######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.SunYatSen.Hindawi41475903 #META# Tags: biographies #META# ID: 41475903 #META# Title: سن ياتسن أبو الصين #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة عن كلمة‏ # الصين‏ # أبو الصين‏ # من أعماله‏ # من أقواله‏ # كلمة عن كلمة‏ # الصين‏ # أبو الصين‏ # من أعماله‏ # من أقواله‏ # | سن ياتسن أبو الصين # | سن ياتسن أبو الصين # تأليف # عباس محمود العقاد # سنن ياتسن (أبو الصين). # | كلمة عن كلمة # يسمى سن ياتسن بأبي الصين. # ويحق لأبناء الصين الحديثة أن يلقبوه بهذا اللقب؛ لأنه في الحق قد ولد الصين ولادة جديدة، ~~فهو أب لها بكل معاني الأبوة الروحية. # ومن فضول القول أن نقول: إن الولادة الروحية هي ولادة فكرة، ولعلها فكرة واحدة تنطوي فيها ~~جميع الأفكار. # وفكرة سن ياتسن التي ولد بها الأمة الصينية مولدا جديدا هي هذه الكلمة التي جعلناها ~~عنوان الكتاب. # هي: ما أسهل العمل، وما أصعب الفهم. # أو هي في صيغة أخرى من صيغها إن العمل سهل، وأما الصعب فهو فهم ما تعمل. # كانت الصين كلها تقول غير هذا قبل قيام هذا الزعيم بدعوته. # كانت تقول نقيض هذا من طرف إلى طرف، فالصعب عندها هو العمل، والسهل عندها هو الفهم، وما ~~يتبعه من شروح. # وكانت حكمتها الخالدة: ما أسهل الفهم وما أصعب العمل، أو ما أسهل الكلمات وما أصعب ~~الأعمال. # ومن الكلمات ما يلخص حضارة كاملة. # وأصدق ما يكون ذلك على الحضارة الصينية: تلك الحضارة التي قامت على تقديس الأسلاف وتوارث ~~الحكم من أفواههم أحقابا أحقابا، وأعقابا بعد أعقاب. # وقد تلخصت حضارة الصين كلها في طلب المعرفة. # وتلخصت المعرفة كلها عندهم في طلب الدعة، فلا شيء أدل على الحكمة وعلى المعرفة من إعفاء ~~النفس من الجهد الذي لا يجدي، وأي جهد يجدي في عالم لا يتغير ولم يتغير منذ ألوف السنين: ~~حرب بعد حرب، وعرش يسقط وعرش يقوم، وحال تتداولها الأيام على وتيرة واحدة، وشرور معروفة ~~تذهب وتعود، وعمل معروف النتيجة آخر المطاف، ونتيجة الأمس هي نتيجة اليوم ونتيجة الغد، ~~ووراءك الماضي مكشوف للنظر إن كان المستقبل أمامك غير مكشوف. # ولقي أبو الصين العنت الأكبر من تلك الحكمة الموروثة، حكمة الإيمان بصعوبة العمل وقلة ~~جدواه؛ فكلهم يقول إذا ms001 لقيهم شارحا لهم مصائب وطنهم: نحن نفهم ما تفهم يا صاح، نحن نود أن ~~نعمل لو تيسر العمل، ولو كان بالعمل جدوى، ولو كان كل ما هنالك أننا نفهم مصائب هذا الوطن ~~المسكين. # إليك عنا يا صاح: ما أسهل الكلمات وما أصعب الأعمال. # فلما جاهد الرجل جهاده كانت علامة نجاحه الأولي، بل علامة نجاحه الكبرى، أنه وجد من ~~الأعوان أناسا يؤمنون بسهولة العمل متى فهموا ما ينبغي أن يعملوا، ثم عمل شيئا ولا شك، ~~وإن لم يعمل كل شيء، ولكن الذي عمله لم يكن إليه سبيل لو ظل الناس يرددون حكمتهم القديمة في ~~الفهم اليسير والعمل العسير. # وأسهب الرجل غاية الإسهاب في الفهم، أسهب غاية الإسهاب، وفصل غاية التفصيل، ووهم من ~~يسمعه أو يقرؤه أنه لا يحسن إلا أن يفهم ويعين التفهيم، وأنه غارق في الأحلام، غارق في بحار ~~من الكلام، وهكذا وصفه الذين عاهدوا أنفسهم ليصغرن كل كبير من بعض نواحيه، فعابوه بأنه ~~«حالم» ... ولو أنهم بحثوا عن عظمة له أعظم من أحلامه لما وجدوها، بل لو أرادوا أن يتخيلوا ~~عملا له بغير الحلم لما استطاعوا أن يتخيلوه. # إن سن ياتسن قد بدأ عمله بالدعوة إلى إسقاط أبناء السماء. # فلو لم يكن حالما كيف كان يخطر له هذا العمل على بال؟ # إن أبناء السماء كانوا يحكمون أربعمائة مليون من النفوس الآدمية، وكان لهم أعوان من الدول ~~الكبرى يأبون أن يسقطوهم؛ لأنهم عاهدوهم على تسليم الغنائم والمزايا، وعلموا أن سقوطهم ضياع ~~لكل غنيمة وكل مزية، فمن كان ينهض لإسقاط هؤلاء فهو يحلم، ولو لم يكن قادرا على هذا الحلم ~~لما كان قادرا بعد ذلك على عمل. # وهذه هي عظمة الرجل! # وبهذا يعاب عند الذين يجهلون كيف يعيبون، ولكنهم مع هذا يعيبون؛ لأن العيب سهل، أما ~~العسير حقا فهو التعظيم والتقدير! # وسقطت أسرة أبناء السماء في حياة الرجل، فمن شاء أن يقول إنه عامل جد عامل فقد صدق، ولكن ~~العمل والحلم سواء عند القادرين على هذه الأعمال، وعلى هذه الأحلام. # وما ms002 استطاع الرجل أن يعمل هذا العمل إلا لأنه استطاع أن يوقع في الأذهان أن العمل سهل متى ~~فهموا ما ينبغي أن يعملوه. # ولعلهم لم يفهموا كل ما أراد، ولم يعملوا كل ما كان ينبغي أن يعملوه، فصح بذلك دعاؤه ~~الأول والأخير. إن الفهم عسير جد عسير. # لقد كان سن ياتسن حالما حقا، ولو لم يكن حالما حقا لما كان له عمل في قومه، وفي هذه ~~الصفحات تفسير حلم عظيم؛ لأنه حلم رجل عظيم، استطاع أن يحلم لأمة كاملة حيث لم تستطع قبله ~~أن تحلم لنفسها، وقلما استطاع أحد أن يحلم لأمة كاملة إلا كان له في تاريخها عمل خالد وأثر ~~مقيم. # | الصين # لمحة تاريخية # وهذه اللمحة التاريخية التي نقدم بها سيرة زعيم الصين إنما هي إشارة اتجاه من العصور ~~القديمة إلى العصر الذي عاش فيه الزعيم، نرسمها سريعا بمقدار ما تلزم لتوضيح عمله ~~وإبراز دواعيه، ولا نقصد بها أن نحيط بالتاريخ كله مفصلا أو مجملا؛ لأن الإحاطة ~~بتاريخ الصين - ولو بمجرد سرد العناوين الكبيرة - عمل يستغرق المجلدات الطوال. # وأهم إشارة من إشارات الاتجاه أن الصين وحدة وطنية لا نظير لها في العالم، خلافا لما ~~روجته سياسة الاستعمار في القرن التاسع عشر لتسويغ قسمتها بين الدول الطامعة فيها، فقد ~~كان الساسة المستعمرون يقولون كلما احتجت حكومة من حكومات الصين على اقتطاع جزء منها أن ~~سيادة الأمة الصينية لا وجود لها؛ لأن البلاد التي يطلق عليها اسم الصين إنما هي اصطلاح ~~جغرافي لا يشتمل على سيادة وطنية واحدة. # ولا يصدق هذا القول على الصين الصميمة حتى من الوجهة الجغرافية؛ لأنها في الواقع بلاد ~~ذات وحدة جغرافية بينة وحدود أرضية فاصلة، يكفي أن يخترقها المهاجر ليقال: إنه دخل من ~~بلاد إلى أخرى وإنه يقتحم أرضا لا تستباح بغير اقتحام. # فمنذ أقدم العصور وجدت الصين الصميمة التي تحيط بها الجبال والسهوب والأنهار، ووجدت ~~فيها الأرض التي تصلح للزراعة والأرض التي تجاورها غير صالحة للزراعة، ولكنها صالحة ~~للمرعى والصيد، يسكنها أهل البداوة الذين يعتمدون على ms003 أهل الحضارة ويلازمونهم ملازمة ~~الجوار، وإن كان جوارا يجور فيه أحد الفريقين على الآخر حينا بعد حين، حسب تقلب ~~الأحوال بين الخصب والجدب والرواج والكساد. # وأقوى من الوحدة الجغرافية في تكوين الوحدة الوطنية وحدة السلالة القومية، وأقوى من ~~الوحدتين جميعا وحدة التاريخ المتصل والثقافة المتشابهة، ولم تجتمع هاتان الوحدتان ~~لأمة من الأمم كما اجتمعت لأمة الصين. # فإذا صرفنا النظر عن قبائل الأصلاء الذين يتفرقون هنا وهناك فالصينيون جميعا من ~~سلالة واحدة هي السلالة المغولية، ومقامهم بتلك البقاع يرجع إلى العصر الحجري الأول، بل ~~يرجع إلى عهد إنسان بكين # Sinanthropus # الذي عثر عليه ~~الحفريون بجوار بكين، وزعم بعضهم أنه هو الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان، وقدروا ~~أنه عاش في تلك البقاع قبل مئات الألوف من السنين، فإنهم يقولون إن في السلالة المغولية ~~مشابه من إنسان بكين في خصائص الجمجمة والأسنان لا توجد عامة شائعة بين جميع السلالات ~~البشرية، وإن الجنس المغولي قريب إليه؛ لأنه تطور منه مباشرة في مدى التاريخ ~~المجهول. # وقد أسلفنا أن وحدة التاريخ والثقافة أقوى من وحدة السكن والسلالة؛ لأن اختلاف ~~التاريخ والثقافة قد جعل من السلالة المغولية الواحدة شعوبا متفرقة يعادي بعضها بعضا ~~ويتعالى بعضها على بعض تارة بصفات الحضارة وتارة بصفات الفطرة والفروسية. # فالجنس المغولي، الذي أقام في البلاد المخصبة بين غرب الصين وجنوبها، قد شملته ثقافة ~~واحدة منعزلة بين ثقافات الأمم الإنسانية؛ حيث كانت من أمم الشرق والغرب أو أمم الشمال ~~والجنوب، فلا توجد لغة كاللغة الصينية ولا كتابة مثل كتابتها، ولا تشبه هذه اللغة ~~فروعا من اللغة المغولية الأخرى كاللغة التركية أو لغة القبائل في آسيا الشمالية. فهذه ~~الفروع تتولد فيها الكلمات باللصق والإلحاق، ولكن اللغة الصينية يتوقف فيها معنى الكلمة ~~على ترتيبها في الجملة وعلى اختلاف نغمتها الصوتية، وكتابتها كذلك كتابة رمزية صوتية ~~وليست كغيرها من الكتابات التصويرية أو المقطعية الحرفية. # هذه الوحدة الثقافية تساندها الوحدة التاريخية في عصور بالغة في القدم، فإن تاريخ ~~الصين الصميمة واحد منذ تلك العصور التي يتداخل فيها ms004 الزمن المجهول والزمن المعلوم، بل ~~هو واحد قبل أن تصبح أقطار الصين دولة متحدة، فإن وحدة الدولة ووحدة التاريخ شيئان ~~مختلفان، فإذا شمل التاريخ عشرة أقطار ينازع بعضها بعضا فذلك تاريخ واحد، وإذا توحدت ~~الدولة وتعاقبت عليها ثقافات متعددة فتلك عدة تواريخ. # وقد مضى تاريخ الصين القديمة على وتيرة واحدة بثقافة واحدة، حتى في الطوارئ العارضة ~~على حكومتها حقبة بعد حقبة، فإنها يشبه أن تكون دورة واحدة تتكرر على نسق واحد، فلا ~~يشعر الناس بالغرابة عند قيام دولة وسقوط أخرى؛ لأنها تجري على النحو الذي تعودوه ~~وانتظروه وتوارثوا رواية أخباره حتى كاد أن يتساوى فيها العلماء والجهلاء. # تقوم الدولة حتى ينهكها الترف وسوء الحال في الرعية، فتسقطها ثورة من تلك الرعية أو ~~غارة من أهل البداوة المحيطين بها على تربص الطامع الذي ينتهز الغرة، وهكذا تتعاقب ~~الحكومات الوطنية وغير الوطنية، فما قام به ثائر من الرعية فهو حكم وطني، وما قام به ~~مقتحم من الشمال أو الغرب الجنوبي حيث تحوم القبائل المتربصة فهو حكم أجنبي، وتكررت ~~علامات السقوط حتى أصبحت من العلامات التي يسهل التنبؤ عنها قبل وقوعها، فما استقرت قط ~~حكومة حاربها الأساتذة والفلاحون، وما سقطت قط حكومة أيدها هؤلاء وهؤلاء؛ لأن الأساتذة ~~هم ملاك الدواوين والإدارة في تلك الأقطار الشاسعة، والفلاحين هم الطاعمون المطعمون، ~~فإذا تعطلت الدواوين وتعطلت موارد العيش فلا بقاء لدولة قائمة، وإذا انتظمت الدواوين ~~وطعم الفلاح وأعطى الشعب طعامه، فلا ضير على الدولة القائمة وإن عدا عليها المغير من ~~خارجها، فإنها تدفعه فلا يشق عليها دفعه عن أرض لا عون له فيها. # قام على حكم الصين على هذه الوتيرة نحو عشرين أسرة، من عهد السادة الخمسة إلى عهد ~~أسرة المانشو التي سقطت في سنة 1912، وقامت على آثارها الجمهورية. # ولكن الصين لم تحكمها دولة واحدة إلا في عهد الأسرة الرابعة وهي أسرة شو، التي تولت ~~الحكم من سنة 1122 إلى سنة 225 قبل الميلاد، ولم تتمكن من توحيدها إلا قبيل سقوطها بزمن ~~وجيز، ومن نقائض التاريخ ms005 أن هذا التوحيد قد مهد لسقوط الأسرة من حيث لا تحسب؛ لأنها ~~وزعت نبلاءها على الأطراف ليحكموها ويصدوا غارة المغير عنها، ونجح هذا التوزيع في أيام ~~قوة الدولة وقوة العاهل الأكبر؛ لأنه كان يدعو إليه الولاة كل سنة ليحاسبهم على أعمالهم ~~في ولاياتهم، وكان يخرج للطواف كل خمس سنوات على جميع الولايات، فانتظمت الدولة وكانت ~~هيبتها في نفوس الكبار والصغار زاجرا للولاة ومهيمنا على سيرتهم الظاهرة والباطنة في ~~أقصى الأطراف. # فلما ضعفت الحكومة المركزية زادت في ضعفها جرأة الولاة عليها، فوثبت على العرش أسرة ~~جديدة هي أسرة شين، وافتتحت عهدها بالقضاء على نظام الإقطاع، وخطر لعاهلها القوي «شين ~~شيه هوانج تي» أن يستعيض من قوة الولاة في الأطراف بقوة الحجر والقرميد، فبنى حائط ~~الصين المشهور لصد الغارات عنها من الثغرات المفتوحة، وبالغت هذه الأسرة في تعقب ~~البقايا المتخلفة من الماضي حتى أمرت بإحراق الكتب وتحريم النظر فيها، وقيل في وصف ~~سياستها العجيبة أنها أقامت سورا بين الماضي والمستقبل كما أقامت سورا على مواقع ~~الأرض بين الصين وجيرانها. # ثم تعاقبت الأسر على هذه الوتيرة، تارة على اتصال وتارة على انفصال تتخلله الثورات ~~وتنقطع فيه علاقة الولايات بالحكومة المركزية، وقد تبقى الأسرة المغلوبة مسيطرة على بعض ~~الولايات والأسرة الجديدة قائمة بالحكم في العاصمة الكبيرة، حتى كانت أسرة «منج» ختام ~~الأسر الوطنية في بكين (1403-1644) وكانت أسرة المانشو فيها ختام الأسر الأجنبية ~~(1644-1912). ~~••• # هاتان الأسرتان هما الأسرتان الحديثتان اللتان أدركتا العصر الحديث من القرن الثامن ~~عشر إلى القرن العشرين، وفي عهديهما اتصل الغرب بالصين ونشأت العلاقات بينها وبين ~~الحضارة الأوروبية، سواء من جانب السياسة أو من جانب الثقافة. # ولكنها على حداثتها تعتبر كل منها نموذجا لأمثالها من أقدم العصور، قيامها كقيام ~~غيرها من الدول الوطنية أو الدول الغربية التي طرأت على البلاد من الشمال أو من الغرب ~~الجنوبي، منذ ألوف السنين، ومحاسنها كمحاسن تلك الأسر الخالية ومساوئها كمساوئ تلك ~~الأسر، بلا اختلاف بين السابق واللاحق كأنما وقف الزمن عن التقدم والتغير من الأسرة ms006 ~~الأولى إلى الأسرة الأخيرة قبل الجمهورية. # وكل ما سجله التاريخ من الوقائع أو الأساطير فقد تكرر في كلتا الأسرتين على قرب العهد ~~بنشأة الثانية منهما أو الأولى، بالقياس إلى الدول التي تقادمت عهودها قبل الميلاد أو ~~بعده ببضعة قرون. # كانت أسرة يوان التي سبقت أسرة منج مغولية من أرض الشمال، فنبتت بذور الثورة عليها في ~~الجنوب، وانتشرت الدعوة المعادية لها على يد جماعة البشنين الأبيض، وهي جماعة سرية ~~تنتحل الصبغة الدينية لمداراة أغراضها السياسية، وكان زعيمها يدعي أن بوذا نفسه عائد ~~إلى الدنيا لاقتلاع جذور الأجنبي الغاصب، وأنه تلقى الوعد بعودته وحيا من ~~السماء. # ثم جاء الانقلاب على يد «شويوان شانج» ابن الفلاح الذي جعلته الروايات التاريخية ~~بطلا من أبطال الأمة، وكادت روايات القصص الشعبي أن تجعله شخصا من شخوص الخرافات، ومن ~~القصص التي يتداولها الشعب عنه أنه كان ملحوظا بالعناية الإلهية منذ صباه، وأنه كان ~~مدخرا للملك وهو يرعى الماشية لرجل من أصحاب الضياع والكراع، ومن رعاية الآلهة له أنه ~~أولم لأصحابه وليمة وذبح فيها ثورا من قطعان مولاه، ثم غرس ذنبه في الأرض وقال لمولاه ~~حين سأله عنه: إنه غاص في الأرض وأراه موضع الذنب المغروس، فلما راح الرجل يجذبه ليظهر ~~بهتان الراعي المختلس ثبت الذنب في موضعه وسمع من باطن الأرض خوار كخوار ~~الثيران. # ويروى عن «شويوان شانج» هذا أنه تنسك وتعلم علوم النساك والحكماء، واطلع من ثم على ~~أسرار جماعة البشنين الأبيض، فقاد ثورتهم وأقام نفسه ملكا على إقليم «وو» حيث كان ~~يقيم، فزاحمه على الملك ابن صياد وحشد مراكب الصيد لقتاله، ولكن الآلهة لم تخذله فقهر ~~مزاحمه وأحرق مراكبه في موقعة كبيرة على بحيرة «پويانج» إلى جنوب النهر العظيم، ثم ~~انهار ملك العاهل المغولي في بكين بعد حملة «شويوان شانج» عليه. # وليس في تاريخ هذا البطل الوطني من غرابة في خبر من أخباره غير القصص ~~الخرافية. # أما ارتقاء راع ابن فلاح إلى سرير الملك فلم يكن غريبا قط في مأثورات الصين القديمة ~~والحديثة؛ إذ كانت ms007 الثورات على الإجمال من قبل الفلاحين والأساتذة، فإذا اجتمع لابن ~~فلاح علم النساك والحكماء فترشيحه للملك يجري مجرى العادة عندهم في معظم الثورات، ومن ~~حكمة الصين أن الملك تفويض من السماء، فمن ملك فهو مختار السماء وابن السماء ولا يعبده ~~قومه كما يتوهم المتوهم من هذه التسمية، ولكنه ينسب إلى السماء؛ لأنه مختارها لحكم ~~البشر، ولا يزال قائما بالأمر ما دام مختارا من السماء، فإذا سقط فتلك آية السماء على ~~نبذه وإبطال اختياره، ولم يكن نادرا في الصين أن يرتفع العواهل من حضيض الأرض إلى عروش ~~أبناء السماء. # وجرى على هذه الأسرة ما كان يجري على الأسر الوطنية أو الأجنبية من قبلها، فازدهرت ~~أيامها على عهود الملوك الفرسيين كلها من ذوي الأيد والحكمة، ثم آل الأمر فيها إلى ~~الخصيان والجواري وسماسرة الشهوات، فاستبد بالأمر الخصي «وان شن» في عهد ملكها السادس ~~الذي يناديه بالأستاذ؛ لأنه رباه من طفولته، وكان يأمر الرؤساء والعظماء إذا خاطبوه أن ~~ينادوه باسم الأب الجليل، فطاشت سياسة القصر ووغرت صدور الرعية من الخاصة والعامة، وعاد ~~المغول إلى الطمع في العرش، ومكنهم منه تقلص الدولة وضياع الأقاليم منها واحدا بعد ~~واحد، واضطرار ملوكها إلى مضاعفة الضرائب لتعويض الخسارة والإنفاق على جيوش الدفاع، ~~فاتفق الفلاحون والأساتذة كرة أخرى على خذلان الدولة القائمة، ولإثبات الدولة في الصين ~~يتفق عليها هؤلاء وهؤلاء. # وطالت المناوشات بين الدولة المدبرة والدولة المقبلة حتى انتهت آخر الأمر بقيام ~~الدولة المانشوية، واستقر لها الحكم شيئا فشيئا مع استمرار المقاومة في الجنوب، حيث ~~تشتد المقاومة الوطنية دائما؛ لأنه موطن الصين الصميم، ولأنه معقل الحضارة على الدوام ~~لما ورثه من الأسلاف وما يستفيده من معاملة الأمم الأخرى التي لا تني ترسل إليه بالسفن ~~والمتجرين يتزودون من موانئه ويحملون السلع من بلادهم إليه. # واتخذت دولة المانشو خطتين مختلفتين في سياسة الجنوب على الخصوص: سياسة من جهة ~~الثقافة وسياسة من جهة العادات والأخلاق، فاجتهدت في اقتباس الثقافة الجنوبية؛ لأنها لم ~~تستطع أن تنكر مزية الجنوب فيها، وأمرت باستنساخ جميع ms008 الكتب النادرة فملأت بها خزائن ~~القصور، وقربت إليها العلماء والمتعلمين للإشراف عليها ومدارستها، وفتحت لهم أبواب ~~الدواوين يرتقون إلى مناصبها بالامتحان جريا على ألسنة الموروثة من زمن بعيد. # أما من جهة العادات والأخلاق فقد كانت تنظر إلى الشعب الصيني نظرة المترفع المحتقر؛ ~~لأنها اعتقدت فيه النعومة والتأنث وضعف المراس، فحرمت على أبناء الشمال أن يتزوجوا من ~~بنات الشعب أو يزوجوا بناتهم لأبنائه، وفرضت على الصينيين أن يرسلوا ضفائرهم كما يفعل ~~المغوليون، ودارت الأيام دورتها وعاد الخصيان إلى صولتهم وتحكمت جارية بعد جارية في ~~العواهل القاصرين، وتيقظت النخوة الوطنية بعد حين فرجعت جماعة البشنين الأبيض إلى ~~نشاطها الأول، وقادها في هذه المرة زعيم يتستر وراء الدين ليخفي مقاصده السياسية التي ~~لم تكن واضحة كل الوضوح، وكانت المسيحية قد دخلت الصين فادعى «هونج» قائد الجماعة أنه ~~أخو السيد المسيح، وحرم الأفيون والخمر وقضى في عقوبة الزنى بالموت، وعرفت دعوته باسم ~~دعوة «التايبنج تيان كو» أي مملكة السلام السماوية، فعامله الغربيون المسيحيون معاملة ~~الدجالين؛ لأنهم لم يقبلوا هذا المذهب من المسيحية، وعامله الصينيون المحافظون معاملة ~~مارق؛ لأنه يعيب عقائدهم الوطنية، وجاء المغامر الأمريكي وارد # Ward # والمغامر الإنجليزي جوردن # Gordon # في طلب الفتوح المجهولة، فدخلا في خدمة الأسرة المالكة ودربا ~~لها الجنود المنظمة للقضاء على الثورة، وتم القضاء عليها بتأييد السياسة الاستعمارية؛ ~~لأنها خشيت مغبة انتصار الثورة على بلاط بكين، ومعه كانوا يعقدون العقود لاستغلال ~~الأسواق والموارد وتثبيت مزايا المعاهدات. ~~••• # كان إخفاق الدعوة إلى مملكة السلام السماوية نكبة على الصين في ظاهر الأمر؛ لأنها ~~أطالت أجل الأسرة المالكة التي أفسدت البلاد ووقفت وقفة المستيئس العنيد لتحول دون ~~إصلاحها وتبديل أي نظام فيها من النظم العتيقة التي جمدت عليها. # ولكن هذا الإخفاق إنما كان نكبة في الظاهر، نعمة في الواقع؛ لأن الصين إنما كانت في ~~حاجة إلى ثورة يعرف دعاتها ما يعوز البلاد وما يكفل لها السلامة والتقدم، ولم تكن ~~الدعوة إلى مملكة السلام السماوية أهلا لهذه المهمة الضخمة، بل لعلها كانت نكبة أخرى ~~تخلف ms009 النكبة التي ابتليت بها من الأسرة المالكة ، وتستدعي بعد ذلك علاجا أقوى من علاج ~~الجمهور على القديم. # وكأنما ادخر القدر لهذه المهمة ثورة أخرى تدرك الصين ضرورتها بعد يقظة قاسية من فعل ~~الحوادث؛ تفتح عيونها وتلمسها بأيديها مواضع العجز والقصور منها، وتلك هي ثورة «سن ~~ياتسن» الذي لقب حقا بأبي الصين الحديثة. # إن تاريخ هذه الأمة الكبيرة الحافل بالعبر التي تكاد تغني عن عبر التاريخ كله، وأولها ~~عبرة الثقافة المستقلة. # فالثقافة المستقلة قوة ومفخرة، والثقافة المستقلة ضعف ومهانة، وفي التاريخ أمثلة ~~كثيرة على هاتين الحقيقتين، ولكن ليس منها مثال أجسم ولا أجلى من مثاليهما في تاريخ ~~الصين الحديث. # كانت أمة مستقلة الثقافة، وكانت تفخر بهذا الاستقلال، ويحق لها أن تفخر به على من ~~حولها؛ لأنها لم تكن ترى حولها غير الهمجية والبربرية والجلافة والجهالة، وكانت هي قد ~~كشفت الإبرة المغناطيسية والورق والمطبعة والبارود وصناعة الحرير والأنسجة والعملة ~~الورقية، وملأت خزائن الكتب بتصانيف الحكمة والمعرفة وآداب السلوك، وكان كل من يغشاها ~~من الخارج يعزز رأيها ويزيدها احتقارا لغيرها واغترارا بمناقبها وفضائلها، ومن جاءها ~~زائرا من أهل الاطلاع والاستطلاع لم يجد فيها علما أرفع من علم بلاده وعاد وهو يعجب ~~بها كما تعجب بنفسها. # وظلت على هذه الثقة بارتقائها، فظلت هذه الثقة قوة لها وحقا صحيحا من ~~حقوقها. # فلما جمدت ثقافتها لاستقلالها بنفسها، وتقدمت ثقافات الأمم الأخرى لتجاوبها وتنازعها ~~وأخذ المتأخرين من المتقدمين فيها، صارت الحال بها إلى نقيضها، وأصابها من تلك الثقة كل ~~سوء تخشاه، وهي لا تعلم مبعثه ومأتاه. # ترفعت عن التعلم من غيرها، وجاءها الرحالون الغربيون من طلاب الغنائم والفرص، فشهدت ~~من أخلاقهم ما لا يشجعها على محاكاتهم والاقتداء بهم: غش وإسفاف وعربدة وتهالك على ~~المنفعة، ورضى بالدنس طمعا في الغنيمة، وغلظة تبدو للصيني المهذب على الخصوص؛ لأنه ~~عاش على آداب السلوك وجعلها قوام الأدب كله وشرط الحضارة الأول في كل إنسان على نصيب من ~~الكرامة. # وإلى هنا كانت على حق في اغترارها بثقافتها واستقلالها بعلومها ومعارفها. # ولكنها شهدت ms010 إلى جوار ذلك ما يوقظ نائم الكهف لولا أن نوم الغرور أثقل من نوم ~~الكهوف. # شهدت على مقربة منها في الهند شركة تجارية تدك عروش الدول العريقة بسلاح البارود الذي ~~هي كشفته وهي أولى باستخدامه. # وشهدت فئة من سياح البرتغال في أرضها تستخدم المدفع فتهزم به الجموع الكثيفة المتألبة ~~عليها. # وشهدت بعد ذلك معارك لم تغن فيها الشجاعة ولا العدد أمام هذا السلاح. # وكان قليل من هذا كله كافيا لإقناعها بضرر اكتفائها وقناعتها بما عندها، وإيقاظها ~~للخطر المحدق بها من أقرب الجهات وأبعدها. # ولكن نوم الغرور كما قلنا أثقل من كل نوم، وبخاصة غرور ذوي السلطان الذين لا يقال لهم ~~إلا ما يحبون أن يسمعوه. # فبلغت الحضارة الغربية أوجها وهم غافلون عنها. # ولبث عاهل بكين يؤمن في قرارة نفسه بأنه عاهل العالم كله، وأن ملوك العالم كله أتباع ~~له وعيال عليه، لا يثنيه عن إخضاعهم عنوة إلا أن الأمر مفهوم بالبداهة لا يستحق المشقة ~~ولا يرجى من ورائه غنم جديد. # وإلى نهاية القرن الثامن عشر كان عاهل بكين «شيان لونج» يعتقد ويقول: إن بلاده في غنى ~~عن العالم كله، وإن العالم كله مفتقر إلى بلاده، وكتب إلى جورج الثالث ملك إنجلترا حين ~~خاطبه في تبادل العلاقة التجارية «إن مملكتنا السماوية تحتوي كل شيء في وفر وغزارة ولا ~~تحتاج داخل حدودها إلى مطلب من خارجها، فنحن في غنى عن جلب المصنوعات من البلاد ~~البربرية بديلا من مصنوعاتنا، ولكن الشاي والفخار من مملكتنا السماوية مطلب لازم للأمم ~~الأور,بية ولكم ...» # وكتب إليه جوابا على خطاب آخر: «إن مملكة جلالتكم في مكان سحيق وراء البحار، ولكنها ~~تدرك واجباتها وتعمل بالقوانين، ولما كنتم من ذلك المكان السحيق تبصرون مجد دولتنا ~~وتعجبون في احترام وتوقير بكمال حكومتنا، فقد أنفذتم إلينا بالكتب والرسائل للنظر فيها، ~~ونحن نرى أنها مملاة بما ينبغي من روح الإعظام والإكرام، ونرغب من أجل هذا في قبول ~~ملتمسكم وإجابة أمانيكم، ونقبل كل ما أرسلتموه من هداياكم، أما رعاياكم الذين تعودوا ~~منذ سنوات أن ms011 يتجروا مع مملكتنا فنود أن نقول لكم: إن مملكتنا السماوية تشمل بالإحسان ~~والعطف جميع الأفراد والأمم وتلاحظ رعاياكم بعين السماحة والرأفة، فلا محل إذن لما ~~تطلبه لهم حكومة جلالتكم ...» # ولما أراد السفير الإنجليزي اللورد مكارثتي أن يرفع أوراقه بنفسه إلى عاهل بكين في ~~عاصمته، قيل له استكبارا لوقوف أمثاله في حضرة ابن السماء: إن تسليم الأوراق للوزراء ~~فيه الكفاية، فلما ألح وعاود الإلحاح قيل له: إنه لا يؤذن لمثله بالوصول إلى العاهل إلا ~~إذا سجد أمامه ولمس الأرض بجبهته تحت قدميه، وطالت المفاوضة واستخدمت الرشوة والترضية ~~حتى سعى رجال البلاط في إتمام المقابلة والاكتفاء من السفير بالركوع أمام ابن السماء ~~كما يركع أمام مولاه، وقيد السفير في موكب رفعت عليه الأعلام ونقشت عليها عبارة معناها ~~أنه سفير من ملك أجنبي وفد على ابن السماء لتقديم الجزية ورفع فروض الطاعة إلى سدته ~~السماوية. # وانقضى قرن على هذه المراسلة، وبلاط ابن السماء مصر على عقيدة «الاكتفاء» مؤمن بأن ~~الصين في غنى عن العالم كله بما تحتويه بين حدودها، فلا يفيدها العالم بثقافة ولا ~~حضارة، ولا تجمل بها غير سياسة واحدة وهي سياسة العزلة والمقاطعة، وبلغ من التشدد في ~~اتباع هذه السياسة أن الذي يعلم أجنبيا لغة الصين أو كتابتها كان يعاقب بالموت، وأن ~~الذي يوجد لديه شيء مستورد من الخارج يتعرض لعقاب الخائن المتهم بالمروق. # كان هذا هو الوهم الذي جمدت عليه أمة الصين، ولبث البلاط جامدا على هذا الوهم بعد أن ~~زالت غشاوته عن أعين المصلحين المخلصين. # كانت الصين في حاجة إلى شعور يناقض هذا الشعور، كانت في حاجة إلى من يعلم أنها محتاجة ~~إلى غيرها في كثير، وأن آفتها من جمودها على حالها واكتفائها بما عندها، وكانت الثورة ~~باسم مملكة السلام السماوية صرخة مريض ولم تكن وصفة طبيب، فلما سكنت خيل إلى الكثيرين ~~أن المريض ميت بعلته، ولكنه في الواقع كان ينتظر ثورة أخرى تجمع بين صرخة المريض ووصفة ~~الطبيب، وتلك هي ثورة سن ياتسن باسم السيادة القومية، وجاءت هذه ms012 الثورة ترياقا صادقا؛ ~~لأنها لمست الآفة في مكانها، آفة الاكتفاء يداويها العلم بالحاجة إلى كل شيء من الحضارة ~~الحديثة. # الصدمة # كانت الصين كما تقدم مستريحة إلى كفايتها وعزلتها. # وكانت على خطأ مزدوج في هذه الراحة الموبقة، فلا هي مكتفية ولا هي قادرة على العزلة، ~~ولو أنها شاءت أن تعتزل العالم لم يشأ العالم أن يعتزلها، فهي طالبة مطلوبة من حيث تجهل ~~ما تطلبه وتجهل ما يطلب منها. # وكل صدمة كانت قمينة بإيقاظها من تلك الغيبوبة السادرة فهي خير وبركة، أيا كانت ~~عواقبها، وأيا كان الثمن الذي تشتري به تلك اليقظة. # فلم تكن هناك عاقبة أشأم من بقائها على غفلتها والعالم يتقدم من حولها ويتحفز ~~لابتلاعها. # نعم، لم تكن مطامع الدول المستعمرة نفسها أشأم من راحتها ومن غفلتها. # فقد شاء حسن الحظ لهذه الأمة الكبيرة أن المطامع فيها كثيرة متعددة، ولولا ذلك لضاعت ~~في جوف دولة أو دولتين، وتأخرت يقظتها زمنا بعد القرن التاسع عشر، وربما مضى القرن ~~العشرون وهي ضائعة عاجزة عن الاستقلال بسيادتها. # كانت مطمع الدول القريبة والبعيدة، فعلى مقربة منها اليابان والولايات المتحدة وروسيا ~~القيصرية، وبعيد منها إنجلترا أو فرنسا وسائر الدول التي في غرب القارة الأوروبية، ~~ولكنها كانت قريبة منها بمستعمراتها في آسيا الجنوبية وما جاورها. # وكل هؤلاء كانوا يطمعون فيها. # وهذا الذي أنقذها وجعل الصدمة أنفع لها من الراحة الموبقة والغيبوبة السادرة. # فهي أكبر من أن تلتهمها دولة واحدة، والطامعون فيها أكثر من أن يتفقوا على تقسيمها، ~~وأنفع لهم أن يتفقوا على سلامتها ويقنعوا باستغلال مواردها ما استطاعوا، وهو ما سموه ~~بعد ذلك بالباب المفتوح، وقدروا يومئذ أنه باب مفتوح للدخول وحسب، ولم يقدروا أنه كذلك ~~مفتوح للخروج. # كان من الواجب للصين أن تصطدم بالواقع وقد اصطدمت بالواقع صدمة كبيرة، ولكنها لم تكن ~~أكبر منها ولم يكن شرها أكبر من شرور الكفاية التي كانت مخدوعة بها، أو شرور الراحة ~~التي كانت سادرة فيها. # لم يكن ساسة الصين يجهلون العالم الخارجي أو يجهلون وجود القارات الأخرى، وكثيرا ms013 ما ~~فرق السياح على قصر ابن السماء وحدثوا القوم عن بلادهم وأقوامهم حديثا يشوق ويعجب، ~~ولكنه لا يهم ولا يزعج، وغاية ما يثيره في النفس أنه كان كالقصص التي يسمعها الأطفال عن ~~الأمم النائية ما كان منها موجودا حقا أو كان من صنع الخيال وأكاذيب الرواة. # وكان أبناء السماء ينهزمون أحيانا، ولكنهم كانوا ينهزمون أمام أبناء سماء ~~آخرين. # وربما انهزم جيش من جيوشهم في وقعة مع الدول القريبة، فلا ينتهي خبر الهزيمة إلى أقصى ~~البلاد، ولا يقع من نفوس السامعين له إلا كموقع الهزيمة التي يمنى بها الشرطة في كفاح ~~عصابات المجرمين، ثم تنهزم العصابة أو تنجلي هاربة إلى مأمنها، وتجري الأمور بعد ذلك في ~~مجراها القديم. # ويظل ابن السماء ملكا على كل ما تحت السماء. # ويظل الصينيون أقوى الأمم وأرفعها وأوحدها بوصف الحضارة بين البرابرة ~~والمستوحشين. # ولم تنقطع سفن التجار عن موانئ الصين الجنوبية والشرقية منذ عرف الناس فن الملاحة، ~~فلما وفد على تلك الموانئ تجار الغرب في القرن الثامن عشر وما بعده لم يكن هنالك ما ~~يستغربه القوم: أناس يطرقون الأبواب في طلب القليل من الفتات، فليأخذوا ما طاب لهم صدقة ~~وإحسانا من سيد العالم، وملك القريب والبعيد من البلاد. # إلى أن كانت حرب الأفيون. # فإذا بالواردين على الأبواب يطلبون بل يأمرون، وإذا بهم يتكلمون بأسماء ملوكهم ~~ويناصون برءوس ملوكهم هؤلاء رأس ابن السماء. # ومن سخرية القدر أن تكون يقظة الصين من حرب الأفيون، وقد كان وشيكا أن يدخلها في خدر ~~أعمق من خدر الراحة والغرور. # ولم يكن الأفيون في نشأته آفة صينية كما شاع بين الناس إلى الزمن الأخير. # فما كان الصينيون يزرعون شجرته ولا كانوا يستخدمون ثمرتها في غير العلاج. # ولكن التجارة الأوروبية هي التي جلبته إلى بلادهم من البلاد الآسيوية الأخرى، ولم ~~تفطن حكومة الصين لضرره أول الأمر فسمحت ببيعه وحصلت عليه في موانئها ضريبة الدخول إلى ~~ما قبل نهاية القرن الثامن عشر (1796)، فتهافت عليه الأغنياء وسرت عدواه إلى الفقراء ~~فأقبلوا عليه وبذلوا فيه ثمن ms014 القوت وفضلوه على ضرورات المعيشة، فتنبهت الحكومة بعد فوات ~~الأوان وأمرت بتحريمه ومصادرة المضبوط منه في موانئها أو في داخل بلادها، فعمد التجار ~~إلى تهريبه وضاعفوا ثمنه على تجار البلاد الداخلية وضاعف هؤلاء ثمنه على طلابه، وقيل: ~~إن تجار الموانئ تسلموا من المهربين في سنة واحدة (1838) ما قيمته أكثر من أربعة ملايين ~~من الجنيهات، وباعوها بأضعاف هذه القيمة إلى تجار الريف ومدخنيه، وهي ثروة ضخمة إذا ~~لوحظ على الخصوص أن المهربين كانوا يتقاضون الثمن فضة خالصة قبل تسليمه في عرض البحر ~~حيث كانت تجري صفقات البيع والشراء. # وعهدت الحكومة الصينية إلى رئيس من رؤسائها، مشهور بحماسته في حرب هذه الآفة، أن يشرف ~~على شواطئ كانتون ليمنع الوارد منه قبل تهريبه إلى داخل البلاد، وكان الرجل الأمين، ~~واسمه «لين تسي هسو» واليا قبل ذلك على بعض الأقاليم، فاشتد في تعقب المهربين ~~والمدخنين، وعرف له ربات البيوت اللائي فجعن في أزواجهن وأبنائهن هذا الفضل، فكن يحطن ~~به ليلثمن أهداب ردائه حيث وجدنه، فتابع هذه الشدة في رقابته على الموانئ، ولم يقنع ~~بهذا بل أطلق جواسيسه على مخابئ هذه التجارة الخبيثة حتى جمع منها ذات مرة ما يساوي ~~مليون جنيه، فأتلفه علانية على مشهد من الأجانب والوطنيين. # ونشط «لين» في بناء المعاقل والمخافر على الشواطئ والتلال، وأرسل إلى القنصل ~~الإنجليزي يطلب منه أن يسلمه خلال ثلاثة أيام كل ما في المستودعات الإنجليزية من ~~الأفيون المخزون، وأن يستكتب التجار وثيقة يتعهدون فيها بالامتناع عن توريد هذه ~~البضاعة؛ وإلا ضرب الحصار على كانتون وأجلى منها كل تاجر لم يوقع على تلك الوثيقة. فلم ~~يقبل القنصل طلبه، وأجاب على هذا الحصار بمظاهرة بحرية على ثغرة النهر الغربي لإغلاقها ~~في وجه السفن التجارية، ثم أعلنت إنجلترا الحرب على الصين والمفاوضات جارية بين ~~الطرفين، فلم تقو الجنود الوطنية على مقاومة الأسطول، وأرسل البلاط يطلب الهدنة ويذعن ~~لشروط الصلح بين الطرفين، فانعقدت بينهما معاهدة نانكين (1842) التي استولت إنجلترا ~~بموجبها على هونج كونج، وأرغمت الحكومة الصينية على فتح جميع موانئ ms015 كانتون للتجارة ~~وتحويل القناصل حق النظر في قضايا رعاياهم بغير استثناء للمهربين وبغير إشارة إلى تحريم ~~تجارة الأفيون، وجوزي الموظف الأمين بعزله وانتداب خلف له ممن يرضى عنهم القناصل ~~والتجار. # ولم تنته مشكلات الأفيون بهذه الحرب الباغية وهذه المعاهدة الجائرة، فقد أعقبتها حرب ~~الأفيون الثانية (سنة 1857) ونشبت هذه الحرب الثانية؛ لأن المراقبين الصينيين حجزوا ~~زورقا يسمى بالسهم # Arrow # ورفضوا إعادته إلى القنصل ~~البريطاني حين احتج على حجزه، وطالب الحكومة الصينية بإعادته. # وحجة الحكومة الصينية أن الزورق وطني وأنه لم يكن يرفع الراية البريطانية ساعة تفتيشه ~~وحجزه، فاشتركت إنجلترا وفرنسا في إنذار الصين وطالبتا بالمزيد من الحقوق والامتيازات، ~~ومنها إقامة السفراء بالعاصمة واحتلال الأماكن التي تختارها الدولتان على الشاطئ، وهجم ~~الأسطول البريطاني والأسطول الفرنسي معا على كانتون وتقدما بعد احتلال موانئها إلى ~~تينتسن، وأملى القائدان على الحكومة الصينية شروط المعاهدة التي سميت باسم تينتسن، ~~وذهب المندوبون المفوضون إلى بكين لتوقيعها وضموا إليهم مندوبين من روسيا والولايات ~~المتحدة، فثارت ثائرة الشعب والموظفين عليهم في الطريق واعتقلوهم رهائن بالعاصمة، ~~واشتعلت النار في بعض الأماكن الأجنبية خلال الصدام بين الجماهير المتظاهرة وجنود ~~الدول، فأرسل القناصل في طلب المدد وتقدمت الجيوش الدولية بعد وصول المدد البحري والبري ~~إلى بكين، فلاذت الأسرة المالكة بالفرار وأمر القواد بتدمير القصر الإمبراطوري المعروف ~~بقصر الصيف. # وكانت فعلة وحشية ضاع من جرائها كثير من التحف والذخائر التي يعد ضياعها خسارة على ~~الإنسانية، ولم يرجعوا حتى أرغموا الحكومة المنهزمة على توقيع معاهدة جديدة والتسليم ~~بامتيازات دولية أخرى غير الامتيازات السابقة، ومنها الترخيص لمن شاء من الأجانب أن ~~يتنقل داخل البلاد تحت حماية دولته، وتبادل السفراء، وفتح ثمانية موانئ لإنجلترا وستة ~~لفرنسا، ونقص الرسوم الجمركية وتأجير شبه جزيرة كولون لإنجلترا، عدا الغرامات الثقيلة ~~والتعويضات المجحفة التي أكرهت الحكومة الصينية على أدائها أقساطا مقدرة يشرف ~~المندوبون الأجانب على طريقة سدادها. # وزاد الطين بلة أن الروس طالبوا لأنفسهم بحصة من الغنائم؛ لأنهم توسطوا في الصلح ~~وتعديل شروط الاتفاق، فاستولوا على الأقاليم التي تقع إلى ms016 شمال نهر التنين الأسود وشرق ~~نهر أسوري ، مقابلة للغنائم التجارية التي لم يسهموا فيها. # وأنشئت مصلحة الجمارك على تنظيم جديد فطالبت كل من إنجلترا وفرنسا بخمس الرسوم خالصا ~~بغير كلفة، وتركتا ثلاثة أخماس الرسوم للحكومة الوطنية مع تكاليف الإدارة ~~والحراسة. # واستمرت المطالبة بالامتيازات الجديدة على أثر كل احتكاك بين الأجانب والوطنيين، وما ~~أكثر أسباب الاحتكاك في هذه الأحوال، بين أجانب متغطرسين يغالون في إذلال الوطنيين ~~اعتمادا على حماية قناصلهم، وبين وطنيين يشعرون بالغربة والهوان في ديارهم، وقلما كانت ~~تنقضي أيام دون حادث يسميه الأجانب حادث اعتداء وتعصب ويسميه الوطنيون حادث دفاع ~~وكرامة، ثم تكاثرت هذه الحوادث بعد تغلغل المبشرين والمرسلين في الأقاليم الداخلية، ~~ومنهم من يقضي الإنصاف بالاعتراف لهم بالفضل في محاربتهم الصادقة لآفة الأفيون، ومنهم ~~من يقضي الإنصاف أيضا بملامتهم على حماية الأشرار وطرداء القانون ممن يتهمهم الوطنيون ~~بالمروق وخدمة السياسة الأجنبية، فقد كان المجرم من هؤلاء يعرف مصيره إذا حوسب على ~~جريمته أمام قضاء بلاده فيظهر التحول إلى المسيحية ويكسب بذلك حق اللياذ بالمعاهد ~~الأجنبية، فلا تمتد إليه يد القضاء في ذلك الملاذ. # وتفاقمت أضرار المعاهدات الجائرة فلم تنحصر في الهوان وسلب السيادة، بل سرت هذه ~~الأضرار إلى ضرورات المعيشة بين الأغنياء والفقراء على السواء؛ لأن الدولة احتاجت إلى ~~مضاعفة الضرائب لسداد الغرامات والتعويضات مع قلة مواردها الجمركية بعد اقتطاع ~~الخمسين منها لإنجلترا وفرنسا، ولأن البضائع الأجنبية تدفقت على أسواق الصين عند ~~الشاطئ وفي الأقاليم القاصية، تباع فيها بالسعر الرخيص لقلة الرسوم التي تؤديها، وتفضل ~~على المصنوعات الوطنية لجودتها وسهولة الحصول عليها، فبارت المصنوعات اليدوية وتعطلت ~~المعامل التي اجتهد أصحابها في إنشائها لمجاراة المعامل الحديثة، وحل الوسيط الأجنبي ~~محل الوسيط الوطني في معاملات التجارة الكبرى، وأطبقت هذه المصائب الاقتصادية على الأمة ~~بعد مصائبها السياسية المتلاحقة فتراءت لها أشباح الخراب في كل مكان. # وتدرجت الدول من امتيازات الموانئ إلى امتيازات المواصلات، فتسابقت إنجلترا وروسيا ~~وفرنسا وألمانيا على انتزاع الامتيازات بمد السكك الحديدية وتحصيل مواردها ضمانا ~~للقروض اللازمة لمدها، وسهلت ms017 دعوى الحملات التأديبية وانتزاع البلاد عقوبة للحكومة ~~الوطنية، فاستولت فرنسا على أقاليم من الجنوب، واستولت اليابان على أقاليم من الشمال ~~واستولت أمريكا على الفيلبين، وصارت الدولة الصينية مقصورة على تلقي الضربات والتسليم ~~بضياع حق بعد حق، واحتمال خسارة بعد خسارة. # ولقد كانت هذه الضربات المتعاقبة تحز في نفوس الأذكياء والعارفين من أهل الصين، ولكن ~~ضربة منها لم تبلغ من الإيلام والإزعاج ما بلغته هزيمة الصين أمام اليابان سنة ~~1895. # فإن الصينيين عاشوا ألوف السنين وهم ينظرون إلى جيرانهم من الشرق نظرة الاحتقار ~~والاستخفاف، فلما انهزمت دولتهم أمام أولئك «الأقزام» المحتقرين، وقيل لهم إنهم لم ~~يتمكنوا من الظفر بجيوش ابن السماء إلا لأنهم تعلموا الصناعة الحديثة من الأساتذة ~~الغربيين، أصبح احتقارهم المفرط للمنتصرين عليهم إعجابا مفرطا بالصناعة التي كانت ~~سببا لهذا الانتصار. وهرعت جموع الطلبة إلى مدارس اليابان وأوروبة وأمريكا يتعلمون ~~فيها سر هذه القوة التي يعنو لها جبين أكبر الأمم وأعرقها في الحضارة والحكمة ~~والسلطان. # وتشعب أنصار النهضة الحديثة شعبتين: إحداهما تحاول الإصلاح بالأداة الحكومية وزعيمها ~~«كانج يووي» وتلميذه «ليانج شي كاو» الذي قاد حركة الترجمة من الآداب الغربية. # والأخرى ثورية يائسة من صلاح الأداة الحكومية مع قيام أسرة المانشو على عرش الصين، ~~وصاحب الرأي الأول والأسبق في هذه الدعوى الثورية هو سن ياتسن بطل هذه السيرة. # ولم تكن الدعوة الأولى - دعوة الإصلاح بالأداة الحكومية - خلوا من حجتها المعقولة؛ ~~لأن الإمبراطور الفتي كان على رأي أبناء جيله في ضرورة الإصلاح، وكان يطلع على المصنفات ~~المترجمة والصحف المجددة ويؤمن بصواب ما تدعو إليه، وكاشف أترابه من أمراء الدولة ~~ورؤسائها بعزمه على إعلان الدستور وتجربة الحياة النيابية، وكانت الفترة مواتية للشروع ~~في هذه النهضة؛ لأنها وافقت هدنة من عدوان الدول بعد أن تبين لها أن التنافس بينها ~~سيقودها إلى الحرب لا محالة، فأسرعت الولايات المتحدة وبرزت في الميدان هذه المرة باسم ~~السلام والمصلحة الدولية، ووجهت (سنة 1899) مذكرة إلى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ~~وروسيا واليابان تقترح فيها تأمين الصين على سيادتها، والاتفاق على احترام ms018 هذه السيادة ~~وتطبيق سياسة الباب المفتوح بروح العطف والإنصاف، ونزول الدول عن امتيازاتها الجمركية ~~في مناطق نفوذها، ثم أعلن الوزير هاي سياسة الباب المفتوح على هذا الأساس في السادس من ~~شهر سبتمبر (سنة 1899). # إلا أن الدعوة الثورية كذلك لم تكن خلوا من حجة معقولة بل حجج معقولة متعددة، لم تزل ~~الوقائع تؤيدها وتدحض حجج المعارضين لها، وتثبت لطلاب الإصلاح جميعا أن باب الصين ~~المفتوح للإصلاح باب واحد، وهو الباب الذي تخرج منه أسرة المانشو إلى غير رجعة. ~~••• # من مألوفات التاريخ، إذا شاخت الأسر المالكة وحقت عليها كلمة الزوال، أن ينجم منها ~~ملك أو عضو بارز من أعضائها يبطل الحيلة فيها ويدحض كل عذر يتعلل به أنصارها المتعللون ~~للإبقاء عليها. # ويكاد الناظر في سير الملوك أو الأمراء أن يحسب لهم دورا مرسوما لا يحيدون عن ~~أدائه؛ لتعجيل سقوط الأسرة وقطع الألسنة التي تماري في عيوبها واستحالة الخلاص ~~منها. # وقد كان من الجائز أن يخلص الحكم للعاهل الشاب المغلوب على أمره (كوانج هسو) فيحاول ~~تجربة الحياة النيابية، ويجتهد في محو عوامل الفساد والانحلال وتشجيع عوامل التقدم ~~والإصلاح، ولكنه لو فعل ذلك لما بلغ منه شيئا غير تخدير حركة الثورة بضع سنوات، وغير ~~تأخير البناء الذي لا بد أن يؤسس على أنقاض العهد القديم؛ لأن البناء لا يقبل التكملة ~~من طراز يخالف كل المخالفة في التقسيم والتدعيم. # في وسع الأسرة المالكة - عند هذه المرحلة - أن تخرج منها من يقضي عليها، وليس في ~~وسعها أن تخرج منها من يدعم بناءها ويطيل بقاءها. # وقد أخرجت أسرة المانشو معول الهدم على أقوى ما يكون في صورة شيطانية إنسية تقوم مقام ~~الوصية على العاهل الشاب، فملكت أزمة الدولة كلها في إبان هذه الكوارث، وكانت هي نفسها ~~كارثة الكوارث التي غطت عليها جميعا وحولت جهود المفكرين إلى غاية واحدة بدلا من ~~التفرق بين شتى الغايات: تلك الغاية الواحدة هي إزالة الأسرة المالكة واختتام العهود ~~الملكية جميعا في أقدم الدول الأسيوية عهدا بالعروش والتيجان. # كانت الوصية «تزوهسي» جارية ذات ms019 حظوة عند العاهل الراحل، وكانت قد أتقنت كل ما تتعلمه ~~الجواري من فنون الرسم والموسيقى والمعارف التقليدية، وزعم الزاعمون أنها كانت تستظهر ~~حكمة كنفشيوس وقصائد الشعراء المتقدمين، وأنها كانت تنظم شعر الغناء وشعر الأمثال ~~وتساجل فيهما الأدباء والشعراء، فلم يكن لهذه الثقافة كلها من ثمرة غير تمكين غرورها ~~وتشديد ما في نفسها من التعصب على الثقافة الحديثة، وبخاصة حين علمت أنها ثقافة تشل ~~يدها على السطو والتبذير وتضطرها في سياسة القصر والأمة أن تقف عند حد محدود، يسمى بحد ~~الديمقراطية والدستور. # فلم تكد تعلم بميول العاهل الفتى حتى أسرعت إلى حاشيته من حزب الإصلاح، فأبعدتها ~~وأكرهته إكراها على إلغاء أوامره التي أعلن بها بعض الحقوق الدستورية، وجعلته يحس ~~الخطر على حياته إذا سولت له نفسه أن يتمرد على سلطانها. # وجاوز الأمر عندها مقت الدستور إلى مقت كل مقترح يأتي من جانب حزب الإصلاح، فوضعت ~~يدها على المال المجموع لإنشاء السفن الحربية التي ظهر من هزائم الصين المتوالية أنها ~~في مسيس الحاجة إليها، فأنفقته كله على تشييد قصر في حديقة واسعة تقضي بها ليالي السمر ~~واللهو ومن بعدها الطوفان! # لو كان لهذه الوصية على عرش الصين دور مرسوم، وكان دورها المرسوم أن تجهز عليه وتفض ~~الأنصار من حوله، لما استطاعت أن تعمل للنجاح في هذا الدور غير ما كانت تعمله وهي تحسب ~~أنها تدعم العرش وتقوي سلطانه وتشل أيدي المتآمرين عليه. # فلم يبق أحد من المفكرين يعتقد إمكان الإصلاح مع بقاء هذا النظام العتيق، وانقلب دعاة ~~الإصلاح من طريق الحكومة القائمة إلى صفوف أعدائها الألداء، ولولا حماية السفارات ~~لأولئك الدعاة حين لاذوا بها لمثلت بهم كما مثلت بغيرهم من أنصار الحياة النيابية ~~وتجديد نظام الحكم ونشر التعليم الحديث. # واتفقت الآراء جميعا على حصر العلة كلها في الأسرة المتداعية، فلم يبق لها من نصير ~~غير طائفة من غلاة المحافظين، تطوعوا للدفاع عنها سخطا على عدوان الأجانب لا جهلا ~~بعيوبها وجرائمها، فكانت حركتهم المشئومة نكبة فوق النكبات المطبقة، وعجلت بسقوط الأسرة ~~من حيث ms020 أرادوا لها التماسك والبقاء. # تطوعت بهذه الحركة جماعة «آي هو شوان» أي الملاكمين المستقيمين المتآلفين، هم الذين ~~اشتهروا باسم «اليوكسرز» بين الأوروبيين. # وراحت هذه الطائفة تعرض ألعاب الملاكمة والمسابقة والطعن بالمدى والخناجر وتستهوي بها ~~طلاب الفتوة من الشبان، ثم تتدرج في تلقينهم مقاصدها السرية وهي بعبارتها الدينية «طرد ~~الشياطين المتطفلين»، ثم أخذت شيئا فشيئا تجهر بمقاصدها هذه وتهتف علانية بتأييد ~~القصر ولعن الأجانب الشياطين. وادعى أحد زعمائهم أن إله الحرب «كوانج كونج» جاءه في ~~الحلم وأنبأه بفناء الأجانب جميعا بعد أيام. وادعى زعيم آخر أن التنينات الخمسة ~~الساهرة على مدخل نهر تاكو أنبأته أنه ما من أجنبية تجترئ على الدنو منه إلا غرقت بمن ~~فيها. # وزينت السخافة للوصية الخرقاء أن هذه الحركة كفيلة بقطع دابر الأجانب وطرد بقيتهم من ~~البلاد، ولم تخف ممالأتها لها، بل أرسلت (في العشرين من شهر يونيو سنة 1900) إلى ~~السفارات تشهر الحرب على أجانب العالم أجمع، وتنذر السفراء وأتباعهم بمغادرة العاصمة ~~خلال أربع وعشرين ساعة، وزحف الملاكمون بعمائمهم الحمر وسيوفهم المشهورة فاقتحموا معاهد ~~الأجانب وقتلوا من فيها، وضربوا على السفارات حصارا دام نحو شهرين، ثم وصلت جيوش الدول ~~- أمريكا واليابان وروسيا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا - فارتفع الحصار ~~وانقلبت الحرب إلى مذبحة وحشية لا تذكر إلى جانبها وحشية العصابات من الملاكمين وغوغاء ~~الطريق. # أما تلك الخرقاء التي أغرقت عاصمتها في بحر من الدم فقد حملت العاهل الناشئ معها ~~وهربت إلى الغرب مستخفية، ولم تنس صغائرها الأنثوية في تلك المحنة الدامية فلم تبرح ~~العاصمة حتى أغرقت الجارية الأثيرة عند العاهل الصغير؛ لأنها همت باللحاق به خوفا ~~عليه. # ثم أمليت شروط الصلح فإذا هي تقضي بتسليم زعماء الثورة فسلموا، وبهدم جميع المعاقل ~~على طريق العاصمة فهدمت، وبفرض غرامة تبلغ خمسة وستين مليون جنيه، فدفع منها ما حضر ~~وبقيت أقساطها عبئا على كواهل الأمة أربعين سنة بعد ذلك التاريخ. # هذا مثال من الفارق بين حركات الشمال وحركات الجنوب في البلاد الصينية، فالغالب على ~~حركات الشمال حيث يضعف أثر الحضارة ms021 أنها عصبية جامحة تندفع ولا تدري عاقبة اندفاعها، ~~والغالب على حركات الجنوب حيث طالت آماد الحضارة وتتابعت الصلة بالعالم الخارجي أنها ~~تمهد بالثورة لنظام معلوم. # وقد أنجزت الوصية الخرقاء دورها المرسوم، فقطعت جهيزة قول كل خطيب، وبطل اللجاج بين ~~طلاب الإنقاذ في بقاء الأسرة أو زوالها، وتمهدت السبل لدعوة الجنوب، فوجد سن ياتسن ~~أسماعا صاغية لرسالته الكبرى، ولم تمض على هذه الحوادث عشر سنين حتى ذهب آخر عرش ~~لأبناء السماء. # المعتقدات والعادات # على أثر الفتنة التي قام بها الملاكمون - خاصة - راجت في الغرب تهمة التعصب الديني ~~وتذرع بها الساسة لتسويغ حملات التنكيل والانتقام التي كان أولئك الساسة يشفقون من ~~سريان أخبارها بين الأمم الغربية، ويضطرون إلى إثارة الشعور لمداراة أهوالها وفظائعها، ~~فقد كانت أخبار حرب الأفيون تقابل في الغرب بالنفور والاشمئزاز، وتصور النزاع بين الدول ~~والصين في صورة نزاع بين أمة تحمي نفسها من آفة خبيثة وطائفة من التجار الجشعين ~~يكرهونها على فتح أبوابها لتلك الآفة، ولا يبالون بالربح الحرام من أي مصادر تلقفوه، ثم ~~يجدون من ورائهم جيوشا وأساطيل تخضع الأمة المغلوبة لمآرب أولئك التجار. # فلما تكررت الثورات والمنازعات ألفى المستعمرون أنفسهم في حرج شديد مع أقوامهم، ~~وراحوا يبحثون في حجة تسترهم وتسوغ حملاتهم، فلم تسعفهم حجة في ذلك الوقت غير حجة ~~التعصب الديني، وساعدهم على إشاعة هذه الحجة أن الملاكمين ينتحلون المصطلحات الدينية ~~وأن المصابين من الأجانب كان معظمهم من المرسلين والمبشرين. # إلا أن العارفين بالصين كانوا يستغربون هذه الدعوى ولا يخفى عليهم ما وراءها من ~~التضليل والافتراء؛ لأن التعصب الديني الذي يغري صاحبه باستباحة دماء المخالفين شنشنة ~~لم تعرف عن أهل الصين، ولم يحدث قط في تاريخهم اضطهاد لأصحاب دين من الأديان إلا لباعث ~~من بواعث السياسة؛ إذ كان القوم يدينون بعبادة الأسلاف، وليس من دأب الإنسان أن ينازع ~~أحدا في أسلافه أو يجبر أحدا على مشاركته فيهم، وكل عقيدة غير عقيدتهم في أرواح ~~الآباء والأجداد وفي أرواح الآلهة البيتية عامة، فهي من قبيل آداب السلوك التي ms022 يعاب من ~~يهملها كما يعاب من يهمل التهذيب والمروءة في الأمم الأخرى، ولا يتعدى الأمر ذلك إلى ~~القتل والاضطهاد. # ومن الدلائل البارزة على هذا الخلق في أهل الصين عامة أن زعيمهم الأكبر سن ياتسن كان ~~يدين بالمسيحية، ومثله تلميذه الكبير