######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.SiddiqaBintSiddiq.Hindawi83168619 #META# Tags: biographies #META# ID: 83168619 #META# Title: الصدِّيقة بنت الصدِّيق #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المرأة العربية‏ # المرأة المسلمة‏ # المرأة الخالدة‏ # عائشة‏ # زوج النبي‏ # حديث الإفك‏ # بعد النبي‏ # في السياسة العامة‏ # حقوق المرأة‏ # المرأة العربية‏ # المرأة المسلمة‏ # المرأة الخالدة‏ # عائشة‏ # زوج النبي‏ # حديث الإفك‏ # بعد النبي‏ # في السياسة العامة‏ # حقوق المرأة‏ # | الصديقة بنت الصديق # | الصديقة بنت الصديق # تأليف # عباس محمود العقاد # | المرأة العربية # كانت نظرة العرب إلى المرأة نظرة طبيعية مرتجلة. # ونعني بالنظرة الطبيعية المرتجلة أنها النظرة التي لا يشوبها إحساس دخيل من وهم العقائد ~~أو حكم التشريع، ولكنها تمضي على الفطرة التي توحيها ضرورة الساعة أو ضرورة البيئة، ~~وتختلف على حسب اختلاف هذه الضرورات. # فالعرب لم يضربوا اللعنة قط على المرأة في جاهليتهم الأولى؛ لأن اللعنة التي ضربت على ~~المرأة في القرون الأولى وامتدت إلى القرون الوسطى، إنما جاءت من الإيمان بالخطيئة التي ~~انحدرت بآدم وحواء من نعيم الفردوس، وأصبحت المرأة ملعونة موصومة بالنجاسة والشر عند بعض ~~الناس؛ لأنهم ألقوا عليها تبعة الشهوات التي تثيرها فيهم، وجعلوها حبالة للشيطان مذ ~~كانوا يحسون بغوايته الخفية كلما أحسوا بغواية الشهوة الحيوانية، ومناطها المرأة قبل ~~غيرها من هذه الأحياء. # فالعرب لم ينظروا قط إلى المرأة هذه النظرة، ولم يحكموا عليها قط بالنجاسة والأصالة في ~~الشر والخباثة؛ لأنهم لم يعرفوا الخطيئة بهذا المعنى في عهد الجاهلية. # كذلك لم يعرفوا التشريع الموضوع الذي يحكم عليها بالاستعباد والخطة المتفق عليها في ~~المنزلة الاجتماعية، وإنما عرف هذا وأشباهه عند الرومان قبل الإيمان بالخطيئة، وقبل ~~الإيمان بالدين؛ لأنهم كانوا أصحاب ملك عريض لا غنى لهم فيه عن ترتيب الحقوق والمعاملات ~~بين أبناء المجتمع وبناته كافة، فلما رتبوا هذه الحقوق نظروا إلى المرأة في زمانهم ~~نظرتهم إلى كل ضعيف تابع لغيره، ولم يلاحظوا في ذلك عنتا خاصا بها ولا ضغينة «جنسية» ~~موجهة إليها دون غيرها؛ لأنهم نظروا هذه النظرة بعينها إلى أبنائهم الصغار وإلى القاصرين ~~منهم على الإجمال، فعاملوهم معاملة الضعفاء، وأعطوهم من الحقوق ما يعطاه الضعفاء، وهم مع ~~ذلك في عزة الأقارب والأبناء. # هذه النظرة أيضا لم يعرفها العرب في جاهليتهم الأولى ms01 ؛ لأنهم لم يضطروا إلى وضع تشريع ~~كامل لدولة كاملة، ولكنهم تركوا أنفسهم على سجيتها كما تختلف بها عاداتها ومأثوراتها، ~~وارتجلوا معاملة المرأة ارتجالا كما تدعوهم إلى ذلك ضرورة البيئة أو ضرورة اللمحة ~~الحاضرة؛ فربما عاملوها معاملة الرقيق المستضعف في بعض الأحيان، وربما نسبوا إليها ~~الأبناء دون الآباء من الرجال في أحيان أخرى. # والمرجع في كل أولئك إلى أحوال المعيشة العامة في الجزيرة العربية، وخلاصتها السريعة ~~أنها أحوال نزاع شديد على المرعى وموارد الماء لقلة المرعى وكثرة طلاب هذا وذاك. # وهذا النزاع الشديد يجعل القدرة على «حماية الذمار» مقدمة على كل قدرة؛ لأنها مسألة ~~تتعلق بها الحياة والفناء. # وهو كذلك خليق أن يجعل المرأة في بعض الأحوال كلا ثقيلا على عواتق ذويها؛ لأنها ~~تستنفد القوت ولا تشترك في حمايته والذود عنه. # وهذا الذي يفسر لنا كثيرا من النقائض العجيبة في الآداب العربية؛ لأنها - عند الرجوع ~~بها إلى أسبابها - لا تحسب من النقائض، ولا تزال متشابهة متقاربة في الأصول. # فمن ذلك مثلا أن الحرب نشبت بين بني بكر وبني تغلب أربعين سنة لأن البسوس ابنة منقذ ~~أضافت رجلا فضرب كليب ناقة ذلك الرجل وهو في ضيافة البسوس، فأقسم ابن أختها جساس لها ~~«ليقتلن غدا جمل هو أعظم عقرا من ناقة جارك»، وقتل كليبا سيد بني تغلب في ثأر تلك ~~الناقة، أو من أجل كرامة امرأة في ناقة جارها. # وإلى جانب ذلك يعلم القارئ أن قبائل من العرب كانت تدفن بناتها في طفولتها فرارا من ~~عارها أو إشفاقا من نفقتها. # ويلوح أنهما نقيضان لا يلتقيان. والواقع أنهما غير نقيضين، وأن البيئة التي تدعو إلى ~~إحدى الخصلتين حقيقة أن تدعو إلى الأخرى. # فإن آداب الحماية تجعل المرأة أحق شيء بأن يحمى، وأن يغار عليه الحماة؛ لأنها أمس ~~بالرجل من أرض المرعى ومن ماء البئر ومن الجمل والناقة، فمن فرط فيها فما هو بقادر على ~~حماية شيء من هذه الأشياء. ومن هنا فرط الغيرة على العرض وإيثار الموت للبنت على ~~العار. # وإذا رجعنا إلى الأصل ms02 في «آداب الحماية» وهو النزاع الشديد الذي أوجبه شح الأرض بالري ~~والطعام، فالحاجة إلى القوت خليقة أن تغري بالقسوة المهينة، وأن توسوس للمعوزين في سنوات ~~الضيق بالتخلص ممن يستنفد القوت ولا يعين على تحصيله أو الذود عن موارده، ونعني بهن ~~البنات الزائدات عن حاجة القبيلة في تلك السنوات. # وربما ظن بعضهم أن الوأد كله من مخافة العار كما قال البحتري وهو يعزي بني حميد ذلك ~~العزاء العجيب عن فقد فتاة: # أتبكي من لا ينازل بالسي # ف مشيحا ولا يهز اللواء # ويختم عزاءه بقوله: # ولعمري ما العجز عندي إلا # أن تبيت الرجال تبكي النساء # فقد قال في تلك القصيدة: # لم يئد كثرهن قيس تميم # عيلة، بل حمية وإباء # يشير إلى قيس بن عاصم سيد بني تميم الذي أقسم ليئدن كل بنت ولدت له؛ لأن ابنته اختارت ~~صاحبها الذي سباها على العودة إلى أهلها، فكلام البحتري إن صدق فإنما يصدق على قيس ~~وأمثاله، ولكنه لا ينفي أن العرب وجد فيهم من يئد البنات عيلة - أي إشفاقا من النفقة - ~~كما وجد فيهم من يئد البنات أنفة من العار، وآية ذلك أن صعصعة بن ناجية كان يشتري البنات ~~من آبائهن ليستحييهن، فيقبلون ذلك ويبيعونهن راضين عن بيعهن، حتى قيل إنه افتدى ثمانين ~~ومائتي وليدة بالشراء، ولو كان آباؤهن يئدونهن خشية العار وحده لما أغنى عنهم إقصاؤهن ~~وهن في قيد الحياة، ولحق بهم في بيعهن عار لا يقبله من يأنف من العار، والقرآن الكريم ~~يقول: # ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق ~~. # ونخرج من هذا جميعه بأن هذه النقائض الظاهرة مصدرها واحد، وهو النزاع على الرزق وما ~~أوجبه من تقديس فضائل الحماية والدفاع عن الحرمات. فهذا المصدر يفسر لنا وأد البنات خشية ~~الإملاق كما يفسر لنا وأدهن خشية العار، ويفسر لنا احتقار البكاء على المرأة كما يفسر ~~لنا إعزاز جارها حتى لتنشب الحرب أربعين سنة غضبا من إصابة ناقة في جوار خالة رئيس، ~~ويرجع كله إلى نظرة طبيعية تجري مع الحوادث في مجراها، فلا يشوبها وهم من ms03 عقيدة دينية، ~~ولا يخالطها قيد من أحكام التشريع. ~~••• # ومن لوازم هذا النزاع الشديد في مظهر آخر من مظاهر البادية العربية أنه جعل المرأة ~~عاملة نافعة في حياة الأسرة وحياة القبيلة؛ لأن المعيشة الضنك التي كان يعيشها البدوي في ~~صحرائه المجدبة تأبى عليه الترف والبذخ، ولا تتسع لإسراف المدني الذي ينفق على المرأة ~~ولا أرب له عندها غير المتعة والمسرة، ولا عمل لها عنده غير الراحة والزينة. فكانت ~~المرأة العربية - في البادية خاصة - تعمل كل ما تستطيع أن تعمله لخدمة أسرتها وقبيلتها، ~~وتعلم كل ما تستطيع أن تعلمه لإتقان عملها وتجويد خدمتها؛ فكانت ترعى الإبل والشاء، ~~وتمخض اللبن، وتغزل الصوف، وتصنع الخيام، وتضمد الجراح، وتطب لنفسها في شئون الحمل ~~والولادة، وتحذق من هذه الشئون ما تجهله المرأة الحضرية في كثير من أمم العصر الحديث، ~~وتعينها على ذلك حاجتها إلى تطبيب نفسها وقيامها على رعي الأحياء التي تلازمها في غدوها ~~ورواحها وفي صحتها ومرضها وفي حملها وولادتها وفي اختيار الأصلح والأجدى لنسلها ~~ونتاجها. # وقد رويت عن نساء العرب صفات أخرى للحمل والرضاعة تشبه هذه الصفة في جملة معناها، وهي ~~صفات لا يشترط أن تطابق العلم الحديث في جميع تحليلاته وتفصيلاته، بل حسبها على سذاجتها ~~أن تدل على طب معروف في علاج الحمل والولادة والرضاع، وأن الأمر في هذه الشئون لم يكن ~~عند المرأة العربية هملا متروكا للمصادفات، كما يشاهد ذلك في بيئة الكثير من الحضريات ~~المعاصرات. ~~••• # إلا أن الشظف الذي كان يعم الجزيرة العربية ويذكي فيها ذلك النزاع الشديد على الرزق لم ~~يكن خلوا من الجوانب التي يرق فيها ويلطف وتسري منها الرقة واللطف إلى العلاقة بين ~~الرجال والنساء؛ فتنعم المرأة بالرفق الذي يرفع من مكانتها، ويهذب من معاملتها في سائر ~~البيئات الإنسانية لا في الجزيرة العربية وحدها. # وأهم هذه الجوانب جانب النشأة في بيئة الحضارة، وجانب النشأة في بيئة السيادة. # فالحضارة تصقل الطباع، وتهذب حواشي النفوس، وتغني القبائل عن القتال وعن ثورة الغضب ~~للذمار المهدد بالليل والنهار، وأول ما يظهر هذا ms04 الصقل والتهذيب في العلاقة بين الرجل ~~والمرأة؛ لأنها العلاقة التي تمتحن بها الكياسة وآداب الخطاب. # والسيادة تعلم السادة أن يعنوا بمكان بناتهم من العزة والرخاء، فلا يسلمونهن لمن ينزل ~~بهن عن منزلة العقائل المبجلات اللواتي يغنين في بيوتهن عن الخدمة المسفة والعيش ~~الذليل. # ولهذا كان سادة العرب يختارون الأزواج لبناتهم، ثم لا يكتفون باختيارهم حتى يشركوهن في ~~الرأي ويدخلوهن في المشورة، ومن أنباء ذلك التي استفاضت في الأدب العربي أن الحارث بن ~~عوف المري قدم على أوس بن حارثة الطائي خاطبا، فدخل أوس على زوجته ودعا ببنته الكبرى، ~~فقال لها: يا بنية! هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب قد جاءني طالبا خاطبا، وقد ~~أردت أن أزوجك منه، فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة ~~وفي خلقي بعض العهدة، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا ~~آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي وعليك من ذلك ما فيه. # فصرفها ودعا بابنته الوسطى، وعرض عليها ما عرضه على الكبرى، فقالت: إني خرقاء، وليست ~~بيدي صناعة، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني! # فلما دعا بأختهما الصغرى قالت: «... ولكنني والله الجميلة وجها، الصناع يدا، الرفيعة ~~خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير!» # وهذه الفتاة الصغرى - واسمها بهيسة - هي التي تزوجها الحارث وزفت إليه، فأنكرت منه أنه ~~يدخل عليها في ثياب العرس والحرب قائمة بين عبس وذبيان فلا يشغله عن الطيب والزفاف أن ~~يصلح بينهما ... فأكبر منها زوجها هذه الحكمة، وسعى في الصلح بين الحيين حتى استجيب ~~إليه. # وممن جاءت الأنباء على اختلاف الروايات باستشارتهن في الزواج: هند بنت عقبة أم معاوية ~~بن أبي سفيان، وقد خطبها سيدان من قومها، فاستخبرت أباها عنهما، فقال يصفهما: «أما ~~أحدهما ففي ثروة وسعة من العيش، إن تابعته تابعك، وإن ملت عنه حط إليك، تحكمين عليه في ~~أهله وماله. وأما الآخر فموسع عليه منظور إليه في الحسب الحسيب والرأي ms05 الأريب، مدره ~~أرومته وعز عشيرته، شديد الغيرة لا ينام على ضعة ولا يرفع عصاه عن أهله.» # فقالت: «يا أبت! الأول سيد مضياع للحرة، فما عست أن تلين بعد إبائها، وتضيع تحت جناحه، ~~إذا تابعها بعلها فأشرت، وخافها أهلها فأمنت؟ ساء عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، ~~فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فمن خطأ ما أنجبت، فاطو ذكر هذا عني ولا تسمه علي ~~بعد! وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العقلية، وإني لأخلاق مثل هذا لموافقة، ~~فزوجنيه.» # ويلوح من تكرار هذه الأنباء أن استشارة البنات في أمر زواجهن كان سنة من السنن المرعية ~~بين سادات العرب، لا يشذ عنها إلا القليل. ~~••• # ومن البديه أن هذه العادات والآداب التي تنشأ من بيئة الوطن ومناخه تعم الأمة برمتها، ~~ولا يقع فيها التفاوت إلا ما لا بد منه بين فرد وفرد، أو بين طبقة وطبقة، على المثال ~~الذي قدمناه. # بيد أنك قد ترى في الأمة طائفة من عليتها أو بيتا من بيوتها يخيل إليك أنهم خصوا من ~~دونها بصفوة هذه الآداب ونقاوة هذه العادات. # أو يخيل إليك أن آداب الأمة كلها إنما كانت تحضيرا مقصودا لهذه الطائفة أو لهذا ~~البيت، يأخذون منه بالخلاصة المصفاة واللباب المختار. # فإذا صح هذا الوصف في قبيلة من قبائل العرب فهو أصح ما يكون في قبيلة بني تيم، ثم في ~~بيت أبي بكر الصديق الذي كان في موضع الذؤابة من هذه القبيلة. # فقد اجتمعت لبني تيم خلاصة الآداب التي نجمت من فرائض الحماية والذود عن الذمار، ثم ~~تناولتها بالصقل والتهذيب بيئة السيادة وبيئة الحضارة. # وكان بيت الصديق على التخصيص مثلا في هذه الآداب جميعها يحتذى به بين الحواضر ~~العربية. # لأن سيادة هذا البيت لم تكن سيادة طغيان وقتال، ولكنها كانت سيادة شرف وأمانة، وكانت ~~حصته في الجاهلية من مقاوم الشرف حصة الوفاء بالمغارم وضمان الديون، وعمله الأكبر في ~~الجاهلية يدور على التجارة ومعاملة الناس، ولا يدور على البأس والإكراه. # فنشأ البيت كله على الرفق والدماثة ورقة الحاشية ms06 ، واشتهر بتدليل نسائه وبناته حتى قيل - ~~كما جاء في الأغاني - إنهن كن أحظى خلق الله عند أزواجهن، وكانت عند الحسين بن علي - ~~رضوان الله عليهما - أم إسحاق بنت طلحة، فكان يقول: «والله لربما حملت ووضعت وهي مصارمة ~~لي لا تكلمني.» # وندر من أبناء الصديق - رضي الله عنه - من لم يكن له مع امرأته شأن يذكر في باب المحبة ~~بين الأزواج. # فعبد الله أكبر أولاده بنى بعاتكة بنت زيد العدوية فهام بها وشغل عن خاصة أمره وعامته، ~~حتى نصح له أبوه بطلاقها فطلقها وهو كاره، ثم أدركه الندم فنظم فيها القصائد، ~~ومنها: # أعاتك لا أنساك ما ذر شارق # وما لاح نجم في السماء محلق # أعاتك قلبي كل يوم وليلة # لديك بما تخفي النفوس معلق # ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها # ولا مثلها في غير شيء تطلق # وأخوه عبد الرحمن نفله عمر بن الخطاب ليلى بنة الجودي من حسان غسان الموصوفات ~~بالقسامة والجمال فلازمها، ولم يفارقها فترة إلا نظم الشعر في الحنين إليها، ومن قوله ~~فيها: # تذكرت ليلى والسماوة بيننا # فما لابنة الجودي ليلى وما ليا # وأنى نلاقيها! بلى، ولعلها # إذا الناس حجوا قابلا أن توافيا # وأفرط في التعلق بها حتى لامته شقيقته السيدة عائشة - رضي الله عنها - وما زالت به حتى ~~جفاها، فعادت تلومه في جفائها، وتقول له: «أفرطت في الأمرين، فإما أن تنصفها، وإما أن ~~تجهزها إلى أهلها» فجهزها إلى أهلها. # ومن ذرية الصديق «ابن أبي عتيق» صاحب عمر بن أبي ربيعة شاعر الغزل المشهور، وكان يسمع ~~بالجفاء بينه وبين الثريا، فيركب من مدينة إلى مدينة ليصلح بينهما، ولا يترجل عن مطيته ~~حتى يتم الصلح على ما يرومه. # وهو مع هذا كان يتحرج من نزوات عمر ويسأله: ألم تخبرني أنك ما أتيت حراما قط؟ فيقول: ~~بلى! فيستخبره عن قوله: # وما نلت منها محرما غير أننا # كلانا من الثوب المورد لابس # ثم لا يتركه حتى يجيبه بما يدفع شكه، ويرده إلى حسن ظنه. ~~••• # فآداب الرجال والنساء في بني تيم كانت مثالا ms07 للرعاية التي تظفر بها المرأة العربية في ~~بيئة السيادة وبيئة الحضارة. # ولكنها لم تزل عربية في قرارها، ولم تنقطع عن آداب الأمة التي جعلت عرضها أحق شيء ~~بالحماية، وأقمن حصن أن تمنعه وتغار عليه. # فكان أبو بكر نفسه مثلا من أمثلة الغيرة بين أهله وقومه، وقد قال ابن سيرين: كان أغير ~~هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفرا من بني هاشم ~~دخلوا على زوجته أسماء بنت عميس، فكره دخولهم عليها، وشكاهم إلى النبي - عليه السلام - ~~فقام على المنبر فقال: لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا أن يكون معه رجل أو ~~اثنان. # ولما شبب عمر بن أبي ربيعة بعائشة بنت طلحة التيمية تجمع فتيان تيم فأنذروه لئن تعرض ~~لها بعد ذلك ليقتلنه شر قتلة، فأقسم لا عاد. # وعائشة هي التي كانت تعاتب في كشف وجهها فتقول: «إن الله وسمني بميسم جمال أحببت أن ~~يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم، فما كنت لأستره، ووالله ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها ~~أحد.» # فهو دلال لا ينسى الصيانة، ورفق لا ينسى الغيرة، وآداب سيادة وحضارة لا تنسى الأصول ~~المعروفة في آداب البداوة. # وفي هذه البيئة التي تحوطها الحمية والرعاية نشأت ربة هذه الدراسة وموضوع هذا الكتاب: ~~عائشة بنت الصديق رضي الله عنها. # ولكنها تفردت برعاية لم تشركها فيها ولائد هذه البيئة؛ فقد تربت على النعمة والخير، ~~وتدربت على العزة والكرامة، وتعلمت القراءة التي لم يكن يتعلمها من نجباء الأبناء في ~~بيوت السادة إلا القلة المعدودة. # فصح أن يقال إن الرعاية التي ظفرت بها ربة هذه الدراسة كانت هي خلاصة الكرامة التي ~~هيأتها لبناتها حمية البداوة، وصقلتها مع الزمن شمائل الحضر ومآثر الشرف ~~والسيادة. # | المرأة المسلمة # جاء الإسلام فبدأ من النهاية التي انتهت إليها آداب الحضارة والسيادة، وهي خلاصة العرف ~~الذي تعارف عليه سادة الحضر في معاملة المرأة العربية. # إلا أنه جعل هذا العرف حقا مكتوبا على الرجال لكل امرأة من كل طبقة ms08 ، ولم يقصره على ~~عقائل البيوتات كما كان مقصورا عليهن في آداب الجاهلية بحكم الاصطلاح والعادة، يتبعه من ~~يرضاه ويهمله من يأباه. # ثم زاد على هذا العرف منزلة من الرعاية لم تصل إليها أرفع النساء في أرفع البيوتات قبل ~~الدعوة المحمدية؛ لأنه جعلها مناط التكليف، ووجه إليها الخطاب في كل شيء كما وجهه إلى ~~الرجال، إلا ما هو من خصائص عمل الرجال في العرف المستقيم. # فالمرأة في شريعة الإسلام إنسان مرعي الحقوق والواجبات ... # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن ~~درجة ~~. # وكل امرأة أو فتاة - من العلية أو السوقة - لا يصح زواجها حتى يرجع إليها فيه، «فلا ~~تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن» وعلامة إذنها السكوت، كما جاء في بعض ~~الأحاديث. # ولها أن تملك ما تشاء وأن تبيع وتشتري ما تشاء، وأن تشترك في الإرث وكان حراما عليها؛ ~~لأنها لا تحمل الدرع ولا تضرب بالسيف. بل كان من حق الرجل أن يتخذها هي ميراثا ينتقل ~~إليه كرها كما يرث الخيل والإبل والحطام، فأبطل الإسلام ذلك حيث جاء في القرآن الكريم: # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها ~~. # وقضى بأن تبايع النساء كما بايع الرجال، فلا تغني عن مبايعتهن مبايعة آبائهن وأزواجهن ~~وأوليائهن، ونص القرآن الكريم على ذلك حيث جاء في سورة الممتحنة: # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن ~~لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا ~~يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن ~~واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~. # وأبى الإسلام إلا أن يكفل لها حسن المودة كما كفل لها حسن المعاملة، وأن يوسع لها من ~~حقوق البر والعطف كما وسع لها من حكم الشريعة؛ فأوصى المسلمين أن يستقبلوا ولادتها ~~بالرضى، وزجر الذين يستقبلونها على غيظ وحرد: # وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على ~~هون أم يدسه في التراب ألا ساء ms09 ما ~~يحكمون ~~. # ومن الآداب القرآنية أن يغالب الرجل كراهتها إذا تغير قلبه من نحوها عسى أن يثوب إلى ~~حبها أو يكون في احتمالها خير له ولها: # وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ~~. # وكانت وصايا النبي # صلى الله عليه وسلم # على منهاج أوامر القرآن في إنصاف المرأة ورعايتها، فكان - ~~عليه السلام - يقول: «خيركم خيركم للنساء ...» و«... ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن ~~إلا لئيم». # وأسند الوصاة بها في بعض الأحاديث إلى وحي جبريل حيث قال: «ما زال جبريل يوصيني بالنساء ~~حتى ظننت أنه يحرم طلاقهن.» # والتعليم الذي كان في بيوت السادة فلتة لا يقاس عليها بين الرجال فضلا عن النساء، جاء ~~الإسلام فجعل «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» واستحبه - عليه السلام - حتى للإماء؛ ~~حيث قال: «أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم ~~أعتقها وتزوجها فله أجران.» ~~••• # هذه هي المنزلة التي تبوأتها المرأة في الشريعة الإسلامية، وهذه هي المعاملة التي ~~أوجبتها آداب الإسلام على المسلمين كافة، وهي أرفع من كل أدب ترقت إليه الجاهلية في ~~الجوانب التي تهذبت فيها معاملة المرأة بين ذوي السيادة والحضارة من أهلها، وأضيفت إليها ~~على عهد الإسلام جوانب شتى لم يكن للمرأة فيها أيسر نصيب من رعاية أو إنصاف. # ومهما يكن من الرأي في موقف العصور الحديثة من المرأة - وهو ما نعرض له في ختام هذا ~~الكتاب - فالذي لا ريب فيه أن الإسلام قد رفعها درجات فوق أرفع منزلة بلغتها بين العرب ~~أو بين الأمم الأخرى، وأن المسلم الذي يعمل بدينه يوليها من البر فوق ما طلبته لنفسها، ~~لو أنها كانت في زمان يطلب فيه النساء لأنفسهن حقا من الحقوق. ~~••• # ولم تكن تلك غاية المرتقى، فإن الفرائض الدينية تطاع ولا تطاع، وهي على هذه موكلة ~~بالتعميم الذي يستوي فيه جميع المسلمين المخاطبين بالتكليف، وإنما طاعة التكليف فضيلة ~~تعلوها فضائل الاختيار والرغبة والاشتياق إلى الإنجاز، كأن الإنجاز هو المثوبة التي تغني ~~عن المثوبة ms10 الموعودة، وها هنا تتفاوت المراتب، وتترقى الفضائل من التعميم الشائع إلى ~~الامتياز والرجحان، وتستبق النفوس حتى يكون العمل المفروض أمنية محبوبة يؤلم النفس أن ~~تعاق دونها، ولا تبلغ الغاية منها. # وتلك عليا مراتب الأنبياء، وهي المرتبة التي سما إليها صاحب الدعوة الإسلامية بما تهيأ ~~له من تمام الأريحية الإنسانية، وملاك الفطرة النبوية. # فالحق أن محمدا - عليه السلام - لم يفرض على نفسه الشريفة محاسنة المرأة كما تفرض ~~الأوامر السماوية على من يطيعها ولا مسرة له في طاعتها، ولكنه حاسنها فطرة كما حاسن كل ~~مخلوق حي ولا سيما الضعفاء، وجعل البر بها مقياس المفاضلة بين أخلاق الرجال، وعنوان ~~المنافسة في طلب الخير والكمال، فقال غير مرة: «خيركم خيركم للنساء.» # وبلغ من ذلك أنه يأوي إلى البيت «فيكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى ~~الصلاة»، وأنه استحب خدمة الزوجة في منزلها فقال: «خدمتك زوجتك صدقة» وكان أكيس رجل في ~~معاملة أهل بيته، يشفق أن يرينه غير باسم في وجوههن، ويزورهن جميعا في الصباح والمساء، ~~وإذا خلا بهن «كان ألين الناس، ضحاكا بساما» كما قالت عائشة رضي الله عنها. # ومن المبالغات المألوفة في تناهي الرحمة أن يقال: «إنه أرحم به من أمه وأبيه». # لكنه - عليه السلام - كان حقا أرحم بأهله من آبائهن وأمهاتهن حتى الذين اشتهروا ~~بالحدب الشديد على ذوي الرحم كأبي بكر الصديق رضوان الله عليه. # ففي الأحاديث عن عائشة أنها قالت: «كان بيني وبين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كلام. فقال: من ~~ترضين أن يكون بيني وبينك؟ أترضين بأبي عبيدة بن الجراح؟ قلت: لا، ذلك رجل هين لين ~~يقضي لك. قال: أترضين بأبيك؟ قلت: نعم. فأرسل إلى أبي بكر فجاء، فقال: اقصصي! فقلت: بل ~~اقصص أنت ... فقال: هي كذا وكذا ... فقلت: اقصد! فرفع أبو بكر يده فلطمني، وقال: تقولين يا ~~بنت أم رومان: اقصد؟ من يقصد إذا لم يقصد رسول الله؟ فجعل الدم يسيل من أنفي، وقال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إنا لم نرد هذا ... وجعل يغسل ms11 الدم بيده من ثيابي، ويقول: رأيت كيف أبعدك ~~الله منه ...» # وكان بره بمن مات من أزواجه أكرم من بره بمن يعشن معه ويراهن كل يوم. فلما ماتت زوجته ~~الأولى خديجة - رضي الله عنها - حزن عليها، وسمى العام الذي قبضت فيه «عام الحزن» ووفى ~~لذكراها طوال حياته، حتى لقد كانت عائشة تغار منها وهي في قبرها أشد من غيرتها من زوجاته ~~اللواتي يعشن معها في كنفه، وقالت له يوما: هل كانت إلا عجوزا بدلك الله خيرا منها؟ ~~فقال لها مغضبا: «لا والله! ما أبدلني الله خيرا منها. آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني ~~إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من ~~النساء.» # وإن هذا الوفاء لذكرى الزوجة الغابرة لخليق أن يرضي المرأة - حين تنسى غيرتها - أشد من ~~رضاها عن مكاشفتها بالتفضيل في حياتها لجمالها وشبابها ونعيم عشرتها وصفائها. ~~••• # ونحن لا نعتسف التوفيق والترتيب حين نقول عن ربة هذا الكتاب - عائشة بنت الصديق - إنها ~~لوحظت في آداب العرب والإسلام كأنها الوجهة التي اتجهت إليها هذه الآداب في طريق ~~الارتقاء والتهذيب. # فمن قسمتها في آداب العرب النسائية أنها نشأت في خلاصة تيم الذين اشتهروا بظرف الرجال ~~وتدليل النساء. # من قسمتها في الإسلام أنها ملكت حقوق المرأة المسلمة وتجاوزتها؛ فملكت الحظوة التي ~~يضفيها على نسائه نبي كريم، يتجاوز الحقوق المفروضة صعدا في معارج الكمال، وكانت هي ~~بعد هذا صاحبة الحظوة الأولى بين هؤلاء النساء. # إنها لمجدودة من بنات حواء، ولهذا الجد السعيد شأن أي شأن في تاريخها الذي اتصل بتاريخ ~~الإسلام. # | المرأة الخالدة # إن المرأة التي اجتمعت لها خلاصة الرعاية في آداب أمة من الأمم لذات شأن في تاريخ قومها ~~لا يسهو عنه باحث موكل بدراسة التاريخ أو دراسة الآداب. # وأعظم من ذلك شأن المرأة التي كتبت لها خلاصة الرعاية في دين من الأديان، والتي اشتركت ~~في سيرة النبي المرسل بذلك الدين، ونقلت أحاديثه في أحكام شريعته وخطرات ضميره، ولقيت ~~عنده الحظوة التي لم تلقها واحدة من ms12 النساء. # والسيدة عائشة - رضي الله عنها - هي هذه، وهي تلك. # هي المرأة التي لوحظت في آداب الأمة العربية كأنما استخلصت لها هذه الآداب لتظفر منها ~~بالرعاية الأولى. # وهي المرأة التي قال عنها النبي - عليه السلام - إنها أحب الناس إليه، وتلقى الأعقاب ~~عنها مئات الأحاديث التي عرفوه بها في دينه ودنياه. # وكلاهما شأن عظيم يبوئ الإنسان بين قومه مكانا ملحوظا من جوانب التاريخ ... # ولكن السيدة عائشة مع هذا وذاك تهم الباحثين والمؤرخين لسبب آخر غير هذين السببين، أو ~~للسبب الآخر المتمم لهذين السببين؛ لأنها المرأة في تكوينها الأصيل الذي خلقه الله منذ ~~خلق حواء، أو هي المرأة التي تتمثل فيها الأنثى الخالدة التي لا تحتويها أمة واحدة، ولا ~~يستأثر بها زمان واحد؛ لأنها استمدت من طبائع الإنسانية كل ما قدر لها من دوام. # وهذا هو جانب الاهتمام الصميم بكل عظيمة وكل عظيم. # فمهما يقل القائلون في غرض المؤرخ من سير العظماء، فالحقيقة التي لا ريب فيها عندنا هي ~~أن الغرض الأول أو الغرض الذي تنتهي إليه جميع الأغراض هو توثيق الصلة بين الإنسانية ~~وبين عظمائها وعظيماتها، والنفاذ إلى الجانب الإنساني من كل نفس تستحق التنويه ~~والدراسة. # وما من علامة هي أصدق دلالة على السيرة الناجحة من هذه العلامة. # فنحن نعلم أننا سائرون على الجادة في التعريف بصاحب السيرة أو صاحبتها إذا نظرنا فرأينا ~~أننا قد وصلنا من تلك السيرة إلى صميم الإنسان. # ونحن نعلم أننا تائهون في الطريق إذا نظرنا فلم نجد بين أيدينا إلا سرابيل العظمة، ~~وأقواس النصر، ومواكب الرهبة والخشوع. # نحن إذا فهمنا النبي نبيا وكفى فإنما وصلنا بين ضميره وضمائرنا، وبين محراب العبادة ~~عنده ومحراب العبادة عندنا. # ونحن إذا فهمنا البطل بطلا وكفى فإنما وصلنا بين قدرته وقدرتنا، وبين ضخامته بالقياس ~~إلينا وضآلتنا بالقياس إليه. # ونحن إذا فهمنا الرئيس رئيسا وكفى فإنما وصلنا بين مركزه في الأمة ومركزنا، وبين ~~الحقوق التي له والواجبات التي عليه، والحقوق التي لنا والواجبات التي علينا. # ولكننا إذا فهمنا النبي إنسانا فقد فهمناه ms13 كله، وفهمناه على حقيقته التي تعنينا، وتعقد ~~له أواصر القرابة فيما بينه وبيننا؛ لأننا وصلنا بين الإنسان فيه والإنسان فينا. # وكذلك البطل، وكذلك الرئيس، وكذلك كل ذي شأن يستحق البحث فيه. # هم غرباء حتى يقال: هذا هو الإنسان! فإذا هم الأقربون الذين ترضينا عظمتهم؛ لأنهم منا ~~ونحن منهم، ولأنهم خالدون خلود الإنسان من وراء الأقوام والأزمان. # والسيدة عائشة - رضي الله عنها - مثل من أمثلة الأنوثة الخالدة في جميع أقوامها وجميع ~~عصورها. # فضلها في الكتابة عنها أنها كتابة عن تلك الأنوثة التي نلمحها حولنا ونلمحها من قبلنا ~~في كل أنثى. # وأنها ترينا النبي في بيته فترينا الرجل الذي ارتفع بالنبوة إلى عليا مراتب الإنسانية، ~~ولكنه مع هذا هو الرجل في بيته كما يكون الرجال بين النساء على سنة الفطرة المعهودة من ~~آدم وحواء. # وفضلها على الجملة أنك تقرأ من أخبارها ما تقرأ فلا تزال تقول بعد كل خبر ترويه أو ~~يرويه غيرها: أجل، هذه هي الأنثى الخالدة في كل سمة من سماتها. # هذه هي الأنثى الخالدة في غيرتها، وهذه هي الأنثى الخالدة في دلالها، وهذه هي الأنثى ~~الخالدة في كل ما عرفت به الأنثى من حب الزينة وحب التدليل والتصغير وحب التطلع وحب ~~المكايدة والمناوشة، ومكاتمة الشعور والتعريض بالقول، وهي قادرة على التصريح. # وكل لون من ألوان الغيرة التي تتراءى في طبيعة المرأة فهو باد في خبر من أخبار السيدة ~~عائشة كأوضح ما يبدو، وأصدق ما يكون في طبائع النساء. # والغيرة في طبائع النساء ألوان: # تغار المرأة على قلب الرجل الذي تحبه ولو شغلته الذكرى ولم تشغله المودة الحاضرة؛ لأنها ~~تعلم من هذا أنها لم تشغل قلبه كله، وهي تأسى على كل ما يفوتها من شواغل ذلك القلب، ولو ~~لم تكن ثمة منافسة محذورة. # وتغار المرأة من المرأة الجميلة، وإن لم تنافسها على رجل تحبه، وتغار من شريكتها في ~~رجلها كائنا ما كان حظها من الجمال، وتغار من كل مزية غير الجمال ما كان فيها سبيل إلى ~~الحظوة في القلب الذي ms14 تريده لها، ولا تطيق المزاحمة عليه. # و«الأنثى الغيرى» في جميع هذه الألوان من الغيرة النسائية ماثلة هنالك في سيرة عائشة، ~~كما روتها هي وكما رواها غيرها، ما من فارق بينها وبين سائر النساء إلا الأدب الذي ينبغي ~~لها، والحق النبوي الذي هي جاهدة جهدها أن توفره وترعاه. # كانت السيدة خديجة متوفاة منذ سنوات يوم بنى النبي بالسيدة عائشة، لكن السيدة عائشة ~~كانت تغار منها غيرة لم تنطو على مثلها لشريكاتها اللواتي يعشن معها؛ لأنها شغلت قلب ~~النبي بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها، ويحب لحبها من كان يزورها أو يراها. # وكان - عليه السلام - يبر بعض العجائز، فسألته السيدة عائشة في ذلك فقال: إن خديجة ~~أوصتني بها ... فقالت مغضبة: خديجة، خديجة ... لكأنما ليس في الأرض امرأة إلا خديجة! # وعلى حلم رسول الله ربما غضب أحيانا من ثورتها على ذكرى خديجة. فغضب في هذه المرة ~~وتركها فترة، ثم عاد وأمها - أم رومان - عندها فقالت له أمها: يا رسول الله! ما لك ~~ولعائشة؟ إنها حديثة السن وأنت أحق من يتجاوز عنها؛ فلم يدعها حتى أخذ بشدقها معاتبا ~~وهو يقول لها: ألست القائلة: كأنما ليس على وجه الأرض امرأة إلا خديجة؟! # وسألته مرة: ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد بدلك الله خيرا منها؟ فأسكتها قائلا: ~~«والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني ~~الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها.» # أما شريكاتها اللواتي كن يعايشنها في بيت النبي، فربما كانت تغار من إحداهن لطعام ~~يستطيبه النبي عندها فضلا عن الغيرة من الجمال أو الملاحة. # تعود - عليه السلام - أن يستطيب العسل الذي تهيئه له «زينب بنت جحش» من أجمل أمهات ~~المؤمنين وأحظاهن عنده، فأجمعت رأيها مع صديقتها «حفصة بنت عمر» أن يبغضاه في عسلها، ~~وقالت فيما روته عن نفسها: «... فتواطأت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ ~~وهي طعام من صمغ حلو ولكنه كريه الرائحة، ولم يكن أبغض إلى النبي - عليه السلام - من ~~رائحة كريهة ... فلما ms15 دخل عندها رسول الله قالت: إني أجد منك ريح مغافير، قال: لا، ولكني ~~كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود إليه!» # وقد عرفت زميلتها السيدة صفية بجودة الطهي، وهي في الأصل إسرائيلية من أهل خيبر؛ ~~فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة ولم تكتم منها، بل هي التي روتها، ومن حديثها عنها ~~عرفناها. قالت: «ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله طعاما وهو في بيتي ~~فأخذني أفكل - أي قشعريرة - فارتعدت من شدة الغيرة فكسرت الإناء ثم ندمت، فقلت: يا رسول ~~الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام.» # وهذه غيرتها من زميلات لم يجهرن بالمنافسة والمغايظة، وهي بالبداهة دون غيرتها من ~~الزميلات اللواتي كن ينافسنها جهرة ويكاشفن النبي - عليه السلام - بالشكوى عن تفضيلها ~~عليهن في المودة والحظوة، وعلى رأسهن أم سلمة التي شهدت على نفسها والنبي يخطبها أنها ~~غيور لا تطيق المنافسة، فكان - عليه السلام - يجاملها ليذهب غيرتها، وتغضب عائشة من هذه ~~المجاملة على علمها بمكانتها عنده، قالت: دخل علي يوما رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقلت: أين ~~كنت منذ اليوم؟ # قال: يا حميراء كنت عند أم سلمة. # قلت: ما تشبع من أم سلمة؟ # فتبسم. ثم قلت: يا رسول الله، ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم ترع ~~والأخرى قد رعيت، أيهما كنت ترعى؟ # قال: التي لم ترع! # قلت: فأنا ليس كأحد من نسائك، كل امرأة من نسائك قد كانت عند رجل، غيري ... # فتبسم عليه السلام. # وإذا كانت أكلة أو شربة عسل تستطاب عند إحدى الزميلات أو مجاملة لإحداهن جبرا لخاطر ~~ومداراة لغيرة، تثير هذه المنافسة وتغري بهذه المؤامرة، فليس من العسير أن نفهم كيف تكون ~~الغيرة التي تثيرها الذرية المحبوبة المرقوبة حين يرزقها النبي من إحدى زوجاته، وقد ~~حرمها من سائرهن سنوات، وهو شديد الكلف بها والتطلع إليها. تلك إذن غيرة لا تمسكها ~~الحدود ولا تكبحها المجاملات. # وقد ثارت ثائرتها يوم ولد له - عليه السلام - ابنه إبراهيم من مارية ms16 القبطية، وكانت على ~~هذه المزية التي امتازت بها جميلة بيضاء، تغار منها الزميلة لجمالها وصباحتها فوق غيرتها ~~منها لهذه الأمومة التي تفردت بها بين تسع نظيرات. # قالت كتب السير: وغارت زوجات النبي ولا كعائشة. # لأن عائشة - رضي الله عنها - كانت صاحبة المكانة الأولى التي ترفعت إليها «مارية» ~~بأمومتها، فهي أحق بالغيرة على تلك المكانة من سواها. # ولا ريب في حب عائشة للنبي ولا في سرورها ورضاها بما يسره ويرضيه، ولكننا نطالب الطبيعة ~~الإنسانية - والطبيعة النسوية - بما يرهقها إذا نحن ترقبنا منها أن تسر بما يثير ~~غيرتها، وأن تحب الرجل ثم تسر بما عسى أن يصرف حبها عنه، أو ينقص سهمها فيه. # فمن الطبيعي أن تسر المرأة بسرور الرجل؛ لأنها تحبه. # ومن الطبيعي كذلك أن تغار من السرور الذي يحببه إلى غيرها؛ لأنها تحبه. # وقد يفترق القلبان في لحظة من اللحظات؛ لأنهما مقتربان أشد اقتراب. # وهذا الذي حدث عند مولد إبراهيم من مارية القبطية - وهي فتية جميلة رضية - يدنيها من ~~قلب النبي شتى المزايا، وأولاها هذه المزية التي تربى على كل مزية. # فلما رأت عائشة فرح النبي بالوليد المرموق، وأحست شغف النبي به جاهدت نفسها أن تغالب ~~غيرتها فلم تقو على هذه المغالبة، وقال لها يوما: انظري إلى شبهه! فلم تملك لسانها أن ~~تقول: ما أرى شيئا ... وربما أعجبه نمو الوليد ولفتها إلى بياضه ولحمه وترعرع جسمه، فيعز ~~عليها أن تعجب مثل عجبه؛ لأنه هكذا كل طفل يشرب من اللبن ما يشرب إبراهيم! # وكان غضب النبي من غيرتها غضب تأديب وتهذيب، لا غضب سخط وتأنيب. فكان يعذرها فيما يمسه ~~ولا يعذرها فيما ينبغي لها أن تتوخاه أو تتحراه، أو فيما يحسن بالمرأة التي أحبها هذا ~~الحب أن تقلع عنه وتعرف موضع الملامة فيه. # فقلما لامها في شيء يمسه من غيرتها، ولكنه كان لا يسكت مرة عن مؤاخذتها على فلتات هذه ~~الغيرة التي تمس بها أناسا آخرين، فيؤاخذ مؤاخذة المؤدب الرفيق، ولا يدع لها أن تعيد ما ~~آخذها عليه. # عابت أمامه زوجته ms17 السيدة صفية فذكرت من عيوبها أنها قصيرة، فكره أن تمضي في حديثها، ~~وقال: «يا عائشة! لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته.» # وحكت أمامه إنسانا فلم يعجبه ما يعجب الزوج المحب من هذه الفكاهة التي تسوغ وتستملح في ~~ذوق كثيرين، ونهاها أن تحكي الناس حكاية استهزاء. ~~••• # ومن «الأنثويات» الخالدة في طبيعة المرأة دلالها ومغاضبتها وهي أشوق ما تكون إلى ~~المصالحة وتقصير أمد المغاضبة. # وللسيدة عائشة نوادر شتى في هذا الدلال الذي شابهت به كرائم قومها، وزادت عليهن بما ~~بلغته من المنزلة التي لم يبلغنها. # غضب النبي من نسائه لكثرة منازعاتهن، وإلحافهن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة، ~~فأقسم ليهجرهن شهرا، وشاع بين المسلمين أنه طلقهن جميعا! # وكان لهذه الإشاعة بين المسلمين رجة أي رجة؛ لأن تطليق النبي زوجاته جميعا هو أكبر ~~طارق يتعرض له - عليه السلام - في بيته، ويمتد أثره إلى القبائل والبيوت التي كانت تجمعه ~~بها صلة المصاهرة. وفي وسعنا أن نتخيل تلك الرجة بين الصحابة إذا علمنا أن صاحبا لعمر ~~بن الخطاب سمع بالنبأ ليلا فأسرع إلى بابه يدقه دقا شديدا، ويسأل عنه في فزع: أثم ~~هو؟ فلما خرج إليه قال صاحبه: حدث أمر عظيم. قال عمر: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل ~~أعظم منه وأطول، طلق النبي # صلى الله عليه وسلم # نساءه. # ثم تحرى عمر الخبر من رسول الله، فعلم أن الأمر دون ذلك، وأن رسول الله إنما أقسم ~~ليهجرهن شهرا. فما لبث أن استأذنه - عليه السلام - ليبادر إلى المسلمين المجتمعين ~~بالمسجد فينقل إليهم حقيقة النبأ، ويذهب عنهم ما خامرهم من الأسى لما بلغهم من طلاق ~~نسائه. # ولا ريب أن نساء النبي أنفسهن كانت بينهن للنبأ رجة أشد عليهن من هذه الرجة، وكان لهذه ~~العقوبة التي لم يعاقبهن بمثلها من قبل أثر في قلوبهن أبلغ من هذا الأثر. # فلما انقضت الأيام التي أوعدن بها بدأ بالسيدة عائشة فدخل عليها وهي أشوق ما تكون إلى ~~لقائه، فماذا سمع منها أول ما سمع؟ # قالت: يا رسول الله، ms18 أقسمت أن لن تدخل علينا شهرا، وقد دخلت وقد مضى تسعة وعشرون ~~يوما! # فقال عليه السلام: إن الشهر تسعة وعشرون. # أتراها كانت تنتظر استيفاء الثلاثين، ولا تقنع بالهجر تسعة وعشرين يوما؟ # كلا، فقد عدتهن يوما يوما، وعلمت ساعة دخول النبي كم مضى وكم بقي على ظنها من أيام ~~العقوبة، ولكنها الأنثى الخالدة كما أسلفنا، ولا بد للأنثى الخالدة في هذا الموقف من ~~مكاتمة، ولا بد لها من دلال. ~~••• # وما من سمة الأنوثة الخالدة غير هذه السمات إلا وجدت السيدة عائشة وقد صدقت فطرتها فيه، ~~وإن كانت لتروض نفسها تلك الرياضة العالية التي تجمل بزوجة محمد وبنت الصديق وأم ~~المؤمنين. # فإذا عرضت مناسبة للسن فليس أحب إليها من أن تقول: وكنت جارية حديثة السن، أو حدث ذلك ~~لجهلي وصغر سني، وربما راقها أن تختار من الروايات التي ذكروها لها عن سنها أقرب تلك ~~الروايات إلى التصغير وأولاها أن تميزها بين زميلاتها بميزة الشباب. # وقد تكون وحدها في بيتها فتعجبها ثيابها وتحب أن تنظر إليها. قالت: «ولبست ثيابي فطفقت ~~أنظر إلى ذيلي وأنا أمشي في البيت، وألتفت إلى ثيابي وذيلي. فدخل علي أبو بكر، فقال: ~~يا عائشة! أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن؟ قلت: ولم ذاك؟ قال: أما علمت أن العبد ~~إذا دخله العجب بزينة الدنيا مقته ربه - عز وجل - حتى يفارق تلك الزينة؟ فنزعته فتصدقت ~~به، قال أبو بكر: عسى ذلك أن يكفر عنك.» # وهي عائشة كاملة في هذه القصة الصغيرة: هي حواء التي تحب أن تنظر إلى زينتها، وهي أم ~~المؤمنين التي تحب أن ينظر الله إليها، وهي هنا أيضا حواء تطمح إلى زينة أعلى ~~وأغلى. ~~••• # ولن تعوزنا أسباب الاهتمام بحياة كهذه الحياة؛ لأنها المرأة العربية والمرأة المسلمة، ~~والمرأة الخالدة في كل زمان. # | عائشة # ولدت عائشة لأبي بكر الصديق من زوجته «أم رومان»، واسمها زينب أو دعد، مختلف فيه، كما ~~اختلفوا في نسبها، واتفقوا على أنها من كنانة. # وكانت قبل بناء الصديق بها زوجا لصاحبه في الجاهلية عبد ms19 الله بن الحارث بن سخبرة، ~~وولدت له ابنه الطفيل، ثم مات، فخلفه عليها أبو بكر ليحفظ بيت صاحبه وحليفه. # ومن المتفق عليه أنها كانت امرأة ذكية، أسلمت وهاجرت، ولقيت عنتا شديدا في سبيل دينها ~~وزوجها، ويروى عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور ~~العين فلينظر إلى أم رومان.» # وقد اختلفوا في سنة وفاتها، من قائل إنها توفيت في حياة النبي عليه السلام، إلى قائل ~~إنها عاشت إلى أيام عثمان رضي الله عنه، والأرجح في رواية البخاري أنها عاشت إلى أيام ~~عثمان. # ولا يعرف على التحقيق في أي سنة ولدت السيدة عائشة رضي الله عنها، ولكن أقرب الأقوال ~~إلى الصدق وأحراها بالقبول أنها ولدت في السنة الحادية عشرة أو الثانية عشرة قبل الهجرة، ~~فتكون قد بلغت الرابعة عشرة من عمرها أو قاربتها يوم بنى بها الرسول عليه السلام. # وجملة ما يفهم من وصفها على التحقيق أنها كانت بيضاء، فكان - عليه السلام - يلقبها ~~بالحميراء، وكانت أقرب إلى الطول؛ لأنها كانت تعيب القصر كما مر في كلامها عن السيدة ~~صفية، وكانت في صباها نحيلة أو أقرب إلى النحول، حتى كان الذين يحملون هودجها خاليا ~~يحسبونها فيه. قالت في حديث لها مشهور: «... وأقبل إلي رهط الذين كانوا يرحلون لي - أي ~~يحملون الرحل على البعير - فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافا ~~لم يهبلن ولم يغشهن اللحم. إنما يأكلن العلقة من الطعام ... فلم يستكثر القوم ثقل الهودج ~~حين رحلوه ورفعوه؛ إذ كنت مع ذاك جارية حديثة السن.» # ثم مالت بعد سنوات إلى شيء من السمنة كما جاء في كلامها في حديث آخر: «... خرجت مع النبي # صلى الله عليه وسلم # في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم. فقال # صلى الله عليه وسلم # للناس: تقدموا! ~~فتقدموا. ثم قال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسكت. حتى إذا حملت اللحم وكنا في سفرة ~~أخرى، قال # صلى الله عليه وسلم # للناس: تقدموا! فتقدموا. ثم قال: تعالي حتى أسابقك فسابقته ms20 فسبقني؛ ~~فجعل # صلى الله عليه وسلم # يضحك ويقول: هذه بتلك.» # وعلمنا من بعض أحاديثها أنها وعكت مرة فتمزق شعرها، فمن ثم وصيتها على ما يظهر بالشعر ~~حيث تقول: «إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه.» # وعلمنا من رواة وقعة الجمل أنها كانت جهورية الصوت، تخطب العسكر من هودجها في ساحة ~~الحرب فيسمع خطابها. # وعلمنا من جملة أوصافها وأخبارها أنها كانت حية الطبع موفورة النشاط كدأب العصبيين من ~~النساء والرجال، وكان أبوها - رضي الله عنه - من أصحاب هذا المزاج ولا مراء. # والظاهر أنها ورثت عنه كثيرا من خلقه وخلقه على السواء؛ فقد كان الصديق جميلا حتى ~~جاء في بعض الروايات أنه لقب بالعتيق لجماله، وكان نحيلا دقيق التكوين كما هو مشهور، ~~وكانت فيه حدة طبع مع حدة ذكاء، وكان كريما سريعا إلى نجدة المعوزين والضعفاء، وكان ~~صادق المقال لم يؤخذ عليه كذب في الجاهلية ولا في الإسلام، وكان ماضي اللسان قديرا على ~~إفحام من يجترئ عليه، وتشبهه السيدة عائشة في هذه الخلائق شبها كان يوحي إلى النبي - ~~عليه السلام - كلما سمعها تجيب من يساجلها أن يقول: إنها ابنة أبي بكر! إنها ابنة أبي ~~بكر! # وقد راضت حدتها زمنا كما كان أبوها يروض حدته طوال حياته، ولكنها لم تبلغ من ذلك ما ~~بلغه أبوها؛ لمكان الرجل من القدرة والحاجة إلى سياسة الدنيا، ومكان الفتاة من الضعف ومن ~~الحظوة التي تغنيها عن الصرامة في مغالبة النفس ومراس الخطوب في كفاح الحياة. # والمعهود في أخلاق الناس أن الحدة تلازمها سرعة الغضب، كما تلازمها سرعة الصفح والنسيان ~~في معظم الأحيان. # وليس في أخبار السيدة عائشة ما يناقض هذه المشاهدة التي تعم النساء كما تعم الرجال، ~~فليس مما ينقضها أنها - رضي الله عنها - بقيت على موجدة من مسألة الإفك طوال حياتها فلم ~~تنس قط مقالة أحد من القائلين أو الساعين فيها؛ إذ ليس أهول على نفس الفتاة خاصة، ولا ~~أوجع لضميرها من مطعن يهدم سمعتها، ويعصف بهناءتها، ويفقدها الرجل الذي تحبه، والمكانة ~~التي تبوأتها، وأهول ما يكون ذلك ms21 على البريئة العزيزة التي يهولها الأمر على قدر ظلمها ~~فيه، وعلى قدر نكبتها بما تفقده من العزة والسمعة. فلا يقاس على موجدة السيدة عائشة في ~~مسألة الإفك سائر خلائقها ودوافع ضميرها، فليس في غير هذه المسألة ما ينم على شيء يتجاوز ~~الحدة العارضة إلى الضغينة الباقية. # حدث مسروق الهمداني قال: «دخلت على عائشة وعندها حسان، وهو يرثي بنتا له، ~~ويقول: # رزان حصان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت عائشة: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: أيدخل عليك هذا وقد قال الله عز وجل: # والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم # فقالت: «أما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره؟!» # وهذا لأن حسان بن ثابت كان ممن نسب إليه شعر في مسألة الإفك لا يرضي السيدة ~~عائشة. # على أنها قبلت عذره كما جاء في رواية أخرى ونهت عن شتمه، وذلك فيما رواه يوسف بن ماهك ~~عن أمه، حيث تقول: كنت أطوف مع عائشة بالبيت فذكرت حسان فسببته، فقالت: بئس ما قلت، ~~أتسبينه وهو الذي يقول: # فإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # فقلت: أليس ممن لعن الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ قالت: لم يقل شيئا، ولكنه ~~الذي يقول: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فإن كان ما قد جاء عني قلته # فلا رفعت سوطي إلي أناملي # وقال هشام بن عروة عن أبيه: «كنت قاعدا عند عائشة فمر بجنازة حسان بن ثابت فنلت منه، ~~فقالت: مهلا! فذكرتها كلامه، فقالت: فكيف بقوله: # فإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # ولا شك أن الذي ذكرته السيدة عائشة لحسان لا ينسى، وأن الذي صفحت عنه بعد ذلك كثير، وأن ~~حمد الصفح هنا أولى من ملاحظة التذكير والتبكيت. ~~••• # أما كرم السيدة عائشة فهي فيه إلى النجدة أقرب منها إلى السخاء، وهي فيه على آسال من ~~أبيها العظيم رضي الله عنه، تنقذ من الأسر وتغيث من البلاء، وتعطي من هو في حاجة إلى ~~العون العاجل ما ms22 تيسر لها العطاء، وكانت في كرمها على حال سواء في أيام النبي - عليه ~~السلام - حين لا مال لديها إلا القليل الذي هي أحوج إليه، أو في أيام الفتوح التي تيسر ~~لها فيها من المال ما لم يكن قبل بميسور. # كان لعتبة بن أبي المهلب جارية حبشية اسمها بريرة زوجها على غير رضاها عبدا من عبيد ~~المغيرة فكرهته وأعرضت عنه، وهي أهل لمن هو أصلح وآدب منه. فرحمتها السيدة عائشة ~~فاشترتها وأعتقتها، وخاطبت فيها النبي - عليه السلام - فقال لها: ملكت نفسك ~~فاختاري! # وكان زوجها يتعلق بها، ويتبعها حيث سارت وهي معرضة عنه، فتعجب النبي بين أصحابه يوما ~~من فرط حبه لها وزهدها فيه، وقال لها: اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك! قالت: أتأمرني؟ ~~قال: لا، إنما أنا شافع. فقالت: إذن لا حاجة بي إليه. # وما زالت بعد ذلك في خدمة السيدة عائشة تخلص لها، وتذكر لها عطفها عليها، ولا تنسى لها ~~جميلها. # وقد أعانها على هذا الخلق السمح أنها رزقت القدوة القريبة بسيد المواسين للضعفاء ومعلم ~~الجابرين لكسر القلوب، فما من شأو بلغته في هذا المعراج الرفيع إلا ارتفع بها رسول الله ~~إلى أعلى منه وأجمل. كانت عندها فتاة يتيمة اسمها الفارعة بنت أسعد فزوجتها لنبيط بن ~~جابر الأنصاري وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها، فلما عادت سألها عليه السلام: ما كان ~~معكم لهو فإنه يعجب الأنصاري؟ هلا بعثتم جارية تضرب بالدف وتغني؟ فسألته: ماذا تقول يا ~~رسول الله؟! قال: تقول: أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، ولولا الذهب الأحمر ما حلت ~~بواديكم، ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم.» # وحدثت مولاتها أم ذرة - وهي من الثقات - أن ابن الزبير بعث إلى السيدة عائشة بغرارتين ~~فيهما مال يبلغ مائة ألف درهم، وكانت صائمة فدعت بطبق فجعلت تقسم في الناس، ثم أمست ~~فقالت: يا جارية هاتي فطري. قالت أم ذرة: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما ~~تفطرين عليه؟ فقالت: لا تعنفيني! لو كنت أذكرتني لفعلت! # وقال ابن سعد عن عروة بن الزبير: ms23 «رأيت عائشة تصدق بسبعين ألفا، وإنها لترقع جانب ~~درعها.» وأيسر ما يستفاد من هذه الروايات على اختلاف مكان رواتها من الثقة أنها - رضي ~~الله عنها - كانت مشهورة بالكرم والإحسان إلى مستحقيه. # وقد كانت بنت أبيها في أكثر من خصلة واحدة من هذه الخصال النادرة بين الرجال والنساء، ~~ولكنها كانت أشبه ما تكون به في خصلة الصدق التي بها اشتهر، ومن أجلها نعت بالصديق، ~~وغلب هذا النعت عليه حتى أوشك أن ينسى الناس اسمه الذي دعاه به أبواه. وقد امتحن صدقها ~~في مآزق عسيرة البلاء للنفوس فتمحصت عن معدن كريم وعرق سليم، ودلت على أصالة هذا الميراث ~~النفيس من أبيها العظيم؛ ففي الغاشية التي أطبقت على العالم الإسلامي من جراء الخلاف على ~~الخلافة تطايرت الأحاديث الموضوعة من هنا وهناك، وتعمد أناس أن يصوغوا من عندهم حديثا ~~لكل حزب ينصره ويرضيه ويكبت خصمه ويخزيه، وافتن الوضاع في محاكاة الأحاديث النبوية ~~ذلك الافتنان الذي شقي به المحققون للروايات بعد ذلك بسنين. وكانت السيدة عائشة تشترك في ~~خصومات المتخاصمين على الخلافة باختيارها، أو تساق إلى المشاركة فيها على كره منها، ~~وكانت هي أول من يسمع له إذا روت حديثا يدمغ خصومها ويعزز أنصارها، ولكنها لم تنقل قط ~~في كل ما ثبتت نسبته إليها حديثا واحدا تمسه الشبهات من قريب أو بعيد ولا تؤيده ~~الأسانيد الأخرى، ولم تحرف كلمة واحدة إلى غير موقعها طواعية لإغراء تلك النوازع النفسية ~~التي تطيش بالألسنة أو تضلل العقول، وهو امتحان ليس أعسر منه امتحان في هذا الباب، ولهذا ~~كانوا يروون عنها الأحاديث فيقولون: حدثتنا الصديقة بنت الصديق! # ومن الصفات التي شابهت فيها أباها الذكاء المتوقد والبديهة الواعية، ولم تقصر فيها عن ~~شأوه. # بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها بين الرجال والنساء على السواء في سرعة ~~الفهم وقدرة التحصيل، والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها. # قال أبو الزناد: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة بن الزبير. فقيل له: ما أرواك! قال: ~~وما روايتي في رواية ms24 عائشة! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا. # وقد كان عروة بن الزبير أشد الناس حبا لخالته السيدة عائشة وإعظاما لها وتوقيرا ~~لسيرتها، ولكن الذي روي عنها من الشواهد الشعرية في أخبارها التي نقلت إلينا يدل على صدق ~~ما وصفها به من غزارة الحفظ وحسن الاستشهاد. # دخل عليها النبي - عليه السلام - وهي تتمثل بالبيتين التاليين: # ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه # يوما فتدركه العواقب قد نما # يجزيك أو يثني عليك وإن من # أثنى عليك بما فعلت فقد جزى # فقال عليه السلام: لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: «أيما رجل صنع إلي أخيه صنيعة فلم ~~يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه.» # ورأت أباها يجود بنفسه فقالت: # لعمري ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وعادت تقول: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه # ثمال اليتامى عصمة للأرامل # ومما يروى أنها أنشدته في تلك الساعة، وهي ولهى لفراق أبيها: # وكل ذي غيبة يئوب # وغائب الموت لا يئوب # ويؤخذ من بعض ما نقل عنها أنها كانت تسمع شعر زهير وتعجب به، فقالت لإحدى بناته فيما ~~روى الهيثم بن عدي: «إن الحلل التي كساها أبوك هرما لم يبلها الدهر.» # على أن الفهم والحفظ ملكتان معروفتان للسيدة عائشة كثرت أو قلت الشواهد الشعرية التي ~~وصلت إلينا من أخبارها. # فحسبها أنها قد روت للنبي - عليه السلام - أكثر من ألفي حديث في مختلف المسائل التي ~~تدخل فيها الأحكام الشرعية، والعظات الخلقية، والآداب النفسية، والأصول التي يرجع إليها ~~في الدين والعبادة. # بل حسبها أن يثبت لها عشر هذا العدد من الأحاديث النبوية ليثبت لها أنها كانت تفهم وتعي ~~وتحسن الحفظ فيما تنقله بحروفه، كما تحسن التعبير فيما تحكيه بكلامها، وأنها تحيط في ~~فهمها وحفظها بكل ما أحاطت به الأحاديث من المعارض والمناسبات. # ومع هذا يروي الثقات أنها كانت تحفظ وتفقه وتفسر، ولا يقتصر علمها على وعي الكلمات ~~والعبارات. قال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا ms25 عندها ~~علما فيه. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في ~~العامة. وقال مسروق الهمداني: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها عن الفرائض. ~~وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. # ومن الأحاديث التي ترفع إلى النبي أنه قال: «خذوا شطر دينكم عن هذي الحميراء»، وهو حديث ~~لم يثبت بالسند الصحيح، ولكن الحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر ~~نبيهم وأمر دينهم من أحاديث عائشة عن زوجها المحبوب عليه السلام. # ولا ريب أنها كانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب، كما كانت تقبس من ميراث ~~أخلاقه وطباعه وملكاته، ويستفاد من بعض المنقول عنها أنها كانت تواقة إلى معرفة كل ما ~~نعرف من تواريخ الأمم غير قانعة بأخبار الأمة العربية، ولا بالأخبار التي تعنيها خاصة ~~كأخبار النبي والصحابة والعشيرة الإسلامية، ومنها خبر النجاشي حين هاجر المسلمون إلى ~~بلاده فأوفد إليه المشركون جماعة منهم يحملون إليه الغوالي والنفائس ليبطش بأولئك ~~المهاجرين أو يردهم إلى قومهم، فقال: «ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ ~~الرشوة منه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.» # فخفي على السامعين معنى كلامه هذا حتى بلغ السيدة عائشة ففسرته بما انتهى إلى علمها، ~~وهو أن هذا النجاشي كان من الأمراء المغصوبين فأقصاه الملك الغاصب وباعه بيع الرقيق، ثم ~~أعيد إلى ملكه فاقتضى الرجل الذي اشتراه حقه، وأبى هذا النجاشي إلا أن يعطوه الدراهم من ~~أموالهم ليجزيهم بصنيعهم، فذلك إذ يقول: ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي فآخذ ~~الرشوة فيه. # وهو تفسير لا يعنينا هنا أن نستقصيه من الوجهة التاريخية، ولكن الذي يعنينا منه شغف ~~السيدة باستطلاع أحوال الأمم كافة حيثما تسنى لها سبيل الاطلاع. ~~••• # وغزارة الاطلاع بينة - إلى جانب هذا - من لغة السيدة عائشة التي امتزجت بأسلوبها في ~~كل ما نقل عنها، ولا سيما الخطب والوصف خاصة. فقد كانت لها مادة من اللغة لا ms26 تتهيأ بغير ~~محصول كبير من أنباء العربية التي تستقى من أعرق مصادرها. # قالت في خطبة بعد وقعة الجمل تذكر أباها: «... وأبي ثاني اثنين الله ثالثهما، وأول من سمي ~~صديقا، مضى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو عنه راض، وقد طوقه وهق # 1 # الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين فأخذ بطرفيه وربق # 2 # لكم أثناءه؛ فوقذ # 3 # النفاق، وغاض نبع الردة، وأطفأ ما حشت يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون تنتظرون ~~العدوة وتستمعون الصيحة، فرأب الثأي # 4 # وأرزم # 5 # مسقاه، وامتاح من المهواة، واجتهر دفن الرواء # 6 # حتى أعطن الوارد وأورد الصادر، وعل الناهل # 7 # فقبضه الله واطئا على هام النفاق، مذكيا نار الحرب للمشركين، فانتظمت ~~طاعتكم بحبله فولى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين # 8 # عركة # 9 # للأذاة بجنبه صفوحا عن أذاة الجاهلين، يقظان الليل في نصرة ~~الإسلام.» # ووصفت أباها في خطبة أخرى فقالت: رحمك الله يا أبت! فلئن أقاموا الدنيا لقد أقمت الدين ~~حين وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، وانقبضت عما إليه أصغوا، وشمرت فيما عنه ~~ونوا، واستصغرت من دنياك ما أعظموا، ورغبت بدينك عما أغفلوا، طالوا عنان الأمر واقتعدت ~~مطي الحذر، فلم تهتضم دينك ولم تنس غدك، ففاز عند المساهمة قدحك، وخف مما استوزروا ~~ظهرك. # ووقفت على قبره قائلة - وهو كلام يستغرب تنسيق فواصله وترجيع ضمائره، ولكنه لا يستبعد ~~على عصره: # نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلا بإعراضك عنها، ~~وللآخرة معزا بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رزؤك وأعظم المصائب بعده فقدك. إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك، ~~فأنا أتنجز من الله موعوده فيك بالصبر عليك، وأستعيضه منك، بالدعاء لك. فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون، وعليك السلام ورحمة الله توديع غير قالية لحياتك، ولا ~~زارية على القضاء فيك. # وقد كان لها أسلوب فيما يرتجل يناسب موضوعه، كما كان لها فيما يجوز تحضيره أسلوب يناسب ~~ما يحتفل له بالتحضير. فلما ms27 حكت عن زواجها بالنبي قالت بأسلوب مرسل سهل ، ولكنه مع ذلك ~~جزل فصيح: «... تزوجني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأنا ابنة ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في ~~بني الحارث بن الخزرج فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمه # 10 # فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، وصرخت بي فأتيتها لا ~~أدري ما تريد بي! فأخذتني بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ~~ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في ~~البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن يصلحن من شأني، فلم ~~يرعني إلا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ضحى، فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين ...» ~~••• # ومع هذه المادة اللغوية التي تنم عن استقصاء مادة العربية من أعرق مصادرها لا نستغرب ما ~~تواترت به الروايات من علم السيدة عائشة بطب زمانها، وما يصح في زماننا أن يسمى بعلم ~~الفلك والظواهر الجوية لإلمامه بمسالك النجوم ومهاب الأنواء وغير ذلك من معارف البادية ~~والحاضرة في عصر الدعوة الإسلامية. # وهكذا تنظر إلى عائشة لنفسها فلا ترى أنها تقصر عن عائشة في المكان الذي خصتها به ~~الآداب العربية، ورفعتها إليه الآداب الإسلامية والحظوة النبوية؛ لأنه مكان قد استحقته ~~لنشأتها في قبيلتها ودخولها في دينها، واستحقته كذلك بما تميزت به بين أترابها من جمال ~~وفهم ومعرفة وبيان. # | زوج النبي # كانت السيدة خديجة - رضي الله عنها - أول زوجات النبي - عليه السلام - وأحبهن إليه، عاش ~~معها زهاء خمس وعشرين سنة، ولم يتزوج عليها، ولا فكر في الزواج بغيرها في حياتها، مع أنه ~~بنى بها وهو في نحو الخامسة والعشرين وهي في نحو الأربعين، وبقيت معه إلى أن أوفت على ~~الخامسة والستين. # ثم توفيت حوالي السنة العاشرة بعد الدعوة؛ فلم يعرف عنه أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه ~~عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها، وسمى عام وفاتها «عام ~~الحزن»؛ لأن الحزن ms28 لم يفارقه طوال أيامه، ولم يفارقه - في الواقع - بقية حياته كلها، وإن ~~سكنت سورته مع الأيام كما تسكن كل سورة لاعجة مع ذلك العزم الصادق والقلب ~~الصبور. # وتزوج بالسيدة عائشة بعد وفاة السيدة خديجة بسنوات. # فكان التقابل بين الزوجين من أتم ما تأتي به المصادفة حين تكون المصادفة أحكم من ~~التدبير والتقدير، ولعل هذا التقابل لم يخل كل الخلو من القصد الخفي، وإن لم تتجه إليه ~~النية في وضوح. # ويبدو لنا أن النبي - عليه السلام - كان أحوج ما يكون إلى هذا التقابل العجيب في حياته ~~الزوجية. # فالفتى اليتيم الذي فجع في حنان الأمومة منذ طفولته الباكرة لم يكن أنفع له من زوجة ~~كريمة رشيدة كالسيدة خديجة التي أغدقت عليه من حنان الأمومة ما فاته في بواكير الطفولة، ~~وأدركه عطفها وهو يعالج من نوازع الدعوة النبوية ثورة مقيمة مقعدة في سريرة النفس، لا ~~تزال بين الجلاء والغموض وبين الإقدام والإحجام، ولا تزال في هذه الحالة على حاجتها ~~القصوى إلى التثبيت والكلاءة والتشجيع. # أما النبي في الخمسين من عمره فقد كان أنفع له وأبهج لفؤاده أن يغدق حنان الأبوة على ~~زوجته التي تظفر منه بالحظوة والمودة، وأن يستروح من شبابها وجمالها نعمة تسعده في ~~جهاده، وربيعا يظلله في وحشة عمره. # كانت خديجة أما ترعاه. # ثم كانت عائشة طفلة تنعم بتدليله. # وكانت خديجة تسعده بالعقل والحنكة. # ثم كانت عائشة تسعده بالطرافة والجمال. # وكانت خديجة تصاحبه قبل الدعوة، وهو يطلب الأنصار في طوية النفس قبل أن يطلبهم في عالم ~~النضال والبلاء. # ثم كانت عائشة تصاحبه بعد الدعوة، وهو صاحب دين جهر وبهر، فكانت هي أول سفرائه بالإصهار ~~إلى رجالات العرب ورؤساء العشائر والبيوت. # كان تقابلا بين الزوجين الفضليين من أعجب ما تأتي به المصادفة، بل من أعجب ما يأتي به ~~التدبير، وليس هناك تدبير معروف. # فالذي نعلمه من خطبة النبي - عليه السلام - للسيدة عائشة أنها كانت من المصادفات التي ~~لم يتحدث بها قط قبل أن تقترح عليه. # نعم إنه - عليه السلام - قال لعائشة يوما: ms29 «أريتك في المنام مرتين أرى أنك في ~~سرقة من حرير ويقال: هذه امرأتك! فاكشف عنها، فإنما هي أنت. فأقول: إن يك هذا من عند ~~الله يمضه.» # ولكن الحديث يدلنا على مبلغ ما كان في ضمير النبي - عليه السلام - من هذه النية، وقد ~~يفهم منه أنه كان - عليه السلام - يناجي نفسه الشريفة بأمنيته في الزواج، فطابقت السيدة ~~عائشة مثال هذه الأمنية، وكان هذا من بواعث حبه إياها لمطابقة الرؤية ما تمثله في ~~الرؤيا. # فأما الخطبة، فالذي نعلمه من الروايات المتواترة أنها جاءت بعد اقتراح من سيدة بارة ~~آلمها ما لحظته من حزن النبي على زوجه العزيزة عليه. فقالت له: أي رسول الله! ألا تتزوج؟ ~~فسألها: من؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. ثم سألها عن البكر فذكرت عائشة «بنت أحب ~~خلق الله إليك» ... وسألها عن الثيب فذكرت سودة بنت زمعة. فأوفدها إلى بيت أبي بكر، وجرت ~~الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهى بالزواج بعد سنوات. # هذه السيدة هي خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون من أجلاء الصحابة الذين حرموا الخمر ~~في الجاهلية، وعاش بعد الإسلام عيشة النسك والحكمة. وبقية حديث الخطبة أنها ذهبت إلى أم ~~رومان - أم عائشة - فبادأتها بالحديث قائلة: ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: ~~وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة. فاستمهلتها حتى ترى أبا بكر، وقيل إن ~~أبا بكر سأل حين بلغه الأمر: وهل تصلح له وهي بنت أخيه - يظن أن المؤاخاة بينه وبين ~~النبي قد بلغت مبلغ القرابة التي تمنع المصاهرة - فكان جواب النبي لها: «قولي له: أنت ~~أخي في الإسلام وابنتك تحل لي» كما جاء في هذه الرواية. # وإلى هذا الحين لم يكن في تقدير أحد أن صلة من أوثق الصلات ستنعقد بين النبي وصفيه ~~الحميم؛ لأن عائشة كانت مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدي من أصحاب أبيها في ~~الجاهلية، فتحرج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه، وقال لأم رومان زوجته: ~~والله ما ms30 أخلف أبو بكر وعدا قط. ثم لقي أبا الفتى وأمه يسألهما فيما ينتويانه، فأقبل ~~الأب على امرأته يسألها: ما تقولين؟ فالتفتت الأم إلى أبي بكر وهي تقول متعللة: لعلنا إن ~~أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه؟ فلم يجبها، وسأل زوجها: ما ~~تقول أنت؟ فلم يزده على أن أجاب: إنها تقول ما تسمع. # فعلم أبو بكر يومئذ أنه في حل من نقض وعده لمطعم بن عدي، واستقبل النبي خاطبا، فتمت ~~الخطبة في شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاث سنوات، وأصدقها النبي - عليه السلام ~~- أربعمائة درهم على أشهر الروايات. # وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي - عليه السلام - في السنة الثانية ~~للهجرة، فيحسبها بعضهم تسعا، ويرفعها بعضهم فوق ذلك بضع سنوات. # وهو اختلاف لا غرابة فيه بين قوم لم يتعودوا تسجيل المواليد؛ إذ قلما يسمع بإنسان - ~~رجلا كان أو امرأة - في ذلك العصر إلا ذكر له تاريخان أو ثلاثة لميلاده أو زواجه أو ~~وفاته، وقد يبلغ الاختلاف بين تاريخ وتاريخ في تراجم المشهورين فضلا عن الخاملين عشر ~~سنين. # والأرجح عندنا أن السيدة عائشة كانت لا تقل عند زفافها إلى النبي - عليه السلام - عن ~~الثانية عشرة، ولا تتجاوز الخامسة عشرة بكثير. # فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة، ولم يتم ~~الزفاف كما هو معلوم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال. # ويؤيد هذا الترجيح أن السيدة خولة اقترحتها على النبي وهي في السن المناسبة للزواج على ~~أقرب التقديرات إلى القبول؛ إذ لا يعقل أنها تشفق من حالة الوحدة التي دعتها إلى اقتراح ~~الزواج على النبي وهي تريد له أن يبقى في تلك الحالة أربع سنوات أو خمس سنوات ~~أخرى. # ويؤيد هذا الترجيح - من غير هذا الجانب - أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى ~~النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة. # فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم؛ ms31 لأنها بلغت سن الخطبة، وهي قرابة التاسعة أو ~~العاشرة ، وبعيد جدا أن تنعقد الخطبة على هذا التقدير مع افتراق الدين بين ~~الأسرتين. # وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانا بين الأسر المتآلفة، ~~وحينئذ يكون أبو بكر مسلما عند ذلك، ويستبعد جدا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية قبل ~~أن تتفق الأسرتان على الإسلام. # فإذا كان أبو بكر - رضي الله عنه - قد وعد بها ذلك الموعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ~~ولدت قبيل الدعوة، وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي عليه ~~السلام. # ولهذا نرجح أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إليه، وأنها هي - رضي ~~الله عنها - كانت تسمع تقديرات سنها ممن كان حولها؛ لأنها لم تقرأها بداهة في وثيقة ~~مكتوبة، فكان يعجبها - على سنة الأنوثة الخالدة - أن تأخذ بأصغرها، وكانت هي كثيرا ~~ما تدل بالصغر بين أترابها فلا تنسى إذا اقتضى الحديث ذلك أن تقول: وكنت يومئذ جارية ~~حديثة السن، أو كنت يومئذ صغيرة لا أحفظ شيئا من القرآن، إلى أشباه ذلك من أحاديثها في ~~هذا المعنى. # ذلك هو التقدير الراجح الذي ينفي ما يقوله المستشرقون على النبي بصدد زواجه بعائشة في ~~سن الطفولة الباكرة، وكل تقدير غير ذلك فهو تقدير مرجوح. ~~••• # وقد ملكت ربة البيت الصغيرة بيتها الجديد من اللحظة الأولى؛ لأنها كانت تدل فيه بمكانة ~~الزوجة المحبوبة عند زوجها العطوف، وبمكانة البنوة الناشئة عند الأبوة الرحيمة، ومكانة ~~ابنة الصديق العزيز التي أضفى عليها المودة والإيثار ما كان بين النبي والصديق من مودة ~~هي أوثق وأبقى من مودة الرحم؛ لأنها مودة الوفاء والإعجاب والإيمان، أو مودة الحياة وما ~~بعد الحياة. # وقد سجلت لنا السيدة عائشة خطرات نفسها خطرة خطرة، ووصفت لنا في بيتها الجديد كل صغيرة ~~وكبيرة ظاهرة وخافية، ولكنها لم تذكر لنا قط كلمة واحدة تنم عن وحشة الانتقال من بيت إلى ~~بيت، ومن معيشة إلى معيشة، ومن ظل أبوين إلى ظل رجل غريب عنها لا تعرف ms32 عنه إلا ما تعرفه ~~عن النبي كل صبية مسلمة في سنها الباكرة؛ لأن عطف محمد هو العطف الغامر الذي لا يلجئ ~~إلى عطف سواه، وقد أغنى زيدا عن أبيه وأمه فآثر حياة الأسر مع سيده على حياة الحرية مع ~~أبيه وأمه، فأحرى بمثل هذا العطف أن يغني الفتاة التي تأوي إليه فتلوذ منه بعطف زوج وعطف ~~أب وعطف صديق. # وتركها على سجيتها تلعب بالعرائس في بيت زوجها كما كانت تلعب بهن في بيت أمها وأبيها، ~~وربما جاءها صواحبها الصغار «فينقمعن - كما قالت - من رسول الله، فكان - عليه السلام - ~~يسير بهن إليها ليلعبن معها». # وقالت جاريتها بريرة تصفها وهي في السنوات الأولى من زواجها: «ما كنت أعيب عليها شيئا، ~~إلا أنها كانت جارية صغيرة، أعجن العجين وآمرها أن تحفظه فتنام، فتأتي الشاة ~~فتأكله.» # وكان - عليه السلام - يتعهدها بما يسرها، وإن عجب الصحابة الذين لا يفهمون وقار الدين ~~كما يفهمه، ولا تتسع صدورهم لما يتسع له صدره. ودخل عليها أبوها وعندها قينتان تغنيان في ~~يوم منى، والنبي - عليه السلام - مضجع مسجى في ثوبه، فصاح بها: أعند رسول الله ~~يصنع هذا؟ ... فكشف النبي عن وجهه وقال: دعهن فإنها أيام عيد. # وكان السودان يلعبون في يوم من أيام العيد بالدق والحراب، فسألها عليه السلام: تشتهين ~~أن تنظري؟ قالت: نعم. قالت: «فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة - ~~كنية الحبشة - حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم! قال: فاذهبي.» # وربما مر أبوها - رضي الله عنه - بالبيت فيسمع صوتها عاليا في حضرة النبي عليه السلام، ~~فيدخل غاضبا يتناولها ليلطمها وينهرها قائلا: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله. ~~فينهض - عليه السلام - ليحجزه، ويقول لها بعد خروجه: رأيت كيف أنقذتك من الرجل؟ # وفي مرة من هذه المرات خرج أبو بكر مغضبا، ثم عاد فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: ~~أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما. # فقال النبي: قد فعلنا. # ولم يخف هذا العطف الذي لا نظير له بين الأزواج على السيدة عائشة، وهي ms33 ما هي في ذكائها ~~وعلمها ببيوت الصحابة وغيرها، وازدادت به علما يوم شاركها الزميلات في بيت النبي، وقد ~~شاءت الدواعي السياسية والدينية أن تتعدد زوجاته، وتتعدد صلات المصاهرات بينه وبين قبائل ~~الجزيرة العربية، فقد عرفت مكانها وهي بين تسع من الزميلات كما عرفت مكانتها وهي موشكة ~~أن تنفرد في بيت النبوة، وكان عليه السلام يعدل بينها وبين زميلاتها فيما يملك العدل ~~فيه. أما ميل قلبه فكان يستغفر الله فيه قائلا: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني ~~فيما تملك ولا أملك.» # وشكرت له هذا الإيثار، وفخرت به في معارض حديثها كلما بدا لها معرض للشكر أو للتحدث ~~بنعمة الله عليها، فقص عليها النبي يوما قصة النسوة الإحدى عشرة اللواتي اجتمعن فتذاكرن ~~أوصاف أزواجهن من خير وشر، وكانت الحادية عشرة منهن - وهي أم زرع - محبة لزوجها، ~~فوصفته بأحسن ما يوصف به الأزواج في السر والعلانية. فقالت السيدة عائشة: # بأبي وأمي، لأنت يا رسول الله خير لي من أبي زرع لأم زرع. # وهي القائلة بعد وفاة النبي في مزاياها التي اختصت بها دون أترابها: # فضلت على نساء النبي # صلى الله عليه وسلم # بعشر! لم ينكح بكرا قط غيري، ولا امرأة أبواها ~~مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاء جبريل بصورتي من السماء في ~~حريرة، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، ~~وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه دون غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم ~~ينزل وهو مع غيري، وقبض وهو بين سحري ونحري وفي الليلة التي كان يدور علي ~~فيها ودفن في بيتي. # وكان هذا التمييز سر البيت النبوي في مبدأ أمره، ثم شاع في الجزيرة العربية حتى كان ~~صاحب الهدية من المسلمين يؤخرها ليبعث بها إلى النبي وهو في بيت عائشة. # فوقع التغاير الذي لا محيص منه بين الزوجات، وأرسلن إليه إحداهن - أم سلمة - فأعرض عن ~~حديثها ثلاث مرات، فلما أثقلت عليه قال لها: «لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي ms34 لم يأتني ~~وأنا في ثوب امرأة غير عائشة» - يريد بالثوب البيت في بعض التفسيرات، من قولهم ثاب إليه ~~يثوب فهو في الثوب الذي لا يزال يرجع إليه. # وتوسلن بالسيدة فاطمة - رضي الله عنها - لما يعلمن من قبول أبيها لكل شفاعة تأتيه منها، ~~فقالت له: «إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر. قال لها: يا بنية، ألا تحبين ما ~~أحب؟ قالت: بلى. قال: فأحبي هذه» - يشير إلى عائشة. # ويسير على الزميلات المتنافسات أن يدركن حب النبي لعائشة، ويلحظن أنها كانت أحبهن ~~جميعا إليه، وأقربهن جميعا إلى فؤاده. # ولكن الذي لم يكن يسيرا عليهن أن يدركنه أو يلحظنه أنها هي - رضي الله عنها - كانت ~~أشدهن حبا له، ونفاذا إلى نفسه، واتصالا بقلبه ولبه. # فكلهن كن يحببنه، ويتنافسن على قربه، ولو كان فيه التنافس على الموت وفراق الدنيا ومن ~~فيها. وحدثهن يوما عمن تلحق به بعد فراقه الدنيا فقال: «أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا» ~~... فجعلن يقسن أيديهن، وما منهن إلا من تتمنى أن تكون هي صاحبة اليد الطولى، ثم ظهر لهن ~~أن المراد بالطول هنا طول اليد بالصدقة والعمل الصالح ... فغبطن زميلتهن زينب بنت جحش؛ ~~لأنها استحقت اللحاق به لعملها بيدها، وإكثارها من الصدقات على مستحقيها. # إلا أن الحب الذي يبدو من فطنة عائشة لسرائر النبي أعمق وأقوى، فما منهن من لصقت بنفسه ~~كما لصقت بها، ومن نفذت إلى معانيه كما نفذت إليها، ومن عاشرته في روحه وطويته كما ~~عاشرته بروحها وطويتها، وفي كلامها من الشواهد على ذلك ما ليس في كلامهن، على تيسر ~~الوسائل لهن أن يعرفن مثل ما عرفت، وأن ينقلن عنه مثل ما نقلت، وليس أدل على اقتراب الحب ~~من هذا الاقتراب الذي امتازت به عليهن؛ فكان إيثار النبي لها ضربا من العدل على هذا ~~الاعتبار. # لقد كانت تحبه حب المسلمة لنبيها، وكانت تحبه حب الزوجة لزوجها والمرأة لرجلها، وكانت ~~تعجب بجماله كما تعجب بأدبه وعظمة قدره. # وكان يسرها أن تستمع إلى صوته، وتصغي إلى ترتيل حديثه، كما ms35 يسرها أن تستوضح معناه؛ لأنه ~~- كما كانت تقول لسائليها - لا يسرد كسردكم هذا ولكنه «يحدث حديثا لو عده العاد ~~لأحصاه». # وكانت تغار عليه أشد غيرة عرفتها امرأة على زوجها، وربما خرج من عندها في ليلتها فإذا ~~هي تتبعه إلى حيث ذهب مخافة أن يلم ببيت زميلة من زميلاتها، ووجدته في ليلة من هذه ~~الليالي قد ذهب إلى المقابر يصلي للشهداء ويستغفر لهم، فعادت إلى بيتها تقول لنفسها: ~~بأبي أنت وأمي، أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا! ولكنها لبثت مكروبة الصدر مما ~~خاطرها من خاطرها الأول ومن خطأ ظنها. فلما قفل عليه السلام إليها لحظ ما بها فسألها: ما ~~هذا النفس يا عائشة؟! فقالت: بأبي أنت وأمي، أتيتني فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت ~~فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما ~~تصنع ... وخرج مرة أخرى ثم عاد إليها فإذا هي في مثل تلك الحالة، فقال: أغرت؟ قالت: وهل ~~مثلي لا يغار على مثلك؟ فقال: لقد جاءك شيطانك! # ولم تنس قط أن تتحلى بما يروقه من مرآها، فكانت تلبس المعصفر والمضرج، وتتحرى ما يعجبه ~~من الطيب والحلية، ودخلت عليها امرأة وهي معصفرة فسألتها عن الحناء، فقالت: شجرة طيبة ~~وماء طهور، وسألتها عن الحفاف فقالت لها: «إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك ~~فتصنعيهما أحسن مما هما فافعلي.» ~~••• # ومن الجائز - أو ربما كان الواقع - أن زميلاتها أمهات المؤمنين كن يغرن على النبي مثل ~~غيرتها، ويجهدن في رضائه مثل جهدها، ولكنهن - ولا ريب - لم يبلغن شأوها في حبها إياه حين ~~نفهم من الحب ذلك الاقتراب بين النفسين بالبداهة والشعور، وليس في أحاديثهن عنه مثل ما ~~في أحاديثها عنه من ذلك الإحساس بالقرب وذلك النفاذ إلى الطوية، وليست المسألة هنا مسألة ~~الكثرة أو القلة في الأحاديث، فربما كان تعليل الكثرة في أحاديث عائشة عن النبي أنه كان ~~- عليه السلام - أكثر تحدثا إليها وارتياحا إلى مجالستها ومسامرتها، ولكنها مسألة ~~الرفق في الأداء والخبرة بالمعنى والقدرة ms36 على الاستيحاء والشعور الباطن بقلة الحواجز بين ~~النفسين واتصال الحس بينهما واللقانة. # ومن البديه أنها لم تبلغ هذه المنزلة في حب النبي وفهمه طفرة واحدة، ولا في سنة واحدة ~~أو سنتين، بل لبثت السنوات الأولى من عشرتها له وهي تقترب من الأنس به إلى المعرفة بنفسه ~~وعقله والترقي إلى عظمته ونبله ... حتى أدركت ما يتاح لها أن تدرك من تلك العظمة التي تعلو ~~على هامتها وهامات الرجال من حولها، ولكنها هي - ببداهة المرأة وبداهة الحب الأنثوي - ~~كانت تستقرب ما يبعد على غيرها، وتستعيض ما يفوتها من الفهم الواضح بما يفوتهم من ~~اللقانة الباطنية والوعي المستسر في الأخلاد. # ومضت السنوات الأولى في عشرة النبي وهي تفقه من أحاديثه ما تيسر لها أن تفقه، ولا تقرأ ~~كثيرا من القرآن، أو كما قالت في حديث الإفك: كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من ~~القرآن ... والتمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: # فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون ~~. # وقد أمهلها النبي في هذه السنوات رفقا بها وإعدادا لفهمها وعزمها، ولكنه لم يفتأ ~~رويدا رويدا يشركها في العبء الذي ينبغي أن تنهض به زوجة النبي وأم المؤمنين، وسفيرته ~~الأولى إلى عالم النساء في عصره وفيما يليه من العصور. # فكانت تحضره إذا بايع النساء أو صلى بهن أو جلسن إليه يسألنه في أمور الدين وآداب ~~الزوجية، ويتفق كثيرا أن يعرض عن الجواب حياء فيوكلها بالتفسير والإسهاب حيث يعز الفهم ~~على سائلاته اللواتي يستقصين في السؤال. # سألته أسماء بنت شكل من نساء الأنصار، كيف تكون الطهارة من المحيض؟ فقال لها: «خذي فرضة ~~ممسكة فتوضئ ثلاثا» أو قال تطهري ثلاثا ... فقالت: وكيف أتطهر؟ قال: سبحان الله! تطهري ~~بها، وأعرض بوجهه حياء، فاجتذبتها السيدة عائشة وكفتها عن سؤاله. # وما زالت - رضي الله عنها - تعي من سنن النبي في المسائل النسائية وغير النسائية حتى ~~احتاج الرجال أن يسألوها، ويرجعوا إليها في كل ما تراجع فيه السنن النبوية من شئون عامة ~~وخاصة، ومن أعم ms37 المسائل التي روجعت فيها أن معاوية كتب إليها لتوصيه وترشده فأرسلت إليه ~~تقول: سلام عليك، أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «من التمس رضاء الله بسخط ~~الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى ~~الناس». # فلم يكن أعجب من سؤال معاوية في تعميمه إلا حسن الاختيار في هذا الجواب، وهو ألزم ما ~~يزود به الملوك من وصية وإرشاد. # وقد نهضت السيدة عائشة بأمانة التبليغ والتعليم أحسن نهوض وأوفاه، فتورعت عن كتمان شيء ~~من الأشياء التي تسأل عنها ولها اتصال بقواعد الدين وأصول التطهير وشروط العبادات ~~ونواقض الصلاة والصيام، فأسلوبها في تبليغ هذه الأحكام هو أسلوب التعليم، وأسلوب أم ~~المؤمنين في خطاب بناتها وبنيها من المسترشدات والمسترشدين، ولم يكن في مقدورها أن تتوخى ~~أسلوبا غير هذا الأسلوب ولو عرضت لأخص الأمور التي تسكت عنها النساء؛ لأنها المرجع الذي ~~لا يغني عنه مرجع في سنن النبي ومأثوراته وأعماله، فمن الإخلال بالأمانة النبوية أن تسكت ~~عن سنة مطلوبة يعرضها السكوت للضياع. # ولقد تكون هذه السيدة الفضلى التي أفصحت عن كل فتوى نسوية سئلت عنها وهي ما تأذن لعمها ~~في الرضاع أن يراها إلا بعد مراجعة النبي عليه السلام، فأسلوبها في تفصيل السنن النبوية ~~والقواعد الشرعية إنما كان فريضة الأمانة وضريبة الوفاء، ولم يكن شيمة الطبع ~~واللسان. ~~••• # ودامت هذه الحياة الزوجية النادرة زهاء تسع سنين إلى أن توفي النبي عليه السلام. # ومن الحق أن توصف بأنها حياة زوجية سعيدة؛ لأننا لا نعرف بين أزواج الهداة والعظماء من ~~ظفرت بأسعد منها أو كانت أرضى من السيدة عائشة عن حياتها. # ففي طوال هذه السنين لم تمتزج هذه الحياة قط بكدر أو مساءة تعود فيها التبعة على أحد من ~~الزوجين. # وأخطر ما ألم بهذه الحياة الزوجية في السنين التسع كلها حديث الإفك، وغضب النبي من ~~زوجاته جميعا لتنازعهن في فترة من الزمن، وإلحافهن عليه في طلب المزيد من النفقة ~~والزينة. # فأما حديث الإفك فلا يد للزوجين ms38 فيه، وقد امتحنت به أريحية النبي وعطفه على أهله ؛ ~~فأسفر عن خير ما تطمح إليه الزوجة من حنو وسماحة وإعزاز. # وأما غضب النبي من زوجاته لتنازعهن وإلحافهن في طلب النفقة، فعارض مضى مرة، ومضى أمثاله ~~عشرات المرات في كل حياة زوجية بين جميع طبقات الناس، وكان خير درس لأمهات المؤمنين ~~يعلمهن أن يصبرن على ضرورات العيش كما يصبر النبي عليها؛ لأنهن قدوة في القناعة ومغالبة ~~الهوى ولسن بقدوة في الترف ونعمة العيش، وقد خيرن بعد هذا الدرس بين التسريح والصبر ~~على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، وهو الصبر على سنة الأنبياء وأمهات ~~المؤمنين. # ومما لا شك فيه أن السيدة عائشة قد خامرها الأسى في هذه الحياة الزوجية لشيء لا حيلة ~~لها ولا للنبي فيه، وهو الحرمان من الذرية التي كانت تتوق إليها كما تتوق كل أنثى، ولا ~~سيما بعدما علمت من حب النبي لزوجته الأولى، ووفائه لعهدها، وترديده لذكراها؛ لأن له ~~البنين والبنات منها. # وظهر ألمها هذا حين قالت للنبي وهي حزينة كاسفة: كل صواحبي لهن كنى! ... قال فاكتني بابنك ~~عبد الله! يشير إلى عبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء. فجعلت تكتني به وتحبه ذلك الحب ~~الأموي الذي يستمد القوة من الحنو والشوق والحرمان. # واتفقت الأقوال على أنها - رضي الله عنها - لم تحمل قط إلا رواية جاء فيها أنها أسقطت ~~ولدا سماه النبي عبد الله، فكانت لهذا تكنى بأم عبد الله. # وراقها أن تدعى أم المؤمنين، وأن يناديها الناس يا أمه يا أمه! فكان في هذا النداء ~~تعزية كما كان فيه تشويق وتذكير. # والمرأة لا يهون عليها فقد الذرية ولا سيما إذا أحبت الزوج الذي تود أن ترزق منه ~~الذرية، ولكنها إذا التمست التهوين فلن تجد تهوينا أبر بها وأروح لقلبها من شعورها بعطف ~~زوجها عليها، وأنها بلغت من ذلك العطف ما لا تزيده الذرية التي تتمناها. ~~••• # قلنا في كتابنا عبقرية محمد: «لسنا ندري لم طالت الفترة التي مضت على أزواج النبي ~~جميعا بغير عقب، ولكنا لا نستبعد تعليلها ms39 باجتماع المصادفات التي لا يندر أن تجتمع في ~~أمثال هذه الأحوال، فعائشة البكر التي لم يتزوج النبي بكرا غيرها قد مات عنها عليه ~~السلام وهي دون العشرين، وهي سن قد تبلغها المرأة ولا تلد، وإن كانت ولودا فيما بعدها. ~~أما أزواجه الأخريات اللاتي تزوجن قبله فلا نعلم من أخبارهن أنهن أعقبن لأزواجهن الأولين ~~خلفا غير رملة أم حبيبة وهند بنت أمية المخزومية، وهذه كانت مسنة يوم بنى بها النبي ~~عليه السلام، وفي عمر لا يستغرب فيه امتناع الولادة، فكلهن ما عدا هاتين لم يلدن للنبي ~~ولا لزوج قبله. واجتماع هذه المصادفة ليس بالعجيبة المعضلة التي يصعب تعليلها إذا تذكرنا ~~أن النبي قد توخى في اختيارهن تلك الأغراض العامة التي أجملناها في الفصل السابق، ولم ~~يتحر منها النسل خاصة: وهي الإيواء الشريف والمصاهرة، وبعضهن - بل معظمهن - قد لقين من ~~الشدائد والمخاوف وعناء الهجرة البعيدة ما يعقم الولود، فإذا أضفنا إلى ذلك معيشة الكفاف ~~وضريبة العظمة النبوية التي أشرنا إليها على سبيل الاحتمال، واشتغال النبي فيما بين ~~الخمسين والستين بتعزيز الدين وقمع الفتن ودرء الأخطار، لم يكن فهم تلك الظاهرة الحيوية ~~بالأمر العصي على التعليل.» # وفي صدد الكلام عن عائشة في كتاب خاص بها يدعونا سياق التحليل والتعليل إلى مراجعة ~~البحث والعلم في ظواهر حياتها البيتية، إن كان للعلم كلمة تقال في هذا الموضوع. # فليس من الغريب أن يتأخر حمل المرأة إلى ما بعد العشرين ثم تلد مرات، وقد كان من ~~المحتمل - بل الراجح - أن السيدة عائشة تجاوزت العشرين حين وفاة النبي عليه ~~السلام. # وإذا كان تأخر الحمل إلى ما بعد العشرين لا يطرد لزاما في أحوال النساء فهو من ~~العوارض التي تشاهد ولا تستغرب إذا اتفق لها سبب يرجع في تعليله إلى العلم ~~والمشاهدة. # والعوارض التي نستطيع أن نهتدي إليها في تاريخ السيدة عائشة هي أنها قد أصيبت فيما دون ~~العاشرة بحمى مزقت شعرها كما ذكرت هي في بعض أحاديثها، وأنها كانت توعك من حين إلى حين، ~~كما يفهم من قولها ms40 في حديث الإفك: «واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في ~~قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ... ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف ~~الذي كنت أرى منه حين أشتكي ... فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي ...» وقد ~~علمنا من حديث الإفك أنها إذا فوجئت بخبر محزن أو مغضب تصاب بحمى نافض كما يصاب الذين ~~تعاودهم حمى البرداء في هذه الحالات. # والأطباء الذين سألتهم عن هذه الحمى التي تسقط الشعر وتتجدد لها معاودة تنهك الجسم ~~رجحوا أنها البرداء (الملاريا) أو التيفويد، والأولى أرجح؛ لأنها كانت فاشية بأعراضها ~~المعروفة بين أهل المدينة في أيام الهجرة. # قالت السيدة عائشة: «لما قدم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # المدينة، وهي أوبأ أرض الله، أصاب ~~أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه # صلى الله عليه وسلم # وأصابت أبا بكر وبلالا وعامر بن ~~فهيرة، فاستأذنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن ~~لي. فدخلت عليهم وهم في بيت واحد، فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: # كل امرئ مصبح في أهله # والموت أدنى من شراك نعله # فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ ~~فقال: # لقد وجدت الموت قبل ذوقه # إن الجبان حتفه من فوقه # كل امرئ مجاهد بطوقه # كالثور يحمي أنفه بروقه # قلت: والله ما يدري عامر ما يقول. # وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بواد وحولي إذخر وجليل # 1 # وهل أردن يوما مياه مجنة # وهل يدنون لي شامة وطفيل # 2 # قالت عائشة: فجئت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأخبرته، فقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة ~~الحمى. فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ~~ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» وهي في الطريق من مكة إلى المدينة. # فإذا كانت حمى البرداء قد أصابت السيدة ms41 عائشة فيما دون العاشرة وظلت عقابيلها تعاودها، ~~فأيسر ما يقال هنا إننا حيال عارض ذي بال يلتفت إليه في تعليل ما أسلفناه. # وسألت أفاضل الأطباء في ذلك، فقالوا: إن هذه الحمى لا تعطل الحمل ضرورة، ولكنها قد ~~تعطله من طريق إضعاف الجسم كله حتى يتغلب على عقابيلها. # قلت: وإذا أضيفت إليها معيشة الكفاف؟ # وإنما سألتهم هذا السؤال؛ لأن المتواتر عن معيشة النبي - عليه السلام - في بيته أنه كان ~~لا يشبع من خبز البر أو الشعير ثلاث ليال متواليات، وأنه لم يشبع من خبز وزيت مرتين في ~~يوم واحد، وأنه هو وأهله كانوا لا يصيبون من المطاعم إلا بمقدار ما يدفع الجوع. # فكان من جواب الأطباء: أن عقابيل الحمى وقلة الغذاء من الأسباب التي لا يعدوها النظر في ~~بحث هذا الموضوع، فإذا صحت مع هذا رواية السقط فهي دليل على أثر تركته الحمى يعترض وظيفة ~~الحمل والولادة. # وأيا كانت هذه العوارض فهي كل ما لدينا من أسباب المراجعة العلمية التي تعلل لنا ~~حرمان السيدة عائشة - رضي الله عنها - من نعمة الذرية. نلم بها لأن الإلمام بها لا غنى ~~عنه في هذا المقام. ~~••• # وأية كانت علة هذا العارض فالأمر الذي لا شك فيه أنه لم يكدر صفو المودة والبر بين ~~النبي وأهله، وأنه لم يمنع هذه الحياة الزوجية أن تكون قدوة للمقتدين في العطف وأدب ~~المعاشرة، وكانت هي العروة الوثقى كما وصفها النبي عليه السلام. فإذا سألته السيدة عائشة ~~بين الفينة والفينة مدلة بمكانها عنده وعطفه عليها: كيف حال العروة يا رسول الله؟ قال: ~~على عهدها لا تتغير. # أما العلاقات البيتية التي فرضتها هذه الحياة الزوجية على السيدة عائشة - رضي الله عنها ~~- فقد كانت على أحسن ما تتسنى العلاقات بين أناس تجمعهم معيشة واحدة. # فهي وزميلاتها كن يتغايرن ويتنافسن لا محالة كما تتغاير النساء في كل مكان، ولكنهن لم ~~ينسين قط أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، ويفزعن من غضبه. # فقصارى ما سمعناه من فلتات الغيرة على لسان السيدة عائشة ms42 أنها كانت تقول عن السيدة ~~خديجة: «إنها عجوز حمراء الشدقين» ثم يعاتبها النبي فتندم ولا تعود إلى مثل هذه المقالة ~~... أو أنها عابت السيدة صفية مرة فقالت إنها قصيرة ... فاستكبر النبي هذه الكلمة، وقال لها ~~إنها لتمزج البحر إذا مزجت به. فلم تعد إلى مثلها. # وعلى ما كان بين عائشة وزينب بنت جحش من التنافس الشديد في الجمال والزلفى سنحت لزينب ~~سانحة تقول فيها ما تقوله الضرة المحنقة فلم ينبس فمها بكلمة باطل، وذلك إذ سألها عليه ~~السلام في حديث الإفك فاستعاذت بالله وقالت: «أحمى سمعي وبصري، والله ما علمت إلا ~~خيرا.» # وأحست سودة إحدى زميلاتها أمهات المؤمنين أنها أسنت وضعفت فتركت ليلتها لعائشة راضية، ~~وقالت عائشة تشكرها: «ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة.» # فكل ما روي لنا من تغاير زوجات النبي إن ذكرنا أنهن نساء من طينة الأنوثة الخالدة فلن ~~ينسينا أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ولا يجاوزن بالغيرة ما يجمل بهن في كنفه ورعايته، ~~وإن تسع أخوات شقيقات من أب واحد وأم واحدة ليقع بينهن من شحناء الغيرة إذا اجتمعن في ~~بيت أسرتهن أضعاف ما روي لنا من غيرة زوجات النبي في عشرتهن الطويلة. ~~••• # أما قرابة النبي فأعزها قدرا عنده قرابة السيدة فاطمة وزوجها وبنيها. # وكانت الصلة بين السيدة عائشة وبينهم جميعا على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية في كل ~~صلة من قبيلها. # فالسيدة فاطمة كانت أحب الناس إليه عليه السلام، كما هو العهد بأبوته الشريفة التي تشمل ~~الناس جميعا بالحنان والمودة فضلا عن بناته وبنيه، وسئل - كما قالت عائشة مرة: من أحب ~~الناس إليك؟ فقال: فاطمة! ثم سئل: ومن الرجال؟ فقال زوجها. # وفاطمة بعد أم السبطين اللذين كان عليه السلام يلاعبهما ويلاطفهما ويوصي بهما ويسميهما ~~ولديه وهو مشوق إلى إنجاب الأبناء، وهي كذلك بنت خديجة التي نفست عليها عائشة قديم ~~مكانتها وطويل وفاء النبي لذكراها. # فالسيدة فاطمة والسيدة عائشة شريكتان في قلب واحد تتنافسان عليه، ولكنها شركة بين ~~كريمتين. # ومن أثر هذه ms43 المنافسة أن أمهات المؤمنين أوفدن السيدة فاطمة إلى النبي ليعدل بينهن وبين ~~عائشة، فقبلت الوفادة. # وربما خطر للسيدة عائشة أن عليا - رضي الله عنه - قد تأثر بهذه المنافسة يوم سأل ~~النبي في حديث الإفك فقال: «... لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير.» # ومن الصدق للتاريخ وللطبع الإنساني أن نلاحظ هذه الأمور؛ لأن الطبع الإنساني لن يدع ~~حقوقه على أبنائه، ولن يكون الإنسان من لحم ودم إلا إذا كان فيه للحم والدم نوازعهما ~~التي لا فكاك منها، وإن راضها أدب النبوة ونبل العشيرة، فثابت إلى أكرومة تجمل ~~بالكرامة. # فالصلة بين عائشة وقرابة النبي قد كانت صلة الأدب والتجمل والمجاملة، ولكنها كانت في ~~مجال لا يغيب فيه التنافس على العطف والإعزاز. # والمثل هنا أيضا قدوة المقتدين في الأسر العليا التي عرفها التاريخ، سواء منهم من أخذ ~~بأدب الدين أو بأدب الدنيا. # وهي على الجملة «حياة زوجية» سعيدة نزلت منها السيدة عائشة منزلة الزوجة المدللة في ~~طوال أيامها، ثم منزلة الشريكة المعينة في عبء التبليغ والرسالة، وبلغت من الثقة بها في ~~المعونة حمادى ما تبلغه شريكة حياة؛ فحفظت من تعليم النبي ما لم يحفظه أحد، وحفظ عندها ~~النبي أغلى الودائع من بعده: صحف الكتاب وسنته المشروعة لتابعيه. # | حديث الإفك # حديث الإفك هو حديث القصة التي أشاعها بعض المنافقين عن السيدة عائشة ~~(رضي الله عنها)، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المدينة ~~الموتور، الذي لم ينس قط حقده على النبي ولا على الإسلام ~~والمسلمين. # وحديث الإفك هذا هو الحديث الذي اجتمعت له كل بواعث الفضول والوشاية، ~~التي تغري ألسنة الناس بالخوض في أمثال هذه الأحاديث، ولو كانت من نسج ~~الخيال واختراع القصاص. # فمن دأب الناس قديما أن يتطلعوا إلى الأسرار، ويكثروا القيل والقال ~~في الوشايات. # وهم أشد تطلعا إليها، وكلفا بالقيل والقال فيها، إذا اشتملت على ~~وشاية من وشايات الرجال والنساء، ولولا كلفهم بهذا لما اخترعت لهم ~~القصص والروايات، التي يقرءون فيها أخبار رجل لا وجود له وامرأة لا ~~وجود لها، ms44 وهم يعلمون أنهما من نسج الخيال. # ولكنهم أشد من ذلك تطلعا إليها وكلفا بالقيل والقال فيها إذا هي ~~تعلقت بعظماء الرجال وعظماء النساء. # ثم يبلغ التطلع أشده والكلف حده إذا كان لأحد من الناس غرض في ~~ترويج الإشاعة واللغط بها، والاسترسال في ذيولها وحواشيها. # فإذا كان هذا الغرض على اتصال بالعصبيات القومية والعقائد العامة ~~التي تصطرع حولها الأهواء وتضطرم فيها الضغائن، ويطول فيها جدل ~~المصدقين والمكذبين، ونزاع المحبين والمبغضين، فقد اجتمعت للقصة - كما ~~قلنا في صدر هذا الفصل - كل بواعث الفضول والوشاية، وأحاطت بها كل ~~مغريات اللغط والتشهير. # وهذا الذي حدث بحذافيره في حديث الإفك، الذي تولى كبره زعيم الخزرج ~~في المدينة عبد الله بن أبي بن سلول. # فهو حديث وشاية عن رجل وامرأة. # وهما أعظم الرجال وأعظم النساء. # وفي اللغط به غرض قوي لأكبر زعماء الخزرج في زمانه، وغرض قوي لكل من ~~يبغي المساس بالنبي، وبالإسلام كله من طريق المساس بنبي الإسلام. # ولولا ذلك لما سمع بحديث الإفك، ولا استحق أن يصغى إليه؛ لأنه أوهى ~~وأسخف من أن يطول فيه تصحيح وتفنيد. # وكأي من رئيس في قومه وتر كما وتر ابن سلول، واشتمل قلبه على البغض ~~كما اشتمل قلب ابن سلول على بغض النبي، وأحب أن يهدم دعوة من الدعوات ~~كما أحب ابن سلول أن يهدم دعوة الإسلام، ولكنه مع كل هذا يتورع عن رجم ~~المحصنات بالباطل، ويمسك لسانه عن الخوض في وشايات الدنس؛ لأنها مسبة ~~لا تجمل بمروءة الكرام. # إلا أن ابن سلول لم يكن من هؤلاء الرؤساء المتورعين المترفعين، ولم ~~يكن له من أخلاقه ما يعصمه أن يكذب وأن ينافق وأن يداهن، وأن يصطنع ~~الوشاية ويلغ في الأعراض؛ لأنه كان مطبوعا على النفاق، مشهورا به بين ~~أصحابه وخصومه على السواء. # كان زعيم الخزرج بالمدينة، فكان ينافس زعماء الأوس بها في إرضاء النبي ~~والتزلف إليه، ثم يخلو بأعداء الإسلام فيؤلبهم على المسلمين، ويسول لهم ~~قتل النبي ويوغر صدورهم على هذا الدين الجديد، وكل منتصر له وكل منتسب ~~إليه. ms45 # وقبيل حديث الإفك بأيام قليلة كانت فئة من الأنصار والمهاجرين ~~تستقي ، فتنازع رجلان منهما على الماء كما يحدث على كل بئر وفي كل مورد ~~يكثر حوله القصاد، فلم يدعها ابن سلول تنقضي دون أن يثير فيها الثائرة، ~~التي ود أن تعصف بالمسلمين أجمعين، وقال مستهولا: أوقد فعلوها؟ والله ~~ما أرانا وجلابيب قريش هذه إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. أما والله لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وأقبل على من حضره من ~~قومه يحرضهم، ويقول لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم ... أحللتموهم بلادكم، ~~وقاسمتموهم أموالكم، وأما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا ~~إلى غير داركم! # ونمى الحديث إلى النبي عليه السلام، فأسرع إليه ابن سلول يقسم ويبالغ ~~في القسم أنه ما نبس بحرف منه. # فالخوض في الوشايات والولوغ في الأعراض هو أشبه شيء بأخلاق هذا ~~الرجل الذي مرد على النفاق، وأصبح وأمسى حياته كلها بين الدس ~~والاختلاق، وله من الوتر العظيم الذي وتر به شفيع عند طبعه السقيم؛ ~~لأنه أضاع الملك والتاج بظهور الإسلام. # قال أسيد بن حضير زعيم الأوس يسأل النبي عليه السلام ألا يدع المدينة ~~لعبد الله بن سلول: «يا رسول الله أرفق، فوالله لقد جاءنا الله بك ~~وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه؛ فإنه ليرى أنك قد استلبته ~~ملكا.» # فلا جرم يكون له غرض، أي غرض، في ترويج حديث الإفك، واتخاذه مطعنا في ~~الإسلام من وراء الطعن في كرامة نبي الإسلام؛ ولهذا لم يلبث أن أفلتت ~~منه نيته، فظهرت من بوادر لسانه في الكلمة التي قالها حين مرت به ~~السيدة عائشة على جمل يقوده صفوان بن المعطل، فقد حكي عنه أنه سأل: من ~~هذه؟ فقيل: عائشة. قال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم ~~جاء يقودها. # وإن غرض ابن سلول هذا لهو بعينه غرض كل متشبث بحديث الإفك إلى يومنا ~~هذا، ليتخذ منه سبيلا إلى الطعن في الإسلام ونبي الإسلام، وبخاصة بين ~~المبشرين من المستشرقين. # فمن هؤلاء من غلب عليه أدب التربية، فاستبعد حديث ms46 الإفك كما فعل ~~موير # Muir ~~، حيث قال بعد الإشارة إليه: ~~«إن سيرة عائشة قبل الحادث وبعده، لتوجب علينا أن نعتقد براءتها من ~~التهمة.» # ومنهم من نقل الحكاية وخلطها بالمعجزات، التي لا يصدقها غير المسلم، ~~كما فعل واشنطون إرفنج في سيرة النبي عليه السلام، فلم يقطع بنفي ~~صريح، وترك الباب مفتوحا للأقاويل. # ومنهم من جاوز الحقيقة في وصف ما جاءت به الروايات، فزعم أن السيدة ~~عائشة ابتعدت عن النبي يوما كاملا، قضته في صحبة صفوان، خلافا لما ~~جاء في كل قصة نقلت إلينا عن حديث الإفك، ونعني به ردويل # Rodwell # صاحب ترجمة القرآن، حيث عرض ~~لهذا الحديث في حاشية من حواشيه على سورة النور. # وهؤلاء مع هذا هم أشد المستشرقين تقية وحذرا في تعرضهم لهذا ~~الحديث. # لكن المبشرين المحترفين لم يتقوا هذه التقية ولم يحذروا هذا الحذر، ~~بل جزموا بصحة الحديث وقال بعضهم إن محمدا استنزل الآيات في سورة ~~النور ليحمي سمعة زوجته، ويدين الوشاة بالعقاب الذي ورد في تلك السورة. ~~وجهلهم بالقرآن هو الذي أوقعهم في تلك الفرية الوضيعة، التي يخبطون ~~فيها على غير علم بمصادرها ومواردها، فإن سورة النساء - وهي سابقة لسورة ~~النور - قد نصت على الأربعة الشهود في إثبات الزنا: # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ~~أو يجعل الله لهن سبيلا ~~. # وآخرون من أولئك المبشرين المحترفين رجعوا إلى تاريخ الغزوة التي جرى ~~بعدها حديث الإفك ليقولوا إن الليلة كانت غير قمراء، وإن البحث عن ~~العقد الضائع فيها عسير، مع أن الاختلاف على سنة الغزوة - فضلا عن ~~شهرها وليلتها - كثير، يتراوح بين السنة الرابعة والسنة السادسة وما ~~بعدها، فجاءوا هم وأخذوا بالقول الذي يعجبهم ويعينهم على فريتهم، وهم ~~حتى في هذا مغرضون متعسفون؛ لأن ابتداء المسير إلى الغزوة في الثاني من ~~شعبان لا يمنع أن الجيش قضى أياما في ذهابه وإيابه، وعاد والليلة ~~قمراء في صحو البلاد العربية. ولو كان في الأمر محل اعتراض من هذه ~~الناحية، لما ms47 فات الذين حضروا الغزوة وشهدوا النور والظلام في تلك ~~الليلة، وهم قصاص الأثر وأصحاب القمر في الحل والسفر، وفيهم من يحرص ~~على التشهير كحرص هؤلاء المبشرين. # ومن الإسفاف أن نتتبع هؤلاء الوشاة في كل ما خبطوا فيه من إثم وكل ما ~~رجموا به من ظن، كأن أخلاق الناس وحقائق التاريخ رهن بما يتمحلونه ~~ووقف على ما يختلقونه. وما كانت وشاياتهم تلك بحثا يستند إلى رأي، أو ~~ظنا يعتمد على قرينة، ولكنها كانت كذبا لا يليق بالمؤرخ، وسوء نية لا ~~يليق بالإنسان، وخسة في حق امرأة شريفة لا تليق بالرجل الكريم. # وإنما أومأنا إلى ضروب من تلك الوشايات لنعلم أن الحذر واجب هنا ~~على قدر ضخامة الأغراض التي تخلق الوشاية، وتنطلق في ترويجها إلى ~~أيامنا هذه وإلى ما بعد هذه الأيام، ما دام في الدنيا أناس يستبيحون ~~أن يجترئوا بالشبهات على امرأة لا ذنب لها إلا أنها زوج نبي يريدون ~~التشكيك فيه. # على أننا في الجهة الأخرى نبرئ السيدة عائشة من هذه المظنة، ولا ~~نعتمد في التبرئة إلا على الفهم الذي يفهمه المسلم ومن لا يدين ~~بالإسلام، ويقبله صاحب الدين ومن لا يأخذ بدين من الأديان؛ لأن براءتها ~~ليست من الخفاء بحيث لا يقام عليها الدليل إلا من وحي السماء. # وكفى دليلا هنا أن ليس على الظنة بها أقل دليل. ~~••• # نشأ حديث الإفك بعد عودة النبي من غزوة بني المصطلق، وقد كان مسير ~~الجيش في عودته من هذه الغزوة مضطربا أشد اضطراب، لشيوع الفتنة بين ~~المسلمين وأتباع عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وزعيم الخزرج ~~أقوى قبائل المدينة، والرجل الذي جامل النبي عليه السلام كل مجاملة ~~كريمة، فلم يقلع عن نفاقه ولم يدع قط فرصة من فرص الكيد ~~والسعاية. # ففي طريق العودة من غزوة بني المصطلق، نجم ذلك الخلاف الذي أشرنا ~~إليه على السقاية من بعض الآبار، فصاح صائح: يا للخزرج! وصاح الآخر: ~~يا لكنانة، يا لقريش! وشهر الفريقان السلاح، فخرج النبي غاضبا لهذه ~~العصبية، التي كره أن يحييها ms48 الخلاف في جيشه، وسأل: ما بال دعوى ~~الجاهلية؟ ثم قال: دعوها فإنها منتنة . # واغتنم عبد الله بن أبي الفرصة فطفق يحضأ في النار، ويصيح في كل من ~~لقيه: «ما رأيت كاليوم مذلة، والله إني لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع ~~هاتفا يهتف بما سمعت، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل. حتى قال لأتباعه: لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم ~~أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه - يعني النبي - فأيتمتم أولادكم، وقللتم ~~وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد.» إلى آخر ما قال ~~وبلغ النبي عليه السلام. # وشاع الخبر فأذن النبي عليه السلام بالرحيل في ساعة لم يكن يرحل ~~فيها لشدة الحر، وسأله أسيد بن حضير: يا نبي الله، لقد رحلت في ساعة ~~منكرة ما كنت تروح في مثلها؟ فقال: أما بلغك ما قال صاحبكم! يشير إلى ~~كلام ابن سلول. # ثم سار الجيش سيرا حثيثا، وجعل النبي عليه السلام يضرب راحلته ~~بالسوط في مراقها ليستعجلها، وانقضى اليوم وليلته وصدر من اليوم التالي ~~حتى آذنتهم الشمس، ثم نزل الناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض حتى ~~وقعوا نياما. # ولما أخذوا في المسير هاجت ريح شديدة كادت تدفن الركب، وخطر لبعض ~~الجند أن عيينة بن حصن ربما أغار على المدينة في هذه الغاشية، لانقضاء ~~مدة الموادعة بينه وبين المسلمين، فكان هذا من دواعي العجلة واضطراب ~~مواعيد الرحيل. # ثم دنا الليل وهم على مقربة من المدينة، فأناخ الركب للراحة، وذهبت ~~السيدة عائشة لبعض شأنها، ثم تفقدت عقدها وهي راجعة، فإذا به قد انسل ~~منها فحبسها التماسه هنيهة، ثم عادت إلى مكان هودجها، فإذا بهم قد ~~احتملوه وهم يحسبونها فيه، لخفتها. وتهيب الجند الذين يرحلون لها أن ~~ينادوها أو يستوثقوا من وجودها. # فأقامت حيث هي وظنت أنهم سيرجعون إليها لا محالة إذا أحسوا ~~غيبتها. # وكان صفوان بن المعطل على ساقة الجيش، يتخلف عنه ليلتقط ما يسقط من ~~المتاع، وربما كان النبي عليه السلام يعهد إليه في ذلك؛ لأنه كان ثقيل ms49 ~~النوم فلا يستيقظ حتى يأخذ الجيش في المسير، وقد شكته امرأته إلى ~~النبي لأنه ينام ولا يصلي الصبح قبل طلوع الشمس. # فكان عليه السلام يعلم ذلك منه، ويقول له: إذا استيقظت ~~فصل! # وقد يحسن هنا أن نوجه شكوى امرأته إلى بعض معانيها، كأنها أرادت بثقل ~~النوم كناية عن أمر آخر لا تفصح عنه؛ إذ قيل عن صفوان هذا إنه كان ~~«حصورا» لا يأتي النساء، وسمع وهو يقسم بعد حديث الإفك أنه ما كشف ~~عن كتف امرأة قط. # فلما نهض صفوان ليتبع الجيش في ساقته، رأى سوادا على البعد، ثم عرف ~~السيدة عائشة فجعل يسترجع ويعيد استرجاعه: «إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~إنا لله وإنا إليه راجعون ...» كأنه ينبهها بالاسترجاع؛ لأنه يتهيب التحدث ~~إليها. ثم قرب البعير وقال: «أمه، قومي فاركبي.» وأخذ بزمام البعير ~~يقوده، حتى أدرك الجيش في نحر الظهيرة. # حدث هذا وابن سلول لم يفرغ من دسيسته الأولى، التي أزعجت الجيش ~~وأوقعت الاضطراب في حركاته ومواعيد رحيله ومبيته، فسنحت له فرصة للقيل ~~والقال، لا يضيعها الرجل الذي عز عليه أن تنقضي مشاجرة بين أجيرين على ~~الماء، دون أن يثير فيها تلك الثائرة الهوجاء، وراح يقول: «والله ما نجت ~~منه ولا نجا منها.» وأطلق لسانه في حديث الإفك على الطريق وبعد العودة ~~إلى المدينة، عسى أن يوقع بين النبي وأقرب الأصدقاء إليه أبي بكر ~~الصديق، أو يفلح في تشكيك المسلمين في كرامة نبيهم، أو يقيم بين قومه ~~الخزرج وسائر المسلمين شغبا يقعون فيه عصبية له وأنفة من هوانه، ~~فينتقض أمر الإسلام من أوس وخزرج وأنصار ومهاجرين. # قالت السيدة عائشة في بعض ما روي عنها: «وقدمنا المدينة فاشتكيت ~~شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ووصل الخبر إلى النبي وإلى ~~أبوي، ولا أشعر بشيء من ذلك، وكان يريبني أني لا أعرف من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي فيسلم ~~وعندي أمي تمرضني، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني، ms50 حتى ~~خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح، وهي بنت خالة أبي بكر ... وعثرت أم ~~مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح! قلت لها: بئس ما قلت: أتسبين رجلا ~~شهد بدرا؟ قالت: يا هنتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ ~~فأخبرتني بحديث أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، ورجعت إلى بيتي ~~فمكثت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم دخل ~~رسول الله وقال بعد أن سلم: كيف تيكم؟ فاستأذنته أن آتي بيت أبوي، وأنا ~~أريد أن أتثبت الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فجئت أبوي ~~ودخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق يقرأ، فقالت أمي: ~~ما جاء بك؟ قلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا ~~تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: يا بنية! هوني عليك، فوالله لقلما كانت ~~امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها ... ~~فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: ~~بلغها الذي ذكر من شأنها. ففاضت عيناه، وبكيت تلك الليلة والليلة التي ~~بعدها، وأبواي عندي يظنان أن البكاء فالق كبدي ... فبينما نحن على ذلك، ~~دخل علينا رسول الله فسلم، ثم جلس وتشهد وقال: أما بعد، يا عائشة، فإنه ~~قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت ~~بذنب فاستغفري الله وتوبي، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى ~~الله تعالى تاب الله عليه ... فلما قضى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مقالته، قلص ~~دمعي حتى ما أحس منه بقطرة، وقلت لأبي: أجب رسول الله! قال: والله لا ~~أدري ما أقول. فقلت لأمي: أجيبي. فقالت كذلك: والله ما أدري ... ثم قلت: ~~لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم، فلئن قلت لكم إني بريئة، ~~والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم ~~أني منه بريئة، لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول ms51 أبي ~~يوسف عليه السلام: فصبر جميل والله المستعان. ثم تحولت فاضطجعت على ~~فراشي ، وما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى ... وكنت أرجو أن ~~يرى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رؤيا في النوم يبرئني الله بها. وعند ذلك قال ~~أبو بكر رضي الله عنه: ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل ~~علي، والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية، حيث لا يعبد الله، فيقال لنا ~~في الإسلام! ... فأخذ رسول الله ما كان يأخذه عند نزول الوحي، فسجي ووضعت ~~له وسادة من أدم تحت رأسه، فلما سرى عنه إذا هو يضحك، وإنه لينحدر منه ~~العرق مثل الجمان، فجعل يمسح العرق عن وجهه الكريم، وكان أول كلمة تكلم ~~بها: يا عائشة! أما إن الله قد برأك. فقالت أمي: قومي إليه. قلت: والله ~~لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. وتناول رسول الله درعي فدفعت يده، ~~فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها، فمنعه رسول الله وهو يضحك ويقسم عليه ~~ألا يفعل ...» # إلا أن النبي عليه السلام قضى فترة من الوقت قبل ذلك، وهو في قلق ~~شديد لا يدري ماذا يفعل، واستشار الصحابة فقال له عمر بأسلوبه الحاسم: ~~من زوجها لك يا رسول الله؟ قال: الله تعالى! قال: أفتظن أن الله دلس ~~عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ودعا عليا وأسامة بن زيد ~~ليستأمرهما في فراق أهله، فقال أسامة بن زيد: أهلك يا رسول الله ولا ~~نعلم إلا خيرا. وقال علي: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء ~~سواها كثير، وإن تسأل الجارية - يعني بريرة - تصدقك. فدعا بها وسألها: ~~أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت ~~عليها أمرا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجينها ~~فتأتي الداجن فتأكله. وسأل زينب بنت جحش، وهي أحب نسائه إليه بعد عائشة، ~~فقالت: أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا، والله ما أكلمها وإني ~~لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق. # وفي خلال ms52 ذلك كان عليه السلام يتأذى بحديث الإفك، فخطب المسلمين ~~قائلا: أيها الناس، ما بال رجال يؤذوني في أهلي، ويقولون عليهم غير ~~الحق؟ ... ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من ~~بيوتي إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي، يقولون عليه غير ~~الحق ... فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، ~~وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك؛ فوالله إنهم لأهل أن ~~تضرب أعناقهم. فوثب سعد بن عبادة وصاح به: كذبت لعمر الله ما تضرب ~~أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من ~~الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. وهم به أسيد بن حضير، وتساور ~~الناس حتى كادت تكون فتنة، لولا أن أدركهم النبي بحسن توفيقه. ~~••• # هذه خلاصة حديث الإفك بحذافيره كما بقي لنا في مصادره التي يعتمد ~~عليها اليوم كل باحث في موضوع هذا الحديث، كائنا ما كان ظنه بالإسلام ~~أو بالنبي وأهله. # وفي وسع القارئ أن يعرف قيمة هذه الوشاية من نظرة واحدة؛ فهي على ~~التحقيق وشاية لا قيمة لها عند منصف يلمس من ورائها تربة الكيد ~~والوقيعة التي نبتت فيها؛ إذ هي تربة وبيئة تنضح بسخائم الخصومة ~~الدينية والسياسية، ومساوئ الخبث والكذب والنفاق، وخليق بها أن تبعث ~~الشك في كل حديث ينبت بين طياتها، ولو زعموا له من الأسانيد والشبهات ~~أضعاف ما زعموا لهذه الوشاية الواهية، وليس لها من سند ولا شبهة إلا ~~أن السيدة عائشة تأخرت في الطريق هنيهة حين تحرك العسكر على حين ~~فجأة، وقد كانت الرحلة كلها كثيرة المفاجآت في مواعيد النزول ~~والرحيل. # تلك شبهة لا تكفي للشك في امرأة من عامة المسلمين الخارجين للجهاد ~~في حضرة نبي الإسلام؛ إذ لو كانت كل امرأة تتأخر في الطريق تؤخذ ~~بالتهمة في دينها وعرضها، لكانت التهم في الأعراض أهون شيء يخطر على ~~بال. # بل لو تأخرت كل امرأة في الركب غير السيدة عائشة لجاز أن تلحق بها ~~شبهة ms53 من هذا التأخير؛ لأن الركب لم تكن فيه امرأة غيرها يهابها ~~الموكلون بهودجها أن ينادوها ليتأكدوا من وجودها، ولم تكن فيه امرأة ~~أخرى تهاب الرقبة من جيش المسلمين كما تهابها وهي زوج النبي وبنت ~~الصديق، وقد كان أبوها يحمل راية المهاجرين في تلك الغزوة ~~بعينها. # وعلى الذي يقبل وشاية كتلك الوشاية الواهية أن يروض عقله على تصديق ~~أمور كثيرة لا موجب لتصديقها؛ لأنها تفتقر إلى كل دليل، والأدلة على ~~ما يناقضها كثير. # عليه أن يصدق أن صفوان بن المعطل كان رجلا لا يؤمن بالنبي ولا ~~بأحكام الإسلام. # وأن يصدق أن السيدة عائشة كانت - وهي زوج النبي - لا تؤمن به ولا ~~تعمل بدينه. # ولا دليل على هذا ولا ذاك. # بل الأدلة على إيمان صفوان وإيمان عائشة تجري في كل سياق وردت لهما ~~سيرة فيه. # فصفوان كان مسلما غيورا، وكانت غيرته في حادثة الماء، التي تصاول ~~فيها المهاجرون وأتباع ابن سلول، هي التي عرضته لهجاء حسان بن ثابت، ~~ولعلها هي التي بغضته إلى ابن سلول، فتمادى من أجل ذلك في اتهامه، وقد ~~حضر الغزوات ومات شهيدا ولم يذكر قط بسوء. # والسيدة عائشة آمنت بكل كلمة قالها النبي، وحفظتها حفظ من يتبرك بها ~~ولا يغفل عنها. ومن إيمانها بصدق هذه الكلمات أنها اشتبكت في خصومات ~~دامية تثير الحفائظ، وتهون عليها أن تحارب خصومها باختلاق الأحاديث ~~التي تزري بهم وتبطل دعواهم لو كانت ترتاب في صدق الأحاديث كلها، ~~ولكنها لم تبح لنفسها قط شيئا من ذلك، ولم تذكر حديثا قط على غير ~~وجهه الذي تؤيده الروايات الأخرى. وقد كانت في طريقها إلى وقعة الجمل ~~بعد وفاة النبي بزهاء ثلاثين سنة، فنبحتها كلاب على مقربة من ماء في ~~بعض الطريق، فسألت: أي ماء هذا؟ قال الدليل: هو ماء الحوءب. فأجفلت ~~إجفالة مروعة وصاحت بحيث يسمعها أدلاؤها: إنا لله وإنا إليه راجعون. ~~وضربت عضد بعيرها، فأناخت وأبت أن تتحول عن مكانها، فلما سئلت في ذلك ~~قالت: إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول، وعنده ms54 نساؤه: ليت شعري أيتكن ~~تنبحها كلاب الحوءب؟ ردوني، ردوني، والله أنا صاحبة ماء الحوءب. وما ~~زال الركب مقيما في ذلك المكان يوما وليلة، وهي مصرة على الرجعة، وهم ~~يزعمون لها أن الدليل قد أخطأ، وأن المكان غير المكان الذي تخشاه، ولم ~~يزل عبد الله بن الزبير يقنعها ويهدئ من روعها، وهو ابن أختها وأحب ~~الناس إليها، وبه تكنى في أشهر الروايات، وهي تأبى المسير إلا أن تعود ~~إلى مكة، حتى أرسلوا إليها من يصيح في الركب: النجاء، النجاء، قد أدرككم ~~علي بن أبي طالب. فأذنت لهم في المسير بها، وقد أخافتها الصيحة وخامرها ~~الشك في كلام الدليل. # هذا وليس معها في الركب من سامعي ذلك الحديث غيرها، فكيف تغدر بالنبي ~~زوجة تصدقه هذا التصديق، ولا تأمن أن ينكشف سرها بوحي من الله؟ # ومن هي تلك الزوجة بعد هذا؟ هي بنت الصديق الذي لم يوصم بيته بوصمة ~~في الجاهلية كما قال، حتى يوصم بهذه الوصمة الكبرى في الإسلام ومع نبي ~~الإسلام. # إن أقوى الأدلة لا يحسم الشك هنا، فضلا عن تلك الوشاية الواهية، ~~ويبقى على من يقبلها أن يسأل نفسه بعد هذا: كيف نشأت علاقة صفوان ~~المزعومة؟ أفي تلك الليلة بعينها؟ فكيف اجترأ الرجل على مفاتحة أم ~~المؤمنين، وهم يتهيبون المناداة عليها في هودجها؟ بل كيف تخطر له هذه ~~المفاتحة وهو لا يشك في إيمانها بزوجها، وليس له علم قبل ذلك بخبيئة ~~صدرها؟ وإذا اجترأ هذا الاجتراء هوسا منه، فكيف يصدق العقل أن امرأة ~~النبي وبنت الصديق تكون هكذا لقطة لأول لاقط يصادفها؟ إن التي تكون ~~كذلك لا يخفى سرها حتى يكشفه حديث الإفك، ويقتصر الحديث فيه على ~~صفوان. # أما إن كانت العلاقة المزعومة قبل ذلك، فكيف خفيت بين الضرائر ~~والحساد وقالة السوء من المنافقين؟ وما أغناهما إذن عن المجازفة في ~~الطريق، وعن الكارثة التي تنكشف للجيش كله في نحر الظهيرة؟ # كل أولئك سخف لا يقبله إلا من يفتري بوشاية أو بغير وشاية، وسواء فيه ~~منافقو المدينة ومن يصنع صنيعهم من ms55 المؤرخين في العصر الحاضر؛ لأنهم لا ~~يؤمنون بنبي الإسلام، بل هؤلاء أنذل وأغفل ؛ لأنهم يؤمنون بمريم ~~والمسيح، وكان عليهم أن يعصمهم عاصم من هذا الإيمان. ~~••• # إن تفنيد حديث الإفك له موضع من كتابنا هذا لأنه حادث في تاريخ ~~السيدة عائشة له أثر في الإسلام والشريعة الإسلامية، وله أثر في ~~ضميرها لم يفارقها طوال حياتها، وربما كان له أثر في موقفها من تاريخ ~~الإسلام ترتبط به ذيوله على نحو من الأنحاء، ولولا ذلك كله لما استحق ~~من المؤرخ كبير التفات. # | بعد النبي # عاشت السيدة عائشة بعد النبي ستا وأربعين سنة، وتوفيت وهي في نحو السبعين من عمرها، ~~سنة ثمان وخمسين للهجرة. # وقد توفي النبي - عليه السلام - في بيتها وفي زيارتها، ودفن بالمكان الذي كان ينام ~~فيه. # وقد علم كثير من الناس عند اشتداد المرض به أنه مرض الوفاة، ولكنه كان قد صحا بعض الصحو ~~قبيل يوم وفاته حتى استأذنه أبو بكر في الخروج إلى بيته بالسنح، وتفرق المسلمون متفائلين ~~وهم يرجون الخير ويبعدون عن خواطرهم نذير الخوف. فلما قبض عليه السلام بعد ذلك روعت ~~عائشة أيما روع، وتعاظمها الخطب أن تملك صبرها وهو يموت بين سحرها ونحرها، فنسيت لهول ~~الساعة ما ينبغي لها أن تستقبل به هذا الوداع الذي لا يتكرر ولا تهونه سابقة وداع مثله، ~~إنها أم المؤمنين التي لبثت السنين بعد السنين تلقنهم ما لقنها النبي من سداد التجمل ~~ووقار الحزن في الملمات ... إذا هي تنسى كل ذلك ساعة فقده، وإذا هي امرأة والهة بين النساء ~~تلتدم وتضرب وجهها، قالت: «... وجدت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه ~~فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» قلت: خيرت فاخترت والذي ~~بعثك بالحق. وقبض بين سحري ونحري ودولتي ولم أظلم أحدا. فمن سفهي وحداثة سني أنه # صلى الله عليه وسلم # قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب ~~وجهي.» # ولم تشهد دفنه عليه السلام بعد ms56 وفاته بيومين؛ لأن المسلمين كان قد بلغ في تنافسهم في ~~حبه أن يتولى كل فريق منهم مراسم دفنه على ما تعود في بلده وبين أهله، وكان أهل مكة ~~يسوون قاع القبر وأهل المدينة يقوسونه، فبعث العباس بن عبد المطلب رجلين يدعو أحدهما ~~أبا عبيدة بن الجراح ويدعو الآخر أبا طلحة، وأولهما يضرح كأهل مكة والآخر يضرح كأهل ~~المدينة؛ فعاد صاحب أبي طلحة به ولم يعد صاحب أبي عبيدة، فحفر اللحد على طريقة أهل ~~المدينة، وتولى القائمون على الجثمان الكريم دفنه بعد انقطاع المودعين عند هزيع من ~~الليل. قالت عائشة وفاطمة - رضي الله عنهما: «ما علمنا بدفنه # صلى الله عليه وسلم # حتى سمعنا صوت ~~المساحي من جوف الليل.» # وما برحت منذ تلك اللحظة تلازم البقعة الخالدة ولا تفارقها إلا للعمرة أو الحج أو ~~لزيارة قريبة، وقلما كانت تزور. # واتخذت سكنها في الحجرة المجاورة لقبره وهي لا تحسب أنها قد فارقت منه غير مشهد جثمانه؛ ~~فقد كانت تزوره زيارة الأحياء، ودفن أبوها إلى جواره بعد سنوات، فكانت تزورهما كذلك ~~زيارة الأحياء. فلما دفن معهما عمر جعلت بعدها تنتقب وتلبس ملابس الحجاب وهي تزور أولئك ~~الأصدقاء المتجاورين، كأنهم بقيد الحياة. # وكانت في أوائل العقد الثالث على أكبر تقدير عند وفاته عليه السلام، فعاشت في صحبته ~~زهاء عشر سنين، وعاشت في ذكراه خمسين سنة. وحسبنا من شعور الناس بجلال تلك الذكرى في ~~نفسها أن أحدا لم يخطر له خاطرة عن السيدة عائشة تجيز التفكير في حياة زوجية أخرى كأنه ~~خاطر حرمته قداسة تلك الذكرى وهيبة ذلك الوفاء، فضلا عن الحكم بتحريمه في سورة الأحزاب ~~على سبيل التشريع. # ولم تكن حياة السيدة عائشة فارغة في خلال السنين الطوال من لدن فارقها زوجها العظيم وهي ~~تجاوز العشرين إلى أن فارقت الدنيا وهي تقارب السبعين؛ لأنها في حدة نفسها ورفعة مكانها ~~لا تقبل الفراغ. فما هو إلا أن هدأت ثائرة الفتنة بعد وفاة النبي - عليه السلام - وتوفر ~~المسلمون على تحصيل مراجع الدين حتى كانت هي المرجع الأول ms57 فيما حفظ عندها من آي القرآن ~~وما حفظته من السنن والأحاديث، وحتى كان بيتها مثابة الزوار من أبنائها وبناتها، ~~يدعونها يا أمه! ومنهم من هي في سن بناته الصغريات، ويا له من دعاء محبب إلى ~~الأسماع! # وكانت إذا فرغت من تلقين الأحاديث وجواب السائلين تأوي إلى الصلاة والتسبيح في جوار ~~الضريح، أو تعمل في مهنة البيت ذلك العمل الذي كان النبي - عليه السلام - يسرها ~~بمساعدتها فيه. # ومن أهم الأشياء التي ينبغي أن تلاحظ في حياة السيدة عائشة بعد النبي - عليه السلام - ~~أنها قضت خلافة أبي بكر وعمر وهي لا تشعر بأن مكانها في عهد النبي قد تغير أو بأن أمرا ~~من أمور السياسة العامة يدعوها إلى التعرض له راضية أو ساخطة، حتى كانت خلافة عثمان ~~فتغيرت