######OpenITI# #META# URI: 1383KarimKhalilThabit.SacdFiHayathu.Hindawi18531604 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 18531604 #META# Title: سعد في حياته الخاصة #META# AuthorID: 16418136 #META# Author: كريم خليل ثابت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # كلمة للمؤلف‏ # سعد في حداثته‏ # سعد في بيته‏ # سعد من جميع نواحيه‏ # سعد في آخر أيامه‏ # إهداء الكتاب‏ # كلمة للمؤلف‏ # سعد في حداثته‏ # سعد في بيته‏ # سعد من جميع نواحيه‏ # سعد في آخر أيامه‏ # | سعد في حياته الخاصة # | سعد في حياته الخاصة # تأليف # كريم خليل ثابت # | إهداء الكتاب # إلى أم المصريين، شريكة سعد في جهاده. # | كلمة للمؤلف # لا أطمع في أن يقال عن الصفحات التي سيطلع عليها القارئ فيما يلي إنها كتاب يتضمن سيرة ~~الفقيد العظيم، ولكنها صفحات مبعثرة تتناول بإيجاز ناحية من نواحي حياته الحافلة بجلائل ~~الأعمال؛ وأعني بها ناحية حياته الخاصة. هي معلومات مختلفة وقفت عليها، إما من سعد نفسه ~~أو من أقرب الأشخاص إليه، وقد نشرتها في مقالات شتى، إما في مجلتي «العالم» أو في «كل شيء ~~والعالم» بعد اندماجها أو في «المصور». وقد أعدت طبعها في هذه الكراسة لتبقى ذكرا لسعد ~~في هذا اليوم الذي تحتفل فيه البلاد بذكره، تغمده الله برحمته وجزاه في جنته تعداد حسناته ~~في خدمة وطنه. # كريم ثابت # القاهرة في 25 أكتوبر سنة 1929م # سعد في رئاسة الوزارة. # | سعد في حداثته # انتهز المؤلف فرصة وجود حضرة صاحب المعالي محمد فتح الله بركات باشا في «منية ~~المرشد» في هذا الصيف، فزاره في شهر أغسطس الماضي 1929، وقام بهذا البحث عن حداثة ~~الفقيد المغفور له سعد زغلول باشا، وقد زار لأجل ذلك أيضا بلدة «أبيانة» التي ولد ~~فيها الزعيم الأكبر وحادث بعضا من الذين عاصروه فيها، ثم ضم أقوالهما إلى ما وقف ~~عليه من معالي فتح الله باشا في هذا الصدد. ~~*** ~~(1) موقع بلدة أبيانة # تقوم بلدة أبيانة الآن على شاطئ فرع رشيد من جهته الشرقية وفي شمال مدينة فوه، وهي في ~~موضعها الحاضر تشبه موضع بيت الأمة بالنسبة لنهر النيل، وترجع في إدارتها إلى مركز فوه ~~من أعمال مديرية الغربية. # وقد كانت أبيانة في عصر الفراعنة الأقدمين شطرا من بحر الروم المعروف الآن بالبحر ~~الأبيض المتوسط، فلما انحسر الماء عنها برسوب طمي النيل، ms01 ظهرت قطعة من الأرض بشكل ~~جزيرة في البحر، فأنشئت عليها تلك البلدة وكانت تعتبر يومئذ من ضواحي مدينة متليس ~~العظيمة؛ حيث تقوم اليوم مدينة فوه، وكان فرع النيل الغربي الذي هو فرع رشيد الآن، ~~والمعروف قديما بالفرع البليوتيني، ينتهي إلى هذه المدينة قبل ظهور مدينة رشيد، وبلغ ~~من عمرانها في القرن الخامس عشر للميلاد أنها صارت أعظم مدينة في مصر بعد القاهرة، حتى ~~إن القناصل الأجانب اتخذوها مقاما لهم بعد الفتح العثماني. ~~(2) الوصول إلى أبيانة # وقد سلكت للوصول إلى أبيانة طريق دسوق بالسيارة من دمنهور، فبلغتها بعد مسيرة ساعة ~~ونصف ساعة، ولما كان معالي فتح الله بركات باشا يمضي جانبا من فصل الصيف في أراضيه ~~الواسعة في منية المرشد، وهي تبعد عن أبيانة نحو عشر دقائق بالمركبة، استصوبت أن ~~أستهل بحثي بزيارة معاليه أولا لأقف منه على ما تحويه حافظته النيرة من المعلومات ~~والذكريات، واثقا من أنها ستكون أكبر معين لي على تحقيق غايتي؛ لما كان بين معاليه ~~والمغفور له خاله العظيم من روابط الصداقة والألفة المتينة، ويرجع تاريخ هذه الصلة ~~الوثيقة التي كانت تربط أحدهما بالآخر إلى الأيام التي كانا يلعبان فيها مع المغفور له ~~أحمد فتحي زغلول باشا، إما في دار آل بركات في منية المرشد أو في دار آل زغلول في ~~أبيانة نفسها، فرحب معاليه بالفكرة التي حدت بي إلى زيارته، وأفاض في الإفضاء إلي ~~بذكرياته. وكان كلما استرسل في كلامه، ازداد إعجابي بمقدرته على امتلاك ناصية حديثه، ~~وهو ما يعترف له به خصمه قبل صديقه. ~~(3) أسرة زغلول في أبيانة # وكان أول ما اهتممت بمعرفته من فتح الله باشا، هل عنده أو عند أحد غيره من أفراد ~~أسرته أو أسرة خاله ما يستدل منه على أصل أسرة زغلول أو على تاريخ السنة التي نزحت ~~فيها إلى أبيانة، فأجابني سلبا، ولكن يؤخذ من قرائن شتى أن أسرة زغلول ليست قديمة العهد ~~في أبيانة، وأن تاريخها فيها لا يرجع إلى أبعد من قرن ونصف قرن على الأكثر، أما موطنها ms02 ~~قبل ذلك العهد فمجهول. # فسألت فتح الله باشا هل يعلم لماذا أسمي سعد بهذا الاسم، فأجاب بأنه علم بعد ~~البحث أن أول رجل من أسرة زغلول ظهر في أبيانة كان اسمه سعد. فقلت وهل كان سعد يحب هذا ~~الاسم؟ فقال: لا أذكر أنه أبدى مرة واحدة ارتياحه إليه، بل إنه كان يتضايق منه في ~~شبابه؛ إذ يظهر أن سعدا الأصلي لم يكن خليقا بهذا الاسم. # وذكرت لمعالي محدثي أن بعضهم يدعي أن سعد باشا لم يزر أبيانة إلا مرة واحدة بعد ~~رحيله عنها وهو شاب، وذلك لما خف إليها في سنة 1910م ليكون في استقبال سمو الخديوي ~~السابق عند زيارته لها. فقال فتح الله باشا على الفور: «هذه رواية لا تطابق الحقيقة ~~بتاتا؛ فإن سعد باشا كان يكثر من تردده على مسقط رأسه كلما سمح له وقته بزيارة أهله، ~~فإنه لما كان يتلقى العلم في الأزهر الشريف كان يجيء إلى أبيانة في كل عطلة صيفية ~~مستصحبا معه جماعة من أصدقائه أمثال الشيخ محمد عبده وقاسم أمين وإبراهيم اللقاني ~~والشيخ عبد الكريم سلمان، الذي صار فيما بعد مفتشا عاما للمحاكم الشرعية وغيرهم. ~~ولما اشتغل بالمحاماة كان لا ينقطع عن زيارة أبيانة من وقت لآخر حتى إذا تربع في كرسي ~~الوزارة زارها غير مرة، ورافقه إليها في إحدى تلك المرات المغفور له مصطفى فهمي باشا، ~~وأقام معه فيها سبعة أيام.» ~~(4) سعد في الجبة والقفطان # فسألت فتح الله باشا عن أقدم ذكرى يتمثلها في مخيلته المغفور له سعد باشا، فأجابني ~~بقوله إن أقدم صورة مرتسمة في ذهنه للفقيد العظيم هي منظره وهو يتأهب للرحيل إلى ~~القاهرة لكي ينتظم في سلك الأزهر الشريف، بعدما انتهى من حفظ القرآن الكريم في الكتاب ~~الوحيد الذي كان موجودا في أبيانة في ذلك الحين، وكان رحمه الله يلبس يومئذ الجبة ~~والقفطان والعمامة، فانتهزت هذه الفرصة لأسأل معالي محدثي عن التاريخ الذي خلع فيه سعد ~~باشا الملابس العربية واستبدل بها الملابس الإفرنجية، فأجاب قائلا: «إن المرجح جدا ~~أن سعد ms03 باشا استعاض عن زيه العربي بالزي الإفرنجي قبل وقوع الثورة العرابية ~~بسنة.» # فقلت لفتح الله باشا: «وهل تحفظون معاليكم أو هل يحفظ أحد من أقاربكم ثوبا من ~~الأثواب الوطنية التي كان الفقيد العظيم يلبسها قبل ارتدائه الملابس الإفرنجية؟» فقال ~~إنه لم يبق من ملابس سعد العربية سوى جبة حمراء، وهي محفوظة اليوم في بيت الأمة مع ~~سائر مخلفات دولته. ~~(5) الرئيس الجليل في الكتاب # فقلت لمعالي محدثي إنه من الثابت أن سعد باشا حفظ القرآن في الكتاب الذي كان ~~موجودا في أبيانة، فهل يزال هذا الكتاب قائما أو هل يزال صاحبه عائشا؟ وإذا كان قد ~~انتقل إلى جوار ربه، فهل هناك بين سكان أبيانة الحاليين من كان يتردد على ذلك الكتاب ~~مع سعد باشا في شبابه؟ # فقال فتح الله باشا: «إن المنزل الذي كان يقول فيه ذلك الكتاب قد انهارت أركانه، وليس ~~بين سكان أبيانة الأحياء من عاصر سعدا في ذلك العهد، ولكنني أعرف نجل الفقي أحمد زيدان ~~الذي أنشأ الكتاب المذكور، واسمه أحمد زيدان كأبيه، وقد دخل الكتاب قبيل خروج سعد ~~باشا منه، وهو الشخص الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة ويذكر شيئا عن أيام الفقيد ~~العظيم في الكتاب، فإذا كنتم ترغبون في الاجتماع به ففي استطاعتي أن أدعوه إلى ~~موافاتكم هنا غدا صباحا.» فشكرت معاليه على عنايته وأعربت له عن رغبتي في مشاهدة أحمد ~~زيدان المذكور في أقرب وقت ممكن. # وسألت فتح الله باشا: «هل انتقل سعد باشا يومئذ من أبيانة إلى القاهرة رأسا، أم قصد ~~قبل ذلك إلى جهة أخرى؟» لأنني فهمت من سياق حديثه أنه رحمه الله لم يتوجه إلى العاصمة ~~مباشرة، فقال معاليه: «إن هذه نقطة لم يلتفت إليها أحد من الذين كتبوا عن سعد باشا قبل ~~الآن، فإن الفقيد العظيم لم يذهب إلى القاهرة رأسا كما هو المفهوم، بل ذهب أولا إلى ~~دسوق ليتلقن أصول تجويد القرآن الكريم على المقرئ الشهير الشيخ عبد الله عبد العظيم، ~~مقرئ معهد سيدي إبراهيم الذائع الصيت، فأقام فيها ms04 فترة قصيرة من الزمان ثم استأنف سفره ~~إلى العاصمة.» ~~(6) حديث العم أحمد زيدان # وفي صباح اليوم التالي بعدما استيقظت من النوم وتناولت طعام الفطور، جاءني أحد ~~الخدم وأبلغني أن فتح الله باشا ينتظرني في حديقة الدار، فأسرعت إليه فألفيته ~~جالسا مع شيخ في العقد السابع من عمره لابسا الملابس العربية، ولما دنوت منه لأحييه ~~قال لي معاليه وهو يشير إليه: «هذا هو العم أحمد زيدان الذي تبحث عنه، فسله ما ~~تشاء.» فصافحت زميل سعد القديم وجلست على مقربة منه أطرح عليه السؤال تلو السؤال عن ~~حداثة فقيد مصر العظيم. # فأخبرني أنه في نحو الثانية والستين من عمره، وأن سعدا كان يتقدمه في السن ببضع ~~سنوات، وأن والده هو الذي أنشأ الكتاب الذي تعلم فيه سعد القرآن الكريم، وأن عدد ~~التلاميذ الذين كانوا يترددون على الكتاب كان يناهز التسعين، وأنه عندما يغلق عينيه ~~ويعرض ذكريات تلك الأيام في مخيلته يشاهد الفتى سعد زغلول حاملا لوح الخشب بيده، أو ~~ماضيا في تسميع القرآن الكريم لأستاذه. ومما يذكره عنه أيضا، كأنه يراه اليوم ماثلا ~~أمامه، أنه كان يميز عن إخوانه بطول قامته ونحولة جسمه. ~~(7) مقدرة سعد على حفظ القرآن # ويقول العم أحمد زيدان، بعدما يشهد الله على صدق ذمته وصحة أقواله، إن سعدا امتاز ~~منذ عهده الأول في الكتاب بذكائه ونجابته وقوة ذاكرته، وإن «لوحته» لم تكن تمر على ~~«الأستاذ» إلا مرة واحدة ليصححها، في حين أن لوحات الآخرين كانت تمر عليه مرات، وإنه ~~أجاد حفظ القرآن الكريم حتى بز جميع أقرانه بمراحل، وبلغ من جبروته على نفسه أنه كان ~~ينشد ثلاثة أرباع المصحف كل يوم؛ فكان ينشد ربعا قبل الظهر، وربعا بعد الظهر، وينشد ~~الربع الثالث في المساء. وكان الأستاذ يلح عليه بالاكتفاء بربعين في اليوم فيأبى ويصر ~~ويظل مقيما على عناده، إلى أن يجيبه الأستاذ إلى طلبه ويجلس إزاءه ليصغي إلى إنشاده، ~~واستمر سعد على هذا المنوال سنة كاملة، وهي آخر سنة كانت له في ذلك الكتاب. # فسألت العم أحمد زيدان ms05 عن السن التي كان فيها سعد باشا لما انتقل إلى القاهرة، فقال ~~أنه يجهل هذه التفاصيل ولكن سعدا كان قد بلغ أشده في ذلك الحين. # فقلت لزميل سعد القديم: «وهل كان زملاء سعد يحبونه؟» فقال: «إنهم كانوا يحترمونه أكثر ~~مما كانوا يحبونه؛ لأن الحسد كان يملأ قلوبهم منه، فكان إذا غاب يوما عن الكتاب ~~هللوا وصفقوا ودخلوا على والدي وهم يصيحون: «الخيبة غاب النهارده يا أستاذ».» ~~(8) سعد باشا «خيبة» في اللعب # فقلت للعم أحمد زيدان: ومن كانوا يعنون بلفظة «خيبة»؟ فقال ببساطة: «سعد باشا.» فقلت: ~~«كيف كان سعد باشا ذكيا ومجتهدا كما قلت قبلا، وكيف كانوا يسمونه خيبة كما تقول ~~الآن؟» فضحك العم أحمد زيدان وقال: قد كان ذكيا في داخل الكتاب، ولكنه كان خيبة في ~~اللعب، وخصوصا في لعب الكرة، وكان من المحقق أن الفريق الذي يلعب معه يخسر دائما؛ ~~ولذلك سموه خيبة على سبيل المداعبة والمزاح، حتى إن والدي كان يلتبس عليه الأمر أحيانا ~~فيناديه في بعض الأيام بقوله له: «تعال يا خيبة»، ثم يفطن إلى خطئه فيقول حالا: «طيب ~~تعال معلهش.» # وزاد العم أحمد زيدان على ما تقدم قوله إن سعد باشا كان يرهب جانب والده (العم ~~أحمد زيدان الكبير)؛ لأن والدته الست مريم زغلول كانت تعهد إليه أحيانا في تأديبه ~~عندما تغضب عليه لمسلكه في البيت، وهو يذكر أنه رآه مرة مطروحا على الأرض موثوق اليدين ~~ووالده (أي العم أحمد زيدان الكبير) ينهال بالجريد على قدميه؛ عظة له وعبرة ولغيره من ~~زملائه. # وهنا ابتسم فتح الله باشا وقال: «صحيح! ياما خدنا ضرب، وكان يكفي أن يذكروا أمامنا ~~اسم الفقي لنرتعش خوفا وجزعا.» ~~(9) سعد وفتحي وفتح الله # وبعدما انتهيت من حديثي مع العم أحمد زيدان، التفت إلي فتح الله باشا وقال: هذه ~~أول مرة أسمع فيها حكاية اسم «خيبة» عن سعد باشا، وقد كان سعد باشا ينفر حقيقة من اللعب ~~واللهو في ذلك الزمان، وكثيرا ما كان يغضب على أخيه فتحي باشا لأنه كان يجاريني في ~~لعبي، ms06 وكانوا إذا سألوه لماذا يعرض عنا في معظم الأحيان يجيب السائلين بقوله: «دول ~~عيال مدلعين»، غير أنه كان يشترك معنا أحيانا في اللعب، وخصوصا عندما كنت أذهب ~~لزيارتهم في أبيانة؛ فكنا نلعب في الفناء الذي يقوم عليه الآن سلاملك بيت سعد باشا ~~هناك. # فسألت فتح الله باشا من باب التفكهة عن أنواع اللعب التي كان يلعبها مع سعد باشا ~~وفتحي باشا، فقال: إننا كنا نلعب إما «الاستغماية» أو «الكرة». ~~(10) سعد باشا يرث أخلاقه # وأدى بنا هذا الحديث إلى الكلام عن أخلاق سعد باشا، فقلت لفتح الله باشا إن الفقيد ~~اشتهر في حياته بعناده وصلابة رأيه وقوة شكيمته، فهل يعتقد أنه ورث هذه الصفات عن أحد ~~من أهله؟ فقال معاليه: إن هذا مؤكد، ومما لا ريب فيه أنه ورثها عن جده الشيخ عبده ~~بركاته (والد أم سعد باشا وجد فتح الله باشا من أبيه) وعن والده إبراهيم زغلول وعن ~~خاله عبد الله بركات (والد فتح الله باشا) وسأسرد لكم حكاية واحدة عن كل منهم ثم ~~أدع لكم أن تقارنوا بين أخلاقهم وأخلاق سعد باشا. # قال فتح الله باشا: «كان الشيخ عبده بركات جد سعد باشا مشهورا في هذه المنطقة بسلطته ~~ونفوذه، فغضب عليه المدير التركي في يوم من الأيام وأراد التشهير به، فجمع أعيان ~~الدائرة بجوار ساقية من السواقي، ولما اكتمل عقدهم قال لهم: «لقد أرسلت أطلب من الشيخ ~~عبده بركات أن يحضر إلى هنا، وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الرجل عظيم وقوي البطش فأنتم ~~مخطئون، وسترون الآن كيف سأعامله وكيف أنني لن أفرج عنه قبل أن يلمس وجهه الأرض.» ثم ~~أتى برجل مغضوب عليه وأمر بربطه بقدمي أحد الثورين الكبيرين اللذين يديران الساقية ~~تعذيبا له على مرأى من الحاضرين، وما هي إلا فترة قصيرة حتى أقبل الشيخ عبده بركات ~~على جواده ينهب الأرض نهبا، وما كاد يترجل عن صهوة حصانه حتى لمح ذلك المنكود الحظ ~~المربوط بقدمي الثور، فأسرع إليه وفك رباطه وأطلق سراحه، فدهش الحاضرون وتوقعوا أن ~~يأمر المدير ms07 بقطع رأسه، ولكن لم يكن من هذا إلا أن نهض واقفا ورحب بالشيخ عبده مكرما ~~وفادته، ثم التفت إلى الحاضرين وقال لهم: «أيها الجبناء، إن الشيخ عبده بركات الذي ~~كنتم تنتظرون تنكيلي به لأشرف منكم جميعا؛ فقد كنتم ترون هذا الرجل يتعذب وهو مربوط ~~بقدمي الثور فلم يحرك أحدكم ساكنا لإنقاذه أو لالتماس العفو عنه، فاهنأ يا شيخ عبده ~~بشهامتك.» وانطلق عائدا إلى ديوانه.» ~~(11) الشيخ إبراهيم زغلول # ثم انتقل فتح الله باشا إلى الكلام عن الشيخ إبراهيم زغلول والد سعد باشا فقال: «حدث ~~مرة أن عمدة في مديرية الغربية تعدى على موظف برتبة مأمور مركز، وكان المأمور يسمى ~~يومئذ ناظر قسم، فصدر الحكم على العمدة بالإعدام شنقا وبتعليقه ثلاثة أيام في ساحة ~~المديرية عبرة لمن يعتبر، وكانت عاصمة المديرية إذ ذاك في المحلة الكبرى، واتفق بعد ~~أيام أن ناظر القسم مر على زراعة الشيخ إبراهيم زغلول، فأغلظ له في القول فاجتذبه ~~الشيخ إبراهيم من فوق صهوة جواده وأثخنه ضربا موجعا ثم تركه يذهب في حاله، غير أن ~~الحادث نمي سريعا إلى صهره عبد الله بركات، فامتطى صهوة جواده وقصد إلى أبيانة، وقابل ~~الشيخ إبراهيم زغلول ولامه على تصرفه وذكره بحادثة العمدة المشنوق، فلم يحفل بهذا اللوم ~~وقال إنه كان يدافع عن كرامته، فأسرع عبد الله بركات بجواده حتى أدرك الناظر المضروب ~~قبل أن يصل إلى الديوان فاسترضاه وانتهى الحادث.» ~~(12) عبد الله بركات وولكوكس # أما الحكاية الثالثة فكانت عن عبد الله بركات والد فتح الله باشا وخال سعد باشا؛ ~~وخلاصتها أنه في سنة 1890 كان المستر ولكوكس المشهور مفتشا للري، وكان ذلك في أوائل ~~عهده في خدمة الحكومة المصرية وقد تغير ماء النيل في جهة منية المرشد بسبب السد الذي ~~كان يبنى في فرع رشيد، فصدر الأمر إلى أصحاب الوابورات الزراعية بألا يديروها بماء ترعة ~~«البدالة» كما كانوا يفعلون قبلا، بل من ماء النهر رأسا، فأبى عبد الله بركات أن يذعن ~~لهذا الأمر، وأوصى رجاله بأن يديروا وابوره من ترعة البدالة، ms08 فمر بزراعته المستر ~~ولكوكس فأمر بتوقيف الوابور، وبعد قليل مر بها عبد الله بركات فأمر بإعادة تسيير ~~الوابور بماء الترعة، ثم لم يلبث المستر ولكوكس أن مر بها مرة ثانية فأمر بتوقيف ~~الوابور، فعاد عبد الله بركات وأمر بتسييره، فعاد المستر ولكوكس وأمر بتوقيف الوابور ~~للمرة الثالثة، فعيل صبر عبد الله بركات، فجمع رجاله وقال لهم: «إنني ذاهب لأقتل ~~المستر ولكوكس، فإنه خير لي أن أقتل بسببه على أن أرى أرضي تموت أمامي.» ومضى إلى مكتب ~~المستر ولكوكس مسرعا، فلما دخل عليه قال هذا: «ماذا فعلت يا عبد الله أفندي؟ فإنني ~~كلما أمرت بتوقيف وابورك تأمر أنت رجالك بتسييره ومخالفة أمري؟!» فقال له عبد الله ~~بركات: «وقد عدت الآن فأمرتهم بإعادة تسييره، وإنه لخير لي أن أموت هنا من أن أرى أرضي ~~تموت أمامي.» فابتسم المستر ولكوكس وقال: «إن رأسك يا عبد الله أفندي كهذه (وأمسك مكتبه ~~الخشبي بيده) فأنت رجل عنيد جدا، فارجع إلى وابورك وخذ له ماء من الترعة كما ~~تريد.» ~~(13) حزم سعد باشا وشجاعته # وما أتم فتح الله باشا كلامه حتى سألته عن أحزم موقف يعتقد أن سعد باشا وقفه في ~~حياته، فقال: «مما لا ريب فيه أن حزم سعد باشا تجلى بأجلى مظهره في الخطبة السياسية ~~الوطنية الجامعة الرنانة التي ارتجلها قبل إلغاء الحماية في جمعية الاقتصاد والتشريع ~~السياسي على مسمع من المستشار القضائي الإنجليزي، وأعلن فيها بطلان الحماية وحق مصر في ~~التمتع باستقلالها.» # سعد يبتسم. # فسألته: «وما هو أشجع موقف وقفه سعد باشا في نظركم؟» فأجاب معاليه: «إنه بلا شك ~~الموقف الذي وقفه عند مغادرته لميناء عدن إلى جزائر سيشل، فإنكم تعلمون أن سعد باشا نقل ~~يومئذ وحده إلى البارجة التي أقلته إلى سيشل؛ إذ لم يسمح لأحد منا في بادئ الأمر ~~بمرافقته إليها، وكان كل من الزملاء يتسابق إلى أن يكون في ركاب سعد، مع أن السائد ~~على أفكارنا كان أنه ذاهب إلى الأبد، وأن من يبقى في عدن قد يعود إلى الوطن، فلما ms09 أزف ~~موعد الرحيل رافقناه إلى الميناء ونحن نبكي ونولول كالأطفال، أما هو فكان رابط الجأش ~~ساكن الجنان ثابت الخطى جهوري الصوت، لم يذرف دمعة واحدة حتى آخر لحظة، مع أنه كان يشعر ~~في تلك الساعة أنه يودعنا الوداع الأخير، وأنه لن يعود إلى مصر بعد ذلك أبدا.» ~~(14) دار سعد في أبيانة # وهنا كانت الساعة الثانية عشرة مساء قد أزفت، فختم فتح الله باشا حديثه بأن أبلغني ~~أنه أمر بإعداد مركبته لتكون تحت تصرفي في صباح الغد لتقلني إلى أبيانة لزيارة دار ~~سعد باشا فيها، فكررت له الشكر على عنايته. وفي صبيحة اليوم التالي قبل أن أتوجه إلى ~~أبيانة حدثني معاليه عن الدار التي ولد فيها سعد باشا، فقال إن الدار الأصلية التي رأى ~~فيها الفقيد العظيم نور الحياة لم يعد يبقى لها أثر، وكانت دارا فسيحة وسعت في بعض ~~الأحيان رب البيت وحرمه وأولاده الثمانية وسبعة عشر تابعا، علاوة على الضيوف، وكانت ~~تضم بين جدرانها جناحا خاصا لنزولهم وإقامتهم. # وفي نحو سنة 1900 هدم المغفور له سعد باشا البيت القديم وأعاد بناءه على الطراز ~~الحديث، وهو البيت الذي يشغله «الحرملك» اليوم، وبنى رحمه الله السلاملك بجواره في ~~الفناء الذي كان يلعب فيه فتحي باشا وفتح الله باشا، وقد وقف دولته هذا البيت على ~~أولاد إخوته، ويقطن فيه الآن أنجال المرحوم عبد الله بك زغلول نجل المرحوم الشناوي ~~أفندي زغلول، أخي سعد باشا. ~~(15) جولة في دار الفقيد العظيم # وبعد عشر دقائق كنت واقفا أمام دار سعد باشا في أبيانة أسرح الطرف في البقعة التي ~~ولد فيها زعيم مصر الأكبر، فالتفت إلى محمد بك زغلول نجل المرحوم عبد الله بك زغلول ~~وقلت له: «هل كان يظن سكان أبيانة أن الفتى سعدا الذي رأى النور في هذه البقعة الوضيعة ~~سيرفع يوما علم الاستقلال في بلاده، وأن بيته سيصبح على مر الأعوام كعبة يؤمها ~~المصريون وحرما يقدسه الوطنيون؟» وهنا حانت مني التفاتة إلى الفناء المحيط بالدار، ~~فألفيته مملوءا بأكوام التراب وقد تصاعدت الروائح الكريهة ms10 من بعض منها، فتوغلت في ~~السير وكنت كلما تقدمت خطوة إلى الأمام أشاهد مظهرا آخر من مظاهر الخراب الذي بدأ ~~يسود ذلك المكان، أما البقعة التي كان يقوم عليها الجناح الذي ولد فيه سعد باشا في ~~الدار القديمة، وتقع هذه البقعة الآن خلف «الحرملك» في مكان السور الذي يفصل الدار عن ~~الطريق العام، أما هذه البقعة فلم تعد في الواقع سوى أكوام مكدسة من الحجر والتراب، ~~وقد تفشت منها بعض الروائح أيضا، فاستولى علي حزن شديد سيتسرب مثله إلى قلب كل من ~~يقرأ هذه السطور التي تعجز عن وصف الحالة الراهنة، وليس من رأى كمن سمع! ولئن كانت ~~الظروف لم تسمح لي بدخول الحرملك والسلاملك إلا أن في مظهرها الخارجي وحده ما يكفي ~~لمضاعفة ذلك الحزن، فمتى يحل اليوم الذي يهتم فيه المصريون بمسقط رأس زعيمهم يا ترى؟ ~~ومتى نراهم يشمرون عن ساعد العمل والجد ليصونوا ذلك البيت التاريخي من كل عبث وخراب؟ ~~(16) من هو العم علي طلحة؟ # وكان فتح الله باشا قد أوصاني قبل ذهابي إلى أبيانة بأن أبحث فيها عقب وصولي إليها عن ~~شخص يدعى علي طلحة، عرف سعد باشا في حداثته، ثم رافقه إلى القاهرة كخادم بسيط لما كان ~~الفقيد العظيم يشتغل فيها بالمحاماة، فلما اجتمعت بمحمد بك زغلول في أبيانة سألته عن ~~علي طلحة المذكور، فأشار إلى رجل مسن صغير القامة نحيل الجسم كان يسير على مقربة منا ~~وقال لي: «هذا هو علي طلحة.» فناديته وسألته هل يذكر سعد باشا فقال: «إذا كنت أنا لا ~~أذكره فمن ذا الذي يذكره إذن؟!» ومما هو جدير بالذكر هنا أن والدة علي طلحة هي التي ~~أرضعت سعد باشا وهو طفل، وكانت ترضع معه طفلتها التي ولدت في الوقت عينه، وكان اسم ~~الطفلة «فرحانة»، فكانت أم علي طلحة تحمل «سعدا» على ذراع و«فرحانة» على ذراع آخر، ويا ~~لهما من اسمين بهيجين! وكأن ريبا خامر علي طلحة في الباعث لي على سؤاله عن ذكرياته ~~عن سعد باشا، فسألني لماذا أريد سماعها ms11 فأخبرته بالغاية منها، فسري عنه وأخذ يجاوبني ~~على أسئلتي بصراحة. ~~(17) سعد وأخوه الشناوي أفندي # وقبل أن أنقل إلى القراء المعلومات التي أدلى بها إلي العم علي طلحة، تحسن ~~الإشارة إلى أن الشيخ إبراهيم زغلول والد سعد باشا تزوج مرتين، فرزق من الزوجة الأولى ~~خمسة بنين وهم: شلبي والشناوي وأحمد ومحمد وعبد الرحمن، ورزق من الزوجة الثانية: سعدا ~~وفتحيا وفرج الله، وقد توفي هذا الأخير وهو حدث. # ويقول العم علي طلحة إن الشيخ إبراهيم زغلول انتقل إلى جوار ربه ونجله سعد لم يناهز ~~بعد الثالثة من عمره، فاهتم به شقيقه الشناوي أفندي، الذي كان ثاني أنجال الشيخ ~~إبراهيم زغلول وأدخله الكتاب، ثم أرسله إلى القاهرة ليدخل الأزهر الشريف. # فقلت للعم علي طلحة: «أتريد أن تقول بذلك إنه لولا الشناوي أفندي لما كان سعد باشا قد ~~دخل الكتاب وانتظم في سلك الأزهر؟» # فقال: «إنني لا أشك في ذلك.» فقلت: «هل لك أن تخبرني لماذا كان الشناوي أفندي هو الذي ~~يهتم بشئون أفراد أسرته أكثر من غيره؟» فقال: «لأن سائر إخوته كانوا يشتغلون بالزراعة، ~~أما هو فظل في البلد وصار عمدة.» فقلت: «وهل تستطيع أن تعلل سبب اهتمام الشناوي أفندي ~~بسعد باشا وفتحي باشا أكثر من اهتمامه بسائر إخوته فسهر على تعليمهما بعناية؟» فقال: ~~«إن لذلك ثلاثة أسباب: أولها أن الشناوي أفندي تزوج من شقيقة زوجة أبيه الثانية؛ أي من ~~شقيقة والدة سعد وفتحي، فكان من الطبيعي أن يعطف عليهما عطفا خاصا بحكم هذه الصلة. ~~أما السبب الثاني فكان ينحصر فيما شاهده الشناوي أفندي في سعد وفتحي من الذكاء المفرط ~~منذ نعومة أظفارهما، ويلي ذلك السبب الثالث وهو أن سعدا وفتحيا كانا أصغر إخوتهما سنا، ~~فكان هناك مجال لتعليمهما وتثقيف عقليهما.» فقلت: «إن هذه الأسباب الثلاثة وحدها لا ~~تكفي، ولا بد أن الشناوي أفندي كان طيب القلب.» فقال العم علي طلحة على الفور: «أما عن ~~طيب قلبه فحدث ولا حرج؛ ومن ذلك أنه لما ذهبت إلى العاصمة في خدمة سعد باشا بلغه ~~يوما ms12 أنني مريض ومتعب، فسافر إلى القاهرة وعادني ولما رآني في حاجة إلى تبديل الهواء ~~عاد بي إلى هنا وكان يسهر على معالجتي كأني شقيقه.» ~~(18) سعد باشا وكيف أحب العلم # فسألت العم علي طلحة: «وهل كان سعد باشا ميالا إلى الدرس والحفظ؟» فأجاب: «إنه أبى ~~أن يذهب إلى الكتاب في بادئ الأمر، فلم يكن من الشناوي أفندي إلا أن «اتك» ~~عليه، فاضطر إلى الإذعان لرغبته، وكان كلما تكاسل في فروضه «يتك» عليه ويضربه، فلم ~~ينقض على دخوله الكتاب وقت قصير حتى بدأ يتلذذ بتوسيع مداركه ومعارفه، فأكب على ~~الدرس والحفظ بعناية واجتهاد، ولم يلبث أن أصبح «ألفة» الكتاب، فازداد شغفه بالعلم ~~والتحصيل، فلما كاشفه الشناوي برغبته في إرساله إلى العاصمة ليدخل الأزهر، رقص للفكرة ~~من شدة فرحه رغم الحزن الذي استولى على الست مريم بسبب فراقه.» فقلت للعم علي طلحة: ~~«وما هي أوقع ذكرى تركها سعد باشا في نفسك؟» فتردد قليلا ثم قال: «كان شديدا ... لا ~~يعذر من يتوانى في تأدية الواجبات الملقاة على عاتقه.» فقلت: «وهل كان الباشا شديد ~~التدقيق في مأكله؟» فقال: «إنه لم يعرف هذا التدقيق إلا بعد مرضه، أما قبلا فإن أحب ~~أنواع المآكل إليه كان السمك، فلما مرض صار يكثر من أكل الفراخ مع الخضار.» فقلت: «وهل ~~كان دولته يفرط في التدخين؟» فقال: «كثيرا، حتى إنك كنت تشم رائحة الدخان في ملابسه ~~بعد عودته إلى بيته، ولكن الغريب أنه أبطل التدخين دفعة واحدة لما أثبت له الأطباء أنه ~~مضر بقلبه حتى صار يعتقد أنه لا يستطيع شم رائحته، وفعلا كان يحظر على زواره أن يدخنوا ~~في مكتبه.» # وختمت حديثي مع العم علي طلحة بأن قلت له مبتسما: «وهل أنت سعيد يا عم علي لأنك عرفت ~~سعد باشا هذه المعرفة الوثيقة؟» فقال: «وهل كانت لنا بركة غيره؟!» فقلت: «ومن تقصد ~~بلفظة لنا هذه؟» فقال: «البلد كلها ... يعني مش عارف؟!» وهنا انهمرت الدموع من عينيه فغدا ~~لا يقوى على الكلام، فوضع يديه على وجهه وابتعد عنا وهو ينتحب. ms13 ~~••• # ولما انتهت مهمتي في أبيانة قفلت راجعا إلى منية المرشد؛ لأستأذن من فتح الله باشا ~~في العودة إلى العاصمة شاكرا لمعاليه ما لقيته من حفاوته وإكرامه وحسن رعايته. # | سعد في بيته # يشتمل هذا الفصل على وصف دقيق لبيت الأمة ومحتوياته، وعلى فذلكة عن حياة الفقيد ~~العظيم المغفور له سعد زغلول باشا في هذا البيت وفي بيته في مسجد وصيف، وعلى حديث ~~أفضى به سعادة حمد الباسل باشا وكيل الوفد المصري إلى المؤلف عن حياة سعد في مالطة، ~~وعلى مقتطفات من المذكرات التاريخية التي دونها محمود أفندي عبد الله تابع سعد ~~باشا في عدن وسيشل وجبل طارق عن معيشة الرئيس الجليل في تلك البلاد، وعلى حديث أدلى ~~به معالي الأستاذ مكرم عبيد إلى المؤلف عن سعد بين عدن وسيشل. ~~*** ~~(1) جولة في بيت الأمة # كان المغفور له الفقيد العظيم سعد زغلول باشا يسكن قبل أن يتزوج في المنزل القائم على ~~ناصيتي شارع عابدين وشارع الشيخ ريحان أمام سراي عابدين، وهو المنزل الذي تشغله الآن ~~عيادة الدكتور واصف، ثم انتقل رحمه الله إلى منزل كبير في حي الظاهر في شارع زغلول الذي ~~أسمي باسمه، ولكن هواء ذلك الحي لم يلائم صحة أم المصريين، ففكروا في بناء منزل ~~جديد، واختاروا حي «الإنشاء» مكانا يشيدونه فيه؛ لما كان هذا الحي متصفا به يومئذ من ~~الهدوء والسكينة، وريثما يتم بناء المنزل الجديد سكن الفقيد العظيم وصاحبة العصمة حرمه ~~في منزل المغفور له مصطفى فهمي باشا والد أم المصريين، وهو المنزل الذي اشتراه «الفرير» ~~فيما بعد وحولوه إلى المدرسة الكبيرة التي لهم الآن في حي باب اللوق. # وكانت تحيط ببيت الأمة قبل ابتداء الحركة الوطنية حديقة صغيرة تبتدئ عند الباب ~~الخارجي ثم تتفرع إلى ممرين: أحدهما يؤدي إلى «السلاملك»، والآخر نحو الجزء الأدنى من ~~الحديقة، وبينهما ممر عريض يؤدي إلى السلالم الرخام الموصلة إلى الباب الداخلي ~~الكبير. # وعندما تصل إلى الباب الداخلي الكبير المشار إليه آنفا، تدق الجرس فيفتح لك خادم ~~سوداني فتجد نفسك أمام «بارفان» عريض، ms14 وإلى يمينك ويسارك دولابان (فستيير) لتعليق ~~الملابس، فإذا خطوت قليلا ألفيت نفسك في قاعة كبيرة طولها عشرون ياردة وعرضها خمس ~~ياردات، وفي هذه القاعة كان أعضاء الوفد المصري وأنصاره يجتمعون للبحث في الشئون ~~السياسية في بدء الحركة الوطنية. # وقد زينت جدران هذه القاعة بصور وتحف كثيرة، فإلى الجهة اليمنى ترى مرآة كبيرة تعلوها ~~«يافطة» مكتوب عليها «أم المصريين صفية هانم زغلول»، وإلى يمين المرآة وثيقة إخلاص من ~~طلبة مدرسة عباس باشا الأول ممضاة من جميع الطلبة، وإلى يسار المرآة أبيات من الشعر ~~موضوعة في داخل إطار جميل مهدى من سيدات طنطا إلى أم المصريين، فباب يؤدي إلى دورة ~~المياه، فصورة ملونة تمثل جماعة من الفقراء اشترتها صفية هانم من أحد معارض الفنون ~~الجميلة، فتمثال نصفي لسعد باشا من صنع المثال الروسي «يورفتش»، فالسلم المؤدي إلى ~~الدور العلوي. # هذا من الجهة اليمنى للقاعة، أما من الجهة اليسرى فترى مقعدين من القطيفة تعلوهما ~~«يافطة» مكتوب عليها «صفية زغلول زعيمة الوطنية ونصيرة الحرية» تحيط بها صورتان ~~طبيعيتان ملونتان وتحتها تمثال مهدى من كلية الأقباط إلى بيت الأمة، فصورة مصرية ~~ملونة، فتهنئة شعرية، فصورة لسعد باشا وهو خارج من محل «هنزلمان»، فصورة أخرى تمثله وهو ~~جالس إلى مكتبه يطالع جريدة «المنبر»، فصورة لأبطال «سيشل»، وفي هذه القاعة ساعة تدق ~~«على كيفها»، كما كان الرئيس الجليل يقول عنها. # وتقوم إلى الجهة اليمنى من القاعة التي أتينا على وصفها آنفا حجرة صغيرة للجلوس أثثت ~~بطقم مصنوع من خشب الموجني المكسو بالقماش الأبيض ذي الشجر الأحمر، وقد وضع في صدر ~~هذه الحجرة كرسي كبير من الكراسي المعروفة «بالشيزلونج»، وهو الكرسي الذي تتمدد عليه أم ~~المصريين، وله غطاء أسود وقد علقت على الجدران صورة ملونة كبيرة لسعد باشا وصور متعددة ~~لوالد أم المصريين ووالدتها ولبعض الأقارب. # ثم تنتقل إلى الحجرة التي بجوارها وتسمى «الصالون الكبير»، وفيها صورة كبيرة للفقيد ~~العظيم، تقابلها أحسن صورة لأم المصريين، وتليها حجرة صغيرة كانت مكتبا لسعد باشا، ~~وفيها كانت تجري مقابلات الزعماء أيام ms15 الائتلاف والانتخابات، وهي تحتوي على مكتب جميل ~~صفت عليه أدوات أنيقة للكتابة أهدتها صاحبة السمو أم المحسنين إلى المغفور له الفقيد ~~العظيم، وتحلي جدران الغرفة صور زيتية من صنع أم المصريين وأخواتها وصديقاتها، وقد ~~كانت هذه الحجرة في الماضي خاصة بالمرحوم سعيد بك زغلول ابن أخت سعد باشا. # وإلى اليمين أيضا قاعة الطعام، وقد كان الرئيس الجليل يجلس دائما في صدر المائدة ~~وهو مكان لم يتحول عنه سعد منذ اليوم الذي تم فيه بناء بيت الأمة مهما علا مقام ~~المدعوين، ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن جميع خدم البيت يلبسون أحذية سوداء مع ~~قفاطينهم البيضاء. # ويلي ذلك حجرة «الأوفيس» ثم صالة مستطيلة تنتهي بسلم يتفرع إلى فرعين: أحدهما يؤدي ~~إلى «البدرون»، والآخر إلى الدور العلوي، ويوجد في نهاية هذه الحجرة «أسانسير» يوصل إلى ~~الدول العلوي وقد كتب عليه «سعد زغلول». ~~(2) الدور العلوي # تصعد إليه من القاعة الكبرى بالسلم الكبير المصنوع من الرخام وقد غطي بالسجاد، وعدد ~~درجاته 33 درجة، فيقابلك ممر إلى يمينه حجرة «تواليت» أم المصريين، وهي تحولها في ~~الشتاء إلى حجرة لجلوسها، وفي هذه الحجرة توجد الملابس الصيفية للفقيد العظيم سعد باشا ~~مع بعض ملابس أم المصريين، وفيها أيضا طاولة «تواليت» كاملة و«شيزلونج»، ثم تليها حجرة ~~نوم فيها سريران، أحدهما لأم المصريين والآخر لسعد باشا، وأجزاخانة صغيرة، وفي هذه ~~الغرفة توفي سعد باشا وما زالت أم المصريين تنام فيها إلى اليوم، وتليها حجرة تواليت ~~سعد باشا