######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.ShuyuciyyaWaInsaniyya.Hindawi79538572 #META# Tags: philosophy #META# ID: 79538572 #META# Title: الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # تمهيد‏ # مذهب الشيوعية‏ # صاحب المذهب‏ # أتباع المذهب‏ # بواعث الشكاية‏ # المذهب‏ # المادية‏ # الشيوعية والطبقات‏ # الطبقات والإنتاج‏ # القيمة الفائضة‏ # حقوق الفرد‏ # الشيوعية والآداب والفنون‏ # الأخلاق‏ # الآداب والفنون والمعارف والعلوم‏ # الأوطان والديانات‏ # الشيوعية والإسلام‏ # الإسلام والشيوعية‏ # محصول الدعوة‏ # الحاضر‏ # المصير‏ # المقدمة‏ # تمهيد‏ # مذهب الشيوعية‏ # صاحب المذهب‏ # أتباع المذهب‏ # بواعث الشكاية‏ # المذهب‏ # المادية‏ # الشيوعية والطبقات‏ # الطبقات والإنتاج‏ # القيمة الفائضة‏ # حقوق الفرد‏ # الشيوعية والآداب والفنون‏ # الأخلاق‏ # الآداب والفنون والمعارف والعلوم‏ # الأوطان والديانات‏ # الشيوعية والإسلام‏ # الإسلام والشيوعية‏ # محصول الدعوة‏ # الحاضر‏ # المصير‏ # | الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام # | الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام # تأليف # عباس محمود العقاد # | المقدمة # تصدر الطبعة الثانية من هذا الكتاب بعد صدور طبعته الأولى بنحو ست سنوات. # وليست السنوات الست بالمدة القصيرة بحساب الحوادث العالمية والتجارب الكبرى في تاريخنا ~~الحديث، وإن تكن قصيرة بحساب السنين، أو بحساب الزمن الذي انقضى بعد إعلان الفلسفة المادية ~~التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر. # بل ربما كانت السنوات الست في تاريخ الإنسانية الحديث أحفل بنتائج التجربة العملية من ~~السنين التي نيفت على المائة منذ إعلان الفلسفة المادية؛ لأن تجربة السنوات الست ~~الأخيرة أتت بعد نضج العهد الصناعي الأكبر، الذي جعله أئمة المذهب الماركسي أساسا لمبادئ ~~مذهبهم ودعامة للنبوءات المحتومة التي تترتب عليه؛ ولأن الحوادث التي ارتبطت بتجربة المذهب ~~المادي التاريخي في الزمن الأخير كانت على نطاقها العالمي الواسع أوفر عددا وأكثر تنويعا ~~وأصح دلالة من جميع التجارب الصغيرة التي مرت بالمذهب من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف ~~القرن العشرين. # وعندنا اليوم من دلائل الاتجاه إلى مصير المذهب في المستقبل تجارب القرن الماضي وتجارب ~~السنوات الأخيرة، وكلتاهما قاطعة في الدلالة على ابتعاد العالم في اتجاهه المستمر عن مبادئ ~~المذهب المادي للتاريخ، ولكن المرحلة الأخيرة - مرحلة السنوات القلائل منذ منتصف القرن ~~العشرين - تشير إلى مسافة أوسع كثيرا في الاتجاه البعيد عن المذهب، سواء نظرنا إلى ~~تطبيقاته المتعددة، أو نظرنا إلى نبوءاته التي هي أهم من التطبيقات في امتحان الأسس ~~والدعائم التي قام عليها. # فالثابت اليوم أن المذهب الماركسي ms001 يحتاج إلى تعديل كبير في مبادئه الأساسية قبل وضعه ~~في مواضع التنفيذ، وأنه - مع التعديل الكثير قبل الشروع فيه - لا يزال محتاجا إلى التعديل ~~بعد التعديل في أثناء تطبيقه، ولا يزال كل تعديل من هذه التعديلات الكثيرة يبتعد به مسافة ~~بعد مسافة في الطريق المخالف لطريقه، فلم يبق من الماركسية بعد هذه التعديلات غير أنواع من ~~الاشتراكية الديموقراطية تناقض الماركسية في جوهرها؛ لأن الاشتراكية الديموقراطية بأنواعها ~~جميعا تقوم على تضامن الأمة بحذافيرها، ولا تقوم على انفراد الطبقة التي يسميها الماركسيون ~~«بالبرولتارية» ولا يشركون معها طبقة أخرى. # أما النبوءات المحتومة فقد كذبت جميعا، وظهر على الدوام أن نتائج السنين بعد السنين ~~تذهب فيها من النقيض إلى النقيض. # فمن نبوءات الماركسية المحتومة أن البلاد التي تسودها الصناعة الكبرى هي أصلح البلاد ~~لسيادة الماركسية فيها، فإذا بالنتيجة الواقعة في كل مكان أن الماركسية أفشل ما تكون في ~~تلك البلاد، وأن هذه الماركسية تسود بمقدار خلو البلاد من الصناعة الكبرى، لا بمقدار غلبة ~~الصناعة الكبرى عليها، ثم تتغير بها التجربة العملية لا محالة بعد بضع سنوات، فتتقدم إلى ~~الاشتراكية الديمقراطية وتبتعد عن الشيوعية الماركسية بانتظام واطراد. # ومن نبوءات الماركسية المحتومة أن الثروة تنحصر شيئا فشيئا حتى تجتمع كلها في أيدي ~~قليل من أصحاب رءوس الأموال، وتتجرد الأمم فيما عدا هذه الطائفة القليلة من كل شيء غير ~~القيود والأغلال. # فإذا بالواقع المطرد أن رءوس الأموال تتوزع بين حملة الأسهم من أصحاب الموارد الصغيرة ~~أو المتوسطة أو الكبيرة بالمئات والألوف، وأن السلطان في تدبير الأموال يتوزع كذلك بين ~~أصحاب رءوس الأموال وبين خبراء الصناعة وخبراء الإدارة وخبراء التسويق والترويج والإعلان، ~~فلا انحصار على اطراد، بل توزيع وتنويع في الكفاية والصنعة على اطراد. # ومن نبوءات الماركسية المحتومة أن العامل المنفرد ينعدم بعد استقرار الصناعة الكبرى، ~~فلا يتسع له مجال الرزق ولا مجال الحياة، فإذا بالعمال المنفردين يزدادون إلى جوار كل أداة ~~صناعية من الأدوات الضخام، وإذا بالعمال المنفردين يصبحون طوائف وأنواعا في كل حرفة من ~~الحرف، بحسب ms002 الاختلاف والتنويع في المكنات والأدوات، واختلافهم وهم مجتمعون في داخل المصنع ~~كاختلافهم وهم منفردون متفرقون للاشتغال بصناعاتهم في البيوت والأسواق. ~~••• # وقد صار بطلان هذه النبوءات أقوى الدلائل على بطلان الأسس التي قامت عليها، وهي تلك الأسس ~~التي أفرط دعاة المذهب في وصفها بصفات التحقيق العلمي، وهي أبعد ما تكون من التحقيق. # ولو كانت النبوءات مما يبدو قبل مضي الزمن المقدور لها لسقطت الصفة العلمية عن هذا المذهب ~~ولم ير فيه أحد من المحققين محلا للدراسة الجدية والمناقشة المنطقية، ولكن العلماء أعطوا ~~هذا المذهب المتداعي فوق حقه من العناية؛ لأنهم قد اضطروا إلى انتظار النتيجة من تحقيقاته ~~العملية بعد حين؛ ولأنهم من جهة أخرى قد تناولوه بالبحث العلمي عند ظهوره مجاراة لنزعة ~~العصر في القرن التاسع عشر، وقد كان كل شيء فيه أهلا للدراسة العلمية، بعد أن حل العلماء ~~محل الكهان في «تطويب» الآراء والدعوات. # على أنهم قد أسرفوا في العناية الجدية بهذا المذهب، وهو يحمل أدلة البطلان على وجهه بغير ~~حاجة إلى التعمق الكثير وراء العناوين. # فإن الدعوى المجردة من السند هي صبغة هذا المذهب التي لا تخفى على ناظر إليه من النظرة ~~الأولى؛ لأنه يطلب التسليم بالدعوى من التعريف، ثم يجعل التعريف حلا للقضية قبل ثبوته، ~~وقبل ثبوت القضية من باب أولى. # فهو يقرر - مثلا - أن الإنسان حيوان منتج، ويعتبر هذا التعريف حقيقة مفروغا منها، ثم ~~يثبت باستناده إليه أن الإنتاج هو قوام كل شيء في المجتمعات الإنسانية. # ولكن المسألة كلها لا تبتدئ بالإنتاج، بل لا بد قبلها من صفات أخرى في الإنسان قبل الوصول ~~إلى هذه الصفة، وتلك هي؛ أولا: امتيازه بمطالب أخرى غير مطالب الحيوان، وهي ثانيا: ~~قدرته على تدبير هذه المطالب بالإنتاج، وهي ثالثا: إنتاجه لما أراده حسب مطالبه ~~وكفاياته، ثم يأتي الإنتاج بعد ذلك كله محكوما بمقدماته، وليس هو الحاكم لها على الجملة أو ~~على التفصيل. # والماركسيون يقررون أن المادة مبنية على التناقض، ويعتبرون تعريفها بذلك حلا لقضية ~~التناقض، وهو المشكلة التي تحتاج إلى الحل ms003 ، وليس هو التعريف والحل في آن. # ويقررون أن الطبقة هي الجماعة من الناس التي تخالف مصالحها مصالح سائر الطبقات، ثم ~~يجعلون تنازع الطبقات سببا لأطوار التاريخ، ويطلبون التسليم بهذا التطور بعد اشتراط النزاع ~~من الكلمة الأولى في التعريف. # ولقد ضلوا السبيل عن أقرب الطبقات إلى الطبقة البرجوازية، وهي طبقة الإقطاعيين، واسمها ~~باللغات الأجنبية معناه طبقة المتنازعين # Feudal ~~، فكيف يصبح ~~الإقطاعي الذي يحارب الإقطاعي مثله حرب المستميت عضوا في طبقة واحدة؟! وكيف يصبح التابعون ~~للإقطاعي أعداء له، وهم يحاربون في صفه من كان تابعا للإقطاعيين الآخرين؟! # وهكذا يقوم المذهب كله على تعريفات سابقة لكل بحث وكل تحقيق، وما كان لأمثال هذه الدعاوى ~~من حق في المناقشة الجدية - باسم العلم لولا نزعة العصر كله أيام المناداة بها، ولولا أن ~~النبوءات الباطلة التي قامت على تلك الدعاوى كانت لا تزال في انتظار التجربة الواقعية، التي ~~لا ننتظرها نحن أبناء العصر الحاضر؛ لأننا نلمس أنقاضها باليدين. # وكل ما بقي اليوم من الماركسية فهو هذه المذاهب الاشتراكية «للديموقراطية» التي قامت في ~~أرجاء العالم على غير أساس من دعاوى الماركسيين، وقد تعاد طبعة هذا الكتاب مرة أخرى وهو ~~من قبيل الكلام التاريخي المحفوظ بغير حاجة من وقائع الزمان إلى برهان عليه؛ لأن الواقع ~~الملموس باليدين سوف يغني عن ذلك البرهان. # | تمهيد # قبل منتصف القرن الماضي نشر «كارل ماركس» مذهبه الفلسفي الذي سماه بالتفسير المادي ~~للتاريخ، وبنى عليه مذهبه الاقتصادي الذي سماه «الاشتراكية العلمية» تمييزا له من المذاهب ~~الاشتراكية السابقة، وهي عنده اشتراكيات أحلام أو اشتراكيات «طوبى» لا تقوم على غير الأمل ~~والخيال. # ولم تكن هذه «الاشتراكية العلمية» أقل نبوءات من المذاهب التي كان ينعى عليها أنها تجافي ~~العلم وتنتكب طريق الواقع؛ لأن الاشتراكية العلمية التي آمن بها «كارل ماركس» قد تطوحت في ~~نبوءات لا تنتهي إلى آخر الزمان، وادعت لنفسها أنها تفسر أسرار الكون وأسرار المادة في جميع ~~ظواهرها، وأنها ترسم للتاريخ المقبل خطاه التي لا يحيد عنها ولا يزال مطردا عليها إلى غير ~~نهاية، وهي ms004 نهاية أبعد في مجاهل الغيب من النهايات التي قدرتها الأديان الغابرة ببضعة آلاف ~~من السنين؛ لأنها توغل في الآباد المقبلة إلى ملايين السنين، وتدعي باسم العلم - لا باسم ~~الخرافة - أن الغيب المجهول لن يأتي بشيء في حياة الإنسان غير الذي رسمه «كارل ماركس» ~~وفرغ منه قبل منتصف القرن التاسع عشر، وقبل أن يتقدم العلم نفسه وراء خطواته الأولى في ~~العصر الحديث. # ولم تكن المسألة عند «كارل ماركس» مسألة تقديرات نظرية لا يترتب عليها شيء من العواقب غير ~~تبديل نظرية بأخرى أو تنقيحها برأي يخالفها، ولكنها كانت مسألة أرواح ودماء وشعوب وأنظمة ~~واجتراء على الماضي كله بالهدم والانتفاض، إيمانا بتلك النظرية التي لا تقبل الشك، ولا ~~يستكثر على تحقيقها إهدار الدماء كالأنهار ولا تقويض المعالم الباقية كأنها من جهود عدو ~~للإنسان، وليست من جهود الإنسان في جميع الأزمان. # وكان ينبغي للإيمان بتلك النظرية أن تقوم على أسس واضحة مقررة ثبتت في عقل صاحبها وفي ~~سائر العقول ثبوتا لا شبهة عليه ولا مثنوية فيه، ولكنها في الواقع لم تثبت في ذهنه ~~بتفصيلاتها ولم يفرغ من دراستها في حينها، وأرجأ التوسع في شرحها إلى الجزء الأخير من ~~كتابه، ثم مات قبل أن يفرغ من ذلك الكتاب. # وعد «كارل ماركس» بإشباع القول في مسألة الطبقات، ومسألة القيمة «الفائضة» من كسب ~~العمل، ومسألة التطور بين عصر الانتقال، وعصر المجتمع ذي الطبقة الواحدة، وكل هذه المسائل ~~من صميم القواعد التي يقوم عليها مذهبه العلمي كما يسميه، ولكنه مات ولما يبين للناس حقيقة ~~الطبقة الاجتماعية، ولا معنى القيمة الفائضة، ولا نظام الحكم بعد انتقاله إلى أيدي الطبقة ~~العاملة، ولا الوسيلة التي يتم بها هذا الانتقال. # وعلى ضخامة الدعوى التي يدعيها «كارل ماركس» في نبوءاته الأبدية، تكشفت الحقائق في حياته، ~~فإذا هي تنقض تلك النبوءات، وتدل على نقيض البقية الباقية منها، فلم يلتفت «كارل ماركس» إلى ~~هذه النقائض البينة، أو التفت إليها ليقذفها ببعض اللعنات - غير العلمية - التي تعود أن ~~يقذف بها كل ما يخالف تقديره وكل من ms005 يخالفه ، ومنها الرجعية والعامية والعقلية السطحية وخدمة ~~رأس المال وخداع السواد والتعلق بالأوهام، وأشباه هذه المثالب والوصمات. ~~••• # ولم تمض سنوات على وفاته حتى تعاظمت هذه النقائض على أتباعه، ووجدوا أنفسهم أمام تلك ~~الضرورة التي تركها «كارل ماركس» في أوائلها، واستطاع أن يتجاهلها ويروغ من طريقها؛ لأنها ~~لم تتعاظم في زمنه حتى تأخذ عليه جميع المنافذ والفجاج، فتذرع أتباعه بكل ذريعة غير الذرائع ~~العلمية في تمحيص نبوءاته وتقديراته، وضعوا في أذهانهم أن «كارل ماركس» ينبغي أن يكون على ~~صواب بأي حال، وأنه إذا تعذر إثبات صوابه بالمعنى الظاهر وجب التماس المعنى الذي يجعله ~~مصيبا على وجه من الوجوه، وأنه إذا تعذر الفهم الصريح والتأويل الخفي معا وجب أن يبقى ~~«منقحا»، ولو زال كل أثر من آثار الفكرة ولم يبق منها إلا التنقيح المزعوم، وخيل إلى ~~الناس أنهم أمام طائفة من الدراويش يتبركون بخرقة من دثار ضريح مهجور، ويعنيهم أن ~~يحتفظوا بخيط من تلك الخرقة كيفما كان، ولا يعنيهم أن يكون الدثار صالحا ~~للكساء. # وطال الترقيع والتلفيق على أولئك الأتباع، فاضطروا إلى مواجهة الحقيقة، كما استطاعوا أن ~~يواجهوها. # ظهر لهم أخيرا أن «كارل ماركس» غير معصوم، وقالوها كأنهم يستجمعون شجاعتهم للاجتراء ~~على هذا التجديف المخيف، بل قالوها وهم يشتمون ~~المنقحين؛ # 1 # لأنهم حرفوا مبادئ «كارل ماركس» ولجئوا إلى التحريف ليحيدوا عن طريقه الذي رسمه أمام ~~التاريخ إلى نهاية الزمان. # كان ينبغي أن يصمدوا على ذلك الطريق. # كان ينبغي أن يبقى ذلك الطريق مفتوحا دون غيره إلى نهايته القصوى، وأن يبقى «كارل ماركس» ~~مقدسا متبوعا مرجوعا إليه في مآزق الفتنة والضلالة، وكل ما يجوز لأتباعه أن يفهموا ~~أنه غير معصوم في الدلالة على ذلك الطريق الأبدي الذي لا طريق سواه، فمن الجائز عليه أن ~~ينأى عن الجادة، وينحرف إلى التيه، وليس من الجائز لأتباعه أن يتخذوا من انحرافه دليلا على ~~انحراف الطريق. ~~••• # وقبل أربعين سنة أتيح لبعض أتباعه أن يقبضوا على زمام الثورة الروسية بعد انهيار دولة ~~آل رومانوف. فجاءتهم هذه الثورة والمذهب ms006 الماركسي يتداعى ويتناقض بنبوءاته وتقديراته ~~وتخريجات منقحيه ومنقحي منقحيه. وأمامهم في مفترق الطرق مسلك من مسلكين: إما أن يهملوا ~~المذهب فيهلموا الحق الذي يبنون عليه قيادة الثورة وتأسيس الحكومة الجديدة، وإما أن يتشبثوا ~~به لتطبيقه أو تجربة تطبيقه، ما استطاعوا التجربة والتطبيق، مع الاسترسال عند كل خطوة في ~~التنقيح وتنقيح التنقيح، والاعتراف تارة بالقداسة وتارة بالعصمة حول دثار الضريح. # وتهيأ للتجربة الماركسية في بلاد القياصرة ما لم يتهيأ قط لمذهب من المذاهب الاجتماعية، ~~واستباح المجربون والمطبقون والمنقحون جميعا ما لم يستبحه أشد المتهوسين تعصبا لدين من ~~الأديان في سبيل نشر الدين والخلاص من الكافرين به أو المارقين عليه، ولم يحصر التاريخ من ~~ضحايا الأديان منذ أيام الجهالة إلى العصر الحاضر عشر معشار الضحايا الذين ضاعوا بالملايين ~~قتلا ونفيا وتعذيبا في سبيل النبوءات الماركسية، ولم تثبت بعد ذلك كله نبوءة من تلك ~~النبوءات، بل ثبت بما لا يقبل الشك أنها مستحيلة على التطبيق. # ولا حاجة إلى دقائق المذهب البعيدة للحكم على نبوءات «كارل ماركس» الأبدية، ولا حاجة ~~بالبداهة إلى الأبد كله ولا إلى بعضه - إن كان للأبد بعض مقسوم - للعلم بفساد هذه النبوءات ~~واستحالتها على التطبيق، فإن الخطوط العريضة من نبوءات المذهب البارزة تكفي لبيان مصيرها ~~بعد البحث الأمين والتجربة العملية، فإن قرنا واحدا كانت فيه الكفاية وفوق الكفاية لإثبات ~~التناقض بين وجهة التاريخ ووجهة «كارل ماركس» في نبوءاته الأبدية؛ لأن بحوث القرن وتجاربه ~~دلت على هذا التناقض الواضح وألجأت الماركسيين أنفسهم إلى التحمل الشديد في تخريج مقاصد ~~إمامهم، أو إلى الاعتراف الصريح بخطئه وحاجته إلى التنقيح والتصحيح. # إن حرب الطبقات من دعائم المذهب الماركسي الذي لا بقاء له بغير بقائها، ومن ثم سمي المذهب ~~بالمادية الثنائية أو المادية الحوارية على بعض التراجم اللفظية؛ لأنه يقوم على تتابع ~~النقيضين بين الطبقة الماضية والطبقة التي تخلفها، إلى أن يحين الأوان المقدور ويأتي ~~المجتمع الموعود الذي لا طبقات فيه. # وعلى هذا الأساس الذي لا قوام لنبوءات «كارل ماركس» بغيره، يجزم «كارل ماركس» بزوال ms007 ~~الطبقة الوسطى من المجتمع قبل زوال رأس المال، ولا بد عنده من فناء الطبقة الوسطى بين طبقة ~~رأس المال وطبقة العمال قبل ظهور المجتمع الذي يستولي العمال فيه على مواد الإنتاج. # على أن الإحصاءات التي سجلتها الأرقام قد أثبتت أن الطبقة الوسطى تزداد مع الزمن ولا ~~تنقص كما جاء في النبوءات الأبدية، ولم تخرج هذه الإحصاءات من أيدي الخصوم المنكرين للمذهب ~~من أساسه، بل جاءت من الأنصار المؤيدين الذين اضطرتهم الوقائع إلى الاعتراف بما لا يقبل ~~الإنكار، وقد كان أول هؤلاء المؤيدين إدوارد برنشتين # 2 # الذي أراد بإحصائه في الحقيقة أن ينقذ المذهب من الضياع، فأثبت أن أصحاب ~~الموارد المتوسطة يزدادون مع تقدم الصناعة الكبرى، واعتقد أن توزيع الثروة في نطاق واسع ~~هو السبيل إلى اللامركزية التي خفيت «كارل ماركس»، وأن انقراض الطبقة الوسطى لا يحقق ~~اللامركزية الموعودة، بل يحققها انتشار الثروة بين جميع الطبقات. # ولم يكن خطأ «كارل ماركس» في هذه المسألة الأساسية خطأ النقص في الإحصاءات التي يجهلها، ~~ولكنه كان خطأ الهوى والتعنت أمام الواقع الذي لا يريد أن يراه؛ لأنه لا يوافق هواه، وكان ~~كذلك خطأ القصور في الإدراك والتقدير الصحيح الميسور لمن يحسن التقدير، ولو لم تكن لديه ~~أرقام ولا سجلات إحصاء. # كان رأس مال الصناعة في مبدأ أمره محصورا في أيدي أصحاب المصانع المعدودين، وكان صاحب ~~المصنع الكبير واحدا أو اثنين من أسرة واحدة، أو كانوا ينتمون إلى أسرات قليلة مشتركة في ~~رءوس الأموال. # ولكن هذه الحالة أخذت في التغير على أيام «كارل ماركس» وقبل إتمام كتابه، فظهرت الشركات ~~المساهمة وكثر المشتركون فيها بالأسهم الكثيرة أو القليلة، وكان على «كارل ماركس» أن يفهم ~~أن رءوس الأموال تتوسع على هذا النحو ولا تنحصر في أيد معدودة كما اعتقد أو أراد، وأن ~~انقراض الطبقة الوسطى ليس بالأمر المحتوم على هذا التقدير، وأن اليوم الذي يشترك فيه العمال ~~أنفسهم في رءوس الأموال غير بعيد، وأن النبوءة عن هذه النتيجة كانت على متناول يديه لو أنها ~~توافق هواه، ولكنه ms008 أهملها ليبحث عن النبوءات التي توافق ذلك الهوى الدفين، وكله من هوى ~~التخريب والعدوان. # ولقد كانت الثورة الروسية بعد الحرب العالمية الأولى أكبر معول ولا ريب في أساس ~~الاشتراكية العلمية كما شرحها صاحبها ومريدوه. # كانت نبوءات «كارل ماركس» تقضي بقيام الشيوعية في البلاد التي بلغت بالصناعة الكبرى غاية ~~أشواطها، فإذا بالشيوعية تقوم في البلاد التي لم تعرف من الصناعة الكبرى غير خطواتها ~~الأولى، وإذا بهذه القاعدة تسري على البلاد المتأخرة فلا تقوم للشيوعية قائمة في غيرها، ولو ~~إلى حين. # وكان من لوازم الاشتراكية المادية أو الاشتراكية العلمية أن تكون الصناعة الكبرى هي التي ~~تخلق النظام السياسي وتمهد له بانتهاء الصناعة الكبرى إلى نهايتها، فإذا بالنظام السياسي هو ~~الذي يخلق الصناعة الكبرى في البلاد الروسية وغيرها من البلاد التي تقتدي بثورتها. # وكان «كارل ماركس» يحكم على الصناعة كما رآها في زمانه، وكانت هذه الصناعة من البساطة ~~بحيث تستولي عليها الأيدي العاملة وتحسن إدارتها، فإذا بالصناعة تتعقد وتتصعب وتتشعب حتى ~~تتعذر إدارتها على غير الخبراء في علوم المكنات وعلوم الكيمياء، وعلوم الاقتصاد، وما يقترن ~~بهذه العلوم جميعا من المعارف النفسية والمعارف السياسية أو التاريخية، وإذا بطبقة أخرى ~~غير طبقة الأيدي العاملة تستولي على وسائل الإنتاج، وتبلغ من التحكم فيها ما لم يبلغ أصحاب ~~رءوس الأموال. # وانتهت التجارب العملية بعد أربعين سنة، إلى وجهة مختلفة تبتعد شيئا فشيئا من الوجهة ~~التي تحراها «كارل ماركس» ومريدوه، ومن النبوءات المحتومة التي بلغ القوم من التشبث بحروفها ~~في دعواهم ما لم يبلغه عباد النبوءات الأقدمون. # انتهت التجارب العملية إلى إباحة الملكية الفردية على صورة من الصور، وإلى السماح ~~بالتفاوت الكبير بين الأجور، وإلى حكومة مطلقة تدوم أربعين سنة، وتستبد بالعمال بدلا من ~~استبداد العمال بها دون طبقة المنتجين والمديرين. # والناس اليوم ينظرون إلى الطبقة الحاكمة في بلاد القياصرة الأقدمين، فيرون أنهم أفخر وآنق ~~في ملابسهم وشاراتهم وركائبهم من زملائهم الذين ينوبون عن بلاد رأس المال في المؤتمرات ~~العالمية، وما من أحد يلج بالمكابرة فيزعم أن جميع ms009 الطبقات في بلاد الشيوعية تتزين ~~بهذه الأزياء وتتحلى بهذه الشارات، وما من أحد يلج بالمكابرة، فيزعم أن سلطان أصحاب ~~الأموال قد كان على أقواه وأعتاه يزيد على سلطان ملوك الإنتاج اليوم في البلاد الشيوعية، بل ~~ما من أحد يلج بالمكابرة حتى يزعم أنه داناه زمنا أو يدانيه. ~~••• # وانطوت مائة سنة على ظهور النبوءات الأبدية، وانطوت أربعون سنة على تجربتها وتطبيقها ~~والإصرار على إثباتها أو على تخريجها وتأويلها، فلم يثبت لها حظ من التحقيق العلمي إلا أن ~~يكون خط المناقضة والمفارقة، ولم تستقم خطوطها العريضة كما رسمها صاحبها، وحتم على المستقبل ~~كله غاية التحتيم أن يلتزمها، ولا ينحرف عنها قيد شعرة ذات الشمال ولا ذات اليمين، وهذه ~~نتيجة المذهب في خطوطه العريضة التي كان ينبغي أن تثبت قبل غيرها؛ لأنها هي الناحية البارزة ~~لجميع الأنظار من المؤمنين والمطلوبين للإيمان، فأما الخطوط الدقيقة والمعلومات البعيدة، ~~فهي من التخاذل والتشعث وقبول الرأي ونقيضه في وقت واحد، بحيث لا تصلح للاستشهاد بها على ~~مذهب واحد كائنا ما كان. # ولو كان «كارل ماركس» ممن يرعون أمانة العلم؛ لتهيب الهجوم على تلك المجازفات باسم ~~الحقيقة العلمية؛ لأن العلم بعد ازدهاره في العصر الحاضر لم يصل إلى الحد الذي يخوله دعوى ~~الإحاطة الشاملة بأسرار الكون، ودعوى القدرة على تطبيق تلك الأسرار الشاملة على تاريخ ~~الإنسان في مجاهل المستقبل البعيد إلى آخر الزمان. # فأما في عصر «كارل ماركس» فالعلم الذي كان يحبو في خطواته الأولى أحرى أن يقف دون هذا ~~الشوط البعيد وقفة الحذر والإحجام، وتلك الإحصاءات التي يجمعها «كارل ماركس» من هنا وهناك ~~لم يكن منها إحصاء واحد متسلسل المصادر محقق المراجع على النحو الذي يسمح بالمقارنة ~~الصادقة، ويدعو إلى الثقة بالنتيجة القريبة فضلا عن النتائج القصوى. # بل لو كان «كارل ماركس» مخلصا لمذهبه لتردد في دعواه العلمية أشد من تردد المخالفين له ~~من أبناء عصره. # إذ كان العلم على مذهبه مصطبغا بالصبغة البرجوازية، مسخرا لخدمة الطبقة الاجتماعية ~~القابضة على زمام الإنتاج، فهو علم ناقص مدخول لا ms010 تستقيم النتائج منه في جميع الأحوال، ولا ~~يستطيع «كارل ماركس» أن يزعم أن عبقريته الفردية تناولت ذلك العلم البرجوازي فصححته وخلصته ~~من شوائبه ونفت عنه الزيف قبل زوال سلطان البرجوازية ورأس المال، فإن العبقرية الفردية عنده ~~لا تنشئ علما مستقلا عن الظروف الاجتماعية، ومن قال بجواز ذلك فإنما يهدم التفسير ~~الاقتصادي للتاريخ، كما شرحه «كارل ماركس» هدما ذريعا لا يبقيه على قرار. # إلا أن «كارل ماركس» لا تعنيه أمانة العلم في مذهبه ولا في مذهب غيره، ومن ضياع الوقت ~~على غير طائل أن يناقشه المناقشون على القواعد العلمية، وهم يقذفون بالعلم والعقل إلى عرض ~~البحر ساعة يسلمون دعواه، ويأخذون مأخذ الجد في إنكار زعمه أنه قبض على زمام القوانين ~~المادية ماضيا وحاضرا ومستقبلا، واتجه بها إلى الوجهة التي لا تحيد عنها يوما في ~~مجتمعات بني الإنسان ما بقي للإنسان وجود. # إن الذي يسلم هذه الدعوى يهزل ولا يجد، ويكلف العلم شططا لا يحسب من العلم ~~في شيء. # وما بقي اليوم من أحد يسلم لهذه الدعوى صفة العلم إلا أن يكون واحدا من فريقين: الفريق ~~الأول أتباع «كارل ماركس» الذين أسسوا برامجهم على مذهبه، وارتبطت دعايتهم في أقطار العالم ~~بنبوءاته، وأوغلوا في الطريق التي لا رجوع عنها في أمان إلا بعد نسيان هذه الدعاية، ~~واستعداد الأتباع والأشياع لمواجهة الواقع غير مصطدمين منه بصدمة المفاجأة. # فهؤلاء يعلمون من التجربة العملية أن مذهب «كارل ماركس» مناقض للعلم والعمل ومتعذر ~~التطبيق والتنفيذ بحروفه أو بعد التصرف الكثير فيه، ومعاذيرهم التي يعتذرون بها لمخالفته ~~أنهم لا يزالون في أول التجربة بين عقابيل الماضي ومقاومة الخصوم، وأن الأمر يدعو إلى قليل ~~من المساومة والهوادة ومجاراة الظروف إلى حين، ثم إلى حين آخر بعد ذلك الحين. # أما الفريق الآخر ممن يناقشون النبوءات الماركسية أو النبوءات الأبدية مناقشة العلم ~~المعقول، فهم أولئك الذين يضيعون العلم في سبيل السمعة العلمية، وهم أشباه الذين قيل فيهم ~~إنهم يحكمون بالظلم ليشتهروا بالعدل، وإنهم ينصفون في تمحيص جميع الآراء ولا ~~يتعسفون. # فإذا ms011 نظر الباحث في أقوال هؤلاء وهؤلاء علم أن الفريقين من العلم براء، وأن مذهب «كارل ~~ماركس» إنما يبحث على أنه ظاهرة نفسية، ولا يبحث على أنه مبادئ علمية مع إنصاف العلم ~~والعقل وإنصاف الواقع والعيان، بعد مائة سنة من ظهور المذهب، وبعد أربعين سنة من محاولة ~~تطبيقه بكل ما يستطاع من المحاولات. # إن فهم جميع المذاهب يستلزم على الدوام فهم صاحب المذهب بلوازمه العقلية وبواعثه النفسية ~~وخلائقه التي توحي إليه بالفكر والشعور، أو يستعان بها على أفكاره ودوافع شعوره. # وفهم «كارل ماركس» بصفة خاصة ألزم ما يكون لفهم مذهبه الذي سول له - في هذه السهولة - ~~أن يهجم على دعوة لا تقنع بما دون هدم العالم الإنساني القائم، ولا تصغي إلى هوادة في ~~الأمر تتقبل الإبقاء عليه بحال من الأحوال. # إن شهوة الهدم والتخريب هي التي توحي إلى صاحبها الثقة التامة العامة بتلك النبوءات ~~الأبدية في غير هوادة ولا توسط ولا اعتدال، ولو كان الأمر على عكس ذلك وكانت الثقة العلمية ~~هي التي توحي إلى صاحب المذهب أن يدعو إلى هدم كيان العالم لوجب أن تكون تلك الثقة قائمة ~~على أركان من الحقائق لم يعهد لها نظير في تقريرات بني الإنسان، إذ لم يسبق لإنسان أن يدعو ~~إلى مثل ذلك الهدم بكل ما في وسعه من لدد وإصرار. # ولو أن إنسانا أراد أن يهجم على هدم بلدة واحدة فوق أصحابها، لكان لزاما عليه أن ~~يلتمس لهدمها أسبابا أقوى من جميع الأسباب التي سولت ل «كارل ماركس» هدم المجتمعات ~~الإنسانية بكل ما فيها على كل من فيها من معارضيه ومخالفيه، وسولت له أن يستبيح من أجل هذه ~~الدعوة سفك الدماء كالبحار، ومتابعة القتل والتخريب في قطر بعد قطر إلى جميع ~~الأقطار. # وماذا لو كان في النبوءة خطأ يسير، وقد ظهر فيها الخطأ الكبير، بل ظهرت فيها الأخطاء ~~الكبار؟ ألا يدعو ذلك إلى قليل من التردد وقليل من الهوادة في اللدد والإصرار؟ بلى، إنه ~~ليدعو إلى التردد الكثير وإلى التحرج الكبير من عواقب ms012 ذلك التهجم على المجهول، لو لم تكن ~~شهوة الهدم والعدوان هي مصدر الوحي الأثيم وعلة العلل في ذلك التفكير العقيم. # وهذا في الواقع هو معنى الثبوت العلمي في مذهب «كارل ماركس» إذا درسناه من وجهة الظواهر ~~النفسية، ولم نضع الوقت عبثا في مناقشة النبوءات التي لا يقبلها العلم على وجه من ~~الوجوه. # فكلمة «الثابت العلمي» مرادفة في مذهب «كارل ماركس» لكل ما هو لازم لإشباع شهوة التخريب ~~والعدوان. # وكل شيء يعوق الدعوة إلى التخريب والعدوان، فهو عنده باطل ينكره العلم، وضلال تمليه ~~الأحلام والأوهام. # وليس ثبوت القيمة الفائضة أو حرب الطبقات أو النقائض المادية؛ لأنها واقع قائم في حوادث ~~التاريخ أو حوادث العيان. كلا، بل هي ثابتة جميعا ببرهان واحد دخيل في طبيعة «كارل ماركس»، ~~وهو لزومها لإشباع شهوة التخريب والعدوان. # كانت ثورته على برامج النقابات في عصره أعنف الثورات، وكانت الخيانة وانتهاز الفرص أيسر التهم التي صبها على ~~رءوس القائمين بدعوة النقابات؛ لأنهم آمنوا بإمكان الإصلاح بغير هدم العالم الإنساني كله ~~على رءوس من فيه. # ومع هذا مضت حركة النقابات على سوائها، فحققت للعمال والصناع قبل خمسين سنة - بغير حاجة ~~إلى سفك الدماء وتخريب العمار - إصلاحا لم تحققه الثورة الماركسية مع سلب الحرية وإهدار ~~دماء الملايين من الأبرياء. # ولكن لا بريء في رأي «كارل ماركس» إذا حالت حياته وحياة الملايين من أمثاله دون إشباع ~~شهوة التخريب، ولا حقيقة في العلم الماركسي لإصلاح ملموس باليدين إن لم يسفك الدماء، وينشر ~~الخراب في المشرقين والمغربين. # وهكذا يثبت الشيء في العلم الماركسي بمقدار لزومه؛ لإشباع تلك الشهوة لا بمقدار ما يعززه ~~من الحقائق والبراهين. # ودراسة «كارل ماركس» على ضوء الظواهر النفسية أقرب الدراسات إلى فهم مذهبه وفهم البواعث ~~التي تمليه وتوسوس به في ضميره وضمائر المتقبلين لدعوته والمجبولين على غراره، فما من صورة ~~«علمية» ل «كارل ماركس» تترك بعدها مجالا للشك في طبيعة المذهب الذي يدعو إليه، وما من ~~خير يخطر على البال أنه يصدر من نفس كتلك النفس، يملؤها الحقد والسوء، ms013 وينبعث منها على عمد ~~وعلى غير عمد فيما تعلنه وتخفيه. # ومن ثم نرى لزاما علينا أن نبدأ دراسة الماركسية بدراسة «ماركس» نفسه، كما صورته ~~لأبناء عصره سيرة حياته المحفوظة في سجلات أتباعه ومتاحف وثائقه وذكرياته، وحسب القارئ أن ~~يلم بهذه الصورة الواضحة؛ ليريح ذهنه من متاعب البحث في «النبوءات الأبدية» التي بشر بها ~~نبي السوء في زمانه، ثم يريح ذهنه من الخلط والخبط في رطانة المذهب بين المادية ~~والحوارية والنقائض الاجتماعية. وبين العمل وكسب العمل وفيض العمل وحق العمل، وسائر هذي ~~الأغاليط التي جاء بها شيء واحد هو لزومها لتحقيق تلك النبوءات، فسيعلم القارئ بغير جهد ~~جهيد أي لزوم لمبدأ من تلك المبادئ كلما علم لزومه لفتح الطريق إلى الغاية التي لا محيد ~~عنها، وهي هدم العالم الإنساني على من فيه بغير إصغاء قط لشفاعة من شفاعات السلم أو ~~التوسط في الإصلاح. # إن صورة «كارل ماركس» هي مفتاح مذهبه ومذهب الحقد والسوء في نفوس أمثاله، وها هي صورته ~~الصادقة بملامحها الناطقة، لا ينكرها أنصاره ولا يقدرون على إنكارها، وإن كانت أحق شيء منهم ~~بالإنكار. # | مذهب الشيوعية # | صاحب المذهب # سلك الماركسيون في ترجمة زعيمهم بعد وفاته مسلكين متناقضين: عدلوا من أحدهما إلى ~~الآخر بعد شيوع ذكره واستفاضة أخباره ونشر الكثير من الوثائق المطوية عن حياته وعلاقاته ~~بأسرته وصحبه وزملائه، مما يحتاج إلى تفسير أو توفيق بينه وبين المنزلة الرفيعة - بل ~~المقدسة - التي أرادوا أن يرفعوه إليها على إنكارهم لكل قداسة إنسانية أو إلهية. # سلكوا في بداءة الأمر مسلك التقديس والتطويب، ثم عدلوا عنه إلى الاعتراف بالنقائص ~~والأخطاء مع الاحتراس والمراوغة، ولم يلبثوا أن توسعوا في الاعتراف بما لا بد منه مع ~~تطاول الزمن وتداول الأخبار عن الخفايا والأسرار، وكان اعتذارهم الذي يدورون حوله كلما ~~صدم الناس بخفية جديدة من خفاياه: إن شخص الرجل شيء ومذهبه شيء آخر، وإن ~~أعمال الرجل الاجتماعية بمعزل عن حياته الفردية، تطبيقا لرأي «كارل ماركس» نفسه حيث ~~يقول: إن «الشخصية الفردية» ناقلة لا أثر لها في المجتمع ms014 ما لم يكن لها تمهيد أو ~~مساندة من الظروف الاجتماعية. # ولم يلبثوا مرة أخرى أن توسعوا في الاعتراف بالنقائص والأخطاء عن قصد يدارونه ~~تارة ويعلنونه تارة أخرى، إذ كانوا يشعرون بالحاجة إلى التحلل من قيود المذهب كما ~~وضعه «كارل ماركس»، كلما تعثروا في تطبيقه وتتابعت العقبات أمامهم في كل خطوة من خطوات ~~التنفيذ والاختيار، ولا يزالون يترخصون في تطبيق المبادئ الماركسية، ويلتمسون لذلك ~~المعاذير من مصاعب الابتداء واستحالة الطفرة وضرورة الأناة والاعتدال في أطوار ~~الانتقال، وينسون أنهم على طول الزمن يبتعدون من النتيجة التي يريدونها، وتتسع الشقة ~~بينهم وبينها في كل عام وفي كل مشروع من المشروعات التي يقيمونها على قواعد المذهب كما ~~يقولون. # ولقد كان غاية ما ينتظر من أتباع الماركسية المؤمنين بقواعدها أن ينتقلوا من ~~التقديس والعصمة إلى نفي التقديس والعصمة وكفى. # كان حسبهم أن يصبح «النبي المرسل» غير مقدس وغير معصوم لو وجدوا في ذلك مقنعا للعقول ~~التي تفاجأ في كل يوم بعيب من عيوب «النبي المرسل»، لا يكفي لقبوله نفي القداسة ~~والعصمة والنزول به درجة أو درجتين دون مرتبة الكمال. # كان حسبهم هذا لولا أن عيوب الرجل تنزل به دون ذلك كثيرا في كل تقدير، فليس قصاراه ~~أنه كامل يأتيه النقص عرضا في بعض الحالات والفلتات، بل حقيقة أنه ناقص يتحول فيه ~~النقص إلى قوة بحكم الظروف. # من مترجميه الذين واجهتهم هذه الضرورة «أوتو روهل» صاحب كتاب «كارل ماركس: حياته ~~وعمله» الذي ترجمه إلى اللغة الإنجليزية «إيدن» و«سيدار بول». # 1 # فهذا الكاتب يدين بالمذهب الماركسي ويؤمن بالتفسير الاقتصادي للتاريخ، ولكنه لا يرى ~~مناصا من تفسير نقائص أستاذه باختلال جسده، فيقول بنص عبارته كما ننقلها من الترجمة ~~الإنجليزية: «إنه كان نموذجيا فيما كان يعانيه من اعتلال نشاطه الروحي، # 2 # وكان على الدوام متقلبا مبتئسا حقودا، لا يزال في تصرفه عرضة لتأثير سوء ~~الهضم والانتفاخ وهياج الصفراء، وكان موسوسا # 3 # يغلو كجميع الموسوسين في الشعور بمتاعبه الجسدية، وكما كان يعتمد في الطعام ~~الذي لا ينتظم فيه على الاستعانة ms015 بالتوابل والأبازير والمخللات وبيض السمك المملح وما ~~إليها، كان يستعين بأمثال ذلك في عمله وعلاقاته بغيره، ولا يخفى أن الأكل السيئ عامل ~~سيء وزميل سيء في الوقت نفسه، فإما أن يحجم عن الأكل أو يفرط فيه، وإما أن يكسل عن ~~العمل أو يرهق نفسه فيه بما لا يطيقه، وإما أن ينقبض عن معاشرة الناس أو يتخذ له صديقا ~~من فلان وعلان وبدران وزيدان، هؤلاء على الدوام متطرفون لا تحتمل معداتهم ولا رءوسهم ~~ولا أرواحهم # 4 # مفاجأة الاختلاف، وكذلك كان «كارل ماركس» في صباه عاجزا عن المثابرة على ~~دراسة ترشحه لعمل يعينه على مطالب العيش. وأصبح في كهولته عاجزا عن المثابرة على جهد ~~من الجهود العقلية يتكفل بغذاء الشخصية كلها، فلم تكن له صناعة ولا مكتب ولا شاغل منتظم ~~ولا وسيلة من وسائل المعيشة، وما من شيء لديه إلا وهو موكول إلى المصادفة والارتجال ~~والاضطراب، وبدلا من الانتظام في سماع المحاضرات في أثناء دراسته ليستعد بذلك للعمل ~~المنتظم راح يحشو معدته بأخلاط التوابل الفلسفية والأدبية، وتعاورته على الدوام قلة ~~الصبر على رياضة النفس وضعف الإحساس بالنظام ونقص القدرة على الموازنة بين المورد ~~والمصروف، وكانت تنقضي الشهور ولا ينشط لكتابة سطر واحد، ثم يقذف بكل قواه على عمل جسيم ~~كأعمال المردة والجبابرة، فيسلخ الليالي والأيام ملتهما بالمطالعة مكتبات كاملة، ~~راصا من حوله أكداسا من القصاصات، مالئا بالتعليق والتدوين كراسات فوق كراسات، ~~تاركا خلفه آكاما من الكتابة المخطوطة يبدؤها ويهملها، ولا ينتهي منها إلى نتيجة ولا ~~محصول». ~~••• # على هذه الصورة يتمثل «كارل ماركس» كاتب يدين بالمادية الثنائية وبالتفسير الاقتصادي ~~للتاريخ، ثم يمضي في سرد هذه العيوب في إمام مذهبه ليقول: «إنه قد استمد من الضعف قوة، ~~واستخرج من النقص تعويضا يغطي عليه.» # ونعتقد أن الكاتب لم يكن ليسترسل في تصوير إمامه على هذه الصورة، لو أمكنه أن يسكت عن ~~الجانب المهم منها وهو عجزه عن العمل المنتج ونزوعه إلى هدم ما يبنيه بيديه. ولكن ~~الكاتب لا يستطيع أن يدعي ل «كارل ماركس» حبا ms016 أشد من حب أبيه، وليس في وسعه أن يمحو ~~الوثائق التي تحتوي فيما احتوته أقوال أبيه عنه وكتاباته إليه، ومنها رسالة يقول فيها ~~«ماركس» الأب: «إن بعض الناس ينامون ملء عيونهم إلا أن يستدعيهم السرور إلى سهر الليل ~~كله أو بعضه، على حين يقضي ولدي الموهوب الذكي «كارل» جملة لياليه مرهقا جسده وعقله في ~~دراسة لا لذة فيها، معرضا عن جميع الملهيات في طلب المشكلات الغامضة؛ ليهدم غدا ما ~~بناه اليوم، ويرى بعد ذلك كله أنه أضاع ما لديه، ولم يستفد شيئا مما لدى ~~الناس.» # 5 # أما هذا الخلل الملازم ل «كارل» من مطلع حياته فله عند «أوتو روهل» تعليلات كثيرة، ~~منها مرض الكبد المتأصل واعتلال بنيته اعتلالا ينبئ عن وهن أصيل في التركيب، ومنها ~~انتسابه إلى الملة اليهودية في بلاد تنظر إلى هذه النسبة كأنها وصمة اجتماعية، ومنها ~~آفة الولادة الأولى، أو ما ينتاب تربية الولد الأول من عوارض التدليل والانفراد. ويفتتح ~~«روهل» فصله عن «ماركس» الرجل بتزكية المذهب المادي في تفسير حالة الفرد وتفسير أحوال ~~الجماعات على السواء، فيقول مبتدئا بتقرير هذه العقيدة: «وإذا كان التفسير المادي ~~للتاريخ كما هو في الحق أصدق تفسير لمجرى الحوادث التاريخية، فمن الواجب ألا يصدق على ~~الجماعات التي تتولى تنفيذ تلك الحوادث وحسب، بل ينبغي أن يصدق كذلك على الأفراد الذين ~~تتجسم فيهم ظواهرها، إلا أن تطبيق التفسير المادي للتاريخ بالنسبة للجماعات مهمة من ~~مهام الدراسات الاجتماعية. بخلاف تطبيقه على الأفراد فإنه مهمة من مهام الدراسات ~~النفسية.» # وخلاصة المقارنة بين حالة «كارل ماركس» وحالة البيئة التي نشأ فيها أن «كارل ماركس» ~~الفرد لا يعنينا بمعزل عن آرائه الاجتماعية وعن الظواهر التي عملت على إخراج تلك ~~الآراء. # وهذه هي الحيلة التي أراد الكاتب المؤمن بالمادية التاريخية أن يحتال بها على إغفال ~~عيوب إمامه في معرض الكلام على مذهبه، ولعلها حيلة تنفع كل قائل غير القائلين بتفسير ~~عقائد الناس وآرائهم بأحوالهم المادية ومطالبهم الجسدية، فإن الذي يعتقد أن الديانات ~~والأخلاق والآراء إنما هي صدى ms017 المطالب الجسدية التي يحسها الناس، لن يستطيع التخلص بهذه ~~السهولة من أثر البنية في تكوين آراء صاحبها، ولن يستطيع أن يزعم أن هذه الآراء تأتي ~~سليمة مطهرة من نفس مريضة مختلة مطبوعة على الحقد والضغينة، وإذا استحال على الأمة في ~~مجتمعها أن تتخلص من دواعيها الجسدية حين تدين بالدين، وحين تتعود العادات، وحين تشرع ~~الشرائع، وحين تتذوق الجمال وتبتدع فنونه وتماثيله، فليس في مقدور الفرد أن يتخلص من ~~نوازعه وشهواته ولا من أهوائه المتأصلة في تركيبه، وليس من المعقول أن يتساوى الرجل ~~المطبوع على الضغينة والرجل المطبوع على سلامة الطوية في بواعث التفكير ومواجهة المسائل ~~التي يصبغها بصبغة عقله هواه، ومن قال بذلك فهو من القائلين بالعزل بين الروح والجسد، ~~وليس من القائلين بتغليب الجسد على كل فكرة وكل عاطفة وكل شعور. ~~••• # ومهما يكن من جدوى هذه المعاذير، فهناك سؤال حتم يبقى على الشيوعيين أن يجيبوه، وهو: ~~هل يعتبر «كارل ماركس» بهذه الأخلاق فردا صالحا في مجتمع من المجتمعات الإنسانية ~~كائنا ما كان؟ وهل يكون فردا غير صالح، ويجوز مع ذلك أن يكون إماما صالحا لتأسيس ~~المجتمعات المثالية من يومه إلى أقصى الآماد المجهولة؟ # وأيا كان جوابهم على هذا السؤال الحتم، فلا شك أن هوان الأخلاق عليهم هو مرجع ~~الفضل في تهوين الاعتراف بتلك العيوب على زعيمهم وإمامهم، وإن يكن فضلا غير ~~مشكور. # ويشبه هذه الصورة التي رسمها «روهل» صورة أخرى رسمها زعيم من أكبر زعماء المذاهب ~~الهدامة في عصره وهو «باكونين» زعيم «الفوضوية» الذي تلقى عنه «ماركس» أوائل دروسه في ~~المذاهب الاجتماعية، وهو رجل له عيوبه وهناته، ولكنه من طراز في الأخلاق غير طراز ~~«كارل ماركس». ولم يكن من خلاله المشهورة خلة الحقد وافتراء الأكاذيب على عمد لخدمة ~~الدعاية أو شفاء الضغينة، بل كان على نقيض ذلك سريعا إلى الاعتراف بصواب غيره إذا تبين ~~له صوابه، قريبا إلى الصفح عن خصومه الذين لا يتورعون عن اختلاق التهم عليه لتشويه ~~سمعته والتشكيك في نياته، وقد اتهمه «ماركس» بالجاسوسية، وأحيلت هذه ms018 التهمة على لجنة من ~~أقطاب الثوار لتحقيقها ، فثبت لهم تزوير الوثيقة التي تستند إليها، وكان «باكونين» ~~حاضرا في جلسة التحقيق والمناقشة للدفاع عن نفسه فأخذ الورقة المزورة ولم يتشبث بإدانة ~~مزوريها بل أحرقها بيديه، وبسط كفه للداعية الألماني «ليبكنخت» الذي كان يتولى اتهامه ~~بالنيابة عن «ماركس»، فصافحه وختم هذه المهزلة باستئناف العمل معه والنزول عن حقه في ~~إلصاق شبهة التزوير به وبأستاذه الموعز إليه. # يقول «باكونين» هذا عن «ماركس» وهو يعقد المقارنة بينه وبين «ماتسيني» زعيم الوطنية ~~الإيطالية: يحب «كارل» نفسه أضعاف حبه لأصدقائه ومريديه، وما من صداقة تصمد لحظة إذا ~~مسته لحظة في غروره وكبريائه، وأيسر من ذلك جدا أن يغفر الإساءة أو الخيانة لدعوته ~~الفلسفية ورسالته الاجتماعية، فإنه ينظر إلى هذه الخيانة نظرته إلى علامة من علامات ~~القصور العقلي أو علامات امتيازه على صديقه فيرى فيها نوعا من التسلية المرضية، وقد ~~يكون هذا الصديق أحب إليه وأدنى إلى قلبه؛ لأنه يأمن أن يكون مزاحما له في رسالته أو ~~منافسا على القمة العليا في شهرته، غير أنه لا يغتفر أبدا أصغر الإساءات إلى شخصه، ~~ولا بد لك من أن تعبده وتتخذه وثنا تصلي بين يديه إن أردت أن تظفر بمودته، أو لا بد لك ~~من أن تخافه وتهابه إن أردت أن يحتملك ويصبر عليك، وهواه دائما أن يحيط نفسه بالأقزام ~~والحجاب والمتزلفين، ولا يمنع ذلك أن يحيط به بعض ذوي الأقدار. # أما على الجملة فلك أن تقول: إن أصحاب «ماركس» تندر بينهم صراحة الصداقة، وتكثر ~~بينهم الدسائس والمناورات، وهم متفاهمون ضمنا على المكايدة والصراع والمساومة على ~~مرضاة الغرور المتبادل بين زمرتهم، ولا موضع لشعور الصداقة حيث يعمل الغرور وتسود ~~الأثرة، فكلهم على حذر، وكلهم متوقع للتضحية به والقضاء عليه، وليست جماعة «ماركس» إلا ~~جماعة التزلف المشترك، وهو بينهم الموزع الأكبر للأقدار والدرجات، والمحور الأكبر كذلك ~~للغدر والكيد والدسيسة. لا يتفتح أبدا ولا يستريح للصراحة يوما. بل يحرض أبدا على ~~اضطهاد من يستريب فيه أو من يقوده سوء حظه إلى ms019 التقصير عن إكباره كما ينبغي له من ~~الإكبار في نظره. ومتى بدا منه الإذن في الاضطهاد، فلا حدود للخسة واللؤم في الذريعة ~~التي يتذرعون بها لقضاء إربه، ولما كان هو نفسه يهوديا فقد أحاط نفسه في لندن وباريس، ~~وفي ألمانيا قبل كل شيء بنفر من اليهود الصغار على حظ متفاوت من المقدرة على الدس ~~والنشاط والمغامرة كسائر أمثالهم، حيث كانوا بين الموظفين التجاريين وعمال المصارف ~~والمشتغلين بالأدب والسياسة، أو هم بعبارة أخرى سماسرة في الأدب والسياسة كزملائهم ~~السماسرة في الصفقات التجارية، قدم في المصرف والقدم الأخرى في مراكز الحركة ~~الاجتماعية، ولهم عشيرة كبرى في ألمانيا بين أدباء الصحف الدورية، وإن هؤلاء المتأدبين ~~من اليهود لذوو براعة في صناعة الجبن والواقعية والإيغار والمكيدة تسمعهم يقولون كأنهم ~~يترددون: يشاع، يزعمون، لعله غير صحيح ... ثم يقذفون بأخبث التهم في الوجوه. # ومما كتبه «باكونين» عن «ماركس» إلى «هرزين»: # 6 ~~«إن «ماركس» قد خدم قضية الاشتراكية خمسا وعشرين سنة بمقدرة ونشاط ~~وإخلاص، ولن أغفر لنفسي - لو أنها سولت لي من جراء البواعث الشخصية - أن أهدم عمله أو ~~أغض من شأنه.» # وقد أعلن «باكونين» صواب «ماركس» في بعض المسائل الفلسفية والسياسية التي اختلفا ~~عليها، وأن «ماركس» لا يتورع عن الانتقام من مخالفيه باختلاق التهم عليهم، وأنه لا ~~يتورع عن الانتقام من أحد يرتفع إلى المكانة العليا في الدعوة الاجتماعية وإن لم يكن ~~بينهما نقاش على الخطأ والصواب، وقال وهو يذكر جملة «ماركس» على ~~«برودون»: # 7 # إن «ماركس» ينطوي على خليقتين ذميمتين: الغرور والغيرة، وما كان بعضه ل «برودون» إلا ~~لأنه مشهور جدير بالشهرة، وما من مسبة يحجم عن صبها على رأسه؛ لأنه أناني يفرط في ~~أنانيته لحد الجنون، وتسمعه يتحدث قائلا: أفكاري، آرائي، وينسى أن الأفكار والآراء ~~ليست ملكا لأحد على التخصيص، وأن أصلح الآراء تلك التي تتمخض عنها البديهة ~~العامة. ~~••• # وتكاد هذه الصورة أن تبرز بجميع ملامحها للناظر العابر بعد جلسة أو جلستين مع «كارل ~~ماركس»، كما تبرز للغرباء الذين تجمعهم به المصادفة حينا بعد ms020 حين، فليس يختص بها أولئك ~~الأخصاء الذين طالت عشرتهم له وخبرتهم بأطواره وأعماله؛ لأنها صورة بينة تنعكس عن ~~صفات متغلغلة متمكنة لا تخفيها المواربة، ولا تحتاج إلى إنعام النظر طويلا لإبراز ~~طواياها. # وصفه «كارل ~~شورز» # 8 # بعد التقائه في كولون سنة 1848 قال: «إنه قد استفاضت عنه شهرة واسعة بالاطلاع الغزير، ~~ولم أكن على علم بكشوفه ونظرياته، فزادني ذلك شوقا إلى التقاط كلمات الحكمة من فم ~~الرجل الشهير، فخاب أملي على نحو غريب، إذ كانت كلمات «ماركس» ولا شك مشبعة بالمعاني، ~~ولكني لم أر قط في حياتي رجلا بلغ سلوكه من البغضة التي لا تطاق ما بلغ سلوك هذا ~~الرجل، كان لا يعير التفاتة واحدة لفكرة تخالف فكرته أقل مخالفة، وكان يعامل كل من ~~يخالفه معاملة ملؤها التحقير والازدراء، ويجيب على كل قول لا يعجبه إجابة قارضة تسخر من ~~الغباء المطبق الذي يرمي به قائله أو تلوح له بالاتهام وسوء النية، ولا تزال لهجته في ~~النطق بكلمة برجوازية عالقة بذهني إلى هذه الساعة، وهو سريع إلى إلصاق مسبة البرجوازية ~~بكل من يخالفه على أسوأ ما تدل عليه من ضعة العقل والخلق.» # 9 # وقال ~~«تيشو» # 10 # عنه مع إعجابه به وتسليمه بقدرته: «لو كان قلبه في عظمة فكره، وكان حبه في قوة حقده، ~~لاقتحمت النار معه على الرغم من تصريحه غير مرة بهبوط منزلتي في نظره.» # لا جرم كان بهذا المسلك خليقا أن يغري بالمناقضة والمشاكسة، وكان يكفي - كما قال ~~«شورز»: إن ينم على وجهة يختارها ليدفع بسامعيه إلى وجهة غيرها. # وعلى كثرة الذين كتبوا عنه وعن ذكرياتهم معه، لم يكن بينهم أحد يمر بهذه الخليقة دون ~~أن يلحظها، ولو كانت من الخلائق العارضة أو الخلائق التي تظهر وتختفي بين أدوار العمر ~~وطوارئ الأحوال، لما أنكرها منه أبوه في مقتبل عمره، كما أنكرها صديقه وصفيه وزميل ~~حياته وشريك دعوته «فردريك ~~إنجلز» # 11 # وهو أحرص الناس على سد خلته ومداراة عيوبه. ولكنها خليقة لازمته من مطلع حياته إلى ~~خاتمة أيامه، فأبوه يكتب ms021 إليه أيام تلمذته ليقول له مكرها: «إنك - لسوء الحظ - تؤيد ~~بسلوكك رأيي الذي كونته عنك، وأرى أنك - على ما فيك من خصال حسنة - أناني تغلب ~~الأنانية على جميع صفاتك.» # و«إنجلز» في سنة 1863 - أي بعد أن جاوز الخامسة والأربعين يكتب إليه قائلا: «من ~~البديه أنك سترى مما أنا فيه من الحزن، وما أنت عليه من جمود الطبع أنني لم أكن أستطيع ~~أن أجيبك قبل هذا التاريخ. إن أصحابي جميعا - ومنهم المخالفون - قد أبدوا لي من ~~العطف والعزاء فوق ما كنت أنتظر، أما أنت فقد لاح لك إنها فرصة لإظهار سموك ~~بالتعالي عن الحزن، وجمود العاطفة، ليكن ما أردت، سلمنا لك ما تريد، فانعم ~~بانتصارك.» # وإنما ثار «إنجلز» هذه الثورة النادرة؛ لأنه كتب إلى «ماركس» ينعي إليه خليلته فلم ~~يتحرك لمصابه، ولم يزد على كلمات أسف وجيزة، تلاها على الأثر طلب المعونة وشرح الأزمات ~~التي يعانيها، وقد كان «إنجلز» ينسى شواغله وهمومه كلما سمع عن وعكة خفيفة يشكوها طفل ~~من أطفال «ماركس» أو تشكوها قرينته السقيمة، فلا يهدأ ولا يتوانى حتى يسعفه بما في وسعه ~~من المعونة والمواساة. # وفي هذه المرة فقط عرف «ماركس» كيف يعتذر من خطأ يلومه عليه لائم من صحبه أو زملائه ~~أو ذويه، فكتب إلى «إنجلز» ينحي على نفسه؛ لأنه أرسل ذلك الخطاب، ويقول إنه أدرك خطأه ~~بعد إلقائه في البريد، وإنه كان من رثاثة الحال في داره بلا طعام، ولا دفء ولا راحة ~~بحيث لا يملك متنفسا غير التهكم وقلة الاكتراث. # وهكذا كان الاعتذار الوحيد الذي ارتضاه «ماركس» أعرق في اللؤم من الخطأ الذي ساقه ~~إليه؛ لأنه اعتذار الشعور بالحاجة إلى الرجل الذي كان يلتمس المعونة منه، ولم يكن ~~اعتذار شعور بالواجب أو الوفاء. ~~••• # والأمر الذي يستوقف النظر طويلا بعد هذه الصور المتفرقة أنها تصدر عن إجماع عام ممن ~~لا يتفقون يوما في وصف إنسان واحد كبير أو صغير، فقد اتفق عليها من يعتقدون مذهب «كارل ~~ماركس» ومن لا يعتقدونه ولا يعرفونه، واتفق عليها من عاشروه ms022 سنوات ومن لم يجتمعوا به ~~غير مرة أو مرات، واتفق عليها الغرباء وأقرب الأقرباء من أصدقائه وذويه، ومن كان منهم ~~مظنة الإجحاف لخصومة أو خلاف - كأستاذه «باكونين» - فالشبهة عليه أضعف ما تكون في هذه ~~الأحوال؛ لأنه على رذائله الكثيرة لم يشتهر برذيلة الحقد والافتراء على عمد وروية، ~~بل اشتهر على نقيض ذلك بالمسامحة وحب الإنصاف لأصحابه وخصومه، ولا يضيره بعد ذلك أن ~~يكون مظنة الاشتباه بالإجحاف، لأن ما قاله عن «ماركس» يطابق في جملته رأي أبيه ورأي ~~الخاصة الأقربين من أصدقائه ومريديه. # إلا أن الأقوال التي تتفق على الوصف لا تتفق على التعليل والتحليل؛ ف «ماركس» هكذا ~~باتفاق عارفيه، ولكن لم كان هكذا ولم يكن على صورة أخرى؟ # هنا تختلف الآراء والظنون؛ لأن المجال هنا مجال بحث وتقدير وليس مجال رؤية وتقرير، ~~ونحن نعرض هذه التعليلات فلا نجد بينها تعليلا أقرب من تعليل «روهل» إلى الإجماع أو ~~الفهم من والقبول، وقد تقدم أنه يرجع بعيوبه إلى أسباب شتى يلخصها في اعتلال البنية ~~والشعور بوصمة المجتمع وانفراده برعاية أبويه؛ لأنه كان أول الأبناء. # وهذه تعليلات تنظر إلى الوقائع الصحيحة ولا تستوعبها؛ لأنها لم تلتفت إلى الجانب ~~المهم من الوراثة وعلاماتها الواضحة في أبويه، وليست الوراثة مما يهمل في شأن إنسان من ~~الناس حيث كان وكيف كان، ولكنها في شأن «كارل ماركس» أحق بالالتفات إليها والبحث عن ~~الصلة بينها وبين قواعد مذهبه وغاياته؛ لأنها وثيقة الصلة بتلك القواعد ~~والغايات. # لقد كان «كارل ماركس» ينحدر من أبوين ينتميان - كلاهما - إلى طائفة الربانيين ~~والحاخامات اليهود، وكان أبوه فقيها دينيا، وأمه من سلالة اليهود الهولنديين الذين ~~هاجروا إلى بلاد المجر في القرن التاسع عشر لكثرة من في هذه البلاد من اليهود وأصحاب ~~المزارع والأموال. # جاء في كتاب «الحركات الاجتماعية الاقتصادية» لمؤلفه «هاري ~~ليدلر»: # 12 ~~«إن أباه كان من رجال الشريعة الإسرائيليين، وإن جده كان من البرنانيين، وإن أمه تنحدر ~~من أسرة هولندية ربانية هاجرت من هولندا في القرن السابع عشر إلى البلاد ~~المجرية.» # وهذه الأسرة ms023 العريقة في الديانة اليهودية قد تحولت - أبا وأما - عن دينها إلى ~~الدين المسيحي بعد ولادة «كارل» بست سنوات، ولم يتحول الأبوان معا عن عقيدة وإيمان ~~صادق بالمسيحية، ولكنهما اتفقا على ترك الدين الذي انحدرا من سلالة فقهائه ورؤسائه ~~تمهيدا لفرص العيش، ثم تمهيدا لفرص المستقبل أمام الابن الذي بلغ السادسة، وأرادا في ~~هذه السن الباكرة أن يحولاه معهما عن ديانة الآباء والأجداد إلى ديانة الدولة والمجتمع ~~الذي يعيشان فيه، وليس أنسب من سن السادسة، لتحويل طفل صغير من دين إلى دين؛ لأنه قد ~~يتأخر عن السن المناسبة لتبديل معتقداته وشعائره، إذا بلغ سن المراهقة على دين الآباء ~~والأجداد. # أيمكن أن تنفصل هذه الحادثة عن مذهب «كارل ماركس» في جوهره ولبابه؟ أيمكن أن تنفصل عن ~~شعوره بالدين وشعوره بالعقيدة الروحية على اختلاف مناحيها؟ # لقد أقام «كارل ماركس» مذهبه على المادية الاقتصادية، وكان قوام هذا المذهب أن ~~الديانات والعقائد جميعا إنما هي انعكاس الضرورات الاقتصادية في المجتمع، كما تتمثل في ~~عباداته وعاداته. # وليس في هذا المذهب شيء يناقض الواقع المحسوس الذي شب عليه في طفولته بين ~~أبويه. # ولا تكون «المادية الاقتصادية» هنا فكرة من أفكار البحث والمنطق والدراسة العقلية ~~وكفى، بل تكون في ضميره لاعجة من أقوى اللواعج النفسية التي تتطلب التنفس والتهدئة، ~~وتهمة كامنة في الأعماق تحاول جهدها أن تنتفض من أعماقها وتتخذ لها نزعة من نوازع ~~التسويغ أو نوازع التحدي والمفاخرة، حينما تفتحت لها دخائل الفكر والوجدان. # وكأنه يقول من وراء المادية الاقتصادية متسائلا متحديا: ماذا صنع أبواي؟ أتراهما ~~صنعا شيئا يعاب عليهما أو يعاب على أحد؟ أتراهما على نقص في الأخلاق والضمير؛ لأنهما ~~تحولا عن الدين التماسا للمنفعة الاقتصادية أو المنفعة المادية؟ # كلا، إن الديانات كلها تتحرى المنفعة الاقتصادية وتنبت في منابتها، وإن المنفعة ~~الاقتصادية في كل مجتمع هي ينبوع العقائد فيه، وينبوع كل ظاهرة روحية فيه مما يسمونه ~~بالآداب والأخلاق والفنون، ويحسبونه من ثمرات الذوق أو الخيال أو من وحي السماوات ~~والأرباب، وما صنعه أبواي لا يعاب عليهما ms024 ولا ينم عن نقيصة خلقية أو خيانة لعهد الروح ~~والضمير، بل هو مفخرة لهما وآية من آيات صدق النظر والبصيرة لديهما؛ لأنهما قد نفذا إلى ~~أصل الدين في أعمق أعماقه، فلم ينخدعا فيه كما ينخدع المؤمنون الغافلون عن أصل الدين ~~وعن جميع الأصول. # فها هنا دلالة أقوى من دلالة الفكرة التي تتولد من البحث العلمي والأقيسة المنطقية، ~~ها هنا «أولا» خليقة موروثة مع الطباع التي تورث عن كلا الأبوين، وها هنا بعد ذلك حاجة ~~نفسية تلح على الوعي الباطن والوعي الظاهر معا، وتلتمس منهما قوة العزاء أو قوة التحدي ~~والمكابرة، فلا معابة في ترك الدين طلبا للمنفعة المادية أو الاقتصادية، بل هو الظاهرة ~~العامة التي ينبغي أن ترجع إليها جميع الديانات، وهو إلى ذلك مفخرة الأبوين بالنظر ~~الثاقب والحدس القويم. # وليس موقف الأسرة من الدين هو كل ما نلمحه من الخلائق الموروثة وأثرها في تكوين ~~أفكاره أو بواعث تفكيره، فإن اعتلاله كان مسبوقا بعلة مثلها في أبيه الذي مات بها قبل ~~بلوغ الشيخوخة، وقال الأطباء عنها في محضر الوفاة: إنها داء الكباد، ولم تكن أمه أصح من ~~أبيه كما يؤخذ من أخبارها القليلة، وكان له أخ يسمى «إدوارد» أصابه داء الهزال فمات في ~~صباه. ~~••• # هذه نشأة جسدية تضاف إلى نشأته النفسية أو الأخلاقية، فلا تنم على فطرة سوية ولا تهيئ ~~الناشئ للخير والفلاح في حياته الخاصة أو العامة، ويجوز لمن يترجم سيرته أن يقدر ~~جرائرها إذا أعوزته الشواهد والروايات بأسانيدها، غير أن الحوادث المفصلة في هذه ~~السيرة تغني عن التقدير وتزودنا على سعة بالمعلومات الوافية عن إمام الشيوعية من طفولته ~~الباكرة؛ لأن الدعوة إلى المذاهب الثورية ومذاهب الاشتراكية المتطرفة والمعتدلة قد ~~انتشرت بعد عصره بسنوات معدودة، وأدركها أتباعه وتلاميذه فاحتفظوا بآثاره وبالغوا في ~~الاحتفاظ بها، حتى جمعوا من خاصة أخباره ما قل أن يجتمع في سيرة مشهورة من رجال الدول، ~~فضلا عن دعاة المذاهب والبرامج الاجتماعية، وكان من حظ التاريخ الصادق أن أتباعه ~~كانوا - بحكم عقيدتهم - ممن تهون عليهم قيم ms025 الأخلاق والأدب، فلم يتحرجوا من المساوئ ~~والعيوب كما يتحرج منها مترجمو العظماء، حين يعرضون لأخبارهم الخاصة وسقطاتهم ~~المريبة. # ومن هذه المعلومات دون غيرها، يتراءى أمام المادية التاريخية في كل صفحة من صفحات ~~سيرته مصدقا لتلك الخلائق التي أجمعت عليها أوصاف عارفيه، فلم يكن في عمل تولاه قط ~~قدوة صالحة أو فردا صالحا لمجتمع من المجتمعات كائنا ما كان في حساب الماديين أو غير ~~الماديين، فلا الناشئ الطالب في سلك الدراسية، ولا الرجل رب الأسرة، ولا الصديق أو ~~الزميل في الدعوة الاجتماعية، ولا الداعية العامل على نشر مذهبه، ولا الإنسان الذي ~~ينتمي إلى ملة أو وطن أو طبقة، كان في «كارل ماركس» قدوة يحمدها الماديون التاريخيون ~~ويتمنون الإكثار منها في مجتمعهم الموعود، أو في بيئة من البيئات على اختلاف المعايير ~~والآداب. # كان على أحسنه عندهم موضع اعتذار وتعليل، ولم يكن في أخلاقه قط موضع إكبار ~~واقتداء. # كان الطالب «كارل ماركس» يهمل دروسه، وينقطع عن معهد الدراسة أسابيع متواصلة، ويبدل ~~منهجا من مناهج التعليم بمنهج غيره، ثم لا ينشط للمنهج الجديد إلا ريثما يبدله، ويتعلق ~~بآخر يهدم به ما بناه بالأمس كما قال أبوه. # وقد كان أبوه - على سنة الآباء أجمعين - يميل إلى حسن الظن، أو يلقي في روعه أنه ~~يحسن الظن به؛ ليستبقي عنده بعض الثقة برأيه، فلا يركب رأسه على هواه إذا داخله اليأس ~~من جانب أبيه، فكان يوحي إليه بالنصيحة من خلال النقد والثناء، ويقول له: إنه يسهر ~~الليالي الطوال في بناء الآراء وهدمها، وينقطع من الجامعة لمتابعة هذه الآراء التي لا ~~تطرد على وتيرة ولا تنتهي إلى طائل، وحقيقة الأمر أنه ينقطع عن الجامعة لغير ذلك السبب ~~في كثير من الأحيان، وأنه كان يسترسل في سهراته مع غواة اللهو والعربدة، ويهجر البلدة ~~كلها - بلدة «بون» مقر الجامعة ليذهب إلى «كولون» في جوارها، ويبتغي فيها من ملاهي ~~السهر ما لم يكن ميسورا له تحت الرقابة الجامعية. وحدث في بعض هذه السهرات أنه سيق إلى ~~دار الشرطة مع جماعة من ms026 السكارى لإفراطه في السكر والعربدة. وأنه سيق إلى المبارزة ~~مرة أخرى، وتبين من تقريرات الشرطة أنه استخدم الأسلحة النارية فيها. # 13 # وقد جرت عادة «ماركس» في كتابته الاقتصادية أن يطلق اسم «الرعاع» على علماء الاقتصاد ~~الذين يقنعون بالظواهر ولا ينفذون إلى بواطن الحركات الاجتماعية، كما تبدو له في ~~دراساته التي يميزها دون غيرها باسم الدراسات العلمية. فإذا استعيرت هذه التسمية ~~للباحثين في أطوار «الشخصيات»، فلعلها تنطبق على أولئك المترجمين الذين كتبوا سيرة ~~«كارل ماركس»، وأرادوا أن يفسروا تقلبه بين الدراسات فأقنعتهم كلمة «القلق» أو ~~«الجموح»، ولم يشعروا بالحاجة إلى تفسير وراء هذا التفسير الذي يصح فيه أنه من قبيل ~~تفسير الماء بعد الجهد بالماء، لأن القلق هو التقلب، والتقلب هو القلق، بغير فارق كبير ~~في مصطلحات القاموس أو مصطلحات العلوم النفسية، وشبيه بهؤلاء المفسرين نظراؤهم الذين ~~يفسرون هذا القلق باختلال البنية، ولا يذهبون وراء هذا الاختلال إلى دخائل النفس لفهم ~~بواعثها وغاياتها، وما كان اختلال البنية بصالح لتفسير عمل من الأعمال، أو توضيح ترجمة ~~من التراجم، إلا حين ينتقل من أسماء الأمراض والأسقام إلى أسماء الأخلاق ~~والعادات. # وظاهر أننا لا نفهم شيئا من كلمة القلق أو كلمة الاختلال، إذا أردنا أن نفسر بها ~~تقلبه من دراسة القانون إلى دراسة الفلسفة إلى دراسة المذاهب الاقتصادية، ولكننا نفهم ~~بواعث هذا التقلب إذا فهمنا أن شهوة الهدم والنقمة لا تجد لها منفسا تستريح إليه في ~~دراسة القانون أو الفلسفة، وأن مبادئ القانون أو الفلسفة لا تخلق النبوءات الدامية، ولا ~~تتصل بهياج الثورات والفتن التي تنبعث من غرائر الملايين، كما تتصل به مشكلات الاقتصاد ~~وصراع الطبقات على الأرزاق، وضرورات المعاش، وقصارى ما ينتهي إليه الباحث في دقائق ~~الشريعة والقانون أن يكشف منها أخطاء يدركها الفقهاء والمشرعون، ولا تتعداهم إلى جمهرة ~~المتقاضين من سائر الطبقات، وغاية ما ينتهي إليه الباحث في دقائق الفلسفة أن يغوص إلى ~~الأعماق ويقنع الفلاسفة أو طلاب المذاهب الفلسفية برجحان فكرة على فكرة، وصحة قياس من ~~الأقيسة المنطقية وبطلان قياس سواه. ms027 # أما مشكلات المعاش - ولا سيما في عصر «ماركس» أو عصر الثورات - ففيها منفس واسع لشهوة ~~النقمة والبغضاء ونعيب الهدم والخراب، وفيها وسيلة قريبة بل وسائل شتى لخطاب الغرائز ~~والضغائن وللإنذار بالويل والثبور في أمد قريب أو بعد أمد منظور. # إن طبيعة «كارل ماركس» لم تجد ما يريحها في مذاهب القانون ولا في مذاهب الفلسفة، ~~ولكنها سرعان ما انتقلت إلى مذاهب الاقتصاد حتى وجدت هنالك بغيتها، ولم تفهم هذه ~~المذاهب إلا من الناحية التي تملي لها في شهوتها وتنفس بها عن ضغائنها وأحقادها، وصح ~~عندها كل فرض ينتهي إلى العداء والبغضاء، وبطل عندها كل فرض يبعد هذه النهاية أو يشكك ~~فيها أو يشير إلى طريق غير طريقها، فلا مقياس من العلم ولا من التجربة ولا من النظر ~~لتلك المقدمات التي تفترق ما تفترق، ثم تلتقي عند الأمنية المشتهاة باسم التقدم ~~والإصلاح، وإنما المقياس الذي لا يخطئ أبدا لكل فرض من فروض المادية التاريخية أنه ~~مقدمة محتومة للعاقبة المشئومة، ومنفس واسع لشهوة النقمة والعدوان. ~~••• # من تلك التلمذة - ولا تلمذة غيرها في نشأة «كارل ماركس» - سلمت له دعوى العلم الذي ~~احتكره لمذهبه الاشتراكي بين جميع المذاهب الاشتراكية التي عرفت في عصره وقبل عصره، وما ~~من مفكر اشتراكي من أولئك الواهمين أو الحالمين - أو الرعاع في رأيه - إلا كان له نصيب ~~من العلم لا يقل عن هذا النصيب إن لم يزد عليه. # ولما حصل على لقبه العالمي الذي كان يعتز بصيغته اللاتينية، لم يحصل عليه من جامعة ~~تعلم فيها وانتظم بين طلابها، ولم يحصل عليه بعد مناقشة في موضوعه وامتحان لبراهينه ~~وأسانيده، ولكنه حصل عليه بالمراسلة في جامعة «جينا» الألمانية، وهي الجامعة التي كان ~~لها نظام يسمح بقبول البحوث من المراسلين بعد سداد رسومها وإجازتهم عليها بالألقاب في ~~غيبتهم بغير اشتراط الحضور في أيام التحصيل ولا في يوم محدود للمناقشة ~~والامتحان. # جاء في كتاب «البروسي الأحمر» # 14 # بإسناده إلى المرجع الألماني ~~السابق: «... كانت هناك جامعة جينا في دوقية فيمار الكبرى، وكانت تقاليدها أخيرا تسمح ms028 ~~بإجازة الامتحان بالمراسلة، فلا تشترط حضور الطالب إليها، ولا يتطلب الأمر إلا أن يرسل ~~أطروحته مع الوثائق اللازمة عن طريق البريد فترسل إليه الشهادة، وكذلك فرغ من الأطروحة ~~وأرسلها إلى الجامعة في السادس من شهر أبريل سنة 1841 بعنوان عميد قسم الفلسفة، فوقع ~~العميد شهادة الدكتوراه بتاريخ الخامس عشر من الشهر للدكتور كارلوس انريكوس ماركس ~~التريفيني ...» ~~••• # وتوفي «هنريك ماركس» رب الأسرة، وابنه الأكبر «كارل» يختتم مرحلة الدراسة الجامعية. ~~فانتهى دور الطالب وابتدأ دور الولي المسئول عن أسرته في وقت واحد، لأنه كان - كما ~~تقدم - أكبر الأبناء الذكور، فانتقل إليه عبء القيام على شئون الأسرة بعد أبيه. # ولا يخفى أن عاطفة الأسرة عنوان صادق لعاطفة الإنسان في الأسرة الاجتماعية أو الأسرة ~~الإنسانية الكبرى، فلا يكون الإنسان مسلوب العاطفة مع أسرته موفور العاطفة مع غيرها من ~~أبناء نوعه أو أبناء جلدته على التعميم. ومهما يكن من رأي الماديين في نظام الأسرة، ~~فالأقربون على كل حال ناس كسائر الناس، إن يكن بينهم وبين غيرهم فارق في العلاقة، فهم ~~أدنى إلى العطف المتبادل بينهم من جمهرة الغرباء. # وقد ارتبط «كارل» بعلاقات الأسرة جميعا مكفولا في رعاية أبيه وكافلا لأقربائه ~~وذويه، فكشف عن خلتين ملحوظتين في جميع علاقاته بأسرته: غلبة الأنانية، والتقصير في ~~الواجبات. # أرهق أباه بطلب المال وهو طالب منقطع عن الدراسة يغيب أكثر الوقت عن جامعته بل عن ~~البلدة التي فيها الجامعة، واسترسل في هذا السرف بعد علمه بحاجة أبيه إلى المال لإنفاقه ~~على علاجه وعلاج ابنه المريض، بعد عجزه عن الكسب واعتماده على المدخر لديه من كسب ~~شبابه، ونبهه أبوه غير مرة إلى القصد في مطالبه والاعتدال في نفقاته فلم ينتبه، ولم ~~يقصر عن تكرار الطلب على عادته من يوم اغترابه عن أهله، فكتب إليه آخر الأمر ضجرا من ~~هذه اللجاجة أو هذه الأثرة التي كان يقول: إنها وصمته البادية على صفحته، وصارحه ~~بالتأنيب الشديد قائلا: «ماذا تظن؟ أتراك تحسبنا مخلوقات من الذهب!» # ثم مات أبوه - وهو في برلين - فلم يكلف نفسه ms029 مشقة الانتقال إلى بلده - وهو رب الأسرة ~~بعد أبيه - ليواسي أهله وأخوته الصغار، ويقوم على تدبير شئون الأسرة كلها بعد فقد ~~عائلها، ولم يشغله في هذه المحنة العائلية شاغل يباليه غير طلب الحصة التي يستحقها من ~~ميراثه منجمة على حسب أقساطها الميسورة أولا فأولا بعد إحصائها. # واسترسل في الطلب حتى نفد نصيبه من الميراث، فمال على نصيب أمه وإخوته، وكانت أمه ~~ترجو أن يغنيهم بكسبه أو يكفيهم على الأقل مؤنة نفقاته، فإذا هو عالة عليها يجور ~~بمطالبه التي لا تنتهي على رزق إخوته المفتقرين إلى السند والعائل بغير أمل في مورد ~~جديد من موارد الكسب يعولون عليه. # وضاقت أمه ذرعا بهذه الأنانية العمياء، وهذا الكنود الشديد في ولدها الأكبر الذي ~~كانت ترجوه لها ولبنيها الصغار بعد أبيهم، وغضبت معها أخته «صوفي» التي كانت تدلله ~~وتعزه بين لداتها إعزاز البنات لإخوانهن الكبار، فكتبتا إليه تنذرانه بقطع المدد عنه، ~~وقالتا له بصريح العبارة: «إنك الآن في الرابعة والعشرين فاعتمد على سعيك في كسب رزقك، ~~ولا تنتظر بعد اليوم مددا نقتطعه لك من قوت أهلك.» # 15 # وكف - آخر الأمر مضطرا - عن الطلب، ولكنه لم يكف عن الاستعارة من أقربائه ~~وأصدقائه ومنهم زوج أخته وأقارب ذلك الزوج، ومنهم قريبه العم «فيليبس» وزميله في الدعوة ~~«إنجلز» وزميله الآخر «أنينكوف». # وكانت الاستعارة - غير المردودة - وسيلته التي لا وسيلة غيرها في معاشه ومعاش زوجته، ~~حيث كان وحيثما انتقل بين ألمانيا وفرنسا وهولندا وإنجلترا التي كان يهجرها ليعود إليها ~~دواليك، كلما استغلقت عليه أبواب الاستعارة فيها. # وتقبل من المعونة - بل من الإحسان - ما لا يقبله رجل ذو كرامة، فكان زملاؤه الذين ~~يضيقون بطلباته المتلاحقة يحيلون عليه الأعمال التي تطلب منهم فيقبلها وهو لا يحسن ~~أداءها ليحيلها على من يحسن هذا الأداء ويستولي هو على أجورها. # ففي سنة 1848 زار «دانا» مدير صحيفة نيويورك تربيون مدينة كولون، فقدمه إليه زميله «ف. ~~فريلجراث»، ثم عاد «دانيا» بعد ثلاث سنوات إلى لندن، فالتقى ب «فريلجراث» وسأله أن يكتب ~~إلى التربيون خلاصة ms030 التعليقات السياسية في القارة مرتين كل أسبوع. فأحاله «فريلجراث» ~~إلى «ماركس»، وقبل «ماركس» هذه الإحالة مع جهله بالإنجليزية، وعاد فأحال العمل كله إلى ~~صديقه «إنجلز» على كثرة شواغله وتبرعه بإعالته - أو إعارته - بما كان يومئذ في وسعه. ~~ولم يمض غير قليل حتى تبين لهم جميعا أنه مورد ضئيل لا يكفل ل «ماركس» وأسرته معيشة ~~الكفاف؛ لأن مدير الصحيفة كان يسقط كثيرا من الرسائل، ولا يحتسب الأجر إلا على ~~الرسائل المنشورة، عشرين شلنا لكل رسالة تأتي بعد مراجعة المهمل ~~والمنشور! # 16 # كان رب الأسرة عالة على أسرته في كهولته، كما كان عالة على أسرته في طفولته وصباه، ~~وكان الرجل الذي يحارب التطفل الاجتماعي طفيليا في كل مجتمع أصيل أو دخيل نزل ~~فيه. # ومما يذكر على الخصوص في سيرة رب الأسرة الذي يحارب الملكية، ويحسبها سرقة أخبث من ~~سرقة اللصوص وقطاع الطريق، أنه رد خطيب بنته «لورا» ريثما يتحقق من صحة ميراثه، ومن ~~كفاية هذا الميراث للتعويل عليه في طلباته، وكان هذا الخلاسي «لافارج» ابن مالك من ~~ملاك الإقطاع في أمريكا الجنوبية، تعلم في جامعة باريس وأرسلته الجامعة إلى لندن في ~~بعثة خاصة، فتعرف إلى «ماركس» وفتاته هناك. # 17 # وإذا كان الجو العاطفي في الأسرة دليلا على حظ أبيها من العطف والحنان وشعور الإخلاص ~~بينه وبين خاصته وذويه، فقد كان «كارل ماركس» أعجز الناس عن إلهام صغاره سجية من سجايا ~~العطف والمودة تجعل للحياة معنى غير معنى المنفعة العاجلة، والأثرة المتحكمة، وسوء الظن ~~بكل نبيل جليل من العواطف الإنسانية، فماتت ابنته «لورا» هذه وأختها «ألينورا» منتحرتين ~~بعد حياة مضللة على غير هدى. ولم تنتحرا من البؤس في دار أبيهما. بل أقدمتا على بخع ~~نفسيهما بيديهما بعد مفارقة الدار، هذه مع زوجها الخلاسي وتلك مع عشيقها «أفلنج»، الذي ~~ظهر لها بعد معاشرته أنه هجر زوجته وأخفى عنها زواجه قبل معاشرتها. وكانت «ألينورا» هذه ~~مخطوبة للكاتب العالمي المعروف «برناردشو» فرفضته، وتعلقت بذلك الأفاق قانعة معه ~~بعلاقة الخليلة والخليل، مؤثرة لها على علاقة الزوجة والزوج ms031 مع رجل مستقيم الخلق ~~والسمعة. # ولقد كان انتحار أختها «لورا» لسبب أعجب من الخيبة في هواها، فاتفقت هي وزوجها على ~~الانتحار معا فرارا من الشيخوخة التي تحرمهما متعة الشباب، وقضت الفتاتان على حياتهما ~~في السن التي تلوذ فيها النفس الإنسانية بالعاطفة العامرة التي تجعل للحياة معنى فوق ~~معنى اللذة ونزواتها، وتتغلب به على متاع الأنانية والأثرة العاجلة، بحثتا عن هذا ~~المعنى إبان الحاجة إليه فلم تجداه؛ لأنهما لم تفهماه ولم تحساه في البيت الذي نشأتا ~~فيه، ووجدتا في موضعه نظرة يائسة إلى الناس وإلى الدنيا ضللتهما في كل اختيار يرجع فيه ~~المرء إلى هداية العاطفة الصادقة والضمير السليم. # لا جرم كان في مصطلح الأسرة كلما فارقت بنت من بناتها دار أبيها أنها نجت من محنة ~~الجوع والضيق. # ثم تحسنت حالة «إنجلز» شريك «ماركس» في الدعوة الشيوعية؛ لأنه استقل بعمله، وتمكن من ~~توظيف مبلغ من المال في السنة لمعيشة زميله لا يقل عن ثلاثمائة وخمسين جنيها بعد سداد ~~ديونه وتنظيم داره، وتسوية الخلاف بينه وبين المتعاقدين معه على الأعمال المهملة ~~والمشروعات المعطلة، وصدق فيه قول أبويه: إنه سيعيش عالة على الناس ما عاش. ~~••• # وربما خطر على البال أن الرجل كان يهمل الأعمال التي يكسب منها ضرورات معيشته؛ لأنه ~~يعكف على العمل في نشر دعوته وتدوين فلسفته وأداء رسالته، ويشغله هذا العمل عما عداه من ~~تكاليف السخرة المفروضة عليه في غير ما يرتضيه! # ولكن الواقع أن العمل الذي كان يهمله إنما هو عمل الدعوة في صميمها، وأوله كتاب «رأس ~~المال» إنجيل المادية التاريخية كما يسميه الشيوعيون، وقد مات «ماركس» وهذا الإنجيل ~~ناقص في أهم نظرياته وألزمها لإثبات المذهب «العلمي»، وترجيحه على مذاهب الاشتراكيين ~~الرعاع والاشتراكيين المتعلقين بالأحلام، مات «ماركس» ولما يستوف «إنجيله» بحثه الموعود ~~في نظرية الثمن والعمل ونظرية صراع الطبقات. # كان بعض معارفه قد أشفقوا عليه، أو ملوا منه الطلب وراء الطلب بغير وفاء ولا انتهاء، ~~فأقنعوا الناشر «لسكي» بالاتفاق معه على تدوين نظرياته الاقتصادية التي تدور عليها نظم ~~السيادة والحكم ms032 في المجتمعات البشرية، وتسلم «ماركس» في ثمن الكتاب ألفا وخمسمائة فرنك ~~سنة 1844، وانقضت أربع عشرة سنة ولم يظهر الكتاب، وإذا ب «كارل ماركس» يعقد مع الناشر ~~«دنكر» # 18 # اتفاقا آخر على تأليف الكتاب نفسه، ولم يكن «دنكر» يعامله من قبل، ولكنه عامله في هذه ~~الصفقة بوساطة «لاسال»؛ لأنه كان يطبع له الكتب والمنشورات. # ومضت السنون ولم ينجز «ماركس» اتفاقه مع الناشرين. # 19 # وكان من المنظور بعد ضمان «ماركس» لمورد رزقه من معونة «إنجلز» أن يفرغ لإتمام بحوثه ~~واستيفاء الفصول الناقصة من كتاب رأس المال، ولكنه ما كاد يضمن المورد بلا عمل، حتى ~~أعفى نفسه من كل مجهود وترك العمل كله ليستسلم لمكائد البطالة والفراغ. ~~••• # وأعجب ما في دعاوى هذا الرجل دعواه على زعيم الفوضوية «باكونين» بعد أن أحس من جانبه ~~خطر المنافسة والسبق بين زمرتهم إلى منزلة الثقة والكرامة، أثار عليه حملات التشهير، ~~واجتهد اجتهاده في التنقيب عن جريمة يعزوها إليه، فماذا وجد؟ وجد أن «باكونين» دنس ~~سمعة الاشتراكيين؛ لأنه اتفق مع ناشر في روسيا على ترجمة كتابه، ولم ينجز ترجمة ~~الكتاب! # ومطلع حياته كختام حياته سواء في تسخير المذاهب للوقيعة أو للوصول، ففي مطلعه كانت ~~تصدر في بلاد الرين صحيفة تسمى «رينش جازيت» تتطرف في دعوتها إلى الاشتراكية، فأنذرتها ~~الحكومة بالإغلاق إذا هي لم تعدل عن خطتها، ولم تخرج منها الكاتب المسئول عن سياستها، ~~وكان شابا من أصحاب «كارل ماركس» اسمه «روتنبرج»، فلما سئل عن رأيه في موقف الحكومة ~~أشار بإخراج زميله، وقبل أن يتولى تحرير الصحيفة بعده، وتولى التحرير فعلا على خطة ~~جديدة تنحي على الاشتراكية والاشتراكيين، وأعداد الصحيفة محفوظة بحملاتها إلى ~~اليوم. # 20 # فالدعوة إلى المذاهب لم تكن شغلا له يشغل به جميع أوقاته، ويتحين الفرص لإنجازه ~~وتمكين حجته وسد خلله، وإنما كان كل همه منها أن يتزعمها ويحتكر شهرتها ويحيط نفسه ~~بحاشية من أتباعها وأذنابها، وينحي عنها كل من بزغ له نجم لامع فيها أو استطاع أن ~~يتقدم صفوفها، ولعل أعدى أعدائه وأبغض الناس إليه من ms033 كان يخدم تلك الدعوة أو يخدم دعوة ~~من قبيلها، فلا شكر لهؤلاء عنده ولا صداقة ولا رعاية، وكل جزائهم عنده ذم وتشهير ~~وانتقاص واتهام، يعلم هو قبل سواه مبلغه من الصدق والثبوت. فيتعلل لهذا بسوء الفهم، ~~ويتعلل لذاك بسوء النية، ويتعلل لغيرهما بالرياء والنفاق أو بالوهم والاختلاق، ولم يسلم ~~من ضغينته قط أحد من هؤلاء بغير استثناء. # ف «برودون» كان عنده سخيفا مسوغا للسرقة والملكية بأسلوبه، عاجزا عن تفنيدهما ~~بأسانيده وبراهينه، و«كارل جرون» دخيل على الحركة، مستغل لأفكارها المبتكرة في سبيل ~~العيش والمجاملة، و«ليبكنخت» خائن لزعامته، ملفق لآرائه، منتفع باسمه على الرغم منه، ~~و«لاسال» - صاحب الفضل عليه في التعاقد مع «دنكر» - زنجي بدم الوراثة، متهم الجدات ~~والأمهات بالفسوق الذي تشهد به ملامح وجهه وسيماه. # وصهراه «لونجويه» و«لافارج» خالفاه ولم يتبعا خطاه، فكتب إلى «إنجلز» يلعنهما، ويقول ~~عن الأول: إنه خليفة «برودون» وعن الثاني إنه خليفة «باكونين»، وإلى الشيطان فليذهبا ~~معا ملعونين مدحورين! # و«باكونين» - كما تقدم - جاسوس مختلس بغير بينة، بل على نقيض البينة. ولا يكف عن ~~الكيد له حتى يصدر الحكم عليه من لجنته بالفصل من زمرة الاشتراكيين. # كلهم هكذا بغير استثناء. # أنقول بغير استثناء؟ نعم بغير استثناء، إلا استثناء واحدا دل على خسة هذه الطبيعة ~~المدخولة من كل خسة تشهد بها ضغائنه ومفترياته، لأن هذا الاستثناء الواحد في جميع ~~حياته، وبين جميع أبناء عصره، هو استثناء الحاجة على الرغم وقلة الحيلة. # كان «إنجلز» دون غيره من المخلوقات البشرية، ومن العاملين على نشر الدعوة الاشتراكية ~~قبل غيرهم، هو الاستثناء الوحيد من حملات المذمة والضغينة؛ لأنه يعول «ماركس» وينفق ~~عليه وعلى أسرته، ويتكفل بسداد ديونه وتنظيم شئونه، فهو جريء بالذم والاتهام على جميع ~~خلق الله حين يأمن الضرر والخسارة، ولكنه يحسن الأدب - على رغم - حين يلجئه الكسل ~~والفضول إلى قبول الإحسان أياما وشهورا وأعواما بغير انتهاء. فلا سخافة هنا، ولا ~~خيانة، ولا عقلية برجوازية أو رعاعية، ولكنها العصمة كلها من جميع النقائص والأخطاء، ~~ولا يسلم من هذه الضغينة ناجح في نشر ms034 الدعوة، وإن لم يكن من الزعماء المنافسين لصاحب ~~المذهب وإمام المادية التاريخية. ولو كان في صدر «ماركس» متسع لقبول عمل العاملين، لكان ~~أحرى الناس أن يتقبل منهم العمل على نشر الدعوة طائفة الصناع أو «الصعاليك» المنذورين ~~لقيادة المجتمع الحديث، وإقامة النظام الاجتماعي الخالد على الزمن إلى غير انتهاء. ولكن ~~واحدا من هؤلاء جاوز حده واغتر بثناء الزعماء عليه، فراح حيث ذهب إلى البلاد الألمانية ~~يحرض عمالها على الإضراب، واشتهر من ثمة بينهم باسم زعيم العمال الألمان. فحاقت به ~~اللعنة من جراء هذا الجهد الناجح، وسيق إلى مجلس المحاكمة لسؤاله عن جنايته على شرذمة ~~العمال الذين حرمهم الشغل والخبز بتحريضه إياهم على مطالبة أصحاب المصانع بزيادة ~~الأجور، كأنما كان في الوسع أن يقدم العمال على الإضراب بغير مجازفة تعرض أناسا منهم ~~للبطالة أو ترك العمل إلى حين، وكأنما قامت الشيوعية على ذريعة لتحقيق مبادئها غير هذه ~~الذريعة في جميع دعايتها، وهي التي أنكرت الوسائل الدستورية في المطالبة بحقوق الطبقة ~~العاملة، ووصفت من يعتمد عليها بخيانة هذه الطبقة وتضليلها عن الهدف الوحيد الذي لا ~~محيد عنه لكل إصلاح جدير بالعناء من طلاب الإصلاح المخلصين. ~~••• # ونعرض بشيء من التفصيل لقصته مع العامل المغضوب عليه؛ لأنها أغرب من قصصه مع ~~«برودون» و«جرون» و«باكونين» وأشباههم من أعلام النابهين الذين يناظرونه ويناظرهم وينفس ~~عليهم شهرتهم ورواج آرائهم، فلو كانت في هذه النفس طوية من المروءة تطيق نجاح أحد في ~~نشر الدعوة الاشتراكية لكانت خليقة أن تطيق ذلك العامل، ولو من قبيل المثال لما يبشرون ~~به من دولة العمال، ولكنه غشم في الطبع لا يستريح لغير النقمة والحسد، ولا يغتفر الوزر ~~لمن يعترض لنقمته وحسده. وقد نجح العامل المغضوب عليه، فما زال به زعيم المذهب حتى ساقه ~~إلى المحاكمة، وعومل في زمرته بغشم لا يحمدونه ولا يحمده أحد لأسوأ مجتمعات الاستغلال ~~والاستبداد، ومن أجل استبداد هذه المجتمعات واستغلالها كانوا يثيرون الثائرة ويقيمون ~~القيامة كما يقولون. # يسمى العامل المطرود من الزمرة الماركسية «ولهلم ويتلنج» ولا يعلم له اسم ms035 أب معروف؛ ~~لأنه تربى في حجر غسالة ألمانية حملت به سفاحا من ضابط في جيش نابليون، لم يلبث أن ~~هجرها وهجر الطفل فكبر بين لداته وهو يعلم أنه ابن سفاح ويمقت الجيش والجندية، وحان ~~موعد تجنيده فهرب من الحي وتعود في مخابئه أن يطيل القراءة فيما اتفق له من الكتب ~~والنشرات. # وكان يأوي منذ صباه إلى طرزي يتعلم منه صناعته، فجعل يعاود هذه حتى أتقن منها ما يحصل ~~به على بعض الأجر ولا يكاد يستقل به عن أصحاب الدكاكين، وزين له الغرور في السابعة ~~والعشرين أن يجرب صناعة التأليف فكتب رسالة عن «الإنسانية كما هي وما ينبغي أن تكون». ~~وزج بنفسه بين أتباع «بابوف» الداعية الفرنسي الذي ثار على الثورة؛ لأنها لم تذهب إلى ~~المدى الذي كان ينبغي أن تذهب إليه، ولم تبدأ بالمساواة الاقتصادية قناعة منها ~~بالمساواة السياسية، وصودرت صحفه ومنشوراته، فألف جماعته السرية، وانكشف أمره بوشاية ~~واحد من هذه الجماعة فقضى عليه بالموت بعد محاكمة طويلة (1760-1797م)، ولكنه ترك بعده ~~شيعة أمينة لدعوته؛ لم تزل بين تبديد وتجديد حتى انتمى إليها «ويتلنج» مع طائفة من ~~الألمان الذين هجروا بلادهم فرارا من الاضطهاد، ولجأ «ويتلنج» نفسه إلى الفرار بعد حين ~~من فرنسا إلى سويسرا، فقضي عليه هناك بالسجن؛ لأنه كتب فيها رسالة يشبه فيها نفسه ~~بالسيد المسيح؛ لأنه صانع فقير يبشر بالاشتراكية ولا ينتمي إلى نسب من بني ~~الإنسان. # ثم امتزجت حركة «بابوف» بحركة الاشتراكيين والماركسيين، فانتمى «ويتلنج» إليها وألف ~~كتابا سماه «ضمانات الوئام والحرية» قرظه «ماركس» وقال: إنه باكورة رائعة من بواكير ~~الطبقة الألمانية العاملة، وزكاه آمنا عواقب هذه التزكية؛ لأن أحدا من الناس لم يكن ~~ليأخذ هذه البواكير مأخذ الجد في عالم التأليف! # إلا أن «ويتلنج» لم يقصر جهوده على الكتابة التي لا خوف منها على مكانة الإمام ~~المقدم في مذهب الاشتراكية العلمية، بل طمح «ويتلنج» بعد التأليف إلى العمل المباشر، ~~وجمع حوله شرذمة من العمال البابوفيين والفوضويين والماركسيين يدينون له بالزعامة؛ لأنه ~~يحسن الكلام والكتابة، وتمادى ms036 في العمل المباشر، حتى دعا إلى الإضراب والمقاطعة ~~الصناعية تطبيقا لمبادئ «الأعمال المباشرة» في مذهب الشيوعيين، وكان في بروكسل من بلاد ~~البلجيك يوم قرر «ماركس» دعوته إلى مجلس من مجالس الحزب العليا «للمناقشة فيما يمكن ~~الاتفاق عليه من تنظيم حركة العمال الشيوعيين». # وعقدت هذه الجلسة «يوم 30 من شهر مارس سنة 1846» برئاسة «كارل ماركس» وحضور زميله ~~«إنجلز» وطائفة من الثوار الموثوق بهم في المدينة من كل مهاجري الأمم الأوربية، ومنهم ~~الشاب الروسي «أنينكوف» الذي كان يتنقل بين البلاد الأوربية، ويحمل إلى «كارل ماركس» ~~خطاب توصية من زعماء الثورة في بلادهم، وهو الذي دون محضر هذه الجلسة، وأثبت فيه أحاديث ~~«ويتلنج» و«ماركس» فيما دار بينهما من الحوار. # قال: كان الخياط المهيج «ويتلنج» شابا أشقر وسيما يلبس معطفا فضفاضا ويرسل لحيته ~~لم يحفل بتهذيبها، ويخيل للناظر إليه أنه سمسار متجول، وليس بالعامل الثائر المتنمر ~~الذي يظنه السامع بسيرته. # وبعد أن تعارف بعضنا إلى بعض عرضا، وبدا «ويتلنج» خلال هذا التعارف في مظهر متكلف ~~من الأدب والمجاملة، جلسنا إلى مائدة خضراء صغيرة، وجلس «ماركس» على كرسي الرئاسة فيها ~~بجمته التي تشبه لبد الأسد، منحنيا على ورقة أمامه وبين أصابعه قلم من رصاص. وكان ~~زميله الملازم في الدعوة «إنجلز» الطويل المعتدل القامة بهيئته الإنجليزية، الوقور، هو ~~الذي افتتح الجلسة بحديث عن ضرورة التفاهم بين طلاب الإصلاح من العمال على رأي واضح ~~بين الآراء المتناقضة، وعلى خطة مرسومة يتخذونها علما لهم يحومون حوله، وينظر إليه ~~أولئك الأنصار الذين لا يتاح لهم الوقت ولا القدرة على بحث المسائل النظرية ~~باجتهادهم. # ولم ينتظر «ماركس» حتى يفرغ «إنجلز» من خطابه، بل رفع رأسه فجأة وقذف «ويتلنج» بهذا ~~السؤال: أنبئنا يا «ويتلنج»، إنك أثرت الشغب بدعايتك بين العمال الألمان وجمعت منهم ~~طائفة اتبعتك فخسرت من جراء ذلك أعمالها وأقواتها، فما هي حجتك التي تسوغ بها نشاطك ~~الثوري، وبأية قاعدة تدعم ذلك النشاط؟ # وتلت هذا السؤال مناقشة أليمة لم تطل على كل حال كما سنرى من هذا البيان. # وبدا أن ms037 «ويتلنج» يؤثر أن يجري المناقشة على أساس العرف الشائع من الخطابة الحرة، ~~وابتسم بسمة الجد والقلق حين أخذ يقول : «إن مهمته لم تكن تفرض عليه أن يبتدع نظريات ~~جديدة في علم الاقتصاد، وإنما كانت مهمته أن يتبع الخطط التي كان يلوح من الأحوال ~~الجارية في فرنسا أنها أوفق الخطط لفتح أعين العمال على شئونهم الجائرة وعلى المساوئ ~~التي كانوا يبتلون بها. # وأطال الكلام فأدهشني على خلاف ما توقعت، إنه لم يتكلم كما تكلم «إنجلز» في وضوح ~~وسلاسة، بل اختلط عليه القول وطفق يكرر عباراته ويعود إلى تصحيحها ويسبق النتائج التي ~~تنبني على حججه أو يتعجلها.» # قال «أنينكوف»: إنه كان يواجه في هذا الاجتماع جمهورا مغايرا كل المغايرة لذلك ~~الجمهور الذي ألف مخاطبته في دكانه وقبوله لكتاباته، وكان ولا ريب وشيكا أن يسهب في ~~القول فوق إسهابه لو لم يبادره «ماركس» بنظرة مغضبة وهو يصيح به متهكما: «إنه لمن ~~الخداع السهل أن تثير الشعب بغير مبالاة بعمله، وإن إيقاظ الآمال الخيالية لن يفضي ~~يوما إلى خلاص المظلومين، بل يفضي على النقيض إلى ضياعهم وخذلانهم، وإن ذهابك إلى صناع ~~ألمانيا على غير قاعدة علمية ولا نظرية قائمة، لا معنى له إلا أنه لعب فارغ بالدعاية ~~مجرد من محاسبة الضمير، ولا نتيجة له إلا خلق رسول داعية من جهة، واجتماع قطيع من ~~الحمير يستمع إليه فاغر الأفواه من جهة أخرى.» # وأضاف «ماركس» إلى ذلك - وهو ينظر إلى الكاتب «أنينكوف»: «إن دور «ويتلنج» كان قمينا ~~أن يجدي جدواه في بلاد كروسيا، ولكنه في البلاد المتمدينة كألمانيا لا جدوى منه بغير ~~الاستناد إلى النظريات القائمة.» # واحمر وجه «ويتلنج» الأصفر وأصبح كلامه حاميا مباشرا، وقال بصوت يرتعش من الهياج: ~~«إن الرجل الذي ينجح في جمع مئات من الرجال إلى نداء العدل والتضامن والمحبة الأخوية، ~~لا يمكن أن يوصف بأنه رجل خاو ذو دعاية فارغة، وإنه يستطيع أن يعزي نفسه أمام الحملة ~~التي تنصب عليه تلك اللحظة، بذكر المئات من الرسائل الشاكرة والبيانات الراضية التي ~~تقاطرت عليه ms038 من بلاده، وإن جهوده المتواضعة في خدمة المصلحة المشتركة لأهم من التخريجات ~~النظرية الدقيقة التي تبتعد كثيرا عن ناحية الشعب المهضوم والجماهير المظلومة.» ~~«وثارت ثائرة» «ماركس» بعد سماع هذه الكلمات الأخيرة فضرب المائدة بقبضة يده ضربة ~~عنيفة هزت المصباح عليها، ووثب محنقا وهو يصيح: «إن الغباء لم يسعف أحدا ~~قط.» ~~«واقتدينا به فنهضنا وقوفا وانتهت الجلسة بذلك.» # وقال «أنينكوف»: «إنه أسرع إلى توديع «ماركس»، وتركه حين انصرف من الحجرة وهو في ~~هياجه يذرعها جيئة وذهوبا.» # وواضح من هذا المحضر أن العامل المغضوب عليه فوجئ بالمحاكمة وبالحكم في وقت واحد، ~~وختمت حياته السياسية في رأي زمرته لغير مخالفة تستطيع أن تحاسبه عليها؛ لأنها لم تبسط ~~أمامه خطة مقررة يحاسب على مخالفتها، وإنما انعقدت الجلسة للاتفاق على هذه الخطة، ودعي ~~«ويتلنج» إليها للتفاهم على هذا الاتفاق، وقضى «ماركس» قضاءه المطلق في مصير الرجل بين ~~جماعته حاكما بأمره، واثقا من تأييد قضائه، وكل هذا في دعوة لم يكن لها من موجب وليس ~~لها من حجة غير إنكار الاستبداد وضمان حق الضعيف الأعزل في وجه الحاكم المستبد وصاحب ~~المال الغشوم. ~~••• # إن «هنريك ماركس» لم يسمع بغير القليل من هذه الفعال وهذه الأخبار حين قال عن ابنه - ~~وفي قلبه غصة: «إن الأنانية غالبة عليه، وإنها وصمة أو لطخة على صفحة نفسه.» # هذا أقرب الناس نسبا إليه، وأقربهم إليه فكرة، زميله «إنجلز» الذي سمع الكثير من تلك ~~الفعال وتلك الأخبار، وعرف من خلاله ما عرفه أبوه، ولكنه كاد أن يخفيه عن ضميره حتى ~~صدمه في إبان حزنه تلك الصدمة، فلم يكتمه أنه جامد الشعور يخفي جمود شعوره بالتعالي على ~~خلق الله. # ويأتي بعد هذين كاتب من كتاب التفسير المادي للتاريخ يعلم ما علمه الأب والزميل، ~~وزيادة عليه مما أضافه الزمن إلى سيرة أستاذه، فلا يرميه بأقل من خلة الحقد والتقلب ~~واختلال الإرادة. # فماذا يقول التاريخ وهو ينظر إلى الرجل بعين غير عين الأب أو عين الزميل أو عين ~~التلميذ؟ # إنه لا يستطيع أن يزوي بصره عن ms039 تلك الخلال التي تتمثل له حيثما نظر إلى علاقة من ~~علاقاته الاجتماعية؛ لأن تلك الخلال التي تجمعها «الأنانية» الناقمة تملأ فراغ نفسه فلا ~~تدع فيها متسعا لغيرها، ويكفي أن يكون الرجل كذلك ليكون كما كان بغير حاجة إلى سر آخر ~~غير ذلك السر المتكشف للعيان، إنه لم يكن صالحا في علاقة من علاقاته الاجتماعية، لم ~~يكن الطالب الصالح، ولا الابن الصالح، ولا العامل الصالح لنفسه ولأسرته، ولا الزميل ~~الصالح في مودته أو خدمة دعوته، كان فاشلا في كل علاقة من هذه العلاقات الاجتماعية، ~~ولم يكن منظورا منه شيء غير الفشل فيها، مع تلك الأنانية وتلك النقمة وذلك ~~الجمود. # ولقد كان شخصا منفرا لمن حوله فيما يرجع إلى مسلكه بينه وبين نفسه، لا يقصد فيه ~~المرء صلة بينه وبين أحد من أبناء نوعه. # كان قذرا يهمل الاغتسال والنظافة، وكان منظر القروح والثآليل التي تملأ وجهه وعينيه ~~وما ظهر من جلده يزيد قذارة على قذارة، وكانت هذه القروح والثآليل مما يجنيه على نفسه ~~بتهافته على الأطعمة الممنوعة على الرغم من وصايا الأطباء وإلحاحهم عليه في اجتناب ~~الطعام الذي لا يوافق المصابين بالكبد، ولا سيما الذين أزمنت فيهم هذه الإصابة من جراء ~~النهم وفعل الوراثة، وقد نقل «ليوبلد شوارزشيلد» صاحب كتاب البروسي الأحمر نبذة من ~~الرسالة التي كتبها بعضهم إلى صهره عن معيشته في لندن جاء فيها «إنه شخص مشعث للغاية، ~~سيء التصرف في أعماله، يجري في معيشته على نهج المتشردين من المشتغلين بالمطالب ~~الفكرية، ويندر أن يستحم أو يمشط شعره ويغير ملابسه الداخلية، يشرب كثيرا ويحوم أياما ~~على غير هدى وبغير عمل. فإذا حزبه أمر لازب قضى الليل والنهار في العمل: ولا يخطر له ~~على بال أن ينظم ساعاته ومواعيده.» # هذه الرسالة وما في معناها من التقارير محفوظة في دار المحفوظات بمدينة ليبزج نقلها ~~المترجم عن المجلد العاشر من أخبار الاشتراكية الألمانية. # وإذا كانت هناك تتمة لهذه الصورة المنفرة، فهي مسلكه الشاذ الذي لا نظير له في البيئة ~~اليهودية التي نبت فيها، ms040 فإنه جمع فيه طرفي النقمة من قومه وعلى قومه في آونة واحدة، ~~فلا هو بالمسلك الذي يرضى عنه قومه ولا هو بالمسلك الذي يرضى عنه أعداء قومه، كأنما آلى ~~على نفسه ليكونن بغيضا منفرا حيث كان وكيف كان. # وتقدم من كلام «روهل» أن شعوره بالنسبة لليهودية كان مركبا من مركبات النقص التي ~~يفسر بها تناقضه واختلال أحواله. # كان ولا شك يهوديا في أعمق أعماقه، وكانت زمرته التي يأوي إليها على الأكثر من شذاذ ~~اليهود، وأصحاب الفضول منهم، كما جاء في كلام «باكونين» عنه، وكان هو يتشبه بالأسلاف ~~والآباء اليهود كما وصفتهم كتب التلمود، فيرسل لحيته ويطلق جمته ويحب أن يتراءى للناس ~~كأنه أب من آباء العبرانيين في أيام إسرائيل الأولى، ولكنه لا يكتب عن اليهود واليهودية ~~إلا ليحاول أن ينفي عنه ذلك النسب اليهودي، ولا يجد أمامه سبيلا إلى التنصل منه غير سب ~~اليهودية والإنحاء عليها، ومن كلامه في ذلك: «ما الأساس العالمي الذي تقوم عليه ~~اليهودية؟ إنه الضرورة العملية وحب المنفعة الذاتية. وما النحلة العالمية التي تنتحلها ~~اليهودية؟ إنها نحلة الطواف والتجوال، وما الإله العالمي لليهودية؟ إنه المال.» # ويجتهد «روهل» في استنباط البواعث النفسية وراء هذه الحملة فيعزوها إلى الرغبة في ~~التنصل وتسويغ الخروج على الملة الموروثة، إلا أنه باعث من بواعث شتى، يفرضها المترجمون ~~له من أنصاره وخصومه، فمنهم من يرى أن الحملة على اليهودية حيلة يسوغ بها الحملة على ~~الأديان جميعها، ومنهم من يرى أن هذه الحملة دفع مقدم لتهمة النية المبيتة على هدم ~~المجتمعات القائمة وتسليم زمامها لسماسرة المال بعد تقويض القيم المرعية في تلك ~~المجتمعات من روحية أو وطنية أو عقيدة خلقية، منهم من يرى أن الحملة على اليهود من ~~قبيل التحدي لقومه؛ لأنه يحس منهم الزراية به وبأهله وبالصابئين عن ملة الآباء ~~والأجداد. # وكل باعث من هذه البواعث شائن معوج متناقض مع دعواه، ولا سيما الإنحاء على اليهودية؛ ~~لأنها تقدس الضرورة العملية، وتنزع إلى الطواف والتجول، فإن هذه المذمة أعجب المثالب من ~~رجل يقيم ms041 النظام الاجتماعي كله على الضرورات العملية، ويدمغ الوطنية - أو حب الوطن - ~~بتهمة السخرية والتسخير من تدبير أصحاب الأموال والقابضين بأيديهم على أزمة ~~الإنتاج. # وبأي هذه البواعث يأخذ الناظر في ترجمته لا يكون «كارل ماركس» إلا - كدأبه المعهود - ~~مثلا سيئا لليهودي في انتسابه وانتقاضه على بيئته وعلى أصله الذي لا فكاك منه بحال ~~من الأحوال. ~~••• # هذه صورة تامة، وإن تكن موجزة، لإمام الاشتراكية المادية أو الاشتراكية العلمية، لم ~~نأت على لمحة من ملامحها البينة من غير مصدرها، ولم نرجع في تلك المصادر إلى أعدائه ~~ومخالفيه إلا أن يكون كلامهم مطابقا لكلام الأصحاب والأقربين. # ولا ندري بعدها ماذا يقول القائل في أولئك الذين يتركون الناحية الوحيدة التي ينبغي ~~أن يتجه إليها الباحث قبل كل وجهة تصلح لمناقشة مذهبه أو مناقشة دعوة من الدعوات تنضح ~~بها هذه الشخصية المعتلة، وما يختلف رأيان مستقيمان في طبيعة بواعثها وصبغة تفكيرها ~~وشعورها بما ينكشف للنية وما يأتي على غير وعي أو نية مكشوفة لصاحبها. # كل ما في وسعنا أن نقوله: إن طغيان كلمة «العلم» في القرن التاسع عشر هو الذي وضع ~~هذا المذهب في موضع الفروض العلمية، وإن طغيان كلمة «العلم» قد اقترن به شيوع الثورات ~~التي يقودها أناس من القائلين بالتفسير المادي للتاريخ، فنسي الناقدون «العلميون» أن ~~عناوين الثورات غير أسرارها ومضامينها، وأن كثيرا من الثورات كان شعاره خرافة يردها ~~العقل لأول نظرة، ولا تحتمل المناقشة العلمية ممن يجد في احترام العلم ~~والمناقشة. # ولولا طغيان كلمة «العلم» في القرن التاسع عشر وظهور الثورات المسماة بالماركسية في ~~القرن العشرين لما كان للماركسية كلها مكان في البحث غير مكان الظواهر النفسية، فإن ~~الظواهر النفسية كما تمثلت في «كارل ماركس» كافية كل الكفاية لتفسير مذهبه بجميع ~~تفصيلاته وفروعه ومراميه: كل شيء فيه مقرر مؤكد على قدر نصيبه من النقمة ومن إشباع شهوة ~~الحقد والكراهية، وكل شيء فيه مرفوض منقوض إذا أبطل تلك الشهوة أو رفع عنها نقابها ونفذ ~~دخيلتها. # وهكذا يفسر كل مبدأ من مبادئ «كارل ماركس» وكل ms042 حجة من حججه؛ لأنها على أية حال لم ~~تبلغ من الثبوت واليقين مبلغا يهون نقض الدعائم الإنسانية القائمة على رءوس الملايين ~~من الضحايا ما لم يكن ذلك مبنيا على طبيعة مجبولة من الشر والنقمة، وأن أيسر شك في ~~ثبوت تلك المبادئ لحقيق أن يدعو صاحبه إلى مراجعة النفس والأناة قبل الهجوم على كوارثه ~~وجرائره بغير حيطة ولا تدارك مستطاع بعد فوات الأوان. # تلك هي الحقيقة السافرة على وجه المادية الماركسية. # تلك حقيقة كل ادعاء يخول رجلا واحدا أن يحيط بقوانين الكون من مبدئها إلى منتهاها، ~~ويجزم بها الجزم الذي لا يداخله شيء من التردد الكثير أو القليل مع وخامة عقباه. # حقيقة إنه «ظاهرة نفسية» تتلخص في بضع كلمات: «شهوة النقمة، والخراب.» # وسترى أن شهوة النقمة والخراب هي التي تصغي بالأسماع إلى هذا المذهب الأثيم، كما ~~كانت هي مصدر الصيحة بوحيه ودعوته ودعواه. # | أتباع المذهب # نسبت إلى الفلسفة الشيوعية حركات ثورية كبيرة ليست منها ولم تكن نتيجة لها، فاكتسبت ~~من نسبتها إليها شأنا غريبا أضافه الباحثون إلى شأنها في عالم التفكير، فبحثوها على ~~هذا الاعتبار كأنها فلسفة خطيرة التفكير حقيقة أن تتولد منها الحركات الثورية التي ~~اقترنت باسمها، ولولا ذلك لانزوت الشيوعية وكتابها «رأس المال» في مدرجة الإهمال كما ~~انزوى غيرها من المذاهب والكتب، ولم تظفر من الباحثين والقراء بعناية غير التي هي أهل ~~لها بنظرياتها الملفقة، ودعائمها المزعزعة، وبراهينها التي لا تثبت على البحث النظري ~~ولا على التجربة العملية. # وأهم الحركات الثورية التي نسبت إليها، الثورة الروسية بعد الحرب العالمية الأولى. ~~وليست هذه الثورة في رأي الشيوعيين أنفسهم نتيجة للأطوار الاقتصادية والاجتماعية التي ~~يقول «كارل ماركس» أنها مقدمات لازمة لقيام الشيوعية، وخلاصة هذه المقدمات أن تنتشر ~~الصناعة الكبرى وتنحصر شيئا فشيئا بين أيدي المحتكرين حتى تستأصل كل طبقة في المجتمع ~~غير طبقة أصحاب الأموال المعدودين وطبقة الأجراء أو «البرولتارية» الذين تقوم على ~~أيديهم الثورة الشيوعية بعد استيلائهم على زمام الصناعة. # فالبلاد الروسية كانت آخر البلاد الأوربية التي يصدق عليها هذا ms043 التطور، وإنما الثورة ~~التي وقعت فيها بعد الحرب العالمية الأولى ثورة من ثورات الهزائم الكبرى التي امتلأ بها ~~التاريخ القديم والحديث، وكانت سببا لإسقاط كثير من الدول عن عروشها التي نخرها ~~الفساد وتلقت أمام رعاياها تبعات تلك الهزيمة وجرائرها، مقرونة في أكثر الأوقات بتبعات ~~العجز عن تدبير مصالح أولئك الرعايا. # ولم يذهب عرش «رومانوف» وحده بعد هزائم الحرب العالمية الأولى، بل ذهبت معه عروش ~~«هوهنزلرن» و«هابسبرج» و«آل عثمان»، وذهبت الهزائم قبل الحرب العالمية الأولى بأسرة ~~«المانشو» في الصين على أيدي «سن يات سن» وأصحابه من طلاب الإصلاح. # وكل ما قيل عن نسبة الثورة الروسية إلى الشيوعية، فإنما مرجعه إلى الفئة التي كانت ~~تدين بآراء «كارل ماركس»، وتسلمت قيادة الثورة بعد تمرد الجيش على أسرة «رومانوف»، ولكن ~~الحركات الثورية في الصين وتركيا وألمانيا وغيرها قد آلت إلى أيدي فئات أخرى لا تنتسب ~~إلى الشيوعية، وقد كانت الهزيمة الكبرى هي المشابهة الوحيدة بين هذه الحركات في جميع ~~البلدان، ولم تتفق على برنامج غير ذلك بعد قيامها على رءوس الحكومات. # فالثورة الروسية بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن من فعل الشيوعية، ولم يكن من ~~الممتنع عقلا أن تحدث هذه الهزيمة قبل ظهور كتاب الشيوعية بنحو خمسين سنة بدلا من ~~حدوثها بعد ظهوره بنحو خمسين سنة، فإن التاريخ حافل بأنباء هذه الهزائم التي أطاحت ~~بالعروش ومهدت للحركات الثورية وقيام الدعاة من أصحاب المبادئ، أو أصحاب المطامع ~~السياسية. # ولقد ذهبت هزيمة نابليون الأول بدولته، وعادت أسرة «البربون» إلى عرشها القديم فترة ~~من الزمن، ثم ذهبت هزيمة نابليون الثالث بدولته وقوضت عرش فرنسا العريق لتقوم على ~~أنقاضه دعائم الجمهورية، ومعها مبادئ الثورة الفرنسية التي تحقق منها ما تحقق، ولا يزال ~~الكثير منها حبرا على ورق واسما على غير مسمى، وكان ذلك قبل عصر «كارل ماركس» بقرابة ~~مائة عام. # فمن الواجب الفصل بين شأن المذهب الماركسي في قيمة التفكير وبين الحوادث الكبرى التي ~~أضيفت إلى فكرته بفعل المصادفة، فجعلت لها شانا غير شأنها وأنقذتها من الإهمال الذي ms044 ~~كان حتما مقدورا عليها لولا تلك المصادفة، فلو لم يكن «لينين» وأصحابه يقولون: إنهم ~~ماركسيون لكان كتاب «رأس المال» - كما كان - رزمة من الورق اللغو، يعجب قراؤه لما فيه ~~من الخلط والترقيع وغلبة أهواء الشر على قواعد التفكير، ولما كان له من موضع في غير ~~الدراسات النفسية للرجوع بهذه الإحنة الخلقية إلى مراجعها من أثر البيئة والنشأة ~~والتكوين، ولعله لم يكن ليظفر بهذه الدراسة النفسية؛ لخفاء اسم صاحبه وزوال الباعث ~~لتمييزه بالدرس والاستكشاف. # أما الحركات الثورية، أو الدعوات الثورية، التي تولاها الشيوعيون بعد قيام سلطانهم في ~~روسيا، فكل ما كان لها من الصلة بالصناعات الكبرى أن الصناعات الكبرى حشدت الأجراء ~~بالمئات والألوف في صعيد واحد، فاستطاع الدعاة توجيه الدعوة إليهم جملة والتأثير فيهم ~~بأساليب التأثير في الجماعات، سواء كانت هذه الأساليب من مبتكرات العصر الحديث أو من ~~المخلفات التي تقدم بها الزمن في العصور الأولى. # وقد حاول «كارل ماركس» أن يفرق بين أجراء الصناعة وأجراء الزراعة في قابلية ~~الثورة بفروق كثيرة تمحلها على طريقته في الالتواء والتسلل وراء الأسباب الاقتصادية ~~الخفية، فقال مثلا: «إن الأجراء في الصناعة قابلون للثورة الاجتماعية؛ لأنهم لا ~~يملكون شيئا في المصانع، وإن الفلاح الأجير غير قابل للثورة الاجتماعية؛ لأنه يملك بعض ~~الأرض أحيانا أو يملك بعض النتاج منها»، ولكن سوابق التاريخ تعصف بهذا الهراء كله، ~~وتبقى حقيقة واحدة من أسباب الثورات الاجتماعية، وهي إمكان اجتماع الثائرين في مكان ~~واحد أيا كان عملهم في الصناعة أو الزراعة، وتتم أسباب الثورة حين تقترن بها الدعاية ~~وضعف السلطان، أو ضعف الهيبة ممن يقبضون على أعنة الأمور. # حدثت أمثال هذه الحركات الاجتماعية في القدم قبل الميلاد بعدة قرون، ولم تكن هناك ~~صناعة كبرى ولا صغرى تجمع بين الألوف من الأجراء وبين أقطاب رءوس الأموال وملاك ~~الصناعات. # حدثت حركة كبيرة من هذه الحركات الاجتماعية بعد الأسرة الفرعونية الرابعة؛ لأن ~~الفلاحين تعودوا الاجتماع بالمئات والألوف في بناء الأهرامات والهياكل، ووجدوا أمامهم ~~نزاعا مستحكما بين طلاب السلطان. # وحدثت حركة الأرقاء في إسبرطة ms045 قبل الميلاد بأربعة قرون، وهم الأرقاء ~~المعروفون باسم: الهيلوت # 1 # أو باسم الضواحيين، # 2 # وكلهم من الفلاحين زراع الأرض بالحصة والمقاسمة في الثمرات، وقد تجمعوا ~~بالألوف على مقربة من المدينة، وهزموا قادة إسبرطة، وألجئوا هذه المدينة الحربية ~~الصارمة إلى طلب النجدة من جيرانها، فلم تقدر على صد الأرقاء الثائرين إلا بعد ~~حوالي عشر سنوات. # وحدثت حركة الأرقاء في الدولة الرومانية بقيادة «سبرتاكوس» # 3 ~~(72ق.م) الرقيق الذي تعلم المصارعة، وتمكن من جمع زملائه في الرق، فحشد ~~منهم قرابة سبعين ألفا، ودوخ الجيوش الرومانية بحملاته القوية حتى استنفد جهود الدولة ~~وكلفها أن ترصد له أكبر قوادها من طراز ~~«كراسوس» # 4 # و«بومبي»، فلم يخمدوا ثورته إلا بعد عناء شديد. # وحدثت حركة الأرقاء في العصر الإسلامي بعد منتصف القرن الثالث للهجرة (وبعد منتصف ~~القرن التاسع للميلاد) حين ثار زنج البصرة بقيادة علي بن محمد بن عبد الرحيم، وما برحت ~~ثورتهم تحتدم وتخبو من أيام الخليفة المهتدي بن الواثق إلى أيام الخليفة المعتمد بن ~~المتوكل، وتمكن هؤلاء الزنج من التجمع؛ لأنهم كانوا يعملون في الموانئ وسفن الشواطئ كما ~~كانوا يعملون في الزراعة ونقل البضاعة، ولم يكن هؤلاء الأرقاء ولا أرقاء ~~«سبرتاكوس»، أو الأرقاء الهيلوت والضواحيون عمالا مسخرين في صناعة كبرى أو صغرى ~~كالأجراء المفروضين في مذهب «كارل ماركس»، بل كانوا فلاحين أو حفارين في المناجم أو ~~حمالين على الشواطئ، جمعتهم أماكن عملهم ووحدة الشكاية أو وحدة المصلحة بينهم، فخرجوا ~~من تلك الحركات الاجتماعية قبل عصر الصناعة الكبرى بأكثر من عشرين قرنا في الزمن ~~القديم ونحو عشرة قرون في زمن الإسلام. # وعملت في كل حركة من هذه الحركات الاجتماعية عواملها المشتركة التي لا بد منها في ~~جميع العهود، وهي عوامل الدعاية والقيادة والهزيمة أو سقوط الهيبة، وظهور العجز عن ~~تدبير الأمور من قبل الطبقة الحاكمة. # ولا نعلم على التحقيق كيف كانت دعاية الثورة المصرية بعد عهد الأهرامات، ولكن تفرق ~~الدعاة والأسر في الوجه القبلي على الخصوص مع شيوع الشكوى بين الفلاحين قد يدل على ~~دخيلة الدعوة، ms046 التي جذبت كل فريق من الثائرين إلى زعيم من زعماء الأسر وطلاب ~~العروش. # أما ثورة الهيلوت فالمعروف عنها كثير، ومن هذا الذي عرف عنها أنها رزقت القيادة ~~الحسنة على يدي «أرستومين» و«أرستديمس» وجاءتها دسائس الفتنة الخارجية من جانب الفرس ~~مسخرين لها أناسا من الطامحين إلى الملك على رأسهم القائد «بوزانيوس» وأناسا من رؤساء ~~العصابات كانوا على خطر دائم من فتك الشرطة الخفية المختصة بتعقب الأرقاء البارزين ~~بين صفوف أبناء جلدتهم، وكانت لهم خفية خاصة تترصدهم يسمونها الكربتية، وتشبه الخفية ~~القيصرية قبل الثورة الشيوعية في نظام التجسس وحبائل الإيقاع والاستطلاع. ~~••• # والمعروف عن ثورة الأرقاء على روما أكثر من المعروف عن ثورة الأرقاء على ~~إسبرطة، قياسا على اشتهار الأنظمة الرومانية واشتباكها بالأمم المحيطة بها، فلا ينظر ~~المؤرخ في تفصيلات الحوادث التي انتهت بنشوب ثورة «سبرتاكوس»، إلا وجد فيها جميع ~~العوامل التي تخلق هذه الثورات من الأزمات السياسية والاقتصادية إلى هزائم الحروب وسقوط ~~الهيبة، إلى تحريف الدعاية وإمكان حشد الثائرين في صعيد واحد. # تعاقبت الغارات على روما من برابرة الشمال في القرن الأول قبل الميلاد، وانقسم ولاء ~~الجيوش الرومانية بين المشرق والمغرب، وتضعضعت الحكومات القنصلية أو الشبيهة ~~بالجمهورية، ومهدت الطريق لقيام سلطان الاستبداد وظهور الحاكمين بأمرهم من القادة ~~وزعماء العشائر، وخابت آمال المصلحين في برامج الإصلاح، ومنها تقييد الملكية الزراعية ~~ورسم الخطط الواسعة لتوزيع الأرض والثروة بين الملاك الكبار والصغار بالتدريج. # وكان الأخوان «طيبريوس» و«جايوس جراشي» قد استنفدا الحيل في إقناع العلية وأعضاء مجلس ~~الشيوخ بإعادة توزيع الأرض العامة لزيادة عدد الملاك الصغار، واستصدر أولهما من مجلس ~~الشيوخ قرارا بالحد الأقصى للأرض الزراعية العامة، فجعله ثلاثمائة فدان (سنة 133ق.م) ~~ثم جاء أخوه فأراد أن يتوسع في تعميم الحقوق السياسية، وأنشأ طائفة من المشترعين دون ~~طائفة الشيوخ وكل إليها الحق في محاسبة الولاة السابقين ومن إليهم من رجال الدولة، ~~وكانت هذه المنازعات على الحقوق السياسية والحقوق المدنية بداءة الانقسام بين طوائف ~~العلية من سادة المجتمع الروماني القديم. # واتفق هذا في الوقت الذي تتابعت فيه ms047 غارات البرابرة الشماليين على تخوم الدولة، فكان ~~عجز الحاميات العسكرية عن صد المغيرين حجة مقنعة سوغت للقائد «جايوس ماريوس» أن ينظم ~~الجيش بقيادته ويستغل سمعته في الحروب الأفريقية للاستئثار بالسلطة في حروب الدفاع عن ~~تخوم الشمال، وجر هذا الاستئثار إلى انقسام الدولة بين جيش الوطن بقيادته وجيش الولايات ~~بقيادة «كرنيلوس سولا»، ووقعت بين الفريقين معارك عنيفة، لم تنحسم قبل انقضاء سنوات في ~~القلاقل والفتن والأزمات، خرج منها «سولا» منتصرا على «ماريوس» حوالي سنة إحدى وثمانين ~~قبل الميلاد، فدانت له الدولة بالطاعة حوالي سنتين. # ولم تنقض شهور على موت «سولا» (سنة 78ق.م) حتى تجددت المساعي الحثيثة، التي تتجه من ~~كل جانب إلى هدم النظم والجمهورية، وإقامة السلطان المطلق بزعامة هذا أو ذاك من القادة ~~المتنافسين. وفي هذه الفترة نشبت ثورة «سبارتاكوس» ووجدت لها أشياعا من أشتات الأسرى ~~الذين جاءت بهم حروب الرومان في تراقية وطن «سبارتاكوس» وبلاد الغال وسائر أرجاء الدولة ~~الواسعة، وكان منهم أناس لحقوا بالجيش وتدربوا فيه على الأعمال الحربية، وأناس آخرون من ~~رعاة الجنوب في إيطاليا ممن كانوا يحملون السلاح لحماية قطعانهم، # 5 # ويشتبكون في حروب كحروب العصابات كلما ضعف سلطان الحكومة القائمة. فانقاد ل ~~«سبارتاكوس»، جيش كبير من الشذاذ النافرين، وتمكن من الانتصار على جيش الدولة بقليل من ~~العناء (سنة 73ق.م)، ثم هزم الجيوش التي جردت لقتاله بقيادة القناصل والولاة في بلاد ~~الغال، واستشرى خطبه حتى كاد أن يحكم البلاد الإيطالية فيما وراء العاصمة، ولم تقدر ~~عليه الحكومة بجيوشها التي تخلفت من أيام النزاع وانقسام الولاء بين القادة، حتى تصدى ~~للأمر رجل من رجال «سولا» الكفاة - هو القائد «كراسوس». # 6 # فجند لقتاله جيشا جديدا تولى تدريبه وتنظيمه على يديه، ودارت الدائرة على ~~«سبارتكوس» في معركة أبوليا # 7 ~~(سنة 71ق.م)، وقد كاد أن يفلت بفلول جيشه على أسطول من السفن الصغيرة عند ~~مسيني، ثم تبين أن الثائرين لم يكونوا جميعا من الأرقاء المملوكين لسادة ~~معروفين، وأحصى منهم نحو ستة آلاف لم يعرف لهم سادة يملكونهم، ولم تكن لأكثرهم ms048 سابقة في ~~الرق، وإنما كانوا مع طائفة من القتلى والفلول الهاربين، ثوارا على الظلم والخلل، ~~وطلابا للحرية والحقوق الإنسانية. # والمعروف عن ثورة صاحب الزنج في الدولة العباسية أكثر مما عرف من ثورة الأرقاء في ~~الدولة الرومانية؛ لأنها حدثت في عهد تاريخي وافر المراجع والمآخذ، قريب بالنسبة إلينا ~~في أحواله وأوقاته ومصادر دعوته ودعواه، وقد كانت الدعوة والدعوى معا كأوهن ما ~~تكون الدعوات والدعاوى من السخف والتضليل، ولكنهما فعلتا فعلهما المعهود مع ضعف الدولة ~~واحتشاد الثوار في مكان واحد وسهولة انتحال الحجة التي يستند إليها الثائر على الدولة ~~القائمة، في أعنف أوقات النزاع بين العباسيين أصحاب السلطان والعلويين أصحاب الحق في ~~عقيدة الأكثرين من أبناء الإقليم وما جاوره من الأقاليم. # ورواية أخبار هذه الثورة من وجهة نظر غربية أدنى إلى التناسق مع أخبار الثورات من ~~قبيلها في تاريخ اليونان والرومان، ولهذا نرويها هنا كما لخصها سبير «وليام موير» # 8 # في كتابه عن تاريخ اضمحلال الخلافة، إذ يقول من أخبار سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة ~~(869 م) ما يلي: # أشاعت فتنة الزنج الذعر والفتك من حولها خمس عشرة سنة، وكان زعيمها فارسيا ~~انتحل النسب إلى علي بن أبي طالب، فكان يدعو أول الأمر بهذه الصفة إلى بعض ~~الآداب الروحية، ثم ما عتم أن كشف عن خبيئته، فإذا هو متمرد منتفض يسري ~~عليه لقب الخبيث. وكان يحوم في شبه الجزيرة العربية قبل ذلك على غير طائل، ثم ~~رفع راية العصيان ونادى بالحرية لجميع المستعبدين ووعدهم بما لا حد له من ~~الأسلاب والغنائم إذا التفوا برايته، واتخذ له شعارا آية من القرآن، كتبها على ~~الراية تبطل الرق وتلغيه: # إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا ~~عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن # وفسر ~~الآية بأن الله اشترى الرءوس والأموال فلا يملكها أحد. ولم يكن بالمستغرب من ~~العبيد الذين علمهم أن يهينوا سادتهم أن يهرعوا إليه بالألوف ومعهم أهل البادية ~~من طلاب الأسلاب والغنائم. أما اسم ms049 الزنج فمعناه «الأثيوبيون» من أوشاب ~~القارة الأفريقية، ومن هنا نسبت إليهم الفتنة فسميت بفتنة الزنج. وكانت سنة ~~خمس وخمسين ومائتين بداءة عصيانهم ومجاهرتهم بالقتال، وتلتها سنتان انتشروا ~~فيهما بين جوانب وادي النهرين وشواطئ قارون إلى الأهواز، فبسطوا أيديهم من ثم ~~على هذه الأنهر، وشجعهم النجاح فأغاروا في سنة سبع وخمسين ومائتين (871م) على ~~البصرة واقتحموها وأعملوا في الأهلين كل منكر وفظيعة. ثم نادوا بالأمان غدرا، ~~فقتلوا كل من اغتر بأمانهم من جمهرة السكان المخدوعين. وهدموا المسجد الكبير، ~~وأشعلوا النيران في المدينة كلها. وقد راع الخليفة مقتربهم من عاصمة الخلافة، ~~فأنفذ الموفق على رأس الجيش لقتالهم، فنشط للقتال نشاطا قويا. ولكنه لم يظفر ~~بهم إلا قليلا في المعارك الأولى لاضطراره إلى وقف القتال حينا بعد حين، ~~واشتغاله بدرء المخاطر في مواقع أخرى من الدولة. # ولقي موسى، وغيره من القادة، مثل هذا الفشل سنة بعد سنة ثابر الزنج خلالها ~~على الغارة مع ما كانوا يمنون به من الهزيمة في بعض المعارك، وجعلوا ~~يغيرون على العراق وخوزستان والبحرين عصابات متفرقة أو جموعا مصفوفة، فنهبوا ~~الأهواز واتخذوا «واسط» معسكرا يشنون منه حروب التخريب والتقتيل، وانقضت على ~~البلاد التعسة عشر سنين من الشقاء والفزع، ثم فرغ لهم الموفق بعد الخلاص ~~من الأعداء الخارجين فوحد الجيوش تحت قيادته وقيادة ابنه المعتضد، ودارت ~~الدائرة من ذلك الحين على جموع الأرقاء، فطردوا أولا من خوزستان، ودفعوا ~~إلى الجانب السفلي من النهر، حيث استعصموا بالمواقع الحصينة، واحتموا بالأقنية ~~والجداول المحيطة بها، ولا تزال أخبار المعارك التي تلت ذلك نحو خمس سنوات ~~محفوظة تروى بتفصيلاتها المسهبة المملة، وأجلى العدو من مواقع كثيرة، ولكنه ~~لبث بعد جلائه عن تلك المواقع ثلاث سنوات مستعصما ببعض الحصون لانقطاع الحصار ~~فترات متوالية من جراء إصابة الموفق بجراح أقعدته عن العمل السريع، وأخذ الثوار ~~يتسللون زرافات زرافات إلى الموفق، فيقبل منهم التوبة برفق وسماحة، وبلغ من ~~رفقه وسماحته أنه أعلن العفو عن المسيء الأكبر. فأعرض عنه بصلف وقحة. ثم ~~سقطت القلعة وعاد كثير من النساء ms050 السبايا إلى ديارهن، ووقع الخبيث في الأسر وهو ~~يمعن في الهرب فقتل وحمل رأسه، حيث رفع على مشهد من الجموع المتكوفة، ~~فخروا سجودا يشكرون الله على النجاة من شره. ~~••• # وتلخيص «موير» هذا لفتنة الزنج، يصدر عن نظرة تاريخية على الحيدة بين الداعية والدولة ~~التي يثور عليها، فلا يمتزج بالغضب الديني الذي يشعر به المؤرخ المسلم وهو يتكلم عن ~~فتنة من فتن المروق والإباحة والافتراء على العترة النبوية، وهي في رواية «موير» ~~على نسق تام مع الثورات التي من قبيلها، وإن تفاوتت أبعد التفاوت في الأزمنة والأمكنة ~~وأجناس الثوار ومطالبهم وعقائدهم التي يأخذون بها أو ينتقضون عليها، فكلها ثورات حصلت ~~لأنها أمكنت، وكلها ثورات أمكنت؛ لأنها ثورات أناس من أصحاب الشكايات الاجتماعية أو ~~المنتفعين بالقلاقل والفوضى حيث كانت، تجمعوا في صعيد واحد، واستضعفوا السلطان لما مني ~~به من الهزيمة والعجز، فاستخفوا بأمر الخروج عليه، ولا يلزم من ثوراتهم هذه أن يكونوا ~~من الفلاحين أو الصناع أو «العاطلين»، ولا أن تتقدم ثوراتهم أو تتأخر، حسب الأطوار التي ~~يرتبها «كارل ماركس» على هواه. # أما هوى «كارل ماركس» فهو أن تكون الثورة - تطبيقا لرأيه في الصناعة الكبرى - محصورة ~~في «البرولتارية» التي تأتي بعد نبوءته آخر الزمان؛ لأنها لو لم تكن محصورة على هذا ~~النحو لما جاز أن يتطرق منها إلى هدم المجتمعات كافة وإنكار الماضي بحذافيره، ولكان ~~حكمها في العصر الحاضر كحكم تلك الثورات التي انقضت بانقضاء أيامها وجرى التاريخ بعدها ~~في مجراه. غير مقيد بالخطة التي رسمها له، ولم يأذن له بالانحراف عنها يمنة أو يسرة إلى ~~غير نهاية! # ولقد اتجهت في الزمن الحاضر - قبل منتصف القرن العشرين - دعوات ثورية إلى جماعات من ~~الأجراء غير دعوة الشيوعية، فاستجاب لها أولئك الأجراء حينما انخدعوا بوعودها ~~وأمكنهم أن يستجيبوا لها، واستثيرت حماستهم تارة باسم الغيرة الوطنية التي يحسبها ~~«كارل ماركس» في أكاذيب الطبقات، وتارة باسم الدين أو باسم مذهب واحد من مذاهب الدين، ~~وكان أناس من هؤلاء الأجراء يعملون في الصناعات، وأناس منهم يعملون في ms051 المجازر التي ~~تتجر باللحوم ولا تتوقف أعمالها على صناعات العصر الحديث، وعلى هذا المثال كانت دعوة ~~«بيرون» وزملائه في الأرجنتين، وكانت دعوات مثلها بين شعوب أمريكا الجنوبية من جميع ~~الأجناس والنحل والأعمال. # وليس من جديد الشيوعية الماركسية، أو من أفنانينها المستحدثة، أن تستهوي إليها أناسا ~~متفرقين في المجتمعات غير الأجراء وأصحاب الشكايات الاجتماعية، فهذا الاستهواء ميسور ~~لكل دعوة تتجه إلى الغرائز الخسيسة، وتزين لأصحابها رذائلهم التي تسقطهم وتذلهم كلما ~~قيسوا بمقاييس المجتمعات القائمة. وكل داعية يشفي حزازة الحسد والكراهية بين المحرومين ~~أو غير المحرومين، فهو على ثقة من استهواء الأسماع واستدراج الأنصار الذين يتهوسون بمثل ~~هذه الدعوات تهوس الجنون؛ لأنها تخاطبهم من كل ناحية مرذولة يتحرقون على التخلص منها، ~~وتقودهم بزمام الضغينة العمياء والعدوان المتحفز والهوان الجاثم على الصدور من رواسب ~~آلاف السنين، وما من شيء يجعل العقل البشري بعيدا غاية البعد عن النظرة العلمية، كتلك ~~الحالة التي يتطلبها دعاة الماركسية من المدعوين إليها، وهي حالة الضغينة المتحكمة ~~والغرائز المتمردة والجموح الذي لا يخجل من عرف أو شريعة أو حياء، وكل وهم من الأوهام ~~الحمقاء أو باعث من البواعث البهيمية، فهو مصدق عند من تتحكم فيه تلك الحالة بغير سند ~~أو برهان، على النقيض من جميع الإسناد والبراهين، ويا له من علم ذلك العلم الذي تتمخض ~~عنه طبائع دعاة من طراز «كارل ماركس»، وتتلقاه طبائع المدعوين إليه من صرعى الأحقاد ~~والغرائز العمياء. # وإنك لتنظر إلى كائن من كان من المستعدين لسماع تلك الدعوة، فلا تخطئ الصفة الغالبة ~~عليه أو الصفة المتحكمة في أهوائه بين ما يرضاه أو يأباه، ولا تكون تلك الصفة في أحد ~~منهم بمعزل عن الأنانية المطبقة والاتهام السريع ولو فيما بينهم من أقرب ~~المقربين. # فلولا الشغلان الشاغل بنوبة العلم في القرن التاسع عشر، لما جاز أن تحمل على المحمل ~~العلمي سخيمة الماركسية التي لا محل لها في غير الظواهر النفسية، سواء أخذناها من ~~مصدرها في نفس داعيتها أو أخذناها من مآلها في نفوس المصغين إليها، أو أخذناها ms052 من ~~الشعور الذي تعول عليه آخر الأمر وهو شعور اليأس المستميت الذي يقال لأصحابه: إنكم ~~تصدقون الشيوعية كما تصدقون غيرها؛ لأن خراب العالم لا يعنيكم ولا تفقدون فيه غير ~~قيودكم! # والعلم لا يسمى علما إن لم نعرف ما يناقضه، أو يناقض طبيعته على وجوه الدعاوى ~~السافرة، ولا سيما الدعاوى التي تجر وراءها هدما معجلا لكل ما بناه الناس من شتى ~~الأمم في مختلف العصور. # وأي شيء نعرف من العلم أنه مناقض لطبيعته إن لم نعرف ذلك في دعوى المدعين أن قوانين ~~الكون الأبدية تكشفت في مدى التاريخ الاجتماعي، وباحت بأسرارها لعقل واحد يتحكم في مجرى ~~التاريخ المقبل إلى غاية مداه؟ # وأي أسرار هذه الأسرار التي لا نقض لها ولا معقب عليها؟ # تلك الأسرار هي تعريف قيمة السلعة، أو تعريف الطبقة الاجتماعية، أو تعريف المادة، أو ~~تعريف التفسير المادي للتاريخ بعد تعريفها. # ولا نقول: إن العلم يرفض كل هذه التعريفات لأول نظرة أو يحكم بالبطلان على وجوهها ~~السافرة، ولكننا نقول مقال اليقين: إن العلم الذي يزعم أن هذه التعريفات بلغت مبلغ ~~الثقة الجازمة التي تتحكم في ماضي بني الإنسان ومصيرهم بغير نقض ولا تعقيب، إنما هو ~~خرافة من أجهل الخرافات التي تحوم على العقول البشرية، وإن خرافة من خرافات العجائز في ~~عصور الظلمات لا تتطلب من غفلة التصديق بما يتطلبه قبول تلك الخرافة بعد بحث أو بغير ~~بحث على الإطلاق. # على أن المطلوب من العقل البشري أمام هذا العلم المضحك، أضخم جدا مما تتطلبه ~~خرافات العجائز وخرافات الأساطير وكل ضرب من ضروب التخريف يطيف بعقل إنسان. # إذ يطلب من العقل أن يصدق - بناء على هذه التعريفات - أن طبيعة الإنسان سوف تتبدل ~~بعد مآل الصناعة الكبرى إلى أيدي الأجراء فلا منافسة ولا سباق إلى النفوذ ولا اختلاف ~~بين الظواهر والبواطن، ولا أثر من آثار الشرائع والقوانين التي تدعو إلى قيام الحكومات، ~~وهذا ثابت مقرر لا شك فيه عند هذا العلم البديع الذي ليس بخرافة وليس بأفيون للشعوب، ~~وكيف كان ثابتا يا ترى؟ ms053 كان ثابتا لأن مآل الصناعة الكبرى إلى أيدي الأجراء ثابت ~~أيضا ثبوتا لا شك فيه عند هذا العلم البديع، الذي ليس بخرافة ولا بأفيون ~~للشعوب. # وما من رأي بين هذه الآراء ثابت كل الثبوت، ولو أنه ثبت كذلك لما لزم منه ثبوت ~~النتائج التي يرتبونها عليه، ولكنها إنما تثبت لسبب واحد عند هؤلاء العلماء غير ~~الواهمين وغير الحالمين؟ تثبت لأنها لازمة لإشباع شهوة النقمة والخراب، ولو بطلت شهوة ~~النقمة والخراب لحظة واحدة لسقطت من قمتها إلى أساسها ترابا على تراب وهباء على ~~هباء. # ومن العلم الصحيح الذي لا شك فيه - بحق - أن الدعوة الماركسية ظاهرة نفسية، إذ كان ~~كل رأي من آرائها، وكل نتيجة من نتائجها تفسر بتفسيرات الظواهر النفسية ولا تلجئنا إلى ~~تفسيرات غيرها. # والظواهر النفسية تفسر تلك الدعوة من الألف إلى الياء، وتشرحها على أوضح ما تكون لمن ~~أراد أن يستكنه بواطنها من جانب العقل أو جانب الشعور. # أما التفسير المادي للتاريخ، فلا يفسره لنا ولو أخذنا بقواعده وقضاياه، لأن المادة - ~~إذا صح أنها تفسر كل معلوم ومجهول - لم يكن من حق «كارل ماركس» أن يحتكر تفسيرها على ~~أصح الوجوه. # وسنرى مكان الدعوة الماركسية من العلم ومكانها من الظواهر النفسية، ونرى بعد المقابلة ~~بين مكانيها ماذا يبقى من أصولها وفروعها، إذا أخرجنا منها طوية النقمة والخراب. # | بواعث الشكاية # من العبارات الجارية مجرى المثل في مصطلحات الماركسيين أن «مذهب هيجل» قلب الحقيقة ~~رأسا على عقب، فأقامها على رأسها في التراب بدلا من قدميها. # إن صحت هذه العبارة في مذهب من المذاهب، فهي أصح ما تكون في مذهب «كارل ماركس» عن ~~دوافع الإصلاح. # إن المشاهد في الواقع، والمعقول في التفكير المستقيم، أن الأسباب المادية لا تغير ~~حالة من حالات البشر إلا إذا تحولت إلى أسباب نفسية يشعرون بها، فإن الفقير الذي لا ~~يعلم أنه فقير لا يفكر في تغيير حاله ولا ينساق إلى عمل شعوري أو غير شعوري لتغيير تلك ~~الحال، وكذلك الفقير الذي يعلم أنه فقير، ولكنه لا يكترث ms054 لما به ولا يبالي أن يغيره أو ~~يتطلع إلى تغييره. # أما مذهب «كارل ماركس» فهو يقلب هذه الحقيقة رأسا على عقب ويقيمها على رأسها بدلا ~~من قدميها، فيقول: إن الأسباب النفسية لا تغير حالة من حالات البشر إلا إذا تحولت إلى ~~أسباب مادية. ثم يضطرب في بيان هذه الأسباب المادية اضطرابا يترنح به بين النقيضين، مع ~~أن المذهب كله قائم على أساس هذه الأسباب. # وتاريخ القرن التاسع عشر الذي ولد فيه «كارل ماركس» أسبق التواريخ إلى نقض مذهبه ~~والإبانة عن خلطه واضطرابه؛ لأنه أسبق التواريخ إلى إثبات أثر الحالات النفسية في حركات ~~الإصلاح أو حركات الثورة والانقلاب. # كانت في القرن التاسع عشر - في القارة الأوربية - شكايات كثيرة قاسية، شرحها مؤرخوه ~~ومصلحوه ولا يزال المؤرخون والمصلحون يشرحونها إلى اليوم، ولم يحاول أحد قط أن يتجاهلها ~~ويداريها أو يخفف من سوئها ولا من استياء المستائين منها. بل الواقع أنها لقيت من أهل ~~القرن عناية لم تلقها شكايات القرون الغابرة من أبنائها، فنشط المصلحون للبحث في عللها ~~ووسائل علاجها، وظهر من مذاهب الإصلاح في مدى خمسين سنة أضعاف ما ظهر من هذه المذاهب في ~~القرون الأولى، وكانت كلها في المذاهب القائمة على القواعد الاشتراكية وقواعد المساواة ~~بين الآحاد والطوائف والطبقات. # والقرون الأولى - مع هذا - لم تكن خالية من شكاياتها الكثيرة القاسية، بل كان كل قرن ~~منها له كفايته وفوق كفايته من الشكايات الكثيرة القاسية، ولو رجعنا القهقرى من القرن ~~التاسع عشر إلى القرن الأول للميلاد، لوجدنا في كل فترة من فترات هذا الزمن حادثا ~~بارزا من كبريات الحوادث التاريخية يترجم عن شكاياته ومساوئ أحواله، فلا نرجع قليلا ~~من القرن التاسع عشر حتى يصادفنا عصر الثورة الفرنسية وقبله عصر الهجرة إلى أمريكا ~~والبلاد الشرقية، وقبله عصر الإصلاح والأزمات الدينية العلمية، وقبله عصر الحروب ~~الصليبية، وقبله عصر الظلمات في القرون الوسطى وأوبئتها ومنازعاتها وأزماتها، وقبله عصر ~~انحلال الدولة الرومانية، وقبله عصور أخرى لا تنقطع فيها الشكايات الكثيرة القاسية ولا ~~الحوادث الكبرى التي تترجم عنها. # والشكاية ms055 الحاطمة - وهي شكاية الفقر - لم تكن من طوارئ القرن التاسع عشر على القارة ~~الأوربية، فإن الأوربي في القرن التاسع عشر كان أقل فقرا من أسلافه قبل قرن واحد وقبل ~~عدة قرون، وكان أقرب إلى الكفاية في المعيشة من أولئك الأسلاف، ولكنه كان أقوى شكاية، ~~وأنشط حركة في طلب التبديل والارتقاء ممن كانوا قبله أسوأ حالا وأفقر يدا، وأدنى إلى ~~الحرمان وأبعد من الكفاية. # وسبب ذلك أن الأوربي في القرن التاسع عشر، كان أعرف من أسلافه بحقوقه، وأشد شعورا ~~بالحرمان من أولئك الذين سبقوه وزادوا عليه في مضانك الحرمان. # هذا هو الباعث المهم إلى ثورات الإصلاح في القرن التاسع عشر، وهو الباعث الذي نلمحه ~~من النظرة الأولى ثم نتبينه من النظرات الطويلة المتوالية، بعد إنعام التأمل والدراسة، ~~فلم تكن الثورة في طلب الإصلاح على قدر التقدم في أدوار الصناعة الكبرى، كما يريد «كارل ~~ماركس» أن يقرر في مذهبه، بل كانت على قدر الحاجة إلى الحرية والاعتراف بحقوق ~~المساواة. ~~«ماركس» نفسه شاهد من الشواهد المطبقة على صحة هذا السبب، فإنه هو وزملاؤه من الألمان ~~دعاة المذاهب الاشتراكية قد نشئوا في بلاد متوسطة بين عصر الإقطاع وعصر الصناعة الكبرى، ~~وقد نشأ دعاة الثورة الروسية المعاصرون له في بلاد لم تخرج بعد من عصر الإقطاع، ولم تكن ~~لها صناعة كبرى تذكر بين أقطار الصناعة. # أما البلاد التي تقدمت في الصناعة الكبرى، كالبلاد الإنجليزية، فهي التي قلت فيها ~~الدعوة إلى الثورة، وعظمت فيها الدعوة إلى الإصلاح عن طريق الوسائل الدستورية، وهي ~~البلاد التي أخرجت دعوة الفابيين # 1 # الذين يؤمنون بإمكان التعاون بين مذاهب الاجتماع، كما ~~أخرجت النقابات التي تعول على الانتخاب وقوانين البرلمان، وتليها في هذه الوجهة، درجة ~~أو درجات، بلاد أخرى من القارة على حسب نصيبها من الحرية، وفي مقدمتها فرنسا وبلاد ~~الغرب والشمال. # كانت الدعوة إلى الثورة تشتد على حسب الشعور بالحاجة إلى الحرية، وكانت الدعوة إلى ~~الإصلاح السلمي تشتد على قدر التقدم في الصناعة الكبرى، خلافا لما قرره «كارل ماركس» ~~وشيعته رأسا ms056 على عقب، ووفاقا لما هو معقول ومشهود. # وقد كانت الثورة في طلب الحرية عامة في أنحاء القارة على اختلاف درجاتها من الصناعة، ~~وعلى اختلاف أطوارها من وسائل الإنتاج، وكلما قلت الحرية زادت حدة الثورة وشدة ~~الانقلاب. # كان لزاما على «كارل ماركس» وشيعته، إذا ناقضوا هذه الحقيقة، أن يثبتوا حقيقتهم ~~المزعومة إثباتا قاطعا يمتنع فيه كل اختلاف، كان لزاما عليهم أن يزيلوا كل لبس يحيط ~~بآرائهم في وسائل الإنتاج، التي يحسبونها قضاء أبديا يناط به التغيير والتبديل من ~~أوائل التاريخ إلى نهايته القصوى، أو إلى غير نهاية، كان لزاما عليهم أن يحققوا السبب ~~الذي يرونه كافيا للإصرار على قلب الدنيا وهدم المجتمعات دون أن يلتفتوا أقل التفاتة ~~إلى احتمال الخطأ فيه. # ولكنهم على خلاف ذلك، قد تركوا وسائل الإنتاج لغزا مبهما يتيهون فيه، ولا يفضي بهم ~~التيه إلى ملتقى متفق عليه. # ما وسائل الإنتاج؟ أهي الآلات الصناعية، أم هي الطبقة المشرفة عليها؟ وهل الطبقة هي ~~التي تنشئ وسائل الإنتاج، أو وسائل الإنتاج هي التي تنشئ الطبقة؟ # تلك مسألة ليست بالمسألة الهينة التي يجوز فيها اللبس ويستبيح الباحث أن يتركها عرضة ~~للتأويل والتخريج أو للتمحل والتهريج؛ لأنه يستبيح بها ما لم يستبحه أحد قط من قبله، ~~ويعلق عليها القرار الأخير في أمر لا غنى فيه عن اليقين كل اليقين، ولكن هذه المسألة ~~التي ليست بالهينة، قد هانت على «كارل ماركس» وشيعته كأنهم لا يبالون نتائجها، أو يحبون ~~تلك النتائج حبا يعميهم عن كل عاقبة وكل مصير. # فوسائل الإنتاج تارة هي الآلات الصناعية حيث يقول في رسالته الفكرية ~~الألمانية: # 2 ~~«إن طاحون الريح تعطيك مجتمعا ~~يتولاه سيد الإقطاع، وطاحون البخار تعطيك مجتمعا يتولاه صاحب رأس المال في ~~الصناعة.» # ووسائل الإنتاج تارة أخرى هي الطبقة المستولية على المجتمع، حيث يقول في البيان ~~المشترك الذي كتبه مع «فردريك إنجلز» وقيل عنه: إنه أهم في بيان الشيوعية من كتاب رأس ~~المال: «إن الطبقة البرجوازية لا يمكنها أن توجد بغير تطور دائم في أدوات الإنتاج يغير ~~علاقات ms057 الإنتاج، ويغير من ثم علاقات المجتمع بأسره.» # أما في كتاب «رأس المال» فيكفي أن تعرف آلة من آلات الزمن القديم؛ لتبني عليها تركيب ~~المجتمع كله، وفي هذا المعنى يقول في الجزء الأول: «إن آثار آلات العمل الغابرة تؤدي ~~للباحث في جميع أحوال المجتمع الاقتصادية التي مضت مهمة كالتي تؤديها عظام الحفريات ~~للباحث عن أنواع الحيوان المنقرضة، وليست آلات العمل هي المميزة بين الأدوار ~~الاقتصادية، بل كيفية صنعها والأدوات التي صنعتها هي التي تميز لنا تلك الأدوار، وإن ~~أدوات العمل لا تبين لنا درجة التطور الذي بلغه العمل الإنساني وحسب، بل هي دلائل على ~~الأحوال الاجتماعية التي يجري فيها العمل.» ~~••• # وهذه العبارات وما في معناها تتفرق في كتابات «كارل ماركس» وزميله «فردريك إنجلز» ~~وأقطاب الشيوعية بمثل هذا التناقض أو أشد منه، كما سنرى عند البحث في مواضعها من هذا ~~الكتاب، وكلها لا تنجلي عن موقف محدود في هذه المشكلة الخطيرة التي تقف بنا بين ضفتين: ~~هذه للهدى والفلاح، وهذه للضلالة والخسارة بلا هوادة بينهما ولا شفاعة ولا سلام. # فهل طاحون الهواء هي التي تعطينا أرباب الإقطاع، وطاحون البخار هي التي تعطينا أرباب ~~رأس المال؟ أو أن الأمر على نقيض ذلك، والطبقة الاجتماعية هي التي تخلق آلاتها وتتطور ~~بها على حسب أطوارها؟ إن كانت الآلة هي الحكم في وسائل الإنتاج ومصائر الجماعات، ~~فالإدارة الإنسانية أحط من الآلة الصماء؛ لأنها - بنتائج عملها - آلات في أيدي الآلات. ~~وإن كانت الطبقة الاجتماعية هي التي تخلق آلاتها وتتولى أطوارها، فمن الواجب إذن أن ~~نتجه بالبحث إلى نفس الإنسان أو نفوس الناس، ولا محل إذن لكل هذه الطنطنة بالإنتاج ~~والمباحث العلمية في الإنتاج والأدوار التاريخية التي نحصرها في وسائل الإنتاج. # ولا بد من الفصل بين القولين؛ لأن القول بأحدهما نقيض القول بالآخر، وترك الأمر فيهما ~~بغير فاصل محدود خليق أن يدور بنا حتما في متاهة خفية بين الحد الذي تبتدئ منه الإرادة ~~الإنسانية، والحد الذي تنتهي إليه وتسلم المصير كله للآلات والمكنات. # ولا ينفعنا أن نلفق هذه ms058 البداية وهذه النهاية في أعماق الطبيعة البشرية أو في معادن ~~الآلات الصناعية؛ لأننا إذا لفقنا الخليطين المشتركين في الإنتاج بقي أمامنا أن نعرف ~~كيفية صنع الآلات ، وأن نعرف الكيفية التي يدار بها كل نمط منها في نظام بعد ~~نظام. # ومن حق كل قارئ أن يقول لدعاة الشيوعية: إنني أريد منكم حدودا واضحة في هذا الأمر ~~الخطير؛ لأنكم تدعونني إلى هدم العالم بلا هوادة ولا إصغاء إلى قول غير الذي تقولون أو ~~رأي غير الذي ترون، فلا أقل من اليقين قبل الهجوم على هذه الغاية التي لا رجعة ~~فيها. # ولكن طبيعة الدعوة المبنية على الضغينة وشهوة الدمار إنما تلوح لنا في طبيعة ~~المستجيبين لذلك الهذر الملقى إليهم باسم العلم والدراسة الواقعية، فإنهم لا يستجيبون ~~له إلا إذا كانوا قد وضعوا في أذهانهم أن يهدموا أولا، وأن يستمعوا لصوت الهدم قبل كل ~~صوت، ثم يأتي الإقناع أو لا يأتي بعد ذلك فهما لديهم مستويان. # والواقع أنهم يقدمون على الهدم لأقل من ذلك الخلاف بين المعسكرين، معسكر الشيوعية ومن ~~ينكرونها كل الإنكار. # يقدمون على الهدم، ويصرون عليه، ولا يتلفتون لاحتمال الصواب، كلما اختلفوا على ~~التفصيلات الصغيرة التي يختلف عليها أتباع كل مذهب متفقين على جملة الأصول، يقدمون على ~~الهدم ويصرون عليه، ولا يتركون متنفسا لاحتمال الصواب في المخالفة كلما اختلفوا على ~~التفصيلات الصغيرة التي يختلف عليها أتباع كل مذهب متفقين على الأصول، ومن أقطابهم - ~~نظراء «كارل ماركس» في مقامه بينهم - داعية البلشفية «لينين» وحامل العلم في قيادة ~~الثورة الروسية، فإنه خولف قبل الثورة في بعض تفصيلات الدعوة يوم انقسم البلشفيون ~~والمنشفيون، ثم اجتمع مؤتمر ستوكهلم للتوفيق بين الفريقين، فأذعن «لينين» لقراره، ثم ~~ناقضه بالحملة على المنشفيين في اللحظة الأولى، وأعلن هذه الحملة قبل أن تنقضي على ~~القرار بضعة أسابيع، وانعقد مجلس الحزب لمحاكمته على سوء مسلكه مع أعضاء حزبه، فتقبل ~~المحاكمة وحضر للدفاع عن مسلكه، فاعترف بخروجه في لهجته عن آداب الخطاب بين أعضاء الحزب ~~الواحد، ولكنه قال كما جاء في المجلد الثالث ms059 من مختاراته: «إنه لا يعتبر مخالفيه أعضاء ~~في حزبه، بل يعاملهم معاملة الأعداء ويتخذ في مناقشتهم أسلوبا مقصودا؛ لإثارة البغضاء ~~والنفور والازدراء، مقصودا لغير الإقناع، بل لتحطيم الصفوف، أو مقصودا لغير تصحيح ~~الخطأ، بل للإتلاف ومحو الخصم من على ظهر الغبراء. # وهذا الأسلوب الذي استخدمته إنما يراد به أن يثير أقبح الظنون وأقبح التهم والشبهات ~~حول الخصم، ويدعو حقا على خلاف أسلوب الإقناع والتصحيح إلى بلبلة الآراء بين الطبقة ~~العاملة، وإذا سئلت: أأنت معترف بأن هذا الأسلوب غير مقبول؟ فجوابي: نعم. # مع قيد صغير وهو أنه غير مقبول بين أعضاء حزب متحدين، وإنما يعني الاختلاف بينهم ~~فصم كل عروة من عرى الألفة والوئام، ونقل العراك من التأثير داخل الحزب إلى التأثير ~~في خارجه، أو نقله من الصحيح وإقناع الزملاء إلى هدم نظامهم وإهاجة العمال عليهم ومع ~~العمال جمهرة الشعب على الإجمال.» # ولا شك أن هذا سبب - كلا سبب - لاستباحة كل هذا الشطط في الهدم والتشهير والتحقير ~~وإثارة الشحناء والعداء، وإذا كان هذا كله مستباحا لمجرد الاختلاف على الرأي بين أعضاء ~~الحزب الواحد، فلا حاجة إلى سبب لاستباحته واستباحة ما هو أنكر منه في الخلاف بين ~~الشيوعيين، ومن ينكرون مذهبهم ويخرجون على حدوده، وإن لم تكن له حدود واضحة للمؤمنين أو ~~المنكرين. # وإنه لمن الخزي لهؤلاء المفسدين أن الحقيقة تصدمهم ولا تدعهم في غفلتهم عنها؛ لأنها ~~أكبر من أن يحجبها التجاهل والاستخفاف، وإن وجوه الاعتراض على آرائهم تأتيهم من حولهم ~~ومن داخل معسكرهم، فلا تغيب عنهم طويلا بين المناقشات والمساجلات التي لا مناص منها، ~~ولكنهم يعرضون عنها؛ لأنهم منصرفون عن كل خاطر يشككهم في غايتهم من الهدم والشحناء، ~~مغضبون بكل ما في طبائعهم المريضة من لدد وإصرار على الجانب الذي يخالف وجوه الاعتراض، ~~ولا يقبل التريث في مناقشتها، فإذا اعترفوا بها فإنما هو اعتراف المضطر إلى حين، ثم لا ~~يترتب على ذلك الاعتراف تبديل أو تعديل في الغاية التي لا ينصرفون عنها بحال. # وربما كان من ممهدات العذر لهم أن يجهلوا ms060 وجوه الاعتراض، ولا يخرجوا من نطاقهم الضيق ~~إلى ما وراءه من الفروض والآراء، فأما الخزي المحيق بأولئك المفسدين، فهو استخفافهم ~~بدفع كل اعتراض يشككهم في شهوة الهدم والكراهية مهما يبلغ في إلحاحه عليها من جانب ~~الأتباع أو الناقدين. # إنهم أمعنوا في تهوين العوامل الإنسانية في مجرى التاريخ جيلا كاملا بغير تراجع ولا ~~مبالاة، وأملى لهم في هذا الغلو أن دوافع الثورة في القارة الأوربية كانت على أشدها ~~حوالي منتصف القرن التاسع عشر، فلم يشعروا بالحاجة إلى الأناة والاعتدال، ولم يصادفهم ~~ما يكبحهم عن الشطط الذي يتمادى فيه من شاء في أيام الفتنة، ولا يستطاع التمادي فيه مع ~~استقرار الأمور، فلما يئسوا من تحقيق الانقلاب العاجل واحتاجوا إلى مزيد من الإقناع ~~وقليل من العنف والجماح، تراجعوا واعترفوا بعض الشيء بأثر العوامل الإنسانية أو أثر ~~الفكرة في حوادث التاريخ وحركات الإصلاح، وكتب «إنجلز» في سنة 1890 إلى طالب يسأله جلاء ~~الشك في هذه المسألة فقال: # إنه على «ماركس» وعلي أنا يقع بعض التبعة في توكيد العوامل الاقتصادية ~~وإعطائها فوق ما تستحقه من التقرير، وقد كنا أمام حملات خصومنا مضطرين إلى ~~توكيد المبدأ الأصيل في دعوتنا لإنكارهم إياه، ولم يتسع لنا الوقت كل حين ~~لإبراز العوامل الأخرى بين الفعل ورد الفعل من العوامل المتعددة. # وقال «إنجلز» في خطاب آخر: «إنه على حسب الإدراك المادي للتاريخ يكون العامل الفعال ~~في اللحظة الأخيرة عامل الإنتاج والتثمير في الحياة الواقعية. وما حدث قط من «ماركس» ~~ولا مني أننا قررنا غير ذلك، ولكن الذي يحاول أن يجعل العامل المادي وحده فعالا في ~~التاريخ يخرج بالعبارة من معناها إلى كلام مجرد بغير معنى، فالعامل المادي هو المهم في ~~الأساس، ولكن العوامل الأخرى السياسية وغير السياسية - من دساتير وشرائع ومؤثرات ذهنية ~~ونظريات فلسفية وعقائد دينية - كلها تسيطر على منازعات التاريخ، وتقرر أشكالها في كثير ~~من الأحيان.» # 3 # وليس لهذا الاعتراف من نتيجة معقولة إلا إدحاض المذهب والعدول إلى شيء من الأناة، بل ~~كثير من الأناة، في الدعوة إلى الهدم، ms061 والإصرار على اللدد في مكافحة كل مخالفة كبيرة أو ~~صغيرة له في تفسير التاريخ، فإن الفصل بين العوامل الإنسانية وبين العوامل الآلية في ~~حوادث التاريخ المتشابكة ليكونن من ضروب التنجيم والتخمين بعد هذا الاعتراف، ولا يجوز ~~لأحد - بناء على الزيادة هنا أو النقص هناك من هذه العوامل أو تلك - أن يعلنها فتنة ~~عمياء بلا هوادة ولا إصغاء إلى مختلف الآراء. # ولكن هل عدل الشيوعيون بعد هذا الاعتراف عن صيحتهم الأولى التي تحفز الضغائن في نفوس ~~اليائسين إلى غاية مداها من الهدم والعدوان؟ # هذا هو الشيء الذي يستطيعونه، وذلك هو الموقف الذي لا يستطيعون التراجع فيه؛ لأنه ~~أساس المذهب كله في أعماق الطبائع دون الآراء والتخريجات التي يلفونها ويشدونها ويلقون ~~بها، حيث تنقاد لهم وحيث لا تنقاد؛ ليتخذوا منها الحجة لدعوة الهدم والعدوان. # وغني عن القول أن هذه الشهوة العمياء تضللهم عن الحقائق التي بين أيديهم، كما ~~تضللهم - من باب أولى - عن الوقائع التي يدعون النظر إليها بغير الثقة، حين يتكلمون عن ~~المستقبل القريب والمستقبل البعيد، فقد كان «إنجلز» يؤكد في كلامه عن الاشتراكية ~~الطوبية والاشتراكية العلمية - التي هي اشتراكية دون غيرها بطبيعة الحال - أن الثورة ~~الشيوعية بادئة في ألمانيا منتشرة منها إلى الديار الأوربية من حولها، وكان البيان ~~المشترك - المانفستو - يؤكد في سنة 1848 أن ألمانيا على أبواب ثورة برجوازية تتبعها ~~ثورة الصعاليك أو البرولتارية، وكانت نبوءات كهذه كذبت جميعا ولم تصح لهم نبوءة واحدة، ~~وما من أحد يطالب داعية المذاهب الاجتماعية بعلم الغيب إلا أن يكون داعية للشيوعية ~~الماركسية، فإن المذهب الذي يقوم على نبوءة لازبة يتقرر بها أو لا يتقرر على الإطلاق، ~~يجب أن يقاس بمقياس نبوءته القريبة دليلا على ما وراءها من النبوءات التي تستباح في ~~سبيلها الفتن والحروب والثورات. وماذا يبقى من مذهب المادية التاريخية إذا سقطت نبوءته ~~التي يبنيها على قوانين الإنتاج، ويجعلها ضربة لازب مفضية إلى قيام المجتمع الذي لا ~~طبقات فيه بعد انتهاء صراع الطبقات؟ إلا أن الداعية الشيوعي قد نسي الجانب المهم ms062 في ~~هذا الاعتراف، الذي جاء بعد الفراغ من شرح المذهب بثلاثين سنة، فليس المهم أن «إنجلز» ~~وزميله «كارل ماركس» أهملا العوامل النفسية أو العوامل الإنسانية تحديا لخصوم المذهب ~~ومناقضيه ، لكن المهم أنهما قضيا العمر يفسران الأزمات الحاضرة والغابرة تفسيرا ناقصا ~~مخطئا، لا يصلح للاعتماد عليه في العواقب العظمى التي يرتبانها عليه، ونتيجة ذلك أن ~~الشيوعية تسقط من عداد المذاهب التي يؤخذ بها في تصوير الحالة في زمانها وتصوير الحالة ~~أو الحالات التي ينبغي أن تعقبها، وهذا هو محور البحث كله في حقيقة الدعوة وعواقبها، ~~فليست هي صورة صادقة للشكايات الاجتماعية، ولا هي صورة صادقة لعلاجها وتقدير العواقب ~~التي تخلفها، وتتوفر الجهود على تحقيقها والتعجيل بإنجازها عن ثقة لا تقبل التسامح ~~واختلاف وجهات النظر في الأصول والتفصيلات، كما هو دأب الشيوعيين عامة مع من يخالفهم في ~~أصغر الأمور وأكبرها على السواء. # وعلى هذا يجب أن نسقط الشيوعية من عداد المذاهب التي تفسر شكايات القرن التاسع عشر ~~وتتولى علاجها، وهذا هو الحد الفاصل بين إنكار الشيوعية وإنكار تلك الشكايات، فلا نكران ~~للشكايات الاجتماعية التي تجاوبت بها الأمم خلال القرن التاسع عشر، وإنما ينكر ~~المنكرون، بحق - أن الشيوعية تحسن وصفها وتحسن علاجها، فضلا عن دعوى المدعين أنها ~~استأثرت بالوصف الوحيد الصادق والعلاج الوحيد الموافق للعلم والتفكير السليم. # إن شكايات القرن التاسع عشر بعضها اقتصادي من أثر الصناعة واختلاط المعاملات واتساع ~~الأسواق وموارد الخامات، وبعضها أدبي «معنوي» من أثر التطور في الأفكار والعقائد ~~ومقاييس الأخلاق، والشيوعية لا تفسر هذا ولا ذاك تفسيرا يركن إليه أو يحمل على محمل ~~العلم والدراسة. # ونعود إلى أولئك الذين يحكمون بالظلم ليشتهروا بالعدل، فنقول: إنهم يفعلون مثل ذلك في ~~إظهار الإنصاف لمبادئها ودعاواها، فالإنصاف الحق لهذه الدعوة المتعسفة أنها «كلام فارغ» ~~لا يصمد للنظر، ولا يليق بالعلم أن يسلم له بالصفة العلمية على حسب العنوان المعلق ~~عليه، فمن الجهل المطبق أن يجيئنا أحد فيزعم أنه ملك زمام الحقائق الأبدية ماضيا ~~وحاضرا ومستقبلا، ثم نتقبل منه هذا الزعم؛ لأنه سماه ms063 بالعلم واحتكر له الصفة العلمية، ~~ومن الجهل المطبق أن تقاس الشيوعية بمقياس الحوادث الجسام التي حملت عنوانها، فإن مبادئ ~~الشيوعية لم تخلق الثورة الروسية. ولم يكن من العسير على جماعة من الناس كائنا ما كان ~~عنوانها - أن تقود تلك الثورة كما قاد النازيون ألمانيا، والفاشيون ثورة إيطاليا، وقاد ~~أتباع «سن يات سن» ثورة الصين، وقاد غيرهم حركات الأمم في أوروبا وآسيا وأفريقيا بعد ~~الهزائم وقلاقل الحكم وأزمات المعيشة، كلها ثورات وجدت من يقودها من الجماعات المنظمة ~~بعد سقوط الدول لأسباب متفرقة أشد التفرق، متباعدة أشد التباعد في المصادر والدعاوى ~~والغايات. # إنما حق الشيوعية من العلم أن نفسرها بتفسير الظواهر النفسية في الطبائع المريضة، ~~فأكبر مبادئها واضح البطلان إذا طبقته على قواعد البحث وبرامج الإصلاح، وأصغر وساوسها - ~~بل أخفى خفاياها - واضحة المعنى إذا رجعت بها إلى دخائل النفوس المريضة التي تتحفز ~~للنقمة وتلبي كل من يحفزها إليها. # و«كارل ماركس» لم يبتدع الشيوعية؛ لأنه رجل عطوف حريص على تخفيف الآلام ورحمة ~~الضعفاء، والذين صدقوه لم يصدقوه لأنهم فكروا في مبادئه، أو يقدرون على التفكير في مبدأ ~~من المبادئ على إطلاقها، فإن تسعة أعشارهم لا يقدرون على التفكير لمحة عين ولا يبالون ~~أن يقدروا عليه، ولكنهم يصدقون الشيوعية؛ لأنها تشبع فيهم بواعث النقمة وترضيهم عن ~~خطتهم التي يتبرمون بها ويمتلئون بصغارها، وإنهم لتصدمهم أكاذيب الشيوعية وأكاذيب ~~دعاتها أكذوبة بعد أكذوبة، ثم تبقى الشيوعية بحذافيرها حيث كانت من طبائعهم أن لم يزدها ~~الغضب على من يكذبونها، لأن الشيوعية بحذافيرها قبل الاستماع إلى دعوتها، وبعد الاستماع ~~لكل حجة تناقضها، هي كلمة واحدة، حيث رجعت إليها من طبائع دعاتها ومصدقيها، وتلك هي ~~كلمة «النقمة» على كل إنسان وعلى كل شيء. # وليس على بصيرة بطبائع هذه النفوس من يحاول أن يقنعها بالحجة والعيان، وليس بسليم ~~اللب من يحاول أن يصرف عن الشيوعية لئيما تسميه الإنسانية مجرما وتسميه الشيوعية ضحية ~~المجتمع، أو ماجنا تسميه الإنسانية حقيرا وتسميه الشيوعية متقدما يحتقر الرجعية ~~وآدابها، أو امرأة هلوكا تسميها الإنسانية بغيا ms064 وتسميها الشيوعية متحررة من رق ~~الزوجية المفروضة عليها، فهذه محاولات مخفقة من البداءة أيا كان موقعها من الحجة ~~المقنعة والعيان الملموس. وسنعرض حقيقة الشيوعية - بعد تلخيصها - من هذه الناحية التي ~~تحتويها من طرفيها، وسنرى أنها واضحة جدا، كلما رجعت بها إلى مصادرها من النفوس ~~المريضة، وأنها مبهمة جدا كلما صدقنا لجاجة المتحدثين عنها باسم العلم ~~والإصلاح. # | المذهب # تقوم المادية الماركسية على أساس مستعار من مذهب هيجل # 1 # الفيلسوف الألماني صاحب «المثالية» أو «الفكرية الحديثة»، ويقول «لينين» في ~~تعليقاته الفلسفية التي نشرت بعد موته: «إن كتاب «رأس المال» لا معنى له بغير مذهب ~~«هيجل» القائم على تطور النقائض أو الثنائية.» # ولباب مذهب «هيجل» أن الوجود الحق إنما هو وجود الفكرة المطلقة، وأن الفكرة أبدية ~~أزلية قادرة على كل شيء ولكن بالقوة والقابلية، فإذا أردت أن تحقق كل شيء بالفعل فإنما ~~سبيل ذلك أن تحققه في أطوار التاريخ. # والفكرة تعرف كل شيء كذلك بالقوة والقابلية، ولكنها تتطور لتعرف نفسها بالفعل وتصل ~~إلى أرفع أطوارها في وعي الإنسان. # وغايتها القصوى أن تعرف كل شيء، أي أن تعرف نفسها؛ لأنها هي كل شيء، وبهذه المعرفة ~~تتحقق الحرية المطلقة من جميع العوائق، فتصل الفكرة إلى طور من أطوار الحرية، كلما وصلت ~~إلى طور من أطوار المعرفة إلى أن تتم هذه الأطوار بتمام المعرفة وتمام الحرية. # وإذا كانت الفكرة مطلقة أبدية أزلية، فهذه الأطوار محدودة، وكل طور منها ناقص يتممه ~~طور آخر، وهذا الذي يسميه «هيجل» قانون النقائض، أو قانون الثنائية، أو كما سماه بعضهم ~~قانون الحوار من باب المجاز؛ لأن الحوار يقدم رأيين متقابلين، فكل طور من أطوار التاريخ ~~لا يشتمل على كل كامل، بل يشتمل على جزء يقابله جزء آخر، وتكمن فيه جرثومة التناقض؛ ~~لأنه بعض وليس بكل محيط بجميع الخصائص والمزايا والأطوار. # فنحن لا نفهم شيئا من الأشياء بما هو عليه فقط، بل نفهمه بما ليس عليه أيضا، أو كما ~~قيل في المثل القديم: «وبضدها تتميز الأشياء.» فالشيء الموجود ونصطلح على تسميته ب ms065 «الفعل» # 2 # يقابله نقيض، # 3 # ويتألف منهما معا وجود أكمل منهما؛ لأنه يجمع مزايا الاثنين، وهو في ~~إصطلاح «هيجل» مركب ~~النقيضين. # 4 # فهناك فعل وهناك ضد لذلك الفعل، ثم يتركبان فيصبحان شيئا واحدا، ثم يبدأ التناقض ~~مرة أخرى حتى ينتهي إلى تركيب أتم من التركيب الأول، وعلى هذا النمط المتتابع يتطور ~~التاريخ وتتقدم المعرفة والحرية، لأنها معرفة تأتي من وجوه متعددة، وتأتي بعد الخلاص ~~من قيود النقائض التي يحد بعضها بعضا، فكل نقيضة منها تحد ما يقابلها. # والتناقض - على هذا - هو دافع الحركة ودافع التقدم والحرية، إلى أن يبطل التناقض في ~~الأجزاء باحتوائها جميعا في الكل لا يوجد شيء خارجه، ولا يوجد من ثم شيء يناقضه، فهو ~~الحرية بغير حدود والمعرفة بغير مجهول. # ومقتضى مذهب «هيجل» أن الحكومة البروسية هي أعلى ما ارتقى إليه الوعي الكوني من ~~أطوار التاريخ، وبقيامها بين المحكومين تتحقق حرية الجميع؛ لأن حرية كل منهم تصطدم ~~بحرية الآخر إذا لم تجتمع هذه النقائض جميعا في قوام واحد، وهو قوام تلك ~~الحكومة. # ولذلك كان للفيلسوف «هيجل» حظوة كبرى في أعين السادة والأمراء الألمان، وكان هو ~~الفيلسوف الوحيد الذي يحضرون دروسه مع الطلاب، وإن اتفق معه في مواعيد الدرس فلاسفة ~~آخرون. # وعلى حسب مذهب «هيجل» هذا يمكن أن يقال: إن الفوضى الأولى في المجتمعات البدائية ~~تبعتها السلطة المطلقة، ثم اجتمع من الفوضى والسلطة المطلقة نظام الاستبداد المحدود، ثم ~~ظهر نقيض الاستبداد المحدود في نظم الحكومات الديمقراطية والإمبراطورية والمتحدة. كأنها ~~حلقات الماء التي تحيط كل حلقة منها بالحلقات التي تقدمتها، ثم تتسع وتتسع، ولا تزال في ~~كل مرة قابلة للإحاطة بما قبلها والامتداد إلى ما بعدها. # وتتعدد مظاهر التاريخ عند «هيجل» فتدل عليها الأفكار والفنون، كما تدل عليها الدول ~~والنظم والقوانين، وتخلق فينا هذه المظاهر بواعث الرجاء ثم تأتي بعدها بواعث اليأس مما ~~كنا نرجوه، فما يقوينا وينهض بعزائمنا اليوم يعود فيملأ نفوسنا باليأس لكي نتخطاه، ~~ونتطلع إلى رجاء أعظم وأبقى، ومن هنا تترقى الأديان والمعتقدات وتترقى المعرفة وشعائر ms066 ~~الإيمان، فكل إيمان في حالة من أحوال المعرفة يتبعه إيمان أعظم منه في حالة أعلى وأوسع ~~من تلك الأحوال. # وجاء «كارل ماركس» فأبقى إطار هذا المذهب وأفرغه من محتوياته، ونقله من مذهب فكري إلى ~~مذهب مادي لا يرى في الكون شيئا غير المادة، وسمى مذهبه بالمادية الثنائية، وسمى ~~قوانينها التي تسيطر على تاريخ الإنسان بالتفسير المادي للتاريخ، فالمادة هي كل شيء، ~~والفكرة مخلوقة من المادة، والوعي الإنساني هو أعلى ما ارتقت إليه المادة من أطوار ~~التاريخ. # وعند «كارل ماركس» أن هذه الأطوار تتناقض، ويحمل كل طور منها جرثومة نقيضه، ويطبقها ~~على المجتمع الإنساني فيقول: إن الضرورات المادية في المجتمع هي التي تحرك أدوار ~~التاريخ، فيأتي كل دور منها بنقيض ما تقدمه، ولا تزال تتعاقب نقيضا بعد نقيض حتى يأتي ~~الدور الأخير في المجتمع الإنساني، فيخلو من النقائض ويستولي على المجتمع نظام واحد لا ~~أضداد فيه. # ولما كانت الضرورات المادية تحتاج إلى إنتاج - بعد حالة المشاع التي كانت عامة في ~~المجتمعات البدائية، فالمشرفون على وسائل الإنتاج هم الذين يحكمونه ويخلقون له العرف ~~الذي يلائمه والعقائد التي تتمشى مع مصالحهم، والأخلاق التي تكفل البقاء لسيادتهم، ولا ~~تنقضي دولتهم إلا إذا انقضت وسائل الإنتاج وخلفتها وسائل غيرها يملكها أناس آخرون، وهذا ~~ما يسميه حرب الطبقات. # وهذه هي النقائض المادية التي يعول عليها في تفسير التاريخ. # ففي البدء كانت المشاعية التي لا ملكية فيها لأحد، ثم استولى السادة على وسائل ~~الإنتاج باستخدام الأرقاء والمسخرين الذين هم في حكم العبيد، ثم ذهب هؤلاء السادة ~~وجاء بعدهم الفرسان أرباب الإقطاعات الذين يسخرون الزراع كما كان أسلافهم يسخرون ~~الأرقاء، ثم جاء بعدهم تجار المدن وأصحاب الأموال البرجوازيون، أو الطور الأول من ~~أطوار رأس المال، ثم جاء الطور الثاني من أطوار رأس المال مع تقدم الصناعة، ونشوء ~~الصناعة الكبرى في عصر البخار والمخترعات الحديثة. # ونقائض التاريخ الإنساني - على هذا - تنتقل من عصر المشاعية البدائية إلى عصر الرق ~~إلى عصر الإقطاع إلى عصر البرجوازية إلى عصر رأس المال الأخير، ms067 وهنا تنتهي النقائض ~~لانتهاء عصر الاستغلال. # ففي عصر الرق يستغل السادة عمل العبيد، وفي عهد الإقطاع يستغل الفرسان عمل الفلاحين ~~والصناع، وفي عصر البرجوازية يستغل أرباب الأموال عمل الأجراء، وفي عصر الصناعة ~~الكبرى تنحصر الأموال شيئا فشيئا بين أيدي القلة الصغيرة من أصحاب المصانع والشركات، ~~حتى يستنزفوا ثروة المجتمع، فلا يبقى فيه غيرهم وغير المسخرين لهم محرومين من كل شيء ~~إلا السلاسل والأغلال. # ويثور هؤلاء على سادتهم يأسا من كل خير يأتيهم من المجتمع «الرأسمالي» فيزيلونهم ~~ويقبضون بعدهم على أزمة الإنتاج بغير استغلال وبغير تسخير. وهذه هي غاية التاريخ ~~الإنساني التي تبطل فيها النقائض، ولا تبقى فيها غير طبقة واحدة ينتهي بعدها صراع ~~الطبقات، وينتهي عندها كل صراع في الحياة الاجتماعية، إذ كانت وسائل الإنتاج هي مدار ~~الصراع كله في أوائل حركات التاريخ. # في هذا العهد يئول كل شيء إلى كل إنسان، فلا يوجد من يملك أرضا أو مالا يستأثر به ~~دون سائر أبناء المجتمع، ويظل شعار المجتمعات الإنسانية أبدا: «من كل أحد حسب قدرته ~~إلى كل أحد حسب حاجته.» ولا سيطرة ولا دولة، ولا نزاع، ولا حروب. # ولما كانت الحكومات إنما تقوم لحماية المالكين لزمام الإنتاج الاقتصادي، فلا ضرورة ~~للحكومات مع شيوع الثروة وتوزيع الأموال، ولكنها قد تبقى زمنا محدودا خلال فترة ~~الانتقال، ثم تتضاءل وتذوي شيئا فشيئا حتى تذهب في النهاية غير محسوس بها وبغير جهد ~~من المحكومين. # وعلى حسب المادية الثنائية، يموت كل دور من أدوار التاريخ بجراثيم الفناء التي تتولد ~~في بنيته بطبيعة تكوينه، ولكنه لا يموت حتى يبلغ قصاراه من التمام، فإذا تمت مقوماته ~~جميعا فآخر عهده بالتمام أول عهده بالزوال. # وقد آلت أدوار الاستغلال إلى دور الاستغلال الأكبر وهو دور الصناعة الكبرى، وهو ~~استغلال يعيش بالقيمة الفائضة، وينمو بالقيمة الفائضة، ثم يموت بالقيمة الفائضة. # وما هي هذه القيمة الفائضة؟ # هي في مذهب «كارل ماركس» نظرية العمل والكسب؛ لأنه يقرر أن العمل يعطي كل شيء ~~قيمته، فلا قيمة لشيء من الأشياء بغير العمل الاجتماعي الذي ms068 يبذل فيه. # وإذا لم يكن هناك استغلال وجب أن يأخذ العامل ثمرة العمل كله؛ لأنه - بهذا العمل - ~~يعطي الثمرة قيمتها التي لا قيمة لها بغيره. # إلا أن صاحب المال يستغل اضطرار العامل ، فلا يعطيه من عمله إلا الكفاية لقوته وما هو ~~في حكم القوت من ضرورات المعيشة، ثم يأخذ الزيادة لنفسه، ويتصرف بها في توسيع ثروته ~~ونفقاته، وهذه الزيادة هي التي يسميها «كارل ماركس» بالقيمة الفاضلة. # ومن لوازم رأس المال في عهد الصناعة الكبرى، أنه يزيد اضطرار العامل إلى قبول الأجر ~~القليل يوما بعد يوم؛ لأن أدوات الإنتاج - من الآلات الضخمة - تغلو كلما تقدمت ~~الصناعة، فلا يستطيع اقتناءها وإدارتها إلا صاحب المال الكثير، هذا من جهة. # ومن الجهة الأخرى يتنافس أصحاب الأموال بنقص الأثمان فتنقص الأجور، ثم يبلغ هذا النقص ~~حدا لا يتجاوزه لأنه يمس الضرورات المعيشية التي لا غنى عنها للأجسام الحية، فيلجأ ~~أصحاب الأموال إلى زيادة الربح بزيادة قدرة المكنات على الإنتاج، ولا تزال هذه القدرة ~~تزداد حتى تخرج للأسواق فوق حاجتها وحتى ترتفع أثمان المكنات إلى أعلاها، فيزداد العامل ~~اضطرارا على اضطرار، كلما كسدت البضائع وارتفعت أثمان المكنات، وتمادى التنافس بين ~~المنتجين إلى نهاية لا مناص عندها من الوقوف والحيرة بين المتناقضات، وهذه هي أزمة ~~الأزمات في نظام رأس المال. # ويحدث في أثناء هذا التنافس أن يعصر أصحاب الأموال بينهم كل مشتغل بالصناعة من ~~المتوسطين أو الفقراء، فيلحق كل فريق منهم بأقرب الطبقتين إليه، فريق يلحق بأصحاب رءوس ~~الأموال، وفريق آخر يلحق بالأجراء الذين لا يملكون غير القوت، وهم البرولتارية أي ~~الطبقة التي لا تنتج غير الأطفال، وإلى هذه الطبقة يوجه «كارل ماركس» نداءه الذي يقول ~~فيه: «اتحدوا يا صعاليك العالم، فأمامكم عالم تغتنمونه وليس عندكم من شيء تفقدونه غير ~~القيود والأغلال.» # ويعلم «كارل ماركس» أن العالم الذي يدعو الصعاليك إلى هدمه يقوم على الأوطان والعقائد ~~وآداب السلوك والعرف المتبع بين الأمم، فيقرر أن هذه الأشياء كلها تابعة لنظام رأس ~~المال، ولا بد أن تزول ولا تبقى ms069 منها بقية ليزول ذلك النظام، فإنما الأوطان، والعلاقات ~~الاجتماعية، والعقائد، والأخلاق كافة، وليدة النظم السياسية لحماية القائمين على مصادر ~~الثروة، وأي فكرة تنشأ في مجتمع إنساني، فلا محل لها فيه إلا أن تكون عونا لذوي ~~السلطان على دوام ذلك السلطان. # والنظر في حقيقة هذا المذهب يتطلب النظر في أهم مبادئه التي وردت موجزة فيما تقدم، ~~وهي المادية ووسائل الإنتاج وصراع الطبقات، والقيمة الفاضلة، ونشأة العقائد ~~والآداب. # وسيكون النظر في هذه المبادئ موضوع الفصول التالية، نبدأها ببيان علاقة المبدأ ~~بالظواهر النفسية، ونتبع ذلك بزيادة في الشرح لتمحيص الدعوى العلمية التي يدعيها أصحابه ~~لجميع مبادئه وقضاياه وتفسيراته وعواقبه، التي تستلزمها تلك المبادئ والقضايا ~~والتفسيرات، ولا تقبل عاقبة غيرها في كبيرة ولا صغيرة من حوادث التاريخ. # وأول هذه المبادئ الهامة مبدأ المادية الثنائية؛ لأنه يحيط بها جميعا ويسميها باسمه ~~بين المذاهب الفكرية والاجتماعية، ويقيمها على أساسه، فلا قوام لها بغير هذا ~~الأساس. # | المادية # تفسير «المادية» بالظواهر النفسية واضح قريب التناول، فهي أدنى المذاهب إلى اليأس ~~والعنف والخطط الآلية، وأشد الماديات إغراقا في اليأس والعنف تلك المادية التي اختارها ~~«كارل ماركس» وسماها بالمادية الثنائية. # فالمذاهب المادية متعددة، أشهرها المادية المكنية والمادية الناموسية. # والمادية المكنية هي التي تتخيل الكون في صورة مكنة مدارة، تتركب كل أداة منها ~~في موضعها وتدور كلها كما تدور الآلات، وهي مذهب يفتح الباب لتصوير «المدير» الذي يركب ~~تلك الآلة ويحرك دواليبها ويضع كل جزء منها في موضعه ويديره بالتوافق مع الأجزاء الأخرى ~~لإنجاز عملها وتحقيق أغراضها، ومثل هذا الباب قد تأتي منه الرحمة، وقد يفضي إلى افتراض ~~القدرة المدبرة الحكيمة، فلا ينبغي أن يفتح ولا بد من إغلاقه وإن لم تقم في المذهب ~~الماركسي حجة تسوغ ذلك الإغلاق. # يقول «كارل ماركس» في رسالته عن الفيلسوف فيورباخ # Feuerbach ~~: «إن العيب الأكبر في مذاهب المادية الموجودة - ومنها مادية ~~«فيورباخ» أن الموضوع والواقع والحس إنما تفهم على أنها موضوعات للتأمل، ولا تفهم على ~~أنها عمل إنساني يحس ويتصرف، وأنها هي صاحبة الفاعلية.» # فلا ms070 بد عند «كارل ماركس» من مكنة تدير نفسها من باطنها، ولا يمكن أن تدار من خارجها ~~على فرض من الفروض، ولهذا يجب أن تسقط المادية المكنية أو «المكنازم» من الحساب على أي ~~احتمال . # وشبيه بالمادية المكنية من بعض الوجوه مادية النواميس، وهي التي يقول أصحابها: إن ~~ظواهر الكون المحسوسة كلها مادية تديرها النواميس المركبة في طبائعها، وتتحرك في نطاقها ~~بأمر خالق المادة وخالق النواميس، وقد تدخل في هذه المادية فلسفة الهند القديمة التي ~~ترى أن المادة وهم ظاهر، وأن الحقيقة المطلقة وراء هذه المحسوسات وهذه ~~النواميس. # وإذا كانت المادية المكنية مرفوضة في رأي «كارل ماركس»؛ لأنها قد تفتح الأبواب ~~لافتراض المدير المدبر، فالمادية التي تؤمن بوجود الحقيقة من وراء الظواهر والنواميس ~~مرفوضة من باب أولى. # ولا يعنينا هنا أن رأي «كارل ماركس» صحيح أو غير صحيح، ولكن الذي يعنينا منه موقعه ~~من الظواهر النفسية، وهو أقرب المذاهب موقعا من اليأس والعنف والخطط الآلية. # أما البحث في هذه المادية بمقاييس الفكر والعلم فمحصوله أنها ترقيع، وأنها تفكير ~~ساذج، وأنها بقية من بقايا الخرافات الإسرائيلية، وأنها لا تنتهي إلى نتائجها التي ~~انتهى إليها «كارل ماركس»، ولو صحت مقدماتها المفروضة، وليس منها فرض صحيح، فمن الترقيع ~~أن تستعار فلسفة «هيجل» من المثالية إلى المادية وتستعار معها مصطلحاتها وأطوارها، ثم ~~يقال: إنها باطلة كما وضعها صاحبها، وصحيحة كما استعارها منه «كارل ماركس». # إن الفلسفة النظرية تصويرات أو تصورات في الذهن تحتمل التجوز الكثير؛ لأنها تبحث في ~~شئون يقدرها الذهن ويرى أنه بلغ فيها قصاراه إذا خلص منها إلى تقريب الحقيقة إلى ~~الإدراك الإنساني بعض التقريب، فإما أن يقال: إنها باطلة في النظر، صادقة في الواقع من ~~قبيل المصادفة بجميع مصطلحاتها، فذلك هو الترقيع السخيف الذي لا مثيل له فيما نعهده من ~~ترقيعات الرثاثة والسخافة؛ لأنه يرقع الشيء بغير مادته، أو يرقع النظريات بالواقعيات ~~ويزعم أنها تلفق لها بالمصادفة، ولا تلفق حيث وضعها فيلسوف الحكمة المثالية. # والسذاجة في المادية الماركسية أظهر من سخافة الترقيع والتلفيق؛ ms071 لأنها تقوم على ~~النظرة العامة السهلة التي كانت شائعة بين جمهرة المتعالمين في القرن التاسع عشر، ممن ~~يستسهلون التحقيق والتفسير، ويظنوهما شيئا ملموسا قريبا من دق المائدة بالأيدي وخبط ~~الأرض بالأقدام، وهذه هي الحقيقة في رأيهم لا ما يتوهمه الواهمون في أحاديث الغيب ~~والخيال. # كان أحدهم ينكر تفسير الكون بالفكرة أو بالحقائق الغيبية، ويقول - وهو يدق بيده على ~~المائدة ويخبط بقدمه على الأرض: هذه هي الحقيقة التي تفسر لنا كل شيء وليست تلك الفروض ~~المغيبة وراء الواقع الملموس باليدين. # وعند هؤلاء أن المادة مفسرة بالبداهة، ناطقة بالبداهة، غنية بالبداهة، عن كل تفسير ~~وكل تعبير. # هذه هي المادة تحت يديك وقدميك وأمام عينيك، فما حاجتها إلى التفسير والتعبير؟ # هذه النظرة الساذجة هي نظرة «التفسير المادي» للوجود ظاهره وخافيه، وهي نظرة «كارل ~~ماركس» في تفسير الكون وتفسير التاريخ وتفسير كل محتاج إلى تفسير، إلا المادة نفسها، ~~فإنه لم يحاول قط أن يفسرها ويفسر حقيقتها في الحس أو في العقل أو في الخيال؛ لأن ~~تفسيرها في وهمه - أو في عمله - أن تضرب بيدك على المائدة فإذا هي هناك، وأن تخبط بقدمك ~~الأرض فتسمع «وجودها» ناطقا صادقا غنيا عن البيان. # وسذاجة هذه النظرة لم تكن خفية في عصر «كارل ماركس» لو شاء أن يتأنى، ولم يشأ أن ~~يتعجل بحافز من الرغبة في تقرير ما يوافق هواه، ولكنها في عصره ربما كانت خفية على ~~المتعجلين بادية لمن يؤثرون الأناة والروية أمام المجهول. # أما اليوم فكل سامع من الملمين بأطراف الحديث عن المادة، يعلم أن مشكلة الروح في أعمق ~~أعماقها لم تواجه الذهن بعقدة في تفسيرها كالعقدة التي تواجهه عند تفسير المادة، نقول: ~~«كل سامع» من الملمين، ولا نقول: «كل دارس أو كل عليم»؛ لأن حديث المادة في أصولها وراء ~~الذرة والشعاع، قد أصبح من الأحاديث المتواترة على كل لسان. # ما هي المادة؟ # ليست هي هذا اللون المنظور؛ لأنك لا تنظره إلا بشبكة العين الإنسانية، فإذا ضاقت ~~أمواجه أو اتسعت فلا لون أمام عينيك، وليس هذا ms072 اللون بعينه منظورا لكل ذي عين من ~~الأحياء. # وليست المادة هذه الدقة التي تسمعها إذا ضربت المائدة بيدك؛ لأن يدك لا تدق شيئا إذا ~~تضاعفت قوتها مئات الأضعاف أو ألوف الأضعاف، بل تجري دون المائدة كما تجري في هذا ~~الفضاء. # وليست المادة هذا الوزن الثقيل أو الخفيف؛ لأنها تقوم بغير هذا الوزن وراء حدود ~~الجاذبية الأرضية، المادة ذرات، والذرة لا يدري أحد أهي موجة أو جوهر فرد صغير بالغ في ~~الصغر، ولكنه يقبل الانقسام فيطير شعاعا في الأثير. # وما هو الأثير؟ كل ما قيل عن الروح أيسر فهما وأقرب إلى الإدراك من هذا ~~الأثير. # شيء لا لون له، ولا كثافة، ولا حركة، ولا تصدق عليه خاصة من خواص المادة في علم ~~العارفين بها والعاملين في ذراتها. # وقبل أن نصل إلى هذا اللغز المركب نقف عند الذرة وما فيها من البروتون والنيوترون ~~والإلكترون، وما يقال عن البروتون السالب في الفضاء المستعصي على الفهم في حيز هذا ~~الجو، وعلى مقربة من عناصر المادة وأجزائها إلى أدق دقائقها المدركة بالفرض ~~والتخمين. # و«كارل ماركس» مع هذا - يظن في علمانيته التي لا حد لها - أنه يفسر بهذه المادة كل ~~شيء، وأن هذه المادة غنية كل الغنى عن تفسير المفسرين وتقدير المقدرين، يقول في البيان ~~المشترك: «إن الشبهات التي تلقى على الشيوعية من جانب الدين، أو جانب الفلسفة، أو جانب ~~الأفكار النظرية على العموم - غير جديرة بالجد في تمحيصها واختبارها، فهل يحتاج الأمر ~~إلى بداهة عميقة لنعلم أن خواطر الإنسان وآراءه ومداركه - أو بكلمة واحدة وعيه - ~~يتغير مع كل تغير يطرأ على كيانه المادي وعلاقاته الاجتماعية وحياته العامة.» # لا، إن هذه الحقائق المادية عائمة على السطح لا تحتاج إلى بداهة، ولا اختبار، ولا ~~امتحان، ولا تردد، ولا تقبل كلمة أخرى غير الكلمة التي يرسلها «كارل ماركس» من طرف ~~اللسان، فلا يضطرب فيها قولان. # وندع أسرار المادة جميعا، ونسلم مع «كارل ماركس» أنها مجردة من كل سر ننتظر به ~~المستقبل لكشف خباياه، وأنها مفسرة صالحة لتفسير جميع ms073 نواميس الكون ووقائع التاريخ، ~~فلماذا يلزم من ذلك أن وسائل الإنتاج هي التي تتحكم في تاريخ الإنسان؟! ولماذا يكون ~~الناس أحق بهذه القوة من الأدوات الصماء؟! # إن مطالب العيشة ضرورة لا غنى عنها لجميع الأحياء، ولكن ضرورتها هذه لم تمنع الأحياء ~~أن يتعددوا أنواعا وأفرادا لم تحصرها العلوم بعد، ولم تحصرها الحواس والعقول، ~~واضطرارها جميعا إلى مطالب المعيشة، لم يمنع هذا التنوع الهائل في أجناسها وطبائعها ~~وآحادها. # فلماذا نسقط هذه القوى الحية من حسابنا ولا نلتفت في تفسير أطوار التاريخ إلا لوسائل ~~الإنتاج الصماء؟ لماذا تكون هذه القوى الحية رهينة بالآلات الصماء؟ ولماذا تكون كذلك ~~بعد ظهور نوع الإنسان وهو الذي يصنع تلك الآلات الصماء؟ # يقول «ماركس» و«إنجلز» فيما جاء من مجموعة الرسائل المختارة: «إننا نعتبر أن ~~الأحوال الاقتصادية هي العامل الذي يقرر أخيرا أطوار التاريخ، ولكن النوع الحيواني هو ~~نفسه عامل من العوامل الاقتصادية.» # وكثيرا ما جاء في كلام «ماركس» و«إنجلز» أن الإنسان فاعل منفعل، وأنه بين القوى ~~المادية هو القوة الوحيدة التي لها عقل وإرادة، فلماذا تكون هذه القوى العاقلة المريدة ~~رهينة بالآلات الصماء ولا تكون الآلات الصماء تابعة لها في جميع الأحوال؟! # وإذا هبطنا بالإنسان عن عليائه وسوينا بين تأثيره وتأثير المكنات، فلا أقل من أن نسوي ~~بين القوتين في التأثير، تارة للجماعات العاقلة الرشيدة وتارة لأدوات الخشب والحديد، ~~فهذه إذن حلقة مفرغة لا يتبين أحد منها على سبيل الحتم موضع الابتداء وموضع الانتهاء. ~~ولا يستطيع أحد أن يقول على سبيل الحتم: أين ابتدأت إرادة الإنسان، أو أين ابتدأ إحساسه ~~بالمطالب الجديدة في شئون المعيشة، وأين ابتدأ عمل الآلات والمكنات؟! لا يستطيع أحد أن ~~يقول: إن الناس أحسوا هنا فأرادوا فغيروا واخترعوا، وإن الآلات وجدت بعد ذلك، فتسلمت ~~بين يديها أطوار التغيير والتبديل، وهما إذن على الأقل عاملان متساويان متعادلان ~~مجهولان على حد سواء أو معلومان على حد سواء، فلماذا اختار «كارل ماركس» على سبيل ~~الحتم أن يكون الحكم الأخير للآلة، وأصر على ذلك إصراره الذي نلمحه ms074 متشنجا من أجله لكل ~~مخالفة له في تقديره، ولم يقع اختياره على العامل الآخر عامل الإرادة والعقل ~~والحياة؟! # أما سبب ذلك في الظواهر التاريخية، أو في أسانيد البحث والنظر، فغير مفهوم وغير ثابت ~~وغير قاطع في ثبوته إن كان له نصيب من الثبوت. وأما سببه في الظواهر النفسية فلا عناء ~~في البحث عنه؛ لأنه يفسر لنا كل شيء ولا يختلف عليه تفسيران. # سببه في الظواهر النفسية أنه هو الطريق الوحيد لإشباع شهوة النقمة والشر في طبيعة ~~«كارل ماركس» وأنه الأساس الوحيد الذي يقوم عليه افتراض المجتمع الذي لا طبقات فيه، ~~وتسويغ الهدم والعدوان على كل ما عداه. # ينبغي أن تكون الآلات هي الحكم الأخير في إنشاء الطبقة التي تستولي عليها ولا تأتي ~~بعدها طبقة تناقضها. # أما إذا كانت العوامل الإنسانية هي الحكم الأخير، فالباب مفتوح لإنشاء نقيض جديد ~~للمجتمع الأخير، وطبيعة الإنسان بنقائضها الكثيرة كفيلة بالانتقال مرحلة أخرى من نظام ~~إلى نظام؛ لأنها هي مصدر النقائض ومصدر البواعث إلى اختراع الآلات. # يجب إذن أن تكون الطبقة الأخيرة طبقة بغير نقيض؛ لأنها تستولي على وسائل ~~الإنتاج. # أما إذا كانت وسائل الإنتاج لا تمنع النظم الإنسانية أن تتناقض ولا تمنع البواعث ~~النفسية أن تعمل في طلب السيادة والسلطان، فمن أين يأتي الشر والخراب، وكيف ترتفع ~~الصيحة بهدم كل ما كان وكل من كان من تراث الأمم والأزمان؟! # يثبت شيء واحد لا يستغني عنه «كارل ماركس» في سبب ولا نتيجة، وهو شهوة الهدم، ثم ~~يركب عليه الأسباب والنتائج أو يدعها لك تركبها كما تشاء، وما دام هناك باب مفتوح ~~للهدم، فكل ظن ثابت ثبوت اليقين، وكل ما عداه كفر وبهتان. # وباب الهدم لا ينفتح إذا كانت النقائض تأتي من القوى الحية؛ لأن هذه القوى الحية تخرج ~~لنا طبقة جديدة بعد كل طبقة، وتسلط عواملها الدائمة العميقة الأغوار لطلب السلطان، أو ~~طلب السيادة على المجتمع الجديد. # ويا للخسارة إذن ويا لخيبة الرجاء! # لا محل إذن لاستئصال الجماعات وتقويض ما بناه الناس في مختلف الحضارات، ms075 ولا محل إذن ~~للغاية الأخيرة التي من أجلها نقتحم جميع الغايات. # ولا ضرورة للبحث عن تفسير جامع مانع لمعنى المادة، ولا عن دليل قاطع على غلبة الأدوات ~~والآلات، إذ يكفي أن تنظر وراء جميع الفروض والتخمينات، فترى الهدم هناك أو لا تراه، ~~وحيث ترى الهدم فكل شيء ثابت، وكل شيء واضح، وكل شيء مفسر اليوم، ومفسر إلى آخر الزمان، ~~وحيث لا ترى الهدم، فكل شيء باطل مناقض للعلم متهم النية متهم الدليل! # ومن سخرية القدر أن النظامين اللذين قاما في أضخم بلاد العالم وانتسبا إلى «المادة ~~الماركسية» قد فعلا في نقضه أضعاف ما فعلاه في إثباته، وهما نظام روسيا ونظام ~~الصين. # فكل منهما قد هدم القاعدة الأولى من قواعد المذهب؛ لأنه هدم قوله: إن الثورة ~~السياسية تابعة للثورة الصناعية، وأثبت أن الثورة السياسية هي التي تنشئ الصناعة ~~الكبرى، أو هي التي تهيئ الأسباب لإنشائها، ولا حاجة بالثورة السياسية إلى تلك ~~التلفيقات اللولبية، التي يتملص فيها دعاة المذهب من جحر ليدخلوا في جحر آخر، ويجعلوها ~~مقدمات محتومة في زعمهم تفضي إلى نتائج محتومة لا مهرب منها، ولا حتم هناك، وإنما هو ~~الترخص أو الاستثناء الذي يجوز في كل مذهب، ولا يستأثر بطريق واحدة للتاريخ لا يؤذن له ~~في خطوة يخطوها إلى وجهة غيرها. # فالثورة الروسية قامت بعد الحرب العالمية الأولى في بلاد ترجع إلى الصف الأخير بين ~~صفوف البلاد الصناعية، والثورة الصينية التي انتسبت إلى المذهب المادي، قامت بعد الحرب ~~العالمية الثانية على أيدي الفلاحين خلافا لما توقعه جميع الأقطاب الشيوعيين خارج ~~الصين، وعلى رأسهم «ستالين». # والصين - بعد - هي البلاد التي اخترعت المطبعة والبارود والإبرة المغناطيسية والمدن ~~التجارية وعملة الورق ومصارف الموانئ وسلسلة المعاملات «البرجوازية»، التي انتشرت في ~~بلادها وتجاوزتها إلى غيرها، ولم تفعل تلك الأدوات شيئا مما فعلته في أوربة، وفرضت به ~~فرائضها المحتومة على مجرى التاريخ من نظام الرق إلى نظام رأس المال. # وإذا جاز مثل هذا الترخص أو الاستثناء، فما هو وجه الحتم الذي لا يرتضي مقدار شعرة ms076 من ~~الحيد إلى يمين أو يسار، ولا يحتمل من المستقبل البعيد تعديلا من مفاجآت التاريخ، أو ~~من مبتكرات التطبيق؟ # يتساءل «كارل ماركس» بغير حق: هل يحتاج الإنسان إلى بداهة عميقة ليعلم أن تاريخ ~~الإنسان يتوقف على ضروراته المادية؟ ويلقي هذا السؤال، ولا يلقي بالا إلى الضرورات ~~التي تنشأ من الإنسان وقد ينشئ من أجلها الآلات ووسائل الإنتاج. # ولكننا نتساءل بحق: هل يحتاج الإنسان إلى بداهة عميقة؛ ليعلم أن وسائل الإنتاج ~~ووسائل الإشراف عليها وراء الحسبان من الآن إلى آخر الزمان أو آخر الأزمان. # ما هي وسائلنا الصناعية اليوم إلى جانب وسائل الطاقة الذرية؟ وما هي وسائل الطاقة ~~الذرية إلى جانب القوة المغناطيسية وقوة الجاذبية؟ # لقد كان يسيرا على «كارل ماركس» أن يتخيل في زمانه مجتمعا يستولي فيه الصانع على ~~مكنات الصناعة، فلم تمض على زمانه عشرون سنة، حتى أصبحت إدارة المكنة الكبيرة هندسة ~~يتخصص لها المدير بدراسة السنين، ولا ينفرد بعدها بإدارتها دون الخبير الإداري والخبير ~~الاقتصادي والخبير السياسي والخبراء في غير الإقليم على نحو من الخبرة يناسب كل ~~إقليم. # أهو لعبة هذا المصير الإنساني بمفاجآته واحتمالاته ونقائضه وأعاجيبه، يأتي رجل واحد ~~في بضع سنوات ليفكها ويركبها على حكمه وهواه، ثم يغلق الباب، فلا مراجعة ولا تردد ولا ~~ارتياب. # أهذا هو العلم وما عداه هو الوهم أو الحلم أو الخرافة أو الوبشية في التفكير؟ كلا، ~~مع استعارة قليلة من «كارل ماركس» في توكيداته الخارقة بغير موجب للتوكيد، إذ لا يحتاج ~~الإنسان إلى بداهة عميقة ليرى أن الخرافة هي هذا الهراء، وأن العلم وسلامة التفكير ~~من هذه الخرافة براء. # قلنا: إن المادية الماركسية بقية من بقايا الخرافات الإسرائيلية، على ما فيها من ~~الترقيع والتفكير الساذج والنتائج التي لا تستلزمها المقدمات. # فإذا رجعنا مرة أخرى إلى الظواهر المادية، فهناك خرافة النعيم ~~الألفي # 1 # التي امتلأت بها الأساطير ~~الإسرائيلية العتيقة، ولم يفلت «كارل ماركس» من أوهامها على الرغم من صيحاته باسم العلم ~~أو صيحاته على أفيون الشعوب أفيون الأديان. # والنعيم الألفي خرافة إسرائيلية ms077 تقول لشعب الله المختار: إن العالم سيخرب بعد ألفي ~~سنة، ثم يخرج من في القبور من أبناء إسرائيل، فيعمرونه في نعيم مقيم لا تبديل فيه ولا ~~تأخير ولا تقديم، هذا النعيم الألفي هو ميراث اليهودي «كارل ماركس» من أساطير قومه، وله ~~ميراث آخر من عاداتهم وتقاليدهم، وإن لم يكن من الخرافات أو النبوءات. # ميراثه الآخر هو تقديس الفلوس! ما الذي يحرك التاريخ؟ الفلوس! ومن الذي يسود العالم؟ ~~صاحب الفلوس! # ومن هم القابضون على زمام الحضارات والعقائد والآداب والفنون والأخلاق، وكل ما يشتمل ~~عليه تاريخ الإنسان في السر والعلانية وفي هذا الزمان وما غبر من الأزمان، وما سيأتي أو ~~سوف يأتي من الأزمان؟! # سبحان الله، هل يحتاج الإنسان إلى بداهة عميقة ليعلم أن القابض على هذه الأزمة ~~جميعا هو القابض على مفاتيح الفلوس؟! # هذه إحدى الظواهر النفسية التي لا بد منها لتفسير المذهب الماركسي بين ظواهره ~~وخباياه، وهي تنقضه ولا تفسره وكفى، لأنها ترينا كيف يكون صاحب المذهب ثمرة من ثمرات ~~الظواهر النفسية تعمل عملها، حيث تصادفها الظواهر النفسية من قبيلها، وقلما تصادفها ~~مقدمة من مقدمات التفسير المادي على وفاق المذهب وأحاجيه وقضاياه. # | الشيوعية والطبقات # | الطبقات والإنتاج # تاريخ الإنسانية في رأي الماديين المفسرين للتاريخ هو تاريخ الطبقات ~~المتوالية. # والعامل الحاسم في تكوين الطبقة هو وسائل الإنتاج، فمن يملك وسائل الإنتاج الضرورية ~~في المجتمع، فهو سيد المجتمع، وكل ما في المجتمع من شرائع وعقائد وآداب وعادات، فهو ~~مسخر في خدمة مصالحه وأغراضه بقصد أو على غير قصد من الطبقة الحاكمة أو الطبقات ~~المحكومة. # ولا داعية إلى استمداد قول من غير أقوال الماديين التاريخيين لإسقاط هذه القاعدة ~~الكبرى على أساسها؛ لأن الأقوال المسلمة عندهم تكفي لإسقاطها وتشككهم على الأقل فيها، ~~وتوجب عليهم أن يبحثوا عن سبب غير هذا السبب - أو مع هذا السبب - لتفسير الأطوار ~~التاريخية، لولا أنهم يريدون هذا السبب ولا يريدون غيره، ويتعمدون أن يصلوا إلى نتائجه ~~المقدرة عندهم من طريقها أو من غير طريق. # فمن المسلمات عندهم أن الإنسان قد ms078 وصل إلى تدجين النبات وتدجين الحيوان قبل أن تظهر ~~فيه طبقة تستغل الطبقات الأخرى، وأن هذا التدجين قد تم على خطوات متعاقبة، أولاها: ~~صيد الحيوان للانتفاع بلحومه وجلوده في الطعام والكساء ، وثانيتها: صيد الحيوان ~~والاحتفاظ به للانتفاع بألبانه وأصوافه، وثالثتها: صيد الحيوان للانتفاع به في الزرع ~~والحرث والانتقال وحمل الأثقال. # فإذا كانت هذه الأطوار الهامة قد تمت قبل نشوء الطبقة، فليس من الحتم إذن أن تكون ~~الطبقة هي التفسير الوحيد للأطوار السابقة والأطوار التي نشأت بعدها، وليس هذا من الحتم ~~بصفة خاصة إذا كانت الأطوار التاريخية ملتبسة العوامل والأسباب كما يقول «إنجلز» في ~~كتابه عن فلسفة «فيورباخ»، # 1 # وكما يقول في كتابه عن أصل الأسرة، ~~وهو الكتاب الذي اتفق مع أستاذه «ماركس» على آرائه، ومات «ماركس» قبل أن يكتبه، فكانا ~~في جميع هذه الآراء على وفاق. # يقول «إنجلز» ما ترجمته بحرفه: «إنه بينما كان تحقيق هذه القوى الدافعة للتاريخ في ~~حكم المستحيل نظرا لاشتباكها واختفاء العلاقات المتداخلة بينها وبين آثارها، نرى أن ~~عصرنا الحاضر قد بسط إلى الآن هذه العلاقات المتشابكة تبسيطا يمكننا من حل ألغازها، ~~وأنه بعد قيام الصناعات الواسعة - أو بعد الصلح الأوربي سنة 1815، على الأقل - لم يبق ~~سرا مجهولا عند أحد في بريطانيا أن الصراع السياسي كله إنما يدور على تنازع ~~السيادة بين طبقتين: طبقة الملاك النبلاء، والطبقة الوسطى.» # وما معنى هذا على أي وجه من الوجوه أردنا أن نعرف معناه؟ # إن معناه البين أن أطوار التاريخ قبل القرن التاسع عشر لم تكن قاطعة في الدلالة على ~~سبب وحيد، لا يسمح بافتراض سبب آخر؛ لاستحالة الفصل بين المقدمات والآثار. # ومعناه أن النظرية التي يريدون من أجلها أن يقلبوا الكون على من فيه قائمة على ~~ملاحظات محصورة في نحو ثلاثين سنة من تاريخ الإنسانية، يجوز جدا أن تختلف بين تلك ~~الفترة التي كانت بداءة انتقال، لم تظهر عواقبها التي لا يطيق الماديون انتظارها؛ لأنهم ~~في عجلة لا تحتمل هذا الانتظار. # وليت الملاحظات - ملاحظات ثلاثين سنة - في تاريخ الإنسانية ms079 قد كشفت عن شيء يؤيد ~~مذهبهم بين الطبقات؛ لأن الصراع بين الملاك النبلاء والطبقة الوسطى لم يكن صراعا على ~~استغلال إحداهما للأخرى، بل كان صراعا على دعوى السيادة، كما قال «إنجلز» وغايته في ~~رأيه هي استغلال طبقة ثالثة من العمال. # إن تدجين النبات والحيوان قبل نشوء الطبقة كاف لتقدير أسباب للأطوار الاقتصادية ~~والاجتماعية غير تنازع الطبقات، فإن لم يكن كافيا، فحسب الباحث الأمين أن يعلم أن ~~الملاحظات المستمدة من التاريخ مشكوك فيها قبل سنة 1815، وأن الملاحظات المستمدة بعدها ~~مأخوذة من تاريخ ثلاثين سنة؛ ليقف موقف المتهيب قبل الهجوم على الهدم وتحريم النظر في ~~كل حيلة للإصلاح تنقذ الأمم من هذه العاقبة. # إلا أننا لا نريد أن نكتفي بهذا العرض لرأي القوم تفنيدا لدعواهم في هذا الأمر ~~الجلل، ونريد أن نسترسل في تفصيلاتهم؛ لأن التفصيلات أدل على سخف هذه النظرية من ذلك ~~العرض الوجيز. # فلنعلم إذن أن امتلاك وسائل الإنتاج هو أصل الطبقات المستغلة، ولكن يجب أن نعلم مع ~~ذلك أن الملكية لذاتها ليست عاملا حاسما في تكوين الطبقة؛ لأن الأجير الفقير قد ~~يقيم في كوخ يملكه، وصاحب المصنع الغني قد يقيم في قصر يستأجره، وما الملكية الحاسمة ~~إلا ملكية الوسائل التي تنتج ضرورات المعيشة. # كذلك لا يتوقف الأمر على وحدة المصادر التي تأتي منها الثروة، فإن الطبيب والمحامي ~~يعيشان من مصادر مختلفة وهما من طبقة واحدة. ولكن العلاقات الاقتصادية في تكوين الطبقات ~~أهم من مصادر الكسب والمورد. وكل طبقة تتعلق مصالحها بالطبقة المسيطرة على وسائل ~~الإنتاج فهي لاحقة بها منتمية إليها، وشعورها نحوها على وفق شعورها بالاعتماد على ~~بقائها والدفاع عن مصالحها. # وعلى هذا التقدير يرى الماديون المفسرون للتاريخ أن الإنسانية مرت بسبعة أدوار منذ ~~قيام الجماعات أو المجتمعات الاقتصادية فيها، الدور الأول هو دور «الشيوعية البدائية»، ~~وهو دور كانت الملكية الخاصة فيه مجهولة، وكانت مرافق المجتمع مشاعة بين جميع أفراده، ~~ولم تكن فيه بضائع للبيع والتبادل، وإنما كانت فيه حاجات للمعيشة في متناول من ~~يريدها. # والدور الثاني هو دور ms080 «البربرية السفلى» وفيه ظهر الحديد وأصبحت له قيمة تجارية أو ~~استغلالية، وهنا ظهرت وسائل الإنتاج ولم يظهر العمل المأجور بعد، إذ كانت وسائل الإنتاج ~~في أيدي الأسرة تتقسم بينها العمل والجزاء. # والدور الثالث هو دور «البربرية العليا» وفيه ظهر الزيت والخمر مع الحديد والمعادن ~~المصنوعة، وانقسم فيه المجتمع إلى أغنياء وفقراء يحتاجون إلى ما في أيدي الأغنياء، ~~فيعملون في خدمتهم ويعيشون من عطائهم. # والدور الرابع هو دور «السادة والأرقاء» وفيه ظهر العبد المسترق إلى جانب الفقير ~~المدقع، وكانت مجتمعات المدن اليونانية تجمع هذه الطبقات بتغليب عمل الرقيق تارة، ~~وتغليب العمل المأجور تارة أخرى. # ثم كان الدور الخامس متمثلا على أتمه في نظام الدولة الرومانية، فقام العمل كله - أو ~~أكثره - على كواهل الأرقاء، وأصبح العمل عيبا يترفع عنه الرجل الشريف صاحب الرئاسة ~~والمكانة في المجتمع وفي الدولة. # ثم كان دور الإقطاع وساعد على قيام سيادة البرابرة على الدولة الرومانية، فإن السادة ~~بين البرابرة لم يكن يعيبهم أن يعملوا أو يشتركوا في العمل، فأصبح رب الإقطاع سيد ~~المجتمع الجديد خليطا من المنتج والمستغل لإنتاج الآخرين. # وجاء الدور السادس وهو دور «رأس المال الأول» وكانت التجارة فيه غالبة على الصناعة ~~والزراعة، واتسعت أسواق التجارة في أثناء هذا الدور بعد كشف أمريكا وطرق الملاحة إلى ~~الشرق الأقصى، فكانت طبقة تجار المدن - البرجوازية - صاحبة السيادة في هذا ~~الدور. # وتلاه دور رأس المال في عهد الصناعة الكبرى، وهو الدور الذي يبلغ فيه الاستغلال أتمه ~~ويبلغ فيه نهايته المحتومة في وقت واحد، وتقوم بعده طبقة واحدة لا تستغل غيرها، فلا ~~تقوم إلى جانبها طبقة أخرى. # ويسقط دور رأس المال هذا حين تجتمع الثروة كلها في قبضة آحاد معدودين، وتبقى الكثرة ~~الساحقة من المجتمع محرومة لا مصلحة لها في الصناعة الكبرى، فتثور على أصحاب الأموال، ~~وتهدم أركان المجتمع القائم، وتنشئ لها مجتمعا يلائمها بعلاقاته وعاداته وآدابه. وتقضي ~~على أصول الأديان والعقائد الأولى؛ لأنها وجدت جميعا للدفاع عن أصحاب وسائل ~~الإنتاج، وتمكين كل طبقة مستغلة في دورها من تسخير ms081 العاملين على اختلاف الأعمال ~~والصناعات. # ويعجل سقوط نظام رأس المال كلما اشتد التنافس بين أصحاب الأموال أو أصحاب المصانع، ~~فتطغى الثروات الكبيرة على الثروات الصغيرة، وتتقلص الأوساط بين أصحاب رءوس الأموال ~~والأجراء ، ويتحكم أصحاب رءوس الأموال عند زوال المنافسة، فلا يسمحون للأجراء بأكثر ~~من الرزق الضروري لإقامة أود الحياة. # ومما يعجل بسقوط هذا النظام أن صاحب المال يحتاج إلى مضاعفة الربح بزيادة المنتجات، ~~فتزيد هذه المنتجات عن الحاجة ولا تجد من يشتريها في أوطانها، وتدعو الضرورة إلى ~~استعمار البلاد المتأخرة واستغلال خاماتها وأيديها العاملة، ولكنه علاج مسكن يؤجل ~~القضاء المحتوم ولا يدفعه، ثم يأتي هذا القضاء حين تصبح طبقة أصحاب الأموال منعزلة ~~وحدها أمام الجموع المسخرة في داخل البلاد وخارجها. # ومتى انفردت الطبقة الحاكمة في هذا النظام أمام الجموع الزاخرة التي تئن تحت وطأتها ~~فتلك هي الخاتمة التي لا فكاك منها، وتلك هي نهاية الطبقات وبداية العهد الأبدي الذي لا ~~طبقات فيه. ~~••• # وقبل البحث في صواب هذه الآراء أو خطئها، نبدأ بالإشارة إلى علاقتها بالظواهر ~~النفسية؛ لأن هذه العلاقة واضحة هنا، كما تتضح في كل مبدأ وكل رأي وكل تأويل من أصول ~~المذهب أو فروعه. # ما هي الطبقة؟ # الطبقة في تعريف «كارل ماركس» هي الطائفة التي تكون لها مصالح معارضة لمصالح طبقة ~~أخرى، وعلى هذا يكون التعريف هو البرهان! # لا بد من فرض العداوة بين الطبقات حتى يقال إنها طبقات، وإلا فهي معدومة أو ناقصة في ~~دور التكوين. # فلا يمكنك أن تتكلم عن طبقة إلا إذا افترضت العداوة لازمة لوجودها، وهكذا يدور بك ~~التعريف والبرهان معا في حلقتهما المفرغة التي لا يدرى أين طرفاها، فهي طبقة؛ لأنها ~~تعادي غيرها؛ وهي تعادي غيرها لأنها طبقة، ولا بد من عنصر العداء في جميع ~~الأحوال. # ونعود إلى سؤال «كارل ماركس» لنعيده بحق فنسأل: هل يحتاج الإنسان إلى بديهة عميقة؛ ~~ليعلم أن الناس يختلفون ولو لم تكن هناك طبقات؟ # أليست هناك أعمال متفاوتة في الكفاية والأهمية؟ أليست هناك رغبات تتنازع بين الناس ~~لتقدير كفاياتهم ms082 واختصاص كل منهم بأحب الأعمال إليه؟ وأين هو مقياس الشعرة الذي يجعل كل ~~إنسان يعرف قدره ولا يزيد عليه، ويعرف حاجته ولا يزيد عليها، ويعرف عمله الواجب ولا ~~ينقص منه؟ وأين هو ميزان الشعرة الذي يحكم بين أصحاب الحظوظ المختلفة من القوة والصحة ~~والذرية والذكاء والهمة والجمال وسائر المزايا، التي يتفاوت بها الناس ولا تضبط الفوارق ~~بينها في ميزان؟ # لا بد أن تنفى هذه الفوارق كافة من كل حسبان وكل مظنة وكل احتمال، لأنك إذا أعرتها ~~حقها من الأثر الفعال أفلتت الفرصة وانفتح الباب - أو الأبواب الكثيرة - لاختلاف ~~الأقدار واختلاف الناس في الكسب والمعيشة واختلاف الطبقات. # فلا بد إذن أن تنفى هذه الفوارق كما تسقط الفوارق من قبيلها في قصص العجائز وأحلام ~~الحالمين في أسطورة «أورفيوس» وما إليها من الأساطير، التي أبطلت النزاع قديما بين ~~الذئاب والنعاج وبين الكواسر والبغاث. # هكذا والسلام. # وإلا فكيف تسنح الفرصة التي لا فرصة غيرها للهدم والجزم وإغلاق الطرق كافة أمام بني ~~الإنسان غير الطريق اللازم ل «كارل ماركس»، ولا منعرج عنه إلى سواه؟ # إننا سنرى أن «كارل ماركس» لم يصنع شيئا ينفي هذه الفوارق؛ لأن وسائل الإنتاج لن ~~تئول إلى أيدي طبقة واحدة ولو زالت جميع الطبقات التي عرفت في تاريخ الإنسانية إلى ~~الآن، ولن يأتي الزمن الذي تصبح فيه السيطرة على وسائل الإنتاج سهلة مبذولة لكل من ~~يريد، ومتى افترقت الكفايات والأقدار والأعمال، فليس تعريف القوم للطبقة إلا كلمات ~~مرصوصة من لغو المقال. ~~••• # وبعد ملاحظة هذه الظاهرة التي لا مرجح غيرها لوضع الطبقة في موضعها من مذهب «كارل ~~ماركس»، نعود إلى الدعوى العلمية التي يدعونها لأصول المذهب وفروعه، فنقول: إن الثقات ~~من خبراء علم الإنسان «أنثروبولوجي» لم يثبتوا فرضا من تلك الفروض، ولم يذكروا لنا ~~مجتمعا من المجتمعات البدائية خلا من الملكية الخاصة لوسيلة من وسائل الإنتاج، ونحن في ~~عصرنا هذا ننظر إلى المجتمعات المترقية في الحضارة، فلا نرى مجتمعا منها خلا من ~~المشاعية التي كانت في العصور الأولى مما يعيه التاريخ ويدل ms083 على ما كان قبل ~~التاريخ. # فالأنهار وكنوز الثروة الأرضية في حيازة المجتمع كله، يمنح الرخصة في استغلالها بإذن ~~منه متفق عليه في الشريعة العامة، والسلاح الموقوف على الدفاع العام لا يملكه فرد ولا ~~جماعة بغير إذن المجتمع أو إذن الدولة، ومثل الأنهار والمناجم وأسلحة الجيوش كمثل ~~الآبار والمراعي وأسلحة الصيد العامة أو أسلحة القتال في المجتمعات البدائية، لم يتغير ~~فيها شيء من جهة المبدأ أو جهة التحليل والتحريم بحكم العرف والشريعة. # ولم يذكر علماء الإنسان عهدا حرمت فيه الملكية الخاصة من هذه الوجهة، ولكنها تترك ~~للاستغناء عنها كما تترك ملكية الأنهار وما إليها في الحضارات المترقية، ويمكن أن ~~يقال: إن الملكية الخاصة وجدت حيث وجدت الحاجة إليها والرغبة فيها والقدرة عليها، ~~وإنها قائمة قيام المشاعية أو الشيوعية في المجتمعات الأولى. # 2 # يقول «سبك» # 3 # في مبحثه عن أرض الصيد بين قبائل الشمال الشرقي الحمراء: «إن أرض الصيد هنا محدودة ~~بحدودها الصريحة يرثها الابن عن أبيه، وتنتقل الزوجة إلى سكن زوجها الخاص، وللإخوة في ~~بعض الأحوال حقوق في المزايا الاقتصادية.» # 4 # ويقول الرحالون الذين عاشوا بين قبائل الكاي في غانة الجديدة: إن الأرض بينها مشاعة ~~على العموم، ولكن اللص الذي يضبط في أرض يقوم على زرعها أحد غيره يجوز قتله ولا يحق ~~لأهله أن يثأروا له أو يطلبوا الدية من قاتله، وإنهم ربما سمحوا بغرس شجرة مثمرة في أرض ~~الغريب ولكنهم لا يسمحون ببناء كوخ أو خص عليها، وإن الرجل منهم يملك أسنان الخنزير ~~البري أو أسنان الكلب؛ لأنها ذات قيمة سحرية أو فنية ويحق له أن يقتل من يسرقها أو ~~يحاول اغتصابها، وإن ثمرات الأشجار عندهم حق لغارس الشجرة في حقل يزرعه غيره، وإن ~~الصائد الذي لمح الصيد لأول مرة صاحب حق فيه لا نزاع عليه. # ويروي خبراء علم الإنسان عن قبائل «كاريرا» الأسترالية أن الأرض عندهم قد تملكها ~~شعبة من القبيلة، وقد ينشب القتال بين مالكيها وأعدائهم ثم لا يخطر على بال الغالب أن ~~يستولي على الأرض ويطرد منها ms084 من كانوا يحتلونها من العشائر المهزومة. # وتروى حالات شبيهة بهذه الحالات عن العشائر البدائية في الهند وسيلان والأقاليم ~~الأفريقية، يرجع إليها في مصادر كثيرة نذكر منها كتاب «رحلات في أفريقيا الغربية» ~~«لكنجلي»، وكتاب «العشائر والبطون في كليفورنيا الجنوبية» ل «جيفورد»، وكتاب «السكان ~~الأصلاء في ويلز الجديدة الجنوبية» ل «فريزر»، وكتاب «توزيع الأرض وتقاليد الميراث بين ~~المكسيكيين الأقدمين» ل «بالدلير» وأشابه هذه الكتب والتقارير التي أجمعت على اختلاط ~~أحوال المشاعية والملكية الخاصة في الجماعات الأولى، ولم ينفرد منها مرجع بحصر جماعة قط ~~في نظام واحد خلا من أثر الملكية الخاصة أو أثر الملكية المشاعة. # وأيا كان المرجع في هذه النظم، فلا الخير ولا العقل يسيغان أن نتصور أن الاستغلال ~~وجد لأن أناسا أرادوه وقالوا لأبناء مجتمعهم: نحن نريد أن نستغلكم، فقال لهم أبناء ~~المجتمع: حبا وكرامة، ها نحن أولاء بين أيديكم، فاستغلونا كما تشاءون! # فما وجد الاستغلال قط؛ لأنه رغبة مستجابة لا معارضة فيها، وإنما وجد لأنه قدرة ~~يستطيعها أناس ويعجز عنها أناس آخرون، وهذه القدرة إما أن تكون قدرة الشجاعة، أو قدرة ~~الخبرة بفنون القتال، أو قدرة القيادة السلمية، أو قدرة البنية القوية التي تخضع من ~~تغلبهم لمشيئتها وتروضهم على طاعتها. # وقلما تكفي البنية القوية وحدها لتمكين أحد من القيادة الدائمة ما لم تكن مقرونة ~~بمزية عقلية أو خلقية تسندها وتدبر لها وسائل دوامها. # ونحن نقرأ في كلام «ماركس» و«إنجلز» أن المجتمعات البدائية انتقلت من عصر المشاعية ~~إلى عصر الرق بعد أن تعودت الإغارة على جيرانها والتعويل على ثمرات أرضهم وكسب أيديهم، ~~ولكنهما يعبران هذا الدور عبورا سريعا، ولا يقولان لنا كيف وجدت الطبقة التي تسترق ~~العبيد من الأسرى الغرباء أو من أبناء القبيلة الضعفاء. # وهنا نرجع إلى الظاهرة النفسية لتفسير هذا السكوت أو هذا العبور السريع، فإن اللعبة ~~كلها لعبة الهدم والنقمة - تبطل لا محالة إذ اعترف «ماركس» وأتباعه بالطبيعة الإنسانية ~~التي تميز أناسا بالشجاعة، وأناسا بالدراية في فنون القتال، وأناسا بالحيلة والذكاء ~~أو «بالشخصية» المطاعة لجملة هذه الصفات ms085 مجتمعات، وإذا اعترف «ماركس» بوجود هذه المزايا ~~قبل أن توجدها وسائل الإنتاج لم يستطع أن ينفي كل النفي - على طريقته الجازمة الحاسمة - ~~أن قيام الطبقة الغالبة ممكن بعد انهيار نظام رأس المال، ووصولنا إلى المجتمع الذي لا ~~طبقات فيه، وما دامت الطبيعة الإنسانية قد عملت في إنشاء الطبقة الاجتماعية، فهي عاملة ~~غدا في إنشائها بعد قيام المجتمع المزعوم الذي لا طبقات فيه، وليس في وسع «كارل ماركس» ~~إذن أن يجزم ويعزم ويدمدم على من يناقضونه، ويحولون بينه وبين أمنيته العزيزة التي يضرب ~~حولها السدود، ويأبى جهده أن يحوم حولها الخيال ولو على أبعد احتمال. # إن الثقات من رواة علم الإنسان لم يذكروا لنا مجتمعا في أعرق أطوار الهمجية خلا من ~~الممتازين بمزية النسب أو الدراية أو القدرة، ولو أننا عرضنا قطعان الماشية التي تملكها ~~تلك المجتمعات؛ لوجدنا بين تلك القطعان مزايا القيادة والزعامة وغزارة الدر وكثرة ~~الذرية، فإذا كان الآدميون الذين يملكونها جمهرة من الناس لا تنوع بينهم، فما هم ~~بالمجتمع ولا هم بالبنية الاجتماعية التي لها وظائفها وأعضاؤها وخصائصها ككل بنية حية، ~~وتفصيل هذه الخصائص والمزايا مشروح في كتب علم الإنسان وعلم الأجناس البشرية التي لا ~~نحصيها، ولكنها مجملة في باب الرتبة من كتاب «الجماعة البدائية» لمؤلفه الدكتور «روبرت لوي» # 5 # حيث يقول: # إن الأفكار المتطرفة في اختلاف الأقدار موجودة في جوانب شتى من العالم ~~وقبائل «المايدو» الشماليون يصلحون نموذجا يقاس عليه، فهنا رئاسة انتخابية ~~مبنية على الثروة والسخاء، ولكن «الشامان» إذا كان بصفة خاصة رئيسا للجماعة ~~السرية له قدر يغطي على قدر الرئيس، والواقع أن انتخاب الرئيس إنما يكون ~~بوساطة «الشامان»، الذي ينقل وحي الأرواح باختياره كما ينقل وحيها ~~بإسقاطه. # ثم يقول: # إن الفوارق السابقة تنشأ من اختلاف الأفراد مستقلة عن فوارق الدرجة والنسب. ~~والأمثلة مع ذلك متعددة لأحوال التفوق الفردي الذي ينقل بالوراثة. # ويقول المؤلف عن مزايا الشجاعة: «إن الهمجي لا يتهم بالبلاهة، ولا يغفل عن المزايا ~~المتعددة، ولا يجهل أن الرجل الكسلان في العمل قد يكون ms086 ناشطا فذا في الصيد أو ~~إصابة الهدف.» وبعد تلخيص الأمثلة من جماعات أمريكا وإفريقية وجزر الأقيانوس التي تحسب ~~من القبائل الهمجية يقول في الإجمال الأخير: «إن المجتمعات الديمقراطية - أي التي ~~يولد فيها الأطفال سواء في الرتبة - لا تلبث خصائصهم الفردية أن تميزهم بعضهم عن بعض ~~فلا يكونون جماعة هملا على سواء، بل مجتمعا متكونا من ~~الأفراد.» # 6 # ولعنا - نحن بني الإنسان - خلقاء أن نترك لحكم العلم كل بحث إلا البحث في بواعث النفس ~~الإنسانية وطبائع الأحياء العاقلة، ففي هذه الأمور يحق لنا أن نراقب أنفسنا ونراقب ~~تجاربنا، ونقول كلمتنا إلى جانب كلمات الباحثين بين شعوب الهمجية أو شعوب الحضارة، حين ~~يحكمون على النفوس ولا ينحصر حكمهم في الأخبار والروايات، وهذه الطبيعة الإنسانية فينا ~~ومن حولنا وأمامنا في تواريخ الأمم التي تعددت أجناسها وأقاليمها ووسائل إنتاجها، ولم ~~تحتجب في طور من أطوارها دلائل الطموح والهمة والنزوع إلى التفوق والرئاسة، وليس من ~~العلم أن نمسح هذه التجارب المحسوسة، وهذه الدوافع الكامنة فينا لنصغي إلى قول يقوله ~~«كارل ماركس» عن الطبيعة الإنسانية كأنها طبيعته وحده، وليست طبيعة الناس في ماضيهم ~~وحاضرهم ومستقبلهم، ولو كان قولا يسمع من هنا ويترك من هنا لصح أن يصغي إليه من يريد ~~أن يصغي إلى كل مقول مسموع، ولكنه قول له جرائره، ولا تقل جريرة منها عن تقويض كل ما ~~كان، وتفنيد جميع المأثورات والمسلمات. # ولمن يريد به أن يقول: إنكم تحكمون على الطبيعة الإنسانية فيما مضى وما حضر، ولا ~~تستطيعون أن تحكموا عليها في ظروف غير تلك الظروف مما يتمخض عنه المستقبل ~~المجهول! # نقول: نعم، لا نستطيع، ولكننا نقيس المقبل على الحاضر والماضي الذي تشابه أو تقارب في ~~جميع العهود، أما الذي لا يستطاع حقا فهو الجزم بالتغيير وترتيب النتائج الحاسمة ~~عليه، فنحن لم نر المستقبل، و«كارل ماركس» لم يره، وعلينا أن ننظر إلى نبوءته بكثير من ~~الحذر والتريث في أمر ينقض كل ما عرف إلى الآن عن طبيعة الإنسان. # وإذا قدرنا حسن النية، وخطر لنا أن ms087 الأمر قد التبس على دعاة المادية في منتصف القرن ~~التاسع عشر، فليس هذا الالتباس بالسائغ بعد التجربة الروسية في القرن العشرين، فإن ~~المجزرة التي حدثت حول تفسير الآراء الماركسية وتطبيقاتها لا تنتهي إلى غير نتيجة من ~~نتيجتين: فإما أنها آراء خلافية لم تبلغ من الثبوت مبلغا يساوي العواقب التي تترتب ~~عليها، وإما أن هذه المجزرة أثر من آثار الصراع بين العوامل النفسية في طبيعة الإنسان، ~~كائنا ما كان نظام الإنتاج ووسائل الإنتاج، وكلتا النتيجتين لا تجيز لنا تسليم ~~الملايين من الأرواح البشرية والمأثورات الإنسانية لقولة قالها صاحب نبوءة، أو صاحب ~~علم، أو صاحب دعوى في النبوءات والعلوم. ~~••• # من الخطوات الأولى تعثر معنا المذهب المادي في تفسير التاريخ، فلم يبطل الخلاف على ~~تفسير المشاعية الهمجية ولا على تفسير الرق بعد الانتقال من المشاعية إلى البربرية ~~الأولى، وفي وسع «ماركس» ومن على شاكلته أن يتصوروا قيام السادة والأرقاء قبل ظهور ~~المزايا البشرية في شجاعة الشجعان ودراية الأذكياء وعلو الهمة ودوافع التفوق والسيادة، ~~وفي وسعهم أن يتخيلوا قطيعا من الهمل أغار على قطيع آخر، وجاء منهم بالأسرى ~~الأرقاء فأسلمهم إلى طائفة من السادة يسخرونهم ويحتكرون ثمرات سخرتهم؛ لأنهم يشتهون ~~السيادة ولا يشتهيها معهم أحد سواهم. # في وسع الماركسيين قاطبة أن يتخيلوا هذه الأخيلة؛ لأنهم معذورون مضطرون إلى المقدمات ~~التي تفتح أبواب النقمة والخراب، ولكنه عذر لا يقبله المحايدون في هذه المعركة المثارة ~~على النوع الإنساني، فضلا عن المتحيزين المتعصبين لهذا النوع، الذين لم يخرجوا من ~~زمرته؛ لأنهم دخلوا في طبقة من الطبقات. # ومما هو حقيق بالانتباه إليه، أن اللبس في نظريات الماديين عن الطبقة، يزداد كلما ~~اقتربنا من العصور التاريخية المدونة، ويطرد في الزيادة كلما اقتربنا من العصر الحاضر ~~الذي نشاهده ونلمس وقائعه ونستقصي حسابه وإحصاءه، ولو كانت هذه النظريات على استقامة ~~لانعكست الآية، وكان اللبس فيما غبر عند فجر التاريخ أشد من اللبس في شئون العصر ~~الحاضر، ولولا علة كامنة في طوية التفكير لكان الاختلاط في شئون الجماعات البدائية أشد ~~من الاختلاط ms088 فيما بعدها عصرا فعصرا إلى هذا العصر الذي يسمونه بعصر رأس المال ~~والصناعة الكبرى. # إنهم قد اختلط عليهم الرأي في مبادئ الملكية والمشاعية، كما كانت عند فجر التاريخ، ~~وكما هي في الأيام الحاضرة، والرأي المستقيم أن المبادئ متشابهة حيث وجدت الملكية ~~الخاصة، وربما صح أن الملكية العامة في البلاد الروسية - بعد إعلان الشيوعية فيها - ~~مقاربة جدا للملكية العامة في البلاد المصرية على عهد الفراعنة الأول، إذ لا فرق بين ~~ملكية الدولة للمرافق في العهدين، وليست الملكية هنا لجميع الأفراد على السواء، ولكنها ~~ملكية للدولة ترخص فيها لكل فرد من الأفراد بمقدار. # ولم تكن ملكية القبيلة مختلفة المبدأ عن ملكية الدولة أو ملكية الفرعون أو ملكية ~~الحزب المنادي بالشيوعية بين الأفراد، كلها تعرف المشاعية في المرافق، ولا تنكر الملكية ~~الخاصة عند لزومها، وكلها تدين بالتأميم مع اختلاف مرافقه وأساليب إدارته، فلا محل ~~للإطناب والتهويل في ترتيب أطوار الملكية المشاعية على مذهب الماديين. # وقد قلنا: إن ازدياد اللبس في نظريات الطبقة حسب نظام الملكية حقيق بالانتباه؛ لأنه ~~يقل في نظريات العهود الغابرة، ويزداد في نظريات العهود التاريخية ويطرد في الزيادة ~~كلما اقتربنا من حياتنا الحاضرة، ولولا علة كامنة في طوية التفكير لانعكست الآية، وجاز ~~بالأمس ما لا يجوز اليوم من الأخطاء والضلالات. # أما هذه العلة الكامنة في طوية التفكير، فهي اقتراب العصر الحديث من نقطة الفصل في ~~نتيجة المذهب بحذافيرها، وكلما اقترب من نقطة الفصل بلغ أشد الحاجة إلى العسف واللي، ~~وشد النظرية من هنا وجذبها من هناك، التدخل في الحور الضيقة التي يعصرونها فيها واحدا ~~بعد واحد حتى تأذن بالنتيجة المنظورة أو النتيجة المشتهاة. # وعلى هذا كان الخلط في شئون الطبقة البدائية مسألة مبدأ وتفسير، فلما اقتربنا من ~~العهود التاريخية المدونة تعدى الخلط مبادئ الآراء إلى الوقائع العيانية التي لا خفاء ~~بها ولا نكران لها في صفحات التاريخ المعروف. # أي فرق - مثلا - بين طبقة الأشراف # 7 # وطبقة ~~السوقة # 8 # في الدولة الرومانية من حيث وسائل الإنتاج؟ # كلتا الطبقتين كانت تملك الضياع، ms089 وتملك التجارة وسفن الملاحة، وتملك العبيد ~~الأرقاء العاملين في الزراعة والتجارة والصناعة والمناجم المباحة لغير الدولة، وهذه ~~مسألة أصيلة في المذهب المادي وليست بالمسألة العرضية التي تحتمل القولين: إنها مسألة ~~الإنتاج في عهد الرقيق، فإن قامت قام معها المذهب وإن سقطت سقط معها ولم تقم له قائمة، ~~فماذا كان بين الطبقتين من الفوارق في وسائل الإنتاج وفي تسخير الرقيق؟ ولماذا بقي فارق ~~النسب - أو دعوى النسب - إلى نهاية الدولة الرومانية قبيل وقوعها في أيدي البرابرة ~~تمهيدا لعهد الإقطاع ثم عهود الفرسان؟ # ولماذا انتهى عهد السادة، ولم يقم بعده عهد العبيد الأرقاء تبعا للأحجية ~~الفلسفية، التي جعلت النقيض مولدا للنقيض؟ # إن نهاية رأس المال بداية عهد الأجراء، كما نعلم من جميع المقدمات والنتائج ~~الماركسية، فلماذا لم يستول الرقيق على أزمة الإنتاج بعد زوال عهد السادة من سراة ~~الأشراف والسوقة الرومانيين؟! # وأين هما النقيضان في عهد من العهود؟ لماذا يكون الملك البربري نقيضا للشعب ~~البربري؟! ولماذا يكون الإقطاع نقيضا للرق؟ ولماذا تكون الصناعة نقيضا للإقطاع والرق ~~مجتمعين؟! # هذه نقائض «أحاجي» وتخمينات لا يصدق عليها معنى النقيض في المنطق ولا في العلم ولا في ~~الصفات الاجتماعية، وإنما يجب أن تكون نقائض في عرف الماديين؛ لأنها يجب أن تكون درجات ~~متوالية في السلم الذي ينحدر إلى الهاوية: هاوية الخراب. ~~••• # كان الخلط في المبادئ والتفسيرات عند الكلام على المجتمعات البدائية، فلما اقتربنا من ~~عصور التواريخ المدونة تكاثر الخلط في الوقائع والنظم المقررة، وجعل يستشري ويمتد من ~~عصر البربرية إلى عصر الرق إلى عصر الفروسية إلى عصر الصناعة الكبرى، وأول دلائل الخلط ~~في عصر الفروسية أو وسائل الإنتاج لم تتغير بين العصرين: عصر الرق وعصر الإقطاع، فآلات ~~النسيج وآلات الري وآلات الصناعة المعدنية ومتاجر الموانئ ومصارف الحواضر، لم يتغير ~~منها شيء بين زمن وزمن إلا كما كانت الآلات والأدوات تتغير بين مكان ومكان، أي أنه كان ~~تغييرا محليا لا يرتبط بالنظم الحكومية. # وثاني دلائل الخلط في هذا العصر - عصر الفروسية - أن فرسان الإقطاع لم يكونوا طبقة ms090 ~~متضامنة متكافلة، ولكنهم كانوا آحادا متنافسين متنافرين، يفترقون أو يتفقون كما كان ~~الملوك والأمراء يفترقون أو يتفقون لأنهم في الواقع كانوا أمراء صغارا يجرون في ~~التحالف والتخالف على سنة الأمراء الكبار، ويقفون جملة أمام جملة تدخل فيها جميع ~~الطوائف والطبقات. # والعامل المهم في انتشار هؤلاء الفرسان بين الأقاليم أو الإقطاعات أن السلطة المركزية ~~سقطت «أولا» بعد انقسام الدولة الرومانية إلى شرقية وغربية، ثم سقطت سقوطها الأخير بعد ~~اضمحلال الدولتين، وتفرق الولايات والأقاليم بين الرؤساء البارزين فيها. # ولو أراد «كارل ماركس» لقال: إن الرعايا من الفلاحين والتجار والصناع احتاجوا في ~~هذا العصر إلى الحماية، فنشأ نظام الفرسان موافقا لهذه الحالة واستقر بعد نشوئه؛ لأنه ~~كان لازما لمصالح الطرفين. # ولو أنه قال ذلك لما خرج على تفسيراته المادية، ولكان مقاله أقرب إلى المعقول وأشبه ~~بطبائع الأمور؛ لأن الفرسان عدد قليل لا يزيد على الآحاد في كل إقليم، ورعاياهم أضعاف ~~أضعافهم يعدون أحيانا بمئات الألوف، ولأن الفلاحين والتجار والصناع في كل إقليم كانوا ~~يخشون أن يغير عليهم أبناء الأقاليم الأخرى، ويتسلطوا عليهم في ديارهم ويسوموهم ~~تكاليف السيادتين في وقت واحد، سيادة الفارس الأعلى صاحب الكلمة النافذة في الإقليم، ~~وسيادة الرعايا لأمثالهم في مرافق الزراعة والصناعة والتجارة. # ولكنه لو قال ذلك لفاتته أولا دعوى الاستغلال، وفاتته بعدها سلسلة الطبقات حلقة بعد ~~حلقة إلى خاتمتها المنظورة، ولو قال ذلك لاعترف بالمزايا الإنسانية قبل وسائل الإنتاج، ~~واعترف بمزايا الشجاعة والدراية العسكرية، والقدرة على الرئاسة وهيبة الحكم سابقة ~~لوسائل الإنتاج، ودون ذلك وينهار المذهب جدارا تحت جدار. # غير أن الفلسفة الماركسية لم تستطع أن تغفل عن حقيقة الصلة بين الفرسان ومن حولهم ~~من الفلاحين وأصحاب المرافق التجارية أو الصناعية، فأطلق «كارل ماركس» وصاحبه «فردريك ~~إنجلز» اسم العلاقة ~~العاطفية # 9 # على هذه الصلة، ولم يطلقا عليها هذا الاسم إلا لأنهما كانا في عصرهما يسمعان أغاني ~~الأجيال السابقة ينشدها الفلاحون إذ لم يبق أحد ينشدها من طائفة الفرسان وأمراء ~~الإقطاع. # ثم تأتي دلالة الخلط الثالثة عند الكلام على زوال ms091 الإقطاع وزوال عصر الفروسية، فإن ~~الفلسفة المادية تقلب الأوضاع كعادتها فتجعل زوال الإقطاع لاحقا لزوال سلطان القلاع ~~والحصون، وإنما تحررت الأفكار والضمائر، ثم زال سلطان القلاع والحصون حين أراد ~~المعترفون به قديما أن يزيلوه. # إن البارود لم يسقط القلعة أو الحصن؛ لأن المنجنيق ظل زمنا أقوى من مدفع البارود، ~~وكان المنجنيق في أيدي حماة القلاع والحصون، ولكن الأفكار والضمائر تحررت فاستخدمت ~~البارود للغلبة على أصحاب السلطان، ولو أنها بقيت كما كانت ولم تتحرر لأصبح البارود ~~نفسه أداة من أدوات الفارس المتحصن في قلعته يقهر بها من يعصيه. # وقد عرضنا لذلك في حديثنا عن البارود الذي لم ينفجر والطباعة التي لم تطبع، فقلت في ~~مجموعة الأحاديث التي نشرت بعنوان «أفيون الشعوب»: # إن بعض المؤرخين يشك في سبق أهل الصين إلى اختراع البارود؛ لأنه يربط اختراعه ~~بالكشف الذي سجله «روجرز باكون» في معمله عند منتصف القرن الثالث عشر، ويرى ~~أن وجود البارود يتوقف على وجود ملحه # 10 # وهو لم يكن معروفا في زعمه قبل «روجرز باكون». إلا أن الراجح ~~أن «روجرز باكون» نفسه قد عثر على الصيغة الكيمية في المرجع العربي الذي أشار ~~إليه «أومان» في تاريخ فن الحرب، فإن لم يصح هذا فالصحيح - بلا مراء - أن هذا ~~الملح يوجد على سطح الأرض في بلاد آسيا الشرقية، ومنها الهند التي يوجد بها على ~~سطح الأرض إلى اليوم. # وندع هذا ونرجع إلى الزمن الذي انقضى بين كشف البارود والانتفاع به في الحملات على ~~القلاع والحصون، فقد مضت ثلاثة قرون منذ جاء ذكر البارود في أوراق «روجرز باكون» إلى أن ~~أصبح قوة فعالة في الهجوم على المعاقل المحصنة، وقد مضت هذه القرون في تنقية الأخلاط ~~وضبط المقادير الصالحة لسرعة الانفجار وتركيب هذه الأخلاط تركيبا موافقا للأدوات التي ~~أمكن اختراعها يومئذ سواء أكانت مما تحمله اليد أم تجره الخيول. # وكانت مشكلة الوقت الذي ينقضي بين إطلاق القذيفة وتعبئة المدفع أو الرامية عقبة ~~معوقة، ولم تكن من أسباب الإسراع والتغلب، ولا شك أن المنجنيق الذي كان ms092 يقذف الحجارة ~~على قرب قد كان أفعل من المدافع الأولى في تهديد الحصون والقلاع، بل استطاع الهوجنوت ~~إلى أوائل القرن الثامن عشر أن يقاوموا المدفع حول الحصون بمتاريس التراب وما إليها، ~~فلم يكن البارود إذن هو القوى الحاسمة في تغلب نظام على نظام، ولم يكن استخدام المدفع ~~الأول أسهل من فنون الفروسية التي احتكرها نبلاء القرون الوسطى، وأصح من هذا أن يقال: ~~إن البارود في أوربا قد أفاد في ميدان الصناعة قبل أن يفيد في ميدان القتال؛ لأن بدعة ~~الأسلحة النارية حولت الأنظار إلى البحث عن الحديد والفحم، فنشطت حركة التعدين، ~~واستفادت منها الصناعات الحديثة مع توالي الطلب على حسب حاجة العصر الحديث. ~~••• # وننتهي إلى الخلط الأكبر حين ننتهي إلى الحلقة الأخيرة من سلسلة الطبقات، وهي حلقة ~~«رأس المال» أو الصناعة الكبرى. # فهذه الطبقة لا تخالف الطبقة التي تقدمها وكفى، بل تناقضها على حسب الأحجية الفلسفية ~~على وجه لا ندري معنى المناقضة فيه. ولا جدوى من متابعة «كارل ماركس» خلال السراديب ~~والأنفاق التي يتلوى بينها ليصل إلى مبدأ هذه الطبقة، ولا من متابعته في سراديبه ~~وأنفاقه الأخرى التي يعود فيتلوى بينها ليصل إلى فنائها، ثم إلى النعيم الألفي المرتقب ~~في مجتمع أبدي لا طبقات فيه. # حسبنا أن ننظر إلى النتائج المحتومة في تقدير «كارل ماركس»، ثم نعلم أن المذهب قائم ~~على هواء بغير أساس متى علمنا أنها نتائج غير محتومة، وأنها منقوضة فيما شهدناه ~~وعهدناه، ولا يقترب بها المستقبل إلى تقديره خطوة بل يبتعد بها خطوات. # فالنتائج المحتومة في تقديره هي: # أولا: # أن الثروة تنحصر في أيدي فئة قليلة من أصحاب رءوس الأموال وأصحاب ~~المصانع الكبرى. # وثانيا: # أن الطبقة الوسطى تزول رويدا رويدا، ثم سريعا سريعا، فلا تبقى ~~منها بقية في خاتمة الدور. # وثالثا: # أن طبقة الأجراء تبتئس وتنحدر مع تقدم الصناعة، حتى تبلغ نهاية ~~الانحدار متى بلغت الصناعة الكبرى نهاية الصعود، ويومئذ تثور هذه ~~الطبقة؛ لأنها لا تخسر بالثورة شيئا غير القيود والأغلال. # ورابعا: # أن طبقة الأجراء تستولي بعد ms093 ذلك على الصناعة الكبرى فتديرها ~~لمصلحتها، ولا تستغل بإدارتها طبقة أخرى فيظل المجتمع - أبدا - بغير ~~طبقات. ~~••• # هذه النتائج المحتومة لم تتحقق نتيجة واحدة منها، ولم يكن ما تحقق حتى الآن إلا ~~مناقضا لها هادما لدعواها، فرءوس الأموال تتفرق ولا تنحصر، وأسهم الشركات توزع بعشرات ~~الألوف ومئات الألوف، ومصانع الشركات الكبرى أحيانا يساهم فيها العمال، وتتفرق حصص ~~الربح منها بين الأغنياء والمتوسطين والفقراء، وتتحول المرافق العامة إلى التأميم، كلما ~~كان المشاع أوفق لإدارتها من الملكية الخاصة، وليس هذا بمبدأ جديد في الملكية العامة أو ~~الخاصة، بل هو المبدأ القديم الذي يشيع ملك المرفق ما دام الاستئثار به لمصلحة فرد أو ~~أفراد محدودين غير مستطاع. # والطبقة الوسطى تزداد ولا تنقبض، ولا يقل نصيبها من الملكية أو الثروة على حسب تقدير ~~«كارل ماركس»، ولا يتقرر ذلك بالفروض والظنون ولكنه يتقرر بالإحصاءات والأرقام، ويقوم ~~بهذه الإحصاءات أناس من تلاميذ «كارل ماركس» يرون أن الثروة صائرة إلى التوزيع لا إلى ~~التركيز وأنها تصير إلى ذلك في طريق غير الطريق الوحيد الذي رسمه لها «كارل ماركس» في ~~قضائه المبرم، ومن هؤلاء «إدوارد برنشتين» # 11 # الذي يسميه الشيوعيون ~~«المنقح»؛ # 12 # لأنه يدخل التعديل بعد التعديل على القواعد التي يؤمنون بها إيمان المتدين بوحي السماء. ~~وقد جعل «برنشتين» حدا لثروة الطبقة الوسطى في عصر «كارل ماركس» (1851-1881)، فقدرها ~~بمبلغ يتراوح بين 150 جنيها وألف جنيه في السنة، فظهر من الإحصاء أن سكان إنجلترا ~~زادوا خلال هذه المدة بنسبة ثلاثين في المائة، وزاد عدد المالكين أبناء الطبقة الوسطى ~~بنسبة مائتين وثلاث وثلاثين وبعض الكسور. # وتكررت هذه الظاهرة حسب الإحصاءات المأخوذة من المجتمعات الألمانية والفرنسية، فازداد ~~السكان - مثلا - في بروسيا بنسبة عشرين في المائة من سنة 1892 إلى سنة 1907. وكانت ~~نسبة أصحاب الثروة التي تتراوح بين مائة وخمسين وثلاثمائة جنيه في السنة قد زادت بنسبة ~~84,3 في المائة، وزادت الثروة التي تتراوح بين ثلاثمائة وألف وخمسمائة وخمسة وعشرين ~~بنسبة 46,1 في المائة، وزادت الثروة التي تتراوح بين ألف وخمسمائة وخمسة ms094 وعشرين وخمسة ~~آلاف جنيه بنسبة 156,7 في المائة. # 13 # وتسلم الأستاذ «باولي» بيانات الإحصاء في إنجلترا وويلز من عصر «ماركس» إلى سنة 1931 ~~فوجد أن السكان زادوا بنسبة 53 في المائة، وأن الذكور من أبناء الطبقة الوسطى زادوا ~~بنسبة 95 في المائة، ولم يزد الذكور من العمال إلا بنسبة 63 في المائة ، وعد الأستاذ «باولي» # 14 # من أبناء الطبقة الوسطى طوائف الكتاب والموظفين في الإدارة والتجارة ~~والأشغال الفنية، وفصل البيان عن هذه الزيادات في تعليقاته على الطبقة الوسطى وأطوارها ~~منذ قيام الصناعة الكبرى. # ولم تأت هذه المناقضات جميعا من أناس ينكرون المادية التاريخية، بل جاء معظمها من ~~أناس كانوا يتبعون «كارل ماركس»، ويعملون بآرائه، ثم وضحت لهم منافرتها للواقع واستحالة ~~تطبيقها على علاتها، فعمدوا إلى تصحيحها وتنقيحها، وترقبوا شيوع الثروة من طريق التوزيع ~~الطبيعي والتطور السلمي والتذرع بالوسائل السياسية وبرامج الإصلاح الاجتماعي لإنصاف ~~المظلومين والحد من طغيان الثروة محصورة بين أيدي طبقة واحدة من الطبقات كائنا ما كان ~~المجتمع الذي تعيش فيه. ~~••• # ثم يتراكم الخلط كله عند الهدف الأقصى الذي جعله «كارل ماركس» نتيجة النتائج لصراع ~~الطبقات، وتواريخ الجماعات البشرية منذ خطواتها الأولى في الحياة الاجتماعية. ولا شيء ~~أدل على خطأ المقدمات من كذب النتيجة وصلاحها أن تكون نتيجة لمذهب آخر يفند مذهب «كارل ~~ماركس»، ويبطل سوابقه ولواحقه في نفس التاريخ. # فالطبقة العاملة لا تزداد سوءا على سوء مع تقدم الصناعة واتساعها إلى غاية مداها، ~~ونجاح الشيوعية أقل ما يكون في البلاد التي تقدمت فيها الصناعة ذلك التقدم، وأكثر ما ~~يكون في البلاد التي لم تعرف الصناعة الكبرى، ولم تنشأ فيها طبقة من الصناع تديرها إذا ~~استولت عليها، وتنعكس النسبة تماما في هذه النتيجة، حيث وجدت الدعوة الشيوعية، فلا ~~تنجح الدعوة الشيوعية إلا بمقدار التأخر في الصناعة الكبرى لا بمقدار التقدم فيها، ~~ويحدث هذا في الأمة الواحدة كما حدث في الولايات الألمانية الشرقية والغربية، ويحدث في ~~القارة الآسيوية كما يحدث في القارة الأوربية، فلا تروج الدعوة الشيوعية في اليابان كما ms095 ~~راجت في الصين، ولا تروج في الصين نفسها بين أبناء الأقاليم الجنوبية الشرقية، كما راجت ~~بين أبناء الأقاليم الغربية والشمالية. # وكلما تقدمت الصناعة تبين أن الأيدي العاملة لا تستطيع أن تديرها وأن تستولي عليها، ~~ونجمت في الأمة طبقة جديدة من الخبراء والمهندسين تأخذ بزمامها وتملك نفوذ رأس المال أو ~~تزيد عليه. # فالصناعة التي كانت في عهد «كارل ماركس» سهلة الإدارة يتولاها من يحرك المكنة ~~اليدوية، قد أصبحت خبرة دقيقة في جملتها وفي كل جزء من أجزائها، وأصبحت هذه الخبرة ~~موزعة على فنون مركبة وآلات متشابكة ومعارف ذهنية وسياسية وكفايات خلقية لا يقل فعلها ~~في الإدارة عن فعل الكفايات الذهنية والسياسية. # وكلما اتسع ميدان الصناعة تضاعفت الحاجة إلى طبقة الخبراء والمهندسين والمديرين وذوي ~~الكفايات على تنوعها، فتدبير الصناعة في الميدان العالمي أصعب جدا من تدبيرها في ~~الميدان القومي أو ميدان الأمة الواحدة. # هنا بلاد تكثر فيها الخامات، وهنا بلاد تصلح لإقامة المصانع لهذا الصنف ولا تصلح ~~مصانعها للأصناف الأخرى، وهنا بلاد ميسرة لمراكز المواصلات، وهنا بلاد تقبل على الأكسية ~~ولا تقبل على الأطعمة، وهنا بلاد يكفيها مهندسوها وخبراؤها ومديروها ويزيدون على ~~حاجتها، وهنا بلاد تطلبهم من غيرها أو تستعين بهم حيث كانوا ولا تتمكن من تنشئة فريق ~~منهم بين أبنائها، وهنا مبادلات ومقايضات، وهنا معاملة بالنقد أو بالصفقات التجارية، ~~ويحيط بكل هذه البلدان عالم متغير متنقل على حسب الأطوار البشرية والطبيعية والحوادث ~~التي تخطر على البال أو الحوادث التي لا تقع في الحسبان، فمن تخيل أن هذا العالم في ~~ميادينه الصناعية والاقتصادية يخلو فيه مكان المديرين والساسة وذوي الكفايات الذهنية ~~والخلقية، فإنه لكاسد الذهن حقا مطموس الخيال أو مطموس الحس والعيان. # ومن تخيل أن «العملة» بأية صورة من صورها تبطل في هذا العالم، فمن البلاء حقا أن ~~يسمع له رأي في مقادير الأمم وأطوار التاريخ، ومن تخيل بعد خروج العملة - إن خرجت - ~~أن هذه العوامل المتشابكة تساس وحدها وتترك الملايين من الخلق يأخذ كل منهم حقه ولا ~~يزيد عليه، ويعرف كل ms096 منهم كفايته ولا يدعي ما عداها، وتوزن فيه المطالب اليومية ~~والسنوية بميزان الشعرة - الذي يرضي كل آخذ وكل مانح - فليس في الحالمين ولا في ~~المخرفين من أمعن في التخيل وراء هذا الإمعان، ومن تحدث عن الغيب المجهول بسند أضعف من ~~هذا السند، وتلفيق أوهن من هذا التلفيق. ~~••• # إن الواقع أمام أعيننا قد عصف بالمذهب المادي في مسألة الطبقات عصفا يزيل الثقة ~~بنبوءاته عن الحاضر والمستقبل، ولا ضرورة مع هذا لإزالة الثقة واقتلاعها من جذورها؛ لأن ~~الثقة التامة واجبة لكل مذهب يطلب من الناس أن يتابعوه إلى نتائجه الهائلة في تاريخ ~~الإنسانية، فإذا تزعزعت الثقة التامة، فهذا التزعزع كاف عند كل ذي ضمير للإحجام ~~الطويل. # شرور أهون من تلك الشرور، وعاقبة أقرب إلى المداركة من تلك العاقبة. # وليست النتيجة المعكوسة في أمر الطبقة العاملة أو الأمم التي تروج فيها الشيوعية هي ~~كل ما يعصف بالمذهب بين يدي هذه العواقب وتلك الشرور، فإن نجاح الدعوة الشيوعية بين ~~الأمم المتأخرة يصيب المذهب في مقاتل شتى ولا يصيبه في مقتل واحد، إنه يصيبه في مقتله، ~~حيث يثبت أن الدعوة السياسية تفعل ما لا تفعله أطوار الاقتصاد في عهد الصناعة الكبرى، ~~ويقلب المذهب القائم على سبق وسائل الإنتاج لكل دعوة سياسية أو فكرية، وأنه يصيبه في ~~مقتله مرة أخرى حين يثبت أنه مذهب متأخر لا يساغ في غير الشعوب المتأخرة، وأنه فتنة ~~كسائر الفتن التي أصغى فيها الجهلاء لكل ناعق منذ عرفت هذه الفتن في تاريخ الحضارة أو ~~تاريخ الهمجية. ~~••• # وقبل ختام هذا الفصل نقول: إننا لم نكتبه في نشأة الطبقة من وجهة عامة؛ لأنه شرح ~~طويل لا ينهض به فصل في كتاب، ولكننا كتبناه عن نشأة الطبقة في مذهب «كارل ماركس»؛ لندل ~~على الخلط في دعامة من أضخم دعامات المذهب يرتفع بارتفاعها ويهبط بهبوطها. ونحن - بعد - ~~لا نخرج عن الموضوع إذا أضفنا إليه إلمامة عاجلة بآراء الباحثين عن نشأة الطبقة من غير ~~القائلين بالفلسفة المادية الاقتصادية؛ لأنها تساعد على المقابلة بين الأقوال المتعارضة ~~في ms097 نشأة الطبقات الاجتماعية. # نشطت البحوث الأثنولوجية بعد عصر «كارل ماركس»، وألقيت الأضواء المتلاحقة على مطلع ~~التاريخ وأحوال الجماعات البدائية في الأزمنة الأولى وفي الزمن الحاضر، واشتركت ~~الدراسات النفسية والدراسات الأثنولوجية في هذا الباب، فتجمعت منها خلاصة حسنة في هذه ~~الناحية من البحوث الاجتماعية. # وأقوى الآراء عن نشأة الطبقة وبنائها التقليدي منذ نشأتها الأولى أنها ترجع إلى النسب ~~والسلالة، وأن الغالب على سادة المجتمع أن يكونوا من سلالة طارئة على الوطن الأصيل، ~~ينظرون إلى أبنائه نظرة الغالب إلى المغلوب، ويترفعون عن معاملتهم في الشئون العامة أو ~~الخاصة معاملة الأنداد، ثم تتبدل الطبقة مع الزمن بما يعتري الطبقة الممتازة من النقص ~~والفساد، وما تكسبه الطبقات الأخرى من المزايا والكفايات. # وأشهر القائلين بهذا الرأي «جوزيف شمبيتر» في بحوثه عن «الاستعمار والطبقات الاجتماعية»، # 15 # وعن «الطبقات في مجتمع متجانس من الوجهة السلالية.» # 16 # والشواهد على صحة هذا الرأي ملحوظة في تاريخ الأشراف من أبناء رومة القديمة، وتاريخ ~~قبائل الفرنك والغاليين عامة في البلاد الفرنسية، وتاريخ المغول الآسيويين بين من سبقهم ~~إلى أوربة الشرقية من القبائل السلافية، وأبرز ما تكون هذه الشواهد في البلاد الهندية، ~~حيث تتعدد الطبقات، ويستأثر الجنس الآري المغير على البلاد بمزايا الرئاسة الدنيوية ~~والدينية، ويترك الطبقة الثالثة للتجار وأصحاب الأموال، وينعزل تمام الانعزال عن الطبقة ~~الدنيا التي لا تشبهه في السحنة ولا في العادات. # والطبقة الغالبة تستأثر بخيرات البلاد بطبيعة الحال، ولكن الفارق بعيد بين الاستئثار ~~بالمال؛ لأن المستأثر به قوي قادر على التسلط، وبين الاستئثار بالسلطة؛ لأن المستأثر ~~بها يقبض على وسائل الإنتاج وتثمير الأموال، فالسادة الغالبون قد تركوا الأعمال المالية ~~للطبقة الثالثة دون طبقتهم ودون طبقة البراهمة، وفرضوا لأنفسهم من الإتاوات عليهم ما ~~يقدرون على تحصيله بقوة الحكم وقوة السلاح. # ولا نتراجع بعيدا مع التاريخ أو نذهب بعيدا إلى الأقطار القصية لنرى مصداق هذا ~~الرأي في أقوال الباحثين والمؤرخين، فإن تاريخ مصر في عصور المماليك والدول السابقة لهم ~~يعطينا من هذه الشواهد ما يكفي لتقرير فعل السلالة في تكوين ms098 الطبقة، أو تقرير السبق في ~~هذا الفعل على أثر الأسباب الاقتصادية. # ومن بقايا الطبقة التي ينشئها اختلاف النسب أن أبناء الطبقة الممتازة يأنفون من ~~اختلاط النسب بينهم وبين الطبقات الأخرى، وإن رجحت عليهم في الثروة والاستيلاء على ~~وسائل الإنتاج، ومن قبل منهم مصاهرة تلك الطبقات عيب ذلك عليه واعتده هو من قبيل ~~التضحية التي يساق إليها لضرورة من الضرورات. ~~••• # والباحثون النفسيون في العصر الأخير يردون جميع الأسباب الاقتصادية إلى البواعث ~~النفسية، فهي الوشيجة الجامعة بين أبناء الحرفة وأبناء الطائفة وأبناء الطبقة، ولا تكفي ~~الصلة الاقتصادية إذا لم تقترن بها الصلة النفسية، وقد تكفي الصلة النفسية للتأليف بين ~~الجماعات على اختلاف الطبقات. # والباحثان الأمريكيان «لومبارد» و«مايو» يذكران الأمثلة الكثيرة على أسباب التجمع ~~والتفرق بين أبناء الحرفة الواحدة، فضلا عن الطبقة المحيطة بالحرف المنوعة، فقد بحثا ~~في تكوين الجماعات بين العمال، والتفتا بصفة خاصة إلى أحوال ~~التغيب # 17 # بين عمال كليفورنيا أثناء الحرب العالمية، فوجدا أن العمال المتغيبين ينقطعون عن ~~المصنع ثم يفارقون المدينة؛ لأنهم لا يجدون حولهم من يألفونه ويستريحون إلى مصاحبته ~~ويستريح إلى مصاحبتهم، ووجدا أن أسباب التغيب والانقطاع تزول حيث يتيسر إلحاق العامل ~~المتغيب بفئة يأنس إليها وتأنس إليه. # وسبق هذين الباحثين باحث آخر - هو «تريشر» - الذي كان معنيا بدراسة أطوار الشبان ~~الذين ينتمون إلى العصابات، فقد ظهر له من دراسة 1313 حالة أن الشاب الذي ينتظم في ~~العصابة يلجأ إلى ذلك لقلة الألفة بينه وبين الفئات الاجتماعية من رياضية أو ثقافية، ~~فيركن إلى أمثاله من أفراد العصابة؛ لأن المفروض في العصابات الساطية أو الخليعة أنها ~~تستبيح ما لا يستباح، ولا تبالي أن تقدم على المحظورات والمنفرات، كأنها تحيلها إلى ~~مزايا وشروط لا تتوافر في جميع الشبان. # ومحصل البحوث الكثيرة في هذا الاتجاه أن اجتماع أبناء الحرفة إنما يأتي من الألفة ~~النفسية، وأن على الحرفة أن تيسر هذه الألفة لتشابه الأزياء والعادات ومطالب الحياة، ~~فإذا كانت الحرفة لا تتكفل بتيسير هذه الألفة لم يشعر أبناؤها بالتقارب بينهم، وجنح ~~بعضهم ms099 إلى بيئة غير بيئتها ولو فارق مورد رزقه وفارق مدينته بمن فيها. # وليس من المشاهدات النادرة بيننا أن نرى أناسا من أبناء الطبقات العليا يختارون ~~أصدقاءهم من أبناء الطبقات الدنيا؛ لأنهم لا يشبهون أندادهم في الثقافة أو الشواغل ~~النفسية والعقلية، وليس من المشاهدات النادرة أن نرى أبناء الطبقات المحرومة يلقون ~~الترحيب والحفاوة بين أبناء الطبقات الموسرة ؛ لأنهم يحسنون من آداب المعاشرة وآداب ~~التفاهم على الجملة ما ليس يحسنه أندادهم في المراتب الاجتماعية. # وإذا كانت العوامل النفسية هي الغالبة، أو هي التي تخلص لنا من الظروف الاقتصادية، ~~فليس إهمالها والتعويل المطبق على ما دونها مما يعين على التقدير الصحيح في أطوار ~~الاجتماع. ~~••• # والدراسة التي تتخلل جميع الدراسات في زماننا هذا هي دراسة الإحصاءات ~~والمقارنات. # وقد رأينا نموذجا منها في إحصاءات «برنشتين» و«باولي» عن الطبقة الوسطى، ومجمل ما ~~يؤخذ من سائرها أنها تبطل الحصر المزعوم في تقديرات «كارل ماركس»، وتبتعد بالتاريخ ~~المقبل عن الوجهة التي لا وجهة سواها. # ونظرة نلقيها نحن - أبناء العصر الحاضر - على ما حولنا، تطلعنا على حقيقة الطبقة كما ~~تنبئ عنها تلك الإحصاءات والمقارنات، ونعلم منها أن حاجز الطبقات مرن ينفتح في كل جيل ~~لطائفة من الأمة يدخلون منه أو يخرجون، ويتبدلون من ثم طبقة غير الطبقة وعملا غير ~~العمل في المجتمع أو البيئة، ولا ينقضي جيلان في مدينة أو قرية إلا شوهد فيهما تداول ~~الغنى بين البيوت والعشائر، فاستغنى قوم من الفقراء وافتقر قوم من الأغنياء، وما لم يكن ~~نظام الطبقة مصحوبا بنظام وراثي كنظام الوراثة بين النبلاء في البلاد الإنجليزية، ~~فقلما ترى حفيدا غنيا من أجداد أغنياء، ونكاد نقول: إن نظام الوراثة في إنجلترا هو ~~الذي أغلق الباب على من فيه وترك الغنى يتسرب إلى أيدي العاملين في الصناعة والتجارة؛ ~~لأنهم عملوا فيه بغير منافسة من سادة المجتمع الأقدمين. # وإذا أحصينا المنتفعين من الطبقات، لم نجد أن الاستغلال مقصور على ذوي الأموال، بل ~~وجدنا أن كثيرا من العاملين المجتهدين وصلوا إلى الغنى من عملهم في مزارع الأغنياء ms100 ~~وبيوتهم التجارية، ولا يقل عدد هؤلاء الأغنياء عن الربع أو الخمس من جملة الأغنياء في ~~جيل واحد، وقلما عرف هؤلاء أحدا من أجدادهم على نصيب من اليسار. # هذه المعلومات عن أطوار الطبقات تؤيد الفروض أو ترجحها على احتمالات كثيرة، بل تؤيد ~~جميع الفروض إلا ذلك الفرض المحتوم الذي لا ينفرج في مذهب «كارل ماركس» لقيد أنملة يميل ~~إليه تاريخ الإنسانية إلى غير الخاتمة التي يصير عليها، ويتشبث بها، ولا يطيق أن يتوهم ~~على البعد أو على القرب خاتمة سواها. # ذلك النعيب الجهنمي لا توجبه معلومات الباحثين عن أطوار الطبقات، ولا تتأدى إليه ~~المقدمات التي وصلنا إليها أو نبصر أمامنا أننا واصلون إليها، وإنما المقدمة التي توجبه ~~كامنة هنالك في خبيئة الظواهر النفسية المريضة، مقدمته نفس خبيثة مطبوعة على الشر لا ~~تريده غيره، ولا تطيق النظر إلى شيء يمتزج فيه بأمل من آمال الخير أو عاطفة من عواطف ~~البر والأمان. # | القيمة الفائضة # القيمة الفائضة أصل من أصول المذهب الماركسي، لا يقل شأنها فيه عن شأن حرب الطبقات أو ~~التفسير المادي للتاريخ، ولعله أخطر شأنا فيه من كليهما، إذ لا حرب بين الطبقات، ولا ~~تفسير للتاريخ بوسائل الإنتاج، إن لم تثبته نظرية القيمة الفائضة، ولا محل للقول ~~بالمجتمع الذي لا طبقات فيه إن لم تثبت هذه النظرية، فإن القيمة الفائضة هي ربح رأس ~~المال الذي يقوم عليه المجتمع ويتهدم لأجله، فيخلفه مجتمع لا فضلة فيه من الربح فوق ~~نتاج العمل، ولا طبقات، ولا استغلال. # وخلاصة القيمة الفائضة في مذهب «كارل ماركس» أن قيمة كل سلعة إنما هي قيمة العمل ~~الإنساني فيها، ولكن العامل لا يأخذ هذه القيمة كلها، بل يأخذ منها مقدار ما يكفيه ~~للمعيشة الضرورية، وتذهب القيمة الفائضة إلى صاحب رأس المال بغير عمل. # وأحوج ما تكون النظرية إلى الثبوت في مذهب «كارل ماركس» يكون حظها من الوهن والتلفيق ~~والمحال، وقد قيل عن نظرية القيمة الفائضة من هذا المذهب أنها «كعب أشيل» أو مقتل ~~المذهب في جملته، وهي في الواقع كذلك ms101 لولا أن الكعب أخفى موضعا في هذه النظرية ~~المنكشفة بجميع مقاتلها من النظرة الأولى إلى النظرة الأخيرة. # ما هي القيمة «أولا» في علم الاقتصاد؟ إنها شيء غير الثمن، وغير الكلفة، وغير السعر، ~~ولكن الفاصل بينها لم يوجد بعد على حد قاطع لا خلاف عليه. # وقد نجحت المشكلة مع الخطوة الأولى من خطوات البحث في علم الاقتصاد، إذ لا معنى لعلم ~~الاقتصاد، إن لم يكن معناه أنه علم «التقويم» أو البحث في القيم وعواملها ومؤثراتها ~~وأسباب التأثير فيها. # ولا داعية إلى معرفة كبيرة بالاقتصاد أو اختصاص عظيم بفن من فنونه العويصة للعلم بأن ~~القيمة غير الثمن، فالثمن معروض مطلوب لا يجهله من يسأل عنه، وتقديره بعد عصر المقايضة ~~يرجع إلى قيمة المعادن الحقيقية، وقيمتها المتداولة، وقيمتها في حساب الدولة التي تضرب ~~المسكوكات، وهنا تدعوه الحاجة إلى التفرقة بين القيمة والثمن؛ لأن العملة التي قدر بها ~~الثمن هي نفسها ذات قيمة لا بد من البحث عنها. # ولم يكن معقولا أن يسأل الباحث الاقتصادي عن قيمة الشيء فيقول: إنها هي ثمنه بالعملة ~~المعدنية، فإننا لا نزال بعد ذلك مضطرين إلى البحث عن قيمة العملة وقيمة المعدن ومعيار ~~هذه القيمة في عرف التجارة وعرف الدولة التي تضرب باسمها المسكوكات. # قالوا: إن الثمن هو قيمة الشيء مقدرا بالنقود، وأما قيمته بالسلع الأخرى فهي قيمة ~~العمل الذي يستلزمه كل منها، فإذا قيل مثلا أن قيمة الذراع من الحرير تساوي مائة رغيف، ~~فمعنى ذلك أن العمل اللازم لصنع ذراع الحرير يساوي العمل لصنع مائة رغيف. # فهل هذا صحيح؟ # كلا، وقصاراه من الصحة أنه حيلة تفريقية أو معيار مفروض للقياس عليه، مع الاستعداد ~~للزيادة هنا والنقص هناك، أو مع الاستعداد لافتراق المعايير كل الافتراق. # إن هذه السلعة يصنعها عامل في يوم، ويصنعها عامل آخر في يومين. # وإن هذا العامل تكفيه صحفة من البقول لتوليد طاقة العمل في بنيته، وقد يزامله عامل ~~آخر لا تكفيه الصحفة أو لا يستطيع هضمها ولا غنى له عن طعام غيرها في النوع ~~والثمن. ms102 # ويستطيع عامل أن يباشر عمله في الشتاء بلباس خفيف، ولا يستطيع العامل الآخر ذلك إلا ~~بمضاعفة الدثار والاحتماء بين الجدران. # والأرض المخصبة تنبت الحبوب بقليل من العمل، ولا تنبتها الأرض المجدبة إلا بعمل ~~كثير وتكاليف شتى للري والتخصيب، ولا تعرض الحبوب من صنف واحد إلا بثمن واحد مع ~~اختلاف العمل في إنباتها. # والكتاب المقرر للتدريس في هذه السنة يباع بمائة قرش للطالب في المدرسة، ولكنه لا ~~يشتريه بخمسة قروش إذا تقرر كتاب غيره، ولم ينقص العمل الذي بذل في تأليفه أو طبعه أو ~~تحضيره ذرة من أجل ذلك التغيير! # والعنب يعصر اليوم فيساوي القدح منه مليمات، ثم يترك العصير في الباطية سنة فيرتفع ~~ثمنه خمسة أو ستة أضعاف، ثم يترك عشر سنوات فيساوي مئات! # والبلوطة تغرس اليوم ولا يساوي العمل فيها دريهمات، ثم تمضي السنوات فتساوي الدنانير، ~~ثم يظهر في إبان ذلك منجم جديد يغني عن الخشب، فيهبط الثمن إلى ربعه أو ما دون ربعه في ~~ذلك المكان! # والنظارة التي يشتريها زيد بدينارين، تعرض على عمرو فلا يشتريها بدرهم، ولا يأتي ذلك ~~من اختلاف العمل فيها بطبيعة الحال! # وهذه الحلية ينفق الصانع الماهر في عملها شهورا أو سنوات، ثم يموت طالبها الذي أوصى ~~على صنعها لتزيين كسائه أو قنيته من مدخراته، فلا تباع بعشر الثمن المتفق عليه. # يقال إذن: إن طلب السلعة يضاف إلى عملها فيعطيها القيمة التي تستحقها. # وهذا معيار كمعيار العمل يؤخذ بالتقريب، ولا ضابط له على التحقيق. # إن هذا التاجر يعرف المكان الذي يقيم فيه طلاب السلعة، ويملك الوسائل التي تؤديه ~~إليهم. # وربما وجد التاجر الذي يعرف المكان ولا يملك الوسيلة، أو وجد التاجر الذي لا يعرف ~~المكان ولا يملك الوسيلة، فهل يبذل هؤلاء التجار ثمنا واحدا للسلعة الواحدة؟ # ويتفق أحيانا أن السلعة تطلب في إبانها ولا تحتمل البقاء إلى موعد آخر، ويتفق ~~أنها تطلب في كل أوان، أو تطلب في أوان مؤجل وهي عند تاجرين، هذا يطيق الانتظار إلى ~~الموعد المؤجل فلا يبيعها إلا بما يرضيه، ms103 وهذا يعجز عن الانتظار فيقبل فيها الثمن ~~المعروض عليه! # وليس العمل والطلب كل ما يبحث فيه عند البحث في القيمة، إذ هناك عوامل أخرى بديهية ~~تدخل في الحساب وتتغير عوارضها بتغير الأحوال. # هناك اللزوم والكثرة. # فالماء ألزم من الجوهر، ولكن الجوهر يباع بألوف الدنانير، ولا يزيد ثمن الماء على ~~أجرة حمله عند موارد الأنهار والعيون . # والجزء من الكتاب يباع بثمن مع وجود جميع الأجزاء، ولكن قد يباع بثمن الكتاب كله إذا ~~كان هو الجزء الناقص في مجموعة بعينها، وإن لم يكن ناقصا في غيرها من ~~المجاميع! # والدفتر من طوابع البريد لا يساوي كثيرا أو قليلا عند غير الهواة، وربما بيع بثروة ~~من المال القيم لهذا أو لذاك من الهواة أو التجار العارفين بمكان الهواة! # لأجل هذا الاضطراب في تعريف الضوابط التي تقوم بها الأشياء، لا يبرح الباحثون ~~الاقتصاديون يتنقلون من تعريف إلى استدراك، ومن استدراك قديم إلى استدراك ~~جديد. # ومن هنا نشأ الاختلاف بين تعريف القيمة الاسمية، والقيمة التجارية، والقيمة الذاتية، ~~والقيمة المقدرة بالعمل، والقيمة المقدرة بقوة العمل، ولم ينحسم هذا الاختلاف كل الحسم ~~بتعريف من التعريفات. # ومن هنا قيل: إن القيمة غير الكلفة، وإن الكلفة بحساب العمل شيء والكلفة بحساب ~~الإنتاج شيء آخر. # ومن هنا وجدت تلك النظريات التي تزداد كل يوم ولا تنقص مع الزمن؛ لأنها كلما ازدادت ~~من ناحية ظهر عليها الاعتراض من جملة أنحاء. # وعندنا تقويم القيمة بالمنفعة النهائية # 1 # وعندنا تقويم القيمة بالإضافة الهامشية، # 2 # وهي التي تحسب تكاليف الجملة ثم تحسب السلعة الزائدة، وهي في كثير من ~~الأحوال أقل من تكاليف السلعة في الجملة، وعندنا تقويم القيمة بنتائج فقد الشيء مع ~~نتائج الحصول عليه، وعندنا تقويم القيمة بمتوسط الطلب، # 3 # وعندنا تقويم القيمة بالطبقة ~~الخصوصية، # 4 # وعندنا غير ذلك أشتات من التعريفات، ~~من قال لنا: إن تعريفا منها حاسم لا استدراك عليه، فهو جاهل بما يقول أو دعي ~~يكذب في دعواه. # وليس من قصدنا هنا أن نوازن بين هذه التعريفات، وأن نفرغ من البحث ms104 فيها حيث لا فراغ ~~من البحث في هذه الأمور، ولكننا نحقق المقصد المأمون من هذا البحث إذا علمنا أن ~~التعريفات جميعا تسمح بالمراجعة والاستدراك، ولا تؤخذ مأخذ الضبط الجازم من الوجهة ~~الفكرية العلمية، وندع الضبط الجازم من الوجهة العملية التي تهدر فيها الدماء، وينعب ~~فيها نعيب الخراب، ويتحول فيها التاريخ عن مجراه فلا يعود إليه إلا بعد اليأس ~~والضلال . ~~••• # وعلينا قبل الكلام عن نظرية «كارل ماركس» بين هذه النظريات أن نرجع بها إلى ينبوعها ~~من الظواهر النفسية، ولا مشقة على الباحث عن ذلك الينبوع في ضمير «كارل ماركس»، إذ لا ~~توجد بين تلك النظريات إلا نظرية واحدة تملى له في إشباع طوية النقمة والأذى، وهي نظرية ~~القيمة الفائضة، فإما «قيمة فائضة» وتسويغ لهدم المجتمعات كافة وتحريم لبرامج الإصلاح ~~ما عدا الفتنة العمياء، وإما لا «قيمة فائضة» فلا مجتمع إذن بطبقة واحدة، ولا مسوغ إذن ~~لنعيب النقمة والبغضاء ونذير الرعب والبلاء. ~~••• # إن أحدا من المنكرين للمادية التاريخية لا يعصم «كارل ماركس» من الخطأ، كما يعصمه ~~أتباعه وشراح مذهبه كلما استعصى عليهم إثبات رأيه على الصراحة، وألجأتهم غلطاته ومساوئه ~~إلى التأويل المتكلف والتخريج العسير، ولكنه مهما يكن من خطئه أو غلطه خليق أن يفهم ما ~~يفهمه أوساط الناس وألا يخفى عليه ما ينجلي لهم بغير جفاء، ولا تعليل لخفاء الحقائق ~~البينة عنه إلا أن يكون مغلوبا على عقله بحكم هواه، ويرجح هذا التعليل أقوى الرجحان ~~حين ننظر إلى الآراء التي يقبلها، فإذا هي الآراء التي تملى له في إشباع الحقد والنقمة، ~~وننظر إلى الآراء التي يرفضها، فإذا هي الآراء التي تحول بينه وبين إشباع ضغينته، وتفتح ~~الطريق لوجه من وجوه الإصلاح غير الوجه الأوحد الذي لا معدى عنه لجميع آرائه وتقريراته ~~وتقديراته ووصاياه. # وليس من التعليل المقبول أن تخفى عليه ثغرات القوانين والنظريات التي يتعقبها غيره ~~بالحيطة والاستدراك، ثم يتركونها وهم على علم بما فيها من النقص ومصارحة بما يعوزها من ~~الأسانيد، بل الغالب في جميع الزيادات التي يدخلها على تعريفاته أنها ms105 تنم على حيلة كحيل ~~الفقهاء في فتح المنافذ للاستثناء والتخلص من الحرج، ولا يتأتى أن نفرض له حسن النية في ~~هذه الحيلة الفقهية إلا أن يكون مغلوبا على عقله منساقا بحكم الجبلة المتسلطة ~~عليه! # كيف تخلص «كارل ماركس» من المحرجات أو الفجوات في تعريف القيمة بالعمل؟ لم يتخلص ~~بمعنى واضح له أو يتأتى توضيحه لمن يتشكك فيه، ولكنه تخلص منه بتلك الحيل الفقهية ~~المصطنعة فقال: إنه يقصد قوة العمل ولا يقصد العمل الواقع، وإنه يقيده بصفة العمل ~~الضروري في «الساعة الاجتماعية». فالسلعة بعد هذه الاستدراكات تساوي قوة العمل الضروري ~~محسوبة بالساعات الاجتماعية. # وعلى هذا يعتقد «كارل ماركس» أنه راغ من الثغرات المفتوحة عليه، وأعد الجواب لكل ~~اعتراض على رأيه الذي يلقى الاعتراضات الكثيرة من خبراء الاقتصاد منذ مائة سنة، ولا ~~تتناقص هذه الاعتراضات اليوم بل تزداد. # لقد زعم «إنجلز» - صفيه المشهور - أن «ماركس» أتى بمعجزة العبقرية حين استبدل قوة ~~العمل بالعمل، وجعل قيمة السلعة منوطة بتوليد القدرة على العمل لا بإجراء العمل الواقع ~~في مختلف الصناعات، إلا أن هذا التبديل يبعد التعريف، ويزيد ثغراته ولا يلمه، أو ييسر ~~لنا الإحاطة بجوانبه ومنافذ الشك فيه. # فقوة العمل تفتح الباب للعامل النفساني «السيكولوجي» إلى جانب العامل الحيوي ~~«البيولوجي»، وتكاد تخرج بنا في كل خطوة من المعلوم إلى المجهول. # إن الصانع الإيطالي مثلا يطلب صحفة المكرونة في مصر ولا يقنع بصحفة العدس أو الفول، ~~وإن يكن فيها من الغذاء ما يساوي صحفة المكرونة. # وإن الفاعل الذي يشتغل على نغمات الأناشيد يقل ملله ويزيد نشاطه، ويخول الفاعل المنشد ~~حقا في الأجر أكبر من حق الفاعل الذي يصغي إليه. # وإن الأجير الذي يشكو الظلم لا يخلص في عمله، كما يخلص زميله الذي يجهل تلك الشكاية، ~~ويعتقد أن أجره مكافئ لعمله، وإن تساوى الأجران. # أما كلمة الضروري، التي ألحقها بالعمل، فهي الفتوى الفقهية التي تجيز كل اعتراض، ولا ~~تمنع اعتراضا واحدا مما تقدمت الإشارة إليه. # إن المهارة الضرورية لرسم صورة من صور الفنون الجميلة، تجعل العمل ms106 الذي تتضافر عليه ~~ألوف الأيدي أمثل أجرا وإتقانا من عمل اليد الواحدة، لا تحل لنا مشكلة واحدة من ~~مشكلات التقدير أو التسعير. # وإن الخبرة الضرورية في قائد الجيش لا تحل محلها خبرة الألوف من جنوده الذين يحسنون ~~القتال ولا يحسنون القيادة. # أما الساعة الاجتماعية فهي صندوق الساحر الذي يجمع الأسرار، ولا يرفع الستر عن سر ~~واحد نحتاج إلى جلائه وإقراره على قرار لا يقبل النزاع. # فالعناصر التي تدخل في تكوين الساعة الاجتماعية تشمل كل ما تتميز به المجتمعات من ~~العادات والتقاليد والأجواء والشروط الصحية، وتكاليف الساعة الاجتماعية في حوار القطب ~~غير تكاليفها في جوار خط الاستواء، والرضا عسير مع الفصل بين العامل وعادات بيئته أو ~~تقاليدها الاجتماعية، وهو يسير بالأجر نفسه إذا اشتغل العامل وهو لا يشعر بالغربة عن ~~بيئة تلك العادات والتقاليد. # وإذا سأل السائل: ما هو الفرق بين الساعة الاجتماعية في مصنع الحديد وبين أفران ~~الخبز؟ وكيف يكون العدل أو المعادلة في الصناعتين بين الأجر والربح ورأس المال؟ فبماذا ~~تسعفنا كلمة الساعة الاجتماعية في جواب هذا السؤال؟ # إن رأس المال المتنقل في الأفران أكثر من رأس المال المتنقل في مصانع الحديد، وصاحب ~~الفرن لا يتكلف لإقامة مصنعه، كما يتكلف صاحب مصنع الحديد عند بناء الدار وشراء العدد ~~واستئجار المهندسين والخبراء، وقد تدور «ألف دينار» من رأس المال كل أسبوع بربح جديد ~~في صناعة الخبز وتوزيعه على العملاء، ولا تدور هذه «الألف» بعينها إلا مرة أو مرتين، ~~ولا شك أن مقياس الربح هنا غير مقياس الربح هناك، فما هو الفرق بين الساعتين ~~الاجتماعيتين: ساعة في المخبز، وساعة في مصنع الحديد؟ وهل نجعل لكل صناعة ساعة اجتماعية ~~تدور معها بمقاييس العدل والظلم ومقادير الأجور والأرباح؟ # وهل يستطيع أحد - بناء على هذا التعريف - أن يدعي الحكم المبرم في قضائه على ~~المجتمعات بتواريخها وعاداتها وآدابها وأديانها ونظم السياسة والشريعة فيها؟ وهل يمتنع ~~التردد على ضمير يستند إلى ذلك التعريف قبل خوض الدماء والأشلاء إلا أن يكون ضميرا ~~مسيخا أعماه الدغل عن منافذ ms107 الشك التي تتفتح أمامه كما تتفتح منافذ الغرابيل؟ # والمصادفة لا تطرد في الخطأ الفكري على وجهة واحدة من الجانبين المتقابلين، فلا يجوز ~~أن يخطئ الفكر - مصادفة - في قبول القيمة الفائضة على الرغم من تراكم الأدلة التي ~~تنفيها أو تشكك فيها، وأن يخطئ - مصادفة - في إنكار النظريات التي تخالفها على الرغم من ~~تراكم الأدلة التي تؤيدها أو ترجحها، فليس هذا الاطراد من مصادفات الخطأ على نسق واحد ~~طردا وعكسا ثم عكسا وطردا من الجانبين، ولكنه هوى يغلب على العقل فيتجه به إلى ~~وجهة واحدة حيث مال. # انظر مثلا إلى «القيمة الفائضة» التي يختار لها في الجزء الأول من كتاب «رأس المال» ~~مثل الربح المكسوب للتاجر من ثمن الحصان، وهو يختار الحصان عمدا ليقول: إنه سلعة لا ~~يضاف إليها شيء من عند صاحب المال. # فلو أراد أحد أن يختار مثلا ينقض نظرية «كارل ماركس» لكان مثل الحصان أصلح الأمثلة ~~لنقضه، وكان أصلح من السلعة المصنوعة التي لا تحيا ولا تموت! # فالسلعة الجامدة قد تبقى زمنا بغير عمل مضاف يعمله التاجر للمحافظة عليها، ولكن ~~الحصان يحتاج إلى العلف والسقي والسياسة والحراسة، ولا تبقى له قيمة الحصان التي من ~~أجلها يباع ويشترى إذا هزل أو مرض أو ذهب فريسة لوحش من الوحوش، وفي هذا المثل ترتبط ~~القيمة كلها بعمل التاجر، ولا تبقى للحصان قيمة أصيلة ولا قيمة فائضة بغير ذلك ~~العمل. # ولا ينوب عن تاجر الخيل كل تاجر يبذل ثمن الحصان ثم يبيعه رابحا فيه، بل لا بد من ~~معرفة خاصة بالخيل وأوصافها ولوازمها ووسائل المحافظة عليها وعرضها في أسواقها، أو حيث ~~يشتريها من يطلبها، وليست هذه المعلومات العامة مما يجهله أحد لو أراد أن يعرفه ويدخله ~~في حسابه، إلا أن «كارل ماركس» ضرب المثل بالحصان وقال: إن التاجر يشتريه بمائة جنيه ~~وهو ينوي أن يبيعه بمائة وعشرين جنيها، ولو لم يكلفه شيئا من النفقة بين المشترى ~~والمبيع، ونسي أن تجارة الخيل لا تقوم على هذا الافتراض، وأن الربح في هذه الحالة ~~إنما يصح ms108 أن يقال: إنه بغير عمل وبغير مقابل إذا تساوى وجود التاجر وعدمه، فهل هما ~~مستويان؟ وهل يقبل «ماركس» هذا التساوي المزعوم بهذه السهولة إذا كان فيه إنكار للقيمة ~~الفائضة؟ # لقد كان مثل الحصان هذا محل مناقشة بين أصحاب النظريات الاقتصادية لبيان عمل التاجر ~~في صفقته التجارية، فقال بعضهم: إن التاجر خدم البائع؛ لأنه أعطاه مالا أنفع لديه من ~~الحصان ، وخدم الشاري؛ لأنه أعطاه حصانا أنفع لديه من ثمنه، وأخذ على عاتقه أن ينوب ~~عنهما في البحث عن فرص البيع والشراء، وهو عمل له جزاء، ولكن «ماركس» يسمي هذا الاقتصاد ~~باقتصاد الرعاع أو الأوباش - وهي تسمية لا تستغرب من أحد، كما تستغرب من الرجل الذي جعل ~~رسالته تسليم العالم بقضه وقضيضه للصعاليك - ومن تفكير الرعاع عنده أن يقال: إن التاجر ~~قد خلق قيمة للحصان بعمله، وأن يوصف عمله بشيء غير صفة التداول # 5 # التي هي من طبيعة الحال، فماذا لو ضاعت قيمة الحصان كلها فمات، وماذا لو ~~أكل بثمنه علفا قبل أن يباع؟ هذه اعتراضات لها ثبوتها اليقيني عند «ماركس» في حالة ~~واحدة وهي الحالة التي ترضيه ولا ثبوت لها - بل لا وجود لها - في أية حالة لا ~~ترضيه! # وإنه ليرفض قيمة الإدارة بمثل هذه السهولة حين يقال له: إنها تقدم وتؤخر في نجاح ~~المعمل واستمراره وكفالة ربحه، وإن الفرق بين معملين في الرواج قد يرجع إلى حسن ~~الإدارة أو خلل الإدارة، فيعيش أحدهما وينمو ويضمحل الآخر ويموت، وكلاهما فيه عمل وفيه ~~عمال. # ولم يصنع «كارل ماركس» في حل هذه المشكلة بادئ الرأي، إلا أن يفرق بين الإدارة ورأس ~~المال، وكيفما تشعبت الآراء في هذه الفروق فلا خطر لها في الموضوع الذي أثيرت من أجله؛ ~~لأن النتيجة على جميع الأقوال أن السلعة لا تستمد قيمتها كلها من عمل الصانع، وأن عمل ~~الصانع قد يزداد وتقل قيمة سلعته مع خلل الإدارة، وأنه قد ينقص وتزيد قيمة السلعة مع ~~حسن الإدارة وانتظامها، فليست القيمة إذن مستمدة من عمل الصانع أو أعمال الصناع ~~أجمعين. ms109 # وبالسهولة التي يرفض بها «كارل ماركس» كل رأي لا يرضيه، نراه في مسألة الإدارة يرفض ~~كل احتمال لاستبداد المدير بالنفوذ، ويحصر الاستبداد في صاحب المال، ولا دليل له على ~~ذلك إلا أنه يريده ويأبى ما عداه. # فالإنسان يطلب الربح لأنه يطلب الامتياز، ويأبى «كارل ماركس» هذا؛ لأنه يفسد عليه ~~عمله في حاضره ومصيره، ويقول: إن الإنسان يطلب الامتياز؛ لأن هناك ربحا يطمع فيه، ~~فما لم يكن ربح فلا امتياز. # والحصان هنا معلق وراء المركبة، على عادة المذهب في أكثر نظرياته، ومن ذاك ما تقدم في ~~قيمة العمل، فالصحيح أن العمل الإنساني له قيمة بمقدار طلبه، وأما الصحيح في المذهب ~~فهو قلب الواقع رأسا على عقب أو هو القول بأن السلعة لها قيمة بمقدار ما فيها من عمل ~~الإنسان. # وعلى هذا القياس المعكوس يقال: إن حب الامتياز يأتي من حب الربح، ولا يقال: إن ~~حب الربح يأتي من حب الامتياز. # ولا تؤخذ الحجة من الواقع المحسوس في طبيعة الإنسان، ولكنها تؤخذ من الهوى الدفين في ~~الطبيعة الممسوخة، فلو قيل: إن المدير يحرص على امتيازه، كما يحرص عليه صاحب رأس ~~المال سقط المذهب من قمته إلى أعمق غور فيه، فوجب إذن أن يلغى هذا القول ولا يطول النظر ~~فيه، مخافة الكسر على الزجاجة المخبأة وراء الظهر، ولا سند لها من الجدار! # على أن الظاهر من مساجلات «كارل ماركس» وزمرته في الأيام الأخيرة أن الحملة على ~~نظرية القيمة الفائضة كانت أقوى من المكابرة واللجاج، وأنها زعزعت المذهب في الآونة ~~التي أدبر فيها إدبارته المنذرة بالموت بعد فشل الفتنة الباريسية، فتراجع دعاته إلى ~~خطوطهم الأخيرة ووعد «كارل ماركس» غير مرة بإعادة البحث للإفاضة في مسألة القيمة ~~الفائضة، وتعزيزها بالأدلة من أطوار الحركة الاقتصادية في تلك الآونة، ثم مات ولم ينجز ~~وعده، وشعر صفيه «إنجلز» بالحرج من مناوشة ناقديه، فأعلن أن الرد على اعتراضات ~~الناقدين سيظهر في الجزء الثالث من كتاب «رأس المال» الذي عثر على مسوداته في أوراق ~~«ماركس» بعد موته، ثم ظهر الجزء ms110 الثالث فإذا هو يتراجع ولا يفسر ما غمض من أقواله ~~السابقة، وإذا به يعترف بأن بعض السلع يتبادل بقيمته الإنتاجية و«أن جملة أثمان ~~الإنتاج للسلع الاجتماعية - مشتملة على جملة خطوط الإنتاج - تساوي جملة القيم ~~جميعا.» # وها هنا تفرقة صريحة بين قيمة الإنتاج وقيمة العمل؛ لأن خطوط الإنتاج تشمل رأس المال ~~والإدارة والعمل، ولا معنى معها للقول بالقيمة الفائضة التي شهر من أجلها الحرب على ~~مجتمع الصناعة الكبرى وما سبقه من المجتمعات، وقد ختم «كارل ماركس» رسالته بنصوصه ~~وشروحه واستدراكاته دون أن يبسط القول في شيئين من أحق الأشياء في مذهبه بالشرح ~~والإثبات، فلم يقل لنا كيف كان في الإمكان أن يظفر الصانع بحقه كاملا في مجتمع القرن ~~التاسع عشر أو المجتمعات السابقة، وكيف كان في الإمكان أن يتم تداول رأس المال مع ذلك ~~وتبقى الأعمال وحقوق العمال؟ # وأغرب من ذلك أنه لم يقل لنا كيف يعرف الصانع حاجته، وكيف ينالها بغير بخس ولا ~~محاباة، وكيف تدار المصانع على سنة العدل والمساواة بعد زوال رأس المال واستيلاء ~~الأجراء على المصانع وموارد الأرزاق. # فهذا العالم الذي يؤكد لنا أنه يحلم كما يحلم الطوبيون من الاقتصاديين الرعاع، يزعم ~~أنه يعلم - ولا يغرق في النوم والحلم - حين يتنبأ لنا عن مجتمع يزول منه رأس المال، ~~فيطلب فيه كل فرد حاجته بغير زيادة وينالها لساعتها بغير نقصان، ويخدمه مديرون ورؤساء ~~لا يحرصون على مزية الرياسة ولا يحتالون على البقاء فيها، وأن المنافسات التي تنبعث ~~من تفاوت الحظوظ في الذكاء والقدرة والجمال والصحة وكثرة النسل لن يكون لها عمل بعد ~~زوال رأس المال، وأن «الفلوس» وحدها هي التي تعمل كل شيء ولا عمل بعدها - بتة - ~~للتمايز بالحظوظ والأقدار. # من صدق هذا فليس بالعسير عليه أن يصدق طوبى من طوبيات الحالمين، وعلم الله ما رأينا ~~أناسا يجلسون مجلس الجد للبحث العلمي في هذه الخرافات إلا عبرت أمامنا صور الأطفال ~~الصغار، وهم يلبسون اللحى الطوال؛ ليمثلوا هيبة القضاء بين ألاعيب الفراغ. # وما كانت النبوءة عن المجتمع «بلا عملة ms111 فائضة» هي خاتمة النبوءات عند هؤلاء العلماء ~~المحققين غير الحالمين وغير الواهمين، فإنه ليكفي عندهم أن يقول القائل: إنني عالم غير ~~حالم، وإنني أدين بالمادة ولا أدين بما وراءها؛ ليجوز له الشطح الذي لا يجوز لأحد، ولا ~~يستند فيه إلى سند. وهذه نبوءاتهم عن عاقبة الأطوار الاجتماعية رحلة قريبة جدا إلى ~~جانب النبوءة التالية عن عاقبة الأطوار المادية، فإن «إنجلز» صفي «ماركس» يعلم علما ~~ليس بالحلم «أن المادة تتحرك في دورات أبدية تستتم كل دورة مداها في دهر من الزمان، ~~تلوح السنة الأرضية إلى جانبه كأنها عدم، دورة تلوح فيها فترة التطور الأعلى - ونعني ~~بها فترة الحياة العضوية التي يتوجها الوعي الذاتي - شيئا صغيرا بالقياس إلى تاريخ ~~الحياة وتاريخ الوعي نفسه، دورة تكون فيها كل هيئة خاصة من هيئات المادة - سواء كانت ~~شمسا أو سديما، أو كانت حيوانا أو نوعا كاملا من أنواع الحيوان، أو كانت تركيبا ~~كيميا أو انحلالا كيميا - أبدا في تحول وانتقال، دورة لا يدوم فيها إلا المادة ~~المتغيرة أبدا، وإلا ناموس التغير الأبدي والحركة الأبدية. ومهما تتكرر هذه الدورة ~~ويبلغ من قسوة تكرارها في الزمان والمكان، أو مهما يطل الانتظار قبل أن تبرز هنا أو ~~هناك منظومة شمسية أو كوكب تتهيأ عليه البيئة للحياة العضوية، ومهما ينشأ أو ينقرض من ~~الخلائق قبل أن تنجم بينها أحياء تفكر بأدمغتها، وتجد لها ملاذا يسمح بالحياة - ولو ~~إلى فترة وجيزة - فإننا مع هذا لعلى يقين أن المادة في كل تغيراتها تظل أبدا واحدة ~~وأبدا كما هي، وإنها لن تفقد صفة من صفاتها، وإن تلك الضرورة الحديدية التي تقضي بزوال ~~أرفع زهرات المادة - وهي القوة المفكرة - هي بعينها تقضي بميلادها كرة أخرى في زمان ~~آخر.» # نعم، هذه هي النبوءات الراسخة عن مصير الأطوار الاجتماعية ومصير الأطوار الكونية، ومن ~~شروطها المسلمة أنها بغير دليل ولا محاولة للدليل، وهل يلزم الإنسان أن يدلل على صحة ~~كلام بعد قوله في فاتحة كل دعوى من دعاويه: إنه يؤمن بالمادة ولا يؤمن بالأحلام؟ # | حقوق الفرد ms112 # إذا كان غرض البحث في حقوق الفرد وحقوق الجماعة أن نوازن بينهما، ونقدم بعضها على ~~بعض، فليس عند «المادية التاريخية» أدب خاص تضيفه إلى التراث العريق من آداب الأمم في ~~تقدير الفرد عامة، ولا في تقدير الفرد الممتاز أو الفرد العظيم. # فمن قديم الزمن، فرغ الناس من هذه الموازنة واتفقوا على أن حقوق الجماعة أولى ~~بالتقديم من حقوق الأفراد ، وأن حق الفرد إذا وقف في طريق الجماعة وجبت التضحية به لخدمة ~~الجماعة وتغليب مصالحها العامة على كل مصلحة فردية. # في هذه المسألة لا يوجد قولان. # وإذا رجعنا إلى آداب الجماعات الأولى لنعرف موضع المغالاة فيها، فمما لا نزاع فيه ~~أن المغالاة في حقوق الجماعة أعم وأقوى من المغالاة في حقوق الفرد على حدة أو حقوق ~~الأفراد متفرقين، وما كان فرد من الأفراد ليعظم في قومه ما لم يكن له فضل في الذود ~~عنهم، ومعونة عائلهم، وإطعام جائعهم، وإيواء شريدهم، ولا خلاف بين رأيين في أن الموئل ~~الأخير لحق الفرد هو مصلحة الجماعة بحذافيرها، فلا حق للفرد العظيم في التعظيم إلا أن ~~تكون مصلحة الجماعة ملحوظة في إكبار العظمة والاعتراف بأفضال ذويها. # وعندنا في اللغة العربية ذخيرة من الشعر الجاهلي يخرج منها القارئ بفكرة واحدة، وهي ~~أنه «لا خير فيمن لا خير للناس فيه.» # وما كان أدب العشيرة العربية إلا مثالا للعشائر الأولى على وفاق في المغزى والنتيجة ~~مهما تتبدل أساليب التعبير. # ولما ترقى البحث في هذه الشئون إلى مذاهب الفلسفة، كان محور الفلسفة عند «أرسطو» أن ~~الحكومة المثلى هي الحكومة لمصلحة الرعية، وأن الحكومة السيئة هي الحكومة لمصلحة ~~الرعاة. # وقد يتعدد القول في الاختيار والاضطرار، ولا تأتي الفلسفة المادية التاريخية - مع ذلك ~~- بشيء يضاف إلى التراث العريق في تقدير الفرد بالنسبة للجماعة، فقد يقال مثلا: إن ~~الفرد مضطر إلى خدمة الجماعة، بحكم تكوينه، ولا ينفي ذلك حقه في الكرامة؛ لأنه أفضل من ~~الفرد المضطر إلى العدوان على الجماعة بحكم تكوينه، ولا يكون رد الفعل من قبل الجماعة ~~طبيعيا معقولا، إذا ms113 تساوى في معاملة الفردين: معاملة الفرد المضطر بحكم تكوينه إلى ~~خدمتها، ومعاملة الفرد المضطر بحكم تكوينه إلى العدوان عليها. # كذلك لا تأتي المادية التاريخية بأدب جديد في معاملة الفرد إذا قالت: إنه يفلح في ~~سعيه كلما وافقته ظروف الجماعة، وإنه لا يخلق الظروف التي تساعده وتنشأ في الأمة قبل ~~مولده، إذ لا شك أن الفرد الذي يريد عمل الخير وينتظر موافقة الظروف لإنجازه، أكرم ~~وأنفع لقومه من الفرد الذي يريد عمل الشر ولا يستطيعه إلا إذا وافقته الظروف. # وليكن تعبير المعبر في هذه الحقيقة، بما شاء من ألوان الأساليب، فإن تقدير الأفراد لا ~~يتساوى إذا كان منهم من هو مضطر إلى العظمة وكان منهم من هو مضطر إلى الخسة، ولا يغض من ~~قدر العظيم أن الأمة قادرة على إخراج مثله، فإن مثله سيأتي أيضا عظيما أفضل في ~~صفاته وكفاياته من الحقير. # وإذا قال القائل: إن قدحا آخر من الماء سيرويني إن لم أجد هذا القدح الذي أمامي، ~~فهو لا يبطل نفع الماء بهذا المقال، ولا يزال الماء ماء ضروريا للري وحفظ الحياة في ~~الحالتين. # كان «هيجل» مثاليا يقول بالفكرة ولا يقول بالمادة، وكان يرى نابليون الأول على ~~حصانه في معركة «جينا» فيقول: إنه رأى روح الكون يمتطي ذلك الحصان، ثم يعود فيقول: لو ~~أنه لم يكن نابليون لكان تدبير الروح الأعظم كفيلا بوضع شخص آخر في مكانه على صهوة ~~جواده يسمى بما شاءت المقادير من الأسماء. # ثم جاء الماديون التاريخيون، فاقتبسوا قواعد المذهب المادي من إمام الفلسفة الفكرية، ~~وكرروا هذه العبارة بنصها في أمر نابليون وغير نابليون. # إن الإنسان قد يدين بكل حرف من حروف المادية التاريخية ولا يوجب عليه العقل أن ~~ينظر إلى الفرد عامة، أو إلى الفرد العظيم، نظرة غير النظرة الإنسانية المأثورة من أقدم ~~العصور، فمن أين جاءت تلك الرغبة الملحة عند الماديين في تحقير العظمة الإنسانية، ~~والحرص في كل مناسبة على بخس حقها، واللجاجة في تفضيل الكثرة على المزية كلما تكلموا عن ~~حادث من حوادث التاريخ، ms114 جاء من خسة النفس أو من الظاهرة النفسية، ولم يجئ من فكرة سليمة ~~يستلزمها الإيمان بكل حرف من حروف المادية التاريخية؟ # لتكن الجماعة أولى بالرعاية من الفرد الصغير أو الكبير. # نعم، هو كذلك، وقد كان كذلك، وكانت الجماعة على هذا تفهم أنه عظيم ولا تفهم أنه ~~صغير. # ولتكن العظمة ضرورة من ضروريات التفاعل الاجتماعي لا فضل فيها لصاحبها. # نعم ، هي كذلك، وقد كانت كذلك، ولم يقل أحد أننا نتربص بها لنهينها ونغض من قدرها، ~~ونصيح في وجهها لسبب ولغير سبب قائلين مكررين: إن غيرك قد كان وشيكا أن يحل في محلك ~~ويفعل ما فعلت أو ما ستفعلينه. # وليكن الفضل الأكبر لموافقة الظروف الاجتماعية، ولا فضل لأحد لم توافقه هذه الظروف، ~~لكنه فضل لازم، ووجد لأنه لازم، واستحق التقدير اللازم لأنه لازم، ولا يقال عنه: إنه ~~فضول، وإنه ادعاء غير مقبول. # فإلى مصدر آخر غير البحث العلمي والآراء الفكرية نرجع بالنظر لتفسير النقمة على حق ~~الفرد العظيم أو غير العظيم، أو لتفسير النقمة على كل فرد له لون، وله شية، وله علامة ~~مميزة، بين القطيع السائم الذي لا لون له ولا شية ولا علامة! # نرجع إلى طبيعة الدناءة التي تنبع منها الشيوعية، وتتجه إليها في نفوس المستجيبين ~~لها، وكلما اختبرنا هذا المذهب، واختبرنا ضمائر أصحابه تكشف لنا مصدر الشيوعية في جوانب ~~شعورها وجوانب تفكيرها، فمن الخطأ أن نتوهم أنها نقمة على امتياز الثروة المغتصبة ~~كالنقمة التي يشترك فيها جميع الناس، في جميع العصور، ولكنها في أعمق مصادرها نقمة على ~~كل امتياز، وحسد لكل ممتاز، ولو كان امتيازه لنفع بني قومه أو نفع بني الإنسان. ~~••• # ومن الوقائع المشهودة أن تاريخ الشيوعية نفسها يبرز لنا عمل الفرد في توجيه ~~الجماعات وتحويلها عن وجهتها، فليس إعلان الدعوة الشيوعية في روسيا حتما من قضاء ~~التاريخ، لو لم يكن «لينين» على رأس الفئة التي تسلمت زمان الثورة الروسية بعد سقوط آل ~~رومانوف. # فلم تكن روسيا ممهدة للدعوة الشيوعية دون غيرها تمهيدا لا منصرف عنه إلى سواه، ms115 ~~ولكنها سارت في طريق الشيوعية؛ لأن الفئة التي قادتها يومئذ هي التي سيرتها إليها، وقد ~~تولى النازيون أمر الثورة في ألمانيا، وتولى الكماليون أمر الثورة في تركيا، وتولى «سن ~~يات سن» أمر الثورة في الصين، وقامت في العالم ثورات متفرقات بقيادة هيئات من هذا ~~القبيل، فاختلف الاتجاه باختلاف القيادة، ولم يكن بين الأمم التي انقادت لها من جامعة ~~بينها غير السخط وحب التغيير، ولو أن فيالق «لينين» لم تتسلم زمام الأمر في روسيا، ~~لما كان حتما لزاما أن تسير البلاد على الخطة التي سارت عليها تطبيقا لمذهب «كارل ~~ماركس» أو خروجا عليه. # وما هو الحتم التاريخي الذي كان يستلزم قيام الدعوة الشيوعية في روسيا بعد الحرب ~~العالمية الأولى؟ بل ما هو الحتم التاريخي الذي كان يستلزم إيمان «لينين» بمذهب المادية ~~التاريخية؟ إن «لينين» لم يحلم قط بأن تقوم الثورة في حياته، وكان يقول: إنها لو قامت ~~في مدى مائة سنة لحق للثائرين أن يغتبطوا بهذا التوفيق، ولعله كان واحدا من أولئك ~~الثوار الروس الذين قالوا للزعيم الصيني «سن يات سن» - كما قلنا في كتابنا عنه - إنهم ~~لا يتوقعون الثورة وهم بقيد الحياة! # وخصلة أخرى من خصال الشيوعية ينبغي أن نلتفت إليها، كلما تكلم القوم عن الحتم ~~التاريخي، وحاولوا أن يسحبوه إلى الحاضر أو إلى المستقبل. # فالحتم التاريخي لا يظهر من حودث الماضي وأحكامه المتسلسلة من أدواره المتعاقبة، ~~ولكنه يظهر كلما قامت في طريق الغرض عقبة تمنع نفاذه أو تعوقه إلى حين. # وإنكار الحقوق الفردية على هذا القياس لم يكن حتما لزاما في سوابق التاريخ، وإنما ~~أصبح حتما تاريخيا يوم وقفت الملكية الفردية، والمنافسة الفردية، والكفايات الفردية، ~~عقبة أو عقبات في طريق النفاذ، إن الحرية الديمقراطية لا تنكر منع الجور والشطط ~~وتحريم المنافسة التي تضر بسلامة الأفراد، والحرية الديمقراطية، لا تنكر أن تتدخل ~~الدولة في شئون الملكية الفردية إذا وجب ذلك لمكافحة وباء، أو تخفيف غلاء، أو دفع غارة ~~من الأعداء. # والحرية الديمقراطية لم تنقض قواعدها حين أصدرت القوانين التي تحرم ms116 زيادة ساعات العمل ~~على عشر في النهار. ولكن صدور هذه القوانين لتنفيذها على الأنوال في البيوت، قد كان من ~~المستحيل في ظل الديمقراطية أو ظل الشيوعية أو ظل الاستبداد، إذ من اليسير أن تراقب ~~المصنع الذي يعمل فيه ألف عامل؛ لتمنع زيادة العمل على عشر ساعات، وليس من اليسير أن ~~تراقب ألف عامل متفرقين في البيوت؛ لتفرض على كل منهم أن يعمل في اليوم عشر ساعات ولا ~~يزيد. # وكثيرا ما تسمع من أعداء الحرية الديمقراطية من يسألك: أكان من نعم التنافس الحر أن ~~يساق الأطفال دون العاشرة إلى العمل الشاق بالليل والنهار؟! يسألون هذا السؤال وينسون ~~أن التنافس هنا تنافس العمال فيما بينهم، وتنافس المصانع فيما بينها على السواء، ~~ويسألونه وينسون أن الحرية الديمقراطية بطبيعتها لا تنكر تحريم الإرهاق والشطط ~~بالتشريع الصارم كلما دعت الحاجة، ولكن لا الحرية الديمقراطية، ولا الشيوعية، ولا ~~الاستبداد المطلق، ولا حكومة من الحكومات، تستطيع أن تنفذ قانونا غير قابل للتنفيذ. ~~وليس تقديس التنافس الضار هو الذي حال دون إصدار القوانين التي تحرم زيادة العمل على ~~الطاقة، ولكن هذه القوانين لم تصدر قبل عهد المصانع الحافلة بالعمال؛ لأن تنفيذها على ~~البيوت، وعلى الآلات اليدوية المتفرقة شيء غير ممكن في الواقع أيا كان السلطان المشرف ~~على الصناعات. # فالحرية الديمقراطية لم تكن تمنع الإصلاح بتحريم الشطط في التنافس الذي يريد ~~المتنافسون أنفسهم أن يحرموه، إلا أن هذا الإصلاح لا يوافق غرض الماديين التاريخيين، ~~وليس على منهجهم أن تبقى الملكية الخاصة مشروعة في القوانين. ولهذا يظهر الحتم التاريخي ~~فجأة لإنكار الحقوق الفردية والحرية الفردية والكفايات الفردية، ولا موجب لظهوره من ~~سياق التاريخ، وإنما الموجب الوحيد لظهوره أنه الوسيلة إلى تحقيق الغرض المنشود. ~~••• # هذا الحتم التاريخي المنجم على حسب الغرض، هو مصدر الآراء التي رتبت للفرد مكانته في ~~مذهب الماديين التاريخيين، وفرضت له نصيبه من الحرية ومن الفضل في خدمة المجتمع، أو ~~تنفيذ برامج الإصلاح، وهو نصيب تضاءل مع الزمن في أقوال فلاسفة المذهب قبل أن يتضاءل في ~~أعمال التطبيق؛ ms117 لأن ما قالوه في عهد «كارل ماركس» عن حرية الفرد لم يزل يتضاءل ويتضاءل، ~~حتى أصبحت الحرية الفردية على ألسنتهم وصمة تعاب، وتدعو إلى الاتهام بإنكار حق الجماعة ~~في أن تصنع بالفرد ما تشاء. # والمشهور عن «كارل ماركس» أنه ثائر جامح يصدم العالم الواقع بما يزعجه ولا يبالي مغبة ~~هذا الإزعاج، إلا أنه إذا امتحن بحيلته في إزجاء القول عن مكانة الفرد، كان وصف الماكر ~~الحذور أليق به من وصف الثائر الجموح، فلم يكتب في مؤلفاته كلمة واحدة تشير من بعيد إلى ~~الخطر على الحرية الفردية من مذهبه في الاجتماع، وما كان في وسعه أن ينبس بكلمة في هذا ~~المعنى، ثم يطمع في مستمع واحد يصغي إليه بين صيحات الحرية التي ملأت أجواء القرن ~~التاسع عشر، وكانت تذهب بالناس إلى الأنفة من طاعة القانون وطاعة الحكومة على وضع من ~~الأوضاع، فراجت بينهم دعوة الفوضوية والنقابية، وراجت بينهم دعوة الشيوعية نفسها؛ لأنها ~~وعدت الأمم أن تنتهي بها إلى عصر تذبل فيه الحكومات حتى تزول، ومن لم يذهب إلى هذا ~~المدى في الأنفة من الطاعة، فلا مطمع في إصغائه إلى مذهب يحدثه عن الاستبداد، ويجعل ~~حرية الفرد نافلة من النوافل، أو مظهرا كاذبا يخفي وراءه قسوة الضرورة التي لا تحفل ~~بالحريات ولا بالأفراد. # كان «ماركس» وأتباعه يترنمون بالحرية الفردية في موكب الديمقراطية، وكانوا يشهرون ~~بالسلطة الفردية، فلا يصدمون أحدا؛ لأن سلطة الفرد كانت هي الخطر الأعظم على الحرية ~~الفردية في تلك الآونة، ولم ترد الإشارة إلى دكتاتورية ~~الصعاليك # 1 # أو استبداد الطبقة الأجيرة ~~إلا مرتين في رسائل «ماركس» الخصوصية، أما الكتب والبرامج المسهبة، فكل ما ورد فيها ~~بيان عن حالة الحكومة بين قيام الثورة واستقرارها، وأهمه ما جاء في برنامج مؤتمر ~~جوثا، # 2 # وقصد به «ماركس» إلى التوفيق بين الفوضوية التي ترفض الحكومة في جميع العهود، ونظام ~~الشيوعية الذي يترخص في إقامة الحكومة لحراسة النظام الجديد ريثما تنتظم الأحوال بعد ~~إلغاء الطبقات. # وقد ختمت رسالة المادية الماركسية في القرن التاسع عشر، وهي ms118 لا تجرؤ على المساس ~~بالحرية الفردية، ولا تمس مطالب الفرد إلا حيث تستطع أن تمشي في جوار فكرة من أفكار ~~العصر المقبولة، أو مبدأ من مبادئه المحبوبة. # فالحملة على احتكار الثورة لم تكن غريبة على الأسماع، حيث تنهال الحملات كل يوم على ~~احتكار السلطة واحتكار السيادة بأنواعها وألوانها. # والرجوع بكل شيء إلى حقوق الأمة في المسائل الاقتصادية لم يكن غريبا على الأسماع، ~~حيث ترجع الحقوق السياسية جميعا إلى الأمة، ويتسع نطاق النيابة عن الأمة في شتى ~~طبقاتها. # والحتمية التاريخية لم تكن غريبة عن الأحاديث الشائعة حول نواميس الكون وقوانين ~~الطبيعة، أو إجراء كل شيء في العالم على سنة عامة لا تسمح بالشذوذ في عظيم أو دقيق من ~~أحوال الحركة والسكون بين السماوات والأرضين. # والتشهير بالمال والتهافت عليه لم يصدم أحدا في الجيل الذي جاء بعد ثلاثة أجيال أو ~~أربعة، تسمع عن أصحاب الأموال كل مذمة ومنقصة، وتتلقى من منابر الوعظ أو منابر الفلاسفة ~~المبشرين بالطوبيات سوء النذير من جراء الجشع والتكالب على الحطام. وقد كانت الطوبيات ~~تتبع بعضها بعضا في إنجلترا وإيطاليا وألمانيا منذ عهد «توماس مور» الإنجليزي إلى عهد ~~«جوهان فالنتين» الألماني إلى عهد «شامبنلا» الإيطالي، إلى غيرهم من أصحاب البشائر ~~الاجتماعية المجمعين على تدنيس الطمع، وتبشير المحرومين بالراحة والرزق الخفيض، وقد بدأ ~~عصر الطوبيات في القرن السادس عشر، واستمر بعده إلى القرن العشرين، واقترن به عند نهاية ~~القرن الثامن عشر عصر البرامج الاجتماعية، التي كان من روادها السابقين «بابوف» الفرنسي ~~و«روبرت أوين» الإنجليزي، ورواد علم الاقتصاد وعلم الاجتماع بين أمم الحضارة الأوربية، ~~وليس فيهم من كان يذكر الطمع في الأموال بغير المذمة والتشهير. # هذه النواحي من الفردية المعيبة هي النواحي التي اختارتها المادية التاريخية للتسلل ~~من خلالها إلى عقول أبناء القرن التاسع عشر، ولا نقول للهجمة عليها، فما كان بمذهب ~~المادية التاريخية من حاجة إلى الهجمة على قواعد الاحتكار، ولا إلى الهجمة في مجال ~~البحث عن نواميس الكون وقوانين الطبيعة، إذ كان «العقل العصري» يثور قبلها على السلطة ms119 ~~المحتكرة، والقوة المحتكرة، والثروة المحتكرة، والمزايا المحتكرة جميعا؛ لأنها في ~~جملتها عدوان على حرية الأفراد، ولا نبتعد بالكلمات عن معانيها إذا قلنا: إن البحث عن ~~النواميس الكونية كان في لبابه ثورة على رجال «الكهنوت»، الذين احتكروا العلم بأسرار ~~الكون، فجاء «العقل المصري» منكرا لهذا الاحتكار مذيعا لأسرار الكون على السواء بين ~~جميع القادرين على استطلاع تلك الأسرار. # ولقد كانت فلسفة الماديين - على هذا - تسللا إلى العقول في موضوع الحقوق الفردية، ~~ولم تكن هجوما يصدم تلك العقول، إلا أنها تسترت بكراهة الاحتكار لتقول بكراهة الامتياز ~~كيفما كان، وجعلت الفرد كبيرا أو صغيرا لغوا أو كاللغو في حركة التاريخ، وليس لفكرة ~~من أفكارها الفلسفية معنى مفهوم إن لم يكن معناها إلغاء الفرد بالقول الصريح. # فلا معنى للنص على أن «الفرد» لا يصنع شيئا إلا بموافقة الظروف. # إن هذا تحصيل حاصل يصدق على الفرد وعلى الجماعة، وعلى كل قوة إنسانية أو حيوانية أو ~~مادية تؤدي عملا في هذا العالم، ولا يمكن أن تؤديه إذا عارضتها قوة أكبر منها. # ومن تحصيل الحاصل أن يقال: إن مشيئة الأفراد تتفاعل ويأتي فيها في النهاية شيء غير ~~الذي أراده كل فرد منهم على حدة، فإن المواد الكيمية تتفاعل مثل هذا التفاعل، ولا نقول ~~من أجل ذلك: إن الحديد كالقصدير، أو إن الذهب كالنحاس، أو إن الكبريت كالملح، أو ~~إن العناصر ليست عناصر مؤثرة مختلفة التأثير من أجل ذلك التفاعل المفروض. # كل ذلك تحصيل حاصل لا موجب للعناء في شرحه، لو كان الفرض منه أن عمل الفرد محاط ~~بالعوامل التي تساعده تارة وتقاومه تارة أخرى، وإنما الموجب له أمر واحد وهو ذلك ~~الولع بالتسفيل والتخسيس والتلصص على كل تعلة خفية لتصغير كل عظيم، واستمراء الحقد ~~والحسد في طوية كل مهين لئيم. # ومن التسلل إلى العقول أن ينادي زعماء المادية بحقوق الفرد السياسية في المنشورات ~~العامة، ثم يحتفظوا بين سطور المباحث الفلسفية بتفسير تلك الحرية على النحو الذي ~~أرادوه، ولعل حصة «إنجلز» في هذا الباب كانت أكبر من حصة ms120 «كارل ماركس» حينما تصدى للبحث ~~عن فلسفة الحرية، فإن «إنجلز» هو الذي أسهب في تفسير معنى الحرية، حين تصدى للرد على ~~«دوهرنج» فقال: إنها هي معرفة الضرورة، وإن الإنسان يعتقد أنه كان حرا في اختيار أمر ~~من الأمور؛ لأنه يجهل العوامل التي تكونت منها حرية الاختيار، ولم يشأ «إنجلز» - أو لم ~~يستطع - أن يبين لنا ما الفرق بين العوامل التي «تضطر» الإنسان إلى الحرية، والعوامل ~~التي تضطره إلى العمل الآلي المكره المجرد من الاختيار أو من الشعور بالاختيار، فلن ~~تكون النتيجة أن الحالتين سواء، وأن الشعور بالاختيار كالشعور بالاضطرار، وأننا نختار ~~بينهما فلا نملك أن نختار. # ولم يجهر الدعاة الشيوعيون باحتقارهم للحرية الإنسانية، إلا بعد أن قامت لهم دولة ~~تملك سلب الحرية، فسلبوها واعتبروها ترفا لا يساوي ضرورات المعيشة، ولعبوا بالألفاظ في ~~هذه المقارنات الجوفاء بين الكماليات والضروريات لعبا مبتذلا يشف عن سوء فهم أو سوء ~~نية. فإن كبح الاستبداد ضرورة الضرورات في مجتمعات الآدميين، ولا يكبح الاستبداد بحشو ~~البطون، بل بالحرية في الضمائر والأفكار. # وقد كان الشيوعيون يشهرون الخبز في وجه أنصار الحرية، وينسون أن الفاشيين والنازيين ~~يساوونهم في هذا «البرهان» الحيواني إن لم يرجحوا عليهم، لأنهم جميعا يؤيدون مذاهبهم ~~وتطبيقاتهم بإطعام الجياع، وتدبير العمل للعاطلين، ولكنهم لا يسألون كما يسأل ~~الشيوعيون: ما جدوى الحرية للبطون الجياع؟ # ولو قد ثبت أن الحرية ترف رخيص، وأنها ليست من ضرورات الحياة الاجتماعية لدفع أخطار ~~الاستبداد لما كان في ذلك السؤال حجة على شيء، إذ كان الطعام ألزم للكائن الحي من أمور ~~كثيرة لم يتركها الآدميون لهذا السبب، ولكنهم بها كانوا آدميين، ولم يكونوا آدميين بما ~~يأكلون ويشربون. # ولقد يحق ذلك السؤال لكثير من السائلين غير أصحاب المذاهب، الذين قضوا على الملايين ~~وعذبوا وشردوا أضعافهم من طبقة المحرومين وغير المحرومين، فإن الذين ماتوا جوعا وقحطا ~~في تاريخ الروس منذ القدم لا يساوون شطرا من هؤلاء القتلى والمعذبين. # ثم عاد القوم إلى نغمة الحرية والفردية بعد سنواتهم التي تصرمت في ازدراء هذه الحرية ms121 ~~وعقد المفاضلات بينها وبين الخبز وما إليه، فلما احتفلوا بذكرى «كارل ماركس» بعد انقضاء ~~ستين سنة على وفاته، لم يشغلهم أمر في هذه الذكرى، كما شغلهم أن يدفعوا شبهة الجناية ~~على كيان الفرد وكرامته الإنسانية في ظل الشيوعية، فطلبوا إلى أسقفهم ~~الأحمر # 3 # أن يكتب لهم رسالة خاصة عن ~~الماركسية والفردية، فكاد يترنح وهو يردد كلام رفيقه «باربوس» الذي كتب من قبله يقول: ~~«إنه ما من شيء أدهشه كدهشته من تلك الفردية المتدفقة في بلاد الروس، إذ نشهد فوعة ~~الشخصية متوفزة على ريعان الشباب.» # وبعد عشر سنوات على هذه الأنشودة - البريئة - يموت «ستالين»، فيتنفسون في بلاده ~~الصعداء، ونسمع من أعظم الشخصيات حوله أنهم عاشوا بين يديه في سجن من الكبت والرهبة، لم ~~يصدقوا أنهم نجوا منه بعد موته واستوائهم على عرشه زهاء ثلاث سنوات. ~~••• # قيل: إن الحرية يخدمها ما يعمل لها ويعمل لمحاربتها على السواء، وهي كلمة تصدق أبلغ ~~من هذا الصدق إذا قيلت عن الحرية الفردية أو عن الشخصية الإنسانية، فإن الشيوعية تستهين ~~بها في تفسير أطوار التاريخ، وتتجاهلها في دراسة الحركات الاجتماعية، ولكن لو زالت ~~تواريخ الحركات الاجتماعية وبقيت لنا منها حركة الشيوعية؛ لكان فيها الكفاية «لفرز» ~~مجهود الفرد في الأعمال العامة، وإبراز ما ينسب إليه في أطوار التاريخ مقدما على نسبته ~~إلى الأمة أو البيئة أو الطبقة. # إن «ماركس» و«إنجلز» زعيمي المذهب الشيوعي ولدا في ألمانيا، وتمرسا بالحياة ~~الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وكونا مذهبهما في إنجلترا، ووضعت هذه المبادئ بعد ~~موتهما موضع التنفيذ في روسيا. وليست أمامنا صفقة واحدة محققة بين هذه الأمكنة المختلفة ~~غير صفة «ماركس الفرد» و«إنجلز الفرد» متحيزة في هذه الأشتات من الأحوال الألمانية ~~والفرنسية والإنجليزية والروسية. # وأبرز من ذلك للصفة الفردية أن «ماركس» و«إنجلز» - كليهما - من الطبقة البرجوازية، ~~وليس في وسعهما أن يزعما أنهما كانا يمثلان أخلاق الطبقة البرجوازية، حين تصديا لإنصاف ~~الطبقة الأجيرة، وإلا لكان في هذا الزعم قضاء على مبادئ المذهب وقضاياه في الأخلاق ~~والاجتماع والفلسفة والاقتصاد، فلا بد من صفة ms122 خاصة «للفرد ماركس» و«الفرد إنجلز» مستقلة ~~عن صفات سائر الأفراد في طبقة الماليين أو طبقة الأجراء. # ولقد كان دور التنفيذ أبرز لهذه الحقيقة من دور الدعوة، فإن البارز أمامنا في تنفيذ ~~الفلسفة الماركسية بعد الحرب العالمية الأولى هو شرذمة من الأفراد، سلطت إرادتها على ~~بلاد لم تتهيأ للماركسية بأطوار الصناعة ولا بأطوار الاجتماع، وقد ادعى هؤلاء الأفراد ~~لأنفسهم من الحقوق والسلطات ما لم يجرؤ على ادعائه أشد الناس غلوا في الإيمان ~~«بالفردية» المطلقة، ثم تركزت هذه «الفرديات» في «فردية» واحدة، يستلط بها زعيم واحد ~~بوسائله «الفردية»، التي مكنته من تسخير أعوانه وأتباعه مدى حياته، وهذا هو الواقع ~~المجسم أمام الأعين والعقول. # أما تلك التخريجات الملتبسة التي تغوص بنا في سراديب الإرادة الخفية والإرادة ~~العلنية، فهي أشبه بألغاز ما وراء «الطبيعة» التي يهيم فيها أصحاب المذاهب الجبرية ~~والقدرية، حين يخوضون بغير علم في إقامة الفواصل بين إرادة الخالق وإرادة المخلوق، أو ~~فيما سبق به القدر ولحق به القضاء. # وحسب الباحث دراسة الشيوعية بين جميع الحركات التاريخية، ليقول باللغة التي يستطيعها ~~الإنسان: إن «الفرد» شيء من الأشياء التي لا تهمل في تطوير التاريخ، وإن إرادته ~~وإرادة الجماعة من مصدر واحد في تكوين العوامل التي توضع في ميزان الحوادث ~~والأقدار. # وإذا تصدى أحد لمناقشة هذا الرأي فإنه لا يقول لنا: إن الجماعات التي لا رأي لها ~~فسرت التاريخ بما يبطل هذا الرأي أو يشككنا فيه، ولكنه يقول لنا: إن رأي ماركس عن ~~أعمال تلك الجماعات يصورها لنا على غير هذه الصورة، ويستدل لها بغير هذا الدليل. ~~••• # ويكاد المتكلم أو الكاتب يتعثر بالمفارقات اللفظية، التي لا تستقيم في التعبير إذا ~~تكلم عن تطور الفرد أو تطور الجماعة في التاريخ على وجه غير هذا الوجه، مع إيمانه ~~بالتطور فيما مضى، وبالتطور في المستقبل قياسا عليه، سواء فهم من التطور أنه نمو وتقدم ~~أو فهم من أنه تغير توفيق بين الكائن الحي وأحواله كلما تغيرت هذه الأحوال، فإذا حدث ~~التطور على أية صورة من الصور، فلا ms123 بد أن يتناول الكائن الفرد المسمى بالإنسان، وأن ~~يتناول النوع الإنساني في مجموعه. # ولا توجد غير صفة واحدة تحيط بكفايات التطور أو التقدم عند النظر إلى الفرد أو الكائن ~~الحي المسمى بالإنسان، وتلك هي زيادة التبعة وزيادة القدرة على النهوض بها. # وفي وسعنا أن نلخص هذه العبارة في كلمة واحدة وهي «استقلال» الشخصية. # فما الفرق بين القادر والعاجز؟ وما الفرق بين العالم والجاهل؟ وما الفرق بين الرئيس ~~والمرءوس؟ وما الفرق بين الرجل والطفل؟ وما الفرق بين الرشيد والقاصر؟ وما الفرق بين ~~صاحب الثروة والفقير، أو بين صاحب العائلة ومن يعول؟ # يقول من شاء ما شاء في شرح هذه الفروق بمختلف المقاييس، فلا بد أن يئول بها إلى مقياس ~~واحد، وهو أن الراجح أوفر نصيبا من التبعة والقدرة عليها، أو أنه بعبارة أخرى أوفر ~~نصيبا من استقلال الشخصية. # فلا تقدم ولا تطور إذا فقد الإنسان هذه القدرة أو تعرض فيها للنقص والضمور. # وليست ملامح الشخصية الفردية مما يجهله أحد، فيجوز أن يجهله زعماء الشيوعية، فقد أشار ~~«ماركس» و«إنجلز» إلى تعدد المواهب والملامح في معارض كثيرة من معارض البحث والدعوة، ~~وقال «ماركس» بأصرح العبارات في رسالته عن فقر الفلسفة: # 4 ~~«إن الناس يولدون على اختلاف في الأدمغة والملكات الذهنية». وقال في ~~انتقاده لبرنامج جوثا: # 5 ~~«إن عالما من المؤهلات المنتجة والغرائز يضحى به من أجل إتقان الأجزاء ~~الآلية» وقال في الجزء الأول من كتاب «رأس المال»: «إن توزيع العمل ينشأ من توزيع ~~الأخلاق، حيث يحتاج عمل إلى زيادة في القوة، وعمل آخر إلى زيادة في الذكاء، وعمل غيرهما ~~إلى زيادة في الانتباه» ويقول «إنجلز» بمثل ذلك في مباحثه الفكرية الاقتصادية، ولا سيما ~~الرد على «دهرنج» والاشتراكية الطوبية والعلمية، # 6 # ويتبعهما في هذا المعنى أقطاب المذهب من الدعاة والباحثين الغربيين أو ~~الروسيين. # ولكنهم يحرصون على تغليب فكرة الإنتاج وقيام المجتمع بغير طبقات، فلا ينتهون بهذه ~~الخصائص الفردية إلى النتيجة التي تقتضيها، وهي تقتضي أن يكون الأفراد هم المؤثرين في ~~مجرى التاريخ العام مهما ms124 يكن معنى التفاعل بين المشارب والإرادات، فإن الهيدروجين يظل ~~فعالا في تكوين الماء، ولو أطلقنا على السائل اسما آخر لا نذكر فيه الهيدروجين، ونظل ~~نعتمد على الهيدروجين، ولا نعتمد على عنصر غيره كلما أردنا تكوين الماء أو تحليله بعد ~~تكوينه. ومهما يكن من تغير المظهر الخارجي بعد الامتزاج والتفاعل، فنحن لا نلغي عنصرا ~~واحدا من عناصر المزيج، ولا نمنع خاصة واحدة من خواصه حيثما أردنا ذلك التفاعل وحرصنا ~~على كيانه الصحيح. # إن المزيج الكيمي المتفاعل يتطلب منا أن نحافظ على الصفة المستقلة لكل جزء من أجزاء ~~ذلك المزيج، ولا يتطلب منا أن نجور على ذرة من ذراته؛ لأن المزيج هو الغرض المقصود في ~~النهاية، بل يوجب علينا حرصا على ذلك الغرض الأخير أن نبدأ بالحرص على الأجزاء، ونعرف ~~أنها تعمل عملها؛ لأنها أجزاء يحافظ كل منها على خصائصه وفواعله بغير انتقاض ولا ~~تشويه. # فلا تطور بالنسبة للكائن الحي المسمى بالإنسان إلا أن يستوفي كيانه الفردي، وأن تتم ~~له الشخصية الإنسانية بتبعاتها وحرياتها، وأن نعتبره قوة عاملة في بيئته بغير لف من هنا ~~أو دوران من هناك لنمسح باليسار ما نقرره باليمين. # إن الجزء شيء حقيقي وبغيره لا يوجد المزيج الكيمي كيفما اختلف به التفاعل والتشكيل، ~~وإن الفرد شيء حقيقي وبغيره لا يوجد الأثر الاجتماعي كيفما كان المجتمع على التعميم، ~~أما نوع الإنسان فلا يكون له تطور إلا أن يكون تطورا محيطا بالنوع غير محدود باللون ~~أو بالسلالة أو بالطبقة أو بالجماعة، ولا يكون تطورا إنسانيا وهو خاص بطبقة أو ~~بقوم أو بسلالة أو بإقليم. # ونكاد ندخل في المفارقات اللفظية إذا تكلمنا عن ارتقاء نوع الإنسان، ولم نقصد بذلك ~~شمول الارتقاء لكل ما تمخضت عنه جهود النوع من المزايا والملكات والقابليات ~~والأطوار. ~~••• # إن الكلمة نفسها تكاد توحي لنا بمعناها الذي لا تقبل معنى سواه، فكل تطور إنساني هو ~~تطور للفرد في طريق الكيان التام والشخصية المستقلة، وكل تطور للنوع فهو إحاطة بالفضائل ~~النوعية في أوسع نطاق يحتويها: نطاق النوع الذي لا ms125 تخفيه حواجز الألوان والسلالات ~~والطبقات. # وإذا كان هذا هو حكم العقل وحكم الواقع بين أيدينا، فهو كذلك حكم التاريخ حيثما وضح ~~له معنى مطرد في شعابه المتفرقة وسياقه المتلاحق دورا بعد دور ومجالا بعد ~~مجال. # سألنا في كتابنا عن «غاندي» في فصل عن «العناية الإلهية وتاريخ الإنسان»: هل للتاريخ ~~الإنساني وجهة معينة نستطيع أن نتبينها من جملة الحوادث الماضية ؟ # ثم قلنا: إنه سؤال يتوقف جوابه على سؤال آخر وهو: ماذا عسى أن تكون وجهة التاريخ ~~المعقولة إذا تخيلنا له اتجاها يتوخاه على نهج مرسوم؟ # ثم أجملنا الجواب بما يصح أن يكون تتمة لهذا الفصل يغنينا عن جواب جديد. # قلنا في ذلك الجواب: إنه شيء يتعلق بالإنسان الفرد، وشيء يتعلق بالناس كافة أو ~~بالإنسانية جمعاء. # فالشيء الذي يتعلق بالإنسان الفرد هو ازدياد نصيبه من الحرية والتبعة. # والشيء الذي يتعلق بالإنسانية جمعاء هو ازدياد نصيبها من التعاون والاتصال. # وزيادة نصيب الفرد من الحرية والتبعة هو المطلب الشامل الذي تنطوي فيه جميع المطالب، ~~فهو أشمل من القول بازدياد العلم أو ازدياد القوة أو ازدياد الفضائل والملكات؛ لأن هذه ~~الخصال كلها تتمثل في زيادة استعداده لحق الحرية وزيادة قدرته على احتمال ~~التبعة. # وكذلك يقال عن التعاون بين عناصر الإنسانية برمتها، فهو أشمل من القول بارتقاء النظم ~~السياسية وارتقاء المعاملات التجارية وارتقاء الأخلاق الاجتماعية؛ لأن هذه الخصال كلها ~~تتمثل في التقارب بين الأمم والتعاون بينها على وسائل الوحدة والاتصال. ~~«هذا وذاك هما الوجهة التي نتخيلها للفرد وحده، وللناس كافة إذا كان للتاريخ وجهة ~~معقولة تدل عليها الحوادث الماضية. # فكان الإنسان الفرد قبل نشأة القبيلة هملا مستباحا، لا يحفظ له حق ولا يفرض عليه ~~واجب، ولا ينال من الحرية إلا ما يغفل عنه المعتدون عليه. # ثم نشأت القبيلة فنشأ معها للفرد نوع من الضمان، ولكنه ضمان شائع لا يستقل فيه بحرية ~~ولا تبعة، فيؤخذ بذنب غيره في الثأر والمغرم، ويقاسمه غيره فيما يغنمه ويستولي عليه، ~~فهو رقم متكرر وليس بكم مستقل في الحساب. # ثم نشأت الأمم، ms126 فازداد نصيبه من الحرية كلما ازداد نصيبه من التبعة، وأصبح المقياس ~~الوحيد لارتقاء الأمة هو مقدار حظ الفرد فيها من الحريات والتبعات. # فليس لارتقاء الأمة علامة أصدق من هذه العلامة، وهي حريات الفرد وتبعاته، بل ليس ~~للارتقاء علامة غيرها يطرد بها القياس في جميع الأمور.» ~~«تلك هي وجهة التاريخ المطردة في حالة الإنسان الفرد حيث كان. # أما وجهته في حالته الإنسانية كلها فالاتجاه إلى التقارب بينها مطرد يتعاقب في كل ~~مرحلة من مراحل التاريخ. # ونحن الآن في عصر يلمسنا هذا التقارب في كل علاقة من علاقات العالم المعمور: في ~~المواصلات، والمعاملات، وفي الروابط السياسية، وفي نقل المعلومات وإذاعة الأخبار، وفي ~~هذا التضامن التام الذي يجعل الأزمة في ناحية من الأرض أزمة قريبة يحس بها أبعد الأمم ~~من تلك الناحية، أو يجعل القوي مهتما بموقف الضعيف منه، مهما يكن من اعتزازه بالسطوة ~~والثراء. # ولم تكن الحروب والمطامح حائلا دون هذا الاتجاه، بل لعلها كانت من دوافعه ودواعيه، ~~فأسفرت كل حرب من حروب الرومان والفرس والعرب والصليبيين والعثمانيين عن تشابك بين ~~ناحية وناحية في الكرة الأرضية، ومن جراء هذه الحروب تشابكت آسيا وأوربة وأفريقية، ~~وانفتح الطريق إلى القارات المجهولة. # وإذا نظرنا إلى أثر الحروب في المخترعات وتسخير قوى الطبيعة جاز لنا أن نقول: إن ~~وسائل المواصلات قبل غيرها مدينة للحروب بالشيء الكثير، فماذا يكون الطيران والرادار ~~ومحركات القوى جميعا لولا ضرورات الحروب، واشتراك غريزة الدفاع عن النفس في سباق هذا ~~المضمار؟ # بل نحن نتعلم من التاريخ أن الدولة الحاكمة لا تدوم إلا بمقدار ما يكون لدوامها من ~~رسالة عالمية. # فدولة الرومان دامت حين كانت لازمة للعالم، وأخذت في الانحلال حين بطلت رسالتها ~~العالمية، واستلزم التحول في أطوار الأمم واتساع مجالها رسالة عالمية أخرى على غير ذلك ~~النظام. # ولنبحث عن دلالة ذلك الاتجاه في تاريخ الإقليم الذي نتكلم في هذا الكتاب عن بطل من ~~أبطاله، وهو الإقليم الهندي أو الأقاليم الهندية على التعبير الصحيح. # فقد كانت حروب الاستعمار الأوروبي محنة طامة على الشرق ms127 بأسره، نقم منها الشرق لما ~~أصابه من بلواها، ورغب فيها الغرب لأمر أراده وأرادت الحوادث غيره، ولم يخطر للشرق ولا ~~للغرب على بال. # لم تكن الهند قط وطنا واحدا في عصر من العصور؛ لأنها كانت تتألف من شتى العناصر ~~وشتى المصالح وشتى المواقع الجغرافية. # فلم تدافع قط دفاعا واحدا، ولم تشترك قط في هجوم واحد، ولم تجتمع قط على مطلب واحد ~~بينها وبين أبنائها، ولا بينها وبين الغرباء عنها والمغيرين عليها. # فلما ابتليت باستعمار واحد - طغى عليها من أقصاها إلى أقصاها - وجد فيها وطن واحد ~~يواجه ذلك الاستعمار بمطلب واحد، وهو مطلب الخلاص منه، كيفما تعددت وسائله بين ~~طلابه. # وولدت الهند مولدا جديدا في التاريخ. # وزال الاستعمار أو كاد، وبقيت الهند الجديدة، وبقيت معها علاقات يشتبك فيها الشرق ~~والغرب، وتنتظم في الوحدة الإنسانية على نحو لم تعهده ولم تحلم به قبل محنة ~~الاستعمار. # فإذا كان اتجاه العالم المعقول هو الاتجاه الذي تنتهي إليه الحوادث في حياة الفرد ~~وحياة الإنسانية عامة، وكان هذا الاتجاه مما تلتقي عليه عوامل الوفاق وعوامل الشقاق، ~~ويتوافى عنده ما يراد وما لا يراد - فمن عمل المؤرخ الباحث، لا من عمل المتدين المؤمن ~~فحسب - أن يفهم للتاريخ معنى غير معنى المصادفة العمياء، وأن يرى للعالم مصيرا مقدورا ~~يمضي إلى غاية هذا الاتجاه، حيث تهديه عناية الله.» # هذه النظرة إلى تطور النوع سهلة جلية لا تنأى بنا عن الواقع، ولا عن المعقول، ولكنها ~~تضعنا أمام الواقع والمعقول وجها لوجه، ولا تجشمنا أن ندور بها حول الأحاجي ~~والمعميات. # يتطور النوع فينتفع بمحصول النوع كله، ويزيل ما بين أجزائه من الحواجز ~~والمسافات. # يبدأ الناس تاريخهم منعزلين متباعدين، فإذا أخذ التاريخ في التطور فهنالك تشتبك ~~العلاقات بينهم مرحلة بعد مرحلة، فتتقارب المسافات، وتتقارب المواصلات، وتتقارب ~~الحضارات، وتتقارب المصالح على علم أو على غير علم، فتصبح حياة النوع الواحد في العالم ~~الواحد حقيقة يترجم عنها اضطراب سائر الأجزاء لاضطراب جزء منها في أقصى موقع من مواقع ~~الدنيا الإنسانية، بما اشتملت عليه من ms128 الأصدقاء أو الأعداء. # وقد نرى هذا التقارب بين الطبقات على ما تقدم في الكلام عن الطبقة كما نراه في ~~التقارب بين الأقوام وبين الحضارات. # وتؤثر هذه العلاقات الواسعة في حياة كل فرد من أفراد النوع بداهة ليصبح فردا من نوع ~~بعد أن كان فردا من عشيرة، أو فردا من شعب، أو فردا من سلالة، أو فردا من دولة ~~جامعة بين الشعوب والسلالات. # ولا شك أن هذا التأثير في حياة الفرد - بعد تقارب العلاقات العالمية - هو الذي يتمثل ~~لنا كأنه تقييد لحريته أو إفناء لاستقلاله، تنفيذا للبرامج العالمية، وتحقيقا للتعاون ~~بين الأمم ورسم الخطط التي يجري تطبيقها في كل أمة للتوفيق بين الجهود والتقابل بين ~~المطالب والموارد في أمم كثيرة، لم تكن بينها مشاركة في المعاملات قبل ارتباط العلاقات ~~العالمية أو العلاقات الإنسانية. # فقيام العلاقة بين الأمم الكثيرة هو الذي يوجب على هذه الأمة أن تشتغل بهذه الصناعة، ~~ويوجب على غيرها أن تشتغل بهذه الزراعة، ويوجب على أخرى أن تجعل برنامجها موافقا ~~لزراعة هذه وصناعة تلك في الوقت المطلوب. # هذه البرامج لا موجب لها في عصر خلا من المعاملات العالمية. # وهذه البرامج لا مفر منها مع اشتباك هذه المعاملات وتكافل الأمم طوعا أو قسرا في ~~المنافع والأضرار. # وهذه البرامج هي التي تبدو لنا كأنها نكسة في الحرية الفردية، وهي في صميمها تهيئة ~~للإنسان الفرد لكي يأخذ مكانه الجديد في العالم الواحد، ويتلقى بالنوع في تطوره الدائم ~~معفى من الجهد المبدد والفوضى التي لا تكافؤ فيها بين الأعمال والحاجات. # وليس أخطر على حرية الفرد من هذه الفوضى في الحياة العالمية؛ لأنها تسومه عمل الألوف ~~من المطالب حيث لا حاجة به إلى غير مطلب واحد، أو تسومه إهمال الألوف من المطالب، حيث ~~يحتاج إليها في أوقاتها ولا يجدها في تلك الأوقات. # فإذا انتظمت البرامج والخطط على مقدار المطالب والموارد، فهذا هو سبيل المعيشة الحرة ~~في العالم الكبير، الذي يتعاون كل جزء منه لإعطاء ما عنده والاستفادة مما عند ~~الآخرين. # ولسنا هنا نفرض فروضا، ms129 أو نقتسر النظريات على موافقة الوقائع والأعمال. # فالتقارب في المسافات والمصالح مسألة من مسائل الحس والمشاهدة، والحاجة إلى اتفاق ~~البرامج والخطط مسألة مثلها، نعمل فيها مختارين إن شئنا أو نعمل فيها مضطرين حيث لا ~~نشاء. # إن الماديين في العصر الحاضر أدنى إلى لمس هذه الأطوار التاريخية، أو هذه المشاهدات ~~الواقعية، من دعاة مذهبهم الأولين قبل مائة سنة، بيد أنهم لا يرونها ولا يريدون أن ~~يروها، وليس إعراضهم عنها لأنها بعيدة من العقول فإنها أقرب إلى العقل مما يقدرونه، ~~ويدبون وراءه في الجحور ليستخرجوه إلى النور، ولكنهم يعرضون عنها لأنها بعيدة عن طباع ~~الشر والنقمة والشغف بالتخريب وإهدار الدماء! # أقرب إليهم من ذاك أن يتصوروا التاريخ كمينا متربصا بكمين، ولاحقين يهدمون ما بناه ~~السابقون، وطبقة واحدة تستأصل جميع الطبقات، ولا تمهلها إلا ريثما تمكنها الفرصة منها، ~~ونوعا إنسانيا كأنه «بنيلوب» زوج «عولس»، أو كأنه الخرقاء التي تنكث غزلها بيدها ~~كلما أبرمته، ولماذا يستقربون هذا التصور البعيد؟ لأنهم خرجوا يبحثون عن غرض بعينه، ~~ولم يخرجوا للبحث عن أقرب الحلول إلى المحسوس والمعقول. ~~••• # ولا نحب أن ننسى في ختام هذا الفصل أن طائفة من المفكرين من غير الشيوعيين يعتقدون ~~اليوم أن العصر الحاضر يعدل عن مبادئ الحرية الفردية، وينظرون إلى خطط التنظيم ~~الاقتصادي وبرامج السنوات الخمس، أو العشر في الأمم أو الجامعات «الأممية»، أو ينظرون ~~على الجملة إلى مشروعات التأميم والتعميم، فيحسبونها دليلا على التحول من الإيمان ~~باستقلال الفرد إلى الإيمان بوجوب الحد من ذلك الاستقلال في شئون الاجتماع والاقتصاد، ~~وإلى الإيمان من ثم بوجوب الحد من استقلاله في الحقوق السياسية. # وبعضهم يقول: إن الفردية مبدأ قديم قد حان الوقت لإعادة النظر فيه من الوجهة ~~الفلسفية، وآخر ما اطلعنا عليه في هذا الموضوع - مع الإيجاز - بحث «لدافيد ريسمان» ~~بعنوان «الفردية معادا فيها النظر» يتوسط فيه بين الفردية المطلقة والجماعة المطلقة، ~~فلا ينكر حق الفرد ولا يرى أن عمل الجماعة التعاوني # 7 # يلغيه أو يفتئت عليه، بل يرى أن الجماعة - حيث لا يستطيع الفرد ms130 أن يستقل ~~بالعمل - هي الوسيلة الصالحة لصيانة استقلال الأفراد، وأن التنافس - ككل عمل إنساني - ~~قد يخرج عن حده فيرده إليه القانون، ولا يفتئت به على حق الفرد ما دام جميع الأفراد ~~سواء في حكم القانون. # ولم نطلع على بحث من بحوث «إعادة النظر» في هذا الموضوع إلا أحسسنا منه أنه يقوم على ~~أساس أخلاقي، أو شعور يمزج بين الفردية والأنانية أو بين الفردية والصراع على تنازع ~~البقاء. # وفي الحق أن هذا الشعور لم يبدأ اليوم ولم يكن ابتداؤه بالأمس في ميدان الاقتصاد ~~دون غيره، فقد كان الاعتراض على مذهب تنازع البقاء الذي أعلنه «داروين» أشد من الاعتراض ~~على حرية التنافس ~~الاقتصادي # 8 # الذي أعلنه آدم سميث الملقب بأبي علم الاقتصاد. # وكلا المذهبين لا يسلم من الخطأ الكثير، إلا أن الاستناد إليهما في مناقشة الحرية ~~الفردية يوقع أصحابه في أخطاء أكبر من أخطاء المذهبين. # فما خطر ل «آدم سميث» قط أن حرية التنافس تمنع الأمم أن تلجأ إلى تنظيم المعاملات ~~في أحوال كأحوال الحروب أو ما يشابه الحروب، وأولى من أحوال الحروب بالتنظيم هذه الحالة ~~العالمية التي تتوقف فيها معاملات الأمم بعضها على بعض، وتذهب فيها جهود الأفراد عبثا ~~إن لم تدبرها الأمة كلها تدبيرا يوافق المطلوب من الأمم الأخرى. # أما مذهب «داروين» فإن عنوان الكتاب الذي تضمنه وهو «أصل ~~الأنواع» # 9 # خليق أن يصحح الخطأ في هذا ~~الموضوع؛ لأن تنافس الأفراد أو تنازع البقاء إنما هو لمصلحة الأنواع، كما يفهم من عنوان ~~الكتاب، وقد فطن زعيم الفوضوية «كروبتكين» إلى هذا المعنى فقال: «إن حرية الأفراد هي ~~السبيل إلى تقدم الأنواع وبقاء الصالح منها للبقاء.» # على أنه لا مذهب «آدم سميث» ولا مذهب «داروين» كان أساسا للإيمان باستقلال الشخصية ~~الإنسانية، فيجوز - من ثم - أن يقوم استقلال الشخصية عليهما، أو يزول بزوالهما، أو يعرض ~~له الشك حين يعرض لهما. # إن استقلال الشخصية الإنسانية كان ثمرة النجاح لكل ثورة سياسية أو دينية قام بها ~~الناس منذ عرفوا الثورة على الظلم، أو عرفوا الثورة ms131 لتحطيم قيد من القيود. وقد اشتركت ~~الطبقات العليا والطبقات الدنيا في هذه الثورات، ولم تكن مقصورة على نظام واحد من نظم ~~الإنتاج أو الثروة الاقتصادية، وكان نصيب الفرد من أبناء الطبقات المحرومة في تلك ~~الثورات أعظم من نصيب الفرد من أبناء الطبقات العليا، لأن هذه الطبقات العليا في غنى عن ~~الثورة لتحقيق الحرية الشخصية. # وإذا كان محصل تاريخ النوع الإنساني يتلخص في اتساع العلاقات العالمية، فمحصل تاريخ ~~الفرد أن يزداد استقلاله أو تزداد الدعوة إليه على الأقل، فلا يجسر أحد على إنكاره في ~~صورة من الصور إلا ليعود إلى تقريره في صورة أخرى. وقد أصبح استقلال الفرد في زماننا ~~حجة لكل نظام من نظم الحكم في مقام المفاضلة والتسابق إلى الإصلاح، بل أصبح مقياسا ~~حقيقيا لكفاية المجتمع كله في الصراع بين المجتمعات، فانقسم العالم في الحربين ~~العالميتين إلى معسكرين: أحدهما يضيق فيه نصيب الفرد من الحرية والآخر يتسع فيه هذا ~~النصيب، وكان المعسكر الأول أقدم استعدادا للحرب، وأوفر عدة لها عند ابتداء القتال، ~~ولكنه انهزم ولم يصمد للفريق الآخر الذي بدأ استعداده خلال أيام القتال. # ومن علامات الزمن أن الفرد يثبت وجوده أمام طغيان الجماعات كما يثبته أمام طغيان ~~الآحاد. # فالوجودية على تعدد مناهجها دعوة ذات دلالة، ولا دلالة لها إلا أن الفرد يثور على ~~طغيان العدد، ولا يرضيه أن يغرق سماته بين طوفان من العدد المتكرر ليس له سمات. # وليقل من شاء ما شاء عن دور الفرد العظيم في قيادة الحركات الاجتماعية. # ليقل: إنه يخلق حين تخلقه الجماعة لقيادة حركة من حركاتها العامة، فإن الثابت أمامنا ~~أن الحركة الاجتماعية تحتاج إلى قيادة فرد عظيم، وأما ما عدا ذلك من الألغاز ~~والتخمينات، فهو معلق «بلو كان ولو لم يكن» مما يجوز فيه قولان، أو تجوز فيه عدة ~~أقوال. # وليس من فرق بين ظهور الفرد العظيم بالاسم الذي ظهر به، وبين ظهوره باسم آخر مختلف ~~الهجاء، إلا أن يكون غرض التاريخ أن نروغ من الوفاء له بحقه، وأن نتمثل الذرائع ~~للمغالطة ms132 في حسابه، وهو غرض معقول ممن يبنون التاريخ كله على حساب الأجور وحساب الأثمان ~~وفواضل الأثمان. ولكنه غير معقول من بني الإنسان. # | الشيوعية والآداب والفنون # | الأخلاق # مذهب الشيوعيين في الأخلاق أن المجتمع ينشئ الأخلاق لخدمة مصالح الطبقة التي تملك ~~زمام الثروة فيه، وتسيطر على وسائل الإنتاج، وأن أبناء المجتمع لا يعيبون هذه الأخلاق ~~ما دامت وسائل الإنتاج ناجحة منتظمة، ولو كانوا من ضحاياها، فلا يعاب الرق حيث تقوم ~~وسائل الإنتاج على تسخير العبيد، ولا يقول العبيد في إبانه: إنه ظلم وخبث، بل يقولون: ~~إنه من سوء الحظ أو من ضربات القدر التي لا محيص عنها، وليس في أصل الطبيعة البشرية ما ~~يوصف بالخير أو بالشر إلا حين يرتبط بمصلحة الطبقة الغالبة، أو بما يدابر مصلحتها، فليس ~~لطبقة الأجراء الصعاليك إذن أن تستحسن شيئا غير ما يوافق مقاصدها، ولا أن تستهجن ~~شيئا غير ما يعوق تلك المقاصد، وما عدا ذلك من عرف شائع فإنما هو من بقايا المجتمعات ~~التي كانت تقوم على تسخير الطبقة الأجيرة واستغلال جهودها، ثم لم يبطل التسخير كل ~~البطلان، ولم يقض على بقايا ذلك العرف وعقابيله، ولم يخلفه عرف جديد. # وقد ألم «ماركس» بقواعد هذا المذهب، وشرحه «إنجلز» بعض الشرح في الكلام على أصل ~~الأسرة بصفة خاصة، وفي ردوده المتفرقة على المعارضين من أطراف متعددة. وكلاهما «ماركس، ~~وإنجلز» يرى أن الدعوة المادية وصف لما هو واقع وما سيقع أو سوف يقع لا محالة، وليست ~~تبشيرا بالأخلاق الصالحة والمناقب المأثورة التي يثني عليها المثاليون من الدينيين ~~والحكماء، فما يحمدانه من الأخلاق هو الواقع الذي يجب على المجتمع الموعود أن يدين به؛ ~~لأنه لا يقدر على ابتداع دين سواه. # ثم قام متجمع الطبقة كما تخيل أتباع «كارل ماركس» بعد الحرب العالمية الأولى، فأعلن ~~«لينين» هذا المذهب في مواقف كثيرة أصرحها موقفه - التعليمي - في مؤتمر الشباب ~~الشيوعيين الذي انعقد في سنة 1920 وخطب فيه فقال: # إنني سأعرض هنا قبل كل شيء لمسألة الأخلاق الشيوعية. # فالواجب عليكم أن تدربوا أنفسكم على ms133 الشيوعية، ومهمة عصبة الشباب أن تنظم ~~نشاطها العملي، بحيث تصبح بالتعليم والتنظيم والتعاون والنضال هي ومن ينظر ~~إليها نظرة القدرة والمثال - جماعة شيوعية. وكل عمل من أعمال التدريب والإرشاد ~~لتعليم شباب اليوم فالغاية الوحيدة منه أن يصبحوا شيوعيين. # ويسأل السائل: أهناك شيء يسمى آدابا شيوعية؟ أهناك شيء يسمى دستورا ~~أخلاقيا للشيوعية؟ والجواب: نعم ولا ريب. وربما حاول بعضهم أن يصورنا كأننا ~~قوم لا نعرف لنا دستورا معلوما للأخلاق والآداب، وكثيرا ما يقول ~~البرجوازيون: إننا معشر الشيوعيين أناس نخرج على جميع الأخلاق والآداب، وهو ~~أسلوب من أساليب الإدراك المتبلبل، ووسيلة من وسائل إثارة الغبار على أعين ~~العمال والفلاحين. # فبأي معنى يقال: إننا نخرج على جميع الأخلاق والآداب؟ بمعنى واحد، وهو المعنى ~~الذي يدين به البرجوازيون، إذ يستمدون الأخلاق والآداب من أوامر الإله. # فنحن نخرج على جميع الأخلاق والآداب التي تنفصل من المجتمع البشري وطبقاته. ~~ونحن نرى أنها خداع وتزييف وتضليل لعقول العمال والفلاحين من قبل الملاك وأصحاب ~~الأموال. # نحن نرى أن دستورنا الأخلاقي تابع لمصالح الحرب الطبقية التي يخوضها ~~الأجراء، ومستمد من الصراع في سبيلها. # ولقد كان المجتمع القديم قائما على ظلم الملاك وأصحاب الأموال للعمال ~~والفلاحين، فيجب علينا أن نتلفه وأن نسقطهم، ولا بد من الاتحاد لتحقيق هذه ~~الأهداف. إلا أنه اتحاد لا يتم في غير المصانع والمعامل وعلى أيدي طبقة ~~البرولتارية بعد تدريبها وإيقاظها من سباتها الطويل، ونحن نقول الآن عن تجربة ~~واقعة: إن البرولتارية دون غيرها هي التي تخلق تلك الوحدة التي يقتدي بها ~~الفلاحون المتفرقون المبعثرون على الرغم من عراقيل المستغلين. فلا طبقة غير هذه ~~الطبقة يرجى أن تعمل على توحيد الصفوف بين الكادحين، وأن تحمي دائما، وتدعم ~~دائما، وتشيد دائما مجتمع الشيوعية. # ولهذا نقول: إنه لا يوجد شيء يسمى الأخلاق بمعزل عن المجتمع البشري، وإن تلك ~~الأخلاق تزييف وتزوير، ولا أخلاق عندنا إلا الأخلاق التي تستمد من صراع طبقة ~~الصعاليك. # وإذا تحدث الناس إلينا عن الأخلاق قلنا: إن الأخلاق عند الشيوعيين تجتمع ~~كلها في هذه الوحدة ms134 الوثيقة المنظمة الواعية أمام المشتغلين. # ذاك مصدر الأخلاق الإنسانية في مذهب الشيوعيين من يوم تأسيسه إلى يوم قيام الدولة ~~الشيوعية، تفسيره بعلة من علل الظواهر النفسية المريضة قريب متناسق محيط منه بالسر ~~والعلانية، وتفسيره بغير ذلك من العلل الفكرية والعلمية يلتوي بنا خطوات كلما مضينا به ~~خطوة في طريق. # تفسيره بعلة الحقد والكراهية أنه يقطع الصلة الإنسانية بين الطبقة الموعودة وسائر ~~الطبقات، ويجعل بينها وبين المجتمعات القائمة فجوة أبدية، لا ينفتح فيها باب من أبواب ~~التفاهم أو المصالحة أو البقيا. # وتفسيره بالعلل الفكرية أو العلمية لا يسمح لأصحاب المذهب قبل غيرهم بالاسترسال فيه ~~إلى نتيجة على مدى تلك النتيجة أو إلى نتيجة أقرب منها؛ لأنه يستند إلى علل تتنافر ~~وتتضارب، ولا تصطحب خطوة إلا افترقت بعد ذلك خطوات. # لا أخلاق في الإنسان إلا من وسائل الإنتاج. # ووسائل الإنتاج في المجتمعات البدائية الأولى تخلق لنا إنسانا بريئا براءة الطفل، ~~يكاد مقال «إنجلز» عنه في أصل الأسرة أن يحسب من أغاني القصيد لا من بحوث الآراء ~~والأسانيد، و«إنجلز» هو الذي تكفل هنا بشرح المذهب المتفق عليه بينه وبين أستاذه وصفيه ~~«كارل ماركس» المصدق في المشهد والمغيب. # يقول «إنجلز» في وصف تلك الحالة: «لقد كانت نظاما عجبا تلك الحالة التي درج عليها ~~الرفقة في بساطة الطفولة: لا جنود، لا حرس، لا شرطة، لا نبلاء، لا ملوك، لا أوصياء، لا ~~محافظين، لا قضاة، لا سجون، لا محاكم ولا محاكمات، ويجري كل شيء في مجراه على وتيرة ~~ونظام، فتشترك الجماعة كلها في تسوية المنازعات والخصومات برأي الشيوخ في القبيلة أو ~~برأي أبنائها فيما بينهم وبين أنفسهم، ولا يحدث إلا في الندرة أن يقع النذير بالثأر أو ~~بالنقمة الدموية، إذ ليست عقوبة الإعدام بيننا اليوم إلا بقية متمدنة من بقايا النقمة ~~الدموية بما لحقها من مزايا المدنية وآفاتها. ولقد كانت الشئون التي تتطلب التسوية أكثر ~~عددا من مثيلاتها في يومنا هذا، ولكن تدبير الشئون المنزلية كان مشتركا بين طائفة من ~~الأسر على اتفاق وعلى قواعد المشاع، ms135 والأرض في حوزة القبيلة بأسرها، والبساتين على حسب ~~الحاجة في أيدي الموكلين بالشئون المنزلية، ولا ضرورة لشيء من هذه الإدارة المشتبكة ~~وما يتخللها من الحواجز في المدنية الحاضرة، ويتقرر الأمر على أيدي أصحاب الأمر بعد ~~قرون يكرر فيها القرار بحكم العادة والقدوة، وليس من الممكن في هذه الحالة أن يوجد ~~الفقير أو المعوز، إذ يعرف أبناء القبيلة واجبهم نحو الكبار في السن والمرضى والمصابين ~~في الحروب، وكلهم متساوون في الحرية ومنهم النساء.» # ثم يفرغ «إنجلز» من هذا النشيد لينتقل إلى وصف أحوال القبيلة بعد امتياز بعض الأفراد ~~باقتناء القطعان الكثيرة من الأنعام والماشية، فيقول: # ذلك جانب واحد من جوانب المسألة، ولا ينبغي أن يفوتنا أن هذا النظام مقضي ~~عليه، لأنه نظام لا يتخطى حدود القبيلة، والاتحاد بين القبائل أول علامة من ~~علامات الانحلال كما سنرى، وكما سيظهر من محاولة قبائل ~~«أروكيز» # 1 # الأمريكية أن تخضع غيرها، فكل ما تخطى حدود القبيلة فهو خارج من الزمرة. وحيث ~~لا ينعقد الصلح بين القبائل فهنالك الحرب القائمة بين كل قبيلة وقبيلة، تجري ~~بتلك القسوة التي اختص بها الإنسان بين سائر الحيوان وعملت المصلحة الذاتية ~~فيما بعد على تهذيبها. # إلى أن يقول: # فالقبيلة وأنظمتها مقدسة خلقتها الطبيعة، والفرد وعواطفه وأفكاره وأعماله تظل ~~بغير قيد ولا شرط خاضعة لتلك الأنظمة. وهم كما يبدون لنا لا تمييز بينهم، بل ~~يظلون كما قال «ماركس» مرتبطين بالحبل السري برباط الجماعة البدائية: ولا مناص ~~من كسر قوة هذه الجماعة الطبيعية اللدنية وقد كسرت، إلا أن كسرها قد تم بمؤثرات ~~كانت من البداءة تحمل علامة الانحطاط والسقوط من بساطة الأخلاق الفاخرة التي ~~تخلقت بها الجماعات الغابرة، ونشأت نظم الطبقات الجديدة من أسوأ الدوافع ~~والمغريات. # وهناك يجمع «إنجلز» كل ما قدر عليه من قبائح الذم في قصيدة هجاء تقابل تلك القصيدة ~~الغنائية، التي ترنم فيها بمناقب الجماعات الهمجية الأولى، فيقول ما ترجمته بحرفه: # إنه الجشع الوبشي والمتاع البيهمي والطمع الكالح واللصوصية الأنانية. # ثم يقول: # وما كان ينقص إلا النظام الذي كان ms136 لا يكتفي بضمان الملكية الجديدة التي ~~استأثر بها بعض الآحاد خلافا لسنة القبيلة، ولا بتقديس أرفع مطالب الجماعة ~~البشرية، بل يزيد على ذلك أن يدفع الوسائل الجديدة التي جعلت تنمو لإحراز ~~الملكية وتوفير الثروة برضى المجتمع كله. ولم يكن ثمة بد من نظام يكفل دوام ~~الطبقات المستحدثة، ويكفل مع ذلك للطبقة الراجحة حق استغلال الآخرين، وكذلك وجد ~~هذا النظام، وكذلك وجدت الحكومية. # ثم يكون الجشع الكالح - كما جاء في الكتاب نفسه - حافز الحضارة من مطلع فجرها إلى ~~اليوم، «الثروة ثم الثروة ثم الثروة مرة ثالثة: ثروة الفرد الضئيل لا ثروة المجتمع ~~الشامل هي غاية الغايات». # ولا يخفى أن أهم ما يهم في هذه النقلة أن نعرف كيف وجدت هذه الأنانية من تلك الحالة ~~البريئة؟ # إن ظهور الملكية الخاصة هو الذي أحدث هذا التغيير، غير أننا لا نعلم هل الملكية ~~الخاصة جاءت في الأنانية، أو الأنانية هي التي جاءت في الملكية الخاصة. # تلك مسألة هامة لا تضارعها في خطرها مسألة من مسائل هذا الدور المزعوم، فإذا كان من ~~السهل وجود الأنانية مع وسائل الإنتاج المشاعة، فمن السهل أن توجد الأنانية مرة أخرى ~~في المشاعية الموعودة التي تهدر من أجلها ملايين الأرواح بغير رحمة ولا هوادة، وإذا كان ~~ذلك ممتنعا مستحيلا فمن الواجب أن نعلم على اليقين كيف يمتنع وكيف يستحيل، قبل أن ~~ننهض بذلك العبء الثقيل. # لقد كان المجتمع الشعري الذي تغنى به «إنجلز» محصورا في القبيلة الصغيرة، لا تشترك ~~فيه جميع القبائل المتجاورة أو المتباعدة من مثيلاتها، وقد كانت كل قبيلة على هذا ~~المثال من البراءة والإيثار، ثم تقاتلت القبائل، ولم تكن البراءة في كل منها مانعة لهذا ~~القتال ولا لما يعقبه من الفتك والنكال ومن الإخضاع والإذلال، فهل يحسب هذا القتال من ~~الأنانية البغيضة، أو يحسب من البراءة والطهارة وسلامة الصدر من الأثرة وحب ~~الذات؟ # ثم نعود إلى مشكلة الفرد وأثره في أخلاق المجتمع وأثر المجتمع في أخلاقه، فلا نزال في ~~تردد بين الآراء المتناقضة: بين «كارل ماركس» الذي ms137 يقول غير مرة: إن المجتمع يخترع ~~الفرد إن لم يجده. و«كارل ماركس» الذي يعيد غير مرة ما كتبه إلى صاحبه العظيم أن ~~صاحبه «كجلمان» وعني بنشره في المجلد العشرين من صحيفة «نيوزيت»، وفيه يقرر أن التعجيل ~~والإبطاء في الحركات الاجتماعية يرجعان كثيرا إلى عوامل المصادفة، وفي مقدمتها أخلاق ~~القادة الآخذين بأزمة تلك الحركات. ~~••• # والعقدة المؤرية التي أعضلت على الأخلاقيين الماديين هي الفصل بين أخلاق العهود ~~وإسناد كل طائفة من الأخلاق إلى وسائل الإنتاج في عهدها الذي يصلح لها ولا يصلح ~~لغيرها. # فما هي الأخلاق التي أنشأها عهد الرق لاستبقاء الإنتاج بتسخير العبيد؟ هل هي المبالغة ~~في احتقار العبودية والتنفير من الذل الذي يقبله العبيد؟ # وما هي الأخلاق التي أنشأها عهد الإقطاع لاستبقاء الإنتاج باستغلال عمل الزراع؟ هل هي ~~المبالغة في تمجيد النسب العريق وازدراء النسب الخامل؟ # وما هي الأخلاق التي أنشأها عهد رأس المال لاستبقاء الإنتاج بابتزاز حقوق الأجراء؟ ~~هل هي المبالغة في تعظيم الترف والغنى والأنفة من ذل الحاجة والفاقة؟ # لو أن السادة في كل عهد من العهود يعملون للتعجيل بزوال عهدهم لما أنشئوا أخلاقا ~~غير هذه الأخلاق، ونحن نفهم تحقير ذل العبودية وذل الخمول وذل الحاجة حين توضع الأخلاق ~~للإنسان، وما يليق بالإنسان في العهود، ولكننا لا نفهم أن نستبقي وسائل الإنتاج ~~بتحقيرها والتنفير منها. # وعقدة مثل هذه العقدة تعترض الأخلاقيين الماديين فلا يملونها ويكتفون بتسجيلها كأنما ~~التسجيل وحده كاف للتنفيذ والتصحيح، وتلك العقدة هي وجود الأخلاق بعد زوال الداعي إليها ~~على زعمهم في كل عهد من العهود، فإن «كارل ماركس» يقول في رسالة الثامن عشر من بروميير: ~~«إن الناس يستمدون الدوافع أحيانا من الأسماء الغابرة والأوضاع العتيقة ولا يستمدونها ~~من الحوادث التي أنشأتها، وإن التقاليد الموروثة في الأجيال الغابرة ترين كالجبال على ~~أدمغة الأحياء»، و«إنجلز» يقول في الاشتراكية الطوبية والاشتراكية العلمية: «إن هذه ~~التقاليد عقبة معطلة تصد مجرى التاريخ»، ومن البديه أن الاعتراف بهذا الأمر الواقع لا ~~يؤيد القول بصدور الأخلاق جميعا من وسائل الإنتاج، ولا يمحو ms138 العوامل الأخرى التي ترجع ~~إلى شيء في طبيعة الإنسان غير البيئة الاقتصادية، فما هو الحد الفاصل بين فعل الطبيعة ~~الإنسانية وفعل الوسائل الاقتصادية؟ وما هو المحك الذي نعرف به ما كان من فعل التقاليد ~~وما كان من فعل الحياة الحاضرة؟ ولماذا تكون التقاليد جميعا ضارة ولا يكون فيها ما ~~يفيد وهي صالحة - كما يقول «كارل ماركس» - لاستمداد الدوافع منها حين تعجز الحوادث ~~الحاضرة عن إمدادها؟ # لم تحل الأخلاق المادية هذه العقدة، وانطوى القرن ونشأ المجتمع الشيوعي من الثورة ~~الروسية، ولم يكن لدعاته رأي بين فيما ينبغي أن تكون عليه أخلاق «الصعاليك»، أو أخلاق ~~المجتمع من طبقة واحدة، وكاد بيانهم لهذه الأخلاق أن يكون «سلبيا» محصورا في مخالفة ~~كل خلق من الأخلاق التي جاء تقديسها في المجتمع البرجوازي كما يزعمون، وأوشكوا أن ~~يتخذوا «الأسرة» محكا للأخلاق التي يحمدونها من المجتمع الجديد؛ لأنها في مذهبهم سولت ~~للناس حب الملكية والوراثة، وهما رأس الآفات والشرور، فكل ما هدم الأسرة فهو حسن، وكل ~~ما صانها وحافظ عليها فهو سيء ذميم. وتساوى الزواج والزنا من أجل ذلك في شريعتهم، ~~وسمحوا بالإجهاض لأنه في صورة من صوره انتهاك لحقوق الزواج، وأباحوا كل ما حرمه الناس ~~قديما لأنه تحريم صادر - في زعمهم - من مصالح المستغلين والمستبدين، ووجب عندهم الخروج ~~على أدب الاحترام ولو لم يكن ذا علاقة بمسائل الاقتصاد، ووسائل الإنتاج، فكان من ~~تشبيهاتهم للشمس المحمرة أنها تحكي «بركة من بول الخيل»، وكان من آدابهم أن يجلس القضاة ~~للحكم، وهم يدخنون ويأكلون كأنما الشعور بالفارق بين مكان الحكم ونادي السمر رذيلة ~~موقوفة على المجتمعات البرجوازية، وكأنما الاحترام كيفما كان أدب لا يليق بالمجتمع ~~المنشود، أو كأنه أدب لا توجد له علامة في سلوك الإنسان، ويستوي من يحترم ومن لا يحترم ~~في هذا السلوك؟ # ودلالة الأخلاق من سلوك الأتباع الذين يقبلون على المذهب لا تقل عن دلالة هذه الآراء ~~التي يروجها الدعاة المؤسسون لقواعده والمقررون لمبادئه من مباحثهم التي يسمونها ~~بالمباحث العلمية، فهؤلاء الأتباع لا يفهمون من الأخلاق ms139 المطلوبة، إلا أنها الخروج على ~~الأخلاق المحترمة في المجتمعات الإنسانية، وفي إحدى القصص الواقعية التي اشتملت على ~~الكثير من «الشخصيات» الشيوعية حديث صريح، يحكي ما يجري على ألسنة هذه الشخصيات في ~~المجتمعات المعدة للدعوة، لا نسمي القصة؛ لأننا لا نحب أن نلفت الأنظار إليها، ولكننا ~~ننقل كلام المؤلف في الصفحة ال (256)، بعد عتاب سمعه المجتمعون من شاب خانه أحدهم، ~~واحتال عليه جزاء له على وفائه ومودته. # قال المؤلف: «قد يكون الحق ما يقول، ولكن صاحبكم لم يستعمل حيلته مع أبي أو أخي ولكنه ~~استعملها معي أنا، أنا الذي كنت نصيره الوحيد، أنا الذي تركت أبي وهجرت أسرتي من أجله، ~~فهل أفهم من هذا أنه تجرد من كرامته بحيث ... # ولم يتم خالد حديثه إذ قاطعته ضحكة ساخرة صدرت من فم نصيف. # أسمعك تقول: الكرامة، هذا لفظ لا نعرفه هنا أيها السيد العزيز، فالفتيان الذين يحيطون ~~بك الآن أناس اختاروا لأنفسهم لقب الرفقاء الأنذال، الكرامة! إن لنا معجما خاصا يا ~~سيد خالد. هذا المعجم هو معجم الفقراء، وهو لذلك خلو من كثير من الكلمات التي تعرفها ~~أمثال الكرامة والشرف والأمانة، ونحو ذلك من الحلي الغالية التي يستطيع الأغنياء ~~ابتياعها ولكن لا يقدر عليها الفقراء! # وجاء دور خالد لكي يطلق ضحكة ساخرة فأطلقها وقال: شيء عجيب، لقد كنت أظن أن ~~الكرامة والشرف جواهر لا يتحلى بها سوى الفقراء، ولكنك تحدثني بأن الفقراء لا يعلمون من ~~أمر هذه الصفات شيئا، فهل لك أن تخبرني أين أجدها إذن؟ # وبعد حوار على هذا المنوال يتقدم أحدهم إلى الأستاذ خالد ويسأله: هل أنت جزري يا ~~أستاذ خالد؟ # فيرفع خالد بصره إلى محدثه ويقول: «لست بفاهم.» # فيقال له: أنصت إلي يا سيد خالد، افترض أنك قمت برحلة مع أسرتك، وبينما أنتم في وسط ~~المحيط إذ قامت عاصفة هوجاء أغرقت السفينة فلم ينج من ركابها سواك وأخت لك. فتعلقتما ~~ببعض حطام الباخرة وظللتما على هذه الحال إلى أن ألقت بكما الريح إلى جزيرة صغيرة، ولما ~~استقر بكما المقام في ms140 هذه الجزيرة رحت ترتاد مجاهلها مع أختك، فظهر لكما أن ليس من ~~البشر سواكما، ومرت بكما الأيام والليالي دون أن تجوز بكما سفينة حتى تأكد لديكما أنكما ~~لن تغادرا هذه الجزيرة حياتكما، والآن أخبرني يا أستاذ خالد: «أتسمح نفسك بأن تعاشر ~~أختك معاشرة الأزواج أم تراك تمتنع من ذلك؟»» # وليس في مقدور أحد من ألد أعداء الأخلاق الشيوعية أن يفندها بكلام أبلغ في تفنيدها من ~~كلام أتباعها هؤلاء؛ لأن أبلغ ما يقال في تفنيد مذهب أنه يجرد الإنسان من مزيته على ~~الحيوان، ومزية الإنسان بالشرف والكرامة، وليست مزيته بحشو البطون الذي يتساوى فيه ~~وأحقر الحيوان! # إننا نصل بعد لأي إلى المجتمع الموعود الذي حطمنا من أجله المجتمعات، ونطمع في ~~نعيم شعري كذلك النعيم الذي ترنم به «إنجلز»، فلا نجد في المجتمع الموعود إلا مفسدة ~~للأخلاق والعقول إذا صدقنا «كارل ماركس»؛ لأنه مجتمع رخاء وسخاء، يجد كل ذي حاجة فيه ~~حاجته بين يديه، وذلك أضر المجتمعات بطبائع الأفراد، كما يقرر «كارل ماركس» في كتابه ~~رأس المال، وكما يقرر هو و«إنجلز» في كتاب «العقلية الألمانية»، ولم يرد هذا المعنى ~~عرضا في موضع واحد من كتاباته؛ بل كرره حيث يقول: «إن الوفر في خيرات الطبيعة يترك ~~الإنسان كالطفل ولا يضطره إلى تربية ملكاته واستيفاء نموها. # ولكن الطبيعة التي تضن بخيراتها عليه تنبهه وتوقظه، وتدعوه إلى إعداد ملكاته ~~للعمل الدائم والاجتهاد في استنهاض قواه.» # فالمجتمع المثالي الموعود شر المجتمعات على الإنسان وأسوؤها أثرا في ملكاته وأخلاقه، ~~وهو أسوأ ما يكون إذا صدقت فيه جميع الظنون، وامتنع فيه القلق واستقرت فيه الطمأنينة، ~~وزالت فيه جميع التكاليف التي تشغل المرء بغير الساعة الحاضرة التي بين يديه، فلا تفكير ~~في الغد أيام الحياة ولا بعد أيام الحياة، إذ لا تبعة على الآباء نحو البنين ولا نحو ~~الأقربين، ولا فرق بين الوليد الذي تقر به العينان والوليد الذي لا يعرفه أبواه. # وقد تخيل الشيوعيون كثيرا في شئون لا سند لها من الواقع، وخاضوا بالخيال في مجاهل ~~التاريخ وما ms141 قبل التاريخ، فنحن لا نعتسف الخيال إذا تمثل لنا المجتمع الذي يسخو للعامل ~~والكسلان، ويسقط عنهما معا تبعات الأسرة والأبناء، فرأيناه يعود مضطرا إلى الأسرة ~~التي قضى عليها قبل أن يقضي عليه الخلو منها، ولا ينمو فيه الشعور بالتبعات والتكاليف - ~~وهي أصل الأصول في الأخلاق - إلا من حيث نمت وتفرعت وأينعت في التاريخ القديم، أو ~~التاريخ الحديث. ~~••• # إن فضل الأسرة في تكوين الأخلاق الاجتماعية أو الفردية ليس من الأمور التي تجدي في ~~إنكارها أو بخسها نظريات أصحاب الآراء، ولو لم تكن التي يضرب بعضها بعضا كهذه ~~النظريات. # ولا يقول أحد: إن الأسرة أفادت النوع الإنساني بالنفع الخاص الذي لا شائبة فيه من ~~سوء أو ضرر. فلا الأسرة ولا غير الأسرة من أطوار الإنسان تسلم من النقص الملازم لكل عمل ~~إنساني، لا يخطر على البال أنه يأتي كاملا مبرأ من العيوب في أدوار التجربة والتطور ~~على الخصوص، غير أن السيئات التي جاءت بها الأسرة خليقة أن تحصل بها وبغيرها؛ لأنها ~~جاءت في غريزة الأثرة وتنازع البقاء، وهي الغريزة التي كمنت في طبيعة الحيوان الأعجم ~~قبل أن تكمن في طبيعة الإنسان، أما حسنات الأسرة فلم تكن لتأتي بغيرها سواء منها حسنات ~~الأخلاق وحسنات المرافق والأعمال والصناعات، وما من خلق كريم نبحث عن مصدره الأول إلا ~~استطعنا أن نرده إلى الأسرة الصغيرة من الأب والأم والبنين والأقربين، وأن نترسم علاقته ~~بالأسرة من اشتقاق لفظه في اللغات المتباعدة كاللغات السامية واللغات الآرية. # فالرحمة أجمل الفضائل الإنسانية مشتقة من مودة ذوي الأرحام، وتقابلها في اللغات ~~الجرامانية كلمة ~~«كايند» # 2 # بمعنى بلد أو بمعنى القرابة، ومنها كلمة الطفل في تلك اللغات. # والكرم - وهو فضيلة البر بالإنسانية - مأخوذ من صفاء النسب وخلوصه من الهجنة ~~والاختلاط، وتقابله في اللغات الجرمانية كلمة «جنروستي» # 3 # وهي مأخوذة من الأصل النبيل، وتشبهها كلمة «اللطف» # 4 # وكلمة «الجنتلمان» # 5 # وهو الرجل المهذب الرقيق في معاملة الناس وتصريف الأمور. # والحرية تلاقي الكرم في هذا المعنى، وتقابلها في اللغات الجرمانية كلمة «فريدم» # 6 # من ms142 الألفة ورفع التكليف وكلمة ~~«فرانك» # 7 # بمعنى الطليق من القيود. # ولا تتفق اللغات المتباعدة هذا الاتفاق إلا لأنها تعبر عن حقيقة عامة وشعور عميق في ~~بديهة الإنسان. وليس مما يغض من هذه الفضائل أن يقال: إنها من فضائل القلة أو النخبة أو ~~الصفوة بين الآدميين، فإن المزايا لم تزل ندرة في كل خليقة جسدية أو نفسية يحسها الناس ~~بالأعين أو يحسونها بالضمائر والأذواق، وجمال الوجوه ندرة يمتاز بها الوجه الواحد بين ~~المئات والألوف، ومثله قوة البدن واعتدال المزاج مما لا شأن فيه لمذاهب الاقتصاديين أو ~~الماديين، فما عرف الناس مزية قط في خلق أو خليقة إلا كان الممتازون بها أقل من غير ~~الممتازين، ولا يغض من فضل الأسرة في تكوين صفات الرحمة والكرم والحرية أنها صفات ~~عزيزة، لا تبذل بذل الشيوع والجزاف، ولكن هذه العزة هي التي تعطيها القيمة النفيسة حتى ~~بمعيار «الاقتصاد». # ومتى ذكرنا القيم الاقتصادية، فنحن نذكر فضل الأسرة في القيم التي تدور عليها مذاهب ~~الاقتصاد وتواريخ الصناعات، فلولا حفظ الأسرة للصناعات الموروثة لما بقيت إلى اليوم ~~صناعة واحدة ينتفع بها الغني أو الفقير، ولولا تعليم الأسرة قبل أن يوجد في التاريخ ~~نظام التعليم العام لماتت كل صناعة في مهدها، ولم تنتقل إلينا كما انتقلت بالوراثة من ~~الآباء إلى الأبناء. # وإنه لمن الحذلقة الرخيصة أن يقال: إن الطبيعة الإنسانية لا توصف بالخير والشر إلا ~~بالنسبة إلى العلاقات الاجتماعية أو إلى المعاملات في البيئة المشتركة، فهكذا يقال عن ~~جميع الخصائص والأحوال في الإنسان وفي الحيوان وفي الجماد. # بماذا نقدر صلابة الحديد؟ وبماذا نقدر متانة الخشب؟ وبماذا نقدر مرونة الخيط أو ~~النسيج؟ إن تقدير هذه الخصائص بالنسبة إلى غيرها في حالة التركيب لا يزيل تلك ~~الخصائص، ولا يمنع استعداد كل مادة لتركيب من التركيب التي تغني فيه ولا يغني فيه ~~سواها. # وظهور طبيعة الإنسان في المجتمع لا يمنع أن تكون تلك الطبائع متأصلة في تكوين كل فرد ~~من أفراد البشر متعاونة بين الأفراد والجماعات، ولا يجيز لنا أن نقول: إن ms143 الخير هو ~~الشر وإن الشر هو الخير، وإن الفرد يستعد لهذا كما يستعد لذاك. # ومهما نرجع إلى المجتمع في تكوين الأخلاق فهناك قوة في الفرد تناط بها تلك الأخلاق، ~~وتتفاوت بها أدوات البناء في المجتمع كما تتفاوت بها أدوات البناء في كل تركيب. # تلك القوة هي ضابط الإرادة أمام الشهوات والرغبات، ولا يلزم أن تكون تلك الشهوات ~~والرغبات من قبيل العلاقات والمعاملات ليبدو فيها ضابط الإرادة بقوته التي تناط بها ~~الأخلاق. # فيجوز أن يكون العمل مباحا لا حرج فيه من جانب المعاملات الاجتماعية، ولكنه إذا ~~تهافت عليه الإنسان بغير ضابط من الإرادة دل ذلك على نقص في استعداد الأخلاق، وفي ~~استعداد الاجتماع، وفي كل استعداد تتميز به قيم الأفراد. # إن شهوة الطعام شهوة فردية لا تحاط بالقيود التي تحاط بها الشهوة الجنسية، ولكن ~~الإنسان الذي لا يملك إرادته أمام شهوة الطعام إنسان معيب في مقاييس الأخلاق؛ لأنه معيب ~~في الإرادة التي تناط بها جميع الواجبات. # ومن أدعياء الحرية في عصرنا هذا من يرى أن حرية المرأة التي لا زوج لها هي إباحة ~~مطلقة لا يقيدها واجب من الواجبات، وأن القيود الجنسية التي اصطلحت عليها الأمم منذ ~~القدم إن هي إلا اعتساف من الأديان، أو من الكهانات الطوطمية قبل الأديان، ويعنون ~~بالطوطمية تقديس بعض الأحياء واعتبارها سلفا للقبيلة يضمها في نسب واحد ويحرم على ~~أتباعه المزاوجة، كما تحرم الآن بين الإخوة والمحارم. # وتمادى بعض هؤلاء فاستكثروا القيود الجنسية على الحيوانات الدنيا، وزعموا أنها لا ~~تتقيد بموسم للمزاوجة إلا لوفرة الثمرات في ذلك الموسم وامتلاء الجسم فيه بفيض من ~~الحيوية يدعوه إلى طلب الذرية، قالوا: وإذا توافر الطعام على طول العام للدواجن من ~~الحيوانات نسيت قيود الموسم وطلبت المزاوجة أنى تيسرت لها من أيام العام. وهذا كلام لا ~~يعنينا أن نخوض في تفاصيله وأن نتوسع في تفنيده، ولكننا نلاحظ عليه عرضا أن السر في ~~موسم المزاوجة أعمق جدا من الطعام وأحوج إلى الفهم جدا من هذا النظر القصير، وإلا ~~فلماذا تتوافر الثمرات ms144 في ذلك الموسم، ولماذا يكون من خصائص ذلك الموسم أن يزيد قوة ~~التوالد من النبات، ولا يكون من خصائصه أن يزيد قوة التوالد من باب أولى في عالم ~~الحيوان؟ وما بال الحيوانات التي تأكل الأحياء وتجدها طوال السنة تجري على سنة ~~الحيوانات التي تأكل النبات؟ وما بال الأسماك في البحار تقصد إلى الأنهار القصية ~~للمزاوجة خلال فترة واحدة وهي في موسم متشابه من الأطعمة طول العام ؟ # إن سر التوالد لأبعد جدا من أن يحده ذلك النظر القصير؛ لأنه هو بعينه سر الحياة. ~~وأيا كان القول في الاختلاف بين الدواجن والأوابد في موسم المزاوجة، فالأمر الذي ~~يتفقان فيه أن الحيوان لا يقارب الأنثى وهي حامل ولا يطلب المزاوجة للعبث ~~والمجون. # فالحيوان نفسه لا ينطلق من جميع القيود في علاقاته الجنسية، ومن السخف أن ترد قيود ~~الأخلاق الجنسية في الإنسان إلى اعتساف الطوطمية والكهانة، لأن الأخلاق كلها - جنسية ~~أو غير جنسية - قائمة على ضبط النفس، أو على وجود الضوابط الأدبية في بنية الإنسان. ~~والطعام مثلا مباح - كما تقدم - لا يتعلق به عرض ولا شرف ولا تزييف نسب ولا اختلاس ~~ذرية، ولكن الإنسان الذي لا يضبط شهوته أمام إغراء الطعام حيثما أصابه إنسان مهين ولو ~~كان طعامه من كسب يديه، وإنما كان ضبط النفس لازما في الشئون الجنسية لزومه في كل شهوة ~~من الشهوات؛ لأنه قيمة أخلاقية يطلبها الرجل في المرأة، وتطلبها المرأة في الرجل، ~~ويطلبانها معا في الذرية التي ترث منهما هذه الفضيلة، وإذا نفر الرجل من المرأة التي ~~تنطلق مع أهوائها وتتهافت على شهواتها فهو لا ينفر منها لأنها خالفت الدين أو خالفت ~~الطوطمية كما يزعمون، ولكنه ينفر منها فطرة؛ لأنها مخلوق معيب في تكوينه سليب من ~~الضوابط السليمة التي تناط بها جميع الأخلاق، والدين لم يعتسف هذه الضوابط اعتسافا ~~لغير علة ولغير مزية، ولكنه شرعها وهي في أصول الفطرة القويمة؛ لأنها مزية في أخلاق ~~الفرد ومزية في أخلاق النوع، وما كرامة نوع يعرف الإباحة ولا يعرف ضوابط ~~الشهوات؟! # 8 # ولترجع ms145 الأخلاق إذن إلى مصلحة الطبقة أو إلى مصلحة الطبقات جميعا، فهي لا تصيب ~~الاحترام عند الفرد إلا لأنه فرد صالح التكوين مالك لزمام مشيئته بين مضطرب الأهواء ~~والشهوات. ومن السخف أن يقال إذن: إن الشهوات الجنسية مباحة لمن لا يعترف بنظام ~~الأسرة أو لا يدين بقداسة الزواج، فإن شهوات الطعام التي تعني الفرد وحده لا تباح - كما ~~تقدم - إذا نمت على خلل في الإرادة، وضعفت عن ضبط النزوات والمغريات، وهكذا ينبغي أن ~~يكون الحكم على الإباحة التي يطلقها الشيوعيون لهذه الشهوات. ~~••• # يقول «إنجلز» وهو يشرح مذهب «ماركس» ومذهبه في قواعد الأخلاق من مقاله في الرد على «دوهرنج»: # إن واضعي القيم الأخلاقية المطلقة مجانين أو دجالون، وإنه في عصره لا يعرف ~~مقياسا واحدا للقيم الأخلاقية؛ لأنه يرى حوله ثلاثة مقاييس: مقياس المسيحية ~~من بقايا عصر الفرسان وعصر العقيدة الأولى، وقد تفرع إلى شعبتين: شعبة الكثلكة ~~وشعبة البروتستانت، ومقياس البرجوازية ومقياس الطبقة الأخيرة أو البرولتارية أو ~~الصعاليك، وإن هذه المقاييس إذا اتفقت على بعض المحامد والعيوب، فذلك من ~~الطبيعي الذي لا غرابة فيه؛ لأنها تطورت في عصور التاريخ ومرت بأدوار متشابهة ~~في العهود الاقتصادية. # ومثل هذا الكلام الذي يقوله الماديون عن الأخلاق يجوز أن يقال عن ذوق الجمال وذوق ~~الطعام وسائر الأذواق، فليس بين الناس مقياس متفق عليه لذوق الجمال ولا مقياس متفق عليه ~~لذوق الطعام، ولكننا لا نلغي من أجل ذلك وجود الكائن الإنساني، ولا نبطل وجود إنسان له ~~شعور يتذوق الجمال، أو يتذوق الطعام إلا أن يكون عضوا في طبقة. ومن الجائز كثيرا أن ~~يوجد أناس يسيغون ما لا يساغ، أو يشمئزون مما يسيغه غيرهم، ولا يمنع هذا أن نقول: إنهم ~~مصيبون أو مخطئون بالقياس إلى الذوق العام كما نشعر به أو نتخيله، ومن قال بالتقدم - ~~كما يقول الماديون - وجب أن يقول بمقياس عام للأخلاق نحتكم إليه عند المفاضلة بين ~~أخلاق الطبقات وأخلاق العهود، وإلا فلا تقدم ولا تفاضل ولا وسيلة للخروج من حدود هذا ~~العهد الزماني أو تلك الطبقة ms146 الاجتماعية. ولا محل لانتقاد البرجوازي، ووصفه - كما وصفه ~~ماركس وإنجلز - بالشر وفقدان الحياة إن لم يكن للخير مقياس غير الخير الذي يرضاه ~~البرجوازيون لخدمة مصالحهم واستبقاء وسائل الإنتاج في أيديهم. # وينكشف الدخل كله في طوايا هؤلاء الماديين حين نذكر أن مذهبهم لا يستلزم هذه ~~النتيجة التي يذهبون إليها. فإنما اللازم من مذهبهم في الأخلاق أن الفرد لا يؤثر في ~~الحوادث العامة بأخلاق الحسنة أو السيئة إلا إذا وافقته الظروف الاجتماعية. والمسافة ~~بعيدة بين القول بهذا وبين القول بأن أخلاق الكائن الإنساني لا توجد عند الجميع ولا ~~يدين بها الفرد في كل طبقة، فالقول بأن أخلاق الفرد لا تغير المجتمع معناه أن هذه ~~الأخلاق توجد، ولكنها لا تقوى على تغيير الأحوال الاجتماعية، وهذا هو الرأي الذي يطرد ~~مع آرائهم جميعا، ويوافق قولهم ببقاء التقاليد الموروثة من العهود الماضية، ويوافق ~~قولهم الصريح بالتقدم على أي نحو من الأنحاء ولأية علة من العلل، سواء كانت من علل ~~الاقتصاد أو علل الحياة، ولا مفر من التسليم في الأخلاق بالعامل النوعي الذي يعترف ~~بوجود الكائن الإنساني في كل طبقة، ولا مفر كذلك من التسليم في الأخلاق بالعامل الفردي ~~الذي يتمايز فيه الأفراد بضابط الإرادة والقدرة على مقاومة الشهوات، أو فقدان هذه ~~القدرة لاختلال في التكوين يحسب من خصائص البنية أو خصائص التركيب. # ولا مفر على الحالين من التسليم بالمقياس الذي نثوب إليه عند المقارنة بين مجتمعات ~~شتى في أزمنة متباعدة أو متقاربة، فإن مذهب الماديين في جميع آرائه وقضاياه لا يدحض هذه ~~الحقيقة ولا يوجب إدحاضها. # فلماذا إذن هذا التشبث بمحو الشعور الإنساني وحصر الشعور كله في الطبقة؟ ولماذا هذا ~~التشبث بطبقة واحدة هي طبقة الصعاليك أو الطبقة التي يئول إليها التاريخ مجردا من ~~الطبقات؟ # من جانب الفكر لا موجب لذلك التشبث، ولا حجة له من آراء الماديين والشيوعيين بله ~~المعارضين والمناقضين. # وأما من جهة الظاهرة النفسية المريضة، فليس في الدنيا منفس إبرة يصرف عنه الضمائر ~~المبتلاة بداء النقمة والبغضاء، لا منفس لهذه الضمائر غير ms147 إلغاء النوع والإيمان بالطبقة ~~الأخيرة. # وأية طبقة؟ # الطبقة التي لا تحسد ولا يحقد عليها، وما من كاشف للدخل في أطواء تلك الضمائر كهذه ~~الظاهرة الكاشفة عما يفعله الحقد والحسد بالماديين «خدام الإنسانية!» فلو استطاع عازل ~~الحقد والحسد هنا أن يعزل عقولهم وضمائرهم لكان موقفهم من الطبقة الأخيرة كموقفهم من ~~غيرها، ولكنها تستثنى من الحفيظة الكامنة في تلك الضمائر المريضة؛ لأنهم لا يحسدونها ~~ولا يحقدون عليها. # وهذا هو التفسير الأخير لكل رأي وكل تقدير، بعد كل تفسير وقبل كل تفسير. # | الآداب والفنون والمعارف والعلوم # عند الماديين التاريخيين أن «الحاجة» هي مصدر الآداب والفنون والمعارف والعلوم، ولا ~~استثناء في هذه القاعدة للرياضيات ولا للفلسفة والعلوم النظرية، فالإنسان لا يفكر في ~~شيء، ولا يحلم بشيء، ما لم يكن مبعثه الحاجة إلى مطالب المعيشة، ولا تتطور الآداب ~~والمعارف جميعا إلا وفاقا لحالة المجتمع في هذه المطالب المعيشية، وتحكمها كلها في ~~النهاية وسائل الإنتاج. # وليس في المجتمع الإنساني معرفة لم تصدر من حاجة معيشته، غير أن المجتمع ينظم هذه ~~المعرفة في تركيبين متصاحبين: أساسي # 1 # ويشمل الحاجات التي تأتي من علاقة الإنسان مباشرة بالطبيعة، والتركيب الآخر ~~يسمونه «بالتركيب الأعلى» # 2 # ويشمل الحاجات التي تتولد من علاقة الإنسان بالإنسان في المجتمع، وهذه ~~تحتوي فيها مطالبه الأدبية والفنية ومطالب الثقافة الإنسانية على الإجمال. # ولقد كان في مقدور هؤلاء الماديين أن يرجعوا بالآداب والفنون والمعارف إلى حاجة ~~الإنسان، ويحسبون له حاجة عقلية إلى جانب حاجته الجسدية، ولكنهم لو فعلوا ذلك لابتعدت ~~منهم الغاية التي يريدون تقريبها، وهي استغلال الحرمان المطبق - الموعود - للتحريض على ~~النقمة والخراب. # فليس للإنسان إذن حاجة عقلية أو وجدانية إلى جانب حاجته الجسدية. كلا، بل حاجاته كلها ~~مجتمعة في مطالبه الحيوانية، وما عدا هذه الحاجات فهو فروع متشعبة منها، وليست أهلا ~~لأن تستقل بالطلب لذاتها في مطلع الحياة الاجتماعية، أو في المراحل التي تتقدم منها بعد ~~تلك المرحلة. # لماذا يرجع الماديون التاريخيون بالآداب والفنون والمعارف والعلوم إلى ذلك المصدر: ~~مصدر الحاجة الحيوانية؟ # أما الأسباب الفكرية ms148 فسنرى أنها لا تلجئهم إلى ذلك المرجع ولا تواتيهم خطوة حتى تدبر ~~بهم خطوتين، كدأبهم في كل علة يتعللون بها لرأي من الآراء. # وأما الأسباب التي ترجع إلى الظواهر النفسية المريضة في طباعهم، فهي على طرف الأصبع ~~ممن يريد أن يلمسها، وهي أن غاية مذهبهم ثورة يدعون إليها المحرومين من حاجات ~~المعيشة، فلا يجوز أن تكون هناك حاجات مثلها أو حاجات تقترن بها، بل لا يجوز أن يتأخر ~~اليوم الموعود لاستحكام ذلك الحرمان، فإن من يخفف الحرمان أو يكذب «اليوم الموعود» به ~~يحل بينهم وبين الأمنية المشتهاة. # وإن حيرة الماديين التاريخيين في البحث عن تلك الغاية لتتجسم بين عيني الناظر، كلما ~~نظر إليهم، وهم يعصرون رءوسهم ليسلكوا بها من جحر إلى جحر، ومن سرداب إلى سرداب وراء ~~تلك الغاية، التي لا يطيقون أن تبتعد ولا أن تتجه الآراء صوب غاية سواها. # وينبغي للباحث المجرد من الهوى أن يسأل نفسه كل سؤال جدي في هذا المبحث، ثم يهتدي إلى ~~الجواب الصواب فيه قبل أن يحسبه في زمرة الحقائق المفروغ منها. # إلا أن الماديين التاريخيين يهربون من الأسئلة الجدية في هذا البحث، أو يسألونها ثم ~~يروغون منها، ويقنعون في الإجابة عنها بتلفيقات صبيانية، لا تحتمل النظر إليها كرة ~~أو كرتين في مقام التثبت والتحقيق. # فهل يترقى ذوق الجمال الفني - مثلا - بمقدار انغماس المرء في الحاجات الضرورية؟! وهل ~~تترقى الآداب والفنون عند اشتداد القحط والفاقة، أو تترقى عند زوال الحاجة وتوفر البذخ ~~والرخاء؟! # وإذا قيل مثلا: إن الطائر يغني حين يشبع، فلماذا يغني إذا كانت حاجته هي الشبع، ~~ولم تكن له حاجة أخرى هي التعبير عن رضاه بأسلوب مركب في طبيعة البنية كتركيب المعدة ~~والجناح. # وإذا قيل: إن الشعر يروج بين القبائل البادية؛ لأنه يحركهم للحماسة والفخر والذكرى، ~~فليس السؤال هنا أنه نافع أو غير نافع، ولكنه سؤال آخر وهو: لماذا يحركهم؟ ولماذا يستحق ~~عندهم أقل عناء إذا لم يكن حاجة من حاجات نفوسهم، إلى جانب حاجات النضال والغلب في ~~القتال؟! # وكيف نفسر ms149 نبوغ الشعراء والمثالين في اليونان القديمة بنظام الإنتاج الاقتصادي، ~~وهو نظام تسخير الرقيق؟! وكيف يتأتى لهم النبوغ، ولا يتأتى مثله لكل أمة لها نظام ~~اقتصادي أو نظام إنتاج؟! # من الصبيانيات المضحكة حقا جواب «ماركس» عن هذا السؤال - حيث عرض له في ذيل الكلام ~~عن نقد «الاقتصاد السياسي» فخيل إليه أنه يجيبه ويفرغ منه إذ يقول: «إن الصعوبة ليست ~~في فهم علاقة الفن اليوناني وعصره ببعض أطوار الاجتماع، ولكن الصعوبة حيث نسأل: كيف بقي ~~حتى اليوم يمتعنا باللذة الجمالية ويكاد أن يمثل لنا نموذجا لا ينال؟» # والجواب الوافي عن هذا السؤال - في تقدير «ماركس» أن الإنسان لا يستطيع أن يكون ~~طفلا ولكنه يسر بأحوال الطفولة البريئة من التكلف، ويجتهد في إبراز حقيقتها على نحو ~~أرفع وأعلى، وكذلك تمثل لنا طفولة النوع البشري سحرا مضى ولا يعود، وقد كان اليونان ~~أطفالا طبيعيين عرضوا لنا أجمل طور من أطوار الطفولة الاجتماعية، ومن ثم هذا السحر ~~الذي يسحرنا به فنهم. # جواب صبياني مضحك من وراء تلك اللحية العبرانية السابغة التي يضيفها عليه «ماركس»، ~~ويظن أنه قال في هذا الموضوع قولا يستحق شيئا غير السخرية والابتسام، فلماذا تسحرنا ~~الطفولة أولا؟ وبماذا نفسر هذا الشعور الفني من التفسيرات الاقتصادية؟ ولماذا لم توجد ~~طفولة أخرى كهذه الطفولة؟ أو قبل هذه الطفولة، بين الجماعات البشرية الأولى؟ ولماذا ~~يتفاوت الناس في تذوق هذا الفن وهم سواء في الشغف بالطفولة وسحرها؟ وهل كل ما في إبداع ~~اليونان أنه لثغة صبيانية تأتي من الأطفال عفوا ولا يحسنها الكبار؟ # إن سر الفنون الجميلة مسألة أعمق وأسمى من أن تلفها ترقيعة من ترقيعات الماديين ~~التاريخيين الذين تعودوا أن يلفوا بها مسائل الاقتصاد، ولا يعسر عليهم تدارك الرقعة ~~فيها برقعة أخرى قد تخفى على أناس قليلين أو كثيرين في بدء العهد بالدراسات ~~الاقتصادية. لأن هذه الدراسات الاقتصادية لم يمض عليها أكثر من قرن واحد قبل أيام «كارل ~~ماركس» إمام المادية التاريخية، ولكن الأمم قد أخرجت آيات الفنون وروائعها منذ عشرات ~~القرون، وامتزجت هذه الآيات ms150 بعواطفها العامة وبعواطف كل إنسان على حدة، فندر بين الناس ~~من لا يستجيب لآية من آيات الفنون الكثيرة في لحظة من لحظات الرضا والأمن أو لحظات ~~الحزن والخوف، واستعصى على التعريفات المرقعة أن تفسر لكل إنسان متذوق للجمال حقيقة ~~هواه للفنون، وأن نظفر منه بالارتياح الذي يظفر به الرأي المطابق لبواعث الشعور. # واستعصى هذا على «كارل ماركس» فاضطر إلى استثناء بعض الأحوال، وإخراجها - ولو قليلا ~~- من نطاق الإنتاج وضرورات الاقتصاد، فاضطر في مقدمة «نقد الاقتصاد السياسي» إلى ~~الاعتراف «بأن فترات من العهود التي يرتقي فيها التطور الفني إلى ذروته العليا لا تكون ~~على اتصال مباشر بالتطور الاجتماعي في عمومه، ولا على اتصال بالأسس المادية في ~~المجتمع أو بهيكل نظامه.» # واضطر «إنجلز» - كما تقدم - إلى الاعتراف في رسائله بالغلو في تعظيم شأن العوامل ~~المادية، وإهمال شأن العوامل الأدبية أثناء الاشتغال بالدفاع عن قواعد المذهب أمام ~~خصومه ومعارضيه. # وكتب «إنجلز» في رسالة من رسائله إلى السيدة «مينا كوتسكي» بتاريخ نوفمبر سنة 1885 - ~~يأخذ عليها أنها أذابت «شخصيات» قصتها في الدعاية للغرض الذي سخرتهم له خدمة لمبادئها ~~الشيوعية. # ولما بدأ تطبيق المذهب في روسيا بعد الحرب العالمية الأولى كان «لينين» يعارض جماعة ~~الأدب الصعلوكي؟ # 3 # ويفضل «بوشكين» وليد المجتمع القيصري على ~~«مياكوفسكي» داعية الأدب الشيوعي، وتقول زوجته «كروبسكايا» في مذكراتها عنه: إنه سأل ~~طائفة من الشبان في سنة المجاعة ماذا يقرءون؟ هل يقرءون «بوشكين» فلما قالوا له: إنهم ~~يفضلون عليه «مياكوفسكي»؛ لأنهم لا يحبون الشعراء البرجوازيين، تبسم وقال: أظن أن ~~«بوشكين» أفضل، ثم تقول زوجته: إنه التفت بعد ذلك إلى منظومات «مياكوفسكي» لما رآه من ~~أثره في تلك النفوس الفتية. # وأصرح من رأي «لينين» رأي «تروتسكي» إذ يقول في رسالته عن الأدب والثورة: «إن ترديد ~~هذه المصطلحات - مصطلحات أدب الصعاليك وثقافة الصعاليك - خطر؛ لأنه يحصر أدب المستقبل ~~في المجاز الضيق من أدب الزمن الحاضر.» # ولما استبد «ستالين» بالأمر خيل إليه أنه قادر على محو كل أدب لا يتشيع لمقاصده، ~~ولا يتغنى بمجده ومجد ms151 مشروعاته، وأراد أن يزيل بقايا الأدب التي لا تواتيه على خطته، ~~فأصبحت مشروعات السنوات الخمس للأدب تساير مشروعات السنوات الخمس للصناعة والزراعة، ~~وذهب عهده من ولايته للحكم إلى وفاته بغير أثر يذكر في الآداب العالمية ولا الآداب ~~القومية، التي تدفقت من روسيا في أواخر أيام الحكم القيصري؛ لأنها كانت في الواقع أوائل ~~أيام النهضة أو أيام الحرية الفكرية، التي لا تقبل التوجيه ولا تستوحي برامج المسيطرين ~~على الأفكار والنيات، وقد كان من أثر الجو الخانق الذي أطبق على قرائح الشعراء والأدباء ~~أن ثلاثة من أشهرهم بخعوا أنفسهم وهم دون الخامسة والثلاثين، وهم «مياكوفسكي» ~~و«ايسنين» و«تاجريتسكي»، الذين كانوا ينزعون ثلاثة منازع متفرقات بين الإشادة بالصناعة، ~~والإشادة بالريف، والإشادة بمجتمع الحضارة، فأحسوا بالاختناق الميئس في هذه المنازع ~~المتفرقات. # وما هو إلا أن زال عهد «ستالين»، وأدرك الشعراء والقصاص أنهم في حل من التمرد على ~~البرامج القاسرة في النظم والكتابة حتى تنفسوا الصعداء، وارتفعت منهم الصيحة بانتقاد ~~أدب الآلات والمشروعات، واجترأت الشاعرة «برجولتز»، # 4 # فتهكمت على الأناشيد التي كانت تنظم للصغار منذ طفولتهم وفاقا لتلك ~~البرامج الآلية، فقالت: إن هذه الأناشيد تنظم في الأمم الأخرى لتنويم الأطفال، ولكنهم ~~في روسيا ينظمونها لإزعاجهم وإطارة الرقاد من عيونهم، وكان على رأيها في ثورتها شاعران ~~معروفان هما: «باستوفسكي» # 5 # و«فاردوسكي»، # 6 # ثم لحق بالأدباء المتمردين عميدهم الذي اشتهر بفن القصة في اللغات الأوربية «إيليا ~~اهرنبرج»، فنشرت لهم الصحف الأدبية ما كتبوه، ومنها صحيفة الراية «زناميا» وصحيفة ~~«المجلة الأدبية»، وكلتاهما كانت لسان حال لمشروعات السنوات الخمس في الأدب والفن ~~الجميل. # وإن هذا النوع الذي عرفه الأدباء الشيوعيون بالتجربة لخليق أن يعرفوه بداهة، أو ~~يستغنوا فيه بتجارب الأمم الإنسانية على تنوع لغاتها وآدابها وفنونها، فإنه لمن البديه ~~أن يكون الأدب حيويا إنسانيا قبل أن يجوز في العقل أن تستخدمه طبقة لتسخير الطبقات ~~الأخرى في تعزيز مكانتها أو خدمة مصالحها، حتى الأدب الذي هو أخص الآداب بالأفراد ~~وأبعدها عن مشكلات الاقتصاد والاجتماع كشعر المديح والفخر والرثاء، وإلا فماذا تساوي ms152 ~~قصيدة المديح أو الفخر أو الرثاء التي لا تعني أحدا غير من قيلت له أو قيلت فيه؟ وماذا ~~يساوي الشعر كله في جميع العهود والدول إن لم يكن له رواة وحفاظ من الرعية ~~والرعاة؟ # والشعر العربي - على التخصيص - يأتي بالحجة القاطعة في تفنيد أثر الطبقة في الآداب ~~والفنون والرجوع بأقوى المؤثرات وأفعلها إلى العقيدة والبواعث الوجدانية؛ لأن هذا ~~الشعر لم تتغير أبوابه ولا مقاييس الحمد والذم فيه، مع تغير وسائل الإنتاج من أيام ~~الجاهلية إلى أيام الدول الإسلامية، ومن قيام هذه الدول في المشرق إلى قيامها في المغرب ~~بين الأوربيين وشعوب أفريقيا الشمالية. # فالعصر الذي نشأ فيه الشعر العربي كان على حسب تقسيم الماركسيين عصر السادة ~~والأرقاء، كان في البادية على أيام الجاهلية قليل من الأرقاء يعملون في ~~الصناعات وسائر الأعمال اليدوية، ثم تجمعوا في الموانئ على شواطئ العراق بعد قيام ~~الدولة العباسية، ثم اجتمع من الموالي والمماليك ألوف مجندون في الجيش، ما برحوا ~~يتكاثرون ويستأثرون بمناصب القيادة والرئاسة، حتى آل إليهم الملك وضعف سلطان الخلافة ~~والوزارة بالقياس إلى سلطانهم، وهذه أطوار في نظام السادة والأرقاء لم يحدث لها ~~نظير في الأمم الغربية، فهي أصدق المراجع لتصحيح الآراء في أمر الأدب وعلاقته بنظام ~~الإنتاج، وهي أقوى تفنيد لرأي الماديين التاريخيين في ارتباط الأدب والفن بالطبقة ~~والتهوين فيهما من أثر البواعث الحيوية والإنسانية؛ بل الطبيعة التي تحيط بجميع ~~الأحياء. # فالشعر - وهو الفن العربي الأول - قد بقيت له أبواب الفخر والغزل والمديح والرثاء ~~والهجاء من أيام الجاهلية إلى أيام الدول الإسلامية في المشرق والمغرب، وقد بقيت مقاييس ~~الحمد والذم فيه مرعية بين أيام الأرقاء الأولى وأيامهم الأخيرة وفي أيديهم الصولة ~~والصولجان، ولما اختلفت موضوعات الغزل كان اختلافها في دول الأندلس؛ حيث لا يوجد ~~الرؤساء المتحكمون من المماليك والموالي كاختلافها في دول العراق وفارس ومصر حيث وجد ~~الرؤساء من مماليكها ومواليها، ولما اضطربت أمور الدول الإسلامية، واختلت دعائم الأمن ~~فيها وسرى الضعف إلى اللغة الفصحى من أثر الاضطراب والاختلاط كان النشاط الأكبر لتحرير ms153 ~~اللغة وجميع مفرداتها وتصنيف موسوعاتها في دولة المماليك وعلى أيدي أناس من الأعاجم، ~~ولم ينهض هؤلاء وهؤلاء لتحرير اللغة العربية الفصحى؛ لأنها لغة أمهاتهم وآبائهم، ولكنهم ~~نهضوا هذه النهضة؛ لأنها لغة العقيدة التي يدينون بها ولغة الثقافة العامة التي يلتقي ~~فيها أبناء الأمة العربية وأبناء الأمم الأعجمية. # ولقد سأل السائلون: ماذا كان أثر النظام القائم على الأرقاء في أدب اليونان وفي ~~شعر يوربيدس وارستفان واسكايلوس وسفوكليس وغيرهم من الشعراء والحكماء؟ # وسألوا هذا السؤال وعجز المسئولون عن جوابه، وأحرى من ذلك بالسؤال نظام السادة ~~الأرقاء وأثره في موضوعات الشعر العربي ومقاييس الحمد والمذمة فيه، فإن العجز في ~~جواب هذا السؤال على وفاق المذهب المادي لأظهر من العجز في جواب السؤال عن أدب اليونان ~~الأقدمين؛ لأننا هنا أمام أثر الفكرة في ناحية، وجميع الآثار المزعومة في الناحية ~~الأخرى بين شتى الأقوام والبيئات واللغات والأزمنة ووسائل الإنتاج. # ولدينا في مصر شاهد يضارع هذا الشاهد في قوته وتفنيده للسخافة المادية، وذاك هو ~~الشاهد الذي نستمده من أدب مصر «الشعبي» خلال عصر المماليك من أواخر الدولة الفاطمية ~~إلى أوائل القرن العشرين. # فإذا زالت من آداب الأمم جميع الشواهد التي ترجع بالأدب والفن إلى البواعث الحيوية ~~الإنسانية، كان هذا الأدب الشعبي في مصر قائما وحده بالبرهان المكين على هذه الحقيقة، ~~التي لم تبطلها قط تجربة من التجارب الإنسانية. ~~«على أي موضوع كان الأدب الشعبي يدور بمصر منذ القرن السادس للهجرة؟ # إنه كان يدور على ملاحم أبي زيد الهلالي والزناتي خليفة والزير سالم وسيف ابن ذي يزن ~~وغيرهم من أبطال هذا الطراز.» ~~«وقد اختلفت الهيئة الحاكمة خلال هذه القرون من الدولة الفاطمية إلى الأيوبية إلى ~~دولة المماليك إلى الدولة العلوية. # واختلفت الأحوال الاقتصادية من رواج النقل في تجارة الشرق والغرب إلى انقطاع الصلة ~~بينهما، إلى نشأة الزراعة القطنية، إلى تجدد المعاملات التجارية بين القارات الشرقية ~~والغربية. # وفي جميع هذه القرون كانت قصة أبي زيد هي هي، وقصة الزير سالم على نسختها الأولى، ~~وقصة الذوين والتبابعة مسموعة في ms154 القرن الثالث عشر كما كانت تسمع قبل ذلك بثلاثة قرون ~~أو أربعة. وهذا هو رأي الشعب في الأدب الشعبي، لا سلطان عليه للطبقة الحاكمة، لأن هذه ~~الطبقة الحاكمة كانت تجهل اللغة التي نظمت بها قصائد السيرة الهلالية وما شابهها؛ ~~ولأن قبائل بني هلال وبني تغلب وبني من شئت من الآباء لم يكن لها سلطان على الدولة ~~الحاكمة، ولا كانت الدولة الحاكمة معتزة بهم أو جارية في نظام المجتمع على ~~مثالهم. # إن هذه الملاحم حقيقة واقعة، وإن غرام الشعب بها حقيقة واقعة، وإن ثباته على الافتتان ~~بها مع اختلاف الدول والأحوال الاقتصادية والطبقات الحاكمة حقيقة واقعة. # فأين يذهب تعريفنا للأدب بأنه مسألة اجتماعية بين هذه الحقائق الواقعة؟ وأي فرق بين ~~الأخذ بذلك التعريف وإهماله غاية الإهمال؟ # أليس المقصود بالأدب الشعبي أن يكتب بلغة الشعب؟ أليس المقصود به أن يلقى القبول ~~والإقبال عند طبقة الشعب، أليس المقصود به أن يصدر من صميم الشعب ولا يصدر من الحكام ~~والمستغلين؟ أليس المقصود به أن يأتي طواعية من الناظم إلى المستمعين بغير تسلط ولا ~~إكراه؟ # بلى! وكل أولئك كان موفورا للملاحم الهلالية وما جرى مجراها، فلماذا كانت هذه ~~الملاحم دائرة على البطولة والغزل ولم تكن دائرة على الرغيف والفول المدمس؟ ومن الذي ~~أكره الشعب على طلب هذه المعاني والإعراض عما عداها؟ # جواب واحد لا سبيل إلى الحيد عنه بكلمة من ألفاظ الرطانة التي يلغط بها أصحاب الأمر ~~والنهي في تعريف الآداب، وذلك الجواب هو شعور الإنسان». # 7 # نعم، هو شعور الإنسان مرجع كل أدب في كل بيئة، في كل نظام اقتصادي، في كل لغة، في كل ~~جيل. # ولهذا كانت موضوعات الحماسة والحب عامة متقاربة في جميع الآداب والفنون، فلا أدب حيث ~~لا نخوة ولا عاطفة، ولا أدب حيث لا اشتراك بين جميع الطبقات من الرعايا والرعاة. # وإذا التفتنا من المديح الذي يمكن أن يقال: إنه خاص بالسادة الأعلياء ونسينا أن ~~الإعجاب بشعر المديح مقصور على الممدوحين، ثم نظرنا إلى مقاييس المديح أو الحمد في تلك ms155 ~~الأشعار، فكيف يتسنى لأحد أن يزعم أنها هي المقاييس التي تخدم الممدوحين ولا تخدم غيرهم ~~من الرواة والحفاظ والنقاد؟ # إن الممدوحين يمدحون بالكرم والشجاعة، وليس الكرم فائدة مقصورة على الممدوح، وليست ~~الشجاعة كذلك فائدة مقصورة عليه، وبخاصة في العصور التي يتكفل فيها الفرسان بالدفاع عن ~~الأوطان؛ لأنهم يمتازون بفنون الحرب والدربة على استخدام أنواع السلاح. ~~••• # ومما سمعناه في هذا الصدد أن الشعر العربي تغلب عليه الصبغة الغنائية، # 8 # وأن الشعر الغنائي لا يدل على أطوار المجتمع دلالة الشعر التمثيلي أو شعر ~~الملاحم. ولسنا نعلم أن هذا القول من الأقوال المسلمة في عرف النقاد الماديين أو ~~مدارس النقد الأخرى، إذ من المعلوم أن الشعر الغنائي يتناول المديح وهو كبير الدلالة ~~على شئون الرئاسة في الأمة، ويتناول الغزل وهو كبير الدلالة على شئون المرأة فيها، ~~ويتناول الرثاء والهجاء، وهما معياران صادقان للمحاسن والمساوئ وآداب الناس في حالتي ~~الحزن والغضب. أما شعر الملاحم فقد رأينا شواهده في الملاحم الشعبية التي شاعت بين ~~المصريين، وكان في شيوعها هذا تفنيد لما يراه الماديون من وظيفة الأدب وعلاقته بالطبقة ~~الحاكمة أو بالطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج. # إلا أننا نعمد إلى الشعر التمثيلي في ديوان شاعر من أكبر شعرائه في لغات الحضارة وهو ~~«وليام شكسبير»، وننظر إلى شخصيات ملوكه وأمرائه وملكاته وأميراته، فلا نجد فيها مسوغا ~~للقول بخدمة الأدب لنظام الدولة القائمة، وقد نجد فيها مسوغا للقول بالسخط على أولئك ~~الملوك والملكات؛ لأنهم مصورون في روايات الشاعر على صورة منفرة توجب الحذر والريبة، إن ~~لم توجب التمرد والثورة. # ويأتي بعد «شكسبير» شاعر آخر يقاربه في النبوغ ويحسب بين خمسة أو ستة من شعراء ~~الملاحم وهو «جون ملتون» صاحب الفردوس المفقود، فلا ثورة فيه على قواعد النظام ~~الاجتماعي، ولا يجوز لنا أن نتخذ من صورة الشيطان في الملحمة أنها صورة الخلائق ~~المحمودة أو صورة الخلائق المرذولة في زمانه، وأصدق ما يقال فيها: إنها صورة فنية تترجم ~~عن شعور «ملتون» بخلائقه الفردية أو الاجتماعية على السواء. # وإذا كررنا ms156 بالنظر راجعين إلى أعلام الشعر التمثيلي في اليونان لم نستطع أن نعرف ~~منه أنه مرتبط بنظام السادة والأرقاء، ولم يخطر على بال قارئه أنه منظوم لاستبقاء ~~وسائل الإنتاج، إلا أن يكون في البال هوس ينثني به إلى ذلك الخاطر ليبحث عنه بين زوايا ~~السطور. # وأي بديهة سلمت من ذلك الهوس يخفى عليها أن الآداب والفنون هي منافس الطبع البشري ~~التي يلوذ بها من وطأة المعيشة، وليست ضرورة أخرى يضيفها الطبع البشري إلى تلك ~~الضرورات؟ # إن طبيعة الإنسان تتنسم من جانب الآداب والفنون نسمات الحرية التي تتفقدها في عالم ~~الضرورات والأثقال فلا تهتدي إليها، وقد ترددت موضوعات الحماسة والحرب في آداب الأمم ~~وفنونها؛ لأنها تجد هذه الحرية في عالم البطولة والعاطفة وتشعر شعور الإنسان الحي، لا ~~لأنها تشعر شعور «المخلوق الاقتصادي» الذي يرسمه لنا الماديون في أسواق البيع والشراء. ~~ومن البلاء على الطبع الإنساني أن نسلط عليه الضرورة تطارده في عالم الخيال كما تطارده ~~في عالم السعي والدأب، وأن تتراءى أمامه في منافذ الأحلام فيسمعها مع الغناء كما يسمعها ~~مع ضجيج الآلات، ويبصرها مع الصورة والتمثال كما يبصرها مع الأفران والقدور. وهذه صفحات ~~الآداب الإنسانية تمتلئ بالأحلام التي وجدها الناس في آدابهم وفنونهم لأنهم لم يجدوها ~~في أعمالهم ومساعيهم، ولم تكن هذه الأحلام عبثا خاويا ولا علالة فراغ، لأنها حوافز ~~النفس البشرية إلى تقريب البعيد وتحقيق المحال، وما كان لها من سبيل إلى الطيارة لولا ~~الحصان الطيار وبساط الريح، ولم يكن الحالم بالفص المسحور وقمقم المارد صاحب مصنع يبحث ~~عن زر الكهرباء ومرجل البخار، ولكنه صاحب خيال يحلم للإنسانية، ويلقي بأحلامه إلى ذمة ~~الغيب فتخرج في أوانها من حيز الحلم إلى حيز العيان. ~~••• # ويحق لنا أن نقول: إن أسوأ الآداب والفنون في عرف الماديين التاريخيين أوفق للطبقة ~~المظلومة من آدابهم وفنونهم كما يرتضونها، وكما يحبون أن يفرضوها على تلك ~~الطبقة. # وأسوأ الآداب والفنون في عرفهم هي تلك التي يسمونها آداب «البرج العاجي» أو فنون ~~البرج العاجي، ويريدون بها كل فن يشغل ms157 بوصف محاسن الطبيعة، أو وصف المناظر على عمومها ~~لزينتها وجمالها دون ما يتبعها من المنفعة الاقتصادية أو من الأثر في أحوال ~~المعيشة. # وأول ما نلاحظه على هذا التعريف للأدب المسمى بأدب «البرج العاجي» أنه لا وجود لمثل ~~هذا الأدب، ولا وجود لفن قط يعلمنا أن ننتبه للزينة والجمال، ويتجرد على اليقين من ~~الأثر في أحوالنا المعيشية وإن يكن أثرا غير مقصود أو غير مباشر. وليكن فن «البرج ~~العاجي» هذا مقصورا على وصف حدائق الزهر أو جداول الماء أو ما شاكل ذلك من مناظر ~~الطبيعة التي نراها فيما حولنا، فإن هذا لا يجعل الوصف من أدب اللغو والفضول؛ لأن ~~حدائق الزهر لها محل في كل مجتمع نظيف متقدم، وما كان له محل في المجتمع فمن الجائز - ~~بل من الواجب أن يكون له محل في صفحات الآداب وآيات الفنون. # والشاعر الذي ينبه النفس إلى صدق الشعور يزيد نصيب القارئ من الإحساس بالحياة، ويعطيه ~~بذلك قيمة حيوية لا تحسب من اللغو والفضول، وهو عدا هذا يهذبه ويعوده جمال المعيشة، فلا ~~يقنع برثاثة العيش ولا يزال متطلعا إلى حياة أرفع من حياة الضنك والكفاف، ومتى قورن ~~هذا الأثر «النافع» بأثر الفن الذي يصبح ويمسي في حديث الضرورات أو حديث الصناعات ~~والمصنوعات، فلا ريب في نتيجة هذه المقارنة بغير حاجة إلى التعمق في إدراك النفس ~~البشرية، فإنما الأثر المحتوم للإصباح والإمساء في حديث الضرورات ساعة العمل وساعة ~~الفراغ وساعة النظر إلى التمثيل وساعة الإصغاء إلى الغناء، إنما هو السآمة والتبرم ~~بالأدب والعمل على السواء. # ولا ندري أين يضع الماركسيون تلك المحاسن التي تبذرها الطبيعة بذرا في حياة النبات ~~والحيوان، سواء حسبوها مع الزينة أو حسبوها مع الضرورة؟ إن الطبيعة لا تنظر إلينا حين ~~تنبت أزهار الفول والحمص والبازلاء، ولا تبالي بأسماعنا حين ترسل الأنغام من حناجر ~~الطير في بكرة الربيع وفي بكرة الصباح من جميع الفصول، ولكننا نحن ننظر إليها ونبالي ~~بها ونفهم من زينتها أنها لازمة لها لا تنفصل من الضرورة في مطالب الغذاء ms158 ومطالب ~~البقاء، ومن اللغو أن نقول: إن الزينة برجوازية حين تظهر في الحياة الإنسانية، ~~وطبيعية خالصة حين تظهر في حياة الشجر وحياة العصفور؟ # ولسنا نمزح حين نسترسل من هذا السؤال إلى سؤال عن لحية «كارل ماركس» التي أضفاها حول ~~وجهه وحملها طول حياته، ما مكانها من الزينة والضرورة؟ وما مكان هذه الزينة أو الضرورة ~~من وسائل الإنتاج، وإذا كان هذا قسط الزينة في وجه زعيم فيلسوف، فلماذا نلغيه ونحرمه في ~~تعبيرات العواطف وتشبيهات الشعراء؟ # لسنا نمزح بحق في هذا السؤال؛ لأن جوابه كيف كان يضطر الماديين الماركسيين إلى فهم ~~آخر لمعنى الزينة وعلاقتها بضرورات المعيشة ووسائل الإنتاج؟ # ولسنا نمزح كذلك حين نسترسل في هذا السؤال إلى السؤال عن نموذج الأدب المرتضى بعد ~~قيام المجتمع من طبقة واحدة، هل يحرم فيه ذكر وسائل الإنتاج؛ لأنها بقية من بقايا ~~الاستغلال ورأس المال وأحابيل البرجوازية والانتهازية والابتزازية وما إليها؟ # هل يدور على حياة الإنسان بعد ذلك، ولا يدور من قريب ولا بعيد على الفلوس والأجور؟ ~~وهل يتهجى الإنسان بعد ذلك في الذوق الإنساني الخالص، ويتعثر فيه بين الحروف والمقاطع ~~كأنه طفل لم يشهد النور قبل ذلك آلاف السنين؟ وإذا كان الإنسان قابلا بعد ذلك الماضي ~~السحيق أن يحتفظ بالطبيعة الإنسانية، فلماذا يقال: إن الطبقة قد استنفدته قديما، فلم ~~يبق فيه مكان يسمح للإنسانية أن تعيش إلى جانب الطبقة بمقدار النصف أو الربع أو العشر ~~أو أي مقدار؟ # لسنا نمزح بحق في هذا السؤال أيضا، لأننا نحب أن نعرف كيف يتخيل الماديون إنسانا ~~يولد في المجتمع الموعود، لم يكن إنسانا قط منذ بدأ أدوار التاريخ كما وصفوه. ~~••• # ومن التقسيمات التي ضللت العقول زمنا طويلا، ولم تزل تضللها تقسيم المطالب العامة ~~إلى ضروريات وكماليات، والاسترسال من ذلك إلى ضروب من الترتيب يعاودون بها التقديم ~~والتأخير أو التأخير والتقديم، فيما يؤخذ وفيما يترك، وفيما هو أولى بالعناية وما هو ~~أحق بالإهمال. # ولا خلاف على تفاوت المطالب في لزومها أو الاستغناء عنها، ولكننا إذا بنينا على ذلك ms159 ~~أن المطالب التي لا تلزم في كل حين تهمل، ولا ينظر فيها حتى يستوفي الناس ما يلزمهم، ~~كان العمل بهذا الرأي خطلا مضيعا للضروريات والكماليات؛ بل ربما ضيع الضروريات أو ضيع ~~وسائلها قبل الكماليات التي يقال: إنها مما يستغنى عنه. # إن الرغيف ألزم من الكساء والدواء، ولكننا إذا قلنا: إننا نهمل الكساء والدواء حتى ~~نستوفي الرغفان أضعناها جميعا، ولم نصنع ما نحتاج إليه ولا ما نستغني عنه. # ولا يحتمل هذا القول مغالطة أو مكابرة إلا من جماعة الدعاة الذين يخاطبون الغرائز ولا ~~يخاطبون العقول والضمائر، فإذا قال هؤلاء لأصحاب الغرائز التي تخذلها عقولها وضمائرها: ~~ماذا تصنع المعدة الجائعة بالفن والأدب والعلم؟ فهذا كلام قد يصلح للتدجيل والتضليل، ~~ولكنه لا يصلح لتقرير الحقائق ولا لإشباع الجياع، ولو سمع هذا الكلام من فجر التاريخ ~~لما وجدت الآن الآلات والمكنات التي لولاها لمات العاملون جوعا، ولم يجدوا ما يعملونه ~~فضلا عما يكسبونه من العمل، ولو توقف صنع الفن وبناء الصروح ونسج الأكسية واستخراج ~~المعادن والجواهر إلى أن تتم الضروريات المزعومة منذ فجر التاريخ، لذهبت هذه الصناعات ~~الضرورية لحسبانها يومئذ من الكماليات. # وهؤلاء الدعاة يتخيلون أو يريدون من الناس أن يتخيلوا أن الإنسانية معدة واحدة، لا ~~تعمل حتى تشبع وتروى، وينسون أن الإنسانية ملايين من المعدات والعقول والأذواق تستطيع ~~أن تعمل معا - ولا بد أن تعمل معا - وإلا ضاع الجياع في مقدمة الضائعين، وهكذا عملت ~~الإنسانية، وهكذا عملت الطبيعة، وهكذا عمل الكون منذ كان. وليس من الكماليات ما هو أقل ~~لزوما من الصروح التي كانت تبنى منذ خمسين قرنا في الحضارات الأولى، ولكنها لو توقفت ~~يومئذ لما كان لدينا اليوم صناعة بناء، ولا صناعة ملاحة، ولا صناعة معادن، ولا صناعة ~~نقش وتجميل، ولكان أول الضائعين بذلك طلاب الضروريات! ~~••• # كنا في لجنة المعارف بمجلس النواب، ودار البحث على الفنون الجميلة، فقال بعضهم: إنها ~~من الكماليات، فكان جوابي للقائل: نعم لعلها كذلك، ولكننا إذا كنا نعيش بالضروريات ~~فإنما نعيش بالكماليات. # وخرجنا من اللجنة، ووصلنا في أثناء ms160 الحديث إلى ميدان الأزهار، فلقينا رتل من مركبات ~~النقل ليس بينها مركبة واحدة لم تزوق بالألوان، أو لم تعلق في عنق حصانها شرابة ملونة ~~الأهداب، قلت لصاحبي: أتظن هؤلاء السائقين من المترفين الذين شبعوا من الضروريات؟ أتظن ~~واحدا منهم في غنى عن ثمن الطلاء الذي يزوق به خشب المركبة؟ أتظن هذه «اللاسة» ~~المزخرفة ضرورية لوقاية رأسه؟ ثم هذا الغناء في إبان الشغل: كيف تحسبه في أبواب ~~الميزانية؟ وكيف تمنعه دون أن تمنع معه شيئا من النشاط وشيئا من الحماسة ~~النفسية؟ # هذه ملاحظة ترى في كل مكان، وليست مما نفقده في وقت من الأوقات، ويمكننا جميعا أن ~~نراه في جميع الأوقات وجميع المناسبات. # وندع مركبات النقل، وننظر إلى السيارات، فكم نرى منها للضرورة وكم نرى منها ~~للكماليات؟ إنها تتفاوت بالمتانة والسرعة، وتتفاوت كذلك بالشكل والقالب، وبالمنظر الذي ~~يأخذ البصر من النظرة الأولى، وإليه يلتفت المعجب بها لأول وهلة، ولأجله قبل غيره يبذل ~~الفرق في الثمن عشرات أو مئات من الجنيهات. # وندع الصناعة والمصنوعات، ونتجه إلى الطبيعة في مروجها وحقولها وغيطانها، ولا نقول ~~إلى بساتينها وحدائقها، ولا إلى ما في البساتين والحدائق من الورد والنرجس والريحان، ~~فربما قيل عن هذه الأزهار بأشجارها جميعا: إنها «كماليات» مزهود فيها. # ننظر إلى غيط الفول، وناهيك بكلمة الفول وحدها رمزا للأكل، بل للعلف الذي ينزل من ~~طبقات الضروريات إلى قرار القرار، فأية حسناء من المترفات تتخطر برائحة أجمل من رائحة ~~غيط الفول؟! وأي زينة لديها أنقى من زينة زهرة الفول؟! ما فائدتها؟! ما جدواها؟! ما ~~تفسيرها بلغة الضروريات؟! # لعلها تغري الحشرات بنقل اللقاح؟! ولعلها تغري النحل بصنع الرحيق؟! ربما حدث هذا ~~وذاك، ولا علينا من حاجة القول إلى نقل اللقاح أو استغنائه عنه، ولا علينا من عمى بعض ~~الحشرات عن اللون وعن الرائحة؟ ولا علينا من الحشرات نفسها ما الذي ينقل لقاحها؟ وفي أي ~~شيء ترسم لها الطبيعة ألوانها وتوشي لها أجنحتها؟ بيد أننا نقول: إننا نصف الشيوعيين - ~~أحيانا - بوصف الحشرات ولا نمزح؛ لأنهم يرتضون لأنفسهم ms161 مرتبة من الخلق دون مرتبة ~~الحشرة التي يستهويها الجمال، ولا تفسر كل عمل من أعمالها بوسائل الإنتاج. ~~••• # وسواء قصدنا إلى المزح، أو لم نقصد إليه، فنحن نمزح على الرغم منا كلما عالجنا البحث ~~في هذا الذي يسميه الماديون التاريخيون رأيا يرتئونه عن أصل العلوم، لأن رأيهم هذا ~~وقار يشبه الهزل أو هزل يشبه بالوقار. # ماذا يقول القارئ إذا سمع أحدا يقول له بلهجة الجد والثقة: إن عينك لا تبصر شيئا ~~إلا أن تكون لك حاجة فيه؟! # إنه قول عجيب، ولكنه أقل عجبا من قول الماديين التاريخيين في أصل العلوم، إذ يقولون: ~~إن عقل الإنسان لا يعرف شيئا، وإن معرفته لا تصبح علما إلا أن تكون له حاجة ~~إليها، وشرطهم الأخير هنا كشرطهم في سائر آرائهم، أن يئول الأمر في النهاية إلى وسائل ~~الإنتاج. # وهم كدأبهم إليه يتخطون جميع العقبات؛ ليصلوا إلى الغرض الذي يرمون إليه من وراء هذه ~~النظريات، فإن العقبات التي تعترضهم في طريقهم كثيرة، لم يذللوا واحدة منها ولم ينظروا ~~إليها إلا على عجل واختلاج؛ ليهرولوا إلى الخاتمة المأمولة قبل فوات الأوان. # فمن العقبات التي تعترضهم أن الإنسان يعلم بإرادته وبغير إرادته، ولكنه يشعر ~~بالحاجة، فيريدها ويطلبها ويسعى إليها، فنحن لا نعلم باختيارنا أن الشمس تطلع كل يوم ~~من موضعها، بل نراها تطلع يوما بعد يوم، فتصبح هذه الرؤية مادة من مواد العلم، التي ~~تحصل لدينا حيث نريد وحيث لا نريد، فإذا استخدمنا حرارة الشمس أو نورها بعد ذلك في ~~حاجة من حاجاتنا، فنحن هنا نريدها، ونعتمد على إرادتنا كما نعتمد عليها في كل ~~شيء. # ومن العقبات في طريق التعليل المادي للعلوم، أننا نزداد معرفة فنزداد علما بحاجاتنا، ~~وكثيرا ما يكون العلم سابقا بذلك للحاجة مهما يكن من اضطرارنا إليها، فقد تعلمنا ~~فعرفنا ما نحتاج إليه من الغذاء والكساء والدواء، ولم يكن أكثرها مما نعلم أننا محتاجون ~~إليه. # ومن تلك العقبات أن الحاجة وحدها لا تحقق لنا الغاية التي نسعى إليها السعي الحثيث ~~من أوائل تاريخنا المعلوم، فمن ms162 عشرات القرون يحتاج الناس إلى دواء الأمراض المعضلة، ولا ~~يعرفون دواءها، وفي هذا العصر يصل الباحث بالمصادفة إلى أنفع الأدوية - كالبنسلين مثلا ~~- فلا نلبث أن نعرف مواضع الحاجة إليه. # ومن تلك العقبات أن الناس يتفاوتون في استنباط العلوم وتحصيلها، على حسب تفاوتهم في ~~العقول لا على حسب تفاوتهم في الحاجات، فوسائل الإنتاج متساوية أو متقاربة في المجتمعات ~~الإنسانية إلى ما قبل عصر الصناعة الكبرى، وليست المجتمعات مع ذلك متساوية في العلم ~~والثقافة وتمهيد طريق الاختراع، وقد كانت معادن الحديد والفحم والنفط موجودة في غير ~~أوربة الغربية من قبل وجود الإنسان، ولكنها لم تحدث المخترعات الصناعية التي حدثت في ~~أوربة الغربية، ولم يكن لها تمهيد غير التمهيد العلمي في عصر النهضة قبل قيام الصناعة ~~الكبرى على سعة أو في نطاق محدود. ~~••• # ولنتكلم بلغة الماديين التاريخيين فنقول: إن هذه العقبات محتاجة إلى التذليل قبل ~~الوثب منها إلى النتيجة المقصودة، بيد أن الماديين التاريخيين لم يذللوها على شدة ~~الحاجة إلى تذليلها، ووثبوا منها إلى الغاية التي لا بد أن يثبوا إليها، وهي تعليل ~~العلوم جميعا بالحاجة إليها. # ومن تلك العلوم ما تجوز المغالطة فيه كالعلوم الطبيعية التي ترتبط بالتجربة والتطبيق، ~~ومنها ما تتعذر المغالطة فيه؛ لأن ارتباطه بالتجربة والتطبيق قليل جدا في رأي ~~العارفين به، كعلوم الرياضيات. # فمن المتفق عليه أن الحقائق الرياضية عقلية، لا ترتبط كثيرا بالمشاهدات الحسية، ~~وأنها قد تمت على وجه التقريب قبل تمام العلوم التجريبية بمئات السنين. # وقد رأينا غيرنا أطفالا في الثانية عشرة يحلون من عمليات الحساب على غير الورق مسائل ~~تحتاج إلى ضرب عشرة أرقام في عشرة، وهم أشباه أميين. وثبت أن علوم الحركة التي مهدت ~~للمخترعات الحديثة لم تكن ميسورة بغير المعلومات الرياضية، التي اقترنت بعلوم النهضة في ~~عصر الحرية الديمقراطية، فأسفرت عن خوارق الصناعة الحديثة. # إلا أن استثناء العلوم الرياضية يفسد الحساب الأخير على الماديين التاريخيين، فلا ~~حقائق رياضية ولا تجريبية يدركها العقل، ويجعلها علوما مفهومة بمعزل عن وسائل ~~الإنتاج. # ويقول «كارل ماركس» في الجزء ms163 الأول من كتاب رأس المال: إن «ضرورة التنبؤ عن موعد ~~الفيضان» هي أصل علم الفلك عند المصريين الأقدمين. ويقول هو ومن على شاكلته: إن ~~الحاجة إلى تقسيم المزارع بعد الفيضان هي أصل علم الهندسة؛ ولذلك سميت في اللغة ~~اليونانية بعلم قياس ~~الأرض. # 9 # وبعض ما قاله الماديون هنا يقره غيرهم من الباحثين في أصول العلوم، إلا أنهم لم ~~يستطيعوا أن يمنعوا قدرة العقل البشري على استنباط العلم الذي لا تلجئه إليه الحاجة، ~~وفي مقدمته علم الرياضيات بما يشتمل عليه من فلك وهندسة. # فهل من المعقول أن تصبح الشعرى اليمانية موعدا للفيضان ما لم تكن مرصودة قبل ذلك ~~معروفة المواعيد بمعزل عن مواعيد فيضان النيل. # إن مؤرخي الرياضيات الذين تتبعوا أصولها لا تخفى عليهم هذه الحقيقة، ولا يزالون ~~يعرفون للعقل حقه في الدهشة أمام روائع الكون والشوق إلى استطلاع أسراره، ولا يجعلونه ~~في كل شيء، وفي كل معرفة، عبدا مغمض العينين، لا يفتحهما إلا بإذن من وسائل الإنتاج! ~~وقد كتب الأستاذ «موريس كلين» مؤرخ الرياضة فصلا عن مولدها من كتابه عن تاريخ الثقافة ~~الرياضية في الغرب فقال: «إن الرصد لا بد أن يكون قد تتابع سنوات عدة قبل أن يقرر اتخاذ ~~عبور الشعرى بالفلك الأعلى موعدا للنبوءة عن فيضان ~~النيل.» # 10 # ولا يلزم - بداهة - أن يكون المرء حجة في العلوم الرياضية ليفهم أن الهندسة التي ~~شيدت الأهرام وشوامخ الآثار لم تكن ضرورة من ضرورات وسائل الإنتاج، أو وسائل الزراعة في ~~فيضان النيل، فما الذي ارتفع بالعلوم الهندسية والفلكية إلى تلك الذروة التي ارتقت ~~إليها بين المصريين الأقدمين؟ وماذا في زراعة الفيضان مما يوجب إقامة الهياكل بتلك ~~الضخامة وذلك الشموخ؟ ولماذا تعلم المصريون الملاحة، وتعلموا الاهتداء بالنجوم في طريق ~~الملاحين لجلب الأبازير والأفاوية التي يستخدمونها في تحنيط الجثث أو تحنيط ~~الأموات؟ # أي جواب يجاب به عن هذه الأسئلة يسقط القول بالعلة المحصورة في وسائل الإنتاج. # فإذا قيل: إن الهياكل المخلدة قربان يرضي الأرباب؛ لتغدق عليهم الوفر والخصب ~~والنتاج، فليست وسائل الإنتاج فعلا ms164 هي التي علمتهم الهندسة وبناء الصروح، وإنما هي ~~العقيدة التي صورت لهم أسباب الوفر، كما يؤمنون بها لا كما هي في الأرض الزراعية أو ماء ~~الفيضان. # وإذا قيل: إن الإنسان يؤمن، ثم يخلق له الإيمان حاجته إلى البناء والملاحة، فماذا ~~يبقى من مذهب «الحاجة» في تعليل العقل وشله عن طلب المعرفة إلا من طريق الفم والمعدة ~~والأمعاء؟ ~~••• # ويلوح لنا أننا نقترب من فهم «ميزان» التهجم على الحقائق عند الماديين التاريخيين إذا ~~تذكرنا - ونحن نطالع كتبهم الأولى والأخيرة - أنهم كتبوها بأسلوب أو في حالتين من أحوال ~~الأمل والقنوط، فالأسلوب الغالب عليهم هو أسلوب التهجم على الحقائق كلما استطاعوا، وهو ~~ملحوظ فيما كتبوه أيام الفتنة على أمل في نجاح الانقلابات، أو تفاقم البوادر الأولى ~~واستفحالها في أمد قريب، والأسلوب الآخر هو أسلوبهم كلما خابت ظنونهم، وخابت ظنون ~~الناس في نبوءاتهم، فأعرضوا عنهم، وتعسر إقناعهم بالهجوم على الوعود والتوكيد بغير ~~برهان. # ومما كتبوه على الأكثر في بعض هذه الفترات تلك الآراء التي يفرقون فيها بين العلوم ~~وإمكان تفسيرها بأسبابهم التي يفسرون بها كل ما في الأرض والسماء، ومن هذا القبيل نحسب ~~تقسيمات «إنجلز» للعلوم، وما يطرأ عليها من التحول والتطور على حسب البيئة، فإنه يقسمها ~~في رده على «دهرنج» إلى ثلاث طوائف، لا تتعادل في قابليتها للتأثر بوسائل الإنتاج، وهي ~~طائفة العلوم الطبيعية، وطائفة العلوم البيولوجية، وطائفة العلوم الاجتماعية. # فطائفة العلوم الطبيعية تتعلق بالمادة العضوية كالفلك والرياضة والطبيعة والكيمياء. ~~وطائفة العلوم البيولوجية تتعلق بالمادة العضوية كعلم وظائف الأعضاء وعلم الحياة، ~~وطائفة العلوم الاجتماعية تتعلق بالأحوال التاريخية ومسائل الشريعة والفكر والدين ~~والفلسفة. # فالعلوم الطبيعية والعلوم البيولوجية تبحث في أمور لم يصنعها الإنسان، وليست عرضة ~~للتغير الذي تتعرض له الأحوال الاجتماعية. فلا تتغير وظائف الأعضاء ولا خصائص المواد ~~الطبيعية بين نظام ونظام من النظم الاقتصادية، أو بين عهد وعهد من العهود السياسية، ~~ولا شأن للحقائق المطلقة بهذه العلوم، ولا تزال معرفة الناس بها نسبية؛ أي «غير ~~مطلقة». # أما العلوم التي تتعلق بتاريخ الإنسان كعلوم السياسة ms165 والفلسفة والدين والفنون ~~والآداب، فهي عرضة للتغير بين العهود السياسية على حسب اختلاف وسائل الإنتاج، وهي ~~مصطبغة على الدوام بصبغة المنفعة والغرض، متحولة على الدوام مع العلاقات الاقتصادية ~~التي تنشئ المعلومات والمصطلحات، فلا توجد إلا حين توجد مقدماتها ونتائجها. # وللفلسفة بين هذه المعارف البشرية رخصة خاصة عند الماديين التاريخيين في الانفصال من ~~وسائل الإنتاج الحاضرة لجملة أسباب، منها أنها تحمل بقايا الأزمنة الغابرة من قبل ~~التاريخ، إذا كانت الحالة الاقتصادية تنطلق بالإنسان في تيه من الأوهام والخزعبلات، لا ~~تمت إلى الواقع بعلاقة صحيحة، ومنها أنها تتوقف على العلوم الطبيعية، فلا تتقدم إلا ~~تبعا لتقدمها، ولا تصل إلى الواقع إلا إذا كانت تلك العلوم الطبيعية قد وصلت قبلها، ~~ومنها أنها ذات موضوعات لا ترتبط على الدوام بالموضوعات اليومية، وهي مع هذا الانفصال ~~عن الواقع تمثل عصورها الحاضرة في مذهب فيلسوف أو أكثر من فيلسوف، إن لم تكن مذاهبها ~~جميعا ممثلة للعصر الذي تعيش فيه. # هذه الرخصة المسموح بها للفلسفة محظورة على الرياضيات؛ لأن الرياضيات مأخوذة من ~~المشاهدات الحسية مهما يكن من ظواهرها النظرية المجردة. # فلا بد - كما يقول «إنجلز» في الرد على «دهرنج» - من أشياء ذات شكل حتى تكون هناك ~~صورة ورسوم هندسية. والنظريات الرياضية المجردة تبحث في صور لها محل من المكان، وفي ~~علاقات عددية بين أجزاء العالم الواقع؛ أي في علاقات بالعالم المادي جد صحيحة بلا ~~مراء. وإنما تتجرد هذه الصور والعلاقات من الماديات؛ ليتيسر بحثها عقليا وتفريغها من ~~محتوياتها؛ لأنها ليست بالضرورية للوصول إلى النقطة التي لا أبعاد لها، ولا للخط الذي ~~لا عرض له ولا كثافة، ومن ثم نصل للمرة الأولى إلى العلاقات الطليقة والتصورات العقلية ~~والمقادير المتخيلة، واشتقاق المقادير الرياضية بعضها من بعض لا يدل على مصدر مجرد؛ بل ~~على ارتباط بينها في التفكير، وقبل أن نستخرج صورة الأسطوانة من حركة السطح القائم ~~الزوايا على جانب واحد لا بد أن تكون حركات كثيرة من هذا القبيل قد شوهدت في الواقع. ~~وهكذا تكون الرياضيات - كغيرها من العلوم ms166 - صادرة من حاجات الإنسان، وهذه الحاجات هي ~~قياس الأرض وفراغ الآنية ومسافات الوقت وإدارة الآلات. غير أنه في طور من الأطوار يحدث ~~لهذه القواعد - التي استمدت من العالم الواقع - أن تنعزل من هذا العالم كما يحدث في كل ~~ميدان من ميادين التفكير، فإذا هي مفروضة كأنها مستقلة عنه تأخذه بموافقتها ومطابقتها، ~~وإنما يحدث هذا في المجتمع وفي الدولة، وتصبح الرياضيات بهذه المثابة دون غيرها صالحة ~~للتطبيق في العالم الخارجي. ~~••• # هذه مراجع العلوم كما بسطها «إنجلز » شارح هذه الآراء في مذهب المادية التاريخية، وهو ~~يؤيد بها آراء أستاذه أو يشرحها؛ لأن «ماركس» لم يشرحها بهذا التفصيل. # واللازم منها بمشيئة المذهب أو بغير مشيئته: # أولا: # أن الحقيقة المجردة من عمل العقل. # ثانيا: # أن النظرية العلمية لا تصح إلا بالتجريد. # ثالثا: # أن قدرة العقل على استنباط هذه الحقائق لا تستمد من الحاجات؛ لأن ~~أقدر العقول على استنباطها لا يكون على الدوام أشد العقول شعورا ~~بالحاجات وتهافتا عليها، وقد يكون أشد المحتاجين إليها أعجزهم عن ~~استنباط الحقائق وإدراك العلوم. # إذا قال قائل: إن العقل موهبة من السماء ركبت في الجسد لتهديه إلى حقائق المادة، ~~فما الذي يلزم أن يقوله دعاة المادية بعد طول العناء؟ # وننتقل من الفلسفة كما يعيبها الصاحبان إلى الفلسفة التي وضعاها؛ لتكون أول فلسفة ~~صحيحة جاد بها ذهن الإنسان، وتكون كذلك آخر فلسفة يجود بها في تواريخه المقبلة، فلا ~~فلسفة بعدها، ما أضاء النيران، وتعاقب الملوان! # وتقوم هذه الفلسفة الصحيحة الوحيدة في حياة النوع الإنساني على جملة أصول يجمعها ~~أصلان أو قاعدتان: القاعدة الأولى: هي قاعدة التغير. والقاعدة الثانية: هي قاعدة ~~الكميات والكيفيات. # ونعلم من القاعدة الأولى أن التغير سنة المادة الأبدية، وتنطوي في قاعدة التغير ~~قاعدة «نفي النفي» # 11 # وقاعدة التطور المتناقض أو التطور ~~بأضداد. # 12 # فنحن نعرف الشيء بذاته كما هو، ونعرفه في الوقت نفسه بنقيضه الذي يشتمل عليه؛ لأنه ~~يحمل فيه نقيضه الذي يغيره ويتغير معه. # ونعود إلى تلخيص المذهب فنذكر أن الشيء يمر في ثلاثة أدوار: فعل ms167 يتلوه نقيض، ثم ~~يتلوهما معا تركيب يجمع النقيضين. ونضرب لذلك مثلا بالحركة: فالحركة فعل، والمقاومة ~~نقيضه، ومن الفعل والمقاومة يتألف التركيب الذي نسميه النظام، ونضرب المثل بالنظام، فهو ~~فعل، يتلوه التعديل وهو نقيضه، ويتألف من الفعل والنقيض مركب هو النظام الجديد. # أما قاعدة الكميات والكيفيات، فمنها نعلم أن الصفات والمزايا والكيفيات تنشأ من ~~الكم والعدد، فاللون الأحمر كيفية، ولكنه ينشأ من عدد الذبذبات في حركة الضوء، والماء ~~يختلف تبعا لدرجة الحرارة من الجمود إلى الغليان، وتختلف مميزاته على حسب هذه الدرجة ~~مثل إذابة المحلولات وتحليل بعض الأملاح. # ولا جديد في هاتين القاعدتين جاء به الصاحبان من عندهما إلا النتيجة التي ينتهيان ~~إليها من كل رأي يبدآنه، ويمضيان به إلى غايته في مذهبهما، وهي حصر تاريخ الإنسان ~~المقبل في مصير واحد لا يتقبل التعديل، وهو مصير النقمة والخراب. # فقديما كان «هيرقليطس» (536-470ق.م) يقول: أنت لا تستطيع أن تضع قدميك في نهر ~~واحد؛ لأنه يتغير في كل لحظة كما يتغير كل موجود، فلا تبقى له من حقيقة دائمة إلا أنه ~~لا يدوم. # وقديما كان أصحاب العناصر الأربعة والطبائع الأربع يقرون أنها لا تزال في تنافر ~~وتوافق، تقوم عليها صحة الأبدان أو اعتدال الأحوال. # وقديما «الأثنينية» يقولون بالخير والشر، وإن إله الشر «أهريمان» نجم من فكرة ~~فاسدة خطرت في بال إله الخير «آو رمزد»، فانقسم بينهما كل كائن من الأحياء ~~والجمادات. # وقديما قال القائلون بالسعود والنحوس وبالموافقات والعكوس، وحديثا قيل بالموجب ~~والسالب، وقال «هيجل» بالأضداد التي اقتبسها الصاحبان، وعدلا بها عن معناها عنده إلى ~~المعنى الذي أراده. # ولم يقع في خلد أحد أن الكون كله جسم واحد متحد الصفات معدوم الأشياء أو معدوم ~~الفروق بين الأشياء، ولن يقع في خلد أحد أنه يتركب من أشياء لا عداد لها إلا فهم من ذلك ~~بداهة أن هذه الأشياء على اختلاف، وليست معدومة الفروق والملامح والشيات. # ومن سلامة الرأي أن تلاحظ هذه الفروق والنقائض، ولا يزاد عليها الحتم القاطع إلا في ~~الأمور المحدودة التي يحكمها قانون ms168 مقيس بتفصيلاته، كقانون ~~الحركة # 13 # تنفصل به الحقائق عن المجازات والتشبيهات. # فالأضداد كما يقول بها الماديون في مذهبهم تشبيهات مجازية، تستطيع أن تطبقها على ~~طريقتهم، وتصل بها إلى إثبات الحياة الأخروية التي ينكرونها أشد الإنكار. # فالحياة الدنيوية - مثلا - فعل، والموت نقيضه الذي يتلوه، ويتألف من الفعل ونقيضه ~~تركيب هو الحياة الباقية. # أو نقول مثلا: إن الشيوعية فعل، والفوضوية نقيضه، والديموقراطية التي لا هي ~~بالشيوعية ولا بالفوضوية هي التركيب المؤتلف من الفعل والنقيض. # وانظر مثلا إلى صعوبة البت في هذه التشبيهات المجازية بين أقطاب المذهب من تلاميذ ~~«كارل ماركس» من طبقة «بوخارين» و«لينين». فهل «الضدية» عداء بين الأضداد أو مجرد ~~اختلاف؟ # إن «بوخارين» يقول: إنها عداء، و«لينين» يقول في رده عليه: إنها ليست بالعداء، ~~ولكنها مناقضة، ومن أجل تخطئة «بوخارين» ينسى أن المذهب كله قائم على صراع الحياة ~~والموت بين الأضداد. # وانظر مرة أخرى إلى الخلاف على تركيب الشيء ونقيضه، هل يكون هذا التركيب اتحادا أو ~~يكون ضربا من التوفيق؟ «لينين» يقول في رده على المنشفية: إنه اتحاد، وهم يقولون: إنه ~~توفيق. # أفهذه هي الفروق التي يقيمونها كالصراط بين الجنة والنار وبين الناجين من أهل الصدق ~~والهالكين من أهل البهتان؟ # وأهزل من هذه الحدود الهزيلة توكيدهم بقيام الكيفيات كلها على الكميات، فقد يحدث في ~~طفرة النباتات أن تتجمع بعض التغييرات، ثم تتحول فجأة إلى صفة جديدة، ولا مزيد على هذه ~~الملاحظة في علم صحيح. # أما القول بأن الكيفيات والصفات جميعا كانت من قبل كميات ومقادير عددية، فليس له ~~دليل؛ بل يقوم على نقضه أقوى دليل، هل مائة ألف شكل دميم يتألف منها شكل واحد جميل؟ هل ~~اللون الأحمر حقا كيفية أو هو في الحقيقة صورة الذبذبات كما تراها عين الناظر إليها؟ ~~وما هو الحد الحاسم المصحح للحكم في هذا الاختلاف بين ما هو مزية وما هو كثرة عددية؟ إن ~~كان هناك حد حاسم فهو لا يعدو أساليب الاصطلاح على الأسماء والرموز. # ولا ندري ما هي كرامة الفكر عند إنسان يحرمون عليه ms169 أن يخرج على رأي من الآراء، ~~بالغا ما بلغ من وضوح القواعد واستقرار الأصول والفروع، فأما تحريم الخروج على أمثال ~~هذه الرموز أو الألغاز التي تتضارب فيها معاني الكلمات هذا التضارب، فهو إعنات للفكر ~~أشد عليه من إهدار الكرامة والاحتقار، لأنه يسومه أن يلتزم الحدود حيث لا حدود، وأن ~~يؤيد الرأي حيث لا يدري أحد على التحقيق - ولا على الظن - أين ينتهي التأييد بعد وأين ~~تبدأ المخالفة. # وهذه الألغاز المتضاربة هي التي حرمت الهيئات الرسمية الشيوعية مخالفتها على العلماء ~~يوم وجدت للمذهب هيئات رسمية تملك التحريم والتحليل. # ففي كتاب «المادية والنقد التجريبي» # 14 # يسرد «لينين» قواعد البحث التي ينبغي أن يجري عليها العلماء ولا يخالفوها. ~~وفي سنة 1932 قرر مؤتمر الاتحاد العام للعلماء «أن علم الناسلات # 15 # وتربية النبات يجب أن يطابق المادية الماركسية». # 16 # وقد عوقب بالنفي والاعتقال - أو التصفية - رهط من العلماء لوحظ عليهم أن بحوثهم لا ~~تؤدي إلى النتيجة التي يفترضها هذا القرار، ومن هؤلاء العلماء «شتفريكوف» و«فيري» ~~و«افرويمسون» و«ليفتسكي» و«أجول». # 17 # وفي سنة 1948 أصدر العالم المعتمد في تجارب الناسلات «ليسنكو» تقريره الرسمي، وفيه ~~تعهد صريح بأن يدحض الباحثون التابعون لاتحاد العلماء كل فكرة تخالف مذهب «ميشورين» ~~الروسي صاحب القول الفصل في مسائل الوراثة. # وليس هنا مجال الخوض في شروح الخلاف بين مذهب «ميشورين» والمذاهب التي ينعتونها ~~بالبرجوازية ويقولون: إنها من دسائس المجتمع القائم على رأس المال، فحسبنا أن نجمل هذا ~~الخلاف بما يكفي لبيان الفارق الذي يقف فيه أناس على ضفة النجاة، ويقف فيه أناس آخرون ~~على شفيرها من النار. # فالمذهب الحديث في الوراثة يرجع إلى تجارب «مندل» الذي يرى أن الصفات المكتسبة أو ~~الطارئة لا تورث إلا إذا تأثرت بها البنية بعد تكرار طويل، وأن التغير قد يتتابع على ~~البنية، ثم يظهر أثره فجأة فيما يسمى بالطفرة أو الانتقال المفاجئ، وأن تغيير النباتات ~~ممكن بطريق اللقاح والتطعيم في أحوال معينة، لم تشمل تجاربها جميع النبات. # أما مذهب «ميشورين» الروسي فهو إنكار الخصائص الثابتة في ms170 الوراثة ورد جميع الخصائص ~~إلى فعل الوسط والبيئة، ومن قال بغير ذلك فهو متهم في إخلاصه؛ لأنه يقرر شيئا قد يلقي ~~الشك على قواعد المادية الماركسية التي لخصها «إنجلز» إذ يقول: «إن كل كائن عضوي في كل ~~لحظة هو ذاته وغير ذاته في وقت واحد، إذ في كل لحظة تموت خلايا في جسمه وتتألف خلايا ~~جديدة. وبعد فترة من الزمن تطول أو تقصر تتغير مادة جسمه كل التغير، ومن ثم يكون كل ~~كائن عضوي في كل لحظة هو ذاته وغير ذاته. إلخ إلخ.» # وموضع الصعوبة على العقل في التقيد بهذا المذهب أنه لا ينكر الثبات في تكوين الأحياء ~~ولا يقول: إنها تتبدل في كل لحظة كل التبدل، فإذا جاز أن يدان العالم؛ لأنه يقرر الثبات ~~في خصائص الوراثة، فيجوز أن يدان كذلك؛ لأنه ينكر الثبات على حسب المصادفات، لأن ~~المسألة تتعلق بالوقت الذي يطول فيه الثبات أو يقصر، ولا يوجد المقياس الذي يقدر طول ~~زمنه تقديرا محكما في كل بنية حية، أو في النباتات التي تأتي فيها التجربة بأسرع ~~النتائج بالنسبة إلى الحيوان. # وأنكأ ما في الأمر أن الكلمة الفاصلة في العلم على لسان رجل لا يفقه كثيرا ولا ~~قليلا في علم الناسلات. قال الدكتور «هارلاند» العالم البيولوجي الكبير: «ذهبنا في ~~أوديسه لمقابلة شاب يسمى «تروفيم ليسنكو» قال لنا الدكتور «فافيلوف»: إنه يجري التجارب ~~في الحبوب لتعجيل نموها وتوفير محصولها، فحادثته ساعات ثلاثا فوجدته على جهل مطبق ~~بأبسط مبادئ الناسلات وتشريح النبات.» # 18 # ولا يطعن في الدكتور «هارلاند» بعداوة الشيوعية؛ لأنه هو والأستاذ «هلدان» ~~معدودان من علماء الإنجليز المتعاونين مع المراجع الروسية. # ولقد دامت هذه المعركة - التي لا موجب فيها للعراك - زهاء عشرين سنة، ذهب فيها من ذهب ~~من العلماء ضحية للخلاف على معاني الألغاز والرموز، ثم ثبت أن النظريات التي يقال: ~~إن الفرق بينها وبين العلم البرجوازي - كالفرق بين الأمانة والخيانة وبين صدق النية ~~والتدليس - لم تأت بثمرة واحدة لا تستفاد من التجارب البرجوازية، وأن العلماء ~~المجندين للحملة على ms171 العلم البرجوازي لم يجسروا على مخالفة قاعدة واحدة من القواعد التي ~~يجري عليها ذلك العلم البرجوازي في الصناعات الآلية، أو صناعات البناء والملاحة ~~والكيمياء وفنون النسيج والتعدين وما إليها؛ لأن التهريج في هذه القواعد غير مأمون ~~العاقبة على المهرجين وغير المهرجين في حل الرموز وتفسير الألغاز. # ونرجع إلى مصدر العلوم جميعا في المذهب المادي، وهو الحاجة على حسب اختلاف ~~المجتمعات، فنلمس الأكذوبة كأضخم ما تكون الأكاذيب الملموسة، إذ نعلم أن الحاجة في ~~المجتمع الشيوعي لم تعطه شيئا من العلوم يناقض ما أعطت في المجتمعات البرجوازية، وأن ~~اختلاس الأسرار العلمية من المجتمع المغضوب عليه هو السر الأكبر الذي أسفر عنه تطبيق ~~المذهب في المجتمع المثالي ثلاثين سنة. # | الأوطان والديانات # والوطنية والدين أحبولة أخرى من أحابيل الاستغلال، ولا مصدر لهما غير الوسائل ~~الاقتصادية - أو وسائل الإنتاج - التي تستولي عليها طبقة بعد طبقة، ثم تزولان بعد زوال ~~الطبقات، ففي البيان المشترك يقول الصاحبان: إن الشيوعيين يخالفون هيئات العمال ~~الأخرى بما يأتي فقط: # أولا: # أنهم في المعارك الوطنية التي يشترك فيها الصعاليك - البرولتارية - ~~بين البلاد المختلفة يبرزون علانية، وينبهون إلى مصلحة الصعاليك العامة ~~جملة واحدة بمعزل عن القوميات جميعا. # ثانيا: # وأنهم خلال التطورات التي تمر بها حركات العمال ضد البرجوازيين ~~يمثلون على الدوام، وفي كل مكان، تلك الحركات في مجموعها. # وفي ذلك البيان يقولان: «إن العمال لا وطن لهم، وإننا لا نستطيع أن نأخذ منهم ما ليس ~~لهم.» # أما الدين فرأي الماديين فيه تلخصه الكلمة المشهورة في مقالة «كارل ماركس» عن «هيجل»: ~~«إنه نفثة المخلوق المضطهد، وشعوره بالدنيا التي لا قلب لها، إنه أفيون الشعوب»، ومثلها ~~كلمته في حرب الطبقات بفرنسا إذ يقول: «إنه الأفيون الذي يخدر الشعب لتسهل سرقته»، «وإن ~~الدين كان وسيلة الإخضاع الروحي كما كانت الدولة وسيلة الإخضاع الاقتصادي»، وهو رأيه ~~الذي أكده في كلامه عن حروب فرنسا الداخلية. # ويتفق «ماركس» و«إنجلز» على أن الدين كما قال «إنجلز» في الرد على «دهرنج»: # ينشأ قبل أن تنتهج الوسائل التي يكسب بها الإنسان ms172 معيشته، وإن الإنسان يواجه ~~الطبيعة مباشرة في تلك الحالة فتقف أمامه الطبيعة قوة غلابة غامضة يعبد منها ما ~~لا يدركه، وما الدين إلا انعكاس القوى الظاهرية التي تسيطر على معيشته ~~اليومية. # ويقول «ماركس»: «إن المسيحية تقرظ الجبن واحتقار النفس وإذلالها، وتحبذ الخضوع والخسة ~~وكل صفات الكلب الطريد. # وإن أصحاب المصالح قد استغلوا المسيحية كلما وجدوا لهم مصلحة في استغلالها، فجعلوها ~~دين الدولة بعد قرنين ونصف قرن من ظهورها، وجاء البرجوازيون في ألمانيا فأبدعوا ~~البروتستانتية، ولم يستفيدوا منها لضعفهم فاستفاد منها الملوك المطلقون؛ لأنها رفعت ~~عنهم سلطان الكنيسة. # والدين - جملة - هو الغذاء الخادع للضعفاء؛ لأنه يدعوهم إلى احتمال المظالم ولا ~~يزيلها.» ~~••• # ذلك هو لباب الفكرة الماركسية عن أصل الوطن والدين، ولهم في كل فكرة من هذا القبيل ~~تتمة يلحقونها بها مؤداها أن العقيدة الوطنية أو الدينية تنشئ لها «تركيبة ~~عليا» # 1 # من الشعائر والمراسم، تعمل في الظاهر مستقلة عن وسائل الإنتاج، ولكنها مشتقة منها ~~متوقفة عليها. # ودينهم المفهوم في تعليل جميع العقائد الوطنية أو الدينية أنهم متى وصلوا إلى وسائل ~~الإنتاج أخذوا كل حالة اقتصادية تصادفهم، فجعلوها سببا للعقيدة التي تعاصرها. وقلما ~~يعنيهم أن يذكروا أن النظم الاقتصادية متكررة مشتركة بين جميع الأمم منذ عصر الرق إلى ~~عصر البرجوازية ثم الصناعة الكبرى، فكيف يشترك النظام الواحد في تعليل الوطنية التي ~~تعلم الناس الكفاح والأنفة وتعليل الدين الذي يقولون إنه يعلمهم الجبن والضعة ~~والاستكانة! وكيف نعلل بنظام الرق مثلا ديانة توصي بإحراق الجسد وديانة توصي بتحنيطه ~~وتخليده في الحياة الدنيا وفيما بعدها؟ وكيف يسفر الرق في إسبرطة عن الجندية والقانون ~~ويسفر في أثينا عن الحكمة والأدب والفن الجميل؟ # وقبل الوطنية كيف نشأت العنصرية وهي تشبهها في نخوة النسب وصيانة الحوزة وقد تزيد ~~عليها بوحدة اللغة ووحدة العرف والتراث؟ هل هي أحبولة قديمة بليت في أيدي الطبيعة ~~فنبذتها واخترعت الوطنية لتكون أحبولة جديدة تحل في محلها؟ وهل استقام التاريخ على سنة ~~النصب والاحتيال، فليس فيه من النظم والعلاقات إلا الشرك القديم ينبذه ويحفر ms173 بعده ~~موضعا خفيا للشرك الجديد؟ ~~••• # إن دعاة الشيوعية شاهد قوي على صحة قول القائلين: إن ملكة الخيال وملكة الفكاهة ~~ضروريتان للبحث الفكري كضرورة الفهم والمنطق والدراية. فقد كان «ماركس» و«إنجلز» ~~وأتباعهما على فقر شديد في كلتا الملكتين، ولم يكن لأحدهم نصيب من ملكة الفكاهة ولا من ~~ملكة الخيال، ولولا ذلك لأدركا الصورة المضحكة التي يصوران بها النواميس الكونية وهي ~~تعمل في المجتمع البشري، فكان لهما من تلك الصورة المضحكة تنبيه يدعوهما إلى المراجعة ~~والجد في فهم مسائل الكون ومسائل الاجتماع. # أي صورة للنواميس الكونية في المجتمع البشري يتصورها من يلم بمذهب الشيوعيين في تفسير ~~التاريخ؟ # إنه يتصور أن هذه النواميس الكونية خلعت ملابس الشغل الشريف، وتسلمت التاريخ البشري ~~في زي جديد، هو زي النصاب المحتال الذي لا يفرغ من خدعة إلا ليحتال على خدعة ~~غيرها، ولا يزال في عملية مستمرة من الخداع والتضليل يموه الحيل والأباطيل بمظاهر ~~التقدم والحضارة، ويسعده الحظ بالغفلة بعد الغفلة في عقول الناس حتى يخذله الحظ في ~~سهوة من سهواته، فيظهر له الشاطر «كارل ماركس» من زاوية من الزوايا لم تكن في الحسبان، ~~ويكشف عن زغله للعيان من الآن إلى آخر الزمان. # صورة مضحكة زرية. # وليس المطلوب من «كارل ماركس» وأتباعه أن يبنوا مذهبهم على الخيال والفكاهة وكفى، ~~ولكن المطلوب منهم أن يدركوا الصورة المضحكة الزرية فينتهوا إلى الخطأ وينتفعوا بهذا ~~التنبه في معاودة البحث واجتناب الهزل والزراية في تصوير النواميس الكونية، وهي أكبر ما ~~يتناوله العقل الإنساني بالتصوير. # ولو قد تنبها لأدركا حكمة الخلق التي لا تداري نفسها عن أحد يريد أن يبصرها، فإنها ~~أقرب من تلك اللغة الطويلة وراء عمليات النصب، وراء كل سر من أسرار تاريخ ~~الإنسان. # إن الوطنية ليست بحيلة من حيل الإنتاج؛ لأنها خليفة العنصرية وشبيهتها في ظواهرها ~~وبواطنها، وليست هي - أي العنصرية - من حيلة أحد يقصدها أو لا يقصدها؛ لأنها علاقة الدم ~~والقرابة التي لا اختيار فيها لخادع أو لمخدوع، وليس أهزل من مفكر يعمد إلى شعور عام ~~بين الناس ms174 على اختلاف أرزاقهم ومواردهم، فيزعم أنه حيلة من مخدوعين يحتالون بها على ~~مخدوعين آخرين. وما كان شعور الوطنية أو العنصرية في أمة من الأمم وقفا على طائفة أو ~~طبقة أو صناعة أو هيئة اجتماعية دون هيئة أخرى فيقال: إنه من أخاديع فريق للعبث ~~بفريق. # أقرب من هذا التفتيش الدائب على عمليات النصب والاحتيال وراء كل سر من أسرار التاريخ، ~~أن ننظر إلى حكمة الخلق في كل بنية حية وكل كيان اجتماعي أو عضوي، فنرى هنالك أن حكمة ~~الخلق تودع في كل فرد إيمانا قويا بخدمته لمصلحته، حين يعمل في خدمة الجماعة أو ~~البيئة التي ينتمي إليها، وأقوى ما يكون ذلك في خدمة النوع أو خدمة البيئة الحية، ولو ~~كان خدامها من الأعضاء التي لا عقل لها ولا إرادة، من الذي يخدع اليد، فيرفعها إلى ~~الرأس لتتلقى الضربة التي توشك أن تحطمه. # من الذي يخدع الخلايا في باطن الجسد فيدفعها إلى التجمع لوقاية البنية كلها من فتك ~~الجراثيم؟ # من الذي يخدع الفرد فيشيع في بنيته السرور بحفظ النوع، ويشيع في بنيته الصبر على ~~مضانك الحمل والرضاعة والتربية؟ # هذه هي حكمة الخلق في شعور الفرد بمصلحة الجماعة وشعور الجزء بمصلحة سائر الأجزاء، ~~هذه هي الحكمة التي تخلق لكل بنية اجتماعية ضربا من «الأنانية» الكبرى تقترن بالأنانية ~~الفردية لتعمل في خدمة الجماعة كما تعمل في خدمة الفرد على حدة. # فكلما وجدت جماعة من الخلق وجدت معها «شخصية» أو أنانية كبيرة تصونها وتوكلها بالحفاظ ~~على نفسها، كما توجد «الأنانية» في كل مخلوق لحماية نفسه ومقاومة العوامل التي تنازعه ~~البقاء من حوله. # سنة الخلق في خلايا البنية، سنة الخلق في أفراد النوع، سنة الخلق في آحاد القبيلة أو ~~العنصر أو الوحدة الوطنية، سنة قريبة جد قريبة لمن يشاء أن يبصرها حيث استدار بنظره ~~إليها، ولكنها بعيدة جد بعيدة عمن ينظر إلى كل وجهة، فيأبى أن يرى شيئا غير النصب ~~والاحتيال في قواميس الكون وقوانين الاجتماع وأسرار التاريخ. ~~••• # إن الجماعات البشرية لم تخل قط من شعور ms175 كشعور الوطنية منذ عهد القبيلة الأولى، ونحن ~~نعرف شعور المصري الذي كان يؤمن بمقام المصري في المرتبة الأولى بين مراتب الأجناس ~~البشرية، ونعرف شعور العربي الذي كان يفخر على الأعاجم ويصف بالأعجمية كل من لا يتكلم ~~العربية، ونعرف شعور اليوناني الذي كان يطلق وصف البربرية على كل أمة لا تنتسب إلى ~~القبائل اليونانية، ونعرف فخر الروماني بالمدينة الخالدة واعتباره النسبة إليها ذروة ~~المرتقى في الشرف والكرامة. وهذا الشعور في كل جماعة من هذه الجماعات هو الحافز الذي ~~كان ينهض بكل فرد للدفاع عن «شخصيته الكبرى» التي ركبت في طبعه إلى جانب الشخصية ~~الفردية، وما كان هذا الشعور بدعة في طبائع الجماعات والكائنات العضوية، فإننا نرى ~~أصوله عميقة مكينة في غريزة النوع وفي تركيب الخلايا الجسدية وتركيب الأعضاء التي تتحرك ~~لدفع الخطر عن البنية كلها، ولو أصيبت بأخطر ما يصاب به العضو على انفراده، وما أقرب ~~هذا التفسير لمن يبحث عن التفسير! وما أبعده عمن يبحث عن «عملية النصب والاحتيال» وراء ~~نواميس الكون وصروف المقادير! ~~••• # أما الدين فلو كان ل «كارل ماركس» نصيب من خيال التشبيه لما خطر له أن يشبهه بشيء من ~~المخدرات أو المسكرات، إذ كانت الأديان جميعا تقوم على الإيمان بالجزاء والثواب ~~والعقاب، وتعلم المتدين أن يحاسب نفسه على تبعات أعماله؛ لأنه محاسب عليها في السر وفي ~~العلانية، وتغرس في نفسه عادة الاحترام والتقديس وتحذره القحة وسوء الأدب. وهذه ~~العقائد كلها هي وحالة السكر نقيضان لا يجتمعان، وأول ما يسقطه السكر عن المخمور أو ~~المخدر شعوره بالتبعة وشعوره بالاحترام، فلا يبالي عاقبة عمله ويتطاول على العظماء في ~~نظره، وتكاد تكون الكلمة الأولى على لسان كل سكران: أنا لا يهمني شيء، أنا لا أبالي ~~بإنسان! # ومن عجز الخيال أن يختار «ماركس» للدين تشبيها لا يصدق على عقيدة قط كما يصدق على ~~عقيدة الشيوعية؛ لأن الشيوعية تروج بين الذين يسقطون التبعة عن أنفسهم، ويلقون أوزار ~~الجرائم والرذائل على المجتمع، وتمهد العذر للسراق والجناة والمنافقين بما تتهم به ~~المجتمع من الرياء ms176 والظلم وسوء التصريف والتدبير، وتعطي كل من يشتهي التطاول حجة ~~للتطاول على المحسودين أو للتطاول على ما يشاء من الحرمات والمقدسات. وما من سبب يغري ~~بتعاطي المخدرات والمسكرات إلا كان من المغريات بالشيوعية على حد سواء، فحيث توجد ~~الأسباب للإقبال على السكر توجد الأسباب للإيمان بالشيوعية على السواء. # ومن عجز الشعور - لا من عجز الخيال وحسب - أن يسوي الماركسيون بين الفرائض العامة ~~التي يدين بها المرء في حياته الاجتماعية، ولا مساواة بينها في الحس ولا في الفكر ولا ~~فيما يقصده من معناها. # من عجز الشعور أن يسوي الماركسيون بين فرائض العرف والعادة وفرائض القانون وفرائض ~~الأخلاق وفرائض الدين، وما من فريضة من هذه الفرائض تقع في النفس موقع الفرائض الأخرى، ~~أو تنبعث في أعماق الضمير من حيث تنبعث الأخرى. # من عجز الشعور أن يقال: إن هذه الفرائض المتعددة تصدر من أسباب اجتماعية أو نفسية ~~واحدة، إذ لا معنى لتكرار هذه الفرائض في كل أمة لتقوم بغرض واحد وتخرج من مصدر ~~واحد، ولو حدث هذا اتفاقا في بيئة واحدة لأمكنت نسبته إلى المصادفات أو الفلتات التي ~~لا يقاس عليها، ولكن فرائض العرف وفرائض القانون وفرائض الأخلاق وفرائض الدين تتكرر في ~~كل بيئة ولا تغني إحداها عن سائرها. # فالإنسان يتبع العادة اتباعا آليا يكاد يخرج من عداد الأعمال الإرادية، ويقال ~~عن العمل: إنه جرى بحكم العادة ليقال: إنه غير مقصود، وإنه لم يصدر عن روية وتقدير. ~~ويصح أن ترجع العادات في جملتها إلى التقليد المرعي في البيئة الاجتماعية المحدودة، وإن ~~ضاق نطاقها كما يلاحظ في العادات، التي تختلف بين إقليم وإقليم وبين قرية ~~وقرية. # وفرائض القانون يتبعها الإنسان بمشيئته، ويروغ منها أحيانا إذا استطاع؛ لأنها تفرض ~~عليه برأي «السلطة» ولا يؤمن بصحتها أو إنصافها في جميع الأحوال. # وفرائض الأخلاق يتبعها الإنسان ويخجل من مخالفتها؛ لأنها في الغالب منوطة بكرامته ~~الإنسانية التي تعم كثيرا من الأمم والبيئات، ولا يحس أنها صادرة من السلطة أو أنها ~~مقيدة بعشيرة واحدة، ولا نحسبها كانت على غير ms177 هذه الصفة حتى في الأزمنة الأولى، التي ~~كان وازع الأخلاق فيها مقصورا على عشيرة واحدة غير ملزم لأبنائها في معاملتهم للعشائر ~~الأخرى. فهذه العشائر الأولى أيضا كانت تؤمن بأن الأخلاق من كرامة الإنسانية، ولكنها ~~كانت ترى أن الإنسانية المثلى صفة من صفاتها دون سواها، وأن العشائر الأخرى لا تستحق ~~رعاية الأخلاق؛ لأنها لا تستحق كرامة الإنسان. # هذه الفرائض يمكن أن يقال: إنها من وحي البيئة المحدودة أو أنها من وحي الأمة ~~والدولة أو أنها من وحي الإنسانية في بيئاتها المختلفة، وكل هذا لا يمكن أن يقال عن ~~الدين، فيحبط به ويستغرقه، ويفسر جميع بواعثه وأسراره في المجتمع أو في الضمير. # إنما يفسره بعض التفسير أنه يقوم على علاقة الإنسان بالكون كله لا بالنوع الإنساني ~~ولا بالأمة أو البيئة الخاصة، وأنه يلتمسه لأنه يلتمس معنى حياته ومعنى الوجود الظاهر ~~له والمغيب عن حسه وعقله، وقد يناقض الاعتقاد الديني في بعض الملل غريزة البقاء في نوع ~~الإنسان، وقد يثير المتدين على قومه وعلى عشيرته الأقربين، وقد يوقع في روعه أن ~~الخلاص في الخروج على وحي العرف المحدود، ووحي القانون، ووحي الأخلاق، المصطلح ~~عليها. # ومن الجهل بطبيعة الشعور الإنساني أن يقع في الظن أن صاحب الثروة يستغني عن هذا ~~الشعور الديني، ويستغني عن فهم معنى حياته ومعنى الوجود المحيط به ولا يحتاج إلى الدين ~~إلا ليضلل به المحرومين ويستعين به على الكسب والاستغلال. # وأجهل من ذلك أن يقال: إن الإنسان يتدين؛ لأنه ضعيف بين نواميس الكون وقوى الوجود، ~~فهذا كلام من قبيل تحصيل الحاصل لأنه يمنع تفسير الدين على وضع من الأوضاع، فلن يكون ~~الإنسان على حال من الأحوال إلا ضعيفا بين نواميس الكون وقوى الوجود. فكيف ندرك ~~الحقيقة إذن في حقيقة الدين؟ هل نرجعها إلى اليوم الذي تنقلب فيه الآية، فيصبح الكون ~~أضعف من الإنسان، أو يصبح الكون مهملا في نظره لا ينطوي على سر من الأسرار. # على أن الضعف الإنساني لا يصلح للإحاطة بتفسير الدين إلا إذا كان الضعف أغلب الصفات ms178 ~~على أصحاب الضمائر الدينية، وليس هذا من الحقائق التي تؤيدها المشاهدة والتجربة؛ لأنه ~~يناقض المشاهدة والتجربة في كثير من الأحوال، فلا يكون الدعاة الدينيون إلا من أقوى ~~الأقوياء وأعظمهم نفوسا وأقدرهم على الإرادة والمضاء. ~~••• # وسائل إنتاج، وسائل إنتاج، لا شيء ولا أول ولا آخر غير وسائل الإنتاج، دين، وطنية، ~~علم، فلسفة، أدب، فن، أخلاق، أسرة، زواج، رهبانية، كل هذا تبحث عنه في وسائل الإنتاج ~~ولا تبحث بعده عن شيء غير وسائل الإنتاج. # إن الرجل الذي يفسر جميع الأمور بإرادة الله مفهوم من الوجهة العلمية؛ لأنه يؤمن بأن ~~الله هو السبب الأول لجميع الأسباب، ولا مناقضة للعلم في الرجوع بالأسباب طرا إلى ~~أصلها الأصيل. # أما الذي لا نفهمه من الوجهة العلمية، فهو وسائل الإنتاج التي لا تفسر لنا شيئا؛ ~~لأنها تفسر كل شيء بلا استثناء، ولو كان من شأنها أن تفسر كل ما تدعي تفسيره لوقفت بنا ~~في منتصف الطريق حين تقول لنا: إن وسائل الإنتاج هي التي تنشئ الطبقة، وتقول لنا ~~مرة أخرى: إن الطبقة هي التي تنشئ وسائل الإنتاج، وتقول لنا في جميع المرات: إن ~~علاقات الإنتاج هي المهمة، وليست هي الآلات والمخترعات والموارد والنفقات. ~~••• # وإنه لمن المألوف قديما وحديثا أن نسمع أن الأغنياء يستمتعون بمحاسن الطبيعة، وجمال ~~النساء، ونفائس الجوهر؛ لأنهم يملكون المال الذي يشارفون به بهجة الربيع ومناظر الأودية ~~والبحار ويغرون به المرأة ويقتنون به ذخائر الأحجار الكريمة، إلا أنه من السخف - أهزل ~~السخف - أن يقول قائل من أجل ذلك: إن أصحاب الثروة هم الذين خلقوا الربيع، وخلقوا ~~جمال المرأة، وخلقوا كنوز المناجم والبحار؛ لأنهم يملكون المال أو يملكون وسائل ~~الإنتاج، وإنه لأسخف من ذلك أن يقول قائل: إنهم خلقوا الأديان والعقائد في المجتمعات؛ ~~لأنهم يشترون ضمائر الأدعياء من المتدينين، فإن محاسن الطبيعة والنساء لا تنكر الثروات ~~الضخام ولا تحيطها بالريبة والوعيد، ولكن الأديان جميعا تنحي على جشع الثروة وتستريب ~~بمن يجمع منها ما لا طاقة له بتحصيله بوسائل الربح الحلال، وهذه هي الأديان الكتابية ~~الثلاث تسمعنا ms179 نعوتا للثروات الضخام وأحكاما على أصحابها أقل ما يقال فيها: إنها ليست ~~من أقوال المحاباة والاستحسان. # فشريعة موسى عليه السلام قد شرعت لقوم من أحب خلق الله للمادة ومتاعها، فحرمت عليهم ~~الربا والرهن، وجاء في سفر الخروج من العهد القديم الذي يدينون به: «إن أقرضت فضة لشعبي ~~الفقير الذي عندك، فلا تكن له كالمرابي ولا تضعوا عليه ربا. وإن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى ~~غروب الشمس ترده له؛ لأنه هو وحده غطاؤه»، وتكرر هذا في سفر اللاويين حيث يقول الإصحاح ~~الخامس والثلاثون: «وإذا افتقر أخوك وقصرت يداه عندك فأعضده غريبا أو مستوطنا فيعيش ~~معك. لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة بل اخش إلهك فيعيش أخوك معك.» وسبق هذا التحذير تحذير ~~من الاستئثار بما يشتريه صاحب المال، فجاء في الإصحاح الخامس والعشرين «إن الأرض لا ~~تباع بتة؛ لأن لي الأرض وأنتم غرباء ونزلاء عندي، بل في كل أرض ملككم تجعلون فكاكا ~~للأرض، إذا افتقر أخوك فباع من ملكه يأتي وليه الأقرب إليه ويفك مبيع أخيه، ومن لم يكن ~~له ولي فإن نالت يده ووجد مقدار فكاكه، يحسب سني بيعه ويرد الفاضل للإنسان الذي ~~باع.» # وفي سفر أشعيا نذير بالويل لمن يجمعون المال والعقار «فالويل للذين يصلون بيتا ببيت ~~وحقلا بحقل»، # 2 ~~«ومن أنفق نفسه للجائع ~~وأشبع الذليل أشرق في الظلمة نوره وأصبح كالظهر خلا من الدامس.» # 3 # ويعقب المعقب على هذه الوصايا - حقا - بأن الأخلاف من قوم موسى فهموا منها أنها ~~مشروعة لشعب إسرائيل دون غيره، أو يعقبون عليها - حقا - أنها لم تسمع ولم يعمل بها أو ~~لم يكن العمل بها إلا على الرياء والمواربة. فلا هذا ولا ذاك يثبت شيئا مما يقوله ~~الماركسيون عن أصل الأديان، إذ يزعمون أنها من صنع الأغنياء لمحاباتهم وتسويغ سلطانهم؛ ~~لأن قصور العقائد الدينية كقصور الثروة في كل زمن عن بلوغ ما تصبو إليه، فلا رياء ~~الأغنياء للدين بمبطل حقيقة المال، ولا رياء المتدينين للمال بمبطل حقيقية الدين، وليس ~~انتفاع الغني بمداراة العقائد الدينية حجة للقائل ms180 بخلق الثروة للعقيدة، ولا انتفاع ~~المعتقدين بمداراة المال حجة للقائلين بخلق العقيدة للثروة، وإنما يدل هذا وذاك على ~~حقيقة واحدة: وهي أن وسائل الإنسان جميعا لا تبلغ به كل ما يصبو إليه، وأنه لا يعلن كل ~~ما يبطن في جميع الأعمال والنيات. ~~••• # وقد أسلفنا أن الشريعة الموسوية شرعت لقوم من أحب خلق الله للمادة ومتاعها، فلم يكن ~~فيها ما يعزز قول القائلين: إن الأغنياء يروجون العقائد في المجتمع لتسويغ مطامعهم ~~واستباحة ما لا يباح. ثم جاءت المسيحية على أثر الموسوية ، فكانت في صميمها حملة على ~~الثراء أو ثورة على ملكوت الأرض من أجل ملكوت السماء، وآيتها أن دخول الجمل في سم ~~الخياط أيسر من دخول الغني إلى ملكوت السماء، وأدبها بعد أدب السيد المسيح مشروح في ~~وصية يعقوب من الإصحاح الثاني حيث يقول: # إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم الذهب في لباس بهي ودخل معه فقير بلباس وسخ ~~فنظرتم إلى اللابس البهي وقلتم له: اجلس أنت هنا حسنا. وقلتم للفقير: قف أنت ~~هناك أو اجلس هنا تحت موطئ قدمي. فهل لا ترتابون في أنفسكم وتصيرون قضاة أفكار ~~شريرة؟! اسمعوا يا أخوتي الأحباء، أما اختار الله فقراء هذا العلم أغنياء في ~~الإيمان وورثة الملكوت الذي وعد به الذين يحبونه؟! أما أنتم فأهنتم الفقير، ~~أليس الأغنياء يتسلطون عليكم وهم يجرونكم إلى المحاكم؟! # إن معظم ما وعته الأناجيل الباقية والكتب الملحقة بها يوافق هذه العقيدة وهذا الأدب ~~الديني في مواجهة الفقر والغنى، فمن الهذيان ألا تعلل الديانة المسيحية في نشأتها أو في ~~تطورها إلا بالعلة الببغاوية التي يحفظها الماركسيون، كلما عللوا الظواهر الاجتماعية، ~~فردوها جملة واحدة إلى خدمة مصالح الأغنياء، ولو كان أمامنا مائة تعليل لنشأة دين ~~كالدين المسيحي، لجاز أن يقبلها العقل على علاتها قبل أن يسيغ القول بأن المسيحية ~~اختراع الأغنياء لترويض الفقراء، ولا بد أن نبتعد من هذا التعليل مراحل شاسعة، حين نعلم ~~أن الغني المسيحي يؤمن بدينه كما يؤمن به الفقير المسيحي، ولا يشعر لمحة عين بأنه ~~مذهب مخترع ms181 على قصد منه لخداع الفقراء وتسخيرهم في خدمة دنياه، ومن خطر له هذا الخاطر ~~من الأغنياء فقد يماثله أناس من الفقراء، ينحرفون بهذه المظنة عن الدين كما ينحرف عنه ~~أصحاب الأموال. # وليس مما ينقض الرأي الصواب في نشأة المسيحية أن تراد لمقاومة إغراء المال ثم يستطيع ~~أصحاب المال أن يحتفظوا بالقدرة على الإغراء، فإن المضروب الذي لا يقتله السكين ويلويه ~~على الضارب لا يقال عنه من أجل ذلك: إنه هو الذي صنع السكين ليضرب به ويلويه على ضاربه، ~~وما يقوله الماركسيون بهذا المعنى فإنما هو أضحوكة، لا تقل عن هذا الضرب من ~~الأضاحيك. # لا جرم يصطدم الهذيان الماركسي الذي يسمونه علما بالحقائق التاريخية وبالواقع من ~~تجارب الماركسيين في دولتهم بعد الحرب العالمية، فيعاد النظر في تعليل نشأة المسيحية، ~~ويتراجع الدعاة شيئا فشيئا عن التفسير الماركسي المحفوظ إلى تفسير آخر، يحاول أصحابه ~~أن يوفقوا بين التاريخ - كما حدث - وبين فلسفة التاريخ على مذهبهم، ويلم بهذا الموقف ~~الجديد «تيماشيف» صاحب كتاب «الدين في روسيا السوفيتية» إذ يقول في الفصل الذي كتبه عن ~~السياسة الجديدة: «إن الحزب الشيوعي كان على خطأ في رأيه عن أصل المسيحية. وكانت هناك ~~نظريتان: إحداهما نظرية الأستاذ «ويبر» الذي يقول بأن المسيحية من نشأتها ديانة استغلال ~~ومستغلين، والأخرى نظرية الأستاذ «كوتزكي» الذي يرى أن المسيحية تخلص من الشقاء، وأنها ~~في نشأتها ديانة أرقاء وشوق إلى الحرية، وعندهم أن المسيحية كسائر الديانات أفيون ~~للشعوب، ولكن لا بد من بيان السبب الذي كفل لها النجاح، وهذا السبب هو أنها حركة دينية ~~جديدة لا تسمح بالتمييز بين الأجناس والأقوام، وتهيئ الطريق لنظام جديد في الزواج ~~وتعترف بكرامة الإنسان الخالص وبالمساواة بين الناس على تفاوت طبقاتهم، وقد كانت الثورة ~~على الأحوال الاجتماعية هي قوام الدين بين المسيحيين الأول، وكانت جماعاتها الأولى ~~ديمقراطية، وطرأ على المسيحية بعد ذلك طوارئ شتى ولم تزل بعدها محافظة على كرامة المثل ~~الأعلى، ولا نكران لما قامت به المسيحية من المساعدة على التقدم بالمقابلة بينها وبين ~~الديانات، فإنها ms182 جاءت بأفكار جديدة وقواعد يبنى عليها مجتمع جديد. # وبعد أشهر قليلة أقرت جماعة الإلحاد المجاهدة مقترحات «رانوفتش» وأذاعتها في منشور ~~موجه إلى دعاة الإلحاد قالت فيه: «إن المسيحية لا ينبغي أن تجعل كأنها صورة موحدة مع ~~نظام رأس المال، فإن المسيحيين الأول لم يكونوا أغنياء ولم يكن من دأبهم تعظيم ~~الثروة.»» ~~••• # إن بعض هذا الاجتراء على الشك في «العقيدة» الماركسية، كان في السنوات الأولى لقيام ~~الدولة الشيوعية بمثابة جريمة للخيانة العظمى التي يعاقب عليها بالموت والتشهير، ولو ~~أن العلماء النظريين الذين فسروا الدين هذا التفسير، قد اجترءوا على العقيدة ~~الماركسية هذه الجرأة مبتدئين بالرأي من عند أنفسهم، لكان أسعدهم حظا من ينفى إلى ~~مجاهل سيبريا، أو ينبذ من المجتمع ليقضي بقية حياته في عزلة الخمول، إلا أن العلماء ~~النظريين في النظام الشيوعي لا يقدرون على مثل هذه الجرأة، ولا يكون إقدامهم عليها إلا ~~دليلا على الإيعاز الخفي أو التحول الصريح في «تفكير» الدولة برمتها، وقد كانت هذه ~~النظريات تنشر ورئيس الدولة «كالينين» يخطب في مؤتمر المعلمين ليقول: # إن التعليم بالروح الماركسية ينبغي ألا يفهم منذ الآن كأنه تعليم القضايا ~~الماركسية. بل ينبغي أن يراد به بث عاطفة الحب للوطن الاشتراكي، وتنمية الصداقة ~~والزمالة والإنسانية وفضائل الأمانة والتعاون في ~~العمل. # وخطب في مناسبة أخرى فقال: «إن هدم الدين بغير نظر فيما ~~يخلفه لا يجدي، وإن «لينين» كان يرى أن المسرح سوف يحل في المجتمع المقبل محل ~~الدين.» # ولما قررت الدولة إجازة يوم رسمي في الأسبوع، كان من مقترحات «المؤمنين» أن يختار يوم ~~الاثنين أو الأربعاء أو يوم من الأيام غير يوم الأحد فأعرضت الدولة عن هذه المقترحات، ~~وقررت يوم الأحد دون غيره، وعهد إلى الأستاذ «نيكولسكي» أن يكتب بحثا في هذا الموضوع، ~~ينشر في مجلة العصبة؛ # 4 # لإقناع شبانها بصلاح هذا اليوم دون غيره لإجازة الأسبوع. # ولم يحدث هذا التحول منذ عشرين سنة إلا بعد حبوط العقيدة الماركسية في دور التعليم ~~وفي الأندية والمعاهد والمجتمعات التي أقيمت لنشر الإلحاد وصرف الناشئة ms183 عن التربية ~~الدينية، فحرمت الدولة في السنوات الأولى تعليم الدين للتلاميذ الصغار، وأوجبت تعليم ~~المذهب الماركسي للطلاب المتقدمين في الدراسة، وأرسلت المبشرين إلى الأقاليم يسفهون ~~الأديان جميعا وينعتونها بنعوت الجهل والخداع والاستغلال، وتجسم في حملات هؤلاء ~~المبشرين غباء الغبي وجحود الجاحد مجتمعين، فإنه من المفهوم أن يلحد الملحد؛ لأنه عرف ~~الدين الذي مرق منه وعرف الإلحاد كما تراءى لعقله، وأما الإلحاد المفروض على من لا ~~يعرفه ولا يعرف الدين، فذلك هو غباء التقليد الأعمى في الجحود وفي الدين. # وقد كان دعاة الإلحاد ممن جمعوا الغباوتين فتدينوا وهم يجهلون، وألحدوا وهم لا ~~يعلمون، وروت صحيفة «العصبة الملحدة» في عددها الثاني سنة 1939 أن مبشرا «إلحاديا» ~~ألقى محاضرة على جماعة من الكيميين فخلط بين الترك والإيرانيين، وعقد المقارنة بين ~~المسيحية والملة الكاثوليكية الرومانية كأنهما ديانتان منفصلتان، وعقبت الصحيفة على ذلك ~~محذرة من اختيار هؤلاء المبشرين من زمرة الأميين وأشباه الأميين. وقد نشرت «صحيفة ~~المعلمين» في عددها الثالث والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1938 أن التلاميذ الذين أبعدوا ~~كل الإبعاد من تعليم الكنيسة هم أشد تلاميذهم تعلقا بالتمائم والتعاويذ، وأكثرهم ~~اقتناء للأحجية والرقى التي يتوسلون بها إلى النجاح. وقالت صحيفة «برافدا» في عددها ~~العشرين من أغسطس سنة 1939: إن بعضهم يحسب أن الجيل الجديد يرفض الخرافات، وهو في ~~الواقع يتعلق بها ويصدقها، وقالت صحيفة «المعلمين» التي سبقت الإشارة إليها في أعداد ~~متفرقة في سنة 1937 إلى سنة 1939 أن الشبان يحتالون بالتمائم؛ لاستهواء قلوب ~~معشوقاتهم، وإن عاملا كتب إلى الصحيفة يسألها أن ترشده إلى «ساحر» أمين يستشيره فيما ~~يعنيه. ~~••• # وعلى هذا النحو حار دليل الوحي الماركسي عند أول موضع قدم، وضلت العقيدة الراسخة ~~الخالدة قبل أن تفارق باب المحراب، وهي هي العقيدة الراسخة الخالدة التي لا يجوز أن ~~تتزعزع، ولا يسمح لعقيدة أو فكرة غيرها أن تفسر شيئا من أسرار الماضي وخبايا المستقبل ~~في مسائل الدين على الخصوص، واضطر سدنة المحراب أن يخرجوا للوحي المنزل ترجمة بعد ترجمة ~~ليصححوا خطأه لا ليهتدوا بهديه في ms184 مسالك الغيب المحجوب، ووجب عليهم أن يفسحوا الطريق ~~للديانة التي سموها أفيون الشعوب وقالوا عنها: إنها وضعت لتخدير المساكين وترويض ~~المتمردين، فإذا هي على الطرف الآخر ثورة جائحة من المساكين والمتمردين على طغيان أصحاب ~~الأموال والعروش. # ومن سخرية القدر أن تبتلى العقيدة الماركسية بالتحريف والتبديل في بضع سنوات، فلا ~~تدري كيف تعلل ما أصابها كما عللت ما أصاب جميع المبادئ التي انحرفت عن سوائها بعلتها ~~الوحيدة التي لا تدري علة سواها، وهي أن المجتمع يسخر المبادئ ويطوعها لخدمة رءوس ~~المال؛ كي يستديم لها الربح الفائض والسيادة الغالبة، فإذا لم يكن هناك استغلال ورءوس ~~أموال، فلا موضع لتحريف المبادئ عن سوائها ولا متسع في العقل والضمير لغير الفلسفة ~~الماركسية على استقامتها. # وقد منيت عقيدة العقائد بالتحريف والتزييف بين أناس يكفرون برأس المال كما يكفرون ~~بالاستغلال، ولم ينقض من الأبد الطويل الذي سنطبق عليه فلسفة الماركسيين أكثر من عشر ~~سنين عند ابتداء ذلك التحريف والتزييف. فإذا تواضعنا بالأبد الأبيد، فهبطنا به إلى ~~مليون سنة، فإلى أين يا ترى ينتهي التغيير بالعقيدة الراسخة الخالدة التي لا تقبل ~~التغيير في المدى الطويل بله المدى القصير. # وجاء الامتحان الأول للعقيدة الراسخة الخالدة أيام الحرب العالمية الثانية، فنادى ~~الكفار بالوطنية وبالدين أنها حرب الغيرة الوطنية، وأن المجاهدين أحرار في العقيدة ~~الدينية التي يسرونها أو يعلنونها، ولم يكن جيل القيصرية هو الذي ألجأهم إلى التمسح ~~بالوطنية أو بالحمية الدينية فيقال: إنه قديم شبوا عليه وشابوا، فلا مندوحة عنه في إبان ~~المحنة الداهمة، بل كان الجنود المقاتلون في الصدمة الأولى من جيل بين العشرين ~~والأربعين، أكبرهم لم يزد على الثالثة عشرة عند قيام الدولة الشيوعية، وتسعة أعشارهم ~~على الأقل لم يتعلموا حرفا في غير مدارسها، ولم يستمعوا كلمة من غير دعائها. ولا تفسير ~~لاستفزازهم بنخوة الوطن وحمية الدين، إلا أنه إفلاس للمذهب المادي في تكوين المجتمع ~~وغرس الأخلاق في نفوس لم يزاحمه عليها مزاحم من المهد إلى مقتبل الشباب. ~~••• # وبعد هذا فصل عن تفسير الفلسفة المادية للعقائد الدينية ms185 لم نرد به تفسير الأديان ولا ~~الموازنة بينها، ولكننا نؤدي ما أردناه به حين نتبين قصور تلك الفلسفة عن تفسير نشأة ~~الدين في المجتمع وفي النفس البشرية، بالقياس إلى الفرائض الاجتماعية العامة كفرائض ~~الشريعة وفرائض العرف والعادة وفرائض الأخلاق والآداب، وأوضح ما يكون القصور في هذه ~~الفلسفة، حيث تعرض لسريرة الإنسان وعوامل الحياة الاجتماعية، التي لا تحيط بها كلمة ~~«المال» أو كلمة الإنتاج. # وقد عرضنا في ختامه لتطبيق التفسير المادي على الأديان الكتابية، فتناولنا الكلام على ~~اليهودية وعلى المسيحية ولم نعرض بعد للإسلام؛ لأننا سنخصه بفصل مستقل يدعونا إليه ~~أمران، أولهما: أننا نحن مطالبون قبل غيرنا ببيان الحقيقة عن الإسلام في هذا الموضوع، ~~والآخر: أن الإسلام يدحض الفلسفة الماركسية عن نشأة الدين في كل رأي ذهبت إليه، ولا ~~يدحضها في معرض الكلام على رأي منها أو رأيين، ولهذا يهم الباحث المستقل بيان وجهته؛ ~~لأنها تحتمل تفصيلا في البحث، لا يحتمله بيان الحقيقة عن سائر الأديان. # | الشيوعية والإسلام # | الإسلام والشيوعية # اطلع «ماركس» و«إنجلز» على بعض مراجع «الأنثروبولوجي» - علم الإنسان التي تكلم ~~أصحابها عن عبادات القبائل الأولى؛ لأنهما يستدلان بأحوال المجتمع في تلك القبائل على ~~سبق النظام الشيوعي البدائي - لنظام الملك الخاص والطبقة المستأثرة بوسائل الإنتاج. ~~ولكن لا يظهر من كلامهما على الأديان الكبرى أنهما توسعا في الاطلاع عليها، ولا يظهر من ~~كلامهما العاجل عن الإسلام والمسلمين أنهما اطلعا على قواعد الإسلام، كما يفهمها من ~~يتصفح القرآن الكريم والأحاديث النبوية، فضلا عن أقوال الأئمة والحكماء ~~الإسلاميين. # وقد قلنا في ختام الفصل السابق: إننا مطالبون بإفراد القول عن الإسلام في مذهب ~~الشيوعيين؛ لأننا أحق من الكتاب الغرباء عنه بجلاء الشبهات التي يوردها عليه من ~~يجهلونه، أو يسيئون النية في تصوره وتصويره، ونزيد على ذلك أن دراسة الشيوعية في ~~آرائها عن الدين خاصة تستوجب دراسة الدين الإسلامي قبل غيره من الأديان العالمية ~~الكبرى؛ لأنه يتضمن وحده معظم الشواهد التي تدحض آراء الشيوعيين في نشأة الدين؛ ولأن ~~الإسلام نظام اجتماعي إلى جانب عقائده وشعائره الدينية، ms186 ونظرة الشيوعيين إليه في دور ~~تطبيق المذهب الشيوعي على الخصوص كنظرتهم إلى مزاحم خطير، يخشون منه أن ينازعهم السلطان ~~على عقول الأمم وضمائرها في مسائل الأخلاق والمعاملات، مع ما يوحيه إلى العقول والضمائر ~~من إيمان وثيق لا طاقة به لفلسفة الحياة كما يبسطها الماديون. # فعلى صفحات وجه هذا الدين الحنيف - ولا إيغال في أعماقه بعد - حجة ناهضة لا تنهض معها ~~حجة للذين يزعمون أن الدين خدر للشعوب يروضها على الفقر والمسكنة، ويلهيها بالآخرة عن ~~نعيم الدنيا؛ ليستأثر به سادة المجتمع ويغتصبوا منه علانية - أو يسرقوا منه خلسة - ما ~~طاب لهم أن يغتصبوه أو يسرقوه. # فالإسلام يأبى للمسلم أن ينسى نصيبه من الدنيا، ويأمره أن يأخذ من طيباتها، ويعيد ~~عليه هذا الأمر في آيات متعددة من القرآن الكريم: # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ~~ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~، # لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ~~، # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا ~~، # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض ~~. # وليس من الإسلام أن يتجرد المسلم من زينة الدنيا ليقبل على الآخرة، بل هو مأمور بأن ~~يأخذ نصيبه من الزينة وهو بين يدي الله، وأن يعد زينة القوة من نعمه التي يشكره ~~عليها: # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين * قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق ~~، # والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة ~~. # ولم يخطر لعدو من أعداء الإسلام أن يتهمه بتحسين الجبن والاستكانة لأتباعه؛ بل خطر ~~لهم أن يصفوه بنقيض ذلك، ويبالغوا فيما وصفوه فيقولوا عنه: إنه دين السيف أو دين ~~القتال. # ولا مبالغة في وصف الإسلام بهذه الصفة، إلا أن يكون معناها عند قائلها أن الإسلام ~~يعرف السيف ولا يعرف غيره، أو أنه يضع السيف في غير موضعه، ويبطل الحجة والبرهان جهلا ~~بها حيث لا موضع للغلبة والإكراه. # وليس السيف من شريعة الإسلام بهذا المعنى، فقد كان الإسلام ms187 مبتلى بسيوف أعدائه قبل أن ~~يكون له سيف يذود به عن نفسه، ولم يأمر الإسلام قط بتجريد السيف عدوانا على أحد، ولم ~~يجرده قط في سبيل الدعوة إلا ليحارب به قوة تقاوم الدعوة بالسيف، فحارب الدولة ~~البيزنطية والدولة الفارسية؛ لأن الخلاف بينهما لم يكن خلافا على الحجة والإقناع، وفعل ~~ذلك بعد إبراء الذمة من دعوة العواهل المتحكمين في بيزنطة وفارس إلى الكلمة السواء، ~~فلما أعرضوا عنه وتوعدوه وحالوا بينه وبين أسماع الناس جرد عليهم السيف، إذ لا محيص له ~~من تجريده، وكان الاحتكام إلى السيف هنا كأشرف ما يكون الاحتكام إليه في قضية من قضايا ~~الدنيا أو الدين. # وأصدق ما يقال عن الإسلام في أمر السيف: إنه يأمر بالسيف؛ لأنه ينهى عن الجبن وينهى ~~عن العدوان، ولم يأمر به ليوضع في غير موضعه أينما كان. # وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا ~~، # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم ~~، # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان ~~. # ومقاتلة البغي واجبة على المسلم كلما أوجبتها الضرورة في صد العدوان من الأجانب عنه، ~~أو في صد العدوان بين طائفة وطائفة مثلها من المسلمين: # وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله ~~. # والمسلم فيما دون الحرج الذي يوجب القتال لا يعفى من إصلاح السيئات التي يؤمر ~~باجتنابها، إذ هو مطالب بتقويمها إذا استطاع بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإنه لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. ومن الواجبات الاجتماعية المفروضة على الجماعة في الإسلام ~~أن يكون منها آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر، يتولون عنها هذه الفريضة التي لا تنساها ~~جماعة إنسانية إلا بادر إليها الفناء، # ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ~~، وما هلكت الدول كما جاء في الكتاب الكريم إلا لأنهم # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~. وقد حق ~~الهلاك على المستضعفين؛ لأنهم يعتذرون بالضعف، وهم قادرون على النجاة بأنفسهم ms188 من الخضوع ~~للسادة المتحكمين فيهم: # قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها ~~. # ومهما يتعنت صاحب الهوى في توجيه الكلمات ومعانيها، فما هو بقادر على أن يتخذ من ~~أوامر الإسلام حجة لتسخير المجتمع في خدمة أصحاب الأموال أو القابضين على وسائل ~~الإنتاج، كما يقول المفسرون الماديون للأديان، فقد كان السادة في الجزيرة العربية ~~يربحون من الربا المضاعف ومن احتكار التجارة، فجاء الإسلام بتحريم هذا وذاك أشد التحريم # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا ~~أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون ~~. # وقال عليه السلام: «من احتكر طعاما أربعين يوما يريد به الغلاء، فقد برئ من الله ~~وبرئ الله منه.» # ويمنع الإسلام الاحتيال بالمتاجرة بالأعيان سترا للربا الذي يحرمه، وفي ذلك يقول ~~عليه السلام: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر ~~بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى.» # ومن الاحتكار الممنوع أن يجتمع المال في أيدي طبقة من الأمة # كي ~~لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~. # ومن المحتكرين من يكنزون الذهب والفضة والقناطير المقنطرة # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله فبشرهم بعذاب أليم ~~. # فإذا قيل عن هذه الأوامر والنواهي: إنها خدمة لأصحاب الأموال، وتيسير لاستغلالهم ~~أرزاق الفقراء، فليس للكلام من معنى يقبله العقل أو يأباه. # ولم يكن في سنة الإسلام أن يبيح لمنكر أن يقول كما قيل كثيرا: إن الشرائع إنما ~~توضع للفقراء ولا تسري على الأغنياء، فقد كانت التفرقة بين الناس في الحدود أشد ما حظره ~~النبي وحذر منه قومه، وكان ممن وجب عليهم الحد في حياته عليه السلام سيدة من أسرة ~~مخزومية، فشفع لها عنده أسامة بن زيد، فزجره وقام في الناس خطيبا فقال: «إنما أهلك ~~الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. ~~وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.» # ولنا - بعد - أن نمتد بأطراف البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها ms189 الإسلام إلى أقصى تخوم ~~الجزيرة العربية، فلا نرى في هذه البيئة الكبرى حجة لمن يقول: إن الدين ينشأ في ~~البيئة لخدمة سادتها واستبقاء سيادتهم عليها، فقد كان سادة العرب على خصلة لم يشتهروا ~~بخصلة أشهر منها، وهي الكبرياء بالنسب والعصبية العربية. # كانوا فيما بينهم يفاخر بعضهم بعضا بعراقة الأصول والأجداد، وكانوا في جملتهم ~~يفاخرون الأمم بالنسبة العربية ويسمونها الأعاجم، كأنها كانت عندهم خلقا من الحيوان ~~الأعجم، وكان أميرهم يترفع عن مصاهرة الأكاسرة وهو تابع لهم في دولتهم؛ لأن عزة الملك ~~لا ترفعه إلى مقام الكفاءة العربية، فلو صدق القائلون بأن الدين من إملاء السادة في ~~بيئتهم لما خرج من هذه البيئة دين إنساني يخاطب الناس كافة، ويستنكر المفاخرة بالأنساب ~~والعصبيات، ويسوي بين العرب والعجم، وبين القرشي والحبشي، بل يفضل الأعجمي على العربي ~~والحبشي على القرشي إذا فضله بالصلاح والتقوى. # وقد كان الإسلام صريحا في هذا الأدب الإنساني منذ نشأته الأولى، ولم تأت فيه وصايا ~~المساواة عرضا في سياق وصاياه النافلة التي تستحب ولا تكره مخالفتها، ولكنها جاءت في ~~الكتاب الكريم والأحاديث النبوية مؤكدة مقررة على صيغة لا هوادة فيها، وكانت سنة النبي ~~عليه السلام في توكيدها وتقريرها من السنن التي لا تخفى على أحد من أصحابه، فيما عم أو ~~خص من قدوة حياته الشريفة، صلوات الله عليه. # فمن القرآن الكريم نعلم أن النبي - صلوات الله عليه - مرسل للناس كافة # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا ~~، وأن الناس أمة واحدة # يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~، ~~وأن الحياة الباقية لا أنساب فيها، ولا فضل فيها لغير العمل الصالح والكفة الراجحة: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ~~. # والنبي صلوات الله عليه يقول: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا ~~بالتقوى» ويتمم بلاغ الرسالة فيقول في خطبة الوداع: «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن ~~أباكم واحد: كلكم لآدم ms190 وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على ~~عجمي ولا لأحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى.» # وكان أبو ذر الغفاري من أقرب الصحابة إليه عليه السلام، ولكنه سمعه مرة يقول لرجل ~~أسود: يا ابن السوداء، فبلغ به الغضب غايته، وعبر عليه السلام عن ذلك بامتلاء الكيل، ~~فقال: طف الصاع! وأعادها مرة أخرى، ثم قال: «ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل ~~إلا بالتقوى وبعمل صالح.» # هذا الأدب الإلهي الذي لا تفاضل فيه بين الناس بغير الأعمال قد نشأ في وكر الأنساب ~~والعصبيات، فليس في نشأته هذه ما يفسر نشوء الأديان لخدمة السادة في المجتمع واستبقاء ~~سيادتهم عليه. # وإذا خابت الفلسفة المادية في تفسير نشأة الإسلام بإملاء البيئة أو بإملاء السادة ~~عليها، فإنها لأخيب من ذلك في تفسير هذه النشأة بإملاء الديانات التي سبقت الإسلام، ~~واتصل أتباعها بالجزيرة العربية، فإن اليهود كانوا يدينون بأن إسرائيل شعب «يهوا» وأن ~~يهوا إله إسرائيل، وأن أبناء إبراهيم من سلالة إسحاق هم دون غيرهم المفضلون بموعد ~~الرضوان، ولما ظهرت المسيحية بين أبناء إسرائيل، توجهت بالدعوة إليهم أول الأمر؛ لأنها ~~تحمل البرهان إليهم في مواعيد الأنبياء التي يدينون بها، واتفق في أوائل الدعوة - كما ~~جاء في إنجيل متى وإنجيل مرقس - «أن امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت بالسيد المسيح فأتت ~~وخرجت عند قدميه، وكانت أممية وفي جنسها فينقية سورية، فسألته أن يخرج الشيطان من ~~ابنتها، فقال لها: دعي البنين أولا يشبعون. ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح ~~للكلاب. فأجابت وقالت: نعم يا سيد! والكلاب أيضا تحت المائدة تأكل من فتات البنين، ~~فقال لها: لأجل هذه الكلمة اذهبي، قد خرج الشيطان من ابنتك.» # وأصرت إسرائيل على الإعراض عن الدعوة المسيحية، فاتجه بها السيد المسيح إلى الأمم ~~وضرب المثل لهم بالمدعوين إلى وليمة يرفضونها، فيشهدها من حضرها بغير دعوة: «إذ أرسل ~~الداعي عبيده في طلب ضيوفه فقال هذا: إني اشتريت حقلا وعلي أن أخرج فأنتظره، وقال ذاك: ~~إني اشتريت أزواجا ms191 من البقر وسأمضي لأجربها، فغضب السيد وقال لعبده: اذهب عجلا إلى ~~طرقات المدينة وأزقتها وهات إلي من تراهم من المساكين. فعاد العبد وقال لسيده فعلت كما ~~أمرت، ولا يزال في الرحبة مكان. # قال السيد: فادع غيرهم من أعطاف الطريق وزواياه حتى يمتلئ بيتي، فلن يذوق عشائي أولئك ~~الذين دعوت فلم يستجيبوا الدعاء.» # ثم انتشرت الدعوة في غير بني إسرائيل، وكان من استجاب لها أولى بها ممن أعرض عنها؛ ~~لأنهم أصبحوا «أبناء إبراهيم بالروح.» # ثم جاء الإسلام من جوف الجزيرة العربية ليعم بالدعوة أبناء آدم كافة، ومنهم أبناء ~~إبراهيم بالجسد وأبناؤه بالروح، فلم يكن في نشأته ما يفسره إملاء السوابق الدينية، أو ~~يفسره إملاء البيئة العربية، وجاء مع دعوته الإنسانية بآدابه الاجتماعية أو الفردية، ~~التي يكابر المتعنت في تعنته ما استطاع المكابرة، ولا يستطيع أن يفسرها بممالأة ~~الأغنياء والمحتكرين، أو بأنها خدر للنفس يروضها على الذل والاستكانة، أو يلهيها عن ~~الدنيا بخيال الآخرة، فإن الفجوة الواسعة بين حقائق الإسلام، وهذه التفسيرات المادية ~~تلوح للناظر من اللمحة الأولى، ولا تجشمه أن يتعمق إلى قرارها. # وكأنما قضي على الفلسفة المادية أن تبتلى بكل حجة من قبل الإسلام على أوفاها، فلا ~~توسط بين حقيقة الإسلام وبين فروض الفلسفة المادية: دعوة عالمية من طرف تقابلها من ~~الطرف الآخر تبعة فردية يستقل بها الإنسان في طويته، كأنه وحده عالم قائم بنفسه. # كل نفس بما كسبت ~~رهينة ~~، # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~، # لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ~~، # قل يا أيها الناس قد جاءكم ~~الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا ~~عليكم بوكيل ~~. # إن هذه التبعة تكليف لا يدين به ضمير يتعاطى من الدين خدرا يذهله عما حوله وينسيه ما ~~هو حق له وما هو واجب عليه، وحسب الإسلام عند الشيوعية أنه يفندها هذا التفنيد الصادع ~~في جميع مقوماته ليستحق منها عداوة شديدة، تخصه بها الأديان العالمية التي يتبعها ~~ملايين الخلق في الزمن ms192 الحاضر، إلا أنها - على هذا - كانت تعمه وسائر الأديان بعداوتها، ~~ولا تميزه بعداوة خاصة، وهي في دور الدعوة وترويج النظريات، وظلت كذلك حتى دخلت في دور ~~التطبيق، وحلت محل القيصرية الروسية في علاقاتها بالعالم الآسيوي داخل بلادها وعلى ~~تخومها، فاستجد لها من أسباب العداء له سبب أقوى لديها من كل سبب؛ لأنها وجدت فيه ~~نظاما اجتماعيا يتعرض لكل مشكلة من مشكلاتها، ولم تجد مثل هذا النظام لملة من الملل ~~التي تعاملها، وتجتهد في نشر الدعاية بين أبنائها. # فالنظام الاجتماعي - أو السياسي - الذي أخذت به اليهودية قبل عشرين قرنا لا يسري ~~اليوم على بقعة من الأرض، ولا يخشى منه على الدعاية الشيوعية في المستقبل، والمسيحية قد ~~نشأت بين مزدحم الشرائع والنظم السياسية من جانب الهيكل وجانب الدولة، فتركت معترك ~~السياسة، وقصرت دعوتها على الأخلاق والعبادات. # أما الإسلام فقد نشأ في بيئة يتركها للفوضى والاختلال إن لم يأخذها بنظام واف من ~~نظم الحكم والتشريع، وقد أخذها بهذا النظام، وأودعه من دواعي التوفيق ما يلائم الزمن ~~بعد الزمن والبيئة بعد البيئة، ولا يضيق فيه باب الاجتهاد كلما وجب الرجوع إليه في ~~أحوال غير الأحوال التي نشأت فيها الدعوة الإسلامية. وجاء القرن العشرون ولم تفارقه ~~مرونته التي تصلح للحياة العصرية ولا تستعصي مع الزمن على التجديد، ولا يخفى أن العهد ~~بالأديان العالمية التي يتبعها الملايين أنها تملك هذه الحيوية لتعيش بها في الأجيال ~~المتعاقبة، أو تفقدها، فتنحل وتزول ويخلو مكانها لدعوة من الدعوات كيفما كانت، أو تتخبط ~~في مكانها بين الإنكار والشك والبوار، فكانت للإسلام هذه الحيوية التي أعيت خصومه في ~~حرب الاستعمار وحرب الإلحاد والإنكار. # ومن أجل هذه الحيوية، جردوا له كل ما تجرده الدولة ذات المذهب على خصوم مذهبها، وشنوا ~~عليه حملة شعواء من أشنع حملات القمع والاضطهاد، وحملة أخرى في مثل شناعتها من حملات ~~التشويه والتشريد مع تكميم الأفواه عن المناقشة أو الدفاع. # ونحن لا نستقصي في هذا الكتاب أخبار القمع والاضطهاد التي ترامت إلينا من أرجاء ~~العالم الإسلامي في القارة ms193 الآسيوية؛ لأن استقصاء هذه الأخبار موكول إلى مقصد آخر غير ~~مقصدنا من بحوث هذا الكتاب، وهو مناقشة المبادئ والآراء، والإبانة عن مواطن الضعف ~~والخلل في أساسها الذي تقوم عليه. وقد يغنينا عن استقصاء تلك الأخبار في عرض الطريق أن ~~نشير إلى «مصادرة» الفريضة، التي تظهر مصادرتها على البعد، ولا يجدي فيها التكذيب ~~والتمويه، تلك هي فريضة الحج في كل عام، فإن حجاج الأمم الإسلامية كانوا يلتقون في ~~مكة بالألوف من أبناء الأقطار الأوربية والآسيوية الذين كانوا يخفون إلى الأماكن ~~المقدسة كل عام قبل قيام الدولة الشيوعية، فلما قامت هذه الدولة امتنع وفودهم سنوات، ثم ~~وصل منهم من استطاع الوصول بعد ذلك، فلم يجاوز عددهم ثلاثين أو أربعين حاجا في كل ~~مرة، كان يبدو عليهم أنهم يحسون فيما بينهم رقابة شديدة عليهم، وأنهم ربما كانوا ~~مندوبين لغرض يحملون عليه غير أداء الفريضة. # وتلاحقت - في خلال حملة القمع والاضطهاد - تلك الحملة الأخرى من حملات التشهير ~~والتشويه، ونمت عليها أقوال الصحف والنشرات، وبعض الكتب الموسوعة التي تقضي عليها ~~مادتها باستيعاب موضوعاتها، ومنها موسوعة الثقافة الشيوعية، فإنها وصمت الإسلام بوصمة ~~الرجعية ومعاونة الاستغلال، واعتبرته من عقبات التقدم وموانع الحضارة العصرية، وأفردته ~~بالعداوة التي تستحقها كل عقيدة تصلح لمنازعة المذهب المادي على ضمير الإنسان. ~~••• # وما كانت الخصومة الشيوعية لتتورع عن الدعاية الرخيصة، كلما أعوزتها أسانيد الدعاية ~~المقنعة؛ لأن القناع سابق للدعاية في خطط الشيوعية، وأرخص ما تكون دعايتهم إذا ~~آنسوا العجز عن إقناع خصومهم، ومن هذا القبيل كانت حملة التشهير والتشويه التي اصطنعوها ~~في دعايتهم على الإسلام، فليس لها من معنى يخرج به القارئ من جملتها وتفصيلها غير معنى ~~واحد، وهو أن الإسلام لم يتنزل في القرن العشرين. # فما كان دين من الأديان ليهاجم بدعاية أرخص من هذه الدعاية المفروغ منها؛ لأن الأديان ~~لا توجد لتلغى وتعاد كل صباح ومساء، فإما أن توجد لتدين أمة في أجيالها المتعاقبة، أو ~~لا توجد على الإطلاق، ولا يتصور لها وجود، وإذا كان طول الأجل مأخذا على الدين، ~~فالإسلام ms194 لا يؤخذ بهذا المأخذ الهزيل؛ لأنه آخر الأديان الكتابية في تاريخ ~~الظهور. # إنما تؤخذ على الإسلام آدابه وفرائضه التي جاء بها يوم ظهوره، وإنما تؤخذ عليه هذه ~~الآداب والفرائض إذا جاءت رجعية في حينها لا تصلح شيئا مما تصدت لإصلاحه، ولا تفتح في ~~الغد طريقا للمصلحين. # ولم يكن الإسلام كذلك من وجهته العامة، ولا كان كذلك من وجهة المآخذ التي أحصاها ~~الشيوعيون، وأهمها الرق وتعدد الزوجات وحدود العقاب وشروط المعاملات الاقتصادية، وسنرى ~~أن الإسلام لم يأت بحكم من الأحكام في مسألة من هذه المسائل إلا كان فيه إصلاح للحالة ~~التي كان عليها في عصر الدعوة، وحض على الإصلاح في العصور المباشرة التي تليه. # فالإسلام لم يشرع الرق الذي كان مشروعا قبله في جميع الأديان الكتابية، وكان ~~الفيلسوف «أرسطو» يسوغه بآرائه الاجتماعية والسياسية، وقسم الجنس البشري إلى فريقين: ~~فريق يعمل بعقله ومشيئته، وفريق يؤدي للفريق الأول أعماله كما تؤديها الآلات. # لم يشرع الإسلام الرق، بل شرع العتق وحض عليه، وجعله من وسائل القربى والتكفير عن ~~السيئات. # وما أباحه الإسلام من الرق لا يزال مباحا إلى اليوم بين أمم الحضارة في حروبها، فإن ~~الأسرى يعتقلون ويسخرون في العمل، ولا تفك قيودهم إلا بالمبادلة أو سداد الغرامة ~~والتعويض، وهذا هو الرق الذي أباحه الإسلام، وأوجب معه المن بالعفو أو الفكاك أو ~~المكاتبة: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ~~. # ولا يبيح الإسلام استرقاق الأسير في كل قتال، بل يشترط في القتال أن يعلنه الإمام مع ~~عدو لا ذمام معه ولا معاهدة، ويأمر بمعاملة الأسرة معاملة لا يحلم بها أسير في حرب من ~~حروب الحضارة الحديثة، وينهى أن يذكره صاحبه فيسميه «عبدي» مؤثرا على هذه التسمية ~~الزرية أن يدعوه ب «فتاي»، كما يدعو ابنه في كثير من الأحيان. # وإذا كان الإسلام لا يسوي بين الأحرار والعبيد في جميع الحقوق، فالأسرى في العصور ~~الحديثة لا حقوق لهم ولا مساواة بينهم وبين من ms195 يأسرونهم ما داموا على ذمة الفكاك أو ~~الفداء، وغاية الفرق بين العصر الحديث والعصر القديم أن الدول في هذا العصر تتولى ~~المبادلة على الفداء بعد معاهدة الصلح بين الغالب والمغلوب، وأما في العصور الغابرة فلم ~~تكن للدول عناية بهذه المبادلة ولا بالتعاهد على الصلح في جميع الأحوال، ومن لم ~~يفده أهله من الأسرى فلا شأن به للدولة التي كان ينتمي إليها، ولا استثناء لذلك في ~~شرائع الحرب والسلم إلا بعد قيام الدولة الإسلامية، وتفرقتها بين الأمم المسالمة والأمم ~~المعاهدة والأمم المقاتلة، فإن الدولة الإسلامية قد أوجبت على الإمام فكاك الأسرى من ~~جنوده ما استطاع. ~~••• # والنظام الاجتماعي الذي جاء به الإسلام قد صنع في مسألة تعدد الزوجات ما قد صنعه في ~~مسألة الرق، حالة سيئة تعانيها المرأة من حرمان المجتمع والقانون أصلحها الإسلام ومهد ~~لمسايرة التقدم الطبيعي الذي يأتي مع الزمن من ضروب الإصلاح. # وعلينا قبل الاستطراد إلى الكلام عن مركز المرأة في الإسلام أن ندفع وهما يعلق ~~بالأذهان عن الأديان الكتابية وتعدد الزوجات، فإن الشائع بين الغربيين والمتفرنجين من ~~الشرقيين أن الإسلام هو الدين الكتابي الوحيد الذي لم يحرم تعدد الزوجات، وذلك وهم ~~يخالف النصوص ووقائع التاريخ، فإن تعدد الزوجات بغير قيد هو القاعدة الغالبية في زواج ~~الآباء والأنبياء الذين ذكرت زوجاتهم في كتب العهد القديم، وليس في الأناجيل نص على ~~تحريم ما أباحه العهد القديم، ولكن الآباء الأوائل في المسيحية كانوا يحثون على ~~الرهبانية، ويستحسنون للأسقف أن يكتفي بزوجة واحدة إذا لم يستطع أن يترهب؛ لأن شرا ~~واحدا أهون من شرين. وقد أفتى القديس «أوغسطين» في كتابه عن الزواج الأمثل بإباحة ~~التسري لمن عقمت زوجته وثبت عليها العقم، وحرم مثل ذلك على المرأة التي يعقم زوجها؛ لأن ~~الأسرة لا يكون لها غير سيد واحد، وكان لشرلمان أولاد شرعيون من عدة زوجات معترف بهن، ~~وبحث المشرع المشهور «جورتيوس» موضوع تعدد الزوجات من الناحية الفقهية، فصوب شريعة ~~الآباء في العهد القديم، وقال «وسترمارك» المؤرخ الحجة في شئون الزواج: إن الكنيسة ~~والدولة ms196 كانتا تقران تعدد الزوجات إلى القرن السابع عشر، وكان يقع غير نادر في ~~الحالات، التي لا تحفظ في سجلات الكنيسة أو الدولة. # فالإسلام لم ينفرد بين الأديان الكتابية بإباحة تعدد الزوجات، ولم يوجبه على أحد لأنه ~~أباحه، بل أوجب على الزوج أن يعدل في المعاملة إذا بنى بأكثر من زوجة، وصرح القرآن ~~الكريم بصعوبة العدل بين النساء # ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~. # فحكم الإسلام في تعدد الزوجات هو الحكم المطلوب من كل شريعة تقابل كل حالة محتملة، ~~ولو وقعت في كل ألف حالة حالة واحدة، يكون فيها تعدد الزوجات خيرا من الطلاق أو من ~~العقم، لعيب على الشريعة أن تتجاهلها ولا تحسب حسابها، وإنه لمن السخف أن يقال: إن ~~تطليق الزوجة المريضة أو قبول العقم أفضل في جميع الأحوال من الجمع بين زوجتين، وإنه ~~لأسخف من هذا أن يقال: إن متاجرة المرأة بعرضها عند التفاوت بين عدد الرجال والنساء ~~أكرم من تعدد الزوجات، وإنه لمن التعاق السمج أن يقال: إن الإغضاء عن الإباحة الفعلية ~~يجعل الشريعة صالحة لقديسين يبنون بقديسات، ويجعل الدنيا سماء للملائكة، لا يقع فيها ~~إلا ما ينبغي أن يقع في السماوات، وأنه ما على الشريعة إلا أن تقول: إن الناس كذلك ~~ليكونوا طائعين أو راغمين، ثم يعلموا أنهم كذلك، وهم يعلمون رجالا ونساء أن الزواج ~~الذي يخرج عليه الزوجان معدود بعشرات الألوف. # ولقد يعذر من يرى أن الزواج علاقة لذة ومتعة جسدية، إذا أغضى عن الفارق الطبيعي بين ~~الجنسين، ويعذر مثله من يرى أن انقطاع النسل فضيلة في حالتي الرهبانية والزواج، ولكنه ~~لا عذر لمن يؤمن بأن الزواج للنسل، ثم يتجاهل التفرقة الطبيعية بين وظيفة الذكر ووظيفة ~~الأنثى في الحياة النوعية، فإن هذه التفرقة لا تهمل كل الإهمال إلا تباعد ما بين ~~الطبيعة وبين المجتمع من وشائج الحياة، وليس من المطلوب أن يلد الرجل من مئات النساء، ~~ولكنه لا يكون في جميع الأحوال كالمرأة التي لا تلد إلا من رجل واحد في عدة ~~شهور. ms197 ~~••• # قلنا: إن الإسلام قد عالج تعدد الزوجات، كما عالج الرق في عصر الدعوة: حالة سيئة ~~أصلحها، وتطور منظور مهد له وأشار إليه، ولم يضع قط عقبة في طريقه، والحالة السيئة التي ~~أصلحها الإسلام أن تعدد الزوجات، كان مباحا مطلقا من كل قيد في البلاد العربية ~~وفيما جاورها، وكان رأي المرأة في الزواج مهملا لا يعتد به سواء خطبت لرجل متزوج أو ~~غير ذي زوج، فقيد الإسلام هذه الإباحة المطلقة، وجعل للمرأة رأيا مشروطا في زواجها، ~~ونبه الرجل الذي يتزوج بأكثر من واحدة إلى وجوب العدل في المعاملة، ثم نبهه إلى صعوبة ~~العدل وفضيلة الاكتفاء بزوجة واحدة # فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة ~~. # ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~. # إصلاح ليس بالقليل، ولا ينبغي أن يحسب قليلا حتى في موازين المستغلين له من دعاة ~~القرن العشرين، فإنهم لخلقاء أن يسألوا أنفسهم: هل كان من المفيد تحريم تعدد الزوجات لو ~~أراد أحد تحريمه، ولم يقنع يومئذ بذلك الإصلاح؟ ما كان ذلك التحريم بالجد الذي يقدم ~~عليه مشرع في شئون الاجتماع، وما كان له من وصف يوصف به، إلا أنه عبث تتنزه عنه حكمة ~~التشريع، ولن يكون التحريم إلا عبث عابث حين تكون الإباحة حكما عالميا، قد انعقد ~~عليه إجماع الشرائع والعادات والأديان. # وربما كان العمل المنتج في هذا الإصلاح منوطا بإسناد حق الموافقة إلى المرأة قبل ~~البناء بمن يخطبها، سواء كانت ولية أمرها، أو كان لها ولي ينوب عنها، والنبي عليه ~~السلام يقول: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن»، وقال: «الثيب ~~أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها.» # فهذا الحق ينقل أمر إنصاف المرأة إلى يديها، فإن قبلت تعدد الزوجات راضية، فهي أولى ~~باختيار ما يرضيها، وإن قبلته لضرورة لا محيص عنها، فوجود هذه الضرورة في المجتمع رد ~~كاف على من يتغافل عنها ولا يلتفت إليها، وما كانت المرأة لتقبلها يوما، إلا وهي توقن ~~أن قبولها أوفق لها من رفضها. ~~••• # على أن تعدد الزوجات على إطلاقه قبل ms198 الإسلام، لم يكن يضيم المرأة كما كان يضيمها ~~قضاء الذلة التي رانت عليها في شعوب الحضارة وشعوب البداوة على السواء، وكانت بعض ~~الحضارات - كالحضارات المصرية القديمة - تميل إلى إنصافها في حقوق الأسرة والمجتمع، ثم ~~شملتها النكسة العامة التي غمرت العالم الإنساني في الحقبة التي مرت به من القرن الثاني ~~قبل الميلاد إلى القرن السادس بعده، إذ كان هذا العالم الإنساني قد غثيت نفسه بمساوئ ~~الترف المادي والانحلال الخلقي، فخرج منها بعقيدة احتقار الجسد، وتصوير المرأة في صورة ~~النجاسة المحذورة؛ لأنها عنوان المتعة الجسدية والشهوات الحسية، فهبطت في معيار الأخلاق ~~والعقائد إلى حطة النجاسة، وبقيت في معيار التشريع حيث أبقتها أم الشرائع في العصور ~~القديمة - دولة الرومان - ولم تزد في شريعتها كثيرا عن منزلة الرقيق المملوك الذي لا ~~يستقل عن مشيئة رب الأسرة بحق من الحقوق. # وأما في بلاد العرب فقد كانت للمرأة حالات تتراوح بين الكرامة والمهانة، أحسنها لم ~~يرتفع عن حالة الطفل القاصر في رعاية أهله، وأسوأها تدل عليه عادة وأد البنات خشية ~~العار أو خشية الإملاق، فهذه الحالة العامة في شعوب الحضارة والبداوة هي التي أنقذها ~~منها الإسلام؛ لأنه رفع عن الجسد وصمة النجاسة، ورفع عن المرأة وصمة العار، ووهب لها في ~~المعاملات حقوق الشخصية المستقلة التي تملك ما عندها، وتملك أن تنيب عنها من يديره لها، ~~ولو لم يكن وليها أو قريبها، وفرض لها المساواة المثلى التي تستقيم مع اختلاف الجنسين، ~~ولم يحرمها من المساواة إلا ما يعد الحرمان منه نوعا من الإعفاء عند تقسيم العمل بين ~~الجنسين المختلفين. ~~••• # والمساواة المثلى هي العدل الذي لا ظلم فيه على أحد، ولهذا لم يستطع فقهاء التعريفات ~~أن يجعلوها مساواة في الواجبات؛ لأن المساواة في الواجبات مع اختلاف القدرة عليها ظلم ~~قبيح، ولم يستطيعوا أن يجعلوها مساواة في الحقوق؛ لأن المساواة في الحقوق مع اختلاف ~~الواجبات ظلم أقبح من ذلك؛ لأنه إجحاف يأباه العقل، وإضرار يحيق بالمصلحة العامة، كما ~~يحيق بمصلحة كل فرد من ذوي الواجبات والحقوق. # وقوام الأمر إذن ms199 أن تكون المساواة العادلة مساواة في الفرص والوسائل، فلا يحرم إنسان ~~فرصته لإحراز القدرة، التي تمكنه من النهوض بواجب من الواجبات، ولا يحرم وسيلته التي ~~يتوسل بها إلى بلوغ تلك الفرصة ما استطاع من وسائل السعي المشروع. # والمساواة في الفرص مفهومة بين أبناء الجنس الواحد؛ لأنها ممكنة في حدود الوظائف ~~الطبيعية، وأما غير المفهوم فهو المساواة في الفرص بين جنسين مختلفين في التركيب ~~والاستعداد، وفيما ثبت من الواقع في تواريخ جميع الأمم، وفيما يتطلبه المجتمع من تقسيم ~~العمل بين هذين الجنسين. # هذا الاختلاف واقع دائم لا حيلة فيه لأصحاب التعريفات أو أصحاب الدعايات السياسية، ~~ولا تجدي في إلغائه وإلغاء دلالته تعلة من التعلات التي يردونه إليها، فلا ينتهون منها ~~إلى غير السفسطة والمحال. # فكل ما يقال في تعليل ذلك راجع إلى علة واحدة، وهي تفوق الرجل على المرأة في القدرة ~~والتأثير على العموم، فليست جهالة القرون الأولى بسبب صالح لتعليل هذه الفوارق العقلية ~~بين الرجال والنساء في جميع الأمم؛ لأن الجهل كان حظا مشتركا بين الجنسين ولم يكن ~~مفروضا على النساء وحدهن دون الرجال، ومن زعم أن الرجل فرض الجهل على المرأة فقبلته ~~وأذعنت له، فقد قال: إنه أقدر من المرأة، أو إنه أحوج إلى العلم وأحرص عليه منها. وليس ~~الاستبداد في القرون الأولى سببا صالحا لتعليل تلك الفوارق؛ لأن استبداد الحكومات ~~كان يصيب الرجل في الحياة العامة، قبل أن يصيب المرأة في حياتها العامة أو حياتها ~~البيتية، ولم يمنع الاستبداد طائفة من العبيد المسخرين أن ينبغ فيهم العمل الصالح ~~والشاعر اللبق والواعظ الحكيم والأديب الظريف. # وليس عجز المرأة عن مجاراة الرجل في الأعمال العامة ناشئا من قلة المزاولة لتلك ~~الأعمال؛ لأنها زاولت أعمال البيت ألوف السنين ولا يزال الرجل يبزها في هذه ~~الأعمال كلما اشتغل بصناعاتها، فهو أقدر منها على الطهو وعلى التفصيل وفنون التجميل ~~وتركيب الأثاث وكل ما يشتركان فيه من أعمال البيوت. وقد يرجع الأمر إلى الخصائص النفسية ~~فيحتفظ فيها الرجل بتفوقه على الرغم من استعداد المرأة ms200 لتلك الخصائص من أقدم عصور ~~التاريخ، فالنواح على الموتى عادة تفرغت لها المرأة منذ عرف الناس الحداد على الأموات، ~~ولكن الآداب النسوية لم تخرج لنا يوما قصيدة من قصائد الرثاء تضارع ما نظمه الشعراء ~~الرجال سواء منهم الأميون والمتعلمون، وقد كان أكثر الشعراء في العهود القديمة من ~~الأميين. بل هناك خاصة نفسية لا تتوقف على العلم ولا على الحرية ولا نوع العمل أو ~~الوظيفة في المجتمعات أو البيوت وهي خاصة الفكاهة وخلق الصور الهزلية والنكات التي يلجأ ~~إليها الناس حين يحال بينهم وبين التعبير الصريح. # وربما كان الاستبداد أو الضغط الاجتماعي من دواعي تنشيط هذا السلاح النفسي في قرائح ~~المستعبدين والمغلوبين؛ لأنه السلاح الذي ينتقم به المغلوب لضعفه والمنفذ الذي يفرج به ~~عن ضيقه وخوفه، وقد كان ضغط الرجال على النساء خليقا أن يغريهن باستخدام هذا السلاح ~~لتعويض القوة المفقودة والانتقام للحرية المسلوبة، ولكن الآداب والنوادر لم تسجل لنا ~~فكاهة واحدة أطلقها النساء على الرجال، كما فعل الرجال المغلوبون في الأمم الحاكمة أو ~~المحكومة على السواء، أو كما فعلوا في تصوير رياء المرأة واحتيالها على إخفاء رغباتها ~~وتزويق علاقاتها بالرجال، وهذه الملكة - ملكة الفكاهة - خاصة نفسية لم يقتلعها من طبائع ~~الرجال ظلم ولا جهل ولا فاقة ولا عجز عن العمل في سبيل الحياة، فمن اللجاجة أن يتجاهل ~~المتجاهلون هذه الفوارق وهي أثبت من كل ما يثبته العلم والعلماء، وما كان للعلم أن ~~يوجد شيئا لم يكن له وجود في الواقع أو في تفكير العقول، وإنما هو أبدأ في مقام ~~التسجيل أو مقام التفسير. # 1 ~~••• # إن هذه الاعتبارات موضوعة حتما بين يدي كل تشريع يتحرى مصلحة المجتمع في حاضره ~~ومستقبله، ومتى نظر التشريع إلى هذه الاعتبارات، فإنه لا يقيم العدل بين الجنسين على ~~أساس المساواة في الفرص ولا على مطالبة كل منهما بواجبات كواجبات الآخر أو تخويله ~~حقوقا كحقوقه، وليس أمامه من أعدل الجنسين غير العدل على أساس تقسيم العمل بينهما، كما ~~يتوفر عليه كل منهما، وهذا هو العدل على سنة ms201 المساواة بين الواجبات والحقوق، وأن تكون ~~حقوق الجنس مكافئة لواجباته، وواجباته مكافئة لحقوقه. ومن الهزل - لا من الجد في شيء - ~~أن نعلم أن تربية البنين وتنشئة الجيل الجديد وتنظيم البيت والأسرة واجب على المرأة قبل ~~الرجل، ثم نزعم أنها مساوية له إذ تقوم بهذا الواجب وتقوم بأعباء الرجل في الأعمال ~~العامة على السواء. # وعدل المساواة بين الواجبات والحقوق هو عدل الإسلام في بيان حقوق المرأة وحقوقها هي ~~على الرجل وحقوق الرجل عليها # ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~، # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على ~~بعض وبما أنفقوا من أموالهم ~~. # وإن تقسيم الواجبات والحقوق في الإسلام على هذا القسطاس لهو تقسيم الفطرة الذي نرجع ~~إليه قسرا كلما شردنا عن طريقه، وما نخال أن تقسيم الفطرة مجهول بعد تقرير مكان ~~المرأة الطبيعي في القيام على شئون البيت وتربية الجيل الجديد، ومن حقها إذن على الرجل ~~أن يتولى الإنفاق عليها وعلى البيت، إذ كانت لا تستطيع أن تعول أبناءها وتكدح ~~لنفسها. # نعم، إن المرأة في المجتمعات الحديثة تضطر إلى العمل لكسب معيشتها، إلا أن هذا ~~الاضطرار خلل في المجتمع يؤسف له ولا يغتبط به ولا يبنى عليه قوام الحاضر والمستقبل، ~~وقديما كان الطفل الصغير مضطرا إلى العمل لكسب معيشته، فلم يكن هذا فضيلة للمجتمع ~~الذي يحدث فيه تستوجب التشجيع والإقرار، وتستقيم عليه أسس التربية والتشريع، بل كان ~~خللا وخيم العاقبة تتضافر الجهود على سداده وتحريمه، وتحاربه الشرائع والآداب على ~~الرغم من الاضطرار إليه في كثير من الأحوال. # وإن الخلل الذي يلجئ المرأة إلى السوق وإلى المصنع وإلى معارك الحياة العامة لحقيق ~~بمثل هذه المحاربة، ومفروض علينا أن نجعل القضاء عليه أملا ننشده ولا نجعله إنكارا ~~لحقوق المرأة وانتقاصا من كرامتها، وهكذا تستوي مصالح المجتمع على جادتها أو تنقلب على ~~من ينسخونها - ويمسخونها - كما تنقلب قوانين الفطرة على كل خارج عليها. # وبعد أربعين سنة من اللغط «بالرجعية» في الإسلام والتقدم في المذهب المادي القائم على ~~العلم ورعاية القوانين الطبيعية ms202 في زعم أصحابه، يحق للناقد المسلم أن يبتسم، وهو يرى في ~~كل يوم ضربة من ضربات الفطرة ترتد بالسخرية على من يخرجون عليها، ونقرأ في خطب الفلاسفة ~~الماديين كلاما عن الأسرة - الملعونة في عرف الماديين - يقيم عليها دعائم المجتمع ~~الصناعي الذي ينبغي أن يعصف بالأسرة عصفا إذا صح ما قدره له «كارل ماركس» وأتباعه، ~~ويقول لنا الفيلسوف «خارشيف» من خطاب للشبان الشيوعيين أذيع في الثلاثين من شهر يناير ~~سنة 1956: «إن الأسرة السوفيتية الناشئة تخلق من أجل العمل المشترك على مصلحة الوطن، كي ~~تزوده بأبناء وبنات مجتهدين مخلصين، وإن سعادة الأسرة لن تنفصل عن سعادة المجتمع ~~الاشتراكي وجهوده.» # وأدعى من ذلك إلى الابتسام قول الزعيم «خروشيشف» في تقريره للمؤتمر العشرين من ~~مؤتمرات الحزب الشيوعي كما نشرته «برافدا» في الخامس عشر من فبراير سنة 1956: # إننا لا نستطيع أن نتجاهل الحقيقة الواقعة التي تلاحظ في هيئات كثيرة من ~~هيئات الحزب الشيوعي، وهي الحذر من ترشيح النساء للمراكز الرئيسية. فإن عدد ~~النساء قليل جدا بين أصحاب المراكز الموجهة في الأعمال السوفيتية، ولا سيما ~~مراكز السكرتارية في اللجان ومراكز الرئاسة في اللجان التنفيذية والمشروعات ~~الصناعية والحقول المشتركة وحقول الدولة. # ولم يلاحظ هذا الحذر في مجتمع يدين بالرجعية الإسلامية، وتعينه حدث في مجتمع مضى عليه ~~أربعون سنة يغتصب التسوية اغتصابا بين الرجل والمرأة وينشأ أبناء الأربعين وبنات ~~الأربعين فيه وما سمعوا قط شيئا غير «أوامر» المساواة بين الجنسين في المدرسة والمصنع ~~والطريق والبيت، وما اجترأ قط على التشكيك في هذه المساواة بين أبنائه وبناته أحد يريد ~~أن يأمن على حياته من تهمة النكسة والخيانة واستعادة الآداب الغابرة التي قام عليها ~~الاستغلال في بلاد رأس المال. ~~••• # وستمضي أربعون سنة أخرى بعد هذه السنين الأربعين التي مضت على وضع الشريعة الماركسية ~~في موضع التنفيذ، وسيبتعد العالم مسافة أخرى من أحكام هذه الشريعة كلما خرجت من دور ~~النبوءات والنظريات ودخلت في دور الوقائع والمحسوسات، وسيكون ابتعاد العالم عنها في ~~المستقبل أعجل وأسرع من ابتعاده عنها فيما مضى؛ لأن حماسة ms203 الإيمان بها كانت تصمد ~~للحوادث حينما يطيل أجلها على غير طائل، ولن يقوى هذا الإيمان المتهافت بعد اليوم على ~~صدمات الحوادث في الداخل والخارج إلا من قبيل تغطية الهارب لمهربه إن بقيت به حاجة إلى ~~التغطية، بعد انكشاف الأمر وشيوع التفاهم على بطلان المذهب بين دعاته وأدعيائه. # وسيرثى غدا لمن يبقى بعد هذا الزمن متعلقا بحباله الرثة محتجا به على نظام من ~~النظم الدينية أو الوضعية، فما من نظام سيكون غدا أبعد من النظام الماركسي عن حقائق ~~الأمور، وسيبقى من الإسلام على التخصيص ما كان باقيا قبل ظهور المادية التاريخية وبعد ~~احتجابها، فيزول المذهب الذي قالوا: إنه مذهب العصر والعلم والتقدم إلى المستقبل بغير ~~نهاية، ويبقى المذهب الذي قالوا إنه قد لحق بأمس الدابر فليس له من الغد نصيب. ويتمارى ~~غدا من يتمارى في شأن الأسرة والمرأة بعد الشوط الطويل الذي يعبره العالم اليوم ~~مترددا مختلفا على نظام الأسرة وحقوق المرأة أو حقوق الجنسين، ولكنه لا يتمارى في ~~جناية المذهب المادي على الأسرة وجنايته من ثم على المجتمع في حاضره ومصيره، ولن يتمارى ~~في حقيقة النظام الذي ينقذ المرأة من براثن الاستغلال والابتذال، فلن يكون خلاصها من ~~الاستغلال على يد النظام الذي يرسلها إلى الأسواق والمصانع ومعارك السياسة والكفاح، ولن ~~تخلص من الاستغلال إلا إذا ملكت بيتها أما وربة أسرة وسيدة للعالم الصغير الذي ينشأ ~~منه الغد ويسكن إليه الحاضر من وعثاء الكفاح في الأسواق والمصانع ومعارك ~~السياسة. # والشيوعي الذي يرثى له غدا حين يحتج ببقايا مذهبه على النظام الإسلامي في شأن ~~المرأة، سيرثى له من اليوم حين يحتج ببقايا مذهبه على النظام الإسلامي في شئون ~~المعاملات، فكل منتقد لهذا النظام يستطيع أن يقول شيئا إلا جماعة الشيوعيين أصحاب ~~الآراء المعروفة في رءوس الأموال واستغلالها في أيدي المرابين والمتجرين بالنقود، فإن ~~الذين يزعمون أن الإسلام لا يصلح للمعاملات العصرية قد جمعوا أسبابهم كلها في مسألة ~~المصارف والقروض، أو فيما سموه مسألة الربا على غير فهم لأحكام الإسلام فيه. # وهؤلاء لهم ms204 كلام يقولونه في هذا الصدد، إذ لا كلام فيه لأحد من الشيوعيين، لأن ~~هؤلاء الشيوعيين قد تطول ألسنتهم في كل مجال ولا تستطيع أن تطول في هذا المجال، مع ~~فلسفتهم المعلومة عن رءوس الأموال وعن الاستغلال وبيع النقد كما تباع السلع لفائدة ~~أصحاب «الأعمال» وعلى حساب طوائف العمال! # فماذا يقول الشيوعي إذا أراد أن ينقد الإسلام في تحريمه الربا والاتجار بأعيان ~~النقود؟ إنه يسكت السكوت الذي يستحق الرثاء، فإنه ليقف هنا موقف العاجز عن تحريك لسانه ~~بالثناء، وهو لا يريد الثناء، أو بالمذمة والتجريح ولا وجه عنده لمذمة أو تجريح. # لقد حرم الإسلام الاتجار بأعيان النقود، كما حرم أكل الربا أضعافا مضاعفة، وما من ~~شريعة عصرية تبيح اليوم ما حرمه الإسلام على المرابين، وهي آمنة على سلامة المجتمع من ~~الخراب أو من الفتنة والاضطراب، فأما المعاملات التي لا ضرر فيها على أحد ولا اتجار ~~بالنقد في غير عمل، فليس للإسلام فيها حكم غير حكم القانون الصالح أينما كان، وأنى ~~يكون. ~~••• # ومسألة الحدود الجنائية أدق المسائل بعد مسألة الرق ومسألة المرأة ومسألة المعاملات، ~~ودقتها أنها مسألة فقهية للفقهاء وولاة الأمور، وليس قصارى الأمر فيها أنها مسألة من ~~مسائل الشعائر والمعتقدات. # وهذه المسألة الفقهية الدقيقة تتشعب فيها شروح الفقهاء من حيث تعدد الحدود والجنايات، ~~وتتعدد الشروط والأركان، وتتعدد الأدلة والشبهات، فيقع فيها اللبس الكثير، كما يقع في ~~عموم المسائل الفقهية، ويخطئ المسلم الجاهل دقائق الرأي فيها، كما يخطئها الجاهل ~~بالإسلام من الأجانب عنه أحسن النية أو أساء. # والإفاضة في البحوث الفقهية ليست من أغراض هذا الكتاب، وقد نستوفي أغراضه إذا نبهنا ~~إلى منافذ الخطأ في فهم النظام الاجتماعي الذي جاء به الإسلام، وفهم نظام العقوبات على ~~التخصيص، وهذا ما ننبه إليه بالإيجاز في الأسطر التالية. # إننا نسمع على الدوام أن عقوبات الشريعة الإسلامية ينبغي أن تطابق أحوال القرن ~~العشرين، ونقول: نعم، ولا نحسب أن أحدا يقول غير ذلك، ولكن الألزم من ذلك أن تكون ~~مطابقة للبيئة التي تنزلت فيها وللزمن الذي تنزلت ms205 فيه. # وقد تنزلت الشريعة الإسلامية في الجزيرة العربية على عهد الجاهلية، يوم كانت شريعتها ~~الغالبة بين جميع القبائل شريعة الغارات التي تستباح فيها دماء المغلوب وأمواله ونساؤه، ~~وكل مملوك له في حوزة الفرد أو حوزة القبيلة، وكان أهل الكتاب يدينون بشريعة موسى التي ~~لم يبطلها السيد المسيح، ولها حدود مفصلة في التوراة وقصاص تؤخذ فيه العين بالعين والسن ~~بالسن، كما ذكرها القرآن الكريم. # فإذا جاء الإسلام بعقوبات لا تصلح لعصر الدعوة لم يعط التشريع حقه في ذلك العصر ولا ~~في العصور التالية، ولكنه يعطي التشريع حقوقه جميعا إذا صلح لزمانه، ولم ينقطع صلاحه ~~لما بعده، ولم يمتنع فيه باب الاجتهاد عند اختلاف الأحوال، فيشتمل جزاؤه على جنايات ~~الحدود والقصاص، وعلى الجنايات التي تستحدثها أحوال المجتمعات، ويأخذها الشارع بما ~~يلائمها من موجبات الجزاء. # وهذا ما صنعه الإسلام في جنايات الحدود والقصاص، وفي غيرها من الجنايات التي تدخل عند ~~الفقهاء في باب التعزير، وعلينا أن نذكر: # أولا: # أن الحدود مقيدة بشروط وأركان، لا بد من توافرها جميعا بالبينة ~~القاطعة، وإلا سقط الحد، أو انتقل إلى عقوبات التعزيز، إذا كان ثبوته ~~لم يبلغ من اليقين مبلغ الثبوت الواجب لإقامة الحدود. # ثانيا: # أن القصاص مشروط فيه العمد وإرادة الأذى بعينه، فإن لم يثبت العمد ~~فالجزاء الدية أو التعزير، وقد يجتمعان، أو يكتفى بالدية دون التعزير ~~أو بالتعزير دون الدية. # ولنذكر أن جرائم التعزير تشمل جميع الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن أو بالغرامة أو ~~بالعقوبات البدنية. # ولنذكر في جميع هذه الأحوال أن الشريعة الإسلامية توجب درء الحدود بالشبهات، فإذا ~~قامت الشبهة للشك في ركن من أركان الجناية أو ركن من أركان الشهادة، فلا يقام الحد، ~~وينظر ولي الأمر في التأديب بعقوبة من عقوبات التعزير. ~~••• # ولنضرب المثل بأكبر جنايات الحدود وأشيعها في الجاهلية العربية وجاهليات الأمم في ~~عنفوانها، وهي جناية قطع الطريق والعيث في الأرض بالفساد، ففي هذه الجناية يقول ~~القرآن الكريم: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ms206 ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ~~. # فهذه جناية لها عقوبات متعددة على حسب الأضرار والجرائم، ومنها القتل والصلب وقطع ~~الأطراف والنفي، وهو بمعنى النبذ من الجماعة إما بالسجن أو بالإقصاء، ويلزم العقاب من ~~لزمته أحكام الدين، فإذا كانت جنايته قد انتهت بالعقوبة قبل أن يلزمه قضاء الإسلام، ~~فهذا هو الباب الذي فتحه الإسلام لابتداء عهد وانتهاء عهد غبر بأوزاره وعاداته، وانطوى ~~حساب الجناية والعقاب فيه بانتهائه. # وأشد هذه العقوبات لم يكن شديدا في عرف أمة من الأمم، عوقب فيها من يقطعون الطريق، ~~ويعيثون في الأرض بالفساد، مع حضور الخطر وكثرة مغرياته وقلة الزواجر الاجتماعية التي ~~تحمي المجتمع من أضراره وجرائره، وقد كانت عقوبات القتل والتمثيل قائمة في جميع الأمم ~~مع قيام الجريمة وقيام أسباب الحذر منها، وظلت كذلك إلى القرن السابع عشر في البلاد ~~الأوروبية التي استقر فيها الأمن بعد الفزع، وانتظمت فيها حراسة الطريق بعد الفوضى التي ~~طغت عليها من جراء فوضى الجوار بين الحكومات. # وتلحق بجناية قطع الطريق جناية السرقة التي لا غصب فيها، ويكون السارق عاقلا مكلفا، ~~وأن يكون المال المسروق محرزا مملوكا لمن يحرزه بغير شبهة، بالغا نصاب السرقة كما ~~اتفق عليه الفقهاء، وكل جريمة من قبيل السرقة لم تثبت فيها الأركان المشروطة، فلا يؤخذ ~~فيها الجاني بحد السرقة، ويؤخذ فيها بعقوبات التعزير، وعند الضرورة القاهرة التي يقدرها ~~الإمام يجوز العفو كما عفا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه عن الغلامين السارقين في عام ~~المجاعة. # ولا بد أن يمتد نظر الباحث على مدى مئات السنين قبل أن يسأل عن صلاح الشريعة لعصر من ~~العصور، ولا محل لسؤاله إذا أراد أن يحصر هذه الشريعة في زمن واحد وبيئة واحدة، ولكنه ~~يحسن السؤال إذا عرض أمامه أحوالا للأمم فيها القديم والحديث، وفيها الهمجي والمتحضر، ~~وفيها المسالم المأمون والشرير المحذور، ثم سأل: ms207 هل في الشريعة قصور عن حالة من الحالات ~~التي تعرض لتلك الأمم في جميع أطوارها؟ وهل هناك عقوبة نصت عليها الشريعة لم تكن صالحة ~~في حالة من تلك الحالات؟ # فكذا توزن الشرائع التي تحيط بالمجتمعات في مئات السنين ومئات البيئات، وبغير هذا ~~الوزن تكثر منافذ الخطأ أو يبطل السؤال فلا محل للسؤال. ~~••• # وننظر إلى المجتمع الإنساني الذي يقيمه الإسلام بعد هذه النظرات المجملة إلى مسألة ~~الرق ومسألة المرأة ومسألة المعاملات ومسائل العقوبات، فنحن إذن خلقاء أن نرى فارقا ~~بين المجتمعين - مجتمع الإسلام ومجتمع الشيوعية - لا تستوي فيه وجوه القياس؛ لأنه فارق ~~بين وهم مفروض على التخمين، وبين حقيقة واقعة من حقائق الماضي والحاضر وحقائق المستقبل، ~~كما يراها من يشهده رأي العين. # فالمجتمع الشيوعي فرض خيالي قوامه دعوى المدعين أنه سيأتي - إن أتى - سويا بغير ~~طبقات، وأن الشرور الاجتماعية وشرور الطبائع كافة ستفارقه أبد الآبدين إذا فارقه شيء ~~واحد، وهو رأس المال. # هذه هي الخرافة التي يسمونها بالمجتمع الشيوعي الذي سيحق غدا متى حقت الدعوى، أو حق ~~الفرض والتخمين. # أما المجتمع الإسلامي فهو هذا المجتمع الإنساني المتجدد الذي يحق على سنة التقدم بما ~~يحققه من مبادئ الإسلام، وهي مبادئ لا تنتشر وتنطوي في مدى أيام ومدى أعوام. # يقوم المجتمع الإنساني على المساواة بين الناس بغير تفرقة بين الأنساب والألوان ~~والأجناس، ولا تمنعه المساواة أن يعطي المزايا النافعة حقها من الإنصاف لمصلحة ~~المنتفعين بتلك المزايا في جميع الطبقات، ولا تفاضل في الحقوق بالمال أو بالوراثة، ~~فإنما يكون التفاضل بينهم بالعلم والعمل: # هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ~~، # لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة ~~. # وإذا وجدت درجات الثروة ينبغي أن لا تكون حكرا تستأثر به طبقة واحدة، ولا أن تكون ~~«دولة بين الأغنياء، ولا بد في كل ثروة من حق معلوم للسائل والمحروم». # والإسلام لا يحل مشكلة الفقر بالصدقات المفروضة على الأغنياء لمعونة المحرومين ~~والمعوزين، ولكنه ms208 جعل هذه الصدقات منذ ألف وأربعمائة سنة لمن جعلتها لهم دول العصر ~~الحديث من العجزة والمرضى والشيوخ والمنقطعين، وحل مشكلة الفقر «أولا» بخلع القداسة ~~التي كانت تجلله في كثير من الأديان، ثم حلها بإيجاب العمل على القادرين، وإيجاب ~~تدبيره على الإمام المسئول لكل قادر عليه. ~~••• # والمجتمع الإسلامي لا يهدم شيئا من كيان الاجتماع الذي استفاده بنو الإنسان من أطوار ~~حياتهم الاجتماعية في الحقب الطوال؛ لأن المفهوم من سير الهداية الإلهية كما يسردها ~~القرآن الكريم أن حياة النوع الإنساني تاريخ متصل يتمم بعضه بعضا، وتنتهي إلى التعارف ~~بين الشعوب والقبائل في أخوة عامة، لا فضل فيها لقوم على غيرهم إلا بالعمل الصالح، ~~ولهذا يحرص الإسلام على كيان الاجتماع في الشخصية الفردية وفي الأسرة وفي الإيمان بوحدة ~~النوع، ولا يهدم بنية من هذه البنى الحية التي «تحققت» لتعيش بين القوى العاملة في ~~المجتمع لا لتنهدم وتندثر في حقبة بعد حقبة، كأنها من الشرور التي تولد على الرغم منا، ~~وتعود كلما استأصلناها كرة بعد كرة، ولا ندري من أين تعود! # وقد جاء في القرآن الكريم في وصف أهل النار أنهم # كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا ~~قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار ~~. # ففي هذا الوصف «للعالم الملعون» بيان للفارق في تقدير الإسلام بين المجتمع المثالي في ~~الشر والفساد والمجتمع المثالي في الخير والصلاح، ويصدق الوصف المثالي لعالم الشر ~~والفساد على التاريخ الإنساني كما توهمه الشيوعيون، كلما تعاقبت أطوار التاريخ لعن ~~الأواخر منها أوائلها، وجاء الخلف الأخير ليصب النقمة والعذاب عليهم أجمعين. # ذلك في الحق تاريخ جحيم، أو تاريخ عالم ملعون، لا خير في أوائله ولا أواخره، وشره ~~ثابت فيما كان، وخيره لا يكون إلا في أحاجي الأوهام والظنون، بعد هدم ما كان جميعا ~~أملا فيما سوف يكون. # كيان الاجتماع في الإسلام لا يتهدم، بل يزداد قوة على قوة، ويدعمه الإسلام ليؤسس به ~~بنيانا مرصوصا يشد بعضه بعضا، ويتعاون على البر والتقوى، ولا يتعاون على ms209 الإثم ~~والعدوان. # فالشخصية الإنسانية فيه حقيقة حية، والأسرة الاجتماعية فيه حقيقة حية، والنوع ~~الإنساني الذي تنتمي شعوبه وقبائله إلى أسرة كبيرة يجمعها التعارف والتعاون هو كذلك ~~حقيقة حية. # لا شيء ينهدم جزافا أو لانتظار مجتمع من الخلق لا رابطة بينهم إلا أنهم كانوا ~~مأجورين يسامون بخس الأجور. # هذا المجتمع الذي ينهدم من أجله كل كيان قائم لم يكن قط إلا وهما من أوهام الخيال، ~~أو حلما من أحلام كابوس الشر والفساد، أما الشخصية الإنسانية وروابط الأسرة ووحدة ~~النوع الإنساني فهي أمامنا بنية حية أو بنية تحيا، ولا يجوز أن تنهدم لوهم من ~~الأوهام. # كل منها «كيان» حق صنعته العناية الإلهية، ورصدت له رسالته وآتته قدرته عليها، ولم ~~يخرج من بوتقة الخلق «غلطا» ليعاد تركيبه بعد تصحيح حسبة الأجور ورءوس الأموال. # وما من حجة غير حجة الشيوعية ينهدم بها كيان الشخصية الإنسانية، وينهدم بها كيان ~~الأسرة، وينهدم بها كيان النوع الإنساني؛ ليئول ميراثه إلى طائفة مزعومة ما وجدت بعدها، ~~وما من دليل قط على أنها وشيكة الوجود. # ما أهزل الحجة وما أكرم البناء الذي يراد له الهدم والفناء. # إن الشخصية الإنسانية - شخصية الفرد المسئول - لا ذنب لها إلا أنها لا تستطيع كل ما ~~تريد، وأن ما يريده الأفراد يتم في المجتمع على نحو غير الذي أرادوه، ولو ثبت هذا ~~الذنب لما أوجب مقت الحرية الفردية، ولا أوجب بطلان العمل الذي تعمله، فربما كانت ~~منأواة المجتمع للفرد هي الشر الذي نزيله أو نتمنى له الزوال، وكما يقال: إن عمل ~~الفرد موقوف على التجاوب بينه وبين المجتمع، يقال كذلك: إن عمل المجتمع موقوف على ~~التجاوب بينه وبين الأفراد، فلا وجه لهدم «الشخصية الفردية» حتى لو صح أنها لا تفعل كل ~~شيء. # والأسرة تنهدم لأنها أذنبت بتعليم الناس شريعة الميراث، وما تعلمت الأسرة الميراث إلا ~~من طبيعة التكوين التي تجعل الولد وريثا لأبويه في خلقه وخلقه. ولا يستطيع المجتمع أن ~~يجرده من هذا الميراث، أو ينجيه منه إن طلب النجاة، وما كان ميراث المالكين ms210 شيئا في ~~جانب الميراث الذي تلقاه ورثة الصناعات أبناء بعد آباء بعد أجداد، وما كان في بني ~~الإنسان من خير إذا لم يبق منهم إلا من يعمل لساعته، ولا يفكر في غده ولا فيما يكون بعد ~~حياته، وهذه خليقة تعلمها الناس من الأسرة ومن الميراث، وتعلموا خيرا يذهب بذهابه ~~ميراث هذا المخلوق المسمى بالإنسان حيث كان. # وأما النوع الإنساني فينهدم؛ لأنه لم يوجد قط في عرف الشيوعيين، بل كان الموجود في كل ~~حقبة طائفة من السماسرة، وطائفة من الأجراء، وطائفة من أصحاب المال، ودنيا واسعة لك ~~أن تسميها سوقا أو مصرفا أو مصيدة من مصائد الحيلة والخديعة، وليس لك أبدا أن تسمي ~~هذه الدنيا في طور من أطوارها أو في جميع أطوارها عالما يسكنه بنو الإنسان! # كلما دخلت أمة لعنت أختها. # هذا هو الجحيم الشيطاني الذي زيفه الأبالسة، ولم يفرزه أحد قبل مقدم إخوانهم وأندادهم ~~في الحيلة والخديعة دعاة الشيوعيين! # وهذا بحق هو العالم المثالي للشر والفساد. # وفي مثل هذا العالم قد يسهل العبث بكل كيان اجتماعي بناه التاريخ، ولا يزال يبنيه ~~ويوطد بناءه على اتصال بين ماضيه وتاليه، قد يسهل العبث بهذه الأبنية الاجتماعية في ~~دور التحريض والتخريب، ولكنها قوى اجتماعية لا يتأتى الاستغناء عنها في دور التأسيس ~~والتنظيم، ولا بد أن تحيق غوائل الحرمان منها بالمجتمع في جملته وبكل فرد من أفراده على ~~حدة، وقد حاقت بالمجتمع الشيوعي عواقب الحرمان من هذه القوى الحية! قوة الكرامة ~~الإنسانية في «شخصية» الفرد، وقوة العاطفة المتأصلة في كيان الأسرة، وقوة الإيمان بوجود ~~بني الإنسان التي تعلو على منافع الطوائف والأفراد، فأحس المجتمع الشيوعي عواقب هدمها ~~في اليقين الخواء والعواطف النخرة، والحماسة المكذوبة من صنع الكلام في مصانع الأوهام، ~~فثاب أعداء الوطن والدين يتمسحون بالوطن والدين، وقالوا في رثائهم للحرية الشخصية بعد ~~موت «ستالين»: إن اختناق الضمائر والعقول في عهده إنما كان شهوة من شهوات استبداده، ~~خرج بها على مبادئ الدعوة المقدسة، وخالف بها أناجيل «ماركس» و«لينين»، وقالوا عن ~~الأسرة: إنها قوام ms211 المجتمع كله أو قوام الوطن كما يسمونه الآن، وقالوا عن وحيهم المعصوم ~~- بعبارة وجيزة - أسوأ ما كان في عرفهم كفرا بواحا منذ عام أو عامين. # ونحن لا نعلم أن «ستالين» كان في استبداده مخالفا لمبدأ من مبادئ أستاذيه «ماركس» ~~و«لينين»، والمهم هنا هو مبادئ «لينين» بعد الحرب العالمية الأولى؛ لأن «ماركس» لم يحضر ~~عملا من أعمال التنفيذ والتنظيم في الدولة الشيوعية، ومبادئ «لينين» التي أعلنها في ~~هذه الفترة صريحة في جواز الحكم المطلق وموافقته للمبادئ الشيوعية، فإنه يقول في الجزء ~~الثلاثين من مجموعة أعماله الروسية: «إن اشتراكية السوفيت الديمقراطية لا تناقض بحال ~~من الأحوال قيام الدكتاتورية والإدارة بيد فرد واحد، إذ يتم في هذه الحالة تنفيذ إرادة ~~الطبقة على يد حاكم بأمره يعمل على تعجيلها، وقد يكون ألزم لتحقيقها.» # فليس في استبداد «ستالين» خروج على مبادئ المذهب، كما شرعها مؤسس المذهب في دور ~~التنفيذ، فإذا كان في الأمر من جديد، فالجديد فيه أنه هزيمة جديدة للمذهب في حربه ~~للحرية الشخصية تتلو هزائمه الأولى في حربه للأسرة وللحرية الشخصية أو للحقوق الشخصية ~~المهضومة - قبل موت ستالين بسنوات - فجاء المذهب الذي جعل الملكية الخاصة ينبوعا لجميع ~~الشرور يوحي بها، ويبيحها في المزارع المشتركة، وجعل من حقوق الفلاح في تلك المزارع أن ~~يحتجز قطعة من الأرض لسكنه وتربية دواجنه يملكها في حياته، ويورثها بعده لخلفائه في ~~المزرعة المشتركة، ولا يسمى ذلك عندهم بالملك الخاص؛ لأنهم يسمونه بالسكن ~~المقيم. # ومما ألممنا به في هذه الأسطر عن القوى الاجتماعية التي تهدمها الشيوعية ويبنيها ~~الإسلام نعلم أن النظامين متقابلان لا يتلاقيان، وأنهما متضادان مذهبا وخلقا ~~ومجتمعا، ولا ينحصر التضاد بينهما في العقائد والمعقولات. # فالشخصية الإسلامية التي تهدمها الشيوعية ويوطدها الإسلام وينوط بها أوامره ونواهيه، ~~ويعرفها مستقلة لا واسطة فيها بين الخلق والخالق من سلطة دينية أو حكومية، ولا حجاب ~~فيها بين الأرض والسماء. ~~«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.» # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ~~. # والأسرة التي تهدمها الشيوعية يجعلها الإسلام ms212 سكنا للزوجين وموئلا للبر والرحمة بين ~~الآباء والأبناء. # ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة ~~، # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما وقل لهما قولا كريما ~~. # والبنون من زينة الحياة الدنيا ومن نعم الله التي يحصيها على عباده. # ولقد يكون للآباء في الأمم المقاتلة، وفي غيرها هوى في ذرية البنين يغتبطون بهم، ~~ويزهدون في الذرية من البنات، فالقرآن الكريم يؤنبهم على ذلك ، ويلهمهم شعورا غير هذا ~~الشعور في محبة الذرية من بنين أو بنات: # وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على ~~هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون ~~. # أما الشعور الإنساني الذي لا يحجبه شعور الطبقة ولا شعور العصبة، فهو الشعور بالأسرة ~~الواحدة تجمع الشعوب والقبائل من أب واحد وأم واحدة، وهو شعور الإخاء بين جميع ~~المؤمنين # إنما المؤمنون إخوة ~~، # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين ~~، وذلك هو المثل الأعلى لنعيم الأبرار. ~~••• # والقوى التي تنعقد فيها المقارنة بين النظامين الاجتماعيين هي أشياء موجودة محسوسة ~~الأثر، يحاربها الشيوعيون؛ لأنهم يجدونها ويحسون أثرها، ثم هم يجدون منها سدودا تصدهم، ~~وتعوق مبادئهم أن تنتشر بين الشعوب الإسلامية، ولا تصدهم بسدود من التعصب الديني وحسب ~~كما تصورهم العقائد الدينية الأخرى، بل تلقاهم بالمبادئ التي تغنيهم عن مبادئ الشيوعية ~~وبالنظام الذي يغنيهم عن نظامها، ويحز في نفوسهم أنهم يحاربونها بمبادئ، يرجعون بين ~~آونة وأخرى عن مبدأ منها، ويبتعدون عنه ليقتربوا من النظام الذي شنوا الغارة عليه، ~~وأرادوا أن يزعزعوه فما عتموا أن أيدوه وأكدوه. # وإنهم لفي عداء عنيف للإسلام من أجل هذا لا من أجل أنه دين ينسبونه إلى عمل الإنسان، ~~ولا ينسبونه إلى الوحي الإلهي كما ينسبه المسلمون، ولو كانت قوى الإسلام الاجتماعية ~~تطاوعهم وتجاريهم على سياستهم وعلى مطامعهم لما حاربوه ولا ضارهم أن يؤمن ms213 المسلمون بأنه ~~من وحي الله لا من عمل الإنسان. # فليست المشكلة بين النظامين مشكلة البحث «الأكاديمي» في مصدر الإسلام، إذ يكون مصدر ~~الإسلام ما يكون، فهم محاربوه ما دام سدا في وجوههم لا ينفذون من ورائه إلى السيادة ~~على بلاد المسلمين. # ولغة الأشياء الموجودة هي اللغة التي يفهمها الشيوعيون ويجب أن يفهمها بين ظهرانينا ~~نحن المسلمين تلك الشرذمة المتحذلقة التي تقيس الدين بجميع المقاييس إلا مقياسه الصحيح ~~الذي يصلح لتقديره. # فمن عجز العقل أن يحسب أنه يفرغ من قضية الدين الكبرى كما يفرغ من شهادة شاهد في قضية ~~على حسب الواقع والرواية، أو يفرغ من قضية الدين الكبرى كما يفرغ من حسبة رياضية بميدان ~~الجمع والطرح ومعادلة الأرقام، فإنما يوضع حساب الدين في موضعه حين يوضع معه حساب ~~المتدينين به في جميع أوطانهم وأزمانهم وجميع أحوالهم ومحاولاتهم، والمتدينون به ملايين ~~من الخلق يقيمون في أرجاء واسعة من الأرض ويخلف اللاحقون منهم سابقين على دين أو على ~~غير دين، ومنهم العارف والجاهل، والحكيم والأحمق، والطيب والخبيث، والقوي والضعيف، ~~والمسئول عن قوم والمسئول عن نفسه لا يضطلع بتبعة غير تبعاتها، وهم يعيشون مع دينهم ~~منفردين ومجتمعين في أعماق أعمق من أعين الرقباء وسلطان ذوي السلطان، ويرتفعون معه إلى ~~شأو لا يضيئه العلم إذا أحاطت به الظلمات. # وإذا نظرنا إلى الدين نظرتنا إلى دواء يعالج به داء المجتمع، فمن الخطأ أن نحسبه ~~قارورة دواء تشرب ثم تلقى بعد فراغها، فإنما هو «نظام صحة» دائم يؤتي فوائده على مدى ~~أعمار المتدينين، وأعمار المتدينين ألوف السنين. # ولكل قائل كلمته في مدى الزمان الذي يتطلبه الدين لإصلاح شئون الأمم إلا ... إلا ~~الشيوعيين. # نعم إلا الشيوعيين؛ فلا كلمة لهم في العمر الطبيعي المقدور للدين؛ لأنهم يفسحون ~~لمذهبهم العمر من القرن العشرين إلى ما شاءوا من القرون السبعين والثمانين والتسعين، ~~ولا سند لهم من إله أو نبي أو رسول، إلا أن يكون «كارل ماركس» أو «لينين» أو ~~«ستالين». # | محصول الدعوة # والمحصول من مراجعة الاشتراكية العلمية أنها اشتراكية طوبية ms214 غير علمية، وأنها أشد ~~إمعانا في التخريف وبعدا عن العلم من الطوبيات التي قال «كارل ماركس» إنه جاء ~~باشتراكيته العلمية ليدحضها ويمحوها. # فلا يكفي أن يصف «ماركس» مذهبه بالأوصاف التي تعجبه لتثبت هذه الأوصاف، ولا يكفي أن ~~يملأ مذهبه بالأرقام والإحصاءات لتزول عنه صفة الطوبية وتلصق به صفة العلمية؛ لأن ~~المعول في ذلك كله على الحصول من وعود المذهب وصوره المتخيلة، وليس في الطوبيات جميعا ~~ما هو أشد إمعانا في التخريف والوعود الخيالية من هذه الاشتراكية المزركشة بالأرقام ~~والإحصاءات المسماة بالعلمية أو الواقعية أو المادية، وما جرى مجراها من ~~الأسماء. ~~«فكارل ماركس» يعد المصدقين به مجتمعا عالميا واحدا من طبقة واحدة لا سيد فيها ~~ولا مسود، ولا حاكم ولا محكوم، يأخذ فيه كل حقه بغير زيادة، ويعطي فيه كل حقوق الآخرين ~~بغير بخس، وينتهي فيه طمع الطامع، وحيلة المحتال، وكسل الكسلان، كما ينتهي فيه حب ~~الرئاسة والاستئثار، ونزاع المتنازعين على مراكز التصريف والتدبير، أو تزول فيه مراكز ~~التصريف والتدبير ويجري التصريف بغير مصرف والتدبير بغير مدبر، فلا يخطر لأحد أنه أحق ~~بهذه المراكز من أخيه، ويعم ذلك أقطار الأرض من مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى ~~جنوبها، فيزرع الزارع بمقدار ما يلزم في الدنيا، وتنتظم المواصلات والمبادلات بينها ~~بغير رقابة ولا إشراف ولا تقدير سابق ولا حاضر من الموكلين بالتقدير، وإذا خطر لإنسان ~~أن يدع مسقط رأسه ليذهب حيث شاء ذهب حيث شاء، وإذا خطر لغيره أنه يستثقل عمله ويستبدل ~~به عملا آخر تم هذا وذاك على ما يشاء حيث يشاء، وفيما بين ذلك ينقطع للعلم من هو أهل ~~للعلم، وللفن من هو أهل للفن، وللاختراع من يقدر عليه، وللصناعة من يحسنها، رخاء سخاء ~~كما يهب الهواء ويهطل المطر ويتسلسل الماء بلا قناطر ولا سدود ولا هندسة ولا بناء، ثم ~~تطرد الأمور على هذا الحلم البديع إلى مدى يقصر عنه خيال الحالمين؛ لأنه لا يحسب ~~بالعشرات أو المئات، بل يحسب بالملايين من السنين. # مثل هذا التخريف يخجل منه كل حالم ms215 في طوباه، ما لم يسبقه بتنبيه القارئين إلى قصة ~~منام أو ما يشبه المنام من أوهام الأحلام. # إلا أن الاشتراكية العلمية تزعم أنها ترفض هذه الطوبيات وتزدريها، ولا تشغل الناس ~~بأحلامها وأمانيها، فماذا وقع في ذهن الداعية إلى هذا المذهب حين تخيل أنه بعيد من ~~الطوبيات، وهو غارق في لجتها لا يملك أن يرفع عينيه من فوقها؟ # هنا - كما في كل موضع من مواضع البحث في هذه الخرافة - نفتش عن الظاهرة النفسية ~~فتهدينا إلى السبب القريب، ولا ضرورة بعده لسبب قريب أو بعيد ، فما الذي جعل «ماركس» ~~يباعد بين مذهبه وبين الطوبيات ووعود الطوبيين؟ الفظائع التي في الطريق. # إن الفظائع لا تلائم الطوبيات وأحلام الطوبيين، ومن كان يرسل الخيال ليتمنى أحسن ~~الأماني فليست فظائع الفتك وسفك الدماء والوعيد بالخراب والنكال أمنية يتمناها ويرسل ~~الخيال ليسعد بها ويسعد الناس برؤياها. # لا طوبى هنا ولا طوبيون، فماذا إذن غير الطوبى والطوبيين؟ # الفظائع التي في الطريق. # ولا شيء في هذه الفظائع يناقض الواقع العلمي أو العلم الواقعي؛ لأن الناس تعودوا من ~~الواقع أن يصدم الأحلام ويوقظ النيام، وتعودوا من العلم أن يهزأ بالخيال ولا يحجم عن ~~تقرير الحال والمآل في أشنع الأحوال، فلا طوبى إذن في الاشتراكية الماركسية، ولا نكوص ~~فيها عن العلم والواقعية، ولا مجافاة بينها وبين الطوبية - في الواقع - إلا هذا الوعيد ~~بالفظائع، وهذا الجو الذي يعيش فيه «ماركس» ولا يستطيع أن يخرج منه بحسه ولا بعقله ولا ~~بخياله ولا بمقاصده وآماله، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يعتذر له بعذر غير «الواقع ~~العلمي» المزعوم، فإنه بالواقع العلمي يستطيع أن يوفق بين الاشتراكية التي يدعو إليها ~~وبين الفظائع التي يرصدها في طريقها، وإنه لأعجز ما يكون عن التوفيق بين الطوبية وهذا ~~المذهب المشئوم، وإن كنا نذهب إلى غايته الموعودة فإذا هي خرافة من خرافات الأحلام يكاد ~~أن يسمع منها غطيط النيام. # علم! إي والله علم! # هكذا قال «كارل ماركس»، وهكذا ينبغي أن يقول وهو يحس الفظائع تملا فراغ وجدانه ~~وخياله، فلا ms216 يستطيع أن يوفق بينها وبين نحلة من نحل الطوبيات، ولا يستطيع أن يرسلها ~~بغير عذر يشفع لها عند المستمعين إليها ولا عذر إليها، إلا أنها «علم واقع» يضطره إلى ~~مواجهة المصير الذي لا مهرب منه. # وماذا يصنع المسكين في العلم والواقع، وفي المصير الذي لا مهرب منه ولا حيلة فيه، ولا ~~قرار دونه ولا فرار؟ ~~••• # إذا استحق أحد سخرية الساخرين لهذا الخلط بين العلم وتلك الخرافة، فلن يكون «كارل ~~ماركس» أحقهم بالسخرية؛ لأن دعوى العلم عنده مهرب يلجأ إليه من سبة الفظائع التي يبشر ~~بها ولا مسوغ لها من الأعذار، إلا أنها ضرورة قاسرة، وليست بأحلام ولا بحديث من أحاديث ~~الأسمار. # إنما السخرية في هذا الخلط حق لهوسة اللغط بالعلم في أواسط القرن التاسع عشر، فإنها ~~هي التي جعلت تلك الخرافة أهلا للبحث فيها بمقاييس العلم وموازينه، وهي قبل أن تقاس ~~وقبل أن توزن واضحة النسب بينها وبين الخرافة، منقطعة النسب بينها وبين العلم والمنطق، ~~وبين الوزن والقياس. # ما الذي يوضع موضع النقد العلمي في هذه الخرافة؟ إنها تلفيقة من تلفيقات الفلسفة ~~استعارها «ماركس» لنواميس المادة والمال، كان هيجل يقول - على ما هو معلوم - إن ~~الفكرة تعمل ضدين، ثم يجتمع الضدان في تركيب واحد يخرج منه ضده دواليك إلى الموعد الذي ~~تبطل فيه الأضداد وتنطوي في الفكرة المطلقة أو الفكر المطلق لأول مرة منذ أزل الآزال ~~إلى الأبد الموعود. # وجاء «ماركس» فقال: إن هذه التلفيقة غلط في عالم الفكر يصبح صوابا لا صواب غيره ~~إذا طبقناه على مسائل المادة والاقتصاد، ثم أرسل النواميس الكونية تعمل على هذا النهج، ~~فلم تعمل شيئا على وفاقه إذا نظرنا إلى تركيب عناصر المادة نفسها قبل كل تركيب، فإن ~~عناصر المادة التي نيفت على المائة في العصر الحاضر لم تتسلسل واحدا بعد الآخر على ~~النهج المزعوم، بل ظهرت - أو ظهر أكثرها - أفقيا إذا صح هذا التعبير، ولم يتغير عنصر ~~منها وفاقا للضدية المزعومة منذ تم تركيبه مع غيره في طبقة واحدة من طبقات الوجود، ~~ونعني ms217 بالطبقة الواحدة أن تركيب العنصر منها لا يتوقف على التسلسل في الترتيب، بل توجد ~~ألوف العوامل الطبيعية التي لا تستلزم خروج الضد من الضد في خط واحد، ينتظر الأخير منه ~~الأول أو ينتظر الأول منه الأخير. # بيد أننا نتمشى مع هذه النواميس الكونية كما يزعمونها، فنرى أنها تتوقف عن العمل عند ~~نشوء المجتمع البشري، وتسلم هذا المجتمع للخلاف على الأجور ينوب عنها في خلق الأضداد ~~التي تريدها الفلسفة المادية، ثم يئول الأمر إلى ثلاثين أو أربعين سنة في الربع الغربي ~~من القارة الأوربية فينجلي لنا ختام هذه النواميس على النحو القاطع المانع الذي لا يسمح ~~بمنفذ شعرة للمراجعة أو الانتظار، فنحكم على الماضي حكما لا مرد له ونحكم على المستقبل ~~حكما لا مخرج منه، ونعرف سر الكون كله من تلك السنين الثلاثين أو الأربعين التي قامت ~~فيها الصناعة الكبرى، وختمت فيها قصة الخلاف على الأجور. # هذه «الجزيرة» التي استقلت بها قصة الأجور عن النواميس الكونية تعود فتستقل مرة ~~أخرى عن قصة الأجور يوم تنشأ فيها الطبقة الواحدة الموعودة، فلا عمل فيها للنواميس ~~الكونية الأبدية ولا لقصة الأجور، ولا أثر فيها لتلك العوامل الأبدية التي ظلت تعمل من ~~مبدأ الكون وتظل تعمل إلى نهاية الكون في كل شيء إلا في مجتمع الإنسان. هراء وأقل من ~~هراء. # هراء لا يعطي من الثقة ما يكفي للجزم بهدم كوخ في قرية نائية، ولكنه يكفي عند ~~الماديين العلميين لهدم كل ما يخالفه من الماضي، وكل ما يخالفه من المستقبل، وتعطيل كل ~~إصلاح يجيء من غير طريقه في أنحاء العالم المعمور، ولو اقتضى ذلك إهدار جيل أو جيلين من ~~تواريخ الأمم في تلك الأنحاء، وإنه ليقتضي على التحقيق إهدار جيل أو جيلين أو أجيال ~~كثيرة إذا أدخلنا في حسابنا تباعد الأطراف وتباعد البنيات وطوارئ الزمن التي تأتي في ~~خلال هذا الصراع بين الساعين إلى الإصلاح والساعين إلى تعطيل كل إصلاح في انتظار ~~المجتمع الموعود: المجتمع الذي يستقل عن نواميس الكون وعن نواميس الأجور. # أما أن هذه ms218 ثقة علمية تملي هذه النبوءات على الماضي والمستقبل إلى ما وراء المجهول، ~~فذاك أبعد خاطر يخطر على بال العارف بحدود العلم وحدود هذه المسألة التي تتخطى حدود ~~التفكير، وأما أنها ظاهرة من ظواهر الأمراض النفسية فهو التفسير - العلمي - الوحيد لتلك ~~الدعوة، ولا نقول التفسير القريب، لأن الهجوم على تلك الشرور الباغية بمثل ذلك السند ~~الواهن لن يصدر إلا عن مرض نفسي في طبيعة الأجرام. # وقد مضى القول عن عوارض الظاهرة المرضية التي كانت تحيك بنفس إمام الاشتراكية - ~~العلمية - «كارل ماركس»، ومرض الفكرة كاف في الرجوع به إلى مفكر واحد، ولا سيما المفكر ~~الذي أنشأها وبث من حياته في أجزائها، ولكننا واجدون أمثال هذه العوارض في كل إمام من ~~أئمتها وكل داعية من مروجيها، ولا نريد أن نختار منهم جزافا ولا نستطيع أن نحصيهم ~~جميعا؛ لأن إحصاءهم الذي يحيط بهم قد يستغرق المطولات، فلنتحدث عن زعيمين من أكبر ~~المنشئين للمذهب الشيوعي مع «كارل ماركس» وعن زعيمين آخرين من أكبر المنفذين له بعد ~~قيام الدولة الشيوعية، والزعيمان المنشئان هما «إنجلز» و«باكونين» والزعيمان المنفذان ~~هما «لينين» و«ستالين»، وسنرى بعد إجمال عوارضهم النفسية أننا أمام شرذمة من الأشرار ~~والمخنثين والممسوخين تجردوا للغاية التي لا يتجرد أمثالهم إلا لأمثالها، ولن تكون ~~بالبداهة غاية خير وصلاح. ~~••• ~~«إنجلز» كان مخلوقا مؤنث المزاج، يكتب إلى أخته وهو في الثالثة عشرة فيروي لها أخبار ~~الكتاكيت التي يربيها وألوانها وشياتها، والكتكوت الأسود الذي يأكل من يده أكلا لما ~~كل ما يضعه فيها من طعام. وكان من طبيعته أن يقع تحت تأثير كل شخصية يعاشرها فترة من ~~الوقت، ولو كانت شخصية فتاة يعولها، فكانت «ماري بيرنز» فتاته الأيرلندية هي التي قادته ~~إلى وكر الثوار الأيرلنديين، ولم يكن مذهبه أن تستقل الشعوب الصغيرة؛ لأنه كان ينصح ~~الشعوب الأوربية الشرقية بالاندماج في الأقوام الكبرى التي تحدق بها، وإنما قادته ~~الفتاة الأيرلندية إلى حيث شاءت لأنه سهل القياد. وقد نلمح في ثورته الوحيدة على «كارل ~~ماركس» حين قصر هذا في تعزيته عن فتاته أنه ms219 أحس من صاحبه سخرية بهذه الرجولة المدعاة، ~~التي تمثل لنفسها دور العاشق المفجوع في العشيقة، فكان جمود «ماركس» مثيرا له بما ~~ينطوي عليه من هذه السخرية. إذ كان ذلك الجمود أمرا يعرفه ولا يصدمه في هذا الحادث ~~للمرة الأولى. # وعقدته الأخرى أن أباه الصارم كان يشعر بخيبة الأمل من ميوعة ولده وخليفته في عمله، ~~وكان الأب شديد التدين على مذهب «كلفن» المشهور بالتعصب والحمية، فأدخله مدرسة في رعاية ~~أستاذ معروف بالصرامة والرياضة على الجد والعقيدة الدينية، فلم تكن له طاقة بالجد ولا ~~بالعقيدة، وصادفته فترة من الشكوك العامة شاعت بين أقرانه في عصر «فيورباخ» داعية ~~الفلسفة المادية و«ستراوس» صاحب القول بالشك في وجود السيد المسيح، فانتهى به الأمر إلى ~~الفرار من العمل في مصنع أبيه ليعيش مع «كارل ماركس» في بروكسل، وكان يكتب إلى «كارل ~~ماركس» قبل ذلك متبرما بالحاكم أو الحارس أو ~~المحافظ # 1 # المسلط عليه، وهو يعني أباه. # وفي سيرة «باكونين» - إمام الشيوعية الفوضوية - إيماء خفي أو صريح إلى فجيعة في ~~رجولته وعلاقاته بعشرائه من الفتيان المهاجرين إلى سويسرا والمقيمين فيها، وكان يقول ~~لأحدهم أنه بحاجة إلى أم له ترعاه في هذه الغربة! وكان يتزوج وهو يعلم أنه لا مأرب له ~~في الزواج فتفارقه زوجته بإذنه لتلحق بعشيقها في إيطاليا، ثم تعود حاملا وتفارق الزعيم ~~الثائر مرة أخرى بصحبة فتى من فتيانه «نشاييف» # 2 # فلا تنقضي أسابيع حتى تكتب إليه تبلغه أنها حامل وأنها ستعود للوضع لديه، ~~ورسائل هذه الفضائح محفوظة في سيرة ومذكرات أصحابه، يجد القراء طرفا منها في كتاب ~~المنفيين الخياليين لصاحبه # 3 ~~«ا. ه. كار» الذي قضى أكثر من ~~عشرين سنة بين السفارات ومكاتب المخابرات. # ولقد آل هذا التراث الملوث إلى زعيمين منفذين، هما بالإجماع أكبر من تولى تنفيذ ~~الشيوعية بعد قيام دولتها في بلاد القياصرة، وهما «لينين» و«ستالين» وكلاهما ناقص ~~التكوين من مولده، وكلاهما منعوت بألسنة ذوية وأعرف الناس به أو بلسانه وما يتكشف من ~~خلائقه في عرض كلامه، وكل هذه النعوت خليقة أن ms220 تسلكهم فيما شاءوا من زمرة إنسانية إلا ~~زمرة الصادقين في حب الخير والصلاح. ~~«لينين» تأخر في المشي حتى ولدت أخته التي هي أصغر منه فتدرب على المشي معها، وعللت ~~أخته الكبرى - أنا - في مذكراتها عنه هذا التأخير بكبر دماغه، وكبر - كما قالت أخته هذه ~~- وليس له صديق حميم بين لداته وإن كان منهم من يحبه، وجاء في مذكرات «كيرنسكي» عنه ~~وهو مولود في بلده - أنه كان مطبوعا على القسوة منذ صباه، وكان يتلذذ بإطلاق بندقيته ~~على القطط وكسر أجنحة الغربان، وهذه كلمة خصم قد يتهم في شهادته لو لم تؤيدها كلمة ~~«أوجين شيركوف» من لداته في المدرسة بقازان: «إنه كان دائما مخضب اليد، وبالأمس قتل ~~ببندقيته قطة صغيرة» - وتزيد أخته - أنا - في مذكراتها على ما تقدم من وصف أخيها أنه ~~كان لا يحضر معه إلى البيت أحدا من زملائه في المدرسة، وكان يجتنب زملاءه في خارجها، ~~أو يقضي أوقاته في عزلة عن الصحاب. ولما انتظم في جماعات الثوار كان من الفريق الذي ~~يستبيح الفتك والإرهاب، وكتب في سنة 1901م: «إننا لم نمنع الفتك والإرهاب قط من جهة ~~المبدأ، وإنهما قد يكونان من ضروريات الكفاح التي لا غنى عنها.» # ولا يخفى أن التراجم التي كتبت عن «لينين»، وعرضت لسيرته من مولده إلى نهاية حياته ~~سيل لم ينقطع منذ اشتهار اسمه بعد الثورة الروسية، تحرينا منها ما كتبه أقرباؤه وأبناء ~~بلده؛ لأنهم أولى بمعرفته وأبعد من مطعن التحامل عليه، وراجعنا - مع هذا - غير تلك ~~التراجم، فلم نجد فيها ما يخالف الصورة التي صورها له أقرب الناس إليه وأرغبهم في ~~الثناء عليه، صورة مخلوق ناقص التكوين ناقص العاطفة، بينه وبين أبناء نوعه جفوة إن لم ~~تكن قطيعة، تغري بالعداء ولا تغري بالولاء. # وفي رأينا أن كلمة منه هنا - وكلمة هناك - أحجى من كل ما قيل عنه أن تبرزه في صورة ~~العاطفة الناقصة، وما تنم عليه من التكوين الناقص، وهو القائل فيما نقلناه عنه من غير ~~هذا الفصل أن سياسته مع الخصم أن يمحوه ms221 من على ظهر الأرض، ويعفي على أثره، وهو ~~القائل في حديث عابر رواه عنه: «جوركي» الكاتب الروسي المشهور: إنه يخشى مغبة ~~التلطف مع الناس، ولم يقل ذلك في كلام عن العداوة السياسية أو المذهبية، بل قاله وهو ~~يستمع إلى الموسيقى التي كان يحبها كما يحبها جمهرة الروسيين. # روى «جوركي» أنه استمع يوما إلى لحن من ألحان «بيتهوفن» فقال له: «إنه يود أن يسمعه ~~صباح مساء، وإنه على حبه الموسيقى يحذر أن يصغي إليها طويلا؛ لأنها ترقق العاطفة، ~~وتهم بيد السامع أن يربت على رءوس من حوله. وينبغي على كل حال أن يحذر الإنسان التربيت ~~بيده على رءوس الناس؛ لأنها قد تصادف هناك عضة تستأصلها.» # 4 # إنسان يحسب أنه على خطر من العطف والرحمة، وأنه لا يجد الأمان مع الناس إلا على الحذر ~~والاتقاء. وعلى هذا الحذر والاتقاء لا نعلم من سيرته أنه حذر الفطنة واتقاء الوعي الذي ~~يدرك به طبائع الناس ممن هم أولى بإدراكه لاشتراكهم معه في الدعوة، وملابستهم إياه فيما ~~يعلمونه على توالي السنين جهرة وخفية، فقد كان على خبثه لا يقدر على ذلك «التعاطف» من ~~الجانب المقابل لجانب الاشتراك في المودة والتفاهم «الشعوري» بغير كلفة، فلم يفهم نفوس ~~أعدى أعدائه المتجسيين عليه والمرائين له بالحماسة والغيرة والمجانسة في الرأي والشعور، ~~وكان له أربعة من أخص الخواص عنده يعملون لحساب الحكومة، ويحتلون مراكز القيادة في ~~حزبه، ومنهم «آزيف» رئيس فرقة المقاتلين، و«مالنوفسكي» محرر «برافدا» لسان حال الحزب ~~زعيم النواب الشيوعيين في الدوما، و«ميرون شرنيمازوف» زميله في تحريرها وأمين صندوقها ~~بالتناوب مع الجواسيس الآخرين، و«كوكوشكين» رئيس شعبة موسكو المدخرة لتنفيذ الانقلاب في ~~ساعة الخطر، وسيأتي أن «ستالين» - خليفته - كان واحدا من هؤلاء الجواسيس المؤتمنين على ~~أسرار الحزب والزعامة في أحرج أوقات «الجهاد». # 5 # إن هذا الجهل بضمائر الناس - مع ذلك الحذر - معناه نقص العاطفة من طرفها الآخر - أو ~~معناه انحصار العاطفة انحصارا لا مجاوبة فيه بينه وبين أبناء حواء على العداء ولا على ~~الولاء. ~~••• # وقد أصيب «لينين» بالعجز التام ms222 عن الحركة في أواخر أيامه، قيل: من أثر رصاصة لم ~~تقتله، وقيل من أثر النقص الذي كمن في تكوينه، وظهر مبكرا في عجزه عن المشي قبل ~~الرابعة، وتتواتر الشائعات بين المطلعين على أخباره ومنهم «تروتسكي» - أنه مات مسموما، ~~ولم يمت مباشرة بفعل الفالج الذي كان يعاوده في السنة الأخيرة كلما خفت وطأته عليه، ~~وأن «ستالين» عجل بسمه خشية على مركزه في الحزب بعد وصية «لينين» التي نصح فيها ~~لأعضاء اللجنة العليا فيه بالتخلص من «ستالين»، وإسناد «السكرتارية» إلى غيره. ~~••• # وإذا انتهينا إلى البحث في طبيعة «ستالين»، فنحن أمام «شخصية مفسرة» تتقارب فيها ~~الشقة بين أقوال الشيوعيين وأعداء الشيوعية، وتتكرر من أعمالها دلائل الإجرام التي لا ~~حاجة بها إلى أقوال الأنصار والخصوم. # وقال عنه «لينين» في رسالته إلى لجنة الحزب العليا: إنه فظ خبيث دساس لا تؤمن عاقبة ~~كيده على الحزب والمذهب، وكان أعضاء هذه اللجنة عند الظن بأمثالهم في أمر هذه الوصية، ~~فإنهم لم يستمعوا فيها لصوت الوفاء الواجب لزعيم على فراش الموت، ولم يستمعوا فيها ~~لداعي الأمانة والغيرة على المذهب ومصيره، واستمعوا لصوت واحد هو صوت الرهبة والرغبة ~~بين يدي الرجل الذي قبض على أزمة الدولة بكلتا يديه، واستطاع بعد قليل أن يطرد من ~~البلاد الروسية زعيما في طبقة الزعيم المتوفى، وهو «تروتسكي» الذي لقي مصرعه بعد نفيه ~~على أيدي أجراء «ستالين». # وشهادة «لينين» على صاحبه أخف محملا على سمعته من شهادة الزعماء، الذين خلفوا ~~«ستالين» وشاركوه في الحكم مدة لا يقل أقصرها عن خمس سنوات، وقد يبلغ أطولها الثلاثين: ~~فقد عرف العالم منهم بعد موت «ستالين» بثلاث سنوات أنه «كذاب سفاح يهدر الأرواح بالمئات ~~ويسخر مناصب الدولة الكبرى لخدمة شهواته وإشباع شذوذه الجنسي الذي اتسم بجنون القسوة أو ~~السادية.» وأجمعوا كلهم على أنهم كانوا يذهبون إليه ولا يكادون يصدقون بالنجاة وهم ~~خارجون من عنده، وأنهم كانوا يعلمون جزاءهم لديه إذا خامره الشك فيهم أو الخوف منهم، ~~فقد سامهم أن ينتزعوا من الأبرياء اعترافهم المغصوب بجرائم الخيانة والمؤامرة على ms223 الشعب ~~والدولة، وأن يكرهوا أقاربهم على رفع العرائض المعجلة يلتمسون فيها الإسراع بإنقاذ ~~البشرية من الأبرياء المحكوم عليهم، والمبادرة بإخماد أنفاسهم التي يتلوث بها هواء ~~الوطن المقدس، ومن هؤلاء الأقارب أمهات وآباء وبنون وبنات. # والثابت بغير حاجة إلى الإثبات من أقوال الأقطاب الشيوعيين أن زعماء الحزب الذين ~~قتلهم «ستالين» في محاكماته لا يقلون عن ثلاثة أضعاف الزعماء الذين قتلهم جميع ~~القياصرة، وأن ضحايا عهده بلغوا الملايين من القتلى والسجناء والمنفيين ~~والمفقودين. # ونقص التكوين في «ستالين» حقيقة لا حاجة بها إلى الإثبات من الأصحاب أو الخصوم، فإنه ~~لم يقبل في الجندية لذواء ذراعه اليسرى والتحام أصابع قدمه واختلاج في نظره، وإجرامه ~~المطبوع، كذلك من الحقائق التي لا حاجة بها إلى الإثبات من قادح أو مادح؛ لأنه ثبت من ~~دوائر الحزب كما ثبت في دوائر الحكومة، إذ بلغ من استخفافه بالأرواح أنه ألقى على مركبة ~~البريد تلك القذيفة الجهنمية التي اشتهرت فيما بعد «بقذيفة تفليس»، ولم يحفل بأرواح ~~الأبرياء الذين كانوا في مركبة البريد طمعا في المال المحمول عليها لصرف «مرتبات» ~~الموظفين، ولما شاع خبر هذه القذيفة نكب الحزب في سمعته بين سواد الشعب وخيف عليه ~~الانحلال، فتقرر فصل «ستالين» من الحزب سترا للمظاهر وحماية للإرهابيين من مطاردة ~~الأهلين الذين كانوا يعطفون عليهم قبل تلك الجريمة النكراء. ~~••• # وأما الطامة الكبرى بين وصمات هذه الشخصية التي لا تفرغ وصماتها، فقد كانت مجهولة قبل ~~انفجار السخط عليه من أتباعه وحلفائه، فلم يكن أحد من غير القلائل المعدودين يعلم أن ~~«ستالين» كان جاسوسا قيصريا إلى ما قبل سقوط القيصرية بقليل، وأن الذين عرفوا ذلك ~~السر الموهوب قد هلكوا جميعا في المحاكمات الملفقة حين علم بإطلاعهم عليه، ولم يفلت ~~منهم غير فئة بقيد الحياة تعد على أصابع اليد الواحدة. # كانت أضابير الجاسوسية القيصرية تملأ المخازن والأقبية في دواوين متفرقة يتبع بعضها ~~وزارة الخارجية، وبعضها إدارة الشحنة السياسية، وبعضها إدارة الشحنة العامة، وكل منها ~~مقسم على حسب المتهمين المراقبين في الداخل والخارج، وعلى حسب الأماكن التي يقيمون ms224 فيها ~~والطوائف التي ينتسبون إليها. # ووقعت هذه الأضابير في مبدأ قيام الدولة الشيوعية في يد «ستالين» أمين سر الحزب، فوكل ~~بها أقرب الناس إليه وأخزاهم عورات في نظره، وكان هذا غاية ما يتمناه البريء الشريف ~~والمتهم المريب من رجال الثورة بعد زوال القيصرية، فلم يكن في مقدور أحدهم أن يتخذ ~~لنفسه حيطة أكبر من هذه الحيطة، إذ كانت إبادة هذه الأضابير وراء الطاقة في سلطان واحد ~~منهم لكثرة الأضابير وتعدد مواضعها واستحالة الاعتماد على فرد أو أفراد معدودين في ~~إتمام هذه المهمة ، فضلا عن الشبهة القوية التي تتجه إلى صاحب الأمر المهيمن عليها، وقد ~~يكون بقايا الأضابير مفيدا لصاحب الأمر هذا في تهديد خصومه وإكراههم على طاعته ~~واستطلاع الأسرار التي تستغل في حينها برقابة أعوانه ومأمن من رقابة خصومه. # جاء دور المحاكمات أو التطهيرات، فأمر «ستالين» صنيعته «بريا» أن يستخرج من الأضابير ~~وثائق تدين الزعماء الشيوعيين المقدمين إلى المحاكمة، فعهد بمهمة التنقيب في ملفاتهم ~~وملفات أصحابهم إلى ثلاثة أو أربعة من مرءوسيه، وكان المطلوب أن يعثروا على أوراق تدين ~~الزعماء المغضوب عليهم، فإن لم يعثروا على الأوراق المطلوبة فعليهم أن يستخرجوا أوراقا ~~تدين أناسا غيرهم من الأحياء، وعلى هذه الأوراق يستند رجال «بريا» في تهديد أصحابها ~~وإرغامهم على أداء الشهادة التي تدين الزعماء المغضوب عليهم. # وفي إحدى هذه التنقيبات، لمح الموظف المطلوب - وهو من الشيوعيين المخلصين - صورا ~~لستالين ورسائل مكتوبة بخطه الذي يعرفه حق المعرفة، فلما لبث أن تصفحها وعرف مضامينها ~~حتى ارتاع وخشي على نفسه مغبة الرجوع بهذه الأوراق إلى رئيس «بريا»؛ لأنه أيقن أنه هالك ~~لساعته إذا عرف رئيسه أنه مطلع على سر كهذا السر الرهيب، ولم يجد أحدا يطمئن إلى شرفه ~~ونزاهته غير رئيسه السابق في الجندية المارشال «توخاشفسكي» الذي ذهب - فيما بعد - ضحية ~~لهذا السر القاتل، وذهبت معه فئة من خاصة زملائه اطلعوا على الأوراق؛ لإقناعهم بتدبير ~~الانقلاب العسكري الذي يقضي على سيطرة الطاغية، فتسرب منهم سر المؤامرة ولم يتمهل ~~الطاغية في النكال بهم إلا ريثما ms225 يهتدي إلى موضع الأوراق، ولم يهتد إليه قبل وفاته فيما ~~يقال. # وقد عاش من العارفين بهذا السر في خارج روسيا اثنان: «اسكندر أورلوف» صاحب كتاب جرائم ~~ستالين، و«اسحق ليفين» مؤلف إحدى ترجماته المتداولة، ووثائق هذا الكاتب الأخير وصلت إلى ~~يده قبل أربعين سنة، فأودعها خزانة من خزانات المصارف بقيت فيها مختومة مجهولة ~~المحتويات إلى شهر مارس من هذه السنة «1956». # 6 # أما الكاتب الآخر «أورلوف» فقد أذاع خبر وثائقه على حدة بعد انتهاء الحملة ~~على ستالين من جانب الكرملين، وأوجز بيان القصة في مقال نشره بعدد (14 مايو سنة 1956) ~~من مجلة «لايف» وأفشى فيه ما كان يومئ إليه في كتاب إيماء قبل سنتين، خوفا من مطاردة ~~ستالين له حيث يقيم وإشفاقا على من بقي من ذويه في البلاد الروسية. ~~••• # ولقد أوردنا هذا الخبر عن خدمة «ستالين» للجاسوسية القيصرية؛ لأنه بعض المعلومات ~~المجهولة التي أضيفت إلى تاريخه، وجرت في مجرى المعلوم المتفق عليه من حوادث ذلك ~~التاريخ. ونحن - في الحق - لا ندري ماذا يزيدنا هذا الخبر من العلم بخلائقه التي يقل ~~الخلاف عليها بين أنصار الشيوعية وأعدائها، فإن خلائق الإجرام والغدر والخبث وتسخير ~~المذهب في خدمة الشهوات والأهواء كلها من الوقائع المتواترة التي قلما تحتاج إلى أقوال ~~يتقارب فيها الأصحاب والخصوم. # وإن يكن ثمة من شيء يوضحه هذا الخبر عن خدمته للجاسوسية القيصرية لم يكن واضحا من ~~قبل هذا الوضوح، فهو سر «المهارب» الكثيرة التي نسبت إلى فرط الدهاء وبراعة الحيلة، فقد ~~كان من الألغاز المبهمة التي فسروها بدهائه وحيلته أنه كان لا يعتقل مرة إلا تمكن من ~~الهرب، ثم تمكن من الوصول إلى مؤتمرات الحزب التي تعقد في العواصم الأوروبية، ولم يكن ~~من الاحتمالات المظنونة يومئذ أن حضوره تلك المؤتمرات وظيفة يؤديها للجاسوسية القيصرية، ~~فلا ألغاز إذن في تلك «المهارب» المثالية؛ لأن سرها الخفي لم يكن من عمله بل من عمل ~~معتقليه. # وبعد فإن هذا الاستطراد إلى الإلمام بطبائع الزعماء الشيوعيين، إنما دعانا إليه أنهم ~~جميعا ممن يفسرون لنا دعوتهم، بما ms226 ركب فيهم من الشر والعوج وسوء الطوية، وليس هؤلاء ~~الزعماء الخمسة ممن يختارون جزافا لإبراز هذه الظواهر المرضية فيهم وفي دعوتهم، فإنهم ~~زعماء المذهب المفروضون على كل باحث يذكر المؤمنين من زعمائه المؤسسين. ولو أضفنا إليهم ~~مائة سيرة من سير النابهين في المذهب لما غيروا شيئا من هذه الظواهر المرضية بين أناس ~~مطبوعين على الشر، وأناس مشوهين ممسوخين يحز في نفوسهم ما يعتلج بها من النقص وفقد ~~الرجولة. # ومن الواجب على الباحث العصري أن يلتفت إلى خطر هذه الإحنة التي تبين من تحقيق ~~النفاسيين، أنها أفشى مما كان مقدورا لها وأوبل خطرا على المجتمع من سيئاتها ~~الفردية، فإن استقامة الغاية أبعد شيء عن مخلوق لا هو بالرجل ولا هو بالمرأة، ولا يجهل ~~أنه محتقر في مقاييس المجتمع، فلا يزال في باطنه مشغولا بتحقير كل قسطاس قويم مولعا ~~بالكيد والمماحكة على دأب الممسوخين المحرومين من ثقة الرجولة وثقة الأنوثة على السواء، ~~ولعل الشرير المطبوع على الشر أو التواء الفهم من أصحاب هذه الإحنة التي تلتوي ~~بالضمائر والعقول، فلا يفهم من تخفى عليه طواياها فيم هذا الالتواء، ولا حاجة بها إلى ~~الفهم في الواقع، إلا أنها لا بد أن تكون هكذا نقيضا لاستواء الضمائر والعقول. # والشر الذي يغلق كل باب من أبواب الإصلاح غير بابه إلى النقمة والنكال، قد يكون حلا ~~مرضيا للمشكلات المرضية في طبائع هؤلاء الممسوخين ولكنه لن يكون حلا علميا لمشكلات ~~العصر كائنا ما كان مبلغ العرفان الذي يستند إليه. # فلا تفسير لدعوة الشر المطبق إلا سخيمة الشر المطبق في نفوس الداعين إليه، ولا جديد ~~في أمر هؤلاء الداعين في القرن العشرين، إنهم بلية هذا العالم في كل زمن، وإنهم الخلفاء ~~المسبوقون بالأسلاف في كل وطن، ومنهم أسلاف في عصر كل دعوة إلى الإصلاح، ومنهم أسلاف في ~~عصر الدعوة المحمدية يدل عليهم ما جاء في القرآن الكريم: # ولا ~~تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم ~~* مناع للخير معتد أثيم * ~~عتل بعد ذلك زنيم ~~. # فهذا الشر المطبق هو الشر المانع ms227 للخير، الشر الذي يصدر عن طبيعة تنطلق مع الأذى وتحس ~~بالخير كأنه حجاب يخنقها أو سور يصدها فلا تطيقه حاضرا ولا تطيقه أملا يسعى إليه من ~~يرجوه. # وتلك كانت شنشنة الدعاة الذين قرروا أسبابهم الواهية، وقرروا أن يربطوا بها الماضي ~~والمستقبل ولا يدعوا منها سببا واحدا يرتبط بغير ما ربطوه، وقرروا مع هذا وذاك أنها ~~كافية للهدم والنكال، كافية لتحريم كل سعي إلى التقدم والأمان، كأنه تجديف أو تعديل في ~~محكم التنزيل. ~~••• # وإذا كانت الظواهر المرضية هي التفسير الحاضر القريب لبواعث الدعوة من نفوس واضعي ~~المذهب ومنفذيه، فهي - فيما عدا المتعجلين من العابثين والمخدوعين - أقرب تفسير للإقبال ~~على الدعوة بين الطغام الذين لا يفقهون من مجادلاتها ومباهلاتها إلا أنها تخف بهم إلى ~~الشر فيخفون إليه بما طبعوا عليه من النقمة والحقد وكراهة الخير لكل محسود ينفسون عليه ~~حظه من دنياه، وتأتي إليهم الشيوعية - وهم متحفزون قبلها للشر محجمون عنه إحجام الخوف ~~والشك - فتغريهم به وتجمله في أعينهم وتسميه باسم التقدم والإصلاح، ولا تكلفهم جهدا من ~~الأخلاق ولا جهدا من التفكير بل تعفيهم من كل جهد كانوا يستثقلونه في ظل العرف المأثور ~~وترسلهم مع الغريزة الوحشية خفافا إلى الأذى غير محجمين عنه ولا مترددين بين مسالكه، ~~ولا مرتابين فيما يستحقونه عند أمثالهم من الحمد والتشجيع على هذا الصنيع. # وفيما عدا المتعجلين من العابثين والمخدوعين لا تعني الشيوعية عند المقبلين عليها إلا ~~أنها الجريمة الممنوعة تسربلت بالزينة والجمال في زي التقدم والإصلاح، وقد كانت الجريمة ~~محرمة عليهم وهي موسومة بشناعتها وخستها وهم لا يمسكون أنفسهم عنها ولا يقدرون على ~~مقاومتها، فإذا لاحت لهم مزوقة محبوبة مشكورة، فأحرى بهم أن يفتتنوا بها ولا يكون قصارى ~~الأمر معها أنهم يتهيبونها ويعالجون الابتعاد عنها فيستطيعون أو لا يستطيعون. # والمتعجلون الذين يستثنون من هؤلاء الأشرار المطبوعين فريقان: فريق العابثين أصحاب ~~الدعاوى الباطلة على المجتمع، ويكثر عديدهم بين أشباه المتعلمين، وفريق المخدوعين الذين ~~يصيخون لوعود البر والعطف، ويكثر عديدهم بين المحرومين الذين يطلبون الإنصاف بحق، ~~ولكنهم يصدقون ms228 كل وعد مكذوب يستغلهم به المحتالون الدجالون، أو يستغلون به لهفتهم على ~~الإنصاف وطيب العيش باسم الشيوعية أو باسم ما شاء المحتال الدجال من فخاخ المكر ~~والضلال. # يكثر عديد العابثين بين أشباه المتعلمين؛ لأنهم لا يفهمون من التعلم إلا أنه حجة ~~الدعوى على المجتمع المسكين، يجيبها لهم طوعا أو يكون أهلا للشكوى والاتهام وأهلا ~~للتحلل من قيوده والتمرد عليه، شكواهم على قدر دعواهم، ودعواهم على قدر غرورهم بما ~~يسمونه العلم، وهم براء منه؛ لأنهم يجهلون أبسط حقائق الحياة. وأبسط حقائق الحياة أن ~~يعمل العامل فيتعثر في طريقه مرة، ويستوي على نهجه مرة أخرى، ويظفر مع الزمن بحقه ~~المقدور على حسب اجتهاده وكفايته، ولا يوجد في الدنيا - وهيهات أن يوجد فيها - مجتمع ~~يقف على باب المدرسة ليلقي على إجازة التعليم نظرة عاجلة، ويلقي بين يدي صاحبها آكام ~~الثروة ودسوت المناصب وشارات المجد والفخار ينتقي منها ما يهواه، ويرفض منها ما ليس على ~~هواه. # ولقد سمعنا من هؤلاء من يقول: إنني أحمل الإجازة المدرسية التي يحملها رئيس الوزراء، ~~فلماذا أتسكع أنا على أبواب الدواوين، ويتمتع هو بأكبر المناصب وأفخر ~~الألقاب؟ # وما رأينا أحدا من هؤلاء يسأل نفسه: أين هو المجتمع الذي يحاسبه بهذا الحساب، ويعترف ~~له بالحقوق في الحياة العامة أو الحياة الخاصة على هذا الأساس. # إنهم لا يسألون أنفسهم هذا السؤال؛ لأن العبث بالمذاهب أيسر لهم من السؤال والجواب، ~~ومن احتمال الحقائق على الخطأ أو على الصواب. # وأوضح عذرا من هؤلاء العابثين أولئك المحرومون الذين يصغون لكل «وصفة» اجتماعية ~~إصغاء المريض الحائر لكل من يخلط له الدواء ولو عالج الداء بالداء؛ لأن الشعوذة - ~~كيفما كانت - أمل أحب إليه من الصبر على البلاء، وأدنى إلى مستطاعه من التمييز بين دواء ~~ودواء. # هؤلاء يقبلون على الشيوعيين، كما يقبلون على غير الشيوعيين، وينخدعون كلما انفتح ~~أمامهم باب الخديعة فلا يتعظون بالحوادث، ولا يقدرون على المراجعة بين ماض وحاضر ولا ~~على المقابلة بين خادع وخادع، ولعلهم لا يحبون تلك المراجعة ولا يستريحون إليها؛ لأنها ~~عناء ms229 يشغلهم عن التعلل بالرجاء. # وقد استجابت جماعات من هؤلاء المحرومين لألوان من الدعوات في قارة واحدة هي قارة ~~أمريكا الجنوبية، استجابوا في تلك القارة لمن ينادي بالشيوعية، ولمن يحرم الشيوعية ~~ويعاقب عليها، ولم يمض غير قليل حتى تجلى لهم عيانا أن داعية الشيوعية يعيش في قصوره ~~عيشة القياصرة، وأن داعية الدين يكفر به ويتبرأ منه ويفسق في مخادعه فسوق الشياطين، ~~وفتحت أبواب هذا الداعية لعباده بالأمس، فخرجوا يقولون: «ما كان أغفلنا من ~~حمقى.» # لماذا؟ إنهم لم يجدوا هنالك ترفا يشتهيه العاقل أو يحمده الذوق السليم، بل وجدوا ~~الترف الذي يختلط فيه جنون الشهوة الجامحة وبطر الذوق الممسوخ، ومن أفانينه عدة ~~تليفونية مصنوعة من الذهب مرصعة بالجوهر، يدور منها في مكان الجرس بلبل يغرد تغريدة ~~الدعاء كلما طلب الرقم للحديث. # في شئون الإصلاح والتعمير والإنشاء هؤلاء هم المتعجلون المخدوعون. # وأولئك هم المتعجلون العابثون # وربما استمع كلاهما لدعوة الشيوعيين وهم على فطرة قويمة سليمة، لولا داء الضرورة ~~وداء الغرور، وليس كذلك من عداهم من الملبين لتلك الدعوة والمستجيبين لغوايتها، فمن عدا ~~المتعجلين المخدوعين والعابثين هم في الغالب شيوعيون مولودون، موجودون في الدنيا ولو لم ~~يوجد فيها «كارل ماركس» وأعوانه من الزعماء المؤسسين والمنفذين، وشأن الأتباع كشأن ~~الزعماء في الولع بالشر أينما ثقفوه والمبادرة إليه كلما استطاعوه، لا ترى فيهم إلا ~~مضطغنا ينتظر أن يضطغن عليه، أو ممسوخا يستمرئ القسوة والعداوة ولا يستمرئ الرحمة ~~والمودة، أو مشتملا على خزي دفين يتحدى به العالم تبجحا ومروقا من الحياء، ولن يشقى ~~زعماؤه المتصدون لإقناعهم بشقاء العنت في الإقناع كما يشقى زعماء الدعوات التي تجشم ~~الناس جهدا في الأخلاق أو جهدا في التفكير، وإنما العناء مع هؤلاء أن تثنيهم عن غزيرة ~~تعبت في رياضتها ألوف السنين ولم تثنهم عنها، وأن تبعدهم عن النكسة إلى ضراوة الهمجية، ~~وقد وجدوا من يتغنى بها ويقول لهم إنها هي التقدم والوثوب إلى الأمام! ~~••• # ومحصول الدعوة ومن يدعو إليها ومن يلبيها، أنها داء يعالج معالجة الأدواء ويحمى منه ~~الأصحاء، وقلما يقع ms230 فيه الصحيح إلا وهو شبيه بمرضاه في عرض من الأعراض يحجب الإرادة في ~~نفوس لا تستعصي إرادتها على الحجاب، ويضلل الفكرة في عقول لا تمتنع على التضليل، وبين ~~هؤلاء الأصحاب الشبيهين بالمرضى جماعة المخدوعين وجماعة العابثين. # ومما يحزن العاطفين على ضحايا الخداع أنهم معذورون يشفع لهم عذر اللهفة والحرمان ولا ~~ترحمهم الحوادث لأنهم معذورون، فما كان السقام ليرحم مريضا يؤثر الشعوذة على الطلب ~~ويعرض عن الطبيب الأمين ليهرع باختياره إلى تجرع السموم من يد المحتال الأثيم. # ومما يحزن العاطفين على ضحايا العبث والغرور ، أنهم يهزلون بالشكوى فلا تمهلهم الشكوى ~~الهازلة أن تعلمهم الحد في شكواهم، وأن تبتليهم بالآزفة القاصفة ولا ترثي لبلواهم، فلا ~~يلقون لديها إلا الجد الصارم ولا تلقى لديهم إلا ندامة الهازل المغرور! # ولقد خرجنا من محصول المذهب بغنيمة الصحة منه إذا عرفنا دخيلته وأيقنا - بعد ما ابتلى ~~من مرضاه وأشباه مرضاه - وأنه ليس بالفكرة التي ينفذها البرهان، ولا بالمطلب الذي يرضيه ~~الإنجاز، ولكنه مرض لا نسلم منه إلا أن نتتبع مواطن جراثيمه، وأن نتتبع مع هذا أسباب ~~سريانه وانتقال عدواه، وهان بعد ذلك كل خطر يغشيه من وحي العلم أو التفكير. # | الحاضر # حاضر الشيوعية في منتصف القرن العشرين نتيجة لقرن كامل منذ منتصف القرن التاسع عشر، ~~مضى أكثره في الدعاية والجدل، ومضت البقية منه في التطبيق أو محاولة التطبيق - بعد ~~الحرب العالمية الأولى أي منذ أربعين سنة تزيد على تاريخ جيل كامل بحساب الأجيال ~~البشرية، وتكفي لامتحان فلسفة الحياة التي تطبق في خلالها من المهد إلى عنفوان ~~الشباب. # وقد أتيحت لدعاة المذهب خلال هذا الجيل فرصة لم تكن متاحة قط لمذهب اجتماعي أو عقيدة ~~دينية؛ لأنهم ملكوا أزمة الحكم بين مائتي مليون إنسان، واجتاحوا كل عقبة أو تخيلوا ~~أنها قائمة دون غايتهم، ولو كلفتهم ما لا يحصى من الأرواح واستباحوا من أجلها كل ما لا ~~يستباح. # والحاضر - بعد هذه الفرصة التي دامت لهم أكثر من جيل كامل - أن مبادئ الفلسفة ~~المادية لم تصنع شيئا غير ما يصنعه ms231 كل قابض على زمام دولة من الدول الكبار على الخصوص، ~~لأن الاستكثار من الأسلحة والمصنوعات الضخمة سياسة تمت على أيدي النازيين في ألمانيا، ~~والفاشيين في إيطاليا، وهم يناقضون الشيوعية في قواعدها ومقاصدها، ويدينون بالمبادئ ~~التي قامت الفلسفة المادية لمحاربتها وإدحاضها. وهذه السياسة بعينها هي السياسة التي ~~تمت على أيدي الرهط الاستعماري من نبلاء اليابان، فأنشئوا في بلادهم صناعة وافية بأغراض ~~التسليح و«التصنيع» وبذر السلع المصنوعة في أسواق العالم بأيسر الأسعار. # وما أنجزته هذه السياسة في الدول الكبرى قد أنجزته سياسة مثلها في الدول الصغار، ~~وشهدنا نماذج منه في بعض الأقطار الأوربية وما شاكلها من الأقطار البدائية أو الشبيهة ~~بالبدائية في أمريكا الجنوبية، فليس في هذه السياسة فضل خاص للمذاهب الشيوعية أو لفلسفة ~~«كارل ماركس» وأتباعه الروسيين. # وفيما عدا التسليح والتصنيع، يقال على الإجمال: إن التجربة في الدولة الشيوعية ~~الكبرى قد نجحت بمقدار ما تركت من المذهب لا بمقدار ما أخذت منه؛ لأنها تبتعد سنة بعد ~~سنة من عقائد المذهب الذي قامت عليه، ولا استثناء في ذلك لعقيدة واحدة من تلك العقائد، ~~سواء منها ما يعم الحياة الاجتماعية وما يخص الحياة الفردية. # لا «ماركسية» إذا كان هناك دين ووطنية وأسرة وملكية خاصة وطبقة حاكمة، وتفاوت في ~~درجات المعيشة كالتفاوت في مجتمعات رأس المال بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء. # وكل ما في الدولة الشيوعية، في الوقت الحاضر بعد أربعين سنة - يدل على الاعتراف، ثم ~~المزيد من الاعتراف بتلك المحرمات المحظورات التي قامت الماركسية لمحوها أو للابتعاد ~~منها عاما بعد عام، فلا يكون عامها الأربعون أقرب إلى مجتمعات رأس المال من عامها ~~العاشر أو العشرين. # فالزعماء الملحدون قد اضطروا على الرغم منهم إلى الاعتراف بالكنائس والشعائر الدينية ~~في مجتمع تسلموه منذ أربعين سنة؛ أي في مجتمع ليس فيه أحد من العاشرة إلى الخمسين لم ~~يتتلمذ لهم، ولم يسمع منهم في المدارس والمعاهد والأندية أو المتاحف الموقوفة على نشر ~~الإلحاد والتشهير والزراية بالدين والمتدينين، وما اضطرهم إلى الاعتراف بالكنائس ~~والشعائر الدينية إلا شعورهم بإفلاس ms232 الضمائر التي تعول على الفلسفة المادية في هدايتها ~~إلى المثل العليا وآداب الإنسان في معاملته لإخوانه من الناس. # والوطنية قد اعترفوا بها لمثل هذا السبب في معمعة الحرب العالمية الثانية، وهي أول ~~حرب خاضوا غمارها بعد قيام الدولة الشيوعية، وامتحنوا فيها قوة الشجاعة التي يستمدها ~~المادي من عقائده المادية، وقوة المحارب الذي يذهب إلى الميدان ليدافع عن تلك العقائد، ~~أو ليدافع عن وطن يعتقد أنه أخدوعة من أخاديع رأس المال. # وقد رأينا كلامهم في مؤتمر الفلسفة عن الأسرة وقداستها وقيام المجتمع والوطن على ~~دعائمها، وقبل ذلك بسنوات كانوا يبيحون للأسرة في المزارع المشتركة أن تحتجز لها قطعة ~~من الأرض تسكنها وتربي الماشية والدواجن فيها، ويورثها الآباء للأبناء على سنة ~~«الكولاك»، الذين قتلوا منهم الملايين لغير ذنب إلا أنهم كانوا يملكون من الأرض قطعة ~~لا تزيد على القطعة التي يستأثر بها فلاح المزرعة المشتركة في هذه الأيام. # وحكاية الطبقة أهم من مسائل الدين والوطنية والأسرة والملكية الخاصة على شدة الاهتمام ~~بها عند أصحاب التفسير المادي للتاريخ؛ لأن الطبقة الواحدة هي غاية التاريخ الإنساني ~~كله في رأيهم، وهي الأمل الذي يترقبونه، والعذر الذي يعتذرون به لكل موبقة يستبيحونها ~~في سبيله، ومضت السنون الأربعون، ولم تفلس نظرية من نظرياتهم العديدة، كما أفلست هذه ~~المسألة المحيطة بها من فواتحها إلى خواتيمها، فلم يبطل قيام الطبقة الحاكمة بعد انتهاء ~~الاستغلال على أيدي أصحاب الأموال، وقامت طبقة جديدة تتحكم في المجتمع على نحو لم يؤثر ~~قط في بلد من البلدان عن أصحاب رءوس الأموال، لأن أصحاب رءوس الأموال يشركون معهم في ~~الأمر خبراء الصناعة ومهندسيها ومديري المصانع بالمعرفة الهندسية أو بالمعرفة ~~الاقتصادية، وأما هذه الطبقة الجديدة التي نشأت في المجتمع الشيوعي، فهي طبقة الخبراء ~~والمهندسين وعلماء الاقتصاد مستقلة عن أصحاب رءوس الأموال، أو أصحاب الأسهم في ~~الشركات. # وتفاوتت درجات المعيشة مع تفاوت الطبقات، فعرضت في واجهات الحوانيت سلع تباع بألوف ~~الجنيهات، وظهر الساسة والرؤساء بأزياء أغلى أو أفخر من أزياء نظرائهم في بلاد ~~الماليين، وتناسق البذخ ms233 في المساكن والمركبات والولائم والمطاعم مع هذا البذخ في الشارة ~~والكساء. # وتتمة الإفلاس في أمر الاستغلال وأثره في قيام الطبقة الحاكمة، أن استغلال أصحاب ~~رءوس الأموال بطل، ولم يبطل معه قيام السيطرة الجائرة التي تغتفر إلى جانبها سيطرة ~~القياصرة العتاة في أظلم العصور، وبدا للعارف والجاهل أن ختام الطبقات القديمة لم ~~يختم وسائل الطامحين إلى الطغيان بالحيل السياسية أو التنظيمات الحزبية، فإن «ستالين» ~~قد استطاع بحيلة من حيل التنظيم أن يخضع مئات الملايين من الروسيين وجيرانهم لطغيانه ~~الساحق زهاء ثلاثين سنة، كان في خلالها يشير بإصبعه، فيقضي على عشرات الزعماء وعلى ~~المئات والألوف ممن يلوذ بهم في الحقيقة أو الخيال، وبقي ظل الإرهاب الكثيف الذي بسطه ~~على البلاد ثلاث سنوات بعد موته، لم يجسر أحد من القادة أن ينبس في خلالها بلفظة عابرة ~~في انتقاده، حتى انقشع ذلك الظل الكثيف شيئا فشيئا، وخفت وطأة الرهبة التي كان يرسلها ~~عليهم من وراء قبره، فقالوا عنه أبشع ما يقوله عدو من ألد الأعداء، وكان فيما قالوه عنه ~~ما لم يقله أحد عن أشهر القياصرة بالظلم والفساد. # ترى فيم ذهبت أرواح الملايين من القتلى والمعذبين وضحايا المجاعة والتشريد؟ ماذا كان ~~يصيب روسيا وجيرانها من سوء الحكم أسوأ من هذا المصاب؟ # كانت على أسوأ الفروض، وفي أحلك العهود، تفقد آلافا من ضحايا المجاعة أو الاضطهاد، ~~فإذا كان حساب الأرواح مقدما على كل حساب، فهذا هو حساب الفرق في الثمن والغنيمة بين ~~أسوأ العصور وعصر الشيوعية الذهبي كما قدروه وفرضوه؟ # هل تساوي الغنيمة ثمنها بعد هذا الحساب؟ # وهل بعد هذا الحساب يؤمن المفسدون المطبوعون على الشر بفداحة الثمن، ويقلعون عن ~~التجربة التي أغراهم بها من قبل، وثوقهم الأعمى بشخاشخ المذهب الذي لم يتماسك قط في محك ~~النظر، ولا في محك التجربة والتطبيق؟ # كلا. # بل هم يطلبون في فرصة أخرى تشمل العامل كله؛ لأن التجربة في مائتي مليون من أبناء ~~هذا العالم لا تكفي، ولا تشبع النهم إلى الشر في نفوس الأشرار. # لا بد من تعطيل ms234 دعوات الإصلاح في جميع الأمم، وتكرير الضحايا على هذه النسبة بمئات ~~الملايين بعد عشراتها في التجربة الروسية، عسى أن تفلح في الكرة الأرضية دفعة واحدة بعد ~~أن خابت أربعين سنة في بلاد القياصرة وما جاورها، وماذا على الدنيا لو أمهلت هؤلاء ~~الدعاة أربعينين أو ثلاث أربعينات يهلكون فيها من يهلكون على وعد «شرف» منهم بالنتيجة ~~التي يضمنونها على هذا المنوال؟ # إن أولئك الدعاة ليقولونها بقلة مبالاة إن لم يقولوها بإيمان ويقين. # ولكننا نحسب أن الحاضر من نتيجة التجربة أربعين سنة قد رد الشيوعية إلى قرارها في ~~كل طبع سليم، فأكبر ما تحتويه أنها دعاية شغب تتساوى مع عشرات الدعايات من قبيلها عند ~~من يهرعون إلى كل فتنة، ولا يفرقون بين دعاية ودعاية تغريهم بالهجوم عليها، أما إنها ~~فلسفة تقاس بمقاييس العلم والفكر، أو نظام صالح للتطبيق، فذلك وهم لم تبق منه باقية في ~~غير الضمائر السقيمة وبحوث النفاسيات. # | المصير # من علماء الاجتماع والسياسة من يتشاءم من مصير الحرية الإنسانية، ويخيل إليه أن دور ~~الديمقراطية قد انتهى، ووجب أن يخلفه نظام يسمح بالتدخل في حرية الفرد وحرية المعاملات ~~على اختلافها؛ لتنظيم الثروة العامة، وتحقق البرامج التي توضع للحاضر والمستقبل في وقت ~~واحد، ولا يتأتى تنفيذها بغير تقييد المعاملات بين الأفراد، وبغير اتباع نظم التأميم في ~~بعض المرافق والمشروعات. # والتحول الذي يلاحظه العلماء المتشائمون حاصل متسع النطاق، ولا منازعة في وقوعه ~~واتساع نطاقه، ولا منازعة بين بعضهم في وجوبه وصعوبة الاستغناء عنه، ولكن هذه الملاحظات ~~الصادقة جميعا لا تستلزم الجزم بانتهاء عصر الديمقراطية وعصر الحرية الفردية؛ لأنها قد ~~تكون من عوارض العصر الحاضر في طريق طويل، تتجدد عوارضه فترة بعد فترة، ثم تنتهي هذه ~~العوارض، ويخلفها طور جديد من أطوار الديمقراطية يدل على النمو والامتداد، ولا يسوغ ~~التشاؤم من الحاضر أو المصير. # ويرجح هذا الاعتقاد أمران: أحدهما: أن الحرية الإنسانية تراث التاريخ كله، كما ~~ينجلي لنا من جملة أدواره وأطواره، وليست عرضا متقطعا تبديه لنا صفحة من التاريخ هنا ~~وهناك، ثم تطويه ms235 صفحة تليها إلى غير رجعة. # والأمر الآخر: أن التنظيم لا ينفي الحرية ما دام حكمه ساريا بين الناس على سنة ~~المساواة، وما دام سلطان الحاكم فيه مستمدا من إرادة الجميع منصرفا إلى تدبير شئون ~~الجميع، فإن تنظيم مواعيد القطارات والبواخر - مثلا - لا يؤدي إلى تقييد حرية السفر أو ~~تقييد حرية المسافرين، وقد يؤدي إلى تمكينهم من السفر الذي يحول دونه ترك «المواصلات» ~~فوضى على غير نظام. # والذي يرجح لدينا أن القيود الحاضرة عوارض موقوتة، وأن أسبابها الموقوتة معروفة، لا ~~تختلف عن طبيعة القيود الموقوتة التي تدعو إليها الأحوال الاستثنائية، كأحوال الحروب ~~والانتقال من طور إلى طور في نظام الدولة أو حياة الجماعة، وقد يكون من دواعي التفاؤل ~~أن هذه العوارض الموقوتة خلقتها حركة التقدم واتساع مجال التطبيق، ولم تخلقها نكسة من ~~نكسات التاريخ التي تعوق الحركة إلى الأمام. # ألا يمكن أن تكون هذه العوارض جميعا راجعة إلى اتساع العلاقات العالمية، واتساع ~~الحقوق السياسية بين جماهير المحكومين؟ # بلى، يمكن ذلك، بل هو التعليل الوحيد الراجح بأسبابه المشهورة بين سائر ~~التعليلات. # فالتنظيم والتأميم خطتان لا مناص منهما مع اتساع العلاقات العالمية، وارتباط ~~المعاملات بين الأمم في شئون الزراعة والاقتصاد وشئون الإصدار والإيراد، ومن نتائج هذا ~~التنظيم والتأميم أن «تتركب» الأوضاع الديمقراطية في ميدان عالمي متضامن متكافل بعد ~~انحصارها في حدود كل أمة من الأمم، التي كانت تستغني عن التوفيق بين أحوالها والأحوال ~~العالمية، فتستغني بذلك عن التنظيم والتأميم. # ويتمشى مع هذا الاتساع العالمي اتساع مثله في الحقوق السياسية، يقضي به اشتراك جماعات ~~من الجماهير في الحكم، لم يكن لها من الحكم نصيب كبير ولا صغير. # هذه الجماهير لا بد لها من مفتتح في هذا المجال، تفتتح به تجاربها على نحو من ~~الأنحاء، ولا بد أن تتعثر في هذا المفتتح إلى حين، ريثما تدرك ما حولها من العلاقات ~~القومية والعلاقات العالمية حق إدراك، فلا تنخدع بالسهولة التي ينخدع بها من يقضي حياته ~~- كما انقضت حياة آبائه من قبله - بمعزل عن مسائل الحكم وكفاياته ms236 وكفايات القائمين به ~~والمتطلعين إليه، فإذا استقر بها القرار عند حدودها التي تعرفها باختيارها أو تقسرها ~~الضرورة على عرفانها، فهذه الحالة المنظورة أدنى إلى الديمقراطية من حالة العزلة التي ~~حجبت تلك الجماهير عن واجباتها وحقوقها، وتركتها عرضة للخداع والتضليل ممن يقصدون ~~خداعها وتضليلها أو ممن ينقادون بها - أو معها - مخدوعين مضللين. # وسينتهي الشطط في استخدام الحقوق السياسية لا محالة، متى انتهت كل طائفة من طوائف ~~المجتمع إلى حدودها، وعلمت أنها عاجزة عن تجاوز هذه الحدود للجور على الطوائف الأخرى؛ ~~لأن الطوائف الأخرى تملك مثلها سلاح الدفاع عن حقوقها ومصالحها بحكم القانون الصادر من ~~الجميع لمصلحة الجميع. # ولم تصل طوائف المجتمعات في الأمم المختلفة إلى هذا الحد الذي يمتنع فيه الجور من ~~طائفة على أخرى، فإن الطوائف الوسطى في أكثر المجتمعات لا تزال محرومة من سلاحها ~~الاجتماعي، الذي تذود به شطط العلية وشطط الجماهير، ولا تزال مكتوفة اليدين أمام سلاح ~~النفوذ والجاه من جهة، وسلاح الإضراب والشغب من الجهة الأخرى، فإذا وجد في يديها ~~سلاحها الاجتماعي - ولا بد أن يوجد مع الزمن؛ لأنه مطلب تدعو إليه مصلحة الجميع، كما ~~تدعو إليه ضرورة الدفاع عن الذات - فهنالك تنتظم الحقوق السياسية قسرا بين أناس لا ~~يملك بعضهم أن يجور على بعض، ولا يعجز فريق منهم عن دفع هذا الجور إذا اجترأ عليه فريق ~~يشتط في طلب الحقوق، وتقوم الديمقراطية يومئذ بقوة الدفاع عن الذات، كما تقوم بقوة ~~العقيدة والإيمان. ~~••• # ولعلنا - في المجتمع المتزن المنتظم - نفرغ من غاشية الحقوق التي استفحلت في العصر ~~الحديث حتى أصبح لها وبال لا يقل في خطره عن وبال الظلم والغشم في عصور الظلمات؛ لأن ~~ادعاء الحقوق لا يقل عن جهل الحقوق في سوء عقباه. # وقد غبرت على الناس عصور كانوا يجهلون فيها حقوقهم، ولا يفرغون فيها من الواجبات ~~المفروضة عليهم، كانوا مثقلين بالواجبات ممطولين في حقوقهم؛ بل ساكتين عنها يجهلونها ~~ولا يطلبونها. # كانت هنالك واجبات الدين، وواجبات العرف، وواجبات الحاكم، وواجبات السادة على العبيد، ~~وواجبات الآباء على الأبناء، ms237 وواجبات الكبار على الصغار، ولم تكن هنالك حقوق إلا الحق ~~الإلهي الذي كان يدعيه مدعيه لإنكار جميع الحقوق. # فلما نهضت الأمم للمطالبة بحقوقها لم تظفر بها على هينة وهوادة، ولم تزل تجاهد فيها ~~حتى بلغتها من غاصبيها، واستدارت إلى أنفسها تطالب بعضها بعضا بما يتخيله من حقوق ~~مهضومة عند المجتمع المحيط بالطالبين والمطلوبين، إذ كانت بدعة المجتمع وتبعاته قد ظهرت ~~في أوانها مع ظهور مظالم الطبقات ودعاوى الطبقات، وأوشك الأمر أن ينتقل جملة واحدة من ~~كفة الواجبات إلى كفة الحقوق؛ لأننا لا نسمع إلا أحاديث عن حقوق كثيرة، ولم يذكر فيما ~~بينها شيء من الواجبات. # حق الرعية، حق الجيل الجديد، حق المرأة، حق الطفل، حق العامل، حق الزارع، حق الكتابة، ~~حق الخطابة، حق الاحتجاج، حق السخط والقلق ومركبات النقص والعقد النفسية، وظروف الحياة ~~القاسية، وظروف الحياة التي توصف بما شاء المدعون من الصفات، إلى آخر هذا الطوفان ~~المتدفق من الحقوق. # ومن يطالب بهذا الطوفان المتدفق من جميع هذه الحقوق؟ # شبح واحد يسمى المجتمع، يتكلم الناس عنه كما كانوا يتكلمون قديما عن الدهر، وعن ~~الحظ، وعن المقادير. # شبح مبهم لا ملامح له ولا شيات، هو المسئول عن كل أحد وعن كل حق، وعن كل شيء، وكل من ~~عداه سائل لا واجب عليه؛ لأنه ألقى التبعة - بل التبعات جميعا - على ذلك الشبح ~~المجهول. # فإذا زال ذلك الشبح المجهول يوما، وحل في محله كيان ذو صورة وأعضاء وحدود وأجزاء ~~وجدوا أنهم يطالبون أنفسهم، وأنهم هم الهاضمون للحقوق، أو المقصرون فيها إذا تحدثوا ~~بحق معروف من موئل في المجتمع معروف. # وأدركوا اضطرارا أن المطالبة بالحقوق - هي في الوقت نفسه - مطالبة بالواجبات، إذ ~~كان المجتمع المسكين قد تحول من شبح مبهم في الظلام إلى «شخص» مرسوم تبدو فيه ملامح ~~جماعاته وآحاده معروفة الطاقة معروفة العمل معروفة التبعات. # ولا ندري اليوم متى يتسق هذا المجتمع، ويتناسق على سوائه في كل أمة من الأمم التي ~~تسير إلى المستقبل، ولكنها لا تسير إليه بخطوة واحدة ولا على هدى ms238 واحد، ولكننا ندري ~~أنه يستقيم على سوائه، كلما رجحت فيه كفة «الإنسانية» على كفة الخارجين عليها. # مجتمع لبني الإنسان جميعا لا لطبقة تجور على سائر طبقاته، ومجتمع للعالم المتضامن ~~المتكامل لا لمن يتسلط عليه ويسخره في خدمته بقوة المال والسلاح، ومجتمع تعمل فيه قوى ~~الحياة الإنسانية من شعور عاطفة وخلق وفكر وعقيدة، وليس بالمجتمع الذي تحكمه الآلات ~~والأدوات. # مجتمع الإنسانية وليس بمجتمع الشيوعية، وكل مصير يتحراه أو ينساق إليه بقوانين الحياة ~~فله قسطاس واحد، يفصل بين الهداية فيه والضلال، إنه على هدى كلما كان مجتمع إنسان لبني ~~الإنسان، في رعاية خالق هذا الإنسان وخالق جميع الأكوان. ms239