######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.TafkirFaridaIslamiyya.Hindawi93849638 #META# Tags: philosophy #META# ID: 93849638 #META# Title: التفكير فريضة إسلامية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - فريضة التفكير في كتاب الإسلام‏ # 2 - الموانع والأعذار‏ # 3 - المنطق‏ # 4 - الفلسفة‏ # 5 - العلم‏ # 6 - الفن الجميل‏ # 7 - المعجزة‏ # 8 - أمام الأديان‏ # 9 - الاجتهاد في الدين‏ # 10 - التصوف‏ # 11 - المذاهب الاجتماعية والفكرية‏ # 12 - العرف والعادات‏ # خاتمة‏ # 1 - فريضة التفكير في كتاب الإسلام‏ # 2 - الموانع والأعذار‏ # 3 - المنطق‏ # 4 - الفلسفة‏ # 5 - العلم‏ # 6 - الفن الجميل‏ # 7 - المعجزة‏ # 8 - أمام الأديان‏ # 9 - الاجتهاد في الدين‏ # 10 - التصوف‏ # 11 - المذاهب الاجتماعية والفكرية‏ # 12 - العرف والعادات‏ # خاتمة‏ # | التفكير فريضة إسلامية # | التفكير فريضة إسلامية # تأليف # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | فريضة التفكير في كتاب الإسلام # من مزايا القرآن الكثيرة مزية واضحة، يقل فيها الخلاف بين المسلمين وغير ~~المسلمين؛ لأنها تثبت من تلاوة الآيات ثبوتا تؤيده أرقام الحساب، ودلالات ~~اللفظ اليسير، قبل الرجوع في تأييدها إلى المناقشات والمذاهب التي قد تختلف ~~فيها الآراء ... # وتلك المزية هي التنويه بالعقل، والتعويل عليه في أمر العقيدة، وأمر التبعة ~~والتكليف. # ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو مضمونة إلى العقل أو إلى التمييز، ولكنها ~~تأتي عرضا غير مقصودة، وقد يلمح فيها القارئ بعض الأحايين شيئا من الزراية ~~بالعقل أو التحذير منه؛ لأنه مزلة # 1 # العقائد، وباب من أبواب الدعوى والإنكار ... # ولكن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل ~~به، والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية؛ بل ~~هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض ~~من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها ~~المنكر على إهمال عقله، وقبول الحجر عليه. # ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون ~~من أصحاب العلوم الحديثة؛ بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها ~~وخصائصها، وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته، ~~فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع، # 2 # ولا في العقل المدرك، ولا في العقل الذي يناط به ms001 التأمل الصادق ~~والحكم الصحيح؛ بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني ~~من خاصة أو وظيفة، وهي كثيرة لا موجب لتفصيلها في هذا المقام المجمل؛ إذ هي ~~جميعا مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل المفكر الذي ~~يتولى الموازنة والحكم على المعاني والأشياء ... # فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي، أو المنع عن المحظور ~~والمنكر، ومن هنا كان اشتقاقه من مادة «عقل» التي يؤخذ منها العقال، وتكاد شهرة ~~العقل بهذه التسمية أن تتوارد في اللغات الإنسانية الكبرى التي يتكلم بها مئات ~~الملايين من البشر؛ فإن كلمة «مايند» # Mind ~~- ~~وما خرج من مادتها في اللغات الجرمانية - تفيد معنى الاحتراس والمبالاة، ~~وينادى بها على الغافل الذي يحتاج إلى التنبيه. # ونحسب أن اللغات في فروعها الأخرى لا تخلو من كلمة في معنى العقل لها دلالة على ~~الوازع أو على التنبيه والاحتراس ... # ومن خصائص العقل ملكة الإدراك التي يناط بها الفهم والتصور، وهي على كونها لازمة ~~لإدراك الوازع الأخلاقي، وإدراك أسبابه وعواقبه، تستقل أحيانا بإدراك الأمور ~~فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي، أو بالحسنات والسيئات ... # ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه، ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه ~~وأسراره، ويبني عليها نتائجه وأحكامه. وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة ~~«الحكم»، وتتصل بها ملكة الحكمة، وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة ~~الحكيم به إلى العلم بما يحسن وما يقبح، وما ينبغي له أن يطلبه، وما ينبغي له ~~أن يأباه ... # ومن أعلى خصائص العقل الإنساني «الرشد»، وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل ~~الرشيد، ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم؛ ~~لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج والتمام والتميز بميزة ~~الرشاد؛ حيث لا نقص ولا اختلال. وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك، وقد يؤتى ~~العقل الوازع من نقص في الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك ~~... # وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما ms002 احتواه من هذه ~~الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها؛ فهو يخاطب العقل الوازع، والعقل المدرك، ~~والعقل الحكيم، والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضا مقتضبا؛ بل يذكره مقصودا ~~مفصلا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان ... ~~••• # فمن خطابه إلى العقل عامة - ومنه ما ينطوي على العقل الوازع - قوله تعالى في سورة ~~البقرة: # إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء ~~من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر ~~بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون ~~. # ومنه في سورة المؤمنون: # وهو الذي يحيي ويميت ~~وله اختلاف الليل والنهار أفلا ~~تعقلون ~~. # ومنه في سورة الروم: # ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من ~~الأرض إذا أنتم تخرجون * وله من في ~~السماوات والأرض كل له قانتون * ~~وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم * ضرب ~~لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يعقلون ~~. # ومنه في سورة العنكبوت: # وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون ~~. # ومنه ما يخاطب العقل وينطوي على العقل الوازع كقوله تعالى في سورة الملك: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير ~~. # وفي سورة الأنعام: # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون ~~. # ومنه بعد بيان حق المطلقات في سورة البقرة: # كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تعقلون ~~. # ومنه في سورة يوسف: # وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون ~~. # ومنه في سورة الحشر بيانا لأسباب الشقاق والتدابر بين الأمم: ms003 # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون ~~. # وهذا عدا الآيات الكثيرة التي تبتدئ بالزجر وتنتهي إلى التذكير بالعقل؛ لأنه خير ~~مرجع للهداية في ضمير الإنسان ؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون ~~. # وكقوله في سورة آل عمران: # يا أهل الكتاب لم ~~تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده أفلا ~~تعقلون ~~. # وكقوله تعالى في سورة المائدة: # وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم ~~قوم لا يعقلون ~~. # وفي سورة الأنعام: # وما الحياة الدنيا إلا ~~لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون ~~. # وفي سورة هود: # يا قوم لا أسألكم عليه أجرا ~~ إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا ~~تعقلون ~~. # وفي سورة الأنبياء: # أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون ~~. # وفي غير هذه السور الكريمة تنبيه إلى العقل في مثل هذا السياق يدل عليه ما تقدم ~~في هذه الآيات. # إن هذا الخطاب المتكرر إلى العقل الوازع يضارعه في القرآن الكريم خطاب متكرر ~~مثله إلى العقل المدرك، أو العقل الذي يقوم به الفهم والوعي، وهما أعم وأعمق من ~~مجرد الإدراك. وكل خطاب إلى ذوي الألباب في القرآن الكريم فهو خطاب إلى اللب - ~~هذا العقل المدرك الفاهم - لأنه معدن الإدراك والفهم في ذهن الإنسان كما يدل ~~عليه اسمه باللغة العربية ... # والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~ وما يذكر إلا أولو ~~الألباب ~~[سورة آل عمران: 7]. # قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ~~ فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~لعلكم تفلحون ~~[سورة المائدة: ~~100]. # الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه أولئك ~~الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولو الألباب ~~[سورة الزمر: ~~18]. # لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب ~~[سورة ~~يوسف: 111]. # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب ~~[سورة البقرة: 269]. # وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب ~~[سورة البقرة: 197]. # ولكم في القصاص حياة ~~يا أولي الألباب لعلكم ms004 ~~تتقون ~~[سورة البقرة: 179]. # ومن هذه الآيات نتبين أن اللب الذي يخاطبه القرآن الكريم وظيفته عقلية، تحيط ~~بالعقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الذي يتلقى الحكمة ويتعظ بالذكر والذكرى . ~~وخطابه خطاب لأناس من العقلاء لهم نصيب من الفهم والوعي أوفر من نصيب العقل ~~الذي يكف صاحبه عن السوء، ولا يرتقي إلى منزلة الرسوخ في العلم والتمييز بين ~~الطيب والخبيث، والتمييز بين الحسن والأحسن في القول ... ~~••• # أما العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره زبدة الرأي والروية، فالقرآن الكريم يعبر ~~عنه بكلمات متعددة تشترك في المعنى أحيانا، وينفرد بعضها بمعناه على حسب ~~السياق في أحيان أخرى؛ فهو الفكر والنظر والبصر والتدبر والاعتبار والذكر ~~والعلم وسائر هذه الملكات الذهنية التي تتفق أحيانا في المدلول - كما قدمنا - ~~ولكنها لا تستفاد من كلمة واحدة تغني عن سائر الكلمات الأخرى ... # ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو كذلك يبين ~~الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون ~~[سورة البقرة: 219]. # الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ~~[سورة آل عمران: 191]. # قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير أفلا تتفكرون ~~[سورة الأنعام: 50]. # ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن ~~كل الثمرات إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون ~~[سورة النحل: ~~11]. # أولم يتفكروا في ~~أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق ~~[سورة الروم: 8]. # انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون ~~[سورةالأنعام: ~~65]. # أولم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض وما خلق الله من ~~شيء ~~[سورة الأعراف: 185]. # قل انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون ~~[سورة يونس: 101]. # أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج ~~[سورة ق: 6]. # أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت ~~[سورة الغاشية: ~~17]. # من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ~~[سورة القصص: 72]. # أولم يروا أنا نسوق ~~الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ~~زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم أفلا يبصرون ~~[سورة ~~السجدة: 27]. # والله يؤيد بنصره من ~~يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار ~~[سورة آل عمران: 13]. # أفلم يدبروا القول ~~أم ms005 جاءهم ما لم يأت آباءهم ~~الأولين ~~[سورة المؤمنون: 68]. # كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو ~~الألباب ~~[سورة ص: 29]. # أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها ~~[سورة ~~محمد: 24]. # فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار ~~[سورة الحشر: 2]. # ويبين آياته للناس ~~لعلهم يتذكرون ~~[سورة البقرة: ~~221]. # وهذا صراط ربك ~~مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم ~~يذكرون ~~[سورة الأنعام: 126]. # أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى إنما يتذكر أولو ~~الألباب ~~[سورة الرعد: 19]. # وما ذرأ لكم في الأرض ~~مختلفا ألوانه إن في ذلك ~~لآية لقوم يذكرون ~~[سورة ~~النحل: 13]. # أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى ~~[سورة عبس: 4]. # فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون ~~[سورة النحل: ~~43]. # ولقد آتينا موسى ~~الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون ~~الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون ~~[سورة القصص: ~~43]. # ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون ~~[سورة البقرة: 151]. # قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك ~~منه ولم يؤت سعة من المال قال ~~إن الله اصطفاه عليكم وزاده ~~بسطة في العلم ~~[سورة البقرة: ~~247]. # وهو الذي جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها في ظلمات ~~البر والبحر قد فصلنا الآيات ~~لقوم يعلمون ~~[سورة الأنعام: ~~97]. # قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ~~[سورة الزمر: 9]. # يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~والله بما تعملون خبير ~~[سورة ~~المجادلة: 11]. # هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب ما ~~خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل ~~الآيات لقوم يعلمون ~~[سورة يونس: ~~5]. # قال له موسى هل ~~أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا ~~[سورة الكهف: 66]. # خلق الإنسان * ~~علمه البيان ~~[سورة الرحمن: 3، ~~4]. # الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم ~~[سورة العلق: 4، 5]. # وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولو الألباب ~~[سورة آل عمران: 7]. # بهذه الآيات - وما جرى مجراها - تقررت ولا جرم فريضة التفكير في الإسلام، ms006 وتبين ~~منها أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك ~~الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر ويتدبر ويحسن الادكار ~~والروية، وأنه هو العقل الذي يقابله الجمود والعنت والضلال، وليس بالعقل الذي ~~قصاراه من الإدراك أنه يقابل الجنون؛ فإن الجنون يسقط التكليف في جميع الأديان ~~والشرائع، وفي كل عرف وسنة، ولكن الجمود والعنت والضلال غير مسقط ~~للتكليف في الإسلام، وليس لأحد أن يعتذر بها كما يعتذر للمجنون بجنونه، فإنها ~~لا تدفع الملامة، ولا تمنع المؤاخذة بالتقصير ... # ويندب الإسلام من يدين به إلى مرتبة في التفكير أعلى من هذه المرتبة التي تدفع ~~عنه الملامة، أو تمنع عنه المؤاخذة، فيستحب له أن يبلغه بحكمته ورشده، ويبدو ~~فضل الحكمة والرشد على مجرد التعقل والفهم من آيات متعددة في الكتاب الكريم يدل ~~عليها قوله تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ~~[سورة البقرة: 269]. # ويدل عليها أن الأنبياء يطلبون الرشد، ويبتغون علما به من عباد الله الصالحين، ~~كما جاء في قصة موسى وأستاذه عليهما السلام. # والذي ينبغي أن نثوب إليه مرة بعد مرة أن التنويه بالعقل على اختلاف خصائصه لم ~~يأت في القرآن عرضا، ولا تردد فيه كثيرا من قبيل التكرار المعاد؛ بل كان هذا ~~التنويه بالعقل نتيجة منتظرة يستلزمها لباب الدين وجوهره، ويترقبها من هذا ~~الدين كل من عرف كنهه وعرف كنه الإنسان في تقديره ... # فالدين الإسلامي دين لا يعرف الكهانة، ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق ~~والخالق، ولا يفرض على الإنسان قربانا يسعى به إلى المحراب بشفاعة من ولي ~~متسلط أو صاحب قداسة مطاعة، فلا ترجمان فيه بين الله وعباده يملك التحريم ~~والتحليل، ويقضي بالحرمان أو بالنجاة، فليس في هذا الدين إذن من أمر يتجه إلى ~~الإنسان من طريق الكهان، ولن يتجه الخطاب إذن إلا إلى عقل الإنسان حرا ~~طليقا من سلطان الهياكل والمحاريب، أو سلطان كهانها المحكمين فيها بأمر الإله ~~المعبود، فيما يدين به أصحاب العبادات الأخرى. # فأينما تولوا فثم وجه الله ~~[سورة ~~البقرة: 115]. # لا هيكل ms007 في الإسلام، ولا كهانة حيث لا هيكل ... فكل أرض مسجد، وكل من في المسجد ~~واقف بين يدي الله ... # ودين بلا هيكل ولا كهانة لن يتجه فيه الخطاب - بداهة - إلى غير الإنسان العاقل ~~حرا طليقا من كل سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم ~~... # كذلك يكون الخطاب في الدين الذي يلزم كل إنسان طائره في عنقه، ويحاسبه بعمله، فلا ~~يؤخذ أحد بعمل غيره: # ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ~~[سورة فاطر: 18]. # كل امرئ بما كسب ~~رهين ~~[سورة الطور: 21]. # وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى * وأن سعيه ~~سوف يرى ~~[سورة النجم: 39، 40]. # فإذا كان في الأديان دين يجتبي # 3 # القبيلة بنسبها، أو يجتبي المرء قبل مولده لأنه مولود فيها، أو كان ~~في الأديان دين يحاسبه على خطيئة ليست من عمله، فليس في الإسلام إنسان ينجو ~~بالميلاد، أو يهلك بالميلاد، ولكنه الدين الذي يوكل فيه النجاة والهلاك بسعي ~~الإنسان وعمله، ويتولى فيه الإنسان هدايته بفهمه وعقله، ولا يبطل فيه عمل العقل ~~أن الله بكل شيء محيط، فإن خلق العقل للإنسان لا يسلبه القدرة على التفكير، ~~ولا يسلبه تبعة الضلال والتقصير. # وعلى هذا النحو يتناسق جوهر الإسلام ووصاياه، وتأتي فيه الوصايا المتكررة بالتعقل ~~والتمييز منتظرة مقدرة لا موضع فيها للمصادفة، ولا هي مما يطرد القول فيه ~~متفرقا غير متصل على نسق مرسوم؛ فإنها لوصايا «منطقية» في دين يفرض المنطق ~~السليم على كل مستمع للخطاب قابل للتعليم، وهكذا يكون الدين الذي تصل العبادة ~~فيه بين الإنسان وربه بغير واسطة ولا محاباة، ويحاسب فيه الإنسان بعمله كما ~~يهديه إليه عقله، ويطلب فيه من العقل أن يبلغ وسعه من الحكمة والرشاد ... # الفصل الثاني # | الموانع والأعذار # حين يكون العمل بالعقل أمرا من أوامر الخالق يمتنع على المخلوق أن يعطل عقله ~~مرضاة لمخلوق مثله، أو خوفا منه، ولو كان هذا المخلوق جمهرة من الخلق تحيط ~~بالجماعات وتتعاقب مع الأجيال. # والموانع التي تعطل العقل من هذا القبيل كثيرة يستقصيها القرآن الكريم كما استقصى ~~خطاب العقل بجميع وظائفه وملكاته، ولكنها قد تتجمع ms008 في ثلاثة موانع كبرى بمثابة ~~الأصول التي تتشعب منها الموانع المختلفة، فمن سلم منها أوشك أن يسلم من كل ~~مانع يحجر على عقله، ويأخذ السبيل على تفكيره، فلا يهتدي إلى رأي سواه ... # أكبر الموانع في سبيل العقل عبادة السلف التي تسمى بالعرف، والاقتداء الأعمى ~~بأصحاب السلطة الدينية، والخوف المهين لأصحاب السلطة الدنيوية. # والإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سنة آبائه وأجداده، ولا يقبل ~~منه أن يلغي عقله خنوعا لمن يسخره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ~~ولا يقبل منه أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء، وطغيان الأشداء، ولا يكلفه في ~~أمر من هذه الأمور شططا لا يقدر عليه؛ إذ القرآن الكريم يكرر في غير موضع أن ~~الله لا يكلف نفسا ما لا طاقة لها به، ولا يطلب من خلقه غير ما يستطيعون ~~... # لا تكلف نفس إلا وسعها ~~[سورة ~~البقرة: 233]. # لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~[سورة ~~الأنعام: 152، سورة الأعراف: 42]. # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ~~[سورة ~~المؤمنون: 62]. # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ~~ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~[سورة البقرة: ~~286]. # وما من أحد يهتدي بعقله لا يسعه أن يرى الصواب، وأن يكف عن الخطأ؛ فإذا قسر على ~~نبذ الصواب واقتراف الخطأ، ففي وسعه أن ينجو بنفسه من القسر حيث كان، وفي وسعه ~~إذا حيل بينه وبين النجاة أن يلقى الضرر الذي يجنيه عليه من يهدر كرامته، ويقتل ~~ضميره؛ فذلك - لا ريب - أهون الضررين في هذه الحال، ولا معنى للدين ولا للخلق ~~إذا جاز للناس أن يخشوا ضررا يصيب أجسامهم، ولا يخشوا ضررا يصيبهم في أرواحهم ~~وضمائرهم، وينزل بحياتهم الباقية إلى ما دون الحياة التي ليس لها بقاء، وليس ~~فيها شرف ولا مروءة. ~~••• # وهذه الموانع كلها - موانع العرف والقدرة العمياء والخوف الذليل - إنما تقوم ~~وتبقى قائمة ما هان على ms009 الإنسان أن يعيش بغير عقل يرجع إليه في أكرم مطالبه ~~«الإنسانية»، وهو صلاح ضميره، ولكنها تزول على الأثر يوم يرجع إلى عقله أمام كل ~~عقبة من عقباتها، وقد يشق عليه أن يذلل تلك العقبات أو يناجزها، ولكنه حق العقل ~~عليه، ولا بد من حق تهون من أجله المشقة؛ لأنها أهون من سلب الإنسان فضيلته ~~العليا، وارتكانه إلى حياة لا تعقل، أو حياة تعقل ولكنها تؤثر الحطة على ~~علمها بما هو أرفع منها ... # إن حق العقل في الإسلام يقاس بكل قوة من قوى تلك الموانع التي ترصد له، وتصده ~~عن طريقه، وأولها وأقواها في صدر الإسلام قوة العرف أو عبادة السلف؛ لأن العرف ~~في الجاهلية بلغ مبلغ العبادة في المهابة والرعاية، وتسخير النفوس لحكمه بما ~~يفرضه عليها من العادات، وما هي في الواقع إلا ضرب من العبادات يملك الإنسان في ~~جميع أوقاته وعلاقاته؛ حيث تتراخى عنه أحيانا سطوة العبادات الدينية، ولعل ~~العبادات لم يكن لها من سطوة في عصور الجاهلية وما شابهها إلا لأنها تستمد تلك ~~السطوة من العادات ... # كانت الدعوة الإسلامية تثير أهل الجاهلية، وتحنقهم أشد الحنق على الرسول القائم ~~بها صلوات الله عليه. وأشد ما كان يحنقهم من دعواته أنه يسفه بها أحلام الآباء ~~والأجداد، فقلما كانوا يقولون في مقام الغضب منه والتحريض عليه: إنه يسفه ~~أحلامنا، ويستخف بعقولنا، وإنما كان غضبهم كله منه، وتحريضهم كله عليه إذ ~~يقولون عنه: إنه يسفه أحلام آبائنا، ويستخف بعقول أسلافنا، ويقول عن أصول النسب ~~التي يفخرون بها: إنها كانت على ضلالة، وكانت لا تعقل ما تصنع من أمور الدين ~~... # والإسلام حين يأبى على الإنسان أن يعنو # 1 # بعقله كله لهذه السطوة الجائحة إنما يعطي العقل حقه في مقاومتها، ~~ولا يكتفي بأن يفرض عليه واجب المقاومة، وإنما يمده بالحجة التي تعينه عليها؛ ~~حيث لا حجة له بين يديها، فهو يكلفه ويعينه وهو يثيره، ويضع في يده السلاح الذي ~~يشحذه في ثورته، فهو نصير معين يلقي العبء، ويعطي المدد الذي يعينه عليه ~~... # وحين يقول ms010 الإسلام للإنسان: يجب عليك أن تفتح عينك ولا تنقاد لما يوبقك مغمض ~~العينين، فكأنه يقول له: يحق لك أن تنظر في شأنك؛ بل في أكبر شأن من شئون ~~حياتك ، ولا يحق لآبائك أن يجعلوك ضحية مستسلمة للجهالة التي درجوا ~~عليها. # وإن الإسلام ليأبى على المرء أن يحيل أعذاره على آبائه وأجداده، كما يأبى له أن ~~تحال عليه الذنوب والخطايا من أولئك الآباء والأجداد، وإنه لينعي على الذين ~~يستمعون الخطاب أن يعفوا أنفسهم من مؤنة العقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم ~~عقيدة لا عقل فيها ... # وإذا قيل لهم اتبعوا ~~ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون ~~[سورة البقرة: 170]. # وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~ أولو كان آباؤهم لا يعلمون ~~شيئا ولا يهتدون ~~[سورة ~~المائدة:104]. # وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون ~~[سورة الأعراف: 28]. # واتل عليهم نبأ ~~إبراهيم * إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون * ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها ~~عاكفين * قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون * ~~أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون ~~[سورة الشعراء: 69-74]. # إنهم ألفوا آباءهم ~~ضالين * فهم على ~~آثارهم يهرعون ~~[سورة الصافات: 69، ~~70]. # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ~~إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ~~[سورة التوبة: 23]. # وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~* قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ~~قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون ~~[سورة الزخرف: 23، 24]. # ولقد كان هذا حق العقل الذي استمده من الإسلام في مواجهة العرف أو عبادة السلف، ~~وكانت للعرف في صدر الإسلام قوة أكبر من قوة العبادة وقوة الحكومة، ويستوي أن ~~نقول: إن العقل أحق بالاستقلال أمام هاتين القوتين، وأن نقول: إن الاستقلال ~~أمامهما أوجب عليه من ms011 الاستقلال أمام العرف أو عبادة السلف. # ولعلنا لا نعدو الصواب إذا عممنا القول على جميع العصور، ولم نقصره على العصر ~~الجاهلي الذي كانت فيه عبادة السلف أظلم للناس من سلطان رجال الدين وسلطان ~~الحاكم بأمره؛ فإن حرية العقيدة قد يرجع الأمر فيها إلى من يتولون أمرها من ~~القائمين عليها في المعابد والمحاريب، أو من القائمين عليها في ولاية الشعائر ~~والحدود. # فهنا مجال الحق الذي يتمسك به العقل حيث تدعو الحاجة إلى ذلك الحق، أو حيث ~~يستوجبه الخطر في أمر الاعتقاد خاصة دون ما عداه من أمور يعمها العرف الشائع، ~~أو تعمها عبادة الأسلاف. # وأيا كان الرأي في تفاوت القوى التي يخنع # 2 # لها العقل، وتذهله عن حقه في الحرية، أو عن واجبه في التمييز ~~والنهوض بالتبعة؛ فالأمر الذي لا مرية فيه أن التحذير من فساد الكهان ~~والأحبار خليق أن يناسب الخطر الذي يخشى من فسادهم أينما كان، وكثيرا ما يكون ~~... # وقد بدأ الإسلام بالتحذير الشامل من هذا الفساد؛ فأسقط الكهانة، وأبطل سلطان رجال ~~الدين على الضمائر، ونفى عنهم القدرة على التحريم والتحليل، والإدانة والغفران ~~... # ثم نبه إلى سيئاتهم وعاقبة الذين استسلموا لخديعتهم، وكثير منهم خادعون ~~... # اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله ~~إلا هو سبحانه عما ~~يشركون ~~[سورة التوبة: 31]. # يا أيها الذين آمنوا ~~إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم ~~[سورة التوبة: ~~34]. # وحرص القرآن على أن يعم القول من لهم سلطان ديني كالأحبار، ومن ليس لهم هذا ~~السلطان، ولكنهم يستمدون من السمعة الدينية نصيبا من السلطان لا يقل عن نصيب ~~الأحبار. # وهذا على تنبيه القرآن الكريم إلى ما كان من فضل الصالحين من الرهبان والقسيسين ~~على أممهم؛ حيث جاء فيه: # ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون ~~[سورة المائدة: 82]. # وما نحسب ms012 أن التفرقة بين الفريقين تعسر على عارف ولا جاهل، فما من لبس هناك ~~بين أناس لا يستكبرون، ولا يهيمون بالمال يأكلون أينما وجدوا الحلال والحرام ~~منه، وبين أناس يتصدون للجاه والخيلاء ، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن ~~سواء السبيل ... ~~••• # ويكاد الذين كتبوا في تاريخ العقائد يتفقون على تهوين خطر الحكم المستبد على ~~الضمير الإنساني بالقياس إلى خطر العرف، أو خطر الخديعة من رؤساء الأديان؛ لأن ~~الحكم المستبد يتسلط على الضمير من خارجه، ولا يستهويه من باطنه كما يستهويه حب ~~السلف، أو الاسترسال مع القدوة الخادعة من قبل رؤساء الدين؛ فهو مشكلة مكان لا ~~مشكلة عقل أو ضمير، إما أن ينفضه الإنسان عن مكانه، أو يلوذ منه بمكان ~~أمين. # وكثيرا ما يكون الحكم المستبد حافزا للضمير إلى المقاومة، محرضا للعقل على ~~الرفض والإنكار، وأكبر ما يخشى منه أن يؤدي إلى تشبث العناد؛ لأن هذا التشبث ~~خطر على التفكير كخطر الاستهواء والتسليم، ولا يزال الاستبداد على كل حال ~~قهرا للعقل بغير إرادته، يترك له الإرادة طليقة للمقاومة أو الحيلة أو الخضوع، ~~فهو غير الانقياد للضلال إيثارا له، ومحبة للمضللين ... # فمن هنا كان حق العقل في مقاومته - بحكم الإسلام - كحقه في مقاومة سلطان العرف ~~وسلطان الأحبار، ويزيد عليه أنه يلوم المسلم على الخضوع في مكانه إذا كان في ~~وسعه أن يرحل منه إلى مكان بعيد من سلطانه ... # قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها ~~[سورة النساء: 97]. # ونحن مع العقل في الإسلام حين نذكر أن الإسلام يأمره باستقلال النظر في مواجهة ~~السلف، ومواجهة الأحبار، ومواجهة الاستبداد، ثم يكون هو الدين الذي امتاز بين ~~الأديان بوصاياه الكثيرة في توقير الآباء، والرجوع إلى أهل الذكر، وتمحيض ~~الطاعة لولاة الأمور ... # فإذا أمر العقلاء فهكذا يؤمرون، وغير ذلك من الأوامر إنما يكون للآلات التي تعمل ~~على وتيرة واحدة في أيدي من يحركونها ويديرونها، أو يكون للخلائق البكماء التي ~~تقاد أو تساق، ولا رأي لها في مقادة أو مساق ... # إنما ms013 يكون أمر العقلاء أن يؤمروا بالتمييز بين مختلف الأحوال، فلا يقال لهم: إنكم ~~ترفضون كل الرفض، أو تقبلون كل القبول، ولا فرق عندهم بين مرفوض ومرفوض، ولا ~~بين مقبول ومقبول ... # عليكم أن تبروا بالآباء، ولكن البر معهم غير الضلال معهم على غير بصيرة، والعقلاء ~~هم الذين يعرفون موضع هذا وموضع ذاك ... # وعليكم أن تسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، ولكن أهل الذكر الذين لا ينتفعون ~~بذكرهم لا ترجى منهم التذكرة لغيرهم، ومن لم يكن من أهل الذكر فليس بعسير عليه ~~أن يكون من المميزين بين الصادقين منهم والمنافقين، وبين سيرة الرشد والاستقامة ~~وسيرة الغواية والاعوجاج ... # وعليكم أن تطيعوا ولاة الأمر منكم، ولكن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا خير ~~في فتنة يضرمها العصيان على غير بصيرة، ومن لم تكن له قدرة على الطاعة، ولم يكن ~~في عصيانه أمان من الفتنة الطامة، فله في الهجرة متسع يأوي إليه ما استطاع ~~... # وقوام الأمر كله، بل قوام جميع الأمور في جميع التكاليف أن النفس تحاسب على ما ~~تستطيع، ولا تؤمر بغير ما تطيق، ومن وراء ذلك تبعة الأمة كلها حين تؤخذ الأمة ~~بوزر الأمة، ولا ينفرد منها كل فرد بمصيره مع مصائر الأمم بحذافيرها، فلا مناص ~~من هذه الوحدة في حساب الأمم، ولا خير للأفراد - مع تطاول الزمن - في عيشة يقف ~~فيها خير الفرد وشره عند بابه، ولا يحسب فيها حساب شركائه في بيئته. # فلا تناقض بين أمر الفرد بالعقل واشتراكه في تبعة الأمر الذي يعم الجميع، ولا يخص ~~أحدا من الآحاد، ولكن الأمم تخاطب بتحكيم العقل، كما يخاطب به أفرادها ~~متفرقين، ولا تحاسب الأمم إلا على سنة الأمم في أطوار الاجتماع ... # وصفوة القول: إن الإسلام لا يعذر العقل الذي ينزل # 3 # عن حق الإنسان رهبة للقوة أو استسلاما للخديعة، ولا حدود لذلك إلا ~~حدود الطاقة البشرية، ولكنها الطاقة البشرية عامة كما تقوم بها الأمم، ولا ~~ينتهي أمرها بما يكون للفرد من طاقة لا تتعداه. # الفصل الثالث # | المنطق # المنطق علم يجمع ms014 الأصول والقواعد التي يستعان بها على تصحيح النظر والتمييز، وحكم ~~الإسلام فيه - بهذه المثابة - واضح لا يجوز فيه الخلاف؛ لأن القرآن الكريم صريح ~~في مطالبة الإنسان بالنظر والتمييز، ومحاسبته على تعطيل عقله ، وضلال تفكيره ~~... # بيد أننا نحتاج إلى التفرقة بين شيئين مختلفين في هذا الموضوع قبل أن نعرض لفتاوى ~~الفقهاء فيه بتحريم أو تحليل؛ وهما: المنطق والجدل أو الخطاب الإقناعي، فإنهما ~~ليختلفان ويتباعدان حتى ينتهي الاختلاف والتباعد بهما إلى الطرفين النقيضين ~~... # فالمنطق بحث عن الحقيقة من طريق النظر المستقيم، والتمييز الصحيح، والجدل بحث عن ~~الغلبة والإلزام بالحجة، قد يرمي إلى الكسب والدفاع عن مصلحة مطلوبة، وقد يتحرى ~~مجرد المسابقة للفوز على الخصم وإفحامه في مجال المناقضة واللجاج. # وقد ظهر المنطق والجدل بين اليونان الأقدمين، فأكبروا المنطق، ونظروا إلى الجدل ~~نظرة اشتباه وإنكار، وهو الذي سموه - بعد - بالسفسطة، أو ترفقوا فسموه علم ~~البراهين الخطابية # Rhetoric ~~، وحسبوه ~~صناعة لازمة في معرض الإقناع والتأثير ... # وكان اسم «السفسطة» في نشأته الأولى معظما مبجلا بين الحكماء وتلاميذهم وجمهرة ~~المعنيين بالحكمة والمعرفة، وكان اسم «السوفيست» أعظم شأنا من اسم الفيلسوف؛ ~~لأن السوفيست ينتمي إلى ربة الحكمة «صوفية»؛ فهو الحكيم الذي ألهمته تلك الربة، ~~وفرغ من مؤنة المعرفة. # فلما ظهر الحكيم «فيثاغوراس» استكبر هذه الدعوى وتواضع فسمى نفسه فيلسوفا؛ أي ~~محبا للحكمة يطلبها، ولا يزعم أنه وصل إليها، ثم نجم بعد قرن من عصر ~~فيثاغوراس ناجم من فتنة الحذلقة باسم الحكمة يقودها بروتاغوراس Protagoras # الأبديري، فراح يتحدى من ~~ينكر عليه العلم أن يسأله فيما يشاء، وهو كفيل بالإجابة عليه بلا وقاء، وعدل عن ~~اسم الفيلسوف الذي يقنع بمحبة الحكمة إلى اسم «السوفيست» مرة أخرى؛ لزعمه أنه ~~ملك الحكمة واستوفاها. # وغلبت كلمة «السفسطة» من هنا على كل من يدعي هذه الدعوى، ويتحذلق هذه الحذلقة، ~~وكثر الاشتغال بالبرهان في المنازعات القضائية والمناقشات السياسية، فانفصلت ~~الصناعتان باتفاق المعلمين والمتعلمين، وصرح أصحاب كل صناعة بما يريدونه من ~~عملهم وتعليمهم، وأصبح من المفهوم المتفاهم عليه أن المنطق بحث عن الحقيقة، ~~وأن الجدل ms015 بحث عن المصلحة أو الرغبة المتنازع عليها. # وتصدى لتعليم الجدل أو البراهين الخطابية أناس يقصدهم المتعلمون؛ ليعرفوا كيف ~~ينتصرون على خصومهم في مجال المنازعة والملاحاة، ويضع الآباء أبناءهم في ~~كفالتهم ليدربوهم على صناعة التقاضي والتأثير في سبيل الإقناع بالحجة، ~~أيا كان حظها من الحقيقة ... # ومما يحكى عن أستاذ سفسطائي أنه اتفق مع تلميذ له على أن يخرجه للدفاع في القضاء ~~والمنازعات العامة خلال عامين بأجر متفق عليه، فلما انتهى العامان طلب الأستاذ ~~أجره، وقال التلميذ: بل أناقشك في هذا الأجر؛ هل تستحقه بعملك، أو تطلبه بغير ~~حق؟ فإن أقنعتك بأنك لا تستحقه؛ فلا حق لك فيه باعترافك، وسكوتك حجة على هذا ~~الاعتراف، وإن لم أقنعك فلا حق لك فيه؛ لأنك لم تعلمني كيف أقيم البرهان على ~~دعواي. # وكان جواب الأستاذ - كمثال تلميذه - مثلا للبرهان المطلوب في هذه الصناعة، فقال ~~له: إنني أقبل أن أناقشك، ولكني على غير النتيجة التي خلصت إليها؛ أناقشك في ~~حقي فتعطيه مرة إذا ثبت عليك، وتعطيه مرتين إذا لم أثبته أمامك؛ لأنني علمت ~~تلميذا ما يغلب به أستاذه في صناعة البرهان، مع اتفاقهما أولا على الحق الذي ~~يتنازعانه في النهاية ... # وبلغ من التفاهم على الفصل بين البرهان والحقيقة في صناعة الجدل أنهم أصبحوا ~~يقولون عن الحجة: إنها حجة خطابية؛ أي تقنع ولا يشترط فيها أن تدل على الحقيقة، ~~ويقولون عن السؤال: إنه سؤال خطابي؛ أي لا يراد منه جواب معلوم عن توجيه ~~السؤال، كقول الخطيب للسامعين في معرض الزجر والاستثارة: هل أنتم وطنيون؟ هل ~~أنتم سامعون؟ إلى أمثال هذه الأسئلة التي يسألها المتكلم ليؤثر بها على ~~مستمعيه لا لأنه ينتظر الجواب عليها ... # وصرح أهل هذه الصناعة بأن السؤال الخطابي قد ينقض الحقيقة إذا ورد في صيغة الخطاب ~~دون أن يزيد فيها حرفا أو كلمة، ومن أمثلتهم على ذلك أن مجرما قضي عليه أن ~~يقف في جمع حافل، ويشهد على نفسه بالسرقة؛ فينادي فيهم: أنا مجرم. ويكررها ثلاث ~~مرات. # فلما وقف في الجمع الحافل نادى كما أمروه ms016 ولكن بصيغة الخطاب، فطفق يقول كأنه ~~يستفهم ويستنكر: أيها الناس، أنا مجرم؟! أنا مجرم أيها الناس؟! فكان في صيغة ~~السؤال الخطابية إنكار للاعتراف الذي أرادوه عليه، دون أن يزيد حرفا أو كلمة ~~في عبارة الاعتراف ... # هذه الصناعة - صناعة الجدل - ليست في شيء من المنطق القويم المطلوب للبحث عن ~~الحقيقة، ولكنها صناعة يتعلمها طالبها وهو عالم أنه ينشد الغلبة على خصومه في ~~المناقشة بالحق أو بالباطل؛ فإن لم يتعلمها عامدا هذا العمد، فقد ينساق إليها ~~بطبيعة الجدل وشهوة المغالبة، فيؤثر المغالطة على المصارحة، ويصر على المكابرة ~~مجهلة بالحقيقة، أو مكابرة فيها ... # وما من أمة فتح فيها باب الجدل وغلبت فيها شهواته ثم سلمت من جرائرها، سواء كانت ~~هذه الآفة مما ينجم عن تعليم الصناعة، أو كانت مما تخلقه اللجاجة والتمادي في ~~الملاحاة والبغضاء ... # وقد ضرب المثل بالجدل «البيزنطي» في طول اللجاجة وسوء العاقبة، وقلة الجدوى لطلاب ~~الحقيقة والصلاح، ولكن البيزنطيين لم يكونوا بدعا في هذه الآفة، ولم ينفردوا ~~بالجدل على غير طائل كلما فتحت أبوابه على مصطلحات المنطق، أو على غير مصطلح ~~مفهوم غير اللدد والعناد؛ فإن بني إسرائيل قد سبقوا البيزنطيين إلى أمثال هذه ~~المجادلات الخاوية إلا من الباطل والشحناء، وجاء السيد المسيح إليهم فوجد فيهم ~~طائفة الكتبة والفريسيين لا عمل لها غير اختلاق الحيل والشراك؛ لاقتناص الناس ~~بمغالطات الألفاظ وألاعيب الحذلقة والتمويه. # وكان لتلك الآفة صرعاها بين البيزنطيين كما كان لها صرعاها قبلهم بين بني ~~إسرائيل، فكانت آفة الجدل على أبناء القرون الوسطى من المشتغلين بالفلسفة ~~والمنطق، أو بالتفسيرات الدينية والمهاترات المذهبية أشد عليهم من آفة الجهل ~~والجمود على التقاليد ... # ويؤخذ من أخبار الأمم التي امتحنت بالمنازعات الجدلية أن هذه الآفة مرض اجتماعي ~~تتشابه أعراضه في الأمم، ولا تنحصر في اليونان أو بني إسرائيل، فلا يزال الجدل ~~حيث كان مقترنا بأعراضه الوبيلة، وأشهرها وأوبلها ثلاثة؛ وهي: إغراء الناس ~~بالمماحكة بالقشور دون الجوهر واللباب من حقائق الأمور، وإثارة البغضاء ~~والشحناء على غير طائل ولعا بالغلبة والاستعلاء؛ بدعوى العلم والصواب، وإشاعة ms017 ~~الخلاف بين الآراء جماعة بعد جماعة إلى غير نهاية يقف عندها ذلك الخلاف. فتنقسم ~~الأمة إلى شيع، وتنقسم الشيعة إلى فرق، وتنقسم الفرقة إلى شعب وفروع حتى لا ~~تبقى فئة واحدة على رأي واحد وإن قلت في العدد، وصغرت في منزلة التفكير. # ولما انتقلت هذه الآفة إلى الأمم الإسلامية فشت فيها هذه الأعراض جميعا، ولمس ~~الخاصة والعامة أضرارها في بيئات العلم والدين، وتشاءم بها المسلمون أشد من ~~تشاؤم اليونان بالسفسطائيين والمسيحيين الأولين بالكتبة والفريسيين؛ لأن ~~مجادلات السفسطة والتأويل نجمت في اليونان وبني إسرائيل من بين أنفسهم، ولم ~~تنتقل إليهم من الأجانب الغرباء عنهم. # أما فتنة الجدل ومصطلحاته الكلامية فقد انتقلت إلى المسلمين من أمم غريبة على ~~أيدي التراجمة الدخلاء، فتسربت إلى الأذهان شبهات كثيرة من أمرها، ووهم بعض ~~الخاصة - فضلا عن العامة - أنها مكيدة مبيتة للأمة الإسلامية تواطأ عليها ~~أعداؤها من خارجها وداخلها، وتداولت الألسنة قصصا عن نقل هذه العلوم الدخيلة ~~تشبه الأساطير ونوادر الرواة والمتخيلين. # ومن أمثلة هذه الشوائع المترددة ما رواه جلال الدين السيوطي عن الشيخ نصر المقدسي ~~من كتابه «الحجة في تارك المحجة»؛ حيث يقول: «إن بني العباس قامت دولتهم على ~~الفرس، وكانت الرياسة فيهم وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفر والبغض للعرب ~~ودولة الإسلام، فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام، ولولا ~~أن الله تبارك وتعالى وعد نبيه # صلى الله عليه وسلم # أن ملته وأهلها هم الظاهرون ليوم ~~القيامة لأبطلوا الإسلام، ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه، والله ينجز وعده إن ~~شاء الله ...» # ثم يقول: «فأول الحوادث التي أحدثوها إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام، ~~فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين، وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد ~~الإسلام يحيى بن خالد بن برمك، وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم، وكان ~~ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب اليونانية أن يتركوا دين النصرانية، ~~ويرجعوا إلى دين اليونانية، وتتشتت كلمتهم، وتتفرق جماعتهم، فجمع الكتب في ~~موضع، وبنى عليها بناء مطمئنا بالحجر والجص حتى لا ms018 يوصل إليها. # فلما أفضت رياسة بني العباس إلى يحيى بن خالد، وكان زنديقا، بلغه خبر الكتب التي ~~في البناء ببلد الروم، فصانع ملك الروم الذي كان في وقته بالهدايا ولا يلتمس ~~منه حاجة، فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم: إن هذا الرجل خادم ~~العربي أكثر علي من هداياه ولا يطلب مني حاجة، وما أراه إلا يلتمس حاجة، ~~وأخاف أن تكون حاجته تشق علي. # فلما جاءه رسول يحيى قال له: قل لصاحبك: إن كانت له حاجة فليذكرها. فلما أخبر ~~الرسول يحيى رده إليه وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إلي، ~~أخرج منها بعض ما أحتاج إليه، وأردها إليه. فلما قرأ الرومي كتابه استطار ~~فرحا، وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم ~~العربي أنه لا يخلو عن حاجة، وقد أفصح بحاجته، وهي أخف الحوائج علي، وقد رأيت ~~رأيا فاسمعوه؛ فإن رضيتموه أمضيته، وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق ~~كلمتنا، فقالوا: وما هو؟ قال: حاجته الكتب اليونانية يستخرج منها ما يحب ~~ويردها، فقالوا: فما رأيك؟ # قال: قد علمت أنه ما بنى عليها من كان قبلنا إلا أنه خاف إن وقعت في أيدي النصارى ~~وقرءوها كانت سببا لهلاك دينهم، وتبديد جماعتهم، وأنا أرى أن أبعث بها إليه ~~وأسأله ألا يردها؛ يبتلون بها ونسلم نحن من شرها، فإني لا آمن أن يكون ~~بعدي من يجترئ على إخراجها إلى الناس، فيقعوا فيما خيف عليهم، فقالوا: نعم ~~الرأي رأيت أيها الملك؛ فأمضه ...» ~~••• # وهذه قصة تصح في التاريخ أو لا تصح، فلا شبهة على الحالين في سوء الأثر الذي ~~أصيبت به الأمة الإسلامية من آفة الجدل باسم المنطق المزيف، فإنها أشبه شيء ~~بالنقمة التي يصبها العدو على عدوه، أو بالمكيدة التي يدسها عليه؛ ليشغله ~~بالشقاق والشتات عن مهام دنياه، ومطالب دينه. # وهذه المحنة هي التي أرادها من أرادها بالحظر والتحريم من علماء المسلمين، فمنعوا ~~الاشتغال بالجدل سدا للذرائع، واتقاء للفرقة التي تبلبل الأذهان، وتفسد ~~القلوب، وتجر إلى ms019 هذه المشكلات أهل الفضول والبطالة، فيوبقون معهم طوائف ~~الأبرياء من أهل الجد والاستقامة الذين لا طاقة لهم بالمنطق ولا ~~بالجدال. # وكان دخول مصطلحات اليونان على أيدي أناس يجهلون العربية، ويعجزون عن فهم ألفاظ ~~القرآن ومعانيه بابا آخر من أبواب الخلط والغلط في تطبيق البرهان والقياس ... # فمن كان من أصحاب المنطق أهلا لفهمه ومعرفة وجوهه لم يكن أهلا لتطبيقها على ~~معاني القرآن وعباراته؛ لجهله بذوق اللغة وأسرار بلاغتها، ومن كان يعرف اللغة ~~لم يكن من ذوي المعرفة بالبرهان والقياس. وشر من هؤلاء من يجهلون اللغة كما ~~يجهلون المنطق، ثم يهرفون بما لا يعرفون في شئون ترتبط بها سلامة المجتمع، ~~وطمأنينة الخواطر، وشر من هؤلاء أجمعين من يعرفون اللغة والمنطق، ويسيئون النية ~~عمدا لإزعاج الخواطر المطمئنة، وتقويض المجتمع السليم ... # وكل ما ورد عن علماء الإسلام الذين حرموا الجدل، فإنما ينصرف إلى منع هذه اللجاجة ~~التي لمسوا شرورها، وتحققوا من جريرتها، ولم يلمسوا معها منفعة تتحقق بالجدل ~~ولا تتحقق بغيره. فما يغير قوما من الأقوام خطب أفدح عليهم من اشتغالهم ~~بالجدل، وتركهم العمل، كما قال الإمام الأوزاعي. وأسلم المواقف عند ذوي البصر ~~بالدين إذا احتدم الخصام، وشاع المراء والاتهام، أن يصاب المرء ولا يصيب، وأن ~~يتجنب الخصومة، أو يتجنب فيها كل قول مريب. وجماع ذلك شعر حسن يتناقلونه عن ~~مصعب بن عبد الله الزبيري، المتوفى قبيل منتصف القرن الثالث، يقول فيه: # أأقعد بعد ما رجفت عظامي # وكان الموت أقرب ما يليني # أخاصم كل معترض خصيم # وأجعل دينه غرضا لديني # فأترك ما علمت لرأي غيري # وليس الرأي كالعلم اليقين # وما أنا والخصومة وهي لبس # تصرف في الشمال وفي اليمين # وقد سنت لنا سنن قوام # يلحن بكل فج أو دجين # وكان الحق ليس به خفاء # أغر كغرة الفلق المبين # وما عوض لنا منهاج «جهم» # بمنهاج ابن آمنة الأمين # فأما ما علمت فقد كفاني # وأما ما جهلت فجنبوني # فلست بمكفر أحدا يصلي # ولم أجرمكم أن تكفروني # وكنا إخوة نرمي جميعا # فنرمي كل مرتاب ظنين # فأوشك أن ms020 يخر عماد بيت # وينقطع القرين عن القرين # وعلى كثرة الفقهاء الذين عرضوا لهذا الموضوع لا تجد واحدا منهم قصد بالمنع أو ~~التحريم شيئا غير هذا الجدل العقام الذي يمزق وحدة الجماعة، ويصرف العقل عن ~~الفهم، ويأتي إلى المعنى الواضح فيغمضه، ولا يتفق له يوما أن يأتي إلى الغامض ~~فيجلوه ويقربه لمن خفي عليه. فهم في الواقع إنما ينقذون العقل من ضلالة تغشاه ~~فتحجب عنه الحقيقة، ويعيذونه أن يخبط في النهار المبين خبط عشواء. # 1 # وأكبر الفقهاء الذين أفاضوا في بحث هذه المسألة ثلاثة من الأئمة المجتهدين؛ هم: ~~الغزالي، وابن تيمية، وجلال الدين السيوطي، وآخرهم جلال الدين يتابع الإمامين ~~السابقين، ويقتدي بهما في علوم الرياضة والفلسفة، ويقول عن نفسه: إنه ليس من ~~أهل هذه العلوم، كما قال في كتابه حسن المحاضرة: «... وأما علم الحساب فهو أعسر ~~شيء علي، وأبعد عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما جبلا ~~أحمله.» # وإذا أحيل البحث إلى الإمامين الغزالي وابن تيمية، فنحن بين يدي حجتين من حجج ~~المنطق لا يسبقهما فيه سابق من المتقدمين أو المتأخرين، ومناقشتهما للمنطق ~~مناقشة تصحيح وتنقيح، وليست مناقشة هدم للأسس التي يقوم عليها، أو تفنيد للأصول ~~التي يرجع إليها؛ فهما يريدان إثبات الخطأ على من يسيئون تطبيق القياس ~~والبرهان، ولا يريدان محو القياس والبرهان في علم من علوم الدين أو الدنيا التي ~~جاءت من اليونان، أو نشأت بين المسلمين ... # فالغزالي في مفتتح الجزء الأول من كتابه «المستصفى» يذكر من شروط العالم المجتهد ~~غير المقلد أن يحيط بعلم النظر، ويحسن إيراد البرهان وإجراء القياس، وكان ينعى ~~على العلماء أنهم لا يشتغلون بتحصيل هذا العلم، فقال من كلامه على أحاصيل ~~الفلسفة في كتابه المنقذ من الضلال: «إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم ~~الفلسفة، وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ~~ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلعه ~~على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ms021 من غور وغائلة، فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه ~~من فساده حقا. # ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف همته وعنايته إلى ذلك، ولم يكن في كتب ~~المتكلمين من كلامهم؛ حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة، ظاهرة ~~التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بغافل عامي فضلا عمن يدعي حقائق ~~العلوم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية. # 2 # فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم بمجرد المطالعة من غير ~~استعانة بأستاذ ومعلم، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التدريس.» # وبعد دراسة المنطق رأى الغزالي أن خطأ المناطقة إنما يعتريهم من ناحية التطبيق، ~~ولا عيب في أصول النظر على استقامة فهمها، وصدق الرغبة في المعرفة الصحيحة، ومن ~~ذلك قوله في كتاب مقاصد الفلاسفة: «أما المنطقيات فأكثرها على منهج الصواب، ~~والخطأ نادر فيها، وإنما يخالفون أهل الحق فيها بالاصطلاحات والإيرادات دون ~~المعاني والمقاصد.» # ومن كلامه في فاتحة كتاب محك النظر: «إنك إن التمست شرط القياس الصحيح، والحد ~~الصحيح، والتنبيه على منارات الغلط فيها وفقت للجمع بين الأمرين؛ فإنها ~~رباط العلوم كلها.» # ويقول في ختام كتابه الميزان: «لو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في ~~اعتقادك الموروث لتنتدب للقلب، وناهيك به نفعا؛ إذ الشكوك هي الموصلة للحق، ~~فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. ~~نعوذ بالله من ذلك.» # وهو في جميع كتبه يحرم التقليد على من يستطيع الدرس والاهتداء بالتفكير السليم ~~إلى حقائق الدين وسيرته، كما روى عن نفسه مثل لما ينبغي لطالب المعرفة أن ~~يتحراه من البحث عن الحقيقة أينما وجدها، أو قاده السعي إليها، قال في مقدمة ~~المنقذ من الضلال: «ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين ~~إلى الآن - وقد أنافت السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض ~~غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل ms022 ~~مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة؛ ~~لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن # 3 # ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ~~ظاهرا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه ~~فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا ~~صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدا إلا وأرصد ما يرجع ~~إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا متعطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته ~~في تعطيله وزندقته. # وقد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري ~~غريزة وفطرة من الله تعالى.» # فالعقل عند الإمام الغزالي هو العقل في شرعة الإسلام، كلاهما عقل يبتغي الحقيقة ~~حيث كانت، ولا يحجم عن المعرفة حيث أصابها، ولا يقيم فوقه أو بين يديه بابا ~~مغلقا دون قبس من النور يريه ما لم يكن رآه، أو يزيده بصيرة بما رآه. # وإنما تناول بالتحريم عملا ليس من أعمال العقل، ولا هو مما تسيغه العقول ~~الرشيدة، وهو تعريض العامي المقلد للمشكلات التي لا يدركها، ولا يتوفر على ~~درسها وإدراكها، وكل ما يجنيه من يعرضه لها أن يسلبه طمأنينة التقليد، ولا ~~يعوضه منها غير القلق والاضطراب وسوء الطوية، وليس في ابتلاء العامي المقلد ~~بهذه المحنة شيء من العقل، ولا في تجنيبه مضرتها ووبال عقباها مخالفة للعقل، ~~أو حجر عليه. # ويخشى الغزالي فتنة الجدل على الثراثرة المتحذلقين كما يخشاها على العامة ~~المقلدين؛ فهم كالعامة المقلدين أو شر منهم في مصابهم بمضار الجدل، وعجزهم عن ~~الاستفادة من خوض مزالقه وغواياته، قال في الجزء الأول من الإحياء: «وأما ~~المبتدع بعد أن تعلم من الجدل ولو شيئا يسيرا؛ فقلما ينفع معه الكلام؛ فإنك ~~إن أفحمته لم يترك مذهبه، وأحال بالقصور على نفسه، وقدر أن عند غيره جوابا ~~ما هو عاجز عنه، وإنما أنت ملبس عليه بقوة المجادلة. # وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل، فيمكن أن يرد إليه بمثله ms023 قبل أن يشتد ~~التعصب للأهواء، فإذا اشتد تعصبهم وقع اليأس منهم ...» ~~••• # وموقف الإمام ابن تيمية من المنطق والجدل شبيه بموقف الإمام الغزالي، ولكنه يرى ~~أن المنطق سليقة في العقل الإنساني يستغني عنه الذكي، ولا ينتفع به البليد ~~إذا جاء على غير سليقة واستعداد. ومن كان هذا رأيه في المنطق فمحال أن يقال ~~عنه: إنه يلغيه ويحرمه؛ لأنه لا يلغي الفطرة، ولا يحرم تركيبا أودعه الله نفوس ~~خلقه. # ومن نظر في كتب ابن تيمية التي ناقض بها أدعياء المنطق وعشاق الجدل علم أنه كان ~~بصدد إنشاء منطق صحيح، وهداية إلى تطبيق أصول المنطق القويم، ولم يكن متصديا ~~لهدم المنطق من أساسه على جميع وجوهه، وفي جميع تطبيقاته؛ فهو يستخدم قضايا ~~المنطق ليبطل دعوى المناطقة الذين يضعون الحدود في غير مواضعها، ويقيسون ~~الأشباه والنقائض بغير قياسها، ويهدرون الحقائق في سبيل المصطلحات والألفاظ ~~بغير دراية لمعناها. # ومن تخطئته لهم في فهم «الحد» نتبين أنه لا يبطل الحد، ولكنه يبطل قول القائلين ~~أن التصور موقوف عليه، وكلامه عن الحد مثل لكلامه في القياس والقضية وسائر ~~المصطلحات المنطقية، وفيه يقول كما لخصه السيوطي من كتاب «نصيحة أهل الإيمان في ~~الرد على منطق اليونان»: «قولهم: إن التصور لا ينال إلا بالحد، الكلام عليه ~~من وجوه ...» # الأول: # لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت، ~~والقضية سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية لا بد ~~لها من دليل. وأما السلب بلا علم فهو قول بلا علم، ~~فقولهم: لا تحصل التصورات إلا بالحد قضية سالبة ~~وليست بديهية. فمن أين لهم ذلك؟ وإذا كان هذا قولا ~~بلا علم، وهو أول ما أسسوه، فكيف يكون القول بلا علم ~~أساسا لميزان العلم، ولما يزعمون أنها آلة قانونية ~~تعصم مراعاتها الذهن عن أن يزل في فكره ... # الثاني: # أن يقال: الحد يراد به نفس المحدود، وليس مرادهم هنا، ~~ويراد به القول الدال على ماهية المحدود، وهو مرادهم ~~هنا. وهو تفصيل على الاسم بالإجمال، فيقال: إذا كان ~~الحد قول الحاد، فالحاد إما أن يكون عرف ms024 المحدود بحد ~~أو بغير حد؛ فإن كان الأول فالكلام في الحد الثاني ~~كالكلام في الأول، وهو مستلزم للدور أو التسلسل، وإن ~~كان الثاني بطل سلبهم، وهو قولهم: إنه لا يعرف إلا ~~بالحد ... # الثالث: # أن الأمم جميعهم من أهل العلوم والمقالات، وأهل ~~الأعمال والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى ~~معرفتها، ويحققون ما يعانونه من العلوم والأعمال من ~~غير تكلم بحد، ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم ~~بهذه الحدود، لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا ~~الحساب ولا أهل الصناعات، مع أنهم يتصورون مفردات ~~علمهم، فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود ... # الرابع: # إلى الساعة لا يعلم الناس حدا مستقيما على أصلهم، بل ~~أظهر الأشياء - وحده بالحيوان الناطق - فيه ~~الاعتراضات المشهورة، وكذا حد الشمس وأمثاله، حتى ~~إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا للاسم ~~بضعة وعشرين حدا، وكلها معترضة على أصلهم، ~~والأصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين حدا، وكلها ~~أيضا معترضة. # وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة ~~وأهل الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها إلا القليل. ~~فلو كان تصور الأشياء موقوفا على الحدود لم يكن إلى ~~الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور، والتصديق ~~موقوف على التصور، فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق؛ ~~فلا يكون عند بني آدم علم من عامة علومهم. وهذا من ~~أعظم السفسطة ... # الخامس: # أن تصور الحاجة إنما يحصل عندهم بالحد الحقيقي المؤلف ~~من الذاتيات المشتركة والمميزة، وهو المركب من الجنس ~~والفصل. وهذا الحد إما متعذر أو متعسر، كما قد أقروا ~~بذلك، وحينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من الحقائق ~~دائما أو غالبا، وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء ~~التصور عن الحد ... # السادس: # أن الحدود عندهم إنما تكون للحقائق المركبة، وهي ~~الأنواع التي لها جنس وفصل، فأما ما لا تركيب فيه، وهو ~~ما لا يدخل مع غيره تحت جنس - كما مثله بعضهم بالعقل - ~~فليس له حد، وقد عرفوه، وهو من التصورات المطلوبة ~~عندهم. فعلم استغناء التصور عن الحد. بل إذا أمكن ~~معرفة هذا بلا حد ms025 فمعرفة تلك الأنواع أولى؛ لأنها أقرب ~~إلى الجنس، وأشخاصها مشهورة. # وهم يقولون: إن التصديق لا يتوقف على التصور التام ~~الذي يحصل بالحد الحقيقي؛ بل يكفي فيه أدنى تصور ولو ~~بالخاصة، وتصور العقل من هذا الباب. وهذا اعتراف منهم ~~بأن جنس التصور لا يتوقف على الحد الحقيقي ... # السابع: # أن سامع الحد إن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات ألفاظه ~~ودلالاتها على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام، ~~والعلم بأن اللفظ دال على المعنى الموضوع له مسبوق ~~بتصور المعنى، وإن كان متصورا لمسمى اللفظ ومعناه قبل ~~سماعه امتنع أن يقال: إنما تصوره بسماعه ... # الثامن: # إذا كان الحد قول الحاد، فمعلوم أن تصور المعاني لا ~~يفتقر إلى الألفاظ، فإن المتكلم قد تصور ما يقوله بدون ~~لفظ، والمستمع يمكنه ذلك من غير مخاطب بالكلية، فكيف ~~يقال: لا تتصور المفردات إلا بالحد ... # التاسع: # إن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه ~~الظاهرة كالطعم واللون والريح والأجسام التي تحمل هذه ~~الصفات، أو الباطنة كالجوع والحب والبغض، والفرح ~~والحزن، واللذة والألم، والإرادة والكراهة وأمثال ذلك، ~~وكلها غنية عن الحد ... # العاشر: # أنهم يقولون: للمعترض أن يطعن على الحد بالنقض في الطرد ~~أو في المنع، وبالمعارضة بحد آخر، فإذا كان المستمع ~~للحد يبطله بالنقض تارة، وبالمعارضة تارة أخرى - ~~ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود - ~~علم أنه يمكن تصور المحدود بدون الحد، وهو المطلوب ~~... # الحادي عشر: # أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج ~~إلى حد، وحينئذ يقال: كون العلم بديهيا أو نظريا ~~من الأمور النسبية الإضافية، فقد يكون النظري عند رجل ~~بديهيا عند غيره؛ لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو ~~تواتر أو قرائن، والناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتا ~~لا ينضبط؛ فقد يصير البديهي عند هذا دون ذاك بديهيا ~~كذلك أيضا بمثل الأسباب التي حصلت لهذا، ولا يحتاج ~~إلى حد ... # ثم ينتقل الإمام إلى تعريف الحد فيقول: «المحققون من النظار على أن الحد فائدته ~~التمييز بين المحدود وغيره، فالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف حقيقته، ms026 ~~وإنما يدعي هذا أهل المنطق اليونانيون أتباع أرسطو ومن سلك سبيلهم - تقليدا ~~لهم - من الإسلاميين وغيرهم. # فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا، وإنما أدخل هذا ~~من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة، وهم الذين ~~تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني، وأما سائر النظار - من جميع ~~الطوائف الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم - فعندهم: إنما يفيد الحد ~~التمييز بين المحدود وغيره، وذلك مشهور في كتب أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي ~~بكر، وأبي إسحق، وابن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وإمام الحرمين، ~~والنسفي، وأبي علي، وأبي هاشم، وعبد الجبار، والطوشي، ومحمد بن الهيثم ~~وغيرهم. # ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعا، وقد كانت ~~الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع، وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق ~~الأشياء بدون وضعهم، وهم إذا تدبروا وجدوا أنفسهم يعلمون حقائق الأشياء بدون ~~هذه الصناعة الوضعية ...» ~~••• # فهذا وما جرى مجراه من كلام الإمام ابن تيمية تصحيح للمنطق، وتحرير للعقل من قيود ~~المصطلحات التي تعوقه عن النظر السليم، ولا تطلقه على سوائه، ووجهته أن ~~المنطق مقيد بالعقل، وليس العقل مقيدا بالمنطق كما جعله المقلدون من عباد ~~الألفاظ، وأصحاب اللجاجة بالمصطلحات الموضوعة. # ومن إحاطة هذا الإمام الثبت بفنون البحث أن يستقصيه إثباتا ونفيا في كل باب من ~~أبوابه، وعلى كل منهج من مناهجه، سواء منها ما شاع في عصره، وما ندر في ذلك ~~العصر وشاع في الزمن الأخير حتى حسبه بعضهم من مخترعات العصر الحديث؛ ~~كالاستقراء الذي يشبه الإحصاء، والمقارنة بالأرقام والمقادير. # فمن حججه على أدعياء المنطق وأصحاب الجدل مشاهدات الواقع وإحصاءاته المحسوسة التي ~~أثبتت له قلة جدوى المصطلحات المنطقية في الفهم والتفاهم، والتوفيق بين الآراء ~~وتقريب العقول من الإقناع والاقتناع، قال في كتابه نقض المنطق: «إنك تجدهم أعظم ~~الناس شكا واضطرابا، وأضعف الناس علما ويقينا. وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ~~ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر ms027 هنا، وإنما فضيلة أحدهم ~~باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل. # ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة، وأحسن أحوال صاحبه أن ~~يكون بمنزلة العامي، وإنما العلم في جواب السؤال؛ ولهذا تجد غالب حججهم تتكفأ؛ ~~إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر، وقد قيل: إن الأشعري - مع أنه من أقربهم إلى ~~السنة والحديث وأعلمهم بذلك - صنف في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة، يعني ~~أدلة علم الكلام؛ فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها. # وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم، كما ذكرناه عن أبي حامد ~~وغيره، حتى قال أبو حامد الغزالي: «أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام». ~~وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب - باب الحيرة والشك ~~والاضطراب - لكن هو مسرف في هذا الباب، بحيث إنه يتهم في التشكيك دون التحقيق، ~~بخلاف غيره فإنه يحقق شيئا ويثبت على نوع من الحق، لكن بعض الناس قد يثبت على ~~باطل محض؛ بل لا بد فيه من نوع من الحق. # وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام ابن واصل الحموي، كان يقول: ~~أستلقي على قفاي، وأضع الملحفة على نصف وجهي، ثم أذكر المقالات، وحجج هؤلاء ~~وهؤلاء، واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى مطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء؛ ولهذا أنشد ~~الخطابي: # حجج تهافت كالزجاج تخالها # حقا وكل كاسر مكسور # فإذا كانت هذه حال حججهم، فأي لغو باطل وحشو يكون أعظم من هذا؟!» # ثم استطرد من هذا قائلا ما فحواه: إن الخلاف يقل كلما قل المنطق، ويكثر ويشتد ~~كلما كثرت مناقشاته، واشتدت منازعاته. وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل ~~الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة؛ بل المتفلسف أعظم ~~اضطرابا وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن ~~الأنبياء ما ليس عند المتفلسف؛ ولهذا تجد مثل أبي الحسن البصري وأمثاله أثبت من ~~مثل ابن سينا وأمثاله. # وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا، مع دعوى كل ms028 منهم ~~أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان، وأهل السنة والحديث أعظم الناس ~~اتفاقا وائتلافا، وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب؛ كان إلى الاتفاق ~~والائتلاف أقرب. # فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد ~~والنبوات؛ بل وفي الطبيعيات والرياضيات وصفات الأفلاك من الأقوال ما لا يحصيه ~~إلا ذو الجلال. وقد ذكر في جميع مقالات الأوائل؛ مثل أبي الحسن الأشعري في كتاب ~~المقالات، ومثل القاضي أبي بكر في كتاب الدقائق من مقالاتهم ما يذكره الفارابي ~~وابن سينا وأمثالهما أضعافا مضاعفة ... # وأهل الإثبات من المتكلمين، مثل الكلابية والكرامية والأشعرية، أكثر اتفاقا ~~وائتلافا من المعتزلة؛ فإن في المعتزلة من الاختلاف وتكفير بعضهم بعضا حتى ~~ليكفر التلميذ أستاذه من جنس ما بين الخوارج. وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة ~~من ذلك ما يطول وصفه؛ فلست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء ~~من القرآن والحديث وما يتبع ذلك، ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ~~ذلك وقدم غيره عليه ... # وقد سلك ابن تيمية هذا المسلك في مواضع كثيرة من رسائله وكتبه التي أدارها على ~~مناقضة الجدليين والمناطقة المتشبثين بالمصطلحات والتعريفات اللفظية، فلا يسع ~~منصفا أن يظن به أنه يحرم الحجة والبرهان. وهذه حججه وبراهينه تعتمد على ~~الدليل والقرينة والاستقراء والمشاهدة، وكل ما تنتظم به قضايا المنطق ~~ودعاواه. # وغاية ما يقوله المنصف: إن التحريم عنده مقصود به اللغو والجدل والولع بالسفسطة ~~على غير جدوى، وإنه تحكيم للعقل في المنطق إنقاذا له من تحكيم المنطق فيه، ولا ~~يكون المنطق متحكما في العقل صارفا له عن النظر القويم إلا إذا غلبت فيه ~~أشكال اللفظ والصيغة على حقائق المعنى وجواهره. فهو بهذه المثابة ربقة للعقول ~~ينبغي للمفكرين أن يطلقوها من شباكها؛ ليستقيموا بها على سوائها ... # وما كان ابن تيمية بالذي يظن به أن يعادي المنطق لأنه يجهله ويستخف به مداراة ~~لعجزه عنه؛ فإن معرفته به ظاهرة في معارض قوله كأنه من زمرة المتخصصين له، ~~والمتفرغين لدراسته وحذق أساليبه، ومثل ms029 هذا لا يتصدى للمنطق إلا أن يكون فيه ما ~~يخشى ضرره على الناس، ولا سيما المشتغلين به من غير أهله ... # ولقد تصدى للمناطقة الجدليين هذان الإمامان الجليلان - أبو حامد الغزالي وابن ~~تيمية - وكلاهما يلقب بحجة الإسلام، ويدل تلقيبه بهذا اللقب على المكانة التي ~~استحقاها بين المسلمين بالقدرة على الاحتجاج وإقامة الدليل؛ فليس من شأن علماء ~~الإسلام ولا من شأن المسلمين الذين يجلونهم، ويقتدون بهم، ويستمعون إليهم، أن ~~تسقط عندهم الحجة، ويبطل بينهم الإقناع، وما خسر من المنطق شيئا من خلصت له ~~الحجة القائمة؛ فإن إقامة الحجة هي المنطق السليم في جوهره الصحيح منطلقا من ~~عوائق الأشكال والعناوين ... # ولا يخفى أن للمسلمين عقيدة واحدة فيما يرجع إلى أوامر القرآن ونواهيه، وإلى ~~الصريح من نصوص التحليل والتحريم فيه. فلا مذاهب هنا ولا شيع ولا تأويلات، ومتى ~~صرح الكتاب المبين بوجوب التعويل على العقل، أو فوض للإنسان حق التعويل على ~~عقله، فليس لمسلم أن ينازع في هذا الحق أو في ذلك الواجب، ولكن الإسلام - كما ~~هو معلوم - قد دانت به شعوب متفرقة الأصول والأجناس واللغات، جاءته بتراث في ~~عاداتها وأفكارها، فسرى هذا الاختلاف إلى تفسيراتها لبعض الآيات، وتأويلاتها ~~لبعض الأقوال والعبارات. # ويجوز أن يقع هذا الاختلاف فيما يتعلق بمواضع النظر، وأساليب الفهم والتفكير، ~~وهكذا خطر لبعض المستشرقين وكتاب الغرب الذين بحثوا في علاقة اختلاف الشعوب ~~باختلاف مذاهب النظر والاجتهاد، فظن بعضهم أن طوائف الشيعة آمنت بالإمام ~~لأنها ورثت تقديس الرؤساء والأحبار، وقيدت من حق العقل في البحث والفهم بمقدار ~~ما أطلقت من سلطان الإمام، ووكلت إليه من حق القيادة والإرشاد ... # وفي هذا الظن من المستشرقين وهم لا شك فيه؛ لأن هذه المسألة بذاتها - مسألة ~~الدراسة العقلية - قد كانت في طليعة المسائل التي اشتغل بها الشيعة الإماميون، ~~ومن أفواه الشيعة الإماميين تلقى أساطين الفلسفة الإسلامية كلامهم في العقل ~~والنفس، وفي مذهب الأفلاطونية الحديثة ومذهب أفلوطين منها على التخصيص. # ويقول الشيخ الرئيس ابن سينا فيما رواه عنه تلميذه الجوزجاني: «كان أبي ممن أجاب ~~داعي المصريين، ms030 ويعد من الإسماعيلية، وقد سمعت منهم ذكر النفس والعقل على الوجه ~~الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي» ... # والفارابي أستاذ ابن سينا بالاطلاع والقدوة نشأ فيما وراء النهر، ووعى أقوال ~~الشيعة الإمامية في شروط الإمامة، ومزج بينها وبين شروط أفلاطون في كتاب ~~الجمهورية، فجعل الإمام صفوة الخلق في كمال الصفات، واجتماع الفضائل العقلية ~~والنفسية؛ بل فضائل الجسد التي تنزهت عن شوائب الضعف والمرض. وكان إخوان الصفاء ~~يدينون بمذهب في الإمامة كهذا المذهب، ويؤلفون الرسائل مع هذا في المنطق، وفي ~~علوم الرياضة والفلك وما إليها من علومهم العقلية ... # فالدراسات المنطقية - وسائر الدراسات العقلية - كانت من شواغل الشيعة الإماميين، ~~ولم يكن إيمانهم بالإمامة مما يصرف العقل عن التوسع في علم من العلوم، وربما ~~أخذت عليهم طوائف المسلمين إفراطا في هذا الباب، ولم تأخذ عليهم تفريطا فيه ~~يتعمدونه أو يساقون إليه على غير عمد. # وإنما كان الإمام عندهم مرجع المختلفين حين ينقطع بهم القياس، ويئول الرأي إلى ~~هداية المعلم فيما جاوز طاقة المتعلمين، وحجتهم في ذلك أن المعرفة لا تتحقق ~~كلها بالقياس، وأن شيئا وراء القياس ينبغي أن يصار إليه في حال من الأحوال، ~~وهم يلجئون إلى القياس حتى في إثبات هذه الحقيقة، كما يؤخذ من المناقشة ~~المشهورة بين الإمامين جعفر الصادق وأبي حنيفة؛ قال الإمام جعفر: أيهما أكبر يا ~~نعمان؛ القتل أو الزنى؟ قال الإمام أبو حنيفة: القتل، فقال الإمام جعفر: فلم ~~جعل الله في القتل شاهدين، وفي الزنى أربعة؟ أينقاس لك هذا؟ ثم قال: فأيما ~~أكبر؛ البول أو المني؟ قال: البول، قال: فلم أمر الله في البول بالوضوء، وفي ~~المني بالغسل؟ أينقاس لك هذا؟ # 4 # إلى آخر الأمثلة التي ساقها الإمام جعفر ... وهي في الواقع قياس ~~للدلالة على أن القياس لا يغني في جميع الأحوال عن الرجوع إلى الإمام ~~المتبوع، فليس هو إنكارا للقياس، ولكنه إنكار لدعوى من يدعي أن القياس يصلح ~~لكل قضية، ويفض كل خلاف ... # ولسنا نقول: إن الأمثلة قاطعة بالحجة؛ لأن الواقع أن إثبات القتل أيسر من ~~إثبات الزنى، ms031 وأن تأويل الاختلاف بين طهارة الوضوء وطهارة الغسل لا يمتنع ~~بالدليل المعقول؛ فإن المسألة هنا ليست مسألة مادة تخرج من الجسم وكفى، ولكنها ~~مسألة الاختلاف بين حالة يضطرب لها الجسم كله، وحالة لا اضطراب فيها، كذلك ~~الاضطراب، وهو اختلاف يكفي لتفسير التطهير في إحداهما بالوضوء، والتطهر في ~~الأخرى بالغسل الذي يعم جميع الأعضاء ... # إلا أن المثل الذي ساقه الإمام كان في بيان لزوم القياس حتى في مناقشة القياس ~~على إطلاقه، ولم يخطئ التوفيق جماعة المستشرقين في شيء كما أخطأهم في ظنهم أن ~~تحكيم العقل محظور على طائفة المسلمين؛ لأنها ترى في الإمامة رأيا يخالف جملة ~~الآراء في هذا الباب. # ولعل الروايات التي يتناقلها المستشرقون أنفسهم عن الإسماعيلية والإمامية والفرق ~~التي يسمونها بالباطنية خليقة أن تكون شاهدا صالحا عندهم؛ لإفراط هذه الطائفة ~~في الاشتغال بالمنطق لو أرادوا أن يصفوها بالإفراط فيه ... أما إنها تنكر المنطق، ~~أو تنكر النظر والقياس، فلا شبهة له مما تناقلوه عنهم من تلك الروايات ... # ولا غرابة - بعد - في قيام فرقة بين المسلمين تخالف سائر الفرق في موضوع العقل ~~والمنطق؛ فإن الديانات لم تخل قط من أمثال هذا الخلاف على وجه من الوجوه، ولكن ~~الواقع المقرر في هذه المسألة بذاتها أن حرية العقل لا يقيدها في الإسلام حكم ~~مأثور على مذهب راجح أو على مذهب مرجوح ... # الفصل الرابع # | الفلسفة # فلسفة التاريخ، وفلسفة اللغة، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة الرياضة وغيرها من أنواع ~~الفلسفة مصطلحات حديثة يراد بها البحث في النظريات والأفكار التي تقوم عليها ~~تلك العلوم، أو البحث في النظريات والأفكار التي تفسر تلك العلوم، وتبين وجهتها ~~وغايتها، ويراد بهذه الفلسفات - إجمالا - أنها دراسات فكرية فرضية غير ~~الدراسات التي تقررت بالوقائع والتجارب المحسوسة من قبيل علوم الطبيعة وما جرى ~~مجراها ... # إلا أن الفلسفة التي نعنيها هنا أعم من هذه الفلسفات جميعا؛ لأنها قد تشملها ~~من وجهة النظر في الأصول، وتجاوزها إلى البحث فيما وراء الحقائق المحسوسة، مما ~~يسمى أحيانا بالبحث فيما وراء الطبيعة، أو البحث في كنه الوجود كله على ms032 ~~التعميم ... # ويلاحظ في التاريخ المتواتر أن هذه الفلسفة العامة - فلسفة ما وراء الطبيعة - ~~شاعت في بعض الأمم القديمة، وقل شيوعها في أمم أخرى ... # ويلاحظ كذلك أن بلاد الدول الكبار لم تكن بيئات صالحة لنشأة هذه الفلسفة ونبوغ ~~فلاسفتها ، وأن الأمر لا يرجع إلى اختلاف درجات الحضارة؛ بل إلى أسباب غير هذا ~~السبب، كما يؤخذ من تواريخ الحضارات الأولى ... # فالهند ومصر وبلاد ما بين النهرين وبلاد الدولة الرومانية كانت على درجة عالية من ~~الحضارة، وعلى حظ وافر من العلوم والصناعات، ولكنها لم تتسع لشيوع الفلسفة، كما ~~اتسعت لها بلاد اليونان في عصر من عصورها قبيل ميلاد المسيح، وهي مع ذلك لم ~~تبلغ من الحضارة والعلم والصناعة مبلغ البلاد التي قامت فيها الدول الكبرى، وقل ~~فيها شيوع الفلسفة ونبوغ الفلاسفة ... # والباحثون الأوروبيون يحبون أن يعللوا ذلك بعلة ترضيهم، وتدل عندهم على امتياز ~~السلالات الأوروبية بين جميع السلالات البشرية ... # يقولون: إن طلب المعرفة لمحض المعرفة مزية من مزايا العقل الأوروبي دون غيره ~~بين عقول الأمم من سائر الأجناس، وإن الأمم من غير الأجناس الأوروبية تطلب ~~العلم لمنفعة، وتهتم بالمعرفة لما تستفيده منها في معاشها، ولا تهتم بها لأنها ~~مطبوعة على التفكير وطلب الحقيقة لذاتها ... # ودلائل العصبية العنصرية هنا ظاهرة تكفي لإخراج هذه العلة من عداد العلل العلمية ~~الخالصة لوجه البحث والمعرفة. وقد حدث للأمم الأوروبية أنها حجرت على الفلسفة ~~حين عرضت لها ظروف اجتماعية أو سياسية كالظروف التي سبقتها في الدول الشرقية ~~... # فالسبب العنصري هنا قاصر عن تفسير العلة في اختلاف إقبال الأمم على الفلسفة، ~~وإنما ترجع تلك العلة إلى أسباب واحدة بين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر ~~كلما تشابهت الظروف على تباعد الأزمنة والجهات ... # والغالب أن الدول الكبيرة، وهي الدول التي تقوم عادة على الأنهار الكبيرة، ~~تستقر فيها سلطة دينية متوارثة كالسلطة السياسية، وأن هذه السلطة الدينية ~~تستأثر بمباحث العقيدة ومباحث ما وراء الطبيعة، ولا تسمح لأحد بأن يزاحمها في ~~المعارف التي تتعلق بالأرباب وأسرار الخلق وأصول الحياة، أو أصول الوجود كله ms033 ~~على التعميم. # وقد وجدت هذه السلطة الدينية القوية في أوروبا بين القرن الثامن والقرن الخامس ~~عشر للميلاد، فامتنع ظهور الفلسفة فيها، وساء حظ الفلاسفة بين علمائها ومحتكري ~~العلم من أحبارها وكهانها. # وحدث قبل ميلاد السيد المسيح أن عبادة الإمبراطور تقررت في الدولة الرومانية، ~~وأن الدولة عرفت سلطان الكهانة بين شعوبها؛ فامتنع فيها ظهور الفلسفة ونبوغ ~~الفلاسفة، ولم يكن محصولها منها بأوفر من محصول الفلسفة في دول الحضارات ~~الشرقية، وقامت الدولة الرومانية ثم سقطت وهي عالة على بقايا الفلسفة ~~اليونانية، تأخذ منها ما يحسب من فلسفة السلوك والأخلاق، وتحجم عما عداها من ~~أبواب الفلسفة المعنية بما وراء الطبيعة وما تخوض فيه من المشكلات والأسرار ~~... # وقد فسر الإسلام هذا الفارق بين الأمم في عنايتها العامة بالفلسفة على طريقته ~~العملية حين قامت فيه الدولة بغير كهانة، فكانت دولة الإسلام أرحب الدول صدرا، ~~وأسمحها فكرا مع الفلسفة على عمومها، والفلسفة اليونانية في جملتها؛ بل كانت ~~الأمة الإسلامية أرحب صدرا، وأسمح فكرا مع الفلسفة اليونانية من بلاد العالم ~~اليوناني الذي نشأت فيه، كما يؤخذ من مصائر الفلاسفة بين أبناء العالم اليوناني ~~ومصائر الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين في بلاد الإسلام. # كان «ثالوث» الفلسفة الأكبر يتجمع من سقراط، وأفلاطون تلميذ سقراط، وأرسطو تلميذ ~~أفلاطون، وكان أشهر الفلاسفة بعد هذين فيثاغوراس إمام الحكمة الصوفية، وزينون ~~إمام الفلسفة الرواقية. وكل من هؤلاء الحكماء - المعبرين عن حكمة عصورهم - قد ~~أصيب في زمنه بمصاب لا يدل على قرار أمين ... # فسقراط قضي عليه بالموت، وأفلاطون بيع في سوق العبيد، وأرسطو نجا بنفسه من أثينا ~~خوفا من عاقبة سقراط، بعد أن رماه كاهن من كهانها بالإلحاد، وقيل: إنه ألقى ~~بنفسه في البحر، وزعم بعض مؤرخيه أنه لم يبخع نفسه فرارا من الاضطهاد؛ بل ~~غما من تفسير علة المد والجزر في البحر الذي ألقى بنفسه فيه. # أما فيثاغوراس فقد مات قتيلا بجانب مزرعة فول، وبخع زينون نفسه لأن الآلهة أمرته ~~بذلك، كما قال لبعض تلاميذه، ولا تعلم على التحقيق علاقة مصيره هذا ولا مصير ms034 ~~فيثاغوراس بالدعوة الفلسفية، ولكنه - على أي وجه من الوجوه - مصير لا يدل كما ~~أسلفنا على قرار أمين. # ونقارن بين هذه الأحوال التي عرضت لأكبر فلاسفة اليونان وبين أحوال الفلاسفة من ~~المسلمين من المشتغلين بالفلسفة اليونانية، وهي أجنبية في البلاد الإسلامية، ~~فلا نرى أحدا أصيب بمثل هذا المصاب من جراء الفلسفة أو الأفكار الفلسفية، ومن ~~أصيب منهم يوما بمكروه، فإنما كان مصابه من كيد السياسة، ولم يكن من حرج ~~بالفلسفة أو حجر على الأفكار ... # فأشهر الفلاسفة المسلمين في المشرق ابن سينا، الملقب بالشيخ الرئيس، دخل ~~السجن؛ لأنه كان عند أمير همدان فبرم بالمقام عنده، وأراد أن يلحق بأمير أصفهان ~~علاء الدولة ابن كاكويه، فسجنه أمير همدان ليبقيه إلى جواره، ولم يسجنه عقوبة ~~له على رأي من آرائه. # وابن رشد أشهر الفلاسفة المسلمين في المغرب أصابته النكبة؛ لأنه لقب الخليفة ~~المنصور في بعض كتبه بلقب ملك البربر، وكان يصادق أخاه «أبا يحيى» ويرفع الكلفة ~~بينه وبين الخليفة فيناديه «يا أخي» وهو في مجلسه الخاص بين وزرائه ~~وكبرائه. # ويحتاج المؤرخ في كل مصادره فكرية أو دينية - كما قلنا في تاريخ الفيلسوف # 1 ~~- إلى البحث عن سببين؛ أحدهما معلن، والآخر مضمر؛ فقليلا ما كان ~~السبب الظاهر هو سبب النكبة الصحيح، وكثيرا ما كان للنكبة غير سببها الظاهر ~~سبب آخر يدور على بواعث شخصية أو سياسية تهم ذوي السلطان. ويسري هذا على ~~الشعراء كما يسري على الفلاسفة، ويسري على الجماعات كما يسري على ~~الآحاد. # ولقد نكب بشار ولم ينكب مطيع بن إياس وكلاهما كان يتزندق، ويهرف في أمور الزندقة ~~بما لا يعرف، ولكن بشارا هجا الخليفة، ومطيعا لم يقترف هذه الحماقة؛ فنجا ~~مطيع وهلك بشار، ولم يكن ابن رشد أول شارح لكتب الأقدمين؛ فقد سبقه ابن باجة ~~إلى شرح بعضها وإن لم يتوسع في هذا العمل مثل توسعه، ولكن ابن باجة كان يحسن ~~مصاحبة السلطان، وابن رشد لم يكن يحسن هذه الصناعة، فنكب ابن رشد ولم ينكب ابن ~~باجة، ولم يغن عن الفيلسوف المنكوب أنه ms035 شرح الكتب، كما تقدم، بأمر من أبي ~~الخليفة. # واشتغل بالفلسفة اليونانية غير ابن سينا وابن رشد أعلام من هذه الطبقة من طراز ~~الكندي والفارابي والرازي، كما اشتغل بها أناس دون هذه الطبقة في الشهرة ~~والمكانة، فلم يصب أحدهم بسوء من جراء تفكيره، ولم يصدهم أحد عن البحث والكتابة ~~إلا أن تستدرجهم حبالة من حبائل السياسة، فينالهم منها ما ينال سائر ضحاياها، ~~ولو لم يكن أسهم في مذاهب الفلسفة أو الدين ... ~~••• # وربما كمنت السياسة وراء دعوات المتفلسفين كما كانت وراء المصادرة من جانب الدولة ~~وحكامها؛ لأن الزندقة التي كانت تتستر بستار الفلسفة إنما كانت في ناحية من ~~نواحيها ثورة مجوسية ترمي إلى هدم الدولة الإسلامية من أساسها، وإقامة الدولة ~~الفارسية في مكانها. # وتنسب الزندقة في أرجح الأقوال إلى كلمة «زندا» التي كانت تطلق على شرح كتاب ~~«زردشت» وتعليقات الديانة المجوسية، وربما عمد الخلفاء إلى أناس من العلويين ~~فاتهموهم بالزندقة، على خلاف المعقول أو المنتظر من أسرة تقيم حقوقها في ~~الخلافة على وراثة النبي - عليه السلام - والمحافظة على رسالته الدينية، ولكن ~~الشبهة كانت تلحق بهم من الاشتراك في مقاومة الدولة ولو على غير تفاهم بين ~~الفريقين. وكان أعوان الدولة يحشرونهم جميعا في زمرة واحدة لتشويه الحركة ~~العلوية بإلقاء الشبهة عليها من الوجهة الدينية. # أما فيما عدا السياسة وشبهاتها ومكائدها، فلم يصادر أحد من المشتغلين بالفلسفة ~~لأنه يتفلسف، أو يخوض في بحث من البحوث الفكرية على تشعبها، وما لم يكن هذا ~~المتفلسف عدوا مجاهرا بمحاربة الدين والدولة ونشر الفتنة، فلا جناح عليه ولا ~~قدرة لخليفة أو أمير على مصادرته باسم الإسلام. # ويصدق هذا من باب أولى على الفلسفة الإسلامية كما يصدق على الفلسفة الأجنبية، فلم ~~تنقطع بحوث المعتزلة وعلماء الكلام لغير علة من علل السياسة لا تلبث أن تزول ~~بزوال المعتلين بها. # وقد طرق المعتزلة وعلماء الكلام كل باب مغلق من أبواب الأسرار الدينية التي حجرت ~~عليها الكهانات القوية في الديانات الأولى؛ فنظروا في العقيدة الإلهية، وفي ~~أصول الخلق والوجود، وأحكام النبوءات، وعددوا ms036 الأقوال والآراء في كل باب من ~~هذه الأبواب على أوسع مدى، وأصرح بيان، ووسعهم الإسلام جميعا وإن ضاق بفريق ~~منهم في بعض الأحيان. ~~••• # ومن البديهي أن أشياع الفرق يخطئون في مناقشاتهم، وأن الأمراء يخطئون في ~~سياستهم، وأن الدين يتبعه المخطئ والمصيب، والخادع والناصح، فليس حكم الإسلام ~~في مباحث الفلسفة برأي هذه الفرقة في تلك، ولا هو بحيلة هذا الأمير أو ذاك فيما ~~يقصدان إليه من مآرب السياسة، وإنما حكم الإسلام هو حكم الكتاب والسنة المتفق ~~عليها. # وليس في الكتاب ولا في السنة كلمة واحدة تحجر على التفكير في شأن من شئون ~~الفلسفة، أو مذهب من مذاهبها ما لم تكن في المذهب الفلسفي موبقة غير مأمونة على ~~الشريعة، أو على سلامة الجماعة، فلا جناح على الفيلسوف أن ينظر فيما شاء، وأن ~~يفصح عن وجهة نظره كما شاء ... # وإذا بدا لنا أن نلتمس مقياس الحرية الفكرية من الواقع الماثل للعيان، أو من ~~الناحية العملية التي تنكشف لنا في حياتنا اليومية؛ فهنالك إلى جانب الكتاب ~~والسنة دليل على حرية الإسلام يتقرر بحكم التاريخ الواقع، ولا يلجئنا إلى تأويل ~~الآيات والأحاديث. وهذا الواقع يقرر لنا دليله من روح الدين التي يوحي بها إلى ~~جملة أتباعه في جملة عصوره. # فلم يكن من روح الإسلام التي أوحى بها إلى جماعاته أن يثير فيهم البغضاء للفكر ~~والمفكرين، وأن يبيح لهم عقوبتهم بالتعذيب والإحراق والحرمان من حقوق الإنسان، ~~ولم يكن هذا الدليل الواقعي من روح الإسلام مقصورا على وطن أو سلالة فيقال: ~~إنه مستمد من تراث ذلك الوطن أو تلك السلالة، ولكنه عم بلاد المسلمين جميعا في ~~عصور كثيرة، فلا يرجع به المؤرخ المنصف إلى وحي غير وحي الكتاب الكريم ... # وتتجلى سعة الدين الإسلامي في موقف الفلاسفة منه، كما تتجلى في موقف الدين من ~~الفلاسفة؛ فإن كبار الفلاسفة المسلمين قد خاضوا غمار الأفكار الأجنبية بين ~~يونانية وهندية وفارسية، وعرضوا لكل مشكلة من مشاكل العقل والإيمان، وتكلموا عن ~~وجود الله ووجود العالم ووجود النفس، وخرجوا من سبحاتهم الطويلة في ms037 هذه المعالم ~~والمجاهل فلاسفة مسلمين دون أن يعنتوا أذهانهم في التخريج والتأويل ... # ومنهم من ترجم أرسطو وأفلاطون إلى الإسلام فكرا وتقديرا، فلم يعسر عليه أن يذهب ~~معهما إلى أقصى المدى في رأي العقل دون أن يخرج من حظيرة الدين ... ~~••• # ونحن - فيما نعلم من مذاهب هؤلاء الفلاسفة الكبار - لا نرى فيلسوفا قال في الخلق ~~والخالق ما ينكره المسلم المؤمن بالله والوحي، أو جنح به التعبير الفلسفي إلى ~~قول يأباه السامع الذي تعود التعبير عن مسائل الدين بلغته العربية، وأسلوبه ~~المتعارف بين جمهرة المتدينين ... # وأكبر الفلاسفة المسلمين الذين استوعبوا مسائل الفلسفة فيما وراء الطبيعة هم في ~~الرأي الغالب بين مؤرخي الثقافة الإسلامية: أبو نصر الفارابي، وأبو علي ابن ~~سينا في المشرق، وأبو الوليد بن رشد في المغرب، وكلهم قد اطلع على قسط وافر من ~~فلسفة الحكيمين أفلاطون وأرسطو وطائفة من آراء الحكماء الآخرين، وليس فيهم من ~~ذهب إلى رأي فيما وراء الطبيعة لا يذهب إليه الفيلسوف المسلم إذا تكلم بلغة ~~الفلاسفة ... ~~«والفارابي هو أول الفلاسفة المسلمين الذين تتلمذ لهم ابن سينا نوعا من التلمذة ~~... فقرأ له وانتفع بما قرأ في فهم مضامين الفلسفة اليونانية، وكان «المعلم ~~الثاني» معلما كاملا له في معضلات الفلسفة الإلهية بجملتها؛ لأنه أضاف مسائل ~~الحكمة الدينية إلى مسائل الحكمة المنطقية، وأدخل مسألة التوفيق بين العقل ~~والوحي في حسابه، وقد كانت من المسائل الحديثة في الإسلام فلم يبل فيها أحد ~~بلاء الفارابي، ولا جاوز أحد فيها مداه الذي انتهى إليه وإن تبعه في هذا المجال ~~كثيرون ... ومن توفيقاته أنه سمى العقل الفعال بالروح الأمين، وسمى العقول ~~بالملائكة، وسمى الأفلاك التي فيها العقول بالملأ الأعلى، وقال: إن صفات الله ~~الأزلية هي المثل الأولى ...» ~~«والذي اتفق عليه جلة الثقات أن فلسفة الفارابي فلسفة إسلامية لا غبار عليها؛ ~~فلم ير فيها جمهرة المسلمين المعنيين بالبحث الفكري حرجا ولا موضع ريبة، ولا ~~نخالها تغضب متدينا بالإسلام أو بغيره من الأديان ...» # فالمعلم الثاني يبرئ المعلم الأول - وهو أرسطو - من إنكار خلق العالم، ويفسر ~~آراءه ms038 على وجه يرضاه المؤمنون بالله والنبوات ... ~~«فالله عنده هو «السبب الأول»، والسبب الأول واجب الوجود.» # لأن العقل يستلزم وجوده، ولا يستطيع أن ينفيه بحال؛ فكل شيء له سبب، وكل سبب له ~~سبب متقدم عليه، وهكذا إلى السبب الأول الذي لا يتقدمه سبب من الأسباب، وإلا ~~وقعنا في الدور والتسلسل وهما باطلان ... ~~«وهذا السبب الأول واحد لا يتكرر، بسيط لا يتغير؛ لأنه لو تكرر أو تغير لاختلف ~~ووجب البحث عن سبب لاختلافه، وقد انتهت إليه جميع الأسباب ...» ~~«هذا السبب الأول هو علة وجود كل موجود، ولا يمكن أن يكون العالم هو السبب الأول؛ ~~لأنه متكرر متغير، فلا بد له من سبب متقدم عليه، ومن ثم تنقسم الموجودات إلى ~~قسمين؛ قسم «واجب الوجود» يستلزم العقل وجوده لا محالة، وهذا هو السبب الأول، ~~أو هذا هو الله سبحانه وتعالى، ويوصف بكل صفات الكمال دون أن يقتضي ذلك التعدد؛ ~~لأن نفي النقائص المتعددة لا يقتضي التعدد، بل هو صفة واحدة معناها الكمال ~~...» ~~«وقسم مفتقر إلى سبب، ووجوده ممكن، ولكنه ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود ~~بالفعل بسبب واجب، فهو مخلوق على هذا الاعتبار.» # قال الفارابي ينفي الظنة عن أرسطو في إنكار القول بخلق العالم: «ومما دعاهم إلى ~~ذلك الظن أيضا ما يذكره في كتاب السماء والعالم، أن الكون ليس له بدء زماني، ~~فيظنون عند ذلك أنه يقول بقدم العالم وليس الأمر كذلك؛ إذ قد تقدم فبين في ذلك ~~الكتاب وغيره من الكتب الطبيعية والإلهية أن الزمان إنما هو عدد حركة الفلك، ~~وعنه يحدث، وما يحدث عن الشيء لا يشتمل ذلك الشيء. # ومعنى قوله أن العالم ليس له بدء زماني أنه لم يتكون أولا فأولا بأجزائه كما ~~يتكون البيت مثلا، أو الحيوان الذي يتكون أولا فأولا بأجزائه، فإن أجزاءه ~~يتقدم بعضها بعضا بالزمان، والزمان حادث عن حركة الفلك، فمحال أن يكون لحدوثه ~~بدء زماني، ويصح بذلك أنه إنما يكون عن إبداع الباري جل جلاله إياه دفعة واحدة ~~بلا زمان، وعن حركته حدث الزمان ...» # وعلى هذا ms039 يكون الخلق في رأي المعلم الثاني هو الإخراج من الإمكان إلى الفعل، ~~ويكون الوجود بالفعل مصاحبا للزمان. أما الوجود بالقوة فهو في علم الله الذي ~~لا زمان له ولا مكان؛ لأن الله أبدي لا أول له ولا آخر، وإنما يقترن الزمان ~~بالموجودات المتحركات. وهذا ولا ريب اجتهاد من المعلم الثاني في تفسير كلام ~~المعلم الأول، ولكنه استحسن هذا الاجتهاد؛ لأنه قرأ كتاب «الثيولوجية» أو ~~الربوبية كما سماه، وظنه من تواليف أرسطو، وهو من آراء أفلوطين وتفسير ملك ~~الصوري وإسكندر الأفروديسي. # ولهذا استطرد الفارابي بعد الكلام السابق قائلا: «ومن نظر في أقاويله في ~~الربوبية في الكتاب المعروف بأثولوجية لم يشتبه عليه أمره في إثباته الصانع ~~المبدع لهذا العالم؛ فإن الأمر في تلك الأقاويل أظهر من أن يخفى، وهناك تبين ~~أن الهيولي أبدعها الباري جل ثناؤه لا عن شيء، وأنها تجسمت عن الباري سبحانه ~~ثم ترتبت ...» ~~«وهذا في الحقيقة مستمد من كلام أفلوطين، وتوسع فيه إسكندر الأفروديسي، ثم جاء ~~المعلم الثاني فتوسع في كلام الأفروديسي، وزاد عليه ما يوفق بينه وبين الدين، ~~ولا سيما في مسألة العقول والأفلاك التي هي عند الفارابي من ملائكة ~~الله. # ويؤخذ من شرح الفارابي لبعض كلام زينون الفيلسوف الرواقي، أنه اعتمد عليه أكبر ~~اعتماد في مسألة العقول؛ ولهذا كان مذهب الفارابي جامعا بين مذهب أرسطو عن ~~الحركة، ومذهب أفلوطين عن الصدور، ومذهب أفلاطون عن المثل الأبدية، ومذهب ~~الرواقيين في النفس العاقلة وانبثاثها في الأجسام ... فمنذ الأزل وجدت الأشياء في ~~علم الله، وهذا هو علة وجودها، والله جل وعلا يعقل؛ فالعقل الأول صادر عنه، ~~فائض من وجوده. # وهذا العقل الأول هو الذي يحرك الفلك الأكبر، وتأتي بعده عقول الأفلاك المتوالية ~~إلى العقل العاشر الذي يعقد الصلة بين الموجودات العلوية والموجودات السفلية ~~...» ~~«فالوجود إذن ثلاث مراتب: أولاها الوجود الإلهي، وثانيتها وجود هذه العقول ~~المتدرجة، وثالثتها وجود العقل الفعال. ومن هنا نفهم كيف تعددت الكثرة عن ~~الواحد الذي لا يتعدد، وكيف جاءت الصلة بين المعاني المجردة والمحسوسات.» # 2 ~~«أما ابن ms040 سينا فعنده - كما عند أرسطو - أن المادة الأولية والصورة والعدم هي ~~الأصول الثلاثة التي عنها تصدر كل الأجسام الطبيعية، والعالم مخلوق لم يحدث في ~~زمان، يقول ما فحواه: إن هذه الكائنات إما أن تكون ممكنة الوجود جميعا، وإما ~~أن تكون جميعها واجبة الوجود، ومحال أن تكون ممكنة الوجود جميعا؛ لأن الممكن ~~يحتاج إلى علة تخرجه من حيز الإمكان إلى حيز الفعل، ومحال أن تكون واجبة الوجود ~~جميعا؛ لأنها بين متحركة تحتاج إلى محرك، وبين مركبة تحتاج إلى علة لتركيبها، ~~ولا بد أن تسبقها أجزاؤها. # فهي إذن بعض ممكن الوجود، وبعض واجب الوجود، وواجب الوجود هو الذي لا نتصور عدمه؛ ~~لأن عدمه يوقعنا في المحال. ومن المحال أن يكون واجب الوجود مسبوقا؛ لأن الذي ~~يسبقه يكون إذن أولى بالوجود، ومن المحال أن يكون مركبا؛ لأن أجزاء المركب ~~تسبقه وتحتاج إلى فاعل للتركيب والإيجاد، فهو أول، وهو جوهر بسيط منزه عن ~~التركيب ...» ~~«ولم يكن ابن سينا مبدعا في كلامه عن واجب الوجود، أو ممكن الوجود؛ لأن الفارابي ~~قد سبقه إليه، كما سبقه المعتزلة وبعض المتكلمين، ولكن ابن سينا قد أبدع تقسيم ~~الوجود إلى واجب بذاته وممكن بذاته، ولكنه واجب بغيره؛ وبذلك وفق بين القائلين ~~بقدم العالم وخلقه، فإن العالم ممكن بذاته، ولكنه واجب بغيره؛ لأنه كان في علم ~~الله، وما كان في علم الله لا بد أن يكون ...» ~~«وليس العالم حادثا في زمان؛ لأن الزمان وجد مع العالم ... تحرك العالم فوجد ~~الزمان مع هذه الحركة، وإنما كان وجوده لأنه وجد في علم الله، فأخرجه الله من ~~الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، والله قديم بالذات، سرمد لا يحيط به وقت ~~ولا محل. فالعالم - كما كان في إرادة الله - قديم، وكما كان بالحركة مسبوق بذات ~~الله، وهو سبق سرمدي لا يحده الزمان. وهنا يقول ابن سينا بالحركة الأولى كما ~~قال أرسطو بها أو بالعلة الأولى.» # 3 # وقبل الاستطراد إلى تلخيص مذهب ابن رشد، نلم بالمسائل التي ثار عليها الخلاف ~~بين الفلاسفة والفقهاء بعد عصر ms041 الفارابي وابن سينا، وكان أكثره خلافا على ~~التعبير دون المعاني الجوهرية، ويدور كله على مسائل أربع؛ هي: قدم العالم، وعلم ~~الله بالجزئيات، وصفات الله، وخلود النفس بعد الموت ... ~~«... وقد كانت لابن رشد آراء في كل مسألة من هذه المسائل ليست مطابقة لما فهمه ~~الأوروبيون في القرون الوسطى، وليست مغايرة لها كل المغايرة، ولكنها آراء كان ~~الفيلسوف حريصا كل الحرص على أن يلتزم بها حدود دينه، ولا يخرج بها عما يجوز ~~للمسلم أن يعتقده وأن يعلمه للمسلمين. وسنرى مبلغ ما أصابه من التوفيق في ~~هذا التوفيق: # يقول ابن رشد عن قدم العالم في كتابه فصل المقال: وأما مسألة ~~قدمه أو حدوثه؛ فإن الاختلاف فيها عندي بين المتكلمين من ~~الأشعرية وبين الحكماء المتقدمين يكاد يكون راجعا للاختلاف في ~~التسمية، وبخاصة عند بعض القدماء، وذلك أنهم اتفقوا على أن ~~ها هنا ثلاثة أصناف من الموجودات: طرفان وواسطة بين الطرفين، ~~فاتفقوا في تسمية الطرفين، واختلفوا في الواسطة. # فأما الطرف الواحد فهو موجود، وجد من شيء غيره وعن شيء؛ أعني عن ~~سبب فاعل ومن مادة، والزمان متقدم عليه ... وهذه هي حال الأجسام ~~التي يدرك تكونها بالحس، مثل تكون الماء والهواء والأرض ~~والحيوان والنبات وغير ذلك، فهذا الصنف اتفق الجميع من القدماء ~~والأشعريين على تسميتها محدثة ... وأما الطرف المقابل لهذا، فهو ~~موجود لم يكن من شيء ولا عن شيء، ولا تقدمه زمان، وهذا أيضا ~~اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته قديما، وهذا الموجود يدرك ~~بالبرهان، وهو الله تبارك وتعالى، وهو فاعل الكل وموجده ~~والحافظ له سبحانه وتعالى قدره. # وأما الصنف من الوجود الذي بين هذين الطرفين فهو موجود لم يكن من ~~شيء، ولا تقدمه زمان، ولكنه موجود عن شيء، أي عن فاعل، وهذا هو ~~العالم بأسره، والكل منهم متفق على وجود هذه الصفات الثلاث ~~للعالم ... فإن المتكلمين يسلمون أن الزمان غير متقدم عليه، أو ~~يلزمهم ذلك؛ إذ الزمان عندهم شيء مقارن للحركات والأجسام ...» # 4 # وأما علم الله بالجزئيات، فابن رشد يقرر فيه أن علم الله يتنزه ms042 أن يكون كعلم ~~الإنسان الذي يحدث بعد حدوث المعلوم؛ فإن الله يعلم كل شيء، ولا يتوقف علمه على ~~حدوث جزء بعد جزء من هذه الأشياء ... # وأما مسألة الصفات، فلم تكن موضع بحث عند الفلاسفة الإغريق، ولم يكن لها شأن كبير ~~عند فلاسفة الأوروبيين في القرون الوسطى، ولكنها أثارت الجدل الطويل بين علماء ~~الكلام والمعتزلة والفلاسفة المسلمين، ومثال الجدل فيها أن بعض الفلاسفة ~~يقولون: إن صفات الله هي غير ذاته، وإن الصفات ليست بزائدة على ذات الله؛ ~~لأن ذاته سبحانه وتعالى كاملة لا تتعدد، وغير هؤلاء الفلاسفة يردون عليهم ~~ليوفقوا بين تعدد الصفات ووحدانية الله ... ~~«ولتمحيص القول بخلود النفس عند ابن رشد ينبغي الرجوع إلى مذهب أرسطو في النفس ~~والعقل؛ لأنه إذا صح ما قيل من أن توما الأكويني نصر أرسطو # 5 # فأصح من ذلك أن ابن رشد حنفه؛ أي جعله مسلما حنيفا، واجتهد ~~في تنقيته من كل ما يخالف العقيدة الإسلامية غاية اجتهاده. # وقد أعان ابن رشد على ذلك أن كلمة الروح عندنا تشمل معنى النفس والعقل معا في ~~معظم معانيها، فالنفس تقرن بالشر والذم في كلامنا، وقلما تقرن الروح بمثل ذلك، ~~فإذا قيل نفس شريرة على العموم، فمن النادر أن يقال ذلك عن الروح وعن الروحاني؛ ~~لأن الروحانيات أشرف وأصفى من ذاك. # وقد تكلم أرسطو عن النفس والعقل في كتاب الأخلاق وفي كتاب النفس، ووضح في كلامه ~~عن العقل أنه ينطبق أيضا على الروح، كما قال في كتاب الأخلاق عن السعادة ~~العليا للإنسان، وهي سعادة التأمل، ثم قال: مثل هذه الحياة ربما كانت أرفع ~~جدا مما يستطيعه الإنسان؛ لأنه لا يحيا هذه الحياة باعتباره إنسانا؛ بل ~~يحياها بمقدار ما فيه من النفحة الإلهية. # والفرق بين هذه النفحة الإلهية وبين تركيبنا الطبيعي كالفرق بين عمل ذلك الجانب ~~الإلهي وعمل الفضائل الأخرى، وإذا كان العقل إلهيا فالحياة على مثاله إلهية ~~بالنسبة إلى المعيشة الإنسانية، وعلينا ألا نتبع أولئك الذين ينصحون لنا ما ~~دمنا بشرا أن نشتغل بهموم البشر، وما دمنا فانين ms043 أن نعمل عمل الفانين؛ بل ~~علينا ما استطعنا أن نعمل عمل الخالدين، وأن نحفز كل عرق من عروقنا حتى نسمو ~~إلى مرتبة أرفع ما فينا - وإن قل وصغر - لأقدر وأكمل من كل شيء عداه ...» ~~«أما النفس عند أرسطو فتكاد أن تكون في أكثر مصطلحاته مرادفة للوظيفة الحيوية؛ ~~ولهذا ينسب إلى النبات نفسا نامية، وإلى الحيوان نفسا شهوانية، ويسخر من ~~فيثاغوراس الذي يقول: إن نفس الإنسان قد تنتقل إلى الحيوان، ويرى أن السؤال ~~عن العلاقة بين النفس والجسد كالسؤال عن العلاقة بين الشمعة وصورتها، فلولا ~~صورة الشمعة لكانت شحما ودهنا ولم تكن شمعة، ولولا نفس الإنسان لكان الإنسان ~~لحما وعظاما وعصبا ولم يكن بالإنسان.» # 6 ~~«وابن رشد يؤمن ببقاء الروح الإنساني حيث يبقى عالم الروح كله، فليس هو من ~~الفلاسفة الماديين؛ لأن هؤلاء الفلاسفة الماديين لا يؤمنون بروح للإنسان في هذا ~~العالم، أو في عالم آخر، وليس بين الفلاسفة الإلهيين من ينكر بعث الأجساد ~~إنكارا منه لقدرة الله على بعثها، ولكنهم يقولون: إن الأرواح المفارقة أشبه ~~بالعالم الأعلى. ومن آمن بالله، وآمن بقدرة الله، وآمن بالبعث والعالم الأعلى ~~فما هو من الملحدين ...» # 7 # هذه العجالة السريعة تلخص موقف الفلاسفة من الإسلام، وموقف الإسلام من الفلاسفة، ~~ويبدو من كلا الموقفين أن العقيدة الإسلامية لم تنقبض عن لقاء الثقافات ~~الأجنبية عند التقائها بها في المفاجأة الأولى. وأحرى بهذه العقيدة الشاملة ألا ~~تضيق بثقافة من الثقافات بعد اتصال الأمم، واستفاضة العلاقة بين معارفها ~~وعقولها؛ فلا يزال موقف الإسلام من حكمة الحكماء في العصور الأخيرة كموقفه منها ~~في صدر الدعوة الإسلامية، وبعد أجيال قليلة من شيوع الدعوة بين مختلف الأقوام ~~والشعوب. # وموقفه اليوم - كموقفه بالأمس - أنه لا يضيق بالفلسفة؛ لأنها تفكير في حقائق ~~الأشياء؛ لأن التفكير في السماوات والأرض من فرائضه المتواترة، ولكن المذاهب ~~الفلسفية قد يظهر فيها ما يضيق بالإسلام، ويخالفه حينا بعد حين. ولا تثريب على ~~عقيدة تخالفها بعض العقول؛ لأن العقائد لا تطالب بموافقة كل عقل على سواء أو ~~على انحراف، وحسبها ms044 من سماحة أنها لا تصد عقلا عن سواه ... # الفصل الخامس # | العلم # العلم الذي أمر به القرآن الكريم هو جملة المعارف التي يدركها الإنسان بالنظر ~~في ملكوت السماوات والأرض وما خلق من شيء ... ويشمل الخلق هنا كل موجود في هذا ~~الكون ذي حياة أو غير ذي حياة ... # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ~~وما خلق الله من شيء ~~[سورة الأعراف: 185]. # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ~~[سورة ~~الغاشية: 17-20]. # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ~~ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من ~~كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر ~~بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~[سورة البقرة: 164]. # فالعلم في الإسلام يتناول كل موجود، وكل ما يوجد فمن الواجب أن يعلم، فهم علم أعم ~~من العلم الذي يراد لأداء الفرائض والشعائر؛ لأنه عبادة أعم من عبادة الصلاة ~~والصيام؛ إذ كان خير عبادة لله أن يهتدي الإنسان إلى سر الله في خلقه، وأن يعرف ~~حقائق الوجود في نفسه ومن حوله ... # ولهذا قال النبي - عليه السلام - في فضل هذه العبادة: «فقيه واحد أشد على الشيطان ~~من ألف عابد.» # وقال: «إن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، ~~وإن العلماء ورثة الأنبياء ...» # وقال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع.» # وذكر له عليه السلام رجلان عابد وعالم، فقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.» # 1 # وهذا غير الأحاديث النبوية التي وردت في فضل المعرفة والحكمة وفريضة العلم على كل ~~مسلم ومسلمة، مما اجتمعت فيه أوامر الله ونبيه على هذا المعنى المتكرر في مواضع ~~شتى من القرآن الكريم، ومناسبات شتى من الأحاديث النبوية ... # وموقف الإسلام من العلم - أو من العلوم عامة - يتبين من موقف علمائه المجتهدين في ~~كل حقبة من تاريخه، الذي تعاقبت به الأجيال بين القوة والضعف، ms045 والتقدم والتأخر، ~~والنشاط والجمود؛ فقد مرت بالأمم الإسلامية عصور متخلفة، جهلت فيها الإسلام ~~نفسه، فجهلت فضل العلم كما جهلت فضل الدين. # ولكن الإسلام لم يخل قط تاريخه بين المشرق والمغرب من أئمة مجتهدين، استمدوا حرية ~~الفكر من ينبوع تلك القوة الحيوية التي لا تستنزفها المحن والطوارق، فحفظوا ~~رسالة هذا الدين - ولا فرق بينها وبين رسالة العلم في مقصد من مقاصده - وأوجبوا ~~على المسلم أن يتعلم حيث وجد العلم، وأن ينظر إلى الحكمة كأنها هي ضالته يعنيه ~~أن يبحث عنها ويجدها، «وأينما وجدها فهو أحق بها»، كما تعلم من رسول ~~الله. # واعتقد الأئمة المجتهدون جميعا أنهم يؤدون أمانة الكتاب في حثهم جماعة المسلمين ~~على طلب المعرفة حيثما وجدوها، فكل معرفة صحيحة فهي معرفة قرآنية إسلامية، على ~~اختلافهم في تفسيرها والنسبة إلى الكتاب الكريم، بين فئة ترى أن المعرفة ~~محتواة فيه إجمالا وتفصيلا، وفئة ترى أن المعرفة مطلب من مطالب المؤمن ~~بالكتاب لا يعوقه عائق منه أن يتحراها ويحققها، ويهتدي بها حيثما أصابها ~~... # إن موقف الإسلام من العلم - كتابا وسنة - لا يحتاج إلى بيان بعد ما تقدمت ~~الإشارة إليه من تلك الآيات والأحاديث ... # ولكننا نعتقد أن الدين روح ينبث في الأخلاق والتقاليد إلى جانب النصوص ~~والأحكام، ومن هذا الروح يظهر عمل الدين في الواقع، ولا يحسب لدين من الأديان ~~عمل نافع في حياة البشر ما لم يثبت له هذا العمل بين أتباعه، بما يوحيه إليهم ~~من روح يصدرون عنه فيما تعمدوه ولم يتعمدوه من أفعال أو خلائق وآداب. # وروح الإسلام الذي بثه بين أتباعه يتراءى في تاريخه المتشعب الطويل سماحة تعصمهم ~~من تلك النقمة التي انصبت على ألوف من الخلق؛ لاستباحتهم من المعارف والدراسات ~~ما تحرمه عليهم معتقداتهم الدينية، أو كهانهم الذين يستأثرون دونهم بتفسير ~~تلك المعتقدات، وربما كانت سماحة الروح الإسلامي في عصور الجمود والجهالة أدل ~~على فضل الإسلام من سماحة أتباعه في عصور القوة والحضارة؛ لأن الدين الذي يعمل ~~عمله في الأخلاق والآداب وقومه جامدون محجوبون عن العلم أقمن بالهداية ms046 من دين ~~يعمل وله سند من القوة والحضارة، ولو كان هذا السند قائما عليه ... # وروح الإسلام في العصور الأخيرة ظاهر في موقف المسلمين من العلوم الحديثة كظهوره ~~في موقف الأئمة المجتهدين، الذين حفزوا قواهم إلى الإقبال على تلك العلوم ~~والتبسط فيها، واعتبار العمل بها أمرا من أوامر القرآن الكريم؛ فإن العلوم ~~العصرية عرفت باسم العلوم الأوروبية يوم كانت أوروبا كلها حربا على العالم ~~الإسلامي تغير على بلاده، وتستذل شعوبه، وتقوض ما قام فيهم من دولة وسلطان، ~~وتعفي على البقية الباقية حيث تخلفت للدولة والسلطان بقية تمانع في التسليم ~~والاستسلام. # فكان خليقا بهذا العداء أن يتمثل في نفوس المسلمين عداء لكل وارد من القارة ~~الباغية، وكل منسوب إلى الأوروبيين المعتدين، ولكن علوم الحضارة الأوروبية لم ~~تجد من المسلمين بعد المقاومة الطبيعية، التي تخلقها المفاجأة أو المصادمة ~~الأولى، إلا كل ترحيب وتقدير، ولعلهم - بعد تلك المصادمة - كانوا بحاجة إلى ~~التحذير من الإفراط، ولم يكونوا يوما بحاجة جدية إلى التحذير من الإعراض ~~والانقباض والتفريط في تحصيل ما استطاعوه من معارف القوم، كأنها ضالة مرتقبة هم ~~أحق بها ممن يعتدي بها عليهم، ويسومهم من أجلها التسليم والاستسلام. # والإفراط إنما يحذر من محاولة التوفيق بين القرآن الكريم وبين تلك العلوم في كل ~~جليل ودقيق مما ثبت ثبوت اليقين، ومما يعرضه أصحابه عرضا يحتمل المراجعة، بل ~~يحتمل النقض والإلغاء ... # فمن الحق أن نعلم أن كتابنا يأمرنا بالبحث والنظر والتعلم والإحاطة بكل معلوم ~~يصدر عن العقول، ولكن ليس من الحق أن نزعم أن كل ما تستنبطه العقول مطابق ~~للكتاب، مندرج في ألفاظه ومعانيه؛ فإن كثيرا من آراء العلماء التي يستنبطونها ~~أول الأمر لا يعدو أن يحسب من النظريات التي يصح منها ما يصح، ويبطل منها ما ~~يبطل، ولا تستغني على الدوام عن التعديل وإعادة النظر من حين إلى حين ... # وقليل من الأمثلة يغني عن الإفاضة في شرح المنهج السديد الذي يتوخى في الرجوع ~~بنظريات العلم الحديث إلى الآيات القرآنية، وأنفع هذه الأمثلة ما يقتبس من أحدث ~~الآراء ms047 في التأويل والتوفيق بين النظريات وآيات الكتاب ... # فمن أصحاب التأويل في العصر الحديث من خطر له أن السيارات السبع في المنظومة ~~الشمسية هي المقصودة بالسماوات السبع في القرآن الكريم. وخطأ هذا التأويل ظاهر؛ ~~لأن الفلكيين الذين ذكروا السيارات السبع أدخلوا الكرة الأرضية بينها، ولم ~~يجعلوا الأرض مقابلة للسماء. # وهذا على أن الفلكيين المتأخرين قد كشفوا عن سيارات أخرى لم تكن معروفة ~~للأقدمين، وهي فلك النجيمات وأرانوس ونبتون وبلوطس، وكان الكشف عن هذا السيار ~~متأخرا، فلم يظهر قبل شهر مارس عام 1930، ولا تزال في هذا الفلك الشمسي أجرام ~~سماوية - كالمذنبات والشهب - تدخل في عداد السيارات، ويدور بعضها حول الشمس في ~~مدة أقصر من مدة الدورات التي حسبت لأرانوس ونبتون وبلوطس ... # وقد تنبه لهذا الاعتراض الأستاذ هبة الله الشهرستاني صاحب كتاب الهيئة والإسلام، ~~فبدا له أن السيارات الشمسية مشار إليها في القرآن الكريم بالأحد عشر كوكبا ~~التي ذكرت في سورة يوسف، ولكنه - لمعرفته بعلم الهيئة - يعلم أن السيارات بعد ~~الكشوف الأخيرة عشر وليست بإحدى عشرة: وهي: بلوطس ونبتون وأرانوس وزحل والمشتري ~~والنجيمات والمريخ والأرض والزهرة وعطارد، فقال مستدركا بعد الإشارة إلى ~~النجيمات: «فإن قلت: إن سيارات شمسنا ليست أكثر من تسع، فلماذا تعد إحدى ~~عشرة؟ قلت: لسنا على يقين من هذا التعليق، ولكن التسعة بعد زيادة السيارات ~~المنفلقة إلى النجيمات تكون عشرة لا يضرنا عدم اندراجها الآن في عداد السيارات؛ ~~لأنها كانت في عدادها سابقا، وهو كاف في مقام إذا نظر إلى ما كان لشمسنا من ~~السيارات بقيت أو عدمت، عرفت أو جهلت.» # وكان من المشجعات حقا للفاضل الشهرستاني على اتخاذ هذا الرأي أنه ذهب إليه بعد ~~أن قرأ في تفسير النيسابوري والزمخشري «أن يهوديا سأل النبي الأمي # صلى الله عليه وسلم # عن النجوم التي شاهدها يوسف في المنام، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «جريان وطارق وذبال ~~وقابس وعمودان وفليق ومصبح وضروح وفرع ووثاب وذو الكتفين.» فأسلم اليهودي.» # 2 ~~«وهذه الرواية رواها ابن بابويه الصدوق في الخصال عن جابر بطريقين بينهما اختلاف ms048 ~~يسير، ورواها الحافظ القمي عن جابر في تفسير قوله تعالى: # إني رأيت أحد عشر كوكبا # ثم سمى تلك النجوم ~~بتغيير يسير.» # قال الأستاذ الشهرستاني: «إن اختصاص النجوم من بين نجوم السماء لا بد من أن ~~يكون بصفة مختصة بهذا العدد اليسير لا يشترك فيها سائر النجوم ... ويؤيده أيضا ~~انطباق كثير من هذه الأسامي على سيارات شمسنا ... فالجريان أرضنا، وقد ورد إطلاق ~~الجارية على أرضنا في غير هذا الخبر، كما مر تفصيله في المقالة الثالثة عشرة ~~من مسألة تعدد الأرضين ... والطارق الزهرة؛ فإن الطارق كوكب الصبح على ما في ~~القاموس، والعرب لا يقصدون في كوكب الصبح غير الزهرة قديما وحديثا. # والذبال على وزن قطام يطلق في اللغة على النحيف الفاقد للطراوة، وعطارد أيضا ~~كثير الجفاف فاقد الطراوة من شدة قربه من الشمس، والقابس يطلق في اللغة على ما ~~يكتسب الحر الشديد من نار عظيمة، ونجمة فلكان أيضا تكتسب الحرارة الشديدة من ~~نار لا نرى أعظم منها لهبا؛ أعني الشمس، فإن قربها مفرط من فلكان؛ ولذلك سميت ~~نجمة فلكان بهذا الاسم، فإن فلكان، كما مر، اسم جبل يثير النار، ومعربه ~~بركان. # والعمودان يحتمل انطباقه على مريخ؛ فإنه لا ينفك عن قمرين تقوم أشعتهما عليه ~~كالعمودين، والفيلق بمعنى المنفلق ينطبق على السيارة العظيمة التي حسبوا كونها ~~بعد مريخ، وتفسخت إلى قطع صغار دوارة؛ أعني بها نجيمات المشتري، ويؤخذ شرحها ~~من غرة هذه المسألة. والحاصل أنها قابلة للانطباق على سيارات شمسنا على النظام ~~السابق المبدوء من أرضنا، ثم الزهرة، ثم عطارد، ثم فلكان، ثم المريخ ... إلخ ... ~~إلخ.» # ويمضي صاحب كتاب الهيئة على هذا النحو في تأويله للعدد الذي جاء في الآية ~~القرآنية، مما يصح أن يحاط به عند التوسع في التفسير، كما ينبغي في تفصيل ~~الشروح الوافية، ولكنه يذكر على سبيل الرواية ولا يذكر على سبيل الجزم بحكم ~~القرآن في مسألة من المسائل، وبخاصة ما كان منها عرضة للمراجعة والمناقشة وتعدد ~~الآراء، ولا نحرص على روايته إلا لأن الصواب والخطأ في هذه التأويلات يدلان ms049 ~~معا على موقف القرآن الكريم في العلم عند المسلمين، فلا حرج عندهم في دراسة ~~النظريات العلمية، ولا مانع في دينهم يمنعهم أن يتقبلوها كأنها مطابقة لآيات ~~التنزيل ... ~~••• # وشبيه بهذا التأويل رجوع بعض المفسرين بالنظرية السديمية إلى آية الدخان في سورة ~~فصلت: # ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات ~~في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ~~[سورة فصلت: 11، 12]. # والنظرية السديمية فكرة قال بها سويد ~~نبرج # Swedenborg ~~، ثم فصلها لابلاس # Laplace ~~، خلاصتها أن المنظومة الشمسية نشأت من السديم - ~~أي من مادة غازية ملتهبة - بردت وتجمدت وأفلتت من جرمها الكبير أجزاء كثيرة ~~تفرقت، فدارت حول نفسها وحول الجرم الكبير بفعل الجاذبية والحركة المركزية، ~~وأن نشأة النجوم في السماء مماثلة لهذه النشأة، وإن لم تكن من قبيل المنظومات ~~التي تشبه منظوماتنا الشمسية ... # وهذه الفكرة شائعة وليست بقاطعة؛ لأن الغازات المنطلقة لا تكون أشد حرارة من ~~الأجرام المتجمعة؛ إذ هي كلما انطلقت تسربت منها الحرارة في فضاء أوسع من حيز ~~الكرة المتجمعة، وليست حركة الغازات بعد تجمعها موافقة للحركة التي تصورها ~~أصحاب هذه النظرية، فضلا عما ظهر عن حقيقة السحب التي كانت تسمى سديما، ثم ~~تحقق أنها جماعات من النجوم تعد بمئات الملايين. # ولا يستطاع البت بقول جازم في النظرية السديمية قبل البت بقول جازم في أصل الأشعة ~~الكونية، وفي النجوم التي تنفجر لابترادها وتكاثفها وتعاظم الضغط على داخلها، ~~واندفاع باطنها إلى خارجها. فربما كانت السدم من مادة النجوم المتفجرة، أو كانت ~~من تجمع الأشعة الكونية، أو كان الفضاء هو مصدر هذه الحركات في أصولها عند ~~الذين يرون أن الفضاء والأثير شيء واحد. # وأيا كان مقطع القول في هذه الفروض، فلا ينبغي أن نعدو بها فروضا يتعاورها # 3 # الثبوت والنقض على حسب الكشوف والمشاهدات التي تتيسر أدواتها مع ~~الزمن، ولا تزال اليوم في أوائلها ... # ويتساوى الحكم على الماضي وعلى المستقبل في هذه الفروض التي يتباعد بها الزمن كما ~~يتباعد بها المكان؛ فلا يقين ms050 فيها على الحالين، ولا حسم فيها بين رأيين ما ~~اتسعت للخلاف بين فرضين ... # ولا حرج على قائل أن يقول في تقديره، كما قال العالم المجتهد الشيخ طنطاوي جوهري ~~وهو يفسر الآية: «وقد شاهدوا من تلف العوالم اليوم ستين ألف عالم تبرز للوجود ~~من جديد ولا تزال على الحالة السديمية، كما نقلته لك من الكتب الفرنجية في غير ~~هذا المكان، ورأوا أن من تلك العوالم ما هو في أول تكونه، ومنها ما قطع مراحل ~~في تكوينه، ومنها ما قارب التمام، وهي عوالم كعالمنا الشمسي الذي نحن فيه، ~~وستبرز للوجود كما برزت شمسنا وسياراتها وأرضها، وكانت في الأصل دخانا وستستمر ~~في التكوين، ومدتها نوبتان. # ونحن لا نقدر أن نعرف كيف تكون النوبتان، غاية الأمر أن نقول نوبة للبداية ونوبة ~~للنهاية، ويكون هذا القول من الجمل العامة، وفائدته أن التكوين لم يكن في ~~لحظة واحدة ...» # نقول: لا حرج في هذه الفروض والتقديرات على قائل يقول بها، وعليه عهدتها في سبيل ~~البحث عن الحقيقة، ولكن الحرج كل الحرج أن نلزم أحدا بفروض النظرية السديمية ~~كأنها من دعائم الإيمان بآيات التنزيل ... ~~••• # ونكتفي من هذه الأمثلة بمثل آخر له صبغة تاريخية جغرافية جرى فيها التأويل نحو ~~هذا الجري، وإن لم يرتق الأمر فيه إلى منزلة النظم الفلكية أو أصول التكوين؛ ~~كتعداد السيارات أو النظرية السديمية. وذلك تأويل فاضل من معلمي الرياضة لقوله ~~تعالى في سورة الكهف من قصة ذي القرنين: # حتى إذا ~~بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة ~~[سورة الكهف: 86]. # فإن المعلم الفاضل يذكر التوندرا # Toundras # ويقول: «إنها مياه موحلة تشغل صيفا الأجزاء السفلى من أحواض الأنهار ~~أوبي # Obi ~~، وأينسي # Ienissi ~~، ولينا # Lena # بسيبريا، تستحيل شتاء إلى سهل واسع المدى من ~~الجليد.» # ثم يقول في تفسير الآية: «أي في عين ماؤها موحل، أو به طين أسود، أو به طين كريه ~~الرائحة، وليس يعرف في الأقاليم ما شأن الماء فيها هكذا إلا منطقة التوندرا ~~صيفا، ولا ما شأن الاتساع فيها إلى حد انطباق الأفق على ms051 نهايتها حتى يلوح ~~للنظر اختفاء الشمس عندها إلا هي. إذن ما الذي يمنع عن إرادة القرآن لها؟ ~~... # إذا تقرر الأخذ بذلك كان ذو القرنين يرتاد سيبريا، وكان في الشرق من مجرى لينا ~~الأسفل، وسيتأيد ذلك أيضا مما يأتي في القصص نفسه؛ إذ تقول الجغرافيا الرياضية ~~بطول نهار الصيف في نصف الكرة الشمالي، فيكون زمنه بين 12 ساعة و24 ساعة في ~~العروض المختلفة من خط الاستواء إلى الدائرة القطبية الشمالية، وأطول البقاع ~~نهارا أقربها إلى القطب. # وتقول الجغرافيا الرياضية أيضا: إن النهار يزيد على أربع وعشرين ساعة في ~~الأماكن التي عروضها شمالي الدائرة القطبية الشمالية؛ إذ يكون النهار شهرا ~~واحدا في عرض 23 67°، وشهرين في عرض 51 69°، وثلاثة أشهر في عرض 40 73° درجة، ~~وستة أشهر في القطب، وتقول الجغرافيا السياسية: إن هناك مدنا مأهولة في شمال ~~الدائرة القطبية الشمالية، وفي الشرق من منطقة التوندرا في سيبريا، مثل ~~فركوينسك # Verko Yansk # عرض 68 درجة ~~شمالا، فيكون النهار فيها فوق الشهر. # ومثل أوستيانسك # Ust-Yonsk # عرض 56 70° درجة، فيكون ~~النهار فيها فوق الشهرين، وأقل من الثلاثة، ويقول القرآن الكريم: # حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها ~~تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا # بمعنى بلغ مكانا تشرق الشمس عليه، فوجدها تظهر على ~~قوم ليس لهم من ورائها ليل. والذي يجعلني أفهم احتمال الآية لهذا المعنى ما ~~يأتي من النقط؛ أولا: التعبير بكلمة «وجد» الذي يشعر بما يفيد حكاية الحال، أو ~~وصف ما شاهده في ذلك المكان، ثانيا: أن من معاني دون: وراء وبعد، ثالثا: ~~أن القرآن عبر عن الليل بأنه لباس في قوله تعالى: # وجعلنا الليل لباسا # وعبر عنه بأنه يلتصق بالنهار ~~التصاق الجلد باللحم في قوله تعالى: # وآية لهم ~~الليل نسلخ منه النهار # وعبر عنه بأنه يغطي ~~ويستر ضوء النهار بقوله تعالى: # يغشي الليل ~~النهار ~~، وبأنه يغطي ويستر ضوء الشمس بقوله تعالى: # والليل إذا يغشاها ~~، وعبر بأنه يتبع ~~النهار بقوله تعالى: # يطلبه حثيثا ~~، وبأنه ~~يلتف على النهار بقوله تعالى: # يكور الليل على ms052 ~~النهار ~~. # هذه المعاني المجتمعة وجهت نفسي إلى الاعتقاد بإرادة القرآن الكريم لهذه الحقيقة، ~~ولولا العلم لما تجمعت عناصر هذا المعنى، وبالعلم تحققت آيات القرآن العظيم، ~~وبه يتحقق أيضا ما خفي من معانيه ...» # 4 # ونقول: إن هذا التفسير اجتهاد حسن من المؤلف لا مانع من نظره، والوقوف به دون ~~الجزم باليقين؛ فإنما يتقرر هذا التفسير يقينا إذا عرف ذو القرنين وعرفت ~~رحلاته في هذه الوجهة أو في غيرها. والكاتب الباحث يذكر أن ذا القرنين مختلف ~~فيه بين أن يكون الإسكندر المقدوني، أو ملكا من ملوك حمير. # وعندنا أنه أقرب إلى أن يكون ملكا له سلطان على اليمن وعلى وادي النهرين، فهو من ~~الذوين كملوك اليمن، ومن لابسي التاج ذي القرنين؛ أحدهما إلى الأمام، والآخر ~~إلى الخلف كبعض ملوك العراق الأقدمين، ولكنه فرض قد تنقضه فروض أخرى تأتي بها ~~الكشوف الأثرية مع الزمن، فلا يجوز القطع به وإلزام المسلمين أن يتقبلوه كما ~~يتقبلون حقائق التنزيل. # وإنه لمن أجمل آداب القرآن العلمية أن يذكر المجتهد أمثال هذا التفسير ويتبعه ~~بتفويض العلم إلى الله: «والله أعلم، وفوق كل ذي علم عليم» ... إن القرآن ~~الكريم يقول إن الكتاب لم يفرط في شيء، كما جاء في سورة الأنعام: # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ~~[سورة الأنعام: 38]. # وأكثر المفسرين على أن الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ كما جاء في تفسير ابن كثير: ~~أي الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء ~~كان بريا أو بحريا؛ كقوله: # وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين ~~[سورة هود: ~~6]. # ولكن بعض المفسرين - ومنهم الرازي - يفسر الكتاب هنا بالقرآن الكريم. ولا نزاع ~~بين القولين في تأويل المقصود باشتمال الكتاب على كل شيء؛ فإنهم يعنون أنه يهدي ~~الإنسان إلى كل شيء يحتاج إليه في دينه ودنياه، ومنه طلب العلم والقوة ~~والفضيلة، ولا يقول ms053 أحد: إن الكتاب يشتمل على كل شيء تفصيلا؛ بل إجمالا في ~~علم الله، لا يعلمه الناس إلا بمقدار. فمن فهم من ذلك الإجمال معنى فهو مسئول ~~عنه لا يسأل عنه أحد غيره إلا بحجته وبرهانه. ويتفق الإجماع الذي لا نزاع فيه ~~على الأمر بالعلم، والمؤاخذة على التفريط فيه. # وأيا كان الوجه في هذه المسألة؛ فالقسطاس المستقيم فيها بين، والاجتهاد فيها ~~ينتهي إلى حد قائم لا شبهة عليه، فإن الإسلام يأبى كل علم يختلط بأسرار الكهانة ~~والكهان، فكل علم يؤمر به المسلم فهو علم صراح بغير حجاب ولا تنجيم، يهتدي إليه ~~كل مأمور بالنظر قادر عليه. # الفصل السادس # | الفن الجميل # كثرة الأنصاب والتماثيل في المعابد والبيع ليست بالمقياس الصحيح لنصيب الفنون ~~الجميلة من الدين الذي يدان به في المعبد أو البيعة؛ لأن المعابد الوثنية كانت ~~تتسع للأنصاب والتماثيل، وليست بالنموذج الصالح للأديان في الهداية إلى معاني ~~الجمال والحض على الفنون الجميلة، وهي في جملتها لا تخلو من العبادات البشعة، ~~والشعائر القبيحة، والعقائد التي لا تجتمع والجمال في شعور واحد. # إنما يقاس نصيب الفن الجميل من الدين بنظرة الدين إلى الحياة؛ فلا يقال عن دين ~~إنه يحيي الفنون الجميلة أو يتقبل إحياءها إذا كانت له نظرة زرية إلى الحياة، ~~وكان ينظر إليها كأنها وصمة زرية، وإلى الجسد ومتاعه كأنه رجس مرذول، وانحراف ~~بالإنسان عن عالم الروح والكمال. # ولا يقال عن دين إنه يزدري الفن الجميل إذا كان الجمال من مطالبه، وكانت نعمة ~~الحياة مقبولة في شرعة المتدين به؛ بل واجبة عليه. # والإسلام بين الأديان قد انفرد بقبول نعمة الحياة وتزكيتها، والحض عليها، ~~وحسبانها من نعمة الله التي يحرم على المسلم رفضها، ويؤمر بشكرها، وغيره من ~~الأديان بين اثنتين: فإما السكوت عن التحريم والإيجاب معا، أو التصريح القاطع ~~بالتحريم والتأثيم. # أما الإسلام فإنه يحل الزينة، ويزجر من يحرمها، ويصف الله بالجمال، ويحسب الجمال ~~من آيات قدرته وسوابغ نعمته على عباده. # ففي خلق الأرض زينة، وفي خلق السماء زينة. # إنا جعلنا ما على ~~الأرض ms054 زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا ~~[سورة الكهف: 7]. # ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا وزيناها للناظرين ~~[سورة الحجر: 16]. # أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها ~~[سورة ق: 6]. # ومن خلائق الله جمال يطلبه الإنسان كما يطلب البأس والمنفعة. # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون ~~[سورة النحل: 6]. # وكل من حرم هذه الزينة على الناس فهو آثم لا يقضي في تحريمه بأمر الدين ... # قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق ~~[سورة الأعراف: ~~32]. # والزينة والعبادة تتفقان ولا تفترقان؛ بل تجب الزينة في محراب العبادة كأنها ~~قربان إلى الله حيث لا قربان في الإسلام. # يا بني آدم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~[سورة الأعراف: ~~31]. # والسنة النبوية فيما روي عنه عليه السلام وفيما أثر عن حياته مرددة كلها لمعاني ~~الآيات القرآنية في تزكية النعمة، وإباحة الزينة، والنهي عن تحريم الأخذ بنصيب ~~من الحياة الدنيا، والتعبد لله بتعظيم محاسن خلقه، ومحبة آيات الجمال في أرضه ~~وسمائه. # قال عليه السلام: «إن الله جميل يحب الجمال.» # وقال فيما ورد من تفسير قوله تعالى: # يزيد في الخلق ~~ما يشاء ~~[سورة فاطر: 1]. # إنه هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن. # وقال: من له شعر فليكرمه. # وقال: إن الله يحب كل جيد الريح كل جيد الثياب. # وأخبره بعض أصحابه أنه يقوم الليل ويصوم النهار فقال له: «لا تفعل؛ صم وأفطر، وقم ~~ونم؛ فإن لجسدك عليك حقا ...» # وقد تواترت أمثال هذه الأحاديث في الأثر، واختلفت فيها الروايات، ولكنها لم تختلف ~~قط في معناها ومؤداها؛ لأن حياة النبي الكريم كلها مصداق للإيمان بحق الجسد مع ~~حق الروح. # والدين الذي ينظر إلى الحياة والجمال هذه النظرة القويمة السوية لا يسوغ لأحد أن ~~يظن به تحريما لشيء من الفن الجميل، أو نهيا عن شيء يجمل الحياة، ويحسن ~~وقعا في الأبصار والأسماع. وإنما سبقت الظنة إلى هذا الخطأ لتشديد الإسلام في ~~منع عبادة الأوثان، ومنع ما يصنع لعبادتها من التماثيل والأنصاب، ولم ترد في ~~الكتاب كلمة تنهي عن عمل من أعمال الفن ms055 الجميل، ولم يثبت عن النبي - عليه ~~السلام - قول قاطع في تحريم صنعة غير ما يصنع للعبادة الوثنية، أو ما تخشى منه ~~النكسة إليها في نفوس أتباعها ومن يفتنون بجهالتها ... # روى الأزرقي في أخبار مكة: «أن النبي - عليه السلام - لما دخل الكعبة بعد فتح ~~مكة قال لشيبة بن عثمان: يا شيبة ... امح كل صورة فيه إلا ما تحت يدي ... قال: ~~فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه ». # وهذه الرواية يقابلها أن النبي - عليه السلام - لم يدخل الكعبة إلا بعد أن ~~أزيلت منها الصور القائمة فيها، أو المنقوشة عليها؛ فإن حقت الرواية وصح أنه - ~~عليه السلام - قد ترك بعض الصور، وأمر بإزالة بعضها، فليس في ذلك تحريم للصور ~~على إطلاقها، وإن حقت الرواية الأخرى وكانت الصور قد أزيلت من الكعبة بأمره - ~~عليه السلام - قبل دخوله إليها، فما فعله صلوات الله عليه، فهو الحكمة التي ~~تفضي بها ضرورة الحيطة في أوائل كل دعوة تخشى فيها النكسة إلى ما سلفها من ~~دعوات محظورة. وما من دعوة في عصرنا هذا تستغني عن مثل هذه الحيطة الواجبة فيما ~~تحذره من نكسات العهود الغابرة. # على أن الخلاف في صور الكعبة ينقطع بما لا شك فيه من آيات القرآن، وذلك فيما ~~ورد من بيان نعمة الله على سليمان - عليه السلام - ولا إنكار عليه؛ بل هو موجب ~~للشكر من القوم جميعا كما جاء في هذه الآيات: # يعملون ~~له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ~~وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل ~~من عبادي الشكور ~~[سورة سبأ: 13]. # والقاعدة العامة في الإسلام أنه لا تحريم حيث لا ضرر ولا خشية من الضرر. فأما مع ~~المنفعة المحققة فلا تحريم، ولا جواز للتحريم؛ لأنه فوات للمصلحة، ونهي عن ~~المباح. # وممن تناول البحث في موضوع التصوير من المحدثين صاحب مجلة «الهداية»، الأستاذ عبد ~~العزيز جاويش؛ حيث يقول: «إنه ليس المراد تعميم التحريم في كل زمان أو كل أمة؛ ~~فإنه لا معنى لذلك الحجر متى أمن جانب العبادة والتعظيم اللذين اختص الله بهما. ~~وكيف ms056 يحرم التصوير مطلقا مع أنه قد يكون سببا في حفظ حقوق شرعية، كما هو ~~الشأن في صور الغرقى والأموات المجهولين التي تعرضها الحكومة على الملأ حتى ~~يعرفهم ذووهم، فتقوم هناك أحكام المواريث، وأحكام الزوجية، وحلول الديون ~~المعجلة ونحو ذلك. # وقد يكون التصوير سببا في تحذير الأمة من اللصوص المحتالين، والنصابين المستترين ~~عن أعين الحكومة، فتنشر صورهم للملأ حتى يقتفوا أثرهم، ويرشدوا الحكومة إلى ~~معاهدهم. ومن الصور ما تعرف به أسرار حكم الله تعالى في خليقته، كما في صور ~~الحيوانات وأجزائها التي تحتويها كتب التاريخ الطبيعي والتشريح. # كما أنه من ضروب التصوير ما يساعد على علاج المرضى بعلل باطنة، أو المصابين ~~ببنادق الرصاص ونحوها؛ كالتصوير بأشعة رنتجن الشهيرة. ومن القواعد الأصولية ~~الشرعية أن للوسائل أحكام الغايات والمقاصد؛ فإذا كانت الصور تتوقف عليها بعض ~~أحكام شرعية، أو معالجات طبية، أو كشف مسائل علمية كان اتخاذها ولا شك من ~~المرغوب فيه شرعا، وإن كانت لمجرد الزينة واللهو المباح كان اتخاذها مباحا. ~~فأما إذا كانت تتخذ للتعظيم والعبادة والتبرك ونحو ذلك؛ فهي حرام قطعا، ~~معذب صانعها ومعذب متخذها ...» # ولا نعلم أحدا من المسلمين خاصتهم وعامتهم يزوي وجهه أمام تحفة من تحف الفن حيث ~~تؤمن النكسة إلى العبادات الوثنية، وقد كان الشيخ محمد عبده - الإمام المصلح ~~المجتهد - يزور معاهد الفن، ويكتب عنها، ويستحسن حفظ آثارها النادرة، وتحفها ~~النفيسة؛ لأنها من قبيل حفظ العلم، وتصوير خفايا النفس الإنسانية. # ومما كتبه في ذلك فصل من فصول الرحلات بتوقيعه في تلك الرحلات، نشرته مجلة ~~«المنار» عن دور الصور والآثار في جزيرة صقلية، يقول فيه: # ولهؤلاء القوم حرص غريب على حفظ الصور المرسومة على الورق، ويوجد ~~في دار الآثار عند الأمم الكبرى ما لا يوجد عند الأمم الصغرى؛ ~~كالصقليين مثلا، يحققون تاريخ رسمها، واليد التي رسمتها، ولهم ~~تنافس في اقتناء ذلك غريب، حتى إن القطعة الواحدة من رسم ~~روفائيل مثلا ربما تساوي مائتين من الآلاف في بعض المتاحف، ~~ولا يهمك معرفة القيمة بالتحقيق، وإنما المهم هو التنافس في ~~اقتناء ms057 الأمم لهذه النقوش، وعد ما أتقن من أفضل ما ترك المتقدم ~~للمتأخر. # وكذلك الحال في التماثيل، وكلما قدم المتروك من ذلك كان أغلى ~~قيمة، وكان القوم عليه أشد حرصا. هل تدري لماذا؟ ... إذا كنت ~~تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في ~~تحريره، خصوصا شعر الجاهلية وما عني الأوائل - رحمهم الله - ~~بجمعه وترتيبه؛ أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه ~~المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي ~~يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى. # إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون ~~المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة ما تستحق به ~~أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، ويصورون الإنسان أو ~~الحيوان في حال الفرح والرضى والطمأنينة والتسليم. # فهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز ~~بعضها من بعض، ولكنك تنظر في رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهرا ~~باهرا، ويصورونه مثلا في حالة الجزع والفزع والخوف والخشية، ~~والجزع والفزع مختلفان في المعنى، ولم أجمعهما هنا طمعا في ~~جمع عينين في سطر واحد؛ بل لأنهما مختلفان حقيقة. # ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية، ~~ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع، ومتى يكون الجزع، وما ~~الهيئة التي يكون عليها الشخص في هذه الحال أو تلك. فأما إذا ~~نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر الساكت، فإنك تجد الحقيقة بارزة ~~لك تتمتع بها نفسك، كما يتلذذ بالنظر فيها حسك إذا نزعت نفسك ~~إلى تحقيق الاستعارة المصرحة في قولك: رأيت أسدا؛ تريد رجلا ~~شجاعا، فانظر إلى صورة أبي الهول بجانب الهرم الكبير تجد ~~الأسد رجلا أو الرجل أسدا. # فحفظ هذه الآثار حفظ للعلم في الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على ~~الإبداع فيها. إن كنت فهمت من هذا شيئا فذلك بغيتي، وأما إذا ~~لم تفهم فليس عندي وقت لتفهيمك بأطول من هذا، وعليك بأحد ~~اللغويين أو الرسامين أو الشعراء المفلقين يوضح لك ما غمض عليك ms058 ~~إذا كان ذلك من ذرعه ... # ثم يستطرد الأستاذ الإمام إلى الحكم الشرعي في هذه الصور ~~والتماثيل، فيقول: # ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور ~~في الشريعة الإسلامية إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير ~~هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية، أو أوضاعهم الجسمانية؟ هل ~~هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب أو واجب؟ فأقول لك: إن ~~الراسم قد رسم ، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة ~~وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان. # فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع ~~سؤالا إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة. فإذا أوردت عليه حديث: ~~«إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»، أو ما في معناه ~~مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن ~~الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد ~~لسببين؛ الأول: اللهو، والثاني: التبرك بمثال من ترسم صورته ~~من الصالحين. # والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، ~~والمصور في الحالين شاغل عن الله، أو ممثل للإشراك به، ~~فإذا زال هذان العارضان، وقصدت الفائدة؛ كان تصوير الأشخاص ~~بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صنع ذلك في ~~حواشي المصاحف وأوائل السور ولم يمنعه أحد من العلماء، مع أن ~~الفائدة في نفس المصاحف موضع النزاع، وأما فائدة الصور فمما لا ~~نزاع فيه على الوجه الذي ذكر. # على أن شبهة العبادة الوثنية تزول عند النظر إلى فن السماع - أو فن الغناء ~~والموسيقى - لأنه من الفنون التي لا غبار عليها، ولا تحريم لشيء منها إلا ما ~~كان ممتزجا بالخلاعة، أو مثيرا للشهوات؛ فالتحريم هنا لا يخص الفن الجميل، بل ~~يعم الخلاعة والشهوة وكل ما يمتزج بالمحظورات على اختلافها. وقد يحرم اللباس ~~الخليع أو الحديث الخليع فلا يقال: إن هذا التحريم يمنع الكساء، أو يمنع ~~الكلام، ولكنه يمنع ما هو ممنوع، ويبيح ما عداه. # والمسلمون مأمورون بترتيل القرآن لا يرون في قداسته ما ينهاهم أن ms059 يقرءوه ويسمعوه ~~مرتلا في المساجد والمحاريب؛ بل يرون في ذلك معوانا على بلاغ أثره، وطمأنينة ~~الإصغاء إليه. وأحرى أن يكون ذلك الشأن ما يطرق الأسماع منغوما من سائر ~~الكلام. # ولو كان في الغناء ما يكره أو يعاب؛ لكان أولى الناس أن يمنعه رجل كعمر بن الخطاب ~~في صرامته وشدته على نفسه وعلى غيره في رعاية أحكام دينه، ولكنه رضي الله عنه ~~كان يبيح الغناء ويدعو إليه ، ومن أخباره في ذلك ما رواه نائل مولى عثمان بن ~~عفان قال: «خرجت مع مولاي عثمان بن عفان في سفرة سافرناها مع عمر في حج أو ~~عمرة، وكان عمر وعثمان وابن عمر أيضا، وكنت وابن عباس وابن الزبير في شبان ~~معنا، ومعنا رباح النهري فقلنا له ذات ليلة: # 1 # احد لنا، قال: مع عمر؟! قلنا: احد؛ فإن نهاك فانته. # 2 # فحدا، حتى إذا كان السحر قال له عمر: كف؛ فإن هذه ساعة ~~ذكر. # فلما كانت الليلة الثانية قلنا: يا رباح، انصب لنا نصب العرب، قال: مع عمر؟! ~~فقلنا كما قلنا بالأمس: إن نهاك فانته. فنصب لنا نصب العرب حتى إذا كان السحر ~~قال له عمر ما قاله أمس، فلما كانت الليلة الثالثة قلنا له: يا رباح، غننا غناء ~~القيان، فقال: مع عمر؟! قلنا: إن نهاك فانته. فغنى، فوالله ما تركه أن قال ~~له: كف؛ فإن هذا ينفر القلوب.» # وجاءه قوم فقالوا: إن لنا إماما يصلي بنا العصر ثم يغني بأبيات، فقام معهم إلى ~~منزله، واستنشده تلك الأبيات، فأنشده الأبيات التالية: # وفؤداي كلما نبهته # عاد في اللذات يبغي تعبي # لا أراه الدهر إلا لاهيا # في تماديه فقد برح بي # يا قرين السوء ما هذا الصبا؟ # فني العمر كذا في اللعب # وشباب بان مني ومضى # قبل أن أدرك منه أربي # نفس! # 3 # لا كنت ولا كان الهوى # اتقي المولى وخافي وارهبي # فجعل عمر يقول: نفس لا كنت ولا كان الهوى، وصار يبكي ثم قال: من كان منكم ~~مغنيا؛ فليغن هكذا ... # وروي عنه أنه خرج للحج ومعه ms060 خوات بن جبير، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن ~~عوف، فسأل القوم خواتا أن يغني من شعر ضرار، فقال عمر: دعوا أبا عبد الله؛ ~~فليغن من بنيات فؤاده، قال خوات: فما زلت أغنيهم حتى كان السحر، فقال عمر: ~~ارفع لسانك يا خوات؛ فقد أسحرنا. # ومن قال: إن ابن الخطاب كان أشد الخلفاء صرامة في النهي عن المحظور لم يبالغ في ~~وصفه، ولم يقل عنه ما يأباه أو يأباه له عارفوه ومحبوه، وها هو ذا يستمع إلى ~~الغناء بالشعر فيستمع إلى فنين من أعم الفنون الجميلة بين الناس، ولا ينكر ~~الغناء لذاته، ولا الشعر لذاته، وإنما ينكرهما إذا اشتملا على لهو «ينفر ~~القلوب» كما قال. # ولعل خاطرا يخطر على البال في أمر الشعر لما ورد عن الشعراء في القرآن الكريم، ~~وأنهم يتبعهم الغاوون، وفي كل واد يهيمون ... # ولكن هذه الصفة إنما قيلت في الرد على المشركين الذين كانوا يقولون عن النبي - ~~عليه السلام - تارة أنه ساحر، وتارة أنه شاعر، ففيها بيان للفرق بين النبوة ~~والشعر، وبين الكلام الذي يهدي إلى الرشد، والكلام الذي تتبعه الغواية، والرجوع ~~إلى الآية يدل على الشعراء المقصودين بتلك الصفة، فلا يوصف بها شاعر مؤمن يعمل ~~الصالحات ... # والشعراء يتبعهم الغاوون * ~~ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~[سورة الشعراء: ~~224-227]. # وقد حدث عند نزول هذه الآية - كما روى أبو الحسن مولى تميم الداري - أن حسان بن ~~ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك جاءوا إلى رسول الله وهم يبكون فقالوا: ~~قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء ... فتلا النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: # إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ~~. # فليس الشعر منهيا عنه لأنه شعر، ولا لأنه كلام موزون؛ إذ قد يتفق الوزن لبعض ~~آيات الكتاب، كما جاء في تفسير روح المعاني للسيد محمود الألوسي منسوبا إلى ~~بعض المتأولين؛ إذ يقول: إنهم تأولوا عليه ما جاء في القرآن مما يكون موزونا ~~بأدنى تصرف؛ كقوله ms061 تعالى: # ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله ~~[سورة الإسراء: 33]. # ويكون بهذا الاعتبار شطرا من الطويل، وكقوله سبحانه: # إن ~~قارون كان من قوم موسى ~~[سورة القصص: 76] ويكون من ~~المديد. # وكقوله عز وجل: # فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم ~~[سورة الأحقاف: 25] ويكون من البسيط. # وقوله تبارك وتعالى: # ألا بعدا لعاد قوم ~~هود ~~[سورة هود: 60] ويكون من الوافر، وقوله جل وعلا: # صلوا عليه وسلموا تسليما ~~[سورة ~~الأحزاب: 56] ويكون من الكامل. # إلى غير ذلك مما استخرجوه من سائر البحور، وقد استخرجوا منه ما يشبه البيت التام ~~كقوله تعالى: # ويخزهم وينصركم عليهم ~~ويشف صدور قوم مؤمنين ~~[سورة التوبة: ~~14]. # فليس الوزن الذي يتفق أن يكون في الكلام المرسل منهيا عنه، وليس الشعر منهيا ~~عنه لأنه وزن منظوم، وإنما المنكر في الشعر ما ينكر في كل كلام يجري بالسوء، أو ~~يغرى به ويستدرج النفوس إليه، وما عدا ذلك من الشعر، فقد كان يسمعه النبي - ~~عليه السلام - ويجيز عليه، وكان يحفظه الخلفاء الراشدون وأئمة المسلمين. # وقد نظمت أحكام الفقه الإسلامي في بحور موزونة، كما نظمت متون العلم واللغة في ~~هذه البحور، فلا حرج في هذا الفن الجميل ما لم يكن حرجا يعرض للفنون وغير ~~الفنون ... # ويقاس الحديث من الفنون على الفنون التي أبيحت في صدر الإسلام، فما استحدث من ~~قبيلها بعد ذلك فهو مباح مثلها، وما لم يكن معهودا يومئذ فالمعول فيه على حكم ~~الضرورة والمنفعة، واجتناب الضرر والفتنة، يباح ما تدعو إليه الضرورة ولا ضرر ~~فيه، ويحظر ما يخشى منه الضرر، ولا حاجة إليه، ولا مسوغ لوجوده. # وقد حدث مثلا في عهد النبي - عليه السلام - أنه شهد زفن الحبشة - أي رقصها ~~القومي - وشهدته معه السيدة عائشة - رضي الله عنها - فما كان من قبيل هذه ~~المناظر العامة فلا جناح عليه ... ~~••• # وموضع المراجعة في فن التمثيل الحديث ما ورد في القرآن الكريم من نهيه المرأة أن ~~تتبرج تبرج الجاهلية، وأن تبدي زينتها للغرباء إلا ما ظهر منها. وقد أسهبت كتب ~~التفسير في بيان المقصود بما ظهر من الزينة، ولخصها الإمام ms062 النسفي فقال: «إلا ~~ما ظهر منها، أي ما جرت الجبلة والعادة على ظهوره، وهو الوجه والكفان والقدمان، ~~ففي سترها حرج بين، فالمرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن ~~الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي ~~في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن ...» # وفي تفسير الحافظ ابن كثير حديث مرفوع إلى السيدة عائشة - رضي الله عنها - قالت: # إن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي # صلى الله عليه وسلم # وعليها ثياب ~~رقاق فأعرض عنها وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض ~~لم يعلم أن يرى منها إلا هذا.» وأشار إلى وجهه وكفيه ... # والمتفق عليه أن المرأة لا يباح لها أن تبدي زينتها إلا للضرورة مع أمن الضرر ~~والفتنة، فإذا ثبتت ضرورة لظهورها في حالة من الحالات تمتنع فيها الفتنة، ويؤمن ~~فيها الضرر؛ فحكم الشرع في هذه الحالة معلوم لا خلاف عليه. # وليس من الحق أن فن التمثيل يضيق بالمباح المقبول من الشريعة الإسلامية، وأنه ~~لا يحيا ولا يزدهر بغير ترخص فيها وخروج عنها؛ فإن تاريخ التمثيل الحديث يشهد ~~بمخالفة هذا الزعم للحقيقة الواقعة؛ لأن التمثيل قد عاد إلى الحياة ونما وازدهر ~~في القرن السابع عشر، يوم كانت أزياء النساء في أوروبا لا تبدي من المرأة غير ~~الوجه والكفين، وقد تحجب الكفين بالقفاز أو الأكمام الطوال، وكانت ملابس المرأة ~~يومئذ كملابس القرون الوسطى تفيض حول وسطها حتى تستر قوامها، وربما تعذر عندهم ~~في إبان يقظة التمثيل أن تظهر المرأة على المسرح؛ لجهلها بالقراءة وعجزها عن ~~الحفظ والفهم عن الملقن على مقربة منها. وإن لها من مباحات الإسلام رخصة أيسر ~~من هذه الرخصة، ومجالا أرحب من هذا المجال. # وربما ضاقت بالتمثيل عقيدة تعلم أبناءها نبذ الحياة، والحذر من النظر في حكمة ~~التحريم والتحليل ... أما الدين الذين يعلم من يدين به أن يحب الحياة، وأن يحتكم ~~إلى فكره؛ فلا خوف منه على هذا الفن أو على سواه من فنون الحياة ~~والجمال. # الفصل السابع # | المعجزة # يروى عن ms063 «نابليون بونابرت» أنه سأل العالم الفلكي المشهور «لابلاس»: أين تجد مكان ~~العناية الإلهية في نظام السماوات؟ فأجابه «لابلاس»: لست أدري مكانا لما يسمى ~~العناية الإلهية في ذلك النظام يا صاحب الجلالة. # يريد العالم الفلكي أنه يستطيع أن يفسر دوران الأفلاك بقوانين الحركة وخصائص ~~المادة الطبيعية، ولا حاجة عنده بعد ذلك إلى تفسير. # وغير هذا الجواب كان أحرى برجل في علم «لابلاس»؛ لأن العالم أحرى أن يعرف موضع ~~العجب من هذه المشاهدات المألوفة، فليست ألفته لها مما يصح أن يبطل العجب منها ~~ولو تتابعت أمامه ألوفا من المرات بعد ألوف. # ترى لو كان «لابلاس» في كون آخر، وتحدث إليه أحد الخارجين من كوننا هذا عن دوران ~~الكواكب على هذا النظام، وخصائص المادة على هذه الوتيرة، أتراه كان يتوقع ما ~~يحدثه عنه قبل سماعه، ويرى أنه شيء من قبيل تحصيل الحاصل، وتكرير المعاد ~~مستغن عن الشرح والسؤال؟ # ترى لو قيل لذلك العالم الفلكي في أوائل الأزل أن يصور على الخريطة حركة قابلة ~~لتنظيم الفلك في دورانه وجواذبه ودوافعه، أكان يرتجل هذه الصورة ارتجالا، ولا ~~يتردد بينها وبين شتى الفروض والتقديرات؟ # إن نظام الفلك مشاهدات متكررة، وليس بالمستلزمات المنطقية لو لم تكن هنالك قدرة ~~تستلزمها وتختارها لتكون على هذا النحو، ولا تكون على سواه. # إن عقولنا تستلزم أن الأصغر والأكبر من الأشياء لا يتساويان، ولكنها لا ~~تستلزم أن تأتي الحركة من الحرارة، أو تأتي الحرارة من الحركة، أو تمضي ~~المتحركات دائرة في بعض الأحوال، وساكنة في غيرها من الأحوال. # هذه مشاهدات وليست بمستلزمات ولا بديهيات، وكل ما يحدث على صورة منها ولا يحدث ~~على صورة أخرى فهو محتاج إلى التفسير، غير مستغن بنفسه عن الفهم ~~والتعليل. # ونحن نضحك من الطفل الذي تسأله: لماذا انكسر الإناء؟ فيقول: لأنه وقع، وتسأله: ~~لماذا ينكسر إذا وقع؟ فيقول: هكذا. ولا يكلف عقله سؤالا بعد هذا الجواب ~~«وهكذا» هو جواب «لابلاس» في محصوله لسؤال نابليون. # هل من الحتم أن ينكسر الإناء إذا وقع؟ وهل من الحتم أن يدور ms064 الكوكب إذا تحرك ~~وانجذب؟ وهل من الحتم مرة أخرى إذا دار أن يتركب من دوراته نظام، وأن تنشأ في ~~هذا النظام حياة؟ # هكذا، ولا شيء غير هكذا في رأي علامة الفلك الكبير. وعلامة الفلك الكبير ها هنا ~~طفل صغير يستغني عن تفسير كسر الإناء بإعادة كلمة واحدة هي التكسير. # لماذا يدور الفلك هذا الدوران؟ لأنه يدور هذا الدوران، ولا بد أن يدور هذا ~~الدوران، ولا سبب لذلك إلا لأنني رأيته يدور هذا الدوران. # ومن قال هذا فهو هازل يستخف بالأعجوبة التي أمام عينيه لمجرد كونها أمام عينيه، ~~كأنه يريد أن تكون الأعجوبة مما لا يراه ولا يراه إنسان. # وإن أجهل الجهلاء ليتعلم من القرآن الكريم فهما أعمق من فهم «لابلاس»، وموقفا ~~أمام مشاهد الكون أصدق من موقفه المحدود؛ فإنه يتعلم من كتابه أن المعجزة ~~قائمة حواليه حيثما جال بعينيه، ويؤمن ... # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ~~ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من ~~كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر ~~بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~[سورة البقرة: 164]. # فكل ما نراه ونكرر رؤيته فهو معجزة تدعو إلى العجب ... # ولكنها المعجزة التي يعمل العقل لفهمها، وليست هي المعجزة التي تبطل عمل ~~العقول. # والإسلام دين المعجزات التي يراها العقل حيثما نظر، وليس بدين المعجزات التي تكف ~~العقل عن الرؤية، وتضطره بالإفحام القاهر إلى التسليم. # وعلينا أن ندرك أن المعجزة معجزتان كي نطلب المعجزة التي ينبغي أن تطلب، ونتورع ~~عن طلب المعجزة التي لا تجدي أحدا من العقلاء ... # فالمعجزة التي تتجه إلى العقل موجودة يلتقي بها من يريدها حيثما التفت إليها، ~~ولكنها غير المعجزة التي تقنع من لا يقتنع بتفكيره، ومن لم يقتنع بتفكيره فلن ~~تهديه المعجزة من ضلال. # والإسلام دين متناسق مستجيب للفهم والموازنة بين الأمور، فهو دين المعجزات في كل ~~شيء، ولكنه ليس بدين المعجزة التي تفحم العقل ولا تقنعه؛ لأنه دين العقل، ~~والتفكير ms065 فريضة فيه. # ويؤمن المسلم بالنواميس الكونية أشد من إيمان الدعاة إلى تقرير تلك النواميس باسم ~~العلم العصري أو العلوم التجريبية؛ لأنه يؤمن بأن النواميس سنة الله في خلقه. # فلن تجد لسنت الله تبديلا ~~[سورة فاطر: 43]. # ولكنه يؤمن كذلك بإمكان المعجزة؛ لأنها ليست بأعجب مما هو حادث مشاهد أمام ~~الأبصار والبصائر، وليست هي بمحتاجة إلى قدرة أعظم من القدرة التي نشهد من ~~بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم وكل ساعة. وقد تسمى المعجزات في عرف المسلم ~~بخوارق العادات، فلا يجوز لأحد أن ينكرها؛ لأننا تعودنا فيما علمناه في هذا ~~العصر - على الأقل - أمورا كثيرة كانت في تقدير الأقدمين من خوارق العادات، ~~وهي اليوم من الممكنات المتواترة، وما جاز فيما نعلمه يجوز فيما نجهله، وهو ~~أكثر من المعلوم لنا الآن بكثير. # فمما كان من خوارق العادات عند الأقدمين أن تبلغ الحركة ما تبلغه من السرعة في ~~تجاربنا العصرية، وأن يبلغ المكان ما يبلغه من صغر الأمد في كثير من تلك ~~التجارب المحسوسة، فأصبحنا نعد من السرعة المحسوسة ما يزيد على عشرات الملايين ~~من الأميال في الثانية الواحدة، ونحصر من المكان ما يقل عن جزء من مليون من ~~القيراط تعيش فيه الأجسام والخلايا الحية، وتنمو منه جمهرة الخلائق، وربوات ~~الأفلاك والأجرام. # وأصبح القول بأن هذا الحدث يحدث في جزء من ألف جزء من الثانية، وينتشر على آفاق ~~من الفضاء تحسب بألوف الألوف من الأميال في الجهات الأربع. وقد كان هذا ~~مستحيلا في رأي المحدودين من عباد العادات، ومنكري الخوارق فيما تعودوه، ~~وبعضهم معدودون من الفلاسفة المفكرين. وأصح منهم بديهة، وأسلم منهم تقديرا ~~جاهل يؤمن بالمعجزة، ويؤمن معها بخفايا الخلق، وأسرار الحياة، واتساع التقدير ~~والاحتمال لكثير من الغرائب والطوارق والممتنعات في حكم الواقع والعيان. # فإن العقل الإنساني لا يصاب بآفة أضر له من الجمود على صورة واحدة يمتنع عنده كل ~~ما عداها، فإما أن تكون الأشياء عنده كما تعودها وكرر مشاهدتها، وإما أن تحسب ~~عنده في عداد المستحيلات. وأدنى من هذا العقل إلى صحة ms066 النظر عقل يتفتح لاحتمال ~~وجود الأشياء على صور شتى لا يحصرها المحسوس والمألوف. # فليس من المستحيل عقلا أن يتم في ثانية ما تعودنا أن يتم في عام، ولا من ~~المستحيل عقلا أن يحدث في قيد الشعرة ما كنا نظن أنه لا يحدث في غير الآفاق ~~الفساح، وكذلك لا يستحيل عقلا أن ينعكس هذا فيتم في الزمن الطويل والأمد ~~الفسيح ما تعودنا أن نراه في الزمن القصير والأمد الصغير. # ومن الأمثلة المقربة لهذا الاحتمال أن ننظر إلى الصور المتحركة كيف ينمو فيها ~~النبات بطيئا في أيام وهو يرتفع أمامنا سريعا في لمحات، وأن ننظر إلى قوائم ~~الفرس كيف يرتفع الحافر من الأرض، فيستغرق من الوقت على اللوحة البيضاء مثل ما ~~يستغرقه العدو إلى نهاية المضمار. وإنما نستفيد من هذا النظر أن يأخذ العقل من ~~الحس المشاهد درسا يتعلم منه أن اختلاف وقوع الحادث الواحد في الزمان ~~والمكان شيء، والقول باستحالة وقوعه في غير هيئة واحدة شيء آخر. # فلا استحالة في خوارق العادات، ومن قال باستحالتها لزمه الإثبات؛ لأنه يدعي ~~الاستحالة عقلا بغير دليل ... ~~«وما من أحد يجرؤ، مثلا، على أن يقول باسم العلم: إن الإلهام بالغيب مستحيل؛ ~~لأنه إذا جزم باستحالته وجب عليه قبل ذلك أن يجزم بأمور كثيرة لا يستطيع عالم ~~أمين أن يقررها معتمدا على حجة أو سند قويم. ويجب على العالم الذي يجزم ~~باستحالة الإلهام بالغيب أن يقرر لنا أنه عرف حقيقة الزمن، وعرف - من ثم - ~~حقيقة المستقبل، ويجب عليه مع ذلك أن يقرر تجريد الكون من عنصر العقل غير عقل ~~الإنسان والحيوان. فما هي حقيقة الزمن؟ هل هو موجود في الماضي والحاضر ~~والمستقبل، أو هو يوجد لحظة واحدة ثم يزول؟ وما هي هذه اللحظة الواحدة؟ وما مدى ~~إحاطتها بالبعيد والقريب من الأمكنة الشاسعة في هذه الأكوان؟ وهل المستقبل ~~موجود الآن أو هو عدم يوجد لحظة بعد لحظة؟ وكيف يوجد العدم بعد أن لم يكن له ~~وجود؟ # إن العالم الذي يجزم في قول من هذه الأقوال باسم العلم ms067 يدعي على العلم كذبا، ~~وينم عن عقل ضيق لا يصلح للنظر في هذه الآفاق ... وإذا كنا ننفي وجود المستقبل ~~نفيا مقطوعا به مستندا إلى حجة أو بينة، فالغيب غير مستحيل، والعلم به لا ~~يدخل في باب الممنوعات أو غير المعقولات، وإذا كان عنصر العقل في هذه الأكوان ~~أكبر من أن يحصره رأس الإنسان وحده، فانتقال المعرفة منه إلى عقل الإنسان جائز ~~جدا، أو جائز على الأقل كجواز الانتقال بين الأفكار على تباعد الأمكنة والعقول.» # 1 # وإذا كان العقل الإنساني لا ينفي بالدليل المقنع وجود العقل الأبدي، فليس له أن ~~يجزم باستحالة شيء مما يستطيعه ذلك العقل الأبدي من العلم بالأبد كله، أو من ~~القدرة على الإيحاء به إلى من يشاء، أو من القدرة على خوارق العادات؛ لأن ~~الخوارق بالنسبة إليه كالعادات؛ ولأن التغيير عنده كالإنشاء والإبداع، إذ ليست ~~قدرته على تغيير ما حدث دون قدرته على الخلق لأول مرة في زمن بعيد أو زمن ~~قريب. # والإسلام يضع المعجزة في موضعها من التفكير ومن الاعتقاد، فهي ممكنة لا استحالة ~~فيها على الخالق المبدع لكل شيء، ولكنها لا تهدي من لم تكن له هداية من بصيرته ~~واستقامة تفكيره ... # فمن مرت به آيات الأرض والسماء ولم ينظر إليها، ولم يعرف منها دينا خيرا من دين ~~الوثنية والتعطيل؛ فلن تزيده الآية الخارقة إلا ضلالا على ضلال. # وقد كان جواب النبي - عليه السلام - لمن يطالبونه بالمعجزات كما جاء في القرآن ~~الكريم من سورة الإسراء: # وقالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت ~~من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * ~~قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ms068 مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا * قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ إنه كان بعباده خبيرا بصيرا * ومن ~~يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم ~~أولياء من دونه ~~[سورة الإسراء: 90-97]. # وفي سورة الحجر: # ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا ~~إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون ~~[سورة الحجر: 14، 15]. # وفي سورة يونس: # ويقولون لولا أنزل عليه آية ~~من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين ~~[سورة يونس: 20]. # وقديما سخر من الآيات من كان يسخر من الحجة البينة كما جاء في قصة موسى - عليه ~~السلام - من سورة الزخرف: # ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول ~~رب العالمين * فلما جاءهم بآياتنا ~~إذا هم منها يضحكون ~~[سورة الزخرف: 46، 47]. # بل جاء في الأناجيل من سيرة المسيح - عليه السلام - أن الكهنة عجلوا بسعيهم ~~لإهلاك السيد المسيح حين علموا بآياته، وأشفقوا أن تقود الناس إلى الإيمان ~~برسالته، فدعاهم إلى الكيد له ما كان أحرى أن يدعوهم إلى الاستماع له، أو الصبر ~~عليه. # وعقيدة المسلم في الغيب وجملة الغيبيات أنها شيء يعلمه الله ولا يعلمه الإنسان، ~~ولكنها لا تناقض العقل ولا تلغيه؛ فليست هي ضد العقل لو عرفها وانكشف له الغطاء ~~عنها، ولكنها فوق عقل الإنسان؛ لأنه محدود وعالم الغيب مطلق غير محدود. # ومن قال: إنه يرفض الإيمان بغير المحدود فكأنما يقول: إنه يرفض الإيمان بما يستحق ~~الإيمان؛ إذ لا إيمان على الهدى بمعبود ناقص دونه مرتبة الكمال الذي لا تحصره ~~الحدود. # إلا أن الفارق عظيم بين ما هو ضد العقل وما هو فوقه وفوق ما يدرك بالعقول ~~المحدودة؛ فما هو ضد العقل يلغيه ويعطله ويمنعه أن يفكر فيه وفي سواه، وما هو ~~فوق العقل يطلق له المدى إلى غاية ذرعه، ثم يقف حيث ينبغي له الوقوف، وينبغي له ~~الوقوف وهو يفكر ويتدبر؛ إذ كان من العقل أن يفهم ما يدركه وما ليس يدركه إلا ~~بالإيمان. # وحيثما بلغ الإنسان هذا المبلغ فقد انتهى إليه ms069 بالعقل والإيمان على وفاق. # الفصل الثامن # | أمام الأديان # من العسير على الكثيرين من المتدينين المؤمنين بالأنبياء أن يذكروا أسبابا عقلية ~~لتفضيلهم الدين الذي يعتقدونه على سائر الأديان التي لا يعتقدونها، وغاية ما ~~عندهم من التعليل لهذا التفضيل أن يؤمنوا بهذه العقيدة؛ لأنها عقيدة نبيهم، ولا ~~يؤمنون بالعقائد الأخرى لأنها عقائد أنبياء آخرين لا يؤمنون بهم، ولا يقولون ~~لماذا ينكرونهم بعد إيمانهم بأمثالهم، ولا يستطيعون أن يردوا هذا الإنكار إلى ~~سبب معقول! # وهذا العجز العقلي عن تعليل اختيارهم لبعض الأنبياء دون بعض يكاد أن يكون ضرورة ~~لا محيص عنها يضطر إليها من يؤمن برسالة دون سائر الرسالات، فإن رسالات ~~الأنبياء جميعا لن تخلو من فضائلها ومسوغات الإيمان بها، ولن تنحصر الفضائل ~~ومسوغات الإيمان في رسالة واحدة، مع تقادم الزمن، وتفاوت الأمم والإيمان بوجود ~~الله وهدايته للناس منذ تهيأت عقولهم وضمائرهم لقبول الشرائع ~~والمعتقدات. # فالعجز العقلي عن تعليل الإيمان بالدين ضرورة ملازمة لتفكير المتدين الذي لا يعرف ~~الحق في غير دين واحد، كأنما كان الإله الهادي لعباده في غيبة عنهم قبل أن ~~يتنزل ذلك الدين الوحيد بين ما سلف من الأديان. # والمسلم له عصمة من عقيدته تحميه من ذلك العجز الذي يعيب العقل ويعيب العقيدة ~~معا، فهو دين التفكير أمام الأديان الأخرى؛ حيث يتعسر التفكير في أمثال هذه ~~المواقف بين المتدينين. # لأن المسلم يؤمن بجميع الرسالات التي سلفت قبل محمد - عليه السلام - ولا ينكر ~~منها إلا ما نسخته الشرائع النبوية نفسها لاختلاف مقتضيات الزمن، وما ينكره ~~العقل لما أضافه المتدينون إليه من خرافاتهم، أو من أوشاب العبادات التي اختلطت ~~ببقايا الوثنية والعقائد الجاهلية من جيل إلى جيل. # يدين المسلم برسالة نوح قبل رسالة إبراهيم وبنيه صلوات الله عليهم. # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر ~~قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ~~[سورة نوح: ~~1-3]. # ويدين المسلم برسالات إبراهيم والنبيين من بعده كما جاء في آيات متعددة من سور ~~الكتاب ms070 الكريم: # قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق ~~بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~~[سورة ~~البقرة: 136]. # وفي سورة النساء: # إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داوود زبورا ~~[سورة النساء: ~~163]. # وفي سورة يوسف: # واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~[سورة يوسف: ~~38]. # ومع إيمان المسلم برسالات هؤلاء الأنبياء المرسلين يتفتح أمامه باب التفكير ~~والاحتكام إلى العقل، باعتقاده أن الأنبياء والمرسلين يتفاضلون، ويحق له ~~التمييز بين دعواتهم بما لها من حجة، وما فيها من عموم الهداية على تعدد الأمم ~~والأزمنة ... # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~وآتينا داوود زبورا ~~[سورة الإسراء: 55]. # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ~~[سورة البقرة: 253]. # ويملك المسلم حرية العقل فيما يعلم من الرسالات والدعوات التي لم تذكر بأسمائها ~~في كتابه؛ لأن رسل الله كثيرون: # منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك ~~[سورة غافر: ~~78]. # فالمسلم لا يسعه أن يهمل عقله أمام الأديان والرسالات كافة حين يوفق بين واجب ~~الإيمان بها في أصولها وقواعدها، وواجب الإعراض عما اختلط بها من أوشاب الخرافة ~~أو الضلالة؛ لأن العقل هو مرجعه الأول في التوفيق بين هذين الواجبين، وهو مرجعه ~~الوحيد في تمحيص الرسالات التي لم يقصصها القرآن الكريم عليه، فلا غنى له عن ~~التفكير فيها لفهم الصالح منها وغير الصالح، والتمييز بين ما يجوز رفضه وما لا ~~يجوز، عسى أن يكون من رسالات الهداية الإلهية فلا يستنكره بغير بينة أو على غير ~~هدى. # وقد صدقت أمم ببعض الأنبياء وكذبت بنبوة محمد - عليه السلام - ولا حجة لها تجيب ~~بها من يسألها إلا أن تقول: إننا صدقنا بهؤلاء الأنبياء لأنهم أنبياؤنا، ولم ms071 ~~نصدق بمحمد لأنه ليس بنبي عندنا. فهم لا يفرقون بين الأنبياء بقداسة السيرة، ~~ولا بعظمة الأثر، ولا بشيوع الهداية وكثرة المهتدين بها، ولا بفضيلة الهداية في ~~آدابها ومعانيها؛ إذ ما من فارق من هذه الفوارق يعتمدونه في تقديرهم هو خليق أن ~~يسوغ لهم تكذيب محمد - عليه السلام - مع من صدقوهم كما وصفوهم وتحدثوا عنهم في ~~الكتب التي يعولون عليها. # فمما جاء عن نوح - عليه السلام - في الإصحاح التاسع من سفر التكوين أنه «ابتدأ ~~يكون فلاحا، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة ~~أبيه، وأخبر أخويه خارجا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما، ومشيا ~~إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ~~ابنه الصغير فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته.» # وجاء في الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين عن لوط وبنتيه: «فسكن في المغارة هو ~~وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا ~~كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلا. ~~فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم ~~باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت ~~البارحة مع أبي، نسقيه خمرا الليلة أيضا، فادخلي اضطجعي معه؛ فنحيي من أبينا ~~نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ~~ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها؛ فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ~~ابنا، ودعت اسمه موآب، وهو أبو المؤبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضا ولدت ~~ابنا، ودعت اسمه بن عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم.» # وفي الإصحاح الخامس والعشرين من ذلك السفر عن يعقوب وأخيه: «فكبر الغلامان، وكان ~~عيسو إنسانا يعرف الصيد ... إنسان البرية، ويعقوب إنسانا كاملا يسكن الخيام، ~~فأحب إسحاق عيسو؛ لأن في فمه صيدا. وأما رفقة فكانت تحب يعقوب. وطبخ يعقوب ~~طبيخا، فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا، فقال عيسو ليعقوب: أطعمني ms072 من هذا ~~الأحمر لأني قد أعييت - لذلك دعي اسمه أدوم - فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك، ~~فقال عيسو: أنا ماض إلى الموت، فلماذا لي بكورية؟ قال يعقوب: احلف لي اليوم، ~~فحلف له، فباع بكوريته ليعقوب، فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس، فأكل وشرب، ~~وقام ومضى، واحتقر عيسو البكورية.» # ويجيء بعد ذلك في الإصحاح السابع والعشرين أن إسحاق «لما شاخ وكلت عيناه عن ~~النظر، أنه دعا عيسو ابنه الأكبر، وقال له: يا ابني، إنني قد شخت، ولست أعرف ~~يوم وفاتي، فالآن خذ عدتك - جعبتك وقوسك - واخرج إلى البرية وتصيد لي صيدا، ~~واصنع لي أطعمة كما أحب، وائتني بها لآكل؛ حتى تباركك نفسي قبل أن أموت. وكانت ~~رفقة سامعة إذ تكلم إسحاق مع عيسو ابنه، فذهب عيسو إلى البرية كي يصطاد صيدا ~~ليأتي به. # وأما رفقة فكلمت يعقوب ابنها قائلة: إني قد سمعت أباك يكلم عيسو أخاك قائلا: ~~ائتني بصيد، واصنع لي أطعمة لآكل وأباركك أمام الرب قبل وفاتي. فالآن يا ابني، ~~اسمع لقولي فيما أنا آمرك به: اذهب إلى الغنم، وخذ لي من هناك جديين جيدين من ~~المعزى، واصنعهما أطعمة لأبيك كما يحب، فتحضرها إلى أبيك ليأكل حتى يباركك قبل ~~وفاته، فقال يعقوب لرفقة أمه: هو ذا عيسو أخي رجل أشعر، وأنا رجل أملس؛ ربما ~~يجسني أبي فأكون في عينه كمتهاون، وأجلب على نفسي لعنة لا بركة، فقالت له أمه: ~~لعنتك علي يا ابني، اسمع لقولي فقط، واذهب خذ لي. # فذهب وأخذ وأحضر لأمه، فصنعت أمه أطعمة كما كان أبوه يحب، وأخذت رفقة ثياب عيسو ~~ابنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها في البيت، وألبست يعقوب ابنها الأصغر، ~~وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعز، وأعطت الأطعمة والخبز الذي صنعت في ~~يد يعقوب ابنها، فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي، فقال: ها أنا ذا، من أنت يا بني؟ ~~فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك، قد فعلت كما كلمتني، قم اجلس وكل من ~~صيدي لكي تباركني نفسك، فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذي أسرعت ms073 لتجد يا ~~بني. # فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي، فقال إسحاق ليعقوب: تقدم لأجسك يا ابني، أأنت ~~هو ابني عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه فجسه وقال: الصوت صوت يعقوب، ~~ولكن اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه؛ لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه، ~~فباركه وقال: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال: أنا هو، فقال: قدم لي لآكل من صيد ~~ابني حتى تباركك نفسي، فقدم له فأكل، وأحضر له خمرا فشرب ، فقال له إسحاق أبوه: ~~تقدم وقبلني يا ابني. # فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه وقال: انظر، رائحة ابني كرائحة حقل قد ~~باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر؛ ~~ليستعبد لك شعوبا، وتسجد لك قبائل. كن سيدا لإخوتك، ويسجد لك بنو أمك. ليكن ~~لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين. # حدث عندما فرغ إسحاق من بركة يعقوب، ويعقوب قد خرج من لدن إسحاق أبيه، أن عيسو ~~أخاه أتى من صيده، فصنع هو أيضا أطعمة، ودخل بها إلى أبيه وقال لأبيه: ليقم ~~أبي ويأكل من صيد ابنه حتى تباركني نفسه، فقال له إسحاق أبوه: من أنت؟ فقال: ~~أنا ابنك بكرك عيسو. فارتعد إسحاق ارتعادا عظيما جدا وقال: فمن هو الذي ~~اصطاد صيدا وأتى به إلي فأكلت من الأكل قبل أن تجيء وباركته؟ نعم ويكون ~~مباركا. # فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جدا، وقال لأبيه: باركني أنا ~~أيضا يا أبي، فقال: قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك، فقال: ألا إن اسمه دعي ~~يعقوب؛ فقد تعقبني الآن مرتين؛ أخذ بكورتي وهو الآن قد أخذ بركتي، ثم قال: أما ~~أبقيت لي بركة؟ فأجاب إسحاق وقال لعيسو: إني قد جعلته سيدا لك، ودفعت له جميع ~~إخوتك عبيدا، وعضدته بحنطة وخمر، فماذا أصنع إليك يا ابني؟ # فقال عيسو لأبيه: ألك بركة واحدة فقط يا أبي؟ باركني أنا أيضا يا أبي، ورفع عيسو ~~صوته وبكى، فأجاب إسحاق أبوه وقال له: هو ذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك، وبلا ~~ندى ms074 السماء من فوق، وبسيفك تعيش، ولأخيك تستعبد، ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر ~~نيره من عنقك ...» # ومما يروى عن داود - عليه السلام - في العهد القديم قصص كثيرة، نذكر منها في ~~هذا الصدد قصته مع قائده أوريا وزوجته أثناء القتال، وهي القصة التي جاءت في ~~الإصحاح الحادي عشر من كتاب صمويل الثاني؛ حيث يقول: «وكان عند تمام العام في ~~وقت خروج الملوك أن داود أرسل يوآب وعبيده معه وجميع إسرائيل، فأخرجوا بني ~~عمون وحاصروا ربة. # وأما داود فأقام في أورشليم، وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره، ومشى ~~على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحم، وكانت المرأة جميلة المنظر ~~جدا، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بسبع بنت اليمام امرأة ~~أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلا وأخذها، فدخلت عليه واضطجع معها وهي مطهرة من ~~طمثها، ثم رجعت إلى بيتها. # وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود: إني حبلى، فأرسل داود إلى يوآب يقول: أرسل ~~إلي أوريا الحثي. فأرسل يوآب أوريا إلى داود، فأتى أوريا إليه، فسأل داود عن ~~سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب، وقال داود لأوريا: انزل إلى بيتك، واغسل ~~رجليك. فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك. # ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته، فأخبروا داود ~~قائلين: لم ينزل أوريا إلى بيته، فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر؟ فلماذا ~~لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهودا ساكنون في ~~الخيام، وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل ~~وأشرب، وأضطجع مع امرأتي! وحياتك وحياة نفسك، لا أفعل هذا الأمر، فقال داود ~~لأوريا: أقم هنا اليوم أيضا، وغدا أطلقك. # فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده، ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره، وخرج ~~عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده، وإلى بيته لم ينزل. وفي الصباح، كتب ~~داود مكتوبا إلى يوآب، وأرسله بيد أوريا، ms075 وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا ~~في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. # وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البأس ~~فيه، فخرج رجال المدينة، وحاربوا يوآب، فسقط بعض الشعب من عبيد داود، ومات ~~أوريا الحثي، فأرسل يوآب وأخبر داود بجميع أمور الحرب، فلما سمعت امرأة أوريا ~~أنه قد مات أوريا رجلها ندبت بعلها، ولما قضت المناحة، أرسل داود وضمها إلى ~~بيته، وصارت له امرأة، وولدت له ابنا. وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عين ~~الرب.» # ومن أمثال هذه الروايات عن الأنبياء المذكورين في التوراة قصة هوشع الذي قيل في ~~كتابه: إن «أول ما كلم الرب هوشع، قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى ~~وأولاد زنى؛ لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب. فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم، ~~فحبلت وولدت له ابنا، فقال له الرب: ادع اسمه يزرعيل؛ لأنني بعد قليل أعاقب ~~بيت يهوا على دم يزرعيل، وأبيد مملكة بيت إسرائيل، ويكون في ذلك اليوم أني أكسر ~~قوس إسرائيل في وادي يزرعيل. ثم حبلت أيضا وولدت بنتا، فقال له: ادع اسمها ~~لورحامة؛ لأني لا أعود أرحم بيت إسرائيل أيضا، بل أنزعهم نزعا ...» # ثم يتبع هذا الإصحاح إصحاح تال يقول فيه النبي: «وقال الرب لي: اذهب أيضا أحبب ~~امرأة حبيبة صاحب وزانية كمحبة الرب لبني إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة أخرى، ~~ومحبون لأقراص الزبيب، فاشتريتها لنفسي بخمسة عشر شاقل فضة وبحومر ولثك شعير، ~~وقلت لها: تقعدين أياما كثيرة ولا تزني ولا تكوني لرجل، وأنا كذلك لك؛ لأن بني ~~إسرائيل سيقعدون أياما كثيرة بلا بلد، وبلا رئيس، وبلا زيجة، وبلا تمثال، وبلا ~~أفود وترافيم ...» # هذه الأخبار وما إليها نورد منها ما أوردناه ولا نناقشه أو نتعرض لنفيه وإثباته؛ ~~لأننا لم نكتب هذه الفصول لنخوض في الجدل الديني الذي لا صلة له بما نبينه من ~~فريضة التفكير في الإسلام، ولكننا نورد تلك الأخبار لنستخلص منها منهج الإنسان ~~أمام الأديان كما يتعلمه من ms076 الإسلام، ومنهجه أمام الإسلام كما يتعلمه من ~~غيره. # فالذين يقبلون هذه النبوات، ويكذبون برسالة عيسى ومحمد - عليهما السلام - أو ~~الذين يقبلونها جميعا ويكذبون برسالة نبي الإسلام وحدها، لا تقام عندهم حجة ~~النبوة بقداسة السير، ولا بعظمة الأثر، ولا بفضيلة الهداية في آدابها ~~ومعانيها. # أما الإسلام فإنه يعلم المسلم أن يقبل جميع الرسالات، ولا يرفض منها شيئا ~~لغير سبب يفقهه ويقيم الحجة عليه مما ينبغي لصفة النبوة، أو ينبغي لصلاح ~~الرسالة، وإذا فضل الإسلام على سائر الأديان، فهو لا يفضله لأنه دينه وكفى؛ ~~وإنما يفضله لأنه يدعوه في كل عقيدة دينية إلى ما هو خير عنده مما يدعى إليه ~~في الأديان عامة. # فالإله الذي يدين به المسلم رب واحد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وهو ~~رب العالمين، فتح لهم باب الخلاص بهداية الأنبياء منذ وجدوا، وليس ربا لقبيلة ~~أو عشيرة يكتب لها الخلاص وحدها، وتخص بالحظوة دون ما عداها من عامة بني ~~الإنسان. # والنبوة التي يدين بها المسلم هي نبوة الهداية التي ترشد العقل بالبينة والموعظة ~~الحسنة، ولا تفحمه بالمعجزة المسكتة، أو بالحماية من المجهول. # والإنسان في عقيدة المسلم مخلوق مكلف ينجو بعمله لا بالوساطة التي لا فضل له ~~فيها، ويحمل وزره، ولا يحمل الأوزار من ميراث الآباء الأولين. وكل مفاضلة بين ~~عقيدة وعقيدة عند المسلم فمردها إلى سبب، وسببها قائم على فضيلة يفهمها العقل، ~~ويطمئن إليها الضمير. وقد يختلف فيها الغيب والشهادة، ولكنه اختلاف لا يصدم ~~العقل فيما تقرر لديه، وإنما يفوقه بما يتممه إذا انتهى إلى غاية مداه. # الفصل التاسع # | الاجتهاد في الدين # مصادر الشرائع والأحكام في الدين الإسلامي ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع. # ويقوم الإجماع على اجتهاد أولي الأمر وأهل الذكر بما اشتمل عليه من قياس واستحسان ~~أو مصالح مرسلة؛ أي مصالح لم تتقيد بحكم خاص ينطبق عليها في جميع الأحوال وجميع ~~الأزمنة، ولكنها من العوارض المتغيرة التي ينظر فيها المسلمون إلى مصالحهم بحسب ~~أحوالها وأزمنتها ... # والفهم واجب على المسلم في الأخذ من جميع هذه ms077 المصادر والعمل بها، فلا تعارض بين ~~النص والاجتهاد في وجوب الفهم في كل منها؛ لأن المسلم - بعدما تلقاه من الأوامر ~~الإلهية التي توجب عليه التفكير والتدبير والاحتكام إلى العقل والبصيرة - لا ~~يستطيع أن يعتقد أنه مطالب باتباع النص بغير فهم ولا تفرقة بين مواضع الاتباع ~~وأسبابه، ومن قال: إن العمل بالنص يعني العمل بغير فهم، فليس هو من الإسلام ~~في شيء. # والفرائض كلها في الإسلام تتساوى في شرط واحد: وهو الاستطاعة، ومنها التفكير ؛ فلا ~~فرق بين الصلاة والحج والزكاة والتفكير في شرط الاستطاعة، ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه ~~[سورة البقرة: 173]. # والتفكير في أمور الدين أصل من الأصول المقررة. أما التقليد فهو حالة من حالات ~~الضرورة التي تعفي من الاجتهاد بالفهم من يعجز عنه ولا يستطيعه. وقد يكون ~~المستطيعون للاجتهاد أقل عددا من المستطيعين للصلاة، وكذلك المستطيعون للزكاة ~~والحج هم أقل عددا ممن يؤدون صلاتهم أو يقدرون عليها، ولكن الفرق في الاستطاعة ~~لا يجعل العجز عن الفريضة واجبا محتوما يلتزمه العاجز ولا يعمل على الخلاص ~~منه كلما استطاع. # إذ الفرق ظاهر بين الواجب الذي لا يستطاع والحرام المنهي عنه؛ فلا إيجاب للتقليد، ~~ولا تحريم للاجتهاد بالفكر. وشر الناس في الإسلام من يحرم على خلق الله أن ~~يفكروا ويتدبروا بعد أن أمرهم الله بالتفكير والتدبر، وأنبأهم بعاقبة الذين لا ~~يفكرون ولا يتدبرون، ومثله شرا من يحرم الاجتهاد على الناس جميعا؛ لأنه قضى ~~على خلق الله إلى آخر الزمان بالحرمان من نعمة العقل والعلم والصلاح. # ومن أباح لنفسه أن يحرم على الناس نعمة العقل والعلم إلى آخر الزمان، فقد اجتهد ~~برأيه اجتهادا أبعد في الدعوى من كل ما يدعيه المجتهدون على حق أو على باطل؛ ~~فإنه يلغي أوامر الله لعباده؛ حيث يتحرى المجتهدون أن يبتغوا الوسيلة إليها، ~~فهو ينهى الناس برأيه عما أمرهم به الله، واجتهدوا قادرين أو عاجزين أن ~~يطيعوه. # وليس التفكير في الإسلام عوضا من النص أو ما يشبه النص في ms078 الأحكام، بل هو فريضة ~~منصوص عليها، مطلوبة لذاتها، ولما يتوقف عليها من فهم الفرائض الأخرى، وكلها ~~محظور على المسلم أن يهمله وهو قادر على النهوض بتكاليفه، غير مضطر إلى تركه، ~~فإن تركه لغير ضرورة فهو مقصر محاسب على التقصير. # وقد وقع الاجتهاد في الإسلام نصا وعرفا وتقليدا - إن صح هذا التعبير - ونعني ~~بالتقليد هنا حسن القدوة بالأولين والتابعين من السلف الصالح. وأول الأولين نبي ~~الإسلام عليه السلام، ثم الخلفاء الراشدون ومن تبعهم في العصور التي اشتدت فيها ~~حاجة المسلمين إلى الاجتهاد؛ فإن البعد عن القدوة المشاهدة من الخلف الصالح ~~أحرى أن يلجئ ولاة الأمور وأهل الذكر بين المسلمين إلى التفكير فيما يصلح ~~لأزمنتهم، ولم يكن معهودا في أزمنة الأولين. # فمن اجتهاد النبي صلوات الله عليه فيما رواه أبو داود، عن عبد الله بن فضالة، عن ~~أبيه، حيث قال: علمني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكان فيما علمني: «وحافظ على الصلوات ~~الخمس.» فقلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال؛ فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته ~~أجزأ عني، فقال: «حافظ على العصرين.» وما كانت من لغتنا فقلت: وما العصران؟ ~~فقال: «صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة بعد غروبها.» # ومن الاجتهاد النبوي فيما رواه الإمام أحمد، عن عثمان بن أبي العاص، أن وفد ~~ثقيف قدموا على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأنزلهم المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم، ~~فاشترطوا ألا يحشروا ولا يعشروا ولا يحبوا - أي لا يخرجوا للجهاد، ولا تؤخذ ~~منهم الزكاة، ولا يحبون للصلاة - ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «لكم ~~ألا تحشروا، ولا تعشروا، ولا يستعمل عليكم غيركم. ولا خير في دين لا ركوع ~~فيه.» # ويروي أبو داود عن جابر أنه سمع رسول الله يقول بعد ذلك: «سيصدقون ~~ويجاهدون.» # ومما رواه الإمام أحمد في مسنده، عن نصر بن عاصم، عن رجل منهم، أنه أتى النبي # صلى الله عليه وسلم # فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين، فقبل ذلك منه. # وجاء في البخاري أن أم عطية قالت: بايعنا # صلى ms079 الله عليه وسلم # فقرأ علينا: «أن لا يشركن ~~بالله شيئا»، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها فقالت: «أسعدتني فلانة؛ ~~فأريد أن أجزيها.» وجاء في رواية النسائي أنه عليه السلام قال لها: «فاذهبي ~~فأسعديها.» ورجعت فبايعها. # وأشباه هذا من وقائع الاجتهاد النبوي غير قليل، وإنه لاجتهاد رسول الدعوة ~~الإسلامية؛ أحق الناس بتيسير هذه الدعوة، وإنه كذلك لأحقهم بالتشدد فيها حيث ~~يترخص المترخصون. # أما الخلفاء الراشدون فقد اجتهدوا منذ عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق في ~~المصالح المرسلة التي لم يرد فيها نص، ولم تسبق لها سابقة. وأجمل الإمام أحمد ~~ابن إدريس القرافي ما اجتهدوا فيه من قبيل تلك المصالح، فقال في كتابه «شرح ~~تنقيح الفصول»: «ومما يؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة - رضوان الله ~~عليهم - عملوا أمورا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف ~~ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر - رضي الله عنهما - ~~ولم يتقدم بها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، وعمل ~~السكة للمسلمين، واتخاذ السجن. فعل ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهد ~~الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه. ~~فعله عثمان - رضي الله عنه - وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق. فعله عثمان - رضي ~~الله عنه - ثم نقله هشام إلى المسجد، وذلك كثير جدا لمطلق المصلحة.» # واجتهد أبو بكر وعمر معا فيما ورد فيه النص لزوال العلة الموجبة، كما فعل في سهم ~~الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وكان لهم سهم يأخذونه من رسول الله - صلوات الله عليه - ~~تألفا لقلوبهم أيام ضعف الإسلام وضعف عقيدتهم، ومنهم عباس بن مرداس، والأقرع ~~بن حابس، وعيينة بن حصن، وأبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، فلما ولى الصديق ~~جاءوه يسألونه سهمهم هذا، فكتب لهم بذلك إلى عمر فمزق الكتاب وقال لهم: لا حاجة ~~لنا بكم؛ فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلا فالسيف بيننا ~~وبينكم. فلما رجعوا إلى الصديق يستثيرونه ويسألونه: والله لا ندري ms080 أنت الخليفة ~~أو عمر؟ قال: بل هو إن شاء. وأمضى ما فعله عمر كما جاء تفصيله في كتاب الجوهرة ~~على مختصر القدوري. # قلنا في كتاب حقائق الإسلام: «ومن سوء الفهم أن يقال: إن الفاروق خالف النص في ~~هذه القضية، وإنما يقال: إنه اجتهد في فهم النص كما ينبغي، وإنه بحث عن المؤلفة ~~قلوبهم فلم يجدهم؛ لأن تأليف القلوب إنما يكون مع مصلحة للإسلام والمسلمين، فإن ~~لم يكن تأليف لم يكن هناك مؤلفة يستحقون العطاء، ولو أن عيينة والأقرع ~~وأصحابهما سئلوا يومئذ: أهم من المؤلفة قلوبهم يستحقون العطاء لأنهم ضعاف ~~الإيمان لما قبلوا أن يثبتوا في ديوان العطاء.» # وأبين من ذلك في باب الاجتهاد مع وجود النص ما رواه الإمام ابن قيم الجوزية ~~مفصلا في كتابه عن إعلام الموقعين؛ حيث قال عن إسقاط حد السرقة في عام ~~المجاعة: «إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسقط القطع عن السارق في عام ~~المجاعة.» وبعد أن ذكر الأسناد المتتابعة قال: حدثه عن عمر قال: لا تقطع اليد ~~في عذق ولا عام سنة. قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العذق ~~النخلة، وعام سنة المجاعة، فقلت لأحمد: نقول به؟ فقال: إي لعمري، قلت: إن سرق ~~في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة ~~وشدة. # قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب ... إن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة ~~سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب ~~فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، وأقروا على أنفسهم، ~~قال عمر: يا كثير بن الصلت، اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم ردهم عمر، ~~وقال: أما والله لولا أنني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو ~~أكل ما حرم الله عليه حل له؛ لقطعت أيديهم. وايم الله، إذ لم أفعل لأغرمنك ~~غرامة توجعك، ثم قال: يا مزني، بكم أريدت ناقتك؟ قال: بأربعمائة، قال عمر: اذهب ms081 ~~فأعط ثمانمائة. وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعا. # نقول أيضا: إنه لمن الخطأ أن يقال: إن الفاروق ترك النص أخذا بالرأي. فإنه في ~~الواقع عمل بالنص فلم يقم الحد في غير إثم، ولا إثم مع الاضطرار، ولو أنه فعل ~~غير ما فعل لكان آثما، حاشاه؛ لأن إقامة الحد في غير موضعه منكر كإسقاطه في ~~موضعه. وربما كان إطلاق الآثم أهون شرا من عقاب البريء. ومن كان إماما فلم ~~يدرأ الحدود بالشبهات ، ولم يحسب حساب الضرورة التي يبطل معها الإثم، فهو ~~المجترئ على حدود الله، وحكمه حكم من ترك الحدود بغير برهان. # ومن الفهم المعكوس أن يقال: إن الاجتهاد لازم في عصر الدعوة النبوية والنصوص من ~~الكتاب تتوارد، والسنة من أحاديث النبي حاضرة، وصاحب الدعوة أمام الناس يسألونه ~~ويجيبهم، ثم ينقضي ذلك العهد فيحرم الاجتهاد، وهو الموئل الوحيد بين أيديهم ~~لفهم النصوص وتصحيح العمل بالفرائض والأحكام. فهذا من الفهم المعكوس ولا مراء؛ ~~لأنه يقضي بالاستغناء عن الاجتهاد عند الحاجة إليه، والفهم الصحيح في هذه ~~المسألة الجليلة أن ما صنعه النبي - عليه السلام - وتابعه فيه الراشدون من ~~خلفائه وأصحابه وجب على المسلمين أن يصنعوا مثله، ولهم قدوة من أولى الناس أن ~~يقتدوا بسيرته وعمله. # وشبيه بهذا في الفهم المعكوس أن يقال: إن الاجتهاد يصح حين تصح الذمم، وتطهر ~~الضمائر، وتسلم العقائد، ويكثر الصالحون، ولكنه يبطل ولا يصح إذا عم الفساد، ~~وزاغت الضمائر، وضعف اليقين بالأعمال والنيات، فالواقع أن عهد الفساد عهد ~~تكثر فيه الشبهات التي ينبغي للحاكم أن يدرأها عند إقامة الحدود، وتكثر فيه ~~الضرورات التي يجب عليه أن يقدرها بأقدارها عند توقيع العقاب. # وولي الأمر هو المسئول المحاسب على إقامة الحد في موضعه، ودرء الشبهات في ~~مواضعها، وهو المسئول المحاسب على تقدير الضرورات فيما يجريه من عقاب، أو ~~يسقطه من جزاء، وعليه أمانة هذا الواجب الذي يتساوى فيه وضع الجزاء في موضع ~~الإعفاء، ووضع العفو في وضع الجزاء، فإن لم يكن بالحاكم ثقة أن يجري الأمور في ~~مجراها، ولم ms082 يكن بالناس ثقة أن تصح فيهم الذمم، وتسلم الضمائر، فمن لغو القول ~~أن يطول الجدل فيمن يقيم الأحكام، وفيما يقام. # ويتبين من تاريخ العالم الإسلامي في جملته أنه على ما اعتراه من أدوار التأخير ~~والجمود لم يستمع طويلا لآراء القائلين بمنع الاجتهاد في أية صورة من صوره، ~~فإذا غلب التقليد في بلد من بلاده لم يخل سائر البلدان من أئمة يقولون ~~بالاجتهاد، ويعملون به في كل باب من أبوابه، وهي كثيرة تدل كثرتها على كثرة ~~البحث فيها، وكثرة العاملين بها. # فمن أبواب الاجتهاد: القياس، وهو أن يرى المجتهد رأيا فيما لم يرد فيه نص من ~~الكتاب والحديث قياسا على ما ورد من النصوص؛ للمشابهة في العلة ~~والمقصد. # ومن أبوابه: الاستحسان، وهو المفاضلة بين حكمين مستندين إلى النصوص ترجيحا لأحد ~~الحكمين على الآخر؛ لأن الراجح منهما أوفى بالقصد، وأقرب إلى السبب المشروط في ~~إجرائه. # ومنها: المصالح المرسلة، وهي المصالح التي لم تتقيد بنص ولم يسبق لها نظير، ~~ولكنها عمل تتحقق به مصلحة الأمة في حالة من الحالات، فيتصرف فيها الإمام ~~المسئول بما يوافق تلك المصلحة، ويمنع الضرر من فواتها. # ومهما يكن من قول بمنع الاجتهاد، فمن الحق أن نعلم أن عمل السياسة فيه كان أقوى ~~وأفعل من عمل الدين وبواعث العقيدة أو الشريعة. وهذه مسألة لها خطرها في هذا ~~البحث عن فريضة التفكير في الإسلام، فهي حقيقة أن نرجع بها إلى أصولها، وأن ~~نذهب بها إلى غاياتها التي تتكشف من حوادثها وأزماتها. # فلم يتردد في العالم الإسلامي قول القائلين بمنع الاجتهاد كما تردد في عصر الدعوة ~~الفاطمية، التي تعرف أحيانا باسم الدعوة الباطنية، أو الدعوة الإسماعيلية، ~~وينسب إليها الإيمان بالإمام المستور، والمبايعة له جهرا وسرا إذا اقتضت ~~«التقية» إخفاء أمره إلى حين. # وخلاصة المذاهب الإمامية أن هذا العالم لا يخلو من إمام يقوم بالهداية، ويعلم ~~من أسرار الدين ما لا يعلمه أحد من خاصة العلماء، أو من عامة المقلدين؛ لأن ~~هؤلاء جميعا إنما يعلمون ما ظهر من نصوص الكتاب، ولا علم ms083 لهم بما بطن منه، وهو ~~عندهم معنى الحديث الذي يقول: «إن القرآن نزل على سبعة أحرف.» فلا يهتدي ~~إليها على حقائقها غير الإمام الذي اختصه الله بأمانة الإلهام. # وقد نشأ مذهب «الظاهرية» ليقاوم هذه الباطنية، وينكر الحاجة إلى إمام مستتر يعلم ~~الناس ما ليس في وسعهم أن يتعلموه من ظاهر الآيات والأحاديث. # ونشأ مذهب الظاهرية في المشرق، فقام به في بغداد داود بن سليمان الظاهري ~~(201-270ه)، ولكنه لم يبلغ من القوة والشيوع مبلغه في المغرب على يد الإمام علي ~~بن أحمد بن سعيد، المشهور باسم ابن حزم الظاهري (384-456ه)؛ إذ كانت الدعوة ~~الفاطمية - أو الإمامية الإسماعيلية - على أقواها وأشيعها في بلاد المغرب من ~~إفريقيا الشمالية، وكان ابن حزم أمويا شديد التعصب للدولة الأموية، شديد ~~الإنكار على من يقاومونها من العلويين أو الفاطميين، حتى قال بعضهم عنه: إنه ~~«ناصب»، أي ممن يعادون شيعة آل البيت ويناصبونهم العداء. # قال ابن حزم في كتاب الفصل: «واعلموا أن دين الله ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر ~~تحته، كله برهان لا مشاحة فيه، واتهموا كل من يدعو إلى أن يتبع بلا برهان، ~~وكل من ادعى للديانة سرا وباطنا، فهي دعاوى ومخارق، واعلموا أن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من ~~زوجة أو ابنة أو عم أو ابن عم أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر أو ~~الأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده عليه السلام سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا ~~الناس كلهم إليه. ولو كتمهم شيئا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر؛ ~~فإياكم وكل قول لم يبن سبيله، ولا وضح دليله، ولا تعوجوا عما مضى عليه نبيكم # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه - رضي الله عنهم.» # وكان من المسائل التي لهج ابن حزم بتقريرها: مسألة الوراثة في الإمامة، فقال في ~~كتاب الفصل أيضا: «لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه لا يجوز التوارث فيها، ~~ولا ms084 في أنها لا تجوز لمن لم يبلغ، حاشا الروافض؛ فإنهم أجازوا كلا الأمرين، ولا ~~خلاف بين أحد في أنها لا تجوز لامرأة.» # ولكن ابن حزم لا ينكر ولاية العهد ولو كانت في مرض الموت «كما فعل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر ~~بن عبد العزيز، قال: وهذا الوجه هو الذي نختاره ونكره غيره؛ لما فيه من اتصال ~~الإمام، وانتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما ~~يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى.» # وقد اختار ابن حزم لتعزيز هذا الرأي - أي جواز المبايعة بولاية العهد حتى في مرض ~~الموت - خليفة أمويا لا يختلف المسلمون من أهل السنة أو من الشيعة في صلاحه ~~وتوقيره، وهو عمر بن عبد العزيز الذي قال فيه الشريف الرضي: # يا ابن عبد العزيز لو بكت الع # ين فتى من أمية لبكيتك # غير أني أقول إنك قد طب # ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك # ومما يدل على أن الظاهرية قامت على أساسها أصلا لإدحاض الدعوة الباطنية، أن ~~ابن حزم لا يبطل الاجتهاد؛ بل يوجبه على جميع المسلمين، وإنما ينكر أن يختص ~~بالاجتهاد إمام واحد يفتي بعلم ينفرد به، ولا ينكشف للمسلمين عامة من نصوص ~~الآيات والأحاديث؛ فهو يقول في الجزء الأول من المحلى: «لا يحل لأحد أن يقلد ~~أحدا لا حيا ولا ميتا، وكل أحد له الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه ~~فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله - عز وجل - في هذا الدين. ففرض عليه إن كان ~~أجهل أهل البرية أن يسأل عن أعلم أهل موضعه. # إلى أن يقول: «ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل، وقال قولا ~~لم يأت به قط قرآن ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل؛ لأنه ~~قول بلا دليل.» # وعلى هذا يكون ابن حزم متوسعا في تحكيم العقل غير متحرج منه إلا أن يختص به أحد ~~دون ms085 جمهرة المسلمين، وهو لا يبطل التصرف في فهم ألفاظ النص كل الإبطال، بل يجيز ~~العدول عن ظاهر اللفظ إذا اتضح بالدليل العقلي الذي لا يرد أنه مستحيل لا يجوز ~~أن يكون هو المقصود بالأمر الإلهي. # وفي ذلك يقول من الجزء الثاني من كتاب الفصل: «إن كلام الله تعالى واجب أن يحمل ~~على ظاهره، ولا يحال عن ظاهره البتة، إلا أن يأتي نص أو إجماع أو ضرورة حس على ~~أن شيئا منه ليس على ظاهره، وأنه قد نقل عن ظاهره إلى معنى آخر. فالانقياد ~~واجب علينا لما أوجبه ذلك النص أو الإجماع أو الضرورة؛ لأن كلام الله تعالى ~~وأخباره لا تختلف، والإجماع لا يأتي إلا بحق، والله تعالى لا يقول إلا الحق، ~~وكل ما أبطله برهان ضروري فليس بحق.» # ورأي ابن حزم هذا فيما يجيز العدول عن ظاهر اللفظ إلى معنى غير الظاهر قريب ~~جدا من مذهب القائلين بالرأي، ولكنه يخالفهم في القياس والاستحسان والمصالح ~~المرسلة، وهو - مع هذه المخالفة - لا يحجر على الاجتهاد، ولا يمنع المسلمين ~~عامة أن يرجعوا إلى عقولهم في أمور الدين، بل يفرض الرجوع إلى العقل على العالم ~~والجاهل الذي يستطيع أن يجد من يسأله ويتعلم منه. # وغاية ما يخشى من نتائج المذهب الظاهري لو دام وتقرر في بلاد المسلمين، أنه يصد ~~فريقا من العلماء القادرين على الاجتهاد النافع عن الاضطلاع بأمانة القيادة ~~الفكرية، وإن كان لا يصدهم عن تعليم الناس ما علموه، والمشورة على ولاة الأمر ~~بما يحسن أو لا يحسن في مواطن التشريع، وعليهم بعض العنت في تدبير المصالح ~~المرسلة بما تقتضيه من موافقة للضرورات. # ولعل هذا المذهب الظاهري أهم المذاهب التي ابتعثتها دواعي السياسة في المغرب، وقد ~~شاع حينا، ثم ضعف وأخذ في الزوال شيئا فشيئا بزوال الحافز الحثيث إلى المضي ~~في نشره والتنبيه إليه. # أما في المشرق، فقد أغنى عن الدعوة الحثيثة إلى نشر المذهب الظاهري أن الخلفاء ~~والأمراء كانوا يبنون المدارس، ويجرون فيها الجراية على طائفة من علماء المذاهب ~~الأربعة، لا يشترك ms086 فيها غيرهم من أصحاب الاجتهاد، وفيهم من كان في طبقة الأئمة ~~الأربعة في العلم والصلاح، وكان له أتباع يأتمون به ربما قاربوا في عددهم أتباع ~~الأئمة أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، ولكن مذاهبهم لا تدرس في المعاهد التي ~~تفرض لها الجراية من خزائن الدولة، وهبات الخلفاء والأمراء. ~~••• # وانتهى الأمر في أوائل القرن السابع بأمر الخليفة المستعصم علماء الفقه في ~~المدرسة المستنصرية أن يقصروا دروسهم على أقوال الأئمة من قبلهم، ولا يدرسوا ~~كتابا من كتبهم لتلاميذهم ، فدعاهم الوزير وأبلغهم أمر الخليفة، فقال جمال ~~الدين الجوزي أستاذ المذهب الحنبلي: إنه على هذا الرأي، وقال الشرمساحي أستاذ ~~المذهب المالكي: إنه يرتب النقط في مسائل الخلاف، وليس لأصحابه تعليقة؛ أي شروح ~~مدونة، وقال شهاب الدين الزنجاني أستاذ المذهب الشافعي، وعبد الرحمن اللمغاني ~~أستاذ المذهب الحنفي: إن المشايخ كانوا رجالا ونحن رجال. # فلما رفع الوزير إجابتهم إلى الخليفة دعاهم إليه، وأعاد إليهم أمره فأطاعوه، وجرى ~~مثل ذلك في المدارس الكبرى، فتضاءل شأن القائلين بآرائهم في مسائل الفقه ~~والأصول، وكثر الإقبال على دروس المذاهب التي يتعلمها الطلاب في معاهد الدولة، ~~ومنهم يختار القضاة والمعلمون وخطباء المساجد وعمال الدواوين ... # جاء في شرح جمع الجوامع أن الشيخ أبا زرعة سأل أستاذه البلقيني عن الشيخ تقي ~~الدين السبكي: كيف يقلد وقد استكمل آلة الاجتهاد؟! # قال الشيخ: فسكت عني، ثم قلت: ما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي ~~تجري على فقهاء المذاهب الأربعة، وأن من خرج على ذلك واجتهد لم ينله شيء، ~~وحرم ولاية القضاء، وامتنع الناس عن استفتائه، ونسب إلى البدعة. فتبسم ~~ووافقني على ذلك. # كان هذا في القرن السابع للهجرة وما بعده بقليل، ثم رانت على العالم الإسلامي ~~غاشية الجمود والضعف، فانقطع الناس عن العلم اجتهادا وتقليدا، وتواكلوا في كل ~~شيء من جلائل الأمور وصغائرها، وقل الاعتماد على النفس، وقل من يثق بنفسه أو ~~يستحق الثقة من غيره، وندر من يتقدم لادعاء الاجتهاد، ومن يصغي إليه لو ادعاه، ~~وجرت أحوال الحياة جميعا على الاتباع والانقياد، ولم ms087 يبال الناس ما خالف ~~الولاة وما وافقوا من سنن الدين أو سنن العرف المأثور. # وطالت هذه الفترة نحو أربعة قرون، تتابعت فيها الضربات والقوارع على الأمم ~~الإسلامية حتى تيقظت فيها بعد السبات الطويل بقايا الحياة، التي كمنت في ~~سرائرها من وحي عقيدتها، فنبغ في كل أمة منها رهط من القادة الغيورين، يجاهدون ~~ويجتهدون ويعودون بها كما بدأ الإسلام إلى حظيرة الدين، وتعلم المسلمون من عهود ~~الخمول والنكسة دروسا كالتي تعلموها من عهود العزة والتقدم، فحواها من طرفيها ~~المتناقضين أن العجز عن الاجتهاد والعجز عن الحياة مقترنان، وأن المسلمين ~~يحتفظون بمكانهم بين أمم العالم ما احتفظوا بفريضة التفكير. # الفصل العاشر # | التصوف # قبل تمييز الخاصة التي انفرد بها التصوف الإسلامي نسأل عن الخاصة المميزة للتصوف ~~عامة؛ ما هي؟ # فالتصوف في أمم الغرب المسيحية يشتق من الخفاء أو السر، ويطلقون عليه اسم ~~«مستسزم» # Mysticism ~~، أي «السرية» أو المعاني ~~الخفية، فخاصته المميزة له عندهم هي البحث في البواطن، والتعمق في الأسرار ~~المغيبة وراء الظواهر. # واسم التصوف العربي مختلف في اشتقاقه وسبب إطلاقه، فالقول الشائع أنه مأخوذ من ~~الصوف، وأن المتصوف هو الذي يتخشن؛ يتزيا بزي النساك المتعبدين، وخاصته ~~المميزة له على هذا المعنى أنه زهد وتقشف وابتعاد عن الترف والمتعة. # ويقول بعضهم: إن الصوفي منسوب إلى صوفة، كما جاء في أساس البلاغة للزمخشري ~~وغيره: «وكان آل صوفة يجيزون الحاج من عرفات، أي يفيضون بهم، ويقال لهم: آل ~~صوفنا وآل صفوان، وكانوا يخدمون الكعبة ويتنسكون، ولعل الصوفية نسبوا إليهم ~~تشبيها بهم في النسك والتعبد.» ومما رواه ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس: ~~«إنما سمي الغوث بن مرصوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن ~~برأسه صوفة، ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له صوفة ولولده من ~~بعده.» # وإذا صح هذا التخريج فالصوفي اسم منقول على سبيل التشبيه لا يدل على الخاصة ~~المميزة للصوفية بعد الإسلام إلا من قبيل المماثلة في الخدمة الدينية ~~العامة. # وآخرون من المحدثين يرجحون أن الكلمة مستعارة من اليونانية بمعنى ms088 الحكمة ~~الإلهية، وهي مركبة في تلك اللغة من كلمتين؛ هما: «ثيو» أي الإله، و«سوفي» أي ~~الحكمة. ومعنى التصوف إذن مقابل لمعنى الحكمة العقلية، وهي الفلسفة؛ لأن الصوفي ~~يطلب الحكمة من طريق الدين، وربما كانت المقاربة في اللفظ أقوى سند يعتمد عليه ~~القائلون إلى استعارته من اللغة اليونانية. # ويرجح الكثيرون أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة الذين كانوا على عهد الرسول، ~~ويحب الصوفيون أنفسهم أن يشتقوا الكلمة من الصفاء، كما جاء في كتاب التعرف ~~لمذهب أهل التصوف: «إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها، ~~وقال بشر بن الحارث: الصوفي من صفا قلبه لله.» ونظم أبو الفتح البستي هذا ~~المعنى شعرا فقال: # ولست أنحل هذا الاسم غير فتى # صافى فصوفي حتى سمي الصوفي # والذين آثروا هذا التخريج لكلمة الصوفية لا يقصدون تحقيق التاريخ ولا اللغة، ~~ولكنهم يستخدمون الجناس لاستخراج المعنى البعيد من اللفظ القريب كعادة الصوفية ~~في تحميل الكلمات ما يريدونه من الإشارات، فهو من ثم أقرب الأسماء إلى اختيارهم ~~وإيثارهم، ولعله أدلها على الخاصة المميزة لهم بين الخواص المتعددة التي عسى أن ~~تصدق عليهم. # فالتعمق في طلب الأسرار صفة مشتركة بين الصوفية وفلاسفة التفكير الذين يغوصون على ~~الحقائق البعيدة، وعلماء النفس الذين ينقبون عن ودائع الوعي الباطن، وغرائب ~~السريرة الإنسانية. # ولبس الصوف إن دل على التخشن والزهد في الدنيا لم يكن خاصة مميزة للصوفية؛ لأن ~~أناسا من أقطاب الصوفية أخذوا نصيبهم من الدنيا وافيا، وفهموا أن الزاهد من ~~لا تملكه الدنيا وإن ملكها، أو كما قال مسروق: «الزاهد من لا يملكه مع الله ~~سبب.» ولا ضير عليه أن يملك الأسباب. # والاشتغال بالحكمة الدينية عمل يعمله حكماء الصوفية، وهم طائفة من أهل التصوف مع ~~طوائفهم الكثيرة التي تسلك مسلكهم، ولا تحسب من حكمائهم؛ بل ربما وجد من ~~علمائهم من يكتب في المعاملات، وقد ذكرهم الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق ~~الكلاباذي فقال في كتاب «التعرف» بعد تسمية بعضهم: «هؤلاء هم الأعلام ~~المذكورون المشهورون المشهود لهم بالفضل، الذين جمعوا علوم المواريث إلى ms089 علوم ~~الاكتساب. سمعوا الحديث، وجمعوا الفقه والكلام واللغة وعلم القرآن، تشهد بذلك ~~كتبهم ومصنفاتهم، ولم نذكر المتأخرين وأهل العصر وإن لم يكونوا بدون من ذكرنا ~~علما؛ لأن الشهود يغني عن الخبر عنهم.» # فالصوفية قد يخلعون الصوف، وقد يعيشون بين الناس ولا ينقطعون للخدمة الدينية، وقد ~~يكتبون في الحكمة الإلهية، أو يكتبون في المعاملات والمكاسب، أو لا يشتغلون ~~بالكتابة، ولكنهم إذا غربت عنهم صفة واحدة - هي صفاء القلب لله - لم يحسبوا من ~~الصوفية، ولم يسلكوا أنفسهم في عداد أهل التصوف بسمة أخرى من سماتهم ~~المشهورة. # إن المزية الصوفية الخاصة هي مزية الإيمان بالله على الحب لا على الطمع في ~~الثواب، أو على الخوف من الحساب والعقاب، ومثلهم في ذلك مثل الفرد المثالي في ~~بيئته الاجتماعية؛ فإن الناس عامة يقنعون بواجبهم الاجتماعي الذي لا يجاوز ~~الحذر من مخالفة القانون، والأمل في خيرات المجتمع، ولكن الفرد المثالي يخدم ~~البيئة الاجتماعية بباعث من الغيرة التي لا تنظر إلى الجزاء؛ بل تعمل وتثابر ~~على عملها مع سوء الجزاء، أو مع اليقين من العقاب. # وكذلك الصلة بين الصوفي وربه إنما هي صلة قائمة على المحبة لا على مجرد الطاعة ~~لأوامره، والخوف من نواهيه؛ فإن المحب يعطي من عنده فوق ما يؤمر به، ولا ينتظر ~~الطلب ليستجيب إليه، وكلهم يقول مع رابعة العدوية: «اللهم إن كنت تعلم أنني ~~أعبدك طمعا في جنتك؛ فاحرمني نعيم جنتك، وإن كنت تعلم أنني أعبدك رهبة من ~~نارك؛ فعذبني بنارك.» # وكل من نظم منهم شعرا عبر بكلمة الحب عن هذه الصلة الإلهية، كما قال ابن ~~عربي: # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # أو كما قال ذو النون: # وأقضي وما ماتت إليك صبابتي # ولا قضيت من صدق حبك أوطاري # أو كما قال اليافعي: # فلو شاهدت ذاك الجمال عيوننا # سكرنا وغبنا عن جميع العوالم # وملنا نشاوى من شراب محبة # وباح بمكنون الهوى كل كاتم # وهذا «السكر» هو الذي يسمونه بخمر المحبة التي خلقت قبل أن يخلق الكرم كما قال ~~عمر بن ms090 الفارض: # شربنا على ذكر الحبيب مدامة # سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم # صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا # ونور ولا نار وروح ولا جسم # ويرون أن المحبة لا توليهم حق الجزاء؛ لأنهم لا يلهمون المحبة إلا بنعمة من ~~الله وفضل منه يستوجب المزيد من المحبة، وفي ذلك تقول رابعة العدوية: # أحبك حبين: حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى # فشغلي بذكرك عمن سواكا # وأما الذي أنت أهل له # فكشفك للحجب حتى أراكا # وما الحمد في ذا وفي ذاك لي # ولكن لك الحمد في ذا وذاكا # ولسنا نعرف لغة وسعت من شعر الحب الإلهي ما وسعته اللغة العربية كثرة وتعددا في ~~الأساليب، فإذا أضيفت إليها لغات الأمم الإسلامية؛ كالفارسية والتركية والأردية ~~ولغات أهل الملايا، رجح ديوان هذا الشعر على المنظوم منه في جميع لغات العالم ~~بلا استثناء الأناشيد الدينية التي ترتل في المعابد. # وقد اشتهرت الهند قديما بكثرة قصائدها وأناشيدها، ولكنها لم تستغن بعد دخول ~~الإسلام إليها عن توفير ذخيرتها من تلك القصائد والأناشيد بترجمة الشعر ~~الإسلامي واقتباسه في دعواتها وصلواتها، فترجم تاجور قصائد أستاذه «أكبر»، ~~وترجم السردار جو كندراسنج # Singh # دعوات ~~الأنصاري عبد الله إلى اللغة الإنجليزية. # وقال المهاتما غاندي في مقدمة الترجمة: «إن المترجم جدير بالتهنئة؛ لأنه يسر ~~لنا أن نقرأ أقوال الصوفي عبد الله الأنصاري باللغة الإنجليزية. ولقد أعطى ~~الإسلام العالم نخبة من الصوفيين لا يقلون عند الهنديين والمسيحيين، وإنه ليحسن ~~في هذا الوقت الذي يعرض لنا الجحود في صورة الدين أن نذكر أنفسنا بخير ما ~~أخرجته العقول المتدينة بجميع الأديان، وخير ما قالته، وألا نظل كتلك الضفدعة ~~التي تظن في بئرها أن الكون كله ينتهي عند جدرانها. فلا يخطرن لنا أن ~~ديانتنا وحدها هي التي تحتوي الحقيقة كلها، وأن ما عداها زيف وباطل ...» # وينبغي أن يكون شيوع التصوف بهذه الكثرة في بلاد الإسلام، فلا يستغرب ذلك كما ~~يستغرب في البلاد التي تدين بأديان تتوسط فيها الكهانة ومراسم المعابد بين ~~المرء ومعبوده؛ لأن ms091 الإسلام هو الدين الوحيد الذي يسمح باستقلال الصلة بين ~~المخلوق والخالق، ويستطيع العابد فيه أن يتوجه إلى الله بضميره فردا بغير ~~وساطة من سادن، ولا شعائر في محراب. # ومتى تفتح للمسلم طريق الاتصال بالله على شريعة الحب واستقلال الضمير، فليس في ~~دينه ما يحجبه عن طلب الحكمة الإلهية من هذا الطريق، ولا من التعمق في استطلاع ~~الحقائق وكشف الأسرار في الكون، وفيما بين سماء الله وأرضه من العجائب ~~والخفايا، كما تعلم من آيات كتابه، ومن وصايا نبيه، ومن فريضة التفكير على ~~التعميم. # وينبغي لسبب آخر أن يكون الصوفية من المسلمين بهذه الكثرة في بلاد الإسلام كافة؛ ~~لأن الإسلام يرفض الرهبانية والانقطاع عن الدنيا، فلا ملاذ فيه للفرد إذا نبا ~~به مجتمعه، وأنكر على قومه ما يخالف طريقته في العقيدة إلا أن يلجأ إلى ضميره، ~~ويتخذ لنفسه مذهبه الذي يحاسب عليه نفسه، ولا يحاسب عليه سواه بين يدي ~~الله. # فإذا فرقنا بين الصوفية والانقطاع عن الدنيا، فالديانات الأخرى قد أخرجت من ~~الرهبان والنساك المنقطعين أكثر ممن أخرجهم الإسلام بغير مراء، إلا أن الأمر ~~يختلف عند الكلام عن الصوفية الإسلامية؛ فإن عدد الصوفيين ذوي الآراء والأقوال ~~بين المسلمين أكثر من أمثالهم في جميع الديانات الأخرى، وإذا جمعت أقوال ~~المتصوفة في الإسلام ملأت الأسفار الكبار، وطرقت كل باب من أبواب الحكمة ~~الإلهية عرفه المتدينون. # ويتسع التصوف الإسلامي بأنواعه كما يتسع بعدد المتصوفين، فإن الصوفية - كما ~~هو واضح - أنواع ومذاهب، وكل نوع من أنواعها، وكل مذهب من مذاهبها قد كان له ~~أئمة وأشياع بين الأمم الإسلامية. وتلك مسألة مفهومة بالبداهة؛ فقد دان ~~بالإسلام أناس من الهنود والفرس والطورانيين والحاميين، كما دان به العرب ~~وإخوانهم من الساميين، ولكل أمة مزاجها، ولكل مزاج أثره في الوجهة الصوفية؛ فلا ~~عجب أن يتسع الإسلام لكل نوع من أنواع الحكمة الصوفية عرفه المتدينون. # فالصوفية من حيث الموضوع نوعان عظيمان: نوع العقل والمعرفة، ونوع القلب والرياضة، ~~والصوفية من حيث موقعها من الدنيا كذلك نوعان: نوع يتخطاها وينبذها، ونوع يمشي ~~فيها ms092 ويصل منها إلى الله، ويتأدى من الخلق إلى الخالق جل وعلا. وكل هذه المذاهب ~~عرف في الإسلام على أوفاه. # فمن الصوفية العقليين طلاب المعرفة من يحسب في عداد الفلاسفة الأفذاذ، ولا نعرف ~~في عقول الفلاسفة عقلا يفوق عقل الغزالي في قوة التفكير، ولا نعرف موضوعا من ~~موضوعات الحكمة الإلهية لم يلتفت إليه محيي الدين بن عربي، وقد قيل: إن ذا ~~النون المصري كان في طبقة جابر بن حيان في علوم الكيمياء، وإنه كان من الباحثين ~~في طلاسم الآثار الفرعونية. # وهؤلاء الصوفيون العقليون يذهبون بالعقل إلى غاية حدوده، ولا يتهيبون الشكوك ~~والاعتراضات، بل يقولون بلسان الغزالي: إن الشك أول مراتب اليقين، ولكنهم متى ~~بلغوا بالعقل غايته ملكتهم نشوة الوجدان، فأسلموا أمرهم كله إلى الإيمان. وليس ~~اشتغالهم بالعقل مانعا لهم أن يشتغلوا بالرياضة النفسية، وإنما يشتهرون ~~بأفكارهم؛ لأنها الصلة بينهم وبين تلاميذهم ومريديهم وقرائهم، وتغلب شهرتهم ~~بالفكر على شهرتهم بالرياضة. # أما الصوفيون القلبيون فهم يلتمسون المعرفة المباشرة برياضة النفس على قمع ~~الشهوات، وعندهم أن شهوات الإنسان هي الحائل بينه وبين النور؛ فإذا ملك ~~زمامها وأفلت من قيودها تكشف له النور، ووصل إلى مرتبة العارفين، وأغناه