######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.Shakespeare.Hindawi80382405 #META# Tags: biographies #META# ID: 80382405 #META# Title: التعريف بشكسبير #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصر شكسبير‏ # الشعر والمسرح‏ # أسرة شكسبير‏ # الرجل‏ # الفنان‏ # المؤلف‏ # الشاعر‏ # الخصائص والمزايا‏ # مصادر الروايات‏ # نسبة الروايات‏ # تراث عالمي‏ # عصر شكسبير‏ # الشعر والمسرح‏ # أسرة شكسبير‏ # الرجل‏ # الفنان‏ # المؤلف‏ # الشاعر‏ # الخصائص والمزايا‏ # مصادر الروايات‏ # نسبة الروايات‏ # تراث عالمي‏ # | التعريف بشكسبير # | التعريف بشكسبير # تأليف # عباس محمود العقاد # | عصر شكسبير # عصر شكسبير هو عصر النهضة في إبان ازدهاره، وهو العصر الذي اصطلحوا على تحديده من منتصف ~~القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن السابع عشر، ويبدأ من فتح القسطنطينية وينتهي عند أوائل ~~القرن الثامن عشر؛ لأن هذا القرن يبدأ باسم آخر في أطوار الثقافة الغربية، ويسمى بعصر ~~الاستنارة الذي يعد امتدادا لعصر النهضة ولا يعد نهاية له في الحقيقة، وإنما تختلف ~~الأسماء للتمييز بين أدوار الثقافة في مراحلها المتتابعة. # ويسمي الأوروبيون عصر النهضة باسم «المولد الجديد» كما يسمونه أحيانا بعصر إحياء العلوم، ~~ولكن اسم الدعوة الإنسانية # Humanism # هو أصدق الأسماء في ~~تمييز مقاصده ووجهة النهضة فيه؛ إذ كان ميسم النهضة كلها الاتجاه نحو الإنسان والاعتراف له ~~بحق التفكير وحق الحياة. # لقد بدأت الدعوة الإنسانية قبل عصر النهضة الذي يؤرخونه في بداءته بفتح القسطنطينية، ~~وكان لانتشار الحضارة الإسلامية أثره في الإيحاء بنصيب الإنسان من دنياه وتحبيب محاسن ~~الحياة إليه، وكان رائد الإنسانيين بترارك (1304-1374) يتغنى بالحب على أسلوب الشعراء ~~الجوالين الذين اقتبسوا أناشيدهم من الشعراء الأندلسيين، ويلحق به رهط من الأدباء ~~والقصاصين ينسجون على منوال ألف ليلة وليلة فيما تخيلوه مثالا لمتعة العيش، ويتعمدون أن ~~يظهروا في أقاصيصهم ما يبطنه أدعياء النسك والإعراض عن الدنيا من النفاق والولع بالمحرمات ~~والمحظورات، وكان هذا هو جانب الدعوة الذي يشيع بين عامة الناس ويسهل فهمه والشعور به في ~~جميع البيئات، ويسري معه في بيئات المثقفين حب الاطلاع والانطلاق من القيود التي كانت ~~تحرم النظر في بعض الكتب العلمية والفلسفية، وأولها كتب «ابن رشد» التي سميت بالفلسفة ~~الرشدية أو ب «الرشدية» على إطلاقها، وتعرضت للقسط الأوفر من حملات التشهير ~~والتحريم. # بدأت الدعوة الإنسانية - مقابلة لدعوة التقشف والإعراض عن الحياة - بعد ms001 قيام الدولة ~~الإسلامية في الأندلس بقرن واحد، ثم جاءت الكشوف المتوالية فعززت هذه الدعوة؛ لأنها صححت ~~مكان الإنسان من العالم وعرفته بما كان يجهله من أرضه التي يعيش عليها، وقد كان يجهل أنه ~~يعيش على كرة تدور في الفضاء، ويحسب أن حدود الأرض تنتهي عند بحر الظلمات. # وقد امتد عصر الكشوف السماوية والأرضية حتى جاء نيوتن فكشف عن قانون الجاذبية وعن قوانين ~~الحركة في الأفلاك وفي الأجسام المادية حيثما تكون، وكشف العلم عن حقائق جسم الإنسان كما ~~كشف عن حقائق الأجسام الصماء، فعرف حقيقة الدورة الدموية واجترأ على تشريح البنية الحيوانية ~~للعلم بوظائف الأعضاء. # كان معنى عصر النهضة، أو عصر الرشد، اعترافا بحق الإنسان في التفكير وحقه في الحياة، ~~وتمثل هذا الحق في كل شعبة من شعب الفكر وكل غرض من أغراض الحياة: تمثل في الحياة الروحية ~~كما تمثل في الحياة الجسدية، فانتشرت الثورة على التقليد والتسليم، وانتشرت معها المذاهب ~~الدينية التي تبيح للعقل أن يراجع السلطان فيما يمليه عليه من قواعد الإيمان، ولا توجب عليه ~~أن يدين بما يملى عليه بغير سؤال ولا برهان. # وانتشرت الثورة على التقليد في شؤون العلم والحكمة كما انتشرت الثورة على التقليد في شؤون ~~العقيدة وشعائر الدين، وكان الناس قد نسوا أن المعلم الأول - أرسطو - هو القائل: إنني أجل ~~أفلاطون، ولكن الحقيقة أعظم من أفلاطون، فوقفوا بالحقيقة كلها عند مقولات أرسطو التي ~~تناقلوها جيلا بعد جيل، ثم جمدوا على ما فهموه خطأ من أقواله ولم يقصده ولا خطر بباله، ~~فلما ثبت لهم حق الفكر قام منهم من يقول إن الحقيقة أكبر من أرسطو وإن ميدان المعرفة يحيط ~~بأمور لم يحط بها المعلم الأول في زمانه. ~~••• # ومما ساعد على انتشار دعوة الإنسانيين أن كثيرا من اللاهوتيين المتقشفين المخلصين في ~~زهدهم وإعراضهم عن الدنيا، كانوا يقبلون على دراسة الفلسفة والحكمة ويختبرون دراسات ~~العلوم الطبيعية، وربما كان منهم من ينكر دعوة الإنسانيين إلى متاع الحياة واجتناب معيشة ~~النسك والشظف، ولكنهم كانوا في ثورتهم الفكرية على قيود الدراسة ms002 أشد وطأة على «السلطة ~~الدينية» من دعاة الإنسانيين. # على أن هؤلاء النساك المشتغلين بالفلسفة كانوا يؤيدون دعوة الإنسانيين إلى متاع الحياة من ~~طريق آخر؛ لأنهم كانوا يشنون الغارة على أصحاب الرئاسات من رجال الدين المنعمين الذين ~~كانوا يذكرون الزهد بألسنتهم ولا يتكلفون في معيشتهم، فكانوا بمسلكهم هذا في الخفاء ~~والعلانية حجة «فعلية» على قوة الدعوة إلى الحياة ومغالبتها لمن يصطنعون إنكارها والزراية ~~عليها أمام أعين الناس. # وكانت البلاد الأوروبية تموج بالوعاظ من زمرة النساك الدارسين، فلا تخلو أمة في القارة ~~ولا في الجزر البريطانية من واعظ جهير الصوت عنيف الحملة على البذخ والنفاق بين ذوي ~~الرئاسات من رجال الدين، وكان أعنفهم حملة في أوائل القرن الرابع عشر أتباع الواعظ الفيلسوف ~~وايكليف # Wycliffe # المعروفون بالمترنمين # Lollards # لأنهم كانوا يترنمون بالصلوات وأناشيد ~~الضراعة والابتهال، فقد كان هذا الواعظ الفيلسوف يخوض معركة الجدل بين أنصار مذهب ~~الواقعية # Realism # وأنصار مذهب الاسمية # Nominalism # ويسترعي إليه أسماع العامة بزهده وغيرته وأسماع ~~الخاصة ببلاغته ومضاء حجته، وما زالت دعوته تشتد وتشيع حتى أقلقت رؤساء الدولة والدين ~~فحاربوها وكادوا يسكتونها، ولكن بعد أن هيأت العقول في البلاد لقبول ثورة أشد وأبقى منها، ~~وهي الثورة البروتستانتية، وفي أعقابها ثورة المتطهرين التي قبضت على زمام الحكم في عهد ~~الملك شارل الأول وجمعت إليها طبقات الأمة من النبلاء ومن تابعوهم من حواشيهم متابعة الطاعة ~~العمياء. # ومن الواضح أن عصرا كعصر النهضة خليق بأسبابه العامة أن يعم الأمم الأوروبية ولا ينحصر ~~في ناحية منها دون سائر نواحيها؛ لأنه كان ينبعث من حركة العلماء والرهبان الذين هاجروا من ~~بلاد الدولة البيزنطية إلى أقطار أوروبة الشرقية والوسطى بعد سقوط القسطنطينية في أيدي ~~العثمانيين، وسبقهم من الطرف الآخر تلاميذ العرب في غرب القارة بفرنسا وفي جنوبها بالأندلس ~~وصقلية، وراحوا يتنقلون جميعا في بقاع الشرق والغرب والجنوب التي ارتفع فيها السخط من ~~داخلها على فساد السلطة الدينية والدنيوية، فلم تسمع بين أمم القارة صيحة إصلاح واحتجاج إلا ~~قابلتها صيحة مثلها من سائر الأمم تلبيها أو ms003 توافقها في الزمن لأسباب مثل أسبابها وإلى وجهة ~~قريبة من وجهتها. # غير أن الجزر البريطانية قد اجتمعت لها في عزلتها أسباب خاصة - مع هذه الأسباب الأوروبية ~~العامة - جعلتها في ثورة مطبقة تشترك فيها بجملتها فضلا عن الثورة التي كانت تعتلج في نفوس ~~المحكومين منها على حكامها وسادتها. # فهي في عزلتها كانت بعيدة من سيطرة رومة، قريبة من معاهد العلم في أوروبة الغربية، فخف ~~طلاب المعرفة من أذكيائها إلى مدارس إسبانيا وفرنسا وصقلية ونبغ منهم حوالي القرن الثاني ~~عشر نفر لا يساويه في عدده ولا في علمه نظراؤهم من الأمم الأوروبية الأخرى، ويذكر في ~~طليعتهم أديلارد أوڤ بات، ودانيال أوڤ مورلي، وروجر أوڤ هيرفورد، وإسكندر نكوام. ويليهم: ~~رائد المدرسة التجريبية الحديثة روجر باكون (1214-1292) أستاذ سكوتس زعيم الاسميين، وأكهام ~~زعيم الواقعيين الذي كان لوثر يفخر بالانتساب إليه، فيقول: «أستاذي العزيز أكهام.» # ولولا هؤلاء لما تمهدت سبل البحث والنظر لإمام المدرسة التجريبية فرنسيس باكون معاصر ~~شكسبير. # وسبب آخر من أسباب وفرة العوامل التي ضاعفت قوة النهضة في هذه الجزر المعزولة أنها أصبحت ~~في المحيط الأطلسي مركز الملاحة والتجارة بعد كشف القارة الأمريكية، فقد تحولت طرق الملاحة ~~العالمية من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي بعد كشف أمريكا وكشف الطريق البحري ~~حول رأس الرجاء إلى الشرق الأقصى، فنشطت في إنجلترا طوائف عدة من الرواد والملاحين ورجال ~~الأعمال وطلاب المغامرة والمرشحين لولاية الحكم في مستعمرات الغرب والشرق، وتعاظم نفوذ هذه ~~الطوائف في عصر شكسبير - عصر عريضة الحقوق الدستورية - فنالت الأمة الإنجليزية منها ما لم ~~تنله الأمم الأوروبية بجوارها إلا بعد ذلك بعشرات السنين، وكانت عزلتها في البحر من أسباب ~~هذا السبق في انتزاع الحقوق من أيدي المستبدين؛ لأن حكومتها كانت تعتمد على الأسطول لحماية ~~أرضها، وكان يكفيها القليل من الكتائب في الجيش القائم لحماية الأمن في داخلها، وكان ~~لنبلائها جيوش صغيرة في أقاليمهم توازن جيش الملك الكبير في العاصمة والمدن المحصنة، فلما ~~نهضت الطبقة الوسطى - الجديدة - للمطالبة بحقوقها لم يكن في طاقة الملك أن ms004 يقمعها، وأن ~~يستغني عن معونتها المالية في تسليح جيشه والإنفاق عليه، فنجحت الثورة الدستورية قبل أن ~~تنجح في بلاد الحكومات التي تحميها الجيوش القائمة، ويضعف فيها نفوذ الطبقات الوسطى في كل ~~حركة تستقل بها عن طبقة النبلاء، ولا تعتمد فيها على مشايعة الدهماء. ~~••• # ولما دخلت إنجلترا في المذهب البروتستانتي كان دخولها في هذا المذهب بمثابة ثورة من طرفين ~~متقابلين: ثورة الملوك على سيطرة الكنيسة للاستقلال بالحكم في دولتهم وإقامة أنفسهم على رأس ~~الكنيسة في بلادهم، وثورة الشعب الذي كان على استعداد لخلع الرئاسة الدينية المفروضة عليه ~~بعد تتابع الدعوات من قبيل دعوة وايكليف وأتباعه، أو قبيل دعوة المتطهرين التي ضمت في ~~أحضانها شراذم متفرقة من طبقات متفاوتة تدين أحيانا بعقائد رومة ولا تدين في الجملة ~~بمراسمها وتقاليدها «الكهنوتية». # وقد اصطلحت شتى العوامل على وضع الجزر البريطانية في موضع المناظرة والمقاومة لدولة ~~القارة الكبرى التي تمثل فيها النظام القديم في موقفه من الدين والعلم وموقفه من مسائل ~~الاجتماع والسياسة، وقد تمثل ذلك النظام على أتمه وأعمه في الدولة الإسبانية. # فالدولتان - إسبانيا وإنجلترا - تتنافسان في السياسة؛ لأنهما تتنازعان السيادة والغلب على ~~المحيط الأطلسي ومستعمرات الأمريكتين الشمالية والجنوبية. # وكلتاهما تناصب الأخرى العداء؛ لأنها أكبر الدول التي تحمي مذهبها في العقيدة، فكانت ~~إسبانيا حامية الكثلكة وإنجلترا حامية المذهب الذي اشتهر يومئذ بمذهب «الاحتجاج» ~~والإصلاح. # وبين الدولتين منافسة في العنصر «القومي» لا تخلو من آثارها الملموسة في شؤون الفكر ~~والنظرة الروحية، ولا شك أن لهذا التنافس أسبابه التاريخية التي تتصل بالسياسة وأنظمة ~~الشعوب والقبائل، ولكنه - كائنا ما كان في منشئه وتطوره - ظاهر للعيان في تقسيم الأمم بين ~~الكثلكة والمذاهب الأخرى؛ فالأمم اللاتينية إلا القليل منها جانحة إلى كنيسة رومة، والأمم ~~التيوتونية والجرمانية إلا القليل منها جانحة إلى المذاهب التي فارقت كنيسة رومة وخرجت ~~عليها، وقد يظهر ذلك في الجزر البريطانية نفسها، فإن الشعوب التي لا تنتمي إلى الجرمان ~~والتيوتون بقي أكثرها على مذهب رومة ولم يتابع جيرانه في الخروج عليها. # وزبدة هذه العوامل المتشابكة أن ms005 الحوادث كانت تميل بالأمم البريطانية إلى الجانب المعارض ~~للنظام القائم منذ القرون الوسطى، وأن دعوة الإنسانيين بالنسبة إليها كانت إلى الواقع ~~المقرر أقرب منها إلى الرأي والمطاوعة المقصودة، فكل ما حرمته النظم القائمة فهو بحكم ~~المصلحة - أو بحكم رد الفعل - عرضة للمناقضة والشك من الجانب الذي يناظره ويتحداه، وهذا ~~الذي جعل الجزر البريطانية على عهد النهضة في ثورة مطبقة تشترك فيها بجملتها، فضلا عن ~~ثورتها في داخلها على حكامها. # وكل تلك العوامل المتشابكة تتراءى على كثرة، أو على قلة، فيما يصادفنا من أحوال المجتمع ~~وعادات طوائفه وفئاته وأزياء رجاله ونسائه وفيما يتبدل من نظم الحكومة ودساتير المعاملة بين ~~الرعاة والرعايا، وما يجيش في نفوس هؤلاء من سورات القلق والشكاية، وهذه نتائج تلك العوامل ~~الجديدة في عالم الواقع على صورتها العملية، ولكنها تطالعنا صريحة ناطقة في صفحات الكتب ~~ونظرات المفكرين وذوي الرأي فيما يتناولونه من موضوعات الدعوة الإنسانية، أو فيما يتخلل ~~الموضوعات العامة عرضا واتفاقا بمعزل عن تلك الدعوة، وهجيراها في جملتها ترديد الاعتراف ~~بحق الإنسان في التفكير المستقل والحياة الدنيوية، وتصحيح مكانه في هذا العالم تبعا لما ~~تعارفه الناس من تصحيح علاقاته وحدوده، وهذه هي رسالة عصر النهضة التي بلغت مرحلتها الوسطى ~~قبيل ميلاد شكسبير، ولم تزل آخذة في التمام والاتساع أثناء حياته وبعد مماته. ~~••• # فالقس ريتشارد هوكر # Hooker ~~(1554-1600) يقول في فصل عن ~~قوانين الكون: إن الله قانون لنفسه ولسائر الموجودات، ويبدأ كلامه قائلا: «جميع الموجودات ~~لها أعمال ليست بالجامحة ولا بالعرضية، وما من شيء يعمل ما لم تكن له وجهة مرسومة يعمل ~~لأجلها، ولا تدرك هذه الوجهة ما لم يكن العمل المتجه إليها صالحا لبلوغها من ~~طريقه.» # وسير والتر رالي # Raleigh ~~(1552-1618) يكتب عن العوامل ~~الطبيعية وعوامل السحر فصلا يقول فيه: «إنه لصحيح أن ثمة صناعات كثيرة - إن صدقت التسمية - ~~تنطوي تحت عنوان السحر، ويلوح عليها أنها فروع من الشجرة التي ما نمت عليها قط في الحقيقة، ~~وأول هذه الصناعات استحضار الأرواح، وهو على أنواع: أحدها التعزيم على ms006 روح الميت عند قبره ~~ويسمع فيه الجواب من الشيطان لا من الطيف الذي يخيل للناظر أنه قد ظهر أمامه، ومن ~~البين أن الأرواح الباقية لا تسكن التراب ولا تستقر في جثث الموتى، وإنما كانت تهب الحركة ~~والفهم للحي وهو بقيد الحياة فما كان الموت إلا انفصالا بين الجسد والروح.» # ثم يقول عن نوع آخر من العزائم: «إنه ذلك الذي يقال فيه إنه عهد مع الشيطان يجعل لصاحبه ~~قدرة على استدعاء الشياطين لسؤالها عما تريد أن تعلمه، وخطأ هؤلاء الذين يدعون هذه الدعوى ~~ظاهر؛ لأنهم يعتقدون أنهم يرعبون الشياطين بالكلمات المخيفة التي تحصرها في خطوط دائرة لا ~~تقوى على أن تحبس فيها الفأر الضعيف ...» # وتوماس ديج # Digges ~~(1545-1595) الفلكي يكتب في تأييد ~~نظريات كوبرنيكس بعد تصحيح بعض الأخطاء، فيقول: «إنه بين تلك الأخطاء وجدت أوصاف للعالم ~~ومراكز الأفلاك السماوية والعناصر على حسب شروح بطليموس التي تسربت إلى الجامعات كافة على ~~ما يظهر من أثر التسليم بفلسفة أرسطو. ولكننا قد نبغ في عصرنا هذا نابغة ألمعي، فطن ~~للأخطاء المتكررة والأقوال السخيفة التي سيق إليها من لا يريدون أن يصدقوا أية حركة في فلك ~~الأرض، فكشف بالدرس الطويل والبحث المجهد والذكاء النافذ صورة للعالم تدل على أن الأرض لا ~~تثبت في مركز الكون، بل في مركز هذا الفلك الدنيوي الفاني تحت القمر وحول الشمس التي استوت ~~على العرش في وسط ملكها تصدر قوانين الحركة لسائر ما يحتويه.» # وجابرييل هارڨي # Harvey ~~(1545-1630) الشاعر الأديب يكتب ~~إلى صاحب يشكو إليه فساد الدنيا في الزمن الأخير، فيقول له إن ما ينعاه على دنياه قديم كقدم ~~هابيل وقابيل وآدم وحواء وبابل وسدوم، وإن تاريخ الإنسان يرينا أن الأقدمين كانوا أساتذة ~~للتابعين في خلائق الغدر والرجس والجريمة، فلا ينبغي أن نجهل حقيقة الأولين ولا أن نبخسهم ~~حقهم أو حق الخلف الذين يعيشون في هذا الزمان ... إلى أن يقول: «إنك لتحسب أن العصور الأولى ~~كانت في حياة الإنسان عهدها الذهبي، وما هو بذاك، فلعل العهد الذهبي كما قال بودين ms007 # Bodin # مزدهر بيننا الآن.» # وجابرييل هارڨي هذا يكتب عن العلم والعمل أو عن معرفة الورق ومعرفة التجربة، فيقول عن أحد ~~الصناع : «إنه شاب لم يتعلم في جامعة، ولكنه يخجل أساتذتها الذين يتعلمون منه؛ إذ هم ~~يملكون الكتب والصناع يملكون المعرفة.» ثم يمضي فيسرد أسماء: همفري كول # Cole # صانع المكنات الفلكية، وماثيو بيكر # Baker # السفان، وجون شيوت # Shute # البناء، وروبرت نورمان # Norman # الملاح، ووليام ~~بورن # Bourne # صانع الأسلحة، وجون هستر # Hester # الكيمي، فيقول: إنهم سيذكرون يوم ينسى كثير من ~~أساتذة الأوراق. ~~••• # وأينما قلبنا الصفحات في المؤلفات التي ظهرت باللغة الإنجليزية بين أواخر القرن السادس ~~عشر وأوائل القرن السابع عشر، فهناك هذه النظرة الجديدة إلى العالم وإلى الإنسان وإلى ~~المعرفة التي تقوم على تحقيق الضوابط والقوانين وتحرير التجربة العملية. # ولأول مرة في الغرب بعد القرون الوسطى يفهم عشاق المعرفة أنها سرور ورياضة، ويشيحون ~~بوجوههم عن المعرفة التي تقيدهم بالأماني الموروثة أو تلقى إلى الطلاب كأنها ضريبة ~~ثقيلة ترين على رؤوسهم وكواهلهم، ويسري هذا الرأي في المعرفة المحبوبة من ولاة الأمر الذين ~~يصدرون الأوامر والنواهي ولا يرتاحون عادة إلى الإقلال من القيود والتخفيف من الفرائض ~~والمحظورات، ولكنهم يخالفون ديدنهم في هذه القيود؛ لأنهم كانوا في ذلك العهد أصحاب الحصة ~~الكبرى من المعرفة الجديدة: حلية الرئاسة، وأداة المنصب، والوظيفة. # يروي روجر أشام # Ascham ~~(1515-1568) أستاذ الأميرة ~~اليصابات وأمين سرها باللغة اللاتينية بعد ارتقائها إلى العرش أنه كان يحضر مجلس المائدة في ~~القصر وكل حاضريه من نخبة من وزراء القصر ومستشاريه، فذكر أحدهم على سبيل العجب أن بعض ~~الطلاب تركوا الجامعة تذمرا من صرامة العقاب، فكان تعليق أحد الوزراء أن هذه الصرامة تبغض ~~الناشئة في العلم قبل أن يتذوقوا حلاوته فيصبروا على الشدة في تحصيله، وقال غيره: إن ~~الجامعة ينبغي أن تكون مثابة متعة وملعب رياضة، ولم يكن بينهم أحد من شيعة التعليم بالخوف ~~والعقوبة. # وفي هذا العصر نبغ العلماء والأدباء من العلية وكبار الساسة وذوي المناصب في القيادة ~~والرئاسة، ومن هؤلاء كان فرنسيس باكون ms008 إمام المدرسة التجريبية الذي يسبق إلى الظن من تلقيبه ~~بإمام هذه المدرسة أنه أول من دعا إلى التجربة العلمية ووجه العقول إليها، وإنما كان في ~~الواقع أحد الباحثين الذين نشأوا في عصر البحث والقوانين الكونية والعلوم التجريبية، وفضله ~~الخاص بين الدعاة إلى هذه الوجهة العامة أنه طبق فكرة التجربة في ناحية البحث العلمي ووضع ~~له قواعده الصالحة لتحقيق النتيجة الصحيحة، ولم يكن أحد من فضلاء عصره يقرر نتيجة من نتائج ~~العلم على أساس غير أساس التجربة واستقلال الفكر بالفهم والمناقشة، وعلى هذا تتم أقوالهم ~~وأقوال أمثالهم في مسائل النظر وأبواب العلم والدراسة بأنواعها. # وتلك الخليقة حرية بالتقرير في هذه المقدمة عن عصر شكسبير؛ لأنها - مع لزومها لفهم ~~روح العصر - لازمة في فهم شكسبير وباكون وسائر المفكرين من أبناء الحركة الفكرية المخضرمة ~~بين القرن السادس عشر والقرن السابع عشر؛ إذ كان يعيش الشاعر والفيلسوف، فإنها فترة من ~~الوقت لم ينفرد فيها أحد بنوع من المعرفة ولا أسلوب من المعرفة، وغاية ما ينفرد به النابغ ~~في إبان الدعوة العامة على مثال دعوة الإنسانيين أن يضفي عليها طابعه الشخصي فيما تخصص له ~~من فن أو علم، وما هو بالحظ القليل. # | الشعر والمسرح # يسمى عهد الملكة - اليصابات أحيانا - بعصر الغناء أو بالعصر المغني، ويصدق عليه ~~هذا الوصف لأنه العهد الذي وجد فيه روح العصر أغنيته التي تناسبه من منبعه الذي انبثقت منه ~~دعوة الإنسانيين وما يتصل بها من الدعوة إلى إحياء العلوم والفنون. # فليس عهد الملكة اليصابات بالعهد الذي ولدت فيه المنظومة الغنائية كما لا يخفى، ولا هو - ~~على كثرة الأغاني فيه - بالعهد الذي يفوق العهود التي سبقته كثرة في أنواع النشيد؛ لأن تلك ~~العهود لم تخل من أنواع للأناشيد يتغنى بها العامة أو الخاصة ويشيدون فيها بأبطال الأساطير ~~أو كرامات القديسين أو أحاديث العشاق على ضروب شتى من الأوزان والأساليب. # ولكن عهد اليصابات كان في إنجلترا أول عهد راجت فيه «الموشحة» الإيطالية كما نظمها بترارك ~~أكبر الشعراء الإنسانيين، ونترجم هذا الضرب من الأغاني ms009 # Sonnet # بالموشحة، وقد يترجم بالزجل لتشابه الموشحة ~~والزجل في القوافي والأغصان والنوبات والخرجات والأقفال على اصطلاح الوشاحين والزجالين، غير ~~أن الموشحة أقرب دلالة من الزجل؛ لأنها وضعت في الأصل للمنظومة التي تتكرر فيها القوافي ~~اثنتين اثنتين تشبيها لها بالعقد الموشح ذي السمطين، وهذا هو الغالب على أغنية عهد ~~اليصابات كما اقتبسها الشعراء الإنجليز. # وقد اقتبس هذا الوزن من الإيطالية شاعران شابان هما توماس ويات # Wyatt ~~(1503-1542) وهنري هوارد (1517-1547) فنقل أولهما طريقة بترارك بغير ~~تصرف فيها واتبع زميله هذه الطريقة ببعض التصرف في ترجمة شعر فرجيل، ثم شاعت هذه الأغاني ~~الجديدة ونظم فيها سياسي من حاشية اليصابات هو الوزير الأديب سير فيليب سدني كما نظم فيها ~~بعده شكسبير وغيره من معاصريه. # ولما نهض التأليف المسرحي نظما ونثرا في اللغة الإنجليزية بقيت له، بطبيعة الحال، صبغته ~~الواقعية الحسية التي استمدها من البيئة والتاريخ، وبقيت له معها صبغته الدينية الأخلاقية ~~التي استمدها من تقاليد القرون الوسطى وعرف الفروسية، ولكنه احتفظ من ناحيته الفنية بصبغة ~~الدعوة التي ابتعثته من غيابة النسيان فاتخذ قدوته وقالبه من فن رومة القديمة، وتداول ~~المعنيون بالمسرح روايات أديبين من مؤلفي التمثيليات كان لهما حظ الشهرة إلى عصر الميلاد في ~~اللغة اللاتينية السهلة ولغة اللهجة الدارجة التي كانت تستخدم يومئذ في كتابة الملاهي ~~والفكاهات على الخصوص، فانبعث اسم بلوتوس Plautus ~~(254-184ق.م) واسم سينكا (4-65م) كأنهما من مؤلفي الجيل. # وكانت اللاتينية بلهجاتها أعم اللغتين القديمتين بين الإنجليز؛ لأنها لغة الدولة ~~الرومانية التي كانت إنجلترا جزءا منها في بعض تاريخها، ولأنها لغة الكنيسة الغربية التي ~~تبعتها الأمة الإنجليزية إلى أن حدث الانقسام بينها وبين البابا في عهد هنري الثامن أبي ~~الملكة اليصابات، بيد أن اللغة الإغريقية لم تكن مجهولة بين الإنسانيين؛ لأنهم في جملتهم من ~~زمرة المثقفين أو طبقة العلية التي توسعت في دراسة الإغريقية وآدابها بالجامعات، ونظرت إلى ~~ثقافتها كأنها حلية لا غنى عنها من شمائل الرفعة والجاه. # ومن الواضح أن حركة الإنسانيين لا تقوم في مبدئها بمعزل عن أنصار ms010 المعرفة وأنصار الإقبال ~~على الحياة، فهي في بواعثها ووسائلها حركة من حركات العلم واليسار، ويكفي أن نلم بأسماء ~~بعض القائمين علياه لنعلم أنها رسالة المعرفة في عصر الفتح والإقدام والتطلع إلى المستقبل ~~على ثقة ورجاء ، فقد كان الشابان اللذان نقلا الموشحة من أرفع طبقات النبلاء المثقفين، وكان ~~رائدهما الأول - سير فيليب سدني - وزيرا من كبار وزراء المملكة، وعناه من أجل هذا أن يكتب ~~رسالته المشهورة في الدفاع عن صناعة القريض، وكان مما قاله فيها: إن اسم الشاعر باللغة ~~اللاتينية كفيل أن يدل على قداستها في نظر الأقدمين؛ لأنه اسم يشير إلى الإلهام والنظر أو ~~النبوءة، وقريب منه في جلالة شأنه اسم الشاعر باللغة الإغريقية؛ لأنه يفيد معنى الصانع ~~ويشبه معنى الخلق في مجاراة الطبيعة والتفوق عليها، واستطرد من الكلام على الشعر في ~~اللاتينية والإغريقية إلى الكلام على الشعر المقدس في العبرية، فذكر منه المزامير، وقال ~~إنها من الكلام الموزون، فلا يجوز الغض من صناعة تختارها لغات الحضارة والعقيدة للتعبير ~~عن أشرف المقاصد وأرفع الأفكار. # ولولا قوة الإنسانيين في المجتمع الحديث لما تسنى لسلطان الدولة برمتها أن يعزز ~~الدعوة إلى إحياء الفنون والعلوم والإقبال على الحياة في وجه الجامدين المتعصبين للتقاليد ~~بين شعب مشهور بالمحافظة عليها والتريث في تبديلها، أو في وجه المجددين الذين أرادوا ~~التجديد في شعائر الدين؛ سخطا على رذائل البذخ والفساد التي استرسل فيها فريق من أقطاب ~~الدين قبيل عصر النهضة وفي إبان ذلك العصر المتناقض العجيب. # ولقد كاد مجلس المدينة يتمرد على أوامر الملكة لما أذنت للممثلين أن يعرضوا صناعتهم داخل ~~أسوار العاصمة، فإن التمثيل كان عند المحافظين المتشددين محسوبا من صناعات الخلاعة ~~والابتذال، وكان الممثلون يسلكون في عداد الأفاقين والشطار واللصوص، ويطاردهم الشرطة ~~ما لم تكن في أيديهم شهادة بالانتماء إلى أحد النبلاء وذوي الأقدار يقبلهم للتمثيل في قصره ~~بين خاصته وذويه، وظل الحال كذلك إلى ما قبل نهاية القرن السادس عشر بقليل، ولعل المحافظين ~~لم ينكروا تلك الصناعة اعتسافا في أيام المتطهرين وما قبلها؛ لأن ms011 التمثيل إنما كان نوعا ~~من أنواع التهريج والشعوذة والألعاب البهلوانية قبل أن تستقل الرواية المهذبة بفن المسرح ~~بزمن طويل، وكان المشتغلون به يرودون المدن والقرى متنقلين في الفرق الجوالة ولا تؤمن ~~طائلتهم إذا سنحت لهم غرة من سكان الحضر والريف. # على أن المثقفين من دعاة الإحياء والإقبال على الحياة لم يكن في طاقتهم أن ينهضوا بهذا ~~الفن لو كان قصارى الأمر فيه أنه دعوة من دعوات المعرفة والذوق تروجها فئة من السادة ~~والعلماء. وإنما نجحوا في دعوتهم لأنها صادفت رغبة قوية بين سكان مدينة تمتلئ عاما بعد عام ~~بألوف الوافدين من أنحاء المملكة في طلب العمل واللهو الجديد، ويكاد أن ينحصر في فن التمثيل ~~وأن يكون في هذا الفن تلبية لشوق الوطن كله إلى تمثيل مفاخر القوم وتصويرها على المسرح في ~~صور المجد والبطولة، وكان هذا الباب من أبواب الرواية المسرحية فنا تمليه رغبة الجمهرة ~~الغالبة من العامة والسواد؛ إذ لم يكن معهودا في روايات الإغريق والرومان، ولم يكن مما ~~يشتغل به هواة الفن في الجامعات والقصور، وهم الذين اشتهروا يومئذ باسم أذكياء الجامعة # University wits # وعالجوا التمثيل كما عالجوا ~~التأليف. # ويصح أن يقال إن العلية والسواد معا كانوا يدا واحدة في تشجيع هذا الفن الجديد، وإن ~~معارضيه من المتطهرين لم يخذلوه بمعارضتهم بل أضافوا إلى لذات الإقبال عليه لذة الثمرة ~~المحرمة التي لا تباح كل الإباحة ولا تحرم كل التحريم. # | أسرة شكسبير # كاتب الأعاجيب ليس في سيرته خبر عجيب. # يقال هذا ويعاد في مفتتح السير التي تروي لنا عجائب الأخبار في الواقع والخيال، ويصدق ~~على فئة كبيرة من أعلام الشعراء والكتاب يصفون لنا أبطال العظائم والغرائب، ويخلقون لنا ~~من أخيلتهم سيرا تشوقنا بما تعمله أو بما تلقاه من صروف المحن والتجارب، ونعود إلى ~~سيرتهم في وقائعها وأخبارها فنعجب لخلوها من العجائب، ونحار كيف نضعها مع السير التي ~~وصفوها لنا كما خلقها الله أو وضعوها لنا كما خلقوها من صنع القريحة والخيال. # وأصدق ما تقال هذه الكلمة حين تقال عن ms012 وليام شكسبير، صاحب الروايات التي امتلأت ~~بعجائب السير من وصفه ومما صنعه على يديه، ولا عجيبة في سيرته من يوم مولده إلى يوم وفاته، ~~إلا ما كتبه بقلمه وابتعثه على مسرح التمثيل ثم أبقاه على مسرح الحياة كأبقى ما يبقى ~~الخلائق الأحياء. # إلا أننا - على ما يقال في أحاديث الأرواح والأطياف - لا نبحث عن العجائب إلا وجدناها ~~أمامنا، وإن لم نجدها على تقديرنا وحسباننا، ولعلنا لا نبحث عن العجائب إلا لأنها تستدعينا ~~وتتخايل من وراء حجابها لنلقاها وتلقانا. # إن عظمة شكسبير أعجوبة خارقة، ولكننا لا نبحث عنها لأننا نراها حيثما رأينا شكسبير في ~~عمله، ورأينا أنه عمل عظيم قليل النظر بين أعمال النابهين على غراره. # ولكن العجيبة في هذه السيرة التي لا عجب فيها أنه ولد حين ولد، وأنه رحل من مسقط رأسه ~~حين رحل عنه، وما من عجب في مولد أحد كما يولد سائر الناس ولا في هجرته من مسقط رأسه كما ~~هاجر في زمنه مئات وألوف، ولكننا نعجب لهذا وذاك؛ لأنهما توفيق من الحوادث يستوقف النظر ولو ~~حسبناه في عداد المصادفات؛ لأن المصادفات من هذا القبيل جديرة بالتنبيه والتسجيل. # ولد شكسبير سنة 1564، في الوقت الذي نشأ فيه المسرح الثابت بخانات لندن وأصبح من ملاهي ~~العاصمة التي لا يستغني عنها أبناؤها ومن يرتادون خاناتها من وفود الريف، وعمد أصحاب الفرق ~~التمثيلية إلى إقامة المسارح خارج أسوار المدينة بنجوة من تشريعها حين اشتدت وطأة الرقابة ~~عليها من جانب عمدة العاصمة وزملائه في إدارة مجلسها، ثم غلبت رغبة النظارة من الخاصة ~~والعامة في هذا الفن الجديد فاجتاحت أمامها عناد المجلس وبقايا العرف الموروثة وصلابة ~~المتطهرين في مقاومة كل بدعة تدخل فيما يسمونه بالملاهي أو الألعاب، فأذنت الملكة بإقامة ~~المسارح في المدينة وسوغت أمرها بما اشترطته آنفا من اجتناب المساس بالدين والأخلاق ~~وشؤون الحكم فيما يعرض على مسارح التمثيل من قصة أو غناء، وعادت الأوامر الملكية التي ~~تخطت تشريع المدينة في هذا الصدد؛ فأكدت ما فرضته من قبل من شروط الاستقامة و«حسن ms013 السلوك» ~~فيمن يشتغلون بهذه الصناعة، فلا يقبلون في زمرة الممثلين بالمسارح الثابتة إلا بشهادة من ~~نبيل أو وجيه معروف عند ولاة الأمور. # وهاجر شكسبير إلى العاصمة حوالي سنة 1586، بعد ارتفاع الحظر على التمثيل فيها ~~بقليل. # هاجر إلى العاصمة وهو في نحو الثالثة والعشرين من عمره؛ لأنه كان يعول أسرة عجز عن ~~الإنفاق عليها وتدبير معيشتها بوسائله الميسورة له ولأهله في الريف، وكان أهله من الريفيين ~~ذوي اليسار، فأصابت أباه عسرة وهو في الثانية عشرة، وعاش في كفالة أبيه إلى ما بعد زواجه ~~على اضطرار قبيل بلوغه العشرين، فلم يطق أن يضطلع بأعباء أسرته بعد أن تزوج وولد له ~~الأبناء، وأوشك أن يطالب بالمشاركة في معونة أبيه. # ترى هل كان يهجر الريف إلى المدينة لو دامت لأسرته النعمة التي توارثتها من ~~أسلافها؟ # ترى هل كان يخطر له أن يشتغل بالتمثيل لو بقي التمثيل كما كان قبل مولده صناعة من صناعات ~~الأفاقين والجوالين الذين حشرهم العرف والقانون في طغمة اللصوص والطرداء المنبوذين؟ # أغلب الظن أنه كان يطاوع ملكة الشعر، فينظم القصيد كما نظمه أمثاله من الموهوبين، ويبلغ ~~فيه غاية ما بلغه من الإبداع في مقطوعات الأغاني والموشحات أو في أقاصيص الغزل وتراجم ~~الأساطير، وغاية ما بلغه في هذا الفن يسلكه في عداد المئات، أو الألوف، من شعراء الأمم في ~~مختلف اللغات، ولكنه لا يرفعه إلى منزلة الآحاد الذين لا تنطبق على عدهم أصابع اليدين، كما ~~ارتفع - بموازين النقد جميعا - في فن الرواية المسرحية: فن الخلق والإبداع في تصوير النفوس ~~وتصوير العلاقات بينها على السواء. # أما أن يلحق بالفرق الجزالة ويوطن النفس على عيشة كعيشة الطرداء والشذاذ فليس ~~بالمستحيل ولكنه بعيد، وأبعد منه أن يرتقي في صناعة المسرح الجوال إلى مكان يحتفل به تاريخ ~~الآداب. # إن القائلين: «إن السبب يبطل العجب.» يقولون صوابا إذا أرادوا بمقالتهم أن عرفان السبب ~~يريح من حيرة الأعجوبة التي تبده الذهن بما يذهله ويخالف مألوفه. # ولكنهم لا يقولون صوابا إذا وقع في ظنهم أن الأعاجيب بغير أسباب، فإن ms014 أعجب الأعاجيب له ~~سببه كهذه الحوادث التي تشيع بيننا كل يوم وكل ساعة فيما نسمعه أو نراه. # وليس بطلان الحيرة وبطلان العجب بسواء، فإن الحيرة قد تبطل في أمر نعرفه وننفذ إلى سره أو ~~نحسب أننا قادرون على النفاذ إليه، ويظل الأمر بعد ذلك عجبا نادرا كأندر ما تكون ~~الأعاجيب. # فربما كان شكسبير قد أحس في صباه قدرة على النظم وراقه بعض ما اطلع عليه من مناظر ~~التمثيل في المدرسة أو في أحاديث قرائها من أبناء قريته، وفيها من قراء اللاتينية غير ~~قليل. # وربما استمع إلى أحاديث أبناء القرية العائدين من العاصمة يتندرون بفتنة لندن وفتنة هذا ~~الفن الجديد الذي يناهض سلطان مجلسها ويقهره على قبول ما يأباه في عقر داره؛ فلا يملك أن ~~يشوقه فن العاصمة الفاتن من بعيد، وإن فتنته للمستعدين لأقوى سحرا وأعمق أثرا من فتنته ~~لمن يأنسون به ولا يزيدون على النظر إليه. # ولكنه كان ينبغي أن يولد حين ولد، وأن تدركه العسرة حين أدركته وأن يهجر وطنه حين ~~اضطر إلى الهجرة، لينبغ في العمل الوحيد الذي كان نبوغه فيه أعجوبة الأعاجيب. # وهذه العبقرية على عظمتها إحدى عبقريات لا تحصى نعلم منها أن هذه الهبة العالية قد ~~يوافقها زمان دون زمان، وقد تصلح لها حالة دون حالة، ولكنها تعم البيئات جميعا في الريف ~~والحضر، وفي الرخاء أو الشدة، وفي شواغل العلم أو العمل. ~~••• # كان مولد شكسبير في ولاية وارويك بقرية ستراتفورد على أصغر الأنهار التي تعرف باسم ~~«أڨون»، وهي كلمة قلتية تقابل كلمة «نهير» باللغة الإنجليزية. # واسم شكسبير قديم في الولاية يتركب من كلمتين بمعنى: هزاز الرمح، ولعله كان في أصل ~~التسمية لقبا مقصودا بهذا المعنى؛ لأن بحوث العلامة شيمبرز انتهت إلى رجل كان يسمى ~~وليام شكسبير - كاسم الشاعر - قضي عليه بالموت في سنة 1248؛ لأنه كان يسطو على الأطراف ~~يوم كان غزو الولايات والخروج على أمرائها آية من آيات النخوة والمخاطرة، وليس في الأسانيد ~~التاريخية ما يدل على صلة بين وليام شكسبير هذا ووليام شكسبير الشاعر. ms015 # أما أقدم المعروفين باسم شكسبير من المتصلين بنسب الشاعر فهو جده ريتشارد شكسبير المتوفى ~~سنة 1561 قبل مولد حفيده بثلاث سنوات، وكان يزرع الأرض ويستأجرها ويرعى الماشية كما يؤخذ من ~~حكم محفوظ بتغريمه اثني عشر بنسا لتسريحه في مراعي القرية قطيعا يزيد على مائة رأس في ~~الرعية الواحدة. # وقد استقصى الباحثون في سيرة الشاعر تراجم ثلاثة يدعون باسم جون شكسبير بين منتصف القرن ~~ونهايته، وهم غير جون ريتشارد أبيه الذي تكرر ذكره في سجلات القرية، وكان يختار له توقيعا ~~يشبه رسم القفاز لأنه يجهل الكتابة، وقد التبس الأمر على بعض الذين تصدوا لترجمته بعد ~~اشتهار ولده فذكروا مرة أنه كان يحترف الجزارة ومرة أخرى أنه كان يحترف الدباغة، وربما ~~اشتغل بذبح الماشية ودبغ الجلود لاستخدامها في صناعة القفازات التي جعلها في توقيعه شارة ~~صناعته، ومن جراء هذا التوسع في أعماله تعرض للحكم عليه بغرامة «اثني عشر بنسا»؛ لأنه ترك ~~القمامة في الطريق، وهو إهمال لا يسلم منه من يحتاج في عمله إلى رعي الماشية وذبحها ودبغ ~~جلودها، وله في هذه المخالفة شركاء مذكورون في سجلات القرية. # وليس لترجمة جون شكسبير مصادر يوثق بها غير التوقيعات والعقود المحفوظة في تلك السجلات، ~~ومنها يعلم أنه ظل على حالة محمودة من اليسر والكفاية بعد وفاة أبيه، فاشترى في سنة 1556 ~~بيتين من بيوت القرية الحسنة، وتزوج في السنة التي تليها بماري آردن بنت روبرت آردن صاحب ~~الأرض التي كان يستأجرها ريتشارد شكسبير ويعيش من غلتها ومن رعي الماشية وبيعها، وهي فتاة ~~متعلمة تنتمي إلى أسرة عريقة أغنى من أسرة زوجها؛ إذ كان أبوها يملك البيوت والأرض ويخص ~~ماري وحدها بعد وفاته بستين فدانا غير بعض الحصص الموزعة في ميراث الأرض والمال، ولا شك ~~أنه آثرها بأفضل الحصص بين أخواتها الثمان، إما لأنها كانت أصغرهن أو لأنه كان يأنس فيها ~~النجابة والتفوق في الذكاء والمودة على أخواتها. # وولدت ماري لجون شكسبير طفلتهما حنة (1558) التي ماتت في طفولتها، ثم طفلة أخرى ~~سمياها مرجريت (1562) ماتت بعد ms016 خمسة أشهر، ثم ولدت أول أبنائها وليام (23 أبريل سنة 1564)، ~~ورزقا بعده بثلاثة أبناء هم: جلبرت، وريتشارد، وإدموند. وبنتين هما: حنة، وآن. وتوفيت ~~ماري سنة 1608 بعد وفاة زوجها جون بست سنوات. # وكانت حالة جون قد اطردت في التقدم والرخاء بعد زواجه إلى سنة 1575 حين اشترى منزلين ~~آخرين غير منازله التي كانت له قبل الزواج، ثم تقلبت به صروف التجارة والصناعة في أيام ~~التحول الاقتصادي الذي طرأ في البلاد الإنجليزية على تجارة الداخل والخارج ونظام التصدير ~~والاستيراد وتداول المراكز التجارية بين القرى والحواضر ومدن السواحل، فطاحت الأزمة بعتاده ~~وعتاد زوجته وأثقلت كاهله بالمتاعب والهموم حتى شغلته عن وظائفه العامة في القرية، وكان قد ~~تولى منها عدة وظائف هامة كأمانة الخزانة ووكالة الدعاوى ورئاسة المشايخ فاعتزلها أو عزل ~~منها، وعين مجلس القرية بديلا له لانقطاعه عن جلساته. # ويجهل التاريخ تفصيلات هذه المحنة لأنها لم ترد في سجلات القرية المحفوظة، إلا ما كان من ~~خبر هنا وخبر هناك عن القضايا التي رفعت عليه والديون التي طولب بها والعقود التي ~~دونت فيها الرهون أو الإجارات، ولكن الخطأ في محنته إنما كان من أخطاء الضرورة التي ~~أوقعه فيها التوسع في أعماله بين صناعة القفازات وزراعة الأرض وتجارة المبيعات من محصول ~~الزراعة والصناعة ومباشرة الوظائف المتعددة في مجلس القرية، وغير ذلك من متاعب البيت ومطالب ~~البنين والبنات، ولم يثبت