شيان كاي شيك الذي خلفه زمنا على قيادة الأمة، ~~وما كان لأهل الصين أن ينظروا إلى الزعيمين بغير نظرة الاحتقار الذي يتعرض له الصابئون ~~المرتدون عن دين آبائهم لو كان التدين عند الصينيين على مثال التدين عند الأمم الأخرى، ~~إنما الدين عند القوم آداب سلوك قبل كل شيء، وقوامه الأول توقير أرواح الأسلاف وأرواح ~~الأرباب الموكلة بأمر البيت، فكل بيت فيه معبده، وكل قبيلة فيها هيكلها، ولكل أن يوقر ~~أسلافه، ولا ضير في ذلك على غيره، فلا موضع بينهم للعداوة والشحناء من أجل العبادة ~~والمعبودات. # ولا يفهم الصيني من إيمانه بالمسيحية أو البوذية أو الإسلام أنه مرق من دين آبائه ~~وأجداده، فإنه ليحافظ على قداستهم بعد إيمانه بتلك الأديان، ولا مانع عنده من التردد ~~على هياكلهم والصلاة أمام أضرحتهم في المواسم العامة أو الخاصة، ولهذا ذهب سن ياتسن إلى ~~ضريح أسرة «منج» ليؤدي صلاة الشكر، ويؤكد عهد الولاء بين يديه، وهكذا كان يفعل الصينيون ~~الذين دانوا بالمسيحية على أيدي المرسلين اليسوعيين في القرن الثامن عشر، فقد رخص لهم ~~أولئك المرسلون في أداء فرائضهم البيتية وفي تسمية الله باسم السماء باللغة الصينية، ~~ولبثوا على ذلك حتى نمى إلى كنيسة روما أن القساوسة يقبلون شعائر الوثنية، فحرمت عليهم ~~قبولها في كنائسهم ومحافلهم، ولكن المسيحيين الصينيين لم يتحولوا عن دينهم ولم يزل منهم ~~من يرتضي الدين الجديد على أنه طريق من طرق شتى إلى الصلاح والاستقامة، وشعارهم في هذا ~~شعار البدوي الذي قال: # خذا بطن هرشي أو قفاها فإنما # كلا جانبي هرشي لهن طريق # كان هذا شأنهم في كل زمن، وكان هذا شأنهم يوم رحل ابن بطوطة إلى بلادهم وروى ما روى ~~عن كاهن منهم أو ساحر «يذكر النبي # صلى الله عليه وسلم ms023 # ويقول: لو كنت معه لنصرته، ويذكر الخليفتين ~~عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أحسن الذكر، ويجاري الشيعة في كلامهم عن معاوية ~~ويزيد.» # وكان هذا شأنهم كما تحدث عنهم الرحالون الغربيون في أواسط القرن التاسع عشر (هوك ~~جاليت من سنة 1844 إلى سنة 1846 # Huc Galet ~~) فإنهم عرضوا ~~المسيحية على أناس من كهان التيبت فاستحسنوها، وقالوا: إنهم لا يتحرجون من اعتقادها ~~واعتقاد البوذية، وكل ما يوصينا بالخير فهو خير. # ويؤمن الصينيون بالإنسان الأول (بان كو) وأنه هو الذي فرق السماء والأرض أول مرة، ~~وقدر للسماء أن تعلو كل يوم عشرة أقدام، وللأرض أن تكثف كل يوم عشرة أقدام، وأن تطول ~~قامته هو كل يوم عشرة أقدام، فلما انقضت عليه ثمانية عشر ألف سنة، أصبحت السماء بهذا ~~الارتفاع وأصبحت الأرض بهذه الكثافة، وسالت الدموع من عيني (بان كو) فجرى النهران ~~الكبيران في الصين، وتنفس فانطلق الهواء، وتكلم فقصف الرعد، ولمح بعينه فومض البرق، ~~ومات فاستحالت عظامه جبالا واستحالت عيناه شمسا وقمرا واستحال شعره نباتا، وسال ~~شحمه فزخرت منه البحار وفاضت سائر الأنهار. # وإيمانهم بالسماء (تيين) هو في الواقع إيمان بإنسان عظيم، لعله عندهم سلف الأسلاف ~~أجمعين، فهم يكتبون اسمها في صورة رجل يشير بيديه إلى الأعلى، ويذكرونها أحيانا باسم ~~الإله الرفيع، ولم ينسبوا إليها خلق الدنيا في عقائدهم القديمة، بل تدرجوا في نسبة ~~الخلق إليها حتى ثبتت هذه العقيدة بعد دخول الأديان الكتابية إلى الصين. # والقوم عمليون أرضيون في شعائرهم الدينية قلما يتعمقون بها أو يحلقون في الآفاق ~~العلوية، فإله الأرض «شي» أولى عندهم بالقرابين؛ لأنها تعطي الثمرات وتنطوي فيها ~~الأجساد بعد الممات، ولها في كل قرية أكمة من التراب ترمز إليها، ويتجه إليها الزراع ~~بالقربان والدعاء، ورمزهم القومي التنين هو الوسيط بين الأرض والسماء لاستدرار المطر ~~أيام القحط والجفاف. # أما السماء فصورتها في أخلادهم صورة «السلطة» الحاكمة التي تجري المقادير وتهدي ~~الحاكمين إلى الصراط المستقيم، ولا يعلم مشيئتها أحد غير ذوي الدراية والنجامة، ومن ~~وسائلهم قراءة الغيب المسطور على جلد ms024 السلحفاة أو تأمل الطوالع على السوق والأوراق في ~~بعض الأعشاب. # وأقوى عباداتهم كما تقدم هي عبادة الأسلاف، وهذه الناحية مهمة جدا في فهم شعور ~~الصيني نحو وطنه، فهو لا يحسب نفسه فردا في أمة عددها أربعمائة مليون يعيشون اليوم، بل ~~هو فرد من ملايين لا تحصى منذ القدم، لها حق كحق الأحياء في حاضر الأمة، وتضاف إليها ~~قداسة العبادة بعد الموت، فيمتزج الحاضر والغابر عمرا للأمة بأسرها، ولا يزال الحديث ~~جزءا يضاف كل عصر إلى القديم، فلا يخطر على البال أن القديم متروك من أجل هذا، بل هو ~~الذخيرة الباقية التي ترجع إليها خير الذخائر في الزمن الحديث. # ومن هنا يبلغ تقديس الآباء عندهم حدا لا يعرف له نظير في أمة أخرى، ومن دلائل البر ~~بالآباء في ديانتهم أن يقذف الابن بنفسه من أعلى الأكمة المقدسة فدية لأبيه إذا مرض هذا ~~وتعذر شفاؤه، كأن القدر يتقاضاهم روحا فيهب الابن روحه بدلا من روح أبيه. # وهم يرجعون بكل خير وكل حالة حميدة إلى الماضي البعيد، فالعصر الذهبي في عرفهم هو ~~عصر الآباء الأولين، الذين كانوا يعمرون الدنيا في زمن يسوده الناموس الأعظم، فكل ما ~~فيه عدل وحق مستقيم على سنته السواء بغير إفراط ولا تفريط، فمما ينسب إلى الحكيم الأكبر ~~كنفشيوس في الكتاب المعروف باسم «لي يون»؛ أي أطوار الخير أنه قال: «لم أر قط عهد تطبيق ~~الناموس فعلا أيام الأسر الثلاث، وإن حسبت أنني أفهم كيف كان، فيوم جرى الناموس مجراه ~~كان كل شيء ملكا للجميع، وكان التقديم لذوي الكفاية والفضل والمقدرة، وكان صدق النية ~~سجية وآداب الصداقة مرعية، ولم يكن أحد يخص بالمحبة آباءه دون غيرهم أو يخص بالحنان ~~أبناءه دون سائر الأبناء، وكان الرزق مضمونا للشيوخ الفانين حتى الممات، والعمل ~~مضمونا للقادر عليه وتكاليف التربية مضمونة للناشئين، وكان الأرامل واليتامى والشيوخ ~~العقماء والعجزة المقعدون موضع العطف حيث كانوا فلا يعوزهم المأوى ولا المؤنة، وكانوا ~~يأبون على أنفسهم أن يتركوا خيرات الطبيعة مهملة غير مثمرة، ولكنهم كانوا كذلك يكرهون ms025 ~~تكديس المال وحبسه على أنفسهم، ولم يكن ثقيلا على طبائعهم أن يعملوا ويكدحوا، ولكنهم ~~لا يعملون ولا يكدحون ليستأثروا وحدهم بخيراتهم، وبهذا يقضى على الكيد والدسيسة، ~~ويمتنع ظهور اللصوص والمحتالين وذوي التمرد والخيانة، وتفتح الأبواب بغير ~~حجاب.» # هذه صورة العصر الذهبي في عهد الناموس كما تصوره الحكيم الأكبر، وها هنا عبرة ~~للباحثين في أطوار الشعوب ليستندوا إلى عاداتها وأمزجتها فيما تقبله وما ترفضه، وفيما ~~يكون بينها وما لا يكون. # فمن هؤلاء الباحثين من كان يحسب أن الأمة التي تقدس القديم هذا التقديس، وتعظم شأن ~~الأسرة هذا التعظيم، محصنة كل التحصين من دعوة المذاهب الاجتماعية المتطرفة ومن كل دعوة ~~تهدم القديم وتنبذ المأثور ... فإذا بالأمة الصينية تهدم القديم باسم القديم، وتنكر ما هي ~~فيه إيثارا للعصر الذهبي الذي تريد أن ترجع إليه كما وصفه الأسلاف، فمن الباب الذي ~~ظنه الباحثون موصدا على دعوات التغيير والتبديل كان دخول هذه الدعوات باسم الناموس ~~الخالد الذي لا يقبل التغيير والتبديل! وهكذا تحتال الحوادث حيلتها وتتلمس أطوار ~~التاريخ مناهجها، فيأتي الطارق من جانب الحصن الحصين وهو آمن ما يكون عند الذين يقدرون ~~للأمم مصائرها، فتضحك الأقدار. # وقد اخترنا هنا كلمة الناموس لكلمة «الطاو» الصينية التي يترجمها بعضهم باسم الطريق، ~~وهي في الواقع كلمة لا تفي بمعناها المصطلح عليه كلمة الطريق ولا كلمة الناموس؛ إذ هي ~~أعم من ذلك بكثير؛ لأنها تشمل معنى العناية ومعنى القدر ومعنى المعيار الذي يعطي كل شيء ~~حقه ويرد كل شيء إلى نصابه طبعا وأصالة في أحوال الناس وأحوال الطبيعة وأحوال الغيب ~~المجهول، فكلمة الناموس أقرب إلى هذا المعنى من كلمة الطريق. # والناموس هذا هو موئل كل عقيدة دينية وكل أدب من آداب السلوك، وهي كما قدمنا لباب ~~الدين كله عند حكماء الصين، بحيث يصح أن يقال: إن السماء نفسها تلتزم آداب السلوك في ~~تصريف المقادير. # والمثل الأعلى للحكيم المهذب أن يوفق بين أخلاقه وأفكاره وبين هذا الناموس الشامل ~~الكامل، وآية هذا التوفيق المعيشة السواء بغير جماح ولا إحجام، أو المعيشة ms026 التي تتزن ~~وتعتدل فلا إفراط فيها ولا تفريط، ويكاد حب الاتزان والاعتدال أن يفتنهم فتنة لا اعتدال ~~فيها، ومن فتنته أنهم يسمون الصين كلها المملكة الوسطى (شن كو) ويزعمونها في موضع ~~القسطاس من العالم تمنع جوانبه أن تميل! # ومن عباراتهم السائغة عبارة «المدارس» المائة التي يشيرون بها إلى اختلاف مذاهب ~~الحكماء المقتدى بهم في العلم والأدب، ويريدون بها التحلل من قيود الحجر حيث يستنكر ~~المستنكرون بعض المذاهب ليحصروا الفضل كله في سواه. # والواقع أن غايات هذه المذاهب غاية واحدة، وهي حكمة الاتزان. # وإنما الخلاف كله في التمهيد والتفصيل، فمنهم من يطلب الاتزان بالكف عن الطلب، ومنهم ~~من يطلبه بالمعادلة بين المطالب، ومن حكمائهم المتشائم المعرض عن الدنيا ومساعيها، ~~ومنهم المتفائل المقبل عليها، وقد كان كنفشيوس نفسه يغني ويحب الغناء ويعتبر الموسيقى ~~من دروس الأخلاق النافعة للعلية والسواد. # ومن حكمائهم من يقول بتغليب الشر على طبيعة الإنسان، ومنهم من يقول بتغليب الخير ~~عليها. # وبعضهم يقول: إن الإنسان يطلب الخير؛ لأنه محروم منه شاعر بما ينطوي عليه من الشرور، ~~ويرد عليه معارضوه متسائلين: كيف يخطر طلب الخير في قلب شرير؟ فيجيب أنصار هذا المذهب ~~بأن طالب الخير إنما يطلبه مضطرا غير مختار؛ لأن الشر حالة لا يستقر عليها القرار، ~~ومن تصادم الشرور يشل بعضها بعضا فيأتي الخير بغير تدبير. # وما من عجب أن تتعدد المذاهب في أمة مضى على حكمائها ألوف السنين، وهم يتدارسون ~~الأخلاق والآداب بين عهود تتعاقب وأحوال تتباين وأقاليم تتباعد المسافات بينها بآلاف ~~الأميال، ولكن العجب حقا أن تصطبغ هذه المذاهب بصبغة واحدة لا تخفى على من يلمحها ~~لأول نظرة، وصدق من قال: إن أفكار الصين كمصابيحها تختلف ما تختلف بالألوان والأشكال، ~~ولكنها تحمل طابعا واحدا من وراء جميع الألوان والأشكال. # وقد دخلت الصين مذاهب من بلاد قريبة أو بعيدة، فلم تلبث أن اصطبغت بهذه الصبغة وخالفت ~~ما كانت عليه في بلادها الأولى. دخلتها البوذية من الهند فنقلت إليها فكرة الروح ~~الباقية، ولكنها فهمت هذه الروح كما كانت تفهم ms027 أرواح الأسلاف غير مقترنة بحالة النعيم ~~أو حالة العذاب، واستباح البوذي الصيني أكل الحيوان ومتاع الحريم، ومن شذ عن هذه ~~الإباحة كان بدعة في شذوذه مخالفا فيه لأشد المتنطسين من أصحاب المذهب الأصيل، فكان ~~عميد أسرة ليانج في القرن السادس يجاوز تحريم ذبح الحيوان إلى تحريم تصويره على الحرير؛ ~~لأنه يتعرض للقص والتقطيع ... ولم تحل هذه الغيرة على الحياة عند هذا البوذي العجيب دون ~~قتل الألوف من جنده وجند أعدائه في حروب الفتح وغارات الانتقام ... وأعجب ما فيه أنه كان ~~من القادة الأشداء الصلاب، ولم يكن حالما ولا قانعا كما يسبق إلى الخاطر من تورعه عن ~~المساس بالحيوان حتى في الرسوم. # والذي حدث للبوذية من التطور في عقول الصينيين حدث للمسيحية في العهود الأربعة التي ~~دخلت فيها إلى الصين، وقد دخلتها أربع مرات: مرة مع النسطوريين بين القرن السادس والقرن ~~السابع، ومرة مع رهبان القديس فرنسيس (الفرنسيسكان) في القرن الثالث عشر، ومرة مع ~~اليسوعيين في القرن السادس عشر، ومرة مع الإنجيليين في القرن التاسع عشر، ولهذا يقل عدد ~~المسيحيين الإنجيليين من أهل الصين عن عدد الكاثوليك، فهم أقل من ربع المسيحيين، وعددهم ~~اليوم جميعا يزيد على أربعة ملايين. # وقد حظي النسطوريون عند أبناء السماء وتقربوا إليهم بمعلوماتهم الرياضية والطبية، ~~ونقشوا صورهم على جدران الكنائس، وظل الشعب يسمي هذه الكنائس بالمعابد الفارسية؛ لأن ~~النسطوريين قدموا إلى الصين من بلاد فارس، ثم أصيبوا بجور السياسة في أيام الملوك الذين ~~كانوا يتوجسون من الأجانب، ولكنهم عكفوا على معابدهم وحافظوا عليها إلى القرن الثالث ~~عشر؛ إذ قدم الرحالة ماركو بولو إلى الصين فوجد لهم معابد على طول الطريق من بغداد إلى ~~بكين. # ولم يكن لرهبان القديس فرنسيس مثل هذه الحظوة؛ لأنهم دخلوا الصين في إبان القلاقل على ~~حدودها الغربية. # أما صاحب الأثر الأكبر في نشر المسيحية بين القوم فهو الأب اليسوعي مانيو ريتشي الذي ~~سبر غورهم وتألفهم باتخاذ عاداتهم في ملابسهم ومآكلهم، وتسمى باسم صيني فعرف بعد ذلك ~~باسم «لي هسي ثاي» ثم حذق ms028 اللغة الصينية وترجم إليها دروس الجغرافية والفلك والرياضة، ~~ومهد الطريق لتلاميذه فندب بعضهم لوظيفة الفلكي الإمبراطوري، وخصص له مكان من قصر ابن ~~السماء، وكان يتسمح مع القوم فيثني على حكمة كنفشيوس ويأذن لهم في تكريم أسلافهم، ~~متدرجا بهم من عبادة أرواحهم إلى ذكرهم بالترحم والتحميد، وقبل منهم أن يطلقوا اسم ~~السماء على الإله، ولم يدعهم قط إلى المسيحية على اعتبارها ديانة أشرف وأصدق من ~~ديانتهم، ولكنه جمع بين الأيسر والأقوم من الديانتين، فلم ينفروا من الإصغاء ~~إليه. # واتبعه أناس من تلاميذه على سنته ولكن بغير مقدرته وسماحته، حتى وقع الخلاف بين هؤلاء ~~التلاميذ وبين الآباء البيض (الدومينيكان) على مسائل التوفيق بين الديانة الصينية ~~والديانة المسيحية، ونمي الخبر إلى كنيسة رومية (سنة 1704)، فأنفذت أحد وكلائها - الأب ~~تورنون - إلى بكين لتصحيح الموقف وأشفق هذا عند وصوله إلى العاصمة من مجابهة القوم ~~برسالته فتردد في تبليغها ثلاث سنوات، ثم اضطر إلى إعلانها وإنذار من يخالفها بالحرمان ~~إن لم يبرح البلاد الصينية وينفض يده من أعمال كنائسها. # وغضب ابن السماء من إعلان هذا الأمر في بلاده، واستكبر أن يسيطر أحد بالأمر والنهي ~~على رعاياه، فاعتقل القائمين بمعارضة القساوسة الموفقين، وأصدر أمرا آخر ينذر فيه كل ~~من يسمع إلى المعارضين بالنفي من البلاد. # ولما قدم المبشرون الإنجيليون لأول مرة في أوائل القرن التاسع عشر (1807) كان معظم ~~مقامهم في الموانئ والمناطق التجارية المباحة، وأعقب مقدمهم ظهور طائفة مسيحية وطنية ~~يدعي صاحبها أنه الأخ الأصغر للسيد المسيح، ويبشر بعقيدة وسطى بين عقائد أهل الصين ~~وعقيدة الإنجيليين، وأوشك هذا الرجل - واسمه هونج - أن يسقط ابن السماء من عرشه؛ إذ كان ~~قد استولى على نانكين ونادى بنفسه ملكا سماويا على الصين بأسرها، ولكنه أخفق بعد ~~نجاحه عشر سنوات؛ لأنه خسر المسيحيين والوطنيين وأنصار الأسرة المالكة وأعداءها بخطته ~~في التوفيق الذي ينكره كل فريق، ولم تمت ثورته مع هذا كل الموت، بل كانت بمثابة ~~«المسودة» الأولى للثورة المنتظرة، فنشأ أبناء الشطر الأخير من القرن التاسع عشر وهم ~~يتذاكرون حركته ويفكرون ms029 في أسباب نجاحه وأسباب إخفاقه، وفي طليعتهم سن ياتسن زعيم ~~الثورة التالية التي كتب لها النجاح بعد هذه التجارب والتمهيدات. # واتسعت أعمال المرسلين الإنجيليين خلال هذه المرحلة، بعد السماح للأجانب بالتنقل في ~~داخل البلاد، ثم صادف هذا التوسع إقبالا من الناشئة على العلم الحديث وثقة بفضل ~~الثقافة العصرية فتسابقوا إلى مدارس المرسلين، ولم يتردد بعضهم في قبول الشعائر ~~والعبادات التي فرضتها هذه المدارس على طلابها، ولا سيما المدارس العليا التي لم يكن ~~لها في ذلك الوقت نظير من المعاهد الوطنية. ~~••• # والإسلام هو أكثر الديانات أتباعا في الصين بعد الديانة الوطنية، ويترواح تقدير ~~المسلمين بين عشرين مليونا وخمسة وخمسين مليونا، أو أكثر من ذلك في تقدير بعض الرحالة ~~المسلمين، ومعظمهم من سكان الأقاليم الغربية، ويسميهم الصينيون هوي هوي، إما من كلمة هو ~~بمعنى الغرب أو من كلمة هوي بمعنى الالتفات والاستدارة؛ لأنهم يستقبلون الغرب في ~~الصلوات. # وقد اتصل خبر الفتوح الإسلامية بملوك أسرة تانج من جيرانهم أمراء الفرس الذين لاذوا ~~بعرش ابن السماء يستنجدونه على جيوش العرب، ووجدت في سجلات الأسرة صحيفة تذكر بلاد ~~العرب ونشأة الإسلام، وتقول عن الجزيرة العربية (تاه شيه) إنها كانت ولاية فارسية، وإن ~~رجلا منها تلقى وعدا من السماء بملك العالم والانتصار على كل من يحاربه، ولم يستجب ~~العاهل (تاي تسنج) رجاء الأمراء الفارسيين على كل حال، سواء لاتقائه الاشتباك في حرب مع ~~الجنود الموعودين بالنصر أو لقلة الجدوى من تلك الحرب على أطراف الدولة النائية، ثم ~~تقدم العرب في آسيا بقيادة قتيبة، ووصل رسل الخليفة الوليد إلى العاصمة الصينية، فرضي ~~ابن السماء لأول مرة أن يعفي هؤلاء الرسل من قواعد (الكوتو) أو البروتوكول الصيني الذي ~~يقضي بسجود كل داخل إلى ساحة العرش ثلاث مرات قبل الوقوف في حضرة ابن السماء؛ لأن أولئك ~~الرسل هموا بالعودة من حيث أتوا وقالوا: إن دينهم ينهاهم أن يسجدوا لأحد غير الله، ~~وبقيت للدولة الإسلامية هذه السمعة المرهوبة إلى الجيل التالي؛ فأرسل العاهل (شي تيه) ~~يستعدي أبا جعفر المنصور على ms030 الثائر لوشان ثم سمح للجيش العربي الذي هزم ذلك الثائر ~~الخطر بالمقام في الأرض الصينية، فمن ذرية هذا الجيش جلة المسلمين الصينيين، ثم لحق بهم ~~طوائف من المسلمين رجعوا مع ملوك التتار بعد غارات جنكيز خان وأتباعه، فاستحبوا المقام ~~وتزاوجوا وتناسلوا حيث أقاموا، ولم يزالوا محافظين على عاداتهم من تحريم الخمر ولحم ~~الخنزير والمعاملة بالربا، واقتبسوا من العادات الوطنية غير قليل، ومنها المغالاة ~~بتعظيم الأسلاف؛ لأن هذه العادة لم تكن غريبة عن طباع العرب أو أبناء القبائل البادية ~~التي تألف منها جيش المسلمين في ذلك الحين. # فتاريخ الإسلام في الصين يخالف تاريخ البوذية وتاريخ المسيحية؛ لأنه تاريخ سلالة ~~إسلامية انتقلت بعقيدتها من تخوم البلاد الخارجية، ولم يكن للتبشير عمل في نشر عقيدتهم، ~~إلا ما كان من تحول الزوجات والجيران المقتدين بجيرانهم، ومما لاحظه المؤرخون على ~~المسلمين الصينيين أنهم لم يحفلوا بنشر الدعوة الدينية حولهم، وأن شهرتهم العسكرية كفت ~~عنهم عدوان القبائل التي تحيط بهم، وأنها في كثير من الأحيان كانت تغري أبناء السماء ~~باستخدامهم في جيوشهم، فكان منهم قادة مشهورون إلى أيام أسرة منج الوطنية، وكان أشهر ~~قادتها «شنج هو» يسمى بالحاج ويقود الحملات البحرية كما يقود الحملات البرية، واشتملت ~~إحدى حملاته (سنة 1405) على نيف وستين سفينة عليها من المقاتلين نحو ثلاثين ألفا من ~~أبناء الملل المختلفة. # وتعتبر الثورات الإسلامية نذير الخطر في تاريخ الصين الحديثة خلال القرن التاسع عشر ~~على الخصوص، فقد تعددت ثورات المسلمين منذ أول ذلك القرن فكانت علامة على سوء الحال ~~واليأس من صلاح الأمور، وبلغت ثورتهم الكبرى أشدها بأقاليم شنسي وكانصوه سنة 1847، فلم ~~تمض ثلاث سنوات حتى أعقبتها الثورة المعروفة باسم التايبنج؛ أي دعوة السلام السماوية، ~~واحتدمت نيران هذه الثورة أكثر من عشر سنين، ثم تلاحقت الثورات بعد ذلك من الشمال ~~والجنوب، ولم تنحسم ثورة المسلمين الجنوبية بإقليم يونان إلا بعد إخماد ثورة التايبنج ~~بسبع سنوات. ~~••• # هذه لمحة عابرة إلى أحوال التدين في الأمة الصينية، مدارها على بيان الصبغة التي ~~تصطبغ بها الملكات العامة في ms031 تلك الأمة العريقة، ونعني بالملكات العامة ما كان من قبيل ~~الشعور الوطني أو الشعور العنصري أو الشعور الديني أو ضروب الشعور التي تشترك فيها ~~الأمم والطوائف الكبيرة، ومن هذه اللمحة العابرة نرى أن الشعور الديني - على كونه في ~~الصين قوة غير مهملة - لم يكن محور الأطوار الكبرى في سياستها وتقلب الدول فيها، ويندر ~~في تاريخ الصين أن يضطهد قوم لعقيدتهم الدينية دون سبب آخر يجعل لهم صفة سياسية أو ~~اجتماعية خاصة ولو في وقت من الأوقات. ومن هذا القبيل اضطهاد كهان «التيبت» لمخالفيهم ~~حين جمعوا في أيديهم سلطة الكهانة وسلطة الحكم واحتكار تجارة الشاي، فكانت أغراضهم ~~السياسية والتجارية سبب هذا الاضطهاد، ومن هذا القبيل أيضا أن بعض الأسر اضطهدت ~~البوذيين؛ لأنها نظرت إليهم نظرها إلى الأجانب الممالئين للدول الأخرى، أو اضطهاد أتباع ~~كنفشيوس؛ لأن دعوتهم الثقافية كانت تحبب إلى الشعب نوعا من الحكومة غير الحكومة ~~القائمة. # ولما ثار المسلمون غير مرة كان السبب الغالب سوء الحال، وأنهم بطبيعتهم أقل خضوعا ~~للحكومة الظالمة من عامة أهل الصين، وتأتي الأسباب الدينية عارضة مع هذا السبب الغالب، ~~ولهذا كانت ثوراتهم تعقبها ثورات أخرى من أهل الصين الذين يدينون بغير الإسلام، ويسخطون ~~على حكوماتهم لغير البواعث الدينية. # وليس جنكيز خان وأولاده مثلا صادقا للذهن المغولي كما ارتقت به الحضارة الصينية ~~العريقة، ولكنهم مثل صادق لهذا الذهن في النظرة التي تنظر بها إلى الأديان المتعددة، ~~فقد كانت شريعة جنكيز خان تفتتح بنص يسوي بين خدام الأديان جميعا ويعفيهم جميعا من ~~الضرائب بغير تفرقة بين كهنة البوذيين وقساوسة المسيحيين وشيوخ المسلمين، وجرى حديث بين ~~الراهب فرا ربروكيز # Rubruquis # ومانجو خان حفيد جنكيز ~~خان، فقال مانجو: إن الله جعل في اليد خمس أصابع وجعل للإنسان مذاهب شتى، أعطاكم الكتاب ~~وأنتم لا تعملون به، فهل في كتابكم أن يذم بعضكم بعضا ويقدح أحدكم في أخيه؟ # قال الراهب: كلا، وقد ذكرت لسموكم آنفا أنني لم آت لأخاصم أحدا أو أدخل في مساجلة ~~مع أحد. # قال الأمير: لست أعنيك، ولكنني ms032 أقول هذا وأقول أيضا: إن كتابكم ينهى الإنسان أن يحيد ~~عن العدل طلبا للمنفعة. # قال الأب: إنني لا أطلب مالا، وقد أبيت أن آخذ شيئا مما أعطيت ... وشهد كاتب من ~~كتاب الأمير كان حاضرا بأنني رددت قضيبا من الفضة وثوبا من الحرير. # فعاد الخان يقول: ليس كلامي عنك، ولكنني أتكلم عن أناس يتلون الكتاب ويخالفونه، ونحن ~~أعطينا الكهان والسحرة ولا نخالف ما يوحى إليهم. # ومن طريف ما يروى أن هذا الراهب كان يتحدث إلى رجل من حاشية الخان فقال له: هذه ~~إرادة السماء، فقال خادم الأمير: وهل صعدت إلى السماء؟ وكان يظن أن المتحدث عن السماء ~~ينبغي أن يتصل بها كاتصال كهانهم وسحرتهم، ولا حجاب دون السماء. ~~••• # أما عادات أهل الصين وأخلاقهم فيما عدا هذه العاطفة العامة - عاطفة الدين - فالتخصيص ~~فيها يتطلب كثيرا من الأناة. # إذ يقال في بعض الأحوال عن خلق نادر أو شائع: إنه من أخلاق أهل الصين فإذا هو من ~~الأخلاق الإنسانية التي تتماثل في جميع الأمم، ويجب أن نوطن النفس على تكرار جميع ~~الأخلاق الإنسانية في أمة بلغت أول القرن العشرين أكثر من أربعمائة مليون، وبلغت في ~~القرون الغابرة عشرات الملايين حين كانت أكبر الأمم لا تزيد على بضعة ملايين، فمن ~~المتعذر جدا أن يوجد خلق إنساني لا يظهر في هذه الأمة ولا يتكرر فيها، وكل خلق يسبق ~~إلى الذهن أنه خاص بها لا يلبث بعد البحث أن تظهر له مشابهات كثيرة في غيرها. # إنما تتخصص في هذه الأمة وأمثالها عادات الاجتماع دون عادات الطباع. # ففيها مثلا عادة حبس قدمي البنت منذ الطفولة الباكرة، وعادة الإزراء بالجندية على ~~خلاف المعهود في الأمم القديمة، وعادة التخاطب بالعبارات المصطلح عليها مما يشبه ~~القوالب المحفوظة. # وهذه وما شابهها جميعا ترجع إلى أحوال المجتمع الصيني التي يجوز أن يتخصص فيها ~~بموافقات لا تعم سائر المجتمعات. # فالأمة التي تصبح فيها مسائل السلوك دينا مرعيا لا نعجب فيها من المغالاة بالأناقة ~~ودلالات الترف والدلال، ومنها أناقة المرأة وتلطيف جوارحها وأعضائها، فإذا ثبت ms033 فيها ~~المجتمع على ديدن المحافظة آلاف السنين؛ فيكفي فيها أن تظهر البدعة جيلا واحدا حتى ~~تتوارثها منه الأجيال أعقابا بعد أعقاب. # أما عادة الإزراء بالجندية فلها جملة أسباب خاصة بالصين في تاريخها القديم: منها أن ~~أهل الصين لم يشهدوا من الجندية إلا جانبها الذي يغري بالإزراء والجفاء؛ إذ كانت صناعة ~~الجندية صناعة المرتزقة في الحروب الأهلية، يعمل فريق على قتل فريق من أبناء الوطن ~~الواحد، وقلما عملوا في دفع الغارات الأجنبية التي من أجلها عظم الناس الجندي وهو ~~يواجه الموت في الذود عن قومه ووطنه، ولهذا تواتر المثل القائل إن الحديد الجيد لا يصنع ~~منه مسمار والإنسانية الجيدة لا يصنع منها جندي، ولا يقصدون بذلك إلا طائفة الجند الذين ~~لا مرتزق لهم من صناعة ولا دراية إلا أن يبيعوا أنفسهم لكل من يعطيهم رزقا في سبيل ~~أطماعه وأهوائه. # ومن أسباب هوان الجندية عندهم أن عهد الإقطاع كان قائما على القادة في كل إقليم، ~~فلما قضي على هذا العهد جعلوا الولاية فنا يتولاه الأصلح بالامتحان، وساعدهم على ذلك ~~تقديس الحكمة في صورة الأبوة، فأصبحت الطاعة للحكيم الخبير عادة غير مستغربة بعد الطاعة ~~للآباء المجربين والأجداد المقدسين، وقد عانى زعماؤهم المعاصرون أشد العناء في تشجيع ~~شبانهم على الأعمال العسكرية التي ساءت ظنونهم بها عشرات الأجيال، فلم يقبلوا عليها إلا ~~بعد ضربات الهزيمة المتوالية، وبعد أن علمتهم هذه الضربات أن الهوان لاحق بهم بين شعوب ~~العالم، ومنها الشعوب التي كانوا يحتقرونها ويترفعون عنها، ما لم يقوموا هذه القيم من ~~جديد. # ولصقت بأهل الصين عادة التخاطب بالعبارات المصطلح عليها؛ لأن الكتابة عندهم هي في ~~الواقع قوالب منقوشة تتكرر بدلا من الحروف في الكتابات الأخرى؛ ولأنهم أهل مراسم ~~وأنظمة موروثة يحفظها أصحاب القصور، ويقتدي بهم الخاصة فمن دونهم إلى العامة ودهماء ~~السوقة، والناس على دين ملوكهم، ولا سيما الملوك أبناء السماء. # ومن عاداتهم العقلية حب المقابلة والتناسق في التفكير، يملكهم النسق حتى يذهلهم عما ~~وراءه من النقائض الخفية، ولم يفلح في مخاطبتهم من لم يفطن ms034 إلى هذه العادة العقلية ~~فيهم، وبخاصة وعاظ الأديان. # قال الأب ليكونت ~~(Le comte) # في كتابه ذكريات السياحة ~~عشر سنين في الصين: «إنهم على الخصوص يؤخذون جدا بالمقارنات والحكايات ذات المغزى ~~والمرويات التاريخية، وهم على كونهم لم يألفوا تلك السورة أو تلك الحمية التي نألفها في ~~وعاظنا، تراهم تجيش نفوسهم حين يخاطبون بلهجة الجد والاكتراث.» # وهذا أيضا أثر من آثار الحكمة الطويلة التي تلخصها كلمة «الاتزان» وأثر من آثار ~~الحوادث التي عودتهم أن يتريثوا ولا يندفعوا، وأثر من آثار الولع بالرسم والتنسيق في ~~الكتابة والتصوير والنسيج والشعائر والمجاملات. ~~••• # لوحظ في بيئات الحجاب والصيانة المفرطة أن الفتاة إذا زلت في هذه البيئات خرجت من كل ~~عنان؛ لأن المنزلة الوسطى بين الحجاب الشديد وبين الجماح المطلق غير موجودة. # ويصح أن يلاحظ مثل هذا في ثورات الأمم التي ريضت على الاتزان والنسق المطرد، فإنها ~~إذا ثارت ثارت بعد بطلان كل حيلة، فليس أصعب من إثارتها إلا أن تكبح ثورتها حين تخرج عن ~~عقالها. # مذاهب السياسة # من الطبيعي أن تكثر مذاهب المفكرين في الحكم وآداب السياسة بين الأمة الصينية؛ لأنها ~~قديمة العهد بالحكومة، قديمة العهد بالأساتذة والمفكرين، حتى أوشك هؤلاء أن يكونوا طبقة ~~كبيرة تقابل طبقة الولاة الإقطاعيين في سائر الأمم. # وقد كثرت فعلا هذه المذاهب حتى اجتمع منها النقيضان في وقت واحد. # فكان من فلاسفتهم أتباع الطريق أو الناموس من ينكر ضرورة الحكم ويقول: إن القانون ~~يخلق المجرم، وإن الخلاص من واضعي الشرائع أول واجب على الناس، فإذا لم تكن شريعة لم ~~يكن مجرمون، ويتعلم الناس مع الزمن أن اقتناء الأموال مجلبة للنزاع والخصومة والإجرام ~~فلا يقتني أحدهم ما ليس في حاجة إليه. # ويقابل هذا المذهب مذهب الفلاسفة المعروفين بالشرائعيين، وخلاصته أن الشريعة ضرورة لا ~~غنى عنها، وإن صلح الحاكم وحسنت نيته؛ لأن لحاكم ينبغي أن يتقيد أمام الناس بقوانينه، ~~وألا يحكم بشخصه بل بالأحكام الموضوعة للراعي والرعية. # وبين المدرستين مدرسة ثالثة لا تنكر التشريع أصلا ولا تستلزمه أصلا، بل تقول إن ~~مهمة المجتمع ms035 الكبرى هي تربية أبنائه حتى يجيء الوازع من أنفسهم لا من الأوامر ~~والزواجر، فإن هذه الأوامر والزواجر تعلم الناس كيف يحتالون عليها فيقع في الشرك من هو ~~قليل الحيلة ويفلت منه من هو أقدر على الاحتيال وأحق بالعقاب. # وكان حكيم الصين الأكبر كنفشيوس على رأس القائلين بإسناد الحكم إلى الحكماء. # ولكنه على جلالة قدره وجد من الحكماء أنفسهم من يفند رأيه ويبطل حق الحكيم خاصة في ~~ولاية الأمور، وعلى رأس هؤلاء شانج شن # Shangchun # الذي ~~يقول: «إن الحاكم إذا اختار العقلاء وذوي الدراية لمناصب الدولة فمن دأب هؤلاء أن ~~يستخدموا عقلهم ودرايتهم في موافقته طلبا لمرضاته وحذرا من سخطه، ويفضي الأمر إلى خلل ~~الحكم وشيوع الفوضى.» # ويرد على هؤلاء من يرى أن توضع الشروط أولا للوظيفة والموظف، وأنه على فرض الخطأ في ~~الشروط فإن الشروط التي تخطئ خير من إغفال الشروط كل الإغفال. ويضرب الحكيم كوانتزي # Kwantse # المثل على فضل القانون في جميع الأحوال فيقول: ~~«إنه على الأقل يريح خواطر الرعية، ومثال ذلك أننا إذا قررنا تقسيم الحصص بالاقتراع بين ~~المال والخيل لم تأت الأنصبة على سواء، ولكن الاقتراع يرضي أصحاب الأنصبة؛ لأنه يمنع ~~المحاباة.» # وقد قيل في أصل الحكومة كل ما قاله فقهاء الغرب في القرون الأخيرة مع اختلاف ~~الأساليب، فمن حكماء الصين من يجعل الحكومة ضرورة لانطباع الناس على النزاع والعدوان، ~~ومنهم من يجعلها ضرورة؛ لأنها تتفرغ لعمل لا تتفرغ له الرعية كلها، ويكاد الحكماء أن ~~يتفقوا على أن مصلحة الرعية هي أساس الحق في الحكم، وشعارهم جميعا قول كنفشيوس: إن ~~السماء تقول ما الشعب قائل وتسمع ما الشعب سامع، وإن خلع الحاكم علامة على رجعة السماء ~~في تفويضها. # ولا يشذ عن هذا الرأي من يقول: إن الأرض لابن السماء، فإنهم يحسبونها ملكا له ~~باعتباره مسئولا عن مصالح الرعية، ويقولون: إن تحصيل الضريبة لا يحق للحاكم ما لم تكن ~~جزاء على عمل نافع لمن يؤديها. # إلا أن هذه المذاهب على قدمها وكثرتها لا تعدو مباحث النظر ومساجلات المفكرين ms036 ودروس ~~المعلمين، فلم يكن لها أثر في إقامة دولة وإسقاط دولة، وانحصرت فائدتها في تثقيف بعض ~~الولاة والملوك، فمن كان منهم مطلعا على آراء الحكماء عمل بما يروقه من آرائهم، ومن ~~وكل منهم الرأي إلى الوزراء من الأساتذة والمؤدبين، فالناس منتفعون بحكمة وزرائه كلما ~~اقتدروا على العمل بحكمتهم، ولم يحدث قط أن الدولة قامت لتطبيق مبدأ أو سقطت لمعارضة ~~مبدأ، وإنما تأتي الفائدة وفقا لما يستحسنه الملوك والوزراء. # وهناك تجارب سياسية أو إدارية تولدت في الصين من اجتماع ظروف فيها لم تجتمع على هذا ~~المنوال في غيرها. # ومن هذه التجارب القضاء على أمراء الإقطاع بعد نظام الإقطاع الذي أسسه شو كنج ووضع ~~فيه كل ما يمكن من الأقسام، ومنها إقطاع المدن الذي عرف باسم تيين وإقطاع الإمارات أو ~~الدوقيات الذي عرف باسم هو، وإقطاع الحكومات القديمة التي حفظ لها حقها في بلادها إلى ~~حين، وكانت تعرف باسم «وي» وإقطاع الحدود الذي كانت مهمته حراسة حدود الدولة وكان يعرف ~~باسم هوانج. # وقد كان هذا التقسيم على غاية من النفع في بداءته وظل كذلك عدة قرون؛ إذ عملت كل ~~ولاية على تمدين القبائل الهمجية فيها بنشر المعارف الزراعية والعادات التجارية بين ~~أهلها، ثم ضعفت الحكومة المركزية فضعفت رقابتها على الأطراف القاصية، وجاءت الأسرة ~~التالية فبطشت بأمراء الإقطاع كافة واستبدلت بهم حكاما توسمت فيهم الكفاية والأمانة، ~~ثم وضعت نظام الولاية بالامتحان، ورشحت كل من أنس في نفسه القدرة على أداء الامتحان ~~المطلوب، وساعدها على ذلك أن الصينيين يقدسون الأسلاف ويتوجسون من الجندية، ولو أنهم ~~استطاعوا لقصروا الولاية على الآباء والشيوخ المحنكين، فإذا كان الآباء لا يؤخذون ~~بالاختبار والامتحان، فالبديل منهم ذوو الحنكة والدراية الذين يثبتون خبرتهم بالاختبار، ~~أو الامتحان. # هذه الضريبة قضت على الإقطاعيين باعتبارهم طبقة تجمعها جامعة واحدة وتنتقل سيادتها ~~بالوراثة، فمن ارتفع بعد ذلك إلى مكان الولاية واستولى على ضيعة أو إقليم فإنما هو فرد ~~لا تضمه إلى غيره طبقة متساندة، وقد يخلفه وال من عامة الشعب لا عصبية له ولا ms037 مزية له ~~على العامة غير درايته واحترام الرعية لعلمه وفهمه. # واختفى مع الإقطاع، نظام آخر لازمه قديما في غير الصينية، وهو نظام الرق، واستعباد ~~المغلوبين بالمئات والألوف، وأعان على اختفاء الرق أن الحاجة إليه غير لازمة مع وفرة ~~الأيدي العاملة وتقسيم الأرض الزراعية بين أقرباء الدم والمصاهرة. # ومن ظروف الصين التي خصت بها على نطاق واسع، أنهم اختبروا الملكية المشتركة من أقدم ~~العصور، ولبثت بقية منها متخلفة إلى زمن قريب. # فالأرض كانت ملك القبيلة على المشاع، ثم تكاثرت القبائل فأصبحت ملكا للدولة، وأصبحت ~~للدولة حصة من المحصول تتسلمها عينا وتقدرها على حسب المسافة بين العاصمة والأرض ~~المزروعة، فالأرض البعيدة، ترسل المحصول حبوبا، والمتوسطة ترسل الحبوب في السنابل، ~~والقريبة ترسل الحصيد كله، ويتفاوت المقدار في كل حصة، للتسوية بين الضرائب في جميع ~~الجهات، ومن هنا تكفلت دواوين الحكومة قديما بضروب من التجارة والتوزيع، لتصريف ~~المحصولات التي تجبيها. # وحلت الأسرة محل القبيلة زمنا في الملكية الزراعية، ثم تقسمت الأنصبة فتاتا يصغر ~~شيئا فشيئا، ويحتاج مالكه إلى استئجار الأرض من غير ملكه؛ أي من الوالي الذي ينوب عن ~~الدولة في الإقليم. # وكانت في كل إقليم - خلال هذه العصور جميعا - أرض شائعة يتطوع الفلاحون لخدمتها، وهي ~~الأرض الموقوفة على هيكل السلف الأكبر في ذلك الإقليم، فمن غلة هذه الأرض ينفقون على ~~بناء الهيكل وترميمه وخدمته وإقامة محافله، ويعمل الفلاحون فيه بدعوة من الكاهن والوالي ~~أو بالتفاهم على المناوبة، ولا يتقاضون أجرا من أحد. ~~••• # وتنتهي بنا ظروف الصين الخاصة بها والمشتركة بينها وبين غيرها، إلى نتيجتين: # النتيجة الأولى: # أن تجاربها الماضية تجعلها بابا مفتوحا لكل تجربة محتملة، تدخلها ~~غريبة وتصطبغ فيها بصبغتها الوطنية؛ إذ لم يكن من طبيعة الأنظمة ~~الحكومية التي سبقت فيها أن تغلق الباب على نظام جديد يطرأ ~~عليها. # والنتيجة الثانية: # أن أحداثها السياسة تحسب من قبيل التغييرات المتشابهة، ولا تحسب من ~~قبيل التطورات المتجددة، فإن أسرتها الأخيرة نسخة من أسرها الأولى قبل ~~الميلاد بعدة قرون، ومحور التغيير فيها قوة الأسرة وضعفها، فإذا ms038 كانت ~~الأسرة وطنية، تربصت بها القبائل الساطية غرة الضعف والغفلة فانقضت ~~عليها واغتصبت منها عرشها، ثم تضعف هذه الأسرة الأجنبية وتعتريها ~~الغفلة مع الزمن؛ فتسقطها أسرة وطنية أخرى أو غارة جديدة من القبائل ~~الضاربة حول بلاد الحضارة، فليس في هذه التغييرات تطور لنظام الحكم على ~~مبدأ جديد. # وكل ما أثر عن الحكماء من المذاهب والنصائح فإنما هو من الوصايا التي تساق إلى كل ~~حاكم على كل نظام من أنظمة الحكم الملكي أو الجمهوري أو الفردي المستبد أو الشوري ~~النيابي، أو ما شئت من الأنظمة العتيقة والمبتكرة. فما من حاكم إلا يجوز أن يقال له: إن ~~العدل خير من الظلم، وإن الكفاية، أولى بالاختيار من الحظوة الشخصية، وإن القوانين عصمة ~~الملك ورضى الرعية، وما لم يكن هنالك برنامج مفصل يصلح لنوع من الحكومات ولا يصلح لنوع ~~آخر، فلا محل للانقلاب من جراء تلك المذاهب التي يسلمها من يسلمها، أو يناقشها من ~~يخالفها مناقشة النظر والدراسة. # ومرجع النقص في عوامل التطور هنا إلى سببين على الأرجح: أولهما العزلة عن العالم، ~~وأحداثه الفعالة بين الأمم القريبة والبعيدة، وثانيهما العزلة الداخلية، ونعني بها عزلة ~~الحكومة المركزية عن الأطراف القاصية وعن مباشرة التفصيلات في أدنى الولايات وأقصاها ~~على السواء. # فالبلاد التي تشرف فيها الحكومة على تفصيلات الحكم في كل إقليم من أقاليمها يتطور ~~نظامها الحكومي عند كل تطور عظيم يطرأ على المجتمع؛ لأن الحكومة فيها هي كل شيء بالنسبة ~~إلى الأعمال العامة، فلا مناص من تغيير نظامها كلما تغيرت مطالب المجتمعات التي ~~تتولاها. # وهذه حالة غير حالة البلاد المترامية الأطراف، فإن العلاقة بين أقاليمها وحكومتها ~~المركزية تتراخى فلا تشرف هذه الحكومة على تفصيلات الحكم في الأقاليم، ولا يتحتم ~~انقلابها كلما طرأ على هذه التفصيلات طارئ جديد. # فإذا لم يكن ثمة طارئ جديد فالانقلاب من باب أولى ليس بالحتم المقضي لا محالة، وقد ~~كانت بلاد الصين جميعا بمعزل عن العالم وأحداثه وتغييراته، وكانت مكتفية بنفسها فخورة ~~باكتفائها، فلا تسقط فيها الحكومة المركزية إلا إذا عجزت عن ms039 حماية نفسها وتفاقمت ~~مساوئها فخذلها من كان ينصرها. # ودام الحال على ذلك عشرات القرون ... # ثم مرت بالبلاد عشرون سنة بدلت كل شيء غاية التبديل، فلا عزلة عن العالم الخارجي، بل ~~لجاجة في الاتصال واشتباك العلاقات، ولا استغناء عن الحكومة المركزية في كبير الأمور أو ~~صغيرها، بل هي الحكومة التي لا بد من صلاحها أو تغييرها: تغييرها هذه المرة تغيير ~~التطور في النظام وفي جملة السياسة وتفصيلاتها. # وهبت في البلاد ثورات، ولكنها كانت من ثورات التاريخ الماضي، وعلى سنته البالية، فلم ~~تفلح ولم تغير شيئا؛ لأنها هي نفسها أحوج ما كان إلى التغيير. # وانتظرت البلاد ثورة من التاريخ الحديث. # فجاءتها الثورة من تاريخ العصر على يد الرجل الذي سمي بحق أبا الصين الحديثة، وسمي ~~بحق نبي الوطنية في الصين. # | أبو الصين # سن ياتسن # نعم، سمي سن ياتسن بحق أبا الصين ونبيها الوطني، وهي لم تعرف نبوة في غير ~~الوطنية. # وكان أبا الصين ونبيها الوطني حقا؛ لأن الصين كانت فريسة لجراثيم اليأس والموت، ~~فنفخ فيها روح الأمل ونقل إليها جراثيم الحياة. # ولم يكن بدعا بين الزعماء، فهناك أعمال عملت له قبل مولده، وهناك أعمال عملت له بعد ~~مولده ولم يطلبها ولم يتعب في تدبيرها. # وهكذا جميع الزعماء في جميع الأمم في جميع العصور. # إلا أن نصيب هذا الرجل في فضل الزعامة كان أعظم من نصيب الزعماء في زمانه، فكتبت له ~~وحده رسالة الزعامة التي لا غنى عنها ولا تجدي موافقات الحوادث شيئا بغيرها. # فمن الصعب أن نفهم كيف كان سن ياتسن يقدر على رسالته لو لم يولد حين ولد، فكانت ~~ولادته قبل ذلك بعشرين سنة، أو بعشر سنين. # ومن الصعب أن نفهم كيف كان يقدر على رسالته لو لم تكن نشأته في الجنوب حيث نشأ، ولو ~~لم يكن تعليمه كما تعلم، ولو لم يكن أخوه الأكبر الذي أشرف على تعليمه بعيدا عن أرض ~~الصين يوم بلغ الصبي سن المدرسة. # ولكن الأصعب من هذا أن نفهم كيف كان رجل غير سن ياتسن مقتدرا ms040 على مهمته لو لم تكن له ~~سليقته وعزيمته وبديهته، وخليقة اليقين في وجدانه، وبث اليقين في وجدان الآخرين. # ولد سن ياتسن في نوفمبر (سنة 1866) والناس يتحدثون بثورة التايبنج وأنصار هذه الثورة ~~يلوذون بالجنوب، بعد القضاء على حركتهم واتفاق الدول الصينية والدول الأوروبية على ~~مطاردتهم واستئصال بقاياهم. # وقضي على الحركة يومئذ ولم يقض على جماعاتها السرية التي تغلغلت بين قرى الشمال ~~والجنوب من أقصى الأقاليم الصينية إلى أقصاها. # وكان من الطبيعي أن تلوذ بالجنوب؛ لأن العطف فيه على الحركات الثورية أعظم وأصدق، ~~ولأن الأنصار المؤيدين فيه للأسرة المالكة أقل وأضعف. # ففتح سن وين # 1 # الصغير أذنيه على أخبار الثورة، وفتح عينيه خفية على ~~تنظيماتها ولجانها، وقاده تطلع الطفولة قسرا إلى استبطان أسرارها واستقصاء أحوالها ~~وتواريخها. # وليس أقدم من تواريخ الجماعات السرية في البلاد الصينية، ففي أيام أسرة هان قبل عشرين ~~قرنا كانت جماعة «الحواجب الحمر» قوة مرهوبة في الحرب الأهلية، وسميت كذلك؛ لأن صبغ ~~الحاجبين باللون الأحمر كان علامة بينهم حين يتعرف بعضهم إلى بعض في غير بلد ~~غريب. # وأشهر هذه الجماعات في العصور الوسطى - جماعة الزنبقة البيضاء - نشأت على أيام الأسرة ~~المغولية، وعادت إلى الظهور على أواخر أيام أسرة «منج» الوطنية فاجتاحت الأقاليم ~~الجنوبية وخمدت ثورتها بعد أن قتل عشرون ألفا من أعضائها. # وفي القرن التاسع عشر تجددت هذه الجماعة ونشأت إلى جانبها جماعة الثالوث، إشارة إلى ~~السماء والأرض والإنسان، وجماعة «كولاوهوي» أي: الإخوة الكبار، وكانت تعيث في جوانب ~~الأرض انتقاما من الأسرة المالكة وإزعاجا لها، ولكنها لم تكن ذات برنامج سياسي أو خطة ~~مرسومة لولاية الحكم بعد سقوط الأسرة الحاكمة، ومن لجانها طائفة كبيرة ناصرت الحركة ~~الوطنية بعد إعلان الجمهورية. # ولم ينقطع تأليف هذه الجماعات بعد انهزام جماعة التايبنج، فنشأت جماعة الملاكمين، ~~ونشأت بعدها جماعة الحواجب الحمر، ونشأت هنا وهناك جماعات إقليمية للدفاع أو للهجوم، ~~ولكنها كررت أخطاء التايبنج ولم تعتبر بدروسها. # فنشأ سن ياتسن في صباه وهو يحلم بتأليف جماعة من هذه الجماعات ... ولو لم تكن هذه ~~الجماعات ms041 وأمثالها حلم طفولة لقد كان الأحرى بإخفاقها أن يثنيه عن محاولاتها ~~وجرائرها. ~~••• # وكان مولده في قرية سيانجشان بإقليم كوانتنج، وقيل: إن أباه كان من أعضاء جماعة ~~التايبنج المسيحيين الذين يؤمنون بمذهب زعيم الجماعة في المسيحية، ومنه ادعاؤه أنه أخ ~~صغير للسيد المسيح، وقيل غير ذلك إنه كان من أعضاء الجماعة ولم يؤمن بنحلتها ~~الدينية. # وكان مولد سن ياتسن في الجنوب ترشيحا آخر للمطالبة بالحرية؛ إذ كان الجنوب يعادي ~~الأسرة المالكة التي كان فريق من أهل الشمال يتعصبون لها، لمجيئها من الشمال ومقام ~~ذويها وأتباعها في عواصمه وقراه، وإذ كان الجنوب أقرب إلى الحرية والحضارة الحديثة ~~وأكثر اختلاطا بأمم العالم واطلاعا على شئونها، إما بمعاملة الوافدين إلى الموانئ ~~الجنوبية وإما بالرحلة إلى الديار الخارجية. # ونحن نستصغر اليوم أثر هذه النشأة في مستقبل طفل صغير؛ لأننا نتوهم حالة الصين يومئذ ~~كأنها حالة عصرية يطلع فيها القارئ على أخبار الصحف والإذاعة حيث كان، ولكننا نصحح هذا ~~الوهم في أخلادنا متى ذكرنا أن الصحافة لم يكن لها وجود بين الشماليين، وأن الاطلاع ~~هناك على أخبار الخارج ممتنع بغير حاجة إلى مانع من الحكومة، وهذا هو الفارق البعيد بين ~~اطلاع الناشئ في الجنوب على شئون العالم وبين اطلاع أبناء الشمال على تلك الشئون، ~~وحسبنا أن نراجع تواريخ هون سيوتسوان زعيم التايبنج، وكانج يووي زعيم النهضة الأدبية، ~~وليانج شيكاو زعيم المدرسة الدستورية الملكية، وأن نراجع تراجم تلاميذهم العاملين، ~~لنذكر معنى النشأة الجنوبية في ذلك الجيل. # وقد لاحظ المؤرخ جرين صاحب كتاب «قصة ثورة الصين» أن التنافس بين الشمال والجنوب ~~ظاهرة مألوفة بين أمم كثيرة شرقية أو غربية ... فهو مألوف بين أبناء الشمال والجنوب في ~~الولايات المتحدة، ومألوف بينهم في إيطاليا، ومألوف بينهم في بروسيا وألمانيا الجنوبية، ~~ويحدث هذا التنافس تارة لأسباب عنصرية وتارة لأسباب سياسية أو اقتصادية، كما يحدث ~~أحيانا لمجرد الولع بالمفاخرة وميل الإنسان عادة إلى تفضيل مكانه وعشيرته وجيرته وكل ~~منسوب إليه على حسب درجاته من القربى. ~~••• # ومن تمام الموافقة في نشأة سن ياتسن، ms042 بعد مولده في الجنوب، وعلى أعقاب ثورة التايبنج، ~~أن تعليمه المدرسي كان تعليما عصريا رشحه لقيادة الجيل المعاصر من نابتة المدرسة ~~الحديثة من خريجي الغرب واليابان والمعاهد الصينية المترقية. # كان والده فلاحا وأخوه تاجرا من أصحاب المعاملات في الخارج، فدرج وهو يعرف متاعب ~~الفلاح الصيني ومتاعب التجارة الصينية أمام المزاحمة الأجنبية مستغنيا بالمشاهدة عن ~~التعليم، وأراد أبوه وأخوه أن يعداه لحياة غير حياة الزراعة والتجارة، وكان أخوه يتجر ~~في هنولولو فطلب إلى أبيه أن يرسله إليه تخفيفا عن الأسرة وتمكينا للصبي الصغير من ~~تعليم أصح وأوفى من التعليم الذي يتهيأ لمثله في بلاده، فوصل إلى هنولولو وهو يناهز ~~الثالثة عشرة وانتظم بمدرسة حديثة يديرها الآباء الإنجيليون، وقضى ثلاث سنوات قيل: إنه ~~اطلع خلالها على بعض الكتب المسيحية فمال إليها وأبلغ أخاه رغبته في التنصر، فبادر هذا ~~وأعاده إلى بلده ولم يشأ أن يتسلمه من أبيه على دين أجداده وأن يعيده إليه وقد صبأ إلى ~~دين آخر، إلا أن الصبي كان شديد المراس من صغره وكان أساتذته يشكون من عناده ويعاقبونه ~~على مخالفاته، فلم يكن جنوحه إلى المسيحية بتلقينهم وتشجيعهم، بل بمحض مشيئته واعتقاده، ~~فلما قفل إلى قريته أصر على عقيدته وتعمد الجهر بمخالفة العقيدة الموروثة عسى أن يقصيه ~~أبوه عن القرية إلى مدينة يتمم فيها دروسه على المناهج العصرية. # فهجر القرية فعلا إلى كانتون ورآه هناك طبيب من أعضاء البعثة البروتستانتية ~~الأمريكية فنصح له بدراسة الطب، وأرسله إلى هونج كونج ليتعلم الطب في مدرستها الكلية، ~~فتخرج منها سنة 1892، وانتقل إلى مكاو وهي تابعة للحكومة البرتغالية، لمزاولة الصناعة ~~فيها، فلم تمهله حكومتها أن أمرته بمغادرتها متذرعة بما اتصل بها عن نشاطه السياسي، ~~وكارهة في الواقع أن تفتح على أطبائها باب المنافسة من طبيب صيني متخرج من مدرسة ~~إنجيلية، ولم يلبث بعد أن عاد إلى كانتون أن ابتدأ دعوة الإصلاح بعريضة مفصلة اقترح ~~فيها على حكومة بكين تعميم المدارس الزراعية على النمط الحديث، فطوت الحكومة هذه ~~العريضة ولم يكسب منها الفتى المصلح ms043 إلا أنهم أضافوا اسمه إلى السجل الأسود، وفرضوا ~~الرقابة على حركاته وعلاقاته. ~~••• # هذه الموافقات المتجمعة من مولده ونشأته وتعليمه لم تكن من عمله ولا تحسب له من ~~جهوده. # ولكنها موافقات يشاركه فيها مئات الناشئين في تلك الفترة، كلهم من أهل الجنوب، وكلهم ~~من أبناء الشطر الأخير من القرن التاسع عشر، وكلهم متعلمون في المدارس الحديثة. # وقد سألنا في أول هذا الفصل: ترى ماذا كان في استطاعة سن ياتسن أن يصنعه لو أنه ولد ~~قبل مولده بعشرين سنة، أو قضى شبابه في قرى الصين المنعزلة بين شمالها ومغربها، أو تعلم ~~على الطريقة التقليدية التي لا تؤهله لقيادة دعوة يتصدى لها المثقفون وذوو الآراء ~~المتجددة؟ # ومن يسأل هذه الأسئلة خليق أن يسأل معها: ترى ماذا كان في وسع زعيم غير ياتسن أن ~~يصنع في قيادة تلك الدعوة إن لم يكن له صفاته ومزاياه؟ # لا شيء! ولو كان في وسع أحد غيره أن يغلبه على القيادة لغلبه عليها في مبدأ الأمر على ~~الخصوص، قبل أن يضفي عليه النجاح سرابيل الهيبة والقداسة. # إن المزية الكبرى التي وهبها سن ياتسن ليست من المزايا التي توهب لكل إنسان. # وتلك المزية هي القدرة البالغة على التأثير والإقناع طواعية بغير كلفة أو هي بعبارة ~~أوضح وأصدق أنه كان يملك الثقة ويعطيها، وهي خصلة واحدة تجتمع فيها خصال شتى، يصعب ~~إحصاؤها، بل يصعب إدراكها بارزة على وجه الأمور. # كان في شبابه يراجع بعض الكتب بالمتحف البريطاني فالتقى بفئة من الثوار الروس - منهم ~~ششرين - ولعل منهم لينين - وسألهم عن غاية رجائهم من جهادهم ... ثم قال لهم: إنه يرجو أن ~~تحقق الثورة الصينية غايتها خلال ثلاثين سنة ... فتهافت الروس متعجبين: أفي ثلاثين سنة ~~تحقق غايتك؟ لو تحققت غاية ثورتنا بعد مائة سنة لكان هذا قصارى ما نتمناه، وها نحن ~~أولاء نجاهد من الآن! # قال جرين صاحب كتاب قصة ثورة الصين - وليس هو من الأسخياء بالثناء عليه: «إن شخصية سن ~~ياتسن لا تجحد، وهو أطول من عامة أهل الصين، يوحي إليك منظره ms044 قوة الكيان ... ويلقي في ~~روعك أنك أمام رجل لديه ذخيرة من القدرة غير التي تلمحها عليه لأول نظرة؛ أهي قدرة ~~الخلق أو العزيمة أو المغناطيسية لا تدري، ولكنها ولا شك هي القدرة التي أتاحت له أن ~~يلعب بالجماهير من أبناء وطنه كما يشاء.» # ومن الكتاب الذين لا يسخون بالثناء عليه كذلك لاتوريت # Latowrette # صاحب كتاب «الصينيين: تاريخهم وثقافتهم» وقد وصفه فقال: «إنه ~~كان داعية ناجحا جد النجاح، وكان مثاليا على خلاف طلاب المغانم من زعماء عصره ~~العسكريين، وكان مع اطلاعه الواسع على ثقافة الغرب والصين خبيرا بالمجتمع فيلسوفا في ~~المسائل الاجتماعية، يحلم بالطوبى على المثال الأوفى، وآراؤه التي يقترحها لتجديد بلاده ~~لا تخلو من الإغراب وما لا يصلح للتطبيق، ولكنها لا تخلو كذلك من نفحة العبقرية، وللرجل ~~خاصة تجذب إليه الآخرين لم يوجد من يضارعه في سلطانه على خيال الناشئة من قومه، وله ~~قدرة خارقة على الإيحاء وتنظيم الحركة الثورية، أما الإدارة الحكومية فقد كان فيها ~~بين الإخفاق.» # ولا بد أن قدرته على التأثير والإقناع كانت تفوق المشهور حتى عن زملائه من أصحاب ~~السلطان على أتباعهم ومريديهم، فلم يكن تأثيره وإقناعه مقصورين على الجموع الذين ~~يتأثرون أحيانا بتنبيه غرائز الجماهير فيهم، بل بلغ من سلطانه على الآحاد ما يشبه ~~التنويم والسحر المزعوم، واتفق غير مرة أنه استخفى من مطارديه وأن الحكومة جعلت على ~~رأسه مكافأة مغرية لمن يأتي به حيا أو ميتا أو يدل عليه، وعرفه بعضهم أثناء استخفائه ~~فاستطاع بحسن بيانه وقوة سلطانه أن يثنيهم عن تسليمه ويحولهم إلى تأييده والاجتهاد في ~~إخفائه. # وكثيرا ما تسرب اليأس إلى خاصة أعوانه من الذين يعتمد عليهم في إحياء الآمال وانبعاث ~~العزائم، وكان لهم العذر من يأسهم لتوالي الهزائم عليهم، وكثرة الضحايا من إخوانهم، ~~وقلة المال في أيديهم، وتقاعد العامة والخاصة عن معونتهم أو ارتدادهم عليهم طمعا في ~~مثوبة الحكومة وخوفا من عقابها ونشاط جواسيسها، فما هو إلا أن يسمع بطائفة من هؤلاء ~~غلبهم اليأس وخانتهم العزيمة حتى يلقاهم ساعة أو بعض ms045 ساعة، فيخرجون من عنده إلى المخاطر ~~التي ندبهم لها وقد نسوا ما كانوا يعتلون به قبل ذلك من علل اليأس والانصراف عن الحركة، ~~ومنها ما هو حاضر أمام أعينهم لا تسهل المماراة فيه بأخاديع النفوس. # وأسعفته هذه الملكة الخارقة حين استدرجه عمال الأسرة المالكة في سفارة الصين بلندن، ~~فأوقعوه في كمين نصبوه له باسم الوطنية وجلب الأعوان إلى الحركة، فلولا إقناعه لأحد ~~الحراس بإبلاغ رسالة منه إلى أصدقائه لحملته السفارة إلى بكين حيث ينتظره العذاب ~~والتنكيل. # هذه الملكة الخارقة قد اتفق عليها مؤرخوه وناقدوه، وإنما اختلفوا في ملكته الإدارية ~~وذهبوا في اختلافهم إلى الطرفين المتقابلين: فريق يرفعه فيها إلى ذروتها ويحسبها من ~~مزاياه التي يخصها بالتنويه، وفريق يجرده منها كل التجريد. # ولعل شهادة لينين هنا من الشهادات التي لا تهمل؛ لأنه خبير بالرجال، وليس من دأبه ~~السخاء بالثناء على أي إنسان. # قال: «إن سن ياتسن تعم أفكاره روح ديمقراطية مناضلة ولا يبدو عليه أثر من العي ~~السياسي وقلة الاكتراث للحرية ولا هو يقبل القول بأن الحكم المطلق كفؤ لإنجاز مطالب ~~الإصلاح الاجتماعي في الصين ...» # ولا نظن أن النقاد الذين أنكروا عليه القدرة الإدارية سألوا أنفسهم عن المهمة التي ~~فرضوا عليه النجاح فيها، أو عن الرجل الذي كان خليقا أن ينجح حيث أخفق، وأن يعمل شيئا ~~أكبر من عمله وأبقى. # فقد كان المطلوب خلق إدارة جديدة على أنقاض الإدارة البالية، وكان عليه أن يعمل ~~بالأيدي القديمة قبل تدريب من يخلفها، وأن يحسب حساب الخيانة والإحباط المتعمد، كما كان ~~عليه أن يحسب حساب الجهل والمخالفة بين أقرب المقربين إليه، وقد اعترضته الحرب العالمية ~~بعد قيام الجمهورية بنحو ثلاث سنوات، وسبقتها دسائس اليابان ومناوشاتها، وهي عوارض ~~خليقة أن توقع الخلل والاضطراب في إدارة الحكومات التي طال عليها العهد بالاستقرار ~~والطمأنينة، فكيف بالإدارة الحكومية بين قديم عاجز متهم، وجديد عاجز لا يطمأن إليه وإن ~~سلم من الاتهام؟ # إن العمل بعد إعلان الجمهورية كان أعسر جدا وأثقل جدا من العمل قبل إعلانها، ~~وكلاهما عمل جبارين ms046 لا يقوى عليه غير أولي العزم والقوة. # وكفى دليلا على شيء منه، ولا نقول عليه كله، أن سن ياتسن كان يلام على الهوادة مع ~~الشيوعية وعلى التشدد معها في وقت واحد. # ففي سنة 1922 - أي بعد إعلان الجمهورية بعشر سنوات - رميت دار الزعيم بالقذائف وقاد ~~الثورة عليه رجل من الجمهوريين اعتقد أن الزعيم يمالئ الشيوعيين، وكان الزعيم يومئذ ~~يقنع أدولف جوف مندوب الروس بكتابة البيان الذي يقرر فيه أن الشيوعية لا تصلح للصين في ~~ذلك الحين، فنجا من داره بأعجوبة وعاش شهرين غاديا رائحا على متن زورق صغير. # وفي هذه الفترة يتهمه المتطرفون بالتخلف والرجعية ويطلبون منه أن يلغي مبادئ الوطنية ~~والسيادة ليقبل بجملته على الشيوعية، وتتمادى الحملة عليه من المتطرفين حتى يواجهوه ~~باتهام مكتوب يجيب عليه كتابة كأنه يؤدي الحساب أمام القضاء، فلا يأنف أن يجيبهم ويقول ~~في جوابه: «إن دعوى القائلين بتخلف مبادئنا إنما يبعثها فرط التعصب أو التعبد للثورة ~~الروسية من جانب الطلاب الناشئين.» # وقد مضت بين إعلان الجمهورية وإعلان الحرب العالمية سنوات لا تحسب من عمله؛ لأن رئيس ~~الجمهورية يوان شي كاي بيت النية على قلب الجمهورية وإعادة الملكية وتنصيب نفسه على ~~عرش الصين عاهلا جديدا باسم ابن السماء، وأوشك أن يبطش بسن ياتسن لولا يقظة هذا ~~وإسراعه إلى مغادرة البلاد والإقامة باليابان مهددا فيها بالتسليم؛ لأن ابن السماء ~~المنتظر كان يترضى اليابان ويتقبل مطالبها لتنصره على خصومه الجمهوريين. # ونحن حين نكتب سيرة رجل عظيم نذكر على الدوام أن أحوج الناس إلى الإنصاف هم العظماء ~~المظلومون، فما من عظيم إلا وهو مظلوم على عمد وروية وعلى غير عمد وروية: يتعمد ظلمه ~~أعداء موتورون ضيع عليهم نعم الرفعة والمجد والشهرة، ويتعمد ظلمه صغار محنقون يتعوضون ~~من شعورهم بالنقص أنهم ينصبون الميزان للعظماء ويعيبون هذا أو يتكرمون بالثناء على ذلك، ~~ويظلمهم على غير عمد جهلاء لا يفقهون ما تتطلبه الأعمال الكبار وما يعترض تلك الأعمال ~~من العقبات والأخطار. # ولا نكتم القارئ أننا نكتب سير الأفذاذ العاملين لتعظم عظمتهم ms047 ونلتمس مواطن العذر لهم ~~في تقصيرهم، وشعارنا أن معرفة المزايا أعسر من معرفة النقائص، وأن الإنسانية فيها ~~الكثير من النكرات والصغار فلا حاجة بها إلى زيادة عليهم، وإنما حاجتها الكبرى أن تعطي ~~العظمة حقها ... فما كانت العظمة لتضيع ويبقى بين الناس حق لإنسان. # وسيرة أبي الصين مثل من أمثلة عدة للفضائل التي تحتاج إلى تقدير وتقويم، والأعذار ~~التي تحتاج إلى إيضاح وتذكير. # من سنة 1892 إلى سنة 1911 # في كل مسألة من مسائل العالم الكبرى شيء لم يقع في التقدير. # ومن الصواب إذن أن نحسب للمجهول حسابه في كل مسألة من هذه المسائل الكبرى، فليس من ~~اللعب بالألفاظ أن يقال: إن المجهول في هذه المسائل عامل ثابت لا يمكن تجاهله؛ لأن ~~التاريخ لم يسطر لنا قط تدبيرا عظيما لم يعرض له طارئ مجهول. فهو عامل صحيح كالعامل ~~الذي نقدره وندبره ونحسب حسابه قبل وقوعه، وإنما الفارق بينهما أن المجهول قد يأتي ~~معجلا كما يأتي معوقا أو معطلا، وليس في طاقة الإنسان أن يثق من إحدى الحالتين قبل ~~وقوعها، وإن كان في طاقته أن يحتملها ويرجحها ويدخلها في حسابه على هذا الاعتبار: أي ~~على اعتبار التعجيل واعتبار التعويق والتعطيل. # وسنعنى في هذه السيرة بالإشارة إلى موقع هذه المجاهيل أو هذه المصادفات؛ لأن ~~إهمالها يخل بكل حساب صحيح. # كان الثوار من الشبان الروس يقدرون لنجاح ثورتهم مائة سنة، وكانوا يحسبون زميلهم ~~الصيني مبالغا في التفاؤل حين قال لهم: إنه يرجو أن يحقق غرض الثورة الصينية خلال ~~ثلاثين سنة، وكان هو يقول - وإن لم يعلن ذلك قبل نجاح الثورة - إنه لم يقدر سقوط الأسرة ~~المالكة في حياته، وإنه بقي إلى سنة 1905 يتحاشى ذكر الثورة في الجماعات التي يؤلفها، ~~ويسمي هذه الجماعات باسم الرابطة المتحدة. # ثم دارت الأيام دورتها فلم تأت سنة 1917 حتى كانت القيصرية هاوية، وكانت الثورة ~~قابضة على مقاليد السلطان في عاصمة القياصرة؛ أي قبل انقضاء عشرين سنة من المائة التي ~~قدروها؛ لأن هزيمة روسيا في الحرب العالمية كانت هي ms048 «المجهول» الذي طرأ ولم يكن له ~~حساب، فعجل بنهاية العهد القديم ودفع بطليعة العهد الجديد ثمانين سنة إلى ~~الأمام. # أما سن ياتسن فقد ظهر أنه بالغ في إطالة السنين ولم يبالغ في تقصيرها، فلم تنقض عشرون ~~سنة على ابتداء دعوته حتى ذهبت الأسرة المالكة إلى غير رجعة، وكان يحسب أنه إذا سمى ~~الحركة ثورة في سنة 1905 صدم أسماع المدعوين إلى تأييدها، فلم تمض ست سنوات حتى كانت ~~حكومة الثورة الصينية حقيقة يتسامع بها المشرقان والمغربان. # لقد كان يعتقد أن الأسباب مقنعة له ولأمثاله من ذوي البصر والعزيمة، وأن جماهير الشعب ~~لاحقة به وبهم بعد زمن طويل، وأن غاية ما في وسعه أن يصنعه لتعجيل اليوم المنظور أن ~~يثير النفوس بالهجمة بعد الهجمة والمجازفة بعد المجازفة، فتكفلت الحوادث بمعونته من حيث ~~لا يحتسب، بل تكفلت أسرة المانشو نفسها بمعونته من حيث تحسب أنها تحمي عرشها وتوطد ~~أركانها؛ قبلت الهزائم وهي تظن أن السلامة في التسليم، وأثارت ثورة الملاكمين فضربتها ~~الثورة في صدرها، وذهبت تلم شعثها وتجمع المغارم المفروضة عليها، فثقل محملها على ~~الكواهل، وسقطت حين ضعفت هذه الكواهل الهزيلة عن حملها؛ أسقطها الضعفاء يوم عجزوا عن ~~القيام بها، ولولا ذلك لما قوي على إسقاطها العصبة الأشداء. # بدأ سن ياتسن دعوته بعد أن تخرج من الكلية الطبية وتفرغ للدعوة السياسية في السادسة ~~والعشرين من عمره. # وقد بدأها في الواقع قبل ذلك بسبع سنوات على أثر الهزيمة التي منيت بها جيوش الدولة ~~العتيقة أمام فرنسا سنة 1885. # إلا أن دعوته لم تجاوز يومئذ أصحابه وزملاءه، ولم تكن عدتهم أولا تزيد على أصابع ~~اليد الواحدة، ثم ازدادوا سنة بعد سنة، وجاءته الزيادة من البلاد التي احتلها الأجانب ~~أو البلاد التي وصل إليها الصينيون الذين ضاقوا بالعيشة في وطنهم فهجروه إلى البلاد ~~الآسيوية. # نعمة من نقمة ... فقد كانت تلك الأقاليم المحتلة أصلح لإيواء الثائرين وتنظيم حركتهم من ~~الأقاليم التي بقيت في ظل عرش ابن السماء. # وراح يجمع المال من الجاليات الصينية وينفقه على شراء السلاح، ms049 وتأتى له في حملة واحدة ~~أن يدس إلى داخل البلاد خمسمائة مسدس لتسليح أنصاره وابتداء الثورة بالشغب والمناوشة، ~~فتنبهت إليه جواسيس الحكومة وقبضت على طائفة من أصدقائه قتلتهم بعد محاكمة سريعة، ~~وأعملت التنكيل والتشريد في بقيتهم آخذة بالشبهة حينا وبغير شبهة في كثير من ~~الأحيان. # وكانت السنوات الخمس من هذه السنة 1895 إلى سنة 1900 كما سماها سنوات انهيار، ثم كان ~~بناء الحركة من جديد بعد ثورة الملاكمين، وكان في هذه المرة ينظم جيشا مسلحا ولا يقنع ~~بتأليف اللجان والجماعات، واستعان على تنظيم الجيش بضباط من اليابان وآحاد هنا وهناك من ~~الأوروبيين المغامرين، واستعان على النفقة الكبيرة بجمع الأموال من الجاليات الصينية في ~~البلاد الآسيوية والأمريكية والأوروبية، وأخذت الهبات من أهل الصين تتوالى عليه غير ~~مقصورة على الجنوبيين أو المقيمين بالأقاليم المحتلة، فانتظم له سنة 1907 جيش في «بنلي» ~~هزم جيش الدولة، وكان وشيكا أن يزحف إلى العاصمة منتصرا لو لم تخذله الحكومة ~~اليابانية الجديدة وتمنع تزويده بالسلاح وتحرم على المتطوعين إمداده بالجند ~~والمال. # وندع لسن ياتسن نفسه تفصيل رحلاته وحركاته فيما ترجمناه من كلامه في الفصل الأخير من ~~هذا الكتاب، ونكتفي بالإشارة المجملة إلى المخاطر التي أفلت منها والمخاطر التي لاحقته ~~إلى ديار الغربة من اليابان إلى أمريكا إلى إنجلترا إلى القارة الأوروبية، وجملتها في ~~كلمات موجزة أن حكومة بكين رصدت ثلاثين ألف جنيه لمن يقتله حيث كان، وأن سفارات الصين ~~لم يكن لها من عمل تتقرب به إلى العرش إلا أن تراقبه وتتعقبه وتنسج الشباك لاصطياده، ~~وتبلغ أخباره وكلماته حرفا حرفا ويوما بعد يوم إلى حكومة بكين ... # إن الرقمين اللذين جعلناهما عنوانا لهذا الفصل يحدان وقت الدعوة العامة إلى الثورة ~~في سيرة سن ياتسن، ولكنهما لا يحدان وقت المخاطرة والمجازفة في تلك السيرة التي اقترن ~~فيها الحساب الدقيق والمصادفة العجيبة أيما اقتران. # فإن الرجل قد استهدف للخطر وهو يافع متهم في قريته بالاجتراء على شعائر قومه، فلم ~~يأمن البقاء فيها وفارقها على عجل إلى كانتون، وقد استهدف للخطر ms050 مرات بعد إعلان ~~الجمهورية بسنوات. # وفي جميع هذه المخاطر كان الفضل في نجاته يرجع يوما إلى يقظته، ويوما إلى حيلته، ~~وربما رجع إلى خبرته بالملاكمة التي أغراه بالتدريب عليها شيوع الثورة المعروفة باسم ~~ثورة الملاكمين، وربما رجع الفضل في نجاته إلى قوة تأثيره وقدرته على الإقناع. # غير أن المصادفة وحدها هي التي أنقذته من أكبر أخطاره، وهو خطر الاعتقال في السفارة ~~الصينية بلندن في شهر أكتوبر سنة 1896. # كان يزور واشنطن فنمي إليه أن سفارتها الصينية ترصد الكمائن لاقتناصه، فبرحها إلى ~~لندن باسم مستعار، ولم تمض أيام حتى علمت سفارة لندن بوجوده ونصبت شباكها حوله، وليس ~~أيسر من نصب الشباك حول رجل يريد أن يلقى في العاصمة الإنجليزية كل صيني يتمكن من ~~لقائه، ولا عمل له غير نشر الدعوة بين هؤلاء الصينيين. # وإنه ليسير ذات يوم في طريقه؛ إذ اقترب منه شابان صينيان وسأله أحدهما: أمن اليابان ~~أنت أم من الصين؟ فلما قال له: إنه صيني من كانتون واستمع إلى لهجته الكانتونية أصغى ~~إليه وطفق يسأله عن أحواله وأحوال إخوانه، وخطر له أنها فرصة ملائمة لتأليف لجنة من ~~لجان الدعوة الثورية، فاسترسل مع الشابين حتى بلغا قصرا كبيرا فتح بابه فجأة واندفعت ~~منه شرذمة من الخدم والسعاة جذبوه إلى داخل القصر، وحبسوه في حجرة من حجراته، وتركوه ~~هناك لا يزوره غير خادم يحضر له الطعام وحارس يتفقده من ساعة إلى ساعة، ومضى عليه أحد ~~عشر يوما وهو بهذه الحال يسمع كل يوم إن وقت الفرج قريب! # وأسعفته قدرته على التأثير فاستطاع أن يقنع أحد الحراس بتبليغ رسالة صغيرة إلى صاحب ~~العنوان المكتوب عليها، وهو السير جيمس كانتلي # Cantlie # أستاذه القديم، فبر الحارس بوعده ورمى بالرسالة وراء الباب وطرقه طرقا عنيفا وتوارى ~~في منعطفات الدروب. # ولم يتوان الأستاذ لحظة؛ لأنه يعرف حكومة الصين ويعرف عقابها للثوار ولا يجهل مصير ~~تلميذه إذا ظفر به التنين: دق العظام ورض المفاصل وسمل العينين وصلم الأذنين، ثم ~~الإجهاز على الفريسة إن بقيت فيها بقية للموت. # هرول ms051 السير جيمس إلى دار الشحنة # Scotland Yard # واستحثهم للنجدة فلم يزيدوا على إبداء الأسف والاعتذار بحصانة السفارات، وأن أيديهم ~~مغلولة عن التعرض لها بغير طلب من السفارة أو وزارة الخارجية . # فهرول إلى وزارة الخارجية يعد اللحظات خوفا من فوات الوقت وخروج الأمر من يد ~~الوزارة، ولم يلق اهتماما من الموظفين المسئولين لولا صديق له منتدب لبعض دواوينها، ~~فبذل هذا الصديق جهده لإبلاغ المسألة إلى اللورد سالسبوري، وسئلت السفارة فأجابتهم بغير ~~اكتراث: إن الرجل ينقل إلى بلده رحمة به واستجابة لتوسل أهله؛ لأنه مجنون يخشى ~~عليه! # ونجاة سن ياتسن على هذه الصورة ترجع إلى أكثر من مصادفة واحدة أو مصادفتين. # فمن المصادفات أنه اعتقل ولم تكن بالميناء القريب سفينة صينية تأمنها السفارة على ~~سرها، وتطمئن إلى إيداعه خفية بين ركابها، ولو قيضت للسفارة سفينة تتوافر لها شروطها ~~لحملت أسيرها قبل أن يعلم باعتقاله أحد ينفع. # ومن المصادفات وجود السير جيمس بالعاصمة الإنجليزية، وأنه كان على معرفة بالزعيم ~~المعتقل. # ومن المصادفات وجود الموظف الذي يعرفه السير جيمس بوزارة الخارجية، والواقع أن السير ~~جيمس قد شك في نفع وساطته بعدما رأى من مراوغة الموظفين ورجال الشحنة، فنشر الخبر في ~~صحيفة التيمس وتحدث به الصينيون كما تحدث به رجال السلك السياسي، فلم تقدر وزارة ~~الخارجية على معالجة المسألة بالتسويف والمطاولة. # وأصبحت حجرة السفارة الروسية بعد هذا الحادث من الأماكن التاريخية، فهي في الدار ~~الفخمة بميدان بورتلاند، مزار يحج إليه وتقام فيه الصلاة كل سنة يوم ذكرى وفاته، ولولا ~~تلك المصادفات لما بقي لساكنها منذ ذلك اليوم ذكر في الحياة ولا بعد الممات، إلا أن ~~يشهره التنكيل به علانية مع شهداء الثورة يوم يكتب لها النجاح. # ومن الكلمات التي تذكر بهذا السياق أن ما يعمل للحقيقة وما يعمل ضدها يخدمانها على ~~السواء. # وهكذا يقال عن مناصرة القضايا الكبرى ومقاومتها، فإن حكومة بكين لم تكن لتقدم على نصب ~~الشباك لقنيصتها لو علمت عواقبها وما استفاد الرجل منها، فقد سمع باسم سن ياتسن بعد هذا ~~الحادث من ms052 لم يكن يسمع به، وتفتحت له مكاتب الصحف والأحزاب ودواوين الحكومات الأوروبية ~~والأمريكية، وتنبه المهتمون بأمر الشرق الأقصى إلى البحث عن مكانته ومبلغ نفوذه، ولو ~~أنه سعى لنفسه ولقضيته جاهدا لأعنته المسعى قبل أن يدرك شيئا مما ساقه إليه الأعداء ~~بغير عناء. ~~••• # وبهذه السمعة التي راحت تضخم يوما بعد يوم حق له أن يخاطب الدوائر السياسية والدوائر ~~الاقتصادية باسم الصين المقبلة، ويحذر المصارف والشركات من معاملة الحكومة القائمة؛ ~~لأنها شبح ميت يوشك أن يطويه الغد القريب. وكانت تحذيراته هذه إحدى العقبات التي أوصدت ~~على حكومة بكين وجوه الحصول على القروض، وهي في أمس الحاجة إليها. # وإذا كان سن ياتسن قد سمى سنوات الفشل الأولى سنوات الانهيار، لقد كان الانهيار في ~~الجانب الآخر أسرع وأخطر؛ إذ كان هدما ليس وراءه بناء، خلافا لهدم الثورة الذي كان ~~وراءه من يقيمه على الأثر، فضلا عن فائدة الثورة من تداعي أركان الحكومة المختلفة، فكل ~~ركن ينهدم من بناء الحكومة هو ركن يرتفع من بناء الثورة. # وأحاطت الحيرة بحكومة بكين من الجهات الأربع، فكل حيلة تحتالها للخلاص تنقلب عليها ~~معولا من معاول الخراب، ويظهر أن هذه الأسر المتداعية سواء في تواريخ جميع الأمم، فهي ~~لا تخشى الخطر إلا من خارجها ولا تتخيل أنها تسقط إلا بهجمة من عدو يواجهها وتستعد له ~~بدفاع يصده، وأما أنها هي تعمل بيدها ما يسقطها فذلك غريب عن خيالها، وهل تعمل دولة على ~~إسقاط نفسها؟ كيف هذا؟ إنه اللغو والمحال في المقال بله الفكر والخيال! # وفي التواريخ العالمية أمثلة شتى على هذه الأسر التي يسلطها عمى البصيرة على نفسها في ~~أواخر أيامها، فتمضي في سباق مع أعدائها على تعجيل زوالها، ويبدو للناظر أنها كانت ~~خليقة أن تبقى بغير حاجة إلى مجهود غير الكف عن مساوئها وحماقاتها، ولكن المشكلة الكبرى ~~أنها لا تستطيع أن تكف عن تلك المساوئ، وآية عجزها هذه هي بعينها آية الفناء، أو هي آية ~~استحقاقها للزوال. # ودارت الحلقة الوبيلة التي دخلت فيها أسرة المانشو ولم تزل تدور ms053 وتدور: حاجة إلى ~~المال، فإرهاق للشعب المحروم، فسخط من الشعب، فإلحاح على طلب المال للحراسة ودفع الثورة ~~والتمادي في السرف والترف ... كأنما السرف والترف على وداع. # ولم تكف الضرائب، فزين نصحاء السوء للحكومة المنهومة أن تبيع المرافق العامة عسى أن ~~تتقرب بها إلى الدول، وأن تنفعها تلك الدول عند الحرج حرصا على مرافقها إن لم يكن وفاء ~~للحكومة المهددة، فسلمت فرع سشوان من سكة حديد بكين-كانتون، ولما يفرغ أصحاب الأرض ~~الوطنيون من تعويض تكاليفها وأثمان أسهمها، فهب سكان الإقليم يتناصرون ويتوعدون، وتألفت ~~منهم جماعة باسم حماة السكك الحديدية، وانضم إلى هذه الجماعة ألوف. # وسرت العدوى إلى الإقليم المجاور - إقليم هوبي - فتنبه حاكمها وعثر في بعض المنازل ~~التي فتشها بسجل الأسماء المشتركين في جماعة من أمثال تلك الجماعة، وحدث هذا مساء ~~التاسع من شهر أكتوبر (سنة 1911) فلم يصبح الغد حتى فاجأه الثوار قبل أن يفاجئهم، ~~وعلموا أنه هو الموت المحقق إذا انتظروا، وأنهم بين الموت والحياة إذا ابتدروه، فأقدموا ~~ولم ينتظروه. # وحان أوان المصادفة الأخيرة قبل إعلان الجمهورية، إن كان للمصادفات أوان. # فإن جنود سن ياتسن لم يقدروا للثورة ذلك الموعد، ولم يكن سن ياتسن نفسه بينهم، بل كان ~~في رحلة إلى الغرب لجمع المال والعتاد، ثم انفجرت قذيفة في إحدى الدور بالمنطقة ~~الروسية، وكان انفجارها خطأ غير مقصود، فسرعان ما تسامع بها الناس ودهم الشرطة من الروس ~~تلك الدار وجمعوا كل ما وجدوه من أوراقها، وفيها أسماء الألوف من جنود الزعيم المنبثين ~~في كل مكان. # هي الثورة إذن بغير انتظار. # ومهما يكن من فعل المصادفات في هذه الحوادث الجسام، فقد ظهرت معها مزية التنظيم وحكمة ~~الخطط المرسومة وضرورة الاستعداد للتوجيه والقبض على زمام الحركة حين تأتي الحوادث ~~الجسام بمصادفتها أو بتقديراتها، فلو لم تسبق هذه الحوادث خطة مرسومة للحكم الجديد، ~~تتولاها هيئة معروفة للثائرين، لضاعت الحوادث المتفرقة حادثة بعد حادثة ولم تجمعها وجهة ~~واحدة. # وكم في الواقع من عجب يعيى بمثله الخيال. # لقد كان موليير يمزح بالطبيب على الرغم منه، ms054 ويحسبه كما يحسبه النظارة من افتتان ~~الخيال. # فأعجب من طبيب على الرغم منه قائد ثورة على الرغم منه، وذلك هو القائد الصيني «لي ~~يوان هنج» الذي انتزعه الثوار من فراشه ليقودهم، وتوعدوه بالقتل إن لم يذعن لمشيئتهم، ~~فأذعن الرجل على كره منه وقاد الثورة مخلصا للفن العسكري وإن لم يكن مخلصا للثورة، ~~فاستولى بتلك الشراذم على ووشانج وهانكو وهنيان، وهي قلب الصين، ووقفت العاصمة تتردد ~~بين التسليم وبين الاستنجاد بقائدها القديم المغضوب عليه - يوان شي كاي - وليس أقدر منه ~~على تطويع الجنود للدفاع في ذلك المجال. # وعبرة الموقف العظمى هي أن المصادفة عامل يحسب له حسابه في كل قضية خطيرة، ولكنها ~~تضيع عبثا إن لم تجد من كان مستعدا للانتفاع بها وقيادتها قبل ذاك. # فتلك الشراذم من الدهماء قد ألهمت أن تطلب القيادة فانتصرت بها كرة بعد كرة، ولكنها ~~بقيادتها وانتصاراتها كانت ضائعة ولا شك إن لم تسبقها خطة مرسومة يتولى القائد تطبيقها، ~~ولم يكن قائدهم المغضوب عليه يعلم ما يصنع بعد الانتصار. # إنما كان علم هذا عند جماعة سن ياتسن، وباسم هذه الجماعة تنادى الثوار المتفرقون ~~وترقبوا منها أن تتجه بهم إلى وجهتها، وتردد اسم سن ياتسن على كل لسان. # أما قصر ابن السماء فقد كانت له أيضا مصادفاته في هذا المأزق العصيب. # أيسلم للثوار أم يرتمي على أقدام قائده المغضوب عليه! # إن التسليم لثوار الجمهورية خسارة مائة في المائة، وليس في استدعاء يوان شي كاي خسارة ~~أكبر من هذه الخسارة إذا انهزم، وقد ينتصر فيكفر انتصاره عن مذلة استدعائه، وفي الغد ~~متسع لرد هذه المذلة إليه صاعا بصاعين. # وكان يوان شي كاي كما قال المثل: «إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ...» # فلم يرفض الدعوة، ولم يقصر في الدفاع، وانتصر في معركة بعد معركة، وبقيت المعركة ~~الأخيرة بينه وبين صاحب الدعوة إلى الجمهورية والصين كلها تتأهب لاستقباله بعد ~~أيام. # أيقضي على الثورة فيسحقها ويسلم مقاد البلاد للوصية الماكرة تنتقم منه لمذلتها ~~واضطرارها ساعة الحرج عليه؟ # لم يكن سحق الثورة ms055 يسيرا، ولم يكن مأمونا، فلتبق الثورة حية تخيف القصر إلى أجل، ~~وليبق له القول الفصل في النزاع أو المساومة بين الخصمين. # ووقف القائد الداهية على مفترق الطريق. # وأرسل يفاوض الزعيم المقبل، ويتوسط لحقن الدماء، وبدا للعالم بأسره يومئذ أنه واسطة ~~خير وبشير سلام، وبدا للعالم بأسره بعد شهور أنه استبقى العرش لنفسه، وقبل الجمهورية ~~على أن يكون رئيسها الأول، ثم يزيح الزعيم بعد الخلاص من العاهل والوصية، ويخلو له الجو ~~كما يشاء حيث يشاء. # وجاء سن ياتسن فلم يشأ أن يتشبث برئاسة الجمهورية، ولم يشأ أن يضع في الأفواه كلمة ~~الاتهام المعهودة، وما أسرعها وأيسرها على كل لسان في ذلك المقام. # إنه يخرب الوطن، إنه يمزق الوحدة، إنه سعى للرئاسة وعز عليه أن يفقدها، فلا كان ولا ~~كان مسعاه. # وهكذا ولد العهد الجديد في البلد العريق. # وهكذا نجحت ثورة ذلك اليوم: ثورة عشرة عشرة إحدى عشر، كما تسمى إلى الآن؛ أي ثورة ~~اليوم العاشر من الشهر العاشر من السنة الحادية عشرة في القرن العشرين. # ومهما يكن من المصادفات والدسائس والمناورات، فهي بحق ثورة تستحق جهودها ~~وتكاليفها. # وعلامتها الأولى اسمها. # فلأول مرة تقبل الأمة عيدا لا يحسب تاريخه بشهورها العتيقة، وكانت شهورا لا هي ~~بالقمرية ولا بالشمسية، يضاف النسيء إليها على هوى الكتبة والحسبة، أو هوى الخزانة ~~والمحصلين، فتحسب السنة اثني عشر شهرا أو ثلاثة عشر أو أكثر من ذلك أو دون ذلك، ويعاب ~~تبديلها غيرة على كرامة الأسلاف. # ورب عنوان يغني عن تفصيل. # وعنوان (عشرة عشرة إحدى عشر) بعض هذه العناوين. # ثقافته السياسية # كان اتجاه الشاب الصيني إلى تعلم الطب في أواخر القرن التاسع عشر كافيا وحده للدلالة ~~على تحرر عقله من موروثات الدهور بين قومه. # فالقواعد الرياضية التي يعتمد عليها المهندس الصيني علم صحيح سواء عرفه بالخبرة أو ~~اقترنت خبرته فيه بالقواعد النظرية، ولا يبعد أن يمتاز المهندس الصيني على زميله ~~الأوروبي بالمهارة الفنية ولطافة الذوق وحسن استخدام الخشب وما إليه في موضع الحجر ~~والملاط. # والاختلاف في أساليب الزراعة ms056 قد يكون اختلافا بين الآلات والأصناف، ويتساوى الفلاحون ~~شرقا وغربا فيما يرجع من تلك الأساليب إلى العقائد والتقاليد. # وليس بدعا في الآداب أن تختلف آداب الأمم على تقاربها في الموقع والزمن وأصول ~~اللغة. # أما الطب فالاختلاف بين حديثه وقديمه يشمل كل اختلاف بين العلم الصحيح وبين السحر ~~والشعوذة. # ومن كان يؤمن بمزية الطب الحديث فقد تقدم شوطا بعيدا في التحرر من القديم ~~والاستعداد للتصرف والتجديد. # وربما أضيفت إلى هذه الدلالة دلالة أخرى ذات شأن في التعريف بصاحب الترجمة، وهي حب ~~الإصلاح والتجرد للخدمة العامة؛ لأن المصلحين الشرقيين قد شاع بينهم بعد منتصف القرن ~~التاسع عشر أن رسالة الإصلاح القومي إن هي إلا رسالة طبية صحية قبل كل شيء؛ إذ كان وباء ~~الهيضة (الكوليرا) يفشو بين الهند والصين واليابان من حقبة إلى حقبة، فلا تنقضي عشر ~~سنوات متواليات دون أن تنكب به أمة من هذه الأمم، ثم يمعن فيها إصابة وفتكا ويذهب كما ~~جاء مجهول الأسباب في الجيئة والذهاب. # وقد دخل سن ياتسن مدرسة الطب وهو يؤلف الجماعات لتجديد الصين وإصلاحها، ويجعل مهمته ~~الكبرى تجديد الصين لا مجرد الاشتغال بالسياسة والحملة على الحكومة. # ولعله لم يتعمد أن يتعلم الطب ليستفيد منه التفكير على الأسس العلمية ... ولكنه - تعمد ~~ذلك أو لم يتعمده - قد استفاد هذا التفكير فعلا وظهرت آثار النظرة العلمية في جميع ~~مباحثه ودراساته، فقد يصيب فيها أو يخطئ، ولكنه لا يزن الأمور بغير الميزان السليم من ~~الوجهة العلمية. # وقد اشتغل بالطب فترة قصيرة بعد تخرجه من المدرسة، ولكنه لم يستطع أن يجمع بين التخصص ~~للطب وبين التنقل لنشر الدعوة وتأليف اللجان وجمع المال واجتناب المطاردين والمقبلين، ~~وشغلته السياسة بدروسها ومطالعاتها كما شغلته بمساعيها وتنظيماتها، فلم يكن ينتقل من ~~بلد إلى بلد إلا بصحبة كتاب أو عدة كتب من مراجع الدساتير وأنظمة الحكم وأخبار الثورات ~~في الأمم المختلفة، حتى وعى من هذه المعلومات ما تضيق به صدور المتخصصين ~~والمتفرغين. # ويدهشنا حقا أن يقال: إن الرجل من الحالمين الخياليين، فإن الحالم الضارب ms057 في تيه ~~الخيال تأخذه الدعوة النظرية فلا يميز فيها بين فكرة وفكرة على حسب الواقع في تطبيقاتها ~~وفي مواطنها المتعددة. وهذا هو العيب الذهني الذي لا تتبينه من دراسات الرجل وتعليقاته، ~~فلا تشابه عنده بين نظام واحد في بلدين، ولا بين الكلمة الواحدة في موضعين، ولم يكن ~~ينعى على ببغاوات السياسة في بلده أمرا كهذه الخلة المعيبة، فكانت نصيحته التي لا يمل ~~تكرارها أن الاستقلال في الولايات المتحدة غير الاستقلال في الصين، وأن مبادئ الثورة ~~الفرنسية معقولة في زمانها وبين قومها، ولكنها غير معقولة في زمان آخر ولا بين أقوام ~~آخرين، وأن كارل ماركس لا يمل كل مشكلة ولا يعالج كل مرض، بل استخدم صناعته في التعبير ~~المجازي فقال عنه: إنه طبيب توصيف وليس بطبيب علاج، وإن توصيفه على هذا لا يوافق كل ~~بنية ولا يستغني عن التعقيب والتصحيح. # كان يقول: إن «الحرية والمساواة والإخاء» شعار له معناه عند الثوار الفرنسيين، ولكنه ~~لغو بغير معنى حين يجري على ألسنة ثوار الصين. # فقد كان الفرنسيون يطلبون الديمقراطية في الواقع ويمهدون لها بطلب الحرية والمساواة ~~والإخاء، أما الصين فلا حاجة بها إلى تحرير الفكر من سلطان الحكام؛ لأن الناس فيها ~~يقرءون ما يشاءون ويكتبون ما يشاءون ويعتقدون ما يشاءون، ولا حاجة بها إلى تقرير مبدأ ~~المساواة؛ لأنهم بعد شخص الإمبراطور سواء أمام القانون، وأعظم وزرائهم ورؤسائهم نبغوا ~~من سواد الشعب فلم يكن مولدهم بين أبناء الطبقة الفقيرة حائلا دون ولاية المناصب ~~والتصدي بقيادة الأفكار بالعظات والدروس، ولا حاجة بين الصينيين إلى تقرير مبدأ الإخاء؛ ~~لأنهم آمنوا بوحدة وطنهم وجعلوا حدوده كجدران البيت الواحد تسكنه الأسرة الواحدة، ~~ويقدسون الأسلاف حتى ترتفع إلى السلف الكبير في مجاهل التاريخ. # والفدرالية حسنة في الولايات المتحدة؛ لأن ولاياتها كانت متفرقة فالتمست توحيدها من ~~طريق الفدرالية، فالوحدة الوطنية هي الغرض من هذا الاتحاد، وليس من الحكمة أن نفقد ~~الوحدة في سبيل الفدرالية، بل المصلحة أن نجعل الفدرالية وسيلة إلى الغاية الأولى، وهي ~~توثيق كيان الصين. # وكثيرا ما عاب ms058 على المتحذلقين لغطهم بما يسمونه حرب الطبقات وسألهم مرة بعد مرة: أين ~~هي الطبقات؟ وأين هم النبلاء المتوارثون؟ وأين هي الكهانة ودرجاتها الكنسية والاجتماعية ~~التي يسميها الغربيون بالهيرارشية؟ # وكان يقول: إن حرب الطبقات عند كارل ماركس أصل من أصول التطور، ولكنها في الحقيقة ~~عارض مرضي يظهر كلما استشرى البلاء وعز التعاون بين أصحاب المصلحة المشتركة، ولو كانت ~~أصلا من أصول التطور لكان أحسن الناس من يعمل لخلقها والحض عليها، فكيف إذا كانت مرضا ~~يمنع كما تمنع الأمراض؟ # إن النداء بالديمقراطية أجدى على الصينيين من النداء بالحرية والإخاء والمساواة، فما ~~طلب الغربيون الحرية والإخاء والمساواة إلا لأن الحجر على الأفكار وتفاوت الطبقات كان ~~العقبة الكأداء بينهم وبين الديمقراطية. # ولما وضع مبادئه الثلاثة - وهي مبادئ القومية وسيادة الشعب وتيسير المعيشة - لم تكن ~~بغيته كلمات تقال محاكاة للدعوات التي تهتف بكلماتها وترددها على أسماع جماهيرها، ~~ولكنه توخى من كل كلمة هدفا يلائم الصين ويوافق حاضرها ومستقبلها. # فوضع مبدأ القومية لدفع خطر التقسيم باسم الفدرالية، واتقى به خطر المذاهب التي تسخر ~~الجهلاء لتقويض أوطانهم وبث بذور العداوة بينهم وبين إخوانهم، وتصوير هذه العداوة لهم ~~كأنها بلاء دائم لا تجدي فيه الحيلة ولا تصلحه نظم السياسية ولا الأخلاق. # ووضع مبدأ السيادة الشعبية لإلغاء المعاهدات الأجنبية الجائرة وتخويل الأمة أن تختار ~~موظفيها وتعزلهم، وأن تنكر محل سلطان لا يستمده صاحب السلطان منها بمحض رضاها، وأن تكون ~~السياسة والإدارة والتشريع قائمة كلها على هذا الأساس. # ووضع مبدأ المعيشة الميسرة للجميع؛ لأن اعتبره غاية المذاهب قاطبة في كل زمن، واعتبر ~~الاشتراكية والشيوعية والديمقراطية وسائر مذاهب الاجتماع وسائل عارضة لتلك الغاية ~~الثابتة، وما من مذهب منها يستحق أن يبقى بعد إنجاز مهمته وتحقيق غايته، فما وضعت ~~الاشتراكية أو الشيوعية أو الديمقراطية لذاتها، ولا وضعت لتبقى في كل زمن وكل آونة، ~~ولكنها وضعت لتدبير معيشة الرعية واتباع وسائل مستحدثة لتيسيرها كلما قصرت وسائلها ~~الأولى. # ولو شاء سن ياتسن أن يتخصص لتدريس العلوم السياسية لأغناه ما اطلع عليه من أمهات ~~الكتب ms059 الغربية والشرقية في هذه العلوم، وقد صادفت نشأته فترة حافلة بالمصنفات الحديثة ~~والقديمة في نظم الحكم ومبادئه وفلسفة الاجتماع ومدارسه المتعددة وأصول الاقتصاد ~~وعلائقه بالحكومات والهيئات الاجتماعية، وكان يتابع هذه الكتب ويطلع عليها كلما صدر ~~كتاب منها، فادخر منها محصولا وافيا كأوفى ما يكون الاطلاع لو شاء أن يتخصص ~~لتدريسها. # إلا أن برامجه تكشف عن غرضه من هذه المطالعات، فإنما كان يتتبعها ويستقصيها ليفهم ~~منها ما يصلح للتطبيق وكيف يكون تطبيقه في بلاده. ولم تكن هذه المطالعات من أجل هذا ~~مصدر ثقافته السياسية دون غيرها، بل جعل وكده أن يمتحن مدارس السياسة وهي تعمل وتضطلع ~~بتبعاتها، فلم ينزل بلدا من بلاد الشرق والغرب إلا اغتنم فرص الفراغ من نشر الدعوة ~~وتنظيم اللجان لدراسة نظامه الحكومي وأدواته العاملة وعلاقته بالمجتمع وسائر طبقاته ~~وهيئاته، وقد شملت رحلاته بلادا متباعدة في الموقع الجغرافي وفي النظم السياسية، من ~~اليابان إلى الولايات المتحدة إلى إنجلترا إلى فرنسا إلى المستعمرات والولايات الخاضعة ~~للدول الأجنبية، ولقي في كل منها زعماء الحكم وزعماء المعارضة وسمع من هؤلاء وهؤلاء ما ~~يقولونه نقدا أو موافقة للنظم المتبعة، فكانت مصادره من هذه الثقافة السياسية زادا ~~وافيا إلى جانب زاده الواقي من المطالعة والمراجعة. # ويشهد له باستقلال الرأي أنك لا ترى انقيادا منه لمدرسة واحدة بين هذه المدارس أو ~~نظام واحد بين هذه النظم، فهي في ذهنه كالمائدة المطهوة يدخلها كل صنف من الأصناف ~~ممتزجا بما يصلحه ويعدل مذاقه كما يعدل مادة الغذاء فيه، ويخطئ من يقول عن الرجل: ~~إنه تلميذ لهذا أو مريد لذاك، فكلهم أساتذته ومعلموه، وهو من أجل ذلك يختار الأستاذ ~~والمعلم كما قال سعد زغلول عن الجامعة الأزهرية حين حضر على أساتذتها ومعلميها. # إلا أن برامجه وتعليقاته تشير إلى المصادر التي كان لها القسط الأوفر من مطالعاته ~~ومراجعاته، ويمكن أن نحصرها في مصادر ثلاثة يؤثرها باهتمامه وتعقيبه وإن لم يذكرها ~~بأسمائها. # فأولها فقه الدستور الإنجليزي، وقد بلغ من إعجابه بتطبيقاته أنه ود زمنا لو تتهيأ ~~للصين حكومة ملكية ms060 دستورية على النمط البريطاني، وفي هذه الفكرة أيضا لم يستسلم للقدوة ~~دون العمل، فقد عدل عنها بعد أن راقب أحوال الحاشية الصينية، وأيقن أن تطبيق الملكية ~~المقيدة في بلاده أعسر من تطبيق النظام الجمهوري، وأنه إذا لم يكن بد من التجربة فلتكن ~~تجربة النظام الجمهوري أولى وأحق بالابتداء والانتظار. # والمصدر الثاني الذي كان يبدو من برامج سن ياتسن أنه كان مدمن الاطلاع عليه هو فلسفة ~~كارل ماركس، فقد شغل بها لتفنيدها وتوضيح الفارق بين الأحوال التي راقبها كارل ماركس ~~والأحوال التي تقلبت عليها الصين منذ أقدم عصورها، وأنكر من الفلسفة الماركسية كل شيء ~~إلا الاهتمام بالمسائل الاقتصادية وإعطائها حقها الكامل في تكوين المجتمع ومصاحبة ~~أطواره، فهو لا يقل عن كارل ماركس اهتماما بهذه المسائل، وإنما الخلاف بينه وبين كارل ~~ماركس أنه لا يحصر اهتمامه بها، ولا يغفل عن مثل هذا الاهتمام بغيرها، وأنه لا يعلق ~~نبوءات المستقبل على شئون الاقتصاد دون سواها. # والمصدر الثالث أحق هذه المصادر بالالتفات إليه؛ لأنه أدل المصادر على سعة اطلاع ~~الرجل وحسن استعداده للإفادة من الرأي الصواب حيث وجده، ولو لم يكن صينيا لقلنا: إن ~~سنته الأولى أن يطلب العلم ولو في الصين. # هذا المصدر هو كتاب خامل ألفه بعد الحرب العالمية الكبرى طبيب أسنان روسي من الأسر ~~التي هاجرت إلى أمريكا أيام القيصرية فرارا من مظالمها، ترك اسمه الروسي وتسمى باسم ~~موريس وليام وانخرط في سلك الثوار، ثم في سلك الشيوعيين إلى أن ساوره الشك في التفسير ~~المادي للتاريخ، فألف كتابا بسط فيه شكوكه وانتهى منه إلى تفسير التاريخ من الوجهة ~~الاجتماعية النفسية، بعد أن شرح نقائض القول بحرب الطبقات وتصدع المجتمع الديمقراطي ~~واستحالة الإصلاح بغير هدمه والبناء من جديد على أنقاضه. ولم يطلع على هذا الكتاب عند ~~صدوره غير آحاد معدودين منهم زعيم الصين، وكان يومئذ قد فرغ من إقامة الجمهورية وشرع في ~~تدوين البرامج المفصلة لتنظيم المجتمع الصيني وإصلاح شئونه وترتيب مرافق المعيشة فيه، ~~فكان اعتداده بآراء المؤلف الخامل وهو في أوج ms061 شهرته العالمية آية على النزاهة وحب ~~المعرفة حيث وجد السبيل إليها. # ومن النقائض التي أبرزها الطبيب الروسي أن عصر الإقطاع قد زال على رأي ماركس؛ لأن ~~الطبقة الوسطى البرجوازية بلغت غاية الثراء، وأن هذه الطبقة الوسطى تزول على رأيه؛ لأن ~~طبقة العمال ستبلغ غاية الحرمان ولا يبقى لديها ما تفقده غير سلاسلها، ولا يمكن أن يكون ~~هذا تسلسلا لعامل واحد على سنة واحدة، فلم يحدث مثل هذا قط قبل الآن بين الطبقات ~~السابقة والطبقات اللاحقة. # ومنها أن معيشة العمال تتحسن وأن العمل الفردي يزداد خلافا لنبوءة ماركس عن اطراد ~~السوء في معيشة العمال واستحالة التوفيق بينهم وبين أصحاب الأموال. # وقد كان سن ياتسن يلاحظ هذا التناقض قبل صدور كتاب «التفسير الاجتماعي» لمؤلفه الروسي ~~الطبيب؛ ولعله تنبه إليه لما بينهما من زمالة الصناعة وزمالة الاشتغال بالدراسات ~~الاجتماعية والسياسية، فلم ينس ملاحظاته بعد ذلك على كونه لم يستفد منها غير شواهد ~~العرض والتنسيق. ~~••• # وإنه ليخلص من ثقافة العلم والعمل إلى عقيدة راسخة، الحكومة الجمهورية والنظام ~~الدستوري على الأصول الديمقراطية، ويحسب الحساب لجدة هذا النظام في الشعب الأمي فيرجئ ~~التوسع فيه ويرجو أن يؤتى ثمرته بعد فترة من الإرشاد وفترة من الإعداد، مع إعلان سيادة ~~الشعب عند إعلان الجمهورية. # وقد كان سن ياتسن أبا كسائر الآباء، يتعجل الأمل حيث تبطئ به الحوادث ما ينتظر منها ~~وما يأتي فجأة على غير انتظار، فظن أن الشعب يتعود النظام الجديد بعد سنوات، ثم يتوسع ~~فيه كلما درج عليه مرحلة بعد مرحلة، فلما خاب أمله كانت مرارة الخيبة على قدر قوة ~~الأمل، ولم يغالط نفسه ولا أخفى على غيره وقع هذه الصدمة، فقال في ألم ~~شديد: # أرادت الصين منذ الثورة أن تقتدي بأوروبة وأمريكا في ~~تطبيق الديمقراطية السياسية، ولما كانت الديمقراطية السياسية الغربية قد وصلت ~~إلى النظام التمثيلي وجب تطبيق النظام التمثيلي أيضا في الصين! إلا أن الجوانب ~~الحسنة من النظام التمثيلي لم تدركها الصين وأدركت مساوئه عشرة أضعاف بل مائة ~~ضعف، ومسخ أعضاء المجلس خنازير ملوثين ms062 بالقذر والفساد على مثال لم يعهد من قبل، ~~ويا لها من بدعة مذهلة في الحكم النيابي، فإن الصين لم تقصر في الاقتداء ~~بالديمقراطية الغربية وحسب، بل جاءتها هذه الديمقراطية ممسوخة فأصابتها بالضرر ~~وأفسدتها. ~~••• # قال بعض مترجميه: «إنه مزيج من أنبياء المسيحية الأولى، ومن نابليون، ومن ثوار أمريكا ~~الوسطى.» # وذلك وصف صادق للرجل ولا سيما يقين القداسة فيه، فما من صورة لسن ياتسن تكمل بغير ~~ملامحها الدينية من جانب إيمانه بالقداسة أو جانب اعتماده على إيمان الآخرين ~~بها. # كان نبيا للوطنية حيث لا أنبياء للدين، وكان يعلم تقديس أبناء قومه لأسلافهم فيحرص ~~على هذا التقديس ويحاول أن يجريه في مجرى الإيمان بالوطنية والفخر بالتراث القومي، عسى ~~أن يعتصم به القوم في مستقبلهم ولا يبددوه كله على الماضي وذكراه الخالية. # ومن نبوته الوطنية أنه كان عظيم الاعتداد بعهد الولاء، فإذا فرط أتباعه في أمانتهم ~~آلمه هذا التفريط وراح يتقصى أسبابه فلا ينسى منها - بل في مقدمتها - أنهم لم يعطوا ~~العهد ولم يقسموا يمين الولاء. وكان على يقين أن تفريط رجل لا تراجعه ذكرى يمين أقسمها ~~سهو غير مستغرب. أما الذي توقظ له الذاكرة قسما راصدا في كل لحظة فالتفريط منه مقترن ~~بشعور الإجرام، وقد يثنيه وخز الضمير عن الخيانة التي يشهد بها على نفسه كلما ذكر العهد ~~وردد يمين الولاء، وأشفق من وصمة الإجرام والنزول بنفسه منزلة المجرمين. # لقد كان يعمل عمل الزعماء. # وكان يشعر شعور الآباء، ويحاسب الناس حساب القديسين الشهداء. # في الحياة البيتية # من الأقوال الشائعة: إن العظماء ليست لهم حياة خاصة. # وإذا كان هذا القول محل الخلاف فيما يتعلق بمعيشتهم وهم بقيد الحياة فلا محل للخلاف ~~عليه فيما يتعلق بتواريخهم وتراجم حياتهم بعد الممات؛ لأن فهم الحوادث وتقدير الأعمال ~~وتعليل العلاقات قد يتوقف على أخبار البيت والأسرة، وقد يكون ما يساعد العظيم في حياته ~~العامة أو يكون منها ما يعوقه أو ما يصبغ علاقاته الخارجية بصبغة خاصة، فلا يتساوى في ~~نظر المؤرخ عند ترجمة العظماء أن تكون لهم حياة ms063 بيتية أو لا تكون لهم زوجات وأبناء ~~وأصهار وأقرباء. # ويصدق هذا القول على سن ياتسن كما يصدق على سائر العظماء، أو لعله أصدق عليه من ~~كثيرين غيره؛ لأنه أخذ على عاتقه تجديد الصين. وجاء زواجه فنقل رسالة تجديد الصين إلى ~~بيته وجعله من مسائله وهمومه؛ إذ كانت زوجته الأولى نموذج المرأة الصينية على التربية ~~القديمة، وكانت زوجته الثانية نموذج المرأة الصينية على التربية العصرية، فليس أحدث من ~~تربيتها في أوروبة أو أمريكا بله الصين وما شابهها من الأقطار الآسيوية. # زوجه أهله من قرينته الأولى (لو-زو) وهو يناهز العشرين، وكان غرضهم من هذا الزواج أن ~~يغريه بالاستقرار ويربطه بالتبعات البيتية فلا يعرض حياته للمخاطر ثائرا على العرف ~~وذوي السلطان، فكان زواجا مناقضا لوجهته كلها في الحياة، وإن كانت هذه الزوجة مثال ~~ربة البيت بشهادة المترجمين للزعيم والعارفين بأسرته أجمعين. # واضطر سن ياتسن على كل حال أن يتنقل بين البلاد ويطيل الغيبة سنوات، ولا يغشى الأماكن ~~التي تعرف له علاقة بها؛ لأنه كان طريد السلطان بعد زواجه فلم تتوثق بينه وبين هذه ~~الزوجة أواصر الألفة والتفاهم على رسالته الكبرى التي تصغر عنده إلى جانبها كل ~~رسالة. # من هذه الزوجة رزق ثلاثة أولاد أحدهم سن فو الذي اشتهر في سياسة الصين بزعامة الحزب ~~اليساري المنادي بالوحدة القومية والمعارض للحرب الأهلية، والذي يجعل محاربة اليابان ~~غرض السياسة الصينية، ويتقبل الائتلاف مع كل قوة تعادي اليابان وتتألب على إحباط ~~سياستها الآسيوية، ومن الطريف أن امرأة أبيه الثانية وأخاها من أنصار هذه الهيئة، وإن ~~كانت امرأة أبيه تناصرها بالتشجيع ولا تنتظم في عداد أعضائها؛ لأنها تجتنب العمل ~~السياسي ولا تستريح إلى انقسام الأحزاب. # ولد «سن فو» سنة 1891 وأتم تعليمه الابتدائي بهواي - كأبيه - ثم تخرج من جامعة ~~كولمبيا بالولايات المتحدة، وعاد إلى الصين وهو في السادسة والعشرين (سنة 1917) وعمل ~~كاتبا لأبيه ثم محافظا لكانتون فمديرا للسكك الحديدية فرئيسا للجمعية التشريعية، ~~وعارض شيان كاي شيك معارضة شديدة بعد وفاة أبيه، وسافر إلى موسكو غير مرة يحاول التوفيق ms064 ~~بين روسيا والصين، وسبق ذلك بمحاولة التوفيق بين الشمال والجنوب وبين حزب الكومنتانج؛ ~~أي: الحزب الصيني الوطني والحزب الشيوعي، فعرض حياته للخطر من ناحية أنصار اليمين ومن ~~ناحية اليابان في وقت واحد، ودبر الجواسيس اليابانيون تدبيرهم لقتله في إحدى الطائرات، ~~فأسقطوها ولكنه كان قد تخلف عن ركوبها، فنجا من المكيدة اليابانية وأوشك أن يقع في ~~مكيدة وطنية، فحالفه التوفيق ونجا منها. # ويقول الذين عرفوه: إنه نسخة من أبيه لولا أنه طموح لا يزهد في المنصب والمال زهد ~~أبيه. # ومن التجوز أن يقال: إنه يؤثر في سياسة أبيه بالإيحاء والإقناع، وإنما الصحيح الذي لا ~~شك فيه أن الزعيم كان يتخذه مثالا لأنداده من أبناء جيله، وكانت خطته في قيادة هذا ~~الجيل مستمدة من مراقبته لعواطف ابنه وآرائه، فما كان طبيعيا من عواطف ابنه وآرائه ~~حسبه طبيعيا من أنداده وزملائه وشمله بحنانه ورعايته كأنهم كلهم من أبنائه. # أما والدة سن فو فلم تشتغل بالسياسة قط، وقضت معظم أيامها بعيدة من الصين تارة في ~~هواي وتارة في المستعمرة البرتغالية مكاو، وتنصرت كما تنصر زوجها وشغلت أوقاتها بتوزيع ~~الكتب الدينية على سيدات البيوت. # وكانت زوجته الثانية وسطى بنات سونج الثلاث، وهن: آي لنج (أي رأفة وعمر طويل) وشنج ~~لنج (أي سعادة وعمر طويل) وسي لنج (أي جمال وعمر طويل). # وبنات سونج هؤلاء أسرة فذة في تاريخ العالم، لم يعرف عن أخوات قط أنهن تزوجن في عصر ~~واحد مثل زواجهن من ناحيته السياسية أو ناحيته الاجتماعية أو ناحيته الشخصية. # فالبنت الكبرى تزوجت من الدكتور كونج الذي تولى رئاسة الوزارة غير مرة، ويكاد أن يقام ~~مقام التقديس في الصين؛ لأنه ينتمي إلى أسرة كنفشيوس ويحفظ أسماء نيف وسبعين جدا ~~يصلون بينه وبين إمام الصين الكبير. # والبنت الوسطى تزوجت من الدكتور سن ياتسن أبي الصين ونبيها الوطني. # والبنت الصغرى تزوجت من القائد شيان كاي شيك الذي قاد الصين قبل الحرب العالمية ~~الثانية وخلالها، ولا يزال رئيسا للصين الوطنية. # وقد أهلتهن لهذا الزواج تربية عالية وانتساب إلى أب ms065 قوي النفوذ في دوائر المال ~~والثقافة، وهو شارل سونج العصامي النابغ، الذي تعلم في أمريكا ليعود إلى الصين رئيسا ~~وطنيا للمرسلين، فحولته أزمات السياسة والاقتصاد إلى عمل آخر لا مناسبة بينه وبين هذا ~~العمل، وهو التوسط لبلاده عند ملوك المال لتفريج أزماتها، ثم الانقطاع للأعمال المالية ~~مع الانتفاع بنشأته الدينية في حماية الدعوة الوطنية. # ويباهي الصينيون بزعامة هؤلاء الأخوات للمجتمع الصيني الحديث؛ إذ ليس في أميرات الأسر ~~المالكة ولا في بنات رؤساء الأمم من تفوقهن ثقافة وكياسة وسمتا وخبرة بآداب المجتمعات، ~~وكلهن يعرفن أكثر من لغة أجنبية ويقرأن المأثورات اللاتينية والإغريقية ويطلعن على ~~الأدب الصيني القديم، ويحذقن الموسيقى الغربية والشرقية كأحسن ما يحذقها المتعلمات غير ~~المحترفات، ويعتبرن طرازا رفيعا من الجمال والرشاقة بين الصينيات، ويضارعن أرقى الأسر ~~في تقاليد التهذيب بين بنات الصين، ويضارعن أرقى الخريجات من جامعات أمريكا في التربية ~~العصرية. # وقد أحبت وسطاهن الدكتور سن ياتسن وهو يناهز الخمسين، ووجد رواة الأخبار في هذا ~~الزواج مادة صالحة لقصة غرامية في حياة المشاهير، فأذاعوا أن الدكتور شغف بالفتاة وغلب ~~على أمره حبا فتزوجها مع ما بينهما من فارق السن، ونسجوا حول ذلك الزواج ما راقهم من ~~نسج الخيال وزخارف التلفيق. # وليست القصص الغرامية بالشيء النادر في سير الزعماء والمشاهير، وليس في هذه القصة ~~خاصة ما يوجب التفنيد أو التصحيح لو كان غاية ما في الأمر أن الزعيم أحب الفتاة، ولكن ~~بيان الحقيقة في هذه القصة خاصة يكشف عن خصلة جوهرية من خصال الدكتور، ويرينا مثلا ~~قويا من الاعتبارات التي يلحظها في أعماله، وهي اتقاء القيل والقال. # فالواقع أن سن ياتسن كان صديقا لشارل سونج والد الفتيات الثلاث وكان سونج من كبار ~~الماليين الذين جندهم الزعيم لخدمة القضية الوطنية، وكان لا بد له من تجنيد طائفة من ~~أصحاب المصارف والشركات الوطنية لتصنيع البلاد وتزويد الحركة بما تحتاج إليه والوساطة ~~في الأزمات الاقتصادية بين الصين وبيوت المال الأجنبية. # وأخلص سونج لصديقه مجازفا بثروته وحياته، فافتتح دارا للنشر والطباعة تعنى بنشر ~~الكتب ms066 الدينية ظاهرا وتطبع النشرات الثورية سرا وتبثها مع وكلائها في طول البلاد ~~وعرضها بمأمن من رقابة الجواسيس على الجماعات السرية. # ولجأ سن ياتسن مرات إلى بيت سونج يختبئ به كلما تعقبته الشرطة واحتاج إلى مأوى بعيد ~~من الشبهات ريثما يتمكن من مغادرة البلاد. # وأراد الزعيم أن يختار أمينة لسره تتوافر لها شروط الكفاءة وشروط الأمانة، ومن شروط ~~الكفاءة معرفة اللغات وفهم دخائل القضية القومية، ومن شروط الأمانة الغيرة الشخصية على ~~كتمان أسرارها، وهي شروط لا تتوافر لأحد كما تتوافر لبنات سونج؛ لأنهن على نصيب وافر من ~~الثقافة وسر الزعيم هو سر أبيهن. فوقع اختياره على كبراهن أي لنج وظلت تعمل معه إلى أن ~~تزوجت بالدكتور كونج هسيانج، وكان يومئذ رئيس جماعة الشبان المسيحيين، فاختار أختها ~~الوسطى شنج لنج، ولم يطل عملها معه حتى جاءت أبويها ذات يوم تبلغهم أنها اعتزمت أن تخطب ~~الدكتور لنفسها، فراعهم من الخبر أن تجترئ فتاة على خطبة رجل لنفسها، وراعهم فوق ذلك أن ~~الرجل صاحب زوجة لم يطلقها، وإن كان معلوما لديهم ولدى الخاصة من أصدقاء الدكتور أنه ~~لا يعيش معها. # قال بربردج الذي كتب موجز التاريخ للأسرة بإيحاء من شيان كاي شيك وقرينته: «إن احتجاج ~~الأبوين ذهب سدى وأصرت شنج لنج على عزيمتها وخرجت من بيت أبويها لتلحق ~~بالدكتور، # 2 # وتم ~~الزواج ولما تنقض على خروجها من بيت أبويها بضعة أسابيع (25 أكتوبر سنة 1915). # وواضح من القصة أن الدكتور اختار الكبرى من البنات ثم الوسطى اختيار وظيفة لا اختيار ~~حب وخطبة، وأنه كان في تلك الحالة بين خطط ثلاث لا معدى له عن واحدة منهن، فإما أن يقصي ~~الفتاة عنه، وإما أن يبقيها على صلة به معرضة للقيل والقال، وإما الزواج. # وقد كان الزواج أكرم هذه الخطط، وكان كذلك أشبهها بعاداته وخلائقه، لإيثاره - كلما ~~شجر الخلاف - أن يختار ما يحسم القال والقيل، وكادت هذه الخصلة أن تحسب من مواطن ضعفه ~~في رأي المعجبين به ورأي ناقديه. فإن هذا الرجل الذي كان يواجه الموت ولا ms067 يبالي الضنك ~~والعذاب؛ كان يجفل من سوء السمعة ويختار الحل الذي يعفيه منها، ويذكر له من الشواهد ~~على ذلك أنه سلم للقائد يوان شي كاي أن يرأس الجمهورية بدلا منه، ونزل له عن الرئاسة ~~دفعا لشبهات من يقول: إنه رفض هذا المقترح تشبثا منه بالمنصب، وجازف بسقوط الجمهورية ~~وهي في مهدها لكيلا يسبقه أحد إلى رئاستها. # والخوف من القال والقيل موطن ضعف في الزعماء على الخصوص إذا كان الحرص على السمعة هو ~~الباعث الوحيد عليه، ولكنهم إذا أشفقوا من سوء سمعتهم محافظة على القدوة الحسنة