######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.TadhkarGoethe.Hindawi17584264 #META# Tags: biographies :: literary.criticism #META# ID: 17584264 #META# Title: تذكار جيتي #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بداءة‏ # النفس الألمانية‏ # نبذة عن الحرية الفنية في الأمة الألمانية‏ # حياة جيتي‏ # المرأة في حياة جيتي‏ # مؤلفات جيتي‏ # آلام فرتر‏ # فوست‏ # ولهلم ميستر‏ # الديوان الشرقي‏ # مؤلفات أخرى‏ # عبقرية جيتي‏ # شخصية جيتي‏ # عقيدة جيتي وآراؤه‏ # تقدير جيتي‏ # مختارات متفرقة‏ # بداءة‏ # النفس الألمانية‏ # نبذة عن الحرية الفنية في الأمة الألمانية‏ # حياة جيتي‏ # المرأة في حياة جيتي‏ # مؤلفات جيتي‏ # آلام فرتر‏ # فوست‏ # ولهلم ميستر‏ # الديوان الشرقي‏ # مؤلفات أخرى‏ # عبقرية جيتي‏ # شخصية جيتي‏ # عقيدة جيتي وآراؤه‏ # تقدير جيتي‏ # مختارات متفرقة‏ # | تذكار جيتي # | تذكار جيتي # تأليف # عباس محمود العقاد # | بداءة # جيتي في شبابه. # ثارت الكنيسة على الطبيعة، ثم ثارت القلعة على الكنيسة، ثم ثارت المدينة على القلعة، ثم ~~ثار الفرد على المدينة. # تلك سلسلة من الثورات تكررت في كل قطر من الأقطار الأوروبية على التقريب، ولكنها لم تكن ~~قط أوضح مظهرا ولا أعمق أثرا ولا أجدر بالدراسة مما كانت في الأقطار الألمانية ~~خاصة. # فسلطان الطبيعة كان عظيما في كل أرض، ولكنه لم يكن قط أعظم مما كان في الأرض التي ~~التقى فيها الشمال والجنوب، والتي غنت للطبيعة وقدستها وحفظت من غنائها لها وتقديسها ~~إياها ثمالة شائعة في فنونها وعباداتها إلى اليوم. # وسلطان الكنيسة كان عظيما في كل أمة، ولكنه لم يكن قط أعظم مما كان في الأمة التي ~~قامت عليها أركان «الدولة المقدسة» وسيطرت عليها الكهانة حتى دفعت بها إلى ثورة ~~الإصلاح. # وسلطان القلعة كان عظيما في كل بلد، ولكنه لم يكن قط أعظم مما كان في البلاد التي ~~تقسمها الأمراء دويلات دويلات، وانقسمت فيها الدويلات أقاليم أقاليم، وطال فيها عهد ~~الإقطاع إلى القرن العشرين، وأصبح فيها توقير النبلاء دينا إلى جانب الدين؛ حتى شكا نبلاء ~~سكسونية مرة من تعميد أبنائهم بالماء الذي يعمد به أبناء الوضعاء! # وسلطان المدينة كان عظيما في كل دولة، ولكنه لم يكن قط أعظم مما كان في الدولة التي ~~اشتهرت فيها «المدن الحرة» واستقلت فيها بالمصالح والنظم والدساتير. # وثورة الفرد على المدينة كانت معرضا للدراسة النفسية في كل بيئة، ولكنها ms01 لم تكن قط ~~أغنى بمسائل البحث مما كانت في البلاد التي خرجت فيها النزعة الفردية مزيجا من ثورة ~~الطبيعة وثورة الكنيسة وثورة القلعة وثورة المدينة وثورة الأفراد، وقلما امتزجت ثورات ~~خمس في نفس واحدة إلا بدت للعين كأنها ضرب من السكون! # وبحق كان «هيجل» فيلسوفا ألمانيا ينظر إلى العالم من خلال النفس الألمانية، وبحق ~~فسر التاريخ كله بالصراع الدائم بين فكرتين تتصارعان ما تكاد إحداهما تغلب الأخرى حتى ~~تتصدى لها فكرة جديدة تنازعها أسلاب الغلب وتأبى عليها قرار الراحة؛ فقد كانت النفس ~~الألمانية ميدانا بقيت فيه بقية من كل صراع وغنيمة من كل غالب وكل مغلوب، وانتهت بها ~~النهاية في هذه الصفة إلى إنسان جامع للثورات التي هي أشبه بالسكون، أو للسكون الذي هو أشبه ~~بالثورات، ونعني به «جيتي» شاعر الألمان الكبير ومحور الكلام في هذه الرسالة؛ فهو من ثم ~~الألماني في الألمانيين، وهو سليل الكنيسة الثائرة على الطبيعة، والقلعة الثائرة على ~~الكنيسة، والمدينة الثائرة على القلعة، والفرد الثائر على المدينة! # | النفس الألمانية # النفس الإنسانية لغز خفي على الرغم منها، ولكنك إذا شارفت النفس الألمانية خيل إليك ~~أنها لغز خفي باختيارها؛ لأنها تحب الألغاز والخفايا وتعيش فيها! وما من نقيضة في تلك ~~النفس العجيبة تستعصي على التفسير إلا كان تفسيرها القريب في هذه الحقيقة الشاملة ... فالعلم ~~بهذه الحقيقة زاد لا يستغني عنه المسافر في مجاهل الحياة الألمانية، من باطنة وظاهرة، ومن ~~قومية وفردية، ومن قديمة وحديثة. # اشتهر الألمان بالتدين والفلسفة والسحر والموسيقى والأناشيد والأحلام، وكل سمة من هذه ~~السمات راجعة في قرارتها إلى الإيمان بالغيب والولع بالأسرار. # ولك أن تقول: إن التدين والفلسفة والسحر إخوة ثلاثة يختلفون في العرق والحسن والطهارة، ~~فالغيب الذي يبحث عنه التدين هو سر القلب والضمير، والغيب الذي تبحث عنه الفلسفة هو سر ~~الفكر والبصيرة، والغيب الذي يبحث عنه السحر هو سر القوى الجاهلة والغرائز العمياء، ولكنها ~~كلها لا تولد إلا في مهد الخفايا ولا توجد إلا حيث يكون التصديق بالأسرار. # وقد ترى للسحر نوعين يختلفان ms02 أشد الاختلاف في الأصل والدلالة، فهنالك السحر السطحي الذي ~~يجيء من الضلال في تفسير ظواهر الأشياء؛ وهنالك السحر الخفي الذي يجيء من الضلال في تفسير ~~البواطن، وليس السحر الأول كالسحر الأخير ولا صاحب هذا كصاحب ذاك. # فالباحث عن ظواهر الأشياء إن مشى إليها من طريقها القويم انتهى إلى العلم وإن مشى إليها ~~من الطريق الأعوج انتهى إلى السحر والشعوذة، ولكنه في الحالين لا يتوخى مطلبا غير البحث ~~عن علاقات الظواهر؛ ولا يكلف نفسه النفاذ إلى أعماق المحسوسات؛ فهو في الطريقين قانع بما ~~يبدو على وجه الحياة. # أما السحر الآخر - أي حر البواطن - فهو فلسفة خاطئة أو تدين خاطئ؛ لأنه يتعدى المحسوسات ~~إلى ما وراءها ويتغلغل من السطوح إلى الأعماق. ولكنه يضل الطريق، ويستهدي إلى غايته بغير ~~هداية القلب والضمير، أو هداية الفكر والبصيرة. # والسحر الآخر هذا هو سحر الألمان في القرون الوسطى؛ فقد كانوا سحرة لأنهم لم يستطيعوا ~~بعد أن يكونوا فلاسفة، وطال بهم عهد التصديق بالسحر إلى أن بدأ عهد الفلسفة الحديثة في ~~القرون الأخيرة، فأحرقت امرأة ساحرة في سويسرة الألمانية سنة 1783 ... وبلغ عدد العجائز ~~المحرقات بأمر أسقف واحد في سنة واحدة من أواخر القرن السابع عشر ستمائة عجوز! ولا يخفى أن ~~الآمرين بالإحراق أشد إيمانا بالسحر من المتهمين باقترافه؛ لأن الساحر المتهم قد يعلم عجزه ~~عن الإصابة ويعرف تمويهه على عقول الأغرار، أما الآمرون بإحراقه فلن يفعلوا ذلك إلا وهم ~~مؤمنون بقوة السحر على الإصابة وسلطانه على الناس. ~~••• # والموسيقى - ولا سيما الموسيقى الألمانية - هي أقرب الفنون إلى البواطن والأسرار، وهي ~~أحيانا دعاء المعابد وصلوات العباد، وأحيانا لسان المعاني التي لا تعبر عنها الكلمات، ~~وجيتي هو القائل: «لا تقرأوا أناشيدي ولكن غنوها فتكون أناشيدكم.» وتلك حقيقة خليقة بجيتي ~~الشاعر وجيتي الألماني على السواء؛ فالألحان هي سبيل الاتصال بين الأرواح فيما لا تغني فيه ~~الكلمات، وهكذا اتصلت أرواح الألمان من قبل على ألحان الشعراء الطوافين وأغاني الفلاحين ~~وأساطير الأبطال الغابرين؛ ففي ألمانيا أدب حافل بالأغاني الشعبية لا نظير له ms03 عند سائر ~~الشعوب، لأن الموسيقى عندهم عنصر من عناصر الباطن وإحدى وسائل التعبير عن روح الشعب ~~الأصيل. ~~••• # وفي هذه «الباطنية» تعليل لكثير من النقائض التي تظهر لنا على «روح الشعب الألماني» ولا ~~سيما في فهمه للحرية والوطن والجامعة القومية؛ فقد طلب حرية الدين قبل غيره من شعوب أوروبا ~~وبقي متخلفا لا يطلب الحرية السياسية إلا في مؤخرة تلك الشعوب. ولا ريب في أن النزعة ~~الباطنية هي أحد الأسباب القوية التي يرجع إليها ذلك الإسراع في ثورة الدين وهذا الإبطاء في ~~ثورة السياسة والاجتماع. # فلما كان الظلم يوصد على الألمان باب الضمير لم يطيقوا الصبر عليه لأنه قد أوصد في ~~وجوههم الباب الذي منه يسلكون وإليه يلجأون، ولما بقي هذا الباب مفتوحا لم تعنهم مظالم ~~الحياة الخارجة لأنهم يعرضون عنها منصرفين إلى دخائل نفوسهم، فلا تضيق بهم الحياة الخارجة ~~كما تضيق بالمظلوم الذي يعلق عليها جميع الآمال. # فالشعوب التي تستغرقها «الدنيا الظاهرة» يحرجها الظلم إذا أخذ عليها مسالك تلك الدنيا ~~فيدفعها إلى التمرد وطلب التغيير، ولكن الألمان شعب لم تستغرقه «الدنيا الظاهرة» فكانت له ~~مندوحة من حياة الروح يطلب عندها العزاء الصادق أو الكاذب: يطلب عندها أملا في السماء أو ~~رقية في السحر أو سلوى من الفلسفة، وفي ذلك كله تلطيف لوقع الظلم يؤجل الشعور به إلى ~~حين. # وهنا وجه المقابلة بين الألمان والفرنسيين؛ فإن الفرنسيين هرعوا إلى الديمقراطية ولكنهم ~~لبثوا مع الكنيسة التي دان لها أجدادهم وآباء أجدادهم، والألمان خرجوا على كنيسة الأجداد ~~وأبطأوا في تلبية الديمقراطية، وهذا هو الفرق البين بين روحي الشعبين. ~~••• # قلنا: إن «النزعة الباطنية» هي أحد الأسباب القوية التي صبغت «الروح الألماني» بهذه ~~الصبغة في فهم الحرية، ولكنها ليست بالسبب الوحيد الذي جعل للحرية الألمانية والوطنية ~~الألمانية معنى غير معناهما عند سائر الشعوب، فيجب أن نذكر في هذا الصدد أن الجرمان كانوا ~~قبائل شتى ودويلات كثيرة تخضع للدولة المقدسة الكبرى. فكانت الدويلات الصغيرة تكره الدعوى ~~الجرمانية في بادئ الأمر لأنها تحس منها الخطر على وجودها وتخشى ms04 أن تفنيها في غمار الدولة ~~الكبرى، بل لقد كان عدم الوطنية الجرمانية في بعض العصور ضربا من الوطنية المشكورة في ~~الدويلات الصغيرة؛ فالبروسي مثلا كان ينكر الغيرة على الوطنية الجرمانية لأنها غيرة تلتهمه ~~وتفنيه وتقضي على غيرته البروسية، فليس بعجيب أن يختلف معنى الوطن في بلاد الجرمان عن معناه ~~في الأمم الأخرى زمنا من الأزمان. # ويجب أن نذكر كذلك في هذا الصدد أن مبادئ الديمقراطية حين وصلت إلى ألمانيا كانت مبادئ ~~عدوها المغير عليها المذل لكبريائها، كانت مبادئ الجيش الفرنسي والدولة الفرنسية، فليس ~~بعجيب أن يتلقاها فلاسفة الألمان بشيء من الفتور والإعراض، وأن تجنح بهم الوطنية إلى إنكار ~~الديمقراطية في إبان المنافسة والملاحاة بين الشعبين، فهو روح شعبي ذلك الذي جنح بهم من حيث ~~لا يشعرون إلى إنكار الدعوة «الشعبية» يوم جاءتهم على أسنة الرماح وأفواه المدافع من ~~جانب الفرنسيين! # على أن السبب الذي يتصل بجميع هذه الأسباب ويكاد يدرجها كلها في أطوائه هو حرب «الثلاثين» ~~المشهورة؛ فإن هذه الحرب الطحون قد دمرت ألمانيا في الشمال والجنوب تدميرا وعطلت البحث ~~والأدب فيها جيلين متواليين ورزحت استقلال الفكر فيها خلال القرن السابع عشر الذي نشطت ~~فيه دعوة الفكر الحر في الأمم الأوروبية الكبرى. # وهكذا اختلف الروح الألماني في مظاهر الحرية ومعاني الوطنية والعصبية اختلافا غير يسير، ~~فكان له نمط فذ من الاستقلال والشعور بالحقوق. # ولسنا نفهم أمة الألمان وحدها حين نفهم هذه الحقائق ونلاحظ هذه الفروق، ولكننا نفهم ~~شاعرهم جيتي حق فهمه حين ندرك الروح الألماني هذا الإدراك، ونلقي بالنا على هذا النحو إلى ~~مزاج التدين والفلسفة والسحر والموسيقى والأناشيد والأحلام. # | نبذة عن الحرية الفنية في الأمة الألمانية # لا تخلو الدنيا من فكرتين تتصارعان كما يقول هيجل فيلسوف الألمان الذي أشرنا إليه في كلمة ~~البداءة، وإنما الغلبة الكاملة في هذا الصراع مستحيلة، فكل فكرة غالبة تفقد بعض الشيء وكل ~~فكرة مغلوبة تغنم بعض الشيء. ثم ينتهي المطاف وفي الدنيا آثار مختلفات لجميع الأفكار غالبها ~~ومغلوبها على السواء. # فإذا تحدثنا هنا عن ms05 تداول المدارس الفنية في الأمة الألمانية وجب أن نذكر هذه الحقيقة ~~وألا ننسى أن الغالب منها لم يبق كل البقاء وأن المغلوب منها لم يزل كل الزوال؛ ففي العصر ~~الحاضر أثارة من الأساليب الرومانية والمدرسية والفرنسية والمستقلة والزوبعية التي شاعت بعض ~~الشيوع في جيل جيتي، وفيه كذلك أثارة من الرومانية الحديثة والطبيعية وما تجدد بعدهما من ~~شتى الأساليب. # وهذه الأساليب كلها قد تتلخص على سبيل الإيجاز في أسلوبين اثنين يتداولان الغلب من أقدم ~~عهود الفن في الأمة الألمانية، وهما الأسلوب اليوناني البسيط الصريح المعروف «بالكلاسيكي» ~~والأسلوب المجازي المركب المعروف «بالرومانتيكي». فكان الأسلوب المجازي المركب يستولي على ~~أذواق الألمان في القرون الوسطى إلى إبان عصر النهضة والإصلاح. ثم ضعف سلطانه رويدا رويدا ~~بعد فتح الترك يحملون كتب الإغريق وبقايا آدابهم الخالصة من شوائب العصور المظلمة، فراح ~~القوم يطلبون الرجعة إلى أسلوب اليونان القديم أو الأسلوب «الكلاسيكي» الصريح. # وخير ما نفرق به بين الأسلوبين أو المدرستين - ولا سيما في النحت والتصوير - أن نسمي ~~إحداهما البسيطة والأخرى المجازية، وخير من ذاك أن نثبت هنا كلمة الشاعر الألماني المبدع ~~«هنريك هيني» في الفرق بينهما كما وصفهما في كتابه الشائق النافع عن البلاد الألمانية، فهو ~~يقول: «إن الفرق بينهما هو أن الصور والشخوص في الفن القديم تمثل أصحابها والفكرة التي ~~عناها الفنان؛ فرحلات «الأوديسي» مثلا لا تعني شيئا آخر غير رحلات الرجل الذي هو ابن ~~«لايرتس» وزوج «بنيلوب» والذي اسمه «أولس». وكذلك تمثال باكوس القائم في متحف اللوفر لا يدل ~~على شيء آخر غير ابن سيميل الجميل يطل الحزن الجسور من عينيه وتبدر الشهوة الملهمة من نعومة ~~ثغره وتقويس شفتيه، أما الأسلوب المجازي فغير ذلك في مغازيه؛ إذ رحلات الفارس تنطوي على ~~كنايات خفية وتشير إلى ضلالات الحياة ومتاهاتها في جملتها. والتنين المقهور إنما هو ~~الخطيئة! وشجرة اللوز التي تزجى برياها الشذي من بعيد إلى البطل الهائم إنما هي ثالوث ~~الأب والابن والروح القدس: ثلاثة في واحد، كما أن القشر والليف والنواة ثلاثة في لوزة ms06 ~~واحدة . وإذا وصف هومر درع ناضل فما هي في عرف الأسلوب القديم إلا درعا موضونة تساوي كذا ~~من رءوس البقر، أما إذا وصف راهب القرون الوسطى ثياب العذراء في قصيدته فثق إذن أنه يعني ~~بكل طية من طياتها فضيلة من الفضائل، وأن هناك سرا مكنونا في ثياب العذراء الطهور، وإنها ~~هي لزهرة اللوز إذا كان ابنها نواتها، وهذه هي سنة ذلك الأسلوب من شعر القرون الوسطى ~~التي نسميها المدرسة الرومانية.» # هذا هو تفريق هيني بين مدرستي القرون الوسطى، ولكنه يسري بعض السريان إلى فروعهما في ~~العصور الحديثة؛ ففي المدرسة اليونانية حيث ظهرت بساطة وصراحة، وفي المدرسة المجازية حيث ~~ظهرت لف ومجاز. # إلا أن طلاب العودة إلى البساطة في ذلك الزمن كانوا مقلدين فلم يسلموا من غلطات ~~التقليد التي لا محيص عنها؛ فكان الصواب الفني عندهم وقفا على الأقدمين فلا يصيب الشاعر ~~ولا المصور ولا الموسيقي إلا على نمط واحد هو نمط أولئك الأقدمين، كأنما الصحة الفنية ~~ضرب آخر من الصحة الحسابية كما قال بعض النقاد، فمسألة الحساب لا تصح إلا بجواب واحد ~~وصورة الفنان كذلك لا تصح إلا على مثال واحد! ومن ثم جاءت القيود وكثرت الشروط، ولما ~~أوشكوا أن يبرأوا من هذا الخطأ الجديد صدمتهم حرب «الثلاثين» في القرن السابع عشر فباءوا ~~إلى فترة طويلة من الإعياء وضعف الثقة والركود. # خرجت البلاد الألمانية بعد حرب «الثلاثين» منهوكة العزم موهونة الرأي، فأقفرت المدن الحرة ~~التي ظهرت فيها طلائع الاستقلال والنشاط، وخربت المزارع وكسدت التجارة، واشتد طغيان الأمراء ~~كما يتفق أحيانا في أعقاب الحروب الطوال الجوائح، فانكسرت النفوس وفترت الهمم وران على ~~الأمة شك وبيل في كل ما هو جرماني وكل ما هو بسبيل من الجرمانية، وراجت بينها محاكاة ~~الأجانب ولا سيما الأمة الفرنسية التي كانت يومئذ في أوج عمرانها وبذخ سلطانها، وكان ~~بلاطها قدوة الملوك والأمراء في الآداب والأزياء والسموت، فبطل الكلام بالألمانية في ~~مجالس العلية والسروات حتى أصبحت الخطابة بها وصمة لا تليق بالرجل المهذب النبيل، وأضر هذا ~~التقليد ms07 ضرره الذي لا ريب فيه ولكنه لم يخل من فائدة حسنة وتمهيد صالح؛ إذ كان الأدب ~~الفرنسي في ذلك العصر حيا بمبتكراته ومنقولاته عن قدماء الإغريق، فانتفع به الألمان وكان ~~له بينهم أثر حميد. ثم كثرت الترجمة من كل لغة لها أدب وكتابة حتى اللغات الشرقية، فنقلت ~~مأثورات من لغات الإنجليز والأسبان والطليان، ونقلت مأثورات من العربية والفارسية والهندية، ~~وكان لذلك كله أثره المنظور في توسيع النظر وتعديل المقاييس والآراء. # ثم تماسك الألمان وراجعتهم الثقة وبدرت بينهم بوادر الوحدة والعصبية، فكتبوا ونظموا في ~~الأدب الرفيع باللغة الألمانية وتعلقوا بأساطيرهم القديمة وأقبلوا على جمعها واقتباسها، ~~واشتط بعضهم فشنوا الغارة على كل أجنبي حديث! بل اجترأ بعضهم فلم يحفل بقيود الأدب القديم: ~~تلك القيود التي كان لها السلطان النافذ قبل ذاك. # ويرجع الفضل في النهضة الألمانية الحديثة إلى أدباء كثيرين لا يسعنا ذكرهم في هذا المقام ~~أجمعين، فحسبنا أن نذكر منهم من كان أقربهم إلى جيتي عهدا وصلة بالسمع أو بالعيان، وهم ~~جوتشيد منقي التمثيل في ألمانيا من السخائف والكثافات، و«لسنغ» الداعية الموفق إلى أسلوب ~~الإغريق وأسلوب الابتكار، وونكلمان مؤرخ الفن القديم بوحي من روح العلم وروح الأدب، ~~و«فيلاند» مطلق الخيال الألماني ومسدد خطاه ونافحه بحرارة الجنوب، و«كلوبستك» ملتون ~~الألمان، وهردر الذي نهج بجيتي على النهج القويم في فهم اليونان وشكسبير والعودة إلى مآثر ~~التيوتون، وكلهم سابقون لجيتي في الميلاد بزمن قصير. # على أن المدرسة أو الطريقة التي لا يحسن بنا أن ننساها في هذا المقام هي المدرسة التي ~~عرفت باسم الزوبعة وراجت في إبان نشأة جيتي أيما رواج، سميت باسم رواية تمثيلية للأديب ~~«كلنجر»، ودلت تسميتها هذه على حقيقة ما ترمي إليه؛ فهي مدرسة جامحة لا تذعن لقيد قديم ولا ~~حديث، ورواية «جوتز» التي ألفها جيتي في شبابه هي إحدى ثمار هذه المدرسة بغير خلاف. ~~••• # هذه لمحة عاجلة - بل عاجلة جدا - عن تاريخ الحرية الفنية في الأمة الألمانية إلى عهد ~~جيتي؛ وهي بمثابة تصوير اتجاه النهر دون تصوير فروعه وقنواته ومدنه، ms08 وربما حدث في مجاري ~~الأنهار أن يتفرع عليها الجدول فيسبقها إلى الأمام أو يكر راجعا إلى الوراء، فبينما النهر ~~الأصيل متجه إلى الشمال إذا بفرعه الكبير أو الصغير يتجه إلى الجنوب. # وهذا الذي حدث في نهر الآداب الألمانية من بداية ينبوعه، فبقيت فروع منه في وادي المجاز ~~حين تدفق مجراه إلى وادي الصراحة، وقامت مدائن منه على فرعين: أحدهما مجازي وثانيهما ~~صريح! وما من أسلوب إلا رجع مرة بعد مرة على تفاوت في القوة والغزارة، فظهرت المجازية في ~~عهد جيتي بليغة الرسالة أحيانا عزيزة الأنصار، وجاءت في هذه المرة تحوم حول الكنيسة وتنادي ~~بأن الفن لم يزهر قط بمعزل عن كفالة الدين، ويرجع غير ذلك الأسلوب في ذلك العهد الحافل ~~بالنقائض والبدوات، إلا أن شيئا واحدا تقوله في جميع هذه الأحوال وأنت على ثقة من الصواب، ~~وهو أن الأغاني والأساطير القومية وأحاديث الأبطال الغابرين كانت تصاحب النهر أبدا في كل ~~مجرى وكل قناة، وشيئا آخر تقوله أيضا وأنت على ثقة من الصواب: وهو أن جيتي كان سليل هذه ~~العناصر جميعها؛ ففيه مشابه بارزة أو غير بارزة من قديمها وحديثها: يشبهها شبه الابن ~~بآبائه وأجداده لا شبه المحاكي المفتون بمن يحاكيه، وفرق بين الشبهين جد بعيد، فإذا جاء ~~الولد على آسال آبائه وأجداده فأنت لا تقول عنه إنه يحاكيهم ويتعمد مشابهتهم، بل ربما جاز ~~لك أن تقول إنهم ينتسبون إليه كما تقول إنه ينتسب إليهم. ~~••• # وبعد فمن تمام الكلام في هذا السياق أن نعرض لحالة القصة والتمثيل قبل أيام جيتي بلمحة ~~أخرى؛ لأنه ساهم في القصص وأصلح في التمثيل غير قليل وألف للمسرح واشتغل زمنا ~~بإدارته. # فأما القصة فقد كتب فيها بعض الأدباء النابهين كتابة لا بأس بها بعد حرب الثلاثين، واتخذ ~~لها من الفروسية العارمة المقتحمة موضوعا يناسب القلاقل والمخاطر التي كانت فاشية في تلك ~~الأيام، ثم ركدت فترة ريثما استوعبت الأذهان القصص المنقولة عن اللغات الأجنبية من طراز ~~«روبنسون كروزو» الإنجليزية و«دون كيشوت» الإسبانية وروايات النخوة التي اشتهر بها ms09 إقليم ~~بروفنس ~~(Provence) # في فرنسا، فتهيأ المقلدون لمحاكاتها ~~وكثرت الكتابة القصصية وأخذت في التقدم، وهي مع هذا لا تسلم من عيوب الطريقة المجازية ~~التي تلتزم المغزى والعبرة في كل رواية وفي كل نادرة، كأنما القصة عمل «وعظي» مقصود لهذا ~~الغرض وليست عملا فنيا تجيء فيه العظات اتفاقا أو لا تجيء على الإطلاق، ونشأ جيتي ~~فأدرك القصة الألمانية وهي على هذه الحال تتراوح بين العظات والفنون. # وأما التمثيل فقد أصلح فيه جوتشيد ولسنغ وونكلمان ما تيسر لهم أن يصلحوا، ولكنه بقي مع ~~هذا فنين يكاد يستقل أحدهما عن الآخر، لا فنا واحدا في تطور واحد كما كان عند الفرنسيين ~~والإنجليز. فالعالي منه كان مقصورا على مسارح الأمراء في قصورهم التي لا يدخلها غيرهم ومن ~~يصطفونه لمجالسهم، أو مقصورا على الطلاب في الجامعات يلهون به فترة بعد فترة على غير ~~انتظام، والوضيع منه موكول إلى الفرق الطوافة التي لا كرامة لها ولا متسع للنبوغ ~~فيها. # ثم تولته عناية الأمراء والأدباء رويدا رويدا حتى ارتقى بعض الارتقاء، ولكنك خليق أن ~~تعلم مدى ارتقائه هذا متى علمت أن النظارة كانوا يعاقرون الخمر في ردهة دار التمثيل ~~ويدخلونها بأطفالهم وكلابهم في أيام «فيمار» الزاهرة، وهي الأيام التي أشرف فيها جيتي على ~~إدارة التمثيل. ~~••• # وإلى هنا يستريح ضمير الكاتب الأوروبي إلى السكوت وهو يصف العناصر التي اشتركت في تكوين ~~جيتي فلا يزيد على ما تقدم. # إلا أن الكاتب العربي مطالب فيما نعتقد بكلمة أخرى قلما تعثر بها في تراجم الأوروبيين ~~لذلك الشاعر، فليس يسعه إلا أن يضيف إلى ما تقدم كلمة واجبة عن العناصر الشرقية التي اتصلت ~~بجيتي وأثرت فيه بعض التأثير، فمما لا ريب فيه أن للعربية فضلا لا ينكر في تثقيف جيتي ~~وتغذية خياله؛ لأن آداب العرب وصلت إلى الألمان في العصر السابق لعصر جيتي من طريقين لا من ~~طريق واحد: أحدهما مباشر وهو طريق الترجمة من العربية إلى الألمانية، والآخر غير مباشر وهو ~~طريق الآثار التي ترجمت عن الإنجليزية والإسبانية والفرنسية وكانت فيها ms10 مسحة واضحة من ~~الآداب العربية. # فقصة «روبنسون كروزو» - وهي من أهم ما أثر في القصص الألماني - مدينة لرحلات السندباد ~~وأسطورة حي بن يقظان الفلسفية اللتين ظهرتا في الإنجليزية قبل «روبنسون كروزو» بزمن وجيز. ~~و«دون كيشوت» الإسبانية - وهي كذلك من أهم ما أثر في القصص الألمانية - عربية في الفكاهة ~~والتقسيم، وتكاد تكون بعض أمثالها ترجمة حرفية للأمثال المعروفة عند الأندلسيين. وشعراء ~~بروفنس - وهم أصحاب أثر واضح في القصص الألماني - قد أخذوا كثيرا من شعر الأندلس حتى ~~أوزانهم التي تشبه أوزان أزجال ابن قزمان. # فاسم الأدب العربي لن ينسى إذا ذكرت اليوم أسماء الآداب التي مازجت عبقرية «جيتي» أو ~~مازجتها تلك العبقرية العظيمة، وهو نفسه قد أدى شهادته لذلك الأدب بديوان طريف ظريف سماه ~~«الديوان الشرقي» نسج فيه على منوال العرب والشرقيين في الغزل والوصف والحنين، وسنتكلم عنه ~~بعد، ونترجم منه طرفا في باب المختارات. # | حياة جيتي # 1749-1832 # كان جيتي يغبط صاحبه شيلر لموته في العقد الخامس من عمره، فذكراه أبدا مقرونة بذكرى ~~الشباب المحبوب والنضارة الموموقة. # وقلما يصيب المرء في تمنيه ولو كان من الحكماء، فلو مات جيتي في سن صاحبه لضاع أكبر ~~نصيبه من الشهرة وهبطت مكانته في عيون قومه وعيون سائر الأقوام؛ لأن طول عمره أقامه في ~~الأدب الألماني الحديث مقام الأبوة والرجحان، وأتاح له أن يتم ما بدأه من الكتب ~~في أوائل الحياة. # لكنه كان يتمنى ذكرى الشباب على خطأ أو على صواب، فعزاء له ولا ريب أن تضمه الأرض إليها ~~وهي في نضرتها وأن تلف ذكراه في أكفان ربيعها؛ فقد مات في الثاني والعشرين من شهر مارس ~~خاتمة الشتاء، فلا يذكره الذاكرون إلا بدرت إلى أذهانهم صور الربيع في مطلع وروده ورياحينه! ~~وتلك قسمة خير من قسمة صاحبه المغاضر