في تاريخه المسجل ما يدينه بسيئة من سيئات الخلق أو سيئات الخطل ~~العيب. # ويظهر من أسماء ذرية شكسبير أن الأبناء والبنات من هذه الذرية كانوا يسمون بأسماء ~~أقربائهم وقريباتهم من العمومة والخؤولة، وأنهم كانوا يقيمون في قراهم ولا يطلبون الاغتراب ~~عنها، وأن إخوة شكسبير الذكور لم يعمروا ولم يخلفوه؛ إذ مات جلبرت في السادسة والأربعين ~~ومات إدموند في السابعة والعشرين ومات ريتشارد في التاسعة والثلاثين، ولم يشتغل منهم غير ~~واحد بصناعة التمثيل وهو أصغرهم إدموند الذي ولد سنة 1580 وتوفي سنة 1607. # وقد توفيت البنات صغيرات، فماتت حنة الأولى وأختها مرجريت في سن الرضاع، وماتت آن ms017 أصغرهن ~~في الثامنة من عمرها، ولم تبلغ منهن سن الشيخوخة غير حنة الثانية التي سميت على اسم ~~أختها المتوفاة، فإنها ولدت سنة 1569 وتوفيت سنة 1646. ~~••• # في هذه الأسرة الريفية نشأ وليام شكسبير بن جون بن ريتشارد شكسبير، ويخيل إلينا الآن ~~أنه يحل منها في مكان ناشز غير معد لأمثاله؛ لأنها في جميع سماتها وعاداتها تطرد على ~~شاكلة الأسر الريفية التي تتطلع إلى الستر أو الوجاهة ولا تطمح إلى مكان في العالم فوق ذلك ~~أو وراء ذلك، ثم يصعد من بينها هذا الاسم الذي لا يدانيه في آفاق الشهرة الإنسانية غير آحاد ~~معدودين، فليس في أبناء الأسر المالكة ولا في أبناء العروش الإمبراطورية من اشتهروا مثل ~~شهرته وعني الناس بأقوالهم وأخبارهم عنايتهم بأقواله وأخباره، وإذا استثنينا الرسل ~~والأنبياء من أصحاب الأديان الكبرى فليس في أصحاب الأقلام منذ كتب الإنسان بالقلم عشرة ~~يعدون معه في الصف الأول الذي تقدم إليه بين الصفوف العباقرة العالميين. لا جرم يتخيل ~~المتخيل حين ينتقل من سيرة ذويه إلى سيرته أنه ينتقل من جو إلى جو ومن عالم إلى عالم، وأن ~~هذه الشهرة الضافية نشوز في تلك الرقعة الضيقة من تلك القرية المنزوية في بعض ~~الطريق. # لكن الواقع أن وليام شكسبير - قبل اشتهاره وبعد اشتهاره - هو ابن تلك الأسرة في الصميم، ~~وهو سليلها الذي نعرفه ونعرفها فلا ندري كيف ينشأ في غيرها، وهو بتلك الخلائق وتلك المشارب ~~وتلك السيرة من المولد إلى الممات. # وما من علم من أعلام التاريخ يغنينا العلم به عن العلم بكل صغيرة وكبيرة من شئون أسرته ~~إذا استطعنا النفاذ إلى بواطنها وأسرارها؛ لأننا نفهمه كلما فهمنا كيف نشأ ومن أين أتى ~~وماذا أخذ وماذا ترك من طبائع وسمات تظهر في قومه أو لا تظهر، ولكننا أحوج ما نكون إلى ~~العلم بتاريخ الأسرة في هذا المقام؛ لأن القليل الذي علمناه منه يفسر لنا الكثير مما يحسبه ~~المترجمون ألغازا في حياة الشاعر والفنان، ولو ازددنا علما بتاريخه في قريته وفي بيته لما ~~بقي في سيرته ms018 ما يحسب في عداد الألغاز. # ولد وليام في الثالث والعشرين من شهر أبريل سنة 1564، وعمد في السادس والعشرين من ذلك ~~الشهر في كنيسة القرية، فكتب اسمه في دفاترها كما يكتب بالصيغة اللاتينية، وتولى تعميده ~~فيها القس برتشجيردل # Bretchgirdle # المشهور بحماسته للدعوة ~~البروتستانتية، وكان قس الكنيسة يوم كان جون شكسبير من أمناء مجلسها. # ولا يعرف - على التحقيق - شيء عن تعليم وليام قبل سن التلمذة في مدرسة القرية، فربما ~~تعلم مبادئ الهجاء والمطالعة في البيت قبل الثامنة من عمره: تعلمها من أمه إذا صح أنها كانت ~~على معرفة حسنة بالكتابة كغيرها من بنات أغنياء الريف، أو تعلمها من مدرس يزورهم بين زوار ~~أبيه، وكان يومئذ من وجوه القرية المقصودين. # وحانت سن القبول في مدرسة القرية فدخلها وانتظم في فصولها نحو خمس سنوات، وقد كان لهذه ~~المدرسة نظار من خريجي جامعة أكسفورد يذكرون بأسمائهم في سجلات المجلس والكنيسة، وكان ~~برنامج الدراسة في هذه المدارس التي اشتهرت باسم مدارس الأجرومية الحرة متفقا على دروس ~~مقررة في أنحاء البلاد الإنجليزية، يتلقى التلاميذ بعد مبادئ القراءة والحساب طرفا من ~~اللغة اللاتينية، ويقرؤون فيها حكايات إيسوب ومختارات من شيشرون وفرجيل وهوراس وأوفيد، ~~ويمثلون بعض مناظر بلوتس وسينكا ويستظهرون نبذا من كتابات البلغاء في القرون الوسطى، ولا ~~يدرسون من الإغريقية إلا ما يمكنهم من مراجعة الآيات في الكتب الدينية. # وحلت الضائقة بوالد وليام وهو في نحو الثانية عشرة، فترك المدرسة في هذه السن أو بعدها ~~بقليل، وعكف على مساعدة أبيه في صناعته وتجارته ورعي ماشيته، وهي أعمال يستفيد منها الصبي ~~الناشئ خبرة بالناس وبالطبيعة قلما تتيسر له في كتبه المدرسية. # وفي الثامنة عشرة تزوج ب «آن» كبرى بنات أبيها من أسرة هاثواي الريفية، وكانت تكبره ~~بثماني سنوات؛ لأنها توفيت سنة 1623 وهي في السابعة والستين، فكان مولدها بين سنة 1555 وسنة ~~1556، ويفهم من صيغة وثيقة الزواج أنه تم بعد تردد من الأسقف المنوط به تدوين هذه العقود؛ ~~فإن الوثيقة كتبت في السابع والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1582، وفي ms019 الثامن والعشرين منه ~~كتبت وثيقة أخرى يشهد فيها رجلان من مقدمي الفلاحين أنهما مسئولان عن كل طعن في ~~الوثيقة يعرض الأسقف لتبعة المخالفة لحكم القانون. # ويظهر بعد ذلك من تاريخ ولادة البنت الكبرى «سوسن» وليام شكسبير أن أسقف التعميد داخلته ~~الشبهة لسبب لا يخفى؛ فإن الطفلة عمدت في السادس والعشرين من شهر مايو من السنة التالية ~~- أي بعد ستة أشهر من تاريخ وثيقة الزواج - ووجب الاعتراف بهذه الشبهة التي بادرت الأسرتان ~~إلى الاتفاق على تصحيحها؛ إثباتا للعلاقة الشرعية دون مساس بصحة التسجيلات في تاريخ الزواج ~~أو تاريخ الولادة. ~~••• # وبعد ولادة سوسن بسنتين (في الثاني من شهر فبراير سنة 1585) ولد له توأمان - ذكر وأنثى ~~- سمي الذكر هامنت والأنثى جوديث، وأصبح لزاما عليه أن يبحث عن مورد للرزق غير مورده ~~النزر المضطرب الذي يأتيه من معونة أبيه في متجره ومصنعه، وكانت الضائقة التي حلت بأسرته ~~تستحكم وتتأزم ولا تؤذن بانفراج قريب، ففي السنة التي ولد فيها هذان التوأمان اضطر أبوه ~~إلى التخلف عن أعماله بمجلس القرية ودواوينها؛ فخسر وظائفه في الحكومة كما خسر ثروته في ~~التجارة والصناعة، وأصبح لزاما على وليام أكبر أبنائه ورب الأسرة الوحيد بينهم أن يستقل ~~بعمل يكفيه أو يهجر القرية ليعول نفسه وأهله ما استطاع. # ومرت من أواخر هذه السنة إلى سنة 1591 فترة فراغ في ترجمة وليام لم يسمع فيها خبر عنه ~~في القرية ولا في لندن؛ حيث يغلب على الظن أنه أقام في هجرته الأولى، وكثرت الأقاويل عن هذه ~~الفترة على غير هدى لملء هذا الفراغ. # ولإيضاح الغوامض والشبهات التي أثارتها بحوث النقاد وشكوك المعترضين والمعجبين معا بعد ~~استفاضة ذكره وتشعب الآراء في نسبة أعماله إليه أو إلى غيره. # ويذهب الأكثرون من أصحاب الأقاويل المختلفة في ملء فراغ هذه السنوات مذاهب من الظن أو ~~التخمين لا سند لها من الوقائع ولا من الشهادات المسلمة أو الوثائق المتفق عليها، وإنما ~~يأخذون فيها بالقرينة والاحتمال القريب قياسا على المعهود من أحوال العصر أو أحوال المترجم ~~وأمثاله، وبعضها رجم ms020 بالظن لا يرجع إلى شهادة عيان ولا إلى شهادة سماع مقبول، وقد تكون ~~القرينة في نفيه أقوى من القرينة في ترجيحه. # فمن قائل إنه هجر القرية هربا من القصاص الذي أنذره به أحد النبلاء في الإقليم - سير ~~توماس لوسي - لأنه علم أن وليام يطارد الصيد خلسة في أرضه بجوار ستراتفورد، ومن قائل إنه ~~هرب من القرية على غير علم من أهله ليلحق بفرقة من فرق التمثيل الجوالة في الريف، ومن قائل ~~إنه خرج من الجزيرة البريطانية كلها في رحلة من رحلات البعوث العسكرية التي كانت تتردد ~~ذهابا وجيئة بين إنجلترا وشواطئ أوروبة الغربية، ويعتقد صاحب كتاب «شكسبير الحق» أنه لم ~~يقصد إلى لندن عندما هجر قريته على أثر مولد طفليه، بل قصد توا إلى بليموث وركب البحر ~~منها إلى بلاد المشرق بعد زيارة البلاد الإيطالية؛ لأن أوصافه لهذه البلاد أحجى أن تكون ~~أوصاف خبرة عيان. # 1 # ويعتقد صاحب كتاب «شكسبير بين الصدق والرواية» أنه كان يختلف إلى جامعة أكسفورد قبل زواجه ~~بسنوات، وأنه لم ينقطع عنها إلا بعد عقد الزواج وإلحاح الحاجة عليه بالتماس وجوه العمل ~~لتدبير نفقات البيت، وأنه عمل بمدرسة القرية في هذه الفترة كما جاء في بعض أنبائه، ولا ~~يتشكك صاحب هذه الرواية في احتمالها لخلو دفاتر القيد بالجامعة والمدرسة من اسم شكسبير؛ إذ ~~كانت هذه الدفاتر خلوا من بعض الأعلام الذين حضروا دروس الجامعة باتفاق المؤرخين وأشهر ~~هؤلاء الأعلام «أوليفر كرمويل» زعيم الثورة بعد جيل شكسبير. # 2 # ويتساوى ملء الفراغ بهذه الأقاويل وترك الفراغ لمن يشاء أن يملأه بأمثالها من التخمينات ~~التي لا تقطع فيها الحجة بنقض ولا بتوكيد. # قال الشاعر الناقد جون ماسفيلد في كتابه عن شكسبير بعد الإلمام بطائفة من هذه الأقاويل: ~~«كل هذا ليس بالبينة ولا بالرواية ولكنه تخمين جامح، وقد يقال مثله إنه ارتقى عرشا أو ~~صار من قدماء الرومان أو عمل في صناعة النسيج أو افتتح حانة شراب، ولا فرق في السند بين ما ~~قيل وما يقال على هذا المثال.» ~~••• # هذه ms021 قيمة التخمينات والفروض التي تواترت في أقوال الشراح والنقاد لملء فراغ هذه السنوات ~~في ميزان ناقد ملهم معجب أيما إعجاب بالشاعر الكبير، وليس في كلامه عن تلك الفروض ~~مبالغة في جوهر الحقيقة، إلا أن تكون مبالغة السخرية والتعميم، يستدركها من شاء بالتفرقة ~~بين الفروض التي تركن إلى سند من الواقع وصدق الظن والفروض التي لا تركن إلى شيء غير الوهم ~~وخبط عشواء. # وبعد هذه الفترة من الفراغ في سيرة وليام نسمع به في سنة 1591، ونعلم أن هذه السنة كانت ~~نهاية السنوات العجاف في حياته، وأنه قد انتظم في صناعة التمثيل والتأليف، وعمل في أكبر ~~الفرق التمثيلية وهي فرقة الإيرل أڤ لسيستر التي من أجلها أباحت الملكة اليصابات إقامة ~~المسارح في العاصمة. # وهنا محل لاستقصاء فرض من الفروض التي ذهب إليها مؤرخوه ليملأوا به فراغ السيرة في ~~السنوات الخالية، ولكنه فرض له سند من الواقع والاحتمال جدير بالالتفات إليه من ~~طرفيه. # فمن المحقق أن وليام لم يشتغل بالتمثيل في تلك الفرقة إلا بعد تمهيد طريقه إلى قصر آل ~~لسيستر للظفر بالشهادة التي لا غنى عنها لمن يريد أن يشتغل بالتمثيل ولا يحسب - في رأي ~~الشرطة - من طغمة الشذاذ والأفاقين. # ومن المحقق أن «لسيستر» غادر لندن على رأس بعثة عسكرية إلى الأرض الواطئة لمؤازرة ~~الهولنديين في حربهم للدولة الإسبانية، وكانت مغادرته للعاصمة في سنة 1585 التي انقطعت فيها ~~أخبار وليام من القرية ومن العاصمة ومن كل مكان في الجزيرة البريطانية. # ومن المحقق أن لسيستر قد استدعى للسفر في حاشيته الممثل الهزلي كمبس # Kemps # الذي كان نديمه المختار من رجال فرقته وكان في قصره ~~بمثابة «المضحك» الخاص في قصور الملوك الأقدمين، ولا يبعد أن يكون قد صاحبه في تلك البعثة ~~أيضا خمسة من ممثليه الذين زاملهم شكسبير بعد ذلك في الفرقة التمثيلية؛ لأن هؤلاء ~~الممثلين الخمسة - وبينهم أشهرهم جورج بريان - كانوا يستدعون للتمثيل في القصور الملكية ~~بين سنتي 1586، 1587 ويقيمون الحفلات في بلاط الدانمرك وبلاط سكسونية، كما جاء في أخبار ~~دعوات البلاط بالمملكتين. ms022 # ويلاحظ أن «كمبس» الذي لا شك في سفره مع لسيستر في بعثته إلى هولندة كان مقيدا في هذه ~~البعثة باسم دون جولهلم # Gulihelmo # ولم يقيد باسمه ~~المشهور بين رواد المسرح؛ فلا يبعد أن يكون وليام وزملاؤه - في المستقبل - قد دخلوا هذه ~~البعثة بأسماء غير أسمائهم المتداولة في غير السجلات العسكرية، وأنه مهد طريقه إلى صحبة ~~لسيستر أثناء غيابه عن البلاد الإنجليزية؛ لأن التعرف إلى هذا القائد النبيل صاحب المقام ~~الأول والحظوة الأثيرة في البلاط لا يتم بعد عودته من القارة في وقت قصير. # والمعروف من سيرة وليام بعد سنة (1591) قليل بالقياس إلى أخبار نظرائه وإن لم يكن أقل من ~~أخبار معاصريه، ولكن هذا القليل كاف للعلم بنجاحه وارتفاع شأنه، وانصراف همته إلى تعزيز ~~مكانته في المجتمع ورد المفقود من تراث أهله في قريته، فحصل على حلة من حلل التشريف ~~«الرسمية» تخوله التلقب بلقب السيد أو الجنتلمان، وسجل أداء الرسوم لهذه الحلة في شهر ~~أكتوبر سنة (1596)، وشارك في مسارح العاصمة مع انتمائه إلى فرقة لسيستر إلى آخر أيامه في ~~التمثيل، وحاول جهده أن يستعيد حصص الأرض التي ضاعت من أسرته بالرهن أو البيع، واستعاد منها ~~ما ارتضى مالكوها أن يبيعوه، واقتنى البيوت والأكواخ لسكنه وسكن أقربائه، واشترى في سنة ~~1602 مائة وسبعة وعشرين فدانا في ستراتفورد القديمة، ثم عاد إلى مسقط رأسه ليقيم فيه سنة ~~1611، وبقي ثمة إلى أن أدركته الوفاة سنة 1616 في الثانية والخمسين من عمره، لا يفارق بلدته ~~إلا لينظر في بعض أعماله بالعاصمة، ثم يكر إليها راجعا متزودا له ولأقربائه فيها بما ~~تتطلبه حياة المستورين من أهل الريف. # وفي أوائل سنة 1616 أحس الشاعر بدنو أجله؛ فكتب وصيته في شهر يناير من تلك السنة ~~ونقحها في الخامس والعشرين من شهر مارس قبل وفاته بأقل من شهر، وأوصى فيها بحصص مقدرة ~~من المال والأرض والعقار وبقايا الأثاث والعتاد لزوجته ومن بقي من ذريته بقيد الحياة، ~~وهن: سوسن بنته الكبرى، وجوديث بنته الصغرى، وحفيدته اليصابات. لأن ابنه الوحيد «هامنت» ms023 ~~كان قد مات صغيرا سنة 1596 في الحادية عشرة من عمره؛ وأوصى ببعض الهبات والهدايا لفقراء ~~القرية ولأفراد من مساعديه وصحبه، ولم يذكر شيئا في الوصية عن حصصه في المسرحين اللذين كان ~~شريكا فيهما إلى ما بعد سفره من لندن، كأنه كان قد باع ما يملكه في غير قريته حين شعر ~~باقتراب أجله. # ومات في الثالث والعشرين من شهر أبريل، أي في نفس اليوم الذي ولد فيه، وأعد قبيل وفاته ~~أسطرا من الشعر أوصى بكتابتها على ضريحه في مقبرة الكنيسة، فحواها التذكير بحرمة العظام ~~المطوية في رجامها، ودعاء بالبركة لمن يرعاها وباللعنة لمن يحركها من مكانها. # وقد كتبت الأسطر المنظومة بلغة ساذجة تشبه لغة العامة، واستدل بعض المتأخرين بهذه ~~السذاجة على أن الأسطر المنظومة وأشعار الروايات والدواوين لم يكتبا بقلم واحد، ولكن ~~الأسطر - ولا شك - كانت مكتوبة باللغة الشائعة في القبريات التي تعودها أبناء الريف، ولم ~~يكن من السائغ أن تكتب بالأسلوب الفخم الذي يتخيره الشعراء لمنظوماتهم الأديبة. # ونسي أناس آخرون من الشراح والمعقبين زمان الشاعر ومكانه في موطنه، فوهموا أنه كتب تلك ~~القبرية لأنه توقع أن تحتفي الأمة بذكراه وتنقل رفاته إلى المكان الذي جعلوه بعد ذلك مثوى ~~للعلية من النوابغ والعظماء في كنيسة وستمنستر، ولكن القبرية تفهم على وجهها الصحيح من ~~حيث الأسلوب والمعنى إذا فهمت على أنها «وصية محلية» يقرأها أبناء تلك الجيرة ممن يطيفون ~~بالمقبرة ويباشرون دفن موتاهم بين جدرانها، وقد زار ستراتفورد قبل نهاية القرن السابع عشر ~~(1694) أديب من خريجي أكسفورد يسمى وليام هول، فقال في رسالة كتبها إلى صديق: «إنني ذهبت ~~في اليوم التالي لزيارة رفات شكسبير العظيم المدفون في الكنيسة، فقرأت الأسطر التي أمر في ~~حياته بحفرها على شاهد قبره، وفيها من قلة الدلائل على العلم ما قد يبين عن قلته في غيرها ~~لولا أنها تنطوي على شيء يحتاج إلى تعقيب، فإن في الكنيسة موضعا يطلقون عليه اسم (منزل ~~العظام) ويودعونه بقايا العظام المستخرجة من حفائر المقبرة، وهي من الكثرة بحيث تملأ ~~المركبات ms024 الكثيرة، وقد أراد الشاعر أن تترك عظامه آمنة في مثواها؛ فلعن من ينبش عنها ~~ترابها، ووجه الخطاب إلى عمال الكنيسة وخدمتها، وهم على الأغلب الأعم شرذمة من أجهل ~~الناس ...» ~~••• # وليست هذه الصفحة الأخيرة بالصفحة الوحيدة التي نفهمها حق فهمها حين نفهم وليام شكسبير في ~~قريته وبين آله وعشيرته؛ فإن السيرة كلها صفحات لا نفهم سطورها ولا ما بين سطورها بمعزل عن ~~بيئة القرية وما احتوته من بيئة الأسرة بين جوانبها. # فينبغي أن نحضر في أخلادنا أن وليام شكسبير - في أخلاقه وعاداته - وريث أسرة ريفية حريصة ~~جد الحرص على السمت والسمعة وكرامة الجاه على سنة أهل الريف في عصره، وأنه كان بين إخوته ~~سليل جيل قصير الأعمار يندر بين رجاله خاصة من كان يناهز سن الشيخوخة أو يقارب ~~الستين. # ويغنينا إحضار هذه الصفة في أخلادنا عن أسئلة كثيرة سألها المترجمون والشراح، ونظروا فيها ~~إلى سيرته العالمية دون أن يرجعوا بها إلى سيرته في أسرته وقريته؛ فضلوا عن جوابها في ~~متاهة الظنون، وإن جوابها لعلى منال اليد منهم لو التفتوا إليه. # لماذا هاجر من قريته؟ ولماذا توارى عن الأعين والأسماع ست سنوات أو سبعا بعد هذه الهجرة؟ ~~لماذا كف عن الكتابة بعد الأربعين بقليل؟ لماذا ترك لندن وانزوى في قريته ولما يجاوز ~~الخامسة والأربعين؟ من أين جاءه العلم بمراسم الشريعة وإجراءات الدعاوى ومصطلحات المحاكم ~~والقضاة؟ ومن أين جاءه العلم برياضة الصيد وطبائع الحيوان؟ # أسئلة لا يسألها من عرفه متصلا بمسقط رأسه مشاركا لآله وعشيرته في عاداته وشمائله ~~ومعايير السمعة والشرف في نظره. # فهجرته من قريته في الموعد الذي هاجر فيه بعد أن عال وثقلت نفقته على أهله وثقلت نفقتهم ~~عليه، وولد له في سنة الهجرة توأمان، وأبوه يخسر جاه الوظيفة وجاه التجارة في تلك السنة ~~ولا يحسن بابنه الشاب في نحو العشرين أن يبقى كلا عليه، وباب الهجرة مفتوح على مصراعيه ~~أمام شبان القرى والعواصم مع بعوث السلم والحرب في المشرق والمغرب. # وكما هجر قريته يوم اضطر إلى الهجرة عاد إلى الظهور ms025 يوم استطاع أن يظهر بعمل مرضي موفور ~~الكرامة لا يخجله أن ينتسب إليه إذا استعان بمورده منه على معونة أهله. # ولقد كف عن الكتابة قبل الخامسة والأربعين، فكان قعوده عن عمله الناجح من غرائب سيرته ~~التي لا بد لها من تأويل لا يستغربونه كما يستغرب من المؤلف الناجح هذا القعود في عنفوان ~~قواه، فلماذا لا يكون هذا التأويل أنه لم يكتب ولم يقعد عن الكتابة، وإنما كتبت له ~~الروايات والقصائد ومات كاتبها المزعوم فانقطع في وسط الطريق. # ولكن الخامسة والأربعين، أو نحوها، ليست بمنتصف الطريق عند من يبلغ أمده في الثانية ~~والخمسين، وليس المضي في الكتابة بالعمل الميسر لمن يشرف على مسرحه ويشرف معه على مسرحين ~~كبيرين له فيهما حصة الشريك وحصة الخبير بشئون التمثيل والإخراج، وقد تشغله من قبل أسرته ~~وعشيرته أعمال تتجدد وتتكاثر عاما بعد عام، على قلة المعين وشدة العناية بمن يعولهم هنالك ~~من صغار أو كبار. # ونجاح المؤلف في كتابة الروايات لا يعني أنه يملك باختياره أن يمضي في كتابتها إلى غير ~~انتهاء، فربما كان الانتهاء إلى القمة غاية شوط النجاح، وربما كان المؤلف قد استنفد حاجته ~~وحاجة عصره إلى هذا النمط من الروايات كما ظهر من هبوط منزلة المسرح بعد عهد الملكة ~~اليصابات بقليل. # وقد أقام الشاعر في لندن ما أقام فلا نخال أن مقامه بها زهده في معيشة الاستقرار والسكينة ~~بين أحضان الطبيعة؛ إذ كانت لندن في أوائل القرن السابع عشر تستهل عهد العظمة والصولة ~~ولكنها كانت أبعد شيء عن الطمأنينة والدعة، وكانت تجتذب إليها طلاب المغامرة والمخاطرة ~~وتضطرب بلواعج النزاع على مذاهب الدين ومذاهب الفكر ومآرب السياسة بين بيوت الملك وأشياع ~~المتألبين لها من أصحاب الدولة الدائلة أو أصحاب السلطان القائم، وقد رأى شكسبير فيها مصارع ~~خمسة أو ستة من أصدقائه النبلاء والمتأدبين، طاحت رؤوسهم أو نكبوا في مناصبهم وأموالهم، ولم ~~يسلم صاحبه لسيستر من بينهم بعد الحكم عليه بالموت إلا لما صادفه من الحظ والحظوة في أعين ~~الملكة التي كانت تدنيه وتقصيه ms026 على حكم الدسيسة والفتنة، ولم يسلم صديقه الشاعر مارلو من ~~الاتهام بالكفر ولا من الاغتيال المريب مع اتصاله الخفي بعيون الدولة وجواسيسها، وليس من ~~شأن هذه الحياة القلقة أن تصرف رجلا في مزاج شكسبير عن الحنين إلى قريته ومآلف صباه، بل ~~لعلها عجلت بعزيمة العودة إليها وجعلت هذه الراحة أمنية من أماني النجاح في عمله، وقد يحن ~~مثله إلى اللياذ بأحضان الطبيعة ولو لم تربطه بها مآلف الصبا وأواصر الجيرة ~~والقرابة. # وقد تقدم أن المتشككين حسبوا من غرائب هذا القروي الذي خرج من مدارس الريف قبل أن يكمل ~~تعليمه فيها أنه يعرف من مراسم القضاء ومصطلحات المحاكم ما تحتويه الروايات المنسوبة إليه، ~~ولكن هذه النشأة القروية - نشأة شكسبير خاصة - أحجى أن تمنع العجب وإن كانت لا تمنع ~~الإعجاب، فإنه نشأ في بيت يكثر فيه الكلام عن القضايا والدعاوى ويعمل أبوه في مجالسها ~~ومنتدياتها، وما لم يعرفه من وظيفة المجلس فهو خليق أن يعرفه من عقود الصفقات والمعاملات ~~التي سيق إليها في حالتي رواجه وكساده، وخليق بابنه الأكبر أن يزداد علما بأحاديث القضايا ~~والذرائع القانونية بعد هجرته من القرية إلى عاصمة المملكة في عصر المحاكمات والتهم ~~والوشايات، وهي من ضروب الأحاديث التي تطول جرائرها إلى زمن بعيد، ولا تخلو حواشي النبلاء ~~وحلقات الأدب والفن من اللغط بها والتشدق بعباراتها وادعاء العلم بخفاياها والتشيع لهذا أو ~~ذاك من المدعين أو المدينين فيها. # أما العلم برياضة الصيد فلا يستغرب من القروي المقيم في الريف، ولا سيما الريف الذي ولد ~~فيه الشاعر واشتغل فيه بتربية الحيوان ورعايته على مقربة من مروج الصيد المشهورة في ~~الأقاليم الإنجليزية، ومن عادة المشاهدين للصيد أن يشهدوه في الخلاء وعند أرباض المدن ولا ~~يشهدوه حيث يقيم النبلاء في عمائرهم وقصورهم، ومنها ما لم يكن محجوبا عن شكسبير أيام ~~انتمائه إلى رعاة المسرح من أولئك النبلاء. # ولنسأل ما شئنا أن نسأل عن غرائب هذه العبقرية العالمية فإننا لا نهتدي إلى جواب سؤال ~~منها إذا ابتعدنا بها عن قريته وأسرته، ولعلنا ms027 حين نقترب بها من القرية والأسرة لا نحتاج ~~إلى سؤال. # | الرجل # ليس لشكسبير صورة مرسومة في أيام حياته، وكل ما يرى اليوم من الصور والتماثيل التي ~~تختلف فيها الملامح والأوضاع فهو نسخ منقولة من تمثاله النصفي على ضريحه أو من صورة صنعت ~~له بعد موته بسنوات، وهي صورة دروشوت # Droeshout # التي ظهرت ~~في الطبعة الأولى من مجموعة رواياته وقصائده. # وصانع هذه الصورة مارتن دروشوت (1601-1650) مهندس فلمنكي نزل بلندن مع أبويه ولم تكن ~~سنه تزيد على خمس عشرة سنة حين مات شكسبير في سنة 1616، ومضت ست سنوات بعد موته حين صنع ~~الصورة في أواخر سنة 1622 قبيل ظهور الطبعة الأولى من المجموعة. # والمفهوم أنه استعان في استحضار ملامح الصورة برسم تخطيطي تممه بما وعته ذاكرته وراجعه ~~فيه زملاء الشاعر وعارفوه، وجاءت الصورة على ما يظهر مطابقة لقسمات الوجه وتركيب الجسم غاية ~~المستطاع؛ لأن بن جونسون الشاعر - أعرف الناس بشكسبير - كان يرتضيها ويلمح فيها صفات صاحبه ~~وزميله، وقد كتب تحتها أسطرا منظومة قال فيها يخاطب القارئ: «إن هذا الرسم الماثل أمامك ~~يحكي فيه الرسام صورة شكسبير الرضي الوديع، وإنه ليجتهد اجتهاده أن يباري الطبيعة في ~~صنيعها، ولكنه لو استطاع أن يرسم ذكاءه كما رسم طلعته لفاقت الصورة الكتاب، فأما وهو غير ~~مستطيع فهاك صورة ذكائه فانظر إليها في حروف هذه الصفحات ...» # وقد حاول الرسام جهده أن يودع صورته لمحات من صفات النفس كما تنم عليها ملامح الوجوه، ~~فوضحت فيها صفات اللطف والوداعة التي قدمها بن جونسون على سائر صفاته، وبدا فيها مع سماحة ~~الطباع شيء من الجنوح إلى العزوف والاحتجاز في غير جهامة، وشيء من الاعتزاز في غير صلف أو ~~مناجزة، كأنها تنبيه خافت يهمس ولا يجهر، ولكنه لا يهمل ولا يأذن للناظر إليه أن ~~ينساه. # ولا بد أن يكون شكسبير رضي الخلق حقا ليذكره بن جونسون بهذه الخصلة قبل سواها من عامة ~~خصاله، فإن بن جونسون لم يكن بالرجل الذي يرضيه ما يرضي غيره من شمائل الطيبة والوداعة، وقد ~~غضب ms028 مرة من أحد الممثلين فدعاه إلى المبارزة فقتله وأوشك أن يؤخذ به على أعواد المشنقة لولا ~~سابقة له في الحرب ودالة له على بعض العظماء، وكان يلوم من يحسب إصابته بالمرض خبرا دون ~~أخبار الزلازل وكوارث الطبيعة، وبينه وبين شكسبير منافسة قوية تثيره عليه ولا ترضيه عنه لو ~~لم تكن سجية السماحة والمودة فيه أقوى من دوافع المنافسة والعداء، بل لا بد أن تكون المودة ~~فيه قوة لا تقهر ولا يسهل نكرانها أو إغفالها في معترك الخصومة والمزاحمة بين أهل الفن ~~وأصحاب المسارح ونظراء الأدب والوجاهة في العاصمة والريف، وقد ارتفع في شهرته إلى الذروة ~~التي تغري بالحسد والغيرة في مجاله وفي غير مجاله، ولكنه لم يدع لأحد من منافسيه ذريعة ~~للتجني عليه، ولم يستدرجه أحد قط إلى مقابلة الخصومة بالخصومة ومجاوبة الذم بالذم والوقيعة ~~بالوقيعة، وخرج من حرب الشهرة الزبون بعدو واحد متهم في عداوته وصداقته، هاجمه عند زملائه ~~وبالغ في إغرائهم بتصديق مثالبه وإقناعهم برأي في الرجل مثل رأيه، فلم يكن لحملته صدى غير ~~الإعراض. # ويشاء القدر الساخر أن تبقى هذه الحملة العنيفة بعد ثلاثة قرون ليرجع إليها طلاب الشهادة ~~لفضل الشاعر وكفايته وصدق دعواه، فهي اليوم حجة من الحجج المقنعة التي تقوم عليها سمعة ~~شكسبير وتنتفي بها عنه شبهات الادعاء والانتحال، وتجد من ثمة مكانها في سيرته بين كفتي ~~الثناء والانتقاص، لترجح بها كفة الثناء. # في الفصل الثالث من رواية هنري السادس التي ألفها شكسبير كلمة يتحدث فيها عن قلب نمر في ~~إهاب امرأة، وهذه هي الكلمة التي استعارها روبرت جرين - منافس شكسبير في التأليف المسرحي - ~~ليقول إن قلب النمر إنما هو ذلك القلب الذي يكمن في إهاب ممثل يظن أنه الوحيد الذي «يهز ~~الستار»، ويومئ بذلك إلى اسم شكسبير الذي يتألف - كما تقدم - من كلمتين بمعنى «هزاز الرمح» ~~... ثم يحذر «جرين» زملاءه الشعراء من هذا الدعي الذي داخله الغرور؛ فخيل إليه أنه ينظم ~~الشعر المرسل كأقدرهم وأبرعهم في صناعة القصيد. # ولم تكن هذه الحملة أولى الحملات ms029 التي شنها جرين على الممثلين الذين يرفضون رواياته أو ~~يقبلونها ولا يحفلون بآرائه في تمثيلها وإخراجها وتقدير حقوقها، فإنه أطال الحملة عليهم في ~~جملتهم وأفرد أناسا منهم بأسمائهم، وختم هذه الحملات المتواترة عليهم بحملته الأخيرة قبيل ~~وفاته (1592) على شكسبير. # ويستوي شكسبير وزملاؤه الممثلون في حملات جرين وشكاياته، ولكنه يزيد عليهم بأنه ممثل ~~ومؤلف وناجح في التمثيل والتأليف وملحوظ المكانة بين الممثلين والمؤلفين ، ولا لوم عليه ولا ~~على زملائه فيما أصابهم من جرين أو فيما أصابه منهم؛ لأنه قد أصيب في الواقع من سوء فعله ~~وخلقه وخابت آماله بعد أن تعلم في جامعة كمبردج وتخرج من جامعة أكسفورد فلم يدرك شأو النخبة ~~المفلحين، ممن اشتهروا باسم أذكياء الجامعة ولم يدرك شأو الأدباء الذين انقطعوا للتأليف، ~~وابتلي بداء الإدمان وعشرة المدمنين فأتلف ما عنده من قليل المال وتزوج على طمع في مال ~~امرأته؛ فأنفق ما عندها وطردها ليعيش مع امرأة مريبة تنصب الحبائل للمخدوعين من طلاب اللعب ~~والشراب، وقد جار المسكين على بدنه وعقله بالإدمان والإفراط، وقضى نحبه في الرابعة ~~والثلاثين على أثر أكلة فاسدة أكثر فيها من أصناف الأنبذة والخمور، وكتب حملته الأخيرة وهو ~~بهذه الحال من السقم والخبل والقنوط. # وأصدق ما في هذه الحملة الجائرة ما أثبته الكاتب على غير قصد منه في رسالته إلى زملائه ~~الشعراء، فإنه لم يقصد أن يثبت أن شكسبير هو مؤلف هنري السادس وغيرها من الروايات التي ~~تشترك معها في موضوعها، ولم يقصد أن يثبت أن شكسبير كان له عمل في المسرح غير التمثيل ~~والإخراج، وهو كتابة الشعر المرسل ليجاري به أكبر شعراء زمانه غير قانع فيه بمنزلة التابع ~~المسبوق حتى في سنة 1592 التي تعد من سنوات الابتداء في حياته الأدبية، ولو أن شكسبير ~~كان يدعي روايات المؤلفين المستترين لما خفي ذلك على رجل مثل جرين يخالط المسرحيين، ويخالط ~~أذكياء الجامعة، ويخالط المؤلفين وثراثرة المجالس الأدبية، ولا يفوته في أدوار من يوم ~~كتابتها ونسخها وإخراجها وتلاوة مناظرها في دور التجربة وعثرات شكسبير في النطق ms030 بألفاظها أن ~~يكشف سرها الذي لا يخفى في جميع هذه الأدوار، ولا شك أن تأليف هذه الروايات قد كان بعيدا ~~من كل مظنة وكل واردة من واردات الخواطر حتى غاب أمره عن الحاسد الشانئ الذي يتصيد المزاعم ~~لاتهام غريمه بالادعاء والانتحال. # فلم يقصد جرين أن يقيم هذه الحجة لتثبيت سمعة شكسبير وإدحاض التهمة عنه أو التشكيك فيها ~~وإبعادها من ظنون التابعين كما كانت بعيدة من ظنون المعاصرين، ولكنها حجة تسبق إلى الخاطر ~~على غير قصد من جرين وممن يقرأون حملة جرين؛ إذ ليس من اليسير على العقل أن يصدق أن ممثلا ~~غير أهل للتأليف يفاجئ القوم بالروايات من أرفع طراز في عصره، ويدعي أنه ألفها وهو لا ~~يحسن فهمها ولا يحسن إخراجها، ثم تفوتهم هذه المفاجأة ويستعصي عليهم أن يلحظوها وينقبوا ~~عن أسرارها، وهي ليست مما يطول خفاؤه في رواية بعد رواية بين أدوار الكتابة والمراجعة ~~والتوزيع والإخراج والإلقاء، وإن خفي ذلك على النظارة فلن يخفى على الممثل الخبير بصناعته ~~وراء الستار، ولن يخفى على النبيل صاحب المسرح إذا كان المؤلف المستتر نبيلا من أقرانه ~~يتخطاه إلى فرقته المسرحية ليعرض على يديها عملا لم يأذن به ولم يطلع عليه. # لم يقصد جرين هذا ولم يقصد كذلك أن يقول إنه كان يخاطب أناسا يعتقدون في شكسبير غير ~~اعتقاده ويحذرهم من صاحب يركنون إليه ولا يحذرونه، ولكنهم سمعوا هذا التحذير من الممثل الذي ~~يخفي بين جوانحه قلب نمر فلم يصدقوه، وظل أحدهم - وأكبرهم - بن جونسون يركن إلى ذلك القلب ~~ويصفه بعد نيف وعشرين سنة بالسلامة وبراءة الخلق من النفاق والمداجاة. # ويوشك أن نتعلم من سيرة شكسبير أن عفو الثناء أدل على الأقدار وأولى بالإصغاء إليه من ~~الثناء المقصود؛ لأن عفو الثناء حكم عام يسري بين الناس كلما خلا من التشيع والغرض، وقلما ~~سلم الثناء المقصود من نزعة مذهب أو مسحة هوى يغلب على قائله، وإن كان من الصادقين ~~المصدقين. # وأخلى ما يكون الثناء من الغرض الخاص حين نستخلصه من مضامين النوادر والأحاديث ms031 ولا نعلم ~~من قاله كأنه نبت وحده من بداهة عامة لا تتوقف على وجهة شخصية أو على فكرة مذهبية، وفي هذه ~~السيرة أشتات من النوادر والأحاديث التي جرت هذا المجرى، وجاز أن تحسبها من الإشاعات ~~المرسلة والأساطير الموضوعة التي تدل برموزها ولا تدل بوقائعها وأسانيدها. # زعموا أن شكسبير وصل إلى لندن بغير زاد وبغير معين؛ فقاده حبه للتمثيل إلى باب المسرح، ~~ولبث يتردد عليه بغير عمل يستطيعه في داخله، أو في خارجه، غير حراسة الخيل لمن يرتادونه من ~~النبلاء والنبيلات، ولم يلبث غير قليل حتى لفت إليه أنظار الرواد؛ فجعلوا يسألون عنه ~~ويتفقدونه ولا يسلمون خيلهم إلى غيره إلا إذا كرروا السؤال عنه فلم يجدوه، وتكاثر الطلب على ~~حراسته؛ فاستعان بصبيان له يجيبون النداء عليه، ويقول حاضرهم لمن يسأل عن «ولد شكسبير»: أنا ~~صبي شكسبير! # وليم شكسبير. # وكتب الدكتور صمويل جونسون علامة زمانه هذه القصة نقلا عن مصدرها الأول الذي ظهر في سنة ~~1753 ولم يرجع بها إلى مصدر قبل ذلك، ولكن النقاد من بعده تتبعوا القصة إلى مصادرها ~~المحتملة؛ ففهموا أن راويها سمعها من صديق، عن الأسقف نيوتن، عن الشاعر بوب، عن المؤرخ راو ~~مترجم شكسبير، عن بترتون، عن سير وليام دافنتات معاصر شكسبير، ولم يجدوا القصة في ترجمة راو ~~كأنه استضعف سندها فلم يثبتها فيما نقله عن الرواة الثقات. # وهذه الأحدوثة قد تكون خبرا واقعا وقد تكون إحدى الأحدوثات الموضوعة التي تضاف إلى ~~تراجم المشهورين، ولكنها تروى لتقول لنا إن شكسبير كان على استعداد بفطرته لكسب الثقة ~~والحمد ممن يعرفونه ويعاملونه، وإن له كياسة يصحبها النجاح والتفوق فيما تصدى له من عمل وإن ~~صغر وهان. # وهذا ما نعنيه بعفو الثناء: ثناء لا يأتي بشيء من عنده ولا يخلق الواقع الذي يثني عليه، ~~ولكنه يكرره في صورة من صور الخيال تعلق به كما تعلق الحواشي والأهداب بالصورة التي تبعث من ~~شهادة الحس ومن تحصيل الحاصل، فهي توحي إلى الأذهان أن تعيد أوصافها بلون من ألوان ~~الخيال. # فالنجاح والتفوق في ms032 حياة الممثل شكسبير آية من آيات هذا الاستعداد العجيب؛ لأنه نجاح لم ~~يحرم صاحبه حظا من الثقة والحمد بين زملائه المتخلفين عنه، ومنهم من ذهب إلى نهاية الشوط ~~يوم كان هذا الطارئ على الفن يخطو على خشبات المسرح خطو المبتدئين المتطفلين، ولعله لم يبلغ ~~في دور من الأدوار غاية شوطه، ولكنه لم يجهل مداه من هذه الصناعة، ولم يخطئ فيما هو قادر ~~عليه وما هو عاجز عنه من أشواطها، فأعطاه التمثيل قصارى ما يعطيه من علمه وعمله ~~وجدواه. # ونجح شكسبير وتفوق في منافسة أخطر من منافسة الزملاء على خشبة المسرح، وهي منافسته لأكبر ~~الزملاء في تأليف المسرحيات، ونجاحه على الرغم من ذلك في كسب الثقة والحمد منهم، وأكثرهم قد ~~سبقوه إلى التأليف كما سبقوه في مؤهلات الشهرة والدعوى، فمضى في التأليف قدما وتخلف وراءه ~~أعلام مبرزون من طبقة مارلو وفلتشر وبوشي وناش ودرايتون ولايلي وبيل وكيد وبن جونسون وروبرت ~~جرين، وفيما عدا هذا الأخير لم ينقم عليه نجاحه وتفوقه أحد من هؤلاء الأعلام، ولم نسمع ~~من شكسبير كلمة تشف عن نقمة من هذه المنافسة أو ضيق بتكاليفها. # وليس شكسبير المؤلف بصاحب الفضل في هذه الصلة النادرة بينه وبين زملائه، فإن الإبداع في ~~التأليف لم يكن يوما من الأيام ضمانا للحمد والثقة بين المتنافسين، وإنما الفضل لخليقة في ~~الرجل تكسر حدة الغيرة وتفل سلاح العدوان وتوصد باب اللجاجة في الخصومة على من يفتحه ~~بغيا عليه. # تلك - فيما نحسب - خليقة الجد والدأب مع ثقة بالنفس وشعور بالمناعة يدعوه إلى المسالمة ~~ولا يستجيش فيه ثورة النضال ما دام في أمان من قدرته على عمله. # وخليقة الجد والدأب تشغله ولا ريب عن صغائر الكيد ولغو الفضول في غير طائل؛ لأن قرابة ~~أربعين رواية وديوانا في نحو عشر سنوات عمل شاغل يضاعفه عمل التمثيل والإدارة وتدبير أمر ~~الأسرة التي يعولها في أزمتها، ولكنه عمل شاغل له لا يشغل منافسيه عن الافتيات عليه وتضييع ~~وقته، لولا عصمة من مناعته وثقة منه بنفسه وثقة منهم بفضله، وعزوف ms033 ينحيه عن طريق الثرثرة ~~واللغط، وييئسهم أن ينالوا منه بعدوان لا يضيره ولا يسلمون من مذمته. # وربما كان للرجل شأن غير هذا الشأن لو أن رسالته في الحياة كانت رسالة دعوة إلى عقيدة ~~جديدة أو نقض لفكرة مخالفة، أو لو أنه كان مطبوعا على مزاج الدعاة المصلحين الذين يحسون ~~الأخطاء والعيوب في أعمال الناس وأفكارهم فلا يملكون الصبر عليها ولا يهدأون أو يزيلوها ~~ويتجردوا ليلهم ونهارهم لتبديلها. # فإن صاحب الدعوة إلى تبديل الأفكار مدفوع إلى الغضب والإغضاب يثور على مخالفيه ويثيرهم ~~عليه، ويصدم شعورهم وتفكيرهم ويتلقى صدماتهم لشعوره وتفكيره، وليس في مقدوره أن يتجنب ~~النضال أو يسكن إلى حياة المسالمة أو الموادعة؛ لأن السكينة وتحريك الأفكار للدفاع والهجوم ~~نقيضان لا يتفقان. # ومن كان مطبوعا على مزاج الدعاة المصلحين فهو منذور لحياة القلق والنضال لاعتقاده أن ~~الإصلاح ضربة لازب وأن الشرور تنتهي على أيدي المصلحين وتنقضي بانقضاء الزمن الذي هي فيه، ~~وربما تجرد للإصلاح وهو لا يؤمن كل الإيمان بزوال الشرور على يديه أو على أيدي المصلحين من ~~بعده، ولكنه يتجرد لجهاده لأنه لا يطيق التوفيق بين حالته وحالة زمنه، ولا يخشى من الجهاد ~~قلقا أشد عليه من قلق الصبر على ما يخالفه ويستثير سخطه على قومه. # أما شكسبير فلم تكن رسالته دعوة يثيرها بل كانت رسالة عمل يؤديه، فإذا صور الدنيا على ~~صورتها فقد وفى عمله كل حقه ورفع المرآة الصادقة أمام دنياه لتصلح من أمرها ما تريد، وإذا ~~بدا لدنياه أنها راضية عن عيوبها لم يعجلها عن هذا الرضا وتركها على مهل إلى اليوم الذي ~~تتبدل فيه على مهل؛ لأنها لن تدوم على حال. # ولو أنه سيق اضطرارا إلى رسالة من رسالات الدعوة لما وجد في نفسه طبيعة الدعاة؛ لأنه ~~خلق بطبيعة الحكيم المتأمل ولم يخلق بطبيعة القلق المناضل المدفوع إلى تبديل ما يخالفه ~~من أمور زمنه، وفي وسعه أن يحيط من زمنه بخيره وشره ووفاقه وشقاقه، وليس عسيرا عليه أن ~~يصنع الهوادة مع الحياة على علاتها كيف كانت، ms034 وكيف كان. # تتراءى لنا هذه الطبيعة فيه من موقفه بين مذاهب الخلاف في زمنه، وهو من أكثر العصور مذاهب ~~خلاف. # كان فيه خلاف بين الإنسانيين المجددين وبين المحافظين الجامدين، وكان فيه خلاف بين ~~البابويين والمحتجين على البابوية، وكان فيه خلاف بين البابويين في داخلهم من المسلمين ~~بالواقع ومن المعارضين القائلين بالرجعة إلى سنة السلف الأولين، وكان فيه خلاف بين ~~المتطهرين أنصار الحجر والشظف وبين المترخصين أنصار الهوادة والسماحة، وكان فيه خلاف بين ~~المدرسة التجريبية ومدرسة الفلسفة الإغريقية اللاتينية، وكان خلاف العصر في السياسة بين ~~شيعة الأسرة الذاهبة وشيعة الأسرة المقبلة أشد من خلاف المختلفين على مذاهب الدين والعلم ~~والفن والأخلاق. # وأين كان شكسبير من كل هذا؟ كان في حومتها وكانت كلها في ميزانه بأقدارها وأثقالها، ولم ~~يكن هو ذاهب القرار مختل الوزن بين كفتيها. # هل كان بابويا؟ هل كان بروتستانتيا؟ هل كان منشقا على الكنيسة متبعا لنحلة من نحل ~~المنشقين عليها؟ هل كان من المتطهرين؟ هل كان من الإنسانيين؟ هل كان على عقيدة أو كان ~~منكرا لا يؤمن بدين؟ ... # دافيز ريتشارد القس الكاثوليكي المتوفى سنة 1506 يقول عنه إنه مات على مذهب الكنيسة ~~البابوية، ويدون ذلك في أوراقه التي وجدت بعد موته ولم يعدها للنشر أو الدعاية. ~~وفريب # Fripp # المتوفى سنة 1931 يقول إنه كان من الغلاة ~~في مذهب البروتستانتية، وهو مؤرخ من مترجمي الشاعر المتأخرين ولكنه تولى أمانة التراث ~~الشكسبيري في قريته وتخصص في إلقاء المحاضرات عنه في أندية العواصم الإنجليزية، وشمل ~~بدراسته تراجم أصدقائه وصحبه وتاريخ ستراتفورد في جملته، وهو الذي قال عن الشاعر إنه كان ~~أديبا موفور الثقافة واسع الاطلاع. # وغير هذين يقولون غير هذا وذاك، ولكنهم يأخذون جميعا بالقرينة والاستنتاج من سيرته ~~وأقواله في رواياته، ولا يذكرون لنا خبرا قاطعا عن مذهب معلوم كان ينتمي إليه. # ومن أمثلة هذه القرائن أن القس الذي قام بعمادته كان من غلاة المتشيعين لمذهب ~~البروتستانتية، وأن الشاعر كانت له صدقات لبيوت من معاهد الإحسان لا تتبع الكنيسة البابوية، ~~ولكن القرائن ms035 من هذا القبيل لا تقطع بانتمائه إلى البروتستانتية إلا إذا قطعت بانتماء أبناء ~~ستراتفورد جميعا إليها، إذا كان قس كنيستها يقوم بتعميد جميع أبنائها، وكانت صدقات الشاعر ~~تعم المحتاجين إليها من أبناء القرية ولا تخص فريقا منها. # وفيما عدا هذا القرائن يرى بعض المعقبين أنه كان بابويا لأنه كان يغمز أتباع ~~البروتستانتية في رواياته الفكاهية ويعرضهم على صورة من صور السخرية والاستخفاف، كما يلوح ~~من صورة سيرناثنائيل في رواية «عناء الحب الضائع»، وصورة سير أوليڨر مارتكست في رواية «كما ~~تهوى» وفي صورة سير هوج إيفانز في رواية «الليلة الثانية عشرة» إذ يقول: «لست سياسيا، ~~وإني لأوثر أن أكون براونيا على أن أكون في زمرة السياسة!» # والبراونيون هم أتباع روبرت براون الذي كان ينكر قوامة الأساقفة، ويخول كل طائفة متعبدة ~~أن تنشئ معبدها حيث شاءت وتختار له الوعاظ والقساوسة مستقلين عن أحبار الكنيسة ورؤساء ~~الدولة. # إلا أن الشاعر كان يلقي على ألسنة أبطاله ما يناسبهم من القول على حسب الموقف أو على حسب ~~مدار الحوار، وقد جعل الملك جون يقول لبندلف رسول البابا إنه لا يسمح للإيطاليين برئاسة ~~الدين تحت سلطانه المستمد من السماء، ولما قال له فيليب ملك فرنسا: إنك تجدف أيها الأخ! ~~أجابه معرضا بالرشوة والفساد في الوصايا البابوية! # وليس لشكسبير رأي في مذهب المتطهرين ولا في مذهب الإنسانيين على غير هذا المثال الذي ~~يتبعه في إملاء الآراء على ألسنة المتكلمين حسب مواقفهم وأدوارهم في الروايات، وإنما المرجع ~~إلى قرائن الرأي إن كانت فيها قرينة من لهجة الخطاب يحس منها القارئ أنه مفرغ في قالب ~~الموافقة والارتياح أو مفروض على المؤلف بمقتضى المقام على حكم الحوار. # إلا أن قرائن الآراء في كلامه على مذهب المتطهرين ومذهب الإنسانيين لا تحتاج إلى عناء ~~كبير في الموازنة والاستنتاج؛ لأنها غير مقصورة على المواقف في بعض الروايات، بل هي قرائن ~~مجتمعة نستمدها من عمله كله ومن حياته كلها، ومما قاله على لسان غيره ومما لا حاجة به إلى ~~قول. # فهو لا يذكر المتطهرين ms036 بأسمائهم ولا يذكر مذهبهم باسمه، ولكنه ينعتهم بصفاتهم ويومئ إلى ~~مبادئهم وتقاليدهم، ويكاد يستدعيهم إلى المسرح ليطردهم منه على عجل مشيعين بنظرات الضجر ~~والاستخفاف، ولا حاجة إلى هذه الأقوال المعترضة لاستخلاص رأي الشاعر في هذا المذهب وفي غلاة ~~أتباعه من أبناء عصره، فإن الرجل الذي يدين بمذهب المتطهرين أو ينظر إليه نظرة العطف ~~والإغضاء لا يقضي حياته في المسرح بين قراءة وتمثيل وتأليف وإدارة وإشراف، ولا يستطيع ~~التوفيق يوما واحدا بين رسالة حياته ورسالة القوم الذين يتحرجون من رؤية المسرح بين أسوار ~~المدينة ويلحقونه بالحانة والماخور وبؤرة الفساد. # ولم يذكر الشاعر مذهب الإنسانيين باسمه، ولكنه ذكر الإنسانية وآدابها في مواطن متفرقة ~~تنصرف إلى معناها في مذهب الإنسانيين، وقال في رواية «هنري الرابع»: «لو كان لي ألف ولد ~~لعلمتهم أول مبادئ الإنسانية.» وتحدث في رواية «هملت» عن الذين يحاكون الإنسانية محاكاة ~~بغيضة، وقال في مواقف السخط برواية «عبد الله»: «إنني آوي إلى مسلاخ القرد بديلا من هذه ~~الإنسانية ...» وجأر بصيحة كهذه الصيحة في رواية تيمون. # على أن الشاعر في غنى عن كلام يقوله بلسانه أو لسان غيره لنعلم منه أنه «إنساني» في ~~عقيدته وتفكيره، فإنه يؤمن بكل ما احتواه المذهب من عقيدة أو فكرة إذا آمن بإحياء الفنون ~~والإقبال على الحياة وعرف حدود الطبيعة الإنسانية، وهو من ثم أكبر من مؤمن بالمذهب وأكبر من ~~مستجيب فيه إلى دعوة السابقين إليه: هو ركن من أركان النهضة الإنسانية يقيمها بعمله وسيرته ~~وإن لم يشرحها بحجته وبيانه، وهو ظاهرة من ظواهر هذه النهضة قد أظهره في عصره ما أظهرها في ~~عصرها، وتقاس به كما يقاس بها في تفصيل مقدماتها وأطوارها. # ونرى أن النهضة الإنسانية تقاس به قبل أن يقاس بها؛ لأنه يحتويها ولا تحتويه كله في ~~عقيدته وتفكيره، ولأنه يمضي معها إلى حدودها الصالحة ولا يجاوزها إلى ما وراءها، وهو القائل ~~بلسان هملت: «إن في السماء والأرض أمورا أعظم مما تحمل به فلسفتك يا هوراشيو ...» وهو الذي ~~بلغ بالإنسانية إلى قرارها حيث يتمنى الإنسان ms037 أن يستبدل بها مسلاخ القرد، وحيث يصبح الإنسان ~~إنسانا زائفا بالمشابهة والمحاكاة. # وهكذا يصدق طبعه في موقفه من فلسفة الإنسانيين كما صدق طبعه في مواقفه من مذاهب المتطهرين ~~والبابويين والمنشقين والبروتستانت أو المحتجين على اختلاف الدعاة وأسباب الاجتماع، فهي ~~كلها في ميزانه بأقدارها وأثقالها، وليس هو بالحائر المضطرب بين كفتيها، وهو يلمح ما يؤخذ ~~عليها ويردد هذه المآخذ بألسنة خصومها، ولا يلزم من ترديدها أن يقرها على علاتها ، ولكنه ~~يلقيها بلسان غيره عن علم بها ثم لا يفوته أن يميز بين لبابها وقشورها. # ولم نعلم من كلام شكسبير أنه كان مطلعا على كتب دينه وأنه يكاد يستظهر أسفار العهدين ~~القديم والجديد بحروفها، ولكننا نعلم هذا من أسلوبه ومن تركيب عباراته لأنه يشبه تركيب ~~الجمل في نصوص الترجمتين: ترجمة القرن السادس عشر التي ظهرت قبل مولده بخمس سنوات، وترجمة ~~القرن السابع عشر التي ظهرت قبل وفاته بعشر سنوات، واطلاعه على هذه النصوص اطلاع من يفهم ~~ويحفظ ويضع الشاهد الموافق في مكان الحاجة إليه. ~~••• # ونحن إذا قلنا بعد هذه التقديرات إننا نعلم القليل عن عقيدة شكسبير على سبيل اليقين، فقد ~~قلنا الكثير عن طبيعة الرجل وتكون مزاجه، وهما سبب السؤال عن عقيدته يوم كان الناس يقذفون ~~بعقائدهم في وجه من يسأل عنها ومن لا يسأل، وناهيك بزمن كان يتوسط النهضة بمنازعاتها في ~~الدين والعلم والسياسة، ويفتتح الثورة التي ثلت العروش وطاحت برؤوس الملوك في وطنه وإلى ~~جوار وطنه وفي العالم الجديد بين أبناء جلدته ومن عاش معهم من ورثة النهضة والإصلاح. # في ذلك الزمن كان صاحب المعتقد يأخذ بتلابيب الناس ليعلنهم برأيه ويقسرهم عليه، وها هنا ~~رجل يعرف من دعوات زمنه وعيوب أهله ما يجهله الكثيرون ويكتب ما لم يكتبه أحد قبله ولا بعده ~~عن طبائع الناس وحقائق الحياة، ونسأل عن عقيدته فنبحث عنها في طوايا كتبه ولا نعلم منها غير ~~القليل من طريق الظن والتقدير. # لو كان لا يعلم ولا يعمل لأمكن أن يقال إنه جاهل لا يدري ما حوله، ولما ms038 احتاج أحد في ~~أمره إلى سؤال. # ولكنه يعلم ويعمل، فإن جهلنا اليقين من عقيدته فليس اليقين من تكوين مزاجه بمجهول: إنه ~~مزاج رجل يعرف رسالته فيعكف عليها، ويفرغ للجد والدأب في أدائها على وجهها. # إنه رجل يغلب فيه مزاج الحكيم المتأمل على مزاج الثائر الغيور، وشفيعه إلى وجدانه وضميره ~~أنه ينظر إلى جانب هنا وجانب هناك، وأنه لا يرى بينهما موقع الفصل بين الخير والشر ولا قضية ~~الحياة والموت في مشكلات الماضي والحاضر، ومن ورائها مشكلات الغد المجهول. # وندع المفاضلة بين المزاجين لموضعها من كتب الأخلاق وعلم السلوك، ونكتفي هنا بأن نقول إن ~~الفضل لأحدهما على الآخر لا يطرد على إطلاقه في كل قضية وكل آونة، فرب قضية تكون فيها ~~الحكمة جبنا لا يغتفر، ورب قضية في آونة أخرى تكون فيها الحكمة فريضة لا هوادة فيها، ~~ومناط الفصل بين المزاجين في هذه السيرة أن نسأل من يطالبون الشاعر بمزاج غير مزاجه ويوجبون ~~عليه حمل السلاح غيورا ثائرا: في أي جانب يريدون منه أن يحمل سلاحه؟ # لقد كان موقفه بين الجوانب موقف المؤمن الذي لا تؤويه حظيرة من حظائرها، وكان يؤمن بعظمة ~~الله وعظمة هذا الكون الذي تغيب أسراره في سمائه وأرضه عن فلسفة الحكيم ومعرفة العليم، وكان ~~يأخذ على كل نحلة من نحل العصر مواضع الهدة فيها، ولا يبرئ إحداها من سوء المغبة ولا ينوط ~~حسن المغبة بسواها، ففي أي جانب منها يحمل سلاحه وإلى أي جانب منها يسدد ذلك السلاح؟ # إنه صنع في حياته ما كان عليه أن يصنعه لو أنه عاد إلى الحياة بعد ثلاثمائة سنة، وهذه ~~المئات الثلاث من دورات الفلك هي مسافة السبق بين وعي العبقرية الخالد ووعي السالف العابر ~~الذي يغمره غبار المعركة فترميه ضجة هنا وتتلقاه صيحة هناك، وتنقضي حملته ولما ينكشف ~~للمعركة غبار. ~~••• # ويبدو أن قوام هذا المزاج الناجح الرضي كان صفة لا يظن لأول وهلة أنها تساعد صاحبها ~~على كسب النجاح والرضا، وهي صفة العزوف. # وغير بعيد أن تكون صفة العزوف قد ms039 ساعدته في حياة الفكر كما ساعدته في أسباب المعيشة ~~ومعاملة الناس؛ لأنها يسرت له أن يقف موقف الحيدة بين أبطاله وشخوص رواياته، فاستطاع أن ~~يعطي كل شخص من أولئك الشخوص وجهة النظر التي تناسبه في الرواية وأن يلقي على لسانه كلامه ~~الذي يطابق تلك الوجهة دون أن يتخلله بكلام المؤلف على حسب تفكيره وشعوره. # والعزوف - كما أسفلنا - صفة لا يظن لأول وهلة أنها تساعد صاحبها على النجاح وكسب رضا ~~الناس، لولا أن العزوف في نفس متعددة الجوانب غير العزوف في النفوس الضيقة التي يستوعبها ~~جانبها المحدودة فلا تتسع لغيره، إن العزوف في نفس قادرة على الاشتغال بمختلف الشواغل ~~يلهمها أن تدع الناس وما يعنيهم وتتفرغ لما يعنيها من أعمالها، ومن عزف عن الناس فمن اليسير ~~عليه أن يقول «لا يعنيني» وأن يجعل هذه القولة شعاره في علاقاته بغيره وسياسته لنفسه، وليس ~~أيسر من كسب رضا الناس بهذا العزوف، ولا أقرب إلى النجاح ممن يعكف على شأنه ويصدف عن الفضول ~~في مطالبه وأحواله. # ومهما يكن من أثر هذه الصفة في نجاحه بين زملائه فلا ريب أنها أكسبته ذلك السمت الرصين ~~الذي كان يضمن له الكرامة في كل بيئة يتصل بها ويعيش بين ظهرانيها على قدر ورفق، فلا تمله ~~ولا تنظر إليه نظرتها إلى المقتحم المتطفل عليها. # وكرامة الطبع هي التي خولته كرامة اللقب؛ لأنهم رأوه في بيئة الألقاب أهلا لحلة التشريف ~~التي توجب لصاحبها أن يلقب بلقب السيد أو الجنتلمان، فكان سيدا بأدبه قبل أن يكون سيدا ~~بلقبه، وتيسر له أن يدرك اللقب الذي لا يدركه كل من سعى إليه، وقد كان المتأدبون من نبلاء ~~عصره يقربونه ويستقبلونه في مجالسهم بين خاصتهم وعشرائهم، وارتفعت منزلته في بلاط الملكة ~~اليصابات فشملته برعاية أكبر من رعاية الفنان المستحسن على المسرح، واقترحت عليه تأليف ~~الأدوار التي تحب أن تراها ممثلة على مسرح القصر، ومنها دور فلستاف في موقف غرام. # ولم يعرف في تاريخ ملوك الإنجليز أن أحدا منهم كتب بيده خطاب إعجاب إلى ممثل ms040 مؤلف غير ~~شكسبير، فقد كتب له جيمس الأول خطابا خاصا لم يعهد إلى أمناء حاشيته أن ينوبوا عنه في ~~تسطيره، بل سطره بيده، وظل الخطاب محفوظا إلى سنة 1870 ثم ضاع ولم يظهر له أثر بعد ذلك، ~~ولكن الأستاذ هسكث بيرسون # Hesketh # يروي عن اللورد ~~بمبروك Pembroke # أن جده رآه واطلع عليه، وأن عمة من ~~عماته عاشت إلى سنة 1920 رأت الخطاب في صباها. # وجدير بالملاحظة أن شكسبير لم يحفظ هذا الخطاب ، وإنما حفظه سير دافنانت # D’Avenant ~~(الذي قيل إنه ابن غير شرعي لشكسبير)، ووردت أول ~~إشارة إليه في تقديم قصائد الشاعر في طبعة لنتوت # Lintot # التي ظهرت سنة 1709 نقلا عن الدوق أڤ بكنجهام. # ويلاحظ كذلك أن الشاعر لم يذكر في رسائله ولا في أقواله المحفوظة شيئا عن حظوته في ~~البلاط الملكي ولا عن عطف الملكة اليصابات والملك جيمس عليه، ولكننا نعلم ذلك من أبيات ~~للشاعر بن جونسون يتحدث فيها عن بجعة نهر أڨون الحلوة التي ترفرف على نهر التاميز وتروق ~~رفرفتها أعين اليصابات وجيمس، وموضع الملاحظة في سكوت شكسبير عن هذه الأحاديث أنه لا يعنى ~~بالحظوة الملكية ولا بالمكانة المرعية بين علية القوم لأنه يفخر بها فيدل بها على أقرانه، ~~وإنما يطلبها ليصون كرامته ثم لا يبالي متى صينت له هذه الكرامة أن يغض بها من كرامة ~~الآخرين، وليس بالمستغرب من هذا العزوف السليم أن يكسب صاحبه الرضا؛ لأنه يفل سلاح الحسد ~~ويكسر شوكة الغيرة. # تلك صورة جلية من تلك الشخصية تخرجها لنا البداهة من الواقع الثابت الذي لا عمل فيه ~~للسماع والرواية، ونعتقد أن مترجم شكسبير في حل من قبول السماع والرواية فيما يطابق تلك ~~الصورة البديهية؛ لأن لسان الحال يطابق فيها لسان المقال، وقد يعرض الشك للرواية المسموعة ~~في جيل بعد جيل الشاعر على ألسنة مجهولة السند متناقضة الخبر، ويضيق مورد الشك في صفة ~~تمليها البداهة ويؤيدها السماع. # كان أقدم مترجميه أوبري # Aubrey ~~(1626-1697) قد ولد بعد ~~وفاته بعشر سنين، وكان رحالة طلعة يتنقل بين البلدان ms041 والأندية ويتلقف النوادر والغرائب من ~~أفواه الثقات وغير الثقات ويسرع إلى تدوينها جزافا في دفتره بإسنادها إلى رواتها ممن ~~صادفهم في حله وترحاله، وكان إذا أولع بترجمة يحبها يتحرى مواطن السؤال عنها ولا يخطئه ~~التوفيق في اختيار مراجعها، وكان على ولع شديد بسيرة شكسبير؛ فبحث عمن عرفوه أو عرفوا أحدا ~~من أقرانه وعشرائه، وأجدرهم بالتعويل عليه ابن بيستون # Beeston # الممثل المشهور الذي كان زميلا لشكسبير في فرقته وجليسا له في ~~أوقات فراغه، وجملة ما رواه عن صفاته وعاداته من هذه المراجع أنه «كان وسيما مليح المنظر، ~~حسن المجالسة جدا سريع الخاطر جدا، وديعا ودودا ظريف الفكاهة، وكان من عادته أن يزور ~~قريته مرة كل عام في أيام مقامه بلندن، ومن أصحابه المعدودين توماس شدويل # Shadweel # الممثل الفكاهي النابغ، وهو يذكره، فيقول: إنه خصب ~~الذهن، فياض القريحة، يفوق زملاءه من كتاب المسرحيات ولم يكن من عادته أن يمحو سطرا مما ~~يكتبه. ويعقب بن جونسون على ذلك فيقول: وددت لو أنه محا ألف سطر! وستعيش ملهياته ما بقي ~~قارئ يفهم الإنجليزية.» # ولم يرد في كلام أوبري شيء عن عاداته وملاهيه في غير مجالس المسامرة، ولكن سير والتر ~~رالي # Raleigh # مترجم شكسبير في القرن التاسع عشر يعتمد على ~~مسرحيات شكسبير وعلى الذكريات المنقولة، فيقول عنه إنه كان يشترك في رحلات الصيد ويتقن من ~~هذه الرياضة ملاحقة الطرائد واستخدام البزاة. # ويتوسط بين أوبري ورالي في الزمن مترجم معجب بالشاعر كان يتولى رعاية الكنيسة بقرية ~~ستراتفورد من سنة 1662 إلى سنة 1681، ويتتبع أخبار الشاعر من كبراء السن فيها، وذلك هو القس ~~جون وارد # Ward # جد السيدة سيدون أعظم الممثلات في أدوار ~~شكسبير، وهو يسرد من تلك الأخبار أشتاتا متفرقة لا يسندها إلى مرجع معروف ويختمها بقوله: ~~«إن شكسبير ودرايتون وبن جونسون اجتمعوا في مجلس طرب وأكثروا من الشرب على ما يظهر؛ لأن ~~شكسبير مات بالحمى التي أصابته بعد ذلك.» # وليس الغريب في هذا الخبر أن شكسبير يشرب مع زملائه، فإنه لم يكن بدعا في عادات ms042 العصر ~~بين قومه ولا بين زملائه، ولم يكن من طائفة المتطهرين التي تدين بالحمية في الطعام والشراب، ~~ولكن الغريب أن يفرط في معاقرة الخمر حتى يقضى عليه من جرائها؛ إذ لا يعقل أن يفرط ~~الرجل في الشراب ويفرغ للعمل الذي أتمه في الكتابة والتمثيل وإدارة المسرح وتدبير شؤون ~~الأسرة في مقامه بلندن ومقامه بقريته، وأن يحدث منه ذلك بعد أن جاوز الخمسين. # ونحسب أن القس جون وارد عجب من أن يقضي الشاعر نحبه في الثانية والخمسين بغير علة معلومة ~~ولا حادث طارئ، فعلل موته بإصابة عارضة من حمى الشراب، وما كان للقس أن يعجب لموت بطله قبل ~~علو السن لو قابل بين عمره وأعمار إخوته وأبنائه، فإنه نبت في قوم قصار الأعمار وأحس وطأة ~~الموت وهو في الثلاثين كما جاء في موشحته الثالثة والسبعين، وختم حياة العمل والاغتراب عن ~~موطنه في نحو الخامسة والأربعين، فإذا كان للشراب أثر في التعجيل بأجله فلا حاجة إلى ~~الإفراط فيه لتقصير هذا العمل القصير. ~~••• # وبعد، فنحن نقنع من الأخبار والقرائن بهذه الصورة الصغيرة «للإنسان» شكسبير؛ لأننا لم ~~نعثر بصورة له تغنينا عنها، وهي على الجملة صورة صغيرة مجردة من الألوان الواضحة، ولكنها ~~على صغرها ونصول ألوانها صادقة الشبه واضحة الخطوط، وقد نحصر خطوطها الواضحة في كلمتين حين ~~نقول إن «الإنسان شكسبير» هو القروي العالمي الذي نفهمه كلما فهمنا العالم الذي عاش فيه ~~والقرية التي نبت منها ولم ينقطع عنها حتى عاد إليها. # فلا تتم في أخلادنا صورة «الإنسان شكسبير» إلا إذا عرفنا أنه عاش في عالم الكشوف الذي ~~تراجعت حوله حدود المجهول في الأرض والسماء وفي أغوار الطبيعة الإنسانية، وإن أهم هذه ~~الكشوف لهو هذا الكشف عن طبيعة الإنسان فيما يغنينا من ملكات الرجل الذي تقوم رسالته على ~~تصوير مئات من الرجال والنساء يمثلون الطبائع على خيرها وشرها، ويتقاربون أو يتباعدون على ~~ضروب من العلاقات قلما تغيب عنها علاقة بين إنسان وإنسان. # ولا تتم صورة العبقري العالمي بغير تلك الخطوط التي ترتسم بها سمات ms043 القرية بناحيتها ~~الطبيعية وناحيتها الاجتماعية في تلك العبقرية الخالدة، فإن القرية هي التي ترسم لنا من ~~صورة شكسبير الإنسان ملامح السمت والحرص على السمعة وتوجيه خلائق الجد والدأب إلى غايتها في ~~القرية بين غايات الفن والشهرة، وقد تفسر لنا هذه الخطوط القروية خفايا السنوات المجهولة ~~فنرضى عن تفسيرها؛ حيث يتركنا كل تفسير عداه متطلعين إلى سؤال لا جواب عليه. # فلا لغز في اختباء شكسبير بضع سنوات يشتغل فيها بالتمثيل منزويا عن عشيرته الأولى قبل أن ~~ترتفع عنه معابة الاشتغال بهذه الصناعة، وقبل أن يحمد من أسرته مغبة الانتساب إليها. # وما من غرابة في هذا المسلك تلجئنا إلى طلب التفسير؛ لأنه المسلك الذي لا مسلك سواه بين ~~يديه، ولا فكاك منه للفنان المطبوع الذي ولد قرويا ومات قرويا ولم تصرفه المدنية ولا ~~العالم عن أحضان الطبيعة في قريته بين مآلف صباه ومعاهد آله وعشيرته. # فلم يكد يفرغ من حق المدنية والعالم عليه حتى عاد إلى القرية التي أعطته حياته الأولى ~~ليعطيها بقية حياته. # | الفنان # يقول روبرت جرين في هجائه لشكسبير إنه دعي يخيل إليه أنه هزاز الستار غير مدافع في ~~أنحاء البلاد، وأنه من أجل ذلك يحسب أنه قادر على قرض الشعر المرسل كأبدع ما يبدعه فحول ~~الشعراء في زمانه. # ولا ننظر هنا إلى نية روبرت جرين في مقاله، وإنما نستدل منه على اعتداد شكسبير بصناعة ~~التمثيل كاعتداده، بصناعة التأليف ونظم القصيد، وربما لزم التنبيه إلى ذلك في العصور ~~المتأخرة؛ لأن شكسبير قد كاد أن ينفرد بعظمة التأليف المسرحي بين نظرائه الذين سبقوه في ~~الزمن أو لحقوا به إلى هذا العصر الحديث، حتى صغرت في أعين الناس كل شهرة غير شهرة التأليف ~~تضاف إليه. # ومن الراجح أن شكسبير الممثل لا يفوق نخبة الممثلين كما فاق المؤلف شكسبير ~~نخبة المؤلفين، إلا أننا لا نرى من أجل ذلك أن عنايته بالتمثيل كانت أقل من عنايته ~~بالتأليف، فإن العناية بالشيء والقدرة عليه لا تتلازمان، وقد تكون القدرة العظيمة كافية ~~لإتقان العمل بقليل من العناية، ms044 وقد تعظم العناية كلما صغرت القدرة ولم تأت وحدها بالكفاية ~~من الإتقان، فإذا احتاج الشاعر إلى الجهد في إحدى صناعتيه فلا جرم يكون التمثيل أحوج ~~الصناعتين منه إلى الجهد والاكتراث، ويكون الاعتداد به - كما قال جرين - أظهر من اعتداده ~~بمجاراة الشعراء في النظم والتأليف. # وقد وجد في عصر شكسبير ممثلون تخصصوا للتمثيل ولم يشتغلوا بالكتابة للمسرح، ووجد فيه ~~كتاب مثلوا الأدوار في الأدب القديم أيام دراستهم بالجامعات، ثم تخصصوا للتأليف ولم ~~يأنسوا في أنفسهم القدرة على تمثيل الأدوار في رواياتهم ولا في غيرها من روايات زملائهم، ~~ومنهم من تصدى للتمثيل ثم عدل عنه وأسند إلى الممثلين المنقطعين للمسرح تمثيل الأدوار التي ~~يريد لها النجاح، وقد كان بن جونسون يشتغل بالتمثيل ويسند إلى شكسبير بعض الأدوار المختارة ~~كما صنع في رواية «كل على هواه» # Everyman in his ~~humour ~~. # ولهذا يحاول جرين أن يوغر صدور الشعراء على الممثل الذي يسلمون له قدرته في التفرق ~~بصناعته عليهم، فيقول لهم إن نجاحه على المسرح يغريه بالتطاول عليهم في صناعتهم، ويوقع في ~~روعه أنه يضارعهم، إن لم يكن يفوقهم في نظم الشعر المرسل، وهو الشعر المأثور يومئذ لتأليف ~~المسرحيات. # ويروي «أوبري» - الذي ذكرناه في الفصل السابق - أن شكسبير «كان حسن التمثيل جدا.» ويقول ~~«راو # Rowe ~~» إنه كان يمثل دور الطيف في رواية هملت، وهو ~~من أسهل الأدوار في العصور الحديثة بعد ابتداع وسائل الإضاءة الطيفية، ولكنه من أصعب ~~الأدوار في العصر الذي تعودوا فيه التمثيل بالنهار على مقربة من النظارة وعلى غير استعداد ~~في أدوات العرض والإخراج التي تشبه مناظر الأجسام الآدمية بمناظر الأطياف. # ويروي أولديز # Oldys ~~(1696-1761) في تعليقاته التي ~~اقتبست في طبعة شكسبير سنة 1778 أنه كان يمثل دور آدم في رواية «كما تهوى» ويدخل إلى ~~المسرح بلحية طويلة متهالكا من الضعف يوشك أن يسقط من فرط الإعياء في طريقه إلى المائدة، ~~وقد نقلت هذه القصة عن رجل يقال إنه أخ صغير لشكسبير كان يزوره بلندن ويحضر تمثيله ولا ~~يدري ما اسم الدور ms045 أو اسم الرواية التي تحدث عنها، ولكنها عرفت من وصفه للدور الذي رآه في ~~إحدى زياراته، وكاد أن ينساه في شيخوخته الباكرة. # وقد ظهرت في حياة شكسبير مسرحية باسم «العودة من البرناس أو جبل الآلهة» يومئ فيها المؤلف ~~إلى الزميل الذي كان يبز أساطين القلم في تصوير الأدوار وتمثيلها؛ لأنهم يرسلون أدوارهم ~~مشبعة برائحة المكتبة ويرسلها «الزميل الممثل» كما خلقها الله في غير كلفة. # ولا يبدو أن شكسبير قد تخصص في فن من فنون التمثيل ذلك التخصص الذي يغلب على صاحبه فيقصره ~~على طائفة من الأدوار لا يصلح لغيرها، فلم يشتهر كما اشتهر بعض زملائه بالأدوار الهزلية أو ~~أدوار الفواجع ولم يضارع ملوك الفكاهة أو ملوك الفاجعة من أولئك الزملاء الذين شاركوه ~~وشاركهم في فرقة واحدة، ولكنه كان - على ما يظهر - ينتقي أدوار الشخصيات حيث كانت في روايات ~~الفكاهة أو روايات الفاجعة، فلم يحسب في طائفة خاصة من طوائف الممثلين، ولم تكن تلك ~~الطوائف مجهولة بأقسامها وفروعها، كما يفهم من تقديم الممثلين إلى «هملت» على حسب أدوارهم ~~التي يتقنونها خالصة في بابها، أو مشتركة بين سائر الأبواب. ~~••• # وإذا كان المؤلف الأوحد لم يتبوأ مثل هذه المكانة على خشبة المسرح فلا يزال كثيرا على ~~المبتدئ أن يتقن ما أتقنه من صناعة التمثيل في ثلاث سنوات أو أربع على فرض اشتغاله بالتمثيل ~~والتأليف معا منذ هجرته إلى لندن إلى السنة التي أغلقت بها المسارح (1593) لاتقاء عدوى ~~الطاعون. وهو أمر مشكوك فيه؛ لأن قبول المبتدئ في المسرح يقتضي قبل ذلك على الأقل أن يلوذ ~~بأحد النبلاء ليحصل على تزكيته وأن يبتدئ عمله فترة من الوقت بمناداة الممثلين في أدوارهم ~~على حسب عاداتهم في تدريب الناشئين بمسارح تلك الأيام. # وقد لاح لبعض المترجمين أنها مفارقة تستدعي بحثا وتوضيحا، واعتقدوا أن خبرة شكسبير ~~بالمسرح بدأت قبل هجرته إلى لندن بمشاهدة التمثيل في قريته عن كثب، وتتبع فريب # Fripp # أمين متحفه تواريخ زيارات الفرق التمثيلية لقرية ~~ستراتفورد منذ طفولة الشاعر؛ فتبين له من التنقيب في دفاتر ms046 القرية ودفاتر المسارح أن ~~ستراتفورد كانت من القرى المقصودة لتمثيل الروايات القديمة والحديثة في القرن السادس عشر، ~~وأن أهلها كانوا على خلاف أبناء الريف في القرى الأخرى يرحبون بالفرق التمثيلية ولا ~~يتحرجون من شهود الروايات المتنوعة على سنة المتطهرين ومن اتبع سنتهم من المعارضين لمذهب ~~الإنسانيين، ويؤخذ من بيان فريب أن الفرق الكبرى زارت ستراتفورد أكثر من عشرين زيارة بين ~~سنة 1569 التي بلغ فيها شكسبير سنته الخامسة أو السادسة إلى أن فارق القرية حوالي سنة 1587، ~~ومن هذه الفرق الكبرى فرقة ليسستر التي عمل شكسبير في مسرحها وكتب لها كثيرا من ~~رواياته. # ففي سنة 1569 زارت القرية فرقة الملكة وفرقة ورسستر في سنة 1573 زارتها فرقة ليسستر في ~~سنة 1575 زارتها فرقة وارويك وفرقة ورسستر، وفي سنة 1576 زارتها مرة أخرى فرقة ليسستر وفرقة ~~ورسستر، وفي سنة 1579 زارتها فرقة سترانج، وفي سنة 1580 زارتها فرقة دربي، وفي سنة 1581 ~~زارتها للمرة الرابعة فرقة ورسستر وفرقة بركلي، وفي سنة 1582 عادت فرقة ورسستر فزارتها ~~للمرة الخامسة، وفرقة بركلي فزارتها للمرة الثانية، وفي سنة 1583 زارتها هذه الفرقة للمرة ~~الثالثة، وزارتها كذلك فرقة شاندوز، وفي سنة 1584 زارتها فرقة أكسفورد وفرقة ورسستر للمرة ~~السادسة وفرقة أسيكس معها، وفي سنة 1586 زارتها فرقة غير مذكورة باسمها، وفي سنة 1587 ~~زارتها فرقة الملكة للمرة الثانية، وفرقة أسيكس للمرة الثالثة وفرقة ليسستر كذلك للمرة ~~الثالثة وفرقة غير معروفة وفرقة ستافورد، وفيها ممثلون اشتركوا في فرق شتى. # وتبين لأمين المتحف من تنقيباته المتلاحقة أن الممثلين تارلتون وكيمب أقدر الممثلين ~~الهزليين في ذلك العصر زارا الإقليم مع فرقة الملكة صيف سنة 1587 وكانا زميلين بعد ذلك ~~لشكسبير في تلك الفرقة. # وكان جون شكسبير - والد وليام - يستقبل تلك الفرق ويشرف على تصديق الرخص والطلبات التي ~~تفرض على الفرق التمثيلية في رحلاتها خارج العاصمة بحكم وظيفته في المجلس ورقابته على ~~المعاهد والأندية الخاضعة لإشرافه، فإن لم يكن في مقدمة النظارة من وجهاء القرية فهو - بحكم ~~الوظيفة - وثيق الصلة ms047 بالمسرح في الشؤون التي تعني النظارة وغير النظارة من أبناء قريته، ~~وقد كان من عادة القوم يومئذ أن يصطحبوا أبناءهم إلى معاهد التمثيل وبخاصة في القرى ~~المتوسطة التي تتشوف إلى ملاهي الحاضرة وترحب بمقدمها؛ لأنها فرجة نادرة وفرصة حسنة للتنافس ~~بين المتفرجين في المظاهر الاجتماعية، فلا بد أن يكون شكسبير الصغير قد شهد التمثيل من ~~طفولته إلى شبابه، وحضر في أكثر الفرق رواية من رواياتها المتنوعة، إن لم يكن قد حضر جميع ~~رواياتها ونظر إلى جميع ممثليها في أشهر الأدوار يحذقونها. # وربما شهد الطفل الصغير رواية واحدة تتكرر أمامه سنة بعد سنة، وينمو في أيامه فينمو في ~~فهمها والإحساس بمعانيها ومناظرها على مراحل العمر من السادسة إلى الحادية أو الثانية ~~والعشرين. # وربما تسنى له أن يشهد الدور الواحد يمثله نخبة من أقطاب المسرح كل منهم على طريقته ~~ووفاقا لمذهبه في إخراجه وإلقائه، فاستطاع أن يختار له طريقة من تلك الطرق يخصها بإعجابه، ~~واستطاع أن يعرف للإعجاب أسبابا تلائم ذوقه وتفكيره، ثم خرج من ذلك كله بخطة يتبعها فيما ~~يحاوله من اقتدائه وابتكاره. # وربما قرأ المنظر في مختاراته المدرسية ورآه على المسرح معروضا بأزياء المسرح وهيئات ~~الإخراج والتحضير، فأدرك الفوارق الخفية بين المطالعة في المدرسة والأداء على المسرح، ~~وتعود أن يقرأ لنفسه ويمثل لنفسه وهو يقلب صفحات الكتاب ويستوعب قصائد الغناء ~~والإنشاد. # وربما احتوته جمهرة من النظارة بعد جمهرة تشاكلها حينا وتخالفها حينا، فلمح على وجوهها ~~دخائل نفوسها، وفطن من أطوارها لمكامن أهوائها ومواطن التجاوب بينها وبين المسرح، وبين ~~المسرح وبينها، وانساق معها تارة وانعزل عنها برأيه وشعوره تارة أخرى، وسمع من تعليقاتها في ~~البيوت والمجالس ما يقره وما لا يقره وما يتعلم منه وما ينكره لسخفه وسذاجته؛ فاستفاد من ~~طول التجربة خبرة بطوائف النظارة تنفعه عندها وتنفعه في فنه، وتغريه بمراس ذلك الفن الذي ~~طالما بهج به وأحس القدرة عليه. # ولا حاجة في القرن السادس عشر إلى تلمذة للمسرح أتم من هذه التلمذة ولا أطول منها في ~~أمدها وأوفر منها ms048 في تنويعها؛ إذ كانت التلمذة كلها في ذلك القرن تلمذة إعداد بالمحاكاة ~~والاقتباس، وكان زاد الفن من بقايا القرون الوسطى قليلا من القواعد العامة منقولة على ~~السماع من أصول الخطابة والبلاغة عند قدماء اليونان والرومان، أو منقولة بالدراسة في معاهد ~~العلم من أقوال أرسطو وخلفائه، وقلما وصلت على صحتها إلى أسماع الممثلين ومديري المسارح ~~المحترفين، ولعل شكسبير قد جمع القواعد النظرية التي كانت شائعة يومئذ فيما قاله على لسان ~~هملت من حديثه مع الممثلين أو مناجاته لنفسه، وهي تتلخص في صدق المحاكاة للملامح وترك ~~التكلف في الأداء واجتناب التهويل بالصياح والجلبة وضرب القدم والتلويح باليد، وما إلى ذلك ~~من الوصايا التي لا ينتفع بها من يغفل عنها ويحتاج فيها إلى وصية معادة. # والمعلوم عن ممثلي ذلك العصر أنهم كانوا يخلقون فنهم على أيديهم، وأنهم كانوا يفتتحون ~~طريقهم غير مسبوقين إليه؛ لأنهم كانوا يمثلون على مسرح جديد في بنائه وتبديل مناظره، ~~ويخاطبون جمهورا لم يخاطبه الممثلون من قبلهم في عهد اليونان أو عهد الرومان، ويرتبون ~~المواقف والمناظر - بل الأدوار والأقوال أحيانا - على وفاق الحركة المستطاعة فوق المسرح ~~وفي مواعيد التمثيل، ولا مناص للممثل على ذلك المسرح من استخدام الكلام والحركة للدلالة على ~~المواقيت والمواقع وتعويض النقص في أدوات المسرح بحماسة الشعر أو حماسة الحوار أو بالإكثار ~~من الجمل المعترضة التي توحي إلى النظارة ما يستوحونه اليوم بنظرة عاجلة في غير جهد من ~~الممثلين. # فالمسرح في العصر الحديث يستعين بالوسائل الآلية على تذليل صعوبات الإضاءة وتبديل المناظر ~~والدلالة على الأوقات والأماكن وتحريك الأدوات، ولكن هذه الصعوبات كانت في القرن السادس عشر ~~عصية التذليل يتركونها أو يلقون عبئها على الممثل ليحتال عليها بما يدخل في دوره من كلام أو ~~إيماء. # وكانوا يقيمون المسارح العامة مكشوفة بغير سقوف ويمثلون بالنهار في المكان الأوسط من ~~مقاعد النظارة لتيسير الرؤية والسماع عليهم في جوانب الدار، ويقول الممثل شيئا في عرض ~~الكلام ليدل على مواسم السنة أو ساعات الليل، وقد يكتفون بوضع مصباح مشعل للدلالة على أوقات ms049 ~~الظلام، أو يستعينون بالشعر الوصفي لاستجاشة عواطف النظارة وتصوير بهجة الربيع أو جهامة ~~الشتاء، ويسري أثر هذه الصعوبات المسرحية إلى أسلوب التأليف؛ فتكثر فيه الجمل المعترضة ~~وعبارات الكناية والاستطراد التي نحسبها اليوم من الحشو والفضول، وهي في ذلك العصر من ألزم ~~اللوازم للإبانة عن أغراض المؤلفين وأدوار الممثلين، وقد يكثرون من المناجاة المنفردة فلا ~~يستغرب السامعون ذلك كما يستغربونه اليوم، وإنما يرجع هذا الاختلاف في التأليف إلى اختلاف ~~وضع المسرح في القرن السادس عشر ووضعه في العصر الحديث؛ لأن المسرح الحديث في مكانه المستقل ~~قائم على تجاهل النظارة في أماكنهم المفصولة عن خشبة المسرح، ولكن الممثل في القرن السادس ~~عشر كان يقف في موضعه ويتحرك فيه من جانب إلى جانب وهو محوط بالنظارة في وضح النهار فلا يقع ~~في خلده أن يتجاهلهم كأنهم غير موجودين، ويختلف أسلوب التأليف من جراء اختلاف الوضع المسرحي ~~في أغراض عدة لا يشعر بها المؤلفون أو الممثلون في هذه الأيام، فإن صعوبة تبديل المناظر ~~تلجئ المؤلف إلى ابتداء الكلام بدخول الممثل إلى المسرح وانتهائه بخروجه منه في أكثر ~~الأحيان، ولا يبقى الممثلون على المسرح إلا إذا كان بينهم حوار متداول في المنظر الواحد، ~~ولمثل هذا الغرض تخلو خشبة المسرح من الممثلين أحيانا ريثما يتبدل المنظر مع اتصال ~~الموضوع، فتكتب الرواية في عشرين منظرا وتبلغ مناظرها الخمسين لضرورة التبديل والتحويل في ~~معالم المكان. # وقد كانت لهذه الاختلافات آثارها في أسلوب التأليف وأسلوب التمثيل، بل في أسلوب النظر ~~والسماع بين المشاهدين للتمثيل، فكان اشتراك المؤلف في التمثيل أو اشتراك الممثل في التأليف ~~أمرا معهودا تتيسر له الصناعتان، وكانت الصناعتان معا أصعب منهما في العصر الحديث؛ ~~لأنهما تحملان العبء الذي أعفي منه المؤلفون والممثلون بما اخترع في العصر الحديث من ~~وسائل الفن وأدوات الصناعة، وكان المشاهدون للتمثيل يعلمون هذه الصعوبات فيصطلحون على ~~الإغضاء وقبول المفارقات الحسية على علاتها ولا يحسبونها من مواضع النقد التي يطلبون ~~اجتنابها؛ إذ كانوا يعلمون أن اجتنابها غير مستطاع. # وكانت هناك صعوبة أخرى غير ms050 الصعوبات المسرحية تواجه المؤلفين والمخرجين في تدبير أمر ~~الممثلين الذين يؤدون أدوار النساء؛ لقلة النساء العارفات بالقراءة والكتابة ونفور ~~المتعلمات من الاشتغال بصناعة التمثيل، فإذا تيسر إسناد أدوار الفتيات الأيفاع والفتيان ~~الصغار، فليس إسناد دور الكهولة أو المرأة النصف إلى كهول الرجال بهذه السهولة، ولا سيما في ~~الأدوار الطوال التي تبرز فيها أخلاق المرأة وعواطف جنسها؛ لاختلاف الصوت والسمت بين ~~الجنسين في سن الكهولة، ويسري أثر هذه الصعوبة إلى أسلوب التأليف أحيانا فيضطر المؤلف إلى ~~كتابة الأدوار النسائية على النحو الذي ييسر تمثيلها مع ملاحظة هذه الصعوبة والاحتيال عليها ~~بالإيجاز وملاءمة المعاني والألفاظ. ~~••• # وعلى هذا المسرح بدأ شكسبير الممثل عمله فأصاب حظا ثابتا من النجاح في بضع سنوات، ~~ولكنه على ما يظهر لم ينشئ لنفسه شهرة ممتازة في نوع من الأدوار كالذين تخصصوا من زملائه ~~لتمثيل الفواجع أو الفكاهات أو تمثيل أدوار الملوك والأحبار؛ لأن تخصصه لم يبلغ من قوة ~~الظهور أن يسلكه بين طائفة من أصحاب الأدوار الخاصة دون طائفة، بل توسط في جميع الأدوار ولم ~~يتفوق غاية التفوق في بعضها ولم يخفق في توسطه؛ لأنه استقر على المسرح طوال أيامه في ~~العاصمة وعمل في أكبر الفرق التي تدعى للتمثيل في البلاط وتظفر بالرعاية الملكية في عهد ~~اليصابات وعهد جيمس الأول، وذلك قسط من الإجادة في صناعة التمثيل لا يستكثر على شاب خارق ~~الذكاء قضى أكثر من عشرين سنة يرقب المسرح في قريته في عهد كان يسمح للممثل أن يخلق قواعده ~~ويبدع طريقته وفقا لضرورات مسرحه وعلى هدى القول الذي يلقيه المؤلف على لسانه، وهو يؤلف ~~لنفسه ويغطي لمقاصد المؤلفين. # ومن المتفق عليه أن شكسبير مثل في مسرح الجلوب ومسرح الستار ومسرح الأخ الأسود، وعمل في ~~فرقة ليسستر وقام ببعض الأدوار مع فرقة كبير الأمناء، وهي الفرقة التي يسأل عنها كبير ~~أمناء القصر وتدعى للتمثيل على مسرح البلاط، وحضر إلى لندن وهو ممثل صغير يقال إنه لاذ ~~بأبواب المسارح قبل أن يؤذن له بمعالجة التمثيل فيها، ثم فارق لندن ms051 بعد نحو عشرين سنة وهو ~~ممثل كبير وشريك في أكثر من دار للتمثيل. # | المؤلف # ولدت المسرحية الإنجليزية قبيل مولد شكسبير في منتصف القرن السادس عشر، وسميت ~~بالمسرحية الحديثة لأنهم نظروا إليها نظرة المقابلة بين الفن الوطني الناشئ والفن الروماني ~~العتيق في أواخر أطواره، عند زوال الدولة الرومانية. # وكانت المسرحية الحديثة فتحا كسائر الفتوح التي تتحقق بين المقاومة والرغبة، فلم تكن ~~طريقها ممهدة سهلة، بل كانت هي التي فتحت الطريق ومهدته ولم تستغرق في ذلك وقتا يزيد على ~~نصف قرن؛ لأن عوامل الإقبال كانت أكبر وأقوى من عوامل الإدبار، فظهرت المسرحيات الأولى ~~حوالي سنة 1550 ولم يبدأ القرن السابع عشر حتى أوفت على التمام، فلم تزحزحها من مكانها إلا ~~مسرحية جديدة أخرى جاءت في إبان عصر العلم الحديث، بين أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن ~~العشرين. # كان التجديد في القرن السادس عشر غلابا ماضيا في طريقه بين محافظة المتطهرين وطلاقة ~~الإنسانيين، وكان التمثيل كله رجسا منبوذا في رأي الأولين لا يبالي هذا الإنكار من ~~جانبهم؛ لأنه كان على ثقة من مؤازرة العصر المقبل وعلى رأسه صفوة العلية النبلاء، وهم قادة ~~العصر بفضل المعرفة وقادته بفضل الجاه في وقت واحد؛ فلم تعوقه مقاومة المتطهرين بل كانت من ~~أسباب سرعته وانطلاقه، كأنها جذبة السهم من الوتر المشدود، تشده إلى الخلف لتدفعه إلى ~~الأمام، ولولا ذلك لما بلغت المسرحية تمامها في ذلك الزمن الوجيز. # كان الكاتب المعاصر جوسون # Gosson ~~(1554-1624) لسان حال ~~المحافظين المتشددين، وكان