######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.ThaqafaCarabiyya.Hindawi74742526 #META# Tags: literature #META# ID: 74742526 #META# Title: الثقافة العربية #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حقيقة مفاجئة‏ # من هم العرب؟!‏ # أسماء أخرى‏ # الكتابة العربية‏ # الأبجدية اليونانية‏ # ومن العرب الأقدمين تعلم اليونان صناعات الحضارة‏ # والفلسفة‏ # تلاميذ أبديون‏ # ثم الثقافة العبرية‏ # العبرية والعالمية‏ # الدين‏ # إبراهيم وموسى وداود يتعلمون‏ # اللغة والكتابة‏ # الشعر‏ ~~... ونهاية المطاف‏ # حقيقة مفاجئة‏ # من هم العرب؟!‏ # أسماء أخرى‏ # الكتابة العربية‏ # الأبجدية اليونانية‏ # ومن العرب الأقدمين تعلم اليونان صناعات الحضارة‏ # والفلسفة‏ # تلاميذ أبديون‏ # ثم الثقافة العبرية‏ # العبرية والعالمية‏ # الدين‏ # إبراهيم وموسى وداود يتعلمون‏ # اللغة والكتابة‏ # الشعر‏ ~~... ونهاية المطاف‏ # | الثقافة العربية # | الثقافة العربية # تأليف # عباس محمود العقاد # | حقيقة مفاجئة # أقدم الثقافات الثلاث # وهذه الثقافات الثلاث هي: العربية، واليونانية، والعبرانية. # أقدمها في التاريخ هي الثقافة العربية، قبل أن تعرف أمة من هذه الأمم باسمها المشهور في ~~العصور الحديثة. # وهذه حقيقة من حقائق التاريخ الثابت الذي لا يحتاج إلى عناء طويل في إثباته، ولكنها على ~~ذلك حقيقة غريبة تقع عند الكثيرين من الأوروبيين والشرقيين، بل عند بعض العرب المحدثين، ~~موقع المفاجأة التي لا تزول بغير المراجعة والبحث المستفيض. # وقد كان ينبغي أن يكون الجهل بهذه الحقيقة هو المفاجأة المستغربة؛ لأن الإيمان بهذه ~~الحقيقة التاريخية لا يحتاج إلى أكثر من الاطلاع على الأبجدية اليونانية، وعلى السفرين ~~الأولين من التوارة التي في أيدي الناس اليوم، وهما: سفر التكوين وسفر الخروج، ولا حاجة ~~إلى الاسترسال بعدهما في قراءة بقية الأسفار. # فالأبجدية اليونانية عربية بحروفها وبمعاني تلك الحروف وأشكالها، منسوبة عندهم إلى قدموس ~~الفينيقي، وهو في كتاب مؤرخهم الأكبر «هيرودوت» أول من علمهم الصناعات. # وسفر التكوين وسفر الخروج صريحان في تعليم الصالحين من العرب لكل من إبراهيم وموسى - ~~عليهما السلام؛ فإبراهيم تعلم من ملكي صادق، وموسى تعلم من يثرون إمام مدين، وشاعت في ~~السفرين رسالة «الآباء» قبل أن يعرفوا باسم الأنبياء؛ لأن العبرانيين عرفوا كلمة «النبي» ~~بعد وصولهم إلى أرض كنعان واتصالهم بأئمة العرب بين جنوب فلسطين وشمال الحجاز. # فيحق العجب ممن يجهل هذه الحقيقة التاريخية المسجلة بالكتابة منذ ألوف السنين، بل ~~بالحروف التي سبقت الكتابة والكتاب. # إلا أن الإشاعة الموهومة كثيرا ما ms01 تطغى على الحقيقة المسجلة، ولا سيما الإشاعة التي ~~تحتمي بالصولة الحاضرة وتملأ الآفاق بالشهرة المترددة. وقد أشاع الأوروبيون في عصر ثقافتهم ~~وسلطانهم أن أسلافهم اليونان سبقوا الأمم إلى العلم والحكمة، واختلط على الأوروبيين كما ~~اختلط على غيرهم قدم التوراة بالنسبة إلى الإنجيل والقرآن، وقدم الإسرائيليين بالنسبة ~~إلى المسيحيين والمسلمين، فتوهموا أن العبرانيين سبقوا العرب إلى الدين والثقافة الدينية، ~~وكتابهم نفسه صريح في حداثة إسرائيل وحداثة إبراهيم من قبله بالنسبة إلى أبناء البلاد ~~العربية. # وليس أعجب من الجهل بالحقيقة التي تظهر هذا الظهور. # ليس أعجب من هذا الجهل إلا أن تكون الأوهام المشاعة بهذه القوة عند أقوى الأمم وعند ~~أشهرها بالعلم والثقافة. # فلو لم يكن في هذه الصفحات التالية إلا أنها تكشف هذه الأعجوبة في ناحية من نواحيها، ~~لكان ذلك حسبها من سبب يوجب علينا كتابة هذه الرسالة؛ فهي تفصيل لما في هذه الأسطر ~~القليلة من إجمال، وأيسر تفصيل كاف في مجال كهذا المجال. # | من هم العرب؟! # وجد العرب في ديارهم قبل أن يعرفوا باسم العرب بين جيرانهم، وكانت لهم لغة عربية ~~يتكلمونها وتمضي على سنة التطور عصرا بعد عصر، إلى أن تبلغ الطور الذي عرفناه منذ أيام ~~الدعوة الإسلامية. # وهذه هي القاعدة العامة في تسمية الأمم وفي تطور اللغات؛ فليس العرب بدعا فيها بين أمم ~~المشرق والمغرب. # فالهند - مثلا - كانت عامرة بسكانها قبل أن يسمى نهرها بنهر «الهندوس»، وقبل أن ~~يطلق اسم هذا النهر على شبه الجزيرة كلها. # والحبشة كانت عامرة بقبائلها المتعددة قبل أن يسميها العرب بهذا الاسم، ويقصدون به بلاد ~~الأحباش أي السكان المختلطين، وقبل أن يسميها اليونان باسم «أثيوبية» أي: بلاد الوجوه ~~المحترقة، وقبل أن يسميها العبرانيون باسم بلاد الكوشيين لأنهم ينسبون أهلها إلى كوش بن حام ~~بن نوح. # وكانت بلاد السكنداف معمورة قبل أن يسميها أهل الجنوب بلاد «النورديك» أي: ~~الشماليين. # وكانت إنجلترا معمورة بطائفة من السكان بعد طائفة، يوم أطلق عليها اسم إنجلاند أو ~~إنجلترا، أو أرض الأناجلة # angles # الذين قدموا إليها في ~~القرن الخامس ms02 بعد الميلاد، ومن ملوكها من كان يحلو له أن يسميها بلاد الملائكة # Angellykes ~~؛ لأن البابا غريغوري اختاره لها بدلا من ~~اسم بلاد الأناجلة الذي يشبهه في نطقه # Engeliscé ~~... فراح ~~بعضهم يرسم صورة «ملائكية» على عملتها الذهبية، والتبس الأمر على أتباعهم فأوشك أن يخلط ~~عليهم الحقيقة لولا قرب العهد باسم الأناجلة واسم موطنهم المعروف. ~~••• # وكل هذه الأمم كانت لهم لغات يتكلمونها قبل ألفي سنة، ولا يتكلمها اليوم أبناؤها على ~~النحو الذي كان يفهمه آباؤهم، ولا يشذ عن ذلك أمة من الأمم ولا لغة من اللغات. ~~••• # وقد مضى على العرب أكثر من ألفي سنة وهم معروفون بهذا الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم ~~ويطلقه عليهم غيرهم، ولا يزال أصل التسمية وتاريخ إطلاقها غير معروفين على التحقيق إلى ~~اليوم. # هل أطلق عليهم اسم العرب لأنهم كانوا يسكنون موقع الغرب من أمة أخرى يحل فيها حرف ~~العين محل حرف الغين كما يحدث في بعض اللهجات؟ # هل أطلق عليهم هذا الاسم من العرابة بمعنى الجفاف أو الصحراء في لغة بعض الساميين بشمال ~~الجزيرة؟ # هل أطلق عليهم نسبة إلى يعرب بن قحطان، أو نسبة إلى «عربة» من أرض تهامة كما يقول ~~ياقوت؟ # إن مؤرخي العرب يختلفون في ذلك كما يختلف فيه غيرهم، ويقول ياقوت في معجم البلدان بعد أن ~~أشار إلى ذلك: «إن كل من سكن جزيرة العرب ونطق بلسان أهلها فهم العرب، سموا عربا باسم ~~بلدهم العربات. وقال أبو تراب إسحاق بن الفرح: عربة باحة العرب، وباحة العرب دار أبي ~~الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - أما النبطي فكل من لم يكن راعيا أو جنديا ~~عند العرب من ساكني الأرضين فهو نبطي ...» # وكما قيل: إن العرب سموا بهذا الاسم لأنهم نزلوا إلى الغرب من منازل غيرهم، يقال: ~~إنهم سموا شرقيين # Saracena # عند قوم من أوروبة، وإن ~~الاسم في أصله كان يطلق على قبيلة عربية تسكن إلى الشرق من جبل السراة، ولعلهم سموهم ~~«سراتيين» نسبة إلى الجبل نفسه، وتحرف الاسم بلغات الأوروبيين إلى سراسين! # نذكر هذه الخلافات ms03 لنقول: إن وجود العرب في ديارهم سابق لها متقدم عليها، وإن الثقافة ~~العربية ينبغي أن تنسب إلى أمتها قبل أن تسمى بهذا الاسم أو بذاك من الأسماء ~~المختلف عليها؛ فلا اختلاف على نسبة الثقافة إلى الأمة كائنا ما كان الاسم الذي عرفت ~~به عند جيرانها وعند سائر الأمم التي تتحدث عنها، وتختار لها اسمها على حسب مصادره ~~ومناسباته في عرفها. ~~••• # ولا خلاف في علاقة العرب الأقدمين بالجزيرة العربية، ولا في قدم العمران بهذه ~~الجزيرة. # ولا خلاف كذلك في قدم اللسان العربي فيها، ولا في أنه أقدم لسان تكلم به سكانها ~~الأقدمون، ولم يعرف لهم لسان قبله مخالف له في أصوله وخصائصه التي تميز بها بين اللغات ~~العالمية. # أكان المتكلمون بهذا اللسان قبل ثلاثين قرنا مقيمين بالجزيرة العربية أم كانوا مقيمين في ~~موطن آخر ثم هاجروا إليها؟ # هنا تختلف الأقوال بين مواطن ثلاثة، هي: الحبشة وبادية الشام وأعالي العراق. # لكن الحبشة ليست مصدر الحاميين والساميين في جهة واحدة؛ فالساميون أحرى أن يكونوا ~~وافدين إليها على قلة محدودة، وليس من الموافق للأوضاع التاريخية ولا للمألوف من الهجرة ~~هناك أو في جهات أخرى أن يكون الساميون المنتقلون من الحبشة أكثر من عشرات أمثالهم في ~~موطنهم الأصيل بالبلاد الحبشية، ولم يحدث في عصور التاريخ المعروف أن كان المهاجرون من ~~الحبشة إلى جنوب الجزيرة يزيدون عددا على الذين يهاجرون من جنوب الجزيرة إليها. # كذلك لم يحدث في حدود التاريخ المعروف أن ترحل الجماعات الكثيرة من بلاد الهلال الخصيب أو ~~من أعالي العراق إلى الصحراء العربية؛ فليس هذا مما حدث في الواقع ولا مما يوافق المعهود في ~~بواعث الهجرة وحركاتها المألوفة. # فمن المألوف أن يحدث الجفاف والجدب في البلاد الصحراوية فيرحل عنها أهلها، ومن التاريخ ~~الواقع أن هذا قد حدث فعلا غير مرة في هجرة القبائل من جنوب الجزيرة وأواسطها إلى بلاد ~~الأنهار أو بلاد الخصب الدائم والمرعى الموفور، ولكنه لم يؤلف ولم يحدث قط أن ينعكس الأمر ~~فترحل القبائل أفواجا أفواجا من أرض الماء والمرعى ms04 إلى أرض تتخللها الصحارى الواسعة، ~~ويطرأ عليها الجفاف والجدب في عهود متلاحقة، تكاد أن تنتظم في مواعيدها وأدوارها. # فمن الثابت أن جنوب الجزيرة كان مأهولا قبل ثلاثة آلاف سنة، وكانت له عمارته ومبانيه ~~التي لا تنشأ في قرون قليلة، فهل كان وفود هؤلاء إلى الجنوب بعد سكان آخرين سبقوهم ثم ~~انقرضوا أو انهزموا وخلفهم الوافدون على بلادهم؟ فمن هم أولئك السكان الأولون؟ وما لغتهم؟ ~~وما الداعي إلى افتراض وجودهم؟ ومن أين جاءهم الوافدون اللاحقون وتغلبوا عليهم بالقوة ~~التي تهزمهم؟ وما هي لغتهم وعلاقتها بالعربية؟ # كل ما يمكن أن يقال عن ذلك: إنه تخمين لا دليل عليه ولا موجب له، ولا موافقة بينه وبين ~~تجارب الواقع في أماكن الهجرة المطروقة من قديم الزمن، داخل الجزيرة العربية أو من ~~حولها. # ولا صعوبة في تصور الهجرة من الجنوب إلى الشمال على حسب التجارب الواقعة، فلا تضطرنا ~~وقائع التاريخ إلى السؤال عن أبناء البلاد الأصلاء في العراق أو بادية الشام أين ذهبوا ومن ~~هم في أصولهم وما هي لغاتهم وأنباؤهم؛ فإن التاريخ يدلنا عليهم وعلى بقاياهم، وآثارهم حيث ~~أقاموا قريبة من مواطنهم سواء كانوا من السومريين أو من الآريين أو من الطورانيين على ~~التخوم الفارسية أو تخوم الصين، بعضهم لبث في الأرض، وبعضهم جلا عنها إلى ما وراء حدودها، ~~وكلهم ترك من مخلفاته ما يتركه المغلوب المقيم أو المغلوب الذي زال عن البلاد. # فالثقافة العربية إذن هي ثقافة الأمة التي نشأت تتكلم اللغة العربية وعاشت تتكلمها كما ~~كانت على الألسنة في كل دور من أدوارها على سنة التطور في جميع اللغات. # وقد كان أشهر اللغات السامية وأشيعها في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد ثلاثا بين جنوب ~~الجزيرة وشرقها إلى الشمال وغربها إلى الشمال، وهي: اليمنية والآرامية والكنعانية؛ مما يدل ~~على أنها نبتت في الجزيرة من الجنوب إلى مواطن الهجرة التي درجت عليها القبائل منذ فجر ~~التاريخ، في طريق بحر العرب شرقا إلى وادي النهرين، أو طريق البحر الأحمر غربا إلى ~~فلسطين. # ثم شاعت الآرامية ms05 وغلبت على سائر هذه اللهجات وتفرعت منها النبطية التي اتفقت الروايات ~~على أنها أم لهجات الحجاز. ولم تكن الآرامية بعد شيوعها غريبة عن المتكلمين بالكنعانية أو ~~الحميرية وعن الكاتبين بالحروف النبطية أو حروف المسند؛ فكان المقيمون والراحلون بين هذه ~~الأرجاء يتخاطبون بها كما يتخاطب أبناء الأقاليم في القطر الواحد، أو كما يتخاطب أبناء ~~وادي النيل اليوم من الإسكندرية إلى الخرطوم، مع اختلاف اللهجات والألفاظ في بعض ~~المفردات. # ونحن نعلم أن مؤرخي العرب كانوا ينسبون شعوب العرب البائدة جميعا إلى «إرم» ويسمونهم ~~بالأرمان كما جاء في تاريخ سني الملوك لحمزة الأصفهاني. ويجوز أن يكون الآراميون من سلالة ~~هؤلاء الأرمان هاجروا إلى وادي النهرين في تاريخ مجهول، ولكن تاريخهم المعلوم يرجع إلى ~~عهد دولتهم التي حكمت بابل، وقام منها بالأمر حمورابي صاحب التشريع المشهور (سنة 2460ق.م)؛ ~~حيث سادت اللغة الآرامية وادي النهرين وبادية الشام وأرض كنعان وبلاد الأنباط، وظهرت ~~لهجتها العامة - كلاما وكتابة - في كل قطر من الأقطار. # يقول صاحب كتاب «الأبجدية: مفتاح تاريخ الإنسان»: «الآرامية فرع كبير يرجع إلى الهجرة ~~السامية الثالثة، ذكرت في مصادر التوراة وفي الكتابة المسمارية، ويطلق اسم آرام الذي ~~ورد في التوراة على سلالة عنصرية كما يطلق على الإقليم الذي تسكنه تلك السلالة، وجاء في ~~أسماء الأمم بسفر التكوين أن آرام جد الآراميين وقيل عنه إنه ابن سام، وجاء في موضوع آخر ~~أنه حفيد ناحور أخي إبراهيم، ويقال عن يعقوب إنه آرامي تائه، وعن أمه وزوجاته إنهن ~~آراميات. وباستثناء لفظة غامضة في الحفائر الأكادية في النصف الثاني من الألف الثالثة قبل ~~الميلاد، تعتبر رسائل تل العمارنة المسمارية في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد ~~أقدم إشارة إليهم باسم أخلام # Akhlami # أو # Akhlamn # أي: الأحلاف الذين يظن أنهم هم أحلاف آرام ~~المذكورين في وثائق القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وهم يسمون في المصادر الآشورية ~~(أروميو) أو (أراميو) وجمعهم آرامي.» # إلى أن يقول: «إن موطن الآراميين الأول غير معروف، وهم يوصفون في ألواح تل العمارنة - ~~التي تقدم ذكرها ms06 - بأنهم أفواج مترحلة مغيرة، ويرجح أنهم قدموا من جهة الشرق الشمالي ~~لبلاد العرب إلى بادية الشام من طريق، وقدموا من الطريق الآخر إلى العراق. وعند نهاية ~~القرن الثالث عشر قبل الميلاد انتهى سلطان الحيثيين و المتنيين # Mitanni # على تلك الأرض، وظهرت الإمارات الآرامية الصغيرة في الشمال ~~الشرقي والشمال الغربي من وادي النهرين، ثم طرأت على توزيع السكان في سورية الشمالية بعد ~~استقرار الموجة الآرامية بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد طوارئ واسعة ~~النطاق ... واغتنمت قبائل الآراميين فرصة هذه الطوارئ؛ فأقامت بقوة السلاح ووفرة العدد سلسلة ~~من الممالك الصغيرة في أخصب المواقع من شمال العراق وجنوبه إلى شرق البادية السورية، وأمكن ~~- بفضل تدجين الجمل العربي حوالي نهاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد - تيسير طرق القوافل ~~تيسيرا كبيرا؛ فأقيمت في جوانب البلاد مراكز للتجارة الغنية، أشهرها تدمر أو بلد ~~النخيل». # وبعد الإشارة إلى أدوار الضعف التي انتابت الآراميين بعد ذلك، قال: # إن فقدان الحرية السياسية لم يكن معناه نهاية التاريخ الآرامي، بل كان هذا الضعف ~~الذي أصاب الحكومة فاتحة التفوق في الثقافة الآرامية ومسائل الاقتصاد الذي عم آسيا ~~الغربية ... فاصطبغت سورية كلها وجانب كبير من وادي النهرين بالصبغة الآرامية، وأصبحت ~~اللغة الآرامية هي اللغة الدولية في ذلك العهد، وأصبحت على عهد الدولة الآخميدية ~~الفارسية إحدى اللغات الرسمية في الإمبراطورية، ولسانا عاما يتكلم به التجار من ~~مصر إلى آسيا الصغرى إلى الهند. وبلغ من قوة اللغة الحيوية أنها شاعت في الاستعمال ~~بعد ألف سنة من ذهاب الدولة الآرامية، وعاشت اللهجات التي تفرعت عليها قرونا أخرى ~~في بعض القرى النائية. # وتمام هذا الكلام عن غلبة الآرامية أنها كانت تنازع العبرية بين اليهود وهي لغتهم ~~الدينية، ومن ذلك ما جاء في الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر التكوين «أنهم أخذوا حجارة ~~وعملوا رجمة ودعاها لابان (يجر شهدوتا) ... وأما يعقوب فدعاها جلعيد، وقال لابان: هذه الرجمة ~~شاهدة بيني وبينك اليوم.» # ومعنى «يجر شهدوتا» بالآرامية حجر الشهود، وهي قريبة من لفظها ومعناها باللغة العربية ~~الحديثة، أو ms07 هي اللغة العربية كما كانت تنطق في ذلك الدور من أطوارها. # ثم غلبت الآرامية على العبرية في المعابد والكتب الدينية؛ فترجمت إليها كتب التوراة ~~والتلمود، وكتبت بها بعض الأسفار أصلا من عهد عزرا ودنيال، فلما كان عصر الميلاد كانت ~~الآرامية هي اللغة التي يتكلمها السيد المسيح، ويجري بها الخطاب بينه وبين تلاميذه، وبينه ~~وبين المستمعين إليه في عظاته ووصاياه. # جاء في الإصحاح الخامس من إنجيل مرقس حكاية عن السيد المسيح: «وأمسك يد الصبية وقال ~~لها: طليثا قومي، وتفسيره ... لك أقول قومي.» # وجاء في الإصحاح الرابع عشر: «وقال يسوع: يا أبا - الأب - كل شيء مستطاع لك.» # وجاء في الإصحاح الخامس عشر منه: «وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم: إلوي، ~~إلوي، لما شبقتني.» وتفسيره: إلهي، إلهي، لم تركتني؟ ومعنى شبقتني هنا «جاوزتني وتخليت ~~عني» كما يمكن أن تعني اليوم بالعربية التي نتكلمها. # وعلى ذلك يصح أن نقول: إن الآرامية هي عربية تلك الأيام في مواطنها، وإنها قريبة جدا من ~~اللغة العربية الفصحى بعد تطورها نحو ثلاثة آلاف سنة، لا يستغرب أن يحدث فيها مثل هذا ~~الاختلاف في نطق الألفاظ، وتركيب بعض العبارات. # قال صاحب كتاب الكنز في قواعد اللغة العربية وهو يتكلم عن الآرامية ويسميها البابلية: «ثم ~~انظر فيما يكون من التشابه الظاهر بين العربية والبابلية ولا سيما في الإعراب وحركاته، ~~كالتنوين مثلا ... فهو في البابلية ميم وفي العربية نون، وهذان الحرفان من أحرف الإبدال، ~~ونحن نعرف أن من العرب من يجيز إبدال أحدهما بالآخر، ومنها علامة الجمع: فهي في البابلية ~~الواو والنون كما أنها في العربية الواو والنون أيضا، وفي السريانية الياء والنون، وفي ~~العبرية الياء والميم، ومنها أن جميع الأفعال في البابلية أقرب إلى صيغها في العربية؛ فصيغ ~~الأفعال التي وجدوها في هذه اللغة تبلغ اثنتي عشرة صيغة، وأكثر هذه الصيغ مشهور معروف في ~~العربية والعبرية والسريانية ...» ~~••• # وجملة القول: إن الثقافة الآرامية عربية في لغتها ونشأتها ونسبتها إلى عنصرها، ولا يمكن ~~أن تعرف لها نسبة إلى أمة غير الأمة ms08 العربية في عهودها الأولى؛ فكل ما استفاده العالم من ~~جانبها فهو من فضل هذه الأمة على الثقافة العالمية. # | أسماء أخرى # بعد تحقيق المقصود باسم العرب في الزمن القديم، نستطرد إلى تحقيق أسماء الأمم والبلاد ~~التي عاصرت العرب في تلك الحقبة كما عرفها اليونان، وانتقلت منهم إلى الأوروبيين والشرقيين ~~بعد شيوع الثقافة اليونانية؛ فإن تحقيق هذه الأسماء لازم لمعرفة المدى الذي انتهت إليه ~~علاقات اليونان بتلك الأمم، وتحقيق ما استفادوه منها أو استفادته منهم على اختلاف الروايات ~~والدعاوى في الأزمنة المتأخرة. # فاليونان يتوسعون كثيرا في تسمية البلاد والأمم وإطلاق الاسم على موضعه وعلى المواضع ~~التي تجاوره في بعض الأحوال، وقد يتفق لهم عكس ذلك في تخصيص جزء من الأرض بالاسم الذي يعمها ~~ويشملها مع غيرها، لرابطة المشابهة والجوار. # ومن ذلك أنهم أطلقوا اسم سورية على الإقليم المشهور بين شواطئ البحر الأبيض الشرقية وبلاد ~~الروم وتخوم العراق، ثم توسعوا بها حتى شملت «آشورية»، وأصبح اسم السريان عندهم علما على ~~الآراميين في الرقعة الواسعة التي يسكنونها من وادي النهرين إلى سيناء وأطراف ~~الحجاز. # وهم يطلقون اسم فينيقية على شاطئ فلسطين إلى الشمال والجنوب من مدينة صور التي اشتهر ~~أبناؤها الملاحون عندهم باسم الفينيقيين، ولكن فينيقية - كما يدل اسمها - كانت اسما لبلاد ~~النخل في الإقليم كله، من كلمة فينقس عندهم بمعنى النخلة # Φοὶνξ ~~، وتقابلها عند الرومان كلمة Palmyra # التي أطلقت على مدينة «تمر» أو «تدمر» في ~~شرق البقاع ... و«تمر» هي الكلمة السامية التي تقابل كلمة Palm # بمعنى النخلة في بعض اللغات الأوروبية إلى اليوم ... ~~ولا يخفى أن أرجح الأقوال عن أصل الفينيقيين الأقدمين أنهم نشئوا عند الخليج العربي في ~~بلاد النخيل، وتحولوا منه إلى فلسطين يوم كانت وطنا مشهورا بكثرة ما فيها من النخيل ... ~~واسم مدينتهم «قرطاجة» التي بنوها بعد ارتحالهم من فلسطين إلى شاطئ الأبيض الجنوبي قريب ~~جدا - في أصله - من الكلمة الآرامية «قارة حداثة» أي: القرية الحديثة، وتحريفها إلى ~~قرتاشة وقرطاجة على ألسنة الرومان قريب جدا بعد إسقاط الحاء التي لا ينطق ms09 بها ~~الغربيون. # واليونان وضعوا اسم «أثيوبية» - ومعناه الوجوه المحترقة - وأرادوا به البلاد التي عرفها ~~العرب قديما وحديثا باسم الحبشة، ثم شملوا بها اليمن وسموها بأثيوبية الآسيوية، وأوشكوا ~~بعد ذلك أن يعمموا اسم الأثيوبيين على الأفريقيين السود جميعا، وهم الكوشيون في عرف ~~اليهود والناقلين عنهم من شراح الكتب الدينية. # ومصر القديمة سماها اليونان باسم مدينة كبتوس «قفط» ثم أطلقوا اسم «جبتوس» على القطر ~~كله، وهو الاسم المشهور الآن في اللغات الأوروبية. # والهند سميت كلها باسم نهرها المعروف في الغرب الشمالي منها، وما زالت حتى أصبح يقال ~~عن «الأندوس»: إنه نهر في الهند، وهي منسوبة إليه. # وعلى هذا يحدث أحيانا أن يتكلم اليونان عن أثيوبي وهو يمني، أو عن فينيقي وهو سوري، وعن ~~آشورية # assyria # وهم يقصدون سورية # Syria ~~، وعن هؤلاء جميعا وهم يقصدون المتكلمين بالآرامية التي كانت أوسع ~~اللغات انتشارا بين جميع هذه البلاد. # | الكتابة العربية # ثبت من الآثار المحفوظة أن المصريين الأقدمين تطوروا بالكتابة من رسم الصور إلى رسم ~~المقاطع إلى رسم الحروف التي تسمى اليوم بالحروف الأبجدية، وتسمى عند الأوروبيين عامة ~~بحروف «الألف باء تاء» # alphabet # نقلا عن العربية. # وقد تبينت رسوم بعض الحروف المصرية القديمة من ألواح سيناء، وهي حلقة الاتصال بين ~~الحروف الأولى وبين الحروف على أشكالها المتقاربة التي تطورت بعد ذلك في مختلف ~~اللغات. # إلا أن الحروف المصرية القديمة كانت مقصورة على الكتابة الدينية وكتابة الدواوين وما ~~شابهها من المراجع الرسمية، وإنما انتشرت في المعاملات العامة بعد أن نقلت من سيناء إلى ~~البلاد الواقعة على طرق التجارة الشرقية، بجميع مواصلاتها برا وبحرا من الهند إلى شواطئ ~~البحر الأبيض وحدود البلاد المصرية. # وقد كانت مراكز التجارة الكبرى على هذا الطريق في بلاد العرب، من خليج العرب إلى عدن إلى ~~خليج العقبة، إلى مدن فلسطين ومدن الحدود الشرقية في مصر القديمة. # ولم يكن من المصادفة المجهولة أن تظهر في لغة العرب خطوط الحرف المسماري وخطوط الحرف ~~المسند وخطوط الحرف النبطي بين شمال الحجاز وجنوب فلسطين. # فإن التجارة التي ms10 تحتاج إلى المعاملة الكتابية تجري على خط المواصلات من خليج العرب إلى ~~عدن إلى العقبة إلى ما جاورها من بلاد الأنباط والكنعانيين، وهذه هي على التوالي مواطن الخط ~~المسماري والخط المسند النبطي وما تفرع عليه. # وتجري المواصلات على غير هذا الخط من طريق البادية بين وادي النهرين وشواطئ البحر الأبيض؛ ~~فليس من المصادفة المجهولة أيضا أن توجد على طريق هذه المواصلات بقايا الكتابة الصفوية ~~والكتابة اللحيائية والثمودية في حوران وتدمر والحجر من ديار ثمود؛ ففي هذا الطريق يتقابل ~~أصحاب القوافل من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق، كما يتقابلون بين الحجاز والشام ~~وبين الشام والحجاز. # والغالب على التجارة العربية أنها تسلك طريق البر على ظهور الجمال، ولكنها لم تكن معزولة ~~عن البحر كما يتوهم الكثيرون لاعتقادهم أن أصحاب سفينة الصحراء لا يعرفون سفينة غير الجمل، ~~ولا يركبون مطية البحر أو يحسنون قيادتها كما يحسنون قيادة المطايا على الرمال؛ فإن العرب ~~ركبوا البحر قديما في المحيط الهندي، وسبقوا الملاحين إلى شواطئ أفريقية الشرقية في ~~الجنوب، ووجدت في بلادهم صناعة بناء السفن عند العقبة وعمان، ولم يكن سليمان الحكيم - ~~بطبيعة الحال - أول من بنى سفنا بجوار العقبة، ولكنه وجد هذه الصناعة وعمل سفنه فيها كما ~~جاء في سفر الملوك الأول: «وعمل الملك سليمان سفنا في عصيون جابر التي بجانب أيله على شاطئ ~~بحر سوف في أرض أدوم». # وسميت هذه الجهة قبل الإسلام بفرج الهند كما قال الطبري؛ لأنها كانت - ولا شك - تتلقى ~~التجارة من طريق البحر والبر، ولا تزال على اتصال بالملاحة البحرية مع اتصالها بالقوافل ~~على ظهور الجمال. # ويقول المسعودي: إن الملاحين العرب كانوا يديرون قيادة السفن ويدونون تجاربهم في الكتب ~~المتوارثة عن آبائهم من زمن قديم، وكان في بحر الهند كما قال: «مشائخ ولدوا ونشئوا ~~من ربابين وأشاتمة ووكلاء وتجار، ورأيت معهم دفاتر في ذلك يتدارسونها ويعولون ~~عليها.» # ومثل هذه الصناعة لا تنشأ في سنوات ولا في أجيال قليلة؛ فلا بد لها من أجيال بعد أجيال ~~طوال. # على أن ms11 الأمر المهم في هذا التاريخ أن المواصلات كانت قائمة دائمة على هذه الطرق القديمة ~~من أوائل عصورها، وليس بالمعقول أن يكون الأمر غير ذلك بحكم الموقع وحكم العلاقة بين المشرق ~~والمغرب؛ فإذا استخدم الناس الكتابة في معاملاتهم التجارية فليس في العالم المعمور يومئذ ~~موقع أولى باستخدامها من البلاد العربية، وليس من المصادفة - كما تقدم - أن تكون الخطوط ~~المسمارية وخطوط المسند وخطوط الحروف النبطية أول ما تطور من حروف الأبجدية بعد مرحلتها ~~التي بلغتها في ألواح سيناء. # ومن الواضح أن صناعة السفن لم تكن عامة في بلاد العرب وما جاورها عموم الملاحة على ~~شواطئها في البحرين: الأبيض والأحمر، وإنما توجد صناعة السفن حيث تتيسر وسائلها من الأخشاب ~~والمعادن ومواد اللحام والطلاء، وحيث تتيسر إلى جوارها مراسي السفن للبناء والإصلاح ~~والمأوى؛ ولهذا كانت شواطئ البحر الأبيض الشرقية أعمر الشواطئ بمراكز هذه الصناعة ومراكز ~~الملاحة معها؛ لأنها نهاية الطرق البرية من قبل آسيا، وبداية الطرق البحرية إلى القارتين ~~الأوروبية والأفريقية، وإلى جوارها غابات الشجر الذي يصلح لبناء السفن وموارد المواد ~~المنوعة التي تدخل في صناعتها؛ فكانت شواطئ فلسطين ولبنان أعمر الشواطئ الشرقية بأسباب ~~الملاحة والملاحين ومراكز التجارة التي تصدر من البلاد أو ترد إليها من خارجها، وكانت هذه ~~الشواطئ هي التي اشتهرت عند اليونان باسم «فينيقية»، ونسبوا إليها كل ما استوردوه من بلاد ~~العرب على طريقها، وتواتر عندهم أنها البلاد التي تلقوا منها الحروف وعلم الكتابة - كما ~~سيأتي في الفصول التالية. # | الأبجدية اليونانية # تعلم اليونان الكتابة وأخذوا رسم الحروف من «قدموس» الفينيقي كما قالوا في تواريخهم ~~ورووا قبل ذلك في أساطيرهم المتواترة؛ مما يدل على قدم العهد باعتمادهم في ثقافتهم على ~~المصادر الفينيقية. # وأيا كان قول المؤرخين والرواة فهذه المسألة - مسألة الأبجدية - من المسائل التي لا ~~حاجة بها إلى التاريخ والرواية؛ لأن أسماء الحروف وأشكالها ومعانيها شاهدة بانتقالها من ~~المصادر العربية، سواء كانت فينيقية أو آرامية أو يمنية من الجنوب. # فالأبجدية تسمى عند اليونان بال «ألفابيتا» وتبدأ بالألف والباء والتاء، ثم تتوالى ~~فيها ms12 حروف كثيرة بلفظها العربي في العصر الحاضر على وجه التقريب. # وليس لأسماء الحروف معان مفهومة في اللغة اليونانية، ولكنها بهذه الأسماء مفهومة المعنى ~~في لغتنا العربية العصرية، فضلا عن اللهجات العربية الغابرة. # وأقرب هذه الحروف إلى المعاني العربية الشائعة في أيامنا حرف الباء من «بيت»، وحرف الجيم ~~من «جمل»، وحرف العين من «عين»، وحرف الفاء من «فم»، وحرف الكاف من «كف»، وحرف الميم من ~~«ماء»، وحرف الياء من «يد». # وأشكالها المرسومة قريبة من أسمائها الأولى كما يرى في شكل «البيت» وشكل «رقبة الجمل» ~~وشكل «العين» وشكل «الفم»، وغيرها من الأشكال. # وإذا رجعنا إلى نطق أسماء الحروف كما شاعت أول استعمالها في البلاد العربية تبينت العلاقة ~~بين أشكالها ومعانيها جميعا بغير استثناء حرف واحد من الحروف؛ فكلها أوائل كلمات مفهومة من ~~بقايا الكتابة التصويرية التي ترسم الشكل كله، وتأخذ من الكلمة حرفها الأول عند الكتابة ~~بالحروف. # وليس من اللازم أن تكون الحروف كلها قد شاعت وعمت على صورة واحدة في وقت واحد؛ إذ ~~من المحقق أن حروف العلة تأخرت زمنا طويلا بعد الحروف الساكنة كما نرى من كتابة ~~المبتدئين إلى اليوم، فإن الطفل الناشئ الذي يتعلم الهجاء لا يكتب حروف المد إذا سمع الكلمة ~~ممن يمليها عليه. # كذلك يثبت من تاريخ الكتابة أن الحروف المتشابهة نشأت على التدريج؛ لتميز الأصوات ~~المتشابهة أو التي يسهل الإبدال بينها، ك «التاء والثاء، والحاء والخاء، والدال والذال، ~~والعين والغين»، وغيرها من المتشابهات في نطقها ورسمها، فإنها تتبدل في لفظها اليوم كما ~~كانت تتبدل منذ مئات السنين، ويتبين من تاريخ التدرج في الكتابة أن الحروف المتشابهة وضعت ~~حينا بعد حين للتمييز بينها بعد التباس النطق بها، ووضوح الحاجة إلى تمييزها ببعض ~~العلامات، كعلامات النقط والتذييل. # ولهذا يرجح المؤرخون أن اليونان نقلوا حروفهم من البلاد العربية جميعا ولم يقتبسوها كلها ~~دفعة واحدة من الفينيقيين، ويرى من كتاب خيرشوف # Kirchoff # عن الأبجدية اليونانية أن حروف الجيم واللام والسين # Γ.Λ.Σ. # أقرب إلى ~~حروف المسند، أي الحروف اليمنية في الجنوب، ms13 منها إلى الحروف الفينيقية أو حروف النبط في ~~الشمال. # وقد يعزى الاقتباس إلى رواد الرحلات من اليونان في بلاد «العربية السعيدة» أو بلاد ~~اليمن كما عرفوها، ومن الباحثين من يرجع بها إلى عهد سابق لعهد الرحلات اليونانية بزمن ~~طويل ... ويخطر لهؤلاء الباحثين أنها أثر من آثار حضارة عربية موغلة في القدم وصلت إلى ~~بلاد اليونان، كما وصلت الحضارة العربية إلى الأندلس في الأزمنة الحديثة بعد ~~الميلاد. # يقول مرجليوت في الصفحة الحادية عشرة من كتابه عن الصلات بين العرب وبني إسرائيل: # يرد على الخاطر سؤال عن أسماء المواقع التي تظهر على خريطة اليونان القديمة ~~كعسكرا: أي المعسكر، وفندس: أي الجبل من الفند وهو الجبل العظيم باللغة العربية، ~~ولاريسا: أي العريش أو الخيمة، إلى أمثال هذه الأسماء التي تشبه أسماء المواقع في ~~الأندلس بعد الفتح الإسلامي، فيبادر إلينا السؤال: ألا تشير هذه الأسماء إلى حضارة ~~عربية عريقة وصلت إلى اليونان ومعها حروف الأبجدية قبل أن يصل إليها الفينيقيون ~~بحروف تخالفها؟! # وليس هذا الاحتمال ببعيد؛ لأن آثار الكتابة العربية شوهدت في جزر الأرخبيل بحروف ~~عربية على غير رسم الحروف الفينيقية، ولأن تاريخ الاحتلال الفينيقي لبلاد اليونان - على ~~قدمه - يدل على سبق الهجرة إليها من البلاد الشرقية، كما يدل على تتابع الهجرة قبل ذلك من ~~الناحية الآسيوية، حيث وصلت. # وكيفما اختلفت الأقوال عن مصادر النقل والاقتباس فلا خلاف في أمرين: أحدهما أن الأبجدية ~~اليونانية منقولة عن أبجدية سبقتها، وأن هذه الأبجدية السابقة هي الأبجدية العربية التي ~~تدل عليها ألفاظ حروفها وأشكالها ومعانيها. # وإذا كانت هذه الحقيقة غنية عن أقوال المؤرخين والرواة فلا بد معها من حقيقة أخرى مثلها ~~في الثبوت والوضوح بغير حاجة إلى أسناد من التاريخ أو الرواية. # تلك الحقيقة الأخرى هي: انتقال لوازم الحضارة وصناعاتها الأولية على الأقل مع انتقال ~~الكتابة وانتقال أساليب استخدامها في المعاملات؛ فإن الأمة المتعلمة لا تأخذ الكتابة من ~~معلميها وتترك ما عندهم من صناعة السفن والملاحة، ومن معارف الفلك والجغرافية التي يعتمدون ~~عليها في السياحة، ولا مناص ms14 لها من الشعور بالحاجة إلى أدوات الحضارة التي يجلبها إليهم ~~أصحاب السفن التي تدل ببنائها وبما تحمله من بضائعها على التقدم في العلم ومرافق العيش ~~ومطالب الحياة. # فلو لم يذكر التاريخ شيئا عما