ووقاية ~~للمصلحة العامة، فالخوف من القال والقيل شجاعة، والمجازفة بالتعرض له جناية. وقد كان ~~إصرار سن ياتسن على رئاسة الجمهورية خليقا أن يلقي في روع أبناء الصين وهم ينهضون ~~لخدمة أمتهم أن المناصب مقدمة على مصالح الأمة، وكان هذا الإصرار معطلا لنزول الأسرة ~~المالكة عن العرش ولتسليم القائد يوان شي كاي بالنظام الجديد، ومثيرا لمعارك الشقاق في ~~معسكر الجمهورية نفسه، فلم تكن سمعة الزعيم هي المصاب الوحيد من جرائر القال ~~والقيل. # ولو أنه استخف بالقال والقيل في مسألة زواجه من أمينة سره لأساء إلى سمعتها قبل أن ~~يسيء إلى سمعته، ونكبت أسرة صديقه بفاجعة بيتية لا تستحقها منه، وفعل ذلك بغير موجب ~~يستحل من أجله هذه الجريرة؛ لأنه كان على نية الزواج بعد تطليق امرأته التي لم يكن في ~~وسعها أن تصاحبه في حياة الزعيم المجدد والرائد المتقدم للنهضة العصرية. # وقد بنى بزوجته الثانية بعد التفاهم بينه وبين الزوجة الأولى على الانفصال في سلام، ~~لتملك حريتها ولا تتقيد به وهو منفصل عنها، ونعم الزوج الكهل والزوجة الشابة بعيشة ~~بيتية يضرب بها المثل في الوئام والمودة، وكانت شنج لنج على الرغم من اعتدادها ~~باستقلالها وقدرتها على تحدي العرف ومشيئة الأسرة مثلا صالحا لزوجة الرجل السياسي ~~المشتغل بالمسائل العامة، وقرينة الزعيم المهدد في مأمنه، فلم يدفعها الفضول مرة إلى ~~استطلاع أمر لم يفاتحها فيه، ولم تحجم عن مواجهة الأهوال التي استهدف لها إبان الخلاف ~~بينه وبين خصومه. ms068 وحدث بعد انتخابه للجمهورية للمرة الثانية أن العصاة قصدوا إلى منزله ~~يحاصرونه ويطلقون المدافع على المنزل ومن فيه، وكان خبر الثورة قد نمى إليه قبل هجوم ~~القائد الخائن ليلا بسويعات قليلة ، فأيقظ زوجته لتصحبه، ولم يبال فوات الوقت مع ~~اقتراب الهجوم، ولبث يقنعها بالهرب وهي تقنعه بصعوبة خلاصهما معا ووجوب انطلاقه فردا ~~وهو يتلمس مسالك النجاة. وكتبت هي بعد ذلك تصف تلك الليلة العصبية وصفا مسهبا نجتزئ ~~منه بما يلي، وذلك إذ تقول: # حوالي الساعة الثانية من صباح اليوم السادس عشر من شهر يونيو - 1922 - أيقظني ~~الدكتور من نومي وطلب مني أن أسرع باللبس والاستعداد؛ لأننا مهددون ولا بد لنا ~~من الإسراع بالنجاة، وكان قد تلقى بالتلفون خبرا عن تأهب القائد شين للهجوم ~~علينا، فأراد البدار إلى زورق مسلح نوجه منه رجالنا لمقاومة العصاة، ورأيت من ~~التعويق له أن يرتبط بمصاحبة امرأة في مهربه، فألححت عليه أن يتركني إلى حين ~~غير متوقعة عدوانا على شخصي وأنا على انفراد، وبدا له صوابي بعد برهة ولكنه لم ~~يتركني مع هذا قبل أن يوكل بالبيت خمسين حارسا من أهل ثقته، ثم مضى منفردا ~~ولم تمض نصف ساعة على انصرافه حتى سمعنا طلقات الرصاص، وصياح الصائحين، اقتلوا ~~سن وين، اقتلوا سن وين ... ثم اقتربت الساعة الثامنة ونفدت ذخيرتنا أو كادت، ~~فوقفنا إطلاق النار محتفظين بالبقية إلى اللحظة الأخيرة، ثم لاح لنا أن البقاء ~~غير مجد، ونصح لي رئيس الفرقة بمغادرة المكان ووافقه الجنود على أن يبقوا حيث ~~هم لصد كل مطاردة، وعلمنا أخيرا بمقتلهم جميعا. ~~... ومضت ساعات في الممر قبل أن نصل إلى حديقة ديوان الرئاسة، ولمحنا بعد نصف ~~ساعة ومضة خاطفة وشطرا من القنطرة يتهدم وينقطع علينا من ثم سبيل العبور، ~~واندفع العصاة نحو ديوان المالية ومكتب الرسوم الجمركية لينهبوهما، فانسللنا ~~بين الزحام غير معروفين، وألفينا أنفسنا في زقاق بعيد من المشتغلين بالنهب ~~والسلب، وكنت لا أقوى على السير من فرط الإعياء، فتوسلت إلى الجند الذين معي أن ~~يطلقوا النار علي لأستريح، ولكنهم ms069 حملوني بين جثث القتلى ... ثم سدت طريقنا مرة ~~أخرى، وتهامسنا إلا نجاة من هجمة الغوغاء المقبلين إلا بالرقاد على الأرض بين ~~الجثث كأننا بعض الموتى، ثم تمكنت من الاستخفاء بملابس امرأة ريفية ، وعلمت بعد ~~ذلك أن امرأتين مسكينتين قبض عليهما لأنهما تشبهاني، وبرحت كانتون عصر اليوم ~~التالي، فلقيت الدكتور سن مساء ذلك اليوم على إحدى السفن بعد معركة حياة وموت ~~وأسرعنا بالذهاب إلى هونج كونج مستخفين. # هذه حادثة من حوادث الزوجين في السنوات التسع التي ارتبطا فيها برباط الأسرة الوثيق، ~~ولو تتبعنا أوقاتها من سنة 1915 إلى سنة 1924 التي ختمت بها أيام سن ياتسن لكانت أوقات ~~الشدائد هي القاعدة الغالبة وأوقات الأمان هي الاستثناء النادر، وإن لم تكن كلها من ~~قبيل هذه الشدائد الدامية. # فهما بين منفى واستخفاء وصراع ورحلة يلاحقهما الجواسيس والمتربصون وشغل من أشغال ~~المنصب مرهق تنوء به الجبال. # والحياة الزوجية بين هذه المتاعب كل ثقيل أو معونة على الكلول والأثقال، ومن الحظ ~~الحسن أنها كانت في حياة الزعيم المثقل بالأعباء معونة جاءت على حين الحاجة إليها، ~~فكانت زوجته الفتاة المترفة الناشئة بين أحضان النعمة والدلال خير معوان له على مصابرة ~~الحوادث، وعوضها حب الإعجاب والإكبار عن حب الغرام والفتنة، فهانت عليها المتاعب ~~والأهوال رعاية للرجل الذي أعجبت به وأكبرته. ولعل الأزواج من أمثال سن ياتسن في عصره ~~لم يرزق أحد منهم قرينة تضارع قرينته في ثقافتها واطلاعها على أسرار السياسة من حولها، ~~فهي أحق زوجة أن تشارك زوجها في عمله وتقرن رأيها برأيه، ولكنها لم تسمح لنفسها أن ~~تجاوز وظيفة الكاتب الأمين الذي يعمل ما يطلب منه عمله ويحضر ما يناط به تحضيره، ولزمت ~~حدودها هذه طوال أيام حياته، ولم تخالف هذه الخطة إلا بعد وفاته بزمن طويل. # خالفتها كلما خطر لها أن أتباع الزعيم قد حادوا عن نهجه وانحرفوا عن سوائه، وسوغ ~~مقامها ما لا يساغ من غيرها، فرفعت صوت المعارضة يوم خفت بين قومها كل صوت معارض، ~~واستمعوه منها طوعا أو كرها، كأنه صوت ms070 الزعيم المقدس يرتفع بعد الممات. # | من أعماله # في سنة 1912 ترددت البشائر بين أنحاء الكرة الأرضية بنجاح الثورة الصينية، وقيام ~~الجمهورية مقام عرش ابن السماء. # وبعد ذلك بعشر سنين، حوصر زعيم الثورة وطوردت زوجته وتنادى العصاة بقتله، وتعالى الهتاف ~~بموته حيث تعالى الهتاف له من قبل بالحياة والبقاء. # عشرون سنة مرت من فاتحة الجهاد في سنة 1892 إلى قيام الجمهورية في سنة 1912. # واثنتا عشرة سنة مرت من يوم نجاح الزعيم إلى يوم وفاته. # شطران غير متعادلين في حساب الأرقام ولا في حساب الحوادث، وأشقاهما الشطر الذي كان بعد ~~النجاح. # وصح في سيرة هذا الزعيم، كما صح في سير الكثير من الزعماء، أن أعباء النجاح أثقل من أعباء ~~الاضطهاد والكفاح! # بل كان هذا أصح ما كان في سيرة زعيم الصين. # لأن ثورته كانت سعيا متلاحقا إلى الأمام، ولكن عمله في الحكومة كان أشبه بساع يسعى وهو ~~مشدود إلى الجهات الأربع، فكل تقدم من ناحية نكوص من أنحاء. # كان عليه في سياسته مع الدول أن يبطل سيادتها على بلاده، ويلغي «حقوقها» المغتصبة ويزيد ~~الرسوم على تجارتها التي تتدفق على بلاده بغير رسوم، أو تؤخذ رسومها عوضا من الغرامات ~~والديون. # وكان عليه في الوقت نفسه أن يقترض منها لتصنيع الصين وتعميرها وتجديد مرافقها على أحدث ~~طراز، كي تدفع المزاحمة الملحة عليها من مصانع الدول الأجنبية. # وكان عليه أن ينقذ الصين من الخراب إذا بقيت «حقوق» الدول جاثمة على صدرها، وأن ينقذها من ~~الخراب إذا أبت هذه الدول أن تسخو له بالمزيد من القروض. # كان عليه أن يهادن اليابان؛ لأنها تصد الدول عن بقاع القارة الآسيوية وتنادي «بآسيا ~~للآسيويين». # وكان عليه أن يهاجم اليابان؛ لأنها تعني أن الصين لليابان دون سائر الدول الغربية، حين ~~تذود تلك الدول عن القارة الآسيوية. # وفي سياسة وطنه كان عليه أن يسكن أو يتحرك إلى الجهات الأربع، وليس السكون أو الحركة إلى ~~الجهات الأربع مما يطاق. # كان عليه أن يحمي الجمهورية وأن يسلمها لغيره! # وكان الشمال والجنوب في وطنه ms071 قد انقسما بعد الاتفاق على خلع الأسرة المكروهة العاجزة، ~~فلما زالت الأسرة عاد الخلاف بعنوان جديد، بل عاد بجملة من العناوين. # ومن ذلك أنه كان يعهد بالوظائف إلى الموظفين الكفاة من أهل الجنوب؛ لأنهم المتعلمون على ~~أصول التعليم الحديث، ولأنه يعرفهم معرفة الثقة والتجربة، فينسى الطامعون في وظائفهم أن «سن ~~ياتسن» أبو الصين، ولا يذكرون إلا أنه جنوبي يحابي الجنوبيين! # ومرافق الصناعة والتجديد نعمة ونقمة في نفس واحد. # أيستغني بلد من البلدان في القرن العشرين عن سكة الحديد؟ # كلا، ولا استثناء للصين، أو لعلها أحوج إليها من سائر بلاد العالم، لترامي أطرافها وكثرة ~~سكانها. # ولكن هذه النعمة الكبرى جرت معها البلاء وراء كل قاطرة وكل مركبة؛ لأنها يسرت وصول ~~البضاعة الأجنبية إلى أقصى الأطراف، فضربت صناعة الوطن وعطلت أيدي العاملين، وسهلت لهم ~~الانتقال من بقعة إلى بقعة طلبا لعمل الزراعة أو عمل النقل أو طلبا للعمل كائنا ما كان، ~~فلا هم واجدون عملا ولا هم مردودون إلى مواطنهم، ولا هم نازلون منازل الحفاوة والترحيب، ~~وقد يخاف منهم العبث والفساد بغير عمل وبغير سكن وبغير قوت. # يجب أن يغلق الباب المفتوح. # يجب أن تفتح الأبواب للقروض. # يجب أن تبنى المصانع على عجل. # يجب أن تستورد من الخارج أدوات البناء. # يجب أن نتحرك إلى الجهات الأربع، ونحن مشدودون إلى الجهات الأربع. # وإذا همت الحكومة الجديدة بتحصيل الضريبة من الأمة المنزوفة، وجدت هذه الضريبة مستوفاة ~~إلى سنوات على عهد الحكومة البائدة، واستحال تحصيلها على نظام جديد: نظام يحصي الأرض ~~والسكان ويقرر الحدود بين الملاك والمستأجرين، ولا إحصاء ولا خرائط ولا يعرف لأموال الدولة ~~حساب غير حساب الكيل الجزاف. # وأوشك كل عامل أو عاطل في الصين أن يزج بسن ياتسن إلى الجهات الأربع، وأن يشده إلى كل جهة ~~من هذه الجهات. # ومن أعضل المعضلات تفصيل السياسة الصينية كما كانت تتبع في تلك الآونة، ولكن الإشارة ~~إليها تكفي لتقدير المتاعب كما اضطلع بها الزعيم الظافر. # الزعيم المسكين؛ لأنه ظفر بمقصده، فانتقل من السير على طريق ms072 واحد إلى السير على الجهات ~~الأربع. # وهذه إشارة عابرة إلى بعض هاتيك الجهات! # رئاسة الجمهورية # كان العلم الخماسي - علم الثورة - يرتفع على كل سارية في عواصم الصين، رمزا إلى ~~الأمم التي تتألف منها القومية الصينية، وهم الصينيون والمنشوريون والمغول والمسلمون ~~وأهل التيبت، ولم يبق بعد أيام أثر للعلم الإمبراطوري - علم التنين - في غير قصور ~~بكين. # وسمع سن ياتسن بثورة أنصاره التي انفجرت قبل أوانها وهو يطوف المدن الأمريكية لجمع ~~المال استعدادا للثورة التي تقرر موعدها بعد ذلك بسنة، وعلم من الصحف الأمريكية أنه ~~رئيس الجمهورية المنتظر ... فلم ير التعجيل بالعودة إلى بلاده، واهتم قبل كل شيء بوقف صرف ~~الأقساط المتفق عليها من القروض الدولية لحكومة بكين، والسعي عند الدول الكبرى للاعتراف ~~بالحكومة الجديدة والاتفاق على السياسة المقبلة. # وسافر إلى لندن باسم مستعار، فوجد هناك برقية أرسلت إليه بعنوان المفوضية الصينية ~~التي لم تزل تنوب عن ابن السماء، يعرضون عليه رئاسة الجمهورية بصفة رسمية ... وفي دار هذه ~~المفوضية كان معتقلا قبل سنين لتسليمه إلى حكومة بكين! # ولقي المسئولين من رجال الحكومة الإنجليزية، وأعضاء مجلس الديون، ثم انتقل إلى فرنسا ~~فتحدث مع بعض وزرائها ونوابها في شأن الحكومة الجديدة، وبرح أوروبة إلى بلاده وهو على ~~شيء من الارتياح إلى موقف الدول من الوجهة الرسمية. # وقبل أن يصل إلى بلاده بستة أيام كان المندوبون في حكومة بكين والمندوبون عن اللجنة ~~الثورية قد اتفقوا على اللقاء بشنغهاي للتفاهم والتقريب بين الطرفين، فظهر من سياق ~~البحث بينهم أن الطرفين كانا على وعد من اليابان بالمؤازرة، ونمى إليهم أن اليابان همت ~~بإنزال جنودها على الأرض الصينية والتقدم إلى العاصمة، فاستمهلتها إنجلترا صديقتها ~~يومئذ وذكرتها بمخالفة العمل المنفرد للاتفاقات الدولية، وحقيقة الأمر على ما اعتقده ~~الطرفان المتفاوضان أن إنجلترا خشيت أن يؤدي التدخل الياباني إلى بسط الحماية على عرش ~~الصين بطلب من الأسرة المالكة، وهي نتيجة يأباها الثوار بطبيعة الحال، ويأباها القائد ~~يوان شي كاي؛ لأنه يطوي النية على تنصيب نفسه ملكا بعد فترة الثورة الأولى، وتأباها ms073 ~~إنجلترا أو الدول الكبرى؛ لأنها تقضي على نفوذهن جميعا، وتسلم الصين فريسة سائغة لدولة ~~واحدة. # فأسرع الفريقان إلى التفاهم على وقف القتال قبل أن تنطلق الدسائس الأجنبية من ~~عقالها. # ووصل سن ياتسن شنغهاي في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر (سنة 1911) ونودي به رئيسا ~~للجمهورية في التاسع والعشرين منه، وافتتح مراسم العهد الجديد بزيارة ضريح العاهل ~~الوطني عميد أسرة منج التي كانت تحكم الصين قبل الأسرة المانشوية، فبايع روح الأسلاف ~~على إحياء الصين الخالدة وصد المغيرين على استقلالها، واختار للدولة علما مثلث الألوان ~~من الأزرق والأبيض والأحمر، رمزا لمبادئ الثورة الثلاثية وهي الوطنية وسيادة الشعب ~~والاشتراكية أو رخاء المعيشة، وفيه اثنا عشر شعاعا تنبعث من الشمس رمزا إلى أقسام ~~الصين الأرضية. # ووجه اهتمامه الأكبر إلى تدعيم القواعد الدستورية، فأذاع الدستور المؤقت مشتملا على ~~الحقوق الأساسية وأصول التشريع، واعترضته عقبة الهيئة النيابية في تلك المرحلة، فلم يكن ~~من المتيسر انتخابها بغير معدات الانتخاب التي لم تعهدها الصين من قبل، ولم يكن من ~~المتيسر الانتظار إلى ما بعد تحضير هذه المعدات، وأبى أن يحصر النيابة عن الأمة الصينية ~~بين أعضاء حزبه ولجانه التي كانت تنبث في الحواضر والأقاليم لنشر الدعوة وتنظيم ~~المقاومة، فاكتفى بما تيسر يومئذ وجمع المجلس الأول من المندوبين الذين اختارتهم دواوين ~~الحكومة ولجان الجماعات الثورية، وذوي الرأي بالشهرة المستفيضة ومنهم من لم يصطحب معه ~~توكيلا من الدواوين أو اللجان، وارتضى المسئولون جميعا تأليف المجلس على هذه الصورة ~~على أن تخلفه بالانتخاب هيئة من مجلسين خلال عشرة شهور يناط بها وضع الدستور. # واختار الزعيم وزراءه من أكفأ رجالات الصين الحديثة، ومنهم من كانت له شهرة عالمية ~~كالدكتور وانج شنجهوي الذي عين بعد نحو عشرين سنة (سنة 1930) قاضيا بمحكمة لاهاي ~~الدولية، واتخذ نانكين عاصمة للدولة الجديدة: عاصمة بلا خزانة ولا سجلات ولا دواوين ولا ~~موظفين، ثم شعر بقيود المنصب ومحرجاته وعن له أن يندب غيره للرئاسة ويفرغ للقيادة ~~الشعبية، فوافق ذلك مقترحا من القائد يوان شي كاي يندبه هو للرئاسة أثناء فترة ms074 ~~الانتقال بين النظام الملكي والنظام الجمهوري، ورأى سن ياتسن أن يستفيد من هذا المقترح ~~للدولة الناشئة فعلق قبوله على نجاح يوان في إقناع الأسرة المالكة بالنزول عن دعاواها ~~وحقوقها بسلام، فانقضى شهر في المساومة والمناورة قبل الوصول إلى نتيجة يحسن ~~إعلانها. # وفي الثاني عشر من شهر فبراير سنة 1912، أعلنت الوصية باسم الإمبراطور الصبي سوان ~~تونج وثيقة النزول عن العرش، وفيها تقول: «إن الأمة اليوم جانحة كلها إلى حكومة ذات شكل ~~جمهوري، وبدت هذه الرغبة واضحة في أول الأمر من الأقاليم الجنوبية والأقاليم الوسطى ثم ~~وعد القادة العسكريون من الأقاليم الشمالية بتأييدهم لهذه الرغبة، ونحن برعاية ميول ~~الشعب نعلم مشيئة السماء، وليس بالجميل منا أن نقاوم ميول الشعب حرصا على مجدنا، فنحن ~~- والإمبراطور إلى جانبنا - نولي الشعب حقوق السيادة ونأمر بإنشاء حكومة دستورية على ~~النظام الجمهوري، ولا يحدو بنا إلى هذا القرار حبنا لرضى شعبنا الذي طال حنينه إلى حسم ~~الشقاق السياسي وكفى، بل تدعونا مع ذلك رغبتنا في اقتفاء وصايا الحكماء الأقدمين الذين ~~علمونا أن السيادة ترجع آخر الأمر إلى مشيئة الأمة.» # واشتملت وثائق الاتفاق على شروط أخرى تضمن للعاهل الصبي أن يحتفظ بلقب الإمبراطور مدى ~~حياته، وأن يتقاضى من الدولة معاشا سنويا يزيد على نصف مليون جنيه، وأن يترك له قصر ~~الصين وحاشيته وحرسه، وأن تصان أضرحة الأسرة وتتكفل الدولة بإتمام الناقص منها. # ووعد يوان بتحويل العاصمة من بكين إلى نانكين في الجنوب، وأبرق بهذه الوثائق إلى سن ~~ياتسن كأنه يتعجل إنجاز الوعد باختياره رئيسا للجمهورية، فاعترض سن ياتسن على الصيغة ~~التي كتبت بها وثيقة النزول وقال: إنها تجعل الجمهورية بمثابة المنحة الملكية التي يجوز ~~للإمبراطور أن يستردها متى شاء، مع احتفاظه بلقبه وقصره ومراسمه وحاشيته، فوافقه ~~الكثيرون من النواب والساسة على تأويله، ولكنهم حسبوا أن مسألة الصيغة لا تساوي مشاكل ~~الخلاف ومصائب الحرب الأهلية، وقبلوا نزوله عن رئاسة الجمهورية للقائد يوان، وأسرع هذا ~~إلى إبرام الأمر الواقع، فعين سن ياتسن مديرا للسكك الحديدية. # ولا نعلم عن التحقيق أسرار ms075 المفاوضات التي دارت بين يوان والأميرة الشابة (لنج يو) ~~الوصية على العاهل الصغير، إلا أنه قد هدم أعصابها بوسائل شتى ولم يقتصر على وسيلة ~~واحدة، فمن وسائله أنه أوعز إلى ضباط الفرق، وكلهم ممن تعلموا على يديه وترقوا برعايته، ~~أن يبرقوا إليه معلنين إخلاصهم للنظام الجمهوري وثقتهم بحكمته وحنكته واقتداره على حل ~~المشكلة بما يرضي الأمة ويصون الوحدة القومية، وأنه أوقع في روع الوصية أنه لا يستطيع ~~أن يعمل بغير مال يشتري به الثوار ويقسم به صفوفهم ويضمن مرتبات جنوده زمنا؛ مخافة أن ~~ينفضوا عنه وينقلبوا عليه قبل انفراج الأزمة. # فسلمته الوصية خزانة الدولة، واكتتبت مع الأمراء والأميرات بالذهب والفضة بعد إفراغ ~~الخزانة العامة، فلم يبق لديهم ما ينفقونه على المعارك والمساعي السياسية لو خطر لهم أن ~~يخالفوه ويركنوا إلى مشورة أحد غيره، وربما زعم للوصية المتحطمة أن الحكومة الموقوفة ظل ~~زائل، وأن الإمبراطور ربما بلغ سن الرشد وهي في خبر كان، وأنه باق على ولائه للبيت ~~المالك عند الحاجة إليه. # ولا يدعو الموقف حينئذ إلى أكثر من مرسوم يصدره الإمبراطور بمشيئة الشعب الذي سيضجر ~~مع الزمن من عجز العهد الجديد ولا يصعب على الوصية أن تقبل هذه التعلات فهي أحب إليها ~~بأية حال من كفاح لا يعاونها عليه أحد، ولا تضمن من عواقبه ما ضمنته لها من وثائق ~~الاتفاق، وقد رؤي هذا الباقعة في مؤتمر الأسرة المالكة الأخيرة يضرب الأرض بجبهته ويبكي ~~ويأبى أن يرفع وجهه خجلا من النظر إليها وهي تستسلم لمصيرها، وسمعت الوصية تقول للعاهل ~~الشاب: إذا كنت الآن لا تزال بقيد الحياة فالفضل في بقائك لهذا الصديق النصوح، وكان ~~يوان قبيل ذلك بلحظات يقول لهم: إن لويس ملك فرنسا لو وجد حوله من يقنعه بالإصغاء إلى ~~صوت العقل لما هلك وهلك معه ذووه! # ولقد عز على ناس من خلصاء الرئيس سن ياتسن أن تؤول الثورة إلى هذا الباقعة الذي لم ~~يثبت قط على الولاء لأحد، ومن هؤلاء شيان كاي شيك خليفة سن ياتسن على قيادة الصين، ms076 فإنه ~~اعتزل منصب العسكرية وعاد إلى اليابان يستكمل دروسه ويترقب من ثم تقلب الحوادث ~~والأحوال. وأخل يوان بأول شرط من الشروط المطلوبة وهو تحويل العاصمة من بكين إلى ~~نانكين، فتعلل ببوادر الفتنة - وهي من تدبيره - للبقاء بالعاصمة الشمالية وحراسة ~~الأقاليم من ورائها، وأجل الانتقال إلى العاصمة الجنوبية إلى أجل غير محدود. # ثم سرت مساعي يوان شيئا فشيئا من طريق الدعوة السياسية، فلما نظم سن ياتسن حزبه ~~باسم «الكومنتانج»؛ أي الحزب الوطني، نظم يوان حزبا يقابله باسم حزب التقدم (شنبتانج) ~~ودس أعضاءه في دواوين الحكومة ومراكز النفوذ، وكلف عالما من علماء القصر الدستوري ~~الأمريكيين وخبيرا من أساطين الصحافة الإنجليزية أن يدرسا الحالة العامة من الناحية ~~الفقهية والتقليدية، ويكتبا بالرأي الذي يريانه تقريرا مفصلا معززا بالشواهد ~~والأسانيد للاستئناس به عند تقرير النظام الدائم عما قريب! # هذان الخبيران الدستوريان هما الأستاذ فرانك جودناو # Goodnow # والدكتور موريسون # Morison # مراسل التيمس، وكلاهما معروف الرأي عند القائد يوان وإن لم ~~يكن رأيهما مكتوبا بالتفصيل، فخلاصته كما عرفها القائد من أحاديثهما أن النظام الملكي ~~أصلح الأنظمة للصين خاصة في أحوالها الداخلية وعلاقاتها الدولية؛ لأنه نظام ذو جذور ~~متغلغلة في تكوين المجتمع وعادات أهل البلاد، وعلى تقرير هذين الخبيرين وغيره من ~~الوثائق المستمدة من تقارير أعوانه وصنائعه بنى السند الدستوري الذي خوله - وهو لا يزال ~~رئيسا للجمهورية - أن يطيل مدته ويوصي بالرئاسة بعده لمن يرتضيه. # أما سن ياتسن فقد تقبل مهمة الإشراف على تنظيم المواصلات غير مترفع عنها بعد رئاسة ~~الجمهورية، والواقع أن منصب المدير العام لمواصلات الصين لا يقاس على نظائره في البلاد ~~الأخرى؛ لأن علاقات الدول بالصين تدور على خطوطها الحديدية ومواصلاتها البحرية والبرية، ~~وتعمير الصين من أقصاها إلى أقصاها يتوقف على مستقبل هذه الخطوط ومعضلاتها المتجددة ~~أكبر من طاقة الدولة الصينية برمتها، وهذه المعضلات هي التي أراد يوان أن يمتحن بها ~~طاقة الزعيم المحبوب، فهو ملاق فيها الفشل والحيرة لا محالة، وكل أولئك خير لإمبراطور ~~المستقبل يوم تتهيأ الفرصة للتشهير بالرئيس القديم. # ومن مهازل النقد ms077 والتاريخ أن ألسنة يوان من الصحفيين الأجانب أخذوا على سن ياتسن أنه ~~أمر بإعداد خريطة للصين ترسم عليها المواقع التي يراد الاتصال بينها، فأعدوها له ورسموا ~~الخطوط المطلوبة غير حافلين بما يعترضها من الجبال والأنهار والعقبات، واستدل النقدة ~~المؤرخون بهذا على جهل الزعيم وتصديه لما لا يحسنه ولا يدريه، وفاتهم أن يتهموه بالعمى ~~عن رؤية مواقع الجبال والأنهار ... فليست المسألة إذن جهلا بهندسة المواصلات، فما من أحد ~~يجهل أن الجبال والأنهار تعوق المواصلات، وإنما هي مسألة نظر يرى الجبل في موضعه أو لا ~~يراه. # وحقيقة المسألة أن الخريطة الأولى وضعت كما قال أولئك النقدة المؤرخون، ولكنها خريطة ~~تعقبها خرائط لرسم القناطر والأنفاق أو رسم المنعرجات الطوال والقصار حيث لا يتيسر بناء ~~القنطرة وفتح النفق، ولا بد من الخريطة الأولى والخرائط التي تليها في بلاد لم توضع ~~لها خريطة قط، لغرض من هذه الأغراض. # وقد وجه يوان مساعيه الخفية جميعا لإحباط مشاريع السكك الحديدية والاستيلاء على جميع ~~القروض التي يحصل عليها من خزانة الديون. # ومضى في الإخلال بجميع الشروط المتفق عليها بينه وبين رؤساء الجمعية الوطنية، ومنها ~~شروط لا تستقيم مع الإخلال بها حكومة دستورية، فأغفل البرلمان جملة في مسائل القروض ~~والمعاهدات، واتصل بمندوبي مجلس الديون # Consortium # دون ~~عرض الأمر على الهيئة النيابية القائمة، وهذا المجلس هو الهيئة التي تألفت من مندوبي ~~الدول ذوات القروض والإتاوات: وهي إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا ~~واليابان. وقد سمحت للقائد المخاتل بما طلب على شدة ضنها بالمال ... لأنها حمدت منه ~~استمراره على سنن أبناء السماء في ضمانات هذه القروض، ولم يعترض على هذه الضمانات أحد ~~غير الرئيس ويلسون لمساسها بسيادة الصين، خلافا للعهود المتفق عليها بين الدول «ذوات ~~المصالح والامتيازات ...» # والمفهوم من موالاة القائد يوان لمجلس الديون أنه يدخره للمستقبل عسى أن يعترف به ~~إمبراطورا على الصين بعد إلغاء الجمهورية، وأنه اقترض المال وحصل على عدة ملايين فلم ~~ينفق منها كثيرا ولا قليلا على مشروعات التعمير، بل أنفقها كلها على تسليح الفرق ~~الموالية له ms078 ورشوة القادة المسلطين على الأقاليم. # والمفهوم أن سن ياتسن وأنصاره نقموا على هذه السياسة خوفا على مستقبل الجمهورية، ~~وانتظارا منهم لتسوية مسائل القروض والديون والجمارك والمواصلات على أساس جديد يناسب ~~الدولة الحديثة، مع مناداتهم باحترام المعاهدات إلى أن تتم التسوية المنتظرة، خوفا من ~~تأليب الدول على العهد الجديد. # وكان من رأي سن ياتسن أن يستعان ببيوت المال والصناعة في اليابان على تمويل مشاريع ~~التعمير الأولى؛ لاعتقاده أن اليابان لا تستطيع أن تنفرد بامتياز يخصها على حدة، وأنها ~~إذا حاولت أن تنفرد بامتياز كهذا صدتها الدول مجتمعات دون أن تنتظر التخويف أو الإثارة ~~من قبل الحكومة الجمهورية، فالواقع أن الدول التي لا تحمي سيادة الصين غيرة عليها بل ~~خوفا من غلبة إحداها على هذا الميدان الفسيح، ومن تغلبت عليه طغت على العالم بقوة ~~تخشاها الدول جمعاء. # وقد عرف من مفاوضات يوان أنه قبل ضمان الملح في الدولة الشاسعة لسداد قروضه الأخيرة، ~~فأبرق سن ياتسن إلى الدول يحذرها، وأعلن الرئيس ويلسون كما تقدم تنحي الولايات المتحدة ~~من مجلس الديون. # ووقعت الواقعة بين الرئيسين. # وصرح الشر باسمه بين العاصمتين. # وتمادى يوان في أساليبه، فنكل بخصومه وأرسل إلى زعيم معارضيه بالمجلس (سنج شيو جين) ~~من يقتله وهو على رصيف محطة شنغهاي يهم بالسفر إلى الشمال، وقبض على قاتله في مكانه، ~~ولكنه خنق في السجن قبل أن يوجه إليه سؤال. # وتتابعت حوادث الاغتيال وتعطل البرلمان بوقف جلساته أو فصل أعضائه من حزب الكونتانج ~~أو رشوة الأعضاء الآخرين، وتدرج يوان من إكراه الأعضاء الباقين على تجديد انتخابه إلى ~~إلغاء الجمهورية وإعلان الإمبراطورية، فنادى بنفسه إمبراطورا ولما تنقض على الجمهورية ~~أربع سنوات (يناير سنة 1916). # وكانت الحرب العالمية الأولى قد شغلت الدول الغربية عن الصين وعن اليابان، وسنحت ~~الفرصة لليابان فوجهت إلى حكومة يوان مطالبها التي اشتهرت بالمطالب الواحدة والعشرين، ~~ومنها اعتراف الصين بحق اليابان في الاستيلاء على مخلفات ألمانيا وامتيازاتها، ~~والاعتراف باحتلالها لمنشوريا ومنغوليا الشرقية، وتخويلها حق الرقابة على مناجم الفحم ~~والحديد، وأن تتعهد الصين بألا تسمح ms079 لطرف ثالث باحتلال موانئها ومراكزها التجارية، وأن ~~تقبل المستشارين والخبراء من اليابان للإشراف على شئونها السياسية والعسكرية ~~والاقتصادية. # ولم يسع يوان أن يجابه اليابان برفض مطالبها، لاشتغال الدول عنه واشتغاله بمكافحة ~~الثورة الداخلية، فوقع المعاهدة بينه وبين اليابان (في الخامس والعشرين من شهر مايو سنة ~~1915) على هذه الشروط المجحفة بعد تعديل طفيف لا يقدم ولا يؤخر في جوهرها، وكان ~~إذعانه لهذه الشروط إحدى الضربات القاضية عليه، فزادته خذلانا بين خصوم الجمهورية ~~فضلا عن دعاتها وأنصارها، ومكنت سن ياتسن من مقاتله ومن تجميع القوى شمالا وجنوبا ~~على حكومته، فاعتقد أهل الصين أنه باع البلاد وباع الأسرة المالكة وباع الجمهورية ~~ليشتري لقب الإمبراطور. # وجاءته النكبات من المخلصين وغير المخلصين، فلم يبق حوله أحد من الوزراء الأكفاء ~~الذين قبلوا معاونته بموافقة سن ياتسن حثا له على إنجاز برامج الإصلاح ورياضة له على ~~الاعتدال واتقاء للبغتة والمفاجأة، واقتدى به غير المخلصين فاشتغل منهم بولايته ووجد من ~~يبايعه بالإمارة على هواه، ولا فائدة هنا من تعديد الأسماء فإنها تبلغ المئات لم يثبت ~~اسم منها طوال الأزمة على ولائه لهذا الفريق أو لذاك الفريق، ومن بقي منهم على عهد ~~الثورة لم يبق على خطة واحدة من خطط الحرب أو خطط المسالمة. # وغني عن القول أن نقمة بكين كلها كانت تنصب على رأس رجل واحد هو سن ياتسن؛ صاحب الاسم ~~الذي تدور حوله كل دعوة إلى مقاومة السلطان المطلق، وكان هذا الزعيم الأمين صريحا مع ~~الطاغية الباقعة فأبرق إليه منذ الخلاف الأول (أبريل سنة 1913) يعلنه بالعداء ويقول له ~~في غير مواربة: «إنك تخون الوطن، وإنني لمحاربك منذ الساعة كما حاربت الأسرة ~~المانشوية.» وعاد بعد شهر فأبرق إليه يطلب إليه الاعتزال، وعاد بعد شهرين فأبرق إلى ~~رؤساء الأقاليم يدعوهم إلى خذلانه والثورة عليه، صارحه بهذا العداء منذ ركب رأسه وتصرف ~~بأموال الدولة كأنها من ماله، ووضح من كل استعداد له أنه استعداد لقمع الشعب والتزلف ~~إلى الدول بالتفريط في حقوقه ومصالحه، فما كادت اليابان أن تفرض على البلاد ms080 دعاواها ~~الواحدة والعشرين حتى قبلها بعد يوم واحد من توجيهها إليه، أبرقت إليه بمطالبها في ~~السابع من شهر مايو سنة 1915، وأجابها إليه بغير تعديل ذي بال في التاسع من الشهر، ووقع ~~الاتفاق المهين بعد أسبوع. # وخيل إليه أنه يخدع البلاد والدول جميعا عن نياته، وأنه ضمن الاعتراف من الدول ~~سلفا بسياسة الخنوع والرشوة، فجمع من أنحاء الشمال والجنوب مؤتمرا وطنيا يتألف من ~~ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين عضوا وصلوا إلى العاصمة قبل ختام السنة، وسئلوا رأيهم ~~فكانوا جميعا على رأي واحد: وهو تغيير نظام الحكومة وإقامة الملكية الدستورية ومبايعة ~~يوان شي كاي ملكا دستوريا بلقب الإمبراطور. # وانكشف الإخراج المسرحي حين كتب إلى المؤتمر الوطني يرجوه أن يعيد النظر ويعفيه من ~~الإلحاح عليه ويقول له: «إنه ما دام قد أجمع على إقامة الملكية الدستورية فلا محل ~~لاعتراض رئيس الجمهورية على هذا الإجماع، إلا أن ترشيحه هو للملك قد أذهله، وأن السماء ~~لهي التي تخلق الشعوب وتولي الملوك ولا تبديل لما تريد، وإنما يستحق ولايتها من كان ~~على فضيلة نادرة ...» # ثم قال: وإنني أنا الرئيس قد خدمت الدولة ثلاثين سنة وبلوت الغير والصروف وما حصلت ~~على شيء، وقد مضى على قيام الجمهورية سنوات أربع لقيت فيها الصعاب الجمة واقترفت ~~الأخطاء الكثيرة، فكيف وما اتسع الوقت بعد لتصحيح تلك الأخطاء أستحق ذلك الشرف؟ # ثم استطرد إلى محاسبة الضمير فتساءل: كيف يستريح من وخزه وهو يفكر في مولاه النازل عن ~~عرشه؟ أو يفكر في قسم الولاء للحكومة الجمهورية؟ # ثم قال: إنه لا يقوى على هذه المحنة إلا إذا شفع له فيها وعده بنسيان نفسه والتضحية ~~بكل عزيز عليه فداء لوطنه، وإنه ليرجو مع هذا ألا يلجئه المؤتمر إلى مأزق يأباه ولا يزج ~~بنفسه فيه وهو راض، وأمامه المرشحون للملك يختار منهم من يشاء عداه، وهو من يبايعه ~~ويرضاه. # فلم يمض غير قليل حتى عاوده رسل المؤتمر بسجل طويل سردوا فيه فضائله ومزاياه وعددوا ~~فيه مآثره على البلاد وخدماته للعرش وللجمهورية، وذيلوه بالفتوى التي تحله من ms081 حساب ~~ضميره، فقد كان عليه أن يبر بقسمه للجمهورية ما دامت الجمهورية، ولكنها تزول يوم يزيلها ~~الشعب فلا توجد ولا يوجد لها قسم في الرقاب، وإنما المسئول من أزالها لو لم يكن له حق ~~في إزالتها أو إبقائها، ولا نكران لحق الشعب في الحالتين ... فلا شأن «لإمبراطورنا» يوان ~~شي كاي بما قضاه رعاياه. # هذه فصول من المسرحية تلتها فصول أخرى، كلفت الدولة الصينية كما هو واضح جهد الجبابرة ~~لو صح أن يوصف بالجبروت هزل كهذا الهزل ومجون كهذا المجون، ولو أنها كانت مسرحية تمثيل ~~كلفت ممثليها ومخرجيها عشر هذه التكاليف لنجحت أضعاف هذا النجاح، ودام تمثيلها على ~~الأقل بضعة شهور واستعيدت بعد سنوات، ولكنها بعد كل هذا العناء لم تشغل من مسرح السياسة ~~الصينية أكثر من بضعة أسابيع، فإن «الإمبراطور» «على الرغم منه» وضع التاج على رأسه ~~وأسبغ الطيلسان على كتفيه في مطلع السنة (1916) وخلعهما - باختياره - في الثاني ~~والعشرين من شهر مارس مستجيبا هذه المرة أيضا لمشيئة الشعب، وأذاع أنه قانع برئاسة ~~الجمهورية ما دام الشعب ينفر من لقب الإمبراطور. # وبديه إنه لم يلبس التاج والطيلسان مطيعا للشعب ولم يخلعهما لطاعته، وإنما افترى على ~~الشعب أولا وآخرا، وحاول أن يتشبث بالملك ما استطاع ولم يحسبه حسابا لصدق النفوس في ~~الوطنية ولا لخسة المطامع في أمثاله وبين صميم أعوانه، فعصف به خلل الحساب، وما كان له ~~من قدرة يفخر بها غير صواب الحساب. # وما هو إلا أن جلس على عرشه يتقبل التهاني من حاشيته وأذنابه حتى تجاوبت أرجاء الصين ~~بصيحة أعوان سن ياتسن الذين أطلق عليهم اسم الإخوان المتعاهدين: أنقذوا الجمهورية! ~~أنقذوا الوطن، ولم تبال الطوائف الفتية منها أن تخرج للمظاهرة والهتاف بهذا النداء بين ~~سمعه وبصره، وأثبتت التجربة كرة أخرى أن عادات الشعوب الأصيلة أنفع لها وألصق بها من ~~النظم المستعارة، فإن الأحزاب السياسية لم تبلغ من خدمة وطنها في هذه المحنة بعض ما ~~بلغته الجماعات و«الأخوات» التي تعودتها الصين منذ آلاف السنين، وكانت جماعة «الإخوة ~~المتعاقدين» أنشط هذه الجماعات ms082 وأقدرها على تلبية الرأي العام وقيادته ونشر الأخبار ~~سرا وجهرة بين جماهيره إلى أقصى أطراف البلاد النائية، وثابرت على نشاطها بعد سقوط ~~الطاغية وذهاب «الإمبراطورية» المغتصبة. # ومن الصدق للتاريخ أن يقال: إن فعل الخيانة في هذه المحنة لم يكن أهون وقعا على يوان ~~وزمرته من فعل الأمانة والنخوة، ولكل شيء آفة من جنسه كما قيل. # ففي أسبوع واحد حذا المحتالون من أصحاب المطامع حذوه وأعلنوا استقلالهم بأكثر من عشرة ~~أقاليم، وحز في نفسه أن معظم هؤلاء كانوا من أذنابه ومأجوريه، فاعتزل الملك وأخبار ~~الممالك الداخلية المستقلة تلاحقه حتى أطبقت عليه الطامة الكبرى باستقلال رشوان وهونان ~~وعليهما أقرب أعوانه وصنائعه ... فقضى عليه الغم والكمد في السادس من شهر يونيو، ولما ~~ينقض على صعوده إلى العرش ستة شهور ولا على نزوله عنه ثلاثة شهور. # روى التاريخ أن يوليان المرتد كان ينادي قبيل وفاته بينه وبين خاصته وبينه وبين نفسه: ~~أيها الجليلي، لقد انتصرت! يعني «السيد المسيح». # ورواية التاريخ هذه لم تثبت ثبوت اليقين، بيد أنها رواية معقولة لا داعي لنفيها ~~واستغرابها، فقد كان الباقعة الصيني، المعتز بدهائه وسلطانه وما يفعله المال والسلاح ~~يعجب قبيل نزوله عن العرش ويعيد العجب قبيل موته، كيف يطاع سن ياتسن هذه الطاعة بغير ~~دهاء وبغير سلطان أو مال أو عتاد، وتكاد صيحة يوان أن تكرر صيحة يوليان. # ولم ينفرد باقعة الصين بهذه الدهشة من فعل الزعامة القوية، فقد كانت دهشة مستشاريه ~~الغربيين أعظم من دهشته، وجاء في كتاب برنارد مارتين عن الحمية العجيبة # Strange Vigour # أن الدكتور موريسون صاحب الفتوى ~~الفقهية الاجتماعية التي سوغت ليوان اغتصاب العرش وقررت أن الملك أصلح أنظمة الحكم ~~للصين، دعا إليه الدكتور جيمس كانتلي أستاذ سن ياتسن ساعة احتضاره وهمه أن يعترف له قبل ~~مفارقة الدنيا بأنه قد جهل قوة سن ياتسن وعظمته الشخصية، وأنه لو كان عرفه حق معرفته ~~لاتخذ تاريخ الصين مجرى غير مجراه، قال: وبودي لو يصبح اعترافي هذا معروفا ~~للناس! # وتتجلى المكانة الهائلة التي رزقها هذا الرجل من ms083 نوادر لا عداد لها يقصها الأجانب ~~والوطنيون ويتحدثون فيها عن الخاصة والعامة من قومه، وربما كانت كلمة المكانة أضعف من ~~التعبير الصحيح عن هذه الخاصة العجيبة التي لا يرزقها جميع الزعماء، فلولا أنها مكانة ~~ثقة أو محبة لكانت كلمة السطوة أحرى أن تدل عليها حق دلالتها، ولولا أنها سطوة روحية ~~لما نجح بشخصه منفردا - كما روى الجنرال موريس كوين - في إقناع قائد جيش عاص بالارتداد ~~مع جيشه وراء المدينة، تهدئة لروع السكان. # وتقدم من بعض الأخبار ما يشير إلى عادته المرعية في تحميل التبعات والمحاسبة عليها، ~~فإنه لا يشهر العداء على أحد حتى يبرئ ذمته من تذكيره ونصحه، وجريا على هذه العادة ~~أبرق بعد وفاة يوان إلى وكيله لي يوان هنج يحذره من تحدي الدستور ومجاراة طلاب الانقلاب ~~الملكي وإعادة الإمبراطور الصيني «بوتي» إلى عرشه، وكان هذا الوكيل يتولى منصبه ويقيم ~~بالعاصمة الشمالية بعيدا من سن ياتسن وأشياعه، فلما وصلت إليه البرقية تخلى عن منصبه ~~وعن المنصب الذي أسندته إليه الحكومة الموقوتة، ولم يحفل بغضب القادرين عليه مرضاة ~~للزعيم الذي يطارده الأقوياء ولا يكاد يأمن على رأسه. # ويعلم المتتبعون لتاريخ الصين الحديث أن الصلابة والعناد أبرز صفات القائد شيان كاي ~~شيك خليفة سن ياتسن على زعامة الصين، ولم يكن شيان على وفاق مع أستاذه في كل موقف وكل ~~خطة، فخالفه مرات ولم يخطئ دائما في هذا الخلاف، بيد أنه كان يخالفه وهو بعيد، ويروغ ~~من لقائه كلما تسنى له أن يداري روغانه خجلا من مخاطبته وجها لوجه بالخلاف، ولم ينفرد ~~شيان بهذا الأدب مع أستاذه العظيم، بل كان مثلا يحكيه غيره من تلاميذ الرجل أو ~~معارضيه، فهم جميعا يتقون لقاءه بالمعاندة والمكابرة، ولا يجترئ عليه إلا من يجهله ~~ويجترئ بسورة البهيمية الجامحة على كل مقام. # ومكانته هذه بين العامة من قومه هي التي قاومت طغيان يوان ومناوراته وأحابيله التي ~~ينخدع بها الدهماء من كل أمة، فلما اجتمع مؤتمره وأجلسه على العرش ونشرت وثائقه في ~~الصحف وعلى المنابر وبين جماهير المستمعين ms084 كان السؤال الذي يتردد على كل لسان: وماذا ~~يقول سن ياتسن؟ وأين توقيعه مع الموقعين؟ ثم يوصد السائل أذنيه عن كل مقال! # وطالما تضاحك الأمريكيون من هذه السذاجة كلما صادفتهم عرضا في دوائر الأعمال ~~والمعاملات، فمن ذاك أن أهل الصين المقيمين بالولايات المتحدة عرفوا اسم الدكتور موريس ~~وليام الذي سبقت الإشارة إليه عند الكلام على مصادر ثقافة الزعيم، فإذا استرابوا في ~~وثيقة تجارية أو نصيحة من محام أو محادثة من صحفي - وهم بمانهتان حيث يقيم الدكتور - ~~قالوا لمن يناقشهم: هاتوا لنا كلمة من الدكتور وليام، ولا تجدي محاولة قط ما لم يسمعوا ~~الكلمة من الدكتور. # ولم تضعف هذه الثقة إلى سنة 1941 بعد وفاة الزعيم بست عشرة سنة، فلما أرادت مسز ~~فرانسس ماسون أمينة صندوق الإعانة الصينية أن تغتنم مناسبة 10 أكتوبر سنة 1941 لنشر ~~الدعوة للصدقة يوم الاحتفال بعيد الجمهورية، واقترحت على طائفة من عامة الصينيين أن ~~تنشر صورهم في الصحف مشفوعة بأحاديث مروية عنهم، تستجلب بها العطف على فقراء بلادهم، ~~كان جوابهم: نعم، نفهم هذا، ولكن لا نفهم لماذا تصوروننا لإعانة أناس يعيشون هناك؟ ~~وماذا عسى أن تعمل صورة هذا الشيخ أو تلك المرأة لتقوية الجند على حرب اليابان وضمد ~~الجراح وإطعام المنكوبين؟ # وكادت السيدة أن تجن من الغيظ وأن تصرف المصورين الذين حضروا في مكاتبهم وصبروا نحو ~~ساعة على سماع حوارها. وذكر أحدهم اسم دكتور موريس وليام مستشهدا به على مسألة لا ~~علاقة لها بموضوع الحوار، فلاحت على وجه زعيم الطائفة مستر بنج بارقة حياة، بعد أن لبث ~~برهة كالصفحة الممحوة بلا كتابة ولا رمز ولا إشارة، وسألهم: أأنتم من معارف الدكتور؟ ~~فلما قالوا له نعم، ونقلوا إليه بعض أخباره، قال لهم: حسن، الآن أحدثكم بقصة عن بلادنا ~~وآذن لكم أن تنشروا معها صورتنا ... # وكان لتسعة من التجار الصينيين مشكلة مالية فاستشاروا أحد المحامين فأنبأهم أنها ~~تستدعي ذهابهم إلى المحكمة وإدلاءهم هناك ببعض البيانات، قالوا: إن أشار علينا الدكتور ~~وليام بالذهاب ذهبنا، وإلا فنحن مختارون للمشكلة محاميا ms085 غيرك ... وحاول المحامي أن يفهم ~~علاقة الدكتور بالقضية وهو طبيب أسنان، فلم يفهم منهم شيئا حتى اتصل بالدكتور على ~~التلفون، وعلم منه سر هذا «التفويض» القومي الغريب عند جميع الصينيين بالمدينة، ولا ~~سيما الوافدين حديثا من غير المتعلمين. # 1 # ليست هذه طاعة رعية لرئيس جمهورية، ولكنها ثقة أبناء الوطن بمن سموه أبا الوطنية في ~~بلاد تقديس الأسلاف، وتنسى أن أبوة الزعامة أبوة مجاز فلا تفرق بين الولاء لها والولاء ~~لعبادة الآباء والأجداد. # ولم يؤثر عن أبناء الصين أنهم من ذوي الخيال أو ذوي المزاج الذي يسميه الغربيون ~~بالمزاج «الرومانتيكي»، ويقصدون به صبغ الحياة بصفة الحماسة الشعرية والفخامة الوهمية، ~~فالقوم كما قدمنا عمليون أرضيون يقدرون الأمور بمقادير الحس القريب ولا يعجبون إلا بما ~~يبصرونه ويدركونه ويلمسون شواهده في معارض الواقع والعيان، فزعيمهم سن ياتسن لم يسخرهم ~~بالخيالات والأباطيل، بل كسب الثقة منهم بيقين لا يمتري فيه اثنان، وليس أدعى إلى الثقة ~~بالعظيم عند الناس من ثبوت نزاهته أمام المغريات والمخاوف، ويقينهم أنه لا يبالي مخاوف ~~الموت ولا مطامع الحياة، وقد رسخ هذا اليقين عندهم في نزاهة الرجل حتى أصبح الشك فيها ~~كالشك في رؤيته وسماعه ووجود شخصه، فبلغ بهذا اليقين ما لا تبلغه رئاسة الرؤساء وقدرة ~~الزعماء. # والواقع أن الرجل فني في رسالته حتى لم يبق له وجود بمعزل عنها، وأذهل أنصاره وخصومه ~~بنشاطه بعد قيام الجمهورية كما أذهلهم قبل ذلك بالسعي الحثيث إلى إقامتها، وأوشك أن ~~يحسب من أصحاب طبائع الجان التي توجد في كل مكان، فبينا هو بكانتون إذا هو بشنغهاي ~~وإذا برسالة له تقل من اليابان، أو من الجزر والسواحل المستطيلة من الجنوب إلى الشمال، ~~ويخيل إلى مطارديه أنهم أحاطوا به وسدوا المنافذ عليه ثم يسمعون بأخباره على قيادة جيش ~~أو على ظهر سفينة أو على منصة مؤتمر حاشد، لا يدرون كيف احتشد وكيف وصلت دعوته إليه، ~~وبينا يخيل إلى أتباعه وأشياعه أنه قد يئس واستكان إذا بالأوامر منه تثيرهم إلى النضال ~~وتحتم عليهم النصر «وعليهم أن يظفروا؛ ms086 لأنهم لا طاقة لهم بالهزيمة» فالنصر أيسر ~~المطلبين. # وقد ولاه وكلاء الأمة المجتمعون في الجنوب كل منصب تشتد حاجتهم إليه، ولوه قيادة ~~الحملة على الشمال، وأعادوا انتخابه لرئاسة الجمهورية وفوضوا إليه السفارة مع من يشاء، ~~وكان قبوله لكل منصب من هذه المناصب بمثابة التسليم للموت والنكبة، فقبل أخطرها وأعسرها ~~ولم يتردد إلا حين لا خطر ولا عسر ولا مظنة فيهما، بل قبل مرة أن يكون واحدا من سبعة ~~لإدارة الحكومة على نظام القنصلية، ردا لدسيسة الطابور الخامس الذي كان يعمل في ~~الجنوب بإيعاز من بكين. # وساوموه أياما على قسمة الشمال والجنوب وطنين منفصلين، بكين كمعناها عاصمة الشمال، ~~ونانكين كمعناها عاصمة الجنوب، فكان على كراهته للحرب الأهلية يجيب على المساومة بصيحة ~~«الصين الكاملة» ويقول: إن الصين لو بقيت في مثل نصفها متحدة كاملة أصح وأقوى من الصين ~~ذات العاصمتين المنعزلتين. # وعمت الفوضى حتى أصبح سلطان العاصمة ينتهي عند جدرانها، وحتى أصبح حكم «الانتخاب ~~الطبيعي» بين القواد هو الحكم الذي تقره دواوين العاصمة، فإذا غلب القائد من ينافسونه ~~وينازعونه فوظيفة العاصمة أن تقر هذا «الانتخاب الطبيعي» ويشيع المغلوب بالذم ~~والعقاب! # وإذا كان صبر يضرب به المثل فهو صبر الزعيم الجليد بين مذاهب هذه الفوضى ومنازع هؤلاء ~~القادة: كان يفتتح المدارس العسكرية لتخريج القادة منها بعد سنوات قادرين على قهر ~~القادة المتنازعين، وإلزامهم الطاعة بحكم «الانتخاب الطبيعي» الذي احتكموا إليه. # وجرب من مرارة الصبر - أو من حلاوته - أنه كان يرى ألد خصومه يثوبون إلى رأيه حقبة ~~بعد حقبة على مناقضته وعصيانه، فكان يقول لهم باسما: لا تحتفظوا للغد بالندم على ~~مخالفة اليوم. # وقد عابه الناقدون من الأجانب على الخصوص بالتشبث والعناد لغير ضرورة؛ لأنه أصر على ~~رفض كل مساومة ترمي إلى التقسيم كائنا ما كان المصير، وكان أناس من قومه يوافقونهم ~~كلما كلفتهم المقاومة عنتا يودون لو أعفاهم منه الزعيم العنيد، فلما قضى نحبه ونزلت ~~النوازل بعد فوات الوقت كان منهم من يحسب أنه لم يتشبث كما ينبغي ولم يبلغ الكفاية من ~~تشديد ms087 النكير، ولو أنه عاش لما فرغ من الملامة التي يؤجلون الندم عليها إلى الغد بعد ~~الغد، بغير انتهاء. # مع الدول # يسمي الصينيون بلادهم بالبلاد الوسطى أو مركز العالم، فكل ما ابتعد منها فهو أطراف ~~ومجاهل. # وكانت بلاد العالم تبادلهم هذا الشعور وهذه العقيدة، فمن أقام على مقربة من تخوم ~~الصين يعلم أنه على مقربة منها، ولكنه يتكلم عنها كأنما يتكلم عن حيز من الأرض معزول ~~وراء جدار، ولا يزال بعض أصحاب النحل الذين يقيمون إلى غرب القارة الآسيوية يعتقدون أن ~~الصين هي العالم الأخير، فمن فارقت روحه العالم فإنما تفارقه لتذهب إلى مطلع الشمس من ~~بلاد الصين! # وزاد الشعور ببعد الصين، أو بغرابتها، أن الذين طوحوا بأنفسهم في الأسفار، ووصلوا ~~إليها قفلوا إلى أوطانهم يهولون ويبالغون في التهويل كدأب الرحالين الذين يحبون أن ~~يوهموا الناس أنهم ركبوا الأهوال من أجل شيء يساوي مراكبها ومعاطبها، فلا يقنعهم الغريب ~~حتى يغربوا في وصفه إلى الغاية من الإغراب، وجاء زمان كان المستمع فيه إلى كل غريب ~~يحسبه لأول وهلة حديثا عن الصين، وأصبح من مضارب الأمثال حين يغلو المتكلم في استغراب ~~كلام أن يقول: «هذا صيني بالنسبة إلي» أي هذه لغة لا تدخل في عداد اللغات التي يتفاهم ~~بها السامعون. # ومن حظ الصين أنها اقتربت جد الاقتراب من أيدي المستعمرين وهي لا تزال بهذا المكان من ~~الغرابة عند أمم المشرق والمغرب. # فالجزر البريطانية والبرتغال وإسبانيا وفرنسا وهولندة قائمة على شواطئ البحر الأطلسي، ~~ولكنها كانت قد وصلت برواد الاستطلاع والاستعمار إلى الهند وما جاورها، فأصبحت من الصين ~~قاب قوسين، وأصبحت الصين خط الامتداد الوحيد أمامها كلما طمعت في التوسعة أو ضاق بها ~~المقام بين الطامعين المتغلبين. # ولما هب النائمون وفتحوا أعينهم على ميادين الاستعمار كانت الصين أقرب ما تناولوه، ~~فتناولوا منه ما قدروا عليه ... # هبت روسيا واليابان لسباق الاستعمار بعد منتصف القرن التاسع عشر الذي عرف بالهجمة ~~الاستعمارية الكبرى، وعلمت روسيا أن الاقتراب من الهند غير مأمون العاقبة، فلم تجد أقرب ~~إليها من الصين. ms088 # أما اليابان فلا خيار لها في القربى، وإنما تأخر بها الزمن ولم يتأخر بها المكان، ~~فانتهبت نصيبها مع المنتهبين. # كل هذا والدنيا لا تستغرب أخبار هذه المنهبة العالمية، فكل ما جاء منها فهو مكسب ~~للبشرية من تلك المجاهل الغريبة، وكل مأخوذ فهو حق مباح . # ذلك من حظ الصين أو من سوء حظ الصين. # وبقيت في المكيال بقية تبرعت بها الدولة الصينية على غير قصد منها، فلم ينقل الناقلون ~~عنها إلا كل غريب يسوغ تلك النظرة الغريبة، ويملي للقوم في الاستباحة والانتهاب. # وكانت هجمة بغير عنان، ثم توقفت على كره من الهاجمين، وتجمعت الدواعي من شتى الجهات ~~لتوقيف ذلك الهجوم. # فأول هذه الدواعي أن الهاجمين على الغنيمة أشفقوا أن يتنازعوا عليها، فتريثوا على قلق ~~وارتقاب. # وجاء الداعي الأهم بعد هذا من قبل الولايات المتحدة خوفا على ميزان الأمان في المحيط ~~الهادي، فقد أخرجت إسبانيا من الفيليبين فلم تلبث أن وجدت أمامها من هو أخطر من الإسبان ~~يتسابقون إلى غنيمة أكبر وأضخم من جزر الفيليبين: وهي الصين. ووافق حذرها هذا حذر الدول ~~المستعمرة من تنازعها وتنافسها على الحصص الباقية، أو حذرها أن يموت صاحب التركة ولما ~~يتفقوا على تقسيم ميراثه، فتوفقوا واستمعوا نصيحة الولايات المتحدة بالتوقف، وحرموا على ~~أحدهم أن ينفرد بالدار المفتوحة لكل واغل وداخل، وسموا هذا التحريم الخاص أو هذه ~~الاستباحة العامة بسياسة الباب المفتوح. # وداع غير هذه الدواعي أن التنين الغريب زالت عنه الغرابة، وزالت عنه حجة ~~الاستباحة. # كان ابن السماء يحتج على استباحة أرضه، فيثبت باحتجاجه أنه يرطن وأنه من عالم آخر ~~تفصله ألوف الفراسخ وألوف السنين. # وكانت رعاياه - رعايا ابن السماء - تحتج وتغضب فتضيف المئات من الفراسخ والمئات من ~~السنين إلى تلك الألوف، فلم يكن أغرب من ابن السماء إلا أبناء أرضه دعاة السلام، أو ~~الملاكمين دعاة الصراع ... ولما أراد رسول التايبنج أن يقترب بعض الاقتراب قال قولته التي ~~جعلته أعجوبة الأعاجيب في أرض العجائب، قال: إنه شقيق المسيح الأصغر، فكان الوثنيون من ~~قومه أدنى الفريقين إلى ms089 العقول والأسماع! # ثم فتح العالم أذنيه على صوت جديد: صوت ليس بالغريب عن الصين، وليس بالغريب عن ~~العالم، في لهجته نبرة صينية لا خفاء بها، وفيها نبرة إنسانية لا خفاء بها كذاك، أو ~~لعلها أدنى إلى الإنسانية من بعض ما يسمعونه بينهم، عصر القوة والقسوة والعداء ~~والاعتداء. # ذلك صوت النهضة الحديثة من العالم القديم. # ذلك صوت «الصينية» التي تفهم ولا يضرب بها المثل في الإبهام والخفاء على ~~الأفهام. # وانبرى العالم يتفهم ويتقرب. # أصبحت الصين جزءا من العالم. # ومن حظ الصين هذه المرة أيضا أنه العالم المنقسم على نفسه، فكل قسم منه يريد هذا ~~الطارق الجديد إلى جانبه، إلا أنه يريده ليأخذه من طريق التفاهم بعد طريق السطو ~~والسطوة، ولا يريده ليسلم ويسلم معه من غائله القوة والقسوة، وبلاء العداء ~~والاعتداء. # فالسياسة الاستعمارية أبت، بعد النهضة الصينية، أن تعلم أن الصين تجشمت متاعبها وبذلت ~~ضحاياها لتخلص من مساوئ العهد القديم لا لتبقيه وتطيله؛ كأنها لم تتجشم متعبة ولم تبذل ~~ضحية، فصمدت على دأبها من الطمع والإهانة، وخيل إلى ساسة الغرب أن احتلال بقعة من بقاع ~~الصين واغتصاب جزء من سيادتها قد صار مظهرا من مظاهر الوجاهة الدولية، يعاب على الدولة ~~أن تفقده بين نظرائها ولو لم تكن لها مصلحة فيه. فلما رأت إيطاليا أنها تصعد على مراتب ~~الدول نظرت إلى ما يعوزها من مظاهر الوجاهة فلم تجد لها فرضة على سواحل الصين ولا ~~مرفقا من مرافقها، فطلبت منها أن تؤجر لها إقليم فيوكين البحري وميناء «سان تو آو»، ~~وأوشكت أن تجرد عليها حملة لإرغامها على قبول مقترحاتها. # لا جرم تعود الدول سنة 1922 فترى أنها لا تزال كما كانت قبيل بداية القرن العشرين، ~~وتتفق الدول التسع على معاهدة واشنطن لتعطي الصين أمانا على سيادتها وتحرم على إحداهن ~~أن تنفرد بمزية فيها، وتعيد فتح الباب الذي يتسع لدخولهن مجتمعات على سنة المساواة ~~... # ولما انقسمت الصين بين حكومة الشمال وحكومة الجنوب رحبت الدول بهذا الانقسام وجعلته ~~ذريعة للمزايدة في المطالب بين الخصمين المتنازعين، ms090 ولم تعترف بخير الحكومتين بل ~~أفهمتهما معا أنها تعترف بمن يذعن لأمرها ويتقبل مطالبها ويتابع السير على سياسة العهد ~~القديم بجميع تفصيلاتها. # وفحوى ذلك بعبارة موجزة، أنها لا تعرف حكومة سن ياتسن ولا تعمل على مؤازرته، ولا تزال ~~تنظر إلى الصين كأنها سوق مستباحة، وتحسب أنها خاسرة يوم تصبح الصين حوزة لا ~~تستباح. # والمطلوب أن يكون الرجل «سياسيا عمليا» باللغة التي تعنيها السياسة ~~الاستعمارية. # وكل شيء تقوى عليه الطاقة البشرية إلا أن يصبح «أبو الوطن» سياسيا عمليا بهذا ~~المعنى. # وذلك هو الحرج، أقسى الحرج في زعامة الأمم. # وتلك هي مسكنة العظمة ومظلمة الصدق والشرف. # لقد كان كل نهاز محتال في بكين سياسيا عمليا حكيما عليما بمنطق الواقع، مرجحا ~~على سن ياتسن في هذا المضمار، بميزان الخيانة والاستعمار. # أما سن ياتسن فغاية ما استطاعه من الحكمة العملية أنه صرح بحاجته إلى رءوس الأموال ~~الأجنبية، وأراد أن يكون فتح الباب لتثمير الأموال في مشاريع التعمير عوضا عن الحقوق ~~الأجنبية المدعاة والامتيازات القضائية والاقتصادية المفروضة على الشعب والحكومة، فتلغى ~~المعاهدات الجائرة باتفاق الطرفين، ويتفق الطرفان على تثمير الأموال بما يعمر الصين ولا ~~يحيف على استقلالها وحرية حكومتها. # ولما اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى كانت للصين فيها سياستان متعارضتان: سياسة ~~الشمال وسياسة الجنوب. # فأما سياسة الشمال فكانت تعطي كل شيء ولا تأخذ شيئا: كانت تسلم لليابان بما يشبه ~~حقوق الحماية، وتقطعها الأرض التي جلا عنها الألمان وتخولها الإشراف على الدواوين ~~والمعسكرات، وتشترك في الحرب العالمية. # وأما سياسة الجنوب - أو سياسة سن ياتسن - فهي تلتزم الحياد أو تدخل الحرب على ضمان، ~~ولا ترى على أية حال موجبا للاشتراك في الحرب مع قبول مطالب اليابان. # وواضح أن سياسة الشمال هي السياسة التي لا مصلحة فيها لغير حكومة بكين، ولا باعث لها ~~غير التزلف إلى الدول للاستعانة بأموالها ومناوراتها السياسية على البقاء. # وواضح أن سياسة الجنوب تكسب للصين إن كسبت، ولا تكلف الصين خسارة أكبر من الخسارة ~~الواقعة، إن خسرت. # وواضح أي السياستين هي السياسة العملية الحكيمة ms091 بالنسبة إلى الصين، وأيهما هي السياسة ~~العملية الحكيمة بالنسبة للاستعمار. # ولا أحد من الساسة الأجانب يرتضي الحكمة العملية بالنسبة إلى الصين مهما يكن حظها من ~~الوضوح، ولا استثناء لسياسي أجنبي في هذا المجال مهما تكن صبغته وصبغة الحكومة التي ~~ينتمي إليها، ومنها حكومات ثورية تنكرها جميع الحكومات. # فمن سخرية القدر أن رسول حكومة الثورة الروسية قصد إلى بكين بعد انتهاء الحرب ~~العالمية بثلاث سنوات، ولم يعترف أول مقدمه بحكومة الجنوب، وكان هذا الرسول - أدولف جوف ~~- يزف إلى أهل الصين بشرى النزول عن حقوق المعاهدات وهي بشرى يتقبلها سن ياتسن ~~بالترحاب؛ لأنها عنوان سياسته وأصل من أصول برامجه الدولية والوطنية، ولكنه عندما كشف ~~عن رسالته لم يعجب أحد لاعترافه بحكومة الشمال، وتجاهله لحكومة الجنوب. # كان هذا الرسول يبلغ الصين نزول حكومته عن حقوق خرجت من يديها، ويحتفظ بالمنافع التي ~~تملكها، وهي منافع السكك الحديدية. # وهذه السكك الحديدية أقرب إلى الشمال. # وحكومة بكين أقرب إلى المساومة فيها. # فمن السياسة العملية أن يستقرب الشمال، وأنه مع الجغرافية والسياسة معا لقريب ~~المنال. ~~••• # إن القوى التي تعتبر مقياسا لعظمة الزعامة نادرة، لندرة العظمة بطبيعتها، وندرة ~~اجتماع قواها في نفس الزعيم الواحد، ومن أندر هذه القوى - إن لم تكن أندرها جميعا - ~~قوة الزعيم على مغالبة اليأس وابتعاث الرجاء من مكامنه حيث يضيع كل رجاء. # ويحار الباحث حين يبحث عن مصادر ذلك الرجاء في حوادث العالم أو علاقات الناس، فيبدو ~~له أنها أحرى أن تكون من مصادر اليأس والتثبيط، ولا يهتدي إلى مصدر لها في غير سليقة ~~الزعيم التي تخلق الرجاء لصاحبها وتخلقه للآخرين. # وقد امتحنت قوى الزعامة في نفس سن ياتسن مرات بعد مرات، من أيام الدعوة إلى أيام ~~الثورة إلى أيام الرئاسة إلى أيام الانقسام في أمته وبين أعوانه وأعدائه، فلا نحسب أنها ~~تعرضت لامتحان قط أعضل من امتحانها أيام الحرب العالمية الأولى. # فلو أنه التفت إلى عوامل اليأس في حوادث العالم أو في حوادث أمته أو في حوادث أصحابه ~~وخاصته؛ لوجد في كل منها ms092 ما يملأه يأسا ويحجب عنه كل أمل يراود الحالم الممعن في ~~الخيال. # كانت حكومة الصين قد استجابت دعوة الحكومة الأمريكية فقطعت علاقتها بألمانيا، ثم ~~انتهت الحرب وانعقد مؤتمر الصلح وجلست الصين مع الدول المنتصرة، فإذا هي تعامل معاملة ~~العدو المنهزم، وإذا بالمؤتمر يتبرع بإقليم شانتونج لليابان كأنه من تركة ألمانيا ولا ~~علاقة له بالأرض الصينية! # ولم يجرؤ مندوبو بكين على توقيع معاهدات الصلح مع اشتهارهم بالاستسلام للدول الغربية، ~~وغشيتهم الرهبة من الثورة التي أثارها سن ياتسن في الرأي العام فاكتفوا بالتوقيع على ~~صلح النمسا، وأحجموا عن التوقيع على صلح ألمانيا، وفارقوا باريس وهم على وجل مما ينتظر ~~حكومتهم بين سخط الرأي العام وسخط الدول المسيطرة عليها. # وقبل انعقاد المؤتمر بسنتين كانت حكومة الثورة الروسية تحلف حكومة القياصرة وتعلن لها ~~سياسة خارجية غير سياستهم في الشرق الأقصى على الخصوص، وكان سن ياتسن يقول: إن الثورة ~~الروسية نسخة من الثورة الصينية التي سبقتها بست سنوات، فأبرق إلى لينين يهنئه بزوال ~~عهد القياصرة والاستعمار ويتفاءل بحسن المصير. # ثم تمضي سنوات بعد الحرب العالمية وترسل حكومة الثورة على القيصرية برسلها إلى الأمة ~~الصينية، فإذا هم يقصدون إلى بكين، أو يقصدون إلى حيث تكون المساومة على الأقاليم ~~والامتيازات، ويتجاهلون الثورة الصينية وقادتها ومقاصدها؛ لأنهم قوم لا يسامون ولا ~~يساومون! # ومن أين يأتي الرجاء في السياسة العالمية! # من الغرب أو الشرق؟ من المحافظين أو الثائرين؟ من القارة الأمريكية أو القارة ~~الآسيوية أو القارة الأوروبية؟ أو من الأمة التي لها قدم في أوروبة وقدم في ~~آسيا؟ # لا رجاء أينما نظر الناظر بين الآفاق والأرجاء. # ولكنه هناك في ينبوع واحد لا يفقد رجاؤه، وهو قلب زعيم. # وتشاء المقادير أن تغلق بكين أبوابها في وجه رسول الثورة الروسية؛ لأنها لا تفتح ~~أبوابها بغير إذن الدول الكبرى. # فانفتح أمام الرسول باب الجنوب، والتقى هذا الرسول - أدولف جوف - بنواب سن ياتسن، ~~وتبعه داعية من أقدر دعاة التنظيم والتهييج في الثورة الروسية، وهو ميخائيل بورودين، أو ~~«بيرج» كما كان يسمى في أمريكا ms093 حيث تلقى دروسه الأولى، أو جروسنبرج # Grusenberg # كما كان يسمى في المكسيك حيث ذهب بأمر ~~الدولة الثالثة لنشر الدعوة، وقد عرف بلاد أخرى غير روسيا وأمريكا الشمالية والوسطى؛ إذ ~~كان في سكوتلاندة يحرض على الثورة، ثم كان مستشارا لمصطفى كمال. # وأراد سن ياتسن أن يستطلع الأمور على حقيقتها في البلاد الروسية، فأشخص إليها تلميذه ~~الأكبر شيان كان شيك، واستقصى الأخبار والمعلومات من الطلاب الصينيين الذين كانوا ~~يقصدون مدارس روسيا بعد شيوع السخط على اليابان. # ولم يفت بكين أن تغتنم الفرصة السانحة للتشهير بسن ياتسن في الصين نفسها وفي البلاد ~~الأوروبية والأمريكية التي تساومها، فأطلقت ألسنة الصحف الوطنية والأجنبية تتهم الرجل ~~بإفساد العلاقة بين بلاده وبلاد العالم المتمدن، وترويج الدعوة للشيوعية ومذاهب الفوضى ~~بين قومه، وتدق ناقوس الخطر من جانب الزعيم «المارق من حظيرة الوطن وحظيرة ~~الحضارة.» # وبينا هذه الضجة المسخرة تصم الآذان في المشرق والمغرب، ومؤامرات الاغتيال تدبر لقتل ~~الزعيم وخاصته من جراء هذه التهم والشبهات؛ كان الرجل يبدأ كل مناقشة بينه وبين سفراء ~~الروس بالتنبيه إلى المبدأ المرعي في كل اتفاق، وهو استقلال الصين وصيانة حقوق السيادة ~~لها على أرضها، والتفرقة بين الصداقة السياسية والدعوة الشيوعية، ثم لا يكتفي بالتفاهم ~~على هذا المبدأ في المناقشات الخاصة فيطلب من السفراء أن يرجعوا إلى حكومتهم لإقراره في ~~بيان عام يذاع على الملأ بتوقيع الطرفين. # وصدر هذا البيان في السادس والعشرين من شهر يناير سنة 1923 وفي مطلعه: «إن الدكتور سن ~~يرى أن أحوال الصين لا تسمح بتطبيق النظام الشيوعي أو نظام المجالس السوڤيتية، وأن مسيو ~~جوف يقره كل الإقرار على هذا الرأي، ويضيف إليه أن قضية الصين التي هي أولى من كل قضية ~~بالاهتمام والتعجيل هي استكمال وحدتها واستقلالها ...» # ويلي ذلك كلام عن قواعد الاتفاق على مسائل السكك الحديدية، ثم وعد قاطع بأن الحكومة ~~الروسية لا تعمل على استقلال جزء من أجزاء الصين، وإشارة خاصة إلى أقاليم منغوليا وما ~~جاورها. ~~••• # والسياسة العملية التي توخاها الزعيم بهذا البيان هي إغراء الدول بهذه ms094 القدوة، وجلاء ~~الحقيقة عن موقفه من الدعوة الشيوعية، ودرء المخاوف الباطلة داخلا وخارجا من نيات ~~الحكومة الوطنية أو حكومة الثورة كما كانوا يسمونها. ولخص علاقاته الدولية بكلمتين: ~~كلمة عن علاقته بالروس وهي «صداقة روسية ولا شيوعية» وكلمة عن علاقته بالدول الغربية ~~وهي «عصرية ولا غربية» أو تجديد ولا تغريب # Modernisation and no Westernisation # وتجمعها في كلمة واحدة: وهي المحافظة على كيان ~~الصين، ويريد بذلك كيانها الروحي فلا تفرط في ميراثها العريق من أجل الحضارة الحديثة، ~~وكيانها السياسي فلا تشوبه دعاوى الدول ولا تقيده المعاهدات الجائرة. # وفي يوم المؤتمر العام الذي دعا إليه أعضاء حزبه بعد إعلان خطته نحو الدول دخل عليه ~~كبار أعوانه في حجرته، قبل انعقاد المؤتمر، فرأوه مستغرقا في خريطة كبيرة يمثل عليها ~~رسما بيانيا لسياسة الأحزاب والجماعات ... وكان هذا الرسم هو صورة دائرة كبيرة يدور ~~محيطها على حلقات صغيرة، كتب على بعضها كلمات الاشتراكية والديمقراطية والشيوعية ورأس ~~المال والماركسية، وترك بعضها بغير كتابة، فسألهم: ماذا تريدون أن تكتبوا في هذه ~~الحلقات؟ اكتبوا ما تشاءون من الأزمات # Ismisms ~~؛ أي من ~~عناوين المذاهب التي تنتهي في اللغات الإفرنجية بهذه الحروف، ولا يهم ما تكتبون ما دامت ~~هذه الدائرة الكبرى محيطة بجميع الحلقات، وهي دائرة الوطنية الشاملة. # وعلم كل من يعامله من الوطنيين والأجانب أن المحافظة على كيان الصين هي القاعدة ~~الراسخة التي لا هوادة فيها. # سعى إليه السفراء الرسميون وغير الرسميين من قبل الدول يزينون له الاستقلال بما في ~~حوزته، ويعدونه أن تعترف الدول باستقلاله على أثر اعترافه بحكومة بكين، فلم يعن بالجواب ~~على هذه المساومة، أو كان جوابه عليها مطالبة الدول بالكف عن التعرض لشئون الصين ~~الداخلية سواء كانت خاصة بحكومة الشمال أو حكومة الجنوب. # وطالب الدول بالتخلي عن الجمارك في كانتون فلم تحفل بطلبه، وظنته «لجاجة شرقية» تبتدئ ~~وتنتهي بالكلام. فاحتل الجمارك وأخذ في تحصيل الرسوم على البضائع الواردة، فلم يكد ~~المندوبون الدوليون يصدقون أعينهم وهددوا بالمحاصرة واتبعوا التهديد بتسيير السفن ~~الحربية وإنزال الجنود فيها، ونزلت الجنود ms095 فعلا فأنذرهم في اليوم الذي نزلت فيه إلى ~~البر ليزيدن الرسوم الجمركية أو ترجع إلى مراكبها، واضطرت الدول إلى تغطية هذه المظاهرة ~~والتفاهم على شروط جديدة لتحصيل الرسوم ونظام الاستيراد. # وأحست حكومة الشمال أنها تفقد «شعبيا» كلما كسبت «دوليا» من مجاراة المطامع ~~الأجنبية، وأنها لا تأمن على وجودها طويلا إن لم تصطنع مجاراة الأمة مع مجاراة الدول ~~الكبرى، فأصدرت (في سنة 1923) دستورا عصريا مستمدا من الدستور الفرنسي وبعض ~~الدساتير الأوروبية الحديثة، وتخيرت فيه أرقى النظريات النيابية عسى أن تتقرب به إلى ~~طوائف المجددين من أبناء الشمال وأبناء الجنوب، فلم يلبث هذا الدستور أن طوي قبل نشره ~~وتطبيقه، لقيامه على أساس ينكره سن ياتسن ويعتبره مناقضا لقاعدة المحافظة على كيان ~~الصين، وذاك هو أساس الحكومات الفدرالية، وظاهرها حسن مطابق للنظام الأمريكي الذي ~~ارتضاه جمهرة من الناشئين المتخرجين من الجامعات الأمريكية، وباطنها سيئ يرمي إلى ~~المساومة بين حكام بكين وحكام الولايات الطامعين في الاستقلال باسم الوحدة ~~الفدرالية. # وقد رأى القراء فيما تقدم وسيرون فيما يلي أن سن ياتسن كان شديد الحذر من هذه القدوة ~~الخاطئة، فإن الفدرالية كانت صلة الاتحاد بين الولايات الأمريكية المتفرقة، أما ~~الفدرالية في الصين فهي تفريق للأمة المتحدة بين أصحاب المطامع والخوارج ~~المتمردين. # ولم تملك حكومة الشمال أن تتجاهل نفوذ سن ياتسن بعد هذه المحاولات التي أحبطها جميعا ~~باعتراضه عليها، واتهامه للأغراض المبيتة من ورائها، فتوسلت إليه تدعوه إلى زيارة بكين ~~للتفاهم على قواعد الوحدة، وكانت هذه الدعوات تأتيه من قبل فيرفضها لضعف مركزه في ~~الجنوب وخوف أنصاره في بكين من الظهور بتأييده، فاعتقد أنها فخاخ تنصب لاغتياله أو ~~اعتقاله واسترهانه لمساومة أعوانه الجنوبيين على التسليم، فلم يستجب لتلك الدعوات ~~واكتفى بشرح آرائه ومطالبه في المسائل المعروضة عليه. # أما هذه الدعوة فقد جاءته والقوة في جانبه والرأي العام في بكين نفسها يناصره ويشيد ~~بذكره، وحكومة بكين مهددة مستضعفة بين المتمردين عليها والمتربصين بها من رعاياها، ~~فاستجاب لها وأرسل قبل سفره إلى بكين طائفة من المقترحات وبيانا بالهيئات التي ms096 تدعى ~~إلى الجمعية الوطنية لتمثيل الأمة برمتها، واشترط أن يشهد تلك الجمعية مندوبون عن ~~الجامعات ومعاهد الصناعة وغرف التجارة ولجان الفلاحين والعمال، وسائر الطوائف من جميع ~~الطبقات. # ثم أزمع السفر فبلغه في الطريق أن حكومة بكين رفضت مطالبه ومقترحاته، فلم يشأ أن يعود ~~أدراجه، وواصل المسير إلى عاصمة الشمال، فوصل إليها في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر ~~(سنة 1924) وأراد أن يواجه حكومتها بما يلزمها الحجة ويرد عليها دعواها التي تعودت أن ~~ترميه بها، كلما أبى أن يقرها على سياستها. # إلا أنه لم يكد ينزل بالعاصمة حتى تراكمت عليه متاعب السفر ومتاعب المرض الذي كان ~~يعاوده ولا يجد متسعا من الوقت لعلاجه، فانتقل إلى المستشفى وأجمع الأطباء على التعجيل ~~بإجراء العملية الجراحية، وظنوا أنه يشكو خراجا في الكبد فظهر أنه سرطان مزمن لا أمل ~~في شفائه ولا جدوى من علاجه، ولم تخف الحقيقة على الطبيب المريض فقضى أيامه الباقية في ~~بيت صغير يلقى فيه أصحابه وزواره ولا يشغله عن الاستعداد للموت إلا أن يملي على خلفائه ~~وصايا العمل من بعده، وهو يعلم وهم يعلمون أنها أيام معدودات يفارقهم بعدها الفراق ~~الأخير. ~~••• # مات سن ياتسن في الثاني عشر من شهر مارس (سنة 1925) وآخر كلمة في وصيته أن تنعقد ~~الجمعية الوطنية لتوحيد الأمة وإلغاء المعاهدات الجائرة وتبادل الصداقة مع الأمم التي ~~تعامل الصين على سنة المساواة. # الأحزاب والتلاميذ # أقسى المصائب ما يصيب الإنسان أو الشعب في كبريائه، وهو كذلك أنفعها له وأفعلها في ~~تنبيهه لعيوبه وإيقاظه من غفلته، وقد كانت هزيمة الصين في حربها مع اليابان (سنة 1895) ~~إحدى هذه المصائب النافعة، فأخذت تتساءل عن علة هزيمتها وعوامل القوة التي أتاحت ~~لجارتها المحتقرة أن تنتصر عليها، فاتفقت آراء المفكرين فيها على تعليل ذلك بنظام الحكم ~~وضرورة العمل بالأنظمة العصرية التي أخذت اليابان بنصيب منها. # وشرع الإمبراطور الناشئ في اقتباس النظم النيابية بمشورة نصحائه، وصدرت مراسيمه ~~الأولى (سنة 1898) ببعض التعديلات الدستورية تمهيدا لاتباعها بغيرها، واستعد ولاة ~~الأمر للسير المتدرج على هذا المنهج لولا المرأة المشئومة ms097 التي كانت تسيطر على البلاط ~~في ذلك الحين، واسمها - لسخرية القدر - تزوهسي أي «الأمومة السعيدة»! # فهذه المرأة المشئومة تطيرت من حركة الإصلاح فأحكمت دسائسها داخل القصر وخارجه ~~لانتزاع السلطان كله من يدي الإمبراطور الناشئ، وخيل إليها أن هذه الحركة الدستورية ~~ألاعيب أطفال وأنها تعرف الأساليب التي تطرد بها الأوروبيين من مملكة ابن السماء ، فكان ~~تدبيرها لفتنة الملاكمين إحدى هذه الأساليب، وشاء القدر على غير قصد منها أن تضرب العهد ~~القديم كله بيديها، فارتدت اللكمات إلى صدرها، كما قال المستهزئون، وما أكثرهم في أيام ~~المحن والأزمات. # وولد أول حزب سياسي على أثر الحركة الرجعية التي تعقبت حركة الإصلاح الدستوري ~~بالإلغاء واضطهاد القائمين بها داخل البلاط ودواوين الحكومة، فأنشأ سن ياتسن جماعة ~~«هسنج شنج هوي»؛ أي جماعة تجديد الصين بمقاطعة بكاو التابعة للبرتغال، وكان ذلك سنة ~~1892 بعد حركة الإصلاح الأولى بنحو أربع سنوات. # ووسع هذه الجماعة سنة 1905 أيام مقامه في اليابان وبعد طوافه في أوروبة فسماها جماعة ~~«شنج كوتنج منج هوي»؛ أي جماعة الأخوة الصينية، ولم يجعل لها رئيسا، بل جعل لها مكتب ~~إدارة يتولى العمل فيه باسم «تسنجلي»؛ أي المدير العام، وتتشعب فروعه في الصين وبين ~~الجاليات الصينية حيث وجدت في البلاد الأجنبية. # واتبعت هذه الجماعة نظام الجماعات السرية إلى ما بعد إعلان الجمهورية، فحولها إلى حزب ~~علني باسم الكومنتانج؛ أي حزب الوطن، وضم إليها جماعات أخرى كانت تعرف باسم الحزب ~~الديمقراطي المتحد وحزب التقدم الشعبي وحزب التقدم الديمقراطي وحزب الشعب العام، وهي ~~أحزاب كانت تدعو إلى الإصلاح الدستوري ولا تستلزم إسقاط الأسرة المالكة، فاتفقت مقاصدها ~~ومقاصد سن ياتسن بعد إعلان الجمهورية، وانتخبته للرئاسة بإجماع الآراء، فقبل الرئاسة ~~مؤقتا ثم تنحى عنها كعادته لصديقه (سنج شياو جن) وهو من أقطاب الدعوة الجمهورية ~~وحراسها الأمناء. # وبعد نزول سن ياتسن عن رئاسة الجمهورية للقائد يوان شي كاي عمل هذا على مقاومة ~~الكومنتانج؛ بفصل بعض الأحزاب منه وتأليف حزب يسمى «شنبتانج»؛ أي حزب التقدم، فتألف هذا ~~الحزب الجديد ممن يسمون بالحزب الجمهوري ms098 والحزب الديمقراطي وحزب الاتحاد، وذهب رئيس ~~الكومنتانج «سنج شياو جن» ضحية لهذه المكيدة، فقتله أعوان يوان في العشرين من شهر مارس ~~سنة 1913، ولم تكد تمضي سنة على قيام الجمهورية. # ورأى سن ياتسن أن الحزب يحتاج إلى تأليف جديد بعد خروج من خرج منه، وتسلل الطابور ~~الخامس إليه من سماسرة يوان وأمثاله، فأعاد تأليفه في طوكيو بعد سنة من مقتل رئيسه، ~~وعاد إلى إدارته باسم «تسنجلي»؛ أي المدير العام، ثم انتقل مركز إدارته من طوكيو إلى ~~شنغهاي بعد وفاة يوان شي كاي، وكان أعضاء هذا الحزب موقدي الثورة في كل مكان يوم نادى ~~يوان بنفسه إمبراطورا على عرش أبناء السماء، فلم تهدأ الثورة في ديرين وشنغهاي وهونان ~~وشكيانج ويونان وكويشو وكوانجزي وكوانجستنج وشنسي إلا بعد نزول يوان عن عرشه، وتلك هي ~~الأقاليم التي عرفت بانتصارها لدعوة سن ياتسن من أوائل أيام الجماعة السرية. # وفي سنة 1921 انتخب سن ياتسن رئيسا لحكومة كانتون المؤقتة، ثم نجمت الفتنة التي ~~دبرها أحد القواد الخونة بدسيسة من حكومة بكين وسماسرة الدول الأجنبية، فعاد سن ياتسن ~~إلى تنظيم حزبه وتأليفه من جديد سنة 1924، وتيسر له هذه المرة أن يوجه الحزب إلى أعمال ~~غير أعمال التنظيم الحزبي، فأنشأ جامعة «كوانج تنج» العلمية وجامعة هوامبو العسكرية ~~ومدارس متفرقة ثانوية وابتدائية، وفتح لجان الحزب للطلبة والصناع على نظام يناسبهم، ~~ويكفل للحزب أن يمثل أبناء الصين كافة من جميع الطبقات والأعمار. # وتحقيقا لوجهته الكبرى التي تتلخص في المحافظة على كيان الصين تقبل اشتراك الشيوعيين ~~في مؤتمرات الكومنتانج بصفتهم الشخصية، مع التفاهم بين الجميع على اختلاف أحوال الصين ~~وحاجتها إلى ضروب من الإصلاح الاجتماعي غير التي يدين بها الشيوعيون في روسيا، وأولها ~~إحلال التعاون القومي محل التنازع بين الطبقات وتغليب إحداها على المجتمع كائنة ما كانت ~~منزلتها فيه. # والظاهر من تاريخ الدعوة الشيوعية في حياة الزعيم أن رؤساء الدعوة كانوا يعتقدون ~~حقا أن الصين لم تستعد في تلك الآونة على الأقل لتطبيق النظام الشيوعي، وعمدتهم في ~~هذا التقدير أن الصناعة لم ms099 تتطور وأن عمال الزراعة لا توحدهم جامعة ثورية، وقد روي عن ~~ستالين إلى سنة 1945 أنه كان يقول: إن الحركة الشيوعية عامل غير خطير في سياسة الصين، ~~ووجد زعيم الشيوعية الصينية (ماوتسي تنج) عناء شديدا في إقناع أصحاب النظريات داخلا ~~وخارجا بسوء تقديرهم لعوامل الثورة بين الفلاحين من أهل الصين على الخصوص. # وأيا ما كان الباعث على قرار التفاهم بين الكومنتانج والحزب الشيوعي في حياة سن ~~ياتسن فقد كان الفريقان يرعيان حق الأستاذية لأبي الصين، ويفهم من يسمعهم يذكرون ~~«الأستاذ» ولا يزيدون أنهم يقصدونه دون غيره بهذا اللقب الذي خصوه به كما خصوه بلقب ~~«الأب» الكبير. # وبقيت للرجل مكانته المرعية بعد وفاته بأكثر من ثلاثين سنة، فمن خالفه منهم لا يتهمه ~~ولا يعيبه، وإنما يعالج تفسير كلامه على الوجه الموافق لرأيه، أو يعلل مخالفته إياه ~~بمضي الزمن وتبدل الحال، ويقول: إن «الأستاذ» كان خليقا أن يرى رأيه ويعمل عمله لو كان ~~بقيد الحياة. # برامج الإصلاح # قالت الكاتبة الصينية إميلي هاهن في كتابها عن أخوات سونج # The Soong Sisters ~~: «إن سن ياتسن فصل في أيامه الأخيرة برامجه فبقيت بعده ~~توراة لقومه، وإنها كما ينبغي لكل توراة صالحة أن «تزود» كل من شاء بالأفكار التي يرجع ~~إليها، وتتنوع التنوع الكافي للاستشهاد بها على المذاهب المتقابلة، فالدكتور سن ياتسن ~~يستشهد به اليوم على لسان كل أحد في الصين: على لسان شيان كاي شيك ووانج شنج وي، بل على ~~ألسنة اليابانيين، فهم جميعا يغوصون في مبادئ الأمة الثلاثة ليخرجوا منها بالفكرة ~~الملائمة.» # وأصابت الكاتبة البارعة، فإن وصايا سن ياتسن لهي في بابها توراة سياسية صينية بكل ما ~~للتوراة من الخصائص في هذا الباب، فقد تحتدم المعركة الحامية لتقديم كلمة منها أو ~~تأخيرها تأييدا لهذا الحزب أو تفنيدا لغيره، وهي كما قالت ترد على كل لسان حتى ألسنة ~~اليابانيين. # وذلك حظ من القداسة لم يرزقه غير القليل من القدماء. # وليس هذا الحظ مقصورا على أقوال الزعيم في أيامه الأخيرة، فإن أقواله في بروسل - وهو ~~دون ms100 الأربعين - قد أضيفت إلى مراجعه الأخيرة، فأصبحت مبادئ الشعب الثلاثة (سان مين ~~شوآي) ومبادئ الدستور الخماسي (ووشوان هسين فا) أسفارا معتمدة من تلك التوراة الصينية، ~~ولحقت بها من التعليقات مجلدات تتلوها مجلدات بغير انقطاع. # إن هذا الرجل الطموح كانت له غايته التي تتقاصر دونها الهمم منذ خطوته الأولى، فقد ~~كان يناهز السادسة والعشرين يوم عقد العزيمة على «تجديد الصين» ولم يقصر جهده على إسقاط ~~الأسرة المالكة أو تغيير أداة الحكم أو إعلان الجمهورية، فما كان شيء من ذلك في نظره ~~إلا وسيلة إلى الغاية العظمى التي تهون في سبيلها الوسائل، بل تهون الغايات. # ومن مقاصده البعيدة ما لعله أجل شأنا من تجديد بلاده من الوجهة الاجتماعية أو ~~السياسية، فإنه أراد أن يجدد «النفس» الصينية في إهابها العتيق، فطفق في سنواته الأخيرة ~~يبدأ ويعيد حول معنى الفهم والعمل، ويؤكد حكمته العزيزة عليه، وهي الحكمة التي لخصناها ~~بالكلمة الأولى من هذا الكتاب، وفحواها بمختلف العبارات وفي مختلف المعارض أن الفهم هو ~~العسير، أما العمل فلا عسر فيه، وهذا ما أفاض في شرحه وسماه تدعيم النفس الصينية، فلم ~~يكن يغنيه أن يتجدد بناء الصين دون بناء النفس الصينية على قوام جديد. # وفي أيامه الأخيرة ألف كتابه عن «تنمية» الصين بين الدول، وبسط فيه وجوه الإصلاح ~~وجها وجها على أوسع ما استطاع من الإسهاب، ولم يقصد به أن يضعه على الأثر موضع ~~التنفيذ العاجل، ولكنه علم أن تعمير البلاد - ولا سيما البلاد التي تشبه الصين اتساعا ~~وازدحاما - عمل متداخل متشابك لا يرتجل قطعة بعد قطعة، ولن يفلح في هذا العمل من يبدؤه ~~وهو لا ينظر عند ابتدائه إلى منتهاه، فبسط وجوه الإصلاح والتعمير ليحسب العاملون حسابها ~~خطوة بعد خطوة، ومرحلة وراء مرحلة، وهذه الخطة العملية هي التي سماها خصومه حلما من ~~أحلام الخيال. # ومن خصومه هؤلاء من هم خصوم فكرة أو خصوم مزاج لا يضمرون له العداء ولكنهم لا يطيقون ~~أن يجروا معه في أشواط الحماسة الروحية، ومنهم من كتب إليه حين اطلع على ms101 مشروعاته يقدر ~~له ملايين الأموال التي تتطلبها وعشرات السنين التي تستغرقها، كأنما هو قد بسط تلك ~~المشروعات ليضرب عليها بعصا الساحر فيفتحها له «سمسم» تامة عامة في طرفة عين. # وقيل عن هذه المشروعات كثيرا إنها مرتجلة متعجلة، ولكنها على التحقيق لم تكن وليدة ~~عام ولا بضعة أعوام، بل لازمه درسها وتقليبها على جوانبها أكثر من عشرين سنة، ومات وهو ~~ينقح برامجه التي استهل بها حياته السياسية، ويرتب المراحل التي تتدرج عليها إلى ~~منتهاها، مع تذكيره القراء والمستمعين أنها قابلة للتنقيح المتعاقب أثناء ~~الطريق. # مات وهو يقول ويعمل لتثبيت مبادئه الثلاثة: الديمقراطية والسيادة الشعبية ورخاء ~~المعيشة أو الاشتراكية. # ولم يخطئ التقدير إلا حين خطر له أن الصين قادرة على البدء بتطبيق تلك المبادئ عقب ~~إعلان الجمهورية، فانقضى أكثر من عشر سنوات والجمهورية تبتلى بمحنة بعد محنة، والبدء ~~بالتطبيق يتأخر سنة بعد سنة، فلم يزل برنامجه إلى أخريات أيامه محتاجا إلى أدواره ~~الثلاثة: دور التوطيد ودور التوجيه ودور الحكومة الدستورية. # فمنذ أعلن في بروسل مبادئه الثلاثة قرر لمريديه أن بلادا تتسع اتساع الصين لن تستغني ~~عن القوة لتوطيد أمنها واستقرار أمورها عقب إعلان الجمهورية، ثم يتوجه بها خدامها أو ~~زعماؤها إلى وجهتها القويمة مع إيمانهم بسيادة الشعب وصدورهم عن هذا الإيمان في أعمال ~~التشريع والإدارة، ثم تستفيد كل ولاية من تجاربها المحلية وتجتهد اجتهادها لتوثيق ~~علاقتها بالحكومة المركزية، وساوره الرجاء أن تتم المرحلتان الأوليان بعد ثماني سنوات، ~~ولم يحلم برؤية النتيجة أيام حياته، ولكنه لم يستبعد أن يفارق الحياة وهو مطمئن إلى ~~نتيجة مرضية يشهدها الجيل الذي يليه. # وفي الباب التالي الذي نفرده لاقتباس أقواله زبدة من آرائه ومشروعاته نختارها من كتبه ~~وندع لصاحب الترجمة أن يترجم لنفسه بقلمه ولسانه، فإن سن ياتسن لم يكن زعيم سياسة ولا ~~رئيس حكومة وحسب، وإنما كان قبل ذلك وبعد ذلك صاحب مدرسة اجتماعية ودعوة فكرية، ومن كان ~~كذلك فهو ذو حق في توضيح آرائه وتوضيح منحاة في الفهم والعمل. # وذلك ما نتركه له في الباب ms102 التالي، متبعين فيه ترتيب «الأهمية» غالبا وترتيب التاريخ ~~ما تيسر، وهما على الجملة متقاربان؛ لأنه - كما قدمنا - قد أخر الابتداء بالعمل من فترة ~~إلى فترة، فلم يتباعد الشوط بين الابتداء والختام. # | من أقواله # (1) ذكريات من كتاب «مذكرات صيني ثائر» # منذ سنة 1885 - أي من عهد الهزيمة في حربنا مع فرنسا - وضعت نصب عيني خلع أسرة تاي ~~تسنج وتأسيس حكومة جمهورية على أنقاضها، وابتدأت باختيار الكلية التي أدرس فيها لنشر ~~دعوتي، ناظرا إلى صناعة الطب كأنها العمة الرءوم التي تقود إلى طريق السياسة ~~العامة. # ومضت عشر سنوات كيوم واحد، وكنت في كلية كانتون الطبية قد صادقت شن شي ليانج الذي كان ~~على اتصال واسع بمعارف كثيرين لهم علم حسن ببلاد الصين، فلما فاتحته في شأن الثورة ~~وأمثلتها العليا وجدت منه موافقة وصارحني باستعداده للاشتراك في الحزب الذي يعمل لها ~~على شريطة أن أتولى أنا قيادته، ونمى إلي بعد سنة في كلية كانتون الطبية أن مدرسة ~~طبية إنجليزية ذات برنامج أوسع من برنامج مدرسة كانتون قد افتتحت في هونج كونج، فذهبت ~~إليها يستهويني خاطر العمل على نشر الدعوة في نطاق أوسع مع إتمام تعليمي، وقضيت أربع ~~سنوات عاكفا على نشر الدعوة طوال الوقت الذي أفرغ فيه من دروسي، متنقلا ما بين هونج ~~كونج وأموي، ولم يكن لي يومئذ أعوان غير ثلاثة مقيمين في هونج كونج هم: شن شاوبو ويو ~~شاو شي ويانج هولين، ورجل واحد مقيم بشنغهاي هو لوكو تنج، واجتنبني الآخرون؛ لأنني ثائر ~~متمرد كاجتنابهم من يخافون من عدوى الطاعون. # وكنت مع أصحابي شن ويو ويانج نعيش معا في هونج كونج ولا نكف عن حديث الثورة، وتشبثت ~~أفكارنا بموضوعات الثورة في الصين، فعكفنا على قراءة تواريخ الثورات وأصبحنا ولا سرور ~~لنا في غير التحدث بهذه الموضوعات. ومضت سنوات عرفنا خلالها بين أصحابها باسم الأوغاد ~~الكبار المتلازمين، وكانت بالنسبة إلي فترة مباحثة وتدريب. # وحصرت عنايتي بعد التخرج من المدرسة بمكانين هما أموي ويانج شن لمزاولة الطب ظاهرا ~~ونشر الدعوة الثورية في الواقع، ms103 وكان شن شي ليانج في الوقت نفسه يجمع الأعضاء للحزب، ثم ~~خرجت أنا ولوكو تنج إلى الشمال قاصدين بكين وتينتسن لنروز قوة الأسرة المالكة، ثم قصدنا ~~إلى وشانج كي نتفقد الأحوال هناك. # وسنحت لنا فرصة حسنة سنة 1894 فقصدنا إلى الفيليبين لتأسيس جماعة تجديد الصين على أمل ~~الارتباط بالجالية الصينية، ونلقى المساعدة منها، وغاب عنا أن الوقت لم ينضج للثورة فلم ~~تسفر دعوتنا في الفيليبين إلا عن عشرة استجابوا لها بعاطفتهم لم يقبل منهم غير اثنين ~~أخوين أن يضطلعا بشيء من التضحية في سبيل القضية العامة. # حدث هذا والجيوش الإمبراطورية تنهزم في معركة بعد أخرى، وهيبة المانشو تتضاءل بعد ~~ضياع كورية ولا يخامرنا الشك في انحلال أسرة المانشو وتداعيها، وقد كتب إلينا زميلنا ~~بشنغهاي سن يويه لو يلح علينا وجوب العودة، فعدت أنا وتن ين نان وثلاثة من الزعماء إلى ~~موطننا على نية تنظيم الثورة بكانتون والاستيلاء عليها. # وكانت جماعتنا في هونج كونج وفرع منها في يانج شن، وكان في الجماعة تن ين يان ويانج ~~تسوي ين وهون ين شان وشن شاوبو وآخرون يدأبون على التحريض، وكان لوكو تنج وشن شي ليانج ~~في فرع يان شي مدربين من أمريكا وبعض القادة، وجعلت أنا أتردد بين كانتون وهونج كونج، ~~وكانت مهمتنا وقتئذ محدودة واضحة الخطوط والاستعداد تجري على قدم وساق، وقد اجتمعت لنا ~~قوة لا بأس بها وفي استطاعتها بضربة واحدة أن تحدث حدثا ذا بال. # إلا أن السلطات، في ذلك الوقت، كانت قد علمت بأمر تهريب السلاح إلى الداخل (خمسمائة ~~مسدس) وقضت على عضو من أمثل زملائنا بالموت وهو لوكو تنج، فكان ذلك أول ضحية لنا على ~~مذبح الثورة الصينية، وحدث في الوقت نفسه ضبط تسي هسي وشو جوي والقضاء عليهما بالموت، ~~وضبط نحو سبعين آخرين من بينهم الأميرال سن كوي جوان. # وحلت بنا أول هزيمة ثورية في اعتقادي تاسع سبتمبر سنة 1895، وكنت لا أزال بكانتون بعد ~~هذه الهزيمة بثلاثة أيام، ولكني اضطررت إلى اللياذ بهونج كونج بعدها بعشرة أيام ms104 من ~~الطرق الجانبية، ثم برحتها إلى اليابان مع زملائي شن شي ليانج وشن شاربو قاصدين النزول ~~بمدينة يكهاما، وقصصت ضفيرتي واتخذت الملابس الأوروبية؛ لأن موعد عودتنا إلى الصين غير ~~معروف، ثم برحت اليابان إلى الفيليبين وقفل زميلي شن شي ليانج إلى الصين كي يعيد الأمور ~~إلى ما كانت عليه قبل هزيمتنا، وبقي شن شاو بو باليابان لدرس الأحوال السياسية، وكنت قد ~~اتصلت يومئذ بسوني وميازاكي من الجمعية اليابانية، فكان هذا بدء الاتصال بين الثوريين ~~الصينيين واليابانيين. # وأخذت بعد وصولي إلى الفيليبين أضم الزملاء إلى حركة تجديد الصين ... ولكن زملاءنا ~~أنفسهم لم يكتموا يأسهم بعدما حل بنا من الهزيمة، وتنكر غيرهم لمبادئنا، وأعوزتنا ~~العوامل التي تساعد على تطور النزعة الثورية فتراخى العمل فيها بعض حين، ولم أجد من ~~البواعث ما يستبقيني بالفيليبين، فاعتزمت السفر إلى أمريكا لربط العلاقات بيننا وبين ~~المهاجرين من أبناء وطننا هناك. # وصادفني في أمريكا جو أمعن في الهجوم من جو الفيليبين، وقطعت القارة من سان فرنسسكو ~~إلى نيويورك، وتريثت أياما خلال الطريق لا تزيد في مكان على عشرة أيام، وطفقت حيث نزلت ~~أنادي بإسقاط أسرة المانشو لإنقاذ الصين من الدمار، وأهيب بكل صيني أن يسهم في بناء ~~وطنه على أساس ديمقراطي جديد. # ولم يكن مقامي بأمريكا ذا بال في تقدم الثورة الصينية، ولكنه على هذا أثار الخوف ~~والتوجس عند الحكومة الإمبراطورية، فما وضعت قدمي بلندن حتى الفيتني في براثن السفارة ~~الصينية، ولم ينقذني من خطر الموت غير أستاذي الدكتور جيمس جنتلي. # فلما نجوت من لندن قصدت أوروبة لدراسة نظمها السياسية، والتعرف إلى هيئات المعارضة ~~والمقاومة، وفي أوروبة علمت أن الدول الأوروبية على نجاحها في أسباب القوة ومبادئ الحكم ~~القومي لم تنجح في توفير أسباب السعادة والرضا لرعاياها، ولهذا اتجهت مساعي الثوريين ~~الأوروبيين إلى الثورة الاجتماعية، ونبتت عندي فكرة الجمع في وقت واحد بين حل مشكلات ~~الاقتصاد والاستقلال والحرية الشعبية، ومن هنا كانت نشأة ال «سان مين شو آي» أو ~~الديمقراطية القائمة على دعائمها الثلاث. # إن الثورة هي ms105 رسالتي الكبرى في الحياة، فاعتزمت التعجيل بإنهاء عملي في القارة ~~الأوروبية حرصا على الوقت اللازم لتحقيق الثورة أن يضيع سدى. وأقلعت إلى اليابان ~~معتقدا أننا نستطيع على مقربة من الصين أن نواصل جهودنا الثورية، فلقيني في يكهاما ~~اثنان من زعماء الحزب القومي اليابانيين، ثم التقينا بعد ذلك في طوكيو أصدقاء قدماء ~~وتناولنا البحث فيما له علاقة بالصين على أتم ما يكون من الصراحة، واتفق في ذلك الحين ~~أن الحزب القومي تولى الوزارة واختير أكوما وزيرا للخارجية، فقدمت إليه وإلى الساسة ~~اليابانيين الآخرين، وكان ذلك بدء اتصالنا بالدوائر اليابانية الحاكمة، ثم التقيت ~~بسوزيما وغيره من ممثلي المعارضة اليابانية. # وكان المهاجرون الصينيون باليابان يبلغون عشرة آلاف، يسودهم جو فتور وخمود وتفزعهم ~~خواطر الثورة شأنهم في ذلك شأن المهاجرين إلى الأقطار الأخرى، وجاهد زملاؤنا بينهم ~~سنوات فكان قصارى ما صنعوه أنهم ضموا نحو مائة إلى حركة الثورة وهم نحو واحد في المائة ~~من جملة المهاجرين. # وإذا كانت مهمة الدعوة الثورية بين المهاجرين على هذه الحال من العسر وقلة الشكر، فقد ~~كانت الدعوة أعسر من ذلك وأقل شكرا بين الصينيين في صميم بلادهم، فمن لم تصدهم فكرة ~~خلع المانشو وانضموا إلينا كانت مداركهم قاصرة وكانت الأواصر بينهم واهية ولم يكن لهم ~~يقين متين بشيء من الأشياء، وغاية نفعهم أنهم وسيلة سلبية لا يعتمد عليهم بحال من ~~الأحوال في العمل الجدي لأغراض الثورة. # مضى من سنة 1895، أي من عهد هزيمتنا الأولى، إلى سنة 1900 خمس سنوات كانت كلها فترة ~~مشقة وعناء للحركة الثورية الصينية، وانهار ما بنيناه خلال عشر سنوات سواء نظرنا إليه ~~من وجهة أعمالنا الفردية أو وجهة الدعوة العامة، ولم تفلح الدعوة الخارجية إلا قليلا، ~~وحدث كذلك أن المنظمات الملكية نمت ونشطت خلال هذه الفترة، وأوشكت آمالنا أن تتقوض لولا ~~وفاء زملائنا الذين طردوا اليأس عن نفوسهم ونظروا إلى المستقبل قدما في ثقة ~~وشجاعة. # أرسلت شن شاو بو إلى هونج كونج لإصدار صحيفة تنشر الأفكار الثورية، وبعثت بلي كيانج ~~جو إلى مقاطعة شكيانج ms106 لتنظيم القوات فيها، ووضعت التعليمات لشن شي ليانج ليشخص إلى هونج ~~كونج وينشئ فيها مكتبا يتولى تجنيد أعضاء جدد للحزب، ولم يلبث جماعة تجديد الصين أن ~~اندمجوا في هيئة واحدة مع المنظمات التي تأسست في إقليم كوانتنج وغيرها من أقاليم وادي ~~اليانجزي. # واتفق كذلك أن ظهرت في ذلك الحين جماعة الملاكمين «البوكسر» بإيحاء من أسرة المانشو، ~~فأنفذت ثماني دول جنودها إلى الصين وباشروا حملاتهم العسكرية، وقررت ألا تضيع الفرص ~~السانحة، فأمرت شن شي ليانج بمغادرة هونج كونج إلى هوشو لتنظيم حركة عصيان فيها، وأنفذت ~~لي كيانج جو إلى يانشن للغرض نفسه، وذهبت أنا إلى هونج كونج مع بعض الضباط ~~الأجانب. # بينما كان هذا الاستعداد يجري مجراه قاصدا أن أصل بحرا إلى موطني للإشراف بنفسي على ~~قوات الأمة الموثوق بها، وتنظيم جيش مدرب ينقذ الصين من مصيرها إلى الخراب، ولكني لم ~~ألبث أن فوجئت بوغد يعترضني ويغري السلطات بتفتيشي وحجزي عن النزول، فلم يتسن لي المضي ~~في خطتي الأولى وعهدت بالتبعة كلها إلى شن شي ليانج في هوشو، وأرسلت إليه ريانج تسويا ~~وين لي تسي وشن شاوبو وغيرهم لمساعدته. وعدت إلى اليابان ثم ذهبت منها إلى فرموزا على ~~نية الاحتيال على دخول الصين، وكان حاكم فرموزا يومئذ (قدامة) ممن يعطفون عطفا شديدا ~~على الفكرة الثورية لاعتقاده أن الفوضى شائعة في ذلك الحين بين بلاد الشمال، فعهد إلى ~~أحد أعوانه في مفاوضتي ووعد في حالة وقوع الاضطراب الخطير أن يمدني بالمعونة. # ووسعت خطتنا الأولى بزيادة الضباط الخبراء؛ إذ كان حزبنا إلى تلك اللحظة قليل الأعضاء ~~من الخبراء العسكريين ذوي الفكرة السياسية، ثم أمرت شن شي ليانج في الوقت نفسه بالعدول ~~عن الخطة الأولى التي كان من مقتضاها البدء بالهجوم على المدينة الكبرى بالإقليم، ~~والتمكن من المواقع البحرية بدلا من ذلك وتركيز قواتنا هناك ثم البدء بعد ذلك بالهجوم. ~~وبادر شن شي ليانج بتنفيذ تعليماتي وأغار بفرقة أكثرها من الفلاحين على جنود ~~الإمبراطورية بسنيانج وشن شوان، وجردها من سلاحها ثم هجم على لونجان ms107 وتانشوي يانهو ~~وغيرهما موفقا، حيث كان مما جعل جنود الإمبراطورية تتشتت كلما اقتربت منها طلائعه، ~~ونجح بعد ذلك في احتلال المواقع البحرية من سنيانج إلى هوشو وانتظر هنالك وصولي مع ~~أعواننا ووصول المدد من السلاح والذخيرة. # ولكن حدث على غرة بعد ابتداء حركتنا بعشرة أيام تغيير في الحكومة اليابانية، واتخذ ~~رئيس الوزارة خطة نحو الصين على نقيض الخطة التي سار عليها سلفه، وحال دون كل اتصال بين ~~حاكم فرموزا والثوار الصينيين، كما منع تصدير السلاح والإذن للضباط اليابانيين باللحاق ~~بجنود الثورة، وقد أخل هذا الطارئ بجميع خططي فأنفذت يامادا وبعض الزملاء إلى معسكر شن ~~شي ليانج لإبلاغه ما حدث كي يتصرف على حسب الظروف، فوصلوا إلى معسكره بعد ثلاثين يوما ~~من بدء الحركة، وكان هنالك جيش من عشرة آلاف قد تجمع وانتظر في لهفة ما يرد إليه من ~~السلاح وكبار الضباط، فلما علموا برسالة يامادا قرروا حل الجيش وعاد شن شي ليانج إلى ~~هونج كونج مع مئات من الزملاء، وضل يامادا طريقه فوقع في أيدي جنود الإمبراطورية وأعدم ~~فكان أول أجنبي فقد حياته ضحية للثورة الصينية. # وبينما كان شن شي ليانج في وقدة القتال حاول لي كيانج جو في كانتون أن يساعده بغير ~~جدوى، فقرر أن يلقي بقذيفة على مكتب حاكم مقاطعتي كوان فلم تنفجر وقبض عليه وأعدم، ~~فكان البطل الثاني من الضحايا الذين هلكوا على مذبح الثورة. # وكانت قصة سنة 1900 هي الهزيمة الثانية للحركة الثورية، بيد أن الشعب الصيني غير ~~موقفه منا بعد الهزيمة تغييرا عظيما، فقد كانوا بعد الهزيمة الأولى ينظرون إلينا ~~نظرتهم إلى شرذمة من المشاغبين وقطاع الطريق يقترفون ما لا يجوز، وكانوا يهيلون علينا ~~اللعنات والشتائم ويحسبوننا من الأفاعي السامة ويعزفون عن معرفتنا، فلما أصبنا بالهزيمة ~~سنة 1900 لم تنقطع أصوات اللعنة الأولى عن الصياح بنا كما كانت تصيح من قبل، ولكننا ~~وجدنا أناسا كثيرين من الأذكياء يأسفون لإخفاقنا ويعربون عن عطفهم على حركتنا، وذلك ~~ولا ريب فارق عظيم عند المقابلة بينه وبين الحالة فيما ms108 مضى، وزملاؤنا الذين أحسوه قد ~~خامرهم الفرح بهذه العلامة من علامات اليقظة في البلاد، وخدمت ضجة الأسرة المالكة حين ~~دخلت جنود الدول الثمان إلى بكين ظافرة، ولاذ وكلاء القصر الإمبراطوري بأذيال الفرار ~~وأذعنوا بعد الهدنة لشروط الغرامة وقدرها مائة مليون، وازدادت حالة الأمة الصينية سوءا ~~على سوء ولم تزل نذر الخطر تغشاها على الدوام، وأجمع أذكياء الصين على أنها تنزلق ~~وشيكا إلى الخراب فجاشت من ذلك الحين موجة جديدة من الثورة والهياج. # وكانت الأقاليم جميعا في ذلك الحين قد دأبت على إرسال الطلبة منها إلى اليابان لتلقي ~~العلوم الحديثة بمدارسها، ووفد على اليابان من هؤلاء الطلبة زرافات من ذوي الرءوس ~~الفتية النيرة، فأقبلوا توا على التزود من خواطر الثورة واشتركوا في الحركة الثورية، ~~وكانت مناقشاتهم وآراؤهم كلها تدور على مسائل الثورة، وقد ألقى لو شن يوي خطابا فعالا ~~على اجتماعهم الذي عقدوه لمناسبة رأس السنة وضح فيه ضرورة الثورة لخلع أسرة المانشو، ~~ففصلته الجامعة تلبية لطلب السفير الإمبراطوري بطوكيو، وراح طلاب آخرون ... ينشرون الصحف ~~لترويج الخواطر الثورية. # وشقت هذه الدعوة بين الطلاب طريقها إلى الصين، فلجأ شانج تي يانج ووويوهوي وشوشانج من ~~طلاب شنغهاي إلى استخدام الصحف المسيحية لبث الدعوة الثورية، فاحتجت السلطات ~~الإمبراطورية على تصرفهم ونجم من احتجاجها اعتقالهم في المنطقة الأجنبية، فاحتال أحدهم ~~على الهرب وتلت ذلك أول قضية من نوعها: وهي شكوى الحكومة الصينية أحد رعاياها أمام ~~محكمة أجنبية، فصدر الحكم بسجن شو شانج سنتين. # اشتدت الحركة خلال ذلك فرحب المهاجرون بكتاب شو شانج عن جيش الثورة الذي أنحى فيه أشد ~~الإنحاء على الأسرة المالكة، وكان له أثر ضخم بين الصينيين والمهاجرين، وأحسب أن هذه ~~الفترة كانت فاتحة عهد التطور الواسع في الحركة الثورية، فانضوى المهاجرون شيئا فشيئا ~~إلى جانب الثورة وتلقفوا دعوة الطلبة والنهضة العامة في البلاد، وأعربوا لي عن مؤازرتهم ~~حيثما التقيت بهم في طوافي باليابان. # وفي سنة 1905 وصلت إلى أوروبة مرة أخرى، ووجدت معظم الطلبة مؤيدين لقضية الثورة، ~~وكانوا قد وصلوا إلى أوروبة ms109 حديثا من اليابان والصين فملكتهم فكرة الثورة وتقدموا من ~~المناقشة فيها إلى توجيه أعمالها، فأبرزت يومئذ برنامجي الذي ضمنته بث الديمقراطية على ~~مبادئها الثلاثة وتفصيل الدستور الخماسي عسى أن نتمكن من خلق نظام ثوري على هذا الأساس، ~~وانعقد اجتماعنا الأول بمدينة بروسل فانضوى إلى رابطتنا ثلاثون عضوا ثم انضوى إليها ~~عشرون في الاجتماع الثاني ببرلين، وكان الاجتماع الثالث بباريس حيث انضوى إلينا عشرة ~~آخرون، ولكننا لم نعقد اجتماعنا الرابع بطوكيو حتى بلغ المنضوون إلينا عدة مئات، وكانت ~~الصين كلها ممثلة في رابطتنا ما عدا كانسوه التي لم يكن منها أحد يطلب العلم بمدارس ~~اليابان. # على أن كلمة الثورة لم تزل مرهوبة إلى ذلك الحين، فاكتفينا بإطلاق اسم الرابطة ~~المتحدة على رابطتنا واحتفظت بهذا الاسم بعد ذلك بزمن غير قصير. # واعتقدت بعد قيام هذه الرابطة أن طورا جديدا من أطوار الثورة في مستهله، فقبل ذلك ~~ما تجشمت المصاعب وتعرضت للزراية والسخرية، ومنيت بالهزيمة غير مرة فصبرت وتقدمت، ولا ~~أخفي أنني لم أكن أحلم يومئذ ببلوغ المقصود من خلع أسرة المانشو وأنا بقيد الحياة، فلما ~~تألفت الرابطة خريف سنة 1905 داخلني الرجاء في إنجاز المقصد الأكبر من الثورة خلال ~~حياتي، واعتزمت إذن أن أعلن شعار الجمهورية وأبشر به جميع أعضاء الحزب كي يرجع كل منهم ~~إلى بلده وهو على أهبة الثورة تمهيدا لإقامة الجمهورية. # ولم تكد تمضي سنة واحدة حتى ارتفع عدد أعضاء الرابطة إلى عشرة آلاف، وتشعبت فروعها ~~على وجه التقريب في كل إقليم، فانطلقت الحركة في طريقها بخطوات فساح، وجاوز تطورها ما ~~كنت أتوقع. # وكنا منذ تأسيس الرابطة قد أصدرنا الصحف التي تذيع خواطر الثورة في أوسع مجال وتنادي ~~بالديمقراطية على مبادئها الثلاثة # 1 # واتجاهها نحو الدستور الخماسي، وطافت ~~بالصين موجة ثورية ارتفعت إلى الذروة عندما بدأنا في إصدار الصحف، وانضم إلينا في هذه ~~المرحلة أبطال من أمثال هسوسي لن وسن يين تسي وتسو تسن وغيرهم. # وبدأت ثورة بنلي مستقلة سنة 1907 معتمدة على قواتها؛ إذ كان جيشها قد جند ms110 من أعضاء ~~فرع الرابطة المتحدة فيها، وبينما كان هذا الجيش يصطدم بالجيش الإمبراطوري في حرب ~~الحياة والموت كان أعضاء الرابطة بطوكيو يحاصرون مكتبنا ويلحون في طلب السفر إلى ~~الميدان، ومنهم من بكى كالأطفال حين تعذر عليه السفر. # وقد وصلت إلينا أنباء ثورة بنلي متأخرة لسوء الحظ فلم نستطع تدبير العدة الملائمة، ~~فخسرنا المعركة ووقع لو تاويي ونين تياوبي ويوان هن يين وغيرهم من الزملاء في أيدي جنود ~~الإمبراطورية، فحكم على بعضهم بالموت وعلى آخرين بالسجن، وكانت هذه هي «المعمودية» ~~الأولى للرابطة في ميدان القتال، وأمكننا أن نعتقد بعد هذه المعركة أن الدعوة الثورية ~~استولت على البلاد في مجال من السعة والقوة لم يسبق له نظير، ولم يكن في وسع أعضاء ~~الرابطة بطوكيو أن ينظروا إلى هذه الحال قانعين بالفرجة والسكوت، فالتمست الحكومة ~~الإمبراطورية من حكومة اليابان أن تخرجهم من بلادها، فخرجت من اليابان ومعي هان ين ~~وشينج وي ميممين شطر أنام لتنظيم فرعنا بهانوي وإعلان عصيان آخر، وثرنا في شاوشو ~~وانهزمت جنود هوان كان فابتلينا ثم بالهزيمة الثالثة. # ثم نشبت ثورة في مركزي ليان وشيان من جراء الإضراب عن أداء الضريبة وأرسلت الحكومة ~~الإمبراطورية أربعة آلاف جندي بقيادة كوجين شانج لقمع الفتنة، فأمرت هوانج كاي تسيانج ~~وهويي شين بالذهاب إلى معسكراتهم وإقناعها بتأييد الثوار، فوعد كلاهما بالانضمام إلى ~~الثورة إذا نهضت بها قوة جدية. # ولم نكن قبل تأليف الرابطة نتلقى من المعونة المالية غير القليل، وأكثر المتبرعين من ~~تربطهم بي صلات شخصية، ولم يجسر غيرهم على التبرع، فلما تألفت الرابطة أخذت الإعانات ~~تتوارد علينا من الخارج. وأذكر ممن أعانونا يومئذ شانج تسين سيانج الذي باع مصنعه ~~بباريس وأعطانا ستين أو سبعين ألف ريال، وأذكر منهم هوانج تسين نان من أنام وقد أعطانا ~~جميع مدخراته التي تبلغ بضعة آلاف ريال، وأذكر منهم كذلك بعض أثرياء أنام أمثال لي شو ~~فونج وتسنج هسي شو وماي بي شن الذين تبرعوا بنحو عشرة آلاف ريال. # ولم يسعني بعد الهزائم المتوالية في قتالنا مع جيوش ms111 الإمبراطورية أن أبقى مطلق الحرية ~~في اليابان أو هونج كونج أو أنام أو أي مكان على مقربة من الصين، وكاد العمل على مقربة ~~من وطني أن يصبح إحدى المستحيلات، فعهدت بالقيادة إلى الزميلين هوانج كاي سيانج وهوهان ~~مين ومضيت في جولة حول العالم لجمع التبرعات. # وعلى أثر ذلك أنشأ هوانج سيانج وهو هان مين لجنة رئيسية بهونج كونج للإشراف على شئون ~~الجنوب، واجتمعوا مع شاوبو سيانج وني يانج شين وشوشي سين فأضرموا الثورة معتمدين على ~~الفرق العسكرية الحديثة التدريب، وكانت فكرة هذه الثورة سديدة فارتفعت راية العصيان سنة ~~1910. # وبرحت أمريكا إلى الشرق خلال هذه الفترة، فعلمت بالثورة عند وصولي إلى سان فرنسيسكو، ~~وأقلعت على الأثر قاصدا إلى الفيليبين ثم اليابان للعودة من ثم إلى الصين، ولكن ~~الجواسيس عرفوني بيكاهاما فتعذر علي المقام بها ويممت الجنوب حيث اعتزمت الاجتماع ~~بهوانج كي سيانج وهوهان مين للتشاور في خطط المستقبل، وكانت الكآبة ترين على الزملاء ~~حينئذ بعد توالي الهزيمة وخسارة المواقع الصالحة واضطرار كثير من الزملاء إلى الفرار ~~والمهاجرة، وأعوزتنا القدرة على إعادة الكرة من جديد. # ألفيت الزملاء على حالة سيئة من التشاؤم، وانطلقت منهم آهات الأسف والأسى عندما هممنا ~~بالبحث فيما ينبغي أن نصنع، وانحرف بعضهم عن بعض بنظره، وانفردت بالكلام فذكرتهم أن ~~هزائمنا الماضية كانت أفدح وأصعب من هزائمنا الأخيرة، وأن عدتنا اليوم قد تكون قليلة، ~~ولكن موجة السخط تعلو وتتسع يوما بعد يوم وتشتد معها الروح المعنوية بين أبناء الأمة، ~~فإذا عقدنا عزائمنا على الخطة التي أرسمها فإنني كفيل بتدبير المورد اللازم ... قالوا: ~~إذا كنا لا نصيب حاجتنا للنفقة على أنفسنا، فكيف ترانا نصيب الموارد اللازمة للمضي ~~بالثورة؟ # فأكدت مرة أخرى أنني سأجد المورد اللازم. عندئذ قال الزميل پو: إننا إذا اعتزمنا ~~حقا أن نعيد الكرة وجب علينا أن نبعث بأحد الزملاء مزودا ببضعة آلاف ريال إلى إقليم ~~زشوان لتثبيت الإخوان هناك وصرفهم عن نية التفرق، وحل الجماعة، وبهذا دون غيره يحق لنا ~~أن نأمل في تأليف لجنة جديدة واستئناف ms112 الصراع. قال الزميل پو: وعلينا حتما أن نرجع إلى ~~هونج كونج لمعاودة البحث وأن نمد زشوان توا بخمسة آلاف ريال، فإذا انتوينا المثابرة ~~على الكفاح كان لزاما علينا أن نحصل على عدة آلاف من الريالات. # فأرسلت في طلب المهاجرين الصينيين الذين يشعرون مثل شعورنا، وأسفر الاجتماع عن التبرع ~~بثمانية آلاف ريال، والاتفاق على إيفاد الرسل إلى الأقاليم والجهات المختلفة لجمع ما ~~نحتاج إليه، فاجتمع لنا خلال أيام مبلغ يتراوح بين ستين ألف وسبعين ألف ريال. # فوضعنا خطة العمل، وبدأت أنا فسافرت إلى المنطقة الهولندية فلم يؤذن لي بالنزول ولا ~~بالذهاب من ثم إلى المنطقة الإنجليزية، فلم يبق لي معدى أن أحول وجهتي إلى أوروبة أو ~~أمريكا، فقصدت أمريكا وجعلت انتقل خلالها من ركن إلى ركن؛ أثير حمية المهاجرين الصينيين ~~وأحضهم على المساعدة بالمال لتأدية قضية الثورة، فلقيت أفواجا كثيرين من المؤيدين ~~أثناء هذه الرحلة. # وكانت الثورة قد نشبت في ودشانج عند وصولي إلى كولومبيا، وقبل ذلك بعشرة أيام تلقيت ~~برقية من هوان كاي سيانج بهونج كونج لم أفسرها؛ لأن الجفر كان في حقيبتي، ولم أعرف ~~فحواها إلا بعد نزولي بإحدى المدن من ولاية كولمبيا، فعلمت منها أن تسوي شن وصل إلى ~~هونج كونج وأبلغهم أن المدد المالي مطلوب عاجلا لإمداد حركة الجنود الحديثة التدريب، ~~وإذ كنت ساعتها لا أملك مالا خطر لي أن أبرق إليهم بإرجاء الحركة، ولكن الليل أدركني ~~وأثقلني تعب الرحلة فأجلت الإبراق إليهم حتى الصباح عسى أن ينفسح الوقت مع ذلك لتقليب ~~المسألة على جميع الوجوه. # وبكرت لتناول طعام الإفطار فلم أكد أصل إلى المطعم حتى رأيت ثمة صحيفة صباحية فتحتها ~~فإذا هي تروي بلسان البرق خبرا عن استيلاء جنود الثورة على ووشانج، فبادرت بالإبراق ~~إلى هوان كاي سيانج موضحا له سبب سكوتي، وكان من الميسور أن أصل إلى شنغهاي بعد عشرين ~~يوما للمشاركة في الثورة؛ لولا أن الجبهة الدبلوماسية كانت في تلك اللحظة أهم حتى من ~~النشاط العسكري، فصممت العزم على متابعة المسائل الدبلوماسية وألا أعود ms113 إلى الوطن حتى ~~نستقر من هذه المسائل على قرار. # كان الموقف السياسي يومئذ كما يلي: أمريكا أعلنت فيما يتعلق بالصين سياسة الباب ~~المفتوح والمحافظة على سيادتها، ولكنها لم تتخذ موقفا محدودا من ناحية الثورة، إلا أن ~~الرأي العام الأمريكي كان مؤازرا لحركتنا. # أما الموقف من جانب الحكومة الفرنسية والشعب الفرنسي فهو موقف عطف على الحركة. # أما في إنجلترا فقد كان الشعب معنا وكانت الحكومة تعارض الثورة، ووضح لنا أن ألمانيا ~~وروسيا كانتا تناصران أسرة تاي تسنج، والعلاقة بين ثوارنا وشعبهما واهية لا تتيح لنا أن ~~نستعين بهما على توجيه سياسة الحكومتين. وبقيت اليابان القريبة منا وبين خير أبنائها ~~أناس ناصرونا وبذلوا حياتهم فدى لقضية الثورة، إلا أن سياسة الحكومة اليابانية لم تكن ~~جلية، وقد نرى قياسا على الماضي أنها تسلك منها مسألة المعارضة، فقد نفتني مرة وحظرت ~~نزولي إلى أرضها مرة أخرى. # وابتداء من سنة 1900 تقرر ألا تعمل دولة من الدول على انفراد في شئون الصين، وكان عدد ~~الدول التي تهتم بالصين ستا في ذلك الحين، اثنتان منها - وهما أمريكا وفرنسا - إلى ~~جانب الثورة، واثنتان - وهما ألمانيا وروسيا - تعارضانها، ولم تعين إنجلترا سياستها، ~~ولكن الشعب الإنجليزي أبدى دلائل العطف عليها، وأيدها شعور الأمة اليابانية مع جنوح ~~الحكومة اليابانية إلى معارضتها. # وكذلك كانت مسألة المسلك الدولي مسألة مهمة في حساب الثورة الصينية، وأهمه عندنا ~~حينئذ مسلك إنجلترا؛ لأننا قدرنا أنها إذا سلكت قبل الثورة مسلكا لم تلبث اليابان أن ~~تحذو حذوها، فانتويت من أجل هذا الشخوص إلى إنجلترا. # وبينا أنا في الطريق قرأت في الصحف خبرا فحواه أن الثورة نشبت بووشانج وأن سن ياتسن ~~سيتقلد رئاسة الجمهورية المنتظرة، فرأيت اجتناب الصحفيين؛ إذ بدا لي أن الإشاعات تسبق ~~الوقائع. # وتابعت السفر ومعي زميلي شوشو وين في رحلتنا الطويلة إلى البلاد الإنجليزية، وعلمت ~~عند بلوغي نيويورك أن الزملاء يهاجمون كانتون فأبرقت إلى الحاكم شانج ني أيس أنصح له ~~بتسليم المدينة اتقاء لسفك الدماء، وأمرت الزملاء أن يؤمنوه على حياته، وهو ما حدث ms114 بعد ~~ذلك. # وعمدت عقب نزولي بإنجلترا إلى مفاوضة الاتحاد المصرفي للدول الأربع لأحذره من إمداد ~~أسرة المانشو بالقروض، وكان الاتحاد قد رضي فعلا أن يقرضها مائة مليون بضمان سكة حديد ~~شوان هانج، ثم زاد القرض مائة مليون أخرى، ودفع قسط من أحد هذه القروض ولم تصدر الأسناد ~~في القروض الأخرى مع توقيع الاتفاق، وأردت وقف الأقساط من القرض الذي بدئ بدفعه ومنع ~~صدور الأسناد من القروض الأخرى، وتبينت أن هذه التسوية رهينة بمشيئة وزارة الخارجية ~~فأمرت مدير دار الصناعة (وي هاي وي) أن يفاوض الحكومة البريطانية على مسائل ثلاث أصررت ~~على تسويتها: «أولها» وقف جميع القروض الممنوحة لأسرة تاي شنج، والمسألة الثانية ثني ~~اليابان عن التدخل، والمسألة الثالثة إلغاء جميع الأوامر التي تحظر نزولي بالمناطق ~~البريطانية، كي يتيسر لي الوصول إلى الصين بغير مشقة. # فلما تلقيت الجواب المرضي عن هذه المسائل من الحكومة البريطانية تحولت إلى الاتحاد ~~المصرفي للحصول على قرض للحكومة الثورية، فجاءني الرد من مديره قائلا: # إنه لما كان الاتحاد قد وقف دفع القروض للأسرة المالكة فالاتحاد لا ينوي ألا ~~يمنح هذه القروض إلا حكومة ثابتة معترفا بها، ويرى الاتحاد في الظروف الحاضرة ~~أن ينفذ مندوبا معك يبدأ المفاوضات عند الاعتراف الرسمي بحكومتك. # كان هذا كل ما استطعته خلال مقامي بالبلاد الإنجليزية، فلما بلغت باريس لقيت أحزاب ~~المعارضة وتلقيت منها جميعا عبارات التأييد وبخاصة من الرئيس كليمنصو. # وبلغت شنغهاي بعد ثلاثين يوما من مبارحتي باريس، وكان مؤتمر الصلح بين الشمال ~~والجنوب منعقدا في ذلك الحين، ولكن دستور الجمهورية المنتظرة لم يتقرر بعد، وراحت ~~الصحف قبل اقترابي من شنغهاي تذيع أنني أعود إلى الوطن محتقبا المال الكثير لمساعدة ~~الثورة، ووجدتهم - زملائي ومندوبي الصحف الأجنبية والوطنية - يترقبون ذلك فأجبتهم عند ~~سؤالي أنني لم أحضر معي فلسا واحدا وأن كل ما أحضرته معي روح الثورة وأنه - إلى أن ~~يتحقق الهدف - لا وجه للكلام في مؤتمرات الصلح، فأقبل المندوبون من أرجاء الصين بعد هذا ~~التصريح على الأثر متقاطرين إلى مدينة نانكين، وانتخبت ms115 رئيسا للجمهورية ~~الصينية. # وتوليت عملي (سنة 1912) آمرا بإعلان الجمهورية الصينية وتنقيح التقويم القمري، ~~واعتبار تلك السنة أول سنة للجمهورية. # وكذلك انقضت ثلاثون سنة كاليوم الواحد، وبعد انقضائها فقط بلغت الهدف، هدف حياتي: وهو ~~إنشاء جمهورية الصين. ~~(2) من تاريخ الثورة بيان المؤتمر الوطني الأول سنة 1924 # بدأت فكرة الثورة بعد الحرب الصينية اليابانية، وبلغت أشدها سنة 1900 ونجحت سنة 1911 ~~حين سقطت الحكومة الملكية. # بيد أن الثورة لا تطرأ دفعة واحدة، فمنذ احتلت أسرة المانشو الصين جاشت النفوس بالسخط ~~زمنا طويلا، ثم افتتحت البلاد للتجارة الدولية فاندفع الاستعمار الأجنبي إليها كالسيل ~~الغاضب، وهبط بها الاستغلال المسلح والضغط الاقتصادي إلى مركز سياسي كمركز البلاد ~~المستعمرة، وضاع من ثم استقلالها، ولم تكن حكومة المانشو عاجزة عن صد الغارة الأجنبية، ~~بل كان من همها الإصرار على إذلال «العبيد» وكسب رضى الدول الأجنبية بهذه الخطة، فاتفق ~~الرأي بين فئة من جماعتنا بقيادة سن ياتسن على أن الأمل في تجديد بناء الصين عبث ضائع ~~ما لم تذهب حكومة المانشو، فنهضوا في الطليعة وحمدوا النضال حتى تحققت مهمة الخلاص من ~~سلطان المغير. # إلا أن مقاصد الثورة لا تقف عند هذه النهاية، وإنما وجب إسقاط المانشو للبدء بالعمل ~~المنشود، أو بعبارة أخرى أن إسقاط المانشو من الوجهة القومية خروج من ربقة قوم أجنبيين ~~للدخول في وحدة وطنية مؤلفة من أقوام الصين على قاعدة المساواة، وهو من الوجهة السياسية ~~خروج من نظام الدكتاتورية إلى نظام سيادة الأمة، ومن الوجهة الاقتصادية خروج من عهد ~~الصناعة البدائية بالأيدي إلى عهد الصناعة الكبرى صناعة الآلات الحديثة، وعلينا إذا ~~أردنا المضي في طريقنا أن نرتقي بالصين من درجة المستعمرة إلى درجة الأمة المستقلة التي ~~تحتل مكانها اللائق بها بين أمم العالم. # على أن وقائع هذه الأيام قد جاءت على خلاف ما توقعنا، ولئن قيل إن الثورة نجحت لقد ~~كان غاية ما حققته هو الخلاص من سلطان الأسرة الأجنبية، واضطرت بعد قليل إلى المساومة ~~والتفاهم من قوى الحكومة المطلقة، ومن جراء هذا التفاهم حبطت ms116 الثورة حبوطها الأول؛ لأنه ~~كان بمثابة التسليم غير المباشر للاستعمار. # كان ممثل السلطان المطلق لذلك العهد (يوان شي كاي) وكانت السلطة التي ملكها أول الأمر ~~لا تخرج على المألوف، ولم يشأ الزملاء أن يقمعوه رغبة صادقة منهم في اجتناب التمادي في ~~الحرب الأهلية، مع حاجتهم إلى حزب منظم يرسم غايته ويدرك رسالته، ولو كان حزب كهذا ~~موجودا لأمكنه أن يقابل مكيدة يوان شي كاي بما يردها عليه. # ولم يتحسن موقف الثورة بعد وفاته ؛ إذ كان العسكريون قد أقاموا أنفسهم من الشعب مقام ~~الجلادين من ضحاياهم، وتعذر الشروع في أي عمل سياسي على قاعدة السيادة القومية، ثم أحس ~~العسكريون عجزهم عن التفرد بالحكم فربطوا علاقاتهم بالدول الأجنبية، وكانت الحكومة التي ~~تسمى بالحكومة الجمهورية نفسها بين أصابع هؤلاء العسكريين، فسخروها في تمكين مراكزهم ~~بتمليق المستعمرين، وراح المستعمرون من جانبهم يسخرونهم لمآربهم، ويمدونهم بالقروض التي ~~تملي لهم في منازعاتهم وتتيح لهم الصيد في الماء العكر. وهذه الفوضى كان لها أثرها ~~الطبيعي فأخرت النهضة الصناعية فلم تقو على منافسة الصناعة الأجنبية في أسواقنا ~~الداخلية، وأفلس من جراء ذلك صغار التجار وانتشرت البطالة بين الصناع فتشردوا أو لحقوا ~~بعصابات السطو والإجرام، وعجز الفلاحون عن حرث أرضهم فباعوا محصولهم بأبخس الأثمان ~~لغلاء الحاجيات وثقل الضريبة. # أين المخرج إذن من هذه المآزق؟ إن الآراء تختلف ويعم اختلافها من يقيمون بيننا من ~~الغرباء. # فهناك «أولا» المدرسة الدستورية، وعندها أن متاعب الصين كلها راجعة إلى غياب ~~القانون، فإذا أمكن توحيد الأمة في ظل الدستور عولجت هذه الفوضى وتيسر دواؤها. # ولا يخفى أن نفاذ الدستور يتوقف على تأييد الأمة، وبغير هذا التأييد لا يجدي السواد ~~والبياض على الورق شيئا في ضمان الحقوق وحمايتها من عدوان العسكريين. # لقد كان لدينا دستور موقوت منذ السنة الأولى للجمهورية، فلم يحل دون فساد الحكم على ~~أيدي العسكريين والسياسيين، فالدستور ورقة مهملة ما دام هؤلاء موجودين، وقد تمكن ~~«تساوكون» من شراء منصب الرئاسة في ظل دستور أو خيال دستور، ولكنه لم يعمل إلا ما يناقض ms117 ~~الدستور. # فقبل الدستور ينبغي أن تكون الأمة قادرة على حمايته، ولا فائدة من وضع العربة أمام ~~الحصان، ونزيد على ذلك أن الدستور لا ينفع الأمة وهي مفككة الأوصال، ولو لم يكن ثمة من ~~يسيء استخدامه من العسكريين، فسوف يظل حروفا ميتة في هذه الحال. # وتأتي بعد مدرسة الدستوريين مدرسة الاتحاديين «الفدراليين» وعندها أن فوضى الصين ~~راجعة إلى الغلو في المركزية وجمع السلطة كلها بين أيدي حكام العاصمة، فمن المصلحة ~~توزيع هذه السلطة بين حكومات الأقاليم والولايات، فلا تقوى الحكومة المركزية على ارتكاب ~~الأخطاء متى آل الحكم إلى إقليم أو ولاية. # وينسى دعاة هذه المدرسة أن سلطان بكين لم تفوضه الأمة بنص من نصوص القانون، ولكن ~~القادة الكبار قد اغتصبوه لتوسيع سلطانهم المسلح، وكأنما يريد دعاة هذه المدرسة ~~باقتراحهم أن يستعدوا صغار القادة من حكام الأقاليم عن كبار القادة في العاصمة، ويبقى ~~هؤلاء القادة الكبار حيث هم ليضيفوا إلى جرائمهم الأولى جرائم جديدة، فأين وجه الصواب ~~في هذا الاقتراح. # إن النتيجة المحتومة هي قيام حكومات منعزلة في الأقاليم جنبا إلى جنب مع حكومة ~~القادة الكبار في العاصمة، تتوخى كل منها منافعها من حيث تتمزق الأمة وتضطرب، ولن يرجى ~~النظام ولا الحكم الذاتي في مثل هذه الحال. # ولا ريب أن الحكم الذاتي الصحيح هو الخير الأمثل الذي يطابق مصالح الأمة الصينية كما ~~يطابق آدابها الروحية، إلا أن هذا الحكم لا يستقر قبل تمام وحدة الأمة وألفتها، فلا ~~حرية للأقاليم والولايات حتى تتم الحرية للصين. # وثالث المدارس مدارس المؤتمرات التي تسمى بمؤتمرات السلام، ولا ريب أن شقاء الأمة ~~بطول الحرب الأهلية قد أوحى بهذه الفكرة إلى ذوي الرأي من الصينيين والأجانب على ~~السواء، فإذا صح أن السلام يأتي من هذه الطريق فليس أحب إلينا منها ولا أجمل. ولكن هذا ~~الاقتراح يبطل نفسه؛ لأن الحرب الأهلية هي جريرة المطامع التي تحيك في نفوس القادة، فهم ~~في تنازعهم عليها لا تتمهد بينهم سبيل للوفاق، وكل وفاق بينهم لا يراد به وجه الأمة، ~~ونتيجة هذه المؤتمرات ms118 لن تختلف من نتائج أمثالها في أوروبة؛ إذ تضيع مصالح الأمم الصغار ~~مرضاة للدول الكبار. # ورابع المدارس مدرسة تقترح أن يتولى الحكم أناس من زمرة التجار، فهل لنا أن نقول: إن ~~زمرة التجار تمثل الأمة؛ إذ كان القادة والسياسيون قد استحقوا بغضها؛ لأنهم لا ~~يمثلونها؟ إن الصواب هو أن تنظم الأمة حكومة تنوب عن أبناء الصين أجمعين ولا تنحصر ~~نيابتها في تمثيل مصالح التجار، وخليق بحكومة كهذه أن تستند إلى مشيئة الأمة بأسرها ولا ~~تلتمس العون من قوة خارجية. ~~(3) برنامج الثورة من خطابه في الاحتفال بمضي ثماني سنوات على ~~الجمهورية (سنة 1920) # أعتقد أن خلق الثورة ينبغي أن يجري على نهج التقدم العصري، وأن ننتفع فيه بتجارب ~~الأمم الأخرى، مجتنبين خطأها مهتدين بعوامل نجاحها؛ إذ لا سبيل إلى الأمل في تقويم خطط ~~الثورة بغير دراسة ناضجة لتجارب الثورات في الدول الأخرى بين الأقوام المختلفة. # وأمامي ثلاثة أدوار للثورة: أولها حكومة عسكرية، وثانيها تمهيد وتحضير وثالثها بناء ~~دستوري. # فالدور الأول يستغرق فترة الهدم ويقترح فيه استخدام الأحكام العرفية، ولا بد للجنود ~~الثائرة في أثنائه من تحطيم الدولة التي أقامتها أسرة «تاي تسنج» وطرد موظفيها المفسدين ~~واستئصال التقاليد الباليه والقضاء على الرق وتطهير البلاد من سم الأفيون وسائر سموم ~~الوهم والسحر والخرافة والتنجيم وإلغاء المكوس الداخلية بين الأقاليم الوطنية. # والدور الثاني - وهو دور التمهيد والتحضير - تشتمل مهمته على إنشاء الحكومة الذاتية ~~المحلية في الأقاليم وتيسير تضامن الأمة وجعل الأمة وحدة من حكومات محلية مقسمة إلى قرى ~~ومراكز. # وكل أمة خرج الأجنبي من بلادها وانتهى فيها الحكم العرفي فالواجب عليها أن تنشئ ~~دستورا يقرر لأبنائها حقوقهم وواجباتهم، كما يقرر حقوق الحكومة الثورية. # وإذا مضت فترة سنوات ثلاث كان على أفراد الأمة أن ينتخبوا سلطتها. # فإذا أفلحت الأمة في استئصال جذور الفساد كما تقدم ودان نصف الشعب بمبادئ الديمقراطية ~~الثلاثة والولاء للجمهورية، ففي وسع السلطة أن تحصي أبناء الوطن، وأن تقرر ضريبة البيوت ~~وتنظم الشرطة وتشرف على الصحة العامة ووسائل المواصلات وفاقا للأحكام ~~الدستورية. # ومتى ms119 انتخبت الأمة سلطتها وأصبحت وحدة مستقلة بحكمها حق لها أن تعول على النية الحسنة ~~من حكومة الثورة، وأن تعترف لها هذه الحكومة بجميع حقوقها الدستورية في ظل الدستور ~~الموقوت. # وإذا استقرت الأمور بعد ست سنوات في جانب البلاد كان على كل إقليم حاكم لنفسه أن يندب ~~عنه نائبا لتأليف الجمعية الوطنية العظمى، ومهمة هذه الجمعية أن تنشئ خمسة مجالس على ~~هدي دستور الهيئات الخمس لتنظيم عمل الحكومة: وهي الهيئة الإدارية والهيئة التشريعية ~~والهيئة القضائية، والهيئة الاختبارية، وهيئة الرقابة والإشراف العام. # وينتخب المواطنون بعد قيام الدستور بطريق الاقتراع العام رئيسا لإنشاء مجلس الإدارة ~~ونوابا لتكوين الجمعية التشريعية، أما المجالس الثلاثة الأخرى، فيعينها الرئيس ~~بالتعاون مع الجمعية التشريعية، وهذه المجالس جميعا لا تكون مسئولة أمام الرئيس بل ~~أمام الجمعية الوطنية، ولا تقبل استقالة أحد منها إلا بعد إدانته في الجمعية الوطنية ~~بناء على اتهام هيئة الرقابة والإشراف العام، أما أعضاء هيئة الرقابة والإشراف العام ~~فيعزلون بعد اتهامهم بقرار من الجمعية الوطنية. # وتشمل سلطات الجمعية الوطنية وواجباتها مباشرة الإشراف على تطبيق الدستور وتطهير ~~الأداة الحكومية من الموظفين غير الصالحين، وتنظر الهيئة الاختبارية في المؤهلات التي ~~ترشح صاحبها لعضوية الجمعية الوطنية والمجالس المختلفة. # وبعد إقرار الدستور وانتخاب الرئيس وانتخاب المجالس تسلم حكومة الثورة مقاليد السلطة ~~للرئيس، وتعتبر مرحلة التمهيد والتحضير منتهية منذ تلك اللحظة. # والمرحلة الثالثة أو الدور الثالث هو دور إتمام الثورة، وفيه تتحقق الحكومة ~~الدستورية، وفيه تبدأ حكومات الأقاليم الذاتية مباشرة حقوقها المدنية، ويتولى المواطنون ~~سلطة الراشدين في تدبير شئون بلادهم وحل مشكلاتها السياسية وعزل الموظفين ~~الحكوميين. # هذه هي الأدوار الدستورية، أو بعبارة أخرى هذه هي الفترة التي يتم فيها بناء الثورة، ~~وهذه هي الخطوط التي أوثرها وأزكيها. # وبعد فما هي مشكلات البناء الثوري أو بناء الثورة؟ # إن البناء الثوري هو بناء الطوارئ أو هو بعبارة أخرى بناء العجلة، ومن هنا وجب أن ~~ينظر إلى وسائل الدوام وأن ينهج على منهج العوامل الاجتماعية الطبيعية؛ إذ كان البناء ~~الذي توحي به دواعي الساعة ms120 غير كفيل في جميع الأحوال بموافقة مهام الثورة. # إن الثورة لها عملها الطارئ الذي تسقط به الملكية وتقضي على النظام الإمبراطوري، ~~ولكنها إلى جانب الهدم الطارئ لا بد لها من البناء الطارئ، وكلاهما كالقدمين أو ~~كالجناحين لا غنى لأحدهما عن الآخر، ومنذ الساعة التي أقيمت فيها الجمهورية قد جاوزنا ~~دور الهدم الطارئ، ولكننا لم ندخل في دور البناء الذي لا بد أن يلازمه، وهذا هو مصدر ~~جميع النكبات التي انصبت علينا: سلطان الموظفين العنيف ومنازعات الساسة وما إلى هذا ~~وذاك، ولم يكن للصينيين وسيلة لمنع ما حدث، ففي زمن الطوارئ لا غنى عن بناء الطوارئ، ~~ولا سبيل بغير هذا إلى تعويد الشعب أن يألف واجباته الجديدة، وإن ذلك لمهم إلى الغاية ~~من الأهمية في خطط الثورة. # ولقد مضت حتى الآن ثماني سنوات منذ إنشاء الجمهورية الصينية، وقد استفاد أعضاء الحزب ~~ذخيرة واسعة من التجربة والمعرفة، ولعلهم اليوم يذكرون دعوتي إلى تعليم الجماهير ~~وتدريبها ويفهمون مغزاها دون أن يعتبروها من «الطوبيات» أو المطامح التي لا تقبل ~~النفاذ. # لقد عاشت الصين آلاف السنين تحت نير العروش الرجعية، ودرج أهلها على احتمال الطغيان ~~والحرمان من السيادة، وها هي ذي قد أنشأت منذ فجر الثورة حكومتها الجمهورية الدستورية، ~~فعليها إذن أن تمر بدور من أدوار التدريب، وإلا تعذر عليها بلوغ غايتها. # إن أمتنا الصينية قد طال عليها عهد السيادة الملكية، وقد تركت (خلائق الرق) أثرا ~~عميقا في روحها لا يتأتى محوه قبل العبور بها في دور من أدوار التدريب، وعلى الصينيين ~~أن يعملوا كثيرا على تهذيب أنفسهم قبل إزالة هذه الأقذار المتجمعة من بقايا الماضي ~~والاشتراك في حياة الحرية والمساواة. # إن عصبة الثورة حين أخذت أول الأمر في تنظيم الثورة الصينية كان من همنا بداءة أن ~~ننشر آراءها بأسلوب الدعوة، وأن نجمع كل من صحت عزيمتهم على خدمة الأمة الصينية ~~وتعاهدوا على تحقيق الديمقراطية القائمة على مبادئها الثلاثة لبلوغ مقصدنا الشامل وهو ~~الجمهورية الصينية. # فهؤلاء الذين نقضوا ذلك العهد لا نحسبهم في زمرة الثوريين، ms121 ومنهم من ينظر إلى ذلك ~~العهد كأنه بعض المظاهر الرسمية، ولكن قوة الكومنتانج قد نمت نموا كبيرا وتوطد ~~نظامها؛ لأننا بالعهد الذي تعاهدنا عليه قد خلقنا للحزب قلبا واحدا، وإذا كان هذا شأن ~~الحزب فهو شأن يصدق كذلك على الدولة. # وكثيرا ما قيل عن الأمة الصينية: إنها كالرمل المتناثر هنا وهناك، فإذا نحن أردنا أن ~~نجمع هذه الملايين الأربعمائة من حبات الرمل لنخلق منها دولة متحدة قوية في اتحادها، ~~فليس في وسعنا أن نتخلى عن فكرة القسم، وهكذا يحدث في جميع بلدان الحضارة المتقدمة، ~~فإنهم يوجبون عند تغيير الجنسية أن يقسم المرء يمين الولاء والاحترام للدولة التي ينضوي ~~إليها، وأن يعرب عن اعترافه بدستورها والتزامه لكل ما يفرضه عليه من الواجبات ولا يحسب ~~في زمرة المواطنين قبل هذا القسم، بل يقضي حياته بين قومه ولا يزال معدودا بينهم من ~~الغرباء الذين حرمت عليهم حقوق الوطنية. # وعندي أن الموظفين وأعضاء المجالس لا يؤدون عملهم قبل أداء هذا القسم، ومن حق الحكومة ~~الجديدة حيث يتبدل نظام الحكم أن تطلب عهد الولاء من جميع المواطنين، وأن تعتبر من يرفض ~~أداءه عدوا يطرد من حظيرة الدولة. # على أن زملائي في الحزب حسبوا أن مسألة القسم مسألة ثانوية، ووصفوني من أجل هذا ~~بالنزعة النظرية، ولا أزال منذ إنشاء الحزب أصر على القسم، وأرى أن انقطاع مراسم اليمين ~~- أساس القانون - هو أحد الأسباب الكبرى التي جرت إلى خيبة البناء الثوري، ولو لم يهمل ~~زملائي كلماتي عقب تطور الجمهورية لتم في تكوين الدولة ما تم في تكوين الحزب، وكان على ~~كل موظف أن يقسم يمين الولاء للجمهورية وأن يؤيدها ويذود عن حقوق الأمة، ويعزز مواردها، ~~ولا يصح أن يستمتع بالحقوق القومية قبل ذلك بل يحسب من خدام أسرة «تاي تسنج» ~~وأعوانها. # وكل إساءة إلى الجمهورية يعاقب فاعلها بعد حلف اليمين بحكم القانون. # إن الدولة سفينة تجمع قلوب رعاياها، وليست سياسة الدولة إلا صورة لعوامل الأمة ~~النفسانية، فإن أردنا أن نجعل من رعايا الإمبراطور مواطنين مخلصين للجمهورية، فمن ms122 ~~الواجب أن نطالبهم بيمين الولاء. ولم يستطع الكومنتانج عند إقامة الحكومة الجمهورية أن ~~يحقق ذلك فكان من ثمة أن الحزب تجمعت له في دور الهدم ذخيرة هائلة من القوى الروحية ثم ~~فقدها بعد إقامة الجمهورية ولم تتيسر له مهمة البناية الثورية. # وتقع التبعة في خيبة الثورة الصينية على جميع المواطنين الصينيين ذوي الفهم والمعرفة ~~الذين لم يبذلوا دماءهم في صفوف الثورة الأولى، وليست هذه التبعة مقصورة على الذين ~~قاموا بالثورة وحدهم، فإن ذوي الفهم والمعرفة جميعا هم مدد الثورة الذين وجب عليهم أن ~~يخفوا لتأييد الطليعة من الثوار. # أبناء الصين! انهضوا نهضة قلب واحد حبا لوطنكم، وهبوا يدا واحدة لنبذ القديم وخلق ~~الجديد، ورددوا بالنية الصادقة يمين الولاء للجمهورية الذي أردده الآن. # أنا سن ياتسن، بنية صادقة خالصة أقسم لأنبذن من هذه اللحظة القديم وأبنين الجديد، وأن ~~أقاتل في سبيل استقلال الأمة وأصرف قوتي كلها إلى تمكين الجمهورية الصينية وتحقيق ~~الديمقراطية على مبادئها الثلاثة، وإنفاذ الدستور بهيئاته الخماسية لترقية الحكومة ~~الصالحة وتوفير سعادة الشعب وأمانه، وتوطيد دعائم الدولة باسم السلام في العالم ~~أجمع. ~~(4) الثوار من بيان عن الحل الصالح لمشكلة الصين (سنة 1904) # إن الصينيين الذين يجنحون إلى مبادئ الثورة ينقسمون على وجه التقريب إلى ثلاثة أقسام: # أولها: # وأكثرها عددا، أولئك الذين عجزوا عن تحصيل القوت من جراء مظالم ~~الموظفين واغتصاباتهم. # وثانيها: # أولئك الذين تثيرهم الكراهية القومية لأسرة المانشو. # وثالثها: # أولئك الذين يستوحون الأفكار النبيلة والأمثلة العليا. # وهذه الطوائف الثلاث تستطيع أن تبلغ الغاية المطلوبة بالتعاون بينها في وجهات مختلفة ~~وبالقوة والسرعة اللتين تنموان يوما بعد يوم. # ومن المحقق إذن أن سقوط حكومة المانشو إنما هو مسألة زمن، وتشبه أسرة المانشو في هذه ~~الحالة منزلا متداعيا سرى الوهن إلى أساسه جميعا، فهل في وسع أحد أن يمنع سقوط هذا ~~المنزل بأسناد توضع على خارج الجدران هنا وهناك؟ # لعل هذا التدعيم نفسه خليق أن يعجل بتقويضه. وقد بدا من تواريخ الأسر المالكة في ~~الصين أن أدوار حياتها كأدوار حياة الفرد بين المولد ms123 والنمو والنضج والشيخوخة والفناء، ~~وهذا الحكم التتري القائم اليوم قد أخذ في الهرم منذ أوائل القرن الماضي فهو يمضي إلى ~~فنائه على عجل، وأصبح واضحا جد الوضوح أن استبدال حكومة مستنيرة متقدمة بهذا الحكم ~~التتري أمر لا محيص عنه. # إن في الأمة كثيرا من الأكفاء المتعلمين قادرون على النهوض بحكومة جديدة، والبرامج ~~مهيأة لتحويل الحكومة التترية إلى جمهورية صينية، وهذه الجماهير من الشعب على استعداد ~~للترحيب بالنظام الجديد وعلى أمل في حالة أفضل من حالتهم ترفعهم من وهدة هذه المعيشة ~~المحزنة. # إن الصين اليوم مقبلة على حركة قوية عظيمة، وإن شرارة واحدة لكافية لإشعال النار في ~~الغابة الكثيفة وطرد التتر من بلادنا، وإن مهمتنا لعظيمة ولكنها ليست ~~بالمستحيلة. ~~(5) مبادئ الأمة الثلاثة، من خطاب في اللجنة التنفيذية لحزب ~~الكومنتانج (6 مارس 1921) # بلغت ثورتنا العاشرة، ولكننا لا نستطيع أن نزعم أننا بلغنا الهدف منها فمهمتنا لم ~~تتم، وعلينا أن نمضي قدما في كفاحنا. # إن حزبنا مختلف كل الاختلاف من أحزاب الصين الأخرى؛ إذ كان من تلك الأحزاب من عقد ~~النية على خلع أسرة تسنج وإقامة أسرة أخرى - وهي أسرة منج - في مكانها، وغني عن القول ~~أن مبادئ هذا الحزب مناقضة لمبادئنا، فإننا في السنوات العشر الأخيرة من عهد أسرة تسنج ~~ألفينا أنفسنا مكرهين على النزول بمدينة طوكيو، فقررنا يومئذ مبادئنا الثلاثة: وهي ~~القومية والديمقراطية والاشتراكية، وكانت السيطرة يومئذ لا تزال في أيدي المانشو ~~والثورة لا تزال عند مبدئها الأول وهو القومية، غير متمكنة من إقرار مبدأيها ~~الآخرين. # إن مبادئ الرئيس لنكولن تطابق مبادئي، فقد كان ينشد حكومة من الأمة تنتخبها الأمة ~~لخدمة الأمة، وهي مبادئ صورت غاية المسعى في عرف الأوروبيين والأمريكيين على السواء، ~~ومن السهل أن نجد كلمات مثلها لسياسة الصين، فقد ترجمتها بالقومية والديمقراطية ~~والاشتراكية، وأحسب أنها لا تعني شيئا غير هذا. # وأريد الآن أن أتكلم عن القومية: # فما هو المعنى الذي نريده بالقومية؟ لقد بقيت الأمة منذ قيام أسرة المانشو خانعة ~~لنيرها الثقيل أكثر من مائتي سنة، وها هي ms124 ذي أسرة المانشو قد ذهبت ولاح أن الأمة خليقة ~~أن تستمتع بحريتها الكاملة، فهل تستمتع الأمة الصينية اليوم بنعم الحرية الكاملة؟ كلا، ~~فما هي العلة؟ وما بال حزبنا لا يزال بعيدا من تحقيق غايته لم ينجز منها إلا ناحيتها ~~السلبية دون أن يتقدم شيئا في ناحيتها الإيجابية؟ # بعد خلع الأسرة وإنشاء النظام الجمهوري في الأقطار التي تسكنها القوميات الخمس - ~~ونعني بها الصينيين والمنشوريين والمغول والتتار وأهل التيبت - برزت لنا عناصر جمة من ~~أنصار الرجعية السياسية والدينية، وهنا تكمن جذور الشر كله. # فمن جهة العدد يأتي ترتيب هذه القوميات على هذا النسق، ملايين عدة من أهل التيبت، ~~وأقل من مليون من المغول، ونحو عشرة ملايين من التتار، وعدد ضئيل من المنشوريين، أما من ~~الوجهة السياسية فهم موزعون على النحو الآتي: فالمنشوريون يقيمون في دائرة نفوذ ~~اليابان، والمغول على حسب الأنباء الأخيرة يقيمون في دائرة نفوذ الروس، والتيبت غنيمة ~~بريطانيا العظمى، وهذه القوميات لا تملك من القوة ما يكفي لاعتمادها على نفسها في ~~دفاعها، ولكنها تستطيع أن تتحد مع الصين لتكوين دولة واحدة. # وفي الصين أربعمائة مليون، فإن عجزوا عن تكوين أمة واحدة متحدة فتلك مسبتهم، وفيها ~~عدا ذلك دليل على أننا لم نحقق مبدأنا الأول وأننا مضطرون إلى الكفاح طويلا لإتمام ~~عملنا على أوفاه، وإنما توطد الجمهورية المتحدة كي يتألف من جميع القوميات أمة واحدة ~~قوية، وعلى سبيل المثال أشير إلى أمة الولايات المتحدة الأمريكية التي تجتمع منه وحدة ~~متفقة وهي في الواقع تتألف من قوميات شتى، كالألمان والهولنديين والإنجليز والفرنسيين ... ~~إلخ، فالولايات المتحدة مثال للأمة المتحدة، وتكوين أمة كهذه مستطاع، ولا بد أن ~~نستطيعه. # أو خذوا مثالا آخر للأمة المتحدة من أقوام مختلفة بلاد سويسرة، فإنها تقع في قلب ~~القارة الأوروبية، على حدودها من أحد جوانبها فرنسا، وعلى الحدود الأخرى ألمانيا، وعلى ~~الجانب الثالث إيطاليا، وهم لا يتكلمون لغة واحدة ولكنهم مع هذا أمة واحدة، وإنما توحد ~~بينهم الثقافة الحكيمة والنظام السياسي الرشيد، فتجمع من هذه الأجناس المتفرقة أمة ~~متحدة ms125 متماسكة، ومصدر هذه القوة أن رعايا الجمهورية متساوون في حقوق الانتخاب المباشر، ~~وهي إذا نظرنا إليها من الوجهة الدولية أول أمة ساوت بين رعاياها في تلك الحقوق، وهذه ~~قدوة مثلى في الوطنية. # فلنفرض الآن أن قبائل الصين جميعا تمت وحدتها وخرجت منها أمة متماسكة، فليس هذا ~~كافيا لتحقيق الغاية المنشودة؛ إذ لا تزال ثمة شعوب تعاني الإجحاف في المعاملة، ومن ~~واجب أبناء الصين أن يتكلفوا برفع هذا الإجحاف وبسط يد المعونة إلى تلك الشعوب لضمها ~~إلى الراية الوطنية الشاملة، وجدير بالإنصاف أن نتيح لهم فرصة الشعور بمساواة الإنسان ~~للإنسان، وبالموقف العادل من الوجهة الدولية كما عبر عنه الرئيس ويلسون فيما سماه تقرير ~~المصير، وما لم نبلغ بأمتنا هذا المبلغ لا نعتبر مهمتنا منجزة. فكل من أراد الانتماء ~~إلى الصين وجب أن يحسب من صميم الصينيين، وذلك هو معنى الوطنية أو القومية، فهي القومية ~~الإيجابية وينبغي أن نؤكدها بهذا المعنى. # أما الديمقراطية، فقد ذكرت الساعة أن الديمقراطية قد استوفت طورها الأعلى في سويسرة، ~~إلا أنني أبادر فأقول: إن نظام التمثيل هناك لا يطابق الديمقراطية على أصحها، وإنما تصح ~~الديمقراطية بحق الفرد المباشر. وقد نشبت ثورات عدة في فرنسا وأمريكا وإنجلترا تولد ~~منها نظام التمثيل القائم بين تلك الأمم، ولكنه مع هذا لا يعني الحق المباشر على السواء ~~لجميع المواطنين كما نعنيه ونجاهد في سبيله، وإنما الجوهري من هذه الحقوق جميعا حق ~~الانتخاب لكل مواطن وحق العزل الذي يخول الشعب بعد انتخاب موظفيه أن ينحيهم عن العمل ~~حين يشاء، وحق الاستفتاء الذي يخول الشعب أن يرفض كل قانون تصدره الهيئة التشريعية ~~مخالفا لرغباته، وحق الاقتراح الذي يخوله أن يقدم إلى الهيئة التشريعية مسودات من ~~القوانين يستحسن إصدارها. # فهذه الحقوق الأساسية الأربعة هي قوام ما أسميه بالحق الانتخابي المباشر. # ونتناول الكلام على الاشتراكية أخيرا وهي فكرة عرفت بين الصينيين في الأزمنة ~~الأخيرة، ومعظم دعاتها يقصرون معرفتهم بها على بضع كلمات جوفاء لا تعبر عن برنامج ~~محدود، ولكنني قد انتهيت من دراستها إلى جوهرها ms126 وهو حل مشكلة الأرض ورأس المال. # ونلخص ما تقدم ونضيف إليه بعض التفصيل فنقول: إننا منذ خلع الأسرة المالكة لم ننجز من ~~مبدأ القومية غير جزء من عهودنا، فقد حققنا الجانب السلبي ولم نعمل شيئا من جانب ~~الإيجاب، وعلينا أن نرفع كرامة الأمة الصينية، ونؤلف بين جميع الشعوب التي تستوطن الصين ~~لتصبح في آسيا الشرقية أمة واحدة تسمى دولة الصين القومية. # ولإدراك هذه الغاية يلزمنا أولا أن نقرر الأصول الأربعة التي تدور عليها الحقوق ~~الانتخابية الأربعة: وهي الاقتراع العام، والاستفتاء، والاقتراح، والعزل. # أما الاشتراكية فبرنامجي لها ما يأتي: ~~«أولا» تقسيم الأرض على أساس النسبية. # وقد حاولت أيام مقامي بنانكنج؛ إذ كنت أتولى الرئاسة المؤقتة أن أنفذ هذا البرنامج ~~فلم أستطيع؛ لأنني لم أفهم. # إن المشكلات الاجتماعية تنشأ من التفاوت بين الغني والفقير، فماذا نعني بالتفاوت أو ~~قلة المساواة؟ # لقد كان الفارق موجودا بين الغني والفقير في الأزمنة الغابرة، ولكنه لم يكن فارقا ~~حاسما كما نراه اليوم؛ إذ يملك الغني الأرض كلها ولا يبقى للفقير حتى القليل منها، ~~وعلة هذا التفاوت اختلاف أساليب الإنتاج، فقد كان قاطع الخشب مثلا يستخدم الفئوس ~~والمدى وما إليها، ولكن المكنات تحل محل هذه الأدوات في العصر الحاضر ويستطاع الحصول ~~على محصول كبير بعمل بدني قليل. # ولنضرب مثلا آخر من أعمال الزراعة، ففي الأزمنة الغابرة كان المعول كله في هذا ~~المجال على الجهود الإنسانية، ثم نشأت المحاريث التي تجرها الخيل والبقر فزادت سرعة ~~العمل وقلت الجهود البدنية، ثم استخدمت القوى الآلية اليوم في أوروبة وأمريكا فأصبح من ~~المستطاع حرث ألف فدان وزيادة في اليوم الواحد وأمكن الاستغناء عن الخيل والبقر، فنجم ~~من هذه الحالة فارق هائل يعبر عنه بنسبة ألف إلى واحد، فإذا انتقلنا من هذه الأمثلة إلى ~~وسائل المواصلات رأينا أن الوسائل الحديثة كالبواخر والسكك الحديدية قد جعلت النسبة ~~أكثر من ألف إلى واحد، عند المقارنة بين هذه القوى والقوة الإنسانية. # ولنتكلم أولا عن اشتراكية الأرض، فنظام الأرض مختلف بين أوروبة وأمريكا، ولا يزال ~~نظام ms127 الإقطاع قائما في إنجلترا من حيث أصبحت الأرض مملوكة للآحاد في الولايات ~~المتحدة. # إلا أن برنامجي يدعو إلى التقسيم النسبي اتقاء لشرور المستقبل التي بدرت اليوم ~~بوادرها. # ولنضرب مثلا بما حدث تحت أعيننا منذ أنشئ المجلس البلدي في مدينة كانتون، فإن ~~المواصلات تقدمت وأخذت أثمان الأرض على الجسر وعند مزدحم السكان ترتفع ويباع «المو» ~~الواحد بعشرات الألوف من الريالات، وهذه كلها يملكها آحاد يعيشون بجهود الآخرين. # إن نظام الأرض القديم في الصين يوافق بعض الموافقة نظام التقسيمات النسبية، فإذا ~~أردنا أن نطبق هذا النظام وجبت ملاحظة هذه الشروط! وهي فرض الضريبة على حسب قيمة الأرض، ~~والتعويض على حسب القيمة العرفية. # وقد اتبع التقسيم على ثلاث درجات إلى اليوم في البلاد الصينية، ولكن قيمة الأرض لم ~~تكن فيما مضى بهذا الارتفاع لنقص وسائل المواصلات وأدوات الصناعة، فلما تقدمت المواصلات ~~والأدوات الصناعية مع بقاء التقسيمات العتيقة نجم من ذلك ارتفاع غير متناسب مع قيمة ~~الأرض، فأصبح ثمن المو في بعض المواقع ألفي دولار وفي بعض المواقع الأخرى عشرين ألفا، ~~وتراوحت بين هاتين القيمتين قيم متفاوتة، فإذا بقيت الضرائب كما كانت راج الغش والفساد ~~بين دافعي الضرائب ومحصليها. # وعلى هذا ينبغي إذا أردنا اتقاء شرور هذه الحالة أن نفرض الضرائب بنسبة واحد في ~~المائة من قيمة الأرض، فمن كان يملك أرضا بألفي ريال فعليه ضريبة عشرين ريالا، وتطرد ~~الزيادة باطراد الارتفاع في القيمة، ومتى استولت الدولة على الأرض فينبغي أن يكون ~~استيلاؤها على قيمة مقدرة بهذا الحساب. # أما مسألة رأس المال، فقد نشرت أخيرا كتابا عن تنمية الصين الدولية بحثت فيه مسائل ~~الاستعانة برءوس الأموال الأجنبية لترقية صناعة الصين وتجارتها. # فانظروا مثلا إلى خطوط بكين هنكاو، وبكين مكدن وتينتسن بكاو التي مدت برءوس الأموال ~~الأجنبية وهي تدر الآن مقادير جمة من الربح الجزيل. # إن خطوط السكك الحديدية اليوم تبلغ في الصين من خمسة آلاف إلى ستة آلاف ميل، تقدر ~~أرباحها بما يترواح بين سبعين وثمانين ميلا تزيد على قيمة الضرائب، فإذا امتدت الخطوط ms128 ~~فبلغت خمسين أو ستين ألف ميل تضاعفت الأرباح عدة أضعاف. # وبرنامجي في الاستعانة بالأموال الأجنبية أن جميع الموارد التي تدر الربح عند إدارتها ~~على أي نحو مقبول لا تزال في انتظار الأموال الأجنبية، ومن أمثلتها موارد المناجم ~~والتعدين. # ومتى ذكرت القروض في هذا الصدد فإنما أعني الحصول على المكنات والأدوات الضرورية ~~لاستغلال هذه الموارد، وقد كانت أرباح السكة الحديدية من بكين إلى هنكاو عظيمة، وكان ~~الأجانب على استعداد لتسليمها مع إمكان الربح منها في المستقبل، وبلغ من وفرة هذا الربح ~~أنه كان يكفي لمد الخط من بكين إلى كاجلان، وهو الخط الذي يصل اليوم إلى ~~سونيانج. # ونوجز فنقول: إن الحصول على القروض من رءوس الأموال الأجنبية ميسور، ولكن السؤال هو: ~~كيف ننفقها؟ وهل نستفيد من إنفاقها أو لا نستفيد. # وعلينا أن نسلم أن الضحايا الضرورية للثورة الاجتماعية أكبر من الضحايا اللازمة ~~للثورة السياسية، وقد صح بعض الصحة مبدأ القومية منذ خلعت أسرة المانشو بعد ثورة سنة ~~1911، ولكن مبدأ الديمقراطية ومبدأ الاشتراكية لم يتركا لهما أي أثر، فلا مناص لنا إذن ~~من السعي جهدنا كي نحقق غاية حزبنا ونحقق كذلك ما يعتبر في عرف العصر الحاضر غاية ~~الجميع، ونعني به الديمقراطية، وهي أيضا إحدى غاياتنا. # ولا شك في تقدم إنجلترا وأمريكا في الحياة السياسية، ولكن السلطان السياسي لا يزال ~~هناك في قبضة حزب لا في قبضة الأمة كلها. وقد أعلن الرئيس ويلسون خلال الحرب الأوروبية ~~الكبرى نداء تقرير المصير وهو يقابل مبدأ القومية من برنامجنا، وقد تألفت بعد مؤتمر ~~فرساي جمهوريات صغيرة ولكنها مستقلة تعيش معا بغير رابطة تجمعها، فجدير بكم أن تفطنوا ~~من هذا للاتجاه الغالب على حياة الأمم العصرية. # لقد حان الحين لتحقيق مبادئنا الثلاثة جميعا؛ أي تحقيق القومية والديمقراطية ~~والاشتراكية، وإنما يتاح العيش والحرية لأمتنا حين تتحقق هذه المبادئ على أوفاها، ~~ويتوقف تفصيلها وتطبيقها على ما تبدونه من القوة وما تودعونه دعوتكم من النشاط ~~والهمة. ~~(6) مبدأ الوطنية (أو القومية) من محاضرات كانتون سنة 1924 # ما هو مبدأ الوطنية؟ ms129 # إذا رجعنا إلى تاريخ الصين في حياتها الاجتماعية وعاداتها الموروثة جاز لنا أن نقول: ~~إن مبدأ الوطنية مرادف لفكرة الدولة. # فالأمة الصينية قد ألفت الولاء للأسرة والقبيلة حتى بما فيها شعور القرابة وعصبية ~~القبيلة ولم ينم فيها شعور الوطنية. # وقد كانت الأسرة والقبيلة من القوى الموحدة، وحدث كثيرا أن الصيني ضحى بنفسه وبأسرته ~~وحياته دفاعا عن قبيلته، أما عن الوطن فلم يعهد قط عمل عظيم من أعمال التضحية الجلية، ~~فوقفت وحدة الصين عند القبيلة ولم تتقدم إلى وحدة الأمة. # فقولي: إن مبدأ الوطنية مرادف لفكرة الدولة يصدق على أحوال الصين ولا يصدق على ~~الأحوال في الغرب؛ إذ يميز الغربيون بين الأمة والدولة، والكلمة التي يقابل بها ~~الإنجليز كلمتنا «من تسو» هي كلمة الأمة، وهي ذات معنيين لا اختلاط بينهما. # نعم إن الدولة والأمة متصلتان ولا تبدو الضرورة للفصل بينهما، ولكن معناهما مختلف ولا ~~بد من فهم معنى كل منهما على حدة. # فلماذا يصدق التوافق بين معناهما على الصين وحدها؟ يصدق ذلك على الصين وحدهما؛ لأن ~~الصين منذ قامت فيها أسرة شين وأسرة هان تنشئ دولة واحدة من سلالة واحدة حيث كانت ~~البلاد الأجنبية تنشئ حكومات متعددة في جنس واحد وتضم عدة قوميات إلى فرد حكومة. # ونضرب المثل بإنجلترا التي تعد اليوم أقوى دول العالم، فإنها ضمت إلى الجنس الأبيض ~~أناسا من السمر والسود وغيرهم لتكوين الإمبراطورية البريطانية، فلا يصدق عليها أن ~~الجنس والدولة شيء واحد، وهذه هونج كونج - وهي مقاطعة بريطانية - تؤوي عشرات الألوف من ~~الصينيين فلا يصح أن يقال عنها: إن حكومة هونج كونج تعني أمة بريطانية. # أو انظروا إلى الهند - وهي اليوم مستعمرة بريطانية - تجدوا ثمة ثلاثمائة وخمسين ~~مليونا من الهنود، فإذا قلنا: إن حكومة الهند والأمة البريطانية شيء واحد فنحن في زيغ ~~من الحقيقة، ونحن جميعا نعلم أن أبناء إنجلترا الأصلاء من الأنجلوسكسون، ولكنهم غير ~~محصورين في البلاد الإنجليزية، بل يوجد في الولايات المتحدة أيضا طوائف كبيرة من هذه ~~السلالة، فلا يتأتى لنا حين ننظر إلى البلدان ms130 الأخرى أن نوحد بين معنى الدولة ومعنى ~~الأمة، فبين المعنيين خط فاصل يميز بينهما. # فكيف يتسنى لنا التمييز الواضح بين هذين المعنيين؟ خير منهج ننهجه للتمييز بينهما أن ~~ندرس العوامل التي مزجتهما، ونبسط العبارة، فنقول: إن الجنسية أو القومية تنمو بالعوامل ~~الطبيعية، أما الدولة فتنمو بقوة السلاح، ونستعين بشاهد من تاريخ الصين السياسي فنذكر ~~أن الصينيين تعودوا أن يقولوا: إن «وانج تاو» هي الطريق السلطانية وطريق الحقيقة، ~~فالجماعة التي تتألف على الطريقة السلطانية هي السلالة أو القومية، أما القوة المسلحة ~~فهي «باتاو» أو طريق الغلبة، فالجماعة التي تتألف على هذه الطريقة هي الدولة. # ونمعن النظر في قوانين البقاء كما عملت في السلالات القديمة والحديثة، فيبدو لنا أننا ~~لا نستطيع أن ننقذ الصين ونحفظ سلالتها إلا بتنمية بواعث القومية، وعلينا أن نفهمها ~~جيدا قبل أن نجعلها عاملا واضحا من عوامل الخلاص والسلامة. # إن أهل الصين يبلغون أربعمائة مليون، لا تختلط السلالة فيهم إلا في بضعة ملايين من ~~المغول، وفي نحو مليون من المنشو، وفي ملايين قليلة من أبناء التيبت، وفي مليون من ~~الترك المسلمين، فلا تزيد عدتهم جميعا على عشرة ملايين، ويتحد الصينيون ما عداهم في ~~سلالة هان بدم واحد ولغة واحدة وديانة واحدة وعادات متشابهة: سلالة واحدة صافية. # ما هو موقف الصين من العالم بأسره؟ إننا بالقياس إلى الأمم الأخرى أكبرها عددا ~~وأعرقها حضارة؛ لأنها حضارة دامت أربعة آلاف سنة، ولكننا على هذا نعد بين أفقر الأمم ~~وأضعفها وننزل أسفل المنازل في الشئون الدولية، فنحن السمكة واللحمة وغيرنا من أبناء ~~آدم هم الصفحة والسكين، وموضعنا اليوم على أشد الخطر ما لم نستمسك بعوامل الوطنية ونجمع ~~بين الملايين الأربعمائة في أمة قوية؛ إذ نحن نواجه الكارثة ونستهدف لضياع بلادنا وفناء ~~قوميتنا، ولن ندفع هذه الكارثة بغير الشعور الوطني والاعتماد على النخوة الوطنية لإنقاذ ~~بلادنا. # إن الوطنية هي القنية النفيسة التي تهيئ للدولة أن تتطلع إلى التقدم وللأمة أن تطيل ~~وجودها. # وقد ضيعت الصين اليوم هذه القنية النفيسة، ويتراءى لي أنها ضيعتها ms131 قرونا ولم تضيعها ~~يوما وحسب، وما عليكم إلا أن تنظروا إلى الموضوعات التي تحارب الثورة وتندس إلينا من ~~الخارج، وكلها تعارض الوطنية! # لقد كانت الوطنية ميتة خلال مئات السنين من تاريخ الصين، وهذه الموضوعات التي راجت في ~~زماننا لا تعرض لنا نغمة واحدة من نغمات النخوة الوطنية ولا تني شادية بالثناء على ~~فضائل المانشو ورحمتهم ومآثر سخائهم العميم، ونكاد نسمع منذ نشوب الثورة أولئك الأعلام ~~المتطوعين للتغني بما كان للمانشو من المناقب والسجايا، ولم يقنع هؤلاء الأعلام باصطياد ~~العبارات التي تستبقي ذكرى المانشو بل جاوزوا ذلك إلى تأليف جماعتهم المسماة «باو هوانج ~~تانج» للدفاع عن إمبراطور المانشو وسحق النوازع الوطنية في ضمائر أمة الصين. # واجعلوا بالكم إلى هؤلاء الملكيين ... إنهم لم يكونوا من المانشو، بل كانوا من صميم أهل ~~الصين ووجدوا الرعاية والترحيب بين الصينيين المقيمين في الخارج! فلما ازدهرت دعوة ~~الثورة تحول هؤلاء المهاجرون شيئا فشيئا إلى تأييدها وتضاعفت الجماعات الثورية من ثم ~~وراء البحار. # ومن هؤلاء فئة «هنج مين سان هوهوي» أو كما يسمون أحيانا بال «شيه كنج تانج»؛ الذين ~~كانوا يحاربون المانشو ليأتوا بأسرة «منج» في مكانها، وكانوا ينطوون على حماسة وطنية ~~قوية، ثم ظهرت الدعوة الملكية فأصبحوا ملكيين لا يبالون بغير «النقاء الطاهر» وهو ~~الشعار الذي اتخذته الدعوة المانشوية لإعادة عاهلها إلى عرشه، وكفى بهذه النكسة دليلا ~~على ما فقدته الصين من نخوتها الوطنية. # إننا خليقون أن نعرف إثارة من تاريخ هذه الجماعات الخفية حين نتكلم عنها، فقد بلغت ~~غاية القوة خلال حكم العاهل المانشوي كانج هسي (1661-1722) وهب الموالون لأسرة منج ~~يعارضون شان شي حين قضى على هذه الأسرة واستولى على زمام السلطان في أرجاء الصين ~~بأسرها، واستمرت المقاومة إلى عهد كانج هسي فلم تذعن الصين كل الإذعان للمانشويين حتى ~~ذل العهد، ولم تنطفئ شعلة المقاومة حتى يئس الجيل القائم بها من تدبير القوة الكافية ~~للانتقاض فلجأ إلى الجماعات السرية. # وكان بقيتهم أناسا ذوي أصالة ونظر وخبرة بالمجتمع، فدأبوا على تنظيم الجماعات السرية ~~إلى أن ms132 وضع العاهل المانشوي نظام الامتحان للمناصب فدخل في شبكته كثيرون من أساتذة عهد ~~«منج» وعلم القائمون بحركة المقاومة أن الطائفة المتعلمة لا يعتمد عليها ... يومئذ ~~انقلبوا إلى طبقات المجتمع الدنيا: إلى المشردين على ضفاف الأنهار والبحيرات، وراحوا ~~يجمعونهم وينظمونهم ويبثون فيهم روح الغيرة الوطنية كي يتصل العمل بعدهم، ولكن هذه ~~الطوائف لجهلها وسقوط بيئتها وجلافة تعبيرها وخشونة مسلكها لم تلق آذانا صاغية عند ~~الطوائف المهذبة، ولا يمنع هذا أن حكماء أسرة منج أبانوا في عملهم عن دراية وحصانة حين ~~لجأوا إلى تنظيم تلك الجماعات السرية لاستبقاء النزعة القومية، فلم يقو طغيان المانشو ~~خلال القرنين الأخيرين على محو تلك النزعة وتوارث مصطلحاتها وتقاليدها طبقة بعد طبقة في ~~تلك الجماعات السرية. # وظلت جذوة الوطنية حية منذ بدأت أسرة المانشو حكمها، ثم أخذ «تسو تسنجتانج» بناصية ~~التنين الأعظم وعلم بخفايا الجماعات السرية، فحطم قيادتها الحربية وشتت شملها، فلما ~~كانت الثورة الأخيرة لم نجد هيئة منظمة نعتمد عليها، فقد كانت جماعة ال «هنج مين» آلة ~~مسخرة وآل الأمر بنخوة الصين الوطنية إلى الضياع. # إن الأمة إذا سادت أمة أخرى لم تسمح لها باستقلال التفكير، وهذه اليابان مثلا تسيطر ~~على كورية وتعمل على توجيه أذهان الكوريين حيث تريد، فمحت مادة الوطنية من المدارس، ~~ويوشك بعد ثلاثين سنة أن يكبر الأطفال الكوريون وهم لا يعلمون أنهم كوريون وأن هناك ~~وطنا كان يسمى كورية، وقد مضى زمن كانت منشورية تحاول فيه معنا هذه المحاولة؛ إذ كان ~~من دأب الأمة الغالبة أن تتلف هذه القنية النفيسة في ضمائر الأمة المغلوبة، وبهذه النية ~~جعل المانشويون يحتالون شتى الحيل ويبتدعون مختلف الأساليب، فحرم كانج هسي بعض الكتب ~~وجاء شيان لنج فكان أدهى منه في سحق الروح القومية، كان كانج هسي ينادي بأنه مختار ~~السماء لولاية أمر الصين، فليس من التقوى أن يتمرد المتمردون على المشيئة السماوية، ~~فلما قام شيان لنج بالأمر أزال كل فارق بين الصيني والمانشوي حتى أصبح المثقفون وقد خلت ~~نفوسهم من وعي الوطنية، وانتقل هذا الوعي منهم ms133 إلى الطبقة السفلى، فكانوا يؤمنون بوجوب ~~مكافحة التتار، ولكنهم لا يعلمون فيم يكافحونهم، وبهذه المثابة ضمرت روح الوطنية ~~الصينية مئات السنين من جراء تدبير المانشويين. # ويصعب علينا أن نوضح كيف تم هذا التدبير وكيف تخلف منه ضمور الروح الوطنية، فلعل ذلك ~~يتضح لنا من قصة شهدتها بنفسي في هونج كونج تفيد في تقريب ما أعنيه، وخلاصة هذه القصة ~~أن أجيرا كان يعمل في حمل البضائع من البواخر ولا معول له في هذه الصناعة على غير حبله ~~وعموده، وكانت أجرة الحمل كافية لمؤونة يومه، ثم ادخر على مر الزمن عشرة ريالات فاشترى ~~بها ورقة نصيب ووضعها في جوف عموده وحفظ رقمها لكيلا يحتاج إلى إخراجها من حين إلى حين ~~لينظر فيها، ثم جاء يوم السحب فعلم من كشف اليانصيب أن ورقته ربحت الجائزة الأولى ~~وقدرها مائة ألف ريال ... فكاد أن يجن من فرحته وألقى بالعمود والحبلين إلى الماء لأنه ~~أراد أن يستقبل حياة الثراء، وأن يطمئن إلى استغنائه عن حمل البضائع مدى الحياة. # إن عمود الحمال قد يشبه بالوطنية التي تعين الأمة على البقاء، وقد تشبه الجائزة ~~المكسوبة بالعصر الذهبي الذي أقبلت عليه الصين حين اتسعت أطرافها وشملت العالم كله في ~~نظر أبنائها، فليس للسماء غير شمس واحدة وليس للأمة غير ملك واحد، وما من أمة على الأرض ~~إلا وهي تسجد أمام تاجه ولآلئه، فلن يعرف العالم بعد إلا السلام والوئام وأداء الجزية ~~لملك الأنام، فقذفت الأمة بوطنيتها إلى البحر كما قذف الأجير بعموده وحبليه، ثم ابتليت ~~بحكم المانشو فلن يكن قصاراها أنها عجزت عن سيادة العالم بل ساءت بها الحال حتى عجزت عن ~~حماية حدودها، لقد ضاعت الوطنية كما ضاع العمود في الماء! # ولو أن أسلافنا حفظوا العمود لأخذوا الجائزة الأولى، ولكنهم قذفوا به ونسوا أن الورقة ~~مخبوءة فيه، وحبذا لو استطعنا أن نعود إلى عمودنا أو نعيده إلينا، فما علينا إذن من ضير ~~إن تجهمت لنا القوة الأجنبية وتنكرت لنا فرص العيش، فإننا لنصمد لكل ما نلقاه. # إن السماء ms134 قد وضعت على عواتقنا نحن أبناء الصين تبعات جساما، وإننا لخارجون عن مشيئة ~~السماء إن لم نحبب نفوسنا، وها قد حان الوقت الذي يشعر فيه كل صيني بالتبعة على عاتقه، ~~فإن كانت السماء لا تبغي القضاء علينا فهي تدخرنا لصلاح العالم وارتقائه، وإذا هلكت ~~الصين فسوف تهلك على أيدي الدول العظمى، وسوف تقيم هذه الدول العقبات في سبيل ~~العالم. # وبالأمس قال لي أحد الروسيين: ما بال لينين عرضة للهجمة عليه من كل دولة؟ إنه عرضة ~~لهجماتها ؛ لأنه اجترأ على أن يقول: إن أبناء العالم قسمان: ألف ومائتان وخمسون مليونا ~~في جانب، ومائتان وخمسون مليونا في الجانب الآخر، والأولون مسخرون للآخرين ... وهؤلاء ~~الذين يسخرونهم لا يمشون مع الطبيعة بل يعارضونها ويناجزونها، وإنما نمشي مع الطبيعة ~~حين نتصدى للقوة ونكبحها. # ونحن إذا أردنا أن نتصدى للقوة ونكبحها فلنبدأ أولا بتوحيد صفوفنا ولنكن صفا ~~واحدا مع الألف والمائتين والخمسين من الملايين المسخرين، لنبدأ بإحياء الوطنية في ~~قلوبنا ولنحقق أول الأمر وحدتنا، ولنعمل من ثم على عون الضعفاء وتمكينهم من الصمود ~~للأقوياء، ولنجتمع لإعلان الحق في وجه القوة، حتى إذا انهزمت هذه القوة واندحرت سطوة ~~الجشع والأنانية فهنالك يحق لنا أن نتحدث عن الوحدة الإنسانية. # إن الوحدة الإنسانية حديث اليوم في أوروبة، ولكنها كانت حديث أهل الصين قبل ألفي سنة، ~~وما استطاع الأوروبيون بعد أن يدركوا عراقة حضارتنا، وأن الملايين الأربعمائة من أهل ~~الصين مخلصون لمبادئ الأخلاق العالمية، وأنهم لقصورهم عن حفظ وطنيتهم قد عز عليهم ~~الإعراب عن أنفسهم، ويوشك أن يحيق بهم البوار والزوال. # على أن الوحدة الإنسانية التي يتحدث بها الأوروبيون اليوم قائمة على قوة لا إنصاف ~~معها، وشعار الإنجليزي الذي يقول إن الحق مع القوة إنما يعني أن الكفاح للغلبة ~~والاستيلاء عدل وإنصاف، أما العقل الصيني فما اعتقد قط أن الغلبة بالحرب حق، وما وصف ~~القهر بالعدوان قط إلا بوصف الهمجية والبربرية، وهذه الخلائق السلمية هي جوهر الآداب ~~العالمية، فعلى أي أساس نبني هذه الآداب؟ نبنيها على أساس الوطنية، فالملايين المائة ms135 ~~والخمسون في روسيا أساس العالمية الأوروبية، والملايين الأربعمائة في الصين أساس ~~العالمية الآسيوية، وما من بناء يقوم على غير أساس، فلتكن الوطنية إذن أساسنا الذي نبني ~~عليه، ومن شاء أن يبسط السلام على العالم فليبسطه قبل ذلك على وطنه، وليكن همنا أن نحيي ~~الوطنية في جوانحنا وأن نجلوها ساطعة متألقة، فيومئذ يسوغ لنا أن نحمل علم الوحدة ~~العالمية. # ثم نتساءل: ما الوسيلة التي نلجأ إليها لإحياء وطنيتنا؟ هناك وسيلتان: إحداهما أن ~~ننبه الملايين الأربعمائة إلى حالتهم ، فهم في المأزق الذي يضطرهم إلى الهرب من البؤس ~~وابتغاء السعادة، أو إلى الهرب من الموت وابتغاء الحياة. # لقد جهلت الصين من قبل أنها تنحدر فهلكت، ولو أنها أحست ما ينتظرها لما حق عليها ~~الهلاك. # وإذا تساءلنا عن القوارع التي تهددنا ومن أين تعرض لنا، فالجواب أنها تعرض لنا من ~~الدول العظمى، وأنها هي «أولا» الغصب السياسي و«ثانيا» الغصب الاقتصادي و«ثالثا» ~~الزيادة السريعة في عدد السكان بين الدول العظمى. # هذه القوارع الثلاث من الخارج قد رانت على رءوسنا وجعلت أمتنا على خطر داهم، فالقضاء ~~على الأمة من طريق الغصب السياسي قد يحدث بين عشية وضحاها، ووقوع الصين تحت نير الدول ~~قد يحطمها في أية لحظة فلا طمأنينة لنا من نهار إلى نهار، وقد يأتي الدمار من القوة ~~العسكرية كما يأتي من المناورات السياسية، وربما كان بين الدول اليوم في الصين توازن هو ~~ملاذ العصمة لنا، ولكن الذين يتكلمون على تنافس الدول ويحسبونها متنافسة على الدوام ولا ~~يحسبون حساب اتحادها واتفاقها؛ يخطئون السداد ويصدق عليهم المثل الذي يضرب لمن يتعلق ~~بالفضاء ويراهن عليه، وتلك هي السلامة التي نعلقها على غيرنا ولا نعلقها على أنفسنا، ~~وليس الرجم بالغيب سلامة نطمئن إليها. # والغصب الاقتصادي يسلبنا كل سنة ألفي مليون ريال لا تزال أبدا في ازدياد، وقد كان ~~ميزان التجارة منذ عشر سنوات مائتي مليون ريال، فبلغ اليوم خمسمائة مليون؛ أي بمعدل ~~مائتين وخمسين في المائة كل عشر سنوات، فإذا انقضت عشر سنوات أخرى ألفينا أنفسنا ونحن ~~فاقدون ms136 ثلاثة آلاف مليون ريال كل سنة، يخص الرأس منا سبعة ريالات ونصف ريال، وكأنما ~~يؤدي كل فرد منا سبعة ريالات ونصف جزية عن رأسه للأجانب كلما دار الحول، وإذا حسبنا ~~النساء اللائي لا يؤدين هذه الجزية عن أنفسهن في الوقت الحاضر فالجزية خمسة عشر ريالا ~~على كل فرد من الذكور ومنهم الشيوخ والصغار الذين لا يسهمون في الكسب، فلا جرم ترتفع ~~الجزية على الرأس الواحد إلى خمسة وأربعين ريالا في العام. # أليست هذه بالصورة المفزعة لوقائع الأمور؟ وإنها في هذا لتتفاقم ولا تهبط، فلو فرضنا ~~أن السياسة الأجنبية تنام عنا ولا ترهقنا بأعباء مضاعفة علينا فنحن هالكون في مدى عشر ~~سنوات، وكيف الحال بنا بعد ذلك والصين اليوم فقيرة مستنزفة؟ أتراها قادرة على البقاء ~~إذا تفاقم الخطب عليها عما قريب؟ # ثم المشكلة الثالثة وهي مشكلة النمو الطبيعي، فإن الصين لم تزد خلال القرن الأخير، ~~ولن تزيد خلال القرن المقبل إن لم تعمل ما يبتعث فيها عوامل النمو. # لقد أصبح عدد الولايات المتحدة عشرة أضعافه في مائة سنة، وأصبح عدد الروس أربعة ~~أضعافه، وعدد الإنجليز واليابانيين ثلاثة أضعافه، وعدد الألمان ضعفين ونصفا، وعدد ~~الفرنسيين أضيف إليه ربعه وهو أقل الزيادات. # ومع ازديادهم تركد الصين فلا تزيد بل تنقص، فلو نظرنا إلى تاريخنا علمنا أن زيادتنا ~~في العصور الماضية كفلت لنا البقاء وأزالت أبناء الصين البدائيين من عشائر المياسو ~~والياؤس واللاؤس والتنج وغيرهم، وقد كان العكس هو الخليق أن يصيبنا لو كانت الزيادة في ~~جانبهم والنقص في جانبنا، فلا ضمان لوجودنا بهذه الحالة إذا دامت سيادة الأجانب علينا ~~ودام الضغط عليهم من زيادة النسل على مدى الأجيال. # هذه القوارع عالقة على رءوسنا وعلينا أن نفهم الأمر الواقع وندرك الخطر الداهم، وأن ~~نذيع بيانه حتى لا يبقى من يجهله ومن يخفى عليه ما يهدد الصين وما يعترض سلامتها من ~~المصاعب، وحري بالسائلين وقد علموها أن يسألوا: وماذا عسى أن نصنع؟ والجواب أن الحيوان ~~المحرج تبقى فيه بقية للنضال، ونحن فينا هذه البقية للنضال، ms137 وسنقوى عليه يوم نعلم أنها ~~معركة موت وحياة وأنه مهرب واحد لا مهرب لنا سواه، وإنما نقوى على النضال كلما حومت على ~~رءوسنا مخاطر الفناء. # يقول الأجانب: إن الصين صفحة رمل محلول ... وقولهم في وجهة الشعور الوطني صحيح، فما ~~كانت لنا قط وحدة وطنية، فهل ترانا نعوذ بوحدة أخرى؟ نعم، لدينا أواصر الأسرة ووشائج ~~القبيلة، وإنها من طبائعنا لفي قرار عميق، فإذا اتسع نطاق العصبية في القبيلة حلت عصبية ~~الوطن محل عصبية الغيرة، وحنين الصيني إلى مولده ومسقط رأسه شعور مكين يقام عليه صرح ~~شامخ من شعور الوطنية على أوسع نطاق ... ~~... هذا الجانب الإيجابي هو أحد الجانبين اللذين يعتمد عليهما في مقاومة القوة ~~الأجنبية، وفحواه إيقاظ الروح الوطنية وحل مشكلات الحرية والمعيشة، وهناك الجانب السلبي ~~الذي نعتمد عليه في هذه المقاومة، فلا تعاون مع الأجنبي ولا وناء عن المقاومة السلبية، ~~وتلك هي أسلحتنا لإضعاف الاستعمار والذود عن الديار واتقاء الدمار والبوار. # وسوف تسعد أمتنا وتبقى كلما تضافرت جهودها على هذا المسعى، فأما إذا تخلفت عنه فلا ~~أمان ولا نجاة. ~~(7) مبدأ الديمقراطية من محاضرات كانتون سنة 1924 # ما هي سيادة الأمة؟ لأجل تعريف هذه السيادة ينبغي أن نعرف قبل ذلك ما هي الأمة، فكل ~~جماعة إنسانية متحدة منتظمة تسمى أمة، أما السيادة فهي سلطان ينبسط على أرض ~~الحكومة. # والحكومات صاحبة القوة العظمى في العصر الحاضر يسميها الصينيون بالحكومات القوية، ~~وتسمى في اللغات الأجنبية بالدول Powers ~~. # والقوى الآلية يسميها الصينيون بقوة الحصان، وتسمى في اللغات الأجنبية بطاقة الحصان، ~~فالقوة والطاقة مترادفتان. # والقوة التي تتمكن من تنفيذ الأوامر وتنظيم الشئون العامة هي السيادة، فإذا اقترنت ~~السيادة والأمة فتلك هي قوة الأمة السياسية. # ونوجز فنقول: إن الحكم شيء من الأمة وبواسطة الأمة، وهو ضبط شئون الأمة، والقدرة على ~~هذا الضبط هو السيادة السياسية، ونحن نتكلم عن سيادة الأمة حين تتولى الأمة ضبط شئون ~~حكومتها. # وننظر إلى العصر الحاضر أو نعود إلى الماضي فنرى أن القوة الإنسانية قد استخدمت - إذا ~~توخينا بساطة التعبير - لحفظ النوع ms138 الإنساني؛ لأن النوع الإنساني يتطلب لبقائه وقاية ~~ومئونة ويشعر بالحاجة إلى الحماية والمئونة كل يوم. # إن الوقاية للفرد أو للجماعة دفاع عن النفس، والقدرة على الدفاع عن النفس ضرورة من ~~ضرورات الوجود، أما المئونة فهي تحصيل الطعام، وبغير وقاية ومئونة لا يحافظ النوع ~~الإنساني على وجوده. # وقد ينقسم جهاد النوع الإنساني إلى عدة أدوار، وتقسيمه إلى هذه الأدوار يساعدنا على ~~تتبع أصول الديمقراطية. # فالدور الأول من جهاده كان نزاعا بينه وبين الحيوان، وكان يستخدم في هذا النزاع قوته ~~البدنية دون كل قوة أخرى. # والدور الثاني من جهاده كانت الحرب فيه بينه وبين الطبيعة، وكان يستعين في هذه الحرب ~~بالقوة الإلهية. # والدور الثالث تنازع فيه الإنسان والإنسان، ووقع فيه الخصام بين الحكومات والأقوام ~~ونشأت السيطرة المستبدة. # ثم يأتي الدور الرابع حيث يقع الخصام في الحكومة الواحدة وتحارب الرعية رعاتها ~~وملوكها، ومحور هذا الخصام الخلاف بين الخير والشر وبين الحق والقوة، ولنا أن نسميه دور ~~سيادة الأمة أو عصر الديمقراطية نظرا لاطراد التقدم في قوة الأمة. # إنه عصر جديد، وإنما بدأناه قريبا لإسقاط الحكم المطلق الذي تخلف من العصور ~~الغابرة. # والسؤال الجوهري هو: هل الصين اليوم ناضجة للحكومة الديمقراطية؟ إن بين الناس من يقول ~~إن مستوى الأمة الصينية أقل من ذاك، وإنها لم تستعد بعد للحكومة القومية، ومن أجل هذا ~~حدث لما هم يوان شي كاي بتنصيب نفسه عاهلا على الصين أن أستاذا أمريكيا - اسمه ~~جدناو # Goodnow ~~- أوصى باختيار النظام الملكي مع ~~أنه ينتمي إلى أمة ديمقراطية ... لاعتقاده أن تفكير الصينيين لا يطرد على سنن التقدم، ~~وأنهم متأخرون عن الأوروبيين والأمريكيين فلا يحق لهم أن يحاولوا تجربة الديمقراطية، ~~وقد اتكأ يوان شي كاي على هذه الوصية ونادى بنفسه إمبراطورا على الصين، فإذا كنا اليوم ~~بسياق الدعوة إلى الديمقراطية فعلينا أن نفهمها على غاية الجلاء والوضوح. # لقد جهر كنفشيوس ومنشيوس بحقوق الأمة قبل ألفي سنة، فقال كنفيشيوس: إن كل من تحت ~~السماء سيعمل للصالح العام يوم تسود الفكرة الكبرى، وكانت دعوته إلى عالم ms139 حر يسوده ~~الإخاء ويؤول حكمه إلى الأمة. # ومنشيوس كان يقول: إن القيمة الكبرى للشعب ثم للأرواح التي تتولى الزرع والغلة ثم ~~يليهم جميعا الأمراء، ومن كلامه أن السماء ترى ما يراه الشعب، وتسمع ما يسمعه. # فالصين قد أدركت معنى الديمقراطية قبل ألفي سنة، وإن لم تقدر يومئذ على تطبيقها، ~~ولكنها كانت يومئذ بمثابة الطوبى في اصطلاح الغربيين: مثلا أعلى لا يتيسر تطبيقه على ~~الأثر. # وكلما قرأنا تاريخ الصين تبين لنا أنها تقدمت إلى دراسة الديمقراطية قبل الأوروبيين ~~والأمريكيين بألوف السنين، نعم إنها دراسة نظرية لم تأخذ مأخذ العمل والتطبيق، فاليوم ~~وقد أخذ الأوروبيون والأمريكيون بالنظام الجمهوري، ومضى عليه بينهم نحو مائة وخمسين سنة ~~فنحن الذين حكم آباؤهم بهذه الأفكار خلقاء أن نمضي في أثرهم وأن نستخدم قوة الأمة إذا ~~رجونا لحكومتنا البقاء ورجونا للشعب السعادة والرخاء. # ولكن النهضة الديمقراطية بالقياس إلى غيرها من النظم متأخرة، ولا تزال حكومات كثيرة ~~مصطبغة بصبغة الحكم المطلق ولا تزال تجارب الديمقراطية محفوفة بمعقبات الخيبة والإخفاق، ~~وهذه الدراسة التي جرى البحث فيها بين أهل الصين قبل ألفي سنة لم توضع موضع التنفيذ إلا ~~منذ مائة وخمسين سنة، وكأنما تنتشر في أرجاء العالم على أجنحة الرياح. # لقد عزمنا منذ ثلاث عشرة سنة - نحن الثائرين - أن ندين بالديمقراطية إذا طلبنا القوة ~~للصين والنجاح للثورة، وكأنما تجري هذه الدفعة العالمية كنهر اليانجزي في مجراه: تارة ~~هنا وتارة هناك وتارة إلى الوراء، ولكن المصب إلى الشرق في النهاية، فلن يصده عنه عائق ~~آخر المطاف. # وإذا كانت الديمقراطية قد وجدت أكثر من قرن في الغرب فإنما جاءت في تاريخها تابعة ~~لجهاد الحرية، فكانت الدماء تفيض فيضا في سبيل هذه الحرية، وكان العارفون من أبناء ~~أوروبة وأمريكا يومئذ يتخذون من الحرية علما يرفعونه كما نرفع اليوم علم المبادئ ~~الثلاثة، ويخلص لنا من ثم أن جهاد الغرب كان في طلب الحرية، فلما بلغ الحرية جاء ~~علماؤهم فأطلقوا عليها اسم الديمقراطية. # ولما سرت نوازع الثورة إلى الصين أخيرا خرج الطلاب الناشئون وطائفة كبيرة ms140 من العلماء ~~الجادين ينادون بالحرية، وخطر لهم أنه ما دامت الثورات الأوروبية - كالثورة الفرنسية - ~~قد كانت تجاهد للحرية فليكن جهادنا نحن أيضا للحرية، وليس هذا إلا من قبيل ما يقال ~~بغير فطنة لمعنى المقال، فما ألقى هؤلاء بالهم إلى سوابق تاريخ الديمقراطية والحرية ~~لينفذوا إلى الحقيقة من ورائها، ونحن إنما وضعنا لحزبنا الثوري غاية من المبادئ ~~الثلاثة؛ لأننا قصدنا بهذه الغاية دلالة عميقة ولم نرسلها جزافا. # إن الثورة الأمريكية كان شعارها الاستقلال، وثورتنا نحن شعارها المبادئ الثلاثة ، فنحن ~~لا نردد شعار الآخرين ولا نحاكي أصداءهم، وما انتهينا إلى ذلك الشعار إلا بعد وقت طويل ~~في التفكير والتقدير. # إن سيادة الأمة - مين شوان - هي الكلمة الثانية في شعارنا الثوري، وهي تقابل كلمة ~~المساواة في شعار الثورة الفرنسية. # وقد انتشرت الحضارة الأوروبية شرقا فانتشرت معها المذاهب السياسية والاقتصادية ~~والعلمية إلى الصين، وتعود الصينيون كلما نقلوا شيئا عن أوروبة أن ينسخوه كلمة كلمة ~~بغير تعديل، فإذا كانت الثورة الأوروبية منذ قرنين أو ثلاثة قرون قد كافحت من أجل ~~الحرية فليكافح الصينيون كذلك، وإذا كان الأوروبيون قد حاربوا في سبيل المساواة ~~فالمساواة هي التي يحارب الصينيون أيضا في سبيلها، ولكن ضعف الصين الآن لا يرجع إلى ~~قلة الحرية والمساواة، فإذا نحن صرفنا الجهد إلى استنهاض عزائم الشعب بصيحة الحرية ~~والمساواة فقد ركبنا شططا وابتعدنا كثيرا من الوجهة المثلى؛ لأن شعبنا لم تلعجه هذه ~~المسائل، وليس في حسه انتباه شديد إليها، فهو لا ينضوي إلى رايتنا إذا ناديناه ~~بأسمائها. # إن حزبنا الثوري لا يهيب بالشعب إلى المعركة من أجل الحرية والمساواة، بل من أجل ~~المبادئ الثلاثة، وهي التي تعطينا الحرية والمساواة إذا أخرجناها إلى حيز الفعل من حيز ~~القوة. # إذ الحرية والمساواة تقومان على الديمقراطية وتستندان إليها، فلا يطول بقاء الحرية ~~والمساواة إلا حيث تزدهر الحرية، وما من وسيلة تفلح في حفظهما إن ضاعت سيادة الأمة، ~~فلهذا نظر الحزب الثوري في الصين إلى وجهة الحرية والمساواة، ولكنه جعل الديمقراطية - ~~أو سيادة الشعب - قوام الدعوة وشعارها، ms141 فلن يستمتع شعبنا بنعم الحرية والمساواة ما لم ~~يدرك الديمقراطية، وهذه النعم داخلة في حسابنا منطوية في السيادة القومية. # وكثيرون منا يحسبون أن الديمقراطية إذا بلغت في الصين مبلغها في الأقطار الغربية تكون ~~قد بلغت أهدافها، وتعتبر الصين إذن في طليعة أمم التقدم والحضارة، بيد أن المسافة بعيدة ~~بين الديمقراطية الغربية كما نقرؤها في الكتب والديمقراطية الغربية كما نراها في ~~الواقع. # انظروا مثلا إلى رواد الديمقراطية الغربية من أمثال الولايات المتحدة وفرنسا التي ~~نشبت ثورتها منذ أكثر من مائة سنة، فكم من الحقوق السياسية أدركها الشعب هنالك فعلا؟ ~~إن المؤمن بالديمقراطية على حقيقتها يبدو له أنه لم يدرك منها غير القليل، وقد خطر ~~للذين نافحوا الاستبداد طلبا لحقوق الشعب أنهم بالغون غاية الديمقراطية دفعة واحدة، ~~فضحوا بكل شيء وحصروا جهودهم كافة في معركة حياة وموت، فلما ظفروا بالنصر إذا هم ~~يتبينون أنهم لم يكسبوا من القوة إلا القليل مما علقوا به الآمال أثناء الثورة، وأنهم ~~لما ينتهوا إلى الديمقراطية الوافية. # ومنذ رأى بعض الصينيين أن الولايات المتحدة تقدمت إلى مركزها الحاضر غنى وقوة على نهج ~~الدساتير الاتحادية التي تترك الشئون المحلية لسلطان الحكومة، إذا بأولئك الصينيين ~~المثقفين يتخيلون أن الصين تنال الغنى والقوة بالدساتير الاتحادية، ولم يشغلوا أنفسهم ~~وهم يحاولون علاج مشاكل الصين بأن يعقدوا المقارنة بينها وبين الولايات المتحدة، وكان ~~قياسهم المنطقي أن الدساتير الاتحادية هي الطريق إلى الغنى والقوة ما دمنا نريدهما وما ~~دامت الولايات المتحدة قد حصلت عليهما من هذه الطريق، ونسوا أن هذا النظام إنما قام ~~هناك؛ لأنه كان قائما فعلا في كل ولاية وكان لكل ولاية فعلا دستور وحكومة، فنحن إذا ~~أردنا محاكاته وجب أن تهيئ كل ولاية من ولاياتنا دستورها وحكومتها المحلية، ثم تجتمع ~~الولايات أخيرا للاتفاق على دستور الأمة قاطبة، أو بعبارة أخرى نعمد إلى الصين المتحدة ~~فنقسمها كما كانت الولايات الأمريكية مقسمة منذ قرن مضى، ثم ندمجها جميعا في حكومة ~~واحدة، وأنه لتفكير ولا شك منحرف عن الصواب، وكأنما نحن ببغاوات تردد ms142 الكلمات وعيونها ~~مغمضة عما حولها. # وهؤلاء أصحاب هذه الفكرة يسوغون تقسيم الولايات في بلادنا بقيام الولايات الأمريكية ~~على هذه القاعدة، وقلما يخطر لهم أن يرجعوا إلى الحالة التي كانت عليها الولايات ~~الأمريكية عند إعلان استقلالها، فهل يذكرون لم كانت هذه الولايات تتغنى بالوحدة بعد ~~خروجها من سلطان بريطانيا العظمى؟ إنها فعلت ذلك؛ لأنها كانت متفرقة ولم تكن قط جماعة ~~منتظمة في إدارة واحدة، فرأت أن تجتمع لتصبح أمة متحدة. # والصين في هذا الصدد ما شأنها؟ لقد كانت الصين ظاهرا منقسمة إلى ثماني عشرة ولاية ~~تضاف إليها ولايات منشوريا وسنكيانج فهي أربع وعشرون، وتضاف إليها كذلك جيهول وسويوان ~~وككنور وولايات شتى ذات وضع خاص بها عدا منغوليا والتيبت. وكل هذه الأقاليم كانت تابعة ~~لحكومة المانشو المركزية خلال مائتي سنة، وكانت قبل ذلك على عهد أسرة منج متحدة، بل ~~كانت مع أقطار آسيا وأوروبة دولة واحدة في عهد أسرة يوان، فإذا رجعنا إلى أسرة سانج ~~وجدنا الولايات على رباط وثيق ووجدنا الأقاليم كذلك بعد عبور نهر اليانجزي إلى الجنوب، ~~وقد كانت على أيام أسرة تانج وأسرة هان على رباط كهذا الرباط، فلا معنى لتجزئة الصين مع ~~أنها لم تكن أجزاء متفرقة في تاريخها القديم. # إن هذا الشتات الذي منيت به الصين في الوقت الحاضر إنما هو ظاهرة عارضة، جر إليها ~~استيلاء القادة العسكريين على أجزائها، وهي حالة لا بد أن نعمل للخلاص منها، ولا يصح ~~لأي سبب من الأسباب بعد اليوم أن نتصايح بالدعوة الاتحادية «الفدرالية» كأنما نمهد بذلك ~~لاستقرار كل قائد من أولئك القادة العسكريين في البلد الذي استولى عليه، فلن تصبح الصين ~~أمة ذات قوة ووفر إذا نجح القادة كل منهم في تسويغ سيطرته على الإقليم الذي هو ~~فيه. # وكل من يتصايح بتلك الدعوة فحقيقة الأمر فيه أنه طامع يمهد لاغتصاب مطمعه، فهذا تانج ~~شيياو قابض على يونان، وهذا شاو هنجتانج قابض على هونان، وهذا لوينجتنج قابض على ~~كوانجزي، وهذا شن شيونج منج قابض على كوانتنج ... وإنها لفدرالية عسكرية هذه ms143 التي تسيطر ~~هنا وهناك ... ليست هي فدرالية شعب يحكم بأمره، وما في هذه الفدرالية نفع للصين، بل هي ~~مأرب من مآرب الطامعين العسكريين. # ونعود فنقول: إن الديمقراطية التي هي مبدأ من المبادئ الثلاثة في برنامج حزب ~~الكومنتانج لبناء الصين هي شيء غير الديمقراطية الغربية، وليس المقصود من دراسة تاريخ ~~الغرب أن ننقل نسخة منه ونقفوا أثره ونحن مغمضون، بل نحن نستخدم مبدأ السيادة القومية ~~حيث نعيد بناء الصين أمة لا سلطان عليها لغير الأمة، وعلينا أن نفتح لأنفسنا طريقا ~~جديدا ولا نقتدي بغيرنا عميا عن وجوه الاختلاف، فنجني على وطننا، ونضر بحياة قومنا، ~~فللغرب مجتمعه ولنا نحن مجتمعنا، وما عندهم من العادات والعواطف لا يشبه العادات ~~والعواطف التي عندنا، وما من أمل لنا في إصلاح مجتمعنا وترقية شعبنا ما لم نقتبس ~~الجديد، متوخين في اقتباسه ما يوافقنا ويلائم أحوالنا ... ~~... ونحن دعونا إلى تطبيق الديمقراطية حين رفعنا علم الثورة، وفكرت في الطريقة التي نحل ~~بها المشكلة، وهي طريقة أحسبها رأيا جديدا في المذاهب السياسية وأحسب أنها حل أساسي ~~للمشكلة كلها، وأوضح ما أعنيه فأعرض أولا ما أعنيه بطبقات المجتمع الإنساني. # فعلى أي شيء أقيم أقسام المجتمع الإنساني؟ على نصيب الفرد من الفطنة والكفاية، وبهذا ~~ينقسم الناس إلى طوائف ثلاث: # الطائفة الأولى: # هي التي ترى مبتدئة بالرأي، وهي صاحبة الفطنة الفائقة التي تتضح لها ~~المسائل المتشابكة من نظرة، وتلقي بالها إلى الكلمة فتتبعها بالعمل ~~العظيم، ومن ثاقب نظرها إلى المستقبل وجليل عملها في الحضارة تتقدم ~~الحضارة الإنسانية، هؤلاء هم الرواد الكشافون ذوو ~~البداهة والبصيرة النافذة. # والطائفة الثانية: # هي التي تتلوها في النظر والفطنة، وليس في طاقتها أن تبتدئ وتبتدع، ~~بل هي تحاكي وتتبع وتستفيد مما عمله السابقون لها إلى الرأي ~~والرؤية. # والطائفة الثالثة: # هي التي لا تدرك ولا تعلم وإن حاول الآخرون تعليمها، ولكنها تعمل ~~وتثابر على العمل، أو بعبارة أخرى، إن الطائفة الأولى هي طائفة ~~الكشافين المستطلعين، والطائفة الثانية هي طائفة المتولين المساعدين، و ~~الطائفة الثالثة هي طائفة المنفذين المشتغلين، ويتوقف ms144 تقدم العالم على ~~هذه الطوائف جميعا، فلا يصح نقصان واحدة منها. وكل أمة تشرع في تطبيق ~~الديمقراطية يجب أن تكل إلى كل فرد من أفرادها حصة: إلى الرجل الذي ~~يبتدئ بالرأي، والرجل الذي يتبعه ويساعده، والرجل الذي لا يرى لنفسه ~~ولكنه يعمل ويشتغل. # وعلينا أن نفهم أن الديمقراطية السياسية ليست منحة الطبيعة ولكنها اختراع الإنسان، ~~ويلزمنا أن نخلق الديمقراطية ونعطيها الشعب ولا نتريث حتى يحارب الشعب من أجلها ~~ويأخذها. # والأمم الغربية طبقت الديمقراطية وحدث بعد تطبيقها أن الشعب تربى فيه شعور العداء ~~للحكومة، وعز عليه أن يفرق بين حق السيادة وحق الكفاية، فإن فاتنا أن نتنبه لهذا فنحن ~~منساقون وراء الغرب على غير هداية. # وينبغي أن يكون التمييز بين السيادة والكفاية سهلا على الصين؛ لأننا نفهمهما من ~~عبارة «آه تو» وعبارة «شوكوليانج». # وخلاصة العبارتين أن الحكومة إذا صلحت فنحن الملايين الأربعمائة نجعلها «شوكوليانج» ~~لنا ونخولها كل حقوق الدولة، وأنها إذا فسدت فنحن الملايين الأربعمائة نتقلد حقوق الملك ~~ونطردها ونسترد السيادة إلى أيدينا. # ونحن اليوم نعرف طريقة للانتفاع بالديمقراطية وطريقة لتحويل موقف الرعية منها، ولكن ~~الأكثرين من الرعية لا يفقهون، فمن خصتهم أمانة الفقه مسئولون أن يقودوا الرعية إلى ~~الطريق الأقوم حذرا من عاقبة التجربة في البلاد الغربية. # وقد انتهى علماء الغرب إلى أن موقف الشعوب من الحكومة خطأ وأن تغييره واجب، ولكنهم لم ~~يبصروا بعد كيف يكون التغيير. # وهذا الذي اهتدينا إليه، فلا مناص من التمييز بين حقوق السيادة وحقوق الكفاية ~~والقدرة، فيقوم أساس الحكم في الأمة على حقوق الأمة، أما إدارة الحكومة فتعهد إلى ~~خبرائها، ولا يقف منا أولئك الخبراء موقف الأبهة والرئاسة وفخامة المناصب، بل حكمهم ~~عندنا حكم السواقين أو حراس الأبواب أو الطهاة أو الأطباء أو النجارين أو من نحسب من ~~ضروب العاملين، وما دام موقفهم هذا الموقف فالحكومة تنتظم والشعب يتقدم. # وما هي خير الوسائل لتطبيق الديمقراطية؟ # إن الانتخاب هو الوسيلة التي تعم البلاد المعروفة بالبلاد الديمقراطية، فهل هو وسيلة ~~كافية لانتظام الحكومة؟ كلا؛ لأنه أشبه ms145 شيء بالآلات القديمة التي كانت عند اختراعها ~~تستطيع أن تتقدم، ولكنها لا تستطيع أن ترجع، وإنما يتم تركيب الأداة بالقدرة على ~~الرجوع، والوسيلة التالية لتلك الوسيلة الأولى هي التي تيسر للشعب أن يدير الأداة إلى ~~الوراء، وأن يعزل الحكومة التي اختارها، وهاتان الوسيلتان - وهما الانتخاب والعزل - ~~تحفظان سيطرة الشعب على حكومته وموظفيها فيبقيهم أو يخرجهم حين يشاء، ولا غنى لأداة ~~الحكومة عن الجهاز الذي يدفعها قدما أو يردها ويثنيها إلى حيث يريد. # ومسألة القانون مهمة للحكومة الديمقراطية كمهمة الموظفين، فإذا وجد من يحكم فلا بد أن ~~توجد مع قاعدة لحكمه، ومن حق الأمة إذا ارتضت قاعدة للحكم أن تجعلها قانونا وتوحي إلى ~~الحكومة بتنفيذها، وهو ما يسمى بحث اقتراح القوانين، ونعتبره الركن الثالث من أركان ~~الديمقراطية، فإذا اتفقت الآراء على استنكار قانون غير نافع للشعب فمن اللازم إذن أن ~~يملك الشعب الوسيلة التي تكفل له تعديله واتخاذ البديل الصالح منه، ويطلقون كلمة ~~الاستفتاء على هذا الحق أو هذا الركن الرابع للديمقراطية. # وليس يجوز لنا أن نقول عن أمة إنها تنعم بالديمقراطية الوافية ما لم تكن هذه الحقوق ~~الأربعة نافذة فعلا، وما لم يكن تطبيقها مرعيا بوسائله المقررة، ويومئذ تتقرر ~~السيادة الشعبية المباشرة. # إن السيطرة المباشرة على الحكومة لا تستقر حتى يتولى الشعب هذه الحقوق الأربعة ~~«الانتخاب والعزل والاقتراح والاستفتاء» ويومئذ يصح القول باشتراك الشعب كله في حكم ~~نفسه، ومعنى ذلك عندنا أن الملك هو الملايين الأربعمائة، يباشرون حقوقهم الملكية ~~ويسيطرون على مسائل الدولة العظمى، ويرجع الأمر في كل شيء إلى هذه الحقوق الديمقراطية ~~الأربعة. ~~(8) مبدأ المعيشة من محاضرات كانتون سنة 1924 ~~«مينج شنج شوي» هي مبدأ معيشة الشعب. # و«مينج شنج» هي كلمة طالما طرقت الأسماع في الصين، ونحن نتكلم عن الرخاء القومي ~~ومعيشة الشعب من أطراف الشفاه ولا نعني بفهم المقصود منها، ولست أرى أنها تعبر لنا عن ~~معنى كثير، ولكننا إذا حملناها في هذا العصر - عصر العلم - إلى دائرة البحوث العلمية ~~لدراسة مدلولها من الوجهة الاجتماعية والوجهة الاقتصادية وجدنا ms146 لها مرمى كبير ~~الدلالة. # فالمينج شنج ترمي إلى تدبير مئونة الشعب، وكيان المجتمع ورخاء الأمة وحياة الجماهير، ~~وإني لمستخدم هذه العبارة الآن للدلالة على مشكلة من أكبر المشكلات التي نجمت في الغرب ~~خلال القرن الماضي، وهي الاشتراكية. # فمسألة المعيشة هي الاشتراكية، وهي الشيوعية، وهي الطوبى. # والعوامل التي تضافرت على خلق هذه المسألة هي بالإيجاز تقدم الحضارة المادية السريع، ~~وتطور الصناعة العظيم، والزيادة المفاجئة في القدرة البشرية على الإنتاج. # فاستخدمت القوى الطبيعية كالبخار والحرارة وتيارات الماء والكهرباء بديلا من الطاقة ~~الإنسانية، واستخدم النحاس والحديد بديلا من عضل الإنسان وعظامه، وصار في وسع رجل واحد ~~بمكنة واحدة أن يعمل عمل مائة أو ألف، واتسعت المسافة جدا بين طاقة الإنسان وطاقة ~~المكنات، وهو ما يسميه الغربيون بالثورة الصناعية. # وهم يطلقون هناك كلمة الاشتراكية وكلمة الشيوعية كأنهما مترادفتان، وقد تشملهما كلمة ~~الاشتراكية على ما بينهما من اختلاف. # وغرضي من إطلاق مبدأ المعيشة بدلا من الاشتراكية أن أصل إلى جذور المسألة وأكشف عن ~~حقيقتها وأيسر فهمها لمجرد سماعها. # فهل مبدأ المعيشة حقا مخالف للاشتراكية؟ إن أهم ما تشتغل به الاشتراكية هو مسائل ~~المجتمع الاقتصادية، أو مسائل المعيشة. ومنذ تقدمت الصناعة أصبح كثير من العمال قد نزعت ~~منهم أعمالهم وتعسر عليهم كسب أرزاقهم، وجاءت الاشتراكية تحاول علاج هذه الحالة فتلاقت ~~مسائل المجتمع ومسائل الاقتصاد ودخلت كلتاهما في نطاق مسألة المعيشة وهي محور ~~الاشتراكية. # إلا أن الأمم اليوم تختلف في مذاهبها الاشتراكية وفي مقترحاتها لحل مشكلاتها، فهل ~~نحسب إذن أن الاشتراكية وجه من وجوه مسألة المعيشة، أو أن مسألة المعيشة وجه من وجوه ~~الاشتراكية؟ # إن دعاة الاشتراكية الأولين كانوا على الأغلب دعاة أخلاق وكان أتباعهم أصحاب ضمائر ~~وآداب، ولم يكن أحد يقاوم الاشتراكية غير أصحاب الأموال الذين رانت على نفوسهم الأثرة ~~فلم يكترثوا لما يصيب الجماهير، وإذا كانت المشكلة الاجتماعية تدور على توفير الرزق ~~للعديد الجم من بني آدم كان ذوو النظر والصلاح القائمين بالدعوة الاشتراكية أهلا للعطف ~~والتأييد من الكثيرين، ثم راج المذهب فأخذت الأحزاب الاشتراكية ms147 في الظهور، واطرد نموها ~~وانتظامها وسرت دعوتها إلى كل أمة. # غير أن الاشتراكيين الأوائل كانوا جميعا طوبيين يطمحون إلى بناء دنيا مثالية يظللها ~~السلم والسعادة ولا تسمع فيها شكاية، ولم يصفوا للناس طريقة فعالة لمنع الشكاية ~~والشقاء. # وهنا جاء ماركس فصرف عقله وذكاءه ومعارفه وتجاربه إلى تمحيص هذه الأمور ودراستها، ~~وبنى آراءه الجديدة جميعا على القواعد الاقتصادية، وأنحى على الاشتراكيين السالفين ~~لتعويلهم على ضمير الفرد وشعور الجماعة في حل مشاكل الاقتصاد التي لا تجدي الأخلاق ولا ~~تجدي العواطف في حلها، وقال: إن المهم قبل كل شيء هو درس أطوار الاجتماع، وصدر في ~~مبادئه عن رعاية مطلقة للوقائع دون النظريات والأمثلة العليا. # ثم تشعبت المذاهب الاشتراكية بعد ماركس إلى شعبتين: شعبة الطوبيين وشعبة العلميين، ~~وهؤلاء ينادون باستخدام الأساليب العلمية لعلاج المشكلات الاجتماعية، فكل دراسة في هذا ~~العصر الذي تتقدم فيه الحضارة المادية على عجل وتتعاظم فيه قوة العلم ينبغي أن تقام على ~~القواعد العلمية كي تثمر وتفيد، ولا يحق لنا أن نترقب حلا لمشكلة من المشكلات قبل ~~تناولها بالبحوث العلمية. # إن ماركس يؤكد الجانب المادي في دراسته لمسائل المجتمع، ومتى تناولت القوى المادية ~~فأنت مواجه مسألة الإنتاج قبل كل شيء ... وحيث لا يوجد إفراط في الإنتاج لا توجد بالبداهة ~~ثورة صناعية، وعلى هذا يحل الإنتاج المحل الأول من الأهمية في علم الاقتصاد الحديث، ~~فإذا شئت أن تفهم أحوال الاقتصاد الحديثة فلا معدى لك عن فهم الوقائع التي تتعلق ~~بالإنتاج. # وقد أصبح الإنتاج على نطاق واسع ميسورا في العصر الحديث بالعمل والمكنة، أو باشتراك ~~رأس المال والمكنات واستخدام الأيدي العاملة، وتذهب أرباح هذا الإنتاج في نطاقه الواسع ~~على الأكثر إلى أصحاب الأموال فلا يجني العمال منها غير قسط ضئيل. # ولهذا تصطدم مصالح أصحاب الأموال ومصالح العمال على الدوام، وتنفجر حرب الطبقات حين ~~لا يوجد الحل المرضي بين الفريقين، ويعتقد ماركس أن حرب الطبقات لم تأت تبعا للثورة ~~الصناعية، بل كان التاريخ الماضي كله قصة حرب بين الطبقات: أو بين السادة والعبيد، أو ms148 ~~بين أصحاب الأرض والأكارين، أو بين النبلاء والعامة، أو بالإيجاز بين كل غاصب وكل ~~مغصوب، ولن تكف هذه الحرب حتى تبلغ الثورة الصناعية مداها من النجاح. # وواضح من ذلك أن ماركس يعتبر حرب الطبقات ضرورة من ضرورات التقدم الاجتماعي، وأنها في ~~الواقع هي القوة الدافعة لذلك التقدم، فحرب الطبقات هي السبب والتقدم الاجتماعي هو ~~النتيجة. # على أن التوفيق بين معظم المصالح الاقتصادية في المجتمع إذا أمكن فمعظم الناس ينتفعون ~~بهذا التوفيق والمجتمع يتقدم، ونحن لا نحاول التوفيق بينها إلا لعلاج هذه المشكلة: ~~مشكلة المعيشة وتوفير المئونة. # ومن قديم الزمن بذل الإنسان جهده لحفظ كيانه، وكان صراع الإنسان لاستدامة وجوده ~~باعثا للتطور الذي لا ينقطع في أحوال المجتمع، وذلك هو قانون التطور الاجتماعي، فليست ~~حرب الطبقات باعث التقدم الاجتماعي، بل هي داء يتعرض له المجتمع أثناء التطور، وعلة ~~الداء هي العجز عن توفير الرزق، والحرب هي نتيجة هذا الداء. # وكل ما استفاده ماركس من بحوثه أنه علم بالأدوات التي يتعرض لها المجتمع أثناء تطوره، ~~فهو مشخص أمراض Pathologist # ولا نستطيع أن نقول عنه ~~إنه فزيولوجي مشرح لوظائف البنية، وقد وجد خلال درسه لمشكلات المجتمع علة واحدة من ~~علله، فلم ينكشف له قانون التقدم الاجتماعي ولا القوة الرئيسية في مجرى التاريخ. # وقد استقر حزب الكومنتانج منذ زمن على طريقتين لتنفيذ مبدأ المعيشة القومية: إحداهما ~~التسوية بين ملاك الأرض، والأخرى تنظيم رءوس الأموال، وهما كفيلتان بحل مشكلة المئونة ~~في الصين. # ومن البديهي أن أمم العالم المختلفة مضطرة إلى اتباع طرق مختلفة لحل هذه المشكلة حسب ~~اختلاف الأحوال فيها. # وكثير من أساتذة الصين الذين استوعبوا معارف الغرب قد حسبوا أننا نعالج مشاكلنا ~~مقتدين في العلاج بغيرنا، ولم يلتفتوا إلى الخلاف الذي قام ولا يزال قائما بين أحزاب ~~الأمم الغربية حول مشكلات بلادهم، فالماركسيون يحلون جميع المشكلات الاجتماعية ~~بالدكتاتورية العمالية وجميع مشكلات الاقتصاد والسياسة بالثورة، وهم فريق التطرف الأقصى ~~وغيرهم من الاشتراكيين يميلون إلى الأساليب السلمية واستخدام العمل السياسي والتفاهم ~~بالمفاوضة والمساجلة، وبين الفريقين خصام ms149 شديد في أوروبة وأمريكا، ينحو فيه كل فريق ~~منحاه. # وعند المقارنة بين هذا المنحى وذلك نرى أن ماركس يحل العقدة بقطعها، وأن الآخرين ~~يفكون عقدتها برفق وتؤدة، فهل نريد نحن أن نحل عقدتنا بحد السكين أو الرفق ~~والتؤدة؟ # ينبغي أن نذكر أن مبدأ المعيشة الذي يدعو إليه الكومنتانج ليس المطمح المثالي، بل هو ~~القوة الدافعة في المجتمع، وهو المحور الذي تدور عليه جميع الحركات التاريخية، والفرق ~~بين الشيوعية ومبدأ المعيشة أن الشيوعية غاية مثالية للمعيشة، ولكن مبدأ المعيشة هو ~~الشيوعية الواقعية، فليس بين المذهبين فرق أصيل، وإنما الفرق في أساليب التطبيق. # وبين هذه الأحوال التي تعانيها الصين نسأل: أية الوسائل هي التي نختارها لعلاج مسألة ~~المعيشة؟ # لن تكون هذه الوسائل نظريات فارغة، بل وقائع ماثلة، ولن تكون وقائع ماثلة في البلاد ~~الأجنبية، بل في صميم بلادنا، فلا اهتداء إلى خطة قديمة ما لم نكن على علم بالوقائع ~~الصحيحة، فما هي الوقائع الأساسية عندنا؟ # لنعلم أننا جميعا أصحاب حصة في هذه الفاقة التي تبتلى بها الأمة الصينية، فليس عندنا ~~طبقة غنية خاصة، بل هناك فاقة عامة، وهذا التفاوت بين الغني والفقير إنما هو اختلاف في ~~طبقة واحدة، أو اختلاف في درجة الفاقة. # والواقع أن صاحب رأس المال الصيني بالقياس إلى نظرائه الغربيين فقير ومن عداه من ~~أبناء الشعب فقراء مدقعون، وإذا كان أغنياؤنا فقراء في العالم الواسع فالأمة الصينية ~~أمة فقراء، وليس بينها غني كبير، وكل ما فيها فقر محتمل وفقر لا يطاق، فكيف السبيل إلى ~~التسوية بينهم وإلى الخلاص من براثن الفقر الشديد؟ # إن التغير الاجتماعي والتطورات في رأس المال تبدأ عادة من مالك الأرض إلى التاجر إلى ~~صاحب المال، وقد نشأ ملاك الأرض من عهد الإقطاع، ويمكن أن يقال: إن أوروبة لم تملك بعد ~~حريتها من النظم الإقطاعية في حين أن الصين قضت على نظام الإقطاع فيها من عهد أسرة ~~شين. # وكان النبلاء الذين يحوزون الأرض هم الأغنياء حين كان عهد الإقطاع قائما، ومن لم يكن ~~في حوزتهم أرض ms150 فهم فقراء، وقد مضى نحو ألفي سنة على انتهاء عهد الإقطاع في الصين، ولا ~~تزال الحالة باقية كما كانت لقلة التقدم في أساليب الصناعة والتجارة. وخلت الصين من ~~كبار الملاك، ولكنها لم تخل من الملاك الصغار، وسارت العلاقات في سلام بين الملاك ~~الصغار وآحاد الشعب، إلى أن سرت تيارات الحياة الغربية إلى الصين في الزمن الأخير فسرى ~~التغيير إلى كثير من النظم، وكانت مسألة الأرض أول ما أصابه التغيير من جراء اتصالنا ~~بالبلاد الغربية، فشاعت المقامرة والمضاربة بالأرض وارتفعت هذه المضاربات بأثمان الأرض ~~ارتفاعا لا يطمأن إليه. # إن الغربيين لم يهتدوا إلى طريقة يعالجون بها هذه الشرور التي تتعلق بالأرض، فإذا ~~أردنا حل هذه المشكلة فلنبدأ الآن ولا ننتظر حتى يتقدم تطور التجارة والصناعة فلا يسلس ~~لنا مقادها بعد ذاك. # واليوم والمؤثرات الغربية تتوالى وأحوال الصناعة والتجارة تدخل أطوارها المتجددة، ~~ننظر حولنا فنرى التفاوت يتباعد بين ملاك الأرض كما يتباعد بين ذوي الأموال والفقراء، ~~ووجهتنا من دعوة الكومنتانج هي التقريب والتسوية بين موارد الرزق في المجتمع، فهي غاية ~~كفاية الاشتراكية أو غاية الشيوعية، ولكن طريقة التطبيق هي موضع الاختلاف. # وخطوتنا الأولى هي علاج مشكلة الأرض، ونصف المشكلة كلها محلول إذا وفقنا في هذا ~~العلاج، فأصحاب رءوس الأموال في الصين لا يزالون ملاك أرض لا ملاك مكنات ومصانع، وينبغي ~~من هنا أن يسهل علينا العمل على التسوية بين الملاك وتنظيم رأس المال وأن نلتمس لنا ~~مخرجا من مشكلة الملكية. # ولا يكفي تنظيم رأس المال إذا أردنا أن نحل مشكلة المعيشة وأن نستريح طويلا بعمل ~~حاسم، فقد كان فرض الضرائب على الدخل إحدى الوسائل التي لجأ إليها الغربيون لتنظيم رأس ~~المال، فهل ترونهم حلوا مشكلة المعيشة؟ # إن الصين لا تشبه غيرها من الأمم، ولا يغنينا هنا أن نعمل على تنظيم رأس ~~المال. # فالأمم الأخرى غنية والصين فقيرة، والأمم الأخرى يفيض إنتاجها عن حاجتها والصين لا ~~تنتج ما يكفيها، فلا يكفي الصين تدبير رءوس الأموال الخاصة، بل عليها أن تدبر للدولة ~~كلها رأس ms151 مالها، وما العمل والأمة اليوم ممزقة الأطراف؟ وكيف السبيل إلى تدبير رأس مال ~~للدولة؟ # يخيل إلينا أنه ما من سبيل إلى وجهة صالحة، أو يخيل إلينا أنه ما من أمل في ارتقابها ~~بعد حين. # مصانع الدولة: ويومئذ يتسنى لنا أن نجتهد لتحقيق رجاء كنفشيوس في الأسرة القومية ~~الكبرى. # وكل كلام عن مبدأ المعيشة فحواه أن يحصل الملايين الأربعمائة على طعامهم بالثمن ~~القليل، فلا تعتبر مشكلة المعيشة محلولة حتى يتوافر الطعام الصالح بثمن ميسور. # من أمثلة الصين: «سبعة أشياء تشغل بالك حين تفتح بابك في الصباح: الوقود والأرز ~~والزيت والملح والفول والخل والشاي!» # وقد كانت الصين من أقدم العصور أمة زراعية صناعتها الكبرى لتحصيل القوت هي الزراعة، ~~وقوام الزراعة هم الفلاحون الذين ينهكهم العمل وتتوقف على حمايتهم بقوة القانون جودة ~~المحصول ووفرة الأرزاق، ومن قسمة الصين أنها خلت من كبار الملاك ولا يزال تسعة أعشار ~~أبنائها بغير أرض يملكونها، فأكثر الأرض يملكها أناس لا يزرعونها بأنفسهم، ومن العدل أن ~~يزرع الفلاح أرضا يملكها وينتفع بمحصولها، إلا أن الفلاحين اليوم يزرعون لغيرهم ويذهب ~~من محصولهم أكثر من نصفه إلى أيدي الملاك، وبحل هذه المشكلة يرتبط حل مشكلة المعيشة ~~كلها، فقد دلت الإحصاءات الأخيرة على أن الزارع لا يحصل من أرضه على أكثر من أربعين في ~~المائة، ويذهب سائره إلى المالك الذي لا يزرع. # وليس يكفي عند تناول مسألة الإنتاج الزراعي أن نجتهد لتحرير الفلاح، بل علينا مع هذا ~~أن نجتهد لمضاعفة الإنتاج بالوسائل العلمية، وخلاصتها استخدام المكنات والاستعانة ~~بالأسمدة والمخصبات ومناوبة الغلات والمحاصيل واستئصال الآفات وتنظيم المعامل والتصدير ~~واتقاء الأزمات. # وعلينا أن نسأل: هل تعتبر مشكلة المعيشة محلولة إذا تحققت جميع هذه الجهود؟ # أبادر فأقول: كلا، إذ ليست يسرة الإنتاج مغنية عن تنظيم التوزيع والتقسيم، ويتعذر ~~الإنصاف في التوزيع والتقسيم مع عدم الاتحاد. # إلا أننا نتعزى بأن المحنة التي نحن فيها عارض زائل ونؤمن باتحادنا في المستقبل، ~~وأننا سنحل مشكلة المئونة بتنمية رأس المال وترقية الصناعة، فنبدأ من المواصلات من سكك ~~حديدية ms152 وطرق نهرية، ثم نفتح المناجم التي تخفيها الأرض مع الأسف على وفرتها في أرض ~~الصين، ثم نلاحق ذلك ببناء المصانع والمعامل، وعندنا وفرة من الأيدي العاملة، ولكننا ~~لقلة المكنات لا نقوى على منافسة الأمم الأخرى، والسلع التي تستنفدها الصين تصنعها ~~الأمم الأخرى وتتولى تصديرها إلينا لحسابها، فلا جرم تستنزف حقوقنا الاقتصادية ومرافقنا ~~وتمتصها شيئا فشيئا، ولا نستطيع نحن أن نوقف هذا الدم المنزوف ونسترد حقوقنا ومرافقنا ~~إلا إذا سخرنا قوى الدولة لترقية الصناعة، واستخدام المكنات في الإنتاج وتوفير العمل ~~لجميع الأيدي الصالحة له في الأمة، ومتى اشتغل العمال جميعا وأتقنوا إدارة المكنات ~~والآلات لإنتاج السلع تجدد للصين ينبوع عظيم للثروة، ولا محيص من ولاية الدولة لهذا ~~العمل؛ لأن الإشكال فيه على الأمراء والوطنيين والأجانب يوشك أن يسفر عن طبقة مفرطة في ~~الغنى يعقبها التفاوت البعيد بين حظوظ الناس من الغنى. # لا محيص إذن من حصول الدولة على رأس مال، وما معنى ذلك؟ معناه البسيط إنشاء الصناعة ~~القومية، وعلى الدولة أن تعطي القدوة في مشروعات الأعمال الكبرى، وأن تدير أنواعا من ~~المكنات المنتجة التي تدخل في ملك الدولة، وهي إذا تمكنت من تنمية رأس المال القومي ~~ونفع الأمة بثمراته فقد أمكنها أن تتجنب خصومات رأس المال. # وسيكون دخلنا عظيما من الصناعات الثلاث! صناعة المواصلات وصناعة المناجم وصناعة ~~المعامل، وستكون مزاياها ومنافعها مشاعة بين الأمة قاطبة، وسيحصل كل صيني على حصة من ~~أرباح رأس المال فلا يضيره رأس المال كما يضير أناسا من أبناء البلاد الأجنبية التي ~~ينحصر القسط الكبير من رءوس أموالها بين الأيدي الخاصة. # ونعود فنقول: إن مبادئنا الثلاثة تفيد لأجل هذا حكم الشعب بالشعب لأجل الشعب، وإن ~~الدولة ملك الشعب؛ لأن الشعب كله يشرف عليها ويجني ثمرات أعمالها، وبهذا تصبح للشعب حصة ~~في كل شيء ولا يكون قصارى الأمر أنه صاحب حصة فيما تنتجه الملكية الخاصة، ونعني بها ~~ملكية رأس المال؛ لأن الإنتاج ينظر إلى هدف واحد في هذه الحالة: وهو الربح. # ومتى كان الربح هو الغاية فنجاحنا في ms153 تخفيض سعر الأقوات يتحول إلى طلب الربح من وراء ~~التصدير إلى الخارج حيث ترتفع أثمان الطعام، وحسب صاحب المال الخاص أن ينظر إلى الربح ~~ليحفزه الطمع إلى التصدير ولو كانت المجاعة تفني الكثيرين. # هذا النظام من نظم التوزيع لن يحل مشكلة المعيشة، فتحقيق ال «مينج شنج» مستحيل ما لم ~~نشفع تدبير مسألة الإنتاج بتدبير مسألة التوزيع، وما لم نجعل القبلة توفير الطعام لا ~~توفير الأرباح. # فالقضاء على نظام رأس المال حتم لا هوادة فيه، ونحن نعلم أن موارد الصين كافية لإطعام ~~أهلها في الوقت الحاضر، ولكننا نرى الموارد تنقص عاما بعد عام؛ لأن الطعام يتسرب إلى ~~الخارج حيث يجلب الربح الجزيل لفئة قليلة من أصحاب الأموال. # ومدار المبدأ الذي يتصل بمعيشة الأمة أن يحصل الناس على أقواتهم لا أن تمتلئ الخزائن ~~بالأرباح، ويضطرنا هذا إلى خزن الفائض سنة قبل المحصول الجديد فلا نسمح بالتصدير حتى ~~نضمن الكفاية بعد العام القابل ... # فالحد الفاصل بين نظام مبدأ المعيشة ونظام رأس المال أن رأس المال يجعل الربح غايته، ~~وأن مبدأ المعيشة يجعل الغاية تيسير القوت لجميع أبناء الأمة، ومثل هذا المبدأ قمين أن ~~يقضي على شرور النظم الاجتماعية القديمة. # ولطالما ردد الاقتصاديون أن مطالب المعيشة ثلاثة: غذاء وكساء ومأوى، وتجاربي الطويلة ~~تدفعني إلى إضافة مطلب رابع كبير الخطر في هذا الصدد، وهو المواصلات السهلة، وحل ~~المشكلة - مشكلة المعيشة - يستلزم أن يتمكن الناس جميعا من تحصيل هذه المطالب الأربعة ~~ولا يغنيهم عن ذلك تخفيض أسعارها ... وحيث يراد أن تتضافر المساعي على إبداع (دنيا جديدة) ~~لا يجوز أن يوجد أحد يعوزه مطلب من هذه المطالب الأربعة. # والحكومة هي التي تتولى حتما تزويد الشعب بهذه المطالب، ويجب أن يكون من حق كل أحد ~~أن يحاسبها على تقصيرها، فعلى عاتقها يقع عبء العمل لتزويد الشعب بضروراته ~~المعيشية. # وعلى الشعب ولا شك تبعات قبل الحكومة واضحة الحدود، فعلى الفلاح أن ينتج مواد الغذاء، ~~وعلى الصانع أن ينتج الأدوات والآلات، وعلى رجل الأشغال أن يوازن الكفتين بين العرض ~~والطلب، ms154 وعلى العالم أن يفرغ للعلم ذكاءه ودرايته، وعلى كل بالإجمال أن يعرف واجبه ~~ويقوم بأدائه على الوجه الأمثل. # والهيئة السياسية أو القوة السياسية، لازمة لإنجاز هذه المهام من تدبير المئونة ~~واتقاء خطر المنافسة الأجنبية، ولكن الصين اليوم - وهي أسيرة المعاهدات - لم تفقد ~~سياستها وحسب، ولم تعجز عن حماية صناعتها وكفى، بل هي قائمة بحماية الصناعة الأجنبية، ~~وقد حدث هذا من جراء التمدد والتوسع في رءوس الأموال، كما حدث من جراء التقدم الصناعي ~~ومن تفوق الأجانب علينا في ميادين الاقتصاد، وكل هذه المزايا تسندها من ورائها قوى ~~الدول السياسية. # وإنهم اليوم ليعاملون الصين كأنها سوق مستعمرة ويقبضون بأيديهم على حقوق السيادة ~~الصينية وعلى شئونها المالية، فلا يسعنا وهذه حالهم وحالنا أن نتفرد بعلاج مبدأ ~~المعيشة، وعلينا أن نستولي على الجانب السياسي ونلغي المعاهدات الجائرة ونسترد مكوس ~~الموانئ من الأيدي الأجنبية، ونستطيع بعد ذلك أن نزيد المكوس وأن نتبع خطط الحماية ~~الجمركية، وأن ندفع سيل الواردات المتدفق على بلادنا كي يتسع المجال أمام صناعتنا ~~للتطور والانتشار. # وعلى الصين أن تأخذ بناصر السلع الوطنية وتقاطع السلع الأجنبية، ولطالما أثرنا ~~الثائرة حول هذه المسألة ولم نظفر بمعاونة من الأمة؛ فأخفقت الحملة وحبط السعي، وهذا مع ~~صعوبة النجاح حتى في حالة التعاون بيننا وبين الأمة، لضعف حكومتنا وقصور مساعيها ~~السياسية. # فليس في طاقتنا أن نسيطر على مكوسنا البحرية وهي بين الأيدي الأجنبية، وليس في طاقتنا ~~أن نزيد مكسا من المكوس، وليس في طاقتنا من أجل هذا أن نرفع ثمن المنسوجات الأجنبية ~~ونهبط بتكاليف المنسوجات الوطنية، وما دامت المنسوجات التي ترد من الخارج أقل ثمنا من ~~منسوجاتنا فليس في طاقتنا أن نحول الشعب من شراء الصنف الأجنبي إلى شراء الصنف الوطني ~~بأكثر من ثمنه، وغير مجد أن نهيب بالناس أن يجتنبوا الأكسية الأوروبية ولو بذلك ينقض ~~قواعد الاقتصاد في حياة كل فرد من عامة الأفراد. # لا مناص إذن من الاعتماد على القوة السياسية لتدبير الكساء وتعويد الأمة أن تلبس من ~~منسوجات بلادها وتجتنب المنسوجات الواردة من ms155 البلاد الخارجية. ~~(9) لوازم المعيشة من كتاب تنمية الصين الدولية # The International Development of China # في البرامج الأربعة السابقة حصرت القول في إنشاء الصناعات الأساسية التي تعتبر مفاتيح ~~الصناعة. # وفي هذا البرنامج سأحصر القول في طائفات من الصناعات الأصلية التي تحتاج إلى المعونة ~~الأجنبية، وأعني بالصناعات الأصلية تلك الصناعات التي تزود كل فرد وكل أسرة بضرورات ~~العيش ومرفهاته. # وغني عن القول أن قيام الصناعات الأساسية أو مفاتيح الصناعة سيتبعه من تلقاء نفسه ~~نشوء الصناعات المختلفة الأخرى خلال أجزاء البلاد في فترة قصيرة، فقد حدث مثل ذلك في ~~أوروبة وأمريكا بعد الثورة الصناعية. # ولا شك أن قيام الصناعات الأساسية يتكفل بتدبير العمل الكثير من الأيدي ويرفع مستوى ~~المعيشة بين العمال، وعند ارتفاع الأجور ترتفع كذلك أثمان الضرورات والمرفهات، ومقصدنا ~~من هذا البرنامج هو المساعدة على خفض تكاليف المعيشة في الصين أثناء نشأتها الدولية، ~~بحيث يحصل الشعب على الضرورات والمرفهات وعلى الأجور الحسنة في وقت واحد. # من المتداول بين الناس أن الصين أرخص البلاد وأقلها كلفة، وهو سوء فهم يرجع إلى تعود ~~الناس أن يقيسوا كل شيء بقيمة العملة، ولكننا حين نقيس تكاليف المعيشة بما يلزمها من ~~العمل نرى أن الصين أغلى البلاد وأعظمها كلفة بالنسبة إلى العامل، فإن العامل اليدوي ~~يقضي في عمله من أربع عشرة إلى ست عشرة ساعة كل يوم ليكسب قوته، وليس في وسع كاتب ~~الدكان أو معلم المدرسة أن يكسب أكثر من مائة دولار في السنة، ويحتاج الزارع لسداد ~~الضريبة والإيجار أن يعيش عيشة الكفاف من يده إلى فمه كما يقال. # إن العمل رخيص جدا وكثير جدا، ولكن مطالب المعيشة لا تعدو الكفاية العاجلة كل ~~سنة، فإذا وقعت الأزمة في إحدى السنوات وقع كثيرون في الضنك والجوع، وهذه الحالة التعسة ~~التي يعانيها فقراء الصين نتيجة محتومة لنقص التطور وسذاجة الوسائل وتبديد الجهود ~~العاملة. # وتعالج هذه الحالة علاجا حاسما بالاستعانة برءوس الأموال الأجنبية وبالخبرة الفنية ~~من الخارج لمنفعة الأمة الصينية كافة؛ إذ كانت أوروبة وأمريكا قد سبقتانا إلى التطور ms156 ~~الصناعي بنحو مائة سنة، فإذا أردنا اللحاق بهما في وقت قصير وجب علينا أن نستعين بما ~~عندهما من الأموال والآلات، وإذا تعذر الحصول على رأس المال الأجنبي فمن الواجب على ~~الأقل أن نحصل على الخبراء والمخترعين الذين يصنعون لنا آلاتنا، فلا مناص لنا بأية حال ~~من الاعتماد على الآلات لمساعدة قوانا اليدوية الهائلة على تنمية مواردنا التي لا ~~تحصى. # وتتلخص ضرورات المعيشة العصرية في خمسة مطالب هي: ~~(1) # صناعة الأطعمة. ~~(2) # صناعة الملابس. ~~(3) # صناعة المساكن. ~~(4) # صناعة المتحركات والناقلات. ~~(5) # صناعة الطباعة. ~~(9-1) صناعة الأطعمة # فصناعة الأطعمة تندرج تحت هذه العناوين: وهي (1) إنتاج الطعام و(2) تخزينه ونقله ~~و(3) إعداد الغذاء وحفظه و(4) توزيعه وتصدير فائضه. # فالطعام الإنساني يأتي من الأرض والهواء، وأهمه وأكبره غذاء الهواء وقوامه ~~الأوكسجين، وهو غذاء تدبره الطبيعة ولا يحتاج منا إلى تدبير إلا ما كان من قبيل ~~تدبير الهواء للطيار والغواص، فهو غذاء مباح لكل طالب ولا يلزمنا أن نبحثه في هذا ~~المقام. # والغذاء من الماء - وقد ألمعت إليه عند الكلام على إنشاء موانئ الصيد وسفنه - ~~موضوع لا نتعرض له هنا اكتفاء بالكلام على الصناعات التي تتوقف على المعونة ~~الأجنبية. # إن الصين بلاد زراعية، أربعة أخماسها على وجه التقريب