وقد تحولت إلى حجرة نوم لمدموازيل فريدا، وفيها دولاب يحتوي على أحذية سعد ~~باشا، وآخر يحتوي على بذله الرسمية وعلى قفطانه الأحمر، وهو تذكاره الوحيد من عهد ~~الجبة والقفطان ... # وجميع الأبواب توصل إلى قاعة كبيرة مفروشة بالأبسطة الحمراء، وفي وسطها مكتب لسعد ~~باشا عليه دواتان حمراوان اقتناهما قبل الحرب العظمى، وكان من عادة الفقيد العظيم أن ~~يضع دائما على مكتبه قلما أحمرا كبيرا، وقد زينت جدران هذه القاعة بصور كثيرين من ~~أفراد الأسرة المالكة المصرية. # وإلى يمين الممر صالة صغيرة مملوءة بالصور، ms16 وفيها مدخل «الأسانسير» (المصعد ). # وإلى اليمين أيضا اقتراح لسعد باشا بالأسماء التي يجب أن يسمى بها النيل بعد ~~الاستقلال، ثم طائفة من الصور منها صورة سعد باشا بين أهالي دائرته (السيدة زينب) ~~وكذلك تذكار من مدرسة عابدين الابتدائية وتعزية مصلحة المجاري في سعد باشا، ثم دولابان ~~كبيران هما أجزاخانة أم المصريين. # وتنتهي القاعة المتقدمة بباب يوصل إلى حجرة جلوس سعد باشا وأم المصريين، وكانت هذه ~~الحجرة مخصصة قبلا للضيوف وكانت حرم أمين بك يوسف تقيم فيها عند حضورها إلى العاصمة ~~قبل انتقالها إليها، وهي تحتوي على كثير من الصور. وفي هذه الحجرة راجع سعد باشا قضية ~~الأستاذين ماهر والنقراشي، وفيها بحث سعد باشا أيضا مع عدلي باشا وثروت باشا في أزمة ~~الجيش وأزمة استقالة الوزارة العدلية الثانية سنة 1927، وفيها كرسي صغير كان الفقيد ~~العظيم يحبه حبا جما ويجلس عليه كثيرا. # وتقوم على السطوح ثلاث غرف: الأولى لأم المدموازيل فريدا، والثانية «للكمريرة» ~~والثالثة للغسيل. # أما البدرون فينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم المطبخ والكرار - قسم البدرون الخارجي - قسم ~~بدرون الحريم، وتزور أم المصريين الأول والأخير مرة كل أسبوع، وتشرف عليهما يوميا ~~المدموازيل فريدا ووالدتها. أما البدرون الخارجي فيشتمل على مخزن وحجرة قهوة ومكتب كان ~~أعضاء لجان الطلبة التنفيذية يجتمعون فيه. # وأما السلاملك فمعروف لجميع زائري بيت الأمة، وهو يتألف من الحجرة الخضراء أو حجرة ~~الانتظار وحجرة السكرتارية، ويشغلها الآن مأمون أفندي الريدي، ثم حجرة المكتبة وهي ~~مرتبة ترتيبا جيدا إلا في بعض أجزائها. # وأما مكتب الرئيس الكبير فهي حجرة تاريخية جليلة ملآنة بالصور والتحف وطافحة ~~بالذكريات التاريخية والوطنية، وبين صورها الكثيرة صورتان كبيرتان، إحداهما للمغفور له ~~أحمد فتحي زغلول باشا والأخرى للمغفور له مصطفى فهمي باشا، وهناك صورة للشيخ محمد عبده ~~وصورة لبسمارك وصورة لسمو الخديوي السابق، وهذا المكتب معروف بمحتوياته ومؤثثاته للسواد ~~الأعظم من زائري بيت الأمة، فلا داعي إلى الإفاضة في وصفه هنا، وحسبنا الاكتفاء بالقول ~~أن الفقيد العظيم كان يحب هذه الحجرة حبا شديدا، وكثيرا ما أعرب عن شوقه ms17 إليها في ~~خلال مرضه الأخير، رحمه الله. # سعد الزعيم. ~~(3) معيشة سعد في بيته # كان الفقيد العظيم عندما يستيقظ في الصباح يبدأ بشرب القهوة، ثم يفطر وبعدما يفرغ من ~~الأكل يشرع في ارتداء ملابسه، وكان من عادة دولته أن يحلق ذقنه بنفسه، وفيما هو يحلقها ~~يملي على سكرتيره مقالة أو يصغي إلى ما يتلوه عليه من الرسائل أو يحادث من يتفق وجوده ~~معه في الغرفة، وفي نحو الساعة العاشرة قبل الظهر ينزل دولته إلى مكتبه ويمكث فيه عشر ~~دقائق على الأكثر، ثم يطلب سيارته ويخرج للنزهة مستصحبا معه أحد خلصائه، وكان رحمه ~~الله يتنزه عادة في الجزيرة أو الجيزة أو حدائق القبة، وإذا أحس عند وصوله إليها براحة ~~في جسمه نزل من سيارته ومشى قليلا ثم عاد إلى مركبته واستأنف نزهته، ومتى آب إلى بيت ~~الأمة جلس في مكتبه ومكث فيه يستقبل الزائرين حتى منتصف الساعة الثانية بعد الظهر، ثم ~~يدخل قاعة الطعام مع من يدعوه إلى الأكل معه من أخصائه وينام بعد الغداء نحو ساعة ونصف ~~ساعة، أما في المساء فكان لا يدخل فراشه قبل الساعة الحادية عشرة، ولا ينام أكثر من خمس ~~ساعات. # وكان الراحل الكريم لا ينزل إلى مكتبه بعد الظهر في الأحوال العادية، بل يمضي وقته ~~بمطالعة جرائد المساء واستقبال زائريه الخصوصيين في مكتبه الداخلي في الطابق الأول أو ~~في الطابق العلوي، وفي هذا الوقت (أي بعد الظهر) كانت المباحثات السياسية الخصوصية ~~تجري بينه وبين أعضاء الوفد أو بين الهيئات السياسية الأخرى التي كان الوفد يعمل معها، ~~وكان دولته يقضي جميع أوقات الفراغ بالمطالعة، وكان يؤثر أن يقرأ لنفسه على أن يقرأ ~~غيره له ثم يتعشى، وكان رحمه الله لا يأكل على المائدة إلا الأكل الخاص الذي يشير عليه ~~به أطباؤه، وأما ضيوفه فكانت تقدم إليهم الأصناف العادية، وكان يتعهدهم بالكلام طول مدة ~~الأكل غير مميز بين كبيرهم وصغيرهم، وكان لا يتكلم وهو يأكل إلا في الموضوعات ~~السياسية وقد يستطرد أحيانا إلى ذكر حوادث قديمة لها علاقة ms18 برجال السياسة الحاليين، ~~وكان من عادته أن يصغي إلى حديث كل واحد من الحاضرين بقطع النظر عن سنه ومقامه، وكانت ~~مدة الأكل لا تستغرق أقل من ساعة، غير أنه كثيرا ما كان دولته يستبقي مدعويه نصف ساعة ~~أخرى يشربون في أثنائها القهوة ويتممون الحديث. # وكان سعد باشا لا يطالع في معظم الأحيان إلا كتبا ألمانية وإنجليزية، وهي دائما كتب ~~تاريخية أو فلسفية أو قانونية، وقد تعلم دولته مبادئ اللغة الإنجليزية في إبان نفيه، ~~أما الألمانية فتعلمها على يد المدموازيل فريدا # 1 # بعد عودته من المنفى، وقد ظل حتى أواخر أيامه يقرأ عليها ما يطالعه من ~~الكتب في هاتين اللغتين، فتصحح له لفظه وتساعده على ترجمة ما يتعذر عليه فهمه، وقد تروق ~~لدولته أحيانا قطعة مما يقرؤه فيترجمها ويحفظها بين أوراقه، أو يرسلها إلى إحدى ~~الجرائد لنشرها بإمضاء مستعار، وكان إذا تصفح جريدة ما وأعجبته مقالة فيها يقول ~~بالفرنسية: «سي تريه بيان» (أي حسن جدا) أو يقول «برافو». وكان حديث دولته مع ~~زائريه لا يخلو من كلمات فرنسية ثم يعقبها حالا بترجمتها العربية، أما إذا لم يرتح ~~إلى المقالة التي يقرؤها فإنه كان يفند فحواها فورا كلما فرغ من قراءة فقرة من ~~فقراتها، ثم يستمر في الاطلاع على بقيتها مستأنفا نقده وتفنيده كلما رأى محلا للنقد ~~والتفنيد في جزء من أجزائها. # وكان من عادته رحمه الله أن ينتقل في فصل الصيف إلى مسجد وصيف، وحينما كان الزائر ~~يسير في داره هناك كان يجد دلائل الحب العائلي ماثلة أمامه؛ ففي هذه الحجرة مثلا صورة ~~كبيرة للمغفور له مصطفى فهمي باشا، وعلى الخوان الذي بجانبها صورة أخرى له وللمغفور لها ~~حرمه، وفي تلك الحجرة صورة بل مجموعة صور فوتوغرافية لأم المصريين صفية هانم زغلول، ~~تمثلها في كل دور من أدوار سني حياتها، فلا يسع المجال في تلك الدار إلا أن يشعر بأن ~~ربها يحمل بين جنبيه قلبا طبع على الحنو والشفقة والحب العائلي كما طبع على حب وطنه ~~وشعبه. وكانت أم المصريين تبذل ms19 جهدها لإرضائه وإراحته منذ اليوم الأول لزواجهما، ومما ~~روته في هذا الصدد بعد وفاة فقيدها العظيم بأربعة أيام لمن كان يحيط بها من ~~المعزيات: «كان سعد يكره تبرج النساء، وكان يمقت كل سيدة متبرجة، وكان إذا رأى عندي ~~سيدتين إحداهما متبرجة والأخرى غير متبرجة التفت إلى الثانية وقال لها: «لماذا أكثرت ~~اليوم من البودرة والأحمر على وجهك؟» فتخجل السيدة الأولى وتقول له: «بل أنا يا دولة ~~الباشا اللي مكثرة من البودرة والأحمر»، ولا تعود إلى التبرج عندما تزورنا مرة ~~أخرى.» # قالت صفية هانم: «وكنت ألوم سعدا على هذه الصراحة وأؤكد له أنه بكلامه هذا يؤلم ~~المتبرجات، فكان يجاوبني: «ولماذا لا تريدين أن أكون صريحا فيما أعتقده ~~حقا؟»» # قالت صفية هانم: «وكان سعد يكره «البودرة» طول حياته، ومما أذكره أنني لم أضع على ~~وجهي ذرة واحدة من «البودرة» منذ يوم زفافنا.» # أما شجاعة أم المصريين فتجلت بأجلى مظاهرها في أثناء الحركة الوطنية، فإنه لما ~~اعتقل ولاة الأمور البريطانيون دولة الرئيس الجليل وأرسلوه إلى السويس لإبعاده إلى ~~عدن، ومنها إلى جزائر سيشل، طلبت حرمه المصون من السلطة البريطانية أن تسمح لها بمرافقة ~~زوجها في نفيه لتسهر على راحته والعناية به؛ رأفة بشيخوخته وشفقة على صحته، فأبت السلطة ~~يومئذ أن تجيبها إلى طلبها، وأصرت على أن يرحل سعد من دونها. # ولسنا في حاجة إلى تذكير القراء بما أبدته صفية هانم بعد ترحيل الرئيس من الشجاعة ~~والوطنية، فكانت على اتصال دائم بأعضاء الوفد المصري تشترك معهم في مداولاتهم، وتحل محل ~~قرينها في اجتماعاتهم، وتستقبل الوفود وتخطب فيها حاثة الأهلين على التمسك بمطالبهم ~~والمضي في جهادهم مستنيرين بمبادئ «وفدهم»، مستمدين روح البذل والتضحية من مسلك زعمائه ~~ورئيسهم، فكان لخطبها ومساعيها وقع عظيم في رجال الوفد وفي رجال الأمة وسيداتها. # والظاهر أن ولاة الأمور البريطانيين عادوا فرأوا أن التأثير الذي تحدثه صفية هانم في ~~نفوس الأمة لا يقل عن التأثير الذي يحدثه سعد باشا نفسه، فاستقر قرارهم على أن يأذنوا ~~لها في اللحاق بقرينها، وبينما كانت ms20 عصمتها جالسة ذات يوم في بيت الأمة مع جماعة من ~~أقربائها، دنا منها أحدهم وأخبرها أن دار المندوب السامي البريطاني تريد مخاطبتها ~~بالتلفون، فنهضت وسارت إلى حيث كانت آلة التلفون، وسألت مخاطبها عما يريده منها، ~~فأجابها بأن اللورد اللنبي يبلغها أن لا مانع عنده من أن تلحق بسعد باشا، وأن في وسعها ~~أن تسافر متى شاءت، فقالت له على الفور: «لقد استودعت زوجي يدي الله وسأبقى أنا هنا ~~أؤدي الواجب علي نحو وطني إلى أن يعود.» ~~(4) سعد في مسجد وصيف # 2 # لما دخلنا على الفقيد العظيم في حجرة الاستقبال ألفيناه جالسا مع الدكتور حامد ~~محمود نائب طوخ، فاستقبلنا رحمه الله هاشا باشا وهو يقول: «أهلا وسهلا بكم»، ~~فلثمنا يده الكريمة وهو يحاول أن يستردها قائلا: «مرسي! مرسي! تفضلوا اقعدوا»، فجلس ~~فريق منا على مقعد وجلس الفريق الآخر على الكراسي بعيدا عن المكان الذي كان جالسا فيه ~~فقال دولته: «لأ ما تبعدوش، قرب يا فلان، وقرب يا فلان.» فنقلنا كراسينا إلى جواره ~~وأخذ حفظه الله يسأل كلا منا عن صحته وأحواله شأن الوالد الحنون مع أولاده، وبينما ~~نحن كذلك دخل علينا بهي الدين بركات بك نجل معالي فتح الله بركات باشا، فلثم يد الرئيس ~~فقبله دولته في وجهه وسأله لماذا لم يخاطبه بالتلفون عن عزمه إلى المجيء إليه، وكان سعد ~~باشا يخاطب نجل ابن شقيقته ودلائل الحب العائلي بادية على محياه وهي دلائل تبدو لك ~~حيثما تسير في دار الرئيس. # ففي هذه الحجرة مثلا صورة كبيرة للمغفور له مصطفى فهمي باشا وعلي الخوان، التي ~~بجانبها صورة أخرى له وللمغفور لها حرمه، وفي تلك الحجرة صورة بل مجموعة صور فوتوغرافية ~~لأم المصريين صفية هانم زغلول وهي تمثلها في كل دور من أدوار سني حياتها، فلا يسع ~~المتجول في تلك الدار المباركة إلا أن يشعر بأن ربها يحمل بين جنبيه قلبا طبع على ~~الحنو والشفقة والحب العائلي كما طبع على حب الوطن، ذلك الحب العظيم الذي دفعه إلى ~~اقتحام المخاطر غير مرة في ms21 سبيل بلاده التي وقف صحته وعلمه وجهوده على خدمتها وخدمة ~~أبنائها. # ويشعر زائر دار سعد باشا في مسجد وصيف بأنه في مصيف أعد للراحة وترويح النفس وتنزيه ~~الخاطر، قالوا إن جدرانه وأثاثه وبراويز الصور التي حليت به غرفه كلها من الألوان ~~التي يرتاح إليها النظر، والدار مؤلفة من طبقتين على طراز «الفيلات» الأوروبية التي ~~نشاهدها في المعادي والزمالك ورمل الإسكندرية ويجلس سعد باشا في الغرفة التي يستقبل ~~فيها ضيوفه إلى جانب طاولة صغيرة وضع عليها آلة صغيرة للتلفون حتى لا يضطر إلى الانتقال ~~من مكان إلى آخر عندما يريد أن يتكلم به وقد جهز الجدار في المكان عينه أيضا بزر ~~كهربائي يضغط عليه الرئيس عندما يبغي أن يدعو إليه أحدا من خدمه. ~~••• # وبعدما سأل سعد باشا كلا من زائريه عن شئونه وأحواله، دار الحديث لمناسبة ما على ~~أخلاق كبرائنا وعظمائنا، فقال أحدنا إن كثيرين منهم يعتقدون أنه يجب عليهم أن يعيشوا ~~مترفعين عن الشعب منعزلين عنه، ولكن الحمد لله الذي أتاح لنا الآن وزارة شعبية يشعر ~~أعضاؤها بأنهم من الشعب، ويشعر الشعب بأنهم من أفراده، ومن ذلك أنه بلغنا ونحن في بنها ~~في طريقنا إلى مسجد وصيف أنه لما مر معالي علي الشمسي باشا (وكان يومئذ وزيرا ~~للمعارف) في أوائل الشهر ببنها قاصدا مسجد وصيف أيضا، رأى الخفراء مصطفين على طول ~~الطريق من بنها إلى مسجد وصيف، فلم يرتح معاليه إلى ذلك، وقال إنه من الحرام أن يكلف ~~أولئك الخفراء أن يصطفوا تحت وهج الشمس ثلاث ساعات متواصلة بعدما سهروا الليل كله، ~~وخصوصا أن الزيارة ليست زيارة رسمية، وأبلغ معاليه استياءه هذا إلى الذي أمر ببث ~~الخفراء على طول الطريق. # فأعرب دولة الرئيس الجليل عن ارتياحه إلى مسلك علي باشا الشمسي، وقال إنه لا يفهم ~~حقيقة الغاية من بث الخفراء والجنود على طول الطريق على هذا المنوال، وأنه لا يقدر ~~الاحترام ومظاهر الإكرام التي لا تتجلى إلا بالبوليس والخفراء، وأنه يعتقد أن الاحترام ~~الوحيد الذي يجدر أن يسمى احتراما، والإكرام ms22 الوحيد الذي ينبغي أن يسمى إكراما ؛ هما ~~الاحترام والإكرام اللذان يبدران من القلوب عفوا نحو الذين اكتسبوا احترام الناس ~~وإكرامهم بأعمالهم وأفعالهم لا بمظاهر القوة والضغط على النفوس والحرية الشخصية. وبعدما ~~أفاض دولته في وصف الديمقراطية ووجوب اختلاط الحكام بالرعية، قص علينا أنه لما تقلد ~~وزارة المعارف وذهب إلى ديوانه بالوزارة لأول مرة، سمع وهو ينزل من مركبته شاويشا ~~ينادي «قرة قول سلاح»، ثم رأى جماعة من الجنود يصطفون ببندقياتهم ويؤدون له التحية ~~العسكرية، فظن أنها عادة جري عليها في استقبال الوزراء الجدد، فسكت ولم يتكلم، غير أنه ~~لم يكد يصل إلى باب الوزارة في اليوم التالي حتى سمع الشاويش ينادي «قرة قول سلاح» ~~أيضا، وأبصر الجند يصطفون كالأمس ويؤدون له التحية العسكرية، فسأل عن الأمر فأجابوه ~~بأن في وزارة المعارف خزنة يتولى أولئك الجنود حراستها، وأن العادة جرت حتى ذلك الحين ~~بأن يستقبلوا الوزير كل يوم بهيئة «قرة قول شرف»، ويؤدوا له التحية العسكرية، فقال لهم ~~دولته: «لا! فإما أن تنقلوا الخزنة من هنا أو تأمروا الجنود بألا يصطفوا كل يوم على هذا ~~المنوال.» ومن ذلك اليوم لم يعد الجنود يصطفون بهيئة «قرة قول سلاح» لتحية ~~الوزير. # ولما تقلد سعد باشا رئاسة الوزراء في سنة 1924، زاره ذات يوم وفد من الأقاليم وعلى ~~رأسه مدير المديرية التي ينتمي إليها أعضاء ذلك الوفد، ولما دخلوا عليه شرع المدير في ~~تقديمهم إلى دولته، فقاطعه رحمه الله قائلا: «لا تتعب نفسك يا فلان، فأنا أعرفهم وأعرف ~~أسماءهم، ولست في حاجة إلى من يعرفني بهم أو يقدمهم إلي.» ثم كلف دولته من أبلغ جميع ~~المديرين أنه يرجو منهم ألا يؤلفوا الوفود برئاستهم لتهنئته؛ لأن الذين يرغبون في ~~مقابلته يعرفون كيف يصلون إليه. # وما دمت أتكلم عن ديمقراطية سعد باشا، فأرى أن المقام مناسب لأن أقص على القراء ~~حكاية اتفقت لدولته في مسجد وصيف، وسمعتها من أحد المقربين منه؛ فإن دولته أمر يوما ~~بإعداد سيارته، ولما أعدت له ركبها مع سكرتيره الخاص الأستاذ الجزيري وطلب ms23 من السائق أن ~~يقلهما إلى زفتى ، وكان ينوي أن يزور يوسف بك الجندي في مكتبه، غير أنه لم تكد السيارة ~~تبلغ باب البلد حتى لمح جماعة من أولادها دولة الرئيس، فعرفوه وأحاطوا بسيارته وأخذوا ~~يهتفون بحياته، فخشي دولته إن هو واصل السير إلى داخل المدينة أن تقام له مظاهرة كبيرة، ~~فأشار على السائق بأن يرجع القهقرى ويسير في الطريق الذي يؤدي إلى طنطا، فلما ابتعدت ~~السيارة عن زفتى أمر بتوقيفها ثم التفت إلى الهاتفين، وكانوا قد تعقبوه، وقال لهم: ~~«اللي شاطر فيكم يناديلي يوسف بك الجندي.» فأطلقوا لسيقانهم الريح؛ إذ أراد كل منهم ~~أن يحوز قبل رفيقه فخر تلبية نداء سعد باشا. وبعد ربع ساعة أقبل عوض بك الجندي شقيق ~~يوسف بك الجندي ووراءه «مظاهرة» كبيرة مؤلفة من جميع طبقات زفتى، فسأله سعد باشا عن ~~أخيه، فأجابه بأنه غائب في المنصورة، فكلفه أن يبلغه تحياته ودعاه وإياه إلى تناول ~~الغداء