استفاده اليونان من صناعات البلاد العربية ومعالم حضارتها ~~لكانت هذه الفوائد من حقائق البداهة التي تستغني عن التاريخ، ولكن التواريخ اليونانية - بل ~~الأساطير الشعبية - تسجل هذه الحقيقة وتذكرها كما تذكر الحقائق المسلمة التي لا داعية ~~لتمويهها ولا للمغالطة فيها، ولعلهم كانوا يذكرونها بشيء من الفخر؛ لأنهم تعلموا حيث ~~وجدوا العلم الضروري ولم يهملوه. # | ومن العرب الأقدمين تعلم اليونان صناعات الحضارة # يقول هيرودوت في الكتاب الخامس من تاريخه: # والآن نذكر أن الفينيقيين الذين جاءوا مع قدموس وإليهم ينسب الجفيريون، قد ~~أدخلوا معهم إلى اليونان بعد قدومهم إلى بلادهم صناعات كثيرة منوعة، منها: صناعة ~~الكتابة التي كانوا يجهلونها - على ما أحسب - قبل ذلك، فنقلوا حروفهم - أولا - على ~~مثال الحروف الفينيقية بغير تصرف، ثم تغيرت مع الزمن لهجاتهم؛ فتغيرت معها رسوم ~~حروفهم، وقد كان الآيونيون أكثر الإغريق الذين كانوا يومئذ يقيمون في تلك البلاد ~~حيث نزل الفينيقيون، فاقتبسوا الحروف الفينيقية مع تعديل قليل في رسم بعضها، وما ~~زالوا بعد حين يسمونها بالفينيقية إنصافا لمن نقلوها إليهم، وقد كان الآيونيون ~~يسمون الورق بالقديد؛ لأنهم كانوا يكتبون على الجلود عند ندرة صحائف الكتابة، وما ~~برح البرابرة يكتبون عليها إلى هذه الأيام. وقد رأيت بنفسي كتابة بالحروف ~~القدموسية محفورة على بعض القوائم المثلثة في معبد «أبولون أسمنياس» بثيبة البوطية، ~~رسومها تحكي الرسوم الآيونية، وعلى إحداها هذه العبارة: «أقامني أمفتريون من عهد ~~مقدم التلبوية»؛ فهي قريبة من عهد لايوس بن لا بداكوس بن بوليدورس بن قدموس ... وعلى ~~قائمة أخرى نقشت هذه العبارة من شعر العروض السداسي: وهبني سكاوس الملاكم ~~للشمس الساطعة بعد فوزه: هبة جميلة معجبة ... ولعله سكاوس بن هيبوكون! فإن كان هو ~~الذي وهب القائمة ولم يكن أحد آخر يسمى بمثل اسمه، فتاريخ الهبة يرجع إلى عهد ~~أوديب بن لايوس ... # ورأيت على القائمة ms15 الثالثة كتابة نظمت من العروض السداسي يقول كاتبها: إن ~~الملك لاودامس وهبها للشمس النافذة عند جلوسه على عرشه هبة جميلة معجبة ... # وفي عهد لاودامس هذا - ابن أتوكليس - أخرج القدموسيون من بلادهم ولاذوا ببلاد ~~الأنشيليين على الشاطئ الغربي من ألبانيا الحديثة ... # ونحن ندرك قول هيرودوت: إن الآيونيين - أي اليونان - نقلوا الكتابة بغير تصرف حين نعلم ~~أنهم نقلوها بطريقتها ومادة صحفها، كما نقلوها برسوم حروفها وألفاظها؛ فقد ظلوا يكتبون ~~السطور من اليمين إلى الشمال كما نكتب العربية اليوم، وبقيت هذه الطريقة متبعة عندهم في ~~نقوش الآنية المزخرفة إلى ما بعد اقتباس الكتابة بعدة قرون، ولم تظهر لهم نقوش من الشمال ~~إلى اليمين قبل أيام بسماتيك في القرن السابع قبل الميلاد. # ولا شك أن اليونان غبروا زمنا طويلا وهم يتلقون ثقافتهم وصناعتهم من القدموسيين ~~بأوطانهم المختلفة من آسيا الصغرى إلى حدود بلاد الألبان العصرية في الجنوب، فلا بد أن يكون ~~هذا الزمن موغلا في القدم عدة قرون كي تمتزج أخباره التاريخية بروايات الأساطير ~~المتداولة على ألسنة الجماهير، فإن أساطيرهم تضيف إلى أخبار التاريخ التي تنسب إلى قدموس ~~فضل تعليمهم الكتابة وبنائه لمدينة بوطية أنه كان من أصحاب المعجزات الذين تعينهم الآلهة، ~~وتملي عليهم مكائد الحرب والخديعة، ومنها أن قدموس قتل التنين الحارس لبعض الينابيع في ~~بوطية، ونثر أسنانه على الأرض فنبتت منها شرذمة من المردة المسلحين أحاطوا به ليقتلوه، ~~فأوحت إليه الربة أثينا أن يلقي إليهم بجوهرة كريمة بهرتهم فتركوه واقتتلوا عليها حتى أفنى ~~بعضهم بعضا، ولم يبق منهم غير خمسة لم يقدروا عليه؛ لأنهم خرجوا من المعمعة منهوكين ~~مهزولين؛ ومن هنا يقال عن النصرة التي تنال بالثمن المرهق والخسارة الفادحة؛ إنها نصرة ~~قدموسية أو قدمية، ويجري هذا في التعبيرات المجازية بين المحدثين من الأوروبيين. # ويقول المعجم الأثري إنهم كانوا يعبدون هرمز رب الحكمة والمعرفة عندهم باسم قدموس، «وإنه ~~كان يقال عنه: إنه مخترع الزراعة والحدادة وصناعات الحضارة على التعميم، وإن الشعراء ~~الأقدمين لم يكن لهم علم بمقدمه أكان من الشرق أم من ms16 مصر أم من فينيقية، ولما قيل أخيرا: ~~إنه من فينيقية قرنوا اسمه باختراع حروف الأبجدية التي يعرف الإغريق جيدا أنهم أخذوها من ~~الفينيقيين». # والثابت بعد هذا كله من الواقع - فضلا عن أخبار التاريخ - أن الحروف اليونانية القديمة ~~كالحروف العربية، وأنهم كانوا يكتبونها من اليمين إلى الشمال كما نكتب العربية اليوم، وأنها ~~بأشكالها وأسمائها ذات معنى في اللغات السامية، ولا معنى لها في لغة من اللغات الأوروبية، ~~وأن انتقالها كان مقرونا بانتقال صناعات الكتابة وأدواتها وما يتصل بها من الصناعات ~~الأخرى، وأن اليونان تعلموا الملاحة وفنونها ممن سبقوهم: أي من أمم البحر الأبيض الشرقية، ~~وأن النقوش وأسماء المواقع في البلاد اليونانية ترجح وصول العرب بحضارتهم إلى تلك البلاد في ~~زمن قديم سابق على الأقل لشيوع أسماء «لاريسا»: أي العريش، و«عسكرا»: أي العسكر، وفندس Pindus # أي: الجبل العظيم. # على أن اقتباس اليونان من العرب يظهر لنا من تشابه الكلمات في اللغتين، ولا سيما الألفاظ ~~التي تدل على أصل متشعب في العربية، أو تدل على نظام المعيشة الغالب على الأمة وطول العهد ~~به في موطنه ومستقره. # فالبرج في اليونانية برجوس # Πύργος # ومادة الباء والراء ~~ومثليتهما أصيلة في الدلالة على الظهور والعلو: كبرز وبرض وبرع وبرق، ومعنى البروج والتبرج ~~والأبراج شائع في المادة العربية. # ولا شك في سبق العرب إلى الفرس والسيف والقناة. # والفرس في اليونانية # ΦΟράδα # والسيف # Ξὶρος ~~. # والقناة أخذوها وأخذوا منها القانون بمعنى المقياس، ولا تخفى علاقة القناة والقصبة ~~بالمقاييس في كل لغة، ومنها الرول # Rule # بمعنى القاعدة، ~~والرولر بمعنى المسطرة في اللغة الإنجليزية. # ومن الكلمات التي تلحق بالمقاييس كلمة القسطاس # δικαστὴς # وكلمة القالب # Χαλοχός ~~. # ولا تخفى العلاقة بين كلمتي «قلم» و«قصبة» وبين المصدر العربي لكلمة كلموس # Κὰλαποδ # وكلمة ~~كسمبة # Κὰσαμπα # اليونانيتين بمعنى قصبة، وإن يكن تاريخ استعمالها غير معلوم. # وتلحق بكلمات الكتابة الخارطة والخرطة، والأولى عربية من خراطة السائل الذي يؤخذ من أصل ~~ورق البردي، ومن الخرط وهو قطع الجلد أو الصحاف التي يكتب عليها ... وتسمى الخارطة ~~والخرطة في اليونانية # Χὰρτης ms17 # ومنها الكرتيس أو ~~القرطاس. # وتلحق بكلمات الملاحة كلمة سير وهي باليونانية «سيرا» # σειρα # وكلمة غراء وهي # σύρος # وهما أشبه بصناعة السفن ~~وبالصناعة على الإجمال ، وليس أبعد من الفرض الذي يجعل هذه الكلمات منقولة عن اليونانية إلى ~~العربية، مع العلم بسبق العرب في الملاحة والكتابة وقياس ما ينقل في السفن ووزنه ~~وتقديره. # ونظير ما تقدم في الدلالة على اقتباس اليونان دائما من العرب في أمثال هذه الألفاظ التي ~~ترتبط بالمعاملات وشئون المعيشة؛ أنهم حولوا أسماء أيام الأسبوع إلى الترتيب العددي أسوة ~~بأسمائها العربية، وغيروا منها اسم السبت والأحد بعد ظهور المسيحية، وهل كان اقتباسهم من ~~المسيحية إلا اطرادا في هذه القاعدة وجريا على هذا القياس؟! # | والفلسفة # والفلسفة ليست بالاستثناء من هذه القاعدة العامة في تاريخ الثقافة الشرقية اليونانية، ~~خلافا لما يظنه القائلون بأن فلسفة اليونان قد نشأت في منبتها نشأة منقطعة عن ثقافة ~~العالم في جملتها. # إن طاليس هو أبو الفلسفة اليونانية كما قال عنه أرسطو الملقب ب «المعلم الأول». وقد ~~ذكره في كتاب ما بعد الطبيعة وقال عنه: إنه مؤسس الفلسفة، واستشهد بقوله: إن الماء مصدر ~~جميع الأشياء. وذكره في كتاب السماء واستشهد بقوله: إن الأرض جسم يطفو على الماء. وذكره في ~~كتاب النفس واستشهد بقوله: إن المغناطيس ذو حياة؛ لأنه يقدر على تحريك الحديد. وذكره في ~~كتاب السياسة، وروى من أخباره أنه أدخل بعض التحسين على معاصر الزيتون وجمع ثروة حسنة بهذا ~~الاختراع. # وفي الأخبار التي جمعها عنه كتاب «المرشد إلى من قبل سقراط من الفلاسفة» أنه عرف أسباب ~~الكسوف والخسوف، وأنه كشف منزلة الدب الأصغر من منازل الفلك، وأنه أدخل الفلسفة من مصر إلى ~~بلاد اليونان، واهتدى إلى قواعد تمكنه من قياس مسافة البعد بين الشاطئ والسفن في البحر، ~~وتمكنه من قياس ارتفاع الهرم بقياس ظله، كما اهتدى إلى بعض النظريات في حساب المثلثات ~~والدوائر، ويقول الكتاب بعد ذلك: إن المصادر المختلفة تنبئنا بأنه تعلم الهندسة من ~~المصريين، وأنه وخلفاءه كانوا تلاميذ للمصريين والكلدانيين، وكان - ولا ريب - مدينا ms18 ~~بالكثير مما عرفه في هذين العلمين اللذين اشتهر بهما ... وإن كان المفهوم أنه استخدم ~~الأساليب العلمية في تنظيم هذه المعرفة. # ومما له معناه الظاهر في نسبة المعارف التي استخدمها طاليس إلى مصادرها أنه كان معدودا ~~من «حكماء اليونان السبعة»، وأن هؤلاء الحكماء كانوا أشبه ب «هيئة مستقلة» لا تنقص عن هذا ~~العدد، ويضاف إليها بديل ممن يخرج منها إذا ثبت أنه أقحم نفسه على الهيئة بسلطان ~~لإمارة أو الرئاسة. # ولا يخفى أن «نحلة السبعة» في كل اقتراناتها ترجع إلى مصدرها الأول من بلاد ما بين ~~النهرين؛ حيث يتكلمون عن السيارات السبع وعن الأيام السبعة وعن السوابيع المتعددة في أعمار ~~الأكوان، وقد كان طاليس يعيش في ليديا من بلاد آسيا الصغرى، ويتلقى معلوماته من قبلها في ~~مسائل الفلك ومسائل النظريات الكونية وأصول الخلق والحياة، وكان تلميذا للمصريين في العلوم ~~الرياضية كما يقول مؤرخوه. # فإذا قيل: إن الفلسفة ليست بالاستثناء في شئون الثقافة التي نقلها اليونان عن الشرق، فهو ~~الواقع الذي تتفق عليه مصادر التاريخ ومراجع الفلسفة، وإن كانت الفلسفة اليونانية قد تطورت ~~كثيرا بعد طاليس ونظرائه من الحكماء، حتى أصبحت في عصر أرسطو وتلاميذه الأولين جديرة ~~بالانتساب إلى اليونان دون غيرهم من أمم الثقافة والحضارة في الأزمنة الغابرة. # فلا نكران لفضل الفلسفة اليونانية على الفلسفة القديمة بمدارسها المختلفة، ولكن الادعاء ~~الذي ينكره كل منصف أن اليونان قد امتازوا بفلسفتهم لأنهم أبناء القارة الأوروبية وأصحاب ~~«الذهن» الإنساني المتفرد بين أذهان البشر بمزايا البحث الطليق وحب الاستطلاع لمحض العلم ~~والاطلاع. # فاليونان لم ينفردوا بهذه الفلسفة في جميع عصورهم، ولم يزد عصر فلسفتهم الممتازة على ~~ثلاثة قرون، منها مائة سنة على الأكثر تفرغت فيها فلسفتهم للبحوث الخالصة في حقائق الوجود ~~وأصول الأشياء على قدر المستطاع من تفرغ الفكر الإنساني لهذه الأمور. # وسبب ذلك راجع إلى ظروف خاصة تتغير فيتبعها التغيير في نتائجها حيثما كانت وحيثما كان ~~التغيير. # نشطت حركة الفلسفة اليونانية في العصر الذي شاعت فيه الكتابة على الورق، وتيسرت فيه ~~المواصلات بين بلاد ms19 اليونان وما حولها من البلاد الآسيوية والأفريقية. # ولم تنشط - مع ذلك - إلا لأنها قد نشأت في بلاد لم تحكمها دولة عريقة، ولم تكن فيها - ~~إلى جانب الدولة الحاكمة - دولة من دول الكهانة التي تتأصل في البلاد وتتوارث فيها أسرار ~~المعرفة والبحث في أصول الخلق والحياة، أو في المسائل الإلهية التي يستأثر بها الكهان ~~ورؤساء الدين. # فالبلاد التي تجري فيها الأنهار الكبيرة تقوم عليها الدول المتمكنة، وتقوم معها - إلى ~~جانب الدولة الحاكمة - دولة دينية من الكهان ورؤساء الدين يسيطرون على شئون العقيدة ~~ومباحث الفكر في أسرار الطبيعة وما وراءها من الغيب المجهولة. وعلى هذه السنة قامت كهانات ~~الهند وما بين النهرين ووادي النيل؛ فانفرد الكهان بالمعرفة الغيبية ولم يأذنوا لغيرهم - ~~خارج المعبد - في بحث هذه المعرفة ودراسة «الفلسفة» التي تقوم على تحقيق «الوجود» لذاته، ~~وتحقيق صفات الموجودات العليا والموجودات المقدسة التي كانوا ينعتونها باسم الأرباب. # ولم تكن في اليونان دولة متمكنة ولا كهانة ذات سيطرة على دولتها الصغيرة؛ فاتسع أمامهم ~~مجال البحث غير متحرجين فيه ولا محاسبين عليه، وعمدوا إلى العلوم التي استفادوها من ~~الشرق فقالوا فيها ما يقوله كل باحث منطلق اللسان يتحدث بما يشاء كما يشاء. # على أنهم ما لبثوا جيلا أو جيلين حتى اصطدموا بسلطان الدين وسلطان الدولة؛ فقتل سقراط ~~وتشرد أفلاطون وقضى أرسطو بقية حياته في عزلة وإهمال، وكان عدد الهاربين من فلاسفتهم أكثر ~~من عدد المقيمين الآمنين. # وكذلك حدث في القارة الأوروبية بين صميم الأوروبيين بعد قيام السلطة الدينية بينهم ~~وانفرادها بالتفكير في المسائل الإلهية، فإن القرون الوسطى لم يظهر فيها فيلسوف أوروبي ~~واحد، ولم يظهر فيها من ظهر بعد ذلك من فلاسفتها غير تلاميذ الشراح من العرب ~~الأندلسيين. # ونحن لا نعلم من آثار الشرقيين الأقدمين أنهم تركوا «فلسفة» تبحث في أصول الوجود بغير ~~صبغتها الكهنوتية، ولكننا لا نستطيع من أجل ذلك أن نجزم بانقطاع تفكيرهم في هذه البحوث ولا ~~بقصورهم عن إدراك مداها؛ لأنهم لم يتركوا لنا كذلك كتبا مفصلة عن علوم الفلك والرياضة ~~والكيمياء ms20 التي لا شك في اشتغالهم بها، وتطبيقهم لها في بناء الهياكل ونقش الجدران وتحنيط ~~الموتى ورصد الكواكب وسياسة الأنهار، وكل ما نستطيع أن نجزم به أنهم لا يعلنون ما عرفوه ولا ~~يدل كتمانهم له على جهلهم إياه. # ولسنا نريد بإثبات فضل الشرق أن نبخس فضل اليونان في ترقية الفلسفة، ولكننا نقرر الواقع ~~حين نقول: إن الذين يتخذون الفلسفة اليونانية ذريعة إلى اتهام الشرق بالقصور ينحرفون عن ~~سنة الإنصاف، ويتورطون في ادعاء لا دليل عليه. # | تلاميذ أبديون # إن الموقع الجغرافي أنفع لنا في المساعدة على تمحيص الروايات التاريخية التي لا تسلم - مع ~~طول الزمن - من الخرافة ومن الإضافة، أو من الخلط وسوء النقل والحكاية؛ فإن للموقع الجغرافي ~~مقتضياته التي نفهم منها ما يجوز وما يمتنع، وما يحتاج إلى السند أو يستغني عنه أو يكتفي ~~منه باليسير. # وموقع بلاد اليونان ينبئنا بالعلاقة التي توجد بينه وبين الحضارات الشرقية، أو توجد بينه ~~وبين حركات الأمم في أدوار هجرتها، واستقرارها منذ فجر التاريخ. # فلم تنقطع علاقتها بالشرق منذ خمسة آلاف سنة على الأقل، ولم تكن علاقتها بالشرق في هذه ~~العصور إلا علاقة التلمذة المتتابعة على الثقافات المتتابعة فيه، ولا سيما الثقافة الروحية ~~وثقافة النظرة الكونية العامة، وتأتي بعدها ثقافة المعيشة المستمدة من الصناعة وعروض ~~التجارة. # ونحن اليوم نسمع كثيرا عن المناظرة بين الجنس الآري والجنس السامي، وعن مزايا كل من ~~الجنسين في التفكير ومبادئ الأخلاق، وعن اقتدار كل منهما على إنشاء الثقافة وحفظ الحضارة ~~وتقويم القيم الاجتماعية والنفسية. ويدور هذا البحث كله أحيانا على مزايا اليونان في طلب ~~المعرفة؛ لأنهم آريون وأوروبيون، مكانهم من ثقافة أوروبة الحديثة مكان الرواد الأسبقين، ~~والباكورة التي تدل على الشجرة وعلى ما تحمله من ثمارها في كل أوان. # فإذا ابتدأنا بالمسألة كلها من البداءة، فالآرية نفسها صفة لم يكسبها اليونان من غير ~~الشرق، ولم تظهر فيهم مزية من مزاياها بغير العلاقة التي اتصلت بينهم وبينه بعد انفصالهم ~~عنه في زمان الهجرة الآرية. # فقد يكون اليونان آريين قدموا مع السلالة ms21 الكبرى التي انتقلت من أواسط آسيا إلى أوروبة ~~الشرقية والوسطى، وقد يكونون سكانا أصلاء في أوطانهم غلب عليهم أولئك الآريون المهاجرون ~~وصبغوهم بصبغتهم فلم تبق لهم لغة غير اللغة الآرية، ولا عقيدة غير عقيدة الآريين الأولى في ~~الدين والإله والخليقة. # فهم على الحالين منتسبون إلى الشرق في ثقافتهم، ونسبتهم هذه هي سر امتيازهم على إخوانهم ~~الآريين الذين ذهبوا في الهجرة إلى أواسط أوروبة وما