شعاره في حملته على المسرحية الجديدة أنها فن بلا روح، أو أنها ~~فن أضاع روحه؛ لأن جوسون كان يلتمس روح الفن في القداسة التقليدية، ولم يكن لهذه القداسة ~~محل ظاهر في المسرحية الجديدة التي تتناول الإنسان على سجيته أو على علاته، وتكشف عنه ~~ألفافا بعد ألفاف من حجب الرياء التي طوته فيها موروثات العرف والعقيدة. # وكان مارلو رائد المسرح في عصر شكسبير لسان حال الغلاة من المجددين يقول: إن الدين لعبة ... ~~وإنه «لا خطيئة أقبح من الجهالة.» وشعاره المفهوم ms052 أن المسرحية الجديدة قد وجدت فكرها ولم ~~تضيع روحها؛ لأن الروح لا تضيع مع المعرفة، وإنما مضيعة الروح الجهالة الجهلاء. # وكان العصر بحاجة إلى مذهب قوام بين المذهبين، فكان قوامه في عالم المسرح مذهب شكسبير ~~معتدلا متوسطا بين الإيمان بالمعرفة والإيمان بالغيب؛ لأن في الأرض والسماء أمورا لا ~~يحلم بها عقل الإنسان، وعقل الإنسان مع هذا موفور الحق مسموح له بدعاوى القوة والعظمة ~~وأعذار الضعف والقصور. # ولعل المعرفة لم تكن وحدها كفؤا لمناضلة العادات المتراكمة من بقايا القرون الوسطى لو لم ~~تصاحبها الحماسة الوطنية وتتجه معها إلى وجهتها في تلك الحقبة من نشأة المسرحية الجديدة، ~~فإن هذه المسرحية نشأت في إبان يقظة الأمة والدولة واتجاههما معا إلى مطاولة المجد ~~الروماني في مظهره القديم ومظهره الجديد، فلهج العصر كله بمساماة رومة القديمة في السيادة ~~واتساع السلطان، ولهج العصر كله بحق الكنيسة الوطنية في وجه الحق المطلق من جانب أحبار رومة ~~وأئمة الدين المرسلين من قبلهم إلى الأقطار الأجنبية؛ وأصبح «الاستقلال» بالفن فخرا ~~وطنيا ونزعة نفسية تمتزج بالأنفة وحب المعرفة فتعصف بعقبات العادة والعرف كلما اعترضتها ~~في سبيلها، وراق للناقد ميرز # Meres # أن ينظر إلى نهضة الفن ~~في بلاده من هذه الناحية، فقال: «إذا عد بلوتس وسينكا أبرع كتاب اللاتين في الملهاة ~~والمأساة، فإن شكسبير أبرع من كتب للمسرح في هذين الفنين.» # 1 # ومن ظواهر هذه النزعة المستقلة أن القوم سلكوا في مسرحهم المسلك الذي يوافقه ويوافقهم ولم ~~يتقيدوا بشروط المسرح القديم في قواعد التأليف أو التمثيل، وكان الكاتب الإيطالي ~~كستلڨترو # Caslivetro ~~(1572) قد اقتبس من كتاب أرسطو ~~شرط الوحدة في الحادث والوحدة في الزمن، وأضاف إليهما شرط الوحدة في المكان لأنه لم يرد في ~~النسخة المحفوظة من كتاب أرسطو الذي وصل إليه، وتناقل المترجمون إلى اللغات الأوروبية هذه ~~الشروط؛ فقيدوا مدة المسرحية بيوم أو ما يزيد على اليوم بقليل، وقيدوا موضوعها بحادث ~~متصل الأجزاء لا ينفصل جزء منها عن سائرها دون إخلال بزبدة الرواية أو غايتها، وقيدوا ~~مجال الحادث بمكان واحد أو ms053 بمجال تزدحم فيه الوقائع في أضيق الحدود كما جاء في الفقرة ~~السادسة والعشرين من شعريات الحكيم اليوناني القديم، ونقلت هذه القواعد إلى اللغة ~~الإنجليزية واطلع عليها العارفون باللغات في مراجعها من اللاتينية واليونانية، ولكنها ~~أهملت في بيئة المسرح كما أهملت آراء الحكيم في بيئة العلوم التجريبية، وجاء الشاعر ~~الناقد درايدن # Dryden ~~(1631-1700) بعد جيل شكسبير، فقال: ~~إن الحكيم لم يشاهد من التمثيل غير مسرح بلاده، ولو أنه شاهد روايتنا لغير ما رآه. # وقد ذكر ميرز اسم شكسبير فريدا بين المؤلفين الذين ضارعوا كتاب الرومان المشهورين في ~~ذلك العصر؛ لأنه أجاد فن المأساة وفن الملهاة وكان وحده ندا لبلوتس وسينكا في هذين ~~الفنين، ولكن ميرز ذكر معه أكثر من ثلاثين مؤلفا تخصص بعضهم للمأساة وبعضهم للملهاة، وجاءت ~~في كتب تاريخ الأدب أسماء ثلاثين - أو نيف وثلاثين - آخرين عاشوا في عصر شكسبير بين سنة ~~1550 وسنة 1625، ويضاف إليهم المؤلفون المجهولون ممن بقيت رواياتهم ونسيت أسماؤهم وهم ~~لا يقلون عن عشرة على حسب أسماء الروايات، وهذه جمهرة من مؤلفي المسرح لم تجتمع في أمة ~~واحدة وفي حقبة واحدة قبل ذلك العصر ولا بعده إلى هذا العصر ولا بعده إلى هذا العصر الحديث، ~~ولا شك أن المسرحية الجديدة لم تلق هذا الإقبال العميم لأنها جديدة وحسب، وإنما لقيته ~~ووجدت الإقبال عليه من المؤلفين والممثلين والنظارة والرعاة الحماة؛ لأنها تنبئ عن ميلاد ~~جديد في حياة الإنسان، ولأنها ترجمان جيل قد اهتدى إلى روحه ولم يضيعها كما قال جوسون أديب ~~جماعة المتطهرين. # على أن الإقبال العميم كفيل بسعة الانتشار وكثرة المؤلفين ولكنه لا يكفل - حتما - أن ~~يرتفع فن المسرحية إلى ذروته العليا في جميع العصور ومنها العصر الذي نشأت فيه، إنما يكفل ~~هذا عبقرية تعطي العصر فوق ما أخذت منه وتنتمي إلى جميع الأجيال ولا تنتمي إلى فرد جيل أو ~~قبيل، وقد كانت المسرحية الجديدة خليقة أن تبلغ مداها من سعة الانتشار على أيدي أولئك ~~المؤلفين الذين بقيت أسماؤهم أو نسيت في زمانهم، ولكنها كانت بحاجة ms054 إلى مؤلف واحد - يفوق ~~زمنه - ليرتفع بها إلى ذروتها العليا عند النظر إلى القمم الإنسانية في تواريخ الآداب، وقد ~~وجدته يوم وجدت شكسبير، ولو كان وجوده اختيارا مدبرا لما كان أوفق منه لهذا الاختيار؛ ~~لأنه أقل الكاتبين يومئذ فائدة في عصره وأكثرهم إفادة لذلك العصر وما تلاه من عصور، ولو كان ~~بلوغ الذروة من الفن ثمرة لا تستفاد في غير إبانها لكان غيره أحجى بها وأسبق إليها، ولكن ~~العبقرية الإنسانية لها هذه العلامة، وهي المزية التي تنتمي إلى جميع الأزمان. # وبدأ اسم شكسبير في الظهور بين أسماء المؤلفين المسرحيين بعد هجرته من قريته بنحو خمس ~~سنوات حوالي سنة 1592، ولعله فكر في التأليف المسرحي قبل هجرته من القرية؛ لأن المثابرة على ~~شهود المسرح سنوات توحي هذه الفكرة إلى ذهن الشاب الموهوب المستعد لهذه الصناعة فهو لا ~~محالة متنبه إلى التمييز بين الرواية الناجحة والرواية المخفقة، وبين المنظر المقبول ~~والمنظر المستهجن أو الضعيف، وبين الموقف المؤثر والموقف الفاتر، ويخطر له - ولا ريب - أن ~~يستبدل موقفا بموقف وأن يحذف بعض الحوار أو يزيد عليه، ولعل تدرجه في التنبه لدقائق هذا ~~الفن كان أسرع وأقوم من تدرج زملائه الذين اشتغلوا به على غير استعداد مطبوع أو رغبة صادقة، ~~وربما خطر له أن يمارس التأليف قبل ممارسة التمثيل لقلة القيود التي تحيط بصناعة القلم أو ~~تغض منها في عصره، إلا أن التدرج السريع لا يجديه في هذه الصناعة ولا يغنيه عن التدرج في ~~علاقته بأصحاب المسارح وحماتها بين العلية وذوي الأخطار من زمرة النبلاء المثقفين، وأقرب ~~إلى المألوف في أمثال هذه الأحوال أن يبدأ المؤلف الناشئ بمساعدة أصحاب المسارح على إصلاح ~~الخلل في الروايات المؤلفة المهجورة، وأن يعرض عليهم بعد ذلك روايات يؤلفها بإشراف الأعلام ~~المشهورين سواء اشتركوا في كتابتها أو عاونوه بالتوجيه والاقتراح، وهذا في اعتقادنا أقرب ~~الفروض إلى تفسير قول القائلين إنه ألف روايته الأولى بمشاركة مارلو أو جونسون أو غيرهما، ~~وإن أسلوبه في بعض تلك الروايات مشوب بالاختلاف والاختلاط من أثر التنقيح ms055 أو التبديل الكثير ~~في المواقف والعبارات. # ولم يهتم شكسبير بطبع رواياته في حياته، وإنما كانت تطبع متفرقة لذمة المسارح التي ينزل ~~لها عن حقوقه، فلما نشرت مجموعته الأولى بعد وفاته بسبع سنوات كان فيها ثماني عشرة رواية من ~~ست وثلاثين لم يسبق نشرها ولم يراجعها للنشر في حينها، ولا تزال هذه المجموعة الأولى التي ~~اشتهرت باسم السجل الأول ~~“First foho” # أوثق المراجع لتصحيح ~~الروايات التي تنسب إلى شكسبير، وقد أضيفت إليها في مجموعات تأليفه عدة روايات مشكوك ~~فيها أو مقطوع بنفي نسبتها إلى الشاعر أباح الناشرون الملفقون لأنفسهم أن يستغلوا شهرة ~~الشاعر بعد رواج كتبه فنسبوها إليه، ولم ينخدع بها النقاد والقراء طويلا فسقطت من طبعاته ~~المعتمدة بعد قليل. # وتعزز السجل الأول وثائق من عصره وردت فيها أسماء الروايات من تأليف شكسبير ~~وطابقت أسماء الروايات في السجل كما أثبتها زملاء الشاعر في التمثيل والتأليف مشفوعة بأسماء ~~الممثلين الذين قاموا بأداء أدوارها في حياته وفقا لرغبته واختياره، وأوثق المراجع التي ~~عززت السجل الأول وثائق الرخص المثبتة باسم المؤلف شكسبير لنحو تسع عشرة رواية، وعناوين ~~الروايات الثماني عشر التي ظهرت في طبعات متفرقة، وإحصاء «ميرز» المتقدم ذكره وهو من ~~مطبوعات سنة 1598، وإشارات إلى المؤلفات في أقوال المعاصرين، يتبين منها جميعا أن شكسبير ~~نسبت إليه في زمنه ست وثلاثون مسرحية على ثلاثة أقسام: قسم الملهاة، وقسم التاريخيات، ~~وقسم المأساة، وهذا بيانها مقرونة بأسمائها التي عرفت بها عند صدورها. # فالملهيات تحتوي أربع عشرة هي بترتيبها في السجل الأول أي طبعة المجموعة الأولى: ~~(1) العاصفة # The tempest ~~(2) السيدان من ڨيرونا # The two Gentlemen of Verona ~~(3) زوجات وندسور المرحات # The merry wives of windor ~~(4) دقة بدقة # Measure for measure ~~(5) ملهاة الأغلاط # The comedy of Errors ~~(6) لجاج في غير طائل # Much ado about Nothing ~~(7) عناد الحب الضائع # Love’s labour’s lost ~~(8) حلم منتصف ليلة صيف # Midsummer Night’s Dream ~~(9) تاجر البندقية # The merchant of Venice ~~(10) كما تهوى (أو كما تهوون) # As You like it ~~(11) ترويض السليطة # The Taming of the ms056 shrew ~~(12) العبرة بالخواتيم # All’s well that ends well ~~(13) الليلة الثانية عشرة # Twelfth Night ~~(14) نادرة ليلة الشتاء # The Winter’s Tale # ويحتوي قسم التاريخيات عشر روايات هي: ~~(1) حياة الملك جون وموته # The life and death of king john ~~(2) حياة ريتشارد الثاني وموته # The life and death of Richard the ~~second ~~(3) الملك هنري الرابع: جزء أول # The First part of king Henry the ~~Fourth ~~(4) هنري الرابع: جزء ثان # The second part of king henry the ~~fourth ~~(5) حياة الملك هنري الخامس # The life of King Henry the Fifth ~~(6) الملك هنري السادس: جزء أول # The First Part king henry the sixth ~~(7) الملك هنري السادس: جزء ثالث # The Second Part of King Henry the ~~sixth ~~(8) حياة ريتشارد الثالث وموته # The life and Death of Richard the ~~third ~~(9) حياة الملك هنري الثامن # The life of king henry the eighth # ويحتوي قسم المآسي اثنتي عشرة رواية هي: ~~(1) مأساة كريولينس # The tragedy of Coriolanus ~~(2) تيتس أندرونيكس # Titus Andronicus ~~(3) روميو وجولييت # Romeo and Juliette ~~(4) تيمون الأثيني # Timon of Athens ~~(5) حياة يوليوس قيصر وموته # The life and Death of Julius Caesar ~~(6) مأساة ماكبث # The tragedy of Macbeth ~~(7) مأساة هملت # The tragedy of Hamlet ~~(8) الملك لير # King lear ~~(9) عبد الله مغربي البندقية # Othello. The moor of Venice ~~(10) أنتوني وكيلوبترة # Anthony and Cleopater ~~(11) سمبلين ملك بريطانيا # Cymbeline King of Britain # وأضيفت أثناء الطبع مأساة ترويلس ~~وكريسيدا # Troilus and Cressida # بعد أن قدمت «أولا» للطبع في مكان مأساة تيمون ~~الأثيني. # ومما لوحظ كثيرا أن رواية بركليس Pericles # لم تطبع في ~~السجل الأول وأضيفت إلى مجموعة مؤلفاته لأول مرة في السجل الثالث الذي صدر سنة 1664 بعد ~~وفاة شكسبير بخمسين سنة، ولكنها طبعت منفردة مرتين في حياته، وثلاث مرات بعد موته، أولها ~~سنة 1619 وآخرها سنة 1635، واشتملت الطبعة الخامسة على أسماء الممثلين الذين قاموا بالأدوار ~~وهو بقيد الحياة. # وتلاحقت الطبعات التامة بعد السجل الأول فأعيد طبع المجموعة التامة ست عشرة مرة بين ~~أوائل القرن السابع ms057 عشر وأوائل القرن التاسع عشر في سنة 1821، وكثر الاختلاف بين الطبعات ~~المتلاحقة بين طبعة تزيد وطبعة تنقص، وطبعة تتحرى ترتيب تواريخ التأليف، وأخرى تتحرى تقسيم ~~الموضوعات وارتباطها بالعناوين. # وفي القرن التاسع عشر، نشأت مذاهب النقد التحليلي ومذاهب الدراسات النفسية في أوقات ~~متقاربة، فجاءت بحوث النقد التحليلي وبحوث النقد النفساني بنتائجها القيمة في تمحيص ~~الحقائق عن آداب عصر النهضة وفنونه، وصح عند الباحثين المحدثين أن البراهين المستمدة من ~~موضوع الكتابة ومن التعمق في تحليل الشخصية أولى بالاعتماد عليها من الأسانيد المنقولة عن ~~أقوال الرواة المعاصرين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وما حولهما، لما ثبت في كثير من ~~الأحوال من قلة اكتراث القوم بتصحيح الأسانيد وانصراف عنايتهم إلى العمل الفني دون التفات ~~لتحقيق أسماء المؤلفين وأصحاب الأعمال. # وعلى هذه القاعدة قام البحث من جديد عن مؤلفات شكسبير وعن الشكوك التي تساور القارئ من ~~اختلاف الطبعات وتردد الناشرين في إسناد بعض الروايات إليه. # لماذا أسقط الناشرون رواية بركليس من المجموعة الأولى؟ ألم يكن تصديرها باسم شكسبير في ~~طبعتها المنفردة كافيا لتصحيح نسبتها إليه؟ # ولماذا وضعوا رواية ترويلس وكريسيدا ثم رفعوها ثم عادوا إلى وضعها بعد إثبات رواية تيمون ~~الأثيني في مكانها الأول؟ # ولماذا عاد الناشرون في المجموعة الثالثة، فأثبتوا رواية بركليس وأثبتوا روايات أخرى ~~حذفها الناشرون بعد ذلك؟ # عاد البحث على أساس النقد الموضوعي والنقد النفساني إلى جميع مؤلفات شكسبير وفي مقدمتها ~~الروايات التي كانت موضع التردد بين الناشرين في مختلف الطبعات. # فانجلى البحث عن شك قليل في بعض مناظر بركليس، ورجح عند الثقات النقاد أن فصولها من ~~الثالث إلى الخامس شكسبيرية لا موجب للتردد في نسبتها إليه، وفيها مقطوعات من الشعر كأجود ~~ما نظم الشاعر في مسرحياته، مع المشابهة بينها وبين عامة شعره في «الروح» ومناهج ~~التعبير. # والاختلاف على رواية بركليس يسير بالقياس إلى الخلاف الواسع على رواية أخرى يقبلها أناس ~~على مضض وينفيها آخرون كل النفي من أدب شكسبير، وهي رواية تيتس أندرينكس التي لا ينجلي ~~البحث فيها من وجهة ms058 الموضوع ولا من وجهة التحليل النفساني عن رأي حاسم، فمن قال إنها ~~شكسبيرية فهو يقولها على تردد وتحفظ ولا يزعم أنها «دعية» في نسبتها، ولكنه يزعم أنها عمل ~~غير صالح، ولا ينسى أن يستدرك قائلا إنها في الحق من أسوأ ما صنع شكسبير، ومن نفاها وأصر ~~على نفيها قال إنها لن تكون شكسبيرية إلا على فرض واحد يسوقونه على سبيل الظن والتخمين، فهي ~~عندهم رواية مجهولة النسب اضطر صاحب المسرح إلى تمثيلها، فألقى بها إلى الشاعر ليعمل فيها ~~قلمه ويداري من عيوبها المسرحية ما استطاع أن يداريه قبل عرضها في أجل محدود، ومن ثم جاءت ~~حيرة النقاد والناشرين في أمرها؛ لأنها لا تتجرد من طابع الشاعر - ولا تمتاز بحسنة من ~~الحسنات التي تشفع لعيوبه فيما ينزل به عن مستواه. # وتناول الشك روايات وفصولا شتى غير هاتين الروايتين، وأشد الروايات تعرضا للظن والنقد ~~رواية هنري السادس بأجزائها الثلاثة، فإن المناظر الفرنسية والمناظر الإنجليزية في الجزء ~~الأول لا تنمان على روح واحدة، والمناظر الإنجليزية منها ليست بالشكسبيرية الخالصة في ~~تعبيراتها وأسلوب أدائها، ولعل الشاعر كتبها في أيام تلمذته على مارلو بإشراف ~~أستاذه. # وليس في الجزء الثاني مثل هذا التباين في الروح والمنهج، إلا أن المؤلف يبدو فيها مقيدا ~~بتنسيق للفصول والمناظر لا يرتضيه، مما يرجح عند بعض الشراح أن شكسبير وجد أمامه رواية ~~قديمة أجرى فيها قلمه وأكثر من التنقيح فيها، مع إبقائه على تقسيم فصولها ومناظرها، وهي ~~فكرة يوحي بها بحث الدكتور إسكندر بيتر أستاذ الأدب بجامعة جلاسجو وصاحب الرسائل الحديثة في ~~ترقيم شكسبير وتقسيم فصوله (1945). # وتتلخص الآراء عن الجزء الثالث في كلمات الشاعر الناقد جون ماسفيلد الذي يقول في كتابه ~~الوجيز عن شكسبير: «إن هذه النسخة قد تكون من تأليف جرين وبيل ومارلو مشتركين أو متعاونين ~~على نحو من توزيع العمل بينهم وتراءى أثر شكسبير في مواضيع منها ولكنها غير كثيرة، وقد ~~نقحت الرواية بعد نسخها الأولى ووسعت بقلم مجهول وتخللتها لمسات من قلم شكسبير.» # وتساءل جيمس سبدنج ~~“Spedding” # في ms059 مقاله بمجلة الجنتلمان ~~(أغسطس سنة 1850) عمن كتب رواية هنري الثاني؟ وأجاب سؤاله بأنها من عمل جون فلتشر إلا ~~القليل منها، وربما اشتركت فيها يد ثالثة على شيء من الخبرة بفن الإخراج المسرحي، ولكنها ~~محدودة القدرة على تمثيل العظائم في عرض الحوادث وتصوير الرجال. # أما رواية ترويلس وكريسيدا التي تردد الناشرون المعاصرون لشكسبير في ضمها إلى المجموعة، ~~فالأستاذ ماسفيلد يقول عنها: «إنها مسودة حوار بقيت في انتظار الإتمام، وقد تضاربت الأقوال ~~عن تمثيلها في حياة شكسبير، وحدث أنها نشرت على نحو غامض قبيل عودته إلى قريته، وفيها ~~منظر أو منظران تم تأليفهما ولكن مناظرها الأخرى ظلت على أسلوب التخطيط الساذج خلوا من ~~الصقل والجمال، وتعد مناظرها التامة من أعظم ما تصوره شكسبير، إلا أنها عظمة الفكر لا ~~عظمة الأداء.» ~~••• # وبعد أكثر من مائتي سنة من صدور المجموعة الأولى ظهرت مسرحية باسم توماس مور تشتهر الآن ~~باسم المسرحية المخطوطة؛ لأنها ظلت من عهد كتابتها في أواخر القرن السادس عشر محفوظة بخطوط ~~النساخ لم تطبع قبل سنة 1844 حين وصلت إلى أيدي الجماعة الأولى التي تألفت لإحياء آثار ~~شكسبير، وهي الآن تلحق بمجموعاته في الطبعات الأخيرة، ولا تثبت لها صلة به غير اشتمال ~~مسوداتها على كلمات بخطة كما تبين من تحقيقات الخبير المختص بالخطوط «موند تومبسون». وتدور ~~فصول المسرحية على ترجمة الفيلسوف المؤرخ الوزير توماس مور صاحب المدينة الفاضلة ورائد ~~البحث عن المدن الفاضلة في العصور المتأخرة، وقد كان من المعارضين للملك هنري الثاني في ~~دعوى الرئاسة الروحية والدنيوية، وموضوع حياته وموته جدير بقلم شكسبير، ولكنه لا يطرد مع ~~طريقته في اختيار أدوار المسرحيات التاريخية وعناوينها. ~~••• # وعلى هذا المثال تناولت مدرسة النقد التحليلي ومدرسة النقد النفساني مسرحيات الشاعر، ~~وأفاض الشراح من المدرستين في تناولها إفاضة موفورة الأسباب والأمثال تستعصي على الحصر في ~~هذا الكتاب، وأسفرت هذه الدراسات - التحليلية النفسانية - عن ثروة نفيسة من أسرار اللغة ~~وبواطن المعاني ودقائق الفهم والاستدلال، وثبت من محاولاتها العصية أنها مسبار من التحقيق ~~لا غنى عنه في تقويم ms060 المؤلفين وتواليفهم، وإن لم يأت بالنتيجة القاطعة في جميع الأحوال، ~~وزاده صعوبة في دراسة شكسبير أن الشكوك كلها قائمة على فوارق التعبير وفوارق التنسيق، وأن ~~الشراح والنقاد لم يتيسر لهم إقامة الحد الواضح بين الفروق الضرورية التي لا بد منها ~~والفروق العارضة التي توجد في أحوال ولا يلزم أن توجد في سائر الأحوال. # فمن الفروق الضرورية أن تختلف البواكير والنهايات في أعمال كل مؤلف كبير المواهب متعدد ~~الجوانب يتطور سريعا وترتبط أطوار التقدم والنضج عنده بمطالب المسرح ودواعيه الفنية، مع ما ~~يقترن بها من دواعي الإدارة والانتقال من فرقة إلى فرقة ومن موضوع إلى موضوع ... ولقد وجدت ~~فوارق البواكير والنهايات في أعمال كل شاعر وكاتب من الأقدمين والمحدثين، وكانت هذه الفوارق ~~على أوسعها وأغربها بين أوائل شكسبير وخواتيمه، فامتلأت مؤلفاته الأولى بالكناية والنزوع ~~إلى الإشباع والتركيز وتحميل العبارة غاية ما تطيق من القصد والإيحاء، وغلب عليه التكلف في ~~هذا الطور الأول على ديدن المبتدئين الذين يدفعون الظنة عن قدرتهم على مجاراة الفحول من ~~نظرائهم المنافسين، فبالغ في إثبات تلك القدرة وصمد على أسلوب الإشباع سنوات، ثم تحول عنه ~~فلم يتركه كل الترك، بل ترك الإطناب والتفخيم ولم يترك تحميل الكلمات غاية ما تطيق من معان ~~وإشارات؛ لأن أفكاره بطبيعتها تزيد على وعائها من الألفاظ والتراكيب. # هذه الفوارق الضرورية بين البواكير والنهايات تأتي في سنوات طويلة أو قصيرة ويسهل ~~استقراؤها باستقراء التواريخ والأدوار، إلا أن المؤلف قد تلازمه الفوارق الضرورية في الحقبة ~~الواحدة وفي موضع بعد موضع من العمل الواحد، وتلك هي الفوارق بين حالات الإجادة والإلهام ~~وحالات الإهمال والركود، أو هي الفوارق بين المؤلف على أحسنه وأجوده والمؤلف نفسه على أردأ ~~حالاته وأبعدها عن الإجادة والإتقان، وشكسبير من المؤلفين الذين يعظم التفاوت بين أعماله في ~~الحالتين. # وهناك الفوارق المقصودة التي يتبين في روايات عدة أن شكسبير كان يتعمدها ويختارها للتوفيق ~~بين الموقف وما يقتضيه من الحماسة أو الخشوع أو الإيمان أو المرح أو الأبهة والروعة، ويقول ~~بهذا الرأي في تعليل ms061 الفوارق كتاب محدثون من أعرف الشراح بالشاعر وبدواته وعادات ذهنه ~~وقلمه في تنويع عباراته، ومنهم نوتني # Nowottny # مقدم ~~مجموعته في طبعة أودهام التي صدرت منذ سنتين، فهو يشير إلى الاختلاف بين أسلوب الفواتح التي ~~تمهد للروايات وبين أسلوب اللغة المعدة للإلقاء على ألسنة الممثلين، ويشير إلى الاختلاف بين ~~أسلوب القصة على لسان الجندي في رواية ماكبث وبين أسلوب الرؤيا وسائر الأقوال في رواية ~~«سمبلين». # ويجتهد أصحاب هذا الرأي في إبراز الفوارق بين أساليب التعبير في المؤلفات التي لا يتطرق ~~الشك إلى نسبتها، ولا سيما المنظومات المتفق على تأليفها، فإنها لا تطرد على نسق واحد ولا ~~تخلو من الفوارق التي يتعهدها الناظم كلما تحول من شخصية إلى شخصية أخرى أو من موضوع إلى ~~موضوع على حسب اختلاف الباعث وموقع التأثير. # وكذلك نخرج من بحث الفوارق بمسبارين صحيحين بدلا من مسبار واحد: أحدهما يشكك في تأليف ~~شكسبير والآخر يؤكده وينفي الظنة عنه، فإن لم نسقط حساب الفوارق جملة واحدة فلا مناص من ~~التسليم بأنها - فيما بلغته حتى الآن - مفتاح يفتح أبواب الظنون والشكوك، ولكنه لا يوصدها ~~على يقين. ~~••• # إلا أن اليقين الذي نملكه - حتى الآن - يكفي لدراسة شكسبير، فمهما نأخذ أو ندع من تلك ~~الظنون والشكوك فنحن على يقين من كيان العبقرية التي ندرسها باسم شكسبير، وعلى يقين من ~~كفاية الآثار التي يقوم عليها ذلك الكيان، ولا يتحتم لإثباته أن يكتب شكسبير كل سطر منسوب ~~إليه في المسرحيات، فإن المشكوك فيه إنما هو وضع النقص منها، لاعتقاد المتشككين أنه دون ~~الطبقة الممتازة التي يرتفع إليها الشاعر على أحسنه وأتمه وأعلاه، ومهما يثبت من مواطن ~~النقص فهناك مواطن للكمال تثبت ويثبت معها كيان العبقرية التي أخرجتها وتمثلت في وحدة ~~طابعها وتناسق أجزائها، وهي باقية وراء تلك الشكوك بيقين لا شك فيه. # | الشاعر # يقول رأي واحد من آراء المترجمين لشكسبير إنه شاعر لم يكتب شيئا من النثر، وإن الكلام ~~المنثور في مسرحياته إنما هو كلام مشاع من وضعه تارة ومن وضع الممثلين معه تارة ms062 أخرى، ولهذا ~~وقف الشاعر على طبع قصائده، ولم يقف على طبع مسرحياته، ولو كانت كلها من عمله لما أهمل ~~طبعها في حياته. # وليس صاحب هذا الرأي من الإنجليز، ولكنه رأي أديبة إيطالية نشرته في كتاب لها ظهر سنة ~~1950 باسم «العبقرية والغوامض» أو «شكسبير وعجائب فنه»، وهذه الأديبة فالنتينا كابوتشي # Valentina Capocci ~~- تحذق اللغة الإنجليزية ~~وتتكلم عن طبقات البلاغة فيها بلهجة الحسم والتوكيد، ولكنها قليلة العلم بأسلوب المسرح ~~ودواعيه، فهي تستهدف لخطأ من هذه الناحية، وتتعرض للتفنيد الشديد من مواطنة لها تعرف من ~~أسلوب المسرح ما جهلته، وتلك هي الممثلة النابغة إلزا دي ~~جيورجي # Elsa De Giorgi # التي نظرت إلى منثور شكسبير ومنظومه من الناحية المسرحية، فذهبت ~~بشبهات الأديبة كلها في غير عناء. # على أن الأديبة الإيطالية لم تخطئ الحقيقة كلها في حكمها على النظم والنثر في مسرحيات ~~شكسبير، فلولا الإغراق في رأيها لاتفق هذا الرأي مع جملة الآراء في الموازنة بين نثر شكسبير ~~وشعره، فإنه في منثوره واحد من مئات، وإنما الشاعر شكسبير هو شكسبير الخالد، بما نظم من ~~قصيد منفصل أو قصيد متصل بالمسرحيات. # ففي مسرحياته ألوان من الأغاني ومن شعر الوجدان الذي اصطلح الغربيون على تسميته بالشعر ~~الغنائي، وفيها ألوان من شعر الوصف والحكمة ينتظم منها ديوان ضاف وتقوم بها شهرة شاعر كبير، ~~وربما فضلها النقاد من الوجهة الفنية على الشعر المنفصل الذي لا يدخل في أدوار المسرحيات؛ ~~لأنها صاحبت تطور الشاعر من بداءة حياته الأدبية إلى نهايتها، وتشعبت في مذاهب من القول ~~أوسع وأحفل من مذاهب القول في القصائد المنفصلة. # على أن شكسبير الشاعر ينفرد بشيء لم يتوافر عند شكسبير المؤلف كاتب المسرحيات: شيء لا ~~يرجع إلى تفضيل فن على فن أو ملكة على ملكة، ولكنه قد يرجع إلى اختلاف الصلة في الحالتين: ~~صلة المؤلف بالنظارة، وصلة الشاعر بقارئه الذي يستأثر به لنفسه ويتلقى الخطاب منه كأنه ~~يتلقاه من صفيه ووليه. # المؤلف يتصل بالعالم كما يتمثل في النظارة الذين يرون الممثلين قبل أن يروه. # والشاعر يتصل ms063 ب «الإنسان» على حدة ويلقاه حيث شاء في خلوته أو في مجتمعه مع غيره، ولا ~~يشترط عليه أن يلقاه في مسرح أو يسمعه على لسان وسيط من الممثلين والمخرجين، بين شركاء من ~~النظارة والمتفرجين. # وقد كان الناشرون يجمعون أعمال شكسبير في مجلد واحد ويقسمونه إلى قسمين: قسم المسرحيات، ~~وقسم الأشعار، وكأن من عادة الناس أن يذهبوا إلى المسرح ليطلعوا على المسرحيات، وأن يفتحوا ~~الصفحات ليطلعوا على الأشعار؛ ولا يمنع ذلك أن يكون للمسرحيات قراء وأن يكون للأشعار نظارة ~~ومستمعون، ولكن الصلة في الحالتين تختلف بين شعور القارئ نحو الشاعر وهو يطالعه، وشعور ~~الناظر نحو المؤلف وهو يلمحه من وراء الممثلين ووراء الأدوار. # وجاء زمن بعد ازدهار المسرح في القرن السابع عشر نسيت فيه المسرحيات وقل الإقبال ~~عليها عند عرضها، بل قل عرضها لغير الصفوة من طلابها، فقامت صلة الشاعر بالعالم - جماعاته ~~وأفراده - على القصائد التي نظمها في غير المسرحيات، وعمد الناشرون إلى الشعر المسرحي ~~فطبعوه للقراءة واستخرجوا منه ما يصلح للقراءة والإلقاء في غير معاهد التمثيل، وكاد شكسبير ~~الشاعر أن يستغني بقرائه عن نظارته ومشاهديه. # ولا تعدم الأشعار المنفصلة أسبابا فنية تنفرد بها وتحببها إلى قرائها، بل إلى نقادها ~~والمشتغلين بدراستها، فإنها معرض للشعر القصصي يقابل الشعر المسرحي في المآسي والملهيات، ~~وفن من أداء الرواية يخالف الفن الذي يؤديها بالحوار وتصوير المناظر وتقسيم الأدوار، وقد ~~برع شكسبير في القصة الشعرية براعته في القطعة المسرحية، واستطاع أن يمثل لقارئه بالقصيدة ~~المكتوبة ما يحتاج إلى مسرح وممثلين على المسرح، لتصويره للعيان وإبلاغه إلى الأسماع وبثه ~~في الخواطر والقلوب، واستخدم طريقة المسرح - بغير المسرح - لتعليق الأفكار والأنظار، وإزجاء ~~المفاجآت على انتظار وعلى غير انتظار. # وللموشحات التي نظمها شكسبير مزية فنية تنفرد بها بين المنظومات التي تستخدم لمواقف ~~التمثيل أو لرواية القصة؛ لأنها تصلح لشعر التأمل وشعر النشيد وشعر العاطفة، ويودعها الشاعر ~~«ترجمة نفسية» لحياته في أعماق وجدانه وخلجات ضميره: ترجمة مباشرة نتلقاها منه بغير وساطة ~~المسرح أو وساطة الرواية أو وساطة المؤرخ وصاحب ms064 الأخبار فما يعلمه القارئ عن شكسبير من ~~موشحاته لا يعلمه من كلام قاله في مسرحية أو قصة، ولا من كلام قاله عنه المترجمون ~~والرواة. ~~••• # أول شعر قصصي نظمه شكسبير «أسطورة فينوس وأدونيس» أو «ملكة الغرام ورب الجمال والشباب»، ~~اقتبسها من كتاب «أطوار الحب» للشاعر الروماني أوفيد، وقال عنها في تقديمها إنها باكورة ~~ابتداعه، ونشرها في سنة 1593، ولكنها في تقدير بعض النقاد نظمت قبل ذلك بست أو سبع سنوات، ~~وبدأ الشاعر في نظمها وهو في قريته أو قريب العهد بهجرتها؛ لأنها تنضح بأنداء الريف وترف ~~تحت ظلاله، ولعله نشرها وهو لم يخرج بعد من حضانة القرية؛ لأن ناشرها ريتشارد فيلد كان من ~~أبناء قرية ستراتفورد وممن اعتمد عليهم شكسبير لارتياد طريق الأدب في العاصمة الكبرى، وقد ~~راجت القصة رواجا يفوق تقدير الناشر والشاعر، وأعيد طبعها نحو عشر مرات في عشر سنوات، ~~وكانت من أسباب شهرة الشاعر في عالم التمثيل. # ومن يقرأ القصة اليوم لا يفتقد فيها لمحة شكسبير في مسرحياته التي كتبها نثرا ونظما إلى ~~مختتم حياته الأدبية، ففيها عاداته في تحميل العبارة غاية ما تطيق من معانيها وأشكالها، ~~وفيها شواهد الولع بالنقائض والأضداد، وفيها آيات القدرة على تصوير الشخصيات وتدبير المواقف ~~والمفاجآت، وفيها عبرته الغالبة على جميع العبر في روايات المأساة والملهاة: وهي الحذر من ~~الجماح والاستغراق والإنذار بسوء العاقبة؛ لأنها موكلة أبدا باللجاجة في الأهواء. # فالقصة شكسبيرية في مزاجها لا تختلف فيها سمات الشاعر إلا كما تختلف ملامح الصبا ~~والكهولة، فهو في هذه القصة متوهج العاطفة ساطع الألوان فياض بالصور والأشكال، كأنما يريد ~~أن يعطي كل ما عنده في دفعة واحدة، وكأنه يلتذ بالشعور الذي يساوره فلا يدعه حتى يستنفده ~~كما ينفد اللهب من شدة الاشتعال، ولكن القارئ لا ينسى في أشد حالات الاسترسال أنه حيال عمل ~~محكوم مملوك العنان، وأن وراء الأهواء إشرافا موزونا يلمسه في النتيجة التي تنتهي إليها ~~القصة، وهي فجيعة فينوس في غرامها؛ لأنها أغرقت في ملاحقة أدونيس حتى هلك في طراد السباع ~~معرضا عن ms065 لجاجتها وإصرارها، وفي بعض الحوار يقول في المقارنة بين الحب والشهوة: «إن الحب ~~أنس كأنس الشمس المشرقة بعد المطر، ولكن الشهوة عاصفة بعد إشراق الضياء، وإن الحب الرقيق ~~ربيع دائم، ولكن الشهوة شتاء يعاجل الصيف قبل انقضائه، وإن الحب لا يشكو التخمة، ولكن ~~الشهوة تتخم حتى تموت، وإن الحب صدق، ولكن الشهوة كثيرة الأكاذيب.» # وقد أهدى شكسبير قصته المنظومة إلى اللورد سوثامبتون الذي كان يناهز العشرين عند إهداء ~~القصة إليه، وكان في ذلك العصر نادرة من نوادر الذكاء والجاه والجمال، ولد في سنة 1573 ~~وتخرج من جامعة كامبردج في السادسة عشرة، وحصل على إجازة أستاذ في الآداب من جامعة أكسفورد ~~وهو في العشرين، وكتب اسمه بين ذوي الألقاب في الحاشية الملكية وهو دون العاشرة من عمره، ~~وملك زمامه بين فتنة المال وفتنة الجمال، وبين غرور السطوة وغرور النبوغ على ذلك المثال ~~الذي جعله بطلا من أبطال شكسبير في مسرح الحياة. # وبعد سنة - أي في سنة 1594 - أهدى إليه شكسبير قصته الشعرية الثانية إنجازا لوعده حين ~~قدم له رواية فينوس وأدونيس، وكان مدارها - كالقصة الأولى - على لجاجة الحب ولكن من جانب ~~الرجل في هذه المرة، وموضوعها مقتبس كتلك القصة من أشعار أوڨيد. # كانت قصته الثانية عن اغتصاب لوكريس زوجة كولاثيموس من كبار نبلاء الرومان، وكان تاركوين ~~- ابن ملك الرومان - يهيم بها ويلاحقها على غير جدوى، ومما زاده هياما بها أنها اشتهرت ~~بالعفة كما اشتهرت بالجمال، وقد تحدث قادة الرومان يوما في معسكرهم فذكروا عفة نسائهم ~~ووفاءهن لهم في غيبتهم، وأرسلوا إلى المدينة من يمتحن هذه العفة، فوجدوا النساء جميعا ~~يرقصن ويلهون بالسمر والمنادمة، إلا لوكريس - سيدة الجمال بينهن - فإنهم وجدوها في دارها ~~تشتغل بمغزلها إلى الهزيع الأخير من الليل، فجن جنون تاركوين وعز عليه أن تمتنع عليه ~~امرأة من نساء المدينة اللاهية وهو صاحب الغزوات في ساحة الحب وساحة الحرب، وخالف إليها ~~زوجها مع الليل فهددها بالفضيحة وأقسم ليقتلن عبدا ويلقيه إلى جانبها على فراشها، فلم ~~يرعها التهديد ولم يرجع عنها ms066 حتى اغتصبها عنوة وعاد من حيث أتى، وأصبحت لوكريس في ثياب ~~الحداد تأخذ على ولاتها العهد أن يقتصوا لها، ثم بخعت نفسها وخرج زوجها يطوف المدينة بجثتها ~~ويستعدي الرعية على رعاتها، فثارت ثائرة المدينة على الملك وأسرته، ولم تهدأ هذه الثائرة ~~إلا بإجلاء البيت المالك كله عن عرشه، وإقامة الحكومة الجمهورية. ~~••• # والقصتان المنظومتان نفحتان من روح واحدة وطرازان في التعبير من نسج واحد، ولكن الثانية ~~أجود وأنضج من الأولى وأقرب منها إلى الجد والإتقان في موضوعها ومغزاها. ~~••• # وللشاعر في غير المسرح والقصة مقطوعات كثيرة على وزن الموشحات، نظمت كلها في أغراض ~~الشعر الغنائي من غزل ومناجاة وشكاية وخواطر تجري مجرى الأمثال، وهي من ثم أدل الشعر على ~~نفس الشاعر ودخائل طويته وأصدقها تعبيرا عن حبه وعطفه، وعن نظراته الخاصة إلى أحواله وصروف ~~أيامه، وتبلغ عدتها مائة وأربعا وخمسين موشحة نظمت ما بين سنتي 1592، 1598. ويرى الأستاذ ~~لسلي هوستون # Leslie Hoston # الذي تخصص لتحقيق التواريخ ~~الملتبسة والكشف عن الروابط بين موضوعها وترجمة الشاعر أن بعض الموشحات نظم في سنة 1589؛ ~~أي قبل ظهور الموشحات التي نظمها السير سدني واعتبرها المؤرخون فاتحة عهد الموشحات في ~~الآداب الإنجليزية على أيام الملكة اليصابات. # طبعها توماس ثورب لأول مرة في سنة 1609 وأهداها إلى مستر «و.