على مائدته في اليوم التالي، ثم شكر الجموع التي احتشدت لتحيته، وأمر السائق ~~بالعودة إلى مسجد وصيف. ~~••• # وفي نحو الساعة الواحدة بعد الظهر دعانا الرئيس الجليل إلى تناول الغداء معه كما يدعو ~~كل يوم الذين يقصدونه لزيارته والسؤال عن صحته، فنهضنا إلى قاعة الطعام وترأس هو ~~المائدة، وكان دولته يأكل تارة من الألوان التي تقدم إلينا، وطورا يؤتى له بألوان ~~أخرى أخف من ألواننا وأسهل هضما منها مراعاة لصحته، وكان حفظه الله يتفقد ضيوفه من حين ~~إلى آخر، فيقول لهذا إنه لا يأكل ما فيه الكفاية، ويسأل لماذا لم يأكل من اللون ~~الفلاني، واتفق أن أحدنا أصيب قبيل الغداء بانحراف بسيط لم يمكنه من الجلوس معنا على ~~المائدة، فسأل الرئيس عنه غير مرة واهتم بشأنه، وطلب من الدكتور حامد أن يعوده، ولما ~~وافانا إلى المائدة عطف عليه دولته بعبارات لطيفه وأمر الخدم بأن يقدموا إليه طعاما ~~خفيفا حتى لا يتعب من الأكل. # ولاحظنا في آخر الغداء أن دولة الرئيس الجليل تعب، فرجا منه أحدنا أن يدعنا ~~ويصعد إلى غرفته ليأخذ ms24 قسطه من الراحة، ولكن دولته أبى أن يتركنا وحدنا وظل يحادثنا حتى ~~فرغنا من أكل الفاكهة وشرب القهوة، فقال لنا: «أنتم في بيتكم، وأنا أشكركم جدا على ~~زيارتكم، ولكن اسمحوا لي بأن أستريح قليلا.» ونهض فنهضنا وراءه وأقبلنا عليه فحييناه ~~ودعونا له بالصحة والعافية وطول العمر، فغادرنا وهو يقول: «مرسي! مرسي! متشكر!» # وبعدما استرحنا قليلا ودعنا الأستاذ الجزيري الذي مكث عند الرئيس وركبنا السيارة ~~وعدنا إلى العاصمة، فبلغناها بعد ساعتين وألسنتنا تلهج بما رأيناه من كرم سعد البلاد ~~ومكارم أخلاقه. ~~(5) سعد ومعيشته في مالطة # قصدنا إلى سعادة حمد الباسل باشا ورجونا منه أن يفضي إلينا بتفصيل ما جرى لسعد وصحبه ~~الثلاثة عند نفيهم إلى مالطة في بدء الثورة المصرية، وبوصف معيشة الرئيس الجليل في ~~منفاه، فقابلنا سعادته بما جبل عليه من الرقة والبشاشة وأجلسنا في قاعة تطل على ~~الشرفة التي ألقى منها «سعد زغلول» خطابه الأول عن الوفد المصري والغاية من تأليفه، وهو ~~الخطاب الذي نودي فيه لأول مرة باستقلال مصر وسقوط الحماية البريطانية عنها، وكأن ذكرى ~~هذا الخطاب وذكرى «سعد» وهو يلقيه بصوته الجهوري الرنان حركتا في فؤاد «حمد» ما ~~يكنه من الذكريات الوطنية، فانطلق يحدثنا عن حكاية نفيهم إلى مالطة بإفاضة وبلاغة ~~كأنه يتلو علينا تلك الحوادث من كتاب نقش في أعماق القلوب وحفر بحروف ثابتة خالدة ~~على لوحة الأذهان، فلم تمح على مر الأيام. # حدثني حمد باشا فقال: ~~«قبيل غروب شمس يوم من الأيام اعتقلت السلطة العسكرية سعد باشا وصحبه الثلاثة، ~~ونقلنا جندها إلى ثكنات قصر النيل، وهناك أبلغونا أننا سنسافر في صباح الغد، وأنه يحسن ~~بنا أن نأخذ معنا من الثياب والملابس ما يكفينا لشهر على الأقل. فسألنا إلى أين سنسافر، ~~فأجابونا بأننا سننقل إلى بقعة غير معلومة، فألححنا في معرفة هل تقع هذه البقعة في ~~الأراضي المصرية، أو فيما يجاورها من الديار الفلسطينية، أم أننا سنجتاز البحار وننفى ~~إلى غير بلاد الشرف من الأمصار، فكان الجواب أن الجهة التي سنرحل إليها يجب أن يبقى ~~اسمها ms25 مجهولا عنا، فأذعنا للقوة واستسلمنا لمشيئة خالقنا، ورضي رجال السلطة بأن نجلب ~~من منازلنا ما نحتاج إليه من الحاجيات في رحلتنا، كما أنهم سمحوا لكل منا بأن يستصحب ~~معه خادمه. # وفي صباح اليوم التالي وضعت أمتعتنا في سيارة من سيارات الجيش الكبيرة، ودعينا نحن ~~إلى ركوب سيارات صغيرة نقلتنا من ثكنات قصر النيل إلى محطة العاصمة، ووقفت بنا على رصيف ~~القطار الذي أقلنا في الساعة الحادية عشرة إلى بورسعيد، وكان يحرسنا في ديواننا اثنان ~~من الضباط وأربعة من جنود الشاكي السلاح. # ولما دنا القطار من الإسماعيلية أخذنا نتساءل هل سننزل فيها توطئة لنقلنا إلى السويس ~~ومنها إلى سيلان، أو إلى غيرها من بلاد الله الواسعة، أم سنستأنف سفرنا إلى ما بعدها من ~~المحطات، فلما بلغنا الإسماعيلية ولم يبد من حراسنا حركة أو إشارة، أدركنا أنا قاصدون ~~إما إلى القنطرة فنذهب منها إلى فلسطين، أو إلى بورسعيد لنركب منها متن البحر الأبيض ~~المتوسط، ولكننا لم ننزل في القنطرة فقلنا إلى بورسعيد إذن. ولما وصلنا إليها قادونا ~~إلى باخرة كانت راسية في مينائها واسمها «كالدونيا»، ولم يكن فيها سوى جند وضباط من ~~رجال الجيش البريطاني وكانوا مسافرين إلى أوروبا. # وركبنا الباخرة ونحن نجهل الجهة التي نقصد إليها ولكن لم تكد الباخرة تقلع بنا وتمر ~~أمام تمثال «دي لسبس»، حتى جاءنا الضابط المكلف بحراستنا وأخبرنا أننا ذاهبون إلى مالطة ~~التي اختارها ولاة الأمور منفى لنا، فاعترضنا عندئذ على استصحاب خدمنا معنا، وقلنا ~~إنه إذا كنا نحن قد أتينا عملا تظن السلطة العسكرية أننا نستحق النفي عقابا عليه، فما ~~ذنب هؤلاء الخدم المظلومين الذين لم يكن لهم في الموضوع ضلع، فلما سمع خدمنا هذا الكلام ~~«احتجوا» عليه وأقسموا أن يرافقونا في جميع غدواتنا وروحاتنا، ويشاركونا في سرائنا ~~وضرائنا. # وفي اللحظة التي خرجت فيها الباخرة من المياه المصرية قيل لنا إن البحر لا يزال ~~مملوءا بالألغام التي بثها الألمان في كل مرحلة من مراحله لاقتناص بواخر الحلفاء، كما ~~قيل لنا إنه يجب علينا أن نكون ms26 دائما على استعداد لكي ننجو بأنفسنا في حالة حدوث ~~انفجار، ولكيلا نؤخذ على غرة أخذوا يدربوننا مع الجنود الذين كانوا مسافرين معنا على ~~سبل النجاة والخلاص، فكانوا يعطون كل واحد منا طوقا من الفلين ويرشدونه إلى مكانه في ~~قارب النجاة المعين لنزوله فيه في حالة حدوث انفجار في الباخرة، ثم يمثلون رواية ~~الغرق بجميع أدوارها ليتأكدوا من أننا استوعبنا الدروس التي ألقوها علينا في هذا ~~الشأن. # ولما صرنا على مقربة من مالطة توقفت الباخرة عن السير ثم لم نلبث أن أبصرنا زورقا ~~بخاريا يدنو منها قادما من الجزيرة، فأدركنا في الحال أنه الزورق المعد لنقلنا إلى ~~البر، ولما صار محاذيا للباخرة صعد منه إليها ضابط فظ الطباع شرس الأخلاق، فحيانا ~~بعجرفة وخاطبنا بغطرسة قائلا إنه لا يسمح لكل منا إلا بحمل حقيبة صغيرة، أما الحقائب ~~الكبيرة فيجب أن نتركها وراءنا في الباخرة لأنه لا محل لها في الزورق، واتفق أن ربان ~~الباخرة كان واقفا بجانبنا ساعتئذ، فلما سمع اللهجة التي يخاطبنا بها هذا الضابط دنا ~~منه وقال له إنه يحمل توصية بوجوب معاملتنا باحترام، فلم يسعه عندئذ سوى الإذعان، ورضي ~~بأن نأخذ معنا ما نريده من حقائبنا وأمتعتنا. # ولما وطأت أقدامنا البر، ألفينا مركبة صغيرة ذات عجلتين في انتظارنا، فأركبنا فيها ~~سعد باشا وأحد الأصحاب، وسرت أنا والصاحب الرابع بجانبها على الأقدام. # وبعدما سرنا مسافة طويلة وصلنا إلى قشلاق «فردالا»، الذي اختاره ولاة الأمور ~~البريطانيون ليعتقلونا فيه، فخصصوا لكل واحد منا غرفة للنوم وغرفة للجلوس وحماما، ~~وكانت غرفنا كلها واقعة في صف واحد بعيدا عن أماكن الجنود، فاسترحنا واغتسلنا ~~وأبدلنا ملابسنا، ثم سألنا عن التدابير التي اتخذت لإعداد طعامنا، فأجابونا أنهم ~~سيصرفون لنا كل يوم كذا دراهم من الخضار وكذا دراهم من الزبدة، فاعترضنا على هذه ~~المعاملة، فقالوا إنهم سيختارون لنا طاهيا ألمانيا بارعا ليطبخ لنا ما نشاؤه من ~~الأطعمة وأصناف المأكولات بما يصرفونه لنا كل يوم من المواد الغذائية، وزادوا على ذلك ~~أنه إذا كنا نبغي أن نحصل على ms27 مأكولات أخرى، ففي طاقتنا أن نحصل عليها من «كانتين» ~~الضباط، على أن ندفع نحن ثمنها من مالنا الخاص، فسررنا بذلك وجمعنا ما كان معنا من مال ~~يسير، وأخذنا ننفق منه على شراء ما كان يطيب لنا من المأكولات والأطعمة، وطلبنا من ~~القائمين على حراستنا أن يسمحوا لنا بمكاتبة أهلنا ليبعثوا إلينا بما نفتقر إليه من ~~مال، فقالوا لنا إنهم سيؤدون عنا هذه المهمة، وفعلا أخبرونا بعد يومين أن كلا منا ~~تلقى خمسمائة جنيه من مصر، وأن هذا المبلغ أودع باسمه في صندوق مكتب القشلاق، فكنا ~~إذا اشترينا شيئا من «الكانتين» أمضينا على الفاتورة فيأخذها مديره ويقبض قيمتها من ~~مكتب القشلاق الذي كان يخصم ما يدفعه عنا من المال المودع عنده باسمنا. # وبعدما استقر بنا المقام في مالطة قال لنا سعد باشا في يوم من الأيام إنه فرغ من ~~إعداد برنامج معيشتنا في منفانا، فخصص بعض ساعات النهار للدرس والمذاكرة، وخصص ساعات ~~أخرى للمطالعة والمحادثة، وخصص ما بقي من الساعات للتريض والتفكه. وإذ كان رجال القشلاق ~~يطفئون أنواره الساعة التاسعة مساء طلبنا أن يدعوا أنوار غرفنا مضاءة حتى الساعة ~~الحادية عشرة، فأجابونا إلى طلبنا. # والتقيت في مالطة برجل ألماني (من المعتقلين الألمان) عرفته في الفيوم وكان يعطيني ~~دروسا في اللغة الإنجليزية، فسررت بلقائه، ولما عرف سعد باشا تاريخ علاقتي به، كلفني ~~أن أطلب منه أن يعطيه دروسا في اللغة الإنجليزية، فرضي الرجل عن طيب خاطر، وأخذ الرئيس ~~يتلقن تلك اللغة على يده. # سعد المفكر. # وكنا حتى ذلك الحين نجهل تماما ما حدث في مصر من الحوادث عقب إبعادنا عنها، إذ إن ~~القائمين على حراستنا كانوا يحولون دون تسرب الجرائد إلينا، ولكن أحد الضباط المكلفين ~~بمراقبتنا قال لنا مرة: «إنكم غادرتم مصر بعدما صيرتموها شعلة من نار»، فأدركنا أن في ~~مصر حالة غير عادية، ولكننا لم نشأ أن نكثر من السؤال والاستقصاء كي لا تحوم الظنون ~~حولنا. # وبعد يومين، دخل علينا طاهينا الألماني وأخرج من حذائه نسخة من جريدة التيمس ودفع بها ms28 ~~إلينا، فقرأنا فيها أن الشعب المصري هاج وماج على أثر القبض علينا وإبعادنا، وأن ~~مصادمات شتى وقعت بين الطلبة والجنود البريطانية، وأن الطيارات الإنجليزية ألقت قنابلها ~~على عربان الفيوم وقتلت أربعمائة منهم، وأن الجماهير تبدي مقاومة في كل مكان وأن وأن ~~وأن ... إلى غير ذلك من أخبار الحركة التي كنا نجهل أمرها كل الجهل، فترحمنا عندئذ على ~~الموتى وأدركنا أن الشعب المصري جاد في نهضته ماض في نضاله، فأقسمنا ساعتئذ على أن ~~نفنى في خدمته وفي سبيل الدفاع عن قضيته، وأن ننبذ الحياة المادية ولا نهتم إلا بالشئون ~~المعنوية، وبتنا على أحر من جمر نرقب ما تخبئه لنا الأيام من مفاجآت. # وكان القائمون على حراستنا يسمحون لنا بالتنزه في أنحاء الجزيرة والتجول في أرجائها ~~مرتين في الأسبوع، ولكنهم كانوا يطلبون منا في كل مرة أن نوقع تعهدا نتعهد فيه بشرفنا ~~بألا نفر ولا نحاول أن ندبر سبيلا للفرار، وألا نخاطب أحدا ولا نعطي نقودا لأحد، ~~وألا نمس بأذى أحد جنود صاحب الجلالة البريطانية أو أحد جنود الحلفاء. ومع أننا كنا ~~دائما نمضي على هذا التعهد، فإن أحد الضباط كان يصحبنا دائما في غدواتنا وروحاتنا ~~«بصفة دليل» على ما كان يقال لنا. # وكان هذا الضابط يتفقدنا صباحا ومساء، ففي الصباح يقرع باب غرفة كل منا ويقول ~~«جود مورننج»، # 3 # فإذا أجبناه «جود مورننج» تأكد من وجودنا وانصرف، وإذا لم يجدنا في الغرفة ~~ظل يبحث عنا إلى أن يقول لنا «جود مورننج» ... وكان في المساء يعيد الرواية عينها، فيقرع ~~باب كل غرفة من غرفنا ويقول «جود نايت»، # 4 # فنقول له «جود نايت»، وإذا لم يسمع جوابا من داخل الغرفة انطلق يبحث عن ~~صاحبها حتى إذا وجده قال له «جود نايت»؛ أي إنه متمسك جدا «بجود مورننج» و«جود نايت»، ~~وإنه لا يستطيع أن يعمل في الصباح بدون أن يصبح علينا، ولا يستطيع أن ينام في المساء ~~بدون أن يمسي علينا ... كان رقيقا جدا. # وزارنا مرة أخرى اللورد منون، حاكم مالطة، العام بلباسه العسكري ms29 مع أركان حربه، فتفقد ~~غرفنا وسأل عن التدابير التي اتخذت لإراحتنا وتسهيل سبل إقامتنا ومعيشتنا، ثم أقبل ~~علينا يسألنا بكل احترام وإكرام هل نحن في حاجة إلى شيء نرغب فيه فيقضيه، فشكرنا له ~~عنايته وسألناه عن موعد أوبتنا إلى مصر، فقال إنه لا يعلم شيئا في هذا الصدد. # وبينما كنا جالسين ذات يوم نتجاذب أطراف الحديث، دخل علينا ضابط كبير وقال لنا: ~~«استعدوا للسفر غدا؛ فسيطلق سراحكم ويسمح لكم بالسفر إلى باريس.» وما لبث الخبر أن ذاع ~~بين إخواننا المصريين المعتقلين في مالطة، فأقاموا لنا حفلة شاي كبيرة حضرها الألمان ~~الذين كانوا معتقلين معهم أيضا. وبعدما خطب كثيرون من إخواننا المصريين، نهض سعد باشا ~~ورد عليهم بخطاب بليغ يفيض حماسا ووطنية، فقوبل بالتصفيق الشديد والهتاف المتواصل لمصر ~~للوطن المفدى. # وفي اليوم التالي قادنا الجند إلى المرفأ، وظلوا يحرسوننا ويمنعوننا عن الاختلاط ~~بالأهلين والتكلم معهم إلى أن وصلت الباخرة التي كان مقررا أن تقلنا إلى فرنسا، ~~ولما صعدنا إليها دنا منا كبير الضباط وقال لنا: «أنتم أحرار الآن يا سادة»، ثم أقبل ~~على كل منا وصافحه مودعا برقة وبشاشة. # وكم كانت دهشتنا عظيمة حين ظهر لنا أن هذه الباخرة هي الباخرة «كاليدونيا» التي ~~نقلتنا من بورسعيد إلى مالطة (بل كم كانت دهشتنا أعظم حين اجتمعنا فيها بسائر إخواننا ~~من أعضاء الوفد المصري!) فذرفنا الدمع من شدة اغتباطنا وابتهاجنا، وشكرنا الله على ~~هذا اللقاء الفجائي الذي أدخل السرور إلى قلوبنا وبعث روح الأمل في نفوسنا. # ثم استأنفنا السفر إلى فرنسا ونحن نعلق آمالا واسعة على نبي آخر الزمان الدكتور ~~ولسن، صاحب المبادئ الأربعة عشر الخاصة بمصير الشعوب الصغيرة، المهضومة الحقوق، ~~المسلوبة الحرية والاستقلال، ولكن في اليوم التالي لوصولنا إلى باريس فاجأنا ولسن ~~بقراره الذي وافق فيه على حماية بريطانيا العظمى على مصر. # وإني لا أصف لكم مبلغ ما استحوذ علينا من الاندهاش والاستغراب لما اطلعنا على هذا ~~القرار، ولكن حسبي أن أقول لكم أن عزيمة سعد كانت أقوى من أن يؤثر فيها ms30 ولسن أو غير ~~ولسن، فجاهر بأن الوفد المصري سيمضي في جهاده حتى الرمق الأخير من حياة أعضائه. # أجل! لقد ثبت الوفد المصري ونحن اليوم كما كنا بالأمس ثابتون على مبادئ سعد، ثابتون ~~على حب سعد.» ~~(6) سعد بين عدن وسيشل # كان الأستاذ مكرم عبيد قد دون مذكرات ضافية عن حياة سعد وصحبه في منفاهم في ميناء ~~«عدن» أولا، ثم في جزائر «سيشل» النائية، ولكن السلطات البريطانية عثرت على هذه ~~المذكرات التاريخية عند تفتيشها لداره في بعض الظروف السياسية، فأخذتها ولم ترجعها، ~~ففقدت الأمة بمصادرتها صفحة مجيدة من أسطع الصفحات وأغرها في سيرة سعد القومية، ولكن ~~ذاكرة وزير الشباب متوقدة نيرة، ولئن كنا قد حرمنا المذكرات التي خطتها يده، فإنا لم ~~نحرم بعض ما وعته حافظته، فانتهزنا فرصة اجتماعنا به عقب عودته من أوروبا واقتبسنا من ~~حديث أفضى به إلينا المعلومات التاريخية الطريفة التي نسردها للقراء فيما يلي: # في صباح اليوم الذي أذيع فيه تصريح 28 فبراير في مصر، كان الفقيد العظيم وصحبه جالسين ~~في القلعة التي اعتقلوا فيها في عدن يتناولون طعام الفطور، فدخل عليهم ضابط برتبة ~~كولونل كان يقوم بأعمال وكيل الحاكم وقال لهم إنه تلقى أمرا بوجوب إبلاغ سعد باشا أنه ~~سينقل من عدن إلى جهة أخرى غير معلومة، وأن لدى دولته ساعة ونصف ساعة لكي يعد أمتعته ~~توطئة لانتقاله إلى السفينة الحربية التي ستقله إلى منفاه الجديد، فقابل سعد باشا ~~النبأ الفجائي برباطة جأش عظيمة، وقابله صحبه بهياج شديد، فسألوا الكولونل عن الحكمة في ~~فصل الزعيم عنهم، فأجابهم أنه لا يعلم عن ذلك شيئا، وأنه إنما ينفذ التعليمات التي ~~صدرت إليه من رؤسائه، فسألوه هل يستطيعون مرافقة دولته ليسهروا على صحته وإراحته في ~~خلال سفره، فكان جوابه أنه لا يملك سلطة نقض التعليمات التي يعمل بها أو سلطة تحويرها ~~وتعديلها، فقرروا أن يرفعوا احتجاجا على هذه المعاملة إلى المقامات العليا، فحاول سعد ~~باشا أن يثنيهم عن عزمهم لئلا يؤخر هذا الاحتجاج في عودتهم هم إلى مصر، فلم يسلموا ms31 ~~بوجهة نظره وأصروا على وجوب مرافقته إلى النهاية ، وفعلا عهدوا إلى الأستاذ مكرم في ~~كتابة الاحتجاج باللغة الإنجليزية، وقد طلبوا فيه أن يسمح لهم بمرافقة الزعيم، أو إذا ~~كان ذلك متعذرا لصغر السفينة، فلا أقل من أن يسمح لأحدهم بأن يكون في صحبته، وأرسلوا ~~الاحتجاج مع رسول إلى سراي الحاكم. # وبعد ساعة ونصف ساعة توجه سعد باشا إلى المرفأ ليركب السفينة التي أعدت