وراءها. # إن الآريين الذين استقروا في القارة الأوروبية وراء بلاد اليونان إلى أقصاها غربا ~~وشمالا قد عاشوا مئات السنين على همجيتهم الأولى، فلم تنفعهم مزاياهم الآرية في ابتداع ~~ثقافة خاصة تنتسب إليهم، ولا في اقتباس ثقافة من الشرق بعد ارتقائه وامتداد عمرانه؛ لأنهم ~~فارقوه وانقطعت صلات العلم والتجارة بينهم وبينه. # فليست «الآرية» إذن منبع الثقافة اليونانية وسر الامتياز والتفوق الذي يخصهم به خلفاؤهم ~~من الأوروبيين المحدثين، ولكنها الصلة بالشرق والاستفادة منه والتلمذة عليه ميزهم بها ~~موقعهم الجغرافي فرجحهم على سكان المواقع النائية من إخوانهم الآريين. # وفي المرحلة الأولى قدم آباؤهم الأولون من القارة الآسيوية بعقائدهم الروحية كما أخذوها ~~من منبعها، ويكفي منها ذكر اسم الإله عندهم «ذيوس» وهو من الهندية القديمة، وذكر أبي ~~الأرباب عندهم، وهو اسم مركب من كلمتين بتلك اللغة وهما: «داوس باتر»: أي أبي الأرباب ~~«جوبيتير»؛ وما بقي من تفصيلات ديانتهم المنسية ومعبوداتهم الأخرى فهو مركب على اعتقادهم ~~برئيس جميع المعبودات وأبي الأرباب. # والمرحلة التالية لمرحلة الهجرة القديمة هي مرحلة الكتابة والصناعة، سواء جاءتهم من هجرة ~~قدموس وزمرته الفينيقية، أو من هجرة تماثلها في مصدرها، فإنها من ثمرات الموقع الجغرافي ~~الذي قربهم من أسباب التلمذة على الشرق المجاور لهم، والاستفادة من حركات شعوبه. # وتأتي المرحلة الثالثة بعد ميلاد السيد المسيح؛ فليس دخول اليونان في المسيحية إلا مرحلة ~~في السبيل المطروق من مراحل التلمذة على الثقافة الشرقية: أدبية أو صناعية أو روحية. # ولم تكن مرحلة المسيحية خاتمة المراحل في هذه التلمذة العريقة؛ فإن الفتوح العثمانية ~~أوشكت أن تفتتح في بلاد اليونان وما جاورها عهد ms22 ديانة جديدة، لولا اشتداد شيوخ الإسلام في ~~فتاواهم على الدين الصريحة التي حرموا بها على السلاطين إكراه أهل الذمة. # وهذا هو حكم الموقع الجغرافي إلى جانب حكم التاريخ وحكم الآثار الباقية: حكم الموقع ~~الجغرافي أن اليونان تلاميذ «طبيعيون» لكل ثقافة شرقية، كلما كانت للشرق ثقافة غالبة. فإذا ~~وقف هذا المورد عند حد من الحدود أو وراء حاجز من الحواجز، فذلك هو الحاجز الذي يصد السيل ~~عن مجراه ويتحول به إلى ينبوع سواه. # | ثم الثقافة العبرية # إن سبق العرب للعبريين في ثقافتهم الدينية أوضح من سبقهم لليونان في ثقافة المعرفة ~~وصناعات الحضارة، ووقائعه وقرائنه أقرب سندا من الوقائع والقرائن التي ألممنا بها في ~~الصفحات السابقة؛ لأن السند القريب هنا مستمد من أسفار التوراة ومن أحوال المعيشة التي لا ~~محل للخلاف عليها. # وقد أوجزنا القول فيما تقدم على العلاقات القديمة بين ثقافة العرب وثقافة اليونان بالقدر ~~الذي تتسع له هذه الصفحات القليلة. # وسنجمل القول فيما يلي على بيان العلاقات القديمة بين ثقافة العرب وثقافة العبريين في ~~الناحية الدينية، ونبدأ هذا البيان بما لا بد منه من تحقيق أصل العبريين وأطوار العلاقة ~~بينهم وبين الأمة العربية إلى ما بعد ظهور الأنبياء والرسل في بني إسرائيل؛ فمن هم ~~العبريون؟ وما هو أوثق الأقوال عن نشأتهم الأولى قبل أيام إبراهيم - عليه السلام؟ # إن أوثق الأقوال عن نشأة العبريين منذ أربعين قرنا على وجه التقريب أنهم قبيلة بدوية ~~صغيرة عاشت زمنا في جنوب بلاد العرب إلى الشرق، وبقيت فيه على حالة بين الإقامة والترحل ~~إلى مسافات قريبة حتى انتقلت - مع ملازمتها الشاطئ - إلى جنوب وادي النهرين. # ويستدل على تاريخ هذه القبيلة من تاريخ الدابة التي كانت تعتمد عليها في الرحلة وحمل ~~الأثقال، وهي الحمار # asinus Asinv ~~؛ فهذا الحيوان كان يوجد ~~في حالة الوحشية على مقربة من السهول الرملية في جزيرة العرب، ويصل أحيانا في قطعانه ~~المجفلة من السباع إلى أرض حوران. # ويظهر أن العبريين استخدموا هذا الحيوان وهو قريب من حالته الوحشية؛ لأنه كان في تلك ms23 ~~الحالة يميل بلونه إلى الاحمرار على اقتراب من ألوان الرمال التي يعيش فيها؛ ومن هنا اسم ~~«الحمار» واسم اليحمور الذي يطلق على الحمار الوحشي في اللغة العربية. # ويظهر أيضا أنه بقي عندهم زمنا طويلا على هذا اللون حتى تغير لونه بعض الشيء، وتولدت ~~منه الحمر البيضاء بعد طول التدجين والعناية «المدنية»: أي بعد انتقال العبريين من ~~البادية إلى جوار المدن، وترددهم بين معيشة البداوة ومعاهد الحضارة؛ فأصبحت الحمر البيضاء ~~مطية لذوي الرئاسة والثروة من القوم، وفي ذلك يقول سفر القضاة من إصحاحه الخامس مخاطبا ~~أولئك الرؤساء: «قلبي نحو قضاة إسرائيل المنتدبين في الشعب. باركوا الرب أيها الراكبون ~~الأتن الصحر الجالسون على الطنافس.» أي إناث الحمير المبيضة اللون. # واستخدام الحمار يدل على كثير من أحوال العبريين إلى جوار القبائل التي تستخدم الجمال ~~للسفر إلى المسافات البعيدة، ونقل الأحمال الثقيلة، ونزول المراعي المنيعة التي لا تستباح ~~لغير ذوي القوة والكثرة من قبائل الجزيرة ... فإنما يستخدم الحمار للمسافات القصيرة ~~والأحمال الخفيفة بالقياس إلى أحمال الجمال، ويسير الحمار في غير المفاوز الرملية التي ~~تسلكها الإبل، ولا يبتعد وقتا طويلا عن موارد الماء الميسرة بغير عناء مجهد وبغير حاجة ~~إلى الحماية القوية أو إلى كثرة العدد ووفرة السلاح. # فالعبريون في نشأتهم قوم ضعاف قليلون في العدد، مضطرون إلى الاكتفاء بالمعيشة التي يتركها ~~سادة الصحراء زهدا فيها واستغناء عنها، ونكاد نعلم من ذلك مواقع نشأتهم الأولى قبل وفودهم ~~إلى العراق وبعد مقامهم فيه إلى أيام الخليل إبراهيم. # فهذا الموقع لا بد أن يكون قريبا إلى الشاطئ قريبا إلى الحاضرة، يقيم فيه أناس لم ~~يتفرغوا للبداوة في جوف الصحراء، ولم يتفرغوا للإقامة في الحواضر العامرة، ولكنهم عاشوا بين ~~البادية والحاضرة يؤدون الأعمال التي تتطلبها الحاضرة من البادية وتتطلبها البادية من ~~الحضارة، وهي في الغالب أعمال وساطة وسمسرة هادئة لا تضطرهم إلى الاقتحام والغلبة في معاملة ~~أهل المدينة ولا في معاملة أهل الصحراء، ولا تضطرهم إلى الحوزة القوية لتحصيل القوت لهم ~~وللدواب التي يستخدمونها؛ فإنهم يأخذون ما يحتاجون ms24 إليه من المدن جزاء أعمالهم في الوساطة ~~بينها وبين البادية، ولا يحتاجون إلى كثرة عدد ولا وفرة سلاح لاقتحام مراعي الصحراء ~~البعيدة؛ إذ كانت دوابهم تقنع بالقليل من العلف والمرعى، وبالقريب من موارد الشرب والسقاية، ~~وهم في وساطتهم المتبادلة يعولون على الرضى والطلب ولا يعولون على القهر ~~والاغتصاب. # وفي هذه المعيشة البدوية الحضرية يكمن كل سر من أسرار التاريخ العبري من فجر التاريخ إلى ~~العصر الحاضر، وإليها يرجع تعليل المشكلات والأزمات التي تعرض العبريون أو عرضوا لها أنفسهم ~~ولا يزالون معرضين لها حتى هذه الأيام. # فهم قبيلة لم تتطور، وقد ظلت بين البادية والحاضرة قبيلة لم تستوف أطوار البادية، ولم ~~تتحول إلى أطوار الحضارة شعبا «مدنيا» يتمشى مع الحياة المدنية على سنة جميع الشعوب، ~~ولازمتها عادة المعيشة على السمسرة والوساطة فلم تتقدم إلى آخر الشوط في تثمير أعمال البدو ~~ولا في تثمير أعمال الحضر؛ فهي في حالة العزلة الاجتماعية وما يلازمها عند البدو من عزلة ~~«العصبية» بالدم والسلالة. # ومشكلة العبريين قديما وحديثا هي هذه المشكلة: هي مشكلة «التحجر» على حالة القبيلة ~~وحالة «العصبية» بالدم والسلالة. وعقيدتهم في جوهرها هي عقيدة عصبية منعزلة، تؤمن بإله ~~تعبده لأنه إلهها، وهو الإله الذي يرعاها لأنها شعبه الذي يحابيه بين الشعوب لغير سبب ولغير ~~فضيلة فيه غير أنه شعبه المختار لديه. # وهذه حالة من العزلة «المتعصبة» لا بد أن تسوق القوم إلى اصطدام عنيف بينهم وبين ~~جيرانهم من جانب البادية ومن جانب الحاضرة، ولا بد أن يقع فيها ذلك الشعور النافر بين صاحب ~~المال وبين الوسيط والسمسار، كلما تحركت المطامع وتعسرت المنافع، ونشبت المنازعات في ~~البيئة، ولو كان نشوبها لسبب غير السمسرة والاستغلال. # ولا يدرى على التحقيق هل سمي العبريون بهذا الاسم لأنهم ينتسبون إلى عابر بن سام، أو ~~لأنهم عبروا نهر الفرات بعد قدومهم إلى وادي النهرين؛ ففي سفر يشوع يقول يشوع للشعب كله: ~~«هكذا قال الرب إله إسرائيل. آباؤكم سكنوا في عبر النهر منذ الدهر. تارح أبو إبراهيم وأبو ~~ناحور، وعبدوا آلهة ms25 أخرى، فأخذت إبراهيم أباكم من عبر النهر وسرت به في كل أرض ~~كنعان.» # إلا أنهم - لضعفهم - كانوا يلوذون في كل موطن سكنوه بمن هو أقوى منهم من القبائل التي ~~تلتقي بهم في أصولهم ويحتمون بمصاهرتها من أعدائهم؛ ففي سفر التكوين أنهم انتسبوا إلى الأصل ~~الآرامي حين أرسل إبراهيم - عليه السلام - رسوله لخطبة رفقة بنت بتوثيل الآرامي، فقال له: ~~«إلى أرضي وعشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني ...» # ولما نزلوا أرض كنعان جعلوا لغتهم لغة كنعانية. وقال أشعيا وهو يتنبأ بغلبة قومه على أرض ~~مصر إنه «في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان.» # ولم يزالوا في هجرتهم من موطن بعد موطن بين العراق وحوران وكنعان يعيشون إلى جوار ~~القبائل، ولا يتغلبون على واحدة منها في وقعة فاصلة حتى لجئوا إلى مصر وعادوا منها بعد ~~عدة قرون إلى الأرض التي سموها بأرض الميعاد، ولم يتفقوا على حدودها حتى ملكوا أسباب القوة ~~التي أطمعتهم في الغلبة عليها. # والعرف الشائع بين العبريين أنهم يتشاءمون تشاؤما «تقليديا» بالأيام التي قضوها في ~~مصر ويحسبونها بلية البلايا، ومحنة المحن في تاريخهم كله من عهد الخليل إلى عهد النازية ~~الهتلرية في القرن العشرين، وقد مرت بهم محنة السبي إلى وادي النهرين ولكنهم لا يتشاءمون ~~بها كما تشاءموا بالمقام في مصر، ولا يجعلون الخروج من بابل عيدا باقيا متجددا كعيد ~~الخروج من أرض وادي النيل. # أما الواقع المعروف بنتائجه الكثيرة فهو على نقيض ما قدروه وأوجبوه على أنفسهم من ~~تقاليد «الحداد» وتقاليد الأعياد. # فإنهم لم يستفيدوا قط من هجرة في تاريخهم كله كما استفادوا من هذه الهجرة المصرية؛ لأنهم ~~نعموا بالعيش الرغيد في جوار النيل، وتعلموا من آداب الحياة وشرائط الصحة ما زاد في ~~عددهم، وزاد في خبرتهم بتدبير أمورهم والدفاع عن أنفسهم؛ فأصبحوا يعدون بمئات الألوف، ~~ويحسنون حمل السلاح وتنظيم الزرع والحصاد، ويصلحون لنزال القبائل البادية التي أعياهم ~~أمرها قبل خمسة قرون وتركوا لها الأرض اعتصاما بمصر وهم بضع مئات أو بضع عشرات. # وليس الفضل ms26 في هذه الزيادة وهذا التقدم لطول الزمن بين دخولهم إلى مصر وخروجهم منها؛ فإن ~~القبائل التي تركوها في البادية بقيت كما كانت قبل خمسة قرون، ولم تبلغ في زيادتها ولا في ~~تقدمها بعض ما بلغوه وادعين قانعين بجوار النيل. # ولولا هذه الزيادة في عددهم وفي خبرتهم لما استطاعوا أن يقاتلوا قبائل البادية التي كانوا ~~يهابونها ويهربون منها، ولا استطاعوا أن يهزموها ويطردوها من مواقعها إذا اجترءوا على ~~قتالها، ولا تأتي لهم من دواعي الاستقرار في أرض كنعان ما يعينهم على إقامة الملك وبناء ~~الهياكل من الحجارة بدلا من العرائش والخيام. ومهما يكن من بلاء أصابهم في مصر، فهو بلاء ~~استحقوه واستحقوا أضعافه في بلاد العالم القديم شرقية وغربية. # ثم لازمتهم آفتهم الخالدة بعد إقامة المملكة وتعاقب العروش زهاء أربعة قرون، فلم يفارقوا ~~نظام القبيلة بعد محاكاتهم لجيرانهم في نظام الدولة، ولبثوا في دولتهم كما لبثوا في هجرتهم ~~قبيلة معزولة عن الأمم، بل سبطا معزولا عن سبط في داخل القبيلة، وظلت لهم شريعة «العصبية ~~القبلية» دستورا يصلح لهم وحدهم في تقديرهم، ولكنه لا يصلح لتنظيم الدولة التي تجمعهم ~~بغيرهم في كل تقدير. # فلم يزالوا من قيام المملكة إلى ما بعد ميلاد السيد المسيح يحرمون بينهم ما يحلونه بينهم ~~وبين غيرهم، ويعملون بما جاء في سفر التثنية حيث يقال: «للأجنبي تقرض الربا ولكن لأخيك ~~لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك»؛ فهو ربه وإلهه وليس برب ولا إله للآخرين. # وظلوا يحصرون العصبية في أضيق حدودها بين الأسباط في القبيلة الواحدة، ويتشددون في حصر كل ~~سبط بميراثه إلى أعقاب الأعقاب. # ففي الإصحاح السادس والثلايين من سفر العدد أنه «لا يتحول نصيب إسرائيل من سبط إلى سبط، ~~بل يلازم بنو إسرائيل كل سبط نصيب سبط آبائه، وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل ~~تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها لكي يرث بنو إسرائيل كل سبط نصيب آبائه، فلا يتحول ~~نصيب من سبط إلى سبط آخر، بل يلازم كل واحد نصيبه كما أمر ms27 الرب موسى.» ~~••• # ولا ضرورة للبحث الطويل في سبب الفشل الذي يلحق بدولة من الدول تقوم على مثل هذا النظام، ~~وتقوم من ورائه على مثل هذا الشعور ، فإنه نظام يقف عند حدود القبيلة ويقصر عن التقدم وراء ~~ذلك خطوة في طريق الحياة القومية، فضلا عن الحياة العالمية. # ومن فضول القول أن يتحدث نقاد التاريخ والمعقبون على أطوار الاجتماع عن «رسالة عالمية» ~~يستفيدها العامل من هذه «العصبية القبلية» بعد تطور الأمم والشعوب وتطور العلاقات العالمية ~~وتطور العقائد والآداب، فإن «الفكرة العالمية» لا تتولد في طور من أطوارها من مثل هذه ~~الدعوة الدينية أو العنصرية، بل يكون تقويض أساس هذه الدعوة شرطا لازما لمجرد تصحيح النية ~~وتوجيه الرغبة إلى الفكرة الإنسانية العامة والثقافة التي تستفاد لجميع الشعوب ولا تكون ~~وقفا على شعب واحد دون سواه. # | العبرية والعالمية # نعم، إنه لمن فضول القول أن يقال عن ثقافة دينية محصورة في هذا الحيز المحدود: إنها ~~رسالة عالمية، أو إنها يمكن أن تسفر قبل زوالها عن رسالة عالمية. # لكن الأمر يتجاوز فضول القول إلى فقدان الحياء حين يقال: إن العبرية هي التي نهضت بأمانة ~~الرسالة العالمية في تاريخ بني الإنسان، وأن تنعقد المقارنة بينها وبين حضارات الشرق في ~~وادي النيل وفي وادي النهرين وفي شبه الجزيرة العربية، فيقال: إن تلك الحضارات جميعا لم ~~تحفل بمبادئ الأخلاق ولم تقرر قواعد العدل والفضيلة، وإن أربابها لا تغضب للواجب والحق كما ~~غضب لهما رب العبريين: رب الصواعق والجنود. # ولا موجب - فيما نرى - لتفصيل الكلام على آداب الحضارات قبل ظهور العبريين، وقبل شيوع تلك ~~الحضارات بين الشعوب والأقوام الذين تقدموا وراء آداب العصبية المحدودة أشواطا لا يتسع لها ~~هذا المجال؛ فربما كان استقصاء المدى المعروف الذي بلغته الدعوة العبرية من أيام الخليل إلى ~~أيام السيد المسيح تصحيحا كافيا لتلك الدعوى التي يدعيها المبشرون بما يسمونه «الرسالة ~~العالمية» من قبل العبريين. # إن طاعة الإله في عرف العبريين ليست مسألة فضيلة وأخلاق تحمد من كل إنسان فاضل وكل ~~آدمي ذي خلق كريم، ms28 بل هي مسألة علاقة بين رب «عبري» يختص نفسه بشعب يختاره ويغار ~~عليه، وبين شعب يدين لذلك الإله بين آلهة الأمم لأنه يخافه ويشعر بقوته وانتقامه ، ويرى أنه ~~أقدر على الانتقام من جميع الأرباب. # ويقول هذا الإله كما جاء في سفر التثنية: «أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة.» # ويقول كما جاء في سفر الخروج: «رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة.» # ويقول أنبياؤهم تارة: إنه شعب ثقيل الإثم، وتارة: إنه شعب لا يفهم. ويعيد كل نبي ما سبقه ~~إليه الأنبياء من وصفه بالضلالة والنفاق والقسوة وقلة الوفاء ... ولكن هذا الشعب يعلم - مع كل ~~ذلك - أن الله يختاره لأنه شعبه وعصبته ... وأنه كما جاء في سفر التثنية: «ليس لأجل بركة ~~يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها لأنك شعب صلب الرقبة.» # أما هذا الشعب فإنه يدين لهذا الإله ويختاره من بين الأرباب لأنه: «إلهكم وهو إله الآلهة ~~ورب الأرباب، الإله العظيم الجبار المهيب.» # ويناديه