######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.BintQustantin.Hindawi14035374 #META# Tags: novels :: history #META# ID: 14035374 #META# Title: بنت قُسطنطين #META# AuthorID: 61380386 #META# Author: محمد سعيد العريان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # التمهيد‏ # بنت قسطنطين‏ # 1 - حديث القاص1‏ # 2 - عهد ونذر‏ # 3 - ابنة البطريق‏ # 4 - ويك مسلمة‏ # 5 - أمهات الملوك!‏ # 6 - ولي العهد‏ # 7 - راهب البلقاء‏ # 8 - بارقة أمل‏ # 9 - نداء الدم‏ # 10 - قبر على الطريق‏ # 11 - لبيك أبا أيوب!‏ # 12 - وفاء بذمة ...‏ # 13 - نفير الحرب‏ # 14 - على شاطئ البرزخ‏ # 15 - تميمة رومية!‏ # 16 - عرش يهتز ...‏ # 17 - دسيسة العرق ...‏ # 18 - على حافة الموت‏ # 19 - وفاء النذر‏ # خاتمة‏ # التمهيد‏ # بنت قسطنطين‏ # 1 - حديث القاص1‏ # 2 - عهد ونذر‏ # 3 - ابنة البطريق‏ # 4 - ويك مسلمة‏ # 5 - أمهات الملوك!‏ # 6 - ولي العهد‏ # 7 - راهب البلقاء‏ # 8 - بارقة أمل‏ # 9 - نداء الدم‏ # 10 - قبر على الطريق‏ # 11 - لبيك أبا أيوب!‏ # 12 - وفاء بذمة ...‏ # 13 - نفير الحرب‏ # 14 - على شاطئ البرزخ‏ # 15 - تميمة رومية!‏ # 16 - عرش يهتز ...‏ # 17 - دسيسة العرق ...‏ # 18 - على حافة الموت‏ # 19 - وفاء النذر‏ # خاتمة‏ # | بنت قسطنطين # | بنت قسطنطين # تأليف # محمد سعيد العريان # | التمهيد # بسم الله الرحمن الرحيم # وقعت حوادث هذه القصة خلال النصف الثاني من القرن الأول بعد الهجرة، والحكم يومئذ ~~لبني أمية، ودمشق عاصمة الدولة العربية العظمى، وجيوش الفتح توغل في الشرق والغرب ~~والشمال والجنوب، والرقعة العربية تنبسط كل يوم أميالا وفراسخ، والإمبراطوريات ~~العريقة تتهاوى إمبراطورية بعد إمبراطورية، والأباطرة المتألهون يخرون للأذقان ~~سجدا؛ إذ لا يستطيعون عن أنفسهم، ولا عمن حولهم دفاعا ولا مقاومة ... # وكانت الخطة العربية يومئذ أن يصير هذا البحر المتوسط بيننا وبين أوروبا - وكان ~~اسمه يومذاك بحر الروم - أن يصير بحر العرب، ليس على شواطئه الفوقانية ولا التحتانية ~~إلا بلاد عربية يرتفع فيها الأذان وتقام الصلوات. # وكان الجيش الزاحف في شمال إفريقية قد فتح مصر، وبرقة وما يليهما من بلاد المغرب حتى ~~بلغ شاطيء المحيط الأطلسي - وهو يومئذ آخر الدنيا من جهة الغرب - فأخذ يتطلع إلى ~~الشمال يريد أن يثب إلى أوروبا من نحو المضيق - مضيق جبل طارق - لينساب من شبه جزيرة ~~أيبريا إلى أرض إفرنسة ورومية. # وكانت جيوش عربية أخرى في المشرق قد طهرت ثغور الشام من بقايا الروم، ms01 وأبطلت ~~مقاومتهم، ثم مضت زاحفة، فاخترقت شبه جزيرة الأناضول، وعسكرت تحت أسوار بيزنطة - ~~القسطنطينية - عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، تريد أن تثب إليها فتملكها، في الوقت ~~الذي تثب فيه جيوش المغرب إلى شبه جزيرة أيبريا، ثم يمضي الجيشان مشرقين ومغربين، ~~حتى يلتقيا في الأرض الكبيرة، أرض رومية، عاصمة الدولة الرومانية الغربية، وبذلك تخلص ~~أوروبا للعرب، ويصير بحر الروم بحيرة عربية، فليس ثمة إسبانيا، ولا إفرنسة، ولا ~~الإمبراطورية الرومانية ... # وكانت الخطة ماضية إلى غايتها بلا ريث، فما تزال الأنباء تتوالى على عاصمة العرب، ~~كل مشرق صبح ومغرب شمس، بما أفاء الله عليهم من الفتح والنصر في كل جبهة من جبهات ~~القتال، فملك العرب شبه جزيرة الأندلس، وأزالوا عنها ملك إسبانيا والبرتغال، ووثبوا ~~إلى فرنسا، فاحتلوا من جنوبها بلادا على الشاطيء، وجهروا فيها بالأذان وأقاموا الصلوات ~~... # وأحرزت جيوش المشرق على الروم نصرا بعد نصر، فاخترقت شبه جزيرة الأناضول، ونفدت منها ~~إلى البحر الأسود، فعسكرت على شواطئه، وصارت القسطنطينية على مرمى السهم ... # وجاءت الأنباء من تركستان والعجم، ومن الهند والصين، ومن بلاد الحبش والزنج، بما فتح ~~الله على العرب من تلك الأصقاع البعيدة الشاسعة المترامية الأطراف. # كل ذلك ولم يمض على العرب منذ هاجروا بدينهم إلى الله، غير بضع عشرات من السنين لا ~~تبلغ تمام القرن. # وكان لهذه الفتوح آثارها في المجتمع العربي بدمشق وغير دمشق من العواصم العربية، ~~فتفتحت عيون العرب على ألوان من الترف وفنون من الحضارة لم يكن لهم بها عهد ... # وكان من آثارها أن كثر الأسارى والسبايا في أيدي المقاتلين العرب، فانتقلوا بهم ~~إلى الحواضر العربية، فمنهم من والى العرب وآمن بدينهم، واندمج في المجتمع العربي، وعاش ~~بين العرب مولى من مواليهم ينتسب إليهم ولا يحسب منهم، ومنهم من انتقل من أيدي ~~المقاتلين إلى سوق الرقيق، يشتريه من يشتري للعمل والمهنة، أو للتكثر بالأتباع ~~... # وكان من أولئك الأسارى بعض أبناء السادة والقادة والأمراء في بلادهم، وكان لهم ثقافة ~~ومهارات وفنون، فبرزوا في المجتمع العربي بفنونهم ومهاراتهم وثقافتهم، وذاع لهم جاه ms02 ~~وصيت، واكتسبوا مالا وحظوة، ولكنهم لم يبلغوا في المجتمع العربي لعهد الدولة الأموية ~~منزلة العربي الأصيل؛ إذ كانت تلك الدولة تؤمن بالعرق والنسب. # وكان بين السبايا من بنات الأمم المغلوبة ذوات ثقافة وفنون ومهارات كذلك، أو ذوات ~~ملاحة ودلال وفتنة ، أو ذوات حسب ونسب ومجد؛ فأغرى كل أولئك - أو بعضه - رجالا من ~~العرب باتخاذ زوجات منهن أو وصائف وحظايا ... # وكثرت الزوجات والحظايا من بنات الفرس والروم والترك والإسبان والصقالبة، وغيرهم ~~في بيوت أمراء العرب، وفي بيوت السوقة كذلك، وولدن لهم بنين وبنات من ذوي النجابة ~~والفطنة والعزم، أو من ذوات الحسن المطعم، وكان أولادهن هؤلاء من قومهم في منزلة ~~وسطى بين منزلة العرب الخلص ومنزلة الموالي؛ إذ كانوا هجناء قد اختلط في أعراقهم ~~دم عربي بدم غير عربي. ~~••• # كذلك كان المجتمع العربي في السنين التي وقعت فيها حوادث هذه القصة، وتلك كانت سماته ~~وملامحه العامة ... # وتبدأ القصة في مسجد «الرقة» - وهي بلد من بلاد الجزيرة على شاطيء الفرات - حيث ~~جلس قاص من قصاص الدولة إلى سارية من سواري المسجد، يتحدث إلى أهل حلقته حديثا ~~يشوقهم به إلى الجهاد، ويرغبهم فيه، ويحبب إليهم أن ينتظموا في صفوف الجيوش ~~الغازية في الشرق أو في الغرب ... # وكان لمثل هذا القاص في عهد الدولة الأموية شأن وأثر، فهي قد ابتدعت هذه الوظيفة، ~~واختارت لها طائفة من العارفين بالسير وأخبار المغازي والفتوح، تأجرهم على ما ~~يقصون من قصص في مساجد الأمصار، بقدر ما يتركون من أثر في سامعيهم؛ ليسارعوا إلى ~~التطوع في الجيوش الغازية، أو يكونوا حزبا للخليفة، فكان أولئك القصاص يقومون في ~~وقتهم ذاك بمثل مهمة صحف الدعاية، ومكاتب الاستعلامات في هذه الأيام ... # ولعل الدولة الأموية بابتداعها لهذه الوظيفة، كانت أسبق الدول إلى الأخذ بهذا المذهب، ~~الذي يهدف إلى توثيق صلة الحكومة بالجماهير، وكسب تأييدهم فيما تحاول من تدبير سياسي في ~~الداخل أو في الخارج، وهو مذهب له اليوم في السياسات العامة شأن كبير، ولعلها - إلى ذلك ~~- كانت أول دولة عرفت أثر القصص في ms03 النفوذ إلى نفوس الجماهير، فاستخدمت هؤلاء القصاص؛ ~~لتنفذ بهم إليها، إذ كانت تشعر أنها بإزاء منافسة قوية على العرش، يحمل رايتها بنو ~~هاشم، من آل أبي طالب وآل العباس، الأحباء إلى قلوب الجماهير لقرابتهم القريبة من ~~النبي ... # على أن أحاديث هؤلاء القصاص في حلقاتهم تلك لم تكن قصصا بالمعنى الفني، الذي ~~نفهمه في هذه الأيام من كلمة «قصص»، وإنما هي أخبار وروايات تتداعى لمناسباتها، ~~وتتساوق لإحداث الانفعال والتحميس والسمو بالروح المعنوية للشعب، ولكنها برغم ذلك نوع ~~من القصص على غير قاعدة من قواعد ذلك الفن ... ~~••• # وتمضي القصة من حيث بدأت في حلقة ذلك القاص بمسجد الرقة، حتى تنتهي إلى غاية من ~~غايات كل قصة، تتفاعل فيها نفوس البشر بالعواطف المتناقضة التي تنشئها في نفوس أبطالها ~~ظروف المجتمع الذي يعيشون فيه ... # وقد عرفنا في بعض ما مضى من هذا التمهيد بعض ملامح هذا المجتمع، الذي وقعت فيه حوادث ~~هذه القصة ... # المجتمع الذي ينتظم عربا خالصي النسب، قد جعلهم دستور الحكم طبقة فوق الناس، وموالي ~~ليس لهم في العرب نسب، ولكن لهم على كل عربي حق الولاء، ولهم في نفوسهم ذكريات عميقة ~~لماض بعيد، وهجناء يمتون إلى العرب بنسب، وإلى عدو العرب بنسب، فلهم أسرة هنا ~~وأسرة هنالك، والحرب لم تزل ناشبة بين الأسرتين ... وفي كل طبقة من هذه الطبقات الثلاث، ~~التي ينتظمها المجتمع رجال ونساء ... رجال من طبقات ثلاث، ونساء من طبقات ثلاث كذلك، ~~وللمجتمع الذي يعيشون فيه دستور، وللعواطف الإنسانية دستور آخر فوق دساتير الناس ~~... # بهذه العواطف المتناقضة تفاعلت حوادث هذه القصة، ورجلها الأول هو مسلمة بن عبد ~~الملك، أبوه الخليفة عبد الملك بن مروان، ولدته له سبية من سبايا الروم، فلما كبر ~~حمل راية العرب في وجه الروم، وتحت رايته هذه رجال من الطبقات الثلاث، ووراء كل رجل ~~منهم امرأة؛ زوجة أو أم، من إحدى طبقات ثلاث كذلك، وفي قلب كل أم أو زوجة منهن ذكريات ~~قديمة، وعواطف جديدة، وآمال مرتقبة ... # ذلك هو الجو الإنساني لهذه القصة، ولست أريد ms04 أن أصفه أكثر مما وصفت؛ لتبقى للقصة قوة ~~التشويق، أما جوها التاريخي فيصف خطا العرب في زحفهم إلى القسطنطينية - عاصمة الروم ~~- في القرن الأول، وهم قد بلغوا في زحفهم ذاك مبلغا، كان خليقا بأن ينتهي بنصر عظيم، ~~ولكنهم تراجعوا والثمرة دانية، فلماذا؟ ... ولكني لا أريد كذلك أن أجيب الآن؛ لتبقى ~~للقصة كذلك قوة التشويق ... # أما بعد، فإن في هذه القصة صورة من كفاح العرب في تاريخ مضى؛ لتبليغ رسالة، وتحقيق ~~سيادة، وإنهم ليكافحون اليوم كفاحا من نوع آخر؛ لتبليغ رسالة، وتحقيق سيادة، ورد ~~عدوان، فما أحراهم في مرحلة كفاحهم الحاضر أن يتدبروا بعض ما مضى من فصول ذلك التاريخ ~~... # | بنت قسطنطين # | قصة تاريخية # معركة ... بدأت منذ ألف وثلاثمائة سنة، وما تزال حتى اليوم ناشبة ... # الذرات التي نفضتها رمال الجزيرة العربية على أرض البشر منذ ارتجت بتلك الزلزلة ~~العظمى، لم يزل فيها من قوة الاشتعال بروق وصواعق ... # لهداية البشرية الضالة، زحفت هذه الجحافل من المشرق - منذ التاريخ البعيد - ولم تزل حتى ~~اليوم تناضل ... # الحرب سجال ... ولكن العاقبة لنا! # الفصل الأول # | حديث القاص1 # فرغ الناس في مسجد الرقة # 2 # من صلاة العشاء الآخرة، فتنفلوا # 3 # ما طاب لهم التنفل، ثم دلفوا # 4 # إلى حيث كان أبو داود الحمصي مستندا إلى سارية من سواري المسجد، يقص ~~القصص، ويرغب في الجهاد، ويروي من أنباء المغازي والفتوح ما يحمس الجبان، ويشد ~~العزم، ويستلب ألباب الشيوخ وقلوب الشباب ... # وكان أبو داود هذا قاصا واسع الرواية، عذب الحديث، لطيف الإشارة، قد تتبع أنباء ~~المغازي والفتوح منذ أول عهد العرب بالفتح، فأتقنها حفظا ورواية، وتمثيلا بالقول ~~والإشارة ونبر الصوت، حتى ليحسب كل من سمعه يقص أنه شهد بعينيه، وشارك بسيفه في كل ~~معركة من معارك الفتح، فلم يتخلف عن واحدة! # وكان رجلا في الأربعين، لم يطعن في السن، ولم تثقل كاهله السنون، قصيرا بطينا ~~معتجر العمامة، قد أرسل لحية تضرب أطرافها على بطنه، فما يراه أحد في منظره ذاك، ~~ويستمع إلى حديثه مسندا إلى الرواة من أبطال الفتح، ms05 إلا ظنه شيخا عميق الجذر، ~~بعيد المولد والدار، إلا تكن له صحبة أو هجرة، فإنه لا بد قد عاصر وغزا واستظل ~~في معارك الفتح بلواء الفوج الأول! # وكان عظيم القدر عند أمراء بني أمية في الشام، فهو جليسهم وجارهم ما أقام بدمشق، فإذا ~~بدت له الرحلة إلى أي بلد من بلاد الإسلام، لم تزل صلاتهم وعطاياهم ترد عليه حيث ~~كان، على أن أمير المؤمنين عبد الملك # 5 # كان أكثرهم عطفا عليه وصلات إليه، وكان يقول له: لسنا نحاول اصطناعك بهذا يا ~~أبا داود، بل أنت اصطنعتنا بخالص ولائك وكريم بلائك؛ لنصرة بني مروان ... ~~••• # وتكاملت الحلقة، وأخذ أبو داود يتنقل بالناس في قصصه من فن إلى فن، ومن واد إلى واد، ~~فهو حينا في البر، وحينا في البحر، وطورا على ظهر البادية، وتارة في ظل حصن من حصون ~~الروم، في المغرب أو في المشرق، وآونة في سهول الجزيرة، وفيافي العراق يصف كيد ~~الخوارج # 6 # وتطاحن الفرق ... ثم قال: # 7 # ضل من فتنته دنياه عن دينه، وشغلته أولاه عن آخرته، وأزله الشيطان فأذله، ~~وأطعمه السلطان فأضرعه! ... # 8 # ألا إن قوما في بعض الأمصار - غفر الله لهم - قد زين لهم الباطل، ~~فشرعوا سيوفهم لحرب أمير المؤمنين، يأبون - بزعمهم - أن تكون ~~هرقلية # 9 # يتوارثها خلف عن سلف، فهلا شرعوا سيوفهم هذه لحرب هرقل، ودك معاقل ~~الكفر في بلاده، ونشر دين الله في الأرض ... # وصمت أبو داود برهة، ثم رفع عينيه يجول بهما فيمن حوله، وهو يخلل لحيته بأصابعه، ثم ~~استأنف حديثه: # حدثنا نصر بن عوانة - وكان في جيش عقبة بن نافع # 10 # بالمغرب - قال: لقد رأيت عقبة، وقد بلغ بجيشه شاطيء الأقيانوس ~~الأخضر، # 11 # فيدفع حصانه إلى البحر، ويقول بحماسة: اللهم رب محمد، لولا أني لا ~~أعلم وراء هذا البحر يابسة، لاقتحمت هذا الهول المائج؛ لأنشر اسمك المجيد في أقصى ~~حدود الدنيا! # رحم الله عقبة، وأين مثل عقبة؟! فإن قسطنطين بن هرقل ما يزال وراء هذه الحدود ~~المتاخمة، يتهدد أصحابنا بالغارة بعد الغارة برا ms06 وبحرا، فهلا خرجنا إليه؛ ~~لننشر اسم الله المجيد في أقصى بلاد الروم! ضل من جعل إلهه هواه! ألا إنه لولا ~~ابن هرقل على هذه التخوم لما صارت - بزعمهم - هرقلية. # وتلبث القاص برهة أخرى، ثم استأنف: # لقد كان معاوية، # 12 # وكان ابنه يزيد، # 13 # وكان مروان، # 14 # ثم كان أمير المؤمنين عبد الملك ... كأنما لم تمض تلك السنون، وكأني أرى ~~الساعة، وأسمع تكبير جند الشام يقودهم يزيد بن أمير المؤمنين، # 15 # وفيهم ابن عباس، # 16 # وابن عمر، # 17 # وابن الزبير، # 18 # وأبو أيوب الأنصاري # 19 # جار رسول الله، ومضيفه في دار هجرته، قد ركبوا في عشرات الآلاف من ~~الجند، تقلهم سبعمائة وألف سفينة، قد صنعها معاوية بعينيه من أرز هذه الغابات ~~الكثيفة في جبال لبنان، # 20 # ثم أرسلها في البحر لحرب الروم، تغزو بلادهم، وتدك حصونهم، وتملك ~~جزائرهم في البحر، وتأخذ عليهم طريقهم في البر، وتطوق مدينتهم هذه التي بناها ~~قسطنطين الأول، # 21 # واتخذها قاعدة لملكه، فما يزالون على حصارها سنين ذات عدد، لا يصدر ~~منها ولا يرد إليها، حتى يبلغ الجهد بقسطنطين وأهل ملته ما يبلغ، فيعطي الجزية ~~صاغرا ... ويعود المسلمون ظافرين، لم يتخلف من رؤسائهم غير أبي أيوب، قد دفن عند ~~سور القسطنطينية كما وعده رسول الله! # 22 # رد الله غربتك يا أبا أيوب! مضيف رسول الله أول هجرته إلى المدينة، قد ~~ثوى # 23 # تحت أسوار القسطنطينية ضيفا على أهل الكفر! # يا أبناء المهاجرين من ضيوف أبي أيوب، يا أبناء الأنصار من صحابته، إن أبا أيوب ~~لم يزل كريما كعهدكم به، فهاجروا إليه يضيفكم في داره الجديدة، كما ضيف ~~نبيكم محمدا منذ سنين سلفت. # 24 # هتف عتبة بن عبيد الله، وقد مس حديث الشيخ شغاف قلبه: لبيك أبا أيوب. # فضج المجلس وراءه بالتلبية ... ~~••• # ذلك شأن القاص أبي داود، وذلك شأن الناس معه؛ ما يزال يتنقل بين الأمصار، يدعو إلى ~~الجماعة، # 25 # أو يدعو إلى جهاد أهل الشرك، فيستجيب له من يستجيب، ويلبي من يلبي. # ولكن الفتنة التي نشبت بين ms07 أهل القرآن منذ سنين لم تطفأ بعد؛ فما يزال في كل بلد داع ~~يدعو لنفسه، ويؤازره من المسلمين طائفة، فأمير المؤمنين في الحجاز وما والاها عبد الله بن ~~الزبير، وأمير المؤمنين في الشام عبد الملك بن مروان، وما يزال في الجزيرة والكوفة، وما ~~وراءها من أرض المشرق داع أو دعاة، يهتفون باسم أمير من بني علي بن أبي طالب، # 26 # وفي دمشق نفسها لم يزل واحد أو أكثر من السفيانية # 27 # أو غيرهم من فروع بني أمية، ينفس # 28 # على بني مروان أن تكون الخلافة فيهم ... وعبد الملك يحاول أن يوطيء لنفسه بين ~~هذه الزعازع، # 29 # فما ينفك متنقلا على رأس جيشه من مصر إلى مصر، # 30 # مكافحا صابرا قد استحل سفك الدم في سبيل توطيد العرش، وتوطئة الأكناف لبني ~~مروان، وكان قبل أن يليها شيخا من أهل الرأي # 31 # لا يكاد يفارق مسجد رسول الله في المدينة، أو يدع المصحف! # وحلت سنة 70 من الهجرة، وما تزال الفتنة ناشبة، وكان الروم قد انحسروا عن أرض المشرق، ~~فليس لهم في الشام باع ولا ذراع، ولكنهم منذ جلوا عن أرض المشرق، لم تزل أنفسهم تنازعهم ~~إلى استرداد ما فقدوا من تلك الأرض الواسعة الخصبة، فكأنما انتهزوا هذه الفتنة الناشبة، ~~فسيروا جيوشهم إلى أنطاكية # 32 # فحاصروها، ثم وضعوا أقدامهم وأوغلوا في البلاد. # الفصل الثاني # | عهد ونذر # كان النعمان بن عبيد الله يدندن بيتا من الشعر: # أروح إلى القصاص كل عشية # أرجي ثواب الله في عدد الخطا # حين ابتدره أخوه عتبة: قد مس والله حديث أبي داود القاص شغاف نفسي، وما أرى هذه الفتنة ~~الناشبة في الأمصار إلا كيدا من الشيطان؛ لتفريق الجماعة، وصدع الجبهة، والتمكين ~~للمشركين كي ينالوا منا منالهم، وإن هؤلاء الخوارج ليزعمون أنهم يدعون إلى الله، ~~ويغفلون عما وراء ذلك العصيان من تفريق الكلمة ووهن المسلمين، ولو أن هذه الجموع ~~المسلمة التي تساق كل يوم إلى المذابح بالأيدي المسلمة، قد سيقت صوائف وشواتي # 1 # إلى بلاد الروم، لرجوت أن تكون ms08 القسطنطينية بأيدينا، وينزل المسلمون ضيوفا ~~على أبي أيوب ... # 2 # ثم استطرد قائلا في عزم: وإني قد رأيت يا نعمان رأيا أرجو أن تمضي فيه معي ... # قال النعمان مستدركا: دع عنك ما رأيت يا أخي، وأعد علي ما قلت: أزعمت - ويحك - ~~أن ابن مروان أحق بها من عترة محمد، # 3 # ومن ابن ذات النطاقين؟ # 4 # لقد مات أبوك إذن على ضلال يا عتبة، # 5 # فقد علمت ما أبلى أبوك يوم الجمل، # 6 # وفي حرب صفين، # 7 # ومعركة الطف، # 8 # فلم يقعد عن الحرب حتى استشهد مع المختار ابن أبي عبيد طلبا لثأر ~~الحسين، # 9 # أفهذا تعني حين تذكر صدع الجبهة ووهن المسلمين؟... # صمت عتبة برهة مفكرا، ثم رفع رأسه يقول: ما هذا عنيت يا أخي، ولقد اجتهد أبي ما ~~اجتهد لصلاح هذه الأمة، حتى ذهب إلى ربه راضيا مرضيا، وإني لأرجو أن يقبل الله ~~شهادته، # 10 # ولكن نفسي لا تطيب بأن أحارب إخواني في الدين، وأدع هؤلاء الروم حتى يطئوا من ~~بلادنا كل موطئ، ويسترقوا # 11 # الحرائر والولدان من نسائنا وبنينا، فسأطلب منذ الغد إلى مسلمة بن عبد ~~الملك # 12 # أن يغزيني في صائفته، لعلي أن أدرك نصرا أو أجاور أبا أيوب. ~~••• # ولكن مسلمة بن عبد الملك لم يخرج في هذا الموسم لحرب الروم صائفا ولا شاتيا، فقد كان ~~عبد الملك من أصالة الرأي وحسن التدبير، بحيث رأى مصانعة # 13 # جوستنيان الثاني قيصر الروم خيرا له في هذه الفترة التي تعصف فيها العواصف ~~بالدولة الإسلامية، فصالحه على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار؛ ليفرغ لتدمير قوة ابن ~~الزبير، ويحطم الخوارج، ويرد كيد ابن عمه عمرو بن سعيد ... # 14 # وهدأت أمواج البحر، وسكن غبار البادية، # 15 # ولكن عتبة بن عبيد الله لم يعد إلى داره بالرقة منذ كان ذلك الحديث بينه ~~وبين أخيه النعمان، ولم يقف له أحد على خبر. # وطال الانتظار بأهله حتى آب كل غائب، ولكنه لم يؤب، وهدأت الفتن في الدولة الإسلامية ~~أو كادت، وانقضى أمر ابن ms09 الزبير، واغتيل عمرو بن سعيد منافس عبد الملك على عرش بني مروان، ~~واستتب لهم الملك، وعادت الصوائف والشواتي تغدو وتروح في البر والبحر، تغزو بلاد الروم ~~فتصيب منها ما تصيب ثم تئوب، ولم يؤب عتبة بن عبيد الله! # وقال جيرانه وأهله: يرحمه الله، لقد آثر جوار أبي أيوب المضياف، فمات غازيا في بلاد ~~الروم. # وبكت أمه ما شاءت، ثم فاءت # 16 # إلى الرضا بقضاء الله. # وخلعت امرأته أحمرها وأبيضها ولبست الحداد، ولزمت دارها ترأم # 17 # طفلا في حجرها، وطفلة في بطنها. # وقال أخوه النعمان لنفسه متأسيا: # 18 # نعم العزاء الصبر في الغازي الشهيد الغريب المطفل. # 19 # وأقسم لا يدع السيف حتى يلحق بأخيه أو يدرك ثأره، ولا يكون ثأره إلا بطريقا من ~~بطارقة الروم. # 20 # وأخذ النعمان أهبته منذ ذلك اليوم للبر بما أقسم. # وتتابعت الصوائف والشواتي في البر والبحر لغزو الروم، فلم يتخلف النعمان بن عبيد الله في ~~صيف ولا شتاء عن دعوة الجهاد. # الفصل الثالث # | ابنة البطريق # لم يطب الروم نفسا بسياسة القيصر جوستنيان الثاني، ونقموا منه # 1 # أن ضيع عليهم الفرصة المتاحة لاسترداد سواحل الشام في سنة 70 للهجرة، بعدما ~~وطئتها أقدامهم، وقاربوا أن يملكوها ويوغلوا في بلاد العرب، لا يكاد يدافعهم أحد من جند ~~الخليفة المنهوك القوة في قمع الفتن الناشبة في الأمصار الإسلامية، لقد كان عبد الملك أعرف ~~بنفس هذا القيصر وأسد منه سياسة، فطلب إليه الصلح على مال يؤديه إلى الروم كل جمعة، ~~فتحلب لعاب القيصر إلى ذهب بني مروان، وأجاب الخليفة إلى ما طلب، ولكنه لم ينعم ~~بهذا السلم الذهبي طويلا، فما هو إلا أن فرغ عبد الملك مما كان فيه حتى منع ~~القيصر ما كان يؤدي إليه من مال، وجهز الجند في البر والبحر صائفة وشاتية للغارة ~~على الثغور الرومية ... # وكان قادة جيش الروم أشد سخطا على القيصر لهذه الخيبة، فثاروا به وقبضوا عليه، فجدعوا ~~أنفه # 2 # ونفوه إلى بلاد القريم، ثم راحوا يتنازعون العرش فيما بينهم، فيلونه قائدا بعد ~~قائد، وقيصرهم ms10 في منفاه مجدوع الأنف، منكسر النفس، لا يكاد يملك لنفسه أمرا، والصوائف ~~العربية ما تزال تغير على الثغور والسواحل، فتصيب من الروم مقاتل، وتحمل أسارى وسبايا ~~وولدانا ... # 3 # وكان البطريق قسطنطين على ثغر من تلك الثغور التي تشرف على الخليج مما يلي القسطنطينية، ~~ما يزال يستقبل كل صيف غزاة من العرب يناوشهم ويناوشونه، فينال منهم حينا وينالون منه، ~~ويصيب منهم أسرى وقتلى ويصيبون، وكان له عند العرب ترات # 4 # وتاريخ بعيد، وقد اصطنع في الحرب خطة عربية، فهو يخرج إلى لقائهم - حين يخرج - ~~ومعه نساؤه وراء الصفوف، يهزجن بالأغاني للتحميس، ويضربن الفارين في وجوههم بالعمد، ~~أو يحصبنهم بالحصى ؛ ليرددنهم إلى الحرب، # 5 # وقد أيقن قسطنطين البطريق أنه إلا يدفع عن نفسه وعن ثغره، فلن يدفع عنه أحد ~~من الروم الذين توزعتهم المطامع، وفت في أعضادهم ما لقوا من الهزائم المتوالية في ~~حرب العرب، وعلى هذا اليقين رابط في ذلك الثغر مدافعا شديد العزم والقوة سنين ~~طويلة. # وفجأتهم ذات مساء سرية من سرايا العرب، # 6 # قد هبطت في جنح الليل على الساحل، ثم أوغلت حتى طرقت القوم في بيوتهم على ~~حين غفلة، فأعجلتهم عن أخذ الأهبة، والتحموا أجسادا لأجساد، يتجالدون بالسيوف أو يتصارعون ~~بالأيدي، لا يكادون يتعارفون في ظلام الليل إلا بالتكبير والتلبية، # 7 # وكان شعار المسلمين يومئذ: الله أكبر، لبيك أبا أيوب. # ووقف قسطنطين في وسط الملحمة يرطن بالرومية، وهو يجيل سيفا في يمينه، له في الظلام ~~بريق يومض، وبصر به النعمان بن عبيد الله في غبشة الليل ولم يكد، فنهد إليه ~~وهو يقول وسيفه في يده: إني لأرجو أن أبر بك قسمي - أيها البطريق - فأثأر لأخي أو ~~أنال الشهادة. # ثم عطف عليه بالسيف، فأفلت منه قسطنطين واحتوشته داره، # 8 # واقتحم النعمان وراءه، فتهارب الصبيان والنساء بين يديه ولم ينل ~~منالا. # وتشتت شمل أصحاب قسطنطين، وذهبوا في الأرض فارين لا يلوون على شيء، قد خلفوا ~~متاعهم وسلاحهم، وتخلف عنهم بعض النساء والصبيان، فسيقوا إلى مضرب الأمير، وعاد ~~النعمان بن عبيد ms11 الله إلى صحابته؛ ليقاسمهم ما أفاء الله عليهم # 9 # في هذه الغارة المظفرة، فلم يكن نصيبه من ذلك إلا فتاة من بناتهم، لم ~~تنضج نضج الأنثى، ولكنها جاوزت حد الطفولة # 10 ~~... وكان عليها مطرف خز، # 11 # وقد تدلت على صدرها قلادة من ياقوت، ولمعت في مفرقها جوهرة، # 12 # فقال النعمان: إلا تكن هذه بنت البطريق، فإن لأبيها بين القوم ~~شأنا. # ثم مال إليها يداعبها، ويسألها عن شأنها وشأن أبيها فلم تجب بلسان، ولو أنها أجابت لما ~~أبانت، فليست تعرف إلا الرومية، وليس يعرف النعمان إلا العربية ... # واستقل الغزاة سفينتهم قبل أن ينبثق الفجر، وأداروا شراعها نحو الغرب، ثم انحدروا نحو ~~الجنوب، يلتمسون ثغرا من ثغور المسلمين يأوون إليه، وكلهم فرح بما أفاء الله عليه من ~~السلامة والغنيمة والظفر بالعدو. # الفصل الرابع # | ويك مسلمة # ثبتت دعائم العرش لبني مروان، ولم يكن الخليفة عبد الملك في غفلة عما يقتضيه هذا العرش ~~من حق التدبير في حياته وبعد موته ... فإنه ليخشى أن يتواثب إليه الطامعون من السفيانية ~~أو الهاشمية بعد موته، وقد خلف عبد الملك بضعة عشر ولدا كلهم لأب، ولكن أمهاتهم ~~شتى؛ # 1 # منهن العبسية، والمخزومية، والهاشمية، والسفيانية، ومنهن أمهات ~~أولاد # 2 # من الترك والسودان والروم وبنات كسرى، فما أحرى كل واحدة من هؤلاء الضرائر ~~أن ترجى العرش لولدها، وأن ينفخ فيه أخواله من روح العصبية ما يدفعه إلى الفتنة ~~... # 3 # لقد كان عبد الملك شيخا من أهل الرأي قبل أن يلي هذا الأمر، # 4 # وكانوا يسمونه فقيه بني مروان؛ لصلاحه وعلمه وطول ملازمته لأهل الحديث وحملة ~~القرآن، وأصحاب الرأي من العباد والصالحين وأهل التحرج، # 5 # فما كان أجدر شيخا هذا مكانه أن يترك أمر المسلمين شورى بينهم، يختارون بعده ~~من يشاءون ليلي أمرهم، لولا أنه يخشى عليهم الفتنة، فليول عهده رجلا من أهل هذا ~~البيت المرواني، ينهض بأمر الدولة من بعده؛ ليذهب إلى ربه راضيا مطمئنا قد أمن على ~~هذه الأمة أن تتوزعها الفتن وأسباب المطامع. # إن أباه مروان قد جعل ms12 العهد من بعده لأخيه عبد العزيز بن مروان، ولكن عبد الملك يرى ~~بنيه أحق بهذا العرش وأقدر على صيانته، لولا أن بنيه كثير، قد تقاربوا أعمارا، ~~وتشابهوا مزايا، وتشاكلوا كفاية. # 6 # لو لم يكن الوليد لحانا لا يكاد يقيم لسانه بالعربية، متلافا لا يكاد يمسك درهما ... ~~إنه لأحب إلى عبد الملك، وإن أمه لأدنى إلى قلبه منزلة. # 7 # لو لم يكن سليمان بطينا أكولا تياها كثير العجب بنفسه ... إن أمه العبسية لترجوه ~~كما ترجو أخاه الوليد، ولكن الوليد أسن منه. # 8 # وإن هشاما لحقيق بأن يلي هذا الأمر يوما، لولا أنه جبان بخيل، ولولا خشية ما ~~يتدسس إليه من حمق أمه المخزومية، وما كان عبد الملك ليولي عهده ابن مطلقته ~~الحمقاء، ويدع الذين نشئوا على عينيه من بنيه. # 9 # وإن يزيد لأعرق بنيه أمومة، # 10 # فأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، أبوها خليفة، # 11 # وجدها خليفة، # 12 # وزوجها خليفة، # 13 # فما أحرى ولدها أن يكون خليفة كذلك فيضم المجد من أطرافه، لولا أن يزيد لم ~~يزل صبيا لم يبلغ مبلغ أهل الرشد. # وهناك - إلى هؤلاء - عبد العزيز بن مروان أخو الخليفة، ما يزال يطمع في العرش بعد عبد ~~الملك، بعهد من أبيه مروان. # 14 # ولكن ما بال عبد الملك لم يذكر ولده مسلمة، وإنه لأشب بنيه شبابا، وأجرؤهم قلبا، ~~وأسدهم رأيا، وأكثرهم حمية، وله الرايات البيض لم تزل تخفق على السفائن غادية ~~على سواحل الروم للغزو، أو مرفرفة فوق رءوس الجند في البرية لبيات العدو # 15 ~~... ولكن مسلمة - إلى كل ذلك - من أبناء الجواري، فكيف يليها ابن الرومية، ~~ويحرمها أبناء الحرائر من بنات عبس ومخزوم وأمية! ... # 16 ~~••• # أقيمت حلبة السباق في ظاهر دمشق على العادة في كل موسم، # 17 # وتقدم فتيان العرب بأفراسهم المضمرة، يطمع كل منهم أن ينال بالسبق جائزة ~~أمير المؤمنين عبد الملك، وجلس عبد الملك على شرف في طرف الحلبة، # 18 # قد أقيم له سرادق من خز، ونصبت على رأسه راية بيضاء، وكان الشوط الأول للأمراء ~~من ms13 بني عبد الملك؛ الوليد، ومسلمة، وسليمان، ويزيد، وهشام. # وأشار رائض الحلبة إشارته، # 19 # فوثب الأمراء على ظهور الجياد، وشدوا اللجم، ومالوا على الأعناق، يتبعهم ~~الآلاف بعيون جاحظة، وأنفاس مبهورة، وأعناق تتلوى على كواهل أصحابها، وبدا كأن ~~مسلمة سيبلغ آخر الشوط قبل إخوته، فبدت الكراهة في وجه عبد الملك، على حين انبعث من جوانب ~~الحلبة هتاف الجماهير باسم الأمير المظفر في كل غزاة: مسلمة بن عبد الملك. # ولكن فرس مسلمة لم يلبث أن عثر براكبه، ثم لم يكد ينهض ليستأنف عدوه، حتى سبقه إخوته ~~جميعا وبلغوا آخر المدى ... # وطأطأ مسلمة رأسه أسفا وهو يتقدم في صف من إخوته إلى مجلس أبيه في سرادقه ذاك؛ ليستمع ~~إليه وهو ينشد متمثلا: # 20 # نهيتكم أن تحملوا فوق خيلكم # هجينا # 21 # لكم يوم الرهان فيدرك # فتعثر كفاه ويسقط سوطه # وتخدر ساقاه فما يتحرك # وهل يستوي المرءان هذا ابن حرة # وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك # قال مسلمة وقد بدا في وجهه الغضب: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، ليس هذا مثلي، ولكن كما ~~قال الآخر: # فما أنكحونا طائعين بناتهم # ولكن خطبناهم بأرماحنا قسرا # 22 # فما زادنا فيها السباء مذلة # ولا كلفت خبزا ولا طبخت قدرا # 23 # وكم قد ترى فينا من ابن سبية # إذا لقى الأبطال يطعنهم شزرا # ويأخذ ريان الطعان بكفه # فيوردها بيضا ويصدرها حمرا ... # ثم أردف: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات يا أمير المؤمنين، وقد كانت أم ~~إسماعيل بن إبراهيم جارية # 24 ~~... # ولمعت دمعتان في عيني عبد الملك واختلجت شفتاه، فقال وهو يميل على مسلمة فيقبل رأسه ~~وعينيه: أحسنت يا بني، ذاك والله مكانك. # وانفضت الحلبة، وعاد عبد الملك إلى قصره وعاد بنوه، ولكن حديثا ما ظل يدور في رأس ~~عبد الملك منذ ذلك اليوم، ويدور مثله في رأس مسملة وفي رءوس أخرى ... # الفصل الخامس # | أمهات الملوك! # في غرفة من غرفات القصر الأموي الشامخ بدمشق، اجتمع أربع نسوة لم يجتمعن من قبل على ~~مودة: # ولادة بنت العباس العبسي، وعاتكة بنت يزيد بن ms14 معاوية، وعائشة بنت موسى بن طلحة ~~التيمي، وأم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان؛ زوجات عبد الملك، لم يتخلف عن مجلسهن ~~إلا مطلقته أم هشام المخزومية! # قالت ولادة - أم الوليد وسليمان - بعد صمت: بلى، قد أحل الله له فراش جواريه ~~فهن له حلائل، ليس لواحدة من زوجاته أن تمنعه أن يفيء إلى خلواتهن في أي وقت شاء من ~~ليل أو نهار، ولكن للحرائر من زوجاته العهد والأمومة، إن الوليد وسليمان، وإن يزيد ~~وأبا بكر والحكم وهشاما، لأولى بعهد أمير المؤمنين من عبد الله ومسلمة ومحمد وسعيد، ومن ~~لا أذكر من أبناء جواريه وإمائه، فليطب لهن فراش عبد الملك، أما عرش أمية فلن يكون لأحد ~~من أبنائهن! # قالت عاتكة أم يزيد: أترينه يا ولادة يغفل عن ذلك الحق؟ إنه لأسد رأيا من ذاك، ~~وقد سألته أمس حين أوى إلى مقصورتي لبعض الراحة، حين منصرفه من حلبة السباق، عما ~~حدثني به يزيد من إقباله على مسلمة دون إخوته، وتقبيله على ملأ من الخلق في رأسه ~~وعينيه، واستنشاده إياه شعرا يعرض فيه بأبناء الحرائر، فضحك عبد الملك وقال: أظننت ~~يا عاتكة أنني أفعلها؟ إني لآمل أن يكون يزيد على عرش بني أمية خلفا من أبيه وجده ~~وجد أمه. # 1 # انقلبت سحنة ولادة كأنما أصابها المسخ، ونسيت مجلسها من ضرائرها، وما دعتهن ~~إلى الحديث فيه، فقالت منكرة: أي شيء تقولين يا عاتكة؟ وهل أوى عبد الملك إلى غير مقصورتي ~~حين منصرفه من حلبة السباق؟ # قالت عائشة بنت موسى: نعم، وجلس إلي ساعة يرقص أبا بكر ويغني له: # يا ملكا من ملك من ملك # ته واستطل على الملا وامتلك # ولد ملوكا كنجوم الحلك # يستبقون للعلا في فلك! # قالت أم أيوب العثمانية محنقة: أما الحكم ابني فلم يرقصه أحد أو يغن له؛ إذ ~~كانت أمه - بنت عثمان الخليفة المظلوم # 2 # أقل منزلة عند عبد الملك من بنات عبس، وتيم، ويزيد بن معاوية! # ثم جمعت أطراف ثوبها، ونهضت معجلة إلى مقصورتها، لم تحي أحدا أو تستمع ms15 إلى تحيته، ~~ونهض صواحبها كذلك فتفرقن في حجراتهن! ~~••• # ودخل مسلمة على أمه «ورد»؛ ليشهد في عينيها دموعا حائرة، فلا تكاد تراه مقبلا حتى ~~ترسل دموعها وتطرق في انكسار ... ~~- ماذا بك يا أماه؟ ~~- لا شيء يا مسلمة. ~~- ولكنك تبكين يا أماه! ~~- لا تصدق كل ما ترى عيناك يا مسلمة. ~~- هل نالك أحد بمساءة؟ ~~- ومن ذا ينالني بالمساءة وأنا أم مسلمة، وحظية عبد الملك أمير المؤمنين وسيد بني ~~مروان! ~~- لعل أمير المؤمنين نفسه ... ~~- وكيف يسوءني أمير المؤمنين، وأنا ولدت له مسلمة؟ ~~- فلما إذن تبكين يا أماه؟ ~~- من أجلك يا مسلمة. ~~- من أجلي؟ ~~- نعم، فلو لم ألدك، لكنت اليوم ولي عهد أمير المؤمنين. # 3 ~~- لو لم تلديني يا أماه لم يلدني غيرك، وما تطيب نفسي بغيرك أما ولو كانت ... ~~- صه! حسبك ما أوغرت من صدورهن عليك. ~~- وماذا يوغر صدورهن على مسلمة، وإنه ليحمل العبء كله عن أبنائهن، فهو المدعو ~~لكل كريهة، وعليه أعباؤها دون غيره من أبناء عبد الملك، فما تزال تتقاذفه الفلوات وأمواج ~~البحر من مفازة مهلكة إلى ثغر مخوف؛ ليمكن لعرش يتنازعه من لم يسل سيفا من غمده ~~للدفاع أو يحمل راية! ~~- من أجل ذلك بكيت لك يا مسلمة. ~~- ولكني سعيد يا أماه بما أبذل، ولست أطمع - ولا أريد - أن أحمل أوزارها # 4 # فليحملوا منها ما قدروا عليه، وليدعوا لي سيفي وفرسي ورايتي أجاهد في ~~سبيل الله. ~~- تخادعني يا مسلمة! ~~- لا والله يا أم، وإني ليسعدني أنك ولدتيني، أكثر مما يسعدني أن أبي هو أمير ~~المؤمنين عبد الملك. ~~- صدق حدسك # 5 # يا مسلمة ... ~~- ماذا؟ ~~- لا شيء. ~~- بل قلت شيئا! ~~- دع هذه يا مسلمة ولا تلحف. ~~- تريدين أن تطوي عني سرا ... ~~- نعم. ~~- أي سر؟ ~~- السر لا يسأل عنه يا مسلمة. ~~- هو إذن سر يشين. ~~- أخطأت وأسأت يا مسلمة؟ ~~- وهل يكتم المرء من سره إلا ما يشين؟ ~~- نعم، وما يضر. ~~- يضرني أو يضرك يا أم؟ ~~- يضرني ويضرك يا مسلمة. ~~- لم أفهم بعد! ~~- خير لك ألا تفهم. ~~- ولكن سرا تطوينه عني وفيه مضرة ... يثقل ms16 على ضميري ويبلبل خاطري. ~~- ليتني لم أبدأ حديثا معك يا مسلمة. ~~- ولكنك بدأت. ~~- ولكني بدأت. ~~- ووقفت عند كلمة السر، فطويتيها عني وتركتني في بلبلة! ~~- اسمع يا مسلمة. ~~- هيه! ~~- أنت يا بني صاحب اللواء في هذه الدولة، ما تزال تقود الجند لحرب الروم، فتثخن ~~فيهم قتلا وتجريحا وأسرا، حتى أرهقت الروم من أمرهم عسرا، فهل تجد يا بني راحة ~~نفس فيما تفعل من ذلك؟ ~~- نعم يا أم. ~~- فكيف تصنع يا بني إذا عرفت أن في هؤلاء الروم خئولتك؟ ~~- قد عرفت ذلك منذ بعيد ... أفهذا هو السر الذي تطوينه عني؟ ~~- نعم يا مسلمة. ~~- ليس ذاك ... ~~- تريد أن أزيدك يا مسلمة؟ ~~- نعم. ~~- فاعلم - وعليك وحدك تبعة هذا العلم - أنك تركب من الأمر عظيما في حرب ~~الروم. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- أنت تطلب رأس جدك! ~~- جدي؟ ~~- نعم، أبي ... ~~- وما تزالين تذكرين أباك يا أم؟ ... ~~- نعم، كأنه بعيني منذ ساعات. ~~- واسمه؟ ~~- قسطنطين ... ~~- كل رومي قسطنطين! ~~- ليس مثل أبي قسطنطين أحد من الروم. ~~- أهو قيصر؟ ~~- كأن قد بلغ هذه المنزلة. ~~- ولم يبلغ بعد؟ ~~- لست أدري! فقد انقطع ما بيني وبين بني أبي، منذ صرت إلى عبد الملك. ~~- وكان أبوك يومئذ ... ~~- بطريقا يؤهله نسبه وجاهه إلى العرش! ~~••• # أطبق الفتى شفتيه، وحدق فيما أمامه، وأمال رأسه إلى جانب، وسبح في أوهامه، وجلست أمه ~~بإزائه صامتة، ترمقه بعينين فيهما حب وإشفاق ووجل. # وطال صمت الفتى حتى قلقت أمه، فقالت في حنان وعطف: لقد طوفت بعيدا في أوهامك يا ~~مسلمة. ~~- نعم. ~~- وهل عدت؟ ~~- نعم. ~~- وماذا رأيت في سرحتك يا بني؟ ~~- رأيت أباك. ~~- جدك؟ ~~- نعم. ~~- وقلت له ... وقال لك ... ~~- لم أستمع إلى قول منه أو يستمع إلى قول مني ... ~~- تغاضبتما إذن؟ ~~- نحن متغاضبان منذ كنا ... إنني أنا مسلمة بن عبد الملك، وهو قسطنطين وحسب! ~~- ولكنه أبو أمك! ~~- قد كان ذلك يوما، أما اليوم فلست منه وليس مني. ~~- وإذن فلم يغير من رأيك شيئا أن عرفت هذا السر؟ ~~- بل قد أجد لي عزما جديدا ... ~~- وما ذاك؟ ~~- أن لمسلمة حقا في عرش القياصرة، فسأحارب الروم ms17 منذ اليوم على عرش قسطنطين؛ لأستخلصه ~~لنفسي غير غاصب ... بحق أمومتك. ~~- الآن طابت نفسي يا مسلمة. ~~- طابت نفسك بتقويض عرش القياصرة من آبائك وآلك؟ ~~- ذلك شيء آخر. ~~- فماذا تعنين إذن؟ ~~- لقد كنت أخشى يا مسلمة - لو عرفت سر أمك - أن تطفأ في قلبك جذوة الحماسة لحرب ~~الروم، وهي كل ما تملك يا بني من أسباب المجد حين يتفاخر أبناء عبد الملك، فالآن قد ~~أمنت وطابت نفسي. ~~- الحمد لله. ~~- وسر آخر لم يزل يحيك في صدر أمك يا مسلمة ... ~~- ماذا يا أم؟ ~~- ولا تغضب؟ ~~- لن أغضب لما يرضيك يا أماه ... ~~- تنازعني نفسي إلى القسطنطينية حيث نشأت. ~~- تريدين أن أردك إليها؟ ~~- بل تردها إلي ... ~~- لست أفهم! ~~- إنني آمل أن أجد ولدي مسلمة يجلس منها على عرش القياصرة، ذلك حلمي القديم منذ كنت ~~فتاة لم تدرك، فقد علمت يا مسلمة أن بنات الروم - كبنات العرب - لا يحلمن حلما ~~أمجد ولا أسعد من أن تكون إحداهن أما لقيصر، وقد حسبت أني وجدت تعبير رؤياي هذه حين ~~ولدتك لعبد الملك، أما وإخوتك - كما ترى - يتسابقون دونك إلى ولاية عرش أمية، فإني أرجو ~~لرؤياي تعبيرا آخر روميا لا يعرف من الملوك غير قيصر. ~~- بل عرش قيصر وعرش أمية. ~~- صه. ~~- ماذا؟ ~~- أخاف عليك كيد بني مروان يا مسلمة. ~~- ولكن مسلمة لا يخاف يا أماه. # الفصل السادس # | ولي العهد # تغير كل شيء في نظر مسلمة منذ ذلك اليوم الذي سابق فيه إخوته في حلبة الخيل بين يدي ~~أبيه فسبقوه؛ وكأنه لم يدر إلا يومئذ أنه ابن جارية ... فلتكن أمه تلك من بنات الملوك أو من ~~بنات الملائكة، فليست في أعين الناس جميعا إلا جارية. # ولم يقع في وهم مسلمة قبل ذلك اليوم أن أباه قد يختاره لولاية عهده، ويرشحه للجلوس على ~~عرش الخلفاء في دمشق؛ فلو أن أباه اختار غيره من إخوته قبل ذلك اليوم لولاية العهد لما ~~ثقل عليه ذلك ولا التمس السبيل إلى معرفة أسبابه؛ أما اليوم فإن له في نفسه وفي إخوته ~~رأيا آخر ... فقد ms18 وجد ندبة في قلبه # 1 # من حديث أبيه إليه بعد السباق، ومما بلغه من حديث زوجات أبيه بعضهن إلى بعض، ثم ~~من حديثه إلى أمه، ولكن رأيه ذاك، وما ناله من المساءة في حديث أبيه وحديث زوجات أبيه، لم ~~يكن ليغير موقفه من إخوته شيئا؛ فليكن العرش والتاج لمن شاء أبوه من إخوته أو من غير ~~إخوته، فليس يعنيه ذلك في شيء، إنهم أحوج إلى مسلمة منه إليهم؛ إنه سيف بني عبد الملك، ~~وحامل رايتهم في الجهاد، وصاحب رأيهم في السلام، رضوا أو سخطوا؛ فليستأثروا دونه بعرش ~~أمية، فإن له عرشا في قلب كل عربي بين المشرق والمغرب، وإنه ليأمل فوق ذلك أن ~~يقتعد عرش جوستنيان في القسطنطينية، ويتخذها دار هجرة، فينزل في بلد خئولته ضيفا على ~~أبي أيوب الأنصاري ... ~~••• # لم يعد النعمان بن عبيد الله إلى دار أهله في الجزيرة منذ خرج ليطلب ثأر أخيه عتبة في ~~بلاد الروم؛ فقد اتخذ في اللاذقية # 2 # أسرة ودارا يأوي إليها كلما عاد من صائفة أو شاتية؛ وما كان ليأوي إليها إلا ~~أياما أو أسابيع يعود بعدها إلى ما بدأ، صائفا أو شاتيا. # وكان له نكاية في العدو وصبر على القتال واستماتة في المعركة؛ لا يقتحمها إلا وقد ~~كسر جفن سيفه # 3 # فلا يغمده إلا في اللبات # 4 # والصدور والجنوب، وكان شعاره في الحرب: لبيك عتبة! لبيك أبا أيوب! # وكم تعرض للشهادة فأخطأته، وعاد مثقلا بالغنائم وفي كفه سيف بلا جفن يقطر دما، وكم ~~احتز من رءوس، وبقر من بطون، وشق من مرائر، ولكنه لم ينل مرة واحدة رأس بطريق من ~~بطارقة الروم ثأرا لأخيه ... # وتشيع بطولة النعمان بين القوم، ويتحدث المشاة والركبان بأنباء معاركه المظفرة، حتى ~~تبلغ تلك الأنباء أمه وعشيرته في أرض الجزيرة، فتدمع عينا العجوز الثكلى، وترفع يديها إلى ~~الله ضارعة أن يكلأه ويرعاه؛ ليكون خلفا من أبيه وأخيه ... وتهمس الشفاه باسمه في ثغور ~~الروم خائفة وجلة، فتتعوذ منه بالمسيح والعذراء، إنه لينال بالرعب من أعدائه أكثر مما ~~ينال ms19 بسيفه! # وكان النعمان أثيرا عند مسلمة # 5 # منذ شهد ألوان بطولته، فأدناه منزلة وقربه مجلسا، وصار له عنده نفل ~~مضاعف # 6 # من أسلاب كل معركة. # وعاد النعمان ذات خريف من صائفته؛ ليستقبل ضيفا جديدا على الدنيا؛ فقد ولد له مولود ~~ذكر، ها هو ذا يستهل صارخا يؤذن أباه بمقدمه، ورن صراخه الأعجم في أذن أبيه كأنما ~~يسمع منه صائحا يهتف في المعركة: لبيك أبا أيوب! فمال عليه يقبله في المهد وهو يجيب: ~~لبيك يا عتبة! وصار اسم ذلك الصبي من يومئذ: عتيبة بن النعمان. # وكأنما خشي النعمان - وقد صار أبا - أن تكون أبوته مجبنة مبخلة، # 7 # فاحتمل أهله وولده إلى الرقة حيث تقيم أمه وعشيرته، وعاد معجلا إلى الثغر ~~يتربص بالروم في كل صائفة وشاتية، وعاش الصبي بين جدته وبني عمومته، وخف أبوه إلى ~~الميدان. ~~••• # المعارك تتوالى بين العرب والروم، والسفن العربية عليها الرايات البيض، تغدو وتروح في بحر ~~الروم بين أقريطش # 8 # وقبرص وأرواد # 9 # وسواحل القسطنطينية، ما أجدر هذا البحر الأبيض أن يسمى «بحر العرب»! إن جند ~~العرب لتحتل شاطئه الأفريقي والأسيوي جميعا من المضيق إلى المضيق، وما فيه من جزيرة إلا ~~ارتفع فيها الأذان ورفرفت عليها الراية العربية، وإن قوات الفتح لتوشك أن تثب من شاطئ إلى ~~شاطئ، فتبلغ القسطنطينية في الشرق وجزيرة الأندلس في الغرب، ثم تمد مدها حتى يلتقي ~~جناحاها في الأرض الكبيرة # 10 # فلا يكون على شاطئ هذا البحر من فوق ولا من تحت إلا نفوس عربية مؤمنة تعج ~~بالتكبير والأذان. ~~••• ~~«أقيموا المآذن في كل أفق يذكر عليها اسم الله: الله أكبر ...» واستجاب المسلمون للداعي، ~~وتفرقت جيوش المسلمين في الأرض: # محمد بن القاسم الثقفي # 11 # في الهند والسند يكتسح معاقل الكفر، ويدعو إلى الله عباد الوثن ... # وقتيبة بن مسلم الباهلي # 12 # في خرسان وبلاد الترك يثخن في الأعداء إثخانا بليغا، وينشر اسم الله في ~~البرية الشاسعة بين الصين وجبال القبج. # 13 # وموسى بن نصير اللخمي # 14 # يحاول خطة لم يحاولها عربي قبله، فيجهز مولاه ms20 طارق بن زياد لفتح أوروبا ~~... # ومسلمة بن عبد الملك ومحمد بن مروان # 15 # ومن معهم من أبطال البر والبحر يضيقون الحصار على قصبة بلاد الروم # 16 # فيتهاوى ما يليها من المعاقل معقلا بعد معقل حتى توشك مدينة قسطنطين الأكبر ~~أن تدين بالولاء والطاعة للخليفة في دمشق. # ولكن الخليفة قد تقدمت به السن، ويوشك أن يدركه أجله، وهو لا يريد أن يترك هذه الدولة ~~طعمة للطامعين، يتنازعون حول العرش حتى تذهب ريحهم، وتقتلعهم العاصفة، فترمي بهم إلى ~~البادية حيث بدءوا الزحف منذ بضع وثمانين سنة. # ويرى عبد الملك أن يختار ولي عهده ليبايع له قبل أن يموت؛ فتخفق القلوب حوله وتطمح ~~الأعين إليه ... # ويرى عبد الملك رؤيا، فيبعث إلى المدينة من يقصها على سعيد بن المسيب # 17 # يسأله تأويلها، ويقول سعيد لرسول عبد الملك: قل له: إن أربعة من بنيه ~~سيلون هذا الأمر؛ فليحسن إعداد بنيه لاحتمال تبعاتها. # وتشرئب الأعناق إلى قصر الخلافة، وتصطرع المطامع في نفوس بضعة عشر ولدا من أبناء عبد ~~الملك، وفي نفوس بضع عشرة من زوجاته وأمهات أولاده. # أيجعل العهد لأربعة من ولده؟ # ومن يكون هؤلاء الأربعة؟ ... # ما أحرى هذا أن ينشيء العداوة والبغضاء بين بني أب واحد، وما يدريه ما ترتيب آجالهم في ~~لوح القدر وإن أسنانهم لمتقاربة؟ # لا، فليدع سعيد بن المسيب يعبر الرؤيا على أي وجه شاء، وليدبر هو أمره على ما ~~يرى، لقد استأثر الله بالغيب فلم يطلع عليه أحدا من خلقه. # فليول عهده واحدا وحسب، وليأخذ له البيعة من إخوته؛ فإن ذلك حقيق بأن يبقي على ~~وحدتهم ورأيهم، وليكن ولي عهده الوليد ... # ولكن أخاه عبد العزيز بن مروان يطمع أن ينالها، # 18 # وقد أوصاه به أبوه قبل مصرعه، فما أحراه أن يحفظ وصاة أبيه في عبد العزيز ~~ليحفظ بنوه وصاته؟ ... # فلتكن ولاية العهد إذن للوليد بن عبد الملك وعمه عبد العزيز بن مروان جميعا. # ولكن عبد العزيز لا يلبث أن يجيء نعيه من مصر، وتنحل العقدة المستعصية، فيجعل عبد ~~الملك عهده من ms21 بعده لولديه: الوليد، ثم سليمان، ابني ولادة العبسية. # وتتم البيعة للأميرين، ويحلف لهما بنو مروان وبنو أمية جميعا، ثم تؤخذ لهما البيعة من ~~الأمصار ... # ويؤوي عبد الملك إليه أولاده ليقول لهم: «يا بني عبد الملك، أوصيكم بتقوى الله، فإنها ~~عصمة باقية، وجنة # 19 # واقية، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير، مع سلامة ~~الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والفرقة والخلاف؛ فبهما هلك الأولون، وذل ذوو ~~العز المعظمون، وانظروا مسلمة، فاصدروا عن رأيه؛ فإنه بابكم الذي منه تعبرون، ~~ومجنكم # 20 # الذي به تستجنون، وكونوا بني أم بررة، # 21 # وإلا دبت بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا ...» # ثم يقبل على ابنه الوليد، فيقول: «لا ألفينك إذا مت تعصر عينك وتحن حنين ~~الأمة، # 22 # ولكن شمر وائتزر، والبس جلد النمر، ودلني في حفرتي وخلني وشأني وعليك ~~شأنك، ثم ادع الناس للبيعة؛ فمن قال هكذا ... فقل بالسيف هكذا ...» # 23 # ثم يغمض عبد الملك جفنه! # الفصل السابع # | راهب البلقاء # ويجلس الوليد بن عبد الملك على عرش بني مروان في دمشق، وتستمر الفتوح شرقا وغربا ~~وشمالا وجنوبا، ويشرع الوليد في بناء مسجد دمشق، # 1 # ومسجد الرسول بالمدينة، ويأخذ في تعمير المرافق، وإعانة الزمنى، # 2 # وتأمين المحتاجين وذوي الخلة، # 3 # ويتردد اسم الوليد بين أربعة أقطار الأرض ... # وتقول ورد لولدها مسلمة: كيف رأيت أخاك الوليد على العرش يا أبا سعيد؟ ~~- رأيت خيرا يا أم، لو وفى لأخيه سليمان. ~~- ماذا؟! ~~- أحسبه يا أم يحاول خلع أخيه من ولاية العهد ليجعلها لولده. ~~- وعهد أبيه ووصاته له؟ ~~- لقد هم أبوه أن يغدر بأخيه عبد العزيز لولا أن عجل إليه أجله، فما أجدر الوليد ~~أن يغدر بسليمان! # 4 ~~- إلا أن يعجل إليه أجله. # 5 ~~- من تعنين يا أماه؟! ~~- لم أعن أحدا، فليختر القدر. # 6 ~~- ولكن سليمان حقيق بأن يليها! ~~- كلاهما أخوان لأب وأم. ~~- ولكن راهبا في دير منعزل من أرض البلقاء # 7 # أنبأني أن سليمان سيليها، ويفتح الله عليه بلادا لم تطأها من قبل قدم ~~عربي! ms22 ~~- أي بلاد حدست؟ # 8 ~~- القسطنطينية ... ~~- مرادك بعيد يا مسلمة، فما دامت هذه الأسوار، وتلك الحصون، وهذه النار الرومية التي ~~يقذفونها على الغزاة، فما تدع من شيء إلا جعلته ترابا؛ فلست آمل أن تفتح عليكم ~~حاضرة الروم من ذلك الطريق. ~~- ولكننا سنأخذ عليها كل طريق، ونسلك سبيل البحر والسهل والجبل، من الشرق والغرب ~~والشمال والجنوب، فلا تملك إلا التسليم. ~~- أي شمال وجنوب؟ وأي شرق وغرب؟ ~~- لقد وطيء جيش العرب جزيرة الأندلس يا أماه، فما أسرع ما تنثال # 9 # جيوشهم في الأرض الكبيرة زاحفة نحو الشرق، فيقتحمون على القسطنطينية أبوابها من ~~الغرب، وقد ملك قتيبة بن مسلم من أقصى بلاد الترك إلى جبال القبج وبحر بنطش، # 10 # فما أسرع ما يثب من البحر إلى الساحل، وهذا جيش مسلمة # 11 # ما يزال يراوحها ويغاديها من البر والبحر، فهل ترين لها خلاصا بين هذه ~~القوات الأربع؟ ~~- ويجلس مسلمة على عرش قسطنطين؟ ~~- ويجلس مسلمة على عرش قسطنطين، ويحقق لأمه أمنية، ويدع أبناء عبد الملك يتصارعون ~~على عرش أمية. ~~- وتكبت عدوي وعدوك يا مسلمة؟ ~~- ويبلغ عدوي وعدوك من هوان الشأن ما لا يحمل أحدا على التفكير في أمره! ~~••• # كان الإسلام في ذلك العهد دينا خالصا لله - كأول عهد المسلمين به يوم نزل - لم ~~تدخله خرافة، ولم يغلب عليه باطل، ولم يبتدع فيه مبطل حدثا، إلا بعض ميراث ~~الجاهلية في العامة من الإيمان بالنجوم والتماس علم الغد عندها، # 12 # وإلا مطمع بعض الخاصة في صدق الرؤيا والهاتف وحدس النفس المؤمنة، # 13 # فقد حدثهم من حدث أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: إن الرؤيا بضعة من ~~النبوة، # 14 # وإلا بعض ما ألهمتهم آيات من القرآن الكريم عما يتوارثه بعض أهل الكتاب من ~~علم عن الغد يجدونه مكتوبا عندهم في الإنجيل والتوراة، # 15 # فهم يلتمسونه عند الرهبان المنقطعين للعبادة في الأديار والبيع # 16 # المنتثرة في أرض البلقاء ووادي الأردن وأرباض الشام # 17 # وأطراف الجزيرة؛ وإلا ما أحدثه بعض الفرق الإسلامية الناشئة مما يسمونه علم ~~الملاحم ويسندونه إلى فلان، ms23 إلى فلان، إلى علي بن أبي طالب، ويزعمون أن فيه علم الغد ~~كله مكتوبا في «جفر» # 18 # على سبيل الرمز والإيماء، فلا يحل طلسمه إلا من أوتي حظا من ~~علم. # وكان إيمان الناس في ذلك العهد بهذه المستحدثات يختلف باختلاف بيئاتهم وميراثهم العقلي ~~وحظهم من فهم الإسلام. # ولكن كل نفس تستشرف إلى معرفة ما استسر في غدها من غيب الله؛ # 19 # فلا عجب أن نرى - في مثل ذلك العهد - طائفة من أهل التمييز والبصيرة، لا ~~تستنكف من غشيان الأديار وصوامع الرهبان تسألهم بعض ما عندهم من علم الغد! # وكذلك رأى مسلمة بن عبد الملك نفسه مسوقا ذات يوم إلى دير من هذه الأديار، يسأل ~~راهبها بعض ما عنده، وكان يصحبه في سرحته تلك مجاهد من أهل اللاذقية اسمه النعمان بن ~~عبيد الله ... ~~••• # قال مسلمة للراهب: يا شيخ، هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن؟ # 20 ~~- نعم، نجد ما مضى من أمركم، وما أنتم فيه، وما هو كائن! ~~- أفمسمى أم موصوفا؟ # 21 ~~- كل ذلك موصوف بغير اسم، واسم بغير صفة. ~~- فهل ترى من صفتي وصفة صاحبي هذا عندك؟ ~~- أمير يعزف عن الإمارة، # 22 # أو تعزف عنه الإمارة؛ ينزع به عرق ، ويجذبه عرق # 23 # جرادة صفراء، تحت راية بيضاء، يفتح به لغيره ولا يفتح له، عن يمينه على ~~العرش أربعة، وعن يساره أربعة، يدنو حتى يكون قاب قوسين، فيقف بين بين، ثم يفلتها ~~بعد الأين، # 24 # بينه وبين ما يأمله مائتان ومائتان وثلاثمائة، ثم يكون ما أراد، حين لا متاع له ~~بشيء من ذلك الزاد، إلا عين جارية، وسيرة باقية، ويذكر أبو أيوب، وأبو سعيد، ومحمد بن ~~مراد # 25 ~~... ~~- وهذا الخليفة الجالس على العرش؟ ~~- اسم صبي # 26 # وما هو بصبي، ترمقه العيون، وتتوهمه الظنون، وهو مما يراد به في حرز مصون، ~~يعلي البناء، ويوسع الفناء، ويجزل العطاء، ويلد النجباء، ثم يمضي كما جاء، ويخلفه ~~ملك له اسم نبي، ووجه وضي، تفتح عليه بلاد لم يسلكها بدوي، ولم تطأها قدم ~~عربي، يا ms24 سليمان بن داود! ارفع الغطاء عن المائدة للضيفان، إن للمأدبة موعدا قد ~~حان! # وصمت الراهب برهة، وأطرق، ومال مسلمة على أذن رفيقه يسر إليه، ثم رفع الراهب رأسه ~~يقول: وصاحب بالجنب ينشد ضالة، والضالة تنشد ناشدها، والباب بين الناشد والمنشود ~~عليه قفل ورتاج، وستر من ديباج ... أيها الصبي، أيتها الجارية، إن لكما وراء هذا ~~الباب عمومة وخئولة؛ اختلط الدم بالدم، وتدسس العرق إلى العرق، # 27 # ويلك لو انكشف المخبوء وانهتك الستر وأزيح النقاب، لقد نذرت نذرا ~~ونذرت المقادير نذرا، فأوف بنذرك، أو تجاوز عن ثأرك، فستبلغ المقادير غايتها برغمك، ~~ويشهد الأمير ضاحك السن عاقبة أمره وأمرك، فيحدب # 28 # على الوليد، ويترحم على الشهيد، ويصل رحم القريب والبعيد! # وتفصد جبين الشيخ عرقا # 29 # كأنما كان يمتح على رأس بئر، # 30 # ثم تنفس نفسا عميقا كأنما خرج من جب، وراح يقلب عينيه بين الأمير ~~وصاحبه صامتا، والأمير وصاحبه يتبادلان نظرات لا تكاد تفصح عن معنى. ~~••• # وقال الأمير لصاحبه وقد أخذا طريقهما إلى المدينة: هل فهمت مما وصف الراهب شيئا يا أبا ~~عتيبة؟ ~~- قليلا يا مولاي، وغاب عني الكثير! ~~- أفتدري ما المائتان والمائتان والثلاثمائة؟! ~~- أحسبه يعني الذين يستشهدون منا قبل أن تدين القسطنطينية بالفتح. ~~- أكذلك تزعم؟ ~~- وماذا تكون هذه السبعمائة إلا ذلك! ~~- ظننته يحصي الأيام أو الأسابيع، فإن كان ذلك فإن بيننا وبين الفتح عامين، أو أربعة عشر ~~عاما ... ~~- أو بضعة وخمسين! # 31 ~~- وي! # 32 ~~- بلى، فما أراه - إن كان يحصي الأزمان - إلا حاسبا حساب الأهلة، # 33 # لا الأسابيع ولا الأيام. ~~- ذلك كثير يا أبا عتيبة! ~~- ولكنه في عمر الدول قليل يا مولاي. ~~- أخطأ حدسك؛ فإني أزعم أن سيكون ذلك في عهد سليمان، # 34 # وتفتح عليه بلاد لم يطأها عربي، أفترى سليمان يعمر بضعة وخمسين؟ ~~- أفذلك قوله لابن داود: «ارفع الغطاء عن المائدة للضيفان.» ~~- ظننته كذلك. ~~- لقد كان لسليمان بن داود يا مولاي ملك لا ينبغي - في بني إسرائيل - لأحد من بعده، ~~فما أحرى هذا أن يكون بشرى لسليمان بن عبد الملك أن ms25 تفتح عليه كنوز الدنيا! ~~- ويكون اللواء في يدي يا أبا عتيبة! ~~- ويكون أبو عتيبة في ظل لواء الأمير! ~~- ونبلغ عرش قسطنطين الأكبر، ونطأ بساطه، ونحطم أصنامه، وأدفع إليك عشرة من بطارقته ~~تحتز رءوسهم ثأرا لأخيك. ~~- سيدي! ~~- ماذا يا نعمان؟ ~~- لقد تحدث الراهب عن الضالة وناشدها حديثا لم أعه! ~~- أفلم يقل إنني سأشهد عاقبة أمرك ضاحك السن؟ ~~- بلى ... ~~- فماذا يعنيك من سائر هذيانه وخلطه؟ ~~- أتراه يهذي ويخلط يا مولاي؟ فلماذا يصدق في الحديث عنك، ويخلط في الحديث عني؟! ~~- أفظننت هؤلاء الرهبان يا نعمان يصدقون في كل ما يحكون؟ ~~- ولم لا ...؟ ~~- فهبهم قد علموا من كتبهم غيب الملوك والأمراء، فمن أين لهم غيب سائر ~~الناس؟ ~~- وماذا يحمله على أن يكذب؟ ~~- ذلك يا نعمان كل ما بقي في أيدي هؤلاء القساوسة من الجاه في هذه البلاد بعد أن ~~أظلها الإسلام، أفتحسبهم ينزلون طائعين عن هذا الجاه، فيقولون لبعض العامة: لا ~~ندري! ~~- قد فهمت. ~~- بل ما تزال بعيدا عن الفهم. ~~- ماذا؟! ~~- أريد أن أقول لك: إني لم أصدق حرفا واحدا من حديث ذلك الراهب الشيخ، وما قصدته ~~مؤمنا مصدقا، وإنما أردت أن ألتمس إلى التسلية سببا، وأنشد راحة نفس، فدع عنك ~~حديثه ذلك كله كأن لم تستمع إليه، ولم تجلس بين يديه. ~~- قد سمعت! # ومضيا عائدين من الدير قد أطبقا شفاههما، لا يتحدث أحدهما إلى صاحبه بعد ذلك الحديث، ~~ولكن لكل منهما مع نفسه حديثا ضافي الذيول. # الفصل الثامن # | بارقة أمل # لم تكن أم النعمان تعرف أن ولدها اتخذ زوجا، إلا يوم عاد إليها بعد غيبة دامت سنين ~~يصحبه ذلك الطفل وأمه؛ أما الطفل فقد عرفته، إن فيه مخايل من أبيه - وإن لم يزل ~~رضيعا في لفائفه - وإن اسمه عتبة، أو عتيبة، وما أحبه اسما إلى قلبها! إنه ~~ليذكرها بعمه عتبة بن عبيد الله الذي ذهب منذ سنين ولم يعد بعد، فلا تدري أفي ~~الأحياء هو أم في الموتى، فليكن هذا الصبي خلفا من عمه الذي طواه الغيب في ظلماته، ~~وذكرى دائمة لأبيه الذي ms26 قطعه الغزو عن لداته ورماه في البحر والفلوات لا يكاد يستقر في ~~بلد أو يهدأ على ظهر سابحة. # ولكن من تكون أم هذا الغلام؟ من أي بلاد العرب؟ وإلى أي بطونهم تنتمي؟ إنها لنحيلة ~~ممشوقة، في عينيها زرقة، وفي خديها شحوب، ولحديثها نبر عذب، وفي يدها إشارة لطيفة، ولها ~~حظ من علم وأدب وظرف لم يحصل مثله كثير من بنات العرب، كل ما تعرف أم النعمان عن ~~كنتها # 1 # هذه الجديدة أن اسمها «سبيكة»، وأنها أم ذلك الصبي العزيز: عتيبة بن ~~النعمان ... # أعربية هي أم مولدة؟ أم فتاة جلبها ولدها من السباء # 2 # أو من سوق الرقيق في بعض بلاد الشام؟ أزوجة هي أم أم ولد؟ ليس يدري أحد، ~~ولكنهم جميعا يعطفون عليها، ويأنسون إلى حديثها، ويسارعون إلى مرضاتها، لا يسألونها عما ~~لا يعرفون من خبرها، حفظا لغيب صاحبها، # 3 # ولا تحدثهم هي مبتدئة عما يريدون أن يعرفوا، حفظا لغيب نفسها ... # وتعاقبت الأعوام وسبيكة تعيش في ظل الحنان والعطف من حماتها وسلفتها # 4 # وأخوات زوجها وولد أخيه، لا تكاد تحس أنها غريبة في هذا الجو الجديد عليها ~~ولا يكادون يحسون. # ولم ينس النعمان بن عبيد الله أن له زوجا وولدا، فكان يلم بالرقة حينا بعد ~~حين، كلما وجد فسحة من الوقت بين صائفتين، فيقيم بين أهله أياما قليلة ثم يرحل ... # وشب عتيبة بين فتيان الحي وفتياته، وقد آخى ابن عمه بشيرا وأخته نوار؛ فكأنما ~~جمعتهم أمومة واحدة وأبوة، وكذلك مضت الحياة بهذه الأسرة كما تمضي بكل الأسر في ذلك ~~البلد، لم ينكر أحد من أمرها شيئا، ولم تنكر من أمر نفسها؛ قد غاب رجلها في الغزو ~~والجهاد كما يغيب رجال كثر في مثل تلك السنين عن زوجاتهم وأهليهم، واحتملت الأسرة غيبته ~~راضية كما تحتمل أسر كثيرة في مثل تلك السنين غيبة رجالها راضية، بلى، كان في هذه الأسرة ~~رجلان صغيران، هما عتيبة بن النعمان، وبشير بن عتبة، ولكنهما طفلان وإن بدا لهما - من ~~مكانتهما في الأسرة - أنهما رجلا الأسرة وعليهما ms27 لها مثل تبعات الرجال. # وكانت الصوائف والشواتي ما تزال غادية رائحة بين الثغور في البر والبحر، عليها من أصحاب ~~مسلمة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لم يخرجوا في هذه الرحلات المتتابعة لاهين ولا ~~هازلين، قد وطنوا أنفسهم على الظفر في كل غارة يغيرونها أو يستشهدوا؛ منهم النعمان بن ~~عبيد الله الرقي، ومنهم أبو محمد الأنطاكي، ومنهم عبد الوهاب بن بخت؛ ثلاثة ما يزال صدى ~~أسمائهم يتردد في بلاد الروم مخيفا مفزعا، يرعب الصغير، ويؤرق الكبير، ويقض ~~مضاجع النوام؛ فإن الأم في ثغور الروم ليذنب صغيرها أو يبكي فتريد تأديبه، فتقول ~~له: اسكت أو أدفعك إلى الأنطاكي، أو ابن بخت، أو النعمان! فيكف الصغير عن بكائه ويستغفر ~~من ذنبه! # وكانت صيحتهم في الحرب: لبيك أبا أيوب، فكأنما ترددها وراءهم - حين يلفظونها - ~~أواذي البحر # 5 # وصخور الجبل، وتنداح # 6 # في سهول البادية صدى متصل الرنين، يفزع ويرهب ويقطع علائق ~~القلوب. # وكانوا يحملون في الحرب سيوفا بلا أغماد، إذ كانوا لا يخرجون بها من المعركة إلا ~~محطمة من طول الضراب! # وجلس ثلاثتهم ذات ليلة من ليالي العطلة في بعض مضارب الجند يسمرون، كعادتهم كلما سكن ~~غبار الحرب، وأخذوا في لون من ألوان المفاخرة بما أتوا من أعمال البطولة في حرب الروم، ~~فراح كل منهم يحصي ما في جسده من آثار الجراح، لا يكادون يستقصونها إحصاء وعدا، ~~وبدا الأنطاكي أكثرهم آثار جراح، فقال ابن بخت معجبا: لله ما أبليت يا أبا محمد في ~~سبيل الله، إنك لبطل! # قال النعمان: إنه لأعلى منزلة مما تصف يا أبا عبيدة؛ إنه لبطال. # 7 # وضحك الثلاثة ضحكا عريضا، ترددت أصداؤه في مضارب الجند، وصار اسمه من يومئذ: أبا ~~محمد البطال، # 8 # لا يكاد يعرفه أحد إلا به. # وقال أبو محمد ولم يزل يشرق بضحكته: لقد أذكرتماني أمرا حانت مناسبته، فقد كنت ~~بأنطاكية ذات يوم من سنة 70، وقد زحف الروم بجحافلهم يلتمسون غرة عبد الملك، حين اشتغاله ~~بحرب ابن الزبير وتوقي مكايد عمرو بن سعيد ومقاومة الخوارج، # 9 ms28 # وبدا للروم كأنما دانت لهم أنطاكية وانفتح البر، ولم يكن ثمة جيش للعرب ~~يصد غاراتهم، واستضعف المسلمون فأوى منهم من أوى إلى داره، وفر من فر إلى خارج ~~المدينة، ورأيتني ذلك اليوم بغتة بين كوكبة من جند الروم، يسوقون في الحبال ثلاثة أسارى ~~من العرب، وليس معي إلا سيف مفلول، قد تحطم من كثرة الضراب، وهتف بي الأسارى في ~~أغلالهم يطلبون النجدة: إلينا يا أخا العرب! # وثارت حميتي، فحملت فردا على الجماعة بسيفي المسلول، لم أحفل بما تنال سيوفهم من ~~لحمي، وقصدت إلى الأسارى أريد أن أخلصهم من أيدي القوم، وتوالت علي الضربات لا أكاد ~~أحس وقعها على جسدي، وأوشكت أن أخلص الرجال، بعد أن جندلت في طريقي إليهم بضعة ~~نفر، وهتف أحد الأسارى بصاحبيه: أبشر عتبة! أبشر سعيد! وهتف آخر منهم - وهو يشير إلى ~~جانبي فزعا: فديتك يا بطال ... احذر! ونظرت إلى حيث كان يشير؛ فإذا رومي في زي ~~بطريق قد رفع سيفه على رأسي، فهممت أن أخلى للضربة القاسمة، ولكن سيفه نالني ... # ثم كشف أبو محمد عن كتفه؛ فإذا أثر ضربة غائرة في حبل العاتق مما يلي العنق ... واستأنف أبو ~~محمد: فذلك أول ما سمعت كلمة «البطال»! # كان النعمان يسمع ذاهلا، قد اختلجت شفتاه وحال لونه، فلم يكد يسكت أبو محمد البطال ~~حتى ابتدره سائلا في لهفة: وماذا صنع بالأسارى؟ ~~- لست أدري؛ فقد أعجلتني ضربة قسطنطين عن تخليصهم، فنجوت من الموت ولم أكد! ~~- من قسطنطين؟ ~~- ذلك البطريق الذي نالني بتلك الضربة، لقد لقيته بعدها في بعض الصوائف، وعرفته وعرفني، ~~ولكنه أفلت من يدي ... ~~- والأسارى؟ ... # قال البطال مستخفا: وما عنايتك هذه بهؤلاء الأسارى وقد مضى زمان؟ وكم بين العرب ~~والروم من قتلى وأسارى! ~~- قد قلت: إن عتبة كان أحد هؤلاء الثلاثة؟! ~~- ومن عتبة هذا؟ ~~- إني لأظنه أخي. ~~- أخاك؟! ~~- نعم، فقد خرج للغزو منذ ذلك التاريخ فلم يعد، ولم تكن صوائف ولا شوات يومئذ، فقد كان ~~عبد الملك في شغل عن الصوائف والشواتي بحرب الخوارج. # صمت البطال برهة وهو يحدق ms29 في وجه صاحبيه، ثم قال موافقا: قد يكون إياه ... # وكان عبد الوهاب بن بخت صامتا، يستمع إلى ما يدور من الحوار بين الرجلين في اهتمام، ثم ~~عقب: بل إني لأرجو أن يكون إياه. # فالتفت إليه النعمان قائلا وقد شاع في وجهه الأمل: عندك ما تقول يا أبا عبيدة؟ ~~- نعم، فقد كان أحد الثلاثة سعيد بن جنادة، وقد خلص بهم الروم إلى البحر، فاحتملوهم ~~أسارى على ظهر سفينة رومية، ولكن ابن جنادة التمس غرة من القوم، فألقى بنفسه من ~~السفينة بعد ما أبعدت عن الساحل، فبلغ البر سابحا ... وقد لقيته فحدثني ... ~~- بماذا حدثك؟ ~~- قال: إن أحد صاحبيه اسمه عتبة الرقي، أليس بلدك الرقة؟ ~~- بلى، وماذا قال غير هذا؟ ~~- لم يحدثني عنهما أكثر من ذاك. ~~- وأين ابن جنادة هذا؟ ~~- مات تحت أسوار ملطية # 10 ~~... ~~- مات؟ ... ~~- نعم، وإني لأرجو أن يكون أخوك حيا فتلقاه ويحدثك الخبر! ~~- ليت الأماني تصدق يا أبا عبيدة! # وخلا النعمان إلى نفسه يفكر في أمره ... هل تصدق الأماني؟ وهل يرى أخاه حيا ~~فيحدثه ويستمع إليه؟ ولكن أين ...؟ # وهرول عائدا إلى أبي محمد البطال يستزيده: لقد قلت يا أبا محمد: إن البطريق الذي نالك ~~بسيفه اسمه قسطنطين؟ ~~- نعم! ~~- وإنك لقيته بعدها في بعض المغازي فعرفته وعرفك؟ ~~- نعم! ~~- أفلست تظنه يعرف ما آل إليه أمر هؤلاء الأسرى؟ ~~- أظن ... ~~- فإني أريد أن ألقاه. ~~- من ؟! ~~- قسطنطين البطريق. ~~- كل رومي قسطنطين يا أبا عتيبة، # 11 # فهل تظنني أذكر كل ما مر بي من الصور والحوادث على تعاقب السنين؟ ~~- أفلست تذكر أين لقيت قسطنطين هذا في الغزاة الثانية؟ ~~- لست أذكر. ~~- ولكنه يعرف بعض أنباء أخي، فأين ألقاه إذن؟ ~~- في بعض المعارك. ~~- ماذا؟ ~~- أعني لا بد أنك ستلقاه في معركة قابلة، فإنه رجل جلاد فيما يبدو، هذا إذ لم يكن قد ~~مات. ~~- أتظنه مات؟ ~~- وماذا يمنع؟ لقد كان يوم أنطاكية شيخا قد جاوز الخمسين، فإن لم يكن قد لقي أجله في ~~بعض المعارك فقد جاوز اليوم سن الموت. ~~- وا أسفاه! ~~- تأسف على موت عدوك وعدو الله! ms30 ~~- بل آسف على أخي، وما غاب عني من خبره. ~~- إنك لتسرف في الأمل يا أبا عتيبة إسرافا يوشك أن يفل عزمك عند أول صدمة ~~فيقطع بك، فهل استيقنت يقينا لا شبهة فيه أن ذاك أخوك؟ فكم في العرب من «عتبة»، وكم ~~عربي اسمه «الرقي» ولم يدخل الرقة أو يرها بعينين، فمن أين لك اليقين بأن ذاك ~~أخوك؟ ~~- إلا يكن أخي لأبي وأمي، فإنه أخي في الدين والنسب. ~~- صدقت، وإنه لأخي كذلك، وأخو كل مسلم وعربي. ~~- فستحرص منذ اليوم على ما أحرص، فتلتمس له أسباب الحرية؟ ~~- نعم، ولكل عربي في الأسر، وأطلب ثأر القتلى بكل رأس رأسين. # ودوى النفير، فهب المسلمون إلى أسلحتهم، وهب النعمان معهم إلى سلاحه وهو يلبي: ~~لبيك عتبة، لبيك أبا أيوب، الله أكبر. # الفصل التاسع # | نداء الدم # - يوشك حديث الراهب أن يكون حقا! # كذلك قال النعمان لنفسه، ألم يقل ذلك الراهب: إن صاحبا بالجنب ينشد ضالة، والضالة ~~تنشد ناشدها؟ ... فذانك هو وأخوه، ولكنه يريد أن يعرف أين تنتهي القصة؟ وما ذلك الباب ~~عليه القفل والرتاج وستر الديباج؟ ومن ذلك الصبي وتلك الجارية؟ وما تلك العمومة ~~والخئولة واختلاط الدم بالدم وتدسس العرق إلى العرق؟ # 1 # ليته يعود إلى ذلك الراهب فيسأله أن يوضح له ما غمض من هذه الأحاجي؛ # 2 # إن الرهبان ليعرفون كثيرا من غيب الخاصة وغيب العامة على السواء، # 3 # وما أنصف مسلمة حين وصف ذاك الراهب بما وصف ورماه بالهذيان والخلط! # وطوح الخيال لنعمان إلى مرامي بعيدة، وطوف حالما بين ما يعرف من ثغور الروم ~~يتحسس آثار أخيه، ثم آب من رحلته تلك مكدود الذهن، ضيق النفس، خائر العزيمة، لقد كان ~~قبل اليوم يجاهد مستميتا ليدرك ثأرا أو يظفر بالشهادة، أما اليوم فإن له هدفا آخر ... ~~ليس في نفسه اليوم إلا صورة أخيه الذي يزعم أنه لم يزل حيا في الأسر عند بعض بطارقة ~~الروم، وليس له أمنية إلا أن يصل إليه فيستنقذه فيرده إلى أمه وزوجه وولده! # والتفت خاطره إلى الذين يقيمون في الرقة ms31 من أهله، إن له ثمة زوجا وولدا، ~~يعيشان بين أمه وزوج أخيه وولديه، لا يكاد يطرقهم زائرا حتى يؤذنهم ~~بالفراق، # 4 # وقد مضى عامان منذ آخر زياراته لهم، فلم يرهم ولم يروه منذ ذلك الحين، كيف صار ~~ولده عتيبة اليوم؟ وما شأنه وشأن ابن عمه بشير بن عتبة؟ وأخته نوار بنت عتبة؛ تلك ~~الدمية الصغيرة الضاحكة أبدا كأنما يصبحها أبوها ويمسيها بالمزاح والدعابة ~~والطرائف المجلوبة، وأبوها أسير في حصن من حصون الروم لم تره قط ولم يرها ... # وعاد يذكر أخاه عتبة ... وتخيل كأنما لقيه بعد أين، فاعتنقا، وتذاكرا الماضي طويلا، ~~واصطحبا على الطريق إلى الرقة، حيث يقيم بشير ونوار وعتيبة وجدتهم العجوز وامرأتان ~~أخريان قد فارقهما زوجاهما منذ بعيد، فلا هما زوجتان ولا أرملتان! ... # ويرى عتبة بن عبيد الله ابنته نوار، عروسا فاتنة ضاحكة السن أبدا، فيسأل: من هذه؟ ~~فيضمها عتيبة بن النعمان إليه ويقول: هذه لي. # وتضحك امرأتان ورجلان، وتمتلئ قلوبهم غبطة ومسرة، ويحقق عتبة لابن أخيه ما أراد، ~~فيزوجه نوار، ويعود الأنس إلى تلك الدار الموحشة. # 5 # ثم يستيقظ النعمان من حلمه ذلك، فإذا هو في خيمته، منبطح على فراشه، وإلى جانبه سيفه ~~وترسه، ويفيء إلى الحقيقة # 6 # بعد مشوار طويل في وادي الأحلام، ويهم أن ينهض فتجاذبه الأرض. إن ~~الأماني مكسلة مجبنة، # 7 # ولكنه لا بد أن ينهض، فإن الجند في الميدان لا يؤذن لهم في أن ينبطحوا على ~~الأرض طويلا، وينسرحوا في الأحلام من واد إلى واد ... ~~••• # كانت الدولة حتى ذلك اليوم عربية خالصة، وكانت عصبية الأبوة والأمومة وخلوص العرق من ~~هجنة الدم، هي السياسة ومدار التدبير في الدولة؛ فليس للموالي ولا لأبناء الجواري ~~جاه في الحكم ولا مطمع في الرياسة ولا اعتبار عند الأمراء ولا عند السوقة، # 8 # وكان الخلفاء مع ذلك يؤثرون الروميات والصقلبيات # 9 # وبنات الترك والعجم والمجلوبات السود أحيانا على الحرائر من بنات العم ~~والخال، فيتخذونهن للفراش والخدمة وسياسة القصور ومجالس الأنس والمسرة، ولكنهن ~~إن يلدن فليس أولادهن في اعتبار آبائهم إلا ms32 أبناء جوار، وإن كانوا في الذورة من الفضائل ~~والحكمة وسياسة الأمور والشجاعة في الحرب، وكان أبناء العامة والخاصة من جواريهم في هذه ~~المنزلة كذلك عند آبائهم وإخوتهم وأهليهم، فليس لهم عند أحد منزلة ابن العربية الحرة ~~... # من أجل ذلك أبعد مسلمة عن عرش بني مروان، وهو من إخوته - كما قال أبوه - «حكيمهم الذي ~~عن رأيه يصدرون، وبابهم الذي منه يعبرون، ومجنهم الذي به يستجنون ...» # 10 # ومن أجل ذلك أيضا كتم النعمان بن عبيد الله عن أمه وأهله أمر امرأته سبيكة، فلم ~~يحدثهم أنها أم ولد، كانت نصيبه من الفيء في بعض الغزوات، فحازها في داره حتى نضجت ~~نضج الأنثى، وأحكمت العربية لسانا، وتشربت الإسلام دينا، فاتخذها أم ولد، ثم ~~ترقى بها درجة فجعلها زوجا، ثم حملها إلى أهله لا يدرون من أمرها إلا أنها أم عتيبة بن ~~النعمان! # لقد خشي النعمان أن يهجن أولاد عمومته ولده عتيبة حين يعرفون أنه لأم ولد ~~رومية؛ # 11 # فكذب تلك الكذبة الصامتة، ولم يتحدث إلى أهله بشيء من خبرها، وبعض الكذب لا ~~تلفظه شفتان. # 12 # ولكن هذا النحول في القد، وتلك الزرقة في العينين، وذاك الشحوب في الخد، وذلك النبر ~~في الحديث، كل أولئك ينم نميمة فاضحة عن أرومة تلك الصبية؛ # 13 # فتتهامس حولها بعض الشفاه، وتنقبض عنها بعض النفوس. # ويفد النعمان إلى الرقة زائرا ذات مرة - كبعض عادته - بعد غيبة طويلة، فتلقاه ~~زوجه طيبة النفس راضية، قد افتر ثغرها عن ابتسامة، تعبر عن مدى شوقها إليه وسرورها ~~بمقدمه، ولكنه يرى وجنتيها قد ازدادتا شحوبا، وعينيها قد بدتا أكثر زرقة وعمقا، ~~ويرى على تينك الشفتين الرقيقتين كلمات تختلج يجاذبها الحياء منه والحفاظ على ~~مودته أن تلفظها، ويسألها النعمان عما بها فلا تجيب، ولكنها ما تكاد تسمع صوته الحاني ~~حتى تستحيل تلك الاختلاجة دموعا تنحدر على الوجنتين الشاحبتين، ويدنو منها النعمان، ~~فيمسح على شعرها بيده، ويعيد سؤاله متلطفا، فتجيبه: ليس يخفى علي يا نعمان - ولا يطيب ~~لي أن أنكر - أنني جاريتك. ~~- بل زوجتي وأم ولدي ms33 يا سبيكة. ~~- نعم، أم ولدك التي أكرمتها بنسبك فسميتها زوجا. ~~- بل أنت أكرمتيني يا سبيكة بديا بما أسبغت علي من حنانك وعطفك، ثم ~~أكرمتيني ثانية حين ولدت لي عتيبة هذا الذي أرجو أن يكون قرة عين لي ولك، وما ~~زلت تكرمينني بما تحفظين من غيبي وتحدبين على أهلي وترعين ولدي راضية صابرة على مر ~~الفراق وشظف العيش. ~~- ولكن أمك لا ترضى يا نعمان. ~~- أمي؟! ~~- وزوج أخيك أيضا، وولدك عتيبة! ~~- ماذا؟ ... قد علمت من علم الناس أن الحماة والسلفة لا ترضيان أبدا عن الكنة ... ~~ولكن ما شأن ولدنا عتيبة؟! ~~- إنه مثلهما ينكر على أمه أنها ليست عربية. ~~- ومن أنبأه؟ ~~- لم ينبئه أحد! ~~- فماذا قال إذن؟ ~~- جاءني ذات يوم يسألني: إلى أي عرب اللاذقية تنتسبين يا أم؟ ~~- فكيف كان جوابك؟ ~~- قلت له: إن أباك يعرف، ولم أزد، فقد خنقتني العبرة، ففررت من بين يديه إلى ~~خلوتي. ~~- أفهذا ما تقولين إنه ينكره عليك؟ ~~- نعم! ~~- لقد أسأت الفهم يا سبيكة. ~~- بل قل: يا سبية! ~~- أوه! ~~- لست أريد مساءتك يا نعمان. ~~- ولم يرد عتيبة مساءتك. ~~- ففيم كان سؤاله ذاك عن نسبي؟ ~~- تلك عادة عربية: أن يفخر الأبناء بما يمتون من نسب الآباء والأمهات. ~~- وكيف كنت تراني أجيب؟ # قال النعمان ضاحكا، وقد مال عليها حتى خالطتها أنفاسه: قولي له: إنك في أعلى بيت من ~~بني الأصفر. # 14 # ونفرت سبيكة مبتعدة، وعضت على شفتها، ثم أرسلت عينيها وقالت، وقد سترت وجهها بكفيها ~~وبدنها يختلج كله: وكذلك أنت يا نعمان ما تزال تقولها! # قال وقد زحف إليها حتى لاصقها ثانية: فماذا كنت تريدين أن أقول إذن؟ ~~- لا شيء! ~~- ولكن كل مسئول لا بد أن يجيب. # قالت وقد شرعت عينيها وبرق فيهما بريق عجيب: قل إنك ولدتني ولادة ثانية ثم اتخذتني ~~زوجا! ~~- وإذن فأنا أبوك وزوجك؟ ~~- نعم. ~~- ولكنك أنت ولدتيني كذلك ثم ولدت لي! ~~- إذن فأنا أمك وزوجك؟ ~~- نعم! ~~- وأمك؟ ~~- إن لكل رجل أمين وأبوين. ~~- ولكل امرأة ...! ~~- فمن أمك الثانية إذن؟ ~~- أمك! ~~- ولكنك تكرهينها يا سبيكة فيما أرى! ~~- بل ms34 هي تكرهني. ~~- وهل تكره الأم ابنتها؟ ~~- نعم، حين تكون كنة لها، فتغلبها على أمومة ولدها. ~~- فهل أيقنت إذن أنك قد غلبتيها على أمومتي؟ ... ~~- أيقنت. # قال وقد مد إليها يدا يعابثها: فإن طفلك الكبير ... جائع يا أم. # فابتعدت عنه معجلة وهي تقول: صه، فإن عتيبة قادم. # وسمع وقع أقدامه في الفناء، ثم دخل، فألقى بنفسه بين ذراعي أبيه ... # لم يعد عتيبة صبيا، فقد شب ونما واخضر شاربه، وكان قويا عريض الألواح مفتول ~~الساعد خشن الكف، ولكن في خديه شحوبا، وفي عينيه زرقة وعمق، ولصوته نبر عذب، من ~~يراه ويرى هذين الرجل والمرأة لا يشك للنظرة الأولى أنهما زوجان قد أنجبا، فإن فيه من ~~كليهما وليس لأحدهما من صاحبه شيء ... # ورأى عتيبة فرصة سانحة ليتحدث إلى أبيه في أمر يشغله منذ بعيد، ثم استحيا ... فآثر ~~السكوت حتى يروي في الأمر فيعرف من أين يبدأ ... # ولكن الرجل الكهل لم يكن من الغفلة بحيث يغيب عنه معنى تلك اللمحات الغامضة والإشارات ~~المكبوتة التي بدت من ولده حين أخذا في الحديث عن بعض ما كان هنا وهنالك في أثناء تلك ~~الغيبة الطويلة ... ~~- إن عتيبة قد بلغ مبلغ الرجال يا سبيكة. ~~- نعم! ~~- ويرى من حقه أن يؤوي إليه زوجة. ~~- نعم! ~~- وتغلبك على أمومته أم أخرى ... ~~- تخف تبعاتي إذن. ~~- أتؤمنين بما تقولين يا سبيكة؟ ~~- كل الإيمان. ~~- وإذا لم يجد عندها ما يلتمس كل رجل في امرأته من حنان الأمومة وعطف الزوجة وإيثار ~~الحب؟ ... ~~- لن يفتقد عتيبة عند زوجه شيئا من ذلك. ~~- تعرفينها إذن؟ ~~- نعم! ~~- حدثك بخبرها؟ ~~- حدثتني عيناه دون لسانه. ~~- أهي نوار بنت عمه؟ ~~- من حدثك؟ ~~- حدثتني عيناه كذلك. ~~- وبماذا أجبته؟ ~~- غضضت طرفي، واصطنعت الغفلة. ~~- ولمه؟ ~~- أردت أن أستنبيء عينيها قبل أن آخذ في الحديث معه. ~~- ولكن عينيها لا تتحدثان إلى أحد بشيء! ~~- فكيف عرفت إذن أنها تحبه؟ ~~- إن عيون النساء أقدر على الغوص في أعماق النفوس والكشف عن خبيئاتها! ~~- وغاصت عيناك في أعماقها وكشفتا عن خبيئتها؟ ~~- ورأيت صورته في أعمق الأغوار من قلبها، ولكن إطارا أسود ms35 يمسكها ويلقي عليها ظلا ~~كريها. ~~- لست أفهم ما تعنين يا سبيكة! ~~- إن أمها لا تريد أن يكون زوجها فتى هجينا، يتدسس إليه عرق من الروم، الذين ~~أيتموها جنينا وأيموا أمها شابة. # 15 ~~- ومن أنبأها أن عتيبة يمت إلى الروم؟ ~~- لم ينبئها أحد! ~~- فكيف عرفت إذن؟ ~~- ذاك يوم جاء يسألني عن نسبي. ~~- قد وهمت يا سبيكة. ~~- وشيء آخر ... ~~- ماذا؟ ~~- كلمة لا أقولها ... ~~- بل قوليها ... ~~- لقد حدثتني أمها ذات يوم أنها لن تزوج فتاتها إلا فتى يمهرها تاج بطريق ~~رومي! ~~- ما أرخصه مهرا! ~~- يقتله ويحمل إليها تاجه. ~~- فهمت. ~~- ويسوق إليها مع هذا المهر جارية من بنات البطارقة. ~~- وفيم هذا الغلو؟ ~~- تريد أن تثأر لأبيها. ~~- ولكن أباها لم يمت! ~~- ماذا قلت؟ # لم يكن النعمان يريد أن يفضي إلى أحد بذلك السر، فإنه لم يطب له عيش منذ حمله، ~~وليس يريد أن يشق على أحبائه بتحميلهم من ذلك ما لا يحتمل هو، ثم إن أمر أخيه لم ~~يزل حدسا لا يعرف آخرته؛ أإلى لقاء سعيد؟ أم إلى خيبة أشد مرارة من ذلك الحاضر المر؟ ~~فلم تكد تجري على لسانه تلك العبارة، وتتبعها امرأته بالسؤال حتى فاء إلى نفسه واستدرك: ~~أعني أن أباها لا يعرف أين ذهب، فمن أين لها أن الروم قتلته؟ ~~- كيف تزعم! ~~- ولكن هذا الزعم لن يحول بين قلبين تعارفا، فائتلفا فأضمر كل منهما لصاحبه مثل ما ~~يضمر لنفسه. ~~- وذلك المهر؟ ~~- دعي ذلك إلى إبانه. # 16 ~~••• # لم يودع النعمان زوجته وولده في هذه المرة قلقا حيران، قد توزعته التبعات؛ فقد ~~خلف على أهله في هذه المرة رجلين يقومان بأمرهم، هما عتيبة ابنه، وبشير ابن أخيه، وقد ~~كشف لزوجه عن ذات صدره في أمور لم يكشف لها عن مثلها من قبل، وتحدث إلى أمه وامرأة أخيه ~~وولديها أحاديث ذات بال في شئون شتى، لم يصرح بكل ما في نفسه، ولكنه مهد تمهيدا ~~لبعض الأمر، ووضع في الأرض الطيبة بذرة يرجو لها النماء ... ثم وثب إلى ظهر فرسه ومضى ~~... # وكان فتى وفتاة يتبعانه بأعين ms36 دامعة وقلباهما يجفان، ثم لم يكد يغيب الراكب المغذ ~~حتى التقت أعينهما في نظرة طويلة، ثم أنغضت الفتاة رأسها وأنغض الفتى، # 17 # واتخذا طريقهما صامتين إلى الدار. # الفصل العاشر # | قبر على الطريق # لم تزل الغنائم والأسلاب والأسارى تتدفق على الثغور الإسلامية إثر كل صائفة وشاتية، قد ~~ازدحمت بها الأسواق وقلت فيها الرغبة، حتى ليباع مطرف الخز بدراهم، وتشرى ~~السبية من بنات الأمراء والسادة بدينار، على أن أعظم ما أفاء الله على المسلمين في تلك ~~السنين من غنائم الحرب؛ ما عاد به موسى بن نصير قائد جيش المغرب من غنائم الأندلس. # هذا موكبه يدخل دمشق في سنة 94 فيذهل الوالدة عن ولدها ويلهي الصبي عن طعامه ~~وشرابه. # ذلك أمير الركب موسى بن نصير في وشيه وديباجه؛ يتبعه ثلاثون غلاما من أولاد ملوك ~~الإسبان على رءوسهم التيجان، ويلبسون الثياب مطرزة بخيوط الذهب، مرقشة بفصوص ~~الجوهر، يسعى بين أيديهم المئات من غلمانهم وخدمهم وحشمهم، كأنهم في موكبهم الملوكي ~~بطليطلة؛ # 1 # يتبع أولئك عجلات تجرها الدواب ولا تكاد، قد رص عليها ما لا يحصى من ~~أحمال الذهب والفضة والجوهر والياقوت، والطنافس المنسوجة بقضبان الذهب المنظومة باللؤلؤ ~~الغالي والجوهر المثمن؛ يتبع ذلك عجلات أخرى قد تفسخت من ثقل ما تحمل، عليها مائدة ~~سليمان بن داود # 2 # قد نقلت من حيث كانت في طليطلة إلى عاصمة الدولة في دمشق، وكانت من ~~خالص الذهب والفضة، وعليها ثلاثة أطواق من لؤلؤ وياقوت وزمرد، يتبع كل أولئك موكب ~~الأسارى، وعدتهم أربعون ألفا من أبناء الإسبان. # ذلك كله هو بعض الخمس # 3 # مما اغتنم موسى بن نصير في حرب الأندلس؛ فكم جملة ما حصل من السبايا والأسارى ~~والمغانم! ~~••• # قال مسلمة للنعمان بن عبيد الله: أتذكر ما قال ذلك الراهب يا أبا عتيبة؟ فقد رفع ~~سليمان الغطاء عن المائدة للضيفان، أفلا تظن أن موعد المأدبة قد حان؟ # 4 # قال النعمان: صدق الراهب وبر ... ~~- بل كذب وفجر، وإن وافقه القدر. # وصمت مسلمة برهة، ثم أردف: وسأخرج إلى الحجاز في عامي هذا فأؤدي ms37 الفريضة، ثم أرجع ~~فأعد للغزو عدته، لا أنتظر سبعمائة ولا سبعين ولا سبعة، # 5 # ليس موسى بن نصير ومولاه طارق بأوسع ذرعا من مسلمة، فسنفتح القسطنطينية ~~وننفذ منها إلى الأرض الكبيرة قبل أن يجاوز موسى بن نصير جبل الزهرة إلى أرض إفرنسة، وتشهد ~~دمشق موكبا آخر قريبا ينسي أهل الشام موكب ابن نصير، ويلهيهم عن مائدة سليمان بن ~~داود! ~~••• # كان عهد الوليد بن عبد الملك خليقا بأن يطول؛ فقد ولي الخلافة ولم يزل في باكر ~~الشباب، وقد عمر أبوه عبد الملك وجده مروان حتى جاوزا الستين، ولكن بني عبد الملك ~~كثير، وكأن كلا منهم قد استقر في وعيه الباطن أن من حقه أن يجلس قدرا من عمره على ~~عرش عبد الملك، فلولا بقية من الحفاظ على العهد - أو لعلها خشية افتراق الكلمة - لوثب ~~بعضهم على بعض يستبقون عرش الخلافة؛ فكأنما اقتضت حكمة الله ألا يعمر الوليد طويلا ~~من أجل ذلك. # على أن الوليد كان على نية الغدر، فلولا أن الأجل أعجله من مأمله لجعلها وراثة ~~لولده دون أخيه وولي عهده سليمان؛ وكان يؤازره على هذه النية طائفة من أمرائه وبطانته ~~وقادة جنده، فلما بغته الموت ووليها من بعده سليمان بن عبد الملك، كانت أشياء تحيك في ~~صدره من بطانة الخليفة الراحل ... وكانت أشياء تحيك في صدورهم كذلك، ولكن مسلمة بن عبد الملك ~~- كما قال أبوه - كان مجن هذه الدولة، فرد سيوفا - كانت مشرعة - إلى أغمادها، ~~وبصق على الفتنة فانطفأت. ~~••• # وتهيأ مسلمة للحج، ففرق أصحابه على الثغور ، وعقد الألوية لأمراء الصائفة، ووزع ~~الأعطيات في الجند، ثم سار في موكب فخم ضخم على ظهر البادية إلى الحجاز، يصحبه النعمان بن ~~عبيد الله ... # ونزلوا ذات يوم للقيلولة في بعض مراحل الطريق، ثم نهضوا يستأنفون الرحلة، وكان بالنعمان ~~في ذلك اليوم وجع يثقل به، فلا يكاد ينهض، ولكنه لم يطب نفسا بالتخلف، فتحامل على ~~نفسه حتى ركب، وأسلم زمام ناقته إلى الحادي، # 6 # ثم أخذته إغفاءة، # 7 # فمال برأسه على قتب الراحلة، وسبحت به ms38 الأحلام في بحر بعيد الشاطيء، فانكشفت ~~له صور من الحياة لم يرها من قبل، ولم تخطر له في وهم، ولا في أمنية ... # ثم نشط من إغفاءته هذه معافى خفيف الحركة، ولكن رأسه مما ازدحم فيه من الأوهام ~~والصور لا يكاد يثبت بين كتفيه ... # واستمر الركب في سراه على ظهر البادية، والحداة يوقعون أغانيهم في هدوء الليل، ~~فترجع الصخور صداها عذبا صافي الرنين كأن موسيقى تعزف وراء تلك التلال التي تكتنف ~~طريق الوادي ... # وامتلأت نفس النعمان شعرا بليغا، ولكن شفتيه لم تلفظا بيتا، ولم يتحرك لسانه بقافية، ~~واستحالت العواطف الشاعرة دموعا في أجفانه، وتأججت نارا في رأسه، وكان نسيم الليل ~~باردا بليلا، فحبس في عينيه تلك الدموع، ولكنه لم يطفئ الوجد الملتهب في صدره، ~~والنار المشتعلة في رأسه، وبسط صدره ورفع أنفه يعب الهواء عبا، ولكنه لم يرو من ~~ظمأ أو يبترد من غلة؛ فاستحث راحلته حتى تقدمت فحاذت راحلة أمير الركب مسلمة بن ~~عبد الملك، فهم أن يتحدث إليه حديثا، ثم أمسك ... # والتفت مسلمة إلى حيث كان النعمان، فرآه فعرفه فبدأه محييا: طابت رحلتك يا أبا ~~عتيبة. ~~- طابت لك الرحلة والإقامة يا مولاي. # وكان مسلمة قريب الإفاقة من إغفاءة حالمة مثل إغفاءة صاحبه، قد رأى فيها رؤيا، ~~وانكشفت له صور من ماضيه وحاضره، وصور أخرى لم يرها من قبل، وكان النعمان يصحبه في كل ~~مراحل تلك الرؤيا؛ فلم يكد يفيق من إغفاءته ويرى النعمان إلى جانب راحلته حتى أخذه العجب، ~~فقال وفي صوته نبر غريب: لأمر ما رأيتك إلى جانبي الساعة يا أبا عتيبة. ~~- لقد رأيت رؤيا يا مولاي فرغبت ... ~~- رؤيا؟ ... ~~- نعم، وكان الأمير معي ... ~~- معك؟ ~~- أعني أنني كنت معه ... ~~- نعم، نعم! ~~- ورأيتك تضم إليك شابا فيه ملامح من أبيه فتتملاه طويلا، ثم تفيض عيناك بالدموع، ~~ولم أكن معكما بعد ذلك، ولكني رأيت كل ما كان وعرفت ... # قال مسلمة كالذاهل: نعم، نعم؛ ولكن كيف حدث هذا؟ ... ~~- قد رأيت ... ~~- عرفت، ولكن كيف اقتحمت علي غفوتي فرأيت ما رأيته؟ ... ~~- وي! ... هل رأى ms39 مولاي مثل هذه الرؤيا؟ ... # فاء مسلمة إلى نفسه ولم يكد، فقال مستدركا: ثم ماذا يا نعمان، فإن حديثك لعجيب! ~~- حسبت مولاي قال إنه رأى مثل رؤياي! ~~- بل عجبت أن تكون معي وأكون معك في اليقظة والمنام ... إن بيننا نسبا يا أبا عتيبة! ~~... ~~- وكذلك تراءى لي ... # وهم لسان مسلمة أن يسبقه ثانية إلى ما لا يريد أن يقول، فأمسك وترك النعمان يقص ~~رؤياه، لا يزيد على أن يقول له مرة بعد مرة: هيه يا أبا عتيبة! ... # ومضى النعمان في قصصه: ورأيت ولدي عتيبة على رأسي، وقد اخضلت عيناه بالدمع، وكانت ~~أمه سبيكة وراء ظهره، وكان على وجهها ستر رقيق تجول عيناها من ورائه، وكان مجلسك يا ~~مولاي إلى يمين فراشي، ورأيت عيني سبيكة تستقران على وجهك، ورأيت عينيك تستقران على ~~وجهها؛ فثار دمي غيرة وحنقا - ومعذرة إليك يا مولاي - وهممت أن أنهض، ولكن جسدي كان ~~قد ناله يبس الموت، وهم لساني أن ينطق، ولكنه لصق بفكي، وكأنما كنت أرى بغير ~~عينين، فقد كانت أجفاني مثقلة قد أطبقت واشتبكت أهدابها، ولكن المنظر - مع ذلك - لم ~~يزايلني؛ كانت عيناك مستقرتين على وجهها، وعلى شفتيك كلمات أراها ولا أسمعها، وبعض ~~الكلام يرى ولا يسمع، ثم ملت علي فقبلت جبيني، وانحدرت على خديك دمعتان، ~~وسمعتك تقول: هون عليك يا أبا عتيبة، إن بيننا نسبا وصهرا ... # وكانت دمعتان تنحدران في تلك اللحظة على خدي مسلمة، وقد مال على النعمان كأنما يهم ~~أن يقبله، لولا بعد ما بين الراحلتين، ثم قال وصوته يختلج: هيه يا أبا عتيبة! ~~- وخففت من ثقل، وحلقت بعيدا، وغاب عني منظر السماء والأرض، ثم فئت إليك، ورأيتك ~~هذه المرة في خيمة من ديباج، قد أقيمت في واد أفيح قد انبسط الزرع فيه على مد ~~البصر، وانتثرت فيه بيوت من خشب تسرح حواليها قطعان من الجاموس والغنم، وكأنما سمعت ~~الأذان والتكبير في هذه البيوت المنتثرة بين المراعي الخصبة، فعلمت أنني في أرض عربية، ~~وأنك صاحبها، فإن صدقت رؤياي يا مولاي، فتلك بضعة من أرض ms40 الروم مما يلي القسطنطينية، ~~حيث ينتهي خليج أبي أيوب، لقد نزلت هذه الأرض ذات مرة في بعض الصوائف ضيفا على أبي أيوب، ~~فأطعمني من ثمراتها وسقاني وأظل مقيلي! # كان مسلمة منصتا لحديث صاحبه وهو مسترسل فيما يقص من رؤياه: ورأيتك في خيمتك هذه ~~التي وصفت، وقد سيق إليك أسارى من الروم، فأمرت بأن تضرب أعناقهم، ومثلت سبيكة ~~لعيني في تلك اللحظة تحول بينك وبين ما تريد من سفك دمائهم، فنولتها العفو عنهم ~~ونولتهم العافية ... # وكان بدن مسلمة يختلج، وهو يقول ولا يكاد صوته يبلع أذنيه: هيه يا أبا عتيبة! ~~- ثم رأيتك في الرقة، وكان ثمة أخي عتبة قد جلس بين ولديه بشير ونوار، ورأيتك ~~تدني عتيبة ولدي منك فتضمه إليك، وعلى شفتيك كلمات لا أسمعها، وتفيض برك على أخي ~~وولدي وأهلي جميعا، لا تستثني منهم أحدا، ثم تمضي وعلى شفتيك كلمات لا أسمعها كذلك ~~... # ثم ماذا يا أبا عتيبة؟ ~~- ثم أراني وإياك على راحلتين في أرض البلقاء، نقصد ذلك الدير الذي لقينا فيه ذلك ~~الراهب ذات يوم فحدثنا، ولكننا نجد الراهب قد مات، فنرجع محزونين وأنت تقول: قد انقطع ~~الوحي منذ محمد، وما صدق الراهب ولا بر، بل كذب وفجر، وإن وافقه القدر؛ ولولا علالة ~~نفس تستشرف إلى معرفة ما استسر في غدها من غيب الله؛ ما غبرت قدمي في هذه ~~البادية ألتمس إلى التسلية سببا وأنشد راحة نفس. ~~- ثم ماذا يا أبا عتيبة؟ ~~- ثم أفقت من إغفاءتي فإذا أنا على هذا الطريق في ركب الحاج إلى مكة ، قد شرفني ~~مولاي بصحبته وبسط لي معروفه وبره. ~~- ذاك حقك علينا يا أبا عتيبة، ولكن ما شأن ولدك عتيبة هذا وما خبره؟ فقد شوقتنا ~~إليه يا صاح! ~~- فتى يخطو إلى الشباب، قد خلف أباه على أهله، وحفظ عنه الولاء لأميره، فهو ~~غلامك يا مولاي وإن لم يكن له حظ الرؤية وشرف المصاحبة. ~~- فقد صار له علينا الحق - إذن - أن نثبته في ديوان الجند، وأن نقدر له الأعطية، ~~ونعفيه من عبء الجهاد، حفاظا ms41 لعهد أبيه، واعترافا بما أبلى في الحرب وما لا يزال يبلي ~~... ~~- بورك لك يا مولاي! ~~- وبورك لك يا أبا عتيبة. ~~- ولكن هذه الرؤية التي رأيت ... ~~- اكتمها يا نعمان، فلا تقصصها على أحد؛ حتى ندخل المدينة، فنلتمس ابن سيرين # 8 # في مسجد رسول الله فنقصها عليه، فنسأله تعبيرها، وإني لأرجو أن تكون خيرا ~~بشرت به. ~~- وانسرح مسلمة في واد سحيق، والهواجس تصطرع في رأسه، وانسرح النعمان في واد آخر ~~... # هذه الرؤيا التي قصها النعمان على مسلمة لم تكن غريبة عليه؛ لقد تراءت له في إغفاءته ~~تلك القصيرة - كما تراءت لصاحبه، وكما قصها عليه - ولو كانت أضغاث أحلام # 9 # لما تراءت في صورة واحدة لرجلين قد اختلفا نفسا، وتباعدا آمالا، وتباينا في ~~أسلوب العيش، وإدراك صور الحياة! # وخطرت في رأس مسلمة صورة أمه ورد، ثم غابت في حواشي الظلام، وخفق قلبه خفقة؛ لقد ~~خلفها في دمشق مريضة، أتكون الآن في اللحظة التي تذكر فيها كل أم ولدها، وولدها بعيد ~~قد لفه الليل في مجاهل البادية، فليس له سبيل إلى لقائها؟ # وضاق صدره، ولكن نسيم الليل الهاديء لم يلبث أن رده إلى نوع من الهدوء يشبه ~~الاستسلام؛ فاطرح كل ما كان يصطرع من الأوهام في رأسه، وأقبل على ذكر الله مطمئنا ~~راضيا مؤمنا بقضاء الله وقدره. # الفصل الحادي عشر # | لبيك أبا أيوب! # وعاد ركب الحاج من المدينة، ولم يكن فيه النعمان؛ فقد حضره أجله في مكة قبل أن يحل ~~من إحرامه # 1 # وقبل أن يدخل المدينة ليقص رؤياه على ابن سيرين، ويعرف تأويلها، ولم يقصها ~~عليه مسلمة أو يلتمس لقاءه؛ فقد كان من رزئه بصاحبه في هم، وكان من الرغبة في سرعة ~~الرواح إلى دمشق ليرى أمه، بحيث لم يمكث في مدينة الرسول إلا بمقدار ما زار ووفى النذور ~~وفرق الأعطيات؛ ثم نادى مناديه في القافلة بالرحيل. # وبلغ دمشق، ولكنه لم ير أمه؛ فقد ودعت أمه دمشق وتركت دنياها جميعا قبل أن يعود ~~مسلمة ولدها من حجته! # وقعد مسلمة أياما يتقبل العزاء؛ ولكنه ms42 لم ينس منذ أول لحظة هبط فيها الحاضرة أن عليه ~~حقا لرفيقه الذي خلفه تحت الجنادل في صعيد مكة؛ فأرسل رسولا إلى ولده عتيبة في الرقة، ~~وأرسل معه لأسرة الشهيد مالا وأحمالا ... ~~••• # كانت جيوش الفتح قد بلغت شأوا بعيدا في الشرق والغرب: قد قوض جيش المغرب عرش ~~الإسبان، وحاز الأندلس من أطرافها، وأخذ يتهيأ للزحف شرقا نحو بلاد إفرنسة، وما يليها من ~~أرض الروم. # وبلغت جيوش المشرق قزوين، ونفذت إلى شواطيء بحر بنطش. # واتخذ أسطول العرب قواعد في ثغور بحر الروم يتهيأ منها للوثبة؛ وما تزال بعض سفنه تغدو ~~وتروح على بحر بنطش وخليج القسطنطينية، فتصيب من ثغور الروم غنائم وأسرى وسبايا؛ وما ~~تنفك قوات الفدائيين من العرب المتطوعة تغير على أطراف بلاد الروم تشعث فيها، ~~وتدك حصونها، وتنشر بين أهلها الرعب والفزع ... # وقد عجزت جيوش الروم عن صد هذه الغارات العربية المتتابعة على البر والبحر، وأخذوا ~~بالرعب عن تدبير أسباب الدفاع عن بلادهم، فساءوا رأيا في القياصرة والبطارقة والأمراء ~~وقادة الجند، ووقعوا في اضطراب وفوضى ولجاج عنيف؛ فلا يكاد يستقر على العرش قيصر من ~~القياصرة حتى يبادروا إليه فيخلعوه فيقتلوه أو يسملوا عينيه ويجدعوا أنفه، # 2 # وينفوه إلى جزائر البحر أو سهول القريم ... # وخلا عرش القسطنطينية من قيصر، وسنحت الفرصة ليضرب العرب ضربتهم الحاسمة، وقال أنسطاثيوس ~~الصالح كاتم سر القيصر المخلوع: قد - والله - أوشك العرب أن ينالوا منالهم ويملكوا البر ~~والبحر والسهل والجبل، وقد غلب أسطولهم على البحرين ونفذ إلى الخليج، ووطئت جنودهم ساحل ~~«أبيدوس» # 3 # وكأني بهم قد وثبوا غدا إلى «بيزانت» # 4 # و«كيلس» # 5 # فنقبوا الأسوار أو تسلقوها كالجن فإذا هم بين ظهرانينا لا يردهم أحد، ~~وكأني بمسلمة على رأس جيشه قد وطئ بلاط قسطنطين، وحطم تاجه ودنس «أيا صوفيا» # 6 # بنعله وكب تمثال العذراء على وجهه! # قال قسطنطين بطريق أبيدوس: بعض هذا أيها الأمير؛ فوالله لا ينالون منا منالا وفينا ~~عرق ينبض؛ فإلا يكن دفاعنا عن أرضنا وديارنا وحرياتنا، فليكن دفاعنا عن الصليب وتمثال ~~العذراء. # قال ms43 ميناس القائد ساخرا: فهلا دافع قسطنطين عن عرضه؛ إذ سبيت بنتاه وسيقتا تحت ~~عينيه إلى الأسر فلم يستطع ردهما، ولم يزل يبكي فقدهما بكاء يعقوب، # 7 # لا يكاد يخف لأخذ الثأر؟ # قال قسطنطين مغضبا: ألي يقال هذا؟ وما رأيت بطريقا من البطارقة قد حمل بعض ما ~~حملت من عبء الدفاع عن ذلك الثغر؛ فإن كانت بنتاي قد سبيتا واحدة بعد واحدة فما ~~قصرت في الدفاع، ولا عجزت عن الثأر؛ وما طرق العدو أبيدوس مرة إلا خلف نصف جنده ~~على ثراها صرعى، أو أسارى مقرنين في الأصفاد؛ ووالله ما يخدم أهلي - منذ بعيد - إلا ~~الأسارى من سادة العرب! # وكأنما أجد هذا الحديث ذكرى أليمة لقسطنطين، ومس عاطفته حديث بنتيه، فغلبه مدمعه ~~... # وكان قسطنطين هذا بطريقا شيخا، قد نيف على السبعين، وكان له - في تلك الدولة - سلطان ~~وجاه، قبل أن يتغلب على عرشها هؤلاء المتغلبون من السوقة والطغام، وكل صاحب أيد ~~وكيد، من قيصر كان غناما، وآخر كان جابيا، وثالث كان جنديا في المؤخرة فبرز إلى ~~الطليعة، ثم ترقى إلى القيادة، ووثب على العرش، # 8 # فلما اضطرب حال القياصرة وضعفت مهابتهم في نفوس الخاصة والعامة، وآذنت الدولة ~~بهذا الانحلال الخطير؛ اعتزل البلاط، وعزف عن السياسة وأوى إلى هذه البليدة على الشاطيء ~~الأسيوي من خليج القسطنطينية، فحشد فيها أهله وولده وقبيله، واتخذها دار إقامة بعيدا عن ~~مكايد الساسة ومؤامرات القواد وتقلبات الحوادث ... # ولكنه - وقد التمس الهدوء في موطنه هذا الجديد - لم يوفق إلى ما أراد؛ فإن غارات ~~الفدائيين من العرب لم تزل تناله من البر والبحر، فلما كانت أيام القيصر «قسطنطين بوغونات» ~~وحاصرت جيوش معاوية مدينة الروم فطوقتها برا وبحرا بالآلاف من السفن وعشرات الآلاف من ~~الجند، # 9 # نزلت أبيدوس سرية من سرايا العرب فأعجلت أهلها عن الدفاع، وعاثت فيهم عيثا ~~شديدا؛ ففتكت وهتكت واحتملت أسارى وسبايا، وكان فيمن سبيت «روديا» بنت قسطنطين نفسه؛ ~~وقد دافع البطريق البطل عن أهله وولده وبلده ما استطاع الدفاع، حتى رد العرب على أدبارهم، ~~ولكنه لم يستطع ms44 أن يستخلص فتاته السبية، وحملت فيمن حمل من الأسارى والسبايا إلى ~~دمشق ... # وتتابعت غارات العرب - بعد ذلك - على هذا الحصن الصغير كل صائفة وكل شاتية، ولكن ~~قسطنطين لم يقصر في الدفاع مرة ... # فلما كانت أيام جوستنيان الثاني - بعد استباء بنت قسطنطين بعشرين سنة أو يزيد - وبدا ~~للروم أن الدولة العربية في الشام قد أشرفت على الانحلال - أيام عبد الملك # 10 ~~- لما يتوزعها من أسباب الخلاف وما ينشب فيها من الفتن، كان قسطنطين أول ~~من كتب الكتائب الرومية لاهتبال الفرصة السانحة، ودعا الروم إلى التطوع للجهاد، وكانت ~~الفرقة التي ألفها من بنيه وبني إخوته ومن شباب أبيدوس أول فرقة رومية وطئت ثغر أنطاكية ~~وأوغلت في أرض الشام، ثم كان الصلح بين عبد الملك وجوستنيان الثاني؛ فارتد الروم مصحرين ~~أو مبحرين # 11 # إلى بلادهم، ولكن قسطنطين لم يرتد حتى أصاب غنائم وأسرى مصفدين في الأغلال ~~يسوقهم إلى أبيدوس؛ ولولا أن جوستنيان أمره فأغلظ في الأمر لما عاد حتى يثخن في بلاد ~~العرب، ويبلغ من العلم عما آل إليه أمر ابنته التي استباها العرب منذ نيف وعشرين سنة، ~~ولكنه - مع ذلك - قد ارتد بأسارى يرجو أن يبقوا عنده رهائن إلى يوم قريب أو بعيد. # 12 # وكان الشاطيء الشمالي من خليج القسطنطينية قبلة الغزاة العرب في كل غارة، حيث يثوي أبو ~~أيوب الأنصاري؛ يهاجرون إليه لينزلوا عليه ضيوفا في داره هذه التي اتخذها مثوى إلى يوم ~~يبعث الله الموتى، فكانت أبيدوس لذلك طريقا لهؤلاء الغزاة المغيرين، ~~يبيتونها # 13 # برا وبحرا في الذهاب والعودة، ويصيبون من أهلها، ويصيب أهلها منهم؛ فلم ~~تنقطع الغارات عليها صائفة وشاتية، ولم يكف قسطنطين عن النضال! # ثم كانت غارة من تلك الغارات الباغتة، أثخن فيها العرب في الروم إثخانا شديدا، ~~واحتملوا أسارى وسبايا؛ وكان من بين السبايا ابنة أخرى لقسطنطين، لم تنضج نضج الأنثى، ~~ولكنها جاوزت حد الطفولة ... وافتلذ العرب فلذة أخرى من كبد البطريق المرزأ ... # هل كان البطريق قسطنطين يجاهد العرب منذ ذلك اليوم ثأرا لابنتيه السبيتين، أو ثأرا ms45 ~~لوطنه، وكفاحا عن أمجاد قومه؟ # من يدري؟ ولكنه - على أي حاليه - لم يكف عن النضال. # وهذا القائد ميناس يعيره بسبي ابنتيه، ويوشك أن يتهمه في وطنيته وفي شجاعته ~~ومصابرته، فيدافع دفاع الغضبان، ثم لا يلبث أن يغلبه الدمع. # يا للبطريق الشيخ! دريئة من درايا قومه # 14 # يتلقى عنهم سهام العدو، ففي كل موضع منه جراحة لم تلتئم، ويتهمه قومه ~~بالجبن والخور ...! # وابنتاه ... أين هما اليوم؟ # أحظيتان في بعض بيوت الأمراء والسادة، أم جاريتان ممتهنتان في بعض بيوت الرعاع ~~والسوقة؟ # أولدتا لبعض العرب جندا يشهرون السيوف في وجوه بني الخال والخالة من سادة الروم؛ ~~أم آثرتا الموت على ذل الإسار أو آثرهما الموت؟ # أتذكرانه كما يذكرهما ويذكرهما معه الإخوة والأخوات وبنو الأعمام والعمات، أم استبدلتا ~~في العرب أهلا بأهل؟ وباعتا بالسيد والولد الأب والأم والإخوة والأخوات؟ # في أي البلاد تعيشان؟ أو في أي الأرض سوي عليهما التراب؟ # ابنتا البطريق المعظم، جاريتان قد انقطعت بينه وبينهما الأسباب؛ فيا له من الفجيعة في ~~ابنتيه، ويا له من بذاءة بعض قومه! # قال أنسطاثيوس الصالح: هون عليك يا قسطنطين؛ فقد علم - والله - كل رومي في هذه ~~البلاد بلاءك في جهاد العرب؛ فلا عليك من قول لم تحمل عليه إلا الغيرة. ~~••• # وبويع أنسطاثيوس قيصرا؛ فراح يحاول ما يحاول لتدبير أمر البلاد وتنظيم قوات الدفاع، ~~ولكن غارات العرب المتتابعة لم تدع له فرصة للتدبير ولا لتنظيم قوات الدفاع؛ فنالوا منه ~~ولم ينل منهم، وتوالت هزائمه في البر والبحر، فاعتزل العرش إلى بعض الأديار حزينا أسوان، ~~يلتمس في الصلاة والدعاء بعض السلوان. # ووثب إلى العرش سوقي آخر كان جابيا للخراج في بعض الأقاليم؛ فلم تكن حال البلاد في ~~عهده خيرا منها في عهد أسلافه، واضطرب به الأمر وأحاطت به الأحداث ... # وكان العرب - وقتئذ - يتأهبون للغارة الكبرى تحت راية مسلمة ... ~~••• # كان سليمان بن عبد الملك في بستانه، قد رمى نفسه على الرمل بلا وطاء يبترد من حر ~~ذلك النهار، وإلى جانبه زنبيلان قد ملئا بيضا وتينا، فهو يمد يده ms46 إلى زنبيل بعد ~~زنبيل، يأخذ من هذا ومن ذاك بيضة وتينة بعد بيضة وتينة، حتى أتى على الزنبيلين وما ~~شبع، ثم ألزق بطنه بالرمل، وهو يقول: ما أحب إلي هذه المنامة وأبردها في هذا ~~اليوم القائظ! # ثم أتوه بغدائه: جدي مشوي كأنه عكة سمن، ودجاجتان هنديتان كأنهما رألا ~~النعام، وعس يغيب فيه الرأس، قد امتلأ حريرة كأنها قراضة الذهب، ثم صف بين يديه ~~ثمانون قدرا مختلفة الألوان ... # 15 # واعتدل سليمان في مجلسة، وأقبل على الجدي المشوي فأتى عليه، ومال على الدجاجتين يأخذ ~~برجل واحدة بعد واحدة، فيلقي عظامها نقية، ثم جعل يقلع الحريرة بيده، ويشرب ويتجشأ ~~كأنما يصيح في جب، فلما فرغ من ذلك مال على القدور الثمانين يكشف عن أغطيتها قدرا بعد ~~قدر، فيأكل من كل منها لقمة أو لقمتين أو ثلاثا ... ثم مسح يديه واستلقى ... # قال له مسلمة: أمتعك الله يا أمير المؤمنين، وأمتع بك! ... ~~- ويك يا مسلمة، فهل عندك من جديد؟ ~~- نعم، فإن هذه الروم على ما ترى من الضعف، واحتلاف الأمر، وهوان المنزلة، ولم يبق ثغر ~~من ثغورهم مما يلي بلادنا إلا وطئه جند العرب وجاسوا خلاله، ولا حصن من حصونهم إلا ~~شعثناه، حتى تطامن من شموخ، واستبيح بعد منعة؛ وإني أرى الأوان قد آن يا أمير ~~المؤمنين للضربة التي تدك حصونهم وأسوارهم، وتبيح أرضهم وحريمهم، وتعلي كلمة الله في ~~تلك الأرض الكافرة. ~~- وعتادك وجندك؟ ~~- على الأهبة يا أمير المؤمنين، عشرون ومائة ألف في البر، ومثلها في البحر. ~~- وسفن الغزو؟ ~~- ثمانمائة وألف سفينة تطاود الموج ولا تنطاد فوقها السحب! ~~- والنار الرومية يا مسلمة؟ ~~- لن تنال منا منالا يا أمير المؤمنين ، أو توهن لنا عزيمة. ~~- وتلك الأسوار المملسة لا يقف عليها الذر، الشامخة قد ركبتها السحب؟ ~~- سيفتحون لنا الأبواب طائعين حين يضر بهم الحصار، فلا تكون أسوارهم هذه إلا سجنا لهم ~~لا يملكون منصرفا عنه. ~~- ولكن الحصار لا يضر بهم من قريب يا مسلمة، وعندهم من الزاد والأقوات، ومما تمدهم به ~~أمم النصرانية في الأرض الكبيرة، وما ms47 يعاونهم به البلغار من غلات بلادهم؛ ما يطول معه ~~الأمد! ~~- سنصابرهم حتى ينفد المذخور، وينكل الصبور، ويتسلل الجبان، ويسأم الأعوان، وينقطع ~~المدد. ~~- وشتاؤهم الذي يجمد الأطراف، ويوجب الكن؟ ~~- سنبني حول الأسوار بيوتا كبيوتهم، ومصانع خيرا من مصانعهم، ونتخذها دار إقامة حتى ~~يفتح الله علينا، وتسقط في أيدينا مدينة قسطنطين. ~~- وطعام الجيش وزاده، والطريق إليكم طويل، والبر موحش والبحر هائج؟ ~~- سيكون لنا هناك زرع وضرع ومرعى وماشية. ~~- أراك يا مسلمة تحاول عظيما من الأمر! ~~- كل عظيم يا أمير المؤمنين، فأنت أعظم منه! ~~- الله يا ابن عبد الملك، إنك لتنكر قدرك، ولولا أن سبق إلي عهد أمير المؤمنين عبد الملك لكنت أحق بها وأهلها. # 16 ~~- ولكن الدولة عربية يا أبا أيوب. ~~- وأنت مسلمة بن عبد الملك. ~~- بل أنا ابن ورد. # 17 ~~- فهل ترى ولد عبد الله بن عمر قد نقص من قدره شيئا أن أمه من بنات سابور؟ # 18 ~~- قد سمعتهم يمزحون فيقولون: إنه أحق بعرش كسرى. ~~- فأنت إذن أحق بعرش قيصر! # 19 ~~- ها أنت ذا قد قلتها يا أبا أيوب. ~~- والله لولا أني لا أملك أن أخلع نفسي، وأنضو قميصا قد قمصنيه خليفة رسول الله # 20 # لرضيت - طيب النفس - أن تجلس مجلسي على عرش عبد الملك، وإنك لأعظم في نفسي ~~مهابة، وأدنى إلى قلبي منزلة من ولدي أيوب. ~~- أمتعك الله به يا أمير المؤمنين، حتى تبايع له بالعهد من بعدك، إن أيوب ابن أمير ~~المؤمنين لريحانة هذا البيت، وإني لأرجو أن يكون له شأن في غده. ~~- طاب فألك يا أبا سعيد! ~~- وطاب عهدك! إنك بأيوب لميمون الكنية؛ فكأني بك أردت أن يكون أبو أيوب الأنصاري أول ~~من يبلغ أسوار القسطنطينية من العرب، وأن يكون أبو أيوب الأموي # 21 # أول من تفتح له بابها، فيطأ بفرسه بساط قيصر، ويحطم أصنام الشرك في كنيسة ~~أيا صوفيا، ويجهر بالأذان في أكبر بيعة من بيع النصرانية. ~~- طابت نفسي والله لحديثك هذا يا أبا سعيد، وإني لأرجو أن يكون ما قلت، فخذ في أسبابك منذ ~~اليوم، ms48 والله معك. # الفصل الثاني عشر # | وفاء بذمة ... # لو لم يسبق الأجل إلى ورد أم مسلمة لقرت اليوم عينا؛ فسيبلغ مسلمة عرش قيصر، ويطأ ~~بساطه، ويلبس تاجه، وتدين له تلك البلاد جميعا بالطاعة والولاء؛ ولكنه يتلفت حواليه فلا ~~يرى أمه، ولا تراه أمه، لقد فرغت من الدنيا قبل أن تكتحل عيناها برؤية ولدها مسلمة في ~~الموضع الذي كانت تأمل أن تراه فيه ... # ولكن صورة أخرى تتراءى لعينيه الساعة: صورة فتى عربي في وجهه شحوب، وفي عينيه زرقة ~~وعمق، ولصوته نبر عذب، فيه مخايل من صديق له قد مات منذ قريب، وغيبته الصفائح في ~~البلد المحرم ... وإلى جانبه امرأة منتقبة شابة تجول عيناها وراء ستر شفيف، تجد ~~لها نظراتها ذكرى، فلا يكاد يكف عن النظر إليها، ولا يخجله من ذلك أن ولدها الشاب إلى ~~جانبها، وأنها أرملة صديق قد مات منذ قريب ... # تلك الصورة قد رآها ذات مرة في الحلم، كأن قد أبصرها بعينين، ثم سمع صديقه يقصها عليه ~~- كما رآها - فوعاها بأذنين، وها هي ذي تتخايل لعينيه الساعة يقظان، فكأنما هي صورة في ~~إطار ما تزال تقع عليها العين مرة بعد مرة، فلا تنكر من ملامحها شيئا! # وتحضره إلى جانب هذه الصورة ذكريات أخرى وصور شتى وأحاديث متباينة، فلا يكاد معها ~~يحقق أمرا مما يرد على خاطره! # لقد كان لأمه معه ذات يوم حديث ما يزال صداه في نفسه؛ فإنه ليذكره كلما خطرت ~~القسطنطينية في باله، أو أزمع مع الروم حربا ... # وكان له ولصاحبه النعمان حديث آخر مع الراهب الشيخ، في الدير المنفرد في أرض البلقاء، ما ~~يزال صداه يمتزج بصدى حديثه إلى أمه ... # وتلك الرؤيا ... # ثلاث صور تتزاحم وتلتحم وتتماس أطرها، فلا يبين منظر من منظر، ولكن وراء اجتماعها ~~صورة أخرى لم ترها عيناه بعد ... فلعله يراها أو يرى تأويلها حين يدخل القسطنطينية ظافرا ~~على حصانه! # إن الحقيقة الناصعة التي ينشدها من وراء هذه المعميات قد تمزقت الصحيفة التي ~~تقص خبرها، فشطر منها في القسطنطينية، وشطر في يده، فإذا لم ms49 يوافق هنالك شطر الصحيفة ~~التي يجد فيها تمام ما يعلم فلا بد أنه واجده عند الذين يتوارثون علم الملاحم من رهبان ~~القسطنطينية. ~~••• # وكان عتيبة بن النعمان في لهو الشباب، حين جاءه نعي أبيه، فغمه ذلك غما رده في ~~الشباب إلى الكهولة. # وبكت الأم العجوز ما شاءت أن تبكي، فذكرته وذكرت أباه وذكرت أخاه عتبة، ثم فاءت إلى ~~الصبر والرضا بقضاء الله، راجية في حفيديها بشير وعتيبة ما كانت ترجو عند ولديها اللذين ~~مضيا، وخلفاها في وحدتها هذه الموحشة تجتر ذكرياتها السعيدة والمؤلمة وأحزانها ~~المتعاقبة. # وبكت زوجه حتى غارت عيناها وزادت نحولا وشحوبا، وضاعف الحزن انقباضها عمن معها في ~~الدار، فانطوت على ما في نفسها من آلام يعرف منها من يعرف طرفا، ولكن سائرها لم يطلع ~~على غيبه أحد! # وبكت نوار؛ فقد كان النعمان أباها وعمها جميعا، وقد حمل على كتفيه عبء الثأر لأبيها، ~~فلم يزل ينشده في كل مهلكة حتى أدركه أجله، ثم إنه إلى ذلك كله أبو عتيبة، وحسبها ~~ذلك سببا إلى الحزن لا تغيض مدامعه ... # وسفرت نوار عن وجهها منذ جاءها النبأ بمصرع عمها، فقالت لصاحبها: قد مات أبوك يا ~~عتيبة، وعليه نذر لم يتهيأ له الوفاء به. ~~- نعم، الثأر لأبيك برأس بطريق من بطارقة الروم، أو الثواء تحت أسوار القسطنطينية في ~~ضيافة أبي أيوب. ~~- وتريد وفاء بهذا النذر يا عتيبة؟ ~~- وأزيد عليه يا نوار، أن آتيك بتاج البطريق وأخدمك ابنته. # 1 # وتضرجت وجنتاها، وقد فهمت ما يعنيه، فقالت وقد غضت من بصرها: الثأر أولا يا ~~عتيبة. ~~- بل نذر أبي يا نوار، أما ثأر أبيك فلولا نذر مات النعمان ولم يف به لكان أخوك ~~بشير جديرا بأن يحمل عبأه . # 2 # وساءها أن يعيرها بأخيها وضعف همته وإيثاره الدعة، ولكنها لم تغضب، فقد سرها أن ~~يكون عتيبة بحيث أراد أن يصف نفسه، فقالت: النذر والثأر جميعا يا عتيبة، فذلك ميراث ~~أبيك. ~~- لو لم يكن ميراث أبي لكان أمرا من نوار واجب الطاعة، وما يكون لي أن أنكص أو ~~أروي ms50 في أمري # 3 # يا ابنة العم، لو أنك أمرتيني أن أثب إلى النار الموقدة لأقبس لك منها جذوة ~~ملتهبة، أو أخوض في بحر من الدم لأخرج لك لؤلؤة حمراء، أو أتطوح في مهاوي الريح ~~لأرد إليك صدى أغنية عذبة ملأت نفسك، فلا تريدين أن يفلت صداها في الزمن! ~~- أكذلك أنت يا عتيبة؟ ~~- بل اسأليني يا نوار: أكذلك أنا في نفسك يا عتيبة؟ ~~- وتكتم عني؟ ~~- بل أنت تعرفين، وتصرين - مع ذلك - على الكتمان. ~~- ألم تكن تعلم ...؟ ~~- كنت أعلم علم نفسي يا أخية، وأهابك أن أسألك عن علم نفسك. ~~- فقد علمت اليوم. ~~- وقد علمت أنت يا نوار. ~~- ليتني لم أعلم. ~~- هل ساءك إذن أن تعرفي أنني أحبك؟! ~~- بل ساءني أن أعلم ذلك حين أنت على أهبة الرحيل عنا يا عتيبة. ~~- ولكنك أنت التي تريد أن أرحل؛ لأدرك ثأرا وأوفي نذرا و... ~~- وماذا يا عتيبة؟ ~~- وأجمع مهرا يا نوار! ~~- ولكن بقاءك أحب إلي. ~~- وأحب إلي يا نوار، ولكن الدم المطلول يطلب واتره. # 4 ~~- قد أخذ أبوك بوتره، وقتل بأخيه رجالا، وأطاح برأس رءوسا. ~~- ولكنه لم يحمل إليك رأس بطريق وتاجه. ~~- ولكني أخاف عليك يا عتيبة. ~~- فلست إذن أهلا لحبك يا نوار. ~~••• # ثم انقلب عتيبة إلى حيث كانت أمه سبيكة: أمي. ~~- ولدي عتيبة! ~~- إنني ذاهب. ~~- إلى أين يا عتيبة؟ ~~- إلى حيث ذهب عمي وأبي. ~~- ولمن تدع أمك يا عتيبة؟ ~~- تعالي معي - إن شئت - فلن تقعد بي أمومتك عن الجهاد! ~~- ولكن الأمهات لا يصحبن أبناءهن إلى الحرب! ~~- فما هؤلاء النساء وراء كل جيش محارب؟ # 5 ~~- زوجات لأزواجهن، وأخوات لإخوتهن، يدفعنهم بحرارة الحب إلى الاستبسال في النضال ليكسبوا ~~الحظوة عندهن، وما أنا وذاك يا عتيبة، وقد جاوزت تلك المنزلة؛ فليس إلي مشتاق ولا ~~وامق؟ ~~- تعوقينني إذن؟ ~~- ولمه؟ ~~- لأنك ... لست أدري! ~~- بل تدري شيئا تحاول كتمانه؟ ~~- فلم تعوقينني إذن؟ ~~- لأنني أمك. ~~- وكل هؤلاء المجاهدين لا أمهات لهم؟ ~~- ولأنني في هذا الحي من العرب لا عم لي ولا خال. ~~- أراك لا تحاولين الكتمان. ~~- ماذا تعني يا عتيبة؟ ~~- أنت ms51 تكرهين أن أشرع في وجه الروم سيفا! ~~- ولمه؟ ~~- لأن لك في الروم عما وخالا. ~~- إنني أمك يا عتيبة. ~~- قد علمت. ~~- وذلك كل نسبي. ~~- وترضين أن تنتسبي إلى جبان لا يخف لثأر عمه، ونذر أبيه؟ ~~- ومهر امرأته! ... ~~- قد عرفت إذن؟ ~~- ومن أجل هذا منعتك يا عتيبة. ~~- من أجل أنك لا تحبين نوار! ~~- بل إنني أحبها، وأرى ولدي بها أسعد زوج. ~~- ومن أجل ذلك تحولين بيني وبينها! ~~- بل أحول بينك وبين اقتحام المخاطر من أجل امرأة، ليست هذه هي البطولة. ~~- فما البطولة إذن فيما ترين؟ ~~- ألا تطيع فيما تكره امرأة تحبها، وأعلى من ذلك مرتبة في البطولة أن تقسرها على ~~طاعتك. ~~- ولكنني لم أطعها! ~~- ففيم خروجك إلى الحرب إذن؟ ~~- وفاء بنذر، وإدراكا لثأر ... ~~- وطاعة أمر ... ~~- بل عصيانا ... ~~- لأمري؟ ~~- لأمر نوار. ~~- كيف؟ ~~- لقد منعتني من أن أخرج فعصيت. ~~- وي! ~~- وقسرتها على طاعتي. ~~- لقد كان لك - إذن - معها شأن يا عتيبة! ~~- نعم، وسأعصيك كما عصيتها. ~~- تعصيني؟ ~~- نعم، وأقسرك على طاعتي. ~~- وتقسرني أيضا؟ ~~- نعم؛ لأنني أحبك يا أم. ~~- إنك لبطل يا عتيبة. ~~- لأنك أنت ولدتيني يا أماه. ~~- بل؛ لأن أباك النعمان. # وشرقت سبيكة بدمعها، فأخفت رأسها في صدر عتيبة وأجهشت باكية. # الفصل الثالث عشر # | نفير الحرب # أروح إلى القصاص كل عشية # أرجي ثواب الله في عدد الخطا # قالت العجوز الثكلى: إني لأجد ريح عتبة والنعمان، وأسمع رجع غنائهما، فانظروا لي من ~~ذلك الذي يرجع هذا الصوت، وإني به لبعيدة عهد. # قالت نوار: ذاك عتيبة، ما يزال منذ أيام يرجع هذا الصوت غاديا ورائحا ... ~~- رحم الله أباه وعمه، وبورك لي فيه وفي بشير، لقد أذكرني غناؤه أباك وعمك يا ~~نوار؛ إذ كانا يرددان هذا الصوت كلما غدوا على المسجد أو راحا ، فإن هؤلاء القصاص ~~الذين يغشون مساجد المصر للوعظ، والتذكير، ورواية الأخبار والنوادر ليوهمون من يغشى ~~حلقاتهم من الفتيان أن يوما في مجلسهم ذاك خير عند الله من سبعين صلاة، فما يزالون ~~يجتذبونهم بهذا الخيط الدقيق حتى يلزموا حلقاتهم، ثم لا يزالون ينفثون في عقدهم من ms52 سحر ~~القول حتى يسوقوهم إلى المنايا باسم الجهاد في سبيل الله. # ودخل عتيبة خفيف الخطا، فسمع، فقال: ماذا تقولين يا جدة؟ أحرام أن نغشى المساجد، وأن ~~نستمع إلى القصاص، وأن نخرج مجاهدين في سبيل الله؟! ~~- لم أقل هذا يا بني. ~~- فما هذا الذي سمعت من قولك؟ ~~- لقد قلت إن في عتيبة ملامح من أبيه، وفي صوته أيضا، وكان أبوك ينشد هذا الشعر ~~إنشادك كلما غدا على المسجد أو راح، ثم ذهب إلى الميدان البعيد، فلم يعد، كما ذهب أخوه من ~~قبل، طار على جناح شاعر، ثم وقع ... ~~- ولكن عتيبة سيطير فلا يقع. ~~- لقد هممت إذن؟ ~~- نعم. ~~- وتعرف سبيكة أنك ذاهب لحرب الروم؟ ~~- قد عرفت. ~~- وطابت بذلك نفسا؟ ~~- قد طابت نفسا ورضيت. ~~- حسبتها تأبى أن يشرع ولدها سيفا لحرب الروم. ~~- ولمه؟ ~~- لأن ... لأنها قد عرفت ما حرب الروم. ~~- لم أفهم! ~~- أعني أنها كانت خليقة بأن تشفق عليك. ~~- علي؟ ... ~~- وعلى غيرك. ~~- من تعنين؟ ~~- رجوت أن تشفق أمك عليك وعلينا، من سوء ما ينالنا به فراقك. ~~- بل عنيت معنى آخر يا أم! ~~- أي معنى؟ ~~- تسألينني؟ ~~- لقد ظننتني أضمر وراء كلماتي معنى غير ما فسرت لك، فسألتك ... ~~- بل إنك لتضمرين معنى آخر ... # وكانت نوار صامتة تستمع إلى ما يدور بين الفتى وجدته من حوار بدأ رفيقا هينا، ثم ~~أوشك أن يكون خصاما، فقالت في رقة: إن جدتك لتعرف حميتك يا ابن عم، ولكنها ~~تشفق عليك وتجزع لفراقك، وإنك لتذكر ما قلت لك قبل أن تتحدث إليك جدتك ... # فاعتدلت الجدة في مجلسها، ونظرت إلى نوار قائلة: هل قلت له؟ ~~- حاولت يا أم أن أحول بينه وبين ما اعتزم، فلم يستمع إلي. ~~- أكذلك يا عتيبة؟ ~~- نعم. ~~- ورضيت أمك؟ ~~- كانت أدنى إلى الرضا من نوار، ومنك. ~~- وأذنت لك أن تشرع سيفك لحرب الروم؟ ~~- وإذنت لي طيبة النفس. ~~- ولم يسؤها أن يفارقها ولدها إلى حيث تتوزعها الهواجس والهموم، وتصطرع في نفسها ~~المخاوف؟ ~~- بلى، قد ساءها، ولكنها قد علمت أنه حق البطولة على كل عربي. # قالت نوار: بل حق ms53 البطولة على كل أم عربية. # قالت الجدة: قد صدقت سبيكة وبرت. # ثم أطرقت وهي تقول، وقد جال في عينيها الدمع: فاذهب مأجورا يا عتيبة والله ~~يكلؤك. # 1 # وقف عتيبة في فناء الدار مشمرا حاسر الذراعين يشد متاعه إلى ظهر راحلته وهو ~~ينشد: # وأشفق من وشك الفراق وإنني # أظن لمحمول عليه فراكبه # فوالله ما أدري أيغلبني الهوى # إذا جد جد البين أم أنا غالبه # فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # وكانت عينان دامعتان ترقبانه من وراء السجف، حيث تورات فتاة موجعة القلب تراه وتسمع ~~نشيده من حيث لا يراها ولا يسمع نشيجها ... # وبغتتها سبيكة، فوضعت راحة على كتفها، وهي تقول في رقة وعطف: أنت هنا وهو هنالك، ~~فهلا تراءيت له لتشدي عزمه ساعة الفراق؟ # قالت الفتاة وأطرقت مستحيية: خشيت أن يهن حين يراني، أو يرى في عيني الجزع ~~واللوعة. # وكان صوت آخر ينبعث من بعض غرفات الدار منشدا: # إذا ما أراد الغزو لم تثن همه # حصان # 2 # عليها نظم در يزينها # نهته، فلما لم تر النهي عاقه # بكت فبكى مما شجاها قطينها # 3 # ووضع الفتى ما كان بين يديه، ورفع رأسه منصتا، ودلفت الجدة الثكلى إلى حيث كانت أم ~~نوار جالسة تدندن ذلك الشعر، فقالت لها عاتبة: عهدك بالغناء بعيد يا أم بشير، فهلا ~~أشفقت اليوم على الصبي والصبية أن يسمعا غناءك هذا؟ # قالت أم بشير ولم ترفع إلى العجوز عينين: لقد كان ذلك والله أحب الشعر إلى عتبة حين ~~يزمع رحله! # قالت الجدة، وهي منصرفة قد ضاقت نفسها بما سمعت من جواب: فقد رحل عتبة، ولم يعد. # وسكن الصوت، فعاد الفتى ينشد وهو يعالج أحماله: # وأشفق من وشك الفراق ... # وخفت إليه نوار معجلة قد سوت ثيابها، وجففت دموعا في عينيها، ثم استقبلته قائلة، ~~وقد اصطنعت الابتسام والمرح: ماذا سمعت من إنشادك يا عتيبة؟ هلا كان قولك لنفسك: # أشوقا ولما تمض بي غير ليلة # فكيف إذا خب المطي بنا عشرا؟ # قال، وقد مد يدين إلى يدين، ms54 والتقت عينان بعينين: بالله أعيدي يا نوار؛ فقد وقعت على ~~ما كان يهجس في نفسي، ولا تلفظه شفتاي. # واختلجت يداه في يديها، فدفعهما إلى كتفيها، ومال عليها بوجهه، فأفلتت من بين يديه، وهي ~~تقول مؤنبة: وكنت حريا أن تنشد: # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم # دون النساء ولو باتت بأطهار # ووثبت إلى الدار وخلفته في الفناء مبسوط اليدين، قد ذهل عما حوله من الزمان والمكان ~~والناس، ثم ترامى على بعض ما ازدحم في الفناء من المتاع، وأخفى وجهه في راحتيه. ~~••• # الناس جميعا في شغل بالتهيؤ لتلك الحملة العظيمة التي يجهز لها مسلمة، كل ذي قوة ~~من شباب العرب يرجو أن يكون له شأن في هذه المعركة ... # إن أبا أيوب الأنصاري يدعو ضيفانه إلى المأدبة العظمى في رحاب قيصر. # القصاص في مساجد الأمصار قد تأطر الناس حولهم حلقات حلقات، يستمعون إلى قصصهم ~~مشوقين، يود كل منهم أن يطير إلى الميدان بجناحين ... # الشباب والكهول يهيئون أنفسهم لرحلة طويلة المدى بعيدة الأمد، قد احتقبوا ما قدروا ~~عليه من زاد وعتاد وكسوة تصلح للشتاء والصيف ... # نساء الأمراء والسادة ينفضن الطيب والحلي عن غدائرهن يجعلنها في بيت المال أعطيات ~~للجند ... # الزوجات والأخوات يغزلن وينسجن ويخبزن ويقددن ليهيئن لأزواجهم وإخوتهن كسوة ثقيلة، ~~وغذاء طيبا يدفع عنهم برد الشمال القارس ... # الأمهات يصلين ويدعون ويصنعن لأولادهن الرقى والتمائم. # الكواعب الحسناوات - وغير الحسناوات - قد خط الدمع على وجناتهن خطوطا لم تزل ~~مبتلة أبدا. # الصبيان والبنات في فرح ومسرة بما يرون حولهم من مظاهر النشاط، لا يكادون يدرون بما ~~ينتظرهم من أيام القلق والهم والوحشة ... # الأيامى والأرامل يبكين أزواجهن، كأن قد فقدنهم منذ هنيهات. # الشيوخ قد ردهم ما يرون، وما يسمعون إلى الصبا وذكرياته، فانطلقت ألسنتهم بالحديث ~~عما خاضوا من المعارك المظفرة في الأيام الخالية، وما أبلوا في الجهاد، وما حصلوا ~~من الغنائم، وما حازوا من السبايا ... ~~••• # البادية الرحبة قد ازدحمت بالخلائق، وانتثرت فيها خيام الجند، فضجت وعجت؛ ففي ~~كل خيمة حديث بين اثنين أو بين جماعة، وما تزال أصداء الأغاني ms55 تتناوح بين المضارب، تعبر ~~عن ألوان من الإشفاق والرهبة، أو من الشوق واللهفة، أو من العزم والفتوة. # هذا فتى لم ينس آخر لياليه في الحاضرة، وينشد حران الفؤاد: # بنفسي من لو مر برد بنانه # على كبدي كانت شفاء أنامله # ومن هباني في كل شيء وهبته # فلا هو يعطيني ولا أنا سائله # وذاك فتى آخر يستقبل أول أيام الفراق باللوعة، فيغني: # يطول اليوم لا ألقاك فيه # ويوم نلتقي فيه قصير # وقالوا: لا يضيرك نأي شهر # فقلت لصاحبي: فما يضير؟ # وثالث يتهيأ للغارة قبل إبان الغارة، فينشد: # وإنا لتصبح أسيافنا # إذا ما اصطبحن بيوم سفوك # منابرهن بطون الأكف # وأغمادهن رءوس الملوك # ورابع قد خرج للغنيمة والتماس أسباب الخفض والدعة، قد خلف من أجل ذلك أهله ~~وجيرانه، فيقول: # لا يمنعنك خفض العيش في دعة # نزوع نفس إلى أهل وأوطان # تلقى بكل بلاد إن حللت بها # أهلا بأهل وجيرانا بجيران # وآخر يجاذبه هواه وتصطرع الهواجس في نفسه بين ما خلف من النعيم وما يستقبل من المشقة، ~~فيجذم حباله # 4 # ويمضي إلى ما اعتزم منشدا: ~~... جذام حبل الهوى ماض إذا جعلت # هواجس الهم بعد النوم تعتكر # وما تجهمني ليل ولا بلد # ولا تكاءدني عن حاجتي سفر # والسفائن مرسية في الثغور تتأهب للإقلاع، عليها الجند والعتاد والمتاع والزاد، قد ~~اختلطت فوقها الأحاديث، وتنوعت الأماني، واصطرعت العواطف؛ فعلى ظهر البحر كما في ~~البادية، مفارق حران الفؤاد، ومشوق في أول أيام البعاد، وثالث يهيئ سيفه وترسه ~~للدفاع والغارة، ورابع يحلم بالغنيمة قبل أن يخوض غمار المعركة، وخامس وسادس، وفنون شتى من ~~الخلق قد توزعت نفوسهم الهواجس، ولكن أمانيهم جميعا تلتقي عند غاية واحدة؛ هي ~~الظفر بالروم في المعركة واقتحام مدينة قيصر. # وأذن المؤذن بالرحيل؛ فتحركت الكتائب في البر، وأقلعت السفائن في البحر، وكانت ~~قيادة الجيش لمسلمة بن عبد الملك ... # وصحب الخليفة جيشه حتى بلغ أطراف الشام؛ فأقام ينتظر بمرج دابق - على عدة مراحل ~~من حلب - واستأنف الموكب سيره ... # الفصل الرابع عشر # | على شاطئ البرزخ # قال الفتى الرومي لصاحبه، ms56 وهما جالسان على رأس الحصن المشرف على مضيق كليبولي: هل علمت ~~يا لوكاس ما أعد العرب من عدة لحربنا في البر والبحر؟ ~~- ومن أين لي العلم بذلك يا موريس؟ وماذا يجدي علي أن أعلم، وإني وإياك هنا في وجه ~~الغارة الأولى، ليس معنا قوة تغني غناء، أو تدفع بلاء! ~~- لقد جاء العرب يا لوكاس في ثمانمائة وألف سفينة، على كل سفينة مائة جندي، وزحفت على ~~البر قوات تفوت الحصر؛ فهل يطمع قومنا في النصر، وليس على فم الخليج إلا بضع مئات من ~~الجند في بضعة حصون على الشاطئين؟ ~~- وإنهم يا موريس لعماليق أشداء، وقد تحصنوا من الموت بما لا أدري من التمائم؛ فإن ~~الرجل منهم ليخوض المعركة قد حطم غمد سيفه، وألقى ترسه، فما يزال يخلي الطريق لنفسه ~~بما يجندل من الأبطال حواليه حتى يبلغ حيث أراد، لا يعنيه حين يبلغ أسلمت نفسه أم ~~جاءه أجله حيث بلغ! ~~- وإن لهم يا أخي - إلى ذلك - صيحات مفزعة، يهتفون فيها باسم ذلك الشيخ الذي اتخذوا ~~له قبرا تحت سور القسطنطينية منذ خمسين سنة، فما يزالون يفدون إلى قبره ذاك كل صائفة ~~يتبركون به ويعاهدونه عهدا ... ~~- قد كان ذلك القبر شؤما علينا منذ ثوى فيه شيخهم ذاك، فهم ما يزالون يطرقوننا من ~~يومئذ فيصيبون منا في ذهابهم إليه، وفي عودتهم منه، ولا أدري كيف لم يهدم قيصر هذا القبر ~~ويعفي أثره؛ حتى لا يظل هدفا يطئون بلادنا في الطريق إليه ذهابا وجيئة. ~~- قد هم بذلك قسطنطين بوغانات ثم أمسك؛ فقد جاءه الوعيد من ملك العرب أنه إن فعلها ~~استباح العرب مثل ذلك في بلادهم، فلا يتركون لنا ثمة بيعة ولا صومعة إلا هدموها. ~~- ولكن ما ينالنا من غارة هؤلاء الطراق أسوأ أثرا فينا مما أوعد به ملك العرب، فقد ~~انحسرت النصرانية عن بلاد العرب، فلم يبق ثمة إلا فلول لا تساوي ما نتعرض له من ~~الشر ببقاء ذلك القبر! ~~- أفلست تعلم يا لوكاس أن دفين ذلك القبر من أصحاب نبيهم، وأن له عندهم ms57 مقاما قد ~~يحمل على الشر الفظيع أن يناله أحد بمهانة! ~~- وأي شر أفظع مما ينالنا منهم يا موريس، صائفين وشاتين؟ ~~- أنت لا تعرف العرب يا لوكاس. ~~- وتعرفهم أنت يا موريس؟ ~~- قد عرفت من أخبارهم ما لو عرفته لكففت! ~~- أتراهم مردة يقذفون من أفواههم اللهب المحرق؟ ويحركون العاصفة الجائحة؟ ~~ويقتحمون الأسوار بغير أجنحة؟ ~~- أراك تسخر يا لوكاس! فهل سمعت عن بشر يفطر بحمل، ويتغدى بجمل، ويتفكه ~~بمائة رمانة، فإذا قام من قيلولته دعا بطعام العصر؟ ... ~~- بل أنت الذي يسخر يا موريس! ~~- ذاك والله ملكهم الذي سير إلينا هذه الجحافل بقيادة أخيه! # 1 ~~- ما أحراهم بأن يأكلونا إذن؟ ~~- إنهم لا يأكلون لحوم الموتى! ~~- يموتون إذن تحت أسوار القسطنطينية جوعا؛ فليس هنا ما يكفيهم من الطعام إذا أرادوا ~~حصار المدينة. ~~- أرأيت الجاموس الأسود؟ ~~- أي جاموس؟ ~~- نوع من الحيوان كالفيلة، لا يقطع السكين في جلده، يطأ بحافر، وينطح بقرن، وينظر ~~بعينين ليس فيهما بياض، وما يزال يجتر كالمعزى ... ~~- وما أنا وذاك؟ ~~- لقد جلبوا منه آلافا فسمنوها في مروج الشام، ثم ساقوها معهم إلى الميدان. ~~- يريدون أن يحاربونا بالجاموس؟ ~~- لست أمزح يا لوكاس! ~~- فماذا إذن؟ ~~- يتخذون من لحومها وألبانها طعاما. ~~- ومن أين لهم هذا الجاموس؟ ~~- جلبوه من الهند. ~~- وأين هم من الهند؟! ~~- إن الهند قد صارت منذ بعيد - يا أبله - تحت حكم العرب. ~~- قد غلب العرب إذن يا موريس وملكوا حاضرة قسطنطين. ~~- أراك قد انهزمت من أول جولة يا لوكاس! ~~- وماذا تجدي المقاومة؟ ~~- لو كان العرب يحاربوننا بهذه الروح ما انتصروا قط في معركة. ~~- تريد أن أقاوم بلا رجاء؟ ~~- نعم، حتى تموت. ~~- ويكتب في لوح على قبري: مات منتصرا؟ ... ~~- ليس ذلك هو كل شيء؛ إن الحياة المجيدة لا توهب للجبناء. ~~- لست جبانا. ~~- معذرة ... لم أقصد إساءتك. ~~- فما قصدت إذن؟ ~~- إن الذي يكافح عن حقه حتى يموت يهب حياة لكثيرين من ورائه؛ لأن كل طعنة تناله ~~كانت مسددة إلى واحد ممن خلفه، فلقي عدة طعنات عن عدة أحياء، ومات موتة واحدة، ~~فقد ربحت صفقته إذن! ~~- وما ms58 النتيجة؟ ~~- أراك لم تفهم بعد! ~~- ولا أظن أحدا يفهم أن الموت صفقة رابحة. ~~- زن حياتك بحياة الجماعة. ~~- وهل ترى الجماعة تستطيع أن تردني إلى الحياة إذا فاضت نفسي؟ ~~- ولكنك باستماتتك تستطيع أن ترد الجماعة إلى الحياة! ~~- منطق غير مفهوم! ~~- ولكنه بعض إيمان العرب! ~~- حمقى! ~~- ولكنهم انتصروا بحماقتهم هذه يا لوكاس، وذل الروم! # الفصل الخامس عشر # | تميمة رومية! # لم تكن سبيكة قد نضجت نضج الأنثى، ولا رشدت رشد العقل يوم احتملها النعمان سبية، ~~ولكنها إلى ذلك كانت مدركة واعية؛ فقد علمت منذ اللحظة الأولى أن ذلك آخر العهد ~~بأهلها ووطنها، فلن تراهم، ولن يروها أبدا، أليست تعلم علم الناس مما يدور حولهم من ~~أحاديث؛ أن أختا لها قد احتملها الغزاة منذ بضع وعشرين سنة فذهبت ولم تعد، قد غاب ~~أثرها، وضاع خبرها؛ فلا يكاد يذكرها أحد إلا أبوها المرزأ، وأمها الثكلى، وكانت ~~أختها - إلى ذلك - فتاة ناضجة رشيدة تملك أسباب الحيلة! # بلى، وقد مضت بضع وعشرون سنة أخرى منذ احتملت هي إلى بلاد العرب، فهل يذكرها اليوم ~~أحد من أهلها؟ ... وإنها لتملك اليوم حريتها، ولكنها لا تحاول أن تعود ولا تريد؛ فقد ~~انقطع ما بينها وبين الماضي فلا تمت إليه بسبب، إنها اليوم امرأة عربية مسلمة، تمت إلى ~~هذه الجماعة التي تعيش بينها بأسباب كثيرة، وتربطها إلى ما حولها - ومن حولها - عواطف ~~شتى، أما تلك التي احتملت من بلادها منذ بضع وعشرين سنة فكانت فتاة لا عربية ولا ~~مسلمة ولا أما ... # ذلك هو شعورها منذ سنين، فما بالها ما تزال - حينا بعد حين - تفيء إلى ركن من دارها ~~فتفض ختم حقيبتها، فتنثر ما فيها من مخلفات ذلك الماضي تتملاه وتشمه وتمسح به ~~عينيها، ثم تبكي ما شاءت؟ ... # وما بالها ما تزال كلما سمعت ناعيا ينعى حبيبا إلى أهله رفرفت بجناح، وجاوزت ~~المكان والزمان إلى حيث كانت تعيش في بلد بعيد بين إخوتها وأخواتها، تريد أن تحصيهم ~~عدا وتتصفحهم فردا فردا؟ # وما بالها ما تزال تستطلع طلع كل قادم من سفر، وكل ms59 عائد من غزاة، وكل مبحر في ~~صائفة؟ # وما بالها - مع ذلك - قد طابت نفسا بخروج ولدها لحرب الروم؟ # ما بالها قد شحذت له أمضى سيوف أبيه حدا، وأومضها صفحة؟ # وما بالها قد رضيت له نوار زوجا يمهرها رأس بطريق من بطارقة الروم؟ # ثم ما بالها قد دفعت إليه - حين مسيره - تلك التميمة التي كانت قلادة صدرها صبية، ~~ليحرزها فتحرزه ... وتلك الجوهرة التي كانت زينة مفرقها طفلة، ليذكرها بها ~~وتذكره؟ ... # أبوعي دفعت إليه ذينك الأثرين، أم دفعتهما بلا وعي ولا إرادة؟ # وكيف تحرز مسلما تميمة رومي لا يؤمن بدين محمد؟ # وكيف تذكره إياها جوهرة لم يرها في مفرقها قط؟ # أما تزال نفسها تنازعها إلى دين ووطن غير هذين الدين والوطن؟ ~~••• # وعبر على الطريق - وهي في خلوتها تلك إلى أشجانها - حاد ينشد: # تعز بصبر لا وجدك لا ترى # سنام الحمى أخرى الليالي الغوابر # كأن فؤادي من تذكري الحمى # وأهل الحمى يهفو به ريش طائر # فهتفت بلا وعي: ردوه علي! # ثم أخفت وجهها في راحتيها وأجهشت باكية. # وكان عتيبة في تلك اللحظة خاليا بنفسه كذلك في خيمة من خيام الجند، يقلب بين يديه ~~قلادة وجوهرة، ولكنه لا يذكر من أمر صاحبتهما شيئا؛ فقد كان خياله مفعما بصورة أخرى قد ~~ملكت عليه حسه ونفسه، وفاضت معانيها شعرا على لسانه ودموعا في عينيه ... # أترى نوار تذكره الساعة كما يذكرها؟ وهل يعود إليها كما أملت، قد حصل لها مهرا ~~وأدرك ثأرا ووفى بنذر، فيضع بين يديها تاج بطريق وسلبه، ويسألها الوفاء بما ~~وعدت؟ # ولم يجد عتيبة جوابا سريعا لسؤاله؛ فقد مثل بباب الخيمة في - تلك اللحظة - حرسي ~~من حاشية مسلمة يدعوه إلى لقاء الأمير، وأعجله الطلب عن حفظ ما كان في يده من خرزات ~~أمه، فمضى إلى لقاء الأمير وما تزال في يده ... # وهش الأمير للقائه، وبسط له وجهه ومجلسه، وغدا عليه يسأله عن حاله وخبره وأهله، وأقبل ~~عليه الفتى يجيبه عما يسأل منبسطا غير متكلف، ويده تعبث بما استند إليه من الطنافس ~~المثمنة في مجلس ms60 الأمير، وأفلت شيء كان في يده فتدحرج على البساط، فأدركه في حركة ~~سريعة قبل أن يبعد ... # قال الأمير متلطفا: ما هذا في يدك يا عتيبة؟ ~~- خرزة دفعتها إلي أمي، ترجو أن تكون لي تميمة وحرزا ... # ومد إليه الأمير يدا فحاز القلادة والجوهرة يروزهما بأصابعه لمسا # 1 # وبوجهه نظرا وشما، ثم دفعهما إلى الفتى وهو يقول في صوت ينم على انفعال: ~~أحرزهما يا عتيبة واحرص عليهما؛ فإنهما بعض آثار أم برة! # ثم أنغص الأمير رأسه وتزاحمت على عينيه صور شتى ... # ولم يطل بالفتى مجلسه، فنهض إلى خيمته والأمير يشيعه بعينين فيهما إشفاق وحب ~~ورحمة! # الفصل السادس عشر # | عرش يهتز ... # التقت قوات الغزو البرية والبحرية على جانبي مضيق كليبولي، ثم لم يلبث الجند أن وثبوا من ~~شاطئ إلى شاطئ، فإذا هم تحت أسوار القسطنطينية، لم يلقوا كيدا، ولم يعترض سبيلهم أحد، ~~فحطوا رحالهم في ذلك الوادي الأفيح، وأخذوا يقيمون المضارب وينصبون الخيام، ويعدون ~~لإقامة طويلة المدى، قد أقسموا لا يعودون إلى أهليهم وديارهم إلا إذا فتحوها ووطئوا بساط ~~قيصر، وأذنوا في «أيا صوفيا» وأقاموا الصلاة ... # ونصبت للأمير خيمة من ديباج على شرف من الأرض، وبسطت فيها البسط، وانتثرت ~~الطنافس، ثم أقيمت مضارب الجند، حيث رسم الأمير ... ~~••• # وقال مسلمة يخاطب جنده: # أما بعد حمد الله والصلاة على نبيه، فإنا لم نقطع هذه البرية، ونتجشم ~~هول ذلك البحر من أجل غارة نغيرها، ثم نئوب قد احتملنا أسارى وسبايا، وحصلنا ~~غنائم وتركنا على أديمها صرعى وجرحى من الروم، كما كنا وكانوا في كل ~~صائفة وشاتية؛ فقد كان ذلك كله تمهيدا لهذه الغارة العظمى؛ لتحطيم عرش قيصر ~~ودك معاقله، ونشر كلمة الله في بلاده، فلا معاد إلى دياركم وأهليكم إلى أن ~~يفتح لكم، وإلا فاعتقدوها هجرة إلى دار أبي أيوب لا تبرحونها حتى يبعث الله ~~الموتى. # 1 # الفتح أو الشهادة، لا غاية وراءهما، فهيئوا أنفسكم لإحدى الغايتين، لا تنازع ~~أحدكم نفسه إلى أهله وزوجه وولده، أو يحن حنين النيب إلى ~~أعطانها، # 2 # فلا وطن لكم إلا ms61 ما أنتم فيه، فاتخذوه مقاما حتى يأذن الله بالفتح ~~... # ألا وإن الروم قد حصنوا أسوارهم وملسوها وطاولوا بها حتى لا مطمع لناقب ~~أو متسلق أو واثب؛ فلتدعوهم سجناء وراء أسوارهم هذه لا يدخل إليهم داخل، ~~ولا يخرج منهم خارج، حتى ينفد الزاد والعتاد، ويبلغ منهم الجهد، فيطلبوا ~~السلامة ويلقوا السلاح ويفتح لكم. # ألا وإن مقامكم على هذا سيطول حتى ينفد ما عندهم من ذخر؛ فلا يمسس أحد منكم ~~طعاما أتى به من هنالك، والتمسوا الرزق مما يليكم من هذه القرى الرومية، ~~ودونكم الأرض فاحرثوا وابذروا وثمروا، وقد جلبت لكم قطعانا من الجاموس والإبل ~~والضأن؛ للحرث واللبن واللحم ودفء الشتاء، ولا تطل إقامتكم في هذه الخيام حتى ~~يفجأكم البرد ويسد الثلج عليكم أبوابها، فدونكم هذه الغابات فاقتطعوا من ~~أشجارها، واتخذوها بيوتا من خشب تجعلون فيها متاعكم وتأوون إليها، واحتفروا ~~العيون واستنبطوا الآبار تروون منها وتسقون الزرع والضرع ... # أيها العرب، إن أظفر الطائفتين في هذه المعركة أصبرهما؛ فلا عليكم من طول ~~المقام ما ضمنتم الظفر في العاقبة. # أيها المهاجرون إلى الله، لقد خلفتم طائعين دياركم وأهليكم وأزواجكم وأولادكم ~~إلى مدينة أبي أيوب، فتربصوا في دار هجرتكم هذه بعدوكم وعدو الله حتى يأذن ~~الله لكم أن تلقوه بيوم كيوم بدر. # وتفرق جند العرب في الأرض الفيحاء على استدارة القوس من أسوار القسطنطينية، قد اتخذوا ~~بيوتا، وفلحوا أرضا، واستنبطوا آبارا، واستنبتوا مراعي، وأنشئوا حظائر، واستوطنوا ~~استيطان من لا يفكر في الرحيل! # وكانت غاراتهم ما تزال تبغت القرى الرومية على الشاطئين فيصيبون مغانم، ويعودون إلى ~~بيوتها ظافرين قد أضافوا إلى ما ادخروا من الزاد والعتاد ذخرا جديدا، وزاد العدو ~~جهدا على جهد. # ومضى عام وجيش مسلمة لم يزل يحاصر القسطنطينية، حتى جهدت جهدا شديدا، وأوشكت ~~أسواقها أن تقفر من الطعام، وضاق أهلها بالحياة ... # وبلغت الحال في بلاد الروم من الفوضى والاختلال مبلغا حمل القيصر أنسطاثيوس على ~~اعتزال الملك لينقطع للدعاء والعبادة راهبا في دير، وخلا عرش القسطنطينية من قيصر، فراح ~~الأمراء والبطارقة وقادة الجند يتواثبون ms62 كالضفدع حول العرش، يأمل كل منهم بلا كفاية أن ~~يكون قيصرا ... # وكان إليون المرعشي «الإيزوري» رأس الفتنة؛ وهو رجل من غثاء الناس # 3 # ليس له جذر يمت به، كان أبوه إسكافا يصنع النعال؛ فنشأ كما ينشأ ابن كل ~~إسكاف، ثم اتجر في الماشية فأثرى وجمع مالا، ثم اصطنع كما يصطنع الأثرياء بطانة ~~وحاشية، ثم رأى اختلال الأمر في الدولة، فحبب إليه أن يكون قيصرا، فاتخذ كل ~~وسيلة إلى ما يحب ... # ولم يكن له مطمع في رضا قومه من الروم رضاء يحملهم على أن يصعدوا به إلى العرش، فصار له ~~مطمع في رضا العرب؛ فأوى إلى سليمان بن عبد الملك وأخيه مسلمة يؤامرهما على تحطيم قوات ~~الدفاع الرومية لتخلص البلاد للعرب، وتخلص له رياسة الروم، فاستعانه سليمان ومسلمة على ~~شرطه، ووثق به مسلمة فأسلم إليه بعض الأمر! # وبلغ الجهد بأهل القسطنطينية ما بلغ، فاستعانوا البلغار والروس وأهل رومية، ولكن هؤلاء ~~كانوا في شغل بأنفسهم عن معونة غيرهم؛ وكان مسلمة قد خلف على جيش القسطنطينية بعض ~~قادته، ودار دورة على رأس بعض فرق الجيش إلى ملك البلغار فحطم مقاومته وبدد شمله، ~~ثم آب ... # وأخذ الوهن يدب في قوى الروم؛ فلم يجدوا بدا من النزول على شرط العرب، فبعثوا إلى ~~مسلمة في وقف القتال، وفك الحصار على أن يؤدوا إليه الجزية؛ ولكن مسلمة أبى، فبعثوا ~~إليه ثانية يطلبون أن يوفد إليهم إليون الرومي ليفاوضوه في شروط التسليم؛ فأجابهم إلى ~~ما طلبوا ... ~~••• # ما أجدر هذا الرومي أن يهديه الله فيكون أخا معينا ووزيرا ناصحا! # كذلك قال مسلمة لنفسه، وقد أوفد إليون إلى قومه ليفاوضهم في شروط التسليم، فبمعونة هذا ~~الرومي يقرع مسلمة اليوم أبواب القسطنطينية، ويوشك أن يدخلها غدا، فيطأ بلاط قيصر، فيجلس ~~على عرش قسطنطين، فيجهر بالأذان على أسوارها المنيعة، فيؤم جنده في الصلاة بأيا صوفيا، ~~فينشر كلمة الله من ثمة في الأرض الكبيرة، فيمضي قدما حتى يطأ رومية، ويجوس في بلاد ~~إفرنسة، وينفذ إلى الأندلس من المشرق، ويقف على شاطيء الأقيانوس الأخضر ms63 مثل موقف عقبة ~~بن نافع منذ سنين ... # إن في الروم لذوي أعراق طيبة، وإن كان آباؤهم من ذوي المهنة. # ردد مسلمة هذه العبارة كذلك فيما بينه وبين نفسه، وكأنما ذكر في هذه اللحظة أمه ورد ~~ونسبها في بلاد الروم، فحن عرق إلى عرق! # واسترسل إليون في محادثاته مع القوم، وطالت غيبته، واسترسل مسلمة في أوهامه، وكان الجند ~~في مضاربهم، أو في بيوتهم يديرون بينهم ألوانا من الحديث يتصل أكثرها من قريب، أو ~~من بعيد بهذه السفارة التي دعا إليها الروم، وخف لها إليون، وهش لها مسلمة. # قال ابن جبير العبسي مغتبطا: أين نحن اليوم، وأين نكون غدا؟ # قال ابن هبيرة: وأين تكون إلا وراء مسلمة؟ # قال العبسي: فذلك ما أردت يا ابن هبيرة! ~~- اسكت! فوالله ما تعلم ولا يعلم مسلمة ما يخبئه - له ولكم - الغد! ~~- وتعلم أنت علم الغد يا ابن هبيرة، ولا يعلمه مسلمة؟ ~~- قد كان له ذلك لو كان ابن حرة. # هب عتيبة بن النعمان واقفا قد اخترط سيفه وهو يصيح: أمسك عليك يا ابن هبيرة، فإنه ~~لأعرق نسبا، وأعلى أرومة من كل بني مروان، فإلا تكن أمه من عبس ومخزوم وأمية فإنها ~~إلى الذروة من بني الأصفر! # قال ابن هبيرة ولم يتحلحل عن موضعه: هون عليك يا ابن أخي؛ فإنك لتقف مني موقفا يستحي ~~منه أبوك - غفر الله له - وما أردت أن أتنقص مسلمة، ولكني أعيب عليه أن يركن إلى رجل ~~من أهل الغدر والنفاق قد باع أمته للعدو، فما أجدره أن يغدر بنا كما غدر ~~بقومه! ~~- وترى ذلك يغيب عن فطنة مسلمة؟ ~~- إن لكل فطن غفلة تأتيه من قبل أبيه، أو من قبل أمه، قد تدسست في ~~العرق، وخالطت الدم، وقد كان عبد الملك حازما أريبا ... فذلك ما عنيت يا ابن ~~النعمان. ~~- ومن أين لك أن مسلمة قد غفل عما فطنت له؟ ~~- لقد أتيته أحدثه عن ذاك، فإذا هو قد تغدى وملأ بطنه ونام ... وجلست إليه أحدثه، ~~فما أراه قد سمع شيئا مما قلت أو درى ms64 بي! ~~- أفلست تعيب عليه يا ابن هبيرة إلا أنه قد أكل ونام؟ ~~- إن الأحمق يا ابن أخ من يملأ بطنه من كل شيء يجده، وأحمق منه من ينام والحوادث ~~ترقبه بعيون يقظة! ~~- غدا ترى عاقبة أمره وأمرك يا ابن هبيرة. ~~- إن كان وعيدا يا ابن النعمان فقد والله جاوزت قدرك، وإن كان أملا تأمله فإني ~~والله لأرجو مثل ما ترجوه على حذر وتخوف. ~~- ومم تحذر؟ ~~- تدبير ذلك الكلب إليون، فما أظنه الساعة إلا يؤامر الروم على الكيد لمسلمة وقد ملأ ~~مسلمة بطنه ونام! ~~••• # ورجع إليون إلى مسلمة يعرض عليه ما انتهت إليه محادثاته، قال: إن الروم أمة محاربة ~~يا أمير منذ التاريخ البعيد، لم تضع سيفها قط منذ كانت، ولا رضيت الدنية، وقد ~~أدال الله لكم منها فغلبتم خلفاء قسطنطين على أرضهم وديارهم ورعاياهم في سائر فجاج الأرض، ~~ثم جئتم تطلبون هذه الحاضرة فكأن قد دانت لكم كما دانت الممالك وأسلمت مفاتيحها، فقد بلغ ~~منهم الجهد ما رأيت بعيني - وما لا أظنه قد غاب عن فطنة الأمير - فلولا أنهم أهل ~~مصابرة لأسلموا إليكم منذ بعيد، ولكن عيونهم ما تزال تطلع عليكم حينا بعد حين فيرون ~~ضخامة ما اختزنتم من الزاد والعتاد وما لا يزال يرد إليكم من ذلك؛ فيقولون لولا أنكم ترون ~~أجل الفتح بعيدا وأن دونه مصاعب وأهوالا لما أسرفتم فيما تجمعون من هذه الأقوات، ~~وإنهم إلى ذلك ليخشون - لو أسلموا إليكم - أن يقع عليهم حيف في المعاملة، كما يصف لهم ~~بعض رواة الأخبار من فلول المنهزمين أمام جحافل العرب في الأمصار المفتوحة. ~~- وبم يرجف هؤلاء يا إليون؟ ~~- يزعمون أن العرب لم يدخلوا بلدا - عنوة أو صلحا - إلا استرقوا الرجال، ~~واستبوا النساء، وهتكوا الستور، واستولوا على النفائس، وأذلوا السادة، واحتملوا كل ~~ما في البلد من قوت وزاد، فلا يجد أهله ما يحفظ عليهم أرماقهم. ~~- وترانا كما يصفون يا إليون؟ ~~- إن العرب ما علمت لأهل وفاء وذمة وشرف ودين. ~~- فماذا يرون إذن؟ وماذا ترى أنت؟ ~~- أرى الثمرة قد دانت وحان ms65 قطافها، ولكنكم إن تدخلوا القسطنطينية بالقهر والغلبة لا ~~تجدوا فيها من السلام والطمأنينة ما يحبب إليكم الإقامة، فهلا دخلتم أصدقاء قد أمنوا ~~وأمنتم وطابوا نفوسا وطبتم! ~~- وأين لنا ذلك؟ ~~- أن تحملوهم بديا على اليقين بأن المدينة طوع أيديكم، فتتخففوا من هذا الزاد ~~الذي جمعتموه ركاما بعضه فوق بعض يوهم من يراه أنكم على نية إقامة طويلة عجزا عن ~~اقتحام المدينة، فإنهم إن رأوا هذا الزاد قد أزيل عن موضعه أيقنوا أنكم قد أزمعتم ~~الاقتحام، فتخور عزائمهم ويفتحون الأبواب. # وأخرى أيها الأمير: أن يكون تخففكم من هذا الزاد بابا إلى اكتساب مودتهم ~~واطمئنانهم إليكم، فتهبوا لهم منه ما يدفع عنهم الجوع ويحفظ عليهم الرمق، فإنهم حقيقون ~~بأن يحفظوا لكم هذه اليد فيشكروها لكم، فتدخلوا المدينة - حين تدخلونها - قد أمنوا ~~وأمنتم، وطابت نفوسهم وطبتم! ~~- وآمرتهم على كل ذلك يا إليون؟ ~~- ووافقوني على كل ما عرضت عليهم باسمك من شروط التسليم، وآية بيننا أن ينبئهم أصحاب ~~الأخبار أنكم قد تخففتم من الأزواد أو جدتم عليهم ببعضها. ~~- لك ما اشترطت يا إليون، فاحمل إليهم ما شئت ودعني وأصحابي نعد العدة ~~للنقلة إلى ما وراء هذه الأسوار! # الفصل السابع عشر # | دسيسة العرق ... # - والله لا يقع في مثل هذه الغفلة ابن حرة! ~~- كذلك قال ابن هبيرة قبل أن تقع الواقعة، ونرى أنفسنا في هذا القفر لا زاد لنا، وقد ~~أخذتنا سيوف الروم من كل جانب! ~~- ذلك الكلب الغادر إليون ... ~~- بل قل: ذلك الأبله ابن ورد، لقد خدعه ذلك الكافر خديعة لو كان امرأة لعيب ~~بها! ~~- ونال بها إليون عرش قسطنطين! ~~- ونلنا بها ما نلنا من الهوان والضعف والمذلة، وما أرانا غدا إلا هالكين جوعا ~~وبردا في هذه القفرة المثلوجة! ~~- وا أسفا! لقد كان مسلمة - فيما أرى - أسد بني مروان رأيا وأخبرهم بفنون ~~الحرب! ~~- وما هي الحرب إلا السياسة والتدبير ونصب الفخاخ وتوقي المهالك؟ ~~- وإنه لكذلك، لولا ما تدسس إليه من أمه الرومية، فكأنما حن العرق إلى العرق ~~فاستنام إلى وعد غادر. ~~- أتذكر حين أنشد عبد الملك ms66 بين يدي مسلمة وإخوته في حلبة السباق ذات غدوة: # نهيتكم أن تحملوا فوق خيلكم # هجينا # 1 ~~... ... ... ... ~~- نعم، وقد تناقلها الناس يومئذ وقالوا: ما أنصف عبد الملك مسلمة! ~~- كأنما كان عبد الملك يرى بظهر الغيب ما نحن فيه اليوم! ~~- وقد أخذه سعار الغيظ مما ناله، فلم يأذن بالرحيل وتسريح الجند، كأنما خيل إليه - ~~بعد ما كان - أنه مستطيع في هذه الغزاة أن يفتحها! ~~- بجند قد هزلوا من الجوع، وارتجفوا من البرد، وأثخنوا من الرمي! ~~- قد أبرد بريدا إلى سليمان بمرج دابق يطلب مددا من زاد وعتاد. ~~- وحتى يبلغ البريد ويجيء المدد يصبر العرب على الجوع والبرد تحت هذه الأسوار التي لم ~~تزل تساقط عليهم النيران وتريش إليهم السهام؟ ~~- أظننت أن نفتح القسطنطينية بلا جهد؟ ~~- فقد بذلنا من الجهد ما لا قدرة عليه لبشر حتى دانت الثمرة، ثم أفلتها مسلمة ~~بحمقه! # وكان الخليفة سليمان بن عبد الملك ما يزال منذ عام وعام قبله مرابطا بمرج دابق على ~~الطريق إلى بلاد الروم، قد أقسم لا يبرحها إلى حاضرته حتى يأتيه بشير الفتح، أو يدركه ~~الأجل ... # وكان البريد يتوالى عليه يوما بعد يوم بما بلغ العرب من أسباب النصر، وما نال الروم من ~~الجهد والإعياء، حتى خيل إليه أن ليس بينه وبين ما أراد إلا غلوة سهم، وأنه لولا حرص ~~مسلمة على دماء المسلمين أن تراق لاقتحمها بخيله ورجله، ووطئ بساط قيصر منذ بعيد ~~... # ثم جاء إليه النبأ بما آل إليه الأمر، وما بلغ الروم من العرب بالمكر والخديعة، فحوقل ~~واسترجع وامتلأت نفسه هما، ولكنه لم ينكص على عقبيه، وأصر على أن يبر قسمه ذاك، فحشد ~~الحشود، وكتب الكتائب، وجمع الأزواد، وأعد العتاد، وسير ذلك كله إلى مسلمة ~~... # وكان الجوع والبرد قد أضرا بالعرب ضررا بليغا، حتى التمسوا أقواتهم من ورق الشجر ~~وعشب البرية ودواب البحر، ولولا أن تراب الأرض لا يستساغ لسفوه سفا؛ ليردوا ~~الجوع عن أنفسهم ويحفظوا أرماقهم! # وكأنما شحذت هذه الخيبة عزيمة مسلمة، فصابر ورابط مقاوما كل ما يكتنفه ويكتنف أصحابه ms67 ~~من الشدة، فلم يفك الحصار عن المدينة. # وكان أصحابه يموتون كل يوم مئات، صرعى الجوع والبرد منهم أكثر من صرعى السيوف والسهام ~~والنار الرومية، # 2 # ولكن مسلمة لم ينكل ... وما يزال أصحابه يطيعونه، والموت يتخطف إخوانهم من ~~حولهم جماعات جماعات يبلغون الآلاف، والمدد الذي أرسله سليمان ما يزال في الطريق. ~~••• # وكان سليمان - مما نال مسلمة - في هم دائم بالليل والنهار، وزاده هما أن ولده أيوب ~~الذي كان يرجيه لولاية عهده قد احتضره الموت شابا في ريعانه، فبكى سليمان وقال: الآن ~~لا يدعون أيوب ولا أبا أيوب! # ثم لم يلبث أن لزم فراشه ودب إليه الموت. # وكان عهده - بعد ولده أيوب - إلى ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان ... ~~••• # وقال الخليفة عمر، وقد جلس في ديوانه: ردوا على الشام هذه الفلول المبعثرة في البر ~~والبحر من جيش مسلمة، إن لتلك المدينة موعدا لم يحن بعد، وإني لأخاف أن يأتي الجوع ~~والبرد عليهم جميعا فتكون جريرتها على رأس عمر! # وخب البريد إلى مسلمة بالنبأ، وسيقت إليه الركائب في البر والبحر؛ لتحمل من معه إلى ~~الشام. # الفصل الثامن عشر # | على حافة الموت # - أكذلك تكون عاقبتها؟ # قالها مسلمة وأطرق، وقد امتلأ قلبه غما وحقدا ومرارة؛ أما الغم فلهذه العاقبة التي ~~انتهت إليها الغزوة العظمى التي كان يهيئ لها منذ سنين؛ ليبلغ شأنا لم يبلغ مثله ~~واحد من بني عبد الملك، وأما الحقد فعلى هؤلاء الروم وقيصرهم ذاك الخسيس الذي أذله ~~بالمكر والخديعة، وخذله حين أمن له، ووثق من مودته، وأما المرارة فلأنه ابن امرأة من ~~هذه الروم الغادرة التي لا تحفظ عهدا، ولا تفي بذمة ... لو كان له أن ينتسب إلى أم ~~غيرها لأنكر أنها أمه، تلك التي باعدت بينه وبين العرش شابا، وحطمت تاج العز على ~~رأسه كهلا ، وتوشك أن تجعل حديثه في هذه الغزاة سخرية الساخرين حتى يبلغ سن ~~الموت. # ومد يدا إلى جيبه فأخرج جوهرة وقلادة، فتملاهما طويلا ثم قذفهما إلى البحر، وهو ~~يقول وقد غلبه الدمع: تميمة لم تحفظها ms68 صبية من السباء، ولم تحرز ولدها كبيرا من ~~الهزيمة! # ثم أطبق راحتيه على وجهه وبكى. # وثاب إلى نفسه بعد هنيات، فدعا حاجبه إليه وقال له: قدم أسارى الروم إلى ~~السيف. # وبسطت الأنطاع، # 1 # وقام على رأس كل أسير حرسي بسيفه، وأخذت الرءوس تتهاوى عن أجسادها، ومسلمة ~~يشهد، قد اشتفت نفسه مما تجد ... # وقدم إلى السيف شيخ حطمة، قد بلغ الثمانين أو قاربها، وهم الجلاد أن يرمي ~~رأسه حين رفع الشيخ يده قائلا: كف! إن لي حديثا إلى الأمير ... # وسيق الشيخ إلى حيث كان مسلمة، فقال: يا ولدي! ~~- اخرس! يتم ولدك. ~~- هل لك في صفقة رابحة، فتبيعني رأسي برجلين عربيين؟ ~~- رجلين عربيين؟ ~~- نعم، في الأسر عندي منذ سنين، ولعلهما من السادة، فإن شئت عفوت عن شيخ حطمة لا ~~يحمل سيفا ولا يدفع غارة، واستنقذت أسيرين من قومك. ~~- جئ بهما. ~~- فيسمح لي الأمير أن أذهب إلى أهلي فأعود بهما. ~~- تحتال حتى تفر بدمك! ~~- ليس الغدر من طبعي! ~~- ولم يكن من طبع إليون القيصر؟ ~~- ذاك ابن إسكاف لا يمت بعرق إلى أسرة نبيلة. ~~- وتمت أنت إلى قسطنطين الأكبر؟ ~~- ليس الكذب من طبعي. ~~- أمفاخرة في هذا المقام يا ابن الغادرة؟ ~~- لم تغدر أمي قط. ~~- اخرس ... رأسه يا حرسي! ~~- يموت العربيان إذن أيها الأمير، وإني لأظن لهما في قومهما شأنا. ~~- ومن يكفلك حتى تعود؟ ... ~~- أخذ الشيخ يقلب نظره في وجوه الجند، ثم أشار إلى فتى منهم: هذا يكفلني أيها ~~الأمير. ~~- تكفله يا عتيبة؟ ~~- قد كفلته. ~~- تبيع شبابك بهرمه؟ إنه ليخادعك عن نفسه! ~~- قد كفلته. # هب مسلمة واقفا، قد بان في وجهه الغضب، ثم مضى إلى خيمته غير متلبث، وأحاط العرب ~~بصاحبهم يسألونه مؤنبين مشفقين: ما حملك على هذا يا عتيبة؟ ~~- شيخ في ضائقة، قد توسم في مروءة، هل أخلف ظنه؟ ~~- ولكن الروم أهل غدر يا عتيبة! ~~- ما كان يجمل بي غيرها. ~~- وإذا لم يعد كفيلك يا أبله؟ ~~- يصنع الأمير في أمري ما يبدو له. ~~- ولكن الأمير مغيظ محنق، قد استل غدر الروم ما كان في ms69 نفسه من خلال العفو ~~والرحمة. ~~- يقتلني به إذن. ~~- وتبيع رأسك برأس كافر؟ ~~- قد كان ما لا سبيل إلى الرجوع فيه. # وتفرق الجند عن صاحبهم محزونين، وأوى عتيبة إلى خيمته، قد امتلأت نفسه غما وضاق ~~بكل ما حوله، هذه أول غزاة يغزوها، ولعلها آخر غزاة، فإن الموت يتربص به، وسيموت حين ~~يموت لا شهيدا في المعركة، ولا مبكيا عليه، وتترقب نوار حتى يعود كل الغزاة، ولا ~~يعود عتيبة فتبكيه دهرا ثم تسلو، وتبكيه أمه كذلك، ولكنها لا تسلو أبدا، إن الأمهات لا ~~ينسين من يموت من أبنائهن، قد علم ذلك عن جدته الثكلى، إنها ما تزال تذكر عمه عتبة وأباه ~~النعمان كأنما فقدتهما منذ قريب. # ما لهذه الخواطر تتزاحم في رأسه الساعة؟ أميت هو إذن؟ فلماذا رمى بنفسه في هذا ~~المأزق؟ ولكنه لا يكاد يستشعر شيئا من الندم لشيء مما كان، فما كان له خيرة، أكان ~~يجمل به أن يقول على ملأ من الجند لذلك الشيخ: دعني فلست من المروءة بحيث ظننت؟ وإن في ~~الأمر - إلى ذلك - احتمالا آخر؟ أليس ممكنا أن يكون ذلك الشيخ صادقا فيما وعد؟ فكيف ~~يحول حب الحياة ولؤم الطبع دون إطلاق أسيرين مسلمين؟ ... # وارتد خاطره إلى أمه وإلى صاحبته؛ كيف يعود إلى نوار ولم يف لها بما وعد؟ يا لها من ~~سخرية أليمة! إنه بدل أن يعود إليها برأس بطريق قد قدم رأسه فداء لرأس شيخ حطمة، لا ~~هو من البطارقة ولا من السوقة، أكانت أمه تتوقع أن يصير إلى هذه الخاتمة حين حاولت أن ~~ترده فعصاها؟ لقد وقع عتيبة في شر أفظع مما كانت تتوقع أمه أن يكون! # ومد يده إلى جيبه فأخرج جوهرة وقلادة فتملاهما طويلا، ثم بكى ... أتدفع هذه التميمة ~~عنه شرا؟ يا لهؤلاء الأمهات! ما أضعفهن قلوبا وعقولا! # ومثل بباب الخيمة حرسي يدعوه إلى لقاء الأمير، كشأنه ذات يوم منذ عام وبعض عام، ~~وكانت الجوهرة والقلادة في مثل مكانهما الآن من يده، ولكنه اليوم غير غافل عنهما ~~... ~~- لأي أمر يدعوني الأمير يا ms70 حرسي؟ ~~- لا علم لي! ~~- أفي خيمته هو أم في الميدان؟ ~~- في خيمته. ~~- وفي خلوة هو أم معه أحد؟ ~~- لا علم لي. ~~- تخادعني عن نفسي يا حرسي! ~~- ليس لي مأرب. ~~- فحدثني إذن بما تعرف ... ~~- لست أعرف شيئا. ~~- إذن فهو الموت؟ ~~- لا علم لي. ~~- وبسيفك أو بسيف غيرك؟ ~~- لا سيف لي. ~~- تبا لك. ~~- غفر الله لك. # وجالت الدموع في عيني عتيبة تأثرا ورقة، فقال وأنفاسه تختلج: سامحني فيما اعتديت ~~يا صاحبي. # ثم صحبه مستسلما، وقد ازدحمت في رأسه صور الماضي القريب والبعيد ... # وكان الشيخ الرومي في خيمة الأمير، وقد وقف إلى جانبه عربيان كهلان في زي منكر ~~... # وثابت نفس عتيبة حين رأى غريمه؛ رومي وفى بذمته! قد أفلت رأس عتيبة إذن من سيف ~~الجلاد، وأفلت رأس الرومي الشيخ، هذان العربيان قد وهبا له الحياة، ولعله كان ~~يسومهما الخسف في أسره، ولكنهما الآن بحيث لا يملكان إلا أن يفتدياه من الموت، رضيا أو ~~كرها ... # وأقبل الرومي الشيخ على عتيبة يشكر له منته، فخجل الفتى؛ علام يشكره؟ لقد كفله ~~مكرها ثم لم يسلم بعد من الندم على ما فعل ... # وكان الشيخ يلحظه بعينين فيهما إشفاق وحب ورحمة، وقد وقف الأسيران العربيان بينهما ~~يشهدان ويسمعان صامتين، وكان مسلمة عبد الملك في مجلسه القريب منهم يرى ويسمع صامتا كذلك، ~~ثم نطق: أيها الشيخ، قد علمنا ما حمل هذا الفتى العربي على كفالتك؛ فإن العرب - ما ~~علمت - أهل مروءة ونجدة، فما حملك أنت على الركون إليه دون من حوله من الجند؟ ~~- رأيت في وجهه مخايل نبل. ~~- ولم تر هذه المخايل في غيره من العرب؟ ~~- ورأيت عاطفة تدفعني إليه، فكأنما سمعت صوتا يناديني إليه. ~~- لأمر ما ... ~~- لأن فيه ملامح من وجه ما زلت ألتمس مثله في الناس فلا أرى! ~~- وجه عربي؟ ~~- وجه فتاة رومية. ~~- فتاة ! ~~- ابنتي ... ~~- ما لنا ولابنتك يا شيخ؟ ~~- استباها عربي في أبيدوس منذ بضع وعشرين سنة، ومضى بها ... ~~- من أبيدوس أنت يا شيخ؟ ~~- بطريق أبيدوس ... البطريق قسطنطين. ~~- قسطنطين ... # واعتدل الأمير في مجلسه وشحب وجهه، ونالت ms71 صوته حبسة فلم ينطق ... # وذهل الفتى ودار رأسه ... بعض هذا الذي يسمع قد سبق إلى وهمه منذ لحظات، أتكون أمه بنت ~~هذا البطريق؟ ولكنها لم تعترف بأنها رومية، ولم تنكر أيضا ... يا للمفاجأة العجيبة! لقد ~~وعد نوار أن يمهرها تاج بطريق رومي، وأن يخدمها ابنته ... أكان يعني أن يجعل رأس جده ~~مهر عروس؟ وأن يجعل في خدمتها أمه أو خالته؟ ... # وثقل الموقف على كل من يرى ... # الأمير ضيق النفس، ولكنه لا يستطيع في مجلسه حراكا. # والشيخ يريد أن يمضي إلى خلوة يتحدث فيها إلى الفتى حديثا ما. # والفتى مشوق إلى حديث الشيخ، ولكن شفتيه قد انطبقتا، وجف لعابه فلا يستطيع لسانه أن ~~يلفظ حرفا ... # والعربيان الأسيران قد نال منهما الجهد، واشتغال الفكر واللهفة إلى علم جديد عن أهل ~~وبلد لم يرياهما منذ سنين طويلة، ولم يسمعا عن أنبائهما ... # وأذن الأمير للمجلس أن ينفض ليخلو إلى نفسه ساعة ... # وسيق العربيان إلى بعض مضارب الجند ليصيبا شيئا من الراحة ... # وتبع عتيبة البطريق ذاهلا، لا يكاد يحس أن رجليه تمسان الأرض! # ورغب الشيخ إلى الفتى أن ينزل عليه ضيفا في أبيدوس يوما أو أياما، اعترافا بجميله، ~~فأجاب الفتى دعوته ... # وتنبه عتيبة بعد غفلة إلى أن الجوهرة والقلادة ما تزالان في يده، فرفعهما إلى عينيه ~~كرة أخرى يتملاهما، وكانا في الطريق إلى أبيدوس، وبصر البطريق بالجوهرة والقلادة ~~في يد الفتى، فندت من بين شفتيه صيحة، وارتاع الفتى حين رأى الشيخ يطبق عليه، وأصابعه ~~تتقبض في لحمه، وهو يقول في مثل صوت المحتضر: ذاك والله أنت يا بني، وتلك ~~ابنتي! # وانكشف الغطاء كله لعيني الفتى ... واستسلم للشيخ مسلوب الإرادة، قد محا هذا اللقاء من ~~رأسه صفحات وأثبت صفحات ... # وأوى به البطريق إلى دار أنيقة في أبيدوس، ثم دعا أهله رجلا رجلا، وامرأة امرأة ~~ليتعرفوا إلى نسيبهم العربي، ومثلت بين يدي عتيبة امرأة كأنها سبيكة، في مفرقها جوهرة، ~~وعلى صدرها قلادة، فوثب إليها يريد أن يضمها إليه ويسند رأسه إلى كتفها، وهو يهتف ~~ذاهلا: أمي سبيكة! ms72 # قال الشيخ وربت كتفه: تلك خالتك يا بني، توءمة لأمك، وما كان اسم أمك سبيكة يوم ~~ذهبت، ولكني أوثر منذ اليوم أن يكون اسمها سبيكة ... ليت شعري كيف صار اسم أختها «روديا» ~~في بيت سيدها؟ # 2 # قال الفتى: ومن تكون روديا هذه يا أبي؟ ~~- بنت أخرى، استباها الغزاة في غارة معاوية ... ~~- وغاب عنك خبرها من يومئذ؟ ~~- وغاب عني خبرها من يومئذ! ~~- ولا أثر يدل عليها؟ ~~- جوهرة وقلادة كذلك. # وجاءت امرأة البطريق فضمت عتيبة إلى صدرها وهي تهتف: ابني! ابني! # وعرف عتيبة كثيرين وكثيرات، كلهم من بني الخال والخالة، لو وافق أحدا منهم قبل اليوم في ~~المعركة لعلاه بسيفه راجيا عند الله الأجر ... # وأخذ جده البطريق يطوف به في حجرات الدار: هذه الدمى كانت تلعب بها أمك يا عتيبة ~~... وهذه السلة كانت تجمع فيها الزهر ... وهذه الشجرة هي غرستها بيديها، ولم تذق من ~~ثمرتها شيئا ... وهذا الثوب آخر ما خلعت قبل أن يذهب بها أبوك! # وكانت الدموع تنحدر على خدي الشيخ فتجاوبها دموع الفتى ... # واحتمل عتيبة ما احتمل من آثار أمه، ومما أهدى إليه الشيخ من طرائف الروم، ثم ودع ~~أسرته هذه الجديدة وعاد إلى معسكره، يشيعه عشرات من بني الأخوال والخالات ... # وكان الأمير يرقب مقدمه، فلم يكد يؤذن بحضوره حتى دعاه إليه ... ~~- وأيقنت من صدق ذلك كله يا عتيبة؟ ~~- ورأيت بعيني من دلائل اليقين. ~~- وحدثك البطريق بخبره كله؟ ~~- وحدثني بكل ما كان من قبل ومن بعد! ~~- وعرفت خئولتك فردا فردا؟ ~~- وعرفت خئولتي جميعا إلا فردا ... ~~- من؟ ... ~~- خالتي روديا. ~~- روديا! ... ~~- نعم، فتاة أخرى استباها العرب في غزاة معاوية. ~~- وغاب عنه خبرها من يومئذ؟ ~~- غاب عنه ... ~~- ولا أثر يدل عليها؟ ~~- جوهرة وقلادة كهاتين. ~~- وماذا تنبئ عن خبرها جوهرة وقلادة؟ ~~- مثل ما أنبأته جوهرة أمي وقلادتها. ~~- ولكن أمك ولدتك واستحفظتك جوهرتها وقلادتها! ~~- وتظن روديا لم تلد، ولم تستحفظ أحدا؟ ~~- من يدري؟ ~~- وا أسفا! ~~- علام تأسف يا عتيبة؟ ~~- لقد رجوت - منذ عرفت - أن يكون لي في المسلمين خالة آوي إلى مبرتها بعض ~~أيامي، وأن ms73 يكون لي من ولدها خئولة أنتمى إليها! ... ~~- إنك - ما علمت - لذو وفاء يا عتيبة؛ فأنا لك في كل ما أملت يا أخي. ~~- وأين أنا منك يا مولاي؟ ~~- ابن أخ أكدت الحادثات نسبه. ~~- لا زال معروفك يطوق عنقي يا مولاي. # وأوشكت الدموع أن تنبثق من عيني الأمير، فهب واقفا ومال بوجهه ناحية، ونهض الفتى ~~فاستأذن منصرفا إلى خيمته، وقد توزعته أشجانه. # وارتمى بثيابه على فرشه مكدود النفس، وحلق بالوهم في أجواء بعيدة ... ولكنه لم يلبث أن ~~انتبه من سرحته على صوت حرسي يدعوه ثانية إلى لقاء الأمير، وكان أحد العربيين الطليقين في ~~مجلس الأمير، وقد أبدل ثيابا بثياب، وسوى شعره وأحفى شاربه فبدا في منظر آخر غير ما ~~كان منذ قليل ... ~~- مولاي! ~~- أتعرف هذا العربي يا عتيبة؟ ~~- أحد الرجلين اللذين كانا ... ~~- نعم، فهلا عرفت اسمه؟ ~~- وما يكون اسمه؟ ~~- عتبة ... # قال الرجل متمما: عتبة بن عبيد الله الرقي. ~~- عمي؟ أبو نوار؟ ~~- من نوار؟ إنما أنا أبو بشير! ~~- نوار أخت بشير. ~~- ابنتي؟ ~~- ابنة عمي. ~~- فأنت ... ~~- عتيبة بن النعمان. ~~- وماذا فعل النعمان؟ ~~- مات ... # وتحيرت دمعتان في عيني الرجل، ولم يملك الأمير جأشه فأرسل دمعه كذلك، وقال الفتى ~~وجسده يرتعد كله من الانفعال: وكنت في أسر البطريق يا عم كل هذه السنين؟ ~~- نعم. ~~- وكانت ابنة البطريق في أسر النعمان! ~~- وي! ~~- نعم، ولم يكن النعمان يدري ولم يكن البطريق ... ~~- وماذا لو علما ...؟ ~~- لو علما لم تبق سبيكة في دار النعمان حتى تلد له عتيبة، ولم يبق عمي في أسر ~~البطريق. ~~- فأنت ابنها إذن؟ ~~- نعم. ~~- وجدك البطريق؟ ~~- أبو أمي. ~~- ربحت صفقة البطريق! # الفصل التاسع عشر # | وفاء النذر # وعاد عتيبة إلى الرقة مثقلا بالغنائم، لم يكن معه رأس بطريق لمهر نوار؛ ولكن معه ~~أباها ... # ونشر على عيني أمه ما عاد به من طرائف الرحلة: هذه الدمية ... وهذه السلة ... وهذا ~~الثوب ... ~~- من أين لك هذا يا عتيبة؟ ~~- من أبيدوس. ~~- وما فعل أولئك القوم؟ ~~- ضيفوا ولدك فأكرموه وبروه. ~~- وعرفوا أمه؟ ~~- وعرفهم ولدها. ~~- وما فعل الله بأبي؟ ~~- ما زال يحمل السيف، ms74 ويلزم الثغر، ويتعرض للشهادة! ~~- وأين لقيته؟ ~~- بين السيف والنطع! ~~- أسيرا ... يقدم للقتل؟ ~~- ولكنني فككت سراحه وحقنت دمه. ~~- جوزيت من ولد بر. ~~- ذاك جزاء معروفك وبرك. ~~- ومن هذا الذي صحبك إلى الدار؟ كأنني أعرفه! ~~- قد حدست ذلك ... إنه عمي عتبة. ~~- عمك عتبة؟ وأين لقيته؟ ~~- في أبيدوس. ~~- قد ذكرته ... كان أسيرا في دار قسطنطين. ~~- وكنت تعرفين أنه هنالك؟ ~~- لم أكن أعرف أنه عمك! ~~- ولم يكن أبوك يعرف أنك امرأة أخيه. ~~- ثم عرف؟ ~~- نعم ... بعد أن افترقا. ~~- وعرف أنه أبو فتاتك؟ ~~- لم أنبئه بعد ... ~~- وتأمل أن تنبئه؟ ~~- نعم، إذا خرجنا كرة أخرى لحرب الروم. ~~- وتطيب نفسك بحربهم، وقد عرفت أن فيهم خئولتك؟ ~~- قد كنت أعرف ذلك منذ بعيد. ~~- وكتمت عني؟ ~~- برا بك وإعظاما لأمومتك؟ ~~••• # وكان الاحتفال بزواج عتيبة ونوار حاشدا، قد ركب له مسلمة من دمشق إلى الرقة في ~~موكب من مواكبه، فأفاض من بره ولطائفه على العروسين الشابين وأهليهما ما كان حديث ~~المدينة، ولقى سبيكة فتحدث إليها طويلا، لم تحتجب منه إلا بنقاب شفيف تجول من ورائه ~~عيناها ... # ثم أزمع السفر، فودعها وودع أهل الدار جميعا، وهو يقول لعتيبة: إن بيننا نسبا ~~وصهرا، فاذكر عمك مسلمة كلما ضاق بك أمر ... # ثم ركب وركبت حاشيته، وودعته المدينة كلها إلى حدود البادية، وارتسمت في ذهنه يومئذ ~~صورة لم تفارقه قط في سفر ولا حضر، هي صورة سبيكة، أو لعلها صورة أمه ورد، فلم يكن ~~بين الصورتين كبير فرق، ولكن شفتيه لم تلفظا السر الذي ضم عليه أضلاعه حتى ~~مات. # | خاتمة # مسجد الشيخ الصالح تحت أسوار القسطنطينية ... # عين مسلمة ... # خليج أبي أيوب ... # ممر العرب ... # ذلك كل ما بقي ثمة من آثار الغزوة التي كانت سنة 98 للهجرة! # ومضى مائتان من السنين، ثم مائتان، ثم ثلاثمائة، وكان محمد بن مراد، محمد الفاتح ابن ~~عثمان، سنة 857ه، فافتتح القسطنطينية وجعلها للمسلمين دارا، ولم تزل للمسلمين دارا من ~~يومئذ. # 1 ms75