لسفره وسمح ~~لصحبه بمرافقته إليها، فساروا حوله وهم يبكون ويتحسرون، بينما كان دولته يبذل جهده ~~ليسكن من روعهم وهو رابط الجأش ثابت الخطى، ولما صعد إلى السفينة وأزفت ساعة الفراق رفع ~~منديله ملوحا وأنشد بصوت مؤثر قائلا: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن ألا ~~تلاقيا # ثم عاد صحب سعد إلى القلعة صامتين واجمين وقد ساورهم شعور أليم؛ وهو أن وداعهم للرئيس ~~في ذلك اليوم قد يكون الوداع الأخير، ولكنهم ما كادوا يعودون إلى القلعة ويستقرون فيها ~~حتى تلقوا نبأ من الحاكم بأن المراجع العليا أذنت في أن يرافق أحدهم سعدا إلى منفاه ~~الجديد، فاغتبطوا بهذا النبأ بقدر ما كان الظرف يسمح به من اغتباط، وبعدما بحثوا في ~~الأمر مليا ورجعوا إلى سعد باشا في قرارهم، اختير الأستاذ مكرم عبيد ليرافق دولته في ~~سفره، فحزم أمتعته وانتقل إلى السفينة، وكانت ما تزال راسية في الميناء، وسمح لسائر صحب ~~سعد بالصعود إليها لتوديعهما فيها، وبعد يومين أقلعت بهما وهما يجهلان وجهة سيرها، ~~ولكنهما تذكرا أنهما سمعا وهما في عدن أن سعد باشا سينتقل إلى سيشل، فتوقعا أن يذهبا ~~إليها، غير أنهما لم يتمكنا من تحقق ذلك؛ لأن رجال السفينة كانوا يمتنعون عن إجابتهما ~~على كل سؤال في هذا الصدد، فإذا ما انقضى عليهما ثلاثة أيام في عرض البحر أقبل عليهما ~~ربانها وأخبرهما أنهما ذاهبان إلى سيشل، وأمضى سعد باشا أيام السفر متعبا؛ لأن السفينة ~~كانت صغيرة لا تزيد حمولتها على تسعمائة طن، وكان الأستاذ مكرم ينام على سرير صغير ~~يقابل السرير الذي كان الرئيس ينام عليه في ms32 «القمرة» التي أفردت له. # ولما وصل سعد باشا والأستاذ مكرم إلى «ماهي» عاصمة جزائر سيشل، هرع سكانها ~~لمشاهدتهما، وكانوا يحيون سعد باشا باحترام وإكبار لما سمعوه عن اسمه ومقامه بين ~~قومه، فكان يرد لهم التحية باسما شاكرا، وبعدما قابلا الحاكم أبلغا أنهما سيقطنان ~~في دار اختيرت لإقامتهما على ربوة تبعد عن البلد نفسها مسافة غير قصيرة، فأعرب سعد باشا ~~عن رغبته في مشاهدتهما، فحملوه إليها بمركبة صغيرة يجرها رجل من الوطنيين بيديه، وحملوا ~~الأستاذ مكرم بمركبة مثلها، فلما وصل الرئيس إلى الدار وتفقد نظامها، قال إنها تبعد عن ~~قلب البلد مسافة عظيمة، وإنه لو احتاج إلى طبيب أو إلى دواء لفاضت روحه قبل أن يصل إليه ~~الطبيب أو الدواء، وبعد أخذ ورد طويلين اقتنعوا بعدالة طلبه، فأسكنوه مع الأستاذ ~~مكرم في دار قاض كان غائبا بالإجازة. # وبعد أيام نقلوهما إلى جزيرة «ليلونج»، وهي تقوم على مقربة من «ماهي»، فسر سعد ~~باشا بهذا الانتقال؛ لأن المناظر الطبيعية فيها كانت تأخذ بمجامع القلوب، وقد أعد لسكنه ~~دار فسيحة تحيط بها حدائق غناء. فلما استقر بهما المقام فيها، جعل سعد باشا يقول ~~للأستاذ مكرم إن المرء يتمنى لو يتاح له أن يعيش مدة طويلة منعزلا عن الناس وعن ضوضاء ~~المدن في مثل هذه الجنة الفيحاء، وكان دولته يعتقد وهو يقول هذا القول أنه لن يعود إلى ~~مصر حيا، وإلا فما الغاية من نفيه في تلك الجزائر البعيدة النائية بعدما كان معتقلا ~~في عدن، ثم يعود فيقول: «إن الأمر موقوف على ثبات الأمة، ولي فيها عظيم الثقة.» # وكان الرئيس الجليل يمضي أوقاته في سيشل بالتريض والتنزه تارة، ويتجاذب أطراف الحديث ~~مع الأستاذ مكرم تارة أخرى، وكانت أحاديثهما تتناول جميع الموضوعات الفلسفية ~~والاجتماعية والأدبية، علاوة على البحث في جميع المراحل السياسية التي اجتازتها القضية ~~الوطنية، وقد قص سعد باشا على الأستاذ مكرم في أثنائها علاقته بالثورة العرابية وببعض ~~الحوادث التي حدثت عند إنشاء الجمعية التشريعية، ولما اكتشف دولته أن الله حبا ~~الأستاذ مكرم بصوت شجي، ms33 كان يلح عليه بأن يسليه بإنشاد بعض القصائد المشهورة، ويقول ~~الأستاذ مكرم إنه كان للفقيد ولع خاص بأشعار سامي البارودي باشا. # ثم خطر لسعد باشا أن يتعلم اللغة الإنجليزية على يد الأستاذ مكرم، فعكف على تلقينه ~~أصولها ومبادئها بأسهل الطرق وأقربها إلى الفهم، فأظهر (رحمه الله) عبقرية مدهشة في ~~تفهم عباراتها واستيعاب ألفاظها، ومما تحسن الإشارة إليه هنا أنه كان يدرس ~~الإنجليزية في الكتاب الذي وضعه المستر مكدونلد رئيس الوزارة البريطانية الحالية عن ~~«الاشتراكية». وكان من عادته إذا قرأ كلمة إنجليزية تشابه بنطقها كلمة فرنسية يعرفها، ~~يطلب من الأستاذ مكرم أن يفسرها له، فإذا جاء تفسيرها مخالفا لتفسير الكلمة الفرنسية ~~يقول له: «أنت مخطئ»، ثم يكب على مناقشته فيها بما اشتهر به من حب الجدل والمناقشة، ~~وأخيرا فكر الأستاذ مكرم في حل لطيف لهذه الحالة، فطلب من الرئيس الجليل أن يدونا ~~الكلمات المختلف عليها على ورقة مستقلة، ويحتكما في تفسيرها إلى شخص يعرف اللغة ~~الإنجليزية غيرهما. # وبعد أيام أبلغ سعد باشا أن صحبه الذين تركهم في عدن سيلحقون به، وفي اليوم المحدد ~~لوصولهم انتقل دولته مع الأستاذ مكرم إلى جزيرة «ماهي» لاستقبالهم، ولما رآهم نازلين من ~~الباخرة التي أقلتهم إليها، انهمرت الدموع من عينيه وقال: «إن الله سبحانه وتعالى لم ~~يشأ أن أفارق هذه الحياة وأنا بعيد عن أولادي»، فدعوا له بطول العمر، وكان سرور الجميع ~~باجتماع الشمل يفوق الوصف. # وكان أول ما فعله سعد باشا بعد ذلك أن سأل عاطف بركات باشا عن الكلمات التي اختلف مع ~~الأستاذ مكرم على تفسيرها، فجاء شرح عاطف باشا مطابقا لشرح الأستاذ مكرم فضحك سعد باشا ~~واقتنع. # وكانت السلطات المحلية قد استعدت لإيواء النزلاء الجدد، فأعدت لسعد باشا وللأستاذ ~~مكرم دارا تسعهما مع خدمهما، وأعدت للنحاس باشا وفتح الله بركات باشا وعاطف بركات ~~باشا وسينوت حنا بك دارا أخرى على مقربة من الدار الأولى، ولكن الجميع كانوا يتناولون ~~طعام الغداء والعشاء على مائدة سعد باشا ليتسلى بوجودهم حوله، ثم انتقل دولته والنحاس ~~باشا ms34 والأستاذ مكرم وسينوت بك إلى دار فخمة تقع فوق ربوة جميلة قدمها لهم وجيه مسلم عاد ~~إلى الجزيرة بعد غياب طويل عنها، وظل فتح الله باشا وعاطف باشا يقيمان في الدار ~~الأصلية، ولكنهما كانا يصعدان إلى قمة الربوة عند حلول ساعة الأكل لينضما إلى إخوانهما ~~حول مائدة سعد باشا، ولما استقر قرار ولاة الأمور البريطانيين على نقل الرئيس الجليل من ~~سيشل إلى جبل طارق، أخذ معه صورتهم الفوتوغرافية، وتروي أم المصريين أنها لما لحقت به ~~هناك كانت تراه كل يوم يضم تلك الصورة إلى قلبه وهو يقول: «هؤلاء هم أولادي، فليحرسهم ~~الله بعنايته.» ~~(7) سعد وحياته في سيشل وجبل طارق # 5 # كان الرئيس يستيقظ من نومه مبكرا جدا، حوالي الساعة الخامسة والنصف أو السادسة، ~~وبعد أن يغسل وجهه ويرتدي ثيابه، يجلس خارج غرفته بالبلكون يطالع درسه الإنجليزي، وكان ~~يهتم به كثيرا جدا، حتى بلغ الأمر منه أنه كان يجلس الساعات الطوال يطالع تلك اللغة ~~بمساعدة مكرم بك، وبلغ من مغالاته في الانهماك بها أن كان يقرؤها حتى في فراشه وإبان ~~ساعات نومه، ولم تقل ساعات مذاكرته يوما عن ست ساعات على أقل تقدير، حتى إن أصحابه ~~كثيرا ما أظهروا عدم ارتياحهم إلى إنهاك قواه العقلية بهذا الشكل، وأنحوا باللائمة ~~كثيرا على الأستاذ مكرم الذي كان يقوم بتدريسها له، وكان يدرسها في بعض الأحيان أيضا ~~على عاطف بركات باشا، ولكنه كان يفضل درسها على الأستاذ مكرم، وكنت أساعده دائما في ~~تفهم معانيها ومخاطبته بها وتمرينه عليها، وكان الأستاذ مكرم يدعوني لذلك أحيانا ~~«مساعد معلم الرئيس» على سبيل المزاح. # قلت إنه كان يجلس كل يوم في الصباح بالبلكون بعد أن يرتدي ثيابه يطالع كتابا في ~~الإنجليزية إلى أن يحين موعد الفطور، وفي كثير من الأحيان كان يستيقظ عاطف باشا مبكرا ~~أيضا ويجلس بإزاء الرئيس لمطالعة الدرس الإنجليزي، وفي الساعة الثامنة يكون أول ~~الداخلين إلى غرفة المائدة مع عاطف باشا، ثم يتبعهما بعد ذلك النحاس باشا وفتح الله ~~باشا وسينوت بك، فالأستاذ مكرم الذي ms35 كثيرا ما يكون هو الأخير في الحضور إلى ~~المائدة . # وفي أثناء الطعام يتجاذبون أطراف الحديث الذي يدير دفته الرئيس والأستاذ مكرم ~~غالبا، وعند انتهاء الطعام يجلس الرئيس مع الأستاذ مكرم إلى درسه الإنجليزي، وينفرد ~~عاطف باشا بركات بكتاب يطالعه أو بمذاكرة اللغة الفرنسية، التي كان مولعا بها ويساعده ~~فيها أحيانا مصطفى النحاس باشا، ويجلس فتح الله باشا لتلاوة القرآن أحيانا، وأحيانا ~~كان يجلس للحديث مع عاطف باشا وسينوت بك، وهكذا إلى أن يقرب وقت الغداء، فيقوم الرئيس ~~لأخذ حمامه اليومي، ثم يخرج إلى غرفة المائدة؛ حيث تكون الساعة الأولى بعد الظهر، وبعد ~~الانتهاء من الطعام يخرجون إلى النوم مباشرة ويستيقظون منه حوالي الساعة الثالثة والنصف ~~لتناول الشاي، ويذهبون جميعا عدا الرئيس وأنا للنزهة اليومية خارج الحصن صحبة الضابط ~~النوبتجي لمدة ساعة من الزمن، أو في المسافة الواقعة ما بين الحصن وحظيرة الأبقار ~~القريبة منه، ويتبعهم عن بعد جندي من الأهالي. # وكان الباعث على عدم خروج الرئيس كل يوم للنزهة هو أنه كان يرى مشقة عظيمة في الصعود ~~والهبوط من الوادي إلى البيت، وكان يكره منظر «الديدابانات» المنتشرة حولنا هنا وهناك ~~لشدة حبه للحرية؛ الأمر الذي جعله ينفر من كل مظهر من مظاهر التقييد، وبهذه المناسبة ~~أذكر أنه عندما صعدنا لأول مرة إلى سجننا وألقينا نظرة على الغرف وأثاثها البسيط ~~ومحتوياتها القليلة، نظر معاليه مليا ثم قال: «هذا حسن ...» فأجبته وكنت بقربه قائلا: ~~«وسنكون بمعزل عنهم لا يروننا ولا نراهم.» فقال: «أحسنت جدا، وهذا ما أردت أن ~~أقوله.» # ثم التفت إلى فتح الله باشا وسينوت بك ومدح لهما دقة ملاحظتي تواضعا منه وتلطفا، ~~وفي أثناء ذلك كنت أسير بصحبة الرئيس جيئة وذهابا في البهو ونتحادث بالإنجليزية لأجل ~~تمرين معاليه، وعند عودتهم يجلس سعد باشا والأستاذ مكرم وعاطف باشا والضابط النوبتجي ~~وسينوت بك للعب الورق، ويجلس فتح الله باشا والنحاس باشا للعب الدومينو، وقبل أن يحين ~~ميعاد العشاء الذي كنا نتناوله عادة حوالي الساعة الثامنة، يقوم الرئيس وصحبه للسير في ~~البهو مدة ms36 نصف ساعة، وأحيانا كنت أمارس ومصطفى النحاس باشا وفتح الله بركات باشا ~~والأستاذ وليم مكرم بعض الحركات الرياضية من قفز أو ركض، وبعد تناول طعام العشاء الذي ~~كانوا يدعون إليه في كثير من الأحيان الضابط الإنجليزي النوبتجي، يجلسون للحديث والسمر ~~فيقص عليهم معالي الرئيس شيئا مما وقع ورآه إبان الحوادث العرابية وبعدها. # وكثيرا ما كنا نتفقد معالي الرئيس فلا نجده، فيذهب الأستاذ مكرم من جهة وأنا من جهة ~~أخرى، فنعثر به سائرا حول الجزيرة على شاطئ البحر الرملي، وقد كان معاليه يحب السير ~~على قدميه كثيرا جدا، وكان يسير بخطوات شاب بارز الصدر مرتفع القامة ثابت ~~القدم. # وأحيانا كنا نذهب جميعا فنجلس على شاطئ البحر مفترشين الرمل الناعم النظيف، وكنت ~~أبحث لهم عن ودع يلعبان به السيجة. # وفي بعض الليالي كان يجلس الرئيس والأستاذ مكرم ويبدأ الأستاذ مكرم بالغناء بصوت مطرب ~~خلب ويصغي إليه الرئيس بسرور، وكان يساعده في ضبط نغمة الألحان أحيانا، فيوقع الرئيس ~~الغناء وينشده الأستاذ مكرم بصوت مطرب للغاية. # وأحيانا يتناول الرئيس كتابا من الشعر ويتلو بعضا من القصائد بينا نصغي إليه، وكان ~~يحب الشعر السلس غير المعقد ويقول: «إن الشعر الجيد على ما أرى هو ما يفهمه القارئ ~~والسامع لأول وهلة، أما ذلك الذي يحتاج إلى إعمال الفكر في تفهم معناه فليس في نظري ~~بشعر جيد.» وكان معاليه والأستاذ مكرم يميلان إلى شعر محمود سامي باشا البارودي، وخاصة ~~ما قاله وهو في منفاه عن مصر، وكانا يتفاءلان خيرا به وكثيرا ما رددا أبياته بالغناء ~~والترتيل. # في جبل طارق # علمنا عند قدومنا إلى جبل طارق أن للرئيس مطلق الحرية في الذهاب والإياب داخل ~~حدود جبل طارق، على شرط ألا يتعدى الأرض الإنجليزية. # وقد استصدروا من معاليه قسما بعدم محاولة ترك جبل طارق بدون تصريح له منهم ~~بذلك. # ورغم ذلك فإنهم وضعوا للرقابة رجالا من البوليس الملكي يسيرون وراء معاليه أينما ~~سار، وكانوا ظاهرين، ولكن لما أظهر الرئيس عدم ارتياحه من هذه المراقبة الظاهرة إلى ~~رئيس البوليس المستر ms37 كوكلان، تحولت المراقبة فصارت مستترة، وكان أولئك الرجال ~~المراقبون من سكان البلاد وهم يجيدون الإنجليزية جدا ويتكلمون الإسبانية كذلك، ~~وكثيرا ما كان معاليه يذهب إلى السوق على قدميه وهو يقع في أسفل الصخرة، ويبعد عن ~~البيت نحو 45 دقيقة، فيبتاع شيئا من الجرائد وقليلا من الفاكهة. # وكان في كل صباح يتنزه في حديقة المنزل نحو 20 دقيقة قبل الفطور، فيسير مسافة ميل ~~ونصف ميل ثم يعود إلى قراءة المجلات والجرائد الإنجليزية (التي كنت أساعده على ~~تفهم ما يجيء فيها بخصوص مصر) وغيرها. # وكان كذلك يقوم بهذه النزهة بعد ظهر كل يوم، أما في الليل فلا يخرج، وكان الناس ~~أثناء مروره في الطريق يشيرون إليه بالبنان ويتهامسون باسمه. # وقد لاحظ معاليه بعد قليل من وجودنا هناك أن الطربوش يستلفت أنظار الناس، فاشترى ~~قبعة كان يلبسها كلما خرج للتنزه. # وأحيانا كنا نستقل عربة تمر بنا حول الصخرة بين طلولها القديمة، وقد رأينا ~~فيما رأينا برجا يقول الناس إن بانيه هو طارق بن زياد، ولم يبق منه إلا رسومه، ~~وقد أحاطته الحكومة بسور من الحديد، وهو قائم وسط خلاء شاهد لما كان للعرب من مجد ~~أثيل وعز تليد. # وكانت المراسلات من وإلى الرئيس في جبل طارق غير ما كانت عليه في سيشل، فإنها ~~كانت حرة لا رقابة عليها؛ لذلك كنا نتلقى كل يوم وابلا من الرسائل التلغرافية، كما ~~كان يأتينا البريد بكثير من الرسائل البريدية كل عشرة أيام تقريبا من مصر، وكل ~~أسبوع من أوروبا. # ونشرت مرة جريدة إسبانية، تصدر هناك، مقالة مطولة شديدة اللهجة بإمضاء ~~إنجليزي يقطن مصر اسمه «أميجو» # 6 # يدعو فيها أهل جبل طارق والإسبانيين إلى الاحتفاء بزغلول باشا زعيم مصر ~~الكبير وإكرامه، بل يدعوهم أيضا إلى الاحتجاج على سجنه والسعي في الإفراج عنه، ~~ويشرح نتفا من تاريخ حياته وأصله. # فكانت النتيجة أن أقفلت السلطة الإنجليزية تلك الجريدة يوما وبعض يوم حتى اعتذر ~~أصحابها وقدموا الضمان على عدم العودة إلى مثل هذا العمل، وقالوا إنها رسالة وصلتهم ~~من مصر وقد ms38 نشروها بحسن نية، فعادت جريدتهم إلى الصدور. # وقد أراد الرئيس الاستمرار في تعلم اللغة الإنكليزية التي كان يتلقاها في عدن ~~وسيشل على الأستاذ مكرم، وكنت أساعده في التمرن على الكلام بها، فطلب من الدكتور لو ~~كهد أن يبحث له عن معلم أو معلمة إنجليزية لتعطيه دروسا فيها، فأتى له الدكتور ~~بشاب من صف الضباط بالجيش الإنجليزي يعطيه أربعة دروس في الأسبوع مقابل ثلاثة ~~جنيهات شهريا. # سعد في مسجد الوصيف. # وقد تقدم معاليه تقدما محسوسا فيها، وإنما كان يحتاج إلى زمن طويل لإخراج ~~العبارات لعنايته الزائدة بتركيبها النحوي. # أما صحته فأخذت في التقدم منذ وصولنا إلى جبل طارق، حتى تم شفاؤه من مرض البول ~~السكري، فبشر بذلك حرمه تلغرافيا. # ولكنه سئم الوحدة، فكتب إلى حرمه بالحضور إلى جبل طارق، فوصلت إليه يوم 16 نوفمبر ~~سنة 1922 مع المرحوم سعيد بك زغلول والسيدة فهيمة هانم التي جاءت بصفة ممرضة لحرم ~~الرئيس وخادم وخادمة. # فاستقبلناهم بالميناء، وقد انتظر الرئيس في بناية للحكومة على البحر، ودخلت أنا ~~إلى آخر الرصيف، فكان استقبالهم لي مؤثرا، وعانقني المرحوم سعيد زغلول بك شكرا ~~على ما قمت به من التطوع لهذا النفي الطويل، فأخذتهم إلى حيث كان الرئيس، وهناك ~~كان البكاء وصرير الأسنان، فقد بكى معاليه وبكت حرمه ولم يتمالك أحد من الحضور ~~دموعه. # وعدنا جميعا إلى المنزل حيث لبس حلة من السرور والسعادة لم تك به من قبل، وظل ~~الرئيس وحرمه في صحة جيدة إلى وقت أن تركت جبل طارق في نوفمبر سنة 1922. # | سعد من جميع نواحيه # في الفصل التالي وصف واف للطريقة التي كان الفقيد العظيم يتبعها في العمل، ~~ولما أظهره من قوة الشكيمة في تعلم اللغة الفرنسية، ثم طائفة من الحكايات والنوادر ~~التي اتفقت له في عهده الأخير، وكلها تدل على ما حباه الله به من ذكاء خارق وقوة ~~حافظة نادرة وعلم واسع غزير