صفاء ~~النفس عن دراسة الدارسين، وبحوث الباحثين. # والصوفية من حيث علاقتها بالدنيا نوعان كما تقدم: نوع يرفضها؛ لأنها وهم وغشاوة ~~مزيفة كالطلاء الذي يوضع على المعدن الخسيس ليخيل إلى الأنظار أنه معدن نفيس، ~~ونوع آخر يخوض غمار الدنيا ليبتليها، ويمتحن نفسه بتجاربها وغواياتها، وعنده ~~أنها جميلة لأنها من خلق الله، وكل ما يخلقه الله جميل. # وهذا النوع من الصوفية أقرب أنواعها إلى الإسلام، وليس على المسلم حرج أن يرى ~~للدنيا ظاهرا خداعا، وباطنا صادقا أجمل من ظاهرها؛ فإن قصة الخضر مع موسى - ~~عليهما السلام - تدور كلها على التفرقة بين الظواهر والبواطن في الأحكام ~~والنيات. # إلا أن الصوفي المسلم يقاوم مطامع الدنيا لأنها تحجبه عن حقائقها العليا. ~~ويضربون المثل لذلك بالغزال الظمآن في الصحراء؛ فلا حرج عليه أن يطلب الري من ~~الماء، ولكنه إذا غفل عن نفسه لم ms093 يسلم من خداع السراب، فانقاد إلى الهلاك؛ فإذا ~~أصابه الظمأ فليعلم موارد الماء، وليكن على حذر من موارد السراب، وليفرق كما ~~يقولون بين سراب لا شراب فيه، وبين شراب لا سراب حوله. وتلك هي الرياضة التي ~~تستفاد من قمع الشهوات. # وكثيرا ما يبحث الأوروبيون في التصوف ويقصدون به الكلام على أشخاص المتصوفين ~~الذين ظهروا في البلاد الإسلامية، وقليلا ما يبحثون في هذا التصوف ويقصدون به ~~مذاهب التصوف التي يسمح بها الإسلام. # فالدين الإسلامي قد انتشر في أقطار شاسعة كانت فيها من قبله عبادات وثنية وغير ~~وثنية، وقد تسرب بعضها إلى أبناء تلك الأقطار، واختلط بعضها بالعقائد الإسلامية ~~من طريق الوراثة والاستمرار، ولم يسلم التصوف من تلك الأخلاط، فاقترن في أقوال ~~أناس من المنتسبين إلى الإسلام بما يجوز وما لا يجوز. # وعلى الجملة يمكن أن يقال: إن الإسلام ينكر من تلك المذاهب مذهبين منتشرين في ~~الصوفية على عمومها؛ ينكر مذهب الحلول، كما ينكر المذهب القائل بوحدة الوجود، ~~فلا يقر الإسلام مذهبا يقول بحلول الله في جسد إنسان، ولا يقر مذهب القائلين ~~بفناء الذات الإنسانية في الذات الإلهية، وإذا تحدث المتصوف المسلم عن الفناء ~~فسره بفناء الشهوات، أو فناء الأنانية وحلول محبة الله محلها من القلوب ~~والأرواح. # ولا يقر الإسلام مذهبا يقول بوحدة الوجود، أو يقول بأن الله هو مجموعة هذه ~~الموجودات، وأن الكون كله بسمائه وأرضه ومخلوقاته العلوية والسفلية هو الله. ~~وإذا أجاز المتصوف المسلم معنى من معاني الوحدة الوجودية، فهي عنده وحدة ~~الفضائل الإلهية ووحدة التوحيد. # وقد يوفق المسلم الصوفي بين الظاهر والباطن فيقول: إن الشريعة من غير الحقيقة ~~رياء وكذب، وإن الحقيقة من غير الشريعة إباحة وفسوق، وقد يوفق بين الأمور ~~الدنيوية والأمور الأخروية بمذهب جميل معتدل بين الطرفين، فليس الزاهد من لا ~~يملك شيئا؛ بل الزاهد عنده من لا يملكه شيء، فهو مالك للدنيا غير مملوك لها ~~بحال. # وظل المتصوفة والمنتسبون إلى الطرق الصوفية من المتأخرين يبرءون من القول ~~بالحلول، ووحدة الوجود، وإسقاط التكليف، ويعتزلون من يقول بها ms094 على وجوهها ~~المنقولة من الديانات الوثنية. ولوحظ ذلك في القانون الذي استشير فيه شيوخهم، ~~وصدر في الديار المصرية بلائحة الطرق الصوفية (سنة 1320 هجرية/1903 ميلادية)، ~~وتقرر المادة الثانية من بابه الخامس: «إن كل من يقول بالحلول أو الاتحاد أو ~~سقوط التكليف يطرد من الطرق الصوفية كافة.» # وهذا الفارق الفاصل بين الصوفية الإسلامية والصوفية الدخيلة هو الذي أوهم فريقا ~~من المستشرقين أن التصوف كله مستعار من الهند وفارس، أو من الأفلاطونية ~~الحديثة، وهو قول يصدق على مذهب الحلول ومذهب وحدة الوجود، ولكنه لا يصدق على ~~مذاهب الصوفية التي تقوم على الحب الإلهي، والكشف عن الحقائق من وراء الظواهر؛ ~~فهذه الصوفية أصيلة في الإسلام، يتعلمها المسلم من كتابه، ويصل إليها ولو لم ~~يتصل قط بفلسفة البراهمة أو فلسفة أفلوطين؛ لأن أشواق الروح الإنسانية قسط ~~مشترك بين بني آدم لا تنفرد به أمة من الأمم، ولم تستوعبها عقيدة واحدة كل ~~الاستيعاب دون سائر العقائد الدينية. # والصوفية العربية مازجت صوفية الهند القديمة وصوفية الأفلوطينيين بالإسكندرية، ~~ولكنها أضافت إليها كما أخذت منها، ولا حاجة بنا إلى تعقب التواريخ والأسانيد ~~لتقرير هذه الحقيقة البينة، فإن عناصر الصوفية الإسلامية مبثوثة في آيات القرآن ~~الكريم، محيطة بالأصول التي تفرعت عليها صوفية البوذية والأفلوطينية. # والمسلم يقرأ في كتابه أن: # ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير ~~، فيقرأ خلاصة العلم الذي يعلمه ~~دارس اللاهوت في كتب القديس توما حيث يقول: إن الله مباين للحوادث، وإنه يعلم ~~بالتنزيه والإبعاد عن مشابهتها، أو يعلم بما ليس هو، ولا يعلم بما هو عليه في ~~ذاته أو صفاته، أيا كان المصدر الأول الذي استقى منه القديس توما أصول هذه ~~العقيدة. # ويقرأ المسلم في كتابه: # ففروا إلى الله إني ~~لكم منه نذير مبين ~~[سورة الذاريات: 50]. # فيعلم ما يعلمه تلاميذ المتصوفة البوذيين حين يؤمنون أن ملابسة العالم تكدر ~~سعادة الروح، وأن الفرار منه أو الفرار إلى الله هو باب النجاة. # ويقرأ المسلم في كتابه: # الله نور السماوات ~~والأرض ~~[سورة النور: 35]. # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا ~~فثم وجه ms095 الله ~~[سورة البقرة: 115]. # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~[سورة ق: 16]. # فلا يزيد المتصوفة إلا التفسير حين يقولون: إن الوجود الحقيقي هو وجود الله، ~~وإنه أقرب إلى الإنسان من نفسه؛ لأنه قائم في كل مكان يصل له كل كائن: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم ~~[سورة الإسراء: 44]. # والله يخلق ويأمر، فهو فعال مريد، وليست إرادته مانعة من الخلق، كما يرى ~~الفلاسفة؛ إذ يقولون: إن الإرادة القديمة لا ينشأ منها اختيار حديث، أو مخلوق ~~حادث: # ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين ~~[سورة الأعراف: 54]. # ومما يعلمه المسلم من كتابه أن عقل الإنسان لا يدرك من الله إلا ما يلهمه إياه؛ ~~لأنه تعالى: # يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء ~~[سورة البقرة: 255]. # ومنه يعلم الخلاف ما بين عالم الظاهر وعالم الباطن، أو عالم الحقيقة وعالم ~~الشريعة؛ لأنه يقرأ مثلا واضحا لهذا الخلاف فيما كان من الخضر وموسى - عليهما ~~السلام - من خلاف: # فوجدا عبدا من عبادنا ~~آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما * قال له موسى هل أتبعك على ~~أن تعلمن مما علمت رشدا * قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * ~~فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال ~~أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ~~* قال ألم أقل إنك لن تستطيع ~~معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا ~~حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع ~~معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ~~* فانطلقا حتى إذا أتيا أهل ~~قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ms096 ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال ~~هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما ~~لم تستطع عليه صبرا * أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ~~فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا * وأما الغلام فكان ~~أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكاة وأقرب رحما * وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ~~وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا ~~فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ~~ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ~~[سورة ~~الكهف: 65-82]. # وهذه آيات بينات يقرؤها جميع المسلمين في كتابهم الذي لا يختص به فريق منهم دون ~~فريق، وبينهم - ولا شك - أناس مطبوعون على التصوف، واستخراج الأسرار الخفية ~~والمعاني الروحانية من طوايا الكلمات، فإذا عمد هؤلاء إلى تفسير تلك الآيات وما ~~في معانيها، فليس أيسر عليهم من الوصول إلى لباب التصوف الذي شغلت به خواطر ~~الحكماء في جميع الأحوال. # 1 # وإذا آمن الصوفي المسلم بالكشف عن الحقائق من وراء الظواهر، فهو لا ينتهي من ~~التفرقة بينهما إلى إسقاط الشريعة، أو إسقاط ما تأمره به من التكليف، أو إباحة ~~ما تحظره من المحرمات؛ لأن الحقيقة عنده لا تنقض الشريعة؛ بل تتممها وتكشف ما ~~استتر من حكمتها، وتظهر ما خفي من أسباب ظواهرها كما فعل الخضر في كل قضية خفيت ~~على صاحبه، فكشف له من حقيقتها عن حكم الشريعة فيها. # وقد كان أقطاب الصوفية يقيمون الفرائض ويصلون ويصومون، ويحجون إلى البيت، ويعطون ~~الصدقات، وتحدث رجل أمام أبي القاسم الجنيد بحديث المعرفة فقال: إن أهل ~~المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقوى إلى الله، فقال ~~الجنيد: إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ~~ويزني أحسن حالا ممن يقول هذا. وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، ~~وإليه رجعوا فيها. ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال ~~بي دونها، وإنه لأوكد ms097 في معرفتي، وأقوى في حالي. # 2 # قال صاحب كتاب «التعرف لمذهب أهل التصوف»: «وأجمعوا على تعجيل الصلوات، وهو ~~الأفضل عندهم مع التيقن بالوقت، ويرون تعجيل أداء جميع المفترضات عند وجوبها، ~~لا يرون التقصير والتأخير والتفريط فيها إلا لعذر، ويرون تقصير الصلاة في ~~السفر، ومن أدمن السفر منهم ولم يكن له مقر أتم الصلاة، ورأوا الفطر في السفر ~~جائزا ويصومون، واستطاعة الحج عندهم الإمكان من أي وجه كان، ولا يشترطون الزاد ~~والراحلة فقط، قال ابن عطاء: الاستطاعة اثنان: حال ومال؛ فمن لم يكن له حال ~~يقله فمال يبلغه. وأجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث ~~وغير ذلك مما أباحته الشريعة.» # وليس من الإنصاف أن تحمل على التصوف أوزار الأدعياء واللصقاء الذين يندسون في ~~صفوفه نفاقا واحتيالا، أو جهلا وفضولا؛ فإنه ما من نحلة في القديم والحديث ~~سلمت من أوزار اللصقاء الذين ينتمون إليها من غير أهلها، ولكن التصوف على ~~حقيقته الكاملة هو حرية الضمير في الإيمان بالله على الحب والمعرفة، وبلوغ هذه ~~المرتبة هو فضيلة الإسلام الذي أطلق ضمير الفرد من عقال السيطرة الروحية، ويسر ~~له أن يلوذ بسريرته هذا الملاذ الأمين الذي لا يداخله فيه حسيب أو رقيب غير ~~حسيبه ورقيبه بين يدي الله. # ولا غني عن مثل هذا الملاذ في زمن من الأزمنة، ولا في جماعة من الجماعات، ولا ~~سيما الأزمنة التي تبتلى فيها الضمائر الصوفية بالقلق بين الجماعات المضللة عن ~~سوائها، جهلا بحقيقة الدين، أو جمودا على المألوف من بقايا الأقدمين؛ ففي مثل ~~هذه الأزمنة لا يستغني ضمير الإنسان عن ملاذ يعتصم به، ويأوى إليه بين جماعته، ~~وهو عامل فيها، حريص على هدايتها، غير معتزل لشئونها. # ولا حاجة بالمسلم في أمثال هذه الأحوال إلى ابتداع شيء في أصول دينه، فإن أصول ~~دينه الأولى قائمة على حرية الضمير تنهاه أن يستسلم لما يأباه رغبة، أو رهبة، ~~أو مجاراة لعرف الأكثرين، إذا كان الأكثرون لا يعلمون. # وإن أناسا من أبناء العصر الحاضر يحسبون أن الصوفية بقضها وقضيضها تراث قديم ms098 ~~مهجور، ولكنهم يعلمون كل يوم - وسيعلمون غدا - أن الإنسان لن يستغني في ~~حياته يوما واحدا عن الصوفية في ناحية من نواحيها؛ لأن رياضة النفس ضرورة ~~لازمة كرياضة الجسد، وأكبر ما يلقاه الناس في العصر الحاضر فإنما هو إفلات زمام ~~الإنسان العصري من يديه، ولا غنى له يوما عن ذلك الزمام، ولا غنى له في سياسة ~~جسده عن بعض الحرمان باختياره، وعن بعض الشدة برضاه. وأحرى أن يكون ذلك شأنه في ~~سياسة النفوس. # والمجتمع الإسلامي أحق المجتمعات بالتصوف، وأولاه بحرية الضمير التي يسمو إليها ~~الإنسان كلما آثر لنفسه الإيمان بالله على الحب والمعرفة، ولم يقنع بحظ الثواب ~~والعقاب؛ لأن الإسلام يأبى له الرهبانية التي اعتصم بها أناس في العصر القديم، ~~ولا يرضى له بعض المذاهب «الوجودية» في عصر الحاضر. # وقديما كان صاحب الضمير اليقظان يتبرم بمجتمعه فيهجره إلى صومعة الدين، وحديثا ~~تبرم بعض الناس في المغرب بمجتمعاتهم، فاعتصموا بها بمذاهب الوجودية التي يلجأ ~~إليها الفرد كلما اشتد عليه طغيان العرف الاجتماعي، منطلقا من قيوده تارة إلى ~~الإباحة، وتارة إلى عزلة الوجدان، ولكن الإسلام يفتح لضمير الفرد مسلكا واسعا ~~غير الرهبانية وغير الوجودية بما فيها من خير وشر، ويقيم له صومعته في أعماق ~~نفسه ولا حدود لها غير حدود الكون بما وسع من سماوات وأرضين ... # لا جرم وسعت سماحة الإسلام عقائد المتصوفة وهم في رحابه الفسيحة لا يفارقونها، ~~ولا يعتزلون دنياهم حيثما أتوا إليها، ونشأ في عصور الإسلام جمهرة من أقطاب ~~الصوفية المتفكرين والمتريضين لا تضارعها جمهرة من أبناء النحل العالمية في ~~وفرة عددها، ولا في ذخائر حكمتها ... # وعلى كثرة الضحايا من المتصوفة في العالم العربي، لم يذهب أحد منهم ضحية لمذهبه ~~قط بغير استثناء القضيتين المشهورتين اللتين قضي فيهما بالموت على الحلاج ~~والسهروردي، ولم يكن لهما ثالث في مئات السنين منذ نشأ التصوف في الإسلام إلى ~~هذه الأيام. ولعل هاتين القضيتين ما كانتا لتشتهرا هذه الشهرة لولا الغرابة ~~والندرة فيما هو من قبيلهما، ولو صح أن الحلاج والسهروردي من ضحايا الصوفية، ms099 ~~وهما في الواقع ضحية الفتنة وضحية السياسة، وعليهما إصر كبير فيما جناه كل ~~منهما على نفسه، بعد اليأس من توبته، واللجاجة في دعواه ... # وعلى الباحث عن العلة الصحيحة في مصير الرجلين أن يذكر أن إحدى القضيتين حدثت ~~في إبان فتنة القرامطة، وأن الأخرى حدثت في إبان الحروب الصليبية، وأن ~~الحلاج والسهروردي قد اختلطا بمعارك السياسة من قريب، واتخذا فيها الأحزاب ~~والأعداء، واقتحما مواقع الشبهة ومواضع الريبة غير متحرجين ولا متراجعين بعد ~~طول الإغضاء عنهما، وتمهيد معاذير التوبة لهما. ولم يتهم أحد بمثل ما ~~اتهما به ولقي من قومه مثل هذه المداراة، ومثل هذا السماح ... # ولا نزيد في قضية الحلاج على رواية أخباره فيما يمس قضيته، ورواية كلامه كما جاء ~~في كتبه وقصائده ... # قال الحافظ أبو بكر أحمد علي الخطيب في تاريخ بغداد: «كان جده مجوسيا اسمه محمى ~~من أهل بيضاء فارس. نشأ الحسين بواسط، وقيل بتستر، وقدم بغداد فخالط الصوفية ~~وصحب من مشيختهم الجنيد بن محمد، وأبا الحسين النوري، وعمرا المكي. والصوفية ~~مختلفون فيه، فأكثرهم نفى الحلاج أن يكون منهم، وأبى أن يعد فيهم، وقبله من ~~متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن ~~محمد النصراباذي النيسابوري، وصححوا له حاله، ودونوا له كلامه، حتى قال ابن ~~خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني. ومن نفاه عن الصوفية نسبه إلى الشعبذة في ~~فعله، وإلى الزندقة في عقله. وله إلى الآن أصحاب ينسبون إليه، ويغلون فيه. ~~وكان للحلاج حسن عبارة، وحلاوة منطق، وشعر على طريقة التصوف ...» # ثم روى الخطيب بعض ما اشتهر عنه من أخبار السحر، ومنها أنه يخرج للناس فاكهة ~~الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة ~~دراهم عليها مكتوب: «قل هو الله أحد»، ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما ~~أكلوه، وما صنعوا في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائرهم. # وروى في أخبار متكررة من قبيلها، أنه بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب إلى ~~بلد من البلاد بالجبل، وأن يظهر لهم ms100 العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد ~~أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد ~~تكسح، فإذا سعوا في مداواته قال لهم: يا جماعة الخير، إنه لا ينفعني شيء مما ~~تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في المنام وهو ~~يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يد القطب. وأقبل الحلاج حتى دخل البلد، ~~فأظهر الرجل شفاءه على يديه، وخرج منه الحلاج ووراءه أبناء البلد من الكبراء ~~والعامة يتوسلون إليه أن يقيم بينهم وله منهم ما يشاء ... # ونقل المؤرخون له، ومنهم الخطيب وابن الأثير وابن كثير، أن الوزير حامدا رأى ~~كتابا يسقط فيه الحج، ويبدل بمناسكه مناسك من عنده تتخذ في البيوت، وسأله ~~القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. وكان ~~القاضي قد قرأ الكتاب وليس فيه شيء مما قال. # ونسب إليه، وتناقله المؤرخون، أنه كان يسمع القرآن ويقول: يمكنني أن أؤلف مثل ~~هذا. وشوهد وهو يخط في صفحات بين يديه سورا يعارض بها القرآن. # ولحقت به شبهات في مسلكه مع أهل بيته، حدثت عنها امرأة ابنه سليمان فقالت: كنت ~~ليلة نائمة في السطح وابنة الحلاج معي في دار السلطان وهو معنا، فلما كان في ~~الليل وقد غشيني، فانتبهت مذعورة منكرة لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقظك ~~للصلاة. ولما أصبحنا نزلت إلى الدار ومعي بنته، ونزل هو، فلما صار على الدرجة ~~بحيث يرانا ونراه قالت بنته: اسجدي له! فقلت لها: أويسجد أحد لغير الله؟ ~~وسمع كلامي لها فقال: نعم، إله في السماء وإله في الأرض، قالت: ودعاني إليه، ~~وأدخل يده في كمه وأخرجها مملوءة مسكا، فدفعه إلي، وفعل هذا مرات، ثم قال: ~~اجعلي هذا في طيبك ... # وسبب القبض عليه أن الوزير حامد بن العباس انتهى إليه أن الحلاج قدموه على ~~جماعة من الحشم والحجاب في دار السلطان، وعلى غلمان نصر القشوري الحاجب، وانتشر ~~أصحابه وتفرقوا في النواحي، ms101 وعرضت علة للمقتدر بالله في جوفه وقف الحاجب نصر ~~على خبرها، فوصف له الحلاج، واستأذنه في إدخاله إليه، فأذن له، ووضع يده على ~~الموضع الذي كانت العلة فيه وقرأ عليه، فاتفق أن زالت العلة، ولحق والدة ~~المقتدر بالله مثل تلك العلة فشفاها، وشاع عنه أنه أحيا ببغاء لولي العهد بعد ~~موتها، وقام للحلاج بذلك سوق في الدار، وعند والدة المقتدر والخدم والحاشية ~~... # أما ما أخذ عليه من كلامه، فمنه قوله في كتاب طاسين الأزل: إنه هو الحق، وقوله في ~~أبيات : # يا سر سر يدق حتى # يخفى على وهم كل حي # وظاهرا باطنا تجلى # لكل شيء بكل شي # إن اعتذاري إليك جهل # وعظم شك وفرط عي # يا جملة الكل لست غيري # فما اعتذاري إذن إلي # وقوله: # سبحان من أظهرنا ناسوته # سر سنى لاهوته الثاقب # ثم بدا في خلقه ظاهرا # في صورة الآكل والشارب # حتى لقد عاينه خلقه # كلحظة الحاجب بالحاجب # وكانت حركة الحلاج بين أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة، وهي فترة ~~وافقت أيام فتنة القرامطة وثورة الزنج وشغب الحنابلة، وله بينهم أشياع وأتباع ~~متفرقون في الأمصار، فاتجهت إليه التهم مرة بعد مرة، وتحرج القضاة والفقهاء ~~من إدانته حتى تقوم الحجة القاطعة عليه، وحوكم بعد سنوات من الإغضاء والمطاولة، ~~فشهد عليه القضاة بما يستوجب عقاب المفسدين في الأرض، وكان منهم نحو ثمانين في ~~ساحة القصاص، فسئلوا مرة أخرى قبل إجراء القصاص عليه، فأعادوا شهادتهم بصوت ~~جهير على مسمع من الناس ... # ونحن في هذا الكتاب لا ندرس قضية الحلاج، ولا نمحص ما قاله ولا ما قيل عنه، فيجوز ~~أنه مشعوذ طامع في الملك توسل بالاستهواء إلى جمع الجموع، وتأليب الأنصار، ثم ~~نشرهم في أطراف البلاد، وعند مقامات التدبير والتصريف؛ كقصر الخلافة، ودواوين ~~الوزارة، توطئة للوثبة عند سنوح فرصتها ... # ويجوز أنه من زمرة «الملامتية» الذين يتعرضون للشبهات، ويستدعونها عمدا وقصدا؛ ~~للتكفير عن خطاياهم، وإبراء أنفسهم من مظنة النسك؛ طلبا لثناء الناس عليهم ~~... # ويجوز أنه رجل مفترى عليه لعلة خفية أزعجت ولاة الأمر، ms102 فأثبتوا عليه بالتلفيق ~~والإكراه جريمة لم يقترفها ... # فكل وجه من هذه الوجوه ينفي عن الإسلام دعوى المدعين أنه يضيق صدرا بالفكر ~~الصوفي والمعاني الروحية، فإذا عن لأمير أو وزير من ولاة الأمر أن ينكب ~~إنسانا من خصومه لاختلاف في الرأي والطريقة، لم يكن له مناص من اتهامه بالتهمة ~~التي تستحق العقاب في كل شريعة دينية أو دنيوية، وأكبرها تهمة الفتنة والإفساد ~~في الأرض، أو الإخلال بالسلم والخروج على دستور الجماعة ... # وقضية شهاب الدين السهروردي نسخة موجزة من قضية حسين بن منصور الحلاج، سواء فيما ~~وقع منه فعلا، وفيما كان مظنونا أن يقع منه، أو مظنونا أن يقع من أمثاله في ~~نزعاته وأحواله ... ~~••• # عاش السهروردي في عصر الحروب الصليبية، وفي أخطر ميادينها، وهو مدينة حلب عاصمة ~~الملك الظاهر بن الملك صلاح الدين. واشتهر السهروردي كما اشتهر الحلاج بأعمال ~~الخوارق والأعاجيب التي يحسبها بعضهم من السحر، ويحسبها الآخرون من الكرامات ~~... # جاء في النجوم الزاهرة أنه «كان يعاني علوم الأوائل والمنطق والسيمياء وأبواب ~~النيرنجيات ...» # وجاء في طبقات الأطباء أنه كان مفرط الذكاء، فصيح العبارة، وكان علمه أكثر من ~~عقله، ثم جاء فيه: «يقال: إنه يعرف علم السيمياء.» # وروى ابن خلكان في وفيات الأعيان منقولا عن بعض فقهاء العجم: «إنه كان في صحبته ~~وقد خرجوا من دمشق، قال: فلما وصلنا إلى القابون - القرية التي على باب دمشق في ~~طريق من يتوجه إلى حلب - لقينا قطيع غنم مع تركماني، فقلنا للشيخ: يا مولانا، ~~نريد من هذه الغنم رأسا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم، خذوها واشتروا بها رأس ~~غنم. وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأسا بها ومشينا قليلا، فلحقنا رفيق لنا ~~وقال: ردوا هذه الرأس؛ خذوا أصغر منها، فإن هذا ما عرف بيعكم؛ يساوي هذه الرأس ~~أكثر من ذلك. وتقاولنا نحن وإياه، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس ~~وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه. فتقدمنا نحن وبقي الشيخ يتحدث معه ويطيب قلبه، ~~فلما أبعدنا قليلا تركه وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا ms103 ~~يلتفت إليه، فلما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ ~~وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت في يد التركماني ودمها يجري، فبهت ~~التركماني وتحير في أمره، فرمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده ~~اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعا وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه، فلما وصل ~~الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديلا لا غير.» # وكان للسهروردي طموح كطموح الحلاج إلى السيادة والعظمة أفصح عنه لبعض صحبه، ومنهم ~~الشيخ سيف الدين الآمدي الذي قال فيما حدث عنه: «اجتمعت بالسهروردي في حلب فقال ~~لي: لا بد أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني ~~شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهارا للعلم وما يناسب هذا، فرأيته لا ~~يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل.» # ونسب إليه فيما نسب من التهم التي أدين بها أنه كان يدعي النبوة، ولكنها تهم ~~لم تتحقق أنباؤها؛ لأن الروايات التي وصلت إلينا من سيرته في أواخر أيامه ~~ملتبسة متضاربة، حتى لقد رويت عن موته ثلاث روايات؛ تقول إحداها: إنه مات صبرا ~~باختياره، وتقول رواية أخرى: إنه مات خنقا، وتقول غيرها: إنه مات مقتولا ~~بالسيف بعد صلبه. ولا تتفق الروايات على مشهد قتله، مع ما قيل من التشهير به ~~قبل دفنه ... # غير أن القصة المتواترة أن الفقهاء رفعوا أمره إلى صلاح الدين، وأبلغوه خوفهم ~~منه على عقيدة ابنه الملك الظافر، وعلى سياسة ملكه، فانتهى الأمر إلى دعوته ~~للمناظرة بحضرة الملك، فكان مما قاله في تلك المناظرة: إن إرسال نبي بعد محمد ~~- عليه السلام - غير مستحيل ... # وإذا تعسر جمع أخبار القصة بما بدا واستتر منها، فليس من العسير أن نعلم ما يجنيه ~~على نفسه شاب كثير الفطنة، قليل الحكمة، ذرب اللسان، مصطنع الشعوذة والاستهواء، ~~ويخيل إليه أنه موعود بملك الدنيا، وأن دعوى النبوة مفتوحة لمن يتهيأ لها ~~بمعرفته وفصاحته وقدرته على الإقناع بالبرهان أو بالكرامة. ~~••• # وليس مما يخطر على ms104 البال ولا مما كتبه المؤرخون أو أشاروا إليه بهذا الصدد: أن ~~الفكرة الصوفية كانت ذريعة من ذرائع المحاكمة والقصاص، وليس من أدب الصوفية أن ~~يتعرض طالب الحقيقة لشبهة من الشبهات بين العامة يتذرع بها من يشاء إلى اتهامه ~~وإثبات التهمة عليه ... # والقضيتان - بعد - قد اشتهرتا هذه الشهرة بين المعنيين بالإسلاميات؛ لأنهما ~~نادرتان في تواريخ أمم الإسلام، فإن لم تكن هذه الندرة قاطعة بانفرادهما، فهي ~~مثال للحوادث التي ينساق فيها بعض الدعاة إلى مزالق الخطر، ولا شأن فيها لحرية ~~التفكير، ولكنها مآزق السياسة في أوقات الحرج والريبة يرتطم بها من يتصدى لها، ~~ويتورط فيها، وقلما يسلم من بعض وزرها وإن تراءى لقوم أنه ضحية لأوزارها ~~... ~~••• # إن الإسلام قد وضع التصوف موضعه الذي يصلح به، ويصلح من يريده، فليس هو بواجب، ~~وليس هو بممنوع، ولكنه ملكة نفسية موجودة في بعض الطبائع لازمة لمن وجدت في ~~طبائعهم، وألزم ما تكون لهم حين تفترق مقاييس الأخلاق ومعايير القيم الروحية ~~بينهم وبين مجتمعاتهم، فإن الفرد إذا افترق ما بينه وبين مجتمعه من هذه القيم ~~تجنبه بالرهبانية - ولا رهبانية في الإسلام - أو صاغ فضائله على وفاق ضميره وهو ~~مقيم في مجتمعه لا حسيب عليه بينه وبين ربه. وتلك هي شريعة الإسلام الذي لا ~~سلطان فيه لمخلوق على مخلوق في طاعة الله ... # ومهما تكن للنفس الإنسانية من ملكة خلقية أو روحية، فتلك أمانة لا تفريط فيها، ~~ولا خير في المجتمع الذي يفرط فيها ويسلمها للضياع. وقد يجوز إحياء الملكة ~~الصوفية على ملكات أخرى، كما يجوز التخصص في كل قدرة على غيرها من عوامل القدرة ~~في الطبائع والعقول، ولكنها لازمة التخصص التي لا فكاك منها، فإما التخصص ~~والاحتفاظ، وإما الإهمال والانقطاع ... # وليس في التخصص - كما قلنا في كتاب الفلسفة القرآنية - إيجاب شيء واستنكار شيء، ~~وإنما هو سبيل التعميم والاستفادة من كل ملكة في الذهن والذوق والروح. ولا يوجب ~~الإسلام التنسك على جميع المسلمين؛ لأن أناسا منهم تخصصوا له وفضلوه على مطالب ~~الروح أو مطالب الجسد الأخرى، ولكنه يجيزه ms105 بالقدر الذي بيناه، وهو القدر الذي ~~لا غنى عنه في تدبير حياة الإنسان ... # فالملكات الإنسانية أكثر وأكبر من أن ينالها إنسان واحد، ولكنها ينبغي أن تنال، ~~فكيف يمكن أن تنال؟ # إنها لا تنال إلا بالتخصص والتوزيع، ولا يتأتى هذا التخصص أو هذا التوزيع إذا ~~سوينا بينها جميعا في التحصيل، وألزمنا كل أحد أن تكون له أقساط منها جميعا ~~على حد سواء ... # ولا نقصر القول هنا على الملكات العقلية أو الروحية التي لا يسهل إحصاؤها ولا ~~تحصيلها، ولكن نعم به هذه الملكات، ومعها ملكات الحس والجسد، وهي محدودة ~~متقاربة في جميع الناس ... # فهذه الملكات الجسدية - فضلا عن الملكات العقلية والروحية - قابلة للنمو ~~والمضاعفة إلى الحد الذي لا يخطر لنا على بال ولا نصدقه إلا إذا شهدناه ~~... # وقد رأينا ورأى معنا ألوف من الناس رجلا أكتع يستخدم أصابع قدمه في أشياء يعجز ~~الكثيرون عن صنعها بأصابع اليدين؛ يكتب بها، ويشعل عيدان الثقاب، ويصنع بها ~~القهوة، ويصبها في الأقداح ويشربها، ويديرها على الحاضرين، ويسلك الخيط في سم ~~الإبرة، ويخيط الثوب الممزق، ويوشك أن يصنع بالقدم كل ما يصنع باليمين أو ~~باليسار ... # ورأينا ورأى معنا ألوف من الناس لاعبي البليارد في المسابقات العامة يتسلمون ~~العصا، ثم لا يتركونها إلا بعد مائة وخمسين إصابة أو تزيد - ولعلهم لا يتركونها ~~إلا من تعب، أو مجاملة للاعبين الآخرين - وهم يوجهون بها الأكر # 3 # إلى حيث يريدون، ويرسلونها بين خطوط مرسومة، لا تدخل الأكر في ~~بعضها، ولا تحسب اللعبة إذا لم تدخل في بعضها الآخر، بحيث لو قال لك قائل: إن ~~هؤلاء اللاعبين يجرون الأكر بسلك خفي؛ لجاز لك أن تصدق ما يقول ... # ورأينا من يقذف بالحربة على مسافات فتقع حيث شاء، ورأينا من ينظر في آثار الأقدام ~~فيخرج منها أثرا واحدا بين عشرات، ولو تعدد وضعه بين المئات، ورأينا من يرمي ~~بالأنشوطة في الحبل الطويل فيطوق بها عنق الإنسان أو الحيوان على مسافة أمتار ~~... # هذه هي الملكات الجسدية المحدودة، وهذه هي آماد الكمال الذي تبلغ إليه بالتخصص ms106 ~~والمرانة والتوزيع، فما القول إذا حكمنا على الناس جميعا أن يكسبوا أعضاءهم ~~ملكة من هذه الملكات؟ إننا نخطئ بهذا أيما خطأ، ونعطلهم به عن العمل المفيد، ~~ولكننا نخطئ كذلك إذا حجرنا على إنسان لأنه أتقن ملكة من هذه الملكات الجسدية، ~~ولو جار في نفسه على ملكات أخرى يتقنها الآخرون ... # فإذا كنا قد جاوزنا بالقوى الجسدية حدودها المعهودة بالمرانة والتخصيص، فما الظن ~~بالقوى الروحية أو العقلية وهي لا تتقارب في الناس هذا التقارب، ولا تقف عند ~~هذه الحدود؟! # وإذا كان طالب القوة الروحية يؤثرها على جسده، فلماذا نلومه وننحى # 4 # عليه، ونحن لا ننحي على اللاعب إذا آثر المهارة في اللعب على ~~المهارة في فنون العقل، أو على الكمال في مطالب الروح؟ # إذا لمنا من يجوز على جسده لأنه يضر الناس إذا اقتدوا به أجمعين، فمن واجبنا أن ~~نلوم كل ذي ملكة، وكل ذي فن، وكل ذي رأي من الآراء؛ فما من واحد بين هؤلاء إلا ~~وهو يضر الناس إذا اقتدوا به أجمعين. # ومما لا جدال فيه أن نوازع الجسد تحجب الفكر عن بعض الحقائق الاجتماعية، فضلا عن ~~الحقائق الكونية المصفاة، ومما لا جدال فيه أن شواغل العيش وهموم الأسرة عائق ~~عن بعض مطالب الإصلاح في الحياة اليومية، فضلا عن الحياة الإنسانية الباقية ~~على مر الدهور، ومما لا جدال فيه أن طالب القوة الروحية كطالب القوة البدنية؛ ~~له حق كحق المصارع والملاكم وحامل الأثقال في استكمال ما يشاء من ملكات ~~الإنسان، ولسنا على حق إذا أخذنا عليه أنه جار على جسده أو لذات عيشه؛ لأننا لا ~~نلوم المصارع إذا نقصت فيه ملكة الفن، أو ملكة العلم، أو ملكة الروح. ولو أصبح ~~كل الناس مصارعين لفسد كل الناس، ولكن لا بد من المصارعة مع هذا، ولا بد من ~~المتفرغين لها إذا أردنا البقاء ... # ولو أصبح الناس كلهم متصوفين معرضين عن شواغل الدنيا لفسدت الدنيا، وبطل معنى ~~الحياة ومعنى الزهد في الحياة، ولكن لا بد من هذه النزعة في بعض النفوس، وإلا ~~قصرنا ms107 عن الشأو الأعلى في مطالب الروح، وفقدنا ثمرة التخصص، أو ثمرة القصد ~~الحيوي الذي ينظم لنا ثروة الروح، وثروة العقول، وثروة الأبدان. # والقصد الحيوي مكفول بشريعة القرآن في كل مطلب من هذه المطالب الروحية، فهي مباحة ~~لمن يطيقها، وهي لا تفرض على جميع المسلمين، ولا بد من هذه الإباحة، ولا بد من ~~هذا الإعفاء؛ فإنهما يجريان بالقدر الذي يفيد ويمنع الضرر في كلتا الحالتين ~~... # الفصل الحادي عشر # | المذاهب الاجتماعية والفكرية # إذا اتسعت الديانة لقبول المذاهب الاجتماعية والفكرية فهي إحدى ديانتين تختلفان، ~~ويبلغ الاختلاف بينهما حد التناقض في هذه الوجهة ... # فهي إما ديانة تنفض يدها من أعمال الدنيا، وتتجرد بضمائر أتباعها للمطالب الروحية ~~أو المطالب الأخروية غير الدنيوية. # أو هي ديانة تنظر إلى الدنيا، وتقيم قواعد الإصلاح الاجتماعي على أسس واسعة ~~النطاق، ثم توجب على الناس أن يتخيروا الأوقات لتطبيقها على حسب دواعيها، ~~ومطالب البيئات التي تتجدد فيها ... # والمقرر في المقابلة بين الديانات أن المجتمع الإنساني يتطلب نصيبه من الديانة، ~~وإن لم تشتمل على نصوص تتعرض للسياسة الاجتماعية؛ لأن الديانات جماعية وفردية، ~~بل هي ألزم للجماعة وأولى بالقيام بين ظهرانيها؛ لأن ضمائر الأفراد لا تنعزل ~~بأعمالها عن شركائها في الحياة الاجتماعية، وعلى ما فيها من الصلاح والفساد ~~تنتظم تلك الحياة، أو ينتقض فيها النظام ... # وقد كانت البرهمية ديانة «غير دنيوية»؛ لأنها تقوم في جوهرها على سوء العقيدة في ~~الدنيا، والإيمان ببطلانها، وغلبة الوهم على مظاهرها وخفاياها، ولكنها تعرضت ~~للمجتمع فقسمته إلى طبقات، وميزت كل طبقة منها بمزيتها في الحكم والمعيشة، ~~وداخلت الناس في المساكن والمطاعم فلا تفارقهم في عمل يعملونه، أو حركة ~~يتحركونها ... # والمسيحية لم تتعرض للتشريع ولا للسياسة الاجتماعية؛ لأنها نشأت في بيئة ترجع ~~بشرائعها المدنية إلى الدولة الرومانية التي قيل عنها: إنها أم الشرائع في ~~الزمن القديم، وترجع بشرائعها الدينية إلى الهيكل اليهودي الذي يطلق اسم ~~الشريعة على الدين كله؛ لأن الاعتقاد عنده قائم كله على التشريع، ومع هذا ظهرت ~~في ظلال المسيحية دعوى الملوك الذين أقاموا حكمهم على ms108 الحق الإلهي، وظهرت فيها ~~مراسم للسلطة الدينية أعم وأقوى من سلطة الدين في غيرها ... # فالديانات في الواقع العملي سواء في آثارها الاجتماعية، وإن لم تكن سواء في ~~نصوصها التي تعرض لمسائل الاجتماع، وكثيرا ما اصطدمت الديانات «غير الدنيوية» ~~بالمذاهب الدنيوية على غير تفرقة بينهما؛ لأنها من أساسها تجعل الحياة الروحية ~~مناقضة للحياة الدنيوية كيفما كانت، وعلى أية سنة تسير ... # والإسلام لم يتجنب مسائل الاجتماع؛ لأن اجتنابها ليس من طبيعة الدين، ولكنه عني ~~بهذه المسائل كما ينبغي أن تدركها عقيدة الإنسان في الجماعة البشرية، ووكل إلى ~~عقيدته أن توفق بينها وبين الصلاح الاجتماعي كما يقتضيه زمانه، وتستوحيه ~~الجماعة كلها من ضروراتها، ومن قواعد دينها. ولا فارق في النهاية بين المصلحة ~~كما تهتدي إليها الجماعة، والمصلحة كما يوجبها الدين ... # والمذاهب الاجتماعية شيء واقع معروف المبادئ والغايات في العصر الحاضر، فعلاقة ~~الإسلام بها كذلك شيء واقعي لا حاجة به إلى الخوض في النظريات والفروض الذهنية؛ ~~لأن مواضع الوئام أو النزاع بين جميع هذه المذاهب وبين نصوص الدين الإسلامي ~~مسطورة معلومة لمن يريدها، وقد كشفت عنها تجارب العمل كما كشفت عنها بحوث ~~الباحثين ... # هذه المذاهب الاجتماعية ومعها المذاهب الفكرية كثيرة تتفرع على أصولها الكبرى، ~~ولكننا إذا عددنا منها هذه الأصول أغنانا البحث فيها عن البحث في فروعها، ~~وبخاصة حين يدور البحث على القواعد الكبرى في الإسلام، والقواعد الكبرى في ~~أمهات مذاهب الاجتماع والفكر في هذه الآونة ... # إن أصول المذاهب الاجتماعية قد تتلاقى في هذه الآونة إلى أصول ثلاثة تحيط بها ~~في جملة مناحيها؛ وهي: الديمقراطية، والاشتراكية، والعالمية ... # أما مذاهب الفكر فأكثرها ذكرا في العصر الحاضر مذهب التطور، ومذهب الوجودية أو ~~مذاهبها المتعددة بمقاصدها وإن اتحدت بعنوانها ... # فما الذي يمنع المسلم أن يعمل للديمقراطية، أو يعمل للاشتراكية، أو يعمل للوحدة ~~العالمية؟ # وما الذي يمنع المسلم من أحكام دينه أن يقبل مذهب التطور، أو يقبل الوجودية في ~~صورتها المثلى؟ # إن المسلم أحق بالديمقراطية من أتباعها المحدثين والأقدمين؛ لأنه - منذ أربعة ~~عشر قرنا - يدين بمبادئ الديمقراطية الأولى ms109 التي لا يصدق اسم الديمقراطية على ~~نظام من النظم بغيرها، وهي: التبعة الفردية، والحكم بالشورى، والمساواة بين ~~الحقوق، والمحاسبة بالقانون ... # كل امرئ بما كسب ~~رهين ~~[سورة الطور: 21]. # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~[سورة الشورى: 38]. # إنما المؤمنون ~~إخوة ~~[سورة الحجرات: 10]. # يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ~~[سورة ~~الحجرات: 13]. # وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ~~[سورة الإسراء: ~~15]. # وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير ~~[سورة فاطر: 24]. # ومتى آمن المسلم بهذه المبادئ فهو صاحب الحق في اختيار ما يرتضيه من نظم ~~الديمقراطية؛ بل فرض عليه واجب الدين - مع واجب المصلحة - أن يطلب الحكم على ~~نظام من النظم التي تتوافر لها هذه المبادئ الأولى ... ~~••• # وليس في عقيدة المسلم ما يصده عن مذهب من مذاهب الاشتراكية الصالحة؛ لأنه ينكر ~~احتكار الثروة في طبقة واحدة، وينكر احتكار التجارة في الأسواق عامة، ويفرض على ~~المجتمع كفالة أبنائه من العجزة والضعاف والمحرومين، ويجعل حق الفرد رهينا ~~بمصلحة الجماعة. ومن سمحت عقيدته بهذه المبادئ لم تحرم عليه أن يأخذ من ~~الاشتراكية ما أباحته له قبل أن توجد الاشتراكية والاشتراكيون ... # ينهى الإسلام عن حصر المال في طبقة دون سائر الطبقات: # كي ~~لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~[سورة ~~الحشر: 7]. # ويمنع كنز الذهب والفضة: # والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم ~~[سورة التوبة: 34]. # وفي الحديث الشريف: «من احتكر طعاما أربعين يوما يريد به الغلاء؛ فقد برئ من ~~الله، وبرئ الله منه.» # ويحرم الإسلام أكل الأموال بالباطل من طريق التجارة بالديون: # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~[سورة آل عمران: 130]. # وقد ظهر في الإسلام فقهاء اشتراكيون يستندون في آرائهم إلى السنن الإسلامية، ولا ~~يعرفون سندا غيرها لما يدعون إليه، ومنهم فقهاء المذهب الظاهري، الذين يحرمون ~~تأجير الأرض بغير عمل إلا أن تكون أرض بناء، وأن يكون الأجر لما عليها من بناء، ~~وأشهر هؤلاء الفقهاء الاشتراكيين الفيلسوف ابن حزم الظاهري، الذي يقول ms110 في كتابه ~~المحلى: «إن زرع الأرض لا يحل إلا على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يزرعها المرء ~~بآلته وأعوانه وبذره وحيوانه، وإما أن يبيح لغيره زرعها، ولا يأخذ منها ~~شيئا. # فإن اشتركا في الآلة والحيوان والأعوان دون أن يأخذ منه للأرض كراء فحسن، وإما ~~أن يعطي أرضه لمن يزرعها ببذره وحيوانه وأعوانه وآلته بجزء، ويكون لصاحب الأرض ~~مما يخرج الله تعالى مسمى؛ إما النصف، وإما الثلث أو الربع، أو نحو ذلك أكثر ~~أو أقل، ولا يشترط على صاحب الأرض شيء من كل ذلك، ويكون الباقي للزارع، قل ما ~~أصاب أو كثر، فإن لم يصب شيئا؛ فلا شيء له ولا شيء عليه. فهذه الوجوه جائزة، ~~فمن أبى فليمسك أرضه.» # ورأي ابن حزم هذا مذهب يستند فيه الفقيه الفيلسوف إلى حجة من الدين تجوز عنده ~~على ما فصله في كتابه، فإن لم تكن قاطعة عند غيره، فالدين الذي يستنبط أمثال ~~ابن حزم من أحكامه ذلك الرأي لا يقال عنه: إنه يصد المؤمنين به عن الاشتراكية ~~على طريقتها الوسطى بين الطرفين، وليس فيها ما هو أوسط وأعدل ممن يمنع احتكار ~~الثروة، ويجعل للمحرومين حصة معلومة من الثروة العامة. وهو مذهب الإجماع في ~~شريعة الإسلام، وعليه تقوم إحدى فرائضه الخمس؛ وهي الزكاة. ~~••• # وإنه لمما يناسب رسالة الدين أن يستوعب مذاهب الاجتماع، ولا يستوعبه مذهب منها؛ ~~لأن هذه المذاهب الاجتماعية تأتي وتذهب، ويعتريها التعديل والتبديل جيلا بعد ~~جيل، ولا يعقل أن يتغير يقين الإيمان بحقيقة الوجود كلما تغيرت خطة من خطط ~~العمل في المصالح الاجتماعية، مهما يبلغ من صوابها عند العمل بها وإجرائها في ~~مجراها الموقوت ... # ومما يساق من أمثلة هذا أن ناقدي الإسلام من الغربيين أخذوا عليه أنه يعوق ~~أعمال المصارف والشركات، ومرافق التثمير والتعمير، بما حرمه من الربا في تثمير ~~القروض، وليس هذا النقد بصحيح؛ لأن الإسلام لم يحرك قط عملا من أعمال التثمير ~~يخلو من الإضرار بمن يحتاجون إلى القروض، ويبرأ من أكل أموال الناس بالباطل في ~~غير عمل مباح، ولكن هذا ms111 النقد على أية حال ينقضي بصوابه وخطئه، ولا تنقضي رسالة ~~الدين على إطلاقها. # وإنما يقيس مصالح الأديان حقا من يقيسها على اتساع وامتداد، وينظر إلى الغد كما ~~ينظر إلى اليوم، فلا يقضي بحكم من الأحكام فيها كأنه ختام العصور والمصالح ~~جمعاء، فهذا عصر الثروات الكبرى في أيدي أصحاب الأموال يوشك أن ينقضي، ويلحقه ~~عصر ينادي فيه الاقتصاديون بملك الأمة لموارد الثروات، ويقول فيه آخرون بمنع ~~حيازة الأموال العامة، فضلا عن فوائدها على قدر من الأقدار كائنا ما كان ~~... # وقد استوعب الإسلام مذاهب الاقتصاد في عصر المصارف والشركات وقروضها وفوائدها دون ~~أن يعوق مصلحة من مصالحها البريئة في العرف المشروع، وتمضي هذه المذاهب كما مضى ~~غيرها، فلا يئوده بعدها أن يستوعب مذاهب الثروة في أيدي الجميع، ولا مذاهب ~~الثروة في أيدي الآحاد، لا يمنع منها إلا ما يمنعه أولا وآخرا من ضرر أو ضرار ~~... ~~••• # وإذا كان دين المسلم لا يمنعه أن يتخذ من مذاهب الديمقراطية والاشتراكية ما يرى ~~صلاحه، فالوحدة العالمية أمل من آماله، وغاية من غايات الخلق في اعتقاده، وليس ~~مبلغ الأمر فيها أنها رأي لا يمنعه مانع من دينه ... # فالخالق - جل جلاله - قد خلق الشعوب والقبائل لتتعارف وتصطلح على العرف الحسن، ~~والمعرفة الرشيدة، فتجمعها أسرة واحدة لا تفاضل بين أبنائها بغير التقوى: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~[سورة الحجرات: ~~13]. # ولا يسهل الإيمان بالوحدة العالمية على امرئ يؤمن بأن الله يصطفي سلالة من البشر ~~دون سائر السلالات لغير فضيلة تحسب لها في ميزاتها غير انتسابها إلى أرومة ~~معلومة ... # ولا يسهل الإيمان بهذه الوحدة العالمية على امرئ يؤمن بأن النجاة في ماضي العصور ~~ومقبلها قسمة موقوفة على شرط لم يكمل في غير زمن محدود لأناس محدودين ... # ولكن المسلم الذي يؤمن برب العالمين، ويعلم أن النجاة قسمة لكل من سمع دعوة ~~الهداية فاستجاب لها من الأولين والآخرين، يبسط رواق الأخوة الإنسانية على ~~الغابرين والحاضرين، ولا يطرد من حظيرة الرضوان إنسانا ms112 اتقى الله على هدي ~~دين من الأديان ... # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون ~~[سورة البقرة: 62]. # وينبسط رواق الأخوة الإنسانية على جميع الأجناس والأقوام كما ينبسط على جميع ~~الملل والديانات، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى، ~~كما جاء في أحاديث النبي العربي القرشي إلى قومه، وإلى صحبه وآله، وليس بين ~~الأخوين من هذه الأسرة العظيمة رجحان لغير ذي عمل راجح في ميزان الخير والصلاح ~~... ~~••• # وفي عقيدة المسلم عون له على النظر في المذاهب الفكرية الحديثة - وهو مذهب التطور ~~- فربما أعانه دينه على قبول مبادئه، دون أن يقيده بقبول نتائجه التي تصح عند ~~أناس، ولا تصح عند آخرين ... # وليس في مذهب التطور مبدأ أهم من تنازع البقاء وبقاء الأصلح، وليس النظر في هذين ~~المبدأين محظورا على من يقرأ في كتابه أن صلاح الدين والدنيا لا يتفق لناس ~~عفوا، وأن الفساد لا يدفع عن الناس بغير دافع، وأن الإيمان يحمي صاحبه، ~~ويحميه صاحبه، فلا إيمان لمن لا ينصر الله وينصره الله. # ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض ~~ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين ~~[سورة البقرة: 251]. # لولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز ~~[سورة الحج: 40]. # وأول ما يعتقده المسلم في مسألة الخلق أن الله خلق الإنسان من سلالة من طين، ~~وأنبته من الأرض نباتا، وأنشأه مع سائر أبناء نوعه أطوارا، كما جاء في آيات ~~متواردة من التنزيل: # ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ~~[سورة المؤمنون: 12-14]. # ذلك عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل ms113 نسله من سلالة ~~من ماء مهين * ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون ~~[سورةالسجدة: ~~6-9]. # ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا * وقد خلقكم ~~أطوارا ~~[سورة نوح: 13، 14]. # فإذا آمن المسلم بنشأة الإنسان من سلالة من طين، وأنه نبت من الأرض نباتا، ثم ~~اتصل خلقه أطوارا، فلا جناح عليه أن يتقبل ما يثبته العلم الصادق من نشأة تلك ~~السلالة بين مادة الأرض من طين وماء، وبين هذا الخلق السوي القويم، أيا كان ~~معنى السلالة في الخبر الثابت، غير مسئول أن يأخذ معناها مأخذ الإيمان باليقين ~~... # ويكاد مذهب التطور أن ينوب عن المذاهب الفكرية في التمثيل لاستعداد المسلم للنظر ~~في تلك المذاهب على عمومها؛ إذ هو مذهب واحد يتغلغل في كل جانب من جوانب العلم، ~~ويجري تطبيقه على كل شعبة من شعب الحياة الإنسانية فيما يعرض لها من الغير # 1 # والأطوار، فإذا تمهدت له مسالك التفكير أمام العقل لم يكد يعرض ~~للعقل عائق دون مذهب آخر ينطوي فيه أو ينطبق عليه ... ~~••• # والوجودية مذهب آخر من المذاهب الفكرية يشبه التطور في هذا العموم الشائع بين ~~الآراء والتطبيقات، فإن الوجودية في حقيقتها وجوديات كثيرة تتشعب في كل ناحية ~~من نواحي النظر والاعتقاد، ولا تلتقي في غير قاعدة واحدة، هي الاعتزاز بحق ~~الفرد في الوجود؛ لأنه عند الوجوديين هو الكيان الثابت الذي تصدق عليه صفة ~~الوجود الصحيح؛ إذ لا وجود في غير الذهن للأنواع والأجناس والفصائل والأقسام، ~~ولكنها كلها أفراد متفرقة هي الموجودة بذواتها دون ما يطلق عليها من الأسماء ~~و«الماهيات» في اصطلاح المنطقيين ... # وليس على الفكر حرج أن يدحض زعم الزاعمين بوجود الفرد وبطلان وجود النوع في الحس ~~والعيان، فهذا كله لا طائل تحته في النتيجة التي يخرج بها الوجوديون من تلك ~~المقدمة، وإنما نتيجتها أن الفرد مسئول، وأنه صاحب الحق الواجب على قدر هذه ~~المسئولية، وأنه خليق ألا يدين لسلطان غير سلطان الضمير؛ لأنه يحاسب على أعماله ~~ونياته، ولا يغني عنه أمر الجماعة ولا أمر ذوي السلطان، ms114 وذلك هو حق العقل في ~~الإسلام؛ بل هو فيه واجب العقل لا يغنيه أن يعتذر منه بطاعة السلف، أو طاعة ~~الجماعة، أو طاعة الرؤساء والأحبار. وقد وصل العقل الإنساني إلى هذا الحق، وهذا ~~الواجب بفضل العقيدة الإسلامية قبل أن يصل إليه من طريق الجدل العقام في ~~التفرقة بين وجود الذوات ووجود الماهيات. ~~••• # ولا بد - في عصور الثقافة خاصة - من كلمة سواء بين الدين وهذه المذاهب الفكرية. ~~فما هي رسالة الدين، وما هي رسالة المذاهب؟ مهما يكن من رأي في هاتين الرسالتين ~~ففي وسعنا أن نقول: إن الدين ينبغي أن يطلق للمذاهب الفكرية مجالها في ~~المسائل المتجددة، وإن المذاهب الفكرية ينبغي أن ترعى للدين حرمته في المسائل ~~الباقية. إن المذاهب تذهب والدين باق، وليس بالمتدين ذلك الذي يحمل عقيدته ~~ليطرحها عند أول مذهب يروقه ويوائم خواطره في مشكلات يومه ... # وباستقراء الواقع فيما مضى وما حضر، نتبين أن الإسلام قد قال هذه الكلمة السواء ~~في عهود كثيرة، وأنه كان في تلك العهود مذهبا فكريا وزيادة؛ لأنه لم يقرر ~~أصلا من أصوله يحجر على العقل في تفكيره، ولأن الجانب الذي وكله إلى الإيمان ~~من روح الإنسان هو الجانب الذي لا يستطيع الفكر أن يقول كلمة أولى بالاتباع من ~~كلمة الدين. # الفصل الثاني عشر # | العرف والعادات # دخلت في الإسلام عند ظهوره أمم شتى من أبناء الحضارة والبداوة تأصلت لهم عادات ~~عريقة، وآداب موروثة، وتباعدت المسافة بين تلك الأمم في عاداتها وآدابها كما ~~تباعدت في مواقعها وتخومها، ومنها خلفاء الفرس والبابليين والفينيقيين ~~والكنعانيين والفراعنة والبربر، وقبائل البادية أو البوادي المتلاحقة بين وادي ~~النهرين ووادي النيل ... # عالم شاسع تعددت فيه الأزياء والمراسم والمواسم والأطعمة والأشربة والآداب ~~والمصطلحات، كما تعددت اليوم في القارة الواسعة بين شعوبها التي تنتمي إلى ~~مختلف العناصر والأقوام، فتعود المسلمون من اللحظة الأولى أن يوسعوا أكناف ~~الإسلام لكل ما في هذا العالم الشاسع من عرف وعادة، ومن شعائر ومراسم، وأصبح ~~العالم الإسلامي مرادفا عندهم للعالم الإنساني عند النظر إلى اختلاف الظواهر ~~والأشكال. # وأعفتهم ms115 هذه النظرة السمحة من جمود التقاليد التي تنعزل بأصحابها عن العالم ~~الإنساني أحيانا، كلما أقام الدين وأتباعه زمنا طويلا في معزل عن الناس، فلم ~~يتحرج المسلمون من تلك الظواهر والأشكال في غير شيء واحد، وهو المساس بالعقائد ~~والعبادات. وكل ما زاوله الناس بعيدا من الهيكل والمذبح فهو حل مباح لا يسألون ~~عنه، ولا يبالون أن ينزعوا فيه منزع الأمم التي احتوتها الرقعة الإسلامية من ~~تخوم الصين إلى شواطئ المغرب الأقصى ... # احتفل المسلمون بالنيروز، ولبسوا الطيلسان، وأكلوا في الأديرة وعلى موائد ~~الدهاقين، وركبوا البراذين والفيلة ، وتعاملوا بالدراهم والدنانير، وسكنوا ~~البيوت من بناء القبط والروم، وعاشوا بدين واحد في أزياء لا عداد لها، فحققوا ~~بذلك أن الإسلام دين العالمين ... # ولازمتهم هذه السماحة في العرف صدرا من الدعوة ومن الدولة الإسلامية الأولى، فلم ~~يعرفوا في هذه الفترة مشكلة دينية تحتاج إلى حل ديني في شئون المعيشة من مأكل ~~وملبس، أو مسلك شائع في معاملات الناس، ولم تظهر هذه المشكلات إلا مع ظهور ~~الخوف على كيان الأمة الإسلامية؛ خوف الفتنة من الداخل، وخوف السيطرة من ~~الأعداء ... # وتحرج المسلمون حين شعروا بالحرج فيما بينهم وفيما يهددهم من غلبة أعدائهم، ~~وشعروا بهذا الحرج من الدخيل الذي يتوارى بين ظهرانيهم قبل أن يشعروا به من ~~الدخيل الذي يغير عليهم، ويخضعهم بالقوة والمكيدة ... # أخذوا ينكرون العادات والمراسم التي لا غبار عليها في مظاهرها حين علموا أن ~~الدخيل في ملتهم يتستر من ورائها لترويج العقيدة التي تلازمها، والتمهيد ~~للدولة التي تقوم عليها. ومن هنا تلفتوا على حذر إلى كل ظاهرة مجوسية أو ~~بيزنطية تستأنف ظهورها في البيئة الإسلامية، وكاد السؤال عن الحلال والحرام ~~يسبق كل حركة غريبة - مريبة - ترتبط بمراسم الأمم المغلوبة في الزمن القديم قبل ~~دخولها في الإسلام. وإلى هذا الحذر يرجع الشك في المراسم الأعجمية حيث كانت بين ~~المسلمين أو غير المسلمين. # ثم اشتد هذا الإنكار للغريب من الظواهر والعادات بعد زوال الدولة، وخضوع الأمم ~~الإسلامية للدولة المغيرة عليها، وكاد هذا الحذر أن يغلب جهود المصلحين الذين ms116 ~~التمسوا القوة من حيث أدركها أعداء الإسلام، فحفزوا أقوامهم إلى التشبه بأولئك ~~الأعداء فيما أجادوه من أسلحة العلوم والصناعات ... # تحرج المسلمون من الظواهر والأشكال الأجنبية في هذا الدور تحرجا لم يتعودوه فيما ~~سلف من تاريخهم في أيام القوة، أو في أيام الفتنة والحذر؛ لأنهم شعروا بهذا ~~الحرج في عصر الهزيمة والخضوع، وهما أدعى إلى الشك والنفور من فتنة الدخيل ~~والحذر من صاحب الكيد المغلوب ... # ولم يكن ذلك التحرج شرا كله، وإن كان فيه شر كبير لم ينج المسلمون من عقابيله ~~إلا بشق النفس، ولم يكد بعضهم يصدقون بالنجاة حتى الآن ... # بعض ذلك التحرج صادر من حصانة الإسلام، وهي سجية يستمدها المسلم من استقلاله ~~بضميره، ومن شمول عقيدته التي لا تفصل الدين من الدنيا، ولا تجعله في الدين ~~تبعا، فهو أحرى ألا يكون تبعا في الدولة ولا في الدنيا ... # وربما هان على صاحب الدين الذي يفصل العقيدة عن عمل المعيشة أن يخضع لمن يخالفونه ~~في الدين والجنس واللغة؛ لأنه يتعزى عن ذلك باحتقار الدنيا، والفرار بروحه منها ~~إلى الحياة الأخرى، ولكن عقيدة المسلم تأبى له هذا العزاء، وتلقي في روعه أن ~~الله محاسبه على تفريطه في مكانته ومناعة حوزته، مذ كان التمكين في الأرض ~~علامة على صدق الإيمان، وصدق العمل به في شئون الحياة وشئون المعايش على ~~السواء. # ولقد مكناكم في ~~الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ~~قليلا ما تشكرون ~~[سورة الأعراف: ~~10]. # وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا ~~[سورة النور: ~~55]. # ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين ~~[سورة القصص: 5]. # فإذا حاقت الهزيمة بالمسلم، وضاعت منه الدولة، واستبيحت عليه حوزته علم أنه قد ~~خسر دنياه ودينه، ولم يبق له من عزاء يطمئن إليه غير الأمل في الخلاص من هذه ~~المهانة، والحذر من الاستغراق فيها، والسكون إليها، وداخله النفور في الغالب، ~~وتباعد عنه وعن عاداته وأحواله بشعوره وتفكيره، فتحرز ms117 من محاكاته فيها بدلا من ~~اللهج بها، والولع بمشابهتها كما يحدث من الأمم المغلوبة التي استذلتها ~~الهزيمة، وطمست معالم استقلالها، فراحت تستعير العزة المموهة من محاكاة الظواهر ~~والأشكال قناعة بها عن العزة الصادقة التي تنال بالمقاومة، وإحياء المعالم الدارسة # 1 ~~... # ولعل فيلسوف التاريخ الإسلامي - ابن خلدون - كان أول من نبه المسلمين إلى هذه ~~الخلة في المغلوبين، وعدها من تمام التسليم بالغلبة والهزيمة، فوقر في ~~الأذهان أن محاكاة الغالب في ظواهره وأشكاله أول عوارض الفناء والتسليم ~~بالسيادة على غير أمل في الخلاص ... # فمن حصانة العقيدة الإسلامية استمد المسلم شعور التحرج من العادات الأجنبية، فكان ~~هذا التحرج خيرا بمقدار ما فيه من القضاء على بواعث المحاكاة التي تؤذن ~~بالفناء والتسليم بالسيادة ... # ولكن هذه الحصانة السليمة الكفيلة بالسلامة لمن يعتصمون بها على فهم ودراية لم ~~تلبث أن امتزجت بعوارض الجمود والخمول، فأصابها ما يصيب الفضائل جميعا من ~~المسخ والتشويه كلما خارت العزائم، وسقطت الهمم، ورانت # 2 # الحيرة على العقول، فتحرج المسلمون الذين أصيبوا بهذه المحنة من ~~محاكاة الغالبين في أسباب القوة واليسر، كما تحرجوا من محاكاتهم فيما يهدد كيان ~~الأمة بالزوال، ويؤذن بمحو المعالم القومية على تتابع الأيام والأحداث ... # واستبد العجز بالنفوس، فخيل إليها أنها تركت باختيارها ما تركته في الواقع عجزا ~~عن المحاكاة، وجهلا بأسبابها، ولا سيما حين تكون هذه الأسباب مما يسوق العجزة ~~المتواكلين قهرا إلى السعي والتوافد على تحصيل العلوم والصناعات. # في هذه الفترة كثر التساؤل عن أمور لم تكن موضوع سؤال في صدر الإسلام، وليست هي ~~موضع سؤال في هذه الأيام، وسمع الاستفتاء بعد الاستفتاء في الكبريت؛ هل يجوز ~~قدحه؟ وعن غاز الاستصباح؛ هل تجوز الإضاءة به في المساجد؟ وعن التليفون؛ هل ~~يجوز وضعه في المعاهد الدينية؟ وعن الجغرافيا وعلوم الطبيعة؛ هل يجوز تعليمها ~~للتلاميذ؟ ولاح لهؤلاء المتحرجين كأنهم يعيشون في هذا العالم في سجن مغلق يخشون ~~أن يمدوا أصبعا إلى شيء فيه؛ فينطلق منه شيطان متربص أو مارد محبوس ... # ولم تدم هذه الغاشية إلا ريثما تجددت الثقة في ms118 النفوس، وثبتت الأقدام على منهج ~~الإصلاح، فخفت وطأة الحرج الذي استمده المسلمون من حصانة دينهم، وأيقنوا أن ~~طرق التقدم وطرق العلم الحديث لا تفترقان، وأن المسلم أولى من غير المسلم بكل ~~علم من علوم المعرفة؛ لأنه مأمور بالبحث عن أسرار الخلق، مطالب بالفهم ~~والتفكير. # وتخلفت مع الجهل والخمول رواسب من الجمود تخلق الإحراج في غير حرج، وتضر كثيرا ~~حيث تدعو الحاجة إلى السير الحثيث في طريق الإصلاح، وتفيد أحيانا كلما اضطرت ~~المتعجلين إلى بعض الروية والأناة قبل الهجوم على كل شيء جديد لغير نفع فيه إلا ~~أنه يخالف القديم ... # وأغلب الظن أن رواسب الجمود كانت تزول أسرع مما زالت لو لم يكن فيها مآرب ~~ولبانات لفئة من الحاكمين ترتهن منافعهم ببقائها، وتتعرض مواردهم للنقص والزوال ~~بما يطرأ على الحالة الراهنة من تبديل أو تحويل. # وقد كانت الآستانة والقاهرة قبلة طلاب الإصلاح في أرجاء العالم الإسلامي؛ لأن ~~الأولى كانت في مستهل نهضات الإصلاح مقر الخلافة الإسلامية، والثانية عاصمة ~~الثقافة الدينية منذ عدة قرون، ولم تخل حركة من حركات التقدم في كلتيهما من ~~بواطن خفية غير الظواهر التي يثار من حولها الشقاق بين دعاة الإصلاح، وجماعة ~~الحكام المشايعين للقديم، ومن هؤلاء أصاب أولئك الدعاة أشد ما أصابهم من العنت ~~والتشهير، وبما كان لهم من الجاه والسطوة اقتدروا على تسخير الأعوان لاستثارة ~~الدهماء على الأئمة والقادة المصلحين، وأحاطوهم بالتهم والأباطيل، وأيسرها ~~وأسرعها تفشيا بين الجهلاء تهمة الكفر، وتهمة التواطؤ مع الأعداء على إفساد ~~الدين ... # ففي البلاد العثمانية الخاضعة للآستانة سبق الشعب رؤساءه إلى مجاراة الحضارة، ~~ومسايرة العرف العصري في شئون المعيشة التي لا مساس لها بالعقيدة، ولكن الدولة ~~العثمانية تعرضت لثورة من أخطر ثوراتها حين أمر السلطان بتغيير ملابس الجنود ~~«الإنكشارية»، وتنظيم كتائبهم على النسق العصري في الجيوش الحديثة؛ لأن قادة ~~هذه الفرق - ومن ورائهم بعض أعضاء البيت المالك المنافسين للسلطان - آثروا ~~بقاء القديم على قدمه، وأوجسوا من تبديل الملابس والأنظمة في الكتائب الحديثة ~~أن يتبعه فض كتائب الإنكشارية، وتزويد السلطان بقوة من ms119 منشآته تناصره فيما أراد ~~من تعديل نظام الوراثة ... # وفي مصر كان الخلاف على أشده بين الخديو وحواشيه، وبين أئمة الإصلاح - وعلى رأسهم ~~الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية - وكان باطن الخلاف حول ~~الرقابة على أموال الأوقاف، ووظائف التدريس بالجامع الأزهر، وبرامج التعليم ~~فيه، وظاهره على سفاسف لا تعني الخديو وحواشيه في كثير ولا قليل، ولكنها ذريعة ~~يستخدمونها في إثارة الغبار حول موضوع الخلاف الأصيل، واتهام المصلحين بسوء ~~النية، وفساد الطوية، والافتيات على ولي الأمر وأعوانه المخلصين ... # وأشهر ما اشتهر من هذه المعارك الصاخبة حول السفاسف معركة الفتوى التي عرفت بفتوى ~~الترنسفال، وخلاصتها الوجيزة أن رجلا من الترنسفال سأل مفتي الديار المصرية ~~عن بعض عادات اللباس والطعام في أفريقيا الجنوبية، وعن جواز الصلاة خلف الإمام ~~مع اختلاف المذاهب؟ فأفتاه الشيخ رحمه الله بجوار لبس القلنسوة، وجواز طعام أهل ~~الكتاب؛ لأنه حلال بنص القرآن الكريم: # وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم ~~[سورة المائدة: 5]، وأن ~~الإمام المسلم تجوز إمامته ولا وجه للاعتراض على الصلاة خلفه وإن اختلفت ~~المذاهب؛ لأن تخصيص مسجد بأتباع كل مذهب يفرق جماعة المسلمين، ولا يستند إلى ~~أصل من القرآن والحديث أو سير الأولين ... # ويخرج بنا من غرض هذه الرسالة أن نلم، ولو مع الإيجاز، بنبذة من الآراء ~~الفقهية التي تداولها الكتاب نقدا وردا وتشهيرا وتبريرا بعد صدور ~~الفتوى الترنسفالية؛ إذ ليس من غرضنا هنا أن نخوض في الجدل الفقهي وما نحا نحوه ~~من جدل المذاهب، وما بنا من حاجة إلى ذلك؛ لأن القضية لم تكن من قضايا الفقه، ~~ولا كان الغلاة في حملتها ممن ينكرون لبس القلنسوة، أو الأكل على الموائد ~~الأوروبية، أو الصلاة خلف الأئمة الأحناف وفيهم الشافعيون والمالكيون، كما يتفق ~~أيام الجمع في الصلوات الجامعة مع حاشية الأمير. # وقد بدأ الإنذار بالحملة قبل ورود الأسئلة وكتابة الأجوبة في فتوى الترنسفال، ~~وعلى ذلك وصل الخبر إلى دار الخلافة يومئذ فيما رفعه إليها صاحب صحيفة الراوي ~~اليومية، وهو من أعوانها وعيونها على خديو مصر في ذلك الحين، ms120 وقد أشار إلى ~~الفتوى وغيرها من معارك السياسة الخفية في ثياب الغيرة الدينية فقال: # وكان يظن - أي الخديو - أن مجرد ظهور الفتوى كاف في إسقاط ~~نفوذ المفتي الديني، أو التوصل إلى عزله، فظهر له خلاف ذلك ... ~~وأن النتيجة من كل ما تقدم أن سمو الخديو يريد أن يجعل ~~لنفسه سلطة دينية آلتها الأزهر، وماليتها الأوقاف. وقد حدث ~~بهذا كثيرين، وقال: إن أوروبا تهاب البابا والسلطان لأجل ~~السلطة الدينية، وهذه سهلة علينا، وإنه ما دام الشيخ محمد عبده ~~مفتيا للديار المصرية، وعضوا في الأزهر، وفي مجلس الأوقاف ~~الأعلى، وفي شورى القوانين، فلن يتم له في ذلك عمل ... فالمفتي ~~هو العقبة في طريق هذه السلطة، وحزبه كبير جدا. # 3 # وهذه المعارك المصطنعة هي التي أوقعت في أذهان المعقبين على أحداث العالم ~~الإسلامي أن المسلم يتحرج من غير حرج، ويغلو في الجمود على القديم لغير سبب، ~~ويخلط بين موروثات العرف وسنن العقيدة وآدابها المستفادة من أوامرها ~~ووصاياها. # وكل هذا وهم ينفيه أن المسلم قد تعلم من كتابه النعي على الجامدين الذين ~~يستعبدون عقولهم لعادات أسلافهم، ويقتدون بهم؛ لأنهم وجدوهم عليها وإن كانوا لا ~~يعقلون، ثم جاءت سيرة المسلمين الأولين الذين تفرقوا في أنحاء الأرض على خير ما ~~تكون السماحة، فعاشروا أبناء الأمم من الروم والفرس والترك والديلم والبربر دون ~~أن يتحرجوا بنمط من أنماط المعيشة، ولا بأسلوب من أساليب العرف ما لم يكن فيه ~~مساس بالعقيدة والعبادة ... # فليس من روح الإسلام أن يجمد المؤمن على عادة موروثة لأنها عادة موروثة، وليس من ~~روحه أن يرفض عادة جديدة لأنها عادة جديدة، ولكنه يعتصم من روح الإسلام بحصانة ~~تعيذه من سحر الغلبة، فلا تهوله بروعتها، ولا تجنح به إلى الفناء في غمارها، ~~والاستسلام لقيادتها. وتلك مفخرة للإسلام تتمناها الأمم، ولا تزهد فيها، وما ~~كان لأمة أن تزهد في حصانة تقيم الحواجز بينها وبين عدوها، ولا تحجزها عمن ~~يسالمها ولو كان غريبا عنها. # وسبيل المسلم فيما آثره مع الخلق من سلوك وعادة أن يأخذ بالعفو، ويأمر ms121 بالعرف، ~~ويعرض عن الجاهلين. # | خاتمة # كتبنا هذه الفصول عسى أن يكون فيها جواب هاد لأناس من الناشئين يتساءلون: هل ~~يتفق الفكر والدين؟ وهل يستطيع الإنسان العصري أن يقيم عقيدته الإسلامية على ~~أساس من التفكير؟ # ونرجو أن تكون هذه الفصول تعزيزا للجواب بكلمة «نعم» على كل من هذين السؤالين، ~~نعم يتفق الفكر والدين، ونعم يدين المفكر بالإسلام وله سند من الفكر، وسند من ~~الإيمان. # ولكننا نكتب هذه الخاتمة ونود أن نضيف بها سؤالا آخر يتمم هذين السؤالين، نود أن ~~نسأل: هل يؤمن عقل الإنسان بالدين في هذا العصر ؟ ويرى فيه دينا أحق بالإيمان ~~به من الإسلام؟ # أما أن يؤمن الإنسان بالدين في أعماق وجدانه بمعرفة الفكر، فذلك بحث طويل لا ~~يستقصى في سطور ولا صفحات، ولكنه - مع خلوص النية - يتضح جليا مبينا من ~~حقيقة واحدة، وهي أن الإنسان جزء من هذا الوجود غير المحدود، لا بد له من صلة ~~عميقة تربطه به أبعد غورا من هذه الصلات الحسية التي تحصرها العلوم المتغيرة ~~مع العصور والسنين ... # فكيف تكون هذه الصلة؟ إن فكر الإنسان محدود ينقطع دون النهاية من هذا الوجود ~~الذي ليست له حدود، فهل تنقطع صلته بالوجود كله عند انقطاع فكره؟ أو يعلم حدود ~~نهايته، ويعلم علما يقينا أن الصلة وراء ذلك لن تكون إلا بالإيمان. # لا بد أن يؤمن؛ لأنه ذهب بالفكر إلى نهايته ولم يبلغ النهاية، ولا بد - بعد طريق ~~الفكر- من طريق يهتدي إليه الفكر، ولكنه لا يستقصيه ... # وإذا آمن المفكر بهذا، فأي دين يختاره للجماعة الإنسانية أفضل من دين ~~الإسلام؟ # إن الإسلام دين موجود، فالذي يشير على المسلم بدين غيره يريد منه أن يتركه ~~ليدين بعقيدة أرفع منه في درجات الاعتقاد، وأوفى منه بمطالب الجماعة ومطالب ~~الآحاد، وهذا ما يعتقده المسلم، فما الذي يعتقده خيرا منه إذا نظر في الإسلام ~~وفي سائر الأديان؟ # يعتقد المسلم في الإله أنه رب العالمين، ليس كمثله شيء وهو بكل شيء محيط، لا ~~يحابي ذرية دون ذرية، ولا يختص بالنجاة فريقا دون فريق، ms122 ولا يميز أحدا على ~~أحد بغير العمل والتقوى ... # ويعتقد المسلم في النبي أنه رسول هداية، يعلم ما علمه الله، ولا يعلم الغيب إلا ~~بإذن الله، يخاطب العقول ولا يقسرها على التصديق بالخوارق والأعاجيب، ولا يملك ~~لأحد نفعا ولا ضرا إلا ما يكسبه لنفسه من خير، وما يجنيه عليها من خسار ~~... # ويعتقد المسلم في الأنبياء كافة أنهم رسل الله بالهداية، يصدقهم جميعا حين يصدق ~~برسالة نبيه، ويصلي عليهم جميعا حين يصلي عليه، يبشرون وينذرون؛ فلا يهلك أحد ~~من خلائق الله بغير نذير، ولا تفوته النجاة لأنه سبق في الزمان أو تأخر فيه ~~بغير حيلة له في السبق أو التأخير ... # ويعتقد المسلم في الإنسان أنه مخلوق مسئول عن عمله وعن نيته، إن عمل صالحا ~~فلنفسه، وإن أساء فعليها، يؤاخذه الله بذنبه، ولا يؤاخذه بذنب لم يقترفه، ~~وينجيه بتوبته، ولا ينجيه بكفارة لم ينهض بثوابها ... # ويعتقد المسلم في بني الإنسان عامة أنهم أسرة واحدة من ذكر وأنثى، أكرمهم عند ~~الله أتقاهم، وأتقاهم لله أنفعهم لعباده، يتكاثرون بالأنساب، ويتعارفون ~~بالأعمال والأسباب، فإذا نصبت لهم موازين الحساب فلا أنساب بينهم يومئذ ولا هم ~~يتساءلون. # ويعتقد المسلم في الدين أنه عهد بين المرء وخالقه، أينما كان فثم وجه الله، ~~محرابه حيث أقام الصلاة بين الأرض والسماء، وضميره حرم لا يباح إلا بما ~~يشاء. # فإذا آمن المسلم بغير هذه العقيدة فما له من عقيدة خير منها فيما يعتقده إنسان في ~~الله، أو في أنبياء الله، أو في خلق الله، أو في مشيئة الله. # وإذا قيل له: لا تعتقد بالإسلام فقد قيل له: لا تعتقد بشيء ولا تؤمن بإله... # ويحق للمسلم على الحالين أن يعلم أن التفكير يوجب الإسلام، وأن الإسلام يوجب ~~التفكير ... # ذلك منحى من مناحي العقل الواسعة ينحرف عنه ذو العقل الذي انتهى من بحوثه ~~وتقديراته إلى نبذ الأديان، وإنكار المعتقدات، وهي نهاية تعاب بقسطاس الفكر ~~نفسه؛ لأنها سوء تفكير، ولا ينحصر عيبها في سوء التقدير للضرورات التي استقام ~~عليها بناء الجماعة الإنسانية منذ وجدت في ms123 التاريخ وقبل التاريخ ... # يعاب على هذا التفكير القاصر أنه انتهى إلى غير شيء ... انتهى إلى العدم، وليس ما ~~وراء الفكر عدما؛ بل هو وجود مطلق أزلي أبدي محيط بجميع الموجودات، ومنها ~~الفكر والمفكرون، لا يدركه الفكر بداهة، ولكن ليدركه الإيمان، لا ليبقى منقطعا ~~عن العقل والوجدان والشعور ... # وإذا قلنا: إن هذا الفكر القاصر يعاب كذلك لأنه سوء تقدير لضرورات الجماعة ~~الإنسانية، فليس هذا بالعيب الهين عند من يتأمل ويريد أن يتأمل ... # إن حاجة النفوس إلى العقيدة في الجماعة الإنسانية برهان وأي برهان ... # برهان من الواقع، لكن كبرهان الحنان الأبوي على مصلحة النوع في البقاء؛ أيقدح في ~~حنان الآباء أنهم ينظرون إلى الأبناء بعين النوع كله، ولا ينظرون إليه نظرة ~~الغريب المجرد من هذا الحنان؟ # برهان الجماعة حق في العقل، وحق في الواقع، وعلى الإنسان الأمين لعقله ولنوعه أن ~~يفطن لهذا الحق، ويبحث عنه بحث المسئول لا بحث السائل الطارئ على القضية من ~~بعيد ... # وعلى الإنسان الأمين لعقله ولنوعه أن يرعى حرمة القداسة في جماعته كما يرعاها في ~~ضميره، فمن سلامة الضمير أن تكون سلامة الجماعة مما يتوخاه، ومما يصونه ويحميه ~~... # وفي العالم اليوم جماعة إنسانية تعد بمئات الملايين ... # أربعمائة مليون مسلم يعيشون بعقيدة قويمة، ويعتصمون منها بحصانة قوية ... # هذا هو الإسلام # 1 ~~... # بنية حية تذود عن عقيدتها فتذود عن كيانها أو تموت ... # صانها الإسلام في وجوه أعدائها، فلتصنه في وجوه أعدائه، وأوجب ما يوجب عليها هذه ~~الصيانة أنها تطلق للضمير آفاقه وأعماقه، وتحمي للجماعة ديارها وقرارها، وأنها ~~لب ووجدان وتفكير وإيمان، فإن يكن للجماعة الإسلامية دين، ولا بد من دين؛ ~~فلا بديل لها من دين يهديها إلى الفكر، ويهديها الفكر إليه ... ms124