######OpenITI# #META# URI: 1383CabbasMahmudCaqqad.Yasalunak.Hindawi85807391 #META# Tags: literature #META# ID: 85807391 #META# Title: يسألونك #META# AuthorID: 64642852 #META# Author: عباس محمود العقاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - رسالة الأديب‏ # 2 - مع أبي العلاء في سجنه‏ # 3 - العلم أو الأدب؟!‏ # 4 - السنويات الأدبية‏ # 5 - حول الحرب والشعر‏ # 6 - وأمنيتي ...!‏ # 7 - العامية والفقر‏ # 8 - سؤالان متباعدان‏ # 9 - احتكار الأدب‏ # 10 - نحو من النحو!‏ # 11 - القراءة في زمن الحرب‏ # 12 - في الشعر العربي‏ # 13 - بين التزمت والإباحة‏ # 14 - أسئلة وأجوبة‏ # 15 - سؤالان وجوابان‏ # 16 - المدرسة الرمزية‏ # 17 - الفنون الجميلة ضرورية‏ # 18 - اللعب‏ # 19 - المبالاة‏ # 20 - مسألة الفقر‏ # 21 - الرحمة قوة‏ # 22 - السعادة‏ # 23 - الطموح والتمني‏ # 24 - التلباثي (1)‏ # 25 - التلباثي (2)‏ # 26 - من طرائف المفارقات‏ # 27 - ذبح الفقراء لا يحل مشكلة الفقر‏ # 28 - زواج الأقارب والأباعد‏ # 29 - ماذا نعمل؟‏ # 30 - هل تصبح مصر اشتراكية؟‏ # 31 - هل الحياة «لوترية»؟‏ # 32 - هل عندنا سياسيون ...؟‏ # 33 - مساجلات‏ # 34 - الأدب والإصلاح‏ # 35 - المقترحون والمؤلفون‏ # 36 - الحروف اللاتينية‏ # 37 - الشجاعة الأدبية‏ # 38 - الشعر والقصة‏ # 39 - ندرة البطولة‏ # 40 - توارد الخواطر‏ # 41 - لا نخدع أنفسنا حتى يخدعونا‏ # 42 - القدوة والإصلاح‏ # 43 - المال‏ # 44 - الزوجة المثلى‏ # 45 - ما يمكن تبديله‏ # 46 - الحق المجرد‏ # 47 - حول ما نكتب‏ # 48 - السلفية والمستقبلية‏ # 49 - في مصر فلسفة‏ # 50 - الفلسفة مأمونة‏ # مقدمة‏ # 1 - رسالة الأديب‏ # 2 - مع أبي العلاء في سجنه‏ # 3 - العلم أو الأدب؟!‏ # 4 - السنويات الأدبية‏ # 5 - حول الحرب والشعر‏ # 6 - وأمنيتي ...!‏ # 7 - العامية والفقر‏ # 8 - سؤالان متباعدان‏ # 9 - احتكار الأدب‏ # 10 - نحو من النحو!‏ # 11 - القراءة في زمن الحرب‏ # 12 - في الشعر العربي‏ # 13 - بين التزمت والإباحة‏ # 14 - أسئلة وأجوبة‏ # 15 - سؤالان وجوابان‏ # 16 - المدرسة الرمزية‏ # 17 - الفنون الجميلة ضرورية‏ # 18 - اللعب‏ # 19 - المبالاة‏ # 20 - مسألة الفقر‏ # 21 - الرحمة قوة‏ # 22 - السعادة‏ # 23 - الطموح والتمني‏ # 24 - التلباثي (1)‏ # 25 - التلباثي (2)‏ # 26 - من طرائف المفارقات‏ # 27 - ذبح الفقراء لا يحل مشكلة الفقر‏ # 28 - زواج الأقارب والأباعد‏ # 29 - ماذا نعمل؟‏ # 30 - هل تصبح مصر اشتراكية؟‏ # 31 - هل الحياة «لوترية»؟‏ # 32 - هل عندنا سياسيون ...؟‏ # 33 - مساجلات‏ # 34 - الأدب والإصلاح‏ # 35 - المقترحون والمؤلفون‏ # 36 - الحروف اللاتينية‏ # 37 - الشجاعة الأدبية‏ # 38 - الشعر والقصة‏ # 39 ms001 - ندرة البطولة‏ # 40 - توارد الخواطر‏ # 41 - لا نخدع أنفسنا حتى يخدعونا‏ # 42 - القدوة والإصلاح‏ # 43 - المال‏ # 44 - الزوجة المثلى‏ # 45 - ما يمكن تبديله‏ # 46 - الحق المجرد‏ # 47 - حول ما نكتب‏ # 48 - السلفية والمستقبلية‏ # 49 - في مصر فلسفة‏ # 50 - الفلسفة مأمونة‏ # | يسألونك # | يسألونك # تأليف # عباس محمود العقاد # | مقدمة # | أدب المقالة # أدب المقالة قديم في اللغة العربية بعد قيام الدولة الإسلامية، نشأ مع أدب «الفصول»، ثم ~~امتزج بالقصة فاقترن «بالمقامة»، وهي على أوجز تعريف مقالة قصصية يلاحظ فيها تجويد ~~الإنشاء. # لكن «الفصل» في الحقيقة هو أصل المقالة الأول في الآداب العربية، وربما كانت الكتب ~~العربية عند أول نشأتها فصولا مجموعة على شيء من الصلة في موضوعها أو بغير صلة بينها على ~~الإطلاق، فإذا فتحت الكثير منها قرأت فصلا في «الأخلاق» إلى جانب فصل في أخبار الشجعان ~~والبلغاء إلى جانب فصل في الدهاء والدهاة إلى أشباه ذلك من الموضوعات، التي هي أقرب ~~الموضوعات إلى «المقالة» بوضعها الحديث. # وقد كتب اليونان والرومان الرسائل التي نسلكها في باب القصة مع قليل من التجوز والتوسيع، ~~ومنها رسائل أرسطو وفلوطرخس ورسائل سنيكا وبيني، وتأملات مارك أوريليوس، وما جرى مجراها في ~~الإيجاز وتنوع الموضوع. # ولكن «الفصل» كما عرفه العرب هو أقدم رائد للمقالة في الآداب العالمية؛ لأنه ظهر قبل ظهور ~~مقالات «مونتاني» إمام هذا الفن غير مدافع بين الأوروبيين، فقد ظهر هذا الفن لأول مرة في ~~فرنسا سنة 1571، ثم ظهر بعد ذلك ببضع عشرة سنة في كتابات فرنسيس باكون الحكيم الإنجليزي ~~المشهور، ثم أصبحت المقالة منذ ذلك الحين فنا إنجليزيا شائعا بين قراء الإنجليزية مع ~~سبق الفرنسيين إليه. # وقد سمى مونتاني مقالاته بالمحاولات # Essay ~~، كأنه يعتذر ~~من ترسله فيها بغير تقيد بموضوع واحد أو تعمق في التفكير، وكانت المحاولة في اصطلاح ~~الفنانين هي معالجة صنع التمثال من مادة رخوة كالشمع، وما إليه قبل صبه في قوالب النحاس ~~أو نحته من الرخام، فأراد مونتاني بمقالاته أن تكون محاولات «رخوة» من هذا القبيل، وقصرها ~~على الأحداث المستخفة والتجارب الشخصية، التي ms002 يتناجى بها الإخوان في ساعات السمر وتزجية ~~الفراغ. # فلما تناول «باكون» الكتابة المقالية أقل فيها من الناحية الشخصية، وزاد فيها من ~~الناحية الدراسية، فأصبحت مقالاته أقرب إلى التركيز والإدماج منها إلى التبسط والفكاهة، ~~ولقيت مع ذلك رواجا أي رواج. # ثم نشأت الصحافة فاستقرت المقالة في مكانها الذي لا غنى عنه بنوع آخر من أنواع الكتابة ~~الوجيزة، بعد أن كانت محاولة مترددة بين القبول والإهمال. # وانقسمت مواضيع المقالات على حسب الصحف والمجلات، فما كان منها للتسلية والقراءة العامة، ~~فقد التزمت فيه طريقة مونتاني وتابعيه، وما كان منها للدرس والقراءة الخاصة، فقد غلبت عليه ~~صبغة الجد والإتقان، وقيل في تعريف النمط الأول: إنه أشبه شيء بحديث شخص تفاجئه على غير ~~انتظار، فهو مزاج من التفتح والحيطة العارضة على مسمع من المترقبين المتطلعين ... وقيل في ~~تعريف النمط الآخر: إنه درس يلاحظ فيه تلخيص المطولات وتقريب المتفرقات، وقد يبلغ الغاية ~~من التركيز والإدماج. # والذي نراه نحن في «المقالة» أنها ينبغي أن تكون «مشروع كتاب في موضوعها لمن يتسع وقته ~~للإجمال ولا يتسع للتفصيل، فكل مقالة في موضوع فهي كتاب صغير يشتمل على النواة التي تنبت ~~منها الشجرة لمن شاء الانتظار.» # وقد توخينا هذه الخطة في مقالات هذا الكتاب، وجعلناها كمقالات «الفصول» و«المطالعات» ~~و«المراجعات» و«ساعات بين الكتب»، من حيث الموضوع والحيز وأسلوب التناول، ولكن مقالات هذا ~~الكتاب لا تدخل تحت عنوان من تلك العناوين؛ لأنها كانت على الأكثر أجوبة لأسئلة معينة ~~يوجهها القراء إلى صاحب الكتاب، فهي تخالفها في المناسبة وإن وافقتها في موضوعها وخطتها، ~~وإيثارها الجوانب العامة على الجوانب الشخصية. # وقد آن لها أن تأخذ مكانها بين تلك المجاميع، ونرجو أن تكون عناية الأدباء بالسؤال عن ~~موضوعاتها وعناية القراء بمطالعتها شفيعا لإبرازها في هذه الصفحات بهذا العنوان. # عباس محمود العقاد # الفصل الأول # | رسالة الأديب # كتب الأستاذ توفيق الحكيم من برجه العاجي مقالا يقول فيه: «إن الدولة لا تنظر إلى الأدب ~~بعين الجد، بل إنه عندها شيء وهمي لا وجود له ولا حساب.» # ثم يقول: ms003 «إن انعدام روح النظام بين الأدباء، وتفرق شملهم، وانصرافهم عن النظر فيما ~~يربطهم جميعا من مصالح، وما يعنيهم جميعا من مسائل قد فوت عليهم النفع المادي والأدبي، ~~وجعلهم فئة لا خطر لها ولا وزن في نظر الدولة.» # وكتب مقالا آخر يسأل عن أدبائنا المعاصرين: هل فهموا حقيقة رسالتهم؟ ويذكر ما يصنعه ~~أدباء أوروبا «كلما هبت ريح الخطر على إحدى هذه القيم - وهي الحرية والفكر والعدالة والحق ~~والجمال - وكيف يتجرد كل أديب من رداء جنسيته الزائل؛ ليدخل معبد الفكر الخالد، ويتكلم باسم ~~الهيئة الواحدة المتحدة التي تعيش للدفاع عن قيم البشرية العليا.» # ثم يقول بعد أن وصف سوء حال الأدب في مصر: # أمام كل هذا وقف الأدب ذليلا لا حول له ولا طول، وضاعت هيبة الأدباء في الدولة ~~والمجتمع، وأنكر الناس ورجال الحكم على الأديب استحقاقه للتقدير الرسمي والاحترام ~~العام، فالعمدة البسيط تعترف به الدولة، وتدعوه رسميا إلى الحفلات باعتباره عمدة، ~~أما الأديب فمهما شهره أدبه فهو مجهول في نظر الرجال الرسميين، ولن يخاطبوه (قط) ~~على أنه أديب. # كلام الأستاذ الحكيم في هذين المقالين هو الذي ابتعثني إلى التعقيب عليه فيما يلي من ~~خواطر شتى عن رسالة الأديب، وشأن الأديب والدولة، ومستقبل الأدب في الديار المصرية، أو في ~~الديار الشرقية على الإجمال. ~~••• # فهل من الحق أن الأدب محتاج إلى اعتراف من الدولة لحقوقه؟ # أما أنا فإنني لأستعيذ بالله من اليوم الذي يتوقف فيه شأن الأدب على اعتراف الدولة، ~~ومقاييس الدولة ورجال الدولة. # لأن مقاييس هؤلاء الرجال ومقاييس الأدب نقيضان، أو مفترقان لا يلتقيان على قياس ~~واحد. # فمقاييس الدولة هي مقاييس القيم الشائعة التي تتكرر وتطرد، وتجري على وتيرة واحدة. # ومقاييس الأدب هي مقاييس القيم الخاصة التي تختلف، وتتجدد وتسبق الأيام. # مقاييس الدولة هي عنوان الحاضر المصطلح عليه. # ومقاييس الأدب هي عنوان الحرية التي لا تتقيد باصطلاح مرسوم، وقد تنزع إلى اصطلاح جديد ~~ينزل مع الزمن في منزلة الاصطلاح القديم. # مقاييس الدولة هي مقاييس العرف المطروق، ومقاييس الأدب هي مقاييس الابتكار ~~المخلوق. ms004 # مقاييس الدولة هي مقاييس الأشياء التي تنشئها الدولة، أو تدبرها الدولة أو ترفعها الدولة ~~تارة وتنزل بها تارة أخرى. # ومقاييس الأدب هي مقاييس الأشياء التي لا سلطان عليها للدول مجتمعات ولا متفرقات، فلو ~~اتفقت دول الأرض جميعا لما استطاعت أن ترتفع بالأديب فوق مقامه أو تهبط به دون مقامه، ولا ~~استطاعت أن تغير القيمة في سطر واحد مما يكتب، ولا في خاطرة واحدة من الخواطر التي توحي ~~إليه تلك الكتابة. # ومن هنا كان ذلك العداء الخفي بين معظم رجال الدولة ومعظم رجال الأدب في الزمن الحديث على ~~التخصيص. # لأن رجال الدولة يحبون أن يشعروا بسلطانهم على الناس، ويريدون أن يقبضوا بأيديهم على كل ~~زمام، فإذا بالأدب وله حكم غير حكمهم، ومقياس غير مقياسهم، وميدان غير ميدانهم، وإذا بالعصر ~~الحديث يفتح للأدباء بابا غير أبوابهم، وقبلة غير قبلتهم التي توجه إليها الأدباء فيما ~~غبر من العصور. # ولو بلغنا إلى اليوم الذي تعترف فيه الدولة بالأدباء لما اعترفت بأفضلهم، ولا بأقدرهم ولا ~~بأصحاب المزية منهم، ولكنها تعترف بمن يخضعون لها ويرضون كبرياءها، ويهبطون أو يصعدون ~~بغضبها أو رضاها. # ولسنا في مصر بدعا بين دول المغرب والمشرق، فما من دولة في العالم تعترف بأمثال برنارد ~~شو وبرتراند رسل ورومان رولان، كما تعترف بالحثالة من أواسط الكتاب. ~~••• # هذا عن الأدب وشأنه المعترف به بين رجال الدول، فماذا عن التفرق والتجمع، أو عن أثر هذا ~~أو ذاك في تقويم أقدار الأدباء؟ # أصحيح أن الأدباء في حاجة إلى الاجتماع؟ # أنفع من هذا وأقرب إلى تبيين الصواب أن تسأل: هل صحيح أن شاعرين يشتركان في نظم قصيدة ~~واحدة؟ وهل صحيح أن مصورين يشتركان في رسم صورة واحدة؟ وهل صحيح أن الأدب في لبابه عمل من ~~أعمال التعاون والاشتراك؟ # الحقيقة أن الأدباء حين يخلقون أعمالهم فرديون منعزلون، فلا حاجة بهم إلى محفل يسهل لهم ~~الخلق والإبداع، ولا فائدة لهم على الإطلاق من اتفاق أو اجتماع. # والحقيقة أن التعاون إنما يكون في مسائل الحصص والسهوم والأجزاء، ولا يكون في ms005 مسائل الخلق ~~والتكوين والإحياء. # لأن الفكرة الفنية كائن حي ووحدة قائمة ليس يشترك فيها ذهنان، كما ليس يشترك في الولد ~~الواحد أبوان. # فإذا كان تعاون بين الأدباء، فإنما يكون على مثال التعاون بين الآباء. # إنما يكون تعاونا على رعاية أبنائهم وحماية ذرياتهم، وقلما يحتاج الآباء إلى مثل هذا ~~التعاون إلا في نوادر الأوقات. # فإذا اجتمع الأدباء فلن يرجع اجتماعهم إلا إلى حواشي الأدب أو «ظروف» الأدب كما يقولون، ~~دون الأدب في صميمه. # وإذا اجتمع الأطباء فهناك طب واحد، أو اجتمع المحامون فهناك قانون واحد وقضاء واحد، أو ~~اجتمع المهندسون فهناك هندسة واحدة وبناء واحد، فكيف يجتمع الأدباء كما يجتمع الأطباء ~~والمحامون والمهندسون، وكل أديب منهم نموذج لا يتكرر، ونمط لا يقبل المحاكاة، وأدب تقابله ~~آداب متفرقات. # إن محاميا قديرا ليغني عن محام قدير، ولكن هل يغني أديب كبير عن أديب كبير؟ وهل ينوب ~~خالق في الفنون عن خالق آخر في الفنون؟ كلا ... لن ينوب هذا عن ذاك ولن يختلط هذا بذاك، كما ~~أن الوجه الجميل لا ينوب عند عاشقه عن الوجه الجميل، ولو اشتركا معا في صفة الجمال. # كل أديب نمط وحده، وكل أديب في غنى عن سائر الأدباء، إلا أن يتعاونوا كما أسلفنا في ~~الحواشي والظروف دون الجوهر واللباب. ~~••• # أللأديب رسالة؟ # نعم، ليس بالأديب من ليست له في عالم الفكر رسالة، ومن ليس له وحي وهداية. # ولكن هل للأدب كله رسالة تتفق في غايتها مع اختلاف رسائل الأدباء، وتعدد القرائح ~~والآراء؟ # نعم، لهم جميعا رسالة واحدة هي رسالة الحرية والجمال. # عدو الأدب منهم من يخدم الاستبداد، ومن يقيد طلاقة الفكر، ومن يشوه محاسن الأشياء. # وخائن للأمانة الأدبية من يدعو إلى عقيدة غير عقيدة الحرية، أفيدري الأستاذ توفيق ما هو - ~~في رأيي - خطب الثقافة الإنسانية الذي يخشاه دوهامل ويشفق منه كتاب أوروبا كافة على مصير ~~الذوق والتفكير والفن والشعور المستقيم؟ # أفيدري الأستاذ توفيق ما هو - في رأيي - سر الفتنة الحسية التي غلبت على الطبائع ~~والأذواق، وتمثلت في ملاهي المجون أو ms006 ملاهي الأدب الرخيص؟ # سرها الأكبر هو وباء «الدكتاتورية» الذي فشا بين كثير من الأمم في العصر الأخير. # لأن الدكتاتورية كائنة ما كانت ترجع إلى تغلب القوة العضلية على القوة الذهنية والقوة ~~النفسية. # ولأنها ترجع بالإنسان إلى حالة الآلة التي تطيع وتعمل بغير مشيئة وبغير تفكير. # وأين تذهب المعاني والثقافات بين القوى العضلية والآلات؟ # وأين الأديب الذي يستحق أمانة الأدب وهو يبشر بدين الاستبداد؟! # لهذا بقيت عقول تكتب وقرائح تبدع في الشعوب الديمقراطية، ولم يبق عقل ولا قريحة في بلد من ~~بلاد الدكتاتورية. # فإذا تعطلت الكتابة والإبداع بعض التعطيل في أمة ديمقراطية، فإنما تتعطل من حالة فيها ~~تشبه أحوال الاستبداد، وهي انتشار الكثرة العددية بين جمهرة الشعراء، والرجوع بالذوق إلى ~~العدد الكثير دون المزية النادرة، أي: الرجوع به إلى «الثورة العضلية» لا إلى الحرية أو ~~المزية الفردية. # لكل أديب رسالة. # ورسالة الأدباء كافة هي التبشير بدين الحرية والإنحاء على صولة المستبدين، فما من عداوة ~~للأدب ولا من خيانة لأمانة الأديب أشد من عداوة «القوة العضلية» وأخون من خيانة ~~الاستبداد. # الفصل الثاني # | مع أبي العلاء في سجنه # قال صديقنا الدكتور طه حسين في تبيين مقصده من كتابه هذا: «وستقول: فإنك إن مضيت على هذا ~~النحو لم تقدم إلينا كتابا في البحث العلمي ولا في النقد الأدبي، وإنما تتحدث إلينا عن ~~صديق! وهذا حق، فإني لا أقدم إليك كتابا في البحث العلمي عن أبي العلاء، ولا في النقد ~~الأدبي لأبي العلاء، ولعلي قدمت إليك من ذلك ما فيه مقنع، وإنما أتحدث إليك عن صديق لا يرجى ~~نفعه ولا يتقى شره، ولا يصدر المتحدث عنه إلا عن الحب المبرأ من الرغب والرهب ومن الطمع ~~والإشفاق، أفتراك تكره مثل هذا الحديث؟ ألم تسأم مثل هذه الأحاديث الكثيرة التي تمتلئ ~~بالبحث العلمي والنقد الأدبي، والتي تكتب ابتغاء لرضا الأصدقاء واتقاء لسخطهم ~~...؟» ~~••• # وقد أحسن الدكتور القصد، وأحسن التعريف، فكتابه حديث المرء عمن يحب لمن يحب، وأراه مذكري ~~أحاديث الآباء عن أبنائهم الأعزاء: كيف يضحكون وكيف يبكون، وكيف ms007 يخطون وكيف يتعثرون، ~~والسامع يرتاح إلى الإصغاء إن كان ممن يعنيهم أمر أولئك الأبناء، فأما إن لم يكن منهم فإلى ~~غيره يساق الحديث، وليس من حقه أن يلوم المتحدث كما ليس من حق القارئ الذي يطلب الهندسة أن ~~يلوم المؤلفين الذين لا يكتبون كتابة المهندسين. # وأنا ممن يحبون أبا العلاء وممن أطالوا قراءته في أول عهد الشباب، وما أحسب أحدا من ~~الشبان المشغولين بالأدب لم تمض به فترة معرية في باكورة كفاحه حين تصطدم أحلام الصبا ~~بمتاعب الدنيا، وتجارب الأيام، فهناك يروقنا التشاؤم، ويعجبنا من يعيبون لنا الحياة. ثم ~~نخرج من هذه الربقة فنعاودها معاودة الحنين إلى تلك الباكورة المشتهاة، ونقرنها بذكرى ~~الشباب وذكرى الأحلام، ونعطف عليها كما يعطف الرجل الجلد على بكاء طفولته، وهي لا تستوجب ~~بعض ذلك البكاء. # فما زلت أعتقد وأزداد مع الأيام اعتقادا أن بغض الحياة أسهل من حب الحياة، وأن الأدوات ~~النفسية التي نلمس بها آلام الحياة أعم وأشيع، وأقرب غورا من أدوات النفس التي نلمس بها ~~أفراح الحياة العليا ومحاسنها الكبرى، فالفرح أعمق من الحزن في رأيي ولا مراء! وليس الحزن ~~قدرة بل هو انهزام أمام قدرة ... أما الفرح فهو القدرة والانتصار. # والدكتور طه لفرط حبه أبا العلاء يتهم نفسه بمحاباته، فيقول: «قل إني أوثر أبا العلاء ~~وأحابيه وأرضى منه أشياء لا أرضاها من غيره، فقد لا تخطئ ولا تبعد، وأظنني نبهتك إلى ذلك في ~~أول الحديث، وقلت غير مرة: إني لا أملي كتابا في البحث العلمي ولا في النقد الأدبي، وإنما ~~أسجل خواطر أثارتها في نفسي عشرة أبي العلاء في سجنه وقتا ما.» # فمن المصادفات العجيبة أنني حابيت أبا العلاء على نحو قريب من هذا النحو، ولكني لم أسمها ~~محاباة، بل قلت: إنها هي الإنصاف المعقول في قياس الأقوال بالقائلين، وعبت من نصحونا بأن ~~ننظر إلى ما قيل لا إلى من قال، فكتبت قبل ثلاثين سنة في مذكراتي التي جمعتها باسم «خلاصة ~~اليومية» أنها قاعدة لا يصح إطلاقها على كل حال، فالكلمة تختلف ms008 معانيها باختلاف قائليها، ~~وكلمة مثل قول المعري: # تعب كلها الحياة فما أع # جب إلا من راغب في ازدياد # يؤخذ منها ما لا يؤخذ مما تسمعه في كل حين بين عامة الناس من شكوى الحياة، وتمني الخلاص ~~منها؛ لأننا نثق بأن المعري مارس الأمور الجوهرية في الحياة ودرس الشئون التي تكون منها ~~عذبة أو مرة، نكدا أو رغدا، ولم يسبر منها أولئك العامة إلا ما يقع لهم من الأمور التي لا ~~تكفي للحكم على ماهية الحياة. # فكلانا إذن يسمع القول من شيخ المعرة فيعجبه، ويسمع القول في نفسه من غير الشيخ فلا يحظى ~~عنده بذلك الإعجاب، لكن صديقنا الدكتور يسميها محاباة ومجاملة لصديق، وأنا أجري فيها على ~~سنتي الغالبة في كل شيء من التوفيق بين الحجة والعاطفة، فلا أبرح بالعاطفة حتى أقنع بها ~~عقلي، وأثبت له أنها جديرة بإقراره وترخيصه، فيعيش العقل والعاطفة معا في وئام، وأخلص بهذا ~~مما يقع بينهما من ملام وصدام. # وشيء آخر أخالف به الدكتور، أو تخالف فيه طريقتي طريقته في صداقة أبي العلاء. # فأنا لا أذكر أنني كرهت أحدا أحبه أبو العلاء، أو أحببت أحدا كان هو من كارهيه. # أما الدكتور فيعلم ما كان في نفس صاحبه من الحب والإكبار لأبي الطيب، ثم يقول: «أنا أقدر ~~فن المتنبي وأعجب ببعض آثاره إعجابا لا حد له، وأعجب ببعضها الآخر إعجابا متواضعا إن صح ~~أن يتواضع الإعجاب، وأمقت سائرها مقتا شديدا، ولا تثير حياة المتنبي في نفسي إشفاقا عليه ~~ولا رثاء له، وإنما هو مغامر طلب ما لم يخلق له، وتعرض لما كان يحسن أن يعرض عنه، فانتهى ~~إلى ما ينتهي إليه أمثاله المغامرون.» # ترى ماذا كان المعري قائلا للدكتور لو سمع منه هذا المقال؟ أخشى أن تكون وقيعة بين ~~الصاحبين ... وإن كنت لا أخشى أن يعود الشيخ إلى استحسان قصيدة أبي الحسين التي ~~مطلعها: # لك يا منازل في القلوب منازل # أقفرت أنت وهن منك أواهل # لأن الشيخ يعلم أن الدكتور لا يكره أبا الحسين كراهة الناقص للكامل، ms009 ويستشفع له بشفيع من ~~طيب النية وصدق الولاء. # والحق أنني أعجب لهذا النفور بين الدكتور وشاعرنا العربي الكبير، وما أنا ممن يستحسنون كل ~~شعره ولا كل عمله، ولكني أزن ما زاده في ثروة الآداب العربية، وما زاده في شرور الحياة بسوء ~~عمله وسوء خلقه، فأعلم أن الحياة لم تفسد بفساد المتنبي، وأن الأدب قد صلح بصلاح شعره، وأن ~~لأصغر الهلافيت من خلق الله لسيئات أكبر من سيئات المتنبي بكثير، واحتملتهم الدنيا مع ذاك ... ~~أفتحتمل الدنيا هذا من أصغر الهلافيت، ولا تحتمله من الرجل الذي لو قبلنا حسناته بألف ضعف ~~من سيئاته لكنا نحن الرابحين؟ # هنا أيضا أعود إلى العاطفة والحجة، وأحسبني أقرب من الدكتور إلى وفاق الصداقة بيني وبين ~~شيخ المعرة، وأقرب إلى الإنصاف. ~~••• # أهذا كل ما أخالف به الدكتور من رأي أو هوى في حديثه عن صديقنا العظيم؟ # كلا! بل هناك خلاف وخلاف، وأكثر من خلاف وخلاف. # هناك قول الدكتور تعقيبا على كلام الأديب الفرنسي بول فاليري في المصور ديجاس: «العجيب ~~الذي لم أكن أتوقعه ولا أفترضه أن كثيرا من صفات هذا المصور الفرنسي الذي كنت أسمع اسمه، ~~وأجهل من أمره كل شيء، تشبه ما ألفت وأحببت من صفات أبي العلاء، فشدة الرجل على نفسه إلى ~~أقصى غايات الشدة، وشك الرجل في مقدرته إلى أبعد آماد الشك، وارتياب الرجل بأحكام الناس في ~~أمور النفس، وزهد الرجل في الشهرة وبعد الصيت، وفي الثراء وسعة ذات اليد، وانصرافه عن الحمد ~~الكاذب والثناء الرخيص، وتأجيله لذة الظفر بالفوز، وخلقه المصاعب لنفسه، وبغضه للطرق القصار ~~والأبواب الواسعة، وإيثاره الطرق الطوال والأبواب الضيقة - كل هذه الخصال، التي يحدثنا بها ~~بول فاليري عن صديقه وأثيره ديجاس قد حدثتنا بها القرون والأجيال عن أبي العلاء، إلا أن ~~الأول كان مصورا رساما، والآخر كان شاعرا حكيما ...» # أفصحيح أن المعري وديجاس شبيهان في خليقة واحدة؛ لأنهما على نفسيهما صارمان؟! # هنا قسوة وهناك قسوة، وهنا تعذيب وهناك تعذيب، ولكن أين قلق الفنان في سبيل الخلق من قلق ~~الناسك في ms010 سبيل الإحجام؟ أين تعذيب الجواد بالسوط لينبعث ويسبق من تعذيب الجواد باللجام ~~ليسكن ويكف عن الوثوب؟ # أين اللزوميات وهي قيود، من «الأمبرشنالزم» وهي انطلاق من القيود؟ أين رياضة الفقير ~~الهندي المتقشف من رياضة الحسناء بالتقتير على جسدها في الشراب والطعام؛ لتزداد جمالا على ~~جمال ونشاطا على نشاط؟ أين الزهد في المال انصرافا إلى الغنى من الزهد في المال انصرافا ~~عن الدنيا؟ إن الفرق بين تعذيب وتعذيب ليبلغ أحيانا من السعة أبعد مما بين النعيم والعذاب، ~~وهكذا كان الفرق بين صرامة المعري وصرامة ديجاس. ~~••• # وثمة خلاف غير هذا الخلاف بيني وبين الدكتور في حديثه عن صديقنا القديم. # فالدكتور ينقل شذرة من فصول المعري وغاياته يقول فيها: # يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، ويسمع الأصوات بيده، وتكون بنانه مجاري ~~دمعه، ويجد الطعم بأذنه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغرض على هامته، وأن يقرن ~~بين النيروسنير حتى يريا كفرسي رهان. # ثم يعقب الدكتور على هذه الشذرة، فيقول: «أما أنا فما أشك في أن أبا العلاء قد قصد بهذا ~~الفصل خاصة إلى رأي من أشد الآراء الفلسفية الأبيقورية خطرا؛ وهو إنكار العلة الغائية، ~~وإثبات أن العالم كما هو لم يخلق لغاية معينة من هذه الغايات التي نعرفها نحن، ونزعم أن ~~الأشياء قد خلقت لتحقيقها.» # وعندنا نحن أن سماع الإنسان بيده، أو شمه الروائح بمنكبه لا ينفي العلة الغائية؛ لأن ~~الوسيلة والغاية هنا موجودتان، ولم تختلف إلا الوسيلة التي تتحقق بها الغاية. # وأصوب من هذا أن يقال: إن رأي المعري شبيه برأي المعاصرين الذين يقولون: «إن الوظيفة تسبق ~~العضو، وإن القوة تسبق الظاهرة.» # فإذا وجدت الرغبة في الحركة أو في هضم الطعام وجدت الأعضاء التي تتكفل بأداء هذه الوظيفة ~~على اختلاف الأشكال والأوضاع في أجناس الحيوان. # وللشاعر الإنجليزي «كولردج» - على ما أذكر - كلمة في مصور عظيم يقول فيها: «إنه لمصور ولو ~~خلق بغير ذراعين.» مريدا بذلك أن التصوير وظيفة قبل أن يكون عضوا من الأعضاء، فلو خلق ~~المصورون بغير أذرع لخلقت لهم وسائل أخرى ms011 لإبداع ما لا بد أن يبدعوه. ~~••• # وقال الدكتور يخاطب أبا العلاء: ~~... أنت لا تعرف ما باريس وما أظنها قادرة على أن تصرفك عن حزنك وتشاؤمك، بل أنا ~~واثق بأنك لو عرفتها لأمعنت في حزنك وتشاؤمك كشأنك حين عرفت بغداد، أما أنا فإن ~~باريس تصرفني عن الحزن والتشاؤم، وتثير في نفسي لذات عقلية ليست أقل من هذه اللذات ~~التي أجدها في الحديث إليك والحديث عنك، وهي على كل حال تزعجني عن سجنك الذي كنت ~~أود لو أطيل المقام فيه: ومن يدري لعلي أسأم لذات باريس، فأفزع منها إليك من حين ~~إلى حين، فليكن وداعي لك الآن موقوتا، ولأقل لك في لهجة المحب المشفق الوامق: إلى ~~اللقاء. # فالدكتور واثق بأن أبا العلاء لن يكون في باريس إلا كما كان في بغداد. # فما باله أراد مني أن أجعل أبا العلاء يرى في باريس ما يراه السائحون، ويقول فيها ما ~~يقوله أولئك السائحون؟ # في هذه أنا أيضا أقرب إلى وفاق الصداقة من الدكتور. # أنا ذهبت إلى باريس بالخيال فأخذت إليها صاحبي بالخيال، والدكتور طه ذهب إلى باريس حسا ~~وخيالا، فأبى على صاحبه المزاملة وهتف به ... إلى اللقاء! # وما أردت - علم الله - أن أوغر صدر الشيخ على صديقنا الدكتور، أو أن أظفر بنصيب من ~~الحظوة عنده فوق نصيبه، ولكنني أحببت الحديث عن الشيخ ولم أحبب أن يكون تكريرا وإعادة ~~تبطل بها متعة الحديث، فليكن خلاف وكان خلاف! وإنما اتفاق في حب التحدث عن صاحبنا ~~المحبوب. # الفصل الثالث # | العلم أو الأدب؟! # سألني أديب عن رأيي في خسارة العالم بفقد أديسون وماركوني، وخسارته بفقد شكسبير ~~وبرناردشو. # ورأيي فيما هو الأسبق: «العلم أو الأدب؟!» وهل خلق الإنسان بطبيعته عالما يتجه فكره إلى ~~تهيئة أسباب معيشته، أو خلق بطبيعته أديبا يميل إلى الشعر والفنون؟ # وما الرأي في كلمة الأستاذ أحمد الصاوي المنشورة في الأهرام يوم 17 يونيو، التي يناشد ~~الشباب المصري فيها أن يهجر الأدب والشعر، وينصرف إلى العلم والاختراع ليكون رجلا عمليا ~~عاملا؟ وختمها بقوله: «... اسكتي إذن يا ms012 آلهة الشعر لقد ذهبت أوانك وتلاشى سلطانك، وأخرجي ~~أيتها الأرض شبابا واقعيا قويا يفل الحديد بالحديد، والنار بالنار لا بالقصائد ~~والأشعار.» ~~••• # وقد رجعت إلى أعداد «الأهرام» منذ السابع عشر من شهر يونيو، فقرأت فيها حوار الأستاذين ~~الصاوي والحكيم عن الشعر والسلاح، وتتبعت ذلك الحوار إلى أن بلغت به «مربط حمار الحكيم» ~~و«فيران السفينة»؛ وانتهيت منه وأنا أقول: الحق على أساتذة الإنشاء منذ نيف وأربعين سنة في ~~الديار المصرية ... فلولا موضوعات المقابلة بين الصيف والشتاء، وبين الذهب والحديد، وبين ~~العلم والمال، وبين العلم والأدب، لما وقع في الأذهان ذلك الخاطر الذي نعود إليه في مصر ~~فترة بعد فترة؛ لنقضي للعلوم على الفنون، أو للفنون على العلوم، أو لنوحي بهذه دون تلك في ~~تثقيف الأمة وتعليم الشباب. # فما معنى هذه المقابلة؟ # هل النفس الإنسانية صهريج من المعدن يزيد فيه من العلم بمقدار ما ينقص من الأدب؟ هل العلم ~~والأدب ضرتان تلقى إحداهما من الحظوة والزلفى بمقدار ما تلقى صاحبتها من الهجر والإعراض؟ ~~هل الجمع بين العلم والأدب في الأمة الواحدة مستعص أو مستحيل؟ # فإن لم يكن شيء من ذلك كما يحسبه الحاسبون، فما معنى هذه المقابلات؟ وماذا نجني من ~~الإزراء بالعلوم محاباة للآداب والفنون؟ أو من الإزراء بالآداب والفنون محاباة ~~للعلوم؟ # ماذا نجني من هذا وذاك ونحن فقراء في هذا وذاك؟ # وماذا أصبنا من الفن والأدب حتى يقال: إننا قد شغلنا به عن العلم والاختراع؟ # بل ماذا عندنا مما اخترعه الآخرون حتى نبحث في اختراع الجديد، ونزعم أننا لولا الفن ~~والأدب لاخترعنا نحن أيضا مع المخترعين؟ # أما إذا أغضينا عن أنفسنا ونظرنا إلى أحوال غيرنا، بل إلى الأحوال التي دعت إلى كتابة ما ~~كتب في تفضيل السلاح على الشعر، أو تفضيل القوة على الذوق، فماذا نحن واجدون؟ # نجد أمة غلبت عدوها بالدبابات والطيارات، وهي لم تخترع الدبابات والطيارات، ونجد أمة لها ~~مهندسون غلبت أمة لها كذلك مهندسون، لعلهم أفضل من أولئك المهندسين. # فالمسألة ليست مسألة اختراع الدبابة والطيارة، ولا هي مسألة الهندسة ms013 والصناعة، ولكنها ~~مسألة «الباعث النفسي» الذي يكمن وراء علم العلماء، واختراع المخترعين، وهندسة ~~المهندسين. # وهذا «الباعث النفسي» هو الحقد الذي تأجج في صدور الألمان، فجعلهم يطلبون من الدبابة ما لم ~~يطلبه منها أصحابها الأولون. # فإن كان رأي الأستاذ «أحمد الصاوي» أن يملأ النفوس بالحقد؛ لأن هذا الحقد قد صنع من ~~الدبابة ما لم يصنعه منها الاطمئنان والرضا، فله رأيه الذي يرتضيه بمعزل عن الشعر والفن، أو ~~بمعزل عن المفاضلة بين المهندسين والشعراء. # أما إن كان يريد بما كتب شيئا غير هذا، فليس في المقدمات ما يبني عليه نتيجة غير تلك ~~النتيجة، وليس في انتصار مقاتل على مقاتل من جديد يمسح ما كتبته الإنسانية إلى الآن، ويخط ~~في مكانه سطورا أخرى لم يكتبها التاريخ. # قال الأستاذ أحمد الصاوي: «... المهندس هو الذي جلس أمام لوحه الخشبي، ورسم على الورق أقصى ~~ما يخطر بالبال من خيال الأهوال: تصور الموت نفسه أمامه وتحداه بالحديد والنار، فرسم ~~الطيارة ورسم الدبابة ورسم الغواصة، ثم عاد فرسم لكل آلة من هذه عناصر دمار جديدة، فلم يكتف ~~بنوع واحد من الطيارات والدبابات.» ~~«... هذه هي رسالة المهندس والكيميائي يعملان جنبا إلى جنب، هذا هو الحاضر، وهذا هو ~~المستقبل، فإلى الشباب المصري الذي يريد الأدب، ويتعلق بالقصص ويحب الشعر نقول: استيقظ، لقد ~~دقت ساعة الحقائق، فانصرف إلى العلم بكل قواك ...» # فهل الهندسة هي التي صنعت هذا الصنيع؟ # لو كانت الهندسة هي التي صنعته لكان أولى المهندسين به هم أصحاب الاختراع من الإنجليز ~~والفرنسيين: هم الذين اخترعوا الدبابة، وشغلوا بتحسين الطيارة في الوقت الذي أقبل فيه ~~الألمان على المناطيد من أيام زبلين وخلفاء زبلين. # فعند الإنجليز والفرنسيين مهندسون كالمهندسين الذين عند الألمان، بل هم المهندسون ~~السابقون المتفوقون في هذا الميدان. # ولكن «البواعث النفسية» هي التي جلست وراء المهندس، فأوحت إلى الهندسة في أمة حاقدة ما لم ~~توحه إلى الهندسة في أمة مطمئنة راضية. # والبواعث النفسية هي كل شيء. # هي الحياة، وكل ما عدا ذلك فهو أدوات وآلات. ~~••• # والآن وقد ظهرت الدبابات ms014 الضخام، هل يستطيع قائل أن يقول: إن قلة الهندسة عند الفرنسيين ~~والإنجليز هي التي أقلت نصيبهم من تلك الدبابات الضخام، أو هي التي تمنعهم أن يخترعوا ~~مثلها، أو يخترعوا لها آفة تقضي عليها وتفلها على نحو ما يقولون: إن الحديد يفله ~~الحديد؟ # كلا! # ليست قلة الهندسة هي العلة؛ فالهندسة هنا كثير، وإنما العلة «فرصة الوقت» إذا اتسعت أو ~~ضاقت للمخترعين، ولن تكون الهندسة هي الباعث على اغتنام الفرصة المنشودة، وإنما هي البواعث ~~النفسية التي أسلفنا الإشارة إليها، وهي في الحرب والسلم أمضى سلاح. # وهل يعلم الأستاذ الصاوي كم من الملايين الثلاثة، أو الملايين الأربعة الذين زحفوا على ~~فرنسا من الشباب الألمان يدرسون العلم، ويقرءون الهندسة؟ وكم منهم يقرءون القصص ~~والروايات؟ # كلهم قراء روايات وقصص كما ظهر من إحصاء الكتب التي كانت ترسل إليهم في الميادين، فإذا ~~طلبوا من الروايات والقصص كتبا أخرى، فذلك هو كتاب هتلر الذي يفرضونه هناك على جميع ~~الشبان، وليس هو بهندسة ولا بعلم واختراع، ولكنه شيء أقرب إلى الأحاجي والأساطير! ~~••• # فالهندسة ليست مصدر القوة الألمانية. # والأدب لم يكن مصدر ضعفهم يوم انهزموا في الحرب الماضية ... لا شأن للهندسة هنا أو هناك، بل ~~الشأن كل الشأن للبواعث النفسية، ثم تكون هندسة القوم أو يكون أدب القوم على حسب تلك ~~البواعث من الحركة أو السكون، ومن الخير أو الشر ومن الصلاح أو الفساد. # ويح الإنسان ... كم تروعه الضجة وكم تخلبه قعقعة السلاح! # ماذا لو طبقنا رأي الأستاذ الصاوي على العلم نفسه، ولا نقول على الفن والأدب والقصة ~~والرواية؟ # يوم أن هزمت فرنسا في حرب السبعين كان اسم بسمارك ومولتكه يدوي في كل زاوية من زوايا ~~الأرض، ويجري على كل لسان في المغرب والمشرق. # وكان في زاوية من زوايا فرنسا رجل يدعى لويس باستور يكشف جراثيم الأوبئة وأسرار التعقيم، ~~ويعرض نفسه كل لحظة لهلاك لم يتعرض له بسمارك في العمر الطويل. # فما رأي الأستاذ أحمد الصاوي في رجل غاضب مثله متحمس مثله ناصح لبني الإنسان مثله يدخل ~~على الشيخ ms015 باستور، فيقول: قم أيها الشيخ الفارغ ولم قواريرك وأنابيبك؟! الوقت وقت نار ~~وحديد، وليس بوقت ماء وزجاج؟! # وأين مع ذلك حرب السبعين كلها بما انطلق فيها من المدافع، وانصهر فيها من الحديد إلى جانب ~~تلك الأنبوبة التي لم يسمع بها ساكن الحجرة المجاورة في بيت باستور؟ # لكنها الضجة التي تروع الإنسان، ويح الإنسان، ثم ويح الإنسان! # ولو سألنا له جزاءه الحق لسألنا له طوفانا من الطغيان يغرقه إلى آخر الزمان، ويشبعه ما ~~استطاع الشبع من الحدائد والنيران. # ولكنه مخلوق غافل تشفع له نية مصلح أو نفحة فنان. # وقد نعلم رأي الصاويين جميعا فيما يقولون الآن، إذا نسيت الحرب القائمة، وبقيت صرخة من ~~صرخات النفس الإنسانية، لعلها تنظم اليوم في قصيد، أو تثبت في لوحة فنان أسوان. # الفصل الرابع # | السنويات الأدبية # كتب إلي أكثر من مستفهم يسألون عن «السنوية التاجورية»، التي أشرت إليها في تحيتي إلى ~~تاجور من مقال بالرسالة قلت فيه: «خطر لنا أن نرجع إلى السنوية التاجورية؛ لنستخرج الفأل ~~مما كتب فيها من أقوال تاجور بإزاء اليوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر، ولكل يوم من أيام ~~هذه السنوية كلمة أو بيت أو خاطرة من مأثورات الشاعر العظيم ...» ~~••• # وهم يطلبون بيانا عن هذه السنوية، هل هي من صنع الشاعر؟ وهل للشعراء والأدباء المشهورين ~~غير تاجور سنويات على هذه الوتيرة؟ وهل تتجدد في كل سنة، أو تصدر في سنة واحدة ثم تتكرر على ~~نمط واحد؟ إلى أشباه ذلك من أسئلة وتعقيبات. # وسنويات الأدباء والشعراء هي نوع من السنويات الكثيرة، التي افتن فيها الطابعون والناشرون ~~في الأمم الغربية. # فهناك سنويات لمحبي الأزهار ينشرونها للفن والجمال، أو ينشرونها للعلم والخبرة العملية، ~~فما كان منها للفن والجمال زخرفوه بنقوش الأزهار الملونة، ونثروا خلالها شذرات من أقوال ~~الأدباء والشعراء في الرياض والرياحين، وجعلوا بعض حروفها البارزة على مثال الورود ~~والأوراق، وجملوها بما استطاعوا من جمال الشعر والتصوير، وما كان منها للعلم والخبرة ~~العملية رتبوا فيه مواسم الغرس والنقل، وبثوا فيه الوصايا والنصائح عن السقاية والتظليل، ms016 أو ~~التعريض للنور، مما له نفع في إنماء النبات وإنماء الزهر على الخصوص. # وهناك سنويات لمحبي الكتب يذكرون فيها المعلومات المتفرقة عن المكتبات التاريخية والكتب ~~النادرة، ونشأة الكتاب في أطواره المتعاقبة وقوانين الطبع والنشر، وحقوق المؤلفين ~~والمترجمين، وما إلى ذلك من الحقائق والأنباء التي يعنى بها الكتاب والقراء، وقد يصدرون ~~السنوية بمقدمة نفيسة تختلف، كما تختلف المعلومات الأخرى عاما بعد عام. # وهكذا السنويات التي ينشرونها لمحبي العصافير أو محبي الرحلات، أو محبي الصيد أو محبي ~~الرياضة وما إلى ذلك من ضروب اللهو والمتع النفسية والذوقية، فمن جمعها عنده فليس من ~~الضروري أن يملأ فراغها ويشتغل بما يشتغل به طلابها وهواتها، بل لعله يجمع منها مكتبة ~~للمعرفة: كل سنوية منها بكتاب جامع لأشتات الطوائف والمقتبسات والأخبار. # أما سنويات الأدباء والشعراء، فهي المفكرات السنوية المألوفة التي تخصص منها صفحة أو أقل ~~من صفحة لكل يوم من أيام العام، ولكنهم يجعلون للأديب أو الشاعر المشهور مفكرة باسمه ~~يصدرونها بترجمته، وفصل قيم لكاتب من كبار الكتاب في نقده، والتعريف بخصائصه ومزايا شعره ~~ونثره، ويقرنون كل صفحة بيوم من أيام السنة بصفحة من مختاراته تناسب الموعد أو تمت إليه ~~بسبب، وربما اشتملت الصفحة على فقرة واحدة أو بيت واحد، وربما اشتملت على أكثر من ذاك، حسب ~~التفاوت في الحجم والموضوع. # وقلما تتغير هذه المفكرات سنة بعد سنة، ولكن الطابعين المتعددين قد يصدرون مفكرات متعددة ~~لشاعر واحد، وقد تكون المفكرة المفردة أو المفكرات المتعددة أوفى من أحسن المختارات التي ~~تختار لذلك الشاعر، وأحظى بالقراءة والنظر من الكتب التي توضع على رفوفها، ولا تحمل بالليل ~~والنهار حيثما مضى صاحبها، وكلما احتاج إلى النظر في مفكراته اليومية. # وهنا معرض للعجب لا يفرغ منه المتعجب! # ففي الغرب حيث يستغني القراء عن التشويق والإغراء يوجد التشويق على أبرعه والإغراء على ~~أشده. # وفي الشرق حيث يحتاجون إلى جميع المشوقات والمغريات لا يوجد من يغري ولا من يغرى، ولا ~~يزالون على ما بهم من الجهل كأنهم أزهد الناس في الدرس والاطلاع. # وليس ms017 هذا وحده بمعرض العجب في شئون الكتابة والقراءة عندهم وعندنا. # ففي الغرب حيث يظفر الكاتب بأحسن الجزاء من قرائه يعطيهم ما يعطي من ثمراته، ولا ترهقه ~~الشروط، ولا تثقل عليه القيود، ولا يتمحلون له أسباب العيب والتجني والانتقاص، فليس في ~~إنجلترا من يشترط على برناردشو مثلا أن يحلق لحيته، أو يقلع عن بدعة النباتية في طعامه، أو ~~يدين في السياسة والاجتماع بمثل ما يدين به، أو ينهج في معيشته أو اعتقاده نهجا غير الذي ~~ارتضاه لنفسه. # وفي الشرق حيث لا يغني الجزاء، ولو وفر القراء، ترى العالم القارئ أو جمهرة القراء كأنهم ~~الطفل الممعود، لا أكثر من شروطه ولا أقل من زاده، ولا أعجب من مطالبه ومقترحاته: تعطيه ~~الحلوى فيطلب الفاكهة، وتعطيه الفاكهة فيطلب الخبز واللحم، وتعطيه الخبز واللحم فيطلب ~~المطبوخ إذا أعطيته الشواء، ويطلب الشواء إذا أعطيته المطبوخ، ويتحكم وهو في مطعم الصدقة، ~~أو شبيه بمطعم الصدقة! ثم لا هو بالآكل، ولا هو بالشاري، ولا هو بالملتمس العلاج لما عنده ~~من ضعف القابلية قبل أن يلتمس العلاج للطاهي وأصناف الطعام. # واسمع غرائب ما يطرق الآذان ويصك الأذهان: فهذا الكاتب لماذا لا يكتب في القصة؟ ولماذا لا ~~يكتب في الدين؟ ولماذا لا يكتب في الفكاهة؟ ولماذا لا يكتب في هذه الصحيفة أو تلك المجلة؟ ~~وهذا الكاتب لماذا لا يطلق لحيته؟ أو لماذا لا يقصها؟ وهذا الكاتب لماذا لا يعجب بفلان ولا ~~يقلع عن الإعجاب بفلان؟ وهذا الكاتب لماذا لا يتوجه إلى جمهرة القراء قارئا قارئا؛ ليعفر ~~وجهه بتراب الاعتذار والاستغفار، ويعترف بما يسومونه من اعتراف أو ينكر ما يسومونه من ~~إنكار؟ # وخذها قاعدة لا ريب فيها أن الشروط عندنا تزيد بمقدار ما يقل الجزاء، وأن الجزاء عندهم ~~يزيد بمقدار ما تقل الشروط. # أليس هذا بعجيب؟ # بلي، ولكنه عجب في الظاهر دون الحقيقة، وما من عجب صحيح في كثرة الطهاة حيث يكثر الآكلون، ~~ولا من عجب صحيح في كثرة الافتنان والتسابق إلى الإتقان حيث يكثر الطهاة في مكان. # فالغربيون يفتنون في ms018 الطبع والنشر والتشويق والترغيب؛ لأن طهاة الأدب كثيرون، وآكلي ~~الأدب كثيرون. # وكذلك تقل الشروط عندهم؛ لأن الطعام مطلوب هنا إن لم يطلب هناك، وسائغ في بعض الأذواق إن ~~لم يسغ في غيرها من الأذواق. # أما الطفل الممعود فكيف يعيش الطاهي إلى جانبه؟ وكيف يقلع عن الاقتراح والاشتراط وهو لا ~~يأكل ولا يشتهي؟ # لو أنه أكل لما اشترط واقترح. # ثم إنه ليجد شروطه كاملة وافية دون أن يطلبها ويلح في تقاضيها؛ لأن الطهاة يكثرون حيث ~~يكثر الآكلون، ثم يتنافس الطهاة فيجيدون ويبدعون. ~~••• # لقد أخذنا المفكرات السنوية من الطباعة الغربية، ولكننا لم نأخذ بعد افتنانهم في أوضاعها ~~ولا في موضوعاتها ، فقلما تختلف مفكراتنا السنوية بغير الحجم وصنف الورق ولون الغلاف، وقد ~~يزيدون عليها بعض الحكم والأمثال على غير قصد مرسوم أو تفرقة منوعة. # وإني لأكتب هذا المقال، وأود أن يصل إلى طائفة من الناشرين والطابعين، فيتخذوا من ~~المفكرات مروجا للأدب ومن الأدب مروجا للمفكرات، ويخرجوا لنا مفكرة للمتنبي ومفكرة ~~للبحتري، ومفكرة لابن الرومي، ومفكرات للجاحظ وابن المقفع ومحمد عبده وقاسم أمين وسعد زغلول ~~وسائر العظماء من الكتاب والمصلحين والقادة في عصورنا الغابرة والحاضرة، وإذا خيفت قلة ~~الإقبال على مفكرة مقصورة على أديب واحد فلتطبع منها طبعات متفرقة لأدباء متعددين، فيجتمع ~~من المفكرة كلها ديوان منتخب لأدباء العربية، ويقتني القارئ الواحد أكثر من مفكرة واحدة إذا ~~حسن الاختيار والتنويع. # ومهما يكن من الإعراض عن القراءة، فلا إخال أن الكتيب الصغير الذي يباع بدريهمات، ويحتوي ~~ثلاثمائة وستين معنى للمتنبي أو المعري يعدم مئات القراء إذا استكثرنا عليه الألوف، وقد ~~يقبل عليه من لا ينشط لقراءة الدواوين والكتب، ولكنه يتسلى بالبيت بعد البيت والمعنى بعد ~~المعنى كلما قلب صفحة لإثبات موعد أو تقييد حساب. ~~••• # ونعود إلى تاجور الذي بدأناه بالتحية، وذكرنا من أجله هذه المفكرات السنوية. # فنحمد الله أنه بات بمنجاة من الخطر، وأن النبأ الذي انتظرناه مبشرا بسلامته قد سرى بين ~~أرجاء العالم في هذا العهد الذي ندرت فيه أنباء السلامة، فكان له جمال ms019 الندرة الموموقة، ~~وغبطة الترفيه المنشود في أوانه. # ونفتح السنوية التاجورية على شهر أكتوبر، فنقرأ له تحية الخريف التي يقول فيها: «المساء ~~يومئ، وبودي أن أتبع السفر # 1 # الذين أقلعوا في الزورق الأخير لعبور الظلام: منهم من هو راجع إلى مقره، ومنهم ~~من يذهب إلى الشاطئ البعيد، وكلهم قد اجترأ على الرحيل، وأنا على المورد وحدي قد تركت مقري، ~~وأخطأت الزورق وذهب مني الصيف وليس لي في الشتاء حصاد، وهأنذا أنتظر الحب الذي يجمع العثرات ~~والخيبات؛ ليبذرها دموعا في الظلام، عسى أن تنبت الثمر حين يطلع النهار الجديد.» # ثم نقرأ له في الصفحة التالية: «تقبلني يا رب ... تقبلني في هذه السويعة، واغمر بالنسيان ~~تلك الأيام اليتيمة التي انقضت في البعد عنك، وانشر هذه السويعة موسعة فسيحة على جحرك وتحت ~~ضيائك، فكم ذا أقتفي الأصوات التي تجذبني إليها، ثم لا تهديني إلى مكان، فاليوم هبني يا رب ~~أن أجلس في سلام حيث أصغي إلى كلماتك من خلال هذه السكينة.» # ذلك وحي الشاعر الذي له رسالة من الغيب وإلى الغيب في صفحة كل يوم. # الفصل الخامس # | حول الحرب والشعر # «كتب بعض القراء الأدباء يعقبون على مقالنا في الحرب والشعر، وطلب إلينا بعضهم مزيدا من ~~الإيضاح، فنحن نجمع هذه الملاحظات التي لعلها تلخص جميع الخواطر التي ترد على آرائنا في ذلك ~~المقال، ونجيب على ما يحتاج منها إلى جواب في شيء من الإيجاز.» ~~••• # قال أحد الأدباء: «لما رأيته يسير في بحثه على ضوء الشعر الغربي والحوادث الغربية، فيرى ~~الحروب لا تشحذ ملكة الشعر، جعلت أستضيء بالشعر العربي والحروب العربية، فرأيت الحرب كانت ~~لدى العرب من أفعل مثيرات الشعر كما يقولون: الشعر يوحيه الحب والحرب والموت.» إلى آخر ما ~~قال الأديب في هذا المعنى. # والذي نراه أن الشعر العربي الذي قيل في الحرب كان ينبغي أن يبلغ عشرة أضعاف القصائد ~~والمقطوعات التي قيلت في الأغراض الأخرى؛ لأن القبائل البادية قضت أيام الجاهلية في قتال، ~~ثم اشتغل العرب بحروب الإسلام وفتوحه، ثم أصبحت الشجاعة الحربية معرضا ms020 لمدائح الشعراء في ~~الملوك والأمراء. # ومع هذا جميعه لا يبلغ شعر الحرب في اللغة العربية ما بلغه شعر العشاق في جيل واحد، سواء ~~نظرنا إلى قيمة الشعر أو مقداره. # وقد استغرقت الحروب الصليبية ما استغرقت من الزمن، وشملت ما شملت من الأمم، وتناولت ما ~~تناولت من الأقطار، وليس محصولها الشعري كله بمساو لقصائد عاشق واحد من المشهورين في معشوقة ~~واحدة، وحسبك هذا دليلا على مبلغ إيحاء الحروب لقرائح الشعراء حتى في الزمن القديم. # ونقول: «حتى في الزمن القديم.» لأن للزمن القديم في هذا حكما يخالف حكم الزمن الحديث؛ إذ ~~كان الشاعر يومئذ يؤدي «وظائف شتى» كوظائف الخطيب والداعية والمسجل والشادي على السنة ~~المعهودة في اجتماع الوظائف، ثم تفرقها بالتخصيص والتنويع، وعلى هذا النحو كان الرجل الواحد ~~كاهنا وطبيبا، ثم أصبح طبيبا لجميع الأمراض وبطل عمله في الكهانة، ثم أصبحنا في الزمن ~~الحديث وعندنا خمسون طبيبا لا يعالج أحدهم مرض الآخر، وكلهم أطباء قادرون. # وهذا ما أومأنا إليه في مقالنا السابق عن الحرب والشعر فقلنا: إن الملاحم المنظومة كانت ~~«هي وسيلة التدوين التي لا وسيلة غيرها بين أولئك الأميين من الأقدمين، فلما كثرت وسائل ~~التدوين في العصر الحديث كان ذلك أقمن أن يضعف النزعة إلى تخليد الحروب بالمنظومات المطولة، ~~وأصبحت القصائد التي تنظم في هذا الغرض أقرب إلى التعليق والاعتبار والإعراب عن فلسفة ~~الشاعر ...» # فإذا تعرض الشعراء لموضوعات الخطباء والمسجلين في الزمن القديم، فذلك شأن لا يدوم في ~~زماننا هذا الذي تعددت فيه مطالب الخطابة ووسائل التدوين، فأصبح تضييع الشعر فيها من ~~الفضول، أو من صرف الشيء في غير منصرفه المعقول. ~~••• # وقال أديب آخر: «أما الشاعر فلا بد له من سويعات يجمع فيها أشتات فكره، ثم يدبج ببراعته ~~صيحاته، فإن كان شاعرا حقا عبقريا استطاع أن يغتصب منبر الخطيب، ويستأثر بالجماهير ~~لترديد شعره وقراءته كالشاعر الإنجليزي كبلنج، وإلا فهو بالطبع سيمنى بالفشل، ولعل هذا هو ~~السر في أنه لا ينزل إلى ميدان الشعر في أيام الحروب إلا من وثق من نفسه ms021 أنه يستطيع بإلهامه ~~وجودة شعره أن يستأثر بقلوب الجماهير، ويحملهم على قراءة شعره.» # وليس الأمر كما قال الأديب؛ لأن ما نظمه كبلنج إنما كان من قبيل الأناشيد التي قلنا: إنها ~~اجتماعية وليست فردية، فحكمها في هذا الصدد كحكم الخطب والمقالات. # وقد حضر الثورات والحروب شعراء فحول في الذروة العليا بين أقوامهم، فلم ينظموا فيها إلا ~~قليلا جدا بالقياس إلى سائر الأغراض والمعاني. # فهذا ملتون كان أشعر أبناء عصره من الإنجليز، وكان في حومة الثورة الإنجليزية، فماذا نظم ~~بالقياس إلى ما نظمه في الأغراض الأخرى؟ # وهذا فكتور هوجو كان أشعر أبناء عصره من الفرنسيين، وقد حضر الثورة وحرب السبعين، فماذا ~~نظم فيها؟ وماذا نظم في سائر الموضوعات؟ وما يقال عن هوجو يقال عن شاتوربريان ولامرتين ~~وشينيه، وجملة الشعراء الذين لابسوا الثورة الفرنسية في عهد من العهود. # وكذلك كارودتشي الإيطالي كان أشهر شعراء قومه، وحضر الثورات الإيطالية وكان ثائرا ابن ~~ثائر، ولكنه فضل الإعراب عن آرائه السياسية في نشيد الشيطان على تسجيل الحوادث التي لا ~~تنحصر في الحروب. # وكذلك جيتي وشيلر وهيني أعظم شعراء الألمان في زمانهم لم ينظموا في حروب عصرهم - وهو عصر ~~نابليون والثورات الوطنية - إلا شذرات مهملة من شعرهم القيم المقدم على غيره. # ولقد شغلت الحرب الماضية أقطار العالم قاطبة أربع سنوات، وفيه مئات الشعراء من غربيين ~~وشرقيين، ثم لم يعقبوا جميعا من الشعر القيم ما يضارع ديوانا واحدا، وجاء الشاعر الناقد ~~ييتس الذي عهد إليه في اختيار مجموعة أكسفورد من الشعر الإنجليزي في خمسين سنة، فلم يثبت من ~~قصائد الحرب إلا النادر الذي نظم بعد انتهائها، وقال في مقدمة المجموعة: إنه أهمل تلك ~~القصائد؛ لأن الموضوع بحذافيره لا يستحق الإثبات. # وتلك هي الحقيقة التي تنجلي لنا من مراجعة دواوين الفحول، ومن مراجعة أوقات الحروب ~~الكبرى، فمن أين نأتي بزعم من يزعمون أن النظم في الحروب شرط من شروط الشاعرية، وأن إهماله ~~معيب في أساطين الشعراء؟! ~~••• # ولكن طالبا أديبا في الجامعة كتب إلي يلفتني إلى رأي للأستاذ أحمد أمين ms022 أذاعه في يوم ~~ذكرى حافظ - رحمه الله - وقال فيه عن قراء الصحف: إنهم «يقلبونها اليوم فلا يجدون فيها ~~شعرا في غارة، ولا في هجرة الريف، ولا في طاقة البترول كما لم يجدوا فيها ما هو أهم من ذلك ~~في آلام مصر والشرق وآمال مصر والشرق ... قد كان يقول حافظ بذلك كله، ثم لم نجد له ~~خلفا.» # ويسألني الطالب رأيي فيما أفتى به الأستاذ أحمد أمين، ورأيي أنه كان أولى به أن يسأل ~~أستاذه: علام اعتمد في هذه الفتوى التي قرر بها أن ميزان الشاعرية هو النظم في الغارات ~~وبطاقات البترول والهجرة إلى الريف؟ # إن مشاكلنا التي من هذا القبيل لتغرق في نظائرها من مشاكل الأوروبيين كما يغرق الجدول في ~~العيلم الزاخر، فما بالهم لم يفرغوا همهم للنظر في تلك الموضوعات، التي يقترحها الأستاذ ~~أحمد أمين؟ أليس في أوروبا كلها شاعر في طبقة حافظ - رحمه الله؟ # نحن لا نحرم على الشاعر النظم في بطاقات البترول وما إليها، ولكننا نحرم على الناقد أن ~~يجعل بطاقات البترول ميزان الشاعرية، ونحسب أن إيمان الأستاذ أحمد أمين بخطئه أحرى به من ~~هذا الجزم العجيب بخطأ الشعراء الذين لا يجارونه في فهمه للشعر ... وليس هو بشاعر ولا ناقد، ~~ولا صاحب سند فيما يرتئيه، وليست له إحاطة بما نظم الشعراء في مختلف المقاصد ومختلف ~~المناسبات. ~~••• # وعلق أحد الأدباء على مقالي - الحرب والشعر - بما يأتي: ~~(1) # ليس صحيحا أن مجلة البنش الإنجليزية نشرت قصيدة جون ماك كراي، التي عنوانها ~~«في سهول الفلاندرز» إلا وهي تتردد في استحسان القراء لها، بل في التفاتهم ~~إليها كما قال الأستاذ العقاد. والحق والواقع كما قال برنهارد راجنر الأمريكي ~~في مجلة نيويورك تيمس: إن محرر المجلة قدر ما في القصيدة من جمال، ونشرها ~~بالحروف الكبيرة التي لا تستعملها البنش إلى في المناسبات الأدبية ~~العظيمة. ~~(2) # ذكر الأستاذ العقاد في الترجمة ما يأتي: «كنا أحياء وكنا نحيا.» والواقع أن ~~هذا تكرار من الأستاذ المترجم لا معنى له؛ لأن الأصل الإنجليزي هكذا # We Lived # فقط. ~~(3) # ترجم الأستاذ ms023 كلمة # Torch # بالعنان وهذا غريب، ~~ولو أنه قال: شعلة النضال لكان أصدق؛ لأن الشاعر يقول على لسان الموتى: إن ~~الشعلة أسلمناها إليكم من أيدينا المتخاذلة. ~~(4) # ويقول المترجم: «وارفعوا الشعلة عالية ... ارفعوها ولو بقيت في أيديكم سنوات، ~~وليس في كلام الشاعر الكندي مطلقا ما يشير إلى هذا الشرط الأخير؛ أي: بقاء ~~الشعلة سنوات، وأظن أن الأستاذ العقاد قرأ # years ~~yours # وشتان بين الاثنين ...» # فأما أن تردد البنش في استحسان القراء للقصيدة ليس صحيحا، فهو ليس بصحيح. # وقد يفيد صاحب الخطاب أن يرجع إلى (الصفحة 721) من كتاب «بعد عشرين عاما» في فصل الشعر ~~والحرب العظمى، فيقرأ هناك ما نصه بالإنجليزية: # It is most unlikely that either he or the editor of Punch who first printed it, in any degree foresaw the hold which it was to ~~take on the imagination of the nation. # وترجمته: «إنه بعيد جدا أن الناظم أو محرر البنش الذي نشرها أول مرة توقعا أي توقع ما ~~سيكون لها من السلطان على خيال الأمة.» # وأما أن قولنا: «كنا أحياء نحيا.» تكرار لا معنى له، فهو خطأ يدركه من يدرك أن اللغة ~~العربية لغة المفعول المطلق، ولغة التوكيد بتكرار اللفظ والمعنى، وأن قولنا: «كنا أحياء.» ~~غير قولنا: «كنا أحياء نحيا.» # وأما أن ترجمة # Torch # بالعنان غريب، فقد يكون ذلك صحيحا ~~لو كان هناك عنان حقيقي أو شعلة حقيقية؛ ولكنها حين تكون مجازا لا غرابة فيها، ولا سيما ~~إذا كان المترجم لا يجهل أن # Torch # معناها الشعلة كما ترجمها ~~في السطر التالي حين قال: «وارفعوا الشعلة عالية.» # ونحن نترجم إلى اللغة العربية، والعرب يعرفون الأخذ بالعنان حين يراد به الاستلام، ولا ~~يعرفون رفع الشعلة إلا للذكر والذكرى والنظر من بعيد، كما يتحدثون عن العلم الذي في رأسه ~~نار. # وأما ذكر السنين فهو مفهوم بمعناه وإن لم يرد بلفظه، وإلا فما هو بقاء الشعلة إن لم يقصد ~~بها البقاء طول السنين؟ # ونصيحتي لصاحب الخطاب أن يتعلم قبل أن يتهجم، فذلك أنفع له ms024 وأسلم. ~~••• # وبعد فخلاصة القول في الحرب والشعر أن نصيب الحادث من الشاعرية لا يقاس بالضخامة ولا يحسب ~~بالعدد، فرب شاعر تناول حياة فرد واحد، فصور منها فاجعة خالدة تعيش حين تنسى الحروب التي ~~نشبت في زمانها، وربما مات فيها مئات الألوف. # وقد تستغرق الحروب ما استغرقته الحروب الصليبية، ولا يترك لنا معاصروها أثرا يضارع تلك ~~القصيدة الواحدة التي تدور على حياة فرد واحد. # الفصل السادس # | وأمنيتي ...! # «... فهمنا من مقالكم «أمنيتي» ما هي العلاقة بين الفروسية وقرض الشعر، أو بين أن تتمنى ~~قيادة الجيوش، وأن تتمنى النبوغ في الأدب، ولكن تسمحون لي أن أقول: إن العلاقة بين التدين ~~والأدب لا تزال غير جلية، فهل تتفضلون بتوضيحها ... ~~... ولا أدري هل تمنيتم الأدب ولم تتمنوا شيئا آخر من الدنيا؟ ألم تتمنوا السعادة مثلا؟ ~~ألم تتمنوا لذة من لذات الحياة؟ أليس الحب أمنية للشاعر وإخوانه من رجال الفنون الجميلة؟ ~~فما قولكم في هذا ؟ هل يغني الأدب وحده عن كل هذه الأماني المحبوبة؟!» ~~••• # هذه نبذة من خطاب مطول في التعقيب على مقالنا السابق عن أمنيتي في الحياة، نعود بها أو ~~تعود بنا إلى هذا الموضوع الذي لا يزال أبدا في حاجة إلى تكملة كاحتياج المرء إلى التمني، ~~واستكناه ما يتمناه، وإطالة القول في هذا وذاك. # ويلوح لي أن الأديب المستفهم يبحث عن علاقة بين الأدب والتدين، كالعلاقة بين الأدب ونظم ~~الشعر في ميدان القتال للتحدي والتهويل على الأنداد. # فالشعر قريب من الفروسية؛ لأن الفرسان كانوا ينظمون الشعر بين الصفوف، فهم فرسان شعراء، ~~والقرابة بين الطائفتين واضحة على هذا المنوال. # ولكن ما هي العلاقة بين الإيمان الديني والنزعة الأدبية؟ هنا يقول الأديب المستفهم: إن ~~العلاقة يحيط بها شيء من الغموض. # والواقع أن العلاقة هنا أوضح وأقرب إذا بحثنا عن المناسبات السطحية التي من قبيل نظم ~~الشعر بين صفوف القتال للتحدي والتهويل؛ فإن كثيرا من الشعراء ينظمون في الأغراض الدينية، ~~وفي الغزل الإلهي، وفي شطحات الصوفية وأهل الطريق، فإن كان هذا هو المقصد من العلاقة بين ~~الإيمان ms025 الديني والنزعة الأدبية، فما أوضح الموضوع وما أبعده من الغموض! إن الشعراء ~~الصوفيين لا يقلون عن الشعراء الحماسيين، وقصائدهم رائجة بين الناس كرواج قصائد الفرسان؛ ~~لأن حلقات الأذكار وما يشبهها أشيع في الأندية والمجالس التي تنشد فيها سير الأبطال بلغة ~~الفصحاء أو بلغة العوام. # ومن ذكرياتي في هذا الصدد أنني نظمت الشعر في الأغراض الدينية، كما نظمته في المناجزة ~~والدعوة إلى القتال. # فقد أسلفت بمقالي السابق أنني أوشكت أن أسلك طريق «الدروشة»، وأنقطع عن الدنيا ومساعيها، ~~وكنت خلال ذلك أسمع الأذان من مؤذن المسجد المقارب لبيتنا وهو منشد مشهور بجمال صوته وحسن ~~إلقائه، فكان يشجوني أن أسمع مقدمات الأذان قبل صلاة الجمعة، وهي الأناشيد الثلاث التي ~~كانوا يسمونها حسب ترتيبها بالأولى والثانية والثالثة، وكلها من الشعر المنظوم في التصوف أو ~~مدح النبي - عليه السلام. # وكان مسموحا للناشئين أن ينشدوا هذه القصائد مع المؤذن أو على انفراد، كان إنشاد ~~الناشئين مفضلا مستحبا؛ لأنهم أقرب إلى صفاء النفس وطهارة العبادة. # فاستأذنت في إلقاء إحدى هذه القصائد مرات، واخترت في بداية الأمر شعرا من دواوين البرعي ~~وأمثاله، ثم تجرأت على نظم قصيدة طويلة أحكي بها شعر المديح النبوي، وأنشدتها دون أن أخبر ~~أحدا بأنني ناظمها، وخفت أن يستكثروها علي بعد ظهور الحقيقة، فختمتها ببيت لا أذكر منه ~~إلا الشطرة الأخيرة، وهي: # عباس من هو بالأشعار مدرار # وإنما أذكرها لأنها هي الشطرة الوحيدة التي انتقدها أبي - رحمه الله - حين أطلعته على ~~الحقيقة، فتبينت الفرح في أسارير وجهه والتشجيع في صريح كلامه، ولكنه قال لي برفق: ما ينبغي ~~أن تثني على نفسك هذا الثناء وأنت ترى كيف يختتم الأئمة المادحون قصائدهم بالتذلل والتوسل ~~وتصغير ما قالوه وأسلفوه من الصلوات والعبادات. # فهذه علاقة بين التدين ونظم الشعر، كالعلاقة بين نظم الشعر والحماسة العسكرية، ولكنها كما ~~قدمت علاقة سطحية توجد بين الأدب وبين كل موضوع ينظم فيه الشعراء، ففي وسعك على هذا القياس ~~أن تقول مثلا: إن الهندسة «الميكانيكية» قريبة من الشعر؛ لأن بعض الشعراء ينظمون في ms026 وصف ~~الطيارة، وأن تقول كذلك: إن علم الحيوان قريب من الشعر؛ لأن بعض الشعراء ينظمون في وصف ~~الخيل أو وصف العصافير. # إلا أنها علاقة سطحية لا يرجع إليها في استكناه أسرار الشخصية الإنسانية، وروابط الملكات ~~والطبائع الخفية، وغير هذه العلاقة أردنا حين قلنا: «إن التعبير عن النفس يجتمع فيه عندي ~~تحقيق وجودها ومتعتها، واستكناه حقيقتها وحقيقة ما حولها.» # فالتعبير عن النفس هو الأدب في لبابه. # وما هو التعبير الذي عنيناه؟ # التعبير الذي عنيناه هو كشف المكنون، وتوضيح الأسرار وتمثيل الخفايا في صورة تخرجها من ~~عالم الخفاء إلى عالم النور. # وهنا العلاقة الوثيقة بين أعمق أعماق الدين وأعمق أعماق الأدب: هنا العلاقة بين استطلاع ~~أسرار الوجود وبين معرفة النفس، ومعرفة الإفصاح عن معانيها والإبانة عن أشواقها بلسان ~~الأدب، أو بلسان الفن على التعميم. # فكل تعبير ينطوي على سر موضح مكشوف. # وأي سر أعمق من سر الوجود، وأحوج منه إلى التعبير والتقريب والإلحاح بعد الإلحاح في ~~الاستكناه والاستطلاع! # ذلك ما أردناه حين قلنا: إن الصومعة قريبة من الروضة الأدبية، وذلك هو التعبير عن النفس ~~بمعنى إثبات حقيقتها، وإثبات العلاقة بينها وبين الحقائق الكبرى. # ولكل نفس تعبيرها على حسب ما تحسه وتتوق إليه، فليس من الضروري أن ينتهي التعبير بكل ~~إنسان إلى التعمق في أسرار الدين، ولكنه إذا انتهى ببعض الناس إلى التعمق في تلك الأسرار ~~فليس ذلك بغريب. ~~••• # أما أنني تمنيت الأدب ولم أتمن السعادة، فسبب ذلك بسيط لا نطيل الإفاضة فيه. # سببه أن السعادة أمنية عامة، وليست بالأمنية المحدودة أو الأمنية الخاصة. # فمن قال: إنه يتمنى السعادة، فكأنما قال: إنه يتمنى ما يتمناه كل إنسان، وكأنه بذلك لم ~~يقل شيئا يستحق السؤال. # كلنا يتمنى السعادة، ولكن سعادة هذا غير سعادة ذاك. # سعادة هذا في المعرفة، وسعادة ذاك في جمع المال، وسعادة غيرهما في السطوة والاستعلاء، ~~وسعادة آخرين في الراحة والقناعة، وكلهم يتمنون السعادة على نحو من الأنحاء. # فإذا سألني سائل ماذا تتمنى، فهو لا ينتظر مني أن أحيله إلى السعادة مجملة ms027 غير مفصلة، بل ~~هو ينتظر مني أن أبين له الأمنية التي تسعدني إن ظفرت بها، أو التي أعتقد أن طريقها هو ~~طريق السعادة وإن لم أصل إليها. # وكذلك لذة الحياة أو لذات الحياة، فهي مسألة وظيفة من وظائف البنية الحية، لا تحتاج إلى ~~سؤال، وما من حي إلا وهو يشتهي أن يشعر باللذة وأن يجتنب الألم، وغاية ما بين الأحياء من ~~فروق في هذا الباب أن يختلفوا في أسباب اللذة ودرجاتها على نحو قريب من اختلافهم في أسباب ~~السعادة ودرجاتها. # هي وظيفة وليست أمنية. # ومن قال: إنني أطلب اللذة، فكأنما قال: إن لي معدة ولي عينين ويدين وقدمين، وذلك غني عن ~~المقال. ~~••• # أما الحب وأنه أمنية للشاعر وإخوانه من رجال الفنون فذلك صحيح. # ولكن من قال: إن «التعبير عن النفس» لا يشمل الحب في بعض نواحيه؟ # ومن قال إن الاشتياق إلى الحب والاشتياق إلى التعبير عن النفس شيئان مختلفان ؟ # إن الإنسان لا يجد نفسه في شيء كما يجدها في الحب، وإنه لا يعرف ما فيها من قوة وضعف، ومن ~~عطف وجمود، ومن رحمة وقسوة، ومن خفايا وظواهر، ومن فجيعة وضحك، ومن حكمة وحماقة، ومن ~~إنسانية وحيوانية كما يعرف ذلك جميعه في الحب. # فالحب ومعرفة النفس صنوان. # ومعرفة النفس منتهية لا محالة إلى التعبير عنها، ولو لم يكن هذا التعبير بالمنظوم ~~والمنثور. # ونحن حين قلنا: إن «التعبير عن النفس» يجمع ما تفرق بين الثكنة والصومعة والروضة الأدبية، ~~فقد قصدنا أن تحيا النفس أولا، وأن تشعر بالحياة شعورها الخاص بها قبل أن يتاح لها تمثيل ~~ذلك في صورة من صور التعبير. # ولم نخص الحب وحده بين دوافع الشعور؟ # لم لا نذكر المجد أو البر أو الجهاد الإنساني أو الوطنية، أو غير ذلك من معارض الشعور ~~ومعارض الشوق إلى التعبير؟ # فالتعبير عن النفس عندنا كلمة مقابلة للشعور بالنفس، ومتى شعرت النفس بحقيقتها فالعواطف ~~الكبرى جميعا حاضرة بغير استثناء، مذكورة بغير تسمية، معممة بغير تخصيص. # الفصل السابع # | العامية والفقر # «قام في إحدى الحفلات خلاف ms028 بين الدكتورة نعيمة الأيوبي والأستاذ كامل كيلاني: كان من رأي ~~الدكتورة أن نتكلم باللغة التي نستعملها في كل المناقشات، حتى في المرافعات أمام القضاء وهي ~~العامية، والأستاذ كامل كيلاني لا يسمح بالموافقة على نصرة العامية على اللغة العربية ~~الفصحى. # ويقول: من لم يستطع التعبير عن أفكاره بالعربية الفصحى، فما هو بمستطيع أن يعبر عنها ~~بالعامية. # فسألني أحد الأدباء: ما رأيكم في هذا الخلاف؟ وهل يمكن نصرة اللغة الفصحى في بلد سواده ~~الأعظم من الأميين؟ وإذا خاطبت إنسانا فقيرا باللغة الفصحى لتسدي إليه النصح والإصلاح هل ~~يفهمك، أو يظن أنك تسخر به فيحز ذلك في نفسه وينصرف عنك متألما؟» ~~••• # تلك رواية الأديب، وهي لا تستلزم في الجواب عليها أن أتعرض لتفصيلات رأيين لم أقف منهما ~~على غير هذه الإشارات، التي لا تشمل كل ما يقوله صاحب الرأي في شرحه والدفاع عنه. فحسبنا أن ~~نحصر الكلام هنا في العلاقة بين الفقر والعامية، وهل من دواعي العطف على الفقير، أو من ~~دواعي النظر في مشكلة الفقر أن ننصر العامية على الفصحى؟ وأن نعبر عن آرائنا باللغة التي ~~يتكلمها الفقراء؟ # فالعامية قبل كل شيء هي لغة الجهل، وليست بلغة الفاقة أو بلغة اليسار. # وبين الأغنياء كثيرون لا يحسنون الكلام بغير العامية التي لا جمال لها ولا طلاوة. # وبين الفقراء من يحسنون التعبير بالفصحى، أو يعبرون بالعامية تعبيرا يزينه جمالها، وتبدو ~~عليه طلاوتها. # فإذا عطفنا على العامية، فإنما نعطف على الجهل ونستبقيه ونستزيده، ولا نخفف وطأة الفقر ~~ذرة واحدة بتغليب عبارات الجهالة على العبارات التي تصاغ بها آراء المتعلمين ~~والمهذبين. # إن علاج مشكلة الفقراء هي أن ترفع طبقتهم معيشة وتفكيرا وحديثا ومنزلة من التعليم ~~والتهذيب، وليس علاج تلك المشكلة أن تسجل عليهم حالة من العجز والجهالة هي التي يشكون منها، ~~ويسألون المعونة على علاجها. # وماذا يفيد الفقراء أن يسكن الأغنياء الأكواخ؟ # وماذا يفيد الفقراء أن يتكلم المتعلمون لغة الجهلاء؟ # وماذا يفيد الفقراء أن تساويهم في الحرمان من المال والعلم، ومن الفصاحة وقدرة ~~التعبير؟ # إنما يفيد ms029 الفقراء أن تصبح أكواخهم قصورا، أو كالقصور في الإراحة وتصحيح الأبدان. # وإنما يفيدهم أن يكون نصيبهم من اللغة كأحسن نصيب يتعلمه المتعلمون، فإن لم يبلغوا هذا ~~المبلغ فالفائدة ألا يكون نصيبهم منها أحقر نصيب، وألا نسجل عليهم هذه الحالة المزرية كأنهم ~~لا يصلحون لغيرها، ولا يطمحون إلى ما فوقها. # وإنما يفيد الفقراء أن يساووا أحسن الناس، لا أن يصبح أحسن الناس مثلهم في المعيشة والعمل ~~والعلم والكلام. # ولم يقل أحد: إننا حين نبني القناطر والجسور والمستشفيات لعلاج داء الفقر ينبغي أن ننسى ~~الهندسة لأن الفقراء لا يعرفونها. # ولم يقل أحد: إننا حين ندبر الطعام للمعوزين ينبغي أن نبطل أطايب الطعام؛ لأن المعوزين لا ~~يملكون أثمانها. # فلماذا يقول قائل: إن إهمال اللغة الفصحى واجب عند البحث في مشكلة الفقر والجهل؛ لأن ~~الفقراء والجهلاء لا يحسنون اللغة الفصحى، وإن المناقشة في تلك المشكلة ينبغي أن تدور ~~بالعامية؛ لأنها هي اللهجة التي يتكلمها الفقراء والجهلاء؟ # يقول الأديب صاحب الخطاب: «إذا خاطبت إنسانا فقيرا باللغة الفصحى؛ لتسدي إليه النصح ~~والإصلاح يفهمك، أو يظن أنك تسخر به، فيحز ذلك في نفسه، وينصرف عنك متألما؟» # فمن اللازم أولا أن نفرق بين اللغة الفصحى واللغة الصعبة التي لا يفهمها إلا الأقلون؛ إذ ~~ليس كل فصيح صعبا ولا كل عامي ركيك سهلا على سامعيه. # ومتى فرقنا بين الفصاحة والصعوبة أدركنا أن السهولة تتوافر للكلام الفصيح، وتنفذ إلى ~~أسماع الجهلاء غير حائل بينها وبين النفاذ إلى تلك الأسماع حركة الإعراب ولا صحة ~~التركيب. # هذا أولا. # أما «ثانيا» فمن اللازم أن نذكر أن العظات إنما تتلقى بالخشوع والتوقير، كلما اقترنت في ~~ذهن السامع بملابسات الخشوع والتوقير. # والعظات التي تقترن في ذهن السامع بالمسجد، وحلقات العلم أحرى أن تقترن بالنفوس الخاشعة، ~~والأسماع المصغية من عظات تحمل طابع السوق، ومجالس اللهو والمزاح، وهذه المقارنة النفسية ~~أشبه بمقارنة الهيبة التي تسري إلى قلوب السامعين، وهم يصغون إلى الواعظ في المسوح، ولا ~~تسري إليهم وهم يصغون إليه في مباذل البيت، أو ملابس السهرة وكسوة ms030 «الردنجوت». # أما شعور الجاهل الفقير وأنت تخاطبه بالفصحى، فقد تختلف فيه الأقوال حسب اختلاف الأحوال، ~~ولكنه لو أنصف لامتعض ممن لا يخاطبه إلا وهو متنزل إلى لغة أوضع الطبقات، كأنه يترفع عن ~~مخاطبته باللغة التي يخاطب بها أقرانه وزملاءه، وما أظن الجاهل الفقير يحب أن يترفع ~~الأغنياء عن لقائه في حجرة الاستقبال، التي يلقون فيها أقرانهم وزملاءهم؛ ليخرجوا له إلى ~~العراء، حيث يجلس بغير مقعد وبغير مهاد ... فلماذا يحب الجاهل الفقير أن يتنزل مخاطبه من ~~أسلوبه وأسلوب أقرانه وزملائه ليخاطبه بما هو دون ذلك الأسلوب؟ # إننا لم نسمع أن أحدا تواضع حبا للفقير، فخلع حذاءه ليمشي حافيا أو يلبس أرخص النعال؛ ~~فما بال أناس يتواضعون فيخلعون لغة المعرفة والثقافة؛ لأنها كما يزعمون لغة لا يفهمها ~~الفقراء؟ # ما خلت الدنيا قط ولن تخلو من التعلم والتعليم، وإن اليوم الذي ننبذ فيه كل ما نتعلمه، ~~ونتعب في تعلمه لهو اليوم الذي ينحدر فيه الإنسان إلى الجهل الذي هو أشيع شيء بين الناس، ~~وأغناه عن معلمين ومتعلمين، وعن جهد في التعليم والتحصيل. # وإذا كنا نحتج لبقاء اللغة العامية بأنها اللغة التي يعرفها الجاهل بغير تعلم، فلماذا لا ~~نحتج لكل جهل بمثل هذا الاحتجاج؟ وأي شيء أحق من العقل الإنساني، ومن النفس الإنسانية بأن ~~نفهمها على الوجه الأمثل حين نفهم اللغة الصالحة لإبداع أشرف المعاني، وأرفع الصور الذهنية ~~وأحقها بالبقاء والتخليد؟ # واللغة العامية بطبيعتها لغة وقت محدود وجهة محدودة، فهي لا تصلح لبقاء أثر من الآثار ~~التي تستحق البقاء، ولن نكسب شيئا ولا الفقراء يكسبون بصيانة حديث العامة، وإهمال الحديث ~~الذي يخلد المتنبي والمعري وابن الرومي وشكسبير وهوميروس وسوفكليس وڤرجيل. # وما ارتقى العامة قط لأنهم فهموا نظام الصحة وقواعد الحكم وهم جهلاء أميون، ولكنهم يرتقون ~~حين يتعلمون ويقتدرون على فهم الكلام في لغة المعرفة والإرشاد، أما وهم أميون جهلاء فلن ~~يفهموا ما يقال، ولو قيل لهم بلغة الجهال. # وإنها لبدعة عجيبة تلك التي سرت في الزمن الأخير، وتعلق بها أناس منا مخلصين وأناس ~~مخدوعين، ms031 وأناس منا يسيئون النية وهم على علم بالغرض مما يدعون إليه. # فالدعوة إلى تغليب العامية إنما تنبع في مصدرها الأول من جانبين متناقضين، وإن اتفقا في ~~غرض واحد: # فجانب الشيوعيين المنكرين للعقائد والأديان يحقدون على اللغة الفصحى لحقدهم على كل امتياز ~~وارتفاع، وغرامهم بكل ما يهبط إلى مرتبة الصعاليك، ثم هم لا ينسون أن القضاء على العربية ~~الفصحى فيه قضاء على دين المسلمين، الذي يحاربونه كما يحاربون كل دين. # وجانب المبشرين لا يعنيهم من الأمر إلا أن يحاربوا الدين بين الأمم العربية، فلا يعنيهم ~~في بلادهم أن يغلبوا الكلام المسف المبتذل على الكلام المهذب الفصيح. # ومما يكشف عن سوء نية هؤلاء وهؤلاء أنهم يفضلون الكتب التي تؤلف بكلام العامة فيما ~~يختارونه للترجمة إلى اللغات الأوروبية؛ مع أن الترجمة لا تظهر فرقا بين أسلوب العوام، ~~وأسلوب الخواص، ولا يدري من يقرؤها وهو لا يعرف الأصل أهي من الكلام الدارج منقولة، أم هي ~~منقولة من كلام تلتزم فيه الفصاحة وحركات الإعراب. # فهو إذن تشجيع للعامية في وطنها، وليس بتشجيع للعامية في اللغات الأخرى، ومن هنا ينكشف ~~سوء النية الذي أومأنا إليه. # فرأيي فيما سأل عنه الأديب أن تغليب لغة الجهل كارثة على الأمة العربية وعلى العقل ~~الإنساني، لا تقل عن كارثة الفقر وسوء العيش، وأن علاج مسألة الفقر لن يتوقف في وجه من ~~وجوهه على ترك الكلام الفصيح وتقديم الجهالة الكلامية، ولن يختلف الأمر هنا بين طب الأمراض ~~البدنية، وطب الأمراض الاجتماعية، فلا الطبيب مضطر إلى إهمال لغة الطب وهو يعالج مريضه، ولا ~~المصلح الاجتماعي مضطر إلى إهمال لغة المعرفة وهو يعالج الفقر أو الجهالة، وليس ما يفهمه ~~الفقير الجاهل من عبارات العامة بأكثر مما يفهمه من لغة الخاصة إذا كانت الصعوبة في ~~الإدراك، أو كانت الصعوبة في الموضوع، فلو نقلت أرسطو إلى أوضع اللهجات لما سهلت فهمه أقل ~~تسهيل، بل لعلك تزيد الصعوبة بإقحام المعاني الرفيعة في لغة لم تهيأ لتمثيلها منذ زمن ~~بعيد. # ولنرحم الفقير الجاهل برفعه إلى طبقة اليسار ms032 والمعرفة، والتسوية بينه وبين من يفصحون ~~ويفقهون. # أما رحمته بإبقائه حيث هو في عمله وكلامه ومداركه، فتلك هي القسوة التي لا يسيغها ~~الرحماء. # الفصل الثامن # | سؤالان متباعدان # جاءني في هذا الأسبوع سؤالان متباعدان من طرفين متقابلين: أحدهما من أديب يسأل عن أبي ~~تمام، والآخر من أديب يسأل عن المدرسة الحديثة في التصوير، أو عن المدرسة التي تزعم أنها ~~تعتمد في تصويرها على الوعي الباطن، ولا تعتمد على المشابهات المحسوسة. # أما الذي يسأل عن أبي تمام، فيسرد أسماء الشعراء الذين كتبت عنهم كتبا أو فصولا في كتب، ~~ثم يقول: ~~... ولكن شاعرا واحدا لم يفز منك بالإعجاب أو السخط، ولم يظفر منك بتزيين أو ~~تهجين، وهو أبو تمام، ما الذي أبعدك عنه وما الذي أبعده منك؟ أما أنا فأعتقد صادقا ~~أو كاذبا أن شعرك وشعره ينبعان من منبع واحد ... # ثم يقول: فأبو تمام الذي أحدث ضجة في عصره، والذي كتب عنه الآمدي وغيره، والذي كان مثالا ~~للشعراء يحتذونه ويقلدونه، لا يظفر في العهد الحديث ببحث أو بكتاب أو بطبع ديوانه طبعة ~~أنيقة. ليس هناك شاعر يمثل عصره تمام التمثيل إلا هذا الشاعر، وليس هناك شاعر يعلم البحث ~~والتفكير والتعمق إلا هذا الشاعر، ولكنه ينسى ويقدم المجنون ابن الرومي، ويهمل ويذكر رهين ~~المحبسين أبو العلاء، ويكتب عن بشار وأبي نواس ودعبل ولا يكتب عنه! # أبو تمام حزين ثائر من الأستاذ العقاد؛ لأنه هو الذي إذا تصدى لبحث وفاه حقه، وإذا كتب عن ~~شاعر شرقي أو غربي أعطاك صورة صادقة ناطقة طبق الأصل ... مهما ظننت بي الظنون فأنا مطالبك ~~بالكتابة عنه، ومهما اعتقدت بي الفضول، فأنا مقتنع بفكري راض بنظرتي ... ~~••• # وأنا يعجبني الإعجاب؛ لأنه دليل حسن على شعور كريم، ولا يعجبني أن يكون الإعجاب بأحد ~~بابا للجور على آخرين. # أما جوابي عن سؤال الأديب: لم لم أكتب عن أبي تمام؟ فأبدؤه بأن أبا تمام في اعتقادي شاعر ~~في طليعة الصفوة من شعراء العصر العباسي وشعراء العربية عامة، وأنه حقيق بكتاب أو برسالة ~~ضافية كغيره ms033 من الشعراء الذين كتبت عنهم أو كتب عنهم النقاد السابقون واللاحقون. # ولكنني لم أعرض له؛ لأن الغالب في كتاباتي من هذا القبيل أن ترجع إلى سببين: إنصاف مغبون، ~~أو تجلية ناحية قد نسيها النقاد أو فهموها على وجه آخر. # وأبو تمام ليس بالشاعر المغبون ولا بالمجهول القدر في زمانه وبعد زمانه، بل لعله أصاب من ~~الرعاية والاعتراف بالفضل فوق حقه، أو فوق ما أصابه معاصروه على التحقيق. # كذلك ليس في أبي تمام ناحية غامضة أو ناحية تتنازعها الأفهام والبدائه الفنية؛ وإن جرى ~~النزاع في معنى من معانيه، فهو نزاع لا يتسع حتى يتناول النفس الإنسانية في آفاقها الواسعة، ~~ولا يترتب على البت فيه بت في مشكلة عاطفية أو اجتماعية، أو عقدة من عقد الحياة. # فهو صاحب إجادات وليس بصاحب عالم. # يسأل سائل: وما «صاحب عالم» هذه التي تميز بها بعض الشعراء، وتجعلها ذريعة إلى الكتابة عن ~~فريق وترك الكتابة عن آخرين؟ # فأقول: إن التمثيل هنا لازم لتقريب المقصود بالشاعر الذي «له عالم»، والشاعر الذي لا عالم ~~له وإن كانت له إجادات. # فالملكة الشاعرية - بل الملكة الفنية عامة - هي أشبه الأشياء بالزجاجة المصورة التي ترسم ~~ما يقابلها. # فالزجاجة الحساسة الواسعة لا تدع مما يقابلها شيئا إلا رسمته، وجاءت بصورة منه. # والملكة الفنية زجاجة مصورة تقابل العالم بأسره، فإن كانت حساسة واسعة جاءتنا بصورة من ~~العالم كله، وأمكننا أن نعرف ما هو العالم كله كما رآه الشاعر في قصيدته. # وإن لم تكن كذلك جاءت بقطعة منه، وبلغت ما يتاح لها أن تبلغ في تلك القطعة المحدودة، ~~ولكنك لا تبادل هذه الصورة بالصورة العالمية، وإن كانت تفوقها في التظليل والتلوين. # إن قطعة من مدينة القاهرة حسنة التصوير لتشترى وتقتنى ولا مراء، ولكنك إذا أردت صورة ~~المدينة برمتها، فهذه الصورة الشاملة أولى بالشراء والاقتناء من كل قطعة محدودة، بالغة ما ~~بلغت من إتقان التظليل والتلوين. # وأبو تمام يجيد في هذا المعنى ويجيد في ذاك، ولكنه لا يعرض لك العالم كله في حالة من ~~حالاته، ms034 ولا يخرج لك نسخة عالمية تقرنها إلى النسخ الأخرى التي تستمدها من أمثال: ابن ~~الرومي والمتنبي والمعري في الشعر العربي؛ وأمثال: شكسبير وجيتي وليو پاردي في الآداب ~~الأوروبية. # ابن الرومي له عالم كامل من الحياة الفنية، والمتنبي له عالم كامل من الحياة العملية، ~~والمعري له عالم كامل من الحياة الفكرية والروحية. # فالعالم بكل صورة فنية فيه ممثل في ملكة ابن الرومي، أو في تلك الزجاجة الحساسة الشاملة ~~التي لا تدع شيئا مما يقابلها إلا وعته على الطريقة الفنية. # والعالم بكل صورة عملية فيه ممثل في ملكة المتنبي، كما تمثل عالم الفكر والروح جميعا في ~~ملكة أبي العلاء. # حياة كاملة تعرضها من جانبها كل ملكة من هذه الملكات، فنقول: إن نسخة من صور العالم قد ~~زادت في مجموعتنا الأدبية. # أما أبو تمام فلا يعطينا نسخة من صور العالم على نحو خاص به، أيا كان هذا النحو في ~~قيمته ومرماه. # عنده صورة حسنة جدا لمسجد السلطان حسن، وصورة حسنة جدا لقنطرة قصر النيل، وصورة حسنة ~~جدا للهرم؛ ولكن مدينة القاهرة كلها ليست هناك، سواء «حسنة جدا»، أو حسنة قليلا، أو ~~غير حسنة على الإطلاق. # وهذا الذي نعنيه بالشاعر الذي له عالم؛ وهذا هو المقياس الإنساني الصحيح للشاعرية ~~الممتازة في بابها؛ لأن الشاعرية ملكة إنسانية قبل كل شيء، وملكة لغوية أو بيانية بعد ~~ذاك. # وما قاله الأديب عن ابن الرومي لا يدل على أن كتابا ضخما في شرح أدبه كثير عليه؛ بل يدل ~~على أنه لا يزال في حاجة إلى كتب ضخمة إلى جانب ذلك الكتاب للتعريف بقدره، والتنبيه إلى ~~دقائقه، والوصول إلى فهم الأدب والشعر عن طريق فهمه. # فابن الرومي في الملكة الشعرية الفنية قمة لا تطاولها القمم، مثل لا تقاربه الأمثال، طراز ~~ليس له في الدنيا نظير. # نعم في الدنيا أقول، ولا أقول في أدب العرب أو أدب الفرس أو أدب الروم أو أدب أمة واحدة ~~من الأمم. # في الدنيا كلها لا نعرف نظيرا لابن الرومي فيما رزقه الله من ملكة ms035 التصوير الفني، ومن ~~القدرة الشعرية على استيعاب كل مرئي رآه، وكل محسوس أحسه وكل خالجة جرت بين طواياه. # في الدنيا كلها نقول ونحن نعني ونعلم ما نقول، ومن لم يفهم هذا فليجتهد في فهمه، قبل أن ~~يجتهد في رفض رأي ليس عنده من أسباب رفضه مثل ما عندنا من أسباب الذهاب إليه وأسباب ~~تأييده. # بيتان اثنان من شعر ابن الرومي يصلحان لتقريب هذه الحقيقة؛ لأنهما نظما بمحض الباعث إلى ~~التصوير الفني، ولم ينظما محاكاة للموضوعات التي يتناقلها الشعراء. # وهذا البيتان هما قوله في وصف حقل من الكتان: # وجلس من الكتان أخضر ناعم # توسنه داني الرباب مطير # إذا اطردت فيه الشمال تتابعت # ذوائبه حتى يقال: غدير # بيتان ليس لهما رنين ولا بهرج، ولا بارقة من المحسنات وأفانين الأناقة؛ ولكنهما لا يدعان ~~محسوسة واحدة من محسوسات حقل الكتان إلا وعياها وسجلاها والتهماها، كما يلتهم الفم الجائع ~~ما يشتهيه. # فالصورة المرئية لها عناصرها التي تتم بها من جميع نواحيها: عنصر المنظر كله، وعنصر ~~اللون، وعنصر اللمس، وعنصر الوقت الذي تراها فيه، وعنصر الموقع الذي تقع فيه من المكان، ~~وعنصر الحركة. # ما من شيء يبقى في الصورة المرئية بعد استيعاب هذا، وما من شيء من هذا لم يستوعبه ذانك ~~البيتان. # في كلمة «جلس» تمثيل للمنظر كله، اختارها ولم يختر كلمة حقل أو مزرعة أو ما شابه هذه ~~الكلمات؛ لأنها تمثل المنظر تمثيلا لا يتفق لسواها. # وأخضر تذكرنا اللون، وناعم تذكرنا اللمس، والتوسن يذكرنا وقت الوسن وشعور الوسن في وقت ~~واحد، وداني الرباب المطير يمثل لنا حواشي المكان حيث تحيط بذلك الكتان، واطراد الذوائب ~~كاطراد الغدير يمثل لنا الحركة على أحسن تشبيه وأصدق محاكاة. # تمت الصورة على هذا النحو؛ لأن كل حاسة من حواس هذا الشاعر الخالد هي في جوعها إلى ~~محسوساتها كالفم الجائع إلى الطعام الذي تقوم به الحياة. # زجاجة حساسة شاملة لا تخطئ شيئا مما يقابلها؛ وتصيبه لأنها حية حية، بالغة في الحياة، لا ~~لمراعاة النظير ولا لتجويد المحسنات ولا لطرق الأبواب التي ms036 تقدم بطرقها الشعراء. # إذا قرئ ابن الرومي على هذا النحو عرف ابن الرومي شاعرا لا نظير له في آداب الدنيا، ~~وإنما الطريق إلى قراءته على هذا النحو أن نحس كما أحس، وأن نعلم ما عنده لنبحث عنه، ونلتفت ~~إليه ونظفر به حيثما وجدناه. # ولمن شاء أن يذكرني ما شاء من أبيات وصفه، أبين له ما فيها من عناصر الاستيعاب التي لم ~~تتفق لغيره من الشعراء، فإنما وصفه لجلس الكتان نموذج قريب المتناول لسائر الأوصاف. # أما الأديب الذي يسألني عن غلاة المحدثين من المصورين، فينتظر مني جوابا مسهبا عن ~~مدرستهم ومدارس أمثالهم في سائر الفنون؛ لأن هذه البدعة قد عمت فنونا أخرى ولم تنحصر في ~~التصوير. # والذي أراه أن الإسهاب هنا فضول لا حاجة إليه؛ لأن بطلان الأساس الذي قامت عليه هذه ~~المدرسة قد يظهر في بضعة سطور. # فالمصورون على مذهب الغلاة المحدثين ينسون قواعد الرسم، وينسون ملامح الشبه، وينسون أصول ~~التلوين، ويرسمون الرجل فلا تعرفه بملامحه ولا بظاهر شكله، ولا تميز بينه وبين غيره بعلامة ~~تتفق عليها الأنظار؛ لأنهم يزعمون أنهم يعرضونه لك كما يتمثل في الوعي الباطن، أو كما يشعر ~~هو في باطن وعيه، ولا يعرضونه لك كما تراه بالعين. # والخطأ هنا أن «الوعي الباطن» لم يخلق ليلغي الوعي الظاهر أو يمنعنا أن نرى الدنيا، ولكنه ~~خلق ليظل وعيا باطنا حيث هو في قرارة الضمير، نستدل عليه بعلاماته التي تتفق عليها ~~الأنظار. وما من أحد يبني بيته أو يطبخ طعامه، أو يخيط ملابسه أو يحضر دواءه على ما يتصوره ~~هذا وذاك وأولئك في وعيهم الباطن المزعوم ... فلماذا يتغير وجه الإنسان؛ لأن له وعيا باطنا؛ ~~أو لأن المصور له وعي باطن، أو ما يزعم من هذا الهراء؟ # ومن البديه أن التصوير «فن» له أدواته وتحضيراته، وملكاته التي لا تشبه ملكات الفنون ~~الأخرى؛ فما هي الدروس التي يتعلمها المصور؛ ليصبح على هذا المذهب مختصا في صناعته؟ ما هي ~~تلك الدروس إذا نحن ألغينا الرسم والتلوين والملامح والأشباه؟ أهي دروس التنجيم عن ms037 الوعي ~~الباطن؟ وكيف الاتفاق عليها ولا يوجد اثنان يتفقان على تسمية صورة من متعلمي ذلك ~~التنجيم؟ # الواقع أن «الوعي الباطن» له مكان واحد من شئون هذه البدعة المرضية، ومكانه هو إظهار ~~العلة المرضية التي تكمن في بواطن المصورين المشغوفين بكل بدعة من هذا القبيل. # فمما لا شك فيه أنهم جميعا قوم «تفهون» تتخطاهم العيون، فهم بين مشوه أو ضئيل أو مهزوم ~~النفس أو عاجز عن لفت النظر إليه؛ فحيلتهم هي حيلة هذا الضرب من الناس في اتخاذ المشاكسة ~~والتحدي والإغراب وسيلة للتنبيه إليه، وهذه هي الحقيقة الواحدة التي لها شأن ب «الوعي ~~الباطن» في مذهب هؤلاء الغلاة؛ فهم مصابون في وعيهم الباطن، يترجمونه كارهين، ويعرضون على ~~الناس من ثم أعراض مرض لا معارض فنون. # الفصل التاسع # | احتكار الأدب # سألني أحد الأدباء رأيي في هذا الموضوع: # كثير من الأدباء يتهمون إخوانهم بالأنانية وحب النفس، فأدباء الشيوخ الذين ~~يحتكرون ميدان الأدب لا يبذلون أي جهد في تسديد خطى الشباب الناشئ، ولا أعرف السبب ~~الذي يمنع أديبا مثل الأستاذ العقاد من تأليف كتاب عن الشعراء الناشئين، الذين يدل ~~شعرهم على نبوغ وعبقرية مثلما فعل الشاعر الإنجليزي المعروف و. ب. يتس الذي كتب عن ~~روبرت بردج، وولتر دي لمار، وهيلار بلوك، وليونيل جونسون، وأرنست دوسون، في مؤلفه ~~كتاب أكسفورد للشعر الحديث. # فشيوخ الأدب في أوروبا لثقتهم بأنفسهم وحبهم لفنهم، وإخلاصهم له، يسددون خطى ~~الأدباء الناشئين، ويشيدون بذكر الموهوب منهم. # وفي هذه الكلمة الموجزة كثير من الخطأ الذي يشيع بين بعض المتأدبين الناشئين، ولا ينفرد ~~به صاحب السؤال وحده، كما لاح لي من بعض الرسائل والأحاديث، أو مما تكتب الصحف في هذا ~~المعنى، وهو خطأ يحتاج إلى تصحيح؛ ونعتقد أن تصحيحه هو أنفع وجوه التسديد التي ينشدها صاحب ~~الخطاب. # فمن الخطأ «أولا» أن يشايعهم صاحب السؤال على دعواهم أن أدباء الشيوخ يحتكرون ميدان ~~الأدب؛ لأنهم يظهرون من حين إلى حين بمقال في صحيفة أو بكتاب جديد يؤلفونه، أو يجمعون فيه ~~ما سبق لهم نشره من ms038 المقالات. # فلا معابة على الأدباء الشيوخ أن يصنعوا ذلك، بل المعابة ألا يصنعوه، وهو واجبهم المفروض ~~عليهم، وقد يعاب عليهم مع ذلك أنهم قليلو الإنتاج بالقياس إلى ما ينبغي لهم أو ينتظر منهم، ~~وإنما يعذرهم أناس؛ لأن جمهور قراء الأدب عندنا لا يقبلون على المؤلفات إقبالا يملي للكاتب ~~في أسباب المثابرة، ومتابعة التأليف؛ ويلومهم أناس لأنهم يجهلون العقبات التي تحول دون ~~الانقطاع للكتابة الأدبية في بلادنا الشرقية، فالمفروض على أدباء الشيوخ خاصة أن يزيدوا ~~إنتاجهم لا أن ينقصوه؛ ولو أريد من الأديب أن يؤلف في سن المرانة والابتداء، ثم ينقطع عن ~~التأليف بعد النضج والاكتمال، لكان هذا بدعة أخرى من بدع انقلاب الأحوال التي حقت على ~~المتخلفين من شعوب الشرق أجمعين. # وإذا كان الغرض هو الكتابة في الصحف دون التأليف والتصنيف، فليس بصحيح أن شيوخ الأدب ~~يحتكرون الكتابة الصحفية، أدبية كانت أو غير أدبية بأي معنى من معاني الاحتكار، بل ربما ~~اقترنت بكل مقالة يكتبها أديب مشهور خمس مقالات أو ست أو سبع يكتبها أدباء ناشئون أو غير ~~مشهورين، وتكفي مراجعة قليلة للصحافة اليومية والأسبوعية والشهرية لتصحيح الخطأ في هذا ~~الباب. # أما أن أدباء الشيوخ لا يبذلون جهدا في تسديد خطى الكتاب الناشئين، فما هو هذا الجهد ~~المطلوب؟ وعلى من التبعة إن صح أنه دون الكفاية؟ # أي جهد يسدد الخطى إن لم يسددها التدريس للطلاب، أو الكتابة لمن يقرأ ويستفيد؟ # أما التسديد بالمحادثة والمناقشة فما هو الجهد الذي يطلب فيه من أدباء الشيوخ؟ ولماذا ~~نفرض هنا على الأديب الشيخ أن يجتهد ليبحث عمن يسدد خطاهم، ولا نفرض على الناشئ أن يجتهد ~~ليبحث عمن يسدد خطاه، إذا اتسع له الوقت وساعفته شواغل الحياة؟ # إن الكتاب الذي أشار إليه صاحب الخطاب لا يصلح للتمثيل به في هذا الصدد من أي ناحية من ~~نواحيه، فهو كتاب يشمل الشعر منذ خمسين سنة، ولا ينحصر في شعر هذه الأيام؛ وهو كتاب ندب ~~الشاعر «يتس» لتأليفه ولم يفرغ لتأليفه، ولا كان في وسعه أن يفرغ له ms039 لو لم يندب لهذه المهمة ~~وهو معفي من تكاليفها ونفقاتها التي يعجز عنها، والكتاب بعد هذا وذاك يشتمل على أسماء أناس ~~لا يعدون من الناشئين، سواء من ذكرهم صاحب الخطاب أو لم يذكرهم في خطابه، فروبرت بردج مات ~~قبل تأليفه وعمره ست وثمانون سنة، وروبرت بروك - إن كان هو المقصود دون روبرت بردج - مات في ~~الثامنة والعشرين، وليس له في الكتاب غير قطعة واحدة، وولتر دي لمار كان يدلف إلى السبعين ~~عند ظهور الكتاب، وقد بلغها هلير بلوك في ذلك الحين، وليونل جونسون قد توفي قبل ظهور الكتاب ~~بنحو أربعين سنة وهو في الخامسة والثلاثين، وأرنست دوسون توفي في نهاية القرن الماضي وهو في ~~الثالثة والثلاثين. # فليس بين هؤلاء شاعر واحد يعد بين الناشئين، ولم يكن يتس مسددا لخطاهم؛ لأنهم بين صامد ~~على قدميه مستقل عن الأساتذة والمرشدين، ومفارق للحياة في ريعان الفتوة أو بعد مقاربة ~~الشيخوخة. # وليست المسألة هنا مسألة ثقة بنفس أو حب لفن كما اعتقد صاحب الخطاب، بل هي مسألة تاريخ ~~محدود قد طلبت ملاحظته في الاختيار، وأعفي يتس فيه من أعباء المجازفة والانتظار. # وفيما عدا هذه الحالة لا نذكر حالة أخرى فرغ فيها شاعر أوروبي كبير للتأليف في الغرض الذي ~~يقترحه صاحب الخطاب على أدباء الشيوخ المصريين. # وللأدباء الشيوخ العذر كل العذر بين المصريين، أو بين الأوروبيين إذا اختاروا للتأليف ~~أغراضا غير هذا الغرض الذي تنعكس به أوضاع الأمور، فإن الرجل الذي بلغ الخمسين وجاوزها يحق ~~له أن يقصر مطالعته على المفيد المحقق الفائدة؛ ليثابر على واجبه وعلى الانتفاع بمقروءاته، ~~فليس في وسعه أن يقرأ ست ساعات أو سبع ساعات كل يوم كما كان يفعل في بواكير الشباب، وليس في ~~وسعه إذا اقتصر على ساعتين أو ثلاث أن ينفقها في البحث عمن يجربون الكتابة، أو يشرعون في ~~تجربتها ليقرأ مائة مقال، أو مائة كتاب عسى أن يظفر بينها بشيء يستحق التنويه، وإنه ليستغني ~~عن التنويه لا محالة إذا كان له من القيمة والجودة ما يكفل له ms040 البقاء. # إنما يتيسر التشجيع للأديب الشيخ في عمل واحد، وهو عمل الصحافة الأدبية حين يتولى الإشراف ~~عليه، فهو يقرأ ما يرد إليه من الشعر والنثر، ويعنى بتنقيحه وتقديمه ونشره ولفت الأنظار ~~إليه، وهذا ما كنا نصنعه في الصحف التي أشرفنا على أبوابها الأدبية، ولو كلفنا الجهد المجهد ~~في القراءة والتصحيح والتنقيح. # أما الرجل الذي تشغله الحياة بمطالبها، ويشغله الأدب بمطالبه بين قراءة وكتابة، فتسديده ~~مقصور على من يتصلون به على ما هو مستطيعه، وليس مما يستطيع أن يترك كتابا يؤلفه جهبذ من ~~جهابذة الفن والحكمة، ويضمن نفعه ومتعته ليقرأ خمسين كتابا لا يضمن نفعها ... عسى أن يعثر ~~بينها على شيء مرجو النتيجة بعد تكرار التجربة مرات. # هذا ضياع للوقت وضياع للجهد وضياع للأدب، وعبث تستغني عنه الكفاءة المرجوة، ولا نفع فيه ~~لمن خلا من الكفاءة، ويمنعه مع هذا كله أنه غير مستطاع. # على أن الأمر خطير جد الخطر من إحدى نواحيه التي يدل عليها، وهي ناحية الروح التي ينم ~~عليها شيوع هذه الأماني والتعلات بين طائفة ولو قليلة من الناشئين. # فإنها روح تدل على إعفاء النفس من كل واجب، وإلقاء التبعة على كل كاهل، ونسيان كل حق غير ~~حق الأنانية بغير عناء ولا مقابل. # يبدأ الناشئ بالكتابة اليوم، ويريد أن يشتهر غدا بمقال واحد أو قصيد واحد ولا نقول بكتاب ~~واحد، فإن لم يشتهر فليس اللوم عليه وعلى طمعه فيما لا يكون ولا ينفع الأدب والناس لو كان ... ~~كلا، بل اللوم على المشهورين الذين كان ينبغي أن يستأصلوا شهرتهم، وأن يكفوا عن الكتابة وأن ~~يفرغوا جهودهم، وجهود قرائهم لشهرته هو دون غيره من الشيوخ والكهول والناشئين، وإلا كانوا ~~محتكرين للأدب الذي يحق له هو أن يحتكره، ولا يحق ذلك لأحد من العالمين! # وهؤلاء الأدباء المشهورون «الشيوخ» ما لزومهم في هذه الدنيا؟ ما لزوم تجاربهم الماضية ~~ودراساتهم الطويلة، وجهودهم المضنية وحياتهم التي يعيشون فيها أبدا بين الأذى والإنكار ~~والكنود؟ # هل لهم لزوم في نفع أنفسهم ونفع قرائهم، ونفع الأدب بالاطلاع على ms041 المفيد المضمون؟ # كلا ... ليس لهذا كله لزوم! وإنما هم لازمون لشيء واحد، وهو شهرة من يريد الشهرة العاجلة ... ~~على شريطة أن يشتهر وحده، ولا يشتهر واحد من أنداده في السن والقدرة! # وهل لهؤلاء الأدباء الشيوخ حق؟ هل لهم فضل يجب الاعتراف به على أحد؟ # معاذ الله ... من أين لإنسان غضب الله عليه، فنشأ في الدنيا أديبا شرقيا أن يطمع في حق ~~أو في اعتراف؟ # إنما عليه أن يقرأه القارئ الناشئ عشر سنين وعشرين سنة، ولا يقول له مرة واحدة: أحسنت ~~واستحققت مني الكرامة والثناء، ولكنه هو عليه أن يقف على باب كل مطبعة؛ ليتلقف منها كل كتاب ~~ألفه كل شاب في العشرين، فلا ينام ليلته قبل أن ينفخ كل بوق ليقول كل ما يحلو للمؤلف من ~~ثناء وتنويه، فإن لم يفعل فيا للاحتكار، ويا للأنانية، ويا للغدر والكفران بالحقوق! # تعس الشرق إن كانت هذه روح الجد في شباب يتولى قيادته الفكرية بعد جيل، ومن رحمة الله ~~بالشرق ألا تسري هذه الروح في غير القليل من المتواكلين. # وتجربتي أنا في هذا الميدان قد يعرفها المتعقب لتاريخ الكتابة الحديثة بغير بحث ~~طويل. # فما لجأت قط إلى أديب مشهور لأتكئ إلى شهرته وأستفيد من ثنائه، وما استبحت قط في كتاب من ~~كتبي التي أطبعها أن أذيع كلمات التقريظ التي يخصني بها الكبراء، ومنهم زعيم مصر «سعد ~~زغلول». # هذه تجربتي مع من تقدموني وسبقوني إلى ميدان الكتابة والشهرة، أما الذين لحقوا بي فإذا ~~استثنيت أفرادا جد قليلين من صحبي - وإن شئت فقل: تلاميذي - فلا حق لي عندهم، ولهم عندي ~~جميع الحقوق. # قرءوني عشر سنين فما نبسوا بكلمة تقدير واحدة، وتعرضوا للكتابة أياما فاعتقدوا أنني قصرت ~~غاية التقصير؛ لأنني لم أفرغ نهاري وليلي للثناء عليهم والتبشير بدعوتهم، ووجب إذن أن أفعل ~~ما يريدون وإلا ... # وهنا العثرة كما يقول شكسبير! # وإلا ماذا؟ إنني رجل لو جاءني أحد فقال لي: عش ألف سنة سعيدا وإلا ... لأوشكت أن أجيبه ~~بالرفض بعد هذا الاشتراط قبل إتمامه. # فإذا جاءتني شرذمة ms042 من خشاش الأرض لا يعرفون لي حقا، ويفرضون علي أن أنتحل لهم كل حق ~~مصدوق أو مكذوب، وإلا حطموني وهدموني، وذروا ترابي في الهواء فماذا ينتظرون مني؟ ولماذا ~~يغضبون إذا تركتهم يهدموني؟ ألأنهم لم يستطيعوا هدمي؟ أكان من الاحتكار أيضا أنني لم أنهدم ~~كما أرادوا فعرفوا أنهم عاجزون وأنهم هازلون؟ # إن حق التشجيع في معاملة الناشئين مقرون بحق الأدب والتوقير في معاملة الشيوخ ~~والكهول. # بل حق الأدب والتوقير مقدم بحكم السبق في الزمان؛ لأن الشيوخ والكهول كتبوا قبل الناشئين، ~~وبحكم الحق لأن الأديب الناشئ يستفيد حين يقرأ سابقيه، وليس الأديب الكهل أو الشيخ على ثقة ~~من الفائدة إذ يقرأ للناشئين، وبحكم الاستطاعة؛ لأن القارئ الناشئ قد استطاع أن يقرأ فعلا ~~ما هو مطالب بتقديره، وليس لأحد أن يفرض استطاعة الكهل أو الشيخ أن يقرأ كل ما يكتبه ~~الدارجون في طريق الكتابة. # ولكنهم هنا يطلبون التشجيع ويعفون أنفسهم من واجب التوقير ... ويهددون! # ومن طلب ذلك فما هو بأهل للتشجيع. # ومن قبل ذلك فما هو بأهل للتوقير. # أما الذين يعرفون الحقوق ثم لا يحتكرونها كلها لأنفسهم، فليس عندهم من سبب لاتهام ~~المشهورين أو غير المشهورين بالاحتكار، ولا يلومون أحدا على الاشتهار؛ لأنهم هم يتعجلون ~~الاشتهار. # الفصل العاشر # | نحو من النحو! # ... نعلم ما كتبتموه عن العلاقة بين كبرياء المتنبي وولعه بالتصغير في الهجاء، وإنه أكثر ~~ما يرى مصغرا حين يهجو مغيظا محنقا، أو يستخف متعاليا محتقرا كما يقول عن كويفير ~~والخويدم والنويبه والأحيمق والأعير والشويعر، وأهيل الزمان وأهيل العصر إلى آخر هذه ~~الأمثلة التي كثرتم من ضربها. # وقلتم: «إنه إذا لم يصغر المهجو باللفظ صغره بالمعنى، فكان أعداؤه اللئام عنده شيئا ~~قليلا كما قال: # يؤذي القليل من اللئام بطبعه # من لا يقل كما يقل ويلؤم # وإنه قد يلعب بهذا الإحساس الماثل في نفسه على الدوام لعب المرء بعادة مغروسة فيه، فيتخذ ~~منه نكته نحوية كقوله على ذكر ابني عضد الدولة: # وكان ابنا عدو كاثراه # له ياءي حروف أنيسيان # يريد أن يقول: إذا كاثر ms043 العدو عضد الدولة بابنين كابنيه، فجعل الله ابني العدو كياءين ~~تضافان إلى كلمة إنسان، فتزيدانه في عدد الحروف وتنقصانه في القدر. # ثم قلتم: وهذا غير غريب من رجل شديد الإحساس بالصغر، واعتاد التصغير باللفظ، وعرف عنه ~~إدمان الاطلاع على كتب النحو.» ~~«وقد اطلعنا أخيرا على مقالة في مجلة الثقافة لبعضهم يقول فيها: إن هذا من طغيان ~~النفسانيات على الأدب، وإن التصغير في شعر المتنبي لم يكن لتكبره، وإنما هو أداة من أدوات ~~الهجاء يعرفها شعراء هذا الفن في الأدب العربي وفي غيره من الآداب: أداة لصيقة بفن أدبي ~~بذاته لا وليدة الطبيعة النفسية عند من يستخدمها، وليست هناك رابطة تلازم بين التكبر ~~والتصغير حتى ولا في شعر المتنبي نفسه؛ لأنه قد يستخدمه للتعظيم كما قال: # أحاد أم سداس في أحاد # لييلتنا المنوطة بالتنادي # إلى آخر ما جاء في مقالة الثقافة. # فهل لكم أن تدلوا برأيكم في تعقيب الكاتب؛ لأنه تفسير لرأيكم وفيه بيان لمسألة من مسائل ~~النفسيات والأدب؟ إلخ.» ~~••• # والذي نراه في التعقيب الذي أشار إليه الأديب أن استعمال التصغير للتعظيم لا يبطل ~~استعماله للتحقير، وأن صيغة التصغير ليست أداة لصيقة بكل هجاء، كما جاء في مقال الكاتب ~~بمجلة الثقافة، فلا يزال استخدام المتنبي هذه الصيغة بتلك الكثرة التي لم تعهد في شعر غيره ~~أمرا يرجع إلى خلائقه الشخصية، ويرجع البحث فيه إلى النفسيات التي لا انفصال بينها وبين ~~الأدب؛ لأن الأدب قبل كل شيء تعبير عن شعور، وليس أولى من النفسيات بالبحث في كل ~~شعور. # فليست صيغة التصغير أداة لصيقة بالهجاء، ولم نرها قط بهذه الكثرة في أشعار الهجائين ~~المنقطعين لهذا الباب، أو المشهورين به قبل سائر الأبواب. # والمتنبي لم يكن من شعراء الهجاء المشهورين به في اللغة العربية، وإنما اشتهر به شعراء ~~آخرون كالحطيئة وجرير والفرزدق ودعبل وابن الرومي على التخصيص. # فلم لم يكثر التصغير في أشعار هؤلاء الهجائين؟ # ولم كان المتنبي منفردا بهذا الإكثار؟ # مرجع الأمر إليه لا إلى الهجاء، وأقرب شيء أن يخطر على البال أنه ms044 استصغر؛ لأنه تكبر، وأنه ~~صبغ هجاءه بصبغته النفسية فاختلف من هذه الناحية؛ لأنها هي ناحية الاختلاف بينه وبين غيره ~~من الهجائين. # على أن الهجاء ضروب، وليس بضرب واحد في اللغة العربية، أو فيما عداها من اللغات. # ومرجع الأمر في تعدد ضروبه إلى تعدد النفوس، وتعدد الأمزجة، وتعدد الشعور الذي يشعر به ~~الهاجي نحو من يهجوه. # فهناك هجاء الرجل الوضيع المهين. # وهناك هجاء الرجل المتكبر العزيز. # وهناك هجاء الرجل المهذب الشريف. # وهناك هجاء المتوقح البذيء. # وهناك هجاء التهكم والسخرية، وهجاء العنف واللدد، وهجاء النقد، وهجاء الإيذاء. # ومناط التفرقة بينها هو النفسيات، وما تشمله من فوارق الحس والعاطفة، وليس المرجع فيها ~~إلى باب في علم النحو يتكلم على مواضع التصغير. # وأعجب شيء يقال هو أن المتنبي لم يستصغر لأنه متكبر، بل أكثر من التصغير لسبب آخر ... ثم لا ~~يدري أحد ما هو ذلك السبب الآخر! لم يمتنع الاستصغار بسبب التكبر؟ ولم لا يكون سببا ~~للاستصغار؟ # أي عجب في ذلك؟ بل أي مخالفة فيه للمعقول والمعهود؟! بل أي شيء أقرب منه إلى الفهم ~~والتعليل؟ # أيمتنع هذا القول لأنه من النفسيات، وكل ما كان من النفسيات فهو ممنوع غير مقبول؟ # أيمتنع لأن قرارا مجهولا لا نعرف نحن مصدره قضى بمنعه وتحريمه، وإقصائه من عالم الفرض ~~والتقدير؟ # إننا لا ننفي أن المتنبي كان متكبرا مطبوعا على الكبرياء، ولا ننفي أن المتكبر مطبوع ~~على أن يستصغر الناس، ولا ننفي أن صيغة التصغير تستعمل للتصغير والتحقير، فلماذا ننفي أن ~~ولع المتنبي بالتصغير مرجعه إلى طبيعة الكبرياء فيه؟ # لماذا؟ للنفسيات التي يسمع باسمها من يسمع، فيظن أنها حجاب حائل بين المتنبي والاستصغار ~~بصيغة التصغير؟ # أما أن المتنبي قد استعمل التصغير للتعظيم والتكبير، فهو إذا صح لا يمنع أن التصغير ~~يستخدم أيضا للتصغير، بل هو الأصل والتعظيم مجاز عارض عليه. # يقول أحد: إنني رأيت المليمات في أيدي الفقراء، فيجيء سامع بالنفسيات - أو قل: سامع ~~بالاقتصاديات - فيقول: كلا، كلا، هذا بعيد! هذا غير معقول! # هذا إقحام للاقتصاديات في شئون الحس ms045 والعيان! لأنني رأيت بعيني المليمات في خزانة المصرف ~~الكبير، وفي خزانة الغني العظيم! # كلام ظريف! # نعم ظريف كذلك الكلام الذي يبطل باب التصغير للتصغير جملة واحدة؛ لأن التصغير قد استعمل ~~حينا في معنى التكبير ...! # على أن البيت الذي قيل: إن المتنبي خالف فيه هذه السنة لا يدل بمعنى من معانيه على أنه قد ~~نسي فيه الكبرياء، أو نسي عادة الاستصغار. # فهو يقول في وصف الليلة التي ضاق بها: # أحاد أم سداس في أحاد # لييلتنا المنوطة بالتنادي # ومن الميسور أن يلحظ القارئ لهجه التأفف في تصغير تلك الليلة المبرمة، كأنه يستكبر أن ~~يعروه الضيق من ذلك الشيء الصغير، وإن لج به المطال. # وهبه مع ذلك كان ينوي التعظيم والتقديس لتلك الليلة المبرمة، ولا ينوي أن يتأفف منها ~~ويستكثر عليها أن تبرمه وتثقل عليه، فهل كلمة في قصيدة واحدة تبطل عشرين كلمة في عشرين ~~قصيدة؟! وهل يحصل كل هذا لأجل خاطر «النفسيات » قدس الله سرها وبارك في عمرها! # ولقد كان كثيرا من كاتب المقال الذي أشار إليه الأديب صاحب الخطاب أن يزعم أن التحقير ~~والتكبير في صيغة التصغير يتساويان! فأما أن يقول: إن التحقير هو الممتنع الذي لا يعقل، وإن ~~الاستصغار من جانب المتكبر المطبوع على الكبرياء هو الغريب المريب، فتلك نفسيات لله درها من ~~نفسيات! وفنون حماها الله من فنون! # وما نشك في أن الأديب «محمد جابر» رجل يريد أن يضحك، ولا يريد في الحقيقة تفسيرا لما هو ~~غني عن التفسير؛ فإن لم يجد شبعه من الضحك في طراز تلك النفسيات، ومعرض تلك الفنون، فغاية ~~ما عندي من القول أن المتنبي - رحمه الله - لم يشرفني بأمانة سره، ولم يطلعني على دخائل ~~صدره، فإذا كان قد ذكر لبعضهم أنه لم يولع بالتصغير لقصد التصغير، فهو وذمته فيما ادعاه، ~~وللأديب عليه اليمين الحاسمة إن تردد في قبول دعواه! أما نحن فغاية ما نعلمه أن المتنبي كان ~~رجلا متكبرا، وأن المتكبر يستصغر الناس، فلا عجب أن يولع بصيغة التصغير، وهذا حسبنا وحسب ~~القارئ فيما ms046 زعمناه. # الفصل الحادي عشر # | القراءة في زمن الحرب # «هل للإقبال على القراءة في زمن الحرب أسباب حقيقية؟ وإن كانت لها أسباب حقيقية فما هي؟ ~~وكيف يستفاد من هذا الإقبال خير فائدة؟» ~~••• # تلك بعض الأسئلة التي استخلصتها من خطاب مطول في هذا الموضوع، وأحسبه من أحق الموضوعات ~~بالدراسة في الوقت الحاضر؛ لأنه موضوع القراءة الذي تنطوي فيه سائر الدراسات. # فأما أن الإقبال على القراءة له أسباب حقيقية، فذلك ما ليس فيه شك ولا يحتاج إلى ~~بينة. # إذ كل شيء حاصل فله لا محالة أسبابه الحقيقية، وإلا لم يحصل ولم يكن له وجود، وإنما يجوز ~~الخلاف في دوام هذه الأسباب وزوالها، أو في قوتها وضعفها، أو في خلوصها وما قد يشوبها من ~~العوارض الغريبة عنها. # فأما أنها حقيقية، فذلك أمر لا محل فيه لخلاف. # والأسباب التي تدعو إلى الإقبال على القراءة في هذه الفترة كثيرة لا تنحصر في ناحية ~~واحدة، وقد تنحصر في جملة الأسباب التالية: # فمنها أن البريد الأوروبي لا يحمل إلى مصر كل ما كان يحمله إليها من الكتب والصحف ~~والمجلات من معظم البلدان. # فقد كان يرد إلى مصر بريد حافل بهذه المطبوعات في كل أسبوع، وكان له قراء مثابرون على ~~مطالعته كلما وصلت رسالة من رسالاته، فانقطع بعض الذي كان يصل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ~~وألمانيا، وقل وصول بعض الذي كان يصل من إنجلترا وأمريكا، وتحول قراؤه إلى مراجع أخرى ~~يشغلون بها وقت القراءة، ومعظمها من المراجع العربية الحديثة أو القديمة. # ومن تلك الأسباب أن الصحف اليومية كانت منها صحف تصدر في أربع وعشرين صفحة أو عشرين، وصحف ~~تصدر في ست عشرة صفحة ولا تقل عنها، وكانت إلى جانبها صحف أسبوعية تصدر في أربعين صفحة، ~~وتزيد عليها في بعض الأسابيع. # فنقص كل ذلك نقصانا بينا بغير تدريج طويل، وأصبح الحد الأقصى للصحيفة اليومية في أكثر ~~الأيام أربع صفحات، وعم النقص سائر الصحف والمجلات، فأوشكت أن تصدر في ثلث عدد صفحاتها قبل ~~الحرب الحاضرة. # وكل هذا النقص تقابله زيادة في ms047 وقت القراءة عند من تعودوا مطالعة الصحف والمجلات في حجمها ~~الأول، ولا بد لهذا الوقت من شاغل يناسبه ويجري في مجراه. # وإلى جانب النقص في الصفحات ألف الناس الأخبار التي لا يعرض لها كثير من التنويع ~~والمفاجأة، وندرت المناقشات السياسية التي يشتد فيها الجذب والدفع والتأييد والتفنيد، وينشط ~~القراء إلى متابعتها بحماسة التشيع، تارة إلى هذا وتارة إلى ذاك، فأصاب القراء شيء من ~~الفتور إلى جانب النقص في المادة المقروءة لو أنهم نشطوا إليها. ~~••• # ومع هذا كله كثر الوقت الذي يتسع للقراءة لانصراف الناس عن السهر في خارج البيوت؛ إما ~~لتقييد الإضاءة أو لقلة الجديد في دور الصور المتحركة ودور التمثيل. # ومع هذا وذاك كثرت النقود بين الأيدي، وتيسر شراء الكتب بالأثمان التي أوجبها غلاء الورق ~~وغلاء تكاليف الطباعة، وقال الخبراء بشئون الاقتصاد: إن كثرة النقود في الآونة الحاضرة دليل ~~على رخاء صحيح، وليست من عوارض التضخم التي تنشأ أحيانا من شيوع العملة الورقية؛ إذ الناس ~~يبيعون محصولاتهم، وتبقى معهم أثمانها في داخل البلاد، خلافا لما كان يحدث قبل سنوات من ~~تصرف هذه الأثمان إلى خارج القطر بالسفر، أو باستجلاب البضائع الأجنبية، فهذه الأثمان ~~المحفوظة في البلاد هي ثروة حقيقية مكسوبة من موارد حقيقية، وليست بالثروة المصطنعة التي ~~تنشأ من شيوع الورق النقدي بغير مقابل معروف. ~~••• # وخلاصة ما تقدم أن الإقبال على قراءة الكتب العربية يرجع إلى تحول بعض القراء من مادة إلى ~~مادة، وإلى اتساع وقت القراءة، وإلى تيسر الشراء، ويدوم ما دامت هذه الأسباب. # فإذا ضعفت طاقة الشراء، أو ضاق وقت القراءة، أو توافرت المادة الأولى التي كانت متوافرة ~~قبل سنوات، فقد يتغير هذا الإقبال، وقد تثوب الحال إلى ما كانت عليه من قبل أو تتمخض عن حال ~~جديد لم نعهده حتى الآن. # هذا الحال الجديد الذي لم نعهده حتى الآن قد يأتي من ناحية واحدة معلقة على تيسر الورق ~~وتيسر الطباعة. # فإذا تيسر الورق وتيسرت الطباعة بقية أيام الحرب ثبتت في البلاد العربية عادة يصعب ~~تغييرها، وإن ms048 عاد البريد الأوروبي إلى نظامه السابق، وعادت الصحف اليومية والأسبوعية إلى ~~نطاقها الأول. # تلك عادة القراءة في الكتب وحسبانها من حاجات الحياة العصرية، ومطالب المجتمع المهذب، ~~فإنها عادة قد تتأصل في مصر كما تأصلت في البلدان الأوروبية على كثرة الصحف فيها، واتساع ~~صفحاتها، وتنوع موضوعاتها. # ويزيد هذه العادة تمكينا أن يتيسر إخراج ورق الطباعة من مصانع وطنية توالي مصر وبلاد ~~الشرق القريب بما هي في حاجة إليه، فإن رخص الورق يغري بطبع الكتب الرخيصة التي تقبل عليها ~~جميع الطبقات، ولا سيما إذا اجتمع لها إغراء الرخص وإغراء الموضوعات. ~~••• # أما الاستفادة من الإقبال على القراءة في زمن الحرب خير فائدة مستطاعة، فذلك موقوف على ~~معنى الفائدة التي نرمي إليها. # فإن كانت فائدة الربح، فسبيلها أن تعطي «جمهور القراء» ما يشتهيه من الموضوعات التي ~~يحسبها جديرة بالقراءة، قمينة بالفائدة. # وإن كانت فائدة الثقافة، فسبيلها أن تعطي جمهور القراء ما هو في الواقع محتاج إلى علمه، ~~وإن لم يخطر له ذلك. # ومما لا شك فيه أن جمهور القراء يحتاج إلى كثير، وإن كثيرا مما يقرؤه لا حاجة به ولا ~~غناء فيه، وإن الوقت قد حان لتزويده بما يحتاج إلى عرفانه من أحوال العالم اليوم، وأحوال ~~العالم بعد نهاية الحرب، إلى زمن طويل. # فبين الموضوعات التي كانت مهملة أكبر إهمال يعاب على أبناء الحضارة في العصر الحاضر، ~~موضوع المشاكل الاجتماعية والسياسية في قارة أوروبا، وفي البلاد الغربية على ~~الإجمال. # فقل جدا في مصر وبلاد الشرق القريب من كان يتابع هذا الموضوع، ويعرف ما ينبغي عرفانه من ~~أطوار الفكر وصراع الدخائل الاجتماعية في كل أمة من الأمم، وارتباط ذلك جميعه بمقاصد ~~الحكومات، ومقاصد الزعماء الذين يقبضون على أعنة تلك الحكومات، أو على أعنة الهيئات ~~السياسية. # فكم من المصريين المثقفين - ولا نقول: الجهلاء - كان يعرف ما ينبغي أن يعرف عن مسألة ~~«التقسيم الجديد» في الولايات المتحدة؟ # وكم منهم كان يعلم حقيقة العناصر التي أيدت هتلر في ميدان السياسة الألمانية؟ أو حقيقة ~~العناصر التي أيدت فرانكو في ms049 ميدان السياسة الإسبانية؟ أو حقيقة الخلاف بين ستالين ~~وتروتسكي، وما يتصل به من خطط روسيا وعلاقاتها بالشرقين الأقصى والأدنى؟ # كم منهم كان يعلم ما وراء البضائع اليابانية المنشورة في أسواقنا من حبائل الاستعمار ~~ومطامع الاستغلال؟ # كم منهم كان يعرف زعماء الأمم على ما فطروا عليه، فيعرف ما يصنعونه وما يريدونه، وما ليس ~~خليقا أن يصنعوه أو يريدوه؟ # إن الذين عرفوا ذلك لجد قليلين. # وإن الذي أصابنا من جهل ذلك لجد عظيم. # لأننا أخذنا بالحرب ولما نتبين من تياراتها كيف تتجه سفينة النجاة، وكيف تهب رياح ~~الأخطار. # فإذا أحببنا ألا يفاجئنا السلم مثل هذه المفاجأة، فعلى الذين بأيديهم أمر القراءة ~~والطباعة أن يملئوا الأذهان بالمعارف، والمعلومات التي تغني في استطلاع الأحوال والمقاصد ~~بعد الحرب الحاضرة، إلى زمن طويل. # ما الذي تريده هذه الأمة أو تلك؟ # ما الذي يريده هذا الزعيم أو ذاك؟ # وما الذي يخلص فيه؟ وما الذي يماذق فيه؟ وما الذي تواتيه عليه الأسباب الحاضرة؟ وما ~~الذي يخشى أن يعرقله من الأسباب المنظورة؟ # بعض ذلك غيب لا سبيل إلى استطلاعه. # وبعض ذلك عيان مشهود أو في حكم العيان المشهود من أخبار الأمم، ودراسات المفكرين، وسوابق ~~التاريخ، وضرورات الاجتماع و«الاقتصاد». # ولا يزال في الوقت متسع لاستدراك ما فات، ولا يزال الباب مفتوحا لمن يلج فيه، ولا تزال ~~الحاجة كل يوم في إلحاح ومزيد من الإلحاح. # ومهما يكن من قصر الوقت الباقي من زمن الحرب، فانقضاء هذا الوقت في معرفة الحقائق والتأهب ~~للطوارق، خير من قضائه في الإهمال والتسويف، وليكن إقبال الناس على القراءة حافزا لمن ~~يعنيهم أن يقرءوا ما يصلح للفهم في كل زمن، وما يصلح للفهم في الزمن الأخير من الحرب على ~~التخصيص، وليس الكتاب وحدهم أصحاب الشأن في الكتابة؛ لأنهم لا يملكون زمام الأمر إلا ~~القليل، فلو كنا على ما نود من توافر الأداة الثقافية لنهض بالأمر جمع قادر أولو جاه ومال ~~يقررون الموضوعات، ويوزعون الأبواب، وينفقون على ثقة من الكسب وعلى توقع للخسارة في وقت ~~واحد، أو يراوحون ms050 بين ما يربح وما يحتمل الخسارة، فلا يهمهم أن يربحوا من كل شيء ما داموا ~~لا يخسرون من كل شيء. # إننا لقادرون على ذلك لو أردناه. # إننا لمريدوه لو أدركنا دواعيه وأدركنا عقباه. # فهل ندركها؟ # إن قلنا: «فيها قولان.» وكفى، فنحن متفائلون. # الفصل الثاني عشر # | في الشعر العربي # «قرأت في الرسالة كلاما عن «الشعر المرسل وشعرائنا الذين حاولوه» للأستاذ دريني خشبة، ~~يقول فيه بعد الإشارة إلى بعض الأدباء والشعراء: ... لست أدري أي الرائدين فكر لأول مرة في ~~موضوع الشعر المرسل في مصر خاصة، وفي العالم العربي عامة، أهو الأستاذ الشاعر عبد الرحمن ~~شكري أم الأستاذ الشاعر محمد فريد أبو حديد ...؟» ~~••• # والذي نذكره على التحقيق أن الابتداء بالشعر المرسل في العصر الحديث محصور في ثلاثة من ~~الشعراء لا يعدوهم إلى آخر، وهم السيد توفيق البكري، وجميل صدقي الزهاوي، وعبد الرحمن ~~شكري. # ولكني لا أذكر على التحقيق من منهم البادئ الأول قبل زميليه، ولعلي لا أخالف الحقيقة حين ~~أرجح أن البادئ الأول منهم هو السيد توفيق البكري في قصيدته «ذات القوافي»، ثم تلاه الزهاوي ~~في قصيدة نشرت بالمؤيد، فعبد الرحمن شكري في قصائد شتى نشرت بالجريدة، وجمعت بعد ذلك في ~~دواوينه. # وكانت مشكلة القافية في الشعر العربي على أشدها قبل ثلاثين سنة، ولم تكن هذه المشكلة قد ~~عرفت قط في العصر الحديث قبل استفاضة العلم بالآداب الأوروبية، واطلاع الشعراء على القصائد ~~المطولة التي تصعب ترجمتها في قصيدة في قافية واحدة، كما يصعب النظم في معناها مع وحدة ~~البحر والقافية. # وكان زميلنا الأستاذ عبد الرحمن شكري يعالج حلها بإهمال القافية، ونظم القصائد المطولة من ~~بحر واحد وقوافي شتى. # وكنت وزميلي الأستاذ المازني نشايعه بالرأي، ولا نستطيب إهمال القافية بالأذن، فنظمت ~~القصائد الكثار من شتى القوافي، ثم طويتها ولم أنشر بيتا واحدا منها؛ لأنني لم أكن ~~أستسيغها، ولا أطيق تلاوتها بصوت مسموع، وإن قلت النفرة منها وهي تقرأ صامتة على ~~القرطاس. # إلا أننا كنا نفسح الفرصة لهذه التجربة عسى أن تكون النفرة منها عارضة ms051 لقلة الألفة، وطول ~~العهد بسماع القافية. # وقد أعربت عن هذا الرأي في مقدمتي للجزء الثاني من ديوان زميلنا المازني، فقلت: ~~... رأى القراء بالأمس في ديوان شكري مثالا من القوافي المرسلة والمزدوجة ~~والمتقابلة، وهم يقرءون اليوم في ديوان المازني مثالا من القافيتين المزدوجة ~~والمتقابلة، ولا نقول: إن هذا هو غاية المنظور من وراء تعديل الأوزان والقوافي ~~وتنقيحها، ولكنا نعده بمثابة تهيئ المكان لاستقبال المذهب الجديد، إذ ليس بين الشعر ~~العربي وبين التفرع والنماء إلا هذا الحائل، فإذا اتسعت القوافي لشتى المعاني ~~والمقاصد، وانفرج مجال القول: بزغت المواهب الشعرية على اختلافها، ورأينا بيننا ~~شعراء الرواية وشعراء الوصف وشعراء التمثيل، ثم لا تطول نفرة الآذان من هذه القوافي ~~لا سيما في الشعر الذي يناجي الروح والخيال أكثر مما يخاطب الحس والآذان، فتألفها ~~بعد حين وتجتزئ بموسيقية الوزن عن موسيقية القافية الواحدة. # وما كانت العرب تنكر القافية المرسلة كما نتوهم، فقد كان شعراؤهم يتساهلون في التزام ~~القافية، كما في قول الشاعر: # ألا هل ترى إن لم تكن أم مالك # بملك يدي إن الكفاء قليل # رأى من رفيقيه جفاء وغلظة # إذا قام يبتاع القلوص ذميم # فقال: أقلا واتركا الرحل إنني # بمهلكة والعاقبات تدور # فبيناه يشري رحله قال قائل # لمن جمل رخو الملاط نجيب # إلى آخر الشواهد التي أتيت بها في تلك المقدمة. # وكنت أحسب يوم كتبت هذه المقدمة أن المهلة لا تطول، إلا ريثما تنتشر القصائد المرسلة في ~~الصحف والدواوين حتى تسوغ في الآذان كما تسوغ القصائد المقفاة، وإنها مهلة سنوات عشر أو ~~عشرين سنة على الأكثر، ثم نستغني عن القافية حيث نريد الاستغناء عنها في الملاحم والمطولات، ~~أو في المعاني الروحية التي لا تتوقف على الإيقاع. # ولكني أراني اليوم وقد انقضت ثلاثون سنة على كتابة تلك المقدمة، ولا يزال اختلاف القافية ~~بين البيت والبيت يقبض سمعي عن الاسترسال في متعة السماع، ويفقدني لذة القراءة الشعرية ~~والقراءة النثرية على السواء؛ لأن القصيدة المرسلة عندي لا تطربنا بالموسيقية الشعرية، ولا ~~تطربنا بالبلاغة المنثورة التي نتابعها ونحن ms052 ساهون عن القافية غير مترقبين لها من موقع إلى ~~موقع ومن وقفة إلى وقفة. # والظاهر أن سليقة الشعر العربي تنفر من إلغاء القافية كل الإلغاء، حتى في الأبيات التي ~~تحررت منها بعض التحرير. # فالأبيات الأربعة التي أتينا بها آنفا قد اختلف فيها حرف الروي بين اللام والميم والراء ~~والباء، ولكن الحركة لم تختلف بين جميع الأبيات، بل لزمت الضم فيها جميعا، وهي حركة تشبه ~~الحرف في الأذن، وإن لم تشبهه في أحكام العروضيين والنحاة. # والأمر كما نحسه في حكم الأذن يتفاوت بين مراتب ثلاث من الألفة والارتياح إلى ~~السماع. # فالقافية تطرب حين تأتي من مكانها المتوقع. # وإهمال القافية يصدم السمع بخلاف ما ينتظر حين يفاجأ بالنغمة التي تشذ عن النغمة ~~السابقة. # والمرتبة التي تتوسط بينهما هي التي لا تطرب ولا تصدم، بل تلاقي السمع بين بين، لا إلى ~~التشوق ولا إلى النفور. # فانتظام القافية متعة موسيقية تخف إليها الآذان . # وانقطاع القافية بين بيت وبيت شذوذ يحيد بالسمع عن طريقه الذي اطرد عليه ويلوي به ليا ~~يقبضه ويؤذيه. # إنما المتوسط بين المتعة والإيذاء هو ملاحظة القافية في مقطوعة بعد مقطوعة تتألف من جملة ~~أبيات على استواء في الوزن والعدد، أو هو ملاحظة الازدواج والتسميط، وما إليهما من النغمات ~~التي تتطلبها الآذان في مواقعها، ولو بعد فجوة وانقطاع. # وربما زاد هذا التصرف في متعتنا الموسيقية بالقافية، ولم ينقص منها إلى حد التوسط بين ~~الطرب والإيذاء. # فالأذن تمل النغمة الواحدة حين تتكرر عليها عشرات المرات في قصيدة واحدة، فإذا تجددت ~~القافية على نمط منسوق ذهبت بالملل من التكرار، ونشطت بالسمع إلى الإصغاء الطويل، ولو تمادى ~~عدد الأبيات إلى المئات والألوف. # لهذا لا نحسب أن السنين التي مضت منذ ابتداء التفكير في الشعر المرسل قد مضت على غير ~~طائل. # لأننا عرفنا في هذه الفترة ما نسيغ وما لا نسيغ، فعدل الشعراء عن تجربة الشعر المرسل الذي ~~تختلف قافيته في كل بيت، وجربوا التزام القافية في المقطوعات المتساوية، أو في القصائد ~~المزدوجة والمسمطة وما إليها؛ ms053 فإذا هي سائغة وافية بالغرض الذي نقصد إليه من التفكير في ~~الشعر المرسل؛ لأنها تحفظ الموسيقية، وتعين الشاعر على توسيع المعنى والانتقال بالموضوع حيث ~~يشاء. # ومن ثم يصح أن يقال: إن مشكلة القافية في الشعر العربي قد حلت على الوجه الأمثل، ولم تبق ~~لنا من حاجة إلى إطلاقها بعد هذا الإطلاق الذي جربناه وألفناه. # ففي وسع الشاعر اليوم أن ينظم الملحمة من مئات الأبيات فصولا فصولا ومقطوعات مقطوعات، ~~وكلما انتهى من فصل دخل في بحر جديد يؤذن بتبديل الموضوع، وكلما انتهى من مقطوعة بدأ في ~~قافية جديدة تريح الأذن من ملالة التكرار، ويمضي القارئ بين هذه الفصول والمقطوعات كأنه ~~يمضي في قراءة ديوان كامل لا يريبه منه اختلاف الأوزان والقوافي، بل ينشط به إلى المتابعة ~~والاطراد. # وإذا كان الأوروبيون يسيغون إرسال القافية على إطلاقها، فليس من اللازم اللازب أن نجاريهم ~~نحن في توسيع ذلك على كره الطبائع والأسماع، وبخاصة حين نستطيع الجمع بين طلبتنا من المتعة ~~الموسيقية، وطلبة الموضوعات العصرية من التوسع والإفاضة في الحكاية والخطاب. # وآية ذلك أننا نقرأ الشعر المرسل في اللغة الأوروبية، ولا نفتقد القافية بين الشطرة ~~والشطرة أقل افتقاد. # وقد خيل إلينا أننا ننساها ولا نفتقدها؛ لأننا غرباء عن اللغة وعن مزاج أهلها، فلما سألنا ~~الأوروبيين في ذلك قالوا لنا: إنهم لا يفتقدونها، ويستغربون أن نلتفت إلى هذا السؤال؛ لأنهم ~~هم لا يتلتفتون إليه. # وسواء رجعنا بتعليل ذلك إلى وحدة القصيدة عندنا وعندهم، أو إلى أصل الحداء في لغتنا، وأصل ~~الغناء في لغتهم، أو إلى غلبة الحسية في فطرة الساميين وغلبة الخيالية والتصور في فطرة ~~الغربيين، فالحقيقة الباقية هي أننا - نحن الشرقيين - نلتذ شعرهم المرسل ولا نفتقد القافية ~~فيه، وأننا ننفر من إلغاء القافية عندنا ونداريه بالتوسط المقبول بين التقييد والإطلاق، ~~وأنهم ليتقيدون في بعض أوزانهم الغنائية بقيود تثقل علينا نحن حتى في الموشحات، فليس من ~~اللازم اللازب أن نتعمد مجاراتهم، أو يتعمدوا مجاراتنا في كل إطلاق وتقييد، ولهم دينهم ولنا ~~دين! # الفصل الثالث عشر # | بين ms054 التزمت والإباحة # في قواعد اللغة # عقب بعض الأدباء على كتابي - عبقرية الإمام - ومن ذلك قوله: # بقيت أشياء لا بد من ذكرها والإبانة عنها حتى نبلغ من كلامنا ما نريد؛ ذلك ~~أني عثرت وأنا أقرأ ببعض ألفاظ كنت أقف عندها مثل لفظ يقلاه (ص40) وحانقين ~~(ص55) وفشل (ص81، 96 و110 و126)؛ وقد رجعت إلى معاجم اللغة التي بين يدي في ~~اللفظ الأول، فوجدته من لغة طيئ، وإذن يكون استعماله جائزا، أما اللفظان ~~الآخران فإني أرجع فيهما إلى الأستاذ العقاد وأسأله: هل يجوز استعمال كلمة فشل ~~في معنى أخفق وخاب، وأن يأتي اسم الفاعل من حنق على حانق؟ ~~••• # وجوابي: نعم يجوز أن نأتي باسم الفاعل من حنق على حانق؛ لأنه لا يكون اسم فاعل إلا ~~إذا كان على هذا الوزن. # وجوازه ثابت بالنص وثابت بالقياس الذي لا يرد، وهو في بعض الأقوال أقوى من ~~النصوص. # فالزمخشري في كتابه «المفصل» يقول في باب الصفة المشبهة: «وهي تدل على معنى ثابت، فإن ~~قصد الحدوث قيل: هو حاسن الآن أو غدا وكارم وطائل، ومنه قوله تعالى: # وضائق به صدرك # إلخ.» # وجاراه موفق الدين بن يعيش شارح المفصل، كما جاراه في هذا الحكم جلة النحاة. # فإذا صح في «كرم» التي تدل على الثبوت أن يقال: كارم للدلالة على الحدوث، فذلك أصح ~~وأولى في حنق التي ليس فيها معنى من معاني الثبوت. # بل إذا كانت كلمة غدا أو الآن لا تكفي للدلالة على الحدوث، ولا تغني عن الإتيان باسم ~~الفاعل على صيغته الشائعة، فمن الحق ألا نستغني عن هذه الصيغة حين لا تقترن بلفظ يعين ~~الحدوث في الحال أو الاستقبال. ~~••• # على أننا نفرض أن النصوص في كتب النحو لا تقرر هذه القاعدة، ولا تثبتها على الوجه ~~الصريح الذي قدمناه. # بل نفرض أن النصوص قد وردت بمنع «حانق» وما شابهها، وجزمت بخطئها على طريقة النحاة ~~أحيانا في تخطئة بعض الصيغ والأوزان، فمن الواجب في هذه الحالة على خادم اللغة العربية ~~أن يخالف النحاة، ويخالف السماع الناقص تكملة له ms055 بالقياس الصحيح الذي لا محيد ~~عنه. # إذ ليس من حق لغة من اللغات أن تضطر كاتبا بها إلى الإخطاء في معناه. # وليس من حق لغة من اللغات أن تبطل الفارق بين معنيين مختلفين، ثم تمنعنا أن ننشئ هذا ~~الفارق لضرورة الصدق في التعبير. # فهناك فارق بين من يحنق من حادث يعرض له، وبين من يلازمه الحنق في طباعه ~~وأخلاقه. # فإذا قلت عن رجل: إنه «حنق» وعنيت به أنه دائم الحنق كما تدوم الصفات المشبهة؛ فمن ~~الواجب أن أقول: «هو حانق من كذا.» إذا كان الحنق يفارقه بعد ذلك، ولا يلازمه في طباعه ~~وأخلاقه. # وإذا قلت: إنه «حنق» وعنيت به ما نعني باسم الفاعل وجب أن تقول شيئا آخر إذا عنيت ~~أنه متصف بطبع الحنق في عامة أوقاته. # وليس في وسع لغة ولا في وسع اللغات جميعا أن تفرض على كتابها الخطأ، واللبس في ~~التعبير، ثم تصدهم عن تصحيح الخطأ وجلاء اللبس بتصرف لا يخرج بهم عن قياسها، ولا يخل ~~بأصولها المرعية في أعم ألفاظها. # فالنص يجيز الصيغة والقياس يوجبها عند منع النص، وهو بحمد الله غير مانع. # وإننا لخلقاء أن نغبط أنفسنا على أن اللغة العربية «منطقية» في إجراء القواعد على ~~الأوزان، حيث تتشابه المعاني وتتخالف أوزان ألفاظها. # فقد يحمل الشيء على غيره في المعنى فيجمع كجمعه، وانظر مثلا ماذا بلغ من هذه النزعة ~~«المنطقية» في أوزان الجموع، وهي التي لا تجري على وزن واحد كصيغة اسم الفاعل؛ فليس في ~~اللغة «هليك» بمعنى هالك ولا جريب بمعنى أجرب أو جربان أو جرب، ولكنهم يقولون: هلكى ~~وجربى؛ قياسا على قتلى وجرحى ولدغى؛ لأنها جميعا تدل على داء أو بلاء، وهذا هو منطق ~~النحو العربي الذي ينطلق أحيانا مع المعاني ولا يتحجر أبدا مع الحروف. ~~••• # أما «فشل» بمعنى أخفق فلها حكم آخر، فهذه الكلمة من الاستعمال الحديث الذي شاع حتى ~~غطى على معنى الكلمة القديم، مع تقارب المعنيين؛ حتى ليجوز أن يحمل أحدهما قصد الآخر؛ ~~لأن التراخي والضعف والخواء قريبة كلها من ms056 الحبوط والإخفاق. # وتجدد المعاني على حسب العصور سنة لا تحيد عنها لغة من اللغات، وفي مقدمتها اللغة ~~العربية. # فلو أننا أخذنا ألف كلمة من المعجم، وتعقبنا معانيها في العصور المختلفة لما وجدنا ~~خمسين أو ستين منها ثابتة على معنى واحد في جميع العصور. # وربما غلب المعنى الجديد وبطل المعنى القديم، وهو أصيل في عدة كلمات. # خذ مثلا كلمتي الجديد والقديم، وكيف ظهرتا، ثم كيف تحولتا إلى الغرض الذي نعنيه ~~الآن. # فالثوب «الجديد» هو الثوب الذي قطع حديثا؛ من جده فهو جديد أو مجدود، وكانوا ~~يقطعون المنسوجات عند شرائها، كما نقطعها اليوم، فيسمونها جديدة من أجل ذلك. # ثم نسيت كلمة الجديد بمعنى المقطوع، فلا ينصرف إليها الذهن الآن إلا بتفسير أو تعيين، ~~وأصبحنا نعبر بالجدة عن أمور لا تقطع ولا هي من المحسوسات، فنقول: «المعنى الجديد.» ~~و«الفكر الجديد.» وما شابه هذه الأوصاف. # وكانوا يقولون: تقدم فلان؛ أي مشى بقدمه، ثم ضمنوا تقدمه معنى سبقه، فأصبح السابق هو ~~القديم، وأصبح الزمن القديم هو الزمن السابق، كما نفهمه الآن. # وقد نسي الناس «كتب البعير» بمعنى قيده، وأطلقوها اليوم على الخط في الورق، وهو ~~في الأصل مستعار من التقييد. # ونسي الناس «خجل البعير» بمعنى تحير واضطرب، وأصبحوا يستعملونها «للحياء» الذي شبه ~~بالخجل؛ لأنه يدعو إلى الحيرة والاضطراب. # وكل أولئك لا ضير منه على اللغة كما رأينا، بل هو مادة إنشاء وابتكار وتنويع. # والأستاذ الفاضل «أبو رية» يأخذ بالشيوع قاصدا أو غير قاصد حين يقول: «المعاجم»، وهي ~~جمع معجم بضم الميم، والمعجمات هي الجمع الذي يرتضيه المتزمتون ولا يرتضون غيره. ~~••• # إلا أنني هنا أنكر الإباحية العمياء كما أنكر التزمت الأعمى. # وعندي أنه لا يصح إلا ما أمكن أن ينطوي في قاعدة من القواعد المعروفة، أو أن يؤدي ~~المعنى أداء لا يناقض العقل والقياس. # ومن أمثلة ذلك أنني كنت أشهد منذ أيام رواية «قيس ولبنى» للشاعر المجيد عزيز أباظة ~~بك، فأعجبت بسلامة اللغة وصحة العبارة، ولكني لاحظت أنه استعمل كلمة «تضحية» بمعنى فداء ~~أو خسارة، كما ms057 نستعملها نحن الآن. # والتضحية عند العرب هي ذبح الشاة أو غيرها في وقت الضحى. # ثم أخذت معنى الفداء أو القربان؛ لأن الناس ينحرون ذبائحهم في الضحى يوم عيد النحر ~~الذي عرف من أجل ذلك بعيد الضحية. # فإذا كنا نحن المتكلمين - ونعني أبناء العصر الحاضر - فلا ضير من تضمين الكلمة هذا ~~المعنى بعد أن أخذته باستعارة معقولة، وكسبته بالاستعمال المتفق عليه بيننا. # ولكننا إذا جعلنا العرب في عصر «قيس ولبنى» يستعيرون هذا المعنى، وهم لم يستعيروه، ~~فذلك خطأ في التاريخ وليس بخطأ في اللغة وكفى. # والاعتراف ب «التطور» في المعاني والاستعارات لا يقتضي أن نخالف الحقيقة ~~التاريخية. # على أنني حين استعملت كلمة «فشل» لم أكد أخرج بها عما اصطلح عليه الأولون. # فقلت: «يحاول الغلبة من حيث فشل.» ولو جعلت «فشل» هنا بمعنى ضعف لكانت مقابلة للغلبة ~~أحسن مقابلة. # وقلت: «ولا طائل في البحث عن علة هذا الخذلان الصريح، أكان هو الطمع في الملك بعد فشل ~~علي، أم النقمة على الأشتر؟» فلو أنك قلت بعد «ضعف» علي لاستقام هنا التعبيران القديم ~~والحديث. # وكذلك قولنا: «مني بالفشل؛ لأنه عمل بغير ما أشار به أصحابه الدهاة.» فإن التعبيرين ~~فيه يتلاقيان. # كذلك قولنا: «ولكنها خطة سلبية لا يمتحن بها رأي ولا عمل، ولا ترتبط بها تجربة ولا ~~فشل.» # فليس لمتزمت قديم أن ينكر موقع هذه الكلمة في حيث وضعناها من هذه العبارات كلها، وإن ~~كنا مع هذا لا نحرم إطلاقها على معنى الإخفاق الذي لا يحتمل تأويلا بمعنى آخر؛ وكل ما ~~ننكره أن تأتي بكلمة «فشل» فتطلقها على معنى القوة والنجاح، أو معنى يناقض الضعف ~~والتراخي المقصودين بها قديما؛ أو أن تأتي بهذه الكلمة فتضعها على لسان علي بن أبي ~~طالب، أو رجل في زمان سابق لزماننا الذي أعارها ما نفهمه منها الآن على الشيوع ~~والتواتر. # وليس الخطأ في تجديد المعاني على حسب العصور؛ لأنه سنة لم تفلت منها كلمة في لغة من ~~اللغات إلا وهي على موعد من تجديد يأتي بعد حين. # إنما الخطأ ms058 هو إنكار هذه الحقيقة، وهي تصادفنا في كل ما نقرأ ونكتب بالعربية وبغير ~~العربية. # ونحن على طريق السلامة ما أبحنا مبصرين وتزمتنا مبصرين، وحينئذ لا نكون إباحيين ولا ~~متزمتين؛ بل نجري على السواء الذي نسلكه مهتدين. # الفصل الرابع عشر # | أسئلة وأجوبة # أتلقى بالسرور بعض الرسائل الأدبية، التي تشتمل على أسئلة من أصحابها يستطلعون بها الرأي ~~في غرض من أغراض الأدب يقع عليه الخلاف، ويحسن عرضه للقراء من وجهات النظر ~~المتباينة. # يقول أديب بالبصرة بعد تمهيد أومأ فيه إلى سابقة هذا البلد الذي عمر زمانا «بأفكار ~~الجاحظ، وابتداعات الخليل ومساجلات سيبويه» وغيرهم من العلماء والأدباء: ~~... إن الأمر يحوطه كثير من اللبس والغموض ويشوبه الاختلاط، وإن الاختلاف فيه هنا ~~بالبصرة قد بلغ حده، ولم يرض أحد بأدلة الآخر، والمختلفون اتفقوا على أن يرجعوا ~~إليكم لتقولوا القول الفصل فيه، وكلهم من قرائكم على صفحات مجلة الرسالة الحبيبة، ~~وفحواه قول «لاسل آبروكرومبي» في قواعد النقد: إن مطالبة الأدب بأن يعلمنا أمرا أو ~~يصلح أخلاقنا تخرج بنا عن فن الأدب، وإن الأدب قد يؤدي كل هذه الأشياء، ولكنه لم ~~يكن أدبا لمجرد أدائها. # وبعد أن قال الأديب: إنه يدين بنظرية الفن للفن، وإن الأدب كالموسيقى متعة ولذة، عاد ~~فقال: «ولكن الذي لا أستطيع أن أفهمه - وهو موضع الخلاف ومدار البحث - هو ما مدى تأثير ~~الأدب في بيئته عمليا؟ إنه يتأثر بالبيئة ولا شك، ولكنه هو هل يغير أحوال الناس ويحور ~~أخلاقهم، وينقلهم من طور إلى طور ومن عادة إلى عادة؟ أنا أرى يا سيدي أن الواقع ينقض هذا، ~~فأبو العلاء لم تطبق آراؤه عمليا على كثرة مريديه الذين لازموه ... والروايات التمثيلية ~~التي تنقد أوضاع الناس، أو تحل المشاكل لم نر الناس غيروا ما انتقدوا عليه ولا حلوا ~~مشاكلهم؛ ولكن هذا لا يمنعهم من مشاهدة التمثيل، وقراءة الروايات إرضاء لحاجة إنسانية ~~كامنة في أعماق النفس، هي اللذة الفنية، وإذن ما مدى تأثير الأدب عمليا؟ إننا نقول: إن ~~الشعراء كانوا يبعثون الحماسة في نفوس الثائرين، ولكنني أظن ms059 أن الثائرين استعدوا للثورة ثم ~~جاء الأدب يعبر عن عواطفهم، والثورة الفرنسية تهيأت لها أسباب عديدة، ثم دفعهم مع عوامل ~~أخرى - الكتاب لا الأدباء - إلى الثورة ...» ~~••• # ورأيي الموجز في كلام الأديب البصري أن ما ذكره عن الأدب يصدق على المطالب الإنسانية، ~~التي لا اختلاف بين المفكرين على أغراضها وفوائدها. # فالناس يختلفون على الأدب، هل يطلب للفائدة أو يطلب للمتعة الفنية، ولكنهم لا يختلفون في ~~عمل المصلحين من دعاة الأخلاق أو السياسة أو الدين، بل يتفقون على أن الإصلاح مقصود للفائدة ~~دون مراء، وأن المصلح الذي لا يبغي نفع الأمم بإصلاحه لا يستحق الإصغاء إليه ... ومع هذا يدعو ~~المصلحون إلى غرض، ويتحقق غيره في الطريق مقصودا أو غير مقصود، وتتبدل المذاهب وللناس ~~أخلاق باقية لا تتبدل، ويتبعهم المعري جيلا بعد جيل بقوله الخالد المتجدد: # كم وعظ الواعظون منا # وقام في الأرض أنبياء # وانصرفوا والبلاء باق # ولم يزل داؤنا العياء # حكم جرى للمليك فينا # ونحن في الأصل أغبياء # ولكن الإصلاح بعد هذا كله مفيد، والدعوة إليه واجبة، والدنيا تتغير على وجه من الوجوه بعد ~~كل دعوة من دعواته، وإن لم يكن هو الوجه الذي تعمده الدعاة. # فليس الأدب بدعا في هذه الخصلة التي عمت جميع أعمال البشر، ولكنه عمل إنساني يصدق عليه ~~في أمر الوصول إلى غاياته كل ما يصدق على سائر الأعمال. # إلا أن الأدب ينفرد بخصلة أخرى تصرفنا بعض الشيء عن النظر إلى الغايات، أو تمنعنا أن نقصر ~~النظر عليها عند البحث في مزاياه. # الأدب تعبير. # والتعبير تلحظ فيه البواعث قبل أن تلحظ فيه الغايات. # لماذا يصرخ المعذب المتألم؟ # إنه قد يصرخ فيدركه على الصراخ منقذ، أو مساعد على التعذيب والإيلام، ولكنه سواء ظفر بهذا ~~أو ذاك إنما صرخ لباعث في نفسه أو جسده، ولم يصرخ لغاية يتوخاها من إسماع صوته. # وقد يسمع صوته فيسعد أو يشقى بانتهائه إلى الآذان، فيتحقق النفع كما يتحقق الضرر غير ~~مقصود. # والتعبير وظيفة لا حيلة فيها؛ لأنه أثر الحالة التي تقوم بالنفس، فتدل عليها ms060 بما لديها من ~~وسيلة ناطقة أو صامتة. # ولكنه مع هذا عمل مفيد لا شك في نفعه؛ لأن الرجل بعد التعبير غيره قبل التعبير، ومن ~~استطاع أن يعبر استطاع أن يفهم نفسه ويفهم ما يريد، واستطاع أن يجمع إليه من يشعرون مثل ~~شعوره ويريدون مثل مراده، ولكنه لا «يعبر» لأجل هذا ولا يكف عن التعبير إذا امتنع هذا، ~~فكثيرا ما «يعبر» فيجمع من حوله الأعداء ويفرق الأصدقاء. # وسؤال السائل: لماذا نعبر؟ كسؤاله: لماذا نحس؟ ولماذا نحيا؟ لأن الحياة مظهران لا ~~ينفصلان: تأثير من الخارج إلى الداخل هو الحس، ورد من الداخل إلى الخارج هو التعبير، ~~والكلام في غايته كالكلام في غاية الحياة، وليس للحياة غاية وراءها؛ لأن وراءها الموت الذي ~~تقف دونه الغايات. # قل للأديب: «عبر» أيها الأديب، ولا تسأله بعد ذلك غاية من وراء تعبيره، وكفى أن يكون هذا ~~التعبير من دلائل الحياة، ولا خير في الحياة بغير دليل. # وأعود إلى مثل يطابق الحقيقة هنا كل المطابقة، ويعين على فهمها أقرب معونة، وهو مثل ~~الزهرة والثمرة في الشجرة النامية. # الفائدة كما نفهمها نحن هي الثمرة الناضجة. # ولا فائدة للزهرة بهذا المقياس. # ولكن الشجرة التي لا تنبت الزهرة تبطل فيها دلائل الحياة، وهي زينة وبهجة إلى جانب هذه ~~الدلالة. # ثم يأتي أناس فيعصرون الزهرة عطرا ودواء وشرابا ينعش ويفيد، ولكنها لم تكن زهرة لهذه ~~الفائدة التي جاءت في عرض الطريق. # وجملة القول: إن الأدب على هذا الاعتبار أصدق من جميع المطالب العقلية، التي تحسب من ~~ذخائر الثقافة الإنسانية. # لأن البواعث حق والغايات أوهام، ونحن حين نسعى إلى غاية، فنحن منخدعون بها قبل الوصول ~~إليها وبعد الوصول إليها، وقد نسعى إلى غاية ونصل إلى غيرها، وقد نصل إلى الغاية التي ~~نريدها، فإذا هي هباء لا يساوي مشقة السعي في سبيله. # أما البواعث فهي حق لا مهرب منه، وهي شيء موجود، لا خلاف في وجوده، وهي مصدر التعبير، ~~والتعبير دليل الحياة. # فإذا بحثنا عن الأدب فلنبحث عن شيئين لا يعنينا بعدهما مزيد وإن ms061 وجد المزيد: أهناك باعث ~~صحيح؟ أهناك تعبير جميل؟ فإن وجد الباعث والتعبير، فقد أدى الأدب رسالته وبقي على الدنيا أن ~~تستفيد منها إن شاءت ... وهي تستفيد بمشيئتها وبغير مشيئتها من كل عمل يجري على سنة ~~الحياة. ~~••• # ويقول أديب ببيت المقدس: «سؤال عنا نحن الشرقيين: ما بال رجالنا يتقاتلون، ويخذل بعضهم ~~بعضا حين نرغب في عمل يفيد بلادنا؟ أهو حب الظهور؟ أهو الغرور؟ أهو العناد ~~والجمود؟» # والسؤال جديد قديم منذ قال جمال الدين - رحمه الله: «اتفق الشرقيون على ألا ~~يتفقوا.» # أما السبب فقد تكتب فيه المطولات، وقد يوجز في سطور، ونحن في مقام الإيجاز، فعسى أن نحصر ~~السبب في كلمات قليلة تدل على مكان العلة، وتترك المجال بعد ذلك مفتوحا للطبيب المأمول: ~~طبيب الزمان. # إن الخلاف يطول كلما قل الحكم المسموع. # والحكم المسموع بين الرجال العاملين هو تمييز الأمة أو الرأي العام، كما نسميه في ~~الاصطلاح الحديث. # فالأمم التي بلغ الرأي العام فيها مبلغ التمييز يخاف المخطئ أن يصر على خطئه فيها؛ لأنها ~~تقضي عليه. # والأمم التي لم تبلغ مبلغ التمييز يطمع المخطئ في تضليلها، ولا يخشى المتنازعون فيها ~~عاقبة نزاعهم على الحق أو على الباطل، فيطول أجل النزاع ويصعب الفصل فيه. # وسيظل الخلاف دأب الشرقيين ما دام مأمون العاقبة على المختلفين؛ ويظل مأمون العاقبة عليهم ~~ما دام الحكم المسموع قابلا للتضليل عاجزا عن التمييز. # وكلما صعد سواد الأمة درجة في سلم الإدراك والأخلاق هبط الخلاف درجة بين الزعماء ~~العاملين. # وأحسبهم صاعدين، وإن كنا نستبطئ خطواتهم في الصعود. ~~••• # وأحسبني قد أجبت عن السؤال الثالث قبل أن يكتبه صاحبه الأديب «صلاح حماد» من الناصرة ~~بمساحة فلسطين. # فهو يوجه إلي سؤالا من تلك الأسئلة التي تبدأ «بأيهما»، ويجاب عنها «بكليهما» كما ~~أسلفت في مقال قريب بالرسالة. # وموضع الخلاف بين أدباء الناصرة عن الزوجة: هل يعصمها حبها لرجلها دون خوفها منه، أو ~~تعصمها سطوته ورجولته ثم حبها إياه؟! وهل إذا وجد الخوف بين اثنين امتنع الحب بينهما؟ أو ~~يمكن الجمع بين الحب والمهابة في ms062 آن؟ # قال: أيهما ...؟ قلنا: كلاهما! # وهذا هو الجواب الذي يغني عن إسهاب، ولكننا نضيف إليه أن الخوف قد يوجد مع الحب كما يوجد ~~مع الكراهية: # أهابك إجلالا وما بك قدرة # علي، ولكن ملء عين حبيبها # فالمحب يخاف أن يغضب المحبوب؛ لأنه يجبه ويرجو نفعه، والعدو يخاف عدوه؛ لأنه يتقي الضرر ~~منه، ويختلف الخوفان كما يختلف الحب والعداء. # والزوجة يعصمها أن ترهب سطوة زوجها ولا تمنعها الرهبة أن تحبه؛ لأنها تحبه قويا مرهوب ~~السطوة، وليس معنى ذلك أن يبطش بها ويسيء إليها، وإنما معناه أن يحسب لغضبه ورضاه ~~حساب. ~~••• # تلك وجهات من النظر تتقابل بين السؤال والجواب، وكل سؤال فيه وجهة، فللسائل فيه هداية ~~سبقت هداية المجيب. # الفصل الخامس عشر # | سؤالان وجوابان # كتب إلي أديب بالبصرة يقول: «كنت أقرأ المقدمة التي صدر بها المستر ه. ج. ولز كتاب ~~المستر فرانك سونرتن، فوقفت أمام قوله: إنه باعتباره كاتبا ينتمي إلى مدرسة، وباعتباره ~~قارئا ينتمي إلى مدرسة أخرى، كما يتفق أن يشتغل الإنسان بالآلات البصرية، ثم يعنى بجمع ~~الآنية الصينية القديمة ... وهو قول يحتمل التأييد والتفنيد على السواء، ولا ينحصر الاعتراف ~~به في الكاتب الإنجليزي الأشهر وحده، بل يتعداه إلى أدباء كثيرين، ولكن هل تختلف عند الكاتب ~~الواحد بوجه عام أهداف الكتابة وأهداف القراءة؟ وهل يصح مثلا أن يحيا عقله في دنيا تخالف ~~كل المخالفة أو بعضها، تلك التي يحيا فيها بقلمه؟ وهل ثمة تعليل مقبول لهذا التباين الواضح ~~بين دنيا العقل ودنيا القلم؟» ~~••• # والذي نعتقده أن هذه الحالة معقولة لا غرابة فيها، وليس من وجه لاستغرابها إلا أن ترى أن ~~الإنسان لن يقرأ إلا ليكتب، ولن يشتغل بموضوع إلا الذي يشتغل به قراؤه، وكلاهما مخالف ~~للواقع المشاهد في كل مطلب وكل بيئة. # فمن الناس كثيرون يقرءون ولا يكتبون، وليس الكاتب يبدع بين القراء في مطالعاته، فيجوز إذن ~~أن يقرأ في موضوعات لا ينوي الكتابة فيها، ولا يهمه أن يعقد التفاهم عليها بينه وبين ~~قرائه. # كذلك يصح أن يشتغل الكاتب بشئون كثيرة لا ms063 يشتغل بها قراؤه ومريدوه، فربما كان من هؤلاء ~~القراء من يتلقى عنه تجاربه الخاصة، التي يشرح فيها ما جرى له، ولا يشرح فيها مطالعاته ~~ومعارض درسه، وربما كان منهم من يقرؤه لأنه حلقة بينه وبين جيل مضى من المؤلفين والكتاب، ~~فيكون الكاتب حينئذ كالقنطرة الثقافية بين شاطئ وشاطئ مفترقين. # ومن المعهود بيننا أن الشاعر لا يقرأ الشعر دون غيره، وأن الفيلسوف لا يقرأ الفلسفة دون ~~غيرها، وأن المصور قد يقرأ الروايات والروائي قد يجمع الصور ويدرس التصوير. # ومن تجاربي التي أعلمها في الكتابة والقراءة أنني أقرأ كثيرا في موضوعات لا أطرقها، ولا ~~أنوي أن أطرقها إذا كتبت للتأليف أو للصحافة، ومن هذه الموضوعات طبائع الأحياء وعجائب ~~النبات، ورحلات الأقدمين والمحدثين، وما من خليقة إنسانية أعرفها إلا أحببت أن أقابل بينها ~~وبين نظائرها في عالم الحيوان أو عالم النبات، ولكني لا أفعل ذلك تمهيدا للكتابة عنها، وإن ~~جاءت الكتابة عرضا في بعض المناسبات. # وما زالت المطالعة ملجأ نفسيا للمطالع يأوي إليه، ويجب أن يخرج إليه من شواغل دنياه، ~~فالرجل المشغول بالمسائل الطبية، أو الاجتماعية أو السياسية يروقه أن يخلو ساعة من الساعات ~~بالشعر أو بالقصة، أو بكتاب من كتب الإيمان والعقيدة، وهو إذا قرأ في كتب الإيمان والعقيدة ~~لا ينوي من ثم أن يبشر بالدين أو يؤم الناس في الصلاة، ولكنه يستريح من حال إلى حال، ويدع ~~الدنيا هنيهة لينفرد بضميره أو بتفكيره في مناجاة لا علاقة بينها وبين الناس. # فالاختلاف بين العالم الخاص والعالم العام في كثير من الأوقات معقول لا غرابة فيه، ومن ~~قبيل هذا الاختلاف أن يختلف ما نقرأ وما نكتب، وأن يختلف ما يعنينا وما يعني قراءنا، فهم ~~يقرءوننا نحن، ونحن لا نقرأ أنفسنا، بل نقرأ غيرنا، ولا يلزم أن يكونوا معنا طرازا واحدا ~~لا تنوع فيه. # لكن ينبغي أن نفرق بين هذا وبين القول بأن الكاتب يعيش في عالم غير الذي يقرؤه ضرورة لا ~~محيص عنها. # فإذا وجد من يقرأ أبا العلاء، ويكتب في القانون، فلا ms064 مانع ولا شذوذ، ولكنه لا يحرم عليه ~~أن يقرأ أبا العلاء، ويكتب في الزهد والأخلاق أو العقائد والديانات. ~~••• # ومن البصرة أيضا جاءتني رسالة ختمها كاتبها الأديب «الفريد سمعان» من طلبة المدرسة ~~الثانوية بسؤال يقول فيه: «... هل يكتفي الأديب أو الذي يريد أن يصبح أديبا بمطالعة الكتب ~~التي تصدر في العصر الحاضر دون الرجوع إلى الكتب القديمة، والاعتماد على المخطوطات ~~السالفة؟» # وهذا سؤال مفيد. # وجوابه المفيد أن الاكتفاء بأدب العصر الحاضر مستطاع، ولكنه ليس بأفضل الحالات. # وتقاس حاجات النفس على حاجات الجسد بغير اختلاف يذكر في هذا المقام. # فالرجل الذي يكتفي بمحصول أرض واحدة يعيش، ويأخذ بنصيبه من الحياة، ولكنه ليس بأوفى نصيب، ~~وليست عيشته الجسدية كعيشة الرجل الذي يغتذي بمحصولات البلاد على تنوعها، ويأخذ من كل محصول ~~خير ما يعطيه. # وقد يوجد في الأدباء من يكتب أو ينظم وليس له اطلاع واسع على أدب عصره ولا على آداب ~~العصور الأخرى. # وكذلك يوجد في أقوياء الأجسام من يأكل الطعام الغث، ويستفيد منه لجودة هضمه وانتظام وظائف ~~جسده. # ولكننا عندما نضع قواعد الصحة وأصول التغذية لا نقول للناس: كلوا الطعام الغث، واعتمدوا ~~عليه في تقوية الأبدان وتنظيم وظائف الأعضاء. # وعلى هذا القياس نفسه لا نقول للناس عندما نضع قواعد القراءة وأصول التثقيف والتهذيب: إن ~~الاطلاع وترك الاطلاع يستويان. # فالانتفاع بالطعام الغث شذوذ لا يقاس عليه، ومثله في الشذوذ أولئك الذين ينظمون أو يكتبون ~~ما يحسن أن يقرأه القارئ، دون أن يرجعوا إلى أدب العصر أو آداب العصور. # ومما لا مراء فيه أن الرجل الذي ينتفع بالطعام الغث يزداد انتفاعه بالطعام الجزل كلما وصل ~~إليه، وأن الرجل الذي ينظم أو يكتب بغير اطلاع يترقى في منازل الأدب كلما استوفى حظه من ~~المطالعة والدرس والمراجعة. # فالاكتفاء بالقليل من الأدب جائز كالاكتفاء بالقليل من كل شيء، ولكنه القليل في الحالتين، ~~ولن يكون شأنه كشأن الكثير. # ومن الحسن جدا في هذا الباب أن نذكر أن الأدب قيمة حيوية، أو قيمة إنسانية قبل أن يكون ~~قيمة لغوية ms065 أو قيمة فنية أو تاريخية. # ويغنينا تذكر هذه الحقيقة عن الجدل، أو عن اللبس في كثير من الأمور. # فالذين يقولون: إن الطبيعة هي وحي الشاعر الأول الذي لا يحتاج بعده إلى وحي ~~الصناعة. # أو الذين يقولون: إن البلبل يوحي إلى الشاعر بتغريده، وإن الوردة توحي إليه بنضرتها، وإن ~~الشفق يوحي بألوانه وظلاله وخفقات الهواء فيه ... # كل أولئك خلقاء أن يذكروا أن القريحة التي تستفيد من تعبير عصفورة، أو تعبير زهرة تستفيد ~~ولا شك أضعاف تلك الفائدة من تعبير أبي الطيب وهوميروس وابن الرومي وبيرون وعمر الخيام؛ لأن ~~قصائد هؤلاء تعبير عن الطبيعة الحية، وليس قصاراها أنها لفظ يقال أو أنها فن يصاغ. # فالاطلاع على ثمرات القرائح اطلاع على ثمرات الحياة، وكلما اتسع النطاق اتسع التعبير ~~وتنوعت الثمرات؛ لأنك لا تعرف الحياة الإنسانية بالاطلاع على أبناء زمانك الذين يشبهونك، ~~ويتلقون معك الشعور من مصدر واحد، ولكنك تعرف الحياة الإنسانية حق عرفانها إذا عرفت الصلة ~~التي بين العصور المختلفة والأقطار المتباعدة، وعرفت الواشجة التي تجمع بينها على تعدد ~~المصادر وتفاوت المؤثرات. # وليس هذا بميسور لشعراء العصر الواحد، وكيفما كان نصيب هؤلاء فهو ولا جدال دون النصيب ~~الذي يظفر به قراء جميع العصور. # الفصل السادس عشر # | المدرسة الرمزية # أرسل إلي أديب في بغداد يقول: ~~... استرعى نظري نوع من الأدب أسموه بالرمزية، ولا أعلم حتى الآن تعريف هذا النوع، ~~وقد نبهني إليه تلك الإنذارات إلى الأدباء الشباب المحدثين أن يكفوا عن تلك الطريقة ~~الرمزية، فإنها عقيمة النتاج لا تجدي نفعا، فما هي الرمزية في الأدب؟ وهل هي تقتصر ~~على الآداب العربية فقط عدا الآداب العالمية؟ وما هي نتائجها المضرة؟ # والرمزية التي يسأل عنها الأديب البغدادي قديمة في العالم؛ لأن الناس عرفوا الكتابة ~~بالرموز قبل أن يعرفوا الكتابة بالحروف؛ ولأن الكهانات الأولى كانت تستأثر بأسرار الدين، ~~وتضن بها أن تذاع للعامة على حقيقتها الصراح، فكانت تعمد إلى الرموز أحيانا للتعبير عن تلك ~~الأسرار. # ثم ارتفع حجر الكهانات عن أسرار الدين، فتكلم الناس فيها وأفصحوا عما ms066 يعتقدونه من ~~خفاياها، ولكن الولع بالأسرار والبحث عن الغوامض والغيوب طبيعة في بعض النفوس لا تخرجهم ~~منها صراحة القول، ولا إباحة التفكير المطلق لمن يشاء، فظهر هؤلاء بين المسلمين كما ظهروا ~~بين الأمم المسيحية والإسرائيلية، وقسموا عندنا العلم إلى علم شريعة وعلم حقيقة، وأرادوا ~~بعلم الشريعة ما يبدو على ظواهر الأشياء، وبعلم الحقيقة ما ينفذ إلى بواطن الأسباب المغيبة ~~عن العقل المكشوفة للبصيرة، وقابلهم عند الأمم جماعة المتعمقين الموكلين بالغوامض والأسرار، ~~وهم المعروفون باسم الخفيين أو ال # Mystics ~~، ولا يزال لهم ~~مريدون ودعاة في كل عصر من عصور الآداب. # لكن المقصود بالرمزية في الأدب الحديث هو تلك المدرسة التي راجت في أوائل القرن الحاضر، ~~وظهرت في فرنسا على أعقاب مدرسة «البرناسيين» أصحاب القول بجمال القالب والعكوف على المحاسن ~~الظاهرة في أساليب الشعر والنثر وصياغة العبارات، وعندهم أن الصقل المحسوس هو آية الجمال ~~والبلاغة في جميع الفنون. # فلما راج مذهب البرناسيين هذا في أواخر القرن الماضي ظهر الرمزيون يعارضونه، ويغلون في ~~إنكاره ويذكرونهم بما نسوه من أسرار المعاني التي لا تبرز على وجوه الكلمات، وينبهونهم إلى ~~جمال الوحي والإيمان الذي أهملوه في سبيل الصقل المحسوس، والرونق البارز على صفحات ~~الأساليب. # وقد كان الرمزيون على حق لولا الغلو الذي يندفع إليه أصحاب كل مدرسة جديدة حين يتصدون ~~لحرب المدارس الأخرى، فيذهبون من أقصى النقيض إلى أقصى النقيض. # فالأدب لا يستغني عن الوحي والإشارة، وأبلغ الفن ما يجمع الكثير في القليل، ويطلق الذهن ~~من وراء الظواهر القريبة إلى المعاني البعيدة التي تومئ إليها الألفاظ، ولا تحتويها بجملتها ~~إلا على سبيل التنبيه والتقريب. # ولكن هذه المدرسة غلت وتمادت في الغلو حتى قام من دعاتها من يجعل الغموض والتعمية غرضا ~~مقصودا لذاته، ولو لم يكن من ورائه طائل، وخيل إليهم أنهم مطالبون بالتعبير عن أنفسهم ~~بالرموز، وإن أغنتهم الحروف الواضحة والكلمات المفهومة ... فلم تعمر مدرستهم طويلا، وسقطت في ~~الأدب الفرنسي كما سقطت في آداب الأمم التي انتقلت إليها. # وقد أملي لأتباع هذه المدرسة في الغلو ms067 أنها قامت للدعوة في العصر الذي ظهر فيه «فرويد»، ~~وبشر بمذهبه القيم عن الأحلام ودلالتها على الوعي الباطن، وما يستكن فيه من الأسرار ~~المكتومة والنوازع المكبوتة. # وخلاصة هذا المذهب فيما يرجع إلى «الرمزية» أن الأحلام هي لغة الرمز، التي يعبر بها ~~«الوعي الباطن» عن شعوره المكبوت؛ فالرجل المبتلى بالخوف من عدو منتقم أو من وهم مسلط عليه ~~يرى في نومه وحشا ينقض عليه وينهشه بأنيابه، والرجل الطامح إلى المجد يرى أنه سابح في ~~السماء على رءوس الناس، أو يرى أن الناس بالقياس إليه كالنمال في جانب الفيلة الضخام، وهكذا ~~تتمثل معاني «الوعي الباطن» رموزا جسدية؛ لأن الإنسان لا يتمثل المعاني في أحلامه وأمانيه، ~~بل يتمثل فيها ما يرى بالعين، ويلمس باليد ويسمع بالأذن، ويترجم من لغة الفكر إلى لغة ~~الحواس على أسلوب الخيال المعروف. # فما هو إلا أن راجت كلمة «الوعي الباطن» ورموزه في الاصطلاح وخيالات الفنون، حتى تلقفها ~~أذناب المدرسة الرمزية كما تلقف الببغاوات صيحات الآدميين بغير فهم ولا روية، وخيل إليهم أن ~~«الوعي الباطن» خلق جديد أنبته «فرويد» في بيئة الإنسان بعد أن كان معدوما في الأجيال ~~الماضية، وفاتهم أنه أقدم من الوعي الظاهر، وأنه لم يزل يعمل عمله في الآداب والفنون، وفي ~~المعيشة اليومية منذ عرف الناس الشعور والتفكير، ولن يزال كذلك خفيا في مكانه القديم ما ~~دام الإنسان هو الإنسان، وكل ما صنعه فرويد أنه نبه الأذهان إلى وجوده، لا أنه أوجده من ~~العدم في الزمن الحديث. # وبعد أن كان الرمزيون لا يتجاوزون في دعوتهم التذكير بوجود الأسرار والمعاني التي توحي ~~إليها، أصبح أولئك الببغاوات ينكرون الحس الظاهر، وينكرون الحواس وعملها، ولا يدينون بشيء ~~غير ما يسمونه رموز الوعي الباطن وأحاجيه. # فبطل الوضوح عندهم كأنه نقيصة، أو كأنه خروج على الحقيقة، وتقررت التعمية عندهم كأنها هي ~~البيان دون كل بيان، وكأنما «الوعي الباطن» قد كشف في الزمن الأخير؛ ليلغي العيون والآذان، ~~ويغرق الناس في ظلمات لا تدركهم فيها أنوار النهار. # ومن آفات فرنسا الولع بالأزياء والمدارس ms068 التي كأنها أزياء تخلع بين كل صيف وشتاء، فما هو ~~إلا أن يسمع فيها باسم الدعوة الجديدة حتى تقفوها مدرسة هنا ومدرسة هناك، وحتى تتقاسمها ~~الفنون المختلفة، فيبشر بها المصورون والنحاتون كما يبشر بها الشعراء والكتاب، وينتقل الأمر ~~من حيز التفكير إلى حيز الصفقات والمساومات. # فيأخذ المتجرون بالصور في جمع اللوحات التي يبيعها إياهم فقراء الفنانين بدريهمات ~~معدودات، ويحتفظون بها حتى يحين الأوان لإبرازها والمتاجرة بها، فإذا بمجلة من المجلات التي ~~يملكها أولئك التجار، أو يستأجرونها قد نشرت فصلا مطولا عن «المدرسة الجديدة» المزعومة، ~~وتلتها مجلة أخرى تناقضها وتنحي عليها، وإذا بالمدرسة الجديدة بعد هنيهة قد أصبحت في دوائر ~~الفن أحدوثة الفضوليين والأصلاء، ومحور الهجوم والدفاع، ويحضر إلى باريس في هذه الآونة أناس ~~من أصحاب الثروات الأمريكية، أو أصحاب الألقاب الروسية العريقة ممن يصطنعون الوجاهة، ~~ويفاخرون باقتناء التحف النادرة، ويودون أن يرجعوا إلى بلادهم وفي جعابهم أحدث ما يتحدث به ~~أصحاب الأذواق وأدعياء التنظر في الثقافة والآداب الفنية، فإذا بهم قد وقعوا في الفخ ~~المنصوب، واستبضعوا اللوحات والتماثيل من تلفيقات تلك المدرسة الجديدة بألوف الجنيهات، وهي ~~كلها لا تساوي مئات الدراهم عند بائعيها الماكرين. # وهكذا تخرج إلى الدنيا «مدرسة جديدة»، وتبقى فيها ما بقيت صالحة لتلك الصفقات الخادعة، ثم ~~تنطوي وتخلفها دواليك مدرسة أخرى على هذه الوتيرة، ولا تعقب بعدها أثرا من الآثار الباقية ~~في عالم البلاغة والجمال. # وقد راجت الرمزية في الكتابة والشعر، كما راجت في النحت والتصوير، وشوهدت صور لبعض الناس ~~لا يعرفها أصحابها، ولا يتفق اثنان من المصورين أنفسهم على عرفان ملامحها أو تفسير الغرض ~~منها، وسئل واحد من هؤلاء المصورين عما يعنيه بهذا الخلط الذريع، فقال بلهجة هؤلاء ~~الممخرقين التي هي مزيج من لغة الدجالين والببغاوات: إن الكتاب الإنجليزي يقع في يد الرجل ~~الذي لا يفهم الإنجليزية، فلا يبصر فيه إلا خليطا مشوشا من الخطوط والنقاط، فهل يفهم من ~~ذلك أنه كذلك، وأنه لا يشتمل على معنى من المعاني التي يدركها الإنجليزي أو من يفقهون اللغة ms069 ~~الإنجليزية؟ # وهذا كلام دجالين وببغاوات لا يفهمون ما يقولون؛ لأن الناس لا يختلفون في رؤية الشمس كما ~~يختلفون في فهم مئات الكلمات التي تدل عليها باللغات الإنسانية؛ ولأنهم لا يختلفون بالعيون ~~والآذان والأفواه كما يختلفون بالألسنة والعبارات، وليس بين الرجل وبين مشابهة الإنجليزي في ~~قراءة كتابه إلا أن يدرس الإنجليزية، فينفذ إلى ما وراء الخطوط من الألفاظ ومعانيها، فما هي ~~الأداة التي يستعين بها الإنسان على فهم الصور التي لا تشبه أصحابها؟ أهي أداة الوعي ~~الباطن، وهو لا يتماثل في رجلين اثنين على نحو واحد؟ أيصبح كل إنسان «فنا» وحده؛ لأنه ~~وحده صاحب الوعي الباطن الذي توارثه عن آبائه وأجداده، وأضاف إليه ما أضاف من مذكوراته ~~ومنسياته؟ # وكل مدرسة من هذا القبيل، فهي مدرسة بكماء لا تستطيع أن تشرح مذهبها للناس إلا بمزيج من ~~كلام الببغاوات، وكلام الدجالين. # ليكن الوعي الباطن حقيقة لا شك فيها، وهو كذلك حقيقة لا شك فيها، ولكنه كان حقيقة لا شك ~~فيها من أقدم عهود المثالين والمصورين والشعراء في التاريخ، وقد عمل في شعر هوميروس عمله ~~البديهي، كما عمله في شعر المتنبي والشريف وبيرون ولامرتين، وإنما كان يعمل عمله دون أن ~~يلغي العيون والآذان، ودون أن يلغي الأذواق والأذهان، وعلى هذا ينبغي أن يمضي في عمله سواء ~~ظهر فرويد، أو لم يظهر في عالم الوجود؛ لأن فرويد لم يخلقه في طبائع الناس حتى يخلفه خلق ~~جديد لم يكن معلوما قبل مئات السنين، فقصارى ما في الأمر أنه سماه وفسر معناه، وترك العيون ~~تنظر كما كانت تنظر، والآذان تسمع كما كانت تسمع، والأجسام البشرية تغدو وتروح كما كانت ~~تغدو وتروح. # فالرمزية سليمة في حدودها الأولى، وهي حدود الاعتراف بالخفايا والأسرار، ولكنها دعوة ~~مريضة عوجاء حين تنكر الوضوح؛ لأنه وضوح وكفى، وتشيد بالتعمية؛ لأنها تعمية وكفى. # وميزان الصدق في هذا المذهب أن يكون الرمز ضرورة لا اختيار فيها، فأنت تفصح حتى يعيبك ~~الإفصاح فتعمد إلى الرمز والإيحاء لتقريب المعنى البعيد لا لإبعاد المعنى القريب، والأصل في ~~الإبانة ms070 عن الذهن أو النفس أن يحاول المبين جهده توضيح معناه حتى تعييه العبارة فيلجأ إلى ~~الإشارة، فلا يكتب بالهيروغليفية ما يقدر على كتابته بالحروف الأبجدية، ولا يؤثر الكتابة ~~وهو قادر على التصريح. # أما من يقول بنقيض ذلك، فليس عنده في الحقيقة ما يقول، وإنما هو مزيج من الببغاوات ~~والدجالين يلفظ بالكلام ولا يفقه معناه، ويخلط الحق بالباطل على النحو الذي قدمناه. # الفصل السابع عشر # | الفنون الجميلة ضرورية # «تعودنا أن نسمع أن الفنون الجميلة من الكماليات التي يأتي دورها بعد العلم والصناعة في ~~الأهمية، وفي مقالكم المشار إليه تقولون: إن علينا أن نبدأ بالفنون الجميلة والرياضة لنتعلم ~~الإرادة والعمل، فهل لكم أن تنيروا الطريق لنا بالتوفيق بين القولين؟» ~~••• # الحق يا صاحبي أننا في عصر نحتاج فيه إلى غربلة وافية لجميع الألفاظ التي لهجنا بها زمنا ~~في مطلع نهضتنا الحديثة، ومنها ألفاظ الضروريات والكماليات، وتقديم الأهم على المهم ~~والمفاضلة بين العلوم والفنون، وسائر هذه المحفوظات التي خلت من المدلول لكثرة تكرارها، ~~واكتفاء الآذان بسماعها دون التفكير فيها. # فمن الواجب «أولا» أن نفرق بين الفرد والأمة فيما هو من الشئون الضرورية، وما هو من ~~الشئون الكمالية. # فالفرد لا يشترط فيه أن يستوفي جميع المزايا الإنسانية والملكات الحية، وليس من اللازم ~~ولا من المستطاع أن يكون قويا وذكيا وجميلا وعالما وشاعرا وصانعا، وغنيا وسائسا ~~زعيما ومفكرا مقتدى به وإماما متبعا في مطالب الحياة كافة. # ولكن إذا اجتمع عشرون مليون فرد في قطر واحد، فمن الضروري - وليس من الكمالي - أن تتوافر ~~بينهم جميع المزايا الإنسانية، والملكات الحية التي تتفرق في الأفراد، وإلا كان النقص ~~دليلا على مسخ ذريع في التركيب، وعجز شائع في عناصر الطباع، ويستوي هنا أن يكون الناقص ~~لعبا أو جدا، وفنا أو علما، وخلقا أو رأيا، فإنما المهم أن الملايين العشرين يتسعون ~~لكل مزية عرفت في بني الإنسان، وإلا كانوا ناقصين في الضروريات للأمة، وإن كانت معدودة ~~بالقياس إلى الفرد من الكماليات والنوافل. # ومن الواجب «ثانيا» أن نقلع عن تقويم المطالب القومية ms071 بمقدار الحاجة إليها والاستغناء ~~عنها، فإن ذلك تقويم غير صالح وغير صحيح. # فنحن نستطيع أن نعيش بغير ملكة النظر، وبغير ملكة السمع أو الكلام سبعين سنة دون أن نهلك ~~من جراء ذلك. # ولكننا لا نستطيع أن نعيش بغير الرغيف وما إليه سبعين سنة ولا سبعين شهرا ولا سبعين ~~يوما إلا هلكنا هلاكا لا ريب فيه؛ ولم يقل أحد من أجل ذلك: إن الرغيف أغلى من البصر، وإن ~~ملكات الحس لا تستحق المبالاة كما يستحقها الطعام والشراب. # وندع تقويم الفكر إلى تقويم السوق، فإنا واجدون أن الرغيف أرخص من الكتاب، وأن التمثال ~~أغلى من الكساء، وأن الحلية أقوم من الآنية الضرورية، وأن قيمة الشيء لا تتعلق بمقدار ~~الحاجة إليه والاستغناء عنه، بل بمقدار ما نكون عليه إذا حصلناه، فنحن إذا حصلنا الرغيف ~~فأقصى ما نبلغه في تحصيله أن نتساوى وسائر الأحياء في إشباع الجسد، وصيانة الوظائف ~~الحيوانية، ونحن إذا حصلنا الفنون الجميلة فما نحن بأحياء وحسب ، ولا بأناسي وحسب، ولا ~~بأفراد وحسب؛ بل نحن أناسي ممتازون ونعيش في أمة ممتازة، تحس ما حولها وتحسن التعبير عن ~~إحساسها. # إن الضروريات توكلنا بالأدنى فالأدنى من مراتب الحياة، أما الذي يرفعنا إلى الأوج من ~~طبقات الإنسان، فهو ما نسميه النوافل والكماليات، أو هو ما نستغني عنه ونعيش! # ولكن كيف نعيش؟ # هذا هو موضع السؤال الصحيح، فإن كنا لا نبغي إلا أن نعيش كما تعيش الأحياء كافة، فحسبنا ~~الضروريات المزعومة إلى حين، حسبنا الخبز حتى يجيئنا من ينزع منا الخبز أيضا، ونحن لا نقدر ~~على دفاعه، ولا نطيق غير الخضوع له والصبر على بلائه. # وإن كنا نبغي أن نعيش «أكمل» العيش فلا غنى إذن عن الكماليات لبلوغ الكمال، ولا معدى إذن ~~عن اعتبار الكماليات من ألزم الضروريات. # ومن الواجب «ثالثا» أن نذكر ما هو «العلم» الذي يفوقنا به الغربيون قبل أن نعقد المقارنة ~~بين العلوم والفنون. # فالغربيون لا يفوقوننا بالعلم «المصنوع»، أو علم الطيارات والسيارات والسفن والدبابات ~~والمناسج والمنسوجات. # كلا لا يفوقنا الغربيون بهذا، فإن ms072 الشرقي ليحذق صناعة الطيارة إذا رآها كما يحذقها الغربي ~~الماهر في عمله، ولعله يبذه ويسبقه في الوقت والبراعة. # إنما يفوقنا الغربيون بالعلم الملحوظ لا بالعلم المصنوع: يفوقوننا بعلم الملاحظة ~~والابتكار والاختراع؛ يفوقوننا بالعلم الذي يحتاج إلى عين لا تفوتها الرؤية، وبديهة لا ~~يفوتها الإدراك، وخيال لا يفوته تركيب الصغائر، وضم الأجزاء إلى الأجزاء حتى يتألف منها ~~المصنوع الجديد. # وما هذا الذي يفوقوننا به غير ملكة الحس والتخيل التي يترجمها المصور تمثالا والموسيقي ~~لحنا، والشاعر قصيدا، والمخترع صناعة حديثة؟ ما هو غير أن نحس ما حولنا، ونقرن بين إحساس ~~وإحساس حتى نستخرج منها جميعا صورة كاملة في عالم العلم، أو في عالم الفن أو في عالم ~~التجارة؟ # فليست المقارنة بين العلم والفن مقارنة بين طيارة تنفع في التجارة والحرب وتمثال لا ينفع ~~لغير الزينة، بل هي مقارنة بين ملكة مستنبط لا تتم بغيره الحياة، وملكة مستنبط تتم بغيره ~~الحياة! # وإذا فقدنا الفنون الجميلة فليس كل ما نفقده إذن هو تمثال الرخام الذي لا يصلح لغير ~~الزينة، بل نحن فاقدون جزءا من حياتنا وجزءا من العلاقة بيننا وبين الدنيا، وعائشون عيشة ~~الممسوخ الأبتر المحجوب عن جوانب دنياه. # إن الرجل البصير يرى الحجر كما يرى الجوهرة، ولكنه إذا عجز عن رؤية الحجر وهو أمامه، فليس ~~الحجر وحده بالمفقود في نظره، بل المفقود كل شيء يتراءى لعينيه. # لقد حيينا في خدمة غيرنا عصورا طوالا حتى أوشكنا إذا قيل لنا: «اشعروا بالحياة.» أن ~~نطلب أجرا على حياتنا. # فالرجل الذي يسأل: ما فائدة الفنون الجميلة؟ هو كالرجل الذي يسأل: ما فائدة العين؟ وما ~~فائدة الأذن؟ وما فائدة الشعور؟ وما فائدة الحياة؟ # وإن الإنسان لينظر إلى الروضة ولا يبسط يديه بعدها إلى أحد يعطيه أجرا على ما رآه، ~~فلماذا يحس الجمال وهو يسأل عن فائدة الإحساس؟ ولماذا يعبر عن الجمال وهو يسأل عن فائدة ~~التعبير؟ ولماذا يقتني التمثال وهو يسأل لماذا أقتنيه؟ ولماذا يسمع الغناء وهو يسأل لماذا ~~أصغي إليه؟ # إنه ينبغي أن يصنع ذلك لأنه يحس؛ ms073 وإنه يحس لأنه يحيا، فمن من يا ترى يريد أجرا على ~~الحياة؟! إن كان عبدا فمن سيده فليطلب أجره لو كان سيد يغنى بتهذيب عبيده؛ وإن كان هو ~~سيدا فهو مالك حياته، وكفى أنه يحيا تعليلا لكل عمل وترغيبا في كل مطلب وتقويما كل عزيز ~~نفيس. ~~••• # ولقد يخطئ بعض الفلاسفة المصلحين في تقويم الفنون، فيستكثرون ما أنفقت عليها الدول ~~والملوك والسروات من مال وفير وجهد عنيف، كذلك أخطأ تولستوي في كتابه عن الفن الجميل، وهو ~~نفسه قد أنفق عمرا مديدا في خدمة الفن الجميل. # على أن خطأهم قريب المأخذ سهل المراجعة من ناحية الحساب، إذ ليس القياس في هذا الصدد أن ~~ننظر إلى مدينة مثل «هليوود»، كم تنفق من الملايين على الروايات والممثلين! وإنما القياس أن ~~ننظر إلى مدن العالم كم عددها بالقياس إلى «هليوود» وحدها، أو كل مدينة جرت على ~~مجراها. # وليس القياس أن ننظر إلى الموسر كم يبذل من الألوف في تمثال واحد ، وإنما القياس أن ننظر ~~إليه وإلى كل فرد كم ينفق على خبزه وكسائه وسكنه وراحته، وكم ينفق على الفنون الجميلة التي ~~يهواها من تماثيل وأغان وأشعار؟ ومتى نظرنا هذه النظرة علمنا أن الكماليات لا تجور على ~~الضروريات، وأن قياس النفقات على ما يسمى بالكماليات والنفقات على ما يسمى بالضروريات أقل ~~من قياس الآحاد إلى المئات. # إلا أننا نعود فنقول: إن الفنون الجميلة ضروريات في الأمم، وإن عدت نوافل في آحاد الناس، ~~وإنها ضروريات لمن ينشد «العيش الأكمل» ولا يقنع بكل عيش، وإنها ضروريات لمن يسأل: كيف ~~نسود؟ وإن كانت هباء عند من يسأل: كيف نعيش؟ وأحرى به أن يسأل: كيف نموت؟ فعيش هذا وموته ~~سواء. # الفصل الثامن عشر # | اللعب # قلتم في مقالكم الجميل «الحياة جميلة»: ~~... ولكن جمالها يقتضي أن يكون لنا زعماء للهو يصححون إدراكنا للحياة، ويرهفون ~~أذواقنا للجمال، ويهيئون قلوبنا للسرور، ويشغلون أوقات فراغنا بالمسابقات الرياضية، ~~والمهرجانات الوطنية، والسياحات النهرية، والملاهي الفنية، والمواكب الشعبية، وليس ~~أقدر على هذه الزعامة اليوم من وزارة الشئون الاجتماعية. ms074 # كلام صادق. # وربما كان أرفع من تقريظه بوصف الصدق تقريظه بوصف الجمال، فليس كل صادق بجميل. # لكن كم منا نحن المشارقة، يا أخي، يؤمن معك بحاجة اللهو إلى زعامة، وحاجة الأمة إلى ~~لهو؟ # وكم منهم يؤمن معك بأن زعامة اللهو واللعب لها من الشرف والمنفعة كفاء ما للزعامات في ~~الجد، أو في الأمور التي تتراءى صبغة الجد عليها؟ # أقل من القليل. # أقل من القليل مع هذه الوقائع الناطقة التي تتوالى عليهم كل يوم بفضل الأمم، التي تحسن ~~اللهو واللعب على الأمم التي تتكلف التزمت والوقار. # وأقل من القليل مع تلك الشواهد التاريخية، التي ليس يعمى عنها ذو بصيرة تشهد في الدنيا ~~شيئا من الأشياء. # فما عرف التاريخ قط أمة أحسنت الجد ولم تحسن اللهو واللعب. # وما عرف التاريخ قط أمة من أمم القوة والسيادة لم تكن لها ألعاب، ولم يكن لها زعماء في ~~هذا المضمار. # وناهيك بالرومان وملاعبهم في كل مدينة وضعوا حجرا في بنائها . # وباليونان ومحافلهم القومية التي كانت تتعاقب كل عام أو بضعة أعوام. # وبالفرس ومواكب الكرة والصولجان، والعرب وميادين الفروسية ومنازه الصيد والقنص، وما ~~اقتبسوه من سائر الأمم والدولات حيثما ارتفع لهم عرش واستقرت لهم إمامة. # أما في التاريخ الحديث فيوشك أن يكون السبق في مضمار اللعب قرينا بالسبق في مضمار ~~السيادة، ويصدق من يقول: إن بريطانيا العظمى تفردت بالسلطان العالمي يوم تفردت بالسبق في ~~ألعابها، وشوركت في ذلك السلطان يوم شوركت في تلك الألعاب. # فاللعب هو فيض الحياة. # ولن تكون سيادة بغير حياة أولا ... ثم فيض في الحياة بعد ذاك. ~~••• # لا يلعب الإنسان وهو عليل. # ولا يلعب وهو محسور مغلوب. # ولا يلعب وهو مسلوب المشيئة. # ولكنه يلعب حين يصح، وحين يفرح، وحين يملك زمامه، فيشاء ويفعل ما يشاء. # فاللعب والحياة الفائضة صنوان، والسيادة والحياة الفائضة لا تفترقان. ~~••• # لكنهم ضعفوا في الشرق فلم يفقهوا لغة الحياة، ولم يلحنوا ما تقول حين تتكلم بكل ~~لسان. # رأوا الطفل يلعب وهو قليل العقل. # ورأوا الشيخ يتجنب اللعب وهو كثير العقل ms075 أو كثير الاختبار، فحسبوا أن اللعب ونقصان العقل ~~متلازمان، وأن الوجوم من اللعب ورجاحة العقل مترادفان. # فأخطئوا. # أخطئوا في الفهم كما أخطئوا في الشعور. # فما لعب الطفل لأنه أقل من الشيخ عقلا، ولكنه لعب لأنه أوفر نصيبا من جدة ~~الحياة. # وما تزمت الشيخ لأنه أعقل من الطفل، ولكنه تزمت لأنه أعجز منه وأدنى إلى الموت. # ولو اجتمعت للشيخ حكمة السن وجدة الطفولة لما منعته الحكمة أن يلعب ويلهو، ولعلمته بعد ~~ذلك كيف يفتن في لعبه ويزيد في لهوه، ويبز فيهما الأطفال والشبان. ~~••• # ورأوا المجنون يلعب والعاقل لا يعلب مثله، فجزموا باتصال الجنون واللعب، كما جزموا باتصال ~~العقل والسكون. # أخطئوا. # أخطئوا في الفهم كما أخطئوا في الشعور. # لأن المجنون يلعب من فرط الطلاقة، لا من ذهاب لبه واختلاط فكره. # وآية ذلك أن بعض المجانين يفقدون اللب والصواب ولا يلعبون، بل ينوحون ويتخبطون ويبتئسون؛ ~~لأن جنونهم يسلمهم للخوف والفزع، ولا يسلمهم للطلاقة والمراح. # فهل يقال: إنهم إذن أعقل من العقلاء الذين يلعبون حينا بعد حين؟ # كلا، بل يقال: إن الطلاقة تلازم اللعب في كل حين ... أما الجنون واللعب فلا ~~يتلازمان. ~~••• # وينبغي أن نفرق هنا بين اللعب الذي نعنيه، وبين ما يلتبس به في بعض ظواهره ~~ودواعيه. # فاللعب الذي نعنيه غير التسلية. # واللعب الذي نعنيه غير الرياضة. # لأن الورق والنرد والشطرنج تسمى ألعابا، ولكنها لا تحتاج إلى فيض حياة ولا إلى تمام ~~شعور، بل لعلها تحتاج إلى الكسل والراحة والفتور، وهي في لبابها شغل من الأشغال، ولكنه شغل ~~فراغ. # ولأن الرياضة وسيلة إلى غيرها في كثير من الأحوال، فهي بين رياضة تراد للحرب، ورياضة تراد ~~للعلاج، ورياضة تراد لاحتمال المشقات، ورياضة تراد للتجميل والتقويم. # أما اللعب الذي نعنيه فهو التعبير الملازم لحالة الفيض والإشراق، فلا يراد بعد ذلك لغرض ~~من الأغراض. # هو شيء كلمعان الزجاج حين ينتفي عنه الكدر وينجلي عنه الغشاء. # فلا يقال: إن الزجاج يلمع لهذا الغرض أو لذاك، ولا يقال: إن اللمعان وسيلة مقصودة؛ ليبيعه ~~البائعون ويشتريه المشترون ويصنعه الصانعون. ms076 # وكل ما يقال: إنه يلمع لأن اللمعان طبيعة فيه، وشعاع من نوره السابغ عليه. # وعلى هذا المعنى يدخل في باب اللعب ابتكار الفنان، ووحي القريحة، وتوقان النفوس إلى ~~العظائم، وغرام العقول بالكشف عن المجهول، ولألاء الجمال في الوجوه ولألاء الجمال في ~~الأرواح. # وعلى هذا المعنى كذلك يعم اللعب فطرة الحياة حيثما وجد الأحياء. # فهو في الطير المغرد، وفي الحوت السابح، وفي الحيوان الطافر، وفي كل ما يفيض بحياته ~~فيندفع في ألعابه، ويوشك أن يخرج من إهابه. # أما التسلية فليست من الفطرة. # وأما الرياضة فجانب فيها من الفطرة وجانب من ابتداع الجماعة الإنسانية. # وليس اللعب الذي نعنيه تسلية ولا وسيلة اجتماع. # وإنما هو تعبير الحياة كلما امتنع الحائل بينها وبين التعبير. # وتبحث يا أخي عن زعامة للعب واللهو بين المشارقة «الموقرين»! # أعانك الله! # أتسبق الرياسة المرءوسين؟ # أم يسبق المرءوسون الرئيس؟ # علمهم أن يفهموا اللعب على معناه، وأنت في غنى بعد ذلك عن تعليمهم معنى الجد أو تعليمهم ~~معنى الحياة، وفي غنى عن انتظار الزعماء وهم ما امتنعوا قط حيث وجد المستحقون لزعامة ~~زعيم. # الفصل التاسع عشر # | المبالاة # كتب إلي أديب يقول: # إن الإنسان يفيد دائما من التجارب المادية، فالأطباء مثلا يهتدون بالتجارب ~~الماضية، ويطبقون في فنهم آخر ما يصل إليه العلم؛ ومن ثم كان التقدم الملحوظ في ~~الطب وسائر العلوم والفنون والآداب، فلماذا لا تسير الأمور كذلك في معالجة المشاكل ~~النفسية؟ أريد أن أقول: إن الإنسان - كل إنسان - لا يريد أو لا يستطيع أن يطبق ~~القاعدة السابقة على مشاكله النفسية، فمثلا حدثنا الكثير من الفلاسفة والكتاب عما ~~انتابهم من أزمات منها ما أخافهم أو أيأسهم أو آلمهم، ثم أردفوا ذلك بأن وضعوا تحت ~~أعيننا تجاربهم، وتجاوزهم هذا الطور إلى طور آخر ... وعندنا مثل أقرب هو صديقكم ~~المازني الذي كتب كثيرا مصورا ما كان يلح عليه في شبابه من يأس وخوف، محاولا أن ~~يقنعنا أن كل ذلك كان عبثا لا طائل تحته، وأن الإنسان يستطيع أن يعيش دون أن يكون ~~بحاجة إلى ms077 شيء من ذلك ... فلماذا لا يعتبر الشباب بقول المازني، فيأخذ الحياة من حيث ~~انتهى، ويقضي شبابه في أنس وراحة وسعادة؟ لماذا يأبى كل امرئ إلا أن ينهج في حياته ~~على طريقته الخاصة، فيقبل على ما يسلمه للخوف والشقاء، ويعج في الألم ~~واليأس؟ # وأريد أن أقول أيضا: إذا قيض للإنسان أن ينتفع بتجارب غيره النفسية على النحو ~~الذي ينتفع به في التجارب المادية، أيكون هذا رقيا وازدهارا، أم عندئذ تنتفي ~~الحياة؟ # وبعد إسهاب في هذا المعنى يقول الأديب: أرجو أن يتيح لنا الأستاذ ساعة نهرب فيها من حديث ~~السياسة والحرب، ونأنس به فيها إلى ظل الأدب الوريف. ~~••• # ويحضرني في الإجابة عن هذه الأسئلة قول الكاتب الإنجليزي الحديث ستيفنسن # Stevenson ~~: إننا حين نقول للشاب ساخرين: هكذا أيضا كنا ~~نفهم في شبابنا، فنحن نؤيده ولا نفنده بهذه الحجة! # وهو قول حق نافذ إلى اللباب؛ لأننا ندل به على أن هذا الفهم الذي ننقده، ونحاول أن نثني ~~الشباب عنه إنما هو من طبيعة الشباب التي لا محيد عنها، ولا استثناء فيها، فكل شاب إذن خليق ~~أن يفهم الأمور كما فهمها الشاب الذي نلومه ونهديه إلى خطئه! # وهكذا يسألنا الأديب: لماذا لا يعتبر الشاب بقول صديقنا المازني، فيأخذ الحياة من حيث ~~انتهى ويقضي شبابه في أمن وراحة وسعادة؟! # والجواب أن صديقنا المازني نفسه لو عاد إلى الشباب لما اعتبر هذا الاعتبار، ولا سلك في ~~الحياة إلا المسلك الذي عدل عنه بعد حين. # وخيرا تصنع الحياة، إذ تجعل كل حي مستقلا بحياته عن التجارب النفسية التي جربها ~~سابقوه، فليس من الحياة أن يعيش الإنسان عالة على شعور غيره، وليس هذا بالمستطاع لو حسن أن ~~يكون. # وفرق شاسع بين المعلومات والتجارب النفسية في هذا المجال، فإنني لا أستطيع أن أعرف وحدي ~~جميع المعارف الإنسانية التي عرفها السابقون، وأضاف إليها اللاحقون ما أضافوه، ولكني أستطيع ~~أن أجرب وحدي ما جربه كل فرد وحده، ولا خسارة علي في ذاك! # لا بل الخسارة كل الخسارة في تركي إياه يشعر «بالنيابة» ms078 عني، وإلغائي لشعوري أنا معتمدا ~~على ما جربه واهتدى إليه، أما المعلومات فيكفي أن تنتقل إلي ليصبح نصيبي منها ونصيب من ~~عرفوها جميعا على قدر سواء، فلا خسارة في انتقالها من جيل إلى جيل. # وينبغي أن نذكر هنا أن التجربة ليست مسألة فهم، ولكنها مسألة رياضة. # فالحصان الوحشي الذي تربطه بالقيود وتقيم من حوله العوائق؛ لتمنع جماحه وتسلس قياده لا ~~يثوب إلا السلاسة لأنه فهم أنها خير من الجماح، أو وازن بينهما موازنة فكرية، فاختار ~~أفضلهما في الرأي والمنطق، ولكنه «ريض» على حالة لا يستطيع غيرها، ولو فهم أن غيرها هو ~~الصواب. # ولو كانت التجارب مسألة فهم لما استعصى خطبها على أحد، فإن حكمة الحكماء الذين قالوا: إن ~~«الصبر مفتاح الفرج.» تفهم لفظا ومعنى في لمحة عين، ولكن النفس لا تراض عليها قبل سنين ~~حافلة بالحوادث والدروس، وقد تمضي السنون ولا تبلغ بها مبلغ الرياضة عن تلك الكلمات ~~الثلاث! # إن الأقدمين قد أكلوا فشبعوا، فهل نشبع نحن لأن الأقدمين قد عرفوا الشبع من قبلنا دون أن ~~نأكل كما أكلوا؟ # إذا جاز هذا جاز مثله أن نشبع نحن من الحوادث والتجارب دون أن «نأكلها» كما أكلها الذين ~~من قبلنا. # ولكنهما خطتان بمنزلة واحدة من البعد والاستحالة: فألوف الألوف لا يشبعونك بما تناولوا من ~~غذاء، وألوف الألوف لا يعطونك التجربة التي تناولوها من حوادث الأيام، وإنما الشبع شيء لا ~~تناله إلا بما تعمله وظائف جسمك، وكذلك التجربة شيء لا تناله إلا بما تعمله وظائف نفسك، ولو ~~رأيت أمامك كل المجربين، وسمعت وصف التجارب من كل لسان مبين. # والرجل بمفرده قد يجرب الحالة الواحدة على أنماط وألوان لا يحيط بها الإحصاء، فيخونه عشرة ~~أصدقاء ولا تحذره إحدى هذه الخيانات أن يستهدف لغيرها؛ لأنها مختلفة المنحى ~~والنتيجة. # ويحب عشر نساء ولا تعطيه إحداهن ما تعطيه الأخريات، ويسافر إلى القطر الواحد مرات، ثم ~~يعود من كل مرة بتجربة جديدة لا تنسخ ما قبلها، ولا تنسخها التي تليها. # وهذا معنى التجربة، وهذا معنى الحياة. # والأصل في ms079 الحياة المبالاة بالحوادث والمؤثرات؛ لأن الكائن الحي كجهاز التلقي والإرسال ~~الذي لا ينعزل مما حوله، ولا تنقطع الصلات بين العالم الخارجي وبينه، فإذا انتهى به الأمر ~~إلى تجاهل الحوادث وقلة الاكتراث لها، فتلك ضرورة طارئة تراض عليها النفس بعد معالجتها ~~وتكرير علاجها، ثم يكون الاستقرار عليها بمثابة الصدأ الذي يمنع الاتصال، فلا تلق ولا ~~إرسال، أو يكون على أحسنه بمثابة رفع المفتاح وتعطيل الأداء والاستقبال. # وربما فهم ذلك في بعض مراحل الحياة التالية، أما الابتداء به في المراحل الأولى فغير ~~مفهوم ولا معهود، إلا أن يكون عن نقص في التكوين وعجز عن التجربة، ما يراد منها وما لا ~~يراد. # قيل: إن السعيد من وعظ بغيره ... ولكن أين هو السعيد؟ وما جدواه من السعادة إن كان اتعاظه ~~«شعورا» غير أصيل فيه؟! أما إن اتعظ أصيلا في شعوره فهو هنا مبتدئ وليس بتابع، وهو يجتنب ~~الخطر؛ لأنه أحسه واختبر منه ما يدعوه إلى اتقائه، فليس هو بعالة على تجربة غيره، وليست ~~تجربة غيره إلا تذكيرا لناس أو تنبيها لغافل. # ولنتخيل عالما يستريح الناس فيه من «المبالاة»، فماذا يبقى لهم من الحياة؟ # ماذا يبقى من الحياة لمن لا يبالون الخوف والرجاء، ولا يحنون إلى ماض، ولا يتطلعون إلى ~~غد ولا يحفلون بحاضر؟ # العريان في القافلة مرتاح. # وهذا عري في قافلة الحياة! # لا شك أن التجارب تعلمنا كثيرا أن العناء لا يفيد، ولكن من هذا الذي يعاني باختياره؟ ومن ~~هذا الذي يعاني لفائدة يلتمسها من عنائه؟ # إنما يعاني الإنسان على حسب ما عنده من طاقة العناء، لا على حسب ما يستفيده من ~~العناء. # ولهذا يوجد بين الناس آحاد معدودون يطلبون العظائم، ويبلغونها ولا يقنعون بما بلغوه منها، ~~وينظر إليهم ملايين الملايين فلا يتحركون لمثل ما ابتغاه أولئك الآحاد المعدودون؛ لأن ~~المحرك هنا هو الطاقة الموجودة، وليس هو الفائدة التي لم توجد بعد ولا يضمن وجودها. # إن كرة المطاط تنضرب إلى الأرض مائة مرة، ولا تزال تعلو وتسفل في أثر كل ضربة، ثم تنضرب ~~بعد ms080 هذا فتقع حيث هي لا علو ولا استفال ... ألأنها علمت أن العلو لا يفيد؟ كلا؛ بل لأنها ~~أضاعت مرونتها التي تعلو بها وتهبط ... فمن الذي يطلب من الكرات الجديدة أن تعتبر بمصير هذه ~~الكرة «المجربة»، فتقع حيث هي وتضيع من مرونتها باختبارها ما ضاع «بالتجربة» على غير ~~اختيار؟ # ولست أقول للكرة التي سكنت إلى موضعها: غالطي الحقيقة وعاودي الوثوب، وقد راضتك الحوادث ~~على اجتنابه! ولكني أقول للكرة الجديدة: إياك أن تغالطي الحقيقة وأن تسكني لأن غيرك قد سكن ~~من قبلك، بل اسكني حين يوائمك السكون ولا تقدرين على غيره؛ واطلعي وانزلي ما دامت لك طاقة ~~بالطلوع والنزول. # فقلة المبالاة لا قيمة لها إن لم تأت بعد مبالاة؛ لأنها تكون يومئذ مرضا أو قصورا لا ~~يغبط عليه، ولا بد إذن من مبالاة ولو قصيرة الأمد قبل أن تصبح قلة المبالاة تجربة نفسية ~~ورياضة خلقية، وليس شرطا مع هذا أن تكون تلك التجربة مما يحمد على كل حال ، وأن تكون تلك ~~الرياضة مما يقتدي به كل إنسان. # وغاية ما يرجى من انتفاع بتجارب من مضى أن نعيد تجربتها في وقت أقصر، وعلى ثقة أوضح وأبصر ~~... ولم؟ ليتسع العمر لتجارب أكثر مما جربه الأولون، لا لينقص نصيبه من التجربة اكتفاء بما ~~جربوه. # فتكرر الأجيال عبث إذا كان معناه أن جيلا واحدا يعالج مشكلات الحياة، ثم تعفى بقية ~~الأجيال من علاجها، وتكرر الأجيال معقول إذا كان لكل جيل نصيبه من عبء الحياة وعليه مزيد ~~جديد. # الفصل العشرون # | مسألة الفقر # «سألني الأستاذ زكي مبارك عن رأيي في الخلاف القائم على مسألة الفقر بينه وبين الأساتذة: ~~توفيق الحكيم، سلامة موسى، فكري أباظة وبعض حضرات القراء.» ~~••• # وخلاصة هذا الخلاف أن الدكتور زكي مبارك يرجح أن الفقر عقوبة مستحقة على شيء من القصور، ~~وأن مخالفيه يرجحون أن الفقر غلطة اجتماعية تصيب الناس من خلل في «المجتمع» أكثر من إصابتهم ~~لتقصير في الجهود. # وعندنا نحن أن الفقر داء كسائر الأدواء، يصيب المريض به من إهماله كما يصيبه من ضعفه ms081 ~~الموروث، ويصيبه من الحيطة إذا جرى مجرى الوباء الذي تنتشر عدواه، كما يصيبه من ترك الحيطة ~~في هذه الحال وفي غيرها من الأحوال. # وليس في وسع أحد أن يزعم أن ميزان المجتمع سليم من الخلل في توزيع الأرزاق، أو تقدير ~~المكافآت على حسب الجهود، ففي كل أمة أغنياء لا يستحقون الغنى وفقراء لا يستحقون الفقر، وإن ~~تفاوت الخلل وتفاوت الجور، وتفاوت السعي في الإصلاح. # ولست أنا ممن ينكرون فضل البراعة المالية؛ لأنها في الحقيقة براعة لازمة لتأسيس المرافق ~~الاجتماعية والأخلاق القومية، وتنظيم العلاقات، واستثارة الهمم، وتوزيع الأعمال التي لا ~~يستبحر بغيرها عمران. # وقد قلت منذ نحو عشرين سنة حين عرضت للبحث فيما يعاب من أخلاق المرأة خطأ وجهلا ~~بالبواعث النفسية: «... إننا قد نرى للمرأة سببا غير سائر الأسباب التي تغري بحب المال ~~وإعظام أصحابه، نرى أن كسب المال كان ولا يزال أسهل مسبار لاختبار قوة الرجل وحيلته، وأدعى ~~الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار، واجتلاب الإعجاب والإكبار ، فقد كان أغنى الرجال في ~~القرون الأولى أقدرهم على الاستلاب، وأجرأهم على الغارات وأحماهم أنفا وأعزهم جارا، فكان ~~الغنى قرين الشجاعة والقوة والحمية، وعنوانا على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء، أو ~~التي يجب أن تكون محببة إليهن، ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق، ~~وتجشم الأخطار، والتمرس بأهوال السفر وطول الاغتراب، وأقدرهم على ضبط النفس وحسن التدبير، ~~فكان الغنى في هذا العصر قرين الشجاعة أيضا وقوة الإرادة، وعلو الهمة وصعوبة المراس، ثم ~~تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أبعدهم نظرا، وأوسعهم حيلة وأكيسهم خلقا، وأصلبهم على ~~المثابرة وأجلدهم على مباشرة الحياة ومعاملة الناس، فكان الغنى في هذا العصر قرين الثبات ~~والنشاط، ومتانة الخلق وجودة النظر في الأمور، وهكذا تجد اكتساب المال الكثير في كل عصر ~~دليلا على فضل الرجل، وعلاقة توحي إلى نفس المرأة ما يعين غريزتها على اختيار أجدر الرجال ~~بحبها، وأصلح الآباء لأبنائها، فلا تثريب عليها أن تختبر مزايا الرجل بهذا المسبار السهل ~~القريب، ولا لوم عليها أن تريد ثراء ms082 المال، ولا تعدل به الفقر والفاقة ...» # فنحن لا نبخس البراعة المالية حقها، ولا نغض من نفعها في باب الخدمة الاجتماعية، ولا من ~~دلالتها على الخلق والكفاءة العقلية، ولكننا مطالبون في هذا العصر الحديث بإنقاذ المجتمع من ~~الخلل الشديد، الذي ألم بموازين الاقتصاد ومعايير الأرزاق حتى أصبح اقتناء الثروات ميسرا ~~للمحتال والدجال، الذي لا يعطي الناس بديلا نافعا يساوي الربح الغزير الذي يتدفق عليه، ~~ولعلنا نتلطف في الأمر حين نقول: إنه لا يعطي الناس بديلا نافعا، وهو في الواقع يضرهم ~~بمقدار ما يستفيد منهم، ويحرمهم بمقدار ما يغدقون عليه طائعين أو كارهين. # ومثل من هذه الأمثال أولئك السماسرة الآثمون الذين يتواطئون على إشاعة الأراجيف، وإقلاق ~~الأسواق، واللعب بأثمان الأسناد والأوراق؛ ليسرقوا في ساعات ما تنقضي الأعمار دون الوصول ~~إليه بالسعي الحلال، أو بالسرقة على طريقة اللصوص الأقدمين. # ومثل آخر من هذه الأمثال تلك الصفقات التي تنعقد في الهواء بغير مبادلة صحيحة في البيع ~~والشراء، وإنما هي استغلال لثقة الناس التي كسبها أولئك المستغلون بحكم مراكزهم الاجتماعية ~~أو المالية، لا بحكم الكفاءة والجهد وتثمير المال الحلال. # وإذا ارتفعنا شيئا فشيئا من هذه الهوة الغائرة في قرارة الإجرام، فقد نصل إلى الكفاءات ~~القيمة الي تعطي الناس ما ينفعهم ويسرهم، ولكنها تتقاضاهم جزاء لهم أضعاف حقهم وأضعاف ما ~~يحتاجون إليه لموالاة النفع والسرور. # فإخراج رواية على اللوحة البيضاء عمل قد ينفع العقول، ويدخل السرور على القلوب، ولكن ~~الدنيا تسرف جد الإسراف حين تشتري نفع الرواية وسرورها بمئات الألوف من الجنيهات، وهي تضن ~~بعشر معشار هذا على المآثر الإنسانية، التي يتصل بها نفع أقوام وسرور أجيال. # وأقبح من هذا أن تكون الألوف المؤلفة نصيب الرواية الماجنة العقيمة، ولا تحظى ببعض هذا ~~النصيب أجود الروايات وأحفلها بالمعارف والمتع والعظات، أو يكون الجزاء الوافر حظ الممثل ~~الذي لا يستحي أن يعرض رجولته للفضوليات من المتفرجات، ولا يكتب هذا الحظ لنوابغ الفن ~~وأفذاذ الرجال. # هناك خلل في الميزان لا نكران له ولا مناص من إصلاحه؛ لأن الغبن فيه ms083 غبن الأمم، والبلاء ~~فيه بلاء الهمم؛ وليس غبن فقير يشكو الفاقة، أو بلاء ضعيف يطلب الرحمة والإنصاف. # ولا نطمع أن يجيء اليوم الذي يتساوى فيه العمل والجزاء كل المساواة، ويبطل فيه الخلل ~~بطلانا يمنع الحيف، ويحقق العدل في كل تقدير؛ فهذا مستحيل، ولعله غير محمود في عقباه؛ لأن ~~الدوافع الحيوية إذا استقامت هذه الاستقامة خيف عليها أن تفقد الاندفاع الصالح والاندفاع ~~الذميم على السواء. # لكننا إذا استبعدنا الكمال المطلق، فالنقص المطبق أولى منه بالإبعاد، وبين المثل الأعلى ~~والمثل الأدنى خطوات لا تعيا بها قدرة الإنسان، ولا يجمل به أن يقعد عنها مكتوف اليدين مقيد ~~الرجلين، وحاجة مصر إلى الجهد في هذا الباب أعظم من حاجة بلاد كثيرات يعلو فيها صراخ لا ~~يسمع له صدى في هذه البلاد. # وقوام الإصلاح في مسألة الفقر على ما نرى أن نذكر الحقائق كلها، ولا نكتفي بجانب واحد ~~منها دون سائر جوانبها. # أو الخير في هذه المسألة أن نقرن كل حقيقة جامحة بحقيقة كابحة تساويها، وتكف من ~~غربها. # فأول الحقائق في مسألة الفقر أن حياة الإنسان كائنا ما كان أنفس من القوت والكساء ومطالب ~~المعيشة، وأنه ما من مخلوق آدمي يعجز عن تقديم خدمة تكافئ ثمن قوته وكسائه ومطالب عيشه، ~~فإذا هلك إنسان جوعا أو عريا ففي تقسيم الأعمال نقص يستدركه المصلحون والمتكفلون بسياسة ~~الاجتماع. # وبإزاء هذه الحقيقة الظاهرة حقيقة أخرى لا تقل عنها ظهورا وجدارة بطول العناية والتدبر، ~~وهي أن الأمان، كل الأمان خطر على الهمم والأذهان، فإن كثيرا من الجهد النافع مبعثه طلب ~~الأمان في المستقبل وشعور النفس بالحاجة إليه في أخريات الحياة، فإذا اطمأن إليه كل حي من ~~بداية حياته فترت حركته، وغلب عليه حب الاستقرار ومني العالم بخطر من جراء ذلك هو أخطر عليه ~~من الإجحاف في تقسيم بعض الأعمال، وتوزيع بعض الأرزاق. # وهناك حقيقة لا مراء فيها، وهي أن المغامرين المقتحمين ينالون أحيانا فوق ما يستحقون من ~~جزاء، ويأخذون أحيانا بعض ما يستحقه المحرومون الذين لا وزر عليهم في هذا ms084 الحرمان. # أما الحقيقة التي بإزائها فهي أن المغامرين المقتحمين ينكبون أحيانا في الأرواح فضلا عن ~~نكبتهم في الأرزاق والأموال، وأنهم لا ينطلقون مع طبائعهم القوية في عالم تشتد قيوده ~~وتتساوى نتائجه ولا تتسع فيه الهوة بين الأمل العظيم في نجاح كبير، وبين الإقدام العظيم على ~~خيبة قاصمة للظهور، وأن خسارة العنصر المغامر في أحداث الدنيا وتواريخها؛ لتضارع خسارة ~~العنصر المسالم الوديع. # وهناك حقيقة من هذه الحقائق فحواها أن الغنى ليس بجريمة، وأن الفقر ليس بفضيلة، فلن يقول ~~أحد به مسكة عقل: إن الأغنياء يستحقون الفقر لأنهم أغنياء، وإن الفقراء يستحقون الغنى لأنهم ~~فقراء، وإن جاز أن يقال: إن الإفراط في الغنى والإفراط في الفقر ظلمان محققان. # أما الحقيقة التي بإزائها فهي أن الأمر لا يرجع هنا إلى العدل والاستحقاق، ولكنه يرجع إلى ~~صلاح المجتمع، ولو نال فيه فريق فوق ما يكافئ عمله وجدواه، فكل عضو شاك يكلف الجسم بعض ~~الأحيان فوق حقه، وفوق نصيبه من العمل الجدوي؛ وبغير هذا العلاج لا تستقيم صحة ~~الأجسام. # وصحيح أن العالم مدين للعصاميين، وأن العصاميين لم يولدوا في الذروة العليا من طبقات ~~الأمة، ولكن ليس بصحيح أن طبقة الحضيض هي صاحبة الحصة الكبرى في إنجاب العصاميين، وإنما ~~الصحيح أنهم ينشئون وسطا بين الطبقة التي نهكتها رذائل الترف والغرور، والطبقة التي نهكتها ~~رذائل الهوان والمسكنة. ومعظم المصلحين الذين نفعوا الفقراء لم يكونوا من ضحايا الفقر ~~المدقع والمنبت المنحدر البالغ في الانحدار، مما يؤيد رأي القائلين: إن الفقر المدقع الذي ~~يلازم أصحابه عقبا بعد عقب إنما هو قصور في الذهن والخلق، يحلهم حيث يحل القاصرون ~~المتخلفون، أيا كان المجتمع الذي يعيشون فيه. # وبعد هذه الحقائق جميعها تبقى لنا حقيقة لا يطول فيها جدل المنصفين، وهي أن الفقر آفة يجب ~~أن تزول إذا استطعنا أن نزيلها، ويجب ألا يمنعنا عن إزالتها إلا مانع واحد لا نحفل بغيره: ~~وهو عدم الاستطاعة، ولو كان الفقراء مستحقين لما هم فيه، فلن يبحث منصف عن المريض، هل جلب ~~المرض لنفسه بيديه، ms085 أو سيق إلى المرض مكرها عليه، إذا كانت المسألة مسألة طب وشفاء ~~مستطاع. # الفصل الحادي والعشرون # | الرحمة قوة # أصحيح ما يقال: إن الرحمة من أخلاق الضعفاء، وإنها أبعد الصفات عن الأقوياء، وإن الإنسان ~~كلما ازداد قوة ازداد قسوة؟ فهل تتفضل يا سيدي بالإجابة على سؤالي هذا؟ ~~••• # وجوابي على سؤال الأستاذ الفاضل أن الرحمة قوة وليست بضعف؛ لأن الرحيم يعطي من فيض نفسه ~~من يحتاجون إلى رحمة، ولا تملك النفس فيضا تعطيه إلا وهي ممتلئة تستغني عن جزء من ذخيرتها ~~لإسعاف غيرها، وليس هذا من شيمة الضعفاء. # والرحمة كلاءة ورعاية، ومن يكلأ غيره ويرعاه فليس هو بالضعيف. # وينبغي أن نرجع إلى الطبيعة؛ لنعلم ما هو طبيعي. # ينبغي أن نرجع إلى الطبيعة لنعلم الخلق الأصيل، والخلق الذي هو عاهة طارئة أو نقص ~~كمين. # والطبيعة تقول لنا: إن الرحمة ركن من أركانها في أداء غرض من أهم أغراضها، بل هو أهم ~~أغراضها على الإطلاق، وهو حفظ النوع وتجديده، وتعهد الأبناء الصغار إلى يوم استغنائهم عن ~~معونة الأولياء الكبار. # فكل والد رحيم بغير اختياره: رحيم باختيار الخالق الذي خلقه وسخره لحفظ نوعه. # وكيف يقال: إن الطبيعة تعتمد على الضعف في طلب البقاء؟ أو تعتمد على الضعف في غريزة أصيلة ~~يوشك أن يتلاقى فيها الإنسان وسائر الأحياء، ممن صعد ولو قليلا على سلم الارتقاء؟ # لو قلنا: إن القسوة عجز وليست بقوة لما أخطأنا الدليل على ذلك من طبائع الأحياء التي عهدت ~~فيها الضراوة، وخلت طبائعها من الرحمة وما يماثلها. # فإن الوحوش المشهورة بالقسوة لا تعرف وسيلة غير البطش والضراوة لتحصيل العيش ومكافحة ~~الأعداء، وكل بطش فهو إلى القوة الآلية أقرب منه إلى الخصال النفسية والملكات العقلية، ~~فالفرق يسير بين صدمة الحجر وضربة الوحش من هياجه، فهي - أي القسوة - أدنى الوسائل التي لا ~~وسيلة دونها، ثم تترقى وسائل الأحياء درجة بعد درجة حتى يكون استغناؤها عن القسوة بمقدار ~~ارتقائها في تلك الدرجات. # ومن ثم يصح أن يقال: إن القسوة عجز وفقدان وسيلة، وإنها من البدائيات التي ms086 يوشك أن تلحق ~~بالآلة والجماد. # فالإنسان يقسو لأنه عاجز عن الرحمة، ولا يناقض قولنا هذا قول المتنبي: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # فإن بيت المتنبي معناه أن الظلم أيسر الوسائل وأقربها: أيسرها لمن لا يتيسر له ما هو أصعب ~~منها، وهذا هو بعينه ما نذهب إليه حين نقول: إن القادر على الصعب لا يهبط إلى ما دونه، وإن ~~القادر على الرحمة مستغن عن التقتيل والتخويف. # إن الماء لا يحتاج إلى تدبير وإتقان لينحدر من الأعلى إلى الأسفل. # ذلك هو أيسر الطرق أمامه وأقربها إليه؛ ولكنه محتاج إلى التدبير والإتقان ليصعد من الأسفل ~~إلى الأعلى. # فالظلم كانحدار الماء، قريب؛ والرحمة كارتفاع الماء، صعب، ولكنه أدل على الاقتدار. ~~••• # ومن آيات الطبيعة التي نستفيدها منها في هذا المعنى أن الرحمة تزداد في الأحياء، كلما ~~ازداد الشبه بينها وبين الإنسان في الغريزة الاجتماعية. # فالرحمة معروفة بين الحيوانات الاجتماعية في العلاقة بين والدها ومولودها، وفي العلاقات ~~بين الفرد منها وسائر أفرادها، وفي العلاقات بينها وبين الآدميين. # ومؤدى هذا أن الرحمة وغريزة الاجتماع متلازمتان، فكيف تكون مرضا وهي أصل من أصول الأخلاق ~~الاجتماعية؟ وكيف يتركب في البنية ما هو مرض، أو انحراف مناقض لأساس التكوين؟ # على أننا خلقاء أن نميز بين الرحمة وبين الاضطراب الجسدي، الذي يعجز صاحبه عن احتمال ~~المؤلمات والمشقات، فيخور ويبكي حين يرى ما يؤلم أو يتعرض لما يشق عليه، وليس من الضروري مع ~~هذا أن يرحم المتألم أو يعينه أو ينفعه بعطفه، وإنما هو عجز عن احتمال الآلام المشهورة ~~كالعجز عن احتمال الآلام المشهودة، كالعجز عن احتمال الهواء والاضطلاع بالمتاعب، وبين ~~الرحمة وهذا النقص بون بعيد. # إن المرأة الهستيرية التي يغشى عليها حين ترى جريحا يتألم، ليست بأرحم لذلك الجريح من ~~الطبيب الذي يفتح جراحه ويزيده ألما على ألمه. # فالذين يزعمون أن الرحمة ضعف أو مرض، إنما يلتبس عليهم الأمر بين هذه الحالة الهستيرية ~~التي هي ضعف، وبين الرحمة التي هي قوة؛ لأنها حماية لضعف الآخرين. ms087 # وإن الرجل الذي يبطش بالضعفاء لأقوى من الضعفاء، ولكن أقوى منه وأرجل منه، وأرفع منه ذلك ~~الرجل الذي يغلب الأقوياء؛ لينقذ الضعفاء من أيديهم، ويريهم قوة أكبر من قوتهم؛ لأنها لا ~~تكتفي بالقسوة على الضعيف، ولا تحجم عن زجر القوي، وزجره أحوج إلى القوة وأدل على ~~الاستغناء. # وإنما رجل الدنيا وواحدها # من لا يعول في الدنيا على رجل # نعم، وأرجل منه من يعول كل الرجال عليه، ومن يبسط جناحيه على كل من حواليه. ~~••• # وآية أخرى من آيات الطبيعة في هذا المعنى أنك لا تجد مزدريا بالرحمة إلا وهو محتاج إلى ~~رحمة الرحماء. ~~«فردريك نيتشه»: رسول القسوة وأكبر الناعين على الرحمة في العصور الحديثة، قد عاش سنوات ~~ولا سند له في الحياة غير رحمة امرأة عجوز، وهي أمه. # وروي عن الوزير ابن الزيات أنه كان يقول: «إن الرحمة خور في الطبيعة.» # فلما نكب وعذب بالتنور الذي كان يعذب به الناس، إذ به يرثي لنفسه ويستدعي الرثاء لها ، ~~ويجري في ضعفه أمثولة لمن يسترحمون الأقوياء والضعفاء، و«لم يزل - كما جاء في الطبري - ~~أياما في حبسه مطلقا، ثم أمر بتقييده فقيد وامتنع عن الطعام، وكان لا يذوق شيئا، وكان ~~شديد الجزع في حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكير ... وكان قبل موته بيومين أو ثلاثة ~~يقول: يا محمد يا ابن عبد الملك! لم تقنعك النعمة الفره، والدار النظيفة، والكسوة ~~الفاخرة، وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة! ذق ما عملت بنفسك ...» # ومن شوهد عليهم من القساة أنهم كانوا أصلب من ذلك عودا وأخشن مسا، وأقرب إلى التمرد ~~والعتو والأنفة من الشكوى، فكثيرا ما يكون تمردهم ضربا من التخبط، أو عرضا من أعراض ~~التشنج، أو ثورة عصبية، هي مرض لا شك فيه كمرض الخنوع والولع بالشكاية، وإن اختلف مظهرها ~~كاختلاف النقيضين. # فالذي نراه من المشاهدات الطبيعية أن القسوة هي العجز والمرض والنقصان، وأن الرحمة هي ~~القدرة والفضل والزيادة. # فالرحيم عنده ما يكفيه ويزيد على كفايته حتى يكفي غيره، ويتناوله بالعناية ~~والحماية! # والقاسي عنده من القوة ms088 ما يغلب به الضعيف، فهو في الدرجة التالية من الضعف ليس دونه في ~~مراتب القوة إلا فاقد القوة والعاجز عن كبحها. # وهذا بلا ريب غير قسوة الرحمة التي يقول فيها حكيم الشعر العربي: # وقسا ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # فالرحيم الذي يقسو هنا لينفع بقسوته من لا تنفعهم رحمته، إنما هو أرحم وأقدر على الرحمة؛ ~~لأن رحمته لا تغلبه ولا تقوده غير واع ولا متدبر، حتى يصنع باسم الرحمة ما هو نقيضها، أو ~~ما هو قسوة معيبة فيما تنتهي إليه من الإيذاء. # وكفى بالرحمة أنها فتح إنساني في عالم الحياة، ترقى إليها الإنسان وحده بين المخلوقات ~~الحية، وشابهته فيها بمقدار ما صعدت بهم الطبيعة في مرتقاه. # الفصل الثاني والعشرون # | السعادة # «أرسل إلي أحد الأدباء مقالا عن السعادة، وسألني أن أروي ظمأه وأرشده إلى الحق إن كان ~~قد حاد عن سبيله.» ~~••• # وخلاصة مقال الأديب أن السعادة وهم ليس له وجود، وأن بعض الأشقياء مطبوعون على الشقاء، ~~فهم به سعداء، وأن كل ما يقال عن السعادة إعادة لما قيل. # ويسألني الأديب بعد ذلك ماذا أقول؟ # فلا أدري هل سأعيد قديما بما أنا قائل في هذه الصحيفة، أو أنني مسوغ هذه الإعادة ~~بتصوير طريف! # ولكني لا أحسب الكاتب مطالبا باختراع الآراء التي لم يسبق إليها، ولا أرى عليه من غضاضة ~~أن يبدي رأيا تقدم أصحاب الآراء بإبداء مثله، وإنما الشرط أن يصدر عن تجربة، وأن يروى عن ~~خبرة، وأن يكون لكلامه لون من نفسه وحسه وتفكيره، ولا عليه بعد ذلك أن يتشابه ما يقول وما ~~كان قد قيل. # والسعادة في رأيي لا استحالة فيها إلا كالاستحالة في كل مطلب من مطالب هذه الدنيا. # فأنت إذا أردت كسوة جميلة في نسجها ولونها، وتفصيلها وثمنها ومتانتها، فأنت واجدها حيث ~~توجد الكثيرات من أمثالها. # أما إذا أردت كسوة هي المثل الأعلى الذي لا يعلى عليه، ولا يجارى في جمال النسج وجمال ~~اللون وجمال التفصيل، وسهولة الثمن وطول البقاء، فقد أردت المستحيل؛ لأنك ms089 أردت المثل الأعلى ~~الذي ليس له مثيل، وهو بطبيعته فوق ما ينال. # والسعادة إن أردتها سعادة لحظات أو سعادة لذات معهودات، فأنت واجدها لا محالة في وقت من ~~الأوقات. # أما إن أردتها سعادة العمر أو سعادة في كل شيء لا نظير له، ولا انقطاع لها، فتلك هي ~~الاستحالة التي لا تنفرد بها السعادة، ولا فرق بين تعذرها وتعذر كل مطلوب على تلك ~~الشريطة. # فليست السعادة بوهم، وليست الكسوة بوهم، وليست اللقمة السائغة بوهم، ولكن اللقمة السائغة ~~من رخصها وخجل بعض الناس من المقابلة بينها وبين السعادة تساوي السعادة الكبرى في استحالتها ~~إذا أنت خرجت بها من عالم المعهود، وارتفعت بها إلى عالم الأحلام المأمول. # لأن الاستحالة من طبيعة الأحلام، وما من حلم يتحقق إلا بطلت تسميته بالحلم، وانتقل إلى ~~المحسوسات والمدركات. # فالسعادة طبقات وأصناف: والصنف الرخيص منها موجود وموفور ومبذول، والطبقة القريبة منها ~~على متناول الباع الطويل والباع القصير. # فإذا قيل: إن أصنافا منها لا تبذل ولا تتوافر، فكذلك الصنف الغالي من كل شيء، حتى العدس ~~والقطن والورق والتفاح. # وإذا قيل: إن الطبقات العالية منها لا تنال أو لا تنال في كل حين، ولا ينالها كل إنسان، ~~فكذلك كل طبقة رفيعة من كل سلعة وكل ثمرة وكل موجود. # هناك لحظات سعيدة في الحياة، فهناك إذن سعادة لا مراء. # ولكن ليس في الدنيا أناس سعداء؛ لأن السعادة الملازمة للإنسان في كل حالة وكل مطلب هي ~~المثل الأعلى، وهي الحلم، وهي الغاية التي لا تدرك، والبغية التي لا تنال. # وما هي السعادة بعد هذا؟ # هل هي من عالم السكينة أو من عالم الحركة؟ وهل السعيد من لا يتحرك، أو السعيد من لا ~~يسكن؟ # هي هذا وذاك ...! # فللسكينة سعادتها وللحركة سعادتها، ولكنهما لا تتشابهان: # سعادة السكينة رضا وارتياح خاليان من الشوق والطموح، وسعادة الحركة تقدم ونجاح خاليان من ~~القناعة والاكتفاء. # ومن يبغ هذه لا يبغ تلك، ومن طلبهما فليطلبهما متفرقين في زمنين مختلفين؛ لأنهما لا ~~تجتمعان. # وما لنا لا نقول: إن المثل الأدنى ms090 في التعاسة نادر كالمثل الأعلى في السعادة. # فأشقى الأشقياء وأسعد السعداء في الدنيا اثنان متكافئان متعادلان، ولعلهما لا ~~يوجدان! # ولو خرج أحد من الرحالين ليجوب أقطار الأرض باحثا عن أشقى شقي، للزمه من الوقت والعناء ~~قريب مما يلزمه في بحثه عن أسعد السعداء. # فلا يقل حانق على السعادة: إنها مستحيلة في هذه الدنيا؛ لأن استحالتها من جنس كل استحالة؛ ~~ولأن يسرها من جنس كل يسر؛ ولأن الفرق بين المثل الأعلى والمثل السائر فيها كالفرق بينهما ~~في أكلة أو لبسة أو رشفة، أو ما شئت من متع الحياة. # وهي ليست - بعد - شيئا واحدا كتلك الجوهرة المكنونة التي يحكون عنها في الأساطير، ~~ويتخيلونها في كل يد تعثر بها على استواء، لا فارق بين يد العبد ويد السيد، ولا بين يد ~~الجاهل ويد الخبير. # وإنما السعادة سعادات: سعادة هذا شقاوة ذاك، وسعادة إنسان في حين من الأحيان شقاوة له في ~~غير ذلك الحين. # أتسألني عن السعادة المطلقة بالقياس إلى كل إنسان وإلى كل حين؟ # تلك ليس لها وجود؛ وكذلك كل شيء مطلق من القيود والملابسات في عالم القصور ~~والفناء. ~~••• # ولنعلم أن اختلاف الناس في أمر السعادة إنما هو اختلاف شعور قبل أن يكون اختلافا في ~~الرأي والنظر. # فهم يشعرون بالسعادة على اختلاف، وإن فكروا فيها على اتفاق؛ وهم يختلفون في شعورهم بين ~~عمر وعمر، وبين حالة وحالة، كاختلافهم في كل ما يحبون وكل ما يكرهون. # وأرجع إلى نفسي، فأراني قد شعرت بالسعادة على وجوه قلما تتماثل في بضع سنوات: # في الشباب كنت أقول لها: # لا تطمعي اليوم مني # بالسعي خلف خيالك # فقد سألتك حتى # مللت طول سؤالك # وقد جهلتك لما # سحرتني بجمالك # فلا تمري ببالي # ولا أمر ببالك # أشقى الأنام أسير # معلق بحبالك # تلك دالة الشباب ... يحسب أن السعادة خليقة أن تسعى إليه، وأنه إذا أومأ إليها بيده فلم ~~تبادر إلى لقائه، فقد أسرفت عليه في الدلال، واستوجبت منه الإعراض والملال. # وبعد حين كنت أحسب السعادة في النسيان فأقول: # لذة النفس في السلافة ms091 والشعر # وفي الحب والكرى والغناء # خير ما في الحياة يا قلب ما أن # ساك ذكر الحياة والأحياء # وتلك هي مرحلة التجربة الأولى في انتظار التجربة الثانية، فأما التجربة الأولى فهي تجربة ~~الفتور الذي يعقب الإلحاح الباكر: إلحاح الشباب في الآمال. # وأما التجربة الثانية، فهي التي تعقب ذلك الفتور أو تلك الراحة، من نشاط ووثوب. # ثم جاءت فترة أخرى فحسبت السعادة في الخطر: # عش آمن السرب كما تشتهي # ما نحن ممن يغبط الآمنين # إن حياة الأمن في شرعنا # مشنوءة مثل حياة السجين # كلاهما يخفره حارس # مسدد النظرة في كل حين # أيتها الأخطار علمتنا # بأننا الأحرار لو تعلمين # وهذه هي الفترة التي كنت أرى فيها الراحة حظا للوضيع، والتعب قسمة مفروضة على ~~العظيم. # إن الشقي الذي لا صنو يشبهه # وللأصاغر أشباه وأمثال # ثم تكاملت عواطف النفس فتاقت إلى نصيبها من المجاوبة الناضجة والمقابلة المستوفاة، وأيقنت ~~أن السعادة مشهود لا يرى بعينين اثنتين، بل بأربع أعين، وعاطفة لا يحسها قلب واحد بل قلبان ~~متفقان، فمن رامها بعينين وقلب فكأنما يرومها شطرا مسلوخا من جسم ميت؛ لأن الأجسام الحية ~~لا تعيش شطرين. # إن السعادة لن ترا # ها في الحياة بمقلتين # خلقت لأربع أعين # تخلو بها ولمهجتين # لك مقلتان ومهجة # أترى السعادة شطرتين؟ # والتقيت بالزهاوي - رحمه الله - وأنا أومن بأن السعادة حقيقة وليست بأكذوبة، فلما قال ~~الأستاذ الزهاوي: لا سرور في الحياة ولا لذة، وإنما اللذة عدم الألم، قلت: هذا كقولنا: إن ~~الحياة عدم الموت، والأولى أن تعكس القضية فيقال: إن الموت عدم الحياة. # قال: ولم تقرن اللذة بالحياة وتجعل لهذه حكم تلك في القياس؟ # قلت: إن الحياة قوة إيجابية لا قوة سلبية، وكذلك الشعور بما يوافقها هو قوة إيجابية من ~~نوعها، وليس امتناع قوة أو عدمها؟ # والآن؟ # تسألني ما قولك الآن؟! # قولي الآن: إنني أعرف السعادة من وجهها ومن قفاها وفي صدقها وفي ريائها؛ ولكنني أقاربها ~~وأنا مشفق من عواقبها؛ إذ أنا على يقين من كشف الحساب الذي يعقب كل نشوة من نشواتها، وكشف ms092 ~~الحساب هذا عملة مسكوكة من المحظورات والمخاوف والشكوك، وهي العملة التي تشترى بها السعادة ~~على اختلاف أصنافها وطبقاتها، فعلى قدر السعادة يكون الثمن، وعلى قدر النشوة يكون الحذر ~~والألم والتنغيص! # ولا أكتفي مع هذا بأن أقول: إن الخوف لازم لأداء ثمن السعادة، بل أزيد عليه أن الخوف لازم ~~لمعرفتها، ولو بذلت لك بذل السماح، وإن الخوف حافز إليها يغريك بنشدانها، فمن لم يخف لم ~~يسعد، وليس بالعالم الذي لا خوف فيه حاجة إلى السعادة! # الفصل الثالث والعشرون # | الطموح والتمني # أرسل إلي أديب يسألني وجهة نظره في رأيه هذا: ~~... ولست أدري لماذا تصرون على أن تكون هناك علاقة بين الأدب وقيادة الجيوش، أو ~~بينه وبين انجذاب أهل الطريق، ففي رأيي أن لا علاقة هناك إلا علاقة الطموح، والرغبة ~~في نعم الشهرة المنعقدة فوق جبين الكثيرين ... فطموحكم من مطالع صباكم هو الذي حبب ~~إليكم أن تكون شيخا يحيط بكم ما كان يحيط بمشايخ حيكم من احترام وتبجيل في بيئة ~~كالتي نشأتم بها، والتي يبدو لي أنها كانت شديدة التقوى كثيرة الاحتفاء بالدين ~~ورجاله، ثم تحولت الأنظار إلى الجيش المصري والإنجليزي الهابطين من السودان، وكثر ~~الحديث عنهما وعن قوادهما في بلدكم، فتحولت «بوصلة» الطموح عندكم إلى هذا القطب ~~الجديد. هذا رأيي الذي أظنه الصواب، وقد جربت مثل ذلك بنفسي، وتمنيت وأنا في ~~المدرسة الابتدائية أن أكون لاعب كرة يحيط بي من تصفيق الطلبة وإعجابهم ما يحيط ~~بمشاهير اللاعبين، ثم تمنيت من أول دراستي الثانوية أن أكون محاميا، وأنتم تعلمون ~~شدة اهتمام الجمهور بقضايا عهد صدقي باشا السياسية. # ورأيي أن الطموح تفسير وليس بتفسير. # فالناس يشتهرون بألوف الأشياء، ويظهرون بين أقوامهم بكثير من المزايا التي تكفل لأصحابها ~~الوجاهة، وارتفاع الصوت والصيت: بالمال والمنصب والهيبة الدينية أو الدنيوية، وبالعلم على ~~اختلاف أبوابه وتعدد مناحيه، وبالنبوغ في الألعاب والفنون التي يدركها الجمهور بداهة، أو ~~يدركها محاكاة لمن هم أرفع منه في المنزلة والمعرفة، وكلهم طامح، وكلهم محقق لما تمناه من ~~الطموح. # فليس بتفسير أن يقال: إن ms093 هذا الشاعر العظيم بلغ مكانه من الشهرة الشعرية؛ لأنه طامح، وأن ~~هذا المهندس العظيم بلغ مكانه من الشهرة العلمية؛ لأنه طامح، وأن هذا الغني العظيم بلغ ~~مكانه من الثراء واليسار لأنه طامح، وأن كل عظيم طمح فاشتهر لأنه تعلق بالطموح. # كلا، ليس هذا بتفسير فيما أرى. # وليس هذا بالحقيقة فيما أعلم من شأن نفسي، وفيما أعلم من شأن البواعث التي حفزتني إلى ~~معالجة «الدروشة» والكرامات الدينية، وحفزتني إلى قيادة الجيوش والغلبة في القتال، وحفزتني ~~حيث استقر بي المطاف إلى المضي في طريق الأدب والكتابة دون كل طريق. # فلو كانت المسألة طموحا وتطلعا إلى الحفاوة لكان الأولى بي أن أطمح إلى جمع المال ~~والتوسع في التجارة؛ لأنها قبلة الأنظار في بلد له في التجارة تاريخ عريق، حتى قيل: إن اسم ~~الإقليم مستمد من اسم السوق. # بل لو كانت المسألة طموحا إلى الحفاوة التي يلقاها رجال الدين لكان الأولى بي أن أطمح ~~إلى مكانة القضاة، الذين يخرجون بين الحراس والحجاب، ويتقدمون على رجال الحكم ورجال الجيش ~~حيثما اجتمعوا معا في مكان حافل أو مأدبة حكومية، أو لكان الأولى بي أن أطمح إلى منزلة ~~كمنزلة أستاذنا الفقيه الأديب الأستاذ أحمد الجداوي - رحمه الله - وكانت له حلقة دينية ~~أدبية يتردد عليها أعاظم القوم، ويجلسون بين يديه جلسة الخشوع والتوقير، وكانت له إلى جانب ~~ذلك مساجلات أدبية يحج إليها المعلمون والمتعلمون، ويتندر بفكاهاتها وطرائفها من يدرسون ومن ~~لا يدرسون. # أما حياة «الأسرار» الدينية فلم تكن محل ظهور ولا وجاهة بين الناس، ولم يكن أحد ممن يقتدى ~~بهم في هذا المجال على مظهر يشوق الطفل الناشئ أن يحكيه، أو يعيش على غراره: مظهر مسكنة ~~وحرمان وشظف وانقطاع. # وأدل من هذا على خطأ التفسير بالطموح في هذا الصدد أن الظهور وطلب الكرامات والأسرار ~~نقيضان كما تنبئنا أول صفحة من أول كتاب في مناقب الصالحين. # فمن طلب الظهور، فلا سبيل له إلى كرامة، ولا نفاذ له إلى سر مكنون من أسرار القداسة ~~والولاية. # إنما تنال الكرامات والأسرار بالإعراض ms094 عن المظاهر والزهد في الحفاوة، وأن ننذر نفوسنا ~~للفاقة والشظف والحرمان، ونجنبها غواية الزهو والترف والإعلان، وهذه هي الأمنية التي ~~تمنيتها؛ لأنني تمنيت البحث عن الحقيقة والهيمنة من طريق معرفة الحقائق على ما حولي من ~~قوانين الكون وعناصر الطبيعة. # فالطموح - كما قدمنا - ليس بتفسير لطلب العظمة كائنا ما كان مجالها والغرض منها، فبعد ~~الطموح يبقى لنا سؤال آخر عن علة طلب العظمة من هذا الطريق، وعن التوفيق بين نوع العظمة ~~المطلوبة ونوع المزاج النفسي الذي يطلبها ويؤثرها على غيرها. # والطموح بعد ذلك ليس بالتفسير الصحيح في الحالة الخاصة التي ذكرتها عن أمنيتي؛ لأنني لم ~~أطلب الظهور، بل ضحيت به في سبيل الحقيقة التي أصل منها إلى هيمنة لا ظهور فيها؛ ولا يزال ~~الظهور الشائع مفسدة لها وداعية إلى حبوطها. # وما لنا ولهذا، والأديب صاحب الخطاب يذكر حالة تنفي تعليل كل شيء بالطموح فيما ذهبنا ~~إليه؟ # قال في خطابه: «تمنيت وأنا في المدرسة الابتدائية أن أكون لاعب كرة يحيط بي من تصفيق ~~الطلبة وإعجابهم ما يحيط بمشاهير اللاعبين ...» # فليعلم الأديب صاحب الخطاب أن التصفيق لم يحط بلاعب كرة كما كان يحيط بلاعبيها الأسوانيين ~~في ذلك الحين، فقد كانت العناية بالرياضة البدنية يومئذ في إبانها، وكان للجيش الإنجليزي ~~بأسوان فرق مدربة تسترعي أنظار المدينة بأسرها، ويتمنى كل طالب أن تتغلب فرقته المدرسية ~~عليها، وكانت فرقة أسوان تسافر إلى إدفو وقنا وسوهاج وأسيوط لتلاعب هناك فرقة بعد فرقة، ~~وتعود من تلك البلاد غالبة أو مغلوبة، يتطلع الزملاء إلى أخبارها كما يتطلع قراء الصحف إلى ~~أنباء المعارك الحاسمة، ومع هذا كله فشلت مساعي المدرسين في إغرائي بالانتظام في فرقة ~~الكرة، أو الفرق الرياضية على اختلافها لنفوري منها، وظللت أتجنبها وأفضل الحبس على حضور ~~حصة الرياضة البدنية في أوقاتها المفروضة علينا، ولم يستهوني الطموح ولا الشهرة، ولا ~~التصفيق إلى هذا الجانب المغري لكل طالب، ولم أكن أفهم دهشة زملائي لرفض دخول الفرقة وهم ~~يتحرقون شوقا إلى دخولها، ويتمنون لو وهبوا تلك الصفات الجسدية التي جعلت ms095 المدرسين حريصين ~~على ترشيحي لفرقة الكرة وكل فرقة رياضية. # فليست المسألة يا صاحبي مسألة طموح وظهور، ولكنها مسألة شوق باطني، وجد مصرفه في هذه ~~الناحية أو تلك، حتى استقر من الناحية الأدبية إلى قرار. # ومن الواجب أن نربط بين النزعة الدينية والقيادة العسكرية والملكة الأدبية إذا أردنا أن ~~ننفذ إلى خاصة من خواص النفس البشرية، التي تؤلف بين النقائض حتى تنتظم في نسق واحد، وهي ~~كما تبدو على وجه الأمور غير قابلة للتناسق والائتلاف. # وربط هذه الشعب المتفرقات واجب ههنا؛ لأن العلاقة بينها صحيحة متغلغلة ملموسة؛ فلا بد من ~~سبب اتصال بينها، ولا بد من النفاذ إليه، وليس النفاذ إليه بعسير. # فالنزعة الدينية - نزعة الأسرار والهيمنة على العناصر الطبيعية - تلاقي البحث الأدبي من ~~طرفين: أحدهما الاستطلاع والاستكناه، وهو أصيل في طلب الأسرار الدينية، وأصيل في طلب ~~الأسرار الفكرية على الإجمال. # أما الطرف الآخر فهو طرف إثبات النفس، وهو في جانب التدين سيطرة على أسرار الكون ، وفي ~~جانب الأدب تعبير عن النفس، وتوجيه للأفكار وامتلاك لناصية الحقائق، وكلا الطرفين قريب من ~~قريب. # ولا صعوبة في التوفيق بين التدين والقيادة العسكرية، وإن ظهرا لأول وهلة كالنقيضين ~~المتدابرين. # إن النضال لعميق في روح الدين، لم تخل منه الأديان الأولى، ولا أديان الكتب المنزلة التي ~~يدين بها معظم الأمم اليوم. # فإله الخير وإله الشر، أو إله النور وإله الظلمة، ما برحا متصارعين عند الجاهليين من ~~أقدمين ومحدثين. # وكل دين من أديان الكتب المنزلة يؤمن بالصراع بين الملائكة والشياطين، وبالحرب الدائمة ~~بين جنود الله وجنود إبليس. # وكل ساعة من ساعات الضمير فهي مصارعة ومغالبة، قلما تنتهي بالنصر الحاسم لجانب من ~~الجانبين، وما هي حياة الضمائر إن لم تكن حياة العراك والمقاومة والانتصار؟ وما هي أسرار ~~الكون إن لم تكن أسرار التجاذب، والتدافع بين دواعيه ونواهيه؟ # فالنضال أصيل في روح الدين. # والتقاء التدين وطلب الغلبة وطلب التعبير فترة واحدة أو فترات متعددات في النفس ~~«المتطورة» ليس بالأمر الغريب ولا باللغز العسير التعليل. # وكم أديب مناضل وجندي ms096 يحمل السلاح وهو غير مطبوع على النضال! # وقد تركت أمل القيادة العسكرية منذ الصبا الباكر، ولكني لم أتركه إلا في الظاهر الذي لا ~~يتعدى الملابس والأزياء. # فما هو إلا أن أسلمتني المناوشات الصبيانية إلى نظم الشعر للتحدي والمناجزة، حتى انتقلت ~~إلى عالم التعبير والكتابة، وانتقلت إلى هذا العالم الأدبي لأناضل، وأقضي العمر كله في نضال ~~باطن بيني وبين نفسي ونضال ظاهر بيني وبين الآخرين. # فما الغرابة في التوفيق بين هذه الأماني؟ وما الصعوبة في هذا التوفيق؟ وأيهما سهل وأدنى ~~إلى القبول: تعليل كل أمنية بالطموح وليس هو بالتعليل الشافي ولا بالتعليل الصحيح، أو النظر ~~إلى ما وراء الطموح من بواعث متقاربات تتلاقى عندها الظواهر المتباعدات؟ # الراحة الكبرى تنال على جسر من التعب كما قال أبو تمام، والسهولة الكبرى في تعليل الحقائق ~~تنال بعد خطوات من السهولة العارضة على وجه الأمور، ولكنها بعد اجتياز هذه الخطوات أسهل من ~~كل سهل قريب؛ لأن هذا السهل القريب لا يؤدي إلى شيء، ولا يستريح الواقف لديه. # الفصل الرابع والعشرون # | التلباثي (1) # سألني أحد الأدباء أن أشرح «التلباثي» الذي ورد في كتاب عبقرية عمر. ~~••• # والإشارة إلى التلباثي في كتاب «عبقرية عمر» قد جاءت في سياق الكلام على قصة سارية، حيث ~~روينا أنه «كان - رضي الله عنه - يخطب بالمدينة خطبة الجمعة، فالتفت من الخطبة ونادى: يا ~~سارية بن حصن ... الجبل الجبل! ومن استرعى الذئب ظلم.» ~~«فلم يفهم السامعون مراده، وقضى صلاته فسأله علي رضي الله عنه: ما هذا الذي ناديت به؟ ~~قال: أوسمعته؟ قال: نعم، أنا وكل من في المسجد، فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا ~~إخواننا وركبوا أكتافهم، وأنهم يمرون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوه وظفروا، وإن ~~جاوزوه هلكوا، فخرج مني هذا الكلام.» # وإنه «جاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل ~~صوتا يشبه صوت عمر يقول: يا سارية بن حصن ... الجبل الجبل! فعدلنا إليه ففتح الله ~~علينا.» # ثم عقبنا على القصة قائلين: «إن المهم من ms097 نقل هذه القصة في هذا الصدد أن عمر كان مشهورا ~~بين معاصريه بمكاشفة الأسرار الغيبية؛ إما بالفراسة أو الظن الصادق أو الرؤية أو النظر ~~البعيد.» # وهذه - كما هو ظاهر - حالة من حالات التلباثي، التي يسأل عنها الأديب صاحب الكتاب الذي ~~اقتبسنا منه ما تقدم. # ونحن نترجم التلباثي بالشعور عن بعد، أو «بالنظر البعيد» إذا أردنا تعميم النظر حتى يشمل ~~الرؤية والمكاشفة، أو يشمل ال # Vision # في اصطلاح بعض العلماء ~~النفسانيين. # وهي حالة متكررة يحسها كثيرون ويسجل وقائعها أناس من المتدينين وغير المتدينين. وأشهر ~~القائلين بها في عصرنا كاتب أمريكي ملحد هو أبتون ~~سنكلير # Upton Sinclair # يقيم التجارب التي تثبت النظر على البعد، أو الشعور على البعد، ~~ويسجل فيها سجل تجاربه مع زوجته، حيث كانا يجلسان في مدينتين بعيدتين، ويحيط بكل منهما شهود ~~كثيرون منهم المنكرون ومنهم المصدقون، فيطلب إليه بعضهم أن يرسم شكلا هندسيا، وأن يوجه ~~شعوره إلى امرأته لترسم مثله في تلك اللحظة، ويطوى الرسمان حتى يعلنا بعد ذلك فيتفق في كثير ~~من الأحوال أن يتشابها في الخطوط، وإن اختلفا في الأبعاد كما يختلف المثلث الكبير والمثلث ~~الصغير مع اتفاق الزوايا والنسب الهندسية. # هذه التجارب يقول بها ويسجلها، ويعلنها في الكتب السيارة رجل قلنا: إنه لا يقصد من كلامه ~~تبشيرا بعقيدة أو خدمة لمذهب اجتماعي؛ لأن مذهبه الاجتماعي يقوم على «الفهم المادي» ~~للتاريخ، ولا يحوجه إلى التبشير بهذه الهبات النفسية، بل لعله ينفره منها ويحبب إليه السكوت ~~عنها. # واعتقادنا في «التلباثي» أنه هبة نفسية جائزة لا تناقض العقل، ولا يمنعها العلم ~~بدليل. # لأنها تستند إلى الحس، ولا فرق بينها وبين هبات الحس التي نباشرها كل يوم إلا في طول ~~المسافة، وهو فرق اعتباري غير قاطع بين حالة وحالة، إذ من ذا الذي يستطيع أن يقول: إن الحس ~~ينتهي عند هذه المسافة، ولا يجوز عقلا أن يتعداها ويذهب إلى ما وراءها! # إننا نرى كل يوم في العصر الحاضر أن صوتا يصدر من أمريكا أو اليابان، ويسمع في مصر كما ~~يسمع ms098 فيها حديث الجلساء، ولولا المذياع لعددنا من يزعم هذا الزعم ممخرقا يعبث بعقول ~~سامعيه. # فإذا جاز سماع الصوت على هذه المسافات الشاسعة بجهاز من الأجهزة المصنوعة، فلماذا يمتنع ~~على قوي الذهن أو قوي الشعور أن تحس على هذه المسافة، أو تتصل بنفس أخرى وذهن آخر متى تهيأت ~~لها أسباب اتصال؟ # فالتصديق بالتلباثي لا يدعونا إلى اختراع حس جديد أو ملكة غيبية من وراء الطبيعة، ولكنه ~~يدعونا إلى تصديق هذا الحس الذي نباشره كل يوم في مختلف شئون الحياة، مع السماح له ~~بالامتداد والتكبير، وهما غير ممنوعين ولا مناقضين للمعقول أو المشهود. # والحس نفسه لا يقل في غرابته عن «التلباثي»، كما يقول بها أشد الغلاة المؤمنين بها من ~~النفسانيين. # فأنت تفتح عينيك فترى. # شيء بسيط جدا في حسابنا، بل هو أبسط شيء يخطر على بالنا ... افتح عينيك تر! ... أي شيء أبسط ~~من ذلك وأبعد من الغرابة؟ # نعم هو كذلك؛ لأننا نعالجه ونرى الألوف ممن يعالجونه كل لحظة، ولا يخطر لنا أننا نأتي ~~بشيء غريب. # ولكننا إذا رجعنا إلى أنفسنا فسألناها: ما هي الرؤية؟ وما هو معنى القوة العجيبة التي ~~تحيط بشيء على مسافة منك، وتعرف ما لونه وما شكله وما أثره وما حركاته وسكناته، ولا صلة ~~بينك وبينه إلا الضياء؟ # نسأل أنفسنا في هذا ونفكر مليا في معناه فنستغرب النظر من قريب، كما نستغرب النظر من ~~بعيد، ونعلم أن معجزة الحس حاصلة قبل أن نسمع بالتلباثي والتليفزيون وما إليها من وسائل ~~الإحساس. # وما قربنا المسألة حين نقول: إننا ننقل الأشياء إلى حسنا بالنظر؛ لأن بيننا وبينها ~~الضياء، إذ ما هو الضياء؟ # ولماذا يكون حتما لزاما متى وجد الضياء أن يكون هناك نظر، وأن يكون النظر على نحو ما ~~وعيناه؟ # فالتلباثي غريبة جدا من تنسيه الألفة اليومية غرابة النظر والسمع والذوق وسائر ~~المحسوسات. # والتلباثي جائزة جدا عند من علم أن النظر جائز، ثم سأل نفسه في معنى هذا الجواز. # وأحسب أن الكثيرين من القراء قد جربوا هبة التلباثي كما جربتها، ووقفوا منها ms099 على مبادئ ~~تدل على نهايتها القصوى، إن لم يكتب لهم أن يملكوا هذه الهبة على أقصاها. # فإنني لا أقول بجواز التلباثي معتمدا على العقل والقياس دون التجربة والمشاهدة، ولكنني ~~أقول بذلك لأنني «جربت» بعض الوقائع التي تقربني من تصديق «التلباثي»، وتنفي الغرابة عنه أو ~~تنفي استحالته على أيسر تقدير. # يحدث مرات أن أذكر إنسانا بعد سهو طويل عنه، فإذا هو ماثل أمامي في اللحظة التي ذكرته ~~فيها. # ولو كان هذا الإنسان صاحبا، يعاودني التفكير فيه حينا بعد حين لقلت الغرابة في تذكره ~~ولو بعد السهو الطويل. # ولو كان المكان الذي ذكرته فيه متصلا بإقامته أو بالمقابلات بيني وبينه لقلت الغرابة ~~كذلك في إثارة ذلك المكان لذكراه. # ولكنه لا يكون أحيانا ممن طالت الصحبة بيني وبينه، ولا يكون الموضع الذي أذكرني به ~~موضعا تقابلنا فيه قبل ذلك، أو تحدثنا به يوما من الأيام. وكل ما هنالك أنه إنسان جمعت ~~بيني وبينه المصادفات فترة من الزمن، ثم انطوت عني أخباره سنوات لا أراه ولا يعرض لي ما ~~يدعوني أن أشتاق إلى رؤيته، ثم يمر بخاطري فما هو إلا أن أثبته وأستعيد ذكره حتى أراه في ~~عرض الطريق. # ويحدث مرات أن يتولاني انقباض شديد تتخلله صورة إنسان عزيز يكرثني جدا أن يصاب بمكروه، ~~ويلج بي هذا الانقباض حتى كأنما الذي أخشاه قد وقع أو هو مرقوب الوقوع، فأبادر بالكتابة من ~~طريق البرق أو البريد، ويحدث في هذه الحالة أن يجيئني خطاب قبل وصول سؤالي إلى وجهته يدعو ~~إلى الطمأنينة، أو يرد إلي الجواب بعد قليل وفيه إشارة إلى خطر زال. # وأحسب أن هذه العوارض أشيع من أن تحصى في عداد النوادر والفلتات، فقد سمعت ما يشبهها من ~~بعض الأصدقاء المصدقين، وقد أخبرني بعضهم بقلقه على غائب يعزه وهو لا يعرف سببا واضحا ~~للقلق الذي يساوره حتى فاتح فيه غيره، ثم تبين أنه لم يقلق يومئذ بغير داع معقول. # إلا أن النوادر والفلتات في التلباثي هي العوارض التي تشبه قصة سارية فيما روي عن ms100 عمر بن ~~الخطاب. # فالذين يشعرون على البعد بمثل هذه القوة والوضوح قليلون، ولكن المسألة - بعد - مسألة فرق ~~في القوة والوضوح، وليست بفرق في أساس الشعور يماثل الفرق بين من يبصر ومن لا يبصر، وبين من ~~يسمع ومن ليست له أذن للسمع، وبين من يحس ومن ليست له قابلية للإحساس. # فالشعور على البعد كالشعور على القرب جائزان، ووسيلة الشعور على البعد ليست بأصعب من ~~وسيلة الشعور على القرب بالعيون والآذان، وإن كنا لا نستغرب هذه كما نستغرب تلك لطول الألفة ~~وتكرار المشاهدة بين جميع الأحياء. # وحد التصديق عندي لهذه العوارض هو وجود الأساس الذي تعتمد عليه. # فإذا كان كل ما في الأمر أنه تكبير للحس الذي تعودناه، أو مضاعفة له وتقريب لأبعاده ~~ومسافاته فلا مانع من صدقه، وإذا كان في الدعوى ما يحوجنا إلى فروض لا أساس لها من ~~المشاهدات والمعقولات، فهنالك موضوع للتردد والاشتباه. # وعلى هذا أقبل دعوى التنويم المغناطيسي - مثلا - إذا ادعى النائم أنه يبصر شيئا موجودا ~~على مسافات بعيدة، ولكني لا أقبل منه هذه الدعوى إذا تعدى ذلك بما سيكون بعد عام أو بعد شهر ~~أو بعد يوم، وليس له وجود قائم الآن. # وكذلك أقبل دعوى الشعور البعيد، أو النظر البعيد إذا كان بمثابة السمع المضاعف أو البصر ~~المضاعف؛ لأن امتناع ذلك يحتاج إلى مانع قاطع، ولا سبيل إلى القطع فيه؛ ولأن القول بجوازه ~~لا يتعدى كثيرا أن نقول بجواز رؤية العيون وسماع الآذان. # وينبغي للعقل أن يتمهل في قول «لا» كما يتمهل في قول «نعم» كلما سمع بما يشككه ولا يوافق ~~معهوده، فإن العقل ليكون خرافيا بقول «لا» في غير موضعها كما يكون خرافيا بقول: «نعم» ~~في غير موضعها؛ وإنما هذه خرافة تثبت بالباطل، وتلك خرافة تنفى بالباطل، ولا فرق في الباطل ~~بين نفي وإثبات. # الشعور على البعد جائز ما جازت الصلة بين الإنسان وموضوع شعوره، وقد رأينا أن هذه الصلة ~~لا تنقطع في طريق صوت كالهمس على مسافات الألوف من الفراسخ والأميال، فقبل أن ننفي الصلة ms101 ~~بين نفسين ينبغي أن نتمهل طويلا حتى نوقن من وجه الاستحالة والامتناع؛ ولن يكون هذا اليقين ~~إلا ببرهان قاطع، والقول بهذا البرهان القاطع قبل أن يوجد ويتقرر هو أجرأ على العلم والعقل ~~من التصديق بغير برهان اعتمادا على المروي والمشاع. # الفصل الخامس والعشرون # | التلباثي (2) # كثر الذين حادثوني أو كتبوا إلي بصدد مقالي عن «التلباثي»، الذي نشرته الرسالة في عدد ~~مضى؛ وبدا لي من أحاديثهم ومن رسائلهم أن بعضهم فهم المقال كما أردت أن يفهم؛ وبعضهم تجاوز ~~به إلى الحد الذي أريده، وقد استزادني أناس من الكتابة فيه، وسألني أناس غيرهم أسئلة ~~يقترحون الإجابة عليها، وأحسبني ألبي مقترحاتهم جميعا بما آثرت من الإجابة عن خطاب كتبه ~~إلي صديقنا الأستاذ محمد شاهين حمزة نائب الدر السابق، ولخص فيه ما قرأه تعليلا لأمثال ~~هذه الحوادث - حيث التلباثي - فقال: ~~... ذكر بعض العلماء أن الأجسام تصدر منها أثناء حركتها الآلية إشارات ورسائل تنطلق ~~على أمواج الأثير، كأنها محطات الإصدار في اللاسلكي، وهذه الرسائل التي تشير إلى ~~شخصيات مصدريها، وتحمل بعض أفكارهم تهز مراكز خاصة في أدمغة من لهم سابق معرفة ~~بأصحابها أثناء انطلاقها، فتلتقطها هذه وكأنها محطات الاستقبال تقابل محطات الإصدار ~~الأولى، وكأن لكل إنسان محطتين أو جهازين للإصدار والاستقبال، ولما كانت هذه ~~الرسائل متفاوتة القوى كانت هناك رسائل تصدر ميتة أو ضعيفة فلا تصل إلى أحد، وأخرى ~~تصدر قوية، لكن ضعفا أو خللا في محطة الاستقبال يحول دون تلقيها. # ثم سألني الأستاذ رأيي في هذا وختم خطابه قائلا: # ونقطة أخرى أحسبها تحتاج إلى جلاء علمي هي: كيف بلغ صوت عمر بن الخطاب سارية ~~وصحبه حين ناداهم بقوله: يا سارية بن حصن الجبل الجبل! فاستجابوا له؟ # ومن اللازم فيما أرى أن أبدأ بتقرير الحد الذي يكفينا أن نقف عنده فيما يرجع إلى عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - وملكة التلباثي أو التليفزيون. # فقد أردنا أن نذكر علامات العبقرية عند بعض النفسانيين المحدثين، ومنها «الحساسية» الخاصة ~~التي تلاحظ على بعضهم، فيشتهرون بالغرابة في إيحاء الأفكار واستيحائها، ms102 وقلنا: إن عمر بن ~~الخطاب قد لوحظ عليه من ذلك علامات كثيرة ... كالفراسة وصدق الظن وسرعة التنبه إلى الفوارق ~~الدقيقة بين المذوقات، كما تنبه إلى الفارق بين لبن ناقة ولبن ناقة أخرى، وكلتاهما في مكان ~~واحد ومرعى واحد. # ومما روي عنه حديث سارية الذي أشرنا إليه، وقد لخصناه وقلنا بعد تلخيصه: «لا داعي للجزم ~~بنفي هذه القصة استنادا إلى العقل، أو إلى العلم، أو إلى التجربة الشائعة. # فإن العقل لا يمنعها، والعلماء النفسانيون في عصرنا لا يتفقون على نفيها ونفي ~~أمثالها.» # ثم عقبنا على ذلك قائلين: «إن المهم من نقل هذه القصة في هذا الصدد أن عمر كان مشهورا ~~بين معاصريه بمكاشفة الأسرار الغيبية؛ إما بالفراسة أو الظن الصادق أو الرؤية أو النظر ~~البعيد، وهي الهبات التي يلحقها بالعبقرية علماء العصر الذين درسوا هذه المزية الإنسانية ~~النادرة وراقبوها.» # فسواء صحت قصة سارية أو صح جزء منها، أو لم يصح شيء منها على الإطلاق، فيكفي أن تروى عن ~~عمر بين معاصريه؛ ليثبت لنا أمر محقق لا شك فيه، وهو أن «الحساسية الخاصة» كانت ملحوظة فيه ~~حتى نسب إليه الناس ما نسبوا من رؤيته حيش سارية على البعد وندائه عليه، فهو قبل أن تقع هذه ~~القصة كان من أصحاب «الحساسية الخاصة» التي يلحظها من حوله، وينسبون إليها الحوادث التي ~~تناسبها. # وهذه وحدها علامة كافية من علامات العبقرية، ولا حاجة معها إلى تحقيق ندائه إلى سارية ~~واستماع سارية له كما جاء في القصة المروية أو على نحو يقاربها. # فهو في رأي من حوله رجل يحس الأشياء التي لا يحسونها، ويملك القوى النفسية التي لا ~~يملكونها، وهذا كاف لاتصافه بعلامة بارزة من علامات العبقرية في رأي النفسانيين ~~المحدثين. # وهنا نحن على «بر الأمان» الذي لا مجازفة فيه، ولا يكلفنا كثيرا ولا قليلا في التعرض ~~للتلباثي بالنفي والإثبات. # ولكنا إذا تجاوزنا هذا وتعرضنا لتحقيق التلباثي للحكم بإمكانها أو استحالتها، ففي وسعنا ~~أن ننقل من بر أمان إلى بر أمان مثله لا مجازفة فيه، وهو مطالبة ms103 الذين يجزمون باستحالتها ~~بالدليل على ما يقولون. # لأن الجزم باستحالة شيء بغير دليل كالجزم بوقوعه عيانا بغير دليل، كلاهما خرافة لا ~~يقبلها العقل، وإن جاء أحدهما من ناحية الإثبات. # وإنما الموقف السليم بين الإنكار والقبول أنك تترك الباب مفتوحا لمن يثبت وينفي على ~~السواء، فيجوز أن يأتي غدا من يثبتها ثبوتا قاطعا لا شك فيه؛ ويجوز كذلك أن يأتي غدا من ~~ينفيها نفيا قاطعا لا شك فيه، ولا يجوز - حتى ذلك اليوم - أن نقطع باستحالتها على وجه من ~~الوجوه، وكل ما امتنع القول باستحالته فهو معلق بالممكنات، ولا سيما إذا كثرت بيننا مشبهاته ~~وشاع بيننا على درجات دون درجته القصوى، باتفاق الشعور بين ألوف من الناس. # يسألني الأستاذ شاهين: «كيف بلغ صوت عمر سارية وصحبه فاستجابوا له؟» # فالجواب المأمون هنا أنني لا أعلم ولا أجزم بأن الصوت وصل واستجيب، ولا أجزم كذلك بأنه ~~ممتنع الوصول والاستجابة. # ولكننا إذا قلنا بوصوله واستجابته، فإنما يتصور العقل وقوع ذلك على صورة من صور ثلاث: # الأولى: # أن الصوت الذي سمعه سارية كان صوتا ماديا يبلغ الأسماع، كما يبلغها ~~اليوم صوت المتكلم في المذياع على مسافات بعيدة. # والصورة الثانية: # أن الصوت وصل بالإيحاء النفسي إلى الجيش كله، فاتفقت نفوسهم جميعا في ~~لحظة واحدة على الاتجاه والاستيحاء والسماع. # والصورة الثالثة: # أن الصوت وصل بالإيحاء النفسي إلى سارية وحده، أو إلى سارية ومن شاركه في ~~هموم القيادة، فشعر به فرد واحد أو أفراد قليلون. # وأسهل هذه الصور الثلاثة قبولا في العقل، على ما نعتقد، هي الصورة الثالثة، وهي أن سارية ~~توجه بنفسه إلى نفس عمر في مأزق شديد عليه وعلى عمر معا، فشعر به الخليفة وناداه، وهما في ~~لحظة التقابل بالوحي والاستيحاء. # هذه الصورة أسهل قبولا من الصورتين الأخريين. # لأن الصورة الأولى وهي انتقال الصوت المادي مئات الأميال بغير الوسائل الصناعية التي ~~نستخدمها في عصرنا يكلفنا أن نطبع العناصر المادية بطابع لم تعرف به قط فيما مضى وفيما حضر، ~~ويقتضي أن يكون صوت سارية قد سمع في ms104 الجيش الذي معه وهو يستغيث، وقد سمع في المسجد الذي كان ~~عمر يخطب فيه، وقد سمع الصوتان: صوت الاستغاثة وصوت الاستجابة على طول الطريق، ولم يذكر لنا ~~رواة القصة شيئا من ذلك، ولو ذكروه لتحدث به الألوف من جند سارية ومن المصلين مع عمر ولم ~~يقتصر حديثه على بشير واحد أو نفر قليلين. # أما الصورتان الأخريان فكلتاهما تمثل لنا وصول الصوت، أو وصول الخاطر على الأصح بطريق ~~الإيحاء من نفس عمر إلى نفوس سامعيه، ولكن التقاء نفسين أيسر قبولا من التقاء نفس واحدة من ~~جانب، وألوف النفوس من جانب آخر؛ ولهذا قلنا: إن التقاء الشعورين بين عمر وسارية أسهل الصور ~~الثلاث قبولا، متى قلنا بوقوع الاستغاثة ووقوع الاستجابة. # والأستاذ شاهين قد سأل في خطابه سؤالا يشتمل على بعض الجواب الذي أجبناه حيث قال: «إذا ~~كان الأمر أمر رؤية بعيدة، فهل تقف الرؤية عند الماديات أو تتعداها إلى الأفكار؟ فقد يحدث ~~أن يذكر الإنسان شخصا ويذكر معه أمرا معينا ، ولا يلبث أن يلقى الشخص الذي ذكره فيبادره ~~هذا بحديث عن ذلك الأمر المعين بنفسه، كما حدث لي مرارا، وهذا مما يغري بالميل إلى الفكرة ~~القائلة بحركة الأجسام والإشارات الصادرة منها، والتي يلتقطها جانب ثان.» # فالتمثيل بمحطات الإرسال ومحطات الاستقبال هنا تمثيل مقبول لتقريب التصور وسهولة التشبيه، ~~ولا مانع من اتصال النفوس على البعد، وهي تتصل على القرب اتصالا لا شك فيه، فإذا اتفق أن ~~نفسين توجهتا كلتاهما إلى الأخرى - في وقت واحد - فذلك أحرى بتوافق الشعور وتوافق الخاطر، ~~والجزم بإمكان هذا أصح من الجزم بامتناعه إذا لم يكن بد من أحد الأمرين. # يحدث كثيرا - كثيرا جدا - بين الصديقين المتفاهمين أن يطيلا الجلوس معا صامتين، ثم ~~يعودا إلى الحديث فجأة، فإذا هما يطرقان موضوعا واحدا أو يسألان عن شيء واحد، ولو كان هذا ~~الموضوع على اتصال بما كانا يتكلمان فيه قبل ذلك لقلت الغرابة في اتفاقهما عليه بعد صمت ~~طويل، ولكنه يكون أحيانا بمعزل عن كل موضوع طرقاه ذلك اليوم. # فما تعليل ms105 ذلك؟ # تعليله تقارب الشعور والتفكير، وهما لا يتقاربان هنا بأداة مادية، حتى يقال بالفرق بين ~~حصوله في حجرة واحدة وحصوله على مسافة أميال. # فإنكار هذا الاتصال أصعب من إثباته، والقول بإمكانه قول تعززه احتمالات قوية ومشابهات ~~مألوفة، وروايات متواترة، ولا يقف أمامها من ناحية النفي إلا مجرد الإنكار، أو سوء فهم ~~الواقعيات والماديات. # وقد وصلنا في زماننا بالماديات إلى حدود الروحيات، فانتقلنا بها من هذه الأجسام التي تلمس ~~وتدرك بالحس إلى الذرات، ثم إلى الطاقة، ثم إلى الإشعاع الذي يدركه الفكر ولا تمسكه الحواس، ~~فمن الحيطة أن نقل من الإنكار بعد أن أسرفنا فيه، وقد جاء زمان كان الإنكار فيه حسنا بعد ~~إفراط الناس في الإثبات، فهل ندور الآن دورة من تلك الدورات الفكرية المعهودة، فنسرف في ~~القبول بعد إسرافنا في الإنكار؟ # لا هذا ولا ذاك بالحسن المأمون، وإنما الحسن المأمون أن نأخذ بدليل ونرفض بدليل، وأن نعلم ~~أن العجائب في الدنيا لا تنتهي، فلا نغلق على أنفسنا بابها مختارين. # الفصل السادس والعشرون # | من طرائف المفارقات # من طرائف ما يقال في بلد المفارقات كلمة كتبتها آنسة أديبة في «المصور» الأغر تقول فيها: ~~«... سألني الأستاذ الكبير عباس العقاد عن رأيي في سارة، فأجبته في صراحة أنه قد آن الأوان ~~لتتحدث الأنثى عن الأنثى وتصور شعورها وتترجم عن عواطفها، فإن الرجل لا يعرف المرأة ولا ~~يفهمها؛ ولذلك يصورها في كتابته مخلوقة أخرى غير التي نعرفها في نفوسنا ونحسها فينا ~~...» ~~••• # وطريف كل ما في هذه الكلمة التي تتمثل فيها شتى المفارقات في بلاد النقائض ~~والمفارقات! # فمن طرائفها قول الآنسة الأديبة إنني سألتها رأيها في سارة، وأنا لا أعرف أنها قرأتها وأن ~~لها رأيا فيها. # ولو عرفت أنها قرأتها وأن لها رأيا فيها لما فاتحتها بالسؤال عنها؛ لأن أصدقائي الكتاب ~~والقراء كثيرون يعلمون ما لم تعلمه الآنسة الأديبة، وهو أنني لم أستبح لنفسي يوما أن أفاتح ~~أحدا بالسؤال في موضوع كتاب ألفته أو قصيدة نظمتها؛ لأن المفاتحة بالسؤال في هذا الصدد إما ~~استجداء ثناء، ms106 وهو لا يحسن بالكتاب، وإما إحراج للمسئول إذا اضطره السؤال إلى إبداء رأي لا ~~يروق، ولا يطيب وقعه في أذن السامع، وهو كذلك لا يحسن بالكاتب ولا بكائن من كان. # ومن شاء إبداء رأي فله من وسائل الإبداء ما يغنيه عن هذا الحرج، وما يغني الكاتب عن سوقه ~~إلى الكلام فيما ليس من قصده أن يفتتح الكلام فيه. # والآنسة الأديبة صحفية على اتصال بالصحف اليومية والأسبوعية، فما رأيها في سؤال قراء هذه ~~الصحف عن قارئ فرد أو كاتب فرد شغلته في مجلس من المجالس باستفسار الرأي فيما أكتب أو ما ~~أنظم! # فلماذا أسألها هي إذا كنت لا أسأل أحدا غيرها؟ # أأسألها لأسمع منها الرد الذي لا يحمد من فتاة ولا فتى في خطاب رجل يكتب قبل أن تدرج من ~~مهدها؟ # أأسألها لأسمع منها أن هذا شأني وليس بشأنك، وأن الأمر يعنيني ولا يعنيك أنت، ولا يعني ~~أحدا من الرجال؟ # وإذا نسيت الآنسة أن هذا جواب لا يحمد من فتاة ولا فتى، فما الذي ينسيني أنا أن أرد إليها ~~ذاكرتها في أدب الخطاب؟ ~~••• # طريف هذا وأطرف منه رأيها الذي بنت عليه جوابها، وهو أن المرأة لا يكتب عنها غير المرأة، ~~وأن الرجل لا يكتب عنه غير الرجل، وأن الطفل لا يكتب عنه غير الطفل على هذا القياس. # فإذا كانت عندنا - كما يقول وضاع المسائل الحسابية - رواية مدارها على زوج وزوجة، وولد ~~وبنت، وخادم وخادمة، وحصان في خدمة الأسرة، ودجاجة وديك في فناء الدار؛ فليس في وسع كاتب ~~واحد إذن أن يؤلف هذه الرواية الشائعة بين الروايات، ولكننا بحاجة إلى رجل في سن الزوج، ~~وامرأة في سن الزوجة، وولد في سن الابن، وبنت في سن الابنة، وحصان ودجاجة وديك، للتعبير عن ~~حقائق هذه الأحياء، ويبقى بعد ذلك أن يحتج الخادم والخادمة ... لأن الزوج لا يغني عن الخادم ~~وإن كان رجلا، والزوجة لا تغني عن الخادمة وإن كانت امرأة، ولا يشعر السادة بشعور الخدم ~~ولا الخدم بشعور السادة. # أليس كذلك؟ # بلى كذلك وزيادة! ms107 وإن كنا لا ندري كيف يكون التأليف، وأين يبدأ هذا وأين يتسلم من ذاك ~~سلسلة السطور. ~~••• # الآنسة الأديبة لا تعلم الحقيقة، فيجب أن تعلم الحقيقة كما خلقها الله وأقرها الواقع الذي ~~لا حيلة لنا فيه. # والحقيقة التي خلقها الله وأقرها الواقع الذي لا حيلة فيه أن المرأة لا تفهم من شئونها ~~شيئا إلا كان الرجل أفهم منها لهذا الشيء، ولو كان من خاصة أعمالها وشواغلها. # فالطهي من صناعات المرأة القديمة، ولكن أمهر الطهاة في الدنيا رجال وليسوا بنساء. # والخياطة من صناعات المرأة القديمة، ولكن المرأة لا تخيط ملابسها، ولا تبتكر أزياءها كما ~~يخيطها الرجل ويبتكرها، والتوليد من صناعات النساء، ولكن المرأة نفسها تثق بالطبيب المولد، ~~ولا تثق بالطبيبة المولدة. # والمرأة تبكي منذ خلقت ولا تزال تبكي إلى يوم الدين، وترثي الموتى منذ هلك ميت إلى أن ~~يموت آخر الهالكين، ولكنها كما قلنا مرة لم تخلد بكلمة واحدة إلى جانب الكلمات التي خلد بها ~~الباكون والراثون من الرجال، ولا استثناء في ذلك للخنساء، وهي التي كانت تفاخر النساء ~~بالبكاء! # ونأتي إلى القصة نفسها وهي موضوع التعقيب، أو موضوع الزجر والتأنيب للرجال الفضوليين ~~الذين يدخلون فيما لا يعنيهم من شئون المرأة. # فمن الحقائق التي يجب أن تعلمها الآنسة الأديبة أن الكاتبات الروائيات لم يشتهرن قط بخلق ~~الشخوص النسائية الخالدة في عالم الكتابة، ويصدق هذا على السابقات من طراز ماري كوريلي ~~وشارلوت برونتي، كما يصدق على اللاحقات من طراز ڨيكي بوم وبيرل بك، بل يصدق في هذا المعنى ~~أمر تستغربه الآنسة لو علمت به: وهو أن الرجال في روايات الكاتبات أصدق صورة من النساء؛ لأن ~~المرأة على ما يظهر لا تحسن التعبير عن نفسها كما تحسن مراقبة الرجل والحكاية عنه، وإن لم ~~تقصد التحليل والتصوير. # ولست أنا القائل: إن المرأة لم تفهم نفسها كما فهمتها من تصوير شكسبير لها، وإنه صور ~~خمسا وعشرين صورة نسائية لا تختلط واحدة منها بالأخرى، ولا توجد امرأة واحدة تحصيها في ~~وجوهها وملامحها، ولكن الذي قال ذلك امرأة ms108 فاضلة هي أنا ~~جمسن # Anna Jameson # في كتابها بطلات شكسبير. # ولم توجد بعد المرأة الفذة بين النساء، كما كان شكسبير الرجل الفذ بين الرجال. ~~••• # تلك طرائف آنسة في حديث الذكر والأنثى. # ولهذا الحديث طرائف أخرى في «رجل» كشفه الأستاذ السيد قطب، وقال هو عن نفسه: إنه يفخر ~~بمشابهة المرأة في تكوينها. # هذا الرجل يقول لنا: «وأنا أحب أن يعلم الأستاذ قطب، وأن ينقل إلى الأستاذ الكبير العقاد، ~~أن الحياة البشرية ليست من البساطة بحيث يظنان، وقديما زعم اليونان أن الآلهة عند خلقها ~~للبشر لم تخلق الرجل والمرأة دفعة واحدة، بل خلقت أعضاء مختلفة ثم جمعت بين تلك الأعضاء ~~لتسوي الرجل والمرأة، وهي لسوء الحظ أو حسنه لم تحرص على نقاء الرجل من عنصر المرأة، أو ~~نقاء المرأة من عنصر الرجل، ولهذه الخرافة الرمزية دلالتها، فليست هناك امرأة كاملة ~~الأنوثة، وليس هناك رجل كامل الرجولة ...» إلى آخر ما قال هذا الرجل الذي كشفه السيد قطب - ~~جزاه الله. # ومنتظرون نحن حتى يجشم هذا الرجل نفسه مشقة الرسالة، التي بعث بها إلينا من طريق الأستاذ ~~سيد قطب لينقلها إلينا ...! # منتظرون تلك الرسالة منذ متى يا ترى؟ # منتظروها منذ سبع عشرة سنة يوم كتبنا نقول: «لا بدع أن يكون الأمر كذلك، وأن نجد حب تاجور ~~أقرب إلى عطف الأنوثة ورحمة الأمومة، فإن فاصل الجنس ليس من المناعة والحسم بالمكان الذي ~~يتوهمه أكثر الناس، وليس كل رجل رجلا بحتا ولا كل امرأة امرأة صميمة، وإنما تمتزج الصفات ~~وتتفق المزايا ويكون في الرجل بعض الأنوثة كما يكون في المرأة بعض الرجولة، ولا أرى في تصور ~~ذلك أظرف ولا أدنى إلى الصدق من الأسطورة التي يروونها عن اليونان، ويمثلون بها كيف كانت ~~صنعة الإنسان، وكيف كان هذا الخلط بين خلق الرجال وخلق النساء، فقد زعموا أن الإله الموكل ~~بهذه الصناعة دعي إلى وليمة الأرباب، فقضى ليلة يقصف ويلهو ويعاقر ويتماجن، ثم عاد عند ~~الصباح مخمورا دهشا فألفى عمل النهار بين يديه لا مناص من إنجازه ولا حيلة ms109 في تأجيله، ~~فأقبل على العواطف والجوارح يقذف ما اتفق له منها في الإهاب الذي يعرض له، ويرمي تارة بقلب ~~رجل في أديم امرأة، وتارة أخرى بوجه امرأة على كتفي رجل، وهكذا حتى أتم عمله ...» # إلى أن قلنا: «وكأن «أوتو فيننجى» يقول ما تقوله هذه الخرافة حين شرح مذهبه في الحب، وقرر ~~في كتابه الجنس والأخلاق أن لا ذكورة ولا أنوثة على الإطلاق، وإنما هي نسب تتألف وتتخالف ~~على مقاديرها في كل إنسان، ولا عبرة فيها بظواهر الجوارح والأعضاء.» # فالرسالة إذن قد وصلت إلينا راجعة إلى الوراء، وقد تعاد إلى مرسلها للاستغناء ومعها ما ~~يستحقه من الجزاء. # والجزاء الذي يستحقه أنه الآن لم يحسن أدب اليونان ولا أدب الخطاب، وأنه لو تعلم هذه ~~الخرافة كما تعلمها قراؤنا قبل سبع عشرة سنة لما لاكها في مقاله كما يلوكها الآن ... ولأكل ~~رزقه حلالا بتعليم الأدب اليوناني الذي يعلمنا إياه في هذه الأيام، ويريد أن يعترف له بفضل ~~فيه، وهو ينكر فضل السبق على ذويه . # بلد المفارقات، وهذا الرجل كتلك الآنسة من هذه المفارقات ...! # الفصل السابع والعشرون # | ذبح الفقراء لا يحل مشكلة الفقر # كتب أحد الأدباء يروي عني أنني قلت له: «... يكفي أن يتمتع الإنسان بحريته ليعيش سعيدا حتى ~~لو كان فقيرا، وإن أي نظام أو أية محاولة ترمي إلى إزالة الفوارق الاقتصادية بين الطبقات، ~~إنما هي ترمي في أساسها إلى تقييد حرية الفرد ...» # ثم سأل الأديب: «ولكن هل يملك الفقير حريته كما يقول الأستاذ العقاد؟ هل أستطيع أنا مثلا ~~أن أسافر إلى الإسكندرية وألقي بجسدي المتعب على شاطئ البحر كما يفعل صديقي عادل صدقي نجل ~~دولة صدقي باشا؟! لا نستطيع؛ لأن حريتنا محدودة بجيوبنا، فالمفلس لا يملك حرية الخروج من ~~منزله والجلوس على القهوة، والذي في جيبه نصف قرش لا يملك حرية إشباع بطنه ...» إلخ. ~~إلخ. ~~••• # وفي نقل كلامي على هذه الصورة شيء من التحريف. # لأنني لا أقول: إن الحرية وحدها تكفي الإنسان وتغنيه عن الطعام، ولكني أقول: إن المذهب ~~السياسي أو الاجتماعي ms110 الذي يسلبنا الحرية، يسلبنا أعز نعمة في الحياة الإنسانية، بل يسلبنا ~~كرامة الإنسان ويستحق منا المقت والازدراء. # وأنا لا أقول: إن إزالة الفوارق الاقتصادية بين الطبقات ترمي إلى تقييد حرية الفرد، ولكني ~~أقول: إن تقييد الحرية الفردية لإزالة هذه الفوارق نقمة لا يرحب بها رجل كريم. # وأنا أدافع عن الديمقراطية؛ لأنها تؤمن بحرية الفرد، وتصلح الناس إصلاح الأحرار المكلفين، ~~لا إصلاح العبيد المسخرين. # ولكني أمقت المذاهب السياسية الأخرى؛ لأنها تسلب الحرية الفردية ولا تحل المشكلة ~~الاقتصادية، فتحرمنا الكرامة ولا تكفل لنا الطعام، وهذا هو الحرمان الذي لا عزاء فيه ولا ~~موجب لاحتماله والصبر عليه إلى زمن طويل. # فالنازيون والفاشيون والشيوعيون يستغفلون الناس حين يقولون لهم: إننا سلبناكم الحرية ~~ولكننا أرحناكم من البطالة، ودبرنا لكم الرزق بتدبير الأعمال؛ لأنهم في الواقع كاذبون فيما ~~زعموه من تدبير الرزق وتدبير العمل، وإن كانوا صادقين جد الصدق فيما أعلنوه من سلب الحرية، ~~وتسخير الكرامة الإنسانية. # والنازيون اليوم يحتاجون إلى مليون عامل بل إلى مليونين، بل إلى ثلاثة ملايين لو وجدوهم ~~من الألمان أو غير الألمان. # يحتاجون إليهم ويبحثون عنهم، ويغتصبونهم اغتصابا من كل مكان حكموه أو سيطروا ~~عليه. # فهل نسمي حاجتهم هذه إلى العمال نجاحا في كفاح البطالة وتدبير الأرزاق؟ # وهل هذا هو العمل الذي يريح الفقراء من أعباء الفقر، ويتيح لهم الاصطياف على شواطئ ~~الإسكندرية؟ # فكفاح البطالة على هذا المنوال هو الكفاح الذي يستطيعه النازيون والشيوعيون والفاشيون، ~~وهو الدواء الذي يربي في الشر والبلاء على عشرة أدواء. # والنتيجة ماثلة أمامنا لا تذهب بنا إلى بعيد. # فالحرب الحاضرة وما جلبته على الناس من الكرب، والألم والضيق والغلاء هي ثمرة العلاج الذي ~~دبره النازيون والشيوعيون والفاشيون لمشكلة البطالة وأزمة الأرزاق. # وقد استطاع النازيون وأمثالهم أن يديروا المصانع، ويستخدموا الأيدي العاملة؛ لأنهم أداروا ~~المصانع جميعها على تحضير السلاح وأدوات القتال. # فاستراح الشعب الألماني من ملايين عامل عاطل بضع سنوات، ولكنه عرض للقتل خمسة أو ستة ~~ملايين من أولئك الفقراء في سنة واحدة، وسيخرج من الميدان وفيه ms111 عشرة أضعاف العاطلين الذين ~~كانوا فيه قبل دخوله، وإلى جانبهم عشرة أضعافهم من القتلى والمفقودين والمشوهين. # أي حل هذا لمشكلة البطالة؟ # أي علاج هذا الذي يريحك من مليون عاطل بخمسة مليون قتيل، ثم يصبح الشعب كله أو جله من ~~العاطلين؟ # وليست المسألة هنا مسألة النظام السياسي الذي يطلقون عليه اسم النازية، أو اسم الشيوعية ~~أو اسم الفاشية أو اسم العسكرية اليابانية، فإن النظم السياسية جميعا تتساوى في هذه القدرة ~~متى لجأت إلى تشغيل الأيدي في الذخيرة والسلاح، وإن الديمقراطية لأقدر من المذاهب الأخرى ~~على تشغيل الأيدي جميعا في إبان الحروب التي تساق إليها كما نرى الآن في كل مكان رأي ~~العين، فلا ينبغي إذن أن يقال: إن تدبير الرزق بالإكثار من مصانع السلاح والذخيرة مزية من ~~مزايا هذا النظام أو ذاك، فهي مزية ميسورة لكل من يختار هذا العلاج أو يندفع إليه، ولا يزال ~~من المحقق بعد هذا كله أن الديمقراطية تفضل المذاهب الأخرى من شتى نواحيها؛ لأنها تعترف ~~بالحرية الإنسانية ، ولا تعجز عن علاج مشكلة البطالة على هذا المنوال حين تشاء. ~~••• # وبعد، فأين هو النظام السياسي الذي يسمح لكل من شاء أن يسافر إلى الإسكندرية، ويلقي بجسده ~~المتعب على شاطئها؟ # هب الفوارق الاقتصادية قد زالت كل الزوال، ولم يبق في الأرض إلا أنداد متساوون في الثروة ~~والقدرة على المتاع، وأراد هؤلاء أن يذهبوا إلى الإسكندرية فكيف يذهبون؟ # أيذهبون إليها بالبطاقات على حسب الدور؟ أيذهبون إليها دفعة واحدة في أسبوع واحد؟ إنهم ~~على كل حال مقيدون بالإمكان الذي لا سيطرة لهم عليه، ولو استراحوا من تفاوت المراتب واختلاف ~~الأرزاق. ~~••• # يروي أبناء البلد قصة طريقة عن الكلب الرومي والكلب البلدي اللذين اصطحبا على الخير ~~والشر، وذهبا إلى سوق الجزارين يبغيان الرزق من وراء الأوضام والسواطير. # ذهبا أولا إلى سوق الروم، فإذا الحواجز قائمة على الدكاكين، وإذا هي لا تبيح مدخلها ~~لإنسان ولا حيوان بغير حساب، وإذا العظام فيها توضع حيث تصان من الخطف والاختلاس. # وقال لهما صاحب الدكان: «إكسوا.» فخرجا محرومين ms112 جائعين، وطافا النهار على الدكاكين ولم ~~يظفرا بغير «إكسوا» التي يعقبها نذير الخطر، أو بالقليل من العظم المنبوذ الذي لا خير ~~فيه. # ثم أصبحا من الغداة على سوق أبناء البلد، فلم يحجزهما حاجز عن اللحم والعظم، ولم يلبثا ~~هنيهة حتى أصابا الشبعة من اللحم والعظم بغير نصب، وسرهما أن يسمعا صاحب الدكان يقول لصبيه: ~~«ناوله.» ويشير إلى الكلب الرومي الذي أوغل في داخل الدكان بغير مبالاة لاغتراره بقلة ~~الحواجز والحراس، فحسبا أنها مناولة إكرام وضيافة تغنيهما عن التسلل والاختلاس، وانتظرا هذه ~~المناولة انتظارا غير طويل؛ لأن الكلب المسكين لم يشعر بعد ذلك إلا بضربة من الساطور أوشكت ~~أن تقصم صلبه، وانطلق يعوي على غير هدى، وهو يقول لصاحبه الذي طفق يناديه ويستعيده: لا لا ~~يا صديقي «عشرة إكسوا ولا واحد ناوله ...» # والدجالون أعداء الديمقراطية قد لبثوا سنين عدة وهم يرفعون العقائر بحرب البطالة، وهم ~~يزعمون أنهم خلقوا عملا لكل مستطيع؛ لأنهم أداروا معظم المصانع على صنع الدبابات والمدافع ~~والطائرات وأدوات الهلاك . # وانظر أيها العالم الذاهل ... لقد هبط عدد العاطلين من ثلاثة ملايين إلى مليون! # وانظر مرة أخرى، لقد هبط العدد من مليون إلى مئات قليلة من الألوف؟ # وانظر مرة أخرى، لقد خلص الوطن من العاطلين أجمعين، وزاد على ذلك أن استدعى إليه الملايين ~~من عمال الأجانب المسخرين. # ثم أفاق العالم من ذهوله على أضعاف أولئك العاطلين مقتولين ومجروحين ومشوهين، ولن تنقضي ~~مدة حتى تنجلي الهزيمة على أضعاف أضعافهم من المساكين عالة على أوطانهم وعلى العالم كله عدة ~~سنين. # وهذه هي «المناولة» التي يحسنها الدجالون من أعداء الديمقراطية، ويسمونها علاجا لمشكلة ~~الأرزاق، وتسوية بين الطبقات، وليست هي من ذلك في كثير ولا قليل. # خير من كل علاج كهذا العلاج أن يقوم المجتمع على تعاون الطبقات، فيفرض المعونة على ~~القادرين لينتفع بها الضعفاء حقا مفروضا لهم في رقاب الأمة أو الدولة، وأن يفتح للفقير ~~باب السلم فيصعد عليه إلى الذروة حيثما استطاع، وأن يتسابق العاملون في ميدان الحياة، كما ~~يتسابق الأحرار ولا ms113 يستكينوا فيها كما يستكين العبيد. # فالكرامة الإنسانية تأبى أن تحل مسألة الأرزاق كما حلتها مصالح السجون في العالم المتمدن ~~بأسره: كل مسجون ينام وهو شبعان، وكل مسجون له عمل يحرك به يديه، وكل مسجون يكسو جسده ويأوي ~~إلى سقف يظله، ويعرض نفسه على طبيب. # ولكنه لا يحسد على هذا النصيب. # والعقل الإنساني يأبى أن تحل مسألة الأرزاق بالإكثار من مصانع الذخيرة والسلاح؛ لأن علاج ~~البطالة بالموت والخراب طب مجانين. # إنما الكرامة والعقل أن نحفظ الحرية، وأن نطلب الرزق مع الحرية، وأن نؤمن بأن أخطاء ~~الديمقراطية في تدبير مسألة الأرزاق أسلم من صواب مزعوم لا يثبت على التجربة برهة حتى يعصف ~~بكل ما أفاد، إن صح أنه أفاد. # الفصل الثامن والعشرون # | زواج الأقارب والأباعد # أرسل إلي بعض الأدباء يقول: # هل لي أن ألتمس لديكم الرأي في أمر عن لي؟ لم أوفق إلى غيركم أطمئن إليه، لأعهد ~~إليه في الإجابة الشافية القويمة. # والمسألة هي مسألة زواج ذوي القرابة، وخصوصا القرابة القريبة بين من يسميهم ~~الإنجليز أبناء العمومة # Cousins ~~. # فقد زعم بعض من كتب في هذا الموضوع وقرأت لهم أن النسل يأتي هزيلا معتل البنية ~~والذهن، كلما اقترب الزوجان في النسب، ولنضرب مثلا لذلك صاحب كتاب أصول الحضارة في ~~تدعيمه رأيه ببيوتات أوروبا المالكة، كما قرأت أيضا ما ينفي هذا القول ويثبت ~~نقيضه. # ثم إنني رأيت أن نبينا محمدا - صلوات الله عليه - قد ذهب إلى تزويج بنتين من ~~بناته من رجلين من ذوي قرباهما القريبة، فاستنتجت من ذلك أن لا غضاضة ولا مضرة في ~~مثل هذا الزواج. # ومن هنا ترون التضارب والخبط بين علماء أوروبا وأدباء العربية القدامى في أمور هي ~~من الأهمية بالمكان الأول؛ لأنها تتعلق بمستقبل بني الإنسان، وما يرجى لهم على هذه ~~الأرض من ارتقاء في بنية الجسوم والعقول والأخلاق. # وعلى هذا نلتمس بين يديكم الحجة والصواب في هذه المشكلة من الناحية البيولوجية ~~والعلمية ... وأما ونحن بصدد الزواج وما يدور حوله، فليسمح لي الأستاذ أن أستفتيه في ~~اقتران المصريين من ms114 الأوروبيات الغربيات من الناحية البيولوجية الحديثة ... # ومسألة الزواج اليوم - وبعد الحرب الحاضرة على الخصوص - هي إحدى المسائل التي يتجدد البحث ~~فيها، أو يعاد النظر إليها على ضوء من العلم الحديث، والتجارب السابقة واللاحقة في ~~المجتمعات المختلفة، حسبما تدين به تلك المجتمعات من العقائد الدينية والسياسية، ولا سيما ~~المجتمعات التي تفرض عليها عقائدها رأيا خاصا في بناء الأسرة، وعلاقات الرجال ~~والنساء. # فالنظر إليها من بعض جوانبها مقدمة لنظرات كثيرة في الواقع سيشغل بها أبناء مصر مختارين، ~~أو غير مختارين بعد زمن قصير. # ومن هذه الجوانب التي تستحق النظر أو تستحق إعادة البحث فيها جانب الزواج بين الأقارب ~~والأباعد، وما يقوله عنه المختصون بهذه الشئون من علماء الاجتماع، ومؤرخي طبائع ~~الأجناس. # فالزواج بالأباعد - وهو ما يسميه خبراء هذه الشئون «إكسوجامي» # Exogamy ~~- هو عادة أو شريعة من أقدم الشرائع في ~~المجتمعات الفطرية، والمجتمعات التي أخذت بنصيب من الحضارة. # ويندر بين هذه المجتمعات من لم يعرف «الإكسوجامي» في صورة من صوره الكثيرة، التي تتقلب ~~على جميع الفروض ، وتتناقض أغرب التناقض في بعض الأحوال. # فمن هذه المجتمعات ما يحرم فيه زواج الأخوين، ولا يحرم فيه زواج الأب ببنته، ومنه ما يحرم ~~فيه زواج هؤلاء جميعا ومعهم أبناء الأعمام، ومنه ما يحرم فيه زواج أبناء القبيلة الواحدة ~~الذين ينتسبون إلى جد واحد، ومنه ما يحرم فيه الحمل، ولا تحرم فيه الصلات الجنسية. # والاختلاف في تعليل هذا التحريم بين الباحثين فيه أكبر وأوسع من اختلاف القبائل في هذه ~~العادة، وهذه الشريعة. # فمنهم من يعزوها إلى غيرة الأب من ولده، وغيرة الأم من بنتها، ومنهم من يعزوها إلى رغبة ~~الرجال في إظهار القوة باغتصاب الحلائل من القبائل البعيدة، ومنهم من يعزوها إلى «الطوطمية» ~~أو اتخاذ حيوان من الحيوانات جدا للقبيلة كلها وربا حارسا لجميع أفرادها، فهم جميعا ~~في حكم الأسرة الواحدة التي لا يجوز لها أن تأكل من لحمها ودمها ... ومنهم من يعزوه إلى ~~الأسباب الاقتصادية؛ لأن الأب يتقاضى مهرا من الزوج الغريب ولا يتقاضاه من ابنه أو ms115 ابن ~~عمه، ومنهم من يعزوه إلى ما يكون بين الأقربين من الألفة، التي تضعف الرغبة الجنسية وتنشئ ~~بين الأقربين علاقة من الرحم غير علاقة الزواج. # وكل أولئك جائز أن يؤدي إلى تقرير هذه الشريعة في الجماعات الأولى، وإن غلب بعضه على ~~جماعة، وغلب غيره على جماعة أخرى. # وقد كان اجتناب الأقربين في الزواج مذهبا معروفا بين العرب، وإن لم يتفقوا عليه، فكان ~~أناس منهم يعتقدون أن الولد يجيء من القريبة ضاويا «لكثرة الحياء من الزوجين فتقل شهوتهما، ~~ولكنه يجيء على طبع قومه من الكرم»، وفي ذلك يقول أحدهم: # يا ليته ألقحها صبيا # فحملت فولدت ضاويا # ويروى عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «اغتربوا لا تضووا.» حديث لا نقطع بصحته؛ لأنه - ~~عليه السلام - قد زوج بنتيه من الأقربين، كما ذكر الأديب صاحب الخطاب. # أما الرأي الذي يوشك أن يستقر عليه الخبراء بهذه الشئون، فهو أن الزواج بالأقارب لا ضرر ~~فيه من الوجهة البيولوجية إلا في حالة واحدة، وهي أن يغلب على الأسرة كلها استعداد جسدي ~~لبعض الأمراض، كما يتفق أن يغلب على بعض الأسر الاستعداد لأمراض الصدر، أو اختلال الأعصاب ~~أو سوء الهضم، أو ما شاكل ذلك من دواعي الضعف التي تورث وتنتقل إلى الأبناء، فإن الولد إذا ~~ورث الاستعداد للمرض من أبيه وأمه كانت وقايته منه أصعب من وقاية أبويه، وهذه حالة لا شك في ~~ضررها، سواء كان تشابه البنية في أسرة واحدة أو في أسر غريبة، إذ لا يجوز لرجل مستعد لمرض ~~من الأمراض أن يتزوج بامرأة مستعدة لهذا المرض على التخصيص، سواء كانت من أهله أو غير ~~أهله. # أما في غير هذه الحالة، فزواج الأقارب مأمون من الوجهة البيولوجية على قول الأكثرين من ~~الثقات، وقد روى وستر مارك في كلامه عن أحدث الآراء في موضوع «الإكسوجامي» مشاهدات بعض ~~المعنيين بتجربة التلاقح بين الحيوانات، فإذا بالكثيرين منهم يتفقون على أن هذه الحيوانات ~~سلمت من عوارض الهزال المزعوم، وأنجبت ذرية من أحسن أنواعها في صفات القوة والنشاط، ولا ~~سيما الحيوانات ms116 التي يعنى بانتخابها، وإبعاد الضعيف منها لأسباب فردية، لا علاقة لها ~~بالبنية الموروثة. # ومع هذا أي قول من أمثال هذه الأقوال يمضي بغير خلاف من النقيض إلى النقيض؟ # فمن أعجب التناقض في هذا الصدد أن الكاتب بت ~~رڨرس Pitt-Rivers # ينفي الضرر من تزاوج الحيوانات القريبة، ويجعل شاهده على ذلك خيول ~~السباق، فإذا بزميل له في هذه البحوث وهو سير جيمس بن بوكوت # Boucat # يناقض هذا الرأي، ويتخذ خيول السباق نفسها حجة ~~له على قوله، ويهيب بقومه أن يدركوا ذرية الخيول الإنجليزية بدم غريب قبل أن يبلغ بها الضعف ~~مبلغا لا تجدي فيه المداركة. # والقول الفصل في هذا الخلاف غير مستطاع، ولكننا نسيغ بالعقل سبب الضعف الذي ينجم من تزاوج ~~الأقربين، وهو اشتراكهم في الاستعداد للأمراض والعوارض الخلقية أو الخلقية، فإذا انتفى هذا ~~الاشتراك فليس يتضح أمامنا سبب للتحذير من هذا الزواج، وليس فيما شاهدناه من الأمثلة دليل ~~على أن زواج الأقربين أضر بالذرية من زواج الأبعدين. ~~••• # أما زواج المصريين بالأوروبيات فلا ضرر فيه من الوجهة الجسدية مع سلامة الزوجين، وفيه إلى ~~جانب هذا مزايا التلقيح بالدم الجديد الذي شوهدت حسناته في كثير من الشعوب والأفراد. # ونحن نعتقد أن المسألة هنا ليست مسألة اللحم والدم، وصحة الجوارح والأعضاء، ولكنها مسالة ~~«الأعصاب» التي هي خزين الملكات والمواهب الخلقية والعقلية ومناط التفاضل الكبير بين ~~الأقوام والأجناس، فقد تكون المرأة صحيحة الدم واللحم بريئة من عوارض السقم والهزال، ولكنها ~~لا تنفث في أبنائها نشاطا جديدا ما لم يكن مصدر هذا النشاط ذلك الخزين العصبي، الذي تكنزه ~~بعض الأمم بالتجارب النفسية والجسدية في عشرات الألوف من السنين. # فهذا الخزين العصبي هو الذي يستفاد من البناء بالأوروبيات، ولا سيما بنات الشمال. # ومن هذه الوجهة لا اعتراض على زواج المصريين بالأوروبيات، أو من يشابههن في هذه الخصلة، ~~وإنما يأتي الاعتراض على هذا الزواج من الوجهة القومية، والوجهة الأخلاقية والوجهة ~~الإنسانية على السواء. # فالنساء المصريات اليوم أوفر عددا من الرجال المصريين، فإذا تركهن أبناء وطنهن ليبنوا ~~بالأجنبيات فعاقبة ms117 ذلك عضل مئات الألوف من البنات في سن الزواج، وعاقبة هذا العضل فساد في ~~الأخلاق وبلاء على المجتمع المصري يربيان على كل نفع مرجو من البناء بالأوروبيات، ولو كن من ~~أفضل النساء. # وهكذا يرى الأديب صاحب الخطاب أن شئون الأمم تعالج جملة من جوانب كثيرة، ولا يقتصر العلاج ~~فيها على جانب دون جانب، وعندنا أن الأمة التي تكون كل فتاة فيها متزوجة في سنها المعقولة ~~أسلم من الأمة التي ينجب فيها عشرة آلاف أو عشرون ألفا نسلا متفوقا وإلى جوارهم ألوف ~~العوانس يبتذلن أنوثتهن، فيسري فسادهن إلى البيوت جميعا، ويغرق ذلك النسل المتفوق في لجته ~~التي لا تدفعها شطوط ولا جسور. # فنصيحة الفرد أن الزواج ببنات الأمم المتقدمة زواج صالح مطلوب. # ونصيحة الأمة أن ترك بناتها معضولات بلاء غير مأمون، فإن تسنى دفع هذا البلاء، وتحصيل ~~النفع من البناء بالأوروبيات المتقدمات، فقد استطيعت خدمة الفرد والأمة على السواء. # ولكنه على هذا احتمال بعيد. # الفصل التاسع والعشرون # | ماذا نعمل؟ # أطلب إلى سيدي الأستاذ أن يتبع هذا المقال بنفحة أخرى تبين لنا ما نعمله لنبلغ من ~~أمرنا ما نريد، وأرجو ألا يعتبر مني هذا اقتراحا أو ما في معناه، وإنما هو محض ~~استزادة من خير علمك العميق النظيف ... # وهذا سؤال حقيق بأن يسأل، وكنت أود أن يسأل، فهو حقيق بأن يجاب. # وجوابي للأديب أن حاجتنا الكبرى إنما هي أن نعلم كيف نريد، لا أن نعلم كيف نعمل، فإذا ~~أردنا عملنا؛ وكل مريد عامل وعارف بوسيلته إلى إنجاز مراده. # مضى زمن والناس يتحدثون عن الإرادة والعمل كأنهما قدرتان مفصولتان، وعن العاطفة والفكر ~~كأنهما شيئان لا يتلاقيان، وعن الخيال وفهم الواقع كأنهما ملكتان نقيضتان، إلى آخر ما ~~يفرقون ويقابلون بين ملكات الطبائع وخصائص الأذهان، وهذا خطأ في تصوير الحقائق يتبعه لا ~~محالة خطأ في تصوير العلاج والإصلاح. # ليست الإرادة والعمل ولا غيرهما من الملكات والطبائع خطين متلاحقين يبدأ أحدهما عند نهاية ~~الآخر، أو جسمين متحيزين لا يجتمعان في مكان واحد، وإنما هما مظهران من ms118 قوة النفس يصدران عن ~~معين لا يتجزأ، ولا ينفصل بالحدود والمعالم، فإذا امتلأت النفس بالقدرة على الإرادة فقد ~~امتلأت بالقدرة على العمل في وقت واحد وفي صورة واحدة؛ ولن يفشل الفاشل في عمله - وقد تهيأت ~~للعمل أسبابه - إلا لأنه ناقص الإرادة. # أرأيت إلى الناس وهو يطلبون السيادة، ولا يبلغها منهم إلا قليل؟ ما بال قوم منهم يبلغونها ~~وأقوام ينكلون عنها خاسئين؟ # إنما يبلغها من بلغ؛ لأنه أرادها ولم يرد غيرها، فهو سيد وإن تراخى الزمن دون الإقرار له ~~بالسيادة؛ وهو سيد لأنه لن يكون عبدا، وإن أخطأته الذرائع إلى حين. # أما الذي يبغي أن يسود، ولا يأبى أن يكون عبدا فأين هو من إرادة السيادة؟ # وأما الذي يبغي أن يسود ولا يختلف عنده مقام السيد الرفيع ومقام العبد الذليل، فأين هو من ~~إرادة السيادة؟ # وأما الذي يبغي أن يسود ويحسب أن الناس يسودونه قبل أن يسود عليهم، فأين هو من إرادة ~~السيادة؟ # قل: إنه يتمنى أن يسود، أو قل: إنه يحلم بأن يسود، أو قل: إنه لا يكره أن يسود، فأما أنه ~~يريد فمعاذ الإرادة أن تجتمع ونقيضها في عزيمة واحدة، ومعاذ الإرادة أن تجتمع ولا يتبعها ~~عمل ولا يتبع العمل نجاح. # لماذا لا نعمل؟ لأننا لا نريد! ولماذا لا نريد؟ لأن زادنا من الحس والوعي والخيال ~~قليل. # ومع هذا فنحن لا نزهى بشيء كما نزهى بفرط الحس، وفرط الوعي وفرط الخيال ... فهل رأيت إلى ~~بعد ما بين الحقيقة والدعوى، وبعد ما بين وصف الداء ووصف العلاج؟! # املأ النفس بالحس والوعي والخيال تملأها بالحركة والإرادة غير منفصلين، وانظر إلى الطفل ~~الدارج لماذا لا يهدأ؟ ألأنه قرأ الفصول والمباحث في فضل الحركة والنشاط؟ ألأن أحدا أمره ~~أو أحدا أغراه؟ كلا! ولكنه يتحرك وينشط؛ لأنه شبعان من الحس شبعان من إرادة العمل الذي ~~يهواه، ولو سبب غير ذلك دعاه إلى الحركة والنشاط لما استجاب، إذا أحسسنا لم نصبر على ~~الركود، وإذا نفضنا الركود، فماذا أمامنا غير الحركة والعمل؟ وماذا أمامنا غير الظفر ms119 ~~والفلاح؟ # لننس كل النسيان وأشد النسيان أننا - معاشر الشرقيين - قوم مصابون بفرط الحس والوعي ~~والخيال، فإننا لأبرأ الناس من هذا المصاب إن كان مصابا، وإننا لأحوج الناس إلى الشفاء، ~~وهو شفاء. # وآية ذلك أن نسأل كم عدد المعبرين عن الحس والخيال في الشرق كله؟ وكم عدد هؤلاء في أمة ~~واحدة من أمم الدنيا المريدة العاملة؟ # كم في أمة واحدة من أمم الدنيا المريدة العاملة السيدة الأيدة من مصورين ومثالين؟ وكم ~~فيها من موسيقيين ومنشدين؟ وكم فيها من ممثلين ومخرجين، وكتاب روايات وشعراء وأدباء؟ وكم ~~فيها من متاحف وتماثيل؟ وكم فيها من باعة أزهار وأساتذة تجميل؟ وكم فيها من مغامرين مقاديم ~~يبيعون الواقع بالخيال، ويستغنون عن الممكن الميسور بما يلوح للعاجزين كأنه محال؟ # كم من هؤلاء في أمة واحدة؟ وكم منهم في الشرق كله هذا الزمان، وأخشى أن أقول في جميع ~~الأزمان؟ # إن لم تكن الحقيقة أن الشرق مسكين غاية المسكنة مدقع غاية الإدقاع في أزواد الحس والخيال، ~~فالأسطورة الكبرى ولا ريب هي أنه مسرف في حسه وخياله، مفرط في شطحاته وآماله. # فما بالنا نحار كيف نعمل، وأولى بنا أن نحار كيف نحس ونتخيل، وما بالنا ننشد أسبابا ~~للحركة والعمل غير أن نملأ نفوسنا بالإحساس، كأنما هذا وحده غير كاف، وكأنما نحتاج بعد ~~الإحساس إلى مزيد؟ # إن الإنسان ليثور من السخط والغضب حين ينظر إلى شعرائنا العجزة المعدمين، وهم يتيهون من ~~الغنى الموهوم، ويتغطرسون بالثراء المعدوم، واسمعهم يتغنون بالحب مثلا، والحب فيض في ~~الشعور واتساع في آفاق الوجدان، واسمعهم يتغنون به وهو صنوف لا تنحصر في معنى واحد ولا في ~~نمط فريد: حب الناشئين غير حب الكهول، وحب التفاهم والتعاطف غير حب المتع والشهوات، وحب ~~المرأة المطواع اللعوب غير حب المرأة العصية الشموس، وحب المنكوب اللاجئ إلى حرم العاطفة ~~غير حب السعيد الناعم بما في يديه، وحب الواثق غير حب المرتاب، وحب الوسيمة القسيمة غير حب ~~الرشيقة الظريفة، وحبك الأول غير حبك بعد تجربة ومراس، وصنوف غير ذلك تتعدد بعداد الرجال ms120 ~~والنساء، وعداد الأحيان والأعمار والمناسبات. # اسمعهم يتغنون بهذه العاطفة الشاملة الداوية العميقة الرحيبة التي لا عداد لها بالألوان، ~~وإن عدت باللفظ في كلمة واحدة، وقل لي ماذا تسمع غير نغمة واحدة معروضة في شتى أساليب؟ ماذا ~~تسمع غير أن حبيبة هاجرة أبدا، وحبيبا سيموت أبدا وفوق ذلك قطرات هنا من دموع وشهقات ~~هناك من أنين؟ # ودع هذا واسمع المنشد أو المنشدة لا يكادان يفرغان من نغمة مبدوءة حتى يتبعهما ضجيج ~~وزعيق، وقرع وخبط وتصفيق، كله نشوز واختلاط ومنافاة أبعد المنافاة لسماع الألحان والأنغام، ~~وقل لي: هل تصدق أن هؤلاء السامعين يستمعون إلى موسيقى، ويصغون إلى فن وينعمون بتعبير جميل ~~وتنسيق لا يطيق الاختلال؟ # فأما الموسيقى والنشوز والخبط والزعيق، فمحال أن يجتمع هواها في أذن واحدة في لحظة واحدة؛ ~~وأما الذي يجتمع مع النشوز والخبط والزعيق، فهو تخبط الجسد المحموم بحمى البهيمية، لا تمييز ~~فيه ولا ذوق ولا خيال. # علم الله ما أصغيت إلى جمع من هؤلاء الناعقين الناهقين، ولا توسمت ما يزهون به من «حساسة» ~~وظرافة إلا تلمست في يدي موضع السوط ألهبه تلك «الحساسة»، وأطير به تلك «الظرافة» وأثبت لهم ~~بالسوط وحده - ولا إثبات بغيره لأمثال هؤلاء - أنهم بلداء بلداء بلداء، وأنهم يغثون النفوس ~~من فرط كونهم بلداء غارقين في بلادة لا تفيق. ~~••• # لا يا أساة الشرق الحزين والمشفقين عليه! # داووه من نقص الإحساس، لا من فرط الإحساس؛ وداوود من ضنانة الخيال، لا من سرف ~~الخيال. # وعلموه أن يحس، تعلموه أن يريد؛ ومتى تعلم أن يريد فلا حاجة به وراء ذلك إلى ~~تعليم. # ولقد يسأل السائل من جديد: ومن لنا أن نثبت فيه الحس المأمول؟ وجواب ذلك سهل في التعبير، ~~ولا أزعم أنه سهل في الإنجاز والتحقيق. # جواب ذلك أن الحس لا يخلق خلقا، ولكنه يتعهد بالحث والإيقاظ إن أصابه جمود ورانت عليه ~~ثقلة الكسل والجثوم. # وليس أنجع في الحث والإيقاظ من تصحيح الأجسام وتصحيح الأذواق: تصحيح الأجسام بالرياضة ~~الصالحة القوية، وتصحيح الأذواق بالفنون الجميلة الرفيعة؛ ومن صح جسده ms121 وحسن ذوقه، فلن يفوته ~~الشعور بما حوله؛ ومن شعر بما حوله، فماذا يبقى له إلا أن ينشط ويعمل، وإلا أن يريد وينجز ~~ما يريد؟ # الفصل الثلاثون # | هل تصبح مصر اشتراكية؟ # الاشتراكية في الواقع اشتراكيات متعددة وليست باشتراكية واحدة، والاشتراكيون جملة هم أكثر ~~الناس اختلافا على تفاصيل مذهبهم وأكثرهم اتهاما لمن يخالفونهم، فيكفي أن يتصرف بعضهم في ~~نصوص المذهب بعض التصرف ليقال: إنه «دسيسة» من أصحاب رءوس الأموال، وأنه يرمي من وراء ~~مخالفته إلى غرض ينتفع به على حساب الحركة! ومنهم من يعتبر تشويه سمعة المخالفين - بالحق أو ~~بالباطل - واجبا محتوما يفرضه الدعاة على أنفسهم، وفي مقدمتهم زعيم الاشتراكية الأكبر ~~«كارل ماركس» الذي يدين له الشيوعيون بالولاء. # لكنك على كثرة المذاهب الاشتراكية، وكثرة التهم التي يتقاذفها المختلفون عليها تستطيع أن ~~تقسمها جميعا إلى معسكرين اثنين يدور بينهما أكبر الخلاف، وهما المعسكر الذي يوافق ~~الديمقراطية والمعسكر الذي يحاربها ولا يوافقها بحال من الأحوال. # فالاشتراكية التي تحارب الديمقراطية وتسعى إلى هدمها هي مذهب كارل ماركس ومن والاه، ولا ~~بد فيها من عناصر ثلاثة، لا تقوم بغيرها، وهي الإيمان بالتفسير المادي للتاريخ وتغليب طبقة ~~واحدة على المجتمع كله، واستخدام العنف لا محالة لتعجيل الانقلاب المطلوب ... فمن لم يؤمن ~~بالمادية المطلقة في جميع مظاهر الحياة، وبإلغاء جميع الطبقات ما عدا طبقة الأجراء، وضرورة ~~الثورة الدموية لتحقيق المذهب، فليس هو من الماركسيين، وقد يتم التفاهم بينه وبين ~~الديمقراطية على نحو من الأنحاء. # ومصر بعيدة جدا عن الاشتراكية الماركسية، وبعيدة على درجات من البعد عن الاشتراكية ~~الديمقراطية. # لأن الاشتراكية - حتى الديمقراطية منها - تستلزم خطوة سابقة لظهورها، وهي الخطوة التي ~~يسمونها بالوعي الاجتماعي أو بوعي الطبقات، ومعنى هذا الوعي أن تشعر طبقة الأجراء والصناع ~~خاصة بوجودها، وانعزالها عن سائر الطبقات الاجتماعية الأخرى، ولا يتفق ظهور هذا الوعي إلا ~~بعد شيوع الصناعات، وازدحام المدن بجماعات الصناع، وتعاقب بينهم وبين أصحاب الأموال. # ومصر لم تعرف وعي الطبقات على هذا المعنى، ولم يبد من بوادره فيها إلا أثر ضعيف لا يعتمد ms122 ~~عليه في توجيه الحركات الاجتماعية. # فالعاملون في الزراعة لا تتألف منهم وحدة كالوحدة التي تتألف من ألوف العمال الذين ~~يشتغلون في مصنع واحد ومدينة واحدة، ولا يندر في الريف المصري أن يكون العامل في الأرض من ~~أبناء عمومة المالك الكبير أو من ذوي قرباه، ومعظمهم يعتزون بنسبهم هذا أكثر من اعتزازهم ~~بعصبية الطبقة الفقيرة، التي لا يحسبون أنفسهم منها، وإن كانوا فقراء. # والعاملون في المدن لا تتألف منهم تلك الوحدة القوية التي توجد مع الصناعات الكبرى، ~~واتصال تلك الصناعات بمرافق الأمة بأسرها، وقد ظهرت بينهم البوادر التي لم تظهر بعد بين ~~عمال الزراعة، فهم يشعرون بطبقتهم ويبحثون عن حقوقهم، ولكنهم لم ينتظموا في حركتهم على ~~النحو الذي يهيئ لهم ولاية الحكم أو المشاركة فيه. # إذن نحن في مصر بعيدون عن الاشتراكية الماركسية، وبعيدون شيئا ما عن الاشتراكية ~~الديمقراطية. # ولكن لا تنس مع هذا أن الاشتراكية تجيء إلينا إذا جلسنا في أماكننا وانتظرناها، ولا نعرف ~~طريقها إذا نحن سبقناها إلى منتصف الطريق. # فبعد الحرب الحاضرة لن تبقى أمة واحدة على وجه الأرض بغير تسوية مشروعة بين العمال وأصحاب ~~الأموال، وستفرض هذه التسوية فرضا بالنظم الدولية التي تقرها كبار الأمم وتتفق على ~~تنفيذها، وربما كان إنصاف العمال شرطا من شروط الانتظام في جماعات أمم الحضارة، كما كان ~~الاعتراف بالنقابات شرطا من شروط الدستور الذي قامت عليه عصبة الأمم بعد الحرب ~~الماضية. # وخير لنا أن نفرض هذا الإنصاف على أنفسنا قبل أن تفرضه النظم الدولية علينا. # فإن لم يكن ذلك فإن تعميمه بالنظم الدولية أنفع لنا من التفرد بين الأمم بتجاهل مطالب ~~العمال، والإغضاء عن حقوق العمل في صوره المختلفة؛ لأن هبوط مستوى المعيشة بين الطبقة ~~العاملة في بلادنا يسوق إلينا الأموال الأجنبية، التي يطمع أصحابها في استغلال مرافقنا، ~~لرخص الأجور عندنا. # فعلينا إذن أن نسبق الاشتراكية إلى منتصف الطريق، وإلا جاءتنا الاشتراكية، وفتحت أبوابنا ~~على الرغم منا. # ونعني بسبق الاشتراكية إلى منتصف الطريق أن نؤمن بتعاون الطبقات، فنقضي على حرب الطبقات ~~قبل ms123 احتدامها. # ولا بد من تعقل الأغنياء هنا في مواجهة الحقيقة، بل لا بد من فرض هذا التعقل على جهلائهم ~~بهداية الزعماء الذين يعرفون الخطر قبل وقوعه، ويعطون الحق قبل أن يغصبوا عليه. # ومن آيات هذا التعقل أن يقبل أصحاب الأموال زيادة الضرائب على ثرواتهم الكبيرة لنشر ~~التعليم، وتحسين الصحة العامة، وضمان العيش للشيوخ والعجزة، وضمان التربية وسلامة البنية ~~للأطفال الصغار المحرومين من العائلين. # ومن آيات هذا التعقل أن يتبرع الأغنياء بالأموال لبناء المستشفيات والملاجئ والمدارس ~~الشعبية، وإقامة المصانع وإصلاح الأرض البور تيسيرا لوسائل العمل، وتوفيرا للسلع ~~والخيرات، فلا يكون قصاراهم من خدمة المجتمع أن يرضخوا من الضرائب طائعين أو كارهين. # وفي اعتقادنا أن الأمم تستطيع أن تحول الحركة - حركة الاشتراكية - عن مجراها الذي رسمه ~~لها كارل ماركس، إذا هي قضت من البداية على حرب الطبقات بتعاون الطبقات. # وكارل ماركس يزعم أن هذا التعاون مستحيل؛ لأنه يؤمن بالضرورة المادية ولا يصدق أن أصحاب ~~الأموال يتعقلون، أو ينزلون عن جزء من أرباحهم - ولو يسير - بغير الاضطرار والإكراه. # ولكن التجربة الإنجليزية والتجربة الأمريكية تدلان كلتاهما على إمكان التعاون بين الطبقات ~~في ظرف من الظروف. # ونحن على أيقن اليقين أن الإنجليز والأمريكيين يقيمون إنصاف الطبقات اليوم على أساس أعدل ~~وأبقى من الأساس الذي يقام عليه في بلاد الشيوعيين. # ولولا أن نبوءات الغيب مجازفة لا يضبطها الحساب في كل حين لقلنا: إن الروسيا ستكون بعد ~~عشرين أو ثلاثين سنة أقل البلاد الاشتراكية في القارة الأوروبية؛ لأنها ستحتاج إلى خلق ~~الطبقات التي أخذت منذ اليوم تتدرب على التعاون في الأقطار الأخرى، وستحتاج أن تتعلم من تلك ~~الأقطار دروسا في الوعي الاجتماعي الجديد، بعد أن قصرته على طبقة واحدة تحارب كل من ~~عداها. # والتجارب الإنجليزية والأمريكية - ومثلها تجارب الدانمارك والسكندناف - توفق بين طبائع ~~الأفراد وطبائع الأمم ومبادئ الحرية العامة في نظام معقول ضحاياه أقل كثيرا من ضحايا ~~الانقلاب الشيوعي حيث كان وكيفما كان. # لأن التنافس لازم لاستنهاض همم الأفراد إلى طلب الكمال، والتعاون لازم لتحقيق المصلحة ~~العامة، ms124 ومبادئ الحرية هي الفارق بين الإنسان والحيوان الذي يقنع بالمعيشة المادية، كما ~~يعيش القطعان في الحظيرة، أو على أحسن الأحوال كما يعيش المذنبون في السجون. # ونظام الديمقراطية كما يطبق الآن - وبعد الآن - في تلك البلاد الأوروبية يسمح للأفراد ~~بالتنافس، ويعطي المجتمع حقوقه النافعة، ولا يجور على مبادئ الحرية العزيزة على بني ~~الإنسان. # وفي وسعك أن تقرر - وأنت صادق كل الصدق - أن المرافق الكبرى في تلك البلاد ملك للأمة ~~بأسرها، وأن الأفراد فيها أجراء لا يملكون شيئا منها؛ لأن صاحب المصنع الذي يعطي الأمة ~~سبعين أو ثمانين - أو تسعين في المائة من أرباحه - لا يتقاضى أكثر من مدير موظف يستأجر ~~لإدارة دفة المصنع على حساب الدولة، ولكنه في ظل النظام القائم يملك همة المنافسة، ونشاط ~~الرغبة الفردية، ويشعر بالحرية ويعمل للجماعة وهو يحسب أنه يعمل لنفسه ويغار عليها. # أما المدير الذي يعمل كالموظف في غير ملكه، فلا يحقق حرية الفرد ولا مصلحة الأمة، ولا ~~يلبث التنافس المعطل فيه وفي غيره أن يبدي عواقبه الوخيمة على مصالح المجتمع ومصالح ~~الأفراد. # هذه الاشتراكية الديمقراطية نتمناها لمصر ولا نخاف عليها منها، ونعتقد أننا سائرون إليها ~~بالقدوة الدولية، وإن لم نمر بأطوارها الصناعية كما مرت بها الأمم من قبلنا، ولكن القدوة ~~الدولية لن تغنينا عن ولاية الأمر بأيدينا كما يوافق مصالحنا وآدابنا وتقاليدنا، ولن تعفينا ~~من السبق الآن إلى لقاء الاشتراكية الديمقراطية، دون أن ننتظرها لنبتلى بتجاربها ونمتحن ~~بمغامراتها. # أما الاشتراكية الشيوعية فلا نرى من دلائل الحاضر أن بلادنا سائرة إليها، بل لا نرى أنها ~~باقية في بلادها إلى أمد طويل، وقد يرى من يعيشون اليوم أن بلادها ستصبح في يوم غير بعيد ~~أقل بلاد الحضارة اشتراكية ... أو أقل بلاد الحضارة توفيرا للعمل وإنصافا للعمال. # الفصل الحادي والثلاثون # | هل الحياة «لوترية»؟ # ما هي «اللوترية» قبل كل شيء؟ # إن كان الغرض من «اللوترية» أنها مصادفات بغير سبب، فاللوترية نفسها ليست بلوترية على هذا ~~المعنى. # لأنها ليست مصادفات بغير سبب. # ولأن المصادفات شيء لا وجود له في ms125 هذا العالم، ولن يكون له وجود. # ولكل خطوة من خطوات «اللوترية» سبب مفهوم. # فلماذا ربحت هذه الورقة ولم تربح الورقات الأخرى؟ # لأن الأرقام التي أخرجها دولاب السحب توافق الأرقام التي كتبت من قبل على هذه ~~الورقة. # ولماذا حصل هذا الاتفاق بين الأرقام؟ # لأن الرجة التي نشأت من تحريك الدولاب كافية لإخراج هذه الأرقام، وغير كافية لإخراج أرقام ~~غيرها، ولو زادت الرجة قليلا أو نقصت قليلا لخرجت منها أرقام غير تلك الأرقام، وكان لهذا ~~الاختلاف سبب معقول لا يرجع إلى المصادفات. # ولماذا كتبت الأرقام على الورقة قبل ذلك؟ # إنها لم تكتب مصادفة بغير سبب؛ لأن العدد 5555 لا يقع بعد العدد 5554 وقبل العدد 5556 من ~~باب المصادفة أو الرجم بالغيب، ولكنه واقع هناك بترتيب لا يقبل التقديم والتأخير. # ثم نرجع إلى الورقة نفسها فنسأل: لماذا أصبحت ورقة؟ ولماذا طبعت ووزعت؟ ولماذا اتبع في ~~طبعها وتوزيعها ذلك النظام؟ وكل جواب على كل سؤال من هذه الأسئلة يرينا أنها ورقة كسائر ~~الأوراق، وأنها لم تتحول من إحدى حالاتها إلى الحالة الأخرى إلا لسبب كسائر الأسباب التي ~~تدور عليها حوادث الوجود. # فلا مصادفة في اللوترية. # ولا مصادفة في الحياة. # وغاية ما هنالك أنها ترجع إلى أسباب لا نعرفها، أو لا نسيطر عليها إذا عرفناها. # أما أنها مصادفات لا سبب لها، فذلك غير ممكن وغير معقول. # لكننا نقصد معنى من المعاني حين نقول: إن الحياة لوترية، ويغلب أن يكون المعنى الذي نقصده ~~أن نصيب العاملين في الحياة لا يساوي مجهودهم في جميع الأحوال، فتارة ينقص وتارة يزيد، ~~كما يشتري الإنسان ورقة واحدة بقرش واحد فيربح ألف جنيه، أو يشتري مائة ورقة بمائة قرش ~~فيضيع ثمن ما اشتراه. # وهذه من وقائع الحياة التي لا سبيل إلى نكرانها، فقد يولد المرء غنيا، ولا فضل له في ~~غناه، وقد يولد فقيرا ولا ذنب له في فقره، أو يولد صحيح الجسم وهو لم يعمل قبل ولادته ~~شيئا يستحق به هذه النعمة، أو يولد سقيما عليلا وهو لم يعمل ms126 قبل ولادته شيئا يستحق به ~~هذه النقمة، وقد يولد في بلاد حرة أو بلاد مستعبدة بغير اختياره، وقد يولد عبقريا نافعا ~~أو غبيا لا نفع فيه لأسباب لا تقع في حسبانه ولا حسبان أبويه. # ونهبط من هذه الفوارق الكبيرة إلى فوارق أصغر منها، وأقل منها خطرا في نتائجها وعوارضها، ~~فيولد المرء في قرية تعوزها وسائل التعليم، أو يولد في العاصمة الكبرى إلى جانب المكتب أو ~~المدرسة، فلا يتساوى حظهما من التعلم، وإن تساويا في الثروة والاستعداد للعلوم. # وقد يولد المرء وينشأ في كنف أبويه إلى أن يستوفي نصيبه من التربية، وقد يحرم أمه أو أباه ~~أو يحرم الوالدين معا وهو طفل صغير. # هذه وأمثالها فوارق كثيرة نشاهدها في هذه الدنيا كل يوم وبين كل قوم، وهي غير الفوارق ~~الكثيرة التي يتعرض لها الناس بعد المولد، وبعد النشأة الأولى في جميع أدوار الحياة. # ولا شك أنها جميعا من أكبر المصاعب التي تصادف الإنسان في دنياه، وتضطره إلى العمل ~~لاستدراكها بجهود الأفراد والجماعات. # ولكنها مع هذا لم تخلق بغير حالات فردية أو اجتماعية توازنها، وتصلح آثارها وتتحول بها من ~~الإجحاف إلى الإنصاف. # وليس في وسعنا أن نسرد جميع هذه الموازنات التي نستدرك بها تلك الفوارق ~~والمفارقات. # ولكنا نحصي منها ولا نحصيها فنذكر: # أولا: # إن الفوارق لا تحول بيننا وبين السيطرة على جميع الأسباب، وإن حالت بيننا ~~وبين السيطرة على بعض الأسباب، وإن الأسباب التي نسيطر عليها هي التي تفسح ~~أمامنا المجال للكفاح والنضال، وإبراز الفضائل والخصال، فلو كان كل فرد من ~~الناس يؤتى حقه كاملا من تدبير الطبيعة أو تدبير المجتمع لما بقي ~~للمزايا الفردية عمل يستدعيها ويبرزها، ويبلغ بها إلى تمامها، ولكانت ~~الدنيا أشبه بالملجأ الذي توزع فيه حصص المأكل والمسكن، ولوازم المعيشة ~~بورقة مكتوبة، لا تحتاج إلى عمل ولا مرانة ولا مراس. # وثانيا: # أن المجتهد لا يفوته نصيبه كله، وإن فاته بعضه قبل أن يناله ~~بالاجتهاد. ~~«ولكل مجتهد نصيب.» حكمة صادقة لم تخطئ كل الخطأ في ميدان من ميادين ~~الحياة، ms127 فكثيرا ما يجني العامل ثمرة سعيه بعد حرمان، وكثيرا ما يضيع تراث ~~العاجز الذي جاءه رخيا سخيا بغير عناء. # وثالثا: # إن الخير المكتسب أنفع لصاحبه وأمته له من الخير الموهوب، وإن الحظوظ ~~التي تورث لا تساوي الحظوظ التي يستحقها المرء بسعيه، ويتدرب على تحصيلها ~~باستخدام حيلته وحوله، ولو أننا وزنا ألف جنيه يرثها الغافل الساهي من ~~أبويه، وألف جنيه يستحقها العامل اليقظان برأيه وتدبيره لما كان من الإنصاف ~~أن نسوي بين الصفقتين في القيمة الحيوية أو القيمة النفسية، ولكنهما سواء ~~في حساب المصارف والأرقام. # ورابعا: # إن تفاوت الفرص امتحان صادق لكفاءة المجتمعات الإنسانية، بل هو امتحان ~~لفضيلة الإنسان التي امتاز بها على جميع الأحياء، وهي قدرته على تنقيح ~~الأوضاع الطبيعية، وعلاج الأمور بالتفكير والتدبير ووحي الخلق ~~والضمير. # فإذا ولد الأفراد متفاوتين في القسم والجدود لم ينته بذلك كل شيء في مقادير البشر وموازين ~~الحياة، بل تبدأ هنالك فضائل المجتمعات المهذبة، وتجارب العقول البشرية، وينصب الميزان ~~للمجتمع الصالح، فتكون قدرته على التسوية بين الفرص مقياسا لصلاحه، وارتقائه على غيره من ~~المجتمعات. # وللحكم على حالة موجودة ينبغي أن نعكسها، ونتخيل الحالة التي تناقضها، ثم نوازن بين ~~الحالتين لنخلص من الموازنة إلى الرأي الصواب في النقد والتماس التغيير. # فلنوازن بين حياة فيها الفوارق الكبيرة والصغيرة، ونحن نعالجها بجهود الأفراد والجماعات، ~~وبين حياة خلت من جميع الفوارق، ولا حاجة فيها إلى جهد من الفرد أو جهد من الجماعة. # نوازن بين هاتين الحياتين وننظر بعدها أي الحياتين أشبه بمعنى الحياة، وأيها أشبه بالآلة ~~الصماء. # وأحسب أن الجواب المجمع عليه غير مجهول، وأننا لا نتمنى أن يصبح الناس كلهم على مثال ~~واحد، كتماثل القوالب والمصنوعات، ولا نتمنى أن يتفاضلوا بغير عمل من الفضلاء يصححون به من ~~دنياهم ما يحتاج إلى التصحيح. # هل الحياة لوترية؟ # كلا، ليست الحياة لوترية وليست اللوترية نفسها لوترية إذا فهمنا من هذه الكلمة أنها ~~مصادفات خالية من الأسباب. # وإنما الحياة أسباب نعرف بعضها ونجهل بعضها، والذي نعرفه من تلك الأسباب يخضع لنا ms128 تارة، ~~ونخضع له تارة أخرى. # وعلينا - إذا أردنا أن نحقق معنى الحياة في أنفسنا - أن نعالج ما نستطيع، ولو كان قصارى ~~الأمر أن نعلم في نهاية العلاج أننا لا نستطيع. # فهذه هي الحياة. # وهي على ما يتبقى فيها من العيوب بعد كل علاج ومحال خير من القسمة التي يطاف بها على ~~الأحياء كما يطاف على نزلاء الملاجئ بجراياتهم المكتوبة في البطاقات. # فمن اختار هذه، فالحياة عنده حسبة آلية لا خير فيها، ولا شر ولا طعم لها ولا مذاق. # ومن اختار تلك، فالحياة عنده حياة. # الفصل الثاني والثلاثون # | هل عندنا سياسيون ...؟ # نعم عندنا سياسيون. # ومن الإنصاف لهم أن نقول: إنهم لا يقلون عن السياسيين في أوروبة وأمريكا، وقد يفضلونهم ~~أحيانا في العمل والكفاءة. # كلام غريب. # ولكنه حقيقة قابلة للبرهان. # ولجلاء هذه الحقيقة يجب أن نذكر المساعدات والأسناد التي يعتمد عليها السياسي في أوروبة ~~وأمريكا وليس للسياسي المصري نصيب منها، بل هو يعمل دائما بغيرها، وقد يجد بدلا منها ~~عقبات وعراقيل تحول بينه وبين الإنجاز والنجاح من حيث يجد السياسيون في الغرب كل أسباب ~~الإنجاز والنجاح. ~~(1) # وأول هذه المساعدات والأسناد هي «المكتب الدائم» في كل وزارة من الوزارات ~~الهامة، وهو مكتب يشتمل على فئة من الموظفين المدربين المختصين بشئون تلك ~~الوزارة، قلما يتغيرون أو ينتقلون من مراكزهم إلا ليخلفهم تلاميذهم وأعوانهم ~~القادرون على أداء أعمالهم، وما من وزير حديث العهد بمنصب الوزارة يحتاج إلى ~~«التنوير» في مسألة من المسائل إلا أمده المكتب الدائم بكل ما يحتاج ~~إليه. # أما في مصر فالوزارات المصرية في عهد الاستقلال لا يتجاوز تاريخها عشر سنوات، ~~وكان الأمر كله قبل ذلك محصورا بين أيدي المستشارين وكبار المفتشين الإنجليز، ~~وهم يستعينون بالموظفين الذين ينفذون معهم سياسة الاحتلال ولا يحسنون شيئا من ~~سياسة الاستقلال. ~~(2) # والمساعدة الثانية التي يستفيد منها السياسي الأوروبي ولا يظفر السياسي ~~المصري بما يماثلها هي برامج الأحزاب المدروسة التي تعنى بكل مسألة من المسائل ~~الاجتماعية أو الاقتصادية، وتدعو فيها إلى خطة مرسومة ومقاصد معينة ينفذها ~~الوزير كلما ms129 وجد الأصوات الكافية من أنصاره في البرلمان. # أما في مصر فالأحزاب لا تريح وزراءها من هذا العبء القديم، بل ربما كان ~~الوزراء هم أصحاب الرأي والتنفيذ، وهم كذلك أصحاب التحضير والإقناع. ~~(3) # والمساعدة الثالثة هي قوة الدولة التي يخدمها السياسيون الأوروبيون، فإن ~~وزراء الدول الكبرى يعتمدون على نفوذ الكلمة أضعاف اعتمادهم على الإقناع وحسن ~~السياسة، ويعولون على الأساطيل والجيوش والأموال كلما ضاقت بهم الحيل وقصرت بهم ~~وسائل التفكير والتدبير. # أما الوزير المصري فليست لديه قوة يخيف بها خصومه أو سلاح يغنيه عن سلاح ~~الحجة والبرهان، واغتنام الفرصة السانحة والموقف الذي تسوقه إليه ~~الظروف. ~~(4) # ومن أعوان الوزير الأوروبي أنه يعمل في اتجاه واحد محدود يستجمع فيه قواه، ~~ولا يوزعها في وجهات متناقضة، قد تتفق وقد تختلف في أكثر الأحيان. # فإذا كانت الحكومة برلمانية، فكل حساب الوزير منصرف إلى إقناع البرلمان، ومن ورائه الرأي ~~العام الذي يشبه البرلمان في اتجاهه، ويتغير معه في الرأي والشعور كلما طرأت عليه عوامل ~~التغيير. # وإذا كانت الحكومة «دكتاتورية» فالسلطة واحدة، وطريق العمل معروف بعد الاطمئنان إلى ثبات ~~الحكومة. # أما في مصر فالوزارة موزعة الجهود بين واجبات السلطة الشرعية، ومقاصد السلطة الفعلية ~~ومناورات المعارضة في البرلمان، ومفاجآت الأقاويل والإشاعات التي تتحول بالرأي العام من ~~اليمين إلى الشمال، ثم من الشمال إلى اليمين في كل صباح ومساء، ولا يعفيها الاهتمام بهذا ~~كله من الاهتمام بالمقاصد الأجنبية التي تتمثل في بقايا الامتيازات، أو في الأموال التي ~~يملكها الأجانب بيننا، ولا يزال لها في سياستنا الداخلية وسياستنا الخارجية صوت ~~مسموع. # فالوزير المصري ينزل إلى الحومة في سباق الحواجز والخنادق والسدود، من حيث يجري الوزير ~~الأوروبي إلى غايته في ميدان مفتوح مكشوف خلو من هذه العراقيل. # والوزير المصري يبدأ عملا غير مسبوق في الدواوين المصرية؛ لأنه نشأ مع عهد الاستقلال منذ ~~عشر سنين، أو مع عهد الدستور منذ عشرين سنة. # ولكن الوزير الأوروبي يتمم عملا مسبوقا ويمشي في سبيل مطروق، ويقوم على رأس الهرم ~~الحكومي بعد أن توطدت قواعده وأركانه بين ظهراني ms130 الأمة وفي حجرات الدواوين خلال مئات من ~~السنين. # وإذا كانت هذه هي الحقيقة التي لا مكابرة فيها، فمن أين جاء ذلك الاعتقاد الجازم بأن ~~الساسة المصريين أقل من الساسة الأوروبيين، أو لا بد أن يكونوا أقل منهم في الكفاية ~~والاقتدار؟ # جاء ذلك من وهمين شائعين: أحدهما هو الخلط بين قوة الدولة وقوة وزرائها، وتوهم الناس أن ~~الوزير الإنجليزي أو الأمريكي أعظم مثلا من الوزير التركي أو اليوناني؛ لأن إنجلترا ~~وأمريكا أعظم من تركيا واليونان. # وهو وهم ظاهر البطلان من المشاهدة، فضلا عن المنطق والقياس؛ لأن وزير تركيا قد يكون أعظم ~~من وزير إنجلترا في الحنكة، وجودة الرأي، وطول الخبرة بالشئون الدولية، وإن كانت إنجلترا ~~أعظم من تركيا بالثروة والعلم والسلاح. # وسويسرة أصغر حجما وشأنا من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن من الجائز جدا أن يختار ~~السويسريون رئيسا لهم يفوق رئيس الولايات المتحدة في العلم والدراية، والمناقب الشخصية، ~~وليس من اللازم أن تكون النسبة بين الرئيسين كالنسبة بين سويسرة والولايات المتحدة في الغنى ~~والصناعة وعدد السكان واتساع الأقطار. # وعلى هذا القياس نفسه لا يلزم أبدا أن يكون الساسة المصريون أقل من الساسة الأوروبيين؛ ~~لأن الدولة المصرية أقل في الجاه والمال من الدولة الإنجليزية، أو الدولة الفرنسية، أو ~~الدولة الروسية، أو ما شئت من الدول الكبار. # والوهم الآخر الذي سوغ الاعتقاد الجازم بتفوق الساسة الأوروبيين ضرورة على الساسة ~~المصريين هو كثرة المهاترات والمنابذات بين هؤلاء وقلتها بين الساسة في الدول الديمقراطية ~~الكبيرة. # ومن الواجب أن نذكر هنا أن المنازعات قد تبلغ في أمم الغرب الأوروبية والأمريكية مبلغا ~~لا نحلم به في هذه البلاد، وليست المهاترات والمنابذات في أمريكا الجنوبية أو أوروبة ~~الشرقية بأهون منها في البلاد المصرية، وما دام السياسي قادرا على سحق خصمه بالقول أو ~~بالعمل، فهو يسحقه في كل مكان سواء كانت الخصومة بين الشرقيين أو بين الغربيين. # وإنما يمنع السياسي أن يفعل ذلك سلطان الرأي العام، حيث يكون له سلطان نافذ سريع ~~النفاذ. # فالرأي العام الذي يعرف الباطل ويسقط قائله ms131 ضمان قوي لمنع المهاترات والمنابذات. # والرأي العام الذي يستمع لكل قول ويصغي إلى كل تهريج، ويسمح للساسة أن يستغفلوه وأن ~~ينقضوا أمامه اليوم ما قد أبرموه بالأمس هو المسئول عن رواج المهاترات والمنابذات قبل ~~الساسة وقبل الخصوم السياسيين. # ولم يكن مستر تشرشل أقل رغبة في الغلبة على مستر أتلي من وزرائنا، حين يهجم بعضهم على بعض ~~وينحي حزب منهم على الحزب الذي يقاومه في الخطط أو في الميول، ولكنهم أخذوا عليه هناك كلمة ~~نابية في نضاله الحزبي، فخسر من الأنصار أضعاف من هزم من الخصوم. # فالمهاترات والمنابذات ميسورة للسياسيين في كل مكان، وبين كل أمة شرقية أو غربية، ولكنها ~~بضاعة تروج إذا وجدت القبول وتكسد إذا رفضها السوق، وإنما المعول في الرواج والكساد على ~~جمهرة الشعب لا على أهواء الساسة والوزراء. # وهناك جانب لا ننساه في هذا السياق عند المقابلة بين ساسة مصر وساسة الأمم الديمقراطية ~~الكبرى، وذلك هو «الثقافة المتعددة» بين ساسة تلك الأمم حيث تنحصر الثقافة عندنا في باب ~~واحد من أبواب الدراسات العامة. # فلا تكثر في مصر طائفة الساسة الذين يساهمون في العلم والفن والشواغل الاجتماعية إلى جانب ~~مكانتهم السياسية، وأعمالهم في الدواوين وخارج الدواوين، ولكننا رأينا مع هذا وزراء مهندسين ~~ووزراء أطباء ووزراء معلمين، وسنرى بعد اليوم وزراء يعيشون في أفق أوسع من أفق النادي ~~الحزبي وديوان الحكومة، ولا شك أن الأوروبيين تقدموا وتخلفنا عنهم في هذا المجال؛ لأن الحكم ~~قد أصبح عندهم عملا سياسيا وعملا اجتماعيا، وعملا فنيا قبل أن يتطور في بلادنا هذا ~~التطور الكبير، ولعله الآن ماض في خطواته التي ندرك بها شأو السابقين، فلا نحجم أن نقول إذا ~~سئلنا: هل عندنا سياسيون بكل معنى من معاني هذه الكلمة؟ # نعم عندنا سياسيون. # الفصل الثالث والثلاثون # | مساجلات # لقيني كاتب معروف يتشيع للبدع الحديثة حتى تقدم فيتركها ويتشيع لغيرها، فقال لي: إنك ~~أنكرت «الوعي» الباطن في التصوير، وأخذت على غلاة المحدثين أنهم يعتمدونه في صورهم، مع أنك ~~ترجع إليه في شعرك، وترسم بالقلم نظائر لما ms132 يرسمونه بالريشة. # قلت: مثل ماذا؟ # قال: مثل قولك في وصف قبة الفضاء إحدى الليالي: # كأنها الهاوية المقلوبة # كأنها الجمجمة المنخوبة # تهمس فيها الذكر المحبوبة # وهذا من صور الوعي الباطن، وليس من صور العيان. # والذي قاله الكاتب المعروف يخالف الواقع، ولا يؤيد المدرسة الغالية من المصورين، أو مدرسة ~~«السريالزم» على وجه من الوجوه. # فأنا - من جهة - لم أنكر الوعي الباطن ولا موجب لإنكاري إياه، وإنما أنكرت أن يكون وجود ~~الوعي الباطن ملغيا للوعي الظاهر، وللمشاهدات الحسية، والمرئيات العيانية، وأنكرت أن يكون ~~الوعي الباطن ملغيا لقواعد التصوير قديمها وحديثها، فلا تبقى للمصور مزية على الجاهل بفن ~~التصوير؛ لأنهما على حد سواء يهملان التلوين والمشابهة، وأصول الرسم والتمثيل، وأبيت أن ~~أعتقد كما يعتقد الواهمون أن «الوعي الباطن» شيء جديد في هذه الدنيا، وهو هو تلك الملكة ~~الراسخة في قرارة النفوس قبل ظهور التصوير والمصورين، فلم يكن رسوخها هذا حائلا بين ~~المصورين الأقدمين، وبين رؤية الأشياء كما يمثلها العيان. # إن الوعي الباطن ليس من اختراعات هارتمان ولا فرويد، ولا من مصنوعات القرن العشرين ، ولكنه ~~ملكة إنسانية وجدت في مصوري رومة وهولندة وإسبانيا، كما توجد في المصورين المحدثين؛ فلماذا ~~نلغي العيون اليوم ولا نرى الأشياء إلا بالتنجيم والتخمين؟ ومن الذي قال: إن حامل الريشة هو ~~المتخصص في تنجيمات الوعي الباطن دون المعلم والمهندس والطبيب، والكاتب والشاعر وسائر ~~المثقفين وغير المثقفين؟ # هذا كلامي عن «الوعي الباطن» لا يدحضه الشعر الذي ذكره الكاتب المعروف، وأراد أن يسلكني ~~به في عداد أولئك المنجمين. # على أن الشعر الذي ذكره الكاتب المعروف يعطي العيان حقه، ويعتمد على الحس، ولا ينسى ~~المشاكلة ولا المشابهة من جانبها الظاهر ولا من جانبها الباطن أقل نسيان. # فالتجويف ملحوظ في قبة الفضاء وفي الجمجمة المنخوبة، وهمس الذكر يقترن بالرأس، ويقترن ~~بالسماء في لياليها المرهوبة، وإذا تسربلت السماء بسربال الرهبة، فالشعور الذي توحيه إلى ~~النفس أقرب شيء إلى شعور الإنسان أمام الرؤى التي أحاط بها عالم الفناء والأبدية. # فالمشابهة الحسية والمشابهة المعنوية متوافرتان هنا كل التوافر، ms133 وليس في «السريالزم» أثر ~~للمشابهات، ولا للتوافق بين الرسم والتصوير. # على أننا نذهب مع الكاتب المعروف إلى أقصى مداه، ونفرض أن وصفي الفضاء في إحدى الليالي ~~المرهوبة بالجمجمة وعي باطن ليس فيه من الوعي الظاهر كثير ولا قليل. # نفرض أنني رجعت إلى «الوعي الباطن» في بيت أو بيتين، أو عشرة أبيات من عشرة آلاف بيت، ~~فأين هذا من إلغاء الحس والعيان كل الإلغاء، وتطليق العيون والأسماع إلى آخر الزمان؟ إن ~~تسلل الوعي الباطن مرة في كل ألف مرة لهو احتمال جائز موافق لطبيعة السوانح الباطنية، أما ~~الوهم الذي لا يجوز ولا يوافق طبيعة من الطبائع، فهو أن نصبح كلنا وعيا باطنا، وأن تصبح ~~الدنيا كلها موعية باطنة، لا تستخدم فيها عين ولا أذن كما يستخدمها خلق الله في المسكن ~~والملبس والطعام والشراب والدرس والتخيل والتفكير. # هذا الذي ننكره وينكره كل ذي عينين وكل ذي وعي باطن مستقر في مكانه كما خلقه الله، أما ~~المصورون الذين يقذفون بالألوان والرسوم إلى عرض الطريق ليحدثونا باسم «الوعي الباطن»، فأول ~~ما ينبغي أن يسمعوه منا أنكم يا هؤلاء لستم بأصحاب الاختصاص في هذه الأسرار، فإذا فشلتم في ~~حمل الريشة وخلط الألوان، فقد فشلتم في وظيفتكم المعترف بها، وادعيتم لأنفسكم وظيفة لا ~~يعترف لكم بها إنسان، ولا حاجة بالناس إليها؛ لأنهم جميعا أصحاب «وعي باطن» مثلكم وزيادة ... ~~فما حاجتهم إليكم وإلى غيركم من أدعياء هذه الكهانة المعروضة عليهم في ثوب التصوير؟ ~~••• # ومن المساجلات التي نبهت إليها: كلمة لأديب قال فيها عني في صدد الكلام على أبي العلاء ~~ورسالة الغفران: ~~... والعقاد يبدأ فيؤكد - فيما يعلم - أن فكرة أبي العلاء في هذه الرحلة إلى العالم ~~الآخر لم يسبقه إليها أحد غير لوسيان في محاوراته في الأولمب والهاوية، وهذا قول ~~عجيب يدخل في سلسلة تأكيدات الأستاذ العقاد التي لا حصر لها في كل ما كتب، والتي ~~كثيرا ما تدهشنا لجرأتها؛ ففكرة الرحلة إلى العالم الآخر قديمة قدم الإنسانية، ~~عرفها اليونان قبل لوسيان، وعرفها العرب قبل أبي العلاء. # لا ms134 يا شيخ! # العالم الآخر قديم قبل لوسيان، والجنة والنار قديمتان قبل أبي العلاء! # سبحان الله! كنا نظن غير هذا ... كنا نظن أن الجنة والنار خلقتا بعد المعري بثلاث، أربع ~~سنوات! وأن لوسيان ظهر على الأرض فظهر معه الجحيم السفلي الذي تحدث به اليونان. # أما وصاحبنا المدهوش من جرأتنا يؤكد لنا أن الأمر على غير ذلك، فلنرجع إذن عن توكيداتنا ~~الجريئة، ولنعلن التوبة بين يديه لنقول له: صحيح، صحيح والله ... الجنة والنار كانتا معروفتين ~~قبل أبي العلاء، والعالم السفلي كان معروفا قبل لوسيان ... ولندن ... لندن نعم لأجل خاطرك كانت ~~موجودة قبل رحلات المسافرين إليها، وكذلك والله باريس، وكذلك والله القاهرة، وكذلك والله ~~الهند والصين وبلاد تركب الأفيال، أو بلاد تمشي على الأرض ولا تركب حتى النعال. # أفادك الله يا مولانا الذي يتربع على الكرسي العريض؛ لينكر على المساكين من أمثالنا ~~توكيداتهم الجريئة، ويعلمهم كيف تكون التوكيدات من آخر طراز. # وأي توكيدات؟! # توكيداته التي لا جرأة فيها هي أننا نحن المساكين، أو أن أحدا من خلق الله أجمعين، يجهل ~~أن أبا العلاء قد تكلم عن شيء معروف حين تكلم عن الجنة والنار، وأن لوسيان لم يكن أول من ~~سمع بالعالم السفلي بين قدماء اليونان. # فنحن بعد الاستئذان في قليل من الجرأة التي يدهش لها صاحبنا نجترئ مرة أخرى، فنقول له: ~~إننا لم نجهل معرفة الناس بالجنة والنار، وهبوط الملائكة وصعود الشياطين قبل أبي العلاء، ~~وإن أحدا من القارئين لم يجهل هذا، ولا يحسن بأحد أن يرمي أحدا بجهله، فهذا تحصيل حاصل ~~مفروغ منه، وليس أدعى إلى الدهشة من مجازف يجترئ على توكيده ... ولكننا إذا تكلمنا عن الآثار ~~الأدبية التي تتخذ من الرحلة بين الجنة والنار موضوعا لها، فهذا كلام آخر يجمل به أن يصغي ~~إليه؛ وإذا جمعنا بين المعري ولوسيان في هذا الصدد، فذلك مبحث يصح النظر فيه والاستفادة ~~منه. أما أن يتربع متربع على كرسي الفتاوى ليحدث قراءه بوجود السماء والأرض والملائكة ~~والشياطين قبل الكتابة عنهم والرحلة إليهم، أو بوجود لندن ms135 وبرلين قبل كتب السياحة ~~والرحالين، فلا يستغرب أن يجترئ بعض القراء، ويا له من اجتراء، فيزحزح له كرسيه قليلا إلى ~~الوراء! # بل لا نظن أن القارئ يكتفي بزحزحة الكرسي قليلا إلى الوراء إذا كان ممن يعلمون أن ~~«العقاد» قد سبق إلى كتابة هذا، فقال قبل عشرين سنة عن رحلة أبي العلاء: «أي شيء من هذه ~~الأشياء لم يكن من قبل هذا معروفا موصوفا؟ وأي خبر من أخبار الجنة المذكورة لم يكن في ~~عصره معهودا للناس مألوفا؟ كل أولئك كان عندهم من حقائق الأخبار ووقائع العيان ...» # ثم قال: «فهي رحلة قديمة كما قلنا، ولكنه أعادها علينا كأنه قد خطا خطواتها بقدميه، وروى ~~لنا أحاديثها كأنما هو الذي ابتدعها أول مرة ...» # ومن يدري؟ فقد يكون من اجتراء العقاد أنه اختلس هذه الحقيقة قبل عشرين سنة، ولم ينتظر ~~الإذن قبل اجترائه على الاختلاس والادعاء! ~~••• # ولا شك أن «المندورين» في هذا البلد كثيرون مع اختلاف في الأسماء والعناوين ... فمنهم ذلك ~~الذي تسمى في إحدى المجلات باسم «مصطفى»؛ ليستر ما في مقاله من سوء النية وهو يتكلم عن ~~النبي العربي، ويتميز غيظا لأننا عرضنا لتعدد زوجات النبي في كتابنا «عبقرية محمد»، فرددنا ~~أسبابه إلى مصلحة الدعوة الإسلامية، ولم نتخذ منه ذريعة لتلويث السمعة كما فعل المتعصبون من ~~المبشرين والمستشرقين، وليس هذا بالعلم ولا بالمنطق في رأي أذناب الاشتراكية الرعناء ... إنما ~~العلم والمنطق أن تلوث كل عظيم في تاريخ بني الإنسان؛ لأن مقاصد الاشتراكية الرعناء لا ~~تستقيم لأصحابها وفي الدنيا عظمة شريفة تستحق التبجيل والولاء، وكفى بحقارة مذهب لا يستقيم ~~إلا بتلويث كل عظيم! # قال ذلك «المصطفى» المزعوم إننا دافعنا عن محمد فقلنا: «لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر ~~الجنسية لأنه لم يتزوج قط؛ فلا ينبغي أن تصف محمدا بأنه مفرط الجنسية لأنه تزوج بتسع ~~نساء.» # ثم قال ذلك المصطفى المزعوم معقبا على كلامنا: «ولكن ما رأي العقاد لو قال الناقد: إني ~~أرى المسيح قاصر الجنسية وما أنفي عنه هذه الصفة.» # ورأي العقاد أن الناقد لن ms136 يقول ذلك؛ لأنه كان من أساطين المبشرين، فإن أعدته الاشتراكية ~~الرعناء بسوء أدبها فجوابه إذن أن نرده إلى تاريخ النبي، كما فعلنا فنريه بما يفقأ عينه أن ~~الرجل الشهوان يجمع بين تسع زوجات من الأبكار الحسان، وهو قادر على ذلك كل القدرة، ولا ~~يختار زوجاته كما صنع النبي من المسنات المتأيمات اللائي لم يشتهرن بالجمال، ثم البكر ~~الوحيدة منهن بنت أبي بكر الصديق، التي يرجع التزوج بها إلى أسباب المصلحة الإسلامية قبل كل ~~اعتبار. # فهل «تنبسط» الاشتراكية بهذا الجواب، أو يملؤها سم البغضاء وصديده؛ لأن في العالم ~~الإنساني رجلا باقيا بغير تلويث؟! # وقال ذلك المصطفى المزعوم: إن العقاد «يقيم الحجة على نبوة محمد باضطراب الأحوال وقت ~~نشوئه في بلاد العرب ... ترى أين يكون اقتناع العقاد لو انبرى مسلم - قبل أن يتصدى من لا يدين ~~بالإسلام - وقال: إن الأحوال الحاضرة أشد قساوة مما مضى في عهود الإنسانية جميعا ... وإذن ~~فالحال المعاصرة تستلزم نبيا ينشر الخير والعدل، فأين هذا النبي ممن عرفهم العالم حاليا ~~...؟» # والعجيب أن يسألني هذا المصطفى المزعوم عن رأيي وقد بينته صريحا في الكتاب نفسه حين قلت: ~~إن العالم حائر في طلب العقيدة أو طلب المسوغ للوجود؛ لأن الوجود وحده لا يكفي الإنسان إلا ~~أن يكون على طبقة مع الحيوان، فالإيمان للمستقبل، وعسى أن يكون المستقبل للإيمان ... # قلت ذلك في ختام الكتاب وجعلته خلاصة الرأي فيه وموضع العبرة منه، ولا أزال أقول كما قلت ~~دائما: إن خلاص العالم مرهون بالإيمان، وإن حياة الناس بغير عقيدة نبيلة هي حياة ~~حشرات. # ولكن الإيمان الذي يحتاج إليه العالم لن يكون إيمان المعدات والأمعاء؛ لأن الإنسانية لن ~~تحتاج إلى رسل وحكماء ليعلموها عبادة الطعام والشراب، وإن أحقر حصان معلق في مركبة نقل ~~ليعلم من هذه الفلسفة ما يعلمه كارل ماركس ولنين وإخوان هذه العصبة أجمعين. # إنما يحتاج العالم إلى إيمان يليق بأبناء آدم، ولا يحتاج إلى إيمان يزعم أنه يخلصه من ~~ضرورات المعدة بعبادة هذه المعدة في الصباح والمساء، وفي ساعة العمل وساعة ms137 الرياضة، وفيما ~~يدير عليه تجارب العلم ومطالب الفن، وأشواق النفس وعقائد الضمير. # قبحت عقيدة كهذه العقيدة إن قضى بها النحس على أمة من الأمم، فهي عقيدة لن تخلص الناس ~~من ضرورات المعدة وخسائسها، بل تفرض عليهم عبادتها وتسجل عليهم الخضوع لرهبة الرجوع إلى آخر ~~الزمان، وقبح من رسل أولئك الذين لا جديد عندهم يعلمونه الناس وراء ما علمته الحشرات قبل ~~ملايين السنين، وأبى الله أن «تنبسط» الاشتراكية الرعناء إن كان تحقير عظماء الإنسانية ~~وتحقير الإنسانية كلها فرضا لزاما لمن يسترون شرورهم بأمثال هذه الدعوات. # الفصل الرابع والثلاثون # | الأدب والإصلاح # أشار الدكتور زكي مبارك إلى حديث لي لخصته صحيفة العزيمة الأسبوعية بقلم مراسل من ~~مراسليها، ولخصه الدكتور في قوله: «إن الأدب ينبغي أن يكون للأدب، فلا يكتب الكاتب غير ما ~~يوحي به الطبع، وهو يعنى بالحقائق الخالدة؛ أما المشكلات التي تتعلق بالطبقات المختلفة، ~~فهي مشكلات وقتية يناط تدبيرها بالرجال الإداريين.» # ثم قال الدكتور: «أما بعد، فهذه مشكلة من أصعب المشكلات، وللأستاذ عباس العقاد أن يوضح ~~رأيه كما يشاء.» # ورأيي في هذا الموضوع الذي يستحق التوضيح أن الأديب لا يغض من أدبه أن يكتب في مسائل ~~الاجتماع والإصلاح الموقوت، ولكن الكتابة في هذه المسائل ليست شرطا من شروط الأدب، وليست ~~حتما لزاما على كل أديب. # لأن الأدب التعبير، والتعبير غاية مقصودة، وغاية كافية، وغاية لا يعيبها أن تنفصل عن سائر ~~الغايات. # ولا فرق بين الأدب المعبر بنظمه ونثره وبين الموسيقي المعبر بألحانه ونغماته، فكلاهما ~~يصف النفس الإنسانية في حالة من حالاتها، وكلاهما مستقل بوحيه، لا يشترط فيه أن يتعرض لعمل ~~المصلح الاجتماعي، أو الباحث الأخلاقي، أو الناظر في مشكلات الثروة وشئون المعيشة. # وإنما جاء اشتراط البحث الاجتماعي أو الاقتصادي على الأدباء وأصحاب الفنون بدعة من بدع ~~المذهب الاشتراكي في العصر الحديث، وهو مع هذا نقيض الدعوة الاشتراكية في الأساس ~~والصميم. # لأن الدعوة الاشتراكية تستكثر على الفقراء أن يستغرقوا حياتهم في طلب القوت، والاشتغال ~~بأعباء المعيشة، وترى أن الحياة الصالحة هي الحياة التي ms138 يقل فيها جهد العمل، وتكثر فيها فرص ~~المتعة بالنعيم. # فإذا كان هذا هو رجاءها الأعلى وغايتها القصوى، فمن أعجب العجب أن تجعل الخبز وضرورات ~~المعيشة شاغلا لكل عامل وقائل، ومحورا للأحلام والآمال، وفريضة لا يعفى منها أحد من الناس ~~حتى الذين وكلتهم المجتمعات الإنسانية منذ كانت إلى التجميل والتزيين، وتذكير أبناء آدم ~~بأنهم نفوس وألباب لها مطالب في بعض ساعاتها غير مطالب المعدات والجلود! وأكبر من مطالب ~~السوائم والحشرات. # ماذا نقول؟! أنقول السوائم والحشرات؟ كلا معاذ الله أن نتهم السوائم والحشرات ~~بالاستغراق في المطاعم والمعدات، فإنها تعلمنا ما يجهله غلاة الاشتراكيين، ويريدون منا أن ~~نغفل عنه ونتعلم نقيضه: تعلمنا أن الجمال غاية الحياة، وأن الطعام ضرورة مفروضة وليس ~~بالحياة كلها، ولا بالشاغل الذي يستوعب كل حي في كل ساعة في كل عمل وكل مسعاة، تعلمنا أنها ~~تغني وتمرح وتلعب، وتحب الشمس والقمر، وتلوذ بالأعشاب والأزهار، ولا تدين نفسها بدين الخبز ~~والمعدة إلا ريثما تفرغ من هذه السخرة المفروضة عليها، أو هذا العبء الذي يثقلها ويعطلها عن ~~سرورها ونشوتها. # ونحن إذ نقول هذا لا نجهل ما يقوله الاشتراكيون، إذ يستخفون بالفنون والآداب التي تناط ~~بالجمال الخالد، ولا تناط بالمنافع الموقوتة، فإنهم يزعمون أن الجوع أولى بالتفكير والتعبير ~~من هذه المطالب التي يسمونها بالكماليات، وهي هي كما أسلفنا طلبة الحياة وطلبة جميع ~~الأحياء. # وحسن ما يقولون أو فليكن حسنا كما يشاءون، ولكن الأمة التي لا تستطيع أن تفرغ من حياة ~~جميع أبنائها بضع ساعات لبعض هؤلاء الأبناء يشبعون فيها مطالب الجمال، هي أمة لا تستحق ~~الطعام ولا تستحق الوجود، فبحسب الفرد عشر ساعات من الأربع والعشرين للكد والكدح وطلب ~~المعاش، وبحسب الأمة تسعة ملايين وتسعمائة وتسعة وتسعون ألفا من عشرة ملايين بين أفرادها ~~يكدون ويكدحون لمعاشها، وغير كثير بعد ذلك ألف أو أقل من ألف يذكرونها الجمال، ويعبرون لها ~~عن أحلام الحياة التي يعطيها الطير والحشرة، وتعطيها الضارية والبهيمة كل ما استخلصته من ~~براثن الضرورات. # لا بل نزيد على ذلك أن الألف ms139 الذين يذكرونها الجمال، ويعبرون لها عن أحلام الحياة لا ~~يخلون من فائدة في باب الخبز والطعام، إذا نظرنا إلى النتائج والحقائق، ولم نقصر النظر على ~~البوادر والعناوين. # فالشاعر الذي يفتن المرء بجمال الزهرة، يرفعه من معيشة الذل والشظف، ويجعل قناعته بالدون ~~والسفساف ضربا من المستحيل. وفكتور هوجو لم يكن من أصحاب البرامج الاجتماعية، ولكنه وصف ~~البؤس والظلم فأغنى عن البائسين والمظلومين ما لم يغنه الدعاة المنقطعون لما يسمونه: مشاكل ~~المجتمع وبرامج الإصلاح. وكل نغمة موسيقية تعبر عن شوق إنساني هي خبز لا يحسن بالإنسان أن ~~يحتمل جوعه ويصبر على فقده؛ لأن عدم الخبز الذي تطلبه المعدات فقر وعوز، أما عدم الخبز الذي ~~تطلبه الأرواح، فهو مسخ وحرمان من الأذواق والأخلاق. # ويكثر الاشتراكيون من ذكر الاقتصاد، ويحسبون الدنيا بحذافيرها اقتصادا في اقتصاد، وهم ~~يخالفون قواعد «القصد الطبيعي» فيما يشيرون به على نوابغ الأدب والفنون؛ لأنهم يطلبون من ~~العبقريين الموهوبين عملا يقوم به من ليست لهم عبقرية فنية ولا ملكة أدبية، وإنما يغني فيه ~~من درسوه وحذقوه، وتفرغوا لإحصاءاته وقواعده ومقابلاته ومقارناته، ونريد به بحث المسائل ~~الاجتماعية، ومسائل الفقر والغنى، وتوزيع الثروة ونظام الطبقات. فهذه موضوعات لا حاجة بها ~~إلى عبقريات هوميروس وابن الرومي والمتنبي وشكسبير وبيرون؛ ولا نخسر شيئا إذا أقبل عليها ~~من خلقوا لها، وانقطعوا للإحاطة بمعارفها وأصولها، ولكن العالم الإنساني يخسر أولئك ~~العبقريين إذا وقفوا ملكاتهم على مسائل يوم أو مسائل أمة، لن تصبح مسألة بعد يوم آخر ولا ~~بين أمة أخرى ... في حين أن الذي كتبوه لا يزال من شاغل بني الإنسان في جميع الأيام وبين جميع ~~الأقوام. # فليس من القصد الذي يترنم به الاشتراكيون أن تصرف عبقرية عن عمل تحسنه، وتحيلها إلى عمل ~~يتولاه غير العبقريين وغير الموهوبين، وإنما هو خلط في التوزيع يعاب لما فيه من سوء الوضع ~~فوق ما يعاب لفشله وقلة جدواه. # ويستطرد بي هذا إلى مقال في «الرسالة» للأستاذ رمسيس يونان، ينحلني فيه كلاما لم أقله ~~ولم أقل ما يؤديه؛ بل قلت ما ms140 هو نقيضه على وجه صريح لا محل فيه لتأويل. # فالأستاذ رمسيس يونان يروي الحقائق عند العقاد، ومنها «أن الأمان كل الأمان، خطر على ~~الهمم والأذهان، وأنه لو اطمأن كل فرد إلى قوته وكسائه، فقدنا من بني الإنسان العنصر ~~المقتحم المغامر.» # ثم يقول: «ولو صدر هذا القول من إسماعيل صدقي مثلا لعذرناه، ولكن الغريب حقا أن يصدر ~~من العقاد، فكيف يستطيع العقاد الشاعر أن يقول: إنه لا تكون مغامرة أو اقتحام إلا حيث يكون ~~طلب الرزق، وإن الإنسان لا يغامر في سبيل غرام أو في سبيل كشف علمي أو إنتاج فني؟! ولماذا ~~لا نقول: إن روح المغامرة إذا تحررت من هموم العيش وأعباء الثروات، فسوف تكتشف لنفسها ~~ميادين وآفاقا جديدة هي أجدر بعواطف الإنسان؟!» # والعجيب كما أسلفت أنني صرحت بنقيض هذا الكلام في مقالي عن المال الذي يناقشه الأستاذ ~~رمسيس يونان، فقلت: «إن طلب المال كطلب العلم فطرة لا تتوقف على التوريث ولا على ما يعقبه ~~الآباء للأبناء؛ وقد يهمل الإنسان رزقه ورزق أبنائه؛ ليتابع الدرس ويتقصى مسألة من مسائل ~~العلم والمعرفة ... وإنما تفسر أعمال الإنسان بالبواعث والدوافع قبل أن تفسر بالنتائج ~~والغايات، وإذا قيل لنا: إن فلانا يجمع المال لأنه يخاف عاقبة الفقر، قلنا: ولماذا يخاف ~~هذه العاقبة التي لا يخافها غيره؟! إنه لا يخالف غيره إلا لاختلاف البواعث النفسية دون ~~الاختلاف في الغايات ...» # هذا كلامي فكيف فهمه كاتب المقال عن الفقر ومسألته الاجتماعية؟! # فهمه على أسلوب الاشتراكيين في فهم كل شيء؛ وأسلوبهم أنهم يفهمون ما يروقهم، وأن الذي ~~يروقهم هو المناوأة والإنكار، وعلى هذه السنة ينكرون العصامية كما ينكرون الغنى، ويسمون ~~الفقر مسألة اجتماعية ليريحوا أنفسهم من العطف على الضعفاء، فلا هم يطيقون الممتازين بالفضل ~~أو بالثروة، ولا هم يشعرون بالعطف الصحيح على المحرومين من النبوغ والمال، وماذا يفيد العطف ~~كما يقولون؟ أليست هي مسألة اجتماعية لا دخل فيها للشعور والرحمة؟! # وكأننا إذا قلنا: إن الفقر داء اجتماعي يعالج كما تعالج الأدواء الاجتماعية خرجنا به من ~~طريق العلاج ... وكأنهم ms141 إذا قالوا: إنه مسألة وليس بداء فرجوا أزمة الفقر أو اقتربوا بها من ~~التفريج. # على أن الحقيقة أن الدنيا لن يزال فيها الفقراء والأغنياء، ولن يزال فيها الأذكياء ~~والأغبياء، ولن يزال فيها الأخيار والأشرار، ولن يزال فيها السمان والعجاف والطوال والقصار ~~والأقوياء والضعفاء، وآفة الاشتراكيين أنهم لا يعيشون ويتعرضون مع هذا لعلاج مسألة العيش ... ~~فحياة كارل ماركس الشخصية تكتب في صفحتين، وكذلك حياة لنين وستالين وإخوانهم أجمعين، ولو ~~عاشوا لفهموا العيش غير هذا الفهم وعالجوه غير هذا العلاج. # فقوانين الحياة سابقة لقوانين الاجتماع، وقوانين الحياة هي التي أوجبت بين الناس هذا ~~التفاوت في الأرزاق، كما أوجبته بين الحيوان والنبات، وعبث أن نعلق الرجاء بالمستحيل، فلا ~~انتهاء للتفاوت في مطبوع ولا في مكسوب، وغاية ما نستطيع أن نمنع الفقر الذي يشقى به من لا ~~يستحقه، وأن نرفع طبقة الفقراء بالقياس إلى الأغنياء، وأن نجعل للأمم نصيبا من ثروة ~~الأفراد. # أما محو التفاوت في الكسب فلا سبيل إليه، وليست كلمة «مسألة» بالتي تخلق سبله لو كان إليه ~~سبيل. # الفصل الخامس والثلاثون # | المقترحون والمؤلفون # بين جمهرة القراء في اللغة العربية طائفة لا ترضى عن شيء، ولا تكف عن اقتراح، ولا تزال ~~تحسب أنها تفرض الواجبات على الكتاب والمؤلفين، وليس عليها واجب تفرضه على نفسها. # إن كتبت في السياسة قالوا: ولم لا تكتب في الأدب؟ # وإن كتبت في الأدب قالوا: ولم لا تكتب في القصة؟ # وإن كتبت في القصة قالوا: ولم لا تكتب للمسرح أو للصور المتحركة؟ # وإن كتبت للمسرح والصور المتحركة قالوا: ولم لا تحيي لنا تاريخنا القديم، ونحن في حاجة ~~إلى إحياء ذلك التراث؟ # وإن أحييت ذلك التراث قالوا: دعنا بالله من هذا وانظر إلى تاريخنا الحديث، فنحن أحق الناس ~~بالكتابة فيه. # وإن جمعت هذه الأغراض كلها قالوا لك: والقطن؟ وشئون القرض الجديد؟ ومسائل العمال، ورءوس ~~الأموال؟ وكل شيء إلا الذي تكتب لهم فيه. # وقد شبهت هذه الطائفة مرة بالطفل المدلل الممعود: يطلب كل طعام إلا الذي على المائدة، فهو ~~وحده الطعام ms142 المرفوض. # إن قدمت له اللحم طلب السمك، وإن قدمت له الفاكهة طلب الحلوى، وإن قدمت له صنفا من ~~الحلوى رفضه وطلب الصنف الآخر، وإن جمعت له بين هذه الأصناف تركها جميعا، وتشوق إلى العدس ~~والفول، وكل مأكول غير الحاضر المبذول. # سر هذا الاشتهاء السقيم في هذه الطائفة من القراء معروف، سره أن الجمهور في بلادنا ~~العربية لم «يتشكل» بعد على النحو الذي تشكلت به الجماهير القارئة في البلاد الأوروبية، ~~وإنما نعد الجمهور القارئ متشكلا إذا وجدت فيه طائفة مستقلة لكل نوع من أنواع القراءة، وإن ~~ندر ولم يتجاوز المشغولون به المئات. # وسنسمع المقترحات التي لا نهاية لها، ولا نزال نسمعها كثيرا حتى يتم لنا «التشكيل» ~~المنشود، وهو غير بعيد. # ولسنا لهذا نستغربها كلما سمعناها من حين إلى حين؛ لأنها مفهومة على الوجه الذي ~~قدمناه. # ولكن الذي لا نفهمه أن نتلقى تلك المقترحات من كاتب نابه يعرف حاجة الأمة العربية إلى كل ~~نوع من أنواع القراءة، ولا سيما تاريخها القديم مكتوبا على النمط الحديث. # فغريب حقا أن يشير كاتب نابه إلى كتابة الدكتور هيكل، وكتابتي عن أبي بكر وعمر؛ فيقول ~~كما قال كاتب المصور: ~~... حسن جدا هذا السابق وقد أجدتما الجري في ميدانه، ولكن هل نسيتما أن أبا بكر ~~وعمر كتب عنهما مائتا كتاب؟ وأن في عصرنا الحاضر موضوعات قومية ووطنية وتاريخية ~~ومالية واجتماعية تستحق منكما نظرة، ومن قلميكما التفاتة؟ وأن أكثر طلابنا لا ~~يعرفون عن تاريخ بلادهم الحديث حرفا، وأن صدر الإسلام بحمد الله قد وفاه أئمته ~~وأدباؤه وشعراؤه من العرب حقه، فلم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا وفوها وشرحوها ~~وفصلوها، وبقي تاريخ مصر الحديث والقديم بغير بحث ولا تحليل؟ # غريب هذا الرأي من «المسئولين» كما نسميهم في لغة السياسة، وإن لم يكن غريبا من غير ~~المسئولين. # وتتم غرابته لأنه يجمع من الأخطاء في بضعة أسطر ما يندر أن يجتمع منها في صفحات. # فبالأمس سمعنا دعوة إلى انفراد كل جنس بالكتابة عن جنسه، فلا يكتب عن المرأة إلا المرأة، ~~ولا ms143 عن الرجل إلا الرجل، ولا يسمح للرجال أن يكتبوا عن الحوادث التي تدور وقائعها بين ~~الرجال والنساء. # واليوم نسمع دعوة أخرى إلى انفراد كل جيل بالكتابة عن جيله الذي يعيش فيه، ولا يتعداه إلى ~~جيل آخر، فلا يسمح لنا نحن أبناء العصر الحاضر أن نكتب عن شيء يتجاوز القرن التاسع عشر ~~راجعا، أو القرن العشرين متقدما إلى الأمام. # رأي غريب لو صحت مقدماته وأسبابه. وإنه لأمعن في الغرابة حين نرجع إلى المقدمات والأسباب، ~~فلا نرى مقدمة منها أو سببا يقوم على ركن صحيح. # إذ ليس بصحيح أن أبا بكر وعمر قد كتب عنهما مائتا كتاب إلى الآن؛ لأن الذي كتب عنهما إنما ~~كتب عن الحوادث والأخبار في عصرهما، وهو مع ذلك لا يزيد على أصابع اليدين. # أما «الصور النفسية» التي تصور لنا كلا منهما على حقيقته الإنسانية، فلم توصف قط قبل ~~هذا الجيل، ومتى وصفت صورة نفسية عن إنسان في زمن من الأزمان، فهي صورة عصرية تهم الإنسان ~~حيث كان من أول الزمان إلى آخر الزمان. # بل الواجب المفروض على كل أمة تنبعث إلى الحياة أن تجدد فهم تاريخها، وتعقد الصلات ~~الوثيقة ما بينه وبينها، ولا تقتصر على فهمه كما كانوا يفهمونه قبل مئات السنين. # وعلى أنه لو صح أن المصنفات التي كتبت عن عظماء التاريخ العربي فيها الكفاية، التي تغني ~~عن المزيد من التصنيف والتصوير، فليس في ذلك حجة تتجه إلينا وتسوغ الملامة علينا. # لأننا لم نترك جيلنا الحاضر معرضين عن أبطاله وزعمائه وأصحاب الأثر في حياته القومية ~~والوطنية؛ بل كتبنا عن «سعد زغلول» مجلدا ضخما يساير الحركة الوطنية من الثورة العرابية ~~إلى اليوم الذي تمت كتابته فيه، وساهمنا بحصتنا في هذا الباب إن كانت هناك حصة مفروضة على ~~كل كاتب في موضوع من الموضوعات. ~~••• # ولكننا في الواقع لا نعتقد أن هناك واجبا مفروضا على الكاتب غير الإجادة في موضوعه الذي ~~يتناوله كائنا ما كان. # وليس هناك موضوع يكتب كتابة حسنة، ثم لا يستحق أن يقرأ، ولا يفيد إذا ms144 قرئ قراءة ~~حسنة. # فالبطل القديم الذي يدرس على الوجه الصحيح هو موضوع جديد في كل عصر من العصور. # والبطل الحديث الذي يساء درسه خسارة على القارئ والكاتب والبطل المكتوب عنه؛ لأن العبرة ~~بتناول الموضوع لا بالموضوع، والعبرة بأسلوب العصر الذي تتوخاه وليست بالسنة التي يدور ~~عليها الكلام. # فالكتابة عن سنة 1943 بأسلوب عتيق هي موضوع عتيق، والكتابة عن آدم وحواء بأحدث الأساليب ~~العلمية أو النقدية هي موضوع الساعة الذي لا يبلى. # وأولى من الاقتراح على الكتاب أن نقترح على القراء أن يقرءوا كل ما ينفعهم كيفما اختلفت ~~موضوعاته، لا أن نشجع «الولد المدلل الممعود» على رفض كل ما على المائدة، وطلب كل ما ~~عداه. ~~••• # وقد قال الكاتب النابه في ختام كلمته: «سلوا الأستاذ الكبير عبد الرحمن الرافعي كيف راجت ~~كتبه أدبيا ومعنويا وماديا، وكيف انتفع بها النشء الحديث في دنيا تأليف مصرية صميمة ~~كلها قحط وجدب وإملاق.» # وقد يفهم القارئ من هذا أننا نغري بالرواج للكتابة في الموضوعات التي اختارها الأستاذ ~~الكبير عبد الرحمن الرافعي بك. # ولا شك عندنا في أن الرافعي بك لم يكتب في هذه الموضوعات لرواجها، ولكنه كتب فيها لأنها ~~تروقه ويحسنها، ومهما يكن من رواج الكتب في مصر، فإن المحامي الذي يبلغ في عالم المحاماة ~~مكانة الرافعي بك يكسب من قضاياه أضعاف ما يكسبه من كتبه، ولا يحتاج في دراسة مائة قضية إلى ~~الوقت الذي يشغله بمراجعة المصادر التاريخية لكتاب واحد. # وكذلك نحن لم نؤلف «عبقرية محمد» لرواجه؛ لأننا طبعنا منه في الطبعة الأولى أقل مما ~~طبعناه من كتب أخرى ألفناها، ولم يكن في وسعنا بداهة أن نعدل عن تأليفه إذا لم تنفد الطبعة ~~الأولى بعد أسابيع معدودة! # وإننا لنعرف موضوعات شتى يقبل عليها عشرات الألوف من القراء، وتستغني عن الإعلانات ~~والترويج. # فرواية من الروايات المكشوفة تترجم أو تؤلف قد تطبع منها عشرات الألوف، وقد تباع للصور ~~المتحركة، وقد تستهوي من القراء والقارئات من ليس يستهويهم تاريخ أمة أو سيرة عظيم ... # وهذه الروايات أسهل في تأليفها ms145 أو ترجمتها من الكتب، التي تراجع من أجلها المصادر الكثيرة ~~بين عربية وأوروبية، ولا تخلو من عنت في التمحيص والتحضير. # ولكننا نعدل عنها إلى الموضوعات التي هي أصعب منها، وأقل رواجا بين قرائنا. # بل نعدل عنها ونحن نعلم أن المدجلين بالروايات المكشوفة يسوقونها مساق الفتوح العصرية، ~~والجرأة الفكرية، ويعدونها من دلائل النزعة الحديثة والنهضة المقبلة، والتحرر من التراث ~~العتيق، والطلاقة من القيود، وإننا لا نسلم من اتهام هؤلاء الأدعياء لنا بالجمود أو مصانعة ~~الجامدين إذ نكتب في سيرة الصديق والفاروق. # فلو كان الرواج مغريا لنا لكانت الكتابة في هذه الأغراض المقبولة أولى وأجدى. # ولو كان الرواج مغريا لنا لما حاربنا المذاهب التي وراءها دول ضخام تكافئ من يدعو إليها ~~ويبشر بأناجيلها. ولا نظن أن الكاتب النابه ينكر علينا أن تلك الدول تعرف قيم الأقلام التي ~~تستخدمها في دعوتها، وتحب أن تستخدم منها ما ينفعها. # فنحن نكتب ما نريده ولا يعنينا أن يروج أو لا يروج، وواجبنا الذي نلتزمه في الكتابة - ولا ~~نعرف واجبا غيره - هو أن نعنى بالموضوع الذي نتصدى له، ونحس القدرة عليه. # ولسنا نقترح على الكاتب النابه أن يعدل عن اقتراحه إذا كان مؤمنا بصوابه؛ ولكننا نقول: ~~إننا لو عملنا به لما عدمنا مقترحا آخر يقول: ما هذه الحوادث اليومية التي تخوضون فيها، ~~وقد رأيناها أو سمعنا من رآها؟ دعوا هذا واكتبوا لنا شيئا من عجائب المجهول ... # ويومئذ لا تكون حجته أضعف من حجة الكاتب النابه صاحب الاقتراح. # الفصل السادس والثلاثون # | الحروف اللاتينية # علم القراء أن صاحب المعالي الأستاذ العلامة عبد العزيز فهمي باشا قد اقترح على مجمع فؤاد ~~الأول للغة العربية اقتباس الحروف اللاتينية وبعض الحروف المشابهة لها لتيسير الكتابة ~~العربية. # وقد خالفه كثيرون، وعاود معاليه الكرة للرد على هؤلاء المخالفين، ومنهم كاتب هذه ~~السطور. # وكنت قد خالفت رأي معاليه؛ لأن اقتراحه يترك الصعوبة الأصيلة قائمة، ويعنى بالصعوبة ~~المتفرعة عليها، وهي تابعة لها باقية ببقائها. # فلا صعوبة عندنا في كتابة حرف من الحروف مضموما كان أو مفتوحا ms146 أو مكسورا إذا عرفنا أنه ~~مضموم أو مفتوح أو مكسور، ولا صعوبة كذلك في قراءته مع هذه المعرفة، سواء أكان مشكولا أم ~~غير مشكول. # إنما الصعوبة الأصيلة أن نعرف ما يضم وما يفتح وما يكسر، ثم نكتبه ونقرأه على ~~صواب. # وترجع هذه الصعوبة إلى خواص في بنية اللغة العربية، لا وجود لها في اللغات التي تكتب ~~بالحروف اللاتينية، غربية كانت أو شرقية. # ومن هذه الخواص الفعل الثلاثي واختلاف أبوابه، وارتباط ذلك بالمصادر والمشتقات، ولا وجود ~~لهذا الفعل الثلاثي في غير اللغات السامية، وعلى رأسها لغتنا العربية. # ومنها الإعراب، وهو على وجود القليل منه في لغات نادرة، قد اختصت اللغة العربية بأحكام ~~مستفيضة فيه، لا نظير لها في جميع اللغات. # ومنها أن حروف الحركة في بعض اللغات الشرقية التي تكتب الآن بالحروف اللاتينية، قلما تفيد ~~معنى من المعاني غير إشباع الحركة أو خطفها والإسراع فيها، ولكنها في اللغة العربية تبدل ~~معنى الكلمة أو تبدل قوة المعنى. # فقراءة العربية قراءة مضبوطة لا تتأتى بغير تصحيح العلم بهذه القواعد قبل كتابتها ~~وقراءتها، وسبيل ذلك أن نختصر القواعد النحوية والصرفية؛ حتى يحيط أوساط الناس بالقدر ~~الكافي منها لمقاربة الصواب جهد المستطاع. # ونقول مقاربة الصواب؛ لأن العصمة من الخطأ لن تتيسر في اللغة العربية ولا في غيرها من ~~اللغات، ولن تتيسر أبدا في عمل يتناوله جميع الناس من خاصة وعامة. # أما الكتابة بالحروف اللاتينية، فإن صح أنها تضمن للقارئ أن يقرأ ما أمامه على صورة ~~واحدة، فهي لا تمنع الكتاب المختلفين أن يكتبوا الكلمة على صور مختلفة كلها خطأ وخروج على ~~القواعد اللغوية، ومن هنا يشيع التبلبل في الألسنة ويتقرر الخطأ بتسجيله في الكتابة ~~والطباعة بدلا من تركه محتملا للقراءة على الوجه الصحيح، ولا شك أن الخطأ في النطق أهون ~~ضررا من الخطأ المكتوب أو المطبوع؛ لأن كتابة الخطأ تبقي خطأ النطق وتزيد عليه أنها تسجله، ~~وتضلل من عسى أن يهتدي إلى الصواب. # فقصارى ما نغنمه بهذا التبديل أننا ننقل التبعة من القارئ إلى الكاتب، ms147 ولا نمنع الخطأ ولا ~~نضمن الصحة، وهي فائدة لا يبلغ من شأنها أن تبدل معالم اللغة، وتفصل ما بين قديمها ~~وحديثها. # وكان من أسباب مخالفتي لاقتراح الأستاذ العلامة - وهي كثيرة - أن طريقته ليست بأيسر من ~~طريقتنا التي نجري عليها الآن في كتابة الكلمات العربية مضبوطة بعلامات الشكل المصطلح ~~عليها، في موضع الحاجة إليها. # لأن الطريقة اللاتينية المضاف إليها بعض الحروف العربية تعفينا من علامات الشكل، ولكنها ~~تضطرنا إلى زيادة الحروف حتى تبلغ ضعفها أو أكثر من ضعفها في كلمات كثيرة، وتوجب هذه الكلفة ~~على العارفين، وهم غنيون عنها. # ثم هي لا تغنينا بتة عن النقط والشكل؛ لأنها تعود بنا إلى النقط في حروف، وإلى ما يشبه ~~الشكل في بعض الحروف؛ لتمييز الألف والثاء والذال والشين. # على أن الأمم الأصيلة في الكتابة اللاتينية لا تستغني بالرسم عن ضبط السماع. # فاللغة الإنجليزية التي أستطيع الإتيان بالشواهد منها حافلة بالكلمات التي يختلف نطقها ~~ورسمها، والتي تنطق على وجه وتكتب على وجوه، كما أنها حافلة بالشواذ في صيغة الماضي ~~والمفعول، ومشتقات أخرى. # ومن أمثلة الصعوبات في الرسم أنهم ينطقون هذه الكلمات نطقا واحدا، وهي مختلفة في الكتابة ~~والمعنى والاشتقاق، وهي # write, right, rite ~~، وأنهم يكتبون حروف ~~الحركة أحيانا على نمط واحد، ويخالفون بين النطق بها في درجة المد وفي مخارج الصوت، كما يفعلون على ~~سبيل التمثيل في # soup, loud, sour # أو في # breadth, ~~great, speak # أو في # done, bone # أو في # good, moon, door ~~. # ومن حروف الإنجليزية ما يكتب ولا ينطق به مثل الباء في # climb # والكاف في # knot ~~، ~~ومنها ما يهمل حينا وينطق حينا بخلاف حرفه مثل # laughter, daughter ~~. # إلى غير ذلك مما تدل عليه هذه الأمثلة ولا تحصيه، ويكفي أن نرجع إلى المعجمات التي وضعت ~~لأهل اللغة أنفسهم؛ لنعلم أنهم لا يستغنون عن إتباع كل كلمة بما يضبط نطقها، ودرجة امتداد ~~الحركات فيها، وموقع النبرة في مقاطعها. ~~••• # وقد رأينا أن نكتفي في مناقشة اقتراح اللاتينية بالأقوى والأظهر من الأسباب دون أن نذهب ms148 ~~فيها إلى الاستقصاء والاستيعاب، وإلا فالأسباب التي تحول دون رسم العربية بالحروف اللاتينية ~~أكثر من هذا الذي أجملناه بكثير. # وتناول معالي المقترح اعتراضنا، فقال بعد تلخيصه: «إنه على كل حال اعتراف خارج عن ~~الموضوع، وما أشبهنا إزاءه بالباحثين عن طرفي الحلقة المفرغة، تقوم الساعة علينا قبل أن ~~نهتدي إلى المطلوب! إن مسألة البحث في أصول اللغة، وتيسير قواعد نحوها وصرفها تلك التي يقول ~~المعترضون: إنها هي العلاج الشافي لأدواء العربية هي مسألة أخرى قائمة بذاتها، وهي مطروحة ~~فعلا على المجمع اللغوي يردد مداخلها ومخارجها، ويحاول ما وسعت قدرته تمهيد ما يقبل منها ~~التمهيد.» # ثم قال معاليه: إن لائحة المجمع تجب اعتراضنا، ورد معاليه عليه لأن: «نصها صريح في أن ~~عليه البحث في تيسير رسم الكتابة العربية، ووزير المعارف عهد إليه بهذه المهمة بقرار منه ~~خاص، وهو مكلف نظاميا بتنفيذ قرارات الوزير.» # وعندنا أن رد معاليه على هذا الاعتراض هو أشبه شيء بالدفوع القضائية منه بالدفوع ~~المنطقية. # فالحق أن تيسير القواعد اللغوية مسألة غير مسألة الرسم وكتابة الحروف، ولكن اختلافهما لا ~~يمنع العلاقة الوثيقة بينهما، ولا يخرجهما عن حكم القضيتين اللتين لا تنظر إحداهما بمعزل عن ~~الأخرى. # وكذلك على المجمع بموجب تكوينه أن يبحث في تيسير رسم الكتابة كما عهد إليه. # ولكن هذا الوجوب لن يوجب عليه أن يرحب بكل تغيير، أو يدين بأن التغيير أسهل من الطريقة ~~التي نحن عليها الآن. # فتيسير الرسم العربي واجب لا شك فيه، ورفض الرسم اللاتيني كذلك واجب لا شك فيه للأسباب ~~التي قدمناها، وأولها أنه يبدل معالمنا دون أن يخرجنا من تلك الصعوبة التي تدعونا إلى ~~التبديل. # وقد نظر المجمع في عشرات من المقترحات التي تقدم بها أعضاؤه، أو تلقاها من الفضلاء ~~المجتهدين في حل هذه المعضلة العسيرة. # فإذا قال قائل: إن الرسم الحاضر أيسر من جميع هذه المقترحات؛ لأنه في الواقع أيسر منها، ~~فاللائحة لا تفرض عليه أن يخالف الحقيقة ويقول: بل هي جميعا أيسر من الرسم الذي نجري ~~فيه. # ولكل لغة صعوباتها ms149 التي لا يتساوى الناس في تذليلها، ولو زالت صعوبات الرسم والكتابة ~~جمعاء. # فلا بد من فارق في اللغة بين المتعلم وغير المتعلم، وبين الموهوب وغير الموهوب، وبين صاحب ~~السليقة والدخيل عليها. # وليست لغتنا العربية بدعا بين اللغات في هذه الخاصة العامة ... فمهما نصنع في تيسير رسمها ~~أو قواعدها، فلن نسوي بين الناس في كتابتها وقراءتها، ولن نغني الكاتب أو القارئ عن المزيد ~~من الاستيفاء، كلما ارتفع درجة أو درجات في مراتب الفهم والشعور والتعبير. # ولهذا ينبغي أن نيسر كتابتها بتيسير معرفتها وتيسير فهمها، مع التسليم طوعا أو كرها بأن ~~هذا التيسير لن يدفع كل عسر، ولن يزيل كل لبس، ولن يعصم من الخطأ كل العصمة، ولن يزال الباب ~~بعده مفتوحا للتفاوت بين قدرة الناس على الصواب، واستعدادهم للخطأ من جهل أو سهو أو ~~قصور. # وإذا قيل: أي العلاجين أدنى إلى تيسير الكتابة؛ فلا شك أن العلم التقريبي بالقواعد التي ~~تقيم النطق خير من الرسم الذي يقرأ على صورة واحدة مع بقاء صور متعددة للكلمة، تختلف ~~باختلاف حظوظ الكتاب من قواعد الصرف والنحو والإملاء والهجاء، وهذا إن صح أن الحروف ~~اللاتينية تضمن القراءة على صورة واحدة، وهو غير صحيح ؛ لأن جرس الحروف اللاتينية يخالف جرس ~~الحروف العربية في المخارج والحركات، وتوقيت الكلمة في أثناء نطقها، وهو شيء في صميم اللغة ~~كالمعنى ورسم الكتابة على السواء. # وأسلم ما يقال في هذا الباب: إن الطريقة القائمة لا تزال أسهل وأقرب إلى بنية اللغة من كل ~~مقترح علمنا به، ولا مانع من جديد يستدرك ما عز استدراكه إلى الآن. # الفصل السابع والثلاثون # | الشجاعة الأدبية # كتبت مقالا أحيي ذلك الروح الإنساني الكبير الذي رحل عن الدنيا برحيل رومان ~~رولان. # وقد كان للأدباء على ذلك المقال تعقيب يشبه الإجماع، ويتفق كله على تحية ذلك الكاتب ~~العظيم إلا رسالة واحدة ينزع صاحبها منزعا يخالف ما سمعت وما تلقيت من الآراء في رومان ~~رولان، وفيما كتبت عنه، وخلاصتها أن الأوروبيين في حاجة إلى أمثال رومان رولان؛ لقدرتهم على ms150 ~~العدوان وإيغالهم فيه، ولكننا نحن الشرقيين أحوج ما نكون إلى التربية الحربية التي نعالج ~~بها الضعف المقيم، ونحمي بها الحوزة المهددة، وإننا ينبغي أن نتعلم كل ما يحرضنا على منازلة ~~الأعداء ومقاومة المعتدين، ونترك تلك الرسالة التي يبشر بها رومان رولان وأمثاله، حتى يحين ~~موعد الحاجة إليها بيننا نحن الشرقيين. ~~••• # رأي فيه شبهة من الصواب، ولكنها شبهة من الصواب، وليست بالصواب في اللباب. # لأن الأديب المعترض قد التبس عليه الأمر بين مذهب رومان رولان، ومذهب أولئك القعديين ~~الذين عرفوا في أوروبا باسم «الضميريين» من قولهم: «إن ضميري يأبى علي حمل السلاح ولو ~~دفاعا عن الأوطان.» # فليس رومان رولان من هؤلاء ولا هو ممن ينكرون الحرب حين يفرضها الحق والواجب على ~~المدافعين، ولكنه ينكر البغضاء في سبيل الزهو والطمع، ويرى أن يكون السلاح آخر ما يعمد إليه ~~الإنسان لعلاج أزمات السياسة، بعد أن تنفد وسائل الحسنى وحيل السلام. # وما دام في الدنيا حرب بغي، فالحرب الشريفة مفروضة على الناس لجزاء ذلك البغي، ومنعه أن ~~يبلغ مقصده من الغلبة على الآمنين والموادعين، فمن ينكر حرب الإغارة والسطوة لا ينكر حرب ~~المقاومة والدفاع. # والفرق عظيم بين من يقول بمنع الحروب وتغليب وسائل السلام، وبين من يرى الحرب الباغية ~~وينكص عن دفعها؛ لأنه لا يميز بين الاعتداء ورد الاعتداء. # بل الفرق عظيم بين أولئك «الضميريين» وبين من يحاربون العنف بالحسنى، لعلهم يخجلون صاحبه، ~~وينبهون فيه تبكيت الضمير، ومن هؤلاء غاندي وتولستوي، وطائفة من المصلحين الشرقيين ~~والأوروبيين هنا وهناك، وإنهم ليقولون بالحسنى، ولكنهم لا يتخذون الحسنى عدة في الحروب حين ~~لا مناص من الحروب. # ومهما يكن من رأي رومان رولان في ذلك، فليس كاتب هذه السطور بالذي يحمد «الدروشة» ~~الضميرية في هذا المقام، وأقرب الشواهد على ذلك أنني كنت من دعاة المشاركة في الحرب، وإن ~~كانت لا توجبها علينا معاهدة من المعاهدات؛ لأن كفاح الطغيان واجب غني عن الوثائق ~~والعهود. # إلا أن العجيب في كلام الأديب المعترض قوله: إن دعوة رومان رولان وأمثاله قد يحتاج ms151 إليها ~~الأوروبيون ولا نحتاج إليها نحن الشرقيين؛ لأن دعوة رومان رولان قائمة على الشجاعة الأدبية، ~~وهي ألزم ما يحتاج إليه الضعفاء بعد عصور الجهل والظلم والفساد. # وإن الضعفاء الذين طال عليهم مراس تلك العصور لأحوج إلى الشجاعة الأدبية منهم إلى حمل ~~السلاح؛ لأن الشجاعة الأدبية تشفي أمراض الفساد كلها، وتبدل بها الصحة والسلامة والقوة ~~والكرامة، وليس شيء من ذلك بمكفول من حمل السلاح في أمة تخاف الجهر بالحق، ولا تجترئ على ~~الباطل، بل لعل السلاح يصيبها قبل أن يصيب أعداءها، كما رأينا في كثير من الدويلات ~~الأوروبية والأمريكية والشرقية، حيث يحمل السلاح ولا تعرف الآراء ولا الشجاعة في ~~الآراء. # قال أبو الطيب: # والعار مضاض وليس بخائف # من حتفه من خاف مما قيلا # يريد أن الرجل قد يقدم على الموت ولا يقدم على العار، ويحسب أن العار كله فيما يقوله ~~الناس. # فأهون الشجاعات عنده هي الشجاعة على الموت، ثم يجعل الخوف من العار أكرم من الإقدام على ~~الحمام. # لكن الحقيقة أن شجاعة العقيدة أرفع من الشجاعتين بلا مراء، وإن شجاع العقيدة أكرم من ~~الشجاع على الموت، ومن الشجاع الذي يموت لأنه يتقي العار، ويفهم أن العار هو ما يقول الناس: ~~إنه عيب ذميم، وأن الشرف هو ما يقول الناس: إنه فضل حميد. # أكرم من هذا وذاك من لا يبالي بالموت ولا يبالي بما يقوله الناس، إذا اعتقد أنهم مخطئون ~~فيه. # ولا شجاعة في الجري مع القطيع حين يثور ويعدو في الطريق الذي تدفعه إليه الغرائز الهوجاء، ~~ولكن الشجاعة كل الشجاعة أن يقف الرجل أمام ذلك القطيع، ثم لا يتخلى عن مكانه حتى يصد ~~القطيع أو يغلب على أمره غير مختار ولا ملوم. # وهذه الشجاعة الأدبية التي تعلو درجات على شجاعة الموت، وشجاعة العار هي الشجاعة التي ~~نتمثلها في رومان رولان الذي يقول: «إن الإيمان - وليس النجاح - هو غاية الحياة.» # وهي هي التي نحتاج إليها - نحن الشرقيين - قبل كل حاجة، ونتحلى بها قبل كل حلية، ونجتزئ ~~بها إذا كان لا بد من ms152 الاجتزاء بفضيلة واحدة من الفضائل تغني عن سائرها؛ لأن الأمة التي ~~تحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد، أو يكون مجرد اقتدارها على ~~تلك الفضيلة دليلا لا دليل بعده على امتناع أسباب الفساد. # ومن الخطأ البين أن يقال: إن التربية الحربية أو التربية العسكرية تخلق الشجاعة، حيث لم ~~تخلق في طباع الأمم جيلا بعد جيل. # وأبين ما يكون ذلك الخطأ إذا قيل: إن الضعفاء يتعلمون الشجاعة بتلك التربية الحربية في ~~العصر الحديث على التخصيص. # ولا نبدأ بالتعليل قبل أن نمهد له بالإشارة إلى الواقع الذي لا جدال فيه. # فهذا مثال الفاشية في إيطاليا غني عن الإفاضة في مراجعة المثلات وضرب الأمثال؛ لأن ~~الفاشية زعمت أنها تبعث النخوة بعثا جديدا في بقايا الأمة الرومانية القديمة، وزعم أناس ~~من الشرقيين مثل هذا الزعم، فظنوا أن التربية الحربية منذ الصبا الباكر صنعت في الأمة ~~الإيطالية الأعاجيب، وهي خليقة أن تصنع مثل تلك الأعاجيب في النهوض بعزائم الشرقيين، وراح ~~بعض الدعاة يحاكونها محاكاة لا ترجع إلى فهم ولا اختبار، وكل ما كانت ترجع إليه تخيل كاذب ~~ومظهر خلاب. # والحق أن التربية الحربية أو العسكرية - كما كانوا يسمونها هناك - كانت أولى بالفلاح في ~~التجربة الإيطالية، لو أنها كتب لها أن تفلح في بلد من البلدان. # لأنهم كانوا ينشئون الأطفال عليها من الخامسة، ويتعهدونهم بها إلى ما بعد العشرين، ومضى ~~على التجربة منذ بدايتها نيف وعشرون سنة، بدأت قبل الزحف الفاشي على رومة، وانتهت قبل الزحف ~~عليها بجيوش الحلفاء الديمقراطيين. # فماذا أفاد كل ذاك؟ # لقد كان أولئك الجنود الفاشيون أسبق المقاتلين إلى الفرار في ميدان الصحراء وفي ميدان ~~اليونان، وكانت هذه التربية مجبنة لهم، ولم تكن سبيلا إلى الشجاعة ونهوض العزيمة؛ لأن ~~العزيمة والجعجعة قلما تجتمعان. # ثم ذهب موسوليني - إمام الفاشية - بين عشية وضحاها، فلم يسرع إلى نجدته أحد من جنوده في ~~طول البلاد وعرضها، سواء ما وقع منها في قبضة الحلفاء الديمقراطيين، وما بقي منها في قبضة ~~الألمان النازيين، وجاءه المدد ms153 حين جاءه من هؤلاء، ولم يجئه من أبطاله الذين دربهم على ~~نظامه سنوات بعد سنوات. # وتعليل ذلك غير بعيد على من يكلف نفسه مئونة النظر وراء المواكب والصيحات؛ لأن الشجاعة ~~خلق من الأخلاق، وليست نظاما من النظم المدروسة، وكل خلق من الأخلاق فلا بد له من الشعور ~~بالتبعة ومن الحرية التي يقتضيها الشعور بالتبعة؛ لأنك لا تحمل الإنسان تبعة خلقية وأنت ~~توثق مشيئته بوثائق الطاعة العمياء، ولا تعوده خلقا قط، وهو ملقي التبعة على سواه. # وأظهر من هذه العلة البدهية علة الإحجام عن معونة الدولة المدبرة، ومن حولها أولئك ~~الأنصار الناشئون على يديها. # فإن جنود الفاشية قد نبتوا في حمايتها وقاموا على يديها، فهي التي تحميهم وهي قوية، وهم ~~العاجزون أن يحموها يوم تزول عنها القوة، ومن قام على يد فهو يضرب بها ولا يضرب دونها، ~~ويسقط معها ولا يقيمها بعد سقوطها. # وهكذا صنع الجنود الفاشيون بالدولة الفاشية، وهكذا يصنع أمثالهم بأمثالها في كل زمن وبين ~~كل قبيل. # فالتربية على الشعور بالتبعة - أو على الشجاعة الأدبية بعبارة أخرى - هي حاجتنا اليوم نحن ~~المصريين أو نحن الشرقيين على التعميم، وأمثولة رومان رولان ألزم لنا من أمثولة العسكرية ~~المزعومة، التي رأينا قصارى جهدها في تاريخ قريب لا نزال نشهده، ولا حاجة بنا إلى التاريخ ~~البعيد. # الفصل الثامن والثلاثون # | الشعر والقصة # حين يقول القائل: إن الذهب أنفس من الحديد يقرر شيئا واحدا، وهو أن الحديد لا يدرك ثمن ~~الذهب في سوق البيع والشراء، ولكنه لا يقرر إلغاء الحديد ولا استخدام الذهب في المصانع ~~والبيوت بديلا منه، ولا يعني أن الذهب يغني عن الحديد، أو عن غيره من المعادن في غرض من ~~أغراضه. # كل ما يقرره شيء واحد، وهو أن سعر الذهب أغلى من سعر الحديد، ولا لوم عليه في ذلك، وإن ~~قيل له: إن الحديد أنفع وأشيع من معادن الزينة والتجميل. # ونحن قد فضلنا الشعر على القصة في سياق الكلام عليهما من كتاب «في بيتي» ... فكل ما قلناه ~~إذن هو أن الشعر أنفس ms154 من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه ~~الصفحات من القصة الرفيعة. # فلا يقال لنا جوابا على ذلك: إن القصة لازمة، وإن الشعر لا يغني عن القصة، وإن التطويل ~~والتمهيد ضرورتان من ضرورات الشرح الذي لا حيلة فيه للرواة والقصاصين. # ويستطيع الأديب الأستاذ محمد قطب أن يقرر كما قرر في «الرسالة»: «أن القصة دراسة نفسية لا ~~غنى عنها في فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها؛ لأنها في ~~ذاتها أحد العناصر التي يحتاج إليها قارئ الحياة.» # يستطيع الأديب هذا، كما يستطيع أن يقول: «إن الحديد معدن نافع لا غنى عنه في تركيب الآلات ~~وبناء البيوت، وليس الذهب أو الفضة أو الجوهر النفيس على اختلافه بمغن عنها؛ لأنه في ذاته ~~أحد المعادن التي نحتاج إليها في الحرب والسلم، وفي الصناعة والتجارة.» # ولكنه بعد كل هذا يذهب إلى السوق ليشتري الحديد، فلا يبذل فيه ثمن الذهب والفضة، ولا ينكر ~~على التاجر أن يزن له درهما من النقد برطل من الحديد المفيد. # وقد قلنا في كتاب «في بيتي»: إن القصاص قد يرجح الشاعر في الملكة الذهنية والقريحة ~~الفنية، ولكننا لا نفضل القصة على الشعر من أجل ذلك كما لا نفضل الجميز على التفاح لأن ~~الأرض التي أثمرت الجميز كانت في حالة من الحالات أخصب وأجود من الأرض التي أثمرت ~~التفاح. # وينفعنا مثل الجماد هنا كما ينفعنا مثل النبات، فإن تاجر الحديد قد يكون أغنى وأقدر من ~~تاجر الذهب، وقد يكون المنجم الذهبي أقل ربحا ومحصولا من المنجم الحديدي في حالة من ~~الحالات، ولكن تقويم المعدنين لا يتوقف على تقويم التاجرين أو المنجمين؛ لأنهما لا يرجعان ~~إلى نوع واحد من التقدير والحساب. # ويقول الأستاذ محمد قطب: «قرأت سارة وقرأت في الديوان ما يقابلها من شعر، وهو شعر جيد ~~رفيع، ولكنني لا أستطيع مع ذلك أن أقول: إنني استغنيت به عن قراءة سارة، أو إن سارة ليس ~~فيها جديد مفيد من الدراسات النفسية العميقة ...» # فالذي ms155 نقوله: إن الأستاذ غير مطالب بأن يقول هذا في باب الموازنة بين الروايات والقصائد؛ ~~لأن موافقته على رأينا في الشعر والقصة لا تقتضيه أن يمحو القصة، وأن يثبت الشعر وحده، ~~وإنما يبقيهما ويبقي معهما الترجيح بينهما، ويقدم الشعر على القصة في هذا الترجيح. # ولا حاجة به إلى جهد طويل للتسليم بفضل الشعر على القصة في هذه الموازنة؛ لأنه ينتهي إلى ~~هذه النتيجة إذا سأل نفسه: أيهما أوفر محصولا من الشعور والثروة النفسية: ألف صفحة من ~~الشعر المنتقى، أو ألف صفحة من الرواية المنتقاة؟ # أما أنا فجوابي على ذلك جزما وتوكيدا أن صفحات الشعر أوفر وأغنى، وأن معدن الشعر من أجل ~~ذلك أنفس وأغلى من معدن الرواية. # فإذا كان هذا رأيه فقد اتفقنا. # وإذا لم يكن رأيه ورأيي متفقين في ذلك، فهذا هو الجمل وهذا هو الجمال، كما يقولون في ~~أمثالنا الوطنية. هات ألف صفحة من رواية أو عدة روايات، وخذ ألف صفحة من الشعر الرفيع، ~~وارجع إلى حكم القراء فيما شعروا به بعد قراءة القصائد وقراءة الحكايات، أو قدر ما يشعرون ~~به على سبيل الظن والتخمين، واحتفظ برأيك بعد ذلك كما تشاء. # إنني لم أكتب ما كتبته عن القصة لأبطلها وأحرم الكتابة فيها، أو لأنفي أنها عمل قيم يحسب ~~للأديب إذا أجاد فيه. # ولكنني كتبته لأقول أولا: إنني أستزيد من دواوين الشعر، ولا أستزيد من القصص في الكتب ~~التي أقتنيها، وأقول ثانيا: إن القصة ليست بالعمل الذي يحسب للأديب، وإنها ليست بأفضل ~~الثمرات التي تثمرها القريحة الفنية، وإن اتخاذها معرضا للتحليل النفسي أو للإصلاح ~~الاجتماعي لا يفرضها ضربة لازب على كل كاتب، ولا يكون قصارى القول فيه إلا كقصارى القول في ~~الذهب والحديد: الحديد نافع في المصانع والبيوت، ولكنه لا يشترى بثمن الذهب في سوق من ~~الأسواق. ~~••• # وكتب العالم الفاضل الأستاذ علي العماري - المدرس بالأزهر - يعقب على المقياسين اللذين ~~ذكرتهما في الكتاب للمفاضلة بين الشعر والقصة، وهما: # أولا: # أن القصة كثيرة الأداة قليلة المحصول. # وثانيا: # أن الطبقة التي تروج بينها ms156 القصة لا ترتقي في الثقافة والذوق ~~والتمييز مرتقى الطبقة التي تفهم الشعر وتشعر بمعانيه. # وقد قال الأستاذ: «فالمقياس الأول تحدث عنه علماء البلاغة والنقد، فكانوا يرون أن خير ~~الكلام وأبلغه ما جمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، وهذا المقياس وإن صلح للمفاضلة بين ~~عبارة وعبارة، أو بين بيتين من الشعر، أو قطعتين من النثر في موضوع واحد، فإنه لا يصلح ~~للمفاضلة بين القصة والشعر؛ وذلك أن فائدة القصة ليست مقصورة على الغرض الأساسي الذي وضعت ~~من أجله، ولم تكن خمسون صفحة في قصة ما، ولو بلغت الطبقة الدنيا في القصص، تمهيدا لفائدة ~~تقال في سطر أو أسطر، ولكن هناك التصوير الرائع والوصف الدقيق لحركات الأحياء ونوازع ~~النفوس.» # والذي نقوله للأستاذ الفاضل: إن الموازنة بين الشعر والقصة لا تكون إلا بذلك الميزان الذي ~~قال: إنه لا يصلح للمفاضلة بينهما. # لأنك إذا قلت: إن هذه القصيدة أبلغ من تلك لجمعها المعنى الكثير في اللفظ القليل، فإنك لا ~~تفاضل بين فنين أحدهما قاصر بطبيعته عن مرتبة الفن الآخر، ولكنك تفاضل بين كلامين؛ أحدهما ~~فاضل في الفن نفسه، والآخر مفضول فيه. # أما إذا قلت: إن الشعر أفضل من القصة؛ لأن الشعر من شأنه أن يجمع المعنى الكثير في اللفظ ~~القليل، فتلك هي المفاضلة بين طبيعة الشعر وطبيعة القصة، وإن بلغت في بابها غاية ~~الإتقان. # ونرجع إلى التمثيل بالذهب والحديد، فنقول: إن ترجيح ذهب على ذهب بخفة الوزن يدل على أن ~~أحد الذهبين ذهب ناقص، وأن الذهب الآخر ذهب كامل، ولا يفيدنا شيئا في الموازنة بين هذا ~~المعدن وغيره من المعادن. # ولكننا إذا قلنا: إن قليل الذهب أغلى من كثير الحديد، فلا يلزم من ذلك أن الحديد ناقص في ~~صفاته المعدنية؛ لأنه قد يكون في بابه على غاية من الجودة والمتانة، وإنما يلزم منه أن معدن ~~الذهب أغلى من معدن الحديد. # وهذا بعينه الذي قصدنا إليه حين قلنا: إن قليل الشعر يحتوي من الثروة الشعورية ما ليست ~~تحتويه الصفحات المطولات من الروايات، فإن احتياج القصة ms157 إلى التطويل لبلوغ أثر الشعر الموجز ~~هو وحده الذي يبين لنا أن قنطارا من القصة يساوي درهما من الشعر، وأن القصة في معدنها دون ~~الشعر في معدنه؛ لأن النفاسة هي أن يساوي الشيء القليل ما يساويه الشيء الكثير. # أيقول الأستاذ: إن خمسين صفحة من القصة لازمة للتصوير والحوار الذي يتحقق به سياق ~~القصة؟ # حسن، فهذا اللزوم نفسه هو الذي ينزل بها دون منزلة الشعر في متعة الذهن والخيال؛ لأن ~~الشعر بغير حوار وبغير تمهيد من أمثال تلك التمهيدات القصصية يعطينا في خمسين صفحة أضعاف ما ~~نعطاه في تلك الصفحات، بل هي لا تعطينا في القصة شيئا إلا إذا وصلت بعد التمهيد والحوار ~~إلى مادة الشعر في لبابها، وهي التصوير والخيال. # وقال الأستاذ عن المقياس الثاني: «أما المقياس الثاني فأحسبه ليس كذلك فاصلا، فالطبقات ~~الدنيا في الثقافة أو في الأخلاق لا تروج عندها إلا أنواع خاصة من القصص ليست هي التي يفاضل ~~بينها الكاتب وبين الشعر، وكما يروج عندهم نوع من القصص رخيص كذلك يروج عندهم أنواع من ~~الشعر رخيصة، على أننا نجد أن ميل العامة ليس دائما إلى القصص، فهناك من الأمم ما يميل ~~عامتها وخاصتها إلى الشعر ويروج عندهم ...» # ونقول نحن: إن ميل بعض العامة إلى الشعر صحيح، ولكن حين يكون الشعر قصة، وحين يكون الشعر ~~من قبيل ملاحم الهلالي والزير سالم، أما حين يكون الشعر وصفا كوصف ابن الرومي أو البحتري، ~~وحكمة كحكمة أبي الطيب وأبي العلاء، وفخرا كفخر الشريف وأبي فراس، فالعامة لا تفضله على ~~القصص التي تفهمها، وإن أسفت غاية الإسفاف. # ومما لا شك فيه أن عدد النسخ التي تصدر من ديوان المتنبي في الطبعة الواحدة أقل من عدد ~~النسخ التي تصدر من ألف ليلة وليلة، أو من الروايات العصرية التي تتداولها الأيدي مرة في كل ~~شهر أو مرة في كل أسبوع، وهذا مع إقبال القراء على ديوان المتنبي لغرض غير لذة المطالعة، ~~وهو غرض الدرس أو المحاكاة، ومهما يكن من طبقة القراء الذين يقبلون على ms158 تلك الدواوين وتلك ~~الروايات، فلا نزاع في أن الروايات إنما تروج لأن تحصيل لذتها أسهل وأقرب من تحصيل لذة ~~الدواوين، وليس لارتفاعها عليها في طبقة الفن وملكة التأليف. # وقد يأكل الفقير اللحوم ويأكل الغني البقول، ولكننا لا نستطيع أن نقول من أجل ذلك: إن ~~البقول طعام الأغنياء، وإن اللحوم طعام الفقراء. # وكذلك قد يوجد من العامة من يقرأ الشعر حتى الرفيع منه، كما يوجد من الخاصة من يقرأ القصة ~~حتى الوضيع منها، ولكننا لا نستطيع أن نقول من أجل ذلك: إن الشعر هو قراءة الجهلاء، وإن ~~القصة هي قراءة المثقفين. # الفصل التاسع والثلاثون # | ندرة البطولة # كتب العالم الفاضل الأستاذ أحمد أمين بك مقالا في الرسالة ذهب فيه إلى أن البطولة قد ~~ندرت في العصر الحديث، فلا تجد في الشعر أمثال بشار وأبي نواس وابن الرومي، ولا في النثر ~~أمثال ابن المقفع والجاحظ وسهل بن هارون، ولا في السياسة أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن ~~العزيز، ولا في الغناء أمثال إسحاق الموصلي وإبراهيم بن المهدي، وعلل ذلك على الجملة ~~بانتشار التعليم وكثرة المتوسطين بين الناس. # وقد ناقشه صاحب الكتاب بالمقال الأول من المقالين التاليين، فنادى الأستاذ قائلا: «إن ~~كثرة العلماء والفنانين في عصرنا الحاضر حجة لي لا علي؛ وهي السبب في أننا لا نعدهم ~~نابغين ولا أبطالا.» إلى أن قال: «فعصرنا الحاضر طابعه طابع المألوف والمعتاد لا طابع ~~النابغة والبطل، وإن كان مألوفنا ومعتادنا أرقى من نابغة القرون الماضية وبطل القرون ~~الماضية.» # وفي المقالين التاليين بيان لوجهة النظر الأخرى في هذا الموضوع: # 1 # العالم الفاضل الأستاذ أحمد أمين يروي ما يتحدث به فريق من المتشائمين حين ينعون على ~~العصر الحديث ندرة البطولة، وقلة النبوغ، ويسأل معهم: «هل تجد في الشعر أمثال بشار وأبي ~~نواس وابن الرومي وابن المعتز وأبي العلاء؟ وهل تجد في النثر أمثال ابن المقفع والجاحظ ~~وسهل بن هارون وعمرو بن مسعدة؟! وهل تجد في الغناء أمثال إسحاق الموصلي وإبراهيم بن ~~المهدي؟» وقس على ذلك بطولة الحرب والسياسة والزعامة ms159 وسائر البطولات. # ثم يعقب الأستاذ على ذلك قائلا: «يظهر لي مع الأسف أن الظاهرة صحيحة، وأن الجيل ~~الحاضر في الأمم المختلفة لا يلد كثيرا من النوابغ، ولا ينتج كثيرا من الأبطال، وأن ~~طابع هذه العصور هو طابع المألوف والمعتاد، لا طابع النابغة والبطل.» ثم يستعرض الأسباب ~~ويختمها بقوله: «ما أحق هذا الموضوع بالدرس وتناول الكتاب له من وجوهه المختلفة!» ~~والموضوع - كما قال الأستاذ النابه - حقيق بالدرس والتناول من وجوه مختلفة، وليس له ~~أوان يفوت بفواته، فإذا شغلتنا موضوعات أخرى عن تناوله في الأيام الماضية، فليس ما يمنع ~~اليوم أن نبدي الرأي فيه. # رأينا أننا نخالف الأستاذ مخالفة النقيض للنقيض، ونعتقد أن العصر الحديث أغنى ~~بالبطولة والنبوغ من كل عصر سلف بغير استثناء ولا تحفظ ولا تغليب للظن والاحتمال، وأنه ~~ليس أسهل ولا أقرب من ظهور خطأ المتشائمين فيما وصلوا إليه من نتيجة؛ لأنه ليس أسهل ولا ~~أقرب من ظهور الخطأ فيما اعتمدوه من قياس. # إن الوجه في المقارنة بين جيل وجيل أن نحصر الزمن وأن نحصر المزايا، وأن نحصر العناصر ~~التي تقوم عليها شهرة الأدباء أو الأجيال. # وهذا الذي ينساه المفاضلون بين عصرنا الحديث والعصور الغابرة كل النسيان. # فمن أمثلة ذلك: «هل تجد في الشعر أمثال بشار وأبي نواس وابن الرومي وابن المعتز وأبي ~~العلاء؟» # فالذين يسألون هذا السؤال يحسبون الماضي كله عصرا واحدا يقابله عصر واحد من الحاضر ~~هو العصر الذي نعيش فيه ... وينسون أن الزمن الذي نشأ فيه بشار والمعري يمتد من أواسط ~~القرن الثاني للهجرة إلى أواسط القرن الخامس؛ أي نحو ثلاثمائة سنة! # وينسون أن المكان الذي نشئوا فيه يمتد من العراق إلى الشام، ومن الحضر إلى ~~البادية. # وينسون أن العصر الحاضر الذي نعيش فيه لا يمتد إلى أكثر من أربعين أو خمسين سنة، وهو ~~الزمن الذي يبدأ بفتوة الشاعر وينتهي بوفاته. # وإنما الوجه أن يحضروا أربعين أو خمسين سنة من العصور القديمة، ثم يعقدوا المقارنة ~~بين هاتين الفترتين، فإنهم ليدركون إذن حقيقة التفاوت بين عصرنا الحاضر ms160 وبين كل عصر من ~~تلكم العصور. # كذلك ينسى النعاة على المحدثين أن يسألوا أنفسهم: ما هي المزية التي كان بها النابغ ~~القديم «أنبغ» من قرينه الحديث؟ فلا يسألون مثلا: ما هو كتاب الجاحظ الذي يستعجزون ~~أبناء عصرنا عن الإتيان بنظيره؟ فإن لم يكن كتاب، فما هو الموضوع، وإن لم يكن موضوع، ~~فما هو المقال أو الجملة أو العبارة؟! ولو كلفوا أنفسهم سؤالا كهذا لمالت معهم كفة ~~الميزان، وعلموا أن الجاحظ ومن هم أكبر من الجاحظ يحتاجون إلى أن يتتلمذوا على أناس من ~~المتخلفين، وقلما يعتزون بمزية واحدة لا يعدلها نظير من مزايا المتأخرين. # وأعجب من ذلك حديثهم عن الموصلي وإبراهيم بن المهدي، ومن جرى مجراهما من المطربين في ~~العصور الأولى، فماذا سمعوا من هذا أو ذاك؟ ومن أين لهم أن الموصلي يبلغ شأو سلامة ~~حجازي أو السيد درويش أو أم كلثوم، فضلا عن السبق الذي لا يجارى والبون الذي لا ~~يدرك؟ # أما أنا فأغلب الظن عندي أن الأمر معكوس، وأن ألحان الموصلي لا تعدو أن تكون مزيجا ~~من تنغيم البدو وصبغة الحضارة المستعارة والآلات الناقصة، وكل ما يأتي على هذا الخط ~~معروف الأصول، معروف النطاق، وإن يكن معروفا بحروف النوطة وأصوات السماع. # كذلك ينسى المتشائمون أن يتقصوا عناصر الشهرة في العصور القديمة قبل أن يعقدوا ~~المقارنة بينها وبين نظائرها في العصور الحديثة. # فدع أنهم ينسون أن يرجعوا إلى وقائع قائد مثل يوليوس قيصر أو الإسكندر المقدوني أو ~~جنكيز خان قبل أن يرجحوهم في فنون الحرب على فوش وهندنبرج ومصطفى كمال، ولو أنهم رجعوا ~~إلى تلك الوقائع لما أكبروا من شأن الانتصار فيها كل ذلك الإكبار. # ودع أنهم ينسون أن كل حرب لا بد فيها من ظافر ومن مهزوم، وأن الظفر وحده ليس بشيء إن ~~لم ننظر معه إلى عوامله ودواعيه، ونتبين أنها صالحة للتكرار في كل وقعة وكل حين. # ودع أنهم ينسون أحكام المصادفات والعوارض، وأنها تندر في الزمن الحديث وتكثر في الزمن ~~القديم. # دع هذا جميعه، فقد يكون في ms161 نسيانه بعض أعذار لمن ينسون، ولكن كيف تراهم يجارون ~~الأقدمين في مبالغاتهم عن هؤلاء العظماء، وهي قائمة على دعاوى وأكاذيب، نحن على يقين من ~~بطلانها كل البطلان؟ ألم يكن هؤلاء العظماء أربابا وأنصاف أرباب وقديسين وأشباه قديسين ~~في رأي الأقدمين؟ فكيف نقابل بينهم وبين خلفائهم في عصرنا قبل أن نسقط في الميزان تلك ~~المبالغات وتلك الدعاوى والأكاذيب، إن هذا لخليق أن يضيف إلى فضل المتأخرين، لا أن يغض ~~معه ويحيف عليه؛ لأنهم - وهم آدميون ليس إلا - يوضعون في الميزان أمام أرباب وأنصاف ~~أرباب. # ليس في تاريخ بني الإنسان منذ بدايته إلى يومنا هذا عصر يعرض لنا من عجائب الحوادث ~~والأمم والأفراد مثال ما يعرضه لنا العصر الذي نحن فيه. # ليس في تاريخ بني الإنسان عصر برز فيه من البطولة والمغامرة والدهاء والقدرة، والصبر ~~على النصر والهزيمة مثل ما برز أمامنا في الحرب العظمى. # وليس في تاريخ بني الإنسان عصر تولى فيه عروش القياصرة والخواقين والأكاسرة وقبض فيه ~~على أعنة السلطان رجال من «أبناء الشعب» كمصطفى كمال، ورضا بهلوي، وستالين، وموسوليني، ~~وهتلر، وكابللرو، وكرديناس، وماذا عندنا من الأدلة على أن العصاميين في الزمن القديم ~~كانوا أعجب وأدنى إلى البطولة في صنيعهم من هؤلاء؟ # وليس في تاريخ بني الإنسان عصر واحد عرض لنا من نخوة الحب وفروسية العاطفة مثل ما ~~عرضه لنا العصر الحاضر في غرام ملك الإنجليز السابق، وصديقته السيدة سمبسون، فماذا ~~عندنا من الأدلة على أن غرام هيلانة في طروادة المزعوم كان أعجب وأدنى إلى البطولة من ~~هذا الغرام؟ وليس في تاريخ بني الإنسان عصر واحد عرض لنا من أطوار الشعوب ما عرضته لنا ~~الثورة الإسبانية، والثورة الروسية من قبلها، وعرضته معها الثورات في مصر والهند ~~والصين، فماذا عندنا من الأدلة على أن عصر الثورة الفرنسية، أو عصور ثورات اليونان ~~والرومان كان لها نصيب من العجب، وجلائل الخطوب أوفى من هذا النصيب الذي شهدناه؟ # وليس في تاريخ بني الإنسان عصر أنجب في كل أمة نموذجا يمثلها، كما أنجب عصرنا سعد ms162 ~~زغلول وغاندي وسون ياتسن وشيان كاي شيك وفيصلا وابن سعود. # وليس في تاريخ بني الإنسان عصر فيه ما في عصرنا من الحقائق التي تشبه الخيال والعبر ~~التي تشبه نوادر الأمثال، والشواهد التي تتعدد على كل ملاحظة من ملاحظات النفس ~~الإنسانية، والبواعث القومية، والطوارق السياسية ... فعندنا وعلى مسمع ومشهد منا مصداق كل ~~رأي حام في ذهن فيلسوف، وتطبيق كل مذهب دعا إليه داعية قديم أو حديث في عالم النظريات، ~~وليس في تاريخ بني الإنسان مخاطرات أهول ولا أنبل من مخاطرات ركاب الطيارات والمظلات ~~والغواصات المتفجرة، والسفن المدمرة التي يقع فيها الخطر كل يوم ويقع فيها الإقدام كل ~~يوم، ولا مبالاة بالموت ولا بالخطر كأنهما رياضة من اللهو، أو لعبة من ألعاب ~~الرهان. # فإن كنا لا نسمي ما نبصره ونسمعه عجائب وروائع، ولا نحسبها معارض للبطولة والنبوغ، ~~فقد غيرنا الأسماء وقد بدلنا اللغة، وقد أصبحنا مطبوعين على النظر إلى البعيد دون النظر ~~إلى القريب. # نعم إننا ننظر حولنا إلى عظيم في الشعر من طراز شكسبير، فلا نرى له ندا بين الشعراء ~~المعاصرين، ولكن النوابغ من طراز شكسبير تتساوى فيهم جميع العصور، ولا يستأثر بهم القرن ~~الذي نبغوا فيه، وهكذا كان أبناء القرن السادس عشر خلقاء أن يبحثوا في زمانهم عمن ~~يضارعون نوابغ القرن العشرين في العلم والاختراع والموسيقى والفن كافة، فلا يجدوا بينهم ~~أندادا لهم يضارعونهم كثرة وقيمة ... وإن العصر الحديث مع هذا ليفهم قصائد شكسبير خيرا ~~مما فهمها معاصروه، ويقدره خيرا مما قدروه، ويمثل رواياته أكثر وأجمل وأبرع وأكفل ~~بالإقبال والإعجاب مما كانوا يمثلونها في حياته. # أذكر أنني رأيت منذ سنوات في إحدى الصحف الإنجليزية صورا لبعض العظماء الغابرين في ~~أزياء العصر الحديث شفعتها الصحيفة بهذا السؤال: هل تعرفهم؟ # وحق للصحيفة أن تسأل سؤالها الآن؛ لأن الصور التي رأيناها لأولئك العظماء قد سلبتهم ~~كثيرا من الهيبة، وبدلت ما حولهم من هالات الفوارق والمسافات التي يوحيها اختلاف ~~المظاهر والأزياء. # وإن حاجتنا اليوم لشديدة إلى متحف يستعرض لنا عظماء الأمس في أزياء اليوم، ms163 وعظماء ~~اليوم في أزياء الأمس؛ لنعرف مقدار ما نضيفه إلى الغابرين من هيبة الفوارق والمسافات، ~~ومقدار ما نسلبه المعاصرين من جراء الألفة والمقاربة. # فإن تعذر علينا أن نرسم ذلك المتحف عيانا فلنرسمه بالظن والتقدير، ولنرجع إذن إلى ~~مقاييسنا وموازيننا نلمس مواضع الزيادة والنقصان فيها، ونصلح جوانب الغلو والبخس في ~~كفايتها، ونغنم تصحيح الميزان في الحكم على الرجال والأزمان؛ لأن هذا التصحيح غنيمة ~~أنفس وأجدى من تفصيل نابغ على نابغ، أو ترجيح جانب على جانب، إذ لا ضرر ولا قصور في ~~اختلاف التفضيل والترجيح متى صحت النظرة واستقام القياس، تلك هي الحقيقة فيما يقال عن ~~ندرة البطولة والنبوغ بيننا كما أراها، أما تواتر القول بندرتها بين جماعة من الناقدين، ~~منهم أناس فضلاء محبون للإنصاف، فله أسباب قد تعود إلى تفصيلها ومناقشتها. # 2 # إن كان هذا - يا أخي - هو الذي أردت فأظن أنه لا يرد علي بمزايا العصر ~~الحاضر، وعلم العصر الحاضر، وفن العصر الحاضر، وإذا كان النبوغ في السبق وكانت ~~المقارنة بين عصرين بقياس مسافتي البعد، فأرجو أن نكون على وفاق فيما ذكرت ~~وذكرت. # وموضع الوفاق بين ما قال الأستاذ وما قلت: أننا لا ينبغي أن نقيس علم السابقين إلى ~~علم المحدثين، فليست المقارنة بين مقدار ما نعلم ومقدار ما يعلمون، وإنما المقارنة بين ~~الملكات في الزمن الماضي، والملكات في الزمن الحاضر، وهذا ما نختلف عليه؛ إذ لا موجب ~~عندي لأن تكون ملكات النابغين في عصرنا أقل مما كانت في عصر الأقدمين. # إن النبوغ صفة في أصحابها وليست صفة في غيرهم، فإذا تعلم غير النابغين أو لم يتعلموا، ~~فصفة النبوغ باقية في أصحابها سواء ظهروا بين المتعلمين أو ظهروا بين الجهلاء، وكل ما ~~هنالك من فرق أن النابغة الذي يظهر بين المتعلمين أنبغ من زميله الذي يظهر بين الجهلاء، ~~وتلك شهادة للنابغين في العصر الحديث تضاف إلى ميزان الحسنات والمرجحات. # ومسافة البعد بين النابغ القديم ومعاصريه هي مسافة البعد بين نابغينا، وأبناء عصرنا ~~إذا نحن تجاوزنا مسألة التعليم ووفرة المتعلمين؛ لأن ms164 النبوغ ملكة مطبوعة، والمسافة بين ~~المطبوعين وغير المطبوعين اليوم هي هي المسافة بين الفريقين قبل مائة عام أو ألف عام، ~~فليس فضل إديسون في زماننا أنه يعرف في علم الضوء وعلم الصوت ما ليس يعرفه أبناء عصره، ~~ولكنما فضله أنه نابغ وهم غير نابغين، فأفاد بالعلم اليسير ما لم يفده الآخرون بالعلم ~~الغزير، وظلت المسافة بينهم وبينه في النبوغ كالمسافة بين أرخميد ومن عاصروه من غير ~~النابغين، وإن اختلف العصران في شيوع العلم وكثرة المتعلمين. # يقول الأستاذ الفاضل: «مقياس النابغة في نظري أن يفوق أهل زمانه، ويسبقهم في فنه أو ~~علمه أو أدبه حتى لا يدركوه إلا بعد أزمان، وعلى مقدار هذا السبق يكون النبوغ، فسيبويه ~~نابغة في النحو؛ لأنه رأى من قواعده ما عجز أهل زمانه عن النظر إليه.» # وأنا أقول كما يقول الأستاذ: إن النابغة يفوق أهل زمانه في معرض من معارض العلوم ~~والفنون، ولكني لا أقول: إن عصرنا لم ينحب أمثال سيبويه، بل أقول: إن سيبويه لو عاش في ~~عصرنا لما فاق نوابغه الأحياء، وإن نوابغنا الأحياء لو عاشوا في عصره لما قصروا عن ~~شأوه؛ لأن الملكات التي تعرف وحدة الأسماء والأفعال بين لغات أوروبا ولغات آسيا لا تقل ~~عن الملكات التي تعرف الوحدة أو الاختلاف بين قبيلة وقبيلة من أبناء البادية؛ لا لأن ~~الأمر يرجع إلى كثرة المتعلمين عندنا وقلة المتعلمين قبل نيف وعشرة قرون. # وعندي أن المعاصرين ينظرون إلى نوابغهم وأبطالهم، كما كان الأقدمون ينظرون إلى ~~النوابغ والأبطال في عصورهم، إلا من كان منهم موسوما بسمة الدين أو محوطا بهالة ~~الإيمان، فالأستاذ يقول: إن نابليون ظهر «فاستبعد الناس وأجرى الدماء أنهارا، وقلب ~~الممالك رأسا على عقب ودوخ الدنيا، فكان نابغة حقا في ناحية، وبيننا الآن في عصرنا ~~من هم أعلم منه بفنون الحرب، ومن هم أقوى منه إرادة وأبعد نظرا، ولكن من الصعب أن ~~نسميهم نوابغ؛ لأن الناس ليسوا مغفلين كما كانوا أيام نابليون؛ ولأنه وحده كان هو ~~القاهر المريد، ومن حوله كانوا المنفذين المأمورين، ms165 فظهر ولم يظهروا ونبغ ولم ينبغ ~~بجانبه إلا قليل.» # فليت الأمر كما يبشرنا الأستاذ من هذه الناحية، إنما الواقع أن أحدا من أبناء القرن ~~الثاني عشر لم يناد بأن الإمبراطور معصوم، كما ينادي الفاشيون من أبناء القرن العشرين ~~بعصمة «الدوتشي» وطاعته بغير تفكير ولا امتعاض. # والواقع أن نابليون لم يجسر يوما على صنيع كالذي صنعه «الفوهرر» قبل ثلاث سنوات من ~~«تطهير» البلاد بلا محاكمة ولا سؤال. # وقد كان «لنين» ينحي على القديسين، ولا يعترف للعظماء بأثر في توجيه التاريخ إلا ~~الأثر الذي يعترف به الشيوعيون، فلما مات أقاموا له ضريحا لم يحلم به كاهن ولا راهب في ~~عهد القياصرة أو عهد الكنائس والقديسين. # وإننا لنسمع كل يوم عن الألوف التي تندفع حول نوابغ الصور المتحركة للظفر بتوقيع ~~بطاقة أو صورة شمسية، كما نسمع بالألوف التي تندفع من أجل هذا حول أبطال الألعاب ~~الرياضية، وأبطال السياحة والطيران، وأشباههم من أصحاب الشهرة في كل ميدان يتصل ~~بالجماهير. أما العلماء والأدباء فمن نبغ منهم واشتهر فليس نصيبه من الإعجاب والجزاء ~~بأقل من نصيب أمثاله قبل أجيال وأحقاب، ومن لم ينبغ ولم يشتهر فله قرناء يماثلونه بؤسا ~~وغبنا وشظفا في أقرب العصور وأبعد العصور . # لا، بل نحن لا نستثني أصحاب المكانة الدينية على إطلاق الاستثناء، فما يربحه الدعاة ~~باسم الدين اليوم لا يقل عما كانوا يربحونه في الأيام الخالية، والثقة بأغاخان اليوم ~~وهو يعيش في أوروبا عيشة المترفين المتطلقين لا تقل عن الثقة بإمام زاهد عاكف على ~~العبادة كان يعيش في صومعته قبل عصر الكشف والاختراع. # ولم ننفرد نحن بإكبار البعيد في الزمان أو المكان، وترجيحه على أنداده وقرنائه الذين ~~نراهم رأي العين، ونعرفهم بالمصاحبة واللقاء، فقديما كانوا يقولون: إن زامر الحي لا ~~يحظى بإطراب، وقديما كان الجاحظ يكتب الرسائل وينحلها الكتاب الأسبقين ليحظى بالإصغاء ~~والتقريظ. # وأحسب أن إيثار الماضي على هذا النمط له علة شائعة، بل علل شائعات لا تنحصر في وقت ~~ولا يخلو منها قبيل. # فالماضي يشبه المثل الأعلى؛ لأنه غائب عن ms166 الأنظار كالمثل الأعلى في هالاته وخيالاته، ~~أما الحاضر فهو كالواقع المحسوس الذي نحب أبدا أن نتجاوزه ونطمح إلى ما وراءه. # ولقد كان المشركون ينكرون النبي - عليه السلام - ولا ينكرون منه إلا أنه «يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق»، ترى، هل كان الأنبياء فيما مضى لا يأكلون طعاما ولا يمشون في سوق؟ ~~كلا بل كانوا يأكلون ويمشون، ولكنهم بعدوا واحتجبوا فخيل إلى غير معاصريهم أنهم ~~مختلفون. # ومن العلل التي تجنح ببعضهم إلى تهيب «السلف الصالح» أننا ننظر إليهم كما ننظر إلى ~~الآباء والأجداد، كأنهم كبار ونحن صغار؛ لأنهم ولدوا قبلنا بمائة عام أو مئات من ~~الأعوام، وينسى المتهيبون أن السابقين كانوا أطفالا في سن الطفولة، وأننا سنصبح شيوخا ~~مع السنين أو نربي في الشيخوخة على أولئك الآباء والأجداد. # ومن تلك العلل ما أومأنا إليه في مقالنا الأول عن سهو الذين يقارنون بين الماضي ~~والحاضر، فيجعلونهما كفتين تتساويان في نطاق الزمان والمكان، مع أن الحاضر زمن واحد، ~~والماضي حاضر قد تكرر عشرات ومئات. # وعندنا - نحن الوارثين للثقافة العربية - سببان آخران لا يلحظان بهذه القوة في جميع ~~الشعوب: أحدهما أن العربي يعتز بالأنساب وينوط الفخار كله بماضيه؛ لأنه من سلالة ~~القبائل التي تغلب فيها العصبية، وترسخ فيها الأصول. # والثاني أن الماضي أقرب إلى منشأ الدين، فيخيل إلينا أن الأقدم فالأقدم هو الأصلح، ~~فالأصلح والأعلم فالأعلم، وإن لم تدلنا الدلائل على اطراد هذا القياس. ~~••• # تلك الأسباب كلها خليقة أن تضاعف احتراسنا كلما عمدنا إلى الموازنة بين حاضر وغائب ~~وقريب وبعيد، فهي صنجة تؤخذ من كفة الأقدمين، وتضاف إلى كفة المحدثين في ميزان الإنصاف، ~~ومما لا شك فيه أن ملكات النبوغ لا تقل في عصرنا، بل هي أحجى أن تزيد وتنشط، بل هي قد ~~زادت ونشطت فعلا باتساع مجال السعي والمنافسة والتفكير والاستنباط ... ومما لا شك فيه أن ~~الأقدمين لم ينظروا إلى معاصريهم إلا كما ننظر نحن إلى معاصرينا، وأنهم لم يشعروا قط ~~بتلك المهابة التي نضفيها عليهم الآن، ولا بذلك الترجيح الذي نمخضهم إياه. أما ms167 أنهم ~~كانوا يرون نوابغهم وأبطالهم كما نراهم الآن فذلك ما نخالف فيه الأستاذ؛ لأنه خلاف ~~المعهود والمروي والمسطور، وهبهم أكبروا معاصريهم لأنهم قلائل، وأصغرنا معاصرينا لأنهم ~~كثيرون لا نادرون كما يقول الأستاذ الفاضل، فإنما يكون ذلك كالذهب الذي يكثر تداوله ~~فيرخص سعره وهو ذهب لا شك فيه، وإنما يكون النبوغ نبوغا ولا يكون شيئا آخر مهما يكن ~~حظ الناس من التعليم؛ لأنه ملكة في الطباع لا يختلف كنهها، وإن اختلفت أنظار الناس ~~إليها، ولا تزال الإنسانية بحاجة إلى الكثير منها والقليل. # وخلاصة القول: أننا نستطيع أن نقول مع الأستاذ الكبير: إن النبوغ في عصرنا كثرة لا ~~ندرة، ولا نستطيع أن نقول معه: إن المسافة بين النابغ وسواد الناس تقترب في العصر ~~الحديث؛ لأن ازدياد التعليم يزيد نصيب المتعلم من المعرفة، ولا يخوله فطرة أخرى ولا ~~ملكة مطبوعة، كتلك التي يخلق بها النابغون الممتازون. # الفصل الأربعون # | توارد الخواطر # قبل أربع عشرة سنة كتب صديقنا الأستاذ المازني مقالا عن الخيام ألمع فيه إلى تصوف ~~الخيام، واستغرب أن يدين رجل مثله بخيالات المتصوفة، وشطحاتهم البعيدة عن تحقيق العلم ~~وتقرير الواقع؛ لأنه «كانت له موهبة تنأى به عن التصوف؛ ذلك أنه كان رياضيا بارعا ، ومما ~~يذكر له في هذا الباب تنقيحه التقويم السنوي تنقيحا أظهر فيه من الحذق والأستاذية ما أطلق ~~لسان جيبون المؤرخ الإنجليزي بالثناء عليه، وله كذلك طائفة من الجداول الفلكية ومؤلف في علم ~~الجبر بالعربية. والذهن الرياضي مجاله وعمله ضبط الحدود والحصر، وتعليق النتائج بأسبابها ~~والمعلول بعلته، وهو عمل يتطلب من الدقة والعناية والترتيب والتبويب ما لا يطيقه أو يقوى ~~عليه ذهن المتصوف، ومن العجيب أن فتزجرالد لم يفطن إلى دلالة هذا، ولا خطر له أن يسوق هذه ~~الحجة فيما ساقه لتبرئة الخيام من التصوف.» # ومن رأيي الذي لا أزال أراه أن الملكات الرياضية أقرب الملكات إلى التصوف والفروض ~~البعيدة، والعقائد الخفية، فكتبت يومئذ بصحيفة البلاغ مقالا عن القرائح الرياضية والتدين، ~~ناقشت فيه رأي الأستاذ المازني وبينت فيه أسباب العلاقة بين ms168 القريحة الرياضية وبين التدين ~~والإيمان بالغيب، وأهمها أن حقائق الرياضة ذهنية وليست خارجية، فهي أقرب إلى الفروض وأبعد ~~عن مراجعة الواقع الذي يراجعه علماء الحس والتجربة والمشاهدات العملية، فاعتماد الرياضيين ~~على البديهة أكثر من اعتمادهم على الملاحظة، واستعانتهم بالفرض أكثر من استعانتهم بالتجربة، ~~وموقفهم أمام المجهول موقف من يسلم به فرضا، ولا يستبعد فيه أي شيء، وهذا سر تدينهم ~~وإخباتهم وميلهم إلى تصديق المعجزات والخفايا، وما شاكلها مما يلي البديهة الغامضة ولا تكاد ~~تجمعه بظواهر الأشياء صلة. وفي عصرنا هذا لم يشتهر أحد من الرياضيين كما اشتهر أوليفر لودج ~~الإنجليزي وفلامريون الفرنسي وإديسون الأمريكي، وكلهم من أعظم علماء الرياضيات، وكلهم ~~مسترسل في إثبات أسرار الروح، وكشف غوامض الاستهواء. # قلنا: «لهذا تتآخى فروع هذه الحقائق أحيانا، وتتآلف العلوم التي تبحث فيها، وتتقارب ~~الملكات التي تكون في المشتغلين بها، فيكثر من يجمع بين الفلسفة والرياضة، ولا يندر أن ترى ~~من يجمع بينهما وبين الموسيقى معا، فالفارابي مثلا كان رياضيا مبتكرا في الموسيقى، ~~وفيثاغوراس - وهو من أقدم فلاسفة ما وراء الطبيعة عند اليونان - كان يبني فلسفة الكون كله ~~على النسب الموسيقية بين الأعداد، وقد مر بمصر قبل أيام نابغة من أفذاذ الرياضة هو ألبرت ~~أينشتين صاحب فلسفة النسبية، التي دهمت الناس ببدع شتى في تعريف الوقت والفضاء، يكفي أن ~~نذكر منها أن الخط المستقيم ليس من اللازم أن يكون أقرب موصل بين نقطتين، وهو فيلسوف رياضي ~~وموسيقار بارع في العزف على القيثار، وليس يخفى الشبه القريب بين ملامح العظماء من الفلاسفة ~~والرياضيين، وملامح العظماء من نوابغ الموسيقيين، فقد تلتبس عليك صورهم حتى لا تكاد تميز ~~بعضهم من بعض، ولا سيما في نظرات العين وسعة الجبهة وارتفاعها ...» ومن ذلك أن ينبغ العازفون ~~والحاسبون والعدادون في الطفولة الباكرة وفيما دون الخامسة أحيانا، ولا يحصل ذلك في سائر ~~العلوم. # ذكرني ذلك البحث القديم الجديد اتفاق عجيب بين أمور متعددة لا رابطة بينها في هذه ~~الأيام. # فالأستاذ المازني يكتب عن توارد الخواطر، وفي مقالي الأخير بالرسالة كلمة ms169 عن الرياضيات، ~~واتصالها بعالم الروح، وبينا أفكر في هذه الموضوعات إذا بكتاب جديد يصدر من مطبعة «جولانكز» ~~الإنجليزية عنوانه «عظماء الرياضيين» لمؤلفه الأستاذ «بل» الرياضي المشهور في الجامعات ~~الأمريكية، فتصفحته واستقصيت بعض تراجمه، فإذا به لا يقول ما قلته عن الصلة بين التدين ~~والرياضة والموسيقى والحقائق الفرضية، ولكنه يعرض لنا تراجم العظماء الرياضيين، وعجائب ~~آرائهم ونوادر صباهم وطرائف أخبارهم، فلا يسع القارئ إلا أن يخرج منه بتلك النتائج التي ~~أجملناها قبل أربع عشرة سنة، كأنها استقصاء ثم تلخيص لكل ما ورد في ذلك الكتاب. # من ذلك أن الرياضي الكبير سلفستر يقول: «ألا يجوز إذن أن توصف الموسيقى بأنها رياضيات ~~الحس، وأن توصف الرياضيات بأنها موسيقى العقل؟ وأن يقال: إن الموسيقار يحس رياضيا وإن ~~الرياضي يفكر موسيقيا؟ فالموسيقى هي حلم الحياة، والرياضة هي عمل الحياة، وكلتاهما تستوفي ~~نصيبها من الأخرى. يرتقي الذهن البشري إلى أوجه الأعلى ويسطع في مزدوج من العبقرية يجمع بين ~~موزار وديرشليه، أو بين بيتهوفن وجاوس، وهو الازدواج الذي تجلى وميض منه في عبقرية هلمهولتز ~~وأعماله.» # ومن ذلك أن الرياضي السويسري النادر المثال لونا إيلر الذي قيل فيه: إنه يصنع المعادلات ~~كما يتنفس الهواء، كان شديد التدين، وكان يصلي بالأسرة في منزله، وخطر له أن ينتقل من ~~ألعوبة دبروها في البلاط الروسي للفيلسوف «ديدرو» إلى الجد كل الجد في إثبات وجود الله ~~بالمعادلات الرياضية. فلما تمادى ديدرو في تكفير رجال الحاشية الروسية، ومجادلتهم في وجود ~~الله، تعمدت كاترين الكبيرة أن تداعبه وتفحمه من طريق الرياضيات التي كان يجهلها كما يجهل ~~اللغة الصينية، فوكلت به إيلر فواجهه في جد ورصانة، ولفق له معادلة وتحداه أن يجيب إن ~~استطاع الجواب ... فلم يدر الفيلسوف بماذا يجيب، وكانت أضحوكة البلاط إلى حين. # قال الأستاذ «بل» مؤلف الكتاب: «ولم يقنع إيلر بفكاهته الفاخرة، بل حاول بعد ذلك أن يجلو ~~الزنبقة وراح وهو جاد غاية الجد يركب المعادلات والبراهين الرياضية التي تثبت أن الله ~~موجود، وأن الروح مجردة من المادة، وقيل: إن هذه البراهين ms170 تسربت إلى فلسفة الفقه والتصوف ~~على أيامه، فكانت على الأرجح نخبة الأزاهير التي تتمثل فيها عبقريته الرياضية بمعزل عن ~~الشئون العملية.» # ومن ذلك أن جاوس الملقب بملك الرياضيين عرف تصحيح الحساب قبل بلوغ الثالثة من عمره، وكان ~~أبوه رئيسا لطائفة من العمال، فلما كان يوم السبت، واستدعاهم لإحصاء ما لهم وما عليهم ~~بمسمع من طفله الصغير غلط في الجملة، فصاح به الطفل: «يا أبتاه! ليس هذا بصحيح، وإنما ~~الصحيح كيت وكيت.» وروجع الحساب فإذا هو على صواب. # ويقول المؤلف: «ومما تشوق ملاحظته - لما هو معهود في الرياضيين من الميل إلى الموسيقى - ~~أن فيراستراس الكبير لم يكن يقبل الأنغام على ضروبها مع اتساع مشاركاته، فلم تكن تعنيه، ولم ~~يزعم هو أنها تعنيه.» # وعندنا أن هذا غريب حقيق بالملاحظة كما قال المؤلف، إلا أن غرابته تهون كثيرا متى ذكرنا ~~أن فيراستراس هو القائل: إن الرياضي لا تستقيم له ملكة الرياضة إلا بقسط من الشاعرية فيه، ~~وأنه كان يعارض إخوته في تعلم الموسيقى؛ لأنهم كانوا يروضونه بها على الرقص وشهود ~~المجتمعات. # وكان «كبلر» يزعم أنه اهتدى إلى نسبة بين حركات الكواكب السيارة، ومواقعها تشابه النسب ~~التي بين الأنغام الموسيقية والمقامات. # وتتعدد الأقوال التي ترجع بتركيب الكون كله إلى النسب الرياضية، ولا سيما بعد ما ظهر في ~~السنوات الأخيرة من تحليل النور ورد المادة كلها إلى الإشعاع، ورد الإشعاع كله إلى مقدورات ~~عديدة يوشك أن تخرج به من عالم المادة إلى عالم الحساب. # فبعد مقال أفلاطون: «إن الله يهندس.» ومقال جاليلي: «إن كتاب الطبيعة العظيم مكتوب بلغة ~~الرياضيات.» ومقال جاكوبي: «إن الله يحسب.» يقول الأستاذ جينس في كتابه «الكون الخفي»، وهو ~~من أقطاب العصر الحديث: «إن مهندس الكون الأعظم قد بدا لنا اليوم محض رياضي ... وإن الكون ~~يلوح لنا رياضيا على منوال مخالف لكل معنى تصوره الفيلسوف «كانت»، أو كان في وسعه أن ~~يتصوره في أيامه، فإن الرياضيات بالإيجاز تهبط إلى الكون من عل ولا تصعد إليه من ~~الأدنى.» # ومن الاتفاق الذي ينساق في ms171 هذا المساق ما رواه الأستاذ جينس في كتابه المتقدم عن رأي ~~هكسلي في المصادفات وتوارد الخواطر، فهو يعتقد اعتقاده أننا لو أسلمنا الآلات الكاتبة إلى ~~ستة قرود يدقون على حروفها بغير قصد ولا معرفة، ملايين بعد ملايين من السنين لكان لزاما أن ~~يجيء الوقت الذي «تنكتب» فيه بهذه الوسيلة جميع الكتب التي في المتحف البريطاني. # ولا يخفى ما يرده هكسلي بهذه النكتة المنطقية، ولكنه على كل حال قد خرج بالمسألة إلى «ما ~~وراء الطبيعة»، وأبطل حكم العقل والإرادة فيها، فمهما يطل عمر الإنسان فما هو ببالغ أن يفسر ~~لنا على هذا النمط اتفاق الخواطر في صفحة واحدة، بله الألوف من المجلدات التي تحويها دار ~~الكتب البريطانية. # ولا حاجة إلى القرود الستة وملايين السنين والآلات الكاتبة لتعليل توارد الخواطر في ~~الآراء أو في العبارات، فإن علم النفس يغنينا، حيث لا يغني التطوح ملايين السنين وراء ~~المشهود والمحسوس، وقد كان علم النفس كافيا حتى الآن لتعليل حفظ العقول صفحات عديدة في ~~حالة «الغيبوبة»، أو حالة التنويم المغناطيسي أو حالة «التنويم الذاتي»، أو ما يشبه هذه ~~الحالات من عوارض الحمى العصبية، فإذا رأينا حالة كالتي رواها صديقنا الأستاذ المازني ~~يستوعب فيها الإنسان بضع صفحات، لا يخرم منها حرفا ولا نقطة ثم يعيدها، وهو معتقد أنه ~~يمليها من وحي بديهته فلنرجع إلى علم النفس في وصف العوارض، التي تأتي بهذه الغرائب، فإنه ~~لكفيل بتعليلها أو بإبداء مقطع الحق فيها. # وإنما العبرة من جميع ما تقدم أن نسأل: ترى لو صدر كتاب «عظماء الرياضيين» قبل كتابة ~~المقال الذي ناقشت به الأستاذ المازني منذ أربع عشرة سنة، أما كان أقرب الاحتمالات إلى ~~الذهن أنني قرأت ذلك الكتاب، واستوحيت منه التحليل الذي فرقت به بين عقول الطبيعيين وعقول ~~الرياضيين، وعقول الموسيقيين؟ أما كان من المستغرب يومئذ أن يقال: إنني لم أطلع على ذلك ~~الكتاب وإن كان مؤلفه لم يبسط فيه الرأي الذي بسطته، ولم يتجاوز أن جمع أخبار الرياضيين ~~وعجائبهم في سجل واحد؟ # فأما وصدور الكتاب بعد ms172 كتابة المقال محقق لا شك فيه، فهذا التوافق يبدو سهلا جائزا ~~خلوا من الغرابة، ومن ثم ينبغي أن نقدم الاستقراء العقلي - في تمحيص الخواطر المتواردة - ~~على استقراء التاريخ مع رجاحة هذا وصعوبة الاستغناء عنه؛ لأن استقراء التاريخ وحده لا يكفي ~~للبت في جميع الأمور. # ونعني بالاستقراء العقلي أن نمتحن ذهن الكاتب، وأن نتابع وجهته في تفكيره، فإذا عرفنا أنه ~~قمين أن يقول ما قال، وأن يخوض حيث خاض، ويتوجه حيث توجه، فالاتهام بعد ذلك ضرب من اللغو ~~والتمحل، وإن لم يكن كذلك فهو متهم ولو لم يكشفه استقراء التاريخ. # أما حين يقع الاتفاق في العبارات والحروف صفحات متواليات، فليس من المروءة أن نجزم ~~باستحالة ذلك قبل أن نحتكم إلى الاستقراء العقلي من طريق علم النفس، ودرس الذهن الذي تقع له ~~أمثال هذه الغرائب، فقد يهدينا الحكم الوئيد هنا حيث يضلنا الحكم السريع، ولا ضير علينا إذا ~~تطابق الحكمان في النهاية بعد الموازنة والمقابلة بين جميع الفروض. # الفصل الحادي والأربعون # | لا نخدع أنفسنا حتى يخدعونا # لم نخدع أنفسنا حتى خدعنا الأوروبيون عنها فانخدعنا! # ثم صدقنا أننا أهل عاطفة ولسنا أهل عقل، وأننا أهل خيال ولسنا أهل حس، وأننا أهل روح ~~ولسنا أهل مادة، وأننا لذلك مخفقون. # وأنا مع الذين يقولون: إننا لسنا أهل عقل ولا أهل حس ولا أهل مادة، ولكني لست ممن يقولون: ~~إن هذه «الليسية» توجب لنا نقيضها وتعطينا ما يقابلها، فنصبح أغنياء في الروح لمجرد أننا ~~فقراء في المادة، ونصبح نفاذين في الخيال لمجرد أننا محجوبون عن الحس، ونصبح و«العاطفة» ~~فياضة من نفوسنا لمجرد أننا مستريحون من العقل، أو واقفون منه عند ينبوع جديب. # فجائز جدا أننا لا عاطفيون ولا عقليون، ولا روحيون ولا ماديون، ولا خياليون ولا حسيون؛ ~~وأننا على نصيب نزر من جميع هذه الصفات، فلا تستلزم القلة في إحداها كثرة في نقيضها؛ لأن ~~الصفات الإنسانية لا تمشي عدلين عدلين متلازمين يعلو أحدهما حيث يهبط الآخر ضربة لازب، بل ~~قد ينعدم العدلان والبعير معهما في كثير ms173 من الأحيان ...! ~~••• # واليقين عندي أننا منذ زمن طويل فقراء في العاطفة محتاجون إليها أشد من حاجتنا إلى العقل ~~والعلم والحكمة وسائر مشتقاتها. # وكان هذا رأيي يوم ناقشني فيه فقيد العراق الأكبر جميل صدقي الزهاوي المصلح الحكيم، وكان ~~- رحمه الله - يسألني: بماذا عبر لندنبرج المحيط الأطلسي: أبالعقل أم بالعاطفة؟ فأجيبه: ~~«بالعاطفة» ... فإن العاطفة لا العقل هي التي أركبته الطيارة بعد أن فرغ العقل من تركيبها في ~~المصنع، وتركها حديدا لا تتحرك ولا تأتي بالفلق إلا أن تقدم بها عاطفة مجازفة لا تبالي ~~العقل، ولا تحفل بالسلامة. # والذي كان يسمعه - رحمه الله - يقسم حسبة الطيارة إلى كومين: كوم العاطفة وكوم العقل، ~~يخيل إليه أننا - نحن الشرقيين - قد ظفرنا منها بكل ما فيها من عاطفة وهمة وطموح ومغامرة ~~واستطلاع، ولم يبق منها للغربيين غير حفنة من مسامير ومطارق وأرقام، هي التي يرتع فيها ~~العقل ما يشاء! ~~••• # والآفة كلها من أوروبة نفسها. # فقبل اتصال أوروبة بالشرق لم يقل أحد من الشرقيين: إن الشرقيين أهل أحلام وخيالات، وإنهم ~~من رجال العاطفة وغيرهم من رجال العقل والواقع. # ولكن الأوروبيين وصفونا هذه الصفة فاغتررنا بها ومضينا فيها، ولا سند لها على الأرجح أقوى ~~من ألف ليلة وليلة وما جرى مجراها من القصص والنوادر، وهي كما نعلم ليست «بالخيال» في أي ~~سمة من سماته، ولكنها «واقع» مع إيقاف التنفيذ كما يقولون في لغة القانون! أو هي أحلام ~~الجائع في سوق الطعام، لا فرق بينها وبين الواقع إلا أن الجائع يستطيع الأكل فعلا، وهو ~~عاجز عن الأكل؛ لأن الأكل غير موجود! # فالخيال المزعوم عند الشرقيين هو «واقع ناقص» لا يحسب له فضل الواقع، ولا يحسب له فضل ~~الخيال. # ولو كان خيالا حقا لكان ابتكارا وخلقا وسعيا إلى عالم جديد، ولم يكن واقعا في كل ~~شيء إلا في أنه غير موجود. # فنحن واقعيون مفرطون في الواقعية. # وكل الفرق بيننا وبين الأوروبيين أن الأوروبيين واقعيون يجدون المائدة التي يأكلونها، ~~ولكننا نحن واقعيون نمضغ مائدة من الهواء ... ومن الخطأ جد الخطأ أن ms174 نسمى من أجل ذلك ~~خياليين أو حالمين. # أخياليون وحالمون لأننا نعيش في عالم ألف ليلة وليلة؟ فما عالم ألف ليلة وليلة إذن؟ عالم ~~قصور وموائد وكنوز وفتيات حسان ... عالم واقع ملموس تراه العيون وتذوقه الأفواه إلا أنه لا ~~ينال، وليس هذا هو الخيال. # بل الخيال هو فكرة يبيع الإنسان في سبيلها متاع الدنيا وكنوز الأرض وبهرج الحياة. # أو هو مثل أعلى لا تعرفه شهرزاد، ولا يتبعه صائغ البصرة، ولا تراه في ديوان من دواوين تلك ~~القصص التي هي وسوق الرقيق سيان. # وبودنا ألف ود لو يعظم نصيب الشرق من هذا الخيال. ~~••• # وقريب من هذا اعتقادنا أننا - نحن المشارقة - أهل السماحة والبر؛ لأننا لا نصول ولا نجول، ~~أو لا نصنع اليوم السلاح الذي نصول به ونجول! # فماذا يوم كنا نصنعه، أو يوم كان سلاحنا الذي نصل إليه كفيلا بالنصر على أعدائنا وعلى ~~العزل المستضعفين من جيراننا؟ # كنا نتغنى بالسيف كما لم تتغن أمة قط بسلاح، وكنا نعيب «رذيلة» السلم كما يعيبون اليوم ~~رذيلة الكفاح. # ولعل الأموال التي بذلت في الخير بين الغربيين لا تقل عن الأموال التي بذلت فيه بين ~~الشرقيين، ولعل جهودهم فيه لا تقل عن جهودنا، وثمرات أعمالهم فيه لا تقل عن ثمرات أعمالنا، ~~وعلامات البر في عصرنا الحديث لا تقل عن علاماته في سائر العصور. # فالإنسان إنسان حيث كان. # ذلك أصدق ميزان للخلائق الإنسانية في كل أمة وفي كل أوان. ~~••• # وأحرى بنا فيما نعتقد أن ننجو بعقولنا من أحلام الأوروبيين التي أفرغوها علينا لا من ~~أحلامنا نحن، فليست لنا بحمد الله أحلام من القوة بحيث تتقاضانا النجاة منها. # إن أناسا من هؤلاء الأوروبيين أفزعتهم بلادهم في القرن الثاني عشر وما بعده، فحلموا ~~بالشرق كما يحلم آكل الأفيون بما يراه في غيبوبة الخدر والجمود، ونحلوه صفات ليست منه وليس ~~منها، فأعجب الشرقيون بما كتبوه. # أو أن أولئك الكتاب الأوروبيين قد تخيلوا أبطالهم من الشرقيين، كما نتخيل الأبطال الذين ~~ننحلهم في الروايات شمائل نتمنى أن نراها في عالم الحس فيعيينا ms175 طلابها. # أما الواقع فلا. # الواقع أننا - نحن الشرقيين - لسنا عاطفيين ولسنا مأخوذين بالروح، ولا مفتقرين إلى من ~~يسوق لنا المواعظ بالإقبال على المادة والانصراف كما يقولون عن الخيال، ونحن أفرح من طفل ~~بالدرهم وأعجز من طفل عن كسبه في سوق الابتكار. # أنحن أهل خيال؟ # سمع الله منكم أيها القوم! # لقد عشنا عصرنا الحديث نضرب المثل «بالجرسون» الرومي في الحرص على المليمات، ولو رأينا ~~معاهده في بلاده وفي بلادنا لعرفنا من صاحب الحرص، ومن صاحب الأريحية وإن اختلفت العوارض ~~والأشكال. # وربما ألقينا بقطعة اللحم من الفم لنزدرد قطعة اللحم التي في الماء ...! # أخيال هذا؟ # كلا! ولا النحاس الذي يستحيل ذهبا ولا الصفقة التي يدركها الصعود في سوق القطن، فتفتح ~~الكنز كله بعد يوم. # ما في شيء من هذا خيال وإنما هو كله واقع العاجزين. ~~••• # وبعد فنحن في عصر اضطراب الثقافات وارتجاج الأخلاق والمزايا لا جرم يخطر لنا أن ننظر فيما ~~يصلح وفيما لا يصلح، وفيما تعز به النفوس وفيما تهون، وأن نسأل أنفسنا ماذا نأخذ وماذا ندع ~~مما يتمخض عنه عراك الأمم والدولات. # فلنكن على يقين - سواء كنا من طلاب الحرية أو طلاب القوة - أن النخوة مطلب لا غنى عنه في ~~الحالتين وأننا محتاجون إليه، وأن الخيال عدة لا محيص عنها في المعسكرين، وأننا - نحن ~~الشرقيين - عزل منها، وأن أمة من الأمم لن تصاب في سلمها ولا في حربها بمصاب هو أفدح ~~عليها وأقبح بها من مصاب الانحصار في واقعها؛ لأن الانحصار في الواقع خلة حيوانية وليس بخلة ~~إنسانية، وكلما ضاق أفق النفس عز عليها أن تخرج من الواقع القريب إذا أرادت الخروج منه، ولا ~~مناص لها أن تريد ذلك في بعض حالاتها. # تريد ذلك لتعلو على أثرتها؛ ولتعلو على ضنكها؛ ولتعلو على حاضرها في انتظار مستقبلها أو ~~مستقبل بني قومها، وتريده لتشعر بأن الواقع الذي هي فيه دون الواقع الذي تبغيه. # وهذا هو الخيال الذي يرتفع بالنفس عن واقعها. # أما الخيال الذي هو ظل اللحم في الماء فذلك هو الواقع ms176 مشوبا بالعجز والغفلة. # وأما «الواقعية» التي يقولون: إنهم ينقذون الشرق بها، ويردون الشرق من أحلامه إليها ~~فحذار حذار منها ... هي داء الشرقيين أجمعين، وإنهم لأئمة الواقعيين بين العالمين. # الفصل الثاني والأربعون # | القدوة والإصلاح # رويت في مقال لي كلمة الفلاح الكبير صاحب الأفدنة الكثير في «حمالة الجورب» التي عابها ~~على بعض المعلمين الإلزاميين، وقال: إنه لم يسمع بها إلا من هؤلاء المعلمين. # وقد كتب أديب في «الرسالة» يعقب على تلك الكلمة، ويرى أنه كان الأجدر بكاتب هذه السطور ~~«ألا يسوق إلينا فكرة صاحب الأفدنة التي ترمي إلى إصلاح المعلم الإلزامي؛ لأنه إذا سئل عن ~~العيب الذي يراه لا يجد ما يقوله سوى أنه يعلم النشء التبطل والحذلقة، وكيفية وضع «حمالة ~~الجورب» وإحسان رباط الرقبة وهلم جرا ...» # وجاءتني رسائل شتى في هذا الصدد ينظر بعض كاتبيها إلى ملاحظة الوجيه الريفي نظرة الفكاهة ~~والسهولة، ويشتد بعضهم في الإنحاء عليها كأنها خطر على التعليم. # وعندي أن المعلم الإلزامي هو آخر من يحق له أن يكتم أمثال هذه الملاحظات أو يطلب كتمانها؛ ~~لأن التعليم الإلزامي في اعتقادي مشتق من اللزوم قبل أن يشتق من الإلزام، فلا يضيره أن ~~ينكره كبير أو صغير حنقا على حمالة الجورب أو حمالة الحطب! ولا يفهم من اختلاف الآراء في ~~برامجه ومواده وأساليبه أن الخلاف على أصوله وأساسه، وإنما هو في نهاية الأمر خلاف على ~~الفروع والتفصيلات. # هذا سبب من الأسباب التي تأبى على المعلم الإلزامي خاصة أن يكتم ملاحظة تساق في معرض ~~الرأي، أو في معرض الفكاهة عن هذا التعليم. # وسبب آخر أن المعلم الإلزامي مطالب قبل غيره باستطلاع «الحالة العقلية»، أو الحالات ~~العقلية التي تتصل بمعيشة الفلاح وأبناء الريف، وهو أحرى أن يستطلع ما يخصه، ويخص عمله من ~~تلك الحالات العقلية التي يتصدى لها في تعليمه، قبل أن يتصدى لتعليم الحروف والأرقام وسائر ~~الدروس. # قيل فيما قيل عن التعليم الإلزامي، وأشرنا إليه في مقالنا السابق: «أليس الأجدى على ~~الفلاح أن نطعمه ونرفه عنه بهذه الأموال التي ننفقها على ms177 تعليمه إلزاما، وهو مفتقر إلى ~~الطعام النافع والماء النظيف؟» # وكان من رأينا في ذلك أنك إذا أعطيت الفلاح ماء نظيفا وهو جاهل صدف عنه وعافه وآثر عليه ~~الماء العكر؛ لأنه ماء «دسم» يروي الأصلاب كما يروي التراب. # وقلنا: «إنك إذا أنشأت فلاحا سليم الذوق مرهف الحس مفتوح العقل مستجيب السليقة، فسيجري ~~وراءك لتعطيه الماء النظيف والغذاء الجيد والأدوية النافعة والنصائح القويمة، ولا يجشمك كما ~~يجشمك اليوم أن تعدو وراءه؛ لتقصيه عن موارد الماء العكر، بدسمه وخيره، وتدنيه من مساقي ~~الماء المرشح وموائد الغذاء المفيد.» ~~••• # ومقطع الرأي في كل إصلاح اجتماعي - كما أحسب - أن القدوة فيه خير أنواع التعليم. # ولكن ممن تأتي القدوة في الريف؟ # بعض إخواننا المعنيين بالإصلاح يخيل إليهم أن إقامة الوجهاء الريفيين في قراهم وسيلة ~~ناجعة لعميم القدوة الحسنة في المعيشة، وتعويد الفلاح الصغير أن يحيا في كوخه حياة الفلاح ~~الكبير في القصور. # وهذا حق لو كان الفلاح الكبير قدوة صالحة في جميع الأحوال، أو لو كان الوجيه في قريته ~~مثلا يحتذى في نظام المعيشة ومناهج السلوك. # لكننا نعلم أن الأمر لا يستقيم على هذا التقدير. # ونعلم أن كل فلاح كبير يصلح للقدوة ويتخذ مثالا حسنا للسلوك ، فإلى جانبه عشرة يضلون من ~~يقتدي بهم، ويأبون أن يتمثل بهم المتمثلون من الفقراء والضعفاء فيما هو من مظاهر «الوجاهة» ~~واليسار. # قال لي أحد هؤلاء الوجهاء مرة: لقد فسد الزمان وتغير الناس! # قلت: ولم؟ # قال: إنك لا تعرف الآن ابن فلان العظيم من ابن فلان الصعلوك، ولا تميز الفتاة التي يملك ~~أبوها ألف فدان من الفتاة التي يعمل أبوها في دكان، أو يعمل في ديوان بين صغار الموظفين ~~الموقوتين ... هذه تلبس كما تلبس تلك، وهذا يتأنق كما يتأنق ذاك، و«البركة» في التقسيط لا ~~بارك الله فيه. # قلت: وما يضيرك من ذاك؟ إن كان فيه ضرر فعلى جيب اللابس، لا على جيبك، وإن لم يكن فيه ضرر ~~فهو جمال ونظافة ورواج للقصارين والخائطين. # فتأفف وأبى أن يقتنع، وظل يقول: إن الأصول، أصول، ms178 والمقامات «محفوظة» لا ينبغي أن تزول أو ~~تحول. # وسمعنا آخرين من الوجهاء لا يبالون أن يجهروا في غير خجل ولا حرج قائلين: من يخدمنا إذا ~~لبس الفلاح الطربوش أو اغتر بما حصل في المدرسة الإلزامية من دروس الكتابة والحساب؟ وإذا ~~خدمنا هذا «الأفندي» الجديد فكم يطلب أجرا على الخدمة التي كان يؤديها وهو حاف قانع ~~باللبدة والجلباب الأزرق، راض بالخبز القفار. # هؤلاء الأغبياء لا يعقلون ما ينفعهم وما يضرهم، ولا يدرون عاقبة هذا التفكير ~~الأثيم. # والأنكأ من هذا أن الفلاح الفقير قد يحجم عن الاقتداء بنظافة الأغنياء إذا كانوا من ~~النظفاء، كما يحجم عن شراء السيارة والاستمتاع بالطعام الفاخر واللباس الأنيق. # فتمتنع القدوة من ثم؛ لاعتقاد الغني والفقير معا أن النظافة والمعيشة الصالحة حق لصاحب ~~المال كحقه في ركوب السيارة الخاصة والإيواء إلى الدار القوراء. # وتقول له: كن نظيفا كفلان بك أو فلان باشا، فيستكبر هذا الكلام منك ويقول لك في جد ~~الواثق من صوابه وسداد رأيه: وأين أنا من هذا وذاك؟ ولو استرسل قليلا لزعم أن النظافة منه ~~افتيات على حقوق الموسرين، وخروج على الأدب الحميد! ... ~~••• # نعود إذن فنسأل: ممن تأتي القدوة الصالحة إذا علمنا كما أسلفنا أن القدوة «الشخصية» خير ~~وسائل التعليم في الإصلاح الاجتماعي؟ # تأتي من بعض الأغنياء الرحماء العارفين حين يقيمون في الريف إقامة يتصل فيها العطف والود ~~الكريم بينهم وبين الفقراء، وكم عدد هؤلاء الأغنياء الرحماء العارفين؟! # قليل ولا ريب، والرجاء في ارتقاء معيشة الفلاح الصغير أقرب من الرجاء في زيادة ~~هؤلاء. # فأفضل القدوة وأنفعها على هذا ما جاء من قبل المتعلمين الذين يشبهون الفلاح في نشأته، ~~فيعمد إلى التشبه بهم غير متحرج ولا معتقد في نفسه أنه يعدو طوره، ويخرج من أفقه. # وهنا يأتي دور المعلم الإلزامي في الإصلاح، فيجمع بين الإصلاح بالتعليم والإصلاح بالقدوة ~~السائغة في رأي الفلاح، ويروح في القرية وهو معلم الأبناء والآباء على السواء. # كن أيها المعلم الإلزامي قدوة لمن حولك، وكن على حال ينظر إليها الفلاح فيحب أن يتشبه ms179 ~~بها، ويرى بعينه دلائل الخير في محاكاتها، ثم يأنس إلى نصحك بعدما أنس إلى عملك، فيسمع منك ~~القول ويحمد منك العمل، فأنت بما تهديه وتلقي في روعه مصلح جيل لا تفلح في إصلاحه المدرسة ~~وحدها، ولا الكلام الذي يجري به اللسان أو تنطوي عليه الأوراق. # الفصل الثالث والأربعون # | المال # قال الدكتور زكي مبارك في حديثه عن الفقر والغنى، ولا نهاية لحديث الفقر والغنى، ولا ~~الفقر والغنى ينتهيان من الدنيا: ~~... لن أقول كلمة في الوارثين بحجة أنهم يرزقون بلا كد ولا اجتهاد، فلو عطل نظام ~~الميراث لانعدم النشاط الإنساني بعض الانعدام، ولآثر الناس جميعا أن تكون جهودهم ~~مقصورة على كسب القوت من يوم إلى يوم، ولو قلنا الحق كل الحق لصرحنا بأن الميراث هو ~~أجمل نظام عرفته الإنسانية، فهو الشاهد على أن الجهاد في طلب الرزق لا يضيع، وأنه ~~قد يصل إلى الأعقاب وأعقاب الأعقاب، وذلك أقوى حافز لتأريث عزائم الرجال. # ورأيي في الميراث أنه حق وعدل، وأن المذاهب الاجتماعية التي تحرمه تجور على الآباء ~~والأبناء، ولا تتحرى سنن الطبيعة فيما جرت عليه بين جميع الأحياء؛ لأن المجتمع لا يستطيع أن ~~يحول بين الأب وبين توريث أبنائه ما اشتمل عليه من عيوب الخلق والفكر، ومن دمامة الوجه وشوه ~~الجسم وضعف التركيب؛ فليس من العدل أن يحول بينه وبين توريثهم الخير أو نصيبا من الخير، ~~وإن كان عدلا أن تفرض للمجتمع حصة وافية من ذلك النصيب. # كذلك تجري الطبيعة على سنة الوراثة في جميع السلالات، وهي سنة أعرق من المجتمعات ~~الإنسانية وغير الإنسانية، ولم تنشأ عبثا ليلغيها الإنسان كل الإلغاء بقانون أو ~~نظام. # لكنني أخالف الدكتور في قوله: إن الميراث لو عطل «لآثر الناس جميعا أن تكون جهودهم ~~مقصورة على كسب القوت من يوم إلى يوم ...» # فإن طلب المال كطلب العلم فطرة لا تتوقف على التوريث، ولا على ما يعقبه الآباء للأبناء، ~~وقد يهمل الإنسان رزقه ورزق أبنائه؛ ليتابع الدرس ويتقصى مسألة من مسائل العلم والمعرفة، ~~وهو على يقين أنه لن يخلف ms180 لأبنائه زادا من علومه ودروسه إلا ما يخلف المعلمون للمتعلمين، ~~وقد يفوتهم منه حتى هذا النصيب. # وبين طلاب المال من بلغ أرذل العمر، وليس له عقب ولا هو ممن يبسطون الكف بالإنفاق، فيخشى ~~نفاد ماله الكثير، ومنهم من لو بسط يده بالإنفاق عشرات السنين لما خشي على ماله ~~النفاد. # أعرف رجلا له نظراء كثيرون كان يملك القصور، ويدخر الأموال في المصارف، وله معاش لا ~~ينقطع من خزانة الحكومة، وهو مع هذا يبخل على نفسه بالقليل، ويعيش معيشة الفقراء، ويراه ~~الحوذية في الطريق فيهربون منه؛ لأنه يأبى أن ينقدهم الأجر إلا على حساب ما تعود قبل أربعين ~~أو خمسين سنة ... يوم كان للمليم سعر القرش في هذه الأيام، وأعجب العجب أن هذا الرجل الشحيح ~~كان مجدودا في أوراق المصارف التي يناط بها النصيب، فكان يربح جوائزها الأولى من حين إلى ~~حين، وحدث مرة أن وكيله تسلم جائزة من هذه الجوائز وأخر إيداعها المصرف الذي يعاملونه ~~بضعة أيام، فلما راجع الغني الشحيح حسابه قطع أرباح الجائزة في هذه الأيام القليلة من مرتب ~~الوكيل المسكين، وهو شيء يبذله من يربح مثل هذه الجائزة هبة لمن يحمل إليه بشارتها ولا يندم ~~عليه . # ولم يكن لهذا الرجل عقب ولا كان له مطمع في العيش الطويل بعد السن التي ارتفع إليها؛ ~~ولكنه يطلب المال لأن طلب المال شهوة، ولا يشترط أن تتعلق بالإنفاق والتوريث. # ولو نظر الناس إلى الواقع في أمر الورثة لما حرصوا على ترك المال بعدهم للأبناء والأحفاد؛ ~~فإن أبناء الفقراء الذين عاشوا في الدنيا عيشة راضية بغير ميراث يبلغون أضعاف الوارثين عدة، ~~سواء ورثوا الكثير أو القليل، وإن الذين أشقاهم الميراث لا يقلون عن الذين سعدوا به وحفظوه ~~أو زادوا عليه، وإن الذين يموتون وهم خائفون من تبديد أبنائهم أكثر جدا من الذين يموتون ~~وهم مطمئنون إلى حسن التصرف ودوام الحال. # كان العلامة يعقوب صروف - طيب الله ثراه - يوصيني كلما لقيته أن أدخر وأن أحسب حساب المال ~~والثراء، وكأنه أنس مني التواني في ms181 الإصغاء إلى هذه النصيحة، فروى لي حديثا جرى بينه وبين ~~تاجر من كبار التجار السوريين العصاميين رآه مشغول البال معنى بما يخشاه على ثروته ~~وأبنائه بعد موته من تقسم وبوار، قال: وهكذا الدنيا دواليك بين جيل عصامي يجمع، وجيل عظامي ~~يضيع ما جمعه الآباء، ويأتي بالمعذرة لمن يتركون الأبناء فقراء ناشطين في طلب الجاه ~~والثراء. # قال العلامة صروف: ومنذ أيام طرق علينا الباب أبناء صاحب من أصحابنا مات فجأة، وليس في ~~الدار ما يشيعونه به إلى لحده؛ وكان هذا الصاحب مفراحا، يأكل ما يشتهي ويلبس الفاخر من ~~الثياب، ويطعم أبناءه أحسن مطعم، ويكسوهم أجل كسوة، ويقضي سهراته بينهم ضاحكا متهللا على ~~صينية من الحلوى أو الفاكهة، وهو لا يشغل باله لحظة بما يكون، ولا يبالي بعد موته ما يأكلون ~~ويشربون، فأي الأبوين أسعد؟ وأي الأبناء أحظى بحسن المصير؟ # وهذا السؤال الذي سأله الدكتور صروف سيظل أبد الزمان مسئولا يجيبه من يشاء كما يشاء؛ ~~ولكنه جواب لن يجعل المفراح مشغولا بتوريث أبنائه، ولا المشغول بتوريث الأبناء مفراحا ~~ينعم بالحاضر، ولا يعني نفسه بالغيب المجهول. # فخديعة من خدائع النفس أن تعلل حرصها على المال بحب الأبناء، ولو كان حب مانعا أن ~~ينفق الإنسان كل ما عنده لكان حبه لنفسه وخوفه على غده أحرى أن يمنعه ويقبض يديه، ولكنها ~~خديعة النفس كما نقول تتراءى لها في مختلف الذرائع والتعلات. # إنما تفسر أعمال الإنسان بالبواعث والدوافع قبل أن تفسر بالنتائج والغايات. وإذا قيل ~~لنا: إن فلانا يجمع المال؛ لأنه يخاف عاقبة الفقر، قلنا: ولماذا يخاف هذه العاقبة التي لا ~~يخافها غيره؟! إنه لا يخالف غيره إلا لاختلاف البواعث النفسية دون الاختلاف في الغايات التي ~~قد يتفقون عليها من جانب التأمل والتفكير. # المال يطلبه الإنسان لباعث قبل أن يطلبه لغاية، ومن بواعث طلبه الخوف والمنافسة والطموح، ~~وحب الكسب للكسب، كما يفرح اللاعب بالرهان الذي ليس من ورائه طائل، وهنا موضع التحذير ~~للمصلحين الذين يعالجون مسألة الغنى والفقر على أساس الأرقام والقواعد الاقتصادية، ويغفلون ~~علاجها على ms182 أساس الشعور والبواعث النفسية، فأنت إذا أعطيت الفارس قصبة السبق قبل دخوله ~~الميدان لم ترحه، ولم تعطه ما يريد؛ وإذا منعت المتنافسين أن يتنافسوا؛ لأنك ضمنت الرزق ~~لأبنائهم أو ضمنت الأمان لهم في عقباهم لم تستأصل أسباب التنافس، ولم تعطهم الحياة التي ~~جعلتهم يتنافسون. # إنما الواجب أن ندع الناس يطلبون المال كما يطلبون العلم أو يطلبون الجاه، أو يطلبون ~~السرور، أو يطلبون الفرص النادرة والمقاحم المجهولة، وليس علينا أن نسألهم لماذا يطلبونه، ~~وإنما علينا أن نمنعهم إنفاقه فيما يضير الآخرين، فغاية ما يحق للمجتمع في هذا الصدد أن ~~يحرم الغش والجور، وتخويل أناس بغير حق ما يحرمه غيرهم من العاملين. # كان أوليفر لودج عالما رياضيا من الطراز الأول، وكانت له بحوث مشهورة في مخاطبة ~~الأرواح وما وراء المادة، وربما انصرف أحيانا من الرياضيات والروحيات إلى المباحث ~~الاجتماعية، وشئون الثروة والسياسة، ولكنه كان يأتي فيها إذا انصرف إليها بمقطع الرأي وفصل ~~الخطاب؛ لأنه بعيد من الهوى والتشيع لهذا المذهب أو ذاك ... فمن نصائحه في هذا الباب أن تتولى ~~الدولة مراقبة المال كما تتولى مراقبة السلاح؛ لأن الخطر من سوء استخدام المال لا يقل عن ~~الخطر من سوء استخدام السلاح ، وربما ظهرت جريمة السلاح بعد اقترافها بقليل، ولقي صاحبها من ~~الجزاء ما فيه عبرة لغيره، أما جريمة المال فقد ينقضي العمر وهي خافية، وقد يقترفها أناس ~~بعيدون من الشبهات؛ لأنهم ليسوا من حثالة الخلق الذين يعتدون بالخناجر والمسدسات. # فإذا وجبت مراقبة المال في أيدي المسيطرين به على سواد الناس، فمن الواجب أن تكون الرقابة ~~على النحو الذي قصد إليه الرياضي الكبير، ولا سيما في العصر الذي أصبح المال فيه مرادفا ~~لمعنى الثقة والائتمان، فلا يجوز في هذا العصر أن توضع الثقة الاجتماعية في أيدي أناس ~~يعبثون بها جهرة أو خفية، ولا يجوز إذا هي وضعت في بعض الأيدي أن تترك هملا بغير رقابة أو ~~حيطة، أو بغير علم بما تتجه إليه وتجري فيه. # وهنا نسأل: ما هي حدود الرقابة الاجتماعية على سيطرة ms183 الأموال في أيدي الأفراد أو الجماعات ~~التي تسوس أموال الأفراد؟ # وجواب هذا السؤال أن الرقابة الوحيدة الممنوعة هي الرقابة التي تشل الدوافع النفسية ~~والبواعث الحيوية، وتخرجها في نظامها مخرج الجهود الآلية والأرقام الحسابية، فإن المجتمع ~~الإنساني لن يكسب شيئا من تنظيمه النفوس تنظيم الآلات التي تتحرك بأمر وتسكن بأمر، ولا ~~تتخطى ما يرسم لها من الخطوط والغايات. # فللمجتمع أن يراقب المال، وأن يأخذ نصيبه منه للمصلحة الاجتماعية التي يشترك فيها ~~الأغنياء والفقراء، ولكن ليس للمجتمع أن يمسخ الطبيعة، ويجور على حركات النفوس وبواعث ~~الحياة؛ لأنه يتعرض بالقوانين لأمر لم تخلقه القوانين، ويأخذ ما ليس في وسعه أن يرده أو ~~يعوضه بمثله. # الفصل الرابع والأربعون # | الزوجة المثلى # وصلت إلي محاضرة العالم الفاضل الدكتور عبد المعطي خيال عميد كلية الحقوق بالإسكندرية ~~في موضوع «الزوجة المثلى»، وفيها يقول ما فحواه إن الآفة كلها هي: «حرص الشباب على المادة، ~~وجريه وراء الكسب، وحظه من القيم التي خلفها السلف الصالح، ومن قواعد الأخلاق التي كانت ~~مقررة عندهم، واكتفاؤه بالعاجل من اللذات.» # وظهر في «الرسالة» مقال صديقنا الأستاذ الزيات الذي يعقب به على خطاب السيدة «ليلى»، وما ~~رأته من أن السبب المباشر والمصدر الأول لمشكلة الزواج هو المادة، وكان ختام مقاله: «إن ~~المال إذا جعل غاية للزواج كان شقاء لمن وجدته ولمن فقدته على السواء ...» # وعندي أن المادة هي آفة العصر الحديث كله، وفي عداد مشاكله الكبرى مشكلة الزواج، فالناس ~~لا يتهالكون على المادة ولا على اللذة العاجلة إلا إذا قل إيمانهم بالحياة، ومن ثم يغلب ~~الشح على الشيوخ والضعفاء، كما يغلب على الشعوب التي ضاعت من أيديها السيادة وقيم الحياة ~~العليا، فكل تهالك على المادة إنما هو بديل من الحياة الصحيحة، أو من الثقة بنفاسة الحياة، ~~وكأنما يقول الإنسان لنفسه: علام الصبر والانتظار والإرجاء، وأي ضمان لك من الأخلاق ~~والعواطف وهي هباء؟ إنما ضمانك الوحيد المادة التي في يديك، والمنفعة التي تسوق غيرك إليك، ~~وكل ما عدا ذلك فهو فضول لا يجدي شيئا عليك. # لكن ms184 الزواج مشكلة كبرى، ولو خلص الناس من آفات العصر ومشكلاته، ومن ولع الشباب بمآربه ~~ولذاته. # الزواج مشكلة؛ لأنه يحاول التوفيق بين نقائض كثيرة في الطبيعة الإنسانية، ولا يقتصر أمره ~~على التوفيق بين فردين. # فمن الناس من يظن أن الزوجة المثلى هي المرأة المثلى؛ وهذا في اعتقادنا خطأ ظاهر يتكشف ~~بقليل من الروية. # لأن المرأة المثلى من شأن الطبيعة. # أما الزوجة المثلى فمن شأن المجتمع والآداب الإنسانية حسبما تتعاقب بها الأزمان. # وقد تكون المرأة أنثى طبيعية من الطراز الأول في تكوين الأنوثة، وليس من اللازم بعد هذا ~~أن تكون زوجة من الطراز الأول في معاشرتها لزوجها، وفي أمومتها، أو في رعايتها للآداب ~~وقيودها. # وقد تكون المرأة زوجة مثلى في البيت والأمة، ومع الزوج والولد، ولا يلزم من ذلك أن تبلغ ~~فيها الأنوثة الطبيعية تمامها. # وتنجلي هذه الحقيقة بعض الجلاء إذا تذكرنا أن الحيوان فيه إناث مثليات في عرف الطبيعة، ~~وليس فيه زوجات مثليات على النحو الذي يتطلبه الإنسان. # وهنا مشكلة ليست بالهينة من مشكلات الزواج؛ لأنها مشكلة التوفيق بين ما توحيه طبيعة ~~الأنثى، وبين ما تمليه آداب المجتمعات، وهما شيئان لا يتفقان كل الاتفاق. # ويفهم بعض الناس أن الزوجة المثلى هي التي ترضي الرجل، وأن الزوج الأمثل هو الذي يرضي ~~المرأة. # وهذا خطأ آخر من أخطاء الآراء في هذا الموضوع، ويكفي أن نسأل: ما هو غرض الزواج؟ ليكون ~~الجواب تصحيحا سريعا لهذا الخطأ المشهور. # الزواج مقصود؛ لأنه وظيفة اجتماعية ونزعة إنسانية، ويصح أن يتم أداء هذه الوظيفة بمضايقة ~~الزوجين معا أو بمضايقة زوج واحد منهما، كما يصح أن يتم أداؤها بما يرضي أحدهما أو كليهما، ~~فلا غرابة من أجل هذا أن تبر الزوجة المثلى بعهد الزواج، وهي لا ترضي الرجل كل الإرضاء في ~~كل حين، وأن يبر الزوج الأمثل بذلك العهد وهو مكروه على إغضاب حليلته التي يتوخى لها ~~الإرضاء والإيناس. # وهنا مشكلة ليست بالهينة كذلك من مشكلات الزواج؛ لأنها مشكلة التوفيق بين الهوى والواجب، ~~أو بين النظر القريب والنظر البعيد، ms185 وهي المشكلة الخالدة في حياة الإنسان. ~~••• # ومن المشكلات في هذا الباب أن الزوج الأمثل لامرأة لا يلزم أن يصبح زوجا أمثل لامرأة ~~أخرى، فالرجل في الأربعين زوج أمثل لامرأة في حدود الثلاثين، والرجل الذي فيه صلابة زوج ~~أمثل للمرأة التي فيها شكاسة، والرجل الحليم المتئذ زوج أمثل للمرأة المتعجلة الرعناء، ~~ولكنهم يختلفون ولا يتوافقون هذا التوافق، فإذا هم أسوأ الأمثلة للأزواج، وأقلهم أملا في ~~الرفاء والوفاء. ~~••• # والبيت مشكلة المشاكل في العصر الحديث. # ففي العصور الماضية كانت المسافة قريبة جدا بين العالم البيتي والعالم الخارجي، وكانت ~~الملاهي الخارجية أشبه شيء بملاهي المنادر في البيوت مع قليل من التوسع والتعميم، فلم يكن ~~من العسير أن تتفق معيشة الأسرة، ومعيشة المحافل الساهرة ولو كانت محافل لهو ~~وانطلاق. # أما اليوم، فالمسافة بعيدة جدا بين عالم البيت والعالم الخارجي؛ لأن المناظر التي يراها ~~الساهر في العالم الخارجي لا يراها في بيته، ولو كان من أهل السعة واليسار، وإنما نشأ هذا ~~عن اختراع الآلات التي تعمل للألوف وألوف الألوف، ولا تقصر عملها على جماعات من الناس يعدون ~~بالعشرات كما كانت محافل اللهو في العصر القديم، وليس من المعقول أن تنفق الشركات مليون ~~ريال على منظر سينما يدار في مندرة أو بهو أو قصر كبير بضع ساعات، ولا نعرف اختراعا من هذه ~~الاختراعات يوافق الحياة البيتية غير المذياع، الذي يسهل اقتناؤه في الصغير والكبير من ~~البيوت، وهو وحده لا يغني عن سائر الأفانين التي تتنوع في محافل السهرات. # فالبيت في العصر الحديث مهدد الأساس، ولا وقاية له من هذا التهديد إلا الإقلال من العواصم ~~الكبرى، وتشجيع الإقامة في الريف، وإلا تربية الذوق المستقل الذي يصعب انغماسه في غمرة ~~الجماهير، وتربية الإرادة الفردية التي يهمها أن تنطوي على نفسها حينا بعد حين، ويعجبها أن ~~تنعم بالعشرة الأخوية بين الصحب المتفاهمين والأقارب المتعاونين، فوق إعجابها بضجة السواد ~~وزحام القطيع. # وليس ما نذكره هنا حلولا لمشكلة الزواج ولا علاجا حاسما لآفات العصر الحديث، ولكنه ~~محاولة لفهم المشاكل على حقيقتها لا ms186 غنى عنها وعن أمثالها قبل الرجاء في علاج ناجع؛ إذ كل ~~علاج لا يسبقه الفهم الصحيح يقع على غير الداء، وقد يضاعف الأذى ولا يدني من الشفاء. ~~••• # إلا أننا نعتقد أن الحلول جميعا لن تخلي الزواج من عقدة مؤربة باقية على الزمن كله؛ ~~لأنها قائمة على طبيعة في النفس الإنسانية لا يرجى لها تبديل كبير. # تلك العقدة هي غرابة الأسرار الجنسية التي تدفع بالرجل إلى اختيار المرأة، وتدفع بالمرأة ~~إلى اختيار الرجل، فليس لزاما أن يحب الرجل امرأة تستحق حبه، أو تصلحه وتصلح أبناءه، أو ~~تجد فيه مزية كالمزية التي يجدها فيها، بل يتفق كثيرا أن يترك المرأة التي تسعده، ويتعلق ~~بالمرأة التي تشقيه، ويتفق كثيرا أن يهواها للأسباب التي توجب عليه اجتواءها والإعراض ~~عنها، وشأن المرأة في هذه الخليقة أعجب من شأن الرجل وأنأى عن الرشد ودواعي الاختيار المميز ~~البصير؛ فإن إخلاصها لمن يستحق منها الإخلاص أندر من إخلاصها لمن يفسدونها ويسيئون إليها، ~~وهي خليقة لها أسرار أعمق من عرف المجتمع وآداب الزواج وأواصر الأهل والأسر، وليس بالميسور ~~مع بقائها في الطباع خلو الزواج من المشكلات. # ولكن الطبيعة تهدينا إلى بعض الأسرار، كما تخفي عنا كثيرا من الأسرار، وحسبنا أن نقتدي ~~بها في أساليبها لننتهي إلى شيء في هذا الباب خير من لا شيء. # فإن أساليبها في علاقة الجنسين تجري في نهجين مطردين لا يختلفان بين الإنسان وسائر ~~الحيوان، وإن اختلفت في الحيوان العاقل بعض المظاهر والغايات. # أول هذين النهجين هو مزج الواجب بالسرور، فلا يخدم الإنسان النوع بإدامة النسل، أو ~~بالإصلاح والإرشاد إلا وفي خدمته سرور له يقويه على واجبه، ويغريه باحتماله. # وثاني هذين النهجين «التوريط» الذي يقيد الإنسان حين يريد الإفلات، فلا يقدر على الإفلات؛ ~~لأن مصاعب النجاة من الحالة التي يعانيها أكبر من مصاعب الصبر عليها بعد وقوعه فيها، وخير ~~الأمثلة على ذلك كفالة الأبناء ومتابعة السعي في سبيل المجد من مرحلة إلى مرحلة، وقد كان ~~الساعي فيه يحسب أنه مستريح بعد المرحلة الأولى. # وتلك هداية ms187 لا يعدم الفائدة من يتوخاها في علاج جميع المشكلات. # الفصل الخامس والأربعون # | ما يمكن تبديله # عقب أحد الأدباء على ما كتبناه في «عبقرية محمد» عن رواية النبي - عليه السلام - للشعر ~~وقال: «... في ص144» يذكر أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يتمثل بشطرات من أبيات يبدل وزنها كلما أمكن ~~تبديله، فكان يقول مثلا: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود.» لأنها لا تقبل التبديل، ولكنه إذا ~~نطق بقول سحيم بني الحسحاس: «كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا.» قدم كلمة الإسلام، فقال: ~~«كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا.» # ثم يعقب الأديب فيقول: «وتقسيم ما يتمثل به الرسول - عليه الصلاة والسلام - إلى ما يمكن ~~تبديله لم يورد المؤلف ما يؤيده ويقتضيه، والمثال الذي ذكره لما لا يمكن تبديله غير صحيح، ~~فإن تبديله ممكن، وقد روي أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - تمثل به هكذا: «ويأتيك من لم ~~تزود بالأخبار».» (راجع السيرة الحلبية في باب الهجرة إلى المدينة). ~~••• # والذي نعقب به على تعقيب الأديب هو الكلام فيما يمكن تبديله من الشعر والنثر، وكل ما له ~~معنى من القول. # فإذا كان المقصود بالتبديل هو نقل كلمة في موضع كلمة بغير نظر إلى المعنى والسياق، ~~فالتبديل ممكن في كل مكان بلا استثناء؛ إذ ليس للكلام قوة مادية تمنعك أن تقدم فيه وتؤخر ~~كما تشاء، وفي وسع كل قارئ أن يعمد إلى كتاب من الكتب فيقرأه عكسا وطردا، ومن أسفله إلى ~~أعلاه، ويضع الأول في موضع الوسط والوسط في موضع الأول، ثم يعود فيصنع به مثل ذلك إلى غير ~~انتهاء، فلا يستعصي عليه عصي ولا يحول دونه حائل. # وليس هذا بالبداهة هو التبديل المقصود حين نقول بإمكان التبديل أو استعصائه، وإنما ~~المقصود هو التبديل مع بقاء المعنى وبقاء المزية الكلامية، أو المزية البلاغية التي من ~~أجلها كان الشعر أو النثر مستحقا لروايته والاستشهاد به. # وكثير من المعنى ومن المزية البلاغية يتوقف على تقديم كلمة إلى موضع أخرى، حتى في العبارة ~~التي لا تتجاوز كلمتين أو ثلاث كلمات. ~~«فالعالم زيد» غير «زيد ms188 العالم»، وما اختلف منهما إلا تبديل موضع الكلمتين. # لأن «العالم زيد» قد تفيد أنك تخص زيدا بالعلم وتنفيه عن غيره، وليس هذا مستفادا من ~~«زيد العالم» على هذا الوجه. # وقد شرح علماء البلاغة دلالة التقديم والتأخير، وعرض لها الإمام الجرجاني فقال مما قال في ~~دلائل الإعجاز: «... إنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون من ~~أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد ويكثر به الأذى، إنهم يريدون ~~قتله ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء، فإذا قتل وأراد مريد الإخبار بذلك ~~فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول: قتل الخارجي زيد، ولا يقول: قتل زيد الخارجي؛ لأنه يعلم أن ~~ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له زيد جدوى وفائدة فيعنيهم ذكره ويهمهم، ويتصل بمسرتهم ~~ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد، ~~وإنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه ...» إلى آخر ما قال. # على أن الحكمة في التقديم والتأخير معنى من معاني العقل والمنطق، وليست بقاعدة من قواعد ~~اللغة وحسب. # ولهذا ينص عليها في جميع اللغات، ولا يقتصر التنبيه إليها على لسان دون لسان. # فالإنجليز مثلا ينبهون إلى الفرق بين معاني العبارات إذا تغير موضع كلمة واحدة فيها، ~~ويمثلون لذلك بأمثلة كثيرة منها هذه الأمثلة الأربعة: ~~(1) # أنا «فقط» أتحدث بهذه القصة إلى فلان. ~~(2) # أنا أتحدث فقط بهذه القصة إلى فلان. ~~(3) # أنا أتحدث بهذه القصة فقط إلى فلان. ~~(4) # أنا أتحدث بهذه القصة إلى فلان فقط. # فالفرق بعيد جدا بين كل عبارة من هذه العبارات وبين سائرها، لتغير الموضع الذي توضع فيه ~~كلمة واحدة؛ لأن العبارة الأولى معناها أنني وحدي أتحدث بهذه القصة إلى الشخص المذكور، ~~والعبارة الثانية معناها أنني أتحدث فقط ولا يصدر مني شيء غير الحديث، وقد يتحدث به غيري ~~كذلك، والعبارة الثالثة معناها أنني أتحدث بالقصة فقط إلى فلان، ولا يتعدى التخصيص ذلك، فكل ~~ما عدا هذا التخصيص ms189 فهو عام لا تقييد فيه، والعبارة الرابعة معناها أن المتحدث إليه هو ~~فلان فقط وليس إنسانا غيره، ولا تخصيص للقصة ولا للمتحدث ولا للحديث. # وتبديل الموضع الذي توضع فيه كلمة فقط ممكن جدا لكل من أراده، ولكن المهم هو المعنى ~~الذي يترتب على هذا الإمكان، فإن كان المقصود أن نحافظ على معنى لا يتغير، فالتبديل مستحيل ~~أو كالمستحيل، وإن لم يكن هنالك معنى مقصود فبدل وقدم وأخر كما تشاء. ~~••• # ونأتي إلى الأبيات التي نطق بها النبي - عليه السلام - فننظر ماذا كان يترتب على التبديل ~~في مواضع كلماتها؟ # إن منها لأبياتا لا يتغير منها شيء غير الوزن كالبيت الذي أنشده - عليه السلام - حين قال ~~للعباس بن مرداس: أأنت القائل: # أصبح نهبي ونهب العبي # د بين الأقرع وعيينة # فإن البيت موزون على قول الشاعر: # وأصبح نهبي ونهب العبي # د بين عيينة والأقرع # ولا فرق بين الوضعين إلا كالفرق بين قولك: إن طنطا واقعة بين القاهرة والإسكندرية، وقولك: ~~إنها واقعة بين الإسكندرية والقاهرة، أو كالفرق بين قولك: إن زيدا يجلس بين بكر وخالد، ~~وقولك: إنه يجلس بين خالد وبكر. # فهل الفرق بين قول الشاعر: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود.» وقولنا: «ويأتيك من لم تزود ~~بالأخبار.» هو فرق من هذا القبيل؟ # إن كان الفرق من هذا القبيل فالتبديل ممكن، وإن لم يكن كذلك فهو مستحيل أو ~~كالمستحيل. # والمفهوم الذي لا يغيب عن سيد الفصحاء هو أن المعنيين مختلفان. # فالمفهوم من قول الشاعر أن الأخبار هي المقصودة، وأن الشاعر يورد قوله على سبيل ~~الاستغراب، أو التحدث بالغريب الذي لا ينتظر في الأغلب الأعم أن يكون: تسمع الخبر الذي ~~تنتظره من مسافر لم تودعه، ولم تحفل بسفره ولم تنتظر إيابه، وهذه هي الغرابة! وهذا موقع ~~التنويه والاستشهاد. # أما قولنا: «ويأتيك من لم تزود بالأخبار.» فهو شيء آخر في معناه، أو هو شيء لا يستشهد به ~~في الموقع الذي عناه الشاعر. # فنحن لا نزود التاجر المسافر بزاد، ولكنه يعود إلينا من السفر بالبضائع والتحف ولا نستغرب ~~ذلك، ms190 إذ لا وجه للغرابة في أن يسافر المسافر ولا تزوده، ثم يعود إليك بشيء من الأشياء، أما ~~إن عنيت غرابة الأمر، وعنيت الأخبار خاصة فلا بد من التقديم، ومن إظهار ما يفيد هذه ~~الغرابة. # وهذا فضلا عن التباس آخر في قولنا: «ويأتيك من لم تزود بالأخبار.» إذ يحتمل أن يفهم ~~السامع أن المقصود: «من لم تزوده أنت بالأخبار.» ثم ينتظر تتمة الكلام، ولا وجه لهذا ~~الالتباس إذا لم يتبدل موضع الكلام. # فتبدل مواضع الكلمات ممكن إذا نحن لم نحفل بهذا الالتباس، وممكن إذا نحن تركنا المعنى ~~الذي من أجله نظم البيت، واستحق أن يروى في مقام الاستشهاد، وممكن إذا صرفنا النظر عن كل ~~معنى وكل قصد. # ولكنه مستحيل أو كالمستحيل إذا أردنا المحافظة على معناه، وهو فرق واضح لا يغيب عن سيد ~~الفصحاء كما أسلفنا؛ ولهذا رجحنا الرواية الغالبة ولم نكترث لغيرها من الروايات؛ ولهذا كان ~~ينبغي للأديب المعقب أن يتريث طويلا قبل أن يجزم، ويتحقق أن قولنا: «لا يمكن تبديله.» غير ~~صحيح؛ فغير الصحيح هو ما قال وما قالته كل رواية توهم أن محمدا - عليه السلام - قد غاب عنه ~~الفرق الواضح بين الروايتين. ~~••• # وما دمنا بصدد التعقيب على كتاب «عبقرية محمد»، فلنذكر تعقيبا سمعناه من المذياع لطالب ~~نجيب من طلاب الجامعة كان يتحدث عن هذا الكتاب ... فقد أشار إلى كلامنا عن موت إبراهيم ابن ~~النبي - عليه السلام - حيث نقول: «مات ذلك الطفل الصغير ومات ذلك الأمل الكبير: مات كلاهما ~~والأب في الستين ... أي صدمة في ختام العمر؟ أي أمل في الحياة؟ الدين قد تم وهذه الآصرة قد ~~انقطعت، فليس في الحياة ما يستقبل وينتظر، كل ما فيها للإشاحة والإدبار.» # ثم عقب الطالب النجيب بما فحواه أن هذا يأس يتنزه عنه مقام الأنبياء. # وكل ما نجيب به أن هذا ليس بيأس يتنزه عنه مقام الأنبياء، وإنما هو علم بأن الحياة قد ~~أصبحت للإشاحة والإدبار، ومحمد - عليه السلام - كان يقول: «إن معترك المنايا بين الستين ~~والسبعين.» فلا يأس في انتظاره إدبار ms191 الحياة بعد الستين. # إنما اليأس الذي يتنزه عنه مقام النبي أن ييأس من أداء الرسالة التي بعث بها إلى الناس، ~~وهذه قد تمت يوم مات إبراهيم، فلا يأس فيها، ولا حرج أن يقبل النبي بعدها على أخراه، وما ~~قلنا عن محمد - عليه السلام - بعض ما قاله بلسانه الشريف حين قال: إن ما به من موت إبراهيم ~~ليهد الجبال، ثم استرجع. وما يكون الاسترجاع إلا أن يذكر الإنسان في كل عمر أنه تارك الحياة ~~وراجع إلى الله! # الفصل السادس والأربعون # | الحق المجرد # عجب صديقنا الأستاذ الزيات لابن آدم «المخلوق الوحيد الذي يرى الشيء الواحد بعينيه ~~الاثنتين، أبيض تارة وأسود أخرى على حسب الصبغ الذي يلونه به الهوى.» # وضرب لذلك أمثلة شتى، منها أن راديو باري أذاع منذ ليلتين أن فريقا من الطلاب الهنود ~~تظاهروا في بمباي، فاعترضتهم فئة من الشرطة الإنجليز، فتفرقوا في شوارع المدينة أباديد بعد ~~أن أصيب نفر منهم بجروح، ثم عقب المذيع على هذا الخبر بأن الاعتداء على المتظاهرين بالضرب ~~ينافي المدنية، ويجافي الخلق، ويصم الذين ارتكبوه بالقسوة الوحشية والبربرية الأثيمة، ثم ~~أعلن المذيع في هذه الإذاعة نفسها أن مليونا من جنود المحور قد اقتحموا بالدبابات الثقيلة ~~والطيارات المنقضة والسيارات المدرعة منازل ستالينجراد على الروس، وفيهم النساء والأطفال ~~والشيوخ والمرضى، فدكوا كل بناء، وسحقوا كل حي، وركموا أشلاء القتلى في الحجرات والطرقات ~~على صورة لم يرها الراءون ولم يروها الراوون، ثم أخذ هذا البوق البشري يهذي بفضل هذا النصر ~~على المدنية، وينوه بعظيم أثره في مستقبل الإنسانية. # وأتى الأستاذ بأمثلة متعددة في هذا المعنى تؤيد شقاء الإنسانية بين العقل والهوى. # وإنه لشقاء باق لن يزول أبدا، ولن يزال الهوى يرينا الشيء شيئين، واللون لونين ما دمنا ~~نحس ونرى، وقد: # أعيى الهوى كل ذي عقل فلست ترى # إلا صحيحا له حالات مجنون # وهذا نقص لا ريب فيه. # وقد تناوله صديقنا الزيات من هذه الناحية، فأبرزه في صور الحياة اليومية التي لا يخطئها ~~من يرقبها. # فهل هو نقص لا يوازنه ms192 جانب كمال؟ وهل هي آفة لا عزاء فيها لبني آدم؟ # وهل نغير ما طبعنا عليه من هذه الخليقة بما طبعت عليه سائر المخلوقات من توافق وتشابه ~~حالات؟ # مصيبتنا أننا لا نستطيع! # لأن الإنسان لا ينقص إلا من حيث يزيد؛ فهو يعرف الخطأ لأنه يعرف الصواب ويختل في هندسته، ~~من حيث يتقن النحل هندسته كل الإتقان؛ لأنه أعلم بالهندسة من النحل؛ لا لأنه أجهل منه ~~بفنونها وأنواعها ... فهو يشتري الخطأ بثمن؛ لأنه لا يشتري الصواب إلا مخلوطا به، مضافا ~~إليه. # نحن نرى الشيء أشياء لأننا نرى. # أما سائر المخلوقات فهي لا ترى إذ تنظر بعينيها، وإنما الأصح أن يقال: إنها تلمس الأشياء ~~بالعين على نحو من الملمس بالأيدي، فلا تقبل عندها التعدد والاختلاف. # وهكذا الآدميون الذين يشبهون تلك المخلوقات. # إنهم يلمسون الأمور بأعينهم كما يلمسونها بأيديهم، ولكنهم لا يرونها متعددة الحالات، ~~متعددة الألوان، متعددة الواقع في الخواطر والأهواء؛ وإن تعددت عندهم قليلا فهو أقرب تعدد ~~إلى التوحيد. # كنت أقول لبعضهم والألمان يدخلون باريس: إنهم سينهزمون. # وكنت أقول لبعضهم والألمان يتقدمون في الأراضي الروسية: إنهم سينهزمون. # فكانوا يقولون: ولكننا نرى أنهم سينتصرون لأنهم منتصرون ... فأقول لهم: ما هذا برأي، هذا ~~لمس بالعين، هذا ما تبصرونه كما تبصره كل عين حيوانية تفتح أجفانها، وإنما الرأي غير هذا، ~~الرأي ما يبصرك بالانهزام وأنت تنظر إلى النصر الملموس، فإن لم يفدنا الرأي هذه الفائدة فلا ~~خير فيه، ولا حاجة بنا إليه مع وجود العيون والأجفان، إذ حسبنا بالعيون والأجفان أن نفتحها ~~فنلمس بها، ثم لا نفكر ولا نرى خلاف ما تبديه. # وهكذا يبصر الإنسان وجوه الرأي؛ لأنه لا يرى الشيء على حالة واحدة ولا يستوفيه كله في ~~صورة حاضرة. # فهو يبصر وجوه الرأي في الضرب مثلا؛ لأنه يحسه لذيذا في حين ومؤلما في حين، ولا يحسه ~~في بعض الأحايين. # يحسه لذيذا حين يكون هو الضارب، ويحسه مؤلما حين يكون هو المضروب، وليس يحس له لذة ولا ~~ألما حين لا يكون ضاربا ولا مضروبا ولا شأن ms193 له في الحالتين. # ومن العسير عليه جدا أن يعرف ما هو الضرب إذا عرفه على وجه واحد، ولم يعرفه على شتى ~~الوجوه. # ومن البعيد جدا ان يراه بالحق إن لم يره بالهوى على اختلافه، فيحبه ويبغضه وينظر إليه ~~بين الحب والبغض، و«يراه» بعد ذلك مستجمعا لجميع هذه الوجوه. # وهذا هو باب الكمال في تعداد الأهواء وتعدد الحكم على العمل الواحد، إذ نعمله نحن وإذ ~~يعمله الخصوم، وإذ يعمله من ليس من الخصوم ولا من الأصدقاء. # وكل صورة من صوره هذه تمام لغيرها، ولا سبيل إلى التمام فيها بغير هذا التعديد. # يقولون في الصعيد: إن نواتيا سمع مضغا قويا في مخزن الخبز الجاف من سفينته، فأشفق من ~~نفاد المئونة في الطريق وصاح مغضبا: من هذا الذي يقضم في الخبز قضم الحمار؟ # فقيل له: ابنك حسن! # قال: اسم الله عليه! أهو الذي يقرش هكذا قرش الفوير؟ # والرجل قد صدق بعض الصدق فيما سمع من قضم حمار ومن قرش فوير، فإن أكل ابنه من الخبز يسره ~~ولا يؤذيه، وإن انطلاق الغريب عليه يؤذيه ولا يسره، ويبقى أن يسمع المسافر الذي لا يسمع ~~حمارا ولا فويرا، ولكنه يسمع الصوتين على حسب ما عنده من الزاد. # وما أعجز الإنسان أن يتبين حقيقته بهذا الصغر وبهذه البساطة ما لم يسمع من جانب مخزن ~~الخبز صوت حمار، وصوت فأر، وصوت إنسان! # هذا نقص في خليقة بني آدم يؤدي إلى تمام. # وإنما هو نقص دائم إذا وقف حيث هو، ولم تجتمع صوره الكثيرة في صورة واحدة، هي أدنى إلى ~~الصدق وأبعد من الهوى وأوسط في الرأي بين مختلف الآراء. # وذلك هو النقص الذي يحبه جماعة من أصحاب المذاهب الاجتماعية، ويفرضون دوامه ويحضون على ~~الاقتداء به في فهم التاريخ، ونريد بهم الشيوعيين. # فهم يجعلون الهوى فرضا لزاما في معالجة كل حقيقة من حقائق الحياة. # ويكتبون التاريخ فيذمون من لا يستحق الذم، ويثنون على من لا يستحق الثناء؛ لأنهم يستوحون ~~المصلحة الشيوعية، ويعلنون أن الخروج من هوى المصلحة في تقدير ms194 الأمور مستحيل. # فأما أنه مستحيل فلا؛ لأن الإنسان يعرف الفرق بين صوابه وهواه، وإن أحب هواه وآثره على ~~الصواب. # فإذا كانت له قوة خلق تصحب المعرفة غلب الهوى بالجمع بين معرفته وقوة خلقه، وأصبحت مصلحته ~~تابعة لما يلزمها من جادة قويمة في رأيه. # ولكن الشيوعيين لا يغلبون هوى المصلحة؛ لأن الخروج منه مستحيل؛ وإنما يغلبونه لأن تغليبه ~~نافع لهم فيما يقدرونه ويفسرون به الأمور. # ولا نقول: إن الشيوعيين وحدهم يغلبون الهوى في تفسير التاريخ وتصوير الحقائق، فهذه خليقة ~~شائعة بين جميع الناس ملحوظة بين أصحاب المذاهب بلا استثناء. # ولكننا نقول: إن الشيوعيين وحدهم هم الذين جعلوا ذلك فرضا لا مناص منه، ولم يجعلوه عيبا ~~يصححونه ويخجلون من إعلانه. # وهذا هو الفارق الكبير بين الرأيين. # فعلينا أن نعترف بالهوى ولا نجهل صنيعه في أفاعيل الأمم والأفراد، ولكن علينا أن نغالبه ~~ما استطعنا كلما عرفناه واقتدرنا عليه. # وهذا هو الواجب في كل عيب من العيوب أيا كان سببه وأيا كان الناظر إليه. # فأذكر أن «برتراند رسل» الفيلسوف الرياضي الباحث الاجتماعي الكبير قد أشار في بعض كتبه ~~بإباحة العلاقات بين الفتيان والفتيات «بغير بنين»؛ ليتم لهم اختبار الحياة الجنسية قبل ~~الاضطلاع بتبعاتها؛ ولأن المنع رياء ما دامت الإباحة قائمة فعلا، وإن سترت من أعين المجتمع ~~والشريعة. # فأما اختبار الحياة الجنسية، فليست الإباحة سبيله الوحيد، وليس الزواج بعلاقة جنسية وكفى، ~~فيكون اختباره من طريق ذلك الانطلاق. # وأما أن الإباحة مطلوبة ما دامت حاصلة، فهذا الذي يشبه عندنا مذهب الشيوعيين أن الهوى ~~مفروض ما دام من عادات بني آدم. # فالسرقة موجودة ولا نعالجها برفع العقوبة عنها، والسقم الذي يأتي من الطعام موجود، ولا ~~نعالجه بتسويغ الطعام المسقم للأبدان؛ وإنما وجود هذه الآفات هو الذي يدعونا إلى محاربتها ~~واستئصالها؛ إذ نحن لا نحاربها وهي معدومة غير مكروهة الوجود. ~~••• # هو الهوى إذن نقص في طبيعة الإنسان تميز به بين المخلوقات؛ لأنه طريقة إلى التمام. # فلا نرميه ولا ندخره، ولكننا نتناوله بضاعة للاستبدال، كلما تسنى لنا أن نبدل ms195 به بعض ~~الصواب. # وهوى واحد لا يصلح ثمنا مقبولا في هذه التجارة. # ولكن خمسة أهواء متقابلات هي أصلح الأثمان للمقايضة فيها، فليس أقمن بأضعاف الهوى من تعدد ~~الأهواء. # أيشقينا ذلك التبديل والاستبدال؟ # نعم لا مراء ... ولكن من الذي قال: إننا خلقنا لنسعد؟ ومن الذي قال: إن السعادة في استئصال ~~الأهواء؟ لم يقل ذلك أحد؛ وإن قاله لم يحفله سامع، ولم تزل دنياه ماضية في شقائها وسعادتها ~~وهواها. # الفصل السابع والأربعون # | حول ما نكتب # علقت صحيفة «البورص إچبسيان» على ما كتبناه في موضوع الشيوعية، فقالت بعد تلخيص رأينا ~~فيها: «... وإن الأستاذ العقاد لينظر إلى الشيوعية في لون قاتم، وهي ما زالت على حسب سياسة ~~ستالين في دور الكشف والظهور، فلا تعرف على التحقيق إلى أي طريق تسير في تطبيقها العملي بعد ~~تجاربها في السنوات الأخيرة، فقد أنشأ نظام الأسرة فيها يتكون ثم المدرسة ثم الأخلاق، ثم ~~الاعتراف بتفاوت الدرجات والرجوع أخيرا إلى الدين، وكل هذا معناه أن الشيوعية الحالية ليست ~~إلا اسما مسمى، وإن هي في حقيقتها إلا اشتراكية مستنيرة.» # وهذا التعليق في رأينا هو أقرب إلى التأييد والتوكيد منه إلى المناقضة أو التفنيد. # لأن معناه أن ستالين يخالف الشيوعية التي ننكرها، ولا يدين بقواعدها التي بسطها كارل ~~ماركس وشرع في تحقيقها لينين. # ومعناه من جهة أخرى أن الشيوعية في تطبيقها تخالف الشيوعية في أصولها النظرية، وأنها من ~~أجل ذلك مذهب لا يصلح للتنفيذ في الحياة العملية. # وقد اضطر ستالين فعلا إلى الاعتراف بتفاوت الدرجات والأجور، واضطر إلى التسليم للأسرة ~~ببعض الحقوق، وقبول الملكية في وضع من الأوضاع، ثم انتهى خلال الحرب الحاضرة بتعظيم فضيلة ~~الوطنية التي كانت في عرف كارل ماركس وأصحابه لعنة من لعنات الاستغلال، وحيلة من حيل أصحاب ~~الأموال، فهو وأعوانه يسمون الحرب الحاضرة بالحرب الوطنية، وحرب الدفاع عن الدمار؛ لأنهم ~~علموا أن اسم الشيوعية وحدها لا يشحذ همة الشعب إلى النضال، ولا يغني عن نخوة الوطن ~~والعصبية القومية. # فاضطرار الأقطاب الشيوعيين إلى العدول عن بعض قواعدها الأولية ms196 يؤيد ما نقول، ولا ينفي ~~أنها مذهب غير معقول ولا مقبول. # ولكننا مع هذا ندعو إلى الحذر من تصديق كل ما يروى عن التطبيقات الشيوعية في الوقت ~~الحاضر؛ لأن الوصول إلى حقيقة النظم الروسية اليوم من أصعب الأمور، ولم يسمح قط لرجل مستقل ~~الرأي منزه عن الغرض بالطواف في أرجاء روسيا على حريته بغير رقيب أو دليل، وإذا سمح له ~~بالطواف في المواطن البعيدة عن الأسرار والخفايا، فلا ينقضي أسبوع على معاشرته لفرد من ~~الأفراد، أو فئة من الفئات إلا أسرع الحاكمون بتبديله، وإحلال آخر أو آخرين في محله، حتى لا ~~تنعقد بين السائحين المستقلين وبين أحد من الروسيين صلات وثيقة تطلق عقال الألسنة، وتكشف ~~كوامن الصدور. # ولا حاجة بنا بعد هذا وذاك إلى ملاحظات السائحين المستقلين لإدراك هذه الحقائق الغنية عن ~~الدليل، فحسبنا أن حرية الكتابة مكبوحة في روسيا منذ نيف وعشرين سنة؛ لنعلم أن بواطن الأمور ~~غير ظواهرها، وأن رعايا الشيوعيين لا يملكون الإفضاء بما في ضمائرهم لأبناء وطنهم فضلا عن ~~الغرباء الطارقين، الذين يحاطون بالرقباء والأدلاء من قريب وبعيد. # ولا نزال نذكر الفكاهة التي رويت على لسان الفلاح الروسي حين سمح له بالتحدث إلى العالم ~~الخارجي من محطة الإذاعة العامة على شريطة أن يفوه بكلمة واحدة، ولا يزيد عليها، فكانت ~~كلمته التي جمعت كل ما أراد الإفضاء به إلى العالم الإنساني كله هي: «النجدة!» ولاذ بعدها ~~بصمت الأموات. # فحسبنا أن المذهب في أصول النظرية غير معقول، وأن أقطابه لا يقدرون على تطبيقه إلا بعد ~~الانحراف عنه والتعديل فيه، وأن الأقوال التي تصل عنه إلى العالم الخارجي لا تخلو من حجر ~~ورقابة، وهذه كلها حقائق متفق عليها، حسبنا كما قلنا أن نعلمها لنعلم أن الحذر من تصديق ما ~~يقال هو أقل ما تقابل به تلك الأقوال. # وليست كل التعليقات جدا كهذا التعليق الذي ألمعنا إليه من كلام «البورص ~~إچبسيان». # فهناك تعليقات الأوشاب! # وهناك تعليقات عبيد المعدة! # وهناك تعليقات الماديين الذين يفسرون كل شيء بالماديات! # والأوشاب وعبيد المعدة والماديون ms197 هي كلمات مرادفة لكلمة الشيوعيين باعتراف هؤلاء ~~الشيوعيين الفخورين! # وهؤلاء - أو أذناب هؤلاء - يقولون: إنني لا أكره الشيوعية ولا أكتب ما أكتب عنها إلا ~~لأنني قبضت من أعدائها خمسة آلاف جنيه للتشهير بها في بضع مقالات. # ولكنني أكتب ما أكتبه اليوم عن الشيوعية منذ كانت الشيوعية، أو منذ عشرين سنة على ~~التقريب. # وأكتب عن جميع المذاهب التي تناقض الديمقراطية كما كتبت عن الشيوعية والشيوعيين. # فما تفسير ذلك يا ترى؟ ولم لا تكون الكراهة هنا كراهة رأي ما دامت مطردة في جميع الأوقات، ~~وعلى جميع المذاهب وبين جميع الأحوال؟ # كلا، لا يمكن أن يفسر كلام إنسان بالرأي والعقيدة في عرف الأوشاب، وعبيد المعدة، ~~والمفسرين للتاريخ كله بالماديات. # أفي الدنيا إنسان يحارب رأيا لأنه يؤمن ببطلانه؟ كيف يكون هذا؟ وكيف يكون الإنسان عبدا ~~للمعدة إذن، ويكون الرأي محور أقواله ومثار خصوماته؟ # هذا مناقض «للمذهب» في الصميم. # وهو كذلك مناقض «للخطط الحربية» التي أوصى بها ماركس أتباعه علانية، ولم يتورع أن يزينها ~~لهم في منشوراته على مسمع من الدنيا بأسرها؛ فهو القائل: إن تشويه كل ديمقراطي حسن السمعة ~~واجب مفروض على الدعاة، وهو الذي سن لهم هذه السنة حين أشاع أن «باكونين» جاسوس للروس ~~والنمسويين، وهو يعلم أنه لطريدة الروس والنمسويين! # ومن عقائدهم التي لا يخفونها أن «الحق» المطلق خرافة ليس لها وجود، وأن ما يسمى حقا ~~إنما هو جملة المصالح التي تنتفع بها الطبقة الغالبة في أمة من الأمم، وأن الكذب العمد على ~~هذا لخدمة «الطبقة» أمر مشروع بل واجب مشكور. # فلا عجب إذن أن يقرفني الأوشاب عبيد المعدة بما يعهدون في أنفسهم وفي عقائدهم من الخلائق ~~والأدناس. # بل عندي أنهم حيوني أكبر تحية في مقدروهم حين رفعوا سعر الرشوة التي أرشاها إلى خمسة آلاف ~~من الجنيهات أجرا مقدورا لبضع مقالات. # نعم هي أكبر التحيات التي يملكونها وهم يعلمون أن سعرهم جميعا وأجور مجهوداتهم جميعا ~~منذ خدموا الشيوعية إلى أن تستغني الشيوعية عن خدمتهم لن يقارب خمس هذه الآلاف. # فلهم على تحيتهم ms198 المغصوبة شكر يلائمها. # ولهم فوق ذلك تبرع آخر ينتفعون به في كل لحظة إن وجدوا السبيل إليه. # فإنني لمتبرع لهم بهذه الآلاف الخمسة حيثما وجدوها في مصرف أو بيت أو ثمنا لعقار أو ~~بضاعة أو أسناد تشرى وتباع. # وحيثما وجدوا ذلك المال فليكتبوا إلى صاحب الرسالة بموضعه، ولهم أن أتبع كتابتهم بعد يوم ~~واحد بتحويل صريح يخولهم قبضه حالا مباحا وفاقا لكل شرط يقترحونه من شروط ~~القانون. # وليدعوا لي بالخير إذن كما يدعون للرفقاء أجمعين، فإنني سأعطيهم إن صدقوا ما لم يأخذوه - ~~ولن يأخذوه - من رفيق! ~~••• # وندع هذه الأضاحيك ونعود إلى موضوع «المؤلفين والمقترحين»، الذي كتبنا عنه في الرسالة ~~مقالنا الأخير. # فقد وردتني في هذا الموضوع رسائل شتى من مؤيدين ومناقشين، وخير ما وردني من رسائل التأييد ~~رسالتان إحداهما يقول صاحبها «أ. زين العابدين»: إن كل نسخة من كتاب يقتنيها قارئ مثقف هي ~~رد مطول على أصحاب المقترحات على قلتهم، وإن كانوا من ذوي الثقافة والاطلاع. # والأخرى يقول صاحبها «محمد عبد الهادي»: إن رضا المؤلف عما كتب قراؤه هو العزاء الذي يرجح ~~بكل جزاء، ويغنيه حتى عن الإعجاب والثناء. # وراقني فحوى هذه الرسالة على التخصيص؛ لأنني تلقيتها من محض المصادفة في بريد واحد مع ~~مجلة «ورلد ديجست» الإنجليزية، وفي صدرها خطاب معاد لمستر تشرشل يتكلم فيه عن «غبطة ~~المؤلفين»، ويجعلها - كما يجعل كل غبطة من نوعها - عليا المطامح التي ترتقي إليها آمال ~~الناس في هذه الحياة. # فليس في الدنيا - كما يقول - سعادة أسعد من نجاحك في التوفيق بين موضوع عملك وموضوع ~~سرورك، أو من اتخاذك العمل سبيلا من سبل الرياضة والرضاء، وهو يسأل ويطيل في سؤاله بما ~~خلاصته: ماذا يعنيك مما يحدث وراء الأفق الذي تعيش فيه بعملك وسرورك؟ ليصنع مجلس النواب ما ~~بدا له؛ وليصنع معه مجلس اللوردات مثل هذا الصنيع؛ ولتضطرب الأسواق، وليثر من يثور، فلا ضير ~~عليك وأنت منزو في تلك الساعات القلائل عن عالم يساء حكمه أو يساء نظامه. # ثم ينتقل إلى الحديث عن الحرية والتأليف، ms199 فيرى أن أداة التأليف هي أخف الأدوات مئونة ~~وأقلها كلفة؛ لأنها قلم وصفحات من الورق، وإن أبقى شيء يبقى من وراء أسداد الزمان والمكان ~~هو الكلمات. ~~••• # قل: إنه عزاء للمؤلفين يخلقونه من الخيال أو يخلق لهم من وقائع الأيام، فالمهم أنه قد ~~خلق، وأنه قد نزل من نفوسهم منزل العزاء الصحيح. # الفصل الثامن والأربعون # | السلفية والمستقبلية # عني الأديب الفاضل الأستاذ الحوفي بالرد على اللغط الذي يلوكه باسم التجديد ذلك الكاتب ~~الذي يكتب ليحقد، ويحقد ليكتب، ويدين بالمذاهب ليربح منها ولا يتكلف لها كلفة في العمل أو ~~في المال. # فهو يشتري الأرض، ويتجر بتربية الخنازير، ويسخر العمال، ويتكلم عن الاشتراكية التي ~~تحرم الملك وتحارب سلطان رأس المال. # وهو يعيش من التقتير عيشة القرون الوسطى في الأحياء العتيقة، ويتكلم عن التجديد والمعيشة ~~العصرية. # وهو ينعي الحضارة الآسيوية، وإنه لفي طواياه يذكرنا بخلائق البدو المغول في البراري ~~السيبيرية. # ومن لغطه بالتجديد ذلك اللغط الذي لا يفهمه، قوله الذي رد عليه الأستاذ الحوفي وهو: ~~«التفت إلى عبارة قالها الأستاذ العقاد بشأن الاشتراكيين في مصر لها مناسبة هنا، إذ هم ~~يدعون على غير ما يجب إلى اللغة العامية، وقد حسب عليهم هذه الدعوة في فاتحة رذائلهم؛ لأنه ~~هو يعتز بفضيلة اللغة الفصحى، ويؤلف عن خالد بن الوليد أو حسان بن ثابت، ولكنه غفل عن ~~التفسير لهذه الظاهرة الاجتماعية، وهي أن الاشتراكيين شعبيون يمتازون بالروح الشعبي ويعملون ~~لتكوينه، وهم لهذا السبب أيضا مستقبليون وليسوا سلفيين ... في حين أنه هو سلفي الذهن في لغته ~~وأسلوبه وتفكيره وسلوكه ...» # وهذا كلام عن السلفية والمستقبلية ببغاوي العبارة لا يعقل قائله ما يقول: لأن الكتابة في ~~الموضوعات التاريخية ليست هي مقياس السلفية أو المستقبلية، وإلا كان المؤرخون كلهم سلفيين؛ ~~لأنهم ما كتبوا ولن يكتبوا في غير العصور السالفة، وفي غير الماضي البعيد أو القريب، وإنما ~~المقياس الصحيح هو طريقة الكتابة في الموضوعات التاريخية والأبطال التاريخيين، وبهذا ~~المقياس يحسب الإنسان سلفيا رجعيا ولو كتب عن المستقبل الذي يأتي بعد مئات السنين؛ إذ ms200 ~~هو قد يكتب عنه بروح الجهل القديم والعصبية الرجعية، وهي العصبية التي عششت في دماغ ذلك ~~الكاتب الببغاوي، فلا ينساها في موضوع قديم ولا حديث. # ومن أصدق المقاييس للمستقبلية الإيمان بالحرية الفردية والتبعة الشخصية. # فليس في التاريخ الإنساني كله مقياس للتقدم أصدق ولا أوضح ولا أكثر اطرادا في جميع ~~الأحوال من مقياس حرية الفرد بين أمة وأمة، وبين زمان وزمان، وبين خليقة وخليقة، وبين تفكير ~~وتفكير. # فإذا قابلت بين عصرين اثنين، فأرقاهما ولا ريب هو العصر الذي يعظم فيه نصيب الفرد من ~~الحرية والتبعة الشخصية. # وإذا قابلت بين أمتين في عصر واحد، فأرقاهما ولا ريب هي التي تدين بالنظم القائمة على ~~تقرير حرية الفرد، وتحميله التبعة في السياسة والأخلاق. # وهذا الفارق الحاسم هو أيضا مقياس الفارق بين العالم والجاهل والرفيع والوضيع والرجل ~~والطفل، والرئيس والمرءوس وكل فاضل وكل مفضول. # ولهذا كنا نحن مستقبليين؛ لأننا ندين بمذاهب الحرية الفردية، ولا ندين بمذاهب الفاشية ~~والشيوعية، ولا نرى واحدة منها خيرا لبني الإنسان. وقد حاربنا الفاشية والنازية في الوقت ~~الذي كان فيه الببغاوات من أمثال ذلك الكاتب يطبلون لها ويزمرون ويسجدون لأبطالها ويركعون، ~~وعشنا وعاش الناس حتى رأوا ورأينا مصداق ما أنذرنا به وأكدناه وقررناه، وسنرى عن قريب مصداق ~~ما أنذرنا به وأكدناه وقررناه في أمر الشيوعية الماركسية على الخصوص؛ لأنها هي المذهب الذي ~~نحن على يقين من سوء مصيره وسوء وقعه وسوء فهمه بين أدعيائه، وليس هو الاشتراكية في صورتها ~~الحرة المهذبة كما يغالط ذلك الكاتب الببغاوي في التسمية، وهو يتعمد أو لا يتعمد التغليط ~~والتخليط. # وقد بدرت البوادر التي لا خفاء بها، فعلم الشرقيون والغربيون أن سياسة بطرس الأكبر - لا ~~سياسة المستقبل - هي التي يترنم بها الببغاوات في هذا البلد وفي غيره من البلدان، وسيرون ~~المزيد من دلائل الرجوع إلى القديم في كل مسألة من مسائل الخلاف بين السلفيين ~~والمستقبليين. ~~••• # ومن مقاييس المستقبل التي لا تخطئ، ولا تكذب في الدلالة على الوجهة التاريخية العامة ~~مقياس التعاون بين الدول، أو التعاون بين ms201 الطبقات، أو التعاون بين الأفراد، فإن هذا التعاون ~~ملحوظ الخطوات في السياسة الدولية من الزمن القديم إلى الزمن الحديث، وهو كذلك ملحوظ ~~الخطوات في المعاملات التي تشيع بين أبناء الوطن الواحد، وسيكون له الشأن الأكبر في علاج ~~مشكلات الاجتماع والاقتصاد على توالي السنين. # وبهذا المقياس - بعد مقياس الحرية الفردية - تعتبر الشيوعية من المذاهب الرجعية، التي ~~ترجع بنا إلى سيادة الطبقة الواحدة، وإن كانت تزعم أنها طبقة وحيدة وأنها هي طبقة الصناع ~~والأجراء، فسيادة الطبقة الواحدة أقدم الصور الاجتماعية التي عرفها الناس، والشيوعية لا ~~تغير في الأمر غير عنوان الطبقة ... إن صح ما تدعيه. ~~••• # وأسخف السخف قول ذلك الكاتب الببغاوي: إن الشيوعيين «يفضلون اللغة العامية؛ لأنهم شعبيون ~~مستقبليون.» # ومصيبة الدنيا أن تحشو هذه الببغاوات أفواهها بما تسميه تفسير الظواهر الاجتماعية، وهي لا ~~تفسر تحت آنافها ما تسمعه بالآذان وتبصره بالعيون. # فاللغة العامية لغة الجهل والجهلاء، وليست بلغة الشعبيين ولا من يحبون الخير ~~للشعوب. # لأن الغني الجاهل يتكلم اللغة العامية، ولا يقرأ اللغة الفصحى، ولا يمتاز بفهمها على ~~الفقراء. # ولأن الفقير المتعلم يفهم الفصحى ويكتبها، كما يفهمها سائر المتعلمين من العلية أو ~~السواد. # فأعداء الشعب حقا هم أولئك الذين يفرضون عليه الجهل ضربة لازب، ولا يحسبونه في يوم من ~~الأيام صاعدا من حضيض الجهل إلى طبقة المعرفة والثقافة. # وأصدقاء الشعب حقا هم الذين يفتحون له أبواب المزايا العالية، ويسوون بينه وبين ~~القادرين على التعلم والمتكلمين بلغة المتعلمين. # والمسألة هنا - أيتها الببغاوات التي تفسر الظواهر الاجتماعية - ليست مسألة شعبيين ~~وطبقات، وأجور ورءوس أموال كما يهذي كارل ماركس وأتباعه المفتونون. # وإنما هي مسألة الفارق السرمدي بين المعيشة اليومية وبين الحياة الإنسانية الباقية على ~~اختلاف الأمم وتعاقب العصور. # فكل ما هو من باب القيم الإنسانية الباقية، فلا مناص له من تعبير غير تعبير السوق والبيت، ~~وكلمات التسلية والاستلقاء، ولو أجبرنا الناس جميعا في هذه الساعة على الكلام بالعامية دون ~~غيرها لما استطاعوا أن يتجنبوا اللغة الخاصة والمصطلحات الخاصة والتراكيب الخاصة سنة واحدة ~~حين يكتبون في ms202 الطب، أو الرياضة العليا أو الكيمياء أو القانون، ولكان عسيرا عليهم أشد ~~العسر أن يكتبوا بالعامية مذهبا كمذهب كانت أو مذهب لمبروزو، أو قصيدة كقصائد المتنبي ~~وبيرون وشكسبير. # فإذا كانت اللغة الخاصة لازمة للمتعلم على كل حال لاستيفاء علم الطب، أو علوم الرياضة أو ~~علوم القانون، فلماذا تحرم عليه لاستيفاء علوم الأدب والقدرة على التعبير الذي لا يتجاوز ~~حدود اليوم، ويصاحب الأمم الإنسانية عدة أجيال؟ ومن قال: إن الإنسان يستخدم لغة واحدة حين ~~يساوم على بطيخة أو حين يغسل القدور، ويخرط الملوخية، وحين يتكلم عن غبطة النفس بالربيع ~~وسمو الأمل بالحب، ونبل الفداء في سبيل المثل العليا؟ # ما هذا الولع بالتسفل وهذا الإنكار لكل ارتفاع؟ ما هذا التمرغ في كل وضيع، وهذا الحرد ~~الذي لا يطاق على كل شريف رفيع؟ # فاللغات الفصحى لم تحفظ حتى اليوم لأن الأغنياء وأصحاب رءوس الأموال يتكلمونها في البيت ~~والسوق، ولم تحفظ حتى اليوم لأنها مزية طبقة من الطبقات الاجتماعية، أو مزية الأغنياء ~~القادرين على التعليم، فإن أغنى الأغنياء كثيرا ما كانوا من أضعف المعبرين، وأفصح الفصحاء ~~كثيرا ما كانوا من الفقراء والمعدمين، وإنما اختلفت اللهجتان على مدى الزمن بضرورة ~~الاختلاف بين حياة البيت والسوق، وحياة المعرفة والتهذيب التي تتجاوز حاجة اليوم إلى حاجة ~~الأجيال. # وإنما الحقد على كل شريف رفيع هو الذي يسول للببغاوات أن يحاربوا اللغة الفصحى باسم ~~الشعبية، والشعبية منهم براء. # والمرجع بعد إلى الذوق والشعور وخصب الخيال، وهي ملكات حرمتها الشيوعية وذووها من كارل ~~ماركس إلى أذنابه الذين لا يفقهون ما يقول، ولو فقهوه لما عظم شأنهم بين شئون النفوس ~~والعقول. # الفصل التاسع والأربعون # | في مصر فلسفة # نعم في مصر فلسفة. # ونحمد الله على ذلك كما حمد فردريك الكبير ربه على أن في برلين قضاء. # ولكننا نحن أولى بالحمد من فردريك الكبير؛ لأن القضاء العادل ضرورة من ضرورات الحياة ~~الاجتماعية يتفقدها الناس إذا فقدوها، ويجدونها إذا طال تفقدها، وكان بهم صلاح ~~لوجودها. # أما الفلسفة فلا يبحث عنها من يفقدها؛ لأن من ms203 يفقدها يجهلها ولا يحفل بها، وقد يسخر منها ~~إذا سمع بذكرها، وقد يتفق أصدقاؤها وأعداؤها على أنها نافلة من النوافل وزيادة من الزيادات، ~~وإن قال الأصدقاء: إنها نافلة الكمال، ولا غنى عن الكمال، وزيادة الفضل ولا تطيب للفاضلين ~~حياة المفضولين. # فإذا كان القضاء العادل ضرورة محسوسة فصناعة الفلسفة ليست بضرورة من ضرورة المعاش، أو هي ~~على الأقل ليست من الضرورات المحسوسات: تلك ضرورة وطن وزمن؛ وهذه ضرورة لا يشعر بها الإنسان ~~إلا إذا تجاوز نطاق الأوطان، وأصبح نطاقه الكون كله، في كل زمان. # أو هي العلم الكلي كما قال المعلم الثاني أبو نصر الفارابي: «فإن العلوم منها جزئية ومنها ~~كلية، والعلوم الجزئية هي التي موضوعاتها بعض الموجودات أو بعض الموهومات ... مثل علم الطبيعة ~~فإنه ينظر في بعض الموجودات، وهو الجسم من جهة ما يتحرك ويتغير ويسكن عن الحركة، ومن جهة ما ~~له مبادئ ذلك ولواحقه، أما العلم الكلي فهو الذي ينظر في الشيء العام لجميع الموجودات مثل ~~الوجود والوحدة، وفي أنواعه ولواحقه، وفي الأشياء التي لا تعرض بالتخصيص لشيء؛ شيء من ~~موضوعات العلوم الجزئية مثل التقدم والتأخر والقوة والفعل والتام والناقص، وما يجري مجرى ~~هذه، وفي المبدأ المشترك لجميع الموجودات، وهو الشيء الذي ينبغي أن يسمى باسم الله جل ~~جلاله؛ لأن الله مبدأ للموجود المطلق لا لموجود دون موجود، فالقسم الذي يشتمل منه على إعطاء ~~مبدأ الموجود ينبغي أن يكون هو العلم الإلهي؛ لأن هذه المعاني ليست خاصة بالطبيعيات، بل هي ~~أعلى من الطبيعيات عموما، فهذا العلم أعلم من علم الطبيعة، وواجب أن يسمى علم ما بعد ~~الطبيعة ...» # وكلام صاحبنا الفارابي على تركيته العربية أو عربيته التركية كلام صحيح في التعريف بفضل ~~الفلسفة، أو البحث فيما وراء المادة وما وراء الزمان والمكان، ولكننا بعد ما قدمناه في موقع ~~الفلسفة من الضرورة نعود فنقول: إنها ليست من البعد عن حياتنا الفردية أو حياتنا الاجتماعية ~~بحيث تخرج من عالم الطبيعة إلى ما وراءها، وإن الإنسان ما عاش ولن يعيش بغير فلسفة حياة ms204 منذ ~~بحث في العلاقة بينه وبين العالم المنظور والعالم المحجوب، ومرحلة الحياة كما قلنا في بعض ~~كتبنا الحديثة: «كجميع المراحل التي نقطعها من مكان إلى مكان، لا تركب القطار حتى تحصل على ~~التذكرة، ولا تحصل على التذكرة حتى تعرف الغاية التي تسير إليها، غاية ما هنالك من فرق بين ~~راكبين أن أحدهما يقرأ التذكرة والثاني لا يقرؤها، أو أن أحدهما يؤدي ثمنها من ماله والثاني ~~يؤدى له الثمن من مال غيره ...» # والعجب أن بعض الفضلاء من طلاب الحقيقة لا ينظرون إلى الفلسفة هذه النظرة، ولا يحجمون عن ~~نعتها باللغو الفارغ والهذر الذي ليس وراءه طائل، وكذلك فعل الكاتب النزيه الأستاذ نقولا ~~حداد حين جرى البحث على صفحات «الرسالة» عن وحدة الوجود، فضرب المثل على سخف المذاهب ~~الفلسفية القديمة بقول فيثاغورس: إن العدد هو سر الوجود، وإن النسبة بين الأشياء هي نسبة ~~بين أعداد. # قال فيثاغورس ذلك قبل خمسة وعشرين قرنا، فكان فرضه هذا أقرب إلى الصدق من فروض علمية ~~كثيرة فتن بها الناس إلى سنوات. # وقال فيثاغورس حين رأى أن الأوصاف كلها قد تفارق الموجودات من لون أو لمس أو صلابة أو ~~ليونة أو وزن، أو ما شابه هذه الأغراض الكثيرة إلا العدد؛ فإنه ملازم لكل موجود، فردا كان ~~أو أكثر من فرد، وكاملا كان أو غير كامل، وأن الفروق بين الأشياء هي فروق بين تركيب ~~وتركيب، أو فروق بين نسب الأعداد، وأن الكون كله «دور موسيقي» هائل يدور على قياس منسجم كما ~~يدير العازف الماهر ألحان الغناء. # وأنشد الكون ألحانه التي لا عداد لها، وتوالت الفترات التي نعدها نحن بالسنوات والقرون، ~~وظهر اليوم للباحثين أن الأجسام نسب بين أعداد، وأن الفارق بينها فارق في هذه النسب دون ~~غيرها، وأن التناسق في هذه النسب أصدق من أجرام المادة الملموسة باليدين، وأن الأصح في ~~تركيب الذرة أن يقال: إنه «عددي» لا إنه «مادي» ملموس. # وإذا قال فيثاغورس هذه المقالة قبل خمسة وعشرين قرنا، فليس من حقه أن توصف مقالته ~~بالفراغ، وهي ms205 أملأ من فروض العلماء بعده في معنى الوجود وفوارق الأجسام، وهي على أضعف ~~الأحوال أدق من قول بعض العلماء: إن أصل المادة أثير. ~~••• # وكان الفلاسفة يبحثون في العقل والمادة من عهد الفراعنة إلى عهد اليونان إلى عهد العرب ~~إلى عهد الأوروبيين المحدثين. # يسأل سائل: أهما محدثان أو قديمان؟ # ويسأل آخر: وإذا كانا محدثين فمن الذي أحدثهما؟ # ويسأل غيرهما: وإذا كانا قديمين فكيف يتفق قديمان ليس لواحد منهما بداية ولا ~~نهاية؟ # ويعود هذا السائل أو ذاك فيقول: وإذا كان أحدهما سابقا للآخر وموجدا له، فأيهما الأول ~~وأيهما الثاني في ترتيب الوجود؟ # ويفترق المجيبون فيقول فريق منهم: إن الحيوان ظهر بعد الجماد، وإن الإنسان ظهر بعد ~~الحيوان، فالمادة إذن أسبق من العقل في الترتيب. # ويقول فريق آخر: إن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن العقل أشرف من المادة، فهي لا تخلقه وهو ~~أولى بأن يخلقها، ويسبقها في الوجود على الأقل سبق العلة للمعلول. # أكلام فارغ هذا؟ # أهو كلام لا يعنينا ولا يدخل في حسابنا؟ # كلا ... لأن التفسير المادي للتاريخ مذهب عملي في الحياة الاجتماعية قام على القول بأن ~~المادة هي القديمة وأن العقل هو الحديث، وتوطدت عليه دعوة «كارل ماركس» التي فعلت بعد ذلك ~~الأفاعيل في مجرى السياسة العالمية، وفي مجرى العلاقة بين الطبقات، ولو استطاع فيلسوف أن ~~يقنع الإمام وأتباعه بقدم العقل وحدوث المادة لتغير تاريخ الكرة الأرضية، وتغيرت نظرات ~~الملايين من الناس إلى الحياة. # فهذه الصناعة التي تسمى بالفلسفة لا تغادر الطبيعة كل المغادرة، ولا تنطلق منها إلى ما ~~وراءها بغير رجعة إلينا في حياة الغذاء والكساء. # وإهمال هذه الصناعة غير مأمون على مهمليها؛ لأن الفرق بين الفلسفة الصالحة والفلسفة ~~الطالحة قد يكون فرقا بين ثورة واستقرار، أو بين حرب وسلام، أو بين هداية وضلال. # ونحن حين نذيع البشارة بقيام الفلسفة في مصر لا نذيع بشارة سماوات الخيال، ولا ننسى الذين ~~يعيشون ويعلمون أنهم يعيشون؛ لأنهم يأكلون ويشربون ويلبسون؛ أو لأنهم لا يطلبون من هذا ~~الوجود مطلبا غير المأكل والمشرب واللباس. ms206 ~~••• # نعم في مصر فلسفة. # نعم وفيها عناية بالكتب الفلسفية. # وآية ذلك أننا تلقينا في عام واحد نحو عشرين رسالة في المباحث الفلسفية وما إليها، وعلمنا ~~أنها تقرأ في بيئة المتعلمين الذين يؤدون الامتحان المدرسي، وتقرأ في بيئة المطلعين الذين ~~يقنعون بالاطلاع. # من هذه الرسائل القيمة رسالة للأستاذ الجليل مصطفى عبد الرازق باشا عن فيلسوف العرب، ~~والمعلم الثاني، والشاعر الحكيم، وابن الهيثم، وابن تيمية، فيها أوفى تعريف ينال بمثل هذا ~~الإيجاز. # ومنها كتابا الأسرة والمجتمع والمسئولية والجزاء للدكتور علي عبد الواحد وافي أستاذ علم ~~الاجتماع بكلية الآداب، وقد نوهنا بالكتاب الأول في «الرسالة»، وثانيهما في طبقة الأول من ~~حيث الإفادة والتحقيق. # ومنها كتب ثلاثة في «الفلسفة الرواقية» وسيرة الإمام محمد عبده، وشخصيات ومذاهب فلسفية ~~للدكتور عثمان أمين، وأولها أوفى كتاب بالعربية في موضوعه، ويضارع خيرة الكتب الأوروبية في ~~هذا الموضوع، وقد أنصف الأستاذ الإمام في سيرته الوجيزة، وصحح أوهاما شائعة في الشخصيات ~~والمذاهب الفلسفية، وأغنى المتطلعين إلى هذه البحوث عن كثير من المراجعات. # ومنها التعليم عند القابسي للدكتور الأهواني، وهو بيان لفن من الفنون كان المظنون أن ~~العرب أهملوه، فألم الدكتور بتاريخه وشرح آراء القابسي فيه. # ومنها كتاب التنبؤ بالغيب عند مفكري الإسلام، وكتاب الشعراني إمام التصوف في عصره، وكتاب ~~الأحلام للدكتور توفيق الطويل مدرس الفلسفة بجامعة فاروق الأول، وكلها نمط واحد في حسن ~~التقسيم وتقرير المعلومات وفطانة التعقيب. # وظهرت إلى جانب هذه الكتب القيمة والرسائل المسعفة مجلة مقصورة على علم النفس للأستاذين ~~يوسف مراد ومصطفى زيور، تعنى بأشرف البحوث المتخيرة في موضوعها، وتشغل مكانا لم يكن ~~بالجميل أن يفرغ بعد الآن في اللغة العربية. # ويجب أن نقرر هنا أننا أحصينا ما رأيناه، ولم نحص كل ما صدر للجمعية الفلسفية، أو لغيرها ~~من دراسات الفلسفة والتصوف وعلم النفس وما إليها. # وبعض هذا يكفل للمباحث الفلسفية حيزا موقرا في هذا البلد، ويجيز لنا أن نقول: إن في مصر ~~فلسفة، وإنها بشارة تذاع؛ لأنها بعض الأدلة على انتقال المصريين من عالم الضرورة إلى ms207 عالم ~~الحرية والاختيار، ومن أسر الحاجة التي لا تخلو من عبودية إلى شرف الكماليات التي لا تخلو ~~من عزة وارتفاع. # وقد وددنا لو استطعنا أن نبسط القول في كل كتاب من هذه المجموعة النفسية لولا أنها حرب ~~خاطفة تقابل بإشارات خاطفة، وإذا بلغ بأصحاب الفلسفة أن يشكو الناس سرعتهم ونشاطهم، فتلك ~~علامة خير وحجة على من يحسبون الفلسفة قرينة للدعة والركون إلى السكون. # لكن نشاطهم هذا يغريني باقتراح عليهم أوحاه إلي حديث مع أستاذ الجيل وكاشف أرسطو للعرب في ~~هذا الزمان العلامة الكبير أحمد لطفي السيد باشا، مد الله في عمره وأدام به النفع ~~والهداية. # فالأستاذ قد ترجم لأرسطو كتاب الأخلاق، وكتاب الكون والفساد، وكتاب السياسة، وينوي أن ~~يترجم له كتاب الروح أو كتاب ما بعد الطبيعة. # وما ترجمه الأستاذ الجليل هو أصح ما نقل عن المعلم الأول إلى اللغة العربية، وقرين في ~~الصحة والوضوح لأفضل الترجمات في اللغات الأوروبية. # ولكن لا يزال الغلط البالغ محيطا بالمنقولات الأخرى عن أرسطو منذ تصدى له النساطرة ~~والإسرائيليون الأندلسيون؛ لأن الجلة من أولئك المترجمين كانوا يجهلون معاني الفلسفة ~~ويجهلون دقائق العربية، ولا ندري الآن مبلغ علمهم باليونانية، وليس أولى بتصحيح أغلاطهم من ~~عصرنا هذا الذي تيسرت فيه مراجع الفلسفة اليونانية، وتيسرت فيه العناية بها والترجمة ~~عنها. # وقد خطر لي أن ترجمة أرسطو وأفلاطون عسيرة على الفرد إذا استقل بها، ميسرة للجماعة إذا ~~تعاونت عليها، فماذا على شبابنا الفضلاء المتفرغين للفلسفة بأنواعها لو تقاسموا بينهم آثار ~~الحكيمين جميعا، ففرغوا منها في عام واحد أو عامين؟ # إن في أرسطو وأفلاطون لما يصلح العقول ويقوم التفكير حتى في هذا الزمان، وما تباعد فيه ~~الخلف بين آرائهما وآراء عصرنا حقيق بالدراسة كتلك الآراء الخالدة التي لم يطرأ عليها الخلف ~~والتغيير؛ لأن دراسته دراسة لعقل الإنسان، وهو موضوع الدراسة في كل أوان. # وعمل الجمعية الفلسفية ناقص إذا بقيت اللغة العربية بين لغات الحضارة خلوا من ترجمة ~~صحيحة للحكيمين الخالدين، وظننا بها أنها قادرة على التمام. # وطلب التمام على ms208 من يستطيعه فرض عين في لغة الحكماء، وهي هنا قريبة من لغة المتصوفة ولغة ~~الفقهاء. # الفصل الخمسون # | الفلسفة مأمونة # «أتمن الله على الخطر؟ إن الفلسفة خطر على أصحابها وخطر على عقول العامة؛ لأنها ما زالت ~~منذ كانت تثير الظنون وتعرض المشتغلين بها للقيل والقال ...» # قرأت هذا في كتاب غفل من الإمضاء، فكان في ذلك بعض الدليل على أن اتهام الفلسفة بالخطر في ~~زماننا هذا هو الخطر الذي يستتر منه الناس. # وأبادر فأقول لصاحب الخطاب ومن على رأيه: إن الكتب الفلسفية التي أشرت إليها في مقالي ~~السابق بالرسالة ليست من الكتب التي يختلف فيها قولان؛ لأنها تتناول المباحث التي يتفق على ~~دراستها رجال الدين ورجال العلم، ولا يتحرج من قراءتها أصحاب رأي من الآراء. # ونحن مع هذا في زمان غير الزمان الذي كان يخشى فيه على الفلاسفة والمتفلسفين. # وبودي أن أقول بعد هذا وذاك: إن الفلسفة مظلومة في تلك الأزمنة التي كانت تتخذ فيها ذريعة ~~للتنكيل بمن أصابهم التنكيل من جرائها، أو من جراء الانتساب إليها. # فقد ظلموها والله حين أصابوا باسمها من أصابوه، فإنما كانوا يحسدون الفيلسوف على مكانة ~~مرعية، أو يبغضونه لعلة ظاهرة أو خفية، فيظلمونه ويظلمون الفلسفة معه، ويجهل الأمر من يجهله ~~فيقول: إن هؤلاء الظالمين منصفون؛ لأنهم عاقبوا من يستحق العقاب ولم يأخذوه بغير جريرة، ولم ~~يختلقوا عليه الذنوب! # ولو كانت الفلسفة هي العلة الصادقة لأصابت النكبات كل فيلسوف يبحث فيما وراء الطبيعة، ~~ويتصدى للكلام في أصل الوجود أو أصول الموجودات. # ولكنهم لم ينكبوا من الفلاسفة في الواقع إلا من كان ذا منزلة محسودة، ومقام ملحوظ، وإلا ~~من دخل معهم في مشكلات السياسة ومطامع الرئاسة، أو كانت لهم عنده ترة يتحملون الأسباب ~~لمجازاته عليها، فيرجعون به إلى هذه الفلسفة المسكينة، وهي غنية بالعلل والأسباب! # وإلا فما بالهم لم ينكبوا الكندي والفارابي، ونكبوا ابن سينا الوزير وابن رشد قاضي ~~القضاة؟ # فالكندي كان رجلا ميسور الحال موفور المال، ولكنه اعتزل الناس ولم يشترك معهم في مطامع ~~الرئاسة، فتركوه يتفلسف ms209 كما يشاء، وكان قصارى ما أصابه من ألسنتهم أنهم تندروا ببخله، ~~وزيفوا الأحاديث عن عشقه وغرامه، وسلم له رأسه إلا مما سرى إليه - فيما قيل - من وجع في ~~الركبة قد استعصى على العلاج. # والفارابي نظر إلى محيط السموات، وأعرض عن الأرض ومن عليها، وقال في رياضته الهندسية ~~ورياضته النفسية: # وما نحن إلا خطوط وقعن # على نقطة وقع مستوفز # محيط السموات أولى بنا # ففيم التزاحم في المركز! # فقالوا له: دونك وما تشتهي من محيط السموات، ودعنا وما نتزاحم عليه من هذه المراكز ~~والنقاط! # أما ابن سينا فقد زج بنفسه بين المتنازعين من الأمراء والرؤساء، فزجوه في السجن وألجئوه ~~إلى النفي، وضيقوا عليه المسالك، وعلموه طلب السلامة في زوايا الإهمال. # قال تلميذه ومريده أبو عبيد الجوزجاني: «ثم سألوه تقلد الوزارة فتقلدها، ثم اتفق تشويش ~~العسكر عليه وإشفاقهم منه على أنفسهم، فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس وأغاروا على أسبابه، ~~وأخذوا ما كان يملكه، وسألوا الأمير قتله فامتنع منه، وعدل إلى نفيه عن الدولة طلبا ~~لمرضاتهم، فتوارى في دار الشيخ أبي سعد ...» # إلى أن عاد. # فالعلة في الأرض لا في السماء. # والمصيبة من «الطبيعة» لا مما وراء الطبيعة. # وآفة الرجل أنه أراد أن يكبح السلاح بالحكمة، ولو استطيع ذلك لاستطاعه أرسطو في سياسة ~~الإسكندر ... وهيهات. # ثم مات الرجل في داره حينما زالت عنه رهبة السلطان، ولم يمت في الحبس كما وهم بعضهم في ~~قول بعض حاسديه: # رأيت ابن سينا يعادي الرجال # وبالحبس مات أخس الممات # فلم يشف ما ناله بالشفا # ولم ينج من موته بالنجاة # وإنما كان «الحبس» في اصطلاحهم بديلا من داء «الإمساك» في اصطلاح هذا الزمان! # وقد صدق هذا الحاسد الشامت حين رد البلية كلها إلى معاداة الرجال لا إلى معاداة الله، أو ~~معاداة رسل الله. # وابن رشد جمع على نفسه بين حسد الوجاهة والنباهة، وبين سخط العظماء ونكاية ذوي ~~السلطان. # شرح كتاب الحيوان لأرسطو وهذبه، وقال فيه عند ذكره الزرافة: «رأيتها عند ملك البربر ...» ~~وكان إذا حضر مجلس المنصور، وتكلم معه ms210 أو بحث عنده في شيء من العلوم يخاطب المنصور بأن ~~يقول: تسمع يا أخي! ولا يخاطبه بألقاب الملوك والخلفاء. # فجزاه «ملك البربر» دقة بدقة ونكاية بنكاية، ورآه يستكثر عليه أن ينسب إلى العرب أو يسمى ~~بخليفة المسلمين، فقال له: بل أنت الدخيل على أمة العرب وملة الإسلام فيما صح لدينا من ~~الأنساب التي لا تقبل الكلام! # وهكذا أصبحنا «خالصين»! # وأصبح «محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد» يستتر وراء هذه الأسماء سلسلة من أسماء بني ~~إسرائيل، ونفوه إلى محلتهم في جوار قرطبة؛ لأنه دسيسة على المسلمين من سلالة اليهود الذين ~~يفتنون أتباع محمد بفلسفة اليونان! # ولولا تلك المقابلة في الإساءة والانتقام لجاز أن يلصق هذا الظن بالرجل، وإن لم يقم دليل ~~أو قام الدليل على نقيضه؛ لأن أعدى أعدائه الشامتين به في نكبته قد نفى هذه الدسيسة عن ~~نسبه، وشهد لجده بالتقوى والصلاح حيث قال: # لم تلزم الرشد يا ابن رشد # لما علا في الزمان جدك # وكنت في الدين ذا رياء # ما هكذا كان فيه جدك! # ومن قائل هذه الشهادة في جده؟ هو الحاج أبو الحسين بن جبير الذي جعل من أهاجي ابن رشد ~~أغنية يرتلها ، ويعيد ترتيلها على اختلاف القوافي والأوزان، فقال في تلك الأهاجي ~~الكثيرة: # ألآن قد أيقن ابن رشد # أن تواليفه توالف # وقال: # كأن ابن رشد في مدى غيه # قد وضع الدين بأوضاعه # وقال يحرض على قتله: # وقد كان للسيف اشتياق إليهم # ولكن مقام الخزي للنفس أقتل # ولو رجعنا إلى سر هذه البلية كلها لوجدنا أن «علا في الزمان جدك.» هي تفسير هذه الأبيات ~~أو تفسير تلك النكبات، وأن الزرافة التي عند «ملك البربر» هي التي أدخلت نسب الرجل في سلالة ~~بني إسرائيل. # فالخطر يا صاحبي على الفلاسفة من الدنيا لا من الدين، ومن الخاصة الحاسدين، لا من العامة ~~الغافلين. # وما خطب العامة والفلسفة، وهي لا تصل إليهم وهم لا يصلون إليها، ولا تنعقد بينهم وبينها ~~علاقة نظر ولا علاقة سماع؟ # فإذا تحرك العامة، فابحث ms211 عن «الصلة» بينهم وبين القضية فلن تجدها في أكثر الأحوال إلا ~~نكاية حاسد، أو وشاية جاحد أو حجة ظالم يستر ظلمه للفلسفة بدعوى الإنصاف للدين، وإن الدين ~~منه لبراء. # واعلم يا صاحبي أن العامة في كل زمان وحش محبوس لا ينال فريسته إلا بعد تحريش وانطلاق، ~~وإن الذين يحرشونه ويطلقونه هم أصحاب الدنيا وعروضها، وليسوا بأصحاب العقائد وفروضها، إلا ~~في النادر الذي يحسب من الاستثناء. # وما أصدق المعري حين قال متسائلا: ما للناس ولي وقد تركت لهم دنياهم؟! # فإنه قد لمس الداء في أصوله حين حسب أن ترك الدنيا يتركه في أمان، وقد تركه فعلا في أمان ~~إلا من القيل والقال، وهو أهون ما يمر بالرجال. # تفلسف يا صاحبي كما تشاء، ودع الناس يتفلسفون كما يشاءون، فما دامت فلسفتك لا تصيب أحدا ~~في دنياه، ولا تفيد أحدا في دعواه، فأنت ظافر برضوانهم وظافر عندهم برضوان. # أما إذا أصبت دنياهم ونقضت دعواهم فيا ويلك إذن من الأرض والسماء، ويا سوء ما تلقاه من ~~العلية والدهماء، ولو زكاك النبيون وشهد لك الأولياء، ولزمت الصلاة والدعاء في كل صباح ~~ومساء. # وما لك تذكر الخطر على الفلاسفة ولا تذكر الخطر على حماة الدين من الأنبياء والمرسلين؟ ~~فهم الذين علموا الناس الأديان، وهم الذين يثار الناس باسمهم حين يثارون على الفلاسفة ومن ~~يزعمونهم من أهل النكران والجحود، ولو وزنت حظوظهم من البلاء والاستهزاء ووزنت معها حظوظ ~~الفلاسفة والمتفلسفين، لما حارت «شركات التأمين» بين أصحاب اليسار وأصحاب اليمين. # هي الدنيا يا صاحبي تظلم الدين كما تظلم الفلسفة بما تدعيه عليه وعليها، وأحسبني قد باكرت ~~هذا المعنى القديم حين قلت قبل نيف وثلاثين سنة: # لو كان ما وعدوا من الجنات في # هذي الحياة لسرهم من يكفر # فدع دنياهم وتفلسف على بركة الله، وأنت في أمان من الله ومن عباد الله. ms212