ووطنية خالصة صادقة، ويعقب ذلك بعض الملح المختارة من ~~نكات دولته وملحه، فحديث لمعالي فتح الله بركات باشا عما كان يخالج ms39 فؤاد سعد من ~~شعور الشفقة والشجاعة في وقت واحد. ~~*** ~~(1) سعد أمام مكتبه # كان من عادة الفقيد العظيم المغفور له سعد زغلول باشا أن يكتب تارة بيده، وأن يملي ~~تارة أخرى ما يريد كتابته على سكرتيره، وكان يدون أفكاره وخواطره في معظم الأحيان ~~بالقلم الرصاص ما لم يكن جالسا إلى مكتبه، فيكتب عندئذ بالحبر، وكان إذا فرغ من خط ~~ما أراد تحبيره على قرطاسه، يدعو إليه سكرتيره الخاص ويملي عليه ما كتب، وكانت كتاباته ~~تبحث عادة في الموضوعات الانتخابية والقانونية، أو تتناول مقالات حمل عليه بها ~~خصومه السياسيون، فيفندها ويبعث برده إلى إحدى الصحف الوفدية لتنشره في صدر أعمدتها ~~بإمضاء مستعار أو بدون إمضاء، وكان إذا أعوزه الوقت في بعض الأحيان وحالت كثرة مهامه ~~دون تمكنه من الكتابة بنفسه، يدلي إلى سكرتيره بفكرة يبثه عناصرها ودعائمها، ويطلب ~~إليه أن يصوغ بها مقالا يرسله إلى صحيفة من الصحف المناصرة للوفد؛ كي تنشره على ~~قرائها؛ إظهارا للحقيقة وتنويرا للأذهان. # وكان، رحمه الله، لا يكتب مذكراته القيمة إلا بخط يده، وكان من عادته أن يدونها ~~دائما بالحبر كي لا يزول أثر الكتابة بالقلم الرصاص على مر الأيام، وقد كاد دفتر ~~يحتوي على جزء من هذه المذكرات التاريخية النفيسة يفقد عقب وفاته بأيام؛ إذ رمى به ~~أحدهم مع طائفة من الأوراق المهملة في الكناسة التي كانت ستحمل من حجرة المكتبة، غير ~~أن أحد نجلي الأستاذ أمين يوسف السكرتير العام المساعد لمجلس الشيوخ كان مارا في تلك ~~اللحظة أمام حجرة المكتبة، فوقعت عيناه على ذلك الدفتر، فالتقطه وتصفحه، وسرعان ما تبين ~~أهميته، فحمله إلى أم المصريين التي اهتمت للأمر اهتماما عظيما، ومن تلك اللحظة استقر ~~القرار على جمع مذكرات سعد باشا كلها وحفظها في أحد المصارف التي كان، رحمه الله، ~~يتعامل معها خوفا عليها من الضياع، ويقول الذين أسمعهم الفقيد العظيم أبوابا من تلك ~~المذكرات، التي سيكون لها شأن عند حلول يوم نشرها، أنها لا تتناول تاريخ الحركة الوطنية ~~من أولها فقط، ولكنها تحتوي على تاريخ ms40 دقيق لجميع الحوادث الهامة التي حدثت في حياة سعد ~~باشا منذ أن كان في سلك القضاء. # وقد أطلعنا مرة معالي فتح الله بركات باشا على كتاب تلقاه من خاله سعد باشا، فألفينا ~~خطه من الخطوط التي يصعب على المرء فكها ما لم يكن متمرنا على قراءتها، غير أنه، ~~رحمه الله، كان يعنى دائما بتوقيع إمضائه بدقة، وكان من عادته أن يخط «سعد» في سطر ثم ~~يخط «زغلول» في سطر آخر تحته. وكان، طيب الله ثراه، يعترف لأصدقائه وأعوانه برداءة ~~خطه، وكان كلما أشار إلى الصعوبة التي يجدها مساعدوه في فك معالمه يغرق في الضحك ثم ~~يقول: «ولكن الحمد لله أن خط الجزيري # 1 # أحسن من خطي قليلا.» # ومن المأثور عن سعد باشا أنه كان برغم تبحره في اللغة العربية ووقوفه على كنهها ~~وأسرارها يهتم كثيرا بأن تجيء عباراته صحيحة الأسلوب فصيحة الكلمات؛ ولذلك كان لا يجلس ~~للكتابة إلا ومعجم «أقرب الموارد» موضوع على مكتبه بالقرب منه، وكان إذا أراد إعداد ~~مقال هام أو نداء خطير يكثر من تبديل عباراته وتحديد ألفاظه، حتى إنه كان لا يجد غضاضة ~~في تغيير معظم جمله ثلاث مرات أو أربعا. وكان إذا أملى على سكرتيره مقالا أو خطابا ~~يأخذه منه بعد فراغه من إملائه عليه ويراجع عباراته وألفاظه بترو عظيم وهو يحمل القلم ~~بيده ليرمج ما يرى وجوب ترميجه، أو ليحور ما يحكم بوجوب تحويره، أو ليضيف إليه ما ~~يدعو المعنى إلى الإفاضة في البسط والإيضاح. ومما كان يبعث سعد باشا على الإكثار من ~~مراجعة كتاباته وتحويلها وتبديلها، أنه كان يعلق على وزن الجمل واختيار مقاطع ~~العبارات أهمية كبيرة. وكان إذا خامره شك في انسجام جملة من جمله، قرأها بصوت مرتفع ~~ليتذوق نغمها في سمعه. وكان، رحمه الله، يميل إلى اطلاع أعضاء الوفد ومن يكون حاضرا ~~في مجلسه من أصدقائه المقربين على ما يكتبه قبل إعطائه للنشر ليبدوا فيه ما يعن لهم ~~إبداؤه من الملاحظات التي كان يتقبلها بصدر رحب ولو صدرت عن سكرتيره، ما ms41 دام يقتنع ~~بصوابها وصحتها، وكان برغم سعة اطلاعه (كما أشرنا إلى ذلك آنفا) لا ينفك عن الرجوع ~~إلى كتب اللغة القديمة، فيطالع أبوابها بإمعان واهتمام كأنه طالب علم في العشرين من ~~عمره، وكان يجد لذة خاصة في مطالعة الكتب القديمة التي أعادت مطبعة دار الكتب المصرية ~~طبعها بإتقان في السنوات الأخيرة؛ وهي: كتاب نهاية الأرب، وكتاب التاج، وكتاب ~~الأغاني. # وكان الرئيس الجليل يميل عادة إلى الكتابة بعد انتهائه من مطالعة الصحف المحلية، وكان ~~يبدأ بمطالعة الصحف المعارضة منها، فيراجعها من أولها إلى آخرها منعما في كل خبر من ~~أخبارها، وخصوصا الأخبار التي لها علاقة بالسياسة المصرية، ثم يتناول سائر الجرائد، ~~فيقرأ أولا الأخبار الخاصة بالوفد المصري، ثم يطلع على الأخبار الأخرى، وإذا كان لديه ~~متسع من الوقت قرأ الصفحات الأدبية والعلمية والمقالات السياسية عن أحوال البلدان ~~الأجنبية. وكان، رحمه الله، يمضي أوقات فراغه بالمطالعة في الكتب الفرنسية التي تبحث في ~~القانون والسياسة والتشريع، وهذا علاوة على ما كان يطالعه من الكتب الألمانية ~~والإنجليزية على يد المدموازيل فريدا؛ وصيفته الألمانية. ~~(2) سعد واللغة الفرنسية # كان سعد «بك» زغلول مستشارا في محكمة الاستئناف لما وقعت هذه الحكاية، وكان رئيس ~~المحكمة يومئذ قاضيا يدعى بوند بك، وكان سعد بك لا يفقه حتى ذلك الحين من اللغة ~~الفرنسية شيئا ما، لا كثيرا ولا يسيرا، فحدث مرة أن هيئة المحكمة خلت للمداولة في ~~قضية هامة كانت تنظر، وكان بوند بك في تلك المرة رئيسا لهيئة المحكمة وكان سعد بك من ~~أعضائها. # وفي سياق المناقشة والمداولة أدلى سعد بك برأي قانوني تشريعي على جانب عظيم من ~~الأهمية والخطورة، فالتفت إليه بوند بك وقال له: «إن هذا الرأي خليق بأن يبدر عن قاسم ~~أمين أو عن غيره من حملة الليسانس.» # فقاطعه سعد بك قائلا: «يعني ما ينفعش إلا حامل الليسانس؟» # فقال بوند بك: «طبعا.» # فسكت سعد. # ولم يخطر لأحد أن سعدا صمم في سكوته على تعلم الفرنسية ونيل شهادة الليسانس من عاصمة ~~فرنسا نفسها. # ولكن قرار سعد كان ms42 قد استقر في تلك الآونة على درس اللغة الفرنسية والاستعداد لإحراز ~~الليسانس من الحكومة الفرنسية ؛ لأنه رأى أن مقامه لا يسمح له بالتردد على مدرسة الحقوق ~~المصرية. # وفعلا أكب سعد من تلك الساعة على تحصيل اللغة الفرنسية وعلم الحقوق في وقت واحد، ~~وكان إذا حل فصل الصيف سافر إلى فرنسا بالإجازة وقدم الامتحان السنوي أمام لجان الحكومة ~~الفرنسية، وهكذا ظل يواصل الدرس والتحصيل والسفر إلى باريس حتى فاز في آخر الأمر بإحراز ~~شهادة الليسانس من الحكومة الفرنسية وأخرس «بوند بك». # ويروي الذين كانوا يسافرون يومئذ مع سعد «بك» إلى أوروبا أنه كان يقضي أيام السفر ~~بمراجعة مواد الامتحان، وأنه كثيرا ما كانوا يفيقون من النوم بعد نصف الليل ~~فيلفونه مكبا على كتبه وملفاته منهمكا بالاستعداد لامتحانه. ~~(3) متى ولد سعد # تاريخ شهادة الليسانس # تعددت الآراء عقب وفاة الفقيد العظيم زغلول باشا في تعيين السنة التي رأى، رحمه الله، ~~النور فيها؛ فقال بعضهم إنه ولد من سبعين سنة، وقال البعض الآخر إن سعدا مات عن سبع ~~وستين سنة، وعارض غيرهم في هذين التقديرين قائلين إنه لما وافت المنية سعدا كان ~~رضوان الله عليه قد تجاوز السبعين. # وقد كنا نزور «بيت الأمة» يوما، فعثرنا فيه على شهادة الليسانس التي نالها الفقيد ~~العظيم من باريس، وقد كتبت باسم «سعد زغلول بك» المولود في «ديانا» بمصر في أول يونيو ~~«سنة 1860». # فيكون سعد باشا إذن قد توفي عن سبع وستين سنة ميلادية؛ إذ مما لا ريب فيه أنه هو الذي ~~مد وزارة المعارف الفرنسوية باسم البلدة التي ولد فيها، فقلبوه إلى «ديانا» ظنا ~~منهم أن اسم البلدة التي نشأ فيها الفقيد العظيم منسوب إلى «ديانا» آلهة الجمال. # ويؤخذ من هذه الشهادة أن نتيجة الامتحان الذي تقدم له سعد باشا ونجح فيه أعلنت في 9 ~~يوليو 1897، وكان رحمه الله في السابعة والثلاثين من عمره يومئذ. # وفي 15 نوفمبر سنة 1897 سلمت الشهادة لسعد باشا وهي ممضاة من المسيو رمبو وزير ~~المعارف الفرنسوية في ذلك الحين. ~~(4) سعد وتقديره ms43 للأشخاص # في أثناء تربع المغفور له سعد زغلول باشا في كرسي رئاسة مجلس الوزراء، خلت وظيفة ~~النائب العمومي ببلوغ محمد إبراهيم باشا السن القانونية، وكان المغفور له محمد سعيد ~~باشا يقوم يومئذ بمهام وزارة الحقانية، فزار الفقيد العظيم وعرض عليه أسماء حضرات ~~المستشارين، ولما فرغ من مراجعتها وبحثها التفت سعيد باشا إلى سعد باشا وقال له: «عندي ~~في وزارة الحقانية موظف قدير اسمه طاهر بك نور، هو الآن مدير الإدارة القضائية، فأرجو ~~أن تدعوه إلى مقابلتك وتحادثه مليا، ثم تبت في اختيار الشخص الذي تقلده منصب ~~النائب العمومي.» فعمل سعد باشا برأيه ودعا طاهر بك نور إلى مقابلته، ولم يكن قد اجتمع ~~به قبلا، فلما مثل بين يديه قال له: «لقد خلا منصب النائب العمومي، ونحن نريد تعيين ~~موظف كفء في هذه الوظيفة، وأنت بحكم وظيفتك تعرف أسماء المستشارين الذين يصلحون لهذا ~~المنصب مع مؤهلات كل منهم لتقلده والنهوض بأعبائه.» فأخذ طاهر بك يسرد أسماء ~~المستشارين الذين يعتقد أن فيهم من الكفاية ما يستطيعون به تحمل تبعاته ويردف اسم كل ~~واحد من حضراتهم بتعداد مواهبه ومؤهلاته، ولما فرغ من بسط محتويات جعبته في الموضوع ~~الذي نحن بصدده استطرد سعد باشا في حديثه معه إلى الكلام عن بعض أعمال وزارته، وسأله أن ~~يبدي له رأيه في بعض منها بكل صراحة، فأجابه إلى طلبه دون أقل مواربة، ولما انتهى من ~~حديثه صرفه سعد باشا شاكرا، فما كاد يغادر مكتبه حتى تناول رحمه الله التلفون وقال ~~لدولة محمد سعيد باشا: «أرجو أن تعد مشروع مرسوم بتعيين طاهر بك نور نائبا عموميا.» ~~وهكذا تم تعيين طاهر باشا نور في منصب النائب العمومي. ~~(5) سعد وحجته القانونية # لما أحيل سلامة بك ميخائيل، عضو الوفد المصري، إلى مجلس تأديب لمحاكمته على ~~الاشتغال في الشئون السياسية، مع أنه من موظفي الحكومة المصرية، طلب سعد باشا (وكان ~~يومئذ ما يزال يلقب بمعالي) من الأستاذ مرقص حنا بك (والآن باشا) نقيب المحامين، أن ~~يستشهد في دفاعه عنه بالنظرية القانونية الفلانية. ms44 # وفي مساء اليوم التالي كان سعد باشا جالسا في مكتبه بسلاملك بيت الأمة مع جماعة من ~~صحبه وأعوانه حين دخل عليه مرقص باشا يقول: «إني لم أوفق يا معالي الباشا إلى العثور ~~على النظرية الفلانية التي خاطبتموني أمس في شأنها.» # فالتفت سعد باشا إلى مصطفى بك (واليوم باشا) النحاس، وكان واقفا على مقربة منه، ~~وقال له: «اذهب يا مصطفى إلى المكتبة # 2 # واجلب لي الكتاب الفلاني من الدولاب الفلاني.» فقصد مصطفى باشا إلى المكتبة ~~ثم عاد بعد لحظة يحمل كتابا ضخما، فقال له سعد باشا: «افتحه في فصل كذا»، ففتحه مصطفى ~~باشا في الفصل الذي أشار عليه به، فقال له: «والآن اقرأ بصوت عال ما جاء فيه»، فقرأ ~~مصطفى باشا، فإذا بالنظرية القانونية التي كان سعد باشا قد خاطب مرقص حنا باشا في ~~موضوعها مثبتة في ذلك الفصل من الكتاب بالحرف الواحد كما أوردها. ~~(6) سعد وقوة ذاكرته # في الأيام الأخيرة من شهر يناير سنة 1926 زار بيت الأمة الأستاذ حسين والي، من كبار ~~المحامين في الإسكندرية، ومعه فريق من زملائه فيها، وكان سعد باشا ساعة قدومهم في خارج ~~بيت الأمة في رياضته العادية، وعند عودته استقبله هؤلاء المحامون في الدرج المؤدي ~~إلى مكتبه، وتقدم الأستاذ حسين والي فصافح دولته وقدم إليه إخوانه المحامين، فصافحهم ~~دولة الرئيس ثم دقق النظر في الأستاذ والي وسأله عن اسمه ثانيا فأجابه، ففكر الرئيس ~~لحظة ثم أشار إليه بيده وهو يقول: «أتذكر أنك ترافعت أمامي ... في أي سنة؟ في سنة 1904 ... ~~أعجبتني مرافعتك كثيرا ... ولا أتذكر هل هنأتك أو لا ...» # ثم شرع دولة الرئيس الجليل بسرد القضية وظروفها ووجهة إعجابه بالأستاذ حسين والي ~~المحامي كأنه يقص شيئا من حوادث الأمس ...! # كل ذلك ودولته واقف على رأس السلم حيث استقبلوه ... # آخر صورة للفقيد العظيم. ~~(7) سعد وحدة فطنته # كان النائب المحترم بشري بك حنا جالسا يوما في حضرة الفقيد العظيم حين دخل عليه ~~معالي (واليوم دولة) محمد محمود باشا، فشغل رحمه الله بالحديث معه فتبادر إلى ذهن ms45 ~~بشري بك أن دولته أعرض عنه استخفافا به أمام محمد محمود باشا، فانصرف من بيت الأمة في ~~ذلك اليوم وقد عول على ألا تطأ قدماه عتبته مرة أخرى. وفعلا مر الأسبوع تلو ~~الأسبوع بدون أن يعود إلى زيارة الرئيس كجاري عادته، فلم يخف الأمر على معالي فتح ~~الله بركات باشا، فسأله عن الباعث له على إحجامه عن زيارة دولته، فقص عليه ما كان من ~~معاملة الرئيس له، وأنه قرر عدم زيارة بيت الأمة في المستقبل مع احتفاظه بمبدئه السعدي، ~~فتوجه معاليه في الحال إلى بيت الأمة وأبلغ الفقيد العظيم أن بشري بك عاتب عليه للسبب ~~الذي بسطناه آنفا، فأطرق رحمه الله لحظة ثم قال: «ادعه إلى الغداء عندي وادع معه محمد ~~محمود باشا.» فخاطب فتح الله باشا بشري بك بالتلفون وقال له: «إن الباشا يدعوك إلى ~~الغداء عنده.» فقال بشري بك: «إني مرتبط اليوم بموعد آخر.» فقال له فتح الله باشا: «إن ~~غداء الباشا موعده غدا لا اليوم.» فقبل بشري بك الدعوة، وفي ظهر اليوم التالي قصد إلى ~~بيت الأمة فألفى دولة محمد محمود باشا في حضرة الرئيس، فلما رآه رحمه الله داخلا عليه ~~نهض له هاشا باشا، وأقبل عليه طول مدة الغداء يتبادل وإياه النوادر والحكايات ~~المستملحة، وقبل أن ينهضوا عن المائدة التفت (طيب الله ثراه) إلى محمد محمود ~~باشا، وأعرب له بعبارات رقيقة عما لبشري بك من المنزلة الرفيعة في قلبه. ~~(8) سعد ولباقته # في خلال سنة 1921 كتب بعض خصوم الوفد في بعض صحفنا اليومية يقولون إن المظاهرات التي ~~تقام لسعد زغلول باشا ليست سوى مظاهر مفتعلة، وأن جميع أصوات الهتاف التي تكاد تبلغ ~~الجوزاء لا تحركها إلا «الريالات». # وفي يوم من الأيام قصد أحد صحفيينا المعروفين إلى بيت الأمة ومعه نجله ليقدمه لدولة ~~الرئيس، فلما دخلا عليه قال لدولته: «لقد جئت لأقدم لكم نجلي الذي كان يهتف أمس باسمكم ~~في حفلة شاي أقامها لجمهور من زملائه.» # فالتفت سعد باشا إلى الشاب وقال له: «وكم دفع لك سعد ms46 باشا كي تهتف باسمه؟» فقال الشاب ~~على الفور: «ولا مليم يا افندم.» # فقال رحمه الله عندئذ للصحفي المشار إليه آنفا: «إذا كان ابنك يسلك هذا المسلك ~~ويقول هذا الكلام، فكيف ترضى أن تنشر في جريدتك كتابات يقول فيها خصومي عني أنني أدفع ~~للهاتفين أجور الهتاف باسمي؟» ومن ذلك اليوم لم يعد الصحفي المذكور يرضى بنشر كلمة ~~واحدة على صفحات الجريدة في هذا الموضوع. ~~(9) سعد وشدة صراحته # ما كاد الوفد المصري يذيع في الانتخابات الأخيرة قائمة المرشحين الذين يؤيدهم ويعضدهم ~~وما كاد ... بك ... يرى أن تلك القائمة جاءت خلوا من اسمه حتى زار بيت الأمة وتشرف بمقابلة ~~سعد باشا، فكان أول ما قاله لدولته عند دخوله عليه في غرفته الخاصة: «لماذا لم ترشحوني ~~في هذه الانتخابات؟» فنظر إليه سعد باشا شذرا وقال له: «لأنني لم أفكر فيك ولم أشأ أن ~~أفكر فيك.» فانصرف ... بك من حضرة الرئيس وتقدم إلى الانتخابات من تلقاء نفسه على مبادئ ~~الوفد المصري، فأصدر الوفد بلاغا قال فيه إنه لم تعد له أقل صلة به، وإن الوفد لا ~~يؤيد ترشيحه على الإطلاق. ~~(10) سعد وقوة وطنيته # بينما كان النحاس باشا والأستاذ مكرم وسينوت بك حنا جالسين ذات ليلة على شرفة الدار ~~التي كان سعد باشا يقطنها في سيشل يتحدثون عن التعب الذي ألم بدولته من يومين، أقبل ~~عليهم (رحمه الله) وهو يلوح بيديه بدون أن يقوى على الكلام، فنهضوا إليه مسرعين ~~قائلين: «ما لك يا باشا؟ ... ما لك؟» فأشار إلى لسانه كمن يريد أن يفهمهم أنه معقود، ثم ~~أشار إليهم بأن يجلسوه على كرسي طويل (شيزلونج) فأجلسوه عليه، فأخذ يتنفس بشدة وبعدما ~~استراح قليلا ساعدوه على العودة إلى غرفته وجلسوا ملتفين حول فراشه، فلم يلبث أن نام ~~نوما هادئا، فظلوا مقيمين في حجرته ليكونوا رهن إشارته وعلى استعداد لتلبية أوامره. ~~وفي نحو الساعة الخامسة صباحا، فتح (رحمه الله) عينيه فأبصرهم جالسين على مقربة منه، ~~فقال لهم: «ما تخافوش ... ما تخافوش.» وسكت قليلا ولما استرد قواه استأنف كلامه ~~قائلا: ms47 «إن الحياة لا تستحق أن يحزن عليها المرء كثيرا ... ثم ما الفرق بين الموت هنا ~~والموت هناك ... لقد كنت أتمنى أن تدركني الوفاة في المنفى فتذكي نار الحماسة ~~والوطنية في نفوس المصريين؛ إذ أكون بموتي هنا قد ضربت لهم مثلا في كيفية بذل المهج ~~والأرواح في سبيل الوطنية والنهضة القومية.» ~~(11) سعد ونكاته # مزار الأكراد # لما كان الفقيد العظيم مقيما في بساتين بركات قبيل انتقاله إلى جوار ربه زاره ~~يوما عبد العزيز رضوان بك، عضو مجلس الشيوخ، ومعه نجله الوحيد وهو في نحو العاشرة ~~من عمره، فلما أقبل الفتى على دولته لثم يده، فقبله رحمه الله في جبينه وسأله عن ~~اسمه، فأجاب: «محمد عبد العزيز رضوان الكردي»، فابتسم سعد وقال: «ومن أين أتى اسم ~~الكردي هذا؟» فقال عبد العزيز رضوان بك: «بقيت يا دولة الباشا مدة طويلة بدون ولد، ~~وفي سنة من السنوات قصدت إلى دمشق الشام، وفي ذات يوم زرت مزارا للأمراء الأكراد، ~~وفيما أنا أجول فيه خطر لي أن أسأل المولى الكريم أن يمن علي بولد وعاهدته ~~تعالى إذا أجابني إلى سؤالي أن أسمي ابني الكردي نسبة إلى السادة الأكراد، ثم لم ~~ألبث أن رجعت إلى مصر، وبعد مدة غير طويلة رزقت ولدي هذا، فأسميته الكردي، ومن ذلك ~~الحين لم أرزق غيره.» # فضحك سعد باشا وقال: «ولماذا لم تكرر الزيارة لمزار الأكراد؟» # لحية الدكتور # كان المغفور له سعد باشا في مقدمة المدعوين الذين دعاهم سعادة أمير الشعراء أحمد ~~شوقي بك إلى حفلة الشاي التي أقامها في داره بالجيزة إكراما لشاعر الهند وفيلسوفها ~~الكبير الدكتور تاغور. # ولاحظ الحاضرون في تلك الحفلة أن لحية الدكتور محجوب ثابت كانت يومئذ أقصر من ~~المعتاد، والظاهر أنها كانت مقصوصة «طازة» بمناسبة تلك الحفلة. # ولما دخل الدكتور محجوب على دولة سعد باشا ليصافحه لأول مرة بعد تلك «الغيبة» ~~الطويلة، التفت أحدهم إلى الدكتور محجوب وقال له: «لقد قصرت لحيتك يا ~~دكتور؟» # فقال سعد باشا ضاحكا: «لقد استعاض بها المذكور.» # وكان رحمه الله يعني «بالمذكور» الدكتور ms48 تاغور ولحية تاغور فيها «البركة» كما يرى ~~من صورته. # أمنيته # زار بيت الأمة في أثناء الانتخابات النيابية الأولى وفد من الأقاليم ليعلن ثقته ~~بدولة الرئيس الجليل، وخطب أحد أعضاء الوفد بين يدي دولته، فكان بين عباراته ~~العبارة الآتية: «لو نفيت الآن يا معالي الرئيس إلى أقصى المعمورة لسعت إليك قلوبنا ~~لتعلن ثقتها بك.» # فضحك رحمه الله وقال: «بس وعلى إيه؟» # ميزان الصحة # يذكر القراء أن دولة الرئيس الجليل كان معتكفا حينما استقالت الوزارة العدلية ~~الماضية، فلما ألفت الوزارة الثروتية وتقرر أن تتقدم إلى مجلس النواب أصر ~~(طيب الله ثراه) على أن يرأس جلسة المجلس في ذلك اليوم بنفسه. # وعلى أثر ارفضاض جلسة المجلس عاد الرئيس إلى بيت الأمة، والتقى عند بابه الخارجي ~~بمندوب إحدى جرائدنا اليومية، فقال له هذا بعد التحية: «ربنا يديك العافية يا دولة ~~الباشا ... يظهر أن اللورد لويد كان مصيبا عندما قال إن الأزمات تنعش سعد باشا وترد ~~إليه صحته ونشاطه.» # فابتسم سعد باشا وقال: «ربنا يمد في حياته.» # التماس حافظ # ربما كانت النادرة التالية خير ما قيل للدلالة على قوة حجة سعد باشا وبلاغة ~~عبارته، فإن شاعر النيل حافظ بك إبراهيم كان مرة بين ضيوف الرئيس الجليل في مسجد ~~وصيف، وقد عرف عنه أنه مولع جدا بالكمثرى ولا يميل كثيرا إلى التفاح. # وفي ذات يوم كانت مائدة سعد غاصة بالزائرين، والظاهر أن جلهم كان مولعا بالكمثرى ~~مثل حافظ بك، فلما انتهوا من الطعام وجيء إليهم بالفاكهة أقبلوا كلهم على أطباق ~~الكمثرى يلتهمونها التهاما نابذين أطباق التفاح، فأسقط في يد حافظ بك، وأخيرا ~~لما بلغ منه اليأس أشده التفت إلى الفقيد العظيم وقال: «ما تخطب لهم يا باشا في ~~مزايا التفاح.» # تمثال نهضة مصر # حدث لما زار الفقيد العظيم تمثال نهضة مصر أنه بينما كان دولته يتفرج على ~~القاعدة، دنا منه أحد المصورين ورجاه أن يسمح له ولزملائه بتصويره واقفا لوحده ~~أمام التمثال حتى يقال: «زعيم نهضة مصر واقفا بجانب تمثال نهضة مصر»، فأجابه دولته ~~إلى رجائه ms49 وسار إلى حيث التمثال ووقف أمامه كمن يتفرج عليه، فقال له المصور: ~~«نحن نرجو دولتكم أن تعطوا لنا وجهكم حتى يظهر مع التمثال.» فقال سعد باشا: «ولكني ~~لا أظن أنه يليق أن أعطي ظهري لنهضة مصر.» وبعدما استشار سعد باشا الواقفين بجانبه ~~رضي أن يذعن لهذا الحكم الفني. # وكان المغفور له حسين رشدي باشا يصحب سعد باشا في هذه الزيارة، وبينما هما يسيران ~~جنبا إلى جنب، وصلا أمام باب ضيق لا يسع مرور أكثر من شخص واحد، فقال الرئيس ~~الجليل لرشدي باشا: «تفضل يا باشا.» فتنحى رشدي باشا وقال: «لا ما يصحش، تفضل أنت ~~يا باشا.» فدفعه سعد باشا أمامه وقال له وهو يبتسم: «أنت أكبر مني سنا، فادخل ~~أولا.» فلم ير رشدي باشا عندئذ مندوحة عن المرور قبل الرئيس. ~~(12) سعد بين الشجاعة والشفقة # حدثنا معالي فتح الله بركات باشا فقال: ~~«في 23 ديسمبر سنة 1921 اعتقلت السلطة العسكرية صاحب الدولة سعد زغلول باشا، رئيس ~~الوفد المصري، في داره ببيت الأمة، وأرسلته إلى السويس بسيارة اجتازت المسافة بين ~~المدينتين في نحو ثماني ساعات، لم يشعر دولته في أثنائها بتعب ما رغم شيخوخته وانحراف ~~صحته، كأن العناية الربانية نفخت فيه روحا جديدة ساعدته على تحمل ما تكبده في تلك ~~الرحلة الطويلة من تعب ومشقة، مما كان لا يقوى على تحمله ساعة واحدة في الأحوال ~~العادية، وخصوصا أن الفصل كان فصل شتاء ومطر. # ولم يمض علينا في عدن زمن طويل حتى أصيب رفيقنا الأستاذ مكرم عبيد بمرض شديد اقتضى ~~نقله إلى المستشفى، فأصر المرحوم عاطف بركات باشا ومصطفى النحاس باشا على أن يكونا ~~بصحبته وتطوعا للذهاب معه للسهر عليه وخدمته، وأخيرا اتفقنا معهما على أن يتناوبا ~~العمل في العناية به؛ فيقضي عاطف باشا معه أربعا وعشرين ساعة، ثم يعود إلينا، ويحل ~~مصطفى باشا محله أربعا وعشرين ساعة أخرى. # وكنت مصابا في تلك الأثناء برمد في إحدى عيني، فكان سعد باشا يعودني ليستفسر عن ~~صحتي، فلا تكاد عينه تقع على عيني حتى يرثي ms50 لحالي وحال الأستاذ مكرم، فيجهش بالبكاء ~~وتنهمر الدموع من عينيه الصافيتين على خديه وتتصاعد الزفرة من قلبه تلو الزفرة، فأتأثر ~~لتأثره أكثر من تأثري لحالي وحال زميلي ... وكنت أعجب لمسلك سعد باشا وأقول في نفسي هل ~~يجوز له أن يبكي، يا ترى، لمرض رفيق؟ وهو الذي ينبغي عليه أن يكون قدوة لشعب بأسره في ~~التضحية والبذل والمثابرة والشجاعة والإقدام ... # في تلك الساعة تذكرت أنه كثيرا ما عرفت أناسا اتصفوا بالشجاعة مع أنهم لم يعملوا ~~عملا تجلت فيه الشجاعة، وأنه كثيرا ما التقيت بأناس اشتهروا بالفصاحة والبلاغة مع أن ~~كتاباتهم لم تكن من بنات أفكارهم ولا من ثمرات أقلامهم، وأنه كثيرا ما صادفت أناسا ~~عرفوا بالتقوى والفضل مع أنهم ليسوا من التقوى والفضل بشيء؛ تذكرت ذلك كله ثم تساءلت ~~قائلا هل سعد باشا من أولئك الناس، يا ترى؟ وهل ما عهدناه فيه وما كنا نظنه فيه يرجع ~~إلى التفاف الأمة حوله وانضوائها تحت لوائه لا إلى أخلاقه وصفاته الشخصية؟ ... # جزعت لهذه الفكرة واضطربت أعصابي، ولم يعد يهدأ لي بال، غير أن ما انتابني من جزع ~~وفزع لم يدم طويلا؛ فإنه بينما كنا جالسين ذات يوم نتناول طعام الإفطار، دخل علينا ~~وكيل حاكم عدن، وهو إنجليزي، وحيانا وجلس معنا، فدعوناه إلى الأكل فاعتذر شاكرا، ثم ~~التفت إلى سعد باشا وقال له إنه تلقى أمرا بوجوب ترحيله إلى جزائر سيشل، وأنه يجب على ~~دولته أن يكون في البارجة الحربية التي أعدت خصيصا لنقله إلى تلك الجزائر في خلال ساعة ~~ونصف ساعة؛ فصعقنا لهذا النبأ، وكيف لا نصعق له ونحن نرى أناسا يفصلون عنا أبانا ~~وزعيمنا وأبا الأمة وزعيمها، فطلبنا إلى وكيل الحاكم أن يسمح لنا بالسفر مع سعد باشا، ~~فأجابنا أن الأمر الذي بيده صريح وهو لا يذكر غير سعد باشا، فبكينا بكاء الأطفال وأخذنا ~~نندب سوء مآلنا لافتراقنا عن الوالد الزعيم، ثم قلنا لوكيل الحاكم: «إذا كنتم لا تريدون ~~أن تسمحوا لنا بصحبة سعد باشا، فلا أقل من أن تسمحوا لأحدنا بصحبته؛ ms51 رأفة بصحته وشفقة ~~على شيخوخته»، فقال: «إني سأبلغ أمنيتكم هذه إلى المراجع العليا، ولكن لا بد الآن لسعد ~~باشا من أن يتوجه وحده إلى البارجة التي اختيرت لنقله إلى سيشل.» وكان كل من الزملاء ~~يتسابق عندئذ إلى أن يكون في ركاب سعد باشا، مع أن السائد على أفكارنا كان أنه ذاهب ~~إلى الأبد، وأن من يبقى في عدن قد يعود إلى الوطن، غير أن التسابق والتزاحم إلى مرافقة ~~سعد كانا عظيمين رغما من هذا الاعتقاد، وكان كل منا يشعر بأن السعيد هو من يفوز بهذه ~~الأمنية الثمينة. ولما ألفينا وكيل الحاكم مصمما على رأيه شرعنا في كتابة كتاب شديد ~~اللهجة وجهناه إلى السلطة البريطانية محتجين فيه بقوة على المعاملة التي عومل بها ~~رئيسنا وزعيمنا، وطلبنا في ختامه أن يلحقونا به ويرسلونا في أثره أو أن يبقوه ~~معنا. # ولما فرغنا من كتابة الاحتجاج، اتصل خبره بسعد باشا، فاستحلفنا بكل عزيز علينا ألا ~~نرسله قائلا: «إنني أعلم أني لن أرجع إلى مصر وأن قبري لن يكون في مصر، وقد كاشفتكم ~~برأيي في هذا الصدد من زمان طويل، فإنه لا يعقل أن أعود إلى مصر إلا في حال من حالتين ~~لا ثالث لهما؛ فإما أن ترجع انجلترا عن خطتها وتعترف لمصر باستقلالها، وعندئذ يعود ~~زعيم الاستقلال إلى بلاده ويقضي البقية الباقية من حياته بين قومه، أو يعدل زعيم ~~الاستقلال عن خطته ويقلع عن سياسته، فيرجع إلى بلاده خاضعا للسلطة المحتلة؛ وحيث إني ~~لا أنوي أن أسلك هذا المسلك، وحيث أنه لا يبدو لنا أن إنكلترا تنوي الاعتراف ~~باستقلالنا، فإني سأقضي بقية حياتي خارج بلادي، فلماذا تصرون على إرسال هذا الاحتجاج ~~الذي لا يغنينا فتيلا، وخصوصا أنه قد يزيد في بغضهم لكم فيعوقون رجوعكم إلى قومكم ~~لخدمة بلادكم؟! فدعوني أذهب إلى سيشل وارجعوا أنتم إلى مصر، وأبلغوا أبناءها الأعزاء أن ~~زغلولا يحييهم ويوصيهم بالاتحاد وتوحيد الجهود إلى ما فيه خير الوطن ... قولوا لهم ... ~~أبلغوهم ...» # وهكذا استمر سعد باشا يسدي إلينا النصح والإرشاد ببلاغته المعهودة ms52 وحكمته المعروفة ~~وثبات تام، إلى أن أزف موعد الرحيل، فرافقناه إلى الميناء ونحن نبكي ونولول كالأطفال، ~~أما هو فكان رابط الجأش، ساكن الجنان، ثابت الخطى، جهوري الصوت، لم يذرف دمعة واحدة حتى ~~آخر لحظة ... # وعندئذ عجبت كيف أن هذا الرجل الذي كان يبكي لأقل ألم يصاب به أحد صحبه يقوى في مثل ~~هذا الموقف على التغلب على عواطفه وشعوره ويكفكف دموعنا ويهدئ من روعنا. # وعندئذ عرفت أن الرحمة والشفقة في قلب الزعيم شيء، وأن روح البذل والتضحية في سبيل ~~الوطن شيء آخر، وأنه رجل لا يهاب المكاره مهما عظمت، ولا يحفل بالأخطار مهما كبرت، ما ~~دام يعتقد أنه سائر في طريق الحق، يعمل لأجل الحق، وفي سبيل الحق. # ولما وطئت قدما سعد باشا الزورق الذي أقله إلى البارجة الحربية، التفت إلينا وأنشد ~~ما أنشده الشاعر العربي: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن ألا ~~تلاقيا # وبعد تسعة أيام سمحت لنا السلطة باللحاق بسعد باشا، فرقصنا للنبأ من شدة سرورنا ~~وفرحنا، ولم ننم تلك الليلة البتة من عظم ابتهاجنا واغتباطنا، وكان كل منا يعتقد ~~أن تلك الليلة أسعد ليالي حياته؛ لأنه سيجتمع عما قريب بالزعيم، وكنا نشعر أن العودة ~~إلى مصر من دونه مصيبة عظيمة، كنا ندعو الله أن يقينا منها، وألا يعيدنا إلى مصر إلا ~~بركاب سعد باشا؛ إذ كنا نحس أن في اللحاق به والعيش بالقرب منه السعادة، وأن في الرجوع ~~إلى الوطن من غيره والعيش بعيدا عنه الشقاء، فأنقذنا الله من الشقاء بفضله ومنه ~~تعالى.» ~~••• # وقد كنا جالسين مرة مع أحد الوزراء السابقين، فدار الحديث على حنو قلب سعد باشا ~~ورقة عواطفه، على الرغم مما كان يتجلى للناس من قوة شكيمته وشدة بأسه، فقص عليه ~~معاليه أن الفقيد العظيم روى له مرة أنه لما تولى تأليف الوزارة الشعبية الأولى في سنة ~~1924، ذهب يوما لزيارة اللورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر إذ ذاك، ~~فاستقبله فخامته في مكتبه بداره مرحبا بزيارته مبالغا في الاحتفاء به، قال سعد: ~~«وكان ms53 باب المكتب ونافذته مفتوحين عند دخولي إليه، فتولد عن فتحهما تيار هوائي شديد ~~لم يكن لي قبل بتحمله، فلم يخف ذلك على اللورد، وما لبث أن نهض فجأة وسار نحو ~~النافذة أولا ثم نحو الباب وأغلقهما بنفسه، ولم يكتف بما صنعه، بل عاد إلي مسرعا ~~ورجا مني أن أنهض قليلا، ففعلت وأنا لا أدري مرامه، فلم يكن منه إلا أن حمل بيديه ~~الكرسي الذي كنت جالسا عليه ونقله إلى مكان منعزل في جانب من جوانب القاعة لا ينفذ ~~إليه الهواء، فكان لمسلكه أعظم وقع في نفسي، حتى إنني كدت لا أصدق ما تراه عيناي؛ إذ هل ~~كان يخطر لأحد أن ذلك الذي نفاني إلى سيشل، غير مبال بمرضي، يهتم الآن بصحتي كل هذا ~~الاهتمام، ويتولى بنفسه نقل كرسي من مكان إلى آخر لئلا أصاب بلفحة برد قد تؤثر في ~~حالتي؟ ... إنه سلك مسلكه الأول عملا بواجبه كمندوب سام، وسلك المسلك الثاني كرجل ~~مدفوعا بدافع شعوره الإنساني، وأكبرت روح الرجل وشهامته ولعنت المصالح والظروف ~~والأهواء السياسية التي تقضي على الرجال أحيانا بأن يظهروا بعكس ما تنطوي عليه حقيقة ~~نفوسهم البشرية.» وهنا لاحظ الحاضرون أن دمعتين كبيرتين تتساقطان من عيني سعد ~~الصافيتين. # وكنا موجودين في أحد أيام شهر أبريل سنة 1927 في مكتب الفقيد العظيم ببيت الأمة، وكان ~~بين الحاضرين المغفور له رشدي باشا ومعالي أحمد خشبة باشا، وكان رشدي يزور بيت الأمة في ~~ذلك اليوم لأول مرة بعد شفائه من مرض ألزمه الفراش بضعة أسابيع، فأخبرنا أنه لما قابل ~~سعد باشا في حجرته بالطابق العلوي قبل اجتماعه بنا بنصف ساعة، قال رحمه الله: «لقد ~~أخبروني يا رشدي باشا أنك نهضت من فراشك وأنت مريض وخاطبت بيت الأمة بالتلفون سائلا عن ~~صحتي، فأنا أشكرك على حسن عنايتك ورقيق شعورك.» فرد عليه رشدي باشا بقوله: «ثق يا سعد ~~باشا أنه لو كنت أنت في الإسكندرية وكنت أنا في القاهرة، وبلغني أنك مريض، ولم يكن ~~بين المدينتين مواصلات حديدية ولا غيرها؛ لكنت أذهب إلى ms54 الإسكندرية مشيا لأستفسر عن ~~صحتك وأطمئن على حالك؛ لأن الصداقة التي بيننا صداقة أبدية مهما اعتراها في بعض الأحيان ~~من فتور.» # سعد في وسط الجماهير . # قال لنا رشدي باشا: «وهنا نظرت إلى سعد باشا فرأيت عينيه تترقرقان بالدموع، فدنوت منه ~~لأمازحه وقلت له باسما: «ولكن لا تنس أنك تلميذي».» وكان دولته يشير بذلك إلى الدروس ~~القانونية التي أخذها سعد باشا عنه لما بدأ يتعلم الحقوق باللغة الفرنسية، فافتر الفقيد ~~العظيم باسما وسرى عنه. ~~••• # ولما انتقل المغفور له عبد الخالق ثروت باشا إلى جوار ربه في الصيف الماضي، اهتممنا ~~بمعرفة ما دار بينه وبين سعد باشا لما زاره لأول مرة في بيت الأمة في بدء عهد الائتلاف ~~بعد الخلاف الكبير الذي قام بينهما، فلم يكن لنا مرجع نستقي منه هذه المعلومات خيرا من ~~معالي فتح الله بركات باشا، الذي كان في مقدمة من سعى للائتلاف وعمل له، فسألناه عما ~~كان من أمر سعد باشا لما دخل عليه ثروت باشا في تلك المقابلة الأولى فأجابنا: «لم ينبس ~~ببنت شفة؛ لأن عبراته كانت أسبق من لسانه، فخنقت عباراته، فنهض وعانق ثروت باشا ~~طويلا.» # وقد حدث مرتين أن تغلبت الدموع على المغفور له سعد باشا أمام جموع حافلة من الناس؛ ~~أما المرة الأولى فكانت يوم الاحتفال بتأبين شقيقه المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا؛ فإنه ~~لما نهض ليشكر المعزين والشعراء والخطباء على مؤاساتهم، حبست الدموع كلمات الشكر ~~التي كان يريد ارتجالها