الإله فيقول له كما جاء في سفر الخروج: «لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب ~~إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء، في الجيل الثالث والرابع من مبغضي ...» # نعم، كما تسري شريعة الثأر في الجاهلية من الآباء إلى الأبناء، ومن الإخوة إلى الإخوة، ~~ومن الجار إلى الجار. # ويتكرر النذير من الإله الغضوب غير مرة: «لأن الرب إلهك هو نار آكلة، إله غيور»، «فلا ~~تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم؛ لأن الرب إلهكم إله غيور». ويجري هذا ~~النذير من الأسفار المنسوبة إلى موسى - عليه السلام - إلى الأسفار التي كتبها آخر الأنبياء ~~من بني إسرائيل. # ولم تنفرج حلقات هذه العصبية بعد توالي الضربات على القوم من جراء تعنتهم بالأثرة ~~وإنكار الحقوق الإنسانية على الأمم، أو على «الجوييم» كما يسمونها بمعنى الغرباء أو ~~الدخلاء، بل كانت هذه العصبية تنحصر من دائرة إلى دائرة أضيق منها وأشد في التمييز ~~والاستئثار من سوابقها؛ فكانت صفوتهم المختارة أبناء إبراهيم إلى أبناء أبنائه وحفدته، فإذا ~~هي تنحصر بعد ذلك ms29 في أبناء إسحق بني إسرائيل، ويدعو القوم أنفسهم من أجل ذلك بأبناء ~~إسرائيل، ثم انحصرت صفوتهم المختارة في بني هرون آل موسى الأقربين - عليه السلام - ثم ~~انحصرت في أبناء داود - عليه السلام - بعد قيام المملكة، وقيل من أجل ذلك: إن المسيح ~~المنتظر لا يكون من غير ذريته وورثة عرشه، وكانت الوعود السماوية المزعومة تنتقل على هذا ~~المثال جيلا بعد جيل تبعا للتنقل في مراكز الرئاسة والقدرة على مرضاة كهان الهيكل ~~ودعاة النبوة. # وكان بعض أنبيائهم من حين إلى حين يفطنون لوبال هذه العصبية ويعترفون للأمم بشيء من ~~الحق في النعمة الإلهية، إنذارا لقومهم بعاقبة التمادي في مساوئهم ونزواتهم واتكالهم على ~~اختيار الإله لهم دون سواهم بغير فضيلة فيهم ولا اجتهاد من جانبهم، ولكنها فلتات تعرض ~~لأولئك الأنبياء كلما أزعجهم مصير قومهم وصدمتهم فوارق المقابلة بينهم وبين الأمم التي ~~تفضلهم وترجح عليهم، ثم تذهب الصيحة بغير صدى وتعقبها نوبة من نوبات العصبية أشد وأعنف من ~~نوباتها الغابرة، وانتهت رسالات أنبيائهم وتلتها الدعوة المسيحية وهم على أشد ما كانوا ~~تعصبا للدم والسلالة وإنكارا للحقوق الإنسانية على كل من عداهم من «الجوييم» المنبوذين ~~في اعتقادهم. # وقد استهل السيد المسيح رسالته بتوجيه الدعوة إلى «خراف إسرائيل الضالة» وإيثار «البنين» ~~بالخبز على الغرباء، فأعرضوا عنه ورفضوه، وكادوا له المكايد واتهموه، فاتجه آخر الأمر ~~بالدعوة العامة إلى المستمعين إليها من سائر الأمم، وضرب المثل بصاحب الدار الذي دعا ~~الأقرباء وأبناء الأسرة إلى وليمة عرسه فتعللوا له بالمعاذير وقاطعوه في داره، فأرسل غلمانه ~~يدعون إلى الموائد المهجورة كل عابر سبيل. # وظلوا إلى عهد الرسولين بطرس وبولس ينكرون على العبري أن يتناول الطعام مع غير العبريين، ~~ويحتدمون غيظا إذا قيل لهم: إن دعوة الهداية تتجه إلى الأمم كما تتجه إلى بني إسرائيل، ~~فجاء في الإصحاح الحادي عشر من أعمال الرسل أنهم خاصموا بطرس يوم صعد إلى أورشليم؛ لأنه دخل ~~بيوتا لغير المختونين وأكل مع أهلها. # وجاء في الإصحاح الثاني والعشرين من أعمال الرسل أن بولس الرسول كان يصلي ms30 في الهيكل فقال ~~لمن فيه: إن الله أمره أن يذهب إلى الأمم؛ لأنه سيرسله إلى الأمم بعيدا ... «فسمعوا له حتى ~~هذه الكلمة ثم رفعوا أصواتهم قائلين : خذ مثل هذا من الأرض لأنه كان لا يجوز أن يعيش، وإذ ~~كانوا يصرخون ويطرحون ثيابهم ويرمون غبارا إلى الجو أمر الأمير أن يذهب به إلى المعسكر»، ~~وأن يضرب ليعلم لأي سبب كانوا يصيحون به هذا الصياح ويشقون الثياب ويثيرون الغبار سخطا ~~عليه. ~~••• # والثقافة الدينية التي من هذا القبيل ليس من شأنها أن توحي إلى أصحابها برسالة عالمية، ~~وإنما شأنها عندهم كشأن حقوق الميراث في أقرباء الدم والعصبية، لا ترى أحدا من أصحابها ~~يدعو الناس إلى مقاسمته فيها، بل كل همه - إذا استطاع - أن يحتجزها لنفسه ويقصي الناس ~~عنها، وهذه شيمة نعهدها في سلالة العبريين إلى وقتنا هذا؛ فلا نرى أحدا منهم يعنيه تبشير ~~الناس بمذهبه وهداية «الأجنبيين» إلى ملته، كما يعنيه أن يتألب ويتعصب مع أبناء عصبته على ~~تباعد الديار. # وإذا تركنا جانب الثقافة الدينية والتفتنا إلى جانب الثقافات الأدبية والفنية أو ~~الثقافات الفلسفية والأخلاقية، لم نجد عند القوم منذ كانوا نصيبا من هذه الثقافات يفيدون ~~به العالم باختيارهم أو يفيده العالم على الرغم منهم. # ففي أدوار حياتهم الثلاثة - دور البداوة ودور المملكة ودور الشتات في أنحاء البلاد - لم ~~يصدروا من عندهم ثمرة نافعة من ثمرات الآداب والفنون أو ثمرات العلم والفلسفة، فلم يخرجوا ~~للعالم من أيام الخليل إلى أيام المسيح عالما ولا أديبا ولا فيلسوفا ولا رحالة ~~مشتغلا باستطلاع التواريخ أو بحاثة مشتغلا بدراسة الأحياء والنباتات ومسائل التاريخ ~~الطبيعي كما عرفت من قبل وكما عرفت اليوم، وكل محصولهم من الكتب المقروءة فإنما هو تلك ~~المواعظ والترانيم التي وقفوها على أنفسهم، ولم ينبغ منهم مشتغل بالحكمة والدراسة العلمية ~~قبل اتصالهم بأمم الحضارة واضطرارهم إلى المعيشة بين تلك الأمم في المشرق والمغرب. # ولما قامت لهم دولة لم تنهض لهم مع الدولة ثقافة أدبية ... ثم ذهبت الدولة ولم تعقب بعدها ~~أثرا من آثار الفكر أو ms31 الوجدان أو الذوق والخيال كتلك الآثار التي حفظها التاريخ لكل دولة ~~من الدول القديمة والحديثة. # أما في دور الشتات بعد دور البداوة ودور الدولة، فلم يكن لهم مجتمع واحد تنسب إليه ~~ثقافته ولا تنسب إلى غيره، ولكنهم ظلوا في دور الشتات عالة على ثقافات الأمم كلما نبغ ~~منهم نابغ بين أبنائها؛ فليست لهم ثقافة مستقلة عن ثقافات العرب والمصريين في العصر القديم، ~~ولا عن ثقافات الألمان والفرنسيين والإنجليز والأمريكيين وسائر الأمم المثقفة في العصر ~~الحديث. # وإذا أحصينا نوابغهم ونوابغ الأمم الأخرى، وجب أن يكونوا أضعاف ذلك عددا وكفاية كما ~~يكون المستفيدون من عشرين أو ثلاثين ثقافة منوعة بالقياس إلى المستفيدين من ثقافة واحدة في ~~مكان واحد، ولكنهم على خلاف ذلك أقل مما ينبغي أن يكونوا بهذه النسبة وبنسبة أخرى غير ~~النسبة العددية، وهي أنهم يتعاونون بالتضامن - بل بالتعصب - في جميع البلدان، ويبذلون جهدهم ~~للتنويه بنوابغهم والإعلان عنهم وإهمال من عداهم من أقرانهم ونظرائهم، ولا يخفى ما يعمله ~~«التضامن» في إظهار الخفي وتكبير الصغير وتفخيم الضئيل، فإن عشرة متضامنين متفاهمين على ~~التعاون يملكون من أساليب الشهرة والتنويه ما لا يملكه ألف متفرقون. # ولنا أن نقول بالتعبير الشائع في عصرنا: إن هؤلاء العبريين منذ بداوتهم إلى هذا القرن ~~العشرين قد كانوا مستنفدين ولم يكونوا قط منتجين، وإن محصولهم في الثقافة العالمية محصول ~~المستغل والوسيط، وليس بمحصول المالك العامل الذي يعطي وينتج ما يعطيه. # | الدين # فيما عدا احتكار النعمة الإلهية وعزلة العصبية في أضيق حدودها، لم يبدع العبريون شيئا في ~~ثقافة الدين، وأخذوا كل ما أخذوه من حولهم «مستنفدين» غير متصرفين في عقيدة من عقائده ~~الكبرى، إلا ما تصرفوا فيه بالخرافة والأحجية والطلسم والشعوذة والسحر على سذاجته الأولى ~~بين القبائل البادية. # وكان أكثر ما أخذوه منقولا عن قبائل العربية الكبرى بين اليمن في الجنوب وقبائل ~~الآراميين والكنعانيين في الشمال. # فلم يعرفوا كلمة «النبي» قبل اتصالهم بكنعان في الزمن الذي ظهرت فيه النبوءات العربية، ~~مما ذكره القرآن الكريم ومما ذكروه هم عرضا في أسفار ms32 العهد القديم. # وعرف العبريون نبوءات السحر والكهانة والتنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية «وابتكروا منها ~~ما ابتكرت على سنة الشعوب كافة، واقتبسوا منها ما اقتبست بعد اتصالهم بجيرانها في المقام ~~من أهل البادية أو أهل الحاضرة، ولكنهم على خلاف الشائع بين المقلدين من كتاب الغربيين ~~قد تعلموا النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ولم تكن لهذه الكلمة عند العبريين ~~لفظة تؤديها قبل وفودهم على أرض كنعان ومجاورتهم للعرب المقيمين في أرض «مدين»؛ فكانوا ~~يسمون النبي بالرائي أو الناظر أو رجل الله، ولم يطلقوا عليه اسم النبي إلا بعد معرفتهم ~~بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، وهم ملكي صادق وأيوب وبلعام وشعيب الذي ~~يسمونه يثرون معلم موسى الكليم، ويرجح بعضهم أنه الخضر - عليه السلام - للمشابهة بين لفظ ~~يثرون وخثرون وخضر في مخارج الحروف، ولما ورد من أخبار الكليم مع الخضر - عليهما السلام - ~~في تفسير القرآن الكريم. # ومن علماء الأديان الغربيين الذين ذهبوا إلى اقتباس العبريين كلمة النبوة من العرب ~~الأستاذ هولشر # Holscher # والأستاذ شميدت # Shmidt # اللذان يرجحان أن الكلمة دخلت في اللغة العبرية بعد ~~وفود القوم على فلسطين، إلا أن الأمر غني عن الخبط فيه بالظنون مع المستشرقين، من يفقه ~~منهم اللغة العربية ومن لا يفقه منها غير الأشباح والخيالات، فإن وفرة الكلمات التي لا ~~تلتبس بمعنى النبوة في اللغة العربية كالعرافة والكهانة والعيافة والزجر والرؤية، تغنيها عن ~~اتخاذ كلمة واحدة للرائي والنبي، وتاريخ النبوات العربية التي وردت في التوراة سابق لاتخاذ ~~العبريين كلمة النبي بدلا من كلمة الرائي والناظر، وتلمذة موسى لنبي مدين مذكورة في ~~التوراة قبل سائر النبوات الإسرائيلية، وإن موسى الكليم - ولا ريب - لهو رائد النبوة الكبرى ~~بين بني إسرائيل». # والمطلع على الكتب المأثورة بين بني إسرائيل يتبين منها أنهم آمنوا بهذه النبوات ~~جميعا، وأنهم بعد ارتقائهم إلى الإيمان بالنبوة الإلهية ما زالوا يخلطون بين مطالب السحر ~~والتنجيم ومطالب الهداية، ويجعلون الاطلاع على المغيبات امتحانا لصدق النبي في دعواه ~~أصدق وألزم من كل امتحان، ولم يرتفع كبار ms33 أنبيائهم ورسلهم عن مطلب الاتجار بالكشف عن ~~المغيبات والاشتغال بالتنجيم؛ ففي أخبار صموائيل أنهم كانوا يقصدونه ليدلهم على مكان ~~الماشية الضائعة وينقدونه أجرة على ردها ... «خذ معك واحدا من الغلمان وقم اذهب فتش عن الأتن ~~... فقال شاول للغلام: فماذا نقدم للرجل؟ لأن الخبز قد نفد من أوعيتنا وليس من هدية نقدمها ~~لرجل الله، ماذا معنا؟ فعاد الغلام يقول: هو ذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة»، ويؤخذ من النبوءات ~~التي نسبوها إلى النبي يعقوب جد بني إسرائيل أنهم كانوا يعولون عليه في صناعة التنجيم؛ ~~فإن النبوءات المقرونة بأسماء أبناء يعقوب تشير إلى أبراج السماء وما ينسب إليها من طوالع ~~ومن أمثلتها عن شمعون ولاوي أنهما أخوان سيوفهما آلات ظلم في مجلسهما لا تدخل نفسي؛ لأنهما ~~في غضبهما قتلا إنسانا وفي رضائهما عرقبا ثورا ... وهذه إشارة إلى برج التوأمين، وهو برج ~~إله الحرب زجال عند البابليين. ويصورون أحد التوأمين وفي يده خنجر، ويصورون أخاه وفي يده ~~منجل، وتشير عرقبة الثور إلى برج الثور الذي يتعقبه التوأمان، ومن الأمثلة في هذه النبوءات ~~المنسوبة إلى يعقوب مثل يهوذا «جرو أسد جثا وربض كأسد ولبؤة، لا يزول غضب من يهوذا ومشترع ~~من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب»؛ وهذه إشارة إلى برج الأسد، وهو عند ~~البابليين برجان يبدو أمام أحدهما برج يشير إلى علامة الملك الذي تخضع له الملوك إلى آخر ما ~~شرحه الأستاذ أريك بروز # Burrows # في كتابه عن تنجيمات يعقوب # Oracles of Jacob ~~. ~~••• # وقد عبرت هذه الأطوار في فهم النبوة شوطا طويلا في حياة القبائل العبرية، وتتلمذوا في ~~كل مرحلة منها لأستاذ من هداة العرب نساكا ورسلا مبعوثين بالرسالة أو أنبياء غير مبعوثين ~~بها، كما جاء في كتب التوراة وكما جاء في القرآن الكريم مما لم تذكره كتب الإسرائيليين، ~~وكله من شواهد التاريخ المعلوم عن سبق العرب إلى فهم النبوة وارتقائهم في الاستعداد ~~لدرجاتها المنزهة عن شوائب الوثنية، فضلا عما يفوتنا العلم به حتى اليوم من شواهد التاريخ ~~المجهول. # | إبراهيم ms34 وموسى وداود يتعلمون # نحن نعلم أسماء بعض الأنبياء وأسماء الأمم التي بعثوا فيها، ولكننا لا نعلمهم جميعا ولا ~~تحصيهم لنا كتب الأديان الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن، وفي ذلك يقول تعالى من سورة ~~المؤمن: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ~~... # ونعلم من سير الأنبياء في التاريخ وفي الكتب الدينية أنهم يتعلمون من عباد الله ~~الصالحين، وفيهم من تنبأ وأرسل ومن لم يكن من الأنبياء أو المرسلين. # وفي سورة الكهف عن موسى - عليه السلام - وفتاه # فوجدا عبدا ~~من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن ~~مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي ~~صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا ~~. # وبين أكبر الأنبياء المعلومين عندنا ثلاثة من الذين بعثوا في العبريين، وهم: إبراهيم ~~وموسى وداود - عليهم السلام، نعلم من أخبارهم في أسفار التوراة كما نعلم من أقوالهم فيها ~~أنهم تتلمذوا لأناس من الأمة العربية، وأن أساتذتهم سبقوهم - بداهة - إلى ثقافة الدين وإلى ~~المعرفة الإلهية التي يطلبها الأنبياء ويبحثون عنها. # وعلى أحد القولين يسمى إبراهيم عبريا؛ لأنه من نسل عابر بن سام. # وعلى القول الآخر يسمى عبريا؛ لأنه هو وقومه عبروا النهر إلى أرض كنعان. # وعلى كلا القولين ينتمي إبراهيم إلى قبيلة سامية من الجزيرة العربية، ويتنقل بين أرض آرام ~~في المشرق وأرض كنعان في المغرب، وكلتاهما موطن المتكلمين بالعربية على أقرب لهجاتها ~~وأطوارها إلى اللغة العربية الحديثة؛ فالعرب العاربة - كما تقدم - تنتمي كلها إلى الأرمان، ~~وأبناء كنعان ينسبون إلى أرضهم الواطئة على أشهر الأقوال، وهي من مادة «كنع»، تشبهها في ~~لغتنا الحديثة مادة «قنع» ومادة «خنع» في الدلالة على الخفض والاطمئنان. # وقد تحول إبراهيم من أرض النهرين إلى أرض كنعان، فروى لنا سفر التكوين من التوراة في ~~إصحاحه الرابع عشر أنه تلقى البركة من ملكي صادق ... «وكان كاهنا لله العلي، وباركه وقال: ~~مبارك إبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض، ومبارك الله ms35 العلي الذي أسلم أعداءك في ~~يدك». # وقد أعطاه إبراهيم العشر من كل شيء قربانا إلى الله. # ويقول الإنجيل في رسالة العبرانيين: إن السيد المسيح صار «على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة ~~إلى الأبد». # ويقول بعد ذلك في الإصحاح السابع عن ملكي صادق: «إنه لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة، بل ~~هو مشبه بابن الله، هذا يبقى كاهنا إلى الأبد، ثم انظروا ما أعظم هذا الذي أعطاه إبراهيم ~~رئيس الآباء ...» # فالتوراة والإنجيل معا يصفان الكاهن الكنعاني بصفة الرئاسة الدينية وصفة الخلود الذي لا ~~يحده الزمان، ويرفعانه إلى المنزلة التي يتلقى منها إبراهيم بركة الإله العلي: إله السماوات ~~والأرض. ولا يكون ذلك لإنسان تعلم من إبراهيم دينا لم يكن يعرفه، وإنما يكون لأستاذ ~~متقدم في العلم بدينه يتعلم منه إبراهيم. # وليس بين الأنبياء الذين دان لهم العبريون بعد إبراهيم من هو أكبر مقاما من موسى - ~~عليهما السلام - ومن الناس من يقدم موسى على من عداه من أنبيائهم بفضل الشريعة والقيادة ~~الظافرة إلى أرض الميعاد، وإنهم على مكانته هذه ليثبتون عنه في سفر الخروج أنه تعلم من ~~نبي «مدين» العربي الذي يدعونه يثرون وجوآب، ويدعوه العرب باسم شعيب، ولا التباس في أمر ~~نسبته العربية بجميع الأسماء. # ففي الإصحاح الرابع من سفر الخروج أن موسى - عليه السلام - استأذنه في العودة إلى مصر ~~قبل رسالته: «فمضى موسى ورجع يثرون حموه وقال له: أنا أذهب وأرجع إلى إخوتي الذين في مصر ~~لأرى هل هم بعد أحياء، فقال يثرون لموسى: اذهب بسلام.» # وفي الإصحاح الثاني عشر بعد رواية أخبار موسى من ذهابه إلى عودته: «أن يثرون أخذ محرقة ~~وذبائح لله، وجاء هارون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعاما مع حمي موسى أمام الله». # ومعنى هذا أن شعيبا كان يقرب القرابين إلى الله ويتبعه موسى وهارون وجميع شيوخ ~~إسرائيل. # ثم يستطرد الكتاب قائلا: «وحدث في الغد أن موسى جلس ليقضي للشعب فوقف الشعب عند موسى من ~~الصباح إلى المساء، فلما رأى حمو موسى كل ما هو صانع للشعب، ms36 قال: ما هذا الأمر الذي أنت ~~صانع للشعب؟ ما بالك جالسا وحدك وجميع الشعب واقف عندك من الصباح إلى المساء؟ فقال موسى ~~لحميه: إن الشعب يأتي إلي ليسأل الله إذا كان لهم دعوى يأتون إلي، فأقضي بين الرجل ~~وصاحبه وأعرفهم فرائض الله وشرائعه، فقال حمو موسى له: ليس جيدا هذا الأمر الذي أنت ~~صانع، إنك تكل أنت وهذا الشعب الذي معك جميعا؛ لأن الأمر أعظم منك، لا تستطيع أن تصنعه ~~معك، الآن اسمع لصوتي فأنصحك، فليكن الله معك، كن أنت للشعب أمام الله، وقدم أنت الدعاوى ~~إلى الله، وعلمهم الفرائض والشرائع، وعرفهم الطريق الذي يسلكونه والعمل الذي يعملونه، ~~وأنت تنظر من جميع الشعب ذوي قدرة خائفين الله أمناء مبغضين الرشوة، وتقيمهم عليهم رؤساء ~~ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات، فيقضون للشعب كل حين، ويكون أن كل الدعاوي ~~الكبيرة يجيئون بها إليك، وكل الدعاوي الصغيرة يقضون هم فيها، وخفف عن نفسك؛ فهم يحملون معك ~~إن فعلت هذا الأمر وأوصاك الله تستطيع القيام، وكل هذا الشعب أيضا يأتي إلى مكانه بسلام؛ ~~فسمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال، واختار موسى ذوي قدرة من جميع إسرائيل وجعلهم رؤساء ~~على الشعب، رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات، فكانوا يقضون للشعب كل حين ~~...» # ومعنى هذا أن شعيبا تقدم موسى إلى عقيدته الإلهية، وعلمه تبليغ الشريعة وتنظيم القضاء ~~في قومه، وأن العبريين كانوا متعلمين من النبي العربي ولم يكونوا معلمين. ~~••• # ويأتي داود، عند العبريين، بعد إبراهيم وموسى في مقام النبوة، وهو رأس البيت المالك ~~الموعود بالملك الأبدي في هذا العالم، ورب الأسرة التي ينتظرون الخلاص على يدي ملك من ~~ملوكها يعود إلى صهيون آخر الزمان. وقد كانت الصلة بينه وبين البلاد العربية متجددة متبادلة ~~كما يفهم من قصة ابنه سليمان وصاحبة عرش سبأ في جنوب بلاد العالم، ولكننا لا نملك من ~~الوثائق ما نستند إليه في تقدير آثار هذه الصلة من الناحية الدينية، وإنما نعلم من الوثائق ~~التاريخية - التي سجلها المؤرخون الأوروبيون ms37 عن آثار إخناتون - أن المشابهة قريبة جدا بين ~~مزاميره وصلوات ذلك الملك الذي تقدم بالدعوة إلى التوحيد في مصر القديمة ... # وقد عقد كل من هنري برستيت وآرثر ويجال # Weigall # مقارنة ~~بين بعض الصلوات وبعض المزامير، فاتفقت المعاني بينهما اتفاقا لا ينسب إلى توارد الخواطر ~~والمصادفات، ومن أمثلتها قول إخناتون: # إذا ما هبطت في أفق الغرب أظلمت الأرض كأنها ماتت، فتخرج الأسود من عرائنها ~~والثعابين من جحورها. # ويقابله المزمور الرابع بعد المائة وفيه: «إنك تجعل ظلمة فيصير ليل يدب فيه حيوان الوعر ~~وتزمجر الأشبال لتخطف ولتلتمس من الله طعامها.» # ويمضي المزمور قائلا: «تشرق الشمس فتجتمع وفي مآويها تربض، والإنسان يخرج إلى عمله وإلى ~~شغله في المساء ... ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت، والأرض ملآنة من غناك وهذا البحر ~~الكبير الواسع الأطراف ... وهناك دبابات بلا عدد صغار مع كبار، هناك تجري السفن، ولوياثان - ~~التمساح - خلقته ليلعب فيه ...» ~~«ومثله في صلوات إخناتون: ما أكثر خلائقك التي نجهلها! أنت الإله الأحد الذي لا إله غيره، ~~خلقت الأرض بمشيئتك وتفردت فعمرت الكون بالإنسان والحيوان الكبار والصغار ... تسير السفن مع ~~التيار وفي وجهه وكل طريق يتفتح للسالك لأنك أشرقت في السماء، ويرقص السمك في النهر أمامك ~~وينفذ ضياؤك إلى أغوار البحار، وتضيء فتزول الظلمة ... وقد أيقظتهم فيغتسلون ويسعون ويرفعون ~~أيديهم إليك ويمضي سكان العالم يعملون». # وأيا كان مصدر هذه المزامير المتشابهة، فالواقع المقرر أن إخناتون سبق داود بأكثر من ~~ثلاثة قرون، وأن العبريين لم ينشئوا هذا المذهب في الصلوات الدينية قبل شعوب العالم في ~~جوارهم، ولا في غير ذلك الجوار. ~~••• # على أن الجوار الملاصق لمساكن العبريين حيث تنقلوا بين أرض آرام وأرض كنعان لا يشير إلى ~~غير علاقة واحدة بينهم وبين جيرانهم، وهي علاقة التابعين بالسابقين عليهم في الثقافة ~~الدينية على التخصيص، وفي الثقافات الفكرية على الإجمال. # فمن قبل أيام موسى كان النبي العربي «أيوب» في أرض تيماء يدين بالتوحيد وينكر عبادة ~~الكواكب والأوثان، ويدعو إلى المساواة بين الحر والعبد قائلا متسائلا: أليس صانعي ms38 في ~~البطن صانعه وقد صورنا واحد في الرحم؟ # والشراح ومؤرخو العهد القديم متفقون على سبقه إلى نزاهة التوحيد وتفضيل كتابه في هذا ~~المعنى على كتب الأنبياء أصحاب الأسفار في العهد القديم، ومن هؤلاء الشراح إسرائيليون ~~كالمستشرق مرجليوت الذي يقول في كتابه عن العلاقات بين العرب والإسرائيليين: «إن أسلوب ~~المتكلمين عن التوحيد في هذا السفر أنزه من أسلوب الأنبياء الإسرائيليين الذين كانوا ~~يضطربون في بيئة وثنية، خلافا للمتكلمين في سفر أيوب؛ فإن البديل من الوحدانية عندهم هو ~~الإلحاد والجحود.» # ويحقق بعض المؤرخين زمان أيوب - عليه السلام - بمراصد الفلك مما ذكره في أسماء النجوم ~~والمنازل كالنعش والجبار والثريا ومخادع الجنوب وعين الثور، وقلب العقرب، فيرجحون على رأي ~~أشهرهم هالس # Hales # أنه وجد قبل الميلاد بثلاثمائة وألفي ~~سنة، وقد أدخله جامعو التوراة في العهد القديم؛ لأنهم حسبوه تارة من كلام موسى وتارة من ~~كلام سليمان، وكان جامعو النسخة السريانية من التوراة يضعون كتابه بعد كتب موسى وقبل كتاب ~~يشوع، ولكنه أقدم من ذلك ولو لم نأخذ بتقدير الفلكيين ... لأنه لم يذكر شيئا عن قصة الخروج ~~من مصر وهي أهم القصص في تاريخ العبريين، فلا يسكت عنها من سمع بها في برية بلاد العرب، ~~ولا بد أن يسمع بها من أقام هناك بعد خروج العبريين من مصر إن كان زمان أيوب بعد زمان موسى ~~- عليهما السلام. ~~••• # وفي أيام موسى - عليه السلام - كان العبريون يحتكمون إلى نبي من العرب يقيم على نهر ~~الفرات يسمونه بلعام، ويظن بعضهم أنه مرادف لاسم لقمان، ويقول سفر العدد إنه حكم للعبريين ~~على الموآبيين وأيد نبوءات يعقوب. # وما لم يذكره العبريون في كتبهم عن النبوءات في بلاد العرب أكثر مما ذكروه، فإنما عناهم ~~في سجلاتهم أن يذكروا التزكية والتأييد، ولا يذهبوا مذهب الاستقصاء في تسجيل جميع النبوءات ~~التي سمعوا بها، وقد يكون هنالك ما لم يسمعوا به ولم يكن مما يرتضونه لو أنهم سمعوه. # فليس سكوتهم عن هود وصالح وذي الكفل الذين ذكرهم القرآن الكريم بحجة على خلو البلاد ~~العربية ms39 من الأنبياء غير من ذكروه، وما كانت قبائل عاد وثمود لتخلو من رسل الدين. وقد قام ~~هؤلاء الرسل بالدعوة في مدين وتيماء قبل الدعوة الموسوية، وإنما أعرض العبريون عن ذكرهم؛ ~~لأنهم جعلوا مصيرهم بعد قيام مملكتهم مرتهنا بمصير بيت المقدس، وسكتوا قصدا عن «الجنوب» ~~بعد أن كانت قبلتهم كلها إليه. # فهم قد درجوا من أرض الجنوب في الجزيرة العربية، وظلوا بعد ذلك زهاء ألف سنة يلتفتون إلى ~~مواطنهم الأولى ويترقبون الحكمة منها. # فإبراهيم توجه إلى جيرار، وموسى توجه إلى مدين، وكان أرميا يهتف في مراثيه سائلا: «ألا ~~حكمة بعد في تيمان؟ هل بادت المشورة من الفهماء؟» وتيمان تقابل في لغتنا الحديثة كلمة يمن ~~بجميع معانيها. # بل بقيت عادة التوجه إلى الجنوب عند رسل القوم إلى ما بعد قيام المسيحية؛ فكان بولس ~~الرسول يقول في كتاب غلاطية إنه ذهب إلى بلاد العرب قبل مسيره إلى دمشق. # أما تركيز القداسة في أورشليم، فهو شيء جديد طارئ بعد أيام موسى بزمن طويل، فبقيت ~~أورشليم في أيدي اليبوسيين بعد موسى بقرون عدة، ولم يطردهم منها أبناء بنيامين بعد نزولهم ~~بجوارها، وبعد أيام داود جاء ملك من ذرية إبراهيم - يسمى يهواش - فهدم سورها وأخذ ودائع ~~الذهب والفضة من خزائنها، وقال سفر الملوك عنه: إنه مات فاضطجع مع آبائه، أي: مات مرضيا ~~عنه في اصطلاحهم المألوف. # إنما تحول القوم باتجاههم من الجنوب إلى بيت المقدس بعد ارتباط الهيكل بمصير بيت داود، ~~وتعليق أملهم في الخلاص بعودة الملك إلى ذلك البيت في آخر الزمان. # وأما قبل ذلك، فقد كانوا يستقبلون الجنوب ويلوذون به ويتعلمون منه، ولم يأخذ منهم الجنوب ~~شيئا من ثقافته الدينية في أيام دولتهم ولا بعد أيامها. ولن تكون الدعوة المحمدية التي ~~ارتفعت من بلاد العرب فرعا من هذا الأصل الذي لم يتأصل قط في الوحدانية؛ فإن الدعوة إلى ~~عبادة رب العالمين دين لا يلتقي بدين العصبية المنعزلة في طريق واحد، وإن نبوة الداعي ~~الذي لا يعرف من النبوة غير الهداية لطراز من النبوة لا ms40 يختلط بالتنجيم. # | اللغة والكتابة # وفد العبريون من جنوب الجزيرة - على القول الراجح - إلى وادي النهرين، ثم هاجروا من جنوبه ~~إلى شماله، وانحدروا - من ثم - إلى أرض كنعان، وكانت لهم لهجة من لهجات اللغة السامية ~~الكبرى قريبة من سائر هذه اللهجات التي كان يجري الخطاب بها بين قبائل آرام وكنعان، ويسهل ~~التفاهم بها في جملتها مع اختلاف يسير كاختلاف المتكلمين في القطر الواحد بين إقليم ~~وإقليم. # ومن الواضح أنهم كانوا يبتعدون عن مصدرهم الأول في اللغة كلما ابتعدوا عن موطنهم القديم ~~في الجنوب، فأصبحوا بعد هجرتهم الطويلة يتداولون من الأسماء والأعلام ما لا يفهمون معناه ~~ولا وجوه تصريفه، وهو في لغة «سبأ» من جنوب الجزيرة مفهوم المعنى والمصدر الذي تصرف منه ~~بلفظه واشتقاقه، ويقول مرجليوت في كتابه المتقدم ذكره عن العلاقة بين العرب وبني إسرائيل: ~~«ومن المحقق أن هذه الكلمات لم تأت من فلسطين إلى سبأ، ولعلها قد جاءت من سبأ إلى ~~فلسطين.» # ولم تزل لهجة العبريين تنعزل عمن حولها كلما أمعنوا في اعتزال الأمم بعبادتهم واعتقادهم ~~التفرد بينها بنعمة الله ورجائه، بل باعتقادهم أن «يهوا» إنما يحقق لهم ذلك الرجاء بتدمير ~~جيرانهم وتمكينهم من رقابهم، فلا سبيل إلى المشاركة باللغة مع هذا الحاجز القائم بين ~~الفريقين، وأصعب ما يكون التفاهم باللغة حين تستخدم هذه اللغة في العبادة والشعائر المقدسة ~~حين تكون العبادة والشعائر حكرا لمن يدينون بها ولا يقبلون من غيرهم أن يشاركهم ~~فيها. # وقد تحجرت اللغة العبرية في هذه العزلة، واستطاعت مع هذا التحجر أن تعيش في عصر المملكة ~~وفي إبان الشوكة والسيادة برعاية الملوك والكهان، ولكنها كانت تعيش في الهيكل وتوابعه من ~~«الكنيسات» التي يشرف عليها الأحبار المتعلمون المزودون بالثقافة، وكان أصحابها يتكلمون ~~مع غيرهم خارج المعابد فيضطرون إلى مخاطبتهم تارة باللهجات السامية الأخرى وتارة ~~باليونانية العامية، وقد يتعلمها بعضهم ويتعلم الكتابة بها على خلاف هوى المتعصبين من ~~الهيكليين والغلاة. # وكانت هذه العبرية - حين تحجرت ووقفت عن التطور - لهجة ساذجة قليلة العدة ناقصة التصريف، ~~ويقول فولتير في المعجم ms41 الفلسفي تحت كلمة آدم: «إنه من المحقق أن اليهود كتبوا قليلا جدا ~~وقرءوا قليلا جدا، وكانوا على جهل شديد بعلوم الفلسفة والهندسة والجغرافية والطبيعيات؛ ~~فلم يعرفوا شيئا من تواريخ الأمم ولم يأخذوا في التعلم إلا بعد اتصالهم بالإسكندرية حيث ~~شرعوا في اقتباس المعرفة، وكانت لغتهم البربرية مزيجا من الفينيقية القديمة والكلدانية ~~المشوهة، وبلغ من فقرها أنها لا تحتوي كثيرا من الأزمنة في أفعالها.» # ومن المسلمات المفهومة بين العارفين بالعبرية والعارفين بتاريخها أنها أخذت من اللهجات ~~السامية ولم تعطها شيئا جديدا من فنون التطور في قواعدها أو آدابها؛ فوقفت حيث بدأت ~~وتركتها اللهجات السامية واقفة في مكانها وهي تتطور وتترقى إلى الشأو الذي بلغته في الأزمنة ~~الحديثة، ولم يكد عصر المملكة اليهودية أن ينقضي حتى كانت اللغة العبرية منقضية بين أهلها ~~في الخطاب وفي الكتابة ما خلا الصلوات والعبادات، ثم انهزمت بين جدران المعابد وعلى ألسنة ~~الأنبياء والكهان، وخلفتها اللغة الآرامية في معاملات الدين ومعاملات المعيشة اليومية، ~~ثم مضى العصر بعد العصر إلى زماننا هذا فأصبح قراء التوراة بالعبرية أقل عددا من ~~قرائها بأصغر اللغات. # ولا يعزى هذا إلى مجرد سقوط الدولة اليهودية ولا إلى نقص في عدد العبريين الذين يدينون ~~بكتبهم المقدسة؛ فإن الدولة الآرامية في وادي النهرين سقطت وسقطت بعدها دول الآراميين ~~المتفرقين بين أنحاء البادية، ولم تزل لغتهم الآرامية تنتشر وتتغلب على نظائرها من اللهجات ~~السامية واللهجات الأجنبية التي تسربت إلى مواطنها من سائر الأقطار، وإنما يعزى سقوط ~~العبرية إلى عجزها عن «الإنتاج» الذي ينفع الناس، فلم يكن عندها ما تعطيه ولم تكن وعاء ~~صالحا يستودعه خدام الفكر والمعرفة ما يعطون. ~~••• # أما الكتابة فهي أبرز المسائل التي تمتحن بها قدرة العبريين في تاريخهم القديم على ~~الإنتاج والتصرف في شئون الفكر والثقافة، وهي كذلك من أبرز المسائل التي تمتحن بها بواعثهم ~~الفكرية التي تدعو الأمة المنتجة إلى اختراع الوسيلة للإفضاء بما عندها لسائر الأمم من ~~رسالات الإنسانية وأماناتها. # أقام العبريون في مصر عدة قرون وأقاموا في سيناء عدة سنين. ms42 # وفي مصر - كما هو معلوم - كانت نشأة الكتابة بالصور، وفيها تطورت من الكتابة التصويرية ~~إلى الكتابة المقطعية، ثم تطورت من الكتابة بالمقاطع إلى الكتابة بالحروف التي يستقل كل حرف ~~منها بصوت يدل عليه في كل كلمة مكتوبة. # ولقد كان ينبغي أن يسبق العبريون غيرهم من القبائل السامية إلى اقتباس الكتابة على ~~أنواعها، سواء أكانت بالصور أم بالمقاطع والحروف، بل كان ينبغي أن تكون ألواح الشريعة التي ~~تلقوها في سيناء باعثا لهم على استكشاف الألواح المكتوبة في مناجمها بما عليها من الخطوط ~~والحروف. # ولكن الواقع الذي يسجله تاريخ الكتابة أنهم لم يبتدئوا قط عملا من أعمال اقتباس الكتابة، ~~ولا من أعمال ترقيتها ونشرها، ولا من أعمال التوفيق بينها وبين مخارج النطق في كلماتهم ~~الملفوظة، وإنما كانوا في كل مرحلة من هذه المراحل مستنفدين يأخذون مما سبقهم ويتحجرون ~~عليه، حتى تقسرهم على تغييره ضرورات المعاملة فيسري التغيير قهرا - مع الزمن - إلى كتابة ~~الشعائر والعبادات. # فالكلمات العبرية التي وجدت في رسائل أمراء فلسطين إلى فرعون مصر منذ القرن الخامس عشر ~~قبل الميلاد كانت تكتب بالحرف المسماري، كما حقق ذلك الأستاذ جمن # Gimmun # من أساتذة دار الفنون بليبزج. # ثم وجدت حروف عبرية تشبه الحروف التي وجدت على ضريح ميشاع ملك موآب. # وظل العبريون يكتبون بهذا الحرف إلى أيام سبي بابل، فنقلوا الحروف المربعة عن الحروف ~~البابلية، وزادوا عليها حروف الحلق التي كانت شائعة على ألسنة الساميين بين بابل وكنعان - ~~وكلها من مصدر عربي كما لا يخفى - لاختصاص النطق العربي بأكثر هذه الحروف. # وقد حفظ لنا المزمور التاسع عشر بعد المائة أسماء الحروف التي احتوتها الأبجدية العربية ~~على عهد المملكة؛ لأنه جرى على طريقة التطريز في ابتداء كل مقطوعة بحرف من الحروف ~~الأبجدية، وهي في هذا المزمور على ترتيب «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت»؛ اثنان وعشرون ~~حرفا، منها خمسة يتغير نطقها بإغفالها من الإعجام أو ينقلها من اليمين إلى اليسار، وهي: ~~الجيم والواو والكاف والشين. # ومن آثار الاقتباس من النطق العربي أن حرف الغين ms43 لم يكن موجودا بين حروف المزمور، فلما ~~وجد بعد اختلاطهم بمن ينطقون العربية أضافوه وسموه غيمل أي: على وزن جيمل. ويلاحظ أن ~~«جيمل» بمعنى جمل عندهم، أما غيمل فلا معنى لها غير المحاكاة اللفظية، وإنما قاسوها إلى ~~أقرب المخارج فكتبوها كما تكتب الجيم وحذفوا نقطة الإعجام للتمييز بينهما. # ولم يكن في نطقهم تمييز واضح بين الخاء والكاف، فلما كثر التمييز بينهما على أسماعهم أيام ~~تعلموا الكتابة، جعلوا للخاء حرفا سموه الخاف على وزن الكاف، وكتبوه كما تكتب الكاف ~~بعد حذف نقطة الإعجام. # ولما اتصلوا بأعاجم الشمال الذين ينطقون الواو «فاء» كما يقول بعض الطورانيين «فلا ~~الضالين» بدلا من «ولا الضالين»، نطقوها مثلهم وجعلوا لها حرفا كالواو في رسمه بعد حذف ~~نقطة الإعجام. # كذلك أخذوا السين الآرامية المسماة بالآرامية سمخ حين كتبوا بهذه اللغة؛ لورودها في ~~كلمات كثيرة من أسفار التوراة، وهذا مع احتفاظهم بالسين، لاختلاف النطق قليلا بين ~~اللهجتين في أحرف الذلق وأحرف الصفير. # وليس في العبرية ثاء ولا ذال ولا ضاد ولا ظاء، ولكنهم يقربون حروفهم منها بالتفخيم أو ~~يكتفون بما يشابهها من حروفهم فيحدث الالتباس أحيانا في نقلها إلى العربية؛ ويشتبه الأمر ~~في البحث عن مصدر الكلمة من جراء هذا الالتباس، كما يحدث في كلمة الناصرة هل هي من النصر أو ~~من النذر أو من النظر ...؟ وكلها مميزة المعاني والمخارج في العربية ملتبسة كما نرى في ~~العبرية، ويزيد الالتباس أن البلدة كانت قريبة من موقع نصر وكانت مسكنا للكثيرين من ~~المنذورين للعبادة، وكانت مرقبا يسهل النظر منه إلى ما حواليه. # وقد نقحت الكتابة العبرية مرة أخرى حوالي عصر الميلاد على هدى الكتابة الآرامية، فلم ~~تنجع الحيل في إحياء هذه اللغة التي قضي عليها بالموت لعزلتها وفراغها من مادة البقاء ~~التي تكفل الحياة للغات بما تؤديه للعالم من رسالة إنسانية وعقيدة عامة، ثم هدم الرومان ~~هيكل بيت المقدس فتفرق الكهان في الأرض واتخذوا اليونانية لغة لهم في مصر وأوروبة، ~~واعتمدوا على ترجمة التوراة إليها أو إلى الآرامية للذين تخلفوا ms44 عن الهجرة إلى بلادهم، وقد ~~شاعت يومئذ تسمية الآرامية بالسريانية للتفرقة بين المتكلمين بها من المسيحيين، والمتكلمين ~~بها من أبنائها الذين لم يدخلوا في المسيحية، ثم اندمجت السريانية المتطورة بعد ذلك في ~~العربية القرشية على أثر ظهور الإسلام. ~~••• # ولما كان القرن العاشر للميلاد أيقن أحبار إسرائيل ورؤساؤهم بضياع العبرية وقلة صلاحها ~~للبقاء بالتعليم والتلقين في نطاق المعابد المحدودة، فإنها لم تكن صالحة على حالتها في ذلك ~~العهد للتعليم؛ لخلوها من القواعد والأصول التي تحفظ اللغة من جيل إلى جيل ... فرجع ~~الأحبار إلى النحو العربي يقيسون عليه ويستعيرون منه: وكتبوا «آجروميتهم» الأولى ~~باللغة العربية مقرونة في بعض الأحيان بالترجمة العبرية، وكان أول من اجتهد منهم في تحرير ~~كلماتها وجمعها سعيد بن يوسف الفيومي - أو سعديا - صاحب معجم الأجارون وكتاب الفصاحة ~~(892م)، وتلاه الرباني بن تميم البابلي، والرباني يهودا بن قريش، والرباني مناحم بن سروت ~~الأندلسي، والرباني سكوم بن جبيرول، وغيرهم وغيرهم من تلاميذ العرب في المغرب ومصر ~~والعراق. ~~••• # وتتلمذ القوم على العرب في علم الكلام الإسرائيلي أو فلسفة اللاهوت، فكان كل من ~~فيلسوفهم ابن جبيرول (1021-1058) الملقب بأفلاطون اليهود، وابن عزرا الغرناطي (1070-1138) ~~صاحب الغزل الصوفي، وابن ميمون أرسطو اليهود (1135-1204)؛ تلاميذ للمدرسة الرشدية بالأندلس. ~~وكان ابن ميمون يرى - كما قال - أن وصايا الناصري ورجل إسماعيل - يعني محمدا عليه السلام - ~~تهدي الإنسان إلى الكمال؛ ولهذا ثار عليه المتعصبون من قومه وسموا كتابه دلالة الحائرين ~~بضلالة الحائرين، وأول هؤلاء - ابن جبيرول - وضع منظومة في النحو العبري على مثال النحو ~~العربي فيما عدا قواعد الإعراب؛ لأن الكلمات العبرية إما ساكنة أو مبنية، لا تجري في تحريك ~~أواخرها على قواعد الآرامية ولا على قواعد العربية الحديثة. # وأهم كتبه في اللاهوت «ينبوع الحياة» منظور فيه إلى التصوف الإسلامي في كثير من ~~التفصيلات. ~~••• # ولم ينبغ بين اليهود من الفلاسفة العالميين من هو أشهر من باروخ سبنوزا (1632-1677) الذي ~~نشأت أسرته في البلاد الألمانية، وتوفر في صباه على دراسة كل من ابن ميمون وابن عزرا، ثم ~~خلفه ms45 المشتغلون بالفلسفة من اليهود بعد ظهور الفلاسفة الكبار من الألمان، فكان القوم ~~كعادتهم مستفيدين في هذا الفرع الواسع من فروع الثقافة الإنسانية، كشأنهم في كل ثقافة ~~تلقوها بين الأقدمين والمحدثين. # وكانوا حيثما اشتركوا مع العرب في ناحية من نواحي المعرفة والعقيدة تابعين مسبوقين، ولم ~~يكونوا قط سابقين لهم أو مرشدين. # | الشعر # إذا كان في نشأة الشعر العربي من الحداء بعض الشك، فليس هنالك أقل شك في الصلة الوثيقة ~~بين الحداء والشعر في تطور تركيبه وتوفيق أوزانه وتقسيم أعاريضه؛ لأن أوزان الشعر التي نظم ~~فيها شعراء الجاهلية تنتظم فيها الأعاريض جميعا مع حركة من حركات الإبل في السرعة والأناة، ~~فلا خفاء بهذه الحركة السريعة في هذا البيت: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # ولا خفاء بالحركة المتمهلة في هذا البيت: # ما للجمال مشيها وئيدا # أجندلا يحملن أم حديدا # ولا خفاء بحركة الإبل على اختلافها وما يناسبها من أوزان الحداء في كل بيت ينتظم من أمثال ~~هذه التفاعيل. # والحداء نفسه مناسبة شعرية تستوحي الغناء في ليالي البادية القمراء، بين الحنين إلى ~~الموطن الذي بارحه الركب، والأمل في المنتجع الذي يتنقل إليه، وليس لترديد الغناء - بمعانيه ~~الشعرية - مجال أقرب إلى الحياة البدوية وألصق بها من مجال الحداء. # فلا نزاع في الصلة الوثيقة بين الحداء ووزن الشعر العربي، فإن لم يكن كل ما نظمه العرب ~~حداء يتغنى به الحداة فعلا، فهو وزن لا يخالفه ولا ينفصل عن نغماته وأعاريضه. # والمرجح إلى جانب هذا أن حداء الإبل كان له عمله المحسوس في التزام القافية، سواء بدأت ~~القافية في سجع الكهان كما يرى الكثيرون، أو كان ابتداؤها في غناء الحداة. # فالمشاهد من أشعار الأمم في لغات متعددة أن القافية تلتزم في الشعر المنفرد، أي: الشعر ~~الذي يتغنى به ناظمه وراويه، ويصغي إليه المستمعون دون أن يشتركوا في الغناء، ويلاحظ هذا ~~في أغاني المنشدين الحماسيين أو المتغزلين التي يسمونها # Ballads ~~«بللاد» في بعض اللغات الأوروبية، كما يلاحظ ~~في الموشحة # Sonnet # التي يتغنى بها العاشق لمعشوقته ms46 في ~~البلاد اللاتينية حيث كان منشؤها الأول، وقيل: إنهم استعاروها من الموشحة العربية. # وتهمل القافية غالبا في أناشيد الجماعات، سواء كانت مسرحية أو دينية كما يرى في ~~أناشيد اليونان والعبريين، وسر ذلك ظاهر لمن يريد أن يختبره في حالة الإصغاء، أو حالة ~~الاشتراك في الغناء ... # فإن السامع المصغي إلى ترتيل غيره يحتاج إلى تنبيه السمع وانتظار مواضع الوقوف والترديد، ~~فيعرفها من القافية المتتابعة في مواضعها. # أما المنشد المشترك في الغناء، فهو يعلم مواضع الإيقاع ومواضع الابتداء والانتهاء، فيغنيه ~~الاشتراك في الإيقاع عن انتظار مواضع الوقوف، وعن تنبيه غيره له بالقافية إلى تلك المواضع، ~~وقد نتبين هذا الفارق فيما ننشده بأنفسنا ولو كان من الكلام المنثور؛ فإننا نتبع الوزن في ~~هذه الحالة ولا يعنينا أن نترقب القافية، بل لا يعنينا أن نترقب شيئا غير الاسترسال في ~~النغم إلى نهاية الكلام، كيفما كان منتهاه مقفى أو بغير قافية، شأنه في ذلك شأن اللحن ~~الموسيقي الذي خلا من الكلمات، فلا يلتفت فيه إلى غير امتداد النغمة حسب أوزان ~~الإيقاع. # وكثيرا ما خطر لنقاد الغرب أن هذه القوافي والبحور في وزن الشعر خاصة من خواص الأمزجة ~~السامية، خالف الساميون بها الأوروبيين لمخالفتهم إياهم في تكوين الفطرة وخصائص العناصر ~~البشرية. # لكنهم فهموا بعد تواتر البحث في أشعار اللغات السامية أن القافية غير ملتزمة في جميع تلك ~~اللغات، وأن كثيرا من الشعر المنظوم فيها خال من البحور والأعاريض ذات التفعيلات ~~المتكررة، كأنه فواصل النثر التي تنقسم إلى جمل متقاربة، ولا تنقسم إلى شطور متساوية في ~~حركات الأسباب والأوتاد على اصطلاح العروضيين. # فلا بد إذن من البحث عن سبب غير الأمزجة العنصرية، ولا بد أن يكون اختلاف الإنشاد هو سبب ~~هذا الاختلاف بين العرب وسائر الشعوب السامية؛ فإن شعوب وادي النهرين ألفت أناشيد الكهان ~~في الهياكل فترخصت في القافية كما ترخصت فيها الشعوب الآرية التي يتغنى فيها الناس مجتمعين، ~~وقد ألف العبريون العبادة معا منذ كانوا قبيلة واحدة تنتقل بحذافيرها، وتبتهل بحذافيرها ~~إلى معبودها في حظيرة واحدة، ms47 ولم تألف قبائل البادية العربية نوعا من أنواع الأناشيد ~~المجتمعة؛ فغلبت على شعرها أوزان القصيد المفرد وقوافيه. # ويرى بعض علماء اللغات السامية أن الكلمة التي تفيد معنى الشعر فيها واحدة مأخوذة من ~~أصلها العربي مع قليل من التحريف طرأ عليها بعد انتشار الساميين في وادي النهرين وبادية ~~الشام وأرض كنعان. ويقول العالم القس الأب مرمرمجي في كتابه المعجميات: «إن لفظة الشعر كانت ~~تدل قديما على الغناء وإن لم ترد بهذا المفهوم في المعاجم التي بين أيدينا، ويمكن ~~الاستدلال على ذلك بوسيلة المقارنة الألسنية السامية؛ إذ إننا نجده في أقدم اللغات السامية ~~من حيث الآثار المكتوبة - أي اللغة الأكدية - كلمة (شيرو) الدالة على هتاف الكهان في ~~الهياكل، ومن الأكدية انتقلت اللفظة إلى العبرية بصورة (شير، وشيره) ومعناها النشيد، ومنها ~~صيغ الفعل المرتجل (شير) بمعنى أنشد وغنى، ثم إلى الآرامية بصورة (شور) بمعنى أنشد، رنم، ~~غنى؛ ومن ذلك جاء اسم سفر من أسفار العهد القديم وهو (شير هشيريم) أي: نشيد الأناشيد، وقد ~~ورد الفعل العبري (شير) في أقدم أثر للغة العبرية وهو نشيد النبية دبورت، يليه مرادفه ~~(زامر) وكلاهما بصيغة الحاضر (اشيره) أي: أنشد وأزمر. والجدير بالملاحظة كما أشار إلى ذلك ~~لانجدون # Langdon # أن العبارة الأكدية (زامار شيري) ~~تطابق كل المطابقة العبارة العبرية (مزمورشير) ومفرداههما في العبرية (مزمور، نشيد، أو شعر) ~~... هذا ومعلوم أن أغلب الأحرف الحلقية - ومنها العين - قد سقطت في الأكدية، أو أنها كانت ~~تلفظ دون أن تمثلها علامة في الكتابة؛ لأن الرسم المسماري المستعار للأكدية السامية من ~~الشمرية غير السامية كان خاليا من العلامات للحلقيات، لخلو الشمرية منها؛ ولهذا جاز لنا ~~افتراض أن كلمة (شيرو) كان أصلها أو لفظها (شعرو) إلا أنها ولجت العبرية والآرامية وهي خلو ~~من العين كما كانت مصورة في الرسم المسماري، أما العربية فقد ظهرت أو بقيت فيها العين ~~الأصلية ... على أن العربية والعبرية قد احتفظتا بالكسرة المحركة بها الشين في الأكدية ~~(شيرو)، فجاء في العبرية (شير) وفي العربية (شعر)، والكلمة (شيرو) مشتقة حسب معناها ms48 في ~~الأكدية والعبرية، أي: معنى الهتاف ثم الغناء ...» # ولا غرابة في أن تكون كلمة (الشعر) في لغة الجزيرة سابقة لمرادفاتها في وادي النهرين وأرض ~~كنعان؛ لأن الجزيرة كانت مصدر الهجرات المتوالية إلى تلك المواطن كما تواتر في أشهر ~~الأقوال. # على أن المعلوم لنا الآن من أطوار الشعر في اللغات السامية أنه تحول في الآرامية والعبرية ~~من الفقرات المسجوعة على نحو أسجاع الكهان إلى السطور المتوازية على نسق قابل للترنم ~~والإنشاد، ثم توقف به التطور عند هذه المحاولة لارتباطه بالشعائر الدينية. وهذا بينما تطور ~~النظم في بلاد الجزيرة العربية حتى أصبح (فنا) مميزا بأوزانه وأقسامه التي تعرف ~~بأسمائها دون أن تنسب إلى ناظم معلوم، على حين أن القصائد العبرية لا تعرف باسم ~~فني يدل عليها، وإنما تعرف بأنها قصيدة كالتي نظمها هذا الشاعر أو ذاك من شعرائهم ~~المشهورين، وتميز بعلامات خاصة ولا تميز على قاعدة عامة تغني عن الإشارة إلى ~~ناظميها. # وبعض اللهجات السامية توقفت عند السطور المتوازية، ولم تتطور بها إلى تقسيم الأوزان ~~والتفاعيل الواضحة؛ فكان كثير من شعرها يخلو من التفاعيل والقوافي اعتمادا على مضاهاة ~~السطر بالسطر والترنيم بالترنيم. # يقول الأستاذ جلبرت موري في بحثه عن الأوزان والأعاريض: «إن إحدى نتائج هذا الاختلاف ~~وزيادة الاعتماد على القافية في اللغات الحديثة؛ ففي اللغتين اليونانية واللاتينية ينظمون ~~بغير قافية لأن الأوزان فيهما واضحة، وإنما تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية السطر ~~وتزويد الأذن بعلامة ثابتة للوقوف، وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان وتغمض، ولا تستبين ~~للسامع مواضع الانتقال والانفصال، بل لا يستبين له هل هو مستمع لكلام منظوم أو كلام ~~منثور، وقد اختلف الطابعون هذا الاختلاف في بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير، فحسبها ~~بعضهم من المنثور وحسبها الآخرون من المنظوم. ومما يلاحظ أن اللاتين اعتمدوا على القافية ~~حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية ... وأن الصينيين يحرصون على القافية لأنهم لا يلتزمون ~~الأوزان، وأن انتشار القافية في أغاني الريف الإنجليزية يقترن بالترخص في التزام ~~الأعاريض.» # ويستطرد العلامة الناقد الأديب إلى الشعر الفرنسي ms49 فيقول: «إن اللغة الفرنسية حين رجع ~~فيها الوزن إلى مجرد إحصاء المقاطع وأصبحت المقاطع بين مطولة وصامتة ... نشأت فيها من أجل ذلك ~~حاجة ماسة إلى القافية؛ فصارت في شعرها ضرورة لا محيص عنها، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت ~~أجزاء صغيرة ليفهم معناه.» # ومن أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية في أشعار الغربيين ذلك السبب الذي ذكرناه آنفا ~~ولم يذكره العلامة جلبرت موري: وهو غناء الجماعة للشعر المحفوظ الذي يحفظه المغنون ~~جميعا بفواصله ولوازمه ومواضع النبر والترديد في كلماته وفقراته؛ فإنهم في هذه الحالة ~~ينساقون مع الإيقاع بغير حاجة إلى القوافي عند نهاية السطور؛ ولهذا نرى أن شعراء هذه اللغات ~~بعينها يلتزمون القافية في أناشيد الأفراد ويكثرون من القافية في المقطوعات التي يرتلها ~~المنشدون المعروفون باسم # Bards # أو اسم # Minstrals # وكلهم يرتلون أو يترنمون بما ينشدون ... فلا ~~شعر في لغة من اللغات بغير إيقاع، وقد يجتمع كله من وزن وقافية وترتيل في القصيدة الواحدة، ~~ولكنه اجتماع نادر في لغات العالم ميسور في لغة واحدة على أكمل الوجوه؛ لامتيازها ~~بالخصائص الشعرية الوافرة في ألفاظها وتراكيبها وهي اللغة العربية. # فالكلمات نفسها موزونة في اللغة العربية، والمشتقات كلها تجري على صيغ محدودة بالأوزان ~~المرسومة كأنها قوالب البناء المعدة لكل تركيب، وأفعال اللغة مقسومة إلى أوزان مميزة في ~~الماضي والمضارع والأمر، وفي الأسماء والصفات التي تشتق منها على حسب تلك الأوزان، ولا ~~نظير لهذا التركيب الموسيقي في لغة من اللغات الهندية الجرمانية ولا في كثير من اللغات ~~السامية؛ فالذي يميز اسم الفاعل وزن متفق عليه في الأفعال الثلاثية والأفعال الرباعية أو ~~الخماسية، ولكنه في اللغات الأوروبية يأتي بإضافة حروف لا يعرف لها وزن مقرر قبل الإضافة ~~ولا بعدها. # ويجب أن لا نتعجل فنحسب أن هذا الفرق في الخصائص الموسيقية يرجع إلى الاختلاف بين الأمم ~~الآرية والأمم السامية - كما توهم بعض المستشرقين وبعض المتعجلين من كتابنا ~~الشرقيين. # فاللغة العبرانية - كما أسلفنا - لغة سامية في أصولها، ولكنها - على ما رأينا - خالية من ~~الوزن والقافية، وتستعيض منهما بالأسطر المتوازية ms50 والكلمات المترددة بين السطر الأول وما ~~يليه. وقد كان العبريون يجهلون فنون العروض عندهم حتى انكشفت للباحثين اللاهوتيين بعد ~~ترجمة التوراة والإنجيل واطلاع علماء اللاهوت على أصول اللغات التي كتبت بها أسفار ~~العهدين القديم والحديث، فانكشف للأسقف لوث # Lowth # في القرن ~~الثاني عشر أن أشعار الكتابين لا تجري على وزن محدود، وأن قوام الشعر عند العبرانيين سطر ~~يرددونه لأغراض ستة، وهي: المجاز والاستطراد والتفسير والمبالغة والمقابلة ~~والمقارنة. # ومن أمثلة الترديد لمقابلة المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي قول المزامير: «من السيف أنقذ ~~نفسي، ومن يد الكلب أنقذ وحيدتي.» # ومن أمثلة الترديد للاستطراد قول أيوب: «هناك يكف المنافقون عن الفتنة، وهناك يكف ~~المتعبون فيستريحون.» # ومن أمثلة الترديد للتفسير قول المزامير: «من هو الإنسان الخائف من ربه؟ هو الإنسان الذي ~~يهديه الرب إلى طريق يرتضيه.» # وهكذا سائر الأمثلة في الأسطر المتوازية وإن زادت على سطرين، وقد تزيد بعدد الحروف ~~الأبجدية على طريقة التطريز في اللغة العربية، كما يلاحظ في وزن المزمور التاسع عشر بعد ~~المائة فإنه يتألف من اثنين وعشرين حرفا - عدد أحرف الأبجدية - كل حرف منها يقترن بسطر من ~~المزمور. # وعلى هذه القاعدة بني النظم في العبارات الموقعة التي ترددت في العهد الجديد، وقد أتينا ~~بأمثلة منها في كتابنا «عبقرية المسيح» نكتفي منها بهذا المثل من وصايا السيد المسيح: # اسألوا تعطوا. # اطلبوا تجدوا. # اقرعوا يفتح لكم. # لأن من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له الباب. # من منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا؟ # ومن منكم يسأله سمكة فيعطيه حية؟ # أو يسأله بيضة فيعطيه عقربا؟ # فإذا كنتم وأنتم أشرار تحسنون العطاء للأبناء، فكيف بالأب الذي في ~~السماء؟ ~~••• # فالخواص الشعرية التي امتازت بها لغتنا العربية ليست من خواص اللغات السامية، وليس لها ~~نظير في العبرية ولا في الكلدانية ولا في معظم اللهجات التي تفرعت على أصول الكلام عند ~~الساميين، ولكنها خواص ممتازة تنفرد بها هذه اللغة لأسباب كثيرة لا داعي لإحصائها في هذا ~~المقام، ولا نحب أن نعرض منها للأمور التي يطول فيها ms51 الجدل وتضطرب فيها منازع الآراء ~~والأهواء؛ إذ كان امتياز الحروف العربية بالدلالة على الحساسية الموسيقية حقيقة ملموسة لا ~~محل فيها للمحال؛ فالأذن العربية تميز بين الظاء والضاد، وبين الذال والدال، وبين الحاء ~~والخاء والهاء، وبين الصاد والسين والشين، وبين الجيم والغين والعين، وبين القاف والكاف ~~والخاء ، وقلما يميز الناطقون باللغات الأخرى بين هذه الحروف، وإذا وجدت في تلك اللغات حروف ~~لا تنطق بالعربية كالفاء والباء الثقيلتين، فهما في الواقع حرف يصدر من مخرج واحد بين ~~التخفيف والتثقيل، وليست ذات قيمة موسيقية مستقلة كالحروف التي ذكرناها في اللغة ~~العربية. # ومن العلامات الموسيقية المركبة في بنية الكلمة أننا نميز بين الحركة وحرف العلة على خلاف ~~اللغات غير السامية، فعندنا الواو والضمة، وعندنا الياء والكسرة، وعندنا الألف والفتحة، ~~وعندنا السكون وما يشبهه من التنوين ... وأدل من ذلك على الموسيقية الطبيعية بناء المشتقات ~~على الأوزان واختلاف معنى الكلمة باختلاف الصيغة التي تبنى عليها. # ويماثل هذا من الدلائل البدائية التي تحسب من حروف الأبجدية في علم الموسيقى أن ~~الغربيين يسقطون (الكوما) من الأصوات المحسوسة، وأن الموسيقى الشرقية تحسب الصوت الذي ~~يسمع من ربع (الكوما) وهو همزة تأتي من نصف مليمتر في الوتر الذي يبلغ طوله مترا ~~كاملا؛ وتسمى لهذا في اصطلاحهم بالذرة الموسيقية. ~~••• # ونستخلص مما تقدم أن فن الصياغة الشعرية سلك في تطوره ثلاثة مسالك متفاوتة في أمم شرقية ~~وغربية لا تنتمي إلى سلالة واحدة، وبينها من الاختلاف كما بين الصين وأوروبة الحديثة، أو ~~كما بين الشعوب السامية واليونان في العصور الغابرة. # ففي بعض الأمم يتوقف هذا الفن عند السجع الذي يتردد في الفقرات القصيرة كسجع الكهان، ~~فإذا طالت القصيدة روعي فيها تنسيق الأسطر المتوازية يترنم بها الجماعة في أناشيد العبادة ~~أو التمثيل ولا تراعى فيها القافية. # وفي أمم أخرى تراعى القافية ولا يراعى الوزن إلا بالمقدار الذي يسمح بمساوقة الغناء ~~والترتيل، ويلاحظ أن شعوب الصين التي غلب عليها هذا التطور وظهرت القافية في صياغة شعرها ~~قد عرفت الجمل والخيمة، ولا يزال مسكنها المعروف ب ms52 «الباجودا» مبنيا على أشكال الخيم ~~البدوية وأوضاعها. # وفي الأمة العربية وحدها تم التطور فانتظم الوزن بتفعيلاته وأسبابه وأوتاده وروعيت فيها ~~القافية، وقامت صياغة الشعر فنا خالصا مستقلا عن الغناء، يعرف بأسماء بحوره وقواعد ~~أوزانه، ولا يلحق بشخص هذا الناظم أو ذاك في تعريف أساليبه وتمييز أقسامه . # ولا يعزى هذا الفارق النادر إلى الحداء وحده أو إلى انفراد الحادي بالغناء، بل يعزى ~~إليهما معا مقترنين بتلك الحساسية السمعية التي تفرق بين مخارج الحروف ودقائق النغم، وهي ~~مشتركة غير مميزة في لغات كثيرة. # ولسنا هنا بصدد البحث في موضوعات الشعر ولا في مذاهب الشعر؛ فإنه معرض من البحث لا سبيل ~~فيه إلى ترتيب السابق والمسبوق، إنما يعنينا السبق المحقق بشواهد الحس والواقع، وهو السبق ~~إلى فن الصياغة الشعرية، فلا نزاع هنا في تطور هذا الفن بين عرب الجزيرة قبل تطوره بين ~~العبريين من القبائل السامية، وبين اليونان من الشعوب الهندية الجرمانية. # | ... ونهاية المطاف # ولعلنا في نهاية المطاف قد اتضح لنا المقصد الذي توخيناه وأجملنا بيانه في كلمة التمهيد ~~لهذه الرسالة؛ فهو تصحيح الأوهام الشائعة بين الغربيين عن تخلف الأمة العربية في ميادين ~~الثقافة والحكم عليها أبدا - وفي جميع الأحوال - بأنها تبع مسبوق يقتدي باليونان في ثقافة ~~الفكر، وبالعبريين في ثقافة العقيدة، وليس للأمة العربية سابقة من سوابق الفضل يدين لها ~~أولئك اليونان وأولئك العبريون. # وقد لج الأوروبيون في هذه الدعوى لجاجة بغيضة تتكشف عن سوء نية، ويبدو عليها كأنها ~~تتعسف في البحث عن أسباب التجني والإنكار فتخلقها خلقا وتحيد عن الطريق السوي حيدا؛ لكي ~~تنتهي من ذلك إلى قدح في الطبيعة العربية وتمجيد لطبيعة من طبائع الأمم سواها حيثما ~~تكون. # فقد يترخصون أحيانا في نسبة الفضل القومي أو العنصري إلى سلالة هندية؛ لأن الأوروبيين ~~يدخلون في الجامعة الهندية الجرمانية، إذا دعت الضرورة. # وقد يترخصون في نسبة الفضل القومي أو العنصري إلى سلالة صفراء أو طورانية؛ لأنهم قد ~~يعادونها اليوم ولكنهم لم يرثوا من أجدادهم عداوة لها من عصبيات القرون الوسطى. # وقد يترخصون ms53 في نسبة الفضل القومي أو العنصري إلى العبريين ولو كان المترخصون ممن يعادي ~~اليهود في المنافسات الاقتصادية أو العملية؛ لأنهم لا يعدمون بينهم وبين هؤلاء اليهود صلة ~~قديمة حين كانوا يوما من الأيام شعب التوراة! # أما الأمة العربية فلا رخصة معها من هذه الرخص التي يصطنعها أعداؤها المتعصبون عليها، بل ~~تختفي كلها ويحل محلها عداء الميراث التاريخي، وعداء الاستعمار، وعداء الجهل، وعداء ~~الأنانية التي تغري الجماعات أحيانا بالتحزب والأثرة كما تغري الآحاد من الناس؛ فليس أيسر ~~من تصديقهم لكل فرية تفترى عليها، وليس أسرع من إنكارهم لكل محمدة أو سابقة من سوابق ~~الفضل تنسب إليها. # هذه اللجاجة البغيضة هي التي نريد أن نقضي عليها ونقضي على آثارها في أذهان المتأثرين بها ~~من صرعى المذاهب الأجنبية بيننا نحن الشرقيين، وهم - للأسف الشديد - غير قليلين. # ولكننا لا نريد أن نقضي عليها ونضع في مكان الخطأ المنكر خطأ آخر من قبيله. # لا نريد أن نمحو فضلا لصاحب فضل، ولا أن نبخس حقا لصاحب حق، ولا أن نبطل احتكار ~~المزايا الإنسانية على أناس لكي ننقل هذا الاحتكار إلى أناس آخرين. # كل ما نريده أن ندفع شبهات القصور الأبدي المفترى على أمة عريقة حية، كان لها فضلها ~~العميم على الإنسانية، ويرجى أن يكون لها فضل مثله أو يفوقه على أجيالها المقبلة، وهي في ~~مقامها الأوسط بين القارات، وبين العقائد والثقافات. # ولقد كان نصيب الأمة العربية من تلك الشبهات «نصيب الأسد» إن صح هذا التعبير، فأصابها ~~منها أكبر نصيب تصاب به الأمم، منذ أيام الشعوبية إلى أيام الاستعمار والتبشير والآرية ~~والشيوعية! # كان يقال عن العرب: إنهم بعثوا بالدين ولم يبعثوا بالدنيا. # وكان يقال: «إنه لا يفلح عربي إلا ومعه نبي». # وكان يقال: إنهم لا يصلحون في دولتهم وفي غير دولتهم إلا محكومين. # وقالوا: إن العرب لا يحسنون صناعة الحكم، ولولا ذلك لما خرجوا من الأندلس بعد الغلبة ~~عليها عدة قرون. # وقالوا: إنهم لا يحسنون فنون الحضارة، ولولا ذلك لكان لهم فن جميل غير نظم القصيد. # وقالوا: ms54 إنهم لا يحسنون من أعمال المعاش غير ما تعودوه في البادية من رعي الإبل والماشية، ~~ولولا ذلك لما غلبهم طراق بلادهم من الغرباء على أسباب المعيشة. # وكل أولئك الدعاوى الكبار أضعف من أن تثبت على النظر المتأمل لحظات، فضلا عن الثبات في ~~مجرى التاريخ. # فمن هم أصحاب الدولة الذين داموا في مستعمراتهم أطول من دوام العرب؟ أو تركوا بعدهم ~~أثرا أبقى على الزمن من آثارهم؟ # أهم الرومان سادة الاستعمار القديم؟ أم هم البريطان سادة الاستعمار الحديث؟ # إن الرومان خرجوا من كل وطن دخلوه، ولم يستطيعوا أن ينشروا ديانتهم في أمة حكموها، بل ~~كانوا هم الذين انقادوا آخر الأمر لديانة المحكومين. # أما الإنجليز فقد خرجوا من الولايات الأمريكية بعد أن سكنها منهم معظم المهاجرين إليها، ~~وقد خرجوا من الهند بعد أن استقروا في كل بقعة من بقاعها أكثر من قرنين، ولم يمكث سادة ~~الاستعمار القديم ولا سادة الاستعمار الحديث في مستعمراتهم كما مكث العرب في ~~الأندلس. # والإنجليز ما تركوا من آثار الحضارة والثقافة أثرا يقارب الأثر الذي أبقاه العرب في ~~الأندلس وفي القارة الأوروبية على الإجمال، ومنه أثرهم في عصر النهضة وعصر الإصلاح. # وقصور الحمراء والزهراء وما يماثلهما من القصور التي قامت في الشرق على نماذج الفن ~~البيزنطي جواب ماثل للعيان لمن ينكر على الذوق العربي فنا جميلا غير فن القصيد؛ فكل هذه ~~القصور مميزة بذوقها العربي على القلاع القوطية والأواوين الفارسية والعمائر الرومانية أو ~~اليونانية، منذ نشأتها الأولى إلى قيام الدعوة الإسلامية. # وطابع الذوق العربي هو طابع النخلة العربية بقامتها الهيفاء، وفروعها التي تتلاقى في عقود ~~المربعات كما تتلاقى الأركان والأعمدة في هندسة البناء، حيثما طبعته بطابعها على الرغم من ~~قيام البنائين أو المهندسين عليها من أبناء الأمم الأخرى. # وليس أبعد من البعد بين البحر والصحراء، ولكن العرب ركبوا البحر فقبضوا بأيديهم على زمام ~~الملاحة بين الهند وفارس وسواحل أفريقية الشرقية؛ فسمي البحر كله باسم بحر العرب، ~~وسمي الشاطئ الشرقي من سواحل أفريقية باسم السواحل حيث يتكلم الأفريقيون الآن باللغة ms55 ~~السواحلية كما يسميها الأوروبيون. # والتجارة من أسباب المعيشة؛ فمن الذي بلغ بها ما بلغه العرب في الهند وإندونيسية ~~وأفريقية الوسطى؟ # إنها بلغت على أيديهم أن تكون فتحا في عالم الروح، ولم تكن فتحا في عالم المال وكفى؛ إذ ~~أصبح في تلك البقاع قرابة مائتين من الملايين من المسلمين لم يعرفوا دينهم من غير أولئك ~~التجار الناجحين. # هذه الوقائع تصحيح بين لدعوى العصبيات الجنسية يرشد العقل البشري إلى الصواب في مسألة ~~من أخطر المسائل العالمية، ذات الأثر المتشعب إلى كل زاوية من زوايا العالم، وكل علاقة من ~~علاقات بني الإنسان. # نعم، هي تصحيح للعقل البشري يأتي في أوانه وليس قصارى الأمر فيها أنها دفاع عن العرب أو ~~تبرئة لهم من أقاويل دعاة العصبية المستعمرين والشعوبيين والمرددين لأصداء الغابر ~~المهجور. # والرأي الجلي في هذه الدعاوى العصبية إذن أنها من قبيل «الإشاعات» التي تروجها المصالح ~~إلى حين، ولكن هل هي إشاعات تبتدئ وتنتهي حول النزاع على المصالح ومفاخر الأنساب؟ وهل نفهم ~~من بطلان الدعاوى العنصرية أن عناصر السلالات تتساوى في ملكات العقول ومزايا ~~الأخلاق؟ # إن من يقول بذلك ينقض الواقع الشاهد في الحاضر كما ينقض الواقع الذي حفظته التواريخ، فلا ~~نكران لاختلاف الأمم في التفكير والسلوك، وإنما ينكر الباحث المنصف أن يعزى هذا الاختلاف ~~إلى أسباب أصيلة ينفرد بها عنصر من عناصر البشر دون سائرها، وينصف الأجناس جميعا حين يعزو ~~كل مزية إلى أسبابها الطبيعية التي تتأثر بها كل أمة تعرضت لمؤثراتها، ولا يقصر مزية من ~~المزايا على قوم يحتكرونها في جميع الأحوال. # والمثلان البارزان اللذان يذكران في معرض التمييز بين الخصائص الجنسية كفيلان بإبراز هذه ~~الحقيقة في نصابها الذي يستقر عليه البحث عن مزايا العقول والأخلاق بين جميع الشعوب. # هذان المثلان هما مثل اليونان واليهود: أولهما يضربونه بطلب بالعلم، وثانيهما يضربونه ~~بطلب المال. # فعندهم أن اليونان قد امتازوا بحب المعرفة حبا للمعرفة؛ لأنهم نموذج العقل الأوروبي ~~المطبوع على الفهم وحب الاستطلاع، وأن اليهود قد امتازوا بالمهارة الاقتصادية فلا يضارعهم ~~فيها شعب من ms56 شعوب العالم منذ عهد بعيد. # والواقع أن شعوب العالم العريقة قد طلبت المعرفة كما طلبها اليونان، ولكن الشعوب التي ~~عاشت في أودية الأنهار الكبار - كما تقدم - قامت فيها الكهانة القوية إلى جانب الدولة ~~القوية؛ فتحولت المعرفة إلى الكهانة، وأحاط بمعارفها ما لا بد أن يحيط بها من أسرار الكهانة ~~وقيود التقاليد، وهكذا حدث في القارة الأوروبية نفسها يوم قامت فيها السلطة الدينية القوية، ~~وحجرت على المفكرين أن يتعرضوا لمباحث المعرفة في أصول الأشياء وحقائق الوجود. # والواقع أن اليهود لا يفوقون غيرهم في القدرة على تحصيل المال، وقد تسابقوا بميدان واحد ~~في وادي النيل مع الأرمن واليونان والجاليات الشرقية فلم يسبقوها في تحصيل الثروة، ولا في ~~تنويع مواردها، ولعلهم - لولا تضامنهم في بلاد العالم التي ينتشرون فيها - يرجعون إلى ما ~~وراء الصفوف الأولى في المهارة الاقتصادية وفي تدبير المال على الإجمال؛ فلا احتكار لمزية ~~قومية بغير سبب، ولا فرق بين الأمم إذا تشابهت الأسباب. # وأمة العرب بين هذه الأمم لم تقصر ولن تقصر عن أمة سابقة في مضمارها حيث تتهيأ لها أسباب ~~العلم وتتمهد لها السبل إلى الغاية، ولن تقف هذه الغاية دون أمد من الآماد. ~~••• # وإذا كان من حقنا - نحن الشرقيين - جميعا أن نؤمن بهذه الفكرة الصالحة، فمن واجبنا أن ~~نحترس من مغبة الاغترار بها ومن سوء الفهم الذي يخشى أن تسوقنا إليه. # فمن سوء فهمها أن نفهم أننا مبرءون من العيوب معصومون من الخطأ، أو نفهم أن عيوبنا ~~هينة لا تكلفنا المشقة في إصلاحها، وأن أخطاءنا قليلة لا تعاودنا في كل آونة من حياتنا مع ~~أنفسنا أو حياتنا مع أقوامنا. # كلا، بل لنا عيوب غير هينة، ولنا أخطاء غير قليلة، غاية ما يعزينا فيها أن نؤمن بأننا ~~قادرون على تصحيحها وعلى اجتنابها، وأنها ليست بالأبدية التي لا تفارقنا كما زعم المفترون ~~عليها. # أما تلك العيوب التي تفترى علينا، فهي التي تفرض علينا القصور كارهين وطائعين كما ~~يزعمون، وهي التي نعرفها أو نجهلها على حد سواء؛ لأن الحيلة فيها عبث، ms57 والأمل في الخلاص ~~منها مفقود. # تلك العيوب ننكرها ونشتد في إنكارها، وليس قصارانا في تبرئة أنفسنا منها أننا نحب أنفسنا، ~~وأننا نشتهي أن نحمدها بحقها أو بغير حقها، وإنما ننكرها ونشتد في إنكارها؛ لأننا نستند إلى ~~خير سند من الواقع الذي لا ريب فيه، ولأننا نعلم من هذا الواقع أننا سبقنا السابقين إلى ~~ثقافة المعرفة وثقافة العقيدة قبل أربعين قرنا، وأننا أعطينا العالم حظا منهما لا يزول ~~منذ أربعة عشر قرنا، وأن ما كان في ماضي الزمن غير مرة ليكونن غير مرة في الزمن القريب، ~~وفي الزمن البعيد. ms58