مشتغلون بإنتاج الطعام، وقد ~~عرف الزارع الصيني بالمهارة في استخراج المحصول، وفي وسعه أن يحصل من الأرض على ~~أكثر ما تعطيه، ولكن الصين تتخللها أراض واسعة في الأماكن المعمورة متروكة بورا ~~لسبب من الأسباب، فمنها ما يترك لقلة الماء، ومنها ما يترك لكثرته، ومنها ما يترك ~~عمدا لتمكين المحتالين من المغالاة بالأجور والأثمان، وأن الأقاليم الثمانية عشر ~~وحدها لتقوم اليوم بمعيشة أربعمائة مليون. # إلا أن مجال الزيادة والتنمية متسع إذا استطلحت الأرض البور وحسنت وسائل الإنتاج ~~في الأرض المزروعة، وينبغي أن نحمي الزراع ونشجعهم بالقوانين الحرة التي تكفل لهم ~~أن يجنوا ثمرات عملهم، وينبغي مع ذلك أن نتوفر على خطة نافعة في الوقت نفسه لنشأة ~~الصين الدولية فيما يتعلق بإنتاج الطعام، وهذه الخطة النافعة تقوم على مساحة الأرض ~~وإقامة المصانع لإخراج ms157 أدوات الزراعة الحديثة. # فالصين لم تمسح قط مساحة علمية ولم تعمل لها قط خريطة وافية، فكانت إدارة الأرض ~~فوضى وتقرير الضرائب عليها جزافا بغير ضابط، مما يزيد المصاعب على الفلاحين ~~والزراع المساكين، ومن ثم كانت مساحة الأرض كيفما كانت الأمور أول ما تشرع فيه ~~الحكومة، وهو عمل لا يتم بغير المعونة الأجنبية لحاجته إلى الأموال والخبراء، ولهذا ~~نقترح أن تتولى هذا العمل منظمة دولية تجمع نفقاتها من قرض يعقد ويعين على تنفيذ ~~المشروع بما يلزمه من الخبراء والأدوات، وندع للمختصين أن يقرروا تكاليف المشروع ~~وموعد إنجازه ونطاق معداته واستخدام الطيارات له أو غيرها من الوسائل ~~والأساليب. # فيحفظ الطعام تارة بمعالجته بالملح وتارة بحرارة الشمس، ويندر أن تستخدم العلب ~~والمصانع لهذا الغرض، ورأيي أن تبنى سلسلة من معامل الأرز في جميع الحواضر الكبرى ~~بوادي اليانجزي والصين الجنوبية حيث قوام الغذاء من الأرز، ويحسن أن تبنى أربعة ~~معامل في كل مدينة إلى شمال وادي اليانجزي حيث قوام الغذاء من القمح والشوفان وبعض ~~الحبوب الأخرى، وتجعل هذه المعامل جميعا في كفالة إدارة واحدة للتوفر على التدبير ~~والقصد في النفقة، ويوكل إلى المختصين تقدير الأموال الضرورية لهذا المشروع ~~بالتفصيل. # ومن اللازم حفظ الأغذية من الفاكهة واللحم والسمك بوسائل التبريد والتعليب، ~~وسيكثر الطلب على القصدير عند إنشاء صناعة التعليب، وهي صناعة ضرورية ومربحة، ويحسن ~~أن تقام معاملها إلى جوار مناجم الحديد والقصدير، ففي الصين أماكن شتى يوجد فيها ~~الفحم والحديد والقصدير على مقربة، ويتهيأ من ثم تحضير المواد والخامات للمعامل، ~~ويحسن أيضا أن تجمع معامل التعليب ومعامل القصدير في صناعة واحدة لتيسير النفقة ~~والتنظيم. # التوزيع والتصدير # والمعروف عن الصين أنها لا تعدم الغذاء في السنوات الطيبة، ومن أمثلتها ~~الشائعة أن الحرث سنة يدبر الحاجة ثلاث سنوات، وقد تعود الناس في الأقاليم ~~الغنية أن يخزنوا الأطعمة ثلاث سنوات وأربعا من قبيل الحيطة للسنوات ~~المجدبة. # ولكن التنظيم المقترح خليق متى تم أن يغني الشعب عن الحيطة لأكثر من سنة ~~واحدة، وأن يسمح له بتصدير الفائض إلى البلاد ms158 الخارجية، ويحسن أن يوضع التوزيع ~~والتصدير مع الحفظ والتخزين في رعاية إدارة واحدة، فينقل الفائض إلى مخازن ~~المدن الكبرى ويدخر منه ما يكفي لسنة واحدة، ويباع الطعام بتكاليف إنتاجه ~~لأفراد الشعب، ثم يرسل الفائض إلى البلاد الخارجية حيث يطلبون ويبذلون فيه ~~الأثمان العالية، وبهذه المثابة ينتفع بالطعام الفائض بدلا من إضاعته سدى ~~جريا على المتبع في نظام الحجر على التصدير، ولا شك أن هذا ~~المورد خليق أن يعتمد. # وتجري مع مساحة الأرض بحوث جيولوجية في وقت واحد للقصد في النفقة، ومتى تمت ~~المساحة وتمت البحوث ووضعت الخرائط الدقيقة لكل إقليم فمن المستطاع يومئذ أن ~~نصحح تقدير الضرائب على الأرض المزروعة والأرض المستصلحة، وأن نقرر ما تصلح على ~~الأرض البور من أغراض الزراعة أو المرعى أو غرس الغابات وحفر المناجم، وأن نؤجر ~~كلا منها لاستغلاله في أحسن الأغراض التي يصلح لها، ونخصص الفائض من محصول ~~الضرائب لسداد القروض الأجنبية. # ولدينا عدا الثماني العشرة الأقاليم أراض واسعة للزرع والمرعى بمنشورية ~~ومنغولية وسنكيانج، فضلا عن أراضي المرعى الواسعة في التيبت وكوكونور، ويمكن ~~تثميرها على سعة بأسلوب التقسيم الجماعي الذي أشرت إليه في برنامجي ~~الأول. # أما إقامة المعامل لصنع آلات الزراعة وأدواتها، فإن الحاجة إليها تعظم كلما ~~مضى العمل في الزراعة والاستصلاح، وأيسر لنا أن نصنعها في بلادنا من استيرادها ~~من البلاد الخارجية، لكثرة الأيدي العاملة عندنا ووفرة الحديد والفحم في أرضنا، ~~ولا بد لذلك من تخصيص مقادير كبيرة من رءوس الأموال تنفق على المصانع التي يحسن ~~أن تقام في مراكز الصناعة أو على مقربة من مناجم الحديد والفحم، حيث توجد ~~الأيدي العاملة وتوجد الخامات. # التخزين والتصدير # والحبوب أهم مواد الغذاء التي تخزن وتصدر وهي اليوم تخزن بمقادير قليلة؛ ~~لأنها إذا خزنت بمقادير عظيمة تعرضت للسوس والتلف والآفات الجوية، فلا تخزين ~~إلا إذا قل المقدار وتعهدته العناية الدائمة مدة من الزمن. # وتصديرها كذلك باهظ النفقة؛ لأنها تنقل على الأكثر محمولة على الأكتاف، ثم ~~تتعاورها وسائل النقل التي لا نظام لها متى وصلت إلى البحار. ms159 # فإذا أحسنت أساليب التخزين والتصدير توفرت لنا ثروة كبيرة، ورأيي في هذه ~~المسألة أن تبنى خلال الديار سلسلة من مخازن الحبوب، وأن يصنع لها أسطول خاص في ~~المياه المختلفة تتولى بناءه مصلحة التنمية الدولية، ويعهد إلى المختصين بتقدير ~~رأس المال اللازم لهذه المشروعات وتعيين مواضع التخزين ... # إعداد الغذاء وحفظه # وإلى اليوم يجري إعداد الغذاء وحفظه على الأساليب البدائية القليلة، لسداد ~~أقساط الديون وفوائدها. # وغير ميسور لنا أن نتمم صناعات الأطعمة دون أن نعنى عناية خاصة بمحصول ~~الشاي وفول الصوية، فإن شراب الشاي معروف جدا بين الأمم المتحضرة، وفول ~~الصوية آخذ في الاشتهار بمزاياه الغذائية بين الباحثين العلميين وخبراء ~~الحكومات المنوط بهم تدبير الطعام، والشاي أصح الأشربة وأطيبها للناس ينتج من ~~الصين وتقوم على زرعه وتحضيره صناعة من أهم الصناعات الوطنية، وقد مضى زمن كانت ~~فيه الصين مصدره الوحيد في أنحاء العالم، ثم نازعتها إياه اليابان ~~والهند. # ولكن الشاي الصيني لا تزال له ميزته على محصولات البلاد الأخرى؛ إذ الشاي ~~الهندي مفرط في الحموضة والشاي الياباني تعوزه النكهة الشهية، فأفضل أصناف ~~الشاي ما يخرج من الصين منبته الأول، ولم تخسر تجارة الشاي الصينية إلا من جراء ~~غلاء التكاليف اللازمة لإنتاجه ومنها الضرائب المحلية وضرائب التصدير ونقص ~~وسائل الزراعة، وليس أيسر من استرداد مكاسب هذه التجارة متى رفعت الضرائب ~~واتبعت الوسائل الحديثة في زرعه، ورأيي أن تبنى في أقاليم الشاي معامل حديثة ~~لتحضير الشاي بالآلات بدلا من تحضيره بالأيدي كما يحصل الآن، وبهذا تقل ~~التكاليف وتزداد الجودة، وإذا كان إقبال العالم على الشاي في ازدياد ولا سيما ~~بعد تحريم الخمر في الولايات المتحدة فالمشروع الذي يقوم على تحسين الصنف ~~وتيسير ثمنه مشروع جزيل الربح بغير مراء. # وقد عرف الصينيون قديما مزية فول الصوية بديلا من غذاء اللحم وعول عليه ~~الصينيون واليابانيون قواما للتغذية منذ ألوف السنين، وأزمة اللحوم تحس اليوم ~~في البلاد التي تعول عليها فلا بد من حل لعلاج هذه الأزمة، ولهذا اقترح في ~~برنامج التنمية الدولية أن نصدر هذا اللحم ms160 الصناعي ومعه مستخرجات اللبن الصناعي ~~والزبدة الصناعية لتصديرها إلى أوروبة وأمريكا، وأن نستعد لتصدير هذه الأصناف ~~بإقامة المعامل التي تخرج للغرب الأغذية النتروجينية الرخيصة، وأن نستبدل هذه ~~المعامل بالصناعات اليدوية تجديدا للصنف وإقلالا للتكاليف. ~~(9-2) صناعة الملابس # إن المواد الأصيلة لصنع الملابس هي الحرير والكتان والقطن والصوف وجلد الحيوان، ~~وسأتناول الكلام عنها بعناوينها. # الحرير: # فالحرير من مكتشفات الصين، استعمل للكساء عدة آلاف من السنين قبل ~~الميلاد، وهو صناعة من أهم الصناعات الوطنية في الصين، كانت الصين ~~إلى زمن قريب تنفرد بتصديره إلى أنحاء العالم، ولكن اليابان ~~وإيطاليا وفرنسا أخذت هذه الصناعة لاعتمادها على الوسائل العلمية ~~في المزروعات والمصنوعات؛ إذ لا تزال الصين معتمدة على وسائلها ~~العتيقة كما كانت قبل آلاف السنين. # ولما كان الإقبال على الحرير يزداد في أنحاء العالم فتحسين ~~الزراعة والصناعة فيما يتعلق به عمل مربح جدا، وينبغي أن ينشأ في ~~كل مركز من مراكز الصناعة الحريرية مكتب علمي يتولى إرشاد الزراع ~~وتعليمهم تربية الديدان الصحيحة، وينبغي أن تكون هذه المكاتب تابعة ~~لإدارة مركزية، وأن يكون من عملها جمع اللوزات لتمكين الزارع من ~~الحصول على ثمن مناسب، ولا بد من إقامة المعامل الحديثة لتحضير ~~خيوط الحرير للصناعة الداخلية والصناعة الخارجية على السواء، ~~ويقترن إنشاء هذه المعامل بإنشاء معامل للمنسوجات الحريرية تباع في ~~الأسواق الوطنية والأسواق الأجنبية، وتضم جميع هذه الصناعات إلى ~~رقابة قومية واحدة تمولها رءوس الأموال الأجنبية ويتعهدها الخبراء ~~المختصون لتوفير أحسن المحاصيل الاقتصادية وإخراج أرخص الأصناف ~~وأجودها. # الكتان: # والكتان أيضا صناعة وطنية قديمة، ومن مصنوعات الصين الجنوبية ~~صنف من التيل الجميل اشتهر باسم حشيش الصين، ويمكن أن يضارع الحرير ~~في نعومته وزهوه إذا عولج بالوسائل الحديثة، ولكن الصين على ما ~~أعلم لم توجد فيها بعد أمثال هذه الوسائل لنسج التيل، ويصنع التيل ~~الصيني في الأنوال اليدوية، فمن الواجب أن نستورد الآلات اللازمة ~~لهذه الصناعة، وأن ننشر مراكزها في الجنوب حيث تتوافر الخامات ~~والأيدي العاملة. # القطن: # والقطن محصول أجنبي دخل الصين منذ قرون، وأصبح صناعة وطنية مهمة ms161 ~~في عهود الأنسجة اليدوية، ولكن ورود المنسوجات القطنية من الخارج ~~قتل هذه الصناعة، وأصبحنا نصدر إلى الخارج مقادير كبيرة من القطن ~~ونستورد مقادير كبيرة من المنسوجات القطنية، فما أعجب هذا عندما ~~نفكر في وفرة الأيدي العاملة الرخيصة بيننا! # على أن المعامل القطنية قد أنشئت أخيرا في موانئ المعاهدات، ~~وجنت أرباحا عظيمة من صناعتها، وقيل: إن بعضها وزع في السنوات ~~الأخيرة أرباحا تضارع مائة في المائة، وترتفع أحيانا إلى مائتين، ~~والطلب يزداد على سلع القطن، ولكن المعروض قليل، فلا بد من توفير ~~المعامل وإنشاء سلسلة من المراكز تضمها رقابة واحدة تعمل على تحسين ~~الصناعة وتيسير الحصول عليها بالثمن الرخيص. # الصوف: # إن شمال الصين كله - أي نحو ثلثي البلاد جميعا - أرض مرعى، ولكن ~~صناعة الصوف لم تستوف قط عندنا؛ إذ تخرج من الصين كل سنة مقادير ~~عظيمة من الخامات وتدخلها مقادير عظيمة من المنسوجات الصوفية، فإذا ~~نظرنا إلى إحصاء الوارد والصادر تبين لنا أن الصناعة الصوفية جديرة ~~أن تفيد فائدة كبيرة، وينبغي أن نسخر الوسائل العلمية لتربية الغنم ~~وعلاج الصوف لتحسين الصنف وزيادة المقدار، وأن نقيم المعامل ~~الحديثة في الشمال لصنع جميع السلع الصوفية؛ إذ نحن نملك الخامات ~~والمعمل الرخيص والسوق الواسعة، وكل ما نطلبه هو رأس المال الأجنبي ~~والخبرة ... وسيكون هذا المورد جديدا فلا يتعرض للمنافسة. # الجلود: # وصناعة الجلود أيضا ستكون من صناعاتنا الجديدة، على الرغم من ~~وجود بعض المدابغ في موانئ المعاهدات، ولا يزال تصدير الجلود ~~وتوريد المصنوعات منها آخذين في الازدياد عاما بعد عام، فمن ~~المنتظر أن نحصل على فوائد جمة من إنشاء المدابغ والمعامل التي ~~تخرج المصنوعات الجلدية والأحذية. # آلات الكساء: # والصين محتاجة جدا إلى الآلات التي تصنع الأكسية، ويقال: إن ~~طلبات الآلات القطنية قد استغرقت لمدة ثلاث سنوات من أوروبة ~~وأمريكا، فإذا تمت نشأة الصين وتنميتها على حسب برامجي كان الطلب ~~عليها أضعاف أضعاف ذلك، وقصرت موارد أوروبة وأمريكا عن تلبيتها، ~~فإقامة المعامل إذن لإخراج هذه الآلات مشروع نافع فضلا عن لزومه ~~وضرورته، ويحسن أن تقام على ms162 مقربة من مراكز الحديد والصلب للإقلال ~~من تكاليف نقل الآلات الضخام، وللخبراء أن يقرروا ما يتطلبه هذا ~~المشروع من التكاليف. ~~(9-3) المساكن # بين الملايين الأربعمائة من أهل الصين يسكن الفقراء في الخصاص والأكواخ ويسكن ~~فقراء الشمال في الكهوف، أما الأغنياء والأوساط فيسكنون الهياكل، وكل ما يسمى ~~المنازل ما عدا المبني منها على الطراز الحديث في موانئ المعاهدات فهو مقام على ~~طراز الهيكل. # وإذا بنى الصيني بيتا فحساب الموتى مقدم لديه على حساب الأحياء، وأول ما يهمه ~~محراب الأسلاف الذي يشاد في وسط الدار وتضاف إليه سائر حجراتها وجوانبها، ولا تبنى ~~المساكن للراحة بل للمراسم والشعائر، أو ما يسمونه في الصين بمسائل الأحمر والأبيض، ~~ويعنون بالأحمر حفلات الزواج وبالأبيض حفلات الحداد. # وإلى جانب محراب الأسلاف محاريب أخرى للأرباب البيتية، فهي أهم من الإنسان وأولى ~~منه بالعناية، فليس في الصين منزل لوحظت فيه راحة الإنسان وموافقة معيشته. فإذا ~~وضعنا خطة السكن في برامج تنمية الصين فنحن نضع الخطة لسكنى أبناء الصين أجمعين، ~~ويقول قائل: أتريد أن تبني بيوتا لأربعمائة مليون؟ إنه مستحيل، وإنه لأضخم شغلة ~~خطرت لإنسان على بال! # إلا أن الصين - إن كانت على عزيمتها أن تنبذ التقاليد الحمقاء والعادات النخرة - ~~فتعديل نظام السكن أمر لا محيص منه على عمد أو على غير عمد. وهذه حضارة الأمم ~~الغربية التي أدركتها تبدو لنا غير مقصودة؛ لأن العلوم الاجتماعية والاقتصادية لم ~~تكن معروفة قبل الآن، ونحن نأمل في خلال خمسين سنة من تطورنا الصناعي أن تصبح مساكن ~~الصين جميعا مستوفاة من وجهة الراحة والموافقة، أليس بناء المساكن في الصين وفاقا ~~لترسيم العلم أفضل وأجدى من تركها بغير ترسيم؟ إنني لأحسب أن بناء ألف منزل مرة ~~واحدة أقل نفقة من بنائها منزلا منزلا متفرقات، وكلما ازداد عدد المساكن نقصت ~~التكاليف، فهو قانون اقتصادي واضح، ولا ضرر فيه إلا من جانب الإفراط والزيادة على ~~الحاجة، فهذا هو العائق الوحيد في جميع الأعمال الكبرى. ومنذ قامت الثورة الصناعية ~~في أوروبة وأمريكا لم تأت الأزمات إلا من ms163 طريق الإفراط في الإنتاج، ولدينا في الصين ~~أربعمائة مليون راغب يتطلعون إلى المساكن، فلا أقل من خمسين مليون مسكن تدعو إليها ~~الحاجة في الخمسين سنة المقبلة، ومليون منزل هو متوسط الطلب في كل سنة. # إن المساكن عامل هام في الحضارة، وهي تعطي الناس من المتعة والرفاهة ما لا يجدونه ~~في الغذاء والكساء، وأكبر من نصف الصناعات البشرية تدور على مطالب السكنى، وستصبح ~~صناعة البيوت أعظم ما نشرع فيه من خطط التعمير كما ستكون أربحها وأنفعها، وكل غايتي ~~من هذه الصناعة أن نهيئ السكن الرخيص للدهماء، وقد يتسنى بناء منزل كالذي يبنى الآن ~~في موانئ المعاهدات بعشرة آلاف ريال ولا تزيد تكاليفه على ألف ريال، وإنما يتسنى ~~هذا بالاستيراد والنقل والتوزيع، ومتى تم بناء البيت وجب تزويده بالأثاث، وكل هذا ~~يدخل في نطاق صناعة السكن على الوجه الآتي: ~~(أ) # إنتاج مواد البناء واستيرادها. ~~(ب) # إجراء البناء. ~~(ج) # صناعة الأثاث. ~~(د) # تدبير المرافق المنزلية. # فأما مواد البناء فهي الآجر والقرميد والخشب والحديد والحجر والإسمنت والملاط، ~~وكل مادة من هذه المواد تؤخذ من الخامات، فلا بد من الأفران لصنع الآجر والقرميد، ~~ولا بد من المعامل لتحضير الأخشاب والحدائد، ولا بد من المحاجر لاستخراج الإسمنت ~~والملاط والحجارة، ولا بد من وضع هذه المعامل جميعا حيث يسهل إمدادها والوصول ~~إليها، وأن تضم كلها إلى مصلحة واحدة تخرج منها كل صنف على حسب الحاجة إليه، وتنقل ~~المواد بطريق المواصلات المائية أو المركبات الخاصة على السكك الحديدية، وتتولى ~~مصلحة السفن ومصلحة المركبات إعداد وسائل النقل من المعامل إلى الأسواق. # والمباني التي تنشأ في الصين تشتمل على مساكن عامة ومساكن خاصة، ويناط بناء ~~المساكن العامة بمصلحة حكومية؛ لأنها لا تأتي بأجرة تعوض تكاليفها، أما المساكن ~~الخاصة فلا تبنى إلا لغرض من غرضين؛ أحدها تيسير السكن للشعب، والآخر تحصيل الربح ~~لخدمة هذه الصناعة. وتتبع الأساليب المرسومة في بناء المساكن، ومنها أسلوب البيت ~~الذي تسكنه أسرة واحدة وأسلوب البيت الذي تسكنه أكثر من أسرة، فالبيت على الأسلوب ~~الأول يقسم إلى ms164 ثماني حجرات أو عشر حجرات أو اثنتي عشرة حجرة، والبيت على الأسلوب ~~الآخر يقسم إلى مساكن عشر أسر أو مائة أسرة أو ألف أسرة، لكل أسرة منها أربع حجرات ~~أو ست حجرات، ويجب تقسيم المساكن في الريف على حسب أعمال السكان مع إلحاق الحظائر ~~والجرن بمساكن الفلاحين. وتلاحظ في تخطيط البيوت راحة الإنسان فتعهد مهمة التخطيط ~~إلى مصلحة تدرس عادات الطوائف المختلفة ومطالبها ويدخل عليها التحسين الضروري حينا ~~بعد حين، ويتم البناء بالآلات المستعجلة التي تقتصد في الجهد إنجازا للعمل ~~وإقلالا من نفقاته. # أما الأثاث فإن ضرورة تغيير أساليب البناء تستلزم تغيير الأدوات وصنعها على ~~الطراز الحديث، ومنها أدوات للمكتبة وأدوات لحجرة الاستقبال وأخرى للمخدع أو للمطبخ ~~أو للحمام أو للمراحيض، وتخصص لكل نوع معامل مستقلة تحت إشراف مؤسسة الإنشاء ~~والتعمير. # ومرافق البيوت تشتمل على الماء والنور والحرارة والوقود والتلفون، ولا توجد في ~~غير موانئ المعاهد موارد مائية، بل تخلو بعض هذه الموانئ من موارد الماء حتى الآن. ~~ويستقي الناس في المدن الكبرى من الأنهار التي تنوب كذلك عن المجاري والمصارف. ومن ~~هنا كانت موارد الماء في الصين غير صالحة، فمن المطالب العاجلة توفير موارد الماء ~~في المدن بغير إبطاء، ولا بد لذلك من المعامل التي تصنع فيها الأدوات الضرورية، أما ~~الإنارة فلا بد كذلك من تعميمها وإنشاء المعامل التي تخرج أدواتها. # ومن أعظم المطالب كلفة على الصين وقود الطعام، فالريفي يخصص عشر أرباحه لشرائه، ~~والحضري يخصص لشرائه ضعفي هذه القيمة، ومن ثم كانت مسألة الوقود مضيعة لكثير من ~~الجهد والثروة، ويجب استبدال الفحم بالعشب والحطب في بلاد الريف، وأن يستبدل به ~~الغاز والكهرباء في الحواضر والعواصم، ولا غنى عن الأجهزة اللازمة لتحضير الفحم ~~والغاز والكهرباء، وعلى مؤسسة الإنشاء والتعمير أن تعنى بهذا العمل، وعليها كذلك أن ~~تيسر استخدام التلفون للريفيين والحضريين على السواء، وأن تنشئ المصانع التي تخرج ~~الأجهزة والأدوات ميسرة بالثمن المستطاع. ~~(9-4) المحركات # الصينيون شعب ساكن، فخر الرجل فيهم من قديم الزمن أنه يعكف على منزله ولا ms165 يعنى ~~بغير شأنه، ومن أقوال لاوتسي معاصر كنفشيوس: إن الجيرة الصالحة تقيم على مقربة حيث ~~يسمع الجار من بيت جيرانه صياح الديكة ونباح الكلب ولا يغشى أحدهم دار غيره مدى ~~حياته، وطالما تردد هذا القول وصفا للعصر الذهبي في الأمة الصينية. # إلا أن الأمور قد تغيرت في الأزمنة الحديثة، وأصبحت الحركة هنا وهناك شغل الإنسان ~~في حياته، وإنما بالحركة تتقدم الحضارة، وعلى الصين أن تتحرك إذا أرادت أن تدرك ركب ~~الحضارة، فحركة الفرد جزء جوهري من نشاط الأمة، ومن حقه أن يتحرك حيث شاء ومتى شاء ~~في يسر وسرعة، ولكن الصين في الوقت الحاضر تعوزها الوسائل التي تيسر الانتقال لمن ~~يريده، فإن الطرق القديمة مخربة والسيارة لم تعرف بعد في أنحائها، وهذه السيارة ~~وسيلة مستحدثة لا غنى عنها للحركة السريعة، فإذا أردنا أن نتحرك ونعمل فعلينا أن ~~نستعين بالسيارة، ولا سبيل إلى الاستعانة بها قبل تمهيد الطرق لمسيرها، وقد بينت في ~~هذه البرامج أننا محتاجون إلى إنشاء مليون ميل من الطرق المنتظمة، نلاحظ في بنائها ~~نسبة السكان والمواقع، وفي أقاليم الصين الثمانية عشرة ألف محلة، فإذا كانت الصين ~~على نية تعميم النظام المتبع في توزيع هذه المحلات وصل عددها إلى أربعة آلاف، وخص ~~كل محلة مائتان وخمسون ميلا من الطرق، إلا أن السكان في كل محلة يزيدون تارة ~~وينقصون تارة، ولا تتساوى المحلات جميعا في عدد السكان، فإذا قسمنا مليون ميل على ~~أربعمائة مليون ساكن كان على كل أربعمائة ساكن بناء ميل واحد وهو عمل غير عسير، ~~فإذا قبلته الأمة وقبلت معه أن يكون تمهيد الطرق شرطا للحكومة المحلية وجدنا ~~أمامنا مليون ميل من الطرق كأنها امتدت بسحر ساحر، ومتى شرعت الأمة في تمهيد الطرق ~~أمكن إنشاء المعامل لصنع السيارات قليلا قليلا ثم تزداد على حسب ازدياد الطلب حتى ~~تفي بحاجة الملايين الأربعمائة. يجب أن تصنع السيارات لأغراض متعددة بحيث تصلح ~~للزارع والصانع والتاجر والمسافر والمتنقل ... إلخ إلخ. وكلما كثر المصنوع منها قلت ~~تكاليفه وتيسر ثمنه لمن يطلبه، ولا يكفي ms166 تيسير الحصول على السيارة دون تيسير الحصول ~~على وقودها، فمن الواجب أن تقترن صناعة السيارات بالتنقيب عن منابع زيت النفط، وهو ~~ما نفصل القول فيه عند الكلام على صناعة المناجم والتعدين. ~~(9-5) الطباعة # هذه الصناعة - صناعة الطباعة - تيسر للإنسان غذاء فكره، وهي ضرورة من ضرورات ~~الحياة العصرية لا يتم التقدم بغيرها. # إن نشاط النوع الإنساني محفوظ مسجل، ومعارفه جميعا مخزونة في المطبوعات، ~~فالطباعة عامل عظيم من عوامل الحضارة، بحيث تقاس حظوظ الأمة من التقدم أحيانا ~~كثيرة بمقياس مطبوعاتها في كل سنة. # والصين متخلفة في هذا المجال مع سبقها إلى اختراع الطباعة، ولكنها إذا اتبعت ~~مناهج التقدم التي نبسطها هنا تعاظمت مطالب ملايينها الأربعمائة من المطبوعات وأصبح ~~لزاما لتلبية هذه المطالب أن نؤسس شبكة من المطابع في أنحاء البلاد لإخراج ~~المطبوعات المختلفة من الصحف إلى الموسوعات، ووجب أن تترجم نخبة الكتب في جميع ~~اللغات إلى اللغة الصينية وتباع بالأثمان المستطاعة، وينبغي أن تلخص دور النشر ~~جميعا بإدارة واحدة لتحقيق أفضل النتائج الاقتصادية. # وتيسير أثمان المطبوعات يستدعي العناية بصناعات شتى أولها صناعة الورق، وهو في ~~الحاضر يستورد من الخارج لطبع الصحف ويزداد الطلب عليه يوما بعد آخر، على أن ~~الخامات التي يصنع منها الورق موفورة في الصين، ومنها الغابات في شمالها الغربي ~~وأنواع القصب في نهر يانجتزي والمستنقعات التي بجواره، وهي كفيلة أن تزود مصانع ~~الورق بأحسن عجينة صالحة لصنعه، ويحسن إنشاء المعامل الكبيرة لهذا الغرض في المواقع ~~الملائمة، وأن تنشأ معها معامل المداد والمسابك والأدوات المطبعية وكل ما هو ضروري ~~لإدارة النشر والطباعة. ~~(10) الحرب والسلم من كتاب تنمية الصين الدولية # إن الحرب العالمية ليست إلا السطو المسلح على نطاق واسع يأسف له كل فكر ~~مستقيم. # ولما اشتركت الولايات المتحدة في النزاع الأخير فجعلتها بذلك حربا عالمية ~~(1914-1918) كان أبناء الولايات المتحدة بلسان رجل واحد يريدون أن يجعلوها حربا للقضاء ~~على الحروب، وحلق رجاء الأمم عاليا حتى خيل إلينا نحن أبناء الصين أن التاتنج # Tatung ~~(أي: العصر الذهبي) مقبل لا محالة. # غير ms167 أن الولايات المتحدة قد أخفقت في السلم للأسف الشديد بعد نجاحها في ميادين ~~القتال، فنكصت الدنيا إلى حالة كالتي كانت عليها قبل الحرب العالمية، وسينطلقون من جديد ~~في السباق إلى ضم البلاد والتنازع على مواد الغذاء والتطاحن على الخامات، وبدلا من نزع ~~السلاح سوف يتضاعف عدد الجيوش والأسلحة البحرية استعدادا للحرب المقبلة بين أولئك ~~الذين كانوا من قبل حلفاء، وستكون الصين أغنى البلاد بالموارد والسكان غنيمة النصر في ~~تلك الحرب المقبلة. # لقد كانت الدول جانحة منذ سنوات إلى تقسيم الصين وتقدمت روسيا القيصرية فعلا ~~لاستعمار منشوريا، فإذا باليابان - ذات الحمية والنخوة - تتصدى لها وتنجو الصين بهذه ~~المثابة من خطر التقسيم. # لكن سياسة اليابان العسكرية في الوقت الحاضر متطلعة إلى ابتلاع الصين، فمصير الصين ~~إذا هي ظلت معلقة بمراحم الدول العسكرية أن تمزق بين هذه الدول أو تبتلعها واحدة ~~منها. # ويبدو أن الأحوال آخذة في التغير، فهذه الصين التي لبثت هاجعة عدة قرون قد تيقظت ~~وعلمت أن اللحاق بركب العالم المتقدم ضرورة لا محيد عنها، وها نحن أولاء في مفترق ~~الطريق، فهل نعد أنفسنا للسلام؟ # إن العسكريين والرجعيين منا يؤثرون الاستعداد للقتال ويحاولون أن يصبغوا الصين ~~بالصبغة اليابانية، وأن يتحينوا الفرص لإعلان حرب كحرب الملاكمين (البوكسر) تتحدى عالم ~~الحضارة. # ولكنني باسم الجمهورية التي أسستها أود أن تجمع الصين عدتها للسلام، وأثوب إلى القلم ~~- وهو في اعتقادي أقوى من السيف الذي جردته للقضاء على أسرة المانشو - فأخط هنا تفاصيل ~~البرنامج الذي تستعد به الصين لخدمة السلام. # إن الدول - إذا هي صدقت النية على التعاون لتحصيل المنافع المتبادلة - خليقة أن تتقي ~~أخطار الصراع على المغانم المادية التي تتطلع إليها في الصين، فإن مغانمها من طريق ~~التعاون أوفر وأجدى من مغانم الصراع والقتال. # على أن العسكريين اليابانيين لا يزالون يحسبون أن الحرب أنفع المساعي الوطنية، ولا ~~يزال أركان حربهم يرسمون الخطط للحرب المقبلة خلال عشر سنوات، وقد أكبر هذا الوهم في ~~رءوسهم أن غزوتهم للصين سنة 1894 كانت موفورة الربح على قصرها وسهولتها، وأن ms168 حربهم مع ~~روسيا سنة 1904 كانت كذلك نجاحا لليابان وكانت ثمراتها كبيرة بالنصر كبيرة بالقيمة، ~~وأن إعلانها الحرب على ألمانيا سنة 1914 لم يكلفها بعض ما تكلفه المقاتلون من الرجال ~~والأموال، ولكنها على هذا ربحت من ورائه إقليم شانتنج وهو في سعة رومانيا قبل الحرب ~~يسكنه أناس في عدد سكان البلاد الفرنسية. # لا جرم إذن، مع هذه المغانم من كل حرب، أن تستمرئ اليابان مغبة الحروب ويخيل إليها ~~أنها أربح التجارات في هذا العالم، ولكن الصين اليوم يقظى لما حولها، فكل عدوان من قبل ~~اليابان ستصده الصين ولا شك بعزيمة صادقة. # إن الحرب التجارية، أو التنافس على الأسواق هي صراع بين أصحاب الأموال، وهذه الحرب ~~التجارية لا تتحرى مصلحة قومية، بل تنشب بين أصحاب الأموال في الوطن الواحد عنيفة قاسية ~~كما تنشب بينهم في الأوطان المتعددة، وسلاحها الماضي أن تتسابق إلى البيع الرخيص للقضاء ~~على المنافس الضعيف ثم الاستبداد بالسوق وإملاء الشروط على المستنفدين إلى أمد ~~طويل. # وعاقبة الحرب الاقتصادية لا تقل عن الحرب المسلحة في إضرارها بالمنهزم وشدة وطأتها ~~عليه، وقد تفاقمت ضراوة هذه الحرب بعد اتخاذ المكنات لإنتاج المصنوعات، وكان بعض خبراء ~~الاقتصاد من مدرسة آدم سميث يحسبون التنافس عاملا طيبا ونظاما صحيحا سليم العاقبة، ~~ثم انكشف للخبراء المحدثين أنه على نقيض ذلك مضيعة للجهود ومدعاة للخراب، وجنحت آراؤهم ~~إلى الوجهة المقابلة: أي إلى وجهة التركيز والتكافل بدلا من التفرق والتنافس. # ولهذا تزدهر الشركات المؤتلفة في أمريكا على الرغم من تحريم القوانين لها وميل ~~الجمهور إلى مكافحتها؛ لأن الشركات المؤتلفة تستطيع الإنتاج بتكاليف أقل من تكاليف ~~الأفراد لقصدها في النفقة وتوفيرها للجهود المبددة، وهكذا تخلص الشركات المؤتلفة من ~~المنافسين كلما دخلت ميدانا من ميادين الصناعة ويسرت للمستنفد سلعا أرخص من أمثالها، ~~وجدير بهذه المزية أن تكون خيرا وبركة على المستنفدين لولا أن الشركات المؤتلفة في ~~الأيدي الخاصة التي تتحرى مضاعفة الكسب جهد المستطاع، فما هو إلا أن تخلص من المزاحمين ~~حتى تستبد بالسوق، وتغالي برفع الأسعار، وتضطهد جمهرة ms169 الناس، وإنما تعالج هذه الآفة ~~علاجها الأمثل باستيلاء الشعب كله على الشركات المؤتلفة، وبرنامجي في تنمية الصين أن ~~تجعل صناعاتها القومية جميعا شركة مؤتلفة كبرى تملكها الأمة وتنفق عليها من رءوس ~~الأموال الأجنبية لتبادل المنفعة، فنقضي بذلك دفعة واحدة على الحرب التجارية في أكبر ~~الأسواق العالمية. ~~(11) دستور الهيئات الخمس من خطاب ألقي في سنة 1921 وأذاعته ~~مصلحة النشر في اللجنة التنفيذية # نحن جادون كي نجعل الصين دولة قوية مجيدة، فكيف نبلغ بها ما نصبو إليه؟ إخال أن ~~الطريق ينبغي ألا يكون وعرا، وأرى أنه هو طريق الدستور ذي الهيئات الخماسية. # مضى اليوم أكثر من عشرين سنة منذ تكلمت لأول مرة عن هذا الموضوع في الذكرى السنوية ~~للمين پاو بمدينة طوكيو ... ولا يزال أعوان هذا الدستور جد قليل، وعلينا إذن أن نرحب بكل ~~رغبة في زيادة العلم بكنه هذا الموضوع. # في تاريخ الحياة السياسية وجهتان: وجهة الحرية ووجهة النظام، وفحوى هذا أن السياسة ~~تعمل فيها قوتان كالقوتين اللتين تعملان في الطبيعة، وهما القوة الدافعة من المركز ~~والقوة الجاذبة إليه، فالقوة الدافعة تتجه إلى الامتداد خارجا والقوة الجاذبة تتجه إلى ~~التجميع حول المركز، فإذا كانت القوة الدافعة أقوى من كل عامل آخر تطاير الجسم بدادا، ~~وإذا كانت القوة الجاذبة هي الأقوى تكاثف الجسم وصغر، ويلزم من ثم أن تتعادل هاتان ~~القوتان. # وينطبق هذا على وجهتي الحرية والنظام، فامتداد الحرية قد يفضي إلى الفوضى، والغلو في ~~حفظ النظام قد يفضي إلى الحكم المطلق. وما كانت الأطوار السياسية خلال آلاف السنين ~~الأخيرة إلا أثرا من آثار الصراع بين هذين الاتجاهين. # نعم، وهذان الاتجاهان في التاريخ السياسي بين السلطان المطلق والحرية هما موضع ~~الاختلاف بين الصين والبلاد الأوروبية، ولكن التاريخ السياسي فيه غير ذلك طائفتان من ~~الناس: طائفة الحاكمين وطائفة المحكومين، أو كما عبر عن ذلك أحد الحكماء حيث قال: «إن ~~من الناس من يعمل لرياضة عقله ومنهم من يعمل لرياضة جسده، والأوائل حاكمون، والأواخر هم ~~المحكومون.» # ولا بد لمن يحكم من المعرفة، ولا بد ms170 للمحكوم من فرصة لكسب المعرفة، وقد كان أبناء ~~الأزمنة الغابرة كالأطفال ينتظرون القيادة من غيرهم، فانقضى عهد الطفولة السياسية وأصبح ~~الناس وهم يشعرون أن هذا الفاصل بين الحاكم والمحكوم خليق أن يزول، وقد طرح الأوروبيون ~~عنهم نير الأنظمة الملكية في القرون الأخيرة، ونعم الناس بقسط من الحرية أكبر وأرقى، ~~ونهجنا نحن لهدم ذلك الفاصل منهج الهيئات الخماسية عسى أن نتأدى منه إلى مبادئ ~~الديمقراطية الصحيحة. # ولقد ناديت عند بدء الثورة بالمبادئ الثلاثة وهي القومية والديمقراطية والاشتراكية، ~~وهذه هي الأغراض التي عناها رئيس الولايات المتحدة لنكولن حينما دعا إلى حكومة الشعب ~~بالشعب ولأجل الشعب، فلا بد للناس أن يحكموا أنفسهم ليرضوا عن حكمهم، فلا رضى للناس مع ~~عجزهم عن ولاية الأمور. # ولا ننس إذ نعالج سيطرة الذين راضوا عقولهم على الجماهير التي لم تشغل بغير أجسادها ~~أن المشيئة الإنسانية قد تعمل حتى في مواجهة السماء. # ولننظر إلى الديمقراطية وهي أداة الشعب التي يطير بها أو يغدو أو يسبح أو يمضي حيث ~~شاء بين الأرض والسماء، فما هي هذه الأداة؟ هي الدستور: هي الدستور الذي يضع الحدود ~~لسلطان التشريع وسلطان القضاء وسلطان الإدارة وسلطان الاختبار وسلطان الرقابة ~~والإشراف. # ذلك هو الدستور الخماسي الذي نبغيه، وهو سيارتنا أو غواصتنا أو طائرتنا، نسير به حيث ~~نريد؛ لأنه يسلك بنا حيث توضع القوانين أو حيث تنفذ أو حيث تدار الأعمال الحكومية أو ~~حيث يختبر الموظفون وحيث يراقبون. # ويقوم الرئيس على رأس الإدارة، ويقوم البرلمان على رأس التشريع، ويقوم القضاة على ~~منصة الأحكام. # وكم من أناس أولي كفاية لم يعرف لهم فضلهم؛ لأنهم لم يوضعوا قط موضع الاختبار، لقد ~~حدث كثيرا أن أناسا من الجهلة أشباه الأميين ارتفعوا إلى مناصب الحكم فغرسوا في ~~النفوس شرور النقمة والبغضاء، وليس أصلح لعلاج هذه الآفة من اختبار المرشحين لوظائف ~~الدولة واختيارهم من ذوي الفضل والدراية، فبغير هؤلاء النخبة المختارين يمضي الركب بغير ~~سائق، وبهذه الوسيلة نحصل على الكفاة المدربين على الخدمة العامة. # لقد جرى الإنجليز على هذه الخطة منذ ms171 زمن غير قصير، وجرى عليها الأمريكيون منذ عشرين ~~أو ثلاثين سنة، وكلهم مسبوقون إليها في الصين، فإن النظام الصيني أصلح الأنظمة، وبلاد ~~العالم تستعيره منا اليوم. # ولما كنت في نانكنج رجوت مجلس الشيوخ أن يقتبس نظام الهيئات الخماسية فلم يفطنوا ~~لمقصدي؛ لأنه يقطع عليهم مدى نظراتهم الشخصية، لكن هذا الدستور الخماسي - ثمرة جهودي ~~وتجاربي - أداة ضخمة، فمن كان عليه أن يقطع مئات الأميال في غير بطء ولا وناء فلا غنى ~~له عن سيارة أو طيارة يحكم آلاتها، ومن كان عليه أن يسير بالأمة على نهج الفلاح فلا غنى ~~له عن الآلة الحكومية التي تضبط حركاتها. # تلك هي الآلة التي تدار بها شئون البلاد، ولدينا عدا هذا الدستور الخماسي مبدأ جوهري ~~لاشتراك المواطنين المباشر في الحكومة المحلية، فهذا الاشتراك المباشر هو الخلاصة ~~الصادقة لحقوق الإنسان، قوامه الانتخاب والعزل والاقتراح والاستفتاء، فإذا شبهنا ~~الدستور الخماسي بالأداة فالحق المباشر هو مفتاح هذه الأداة، ويحق لمن يملك الانتخاب أن ~~يملك عزل من أساء، ومن علم بشريعة صالحة فمن حقه أن يقترحها وأن يرجع إليه لسؤاله عنها، ~~وذلك هو نظام الاستفتاء. ~~(12) قبس من صلاة على ضريح عميد الأسرة الصينية القديمة «منج» ~~توجه به الزعيم إلى روح العاهل «الخالد» بعد نجاح الثورة (1912) # وهنت أسرة «سنج» قديما فاغتنم التتار ومغول أسرة «يوين» هذه الثغرة ليشيعوا الفوضى ~~في هذه الديار، وباءوا بغضب الناس والأرباب. # عندئذ ثبت يا صاحب الجلالة، يا رافع دعامتنا، تصد ذلك الغول، وخرجت من خفائك تعيد ذلك ~~التراث القديم. # وما هي إلا سنوات اثنتي عشرة حتى جمعت أشتات الدولة وطهرت الديار من لوثة التتار ~~الصاخبين. # ولطالما حدث في تاريخ أمتنا النبيلة أن أغار عليها برابرة الشمال فاستعبدوها لأمرائهم ~~الصغار، فلم ينتصر عليهم أحد قط كنصرتك المؤزرة يا صاحب الجلالة، ولكنه مجد لم تقو ~~ذريتك على حفظه، وأمانة عهدوا بها إلى أناس أساءوا الرأي ونظروا إلى أمد قريب، فأطمعوا ~~فيهم همج التتار من المشرق ومهدوا لهم أسباب القوة والجرأة، فما عتموا أن تمرد ~~المتمردون هنا وثم ms172 حتى انقضوا على مدينتك المقدسة فأخذوها، ثم انحدروا من قمتهم الخسيسة ~~إلى أرجاء هذه التربة الطاهرة فدنسوا أنهارها وأوديتها وأعملوا في الرقاب فأس الجلاد ~~وسيف الفاتك المنتقم. # ونشط الأكرمون الغيورون من رعاياك فاجتازوا الجبال إلى كانتون والجنوب الأقصى، ~~وساورهم الرجاء أن ينقذوا بقايا التراث فلا يطبق عليه الخراب، وتتابعت الضحايا وهلك من ~~هلك راضيا في هذا الجهاد، فلم يسكن غضب السماء ولم تنفع حيلة أبناء الفناء، وكأنما هي ~~صفحة محزنة ضمت إلى سجل سيرتك يا صاحب الجلالة، ولا شيء! # واشتدت وطأة الشريعة الواغلة وضاقت شباكها، فيا للحسرة المرة على أمتنا المسكينة وهي ~~قابعة في الأركان تصغي ولا تنطق ولا ينطلق لها لسان، وكأنما ألصقت ألسنتهم بالغراء بين ~~أفواههم حيث سدت أمامهم أبواب الفرج والنجاة. # وراح الآخرون يسبغون صفات الزيف على المكارم الباطلة والأمان الكاذب، ومن ورائها حكمة ~~تداس وآداب تهدر ووصايا تبتذل، ودعواهم أنهم يوقرون حكماءها المقدسين وأئمتها ~~الملهمين. # كظموا أنفاس الناس ليكرهوهم على الطاعة، وغلبت السيطرة المانشوية بالغيلة والحيلة فلم ~~يعسر عليهم أن يبسطوا بأسهم ويطلبوه ثم انفجرت الثورة على الرغم من كل هذا الطغيان، ~~وتعاقب الثوار في كل مكان ... وآل أمرها نعم إلى الهزيمة، ولكنها أعلنت صوت الأمة وكشفت ~~عن مشيئتها فتسايرت بها الركبان. # ثم لاحت أشعة فجرنا، وآذنت شمسنا بالطلوع، وبث نفحات الحياة في أمة الصين أنها تعارفت ~~على حقوقها وأحست كرامتها، وخارت قوى المانشويين أنفسهم فلم يقدروا على حماية حوزتهم، ~~وزحف العداة الأقوياء على الأرض فنزل المانشويون عن خيراتها ليشبعوا مطامع جيرانها. ~~ولئن كان أبناء الصين اليوم في نكسة لقد كانوا منذ القدم سلالة الأبطال الأشداء، فكيف ~~بهم يصبرون على أرواح عظمائهم الذاهبين أن تلقى هذا الهوان وتنصب عليها سياط ~~البلاء! # يومئذ هب حماة الوطن كالعاصفة أو كالسحابة التي ~~تبرز فجاءة في أفق السماء، فاستهلت من كانتون ثم روعت بكين بقذيفة ~~وويوية، # 2 # وانطلقت رصاصة ~~هسوهسلين إلى أحشاء طاغية المانشو قبل عام، ورفع هسونج شنج لي علم الحرية على نهر ~~اليانجزي، فتعاقبت الوثبة بعد الوثبة خلال ms173 الديار، وعلم وصي العرش بما أعده له ~~المجاهدون خفية فكشفت الثورة عن نفسها في كانتون، وارتاعت العاصمة فنكلت بطائفة بعد ~~طائفة، وتقدم إلى مكانهم صف بعد صف، حتى انجلت الغاشية عن دولة جديدة وسلطان جديد ~~... ~~... قيل قديما: إن طغيان البرابرة على بلادنا لم يكتب له قط أن يطول بعد مائة عام، ~~ولكن هؤلاء المانشويين قد طال بهم الزمن مائتين وثلاث مئات، وعلم القضاء بالساعة ~~الموعودة وإنها في النهاية آتية لا ريب فيها. وها نحن أولاء نفتتح في آسيا الشرقية ~~تجربة الحكومة الجمهورية، وما زال العاملون من قديم موعودين بالنجاح القريب أو البعيد، ~~وما من ريب في عقبى الصالحين بعد حين، فما لنا نجزع اليوم وقد طال انتظار النصر ~~المبين؟ # وسمعنا كثيرا بالذين صعدوا إلى هذه القمة العليا يستلهمون وحيها عسى أن تساعدهم على ~~الخلاص، ولطالما ذرفوا الدمع السخين كلما نظروا إلى ما تحتهم من الأنهار والأودية ~~فرأوها جاثية تحت أقدام الأجنبي الغريب، فاليوم يتبدلون بالحزن سرورا ويطوون صدورهم ~~على الغبطة بعد القنوط. # لقد ثابت إلينا نفحة الروح من ضريحك في نانكين، وها هو ذا التنين رابض في جلاله ~~القديم، وها هو النمر يجيل بصره في ملكه المعهود، وكل ما حوله ساكن قرير. # إن جنودك قائمون صفا صفا على مقربة من الضريح، وإنهم لينصتون ويترقبون، وها هو ذا ~~شعبك يحج إليك ليرفع إليك أنباء نصره، وعلى مثواك حيث يستقر رفاتك الأقدس بريق جديد من ~~نور المجد والبهاء، جعله الله هاديا لذريتك فيما يلي من أيامها، وسلام أيها الروح ... ~~تقبل منا هذا القربان. ~~(13) عوارض الانحلال من خطابه لأول جماعة ألفها لإنقاذ الصين ~~سنة 1894 # إن الأمور تسير في الصين على ضلال: فضائلنا الموروثة وآدابنا العتيقة تفسد كل يوم، ~~وجيراننا الأقوياء ينظرون إلينا من عل ويحتقروننا لاختلاف أهوائنا وتفرق قلوبنا، وأبناء ~~قومنا واثبون على مطامع الأنانية والمغانم العاجلة، غافلون عن حالتهم في جملتها، لا ~~يخطر لهم على بال أن الصين إذا تمزقت بين الأقوام الأخرى شب أولادهم وأحفادهم عبيدا ~~مسخرين وضاعت أسراتهم بلا ms174 وزر ولا حماية. ما كانت الأثرة قط أشد إمعانا في الأثرة، وما ~~تبلبلت المقاصد قط كما تبلبلت اليوم في الأمة بأسرها، فكيف النجاة إذن من الكارثة؟ إننا ~~إن لم نثبت لنتساند وننهض بأنفسنا قبل فوات الحين فهذه الألوف من السنين التي سلفت لنا ~~في السمعة والحضارة، وهذه الأجيال التي تعاقبت على السنن المأثورة ذاهبة لا محالة، ~~صائرة إلى الدمار لا مراء، من المسئول عن هذا المصير؟ من عساه أن يكون غير الصالحين ~~العارفين بهذا المصير؟ ~~(14) لا أمل في الرجعية من كلامه عن الحل الصحيح (سنة 1904) # منذ فتنة الملاكمين (البوكسر) تخيل الكثيرون أن حكومة المانشو أخذت تلمح علامات الزمن ~~وتصلح من شأنها لتحسين أحوال البلاد، واغتروا بمنشوراتها ومراسيمها التي تذاع من حين ~~إلى حين وفاتهم أنها حروف ميتة لا يراد بها غير تهدئة النفوس الثائرة، وأن إخلاص ~~المانشو في نية الإصلاح مستحيل؛ لأن الإصلاح يقضي عليها ويستوعبها في بنية الأمة فتخسر ~~كل ما في يديها الآن من الحقوق والمزايا، وأن أحلك الجوانب من حكومة المانشو لخليق أن ~~ينكشف بعد اليوم حين تبدو صحائف الدواوين وأسرارها في الضياء، فإن أصحاب هذه الدواوين ~~المتجرة المتعفنة تعرف كيف تزدلف إلى أسرة المانشو وترشوها لتبقى في مكانها وتنعم ~~بتجارة الغش والاختلاس. ~~(15) من دستور الكومنتانج # كل شخص راغب في العمل بمبادئ الحزب، والسعي في تنفيذ قراراته، مستعد لإطاعة أصوله ~~وتعليماته، يجوز أن ينتظم في عضويته بناء على طلبه وموافقة الحزب، بغير تمييز بين ~~الجنسين. # ويشتمل الحزب على طائفتين من الأعضاء: طائفة الأعضاء المثبتين، وهي تتألف من كل شخص ~~جاوز العشرين ومضى عليه سنة على الأقل عضوا تحضيريا في الحزب، بعد تزكيته من لجنة ~~التنظيم وامتحانه أمام اللجنة التنفيذية، ومراجعة اللجنة المركزية في البلد أو الجهة ~~المختصة، وتصديق اللجنة المركزية في الإقليم. # وطائفة الأعضاء التحضيريين، وهي تتألف من كل شخص جاوز ست عشرة سنة يقدم طلبه وفقا ~~للإجراءات المقررة، ويزكيه عضوان مثبتان تقبل تزكيتهما في اجتماع عام للجنة التنظيم، ~~ويجري امتحانه أمام اللجنة التنفيذية. # والأعضاء المثبتون لهم ms175 حق إبداء الرأي والاقتراع والاشتراك في انتخاب ذوي المراكز ~~الإدارية في الحزب، كما يحق لهم أن ينتخبوا لتلك المراكز. والأعضاء التحضيريون لهم حق ~~إبداء الرأي. # وعلى كل عضو في الحزب مراعاة النظام الآتي: ~~(أ) # إطاعة دستور الحزب وتعليماته وقبول مبادئه. ~~(ب) # مناقشة المسائل بحرية تامة، إلى أن يصدر الحزب قرارا فيها فيجب في هذه ~~الحالة تسليمه بغير خلاف. ~~(ج) # المحافظة على أسرار الحزب. ~~(د) # ألا يهاجم عضوا في الحزب أو هيئة من هيئاته خارج مؤسساته. ~~(ه) # ألا يشترك في هيئة سياسية أخرى. ~~(و) # ألا يشترك في تأليف هيئة منشقة داخل مؤسساته. # وللحزب رسالة تاريخية يؤديها، وهي السعي في الوحدة والاستقلال وسلام الوطن، وكلها ~~تتوقف على نتائج جهاده، كما تتوقف نتائج جهاده على اتباع النظام التام فيه، وعلى ~~الأعضاء أن يستقصوا غاية جهدهم لإنجاز هذه الرسالة. # كل منظمة حزبية تشمل موقعا من المواقع لها حق الإشراف على المنظمات في أجزاء ذلك ~~الموقع. # وجميع المنظمات تدين بالولاء لجماعة الحزب القومية ولغيرها من الجماعات والوكلاء ~~والمؤتمرات الذين يمثلون موقعا تنتمي إليه، وتشترك المؤتمرات المحلية والوكلاء ~~المحليون في انتخاب الهيئة التنفيذية التي تباشر أعمال الحزب. # والهيئة العليا للحزب هي جماعة الوكلاء القومية التي تجتمع في الأحوال العادية مرة كل ~~سنتين، وتدعى للاجتماع في الأحوال الاستثنائية كلما رأت اللجنة التنفيذية المركزية ~~ضرورة لذلك، أو كلما اتفقت على ضرورة اجتماعها كثرة اللجان الإقليمية واللجان التي في ~~طبقتها، وتتولى اللجنة التنفيذية المركزية وضع الإجراءات الخاصة بتنظيم أعمال الجماعة ~~وانتخاب وكلائها ونسبة النيابة فيها. # وتناط الواجبات التالية باللجنة التنفيذية المركزية: ~~(أ) # تمثيل الحزب في علاقاته الخارجية. ~~(ب) # تنفيذ قرارات الجماعة القومية. ~~(ج) # تنظيم وإدارة الهيئات الحزبية التابعة. ~~(د) # تنظيم إدارات اللجنة التنفيذية. ~~(ه) # الإشراف على مالية الحزب وأمانة صندوقه. ~~(16) نشيد الحزب: سان مين شو آي # هدف جماعتنا # نوطد أركان الجمهورية # ونعقد أواصر الأخوة العامة # تقدموا يا رفاق # يا طليعة الأمة # لا وهن ولا مهل # بل جهاد متصل في سبيل مبادئنا # ثابروا على الهمة، واثبتوا على الأقدام # ثابروا على ms176 الصدق، واثبتوا على الولاء # وبقلب واحد، وبرأس واحد # سيروا إلى النهاية ~~(17) الوصية # منذ أربعين سنة وقفت نفسي لقضية الثورة القومية التي تتكفل للصين بمركز بين الأمم على ~~أساس الاستقلال والمساواة، وقد أقنعتني جملة تجاربي في هذه السنين بأن بلوغ هذا المقصد ~~رهين بإيقاظ الجماهير من أبناء أمتنا والتعاون مع كل أمة من أمم العالم تعاملنا على سنة ~~المساواة في الكفاح المشترك بيننا. # ولم تتحقق الثورة بعد، فلينظر زملائي جميعا فيما دونته عن خطط التعمير القومي ~~والقواعد الأساسية التي يقوم عليها ذلك التعمير، وفي البلاغ الذي صدر من مؤتمر الحزب ~~الأول، وليعملوا بلا وناء لتحقيق جميع هذه الغايات، وينبغي قبل كل شيء عقد مؤتمر قومي ~~وإلغاء جميع المعاهدات المجحفة كما بينت أخيرا، وأن يتم ذلك بأقل ما في الطاقة من ~~التأخير. # هذه وصيتي، وهذه رسالتي. ~~(18) الكلمة الأخيرة # انتهينا من هذه الصفحات إلى التعريف ببطل من أعظم أبطال الشرق في العصر الحديث، ولا ~~نهاية لسيرة هذا البطل إذا أردنا أن نستقصي آثارها بعد حياة صاحبها، ولكننا نستطيع أن ~~نجتزئ من السيرة بالقدر الذي انتهينا إليه، فإن التعريف ببطولة الرجل لا يتوقف على ~~الإحاطة بما حدث بعده، فهي بقية متجددة لا نهاية لها من الزمان. # والحقيقة التي لا مراء فيها أن تاريخ الصين الحديث لا ينفصل بعد اليوم عن تاريخ سن ~~ياتسن، وما كان المشيعون له من قادة الصين مبالغين؛ إذ قالوا: إنه أحد رجلين لم تعرف ~~بلادهم اسما أقدس من اسميهما ولا عملا أخلد من عمليهما، وهما كنفشيوس في التاريخ ~~القديم، وسن ياتسن في التاريخ الحديث. # ولم يشيعه أهل الصين تشييع زعيم من زعماء السياسة في عصر ينقضي بانقضاء جيله، بل ~~شيعوه تشييع الخالدين، وشادوا له ضريحا # 3 # أعظم من ضريح كعبتهم الوطنية في نانكين؛ وهو ضريح عميد ~~آل «منج» الذي حج إليه سن ياتسن بعد إعلان الجمهورية يشهده على أمانة الوطن لعهد ~~الأسلاف والأعقاب. # ومن عادة أهل الصين أن يدلوا على تعظيمهم للدفين بتعظيمهم لنعشه، فلما نقل رفات ~~الدفين المحبوب إلى ms177 ضريح نانكين - بعد إعداده في خمس سنوات - تقسم أجزاء النعش مائة ~~وخمسون من أقوياء الجنود، وحملته السفينة الحربية إلى ميناء نانكين، ثم أبى مشيعوه من ~~علية القوم إلا أن يترجلوا طول الطريق، والقيظ في أشد أيامه، ومن المرسى إلى أكمة ~~الضريح خمسة أميال. # ودخلت ذكرى «الأب الكبير» في عداد الصلوات والعبادات، فخصصت لذكراه ساعة من صباح ~~الإثنين في كل أسبوع، ينحني الحاضرون فيها ثلاثا أمام صورته، رمزا إلى مبادئه ~~الثلاثة، ويرتلون نشيد الصين الوطني ويستمعون إلى وصيته ويصمتون دقائق دقائق ثلاثا في ~~خشوع وسكون، ثم ينصرفون. # ولما ظهر بعد وفاته أول دليل من أدلة الأعلام والمشاهير، لم يكن اسم سن ياتسن بين ~~أسمائه، فأوشكت أن تكون فتنة وأن يهجم الشبان الغاضبون على دار الدليل سخطا على المكتب ~~الموكل بجمعه، فما ينبغي أن يحذف اسم الزعيم الخالد من سجل الأحياء، وهو واهب الحياة ~~للصين جمعاء. # وقد استحق الرجل ولا ريب هذا الوفاء من قومه، فإنه قد نسي نفسه ليذكرهم، ونسي - وهو ~~الطبيب - أنه مريض محطم الجسد ليصحح أبدانهم ونفوسهم، وفارق الدنيا وليس له من ميراث ~~غير مكتبته ومسكنه، ومعه ميراث آخر هو الذي استحق به ذلك الوفاء، وهو ميراث أربعمائة ~~مليون عمل لهم ما لم يكونوا قادرين على عمله لأنفسهم، وقلما يساويه ميراث عظيم من عظماء ~~الأوطان. # وآية العظمة في موازين الإنصاف أن يعمل الإنسان عملا لم يقدر عليه الملايين من ~~قبله. # ليست آية العظمة أن يعمل كل شيء، ولا أن يعمل كل ما أراد، ولو قيست عظمة الأبطال ~~الأفذاذ بمقياس كهذا المقياس لما بقي في التاريخ عظيم واحد، فما من بطل يعفي الناس من ~~العمل بعده، وما من بطل ولا غير بطل حقق أمنيته كلها في حياته، وإنما البطولة أن ينهض ~~فرد بأعباء الألوف، وأن ينسى نفسه ليذكر الناسين وينبه الغافلين، وبهذا المقياس يرتقي ~~سن ياتسن إلى الذروة العليا بين أبطال الوطنية وأبطال الإنسانية، ويستحق حقه من أمته ~~وغير أمته، وقد يكون حقه من أمته متصلا بالمنفعة والأثرة، أما حقه ms178 من غيرها فهو حق ~~الأمانة لنفسه ولأبناء نوعه، ما دامت الثقة بالطبيعة الإنسانية شيئا يعنيه. # وهذه الثقة - في رأينا - هي أنفس ما نقتنيه من تراجم العظماء، فكل تراجم العظماء عبث ~~إذا كانت خلاصتهم أن العظماء ليسوا بعظماء، وأننا نترجم لهم لنفضح عيوبهم ونقائصهم ~~ونخرج منها بعزاء واحد لا يغتبط به محب لأبناء نوعه، وهو عزاء الخسة بتلويث كل ~~عظيم. # قال لي فتى ممن يسمون أنفسهم بالنقدة الممحصين: إنك تكتب عن العظماء قصائد الثناء، ~~يعني أنني أحفل بجوانب عظمتهم ولا أحفل بما فيهم من العيب والنقيصة. # ويصح ما قاله الفتى لو أنني أثني على العظماء لخصلة ليست فيهم ، أو أثني عليهم ولا ~~أبين دواعي الثناء في أخلاقهم وأفعالهم، ولكنني أعود فأقول على فرض صحته: إنني أؤثر أن ~~تكون تراجم العظماء قصائد ثناء، على أن تكون قصائد هجاء بافتراء أو بغير افتراء. # وفي هذه السيرة بذاتها أنكر أسلوب الترجمة للتعظيم ودفع الملام لو أن قارئا من ~~قرائها يخرج منها وهو يرى أن سن ياتسن معظم لغير سبب، ومعذور بغير عذر، وموصوف بالخلائق ~~أو المناقب التي لا تميزه من غيره، ولا تفرده بملامحه بين خدام الأوطان خاصة في كل أمة ~~وملة. فإن كان القارئ لا يرى هذا ويرى على نقيض هذا أن صاحب السيرة موصوف للتعريف به ~~والتمييز بينه وبين أمثاله، فليسم السيرة إن شاء قصيدة ثناء. # هي قصيدة ثناء، وكل ما نكتبه عن العظماء هو على هذا الأسلوب قصائد ثناء. ms179