في ذلك المقام، فاكتفى بأن قال: «سادتي، عسى أن يكون في دموعي ~~هذه أعظم شكر لحضراتكم»، وصمت فكان بليغا في صمته كما كان بليغا في استرساله؛ أما ~~المرة الثانية فكانت في أثناء الحركة الوطنية حين مرت جنازة إحدى ضحايا الحرية أمام بيت ~~الأمة، فخف (رحمه الله) إلى السير في طليعة المشيعين وقد بللت دموعه وجهه ~~الوضاح. # | سعد في آخر أيامه # في الفصل التالي وصف شامل لما جرى في مسجد وصيف عند اشتداد وطأة المرض على ~~الفقيد العظيم قبيل وفاته وعند نقله من مصيفه إلى ms55 العاصمة، وقد استقى المؤلف هذه ~~المعلومات من النائب المحترم الأستاذ محمد صبري أبو علم، الذي كان له عند سعد مكانة ~~معروفة، ويلي ذلك وصف للمؤلف لما جرى في بيت الأمة ساعة إعلان وفاة الزعيم ~~الأكبر، وقد كان الصحفي الوحيد الموجود في دار سعد في تلك اللحظة. ~~*** ~~(1) آخر يوم للرئيس بمسجد وصيف # في منتصف الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الخميس 18 أغسطس سنة 1927، كان ضيوف الرئيس ~~جالسين إلى المائدة بغرفة الطعام بمسجد وصيف؛ وهم: حضرات بهي الدين بك بركات، وفخري بك ~~عبد النور، وفؤاد بك كمال، والأستاذ محمد صبري أبو علم. وكان قد حضر من القاهرة من نصف ~~ساعة الدكتور عبد العزيز بك إسماعيل والدكتور سليم صابونجي بك، واشترك معهما الدكتور ~~أحمد شفيق والدكتور حامد محمود في فحص حالة دولة الرئيس. وكان الضيوف من الصباح ~~متفائلين خيرا؛ فالحرارة في هبوط والرئيس منشرح عن الأيام السابقة، حتى إن الأستاذ ~~عباس محمود العقاد استأذن في العودة إلى القاهرة. ~~(2) تقرير وجوب العودة إلى العاصمة # وصعد إلى الطابق العلوي بهي الدين بك وفؤاد بك كمال، وكان الضيوف ما يزالون جلوسا ~~حول المائدة، ثم نزل بهي الدين بك وأبلغهم في شيء من الاضطراب أن الأطباء بالرغم من ~~ملاحظتهم اطراد التحسن في صحة الرئيس وعدم وجود ما يدعو للقلق، فإنهم يرون ضرورة عودت ~~دولته إلى القاهرة، فاضطربوا لهذه المفاجأة، وحاولوا أن يعارضوا في تنفيذ هذا القرار، ~~وتمثلوا مقدار ما يستولي على نفوس الشعب من فزع حين يعلم هذه العودة الفجائية، وأخيرا ~~علموا أن عبد العزيز بك وصابونجي بك قد عادا إلى القاهرة بعد أن أعلنا أنهما مصممان على ~~رأيهما، فضعفت معارضتهم وأضعفها أكثر ما علموا من أن دولة الرئيس أذعن لإرادة أطبائه، ~~فقرر العودة فورا بالرغم مما كان يشعر به من تحسن الحالة وعدم وضوح ما يجعل السفر ~~ضروريا. # ولما رأوا أنفسهم إزاء الأمر الواقع، أخذوا يتداولون في ترتيب السفر وكيفية إبلاغه ~~إلى الأمة، وكانت الباخرة «محاسن» قد وصلت من يومين ورست أمام مسجد وصيف لتكون ms56 تحت طلب ~~دولة الرئيس، فأرسلوا في طلب مهندسها ورئيسها وعلموا منهما أن العودة للقاهرة تستغرق ~~نحو إحدى عشرة ساعة، وعلموا أن المركب لو تحركت الساعة الخامسة (كما كان دولة الرئيس ~~يريد) فستضطر إلى المبيت بالمنيل، فرأوا أن الأوفق أن يبكر في صباح الجمعة، وعلم ~~دولة الرئيس بذلك فوافق عليه. # ثم أبلغوا الخبر إلى معالي وزير الأشغال ليصدر الأوامر بفتح الكباري، ورجوا منه أن ~~يتكتم الخبر حتى لا يتسرب إلى الجمهور؛ مبالغة في المحافظة على راحة دولة الرئيس أثناء ~~السفر. ~~(3) الرئيس ومضايقته من مرضه # وذهب كل منهم إلى إعداد حقائب السفر، وبينما كان الأستاذ صبري أبو علم مشتغلا ~~بذلك، إذ علم أن الرئيس أرسل يدعوه إليه، فنزل من دار الضيافة، فإذا بالمدموازيل فريدا ~~توصيه بألا يدع لدولته فرصة للإكثار من الكلام، وأن يتولى ذلك عنه حتى لا تعود الحرارة ~~فترتفع، فصعد لدولته ولم يكن قد حظي برؤيته في اليوم السابق، فوجده جالسا في سريره ~~والرباط يحيط برأسه، فأخذ يسأله عن إخوانه، فحدثه عنهم طويلا، ثم أخذ دولته يتكلم عن ~~ذلك المرض الذي جاء على غير انتظار، فنغص عليه راحته وضايقه وقال: «إني لأعجب لهذه «الإكزيما» # 1 # وسرعة تنقلها كل يوم من جهة لأخرى، لقد جاءت في وقت بدأت أشعر فيه بطعم ~~الحياة من جديد، فصحتي كانت قد بدأت تتحسن، وكنت فرحا يمن يحيطون بي بين قادم وزائم ~~ومقيم ومسافر على أن يعود بعد قليل، ودار الضيافة عامرة بهم، ونفسي مرتاحة إلى ~~أحاديثهم، ولكن جاء هذا المرض فضايقني ... وماذا تقول البلد عندما تراني في هذه السن أعود ~~للقاهرة فجأة؟!» فحاول الأستاذ أبو علم أن يسلي دولته ويسري عنه داعيا الله أن يعود ~~ثانية إلى مسجد وصيف في هذا الصيف، وأخبر دولته أنهم قد أعدوا بلاغا ضمنوه ما لاحظه ~~الأطباء من التحسن في صحته مما دعاه إلى تقرير العودة للقاهرة. وبينما الأستاذ أبو علم ~~بحضرته، إذ طلب مرآة من «فريدا»؛ لأنه أحس بالمرض قد وصل إلى أنفه ... ثم خرج الأستاذ أبو ~~علم ... فاستدعاه ms57 ثانية وطلب إليه البقاء فبقي ... ثم استأذن من دولته وهو في أشد حالات ~~التأثر والانفعال. ~~(4) نشاط سعد حتى يومه الأخير # وبعد بضع دقائق دعا دولة الرئيس جميع ضيوفه إلى حجرته، فلبوا الدعوة وأخذوا يتحدثون ~~مع دولته حديثا كله فكاهة وترويح عن النفس ... ولبثوا معه نحو ربع ساعة ثم خرجوا ~~مستأذنين. وسافر محمد بك بركات إلى بلبيس على أن يعود إليهم في الصباح. # ثم شرعوا في الإشراف على تمهيد الطريق بين العزبة والشاطئ ... وبعد العشاء خرج الأستاذ ~~أبو علم مع النقراشي بك وبهي الدين بك يرتادون الطريق الذي ستجتازه عربة الرئيس في ~~الصباح، ثم عادوا إلى دار الضيافة وقد أعدوا البلاغ الذي سيرسل إلى الصحف التي تصدر ~~بعد ظهر الجمعة عن حالة دولته، وضمنوه إشارة إلى أن الرئيس قد قرر العودة، حتى إذا نشر ~~الخبر يوم الجمعة وعلم الجمهور بعد ذلك أن دولته قد عاد مساء الجمعة، لا يفاجأ بهذه ~~العودة. # تمثال سعد باشا. # ثم ذهبوا إلى مخادعهم، وفي منتصف الساعة الرابعة صباحا كان محمد بركات قد عاد من ~~بلبيس، فأيقظهم فنهضوا وأرسلوا حقائبهم إلى الباخرة، ومكثوا ينتظرون نزول دولة الرئيس، ~~وكان من المقرر أن ينزل دولته في منتصف الساعة الخامسة، وأخلوا الطريق إلى الباخرة من ~~العابرين، ولما حانت ساعة القيام من مسجد وصيف، شعروا بحركة، فعلموا أن دولة الرئيس ~~نازل، فجروا لاستقباله، وركب دولته عربة عمدة مسجد وصيف وإلى يساره الدكتور شفيق، ~~وسارت العربة حتى الشاطئ وتقدمها صحب سعد في سكون مهيب، صامتين لا يتكلمون إلا ~~همسا، واستحوذ عليهم شعور مبهم: خليط من القلق والاضطراب والحزن والوجوم، ولما وصل ~~الرئيس إلى الشاطئ حاول من حوله أن يحملوه على «كرسي» أعد لذلك فأبى وقال: «دعوني»، ~~وسار معتمدا على عصاه حتى وصل إلى الغرفة التي أعدت لدولته بالباخرة، وعلى أثر مجيء ~~دولته جاءت حضرة صاحبة العصمة حرمه المصون ومن معها. ~~(5) الوداع الأخير لمسجد وصيف # وقبل أن تتحرك الباخرة نادوا مأمون أفندي الريدي، سكرتير دولة الرئيس، وزودوه ببعض ~~التعليمات؛ لأنه كان من المقرر ms58 أن يبقى بمسجد وصيف إلى الظهر؛ حتى لا يفهم الناس من ~~غيابه أن الرئيس غادر مسجد وصيف. وفي الساعة السابعة كانت الباخرة تعلن بصفيرها إيذانها ~~بالرحيل. # وكان هذا آخر عهد سعد بمسجد وصيف، بل آخر عهد مسجد وصيف بالرئيس الجليل! ~~(6) إذعان الزعيم للأغلبية # ومما هو جدير بالذكر هنا أنه لما استقر قرار ثلاثة من الأطباء على نقل الرئيس من مسجد ~~وصيف إلى العاصمة، وأيدتهم أم المصريين في قرارهم، صعد فخري عبد النور بك إلى حجرة ~~الفقيد العظيم ورجا منه ألا يمتثل لهذا القرار، وأن يصر على البقاء في مسجد ~~وصيف. # فكان جواب سعد باشا: «إني لا أشعر بما يستوجب نقلي إلى العاصمة، ولكن الأغلبية قررت ~~وجوب هذا الانتقال؛ فالنظام يقضي بأن أذعن لقرار الأغلبية متكلا على الله.» ~~(7) سعد وخوفه من الساعة الواحدة # وفي الساعة الواحدة من ليل الاثنين في 22 أغسطس اشتدت وطأة المرض على المغفور له سعد ~~زغلول باشا اشتدادا عظيما فزع له الأطباء وجزعوا ... # ولما أزفت الساعة الثامنة من مساء اليوم التالي (الاثنين) التفت سعد باشا إلى حرمه ~~المصون وقال لها: «أنا خائف من الساعة الواحدة أيضا»، فقالت له: «دع عنك مثل هذه ~~الأوهام يا سعد، فإنه إذا كان المرض قد اشتد عليك أمس الساعة الواحدة فهذا ليس معناه ~~أنه سيشتد عليك الساعة الواحدة من هذا الليل أيضا.» فأخذ رحمه الله ساعته ووضعها على ~~وسادته، وجعل ينظر إليها كل نصف ساعة ويسجل الوقت بصوت مرتفع قائلا: «ثمانية ونصف ... ~~تسعة ... تسعة ونصف ... عشرة.» # ولما قربت الساعة الثانية عشرة خشيت أم المصريين إذا أزفت الساعة الواحدة واشتد ~~المرض على سعد أن يؤثر وهمه في مرضه تأثيرا سيئا قد يضر بصحته، فتناولت ساعته خفية ~~وأدارتها وجعلتها الثانية بدلا من الثانية عشر. # وفي الساعة الواحدة تماما اشتد المرض على الفقيد العظيم وارتفعت الحرارة فجأة إلى ~~41، فمد يده وتناول ساعته وحدق فيها قليلا ثم مر على وجهه بكفه وقال على الأثر: «أنا ~~لا أزال أملك حواسي ... فمن المحال أن تكون الساعة الثالثة الآن.» ms59 # وكانت صفية هانم تمسك بيدها الساعة الحقيقية، فنظرت إليها فألفتها تسجل الواحدة، ~~فأدارت وجهها لتستر ما اعتراها من اندهاش وذهول. # وأدرك سعد الحقيقة وأخذ يتمتم: «أنا رايح، أنا رايح.» # فقالت له صفية هانم: «وهل تحب أن أجيء معك؟» # فتطلع إليها وقد أمسك بيدها وقال: «خليك أنت.» # وهنا دخل عليه الطبيب بناء على طلبه، ولكن الداء أعيا الأطباء، وفي اليوم التالي توفي ~~سعد. ~~(8) ساعة الوفاة # 23 أغسطس سنة 1927! # يا له من يوم مشئوم! ... # كانت الساعة تقرب من السابعة مساء حين توجهت إلى بيت الأمة للاستفسار عن حالة ~~الزعيم الأكبر، فما كدت أصل إلى شارع الفلكي حتى رأيت رجال البوليس منتشرين في جميع ~~الطرق المؤدية إلى شارع سعد زغلول ليحولوا دون وصول السيارات والمركبات إلى بيت الأمة ~~كي لا تقلق جلبتها سعدا في نومه، كان السائر كلما أمعن في السير واقترب من بيت الأمة ~~يشعر بسكينة ووحشة لم تعهدهما تلك البقعة من العاصمة منذ أن رفع سعد علم الجهاد ~~عاليا. # وما هي إلا دقائق قلائل حتى ألفيت نفسي في داخل بيت الأمة، فأجلت طرفي في ~~الواقفين على شرفة السلاملك، فأبصرت بالأستاذ الجزيري، سكرتير الرئيس الأمين، مسندا ~~ظهره على أحد الأعمدة التي تقوم عليها الشرفة، وقد ارتسمت على وجهه علائم القنوط ~~والحزن، فتابعت سيري إليه وسألته: «هل هناك جديد في حالة الرئيس؟» فأجابني بصوت خافت ~~وعبارات متقطعة: «الحالة سيئة جدا ... والباشا غائب عن الصواب منذ الصباح ... وسيعوده ~~الأطباء مرة أخرى الساعة التاسعة، وهم يقولون إنه إذا لم تنزل حرارته قبل ذلك فمن الصعب ~~أن يعيش حتى منتصف الليل ... أرجوك ألا تخبر أحدا من الحاضرين؛ لأن كل ضجة قد تضر بحالة ~~الباشا.» # ونظرت في تلك اللحظة في ساعتي، فإذا بالساعة السابعة تكاد تنتصف، فدخلت مكتب الرئيس ~~وجلست على أحد مقاعده بجوار عبد العزيز بك رضوان، وكان في مكتب ساعتئذ حضرات أصحاب ~~المعالي والسعادة والعزة: فتح الله بركات باشا، وأحمد خشبة باشا، ومحمود فهمي النقراشي ~~بك، وعبد الحميد البنان بك، والدكتور محجوب ثابت، والأستاذ صبري ms60 أبو علم، وفخري عبد ~~النور بك، وغيرهم من الشيوخ والنواب، ورأيت من موظفي وزارة الداخلية محمود حسن بك وكيل ~~الوزارة وأحمد بك كامل وكيل إدارة الأمن العام، وكان يقوم يومئذ مقام مديرها، ومحمود ~~غزالي بك المفتش بالداخلية؛ وكانوا كلهم صامتين واجمين يرقبون حلول الساعة التاسعة، ~~مضطربين وجلين، وكانت هناك أصوات في الخارج ترتفع من آن إلى آخر بالقول: «اللهم ارأف ~~بمصر، اللهم ارأف بنا وبمصير بلادنا»، فكنت تسمع صدى هذا الدعاء زفرات تتصاعد متقطعة ~~من قلوب الحاضرين المتوجعة. # وفي الساعة التاسعة اجتمع الأطباء للتشاور في حالة الرئيس الجليل، وفي أثناء اجتماعهم ~~هبط نبض دولته فجأة، وكان حتى تلك الساعة يسير سيرا عاديا طبيعيا، فأسرع إليه ~~الدكتور شفيق فألفاه في دور النزع الأخير، فأرسل من وافى فتح الله باشا في مكتب الرئيس ~~حيث كنا جالسين، ودعاه إلى جانب سرير خاله العظيم، فنهض معاليه وغادرنا ممتقعا ~~امتقاعا شديدا، وتبعه نجله الأكبر بهي الدين بك بركات وقد اصطبغ وجهه بصفرة الأموات، ~~ومكثنا نحن في المكتب ننتظر وقد توجسنا شرا من استدعاء فتح الله باشا إلى جوار ~~المريض، ولكن ما من واحد منا تجرأ في تلك اللحظة على الاستفسار عما آلت إليه حالة سعد، ~~كأن كل واحد من الحاضرين كان يتوقع النبأ الأليم ويحاول إبعاده عن سمعه، أو على الأقل ~~يحاول أن يكون آخر من ينطق به لسانه. # وفي نحو الساعة العاشرة أسلم الفقيد العظيم روحه الطاهرة إلى خالقها، ولكننا لبثنا ~~نجهل النبأ المشئوم دقائق برمتها، وفي تمام الساعة العاشرة عاد فتح الله باشا إلى مكتب ~~الرئيس وقد ازداد امتقاع وجهه ولكنه لم ينبس ببنت شفة، بل سار إلى وسط القاعة، ثم وقف ~~هناك لا يتفوه بكلمة ولا يأتي حركة كأنه صعق في مكانه، فتطلع إليها الحاضرون متسائلين ~~حيارى، فلم يتحرك، وفي تلك اللحظة سمعنا صوت بكاء آتيا من الشرفة الخارجية، فضرب فتح ~~الله باشا ركبتيه بيديه، فوجم الحاضرون وأدركوا في الحال ما كانوا يتساءلون عنه؛ ~~فاغرورقت العيون بالدموع، وارتفعت أصوات البكاء والنحيب من ms61 كل حدب وصوب، وفي أقل من ~~لحظة تحول ذلك السكون الشامل إلى مناحة، وانقلب ذلك المجلس الهادئ إلى مأتم ... مأتم سعد! ~~مأتم الوطن! # وخشيت على فخري بك عبد النور من شدة بكائه ونحيبه؛ نظرا لبدانة جسمه، وكنت كلما ~~أبصرت به يتقلب على مقعده وهو ينتحب وقد صعد الدم إلى وجهه، أحاول عبثا أن أهدئ من ~~روعه، وفي وسط هذا العويل والنحيب أقبل علينا الدكتور شفيق مسرعا كالبرق الخاطف وصاح ~~في الحاضرين قائلا: «رأفة يا رجال بحرم سعد ... خففوا من نحيبكم رأفة بصحتها وشدة حزنها ~~... لا تسمعوها أصوات بكائكم، بل ساعدوها على تحمل مصابها بصبركم وتجلدكم ... كونوا رجالا ~~ولا تبكوا ... إن البكاء لا ينفع الرجال بل ضعوا ذكرى سعد نصب أعينكم ... اتخذوها مثالا ~~لكم فتكون خير معز للوطن في هذه المحنة ... لا تبكوا سعدا ... إن سعدا لا يريد منكم أن ~~تبكوا عليه، بل يريد أن تقتفوا خطواته في الدفاع عن قضية البلاد.» وانصرف حضرته عائدا ~~إلى الطابق العلوي ليكون في خدمة أم المصريين. # وكانت شرفات بيت الأمة ومداخله غاصة بجموع المحتشدين، فسرى بينهم النبأ المشئوم كأنه ~~تيار كهربائي أهاج عواطفهم وشعورهم، فكان بكاء وكان نحيب ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. وهنا أخذ الصحفيون يقبلون تباعا، فأخبرهم الأستاذ النقراشي أن عبارة ~~«أنا انتهيت» كانت آخر ما تلفظ به الرئيس الجليل قبل غيابه عن الصواب في صباح ذلك ~~اليوم. ~~••• # وكلف معالي فتح الله بركات باشا الأستاذ الجزيري أن ينعى الفقيد العظيم إلى دولة ~~توفيق نسيم باشا رئيس الديوان العالي، فخاطبه حضرته في داره بالتلفون الموضوع على مكتب ~~الرئيس في القاعة التي كنا مجتمعين فيها، فرد عليه دولته بنفسه، فقال له الأستاذ ~~الجزيري: «أنا الجزيري يا افندم ...» وهنا خنقته العبرات فسكت قليلا ثم قال: «البقية ~~في حياتكم يا باشا.» فلم يكد الحاضرون يسمعون هذه العبارة حتى ارتفعت الصيحات المتقطعة ~~من أفئدتهم المتصدعة المكلومة، وما هي إلا فترة وجيزة حتى أقبل توفيق نسيم باشا مرتديا ~~ثوبا قاتما وتقدم بالعزاء إلى فتح الله ms62 بركات باشا وإلى زميله أحمد خشبة باشا. # وكان معالي جعفر ولي باشا يقوم يومئذ مقام وزير الداخلية، فلما بلغه وهو في ~~الإسكندرية خبر تفاقم حالة الرئيس الجليل، غادرها بالقطار الذي يبرحها الساعة السابعة ~~مساء، فوصل إلى العاصمة الساعة العاشرة والثلث، فركب سيارته وتوجه من المحطة إلى بيت ~~الأمة مباشرة ليستفسر عن صحة الزعيم الأكبر، فما كاد يبلغه حتى سمع أصوات البكاء ~~والنحيب، فأدرك أن المنية أنشبت أظفارها في رمز أماني الأمة وموضع ثقتها ورجائها، فتقدم ~~بدوره معزيا فتح الله باشا، وانضم إلى زملائه في إعداد برنامج تشييع جنازة الفقيد ~~العظيم بعدما خاطب معالي أحمد زكي أبو السعود باشا بالتلفون في الإسكندرية وطلب منه أن ~~ينعى الراحل الكريم إلى ثروت باشا تلغرافيا، وأن يحضر هو إلى العاصمة بقطار نصف ~~الليل. # 23 أغسطس سنة 1927! # يا له من يوم مشئوم! ... ms63