هذه الحال، وكان لتغييرها دلالة كبيرة وأثر كبير. # ففي عهد أبي بكر كانت أمور السياسة العامة تجري على أحكام الدين، وتركن منه ومن أصحابه ~~إلى سند ركين، وكان الخليفة أباها وهو أول من يدعوها بأم المؤمنين. # وفي عهد عمر كانت أمور السياسة العامة تضطرب أو تسكن، ولكنها في كلتا الحالتين لا تنشعب ~~ولا تؤذن بانصداع، وكان عمر أهيب خليفة عرفه الإسلام وأحب خليفة إلى عائشة رضي الله ~~عنها. سرت صداقة الأبوين أبي بكر وعمر إلى بنيهما فكانت عائشة وحفصة أصدق صديقتين تتفقان ~~وتتكاشفان كلما وقع الخصام في بيت النبي عليه السلام، وحفظت له أجمل الشكر لموقفه من ~~حديث الإفك حين شاوره النبي فقال له: إن الله هو الذي زوجكها وإنه سبحانه وتعالى لم يدلس ~~بها عليك. وتم هذا الشكر حين ولي الخلافة فرعى لها المكانة الأولى بين المسلمين، وخص بيت ~~النبي بالحصة العليا من الحفاوة والعطاء. # فمضى العهدان - عهد أبي بكر وعمر - وليس في الحياة الخاصة ولا في الحياة العامة ما ~~يشعرها بتغيير أو ينزع بها إلى نوازع السياسة، وما تعارض منها أو جنح إلى التحزيب ~~والتأليب. # ثم تغيرت الأمور في عهد عثمان، ولولا هذا التغيير لما عرف للسيدة عائشة نصيب من السياسة ~~العامة ms58 بعد موت النبي، وهو الموقف الذي تحولت بها الأحوال إليه بعد اجتناب السياسة ~~العامة قرابة عشرين سنة، على غير سابقة له في سيرتها الأولى. # | في السياسة العامة # قلنا في الفصل السابق إن السيدة عائشة لم تقض حياتها فارغة خلال السنين الطوال التي ~~انقضت بعد وفاة النبي عليه السلام؛ «لأنها في حدة نفسها ورفعة مكانها لا تقبل ~~الفراغ». # فأما حدة نفسها، فمن السهل بعد إلمامة يسيرة بمزاجها وتكوينها الذي يشبه تكوين أبيها أن ~~نعرف كيف يتعذر الفراغ على هذه السليقة الحية التي نشط بها المزاج العصبي، ولم يقعد بها ~~الترهل والإعياء. # وأما رفعة مكانها، فهي أحرى أن تشغلها عن الفراغ مريدة له أو غير مريدة؛ لأنها تعودت أن ~~يؤبه لها طوال حياتها، ولم تتعود قط أن تكون غفلا في بيئتها، وهي أرفع بيئة بين ~~قومها. # نشأت عزيزة في آلها وذويها، عزيزة في بيت أبيها، عزيزة في أعز البيوت العربية بعد ~~زواجها. فمن الحق لها ولنشأتها، ومن الواجب لها ولنشأتها أن يؤبه لها طوال حياتها، وألا ~~يكون فراغها بمثابة الإغضاء عنها. # هذه حقيقة لو التفت لها ولاة الأمر كما ينبغي في حينها لسلمت السياسة العامة في ذلك ~~الحين من جرائر الخطأ الذي وقعت فيه. # ولا بدع في تقرير الحقيقة، ولا في تعظيم خطرها، والتنبيه إلى تبعاتها. # فما من دولة قط إلا قد اتخذت لها أصولا مرعية في سياسة أقطابها، ومراسم كبرائها ~~وكبيراتها توافق ما لهم أو لهن من الشأن في الدولة، وما يكون لميولهم أو ميولهن من ~~الآثار في السياسة العامة، أو السياسة العليا على التخصيص، وهي أصول لم تغفل مرة إلا كان ~~لها أثر غير منظور ولا محسوب له حساب في توجيه الأمور. # وقد كانت «أصول» السياسة العليا في معاملة السيدة عائشة - رعاية لمكانتها وسليقتها - ~~أن تظل بالمكان الذي يستفاد فيه من عملها وعلمها، وأن تعرف لها مهمتها الكبرى في تقرير ~~السنة النبوية، أو تبويب الدستور الإسلامي كما يؤخذ من أحاديث النبي ومأثوراته وعاداته، ~~في معيشته وعباداته، وكان هذا وحده عملا ms59 خليقا أن يشغل أيام السيدة عائشة على أحسن ~~الوجوه الصالحة لها وللمسلمين وللدولة الإسلامية. # كان هذا واجبا لها وجوب الحق، ووجوب المصلحة، ووجوب السياسة. # وكان هذا الواجب «أصلا مرعيا» من أصول السياسة العليا أيام أبي بكر وعمر سواء قصدا ~~إليه أو ذهبا فيه مذهب البداهة ومقتضيات الأمور ... # ولكنه خولف أو عدل عنه بعد الخليفتين الأولين. خولف أو عدل عنه لأسباب يرجع بعضها إلى ~~حكومة عثمان، وبعضها إلى طوارئ الزمن، وبعضها إلى السيدة عائشة على اختيار منها أو على ~~ما تحولت بها إليه دوافع الأحوال. ~~••• # جاء الخطأ الأول في هذه السياسة من القائمين بالأمر في حكومة عثمان، وكان خطأ عجيبا ~~حقا؛ لأنه لا يفهم على وجه من وجوه المصلحة، ولا تدعو إليه ضرورة من ضرورات الدولة، ~~ونعني به نقص العطاء الذي كان مقدورا للسيدة عائشة في عهد الفاروق، أعدل من لاحظ العدل ~~في تقسيم الأعطية على حسب المراتب والحقوق. # إن نقص عطاء السيدة عائشة كان يكون سائغا عندها وعند المسلمين والمسلمات إذا دعت إليه ~~حاجة في خزانة الدولة، ولكنه لا يسوغ ولا تستريح إليه النفس والأموال تتدفق على خزانة ~~الدولة بالألوف التي يحار فيها الإحصاء، وغنائم أفريقية وحدها تبلغ مليونين ونصف مليون ~~من الدنانير، فيعطي خمسها لبنت الخليفة وزوجها مروان بن الحكم، وغير ذلك من القطائع ~~والأعطية التي يخص بها القريبات والقريبون ولا يضبط لها حساب. # إن الغضب من هذا لن يكون غضب الحريص على مال، ولم تكن السيدة عائشة خاصة ممن يحرص على ~~مال أو يبذله في ترف أو يخزنه للمكاثرة والادخار، فما سمع عنها قط أنها أنفقت المال في ~~غير الكفاف من الرزق والإحسان إلى المعوزين، وما تركت بعدها بقية تدل على حرص ولا ~~ادخار. # ولقد كانت تنكر التزيد من الثراء على الصحابة الأجلاء، وإن كان من التجارة والحسب ~~الموروث؛ فكان عبد الرحمن بن عوف - وهو مثل من أمثلة عدة - وافر الثراء على عهد النبي ~~عظيم السخاء في خدمة الدين، ودخلت له عير إلى المدينة فيها سبعمائة بعير تحمل ms60 البر ~~والدقيق والطعام، فارتجت لها المدينة وسمعت رجتها في بيت عائشة، فما نجا به من لومها إلا ~~أنه ذهب إليها يشهدها أن العير بأحمالها وأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. # فغضب السيدة عائشة من نقص العطاء لم يكن غضب الحريص على مال والطامع في ادخار، ولكنه ~~كان غضبا عادلا من غضاضة لا حاجة إليها ولا حكمة فيها، ولا تستريح إليها النفس بتعليل ~~مقبول. # وشاع النقد والسخط من ولاة عثمان وحواشيه، وكثر القيل والقال في مخالفتهم للدين وتوسعهم ~~في اقتناء الدور والحطام. # ومثل من الأمثلة العدة في هذا الباب تولية الوليد بن عقبة أخي عثمان لأمه خلفا لسعد بن ~~أبي وقاص على الكوفة وهو من أعلام الصحابة المحبوبين بين جلة المسلمين. # وكان الوليد متهما بالخمر، وشاع في المدينة أنه أم الناس يوما في صلاة الصبح وهو ~~سكران، فلما فرغ التفت إليهم وقال: هل أزيدكم، فإني أجد في نفسي نشاطا؟ # ولم يكن عجيبا أن يلجأ الشاكون منه إلى بيت عائشة فيمن لجئوا إليه من كبار الصحابة ~~وهم غير قليلين، وإنما لجئوا إليها بعد أن قدموا على الخليفة فتبرمت بهم حاشيته ~~وبرءوا الوليد عنده مما اتهمه به أهل مصره، فقال لهم: أكلما غضب رجل منكم على ~~أميره رماه بالباطل؟ لئن أصبحت لكم لأنكلن بكم. فاستجاروا ببيت النبي وعائشة فيه. # ثم أصبح عثمان «فسمع من البيت صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة، فقال مغضبا: أما يجد ~~مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة؟ فسمعته، فقيل إنها رفعت نعل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقالت: تركت سنة رسول الله صاحب هذه النعل ... وتسامع الناس فجاءوا حتى ملئوا ~~المسجد، فمن قائل: أحسنت، ومن قائل: ما للنساء وهذا؟ حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال، ودخل ~~رهط من أصحاب رسول الله على عثمان وناشدوه الله أن يعزل أخاه». # ولم يكن من شأن هذه السياسة من حاشية عثمان أن تكف السيدة عائشة عن نقد الولاة وقبول ~~الشكاة، بل قربت هذه السياسة بينها وبين اللاجئين إليها. فلما شكا الناس من والي عثمان ms61 ~~في مصر - عبد الله بن أبي سرح - واتهموه بقتل رجل ممن شكوه إلى الخليفة، فزعت وفود ~~المصريين إلى بيت عائشة، فأرسلت إلى الخليفة تندد بواليه، وتقول له: تقدم إليك أصحاب ~~رسول الله وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت، فهذا قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك. # وجعل وفود المصريين يلقون المصلين بالمسجد في أوقات الصلاة، ويبسطون لهم ظلامتهم ~~وشكايتهم إلى أم المؤمنين وكبار الصحابة، فألحف كبار الصحابة على الخليفة في إنصافهم، ~~وأثمرت غلطات الحاشية ثمرتها في توجيه الشاكين إلى طلب المزيد من حماية أم المؤمنين، ~~فاختاروا محمد بن أبي بكر - أخاها - ليخلف عبد الله بن أبي سرح حين خيرهم الخليفة فيمن ~~يؤثرونه للولاية بعده، ووقعت الطامة بعد ذلك بتدبير لا تعلم جليته حتى الآن، وإنما ~~الرأي الراجح أنه من تدبير مروان بن الحكم على غير علم من عثمان ونصحائه ~~المخلصين. # ذلك أن الوفود القافلة إلى أمصارها عثرت في طريقها بغلام يحمل كتابا في أنبوبة من رصاص ~~وفيه أنه: «إذا أتاك محمد بن أبي بكر ومن معه فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقر على عملك ~~حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله». # فأعقب هذا الكتاب ما لا بد أن يعقبه من الأثر في نفوس الصحابة وفي نفس السيدة عائشة وفي ~~نفوس الوفود المتجمعة من الأمصار، وقذف بالفتنة القائمة يومئذ في طريق غير مأمون. # وظاهر من هذا العرض السريع أن اختلال الأحوال في عهد عثمان هو الذي تحول بالسيدة عائشة ~~عن موقفها الأول من حكومة أبي بكر وعمر إلى موقف الاشتراك في السياسة العامة والمجاهرة ~~بالنقد الشديد لحكومة عثمان وولاة عثمان وحاشية عثمان. # بل هو الذي جعل لها مهمة تطلبها وتسعى إليها، وهي مهمة الوساطة بين الشعب والخليفة أو ~~مهمة الحماية لمن يجهرون بالشكوى ويخافون عقباها. # فلولا الحمق الذي اشتهرت به حاشية عثمان لما تركت السيدة عائشة في مكانتها العليا من ~~الأمة الإسلامية وهي تشعر أنهم قد أنزلوها من الرعاية والمبالاة دون منازل بناتهم ~~وزوجاتهم وأصحاب القرابة والزلفى لديهم. # ثم تمادى الأمر فلم ms62 يقبلوا من المسلمين أن يلوذوا ببيتها ويفزعوا إلى جوارها، ولو ~~تناولوا الأمر بالرفق لاستفادوا من لياذهم بذلك البيت وفزعهم إلى ذلك الجوار. # وكانت الطامة الكبرى أن تأتمر الحاشية الحمقاء بحياة أخيها، وتنفذ إلى مصر من يأمر ~~واليها بقتله وهو قادم من قبل الخليفة لولاية الحكم فيها. # ومن المحقق عندنا أن الخليفة نفسه براء من هذه الدسيسة التي يتورع عنها مثله في بره ~~وتقواه؛ فإن الرجل الذي تورع عن إهراق قطرة دم في سبيل الدفاع عن حياته، والخطر محدق به ~~من جميع جهاته، لن يأمر بسفك دم ابن صديقه وزميله، ولا ذنب له إلا أن الشاكين ندبوه ~~للولاية حين سألهم عمن يختارونه فأجابهم لما ندبوه إليه. # ولكن ما الذي أصاب الجاني المدبر للدسيسة؟ ولم نجا من العقوبة؟ ولم لم يكشف للملأ ~~لولا أنه من رجال الحاشية، وأن رجال الحاشية هم الذين ستروه وأنقذوه؟ وماذا لو أن الغلام ~~الذي كان يحمل الأمر بالقتل وصل إلى مصر ولم يعترضه الشاكون في الطريق؟ ألم يكن القتل ~~نافذا في محمد بن أبي بكر كأن الكتاب قد صدر من الخليفة بغير خلاف؟ # فهذه الحاشية الحمقاء قد بدأت بالغض من مكانة السيدة عائشة لغير ضرورة محتومة ولا ~~مفهومة، وانتهت بالتآمر على قتل أخيها لغير ذنب جناه، وسلكت في خلال ذلك مسلكا تأباه ~~السيدة عائشة من الحاكمين وغير الحاكمين، وهو مسلك الإسراف والتهالك على الحطام. # فغير عجيب أن يكون للسيدة عائشة موقف عداء من تلك الحاشية، وأن تنادي على رأس المنادين ~~بتبديل حكمها وتأليب الناس عليها، وأن تضيق ذرعا بعثمان؛ لأنه يمضي حيث مضت تلك الحاشية ~~في جنفها وغلوائها. # قيل إنها تربصت به حتى أقبل يخطب الناس فدلت قميص النبي ونادت: «يا معشر المسلمين، هذا ~~جلباب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته.» # ولم تذكر الحاشية الحمقاء مكانة السيدة عائشة، وأمان جوارها، وما يرجى من الخير في ~~شفاعتها إلا بعد فوات كل فرصة، وضياع كل أمل، واستعصاء كل تدبير. # فلما حوصر عثمان وحيل بينه وبين الزاد والماء ms63 ذهبت أم حبيبة إلى داره وهي زميلة للسيدة ~~عائشة من أمهات المؤمنين، فاعترض الثوار بغلتها وكانت معها إداوة ماء. قالوا: ما جاء بك؟ ~~قالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل، فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام ~~والأرامل، وكانت أم حبيبة أموية من آل أبي سفيان، فاجترأ الثوار عليها وقالوا: كاذبة؟ ~~وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها كرام الناس فأخذوها وذهبوا ~~بها إلى بيتها. # وكانت السيدة عائشة قد كرهت المقام بالمدينة وهي على هذه الحال من الفتنة الطاغية، ~~فتجهزت للحج واستصحبت أخاها محمدا فأبى وتخلف بالمدينة. # عند ذلك لجأ مروان بن الحكم - وهو رأس البلاء - إلى جوار السيدة عائشة التي كان يغري ~~عثمان بها لاحتماء الناس ببيتها، فقال لها: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا ~~هذا الرجل ... فقالت: أتريد أن يصنعوا بي كما صنعوا بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعني؟ لا ~~والله ولا أعبر ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء. # وفي رواية أخرى: أن مروان هذا تذكر الجود بالمال في ذلك المأزق الميئوس منه، فذهب إلى ~~السيدة عائشة يستبقيها لتصلح الأمر، فقالت: قد فرغت من جهازي وأنا خارجة للحج ... قال ~~عندئذ: فيدفع لك بكل درهم أنفقته درهمين؛ فلم تملك عائشة نفسها على ما جاء في هذه ~~الرواية أن تقول: «لعلك ترى أنني في شك من صاحبك، أما والله لوددت أني أطيق حمله فأطرحه ~~في البحر!» # وليس أكثر ولا أغرب من الأحاديث التي نسبت إلى عائشة في خلال هذه الفتنة قبل خروجها من ~~المدينة وبعد خروجها منها، وأشد هذه الأحاديث وأقساها أن بعضهم سمعها تقول: «اقتلوا ~~نعثلا فقد كفر»، وأنها كانت تسأل من تلقاه أن يخذل الناس عن عثمان وشيعة عثمان. # فأما الصحيح من هذا كله فهو أنها كانت تنقم من حكومة عثمان، وتتمنى لها الزوال. # ويجوز الشك بعد ذلك في كثير من نصوص الأحاديث التي نسبت إليها بصدد هذه الفتنة؛ لأن بني ~~أمية مثلوا بأخيها محمد بن أبي بكر عند ms64 دخولهم مصر أبشع تمثيل، فقتلوه ظمآن ووضعوه في ~~جوف حمار ميت ثم شووه ، وهذا بعد أن جروه من رجله في أسواق مصر، وأشهدوا على مثلته السفلة ~~والصبيان. ثم أرسلوا قميصه الذي قتل فيه وهو بدمه إلى المدينة، فلبسته نائلة زوجة عثمان ~~ورقصت به، وشوت أخت معاوية بن حديج خروفا وأهدته إلى السيدة عائشة - في ذلك العيد - وهي ~~توصي الرسول أن يقول لها: هكذا كان شي أخيك! فما أكلت السيدة عائشة بعدها شويا قط ~~وأقسمت لا تأكله حتى تلقى الله. # فلما تسامع المسلمون بأنباء هذه المثلة الشنعاء غضبوا للسيدة عائشة أن يشمت بها ولاة ~~الدولة الجديدة هذه الشماتة، وخاف الأمويون من جرائرها، وندم عقلاؤهم على ما كان من ~~سفهائهم، واحتاجوا إلى المبالغة في تشويه نصيب عائشة من فتنة عثمان، فأضافوا بألسنتهم ~~وألسنة أتباعهم وصنائعهم أقاويل وأباطيل تمتزج بما نسب إلى السيدة عائشة، فلا يعرف منها ~~الخالص والمشوب، ولا يسهل النفاذ من بينها إلى موقع المبالغة والتلفيق. # وخليق بنا أن نزداد حذرا من هذه المبالغات على قدر أصحاب المصلحة في قبولها. وقد اتفق ~~على تكبير نصيب عائشة من التحريض على عثمان مصدران متناقضان، وهما مصدر أصحاب معاوية ~~ومصدر الشيعة أصحاب علي: يريد الأولون ما قدمناه من تخفيف وزرهم في المثلة بأخيها والحيف ~~عليها، ويريد الآخرون أن يبطلوا موقفها من مطالبة علي بدم عثمان، وأن يثبتوا براءة ~~علي من دم الخليفة القتيل ومشاركة عائشة في مجمة قاتليه، فضلا عن مصلحة القاتلين ~~أنفسهم في التعلل بهذا السند الذي يعفيهم من لوم كثير. ~~••• # كذلك بدأت السيدة عائشة مشاركتها الأولى في السياسة العامة، وهي إلى الاضطرار أقرب منها ~~إلى الاختيار. # أما مشاركتها الثانية فقد كان اختيارها فيها أكثر من اضطرارها؛ فإنها تلقت خلافة علي من ~~مبدئها بالسخط والمقاومة، وأذنت لبعض الطامحين إلى الخلافة أن يتوسلوا بجاهها ويشركوها ~~معهم في خصوماتها، وكان أكرم لهم ولها لو أنهم جنبوها هذه الخصومة، وأنزلوها بحيث يعتصم ~~بها الفريقان، ويستوي في جيرتها العسكران، فتركوا لها مندوحة للمراجعة يوم دعاها الدعاة ~~بعد ms65 تفاقم الفتنة إلى السعي بينهم بالتوفيق. # وأصوب ما قيل في هذا المعنى مقال ذلك الفتى السعدي الذي تصدى للزبير وطلحة فقال لهما: ~~أما أنت يا زبير فحواري رسول الله، وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله بيدك، وأرى أم ~~المؤمنين معكما، فهل جئتما بنسائكما؟ # نعم، لقد أصاب ذلك الفتى من بني سعد حين أقام الحجة عليهما بهذا السؤال الذي يغني عن كل ~~جواب، فما من أحد يلومهما أن يوافقا السيدة عائشة في الرأي أو توافقهما فيه، وإنما ~~الملام الذي لا محيص عنه أن يتجاوزا النداء برأيها إلى الخروج بها في حومة قتال، وهما لم ~~يخرجا إليها بالمحارم والأزواج. # كانت في طريقها إلى مكة يوم لقيت ابن عباس موفدا من قبل عثمان ليتلو على الحجاج كتابه، ~~ويطلب النصفة بينه وبين الثائرين عليه، فاقترحت عليه أن يخذل الناس عن عثمان، وأن يشككهم ~~فيه، ورشحت للخلافة طلحة بن عبيد الله؛ لأنه «اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، ~~فإن يل الخلافة يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله عنه». # قال لها ابن عباس: يا أمه! لو حدث - أي اعتزال عثمان - ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا ... ~~قالت: إيها عنك لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك. # وألفت نفسها في مكة بين العثمانية والأموية يوم نزلت بها قبيل مقتل عثمان، فعن لها أن ~~ترجع إلى المدينة لتدرك الأمر قبل فواته، ولكنها سمعت في الطريق ببيعة علي فقالت فيما ~~رواه عبيد بن أبي سلمة وهو من خئولتها: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك. ~~مشيرة إلى السماء والأرض، ثم صاحت بركبها: ردوني! ردوني! وجعلت تتوعد في الطريق: أن ~~تطالب بدم عثمان ... فقال لها عبيد بن أبي سلمة: ولم؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت! ~~قالت: «إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي ~~الأول.» # وما لبثت في مكة قليلا حتى تجمع فيها كل ناقم على علي بن أبي طالب من أعدائه ومنافسيه، ~~فقضت أيامها بمكة بين العثمانية والأموية والولاة الذين ms66 أحسوا بزوال الدولة والثروة، ~~والذين أوجسوا من حساب الخليفة الجديد، ولحق بهم طلحة والزبير، وكلاهما طامح إلى الخلافة ~~يائس من الأنصار في المدينة، فاتفقوا جميعا على كلمة واحدة لا اتفاق بينهم فيما عداها، ~~وهي المطالبة بدم عثمان؛ لأن المطالبة به تغنيهم عن القدح في الخليفة الجديد، وليس ~~الاتفاق على القدح فيه بمستطاع. # كذلك لذلك ارتفعت الصيحة بدم عثمان. # وفي هذه البيئة غلبت على السيدة عائشة نية الخروج إلى البصرة بتلك الدعوة التي اتفقوا ~~عليها، وأكبر الظن أنها كانت وشيكة أن تحجم عن الخروج إليها لولا غلبة البيئة، واجتماع ~~الأصوات من حولها على نداء واحد، فإنها ما عتمت في الطريق أن صدمت أول صدمة حتى همت ~~بالرجوع، ثم أصرت عليه لولا احتيالهم في إقناعها بمختلف الحيل. # عبروا بماء الحوأب فنبحتهم كلابه، وسألوا: أي ماء هذا؟ فقال الدليل: هذا ماء الحوأب. ~~فصرخت بأعلى صوتها قائلة: إنا لله وإنا إليه راجعون، إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول ~~وعنده نساؤه: «ليت شعري! أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟» ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وهي ~~تقول: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقا، ردوني، ردوني، ردوني. وأقامت يوما وليلة لا ~~تريم مكانها، حتى جاءوا لها بخمسين رجلا من الأعراب رشوهم فشهدوا أنهم جازوا الماء، ~~وقالوا لها: مهلا يرحمك الله، فقد جزناه. ثم صاح عبد الله بن الزبير: النجاء، ~~النجاء، فقد أدرككم علي بن أبي طالب. فأذنت لهم في المسير بعد امتناع شديد. ~~••• # ونعتقد أن وقفتها عند ماء الحوأب لم تكن آخرة التردد من جانبها في أمر القتال، فإننا في ~~الواقع لم نقرأ بين أخبار وقعة الجمل المتشعبة خبرا واحدا ينم على عزمة قتال مبيتة ~~لغرض مرسوم، ويؤخذ من كلامها لأبي الأسود الدؤلي حين أشخصه إليها عامل علي بالبصرة، ~~أنها كانت تستبعد خروج أحد من المسلمين لقتالها، فقد سألته: أفتظن يا أبا الأسود أن ~~أحدا يقدم على قتالي؟ وكان أبو الأسود رجلا صعب المراس في نصرة علي فأجابها: والله ~~لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. وكان مما قاله ms67 لها قبل ذلك: ليس على النساء قتال ولا لهن ~~الطلب بالدماء، وإن عليا لأولى بعثمان منك وأمس رحما فإنهما أبناء عبد مناف. # ولم تزل بالبصرة على هذا التردد كلما اشتبك أتباعها وأتباع عثمان بن حنيف والي علي ~~عليها، فتحاجزوا عن الحرب غير مرة في المربد وفي دار الرزق، ونادى أصحاب عائشة بالكف عن ~~القتال بعد أن تورط فيه الفريقان بدار الرزق نهارا كاملا من الصباح إلى الغروب كثر فيه ~~القتلى والجرحى من الجيشين. # ثم أنفذ علي بن أبي طالب رسوله القعقاع بن عمر إلى طلحة والزبير وعائشة، فبدأ بعائشة ~~وسألها: أي أمه! ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني، الإصلاح بين الناس. قال: ~~فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما. فبعثت إليهما فجاءا، فقال لهما: إني ~~سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم ~~مخالفان؟ قالا: متابعان! قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحن، ~~ولئن أنكرناه لا يصلح. فذكرا قتلة عثمان وحكم القرآن، قال: لقد قتل بالبصرة ستمائة رجل ~~فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة ~~آلاف، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا ~~عليكم فالذي حذرتم أعظم مما تراكم تكرهون، وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد ~~اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء ... فسألته عائشة: فماذا تقول أنت؟ قال: إن هذا ~~الأمر دواؤه التسكين ... فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر، وإن أنتم ~~أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا المآل، فآثروا العافية ~~ترزقوها وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم، ولا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا ~~وإياكم. # قالوا: قد أصبت وأحسنت، فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر. ثم أقر ~~علي وساطة رسوله وأشرف القوم على الصلح لولا أن حبط هذا المسعى بسفاهة السفهاء من ~~العسكرين فترامى هؤلاء وهؤلاء، وجمحت الفتنة جماحها الذي خرجت به من ms68 أعنة ~~الرؤساء. # ولم ييأس الفريقان بعد هذا من وساطة الصلح، ولم يكن التردد من شأن عائشة وحدها، بل كان ~~أنصارها جميعا يترددون ولا يستقرون على صنيع، وقد قال لها الزبير يوما: ما كنت في موطن ~~منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا. قالت: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن ~~أدعهم وأذهب. # وربما تقابل الخصمان وجها لوجه فتناصحا على مسمع من العسكرين تناصح الإخوان ... نادي ~~علي خصمه الزبير يوما: يا زبير ارجع، فقال: وكيف أرجع الآن وقد التقت حلقتا البطان؟ # 1 # وهذا والله العار ... قال علي: يا زبير ارجع بالعار قبل أن تجمع العار ~~والنار. # فرجع، وأهاب به ابنه عبد الله يستثيره: أحسست رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها ~~فتية أنجاد؟ قال: قد حلفت ألا أقاتله. قال: كفر عن يمينك وقاتله. # وبينما هم في تقديم وتأخير ومشاورة ومثاورة أقبل كعب بن سور إلى عائشة فقال لها: أدركي، ~~فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله أن يصلح بك. فركبت وألبسوا هودجها الأدراع، وتعالت ~~الضجة من هنا وهناك، فسألت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر. قالت: بخير أو بشر؟ قالوا: بشر. ~~إذ كان القتال قد نشب بين الفريقين من تصارع الغوغاء وتدافع الغلاة وإفلات الأعنة من ~~الرؤساء. # ويبدو لنا من جملة الوقائع أن حملة الجمل كانت حملة اندفاع، ولم تكن حملة تدبير وتقدير، ~~ولا كان أحد من دعاتها يملك زمامها ويتجه به إلى مصير معروف. # وإلا فما يكون ذلك المصير، إن أصحابها لم يريدوا بها أن يفسدوا الأمر على علي بن أبي ~~طالب ليصلحوه لمعاوية، فليس منهم زعيم من حزبه والعاملين لدولته. # ولم يتفقوا على ولاية واحد منهم بعد هزيمة علي إن تمت هذه الهزيمة، وليست هي بالمركب ~~الذلول. # إنما هي حملة تهويل إلى المقاسمة في الأمر على وجه من الوجوه التي أشاروا إليها قبل ~~مفارقتهم المدينة: فيتولى بعضهم العراق وبعضهم اليمن، ويصبح الأمر شركة أو «شورى» بينهم ~~وبين الخليفة، على قولهم الذي عبروا به عن طلب الولاية في ms69 بعض الأحاديث بينهم ~~وبينه. # وفهم الحملة كلها على هذا الوجه أقرب ما نراه لفهم السيدة عائشة في موقفها من القتال ~~ومن السياسة العامة على الإجمال. # نعم، إن فهم مأساة الجمل هي وسيلتنا إلى فهم السيدة عائشة؛ لأننا نعرف مصادرها ومواردها ~~ومبلغ الأخطار المنظورة من ورائها عند الهجوم عليها، فنعرف النية التي جنحت بالسيدة ~~عائشة إلى الدخول فيها، وهي كل ما يعنينا من تاريخ تلك المأساة في هذا السياق. # والذي يبدو لنا من تلك الحوادث التي لخصناها فيما تقدم أن مأساة الجمل لم تكن عند ~~السيدة عائشة إلا دفعة من دفعات الحدة التي طبعت عليها، قدحتها المفاجأة وأوقدتها كثرة ~~المغريات بعداوة علي في بيئة لم يرتفع فيها صوت لغير أعدائه، ومهدت لها حوادث الماضي ~~تمهيدها الذي رسم لها الوجهة، واندفع بها عن هذه الخطة دون غيرها. # فمن تمهيد الحوادث الماضية أن طلحة والزبير وعليا لم يكونوا غرباء عن السيدة عائشة، ~~ولم تكن هي غريبة عنهم بميولها وسوابق شعورها. # فطلحة من بني عمومتها، ومن بني تيم قبيلتها وقبيلة الخليفة الأول أبيها. # والزبير زوج أختها أسماء، وابنه عبد الله ابنها الذي اختارته لكنيتها في بعض الروايات، ~~فكانت تكنى من أجله بأم عبد الله. # وعلي أقرب الناس إلى بيت النبي وزوج ابنته وأبو حفيديه، وصاحب الرأي الذي لا ينسى في ~~حديث الإفك، وهو نصيحته للنبي بتطليقها. # ومن الحق أن نقول إن الشعور الذي تكنه السيدة عائشة لعلي من جراء هذه النصيحة شعور ~~طبيعي لا غرابة فيه. # فلا ريب أن عليا - رضي الله عنه - قد أخطأه التوفيق في تلك النصيحة؛ إذ لم يكن من ~~الإنصاف أن تطلق عائشة لشبهة لغط بها المنافقون وطلاب الوقيعة بين النبي وأصحابه، ~~ولن يفهم الناس من تطليقها إلا أن النبي قد أدانها وأنف من معاشرتها، ولن يصيبها ذلك ~~وحدها، بل يلصق بها وبأبيها وآلها وصمة لا تمحى في زمانها ولا بعد زمانها، وقد يتعدى ~~الأمر عائشة وآلها إلى الإسلام كله فيتخذ المنافقون من صدق حديثهم الذي أفكوا به مطعنا ~~في ms70 صدق الدين ونبيه، وهذا كله إلى أن الإدانة بمثل تلك الشبهة لا توافق التحرز الشديد ~~الذي قضى به الدين في هذه القضايا ولو مست من هن دون عائشة في القدر والثقة. فما نحسب ~~عليا قد سها عن هذا كله وهو ينصح إلى النبي بتلك النصيحة إلا لفرط الغيرة على تنزيه ~~سمعة النبي وبيته، واستكباره في هذا الصدد أن يقال ما يقال، ولو لم يكن ثم برهان على ~~ما قيل. # وما من أحد يجهل الشعور الذي تقابل به النساء نصيحة كتلك النصيحة، فأقل ما يقال إنه ~~شعور لا غرابة فيه. # ثم ها هي ذي مسألة الخلافة والترشيح لها من بين عظماء الصحابة الذين بقوا على قيد ~~الحياة بعد موت أبي بكر وعمر وعثمان، ومن هؤلاء الصحابة علي وطلحة والزبير، وكلهم قد ~~ندبوا للاجتماع في بيت عائشة لاختيار واحد منهم للخلافة، وقال لهم عمر يومئذ: «إني ~~نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله ~~وهو عنكم راض، وإني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكن ما أخاف عليكم اختلافكم ~~فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة فتشاوروا واختاروا رجلا منكم.» # وكان جائزا أن يقع الاختيار في بيت عائشة على طلحة أو الزبير؛ لأنهما وكيلان من وكلاء ~~الشورى. # ثم انقضت خلافة عثمان، وتجددت المسألة كرة أخرى على النحو الذي شهدته عائشة قديما في ~~بيتها. فمع من يكون شعورها؟ # إن طلحة والزبير مرشحان للخلافة منذ اثنتي عشرة سنة، وقد تكرر اختيار الخليفة من غير ~~بني هاشم حتى أصبح في رأي بعضهم كالعرف الذي جرى عليه التقليد، وليس لعلي سند قاطع من ~~القرآن أو السنة يبطل ذلك العرف ويسقط حجة طلحة والزبير. فإذا كانت السيدة عائشة ~~أميل إلى طريق طلحة والزبير بشعورها وسابقة رجائها، فليس ذلك - كما أسلفنا - بغريب ~~ولا مخالف للمعهود في طبائع الناس. # على أننا لا نريد بما تقدم أن نسوغ موقف السيدة عائشة من وقعة الجمل وخصومات الخلافة، ~~وإنما أردنا تفسير شعورها على الوجه ms71 الذي لا غرابة فيه، ولم نرد تسويغه في نظر العقل ولا ~~في نظر التاريخ . # فعلي قد أخطأه التوفيق في نصيحته، وعائشة قد أخطأها التوفيق في مكافحته من أجل هذه ~~النصيحة، وإن كانت لا تلام على أنها كانت تتمنى الخلافة لسواه. # ولكننا إذا ذكرنا هذا كان علينا أن نذكر معه أن السيدة عائشة ندمت على موقفها من يوم ~~الجمل أشد ندامة، فكانت تقول بقية حياتها: ليتني مت قبل يوم الجمل، وقالت مرة: ليت كان ~~لي من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بنون عشرة وثكلتهم ولم يكن يوم الجمل. وكانت كلما خاض الناس في ~~حديث ذلك اليوم تبكي حتى تبل خمارها. # وعلينا أن نذكر أنها صانت خصومتها عن كل كلمة نابية في حق علي - رضي الله عنه - فلم ~~تتهمه بدم عثمان ولم تتجاوز بالتهمة بعض من بايعوه، وقالت عنه غير مرة إنه الصوام ~~القوام، وإنه أحب الناس إلى رسول الله. # وعلينا أن نذكر أن المغريات بالاندفاع في هذه الغاشية كثيرة: حدة في الطبع، ومفاجأة ~~تبتدر الحدة، وبيئة مطبقة بالعداء لعلي، وسعي حثيث من أقرب الناس إليها وأقربهم إلى ~~إقناعها. # وإنها مع هذا أقدمت على مورد مبهم لا يتضح الشر فيه، وترددت هنالك بين إقدام وإحجام، ~~واعتقدت أن الأمر لا يفضي إلى قتال، وأصغت إلى دعوة الإصلاح ودعت إليه. # وهو حادث لا بد له من عبرة، وإن عبرته لأحق عبر التاريخ الإسلامي بالتسجيل. # | حقوق المرأة # في حياة السيدة عائشة ميزان صادق لحقوق المرأة في عصرها، وقد يقاس عليه الميزان الصادق ~~لحقوق المرأة في جميع العصور. # فالحياة البيتية وما يتصل بها من حياة التربية والتعليم ومعونة الرجل في واجباته العامة ~~هي خير ما تتولاه المرأة من الأعمال. # والسياسة - ولا سيما السياسة في عصور الاضطراب - هي المجال الذي يحسن بها اجتنابه ولا ~~يرجى لها التوفيق فيه، وقد تؤدي فيه هنالك الخير إذا التزمت منه جانب المسالمة وكانت لها ~~وسيلة إليها. أما جانب الرئاسة والإشراف فلا طاقة لها به، ولا يتأتى لها أن تتولاه إلا ms72 ~~إذا نقلت إليه شئون البيت ومزجته بما يهمها من أواصر القرابة والمعيشة الزوجية. # فالسيدة عائشة كانت ربة بيتها وشريكة زوجها، وكان زوجها العظيم يعينها في شئونه، ويكون ~~في مهنة البيت ما دام فيه. # وكانت هي تعينه على شئون الهداية والإصلاح كلما وسعتها المعونة فيها، وقد لقنت الناس ~~ما تلقنته منه فأحسنت التلقين. # وهذا في جملته هو قوام الحقوق بين الجنسين. # ولكنها على ذكائها وعلمها، وعلى أنها في بيت الرئاسة نشأت وفي بيت الرئاسة عاشت، وأنها ~~تعودت أن يؤبه لها وتسمع كلمتها، قد تحولت بها طوارئ العصر إلى السياسة العامة، ~~فكانت فيها طوعا لأواصر البيت ودواعي المودة والنفور التي توحيها، ولم تكن مثلا ~~يقتدى به في توجيه الأمور العامة كما كانت مثلا للنساء كافة وهي ربة بيتها وشريكة ~~زوجها. # بل هي قد كانت أول مثل يستشهد به المستشهد على صواب الحقوق التي عرفها الإسلام ~~للنساء: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~وللرجال عليهن درجة ~~. # فلم تأت العصور بعد ذلك بإنصاف للمرأة أصوب من هذا الإنصاف. فليس المهم أن تساوي الرجل ~~في كل شيء وأن يكون لها مثل حقوقه ومثل واجباته؛ لأن المماثلة مع الاختلاف ليست هي ~~الصواب، وليست هي الإنصاف. # ولكن المهم أن تكون حقوقها مساوية لواجباتها، وأن يكون لها مثل ما عليها، وألا تظلم ~~في حياتها الخاصة والعامة شيئا، ولا يفوتها عمل تصلح له، وتحسن أداءه، وتغني فيه غناء ~~الرجل ولا يغني فيه الرجل غناءها. # وقوام ذلك كله أنهن: # لهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~. # وهي الدرجة التي ينفرد بها الرجال حيث تبطل المشاركة في الملكات والأعمال. # وإنما كان هذا قوام الإنصاف في حقوق الجنسين؛ لأنه حكم قائم على الواقع الذي لا يتغير ~~اليوم، ولم يتغير قط، ولن يتغير في الغد مهما تتغير أحكام الشرائع وأقاويل أصحاب الأقوال ~~والآراء. # وكل حكم قائم على إنكار الواقع أو المغالطة فيه فهو جهالة تنكشف لا محالة في يوم من ~~الأيام، وإن لم تنكشف كانت كالداء المكتوم أوبل ما يكون وهو مجهول. # والواقع ms73 أن الرجل والمرأة مختلفان، وأن اختلافهما حقيقة علمية وحقيقة تاريخية وحقيقة ~~حسية، وحقيقة تعرف بالعقل والبداهة. # فالمرأة تخالف الرجل في وظائف الغدد، وفي تكوين الأعضاء، وفي شواغل الذوق ~~والإحساس. # والمرأة تخالف الرجل في أعمالها وتكاليفها منذ القدم في جميع الشعوب، ومن قال إن هذه ~~المخالفة من فعل الرجال وسيطرتهم وليست من فعل الطبيعة وسيطرتها فقد قال إنها من فعل ~~الطبيعة وليست من فعل الرجال. # والمرأة تخالف الرجل في القدرة حتى حين تشاركه في العمل الذي تفردت به منذ زمن طويل، ~~فهي منذ زمن طويل تزاول الطهي والخياطة والتجميل والولادة، وتندب الموتى وتشيعهم ~~بالبكاء والتعديد، ولكنها لا تبلغ شأو الرجل في هذه الصناعات إذا وقعت المزاحمة بينهما ~~في إحداها، فالطاهي يفوق الطاهية، ومبدع الأزياء يفوق مبدعتها، والطبيب المولد مقدم ~~على الطبيبة المولدة، وكل ما نظمته النساء من الرثاء لا يوازن قصيدة من الرثاء الجيد ~~في شعر الرجال. # والمرأة تخالف الرجل، ولا بد أن تخالفه على سنة الفطرة التي عمت الأحياء، فإن سنة ~~الفطرة لا ترمي إلى توحيد العمل، بل إلى توزيعه وتنويعه، ولا تجعل جنسين ليشتركا في حقوق ~~واحدة وواجبات واحدة، بل تجعلهما جنسين ليختلفا في الحقوق كاختلافهما في ~~الواجبات. # هذه هي الحقيقة الماثلة بين أعيننا، وعلى أساسها ينبغي أن تنبني المذاهب والآراء، أما ~~الذين يضعون المذاهب والآراء ثم يقسرون الحقيقة على موافقتها فأولئك على باطل، ولن تقوم ~~للباطل قائمة في عالم الطبيعة. # ومن أمثلة المذاهب التي تقسر الحقيقة على موافقتها مذهب الشيوعيين في التسوية الكاملة ~~بين الرجل والمرأة؛ فهم يريدون أن يهدموا الأسرة؛ لأن الأسرة في زعمهم أصل الاستغلال، ~~وإن الاستغلال قائم على الاختلاف بين حقوق الرجل وحقوق المرأة، ولهذا يجب أن يبطل هذا ~~الاختلاف، وأن تتقرر المساواة بين الرجال والنساء في جميع الأحوال وجميع الأعمال. # وهذا تسخير للحقيقة في سبيل الرأي، وهو وحده كفيل بالقضاء على المذهب الشيوعي واقتساره ~~عاجلا أو آجلا على موافقة الحقيقة التي يريد هو أن يقتسرها على هواه. ~~••• # فليس الإنصاف إذن أن يتساوى الرجل والمرأة ms74 في جميع الحقوق والواجبات وهما مختلفان هذا ~~الاختلاف الظاهر للعيان، الماثل للعلم والحس منذ كان الإنسان، بل قبل أن يكون الإنسان؛ ~~حيث يختلف الذكر والأنثى في عالم الحيوان. # ولكن الإنصاف الذي يجتمع فيه حكم الفطرة وحكم الآداب الإنسانية هو أن تأخذ من الحقوق ~~كفاء ما عليها من الواجبات، وأن تعطى حقوقها وتسأل عن واجباتها بالمعروف: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~، لا ~~بالإرهاق والإذلال، فهنالك تهذيب الإنسان إلى جانب حكم الفطرة، وهما خير مناط لإنصاف ~~الشرائع والآداب. ~~••• # وليس من الحيد عن سواء التفكير أن يستطرد الفكر هنا إلى سؤال لا بد أن يخطر على ~~البال، وهو السؤال عن تعدد الزوجات: أهو من الإنصاف؟ أهو من الكرامة والمعروف؟ أهو من ~~سنة الفطرة وتهذيب الإنسان؟ # واعتقادنا نحن أن المثل الأعلى للزواج هو الزواج بين رجل وامرأة يتحابان ويمتزجان ~~بالجسم والروح ولا يفترقان مدى الحياة. # ولكننا نعتقد مثل هذا الاعتقاد أن المثل الأعلى لم يخلق قط لتفرضه القوانين على ~~جميع الناس. # إنما المثل الأعلى هو الحالة النادرة التي تتيسر كلما تيسر الكمال أو تيسرت مقاربة ~~الكمال. # وليست هذه بالحالة التي تفرضها القوانين على كل رجل وكل امرأة من جميع مراتب التفكير ~~والتهذيب. # فإنما تفرض القوانين ما يستطاع بين عامة الرجال وعامة النساء، وما تسمح به أخلاق ~~الزوجين وضرورات المعيشة التي لها عليهما سلطان مسموع كسلطان الأخلاق. # ولا حاجة إلى فرضها على الأمثلة النادرة بين صفوة الرجال وصفوة النساء؛ لأن هذه الأمثلة ~~النادرة في غنى عن تعليم القوانين. # والإسلام لم يقل إن تعدد الزوجات هو المثل الأعلى، ولم يفرضه على كل مسلم، ولم يحمده من ~~كل مسلم، ولم يخله من شرط عسير، هو العدل في المعاملة وإن تعذر العدل في المحبة، ~~ولم يفعل إلا أنه وضع التشريع في موضعه الذي يحسب فيه حساب المثل النادر والمثل الشائع، ~~ولم تأت بعده شريعة حلت هذه المشكلة بغير الهرب منها أو المغالطة فيها، كما هو الواقع ~~الملموس في الأمم التي تحظر تعدد الزوجات ولا تحظر المعيشة مع الخليلات، ms75 أو معاملة ~~النساء كمعاملة العجماوات. # وفي المجتمع الإنساني حالة يكثر فيها عدد النساء ويقل عدد الرجال، ولم تستطع الحضارة ~~التي ينعون باسمها تعدد الزوجات أن تمنع تلك الحالة أو تبطل عواقبها، فلا نزال في كل جيل ~~نشهد حربا من الحروب العالمية التي تنجلي عن ثلاثين أو أربعين مليونا من الفتيات أو ~~الأرامل بغير قرناء. # وقل ما شئت في تعدد الزوجات فهو خير من التبذل الوبيل، أو من إعطاء المرأة محلا في ~~المصنع بديلا من محلها في البيت والأسرة. # وقد ينطلق الهوس بالمساواة إلى أبعد من هذا المدى فيسأل سائل: وهل يجوز للمرأة تعديد ~~الأزواج كما يجوز للرجل تعديد الزوجات؟ # وجواب ذلك أنه بحكم الفطرة لا يجوز؛ لأن الرجل يستطيع أن يؤدي واجب الأبوة مع تعدد ~~زوجاته، ولا تستطيع المرأة أن تؤدي واجب الأمومة لأربعة أزواج أو لزوجين اثنين. # كذلك له هو من حق مراقبتها والسهر عليها أكثر من حقها هي في مراقبته والسهر ~~عليه. # لأنها تستطيع أن تخدعه بولد ليس من لحمه ودمه، أو تخدعه في أمس شعور به بعد شعوره ~~بكيانه. # ولكنه هو لا يستطيع أن يخدعها بولد ليس من لحمها ودمها، وأن يصيبها بمثل هذا المصاب ~~الأليم الذي ليس آلم منه ولا أفجع في نكبات النفوس. # وهنا محل عادل للدرجة التي للرجال على النساء، كالعدل في محل تلك الدرجة عند التفرد بحق ~~تعديد الزوجات، وعند التفرد بحقوق تخالف حقوق النساء، تبعا للخلاف في التركيب ~~والتكوين. ~~••• # على أن البحث في حرية الزوجة والبحث في حرية المرأة مسألتان اثنتان لا مسألة ~~واحدة. # لأن الآراء على تناقضها تلتقي في مسألة حرية الزوجة عند ملتقى واحد وهو تقييدها بحقوق ~~الزوج كائنا ما كان الرأي في قداسة الزواج؛ فالذي لا ينكر الخيانة ينكر السرقة ~~والاغتصاب، والذي لا يؤمن بالعاطفة الخالصة يؤمن بشروط القسمة بين الشريكين، ومما لا ~~جدال فيه أن الزواج شركة لها شروطها، وأهون ما يقال في تلك الشروط أنها كشروط الشركة في ~~المال، فلا يجوز للزوجة أن تختلس من حقوق شريكها، ms76 ولا أن تسرق نصيبه المقسوم بينهما على ~~السواء، وهنا الملتقى بين القائلين بالوفاء والقائلين بالمحافظة على حصة الشريك. # وخلاصة ذلك كله أن حقوق المرأة لم تكن قط مسألة فرد ولا مسألة أمة أو مجتمع موقوت، ~~ولكنها كانت ولن تزال مسألة النوع الإنساني بأسره، فلا مناص فيها من الضوابط التي تعبر ~~عن مصلحة النوع، وتتجاوز المصلحة العاجلة والغرض القريب. # ولهذا تصدق الأديان؛ لأنها تنطق بلسان الفطرة السليمة، وتكذب المذاهب التي تحسب أن ~~ضوابط الجنس في المرأة والرجل من اعتساف الأديان؛ لأن الإباحة التي تنادي بها هذه ~~المذاهب تدل على جهل بالفطرة، وهي تنادي نداءها باسم العلم والمعرفة الحديثة، وهنا ~~فلنحسب للقدم مزيته الأولى؛ إذ هو قدم الفطرة الباقية، وهي أسبق إلى المعرفة الصادقة من ~~كل حديث. ms77