشاعر هنا ظاهر لإتمام البيت فضلا عن وصل ~~البيتين. # ومنها: # ألم تعلمي أني، فهل ذاك نافع # لديك وما أخفى من الوجد أفضل # أرى مستقيم الطرف ما أم نحوكم # فإن أم طرفي غيركم فهو أحول # أراد أن يقول: «ألم تعلمي أني أرى مستقيم الطرف ... إلخ» فغلبه النظم وجاء بذلك الكلام ~~المعترض الذي كان يحسن أن يتأخر أو يقدم. # وقلما تعرف له قصيدة لا يضطر فيها إلى تحويل الضمير من المؤنث إلى الجمع، ومن ~~المخاطب إلى الغائب في البيت الواحد لضرورة الوزن ليس إلا كما قال: # يا سكن حبك إذ كلفت بحبكم # عرضا أراه ورب مكة ممرضي # أو كما قال: # يا ربة البغلة الشهباء هل لكم # أن ترحمي عمرا لا ترهقي حججا # وذلك في شعره كثير جدا لا فائدة من إحصائه. # وهو يخطئ قواعد اللغة لضرورة الوزن والقافية كما قال: # من ذا «يلمني» إن بكيت صبابة # أو نحت صبا بالفؤاد المنضج # و«من» هنا لا تجزم «يلوم». # أو كما قال: # فقلت لهم كيف الثريا ms30 هبلتم # فقالوا ستدري ما مكرنا وتعلما # أو كما قال: # فهلا «تسألي» أفناء سعد # وقد تبدو التجارب للبيب # والصواب «تسألين»؛ لأن «هلا» لا تجزم الفعل المضارع. # إلى نظائر لهذه الأخطاء والعثرات لا تراها على كثرة في كلام أمراء الصناعة. # فربما كثر الرديء في أشعارهم وأربى على الجيد في معظم الأحيان، ولكن الإتيان ~~بالرديء غير الإعياء الذي يكشف مدى الطاقة وينم على الفاقة؛ فقد يلبس الرجل الثياب ~~الغالية والثياب الرخيصة دواليك، فلا يدل ذلك على فقره كما يدل عليه لباس فاخر فيه ~~رقعة، وإن لم يكن في ملبسه ثوب رخيص. # ويبدو لنا أن ضعف صناعته من ضعف اطلاعه على شعر المجيدين إلا ما كان يسمعه ويسمعه ~~غيره من شعراء زمانه، ولعله كان ينجو من بعض هذا الضعف في الصناعة لو وفر حظه من ~~الاطلاع والرواية؛ لأنه كان على ذوق حسن في الإعجاب بالجيد من الكلام، كما يظهر من ~~أخباره القليلة في النقد والتعليق على الشعر الذي يسمعه من رواته. # قال عثمان بن إبراهيم الخاطي: «أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس ~~قومه بني مخزوم، فانتظرت حتى تفرق القوم ثم دنوت منه ومعي صاحب لي ظريف، وكان قد قال ~~لي: تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل فننظر هل بقي في نفسه منه شيء؟ فقال له صاحبي: يا ~~أبا الخطاب يكرمك الله. لقد أحسن العذري وأجاد فيما قال. فنظر عمر إليه ثم سأله: وماذا ~~قال؟ فأنشده: # لو جذ بالسيف رأسي في مودتها # لمر يهوي سريعا نحوها راسي # فارتاح عمر إلى البيت وقال: هاه! لقد أجاد وأحسن ... فقلت: ولله در جنادة العذري. فقال ~~عمر: حيث يقول ماذا ويحك؟ فأنشدته: # سرت لعينك سلمى بعد مغفاها # فبت مستنبها من بعد مسراها # وقلت أهلا وسهلا من هداك لنا # إن كنت تمثالها أو كنت إياها # من حبها أتمنى أن يلاقيني # من نحو بلدتها ناع فينعاها # كيما أقول فراق لا لقاء له # وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها # ولو تموت لراعتني وقلت ألا # يا بؤس للموت ms31 ليت الموت أبقاها # فضحك عمر ثم قال: وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى ...» # فهو قمين أن يكثر من الإجادة لو أكثر من الاستجادة وأن يقوم من صناعته لو نظر في ~~صناعات المقتدرين من صاغة القريض، ولكنه - كما يبدو من أخباره ومن كلامه - كان معكوفا ~~على نفسه راضيا بما يصل إلى سمعه في غير ما جهد ولا متابعة. # ومن ثم كان إمام مدرسة ولم يكن إماما في صناعة القصيد، وكانت مدرسته فذة في الأدب ~~العربي بأسره؛ لأنها مدرسة لا يسهل على العقل أن يتخيل نظيرها كثرة وشيوعا في غير ~~الحجاز وفي غير تلك الآونة؛ إذ هي تحتاج إلى بيئة وسط بين البادية والحضر، ووسط بين ~~الجاهلية المولية وآداب الإسلام المقبلة، ووسط بين شواغل العاصمة التي فيها الملك ~~والدولة، وشواغل المدينة الصحراوية القاصية التي لا يبلغها شيء من ذلك، ووسط بين حالة ~~مكة في عهد النبي والخلفاء الراشدين، وحالتها في عهد الأمويين والعباسيين، وما بعد ذلك ~~من أيام اقتصر شأنها فيها على منسك الحج من العام إلى العام. # وهل كانت مدرسة كمدرسة ابن أبي ربيعة وزملائه تنشأ في بغداد أو في القاهرة أو في ~~عواصم الأندلس، وفيها الإباحة المكشوفة، أو فيها الشواغل للرجال والنساء، غير عقد ~~المجالس في الخلوات وتبادل الأحاديث؟ # أو هل كانت مدرسة كمدرسة ابن أبي ربيعة تنشأ في مكة نفسها بعد مائة عام، وليس فيها ~~حياة مدنية تحتمل إقامته وإقامة أمثاله وأمثال صاحباته، ولا حياة أدبية يترجم عنها ~~الشعراء؟ # فابن أبي ربيعة هو ابن الحجاز، وابن العصر، وابن البيئة التي ترجمها، فأحسن الترجمة، ~~ثم عاش بهذه المزية بين شعراء العربية. ~~••• # وللحكم على صناعة ابن أبي ربيعة وجه آخر التفت إليه العصريون مذ شاعت القصة بينهم ~~نظما ونثرا وكثر التفاتهم إليها، فرأى بعض النقاد أن الشاعر قد أبدع فن القصة ~~المنظومة أو أكثر منها إكثارا لم يؤثر عن شاعر قبله، وهذا صحيح إذا أردنا الإكثار دون ~~الإبداع والاختراع، وأردنا «الحوار القصصي» ولم نرد القصة بمعناها الشامل الوافي ولو ~~كانت أقصوصة ms32 وجيزة. فالقصة شيء والحوار الذي يرد خلال القصة شيء آخر، ومن قال لنا إنني ~~ذهبت إلى فلانة فقلت لها وقالت لي، وبكت وبكيت، فقد روى لنا منظرا قصصيا يدخل في ~~حكاية مستوفاة العرض والوصف والملاحظة والحوار، ولكن ابن أبي ربيعة لم يكن يتوخى هذا ~~الاستيفاء، أو يتجاوز الحوار القصصي إلى ما وراءه من التخيل والتمثيل، وتهيئة القالب ~~النفسي الذي يتركب فيه الحوار بالكلام. وإن فعل ذلك فإنما يفعله مسوقا إليه بحواره ~~وسرده، ولا يزال بين هذا وبين فن القصة بون بعيد، فإنما هذا من فن «الحديث المنظوم» ~~وليس من فن القصة كما يتخيلها المطبوعون عليها. ولا نزاع في قدرة ابن أبي ربيعة على ~~الحديث المنظوم، فهو في هذا الجانب من صناعته قليل النظير. ~~(5) مقارنة # قال أبو غسان دماذ: «سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهدي بشارا عن ذكر ~~النساء قال: كان أول ذلك استهتار نساء البصرة وشبانها بشعره حتى قال سوار بن عبد الله ~~الأكبر ومالك بن دينار: ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى. ~~وما زالا يعظانه.» ~~«وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى ~~الملحد. فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي، وأنشد المهدي ما مدحه به ~~نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب، وكان المهدي من أشد الناس غيرة.» # قال أبو غسان: «فقلت لأبي عبيدة: ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر كثير ~~وجميل وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وتلك الطبقة، فقال: ليس كل من يسمع تلك الأشعار يعرف ~~المراد منها، وبشار يقارب النساء حتى لا يخفى عليهن ما يقول وما يريد، وأي حرة حصان ~~تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها؟ فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لا هم لها إلا ~~الرجال؟ ثم أنشد قصيدته: # قد لامني في خليلتي عمر # واللوم في غير كنهه ضجر # إلى قوله: # حسبي وحسب الذي كلفت به # مني ومنه الحديث والنظر # ثم ms33 قوله على لسان صاحبته: # انهض فما أنت كالذي زعموا # أنت وربي مغازل أشر # قد غابت اليوم عنك حاضنتي # والله لي منك فيك ينتصر ~~... ... ... ... ~~... ... ... ... # أقسم بالله لا نجوت بها # فاذهب فأنت المساور الظفر # كيف بأمي إذا رأت شفتي # أم كيف إن شاع منك ذا الخبر # إلى آخر القصيدة. # ثم قال أبو عبيدة: بمثل هذا الشعر تميل القلوب ويلين الصعب.» ~~••• # وفي هذه المساجلة بين أبي غسان وأبي عبيدة # 16 # مجال واسع للبحث في طريقتي الغزل والعشاق من أمثال كثير وجميل وعروة وقيس ~~وإخوان تلك الطبقة. # فهذه المساجلة تبين لنا قبل كل شيء مبلغ الحاجة إلى التفرقة بين هاتين المدرستين؛ ~~لالتباس الأمر بينهما حتى على الفحول من الرواة وعلماء الأدب في العصر العباسي كأبي ~~عبيدة وتلاميذه. # فأبو غسان قد حسب أن الشعر الذي يذكر فيه النساء كله غزل لا فرق فيه بين كثير وقيس ~~وبين بشار ومن حذا حذوه. # وأبو عبيدة يكاد يماثله في هذا الاعتقاد؛ لأنه حسب أن الخطر من شعر بشار إنما يأتي من ~~فهم النساء شعره وقلة فهمهن أشعار العشاق من أمثال كثير وعروة وقيس وجميل. # والواقع غير ذلك كما يتبين من المقابلة بين الطريقتين. # الواقع أن الخليفة «المهدي» كان أفطن إلى الفرق بين الطريقتين؛ لأنه اعتمد على حسه ~~وعلى المشاهدة ولم يعتمد على العناوين الأدبية التي يعرفها الرواة وعلماء اللغة، ~~فيجعلون الغزل كلاما يتساوى فيه كل شعر يرد فيه التشبيب ووصف الحسان. # فالمهدي نهى بشارا عن غزله ولم ينه أحدا عن رواية قصائد العشاق من الشعراء الذين ~~أشرنا إليهم؛ لأنه أحس الفرق بين الشعرين وأدرك على البديهة التي لا تحاول التفسير ~~والتعليل أن هذا غير ذاك. # وليس هذا الفرق على التحقيق أن شعر بشار أسهل لغة أو أسلوبا من شعر كثير وجميل، ولا ~~أن بشارا يقارب المرأة وأولئك العشاق لا يقاربونها؛ فقد تكون قصائد كثير وجميل ~~وأمثالهما أسهل لغة وأسلوبا من قصائد بشار على الإجمال، وقد يكون هؤلاء أقرب منه إلى ~~طبيعة المرأة وهواها، وأعرف بغضبها ورضاها. # وإنما الفرق ms34 بينهما أن شعر بشار هو شعر المتحدثين والمتحدثات في مجالس اللهو والفراغ، ~~فهو مادة الحديث في تلك المجالس ومادة الحديث عنها، وهو وسيلة الإغراء بها ورسول الدعوة ~~إليها، ومن هنا إغراؤه بالفساد ومحاكاة ما يتخيله ويرويه بين الظرفاء والظريفات. # أما شعر كثير وأمثاله فهو كالرسالة الخاصة من رجل واحد إلى امرأة واحدة، وهو إن ~~أغرى بشيء، فلا يغري المرأة بأن تذهب إلى ملاقاة الرجال الكثيرين والنساء الكثيرات، ~~ولكنه يغريها بعلاقة قلبية كالعلاقة بين ك كثير وعزة، وجميل وبثينة، وعروة وعفراء، ~~وقيس وليلى، وليس هذا ما يدفع العاشق أو العاشقة إلى مجالس الظرفاء والظريفات، بل لعله ~~مما يدفع إلى العكوف والاعتزال. # فالفرق هنا فرق بين طبيعتين متباينتين: طبيعة المحب وهو مخصص لا يعمم، وطبيعة اللاهي ~~بمجالسة النساء ومحادثتهن، وهو لا يتقيد بواحدة دون غيرها، ولا يبلغ من التعلق بها ~~إلا أن يؤثرها على الأخريات بالمجالسة والمسامرة وتمثيل مساجلات الغرام. # وقد كان بشار قريبا في منحاه من عمر بن أبي ربيعة؛ لأن المجالس التي كان يغشاها كانت ~~شبيهة على نحو ما بالمجالس التي كان يألفها ابن أبي ربيعة، غير أن مجالس بشار كانت ~~أشبه بالأندية اللاهية في عصرنا، ومجالس ابن أبي ربيعة كانت أقرب إلى سهرات الحريم ~~المغلق في العصر الماضي، الذي كان يتحلل من الحجاب بعض التحلل في الخلوات وبين ~~الجدران. # فصاحبات بشار هن الجواري والقيان والمستهترات باللهو من نساء الحواضر اللائي لا ~~عاصم لهن، وصاحبات عمر هن الحرائر اللائي يفرجن عن أنفسهن في غفلة الرقباء ~~والأولياء، وهؤلاء في الأدب والنشأة غير هؤلاء، ولكن الشبه بين الطائفتين أن الحديث ~~معهما حديث شاعر مشغول بالنساء جميعا وغير مقصور على واحدة بعينها يخصها بالمناجاة ~~والوفاء. # وهنا الملتقى بين ابن أبي ربيعة وبشار. # وهنا المفترق بين كل منهما، وكل من كثير وعروة وقيس وجميل، فشعر هؤلاء معدن من ~~الكلام غير المعدن الذي منه كلام الآخرين. # ولا يغير من هذه التفرقة أن يقال عن كثير - مثلا - إنه كان يخون عزة ويغازل ~~غيرها؛ فإنه قد يفعل ms35 ذلك ولا يشبه شعره - مع هذا - شعر عمر وبشار في المعدن والأثر ~~والطبيعة، كما أن الماس المزيف لا يصبح زمردا ولا مرجانا ولا ياقوتا؛ لأنهم ~~زيفوه، بل يظل أشبه بالماس من أجل هذا التزييف، ونراه فنذكر الماس، ولا نذكر الزمرد ~~والمرجان والياقوت، إلا لنعد أصناف المعادن المختلفات. # وقد نسبت إلى كثير أبيات تشبه في ظاهرها أن تكون من كلام الغزلين المكثرين، وهي ~~هذه الأبيات: # تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن # عليك شجى في الحلق حين تبين # وإن هي أعطتك الليان فإنها # لغيرك من خلانها ستلين # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها # فليس لمخضوب البنان يمين # ومهما يكن من صدق النسبة في هذه الأبيات أو كذبها؛ فالذي يلوح منها أن قائلها أحس شجى ~~الحلق من تقلب المعشوقة الواحدة وود لو ظفر بالمعشوقة التي لا تتقلب ولا تلين لغيره ~~كما لانت له، ولا تغدر به كما تغدر بسواه، فعدل إلى التأسي وهو كاره لهذه المتعة راض ~~بها على غير اختيار لو ملك الاختيار. وليس هذا مما يقوله الشعراء الغزلون المطبوعون ~~على التردد بين مجالس النساء الكثيرات؛ بل لعله مما يضجرهم، ويثقل على طبائعهم أن ~~يطالبوا بالوفاء، ويحال بينهم وبين التقلب في مجالس الحديث واللقاء. # وكذلك جاء من أخبار ابن أبي ربيعة أنه علق بامرأة واحدة هي الثريا بنت علي، وأطال ~~الغزل فيها والتودد إليها، وأجفل مما بلغه عرضا من خبر نعيها، ولكنه ظل وهو يغازلها ~~ويبادلها المودة عرضة كل يوم لعتاب منها على مغازلة غيرها ومبادلتهن مثل هذه ~~المودة. ~~••• # ومما ينبغي أن نستحضره في هذه المقارنات أنها ليست للموازنة بين شاعرية وشاعرية، أو ~~بين قدرة فنية وقدرة فنية، فما لا شك فيه أن كثيرا وإخوانه يحسنون أبوابا من القول ~~لا يستطيعها ابن أبي ربيعة، إلا أنهم لا يحسنونها لأنهم أشعر منه وأرجح في الملكة ~~الفنية، فإنه هو أيضا يحسن أبوابا من القول لا يستطيعونها ولا يلمون بها، وإنما ~~يحسن كل منهم ما يحسنه؛ لأنه يحسه ويصدق في التعبير عنه والدلالة عليه. فليس ms36 للشعراء ~~العشاق قصيدة واحدة تعدل مساجلات ابن أبي ربيعة وحكاياته الغزلية؛ لأنهم لا يألفون هذا ~~الضرب من الشعور، ولا يجنحون إلى وصفه والغبطة بتمثيله. وكذلك تبحث في ديوان ابن أبي ~~ربيعة عن صرخة واحدة من أعماق القلب المصدوع، والنفس الوالهة فلا تظفر بها ولا تحوم ~~حولها؛ لأنه لم يرزق هذه الطبيعة التي تتعلق بمعشوقة