ه» جالبها الوحيد، وهو في رأي ~~بعض المترجمين لورد سوثامبتون الذي أهدى إليه شكسبير قصة فينوس وأدونيس، وقصة اغتصاب ~~لوكريس؛ لأن اسمه الأول وريوثسلي # Wriothesley # هنري، وكما ~~رأى آخر أنه هو لورد بمبروك لأن اسمه الأول وليام هربرت، ويذهب بعضهم إلى أن المقصود بجالب ~~الموشحات هو الطابع وليام هول # Hall # الذي جمعها وهيأها ~~للطبع ولم يكن طبعها ميسورا بغير مجهوده وسعيه؛ لأن شكسبير لم يتول جمعها بنفسه ولم يشرف ~~على تصحيحها بعد جمعها لأمر لا يذكره ناشرها ولا المعلقون عليها. # والخطاب في أكثر الموشحات موجه إلى شاب مفرط الجمال ينصح له الشاعر أن يحتفظ بجماله وأن ~~يبادر إلى تخليده في عقبه، ويلومه أحيانا لأنه استغوى بجماله عشيقة الشاعر، ويشير في بعض ~~الموشحات ms067 إلى عشيقة لعوب يسميها «السيدة السمراء» وإلى شاعر منافس يؤثره ذلك الشاب الجميل ~~برعايته، ويقول الشاعر إنه يستحق منه أن يعنى بشعره لحبه وإعجابه إن قرأ شعر الآخرين ~~لبلاغته وإتقانه، ثم تختم الموشحات بمقطوعتين إغريقيتين عن «كوبيد» إله الحب الصغير لم ~~تثبت نسبتهما إلى شكسبير. # وتتعدد الأقوال في تعيين الأسماء التي أشارت إليها الموشحات، ولكنها تكاد أن تتفق على ~~تعيين اسم اللورد سوثامبتون للفتى الموصوف أو المخاطب في أكثر الموشحات، ويكون المقصود ~~بجالب الموشحات إذن أنه هو موحيها وملهمها الذي تقبل قصص الشاعر وشجعه على الإصغاء إلى ~~أغانيه ومنظوماته. ~~••• # وقد درج الناشرون المحدثون على تضمين ديوانه متفرقات من الشعر الغنائي، وشذرات من الشعر ~~القصصي؛ كان بعض الناشرين في أيامه يلحقها بالديوان أو يطبعها على حدة منسوبة إليهم، ويؤثر ~~الناشرون المحدثون إلحاقها بديوانه على سبيل الحيطة، أو على سبيل الإحاطة، ولا يجهلون ضعف ~~السند الذي ترجع إليه نسبة الكثير من هذه المتفرقات إليه، وهو ظهورها منسوبة إليه في حياته، ~~فقد تحقق أن قراصنة الأدب - كما كانوا يعرفون يومئذ - كانوا يستبيحون أن يختلسوا الطبعات ~~وأن ينحلوا شكسبير ما ليس من قوله؛ ترويجا له بين القراء في العاصمة وفي غيرها. # وربما اطلع عليه شكسبير أو لم يطلع عليه، ولكنه لم يكترث قط لنفي كلام منحول أو لمقاضاة ~~المختلسين ومطالبتهم بحقه؛ لقلة العوض واطمئنانه إلى حقوقه المسرحية وعلم العارفين من حماة ~~الشعر ونقاده بحقيقة الصحيح والمنحول، غير أننا نجمل الإشارة إلى تلك المتفرقات للإلمام بما ~~يقال عنها عند تقديرها أو تصحيح نسبتها. # فمن تلك المتفرقات قصيدة الفونقس ~~والقمرية # The Phoenix and the turtle # وهي صحيحة النسبة إليه، نظمها معارضة - أو إجازة - لقصة في ~~موضوعها من نظم الشاعر روبرت شستر، وطبعها ريتشارد فيلد مواطن شكسبير في سنة 1601، وهي من ~~متوسط شعره، ولكنها لا تعد من عيونه ومأثوراته. # وتنسب إليه قصة «شكاة عاشق» ولا يصح من نسبتها إليه إلا أنها تنم على آثار قلمه، كأنه ~~عمل في تصحيحها وتهذيبها ثم أهملها، وليس في أسانيدها «الخارجية» ما ms068 هو أقوى من نسبتها ~~إليه، ولا في أسانيدها الداخلية - أسانيد النقد التحليلي - ما هو أقوى من مشابهتها في أوزان ~~النظم لبعض أعاريضه المحببة إليه. # واشتملت مجموعة منتخبة في عصره على نخبة من موشحاته وأغانيه في مسرحياته، ومعها نحو عشرين ~~قطعة لم تنسب إليه في غير هذه المجموعة، وربما خفي عليه أمرها أو أهملها كما أهملها ~~النقاد في عصره لاستبعاده أن تجوز على قرائه، وقد نشر هذه المجموعة وليام جكارد المشهور ~~بالقرصنة الأدبية، وظهرت في سنة 1599 بغير تسجيل. ~~••• # وفي القرن السابع عشر كشف المنقبون عن سجل مخطوط فيه قصائد ومقطوعات ونتف متفرقة ينسب ~~بعضها إلى شكسبير، ومنها قطعة عن الملك يقول فيها إنه يملك الدولة والسطوة ولكنه إذا كان ذا ~~بصر ومعرفة كان لذلك أشبه بخالقه وباريه، وليس لشكسبير شعر في المبادئ السياسية فيما عدا ~~المسرحيات غير هذه الأبيات، ولكنه كان ولا شك حسن الاطلاع على محصولها في مباحث عصره، ~~وأقربها إليه مباحث الأستاذ جيوفاني فلورير العالم الإيطالي الذي كان يدين بالمذهب ~~البروتستانتي ويأوي إلى حمى اللورد سوثامبتون صديق شكسبير، وعلى نسخة من ترجمته لمقالات ~~مونتاني توقيع شكسبير محفوظا بالمتحف البريطاني وإلى فلسفته تعزى المقتبسات من مصطلحات ~~العلم السياسي فيما ورد على لسان أبطال المسرحيات. ~~••• # والمشكوك فيه من شعر الديوان قليل بالقياس إلى المسرحيات. # والجزء الذي يتطرق إليه الشك نافلة من القول لا شأن له بترجمة الشاعر ولا بقيمة شعره ولا ~~بتاريخ الأدب على أيامه. # وإنما تتباعد الآراء في شعره لتباعد الآراء - بعده - في الشعر كله، ولكثرة المدارس ~~والمذاهب التي نجمت في عالم الفنون الغربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين. # ففي هذه العصور نجمت مدرسة السلفيين المحدثين ومدرسة المثاليين ومدرسة الواقعيين ~~والطبيعيين ومدرسة البرناسيين، وتكلم النقاد من غير هذه المدارس عن وظيفة الشعر وعن شروطه ~~وغاياته، فذهبوا في حدودهم وأحكامهم متفرقين تفرق النقائض والأضداد: يقنع بعضهم من الشعر ~~بالرونق والطلاء، ويحسبه بعضهم إلهاما يقارب النبوة وينوطه بعضهم بالتأمل وبداهة الحكمة، ~~ويراه آخرون زيا من الأزياء التي لا تحمد على ms069 حالة واحدة في جيلين متعاقبين ولا في عامة ~~الأجيال . # فإذا كان شكسبير قد خرج من هذه الآراء المتعارضة بشاعرية مسلمة فتلك امتحانات شتى قد ~~جازها، لا يجوزها على مدار الزمن غير آحاد من أعلام الشعر المعدودين في القديم والحديث، وقد ~~جاز تلك الامتحانات على تباعد الآراء؛ إذ كان في شعره ما يرضي طلاب الرونق وطلاب التأمل وما ~~يعجب مدرسة الطبع ومدرسة التعمق، وما يضطر المتعنت في شروطه وحدوده أن يترخص للزمن في تبدل ~~أحواله ويستثني من تلك الأحوال شعرا يتخطى الأزمنة ويصاغ لكل آونة وكل بيئة. # ولا مناص من تسليم النقاد على نحو من هذا التسليم أمام الشعراء الذين سمت بهم عبقريتهم عن ~~علاقة البلد والبرهة، وارتفعوا إلى علاقة دائمة تتصل بطبيعة الإنسان في كل جيل ~~وقبيل. # ولا محل لاختلاف الرأي أمام الواقع المتواتر، ومن هذا الواقع المتواتر أن شكسبير شاعر ~~متأمل عميق التأمل، وأنه يملأ العبارة بمعانيها وأخيلتها حتى ليوشك أن تضيق عنها، ومن ~~الواقع كذلك أن صناعته الشعرية طوعت له زمام المعاني والأخيلة حتى استطاع أن يبرزها ~~للقارئ ولا يخفي بها جمال النغم ومسحة الجزالة والعذوبة، فما أثنى عليه أحد من المعجبين به ~~في عصره إلا كانت صفة «الحلاوة» أسبق الصفات إلى ثنائه، وكاد المعجبون بحلاوة نظمه أن ~~يخيلوا للقارئ الذي لا يعرفه أنه شاعر من شعراء الطرب والإيقاع، ليس له من مزية تذكر ~~إلى جانب اللفظ الرشيق والنغم العذب والعبارة المونقة. # ويقول أوليفانت سميثون صاحب كتاب «حياة شكسبير وعمله» ما فحواه: إن الشهرة التي جلبتها ~~هذه الأشعار لشكسبير لشهرة واسعة، قد انهال عليه الثناء من كل صوب، فقال وليام كلارك إن ~~شكسبير - العذب - جدير بكل ثناء من أجل قصة لوكريس، وقال جون ويڨر # Weever # يناديه: أيها المعسول اللسان شكسبير، وقال ريتشارد كاريل «إنه ~~كاثيولس اللسان الإنجليزي.» وكاد أن يغلب عليه لقب شكسبير «الحلو» أو الشاعر ~~المعسول. # أما شعره من حيث الصناعة العروضية فقد أسعده فيه حسن الحظ وحسن التصرف، فإنه بدأ النظم ~~حين اكتمل العروض في لغته ms070 وتمت له قوالب الأوزان من مأثورات النظم في لغات الجزر البريطانية ~~ولغات القارة الأوروبية، فأخذ من أوزان السكسون والنورمان والأيقوسيين والغاليين، واقتبس من ~~بحور الشعر في فرنسا وإيطاليا ورومة القديمة، وكان من هذه الأعاريض ما يقوم وزنه على النبرة ~~وما يقوم وزنه على حروف المقطع التي نسميها الأسباب والأوتاد في اللغة العربية، وانتقل ~~الشعر المرسل إلى اللغة الإنجليزية لأول مرة بعد ترجمة المطولات اللاتينية، فجاء هذا الشعر ~~- المعفى من القافية - في أوانه مع نشأة الفن المسرحي وضرورة النظم في غير المعاني الغنائية ~~أو في غير معاني الغزل والمناجاة. # ولم يزد شكسبير شيئا على هذا العروض المكتمل غير حسن الاختيار وحسن التصرف، فاختار وزن ~~الموشحة لمقطوعاته ونظمها من أربعة عشر سطرا تتخالف القافية في جميع سطورها إلا في السطرين ~~الأخيرين، فإنهما يتحدان في قافية واحدة، واختار الوزن المسمى بالروي الملكي لكثير من ~~أغانيه، وهو يتألف من الرباعيات والمثنويات في روي الرجز والتسميط باللغة العربية، وزاد ~~الشعر المرسل «رسلا على رسل»؛ لأنه لم يتقيد بحصر الجملة في سطر واحد، وتسنى له بهذا ~~الاسترسال أن ينتقل بالعبارة من سطر إلى سطر حيثما اطرد له المعنى أو المعاني المتلاحقة، ~~وقد سبقه مارلو إلى إطلاق السطر ونقل موضع الإيقاع، ولكن الشعر المرسل إنما اكتسب مرونة ~~النثر وإيقاع الشعر المنغوم على يد شكسبير، وأفادته نشأته في الريف أنه استخدم أهازيجه ~~للغناء الخفيف في المواقف التي تلائمها من روايات الملهاة أو المأساة، وأسعده حسن التصرف ~~مع حسن الحظ؛ فانقادت له ملكة الشاعر البليغ وملكة الناظم الصناع. # | الخصائص والمزايا # من العسير جدا أن تتفق وجهات النظر في استحسان مزايا الشاعر مع كثرة موازين النقد وكثرة ~~آراء النقدة وأساليبهم في تطبيقها، ولكنه إذا تعذر الاتفاق على إنكار مزاياه فقد يكون ذلك ~~لفضل فيه أكبر من وجهات النظر وأجدر منها بالاعتبار وأحق بالبقاء. # فمن الجائز مثلا أن ينكر الناقد عليه مزية من مزايا الفن ويعود فيشهد له بمزية أو مزايا ~~كثيرة فيما عداها. # ومن الجائز أنه ينكر عليه جميع المزايا ms071 ويقابله في زمانه نقدة يضارعونه في المكانة ~~والخبرة ويخالفونه في إنكاره ، ويستندون في آرائهم على الأصول التي يستند إليها وإن لم ~~يذهبوا مذهبه في تفسيرها وتطبيق مبادئها. # ومن الجائز أن تعبر بالشاعر فترة ينساه فيها النقاد والقراء ويلهون عنه بفتنة من فتن ~~الزمن أو نوبة من نوباته، ثم تنقضي تلك الفترة فترجع ذكراه ويتعوض من النسيان إسرافا في ~~الإقبال عليه، كأنه ندم على جناية الإعراض عنه والحرمان من متعة الاطلاع عليه. # وتطرد هذه القاعدة في عظماء الشعراء، فنعرفهم من الإنكار كما نعرفهم من الإعجاب، ~~وكلاهما إذا اختلفت وترددت فيه الأحكام دليل على سعة الجوانب وتعدد المزايا ورسوخ الفضل ~~العميم رسوخا يحيط بالنقد والناقدين، ولا يحيط به النقد والناقدون. # وليس أكثر من الإنكار على شكسبير إلا الإعجاب به والرد على منكريه هل هو شاعر فنان يمتاز ~~بالجمال والسلاسة وطلاوة العبارة؟ # هل هو شاعر حكيم يمتاز بأصالة الفكر وصدق التأمل واستبطان الحقائق الخفية؟ # هل هو شاعر بصير بالطبائع والسرائر يمتاز بالوعي المحيط والنظرة الثاقبة والغوص العميق ~~على طوايا الغيب في الطبيعة وفي الإنسان؟ # هل هو شاعر المسرح؟ هل هو شاعر القصة؟ هل هو شاعر الملحمة؟ هل هو شاعر قوم؟ هل هو شاعر ~~جميع الأقوام؟ # نعم ولا، ووراء «نعم» و«لا» مرجع دائم يبرم وينقض، وينتهي إلى مراجعة الموازين نفسها؛ لأن ~~الشاعر العظيم يصحح الموازين ويضطر فريق كل ميزان إلى إعادة النظر فيه، فله الكلمة الأخيرة ~~فيها وليست الكلمة الأخيرة فيه للميزان الذي يتقبل التصحيح والتبديل منه ومن أمثاله على ~~الدوام. ~~••• # كان ڨولتير يقول عن شكسبير إنه محروم من الفن والنسق، والمثل الأعلى عند ڨولتير في الفن ~~والنسق أن يكون وفاقا لسنن الأقدمين التي أخذ الزمن في تبديلها من قبل أيام ڨولتير. # ولما كتب رسائله الفلسفية عن الإنجليز قال عنه إنه محروم من أقل مسكة من الذوق وأقل دراية ~~بالنسق، ولكنه لم يستطع أن ينكر عليه «العبقرية المفعمة بالقوة والخصب والدراية بما هو ~~طبيعي وجليل.» وعاد بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، فكتب إلى ms072 هوراس والبول يقول: «إنه ذو سجية ~~حسنة، ولكنه ذو عنجهية همجية بلا نسق ولا فطنة ولا فن، يخلط الضعة بالعظمة والهذر بالهول ~~...» # وڨولتير الذي يقول هذا هو الناقد الحصيف الذي قرر في مقاله عن الملاحم أن آيات الفن لا ~~تنتظم في نسق واحد، وأنه ما من تعريف يمكن أن يحيط بالروائع من طراز أوديب لسفوكليز، وسينا ~~لكورنيل، وأتالا لراسين، ويوليوس قيصر لشكسبير، وكاتو لأديسون. # وڨيكتور هيجو، وهوند لڨولتير في النقد وفهم الشعر، يفضل الفن الحديث على فن الإغريق لأن ~~الفن الإغريقي يخرج «النشوز النافر» من حسابه ولا يلتفت إلى الصلة بينه وبين الروعة ~~والجلال، ولكن المحدثين - وفي طليعتهم شكسبير - يعرفون كيف يتزحزح أحدهما فينسرب في غمار ~~الآخر، وكيف يصبح النافر جليلا كما يصبح الجليل نافرا، وينظرون آخر الأمر إلى النقيضين في ~~أطوار الطبيعة، فلا ينسون التقريب بينهما؛ حيث يقتربان في الحقيقة ولا يبتعدان إلا بتكلف من ~~عمل الإنسان. # ويناصي ڨولتير وهيجو في زمرة النقاد الأدباء هردر وفردريك شليجل الألمانيان، وعندهما أن ~~المسرحية العظيمة لن تخلو من الفن؛ لأن الفن ينبع من الروح ولا ينشأ بداءة من حيل اللباقة ~~أو تزويق الصورة المحسوسة، ويقول هردر: إنه لا يدفع عن شكسبير ولكنه يستند إليه ليرد على ~~ناقديه، فإنه ترجمان الطبيعة التي تتكلم بألسنة كثيرة، ومن قرأه فلا عليه أن ينسى المسرح ~~والممثل وينظر إلى الأوراق المتطايرة من صفحات الكتاب الأبدي: كتاب الكون والحياة. # وبنديتو كروشي الإيطالي ند لهؤلاء جميعا إذا عدوا من النقاد أو عدوا من ~~الفلاسفة، وجوابه لهم فيما افترقوا فيه أن الفن يلتقط أبطاله من الحياة ولكنه لا يماثلها في ~~صورها العامة المشتركة، وأن شكسبير عبقرية عالمية لا يحدها زمانها ولا تحدها فترة واحدة ~~كائنة ما كانت، وهو يمثل لنا أشتاتا من البشر على تباين شديد في بواطنها وظواهرها، ولكنه ~~يشرف عليها لتمثلها على سواء ولا ينعزل عنها؛ إذ نحن نفرق بينها على حسب شعورنا بها في ~~صورتها المعروضة علينا من صنع يديه، ولو كان بمعزل عنها لما افترق أحد ms073 منها عن أحد في ~~شعورنا، وإن شكسبير على هذا الإشراف فوق الشخوص والأمزجة ليطوي كل شيء في شخصه مما تعلمه أو ~~اختبره في حياته، وبهذه الخصلة فيه استطاع أن يأخذ الموشحات من ينبوعها الإيطالي ويودعها ~~ترجمة حياته. # ولعل الأدب الأوروبي لم يعرف بين أوائل القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ناقدا ~~فنيا من الباحثين في فلسفة الجمال أبرع من جورج براند الكاتب الدنمركي صاحب الآراء ~~المأثورة في مباحث «الإسطاطيقا» وتطبيقاتها على الشعر والمسرحية بصفة خاصة، فربما نبغ في ~~عصره من أصحاب هذه المباحث كثيرون من نظرائه وأقرانه، ولكن آراء براند لا تزال حتى الآن في ~~مقدمة الآراء عند من يرجعون بالفن والأدب إلى أصول فلسفة الجمال وأصول الفلسفة على ~~الإجمال. # فهذا الناقد الفنان الفيلسوف يرى أن الوحدة في العمل الفني شرط لازم، ولكنه لا يحصرها في ~~شروط الوحدة التي نص عليها الأقدمون، بل يفضل عليها أحيانا وحدة الباعث والحركة ووحدة الجو ~~الوجداني الذي يحيط بالأمكنة والأزمنة والحوادث والشخوص، ويعرض براند للعناية باللفظ فلا ~~ينفي أن شكسبير كان يتخير اللهجة الخطابية في أشعاره ومسرحياته، وإنما يعزو ذلك إلى حكم ~~الموقف الذي لا فكاك منه بعد انتقال التعبير من اللاتينية إلى الكلمات السكسونية ~~فالإنجليزية، فليس من الفن ولا من التأثير الفني أن تأخذ الألفاظ السوقية لتضعها على حالها ~~في موضع اللغة التي قدستها التقاليد ودرجت عليها أساليب النخبة الأفذاذ من نوابغ الشعر ~~والنثر والحكمة، وهذه العناية بسوق الألفاظ في مساق الخطابة والتأثير هي الموازنة التي لا ~~بد منها لمجاراة الأدب السلفي في مجاله، وما زالت مراعاة المقام في كل كلام شرطا من شروط ~~الفن الأصيل كيفما اختلفت عليه الموازين والآراء. # ومدرسة الفن للفن لا تغيب عن هذا المعترك الذي تتلاقى فيه الآراء أو تفترق حول الفن ~~والفكر، أو الفن والأخلاق، أو الفن المستمد من أعماق الروح، أو الفن الذي ينقل عن الطبيعة ~~ويلتقط منها نماذج الصور والألوان. # وإمام هذه المدرسة في الأدب الإنجليزي «والتر پاتر» الذي يلقب بالكاتب المرصع أو الكاتب ~~الموشي؛ ms074 لأنه يجري الكتابة مجرى الصور فيما تعرضه من الأصباغ والظلال أو مجرى العقود فيما ~~تنتظمه من الفصوص والجواهر على تناسب الأحجام والألوان. # عند پاتر أن مدرسة الفن للفن تجد رضاها في شكسبير؛ لأن رواياته «توليفة» من النفوس ~~البشرية تمتزج وتنفرد كما تمتزج أشعة الطيف الشمسي مع الحركة السريعة أو الحركة البطيئة، ~~فلا تنافر بينها في امتزاجها، ولا يتراءى عليها التنافر وهي منفردة إلا ريثما تتحول من مادة ~~صبغية إلى صورة متناسقة التلوين والتظليل، ويختار پاتر ملهاة «الحب الضائع» - وهي من أوائل ~~المسرحيات التي ألفها شكسبير - ليورد منها الأمثلة على اللفظ المنتقى لجمال إيقاعه والنماذج ~~الإنسانية المتلاقية؛ لما بينها من تجاوب الأشكال والشيات. # 1 ~~••• # وربما اتفق الناقدان من مدرسة واحدة على فهم واحد للشعر ولم يتفقا على مواضع الاستحسان في ~~موضوعاته وأقسامه. # فالناقد الإنجليزي مورتون لوس # Luce # صاحب كتاب «متناول ~~شكسبير» يرى أن قصة لوكريس دون قصة فينوس وأدونيس وأن الأولى «أقل طبيعة، وأقل نغمة، وأقل ~~جمالا، وأقل شعرا.» من سابقتها في النظم فينوس وأدونيس. # وجورج ريلاند # Ryland # صاحب كتاب الكلمات والشعر يقول نعم! ~~ولكن لأننا نأخذ بديلا من ذلك مزيدا من شاعر الدرام أو شاعر المسرحيات، وأن شكسبير قد وعد ~~في إهدائه لقصة فينوس أن يعقبها بعمل أرصن وأقرب إلى الجد، ثم يقول الناقد: «إن الزينة في ~~قصة فينوس تنوب عنها التشبيهات في قصة لوكريس ... وإن في دحيلة ثاركوين قبل العدوان صراعا ~~كالصراع الذي اشتجر في قلب ماكبث؛ إذ يقول عن الملك: «إن عار العدوان عليه - وهو من أهلي ~~وخاصة صديقي - لا غفران له ولا نهاية.» وإذ يقول: إنه هنا في ذمتين: ذمة القريب وذمة الرعية ~~... وكذلك يقول ثاركوين، وهو يدعو الآلهة ويتأمل: «إن الآلهة التي أدعوها تمقت هذه الفعلة ~~فكيف تمدني بالمعونة عليها؟»» # ويمضي الناقد في بيان الأسلوب الذي يناسب هذا السياق المسرحي ويخالف سياق الخطاب الوجداني ~~في قصة فينوس وأدونيس. ~~••• # وإن القارئ ليمعن في استطلاع هذه الآراء، فيجتزئ منها بالأمثلة الكافية أو يطيل الأمد في ~~الاستقصاء والإحاطة؛ لأن ms075 الكتاب الذين عرضوا لنقد شكسبير في لغات الحضارة يعدون ~~بالمئات، ولكنه يعلم كلما أمعن في الاستطلاع أن مقاييس الفن تستهدف للتعديل والتنقيح كلما ~~اقتربت من عبقرية نادرة بين عبقريات الفنون، وإن مقال شاعرنا المتنبي عن قصائده: # أنام ملء عيوني عن شواردها # ويسهر الخلق جراها ويختصم # يصدق على كل عبقرية تخلق الفن والفن لا يخلقها، وأنه ما من مذهب من مذاهب النقد يستطيع أن ~~ينكر شاعرا عظيما أو يجد من يتقبل حكمه إن أنكره؛ لأن الشاعر العظيم يأتي بدستوره الذي ~~يجري عليه حسابه، وقد يضيق المذهب فلا تتسع حدوده لشاعرين عظيمين. ~~••• # والنقاد يطيلون النقاش ولا حرج عليهم أن يطيلوه في كل مطلب تتشعب نواحيه وتتعمق أغواره ~~وتتقابل زواياه، لكنهم قد استطاعوا في نقد شكسبير أن يقسموا الكلام عنه إلى قسمين: قسم ~~تتقارب فيه وجهات النظر لأنه أشبه الأشياء بوصف الواقع، وهو الكلام على خصائص الأداء من لفظ ~~وأسلوب وطريقة تنظيم للمناظر والأدوار، وقسم آخر هو الذي يطول فيه النظر ويكثر التعليق ~~والتعليل، وهو الكلام على المزايا العليا التي امتازت بها عبقرية شكسبير. ~~••• # والكلام على أدائه من وجهة الألفاظ والمفردات مسألة إحصاء؛ إذ كانت مفرداته تحسب ~~بالأرقام وتزيد على المفردات في كتابات كل أديب استخدم اللغة الإنجليزية من قبل القرن ~~السادس عشر إلى اليوم، وتبلغ عدتها ستة عشر ألف كلمة، يدخل منها في معجماته الخاصة التي ~~تعرف باسم مصطلحات شكسبير أكثر من عشرة آلاف. # وسر هذه الكثرة أن شكسبير كتب في العصر المتوسط بين ابتداء الكتابة باللغة الإنجليزية ~~وبين شيوعها والاقتصار عليها في موضوعات الفن والثقافة وسائر الموضوعات. # فقبل القرن السادس عشر بأجيال قليلة كانت اللاتينية لغة العلم والدين في إنجلترا وفي ~~القارة الأوروبية، وكانت الفرنسية لغة السياسة والمخاطبات الرسمية في أوروبة الغربية، ثم ~~تنبه الشعور باستقلال الفكر واستقلال الوطن في عصر النهضة، فترجمت الكتب اللاتينية ~~والفرنسية إلى اللغات الوطنية، وأخذت طائفة من الإنجليز في استخدام لغة الحديث للكتابة، ~~فظهر أسلوب الكتابة الذي تختلط فيه الكلمات الإنجليزية الدارجة والكلمات النورماندية، أو ~~السكسونية ms076 وأشتات من الكلمات النورماندية أو السكسونية وأشتات من الكلمات اللاتينية ~~«المكلنزة» في هجائها والنطق بها على النحو الذي تنطق به الكلمات الشائعة. # وأكثر شكسبير من تلك الكلمات الشائعة في لهجات المدن ولهجات القرى من الأقاليم الوسطى، ~~وكان يفضل الاقتباس من هذه اللهجات كلما اقتبس الكتاب المعاصرون من اللاتينية أو ~~الإغريقية؛ لأنه لم يكن واسع المحصول من مفردات هاتين اللغتين، وقد ثبتت مفرداته في اللغة ~~وإن تغير المفهوم من بعضها مع تغير المصطلحات والأذواق، ثم تخصصت الكتابة بألفاظها ~~وعباراتها، فبقيت كلمات من مفرداته مهملة في الكتابة متداولة في الحديث، ولا سيما في قرى ~~الأقاليم الوسطى التي أخذ منها محصوله من عبارات الريفيين. # ويحرص الإنجليز على تدوين لغة شكسبير فيحصرون مفرداته في معجمات خاصة أو يذكرونها في ~~المعجمات العامة مشفوعة بالنسبة إليه، وقد يلحقونها بمجموعة أعماله ويكتفون منها بما يفهم ~~على وجه يخالف وجهها في الكلام المتداول بعد عصره، وكثيرا ما تأتي هذه المخالفة من إيثاره ~~للكناية والمجاز في بعض التراكيب، ولا يعسر فهمهما بغير تفسير على من ألقى باله إلى طريقته ~~في اللحن والإيحاء. # أما أسلوبه في تركيب المفردات فالغالب عليه في أول عهده بالتأليف المسرحي أن يجنح إلى ~~التفخيم والتأثير وأن يودع الجملة غاية ما تحمله من المعنى الصريح والإشارات الخفية. # وكان من الطبيعي أن تغلب عليه هذه النزعة في أول عهده بالتأليف للمسرح؛ لأنه كتب للمسرح ~~في عهد لم تخلص فيه الأذهان من بقايا قصص البطولة والقداسة، وبدأ كتابته باللغة الدارجة فلم ~~يكن في وسعه أن يحلها محل اللاتينية وأن ينزل بها من أحاديث البطولة والقداسة دون أن يمسح ~~عنها غبار الابتذال والسوقية بشيء من تفخيم الخطاب والمجاز، وأكبر الظن أنه لم يكن طليق ~~الرغبة في هذه النزعة؛ لأنها كانت شعار المسرح على ألسنة أقطابه وأصحاب الرأي والعمل في ~~توجيه التمثيل والتأليف، ومنهم إدوارد ألين # Alleyn # صاحب ~~القيادة في هذه الصناعة يوم بدأ شكسبير في تأليف المسرحيات، وقد كان له شعار يلخصه في ~~كلمتين: الصوت والسورة # Sound and fury ms077 # فلا تجوز المسرحية ~~امتحانها عنده حتى يكون لها لفظ رنان يملأ الآذان وحركة دائمة تشغل الأذهان، وهو شعار كان ~~شكسبير يؤمن بضرورته في بعض المسرحيات التي لا غنى فيها عن الروعة والتأثير، فإذا تفتح له ~~باب الخلاص منه لم يتوان في ولوجه، كما يظهر من طريقته في روايات الملهاة؛ حيث تغني ~~الفكاهة عن استرعاء الأسماع بالتفخيم والتأثير، وحيث درج المؤلفون فيها قديما على اجتناب ~~لغة البطولة والقداسة قبل أن تتحول من لغة اللاتين والإغريق إلى لغة السوق والطريق. ~~••• # ويلاحظ عند عرض أعماله في تسلسلها التاريخي أنه كان يميل إلى السلاسة والبساطة في ~~مسرحياته ومنظوماته الأخيرة، وأنه كان أسرع إلى السلاسة والبساطة في المنظومات وتتلوها ~~روايات الملهاة ثم روايات المأساة، كأنه كان يستفيد من طول الخبرة فيملك ناصية القلم ~~ويستفيد من سعة الشهرة فيملك حريته مع قادة المسرح وجمهرة النظارة والقراء، وسبقت منظوماته ~~سائر أعماله في هذا الاتجاه الفني؛ لأنه كان أقرب فيها إلى الاستقلال برأيه وهواه. # يقول هاليدي # Halliday # في كتابه «شكسبير والنقاد»: «يرى ~~من وجهة الصنعة والأداء - أن النماذج المختارة - تبدي لنا تطوره في النظم من دوي السطر ذي ~~المقاطع العشرة الذي اختاره مارلو إلى الأداة المرنة المونقة في المآسي والقصص.» # ثم يقول عن النثر بعد الاستشهاد ببعض النماذج: «إن هذه النماذج تبدي لنا تطورا شبيها ~~بالتطور الذي أشرنا إليه في النظم انتقالا من الجفاف والحرص على النمط إلى الرشاقة والسجية ~~الظاهرة، وانتقالا من صنعة ليلي # Lily # وشقشقة «الحب ~~الضائع» إلى الحديث المصقول في براعة ويسر على لسان بنديك ولسان بتريس إلى ما هو أيسر من ~~ذلك وأسلس في حوار هملت أو الحديث السهل النبيل في فاجعة ماكبث، وما نقوله هنا تعميم سريع، ~~إذ لا شك أن تطور النثر من حيث هو أداة مسرحية أقل بروزا من تطور القصيد، وأقل انتظاما ~~واطرادا منه؛ فلا يمتنع أن تبدو السهولة في كتابته الأولى أو تبدو الكلفة في كتابته ~~الأخيرة، إلا أن الكتابة الأولى على وجه التعميم أقرب إلى اليبوسة والكلفة والتضلع ms078 - أو ~~نتوء الزوايا - في حين تبدو الكتابة الأخيرة أقرب إلى المرونة والتنوع والخفة، أو هي - في ~~كلمة واحدة - أقرب إلى الصبغة المسرحية.» # ويقال على التعميم أيضا إن شكسبير تطور ولم يتغير، ويقصدون بالتطور - دون التغير - أنه ~~يدل على التقدم ويدل مع التقدم على بقاء الملامح بينة ناطقة لا تختلف إلا كاختلاف ملامح ~~الوجه بين سن الصبا وسن النضج والتمام: من شاء استحسن منها ما شاء، ولكنهم يستحسنون هذا أو ~~ذاك على تفاهم وإدراك. ~~••• # وتتقارب وجهات النظر في بيان معالم الطريق خلال هذا التطور كما تقاربت في الكلام على ~~خصائص الأداء على الإجمال، وقد أجمل هذه المعالم كاتب من حذاق المترجمين للأدباء في عصر ~~الملكة اليصابات، والمتفرغين لأدب شكسبير على التخصيص، وهو الدكتور هريسون مقدم المسرحيات ~~وصاحب الرسالة الممتعة في تقديم شكسبير، وهي من أحدث ما كتب في تقديم الشاعر لقراء العصر ~~الحاضر ومن أجمع التصانيف الأخيرة لأقوال شراح المطولات والموسوعات، وفي هذه الرسالة يفرد ~~الكاتب فصلا لتطور أسلوب شكسبير، يسمي فيه معالم الطريق خلال ذلك التطور بأسماء المسرحيات، ~~ويقول في مفتتحه: «إن أسلوبه الأول يتميز بغير مشقة، فالأوزان فيه ملحوظة بدقة وانتظام، ~~والقافية فيه متبعة يفضل منها ذات الأسطر المتخالفة على المثاني المتتابعة، وبين حين وحين ~~يدخل الموشحة في الحوار، ويكثر في الملهيات من الكلم البارع وبخاصة في الحوار بين الفتيان ~~حتى ليضجر السامع لسرعة التبدل في الأذواق، ويتدفق ثمة حشد النكات المركبة مع استخدام الصور ~~الخيالية حبا لها لا لتوضيح الفكرة أو مضاعفة التأثير، أما في المآسي - والتاريخيات منها ~~بصفة خاصة - فإنه يعمد إلى اللفظ الطنان أحيانا ويودعه من أقوال البطولة ما ليس من ضرورات ~~المقام، غير أنه لم يزل يؤثر العبارة الجميلة على الصياغة المسرحية.» # ثم يقول: «إن أحسن عاداته وأسوأها في مسرحياته قبل النضج تتراءى في أجمل مسرحياته الباكرة ~~روميو وجولييت ...» # ويمضي فيقول ما فحواه: «إن أسلوبه الأول اختفى سريعا مع زيادة الخبرة والقدرة على ~~الأداء، وفي سنة 1596 كتب تاجر البندقية فكان فيها حواره الجدي خيرا ms079 من مساجلاته الفكاهية ~~... وبعد تسعة أشهر على التقريب كتب الجزء الأول من هنري الرابع؛ فكان لأول مرة مسيطرا كل ~~السيطرة على أداة تعبيره، وتعددت في الرواية شخوصها المختلفة، فكان لكل منها أسلوبه يلائمه ~~ويحكيه ... وبعد ذلك كتب روايته عبد الله المغربي فلعلها كانت أتم المسرحيات في بنائها ~~وتكوينها، وأوفاها لجلاء أساليبه الأربعة في الشعر الغنائي وفي القافية وفي الشعر المرسل ~~وفي النثر ... ولما كانت سنة 1606 كتب لير وماكبث، فجاءت أولاهما عصية على المطالعة لتركيز ~~الفكر فيها لا لغرابة مفرداتها، ولاستخدام الكلمة والصورة الخيالية معا للإعراب عن معنى لا ~~يسهل الإعراب عنه ... ومضت فترة ندرت فيها كتابة شكسبير ... ثم كتب في سنتي 1610، 1611 سمبلين ~~ونادرة الشتاء والعاصفة ... وبدا فيها قليل من الانحدار بعد الذروة التي ارتقاها منذ سنوات، ~~غير أن الحوار في نادرة الشتاء يرينا شكسبير على أحسنه وإن اختل تأليف الرواية لانقضاء ست ~~عشرة سنة بين فصلها الثالث وفصلها الرابع ... أما في العاصفة فقد بلغ في رأي النقاد الكفاة ~~قمة التأليف في المسرحيات، وجاء فيها بأجمل ما ترتقي إليه اللغة الإنجليزية في نظم القصيد، ~~وستفنى اللغة الإنجليزية في أجلها المقدور، وذلك الشعر منتهاها من البلاغة والجمال ...» ~~••• # ويعتبر النقد الموجه إلى الأداء المسرحي، أو العرض المسرحي، في روايات شكسبير نقدا ~~موجها في أساسه إلى بناء المسرح في القرن السادس عشر، وإلى ضرورات التأليف التي استلزمها ~~ذلك البناء. # إذ يرجع النقد في أساسه إلى صعوبة تحويل المناظر على المسرح وصعوبة الدلالة على ابتدائها ~~وانتهائها وعلى أمكنة الحوادث التي تجري فيها وتستمر أو تنقطع دون نهايتها، وكانوا تارة ~~يجعلون تقسيم المناظر تابعا لحركة الأبطال البارزين في الرواية أو تابعا لاجتماع العدد ~~الأكبر من ممثليها في وقت واحد، وينوطون أمر التقسيم بالمخرج الذي يتولى دعوة الممثلين إلى ~~أدوارهم، ويلاحظ اتصال الأدوار قبل خلو المسرح من الممثلين المتكلمين، وقد ظهرت الطبعة ~~الأولى من مجموعة شكسبير وليس فيها علامات تدل على انتقال المناظر أو على أماكنها، واجتهد ~~نيقولاس راو # Rowe ~~(1674-1718) في تدارك هذا النقص ms080 في طبعته ~~المهذبة لهذه المجموعة، فأصاب وأخطأ وفتح الباب للتعديل والتنقيح في تقسيم المناظر، بل ~~لكتابة بعض أجزائها على نمط آخر يوافق تطور المسرح وتطور لغة الخطاب وتطور اللغة والمتكلمين ~~بها في استعمال المفردات بين جيل وجيل. # وانفتح الباب للتعديل والتنقيح، فكان الممثل جاريك # Garrick # يعيد كتابة بعض المناظر ويجاوز ذلك إلى تحويل الروايات من المأساة ~~إلى الملهاة كما صنع في ختام رواية «روميو وجولييت» وجاء على آثاره أناس من الممثلين ~~والمخرجين، فقدموا وأخروا في المناظر، وغيروا وبدلوا في الحوار والخطاب، وأدخلوا ~~الموسيقى والرقص إلى بعض المواقف، بدلا من الأغاني والأناشيد، أو تلحينا لما يصلح منها ~~للرقص والإيقاع. # واسترسل طلاب التعديل والتنقيح حبا للتفنن والتنويع أحيانا، ولغير ضرورة من ضرورات ~~المسرح أو ضرورات الاصطلاح في اللغة، فخطر للسير باري ~~جاكسون # Barry Jackson # في أوائل القرن العشرين أن يمثل هملت بملابس العصر الحاضر، ~~فقوبلت فكرته بالاستغراب والتطلع ولكنها لم تعدم من النقاد المعدودين من يحبذها ويستكثر ~~من تطبيقها، وقال أحدهم هيورت جريفين، ما معناه إن هذا التمثيل بالملابس العصرية قد أظهر ~~الجانب الإنساني الخالد في هملت فلم يبد عليه شيء من الغرابة كالذي بدا على أصحابه ~~الثانويين ممن غلبت صبغة عصرهم على الصبغة الإنسانية. ~~••• # وتتراجع في هذا العصر محاولات التبديل والتعديل في نصوص شكسبير، بعد أن مرت بأدوار شتى لم ~~تكن كلها تدور على الأسباب المسرحية التي نشأت منها. # فقد نشط المبدلون والمعدلون في أيام الرجعة أو أيام الاستقرار # Restoration ~~؛ لأنها كانت في نظر أبنائها عصر تبديل وتعديل في النظم والآداب ~~والتقاليد والعادات وكانوا ينظرون إلى ثورة المتطهرين كأنها حد فاصل بين ماض مهجور ومستقبل ~~منظور، يبنى كل ما فيه على أساس جديد. # واستولت هذه الفكرة على خواطر القوم وأهوائهم قرابة مائتي سنة إلى أواسط القرن التاسع ~~عشر، وفي هذه الفترة سرت دعوة النقد التحليلي ودراسات علم النفس وتطبيقاتها على الفنون، ولا ~~سيما فن التمثيل وفن التأليف المسرحي؛ لأنهما موكلان بتحليل الشخوص وتطبيق الدراسات ~~النفسية، فتبين من إعادة النظر في شكسبير ms081 على ضوء هذه الدراسات أنه أعظم من ناقديه وأعظم ~~من مسرحه وجمهوره، وكان من مفارقات الزمن أن شهرته العالمية خارج بلاده نبهت قومه إلى ~~المحافظة على تراثه والاعتداد بمكانته فأصبح عندهم، وعند نقاده الأوروبيين فنا مستقلا ~~يوزن بميزانه، ويحتفظ به لذاته، وأصبحت له إلى جانب قيمته الحية الباقية قيمة الأثر ~~العزيز الذي يضن به على التغيير. # وقد تراجعت محاولة التبديل - من ثم - إلى حدودها المعقولة، فاستباح المخرجون والممثلون ~~ترك الفضول من المناظر التي يغني عنها بناء المسرح الجديد، وأجمع المشتغلون بالمسرح على ~~التحرج من التبديل الجائر الذي يخفي صنعة الشاعر وأنماطه المألوفة في التعبير والتأثير، ~~واستحبوا أن يعودوا النظارة قبوله في ساحة المسرح على علاته وأن يعرفوا له حقه في الكلام ~~على سجيته، كما يعرفون هذا الحق لمن يقدرون نفاسة حديثه ويضنون بها أن تضيع بدواته، أما ~~فنه المكتوب فقد تركوه بحرفه واجتهدوا في تقريبه شرحا وتيسيرا على درجات تناسب القراء، مع ~~تفاوت السن والفهم والثقافة. ~~••• # وننتقل من خصائص الشاعر إلى مزاياه، وكأننا ننتقل من الأداء إلى الرسالة التي أداها ~~الشاعر بفنه من منظوم ومنثور وقصص وتمثيل، ولباب هذه الرسالة في كلمة واحدة أنها رسالة ~~«الإنسان». # كانت دعوة العصر كله دعوة الإنسانيين، وكان من نصيب هذا الشاعر أن يكون ترجمانا لدعوة ~~عصره، ولا بد لها من ترجمان، فانتهى العصر وبقيت الترجمة؛ لأنها ترجمة عن الإنسان الخالد، ~~وهو لا ينحصر في عصر من العصور. # والأمر في رسالة شكسبير أكبر من أمر الترجمة عن الإنسان، وأكبر من أمر تصويره أو وصفه أو ~~التعبير عنه؛ لأن ذلك كله قد يصنعه الشاعر ولا يبلغ من المنزلة الأدبية - الإنسانية - أن ~~ينفرد بتمثيل العصر كله، وأن يمتاز برسالة الدعوة بين لفيف من دعاتها الممتازين. # إنما كانت رسالة شكسبير في دعوة الإنسانيين «خلقا فنيا» للطبيعة الإنسانية ولم تكن ~~مجرد تصوير لها أو تعبير عنها. # والفرق بين الرسالتين واضح محسوس يلمسه من يريد أن يتحراه بنفسه في كل آونة. # فليس من النادر أن نعرف إنسانا فنصوره بصفة غالبة ms082 عليه، أو نصوره بجميع صفاته التي ~~يدركها عارفوه. # وليس من النادر أن نعبر عنه ونقول بألسنتنا ما يقوله هو بلسانه، ولكن النادر أن نخلق صورة ~~منه وندعها ماثلة في عالم الكتابة تعيش كما يعيش الأحياء ، وتحيا لو نفخ الله فيها روح ~~الحياة فإذا هي نسخة أخرى من صاحبها في قوله وعمله وفي سره وعلنه، وفي خاصة نفسه وفيما ~~يرتبط به مع الناس من مجاوبة في الشعور ومعاملة في الخير والشر والموالاة والعداء. # فرق بين خلق الشخصية وبين الحكاية عنها بالوصف أو بالتعبير، وخلق الشخصية في عالم الفن هو ~~رسالة شكسبير في دعوة الإنسانيين، وأي شخصية؟ شخصية الإنسان في طبيعته المتنوعة المتقلبة ~~حيثما كان وكيفما كان. # مئات من الرجال والنساء والأطفال، في كل سن، ومن كل مزاج، وعلى كل حالة، وبين كل طبقة، ~~تجمعهم تصانيف شكسبير. # منهم الطيب والخبيث، ومنهم الصريح الجلي والغامض الخفي، ومنهم الطامع والقانع، ومنهم ~~العظيم والحقير، ومنهم من يعرض في حالة الفرح والرضا ومن يعرض في حالة الحزن والسخط، ومن ~~يعرض في جميع الحالات، وكلهم يتكلمون كما ينبغي أن يتكلموا ويعملون كما ينبغي أن يعملوا، ~~ويعيشون بأنفسهم في أخلادنا ولا يعيشون بمجرد الكلام الذي قالوه والصنيع الذي مثلوه، أو كما ~~يقول أديب فرنسي مفرقا بين شخصيات راسين وشخصيات شكسبير: «إن الأولى تنقضي بعد نزول ~~الستار، ولكن شخصيات شكسبير تلبث لحظة على المسرح وتمضي فنحس أنها لا تزال باقية وأننا قد ~~نلتقي بها مرة أخرى.» # 2 # ولا تزول الغرابة في إبداع هذه الصور لأبطاله من الرجال؛ لأنه رجل ينبغي أن يعرف كل رجل، ~~فإن الإنسان ليعجز عن خلق صورة فنية لنفسه وهو أعرف بها من غيره، فليس في مقدوره - لأنه رجل ~~- أن يخلق في عالم الفن رجالا من الملوك والساسة من العظماء والحقراء، ومن رجال الدين ~~ورجال الدنيا، ومن الشيوخ والشبان، ومن الخيرين والأشرار، ومن العاملين على كره والعاملين ~~على اختيار. # إلا أنه كلام يقال عن رجل يخلق شخوص الرجال. # لكن ماذا يقال عن خلق أمثال هذا العدد ms083 من النساء؟ وماذا يقال عن خلق شخصيات الأطفال ~~وهم لا يعرفون أنفسهم في أعمارهم ولا يعرفون ما يبقى لهم من ذكريات الصبا إذا جاوزوا سن ~~الطفولة؟ # كتبت السيدة آنا جيمسون كتابها المشهور عن بطلات شكسبير، فنقلت فيه خمسا وعشرين صورة ~~تحليلية من صور النساء في مسرحيات شكسبير: منهن نساء الذكاء والفطنة، ومنهن نساء المطامع ~~والمغامرات، ومنهن نساء العاطفة والحنان، ومنهن النساء المعروفات في التاريخ، وكلهن نساء ~~وليس فيهن واحدة تشبه الأخرى في جملة صفاتها ونياتها، وخلاصة ما قالته عنهن إنها - وهي ~~امرأة - كانت تنظر في مرآة شكسبير؛ فتصحح منها علمها بالنساء حين يختلفن مثل هذا ~~الاختلاف، إنه لأبعد اختلاف وجد بين أنثى وأنثى في جميع الأمم. # والممثلة النابغة إلين تيري # Ellen Terry # تكتب عن الأطفال ~~في مسرحيات شكسبير، وقد بدأت عملها على المسرح بتمثيل بعض هؤلاء الأطفال، فإذا بها تنسى، ~~وإذا بالشاعر يذكرها كما تذكرها صور الحياة، وكأنها تستكثر أن يكون هذا وعيا باطنا من ~~الشاعر وحسب، فيخيل إليها أنه كان ينقل الصورة تارة من ابنه «هامنت» وتارة من الطفل ~~وليام شكسبير كما بقي في وعيه من ذكريات صباه. ~~••• # وأغرب من هذا في القدرة على استكناه بواطن النفس ومحاكاتها على حقيقتها أن يقتدر شاعر في ~~القرن السادس عشر على عرض العلل النفسية بحدودها العلمية التي كشفت عنها دراسات العلماء ~~بتفصيلاتها ودخائلها في العصور المتأخرة، ولم يزل منها سر خفي ينكشف من غيابته العميقة ~~عاما بعد عام إلى هذه الأيام. # إن الأقدمين قد عرفوا حالات الجنون والبلاهة، وعرفوا أن الجنون فنون، وأن الهوى قد يداخل ~~العقول بمس من الجنون في الأصحاء، كما قال ابن الرومي: # أعيى الهوى كل ذي عقل فلست ترى # إلا صحيحا له حالات مجنون # غير أن هذه الحالات لم تعرف بتفصيلاتها وعوارضها التي تميزت بها قبل شيوع الدراسات ~~النفسانية على منهج العلم الحديث، ومنذ أواخر القرن الثامن عشر بدأت هذه الدراسات كأنها ~~دراسة واحدة ترتبط بموضوع واحد، ثم تفرعت على هذا الأصل الواسع فتخصصت منها دراسة لكل ضرب ms084 ~~من ضروب الخلل والشذوذ، وانفصلت كل علة بأعراضها وأسبابها فهي لا تتشابه في عشرات من ~~الشخصيات وإن شملتها كلمة الخبل أو كلمة الانحراف. # وأعرف العارفين بدخائل العلل النفسية اليوم هم الذين يستطيعون أن يراقبوا العلل في ~~مظهريها المختلفين : مظهر الشخصية المريضة، ومظهر الإنسان الصحيح الذي يصاب بلوثة من ~~الخبل والانحراف؛ فتشاهد آثارها في توجيه أفكاره وأعماله. # وهذان مظهران مختلفان، فإن الشخصية المريضة وحدة مشتبكة ترتبط فيها بعض الأعراض ويتلازم ~~فيها بعض البواعث، وتكاد الشخصية المصابة بعلة من العلل أن تنفرد بلوازمها وأعراضها فلا ~~تصلح لدراسة علة غير علتها ولا يصلح لها العلاج الذي تعالج به العلل الأخرى، فمريض العظمة ~~غير مريض السوداء، وكلاهما لا يشبه مريض الإجرام في جملة أعراضه وبواعثه، بل يختلف أحيانا ~~مرضى الإجرام فلا يتشابه مريض القتل والإيذاء، ومريض السرقة والاختلاس. # أما الشخصية التي تعتريها لوثة من لوثات الخبل والانحراف، فقد ينحرف مسلكها فيما يتصل ~~بهذه اللوثة وقد يبدو الخبل فيها كأنه بقعة طارئة، يجوز أن تصبغها كلها بصبغتها ويجوز أن ~~تلابسها بلون غير لونها، ولكنها على هذا وذاك بقعة طارئة وليست من مزاج الشخصية ~~وتركيبها. # فإذا ملك الطبيب النفساني زمام علمه فقصاراه أن يدرك صورة الشخصية المعتلة فلا يخلط بين ~~بواعثها وأعمالها وبين البواعث والأعمال التي تتميز بها شخصية مصابة بعلة أخرى، وقصاراه في ~~أمر العلة الطارئة أن يدرك موقعها من النفس وعلاقتها بالأعمال والبواعث التي تعرضت ~~لتأثيرها. # منذ بدأت الدراسات النفسية في أواخر القرن الثامن عشر - نشأت في عالم الأدب مدرسة النقد ~~التحليلي التي جعلت قوامها تحليل الأدب والأدباء من الناحية النفسية، واتخذت صدق التعبير عن ~~النفس معيارا لملكات الأديب، كما اتخذت أمانته للطبيعة معيارا لقدرته على حسن ~~الأداء. # ولم يكن اصطلاح العقل الباطن معروفا في أواخر القرن الثامن عشر، ولكن الناقد المحلل ~~وليام هوايتر ذكره باسم البواعث والنيات الخفية أو العميقة في كتابه الذي ألفه سنة 1794 ~~وسماه نموذجا من التعقيب على شكسبير، فكان مداره على النوازع الكامنة وراء أعمال الأبطال ~~والبطلات وأقوالهم التي ms085 ينساق إليها الأحياء بدافع من دوافع الشعور، يطيعونه وقل أن يدركوه. # 3 # ومضى بعد كتاب هوايتر قرن كامل في أشباه هذه البحوث والدراسات امتلأت فيه الأذهان ~~بأصداء الحديث عن النفس ودخائلها وأسرارها وعلامات السلامة والمرض فيها، ووقر في روع الجيل ~~كله أن العالم الحديث مصاب بداء الانحلال والاضمحلال، فشاعت على الألسنة كلمة «آخر زمن» # Fin de sicéle ~~، وطفق المتكلمون يرددونها كلما سمعوا عن ~~خبر من أخبار الغرائب والبدوات التي يحسبونها من علامات الانحلال والاضمحلال، كأنهم يحسبون ~~أيضا أن ختام السنوات في القرن يوافق ختام الزمن أو ختام العالم، وظهر في هذه الفترة كتاب ~~«الانحلال والاضمحلال # Degénération ~~» لمؤلفه الطبيب الكاتب ~~الألماني ماكس نورداو # Nordau # يقرر فيه أن أخلاق الجيل تنم ~~حقا على انحلاله واضمحلاله، ولكنه يستدل بذلك على أول العلامات في نظره وهو تفسيرهم عيوب ~~الأخلاق والآراء بنهاية القرن؛ إذ كانت نهاية القرن رقما من أرقام الحساب لا ارتباط بينه ~~وبين الواقع ولا أثر له في تدهور النفوس أو تقدمها، وإنه لرقم يدل على الانتهاء في حساب ~~التقويم الميلادي يقابله رقم يدل على الابتداء في التقويم الهجري، وقد يقابلهما رقم يدل على ~~التوسط في التقاويم الأخرى، ولا يقال من أجل ذلك إن العالم يحبو في طفولته أو يدب إلى ~~شيخوخته أو يعتدل في عنفوان الكهولة والاستواء، ثم استطرد الكاتب الطبيب إلى المقابلة بين ~~أدباء العصر ومن تقدمهم من الأدباء الأقدمين والمحدثين، فقال إنها مقابلة بين المرض والصحة ~~وبين الانحراف والطبيعة المستقيمة، واتخذ شواهده من أبطال شكسبير مستندا إلى حقائق الطب ~~والأدب، فقال - فيما قال - إننا نستطيع أن نتحرى أعراض هوس الاضطهاد وأعراض العته - مثلا - ~~من «شخصية» هملت وشخصية لير، كما نتقراها من الشخصيات الحية التي تروح وتغدو بيننا في معترك ~~الحياة. ~~••• # وتقدم العلم في القرن العشرين تقدما حثيثا في البحوث النفسية وتطبيقاتها على الفن ~~والأدب، وكلما نجحت نظرية منها طبقها النقاد على شخوص شكسبير كما يطبقونها على شخوص ~~الطبيعة، واستعانوا على توضيح النظرية بهذه المقابلة بين الشخوص التي اعتبروها بمنزلة واحدة ms086 ~~من الصدق والمطابقة، وكان فرويد - إمام النفسانيين - في أوائل القرن أحد الذين اعتمدوا على ~~هذه المقابلة في توضيح فكرته عن العلاقة بين الوعي الباطن وفلتات اللسان، بما اقتبسه من ~~الشاعر الألماني شيلر، ومن شكسبير. # وجاء العالم النفساني أرنست جونس # Jones ~~، فألف كتابه ~~المشهور عن سر هملت وعقدة أوديب وشرح فيه أعراض هذه العقدة في المصابين بها، فكان خلاصة ~~رأيه أن تصرف هملت يطابق تمام المطابقة تصرف الغيور الذي يتردد في الانتقام من غريمه؛ لأنه ~~يكره أن يصارح نفسه بسبب غيرته، وأنه كان يحس أن يمقت عمه لسبب آخر غير قتله لأبيه، وهو ~~مزاحمته إياه في حب أمه، فلا يندفع إلى قتله لأنه لا يملك إرادته التي شلها هاجس الإثم في ~~أعماق سريرته، وأوفى وأحدث من هذا البحث كتاب إيلا شارب الذي ظهر في سنة 1950 عن وجهة نظر ~~التحليل النفساني في شكسبير # 4 # فإنه ألم بشخوص أخرى على هذا النحو، تصدق فيها فروض علم النفس على شخوص ~~شكسبير كما تصدق على الأحياء. # وقد التفت فريق من علماء النفسيات المتخصصين لدراسة الجريمة إلى وجوه الشبه بين الحوادث ~~التي تجري في الواقع والحوادث التي تمثلها مسرحيات شكسبير، وقسموا حوادث الإجرام إلى عناصر، ~~أو أركان تتم بها الجريمة من دور النية إلى دور التنفيذ، فأدهشهم أن تتوافر هذه الأركان في ~~حوادث الواقع وحوادث المسرحيات على وتيرة واحدة، وأن يلاحظ الشاعر عناصر تكوين الجريمة من ~~الوجهة النفسية عفوا على البديهة، كأنه يتقراها ركنا ركنا كما ظهرت للمحققين فيها ~~والمعقبين عليها. # ومن العلماء الذين التفتوا إلى تحقيق هذه المشابهات الدكتور فردريك ورثام # wertham # من نيويورك، وقد عرضت عليه قضية الفتى الإيطالي ~~جينو الذي قتل أمه في السابعة عشرة لأنه أنكر سلوكها بعد موت أبيه، فأخذ في استقصاء أحوال ~~الفتى القاتل منذ خطر له خاطر القتل إلى أن أقدم على تنفيذ جريمته في مخدع أمه، فإذا الفتى ~~الإيطالي نسخة حديثة من هملت دون أن يسمع به أو يطلع على قصته، وإذا هما متماثلان في خواطر ~~التردد ms087 التي انتهت بالقتل في قضية جينو ووقفت دونه في مناظر المسرحية؛ لأن الأمير هملت أنف ~~أن يكون شبيها بالطاغية نيرون في فتكه وقسوته، وتشابه جينو وهملت عدا ذلك في عوارض القضية ~~وأوهامها، وأخصها اعتقاد كل منهما أن طيف أبيه يلاحقه ليحضه على الانتقام، وحرص كل منهما ~~على إشهاد أمه على نفسها وتوكيد سيئاتها ونزوات غيها، لتحسها ماثلة أمامها وتسمعها ~~بأذنيها. ~~••• # وعلى هذا المنهج روجت شخوص المسرحيات التي تحسب من الشخصيات المعتلة، وروجعت ~~العقد النفسية ومركبات النقص التي تأتي من صدمات الخيبة وصدمات الغيرة وصدمات التشويه ~~وعيوب الخلقة، وروجعت معها الأقوال وفلتات اللسان التي يفوه بها المصابون بجنون العظمة ~~أو جنون الاضطهاد أو جنون الحسرة والندم ووخز الضمير، فوجد المراجعون من نقاد التحليل ~~النفساني أنهم أمام طبيعة ثانية خلقها الفن على صفحات الورق، ونقلها من طبيعة الله فأحسن ~~نقلها غاية الإحسان. # وكذلك روجعت عوارض الحالات النفسية التي يشتغل بها علماء هذه الدراسات غير حالات الآحاد ~~من الأبطال والبطلات، وكانت البحوث النفسية قد استفاضت حتى شملت «الشخوص الاعتبارية» كما ~~يقال في مجازات القانون، وحتى شملت «الشخوص» الخيالية أو شخوص ما وراء الطبيعة كما يقال ~~في مجازات الشعر والأساطير، وقد خلق شكسبير جماعاته في روايات يوليوس قيصر وكريولينس وماكبث ~~وغيرها من المآسي والملهيات قبل أن يخطر على بال أحد أن شيئا يسمى علم النفس سيهتدي ~~إليه الباحثون، وأنهم سوف يطبقونه على شيء يسمى «نفسية» الجماعات والجماهير في حالات ~~الرضا والغضب، وحالات الاقتناع والاضطراب، فلم يكن صدقه في «وعي» هذه النفسيات المفروضة دون ~~صدقه في وعيه لنفسيات أبطاله من الرجال والنساء والأطفال، ولم يؤخذ عليه خطأ قط في تصويره ~~لحالات «الجماعة» وهي تنتقل من الاقتناع بشيء إلى الاقتناع بضده، ومن الهجوم لسبب تعرفه إلى ~~الهجوم حبا للهجوم في غير اكتراث لسبب أو غاية، ومن التسليم المحكوم بزمام إلى العبث ~~المنطلق من كل زمام، ولم يجد النقاد المعنيون بأطوار الجماعة فرقا بين مراقبة أحوالها في ~~الحياة العامة وبين مراقبة هذه الأحوال في كلماته وفي تضاعيف ms088 أقواله وإشاراته أثناء المناظر ~~والأدوار. # ولا يقال عن خلائق الخيال إنها تطابق الواقع أو لا تطابقه، وإنما تصدق أو لا تصدق ~~بمقدار تعبيرها عن خوالج النفس التي توحيها، ومقدار براعتها في الرمز إلى معانيها، وقديما ~~علم الناس أن ما يتخيلونه من الأطياف والغيلان إنما هي أشباح موهومة كأشباح الأحلام التي ~~يعبر بها النائم عن أشواقه وأوهامه ويخلع عليها صورها وأشكالها على عادة الخيال في تمثيل ~~المعاني بالمحسوسات، فإذا قيل عن خليقة من هذه الخلائق الخيالية إنها صادقة فإنما يقال ~~إنها خيال صحيح التعبير ورمز صادق الدلالة، وهذا هو المقصود بتطبيق البحوث النفسية على ~~خلائق الخيال. # يقول أديسون - وهو من كتاب أوائل القرن الثامن عشر في مجلته الإسبكتاتور - «إننا نحس ~~شيئا من الروعة والصدق في كلمات أشباحه وأرواحه وسحرته لا نملك معه إلا أن نحسبها كائنات ~~طبيعية، وليست لدينا كائنات نرجع إليها في تحقيق صورها، ولكننا لا نرى محيصا من الاعتراف ~~بأنها لو وجدت لتكلمت وتصرفت كما مثلها.» # ويقول وليام هازليت من نقاد القرن الماضي: «إن عالم الأرواح مفتوح أمامه كعالم الرجال ~~والنساء، وفي هذا من الصدق والحقيقة ما في ذاك؛ إذ لو كانت هذه الخلائق توجد لأمكن أن ~~تتكلم وتشعر وتعمل على الصورة التي صورها عليها.» # ورأي المحللين النفسانيين يوافق رأي أديسون وهازليت، ولكنهم يقولونه على أسلوبهم فيقولون ~~مثلهم إن خلائق الخيال في شكسبير «طبيعة» ثم يعنون بذلك أنها تعبير صحيح عن أحلام الطبيعة ~~البشرية حين تجيش بالأشواق والمخاوف التي ترسمها بلغة الرموز والأشكال المحسوسة، وأن شكسبير ~~ترك صور الأشباح والأرواح التي تخلفت عن القرون الوسطى ليستبدل بها أشباحا وأرواحا ~~تتقبلها طبيعة الإنسان بعد أن ارتفعت عنها كوابيس الفزع والجهالة من ميراث عصور الظلمات، ~~فهي طبيعية صادقة وإن لم تكن لها أشكال تدركها الحواس؛ لأننا نخلع أشكالا تماثلها على ~~عواطفنا التي نراها في الأحلام، ولو سئل الفنان المصور أن يعرضها لنا بفنه لاختار لها ~~أشكالا على الصورة التي اختارها الفنان الشاعر لإبرازها على المسرح للأنظار ~~والأسماع. ~~••• # رسالة شكسبير إذن هي ms089 رسالة الخلق الفني الموكل بالطبيعة الإنسانية يخلقها في صورها ~~الفنية، ويجسم لها ما يجول في سريرتها كأنها تحسه وتدركه على مشهد ومسمع منها، وليس في ~~جعبة النقد النفساني رسالة يطلبها من الشاعر أجل وأندر من هذه الرسالة في آداب الأمم؛ ~~ولهذا يستكثر بعض النقاد أن تصدر من قريحة واعية تقصدها وتشعر بصنيعها، ويخطر لهم أنها عمل ~~من أعمال الغريزة كعمل النحل في هندسة خلاياها وعمل العنكبوت في نسيج بيته وعمل العصفور في ~~بناء عشه، ولا نخالهم صنعوا شيئا ينقل هذه القدرة من القريحة إلى الغريزة؛ لأنها إن كانت ~~غريزة كما يحبون أن يسموها فهي غريزة نادرة جليلة الأثر ممتازة بين الغرائز الفنية من ~~قبيلها، وهذا على كون الغريزة ملكة «مخصصة» تنساق إلى عمل واحد وتعجز عن غيره، فلا تبني ~~العناكب خلية ولا تنسج النحل خيطا ولا يعرف الطائر طريقا غير الطريق التي تهديه إليها ~~غريزته الموروثة، وإنه لمن خوارق الطبائع أن توجد الغريزة التي تحسن إبداع كل صورة من ~~الصور الإنسانية وهي غافلة عما تصنع، ساهية عما تقصد إليه، فإن وجدت هذه الملكة فسيان أن ~~تسمى بالغريزة المطبوعة أو تسمى بالقريحة الفنية، فهذه هي العبقرية نصفها بما نشاء ~~من الصفات ونسميها بما نؤثر من الأسماء، وهذه مزية الخلق الفني التي امتاز بها الشاعر، يطول ~~فيها البحث والنظر كما يطولان في كل شيء يتعلق بخلق الإنسان، أما المزية التي أخرجت للعامل ~~خلائقها الفنية فلا نكران لها ولا جدال فيها. ~~••• # وقد أحاطت هذه الرسالة - رسالة الخلق الفني - بملكات شكسبير، وإن لاح لأول وهلة أنها ~~ملكات مستقلة كملكة البلاغة في جوامع الكلم، وملكة النزاهة في تصوير الشخصيات ~~المتناقضة. # فمن ملكاته في النظم والنثر وفرة الشواهد التي تجري مجرى المثل السائر، وتورد على ~~الألسنة والأقلام مورد جوامع الكلم ومواقع الفصل في الخطاب. # هذه بلاغة لسانية فيما يبدر إلى السامع لأول وهلة، ولكن البلاغة اللسانية لا تخلق مواضع ~~الشاهد ولا دواعيه ومناسباته، وإنما يخلقها الشعور بالحالة النفسية التي تمليها، وتتعدد ~~الشواهد كلما تعددت الحالات النفسية ms090 وطابقتها الكلمة عند قائلها وسامعها، وليس في وسع بليغ ~~أن يضع الشواهد على الألسنة قبل أن يحرك في النفس شعورها الذي يدعوها إلى التمثل ~~بكلماتها. # ومن ملكات الشاعر في تأليفه المسرحي نزاهته بين أبطاله وبطلاته، وهذه صفة أخرى من صفات ~~الخلق الفني وصدق الوعي في تصوير النظائر والنقائض من أحوال الطبيعة البشرية، فهو لا يكتب ~~الفواجع لأنه حزين متشائم، ولا يكتب الملهيات لأنه فرح متفائل، وهو لا يمثل الظلم في الموقف ~~الواحد لأنه يقسو مع الظالم ويشكو مع المظلوم، وإنما يعطينا الصورة صادقة لهذا وذاك، ويدع ~~لنا حين نلعن الظالم أن نلعنه حق لعنه لأنه ملأ صورته من البغي والشر، ويدع لنا حين نرثي ~~للمظلوم أن نوليه حقه من الرثاء لأنه ملأ صورته من الضعف والبراءة، وبديه أن هذه الرسالة ~~ليست برسالة الداعية الغيور الذي يجاهد في حومة واحدة ويتحرر لقبلة ميممة لا ينحرف عنها ولا ~~يعقل للحياة معنى بغيرها، فلا شأن لشكسبير بهذه الرسالة ولا هو ممن طبعوا على غرارها ~~واستعدوا بفطرتهم للاضطلاع بأعبائها، ولو تجرد لها لترك عملا يتقنه وتصدى لعمل لا يحسنه، ~~ولا خير في ذلك للفن ولا للدعوة، بل خسارة يضيع فيها الشاعر الخلاق في عالم الفنون ولا يزيد ~~فيها عدد المصلحين الغيورين. # والبصر الدقيق بعناصر الفجيعة والفكاهة تمام هذه المزايا التي تؤدي بها رسالة التأليف ~~المسرحي في مآسي شكسبير وملاهيه، فكل رواية من رواياته تدور على عنصرها من الفجيعة أو ~~الفكاهة، وتكاد تختص به ولا تشاركها فيه رواية أخرى على وتيرتها، وكل هذه العناصر يشف عن ~~إدراك عميق لتطور الزمن في فهم عوامل الفجيعة وعوامل الفكاهة؛ إذ تحل الطبيعة الإنسانية في ~~المكان الأول محل القدر والعرف من روايات الإغريق الأقدمين، فليس صراع القدر كل شيء تدور ~~عليه المأساة، وليست سيطرة العرف كل شيء تدور عليه الملهاة عند شكسبير، وإنما تدور كلتاهما ~~على باعث من بواعث الطبيعة الإنسانية في الأبطال أو في البيئة، ويهمنا من الرواية ما يهمنا ~~من أجل هذا الباعث الإنساني في قوته أو ms091 ضعفه وفي سموه أو إسفافه، ولا يمتنع أن تتحكم ~~الحوادث مرة كما تحكمت في مأساة روميو وجولييت، ولكننا نلتقي بالقدر هنا في صورة العصبيات ~~الجائرة التي تخلفت من بقايا القرون الوسطى، فهي هنا قد لبست ثوب القدر وقامت بالدور الذي ~~كان يتولاه في فجائع الأقدمين بمعزل عن إرادة الإنسان فردا وإرادة الناس مجتمعين. # وتنقسم مسرحيات شكسبير بأقسام تقابلها في النفس البشرية كما قال صاحب كتاب شكسبير وعلم ~~النفس: «فحيثما نظر إلى نفس الإنسان في عليائها فلدينا الدرامة التي تجنح جادة إلى عاقبة ~~أليمة أو عاقبة راضية، وحيثما يتفاقم هم النفس؛ فيستحيل ولعا بالأثرة والطمع والأبهة ~~فهنالك الفاجعة على أسوئها، وحيثما يستحيل غرام الإنسان بنفسه فينحدر إلى صغار الأنانية ~~والتيه وخديعة الطبع، وتتضاءل فيه الهموم، أو تتباعد الشقة بين توافه الأغراض وجلائل ~~العواقب - فهنالك الملهاة، وذلك أسلوب يضرب فيه شكسبير ضرباته على سواء وإنصاف - وإن مازجه ~~بالضحك والرفق والهوادة - كلما عرض لصغائر النفس وغلطاتها ومواطن ضعفها.» # 5 # تطور في إدراك عناصر المأساة والملهاة لم يأت عفوا واتفاقا، ولم يختلف فيه فن الإغريق ~~وفن النهضة لاختلاف الأساليب والأقلام، ولكنه هو الاختلاف المنظوم في ثمرات الفن الذي تمخضت ~~عنه عصور النهضة وعكفت فيه على رسالة جديدة: هي رسالة الإنسان. # | مصادر الروايات # أحصى مؤرخو المسرح عدد الروايات التي كتبت بالإنجليزية للتمثيل في السنوات العشرين بين ~~سنتي 1586-1606 فبلغ نحو مائة وخمسين رواية مستمدة من التاريخ المعروف بين أدباء الإنجليز ~~عند نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن الذي تلاه، وقد حدث هذا في تلك الفترة خاصة لأنها ~~كانت فترة تاريخية تهم التاريخ وتهتم بالتاريخ؛ إذ هي فترة اليقظة الوطنية في الجزر ~~البريطانية، بلغت حماسة القوم فيها لتاريخهم ومعالم حياتهم الغابرة والحاضرة غايتها على أثر ~~الشعور بالخطر من جانب الدول الكبرى في القارة، وأعظمها يومئذ إسبانيا وفرنسا، وزادهم النصر ~~حماسة على حماسة فنشطوا لإحياء تراثهم الغابر على علاته، وأقبلوا على كتابة التاريخ وجمع ~~أسانيده وتمثيل مشاهده إقبالا لم يكن معهودا بينهم قبل ذلك، ولعلهم لم يعهدوا ms092 له نظيرا ~~بعد القرن السابع عشر إلى القرن العشرين. # ويعنينا هذا الإقبال على إحياء التاريخ في عصر شكسبير من جانب الفن المسرحي ومن جانب ~~الدلالة على معنى التأليف المسرحي في تلك الفترة، فلا يخفى أن اقتباس المسرحية التاريخية من ~~مصدر معلوم أمر مفروغ منه بين مؤلفي الرواية وقرائها والناظرين إلى حوادثها ومشاهدها وشخوص ~~أبطالها على مسرح التمثيل، فلا ينتظر أحد من الشعراء والنظارة أن يأتيه المؤلف بتاريخ من ~~عنده ولا يحمد منه ذلك إذا أتاه بالتاريخ مخترعا ملفقا منقطع السند في جملته وتفصيله، ~~وإنما هم ينتظرون منه أن يعرض لهم شيئا يعرفونه ولا يطالبونه بغير إتقان عرضه وترتيبه ~~وتهيئة المناظر فيه والأقوال لإشباع ما عندهم من الشوق والشعور بالحادث المكتوب في صفحاته ~~الصامتة، فإذا تسنى للمؤلف أن يشبع هذه الرغبة فذلك حسبه من الوفاء بحق التأليف وحق ~~التأثير من طريق التمثيل، وقد أجازوا له - بل أوجبوا عليه أحيانا - أن يعيد تأليف الرواية ~~التي كتبها المؤلفون قبله ولم يدركوا بها تلك الغاية، ولعله كان مسؤولا عندهم عن استدراك ~~هذا النقص مشكورا عليه ولم يكن في عمله ما يعاب أو يحسب عليه من قبيل العجز أو من قبيل ~~العدوان على عمل الآخرين، وينبغي أن نستحضر في أخلادنا هذا الخاطر لنفهم منه معنى التأليف ~~المسرحي ومعنى التجويد فيه، فإن التجويد فيه قد كان يستدعي إعادة النظر فيما كتب للمسرح ولم ~~يظفر بالرضا والاستحسان من النظارة والنقاد، ومن صنع ذلك فقد لبى الطلبة المحسوسة ولم ~~يخالف العرف المتفق عليه. # قال جون هامبدن # John Hampden # في التعقيب على رواية الملك ~~جون: «إن شكسبير لم يخترع موضوعات رواياته، بل كان يأخذ القصص والشخوص والحوادث حيثما ~~اتفقت له وراقت لديه، ومنها - على سبيل المثل - روايات سابقة، وسير مشهورة، وتراجم من ~~بلوتارك، وحكايات من الإيطالية يعلم أنها معروفة بين النظارة، ولكنها في عصرنا هذا تحسب ~~في عداد السرقات التي لا تطاق، خلافا للعرف الذي كان يحسبها القاعدة المصطلح ~~عليها.» # والمهم في هذه الحالة أن توجد الفكرة عن التأليف ms093 المسرحي بهذا المعنى، فإذا تعود ~~الناس أن يشهدوا على المسرح حوادث وشخوصا يعرفونها ويترقبون عرضها في سياق التمثيل فهم لا ~~يقصرون ذلك على التاريخ وحوادثه وشخوصه، بل يقبلونه ولا يستغربونه إذا تمثل لهم في حوادث ~~القصص المطروقة والحكايات الشائعة والأخبار الحاضرة، وما إليها من المألوفات والمحفوظات، ~~وكأنهم يتعودون أن يسألوا أنفسهم كلما خطرت على بالهم قصة من القصص النادرة أو المتداولة: ~~ترى كيف تكون هذه القصة لو شهدناها على المسرح؟ وكيف تبدو لو كتبها ذلك المؤلف أو مثلها ~~ذلك الفنان؟ وكيف تتراءى مناظرها وتقع كلماتها وراء الستار في هذا المسرح أو ذاك؟ # وقد كان لفهم التأليف المسرحي بهذا المعنى أثره في تقدير الفن المسرحي وتقرير مكان المسرح ~~في الحياة الفنية والحياة الاجتماعية، فكان من هذا الأثر استقلال الكتابة المسرحية وكفاية ~~الفن المسرحي بذاته، فتعود الناس أن يروا ما يعرض على المسرح عملا مكتفيا بذاته ~~مهما لأسلوب عرضه وأدائه، غير متوقف على القصة ولا على الحادثة ولا على التاريخ نفسه، ~~وربما كان من أثره أيضا إباحة الخروج على التقاليد المرعية في توحيد الزمن والمكان ~~والواقعة، فما صلح للعرض على المسرح بالغا من نفوس النظارة مبلغه المطلوب فلا حرج عليه أن ~~تتفرق فيه المواقع والأوقات ما أمكن جمعه في نطاق المسرح ومناظره المستطاعة بحيلة من الحيل ~~التي لم تكن ميسورة في تمثيل الروايات الإغريقية واللاتينية، بل ربما كان لكفاية الفن ~~المسرحي بذاته أثره في إباحة التصرف بترتيب الحوادث التاريخية وترتيب أماكنها وأوقاتها، أو ~~في إخضاع التاريخ على المسرح لمقتضيات التمثيل سواء نشأت هذه المقتضيات من ضرورات التوفيق ~~بين الوقائع والمناظر أو من دواعي التحسين والتجميل؛ لاسترعاء النظر وإبلاغ الأثر المقصود ~~واستثارة الشعور على الأسلوب المأثور، ولهذا أجاز شكسبير وغيره في رواياتهم التاريخية أن ~~يخالفوا سرد الحوادث على علمهم بحقيقتها في كثير من الحالات، وفعلوا ذلك كما يفعل المصور ~~الذي يظهر الإنسان المرسوم بجانب واحد على حسب الموقع أو حسب الوجهة التي ينظر إليه ~~منها، وهو ولا شك يعلم أنه ينظر إلى إنسان ms094 ذي جانبين متقابلين، ومن المؤلفين من كان يستبيح ~~هذا التصرف بحوادث التاريخ على تفاهم بينه وبين النظارة والقراء؛ لأن ما وقع من هذه ~~المخالفات التاريخية لم يكن كله مجهول الحقيقة ولم يكن شيء منه عبثا لغير مزية فنية أو ~~ضرورة عملية، ولا يمنع هذا أن يكون بعضه قد وقع فيه المؤلف والنظارة عن جهل بتفصيل حقائق ~~التاريخ. # وقلما اتفق لشكسبير مصدر من مصادر التاريخ أو الخبر أو الحكاية، فاستغنى في إعداده للمسرح ~~عن شيء من الصقل والتحوير أو عن شيء قليل من التبديل والتغيير، إلا أنه كان يقصد ما استطاع ~~في المساس بما يعلمه من أصول الحوادث التاريخية ويستعين على اتقاء ذلك بامتداد الزمن واتساع ~~الموضوع، فينقسم العهد الواحد أقساما مستقلة ويتحرز بذلك من المداخلة بين أنبائها والخلط ~~بين أجزائها وأسمائها، أما ما اتفق له من حكاية أو أسطورة تصلح للمأساة أو للملهاة، فلم يكن ~~يبالي أن يأخذ منها ما يشاء وينبذ منها ما يشاء، وأن ينقلها من موطن إلى موطن ويخرج بها من ~~زمن إلى زمن ويفصل بين أطراف القصة الواحدة، ويجمع بين أطراف القصص المتعددة، ولا يرى لها ~~حقا من الحفظ إلى جانب الاجتهاد في إبرازها للمسرح على الوجه الذي يرتضيه. # ومصادره من حيث الوضوح ورجاحة السند تنقسم أقساما ثلاثة: مصادر التاريخ، ومصادر المأساة، ~~ومصادر الملهاة. # فمصادر الروايات المستمدة من تاريخ الجزر البريطانية تكاد تنحصر في مصدر واحد، وهو ~~الموسوعة التاريخية التي شرع الناشر ريجنالد ~~وولف # Reginald wolfe # في إعدادها وتبويبها للإحاطة بأخبار العالم القديم والحديث، ثم مات ~~قبل إتمام العدة لها، فلم يظهر منها غير أجزاء خاصة بالجزر البريطانية، أهمها ما كتب بقلم ~~هولنشد # Holinshed ~~، وعليه كان تعويل شكسبير في سلسلة ~~رواياته التاريخية. # على أنه كان يرجع أحيانا إلى مصادر من المسرحيات التي كتبت قبل تمثيل مسرحياته كرواية ~~«عهد الملك جون المضطرب» التي لم تنسب إلى مؤلف معروف، ويتعمد الشاعر في اختيار مصادره من ~~هذا القبيل أن يحيي الموضوعات التي تصلح للعرض على المسرح ولكنها حبطت لنقص ms095 في التأليف ~~وإعداد مناظر التمثيل. # وله مسرحيات تاريخية مستمدة من غير تاريخ الجزر البريطانية معروفة المصادر محسوبة في عداد ~~المآسي ولم يحسبها في عداد التاريخيات المقصورة في مجموعة أعماله على تاريخ إنجلترا أو ما ~~جاورها، وهي روايات: كريولينس، ويوليوس قيصر، وأنتوني، وكليوبترة. وكلها من سير بلوتارك في ~~تاريخ الرومان، وقد كانت مشهورة متداولة في أصلها اللاتيني ، وترجمت عن الفرنسية إلى ~~الإنجليزية بقلم سير توماس نورث سنة 1579، ثم تبعتها طبعتان أخريان مع زيادة في السير ظهرت ~~أولاهما سنة 1595 وظهرت الثانية سنة 1603، وكانت هذه السير مادة غزيرة للشاعر في رواياته ~~الرومانية، وفي رواية تيمون الأثيني ينقل منها الحوادث وينقل منها العبارات المطولة بنصوصها ~~مع تنقيح بعضها؛ لجلاء المعنى أو لموافقة أسلوب الخطابة والحوار في التمثيل. # ولقد كانت سير بلوتارك أهم المراجع في رواياته الرومانية، ولكنها لم تكن مرجعه الوحيد ~~فيها ولا في غيرها، فإنه كان يتمم النادرة الواحدة من مرجعين أو أكثر كلما وجد لها مزيدا ~~من التفصيل في المراجع الأخرى، ومن أمثلة ذلك نادرة المعدة والأعضاء في رواية كريولينس، ~~فإنه استوفاها من بلوتارك وليڨي # Livy ~~، وأضاف إليها تفصيلا ~~آخر من كتاب البقايا الذي لخص فيه المؤرخ وليام كامدن تواريخه المطولة. # 1 ~~••• # أما روايات المآسي فيندر التحقق من جميع مصادرها، ويكثر التردد فيها بين المظان المشتركة ~~من كتب مطبوعة وأخبار مسموعة وأساطير متناثرة يضاف إليها أو يقتضب منها، كلما تناقلها ~~الرواة بين لغة ولغة أو بين أمة وأمة. # وعدة هذه المآسي - عدا التاريخية الرومانية - ثمان، هي: تيتوس أندرونيكس، وروميو ~~وجولييت، وهملت، وترويلس وكرسيدا وأوتلو، والملك لير، وماكبث، وتيمون الأثيني. # فيرجح أن تيتوس أندرونيكس # Titus Andronicus # مأخوذة من ~~أحدوثة شعبية كانت شائعة في أوروبة الوسطى عن زعيم من زعماء الأساطير الرومانية بنيت ~~عليها قصص شتى في جرمانيا وهولندة، ضاعت ولم يبق منها غير النتف المتفرقة التي أدركها ~~شكسبير في عصره وأدخل عليها بعض المناظر من تصانيف الأديب الروماني سينكا # Senca ~~، وقصائد الشاعر الروماني أوڨيد # Ovid ~~، وبقايا المسرحيات المنسية، ولولا أن محاسن الرواية ms096 تشبه محاسن ~~شكسبير لغلب على الظن أنها مدخولة عليه. # وأقرب المصادر التي اقتبس منها شكسبير رواية روميو وجولييت قصة شعرية للأديب الإنجليزي ~~أرثر بروك # Brook # المتوفى سنة 1563 مستمدة من القصص ~~الإيطالية التي ظهرت بين القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، ومنها قصة لماسشو # Masucco # وقصة للويجي ~~دي بورتو # Luigi Deporto # وقصة لباندلو # Bandello # وقصة ~~لبويستيو # Boaistuau ~~، وهو المرجع الذي اعتمد عليه بروك في ~~أكثر فصول قصيدته، وقد كان للقصة مرجع إنجليزي آخر في عهد شكسبير هو كتاب وليام بينتر Painter # المسمى قصر ~~المسرات Pallace of pleasure ~~، وفيه جمع الكاتب طرائف منوعة من الأقاصيص والأخبار الإيطالية ~~الحديثة والرومانية القديمة. ~~••• # ويرجح الشراح أن رواية هملت # Hamlet # مستمدة من رواية ~~ضائعة كتبها توماس كيد # Kyd ~~، وأخذ حوادثها من كتاب فرنسي ~~بقلم فرانسوا بلفورست # François de Belleforest # نقل فيه قصة ~~هملت من كتاب تاريخ الدانيين # Historia Danica # الذي ألفه ~~مؤرخ دنمركي يسمى سكسو ~~جرمتيكس # Saxo ~~Grammaticus # عاش في القرن الثاني عشر وكتب تاريخه باللغة اللاتينية، ووردت قصة ~~هملت منه في الكتابين الثالث والرابع، وقد عرفت قبل شكسبير رواية بهذا الاسم مثلت في ~~سنة 1594 تنسب إلى توماس كيد # Kyd ~~، ولم يبق منها إلا ~~الشذرات التي وردت في كتاب بلفورست، ولم يعرفها قراء اللغة الإنجليزية قبل سنة 1608 التي ~~ترجم فيها الكتاب الفرنسي إلى هذه اللغة. # وترجع رواية ترويلس وكرسيدا # Troilus and Cressida # إلى ~~حرب طروادة، ولكنها ترددت في شعر الشاعر الإنجليزي شوسر # Chaucer # ونظمها الشاعر الأيقوسي روبرت هنريسون # Henryson ~~(1430-1506م) مؤلف حكايات إيسوب المشهورة، وبنيت عليها مسرحيات ~~لم يبق لها أثر في عصر شكسبير. # أما رواية أوتلو # Othello ~~(والأرجح أنها محرفة من اسم عبد ~~الله الذي ينطق بالإيطالية «أبتلو»، ويسهل تحريفه مع جرس اللغة في الأسماء إلى أبتلو ~~وأوتلو) فقد ذكرت قصتها في «المئوية» # Hecatommithi # التي ~~جمع فيها الأديب الإيطالي جيوفاني جيرالدي # Giraldi # سنة ~~1504-1573م مائة وثلاثين نادرة على منهاج نوادر ألف ليلة وليلة، وضمنها نادرة المغربي ~~وزوجته ديدمونة، وترجمت كلها إلى الفرنسية ms097 والإسبانية قبل أن تترجم إلى ~~الإنجليزية. # ويرجع الشراح برواية الملك لير # King Lear # إلى مصادر ~~متعددة بين تاريخية وقصصية وملاحم شعرية، ومنها مسرحية لمؤلف مجهول عنوانها (الملك لير ~~وبناته الثلاث) كتبت سنة 1594 ولم تنشر قبل سنة 1605، ومنها تاريخ هولنشد الذي تقدم ~~ذكره، ومنها قصائد ملكة الجن # Fairy Queen # للشاعر ~~سبنسر # Spencer # وملحمة وارنر # Warner # المنظومة في وقائع التاريخ بالجزر البريطانية. # وعلى تاريخ هولنشد - أيضا - عول الشاعر في اقتباس قصة ماكبث، ولا يبعد أنه أخذها من ~~المصدر اللاتيني الذي اعتمده هولنشد، وهو تاريخ أسكوتلاندة تأليف هكتور بويس # Boyce # العالم الأسكوتلاندي الذي تولى تدريس التاريخ زمنا ~~بجامعة باريس، وقد ترجم كتابه إلى الإنجليزية سنة 1563، ولكن شكسبير مزج القصة بطرف من ~~أخبار الملك داف # Duff # التي اشتملت على خبر مفصل عن مقتل ~~الملك بيد نبيل من زعماء دولته. # ومرجع الرواية التي كتبها شكسبير بعنوان تيمون ~~الأثيني # Timon of Athens # إلى عدة مواضع من سيرة مارك أنتوني وسيرة ألسبيادس # Alcibiades # في كتاب بلوتارك، وربما نظر فيها إلى محاورات ~~لوسيان # Lucian # وإلى كتاب قصر المسرات لمؤلفه بينتر ~~المتقدم ذكره مع مسرحية باسم تيمون كاره البشر، كتبت سنة 1585. ~~••• # وتأتي بعد مصادر المآسي والتاريخيات طبقة أخرى من المصادر دونها في الثقة والقيمة ~~الثقافية، وهي مصادر الملهاة. # فيمكن أن يقال على الجملة إن مصادر التاريخيات ومصادر المآسي في كثير من الأحيان تتطلب ~~من المؤلف اطلاعا على الكتب في لغته وفي اللغات الأجنبية، ومعظمها مما يدرسه المثقفون أو ~~يتأدبون بالاطلاع عليه، ولكن مصادر الملهاة على الأكثر «شفوية» أو كالشفوية في مادتها؛ ~~لأنها تجمع في الصفحات ما يتداوله جمهرة الناس من الحكايات والنوادر التي تشمل أحيانا ~~عجائب السحرة والعفاريت وخلائق الأساطير والخرافات، وقد تقوم الملهاة على إشاعة من إشاعات ~~الثرثرة واللغط في المجتمع على اختلاف طبقاته، فلا يعلم بعد عصرها من أين وصلت إلى المؤلف ~~ومن هم المقصودون بما تعرض له من الإشارات والمضامين. # وهذه المصادر تدل على تفرقة المؤلف والنظارة في ذلك العصر بين قيمة المسرحية التاريخية أو ms098 ~~المأساة وقيمة المسرحية الفكاهية من الوجهة الفنية، فهم لا يحفلون باختيار مصادر الملهاة ~~كما يحتفلون باختيار المصادر التاريخية أو وقائع الجد والخطر، ويدل هذا من جهة أخرى على شأن ~~المصدر عندهم في تأليف الرواية المسرحية على العموم، فهم لا يطلبون من المؤلف أن يبتدع لهم ~~موضوعا يرونه على المسرح لأول مرة، بل يكفيهم منه، أو هم يطلبون منه في الواقع، أن يمثل ~~لهم ما يتحدثون به ويتسامعونه في الصغر في البيوت والأندية، ولا يعنيهم وهم يذهبون إلى ~~المسرح أن يسألوا: ما هي القصة؟ كما يعنيهم أن يسألوا: كيف يمثل لنا المؤلف هذه القصة التي ~~نقرأها في الكتب أو نتحدث بها في الأسمار؟ # وتحتوي مجموعة شكسبير ست عشرة ملهاة مع حسبان رواية بركليز وسمبلين من الملهيات خلافا ~~لتقسيم بعض المجاميع الأولى، وهي رواية الأغلاط والسيدان من ڨيرونا، وترويض السليطة، وضيعة ~~الحب، وحلم ليلة صيف، وتاجر البندقية، وزوجات وندسور المرحات، ولجاجة في غير طائل، وكما ~~تهوى أو كما تهوون، والليلة الثانية عشرة، والعبرة بالخواتيم، ودقة بدقة، ونادرة الشتاء، ~~والعاصفة، وبركليز، وسمبلين. # فرواية الأغلاط مأخوذة من مناظر متفرقة من روايات الشاعر الروماني بلوتس Plautus ~~(254-148ق.م) والشاعر الإنجليزي جون جوار # Gower ~~(1331-1408م)، ولا يعلم هل اطلع شكسبير على رواية ~~التوأمين لبلوتس باللاتينية أو اطلع عليها مترجمة مخطوطة بقلم وليام وارنر # Warner # عند اللورد هندسون # Hunsdon ~~؛ لأن وارنر قدمها إلى اللورد في سنة 1594 قبل نشرها بسنة واحدة، ~~وكان شكسبير من الأدباء ذوي الحظوة لديه. # ورواية السيدان من ڨيرونا # The Two Gentlemen of Verona # يعرف من مصادرها ما يدور حول موقف بروتيوس وجوليا وهو مشابه لمثل هذا الموقف في رواية ~~إسبانية باسم فليكس ~~فيلمونا # Felix and ~~Felismena # للشاعر جورج ~~ديمنتماير # Jorge Demontemaior # ترجمت إلى الفرنسية سنة 1578 وإلى الإنجليزية سنة 1582، ثم ~~نشرت سنة 1598، ولا يعلم مرجع محقق لسائر مناظر الرواية إلا أن يكون في إحدى الروايات ~~التي مثلت على مسرح القصر الملكي في سنة 1585 مشابه من المناظر الباقية، وموضوعها علاقة ~~غرامية بين فليكس وفيليمونا ms099 # Felix and Philiomena # تقارب ~~هذه العلاقة في الرواية الإسبانية، وقد ضاعت الرواية منذ عصر شكسبير. # ورواية ترويض السليطة # The Taming of the Shrew # مصدرها ~~مسرحية لمؤلف مجهول ظهرت سنة 1549 وبعض شخصياتها كشخصية السكير التائب منظور فيها إلى قصص ~~ألف ليلة وليلة، ومن قصص موريل # Morel # قصة تشبهها عن الزوجة ~~الملعونة ظهرت سنة 1560، وللشاعر الإيطالي أريستو # Ariosto # قصة توصف فيها المرأة العصية وصفا يقارب وصف البطلة في رواية شكسبير. # ولا يعرف لرواية عناء الحب ~~الضائع # Love’s Labour’s Lost # مصدر مكتوب أو مسموع، ولكنها قد تشير إلى أنصار هنري ناڨار وخصومه ~~في نضاله للمطالبة بعرش فرنسا. # ورواية حلم ليلة صيف # Midsummer Night’s Dream # ليس لها ~~مصدر معروف، ولكن قصة الحب بين ثيسوس وهينوليت موجودة في نوادر الشاعر شوسر وفي سيرة ~~ثيسوس # Theseus # من سيرة بلوتارك، وما في الروايات من ~~حكايات الجنة والأطياف من المرويات الشائعة بين الشعب الإنجليزي وسائر الشعوب على نحو من ~~الأنحاء. # ورواية تاجر البندقية # Merchant of Venice # لها مصادر ~~موزعة بين الحكايات الشعبية والقصائد القصصية أشهرها حكاية للأديب الإيطالي سير جيوفاني ~~كتبها سنة 1558، ويظن أن الشاعر نظر فيها إلى مسرحية مفقودة باسم «اليهودي» وإلى رواية ~~مارلو # Marlowe ~~«يهودي مالطة». # ورواية زوجات وندسور المرحات # The Merry Wives of Windsor # تجري على نمط معروف في عصر النهضة الذي كثرت فيه الأقاصيص عن المرأة المرحة والزوج المضحك ~~والعشيق المختبئ في زوايا المنزل، ويقال إن الرواية وضعت لأن الملكة اليصابات أبدت رغبتها ~~في مشاهدة البطل المضحك فلستاف # Falstaff # في دور العاشق ~~المغازل، وفي الرواية إشارة إلى زيارات بعض الأمراء الأجانب للبلاد الإنجليزية. # ورواية لجاجة في غير طائل # Much Ado About Nothing # مقتبسة ~~من حكاية للأديب الإيطالي بندلو # Bandello # ترجمها بلفورست ~~إلى الإنجليزية ومن حكاية للأديب الإيطالي أريستو ترجمها السير جون هارنجتون إلى ~~الإنجليزية، ومن قصة ملكة الجنة للشاعر الإنجليزي سبنسر، وفيها مواقف لم ترد في إحدى هذه ~~الحكايات. # ورواية كما تهوى # As You like it # مقتبسة من رواية ~~روزالند # Rosalyned # التي ألفها ms100 توماس لودج # Lodge # سنة 1590، ولم تطبع قبل طبعتها الأولى سنة 1721، ~~ولكنها كانت من المحفوظات المتداولة في أيام شكسبير. # ورواية الليلة الثانية عشرة # Twelfth Night # تأخذ قليلا ~~من رواية «الوداع للجندية» التي ألفها برنابي ~~ريش # Barnabie Riche # في سنة 1581، وبناها على قصة بندلو الإيطالي المسماة بحكاية ~~أبولونيوس وسيلا # Apolonius and Silla ~~(1554) وهي ~~مستقاة من ملهاة إيطالية أخرى ظهرت في سنة 1531. # ورواية العبرة بالخواتيم # All is Well that ends Well # من ~~حكايات بوكاشيو في الديكامرون كما نقلها بينتر في كتابه قصر المسرات (سنة 1566م). # ورواية دقة بدقة # Measure for measure # من مسرحية ~~پروموس وكسندرا Promos and Cassandra # التي ألفها جورج ~~هويتستون من فصلين، واستعار حوادثها من حكاية وردت في المائة والثلاثين حكاية تأليف جيرالدي ~~الذي تقدم ذكره. # ورواية نادرة الشتاء # Winter’s Tale # مستمدة من قصة للأديب ~~الإنجليزي روبرت جرين # Green # اسمها باندوستو Pandosto # أو انتصار الزمن (سنة 1588). # ورواية العاصفة # The tempest # لا يعرف لها مصدر محدود، ~~ولكن أخبارها في الأدب الإيطالي مستفيضة من قبيل الأحدوثات الشعبية، ويوافق تاريخ الرواية ~~عدة كشوف وأخبار عن غرق السفن الكشفية، ومنها كشف جزائر برمودة. # أما روايتا بركليز Pericles # وسمبلين # Cymbeline ~~- وتحسبان أحيانا في عداد الملهيات - فالأولى ~~منهما مأخوذة من أشتات متفرقة في اللغات الأوروبية جمعها في اللغة الإنجليزية لورنس توين # Lawrence Twine ~~(سنة 1576) وظهرت لها خلاصة سابقة في ~~قصائد الشاعر المتقدم. # وثانيتهما «سمبلين» ترجع إلى أصل تاريخي في كتاب هولنشد وإلى الأحدوثات الشعبية التي ~~لخصها بوكاشيو في قصة برنابو الجيني، وربما لحظ فيها شكسبير بعض الوقائع في المسرحية ~~المسماة «نوادر النصر في الحب والحظ» # The Rare Triumphs of Love and ~~Fortune # وهي لمؤلف مجهول مثلت أمام الملكة اليصابات في سنة ~~1589. ~~••• # وينبغي - مع الإلمام بمصادر الملهيات جميعا - أن نذكر أنها لا تعدو التقدير والتقريب، ~~وأن كل مصدر منها في الواقع إنما هو جزء صغير من مصادر منوعة يحيط به شكسبير من طريق ~~الاطلاع أو من طريق السماع أو هو الجزء الذي تتيسر الدلالة فيه على موضع محدود ms101 على وجه الظن ~~والاحتمال، وفيما عداه لا تخلو رواية من إلمام بالأحدوثات الشعبية والإشاعات الرائجة ~~والأساطير المروية عن السحرة والأرواح الخفية يصعب التثبت من ورودها على خاطر شكسبير أثناء ~~كتابته لهذه الرواية أو تلك في هذه الفترة أو في غيرها من حياته الفنية. ~~••• # وتقترن بجهود الشراح لاستقصاء المصادر جهود مثلها لاستقصاء تواريخ التأليف والتمثيل؛ لأن ~~دراسة شكسبير تستلزم العلم بهذه التواريخ لأغراض مختلفة. # تستلزمها لترتيب السابق واللاحق من الروايات والاهتداء إلى روح العصر التي توحي إلى ~~شكسبير كما توحي إلى معاصريه أن يؤلفوا الروايات المتعددة حول موضوع واحد، وتستلزمها للبحث ~~في تطور الشاعر لغة وفنا ودراية بالحياة والناس وخبرة بالصناعة المسرحية ورياضة النظارة ~~وجمهرة القراء. # تستلزمها للوقوف على ارتباط المناسبات في حياة الشاعر اليومية ومناسبات الحوادث التي وقعت ~~في عصره وأومأ إليها في طوايا المناظر والفصول؛ مما يساعد على تصحيح نسبة الروايات إلى ~~مؤلفها، وبخاصة بعد شيوع الشك في نسبة جميع الروايات إلى شكسبير. # وللشراح وسائلهم المستطاعة في تصحيح التواريخ وربطها بأعمال شكسبير وأعمال معاصريه، ومنها ~~مراجعة الأوراق المتخلفة من سجلات الترخيص بالنشر والتمثيل، ومنها المذكرات التي دون فيها ~~مديرو المسارح مواعيدهم وحساباتهم وأسماء معامليهم، ومنها الإشارات التي وردت في أقوال ~~الكتاب والنقاد وزملاء الشاعر ومنافسيه، ومنها المضاهاة بين الأقوال والحوادث واستخراج ~~الدلالة من الأقوال على الحوادث ومن الحوادث على الأقوال. # والذين تصدوا لهذه الدراسة الدقيقة أقطاب ثقات من علماء للأدب والتاريخ المتخصصين للبحث ~~في أمثال هذه المشكلات، ولكنهم على حصافتهم واجتهادهم وإخلاصهم في عملهم لم يخرجوا من ~~بحوثهم الطويلة بنتيجة تتفق عليها آراؤهم ويتقبلها القراء المطلعون كأنها فصل ~~الخطاب. # فلم يتوفر على دراسة شكسبير منذ القرن التاسع عشر أحد أولى بتصحيح أخباره وتواريخه من ~~شيمبرز ولي وآدمز من أعلام الأدب بين المتكلمين بالإنجليزية. # تفرغ إدموند شيمبرز # Edmund Chambers # لمباحث المسرح في ~~القرون الوسطى وفي عصر الملكة اليصابات على الخصوص، وألف كتاب المسرح في