قبل أوانه؛ وإن لم يكن فيها محاباة من القدر ولا ~~إجحاف. # نعم لا محاباة من القدر في هذا الازدواج بين تحية جيتي وتحية الربيع، فإنما عاش الرجل ~~حياته كلها على طولها في ربيع ناضر من نسج الفن والطبيعة ms11 على السواء، ونشأ في حجر الجمال ~~من لدن كان في طفولته الأولى إلى أن نيف على الثمانين؛ ففي الرابعة عشرة حب وجمال وفي ~~سرير الموت حب وجمال! وكانت إحدى كلماته الأخيرة في غيبوبة الاحتضار إشارة إلى رأس امرأة في ~~الخيال. فقال لمن كان يراهم في غيبوبته من ملأ الفنون: «انظروا إلى رأس تلك المرأة الفاتنة ~~ذات الغدائر الفواحم في لونها الفاخر من ورائها الظهارة السوداء!» وهكذا كانت عيناه لا ~~تملان محاسن الدنيا في صحو ولا غيبوبة، وقلما فارقه الصحو في أزمات الروح والجسد، ~~وقلما احتوته الغيبوبة إلا في قبضة الحمام أو في قبضة السقام. # بل لقد خطب الرجل وهو في الرابعة والسبعين فتاة في التاسعة عشرة! فلما أعرضت عنه تشفع ~~إليها وإلى أمها بأميره الذي حقق فيه قول أبي الطيب: # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي # عند التي تركتني في الهوى مثلا # فلما أصرت أمها على الرفض كما ينبغي أن تصر كل والدة في مثل هذه الخطبة انقلب إلى بيته ~~مزودا بقبلتين اثنتين جادت بهما الفتاة عليه في موقف التعزية! وراح يعاني برح الغرام ~~وينظم قصائد الغزل! وينسى أنه لا يبدو للدنيا في صورة ربيعية وإن كانت الدنيا لا تبدو له ~~إلا كذاك! # وظلت الحياة يانعة لقريحته كما ظلت يانعة لقلبه، فأثمرت شجراته في الفن والعلم أطيب ~~الثمر، وأخصبت أيامه كلها في شتى المباحث والمشاركات كأخصب ما عرف في أيام الشعراء ~~المفكرين، فمن شعر إلى شريعة إلى سحر إلى تصوير إلى موسيقى إلى طب إلى معادن إلى نبات، ~~تختلف في الجودة ولكنها لا تختلف في النماء، فإن أينعت منها جوانب وأقفرت جوانب أخرى فكما ~~تختلف البقعتان في الأوان الواحد، هذه عداها الماء والزرع وهذه يجري إليها الماء وتعمل فيها ~~يد الأكار، وكلتاهما مطويتان في أوان الربيع، وليس اختلافهما كاختلاف الربيع والشتاء، أو ~~كاختلاف النضرة والذبول. # أجل! هو ربيع دام في هذه الأرض نيفا وثمانين عاما يخصب حينا كما يخصب الربيع ويجدب ~~أيضا كما يجدب الربيع، وهو ربيع الطبيعة والفن معا ms12 ... فإن شئت فقل إنه تمثال حياة، وإن ~~شئت فقل إنه حياة تمثال! ولكنك لا تستطيع أن تتصوره دون أن تجمع في تصورك إياه بين الحياة ~~والتمثال في إهاب واحد! وستعلم من تفصيل وصفه اللاحق أننا نعني الحقيقة هنا ولا نعني ~~اللعب بالكلمات. # جيتي في سنة 1826. # ولد جوهان ولفجانج جيتي بمدينة فرنكفورت في الثامن والعشرين من شهر أغسطس لسنة 1749، من ~~سلالة كان فيهم الحائك والحداد والبيطار والضابط والتاجر؛ فهم من ناحية الأبوين صناع ~~ارتقوا إلى طبقة الموسرين، وكان أبوه في الحادية والأربعين وأمه في الثامنة عشرة حين ولد ~~لهما هذا الطفل المشكوك في حياته الذي عاش بعد ذلك إلى الثالثة والثمانين، فشب في بيت لا ~~تقارب فيه بين الأبوين في السن ولا تقارب في المزاج؛ إذ كان أبوه جافيا شديدا في ~~«النظام» حريصا على سمت وجاهته ولقبه الذي اشتراه بالمال، مرير النفس لفشله في رجاء العظمة ~~والظهور، وكانت أمه طروبا ضحوكا مشغوفة بالسرور. ووصف جيتي في شيخوخته ما ورثه من كليهما ~~فقال إنه ورث من أبيه قوة الخالجة والشك والتطلع، وورث من أمه المرح وحب الحياة والخيال! ~~وكانت أمه فيما عدا ذلك تقرأ الكتب الخفيفة من أدب الألمان والطليان فتبث في ولدها - أو في ~~أخيها كما كانت تسميه بعض الأحيان - هوى القراءة والتخيل والأقاصيص، فميراثه منها في ~~القريحة أكبر وأزكى، وشبهه بأبيه أقرب وأوضح كما ترى في صور الثلاثة. # جوهان كاسبر والد جيتي. # تعلم اللاتينية والإيطالية والفرنسية في طفولته الأولى، وكان أبوه يتولى تعليمه في معظم ~~الأحوال لأنه درس علوم الحقوق وحصل فيها على لقب الدكتوراه، وكان يؤلف في الإيطالية وله ~~رحلة مكتوبة بها. # ولما بلغ جيتي السابعة نشبت حرب السنوات السبع بين النمسا وبروسيا؛ فكانت أمه في جانب ~~«ماري تريزا» وكان أبوه في جانب «فردريك» الكبير، أما هو فكان - هذه المرة - في جانب ~~أبيه. # ثم احتلت فرنكفورت فرقة فرنسية تساعد النمسا على بروسيا، واحتل قائدها «ثوران» منزل ~~جيتي فغنم الطفل الصغير من هذا الاحتلال فائدة لا تنسى؛ لأن ثوران كان ms13 ضابطا مثقفا يحب ~~مجالسة الأدباء ورجال الفنون، ويجمع الصور النفيسة ليرسل بها إلى بلاده، ولأنه أذن لجيتي أن ~~يشهد المسرح الفرنسي الذي كان يرافق الجيش في احتلاله حيث شاء أن يشهده، وتلك مزية يفرح بها ~~الطفل من غراره مطبوع على حب الفنون. # كاترينا إليصابات والدة جيتي. # وأخذ يتعلم الرياضة والموسيقى والتصوير واللغة الإنجليزية وهو في الثانية عشرة، فاخترع ~~قصة يعيش أبطالها في ممالك مختلفة ويكتب كل منهم إلى صاحبه بلغة بلده، ليحذق هذه اللغات ~~ويفتن في أساليبها. وأدت به قراءة التوراة إلى درس العبرية فنظم الشعر في قصة يوسف وإخوته، ~~وكان يملي ما ينظمه أو يكتبه على زميل له من صنائع أهله، فتعود الإملاء عادة لزمته طول ~~حياته. ثم برح بيت أبيه إلى جامعة ليبزج ليدرس فيها الشريعة وما إليها وهو في السادسة عشرة، ~~فبقي زمنا يدرس الشريعة ويزور المتاحف ويمارس التصوير ويلهو أحيانا ويجرب الهوى والهجر ~~والغيرة والإسراف كلما اتفق له ذلك، حتى ضني جسمه وأصيب بنزيف أوشك أن يقضي على حياته ... ~~وعاد إلى بيت أهله بعد سنوات ثلاث وقد تداعى جسده وتداعى يقينه، فلبث فيه أشهرا بين الموت ~~والحياة. وهنا سنحت له فرصة الفراغ لدرس الكيمياء القديمة والسحر والطلاسم مع بعض الأطباء، ~~فقرأ فيها ما شاء وخرج منها كما خرج من جميع مباحثه بمتعة الفنان وتأمل الفيلسوف، ثم قصد ~~«ستراسبورج» في هذه المرة ليستأنف دراسته في جامعتها، وكانت المدينة فرنسية في الحياة ~~العامة وأساليب المعيشة، فتزود من حياتها وعلومها وصاحب طلاب الطب والعلوم الطبيعية ~~فحضر معهم دروس الطب وطبقات الأرض وما إليها، وشاهد هناك الكنيسة الكبرى فحببت إليه الفن ~~القوطي القديم بعد نفور وسوء ظن، وكان لهذه الكنيسة أثر بليغ في تقديره للعبقرية الألمانية ~~وتوقيره لآداب وطنه. # ثم أتم دروس الجامعة وهو في الثانية والعشرين، وراح يتدرب على المحاماة في «فتزلار» ويحب ~~كدأبه أينما كان وأنى كان! فالتقى بالفتاة «شارلوت بف» وأحبها ووصف حبه إياها في قصة ~~«آلام الفتى فرتر» مع شيء من التحوير يقصد به المداراة وصرف ms14 الأنظار، فاشتهرت القصة وذاع ~~اسم مؤلفها بين العلية والمتأدبين وسائر الطبقات، وفي طليعتهم «كارل أوغست» أمير «فيمار» ~~الفتى المحب للفنون والآداب. فلما كان هذا الأمير يعبر «فرنكفورت» في طريقه إلى باريس أواخر ~~سنة 1774 استقدم جيتي إليه ودعاه إلى عاصمته، ثم تكررت الدعوة فلباها جيتي وهو لا يقدر ~~البقاء الطويل في تلك العاصمة. وكان من أسباب تلبيته حادث غرام يريد أن يفلت منه ونفور من ~~صناعة المحاماة يحسن له هجرها ولو إلى حين، فقد بدأ فيها بداءة مضحكة ولم يمح النجاح ~~اليسير الذي أصابه فيها نفوره الأول منها، وقد أشار إلى هذا النفور في رواية «فوست» أثناء ~~الكلام عن العلوم والدراسات. ~~••• # كان الأمير ربيب الأدباء نشأ على دأب أهله مشجعا للآداب الألمانية، وكان فتى كريم ~~النفس عارم الفتوة لا يفتأ بين صيد وطرد ومبيت في الخلاء ودعابة ومجون، وكان له مذهب في ~~الحب كمذهب جيتي لولا أنه جامح وثاب، وجيتي لا يطيق الصبر الطويل على الجماح والوثوب. ومن ~~غرائبه في هذا الباب أنه أمر بأن تجمع له مكتبة تضم أشتات ما كتب الكاتبون قديما وحديثا ~~عن الحب بجميع ضروبه وأشكاله، ومن دلائل نبله في شبابه وكهولته أن أناسا وشوا عنده ~~بالفيلسوف «فيخت» واعترضوا على توظيفه بجامعة «يينا» لنزعته الثورية الظاهرة، فوضعوا بين ~~يديه كتابا من كتبه ليقرأه ويعدل عن توظيفه ... فلما قرأ الكتاب أمر بتوظيف الفيلسوف. # عرف كل من الأمير والشاعر صاحبه معرفة البصير الناقد والصديق الشاكر للفضائل المتسامح في ~~العيوب، فتوثقت بينهما الصداقة ودامت مدى الحياة، وفي عاصمة هذه «الإمارة الصغيرة» تولى ~~الشاعر مناصب الوزارة العالية وتقلب في أعمال شتى، منها ما هو متصل بثقافته كالتعليم ~~والتمثيل ومنها ما هو بمعزل عنها كالزراعة والمعادن والحرب، فسوى بينها في العناية وأخلص ~~لها جميعها إخلاصه للشعر والقصة. ووالاه الأمير برعايته خلال ذلك كله فلم يبخل عليه بشيء ~~يتوق إليه. فلما أحب أن يزور إيطاليا تركه يقيم فيها نحو عشرين شهرا ووظيفته جارية وأجره ~~غير ممنون، وقد نفعته هذه الرحلة فيما أقنعته ms15 برفضه وفيما أقنعته بأخذه، فقد عدل عن طلب ~~التفوق في التصوير ونفذ إلى صميم الفن القديم. # جيتي وأمير فيمار. # وعلى طول العشرة بين الرجلين لم يقع بينهما من الخلاف إلا ما يقع بين الأخوين أو بين ~~الصديقين الحميمين، فاصطحبا في أعمال الدولة حتى قضى الأمير نحبه وأحس جيتي تغير الحال ~~فاعتزل جميع هذه الأعمال، وإن فضل الأمير في هذا الوفاء لفضل يلحقه بأكبر ذوي التيجان وإن ~~كانت إمارته من أصغر الإمارات. # نعم فاسم «فيمار» الآن اسم عظيم بين البلدان يحف به سحر الطبيعة وسحر الشعر وسحر ~~المأثورات، اشتق الألمان اسمها من الكرم فسموها فاين ~~مار # Weinmar # أي سوق الخمرة، واقترن تاريخها الحديث بتاريخ أكبر الأدباء في بلاد ~~الجرمان أجمعين، واتصل عهدها القديم بعهد «لوثر» المصلح الكبير الذي عاش فيها وخطب فيها ~~واتخذها معقلا يناضل منه روما فيما كان لها من سلطان الملك والدين. وأراد الألمان أن ~~يخطوا أساس دولتهم الجديدة بعد الحرب العظمى فلم يجدوا بلدا غير فيمار عاصمة «الروح» في ~~ألمانيا التي لم تتنكر لها الدنيا كلها حين تنكرت لبرلين وملوك برلين. ولكن هذا كله ما كان ~~ليذكر عن «فيمار» لولا مروءة «كارل أوغست» وأريحيته وعلو همته وترحيبه في عاصمته الصغيرة ~~بكل عظيم الفكر والنفس في دولة الجرمان الرحيبة الأكناف، فلولاه لما كانت «فيمار» إلا قرية ~~صغيرة يضيع اسمها بين أسماء الحواضر ولا تحتويها الخريطة إلا من باب الإحصاء. ~~••• # هذه هي القرية التي أوى إليها الشاعر من خامس نوفمبر سنة 1775 إلى اليوم الذي مات فيه، ~~يداول بينها في الإقامة وبين «يينا» القريبة منها، لم يفارقهما إلا لسياحة أو غربة قصيرة، ~~ولم يقع له فيهما من الحوادث ما يستحق أن يسمى بالحوادث؛ إذ كانت حياته حياة الفنان المتملي ~~والحكيم المتأمل، فهي حياة الخوالج والمؤلفات وليست حياة الوقائع والأخطار. # بيت جيتي الخلوي بين حدائق فيمار. # جيتي في إيطاليا. # ولقد عاش في عصر الثورة الفرنسية ولقي نابليون أعظم رجال الدول في ذلك الزمان، ولكنك إذا ~~سطرت تاريخه استطعت أن تحذف ذكر ms16 الثورة بأسرها دون أن تختل معك قواعد ذلك التاريخ، واستطعت ~~أن تلغي لقاءه لنابليون ولكنك لا تستطيع أن تلغي لقاءه للأديب هردر أو الشاعر شيلر، بل لا ~~تستطيع أن تلغي لقاءه لحسناء من أولئك الحسان اللواتي غذينه بغذاء الأرباب من نور ~~العيون ووهج القلوب، فكل حسناء عرفها كان لها شأن في آثاره أجل من شأن نابليون. # على أننا نحسب أن أعظم حوادث التكوين والتوجيه في حياة هذا العبقري المعمر إنما يبحث عنها ~~في سنواته العشر الأولى لا فيما أعقب ذلك من سنوات الشباب أو الكهولة أو الهرم؛ ففي سنته ~~السادسة وقع زلزال لشبونة فطال فيه جدال الناس في العدل الإلهي وسقطت بذور الشك في ضمير ~~الطفل اليقظ المستريب، وفي سنته السابعة نشبت الحرب بين النمسا وبروسيا فسمع عنها في بيته ~~كل ما يقال عن مطامع السياسة وحركات الشعوب من الجانبين المتحاربين، وفي سنته العاشرة شهد ~~التمثيل الفرنسي ورأى مظاهر القوة الفرنسية، وهل في عناصر جيتي الشيخ الملقى على سرير الموت ~~ما يزيد على هذه الأصول؟ قد يكون، ولكنه بعد من قبيل الإضافة والتفضيل لا من قبيل التكوين ~~والتوجيه. # ومات الشيخ في مولد الأرض وعرس الربيع، مات وهو يطلب المزيد من النور ويهتف بمن حوله وهو ~~يجود بنفسه أن «افتحوا النافذة ليدخل النور»، ثم عجز عن الكلام فطفق يومئ بأصبعه في الهواء ~~ويكتب بها كلمات وأوائل كلمات، كأنه لا يريد أن يكف عن «التعبير» وفيه رمق حياة. # ولا حاجة بنا إلى علم الأسرار لنفهم معنى النور الذي طلبه جيتي وهو يودع الحياة، ~~فلقائل أن يتعمق في التفسير ويذهب إلى معنى للنور أخفى من هذا المعنى الذي تراه العيون. ~~أما جيتي فما طلب قط شيئا أنفس وأقدس من نور الشمس في وضح النهار، وما كان الضياء الخفي ~~في أقدس معانيه إلا دون هذا الضياء المشهود نفاسة في عينه وضميره على السواء. # | المرأة في حياة جيتي # الأنوثة الأبدية تجذبنا إلى السماء. # جيتي # أردنا أن نفرد كلمة خاصة للمرأة في حياة جيتي لأن شأن ms17 المرأة في حياة هذا الشاعر أجل ~~من أن يعبر في ترجمة وجيزة كالترجمة التي تتسع لها هذه الرسالة. # فهو لم يفرغ يوما من الحب وذكرياته، فأحب طائفة شتى، منهن الفتاة والنصف، ومنهن ~~الشقراء والسمراء، ومنهن التي أحبها للرشاقة والدماثة، والتي أحبها للجسد والمتعة، والتي ~~أحبها للذكاء والحصافة، والتي أحبها للعطف الأنثوي الذي يحتاج إليه الرجل الشاعر في حياته ~~النفسية، وكلهن أفدنه في أدبه وسريرته؛ فاتخذ بعضهن بطلات للقصص وصفهن على الحقيقة وصف ~~الملهم العارف، واتخذ بعضهن صديقات أمينات يكاشفهن ويكاشفنه ويعطف عليهن ويعطفن عليه. وكلهن ~~أفدنه رجلا وشاعرا وصاحب منصب في الحكومة، فمن لم يدخلهن في روايته وأغانيه فقد عرف منهن ~~طوية نفس المرأة ودخيلة الطبيعة الإنسانية؛ فجنى أحسن الثمر من الحب والصداقة. # وقد كانت سليقة جيتي سليقة الشاعر المحب للمرأة المتهيئ للعاطفة؛ فلهذا كثر عشقه وتعددت ~~عشيقاته، ولكننا خلقاء ألا ننسى هنا بقية آداب الفروسية التي هام بها الألمان في أواخر ~~القرون الوسطى، فإنها فرضت الحب على الظرفاء والظريفات، وهيأت لجيتي هذا السبيل الممهد في ~~نفسه وفي نفوس النساء. # ويطول بنا الشرح لو ذهبنا نحصي كل من عرفهن في شبابه ومشيبه؛ فذلك درس دقيق شامل يخرج ~~بنا عن القصد فيما نحن فيه، فلنجتزئ هنا بالإشارة إلى النساء اللواتي كن أظهر أثرا في ~~سيرته وأطول صحبة لذكراه، وأولئك فيما نعتقد خمس: هن «شارلوت بف» و«أنا إليصابات شونمان» ~~و«البارونة فون ستين» و«بتينا برنتانو» و«كرستيانا فلبيوس». ~~••• # أما «شارلوت بف» فهي صاحبة قصة «فرتر» وهي مثال الفتاة الألمانية المهذبة الوديعة الصالحة ~~للبيت والبنين مع ميل إلى السرور البريء، ماتت أمها وهي في نحو السادسة عشرة فقامت مع أبيها ~~على تربية إخوتها الصغار وعرفت في البلدة باسم «أم الأطفال الحسان»، وكانت لها أخت أكبر ~~منها اسمها «كارولين» ولكنها هي التي كانت تخدم الاطفال وتحنو عليهم، فناءت بأثقال الكفالة ~~والتدبير وهي في هذه السن الصغيرة، فنشأت أميل إلى الجد والرصانة منها إلى اللعب ~~والمراح. # وجاء جيتي في سنة 1772 يتدرب على المحاماة في «فتزلار» حيث ms18 كانت تقيم، فرآها وشغف بها ~~وأعجب بحسنها وحبها للطبيعة وإصغائها إلى الأدب وفكاهتها السهلة السموح، وكانت هي تألف ~~عشرته وتجامله ولكنها ترده إلى حدود الصداقة بأدب ولباقة؛ لأنها كانت مخطوبة لفتى آخر موظف ~~في إحدى السفارات اسمه كستنر أكبر من جيتي ببضع سنوات، وكان كستنر صديقا لجيتي عرفه من ~~بداية وصوله إلى «فتزلار»، فتعقدت الصلات أيما تعقد، ووجب على أحد الرجلين أن يخلي المكان ~~لصاحبه قبل أن تفسد الصحبة بين الجميع. # ولم تكن شارلوت تؤثر الزواج بالشاعر على الزواج بكستنر؛ لأنها كانت فتاة البيت التي توحي ~~إليها الغريزة اختيار الزوج الصالح والمحبة المستقرة، فلم يبق لجيتي إلا أن يتراجع ويتوارى ~~في غير جلبة ولا غضب، وقد فعل. # وراح جيتي يتلدد ويتوجع لهذا الفراق وهذه الخيبة، ولكنه شعر ببعض الراحة بعد أن ألف ~~روايته عن «آلام الفتى فرتر» وأودعها ما أودع من خواطره وأشجانه، ولعل من عبر العاطفة ~~الإنسانية أن نعرف كيف التقى جيتي وشارلوت بعد نيف وأربعين سنة من هذا الفراق، فقد ~~زارته في فيمار تسأله الرعاية لولديها أوغست وثيودور، فلقيت الشيخ جيتي مؤدبا مفرطا في ~~الأدب، وبحثت من وراء هذا النقاب عن ملامح الفتى جيتي في غير طائل. # شارلوت بف. # رأيت فيها شييخا لست أعرفه # وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى # وتعسر الحديث بينهما ومل كل منهما صاحبه في فترة قصيرة، وخرجت تقول: «لو رأيته في الطريق ~~ولم أعرف اسمه لما ترك في نفسي أقل أثر!» # وهكذا تتغير الآمال وتتقلب القلوب! ~~••• # أما «أنا إليصابات شونمان» فهي التي أوحت إلى جيتي بعض مناظر الجزء الأول من رواية «فوست» ~~وأهمها شخص «مرجريت» بطلة تلك الرواية، وقد خلد جيتي هذه الفتاة باسم «ليلي» في أغانيه ~~الشجية وقال لصديقه «إكرمان» الذي نقل إلينا أحاديثه أنها كانت الأولى والأخيرة التي انطوى ~~لها على أصدق الحب. # ليلي. # عرفها في فرنكفورت بعد فراقه لشارلوت بثلاث سنوات، وكانت تقاربها في سنها ولكنهما على ~~تفاوت في البيئة والخليقة؛ فقد كانت «ليلي» بنت صاحب مصرف سري يعيش في قصره ms19 عيشة الترف ~~والظهور، وكانت لعوبا عابثة تلهو بالحب والمحبين، ووصفها جيتي في قصيدته «حديقة ليلي» ~~فإذا هي أسبه بالساحرة اليونانية التي ذكرتها لنا الأساطير وقالت لنا: إنها كانت تمسخ من ~~تحب حيوانا سلس المقادة يهبط في حبها حيث تشاء، «فلا معرض للسباع أحفل بأصنافها وأجناسها ~~من معرض ليلي! فهي تقنو فيه أعجب الحيوان وتقنصها ولا تدري كيف وقعت لها» كذلك قال جيتي في ~~مطلع تلك القصيدة. ثم قال: «وما اسم الحورية الحسناء؟ اسمها ليلي! وإياك والمزيد في العرفان ~~بها! بل إن كنت لا تعرفها فاحمد الله على ذلك، وما أكثر الصخب والتغريد إذا هي طلعت على ~~سباعها وفي يدها سلة الحبوب ... كل هذا من أجل فتات من الخبز اليبيس! ولكنه في كفيها لهو ~~الشهد الحلو المذاق.» ثم قال: «ويا لنظرتها من نظرة ويا لهتافها باسم بيبي بيبي من هتاف! ~~إنهما لتستهويان النسر من أريكة جوبيتر! ويمينا لتقبلن حمائم فينوس الوديعات إليها ~~ويقبلن الطاووس الفاخر معها لو أتيح لها سماع تلك النبرة. وقد أعرف دبا ساء تعليمه ~~وتنظيفه جذبته من ظلمة الغاب لتقوده تحت مقرعتها وتروضه كما تروض غيره ... تقولون: أنا؟ من؟ ~~ماذا؟ نعم يا رفاق، أنا ذلكم الدب الذي وقع في الحبالة مشدودا بحبل من حرير.» ثم قال بلسان ~~ليلي تذكره: «وحش! أجل، ولكنه مؤنس لا بأس به، هو أودع من أن يكون دبا وأوحش من أن يكون ~~كلبا.» ثم ختم القصيدة صائحا: «أيتها الآلهة! أليس في قدرتك أن تمسحي عني هذا ~~الطلسم، يا لشكري ورضواني لو رددت علي الحرية المسلوبة! ولكن رويدك أيتها الآلهة لا ~~تسعفيني بعونك. كلا! فليس عبثا أن تضطرب أوصالي كما تضطرب الساعة، أقسم أن في بقية من ~~القوة أحسها تجول في أوصالي.» # ولا يبعد أن يكون جيتي في هذه القصيدة ناظرا إلى قصة روسو وصاحبته مدام ديبنيه التي كانت ~~تدعوه بدبها؛ بيد أن القصيدة مع هذا كبيرة الدلالة على «ليلي» وعلى الشاعر المتهكم ~~الصادق في التهكم، فأي وصف لجيتي أصدق من وصفه لنفسه بالدب بين ms20 السباع! إذ ليس هو بالنمر ~~الهجامة المغتال ولا هو بالفيل البطيء الأنيس، ولكنه قوام بينهما و«أودع من أن يكون دبا ~~وأوحش من أن يكون كلبا ...» وهذه صورة لجيتي سيذكرها القارئ كلما ازداد علما بخلائقه ~~وأخباره. # تلك هي ليلي وذلك هو جيتي! فأما «ليلي» الفتاة اللعوب فما كانت لترضي أبا الشاعر الحريص ~~على العرف والآداب المثلى في البيئة القديمة، وأما «جيتي» الفتى القليل اليسار فلم يكن ~~ليرضي صاحب المصرف الحريص على الثروة والسعة، ولو وقف الأمر عند هذا لما صعب تدبيره ~~وتذليل عقباته، وإنما العقبة الكبرى في الحقيقة هما الحبيبان لا والد الحبيبة ولا والد ~~الحبيب، فلا ليلي كانت تجد في طلب الزواج ولا جيتي كان يجد في طلبه، ولكنها رأت بين ~~يديها فتى وسيما مشهورا يتحدث الناس بروايته عن «آلام فرتر» وبالحب الذي أوحى تلك الرواية ~~فودت أن تجرب قدرتها في فتنته، وكذلك رأى هو حبيبة فاتنة مزهوة لعوبا وهو يعالج رسيسا ~~من الحب القديم فهويها وتعلق بها. وظل هكذا مترددا لا يبلغ من عشقه أن يشتد فيحطم الحوائل ~~ويقدم على الزواج ولا يبلغ من إعراضه أن يتنحى وينسى. وإنه لكذلك إذ أنقذه رسول الأمير ~~بالدعوة إلى فيمار، فلباها وإن ما به من رغبة الإفلات لفوق ما به من رغبة اللياذ ~~بالأمير. ~~••• # وما استقر في فيمار حتى أخذ يتسلى عن هذه الخيبة الجديدة بمعشوقة جديدة، إلا أن معشوقة ~~اليوم امرأة وافية الأنوثة وليست بصبية غريرة، امرأة تكبره بنحو سبع سنوات وتعرف من شئون ~~الدنيا وخفايا قلب الرجل وقلب المرأة ما ليست تعرفه فتاة ويندر أن تعرفه امرأة؛ لأنها جمعت ~~إلى خبرة السن خبرة البلاط؛ حيث كانت إحدى الخواتين وكان زوجها أمين القصر الأميري، وجمعت ~~إلى الخبرتين معا خبرة الفهم والفن والاطلاع، فكانت موسيقية مصورة تغني وتقرأ الشعر ~~وتخوض في المعارف العامة، وقد تشوق كلاهما إلى الآخر قبل أن يراه فسمعت هي بجيتي وحسنه ~~ورأى هو صورتها وأعجب برشاقتها، فلما تلاقيا كانا على أهبة للحب فتحابا. وطالت صلة ~~الحب بينهما عشر ms21 سنوات يراها وتراه ويكتب إليها وتكتب إليه، وتدافعه تارة وتجاذبه تارة ~~أخرى، وهي في جميع ذلك تتعهده بيد صناع فلا يشبع ولا يمل، فإذا آنست منه الملالة فسرعان ما ~~تعيده إليها بألعوبة كيسة وحيلة مطمعة ميئسة. وفي إحدى قصائده إليها يقول لها: «أنت ~~تعرفين كل حركة في ضميري وتلمحين كل هزة في وشائجي وعروقي، وتستطيعين بفرد نظرة منك أن ~~تقرأيني، أنا الذي طالما تعبت عيون بني الفناء في النفاذ إلى سريرتي، أنت تسكبين السكينة في ~~دمي الفائر وتقومين خطاي الشاردة الهوجاء.» # صورة البارونة فون شتين بيدها. # وجيتي يعني ما يقول؛ ففي هذا الخطاب بيان لسر هذا العشق الذي قام على تفاهم الفكرين ~~وتقارب النفسين، وما كان جيتي بالمخدوع في ذكائها فقد شهد صديقه شيلر بفضلها وعذره في ~~إعجابه بها، وما كانت على عيني شيلر غشاوة الحب التي تحجب الحقيقة عن المحبين. # وقد لبثا على غرام يحتدم يوما ويسكن يوما حتى نيفت المعشوقة على الأربعين ووقع جيتي ~~في شباك غرام جديد، فتغاضبا وتعاتبا وأراد منها أن تكون الصديقة فأبت إلا أن تكون العشيقة! ~~فانبت ما بينهما برهة ثم تراجعا إلى الود ورضيا بالولاء الدائم بعد الغرام الزائل. ~~وعاشت إلى الرابعة والثمانين فهنأته آخر تهنئة لها بعيد ميلاده، فرد عليها بأبيات ~~متكلفة هي جهد ما استطاع من إحياء لماضي الغرام الدفين. # تلك هي البارونة فون شتين الألمانية التي تنتمي من ناحية الأم إلى أسرة إيقوسية، وهي أذكى ~~وأقدر صواحبه الكثيرات، وهي التي شاطرته كما رأيت حياة الفكر والقلب والخيال، ونعم في ~~ظلها بسكينة كان في حاجة إليها، وأنس إلى قربها أنس الحنان والولاء. ~~••• # أما «بتينا برنتانو» فهي من سلالة إيطالية من ناحية أبيها، وهي أهم عندنا مما كانت عند ~~جيتي؛ فقد حفظت في كتابها أحاديث له ولأمه لا غنية عنها في شرح ترجمته، وربما كان الأصح ~~أنها هي عشقت جيتي ولم يكن لها بعاشق: عشقته وهو في الثامنة والخمسين وهي في مقتبل ~~الشباب. # وكان هو يعرف أمها مكسميليان ويعبث بمغازلتها في فرنكفورت ms22 بعيد إخفاقه في حب شارلوت، ~~فلما زارته «بتينا» في فيمار أزعجته بجماحها ورعونتها وفرط غيرتها في غير موجب؛ فقد كانت ~~طفلة في مزاجها وألاعيبها وليست هي بطفلة في سنيها، وأهل أسرتها كلهم مشهورون بهذه ~~الخفة على شهرتهم بالفطنة واللوذعية! ولم يكن أثقل على جيتي من الرعونة و«الشيطنة» ~~الصبيانية، ولا سيما بعد أن جاوز الشباب وأوشك أن يجاوز الكهولة إلى الشيخوخة، فما هو إلا ~~أن علم أنها شتمت زوجه على أثر خلاف بينهما في معرض الصور حتى اغتنم الفرصة وأبى عليها أن ~~تدخل بيته بعدها. فراحت ترجو وتتوسل وهو على إعراضه مصر وبجفائه معتصم، ولولا كتاباتها عن ~~جيتي لصح أن نغفل ذكرها في هذه الكلمة السريعة. # جزء من خطاب فرنسي إلى البارونة فون شتين بخط جيتي وفي ذيله أبيات ~~بالألمانية. # قال جيتي في إحدى أغانيه: «ذهبت إلى الغاب لا أدري فيم ذهبت، وما كنت أريد شيئا ولا ~~عناني أن أريد. فإني لأرسل النظر في ظلالها إذا زهيرة هنالك وضيئة كأنها نجم، مليحة ~~كأنها عين، هممت أن أقطفها فسمعتها تقول في لطف ورخامة: أقاطفي أنت لأذوي في يديك بعد ~~هنيهة؟ فحنوت عليها ورفعتها من جذورها ونقلتها إلى حديقة تصاقب المنزل البهيج، وهنالك ~~غرستها من جديد في مكان فريد، فترعرعت ولم يفارقها الرواء.» # بتنيا برنتانو. # فرتز ابن البارونة فون شتين كما صوره جيتي. # هذه الزهرة التي تغنى بها جيتي هي الفتاة «كرستيان فلبيوس» التي انتهت علاقته بها إلى ~~زواج وعشرة رضية، وليست الأغنية كلها شعرا وخيالا لأنه في الحقيقة لقي الفتاة أول ~~لقاء في حديقة فيمار المشهورة، ومن هناك قطفها ونقلها إلى المكان المصاقب للمنزل ~~البهيج! # وكانت في الثالثة والعشرين وهو في التاسعة والثلاثين حين سيقت إلى طريقه، أو حين تعمدت أن ~~تلقاه لترفع إليه عريضة لأخيها القصصي الناشئ يلتمس فيها عملا يرتزق منه، فراعته الفتاة ~~وراعها، واشتبكت بينهما المودة، ثم نقلها هي وأمها إلى منزله بعدما ولدت له أكبر أبنائه ~~الذي سماه أوغست على اسم الأمير. ولكنه لم يكتب كتاب زواجه بها ms23 إلا بعد ثماني عشرة سنة من ~~لقائها؛ إذ أغار الفرنسيون على بلاده فأشفق أن يموت أو تموت على غير وثيقة مشروعة. # وكانت كرستيان على قسط وافر من الصباحة كأنها «رب الخمر في صباه» كما وصفتها أم شوبنهور ~~الفيلسوف، وكانت على هيامها بالسرور وامتلائها بنشوة الصبا خير من يسوس البيت ويعين ~~الزوج في عمله ولو كان من قبيل عمل جيتي في العلم والأدب؛ فقد كان يغنيها العطف عن الفهم ~~حين تعضل عليها مسائله وأفكاره، إلا أنها لم تكن من الجهل بحيث صورتها «بتينا» والبارونة ~~فون شتين عن حسد وغيرة. فإن قصائد جيتي التي خاطبها بها شواهد على حظ من الثقافة ~~والفطنة غير يسير، ويقول الثقات في اللغة الألمانية إن قصائد الفصول الأربعة والرسائل ~~الرومانية وما شاكلها من الأشعار التي نظمها في ظل هذه العاطفة تفيض بحلاوة الأسلوب ورنة ~~الصدق والغبطة. وكلام جيتي يدل على الحب أوضح دلالة؛ فقد كتب من إيطاليا إلى صديقه هردر ~~يقول له وما هو بالمسرف في وصف عواطفه: «إن الذين خلفتهم بعدي لأعزاء جدا علي، ولا ~~أكتمك أنني شغف بالفتاة أيما شغف. وما علمت مبلغ نياطي بها إلا يوم بعدت عنها.» وقال في ~~أبيات: «لطالما ضللت السبيل ورجعت إلى سوائه، ولكنني ما شعرت قط بمثل هذه السعادة؛ ~~فسعادتي كلها رهينة بهذه الفتاة، فإن كانت هذه ضلالة أخرى فناشدتك أيتها الأرباب إلا ما ~~أعفيتني من ألم العلم بها، فلا أطلع عليها قبل يوم الحمام.» # كرستيانا فلبيوس زوجة الشاعر. # وامتزجت الفتاة بقريحته فأثبتها في روايته الكبيرة «ولهلم ميستر» باسم تريزة. وفاض ~~بالقصائد الغنائية والخواطر العذبة، ولوحظ أن أيامه معها كانت كأخصب أوقاته وأسخاها بالشعر ~~والبحث في جميع أطوار حياته، وليس ذلك لأنها كانت تشاركه في نظراته الرفيعة وتساجله في ~~مراميه البعيدة، بل لأنها أراحته وأهنأت قلبه وصقلت حواشي عيشه فأقبل على النظم والبحث بنفس ~~قريرة وقريحة طليقة، وحسبه ذلك من عشيرة ملازمة أيا ما كان مرتقاها من التهذيب ~~والثقافة. # إلا أن الناس قد نقموا منه أنه أسكنها بيته وإن ms24 لم ينقموا منه أنه اتصل بها، وربما كانت ~~نقمتهم هذه لأنهم يدارون المداراة ويكرهون المسائل المكشوفة، أو لأن الفتاة كانت من طبقة ~~وضيعة ولم تكن من طبقته ولا على غراره؛ إذ كانت عاملة في مصنع للأزهار الورقية وكان أبوها ~~موظفا صغيرا اشتهر بإدمان الخمر ورثاثة الحالة. وإلا فما كانت الأخلاق يومئذ تتحرج عن ~~هذه الإباحة، وما عرف الناس عهدا بلغت فيه الثورة على العرف ما بلغته إبان الثورة ~~الفرنسية في الأقطار الأوروبية. ومع هذا تسمح معه أصدقاؤه المقربون ولم يهجروا بيته ولا ~~أوصدوا بيوتهم في وجه امرأته، وكان الأمير في مقدمتهم؛ فقبل أن يشرف على تعميد وليدها ~~ووليد صديقه. # وكان «جيتي» لا يذكرها لأمه حتى بلغ عمر الولد الصغير سنتين، فلما ذكرها لها في رسائله ~~فرحت الجدة بحفيدها وطفقت تغدق عليه الهدايا واللعب ولا تمل السؤال عنه والحدب عليه، وما ~~كان لها أن تفعل غير ذلك وهو حفيدها وسليل البقية الباقية من ذريتها؛ فقد مات جميع أبنائها ~~أطفالا وماتت بنتها «كورنيليا» التي جاوزت الطفولة في عنفوان شبابها، ولم يبق إلا ولدها ~~جيتي وهو لم يتزوج؛ فهي خليقة أن تنسى كل شيء وتعطف على ولده وزوجه حيثما كان له ولد وزوج، ~~وقد تزايد تعلقها بالفتاة بعدما علمت من لهفتها على زوجها وسهرها على تمريضه والترفيه عنه ~~في المرض الخطير الذي أصابه في الثانية والخمسين، وأيقنت من شدة إخلاصها له بعدما علمت أنها ~~حمته بنفسها من عدوان الجند الفرنسيين السكارى الذين هجموا على بيته وهموا أن يبطشوا ~~به. # وقد يعوزنا هنا أن نتابع مصير هذه الذرية كلها إلى ختام حياة الشاعر، فنقول إنه رزق ~~خمسة أبناء ماتوا في طفولتهم الباكرة إلا أكبرهم أوغست فقد نيف على الأربعين ومات في ~~إيطاليا في أخريات أيام أبيه، فتجرع الشيخ هذه الغصة وصبر عليها جهده، وانصرف إلى أحفاده ~~الثلاثة يعلمهم ويداعبهم ويتأسى بملاحظتهم، وفيهم يقول وهو يشاهدهم يتحدثون وينشدون ~~الأشعار ويمثلون: «إنهم ليشبهون الشعراء الحق جد الشبه! فبينما أحدهم غارق في حماسته إذا ~~بالآخر يتثاءب! فإذا ms25 جاء دوره في الحماسة راح الآخر يصفر!» ولو أنصف لقال إنهم يشبهون جدهم ~~قبل غيره من الشعراء! # أما كرستيان فقد ماتت وهي في الحادية والخمسين وهو في السابعة والستين، ولا يذكر العارفون ~~بالرجل أنه حزن لفقد إنسان قط حزنه لفقدها ولا جزع في موقف قط جزعه على سرير موتها؛ فقد ~~تخاذل جلده الذي قلما خانه في الشدائد فجثا على ركبتيه وتناول يدها الباردة وهو ~~يصيح بها: «إنك لا تريدين أن تتركيني! كلا! كلا! إنك لن تتركيني ...» ورأته زوج صاحبه كنيبل ~~بعد سنوات أربع فقالت: إنه لا يتعزى. ~~••• # لقد كان في مسلك جيتي مع كرستيان مروءة وكان فيه خطل، فمن المروءة أنه آواها إلى بيته ~~واحتمل في سبيلها غضب قومه، ومن الخطل أنه أخر عقد زواجه بها حتى شب ابنه وهو يعلم ~~حقيقة العلاقة بين أبيه وأمه فأثر ذلك في أدبه وخلقه، وأكبر من ذلك خطلا أنه تعجل في ~~علاقته بالفتاة ولم ينظر إلى أصلها. ولسنا نعني فقرها ورثاثة حالها ففي الفقيرات من هن أشرف ~~وأكرم من الغنيات، ولكنما عنينا وراثتها عن أخلاق والدها وسوء أثرها في ولدها؛ فقد ورثت ~~المسكينة عادة الإدمان وأورثتها الولد الوحيد الذي عاش لها، وكان أشبه بها حتى في ملامح ~~وجهه كما يرى من المقابلة بين صورته وصورتها، فلما مات تبينت الضخامة المفرطة في حجم ~~كبده لإدمانه السكر وما إليه، وكانت هذه الآفة من أسباب الجناية على شبابه. ~~••• # قال أميل لدفج في ترجمته لجيتي: «إن جيتي لم يكن قط بالمغوي الجميل أو الظافر الفخور ~~بغزواته أو «بالدون جوان» المشهور في حلبات الغرام، وإنما كان المتوسل أبدا والمولي ~~الشكر والعرفان أبدا، وأكثر ما كان السائل المردود لا السائل المقبول. وإنما نقترب من فهم ~~الأساطير الذائعة عن عواطفه وتركيب أعماله وقصة روحه كلما عرفنا فيه الرجل المسلم المنقاد ~~وعرفنا فيه إرادة الحب التي لا تروى ولا تزال تروض نفسها حتى تنتهي بالخضوع لحقائق ~~الوجود.» # أوتيلي زوجة أوغست. # أوغست بن جيتي. # ولاحظ أميل لدفج في موضع آخر أنه ما ms26 دخل قط في حومة حب إلا اعتصم منها آخر الأمر بالهرب، ~~وكلتا الملاحظتين صادقة نفاذة إلى حقيقة الرجل؛ فها نحن أولاء نرى كيف انتهت علاقاته بخمس ~~نساء على نماذج مختلفات، فأربع منهن آلت علاقاته بهن إلى التراجع والنكوص، ولم تكن العلاقة ~~الخامسة مما يحتمل تراجعا ونكوصا؛ فلذلك بقي متصلا بها أو موصولا إليها، وكان بقاؤه ~~هنا - كما كان نكوصه هناك - خضوعا لحكم الضرورة أو لما سماه لدفج «بحقائق الوجود»، وليست ~~هذه العلاقات الخمس إلا مثلا لعلاقات أخرى لم نعرض لها في هذه الكلمة. # وجيتي مع هذا لم يكن دميما ولا زريا ولا كانت تنقصه وجاهة المحضر والمنصب ولا وجاهة ~~الأمل في المستقبل، ففيم هذا الوقوع الدائم في أسر المرأة وهذا المآل الدائم إلى النكوص ~~عنها؟ نحسب أن في الأمر شيئا من الثقة بالنفس في بعض صورها الغريبة، فالرجل كان على علم ~~بقدره ورجحانه على مزاحميه، فكان لهذا لا يبالي أن يتراجع ولا يشعر بغضاضة الخاسر المدحور ~~الذي يعلق قيمته كلها على نجاحه في هذا الميدان أو إخفاقه فيه، فإذا فاز جيتي في الميدان أو ~~أخفق فليس قصب السبق بالمشكوك فيه؛ لأنه في يديه! فلا جرم يتراجع وهو في صورة الفائز ~~القانع من الغنيمة بالإياب. # ونحسب أن في الأمر سرا آخر يرجع إلى طبيعة الحب الذي كان يحبه والنظرة التي كان ينظرها، ~~فلم يخلق جيتي لحب النزوات ولا لحب الاقتحام ولا لحب الإغواء، وإنما خلق لحب الفنان ~~المتذوق المستطلع المتأمل؛ فليس الفرق بين حبه المرأة وحبه التمثال الجميل إلا أن المرأة ~~تجمع من «الفن ووسائل الاستطلاع» ما ليس يجمعه التمثال الجميل، فهي صورة وشعور وعاطفة ~~وإرادة، وأين له بالتمثال الذي يتذوق معه كل هذه المعاني متفرقات ومجتمعات؟ فالاحتواء ~~الكامل مطلب فوق الرغبة وفوق الطاقة؛ لأن الفنان المتذوق قد ينعم بالتمثال فيغنيه نعيمه به ~~وإن لم يحمله إلى بيته، بل قد ينعم به فوق نعيم مالكه الذي يقتنيه ويحتويه. # وزد على ذلك طبيعة التسليم التي تكره الهجوم وتؤثر مشقة الاحتمال على مشقة ms27 ~~النضال، فهي طبيعة «الدب» المسالم المظلوم في حسبانه من السباع إلا حين يغضب ويثور، وحينئذ ~~قد تغضب الهرة الوديعة وقد يغضب الكلب الأليف. # كتب جيتي في شبابه إلى سلزمان يقول: «غرست في طفولتي شجرة كرز وجعلت أرقب نموها وأنا ~~مغتبط مسرور، فلما أزهرت جاء ضباب الربيع فصوح الأزهار، ثم انتظرت سنة أخرى حتى أينعت ~~فجاءت الطير فأكلت الثمر، ثم انتظرت سنة فجاء الدود فالجار الطامع فالآفات، وسأغرس شجرة ~~أخرى كلما وجدت لي حديقة!» # ذلك دأب جيتي في جميع حياته لا في الطفولة وحدها، وفي كل حديقة لا في حديقة النبات ~~وحدها، وغير مستثنى من ذلك حديقة الحب ولا حديقة الفن ولا حديقة التأليف! فإذا اقتضاه ~~الأمر صبرا وانتظارا فهو صابر منتظر! وإذا اقتضاه الأمر دفعا ونضالا فما هو بدافع ولا ~~مناضل. # | مؤلفات جيتي # يقسم الأستاذ تيوفيل جوتييه سيرة جيتي من حيث التأليف إلى أربعة أقسام: # الأول: # ينتهي سنة 1775 وهو دور التكوين، وأهم ما كتب فيه رواية «جوتز» ~~التمثيلية وقصة «فرتر»، وكلتاهما مشبعة بروح المدرسة الرومانية الجديدة ~~التي اصطلحنا على تسميتها «بالمجازية الجديدة» أو الزوبعية، وفي هذا الدور ~~أيضا أعد جيتي الأجزاء الجوهرية من رواية فوست الأولى. # والدور الثاني: # ينتهي سنة 1794، وهو دور المدرسة القديمة أو اليونانية، وفيه خلص ~~جيتي من هيمنة المدرسة المجازية واقتفى أثر الإغريق. وأهم ما كتب في هذا ~~الدور معظم قصائده الغنائية وروايات «أفيجيني» و«تاسو» و«أجمونت» ~~التمثيلية، ورحلته إلى إيطاليا، وحكاية الثعلب، وأغاني ~~ومقطوعات. # والدور الثالث: # ينتهي سنة 1805 وهو دور الصداقة مع شيلر، وفيه يظهر روح شيلر ~~الفلسفي وعنايته بالتعميم والنظر والمثل العليا والرمز إلى الخفايا ~~خلافا لجيتي الذي كان يعنى بالحوادث الخاصة والصور المحسوسة والمشاهدات ~~الحاضرة من الوجهة العملية، وأهم ما كتب في هذا الدور من القصص «صبي ~~الساحر» و«الله والراقصة» و«طالب الكنوز» و«تلمذة ولهلم ميستر» ورواية ~~«هرمان ودوروثي» التمثيلية. # والدور الرابع: # ينتهي سنة 1832، وهو دور الشيخوخة أو الدور الذي بدأ بموت شيلر ~~وانتهى بموت جيتي، وفيه اشتغل جيتي بالمباحث العلمية وكاد ينصرف عن ms28 الأدب. ~~وأهم ما كتب في هذا الدور قصة «القرابات المختارة» وترجمة حياته التي سماها ~~«الشعر الحقيقية» و«الديوان الشرقي» ورحلات ولهلم ميستر وتتمة فوست، وهي ~~التي غلبت فيها نزعة الرموز والألغاز على نزعة الوضوح والمشاهدة ~~الحاضرة. # جيتي يملي على كاتبه. # وهذا أصح تقسيم وأوجزه لسيرة جيتي الكتابية، إلا أنه لا يخلو من عيوب التقسيمات الحاسمة ~~التي لا تظهر في شيء كما تظهر في فصل أدوار الحياة والتفكير، ولا سيما تفكير جيتي دون سائر ~~المفكرين. # ووجه التخصيص في جيتي أنه كان عبقريا متعدد الجوانب والمشاركات فلا تنحصر أدوار نموه ~~وتقدمه في طريق واحدة، وأنه كان رجلا معنيا بما بين يديه في ساعته الحاضرة، فنظرته إلى ~~الشيء في هذه الساعة قد تختلف عن نظرته إليه في الساعة التي تليها: حسب الطوارئ أو حسب ~~الشعور الراهن الموقوت. # خذ مثلا لذلك انتماءه إلى المدرسة «المجازية الجديدة» الذي كثرت حوله المناقشات والآراء، ~~فهذه المدرسة المجازية الجديدة تثور على السيطرة الفرنسية ولا سيما في التمثيل وشرط التزام ~~«الوحدة في العمل والمكان والزمان» الذي كان النقاد الفرنسيون يشترطونه في الرواية ~~التمثيلية، وهذه المدرسة تعجب بشكسبير لسببين: أحدهما خروجه على ذلك الشرط، والثاني رجوعه ~~إلى أصل جرماني؛ ففي دعوة هذه المدرسة شيء من الثورة الوطنية من هذه الناحية. # وكان دعاة المدرسة المجازية يثوبون إلى قصص القديسين ومأثورات الكنيسة الكاثوليكية ونوادر ~~الأبطال في القرون الوسطى لاستلهام الخيال واختيار الموضوعات، وربما اقتبسوا من أخبار الشرق ~~ومأثوراته لأنهم يطلبون الخيالي البعيد ولا يستريحون إلى الواقعي المشهود، وتلك في لبابها ~~روح دينية موكلة بالمسائل الخفية مطبوعة على النظرة الغيبية: تأخذ من مأثورات الكنيسة ~~الكاثوليكية لأنها تشمل فخامة الدين وتاريخ المراسم والشعائر، وتأخذ من الشرق لأنه ينبوع ~~الأسرار والتواريخ القصية والشعوب التي يلفها البعد في ثياب كثياب الكهانة وظلام كظلام ~~الغيب. # فالمدرسة المجازية الجديدة في لبابها إن هي إلا مدرسة وطن ودين، فكيف كان انتماء جيتي ~~إليها في مؤلفاته الأولى والأخيرة؟ # إنه كتب رواية «جوتز» ذي اليد الحديدية وهو أحد الأبطال الألمان المشهورين في ms29 القرن ~~السادس عشر، وقد خرج جيتي في هذه الرواية على شرط الوحدة في العمل والزمان والمكان خروجا ~~لا يقاس إليه خروج شكسبير، فهو في اختيار الموضوع وفي أسلوب تناوله على رضا المدرسة ~~المجازية من هذين الوجهين فهل معنى ذلك أنه لم يتأثر بالآداب الفرنسية ولم يستمد ~~منها؟ # كلا! لأنه ألف قصة «فرتر» في هذه الفترة وعليها مسحة واضحة من «هلواز الجديدة» والعود ~~إلى الطبيعة الذي كان يبشر به روسو وكتاب الثورة الفرنسية، فهل معنى ذلك أنه لم يتأثر ~~بأدب الإغريق ولم يستمد منه؟ # كلا! لأن قصة فرتر نفسها في بساطتها وصفائها تشبه الآثار الإغريقية ولا تمت بآصرة قريبة ~~إلى المدرسة المجازية. # ثم إن جيتي كان لوثريا في مذهبه شكوكيا في عقيدته؛ فحماسته للكنيسة الكاثوليكية ~~تناقض غير معقول، فهل معنى ذلك أنه يناقض المجازيين في كل شيء أو في كل طور من أطواره؟ ~~كلا! فإن الألغاز والأسرار تتردد في الجزء الثاني من فوست وهو الجزء الذي كتبه في دوره ~~الأخير، وتتردد كذلك في رواية «ولهلم ميستر» ومعظمها من آثار أيامه الوسطى. # وقد نظم جيتي ديوانه الشرقي في أيامه الأخيرة، وقد رأينا أن المجازيين كانوا يحبون ~~الموضوعات الشرقية، فهل معنى ذلك أن الشاعر آمن في شيخوخته بالمدرسة المجازية التي استهوته ~~أول شبابه. # كلا! فما تناول جيتي موضوعات الشرق إلا كما يتناولها طالب الحس لا طالب الأسرار، فهو ~~بالإغريق هنا أشبه منه بالمجازيين، وكل ما في الديوان من التصوف الذي يحكي به السعدي ~~وحافظا وأمثالهما لا يخرج به عن هذا النطاق. # وقد امتلأ الجزء الثاني من فوست بأساطير الإغريق ومناظر الإغريق، فهل معنى ذلك أنه خلو من ~~خفايا المجازيين ومأثورات الدين؟ # كلا! فربما كان هذا الجزء أدخل في أساليب المدرسة المجازية من أي كتاب كتبه جيتي في إبان ~~الشباب. # وقس على ذلك كل ما يقال عن آثار جيتي ومؤثراته وأطواره وأقسام حياته. # ولعله قطع بالقول الفصل في هذا الباب حين قال عن مآخذه ومصادر أدبه يرد على من يتهمونه ~~بالسرقة والاقتباس: «هذا مضحك! ms30 فعلى هذا النحو يجوز لنا أن نسأل الرجل القوي عن الثيران ~~والغنم والخنازير التي أكلها فأعطته القوة! وصحيح أننا نولد وفينا كفاءاتنا ولكننا مدينون ~~في تكويننا لألوف المؤثرات التي تحتويها هذه الدنيا الواسعة التي نأخذ منها ما يوائمنا ~~ويدخل في قدرتنا، وإنني لمدين بالكثير للإغريق والفرنسيين ومدين بما لا حد له لشكسبير ~~وسترن وجولد سمث، ولكنني إذا قلت هذا فليس معناه أنني أكشف للناس عن ينابيع ثقافتي؛ إذ هذا ~~عمل لا آخر له ولا طائل تحته، وكفى المرء أن يكون ذا نفس تحب الحق وتقبسه حيثما ~~كان.» # والنقاد يخطئون في تقدير المشاهد التي رآها جيتي وأثرت في تأليفه كما يخطئون في تقدير ~~المصادر التي رجع إليها واقتبس منها: مثال ذلك رحلتاه إلى إيطاليا اللتان زعم النقاد ما ~~زعموا عن أثرهما في مؤلفاته، فلا خلاف في أن آثار إيطاليا وبلاد اليونان قد زادته علما ~~بالفن القديم وفن النهضة وغيرت نظرته إلى أدب الشمال وأدب الجنوب. ولكن هل معنى ذلك أن ~~زيارة تلك البلاد أفادته في إنتاجه الذهني تلك الفوائد التي يزعمونها؟ كلا بل لعلها بلبلت ~~أفكاره وشغلته بالبحث عن القواعد والنظريات فكلفته التوفيق زمنا بين آرائه وأعماله، ولم ~~تكن هذه الزيارة لازمة لإنشاء قصائده أو أشجانه الرومانية التي اشتهرت بين أشعاره الغنائية، ~~فقد كان في وسعه أن ينظمها وهو في داره على مقربة من زوجه التي أوحت إليه معظم معانيها، ~~فلولا نفحات عارضة لما أنتجت الرحلتان معا غير التفكير والمقارنة، ولولا تسديد شيلر إياه ~~وتوجيهه إلى العمل بعد ذلك لطال بقاؤه في تلك المتاهة. # فصفوة القول فيه أنه كان صاحب عبقرية يقظى تتلقى كل ما يصادفها ولا يعنيها مما تلقاه ~~إلا أن تلمس الحقيقة المباشرة وتتملى الحياة الجميلة، واقتصاره على لمس الحقيقة المباشرة ~~بغير ألفاف ولا مراسم، وعلى تملي الحياة الجميلة بغير خوف ولا تعسف، هو هو الروح الإغريقي ~~الذي لزمه طول حياته في جميع مؤلفاته، فحتى مقاربته للألغاز الدينية ومخلفات القرون ~~الوسطى إنما هي مقاربة الإغريقي القديم لو عاد إلى ms31 الحياة ينظر في القرن الثامن عشر إلى ~~بقايا تلك الألغاز والمخلفات. ولكن ينبغي أن نذكر ولا ننسى أبدا أن جيتي لا يكون جيتي ~~حقا إلا في عالم الفن الإغريقي دون الفلسفة الإغريقية، فإذا دخل عالم الفلسفة فربما تركها ~~تتعمق فيه لتبرز في ثوب الفن والجمال، أما هو فلا يتعمق فيها بحال ولا يرضى جهد التعمق في ~~أي مجال. ~~••• # وهناك سمة أخرى تتصف بها مؤلفات جيتي جميعها وترتبط بهذه السمة التي أشرنا إليها، وتلك ~~هي التفكك وقلة التماسك، فكتبه كلها ما كبر منها وما صغر وما تم سواء في هذه ~~السمة. # وكثيرا ما اجتمع الكتاب الواحد من مقطوعات متفرقة كتبت في أوقات متباعدة واتسقت في ~~آخر على غير نسق. # وإذا كان الكتاب رواية فأنت ترى فيها أشخاصا لا خلل في رسمهم وتمثيلهم ولكنك لن ترى فيها ~~حوادث متلاحقة ولا فصولا متناسقة، ويغلب على أشخاص رواياته أن يكونوا رجالا أو نساء عرفهم ~~وعاشرهم ونقلهم من الحياة إلى الرواية بتصرف قليل أو بغير تصرف، فعمله في تكوينهم عمل ~~التذوق وصدق الملاحظة لا عمل الإنشاء والاختراع، فكل شخص في رواياته نموذج معهود في الدنيا ~~لمن يلتفتون إليه. # وسبب هذا التفكك في كتب جيتي يرتبط كما قلنا بتلك الطبيعة التي وقفت همه على لمس ~~الحقيقة المباشرة وتملي الحياة الجميلة في إبانها، أو تلك الطبيعة التي جعلته يأخذ الدنيا ~~شيئا شيئا والزمن ساعة ساعة ويستمتع بما بين يديه ويدع كل مطلوب إلى أوانه حتى يجيء ~~أوانه؛ فهو على ثقة من قطاف الساعة وامتلاء كل جزء من أجزاء الزمن بثمرته وحصاده، وهو لا ~~ينصب لجمع الحقائق والمحاسن بل تجتمع عنده الحقائق والمحاسن فلا يتكلف للقطها إلا أن يفتح ~~لها وطابه، وقد قيل في أضاحيك السكارى أن سكرانا منهم نام في موضعه على الأرض وأبى أن ~~يسعى إلى بيته لأن بيته سيسعى إليه لا محالة في هذه الأرض الدائرة! فإذا جازت المقارنة ~~فجيتي كذلك يجلس في ساعته الحاضرة ولا يتعداها إلى غيرها انتظارا لغيرها هذا أن يدور إليه ms32 ~~في هذا الزمن الدائر، ولكنه يفعل ذلك لفرط الوعي واليقظة لا لفرط السكر والغفلة، ولك أن ~~تسميه كسلا كما تشاء، ولكنه كسل الشبع والطمأنينة لا كسل الفاقة والإعياء. ~~••• # ومؤلفات جيتي عديدة لا يتسع المجلد الكبير للكتابة عليها كلها فضلا عن الرسالة الصغيرة، ~~فلا محل هنا لتفصيل نقدها واستيفاء البحث فيها، وإنما نجتزئ بأشهرها وأدلها عليه وأقربها ~~إلينا نحن الشرقيين، وما قصدنا التعريف بمؤلفاته كما قصدنا التعريف بفنه ونفسه، فإذا أبلغنا ~~في هذا القصد ففي ذلك كفاية. # | آلام فرتر # ينم جيتي على نفسه في أولى الرسائل التي كتبها فرتر؛ فإن فرتر الذي يقول لنا في تلك ~~الرسالة: «ما الإنسان؟ وكيف يجرؤ على مؤاخذة نفسه؟» ثم يقول لنا: «أريد أن أنعم بالحاضر ~~وليذهب الماضي حيث ذهب.» إنما هو جيتي بعينه الذي لا يرى الإنسان إلا ألعوبة في يد القدر ~~ولا يطلب من الحياة إلا ما تعطيه حين تعطيه، وكلما تقدمنا في القراءة سطرا عرفنا جيتي من ~~وراء فرتر وعرفنا أنه هو الذي يتسلى عن المصائب والآلام بقراءة الشعر الإغريقي القديم، فكل ~~مصيبة استطاع أن يحيلها «إلى شعور فني» فهي مصيبة ذاهبة ومحنة مقبولة، وقصة فرتر كلها إن ~~هي إلا لوعة أحالها إلى «شعور فني» فاطمأن واستراح. # لسنا نعني بهذا أن أشخاص القصة هم أشخاص الحياة في كل صفة وكل واقعة؛ فمن البداهة أن فرتر ~~غير جيتي في شيء واحد على الأقل وهو أن فرتر انتحر وجيتي لم ينتحر ولا فكر في الانتحار قط ~~تفكير الجد والعزيمة! نعم إنه كان يحادث «شارلوت» وخطيبها في البقاء والخلود ليلة الوداع ~~التي فارقهم بعدها، ونعم إنه حدثنا في ترجمة حياته عن الخنجر الذي كان يصوبه إلى صدره ليلة ~~بعد ليلة ليرى هل يسعه أو لا يسعه أن يدفعه قيراطين اثنين إلى قلبه كما قال! ولكنك تقرأ هذا ~~الحديث في ترجمته فتعرف على الفور أنها تجربة فنية أخرى لا أكثر ولا أقل، وإنه كان يفعل ذلك ~~وكل ما في ذهنه مثال العاهل العظيم «أوتو» الذي طعن نفسه ms33 بالخنجر بعد عشاء بهيج مع صحبه ~~وحاشيته، فهي تجربة تمثيل ومداعبة تخييل، ولا يمكن أن تكون غير ذاك. # إنما أوحى إليه أن يختم حياة فرتر بالانتحار أمران: أحدهما ضرورة النهاية الفاجعة في ~~القصة المحزنة، والآخر - والأهم - هو انتحار صديقه أورشليم الذي كان معه في «فتزلار» بلدة ~~شارلوت؛ فقد خطر لجيتي أن يكتب القصة على أثر سماعه بالخبر، ثم أرجأ كتابتها بضعة أشهر حتى ~~تهيأت نفسه للشروع فيها فأتمها على فترات في أسابيع قليلة، وجاء بطلها من ثم يحكي جيتي ~~في أول السيرة ويحكي أورشليم في ختامها. # على أن أورشليم لم ينتحر للحب وحده وإنما انتحر للفضيحة وإيصاد أبواب العلية في وجهه ~~وفساد الصلة بينه وبين رئيسه، وطول عزلته من جراء ذلك كله وإقباله في تلك العزلة على قصص ~~الشقاء ومباحث الموت والانتحار يناجيها ويتعزى بها ولا يناجي أحدا من أصدقائه في علة ~~كمده وحزنه ولا يلتمس العزاء عند أحد، فحزن جيتي عليه لغيبته وانفراده واتخذ فجيعته ~~ختاما لقصته يعرب فيه عن حزنه على صديقه وعلى نفسه. # كذلك لم تكن شارلوت على الصورة التي صورها لنا جيتي في هواها له ورفع الكلفة بينها ~~وبينه، فقد كانت تألفه وتميل إلى مجالسته لطرافة حديثه وتعلق إخوتها الصغار به وفرحهم ~~برؤيته، ولكنها لم تبلغ في الألفة أن ترفع الكلفة، ورواية كستنر خطيبها في هذا الصدد أولى ~~بالاعتماد وأدنى إلى الحقيقة، فهو يقول لنا في مذكراته بتاريخ الرابع عشر من شهر أغسطس: ~~«حضر جيتي في المساء وقوبل بغير اكتراث، وانصرف بعد هنيهة.» ويقول في الخامس عشر: «... أزهاره ~~أهملت، فتكدر وألقاها وطفق يتكلم بالتورية.» ثم يقول في السادس عشر: «لامت لوت جيتي وقالت ~~له إنه لن يطمع منها في غير الصداقة، فشحب وجهه واكتأب.» وعلى هذا نوى جيتي الرحيل واجتوى ~~البلدة فرحل ولم يقطع الصلة بينه وبين شارلوت وخطيبها كستنر، بل اقترح عليهما يوما أن يهدي ~~إليهما خاتم الزواج. # كذلك يختلف كستنر عن ألبرت خطيب شارلوت في قصة فرتر؛ فهو خير من ألبرت وأنبل وأقدر، وقد ms34 ~~ساء كستنر أن يصوره صديقه على صورته في القصة؛ فعاتبه، فاعتذر جيتي وعادا إلى الصفح ~~والإخاء. ~~••• # قلنا: إن جيتي كتب قصة فرتر في أسابيع قليلة، ولكنها على قصر الوقت الذي كتبت فيه ~~تضارع أخلد أعماله وأقومها. # والثقات في اللغة الألمانية يقرنونها بأبلغ وأحلى وأنفس ما اشتهر في آداب تلك اللغة، فإلى ~~هذا ولا ريب يعزى بعض النجاح الذي أصابته في بلادها. ولكنها لم تنجح في ألمانيا فحسب بل كان ~~نجاحها في فرنسا أكبر وأظهر، فكثر في فتيانها وفتياتها من يلبسون على زي فرتر وشارلوت، وقرأ ~~نابليون القصة مرات وحملها معه إلى مصر، وتجاوزت شهرتها القارة الأوروبية حتى وصلت إلى ~~الصين ونقشت بعض مناظرها على آنية الخزف، وكان لها نوبة خيف منها على عزائم الشبان أن ~~تسول لهم الانتحار، وقيل: إنها سولته لبعضهم فماتوا والقصة في جيوبهم. ولقد حرمت حكومة ~~ليبزج بيعها وفرضت غرامة على كل من يبيعها، وثار بها النقاد يقرفونها وينعون عليها الخور ~~والنعومة، ولا يزال إلى اليوم أناس يذهبون فيها هذا المذهب ويعتقدون فيها هذه ~~العقيدة. # على أن جيتي ينكر الأثر السيئ الذي زعموه لقصته ويقول: إنه لم يخلق مرضا ولم يزد على أن ~~وصف المرض الشائع، وأن عاقبة فرتر أحرى أن تحمل الشبان على اجتنابها لا على الوقوع ~~فيها. # ونخاله على صدق فيما قال عن المرض الشائع في زمانه؛ فإن أورشليم قد انتحر قبل كتابة فرتر ~~وانتحاره هو الذي أوحى إلى الشاعر كتابتها، وقبيل ذلك نمت إلى جيتي إشاعة عن انتحار صاحب ~~آخر - اسمه جوي - من أصحابه في فتزلار. والكلام في انتحار اثنين في فترة واحدة من بلدة ~~واحدة ينميان إلى بيئة واحدة خليق أن يدل كما قال جيتي على أن المرض قديم وليس بالطارئ ~~الحديث، فتعبير القصة عن روح العصر هو سر نجاحها الأكبر فوق حلاوة اللغة وبلاغة ~~الأسلوب. # يقول جيزو عن فتيان عصره: «الفتيان في هذه الأيام يشتهون كثيرا ولا يعتزمون إلا قليلا.» ~~وهي كلمة موجزة وصف بها جيزو حالة النفوس في أواخر القرن الثامن ms35 عشر وأوائل القرن التاسع ~~عشر فلم يعد الصواب؛ ففي عهد اليقظة الذي يسبق الثورات ويتخللها يكثر الطموح وتكثر ~~العقبات ويقوى الشك ويضعف اليقين وتهون الحياة، وتلك هي الحالة التي رانت في عهد جيتي وما ~~بعده على بلاد الحضارة الأوروبية لا على البلاد الألمانية وحدها، فجيتي وصف ما رأى ولم يخرج ~~في هذه القصة على أحكام قريحته ولا على طبيعته الغالبة عليه. # ومعظم النقاد يحسبون «فرتر» من آثار المدرسة المجازية ويبعدون بها عن أنماط قدماء ~~الإغريق، ويتساءل لسنغ كبيرهم في عصر جيتي: «أتحسب أن فتى من فتيان الإغريق أو الرومان كان ~~يبخع نفسه لهذا السبب وعلى هذه الوتيرة؟» ويجيبه لويس الإنجليزي أكبر مترجمي جيتي أن نعم؛ ~~لأن سفكليس جعل أحد عشاقه ينتحر لفقد عشيقته، ولأن الرواقيين أدخلوا عادة الانتحار إلى ~~رومة، ولأن الرواقيين في الإسكندرية ألفوا جماعة للانتحار يتداعى أنصارها إلى المآدب ~~ليأكلوا ويشربوا ثم ينتحروا. ولسنغ مصيب في فهم الروح الإغريقية السليمة، ولويس مصيب فيما ~~عدد من الشواهد، ولكن الحالة هنا ليست بالحالة السليمة والمسألة هنا ليست مسألة الضحية في ~~القصة بل مسألة التناول والأداء، فإذا نظرنا إلى هذا فقلما نجد في آثار الأقدمين أثرا ~~أبسط من هذه القصة ولا أصفى، وقد تجد في جوها مشابه من جو «قسيس ويكفيلد» التي كتبها جولد ~~سمث الإنجليزي، وجو المرحلة العاطفية التي كتبها «ستيرن» الإنجليزي أيضا، أو تجد فيها ~~مشابه من «هلواز الجديدة» الفرنسية، ولكنها بعد عريقة في اليونانية حتى لتبدو عليها ~~المشابه الأخرى كأنها مسحة عارضة من أثر الطلاء. # | فوست # خرافة فوست قديمة يردها «هيني» إلى ما قبل غزو النورمان للبلاد الإنجليزية، ويقول إن ~~الشاعر «روتبيف» من شعراء القرن الثالث عشر في فرنسا أخذها ونسج على منوالها في إحدى ~~منظوماته الصوفية، وخلاصة الخرافة أن «فوست» هذا كان رجلا ورث عن عمه مالا وتعلم كل علم ~~في زمانه فاستبحر في حقائق الدين والطب والفلسفة والسحر والفنون السوداء فلم يظفر من ~~الحقيقة الكبرى بطائل ولم يطلع على سر غير الذي كان يعلمه قبل دخوله ms36 المدرسة، أو كما قال ~~المعري: # وعالمنا المنتهي كالصبي # ي قيل له في ابتداء تهج # فاستولى عليه القنوط من المعرفة الإلهية، وكان قد أضاع ماله في الشهوات ونهك جثمانه في ~~المعاصي وناهز الشيخوخة الفانية وأدركته حسرة على شباب زائل لم يستنفده كله في المتعة ~~والسرور، فبرز له الشيطان يساومه على روحه وجسده فقبل المساومة وعقد معه عهدا أمضاه ~~بدمه على أن يمد له الشيطان في الشباب أربعا وعشرين سنة ثم يأخذ منه روحه وجسده بعد انصرام ~~هذه المدة، فلما أطاع الشيطان راجعته الفتوة وانطلق في سبيل الشر ففسق وقتل وجنى على ~~الأبرياء وتمادى في كل غواية وتقلب في كل رذيلة. # هذه خلاصة الخرافة القديمة، فلما جاء القرن الثامن عشر تناولها «لسنغ» الكاتب الألماني ~~الملقب بملك النقاد فأفرغ عليها روح ذلك القرن المتعطش إلى المعرفة والحرية، فلم يشأ أن ~~يجعل الطمع في استجلاء الحقيقة والشوق إلى استطلاع أسرار الحس والنفس مأثمة يعاقب عليها ~~المرء باللعنة السرمدية، وجعل الرهان بين الله والشيطان رهانا خاسرا لحزب الشيطان رابحا ~~لحزب الله، وأظهر هذه الخاتمة في الفصل الأول فانتهى الفصل وصوت ينادي من السماء حين فرح ~~الشيطان بغنيمته: «لن تفلح فيما تريد.» وقد جرى جيتي على آثاره، فختم لفوست ومرغريت بالخلاص ~~ورد الشيطان بالخذلان. # قضى جيتي في نظم روايته المستمدة من هذه الخرافة زهاء ستين سنة، فبدأها وهو لما يكد ~~يجاوز العشرين وختمها قبيل وفاته، ولا يفهم من هذا أنه قضى السنين الستين كلها مكبا على ~~نظمها منقطعا لتأليفها؛ فإنه لم يثابر على عمل واحد هذه المثابرة، وإنما اشتغل بالكتابة ~~فيها سنوات متفرقة خلال ذلك الزمن الطويل، فكان ينظم القصيدة ولم يتهيأ موضعها من الرواية، ~~وربما هجر الفصل من فصولها وشرع في الفصل الذي بعده، وثم هجر هذا وذاك وشرع في فصل آخر أو ~~رجع إلى الفصول المتقدمة بالحذف والإضافة والتغيير والتبديل؛ فقد كانت الرواية شاغل حياته ~~وإن لم تكن شاغل قلمه، وكل ما عالجه «فوست» من الشكوك والآلام والمحن والمعارف إن هو إلا ~~صورة لما ms37 خالج نفس جيتي في شبابه ومشيبه، وفي رحلته ومقامه. # وقد اختلفت مواطن الرواية كما اختلفت أزمانها، فخطر بعض مشاهدها ومعانيها لجيتي وهو في ~~سويسرة، وخطر بعضها له وهو في إيطاليا، وصاحبته أفكارها وأخيلتها في مدن ألمانية شتى على ~~حسب الحوادث التي صادفته والشجون التي اعترضت حياته. وللقارئ بعد هذا أن يتصور كيف تكون ~~رواية تجمع بين القرون الوسطى والعصور اليونانية ويشترك في إدراكها فتى في العشرين وكهل في ~~الخمسين وشيخ في الثمانين، ويتألف نسيجها من نزوات الصبا ومخابر الكهولة وعبر الشيخوخة ~~ما بين مناظر الجنوب والشمال ومعارف الزمن وآدابه في جيلين متعاقبين؛ فهذا نطاق واسع من ~~الزمان والمكان والحياة، وأوسع منه موضوعه الذي أحاط به لأنه هو موضوع النفس الإنسانية بين ~~الفكر والعقيدة والهوى، وبين الفن والعلم والسحر، ثم بين اليأس والرجاء، والحرمان ~~والغفران. # وهو موضوع كبير عالجه فكر كبير، ولكنه كذلك موضوع متفرق عالجه فكر متفرق؛ فإن جيتي لم يكن ~~قط «جامعا» في تفكيره ولا مستوعبا في تحريه واستخلاص نتائجه ومغازيه لأن الحقائق ~~عنده أشتات تلاحظ كل واحدة منها لذاتها وتدخر لذاتها، ويوكل إليها جميعا أن تتألف ~~في قرارة الفكر إذا كان لها مجاز إلى التأليف. # قال هيني في وصف رواية فوست: «إنها تشتمل على شذرات جميلة ولكنها تشتمل إلى جانبها على ~~أشياء لا يبرزها للدنيا إلا من وقر في خلده أن من عداه من الناس مغفلون.» # وهذا صحيح؛ فإن الحشو في الرواية كثير والتفكك فيها ظاهر والمحاولة الفنية في سبك ~~أجزائها صعيفة، ولا أزال أذكر أيامي الأولى في قراءة فوست منذ ست عشرة سنة؛ فقد بدأت ~~بالقراءة عنها ومنيت نفسي نشوة فكرية لا نظير لها، فاستحضرت ترجمات ثلاثا لها بالإنجليزية ~~لأستدل بالمقابلة بينها على ما سقط منها في خلال الترجمة، وانتظرت الإجازة السنوية لأتفرغ ~~لها وأتعقب فصولها وحواشيها، فلم أجد الكنز الذي ترقبته ووجدت كنزا آخر لا نشوة فيه ولم ~~أكن أطلبه. وتذكرت قصة الوالد الذي استدعى بنيه وهو على فراش الموت فأسر إليهم أنه ~~خبأ لهم كنزا ms38 في ضيعته أخفى عنهم مكانه، وأوصاهم أن يبحثوا عنه ويقلبوا الأرض حتى يعثروا ~~به، فبحثوا وقلبوا فلم يجدوا الكنز الذي حلموا به وإنما وجدوا الكنز الموعود في وفر الغلة ~~بعد تقليب أرضها واستصلاحها للثمر! وهكذا كنت مع جيتي في روايته هذه؛ فإنه لم يودع لي ~~كنزا ولم يعطني إلا ما أخذته بيدي، وزاد على ذلك أنه وضع الأعشاب والزوان في الأرض حيث لم ~~يكن فيها نفع ولا ضرورة. # إن كل ما في الرواية من العيوب والفجوات وكل ما فيها من الحشو والإملال لا يحجب عن القارئ ~~أن الرواية صنعة قريحة عظيمة وأنها مرآة حياة واسعة غاصة بذخائر الفن والمعرفة والفهم ~~العميق الرجيح، ولكن العيب الأكبر فيها أنك لا تحس وأنت تستعرض هذه الذخائر القيمة أنك ~~تستعرضها في حياة إنسانية تجاوبك وتجاوبها وتقاربك وتقاربها، وإنما تحس كأنها ذخائر موزعة ~~في الطبيعة تلتقطها من هنا ثم كما تلتقط الجواهر الضائعة في المفازة البعيدة، وتمشي في ~~الرواية وأنت تحمل نفسك حملا فلا يستحثك على المضي فيها إلا كلمة تقع عليها اتفاقا لا ~~يقولها إلا ذهن كبير أو أنشودة مستعذبة قل أن تدانى في حلاوة النغم وسهولة الأداء! على أن ~~هذه الأنشودة أو تلك الكلمة لن تنسيك فتور صاحبها ولن تستحق عنايتك إلا بشيء واحد، وهو أنك ~~تطلع منها على عبقرية نادرة كما تذهب إلى الأهرام لتتفرج بالنظر إليه. # وجزء الرواية الأول أحسن حالا في هذه الخصلة؛ لأنه يمس قلب الإنسان ويستجيش عاطفته ~~بقصة الفتاة «مرغريت» التي وقعت في حبائل الشيطان فجرها إلى الفسق فالقتل فالعار فالسجن ~~والجنون، فإن صورة «مرغريت» لتضارع أجمل الصور الإنسانية التي خلقتها الآداب في جميع ~~العصور، وعلى هذه الصورة الحية تقوم الرواية وإليها يعزى النجاح الذي أصابته عند جمهور ~~النظارة، فإذا عدوناها إلى غيرها فهناك مناجاة فوست وحواره مع الشيطان تارة ومع التلميذ ~~تارة أخرى، وهناك أشجانه وهواجسه وكلها على جانب وافر من الشعور والفكر يهز أوتار الحياة ~~ويفتح للذهن أبواب التأمل والاعتبار. # فالجزء الأول - كما أسلفنا - أحسن حالا ms39 في هذه الخصلة؛ ولهذا كان أحسن حالا من ناحية ~~التناسق والتنظيم، ولكنك مع هذا تنظر فيه فتجد مناظر كاملة لا علاقة لها بنسق الرواية في ~~شيء، بل تبدأ الصفحة الأولى بحديث بين شاعر ومدير مسرح وصديق لهما ليس بينه وبين الرواية ~~سبب. ومن طرائف جيتي في قلة الاكتراث أنه نظم أبياتا يحمل بها على ناقديه لينشرها في إحدى ~~الصحف. فلما تعذر عليه نشرها أخذها وألقى بها في هذا الجزء بغير تمهيد ولا تفسير! # أما الجزء الثاني فهو الفوضى بعينها يزيد عليه الغموض الذي لا ينتهي إلى طائل، ولكي يقف ~~القارئ على مثال من فوضى التأليف فيه يكفي أن يعلم أن الجزء كله قائم على قصيدة نظم جيتي ~~بعضها قبل صدور الجزء الأول ونظم باقيها بعد صدوره، ونشرها كلها على حدة في سنة 1827 وهو ~~يشعر بما فيها من الخلط فسماها «خيال الظل الكلاسيكي الرومانتيكي»، ثم جعلها محور الجزء ~~الثاني بما ألصق بها وأضاف إليها، وهذه هي قصيدة «هلينا» الفاتنة اليونانية التي ثارت حولها ~~حرب طروادة المشهورة في الإلياذة. # هذا مثل من التلفيق في التأليف، أما الرموز الغامضة الشائعة في الجزء كله، فمثالها بناء ~~فوست بهلينا والإشارة بذلك إلى الحضارة الأوروبية التي هي زواج بين الثقافة الإغريقية ~~وثقافة القرون الوسطى! فالثقافة الإغريقية هي «هلينا» وثقافة القرون الوسطى هي «فوست». ولما ~~أراد جيتي أن يزج بذكرى «بيرون» في القصيدة أسبغ صفاته على «يوفريون» ولد فوست وهلينا أو ~~ولد الإغريق والقرون الوسطى؛ فإذا هو بيرون كما شاء! # ومن رموزه ما كان هو نفسه لا يفهمه، فقد سأله أكرمان عن الأمهات اللاتي وردت الإشارة ~~إليهن في هذا الجزء ولجأ إليهن فوست لاستحضار روح هلينا، قال أكرمان: «ولكنه تقنع بالغموض ~~ونظر إلي بعينين مفتوحتين وهو يردد: الأمهات الأمهات! إن في الكلمة لسرا خفيا. وليس ~~في وسعي أن أزيدك بها علما، إلا أن أقول لك إنني طالعت في بلوتارك أن الأمهات كن بعض ~~الآلهة في يونان القديمة.» فكأن جيتي قد أخذ هنا برنة الكلمة الخفية ولم ms40 ينظر وراءها إلى ~~مدلول واضح في ذهنه، وإنما هو أثر من آثار الولع بالأسرار الذي استولى عليه في أواخر أيامه، ~~أو هو عرض من أعراض الشيخوخة التي تبدو على المفكرين عند الإحساس بقرب النهاية، وجيتي نفسه ~~يقول لنا إن لكل عمر فلسفة؛ فالطفل «واقعي» لأنه واثق من التفاح والكمثرى، والشاب خيالي ~~لاضطراب العواطف والدوافع في نفسه، والرجل «شكوكي» لأنه يخاف أن تختلف وسائله وأحواله، ~~والشيخ متصوف معتقد بالأسرار؛ «لأنه يرى ألف شيء يعتمد على المصادفة، ويرى السخافة تفلح ~~والرشد يخفق والسعادة والشقاء نوبا تدول، هكذا تجري الدنيا وهكذا جرت، والشيخ يجد السكينة ~~فيما هو كائن وفيما كان وفيما سيكون». # ومتى ذكرنا ولع جيتي بالخفايا في صباه لم نعجب لهذه النزعة التي نراها في فوست الثانية، ~~بل عجبنا له كيف ملك معها قواه ولم يخرج بها من حيزها الذي قصرها فيه فهي جن مارد، لكنه ~~في قمقمه وطوع يد سليمانه، إلى مدى يتفقان عليه! # وبعد فما الغرض من رواية فوست وما مغزاها؟ لقد سئل جيتي هذا السؤال فأجاب في غير اكتراث: ~~تسألني كأنما أنا أعرف هذا المغزى؟ إنما هي رحلة من الأرض إلى السماء خلال الجحيم! # ولك أن تقول شيئا كهذا عن روايات جيتي كلها أو عن كبرياتها على الخصوص، فهناك أشخاص ~~متفرقون وحوادث متفرقة، وهذه هي الصفة التي تستطيع أن تحصرها في جميع الروايات، أما ما عدا ~~ذلك فهو غير محصور! # وقد تكون للأشخاص بنية قائمة وملامح مميزة وسمات مألوفة، أما الحوادث فليس لها هذه البنية ~~وليس لملامحها وسماتها وحدة مرسومة. # وسبب ذلك بسيط معقول، وهو أن جيتي يأخذ من ساعة ساعة والحوادث واحدة واحدة، فأنت إذا جمعت ~~ألف حادثة متفرقة عن شخص واحد فهناك بنية مرسومة وشخص معلوم ولو اختلفت الحوادث وجاءت على ~~غير اطراد، ولكن هذه الحوادث بقضها وقضيضها لا تكفي لتأليف كتاب واحد أو رواية واحدة إذا ~~هي أخذت على تشعث وعلى غير نسق، بل أنت إذا سمعت عشر نوادر متفرقات عن إنسان واحد فقد ~~عرفته وحفظته، ms41 ولكنك إذا سمعت بعشر حوادث متفرقات فلست تعرف إلا هذه الحوادث دون غيرها، ومن ~~ثم تضيع الوحدة في روايات جيتي ولا تضيع الوحدة في أشخاصه، وفوست هي «المثل الأعلى» في ~~هذين النقيضين. # على أن جيتي يجيد في وصف الأشخاص لسبب آخر وهو أنه يأخذ أوصافه من الواقع ويرى بعض ~~المناظر كما جرت له هو في حياته، وتلك سنته في جميع أبطاله حتى أبطال الغيب والخيال، ~~فلما رسم «مفستوفليس» في رواية فوست جاء شيطانا إنسانيا أو إنسانا شيطانيا من طراز ~~بديع، وإنما جاء كذلك لأن جيتي كان يقرأ أوصاف الشيطان في جميع العصور ويطبقها على من ~~حوله، فأيهم كانت به بعض هذه الصفات في نفسه أو جثمانه رصده وراقب كلامه وأفعاله واقتبس ~~منها ما يناسب مناظره. # وتعجبنا في هذا المعنى كلمة الأستاذ «أرنست لشتنبر جر» شارح جيتي المشهور حيث يقول: «وهذا ~~الشيطان ألا تراه على قرب عجيب من الإنسان؟ ألا تراه في الحقيقة شيطانا فلسفيا نما على ~~جذور صورة الشيطان في القرون الوسطى واستنفدها؟ ففيه من عنصر أهرمان في الديانة الزندية، ~~وفيه من فلسفة الخليقة اليونانية، وفيه من التوراة وسفر أيوب، بل فيه ملامح مما قرأ جيتي ~~في أفلاطون وأرسطو والقديس أغسطين، يمتزج ذلك بالأساطير الجرمانية وأقوال ولنج وبوهم ~~وسودنبرج وليبنتز وشكسبير. وقد ترى فيه أحيانا لمحة سبينوزية؛ فثمة روح الهدم والإنكار ~~في القرن الثامن عشر، وثمة فيلسوف فرنسي، وثمة فلتير، وثمة كل ما هو كريه في الفترة ~~الزوبعية التي كان ينتسب إليها الشاعر، ويصح أن تقول في بعض المواطن إنه هو روح الفترة ~~الزوبعية بعينها، وإنه يتراءى بسمات من بهريش وهردر ومرك على الخصوص وباسدو ودارب المصور ~~وبير وجيتي نفسه، وهكذا أبدع جيتي الشيطان العالمي وصهر في بنية واحدة شياطين جميع ~~العصور.» # يريد «لشتنبرجر» أن يقول: إن جيتي رسم صورة الشيطان كما تطورت من أقدم العصور إلى أن ~~تحدرت إلى عصره بل إلى نفسه، وخلاصة هذه الأطوار تندمج في تعريف الشيطان نفسه بأنه جزء من ~~تلك «القوة التي قد تنوي ms42 الشر ولا تفعل إلا الخير»؛ فعلى هذا المعنى ليس يأبى جيتي تلك ~~المماثلة بينه وبين الشيطان! وهو الذي أثنى على ناقد فرنسي ألمع إلى تلك المماثلة في مجلة ~~الجلوب فقال: إن ملاحظات هذا الناقد نافذة؛ لأنه لم يلاحظ ما في البطل الأول من قلق الدءوب ~~فحسب، «بل لاحظ منه التهكم والسخر المرير في مفستوفليس كأنه جزء من نفسي». # فجيتي يماثل شيطانه الساخر أحيانا كما يماثل بطله العالم الساحر طالب المتعة والفهم في ~~عالم الحس وعالم الفكرة، أو فوست يماثل الشاعر في بعض حالاته والشيطان يماثله في بعض حالاته ~~الأخرى، وقد يماثلانه معا في حالة واحدة. # إلا أن الشيء الوحيد الذي لا يماثلانه فيه هو الحركة الدائبة؛ فإن فوست والشيطان يتحركان ~~ويركضان أما جيتي فيدع موكب الدنيا يتحرك أمامه ويلتفت إلى كل صف من صفوفه في ساعة مروره، ~~ولقد تغنى في مطلع فرتر بمتعة الحاضر وتغنى في ختام «فوست» بجمال اللحظة الحاضرة، فأوحى ~~إلى فوست أن يناشد اللحظة العابرة أن تقف بين يديه لأنها جميلة، فعبرت لا تصغي ~~إليه! # فكأنه بدأ حياته وختمها في عالم الأجزاء المفرقة، فشهد الدنيا جزءا كأصدق ما يشهدها ~~شاهد، وكان كمن ينظر إلى القمر خلال المنظار يراه قطعة قطعة أصدق مما يراه أي ناظر، ولكن ~~الناظر يراه كله جملة واحدة أصدق مما يراه صاحب المنظار. # | ولهلم ميستر # إذا كانت «فوست» أكبر كتب جيتي الشعرية فولهلم ميستر هي أكبر كتبه النثرية، تلك رواية ~~تمثيلية وهذه رواية قصصية، وقد جرى في تأليفها على عاداته ولا سيما في كتبه المطولة، ~~فبدأها في سنة 1777 وفرغ منها في سنة 1821، وقسمها إلى جزأين أحدهما سماه تلمذة ولهلم ~~ميستر والآخر رحلاته، وكان شأنه فيهما كشأنه في جزأي «فوست» على السواء. فالأول منسجم قوي ~~والثاني مضطرب ضعيف، والأول بين صاف والثاني غامض موشع بالرموز والأسرار. وقد لجأ هنا ~~إلى الحشو والتلفيق كما لجأ هناك. فمن ذلك ما قصه أكرمان وأثبته في أحاديثه يوم الأحد ~~الخامس عشر من شهر مايو سنة 1821، فقال بعد كلام ms43 عن كتب جيتي التي تطبع بعد وفاته: # ثم تكلمنا عن الحكم والخواطر التي طبعت في ختام الجزأين الثاني والثالث من ~~الرحلات، وكان جيتي لما شرع في تنقيح هذه الرواية وإتمامها قد نوى أن يمدها إلى ~~جزأين بدل جزء واحد، كما جاء في الإعلان عن الطبعة الجديدة لمؤلفاته الكاملة، ~~ولكن الرواية تجاوزت ما قدره لها أثناء الكتابة، وكان كاتبه يوسع الكلمات والسطور ~~فخدع جيتي وظن أن ما عنده كاف لثلاثة مجلدات لا لمجلدين اثنين، وعلى هذا أرسل ~~المسودات في مجلدات ثلاثة إلى الناشرين. فلما بلغ الطبع موضعا من الرواية تبين ~~لجيتي خطأ الحساب وعلم أن الجزأين الأخيرين صغيران في الحجم، وبعث الناشرون في طلب ~~المزيد، ولا سبيل إليه لصعوبة التغيير في مجرى الرواية وإضافة حكاية جديدة في هذه ~~العجلة، فحار جيتي في الأمر، واستدعاني فأفضى إلي بالمسألة وذكر لي كيف فكر في ~~تلافيها، ووضع بين يدي ملفين كبيرين من الأوراق المخطوطة التي أخرجها لهذا الغرض، ~~ثم قال لي: إنك ستجد في هذين الملفين أوراقا شتى لم تنشر ومقطوعات مبتورة تامة ~~وغير تامة، وآراء في العلوم الطبيعية والفن والأدب والحياة يختلط بعضها ببعض. فماذا ~~ترى في اقتباس صفحات ست أو ثمان مطبوعة من جميع هذه الأوراق لسد الفجوة في ~~الرحلات؟ إنها لا شأن لها بالرواية إذا توخينا الدقة ولكننا نستطيع أن نسوغ ~~إضافتها بما سبق من الإشارة إلى المحفوظات المدخرة في بيت مكاريا حيث تصان أمثال ~~هذه الأوراق، وكذلك نذلل الصعوبة في الوقت الحاضر ونعثر بالوسيلة التي تتيح لنا أو ~~نزجي إلى الدنيا بهذه الأشياء الممتعة. # هذا بعض أنماط التأليف عند جيتي في الروايات والكتب، وفي هذه الرواية عدا ذلك كتاب كامل ~~أو باب كامل أضافه إليها بأوهى سبب! ونعني به الكتاب السادس من تلمذة ولهلم المشهور باسم ~~«اعترافات النفس الطيبة»؛ فهذا الباب يطبع الآن على حدة فلا يشعر القارئ أنه مقتضب من ~~رواية شاملة، وأصله مستمد من أحاديث ورسائل لإحدى صديقات أمه اسمها سوزان كاترين كلتنبرج ~~وصفها في الباب الثامن من ms44 ترجمة حياته وقال: إنها هي صاحبة الاعترافات التي ضمها إلى «تلمذة ~~ولهلم ميستر»! فانتظم له بهذا باب مسهب كسائر الأبواب! # وقد قسمت الرواية إلى قسمين أحدهما للتلمذة والآخر للرحلة لأن بطلها ممثل يتدرب على فنه، ~~وكان الممثلون في ذلك العهد لا يدركون مرتبة الأستاذية إلا بعد برهة يقضونها في التلمذة ~~وبرهة أخرى يقضونها في الرحلة، فولهلم ميستر يخوض هذا الغمار ويتدرب على الفن وعلى الحياة ~~وتفضي به تجربة الدنيا وتجربة نفسه إلى ترك التمثيل ومزاولة الطب؛ لأنه عرف كفاءته الصحيحة ~~بطول المرانة. ~~••• # لقد كان في فوست سمات من جيتي فهل في ولهلم ميستر مثل هذه السمات؟ نعم، وأولى هذه السمات ~~هي تثقيف النفس بالمشاهدة والتجربة ومعرفة الكفاءة بالعمل والمزاولة، فكلاهما ترك فنا كان ~~ينشده ويطلب الأستاذية فيه وعدل عنه إلى علوم أخرى. فأما الفن الذي تركه ميستر فقد علمنا ~~أنه التمثيل، وأما الفن الذي تركه جيتي فهو التصوير! تركه بعد أن كان يرشح نفسه فيه لبلوغ ~~أقصى مداه، فلما زار إيطاليا وجرب قدرته هناك وقضى ما قضى من الوقت في مراسه وابتغاء التفوق ~~فيه على غير جدوى صدف عنه وعاد من إيطاليا على هذه النية. # منظر من تصوير جيتي. # وقد كان في نيته أن يقصر رواية «ولهلم ميستر» على التمثيل وأن يتمها بأن يقود البطل في ~~طريق النبوغ والأستاذية، فعدل به كذلك عن هذه الطريق كما عدل هو عن طريقه. فهما في تجربة ~~النفس وتاريخ العدول عن الرغبة الأولى يلتقيان. # وسمة أخرى تتشابه بينهما هي قلة المثابرة والتصميم والانتهاء إلى التفويض والتسليم، ~~والتجاؤهما إلى الطلاسم والقوى الخفية يتسليان بها عن عزيمة الجهد كما يتسلى الفنان بمعاني ~~القريحة عن وقائع الحياة، وما به دجل ولا غباء. # والسمة الظاهرة عليهما فوق كل سمة هي كثرة العشيقات وأسلوب التنقل من غرام إلى غرام، ~~فأسلوب جيتي وهو يلوذ من عشيقة بعشيقة كأسلوب «ولهلم ميستر» وهو ينتقل من ماريانا إلى ~~فيلين، ومن فيلين إلى مينون، ومن مينون إلى النبيلة ، ومن النبيلة إلى أوريلي والآنسة ~~كتلباخ، ms45 ومنهما إلى تيريز، ومن هذه إلى الأمازونة، وكذلك يتشابه الأسلوبان في ترويض النفس ~~بالحب وفي صوغ العواطف وادخار الشعور، ويتشابهان كذلك في علو النظرة الفنية في معظم هذه ~~العواطف على إسفاف الشهوات. # وإذا خطر لك أن تسأل عن هذه الرواية كما سألت عن فوست: ما الغرض منها؟ وما مغزاها؟ ففي ~~وسعك أن تعلم قبل السؤال أنها لا غرض لها ولا مغزى! وأن جيتي أول من يكاشفك بأنه لا يقبض ~~على مفتاحها، ولكنها وطاب حافل بحقائق الحياة في الفن والتعليم والنقد والعلم والدين ~~والسياسة هيهات يدانيه وطاب، ثم هي مشاهد ناطقة بالصدق والحكمة، وشخوص موسومة بالملاحة ~~والإتقان، ولا سيما شخص الفتاة «مينون» التي راحت في آداب الغرب علما من الأعلام. # منظر الوداع من جبال إيطاليا تصوير جيتي. # | الديوان الشرقي # الألمان كثيرو الدراسة للمشرقيات بين الأوروبيين، وقد تضاعفت عنايتهم بها في أواسط ~~القرن الثامن عشر لسببين: أحدهما النهضة العلمية العامة والآخر تمردهم على سلطان الآداب ~~الفرنسية، فإنهم لما تمردوا على هذه الآداب حولوا وجوههم إلى كل وجهة أخرى، فدعوا إلى ~~اليونان الأقدمين، ودعوا إلى الإنجليز، ودعوا كذلك إلى الشرقيين يطالعون كتبهم ويترجمونها ~~ويقتبسون منها الموضوعات. # وقد كان جيتي ألمانيا صميما في حب التوسع والاطلاع، فنهل من الآداب الشرقية مع ~~الناهلين، وقرأ السيرة النبوية وهو في نحو الرابعة والعشرين، واطلع على القرآن وأمعن فيه ~~إمعان الأديب وإمعان الباحث في الأديان، فاصطبغت كتاباته الدينية بصبغة قرآنية كما يرى ~~القارئ في كلامه عن الله ودلائل وجوده، وخرج من هذه الدراسة ينوي أن يكتب رواية شعرية ~~تمثيلية في سيرة النبي العربي، فنظم بعض قصائدها وقسمها إلى فصول: الفصل الأول يبدأ ~~بالمناجاة والاعتكاف واستعراض العبادات الجاهلية وينتهي بالهداية إلى الوحدانية، والفصل ~~الثاني يبدأ بالدعوة وينتهي بالهجرة، والفصل الثالث يبدأ بالنصر وينتهي بتطهير الكعبة من ~~الأصنام، والفصل الرابع يبدأ بالفتوحات وينتهي بالسم! والفصل الأخير تتجلى فيه نفس محمد ~~الربانية بعد أن عرك الدنيا وأخذ منها وأخذت منه، فاستوى على مثاله وارتفع إلى أوج كماله، ~~وتم له حظ الأدبين ms46 أدب الأرض وأدب السماء. # ووقف جيتي عند التقسيم والشروع فلم يكتب في روايته هذه إلا شذرات، وظل على حنين إلى ~~موضوعها يعاوده من حين إلى حين، فلما عز عليه إنجازها قنع بترجمة رواية «محمد» لفولتير مع ~~التصرف فيها، وأبرزها سنة 1800 للتمثيل. # ولكن رواية فولتير والرواية التي أرادها جيتي جد مختلفتين؛ إذ كان فولتير يسيء الظن ~~بالنبي وجيتي يأخذ عليه ما يأخذ ولكنه يسلكه في أكابر العظماء المصلحين، وقد سمع ملام ~~نابليون لفولتير على تأليف هذه الرواية وتصويره النبي في تلك الصورة، فسكت على ذلك ~~الملام. # تلك كانت عناية جيتي بالمشرقيات منذ صباه، وقد تقدمت به السن وهو لا يفتأ يعود إليها كلما ~~سنحت له فرصة من كتاب جديد أو بحث طريف؛ فقرأ ألف ليلة وليلة، ووعى دواوين السعدي وحافظ ~~الشيرازي والفردوسي التي ترجمت إلى الألمانية، وامتلأ بهذه وتلك فبدأ في نظم القصائد على ~~الطريقة الشرقية في معاني الفرس والعرب كما يتخيلها الغربيون، وعلق في سنتي 1814 و1815 بحب ~~الفتاة ماريان دي فيلمر فجاشت نفسه بالغزل واجتمع له ديوان كامل من هذه المنظومات، فذاك هو ~~الديوان الشرقي الذي أضاف إليه وطبعه بعد ذلك بأربع سنوات. # اشتمل هذا الديوان على اثني عشر بابا على هذا الترتيب، وهي: الشادي، وحافظ، والحب، ~~والتأمل، والحزن، والحكم، وتيمور، وزليخة، والحانة، والأمثال، والفرس، والفردوس. وحاول في ~~جميع هذه الأبواب أن يقتدي بالشرقيين في مذهب الغزل ومذهب التصوف؛ فاتخذ رائده في المذهبين ~~شعر حافظ الشيرازي الذي يراوح فيه بين غزل الحس وغزل الروح، وقال في هذا المعنى: «هلم ~~نسم الدنيا العروس ونسم الروح العريس، من عرف حافظا فقد شهد هذا الزفاف.» # وعلى هذا ربما لقي حبيبته بعد طول الغيبة فنظم في «اللقاء» وأودعه معنى لقاء الروح لعالم ~~النور كما يتغنى به المتصوفون، وربما قرأ أبياتا للسعدي عن احتراق الفراش بنار المصباح ~~فنظم في احتراق النفس بالحب، والتماسها الحياة من طريق الفناء! # على أن جيتي أنصف فلم يزعم أنه وفق في محاكاة الشرقيين ولا في محاكاة حافظ صديقه ms47 المحبوب، ~~وإنما وصف كتابه بأنه «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» فأحسن الوصف كل الإحسان. # الغلاف العربي للديوان الشرقي. # فالديوان يمثل الشرق كما يراه خيال شاعر الغرب من بعيد، ولا يمثل الشرقيين كما يراهم ~~الشرقيون إلا على سبيل الاتفاق. # وقد راق جيتي أن يسم الديوان بالسمة الشرقية في شكله ومعناه، فجعل له غلافا عربيا ~~مزخرفا بالنقوش العربية، وكتب في أوله تحية شعرية ترجمها له الأستاذ سلسفتر دي ساسي ~~المستشرق المعروف في الكلمات الآتية: «يا أيها الكتاب سر إلى سيدنا الأعز فسلم عليه بهذه ~~الورقة التي هي أول الكتاب وآخره. يعني أوله في المشرق وآخره في المغرب.» ويشير جيتي بذلك ~~إلى كتابة الشرقيين من اليمين إلى الشمال وكتابة الغربيين من الشمال إلى اليمين، فتحيته هي ~~الأول والآخر؛ لأنها تأتي في أول الكتاب عند الشرقيين وفي ختامه عند الغربيين. # بل أراد جيتي أن «يستشرق» ما استطاع في أثناء إظهاره لهذا الديوان، فكان يقرأ الأشعار ~~الشرقية وينسخ الخطوط العربية، كأنه يلاقي بذلك بين الروح وجثمانه واللفظ وفحواه، فكان في ~~هجرة إلى الشرق كما قال، أو كان الديوان «سلاما» من الغرب إلى الشرق كما قال هيني، وهو على ~~كلتا الحالتين هجرة مبرورة وسلام نرده بأحسن منه. # | مؤلفات أخرى # تلك أشهر مؤلفات جيتي وأدلها عليه، ولجيتي مؤلفات أخرى معظمها من قبيل المقطوعات المبتورة ~~وقليل منها الذي تم وانتظم في عداد المؤلفات الكاملة، وله فصول في صحف اشترك في إصدارها مع ~~غيره ورسائل إلى الأصدقاء والصديقات وله أحاديث مروية مع أكرمان وولف ومولر وسوريه وريمر ~~وغيرهم لا تقل هي ورسائله الخاصة عن طبقة كتبه في الإصابة والامتناع. # ولعل أتم مؤلفاته بناء وأحسنها تنسيقا رواية «هرمان ودوروثي» التي بدأها في أواخر سنة ~~1796 وفرغ منها في مارس من السنة التالية، وكان شيلر يحضه على إتمامها ويواليه بالسؤال ~~عنها، فجاءت على نظام حسن لكتابتها في فترة واحدة واطلاع شيلر عليها. وهي حكاية ألمانية ~~نظمها جيتي على مثال رواية لويز للشاعر فوس واتخذ لها بطلة إحدى الخدم المهاجرات الهاربات ~~من الجنود ms48 الفرنسية، وجعلها تتزوج بالفتى هرمان وهو من طبقة الموسرين، ووصف فيها عادات ~~الألمان وأخلاقهم وآدابهم في أسرتهم، وضمنها نزعة وطنية لا تصادفها كثيرا في روايات جيتي ~~الأخرى؛ فهي لهذا محبوبة عند الألمان، وهي «ورتر» الخامسة والأربعين من العمر، ففيها عواطف ~~«ورتر» الأولى كلها ولكنها هنا صاحية مقررة أقرب إلى العمل منها إلى الخيال. # وله رواية أخرى عن ثورة هولندة في طلب الحرية الدينية والسياسية أسماها باسم الكونت ~~«أجمونت» وأطال مراجعتها على عادته، فبدأها سنة 1775 بتشجيع من أبيه ولم يفرغ منها إلا في ~~سنة 1788 بعد رحلة في سويسرة وأخرى في إيطاليا. # جيتي في الحادية والأربعين. # وهي - كما قال لويس الكاتب الإنجليزي - حوار وليست برواية تمثيلية، وكانت نثرا فنظمها ~~شعرا، وقد قال في ترجمة حياته: إنه شرع فيها ولما يبرأ من وجده على صاحبته «ليلي»، فكأن ~~بطلتها كلارسن مرسومة على نموذج تلك الحبيبة، وإن خالفتها في بعض الأوصاف. # وله رواية «إفيجيني» وهي التي تختار في مناسبات الذكرى من بين رواياته التمثيلية، وكان ~~جيتي يمثل أحد أدوارها في حياته، ومدار الرواية على أسطورة يونانية قديمة ترجع إلى حرب ~~طروادة، وخلاصتها أن «آغاممنون» قتل ظبيا لديانا آلهة الصيد فغضبت الآلهة وأرسلت الطاعون ~~على جيشه وحبست الريح عن سفنه فوقفت في مكانها، فلما التمس الفتيا في شأن هذا البلاء قيل: ~~إنه لا يدفع إلا بضحية ولا تكون هذه الضحية إلا بنته «إفيجيني»، فامتثل أمر الآلهة وجاء ~~بابنته للفداء يزعم لها أنه سيزفها إلى البطل أشيل، فأشفقت ديانا عليها واتخذتها كاهنة لها ~~في طوريد، وهناك جاءوها بأخيها «أورست» وصديقه بيلاد - وهي لا تعرفهما - لتضحي بهما إلى ~~الآلهة، فلما عرفتهما احتالت على العود معهما إلى بلادها، فعادوا جميعا بسلام. # وقد نظم «يوربيدس» الشاعر اليوناني في هذه الأسطورة ونظمها جيتي في صيغة أخرى، إلا أن ~~الفرق بينهما كالفرق بين ما يكتبه يوناني في عهد الجاهلية وما يكتبه ألماني في عهد الثقافة ~~الحديثة، فجيتي بسيط في أدائه كالشاعر القديم، ولكن رواية «يوربيدس» قائمة على صراع ~~الشهوات، ورواية ms49 جيتي قائمة على صراع الأخلاق، وتلك مزدحمة بالمشوقات والمفاجآت وهذه لا ~~تشويق فيها ولا مفاجأة، والقدر في الأولى صارم في أحكامه ولو عدل عنها، ولكنه في الثانية ~~قدر واسع الرحمة غفور. # وأنت تخرج من هذه الكتب بالنتيجة التي خرجت بها من الكتب الأولى، فجيتي هنا وهناك شاعر ~~الأجزاء والحالات الفردية يجيد فيها ولا يجيد في غيرها؛ فخذ منه ما شئت سردا للكلام المفرد ~~ورسما للشخوص المعزولة، لأن ملكة الأجزاء تغني كل الغنى في هذه المقاصد، بيد أنها لا تغني ~~في حبك الفصول المركبة ولا في ربط الوقائع المشعبة ولا في إحياء الحركة واشتباك العقدة، ~~فحظه من الإجادة في هذه المقاصد غير جليل. # ولجيتي ترجمة كتبها بنفسه وأسماها «الشعر والحقيقة» لا يستغني عنها المتعرف له ولزمانه، ~~وقد دونها لشعوره بتفرق كتبه وحاجتها إلى تفسير لمناسباتها وآصرة تجمع شتاتها، فلما ~~تكاملت بين يديه طبعه مؤلفاته في سنة 1808 أحس بهذه الحاجة ورأى أن هذه الكتب إن هي إلا ~~مقطوعات شتى من اعتراف واحد طويل. فأقبل على تاريخ حياته يستعيده ويملأ فيه الفجوات بين تلك ~~المقطوعات، وهو في تدوين مذكراته كان يجري على سنة عصره أو على سنة النابهين في ~~آداب الثورة الفرنسية من قبله؛ فله باعث في تدوينها غير باعث التقريب بين فترات حياته ~~والوصل بين أشتات مؤلفاته. # على أن هذه الترجمة نفسها بقيت ناقصة كما قد بقيت تلك المؤلفات! وقد ألحقها بمذكرات أخرى ~~أوجز منها، ولكنه انتهى بها إلى ما قبل وفاته بعشر سنين، ولم يزد عليها. # | عبقرية جيتي # من العبقريين من تعرف مداه بكتاب واحد أو قصيدة واحدة، لأنه يرتقي إلى أوجه في بعض ~~أعماله فيأتي بخير ما عنده أو بكل ما عنده، وتعرفه حق عرفانه فلا تحتاج إلى تجربة له ~~بعدها ولا تصيب في التجربة الجديدة إلا تكرارا لا جديد فيه. # ومنهم من يعطيك جزءا من عبقريته في كل جزء من كتاباته، فبعضها لا يدل على مداها كلها، ~~وتكرار القراءة فيها ينتهي بك كل يوم إلى جديد، فلا غنى ms50 لك عن التجربة بعد التجربة لسبر ~~غورها والإحاطة بمداها، والحكم عليها في جميع أحوالها. # وجيتي من هؤلاء العبقريين الذين لا ينبئ قليلهم عن كثيرهم؛ لأنه لم يجمع نفسه في قطعة ~~واحدة ولا موضوع واحد، فهو كثير الجوانب كثير التجزئة، الموضوع الواحد عنده لا يدل على كل ~~موضوعاته، والجزء الصغير لا يدل على جملة الموضوع، فكل فكرة له هي أصغر من الرجل في جميع ~~أفكاره، كما أن اليوم الواحد في غمار أيامه هو أصغر لا محالة من سنيه الثمانين. # تلك إحدى الصعوبات التي تعوق عن التعريف بهذا العبقري الكبير، وصعوبة أخرى مثلها هي ~~بساطته وقلة احتياله في تعبيره وتجافيه عن التزويق والتفخيم في سياقه؛ فلا اصطناع ولا إيهام ~~ولا زخرفة وإنما هي أفكار يلقيها إليك على هينة كما جاءته على هينة. وكلها سواء عنده في ~~الحفاوة والخطر؛ فلا الكبير عنده مستهول ولا الصغير مزدرى! إنما هو المارد الجبار يحمل ~~الصخرة كما حمل الحصاة، ويمشي بأثقل أحماله وأخفها في خطو وئيد وقوام قويم. # وإذا كان بعض الكتاب يمشي إلى غرضه كما يمشي البهلوان على الحبل، أو كما يمشي اللاعب ~~على يديه، أو كما يمشي الراقص المترنح المتبختر أو كما يمشي الكاهن الوقور لا ينظر إلى ~~يمنة ولا إلى يسرة، فجيتي ليس يعرف هذه المشى وليس يركب إلى غرضه حبلا ولا يترنح ولا ~~يتكلف، بل يخيل إليك أحيانا من قلة النصب في حركته أنه يمشي إلى غير غرض كما يمشي المتريض ~~في ساعة فراغه. فإذا أفضيت معه إلى غايته فقد تتعب وقد تنكر المسعى، ولكنك تشعر أنك كنت ~~تمشي مع دليل أمين ولم تكن تتبختر مع رقاص أو تقفز مع بهلوان! وأنت بعد ومذهبك في حركات ~~الأقدام؛ فالجاري على الحبل أبرع ولا ريب في فنون هذه الحركات من السالك في الطريق كما يسلك ~~سائر الخلق، ولكنه بهلوان وليس كل إنسان ببهلوان! ويلعب والناس لا يتعلمون المشي ليلعبوا ~~على الحبال! # حجرات منزل جيتي من الداخل. # وكلمة واحدة - مع هذا - تسمعها من جيتي تنبئك أنه ms51 قد وصل إلى مدى لا يصل إليه الكثيرون، ~~ولا يلزم أن تكون هذه الكلمة رنانة ولا موشاة ولا صاخبة ولا أنيقة، فقد تنبئك نبأها ~~الصحيح ولا حظ لها من رنين أو وشي أو صخب أو أناقة. # يحدثك رجل عن القاهرة ساعات متواليات، فيسبق إلى وهمك أنه سكنها وجاس خلالها وأطال المقام ~~فيها، ثم ما هي إلا كلمة يزل بها لسانه حتى تعلم أن ما سمعت بحذافيره إن هو إلا وصف ناقل لا ~~وصف شاهد، وإن حديث صاحبنا عن القاهرة إن هو إلا حديث قارئ أو متلقف من الأفواه. # ويقول لك غيره كلمة واحدة عن القاهرة لا تستغرق الثواني فضلا عن الساعات المتواليات! ~~فتجزم جزم اليقين أنها كلمة العارف الذي زار وأقام وأطال المقام، فهل يلزم أن تكون في هذه ~~الكلمة بلاغة خارقة أو نبرة متكلفة أو كناية ملفوقة؟ كلا! بل لا يلزم حتى أن تكون صحيحة ~~كل الصحة في معناها؛ إذ هناك الخطأ الذي لا يخطئه إلا من شهد واختبر، وهناك الخطأ الذي يقع ~~فيه الإنسان لقلة الرؤية والاختبار، بل هناك الخطأ الذي هو أدل على المشاهدة من الصواب، ~~فالشرط الوحيد إذن في تلك الكلمة أن يقولها القائل بعد رؤية ومعرفة، وفي هذا الشرط وحده ~~قيمتها التي تربى على قيمة الأخبار المسهبة يرويها لك من لم ير ولم يعرف، فأنت حين تنوي ~~أن تذهب إلى القاهرة لا تذهب إليها مع من تلا عليك تلك الأخبار وبسط لك تلك المرويات، وإنما ~~تذهب إليها مع من نبس بالكلمة الموجزة ذات الدلالة وإن لم يكن على صواب. # إن كلمات جيتي عن عالم الحقيقة لهي من طراز هذه الكلمة التي لا طنين فيها ولا كلفة، فإذا ~~سمعتها قلت: «أجل!» هذه كلمة ناظر وعارف، هذه كلمة السر التي يصطلحون عليها في ذلك المكان، ~~هذه «هي الأسرار المكشوفة لكل إنسان ويكاد لا يراها إنسان» كما قال. # فمن شاء أن يستدل على عبقري كهذا بكلامه فليتريث كثيرا ولا يقنع بالنموذج اليسير، فكل ~~فكرة هنا أصغر من المفكر، ms52 وكل ثمرة هنا وراءها شجرة كبيرة ووراء الشجرة حديقة أكبر! وقد تدل ~~الثمرة على شجرة واحدة حملتها، أما الحديقة بما وسعت فلا تدل عليها إلا ثمرات من عدة ~~أشجار. ~~••• # نعم نحن حيال حديقة عامرة لا شجرة واحدة، نحن حيال شاعر وحكيم ومصور وعارف بالموسيقى ~~ووزير وباحث في النبات والتشريح وطبقات الأرض والنور. # وفي كل علم من هذه العلوم كان لبحثه أثر ولرأيه قيمة؛ ففي النبات اهتدى إلى نظرية ~~«التحور» ورد أجزاء الشجرة المختلفة إلى جزأين في أساس التكوين، وراقب النمو المطرد ~~والنمو المعكوس وغيرهما من ضروب الطوارئ على حياة النبات، والتفت إلى أثر العصير الغذائي ~~الكثيف والعصير الغذائي الملطف في اختلاف الجذوع والأوراق والأزهار. # وفي التشريح اهتدى إلى العظمة الوسطى في الفك الأعلى التي تنبت فيها القواطع، وكان ~~المظنون أنها لا توجد إلا في الحيوان، ورجع بتركيب الدماغ إلى الفقار في الحيوان ~~والإنسان، فكان في تقريراته هذه في علمي النبات والتشريح رائدا لمذهب التطور، وطليعة من ~~طلائع العلم الحديث. # أما في طبقات الأرض فقد كان له رأي محترم في تركيب الحجارة المحببة والمعادن، وكان مصرا ~~على مناقضة نيوتن في تعليل الألوان يأبى كل الإباء أن يرتاب في بساطة النور أو يقبل التعليل ~~القائل بتركيبه من عدة ألوان، وإنما اللون عنده مزيج من النور والظلام: يكثر فيه قسط النور ~~ويقل قسط الظلام فهو اللون الأصفر، ويكثر فيه قسط الظلام ويقل قسط النور فهو اللون الأزرق، ~~ومن الأصفر والأزرق يتولد الأخضر، ومن هذه الألوان تتولد سائر الألوان، وكلما قارب اللون ~~الظلام كان أثره في النفس إلى الحزن وكلما قارب النور كان أثره إلى البهجة ~~والانشراح. # وقد أعرض علماء الطبيعة عن هذا الرأي ولم يأخذ به إلا نفر من غير الإخصائين، ولكنه على كل ~~حال رأي لا يستحق الازدراء. # وقد عرف له فضله علماء عصره وما بعده فيما عدا هذا فقال كاروس: «إننا إذا رجعنا إلى أقصى ~~ما نستطيع في تاريخ الجهود التي قام بها الباحثون لإدراك فلسفة ما لتركيب الدماغ وجدنا أن ms53 ~~الفكرة الأولى عن تحور أشكال العظم وردها جميعا إلى شكل واحد إنما هي فكرة يرجع فضلها ~~إلى جيتي.» # وقال سانت هلير: «لعله لم يصدر من عشر سنوات كتاب واحد في علم وصف الأعضاء أو علم النبات ~~خلو من وسم هذا الكاتب المشهور.» # جيتي في الحديقة. # وقال هلمهولتز: «إن جهود علماء النبات وعلماء الحيوان لم تزد على أن تجمع المواد ~~والمشاهدات حتى تعلموا كيف يرتبونها على أنماط يتبين منها التسلسل ووحدة النسق. وهنا وجد ~~عقل شاعرنا الكبير مجالا يوائمه وكان الوقت مؤاتيا له والمواد المجتمعة في علم النبات ~~وعلم التحليل المقارن كافية للاستعراض الواضح، فأدخل في العلم فكرتين هاديتين تحفلان ~~بالثمار، حيث كان معاصروه يهيمون على غير هدى أو يقنعون بتسجيل الوقائع اليابسة.» ~~••• # ونحن لو قصرنا النظر على كتبه في الأدب لاتسع أمام أعيننا أفق يترامى في كل جانب، فما ~~من خاطرة جالت في عقل إنسان إلا كان لها مجال في عقله، وكان له فيها رأي العارف المختبر إن ~~لم يكن له فيها رأي المصيب المعصوم. # ومعظم أخطائه هي أخطاء النظر المستريح إلى جزء واحد لا أخطاء النظر العاجز عن التأمل ~~والاستبانة، أو هي أخطاء السائر الذي لم يبلغ أمده ولا يزال في طريقه لا أخطاء المحجوب عن ~~الحقيقة بعيدها وقريبها، وما شئت بعد هذا من رأي نافذ في الأخلاق والعقائد والاجتماع وسرائر ~~النفس والتاريخ والفن والأمم والرجال، يفهم ما حوله ويشعر به ويستمرئه كأنه لا محيد له عن ~~الفهم والشعور والاستمراء، لا كأنه يتحفز لعمل له أوقاته ومحاولاته، ثم يلقي بالرأي كأنه ~~يتنفس أو يؤدي وظيفة من وظائف حياته له بأدائها غبطة وارتياح، لا كأنه ينهض بعبء أو يعالج ~~مشقة مفروضة عليه، وهذه هي الآراء التي تفيض بها كتبه وأحاديثه ويحتويها هو كلها ولا يتأتى ~~لرأي منها أن يحتويه كل الاحتواء. ~~••• # على أننا نقف هنا لنقر جوانبه المتعددة في نصابها ولا نرسل القول فيه على إطلاقه؛ فهنالك ~~أشياء لا بد من العلم بها مع العلم بهذه الصفة في الشاعر، لكي ms54 نعرف نصيبه هو منها ونصيب ~~أمته وزمانه ومعيشته، ثم نعرف التفاوت بين عبقريته وبين العبقريات التي اتصفت بتعدد ~~الجوانب وسعة النطاق. # فلا بد أن نذكر أن الاستبحار في العلوم خصلة عرف بها الألمان بين الأمم الأوروبية ~~ولاحظوها في تعليم الأطفال الصغار، فكثر فيهم من يجمعون بين مختلف الدراسات والفنون. # ولا بد أن نذكر أن القرن الثامن عشر الذي نشأ فيه جيتي لم يكن عصر إخصاء وتشعب بل كان عصر ~~إحاطة وإجمال وتمهيد من الإجمال إلى التفصيل، فالاشتغال فيه بالفنون الكثيرة أمر غير غريب ~~ولا سيما الفنون في طور الابتداء، ولنلاحظ أن جيتي لم يخلق «فوست» خلقا من الخيال وإنما ~~كان فوست مثالا للعالم الألماني المتبحر في القرون الوسطى، أي قبل جيتي بأجيال، وقد كان ~~فوست محيطا بكل ما في عصره من علوم. # أحد تماثيل جيتي في شبابه. # ولا بد أن نذكر أن أكثر الفنون التي عالجها جيتي كانت مفروضة في عمله الوزاري ولم يكن ~~يشغله عنها شاغل من مطالب المعيشة، فوسائل البحث عنده ميسورة والوقت كذلك ميسور، بل ربما ~~كان البحث سلواه في إزجاء الفراغ. # ولا بد أن نذكر أن طبيعة التفكير التي واجه بها تلك الآفاق الواسعة هي طبيعة واحدة على ~~تعدد الموضوعات، فهي طبيعة الفني المتذوق المتملي الذي يستمتع بتكوين عواطفه ومعارفه كما ~~يستمتع الفنان بتكوين تمثاله، وسبيلنا إلى فهم هذه العبقرية أن نقرن بينها وبين عبقرية أخرى ~~متعددة الجوانب واسعة الآفاق يذكر اسم صاحبها مع اسم جيتي في هذه الأيام، ونعني بها عبقرية ~~«ليوناردو دافنشي» المصور الموسيقي المهندس الفيلسوف الدارس للأحياء وظواهر الطبيعة في كل ~~شيء، فهذه العبقرية قد جمعت طبيعة الفنان المأخوذ بجمال الظواهر وتعبيراتها إلى طبيعة ~~العالم المدرب على التجربة وربط الأسباب إلى طبيعة الرياضي القادر على الفروض والتقديرات. ~~أما جيتي فقد كان فنيا في أدبه فنيا في عمله فنيا في فروضه، وكان محروما من ملكة ~~الفرض الرياضي لأنه يناقض عبقريته المطبوعة على فهم ما بين يديه وترك البعيد المقدر حتى ~~يجيء إليه، ولا ندري ms55 ماذا كان يصنع جيتي لو كان كليوناردو فقيرا يضطره البحث إلى إهمال ~~عمله الذي يعيش منه، ولكننا ندري أن ليوناردو كان خليقا أن يصنع أضعاف ما صنع لو رزق ~~سعة الوقت ويسر الوسيلة. ~~••• # فمباحث جيتي على تعددها تمت بنسبها إلى طبيعة واحدة، وهي طبيعة العبقرية الفنية الذواقة ~~التي تلتذ جمال الحاضر وتحيله إلى رياضة متزنة ومحصول جميل. # وإذا ذكرت العبقرية الذواقة في صدد الكلام على جيتي فلك أن تفهم كلمة الذوق بأعم المعاني ~~وأخصها في آن واحد، فقد كان الرجل جيد الذوق في حسه كما كان جيد الذوق في تفكيره، ~~والروايات التي تنقل عن جودة حسه تدهش السامع وتعيد إلى الذاكرة غرائب الأقدمين في بعض ~~الأحيان. فمن ذاك ما رواه «شواب» عن تمييزه لطعوم النبيذ حيث قال: «إن جيتي لخبير بالنبيذ ~~لا يجارى، وقد شهدنا على ذلك مثلا رائعا في وليمة عند الأمير كارل أوغست حضرها بعض ~~الأخصاء، فبعد الفراغ من الطعام وارتشاف كئوس النبيذ الفاخر استأذن قائد البلاط مسيو دي ~~سبييجل في إحضار صنف من النبيذ دون التصريح باسمه، فجاء بنبيذ أحمر وعرضه على الحاضرين ~~فترشفوه فإذا هو جد فاخر، وزعم أكثرهم أنه خمرة برغونية ولكنهم لم يتفقوا على رأي في بادئ ~~الأمر، ثم عادوا إلى الإجماع على هذا الرأي لما رأوا كثيرا من ذوي الأذواق في القصر يجنحون ~~إليه بينهم الأمير. إلا أن جيتي ما فتئ وحده يترشف كأسه ويعيد ترشفها ويومئ برأسه ~~إيماءة إنكار، ثم وضع الكأس فارغة على المائدة وهو يراجع نفسه، فقال قائد البلاط: يلوح لي ~~أن صاحب السعادة يرى غير هذا فهل أجسر على سؤاله من أي الأصناف هذا النبيذ؟ فأجاب جيتي: ~~إنني أجهله، ولكني لا أحسبه من خمر بورغونية، إنما أرجح أنه من خمر يينا معصورة من أعناب ~~شتى منتقاة لبثت زمنا في دن خمرة مديرية. وكان هذه هي الحقيقة.» # والروايات الأخرى التي تروى عن جودة سمعه منذ طفولته تدل كذلك على تمييز نادر للأصوات ~~والأنغام، فقد كان في صباه الباكر يحكي أصوات ms56 الممثلين والمغنين ويدرك بحور الشعر ويقيم ~~أوزانه، وكانت قدرته على الصياغة العذبة في جميع أيامه فوق كل قدرة عرفت بين شعراء الألمان ~~إلا من ندر، حتى قال شيلر قرينه ورصيفه: إننا نعني أنفسنا بصوغ الأناشيد وجيتي لا يتكلف ~~لها إلا كما تهز الشجرة فتساقط الرطب الجني. # فهذه الطبيعة الذواقة التي تتملى ما بين يديها لحظة لحظة هي طبيعة جيتي الشاعر وجيتي ~~المفكر وجيتي العالم وجيتي الفيلسوف، وهي التي تتجلى في كشوفه العلمية كما تتجلى في ~~أناشيده وأغانيه، فليس ها هنا إلا ملكة واحدة تدير نفسها على نواح كثيرة، وهي نعم ملكة ~~نادرة في قدرتها ونفاذها واتساعها ولكنها بعد ملكة واحدة تتجلى بعينها في كل مقام. # وإلا فما هو تحور النبات وتطور العظام إن لم يكن هو العناية بالجزء بعد الجزء والقول بأن ~~المجموع لا يدرس إلا في الأجزاء وإن دراسة الجزء المحدود تلهمنا العلم بالكل الذي لا حد ~~له من حيث نريد أو لا نريد؟ # وما هو الإصرار على بساطة النور وكراهة الآلات التي تدخل بين العين والمرئيات إن لم يكن ~~هو تقديس الفنان للنور وحبه لاستجلاء الجمال في مشهد العين بغير وساطة من منظار أو ~~موشور؟ # لقد كان جيتي لا يمل القول بكفاية «الظواهر الطبيعية» وقلة الحاجة إلى التعمق فيما ~~وراءها، فكان يقول: «أعلى تجارب الإنسان الروعة، فإذا كانت الظواهر الطبيعية تروعه فدعه ~~يقنع بها، فهو لن يسمو عليها ولا ينبغي أن يذهب وراء هذه التجربة.» وكان يقول: «يجب ألا ~~نحاول النفاذ إلى ما وراء الظواهر فهي في ذاتها الدرس المطلوب.» وكان أبدا يعجب للذين ~~ينقبون عن الأسرار الخفية والظواهر المكشوفة كلها أسرار تناديهم فلا يلتفتون، فهل هذا إلا ~~كلام فنان يأبى أن يزاول العلم والفلسفة إلا مزاولة طلاب الروعة والجمال؟ # أحد تماثيل جيتي في شيخوخته. # بلى! وخلاصة درسه كله ما قال في هذه الأبيات: «كأي من سنة أطلقت فيها فكري بين ~~الاستجلاء والدرس يتعمق ويتفقه كيف تعيش الطبيعة في خلائقها! فهي الواحد الخالد يتكرر في ~~الكثرة المفرقة، فصغير ms57 ما هو عظيم، وعظيم ما هو صغير، وكل شيء على منواله يتبدل أبدا ~~ولا يني أبدا يزاوج بين البعيد والقريب وبين القريب والبعيد، ويتخذ له صورة ثم ينسخ هذه ~~الصورة، ما أحسبني أصنع هنا إلا أن أراع وأعجب بما أراه!» # أجل! ما كان لجيتي في هذه الدنيا من عمل إلا أن يراع ويعجب، وإن كل ما فيه من سخر باسم ~~خفي لن ينقض ذرة من صرح إعجابه الفخم العميم؛ لأنه سخر من عرف كثيرا وشعر كثيرا وأعجب ~~كثيرا لا سخر من لم يعرف ولم يشعر ولم يدر ما الإعجاب، وقد كان إعجابه هذا عملا جميلا ~~ولم يكن لغوا ذاهبا في الهواء، كان عملا قوامه الدرس ورياضة النفس والإقبال عليها ~~بالتثقيف والتحسين، وكان سبيله إلى فهم شيء والشعور به أن يعمله ويعيش فيه؛ فالعمل طريق ~~المعرفة والتجمل، والحياة لا تكون إلا تفكيرا يعقبه عمل وعمل يعقبه تفكير كما يتعاقب ~~الشهيق والزفير! هكذا كان يقول في كتبه وأحاديثه. وهكذا كان يسأل في رواية فوست: ما معنى ~~آية الإنجيل «في البدء كانت الكلمة»؟ هل معناها في البدء كانت الفكرة؟ هل معناها في البدء ~~كان العمل؟ وإلى هنا انتهى السؤال. ~~••• # لا بد أن نذكر كل ما تقدم لنعلم كنه هذه العبقرية وكنه وصفها بالسعة وتعدد الجوانب؛ ~~فهي عبقرية فنية قبل كل شيء، وهي بعد فنية عملية قابلة للتطبيق والبروز فلا تفارق الأرض ~~وإن طمحت إلى أرفع المعاني، وهي في هذا كله عبقرية مستجيبة تتلقى وتنتظر وليست بالعبقرية ~~الطاغية التي تصول وتتعجل؛ ففي موضوعات جيتي إجادة كثيرة وليس فيها اختراع كثير. # وستعيش آراء جيتي العلمية في مراجع البحث وسجلات العلماء ولا يعيش هو إلا في عالم الشعر ~~بل في عالم الغناء؛ لأنه شاعر الأغاني غير مدافع، فليس للشاعر الغنائي ملكة مطلوبة إلا ~~وهي فيه على حظ وافر، وحسبه في هذا حلاوة النغم وبلاغة اللفظ وسهولة التعبير وقلة التكلف ~~التي هي طبع في خلائقه وطبع في أدائه، أما غير ذلك من الملكات فله فيها مدافعون ومنازعون؛ ms58 ~~إذ ليس في آرائه العلمية رأي واحد إلا وله شريك ينازعه السبق إليه، فإن «فيك دازير» قد أعلن ~~كشف العظمة الفكية في مجمع العلوم بباريس قبل جيتي بخمس سنوات، ولينيس سبقه إلى رأي صائب ~~في تحور النبات، و«أوكن» سبقه إلى رأي في تركيب الدماغ من الفقريات وهو رأي لا يسلمه ~~الآن جميع العلماء، وأفلاطون وأرسطو وليوناردو دافنشي كانوا يقولون بأن اللون مزيج من النور ~~والظلام وهم وجيتي في هذا القول مخطئون. وأيا كان علم جيتي بهذه الكشوف أو جهله بها قبل ~~اهتدائه إليها فالفضل فيها منازع ومكانه بين العلماء لو سلمت له بغير نزاع لا يرتقي إلى ~~مكان العلية والأفذاذ. # جيتي في ملابس الديوان. # كذلك الشعر لا يسلم له فيه إلا فضل الغناء وحلاوة الصياغة، فرواياته التمثيلية ستنسى في ~~عالم التمثيل وترجع إلى أصلها أغاني متفرقات وقصائد وكلمات، وإذا مثلت يوما كما كانت تمثل ~~من قبل فعلى سبيل الذكرى والاستطلاع والتفرج بالنظر إلى الآثار. أما أناشيده ورسائله أو ~~أشجانه الرومانية وأساطيره المنظومة وكل ما هو في كتاباته من قبيل الغناء فله حظ البقاء وبه ~~يقترن اسمه بين خوالد الأسماء. # قال هيني سيد الفكاهة والنقد الطريف بين كتاب الغرب أجمعين: «نحن أبرع شعراء الغناء في ~~العالم، فليس لأمة أن تفخر بشعر في الغناء كشعر الألمان، وإن الأمم لفي شغل الآن بقضاياها ~~السياسية عن كل شاغل، فإذا جاء يوم طرحت فيه هذه القضايا جانبا فيومئذ نذهب جميعا إلى ~~الغاب، نذهب كلنا من ألمان وبريطان وأندلسيين وفرنسيين وطليان إلى الغاب الخضراء ونغني هناك ~~وندع الحكم للبلبل، وعلى يقين أنا أن أغاريد ولفجانج جيتي ستخرج بالجائزة من هذه المباراة ~~الشادية.» ~~••• # والآن فلنستمع إلى الرأي الوحيد في جيتي الذي لا يقول به اليوم أحد في العالم، وذلك هو ~~رأي جيتي في نفسه! فهو الرأي الوحيد الذي يستحق كل رفض ولا يستحق أي قبول. # كان جيتي إلى الرابعة والعشرين من عمره لا يستقر على رأي في كنه عبقريته، فلما برح ~~«فتزلار» يائسا من حب شارلوت مضى ms59 على النهر يطيل محاسبة نفسه ويفكر في حاضره ومستقبله، ~~فلاح له منظر يخلب قريحة الشاعر ويغري ريشة المصور، فخطر له أن يسأل نفسه أمصور هو أم لا ~~مستقبل له في التصوير؟ ثم خطر له أن يستشير القدر على مثال الأقدمين، فأخرج من جيبه مبراة ~~وقال لنفسه: إذا أنا رأيتها وهي تهوي إلى النهر فأنا فنان، وإذا هي غابت عن نظري وراء ~~الصفصاف فلست بذاك، ثم قذف بها فجاءه الجواب لا إلى النفي ولا إلى الإثبات، وإذا بالمبراة ~~تقع أولا وراء الصفصاف ثم يثب بها الماء فيراها بملء عينيه! # كان هذا ظنه بنفسه أيام الشباب، فلما شاخ واستوى على ذروة الشهرة الأدبية قال لصاحبه ~~أكرمان: «إنني لا أعول كثيرا على ما بلغت في الشعر، فقد نبغ في زماننا شعراء عظام وسبقنا ~~وسيلحق بنا شعراء أعظم، ولكنني إذا نظرت إلى أنني - في هذا القرن - كنت الفرد الوحيد الذي ~~عرف الصواب من الخطأ في علم الألوان العويص ألفيتني فخورا وعرفت رجحاني على ~~الكثيرين.» # ونحن ننقل هذا الرأي لأنه حكمة طيبة في الحياة لا لأنه حكم طيب في الأدب، فجيتي ينسى أخلد ~~ما فيه ويفخر بأفشل ما فيه، ينسى الشعر ويفخر بالعلم، ثم لا يفخر من العلم إلا بما بان فيه ~~فشله ووضح فيه خطله، فلو أنه فخر بآرائه في النبات أو التشريح لصدق فخره وظهر عذره، ولكنه ~~يزهى برأيه في الألوان وهو أضعف الآراء وأدناها إلى الدثور والفناء. الحق أن الإنسان لا ~~يحسن الأمنية لنفسه ولو كان من الحكماء! # | شخصية جيتي # كان جيتي ربعة يميل إلى السمرة على خلاف أهل الشمال، وثيق البنيان مهيب الطلعة، أهيب ما ~~في وجهه عيناه الدعجاوان اللتان تشبهان عيون أهل الجنوب، ولم تحفظ عين جمالها وسلامة نظرها ~~كما حفظتهما هاتان العينان، وصفهما شيلر في خطاب إلى صديقه كورنر فقال: «إنهما تفيضان ~~بالمعاني والحياة على ما في وجهه من وصاد.» وكان جيتي يومئذ في نحو الأربعين، ووصفهما ~~ثاكري الأديب الإنجليزي المشهور فقال: «إنني شعرت بالخوف حين رأيت تينك العينين ms60 !» وكان جيتي ~~يومئذ في الثانية والثمانين، ووصفهما ريختر بين هذا وذاك فقال: «إنهما كرتان من ~~النور!» # وكانت له بنية عامرة وجسد صلب حسن الهندام ممشوق القوام ولا سيما في سن الشباب، مع أنه ~~ولد هزيلا مشكوكا في حياته وعاش شديد الحس والتنبه إلى يوم مماته، ولصلابته هذه ~~استطاع أن يكافح النزيف الرئوي الذي اعتراه في أيام الطلب بمدينة ليبزج وعاوده المرة بعد ~~المرة في الكهولة والهرم، فصينت له الصحة واعتدال المزاج في معظم أيام الحياة. # وقد بدأ رياضة النفس وتربيتها على الصبر والاتزان ومغالبة النزوات وثورات الشعور وهو في ~~عنفوان الفتوة لم يبلغ الرابعة والعشرين، فلما رأى من نفسه فرط التأذي بالأصوات الصادعة ~~والروائح الساطعة تعمد أن يقف طويلا إلى جانب الطبول الداوية والأجراس العالية ليروض ~~أذنيه على أشد الأصوات وأثقل المزعجات، وتعمد كذلك أن يصعد إلى القمم الشاهقة ويطل على ~~الأرض من عل ليغالب الدوار حتى تغلب عليه، ومع هذا عاش طول عمره يكره الرائحة القوية ~~ويتأذى بها شديدا ولا سيما رائحة التبغ والثوم، فقد كان يضرب المثل بالثوم لكل كريه حتى ~~العقائد والآراء! وأرادت زوجه مرة أن تربي بعض الخنازير إلى جانب البيت فاشتم رائحتها ~~واستوبلها وهي غير قريبة منه، وأمر بإقصائها على الفور. # وانصرفت نيته إلى اجتناب ثورات الشعور ومعالجة الألم والغضب فأفلح واستولى على أزمة ~~نفسه بعد رعونة الشباب العارضة، وكثيرا ما كان يجني عليه كظم الشعور وإخفاء الألم فيسقمه ~~وينال من عافيته، كما حدث في وفاة ابنه الوحيد بعد أن جاوز الأربعين، فإنه لم يزد عند سماع ~~الخبر على أن نضحت عيناه بالدمع لحظة ثم سكن ولاذ بالصمت والجمود، وما هي إلا أيام حتى ~~اعتراه نزيف كاد يرديه. # وكان همه الأكبر من تربية النفس أن يعيش على سنة القصد والاتزان أمينا في ذلك على ~~إعجابه واقتدائه بقدماء اليونان، فتم له ما كان يصبو إليه وظهر القصد في معيشته كما ظهر في ~~تفكيره، فلا إسراف في رأي ولا إسراف في متعة، ولا جور من جانب الخيال ms61 على الحس ولا من جانب ~~الحس على الخيال، ولا غلو في إنكار الجسد ولا غلو في إرضائه، بل كان عمل وكل رغبة بحساب ~~وميزان. # ولم يكن جيتي يتحرج من المزاح والفكاهة في شبابه، فكان حبيبا إلى أطفال كل بيت يزوره ~~لتفننه في اختراع الألاعيب والأضاحيك، ووصف الكاتب الألماني جان غليوم جليم منظرا من مناظر ~~دعابته شهده عند الدوقة «أميلي» أم الأمير في سنة 1777 أي حين كان جيتي في الثامنة ~~والعشرين، وكان جليم يتلو على الحاضرين شذرات في تقويم أدبي يسمى تقويم عرائس الفنون، ~~فاستأذنه جيتي في الترفيه عنه وتناول التقويم ليقرأ منه، فقرأ قليلا ثم أخذ يرتجل ~~المقطوعات من حاضر ما ينظم أو قديمه في الدعابات والمفارقات وهو يتظاهر بالتلاوة في التقويم ~~والحاضرون يعجبون ولا يصدقون ما يسمعون، حتى فطنوا إلى الحيلة فأغربوا في الضحك واستطابوا ~~الفكاهة، فقال جليم للشاعر فيلاند الذي كان يجلس أمامه: «إن هذا لهو جيتي أو الشيطان ~~بعينه.» فقال فيلاند: «هما معا! لأنه في يوم من أيامه التي يملأه فيها الشيطان.» # هكذا كان في بعض أوقات شبابه، ولكنه اعتصم بعد ذلك بجفوة باردة تخيل إلى من يراه أنه ليس ~~من بني الإنسان، وجعل لا يتحدث ولا يخف إلى حديث غير الحفائر والعظام وما إليها، حتى قال ~~ريختر لصاحبه الذي عرفه إليه: ألا تحجرني أو تكسوني بغشاء المحافير علني أروقه. وقالت أرليك ~~فون لفتنزوف إنها لو عرفت فيه جيتي العظيم لرضيت به زوجا ولو من أجل الزهو والكبرياء، ~~ولكنها لم تر إلا شيخا لا يني يتكلم عن النجوم والحجارة والأزهار ... فلم تصغ إليه، وأرليك ~~هذه هي الفتاة التي أحبها وهو في الرابعة والسبعين. # ولما زاره هيني قال في فكاهته المعهودة: «إنني نظرت حوله على غير اختيار مني لعلي أرى إلى ~~جانبه نسر جوبيتر - كبير أرباب اليونان - الذي يحمل الصاعقة في منقاره، وهممت أن أخاطبه ~~بالإغريقية لولا أنني أدركت أنه يفهم الألمانية!» ووصف الكاتب الروسي الحديث مرجكفسكي هذه ~~الجفوة الباردة في محضر جيتي فقال: «إنه ليشبه تماثيله ms62 الرخامية تماما!» # ولو وقف الأمر عند هذا البرود في محضره لهان ولم يكن فيه على الرجل كبير ملام، إنما ~~الملام الأكبر أن تبحث في تاريخه عن صلة حية بينه وبين بني الإنسان في ذلك العصر الفوار ~~بالحوادث الإنسانية فلا تجد، فقد عكف على نفسه لا يعنى بغير ما يعنيها لتوه وساعته ولا ~~يكلفها جهدا للخوض في هذا الغمار ولو من قبيل التفكير والغيرة من بعيد، وكانت أمم العالم ~~تعج بالخطوب وتعتلج بالآمال والآلام وهو قابع وراء أسوار نفسه لا يريمها ولا يطل منها ~~إطلالة عطف أو اهتمام، وشهد يوما شجارا بين الخدم والحوذية فكتب في مذكرته: «إن هذا ~~الشجار قد حركه فوق ما حركته تجزئة الدولة المقدسة!» ودخل عليه سوريه وقد سمع بأنباء ثورة ~~يوليو الفرنسية فقصد أن يزوره ويتحدث إليه، فبادره جيتي عند دخوله قائلا: «آه، حسن! ما ~~رأيك في هذا النبأ العظيم، لقد أرسل البركان حممه واشتعلت النار في كل شيء، وليست هذه بعد ~~محاضرة في حجرة مسورة.» فقال سوريه: «إنه لحادث مرعب، ولكن ماذا يتوقع من وزارة كتلك إلا أن ~~يئول الأمر إلى نفي الأسرة المالكة؟» فعجب جيتي وقال له وكأنه يتهكم: «يا صديقي العزيز ~~جدا! يلوح لي أننا لا نتفاهم، فما عن هذا تكلمت وإنما أتكلم عن أمر آخر، إنما أتكلم عن ~~البحوث التي بدأت بين كوفييه وجفري سانت هيلر في جلسة المجمع العامة.» يشير إلى بحوث هذين ~~العالمين في أصل الأنواع. # وقد اضطربت البلاد الجرمانية بالثورة على نابليون فكان هو في جانب القوة يسخر بهذه النخوة ~~ويقول للأدباء الناشئين الذين تقلدوا السلاح: «لا تقعقعوا بسلاسلكم فإن الرجل كبير عليكم!» ~~وتكلم أمامه أناس في القائد ولنجتون فجعل يرحض عنه ويثني عليه لأنه كيفما كان هو قاهر ~~نابليون وغالب الهند، وقال: «كل من كانت معه القوة العليا فالحق معه ... وعلينا نحن أن نحني ~~له الرؤوس!» # ولامه الناس على جموده في إبان النهضة الوطنية فكان يقول: «إنها لدنيا سخيفة لا تعرف ما ~~تروم ولا حيلة معها إلا أن ms63 ندعها تلغو كما تشاء، فكيف كنت تراني أحمل السلاح بغير بغضاء؟ ~~ومن أين لي بالبغضاء في غير شباب؟ لو حدثت هذه الأمور لي وأنا في العشرين لما كنت آخر من ~~يهب ويهيب، ولكنها حدثت وأنا قد جاوزت الستين ... وفيما بيني وبينك أنا لا أبغض الفرنسيين وإن ~~كنت حمدت الله حين خلصت منهم البلاد.» # وليس قول جيتي هذا إلا احتجاج محرج لا يدري ما يقول، وإلا فكيف عرف أن يحب الفتاة الحسناء ~~ويخطبها للزواج في الرابعة والسبعين ولم يعرف أن يبغض أعداء بلاده في الستين؟ وهل كان شأنه ~~في هموم الألم وآلام المظلومين يوم جاوز الستين إلا كشأنه فيها وهو دون الخمسين ودون ~~الأربعين؟ # على سرير الموت. # لقد قارن ماتسيني بطل إيطاليا الوطني وقديسها بين جيتي وبيرون في هذه الخصلة فقال: «وقفت ~~يوما على قرية سويسرية أراقب العاصفة وهي تقترب وتؤذن بالهبوب، وفي السماء غيوم كثيفات سود ~~تذهب حواشيها أشعة الأصيل ويطبقن سراعا على أصفى سماء في جو أوروبا ما خلا جو إيطاليا ~~الجميل، وكان الرعد يقصف من بعيد وأمواج الرياح القارسة تقذف بالمطر الغزير على السهل ~~الظمئ. # وأنظر فوقي فإذا بباز كبير من بزاة الألب يعلو تارة ويهبط أخرى وهو يقتحم العاصفة في كبة ~~الرياح الهوج، كأنما كان يهجم عليها هجمة القريع على القريع، وكلما جلجل الرعد جد الطائر ~~النبيل في العلو كأنما يجيبه ويتحداه، فظللت أتبعه بنظري برهة حتى غاب في ناحية الشرق عن ~~العيان. # ثم نظرت إلى الأرض على نحو خمسين خطوة مني فإذا بالطائر أبي حديج قابع هناك على هينة ~~واستقرار بين حرب العناصر الزبون، ورأيته مرتين أو ثلاثا يرفع رأسه قبل مهب الريح بهيئة لا ~~توصف من الاستطلاع الضعيف وقلة الاكتراث! ثم أعرض عن هذا ورفع إحدى ساقيه النحيلتين وزوى ~~رأسه تحت جناحه وتهيأ للنعاس في هينة واستقرار. # ذكرت بيرون وجيتي حينذاك وذكرت حياة أحدهما تموج بالزعازع وحياة الآخر تغمرها السكينة ~~والسلام، وذكرت الينبوعين الزاخرين اللذين ختم عليهما واستنفدهما هذان الشاعران.» # ذلك أصدق تصوير لشاعرين كبيرين ms64 من طينتين جد مختلفتين، وأنصار جيتي الغيورون على شهرته ~~يشعرون بهذه النقيضة فيه فيتعملون لسترها بالمعاذير، وقد يسخف بعضهم فينقلب من تلمس ~~الأعذار لها إلى اعتبارها مزية تستوجب الثناء! لأنها علامة الرفعة عن هموم الحياة الصغرى ~~وشواغل الجماهير والعلو بالفكر إلى أفق أكمل من ذلك وأكرم وهو أفق الجمال والمعاني الخالدة ~~والعزلة الإلهية، ولو صح أن الترفع عن هموم الجماهير مزية تحمد لجاز أن يحمل برود جيتي على ~~ذلك المحمل وأن يجزى عليه بالثناء والإعجاب، ولكنه غير صحيح ولا قريب من الصحة، فإن من فاته ~~الشعور بآلام بني الإنسان وبشاعة الظلم فقد فاته شعور الصدق وفاته شعور الخير وكلاهما ~~عنصران من عناصر الشعور الجميل وإذا كان تمثيل الشقاء في الصورة الفنية عملا جميلا فليس ~~الشعور بالشقاء والعطف على الأشقياء بالعمل القبيح. # وهب ما يقولون صالحا لتفسير فتوره في علاقاته مع الأفراد وقعوده عن البر حتى حين يكون ~~البر واجبا يفرضه الولاء للعبقرية والمروءة؟ لقد استغاث به بيتهوفن في محنته وكتب إليه ~~يقول وهو يظن أنه يغض من عزة نفسه بين يدي إنسان يفقه معنى العزة والعبقرية: «الحق أنني ~~كتبت كثيرا في الموسيقى ولكنني لم أجن شيئا، ولست الآن وحيدا لأنني أصبحت من سنوات ~~ست أبا لابن أخي الفقيد ... كلمات قليلة منك تسعدني.» فماذا كان جواب جيتي لتوسل ذلك ~~الشيخ المعذب المحروم؟ ولا كلمة! أيصدق القارئ؟ نعم ولا كلمة! وقد اعتذر بعضهم عن جيتي ~~بمرضه يوم وصول الخطاب إليه، فإن كان هذا عذرا فماذا كان عذره بعد ذلك بأيام أو بأسابيع أو ~~بأشهر؟ لا عذر هنا يجوز فيه الكلام. # وكتب إليه «فويت» صديقه وزميله في الديوان وهو على فراش الموت يقول له: «... أردت أن أكتب ~~إليك هذه الكلمة الأخيرة وفي رمق ... آه يا عزيزي جيتي ... ولكننا سنعيش معا في عالم الروح ~~...» فماذا صنع العزيز جيتي بهذه الدعوة المتوجهة إليه من صديق يسلم الروح وينتظر الموت ~~ساعة بعد ساعة؟ لبث يوما لا يجيب، ثم أرسل إليه ورقة مع خادم! وما كانت دار ms65 صديقه المحتضر ~~إلا على قاب خطوات من بيته، فماذا كان يضيره لو لبى أمنيته الأخيرة وذهب إليه؟ لا ضير، ~~وما نظن مثل هذه الخلة مما يرضى به ذوق جميل. # وقس على ذلك علاقاته بهردر وشيلر وكلاهما ذو يد عليه في تنبيهه واستنهاضه، فما كانت ~~علاقاته بهما تخلو من ملامة وتقصير، بل قس على ذلك علاقاته بكل إنسان حتى أمه وأبيه وأولياء ~~نعمته وأقرب الناس إليه. # فهو رجل واضح الأثرة لم يزعج نفسه قط لخطب فرد ولا لخطب أمة، ولم يخفق قلبه خفوق الإيثار ~~برحم ولا محبة، وغرامه بالنساء الكثيرات لا ينفي ذلك بل يؤيده ويضيف إليه، فإنه كان غرام ~~فن ورياضة ولم يكن غرام مودة وحياة، وأي فضل للإنسان في أن ينشد المتعة والسلوى والسرور؟ ~~وأي غرابة في حب الرجل للمرأة وهي إلف مخلوق لإلفه، وإنسان آخر بينها وبين الرجل عطف وليس ~~بينها وبينه منافسة ولا سباق؟ هنا يستفيد الرجل ويضم إليه إنسانا يتممه، ولا يخشى على ~~أثرته من ذلك الإنسان. # حجرات منزل جيتي من الداخل. # ومع هذا كان جيتي يهرب من الحب كلما كلفه بعض العناء، وكانت بغيته في الحب «الحضور» كما ~~قال وأعاد. فمن غاب عن عينه فليس بحاضر في قلبه ولا يلبث أن يحجبه النسيان، ومثل هذا الحب ~~الذي أحبه جيتي ولم يعرف سواه لا ينفي الأثرة وانقطاع أواصر المودة والرحم بينه وبين بني ~~آدم. # بل لعلنا لا نخطئ إذا قلنا أنه كان فرديا حتى فيما أحب من الحيوان، فما آثر القطط على ~~الكلاب إلا لأن القطط فردية جافية والكلاب فيها عطف وألفة! # وأكبر الظن أن جيتي ورث هذه الخلة وراثة عن أبيه ثم نمت مع الزمن فيه، فقد روت لنا ~~«بتينا برنتانو» نقلا عن أمه أنه لما كان صبيا صغيرا مات أخوه ورفيقه في اللعب «جاك» ~~فلم يذرف عليه دمعة وامتعض من بكاء أهله، ولما سألته أمه: أما كان يحب أخاه؟ جرى إلى حجرته ~~وجاءها بأوراق فيها رسوم ونوادر كان قد أعدها لتعليم أخيه حين يكبر! ms66 فكأنه لم يحب من أخيه ~~في تلك السن الصغيرة إلا موضوع فن وتربية! # فهذه الخواتيم من تلك البوادر ويزيدها أن جيتي قد عوفي من شدائد العيش وحرقات الخيبة ~~وأهوال التجارب ففتر ما بينه وبين الناس من حرارة العطف والولاء وقرابة الألم والعزاء، ~~ولنرجع هنا إلى ما كتبناه في صدر هذه الرسالة عن النفس الألمانية وحقيقة شعورها بالوطنية ~~والجامعة القومية، ففي ذلك تفسير لفتور الوطنية في قلب جيتي وعذر له من تلك النقيصة التي لا ~~مراء فيها؛ إذ كان في الدعوة الجرمانية شيء ينافي الوطنية في بعض الأحيان؛ لأنها توشك أن ~~تقضي على استقلال الدويلات والإمارات الصغار، وإذ كان لجيتي مندوحة من شواغله الأدبية عن ~~مصادمة الوقائع ومعاناة المظالم، وكان منصبه ينأى به عن ذلك ولو لم تكن له شواغل أخرى تصرفه ~~وتلهيه. # ولا ننس بعد هيبة الألمان للمناصب الكبار في القرن الثامن عشر ووراثة جيتي هذه الهيبة عن ~~أبيه، ثم ها هو ذا قد تسنم تلك المناصب وارتفع إلى مراتب النبلاء، فهل يسير عليه أن ~~يستخف بها ويفقه دعوة الحرية كما يفقهها رجل لا تغشى بصره غاشية هذه الهيبة ولا تجري في ~~عروقه دماء تلك الوراثة؟ ثم حب الراحة الذي فطر صاحبنا عليه ماذا يصنع به وكيف ينفضه ~~عنه؟! وكيف يسارع إلى عقيدة تحفزه إلى الكدح والجهد وليس له طاقة بهما ولا عهد له ~~باختبارهما من قديم؟! # وإذا صح «توصيف» الباحثين لمرض جيتي في شبابه واستدلالهم عليه بأعراضه التي وردت في ~~رسائله وكتبه وبما كان بعد ذلك من موت أولاده فمن شأن هذا المرض في أغلب الأحيان أن يضعف ~~العطف ويدخل الجفوة على الطباع. # هذه معاذير نسوقها لإنصاف ذلك العبقري الكبير وتصويره على جليته بغير إجحاف، ولكننا لا ~~نعرف بينها عذرا هو أوجه من حب الراحة أو السكون الذي فطر عليه ولا حيلة له فيه، فإن كان ~~جيتي لم يكدح لغيره فهو لم يكدح لنفسه، وإن كان قد أحجم عن تدبير الخيرات فهو قد أحجم كذلك ~~عن تدبير الشرور. # ولقد ms67 قال مرة إنه يلمح القاتل في أعماق ضميره، وما من فنان إلا وهو مستطيع أن يقول ذلك ~~على معنى التصوير الفني لا معنى الإجرام؛ فإنه مطالب على الأقل بأن ينتزع من شخصه كل شخوص ~~خياله، فعلى هذا الاعتبار كان جيتي يضمر الشر ويلمحه في أعماقه، أما أن يقارف الشر وينصب ~~لتدبيره فبينه وبين ذاك حائل الطبع، وحائل الكياسة. # فكل ما يؤخذ على جيتي من نقيصة فهو نقيصة فنية بالمعنى الذي ألمعنا إليه أو نقيصة ~~المطاوع المستجيب الذي لا يجاهد في مكافحة المغريات، وفي هذه الضرورة شفيع! وفي العبقرية ~~شفيع آخر، فإن أثرة العبقري الكبير أثرة إنسانية تعني الناس جميعا لأنها تشتغل بكل ما يعني ~~بني الإنسان، فعسى أن ينفعه هذان الشفيعان. # | عقيدة جيتي وآراؤه # من عرف صفات جيتي وخصائص عبقريته لم يصعب عليه أن يعرف عقيدته في الدين وآراءه في الأخلاق ~~والاجتماع والسياسة، أو لم يصعب عليه أن يعرف الأشياء التي يمكن أن تنطوي عليها تلك العقيدة ~~والأشياء التي لا يمكن أن تنطوي عليها؛ فإنما عقيدته وآراؤه خلاصة من صفاته وخصائص عبقريته، ~~وهو كان رجلا يأبى الجهد ويكره أن يزعج نفسه، وكانت له عبقرية مستجيبة مستسلمة تأخذ الدنيا ~~جزءا جزءا كما يأخذها الفنان الذي يتملى جمالها والشعور بها ويجد في ظواهرها الكفاية ~~لحبها وتعظيمها؛ فعقائده لن تخرج عن هذه الصفات ولا عن هذه الخصائص، وكل ما هو عويص أو مجهد ~~أو بعيد عن طريق الفن والجمال فلك أن تستثنيه من آراء جيتي في جميع الشئون، وأنت مطمئن إلى ~~ذلك كل الاطمئنان. # وقد قلنا: إن جيتي صاحب عبقرية متعددة الجوانب ولكنها تئول كلها إلى طبيعة واحدة؛ فمما ~~يؤيد ذلك ولا ريب أنك تعرف عقائده من صفاته وجملة أفكاره، فإن الجوانب المتعددة التي ترجع ~~إلى معادن متعددة تستعصي على مثل هذا التقدير ولا يغنيك العلم بالكثير منها عن العلم بأيسر ~~يسير؛ إذ ربما كانت عقيدة صاحبها مناقضة لأخلاقه أو لفكره أو لمزاجه، أما في جيتي فالجوانب ~~تختلف ما تختلف والآفاق تتسع ما ms68 تتسع ولكنها لا تشذ أبدا عن تلك الطبيعة الواحدة التي ~~أجملناها في الكلام على عبقريته وأخلاقه. ~~••• # جيتي مؤمن بالله مسلم بالقدر: «إن الله أحكم منا وأقدر، فله أن يتصرف بنا كما ~~يشاء.» # هذا هو التسليم بالقدرة الكبرى والحكمة الإلهية في الوجود. # وللقدرة الإلهية دلائل كثيرة يلتمسها الباحثون في أخفى نواحي البحث وأظهرها ويعبرون إليها ~~بحارا من الفسلفة والتصوف لا يسهل عبورها، فأما جيتي فثق أنه لا يغوص على إيمانه ولا يركب ~~إليه المراكب العصية، فحسبه الجمال في العالم دليلا على الجبلة الإلهية فيه وفينا، أو ~~كما قال لصديقه موللر: «إن القدرة على تجميل الحس وبث الحياة في المادة الصماء بتزويجها من ~~الفكر لهي أقوى حجة على فطرتنا العلوية.» والدين عنده لا يكون إلا واحدا من اثنين: «فإما ~~دين يعرف القدس ويعبده حيث يتراءى فيما حولنا بغير شكل ولا قالب، وإما دين يعرف القدس ~~ويعبده حيث يتراءى في أجمل الأشكال والقوالب، وكل ما بين هذا وذاك فهو وثنية وجهالة»، وما ~~دمنا نشعر بالجمال حولنا فنحن نشعر بالقدرة الإلهية في العالم وفي أنفسنا معا، قال كبلر: ~~«أمنيتي أن أدرك الله في عالمي الداخلي كما أدركه في كل مكان من العالم الخارجي.» فقال جيتي ~~متهكما: «إن الرجل الطيب لا يدري أنه حين يدرك الله فيما حوله فالإلهي فيه متصل هنالك ~~بالإلهي في الكون أوثق الصلات.» # كذلك قال لجاكوبي: «إن الأقدمين في أوج رفعتهم كانوا ينشئون القداسة من الجمال، فزيوس ~~كبير آلهتهم لم يبلغ التمام إلا في تمثال الأولمب.» # وقال لأكرمان في عام وفاته: «دع من يشاء يبدع إن استطاع بمحض العزيمة الإنسانية - أي بغير ~~مدد إلهي - شيئا يضارع ما أبدعه موزار أو رفائيل أو شكسبير!» # فالجمال هو معجزة الكون الإلهية عند جيتي، وهذا هو إيمان الشاعر الفنان. ~~••• # وإيمان جيتي بخلود الإنسان ضرب من التسليم بالقدرة الكبرى والإنابة إليها، فما دام ~~الإنسان في كفالة تلك القدرة فهي تمضي به إلى الذي هو أقوم، وهي لا تصنع العبث ولا تبطل ما ~~تصنع، وقد قال بلسان ms69 برومثيوس : «لا أذكر بدايتي ولا أحس نهايتي، ولا أدرك الختام وإنما أنا ~~خالد لأنني أنا موجود.» وكل يحمل برهان خلوده في نفسه فمن لم يجده هناك فما هو بواجده في ~~شيء! # ولما سأله فولك عقيب وفاة صديقهما فيلاند: «ما تظن فيلاند صانعا في هذه الساعة؟» قال: ~~«إنه لا يصنع شيئا حقيرا، ولا شيئا يغض منه، ولا شيئا يناقض عظمة الأخلاق التي أثبتها ~~في حياته.» وهذا أمر لا خلاف فيه، أما عدا ذلك فليختلف فيه المختلفون. # ثم استطرد إلى ذكر «الوحدات» المعروفة في مذهب الفيلسوف ليبنتز، وقال: إنها خالدة لا ~~يمسها الفناء، وإنها على وفاق مع القدرة الإلهية لا شذوذ فيه. # ولا طاقة لجيتي بالفلسفات العويصة التي تخوض فيما وراء الطبيعة وتقيم الدليل على خلود ~~النفس بالمقدمات الطويلة والنتائج المعضلة، فإيمانه بالخلود لا شأن له بهذه الفلسفات ولا ~~مرجع فيه إلى البحث الذي يكد الذهن ويثقل على الخاطر، ولكنه يستريح من الفلاسفة إلى اثنين ~~في المحدثين وهما «سبنوزا» و«ليبنتز» الذي تقدم ذكره، وهو في إيثاره هذين الفيلسوفين ~~وفي للعبقرية التي عرفناها وعرفنا جنوحها إلى التسليم واستحسان ما هو حاضر، فإن سبنوزا ~~هو فيلسوف «وحدة الوجود» القائل بأن الله هو الكل والكل هو الله، وأن الإلهية ظاهرة في كل ~~جزء من أجزاء هذا العالم، فالإنسان لا يذهب بعيدا في طلب الإله والكشف عن الأسرار وجيتي لا ~~يأبى أن يمشي مع هذا الفيلسوف في طريقه الدمث المريح. # وسبنوزا كذلك هو القائل إن الدنيا تتغير ما تتغير ويبقى في كل تغيير شيء دائم خالد هو ~~عنصر الكمال والجمال الذي يتجلى فيه الإله. وهنا أيضا لا يتعب جيتي من مصاحبة هذا ~~الفيسلوف؛ لأنه يطمئن معه إلى نفسه ويرضى عن كل حالة تمر به أو تصيبه. ~~«أما ليبنتز» فهو فيلسوف الفردية والإجزاء والرضى عن الوجود لأنه خير ما في الإمكان، وهل ~~أحب إلى جيتي من الفردية والأجزاء والرضى عن الوجود؟ فالعالم عند ليبنتز وحدات منعزلة يعكف ~~كل منها على نفسه ويترقى على حسب قوانينه المكنونة فيه ms70 ، فلا سلطان عليه للوحدات الأخرى ولا ~~يلوح لنا نحن أنه يتأثر بتلك الوحدات إلا لأنها كلها معدن واحد قديم مرتب منسوق منذ أزل ~~الآزال، وكل وحدة هي مرآة القدرة الإلهية تتجلى فيها هذه القدرة على حسب حظها من الترقي ~~والكمال، فلا هيمنة لإحداها على سائرها وإنما تستقل كل منها بإظهار قدرة الله على منوالها، ~~مثلها في ذلك مثل ألوف الساعات التي تدلك على الوقت وتتفق كلها في الدلالة عليه ثم أنت ~~لا تفهم من هذا أن إحداها أثرت في سائرها ولو كانت أدق وأنفس منها، وكل وحدة خالدة تترقى ~~وتظهر جمال الله على درجات في الإظهار، فالفردية المعزولة في هذا العالم السعيد على أتمها ~~هنا، وجيتي يأوي من هذا المذهب إلى بيته الأمين. # وقد تلمح في جيتي أثرا من آثار أفلاطون في كلامه عن المثل التي تسبق الموجودات، فذلك ~~إلماعه في الجزء الثاني من رواية فوست إلى عالم السكون المجهول الذي لا مكان ولا زمان فيه ~~ولا تتقيد فيه الأشكال بقيود، ولكنها عبارة شعرية لا أكثر ولا أقل، وليس جيتي بعد هذا بالذي ~~يعنت ذهنه في استقصاء هذه الأسرار إلى غاياتها البعيدة؛ لأن مذاهب الفلاسفة في شرح خلود ~~النفس كما قال في أخريات أيامه: «هي شغل المتبطلين من السراة الخالين أو النساء اللواتي لا ~~يشغلهن شاغل.» # ومن ثم إنكاره على السلطان الذي كان يدعيه رجال الكنيسة لأنفسهم في الوساطة بين الله ~~والناس، فهو ينحو فيه نحو الفردية ونحو «وحدة الوجود» في وقت واحد؛ إذ «كل الحقائق تأتي من ~~عند الله، وهؤلاء الناس - يعني رجال الدين - يزعمون أن الله لا يتكلم إلا بوساطة الكنيسة، ~~فهم لا يرون كيف يتكلم الله بلسان جميع الأشياء، فما من حشرة تدب على الأرض وما من ورقة على ~~شجرة إلا ولها نبأ تقوله من عند الله»، وجيتي يعني الكنيسة الكاثوليكية بذلك الكلام، وهي ~~غير كنيسته البروتستانتية التي نشأ عليها هو وأهله، فليس في كلامه هذا تمرد جديد على سلطان ~~وطيد! # ولا يخفى أن جيتي قد خامرته ms71 الشكوك في كل مذهب وكل ملة واتخذ لنفسه عقيدة تخالف عقائد ~~الشعائر والمراسم في الجملة والتفصيل، وعرف الله في نفسه وفيما حوله بغير هداية من ذي كهانة ~~إلا من كان يقرأ لهم ويحادثهم في أمور الدين، وله مثل ظريف في استقلال الفرد بعقيدته يقول ~~فيه إن عقيدة الإنسان ينبغي أن تكون كالذخيرة التي يدخرها في بيته ليعتمد عليها وقت الحاجة، ~~أما ذخائر المصارف فأرباحها لأصحاب المصارف، وقلما يربح منها المستعيرون. # ولكنه على مخالفاته وشكوكه لم يتمرد قط في كفر ولا عقيدة، إلا في سورة الشباب أيام أن ~~نظم قصيدته في «برومثيوس» الإله الثائر على رب الأرباب، وأيام اعتلاج المناظر الأولى من ~~رواية فوست في ضميره وخياله، ثم ثاب إلى مذهب يقارب مذهب ابن العربي الذي يقبل في قلبه كل ~~صورة ويجمع فيه «دير الرهبان ومرعى الغزلان». فخرج من رواية ولهلم ميستر بجماع مذهبه في ~~الأديان كافة وهو احترام الجميع، فكان يعتقد أن الأديان ثلاثة: واحد يدعوك إلى احترام ما ~~فوقك وليس أسهل منه، وآخر يدعوك إلى احترام ما يقاربك وهو أصعب من ذاك، وثالث يدعوك إلى ~~احترام ما دونك وهو المسيحية. ولن يكمل دين المرء حتى يؤلف بين هذه العقائد جميعا فيحترم ~~كل شيء ويرضى عن كل شيء، ونحن هنا من طبيعة جيتي في صميم الصميم! فلا تمرد ولا استخفاف بل ~~تبجيل وتسليم. # واشتهر جيتي بالسخر الخفي في أحاديثه وفي تواليفه، ولا بد أن يسخر رجل عاش كما عاش وشهد ~~كما شهد واستعرض الدنيا استعراضه لحقائقها وعجائب أكاذيبها، إلا أنه سخر لا استخفاف فيه ولا ~~صغار ولا رعونة، وربما نفعته في هذا طبيعة المحافظة الراسخة فيه، فعودته التهيب ~~ومداراة الأمور. # وإنك لتعجب لهذا الذهن الكبير كيف كان يضيق به النظر كلما باغته التغيير فأجفل من ~~المباغتة وسارع إلى الإنكار في غير موجب للإنكار، فهذا الذهن الذي يتناول المسائل الجسام ~~في سهولة ورفق لم يلبث أن سمع بإباحة الزواج باليهوديات حتى ثار ثائره واستعظم الأمر كأنما ~~فيه ثورة على نظام الوجود ms72 . قال موللر: «ما كدت أدخل على جيتي في نحو الساعة السادسة ... حتى ~~بادرني الشيخ العزيز ببيان مسهب عن الغضب الذي خالجه من قانوننا الجديد الذي أباح الزواج ~~باليهود ... فقد أبدى أشد المخاوف وتوقع أوخم العواقب وقال: لو كان المراقب العام رجلا من ~~ذوي الأخلاق لآثر أن يعتزل منصبه على أن يبارك اليهود في الكنيسة باسم الثالوث ~~المقدس!» # كان هذا في سبتمبر سنة 1823، أي بعد موت زوجته بسبع سنوات، فخليق بهذه الغضبة العجيبة أن ~~تعرفنا سر رضاه بكرستيان فلبيوس قبل الزواج وسر معاشرته إياها على خلاف العرف في بيئته ~~وزمانه، فلم يكن مسلكه هذا اجتراء على تغيير مألوف الناس بل كراهة منه لتغيير مألوفه، وكل ~~ما في الأمر أنها امرأة استطاب العيش معها فلم يقدر على فراقها، فقبل من أجل ذلك أن يغضب من ~~أغضب وهو قانع مستريح. # هذه الراحة هي قوام هذه العبقرية في كل رأي وفي كل مسلك وفي كل خطة، فما التقوى؟ وما ~~الخلق؟ وما الفن؟ كلها وسائل للسلام أو للتوازن والطمأنينة في النهاية؛ «فالتقوى ليست غرضا ~~لذاتها ولكنها وسيلة للترقي بسلام النفس إلى أرقى مراتب التهذيب ...» والشعر وسيلة نتخذها لسد ~~خلل الحياة وترك التبرم والشكاية، والفن «ليس غيره وسيلة مأمونة للنجاة من العالم وليس غيره ~~وسيلة مأمونة للحلول فيه»، وقواعد الآداب والأخلاق: «محاولة دائمة لإقرار السلام بين ~~مطالبنا الفردية وقانون العالم المستور» فكل ما ليس فيه سلام ولا أمان فليس فيه خير ولا ~~إحسان! # نعم إنه كان يوصي بالعمل ولا يكف عنه، ونعم إنه كان يعتبر العمل سبيل الخلاص والتكفير ~~لأنه سبيل تعريف الإنسان بحقيقة نفسه ولا خلاص للنفس بغير هذه الحقيقة. ونعم إنه استرسل في ~~هذا المعنى حتى قال: إنه لا يدري ماذا يصنع بالخلود الأبدي الذي لا عمل فيه ولا واجب، ~~ولكننا يجب ألا ننسى أبدا أن هذا العمل لا ينفي الراحة والطمأنينة، فكل عمل لجيتي فمشروط ~~فيه أن لا يجهد ولا يزعج وأن يكون عفو الطبع والسليقة: «وليذهب كل إلى واجبه كالنجم في غير ms73 ~~عجلة ولكن في غير فتور» كما قال في إحدى مقطوعاته، وما الواجب الذي يذهب إليه؟ هو عند جيتي ~~مطالب كل يوم، فمن قام بمطالب الحاضر يوما بعد يوم فليس عليه واجب أقدس من ذاك، أو كما قال ~~في وصية أخرى: «كن أمينا لحظة بعد لحظة فهذا خير ما تفعل.» فالمرء لا يذهب مع جيتي بعيدا ~~في طلب الله ولا في طلب الواجب، فهو يجد الله ويجد الواجب حيث كان! # أما حكم الأخلاق عنده في تناول طيبات الحياة فهو الحكم المنظور عند رجل يؤمن بالحسن ويؤمن ~~بالواقع الراهن كل هذا الإيمان، فالدنيا حقيقة وليست بوهم ولا عبث، بل هي حقيقة حتى في نظر ~~الله وليست كذلك في نظر الإنسان وحده، وإلا «فعيشك سبعين سنة لن يساوي فتيلا إذا كانت حكمة ~~الدنيا بأسرها حماقة عند الله»، ولقد قال: «إن الكل باطل معناه أن الكل ليس بباطل.» وما ~~دامت الدنيا حقيقة وليست بوهم ولا عبث ففيم نعرض عنها ونزهد في طيباتها؟ فكل ما أباحه ~~اليوناني القديم لنفسه فهو مباح في عرف جيتي بغير تلجلج ولا معاناة، و«لنقدم على السعادة» ~~كما قال ولنعرض عن المعرضين. # فهو الرجل الإغريقي المثقف في محللاته ومحرماته، وقد كان له رمزان ينظر إليهما كثيرا ~~ويأنس إليهما في بيته: وهما تمثال جوبيتر وجمجمة إنسان، وما نحسبه كان يترجم عن نظرته ~~الطبيعية إلى الحياة والموت بأبلغ من هذين الرمزين. # لقد أوصى جيتي بالتسليم ونكران النفس، ولكن أي تسليم وأي نكران؟ فأما التسليم فهو الرضى ~~بالحاضر لكي تتملاه إذ كان السخط عليه حائلا بينك وبين تمليك إياه، وأما النكران فهو ~~ترك القليل في سبيل الكثير، وليس هو التعويل على ترك هذا وذاك، فخذ الحاضر كما يجيء إليك ~~ولا تأس على الماضي: «فليس في هذه الدنيا ماض يؤسف عليه وإنما كل ما فيها جديد دائم»، ولا ~~جدوى تعود علينا من وراء الحزن على ما يزول، «فإنما نحن هنا لنصبغ الزائل بصبغة الدوام، ولا ~~يتاح لنا ذلك إلا بتقدير الزائل والدائم على السواء »، وفي ms74 آية من آياته الشعرية الخالدة ~~يقول: «كيف تراك تجدد لنفسك بلا وناء؟ إنك مستطيع ذلك، مستطيعه بأن تجعل لنفسك نصيبا من ~~السرور بالعظمة، فإن كل عظيم لا يزال أبدا جديدا حارا مملوءا بالحياة، وفي الحقير ~~ترتعد أوصال الرجل الحقير.» فالعظمة في الإنسان وفي الطبيعة هي الخلود أو الحياة التي لا ~~تني تتجدد، وعلى الإنسان أن يكون كالطبيعة وليس عليه أن يخلق مذاهب الأخلاق من الهواء، أو ~~كما قال: «إن جميع المثل العليا لن تعوقني أن أكون ما خلقت، أي أن أكون طيبا ورديئا كهذه ~~الطبيعة.» فإذا حدثه أحد عن الضمير صاح به: «وما الضمير؟ وما الذي يتقاضانا إياه؟» وليس ~~معنى هذا رفض الضمير والزراية به، وإنما معناه أننا نحن قوام الضمير بما نختار، ولسنا أسارى ~~الضمير على الكره والاضطرار. ~~••• # وبعد فقد يكون من اللغو أن نسهب في شرح آراء جيتي السياسية وموقفه من مبادئ الثورة ~~الفرنسية التي حضر عهدها، فإن تلك الآراء واضحة كل الوضوح فيما تقدم فلن تكون فيها مخالفة ~~لما فطر عليه من السكينة والعزلة الفردية وفتور العاطفة بينه وبين من حوله، ولكننا ننقل هنا ~~فلسفته العلمية عن النظام الذي يراه في سنن الطبيعة؛ فهو يقول في كتابه عن علم تركيب ~~الأجسام الحية إنه: «كلما نقص تركيب البنية عظم التشابه بين أجزائها وعظم التشابه بين كل ~~جزء وبين مجموعها، وكلما كملت البنية عظم الخلاف بين الأجزاء؛ ففي الحالة الأولى تكون ~~الأجزاء تكريرا متفاوتا للمجموع، وفي الحالة الثانية تختلف الأجزاء عن المجموع كل ~~الاختلاف. # كذلك كلما تشابهت الأجزاء قل خضوع كل منها للآخر، فخضوع الأجزاء ينبئ عن مرتبة عالية في ~~التكوين». # مقبرة الأمراء حيث دفن جيتي. # هذه فلسفة علمية يصح أن تنقل إلى الفلسفة السياسية، وهي صحيحة كل الصحة في العلم وفي ~~السياسة، ولكنها تؤيد آراء الأحرار ولا تؤيد آراء المحافظين، فهي تستلزم أن تخضع جميعها ~~لجزء واحد أو أجزاء قليلة، ثم هي تشير إلى حالة الصحة في تركيب الجسم حيث تتضامن أعضاؤه ~~كلها في التعاون والتساند، ولا تشير ms75 إلى حالة المرض التي يختل فيها تركيب البنية فيزيد الدم ~~في ناحية وينقص في ناحية أخرى. # كان جيتي يعارض مبادئ الثورة الفرنسية ولكنه كان يرى أن الثورات من خطأ الحكومات، وأن ~~أحسن الحكومات هي التي تعلمنا أن نحكم أنفسنا، وقد حذف صيحات الحرية من طبعات رواية «جوبتر» ~~الأخيرة، وكان يتساءل: «ما فائدة الحرية الزائدة إذا كنا لا نستطيع أن ننتفع بها!» ولو أنه ~~حرم الحرية يوما لما خطر له أن يسأل هذا السؤال. # وقد توسع جيتي في ختام «رحلات ولهلم ميستر» في الكلام عن الحكومات والأوطان وحقوق الإنسان ~~في بلده وغيره بلده، فنصح بالرحلة والتنقل إلى حيث يفيد الإنسان؛ فقد يكون في بلده عاطلا ~~متبطلا ولا يظهر عليه ذلك لساعته. أما في الغربة فالرجل الذي لا نفع فيه لا يلبث أن ينكشف، ~~وقال: «ولقد طالما قيل إنه حيثما رضيت فهناك وطني، وأولى أن يقال: بل حيثما أفدت فهناك ~~الوطن.» ثم قال: «على هذه الصفة نستطيع أن نحسب أنفسنا أعضاء في جامعة واحدة هي العالم ~~بأسره، وهي فكرة بسيطة جليلة سهل على الإنسان تحقيقها بالفهم والاقتدار، فالاتحاد قوة كبرى؛ ~~فلا انقسام إذن ولا خصومة بيننا، وليتعود كل منا أن يرى نفسه بغير صلة دائمة تقيده بمكانه، ~~ولينشد الدوام في نفسه لا فيما حوله، فهنالك هو واجد واجبه وهنالك فلينعم به وليزده، وكل من ~~وقف نفسه لألزم الحاجات وأقربها فهو متقدم في طريقه على ثقة في جميع الأحوال، أما الذين ~~ينشدون الأرفع والأكمل فيفتقرون إلى حكمة أعظم وأقدر حتى في اختيار الطريق، أيا كان المرء ~~عاملا أو محاولا فليعلم أنه لا يكفي نفسه ولا يستغني عن الجماعة.» ثم قال: «علينا واجبان ~~أخذنا أنفسنا بالتزامهما أشد الالتزام، فأولهما أن نوقر كل عبادة دينية فإن جميع العبادات ~~تلتقي على اختلافها في العقيدة، وثانيهما أن نوقر كذلك الحكومات على جميع أشكالها، ومتى ~~كانت كل حكومة تهدي إلى العمل المدبر وتقوم على تشجيعه فعلينا أن نعمل وفاق ما تفرضه السلطة ~~المقررة وترومه، أينما قسم لنا أن ms76 نكون.» # وليس في هذه النصائح جميعها نصيحة واحدة لا توافق طبيعة جتيى في صميها، فهو عالمي كأنه ~~فردي، وليس كل عالمي فرديا على هذا المثال. ~~••• # لقد عرفت البارونة «فون شتين» صاحبها حقا حين سمته باسم «اللاما» كاهن التبت الأكبر ~~العاكف على رأس جبله في نجوة عن العالمين؛ فقد عاش جيتي في صومعة من نفسه وعاش كاللاما في ~~سكينته وبعده، غير أننا حريون أن ننبه في ختام هذه الكلمة إلى خطأ قد يقع فيه المتعجل فيضل ~~في فهم هذه العبقرية أشد ضلال. فلنقل ما نقول في «راحة» جيتي ولا ننس أبدا أنها هي راحة ~~الذهن الكبير وليست براحة الذهن الصغير، وأن الزرافة لتقف في مكانها لا تبرحه ثم ترفع رأسها ~~فتنال ذؤابة الشجر التي لا تنالها النملة إلا بعد ساعات تستهدف فيها للأخطار والمشقات، فإذا ~~بدا للنملة أن تتهم الزرافة بالبطء وقلة الحركة فتفعل، ولكنها لا تصفها حينئذ أصدق الصفات. # | تقدير جيتي # قدر جيتي في حياته وبعد مماته، واتفق له التقدير في منزلته الحكومية وفي مؤلفاته وفي ~~منزلته الأدبية؛ فارتقى إلى أرفع المناصب في إمارة «فيمار» وأنعم عليه الإمبراطور بلقب ~~النبالة وهو تنويه غير قليل في بلاد الألمان في ذلك الزمان، وبيعت مؤلفاته للناشرين بأثمان ~~لم يعهد لها نظير في غير كتب فولتير، وسعت إليه وفود الأدباء من الأقطار الأوروبية تكبره ~~وتحييه، وتسنم ذروة الشهرة العالمية في عصر ندر فيه الأدباء العالميون. # ولما مات دفن إلى جانب صديقه شيلر في مقبرة الأمراء وأقيمت له التماثيل وحفظت آثاره في ~~داره، وتنافس جرمان النمسا وجرمان ألمانيا في تخليد ذكره وشرح مؤلفاته وتدوين الكبير ~~والصغير من أخباره. # واليوم يحتفل الجرمان بذكرى وفاته فتشترك الحكومة والشعب في تقديس هذه الذكرى وتتحد ~~الأحزاب في هذا الغرض على اختلاف أغراضها. وتشتغل الصحف بحديثه حتى التي لا علاقة لها ~~بالشعر والأدب، فصحف الأسنان تكتب عن أسنان جيتي! وصحف السباق تكتب عن جيتي وركوب الخيل! ~~وصحف الأزياء تكتب عن ملابس جيتي وأزياء عصره. # وقبل ثلاث سنوات احتفل الألمان كذلك ms77 بذكرى مرور قرن كامل على تمثيل رواية فوست للمرة ~~الأولى، وقبل ثلاث عشرة سنة احتفلوا إلى جانب رفاته بإنشاء دستورهم الجديد، وفي سنة 1849 ~~احتفلوا بمرور قرن كامل على ميلاده، وهذا غير الاحتفالات المتفرقة التي يحييها أنصار أدبه ~~ودارسوه، وغير الكتب والتراجم والشروح والتعليقات التي تعد بالمئات. # وقد اشتركت أمم أوروبا في الاحتفال بالذكرى الأخيرة فتوافد مندوبو الدول إلى فيمار وخطب ~~الخطباء في الجامعات وصدرت مجلات كثيرة في فرنسا وإيطاليا وممالك الشمال ليس فيها من الغلاف ~~إلى الغلاف إلا الكلام عنه وعن تراجمه وآرائه وآثاره، ولا تزال الصحف الأوروبية تكتب ~~وتستكتب عنه ما يكفي لتأليف مكتبة كبيرة، بل لقد شوهد بين الأكاليل التي وضعت عند قبره ~~إكليل من الرأس طفري مكتوب عليه: «إلى الشاعر العظيم.» ويلي ذلك هذا التوقيع البسيط: ~~«الحبشة». # تمثال جيتي وشيلر في فيمار. # ذلك تقدير لم يظفر به من الأدباء إلا أفراد معدودون، ومع هذا لا نريد أن نعلق قيمة جيتي ~~ولا غيره على أمثال هذه الاحتفالات، فكثيرا ما يظفر الأدباء الصغار بأمثالها في الحياة ~~وبعد الممات، وكثيرا ما تراد بها نوافل الأديب وحواشيه دون جواهره وحقائقه. واحتفالات جيتي ~~في الواقع من هذا القبيل لا فرق بين ما جرى منها في ألمانيا وما جرى في البلاد الأجنبية، ~~فكلها قد تعزى إلى أسباب غير أسباب الأدب المحض والثقافة الخالصة، والإلمام بهذه الأسباب ~~مفيد للتمييز بين تقدير الحقيقة وتقدير الظواهر والمناسبات. # فاحسب قبل كل شيء حساب المنصب الكبير والعمر الطويل، فإن المنصب الكبير قد سوغ للناس ~~منه ما لا يسيغونه من سواه، والعمر الطويل قد ثبت قدميه في الميدان وأتاح له الوقت لاستدراك ~~نقصه وتكثير مؤلفاته وإبراز مناقبه، ولو مات في سن الشباب لذهبت آفة التفكك والاقتضاب ~~بقليل ما كتب، لأنه أشتات لم يعرف الناس قيمتها إلا بالإضافة إلى ما بعدها. # واحسب حساب المصادفة والاتفاق بين الزمن الذي علا فيه نجمه والزمن الذي علا فيه نجم الأمم ~~الجرمانية وتهيأت فيه بواعث الوحدة السياسية والاعتزاز بالقومية، فنظر الألمان في ذلك ms78 ~~الزمن إلى علم أدبي يأوون إليه فلم يجدوا أمامهم غير شاعرهم الكبير لرسوخ قدمه واشتهاره في ~~غير وطنه، فأصبح التشيع له عصبية وطنية على قلة إعداد جيتي في حياته بتلك العصبية. # واحسب حساب المآرب السياسية في «دستور فيمار» وذكرى فوست وهذه الذكرى الأخيرة التي ~~يحتفلون بها اليوم، فكأنما أراد الألمان أن يذكروا العالم بديونهم الأدبية عليه في الوقت ~~الذي أرهقتهم فيه ديون الحرب وحاولت السياسة أن تقطع ما بينهم وبين الشعوب، ومتى ذكرت شعوب ~~العالم أن الألمان هم أمة جيتي وشيلر وهيني ولسنغ وبيتهوفن وأقطاب الأدب والفن والثقافة ففي ~~ذلك إنصاف لهم يتعذر معه الإرهاق والإعنات. # أما الأمم الأجنبية فما ظنك بها لو كان جيتي قد ناضلها في سبيل العصبية الألمانية كما ~~ناضلها بعض الألمان الغيورين؟ لقد كان تقديرها إياه يختلف لا محالة بعض الاختلاف. # فضمور العصبية الألمانية في كتب جيتي كان أحد الأسباب التي قربت بينه وبين الفرنسيين ~~والطليان والإنجليز، كما قربت بينه وبين الاشتراكيين في الأمم الجرمانية والأجنبية على ~~السواء، ويضاف إلى ذلك إعجابه بثقافة الفرنسيين واعترافه بفضلهم وكثرة مؤلفاتهم في مكتبته ~~المحفوظة إلى يومنا هذا وتورعه عن خصومتهم حتى في إبان الحرب بين بلاده وبلادهم، ثم يضاف ~~إليه التغني بإيطاليا وفتنة آثارها وجمال مناظرها والحنين إلى أدب الجنوب وإيثاره في بعض ~~نواحيه على أدب الشمال، ثم يضاف إليه تعظيم جيتي لشكسبير وثنائه على بيرون وستيرن وجولد سمث ~~وجمهرة الأدباء الإنجليز. # ولقد كان رائد جيتي في إنجلترا توماس كارليل وهو كاتب مر النفس كان يكره الدعوى ~~الفرنسية ويأبى عليها قيادة الفكر في القارة الأوروبية، فكان ينحي على فلاسفة فرنسا ~~وأدبائها وزعمائها ويضرب الأمثال بالألمان ويطنب في المقابلة بين هؤلاء وهؤلاء ليضع فردريك ~~بإزاء نابليون ويضع جيتي بإزاء فولتير ويضع عبقرية الألمان بإزاء عبقرية الفرنسيين. # وكانت رائدة جيتي في فرنسا مدام «دي ستايل» وهي كاتبة نفيت من بلدها ونقمت على ~~الأدباء خصومها، فكانت تضربهم بتفخيم مناقب الأدباء الألمان والإشادة بالأمة الألمانية على ~~الإجمال؛ فهذه النوافل جميعها قد أحاطت بشهرة ms79 جيتي فزادتها ولم تزد في قيمة عمله، ولو أنها ~~ذهبت عنه لنقصت شهرته ولم ينقص قدره في ميزان الأدب الصحيح. ~~••• # كذلك لا نحب أن نعلق قيمة جيتي على كلمة قالها نابليون وتهافت عليها المعجبون بالشاعر ~~كأنها شهادة الشهادات، ونعني بها قول نابليون لمن حوله بعد أن رأى الشاعر: «هاكم رجلا.» ~~فإن هذه الكلمة التي ألقى بها نابليون بعد جلسة واحدة لا تزيد على وسام يمنحه من يرضى عنه، ~~وكلنا يعلم شأن هذا الوسام في النقد والتمييز. # على أن حاضري الحديث وناقليه قد اختلفوا في مناسبة هذه الكلمة فجاءت في مذكراتهم على ~~روايات، ورواية جيتي نفسه لا تدل على شيء كبير، فهو يقول: إن نابليون نظر إليه مليا ثم ~~قال: «مسيو جيتي، إنك رجل!» ثم سأله: كم عمرك؟ فلما علم أنه في الستين قال: «إنك مدخر ~~العافية.» فكأن نابليون كان ينظر في كلمته إلى بنية الرجل لا إلى عبقريته. # وقد كان نابليون مضحكا في نقده لقصة فرتر التي زعم أنه قرأها سبع مرات، فإنه انتقد بعض ~~العبارات التي يظهر منها أن الطمع كان ممزوجا بالحب في حمل فرتر على الانتحار، وقال: «إن ~~هذا لا يوافق الطبيعة البشرية، وإنه يضعف في ذهن القارئ عقيدته في سلطان الحب على نفس ~~فرتر.» ثم سأل جيتي: لماذا كتبتها هكذا؟ # وقد قبل جيتي هذا الانتقاد، ولكن القارئ يرى بغير جهد أن الصواب كان في جانب الشاعر لا في ~~جانب نابليون، فإن المرء لا ينتحر لسبب واحد، وإنما تتضافر الأسباب وتتعاقب حتى تتجمع كلها ~~في السبب الأخير. # وما نظن أن نابليون عني بجيتي كما عنى بنفسه، فإنه كان يحثه على تأليف رواية عن يوليوس ~~قيصر يكون ظاهرها لقيصر وباطنها لنابليون، وقد علم أن أدباء فرنسا بين صغير لا يرضيه وكبير ~~لا يرضى عنه، فالتفت إلى أديب الألمان المشهور. # إنما يدل على جيتي فهم أثره لا ترديد ذكره، ويدل عليه أكثر من ذلك أن الذين يفهمونه ~~يكبرونه ولو خالفوه في الرأي وباينوه في المزاج؛ ففي طليعة خصومه وناقديه ms80 هنريك هيني ~~الشاعر المبدع الذي يضارعه في البلاغة وعذوبة الأناشيد ويفضله عليه الكثيرون في الظرف ~~وطرافة الموضوعات، فإنه بعد أن نقده وألم بمحاسنه ومآخذ الناقدين عليه عاد يقول: ~~«وبعد، فإن جيتي لهو عاهل آدابنا، فإذا صوبنا مبضع النقد إلى إنسان كهذا فيحسن بنا أن ~~نتقدم إليه بما ينبغي من التوفير، كذلك فعل الجلاد الذي عهدوا إليه أن يقطع رأس شارل الأول، ~~فإنه قبل أداء عمله ركع أمامه والتمس منه غفرانه.» # وإن كلمة من هيني في هذا الصدد لترجح بكل ما يقوله نابليون وكل ما تقوله ~~الاحتفالات. # بل يدل على أن جيتي تنبث أفكاره في ذهن كل مفكر حتى يكاد لا يكتب الكاتب في زماننا ~~هذا إلا وجيتي ماثل في خلده، وقد عمد بول هازار الأستاذ في كلية فرنسا إلى إحصاء حسن ~~الدلالة في هذا الباب، فانتقى بعض كتب المعاصرين التي لا علاقة لها بجيتي وتواليفه وراجعها ~~فظهر له أن ثمانية - من عشرة كتب - تستحضر أفكار جيتي وتشير إليها، وتلك دولة شاسعة في عالم ~~الثقافة لا تفتح إلا لأفذاذ الفاتحين. # وإنك لتعد بين المعجبين بجيتي عقولا وقرائح يفرق بينها ما يفرق بين القطبين النقيضين ~~في التفكير، فهناك كارليل وبيرون وأمرسون وماتيو أرنولد وتنيسون ومرديث، وهناك سان بيف ~~ورومان رولان وأندريه جيد وموروا، وهناك ماتسيني وجيوفاني جنتيل وبراندو مازريك ومرجكفسكي ~~وتاغور، وهناك ماركس وأنجيل ونتشه وهاوبتمان ولدفج وتوماس مان، وبين هؤلاء الإنجليزي ~~والأمريكي والفرنسي والروسي والهندي وأهل الشمال وأهل الجنوب، وبينهم المتصوف والمتطرف ~~وعاشق المثل الأعلى وطالب الواقع القريب، وبينهم الشاب والشيخ والقديم والحديث والشاعر ~~والفيلسوف، وكلهم يجد في جيتي بغية ويلمس فيه عظمة ويستريح منه إلى جانب ويأخذ منه بنصيب، ~~وتلك أيضا دولة في عالم الثقافة لا تفتح إلا لأفذاذ الفاتحين. # هذا هو التقدير، وهذه هي العظمة، وهذا هو الخلود. # | مختارات متفرقة # الحكماء والشعب # في هذه القطعة تمثيل صحيح لطريقة جيتي في التسليم وتبسيط الحقائق الكبرى بردها إلى ~~المحسوسات القريبة واجتناب المعضلات من أهون سبيل مع شيء من السخر والسكينة، وفي ms81 القطعة ~~صدق حكاية لأساليب الحكماء الأقدمين في ردودهم المبهمة على المسائل العويصة، ولهذا ~~اخترناها من بين «لواذعه». # أبيمنيدس ~~: # هلم يا إخوان، نجتمع في الغاب، فهذا الشعب مقبل، يتوافد من الشمال والجنوب ~~ومن الشرق والغرب، يبغي العلم في غير كلفة فأعدوا له القوارع الشداد! # الشعب ~~: # أي هؤلاء الحالمون الذاهبون في الخيال! حدثونا اليوم حديثا مبينا من غير ~~لبس ولا محال، قولوا، أهذا الوجود قديم؟ # أنا كساجورس ~~: # ذاك أكبر ظني، فإنها لتكونن خسارة على الزمن الذي غبر قبل وجوده. # الشعب ~~: # وهل هو مستهدف للبوار؟ # أنا كيمينس ~~: # ربما، ولكن ليس في ذلك كبير بأس فيما أرى، فما دام الله فلا بد من ~~عالم. # الشعب ~~: # وما هو الأبد؟ # بارمينيدس ~~: # فيم تكدون القريحة؟ ثوبوا إلى أنفسكم، فإن لم تأنسوا الأبد في ضمائركم وفي ~~جوارحكم، فما يجدي عليكم قول قائل؟ # الشعب ~~: # أين نفكر، وكيف نفكر؟ # ديوجينيس الكلبي ~~: # يا سوء هذا العواء! إن المفكر ليفكر من فرعه إلى قدمه، وكما يومض البرق كذلك ~~ينكشف للمفكر كنه الأشياء ماذا هي، وكيف هي، وكل ما فيها. # الشعب ~~: # أصحيح أن روحا يسكن فينا؟ # ممنرمس ~~: # سل عن ذلك أضيافك، فخليق أن ترى أن هذا الجوهر اللطيف الصافي الذي يسعد ذاته ~~ويسعد الآخرين، لهو الذي أدعوه بالروح. # الشعب ~~: # وفي الليل هل يهبط عليه الكرى؟ # برياندرس ~~: # هو لا ينفصل عنك، فكن عند شأنك أيها الجسد، فإذا عنيت بذاتك استفاد الروح ~~راحة تنعشه وتجدي عليه. # الشعب ~~: # وما هذا الذي يقال عنه الوجدان؟ # كليو بيليس ~~: # الذي يقال عنه الوجدان يجيب ولا يسأل! # الشعب ~~: # فسروا لنا سر السعادة؟ # كراتيس ~~: # انظر إلى الطفل العاري، إنه لا يرتاب في شيء! إنه ينطلق وفي يده درهم واحد ~~ويعرف أين يقع على مستودع القرص: على حانوت الخباز. # الشعب ~~: # قولوا، ما الدليل على خلود النفس؟ # أريستيبس ~~: # نسج الحياة الصحيح، فإنه لينسجه الحي المحيي، فإذا اختلف خيطه أو التوى فالله ~~بتخليصه أحرى. # الشعب ~~: # أيهما خير للمرء العقل أو الجنون؟ # ديموكرتس ~~: # حسبما تفهم من العقل والجنون، أما إذا ادعى المجنون العقل فليس ما ms82 يمنع ~~الحكيم أن يرده عن ضلاله! # الشعب ~~: # هل السلطان للمصادفة والوهم دون سواهما؟ # أبيقور ~~: # أنا عن قديم شيمتي لا أريم، فاغتصب المصادفة وقر عينا بالوهم؛ فإنك واجد ~~فائدة ولذة في كلا الاثنين. # الشعب ~~: # أغرور وباطل أن نزعم أننا مخيرون؟ # زينون ~~: # دونك التجربة فليس مثلها شيء، اجمع عزمك فإذا أنت غلبت على أمرك فليس في ذلك ~~كبير دلالة! # الشعب ~~: # وهل أنا نزوع إلى الشر بالفطرة؟ # بيلاجس ~~: # قد نسامحك ونغضي عنك، بيد أنك قد خرجت من بطن أمك بنصيب مرهق، ألا وهو العي ~~والبلاهة في السؤال! # الشعب ~~: # أترونني مطبوعا على طلب الكمال؟ # أفلاطون ~~: # لو لم يكن طلب الكمال أمنية العالم وهجيراه لما بحثت وسألت. فلتعمل قبل كل ~~شيء على أن تحيا مع نفسك، فإنك إن لم تظفر بفهمها فأولى بك ألا تعنت ~~الآخرين. # الشعب ~~: # مهما يكن فالسائد هو الأنانية والمال. # أبيكتيتس ~~: # خل لهما الغنيمة، ولا تنفس على الكون ألاعيبه التي يحركها في دست ~~لعبه! # الشعب ~~: # وبعد، فخبرونا قبل أن نفترق فراق الأبد عما ينبغي أن نرضاه. # الحكماء ~~: # أول نواميس الكون اجتناب ذوي اللجاجة الملحفين. # في حديقة مارتا ... الله # مارغريت ~~: # فأنت إذن غير مؤمن بالله. # فوست ~~: # لا تخطئي فهم ما أقول أيتها الحبيبة، فمن ذا يجرؤ على تعريفه وحصره، ثم ~~يزعم أنه به مؤمن؟! ومن ذا يجرؤ على الشعور به، ثم ينكر الإيمان؟ ذلك ~~المحيط بكل شيء، الحافظ لكل شيء، أليس هو المستوعب الحافظ لك، ولي، ولذاته ~~العلية؟ أولا ترين إلى السماء كيف رفعت؟ وإلى الأرض كيف بسطت؟ ~~أليست هذي النيرات الخوالد السوابح في الفضاء يرمقننا بلحاظ وامقة؟ أما ~~يرنو طرفي إلى طرفك؟ ألا يهفو كل شيء إليك بمهجتي وفكري؟ وهذا الجاذب أليس ~~هو لغز الأبد، باديا كان أو خفيا؟ بهذا على فرط غموضه املئي فؤادك، فإذا ~~ذقت السعادة في هذا الشعور، فادعيه بما شئت من الأسماء، ادعيه السعادة! أو ~~القلب! أو الحب! أو الله! أما أنا فليس عندي له اسم، فالشعور هو كل شيء، ~~وليس الاسم إلا لغطا ودخانا يحجب عنا لألاء ms83 السموات. # فوست # مناجاة فوست # أيتها الفلسفة والشريعة والطب جميعا! وأنت أيها الفقه الأسيف، واحسرتاه! لقد تعمقت ~~في درسك أيتها العلوم دائبا صبورا، ثم هأنذا الآن - أنا المفتون المسكين - ما برحت من ~~المعرفة حيث كنت في البداية. # صحيح أني ألقب بالأستاذ والعالم الجهبذ، وأنني قضيت عشرة أعوام كاملة أدور بتلاميذي ~~أسحبهم من أنوفهم يمنة ويسرة ذاهبا بهم كل مذهب، ولكننا هاهنا بعد كل هذا نرى أننا ~~عاجزون عن إدراك أمر من الأمور ... إن هذا ليلهب دمي! وإن كنت في الحقيقة أوسع علما من ~~سائر الحمقى والجهابذة والأساتذة والفقهاء والرهبان. # لقد أصبحت لا تنازعني وساوس ولا شكوك، ولا يروعني ذكر الشيطان ولا الجحيم، ولكنني ~~كذلك حرمت بهجة السرور، ولا أحسبني تعلمت في الواقع شيئا نافعا أو أستطيع تعليم ~~الأنام شيئا فيه صلاح لهم وهداية. # لقد خلا وفاضي، فلا مال عندي ولا نشب ولا جاه ولا سلطان في العالمين. إن الكلب ~~ليعاف عيشا بهذه التكاليف. # ليس لي بعد اليوم ملتجأ إلى غير السحر، فآه لو أن لي قوة «الروح» وسر «الكلمة» ~~يكشفان لي ما أجهل من الأسرار، وآه لو أنني أغدو غير مكره على أن أهرف بما لا أعرف، ~~ولو أنني أدرك كل ما يشتمل عليه الكون، وأرى - من وراء الألفاظ الجوفاء - ما يكنه من ~~القوة الخفية والبذور الأزلية! # أيها البدر المنير الساجي، ألا كانت هذه آخر نظرة ترسلها على لوعتي وبرحائي! لكم سهدت ~~الليالي على مكتبي هذا، وكنت دائما - أيها الصديق الساهم - تطلع علي بين ركام ~~الأسفار والطروس. # آه من لي - في سناك الحلو - بأن أتسنم إلى ذرى الأطواد، وأجوس الكهوف والغيران مع ~~الأرواح، وأرقص فوق المروج الشاحبة، وأتطهر بفيض ضيائك الرطيب. # أواه! لا زلت رهن الضنى في غيابة هذا المحبس! وتعسا له من جحر مظلم لا يتطرق إليه ~~من نور السماء المحبوب إلا لمحة من خلال هذا الزجاج ذي الألوان، يكظه حتى عنان السقف ~~ركام من الأسفار المغبرة المأروضة وأكداس من الأوراق، وتملأ أرجاءه الأنابيب والقناني ~~والصناديق وشتى الأدوات، وناهيك بسقط ms84 المتاع مما أورثنيه الأجداد! وهاك دنياك! وعن هذه ~~يقال إنها دنيا! # وبعد هذا كله تتساءل فيم ينقبض فؤادك بين جنبيك جزعا، وما بال شواعرك وخوالج حياتك ~~يرين عليها غم دفين؟ تتساءل عن ذلك! وتستعيض من الطبيعة الحية التي خلقك الخالق في ~~أحضانها أن تبيت وسط الدخان والوخم وتجاليد الحيوان وعظام الموتى. # النجاء النجاء! وانطلق في وسيع الفضاء! وحسبك هاديا كتاب العلامة «نوستراداموس» ~~الحافل بالأسرار، فإنك لتطلع به على دورة الأفلاك، فإذا تولت الطبيعة حينذاك تلقينك ~~فإنها تعاطيك قوة نفسية معاطاة الروح للروح، وهيهات أن ندرك بالحس الغليظ العقيم هذه ~~الطلاسم القدسية... # أيتها الأرواح السابحة حولي، أجيبي إن كنت لي سامعة! # فوست # القطعة الأولى # أيتها الحجارة، حدثيني! أيتها الصروح الباذخة أجيبي، أيتها الطرق، انطقي بكلمة واحدة! ~~ألا تستيقظين أيتها العبقرية؟ بلى، كل شيء حي في أسوارك القدسية يا روما الخالدة، إلا ~~في ناظري وعند خاطري، فما برح الصمت على كل شيء مخيما. # ألا من يوسوس لي في أية نافذة أنا ناظر في يوم من الأيام إلى الطلعة الحلوة التي ~~ستحيي لي كل شيء وهي تفنيني؟ أليس لي أن أهتدي إلى السبيل الذي يدرج فيه وقتي النفيس ~~ذهابا إليها وإيابا من عندها؟ # لم أر حتى اليوم إلا بيعا وصروحا، وأطلالا وعمدا، كالسائح الحازم الحريص على ~~الفائدة من رحلته، ولكن سرعان ما أودع كل هذا! فلا يبقى غير هيكل واحد، هيكل الحب، ~~يقبل عليه العارف بأسراره. # أنت يا روما عالم! ولكن العالم بغير الحب لا يكون عالما، وروما لا تكون روما. # أشجان رومانية # المقطوعة الخامسة (بعد أن استحدث الشاعر علاقة غرامية) # على أرض الآثار تستخفني حماسة قدسية، وتحدثني العصور الخوالي والعصور الحواضر باللحن ~~الجهير فتؤنسني. هنا أطالع فكر الأقدمين، وأقلب بيد الخشوع صفحات أعمالهم فتستجد لي ~~متعة في كل نهار، أما الليل فيشغلني فيه الحب بشواغل أخرى، فإذا بات حظي من العلم نصفه ~~فلقد أصبت من السعادة ضعفيها. # وبعد أفليس من التعلم والدرس أن يتأمل البصر تكوير نهد كاعب، وأن تجري الكف على ms85 ~~استدارة خصر مبتل؟ إني لأفهم حينذاك ولا أفهم قبل ذاك ما الرخام، وما التماثيل، وإني ~~لأفكر وأقارن، وأرى بعين تحس، وأحس بكف ترى. # ولئن سلبتني الغانية سويعات من النهار فإنها تعوضني عنها ساعات في الليل، وليس الليل ~~كله بعناق! فإننا لنتحدث فيه الحديث الرصين، وتأخذها سنة من النوم فتنازعني ألف فكرة، ~~وأنظم بين ذارعيها، وأقسم بأصبعي الماجنة على ظهرها تفاعيل بحر من القريض. وهي في ~~منامها تتنفس فتضرمني أنفاسها حتى سويداء قلبي، والحب يتعهد أبدا مصباحه الوقاد، ويحلم ~~بالعهد الذي أدى فيه هذه الألطاف للأسبقين من الولاة الرومانيين. # أشجان رومانية # الهجرة # الشمال والغرب والجنوب أقطارها تتصدع، وعروشها تنثل، وممالكها تنهار، فاهجرها! وامض ~~إلى الشرق الطهور تستروح الطيب من الآباء الطيبين، ويرد عليك صباك بالحب والنشوة ~~والغناء حكيم المشرق القائم على عين الحياة. # هنالك بالطهر والإنصاف أنشد الرجعى إلى أصول بني آدم، إلى الأزمان التي كان فيها ~~الملأ يتلقون من الله كلمة الحق السماوية منزلة في اللغات الأرضية، لا يقدحون فكرا، لا ~~يكدون ذهنا، إلى تلك الأزمان التي كان فيها الملأ يبجلون السلف وينهون عن كل ~~دين غريب. # أريد التملي بهذه الطبائع الفطرية في عصور الفطرة: إيمان واسع وفكر ضيق لهما من الشأن ~~ما للكلمة، فإنها كلمة منزلة. # أريد معاشرة الرعاة، والترويح عن النفس في ظلال الواحة، أرتحل مع القوافل وأتجر في ~~«الشمل» والبن والمسك والطيب. # أريد أن أطرق كل سبيل من البادية إلى الحضر. # وسيان أصعدت في الوعوث أم هبطت في الوهود، فإن أغانيك يا «حافظ» تؤنسني أغانيك التي ~~يترنم بها المرشد على ظهر برذونه مأخوذا طربا، وكأنما يوقظ بها النجوم الوسنى، ويرهب ~~قطاع الطريق. # في حمامات الشرق وبين جدران الخان أريد أن أذكرك يا «حافظ» الملهم، وقد أماطت حبيبتي ~~لثامها وتضوع من غدائر شعرها عبير الند والعنبر. أجل، ما أحرى بث الشاعر أن يبعث ~~العشق حتى في قلب حورية من حور الجنان! # وإذا كنتم تنقمون عليه ذلك أدنى نقمة، فاعلموا أن كلمات الشاعر لا تفتأ تحوم حول جنة ~~الخلد ms86 طارقة أبوابها تطلب الخلود. # الديوان الشرقي # الحرية # دعوني أنطلق على صهوة جوادي السابح، وابقوا أنتم في عقر مدركم وتحت خيامكم، إني ~~لأركض جذلان في الفضاء الشاسع، ليس فوق عمامتي غير الكواكب. # وما جعلت الكواكب هدى لكم في البر والبحر إلا لتكون السماء أبد الدهر قبلة أنظاركم ~~أجمعين. # الديوان الشرقي # حنين السعداء # لا تبح بقولي إلا لعاقل حكيم، فإن سواد الناس على الهزء مطبوعون، أقول نعم الحي ~~من يشتهي المنية في اللهب. # في ليالي الحب الندية التي أنت فيها تتلقى الحياة وتبذل الحياة، تستحوذ عليك عاطفة ~~غريبة إذا ما أنار القبس في سكون، يستدرجك شوق جديد إلى قران أسنى وأعلى، فلا يقعدك ~~بعد المدى، وتخف مبادرا مفتونا. فإذا أنت يا صنو الفراشة من ولعك بالنور ذائب ~~محترق! # مت والبس لبوسا جديدا! فإنك - ما جهلت هذا - لعلى ظهر الأرض المظلمة ضيف حزين. # الديوان الشرقي # اللقاء # أصحيح هذا! أأضمك يا عروس الكواكب ثانية إلى صدري؟ أواه من ليل البعاد، يا له من ~~درك سحيق، ويا له من عذاب وجيع! # بلى! إنك لأنت هنا يا مبعث أفراحي ومعدنها ويا أحلي تتمة لوجودي وأغلاها، إنني لذكرى ~~آلام الماضي أرتجف بين يدي الحاضر. # قديما كان الكون جنينا في الهاوية السحيقة فأوحى الله بإرادة الخلق الأولى، ونادى: ~~«ليكن العالم!» فما هو إلا أن دوت آهة أليمة وإذا العالم ينتثر في تعدد الكائنات بجهد ~~مقتدر شديد. # افتر النور، وانشقت عنه الظلمات فرقا، وإذا بالعناصر تتشعب أشتاتا وتتدابر، ~~وينطلق كل عنصر على عجل كما تنطلق الأحلام الشعواء، فينتحي بعيدا جاسيا في أرجاء ~~الفضاء السحيق، لا بغية له ولا انسجام فيه. # وكان كل شيء أخرس جديبا، وكان الله في خليقته فريدا وحيدا! فخلق الفجر، فإذا هو ~~يرق من الوحشة، ويبعث في هذه الغواشي أفانين الألوان المترقرقة، فتسنى إذ ذاك للحب أن ~~يؤلف ما تفرق شمله فإذا الذين خلقوا بعضهم لبعض يتقاربون متلهفين، وأقبل على ~~الحياة الخالدة النظر والشعور، وسيان الغصب والاختيار إذا صح التماسك والالتئام! # كذلك على أجنحة الفجر الأرجوانية ms87 درجت إلى شفتيك، وكذلك أرى الليل يطبع ألفتنا بآلاف ~~الأختام الذهبية من منتثر نجومه، فكلانا على وجه البسيطة مثال الفرح والألم، ولو تكررت ~~كلمة الآمر: «ليكن العالم!» لما فرقت بيننا بعد اليوم. # الديوان الشرقي # نشيد محمد أو فيض الإسلام # انظر إلى ينبوع الجبل جائشا صافيا، كأنما هو فوق السحب شعاع دري، وقد أرضعت ملائكة ~~الخير طفولته في مهده بين أفلاق الصخور المعشوشبة. # إنه ينحدر من السحابة فتيا نميرا على صلد الجلاميد، ويتنزى منها جذلان فرحا إلى ~~العلا. # إنه يسيل في وعر الأخاديد، يجرف أمامه مجزعة الحصباء التي لا تحصى ويسحب في إثر ~~أقدامه العجلى أخوة من العيون الثرارة، كأنه المرشد الأمين. # وثمة في الوادي تنجم الرياحين عند قدميه، وتحيا المروج من أنفاسه، فلا يثنيه الوادي ~~الظليل ولا الرياحين التي تطوق ساقيه وتحاول أن تسبيه بلحاظها الفواتن، بل هو يصمد في ~~تدفعه متسلسلا متعرجا إلى فضاء السهوب. # وتبادر إليه الجداول ترفده، فيدخل السهل لامعا كاللجين، فيتلألأ السهل بلألائه، ~~وتطفر طربا أنهار الوهاد وجداول النجاد، وتهيب به: «يا أخي، خذ معك إخوتك، وامض بها ~~إلى أبيك الشيخ، إلى البحر المحيط الأزلي، الذي يترقبنا باسطا ذراعيه، وا أسفا! لطالما ~~بسط ذراعيه بلا جدوى ليضم إليه بنيه الأنضاء، ونحن في البيداء الجدباء تبتلعنا الرمال ~~المحرقة، والشمس في كبد السماء تشفي الغليل من دمائنا، ولا يستوقفنا غير كثيب نستحيل ~~عنده إلى غدير! يا أخي، خذ معك إخوتك بالوهاد وإخوتك بالنجاد، وامض بهم إلى أبيك! ~~تعالوا جميعا!» # وها هو العباب طاما زاخرا ترفده الروافد ويخلع في مجراه على الأمصار أسماءها، ~~وتنشأ عند أقدامه المدائن، بيد أنه لا يني هادرا يتدفع، لا يثنيه أبدا ثان، مخلفا ~~وراءه المنائر والصروح: بدائع خصبه وإنتاجه. # وإنه ليقل فوق مناكبه الجبارة منشآت السفن، تخفق الألوف من قلوعها فوق رأسه وتهفو ~~مشرعة نحو السماء، شاهدة على قدرته وجلاله. # وهكذا يمضي بإخوته وكنوزه وبنيه نحو أبيه الذي ينتظره ويتلقاهم إلى صدره وهو يعج من ~~الفرح. # مقطوعة # الجزء الأول # رسالة في 10 مايو # نفسي ms88 يغمرها صفاء بديع يوائم ما لأسحار الربيع الحلوة من صفاء تلتذه كل جوارحي، ~~وأنا هنا وحيد، مستسلم لبهجة الحياة في هذا البلد الذي يوافق هوى كل نفس كنفسي، ~~وإني يا صاح! هانئ جد الهناءة، مستغرق في دعة الإحساس بوجودي، حتى جار ذلك على فني، ~~فهيهات لي الآن أن أرسم خطا واحدا وإن كنت لا أحسبني في يوم من الأيام كنت ~~رساما أعظم مني اليوم. فكلما تصاعدت حولي هبوات البخار من ذلك الوادي الحبيب، ~~وكلما طرحت شمس الضحى على حلك غابتي الطخياء أشعتها فلم يسنح لغير النزر القليل ~~منها التسرب إلى قرار هذا المحراب، وكلما افترشت العشب النامي عند منحدر أمواه ~~الجدول فانكشف لي لصق أديم التربة العدد العديد من شتى ضروب النبات الصغيرة، وكلما ~~أحسست بجوار قلبي ذلك العالم الصغير يتحرك ويموج في حشده وينطوي تحت وريقة من أوراق ~~الكلأ على تلك الحشرات والهوام الجمة الأشكال التي تحير الناظر بتنوع أفانينها، ~~أحسست شهود «العزيز المقتدر» الذي برأنا على صورته، وشعرت بذلك الذي وسعت محبته كل ~~شيء يمدنا بروحه ويسبح بنا في نعيم مقيم ... إذ ذاك - يا صاح - يغشى ناظري ويستقر ~~العالم المحيط بي والسماء جميعا في قرارة نفسي كما تنطبع في النفس صورة المحبوبة، ~~ورب شوق لاعج ينازعني فأقول في سريرتي: «آه، ليتك تستطيع الترجمة عن كل ذلك! ~~ليتك تستطيع أن تنفث في الطرس وتثبت عليه ما هو حي ماثل في وجدانك بهذه الحرارة ~~كلها وهذا الامتلاء كله، إذن لأصبحت تلك الصورة مرآة نفسك كما أن نفسك مرآة الله»! ~~ولكن هذا الهيام - يا صاح - يضعضع حواسي، فأنوء به طليحا عاجزا من سطوة هذه ~~المشاهد الرائعة. # فرتر # رسالة في 13 يولية # كلا، لست واهما! إني أطالع في عينيها الدعجاوين حسن التفات نحوي واهتماما ~~حفيا بي وبمصيري. أجل، بل أحس - ويحق لي أن أصدق ما يهجس به قلبي - أنها ... وهل ~~أجرؤ ... هل أستطيع أن أفوه بهذه الكلمة التي تحمل في ثناياها جنة الخلد؟ أحس أنها ~~تحبني! # إنها تحبني! ولكم أصبحت من ذلك ms89 الحين عند نفسي حبيبا أثيرا، أوتدري مقدار ذلك؟ ~~يجدر بي أن أخبرك أنت فإنك خليق بفهمي ... شد ما أنا كلف بنفسي منذ أن ~~أحبتني! # أترى هذا وهما يخيل إلي؟ أم هو الإحساس بحقيقة حالي؟ إني لا أعرف رجلا أخشى ~~منه على المنزلة التي لي في قلب شرلوت، ومع هذا فحينما تتكلم عن خطيبها وتتكلم عنه ~~بكل تلك الحرارة والعاطفة، يقوم في نفسي أنني امرؤ خلعوه عن رفيع مقامه وسلبوه كل ~~رتبة سنية، وجردوه من حسامه! # فرتر # ملك العفاريت # من الراكب المدلج في غبش المساء تحت وابل المطر وعصف الريح؟ ذاك والد ووليده، وهو ~~يضمه ويدفئه ويحتضنه بين ذراعيه. ~~- بني، ما بالك تحجب وجهك؟ ~~- أبتاه ألا ترى ملك العفاريت، ملك العفاريت بإكليله وطيلسانه؟ ~~- بني! تلك سدفة من غسق المساء. ~~«أيها الطفل العزيز، هلم إلي، سنلهو معا بأجمل الألاعيب! هنالك حيث تزدان ضفافي ~~بالرياحين، وحيث أمي عندها كثير من الحلل الذهبية والشفوف!» ~~- أبتاه! أبتاه! عجبا! ألا تسمع ما يوسوس به ملك العفاريت؟ ~~- هدئ روعك! هدئ روعك يا بني، إنها الريح تهمس في ذابل الأوراق. ~~«ألا تريد أيها الطفل اللطيف، ألا تريد الذهاب معي؟ بناتي سوف يدللنك وأي تدليل، ~~بناتي يرقصن في جنح الظلام، بناتي سوف يغنين لك ويجلبن إلى جفنيك طيب النعاس.» ~~- أبتاه، أبتاه! عجبا! ألا ترى هنالك بنات ملك العفاريت؟ ~~- بني، بني، أرى جيدا، أرى أنها أشجار الصفصاف العتيقة تتخايل من بعيد. ~~«أنا أحبك، وطلعتك الحلوة تروقني، فإذا أبيت أخذتك غصبا.» ~~- أبتاه، أبتاه! ها هو ذا يمسكني، لشد ما آذاني ملك العفاريت! ارتعد الوالد، ودفع ~~جواده، وضم في ذراعيه ولده المختنق بالنشيج وبلغ داره بعد جهد جهيد، وإذا الطفل في ~~ذراعيه ميت. # أساطير # مختارات أخرى # يغلب ألا نتعلم فن التعبئة في الحياة إلا بعد انتهاء المعركة. # من كتاب الشعر والحقيقة # غاية الحياة هي الحياة نفسها. # من حديث مع ماير # أتريد تعرف كلمة الحياة الأخيرة؟ كن فرحا، فإن لم تستطع فكن قانعا. # أكزيني # لا تبلغ القمة إلا بدوران. # ولهلم ميستر # نحن نحسب ms90 الناس أخطر مما هم في الحقيقة، إن الأبله والكيس كلاهما لا خطر منه، ~~وإنما أشد الناس خطرا نصف العاقل ونصف المجنون. # كلمات # يقال إن الرجل لا يكون بطلا في عين خادمه، وإنما سبب ذلك أن البطل لا يعرفه إلا ~~بطل، أما الخادم فلا يعرف إلا من هم على مثاله. # كلمات # كان كل شيء قبل الثورة «الفرنسية» جهدا فأصبح بعدها مأربا. # كلمات # من أصدق الأشياء وأعجبها أن ينجم الخطأ والصواب من ينبوع واحد، ولهذا كان من سوء ~~الرأي في بعض الأحيان أن يقسى على الخطأ، لأن القسوة عليه تصيب الصواب. # حكم وأمثال # يندر أن نرضي أنفسنا، فليكن أكبر عزائنا أن نرضي الآخرين. # كلمات # المدرسة الفكرية أشبه شيء برجل يكلم نفسه مائة سنة ويفرط في الفرح بنفسه كائنا ~~ما كان حظها من السخف والحماقة. # كلمات # إذا جاز أن يزدرى الفن لأنه محاكاة للطبيعة ففي الوسع أن يقال كذلك إن الطبيعة ~~لا تخلو من المحاكاة، وإن الفن لا يحكي ما يرى بالعين تمام الحكاية وإنما يرجع إلى ~~عنصر البصيرة الذي يقوم به تركيب الطبيعة وتعمل هي على أساسه. # كلمات # أظهر ما يبدو جلال الفن في الموسيقى؛ إذ ليس في الموسيقى مادة تصاغ وليس فيها إلا ~~شكل ومعنى، وهي تعلو بكل ما تعبر عنه. # كلمات # ميول الحس الخاطئة هي ضرب من النزعة «الواقعية» وهي أبدا خير من تلك الميول ~~الخاطئة التي تسمي نفسها بالأشواق «المثالية». # كلمات # الجمال مظهر لقوانين خفية في الطبيعة لولاه لما ظهرت. # كلمات # لو ضاع كل شيء من قبيل رواية هنري الرابع التي كتبها شكسبير لأمكن أن تستعاد فنون ~~الشعر والبيان جميعا من هذه الرواية الفريدة. # كلمات # لفكتور هيجو ملكات فائقة بغير جدال، وهو يجدد الشعر الفرنسي وينضره، ولكننا نخشى ~~أن يحيد أشياعه ومريدوه - إن لم يحد هو - عن الجادة التي أقدم عليها؛ إذ الأمة ~~الفرنسية أمة النقائض فهي لا تقف عند حد أو قياس، وهي بما منحت من قوى في النفوس ~~ونشاط في الأجسام خليقة أن تزحزح الأرض لو وجدت ms91 مكان الارتكاز ، ولكنها على ما يظهر ~~لا تبالي أن تعلم أن المرء إذا تصدى للأحمال الثقيلة فعليه أن يلتمس البيئة ~~والوسيلة، إن هذا الشعب لهو الوحيد بين شعوب العالم الذي يجمع في تاريخه نقائض ~~كمذبحة سان برتلمي ومذهب الحرية الفكرية، أو كاستبداد لويس الرابع عشر وعربدة جماعة ~~«العراة» # Sans Culottes ~~، أو كفتح موسكو وتسليم ~~باريس في نحو سنة واحدة؛ ومن ثم يحق لنا أن نخشى في عالم الأدب أيضا أن يتلو ~~استبداد «بوالو» خروج على جميع الأصول وفوضى بغير عنان. # حديث مع كزميان # الفرح والحب جناحان يرتفعان بنا إلى جلائل الأعمال. # إفيجيني ms92