واحدة، وتعلق عليها سعادتها ~~وشقاءها وإقبالها على الحياة وصدوفها عنها. # وما يقال في الفرق بين شعراء الطريقتين يقال في الفرق بين قراء الطريقتين على نحو ~~واحد؛ فالقراء الذين يأنقون للغزل العمري يفضلونه على غزل كثير وقيس وجميل، ولا ~~يعدلون به شعرا من غير طريقته وغرضه. ويشبههم قراء العشاق «الموحدين» الذين يحسون ~~إحساسهم، وينطبعون على مثل مزاجهم، فلا يرضون بديلا بشعر أولئك العشاق، إلا أن ينظروا ~~إلى الطريقتين بعين الفن الخالص، فهما إذن متعادلتان حافلتان بمتعة الجمال وبراعة ~~التعبير، كما يتعادل مصور الحدائق ومصور البحار عند من ينظر إلى قدرة التصوير عند هذا ~~وذاك، وإن كان هو في طوية نفسه مؤثرا لمناظر الحدائق في الطبيعة أو مؤثرا فيها ~~لمناظر البحار. ~~(6) الصدق الفني في شعره # عرضنا فيما تقدم للصدق في شعر ابن أبي ربيعة من الوجهتين التاريخية والخلقية. # والصدق من الوجهة التاريخية هو الصفة التي نتحراها، حين نبحث عن وقوع الأخبار التي ~~رواها الشاعر في أشعاره القصصية. # أما الصدق من الوجهة الخلقية فهو الذي نتحراه حين نبحث عن دلالة تلك الأخبار على ~~خلقه وأدبه، أهو صادق أم كاذب، ومخلص في عقائده الدينية وآدابه الاجتماعية أم موارب ~~فيها، وقادر على نفسه أم مستسلم لشهواته وغواياته؟! # وكلتا الوجهتين من صدق التاريخ أو صدق الأخلاق لا نتعرض له مرة أخرى في هذه الكلمة ~~التي ننظر فيها إلى صدقه من الوجهة الفنية. # فقد يكون الرجل صادقا فيما روى من أحاديثه، وقد يكون صدقه فيها دالا على خلق حسن ~~أو معيب، فهذا وذاك غير الصدق الذي يحاسب عليه الشاعر من الوجهة الفنية، وهو صدق الشعور ~~الذي يعبر عنه، وصدور ذلك الشعور منه عن ms37 مزاج أصيل لا تكلف فيه ولا اختلاق. # حدث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : «حججت مع أبي وأنا غلام وعلي جمة، فلما ~~قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلمت عليه وجلست معه، فجعل يمد الخصلة # 17 # من شعري ثم يرسلها، فترجع على ما كانت عليه ويقول: وا شباباه! حتى فعل ذلك ~~مرارا، ثم قال لي: يا ابن أخي! قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي وقلت لها، وكل مملوك ~~لي حر إن كنت كشفت عن فرج حرام قط. فقمت وأنا متشكك في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: ~~أما في الحول (؟) فله سبعون عبدا سوى غيرهم.» # هذا التشكك جائز - بل واجب - إذا كان الغرض منه بحثا عن تاريخ الوقائع أو بحثا عن ~~خلق الشاعر وأدبه. # ولكنه فضول لا وجوب له إذا كنا نبحث عن صدقه الفني في تعبيره، فهذا الصدق ثابت له ~~من ثبوت مزاجه وثبوت فطرته التي جبل عليها، وهي الفطرة التي أغرمته بالنساء ~~والتحدث إليهن والتحدث عنهن، وتمثيل ذلك في فن من الفنون، هو هنا فن الشعر أو ~~الأقصوصة المنظومة، فهذا المزاج ثابت له لا شك فيه. # وهذا المزاج متى ثبت للشاعر فهو كاف للتحقق من صدق تعبيره، ولو لم يقع خبر واحد من ~~الأخبار التي نظمها على الوجه الذي رواه؛ إذ قصارى الكذب في الخبر أن يكون اختراعا ~~ملفقا يعترف صاحبه بتلفيقه وتأليفه، كما يعترف بذلك وضاع الأقاصيص. # ومع هذا يؤلف واضع القصة أخباره، ولا يمنعه ذلك أن يوصف بالصدق الفني إذا أحسن الشعور ~~والتخيل، وأحسن إلى جانب هذا تمثيل شعوره وخياله. # وهذا هو الصدق الفني الذي عنيناه، وهو ملازم لشعر ابن أبي ربيعة في معظم ما وصف ولو ~~اخترعه اختراعا، أو أدخل عليه بعض التبديل والزيادة. # ومن أمثلة ذلك أنه وصف منظرا رآه في بيت فقال: # ولقد قلت ليلة الجزل لما # أخضلت ريطتي علي السماء # 18 # فلما أنشد الأبيات خرجت له جارية حضرت المنظر فقالت: «ما رأيت أكذب منك يا عمر! تزعم ~~أنك بالجزل ms38 وأنت في جنبذ # 19 # محمد بن مصعب، وتزعم أن السماء أخضلت ريطتك، وليس في السماء قزعة! # 20 # فقال: هكذا يستقيم هذا الشأن.» # ونرجع إلى الأبيات التي «استقام له شأنها» بهذا التبديل فإذا هي بعد البيت ~~المتقدم: # ليت شعري وهل يردن ليت # هل لهذا عند الرباب جزاء؟ # كل وصل أمسى لدي لأنثى # غيرها، وصلها إليها أداء # كل خلق وإن دنا لوصال # أو نأى فهو للرباب الفداء # فعدي نائلا وإن لم تنيلي # إنما ينفع المحب الرجاء # فبدا لنا أن القافية هي التي جاءت «بالسماء»، وأنه قد خلق المطر وابتلال الريطة بعد ~~أن عرضت له هذه الكلمة في القافية، فلم يستقم له النظم إلا بذلك التبديل، وهو ضعف لك أن ~~تحسبه عليه في نقد الصناعة النظمية، ولكنه لا يمنع أن يكون ذلك المنظر جائز الوقوع وأن ~~يأتي وصفه والشعور به على ذلك المثال، وهذا هو الصدق الفني الذي يحاسب به الشاعر في هذا ~~الباب، ولعله يؤدي بتبديله المنظر معنى آخر له دلالته في بيان إعزازه للفتاة، التي ~~تجشم الخروج في المطر لانتظارها، فذلك معنى يستحق أن يوصف وأن يخترع اختراعا في رواية ~~من الروايات، فلا يعاب من الوجهة الفنية أقل عيب، ولا يلام عليه الشاعر إلا إذا أحال في ~~اختراعه، فوصف المستحيل الذي لا يكون ولا يعقل، كأن يذكر المطر حيث يمتنع نزوله كل ~~الامتناع في أوان معهود، وهو نقص في التخيل وملاحظة الواقع يمس القدرة الفنية التي ~~لا غنى عنها لأصحاب الفنون. # وبهذا نصل إلى تفرقة أخرى غير التفرقة بين الصدق من وجهة الفن، والصدق من وجهة ~~التاريخ أو الأخلاق. # نصل إلى التفرقة بين الطبيعة الفنية والصناعة النظمية، وإن لاح أن كلمة الفنان وكلمة ~~الصانع مترادفتان أو كالمترادفتين. # فعمر بن أبي ربيعة وافر الحظ من الطبيعة الفنية التي تفوق على شعرائها، وأصبح إمام ~~طريقتها. ولكنه ليس بوافر الحظ من الصناعة النظمية، التي يلجئه الضعف فيها إلى التحول ~~عن معناه، وإن لم يحوله عن فطرته التي لا حول عنها. # وخلاصة هذا جميعه أننا ms39 نستطيع أن نؤمن بصدق الشاعر في فنه دون أن نكلفه صحة ~~الواقعة وصحة الصناعة، بل لعلنا نرفعه إلى مقام الإمامة بين شركائه في الطريقة والمزاج، ~~وهو في تمحيص الخبر أو تمحيص الصناعة وراء هذا المقام. ~~(7) ذوقه في جمال المرأة # قضى عمر بن أبي ربيعة أكثر أيامه في معاشرة النساء، ونظم أكثر شعره في وصف محاسن ~~النساء، فمن الطبيعي أن يقع في الخاطر أنه كان صاحب ذوق مأثور في جمال المرأة، يسأل عنه ~~من يكتب تاريخه وينقد شعره، ويرده إلى مزاجه وشعوره. # والمشهور أن الرجل الذي يخالط النساء يعرف جمالهن، ويصبح حجة فيه، ويتذوق من شمائله ~~ما ليس يتذوقه الآخرون. # ولكن هذه الشهرة وهم كسائر الأوهام الشائعة التي تتلقفها الأسماع ارتجالا، ثم لا ~~تثبت على المراجعة والتمحيص. # فلا الرجل «زير النساء»، ولا الرجل «العاشق» بالحجة في ذوق الجمال؛ لأن زير النساء ~~موكل بحب الأنوثة في المرأة، ينظر إليها قبل أن ينظر إلى جمالها، ولأن العاشق موكل ~~بحب «شخصية» معينة تستهويه كائنا ما كان حظها من الجمال، ولهذا يحب المرأة، ويؤثرها ~~على سائر بنات جنسها، وأمام عينيه منهن من هو أجمل منها وأوفر حظا من المحاسن ~~والمغريات. # مثل الرجل «زير النساء» في هذا مثل الرجل الأكول يلتهم كل ما صادفه من المأكول، فليس ~~هو بالحجة في التمييز بين الأطعمة والطعوم. # ومثل الرجل «العاشق» في هذا مثل الرجل المولع بصنف واحد من المآكل، فهو مصدوف عن كل ~~ما عداه، ولو كان فيه ما هو أفضل في التغذية وأمتع في اللذة. # فلا هذا ولا ذاك يسأل في صناعة الطهو ومتعة الطعام، وإنما يسأل عنهما الرجل الصحيح، ~~الذي يملك ذوقه، فلا يصرفه صارف عن تمييز الحسن السائغ حيث كان. # وكذلك يسأل عن جمال المرأة من يرى ويقابل ويستكثر من الرؤية والمقابلة، وهو ناظر في ~~كل ما يراه بعين المساواة والاختبار. # وجائز أن يكون زير النساء حجة في ذوق الجمال، ولكنه لا يكون كذلك لأنه زير ~~نساء. # وجائز أن يكون العاشق حجة في ذوق الجمال، ولكنه ms40 لا يكون كذلك لأنه عاشق. # وإنما يكونان كذلك لملكة فيهما، توجد فيمن يخالط النساء جميعا وفيمن يعشق المرأة ~~الواحدة ، كما توجد في غير هذين من عامة الرجال. # فماذا كان ذوق الجمال عند ابن أبي ربيعة شاعر الغزل، وأكثر شعراء عصره مخالطة لبناته ~~الغزلات المشهورات بالجمال؟ # كان ذوقه قبل كل شيء هو الذوق الطبيعي الذي يتفق لكل من كان مثله في الأصل والنشأة ~~والبيئة. # فهو عربي حضري مترف مولع بمعاشرة النساء، وكل من كان عربيا حضريا مترفا فلن ~~يكون ذوقه في جمال المرأة إلا كذوق عمر بن أبي ربيعة، كما رأيناه في شعره ~~وأخباره. # فكان ذوق العرب عامة في الجمال ذوق الفطرة السليمة، التي لم يفسدها الترف ولم ~~تغيرها بدع الحضارة. وكانوا يستحسنون من جمال المرأة الوضاحة والهيف والرشاقة والخفر، ~~ويشيدون بهذه الشمائل في كل ما روي عنهم من غزل البداوة، وكانوا يحبون مع الهيف ~~والرشاقة أن تكون المرأة بارزة النهود والروادف، وهو ذوق لا يخرج بهم عن سواء الفطرة ~~كما يثبته لنا حب الجمال وعلم وظائف الأعضاء. فهم في ذلك أصح ذوقا من أساتذة التجميل ~~المعاصرين، الذين أوشكوا أن يسووا بين قامة المرأة الجميلة وقامة الرجل الجميل في ~~استواء الأعضاء، فما يعيب المرأة عضويا أو «فزيولوجيا» أن تكون رسحاء ضئيلة ~~الردفين؛ لأنها خلقت بحوض عريض ملحوظ فيه تكوين الجنين، فإذا كانت صحيحة البنية سوية ~~الخلق وجب أن تكتسي عظام فخذيها وعجيزتها، وأن يمتلئ فيها هذا الجانب من جسمها، وإلا ~~أشار هزاله إلى آفة في تكوين الجسم لا توافق حاسة الجمال. # وكذلك يستحسن الخصر الدقيق في المرأة؛ لأن ضخامة المعدة قد تؤذي الجنين، وتضغط عليه ~~في الرحم، وتشير إلى التزيد في الطعام فوق ما تستدعيه وظائف الحياة في جسم ~~الإنسان. # فالذوق العربي في دقة الخصور وبروز الأرداف ذوق محمود يزكيه حب التنسيق، كما يزكيه ~~تكوين وظائف الأعضاء، وحمادى الحسن في المرأة أن تكون كما وصفها كعب بن زهير: # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة # لا يشتكى قصر منها ولا طول # وهو الذوق الذي ms41 يجري عليه ابن أبي ربيعة، كما يجري عليه «العرف القومي» حين ~~يقول: # إني رأيتك غادة خمصانة # ريا الروادف عذبة مبشارا # 21 # محطوطة المتنين أكمل خلقها # مثل السبيكة بضة معطارا # كالشمس تعجب من رأى ويزينها # حسب أغر إذا تريد فخارا # أو حين يقول: # أبت الروادف والثدي لقمصها # مس البطون وأن تمس ظهورا # أو حين يقول: # فيهن طاوية الحشا # جيداء واضحة الجبين # بيضاء ناصعة البيا # ض كدرة الصدف الكنين # وكان على فرط معاشرته النساء المتبرجات يحمد الحياء والخفر في المرأة كما يحمدها ~~العربي البدوي الذي ينظر إلى المرأة في فطرتها الأولى خفرة بعيدة عن خلق التعرض ~~والاقتحام، فيذكر الخفر كثيرا في شعره كما قال وهو نموذج لجميع ما قال: # غراء في غرة الشباب من الحو # ر اللواتي يزينها خفر # تفتر عن بارد مقبله # مفلج واضح له أشر # 22 # فالعرف العربي أو العرف الفطري على الأصح الأعم واضح في وصف ابن أبي ربيعة لا تخطئه ~~في عامة شعره على التقليد أو على الابتداع، يستويان. # ولكن هذا العرف يطرأ عليه عارضان يغيرانه وينحرفان به عن قصده، وهما معيشة الحضارة ~~والبيئة الاجتماعية التي كان عمر ينتمي إليها من تلك المعيشة الحضرية، وهي بيئة الترف ~~والنعمة والرخاء. # فالحضارة والنعمة تظهران في الترفع عن عيشة البداوة والاشتغال برعي الشاء والإبل، ~~كما يقول: # معاصم لم تضرب على البهم في الضحى # عصاها ووجه لم تلحه السمائم # 23 # وتظهران في المباهاة بكسل المرأة ونومها إلى الضحى وفرط غضارتها؛ لأن ذلك جميعه عنوان ~~الغنى والاستغناء والدلال على الرجال، فإذا ذكر الهيف في جمال المرأة خيل إليك أنه ~~يذكره متابعة للعرف وعادة من عادات اللسان وهو ساه عن معناه، وأنه يناقض وصفه حين يذكر ~~الهيف ويقرنه بما ليس يجتمع معه من صفات البدانة والضخامة التي قلما ينساها في وصف ~~حسناء، كما في قوله: # مهفهفة غراء صفر وشاحها # وفي المرط منها أهيل متراكم # أو قوله: # أسيلات أبدان، دقاق خصورها # وثيرات ما التفت عليه الملاحف # أو قوله: # هيف رعابيب بدن شمس # فيهن حسن الدلال ms42 والخفر # 24 # وكل نسائه يحيلهن عنده وصف البدانة التي توشك أن تقعدهن عن الحركة فتعاب وتدخل في ~~عداد العجز وتعب الأعضاء، كما يقول : # قطوف من الحور الأوانس بالضحى # متى تمش قيس الباع من بهرها تربو # 25 # أو يقول: # من البيض مكسال الضحى بحترية # ثقال متى تنهض إلى الشيء تعثر # 26 # وليس أكثر من ذكر البدانة في وصف نسائه، فهن: # نواعم قب بدن صمت البرى # ويملأن عين الناظر المتوسم # 27 # أو: # هيجني البدن الملاح فما # أنفك بين الحسان أقتصر # وكان اختياره أدل على ذوقه من كلامه، فقيل: إن الثريا التي لهج بمحاسنها كانت من ~~ضخامة العجيزة بحيث تريق الماء على جسدها فلا يبتل ظاهر فخذيها، وهو عيب لم يحمله على ~~استحسانه إلا ما فيه من دلالة النعمة والوثارة وقلة الحاجة إلى الحركة في خدمة البيت ~~وطلب المعيشة، وقيل مثل ذلك عن عائشة بنت طلحة إذ دخلت عليها زائرة فرأت عجيزتها من ~~خلفها كأنها جسد آخر. قالت: فوضعت إصبعي عليها لأعلم ما هي! فلما أحست مس إصبعي سألت: ~~ما هذا؟ قلت: جعلت فداءك، لم أدر ما هو فجئت لأنظر ... فضحكت عائشة وقالت: ما أكثر ~~من يعجب مما عجبت منه! # ووصفتها عزة الميلاء وهي وصافة لمحاسن النساء فقالت: ما رأيت مثلها مقبلة ومدبرة، ~~ثم قالت إنها ذات عكن أي طيات في البطن، ضخمة السرة، ولم تذكر ذلك من عيوبها بل ذكرته ~~من محاسنها. أما عيوبها التي ذكرتها فمنها ما يواريه الخمار وهو عظم الأذن ومنها ما ~~يواريه الخف وهو عظم القدم، ومنها ردة في الوجه تغض من الجمال. # وهاتان كانتا أجمل الشريفات من طبقة ابن أبي ربيعة التي كان يدل عليها بصفات نسائها، ~~أو يسميها تسمية كما قال: # بعيدة مهوى القرط # 28 # إما لنوفل # أبوها وإما عبد شمس وهاشم # فهو رجل مطبوع في ذوقه لجمال النساء؛ لأنه يستحسن منه ما توحيه إليه النشأة والبيئة ~~والعرف الشائع بلا تكلف ولا ادعاء. # ومن الملاحظات التي لا تفوت القارئ المستقصي لشعر الشاعر أنه كان شديد الكلف ms43 بجمال ~~الفم خاصة من ملامح الوجوه، فندرت قصيدة في شعره خلت من التنويه به والتغني بمتعة ~~تقبيله، كقوله: # فابتسمت عن نير واضح # مفلج عذب إذا قبلا # أو قوله: # ويذيقني منه على وجل # عذبا كطعم سلافة الخمر # أو قوله: # فقالت لها حرة عندها # لذيذ مقبلها معصر # 29 # أو قوله: # لو سقي الأموات ريقتها # بعد كأس الموت لانتشروا # أو قوله: # وبوجه حسن صورته # واضح السنة ذي ثغر نقي # أو قوله: # تجري السواك على أغر مفلج # عذب اللثات لذيذ طعم المشرب # أو قوله: # وشتيت # 30 # أحوى المراكز عذب # ما له في جميع ما ذيق طعم # وأمثال ذلك في قصائده الوصفية كثير يلاحظ لكثرته، ولا بد أن يدل على ذوق خاص في ~~استحسان مواضع الحسن من النساء، ولنا أن نحسبه دليلا على التعبير المطبوع دون أن نبعد ~~في الدلالة؛ لأنه كان زير نساء وليس لزير النساء الذي يلقى الكثيرات منهن أن يطمع في ~~متعة أسهل، ولا أشيع من الحديث والتقبيل، وكلاهما مما يغري بمحاسن الأفواه، كما أفصح عن ~~ذلك في بعض شعره فقال وكرر المعنى كثيرا في أبيات أخرى: # فما ازددت منها غير مص لثاتها # وتقبيل فيها والحديث المردد # فلا جرم يكلف الشاعر بمحاسن الثغور التي تشتهى منها الأحاديث والقبل ولا يغفل عن ~~وصفها والتغني بمتعتها. ومتى قيل: إن عمر بن أبي ربيعة كان يحمد من محاسن المرأة ما ~~يحمده الرجل الذي نشأ بين العرب في بيئة الحضارة والنعمة، وكان بوحي من مزاجه وفراغه ~~مشغوفا بمعاشرة النساء فقد قيل إنه شاعر صادق الحس مطبوع التعبير. ~~(8) من نوادره وأخباره # بعض النوادر والأخبار يراد لذاته ويحسن السكوت عليه إذا رويت كل نادرة منه على ~~حدة. # ومن ذلك نوادر الفكاهة والنوادر التي تشتمل على خبر من أخبار المعرفة العامة أو جواب ~~مسكت أو نكتة من نكات البلاغة. # وليس بالضروري أن تكون النوادر والأخبار التي تساق في معرض التراجم والسير من هذا ~~القبيل، بل يكفي أن تكون النادرة مشتملة على عادة من عادات المترجم له أو سمة من ms44 سماته ~~لتستحق الإثبات والمراجعة، وهذا الذي توخيناه في سرد ما يلي من النوادر والأخبار، ~~وكله من الأمثلة التي تتكرر في حياة ابن أبي ربيعة وتنبئنا بحالة من حالاته أو سمة من ~~سماته، وقد يمر بها القارئ في كتاب فلا يطيل الالتفات إليها بين النوادر، التي تروى ثم ~~يحسن السكوت عليها. # فكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويخرج من إحرامه فيلبس الحلل والوشي ويركب النجائب ~~المخضوبة بالحناء عليها الطنافس والديباج ويسبل لمته ويتصدى للعراقيات والمدنيات ~~والشاميات كل منهن في الطريق التي يسلكنها، فخرج يوما للعراقيات فإذا قبة مكشوفة فيها ~~جارية كأنها القمر تركب معها جارية سوداء كالسبجة # 31 ~~... فقال للسوداء: من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟ فقالت: لقد أطال الله تعبك ~~إن كنت تسأل هذا العالم: من هم؟ ومن أين هم؟ قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: ~~نحن من أهل العراق، فأما الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورجعنا إلى بلدنا، ~~فضحك. فلما نظرت إلى سواد ثنيتيه قالت: قد عرفناك! عمر بن أبي ربيعة ... قال: وبم ~~عرفتني؟ قالت: بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش ... فلم يزل عمر بها حتى تزوجها ~~وولدت له. # ولسواد ثنيتيه قصة مع الثريا إحدى صويحباته وأجملهن فيما قيل، وخلاصتها أنه زارها ~~يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت ~~الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت، فقال لها: إنه ليس ممن أحتشم منه ولا أخفي عنه شيئا. ~~واستلقى فضحك، وكان النساء إذ ذاك يتختمن في أصابعهن العشر، فخرجت إليه فضربته بظاهر ~~كفها فأصابت الخواتيم ثنيتيه العليين وكادت أن تسقطهما، فعالجهما في البصرة فسكنتا ~~واسودتا، وجعل خصومه يعيرونه بهما كما قال الحزين الكناني: # ما بال سنيك أم بال كسرهما # أهكذا كسرا في غير ما باس # أم نفحة من فتاة كنت تألفها # أم نالها وسط شرب # 32 # صدمة الكاس ~~••• ~~«وكان جالسا بمنى وغلمانه حوله فأقبلت امرأة برزة # 33 # عليها أثر النعمة ثم سلمت وسألت: أنت عمر بن أبي ms45 ربيعة؟ قال: أنا هو، فما ~~حاجتك؟ قالت: حياك الله وقربك. هل لك في محادثة أحسن الناس وجها وأتمهم خلقا ~~وأكملهم أدبا وأشرفهم حسبا؟ قال: ما أحب إلي من ذلك. فعادت تقول: على شرط، تمكنني ~~من عينيك فأشدهما وأقودك حتى تتوسط الموضع الذي أريد، ثم أفعل ذلك عند إخراجك حتى أنتهي ~~بك إلى مضربك هذا. فوافقها ومضى معها حتى كشفت عن وجهه فإذا بامرأة على كرسي لم ير ~~مثلها قط جمالا وكمالا. فسلم وجلس، وسألته: أأنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: أنا عمر. ~~قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قال: وما ذاك جعلني الله فداءك؟ قالت: ألست صاحب هذه ~~الأبيات؟ # قالت وعيش أخي ونعمة والدي # لأنبهن الحي إن لم تخرج # فخرجت خوف يمينها فتبسمت # فعلمت أن يمينها لم تحرج # فتناولت رأسي لتعرف مسه # بمخضب الأطراف غير مشنج # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # 34 # قم فاخرج عني. وقامت من مجلسها فجاءت المرأة فشدت عينيه ومضت به حتى انتهى إلى مضربه، ~~فحزن واكتأب وبات ليله يفكر فيما رأى وسمع. فلما أصبح إذا المرأة إليه وتسأله: هل لك في ~~العود؟ فيذهب معها كما ذهب في المرة الأولى، ويلقى فتاة الأمس فتبادره قائلة: إيه يا ~~فضاح الحرائر؟ فيسأل: بماذا؟ جعلني الله فداءك؛ فتقول بأبياتك هذه: # وناهدة الثديين قلت لها اتكي # على الرمل من جبانة # 35 # لم توسد # فقالت على اسم الله أمرك طاعة # وإن كنت قد كلفت ما لم أعود # فلما دنا الإصباح قالت فضحتني # فقم غير مطرود وإن شئت فازدد # قم فاخرج عني! # فقام فخرج ثم ردته وقالت له: لولا وشك الرحيل وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار ~~من محادثتك لأقصيتك، هات الآن كلمني وحدثني وأنشدني.» # قال عمر وهو يقص هذه القصة: «فكلمت آدب الناس وأعلمهم بكل شيء، ثم نهضت وأبطأت العجوز ~~وخلا لي البيت، وأخذت أنظر فإذا بآنية فيها طيب، فأدخلت يدي فيه وخبأتها في كمي، وجاءت ~~تلك العجوز فشدت عيني ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي ms46 فضربت بها ~~عليه، ثم صرت إلى مضربي فدعوت غلماني ووعدتهم أيهم يدل على باب مضرب عليه طيب، كأنه أثر ~~كف فهو حر وله خمسمائة درهم. فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم! فنهضت معه فإذا أنا بالكف ~~طرية وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان قد أخذت في أهبة الرحيل، فلما ~~نفرت نفرت معها فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة فسألت عن ذلك فقيل لها: هذا ~~عمر بن أبي ربيعة. فتخوفت وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إلي قولي له: نشدتك الله ~~والرحم ما شأنك؟ وما الذي تريد؟ انصرف! ولا تفضحني وتشيط بدمك. # قال: فأبلغتني العجوز رسالتها، فقلت: لست بمنصرف أو توجه إلي بقميصها الذي يلي ~~جسدها. ففعلت ووجهت إلي بقميص من ثيابها، فزادني ذلك شغفا ولم أزل أتبعهم ولا ~~أخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرفت، وفي ذلك أقول: # ضاق الغداة بحاجتي صبري # ويئست بعد تقارب الأمر # إلى آخر الأبيات.» ~~••• # وكان النساء يتعرضن له ويعبثن باستدعائه لتزجية الوقت في الحديث والمناجاة، وحكى بعض ~~ما اتفق له من ذلك فقال: «بينا أنا منذ أعوام جالس إذ أتاني خالد الخريت فقال لي: يا ~~أبا الخطاب! مرت بي أربع نسوة قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا لم أر مثلهن في بدو ولا ~~حضر، وفيهن هند بنت الحارث المرية، فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن ~~وتتمتع بالنظر إليهن ولا يعلمن من أنت؟ فقلت له: ويحك! وكيف لي أن أخفي نفسي؟ قال: تلبس ~~لبس أعرابي، ثم تجلس على قعود فلا يشعرن إلا بك قد هجمت عليهن. ففعلت ما قال ثم أتيتهن ~~فسلمت عليهن ووقفت بقربهن، فسألنني أن أنشدهن وأحدثهن فأنشدتهن لكثير وجميل والأحوص ~~ونصيب وغيرهم. فقلن لي: ويحك يا أعرابي ما أملحك وأظرفك! لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا ~~فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله؟ فأنخت بعيري ثم تحدثت معهن وأنشدتهن فسررن بي وجذلن ~~بقربي وأعجبهن حديثي ... ثم إنهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعض: كأنا نعرف هذا الأعرابي! ms47 ~~ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة، فقالت إحداهن: هو والله عمر. فمدت هند يدها فانتزعت ~~عمامتي فألقتها عن رأسي ثم قالت لي: هيه يا عمر! أتراك خدعتنا منذ اليوم! بل نحن والله ~~خدعناك واحتلنا عليك بخالد، فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوأ هيئة ونحن كما ترى.» ~~••• # وكان يتتبع كل جميلة يسمع بها ليحادثها ويتغزل بها ولو لم تقع عينه عليها. # حدث قدامة بن موسى قال: «خرجت بأختي زينب إلى العمرة، فلما كانت بسرف - على عشرة ~~أميال من مكة - لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلم علي، فقلت له: إلى أين أراك ~~متوجها يا أبا الخطاب؟ فقال: ذكرت لي امرأة من قومي بزرة الجمال فأردت الحديث معها! ~~فقلت: هل علمت أنها أختي؟ فقال: لا. واستحيا وثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة.» ~~••• # وحدث الهيثم بن عدي قال: قدمت امرأة مكة وكانت من أجمل النساء، فبينا عمر بن أبي ~~ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها يكلمها فلم تلتفت إليه، فلما كان في ~~الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها فزجرته قائلة: إليك عني يا هذا إنك في حرم الله ~~وفي أيام عظيمة الحرمة. فألح عليها يكلمها حتى خافت أن يشهرها وخرجت بعدها ليلة فقالت ~~لأخيها: اخرج معي يا أخي فأرني المناسك فإني لست أعرفها، فأقبلت وهو معها، فلما رآها ~~عمر أراد أن يعرض لها فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثلت المرأة بقول ~~النابغة: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي صولة المستأسد الضاري # فلم يكن صاحبنا بالفاتك في سبيل هواه، وإنما كان لهوا سهلا يستعين عليه باللهو ~~السهل، وكثيرا ما كان يتاح له حظه منه بغير عناء كما حدث الهيثم بن عدي مرة أخرى حين ~~قال: بينما عمر بن أبي ربيعة منصرف من المزدلفة يريد منى إذ بصر بامرأة في رحالة # 36 # ففتن بها، وسمع عجوزا معها تناديها: يا نوار استتري لا يفضحك ابن أبي ~~ربيعة. فاتبعها عمر وقد شغلت قلبه حتى نزلت بمنى في مضرب قد ضرب ms48 لها، فنزل إلى جنب ~~المضرب، ولم يزل يتلطف حتى جلس معها وحادثها، وإذا أحسن الناس وجها وأحلاه منطقا، ~~فزاد ذلك في إعجاب عمر بها، ثم أراد معاودتها فتعذر ذلك عليه وكان آخر عهده، فقال ~~فيها : # علق النوار فؤاده جهلا # وصبا فلم تترك له عقلا # إلى آخر الأبيات. ~~••• # وانتهى بعض هذا اللهو بجد الزواج حين بنى بكلثم بنت سعد المخزومية، التي ولدت له ابنه ~~جوان. # وكان يهواها وتعرض عنه، فأرسل إليها رسولا فضربت الرسول وحلقتها - أي أوجعتها في ~~حلقها - وأحلفتها يمينا ألا تعاود الرسالة بينه وبينها. ثم أعاد ثانية فصنعت بها ما ~~صنعته في الأولى، فتحاماها رسله حتى ابتاع أمة سوداء لطيفة رقيقة فأحسن إليها، وكساها ~~وآنسها وعرفها خبره وقال لها: إن أوصلت لي رقعة إلى كلثم فقرأتها فأنت حرة ولك معيشتك ~~ما بقيت. فسألته أن يكتب لها مكاتبة بما وعد وأن يلحق بالمكاتبة حاجته التي يريدها، ~~فأجابها إلى ما سألت وأعطاها الورقة فأخذتها إلى باب كلثم، واستعانت بإحدى بنات جنسها ~~على إغراء سيدتها بقراءتها فإذا فيها هذه الأبيات: # من عاشق صب يسر الهوى # قد شفه الوجد إلى كلثم # رأتك عيني فدعاني الهوى # إليك للحين ولم أعلم # قتلتنا يا حبذا أنتم # في غير ما جرم ولا مأثم # والله قد أنزل في وحيه # مبينا في آيه المحكم # من يقتل النفس كذا ظالما # ولم يقدها نفسه يظلم # وأنت ثأري فتلافي دمي # ثم اجعليه نعمة تنعمي # وحكمي عدلا يكن بيننا # أو أنت فيما بيننا فاحكمي # وجالسيني مجلسا واحدا # من غير ما عار ولا مأثم # وخبريني ما الذي عندكم # بالله في قتل امرئ مسلم # فلما قرأت الشعر قالت لها: إنه خداع ملق وليس لما شكاه أصل. قالت: يا مولاتي؛ ~~فما عليك من امتحانه؟ فأذنت له وهي تقول: ما زال حتى ظفر ببغيته، فليجلس إذا كان ~~المساء في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي، وجاءها في الموعد وقد تهيأت أجمل هيئة وزينت ~~نفسها ومجلسها، وجلست له من وراء ستر، وتركته حتى سكن ثم قالت له: أخبرني ms49 عنك يا فاسق! ~~ألست القائل: # لا تجعلن أحدا عليك إذا # أحببته وهويته ربا # وصل الحبيب إذا شغفت به # واطو الزيارة دونه غبا # فلذاك أحسن من مواظبة # ليست تزيدك عنده قربا # لا بل يملك عند دعوته # فيقول أف وطالما لبى # فاعتذر لها ثم مكث عندها شهرا لا يدري أهله أين هو، ثم استأذنها في الخروج، فقالت ~~له: بعد أن فضحتني! لا والله لا تخرج إلا بعد أن تتزوجني، فتزوجها وولدت منه ابنين ~~أحدهما جوان، وماتت عنده. ~~••• # وتتكرر النوادر والأخبار في حياة ابن أبي ربيعة على أنماط شتى من نسق واحد هو هذا ~~النسق الذي مثلنا له بما تقدم، ولكنها تلخص في ختامها بخبرين مختلفين في تشابه أو ~~متشابهين في اختلاف، هما إجمال ذلك الإسهاب في نهاية المطاف. # قال مصعب بن عروة بن الزبير: خرجت أنا وأخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجين، فلما ~~طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلي فيه، فإذا شيخ قد خرج بيني وبين أخي فأوسعنا له، ~~فلما قضى صلاته أقبل علينا فسألنا: من أنتما؟ فأخبرناه، فرحب بنا وقال: يا ابني أخي، ~~إني موكل بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل ~~أن تندما عليه. ثم قام فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة. # ويلحق بهذا الخبر ما ذكره ابن الكلبي حيث قال إن عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن ~~الزبير ويحادثه فقال له: وأين زين المواكب؟ يعني ابنه محمدا، وكان يسمى بذلك لجماله، ~~فأجابه عروة: هو أمامك، فركض يطلبه وعروة يقول له: يا أبا الخطاب أولسنا أكفاء لمحادثتك ~~ومسايرتك؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي، ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان: # إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه # لا حظ لي منه إلا لذة النظر # ثم مضى حتى لحقه. # هذا أحد الخبرين المتشابهين المختلفين، والخبر الآخر أنه نظر وهو شيخ إلى رجل في ~~الطواف يكلم امرأة، فعاب ذلك عليه وأنكره، فقال له: إنها ابنة عمي! قال: ذلك أشنع ~~لأمرك. فأنبأه أنه خطبها إلى عمه فأباها ms50 عليه إلا بصداق أربعمائة دينار، وهو غير مطيق ~~لهذا الصداق، وشكا إليه من حبها وكلفه بها أمرا عظيما، واستشفع به عند عمه فسار معه ~~إليه وكلمه فقال العم: هو مملق وليس عندي ما أصلح به أمره. فسأله عمر: وكم الذي تريده ~~منه؟ فلما سمع منه أنه أربعمائة دينار تكفل بها وترك الرجل بعد أن قبل زواج ~~الفتيين. # وكان عمر حين أسن قد حلف ألا يقول بيت شعر إلا أعتق رقبة، فانصرف يومها إلى منزله ~~يحدث نفسه، وجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها جوابا، فقالت له: إن لك لأمرا وأراك ~~تريد أن تقول شعرا، فجرى لسانه بهذه الأبيات: # تقول وليدتي لما رأتني # طربت وكنت قد أقصرت حينا # أراك اليوم قد أحدثت شوقا # وهاج لك الهوى داء دفينا # وكنت زعمت أنك ذو عزاء # إذا ما شئت فارقت القرينا # بربك هل أتاك لها رسول # فشاقك أم لقيت لها خدينا # فقلت شكا إلي أخ محب # كبعض زماننا إذ تعلمينا # فقص علي ما يلقى بهند # فذكر بعض ما كنا نسينا # وذو الشوق القديم وإن تعزى # مشوق حين يلقى العاشقينا # وكم من خلة أعرضت عنها # لغير قلى وكنت بها ضنينا # أردت بعادها فصددت عنها # ولو جن الفؤاد بها جنونا # ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم واحدا لكل بيت. # هذان الخبران يختلفان ويتشابهان في تصوير ختام هذا العمر المديد الذي قيل: إنه بلغ ~~الثمانين، فلم يزل عمر في شيخوخته كما كان في صباه، ولم يعرض عن حظ الشباب والجمال إلا ~~على كره منه وحنين يعاوده كلما تناساه أو حاول أن يتناساه. ~~(9) بعض شعره # تتلخص أغراض المنتخبات الشعرية في ثلاثة: أحدها أن نختار للشاعر ما ينبئ عن حاله وله ~~فائدة في التعريف بحقيقته النفسية، أو بحقيقة عصره وسيرة حياته. # وثانيها أن نختار له الحسن من شعره، وإن لم ينبئ عن شيء من سيرته وخلقه. # وثالثها أن نختار له ما هو حسن مستجاد من الوجهة الفنية سواء نظرنا إليه، أو نظرنا ~~إلى الحسن المستجاد من أقوال جميع الشعراء. ms51 فهو فن حسن في الشعر عامة، وليس حسنه بمقصور ~~على ما قاله الشاعر المختار له على التخصيص. # وقد حاولنا أن نوفق فيما اخترناه هنا بين جميع هذه الأغراض جهد ما يستطاع التوفيق ~~بينها في كلام شاعر واحد، وهو مع هذا لا يستقصي كل جيد مختار من كلام ابن أبي ربيعة، ~~ولكنه الشيء الذي لا غنى عنه في عجالة تتناول سيرته وأدبه ومكانته بين أئمة الكلام، بعد ~~ما أسلفنا اقتباسه خلال الفصول المتقدمة من هذه العجالة. # ليلة خطرة # وبت أناجي النفس أين خباؤها # 37 # وكيف لما آتي من الأمر مصدر # فدل عليها القلب ريا # 38 # عرفتها # لها، وهوى النفس الذي كاد يظهر # فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت # مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر # وغاب قمير كنت أرجو غيوبه # وروح رعيان ونوم سمر # 39 # وخفف عني الصوت أقبلت مشية ال # حباب وشخصي خيفة القوم أزور # 40 # فحييت إذ فاجأتها فتولهت # وكادت بمكنون التحية تجهر # وقالت وعضت بالبنان فضحتني # وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر # أريتك إذ هنا عليك ألم تخف # رقيبا، وحولي من عدولي حضر # فوالله ما أدري أتعجيل حاجة # سرت بك أم قد نام من كنت تحذر # فقلت لها بل قادني الشوق والهوى # إليك، وما عين من الناس تنظر # فقالت وقد لانت وأفرخ روعها # 41 # كلاك # 42 # بحفظ ربك المتكبر # فأنت - أبا الخطاب - غير منازع # علي أمير كيف شئت مؤمر # فبت قرير العين أعطيت حاجتي # أقبل فاها في الخلاء فأكثر # فيا لك من ليل تقاصر طوله # وما كان ليلي قبل ذلك يقصر # ويا لك من ملهى هناك ومجلس # لنا لم يكدره علينا مكدر # يمج زكي المسك منها مفلج # رقيق الحواشي ذو غروب مؤشر # 43 # يرف إذا يفتر عنه كأنه # حصى برد أو أقحوان منور # وترنو بعينيها إلي كما رنا # إلى ربرب وسط الخميلة جؤذر # 44 # فلما تقضى الليل إلا أقله # وكادت توالي نجمه تتغور # أشارت بأن الحي قد حان منهم # هبوب، ولكن موعد لك عزور # 45 # فما راعني إلا مناد برحلة # وقد لاح مفتوق ms52 من الصبح أشقر # فلما رأت من قد تثور منهم # وأيقاظهم قالت: أشر كيف تأمر # فقلت أباديهم فإما أفوتهم # وإما ينال السيف ثأرا فيثأر # فقالت أتحقيقا لما قال كاشح # علينا، وتصديقا لما كان يؤثر # فإن كان ما لا بد منه فغيره # من الأمر أدنى للخفاء وأستر # أقص على أختي بدء حديثنا # وما لي من أن تعلما متأخر # لعلهما أن تبغيا لك مخرجا # وأن ترحبا سربا # 46 # بما كنت أحصر # فقامت كئيبا ليس في وجهها دم # من الحزن تذري عبرة تتحدر # فيا لك من ليل تقاصر طوله # وما كان ليلي قبل ذلك يقصر # وقامت إليها حرتان عليهما # كساءان من خز دمقس وأخضر # 47 # فقالت لأختيها أعينا على فتى # أتى زائرا والأمر للأمر يقدر # فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا # أقلي عليك اللوم فالخطب أيسر # فقالت لها الصغرى سأعطيه مطرفي # ودرعي وهذا البرد إن كان يحذر # 48 # يقوم فيمشي بيننا متنكرا # فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر # فكان مجني دون ما كنت أتقي # ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # 49 # فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي # أما تتقي الأعداء والليل مقمر # وقلن: أهذا دأبك العمر سادرا؟ # أما تستحي أو ترعوي أو تفكر # 50 # إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا # لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر # فآخر عهد لي بها حين أعرضت # ولاح لها خد نقي ومحجر # وليلة غير خطرة؟ # قد عرفت القبول منها لعذري # إذ رأتني منها أريد اعتذارا # ثم قالت وسامحت بعد منع # وأرتني كفا تزين السوارا # فتناولتها فمالت كغصن # حركته ريح عليه فحارا # وأذاقت بعد العلاج لذيذا # كجنى النحل شاب صرفا عقارا # 51 # واشتكت شدة الإزار من البه # ر وألقت عنها لدي الخمارا # 52 # حبذا رجعها إليها يديها # في يدي درعها تحل الإزارا # حد السر # السر يكتمه الاثنان بينهما # وكل سر عدا الاثنين منتشر # والمرء إن هو لم يرقب بصبوته # لمح العيون بسوء الظن يشتهر # اتفاق نادر # ذات حسن إن تغب شمس الضحى # فلنا من وجهها عنها خلف # أجمع الناس على تفضيلها # وهواهم في سوى ms53 هذا اختلف # عمر فوق كل شيء # وأنها حلفت بالله جاهدة # وما أهل له الحجاج واعتمروا # 53 # ما وافق النفس من شيء تسر به # وأعجب العين إلا فوقه عمر # فذاك أنزلها عندي بمنزلة # ما كان يحتلها من قبلها بشر # الشهادة المقبولة! # يا قضاة العباد إن عليكم # في تقى ربكم وعدل القضاء # أن تجيزوا وتشهدوا لنساء # وتردوا شهادة لنساء # فانظروا كل ذات بوص رداح # فأجيزوا شهادة العجزاء # 54 # ليت للرسح # 55 # قرية هن فيها # ما دعا الله مسلم بدعاء # ليس فيها خلاطهن سواهن # بأرض بعيدة وخلاء # عجل الله قطهن وأبقى # كل خود خريدة قباء # 56 # تعقد المرط فوق دعص من الرم # ل عريض قد حف بالأنقاء # 57 # زعموا وزعم # زعموا أنني بغيرك صب # جعل الله من أحب فداكا # فلو أن الذي عتبت عليه # خير الناس واحدا ما عداكا # ولو اسطاع أن يقيك المنايا # غير غبن بنفسه لوقاكا # حب أشمط # استقلوا ودموعي # قد أربت بانهمال # 58 # من هوى خود لعوب # غادة مثل الهلال # أشبه الخلق جميعا # حين تبدو بالمثال # إنما ألوت بعقلي # بعد حلم واكتمال # حين لاح الشيب مني # في شواتي وقذالي # 59 # أيها الناصح! قبلي # فتنت شمط الرجال # 60 # ففؤادي من هواها # هائم أخرى الليالي # المنبر أخيرا # رأين الغواني الشيب لاح بعارضي # فأعرضن عني بالخدود النواضر # وكن إذا أبصرنني أو سمعنني # سعين فرقعن الكوى # 61 # بالمحاجر # فإن جمحت عني نواظر أعين # رمين بأحداق المها والجآذر # فإني لمن قوم كريم نجارهم # لأقدامهم صيغت رءوس المنابر # بصر مغطى # قالت وأبثثتها حبي وبحت به # قد كنت عندي تحب الستر فاستتر # ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها # غطى هواك وما ألقى على بصري # مقايضة # بنفسي من شفني حبه # ومن حبه باطن ظاهر # ومن لست أصبر عن ذكره # ولا هو عن ذكرنا صابر # ومن إن ذكرنا جرى دمعه # ودمعي لذكرى له مائر # ومن أعرف الود في وجهه # ويعرف ودي له الناظر # الأقربون أولى # حي طيفا من الأحبة زارا # بعد ما صرع الكرى السمارا # طارقا في المنام تحت ms54 دجى اللي # ل ضنينا بأن يزور نهارا # قلت ما بالنا جفينا وكنا # قبل ذاك الأسماع والأبصار # قال إنا كما عهدت ولكن # شغل الحلي أهله أن يعارا # نصح ضائع # زع # 62 # القلب واستبق الحياة فإنما # تباعد أو تدني الرباب المقادر # فإن كنت علقت الرباب فلا تكن # أحاديث من يبدو ومن هو حاضر # أمت حبها واجعل قديم وصالها # وعشرتها أمثال من لا تعاشر # وهبها كشيء لم يكن أو كنازح # من الدار أو من غيبته المقابر # فإن أنت لم تفعل ولست بفاعل # ولا قابل نصحا لمن هو زاجر # فلا تفتضح عينا أتيت الذي ترى # وطاوعت هذا القلب إذ أنت سادر # وما زلت حتى استنكر الناس مدخلي # وحتى تراءتني العيون النواظر # شراب شاف # كيف اصطباري عن فتاة طفلة # بيضاء في لون لها ذي زبرج # 63 # نافت على العذق # 64 # الرطيب بريقها # وعلى الهلال المستبين الأبلج # لما تعاظم أمر وجدي في الهوى # وكلفت شوقا بالغزال الأدعج # 65 # فسريت في ديجور ليل حندس # متنجدا بنجاد سيف أعوج # 66 # فقعدت مرتقبا ألم ببيتها # حتى ولجت به خفي المولج # حتى دخلت على الفتاة وإنها # لتحط نوما مثل نوم المنهج # 67 # فوضعت كفي عند مقطع خصرها # فتنفست نفسا فلم تتلهج # فلزمتها فلثمتها فتفزعت # مني وقالت: من؟ فلم أتلجلج # قالت: وعيش أبي ورحمة إخوتي # لأنبهن الحي إن لم تخرج # فخرجت خوف يمينها فتبسمت # فعلمت أن يمينها لم تحرج # فتناولت رأسي لتعلم مسه # بمخضب الأطراف غير مشنج # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # 68 # حبذا # ألا حبذا حبذا حبذا # حبيب تحملت منه الأذى # ويا حبذا برد أنيابه # إذا أظلم الليل واجلوذا # 69 # أكبر الكبائر # إن من أعظم الكبائر عندي # قتل حسناء غادة عطبول # قتلت باطلا على غير ذنب # إن لله درها من قتيل # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # 70 # مفتون فاتن # وغضيض الطرف مكسال الضحى # أحور المقلة كالريم الأغن # مر بي في نفر يحففنه # مثل ما حف عباد بوثن # راعني منظره لما بدا # ربما أرتاع ms55 بالشيء الحسن # قلت: من هذا؟ فقالت: بعض من # فتن الله بكم فيمن فتن # قلت: حقا ذا؟ فقالت قولة # أورثت في القلب هما وشجن # يشهد الله على حبي لكم # ودموعي شاهد لي والحزن # قلت يا سيدتي عذبتني # قالت: اللهم عذبني إذن! # معالم الطريق # إن لي عند كل نفحة ريحا # ن من الورد أو من الياسمينا # نظرة والتفاتة أترجى # أن تكوني حللت فيمن يلينا # اختصار! # جعلت طريقي على بابكم # وما كان بابكم لي طريقا # صرمت الأقارب من أجلكم # وصافيت من لم يكن لي صديقا # على سنة الناس # أراني وهندا أكثر الناس قالة # علينا وقول الناس بالمرء يلحق # فإن نحن جئنا سنة لم تكن مضت # فنحن إذن مما يقولون أخرق # وإن كان أمرا سنه الناس قبلنا # ففيم مقال الناس فينا: تفرقوا # أحق بأن لم تهو غانية فتى # وأن أناسا لم يحبوا ويعشقوا # ولو في الطريق # أحب لحب عبلة كل صهر # علمت به لعبلة أو صديق # ولولا أن تعنفني قريش # وقول الناصح الأدنى الشفيق # لقلت إذا التقينا قبليني # ولو كنا على ظهر الطريق # فما قلب ابن عبد الله فيها # بصاح في الحياة ولا مفيق # زينبه وعمرها # بعثت وليدتي سحرا # وقلت لها خذي حذرك # وقولي في ملاطفة # لزينب نولي عمرك # فإن داويت ذا سقم # فأخزى الله من كفرك # فهزت رأسها عجبا # وقالت هكذا أمرك؟! # أهذا سحرك النسوا # ن قد خبرنني خبرك # وقلن إذا قضى وطرا # وأدرك حاجة هجرك # وهل يخفى؟ # قلن يسترضينها منيتنا # لو أتانا اليوم في سر عمر # بينما يذكرنني أبصرنني # دون قيد الميل يعدو بي الأغر # قلن: تعرفن الفتى ... قلن: نعم # قد عرفناه، وهل يخفى القمر # ذا حبيب لم يعرج دوننا # ساقه الحين إلينا والقدر # فأتانا حين ألقى بركه # جمل الليل عليه واسبطر # 71 # ورضاب المسك من أثوابه # مرمر الماء عليه فنضر # في المسجد # لقيته صاحبته في المسجد ينظر إلى نساء وفي يدها خلوق - أي طيب - من خلوق المسجد، ~~فمسحت به ثوبه ومضت تضحك، فقال: # أدخل الله رب موسى وعيسى # جنة الخلد من ms56 ملاني خلوقا # مسحته من كفها بقميصي # حين طافت بالبيت مسحا رقيقا # غضبت أن نظرت نحو نساء # ليس يعرفنني مررن الطريقا # وأرى بينها وبين نساء # كنت أهذي بهن بونا سحيقا # في الحلم # أيا من كان لي بصرا وسمعا # وكيف الصبر عن بصري وسمعي # يقول العاذلون نأت فدعها # وذلك حين تهيامي وولعي # أأهجرها وأقعد لا أراها # وأقطعها وما همت بقطعي # وأقسم لو حلمت بهجر هند # لضاق بهجرها في النوم ذرعي ms57