القرون الوسطى في ~~مجلدين، وكتاب المسرح اليصاباتي في أربعة مجلدات وكتاب وليام شكسبير عن الشاعر وأيامه ms102 ~~وأعماله. # وعكف سدني لي # Sidney Lee # على التنقيب الواسع عن تاريخ ~~ستراتفورد من أقدم العصور إلى وفاة شكسبير، وألف كتابه الحافل عن الشاعر، كما ألف عن شكسبير ~~وعصر النهضة الإيطالية، وعن شكسبير والمسرح الحديث، وأعاد طبعة شكسبير كما ظهرت في أيامه مع ~~التنقيح والاستدراك، واجتمعت له من أسباب التنقيب عن التراجم عامة محاصيل من الكشف ~~والاستنباط قلما اجتمعت لغيره في زمانه؛ لأنه أشرف على إعداد موسوعة التراجم القومية بضع ~~سنوات. # وتصدى لهذا البحث عالم أمريكي يضارع هذين العالمين في حسن النظر وسعة الاطلاع وأمانة ~~المعرفة، هو الأستاذ جوزيف كوينسي ~~آدمز # Joseph Quincy Adams # الذي ألف عن مسارح شكسبير كما ألف عن ترجمته وأعماله، وأشرف زمنا ~~على مكتبة فولجر # Folger # التي لا نظير لها في المكتبة ~~الشكسبيرية؛ لأن صاحبها فولجر أنفق ملايين الجنيهات التي كسبها من التجارة والصناعة في شراء ~~الذخائر والمخلفات التي تتصل بأعمال الشاعر وأخباره، ومنها تسع وسبعون نسخة من طبعته الأولى ~~وأكثر من مائتين من الكراسات المتفرقة، عدا التعليقات والشروح والتحف الأثرية النادرة التي ~~لا تنحصر في مكتبة واحدة غير هذه المكتبة، ومع هذا خرج هؤلاء الأقطاب الثلاثة بنتائجهم التي ~~تناقضت فيها الفروض والتقديرات كما نرى في المقابلة بينها في الجداول ~~التالية: # الرواية # شيمبرز # لي # آدمز # 2 هنري السادس # 1590-1591 # 1592 # 1592 # 3 هنري السادس # 1592 # 1592 # 1 هنري السادس # 1591-1592 # 1592 # 1594-1595 # 1598-1599 # 3 ريتشارد # 1592-1593 # 1593 # 1595 # رواية الأغلاط # 1592 # 1588-1589 # تيتوس أندرونيكس # 1593-1594 # 1593 # ترويض السليطة # 1595 # 1597 # السيدان من فيرونا # 1594-1595 # 1591 # 1592-1594 # ضيعة الحب # 1591 # 1592 # روميو وجولييت # 1592 # 1593-1596 # 2 ريتشارد # 1595-1596 # 1593 # 1595 # حلم ليلة صيف # 1594 # 1596 # 1595 # الملك جون # 1596-1597 # 1594 # 1595 # تاجر البندقية # 1594 # 1597 # 1 هنري الرابع # 1597-1598 # 1597 # 1597 # 2 هنري الرابع # 1597 # 1597-1598 # لجاجة في غير طائل # 1598-1599 # 1599 # 1599 # هنري الخامس # 1598 # 1598 # يوليوس قيصر # 1599-1600 # 1600 # 1599 # كما تهوى # 1599 # 1599 # الليلة الثانية عشرة # 1600 # 1599 # هملت # 1600-1601 # 1602 # 1601 # زوجات وندسور # 1597 ms103 # 1598 # تروليوس # 1601-1602 # 1603 # 1602 # العبرة بالخواتيم # 1602-1603 # 1595 # 1596، 1600، 1601 # دقة بدقة # 1604-1605 # 1604 # 1603-1604 # أوتلو # 1604 # 1604 # الملك لير # 1605-1606 # 1607 # 1605 # مكبث # 1606 # 1606 # أنتوني وكيلوبترا # 1606-1607 # 1608 # 1607 # كريولينس # 1607-1608 # 1609 # 1608-1609 # تيمون الأثيني # 1608 # 1607 # بركليز # 1608-1609 # 1608 # 1607 # سمبلين # 1609-1610 # 1610 # 1609-1610 # نادرة الشتاء # 1610-1611 # 1611 # 1610-1611 # العاصفة # 1611-1612 # 1611 # 1611 # هنري الثامن # 1612-1613 # 1611 # 1613 # وقد صبر العلماء الثلاثة على الموازنة بين هذه الأرقام صبر الثقات، ثم جاء بعدهم من وازن ~~بينهم وزاد عليهم وحاول أن يخلص إلى تاريخ مقارب لكل رواية يورده على أنه أرجح التواريخ إذا ~~وجب أن يقتصر على قول واحد، وهذا أحدث الجداول التي أعقبت جداول شمبرز ولي وآدمز كما أقرها ~~مؤلفو كتاب المجمل من أعمال ~~شكسبير # Outline of Shakespeare’s plays # في طبعته السابعة التي صدرت سنة 1947، وهم الأستاذ هومر ~~وات # Watt # وكارل هولز ~~كنيخت # Holz knecht # ورامون روس # Ross ~~، وكلهم من أساتذة ~~الأدب المختصين بهذا المبحث في الجامعات الأمريكية. # اسم الرواية # التاريخ # 2 هنري السادس # 1590-1592 # 3 هنري السادس # 1590-1592 # 1 هنري السادس # 1590-1592 # 3 ريتشارد # 1593-1594 # رواية الأغلاط # 1592-1594 # تيتوس أندرونيكس # 1593-1594 # ترويض السليطة # 1594-1597 # السيدان من فيرونا # 1592-1594 # عناء الحب الضائع # 1590-1592 # روميو وجولييت # 1594-1597 # 2 ريتشارد # 1594-1596 # حلم ليلة صيف # 1594-1596 # تاجر البندقية # 1594-1596 # 1 هنري الرابع # 1597-1598 # لجاجة في غير طائل # 1598-1600 # هنري الخامس # 1598-1599 # يوليوس قيصر # 1598-1599 # كما تهوى # 1599-1600 # الليلة الثانية عشرة # 1599-1601 # هملت # 1600-1601 # زوجات وندسور # 1597-1600 # تروليوس # 1601-1603 # العبرة بالخواتيم # 1600-1604 # دقة بدقة # 1603-1604 # أوتلو # 1604-1605 # الملك لير # 1605-1606 # مكبث # 1605-1606 # أنتوني وكيلوبترا # 1607-1608 # كريولينس # 1608-1610 # تيمون الأثيني # 1607-1608 # بركليز # 1607-1608 # سمبلين # 1609-1610 # نادرة الشتاء # 1610-1611 # العاصفة # 1611-1612 # هنري الثامن # 1612-1613 # وبعد، فهذا الجدول الأخير قد تتلوه جداول أرجح منه وأدنى إلى الإجمال، ولكنها جميعا ~~تقديرات لا تخرج بنا من الترجيح إلى اليقين، وقد نقبلها كلها على علاتها، ثم لا تمنعنا أن ~~نتوسع في دراسة اللباب الجوهري من أدب شكسبير، وكل ms104 ما هنالك من فرق فهو الفرق الذي نتوقعه ~~في كثير من الموضوعات، وهو الفرق بين الدراسة المستوفاة من جميع جوانبها والدراسة التي ~~تتفتح للمزيد وتقوم على طائفة من الأسانيد دون جميع الأسانيد. # | نسبة الروايات # بدأ الشك في نسبة الروايات قبل ظهور طبعتها الثانية في سنة 1632؛ لأن حصر هذه الروايات في ~~طبعتها الأولى قد فتح الباب لمراجعة العارفين بها، فاستدركوا ما سقط منها وما أضيف إليها ~~من غيرها، على حسب علمهم بمصادرها، وربما كان منهم من عرف اسم الرواية ولم يشهد تمثيلها، ~~فالتبس عليه الأمر بين الروايات التي ألفها شكسبير بهذا الاسم وبين الروايات التي سبقتها ~~بأقلام المجهولين أو لمذكورين. # ومن أقدم ما سجل من هذه الشكوك كلمة كتبها إدوارد رافنسكروفت # Ravenscroft # سنة (1640-1697) في مقدمة رواية تيتوس أندرونيكس - وهو اسم ~~رواية تنسب إلى شكسبير - فقال: «إنه ليبدو لي أن اختلاس أعمال الموتى سرقة أكبر إثما من ~~سرقة أموالهم، ولا أود أن أرمى بجريمة من هذا القبيل، فلا مناص لي من أن أنبئ القارئ بأن ~~هناك رواية في مجموعة مستر شكسبير باسم تيتوس أندرونيكس نقلت عنها جزءا من روايتي، وقد ~~أنبأني بعض المطلعين على تاريخ المسرح أنها ليست له ولكنها وضعت بقلم مؤلف آخر لتمثيلها، ~~ولم يزد عليها شكسبير غير بعض التنقيحات في تصوير الشخصيات الهامة، وأراني جانحا إلى قبول ~~هذا الخبر؛ لأن الرواية أقل أعماله صحة وهضما، وكأنها كوم من النفاية وليست بنية منظمة ~~...» # على أن هذا الشك القديم يردده بعد نحو ثلاثة قرون نخبة من النقدة الكفاة في دراسة شكسبير ~~ومنهم الشاعر المتوج في عصره جون ماسفيلد # Masfeld # وهو ~~على شهرته في قرض الشعر أديب عليم بتاريخ الأدب، له كتاب موجز ألفه عن شكسبير، فقال فيه عن ~~هذه الرواية: «ولا يساورنا الشك في أن شكسبير كتب قليلا من هذه الرواية، لا ندري أين ومتى؟ ~~غير أن الشاعر لا يقترف الخطيئة في حق فنه ما لم تقسره الضرورة، وما كان شكسبير ليزاول ~~هذا العمل حبا وكرامة عن طيب خاطر ... ويجوز ms105 أن الرواية وصلت إليه بوصاة من مدير مسرحه وهو ~~يقول له كلمات بهذا المعنى: لدينا قطعة رديئة - جد رديئة - لولا أنها قد تنجح وأود أن ~~أعرضها وأبدأ بتوزيع أدوارها توا. ألا تستطيع أن تعالجها؟ أرجو أن تجتهد فيها اجتهادك، ~~ولو أنشأت لها كلمات هنا وفقرات هناك عند الحاجة، ومهما يكن من أمر فأرجو أن أتلقاها منك ~~يوم الاثنين». ~~••• # ويحيط الشك بمسرحيات أخرى في المجموعة غير هذه المسرحية، وأشهرها وأكثرها حظا من الشكوك ~~رواية بركليس وروايات هنري السادس ورواية هنري الثامن ومناظر من مكبث والملك لير وسمبلين، ~~ويظن فريق من النقاد أن فلتشر # Fletcher # كتب أكثر هنري ~~الثامن، وأن مارلو # Marlowe # كتب أكثر هنري السادس، ويقول ~~أديب مفكر فياض الذهن - هو الشاعر الفيلسوف كولردج - إن فاتحة الروايات على الأقل ليست من ~~قلم شكسبير، ويتناثر القول بمثل هذا عن مناظر من تيمون الأثيني وترويض السليطة والعبرة ~~بالخواتيم وما عداها، وحجتهم في فروضهم أن مواضع الشك كثيرة الخلط والخلل، وأنها ليست على ~~سواء في رسم الشخوص، ولا في تقسيم الفصول، ولا في سوق الحوادث، أو الشعور بلب الحادث الفاجع ~~والحادث الذي لا يعدو أن يكون واقعة أليمة لا معنى فيها للفجيعة، وأن بعض المناظر في ~~الروايات - كمنظر جان دارك في ضراعتها ودفاعها - يهدر القيم الإنسانية التي لم يهدرها ~~شكسبير، وإن كان لا يستهين بما في طوايا الناس من الشر واللؤم والفساد. # وعلى وجاهة الملاحظات التي توجب هذه الفروض عند نخبة من جلة النقاد، يظل أناس من حذاق ~~القراء مترددين في تسليم هذه الشكوك يعللون الملاحظات أو المفارقات بالعلل الطبيعية التي ~~تعرض للعبقرية في أطوار نموها بين عهد البواكير وعهد النضج والاستواء، ولا يصعب عليهم أن ~~ينسبوا تلك المفارقات إلى قلم واحد في فترة واحدة؛ لأن العبقرية لم تسلم قط من تفاوت النتاج ~~في العمل الواحد، ولا من الإسفاف الذي يقابل الارتفاع النادر ويلازمه في آثار العباقرة من ~~أرفع الطبقات. # ومن أذكى هؤلاء القراء الحذاق وليام بليس # Bliss # صاحب ~~كتاب «شكسبير الحق» أو الرد ms106 على الشراح، وهو يقول في الفصل الأول منه: إن الشراح لم يتفقوا ~~على سطر يجوز أن ينسب إلى شكسبير ولا على سطر لا يجوز أن ينسب إليه، وإن الشاعر لا يؤلف ~~الجيد من كلامه دون الرديء، وإن رديء الروايات المشكوك فيها أشبه برديء شكسبير منه برديء ~~مارلو، وإن عيوب الموضوع أحيانا تسوق الشاعر إلى عيوب لا فكاك منها ولا حيلة له ~~فيها. # وصفوة آراء هذا القارئ الحاذق في كتاب زاد على ثلاثمائة صفحة أن شكسبير كتب كل قطعة ~~تبناها، وأنه لا ينفرد بما لوحظ عليه من التفاوت في أدوار نموه ولا في دور واحد من حياته، ~~بل يكاد كل مؤلف عظيم أن يخرج منه ثلاثة مؤلفين أو أربعة إذا فصلنا بين أجود ما فيه وأردأ ~~ما فيه وبين وحي التحليق والإلهام من عمله ووحي الهبوط والتكلف المكدود. ~~••• # إلا أن هذه الشكوك التي أجملناها فيما تقدم تنتهي عند الشك في نسبة هذه الرواية أو تلك، ~~ونسبة هذا المنظر أو ذاك، وكلها من ملاحظات طائفة من النقاد تدين «أولا» بوجود عمل لا شك ~~فيه صحيح النسبة إلى شكسبير، وتدين «ثانيا» بعظمة الشاعر وتنزيهه عن العيوب التي يكبرون ~~تلك العظمة أن تنحدر إليها وتنزلق فيها، ويفرقون بين العمل الفج أو المختل الصادر من طبيعة ~~الشاعر والعمل الذي ينافر تلك الطبيعة ولا يلائمها، ومحصول نقدهم أن عبقرية شكسبير حقيقية ~~لا شك فيها، وأنها أكبر وأرفع من الروايات التي ينكرون نسبتها إليه. # ولكن ضربا من الشك غير هذا نجم في القرن التاسع عشر، وقام على أساس مناقض لأساس كل شك من ~~تلك الشكوك التي تنتهي إلى إنكار بعض المناظر أو بعض الروايات. # وأساس هذا الشك أن الرجل المعروف باسم شكسبير في التاريخ الصحيح أقل من أن تنسب إليه ~~رواية من روايات المجموعة بجيدها ورديئها على السواء، وأن كل رواية من هذه الروايات أتم ~~وأعلى من أن ينهض بها ذهن شكسبير، بما صح في التاريخ من دلائل ثقافته ودرايته ومقدمات ~~استعداده. ~~••• # وتعزى الحملة على شكسبير حديثا ms107 إلى بواعث بعيدة من تاريخ الأدب وموازين الثقافة: # تعزى إلى نزعة اجتماعية أو سياسية بلغت غايتها من العنف واللجاجة خلال الفترة التي حامت ~~فيها الشكوك حول أصالة الأعمال المنسوبة إلى الشاعر، وهي فترة العراك بين الطبقات على حقوق ~~الحكم وحقوق الانتخاب، وما ينطوي فيها من نزاع على المزايا والملكات التي يقال إنها ~~تولد مع الإنسان، أو إنها قد تكسب ولكن بالتعليم والمرانة الطويلة وجريان العادة في ~~العرف عقبا بعد عقب وذرية بعد ذرية، وقد كانت المعركة في وجه من وجوهها الماثلة للأبصار ~~والبصائر معركة شكسبير دون غيره أو قبل غيره؛ لأنه علم العبقرية الأعلى بين القوم، فإذا جاز ~~أن ينبت في غير بيئة الحكم والسيادة فليست مزايا الفكر وملكات الفهم حكرا للعلية ولا ~~لطبقات الحكم والسيادة، وإذا سقط هذا العلم من أيدي الثائرين المطالبين بالحقوق فليس لهم ~~علم سواه يغني غناه. # ولم يرد هذا الخاطر على الأفكار في العصر الحديث بغير مسوغ يوحيه، بعد تجدد المعركة في ~~القرن العشرين على نطاق أوسع من نطاقها في القرن الثامن عشر، بل كانت له مسوغات كثيرة من ~~موافقات الأحوال ومن مجرى الحوادث ومن مضامين الحملة على شكسبير، ومنها أن المتشككين في ~~أصالته كانوا ينتهون دائما إلى نسبة أعماله إلى رجل من العلية يحمل لقبا كبيرا من ألقاب ~~النبلاء، وأنهم عادوا بعد استضعاف القرائن التي تعزز نسبتها إلى لورد باكون؛ فنسبوها إلى ~~واحد بعد واحد من طبقة النبلاء. # ومنها أن أنصار شكسبير في أمم القارة الأوروبية كانوا أوفر عددا وأرفع صوتا وأشد حماسة ~~له من أنصاره في الأمة الإنجليزية، وكان الانتصار لشكسبير يساوق الانتصار للحقوق الاجتماعية ~~أو السياسية التي احتدمت معاركها في أمة من الأوروبيين. # وآية الآيات في هذه العبقرية النادرة أنها كانت من سعة الأفق بحيث تنهض منها الحجة لكل ~~طالب حجة في القضايا المتناقضة، ولا سيما قضايا التنافس أو التفاخر بين الطبقات، وقد بلغ من ~~اتساع هذا الأفق أن يزعم أناس أن شكسبير لم تكن له نزعة خاصة في مسائل الاجتماع ونزاع ms108 ~~الطبقات، وأن يزعم غيرهم أنه صاحب نزعة «أرستقراطية» في النظر إلى أحوال المجتمع وأحوال ~~الحياة على عمومها، وأن يزعم غير هؤلاء وهؤلاء أنه يأبى هذه النزعة وينزع على نقيضها إلى ~~الثورة واتهام ذوي السلطان، وكل هؤلاء الزاعمين ممن يسمع لهم رأي في هذه الأمور، ومن ~~يستندون في رأيهم إلى وجه جدير بالتأمل والالتفات. ~~••• # فالأستاذان الفرنسيان لجوي ~~وكازميان # Legouis and Cazamian # يقرران في تاريخهما للآداب الإنجليزية أن شكسبير لم تكن له فلسفة ~~اجتماعية يدين بها، ولم تعرف من كتبه نظرة خاصة إلى قضايا الاجتماع. # وجورج براند # Brandes # الناقد الدنمركي الذي كان ميزانه في ~~النقد - ولا سيما نقد شكسبير - أشهر الموازين في القارة الأوروبية إلى ما بعد وفاته في سنة ~~1927 يعتقد أن شكسبير ينزع منزع العلية في آرائه الاجتماعية، ويسيء الظن بروح الجماعة، ~~ويعرض الغوغاء في صورة مزرية كلما صور حركة من حركاتهم في مواقف الشغب والهياج. # والأستاذ لورنز إكهورف النرويجي # Lotentz Eckhorf # يذهب إلى ~~الطرف الآخر فيقول إن الشاعر كان لسان الطبقة الثالثة ويؤلف في تفصيل ذلك كتابا سماه ~~شكسبير مدره الطبقة ~~الثالثة: # Shakespeare. Spokesman Of the third Estate # ويبين فيه أن الشاعر لم ينظر قط في رواياته نظرة الرضا بالسلطان ~~القائم، وأنه في حكم الثائر الدائم على كل حالة ينكرها الثائرون ويعملون لتغييرها، ولا ينفي ~~الناقد النرويجي تصوير الشاعر لهياج الغوغاء في صورته المزرية، ولكنه يعود إلى الأفراد من ~~الدهماء حيثما صورهم شكسبير في رواياته، فيستخلص منها دلائل العطف - بل العطف الكبير - على ~~كل فرد منهم، ويذكر - على سبيل المثال - شخصية آدم في رواية كما تهوى، وشخصية الخادم في ~~رواية تيمون الأثيني، وهو الذي ثبت وحده على سجية الوفاء والأمانة بين أهل المدينة. # فلو بحثت معركة الطبقات عن علم تدور عليه لم تكد تعثر في البلاد الإنجليزية بعلم أوفق لها ~~من اسم هذا الشاعر في سمو مكانته واتساع أفقه وإحاطة جوانبه بأطراف المعركة من أقصاها في ~~اليمين إلى أقصاها في اليسار. # فلا جرم يخطر على الأفكار المشغولة بالصراع بين ms109 الطبقات في العصر الحديث أن الحملة على ~~شكسبير قد انبعثت كلها من غرضها الاجتماعي - أو السياسي - ولم يكن لها باعث من بواعث النقد ~~الأدبي وموازين الشعر والثقافة. # ولا سبيل إلى الفصل الحاسم بين الغرضين في الواقع، فإن المعركة الاجتماعية - ولا ريب - قد ~~كان لها أثرها في توجيه الأنظار وإثارة الأفكار التي لا تثيرها معارك الأدب الخالص في جميع ~~الأوقات ولا تجتذبها إليها بغير حافز من حماسة الجدل في مسائل الاجتماع والسياسة، أما أن ~~تكون الحملة بحذافيرها من توليد الدعوة السياسية فهو تخمين لا سند له من الواقع، بل ينقضه ~~الواقع عند استقصاء تاريخ الحملة والرجوع بها إلى بداءتها في القرن الثامن عشر، قبل احتدام ~~النزاع على حقوق الحكم وحقوق الانتخاب. # وإنما سبق إلى الخواطر أن الحملة وليدة الدعوة السياسية لشيوع الظن بأنها صدرت أول مرة من ~~كتاب رجل مشغول برياضة الملاحة، وأن الكتاب الذي وردت فيه موضوع عن قصة هذه الرياضة # Romance of Yachting # في سنة 1848 التي تعتبر من سنوات ~~الحرج في تاريخ صراع الطبقات بالقارتين الأوروبية والأمريكية، ولم ينشر هذا الكتاب في ~~إنجلترا بل نشر في الولايات المتحدة وهي مشغولة بصراع الأجناس والعصبيات مع صراع الطبقات، ~~وكان مؤلفه من رجال السلك السياسي يسمى جوزيف هارت # Hart # يكتب في هذه المباحث وما إليها كتابة الهواة. # إلا أن هذا المؤلف لم يكن أول من أثار الشك في أصالة أعمال شكسبير، بل قام هذا الشك قبله ~~بنحو سنة في دراسات رجل من رجال الدين بعيد عن شواغل السياسة يكاد ينقطع لدراسة المنطق ~~والحكمة وما يتصل بهما من علوم الربوبية أو اللاهوت، وكان هذا القس - واسمه جيمس ~~ويلموت # Wilmot ~~- يعكف على دراسة الفلسفة التجريبية في ~~كتب فرنسيس باكون، ويستغرب التشابه بين عباراته وعبارات شكسبير، ويسجل استغرابه هذا عرضا ~~في تعليقاته ورسائله بين ما كان يسجله من اللمع والآراء، ولم يذهب في التعليقات والرسائل ~~مذهب القول الصريح بنسبة العبارات المتشابهة إلى باكون دون شكسبير، ولكنه أثار الشك في نفوس ~~محادثيه والمطلعين على رسائله، ms110 وذاعت عنه هذه المقارنات قبل أن تصدر في كتاب مطبوع ببضع ~~سنوات. # وكان من أثر المحادثات في بيئة القس ويلموت أن صديقه الأستاذ جيمس كورتون كويل # Cowell # أحد المحاضرين في مواسم شكسبير عدل عن إلقاء محاضرة ~~أعدها لزيارة من زيارات ستراتفورد؛ لأنه ارتاب في إبداع شاعرها لما نوه به في المحاضرة من ~~أسرار البلاغة وآيات الإبداع، وتوفي القس ويلموت سنة 1807 ولم ينشر شيئا باسمه عن أصالة ~~أعمال شكسبير، وإنما كثر الكلام في المشابهة بين عبارات شكسبير وعبارات باكون بعد ظهور ~~الرسائل التي طبعتها إحدى قريباته في حياته، ويظن أن الكتب التي نشرت في هذا المعنى ~~لمؤلفين مجهولين مكتوبة بقلم القس نفسه ولكنه أخفى اسمه ليربأ بمكانته الدينية عن لجاج ~~الخصومات في موضوع كهذا الموضوع المثير، ومن هذه الكتب كتاب عنوانه سيرة الفهم السليم ~~ومغامراته # The life and adventures of common sense # قيل إنه ~~بقلم طبيب - غير معروف - يسمى هربرت لورنس # Lawrence # طبع قبل وفاة القس ويلموت بنحو أربعين سنة (1869) وتلاه كتاب الخنزير العليم # Learned ~~pig # الذي تخيل مؤلفه ~~أن الحكمة روح يتجسد عصرا بعد عصر من أقدم الأزمنة، وأنها عادت في ذلك العصر لكشف الحقائق ~~الخفية، ومنها حقيقة شكسبير، وقد طبع هذا الكتاب سنة 1786 قبل وفاة القس ويلموت باثنتين ~~وعشرين سنة، ومضت بعده فترة طويلة تلاحقت بعدها الكتب في نفي أصالة شكسبير، ثم تعددت ~~الأسماء التي تنتسب إليها الروايات والقصائد المنشورة في مجموعته، وأصبح باكون أحد ثلاثة من ~~النبلاء يدعي المنكرون لشكسبير أن أصحابها ألفوا له تلك الروايات والقصائد، والنبيلان ~~الآخران هما لورد روتلاند # Rutland # ولورد أكسفورد # oxford # وقد سماه لوني # Looney # في كتاب ظهر سنة 1921، ثم زكته الأستاذة أمفلت # Amphlett # في كتابها: «من هو شكسبير؟» # who was ~~Shakespeare ~~. # وكان اسم لورد أكسفورد آخر الأسماء المختارة من طبقات النبلاء في عصر شكسبير لكتابة ~~المؤلفات المنسوبة إليه، ثم بقيت الدعوى وتغير الاتجاه في اختيار الأسماء، فظهر في سنة 1956 ~~كتاب عنوانه «الرجل الذي كان شكسبير» # the man who was ms111 ~~Shakespeare # بقلم كلفن ~~هوفمان # Calvin Hoffman # وهو ينقل هذه الدعوى من سلك النبلاء إلى سلك الأدباء، ويرشح الشاعر ~~مارلو # Marloew # لكتابة الروايات والقصائد، ولكنه يقول ~~إن «مارلو» كتبها متخفيا؛ لأنه كان مطاردا على خطر من الاعتقال والموت، فكتب اسمه على ~~قبر بحار يعرفه وظل متخفيا في زاوية مجهولة حتى مات، فانقطع شكسبير عن التأليف. # وربما بلغت بعض الظنون مبلغ اللعب بالألغاز في النظريات والتخمينات المتأخرة من ابتكارات ~~المحدثين، وأشبهها بلعب الألغاز تلك النظرية التي يقول صاحبها بنسبة تواليف شكسبير إلى حلقة ~~من النبلاء، وعلماء اللغة يشترك فيها اللوردات أكسفورد ودربي وروتلاند وباكون وآخرون، وأقوى ~~ما في أظانين المؤلف من حجة على زعمه أن أسلاف هؤلاء النبلاء ممجدون - فوق اللازم - في ~~بعض الروايات ... وما من حجة من هذا القبيل تثبت لمحة عين أمام اعتراض واحد يرد عليها، وهو ~~استحالة كتمان السر الذي يشترك فيه أولئك النبلاء والأدباء ومن حولهم أعوانهم من الحاشية ~~ومديري المسارح والممثلين. # 1 ~~••• # ومن مساوئ هذه الدعاوى أنها تجتذب إليها المتهوسين وعشاق الأفانين كما تجذب إليها ~~المولعين بفض الأغلاق وحل الرموز والألغاز، فينحرف البحث فيها عن سوائه ويشترك فيه طلاب ~~الحقائق وطلاب الحيل وضروب المهارة والتوفيق بين الغرائب والأقاويل. # وهكذا حدث في موضوع المباحث التي تدور على أصالة شكسبير، فكان ممن تصدى لها من أفضى به ~~الهوس بهذه الدعوى إلى مستشفى المجانين، ومنهم من كان يكتب حكايات الشرطة واللصوص وحكايات ~~التزييف والتضليل على التخصيص، ومنهم من كان يشتغل بالجاسوسية الدولية أو يتتبع أخبار هذه ~~الجاسوسية، وقل في أسانيدهم جميعا ما يستحق التوقف عنده وإطالة النظر فيه، وليس من السهل ~~تلخيص هذه الأسانيد في بضع صفحات، ولكنها قد تلخص في ثلاثة أبواب من الأسانيد يوزن كل ~~منها بميزان قريب يبين حظه من الرجحان. # فأول أبواب هذه الأسانيد وأضعفها، باب الرموز والحروف المدسوسة بين السطور، ويصعب نقلها ~~من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية لارتباط الهجاء بالمعنى في الرموز التي يستدلون بها ~~على الأسماء والكنايات، وأيسر الأمثلة فهما اعتمادهم على المشابهة ms112 بين كلمة باكون # Bacon # اسم الفيلسوف المعروف وكلمة باكون بمعنى لحم الخنزير، ~~فإنهم يحسبون تكرار الكلمة مقصودا للإيحاء باسم المؤلف المستور، ولكن هذا التكرار يماثله ~~تكرار بمقداره أو أكثر منه في الكلمات المشتركة بين أسماء الأشياء وأسماء الرجال والنساء، ~~وقد لهجوا بكلمة شاذة ملفقة # 2 # جاءت في رواية الحب الضائع تهكما بالمتشدقين المولعين بالكلمات الطويلة، ~~فعالجوا حروفها الكثيرة ضما وتفريقا ليستخرجوا منها اسم المؤلف المفروض، وأيا كان اسمه ~~فمن المحقق أن اشتراك الحروف لا يصدق في وقت واحد في الإيحاء باسم باكون، واسم روتلاند، ~~واسم أكسفورد، واسم مارلو، ومن عسى أن يذكر من أسماء النبلاء والأدباء. ~~••• # ولسنا نعلم أن أحدا من علماء اللغة وخبراء الأدب أقام وزنا لقرينة من قرائن الجفر ~~والرموز، وإنما يلهج بهذه القرائن جمهرة المتطلعين وطلاب الأفانين، أما علماء اللغة وخبراء ~~الأدب والنقد فوسيلة التحقيق عندهم أن يقابلوا بين الأساليب والموضوعات، وهي أدنى إلى الجد ~~وسداد النظر في هذه الدراسات، وأكثرهم يرى بعد المقارنات الطويلة أن تشابه العبارات لا يثبت ~~شيئا خاصا بشكسبير أو بأديب من أدباء عصره؛ لأنه قد يثبت المستحيل وهو أن يكون باكون ~~مؤلفا لكتب العصر كله من منظوم ومنثور؛ إذ كانت العبارات المتشابهة غير قليلة بين أدباء ~~العصر على الإجمال، وعندهم أن لوازم العصر قد تشيع على تعبيرات الأقلام كما تشيع في أحاديث ~~الألسنة في كل حقبة على نهجها ووتيرتها، وبخاصة في عصور التطريق والتعبيد على مثال العصر ~~الذي كتب فيه شكسبير وباكون؛ لأنه كان بمثابة مفترق الطريق بين الكتابة باللاتينية ~~والإغريقية والإقبال على الكتابة باللغة الإنجليزية الحديثة، وفي أمثال هذه العصور تتولد ~~الصيغ والقوالب ويكثر التشابه في الأنماط والعبارات، ويكاد الكتاب جميعا أن يصدروا عن ~~نمط واحد وسليقة واحدة؛ لأنهم لا يبلغون من كثرة العدد أن تتسع بينهم شقة الخلاف، ولا ~~يبلغون من تنوع الأساليب أن تكون فيهم مدرسة مستقلة لكل أسلوب. # ومما يذكر في جانب شكسبير أنه كان ينقل الخطب والأحاديث بنصوصها من تراجم بلوتارك كما ~~نقلت إلى اللغة الإنجليزية، وأنه ms113 كان يستطيع ذلك دون أن يحتاج إلى أقلام باكون أو روتلاند ~~أو أكسفورد أو مارلو أو غيرهم من علماء عصره؛ لأنهم أحرى أن يرجعوا إلى المصادر الأولى إذا ~~احتاجوا إلى التأليف. # على أن اتفاق النقاد على تشابه الألفاظ وتناقل العبارات بين كتاب العصر - يقابله اتفاق ~~يكاد أن ينعقد انعقاد الإجماع - على تباعد «الروح» بين كتابة باكون وكتابة شكسبير، وتباعد ~~«الروح» بين شكسبير وسائر معاصريه، وليس هذا الفارق الواضح بالفارق الضعيف الذي يجوز إهماله ~~في هذا المقام، ولكنه على وضوحه فارق عسير الثبوت بالبرهان المتفق عليه، كما يعسر ثبوت ~~الفارق بين ملامح الوجهين مع يقين الناظر بوجود هذا الفارق أمام عينيه، وقصارى هذه الفوارق ~~الجلية الخفية، أن تقوم في الروع وتحول دون الجزم بوحدة التأليف. # وندع هنا أسئلة السائلين عن العلة التي تدعو باكون أو روتلاند أو أكسفورد إلى تأليف كل ~~هذه الروايات من وراء ستار، وعن العلة التي تفسر لنا خفاء الأمر في رواية بعد رواية وفي ~~بيئة المسرح وبيئة العلية وبيئة اللغط الاجتماعي التي تحيط بكل قصر من قصور النبلاء وكل ~~أديب من أعلام الأدباء، وكل ممثل ملحوظ المكانة بين الزملاء والنظارة ورواد الفن من خلف ~~الستار أو أمام الستار، وحسبنا أن نقول إن كل سؤال من هذه الأسئلة يجاب عليه بأقوال ~~متضاربة ليس منها قول واحد يقطع الجدل ويوجب الإقناع، ومن أمثلتها أن صناعة المسرح كانت ~~يومئذ من الصناعات المرذولة في عرف المتطهرين، وأن المؤلفين النبلاء كانوا يتخذون الرواية ~~المسرحية أداة لإبداء الآراء التي يكتمونها في شؤون السياسة، وأن هواية المسرح لزمت بعض ~~النبلاء من أيام تلمذتهم في الجامعات؛ لأنهم درسوا فيها ومثلوا بين جدرانها روايات اليونان ~~والرومان، وعاشوا بعد ذلك ينظمون الشعر، ويعرضون المواقف المسرحية في سهرات القصور، وكل هذه ~~الأجوبة من مطارح الظن تقال ويبقى بعدها متسع للسؤال. # إلا أن المقارنة بين الأساليب قد أسفرت عن نتيجة لا يسكت عنها في صدد الكلام على تحقيق ~~أصالة الشاعر بهذه الوسيلة، وربما اختلف النظر إلى النتيجة التي أسفرت ms114 عنها المقارنات ~~الطويلة بين مجموعة شكسبير وغيرها ثم بين الروايات والقصائد التي احتوتها مجموعة شكسبير، ~~ولكن الرأي الغالب عند جلة النقاد أن شكسبير لم يكتب كل ما في المجموعة من نظم ونثر، وأن ~~هناك أقلاما شتى تنم عليها بعض الفصول أحيانا وبعض المناظر أحيانا أخرى. # فإذا صحت هذه الآراء فهي أدعى إلى الاستغراب من خفاء أمر المؤلفين المتسترين، ولا بد من ~~سؤال يضاف إلى تلك الأسئلة وهو: لماذا يحتاج النبيل المتخفي إلى ترقيع كتابته بكلام أديب ~~آخر دون طبقته في الأدب وفي المنزلة الاجتماعية فضلا عن اطلاعه على السر الذي يخفيه؟ ~~ولماذا يستعير من المؤلفات المهجورة إذا كانت شهوة التأليف باعثه الوحيد إلى ~~الكتابة؟ # إذا كان شكسبير هو صاحب التأليف وهو المسئول عن إعداد المسرحيات للتمثيل فقد تزول الغرابة ~~بإحالتها إلى ضرورات المسرح أو إلى طبع المجموعة بعد وفاته، ولكنها تلجئنا إلى تفسيرات غير ~~مفهومة إذا كانت المجموعة من عمل نبيل يهوى الكتابة ولا يحترف التمثيل. ~~••• # وصفوة القول في بحث خصائص الكتابة أن المقارنة بين أسلوب شكسبير وأسلوبي باكون ومارلو لم ~~تنته إلى بينة معقولة تزعزع أصالة شكسبير، ولم تجر مقارنة تذكر بين أسلوبه وأسلوبي ~~كروتلاند وأكسفورد؛ لأن المحفوظ من آثارهما لا يكفي لترجيح رأي من الآراء. # ولقد أشرنا من قبل إلى النزعة الاجتماعية أو السياسية التي قيل إنها أوحت بإنكار شكسبير ~~وإسناد أعماله إلى أولئك النبلاء، فلا يفوتنا أن نشير هنا إلى الموافقات الأدبية التي تكمن ~~وراء كل نوع من أنواع القرائن والشبهات يستدلون به على ظنون المتشككين في أصالة شكسبير، ~~فإنها أحق بالملاحظة في دراستنا الأدبية وأوضح منها علاقة بأسبابها، فقد كان الاستدلال ~~برموز الجفر والحروف يشيع في الزمن الذي راجت فيه قصص الشرطة وأسرار المغامرات، وكان ~~الاستدلال بخصائص الأساليب يشيع في إبان الإقبال على تحليل الشخصيات واستخراج طبيعة الكاتب ~~من الكتابة على ديدن القائلين بأن الأسلوب هو الرجل، أو على ديدن الرواد الأوائل من ~~النقاد النفسانيين. # كانت الرموز وحروف الجفر قراءة المتطلعين من عشاق الألغاز والأفانين، وكانت ms115 خصائص الأسلوب ~~قراءة الأدباء المتخصصين، وبقيت بعد هذين النوعين قراءة أخرى أعم منهما وأدنى إلى بديهة ~~الإنسان من القراءات الخاصة أو قراءات المتخصصين؛ لأنها تتناول طبيعة العقل الإنساني التي ~~تعني الإنسان في كل أمة وفي كل زمان. ~~••• # أهم وأجدى من الرموز ومن خصائص الأساليب، نظرات الباحثين في طبائع الفكر وعادات العقل ~~الإنساني وخوارقه، وفيما يلهمه بالفطرة وما يكسبه بالتعليم والخبرة، وفي معنى العبقرية ~~ومعنى النبوغ ومعنى الإدراك اللدني والإدراك بالوسيلة والدراسة، وهذا هو مجال البحث الذي ~~طوى كل بحث يتناول الشك في أصالة شكسبير؛ لأنه يقيم هذا الشك على مقدار المعلومات التي لا ~~بد منها لمن يبدع المؤلفات المنسوبة إليه. # شكسبير لم تتهيأ له المعلومات الضرورية لتأليفها. # شكسبير لا حاجة به إلى معلومات غير معلوماته التي استفادها من دراسته وتجارب حياته، ~~واستلهمها من فطنته ووحي عبقريته. # وبين هذين القطبين المتقابلين تموج الأقوال والآراء وتتدافع الوقائع والنظريات بين ~~المنكرين والمعجبين، وتعمل العاطفة عملها مع ما يعمله الدرس ويعمله الخيال، فيذهب الخلف كل ~~مذهب، ويخيل إلينا أن القطبين يستديران من آونة إلى أخرى، فلا ندري أين يكون المنكرون ~~وأين يكون خصومهم المعجبون. # فالمنكرون لشكسبير يبالغون جهد المبالغة في تعظيم الأعمال المنسوبة إلى شكسبير، ليقولوا ~~إنها أعظم من طوقه وأبعد من ذرعه، وأحجى أن تكون من عمل غيره. # والمعجبون بشكسبير يبالغون من الجانب الآخر في إحصاء العيوب والتنبيه إلى مواطن الجهل ~~والخطأ، ليقولوا إن هذه المؤلفات لا تأتي ممن تعلم تعليم باكون وروتلاند وأكسفورد، وتعليم ~~مارلو وشعراء عصره المثقفين. # وعلى هذه القضية - قضية المعلومات - تدور رحى المعركة التي هدأت من جانب المختلفين على ~~الرموز ومن جانب الباحثين في خصائص الأساليب، ولكنها في هذا الجانب لا تزال إلى السنة ~~الأخيرة تتلقى المدد من حين إلى حين، وفيما يلي خلاصة تلملم من شعث هذه المعركة ما يستطاع ~~الإلمام به في حيز هذه الصفحات: يقول المنكرون إن المؤلفات المنسوبة إلى شكسبير تدل: # أولا: # على السياحة الواسعة في القارة الأوروبية. # ثانيا: # على العلم بالبحر وحوادث السفن وفن ms116 الملاحة. # ثالثا: # على فهم دراسات دقيقة كدراسة القانون وأحوال المقاضاة مع قلة الإشارة إلى ~~الصناعات التي زاولها شكسبير وأولها صناعة التمثيل. # رابعا: # على شواغل من الرياضة العالية ولهو الفروسية يشتغل بها العلية ولا يشتغل ~~بها أمثال شكسبير. # خامسا: # على نظرات رفيعة في المسائل الكبرى ومعرفته باللغات الحديثة والقديمة لم ~~يتبين من ترجمة شكسبير أنها تيسرت له بالدراسة أو الاطلاع. # وزبدة أقوالهم في هذه الملاحظات على إجمالها أن علامة الصحة أن تكون الترجمة مفسرة ~~للمؤلفات وأن تكون المؤلفات مفسرة للترجمة، وهذه علامة لا نجدها إذا نسبنا المؤلفات إلى ~~شاعر ستراتفورد، ولكننا نجدها وافية متواترة إذا نسبناها إلى غيره، وكل من المنكرين يرى أن ~~هذا «الغير» لا يكون إلا النبيل الذي اختاره بين زمرة يشبهونه في التربية والرياضة والسياحة ~~وشواغل الحياة. # ويتبين منهج المنكرين عامة من الأسئلة التي تمليها المشكلة ويعتقدون أنهم أجابوا عنها ~~وحلوا المشكلة بنسبة الروايات والقصائد إلى مؤلفهم المختار، وهذا نموذج من تلك الأسئلة ~~يلقيها الكاتب الروسي بروفشيكوف Porohovshikov # في كتابه ~~الذي سماه إماطة اللثام عن شكسبير # Shakespeare Unmasked # ونسب فيه المؤلفات إلى اللورد روتلاند، ثم يجيب عن كل منها إجابة واحدة لا تحتمل قولين في ~~ظنه، ويبدو من وضع الأسئلة فيها أن الجواب محضر قبل السؤال. # وهذه هي الأسئلة الهامة في هذا الكتاب، ولها نظائرها من الأسئلة في كتب المنكرين الآخرين، ~~ممن لا ينسبون المؤلفات إلى لورد روتلاند وحده بين النبلاء، يسأل الكاتب الروسي: ~~(1) # كيف يمكن أن تنكشف الروايات عن طبقة من المعرفة تناصي أرفع قمة بلغتها ~~الثقافة في عصرها؟ ~~(2) # ولماذا تغمر الروايات بالكلام على الرياضة ومصطلحات القانون؟ ~~(3) # ولماذا تخلو الروايات - إلا في النادر - من صور المسرح إن كان مؤلفها ~~شكسبير؟ ~~(4) # وما سر هذا الولع بالمناظر الإيطالية في مدن معينة تقاد إليها الحوادث من ~~أماكنها التي ذكرت في مصادرها الأولى؟ ~~(5) # ولماذا تتابعت الملهيات السعيدة حول سنة 1600 وتلتها الفواجع الأليمة بعد ~~ذلك؟ ~~(6) # ولماذا كان شكسبير الشاعر الوحيد الذي لم يكتب سطرا واحدا عند وفاة الملكة ~~اليصابات؟ ~~(7) # ولماذا لم ms117 يكتب شيئا بعد سنة 1612؟ ~~••• # ومحصل الأجوبة عن هذه الأسئلة جميعا أن حياة روتلاند وموته يفسران لنا كل سؤال منها نحار ~~في جوابه إذا أصررنا على نسبة الروايات إلى شكسبير، ولكن الكاتب الروسي يزيد الحيرة في ~~الحقيقة حيرتين؛ إذ هو يناقض القائلين بموافقة الروايات لحياة باكون وموافقتها لحياة ~~أكسفورد، ولا اتفاق بينهم فيما عرضه من سؤال أو جواب. ~~••• # وأول اعتراض يرد على الذهن المستقل - فضلا عن الذهن المتعصب لشكسبير - أن المنكرين ~~تذكروا كل سؤال ونسوا سؤالا واحدا هو أولى بالتقديم من كل ما سألوا عنه، وكان عليهم أن ~~يسألوا قبل ذلك: ما هو فضل العبقرية في حسبانهم؟ وأين مكان الملكات الممتازة إن أسقطوا من ~~حسبانهم خوارق العادات وأجروا كل شيء في التأليف مجرى المعهود المقدور في عادات ~~المعقول؟ # ففي الروايات «معلومات» لا تستقى من ثقافة العصر كائنا من كان مؤلفها وبالغا ما بلغ ~~من علوم عصره ومحصول جامعاته، ولم يكن في طاقة ذلك المؤلف أن يقسم عوارض علم النفس على حسب ~~المرضى المصابين بانحراف العقل وانتكاس الخليقة ذلك التقسيم الدقيق الذي نقرأه اليوم في ~~أدوار هملت وتيمون الأثيني والملك لير ولادي مكبث وريتشارد الثالث وغيرهم من المرضى ~~«النموذجيين» في أوصاف علماء النفس المحدثين، وما كان في طاقة المؤلف أن يستبطن تلك العوارض ~~والأعراض ويقسمها حسب أطوارها بما يستقيه من دروس جامعاته ومعاهده، ما لم ندخل في الحسبان ~~فضل العبقرية وقدرتها على خوارق العادات في وعي السرائر واستطلاع خبايا الضمائر وتصوير كل ~~أولئك في قالب شبيه بقالب الحياة. # على أن الغريب عندنا في القرن الحاضر أو في القرن التاسع عشر لم يكن غريبا في عصر ~~شكسبير، وهكذا كل عصر من عصور الانتقال والانقلاب له معارفه العامة التي يتبادلها الناس من ~~المختصين وغير المختصين ومن المتفرغين لها وغير المتفرغين، فليس من اللازم أن نلجأ إلى فرض ~~العبقرية لنفهم قدرة شكسبير على العلم بمصطلحات الرياضة والملاحة ومراسم القانون؛ لأن رياضة ~~الفروسية كانت خبرا مشاعا في عصر اليصابات، وكان قيام ملكة على العرش حافزا قويا ms118 بين ~~النبلاء للتنافس في النخوة والبطولة وبراعة الفروسية والصيد والمسابقة، ومن لم تكن له ثروة ~~النبيل فلا حجاب بينه وبين ساحات الطرد والصيد وحلبات المبارزة والسباق، ومما اشتهر عن ~~شكسبير أنه هجر بلده هربا من تهمة التعرض للصيد في بعض ساحاته الممنوعة، وأنه كان على صلة ~~حميمة بكثير من فرسان عصره، وأنه كان لمعرفته بالخيل تعهد إليه خيول السادة المترددين على ~~المسارح قبل أن يشتغل بالتمثيل، وما كان ليفوته وهو يحرس تلك الخيول أن يسمع من أخبارها ~~ومزاياها ما يغنيه في كتابة ما كتبه عن ألعاب الفروسية وأحاديث الفرسان. # أما الملاحة فقد كان حديثها على كل لسان في عصر المغامرات البحرية والرحلات إلى الأقطار ~~المعلومة أو المجهولة، ولم يكن ناد من أندية العامة عند فرضة لندن يخلو من عشرات الملاحين ~~من شتى الأمم يتحدثون بما شهدوه وما سمعوه وفيه ما يغني السامع عن ركوب البحار لوصف ما وصفه ~~الشاعر في بعض رواياته، وهو مكتوب لأناس يسمعونه ويسمعون أمثاله في غير المسارح ومشاهد ~~التمثيل، وقد كتب الشاعر سوذي # Southey # سيرة نلسون، فقال ~~قراؤه من جنود البحر إنه كان يتسلل بين أدوات السفن كأنه قطة السفينة المنذورة أو كلبها ~~المنذور، وسوذي لا يسمو في عبقريته إلى أوج شكسبير، وسفن القرن السادس عشر أو السابع عشر لا ~~تحتوي من الدقائق ما احتوته السفن في عصر نلسون، ولا تحتاج مصطلحاتها إلى علم وافر بالملاحة ~~كعلم الملاحة الحديث، وليس لنا - بعد كل تقدير - أن ننفي خروج شكسبير من وطنه ونقطع ~~باستحالة وصف البحر في رواياته على المشاهدة والتجربة وممارسة الملاحة في بعض الرحلات، فإن ~~في سيرته - كما تقدم - فترة مجهولة بعد سنة 1584 تزيد على ست سنوات لا يجوز البت في خبر من ~~أخبار حياته ولا في مزاولة من شتى مزاولاته ما لم تنكشف لنا أخبارها على وجه اليقين، فإن لم ~~يكن قد ثبت أنه قضى هذه الفترة في رحلات البحر ومشاهدات السياحة فلم يثبت كذلك أنه بقي ~~خلالها في مكان معلوم لم يفارقه إلى ms119 مكان قريب أو بعيد. # ومصطلحات القانون في الروايات لا تزيد على القسط الذي يلتقطه الذهن اليقظ من معاملاته أو ~~من محادثاته مع الفقهاء والمسجلين، وكانت لشكسبير معهم - ولا ريب - أحاديث في بلدته حيث ~~يختلف القرويون إلى المسجلين وكتاب العقود شهودا أو موقعين أو أصحاب شأن في ورقة من أوراق ~~التوثيق، وكانت له عقود ومشاركات كما كانت له أسمار يستمع فيها لفقهاء القانون وأصحاب ~~القضايا ورواد المحاكم والدواوين، وفي استطاعة مثله - ولو لم يقصد - أن يتلقف من معارف ~~القانون ما يعينه على مساجلاته القانونية، فإذا قصد أن يحيط ببغيته منها فلا يعييه أن يدرك ~~ما يبتغيه. # ولقد قيل إن كثرة الكلام على الصناعات ما عدا الصناعة التي مارسها الشاعر - وهي التمثيل - ~~دليل على أن الكاتب من غير الممثلين، والأحجى لا يكتب رواياته ليمثل الممثلين ولا ليعرض على ~~النظارة أدوات فنه ومصطلحات عمله، وإنما يكتب ليمثل الصناعات والصناع جميعا ما عدا الصناعة ~~التي يرونها منه حين يرونه على المسرح في تلك الأدوار، وليس الإكثار من ذكر المسرح والتمثيل ~~دليلا على خبرة المؤلف بالشؤون المسرحية أو قيامه بتمثيل الأدوار أو توجيهه للممثلين، ~~وإنما يدل على ذلك وضعه للرواية على النحو الذي يهيئها للغرض ويهيئ للممثلين فيها أداء ~~أدوارهم وإلقاء أقوالهم على أيسر سبيل، وهذه هي القدرة التي أحسها أستاذ المسرح الشكسبيري ~~في زمانه سير هنري إيرفنج الذي مثل أشهر الأدوار في روايات شكسبير، فإنه يقول إن هذه ~~الأدوار لا يتأتى لأحد لم يشتغل بالتمثيل أن يكتبها هذه الكتابة وينسقها هذا ~~التنسيق. ~~••• # أما الثقافة التي تنال بالتعليم في معاهده ولا يتلقاها طالبها - في رأي المنكرين - من ~~أفواه الناس أو من معلومات العصر المتداولة بين عامة أبنائه، فليست هي بالكثيرة في مجموعة ~~شكسبير، ولكنهم يستكثرونها عليه فيما عرف من تعليمه المدرسي بالقرية التي ولد فيها، ~~وأخص ما يذكرونه من هذه العلوم دروس اللغتين القديمتين اللاتينية والإغريقية ودروس اللغات ~~الحديثة، ولا بد أن يكون مؤلف المجموعة قد أضاف فيها شيئا من الفرنسية والإسبانية ~~والإيطالية. # ولكننا نرجع ms120 إلى الروايات والقصائد فلا نرى فيها جزءا كبيرا أو صغيرا يحتاج إلى معرفة ~~باللغات القديمة أو الحديثة أوفى من النصيب الذي ناله شكسبير ومن نشأوا مثل نشأته في قرى ~~الريف، فقد كانت المدارس المعروفة باسم مدارس الأجرومية تعلم تلاميذها اللاتينية وتحرص على ~~تزويدهم بنصيب حسن منها؛ لأنها كانت لغة الدين في الكنائس الغربية خلافا للكنائس الشرقية ~~التي كانت تقرأ الصلوات بالإغريقية، ولهذا كانت عنايتهم باللاتينية أكبر من عنايتهم ~~بالإغريقية، وظل معلموها من رجال الدين يتشددون في تعليمها إلى ما بعد الثورة البروتستانتية ~~بزمن طويل، وقد قال معاصر شكسبير الشاعر الأديب المثقف بن ~~جونسون # Ben Johnson # إن لغته اللاتينية كانت قليلة ولغته الإغريقية أقل منها ولكنه كان ~~موفور الحظ من لغة الطبيعة، وهذه شهادة يؤيدها نظام التعليم كله في عصر شكسبير؛ إذ كان ~~تعليم اللاتينية أرقى من تعليم الإغريقية في سلك التلمذة الأولى، وكان التوسع في الإغريقية ~~مطلبا يتوفر عليه طالبه بعد الانتقال من هذه التلمذة إلى ما يتبعها من مراحل ~~التعليم. # وقد عرف بن جونسون معاصره شكسبير معرفة الزملاء ولم يسرف في الثناء عليه، بل لعله كان إلى ~~القصد أدنى منه إلى السرف حين وصف علمه باللغتين اللاتينية والإغريقية، أو لعله كان يقيس ~~علم شكسبير بهما إلى علمه وعلم أقرانه من أساتذة اللغتين، ولكن توماس فولر # Fuller # الشاعر الذي كان يعاصر شكسبير (1608-1661م) يقول في ~~تحيته له: «إنني لا أنحل الطبيعة كل فضلك؛ لأن الشاعر يصنع كما يولد، وهكذا كنت أنت ~~أيها الكريم شكسبير.» # وممن عاصروا شكسبير من الشعراء الأدباء ريتشارد بارنفلد # Barnfield ~~(1574-1627) الذي كان يعجب به ويحكيه ويقول عنه - وإن لم يذكر ~~علمه باللغات - إنه سيخلد كما خلد شعراء اللاتين. # ويجوز مع هذا أن يكون شكسبير أجهل باللاتينية مما وصفه بن جونسون أو وصفه المنكرون، ثم لا ~~يجهل القدر الذي يكفيه للرجوع إلى مصادرها التي لم تنقل إلى الإنجليزية، وهي قليلة لا ~~تستعصي على قارئ متوسط الذكاء قد درس من مبادئها ما درسه شكسبير. # ومشكلة اللغات الحديثة أيسر ms121 من مشكلة اللغتين القديمتين؛ لأن الكلمات الفرنسية أو ~~الإسبانية أو الإيطالية التي جاءت عرضا على ألسنة بعض شخوصه لا تزيد على ما يعلمه عامة ~~أبناء عصره من تلك اللغات، وقد كانت رحلاتهم في السلم والحرب إلى فرنسا وإيطاليا تتصل في ~~عهد الرحلات المتلاحقة بين بلاد القارة الغربية، وكان زوار إنجلترا من الفرنسيين ~~والإسبانيين يتفاهمون على نحو من التفاهم بغير حاجة إلى التراجمة في محادثاتهم اليومية مع ~~أبناء البلاد، وكانت إيطاليا في عصر النهضة قبلة المهذبين والظرفاء ينقلون عنها الأزياء، ~~ويأخذون عنها الصحاف المختارة من الطعام ويتشبهون بسادتها في ألعاب البيوت وملاهي السهرات، ~~ويذكرون أوراق اللعب بأسمائها الإيطالية التي بقي بعضها في اللغة الإنجليزية إلى ~~الآن. # فإذا كان في أمرها في اللغات الحديثة وجه للغرابة، فالغريب في هذا الأمر أن يجهلها شكسبير ~~ولا يعرف منها ذلك القدر الذي لا يستعصي على أحد يريده في وقت من الأوقات. ~~••• # ويبدو أن المناظرة بين الفريقين عن أصالة شكسبير قد تحولت إلى سباق في البحث عن المحاسن ~~والأخطاء ولكن على غير المنظور من المنكرين ومن المتشيعين؛ لأن المنكرين هم الذين يتحرون ~~مواطن الإتقان والدراسة الرفيعة ليقولوا إن المنظوم والمنثور في المجموعة من عمل مؤلف غير ~~شكسبير، ويقابلهم من الطرف الآخر من يخالفونهم من المتشيعين المعجبين أو المتعصبين، فيمعنون ~~في تحري مواطن الخطأ والزلل ليقولوا إن المجموعة لا تكون من عمل مؤلف كأصحاب الدراسات ~~الرفيعة الذين ترددت أسماؤهم في أقوال مخالفيهم؛ إذ هي أخطاء بينة لا تخفى على المتعلم الذي ~~أصاب من العلم الرفيع ما أصابه أمثال أولئك الأقطاب. # ولهذا كشف المعجبون بالشاعر ما لم يكشفه منكروه من أخطائه وعيوبه، ولم يتركوا عملا ~~واحدا من منظومه أو منثوره لم يأخذوا عليه خطأ في التاريخ أو في الجغرافية أو في العلم ~~بأحوال الأمم وطبائع الأمور. # ونذكر في أمثلة ذلك إطلاق المدافع في عهد هملت، أي عهد الغارة الدنمركية على إنجلترا، مع ~~أن الأسلحة النارية لم تستخدم في أوروبة قبل القرن الرابع عشر. ومن أمثلة هذه الأخطاء ~~كلامه ms122 عن جامعة وتنبرج # Wittenberg # في ذلك العهد مع أنها ~~تأسست في مفتتح القرن السادس عشر، وكلامه عن الحرس السويسري في العهد نفسه وهو نظام لم ~~يعرف في الشمال، وعن شواطئ بوهيمية في رواية «نادرة الشتاء» وعن الساعة الدقاقة في عهد ~~يوليوس قيصر، وعن الأزياء والنباتات والأحياء في غير أماكنها من القارات. # هذه المآخذ وعشرات من أمثالها قد جمعت من كل فطنة ولكنها لم تثبت شيئا مما أريد إثباته ~~من أصالة شكسبير؛ لأنها نوقشت وغربلت فصارت إلى نتيجة من ثلاث ليس منها ما ينتفع به ~~في هذا المبحث خاصة، وإن كان فيها منتفع للبحث في تاريخ الأدب وفي خصائص العبقرية وأخطاء ~~العلماء والأدباء. # فبعضها ليس فيه خطأ تاريخي ولا جغرافي وإنما الخطأ فيه من النقاد أنفسهم؛ لأنهم نظروا إلى ~~المواقع على ما كانت عليه في أزمنتهم أو في الماضي القريب ولم ينقبوا عن ماضيها المجهول، ~~فبوهيمية كانت في القرن الثالث عشر تمتد من بحر أدريان إلى البحر البلطي ولم تكن خالية من ~~الجداول والأقنية الصناعية، ولم تذكر في موضعها على البحر لأول مرة في مجموعة شكسبير، بل ~~ذكرها جرين على هذا الموضع في روايته دوراستس وفونيه # Dorastus and ~~Fawnia # قبل تأليف ~~رواية شكسبير، وقد كان جرين أستاذا في الأدب من الجامعتين. # وبعض تلك المآخذ خطأ ولكنه لا يجهل أو لا يجهله كاتب الروايات كائنا من كان، ومن قبيله ~~ذكر المدافع في عهود لم تعرفها؛ لأن اختراع البارود مذكور في رواية هنري الرابع التي لم ~~تسلم من مآخذ غير هذا المأخذ، فليس ذكر المدفع قبل عصره جهلا من المؤلف ولكنه جرى فيه على ~~عادة الفنانين من المصورين والمسرحيين الذين كانوا في عصر النهضة يستبيحون المخالفات ~~التاريخية في سبيل تحلية الصورة أو بلاغ التأثير في المناظر المسرحية. # وسواء صدرت هذه الأخطاء عن جهل بحقيقتها أو عن ترخص من الكاتب في سبيل الأداء الفني لقد ~~كانت مما يؤخذ على المؤلفين من كبار العلماء وفي مقدمتهم باكون في كتبه التي تنسب إليه ~~نسبة لا اختلاف ms123 عليها، فقد اضطر رينولد مقدم مقالاته إلى التنبيه إلى أخطائه، فقال إنه لم ~~يكن يعنى بصحة التفصيلات في كتابته، ومما حسب عليه أنه أشار إلى ملابس آراس # Arras # على لسان ثمستوكليس وهو يخاطب ملك الفرس، وله في ~~الأنسجة الفارسية والشرقية مندوحة عن ذكر آراس. # ومن العلماء الذين حسبت عليهم أخطاء كهذه شابمان # Chapman # مترجم هومر إلى اللغة الإنجليزية، فإنه يذكر المسدسات في عصر ~~البطالسة بين مناظر روايته «سائل الإسكندرية الضرير» ويجعل أبطال الرواية يقسمون بالأيمان ~~المسيحية. # وقد حسب على الشاعر سكوت خطأ من أخطاء الجغرافية في وطنه أغرب من خطأ بوهيمية المحسوب ~~على شكسبير أو جرين؛ لأنه جعل الشمس في إحدى رواياته # Antiquary # تغرب على صفحة البحر المحيط فوق شواطئ ~~أسكوتلاندة الشرقية، وأخطاء سكوت التاريخية لا تقل عن أخطائه الجغرافية، ومنها أنه تحدث في ~~رواية إيفانهو # Ivanhoe # عن عصر ريتشارد الأول، فأجرى ~~الأحاديث على نهج الفروسية الذي لم يعرف قبل عصر إدوارد الثالث، ومنها أنه تحدث في رواية ~~كنلورث # Kenilworth # عن الرحلات إلى فرجينيا قبل أن ~~تؤسس هذه المدينة. # وكان الشاعر بروننج # Browning # عليما بالفن الإيطالي، ~~أقام في مدينة فلورنسة اثنتي عشرة سنة لدراسته، ولكنه يقول عن مساشيو # Masaccio # إنه يقتدي بليبي # Lippi # مع أن ~~الأول هو السابق في زمانه. # 3 # فلا فائدة من الاعتماد على الأخطاء، لإثبات علم المؤلف أو جهله ولا فائدة كذلك من ~~الاعتماد على التشابه بين العبارات، فإنه قد تتشابه في العصر بغير سرقة ولا انتحال، وقد تدل ~~على أن باكون هو الذي اقتبس من شكسبير كما يرى الأستاذ جيرالد ماسي # Massay # الذي يعتقد أن أفكار شكسبير مبثوثة في كتابات باكون، ومهما يكن من ~~تشابه العبارات فليست معجزة الرواية المسرحية في الكلمات بل خلق الشخوص التي تتحدث بتلك ~~الكلمات، وقد يحفظ الإنسان كلمات المشهورين وغير المشهورين الذين يعيشون معه في عصره ولا ~~يستطيع مع هذا أن يجمع منهم رواية أو يصنع منهم شخصية يضعها في موضعها من الرواية، فإذا ثبت ~~التشابه بين مئات العبارات في كلام ms124 باكون وكلام شكسبير فالمشكلة باقية بحذافيرها بين ثبوت ~~هذا التشابه الكثير، وتلك المشكلة هي إثبات القدرة على خلق الشخصية ورسم الوحدة في موضوع ~~الرواية، وهذا دون غيره هو فن الرواية المسرحية وعمل الشاعر الخلاق المقتدر على التخيل والابتداع. # 4 # ولا يعد الخلاف على أصالة شكسبير منتهيا في الآونة الحاضرة، فإنه يتجدد بين حين وحين ~~حول فرض حديث أو حول فروضه السابقة، ولا اختلاف بين أدلته في الحالتين، وليس في كل ما قيل ~~من جانب المنكرين أو المتشيعين ما يفيد الحكم على أصالة شكسبير كما فهمها التابعون له في ~~جيله من أبناء القرن السابع عشر، ولنا أن نفهم الآن كما فهموا أن شكسبير لم يكتب كل حرف في ~~مجموعته وأنها تحتوي كلاما لغيره، خطأ من جامعي أعماله ورواياته أو تعمدا من شكسبير عند ~~تمثيل بعض الروايات التي تعرض عليه لتنقيحها وتهيئة بعض المواقف فيها للعرض من جديد، ولا ~~تزال هذه الإضافات مفروزة على اختلاف بين المجتهدين في استنباط الدلائل عليها، ولكنها قد ~~تحذف من المجموعة ويبقى للمجموعة بعد حذفها هيكلها الذي قامت به معجزة الشاعر، ويبقى في ~~هذا الهيكل موضع الإعجاز إلى جانب مواضع الزلل والإسفاف التي لا يستغرب اجتماعها في عمل ~~شكسبير ولا في عمل غيره من العباقرة المعدودين، ولكن التفاوت هنا كالتفاوت بين أعضاء البيئة ~~الواحدة لا فرق بين محاسنها ومعائبها في الانتماء إليه، وقد تساعد المحاسن والمعائب معا ~~على التمييز بين الصحيح والمنحول من مجموعة الروايات والقصائد، حيثما أمكن تقرير «الطابع ~~الشخصي» الغالب على تفكيره وعاداته في التعبير والأداء. # | تراث عالمي # يختار العالم شعراءه بقسطاس عادل منزه عن الجنف والمحاباة غاية ما يستطاع العدل في ~~حكم من أحكام الناس؛ لأن الجور في الحكم إنما يأتي من التحيز إلى جانب دون سائر الجوانب، ~~والعالمية والتحيز إلى جانب واحد نقيضان. # والعالم يختار شعراءه على مهل، ولا يكون الحكم في اختياره للشاعر المختار ولا للأمة التي ~~تنميه ولا لطائفة من الأمم يشملها هوى عارض في سنوات معدودات ولكنه حكم يرجع إلى ms125 قضاة ~~متفرقين لأسباب متعددة، إذا تطابقت واستقامت على وجهة واحدة فهي بنجوة من أهواء الجور ~~والمحاباة، ويكاد هذا الحكم يستقل عن منازعات الرأي في مدارس الأدب ومذاهب النقد؛ لأن حكم ~~العالم باختيار الشاعر يتم عند تمام الاهتمام بتقديره ولا تنتظر مدارس الأدب حتى تفرغ من ~~الأسماء والعناوين التي تطلقها على ذلك التقدير، ولا غبار على ميزان الاهتمام في جملته، إذ ~~يكفي أن يطول اهتمام العالم كله بكلام شاعر لتثبت له القيمة الأدبية، أيا كان اسم تلك ~~القيمة في مذاهب الأدباء والنقاد. # وآية الشاعر العالمي متى وجد في أمة من الأمم أن هذه الأمة لا تستطيع أن تحصره فيها؛ ~~لأنه استحق «العالمية» بمزاياه الإنسانية المشتركة بين الأقوام والأزمنة، ولم يستحقها ~~بمزية مقصورة على قومه يكررونها ويعيدونها بما استأثروا به من صفاتهم المكررة المعادة، وإذا ~~لم يكن في إنجلترا شكسبيران ولم يكن في اليونان هوميران فليست علاقة الوطن في أحدهما بأثبت ~~من علاقة الإنسان حيث كان. # ولهذا يحدث أحيانا أن يتشيع للشاعر العالمي أناس من غير وطنه على أناس من صميم وطنه، وقد ~~يهجرونه في بلاده زمنا ثم يعودون إليه بهداية جديدة من الغرباء عنهم، فهم يستوردونه مرات ~~من «الخارج» ولا يحق لهم أن يمنوا على «الخارج» بأنهم قد أصدروه إليه. # تلك آية من آيات «العالمية» تتمثل في شكسبير كما تمثلت في نظرائه من عباقرة العالم، فلا ~~تستأثر بلاده اليوم بمأثرة من مآثر العناية به فيما عدا القربى «المحلية» التي فرضتها اللغة ~~والمكان، وفي بلاد اللغة الإنجليزية من أجل ذلك متاحف لآثاره ومعاهد لذكرياته وطبعات من ~~أصول كتبه لا يضارعها بلد آخر يتكلم بلغة أخرى ... أما دراسته ومراجعة أقواله وأقوال نقاده ~~وشراحه، فذلك مجال يتسابق فيه قومه وغير قومه، ولا يندر أن يكون قومه هم المسبوقين ~~فيه. ~~••• # على أن هذه الشهرة العالمية لم تتوطد لشكسبير على عجل، فقد مضى أكثر من مائة سنة قبل أن ~~ينتقل اسمه من جزيرته شوطا بعيدا إلى أرجاء القارة الأوروبية، ثم سرى فيها على مهل، ~~فاختلف مجراه ms126 ومجرى السياسة في دولته اختلافا ينبئ عن كثير من أسرار العظمة الأدبية، وأظهر ~~ما ينبئ عنه أن العظمة الأدبية التي ترتفع إلى أوج المكانة العالمية تسير بخطاها ولا تسير ~~في ركاب دولة تحميها، فلو كانت في القارة الأوروبية بلاد تحتجب عنها شهرة شكسبير لسبب من ~~أسباب السياسة الدولية لكانت فرنسا وألمانيا وروسيا أحق البلاد أن تحتجب عنها تلك الشهرة ~~وأن تقف عند حدودها فلا تعبرها، فإنها الدول الثلاث التي أقامتها الحوادث منذ القرن السابع ~~عشر مقام المنافسة - أو المنازعة - للدولة البريطانية في طلب السيادة على القارة وما ~~وراءها، ومن لم يشتبك منها في حرب مع دولة شكسبير خلال القرن التاسع عشر فقد كان في ذلك ~~القرن يجمع عدته لتلك الحرب ويتوقعها في أوانها، ولكن هذه الدولة كانت بين أسبق الدول ~~الأوروبية إلى تعظيم الشاعر الغريب عن القارة وترويج أدبه والتنويه بقدره، وكان أسبقها في ~~الزمن وفي التنويه فرنسا التي كانت خلال القرن كله تتلقى زحوف شكسبير زحفا بعد زحف وتذود ~~جيوش بلاده في ميادين القارات الأربع بين العالمين القديم والجديد. # وآية «العالمية» في تنويه فرنسا بالشاعر الغريب أن يكون له فيها أنصار يفضلونه على أعلام ~~الشعر والفن في أمتهم من طراز كورني وراسين وموليير، ومن لم يفضله في جميع المزايا على ~~إطلاقها فقد فضله في بعض مزاياه غير متحرج ولا متحفظ، ومن هؤلاء من رفعتهم «شهرتهم ~~العالمية» في حينها إلى طبقة كورني وراسين وموليير، وهم: هوجو، ولا مرتين، وأناتول فرانس، ~~وأندريه جيد، ورومان رولان. ~~••• # وفي ألمانيا ننظر إلى الأدباء والمفكرين الذين جعلتهم الأمة الألمانية فخرا «وطنيا» ~~لها فإذا هم أكبر أدبائها ونقادها إعجابا بشكسبير، وقد كتب عنه هردر وجيتي وشلجل ولسنغ في ~~ألمانيا، وكتب عنه كولردج وكارليل وهازليت وأرنولد في إنجلترا، وتقارب الوقت الذي كتب فيه ~~هؤلاء وهؤلاء كأنهم في مباراة بينهم للتعريف به والإبانة عن معرفتهم بقدره، فلو كان قصب ~~السبق في هذه المباراة لمن أعلن من فضله ما لم يعلنه الآخرون لتردد القارئ طويلا قبل أن ~~يسلم قصب ms127 السبق للإنجليز أو الألمان. # وبعد حربين من حروب الحياة والموت بين ألمانيا وإنجلترا يحصي الناقد الألماني ولفجانج كليمين # Wolfgang Clemen # 1424 عرضا لروايات شكسبير - ويشير ~~إلى أسبوع خاص أفرد لتلقي الروايات على مسرح الدولة بدرسدن، ويذكر أن جماعة شكسبير استأنفت ~~إصدار مجلتها الخاصة بأخباره وبحوثه، فصدر منها ثلاثة أعداد من الرابع والثمانين إلى السادس ~~والثمانين بعد انقطاعها لضرورات الحرب، وعادت الجماعة إلى عقد جلساتها السنوية بمسرح ~~بوشام # Bochum ~~، فانتخب لرئاستها الشاعر المؤلف إسكندر ~~شرودر # Schroder # بعد موت رئيسها السابق في سنة 1951. # 1 ~~••• # ويوم نبغ بوشكين رائد المسرح الروسي الحديث كانت دولته ودولة شكسبير قد وقفتا موقف ~~الطرفين المتناجزين من المسألة الشرقية ومسألة الهند والشرق الأقصى، فكان إضعاف إحدى ~~الدولتين وإحباط سياستها في آسيا وأوروبة هدفا صريحا للدولة الأخرى، وكانت روسيا وإنجلترا ~~يومئذ كالعدوتين «الطبيعيتين» في عالم الأحياء. # وفي الحقبة التي استحكم فيها هذا العداء بين الدولتين نشأ بوشكين، وقرأ الأدب الفرنسي ~~واطلع على أدب الأقدمين، ثم درس شكسبير فجعل وصيته الأدبية كلمتين: «اقرأ شكسبير!» وأنكر ~~دستور الأقدمين ليأخذ بدستوره في وحدة الحركة دون وحدة الزمن والموقع، وفضل طريقته في ~~الأحاديث المفردة والهمسات الجانبية على حيل المحدثين التي يظنونها أقرب إلى الطبيعة، وهي ~~في رأيه أبعد من الطبيعة ومن الذوق السائغ في فن التمثيل. # وجاء تولستوي بعد عصر بوشكين، وكان سني الرأي في جميع الفنون الجميلة لأسباب تشبه أسباب ~~المتطهرين من الإنجليز، ولم يكن من دأبه أن يكترث لنقد النظم والنثر أو يحفل بترجيح زي على ~~زي في القصص أو التمثيل، ولكنه وجد «الفن الشكسبيري» قضية من القضايا الشاغلة لأذهان ~~المثقفين من أبناء بلاده، ورأى أنه جدير منه بتأليف كتاب يخصصه لموضوعه؛ فألف كتابه عن ~~شكسبير والدرامة ليقول إنه لا يتذوق مسرحياته ولا يدري سر تعظيمه والافتتان بأدبه، وكل ما ~~يراه منه أن أبطاله تعوزهم الشخصية وأن مواقفه لا تجري على السجية، وأن فنه في أعماقه لا ~~يصدر عن الينبوع الذي ينبغي أن يصدر منه كل فن أصيل وهو جوهر القداسة، ms128 فحمد قراء تولستوي ~~صراحته ولم يأخذوا برأيه، بل عدلوا عنه إلى رأي قرين له يعادله في المنزلة الوطنية ~~والعالمية ويدري من دقائق الفن والذوق ما يعجم عليه، وهو إيڨان ترجنيف الذي ذهب إلى رأي في ~~شكسبير يناقض رأي تولستوي فيما قاله عنه في محاضرته عن هملت ودون كيشوت. # وظل شكسبير «العالمي» إلى ختام عهد القياصرة شقة وسطى يتلاقى فيها المحافظون والثائرون، ~~ثم ذهبت الثورة بعهد القياصرة بعد الحرب العالمية الكبرى ولم تذهب بمكانة شكسبير على ~~المسرح، بل زادته عليها مكانة مثلها في ساحة الموسيقى والغناء. # جاء في بريد السجل السنوي الذي يصدر عن أخبار الشاعر باسم «عرض شكسبير» بقلم خبيره الروسي ~~الأستاذ موروزوف # Morozov ~~: «شهدت سنة 1950 عددا من عروض ~~الإخراج الجديد لروايات شكسبير على المسارح السوفيتية وحافظت رواية عبد الله المغربي على ~~مكانها الأول بين تلك العروض، فإن هذه الرواية الإنسانية النبيلة تستجيب لها أغلى الأوتار ~~في قلوب النظارة منا، والنغمة التي وقع عليها شكسبير قصة الحب بين عبد الله وديدمونة تستجيش ~~منهم أعمق العواطف، ويترجمها المسرح السوفيتي كأنها قصة الثقة المخدوعة ولا يترجمها كأنها ~~قصة الغيرة الثائرة.» # ثم قال الكاتب: «إن شكسبير يعرض أيضا في مسارح الموسيقى، وقد عرضت له في سنة 1950 ~~رواية عبد الله منغمة بتلحين فردي ... وليست مسرحيات شكسبير فرصة للممثلين وحسب، بل هي فرصة ~~للمنشدين وخبراء الإلقاء، وقد كان جولبنتسيف # Golubentsev # عند عرض روميو وجولييت يلقي شذرات منها بين حين وحين.» # وقد ذكر الكاتب خمس روايات فكاهية لها حظوة خاصة بين نظارة التمثيل أو مستمعي الموسيقى، ~~وهي روايات ترويض السليطة، والليلة الثانية عشرة، والعناء الضائع، وزوجات وندسور المرحات، ~~وملهاة الأغلاط، ومنها ما يمثل في العواصم على مسارح الدولة. # وبعد، فإن روسيا وألمانيا وفرنسا هي الدولة الأوروبية الكبرى التي كانت تنافس إنجلترا في ~~السيادة على القارة خلال القرن الذي استفاضت فيه لشكسبير شهرة عالمية أو شهرة أوروبية، ~~وشأنها فيما نحن بصدده أن العناية فيها بالشاعر الغريب أدل على استقلال الفكرة الإنسانية أو ~~استقلال رسالة العبقرية ms129 في عالم الفكر من نظائر هذه العناية في الأمم الأخرى، فهي فكرة ~~تتخطى حواجز السياسة وتشق بين الأمم طريقها فهي غنية عن خطط السياسة ومساعي ~~الحكومات. # أما فيما عدا ذلك فلا فرق بين كبار الدولة وصغارها في رعاية الأمم لحق الفكرة الإنسانية، ~~فهي في جملتها تسهم بما عندها في أداء هذه الفكرة وتبليغها، فبدأ ڨردي بتلحين مكبث في سنة ~~1847 قبل أن تظهر لشكسبير ملحنة واحدة في بلاده، وتلاها بتلحين عبد الله المغربي، وزوجات ~~وندسور، والملك هنري الرابع. وكانت ترجمات الروايات إلى اللغة الإيطالية تتلاحق من أواخر ~~القرن الثامن عشر إلى هذه السنوات. # وليس في القارة لغة لم تترجم إليها روايات من شكسبير ولم تسهم في تمثيله أو إخراجه ~~بنصيب ملحوظ، وقد أصبح الاشتراك في إحياء هذه العبقرية على صورة من الصور واجبا يتنافس فيه ~~أبناء الأمم لغير ضرورة محتومة سوى الأنفة من فوات حصتهم في تلك العبقرية الخالدة، ففي بلاد ~~البلجيك شعب من الفلمنكيين يستطيع أن يفهم شكسبير بلغة من اللغات التي يمثل بها على المسارح ~~البلجيكية، فرنسية أو ألمانية، ولكنهم يغارون على لغتهم أن تخلو من ترجمة، ويغارون على ~~مسرحهم أن تنقضي عليه سنة بغير عرض خاص باسم شكسبير، ومما يفخرون به أن مسرحهم لم يخل من ~~عرض رواياته إلا في السنوات من 1914 إلى 1919 وهي سنوات الحرب العالمية الأولى. ~~••• # وقد وصل شكسبير إلى الأمم الشرقية في الشرقين الأدنى والأقصى مع المسرح الحديث، وترجمت ~~روايتاه الأوليان إلى اللغة العربية من الفرنسية، وهما: روميو وجولييت، وهملت. وسميت ~~الأولى بشهداء الغرام. # وكان طلاب المدارس يدرسونه أجزاء متفرقة في سلك التعليم الثانوي في البلاد التي تقرر فيها ~~التعليم باللغة الإنجليزية كالهند ومصر، ثم تقررت له دراسات مطولة في معاهد الدراسة العليا، ~~وأصبحت قراءته من مطالعات البرامج المدرسية أو الجامعية، فعرفه طلاب الشرق كما عرفه طلاب ~~الغرب على منهج هذه المطالعات. # ويتوق النقاد الغربيون كثيرا إلى العلم بأثر شكسبير في أذهان الشرقيين المتعلمين وغير ~~المتعلمين، ويسألون عن هذا الأثر من قرأوه ms130 ومن شهدوا تمثيله في المسارح الوطنية والمسارح ~~الأوروبية التي تمثله بمختلف اللغات، ويخيل إلينا أن أولئك السائلين يشعرون بخيبة الأمل ~~كلما سمعوا جوابا لا غرابة فيه؛ لأنهم يتوقعون من الشرقي دائما أن يكون إنسانا غريبا: ~~يرى بعين غير الأعين ويفهم بفكر غير الأفكار. # وقد رأينا أحدهم يهتم بسؤال شيخ من الشرقيين «البحت» كما قال عنه؛ لأنه نشأ قبل أن ينشأ ~~الجيل الذي تفرنج في الحواضر ودور التعليم، وكان هذا الشيخ يشهد رواية روميو وجولييت من ~~فرقة متنقلة بمدينة الأقصر تعرض رواياتها في مولد من الموالد المشهودة التي تنتجعها فرق ~~التمثيل والغناء في الإقليم، فاقترب منه وسأله عن رأيه في «الحكاية» التي يشهدها. قال الشيخ ~~على ثقة وبراءة: لقد كان حقا أن تموت عجوز السوء التي كانت تتوسط بين الفتى والفتاة، ~~فإنها أحق بالموت منهما وممن هلك من أهلهما، وما يأتي الفساد في البيوت إلا من هذه العجوز ~~وأمثالها ... # والنقاد الغربيون الذين يسألون عن أثر شكسبير بين نظارته من الشرقيين يستريحون لسماع هذا ~~الجواب، ويصيبون إذا قالوا إنه جواب لا يسمعون مثله من عامة النظارة في البلاد الغربية، ~~ولكنهم يعدون الصواب إذا اعتقدوا أن الشيخ الشرقي «البحت» قد أجاب بذلك الجواب؛ لأنه «إنسان ~~غريب» إذ ليس بالغريب أن يرد ذلك الخاطر على فكر إنسان يستمد الرأي من تجاربه، سواء فهم ~~الروايات تكتب للعبرة أو تكتب لحكاية الواقع كما ينبغي أن يكون في الحياة، ولو كان كاتب ~~«روميو وجولييت» شرقيا لجاز أن يتلقى من الشيخ الشرقي اعتراضا كذلك الاعتراض. # ونحن نحس الولع بقنص الغرائب فيما نقرأه من الآراء التي يقال عنها في الغرب إنها نماذج ~~شرقية، ويعنون أنها تعبر عن الطبائع الشرقية في صميمها، ولا يقصرون معناها على حالة خاصة، ~~إذا جاز أن تعرض للإنسان في الهند والصين ومصر والسودان، جاز أن تعرض له في كل مكان. # ونود أن نسوق بعض الأمثلة لهذه الغرائب من كتاب ألفه الأستاذ رانجي شاهاني الهندي # Ranjee Shahani # وسماه «شكسبير في الأعين الشرقية»، ورآه ~~العلامة مدلثون موري ms131 والعلامة إميل ليجوي # Legouis # مثالا ~~مقبولا لفهم شكسبير في نظر الشرقيين، وكلا العلامتين حجة في النقد الأدبي ولكنهما «غير ~~حجة»، ولا ريب في إطلاق الحكم على الأفكار الشرقية بين أهل الهند وبين غيرهم من أمم الشرقين ~~الأدنى والأقصى. # فمما أورده الكاتب شاهاني من مآخذ الشرقيين على شكسبير أنهم لا يحسون مأساة في أعماق ~~ضمائرهم؛ لأن فجيعتها الكبرى هي الموت وليست النكبة الأبدية في الموت عند البرهميين ~~والبوذيين الذين يدينون بالخلاص وتجدد الحياة. # ومما أورده من تلك المآخذ أن شكسبير يتناقض في المنظر الواحد وأنه أشد ما يكون تناقضا في ~~رواياته المفضلة على سواها. # قال: «إن هملت قد وجدت صادقة مصدقة للحياة، وأعجب بها الهنود المثقفون وغير المثقفين ~~على السواء ولكنها تنطوي على تناقض محسوس في موضع أو موضعين؛ إذ يقول هملت في مناجاته ~~الثالثة عن العالم الآخر: «إنه المملكة التي لا يرجع منها من ذهب إليها.» وهو لما يكد يفرغ ~~من رؤية طيف أبيه على المعقل، فكيف نفسر هذا؟ إن شكسبير كما يقول عنه جيتي يرسل ألسنة ~~أبطاله بالمقال المناسب لكل مقام ولا يبالي أن يتناقضوا، وهذا صحيح على الجملة ولكننا هنا ~~أمام تناقض واضح، وكثير من مصاعبنا في فهم الرواية يأتي من أمثال هذا الخطل الدرامي، وما ~~عدا ذلك من نقائض الرواية فهو أعمق وألصق بطبيعة هملت في تكوينها؛ إذ هو يضطرب بين قطبين ~~متعارضين: قطب العقيدة وقطب الإنكار: نصفه مسيحي ونصفه إغريقي على غرار الأقدمين.» # وتكثر أشباه هذه المآخذ في ملاحظات الكاتب وفي الملاحظات الأخرى التي تروى عن الشرقيين ~~ويراد بها أنهم يفهمون الفن بطبيعة غريبة عن الطبائع التي تعبر عنها فنون الغربيين، وليس ~~فيما قرأناه منها ملاحظة واحدة يختص بها الشرقيون أو تصدر عن الشرقي لأنه شرقي، ولا يجوز أن ~~تصدر من الغربيين، وأن يصدر عن الشرقيين أنفسهم ما يناقضها ويذهب إلى وجهة تقابل وجهتها، ~~وإنما هي آراء تختلف كما تختلف الآراء دون أن تختلف الطبيعة في صميمها. # فالرأي الذي يقول به الكاتب البرهمي عن التناقض بين ms132 مأساة شكسبير وعقيدة الخلاص بعد ~~الحياة، يقول الأستاذ مدلتون موري بمثله عن التناقض بين العقيدة المسيحية وبين المآسي ~~جميعا في أساسها، ويقدم ملاحظات الكاتب الهندي فيقول: «إن المأساة والمسيحية لفي تناقض ~~يشبه هذا التناقض، ولولا أن المسيحيين تعودوا ألا يدينوا أنفسهم باطراد التفكير، أو ربما ~~تعودوا ألا يؤمنوا حقا بعقائدهم لما تغاضوا عن هذا التناقض.» # وعندنا أن نصيب الأستاذ موري من الصواب لا يزيد على نصيب الأستاذ شاهاني منه، فما كان ~~الإنسان ليتجرد من طبيعته؛ لأنه يؤمن بما وراء الطبيعة، وما كان ليبطل شعوره بالمأساة ~~لاختلاف الطبيعة وما بعد الطبيعة في نظره، وإنما تأتي المأساة من هذا الشعور الذي يدور على ~~محورين ولا يتيسر له أن يديره على محور متحد لا لبس فيه. # وليس بالحتم مع هذا أن يكون البوذيون أو البرهميون على رأي متفق في النظر إلى المأساة ~~بهذه النظرة، فبعض البوذيين من بورما - كما جاء في الكتاب نفسه - يعجبون بشكسبير لأسباب ~~دقيقة، ويقول أحدهم: «إن أدب شكسبير يعمل على تعليم أمثلة عالية من الأخلاق كالتي تعلمها ~~الديانة البوذية بلا فارق من الوجهة الأدبية، وإنه لعلى الرغم من تقديره البالغ للدنيا ليضع ~~يده في يد البوذي متصافحين حين ينظر هذا إلى الدنيا نظرة الزهد فيها.» # أما التناقض في رواية هملت فنحن - من قراء الرواية الشرقيين - لم نشعر قط أنه من المصاعب ~~التي تحول دون القارئ الشرقي وفهمها، وأذكر أننا كنا نقرأ «هملت» مع صديقنا المازني، فكنا ~~نتوقف عند هذا التناقض لنعجب من صدقه ودقته في التعبير عن شخصية بطل الرواية؛ إذ كان شكسبير ~~يصور لنا إنسانا مخبول الحس، مضطرب الإرادة، يتردد بين الانتقام والإحجام؛ لأنه يشك في ~~الطيف: هل هو شيطان من الجحيم يغريه بالإثم أو هو في الحق طيف أبيه يحضه على الواجب؟! ومن ~~تردده أنه كان يحار في كونه ويتساءل: أيكون أو لا يكون؟ ثم يتقلب في الجواب ويتقلب في العمل ~~كما يحدث لكل حائر مضطرب العقيدة بين الشك واليقين، ولو أنه ظهر لنا في الرواية على ms133 غير هذه ~~الصورة لكان هذا هو التناقض الذي يعاب على المؤلف ويوقع القارئ في صعوبة الفهم لهذه ~~الشخصية التي يجب أن تكون متناقضة، ثم لا يرى منها في المواقف المختلفة إلا التوافق ~~والاستقامة على مسلك واحد. # إن شكسبير لم يكن يعرف عن الشرق شيئا من تواريخه أو أحواله أو مواقعه وأمكنته يزيد على ~~القسط الشائع بين أبناء زمنه، مما تناقلوه عن الصليبيين ومن تقدمهم من رواد السياحة وطلاب ~~الغرائب والأساطير، وكلما وردت الإشارة إلى الشرق في رواياته وقصائده فهو شرق الطيوب ~~والعطور وشرق الأسرار والخفايا، وشرق الأرواح والجنة التي تفارق الهند لتلهو وتعبث في مفازة ~~الغرب ثم تعود إليها، وربما حماه صدق البديهة فأورد تلك العجائب موردها من الفكاهة والتندر ~~بالأساطير، وربما أومأ إليها متسائلا كما أومأ إلى قصة نبي الإسلام والحمامة في روايته ~~الأولى من تاريخ هنري السادس، فقد كان محمد - عليه السلام - يوهم العرب في زعمهم، أنه يتلقى ~~الوحي من ملك في صورة حمامة تقف على كتفه وتضع منقارها في أذنه؛ لأنه - كما زعموا - عودها ~~أن تلتقط الحب منها! وقد سمع شكسبير بهذه القصة وسمعها معه الأوروبيون من رواة الحروب ~~الصليبية، فلما أومأ إليها عرضا لم يزد على أن يتساءل: أوكان محمد يسمع الوحي من حمامة؟! ~~إنك إذن لتسمعينه من عقاب! # فإذا كان العلم بالشرق علم أحوال وتواريخ فلا خبر من أخباره الصحاح عند شكسبير أصدق من ~~صدق الحس في استغراب الغرائب وتلوين الروايات المنقولة بصبغة الأساطير، وليس للشرقيين لديه ~~ذخيرة من التاريخ أو الجغرافية يستعيدونها من رواياته وأشعاره، ولكنه إذا تحدث إلى الناس عن ~~طبيعة الإنسان فحصتهم عنده هي حصتهم في تلك الطبيعة الخالدة الشاملة كاملة غير منقوصة، وإنه ~~ليحجز الشرق بغير حاجز ذلك الذي يظن أن الانتماء إليه حجاب بينه وبين رسالة من الرسالات ~~العالمية في الأدب والفن، أو يظن أن هذه الرسالات تتخطى حدود الأقاليم واللغات والعصور ثم ~~تقف عند حدوده، كأنه خارج من نطاق العالمية أو نطاق الإنسانية! # ولا مشاحة في اختلاف الأذواق والمشارب، ms134 ولكنه اختلاف موكل بالشكل والعرض وليس هو ~~بالاختلاف الذي يتغلغل إلى أعماق الطبيعة وبواطن الحياة، بل هو الاختلاف الذي يطويه الأدب ~~العالمي ويلفه في ساحته الضافية فوق الحواجز والسدود، وقد يتغير الذوق بين الأمتين ~~المتجاورتين، وقد يتغير في الأمة الواحدة بين جيلين، ولكنه آخر الأمر كاختلاف الأجواء في ~~الكوكب الواحد: صيف وشتاء، ودرجات من الحر والبرد ومن النور والظلام، لا يتحدث المتحدث بها ~~عن شيء مجهول بين قطبيه. # فلم يبلغ اختلاف الذوق في فهم شكسبير وتمثيله أشد مما بلغ في المسرح الإنجليزي من منتصف ~~القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، فإن هذا المسرح قد انقسم يومئذ إلى معسكرين ~~ونشبت بينهما معركة فنية سميت بمعركة روميو وجولييت، كان مدارها على تمثيل الرواية بنصها ~~أو تعديل بعض مناظرها وفقراتها وتحويل منظرها الأخير إلى «خاتمة سعيدة» تخرج الرواية من ~~عداد المآسي المحزنة كما وضعها شكسبير، وظلت هذه الرواية تمثل للمتكلمين بالإنجليزية على ~~نصوص متعددة إلى سنة 1847 التي أعيدت فيها الرواية إلى نصوصها ومناظرها كما مثلها ~~مؤلفها على مسرحه، ولم يحدث بين ذوقين في المشرق والمغرب أن يفترقا في فن العرض والإخراج ~~أبعد من هذا الافتراق. # ففي مصر خرج المسرح العربي بين المعسكرين فحذف بعض المناظر وأبقى ختام الرواية على أصله ~~موافقا للعنوان الذي ارتضاه وهو شهداء الغرام، ولما تغنى الشيخ سلامة حجازي بالشعر في ~~مواقفها الأخيرة كان مستمعوه المعجبون هم جمهرة النظارة على الفطرة، وكان نقاده هم نقلة ~~النقد من المسارح الأوروبية، وكأنهم نسوا أن مواقف الغناء قد غنيت على المسرح الفرنسي ~~بتلحين # Gounod ~~، وأن الرواية تمثل ملحنة ببعض أجزائها ~~كما تمثل ملحنة بجميع أجزائها من وضع موسيقيين آخرين. # وقيل غير مرة: إن فكاهة فلستاف في روايتي هنري الرابع ورواية زوجات وندسور المرحات إنما ~~تعجب أهل الشمال وتضحكهم، ولكنها لا توافق الجنوبيين من أهل أوروبة ولا من الشرقيين، فجاء ~~ڨردي الإيطالي فاستخرج «شخصية» فلستاف من الروايات الثلاث، وأطلق اسمه على ملحنته فتقبلها ~~أهل الجنوب كما تقبلها أهل الشمال. # هذه الاختلافات ms135 في الذوق الصحيح أو المدعى توجد في البلد الواحد وتوجد من باب أولى ~~على تشعب واتساع بين الشرق والغرب وبين الأقطار المتباعدة، وقد تعوق أنواعا من أعمال الفن ~~التي تغلب عليها المسحة المحلية أو العوارض الموقوتة، فتصلح لبلدة ولا تصلح لأخرى وتروق ~~طائفة من الناس ولا تروق غيرها، بل هي قد تروق الطائفة بعينها في وقت ولا تروقها في وقت ~~آخر، أما أعمال الفن التي ترينا الإنسان على حقيقته الباقية فلا سبيل عليها لأمثال تلك ~~الفروق والمفارقات، بل هي ذات رسالة في تاريخ الفكر الإنساني تتحقق بإلغاء تلك الفروق ~~والمفارقات وإدماجها وتعبر الزمن من فوقها ومن ورائها في حياة واحدة باقية، هي حياة الإنسان ~~الخالدة في مرآة العبقرية الخالدة، وهي كما رأينا تؤدي الأمانة الكبرى في طريقها الثابت لا ~~تعتمد على سطوة تحميها ولا تجفل من سطوة تنازعها، وهذه هي أمانة الفكر الإنساني من قديم ~~الزمن سبقت دعوة الداعين وعظات الواعظين، وعرفت الإنسان «إنسانا» واحدا قبل أن يلغط بها ~~رسل الدول وسماسرة السلطان مخلصين وغير مخلصين. # وآخر ما نختتم به هذه الكلمة عن رسالة «الفن العالمي» أن روايات شكسبير تنقل إلى اللغة ~~العربية تامة محققة في عهد استقلال، ولم تنقل على هذا المثال خلال سبعين سنة في عهد حماية ~~أو احتلال. # سطوة الدولة لم تكن لها يد بالأمس في «ترويج» شكسبير بين الفرنسيين والألمان والروس، ~~وسطوة الدولة لم تروجه بين المصريين وهم يعملون بأعينها ولا يفلتون من قبضة يدها. # أخذته الأمة حصة من التراث الإنساني لا تنزل عنها، ولم يفرض عليها ضريبة تدين بها لمن ~~يغلبها ويتحكم فيها. # وتلك آية «الفكر» الإنساني في الآداب العالمية: كل أمة تسأل عن حصتها منه؛ لأنه تراث ~~مدخر لجميع بني الإنسان. ms136