######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.CalaBabZuwayla.Hindawi50846838 #META# Tags: novels :: history #META# ID: 50846838 #META# Title: على باب زويلة #META# AuthorID: 61380386 #META# Author: محمد سعيد العريان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - في بلاد الكرج‏ # 2 - في بلاد الروم‏ # 3 - جاه العبيد!‏ # 4 - قنصوه الغوري‏ # 5 - أحلام جارية‏ # 6 - عودة الماضي‏ # 7 - أطماع المماليك‏ # 8 - سلطان الشهوات‏ # 9 - شهددار‏ # 10 - آخرة ملك‏ # 11 - شعب يلهو‏ # 12 - خضاب العروس‏ # 13 - خطوات الزمن‏ # 14 - أنباء من الغيب‏ # 15 - دسائس القصور‏ # 16 - نداء القلب‏ # 17 - لفتات الذكرى‏ # 18 - أرقم الرمال‏ # 19 - حديث المدينة‏ # 20 - تحت ظل العرش‏ # 21 - بأي أرض تموت!‏ # 22 - شعب وحكومة‏ # 23 - وراء الأكمة‏ # 24 - حمامة السلام‏ # 25 - أدراج الرياح‏ # 26 - لغز الحياة‏ # 27 - نذير العاصفة‏ # 28 - أول الطريق‏ # 29 - شعاع من النور‏ # 30 - بوادر المعركة‏ # 31 - الثأر‏ # 32 - أب وأم!‏ # 33 - في زحام المعركة‏ # 34 - غبار الحرب‏ # 35 - الحرب سجال‏ # 36 - السهم الأخير‏ # 37 - آخر الطريق‏ # 1 - في بلاد الكرج‏ # 2 - في بلاد الروم‏ # 3 - جاه العبيد!‏ # 4 - قنصوه الغوري‏ # 5 - أحلام جارية‏ # 6 - عودة الماضي‏ # 7 - أطماع المماليك‏ # 8 - سلطان الشهوات‏ # 9 - شهددار‏ # 10 - آخرة ملك‏ # 11 - شعب يلهو‏ # 12 - خضاب العروس‏ # 13 - خطوات الزمن‏ # 14 - أنباء من الغيب‏ # 15 - دسائس القصور‏ # 16 - نداء القلب‏ # 17 - لفتات الذكرى‏ # 18 - أرقم الرمال‏ # 19 - حديث المدينة‏ # 20 - تحت ظل العرش‏ # 21 - بأي أرض تموت!‏ # 22 - شعب وحكومة‏ # 23 - وراء الأكمة‏ # 24 - حمامة السلام‏ # 25 - أدراج الرياح‏ # 26 - لغز الحياة‏ # 27 - نذير العاصفة‏ # 28 - أول الطريق‏ # 29 - شعاع من النور‏ # 30 - بوادر المعركة‏ # 31 - الثأر‏ # 32 - أب وأم!‏ # 33 - في زحام المعركة‏ # 34 - غبار الحرب‏ # 35 - الحرب سجال‏ # 36 - السهم الأخير‏ # 37 - آخر الطريق‏ # | على باب زويلة # | على باب زويلة # تأليف # محمد سعيد العريان # | تعريف1 # بقلم طه حسين # كتاب رائع بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأصدقها في وقت واحد، كتاب من هذه الكتب النادرة ~~التي تظهر بين حين وحين، فتحيي في النفوس أملا، وترد إلى القلوب ثقة واطمئنانا؛ لأننا ~~نشعر حين نقرؤه بأن الحياة الأدبية في مصر ما زالت خصبة قوية قادرة على الإنتاج، وعلى ~~الإنتاج القيم الممتع الذي لا تتردد مصر ms001 في أن تفاخر به، وفي أن تعرضه إذا عرضت الأمم ~~الحية كتبها الممتعة وأدبها الرفيع. # كتاب لم يخرجه صاحبه إلا بعد جهد أي جهد، واستقصاء أي استقصاء، وعناء عنيف لا يحب أن ~~يحتمل بعضه كثير من كتابنا الذين يحبون الطرق المطروقة والسبل المألوفة، ويكرهون أن ~~يشقوا على أنفسهم بالقراءة المضنية والبحث المتصل، ثم بالتفكير فيما قرءوا والاستنباط مما ~~بحثوا عنه، ثم بالعرض المتقن لما استنبطوا، وبالإبانة الرائعة عما أرادوا أن يقولوا ~~لقرائهم، وكل هذا قد فعله الأستاذ محمد سعيد العريان، دون أن يظهر أحد على ما كلف نفسه ~~من مشقة، وما حمل عليها من جهد، وما أخذها به من شدة في القراءة والبحث والاستقصاء، ثم ~~بالفقه الجاد الحازم الذي لا يعرف ضعفا، ولا تخاذلا، ولا إيثارا للعافية، ولا كلفا ~~بالنجح اليسير. # وقد أراد الأستاذ العريان أن يعرض طرفا من تاريخ مصر، من تاريخها العسير المؤلم الذي ~~تكثر فيه الحوادث، وتلتوي بالمؤرخين وبقراء التاريخ جميعا، وهذا الطرف الذي يمثل انقضاء ~~سلطان المماليك في مصر، وزوال الاستقلال المصري بأيدي الفاتحين من الترك العثمانيين، ويكفي ~~أن أذكر هذا الموضوع ليشعر القارئ بعسره ومشقته، وما يفرض على من يريد تحصيله وتمثله من ~~جهد وعناء. ثم لم يرد الأستاذ العريان أن يضع كتابا في تاريخ هذا العصر من عصور مصر، ~~يعرض فيه الحوادث عرضا دقيقا مستوفيا للشروط التي يحرص المؤرخون على استيفائها، ولم يرد ~~أن يتحدث إلى المؤرخين وحدهم، وإنما أراد أن يتحدث إلى المثقفين جميعا، فآثر مذهب القاص ~~على مذهب المؤرخ، وأعمل خياله في الوقت الذي أعمل فيه عقله، فأضاف بذلك جهدا إلى جهد ~~وعناء إلى عناء، ووفق في الأمرين جميعا توفيقا أعترف بأني لم أشهد مثله في الأعوام ~~الأخيرة، التي خيل إلينا فيها أن الإنتاج الأدبي في مصر قد أفسده حب السهولة، وكاد يرده ~~إلى العقم وكسل الكتاب والقراء جميعا. # أما من الناحية التاريخية فقد بدأ المؤلف حديثه بتلك السنين المضطربة التي انتهى فيها ~~ملك السلطان قايتباي بين طمع الطامعين من الأمراء والولاة، ms002 ورؤساء الجند من المماليك، ومضى ~~في طريقه حتى صور أبرع تصوير، وأقواه ما كان من اختصام هؤلاء الأمراء والولاة والرؤساء حول ~~العرش أولا، وحول المنافع القريبة والبعيدة بعد ذلك، وما كان من تولية وعزل، ومن تتويج ~~وخلع، ومن أسر وقتل، وما كان من كيد في القصر وخارج القصر، وما كان يجري على ألسنة الشعب من ~~حديث، وما كان يضطرب في قلوبه من أمل، وما كان يخامر نفسه من يأس، حتى ارتقى السلطان الغوري ~~إلى عرش مصر، فرد إلى الملك أمنه وإلى السلطان استقراره، ولكنه روع النفوس وملأ القلوب ~~هلعا وفزعا ولوعة وحسرة؛ لإسرافه على الناس في الظلم، وإسرافه على نفسه في البخل، وتهالكه ~~على جمع المال، يأخذه بحقه ويأخذه بغير حقه، ويطلق أيدي أعوانه في أموال الرعية، حتى يعم ~~الفساد، وينتشر الخوف، وتظلم الحياة. # ثم يستأنف الكيد حول هذا السلطان الشيخ في القصر وخارج ~~القصر، وفي مصر وخارج مصر، ثم ينتهي الأمر إلى الكارثة حين تنشب الحرب بينه وبين ~~العثمانيين، وحين تنهزم الجيوش المصرية، لا عن ضعف ولا عن جهل، ولكن عن خيانة السادة ~~والقادة والرؤساء، ثم تكون المقاومة الأخيرة الرائعة التي يبذلها شعب قد لقي من ظلم ~~المماليك شرا عظيما، ولكنه على ذلك مؤثر لاستقلاله حريص عليه، يفضل أن يظلمه ملوكه ~~وسلاطينه على أن يتحكم فيه الأجنبي، ولا تطيب نفسه عن هذه الإمبراطورية العظيمة ذات ~~الأطراف المترامية في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب، وذات الألوية المنتشرة على البحرين ~~جميعا، ولكن المقاومة لا تجدي على هذا الشعب البائس شيئا؛ لأن المماليك قد نحوه عن ~~الأمر، فلم يعتمدوا عليه في تدبير الملك، ولم يقيموا سلطانهم على إرادته ورضاه، ولم يلتمسوا ~~عنده الجنود المدربين، وإنما استغلوه استغلالا، ولم يحكموه لمصلحته هو، وإنما حكموه ~~لمصلحتهم. # هذا كله يصوره المؤلف تصويرا رائعا، يروع بصدقه وقوته ودقته، وقرب مأخذه وبعده عن العسر ~~والالتواء. # وأما الناحية الخيالية، فليست أقل من هذه الناحية التاريخية روعة وجمالا، ولعلها أن ~~تكون أسحر منها للقلوب وأخلب منها للعقول، وأي غرابة ms003 في ذلك وطبيعة الخيال البعيد القوي أن ~~يسحر القلوب، ويخلب العقول، ويشغل القارئ عن نفسه أثناء القراءة وبعد انتهاء ~~القراءة. # والكاتب يبدأ قصته في ذلك الغور الذي كان مستودعا، يجد فيه المماليك مادتهم من الرقيق ~~الذين يختطفون أو يختلسون أو يؤخذون عنوة، ثم يجلبون إلى القاهرة؛ ليتعلموا فيها فنون الحرب ~~والحكم، ثم ليصبحوا جندا وقادة وأمراء وملوكا وسلاطين، وليدبروا أمر هذه الإمبراطورية ~~الواسعة البعيدة الأرجاء. # نحن إذن في هذا الغور نشهد أما تعطف على ابنها الصبي بقلب يملؤه الحنان والحسرة، فهذا ~~الصبي وحيدها، وهو عزاؤها عن أبيه الذي ذهب يطلب ثأر والده، فلم يعد إلى امرأته منذ عشر ~~سنين حتى يئست من عودته، ووقفت حبها وأملها على هذا الصبي، فهي ترعاه يقظان، وتحرسه نائما، ~~وهي كذلك ذات ليلة إذ تحس نبأة، فتخرج من خيمتها مستقصية ثم تعود فلا تجد ابنها؛ لأنه قد ~~خطف كما يخطف غيره من أبناء الغور، وقد أقسمت أمه لتسعين في طلبه حتى تدركه أو يدركها ~~الموت. # من هنا تبدأ القصة، ومن هنا يسلك بنا الكاتب طريقين متوازيتين؛ إحداهما: طريق الصبي طومان ~~الذي يذهب به خاطفه إلى بلاد الروم، ثم إلى الإمبراطورية المصرية، حيث يباع لأمير القلعة في ~~حلب، ثم يمضي مع سيده الذي يصبح عمه ذات يوم - وما أحب أن أفصل ذلك للقراء، فقد ينبغي ~~أن يلتمسوا تفصيله في الكتاب - وما يزال الصبي طومان يمضي في طريقه إلى المجد، متحملا ~~للخطوب، مصابرا للأحداث، مذللا للعقاب، حتى يرقى عمه عرش مصر، وحتى يصبح هو مستشاره ~~وذراعه اليمنى في تدبير الملك، ثم خليفته على مصر حين يذهب للقاء العثمانيين، ثم خليفته على ~~العرش بعد أن يقتل في الموقعة، ثم زعيم المقاومة المصرية حتى يتفرق عنه الجند منهزمين، ثم ~~طريدا يغدره أعرابي فيسلمه إلى سلطان العثمانيين، ثم أسيرا يطاف به في القاهرة، ثم ~~قتيلا قد علقت جثته على باب زويلة. # أما الطريق الثانية فهي طريق الأم التي خرجت من الغور تطلب ابنها، فهي تمر ببلاد الروم، ~~ثم بالإمبراطورية المصرية، ms004 وهي تلقى في هذه الطريق أهوالا وأهوالا، وهي لا تعرف مكان ~~ابنها إلا بعد أن يقتل الغوري ويصبح ابنها سلطانا، وهي تسعى لتلقاه، وتبلغ مصر مع ~~المنهزمين، ولا تتيح لها الحرب لقاء ابنها على كثرة ما تحاول من ذلك، ولكنها تراه ذات يوم ~~وفي آخر طريقها وفي آخر طريقه: جثة معلقة على باب زويلة! # وهاتان الطريقان لا تخلصان لطومان وحده ولا لأمه وحدها، وإنما هما ممتلئتان بضروب مختلفة ~~من الناس، وبألوان متباينة من الأحداث والخطوب ، وبفنون متمايزة من الشخصيات: شخصيات الرجال ~~الطامحين الطامعين، والضعفاء الأذلاء، والذين يترددون بين العزة والذلة، والذين يكيدون في ~~سبيل المال، والذين يكيدون في سبيل الحب، والذين يكيدون في سبيل السلطان، والذين يعيشون ~~للذاتهم، والذين يعيشون لعبادة الله والتخلص من أوزار الحياة الدنيا، وشخصيات النساء اللاتي ~~يكدن ليدخلن القصر، ثم يكدن ليبلغن العرش، ثم تخرجهن الثورات من القصر فيكدن للعودة إليه، ~~وتنزلهن الفتن عن العرش، فيمكرن ليرقين إليه مرة أخرى، كل هؤلاء وغير هؤلاء تكتظ بهم ~~الطريقان. # والأشخاص في هذه القصة كثيرون، قد تفرقت بهم الطرق والتوت بهم المذاهب، واختلفت بهم ~~وعليهم الأهواء، وهم مع ذلك لا يصرفون القارئ عن قراءته ولا يردونه عن غايته، وإنما يدفعونه ~~إلى هذه الغاية دفعا، ليس منهم إلا من يثير في القارئ عاطفة حب أو بغض، أو رغبة في ~~الاستطلاع، أو تذكرا لشخصيات أخرى من شخصيات التاريخ، أو تفكرا في بعض الأحداث والخطوب ~~التي يشهدها هنا وهناك في حياة العصر الحديث. # قلت لك إنه كتاب رائع بأدق معاني الكلمة وأوسعها، وأصدقها في وقت واحد. # وإذا كان الناقد مستشارا للقراء، وإذا كان المستشار مؤتمنا كما يقال، فإني أشير على ~~القراء أن يقرءوا هذا الكتاب، فسيجدون فيه أدبا رفيعا وتاريخا صحيحا، وتحليلا دقيقا ~~وأسلوبا رصينا، لولا هذه الإنات التي يسرف بها الكاتب على نفسه وعلى الناس، لا في هذا ~~الكتاب وحده، بل في كل ما يكتب، وأكاد أملي: في كل ما يقول! # بدأت حوادث هذه القصة منذ خمسمائة سنة في بلاد الكرج ms005 «جورجيا: موطن ستالين»، وانتهت ~~بالقاهرة في قصور السلاطين. # الفصل الأول # | في بلاد الكرج # على امتداد الطرف في أرجاء الغور المنبسط بين جبال القبج (القوقاز)، كانت تقيم قبيلة من أشد ~~قبائل الجركس بأسا، وأعزهم نفسا، وأقواهم شكيمة في الحرب والسلم، وأحرصهم على الغلبة ~~وإدراك الثأر ... # على أن هذه القبيلة على ما تهيأ لها من أسباب المنعة في أرضها هذه التي تكتنفها رءوس ~~الجبال، منتصبة في كل ناحية كأنها أنياب الأسد، ومن قوة بأس أبطالها المغاوير ذوي الحفاظ ~~والنخوة، لم يتعود أهلها الهدوء يوما على حال من الطمأنينة والسلام، فلم يزالوا - منذ ~~كانوا - هدفا لغارات التتار، وغزوات التركمان، وبغتات تجار الرقيق؛ فقد اشتهر فتيان هذه ~~القبيلة وفتياتها بصباحة الوجوه، ورقة الطباع، ولين الخلق، وجمال القوة؛ فإن كل ذي مطمح من ~~أصحاب الجاه ليرنو بعينيه من وراء هذه الجبال المنيعة إلى فتى من فتيان هذه القبيلة، يتخذه ~~ولدا أو يصطنعه بطانة وحاشية، أو إلى فتاة من فتياتها يؤاخيها على السراء فيتخذها حليلة أو ~~جارية ... من أجل ذلك لم تنم هذه القبيلة ليلة من لياليها إلا على وتر، ولم تصبح إلا على ~~غارة! # وفي ليلة من ليالي الربيع رقراقة النسيم معطارة الأرج، أوى أهل العشيرة إلى مضاربهم ~~هادئين وادعين، وانسرحت أحلامهم إلى ما وراء هذه الجبال الشم، تطوف في الآفاق وراء بعض من ~~فارقهم من الفتيان والفتيات منذ قريب أو من بعيد، راضين أو كارهين، إلى حيث يلقون الجاه ~~والغنى والسعادة، أو حيث يحتملون الهوان والمذلة، وضيق العيش وأنكاد الحياة! # وكانت خيام العشيرة متناثرة على غير نظام، يقترب بعضها من بعض حينا، ويتباعد بعضها عن ~~بعض أحيانا، وقد أسبغ الليل رداءه على الغور كله فلا بصيص من نور، وضرب الصمت على آذان ~~الأيقاظ والنائمين من أهل الحي، فلا حس ولا حركة، إلا عواء كلب، أو ثغاء عنز، أو ضغاء ~~طفل رضيع، وإلا زفيف الريح تضرب في مسالكها بين الخيام المتناثرة، فتضطرب الأطناب في ~~أوتادها، وتهز البيوت هزة خفيفة كما تهدهد الأم وليدها في مهده ms006 لينام! # في تلك الليلة كانت نوركلدي ساهرة إلى جانب فراش ولدها طومان، لا يكاد يغمض لها جفن أو ~~ترقأ لها دمعة ... # ذلك الصبي هو كل أسرتها التي تعتز بها حين يعتز الناس بأهليهم وذوي قرابتهم. لقد ذهب ~~الجميع فلم يبق لها إلا هذا الصبي. طفل في العاشرة، ولكنها مع ذلك سعيدة به؛ لأن لها ~~به أسرة ذات عدد! # لقد ذهب زوجها أركماس آخر من مضى، وخلفها وليس لها من الأهل وذوي الصهر والنسب إلا ~~جنين يرتكض في أحشائها، فكانت هي وذلك الجنين كل الأسرة، لا تجد من تتحدث إليه أو يستمع ~~إليها إلا حين تخلو إلى نفسها في تلك الوحدة الموحشة، فتمر براحتها على بطنها، وتتحدث إلى ~~ذلك الجنين كأنه منها بمرأى ومسمع، وكأنه إنسان حي له عقل وأذنان ... وتتنبه أحيانا إلى ~~نفسها فتسخر من تلك الأوهام التي تخيل إليها أن معها أحدا تتحدث إليه فيسمع منها، وأنه ~~يحدثها فتسمع منه ... ولا شيء ثمة ولا أحد، إلا هي وبطنها ... هي وذاك الجنين، أو تلك الجنينة! # تلك كانت حالها منذ عشر سنين: امرأة بائسة منقطعة تعيش من الوهم في أسرة ذات عدد، فيها ~~خيال الزوج الذي رحل إلى غير معاد، وخيال الطفل الذي أجنته في بطنها إلى ميعاد. ومضت بضعة ~~أشهر منذ غاب زوجها، ثم انهتك حجاب الوهم عن حقيقة صريحة تراها بعينيها وتلمسها بيديها، ~~وصار لها ولد ... هذا طفلها طومان بن أركماس: إنسان حي تستطيع أن تتحدث إليه وتسمع منه، ~~وتقص عليه من خبر أبيه، ولكن أين أبوه الساعة؟ # لقد كانت ليلة مشئومة تلك التي رحل فيها أركماس لأمر من أمره فلم يعد، لقد حدثها قلبها ~~ليلتئذ أنه لن يعود، فتعلقت به - وقد هم أن يمضي - تتوسل إليه بعينين ضارعتين أن يبقى، ~~فألقى يدها عن كتفه وضمها إليه برفق وهو يقول: سأعود إليك يا نوركلدي! # وارتكض الجنين ساعتئذ في أحشائها، كأن له عند أبيه أمنية كأمنية أمه ... ولكن أركماس لم ~~يستمع إليه، فمضى ولم يعد منذ تلك الليلة، ولم يعرف ms007 أحد أين ذهب، وعاشت نوركلدي منذ تلك ~~الليلة وحيدة هي وجنينها، ثم هي وابنها، ولكنها لم تقطع الأمل من لقياه، لقد وعدها، ولا ~~بد أن يفي بما وعد، ولا بد أن تلقاه ... # وها هي ذي الليلة تعاودها الذكرى، فهي في خيمتها مع وليدها النائم، ولكن إلى جانبها ~~خيال شخص ثالث ... ~~«أركماس! أركماس! أين أنت الساعة يا زوجي الحبيب؟ أفلا يشوقك أن ترى ولدك إن كانت رؤية ~~زوجتك الحبيبة لا تشوقك؟» # وأرسلت عينيها، ورفعت يد ولدها النائم إلى فمها برفق، فقبلتها قبلة وبللتها بدمعة! # لقد كان أركماس فتى عزيز الجانب، جريء القلب، عارم الخلق، لا يصبر على دنية ولا ينام ~~على ثأر، وكذلك كان أبوه، ولكن أباه قد مات منذ سنين: كان في بعض المعارك فأصابته طعنة في ~~ظهره فأردته قتيلا، وفر قاتله بدمه تحت الليل في ركاب قافلة من تجار الرقيق، وكان أركماس ~~وقتئذ صبيا لم يبلغ الحلم، ولكنه أقسم أن يثأر لأبيه من قاتله أينما كان، وأن يناله ~~ولو كان سلطانا على العرش ... وترادفت السنون ولم يزل أركماس يتربص لقاتل أبيه ويتقصى ~~أخباره، حتى عرف أين يجده، فودع زوجته وخرج لوجهه فلم يعد ... # ترى أين هو الساعة؟ أفي الأحياء هو أم في الموتى؟ وماذا رد زوجته الليلة إلى ذكراه بعد ~~تلك السنين؟ # وتململ الغلام في فراشه، وفتح عينيه وتثاءب، والتقت عيناه بعيني أمه، وبادلها ابتسامة ~~بابتسامة، ثم نهض إليها وطوقها بذراعيه، وطبع على خدها قبلة، وطبعت على جبينه مثلها. # وسمعت الأم في سكون الليل نباح كلب، فنهضت في خفة وأزاحت ستر الخيمة، وخرجت إلى الخلاء ~~تتفقد غنماتها الجاثمة على مقربة تجتر. وعاد طومان فأوى إلى فراشه ثم أغفى ... # وكان نسيم السحر عطرا نديا، وقد عم الظلام وانتشر، فلا ضوء إلا ما ترسله هذه ~~النجوم المرصعة في السماء، كأنها عيون تنظر من فروج الخباء! # وغابت نوركلدي قليلا عن ولدها ثم عادت، ولكنها لم تجد فتاها حيث كان، وكان فراشه لم يزل ~~دافئا، فهتفت في قلق: «طومان!» ولكن طومان لم يجب ms008 أمه، وكررت النداء فلم يجبها إلا ~~الصدى، وصرخت ... # واستيقظ رجال ونساء في الخيام القريبة، وتراكضت الأقدام في الطرق الملتوية بين مضارب ~~العشيرة. وكان يتردد في الجانب الآخر من الحي صراخ واستغاثة أخرى، وذهبت طائفة من الناس هنا ~~وطائفة هناك، وقال بعضهم لبعض في قلق وغيظ: نخاس! # وضمت كل أم وليدها إلى صدرها، فلو أطاقت لردته إلى بطنها جنينا، وانبث الرجال بين ~~المضارب يتحسسون مواضع خطاهم، ويتعارفون بكلمة السر، يرجون أن يعثروا بذلك الغريب الذي ~~اقتحم عليهم مضاربهم في هدوء الليل ليسترق أطفالهم ... ولكن ذلك الطارق الغريب قد اختفى أثره ~~فلم يقف له أحد على خبر، وكأنما أعجلته صرخات الاستغاثة فلم يظفر من غارته تلك إلا برأسين ~~اثنين: طومان ابن نوركلدي، ومصرباي بنت جركس، أما مصرباي فطفلة يتيمة لا أم لها ولا أب، ~~وإنما تعيش في كنف سيدة عجوز من ذوي قرابتها، فليس يشق غيابها على أحد، وإنها لذات جمال ~~وحيلة، فما أحرى ذلك أن يكفل لها من أسباب السعادة ما يهيئها لأن تعيش هانئة في قصر سلطان ~~من سلاطين الروم، أو من سلاطين مصر. وأما طومان فوا حزنا! إنه كل شيء في حياة أمه ~~المسكينة، وهي كل شيء في حياته ... يا للمسكين ويا للمسكينة! # اقتحم عليهم مضاربهم في هدوء الليل ليسترق ~~أطفالهم. # وأصبح الناس وليس لهم حديث إلا أخبار أولئك النخاسين الغلاظ، الذين يطرقونهم حينا بعد ~~حين، فيسترقون بنيهم وبناتهم، ويمضون بهم موفورين لا يعترض سبيلهم أحد؛ ليبيعوهم في أسواق ~~حلب أو دمشق أو القاهرة! # وأصبحت نوركلدي باكية قد ذهب بها الحزن كل مذهب، تنادي فتاها، وتنادي زوجها، ولا مجيب، ~~ومن حولها نساء يحاولن أن يجرعنها الصبر والسلوان ... # قالت واحدة منهن: الصبر يا نوركلدي! إن الأمر لأهون مما تقدرين، فماذا تظنين أن يصيب ~~ولدك؟ إنه لذو عقل وجمال، وإن فيه مخايل من أبيه، فماذا تكون عاقبة أمره إلا أن يصير ~~أميرا من أمراء السلطان في مصر أو في بلاد الروم، ينعم بالغنى والمجد والسعادة! # قالت نوركلدي: خلي عنك يا صديقتي! ms009 لقد كنت في غنى عن كل ذلك به، وكان في غنى بي، ومن لي ~~غيره وقد ذهب أركماس! # قالت صاحبتها: يا أخية! إنك لتنظرين إلى حظ نفسك، فكيف لو رأيته غدا فارسا على سرجه ~~يقود فرقة من المماليك، والعيون ترمقه من حيث اتجه؟ فما أرى النخاس الذي خطفه وخطف معه ~~مصرباي إلا ذاهبا بهما إلى مصر، تلك البلاد التي تصنع السلاطين، ولعلهما غدا أن يصيرا ~~سلطانا وسلطانة على عرش فرعون! # فتأوهت نوركلدي وقالت: يا ليت كل ذلك لم يكن ... لقد كنت أدخر طومان ليقفو آثار أبيه حتى ~~يلقاه حيا أو يدرك ثأره! # ثم أطبقت راحتيها على وجهها واسترسلت في البكاء! # قالت عجوز في المجلس: هوني على نفسك يا ابنتي، أفلست تعلمين أن طومان اليوم أدنى إلى ~~إدراك الثأر، وقد وضع قدمه على أولى درجات المجد؟ سيثأر لك ولأبيه من هذه العيشة الضنك التي ~~تعيشين؛ فليس الثأر هو إدراك الدم، ولكنه إدراك المجد. أم لم يبلغك نبأ جاهنشاه التي باعت ~~ولدها جانبلاط راضية لنخاس خوارزمي، ولم تقبض منه الثمن مالا تنفقه، ولكنها قبضت وعدا منه ~~بألا يبيعه إلا لسلطان مصر؟ وقد بر النخاس بما وعد؛ فإن جانبلاط ابن جاهنشاه هو اليوم ~~أمير ألف من مماليك السلطان قايتباي ملك مصر والشام وسيد البحرين، ومن يدري! فقد يكون ~~جانبلاط غدا هو سلطان مصر والشام وسيد البحرين؟ # كانت العجوز تتحدث وقد أرهف النساء آذانهن يستمعن إلى ما تقول في لهفة وشوق، والأحلام ~~تحلق بهن في أودية بعيدة، وقد غفلن عن نوركلدي وأحزانها، فما كادت العجوز تنتهي من حديثها ~~حتى ابتدرتها فتاة من عرض المجلس تسألها في لهفة: ماذا قلت يا أماه؟ جانبلاط ابن جاهنشاه ~~أمير ألف ...؟ # وغصت الفتاة بريقها فلم تتم، وتعاقبت على وجهها ألوان شتى، وعرف النساء ما بها؛ فرفت ~~ابتسامة على كل شفة، لقد كن جميعا يعرفن ما كان بينها وبين جانبلاط، ذلك الذي كان يطمع ~~أن يتخذها زوجة له، فصعرت خدها وردت يده كبرياء وأنفة، فأين هو اليوم منها وأين هي! ms010 # ثم استردت الفتاة أنفاسها وأردفت كأنما تعزي نفسها: ومن أين لك هذه الأخبار وأنت هنا وهو ~~هنالك يا أماه؟ # فاعتدلت العجوز في مجلسها وقالت باسمة: حدثني بها النخاس الذي ذهب به، لقد طرق هذه الحلة ~~مساء أمس يسأل عن أمه ليقص عليها خبره، ولعله كان يطمع أن تدفع إليه الحلوان حين يزف إليها ~~البشرى، ولم يكن يعرف أنها قد ماتت منذ عام! ولقيته أنا فحدثني ... # قالت الفتاة منكرة: حدثك أن جانبلاط قد صار أمير ألف ؟! # قالت العجوز ساخرة: نعم، وأنه قد تزوج واحدة من بنات السلاطين ... عرفت ذلك من نخاس خوارزم نفسه! # وكانت نوركلدي في شغل بنفسها عما يتحدث به النساء حولها، لا تكاد تسمع شيئا منه، فما كاد ~~يطرق أذنها آخر حديث العجوز، حتى اتجهت إليها تسألها في اهتمام: نخاس خوارزم كان هنا ~~أمس؟! ~~- نعم! # قالت نوركلدي وقد عاد صوتها أكثر اطمئنانا وأمنا: الآن عرفت أين ذهب ولدي طومان ومن ذهب ~~به ... آه من ذلك الوحش الغليظ الذي خطف ولدي فأثكلني بعد ترمل، وتركني وحيدة في أحزاني! # ثم هتفت في عزم: لا، لن أتركه يذهب به بعيدا، سأدركه، لا بد أن يعود إلي طومان ~~العزيز! سألقاه ... سألقاه ... سأراه ثانية ولو لفظت آخر أنفاسي على الطريق إليه! # الفصل الثاني # | في بلاد الروم # كان خان يونس الرومي في ظاهر مدينة قيسارية من بلاد الروم ملتقى لكثير من تجار ~~المشرق؛ فقد كان على طريق الغادي والرائح - من هؤلاء التجار - إلى حلب ودمشق والقاهرة، أو إلى ~~أرمينية وبلاد الكرج وما وراء الجبال، يأوون إليه في ذهابهم، وفي معادهم، يلتمسون الغذاء ~~والدفء والمأوى، وكان يونس الرومي - صاحب ذلك الخان - مستودع أسرار هؤلاء النزلاء جميعا؛ فإنه ~~ليعرفهم ويعرفونه منذ سنين بعيدة، وكثيرا ما كان واسطة تعارف بين بعضهم وبعض، وكثيرا ما ~~ربط بينهم روابط تجارية وعقد صفقات رابحة ... # وكان أبو الريحان الخوارزمي من رواد ذلك الخان، يأوي إليه بغلمانه ذاهبا وآيبا، ويفضل ~~على الخان وصاحبه من معروفه وبذله؛ فقد كان من أغنى تجار الرقيق في ms011 شرق بلاد الروم وغربها، ~~وكانت تجارته هذه تكفل له من الربح ما لا يحسب معه حسابا لنفقاته ... على أن يونس الرومي ~~لم يكن يستريح إلى الخوارزمي أو يطمئن إلى رؤيته؛ فقد كان إلى بذله ومعروفه فظا غليظ ~~القلب فيه قساوة وجفاء، ولم يكن أحد غير يونس الرومي يعرف أنه ليس تاجرا من تجار الرقيق ~~بالمعنى الذي يفهمه عملاؤه، ولكنه نخاس يسرق أبناء الحرائر وبناتهم من أحضان آبائهم ~~وأمهاتهم؛ ليبيعهم في أسواق الرقيق، ويزعم أنه يشتريهم من عملائه في أران، وكرمان، ~~وخوارزم ... # ففي ليلة من ليالي الربيع، بينما كان يونس يتهيأ للنوم بعد أن أدى ما عليه للنزلاء من ~~حق، وأغلق باب الخان، سمع طرقا على الباب، فأزاح الغطاء عن جسده، وحمل شمعة موقدة في ~~يده، وقصد إلى الباب ليرى من ذلك الطارق بليل ... وكان الطارق أبا الريحان الخوارزمي، وفي ~~يديه فتى وفتاة يجرهما جرا في قسوة وغلظة، فما كاد ينفتح له باب الخان حتى دفع أمامه ~~الفتى والفتاة ودخل وراءهما، ثم جلس وجلسا بين يديه صامتين، يتبادلان نظرات حزينة فيها ~~انكسار وخوف، على حين ارتفع صوت أبي الريحان خشنا جافيا يقول ليونس: ما لك واقفا كذلك ~~كأنما أصابك المسخ؟ اذهب فهيئ لنا عشاء طيبا وفراشا وطيئا، إنني وهذين الخبيثين لم ~~نذق طعم الغمض منذ ثلاث، ولم نطعم شيئا منذ أمس! # ورفت على شفتي الفتاة ابتسامة خابية وهمت أن تقول شيئا ثم أمسكت، وقال الفتى متحديا ~~وفي عينيه بريق العزم والفتوة: أما أنا فلن أطعم شيئا من الزاد حتى تنبئني أين تذهب بنا! # فصرت أسنان الخوارزمي في غيظ، ثم اصطنع الهدوء والرفق وقال في صوت ناعم: ويحك يا غلام! انظر إلى مصرباي الجميلة الهادئة، لقد كنت أحسبك أعقل منها وأكثر إدراكا لحقيقة الحال، أفلم أنبئك ...؟ # قال الفتى معاندا: نعم، ولست أريد إلا أن أرجع إلى أمي ... # فربت أبو الريحان على كتفه حانيا وهو يقول: حسبك يا طومان ولا تذكر أمك، فما أظنك تراها ~~بعد. إنك منذ اليوم لست ابن نوركلدي، ولا ms012 أبوك هو أركماس ... انس ذلك كله كأن لم يكن، فما ~~وراء التذكر إلا الألم والندم ... وليس إلى ما فات من سبيل، فهيئ نفسك لغدك، يوم تصير ~~مملوكا في حاشية السلطان قايتباي، أو أميرا من أمراء جنده! ... # قالت الفتاة باسمة: يا عم ... # قال الخوارزمي غاضبا: ماذا؟ حسبتك قد فهمت كل ما هنالك فلن تعودي إلى ذلك الحديث، ~~أفلا يرضيك أن تكوني غدا سلطانة على عرش مصر؟! # وعاد يونس الرومي يحمل إلى نزلائه طعام العشاء، فكفت الفتاة عن الحديث، وكف الفتى، ~~وأقبل أبو الريحان على طعامه لا يعنيه من أمر أحد شيء، فلما أوشك أن يفرغ ما بين يديه من ~~الطعام، وقد امتلأ بطنه حتى اكتظ، أقبل على الغلامين قائلا: أفلا تتبلغان بشيء، أم تريدان ~~أن تموتا جوعا؟ # ونظر إلى الفتى نظرة، ثم عاد ينظر إلى الفتاة مثلها وهو يقول: كلي أنت يا بنية، إن ~~أخاك قد أجمع أمره على أن يموت أو يعود إلى أمه، وهيهات أن يبلغ من ذلك شيئا! # ثم مد يده إلى الفتاة بفلذة من اللحم، فأخذتها من يده وراحت تأكل في نهم، حتى أتت على كل ~~ما أفضل لها سيدها من الطعام، والفتى ينظر إليهما محزونا لا يكاد ينبس ببنت شفة ... # ثم عاد يونس الرومي ينبئ السيد وغلاميه أنه قد هيأ لهم الفراش للنوم. # ومضى الثلاثة في أثر يونس إلى غرفتهم فأغلق عليهم بابها، وعاد إلى غرفته وهو يهمس لنفسه: ~~ويل له! ترى من أين اختطفهما، وماذا خلف وراءه من حسرات! # كان جقمق الأشرفي تاجر الرقيق من نزلاء خان يونس في تلك الليلة، وكان رجلا كثير الرحلة ~~بين مصر والشام وبلاد الروم؛ ليتسوق المماليك، وكان له مكان ملحوظ في بلاد السلطان الأشرف ~~قايتباي صاحب مصر لذلك العهد، فقد كان الأشرف حريصا على أن يزيد عدد مماليكه؛ ليكون له ~~منهم جيش قوي يرد به عادية الأمراء الذين ينافسونه على العرش في داخل بلاده، ويدفع به عن ~~مملكته عدوان المغيرين من أمراء البلاد المجاورة، وكان ملك قايتباي يمتد من ms013 صحراء ليبيا ~~إلى حدود بلاد الروم شرقا وغربا، ومن بحر الروم إلى حدود اليمن وما وراءها جنوبا ~~وشمالا، على أنه لم يكن يخشى أحدا من أمراء البلاد المجاورة خشيته ابن عثمان ملك الروم، ~~من أجل ذلك كان دائما على الأهبة، فلم يكن له هم إلا زيادة جيشه بما يجلب له التجار من ~~المماليك الذين يتسوقونهم من بلاد المشرق، أو يظفرون بهم من سبي الروم والفرنجة. وكانت ~~وظيفة «تاجر المماليك» في ذلك العهد وظيفة رسمية من وظائف الدولة، لها إقطاع يساوي إقطاع ~~بعض أمراء البلاط! وكان جقمق هذا واحدا من أولئك التجار الذين يركن إليهم قايتباي فيما ~~يريد من هذا السبيل، وكثيرا ما باعه من جلبانه غلمانا رقي بهم السعد حتى بلغوا مرتبة ~~الإمارة في البلاط ... # على أن جقمق في هذه الرحلة لم يكن قد وفق إلى شيء يطمع أن يحوز به رضا السلطان، فلم ~~يقع له في رحلته إلا غلام رومي اسمه خشقدم. وهو فتى فيه مخايل من ذكاء وفطنة، وفيه ~~خبث وتدبير وكيد، وله إرادة وعزم ... ولكنه غلام واحد ... # فلما أشرق الصبح، التقى في بهو الخان أبو الريحان الخوارزمي وجقمق الأشرفي، ووقعت عين ~~التاجر على الفتى والفتاة فرأى صيدا سمينا ... فما كانت إلا صفقة يد، حتى انتقل طومان ~~ومصرباي من يد نخاس خوارزم إلى ملك جقمق الأشرفي ... ومضى كل من الرجلين في سبيله! # لم تكن الأمور في ذلك الوقت بين بايزيد العثماني والأشرف قايتباي سائرة على نهج الصفاء ~~والمودة؛ فإن كلا منهما ليتربص بصاحبه غرة يناله بها أو ينال منه، ولم يكن خافيا على ~~ابن عثمان أن عدوه قايتباي إنما يتكثر بهؤلاء المماليك المجلوبين ليتهيأ لحرب الروم ~~بالعدد الجم، فمنع تجار الرقيق المصريين أن يمروا ببلاده، ورسم لجنده أن يقبضوا على كل ~~تاجر منهم يظفرون به في بلد من بلاد الروم، وكان أولئك التجار يعرفون ما ينتظرهم لو دخلوا ~~بلاد الروم، ولكن ذلك لم يصدهم عما أرادوا، ومن أين لهم أن يظفروا بمثل المماليك الذين ~~يجتمعون لهم من طريق ms014 بلاد الروم، من أبناء الروم أنفسهم، أو من الجركس والتركمان؟ من أجل ~~ذلك لم يكن لينقطع وفود هؤلاء التجار إلى بلاد ابن عثمان ملك الروم، فمنهم من يعود ظافرا، ~~ومنهم من تقع عليه عين السلطان فيساق إلى الاعتقال، فما كاد جقمق الأشرفي يخرج بغلمانه من ~~خان يونس، حتى بصر به جند السلطان بايزيد، فسيق إلى الأسر، وسيق معه جلبانه الثلاثة: ~~طومان، ومصرباي، وخشقدم. وارتد إلى العبودية السيد وعبيده! # الفصل الثالث # | جاه العبيد! # جلس الأشرف قايتباي على عرش مصر بضعا وعشرين سنة، وبلغ الشيخوخة ولم يزل ولده محمد ~~صبيا لا يصلح لولاية العهد كما يأمل أبوه. على أن وراثة العرش لم تكن أمرا مألوفا في ~~مصر لذلك العهد، وما كانت ولاية قايتباي نفسه عرش مصر وراثة عن أب أو جد، فما هو إلا ~~مملوك اشتراه سيده بخمسين دينارا، فلم يزل يرقى به السعد درجة بعد درجة حتى بلغ أسمى مناصب ~~الدولة، ورفعته مواهبه للعرش حين خلا العرش من سلطانه، فتولاه كما تولاه كثير ممن سبقه من ~~سلاطين المماليك: كلهم أرقاء لا يعرف لأكثرهم آباء ولا أمهات، قذفتهم المقادير إلى تلك ~~البلاد التي تصنع السلاطين فصنعتهم سلاطين، ومنهم من فكر في أن يجعل العرش وراثة في ولده، ~~ولكن التاريخ لم يكتب لواحد من أولئك الذين تولوا العرش وراثة عن آبائهم النجاح الذي يجعل ~~توريث العرش فكرة ذات قرار ... # فلما بلغ السلطان قايتباي ما بلغ من العمر وعرقته الشيخوخة، راح كل واحد من أمراء ~~المماليك يفكر في العرش، ويهيئ أسبابه للوثوب إليه. وقد اجتمع في عصر قايتباي طائفة من ~~أمراء المماليك لم يجتمع مثلهم لسلطان من سلاطينهم، فكان اجتماعهم قوة لقايتباي في أيام ~~قوته وعنفوانه، وضعفا في أيام ضعفه وهوانه! # كان هناك الأمير تمراز، والأمير أزبك، وأقبردي الدوادار، وقنصوه الخمسمئي، وكان هناك ~~الصبي محمد بن قايتباي، وكان هناك قنصوه الغوري ... # كل أولئك كانوا يطمعون في عرش قايتباي من بعده، ويتربصون به ... ولكن اثنين منهما كانا ~~يتعجلان النهاية ليبلغا العرش قبل الأوان، هما أقبردي ms015 الدوادار، وقنصوه الخمسمئي. # أميران يملكان المال والعتاد، ولكل منهما جيش من المماليك والأتباع، وله في قلوب الشعب ~~مكان. وكانت المنافسة بينهما سافرة حينا، ومنتقبة أحيانا، والسلطان الشيخ يرى ويسمع ولا ~~يكاد يصنع شيئا. # وكانت نذر الحرب بين قايتباي وجيرانه تترادف عليه مع البريد يوما بعد يوم؛ فهناك ابن ~~عثمان صاحب بلاد الروم، وإسماعيل الصفوي سلطان العجم، وجند سوار صاحب مرعش وديار بكر، ~~وقراصنة البحر من الفرنجة ... وولده الذي يريد أن يورثه العرش لم يزل صبيا لم يبلغ حد ~~التمييز ... # لا بد من مماليك جدد يتكثر بهم من قلة ويتقوى من ضعف، ولا بد لذلك من مسالمة ابن ~~عثمان ملك الروم! # وخرج جاني بك حبيب - سفير الأشرف قايتباي - إلى ملك الروم في هدية حافلة، ساعيا في الصلح ~~بينه وبين سلطان مصر والشام والحرمين: الأشرف قايتباي. # ونجحت السفارة، وأطلق ابن عثمان من في حبسه من تجار الرقيق المصريين، وخرج جقمق الأشرفي ~~من بلاد الروم ومعه غلمانه الثلاثة: طومان، ومصرباي، وخشقدم الرومي. وانتهى إلى حلب، فحط ~~رحاله يستريح أياما، ويستروح نسيم الحرية في أرض مصرية، بعد أن لبث سنتين أو يزيد معتقلا ~~في بلاد الروم! وكان قنصوه الغوري وقتئذ نائب قلعة حلب! # هذه مدينة حلب ... أولى مدائن الشام مما يلي بلاد الروم، حيث يلتقي كل يوم مئات من الغرباء ~~على غير ميعاد، ويفترقون إلى غير معاد ... # وهذا جقمق الأشرفي يسوق غلمانه إلى خان مسعود، حيث يأمل أن يجد مأوى مريحا وطعاما ~~شهيا، ومن ذا يقصد مدينة حلب من الغرباء ولا يلتمس الراحة في خان مسعود؟! # ولكن خان مسعود كان في ذلك اليوم غاصا بنزلائه، فليس فيه غرفة واحدة خالية من النزلاء ~~ليأوي إليها جقمق وغلمانه، فبينما هو يهم بالرجوع ليلتمس ضيافة عند بعض أصحابه في ~~المدينة، إذ دعاه صاحب الخان وعرض عليه أن يشارك بعض النزلاء في غرفته ريثما تخلو له غرفة ~~أخرى، فأجابه جقمق وحط رحاله، وكان شركاؤه في الغرفة الكبيرة التي تطل شرفاتها على الدرب ~~الواسع هم ملباي الجركسي وأولاده. # وكان ms016 ملباي هذا رجلا من أهل صمصوم، بالقرب من بلاد الكرج، قد استهواه المجد فخرج بأولاده ~~الأربعة إلى مصر، يريد أن يهبهم للسلطان الأشرف قايتباي ليكونوا جندا من جنده ... # أربعة في سن الشباب، لم يدخلوا تحت رق قط، ولم ينتزعهم من أحضان أمهاتهم نخاس، يسعون ~~مختارين، أو يسعى بهم أبوهم ليقدم أعناقهم للرق؛ طمعا في الإمارة والسلطان ... # أربعة أحرار، يحسدون الأرقاء على بعض ما أولاهم الله من نعمته، فيبيعون حريتهم طائعين ... ~~يا عجبا! ولكن لماذا العجب ؟! أليس الرق هو الذي صنع كل أولئك السلاطين الذين يتوارثون عرش ~~فرعون منذ أكثر من مائتي عام؟! فماذا يعيبهم أن يسلموا أعناقهم للرق؛ ليرتقي بهم الرق إلى ~~العرش؟! ليس يعنيهم ماذا تكون الوسيلة ما دامت الغاية هي الإمارة والجاه والسلطان! # ولقي جقمق الأشرفي تاجر المماليك شركاءه في الغرفة، وعرف من أمرهم ما عرف، فابتسم ~~مغتاظا وهو يقول لملباي: ولكنك يا سيدي تقامر بأولادك، فمن أين لك أن يصيروا كلهم أو ~~بعضهم أمراء؟ أفلست تخشى أن يبقوا مماليك ويخلدوا في الرق، لا تفك رقابهم ولا يملكون أن ~~يعودوا إلى الحرية؟ أم تحسب أن كل مملوك في «الطبقة» أهل للإمارة فلا بد أن يترقى ~~حتى يبلغ العرش؟ # وهم ملباي أن يجيب، ولكن ولده خاير ابتدر الحديث قائلا: يا سيدي، هذا كلام يقال، فهل ~~تراني أو ترى أحدا من إخوتي هؤلاء أقل أهلية للإمارة من مثل غلامك هذا، الذي لا يعرف له ~~أبا غير النخاس الذي أدمى أذنيه، يقوده منهما على طول الطريق كما يقاد الحمار! # وكان طومان الصغير جالسا يستمع إلى حديث أستاذه وجواب خاير بن ملباي، فما كاد يرى إشارته ~~إليه ويسمع حديثه عنه حتى غلى دمه وثارت كبرياؤه، كأن لطمة أليمة قد نالته، فصاح مغضبا: صه ~~يا فتى، إنني لأرفع نفسا منك ومن أبيك هذا الذي يدفعك إلى الرق مختارا؛ ليزهو بأن ولده ~~عبد من عبيد السلطان! # ثم اندفع نحوه وعيناه تقدحان الشرر، فلولا أن قبض أستاذه على ذراعه لوثب إلى خاير بن ~~ملباي فمزق ms017 وجهه وأدماه؛ ليثأر منه لتلك الإهانة البالغة! # وغرق الجميع في الصمت مذهولين، فما كان ليدور بخاطر واحد منهم أن يجرؤ ذلك الصبي القابع ~~في هدوء خلف أستاذه، على أن يرفع صوته ويده في وقت معا في وجه شاب أيد مثل خاير بن ~~ملباي، ونالت المفاجأة من خاير بن ملباي نفسه، فلم يتحرك ولم تنبس شفتاه بصوت، وأحس - على ~~صلابته وقوة ساعده - أنه ضئيل صغير، لا يكاد يملك دفاعا عن نفسه، فتمتم في صوت خافت: ماذا ~~قلت؟ # أجاب جقمق: لا شيء! لا شيء! # قال طومان وهو يحاول أن يفلت من قبضة أستاذه، ولم يزل في سورة غضبه: سيدي! دعني أنبئ هذا ~~الفتى بما يريد أن يعرف ... # قال جقمق ولم تخف قبضته على ذراع طومان: اسكت يا غلام، إن خاير لم يحاول إهانتك، ثم ~~إن له عليك حق الأخ الكبير، وقد كانت بادرة ... # قال طومان: إنه ليس أخي، وليس يعرف مثله مثلي، ولا أبوه أبي! # ثم تخلص من قبضة أستاذه برفق، وخطا خطوة إلى الشرفة يتلهى بالنظر إلى المدينة التي تموج ~~بالغرباء، ويتبع عينيه خطا الغادين والرائحين في الدرب الواسع! # فلولا أن خاير بن ملباي فر من بين يديه معجلا لسال بينهما دم. # ومضى يومان قبل أن تخلو غرفة أخرى في خان مسعود فينتقل إليها جقمق وغلمانه؛ لتخلو الغرفة ~~الأولى لملباي وأولاده. ولكن عوامل الاحتكاك مع ذلك لم تزل بين طومان وخاير بن ملباي، فلم ~~تكن تلك المشادة الحامية هي كل ما نشب بينهما من معارك في الأيام القليلة التي قضياها معا ~~نزلاء في خان مسعود؛ بل إن المعارك التالية كانت أعنف وأشد، فقد صعد طومان ذات صباح إلى ~~سطح الخان لأمر من أمره، ثم هبط سريعا خفيف الخطا، فإذا خاير ومصرباي في خلوة يتحدثان ~~حديثا رأى لونه في خديها وشفتيها، فثار لعرضه ثورة بدوي وتناول السكين، فلولا أن خاير ~~بن ملباي فر من بين يديه معجلا لسال بينهما دم! ولم لا؟! أليست مصرباي صديقته وأخته، ~~وعليه أن يحميها ويدفع عنها؟ والتفت ms018 طومان إلى الفتاة التي آخاها عامين على السراء ~~والضراء، منذ فر بهما نخاس خوارزم من مضارب الغور، ولكن الفتاة أولته ظهرها معرضة كأنما لا ~~يعنيها شيء من ذلك الأمر. # لقد فتنها خاير بن ملباي بشبابه وصباحة وجهه، ورقة حاشيته، وعذوبة منطقه، فمالت إليه ~~وأعرضت عن صديقها الصغير ... # وظن طومان أنه مستطيع أن يستعدي زميله خشقدم على خاير؛ دفاعا عن صاحبتهما مصرباي، ~~فراح يحدثه ويطلب معونته، واستمع إليه خشقدم حتى فرغ من جملة حديثه، ثم ذهب إلى خاير بن ~~ملباي فأفضى إليه بسر المحالفة؛ استجلابا لمودته! # وساء ما بين طومان وبين أصحابه جميعا، فانطوى على نفسه حزينا يائسا، وعرف منذ اليوم في ~~أي جو من الكيد والغدر والنفاق يعيش الأرقاء، لقد عرف مصرباي، وخشقدم، وخاير بن ملباي، ~~فهل هم إلا صورة من آلاف الأرقاء الذين يعيشون في دور الأمراء وفي قصور السلاطين! # فكيف يعيش منذ اليوم طومان ابن نوركلدي وأركماس! # الفصل الرابع # | قنصوه الغوري # كانت الفتنة ناشبة في القاهرة بين أقبردي وقنصوه الخمسمئي؛ تنافسا على العرش، على حين ~~كان سائر الأمراء العظام يتربصون منتظرين، وكان قنصوه الغوري وحده في حلب، يدبر لأمر ما في هدوء وصمت، كأنما لا يعنيه من أمر تلك الفتنة شيء ... # لم يكن الغوري يومئذ بالمنزلة التي تسمح له أن ينافس على عرش مصر أقبردي الدوادار وقنصوه ~~الخمسمئي، نعم إنه من أقدم مماليك الأشرف قايتباي وأدناهم إليه منزلة، ولكن أين هو من ~~أقبردي وقنصوه الخمسمئي؟ وأين وسائله للكفاح؟ إنه لا يملك المال الذي يصطنع به الأشياع، ~~ولا الجاه الذي يتكثر به من الأتباع، وليس له كغيره من الأمراء جيش من المماليك يعده ~~للهجوم والدفاع، فمن أين له أن يبلغ ما يأمله؟ ولكنه إلى ذلك يملك الصبر والحيلة، أفليس ~~يسعه الانتظار حتى يتفانى هؤلاء الأمراء العظام ويأكل بعضهم بعضا، فينفرد في الميدان؟ بلى، ~~وإنه ليستطيع إلى ذلك أن يتعجل آخرتهم بما يزين لهم من الأماني، فإذا وثب بعضهم على بعض ~~سقط الضعيف وانتهى أمره، وانحلت عروة القوي فزال خطره، ms019 ومن ذا يبقى في طريقه إلى العرش ~~بعد تمراز الشمسي، والأمير أزبك، وأقبردي الدوادار، وقنصوه الخمسمئي؟ من ذا يبقى في طريقه ~~إلى العرش بعد هؤلاء؟ محمد بن قايتباي، ذلك الصبي الذي لم يبلغ حد التمييز؟! نعم، وإنه ~~لأقواهم جميعا، أفليس هو ابن الأشرف قايتباي سيده ومولاه، فحسبه بذلك قوة! ولكن من ذا ~~يزعم أن هذا الطفل سيبقى فلا تطؤه أقدام أولئك العماليق، وهم يتصارعون بين يدي ~~العرش؟ # أفيمكن هذا؟ أفيكون عرش مصر لقنصوه الغوري يوما ؟ أفيبلغ هذا الأمل بالصبر والحيلة، ~~حين لا مال معه، ولا جاه، ولا جند؟ لقد جاوز الخمسين ولم يزل أميرا، نائبا لقلعة حلب، ~~وهناك مماليك أحدث منه عهدا في «المملوكية» قد بلغوا عرش السلطنة ولم يبلغوا ~~الأربعين! # يا ليت ذلك الحلم يتحقق! وماذا يمنع؟ إن الأقدار لتمده بما لم يكن يتوقع من المعونة: ~~لقد غادر بلاده منذ ثلاثين سنة - مطلوبا بثأر - في ركاب قافلة من تجارة الرقيق، لا يدري أين ~~تسعى به قدمه، حتى انتهت به المقادير إلى مصر رقيقا يساوم عليه بالمال، ثم لم تمض إلا ~~سنوات حتى كان مملوكا من مماليك «الخاصة» في حاشية السلطان قايتباي، ومضى يترقى في درجات ~~المملوكية درجة بعد درجة، حتى بلغ أن يكون نائب قلعة حلب، وصار أميرا من أمراء السلطان ~~يشار إليه بالبنان، فهل كان يأمل أن يبلغ هذه المنزلة يوما؟ فماذا يمنع أن يبلغ أرفع ~~منها فيصير سلطانا؟ أيكون ما بينه وبين بلوغ رتبة السلطنة أبعد مما كان بين ماضيه وحاضره؟ # إنه لموقن يقينا لا شبهة فيه أن الأقدار تعينه وتمهد له الطريق، وتهيئ له من الأسباب ~~ما لا يخطر له على بال، فقد تعقبه أركماس من بلاد الكرج إلى القاهرة ليأخذ منه ثأر أبيه، ~~ولقيه وجها لوجه، وأمكنته الفرصة منه، وجرد أركماس سيفه وهم أن يضربه الضربة القاضية، ~~ولمع على رأسه السيف فلم يكن بينه وبين الموت إلا أن يهوي على رأسه فيقده قدا، وفجأة ~~حدثت المعجزة، وتدخلت الأقدار في اللحظة الأخيرة، فبرز في الطريق جمل ms020 هائج، فألقى أركماس ~~على الأرض وداسه تحت أخفافه، ونجا الغوري، فمضى في طريقه لم يتلفت ولم ينظر وراءه، وانمحى ~~الثأر والثائر، أفليس ذلك تدبير الله؟ أليس فيه الدليل على أن الأقدار تدخره لأمر عظيم، ~~تهيئ له أسبابه وتمهد طريقه؟ بلى، فماذا يمنع أن يبلغ رتبة السلطنة، وأن يجلس على عرش ~~مصر، وأن يذهب تمراز، وأزبك، وأقبردي، وقنصوه الخمسمئي، يذهبون جميعا ويأكل بعضهم بعضا، ~~فلا يجلس واحد منهم على عرش مصر، ويجلس عليه قنصوه الغوري ... بالصبر والحيلة! # هكذا كان يحدث الغوري نفسه وهو وحيد في مجلسه من قلعة حلب، حين جاءته الأنباء من القاهرة ~~بما ثار من الفتنة بين أقبردي الدوادار وقنصوه الخمسمئي في سبيل المنافسة على العرش، وقال ~~لنفسه مبتسما: الصبر حتى يأكل بعضهم بعضا ويتفانوا؛ حينئذ يخلص لك الطريق إلى عرش مصر، ~~أيها ... أيها الأفاق المطلوب بالثأر من أقصى بلاد الأرض! # وقهقه قهقهة عميقة تردد صداها بين جدران المجلس، ثم نهض فلبس ثيابه، وأخذ زينته وخرج إلى ~~الطريق لا يتبعه أحد من غلمانه. وما حاجته إلى غلام يتبعه وليس في حلب كلها إلا صديق يحبه ~~ويفتديه بدمه! # فإنه ليمشي في طريقه بأحد دروب حلب، إذ لقيه صديقه جقمق الأشرفي تاجر المماليك، وكان ~~زميله في «الطبقة» منذ بضع وعشرين سنة، حين كانا مملوكين يتلقيان أصول العلم في مدرسة ~~المماليك بالقلعة، ويتدربان على أساليب الحرب والفروسية، وكان كل أملهما في ذلك الزمان ~~البعيد أن يترقيا درجة فيخرجا من مماليك «الطبقة» ويصيرا من المماليك «الخاصة»، الذين ~~يركبون في مواكب السلطان ويختصون بصحبته! # وإنهما اليوم لأميران من أمراء السلطان! # قال جقمق ضاحكا: ومع ذلك فها أنا ذا أراك تمشي وحيدا في المدينة لا يتبعك غلام، كأنك لا ~~غلام لك، وأنت نائب قلعة حلب! # قال الغوري: وهل عندك غلام تخص به صديقك نائب قلعة حلب؟ # فبرز في الطريق جمل هائج فألقى أركماس على الأرض، وداسه تحت أخفافه. # قال تاجر المماليك: غلامان وجارية إذا أردت، إلا أن يبدو لك أن تستغني بالغلامين عن ~~الجارية، وإن ms021 فيهما لغناء ومتعة! # فوضع الغوري كفه على فم صديقه وهو يقول: صه! إنك لا تزال مهذارا كعهدي بك منذ كنت، فاذكر ~~أنك اليوم تتحدث إلى نائب قلعة حلب! # وكانا قد بلغا في مسيرهما خان مسعود، فودع جقمق صاحبه الغوري، ودخل الخان يتفقد شئون ~~غلمانه. # ولقي جقمق جاره ملباي في بهو الخان، فقال له ملباي: الآن أستودعك الله يا صديقي؛ فقد اعتزمت أن أبدأ غدا رحلتي إلى القاهرة، فهل لك من حاجة إلى بعض أصحابك هناك ؟ # قال جقمق آسفا: أكذلك تفارقنا سريعا! لقد كنت أحسبك مقيما معنا في حلب أياما أخرى، ~~حتى يتهيأ لي أن أجمع بعض الغلمان فنصطحب في الرحلة! # قال صاحب الخان مشاركا في الحديث: فإن بين نزلائنا الليلة جاني باي الخشن تاجر المماليك، ~~وأحسبه سيبدأ رحلته غدا إلى القاهرة، ومعه عصبة من أقارب السلطان عاد بهم من بلاد الجركس ... ~~فإن شاء ملباي رافقه في الرحلة. # قال جقمق: جاني باي هنا؟ فإني أريد أن ألقاه ... # وحضر جاني باي، فما كاد يراه صديقه جقمق حتى أسرع إليه فاعتنقه بشوق، ثم استدار بهم ~~المجلس يتبادلون فنونا من الأحاديث حتى تقدم الليل، فافترقوا وذهب كل منهم إلى مضجعه ~~لينام. # فلما كان الصباح، بصر طومان بخاير بن ملباي يتمشى ثقيل الخطو عند باب الغرفة، حيث كانت ~~مصرباي جالسة بين يدي مولاها وفي وجهها أمارات القلق واللهفة، فأدرك طومان ما بين جنبيها من ~~السر، وهمس لنفسه قائلا: يا للمسكينة! لقد غلبها الفتى على أمرها، ولكن لا بأس، فسيذهب من ~~وجهها بعد ساعات فلن تراه بعد، وتنجو الشاة من سكين الجزار! # ولكن صوت سيده لم يلبث أن رده إلى فكر جديد حين سمعه يقول: اسمعي يا مصرباي! ستكونين يا ابنتي منذ اليوم تحت يد صديقي جاني باي، وستصحبينه في رحلته غدا إلى القاهرة، حيث أرجو لك ~~أيتها العروس الصغيرة حظا سعيدا ... # ثم صمت برهة ونظر إلى طومان وخشقدم، فإذا في أعينهما سؤال حائر، فأردف قائلا: أما ~~أنتما يا طومان وخشقدم فستبقيان هنا في حلب ... ولعل ms022 القدر يهيئ لكما فرصة سعيدة في صحبة قنصوه الغوري نائب قلعة حلب. إنه في حاجة إلى ~~رجل صغير مثلك يا طومان، يعتمد عليه في مهماته، وإنك في حاجة إلى أمير قوي مثل الغوري ~~يهيئ لك السبيل إلى الإمارة ... وستجد صديقا لطيف المعشر في زميلك خشقدم ... # عبس خشقدم حين رأى منزلته في حديث مولاه دون منزلة صاحبه، أما طومان فلم يفكر وقتئذ ~~إلا في أمر واحد، هو أمر صديقته الصغيرة مصرباي التي حيل بينه وبين حمايتها من ذلك الذئب، ~~فصاح محتجا: سيدي ... # قال جقمق غاضبا: صه! لقد عقدت الصفقة ولا سبيل إلى الرجوع بعد! # وكان خاير بن ملباي لا يزال يتمشى ثقيل الخطو عند باب الغرفة التي يتحدث فيها جقمق إلى ~~غلمانه، ولكن أمارات القلق واللهفة كانت قد زالت عن وجه مصرباي، ورفت على شفتيها ابتسامة ~~رضا واطمئنان ... # ونهض طومان إلى باب الغرفة ففتحه، فإذا هو وجها لوجه أمام خاير بن ملباي، أما خاير ~~فطأطأ رأسه خجلا وأوفض في السير، وأما طومان فتمتم في غيظ: اذهب حيث شئت، فلا بد أن ~~نلتقي يوما ... # ثم أغلق باب الغرفة وعاد إلى مجلسه بين يدي أستاذه جقمق! # ومضى الركب لوجهه وفيه ملباي الجركسي وأولاده الأربعة، وفيه جاني باي وصحابته من أقارب ~~السلطان، ومعهم مصرباي. # وتبع طومان وخشقدم مولاهما في الطريق إلى قلعة حلب، حيث كان نائبها قنصوه الغوري ينتظر ... ~~ومثل طومان وصاحبه بين يدي نائب القلعة، وأحنى طومان رأسه تأدبا وفي عينيه ذبول ~~وانكسار! # وقال الغوري وعلى شفتيه ابتسامة رقيقة: ادن يا غلام! # وربت على خده بيد ناعمة بضة، ثم دعاه إلى الجلوس بين يديه وعيناه تسرحان في محاسن وجهه ~~الدقيق الفاتن ... # قال جقمق: إن في إهاب هذا الفتى يا قنصوه فارسا لا يغالب، وإن بين جنبيه قلب رجل ~~كبير وفي أنفه حمية، فلا يشغلك منه منظر عن مخبر! أما هذا الفتى الرومي ... # قال قنصوه ضاحكا: حسبك يا جقمق، فقد فهمت كل ما تعنيه، ولكن أين الجارية؟ # قال جقمق: وما حاجتك أنت إلى الجارية؟ ms023 لقد ذهب بها صديقي جاني باي إلى القاهرة، حيث يجد ~~من يغالي بثمنها أضعاف ما يجد في حلب أو دمشق. # قال الغوري: لقد أذكرتني ... # ثم مد إليه يده بصرة فيها دنانير، فتناولها من يده وهو يصطنع الإباء، ودسها في جيبه. # ودخل حاجبه يؤذنه بمقدم صاحب البريد من القاهرة، فنهض جقمق يتهيأ للانصراف، وصحب الحاجب ~~الغلامين إلى الطبقة، وخلا المجلس للغوري. # وفض غلاف الرسالة التي جاء بها البريد وراح يقرؤها باهتمام، ثم رفع عنها عينيه وهو يقول ~~وعلى شفتيه ابتسامته: الصبر يا قنصوه حتى يتفانى أعداؤك ويأكل بعضهم بعضا، وحينئذ يخلو لك ~~الميدان. # الفصل الخامس # | أحلام جارية # مضى ركب جاني باي وملباي، يغذ السير حتى بلغ دمشق، فأقام أياما ثم استأنف سيره إلى ~~القاهرة، وكانت الفتنة ثمة قائمة بين أنصار أقبردي الدوادار، وأنصار قنصوه الخمسمئي. أما ~~قنصوه الخمسمئي فيعتز بما له من الأتباع والجند، وبما يملك من محبة الشعب، وبصهره إلى ~~الأمير أزبك صاحب المال والجاه والإمارة ... وسيد الأزبكية ... # وأما أقبردي فإنه قريب السلطان وعديله ودواداره الكبير؛ فإن له سببا في البلاط ووجاهة ~~عند المماليك والأمراء ... # وبلغ ركب ملباي وجاني باي القاهرة، أما ملباي فمثل بين يدي الأشرف قايتباي ليدفع إليه ~~رقاب بنيه الأربعة هدية؛ ليكونوا جندا من جنده كسائر مماليكه، فقبل قايتباي هديته وشكر له، ~~ثم أمر بخاير بن ملباي وإخوته الثلاثة فصعد بهم الأغا إلى الطبقة؛ لينتظموا مع سائر ~~المماليك في مدرسة القلعة، حيث يتلقون علوم السلم وفنون الحرب وأساليب الفروسية على خير ~~المعلمين وأبرع القواد في مصر لذلك العهد. # وأما جاني باي فأدى رسالته إلى السلطان ودفع إليه من جاء بهم من أقاربه الذين عاد بهم ~~من بلاد الجركس، ثم انصرف معجلا إلى حيث ترك جاريته مصرباي الجركسية تنتظر مقدمه. # وكانت الفتاة قد بلغ منها الضجر والهم مبلغا بعيدا، فقد كانت تأمل أن يصعد بها تاجر ~~المماليك إلى القلعة، فيعرضها على السلطان فيمن معه من أقاربه، ولكنه لم يفعل. وأحست خيبة ~~آمالها المريرة حين فارقها خاير وإخوته وتقطعت ms024 بينها وبينهم الأسباب، لا حبا له، بل ~~حبا للجاه والإمارة. لقد سمعت كثيرا عن حياة أمثالها من الجواري الحسان في بيوت ~~السلاطين فتمنت الأماني. # لم تكن مصرباي تحب خاير حين آثرته على جارها وصديقها طومان، ولكنها رأت في صحبته وسيلة ~~إلى بعض ما كانت تأمل. أليس ينتظر أن يكون خاير من حاشية السلطان؟! هكذا فهمت من حديثه ~~إليها ومن حديث أستاذها، إذن فستجد به الوسيلة إلى أن تعيش في قصر السلطان. ومن يدري؛ ~~فقد تجد بعد ذلك أسبابا تدنيها إلى العرش؟ وإن لها من جمالها وذكائها وسيلة لعلها تبلغ ~~بها أن تصير يوما ما سلطانة أو أم سلطان! # تلك كانت أحلامها التي تتراءى لها في المنام، وتتخايل لعينيها في اليقظة، منذ سمعت تلك ~~الأقاصيص التي يتحاكاها الناس عن تقلبات الأقدار بحظوظ الجواري في قصور القاهرة، وقد كبرت ~~في نفسها هذه الأماني شيئا بعد شيء، حتى أوشكت أن تكون حقيقة مرتقبة يوم عرفت خاير، فعرفت ~~أول أسبابها إلى تحقيق أمنيتها وتعبير رؤياها ... وكانت أحلاما لم يكد يشرق عليها الصبح حتى ~~محاها شعاع النهار، فإذا هي وحدها وقد ذهب خاير، كما ذهب من قبله صديقها وجارها العزيز ~~طومان. # وأحست لأول مرة منذ فارقت بلاد الجركس أنها جارية ... جارية يساوم عليها الرجال بمالهم في ~~سوق الرقيق، ليس لها في أمرها خيرة ... وانحدرت دموعها على خديها لأول مرة، وشعرت شعور الوحيد ~~الغريب، قد تقطعت الأسباب بينه وبين الناس جميعا، فليس بينه وبين أحد منهم آصرة من حب أو ~~من رحمة ... وهتفت من أعماقها في صوت يختلج: ليتني بقيت إلى جانبك يا طومان! # وعاد جاني باي من قصر السلطان، فصحب جاريته إلى سوق الرقيق في خان الخليلي، وصعد بها ~~الدلال إلى الدكة في ثوب يشف ويصف، وقد حسرت عن وجهها وذراعيها تتناهبها عيون الناس ~~ويسومها المفلس والمليء، وقد وقف الدلال يهتف بمحاسنها ويفتن في الوصف والإغراء ... # وقف الدلال يهتف بمحاسنها، ويفتن في الوصف والإغراء. # على أن هذا الموقف الذليل لم يستمر طويلا؛ فقد تقدم إلى ms025 الدكة واحد من خاصة الأمير ~~أقبردي الدوادار، فدفع ثمنها وصحبها إلى بيت مولاه تتعثر في خطاها من الانكسار والمذلة. # وقفل جاني باي تاجر المماليك من السوق إلى داره سعيدا بما ناله من عطف السلطان، وبما ظفر ~~من الربح في صفقة الجارية. # وتوزعت الأقدار حظوظ المماليك الثلاثة: طومان، ومصرباي، وخاير بن ملباي، وانشعبت بهم ~~الطريق شعابا ثلاثة إلى حيث لا يعلم واحد منهم أين ينتهي به القدر! # وعاد أقبردي الدوادار وأخوه كرت باي إلى دارهما بعد رحلة طويلة شاقة في بلاد الصعيد، حيث ~~كانا يقودان حملة لتأديب بعض العصاة من أعراب الجنوب، أولئك الأعراب الجفاة الذين لا تكاد ~~تهدأ لهم ثائرة، ولا يريدون أن يدخلوا في طاعة سلطان الجركس، كأنما خيل إليهم أنهم ~~يستطيعون أن يردوا الملك إلى العرب، وأن يعود إليهم العرش والتاج والسلطان! # وكانت زوجة أقبردي في ذلك اليوم في قصر القلعة تزور أختها زوجة السلطان قايتباي، فتهيأت ~~الفرصة لمصرباي الجركسية لتبرز في مجلس أقبردي وأخيه كرت باي. ومد كرت باي عينيه فالتقتا ~~بعيني مصرباي، ورأى ما لم تر عيناه قبل اليوم من جمال وفتنة، فخر لساعته صريعا وانعقد ~~لسانه من دهشة المفاجأة، فلم ينبس بحرف، وترك عينيه تقولان ما لم يستطع بيانه بلسان! # وانعقدت آمال كرت باي منذ اليوم بمصرباي، وانعقدت به آمالها، وتجددت أحلامها بالإمارة ~~والسلطان. ومثل كرت باي حقيق بأن يبلغ بها الإمارة والسلطان ... # وذاع ما بين كرت باي وصاحبته حتى صار أفكوهة السامرين من مماليك القصر وجواريه، وحتى ~~عرفته سيدة الدار زوجة أقبردي. # وجاءت السلطانة ذات يوم لزيارة أختها فرأت مصرباي، فرغبت إلى أختها أن تهبها لها ~~فتتخذها وصيفة من وصيفات البلاط، فقالت مولاتها ضاحكة: قد كان لك ذلك يا خوند، لولا كرت ~~باي، فليس يهون علي أن أفرق بينهما! # قالت السلطانة: ويحبها إلى ذلك الحد؟ # قالت أختها: نعم يا خوند، ولو قصصت عليك من خبرهما لأشفقت ولم يهن عليك أن تفرقي ~~بينهما ... وقد كنت على أن أفك رقبتها ليتخذها زوجة، فإذا أذنت فإنني أعتقها ms026 لتصحبك إلى ~~القصر حرة مسماة على كرت باي، حتى يحين موعد زفافها إليه في الربيع. # قالت السلطانة: فقد أذنت لك وله ... # ودعيت مصرباي إلى مجلس السلطانة، فوهبت لها مولاتها حريتها وأنبأتها النبأ، فتضرجت ~~وجنتاها من حياء وتتابعت أنفاسها، فلم تلفظ كلمة الشكر. # وصحبت مولاتها السلطانة إلى القلعة؛ لتكون منذ اليوم وصيفة بين وصيفات البلاط! # وخطت أولى خطواتها إلى المجد، وبدأت تصعد الدرج إلى العرش، وتدانت لها الأماني ... # هل كان في خيالها وقتئذ كرت باي، أو خاير بن ملباي، أو طومان صديقها الصغير، أو ماضيها ~~البعيد في الغور المنبسط بين جبال القبج؟ لا شيء من ذلك كان يطرق خيالها يقظى أو نائمة، ~~فما كان يطيب لها وقتئذ إلا خيال واحد، حين تقف وراء مولاتها السلطانة، وهي جالسة إلى ~~المرآة تأخذ زينتها وتنطبع على المرآة صورتان، فتطير بها الأحلام تعبر بها حدود الزمن، ~~فكأنما ترى صورتها في المرآة، وعلى رأسها تاج، ومن ورائها وصيفة ترجل شعرها المرسل، ~~وخطوات السلطان تقترب من غرفة الزينة ... من يكون ذلك السلطان يومئذ؟ ليس يعنيها من يكون ~~السلطان يومئذ؛ فليكن هو كرت باي، أو خاير بن ملباي، أو قايتباي العجوز نفسه، فليس يعنيها ~~من ذلك إلا أن تكون هي سلطانة! # ورآها الصبي محمد بن قايتباي في حريم القصر فافتتن بها، وقد سرها أن يفتتن بها ابن ~~السلطان وإن كان صبيا لم يبلغ الحلم، فمدت له خيط الرجاء. # وراح جواري القصر يتحدثن عن غرام الأمير الصغير بوصيفة السلطانة، وبلغ النبأ أمه أصل باي ~~جارية السلطان قايتباي وحظيته، فلم تشك في أنها دسيسة دبرتها زوجة السلطان التي لم تستطع ~~أن تنجب له ولدا يرث العرش، فحاولت أن تفسد ولدها! # على أن مصرباي لم تكن في قصر السلطان مطمح نفس محمد بن قايتباي وحده، فقد كان ثمة شاب ~~آخر يرمقها بعيني الصقر الجائع، ذلك هو قنصوه أخو أصل باي حظية السلطان، وخال ولدها محمد بن ~~قايتباي! # وكان قنصوه الأشرفي هذا فتى في عنفوانه، ذكي القلب، واسع الذرع، بعيد الحيلة، فسيح ms027 ~~مطارح الآمال، وعلى أنه كان شابا لم يبلغ الثلاثين، فقد كان له في القصر جاه ومنزلة، ~~ولولا أنه أخو أصل باي حظية السلطان وأم ولده المرتجى لما بلغ هذه المنزلة، ولظل مملوكا ~~بين مئات المماليك الذين تزخر بهم طباق القلعة، ليس له شأن ولا يحس مكانه أحد، وقد كان ~~ذلك شأنه منذ قريب، ثم وقعت عليه عين أخته ذات يوم فعرفته ولم تكد، فهتفت: أخي قنصوه! # فالتفت إليه السلطان منذ ذلك اليوم وأغدق عليه نعماءه ؛ فلم تمض إلا سنوات حتى كان ذلك ~~المملوك المغمور بين مئات المماليك، أميرا من أمراء البلاط يشار إليه بالبنان، وله في ~~القصر سياسة وتدبير! # واجتمع على الإعجاب بمصرباي الجركسية الولد والخال، وزاد الغيظ بأصل باي حين اكتشفت ~~ذلك السر الفظيع، فودت لو تستطيع أن تحول بين تلك الوصيفة الفاتنة وبين ولدها وأخيها، ولكن ~~من أين لها القدرة على ذلك وإنها لجارية في القصر، وإن كانت أم ولد السلطان وولي ~~عهده! # على أن إقامة مصرباي لم تطل في القصر منذ اليوم الذي اكتشفت فيه أصل باي ذلك السر، فقد ~~عقد لها على خطيبها المفتون كرت باي أخي أقبردي الدوادار وانتقلت إلى داره ... # ثم لم تطل بهما الإقامة في القاهرة بعد، فقد عقد لزوجها اللواء نائبا على صفد، فخرج ~~إليها تصحبه عروسه الفاتنة، وخلفت وراءها في القاهرة قلوبا تحترق. # الفصل السادس # | عودة الماضي # عاش طومان في قلعة حلب سيدا صغيرا، ليس لأحد عليه سلطان، وقد اجتمعت له كل أسباب ~~الرفاهية والنعمة، ولكنه مع ذلك لم يكن سعيدا؛ فإن ذكريات عزيزة من ماضيه كانت تلم به ~~حينا بعد حين، فتسلبه الطمأنينة والقرار، فلا يزال يذكر أيامه في بلاد الغور، حيث تنبسط ~~الأرض حواليه على مد البصر وقد تناثرت فيها الخيام، يذهب فيها حيث يشاء ويعود حين يشاء، ~~ليس عليه رقيب يعد خطاه ويحصي عليه أنفاسه هناك في أرض الحرية، حيث السماء والماء ~~والهواء، كان ذلك ملك خالص له هو وحده على ما يخيل إليه، ليس بينه وبين شيء ms028 يريد أن يبلغه ~~قيود ولا سدود، ولا حد للحرية التي يستمتع بها عابثا لاهيا بين خيام القبيلة، وعلى ~~شواطئ الغدران، وبين الغنم السائمة في المراعي النضرة. أين منه كل أولئك في هذه القلعة ~~المنيعة، في هذه المدينة المحوطة بالأسوار وبالأسرار! # بلى، إن هنا الطعام والشراب، وهنا الفراش الوثير كأنه حين يسلم إليه جسده ينام على ~~جناح النسيم، وهنا من وسائل النعيم ما لا رأت عينه ولا سمعت أذنه، ولا خطر له على قلب، ولكن ~~ما نفع ذلك كله وهو وحيد فريد، ليس له أم تحنو عليه، ولا صاحب يأوي إليه، ولا رفيق يحمل ~~بعض همه، وإنه مع ذلك كله عبد سيده، لا يخطو خطوة إلا بإرادته، ولا يفتح شفتيه بكلمة ~~إلا أن يأذن له. أكان يهجس بخاطر أمه نوركلدي أن ينتهي ولدها العزيز طومان إلى هذا ~~المصير؟! وحضرته ذكرى أمه، يا لها من بعده، تلك الأرملة التي وهبت له شبابها النضر، ~~واعتبرته كل حظها من دنياها، فليس لها وراءه أمل تأمله ... كيف هي الساعة وأين ذهبت بها ~~الظنون لبعده، وماذا فعلت بها من بعده الأيام! # واستجابت له عيناه فأرسل دموعه على خديه! # وسمع وقع خطا تقترب من الباب، فهب واقفا يمسح دموعه بكم قميصه، ودخل الغوري فاتخذ ~~مجلسه في صدر القاعة، وظل الصبي واقفا بين يديه ... ورأى سيده في عينيه أشجانه فأهمه ما ~~رأى، فاستدناه إليه وربت على ظهره بحنان، وضمه إليه بعطف وهو يسأله عما به. وسمع الفتى ~~وأحس لأول مرة منذ فارق أمه نبضة قلب في نبرة صوت وضمة حنان، فعادت دموعه تنحدر على ~~خديه، واحتبس الصوت في حلقه! فأرسله الغوري من بين يديه وأذن له في الجلوس وهو يقول: ~~حدثني يا بني ما خطبك، فلعلي أن أزيل عنك بعض ما تنوء به من الهم! # وكان في صوته رنة صدق، فانحلت عقدة لسانه طومان وراح يتحدث بخبره إلى مولاه ... # قال الغوري: فأنت من بلاد الغور؟ # قال طومان: نعم يا سيدي، ولم تزل أمي هناك! # فهش الغوري ورفت على ms029 شفتيه ابتسامة وهو يقول: إنك بعض أهلي يا بني! هيه! # واطمأن كل منهما إلى صاحبه وصفا ما بينهما، فمضى طومان يتحدث إلى مولاه وفي نفسه هدوء ~~ورضا، ومضى الغوري يتحدث إلى نفسه صامتا، ويستعيد ذكرياته في بلاد الغور منذ ثلاثين عاما ~~أو يزيد، يوم كان فتى في ريعانه يغتره الشباب وتتصباه المنى. # وتذكر الغوري أيامه الأخيرة هنالك، حين سول له أهل البغي أن يقتل بغير ذنب رجلا من ~~أهله؛ ليقدم برهانه إلى الناس بأنه قد بلغ الرجولة ... فطعنه الطعنة القاضية وفر بدمه تحت ~~الليل، وخلف أهله وراءه يبكون القتيل والقاتل! # ومضى طومان في حديثه يصف ما كان من أمره، ويقص قصة ماضيه في بلاد الغور منذ أحس وجود نفسه ~~في خيمة نوركلدي، إلى يوم خطفه نخاس خوارزم، إلى ذكرياته في خان يونس، وفي معتقله من بلاد ~~الروم، إلى أمله في لقاء أمه ولقاء أبيه ... # كانا جالسين وجها لوجه يتحدث كل منهما إلى نفسه حديثا لا يسمعه أحد غيره، والذكريات ~~تذهب بهما مذاهب بعيدة فلا يكادان يلتقيان؛ فإن مجلسهما لقريب، ولكن بينهما من البعد في ~~الزمان ثلاثين عاما أو يزيد، ومن البعد في المكان بقدر المسافة بين قلعة حلب والغور ~~المنبسط وراء جبال القبج ... # واسترسل الغوري في ذكرياته وعاوده داء الوطن. # لقد كان يزعم لنفسه أنه قد سلا وانقطع ما بينه وبين ماضيه وبلاده وأهله، ثم برز له أركماس ~~في بعض دروب القاهرة ذات يوم شاهرا في وجهه السيف ليثأر منه لأبيه، فرده إلى ذلك الماضي ~~بعنف وبسط لعينيه صحيفته، ولكن القدر لم يمهل أركماس حتى يبلغ غايته، فطواه الجمل الهائج ~~تحت خفه ونجا الغوري. وعادت الأيام تسدل الستار بينه وبين ماضيه وبلاده وأهله، حتى أوشك أن ~~ينسى، وابتسمت له الأيام بعد عبوس، فراح يرقى في سلك المماليك درجة بعد درجة، حتى بلغ ~~المنزلة التي تنازعه فيها نفسه إلى العرش، كأن لم يكن يوما ذلك الشريد الأفاق المطلوب ~~بالثأر من أقصى بلاد الأرض ... # ثم ... ثم ها هو ذلك الماضي ينبعث ثانية ms030 أمام عينيه كأنه حادثة اليوم، وها هو ذا فتى من ~~بلاد الكرج - كان في ذلك التاريخ البعيد ذرة سابحة في صلب أبيه - قد جاء يرده إلى ذلك ~~الماضي البعيد، يريه منه ما يرى الواقف على حافة بئر من قاعها العميق المظلم: لا يرى ~~شيئا مما في القاع، ولكنه يرى أوهامه ... # وكان الفتى لا يزال يتحدث إلى مولاه ومولاه في غفلة من ذكرياته، قال طومان: ولم أر ~~أبي؛ لأنه ذهب قبل أن أخرج إلى الدنيا ... # وانتبه الغوري فقال: لم تر أباك! # قال طومان: نعم، اختفى ذات مساء حيث لا يعلم أحد، وتظن أمي أنه راح يطلب ثأرا قديما، ~~فلم يعد ... # واعتدل الغوري في مجلسه، وقال وفي وجهه أمارات الاهتمام والقلق: ولم تحدثك أمك أين راح ~~أبوك يطلب الثأر؟ # قال طومان: نعم، فإنها هي لم تكن تعرف، فقد كان ذلك سر أركماس وحده! كذلك كانت تقول لي ~~أمي! # شحب وجه الغوري وهو يردد في صوت خافت: أركماس! أركماس. # وبلغ صوته أذن الفتى، فكف عن الحديث ورفع عينيه إلى وجه مولاه؛ ليرى الشحوب وأمارات القلق ~~بادية في وجهه، كما لم يرها في وجه إنسان قط ... # فهتف في لهفة: سيدي! أنت تعرف أبي أركماس؟ # وثاب الغوري إلى رشده سريعا، واسترجع عزيمته، فقال في صوت يحاول أن يكون مطمئنا ~~هادئا: نعم يا بني، لقد كان أركماس ... أخي ... إنني ... إنني أنا عمك! # ذهل الفتى مما سمع وغلبته أشجانه، فغص بأنفاسه، وارتمى على صدر الغوري، ودفن رأسه ~~الصغير في صدره وهو يجهش باكيا ... # وسقطت دمعتان على وجه الغوري، ثم انحدرتا حتى توارتا في لحيته، وقبض أصابعه في لحم الغلام ~~وهو يضمه إلى صدره بعنف ... وحنان! # قال الفتى ولم يزل بين يدي مولاه وعيناه مغرورقتان بالدمع: وتعرف أمي نوركلدي يا ~~عماه؟ # واختلجت شفتا الغوري قبل أن يجيب: نعم، أظنني أعرفها، أعني أنني أعرفها حين كانت طفلة في ~~حجر أمها، قبل أن يتزوجها أخي أركماس! # وعض على شفتيه في غيظ وحيرة وندم. # واسترسل الفتى يسأل وقد برقت عيناه بريق ms031 الأمل والسعادة: وهل يمكن أن ألقاها ثانية يا ~~عم؟ هل يمكن أن أرى أمي نوركلدي بعد ذلك الفراق؟ # قال الغوري هادئا وعلى شفتيه ابتسامة غامضة: نعم، كما لقي يوسف أبويه على العرش ... على ~~العرش يا طومان يلتقي البعداء! # آه! يا للرجلين! ذلك الفتى، قتل ذلك الرجل أباه وجده، فلتكن كفارة هذا الذنب أن ~~يتبناه لينمحي من صحيفة ذكرياته ذلك الماضي! # وأعتق الغوري طومان من رق؛ ليدعوه الناس جميعا منذ ذلك اليوم: ابن أخي الغوري! وأخلص ~~له الحب والمودة حتى لا يعرف طومان صلة تربط به، إلا أنه عمه! # وقال خشقدم الرومي لنفسه وقد عاد وحيدا كما بدأ: وهذا زميل آخر قد مضى لوجهه حرا ~~وخلفني في أسر الرق، وغدا يدعونه سيدي وكان رقيقا مثلي ... ذلك الجركسي الأمرد! أما والله ~~إن امتد بي الأجل لأكونن سيده، ولا يشفع له يومئذ أن خده ناعم مصقول كخد الفتاة! # الفصل السابع # | أطماع المماليك # تتابعت الحوادث في مصر بين أتباع أقبردي وأتباع قنصوه الخمسمئي، ثم نشبت بينهما الحرب ~~سافرة، وكان أولها مؤذنا بالغلبة لأقبردي الدوادار، ولكن كفة الميزان لم تلبث أن رجحت بحظ ~~قنصوه ... # على أن مراحل المعركة بين الأميرين العظيمين لم تكن طبيعية، فقد كانت ثمة أيد خفية ~~تعمل في الظلام لتؤلب كلا الحزبين على الآخر؛ لأن تلك الأيدي لم يكن يعنيها من المنافسة بين ~~الأميرين إلا أن تستمر الحرب بينهما، حتى يتفانى أتباعهما ويبرزا في الميدان رجلا لرجل ~~ليس لواحد منهما ظهر يحميه! # وخيل لقنصوه الخمسمئي أنه قد بلغ غايته حين ألجأ منافسه إلى الفرار، وتدانى له الأمل ~~البعيد حين رأى السلطات كلها قد اجتمعت في يديه، وإن كان السلطان لم يزل حيا يجلس على ~~العرش، ويمضي مراسيم التولية والعزل وليس له على الحقيقة أمر ولا نهي! # ثم حلت الساعة المرتقبة وأوفى الأشرف قايتباي على أجله، ولكن حزب القصر كان قد أعد عدته ~~لهذه النازلة قبل أن تقع، فلم يكد نعي السلطان الأشرف قايتباي يبلغ آذان قنصوه الخمسمئي، ~~حتى كان السلطان الناصر محمد ms032 بن قايتباي جالسا على عرش أبيه! # وصرت أسنان قنصوه من الغيظ، ولكنه لم يلبث أن ملك زمام أمره؛ فدبر خطة للقضاء على تمراز ~~وأقبردي قبل أن يقضيا عليه ويفرضا إرادتهما على السلطان الصغير. وزحف قنصوه بمماليكه إلى ~~القلعة، فضم جناحيه على العرش والجالس عليه، واستأثر بالسلطان حتى لم يبق فوق أمره أمر، ~~وإن زعم الناس أن السلطان هو الناصر ابن قايتباي ... فلما استوسق الأمر كله لقنصوه وأيقن ~~أن أعداءه قد ذهبت ريحهم وتفرقوا في البلاد ، وثب وثبته فخلع السلطان وزحف إلى القلعة بجيش ~~لجب من مماليكه وأتباعه؛ ليلبس التاج ويقبض على الصولجان. # ولكن القلعة لم تكن يومئذ خالية من أسباب الدفاع وفيها قنصوه خال السلطان الناصر وأخو أصل ~~باي، وإنه لفتى لا يؤتى من قريب وإن لم يحسب له قنصوه الخمسمئي حسابا. وانصبت القذائف من ~~القلعة على الجيش الزاحف، فتوقف، ثم ارتد، ثم انهزم، وعاد الناصر إلى عرشه، ولكن السلطات ~~كلها اجتمعت في يد قنصوه الخال ... # وتألق نجمه، ذلك الشاب الذي كان منذ سنوات مملوكا خاملا من مماليك الطبقة تنبو عنه ~~العيون! # وخلا الجو من قنصوه الخمسمئي، وأقبردي، وتمراز ... وكان أزبك قد شاخ وبرد دمه، فليس له ~~انبعاث إلى شيء من مطامع الأمراء. # وعاد الغوري من الشام إلى القاهرة بعد غيبة طويلة يصحبه «ابن أخيه» طومان، وقد خلا ~~الميدان من فرسانه، ولكن في صفوف الأمراء وجوها جديدة ينكرها الغوري: من قنصوه الخال وما ~~شأنه بين الأمراء حتى تجتمع في يديه كل السلطات؟ ومن جانبلاط هذا الذي يستأثر بعطف السلطان ~~والأم والخال، ويرتفع فجأة إلى منصب الدوادار الكبير؟ ومن ذلك الشاب طومان باي الدوادار ~~الثاني؟ تلك أسماء جديدة لم تكن شيئا مذكورا يوم كان الغوري من أقرب مماليك السلطان إلى ~~السلطان! ولكن خطب هؤلاء يسير، ولا بد أن يغلبهم قنصوه الغوري بالصبر والحيلة! # واستدنى إليه ابن أخيه طومان ليفضي إليه بسره، وبدا كأن الفتى قد فهم ما ألقي إليه، فخرج ~~لأمره وخلف عمه في مجلسه يقدر ويدبر ... # وكأنما بدا لطومان أن ms033 يتخفف من بعض ما يحمل من الأعباء، فاقترح عليه غلامه أبرك أن ~~يصحبه في جولة في بعض دروب القاهرة، يجتليان بعض مناظر المدينة التي أخملت ذكر بغداد ~~وقرطبة، يوم كانت بغداد وقرطبة تتنافسان في أسباب الترف، وتزعم كل منهما أنها حاضرة ~~الدنيا، وركب الفارس الشاب جواده وتبعه غلامه على جواده، ومضيا في شوارع المدينة يتعرفان ~~الأبنية والدور والمتاجر، ويتصفحان وجوه الناس، والعيون ترمقهما بالإعجاب في المتاجر، وعلى ~~جانبي الطريق، وفي الشرفات من وراء الأستار! # وكانا قد أشرفا على الرملة حين سمع طومان صوتا ناعما يهتف باسمه، فنظر حواليه فلم يجد ~~وجها يعرفه! فعاد ينظر إلى غلامه متسائلا: هل سمعت؟ # قال أبرك: نعم يا مولاي. # ثم دار بعينيه فيما حوله وارتد إلى سيده يقول: أحسبه صوت سيدة من وراء بعض ~~الشرفات! # قال طومان ولم يزل ماضيا في طريقه: فإن عليك يا أبرك أن تعرف من هذه التي تهتف باسمي ~~من وراء حجابها في هذه المدينة التي لم أطرقها إلا منذ قريب؛ فإنه ليخيل إلي أنني أعرف ~~ذلك الصوت ... # وركب الفارس الشاب جواده وتبعه غلامه على جواده. # قال أبرك: سأعرف يا مولاي. # واجتازا باب زويلة، إلى الشرابشيين، إلى سوق مرجوش، وتلبثا قليلا عند بركة الرطلي، ثم ~~أمعنا في السير حتى انتهيا إلى قبة الأمير يشبك الدوادار بالمطرية ... ثم كرا راجعين من حيث ~~أتيا قبل أن تنحدر الشمس إلى مغربها، فلما جاوزا باب الوزير شد طومان لجام فرسه، وأرهف ~~أذنيه للسمع وطأطأ رأسه، ومشى الفرس يتهادى به وئيدا كأنه مزهو بفارسه الجميل، وحذا أبرك ~~خطوات مولاه وعيناه تختلسان نظرات خاطفة إلى الشرفات ... # وخيل إلى طومان كأنه سمع مرة ثانية ذلك الصوت، فالتهبت وجنتاه كأن شعاعة عين قد لامست ~~خديه ... وهمس أبرك قائلا: كأن قد عرفت يا مولاي ... # ولم يجب طومان، واستمرا في طريقهما إلى قصر الغوري ... وترجل طومان عن فرسه وولج الباب، ~~وثنى أبرك عنان جواده راجعا من حيث أتى، فغاب درجة ثم عاد إلى مولاه لينبئه ... وكان في مجلس ~~طومان وقتئذ جاني ms034 باي تاجر المماليك ... فآثر الغلام الصمت حتى يخلو بسيده المجلس ... # قال طومان لضيفه: وإذن فأنت لم تدع مصرباي لخاير بن ملباي؟ # قال جاني باي: نعم يا سيدي، وأحسبها تعيش في قصر أقبردي الدوادار منذ عادت من صفد بعد موت ~~زوجها كرت باي ... # ثم صمت برهة وعاد يقول: وللناس في شأنها أحاديث يتزيد فيها من يتزيد، ويقتصد من يقتصد، ~~ولأهل مصر يا سيدي فن وبراعة في اختراع الأراجيف ... # واسترعى الحديث انتباه أبرك منذ جرى على لسان جاني باي ذكر أقبردي الدوادار، فأرهف أذنيه ~~للسمع. # وقال طومان: لست أفهم ما تعني يا جاني باي: بماذا يتحدث الناس عن مصرباي؟ # فأنغض رأسه وهو يقول: يزعمون يا سيدي أن لها شأنا مع سلطاننا الناصر بن قايتباي، وأن ~~زوجها كرت باي لم يمت حتف أنفه ... # قال طومان: تعني أنها قتلته؟ # قال جاني باي: نعم؛ لتخلص للناصر الذي شغفها حبا وشغفته، منذ كانت وصيفة في قصر السلطان ~~قايتباي، هكذا يزعم الناس، ولكنني لا أصدق! ~~- لا تصدق! ~~- نعم يا سيدي، أنا على يقين بأن ذلك غير الحق، فقد وقفت على السر كله من إحدى جواري ~~القصر ... ~~- أي سر تعني؟! ~~- سر صلتها بقنصوه الخال، إنه هو فتاها المرتجى، الذي يصحبها خيالا في اليقظة ورؤيا في ~~المنام ... وإنما يلهج الناس باسم الناصر لأنه ... ~~- ماذا؟ ~~- أحسب سيدي يعرف شهرة الناصر في مباذله، حتى كأن نساء مصر جميعا حظاياه، فليس فيهن ~~حصان طاهرة الذيل لا تنالها الريبة! # ومط طومان شفتيه أسفا واستنكارا، ثم أطرق يفكر ... واستأذن جاني باي وهم بالانصراف، ثم ~~توقف برهة ليقول لطومان: ولا ينس سيدي أنني رهن أمره في كل ما يأمر به، فليرسل ورائي في أي ~~وقت شاء من ليل أو نهار، يرني ماثلا بين يديه! # قال طومان: شكرا يا جاني باي، وإن بي حاجة إلى جارية عاقلة أريبة تحسن الخط، فإذا ~~وجدتها فلك عندي ما تريد ... # قال جاني باي وهو في طريقه إلى الباب: فسأجدها، وليس لي ما أريده غير رضا مولاي! # وخرج تاجر المماليك، فالتفت ms035 طومان إلى غلامه يسأله: ماذا وراءك يا أبرك؟ # قال أبرك باسما: أظنني عرفت الدار وصاحبها. # قال طومان مسرورا: هكذا سريعا؟ لله أنت! # قال وهو يضحك: ليس فضل ذلك إلي يا مولاي، وإنما عرفت طرفا من الأمر هناك، وعرفت تمامه ~~فيما سمعت من حديث جاني باي إلى مولاي. إن تلك الجارية يا مولاي تقيم في دار أقبردي ~~الدوادار! # قال طومان متهللا: آه! إذن فهي مصرباي التي كانت تهتف باسمي! # ثم غشت وجهه كآبة واختلجت شفتاه من الغيظ وأطرق يفكر، وتسحب أبرك ليدع لسيده أن يستمتع ~~بخلوته! # الفصل الثامن # | سلطان الشهوات # سرى الرعب في أنحاء المدينة كأنما شب حريق جائح، أو هبت ريح عاصفة لا تبقي ولا تذر، فغلق ~~التجار دكاكينهم واستوثقوا من أقفالها، وسدت أبواب الدروب؛ حتى لا يكاد ينفذ منها ~~الراجل، واختفت البضائع من الأسواق فلا بائع ولا مشتر، وهدأت الرجل في الطرقات، فلا يمشي ~~ماش ولا يركب راكب إلا حذرا يتلفت؛ يخاف أن يأخذه الموت من كل ناحية، وقبع النساء ~~والأطفال وراء أستار النوافذ المغلقة يرقبون الطريق من خصاصها، في انتظار الآباء والأزواج ~~الذين تعوقوا عن العودة إلى دورهم في هذا اليوم الذي ينذر بالشر. # لقد انبث مماليك السلطان ومماليك الأمراء جميعا في الأسواق يكبسون الدور، وينهبون ~~المتاجر، ويحطمون الأبواب، ويخطفون العمائم، ويهتكون الحرمات، ولهم في الطريق عطعطة وزياط ~~وضجة ... # ذلك شأن المماليك كلما آنسوا ضعفا من السلطان؛ فإنهم ليثيرون الشغب والفتنة كلما أرادوا ~~أن يحملوا السلطان على إجابتهم إلى شيء يطلبونه منه. وإنهم ليثيرون الشغب والفتنة كلما طال ~~بهم السكون وملوا الدعة والاستقرار؛ لأنهم يرون ذلك مظهرا من مظاهر النشاط، يتفرجون به مما ~~يحسون من ملل وضيق. وإنهم ليثيرون الشغب والفتنة كلما وقع بينهم وبين السلطان، أو بينهم وبين ~~الأمراء جفوة وخصام؛ ليشعروا السلطان وأمراءه بأن فيهم عزما وقوة يتقيهما من شاء أن يتقي. ~~وإنهم ليثيرون الشغب والفتنة كلما سمعوا صريف الدراهم والدنانير، أو اشتاقوا إلى أن يسمعوا ~~صريف الدراهم والدنانير. # وإنهم مع ذلك كله ليثيرون الشغب والفتنة، ms036 وإن لم يكن لهم مطلب عند السلطان، ولا بهم ملل ~~من الدعة والاستقرار، ولا بينهم وبين السلطان جفوة، ولا حاجة بهم إلى الدراهم والدنانير، ~~وإنما يثيرونها عبثا ولهوا وعادة ... ولا عليهم بعد ذلك مما يصيب الناس من الذعر والفزع ~~والخسار! # فلم تمض إلا ساعات من ذلك اليوم، حتى كانت المدينة كلها خالية إلا من أولئك ~~المماليك، يجوسون خلال الديار راكبين أو ماشين متأهبين للشر، وقد سكنت الأصوات وراء ~~الجدران، فكأنما يجوسون خلال القبور الصامتة ليس وراءها إلا رمم بالية وعظام نخرة! # وفي ذلك اليوم العصيب، في تلك المدينة التي ركبها الفزع، وعلى بعد قريب من العمران - عند ~~كوم الجارح - كان طائفة من المتصوفة، فيهم لفيف من أبناء المصريين، إلى خليط من العربان ~~والترك والجركس، مجتمعين إلى شيخهم وصاحب طريقتهم الشيخ أبي السعود الجارحي، قد جلس الشيخ ~~بينهم مطرقا وأحاطوا به حلقة وراء حلقة وراء حلقة، صامتين لا ينبسون، قد تعلقت به أبصارهم، ~~وبين يديه مجمرة يتصاعد منها بخور عطر، لا يزال يذكيها حينا بعد حين خادمه أرقم، وهو رجل ~~مشوه الخلق، أصلم الأذن، معوج الأنف، مائل الفك، أحمش الساقين، مستكرش البطن، كأنه صرة ~~ثياب على عصوين من قصب ... # وكان أرقم على منظره هذا الذي يثير السخرية والإشفاق جميعا، أدنى المريدين منزلة من شيخه ~~أبي السعود الجارحي، فليس لأحد غيره من المريدين أن يقتحم على الشيخ صمته حين يصمت، أو ~~يقطع عليه حديثه حين يتحدث، وليس لأحد غيره من المريدين شرف خدمة الشيخ حين ينقطع للعبادة ~~في خلوته، أو حين يجلس لتلاميذه في الحلقة! # وطال صمت الشيخ ومريديه، وخبت النار في المجمرة رويدا رويدا ثم بردت، ونحاها أرقم ~~من بين يدي أستاذه، ثم عاد فجلس مجلسه بين يديه، ورفع الشيخ رأسه ودار بعينيه فيمن حوله ثم ~~سأل: أين جلال الدين اليوم فإنني لا أراه؟! # فسرت همهمة بين المريدين، وكأنما هموا جميعا أن يجيبوا، ثم سكتوا، وقال أرقم: أظن ~~سيدنا الشيخ يعلم ما أصاب أخانا جلال الدين ... # قال الشيخ: تعني تلك الحادثة؟ ms037 # قال: نعم، فهو منذ فقد زوجته لا يأنس إلى أحد من الناس، ولا يرى إلا على باب دكانه ~~مطرقا لا يكاد يرفع رأسه، أو ماشيا في الطريق بين داره ومتجره صامتا لا يتحدث إلى أحد، ~~وفي يديه ابنتاه الصغيرتان يصحبهما غاديا أو رائحا، أو قابعا على باب دكانه، وإنه لدائم ~~الفكر والتذكر حتى لأخشى يا سيدنا الشيخ أن يختلط عقله! # قال الشيخ: مسكين! ولكن الصبر أجمل به! # وكان جلال الدين هذا رجلا من مساتير التجار ، له ضيعة ودار ووفر من المال، وله زوجة ~~واحدة يحسده على جمالها كل ذي عينين، ويغبطه على محبتها كل ذي قلب ... وقد أنجبت له ابنتيه ~~هاتين، وعاشت له ولابنتيه وعاش لها، وكانت أيامهما شهدا خالصا ليس فيها مرارة ... وفجأة حلت ~~به الكارثة، وجاءه الصريخ في دكانه ليدعوه إلى داره ذات مساء، فذهب ليشهد زوجته ذبيحا ~~تتشحط في دمها، وابنتاها عند رأسها تبكيان ... وكان الذي ذبحها هو السلطان الناصر نفسه، ~~بسيفه، بيده ... رآها، فطمع أن ينالها، فأرسل إليها رسوله، فلما تأبت عليه سعى إليها على ~~قدميه ... وحاولت أن تفر بعرضها فأدركها ... وعاد من حيث أتى في كوكبة من مماليكه وجنده ... بل ~~لعله لم يعد إلى قصره في ذلك اليوم إلا بعد أن أتم جولته في المدينة، وخرج من دار إلى ~~دار إلى دار، وتناول من كل كأس جرعة! # مسكين جلال الدين! ولكن الصبر أجمل به! # قال رجل من أقصى المجلس: يا سيدنا الشيخ، هذا والله ما لا صبر عليه! وقد بلغ هذا السلطان ~~الصبي من الطيش والنزق والجرأة على الله مبلغا بعيدا، وإن السكوت على مثل هذا لإثم في ~~ذات الله! # قال الشيخ: نعم، ولكن ماذا تملك أن تفعل؟ # قال الرجل الذي إلى جانبه: نملك أن نجود بأرواحنا، وما حرصنا على الحياة وهؤلاء ~~المماليك يسوموننا ألوانا من العذاب، لا ينظرون إلينا إلا كما ينظر الناس إلى السائمة، ~~ليس لهم منها إلا درها أو لحمها! وقد جف الضرع وذاب الشحم واللحم! # فابتسم الشيخ مشجعا، ثم قال: أفلح ms038 إن صدق ... # ثم نظر إلى يمينه حيث يجلس شاب من المماليك له زي ووقار وسمت. # وأردف قائلا لمحدثه: ولكن ما لك تجمع المماليك كلهم في قرن، كأنما تريد أن توزرهم ~~جميعا وزر فرد منهم، وتأخذهم بجريرة محمد بن قايتباي! # قال أعرابي: يا سيدنا الشيخ، إنما هي بلادنا لا بلاد الجركس، وقد جاءوا إلينا رقيقا في ~~يد النخاس، فما هي إلا أن أقاموا بيننا حينا حتى ملكوا رقابنا، واستصفوا أموالنا، وها ~~هم أولاء يريدون آخر الأمر أن تكون نساؤنا وبناتنا حظايا في قصورهم. لقد كان عرش هذه ~~البلاد للعرب منذ رتل فيها قرآن، وإنما تركناه وديعة في يد الكرد إلى حين، يوم غزانا ~~التتار، فأسلمه الكرد إلى هؤلاء المماليك، وقد حان أن ترد الأمانات إلى أهلها. # قال الشيخ باسما: وترى من يسمع لقولك هذا من أبناء مصر فيعينك عليه يا أخا العرب؟ # قال الأعرابي: أبناء مصر! إنهم لا يصلحون إلا أن يقادوا مقهورين، كما يقاد البعير ~~المخشوش من أنفه! # وسرى همس خفي بين المريدين من أبناء مصر، ثم ارتفع الهمس فصار لغطا، وارتفع اللغط ~~فصار ضجيجا غاب فيه صوت الأعرابي، وهم المريدون أن يتماسكوا بالأيدي وتنشب بينهم معركة، ~~فلم يمسكوا عن الضجيج والحركة، حتى وقف بينهم أرقم يشير لهم بيديه جميعا داعيا إلى الصمت، ~~ثم ارتفع صوت المملوك الجالس إلى يمين الشيخ، فصيحا قويا عميق النبر، يقول: على رسلكم ~~أيها الإخوان، إنما نحن جميعا هنا أبناء مصر، جراكسة، وأعرابا، ومصريين، كلنا سواسية في ~~الحق والواجب، وإنما يغلبنا السلطان الجائر على أنفسنا بهذه العصبية التي تفرقنا، وتشق عصا ~~جماعتنا! وماذا يجدينا أن نفاخر بأنسابنا وهذا السيف مصلت على رءوسنا جميعا في يد صبي ~~عابث، قد استبدت به شهواته فليس يعنيه من أمر هذا الشعب قليل ولا كثير؟ ليس فينا من يرضى ~~هذه الحال الأليمة. أما الأعراب فيعبرون عن سخطهم بهذه الغارات المتتابعة على أطراف ~~المدينة وفي البوادي، وعلى حدود المدائن في الشمال والجنوب، فلا ينالون شيئا من السلطان، ~~ولكن ينالون من إخوانهم ms039 ومن أنفسهم. وأما المماليك فيتخذون سلطانهم قدوة فلا يزالون ~~يعيثون في الأرض الفساد: ينهبون، ويفتكون، ويهتكون، وإنما يتعجلون آخرتهم بهذه المظالم. ~~وأما المصريون فينظرون إلى هؤلاء وأولئك ساخرين أو شامتين، ثم لا يزال فتيانهم يؤلفون ~~العصائب للتخويف والإرهاب وانتهاز الفرص، ويتندرون فكهين بما كان وبما سيكون، والسلطان يلهو ~~... وإنما سبيل الخلاص واحدة: هي اجتماع الكلمة على تقويم المعوج، وليكن السلطان بعد ذلك من ~~يكون: مصريا، أو عربيا، أو من أبناء الجركس ... فكلنا لمصر! # قال الشيخ مؤمنا: هو ما قلت يا طومان، وإنما عليكم أنتم أيها الجراكسة أن تبدءوا ~~بصلاح أنفسكم ... وإن شئت فابرز اليوم إلى القاهرة؛ لترى بعينيك كيف انتشر مماليك السلطان ~~يبثون الرعب في القلوب، وينذرون بالويل والثبور. # قال طومان: قد رأيت بعض ما كان، وأحسبهم سيثوبون إلى رشادهم بعد قليل، لقد تركت عمي قنصوه ~~الغوري يهدئ ثائرتهم، وأراه أهلا لأن يملك زمام الأمر! # وأذن المؤذن لصلاة الظهر، فانتظم المريدون صفوفا خلف شيخهم ... فلما قضيت الصلاة تأهب ~~طومان للانصراف، فاستأذن شيخه واتخذ طريقه نحو الباب تشيعه أنظار الجماعة بالإكبار والحب، ~~على أن أرقم المسيخ خادم خلوة الشيخ أبي السعود الجارحي، كان أشد المريدين إعجابا بذلك ~~المملوك الشاب، فظلت عيناه طوال الوقت معلقتين به وأذناه تسمعان، فلما هم أن ينصرف تبعه ~~إلى الباب، ومد يده إليه مصافحا وهو يقول في تأثر: صحبتك السلامة يا بني حتى تبلغ مأملك. # ثم فاضت به عاطفته حتى هم أن يضمه إليه ويقبل جبينه، ولكنه اكتفى من ذلك بأن يضغط ~~بأصابعه النحيلة على يد الشاب وهو يقول: أرجو أن تذكر دائما يا بني صديقك أرقم خادم ~~خلوة الشيخ أبي السعود الجارحي، إنني في خدمتك حيث تشاء، وفي أي وقت تريد. # ثم عاد إلى مجلسه يتخلع في مشيته، وقد ارتسمت على شفاه المريدين بسمات، فلولا ثقتهم به، ~~ولولا مكانته من نفس شيخهم الجليل، لزعموا أنه صاحب هوى عند ذلك المملوك الجميل، وركبوه ~~بالعبث والدعابة. # كانت المدينة تموج بهذه الأحداث والسلطان الشاب في شغل بنفسه عن كل ms040 ما هنالك، قد جمع حوله ~~بطانة من الشباب والشيوخ، يزينون له الشهوات ويهيئون له أسبابها، ولم تكن حادثة زوجة التاجر ~~جلال الدين هي الحادثة الفريدة في بابها، فكم فتاة وكم زوجة قد سال دمها على الفراش، أو سال ~~على حد سيفه! وكم زوج مثل جلال الدين وكم أب! وانهتكت حرمات البيوت، حتى بيوت الأمراء ~~وأصحاب الوظائف ... وحتى ليفتدي الأمراء أنفسهم وأعراضهم بالمال يبذلونه للسلطان، والسلطان ~~نهم لا يشبع، شهوان لا يصبر، نشوان لا يفيق ... # وعاد من جولته في المدينة منتشيا، سعيدا بما بلغ من حظ نفسه، فاتخذ مقعدا في الحوش ~~وحلا له أن يلعب بالكرة. ولحلبة الكرة في الحوش السلطاني نظام وتقاليد مرسومة، ولكن ~~السلطان الشاب لا يخضع للتقاليد المرسومة، وكان في الحوش وقتئذ طائفة من صغار الأمراء، ~~وعصبة من المماليك الخاصة، ولم يكن ثمة من الأمراء الكبراء إلا طومان باي الدوادار، ~~ولطومان باي فنون في حلبة الكرة ... # وتقاذف الأمراء الكرة بصوالجهم في الحلبة، يتقاربون حينا ويتباعدون، ويتقابلون ~~ويتدابرون، وتتماس أكتافهم وتتلامس سواعدهم، والكرة تنتقل على الصوالجة من يد إلى يد، ~~وهجم عليها طومان باي الدوادار يلقفها بصولجانه من يد الناصر، واغتاظ السلطان فهوى على ظهر ~~دواداره بالصولجان على مشهد من الأمراء ومماليك الخاصة، وتقبض وجه طومان باي من غضب ثم ~~اصطبر، وعادت الكرة تتقاذفها الصوالجة، ولقفها الدوادار مرة ثانية، وهوى السلطان على ظهره ~~مرة أخرى بصولجانه! واحمرت عيناه من الغيظ ثم استرد جأشه ... وعاد يلعب ... وعاد السلطان ~~يضربه ... وكان على شفاه المماليك معان خرساء، وفي عيونهم نظرات، وجاشت نفس الدوادار ~~بمعانيها ... # ثم انفضت الحلبة وصعد السلطان إلى قصره ... # وفي جناح آخر من القصر السلطاني كانت أصل باي أم السلطان جالسة في مقعدها الوثير بين ~~الحشايا والوسائد، صامتة قد ضاق صدرها بما تحمل من الهم والضجر، وجلست عند قدميها جاريتها ~~شاخصة العين إليها لا تكاد تطرف. وتنفست أصل باي نفسا عميقا، ثم خرجت عن صمتها قائلة: ~~أنت على يقين مما تقولين يا جارية؟ # قالت: نعم يا مولاتي، وقد رأيت السلطان ms041 بعيني هاتين يدخل دارها بالرملة، ليس معه أحد ~~من مماليكه وجنده، ثم خرج تحت الليل فاتخذ طريقه راجلا إلى القلعة ... # فصرخت أصل باي غاضبة: تكذبين علي يا فاجرة ... احذري غضبي وغضب السلطان! # فشحب وجه الجارية قليلا، ثم استردت جأشها وقالت: عفوا يا مولاتي، فإنما حدثتك بما رأيت ~~... إن مصرباي الجركسية أرملة كرت باي، لا تزال تمد شباكها إلى مولاي، تطمع أن تكون سلطانة ~~على العرش ... # ثم صمتت برهة، واستأنفت حديثها قائلة: ولعل سيدي الأمير قنصوه الخال يعرف طرفا من ذلك ~~السر؛ فقد لقيت جاريته اليوم خارجة من دار مصرباي تتلفت ... # فاعتدلت أم السلطان في مجلسها وهي تقول: ماذا! أخي قنصوه يعرف ما بين السلطان ومصرباي؟ # قالت الجارية: أظن ذلك يا مولاتي ... # فهبت الأميرة واقفة، وقد زاغ بصرها وتتابعت أنفاسها من البهر، وقالت: تلك أحاجي لا أكاد ~~أجد سبيلا إلى فهمها، إلا أن تكون مؤامرة محبوكة الأطراف للنيل من السلطان ... اذهبي يا ~~جارية فأتيني بجارية أخي الأمير قنصوه ... لا بد أن أعرف ذلك السر ... لا بد أن ~~أعرف! # وذهبت الجارية لشأنها، وظلت أصل باي الأم تذرع غرفتها مبهورة متتابعة الأنفاس، وهي لم ~~تزل تردد بينها وبين نفسها: لا بد أن أعرف ... لا بد أن أعرف ... ولن أمكن لمصرباي تلك ~~الأفعى الخبيثة أن تنال من ولدي ... ولن أمكن لقنصوه أن يطمع في عرش ابن أخته الصغير، بالدس ~~والخيانة! # هل كانت مصرباي الجركسية تحب السلطان الصغير محمد بن قايتباي؟ أم كان هواها مع الشاب ~~الطامح قنصوه الأشرفي خال السلطان وأخي أصل باي؟ أم لا يزال قلبها ينازعها إلى خاير بن ~~ملباي، ذلك الأمير الشاب، الذي كان أول من أيقظ أحلامها النائمة، وفتح عينيها المغمضتين ~~على أماني العرش والجاه والسلطان؟ # إن مصرباي الجركسية نفسها لا تكاد تعرف كيف تجيب، لو بدا لها أن تسأل نفسها سؤالا ~~من هذه الأسئلة، كل الذي تعرفه وتطمح إليه ويتخايل لعينيها، رؤيا في المنام وخيالا في ~~اليقظة، هو أن تصير يوما ما سلطانة، تجلس إلى مرآتها في غرفة الزينة، ms042 فتنطبع عليها صورتها ~~وصورة جارية وراءها ترجل لها شعرها المرسل، وخطا السلطان تقترب من باب الغرفة ... # تلك كانت كل أمانيها، أما ذلك السلطان من يكون فليس يعنيها جواب ذلك السؤال ... # فهل عرفت أصل باي أم السلطان هذه الحقيقة أم لم تعرفها، وقد جهدت في البحث والتحري ~~والاستقصاء منذ ألقت إليها جاريتها ذلك النبأ ... يا لها في حيرتها! ... أهي مؤامرة تدبر لخلع ~~ولدها عن العرش، يشترك في تدبيرها قنصوه الخال، وخاير بن ملباي، وطومان ابن أخي الغوري؟ ~~لقد جاءتها الأنباء اليوم بأن صلة جديدة قد نشأت بين طومان ومصرباي؛ فإنه ليزورها كل يوم في ~~دارها فيطيل الزيارة، وإن جاريته لتسعى بين داره ودارها تحمل منه رسائل وتعود إليه ~~برسائل؟ # ما وجه ذلك كله وما دلالته؟ آه! من لها بأن تعرف الحقيقة؟ # وخيل إلى أصل باي أنها تستطيع تدبير الأمر على أي وجه كان، فأشارت على ولدها السلطان أن ~~يباعد بينه وبين خاير بن ملباي، فيرسله في سفارة بعيدة إلى ابن عثمان سلطان الروم؛ فهذا ~~واحد، أما أخوها قنصوه الأشرفي فإن لها شأنا آخر معه! # ودعته إليها، فلما مثل بين يديها استحلفته بحق الأخوة والخئولة، ورابطة الدم وذكريات ~~الماضي، ألا يكون حربا على ابن أخته! ودهش قنصوه وسألها: ولكن ماذا يدعوك إلى ذلك يا ~~أختاه؟! # قالت: ليطمئن قلبي. # قال قنصوه ساخرا: فليحلف لي هو كذلك ألا يكون حربا على خاله. # وعضت أصل باي على شفتيها من الغيظ، ثم قالت مستسلمة: لك ذلك. # ثم دعت بمصحف عثمان، وجاء ولدها فحلف وحلف له خاله، ثم خرج قنصوه - طاعة لأمر السلطان ~~ومشورة أصل باي - على رأس حملة إلى خارج القاهرة؛ لتأديب بعض الثائرين من العربان ... # واطمأنت إلى بعض ما دبرت لحماية ولدها من دسائس الأمراء، ولكن ما شأن ذلك الفتى - طومان ~~ابن أخي الغوري - مع مصرباي؟ وما تردده مصبحا وممسيا بين داره ودار أقبردي الدوادار حيث ~~تقيم تلك الأفعى؟! # وماذا تملك من أمر ذلك الفتى، وأمر تلك الجارية اللعوب الفاتنة؟ # آه! لو كان صديقها الأمير ms043 جانبلاط قريبا منها! إذن لاستطاع أن يهديها إلى الرأي ويدبر ~~تدبيره، ولكن الأمير جانبلاط يقيم اليوم في الشام نائبا لحلب، لكأنما أراد أخوها قنصوه أن ~~يحول بينها وبين لقياه، فبعث به إلى ذلك المنفى البعيد ... # وطارت على أجنحة الأماني إلى حلب ... إلى حيث كان صديقها جانبلاط، أتراه يفكر في شأنها ~~ويذكرها كما تفكر في شأنه وتذكره؟ ومن أين له - وهو بعيد بعيد - أن يعرف أنه الساعة الرجل ~~الوحيد الذي تطيف به أماني خوند أصل باي حظية قايتباي، وأم ولده السلطان الناصر! ليته ~~يدري! ليته يدري! إذن لهدأ وجيب قلبها، واطمأنت إلى سعادة اليوم والغد. حسبها أن يذكرها ~~جانبلاط، وأن تطيف بخياله وبينهما ذلك البعد البعيد! # الفصل التاسع # | شهددار # جلس طومان بين يدي عمه الغوري ينتظر أن يأذن له ليفضي إليه بما عنده من الأخبار، وكان ~~الغوري قد عاد لساعته من جولة في المدينة زار فيها بيوت بعض الأمراء من أصدقائه، فعرف من ~~أخبار القصر ما لم يكن يعرف. إنه اليوم أكثر اطمئنانا إلى يومه وغده ... وليس في المدينة ~~كلها أحد يعرف ما اجتمعت عليه نيته، وليس هنالك من يظن ظنا أن تلك الفتن الثائرة في ~~المدينة وفيما حولها، هي من وحيه وتدبيره؛ ليبلغ من ورائها ما يأمل أن يبلغ ... لقد تفانى ~~الأمراء العظام وأكل بعضهم بعضا، فليس أمامه من يخشاه اليوم ... ومن ذا الذي يخشاه الغوري ~~بعد؟ أقنصوه الخال، ذلك الشاب الغرير الذي يحسب الأمر كله شركة بينه وبين السلطان الصبي، لا ~~ينافسهما في الأمر أحد؟ أم جانبلاط نائب حلب الذي زين له هوى أصل باي أم السلطان أنه صاحب ~~الحل والعقد؛ لأنه صديق الأم والخال؟ أم الدوادار الثاني طومان باي الذي يظن أنه بالغدر ~~والحيلة قد كسب عطف الخال، فما هو إلا أن يخطو خطوة أخرى فيقع ظله على العرش؟ من ~~هؤلاء جميعا؟ وأين كانوا؟ وماذا كانت مكانتهم بين الأمراء حتى يكون لهم مطمع في الوثوب على ~~العرش؟! ولكنه سيتركهم وما يأملون حتى يبلغ منهم ... بالصبر والحيلة. # لو شاء ms044 لوثب بأتباعه وثبة تزيح من طريقه كل أولئك، وتصعد به إلى العرش، ولكنه لا يشاء ~~الآن، إنه لا يريد أن يصعد إلى العرش على أشلاء ودماء؛ لأنه يريد أن يلي العرش وليس عليه ~~ثأر يطلب به ... يريد أن يلي العرش؛ ليعمر على العرش أطول مما عمر أستاذه السلطان ~~قايتباي، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن يتفانى أعداؤه ويأكل بعضهم بعضا، ولم يرفع هو سيفا ~~ولم يسفك دما، وينفرد في الميدان بالصبر والحيلة، وحينئذ تقع عليه الخيرة ... عليه هو وحده؛ ~~لأنه هو وحده الأمير في الميدان ... # كانت هذه الخواطر تطيف برأس الغوري، وقد عاد من جولته في المدينة، وطومان جالس بين ~~يديه ينتظر أن يأذن له في الحديث ليفضي إليه بما عنده ... ولم يحس طومان - وهو في مجلس عمه - ~~بأن انتظاره قد طال، ولم يمل؛ فقد كان رأسه هو أيضا يموج بخواطر شتى تذهب به من قريب إلى ~~بعيد، وكانت تملأ خياله صورة تلك الفتاة التي لقيها منذ أيام - على غير ميعاد - في دار ~~أقبردي الدوادار ... ~~- لا، ليست هي مصرباي! # إنه لم ينظر يوما ما إلى مصرباي نظرة فتى إلى فتاة، كل ما كان بينه وبينها من العاطفة ~~أنها أخت، صديقة، فرضت عليه الرجولة الباكرة أن يحميها ويدفع عنها، ولكنها اختارت لنفسها ~~فتركها وما اختارت، وإن لم ينس ما عليه لها من واجب الأخوة، وما عليها له ... وعرف أنها ~~تقيم في دار أقبردي الدوادار، وسمعها تهتف باسمه ... فأرسل إليها جاريته الكاتبة الأريبة التي ~~باعه إياها جاني باي ... يستزيرها، فأذنت له في الزيارة، ولقيها بعد سنين من القطيعة، وتحدث ~~إليها وتحدثت إليه، وعرف أين هي اليوم مما كانت منذ سنين. إنها اليوم سيدة من طبقة أخرى، ~~فليس بينها وبين تلك الفتاة التي فارقها في حلب صلة قريبة، لقد تغيرت تغيرا تاما عما ~~كانت: في أخلاقها، وعواطفها، وفي نظرتها إلى الحياة والأحياء، وذهبت بها الأماني مذهبا ~~بعيدا، كأنما لم تكن يوما جارية بين يدي نخاس خوارزم يسومها المليء والمفلس، إنها اليوم ~~تطمع أن ms045 تكون سلطانة على عرش مصر، أو أم سلطان ... # وأراد طومان أن يستعينها على بعض أمره، فتكون له لسانا وعينا وأذنا، يسمع بها ويرى ~~ما يريد أن يسمع، ويرى مما يجري في قصور أصحاب السلطان؛ فهي تعرفهم جميعا، وتسعى إلى ~~مرضاتهم جميعا، إنها لتطمع أن يكون السلطان يوما واحدا من أولئك الأمراء، وإنها لتأمل ~~أن تكون يوما ما سلطانة، فتلك مكانتهم عندها وتلك مكانتها منهم، وإنها بهذه المكانة ~~لتستطيع أن تكون عينا وأذنا ولسانا لصديقها طومان وأستاذه الغوري ... ولكن طومان لم ~~يمض فيما أراد؛ فقد أبى أن ينزل بمصرباي أخته إلى ذلك الدرك، فأمسك عما اعتزم، وهم أن ~~يفارقها ويمضي، حين سطعت له في قصر أقبردي لؤلؤة فريدة تتضوأ لعينيه، كأنما يريد القدر ~~أن يربط بينه وبينها بشعاع من النور ... تلك هي شهددار بنت أقبردي الدوادار، ذلك الأمير الذي ~~وقف يوما على عتبة العرش وكاد يضع التاج على رأسه، ثم رده القدر ... هذه هي ابنته، قد جاءت ~~الساعة لتتحدث حديثا إلى مصرباي أرملة عمها، ولم تكن تحسب أن في مجلسها أحدا. والتقت ~~عيناها بعيني طومان، فتعثرت في خطاها وارتدت مذعورة، فصاحت بها مصرباي: تعالي يا شهددار، ~~إنه أخي طومان. # وانعقدت بينهما منذ اليوم آصرة لا تنفصم، فلا يزال طومان يسعى إلى دارها مصبحا وممسيا، ~~ولا تزال جاريته الكاتبة الأريبة تسعى بينهما، تحمل إليها رسائله وتعود بالجواب ... ولا يزال ~~كلما ذهب إلى دار أقبردي ليلقى صاحبته، لقيته مصرباي فتحدثت إليه ساعة وتحدث إليها، فهي له ~~في بيوت الأمراء عين وأذن ولسان، وإن لم يرد ذلك طومان وإن لم ترده مصرباي، أو لعلها ~~كانت تريد، فليس يخفى على فطنتها أن عمه الشيخ قنصوه الغوري قد يصير يوما ما سلطانا. # ووجد طومان في زيارة دار أقبردي الدوادار إحساسا يغمره بالسعادة، ويجد له أماني لذيذة ~~ساحرة، ولكنه لم يكن يخفى عليه ما كان بين عمه وبين أقبردي الدوادار من جفاء، وقد ذهب ~~أقبردي ولعله لا يعود، ولكن عمه لا يمكن أن يرضى أن تكون زوجة ms046 طومان ابن أخيه هي بنت عدوه ~~أقبردي الدوادار ... # تلك فكرة كانت تطيف برأس طومان، فتنغص عليه ما يجد من السعادة حين يلقى صاحبته شهددار ~~في مجلس أخته مصرباي، ولكنه مع ذلك لم يقطع الأمل ... # وطال حديث طومان إلى نفسه، وتزاحمت خواطره وهو جالس بين يدي عمه ينتظر أن يؤذن له في ~~الكلام، وطال حديث الغوري إلى نفسه وابن أخيه ينتظر بين يديه ... ثم فاء كل منهما إلى ~~نفسه، فقال الغوري: هيه! ماذا وراءك يا طومان ؟ لعلك قد عرفت جديدا من أمر السلطان الناصر ~~وخاله قنصوه؟ # قال طومان: نعم، فقد خرج قنصوه في سرحته لتأديب الثائرين من أعراب البادية؛ طاعة لأمر ~~أخته أصل باي، وخرج خاير بن ملباي سفيرا إلى ابن عثمان. # فقاطعه الغوري باسما: نعم؛ ليخلو الجو للناصر وصاحبتك مصرباي الجركسية! # قال طومان مدهوشا: كأنك تعرف يا عم! # قال الغوري: نعم يا بني، وكأنما كانت أمه تهيئ له هذه الفرصة، وهي تريد أن تدفع عنه، فقد ~~قرر الناصر أن يتخذ مصرباي زوجا، قبل أن يعود خاير بن ملباي من سفارته، وقنصوه الخال من ~~سرحته في البادية. # قال طومان: وي! ولكن ماذا يكون موقف أمه منه، وإنها لتكره هذه الجارية؟! # فقهقه الغوري ضاحكا وهو يقول: لا أمه، ولا خاله، ولا خاير بن ملباي ... لن يكون له صديق من ~~هؤلاء الثلاثة منذ اليوم! # فمط طومان شفتيه أسفا وهو يقول: يا للفتى الأحمق، ويا لمصرباي! # ثم حضرته صورة أخرى، فأغمض عينيه وسبح في أحلامه، وهمس لنفسه في لهفة وجزع: آه يا ~~شهددار! أين ألقاك بعد اليوم؟ # الفصل العاشر # | آخرة ملك # خرج الدوادار الثاني طومان باي من حلبة الكرة في الحوش السلطاني، وعلى عينيه غشاوة من ~~الغضب، كيف يضربه السلطان الناصر بصولجانه - مرة، وثانية، وثالثة - على مشهد من الأمراء ~~ومماليك الخاصة وهو الدوادار الثاني، فلولا أن قنصوه الخال هو الدوادار الكبير، لكانت ~~السلطات كلها في يده ... كيف يجرؤ ذلك الصبي العابث على هذه الكبيرة؟ إن قايتباي العظيم لم ~~يكن ليجرؤ على مثلها ... وثارت شياطين ms047 الشر في رأسه فأقسم أن ينتقم ... ومضى يدبر لأمره! # وأظله الليل ولم يزل يفكر في أمره، فلما مد الظلام رواقه، قام إلى مرآته فأصلح شأنه وأخذ ~~زينته، ومضى إلى دار خوند فاطمة بنت العلاء - أرملة السلطان قايتباي - على قنطرة سنقر، ~~وكانت في مجلسها بالشرفة ترقب الطريق من وراء السجف في انتظار مقدمه في لهفة وقلق ... هذه ~~التي كانت يوما ما سلطانة على عرش مصر، يخضع لها الملايين ويقبلون لها الأرض، تكاد اليوم ~~من لهفتها إلى لقاء ذلك الأمير تقبل الأرض لمن يأتيها ببشرى قدومه ... ذلك الأمير الذي كان ~~منذ قريب رقيقا من مماليك زوجها الذي مات: الأشرف قايتباي! فإنها لفي هذا المجلس تنتظره ~~منذ ساعات، قد ذهب بها الفكر مذاهبه، وتقسمتها الهواجس والأوهام، تخشى أن يكون قد استأثر ~~به الغضب لتلك الكلمة العابرة التي لفظتها شفتاها في آخر لقاء كان بينهما منذ أيام، وإنه ~~لذو أنفة وكبرياء كأنه من أبناء السلاطين! # ماذا قالت له؟ وماذا عليها في تلك الكلمة التي تجري على كل لسان؟! لقد كانت زوجة ~~لقايتباي، وكان لها ذات يوم ولد منه يؤهلانه لوراثة العرش بعد أبيه، ولم تكن أصل باي يومئذ ~~إلا جارية من جواري السلطان، لا يحفل بها أحد، ولا تأمل أن تصير يوما شيئا أكثر من ~~جارية من جواري السلطان، ولكن القدر الذي يصنع العجائب قد هيأ لها هذه المنزلة التي تنعم ~~بها اليوم، فإذا هي «أم ولد»، وإذا ولدها يكبر حتى يبلغ الشباب، وإذا الموت يحتضر ابن ~~السلطان البكر، فلا يرث عرش أبيه قايتباي ويرثه ابن الجارية أصل باي ... وإذا هي أم السلطان ~~وأخت الدوادار الكبير وكانت جارية، وإذا خوند فاطمة بنت العلاء - أرملة السلطان الأشرف ~~قايتباي - قد عاد مجدها ذكرى يكاد يبليها الزمن ويلفها في مدرجة الماضي؛ ليدفنها من بعد في ~~أعمق أغوار النسيان. # جالت هذه الخواطر ذات مساء في نفس خوند فاطمة بنت العلاء، فإذا هي تتحدث بها إلى صاحبها ~~طومان باي الدوادار، واستمع صاحبها إلى حديثها صامتا، ثم أخذ في حديث ms048 غيره ... كأن لم تقل ولم ~~يسمع، وقال لها بعد فترة: تمنيت يا خوند أن ترضيني زوجا. # وكانت أمنية تتمناها، ولكنها لم تجب، فقد سرها أن تكون عنده موضع التمني، وأن تسأله ~~الثمن قبل أن تجيبه إلى أمنيته، فقالت: تمنيت يا أمير، لو لم يكن ذلك الصبي - ابن الجارية ~~أصل باي - هو الجالس على عرش قايتباي! # وتقبض وجه صاحبها ولم يجب، ثم لم يطل بينهما المجلس بعد، فقام، وقامت تودعه وإنها لتود - ~~من شدة الأسف لما قالت - أن تقبل له الأرض مستغفرة تائبة؛ لتستديم حبه ورضاه ... تلك التي ~~كانت يوما ما سلطانة على العرش يخضع لها الملايين ويقبلون لها الأرض! # وذهب طومان باي الدوادار فلم يعد منذ تلك الليلة، ولم يستمع إليها، ولم تستمع إليه منذ ~~تلك الكلمة، والليلة موعده، فإنها لفي مجلسها ذلك تنتظره منذ ساعات، قد ذهب بها الفكر ~~مذاهبه، وتقسمتها الهواجس والأوهام ... ثم رأته مقبلا من بعيد، فتهلل وجهها وتهيأت ~~لاستقباله! # وكان في وجهه أمارات الجد والعزيمة، كأنه مقبل على أمر ذي بال، وخفق فؤادها، ثم اطمأنت ~~حين لمحت ابتسامة ترف على شفتيه، كأن خاطرا سعيدا قد ألم به ... وقالت بعد برهة: خاطر ما ~~قد ألم برأسك فأشرق على ثغرك بابتسامة، فهلا أشركتني معك في سرائك! # قال الدوادار وقد زادت ابتسامته إشراقا: بل إن لك السراء كلها يا خوند، فهلا حدثتيني ~~ماذا كانت أمنيتك إلي لترضيني زوجا؟ # فعضت على شفتها نادمة وقالت: أفلم تنس بعد يا أمير؟! إن كل أمنيتي الليلة أن أفوز ~~برضاك وصفحك! # قال ضاحكا: شكرا، وأمنيتك الأخرى يا خوند؟ # قالت: قد نسيت كل ما كان يا طومان باي، فبالله عليك إلا ما نسيت أنت! # قال في رقة وعيناه تبرقان بريق العزم: ولكن فرضا علي أن أحقق أمنية جاشت بخاطرك ~~يوما ما. لن يظل محمد ابن أصل باي على عرش مصر، ولست حقيقا بشرف الرجولة إن لم يسل دمه ~~على حد سيفي ... ذلك الصبي المفتون! # قالت المرأة مذعورة: طومان! ماذا تقول؟ # واسترسل الرجل في حديثه يقول، ms049 وقد عاد صوته رقيقا ناعما كأنما يوقع على وتر: ولن يكون ~~طومان باي أهلا لك يا خوند إلا يوم يضع على رأسه التاج وتعودين - كما كنت - سلطانة على ~~العرش، يخضع لها الملايين ويقبلون الأرض، وتعود أصل باي - كما بدأت - جارية لا يحتفل بها أحد، ~~وأما بلا ولد! # وساد الصمت فترة بين الحبيبين، وحلق بهما الخيال في واد بعيد ... ومد إليها يده مصافحا، ~~كأنما يتحالفان على الدم، ثم نهض. # وعاد قنصوه الخال من سرحته في البادية ، فما أقام في داره إلا ساعة حتى أنبأته جاريته ~~النبأ ... ~~- ماذا تقولين يا جارية؟ ~~- كل ذلك قد كان يا مولاي، وستبيت مصرباي الليلة في القلعة زوجا للسلطان الناصر! # وتلقى الأمير النبأ كأنما انقضت على رأسه صاعقة، أفمن أجل ذلك أرسل به السلطان في تلك ~~الرحلة النائية؟ أو لم يكف هذا الصبي أن يعيث في بيوت الناس ويهتك حرماتهم، حتى يتجرأ ~~على خاله فيخالفه في غيبته إلى المرأة التي كان يطمح أن يتخذها زوجا فيسبقه إليها؟ له ~~الويل ولأمه أصل باي! لقد طفح الكيل حتى لم يعد يجمل الصبر، ولكن أي شيء يصنع وهو ابن أخته ~~التي رفعته من مملوك في الطبقة إلى رتبة الإمارة؟ أيجمل به أن يغدر بأخته وبسلطانه، ~~ويحنث في اليمين التي حلفها على مصحف عثمان؟ ولكن الناصر هو الذي بدأ بالغدر وحنث في ~~يمينه، ثم ما ذنب هذا الشعب حتى يحمل أوزار ذلك السلطان الصبي، الذي لا يستجيب لغير نداء ~~شهواته؟! # واستطرد قنصوه الخال لأوهامه، ومضى يحدث نفسه مثل هذا الحديث، لا يكاد يجد بابا ينفذ منه ~~إلى الرأي، فإنه لغارق في أفكاره إذ استأذن عليه صفيه الدوادار الثاني طومان باي فأذن له، ~~فلم يكد يستقر في مجلسه بين يديه حتى قال في خبث: هل جاءك النبأ يا سيدي الأمير بأن مصرباي ~~الجركسية تزف الليلة إلى سلطاننا الناصر ابن قايتباي؟ # وكأنما أراد طومان باي أن يريشه سهما نافذا، فلم يترفق ولم يجمل واسترسل يقول: وقد زين ~~القصر والقلعة، وامتدت الزينات من بيت ms050 أقبردي حيث يبدأ موكب العروس إلى حيث ينتهي عند قاعة ~~الجلوة، وفرشت على طول الطريق شقائق الحرير، وكسيت جدران البيوت، وعلقت قناديل الزيت؛ ~~لتكون زفة سلطانية ... # وأحس قنصوه وخز الطعنة في فؤاده فقال ضجرا: حسبك يا طومان! هل هو إلا صبي ~~يعبث! # ثم زفر زفرة، ورفت ابتسامة غامضة على شفتي طومان باي الدوادار، وأيقن أنه قد بلغ من نفس ~~الأمير مبلغه، فمال بالحديث إلى جانب آخر يقول: وما جريرة هذا الشعب حتى يتولى أمره هذا ~~الصبي، الذي لا يحسن تدبير أمر نفسه؟ هل عقم الجركس حتى ليس فيهم من يلي عرش مصر غير محمد ~~بن قايتباي، فأين منهم مثل مولاي الأمير؟ # فبرقت أسارير قنصوه، وبدت في وجهه أمارات الرضا، ثم استدرك قائلا: هذا رأي لا يراه غيرك ~~يا طومان. # قال طومان باي: بل هو رأي الشعب والأمراء والمماليك جميعا يا مولاي، وإني لأعلم أن ~~مولاي لا يزهد في العرش إلا تحرجا من رفع السيف في وجه ابن أخته، فإن شئت يا مولاي فإن ~~علي تدبير الأمر، ولن ينالك شيء مما تكره! # قال قنصوه متزهدا: ولكني أكره أن يراق دم أبناء الجركس، ويموت بعضهم بأيدي بعض، وهم ~~عدة الدولة في كل ما ينوبها! # قال طومان باي: ليطمئن مولاي، فلن يراق دم! # وخرج طومان باي الدوادار على نيته، وأقام قنصوه الخال في داره أياما مرهف السمع لكل ما ~~يصل إليه من أنباء، فلم يصعد إلى القلعة ولم يلق السلطان! # بلغ السلطان الناصر غايته من مصرباي، فما أمضى إلى جانبها إلا أياما، ثم عاد إلى ما ~~كان من شأنه: يخرج إلى أسواق المدينة، ويجوس خلال طرقاتها في الليل والنهار، في بطانة من ~~الرعاع والسفلة، يفتك ويسفك الدم، ويهتك الحرمات، ثم يعود إلى القلعة راكبا أو راجلا، ~~منهوكا مخمورا لا يكاد يفيق! # وبلغت مصرباي الجركسية غايتها من السلطان، حين رأت نفسها وقد صارت سلطانة، تجلس إلى ~~مرآتها في غرفة الزينة، ومن خلفها جارية ترجل لها شعرها، فتنطبع في المرآة صورتان ... ولكنها ~~لم تسمع مرة ms051 واحدة خفق أقدام السلطان تقترب من الباب! # امرأة واحدة في القصر كان قد بلغ منها الهم والقلق كل مبلغ حتى ضاقت بحياتها ... تلك هي ~~أصل باي أم السلطان، لقد أغفلت شأن ولدها حين يئست من صلاح أمره، منذ تزوج على كره منها ~~بمصرباي، وأغفلت شأن أخيها قنصوه حين يئست من وفائه بالذمة، منذ وقع في همها أن له مطامع ~~في عرش ولدها الناصر، وأغفلت شأن نفسها حين يئست من عودة جانبلاط منذ ذهب إلى الشام أميرا، ~~فطاب له من دونها المقام! وقام بينها وبين الناس جميعا حجاب من الوهم لا ينفذ من ورائه قلب ~~إلى قلب، فلولا جاريتها الخاصة وما تنقل إليها من حديث الناس، لنسيت أنها الأميرة أصل باي ~~أم السلطان الناصر، ولكن أين هو الناصر؟ لقد استأثرت به بطانة السوء من أصحابه، فانقطع ما ~~بينه وبين الناس جميعا؛ فلا أمه، ولا خاله، ولا مصرباي، ولا أحد من الأمراء أو المماليك أو ~~الرعية تربطه به صلة من الود، أو آصرة من الولاء، لقد استهان بالرعية فاستهانت به، وضيع ~~شعبه فأضاعه ... ذلك السلطان ابن السلطان الذي كانت تهتف باسمه الملايين من قلوب عامرة ~~بالمحبة والولاء. # اليوم الحادي عشر من ربيع الأول سنة 904، وقد أخذت المدينة زينتها احتفالا بالمولد ~~النبوي الشريف، ولا تزال أعظم ليالي القاهرة منذ كانت هي ليلة الاحتفال بالمولد النبوي ~~الشريف، ولا تزال أعظم حفلاتها شأنا هي حفلة السلطان في قصر القلعة، حيث يجتمع الخليفة ~~والأمراء والوزراء والقضاة، وقادة الجند ورؤساء المماليك ... فما بال حفلة السلطان في هذا ~~العام، ليس لها بهاء ولا رواء، فلم يصعد إلى القلعة للمشاركة في الاحتفال إلا كبير ~~الأمناء الشيخ الأمير أزبك، وإلا تاني بك الجمالي أمير السلاح، وإلا طائفة من الشيوخ ~~«متفضلين» لم يدعهم داع، ولم يستقبلهم مستقبل! حتى السلطان نفسه لم يعن به أحد فيسأل ~~أين هو في هذه الليلة المشهودة! ومن يدري! لعله كان في تلك الليلة في سرحة من سرحاته ~~العابثة في بولاق، أو عند بركة الرطلي، أو في ms052 قبة الأمير يشبك الدوادار، يهتك ويفتك ويسفك، ~~على ما شاء له الهوى والشباب. # أولئك مماليك الطباق يسأل بعضهم بعضا: أين ما تعود السلاطين أن يوسعوا به عليهم في مثل ~~تلك الليلة من طيبات الرزق؟! ولكن من ذا يجيب؟ وركبهم الشيطان فسول لهم، فانطلقوا يعيثون ~~في الأرض الفساد، ويرجمون الأمراء من الطباق بالحجارة، ويلقون عليهم الماء المتنجس ~~بالأقذار، ويخطفون عمائم الفقهاء ... # وانقضى يوم المولد في القاهرة على شر ما تنقضي الأيام، فلما كان الغد أصبح السلطان نشيطا ~~معافى، فأعد عدته ليوم قصف وفرجة على شاطئ النيل، وسبقه متاعه وأثقاله، ونصبت الخيام وأعدت ~~الكئوس، ونصت دكة المغاني ... # وبرز السلطان في طريقه تكتنفه طائفة قليلة من خاصته في موكب تتناهبه العيون، فلما كان ~~عند بولاق ابتدر إليه اثنان، أما أحدهما فرجل في زي التجار قد لاث عمامته على رأس أشمط، ~~ووجه مخدد، وعينين فيهما ذبول وانكسار، يناديه من خلفه طفلتان قد ارتسمت على وجهيهما آيات ~~الرعب والفزع، وتقطعت أنفاسهما من البهر، فلا يكاد صياحهما يبلغ أذنيه، وأما الآخر فشاب ~~في زي أمراء المماليك عليه ثياب الفرسان، قد ترجل عن حصانه وخطا إلى السلطان، وفي يده سيف ~~مسلول ... # ذانك هما التاجر جلال الدين، والأمير طومان باي الدوادار الثاني ... واستبقا يريد كل منهما ~~أن ينال السلطان بطعنة يشتفي بها من ذات صدره ... # وتدحرج رأس السلطان على التراب، وتعلق جسده بركاب فرسه متدليا ينزف دمه ... وبسط جلال ~~الدين كفيه يتلقى قطرات الدم يلعقه بلسانه، ويمسح به وجهه ووجه ابنتيه، وهو يقهقه قهقهة ~~المجانين، وقد جحظت عيناه من محجريهما كأنهما لا تصدقان ما تريان ... # وتقاذفت الرأس أقدام السابلة، ودوى الخبر في المدينة بمقتل السلطان ... # وصعد الظاهر قنصوه الخال إلى العرش، وخلع على طومان باي وجعله الدوادار الكبير ... # وتأيمت مصرباي ولم تنعم شهرا بمجد السلطان، وثكلت أصل باي ولدها، وهتفت خوند فاطمة بنت ~~العلاء - أرملة السلطان قايتباي - فرحانة: لله أنت يا طومان باي! لله أنت! # ولكن طومان باي لم يكن قد بر بكل ما وعد ... # الفصل الحادي عشر ms053 # | شعب يلهو # كانت الستائر مسدلة على نوافذ القصور في بركة الرطلي، وإن أنوار المصابيح لتنفذ من ~~ورائها فتترامى على سطح الماء في الخليج الحاكمي، وقد هبت نسمات الليل على صفحة الماء، ~~وتكسرت عليها الأشعة، كأنها سطور مكتوبة يقرأ منها كل ذي عينين نجوى خواطره ... # وعلى شاطئ الخليج سرادق منصوب قد أقيمت في صدره دكة عالية، جلس عليها جوقة من مشاهير أهل ~~الغناء والموسيقى، بين عازف عود، وضارب دف، ونافخ شبابة، فيهم علي بن رحاب صاحب التلاحين ~~المشهورة والأغاني الساحرة، وفيهم هيفاء اللذيذة مغنية السلاطين، وفيهم علي بن غانم ~~الطنبوري، وأنعام الخاصكية معلمة الغناء في قصر السلطان قايتباي ... ولم تتخلف عن المجلس ~~عزيزة بنت السطحي كبيرة مغنيات القاهرة لذلك العهد، وإن كانت قد هجرت الغناء منذ بعيد ... # واصطف الناس جلوسا على الحشايا والأرائك محتبين أو متكئين على النمارق، قد غص بهم ~~السرادق على سعته، حتى ليس فيه مقعد لقادم جديد أو طريق لعابر ... # وعلى الأريكة القريبة من دكة المغنين، جلس طائفة من أمراء المماليك يتوسطهم طومان ابن أخي ~~الغوري، قد فرعهم طولا، وبهرهم جمالا وسماحة، وأشرقت على شفتيه ابتسامة راضية تشيع فيما ~~حواليه البشر والاطمئنان. # وعلى مقربة من مجلس هؤلاء الأمراء، جلس جماعة من وجهاء القاهريين وظرفائهم، فيهم الشاعر ~~الماجن جمال الدين السلموني، والخطيب الظريف بدر الدين بن جمعة شيخ قبة يشبك، وفيهم المهذار ~~العياب سباب الأنام تقي الدين بن محمود الشاهد بالمدرسة الصالحية، وفيهم المؤذن ~~المغني المزواج المطلاق شهاب الدين المحلاوي الذي جاوز عدد مطلقاته تسعا وتسعين، ولم ~~يزل عزبا يبحث عن زوجة يبلغ بها عدد مطلقاته المائة ... وقد اكتنف هذه الجماعة عن اليمين ~~وعن الشمال، رجلان قد بلغا من دمامة الخلقة وبشاعة المنظر الحد الذي يوشك أن يخرجهما عن ~~حقيقة الآدمية: أحدهما أرقم المسيخ - خادم خلوة الشيخ أبي السعود الجارحي - والآخر معين ~~الدين بن شمس نائب وكيل بيت المال ... وكأنما أرادت هذه الجماعة من القاهريين الظرفاء أن ~~يكتنف مجلسهم هذان الدميمان؛ ليكونا وقاية لهم من شر حاسد إذا حسد. ms054 # وتهيأت الجوقة للغناء، وأرهف الناس آذانهم يسمعون، وأزيحت الأستار عن شرفات البيوت ~~المطلة على الخليج، وبرزت من خلالها وجوه قد نضرتها النعمة، وانبسط الضوء على سطح الماء، ~~وتكاثرت عليه الظلال الراقصة، وغنى علي بن رحاب فأطرب وأعجب، وجاوبه أصحابه وصواحبه عزفا ~~على العود، أو نقرا على الدف، أو صفيرا على الشبابة، وتردد الصدى من بعيد إلى بعيد ... وهو ~~ينشد: # مولاي خذ لي أمانا # من لحظ طرفك # وارفق بقلبي حنانا # من فيض لطفك # إن خفت عينا ترانا # فزر بطيف # أو فاستضفني عيانا # واحتل بظرفك # وقل غريب أتانا # وارفق بضيفك # وفرغ من غنائه فالتهبت الأكف بالتصفيق، وبحت الحناجر بالهتاف، وارتفعت الأصوات من كل ~~جانب؛ تستعيد ذلك اللحن الذي استلب وقار الناس، واستخف الشيوخ والشباب. # وهز علي بن رحاب رأسه شاكرا، وتهيأ ليعيد لحنه، فلم يكد يرفع صوته: مولاي خذ لي أمانا ~~... # حتى اهتزت جوانب السرادق بصوت أجش يصيح: اخرس، لا أمان لك! # فالتفت الناس نحو الباب مذعورين، ليجدوا كوكبة من المماليك السلطانية يقدمهم فارس على ~~جواده، قد اقتحموا السرادق شاهرين السيوف، لا يبالون من في طريقهم من الناس أن تطؤهم ~~الأقدام، أو تحطمهم سنابك الخيل، فقصدوا إلى المنصة حيث كان علي بن رحاب في جوقته قد ألجمهم ~~الفزع، فتسمروا في أمكنتهم مرعوبين، لم يحاول أحد منهم أن يفلت من ذلك القضاء النازل أو ~~يفر بنفسه. وتقدم الفارس إلى حيث كان علي بن رحاب، فانتزعه من صحابته وهو يقول: تعال أيها ~~الصعلوك؛ لترى ويرى الناس فيك جزاء من يتدخل فيما لا يعنيه! # ثم اقتلعه عن المنصة في غلظة وأسلمه إلى جنده؛ ليمضوا به إلى مجلس الدوادار الكبير ~~طومان باي؛ ليقتص منه على ما ينسب إليه من الذنب ... # كان الناس من الفزع والدهشة، كأنما أخذتهم الصاعقة بغتة، فأسرع منهم إلى الباب طائفة ~~يريدون الفرار، فسقطوا تحت أقدام الجند، وترامى بعضهم على بعض، فما منهم إلا كسير أو جريح ~~أو قتيل قد لفظ نفسه، وطائفة كأنما أصابها الرعب بالشلل، فيبست أيديهم وأرجلهم، ولم ~~يستطيعوا من ms055 مكانهم حراكا، ونجوا بالخوف من الهلكة، وطائفة تسمع وترى وتتهيأ للدفاع باليد ~~واللسان إذا تهيأ لها سبيل الدفاع ... # فلما هم الجند أن يمضوا بعلي بن رحاب، اعترض سبيلهم الأمير الشاب طومان، وصاح بهم صيحة ~~آمر: قفوا! أين تذهبون به؟ # فالتفت إليه قائدهم مستنكرا يقول: كيف تجرؤ يا سيدي؟ إنه أمر الدوادار الكبير ~~طومان باي! # قال طومان: وما جريرته حتى يؤخذ هذه الأخذة، وتطأ خيلك إليه بطون الناس؟ # قال القائد وعلى شفتيه ابتسامة تعبر عن معنى : إذا أردت يا سيدي أن تعرف جريرته، فإني ~~أستطيع أن آخذك معه لتعرف هناك بين يدي الدوادار الكبير. # ورمى بصره نحو مماليكه، ولكن طومان لم يلبث أن رده إليه وهو يقول: بل سيبقى علي بن رحاب ~~هنا؛ حتى يعرف هو نفسه أي جريرة يؤخذ بها. # ثم خطا خطوة فوقف إلى جانب علي بن رحاب، ووضع يده على قبضة سيفه، وهو يجيل نظره بين ~~المماليك كأنما يتحداهم فردا فردا، وجماعة متحدة أن يبرزوا إليه ليستخلصوا أسيرهم من ~~يده، وقبل أن يتدبر قائد الجند موقفه من هذا المملوك الشاب، كانت كلمات طومان قد لامست كل ~~قلب من قلوب الناس، فسرت في عروقهم هزة عنيفة واستيقظت حميتهم، فإذا هم يصيحون بالمماليك ~~صيحة رجل واحد، ويندفعون إليهم اندفاع الموج على ساحله ... وأوشكت أن تنشب معركة. # وأحس قائد العسكر حرج الموقف، فآثر الانسحاب بعسكره، وخلف علي بن رحاب في حماية طومان ~~... # وتسحب الناس إلى بيوتهم، قد نغص أولئك المماليك عليهم ليلتهم، فما استمتعوا بشيء مما ~~ألفوا أن يستمتعوا به في ليالي علي بن رحاب. # وانفض السامر فلم يبق من ذلك الجمع الحاشد إلا شراذم متفرقة، قد أخذت كل جماعة منها ~~في باب من أبواب الحديث، وتنتهي جميعا على رأي واحد، هو الإعجاب بطومان، والسخط على غلظة ~~أولئك المماليك، وإنهم فيما يتحاورون ليخلطون الجد بالهزل، ويستنبطون من كل معنى فكاهة ~~ونادرة وضحكا عريضا. # وكان أرقم المسيخ لم يزل حيث كان، قد انتقع وجهه، ودارت عيناه في محجريهما، يرمي بهما إلى ~~هنا ms056 وها هنا في قلق ظاهر، كأنما يبحث عن شيء، حتى استقرتا على وجه طومان، وقد جلس إلى علي بن ~~رحاب يتحدث إليه ويسمع منه. وكان الغضب قد زاد أرقم تشويها ومسخا، حتى كأنه تمثال منصوب ~~للقبح والدمامة، فلم تكد عينه تستقر على طومان حتى انحسرت شفتاه عن شيء يشبه الابتسام، ~~وتمثلت في عينيه نظرة إعجاب وحب ورحمة! # وبلغت أذنيه قهقهات متتابعة، فاستدار ينظر، فإذا جمال الدين السلموني الشاعر وأصحابه قد ~~وضعوا أيديهم على بطونهم، ومال بعضهم على بعض مغرقين في ضحك عريض، فزم شفتيه أسفا وهو ~~يقول في همس: حتى في هذه الساعة لا يدعون المزح والدعابة! # وسمعه تقي الدين بن محمود فقال متحديا: ما لك أنت ولهذا أيها المسيخ الدجال ... هلا بقيت ~~إلى جانب شيخك في هذه الليلة، تنظف له خلوته وتحرق بين يديه البخور! # وكأنما ساءه أن يذكر شيخه أبو السعود في هذا المقام على لسان ذلك المهذار العابث، فأجاب ~~غاضبا: وتذكر شيخنا أيضا! أما والله لولا مقامه في هذه الأمة، لمحقها الله محقا، وصب ~~عليها العذاب ألوانا، وإنما ترحمون به من غضب الله! # قال الخطيب بدر بن جمعة ساخرا: صدق الله العظيم: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ~~! # قال المؤذن: صلى الله عليه وسلم. # يمط بها صوته في غناء وترتيل، كأنما يسبح لأذان الفجر ... # وقهقه السلموني ضاحكا حتى كاد يندلق بطنه. # واختنق أرقم بالغضب، وثار لشيخه ولنفسه فهم بأمر، ثم تمتم بكلمات خافتة وتهيأ ~~للانصراف. # قال المسيخ الثاني معين الدين بن شمس نائب وكيل بيت المال: لقد أفحشتم والله على الرجل، ~~وتناولتموه وشيخه بما لا يحق لكم، وليس لي مقام معكم إلا أن تسترضوه ليعود إلى مجلسه ~~منكم. # قال تقي الدين: أما والله لو لحقت به لطاب لنا المجلس، وما تنغصت ليلتنا إلا بيمن طلعتك ~~وبركات شيخه، ذلك الذي يريد أن يكون بين الأمراء أميرا، وبين الصوفية شيخا، وبين المغنين ~~عازف طنبور ... # قال السلموني: لا يا تقي الدين، حتى هنا ولا آذن لك ... أفلا يسلم من لسانك ms057 أحد، حتى ولا ~~الشيخ أبو السعود الجارحي! اتق الله في أعراض الناس يا تقي الدين! # وكان أرقم قد مضى غير بعيد، فلحق به معين الدين وجمال الدين السلموني؛ ليسترضياه ويعودا ~~به، وبصر به طومان فابتسم له ابتسامة رقيقة ودعاه إلى مجلسه، فعاج عليه وجلس منه غير بعيد، ~~ثم لم يلبث جمال الدين السلموني وأصحابه أن انضموا إلى حلقة طومان يشاركون في الحديث ... ~~وكأنما أعداهم - وكلهم شيوخ - وقار ذلك الشاب النبيل الطلعة، فنسوا ما كانوا فيه من المزاح ~~والدعابة، وأخذوا في حديث جد خطير ... إلا رجلين اثنين: هما المؤذن شهاب الدين المحلاوي، ~~وأرقم المسيخ. أما الأول فقد تعلقت عيناه بالفتى الجميل يسرحهما في مفاتن طلعته، فلم يسمع ~~حرفا واحدا من كل ما تتحدث به الجماعة. وأما أرقم فظل طول الوقت صامتا ينظر ويسمع، ~~فلم تفته كلمة ولا حركة، ولكنه لم ينبس بحرف ... # وتهيأ المجلس للانصراف، فمال المؤذن الماجن على أذن أرقم يقول عابثا: عذرتك يا أرقم وكنت ~~عاذلا، فلو كان بين نسائي المائة واحدة في مثل جمال صاحبك لما رعتها بضرة ... # فثار به أرقم صائحا في غضب: اخسأ! عليك وعليك ... أيها الفاسق الملعون! # ولكن المؤذن كان قد فر من بين يديه قبل أن تناله لطمته! # وانصرف طومان وأصحابه، وتبعه أرقم، ومشى جمال الدين السلموني، وتقي الدين بن محمود ~~يتحدثان ... # قال تقي الدين: ما رأيت كاليوم شبابا وفتوة وجمال خلق، ولا سمعت مثل حديث ذلك الفتى ~~... # قال السلموني: وي! ها أنا ذا أراك ذات مساء تثني على رجل من الناس يا سباب الأنام ~~... # فتمتم تقي الدين بكلمات، ولكن كلماته لم تلبث أن غابت في ضحكة عالية أرسلها جمال الدين، ~~فجاوبتها أختها من صاحبه ... وخلا السامر من السمار. # لم يكن علي بن رحاب المغني أميرا من أمراء المماليك يخاف ويتقى. نعم، ولا كان من ~~«أولاد الناس»: تلك الطبقة التي كان آباؤها منذ جيل أو أجيال مماليك من ذوي السلطان، فلا ~~يزالون يعيشون مما خلف لهم آباؤهم من المال والمتاع والضياع، مباهين بأنهم «أولاد ms058 الناس»، ~~الذين يحسب الأمراء الحاكمون حسابهم ويتقونهم. نعم، ولا كان علي بن رحاب من المماليك ~~القرانصة، الذين كان لهم يوما دولة وسلطان، ثم دالت دولتهم وذهب سلطانهم بنزول أستاذهم عن ~~العرش، ولكن أنفسهم لا تزال تنازعهم إلى الإمارة، ولا يزالون يدبرون لخلع السلطان القائم عن ~~العرش ليتولاه أمير من «طبقتهم» ينتسبون إليه ويتأمرون في كنفه. ولا كان علي بن رحاب ~~مملوكا من المماليك «الجلبان»، الذين ينتسبون إلى السلطان الجالس على العرش، فلا يزالون ~~يتنافسون في أسباب الزلفى إليه بالدس والخيانة؛ ليرفعهم من طبقة المماليك إلى مرتبة الأمراء ~~... # لم يكن علي بن رحاب المغني واحدا من هذه الطوائف الجركسية، ولا كان شيخا من شيوخ ~~العربان الثائرين أبدا على المماليك، لا يدخلون تحت طاعة سلطان منهم إلا مطاولة ورياء، ~~حتى تجتمع جموعهم فيعودوا بعد جمام إلى الثورة والعصيان ... ولا كان تاجرا من مياسير التجار ~~المصريين، الذين تفرض عليهم النظم الاقتصادية التي أملتها مطامع السلاطين أن يكونوا أبدا ~~على حذر ورقبة من غدر السلطان، وأن يكون السلطان وأمراؤه على حذر منهم. ولا كان واحدا من ~~فتيان الزعر أو زعمائهم: تلك العصائب الشعبية التي تألفت في الظلام؛ لمقاومة طغيان ~~السلاطين وعسف الأمراء ... ولا كان من تلك الطبقة المصرية الضئيلة من الفقهاء وأهل الكتابة ~~الذين أهلتهم مواهبهم ليتولوا بعض الوظائف السلطانية التي تدنيهم إلى السلطان بمقدار ما ~~تبعد بهم عن أبناء جلدتهم، فلا يزالون مترددين بين العوامل المتناقضة، تتنازعهم ذات اليمين ~~وذات الشمال، ولا يزالون بذلك موضع الريبة عند المصريين وعند المماليك على السواء ... # لم يكن علي بن رحاب واحدا من هذه الطوائف التي تنتظم المصريين وأبناء الجركس جميعا ... ~~فلماذا يخافه الدوادار الكبير، ويرسل عسكره للقبض عليه؟! # لماذا؟! # لأن علي بن رحاب وإن لم يكن من أولئك الجركس الطامعين، ولا من هؤلاء المصريين الثائرين، ~~كان يشعر أنه مصري، وأن مصريته تفرض عليه أن يتتبع الأحداث الجارية في وطنه بين الشعب ~~وأمرائه، وأن يكون له رأي فيما يجري من تلك الأحداث، وأن يتحدث برأيه إلى من ms059 يغشى مجلسه ~~من أصحابه أو من غير أصحابه، وكان له لسان وبيان، وله إلى ذلك منزلة في نفوس الناس، وإنه ~~لشاعر وإن كانت شهوته بالموسيقى والغناء، وكان مجلسه يضم من السراة والعلية طائفة من ~~المصريين، لو اجتمعت على رأي لتزلزلت قوائم عرش السلطان، من أجل ذلك غضب عليه الدوادار ~~الكبير طومان باي، وأجمع نيته على الانتقام منه، فكيف يجرؤ مصري على التحدث في شأن من شئون ~~الحكومة القائمة؟ وكيف تأذن له هذه الحكومة بهذا التدخل فيما لا يعنيه؟ ومن هو؟ مصري من ~~ذلك الشعب يقحم نفسه على الوزراء والأمراء وأصحاب الشأن من الجركس! ويا لها جريمة! # ولم تنفعه شفاعة صديقه الأمير طومان، ولا دعوات شيخه أبي السعود الجارحي، ولا منزلته في ~~الفن عند المصريين والمماليك على السواء ... لم ينفعه ذلك ولم يشفع له، فما هي إلا أيام حتى ~~وجد الدوادار الكبير الفرصة السانحة، ولم يكن مع علي بن رحاب أحد يحميه، فانقض عليه جند ~~السلطان وذهبوا به ... وشهدت القاهرة كلها نكبة علي بن رحاب الشاعر الملحن المغني ~~الموسيقار، الفنان الذي لم تشهد مصر مثله من قبله، وهيهات أن تشهد مصر مثله من بعده؛ كل ~~ذلك لأنه «تدخل فيما لا يعنيه»، وجرى على لسانه في بعض مجالسه حديث عن بعض أمراء السلطان ~~الذي يحكم ... # وأسفت القاهرة كلها على ما نال علي بن رحاب أسفا بالغا، ولكن ذلك الأسف البالغ الذي ~~شمل المصريين جميعا، لم يكن له إلا مظهر ضئيل في غارات فتيان الزعر للفتك والسفك وترويع ~~الناس في باب اللوق، وبولاق، والحسينية، وسوق مرجوش، ليلة وليلة أخرى، ثم عاد الهدوء ~~والاستقرار ... وعاد المصريون ينتظمون حلقات في مجالي السمر، وفي رحاب المساجد، وعلى أبواب ~~الدكاكين، يقصفون ويتفكهون، ويستنبطون من كل نازلة تنزل بهم فكاهة ونادرة وضحكا عريضا ... # طائفة قليلة من أولاد البلد هي التي أثرت فيها نكبة علي بن رحاب أثرا بعيدا، هي زمرة ~~جمال الدين السلموني الشاعر، وتقي الدين بن محمود «سباب الأنام» وأصحابهما ... أكان ذلك ~~لأنه مصري منهم قد نالته ms060 يد السلطان الجركسي بالقسوة والبطش؟ أم لأنهم فقدوا من بعده مثل ~~مجلسه ولم يستمعوا إلى مثل غنائه؟ ليس يدري أحد ... ولكن الحقيقة المؤكدة أنهم ظلوا يذكرونه ~~زمانا في حزن وانكسار ولهفة. # الفصل الثاني عشر # | خضاب العروس # لم تكد مصرباي - أرملة السلطان الناصر - تغادر القلعة بعد مصرع زوجها، حتى صعدت إليها ~~ثانية في زفة سلطانية، وعادت زوجا للسلطان الظاهر قنصوه الخال ... ولكنها في هذه المرة تحس ~~قلقا لا تعرف مأتاه ... ها هي ذي تعود إلى قصر القلعة سلطانة كما تمنت، وها هو ذا زوجها ~~السلطان الشاب لا تكاد تنقطع خطاه بين قاعة العرش وغرفة زينتها، ولا تزال تسمع خفق أقدامه ~~ذاهبا وآيبا، وهي جالسة إلى مرآة زينتها قد وقفت من ورائها جاريتها، وانطبعت على المرآة ~~صورتان. # ألم يكن هذا هو كل ما تحلم به؟ فمن أين لها القلق والضجر، وخفق القلب واختلاج العين، ~~كأنها تتوقع أن تحل بها كارثة؟ ألأن عدوتها أصل باي - حظية قايتباي، وأم الناصر، وأخت ~~الظاهر قنصوه زوجها - لم تزل تقيم في القصر؟ وماذا عليها من هذا؟ أم لأنها رأت اليوم - ~~وبعد سنين - صديقها القديم خاير بن ملباي وقد عاد من سفارته في بلاد الروم؟ وما لها ولخاير ~~اليوم وقد بلغت مأملها؟! أم لأن جانبلاط أمير الشام قد عاد إلى القصر ليكون كبير الأمناء ~~لزوجها الظاهر قنصوه، وهو صديق عدوتها اللدود أصل باي؟ وماذا يعنيها من جانبلاط وإن كان ~~كبير الأمناء وصديق عدوتها اللدود أصل باي؟ أم هي في قلق وهم منذ لحظت تلك الصلة ~~الوثيقة الخفية بين الدوادار الكبير طومان باي وكبير الأمناء جانبلاط، وما يجتمع مثلهما ~~إلا على شر وتدبير غادر، أليس هذا الدوادار هو الذي قتل زوجها الناصر، وكان أميرا من ~~أمرائه ورقيقا من مماليك أبيه قايتباي؟ ثم أليس جانبلاط هذا هو الذي كان صديقا من أوفى ~~أصدقاء سلفها أقبردي، فلما دارت عليه الدائرة قلب له ظهر المجن، وتخلى عنه لينضم إلى ~~أعدائه، ثم هو اليوم صديق أصل باي ولا تزال جاريته تروح بينهما وتغدو، ms061 ولا يكاد السلطان ~~يشعر بما بين أخته وكبير أمنائه ... فما هذه الصلة الوثيقة الخفية بين الرجلين، وإن لهما ~~في الغدر تاريخا طويلا؟ أتراهما يدبران أمرا للإيقاع بزوجها، أم تلك كلها أوهام وهواجس ~~وأباطيل؟ فما هذا القلق والضجر وخفق القلب واختلاج العين، كأنما يريد القدر أن ينذرها ~~بكارثة من وراء الغيب؟ # وسمعت وقع أقدام وراء الباب، فأرهفت أذنيها، ليست هذه خطوات الظاهر قنصوه، ودخلت جارية ~~تؤذنها بمقدم قريبتها شهددار بنت أقبردي. # لتدخل. # ما أحراها أن تجد في صحبتها روحا ومسرة وفرجا من ضيق! # والتقتا على شوق، وخرجت وصيفة السلطانة لتدع لهما أن ينعما بخلوتهما هادئتين، وجلستا ~~تتحدثان ... # قالت مصرباي باسمة: وكيف أنت وأخي طومان؟ ألم يحدثك حديث غده وغدك؟ # فغاب وجه شهددار وراء سحابة من الحزن، وقالت في انكسار: إنني لم أر طومان منذ بعيد يا ~~خوند! # قالت مصرباي مدهوشة: لم تريه منذ بعيد؟ فكيف صبره عنك وإني لأعرف قلبه! # فابتسمت ابتسامة كاسفة وهي تقول: أحسبه لم يزل يذكرني على البعاد، ولكنه يخشى أن يغضب ~~عمه الغوري، فقد عرف ما بين طومان وبنت أقبردي! # قالت مصرباي منكرة: ولكن أقبردي قد مات، فما استمرار الغوري على عداوته؟ # فدمعت عينا شهددار وقالت بصوت مختنق: لو لم يكن أقبردي قد مات لكان الغوري أدنى إليه ~~اليوم ... ولما جرؤ الدوادار الكبير على مصادرة أمي. # قالت مصرباي منكرة: أمك؟ ما شأن الدوادار الكبير بأمك؟ وكيف يجرؤ على مصادرة امرأة ~~أقبردي الدوادار، هل تسلط وبطش إلى هذا الحد؟ فما عمل السلطان الظاهر؟ # فترددت شهددار برهة ثم قالت: بإذن الظاهر قنصوه بطش دواداره وفتك، واقتحم على الناس ~~بيوتهم، وصادر امرأة أقبردي الدوادار، فلا تنسي يا خوند أنه لم يصادر أمي وحدها، بل صادر ~~معها خالتي خوند فاطمة بنت العلاء - أرملة الأشرف قايتباي - وإنك لتعرفين بعض ما كان بينها ~~وبين أخت الظاهر قنصوه حين كانت جارية في حريم قايتباي، فلعل الظاهر قنصوه لم يصادر خوند ~~ويصادر أمي إلا قربانا إلى أخته أصل باي، وشفاء لذات صدرها! # صاحت مصرباي غاضبة: ms062 أوه! دائما أصل باي! أصل باي! ما لهذه المرأة لا تريد أن تخرج من ~~حياتي؟! # قالت شهددار باسمة: فكيف لو علمت يا خوند ما يتحدث به الناس عن أصل باي وجانبلاط؟ # فبدا الاهتمام في وجه مصرباي وقالت في لهفة: أصل باي وجانبلاط؟! بماذا يتحدث الناس عنهما ~~يا شهددار؟ # قالت: يقولون يا خوند: إن جانبلاط قد عقد له على أصل باي، فهي زوجته منذ عاد من الشام ~~كبيرا للأمناء في قصر الظاهر! # فشحب وجه مصرباي وقالت : ماذا تقولين يا شهددار؟ هذا كثير! أفلا يعرف الظاهر قنصوه من ~~أمر أخته وكبير أمنائه ما يعرف الناس؟ # قالت شهددار معتذرة: إنه حديث الناس يا مولاتي، وقد ظللت أنكره زمانا، حدثتني به اليوم ~~جارية طومان! # فزاد اهتمام مصرباي وقالت: جارية طومان! وماذا يعني طومان وجاريته من أصل باي وجانبلاط؟! ~~وماذا يعنيك حتى تتحدث به إليك جاريته؟! # ثم سكتت برهة وأردفت تسأل صاحبتها: أكان طومان يعرف أنك على نية زيارتي اليوم؟ # قالت شهددار: أظن ذلك يا مولاتي، فقد أنبأت جاريته بذلك أمس! # قالت: آه ...! لعلي قد فهمت شيئا ... ولأمر ما يرسل طومان جاريته إليك اليوم بهذا النبأ ~~لتبلغيني إياه! إن أمورا خطيرة تدبر بليل! # ثم عادت إلى الصمت وأطرقت تفكر، ورفعت رأسها بعد حين لترى شهددار وقد ازدحمت في عينيها ~~دموعها وتسابقت على خديها، فقالت تريد أن تميل بها إلى ناحية أخرى من الحديث: كذلك تبكي ~~العاشقات في خلواتهن، ولا يسمع لهن نشيج! قولي لي: ألم تزل جارية طومان تزورك لتنقل ~~بينكما الرسائل؟ فلماذا أخفيت عني هذا النبأ بادئ الأمر يا خبيثة؟! الآن قد اطمأن قلبي ~~فليطمئن قلبك، إن طومان لا يخيس بعهده أبدا يا شهددار، ولا يحنث في يمين ... كذلك كان أبوه ~~وكان جده فيما سمعت من حديث أهلي في بلاد القبج! # وصمتت فجأة ... ماذا أذكرها الساعة بلادها وقد فارقتها منذ سنين بعيدة، فلم تخطر لها قبل ~~اليوم على بال! # وعاد الزمان القهقرى ينشر على عينيها ماضيها كله، منذ كانت، وكانت، وكانت، حتى بلغت ~~... # ونهضت ms063 شهددار لشأنها، وخلت مصرباي إلى نفسها تسترجع الذكريات ... # الفصل الثالث عشر # | خطوات الزمن # كان خان يونس في ظاهر مدينة قيسارية من بلاد الروم - كعهد الناس به منذ سنين - فلم يزل ~~ملتقى كثير من التجار يمرون به غادين أو رائحين إلى حلب ودمشق والقاهرة، أو إلى أرمينية ~~وبلاد الكرج وما وراء الجبال، يلتمسون الغذاء والدفء والمأوى ... # ففي ليلة حالكة السواد، قارسة البرد، عاصفة الريح، وقفت امرأة على باب الخان تطرقه ~~طرقا خفيفا، وكان يونس الرومي قد تهيأ للنوم، فما سمع الطرق حتى قام متكاسلا، فأوقد ~~شمعته وتقدم إلى الباب ضجرا ثقيل الخطو، فلم يكن به الليلة حاجة إلى طارق جديد، وقد امتلأت ~~غرفات الخان جميعا بالنزلاء، حتى ليس فيها موضع يتسع لضيف ... # وهبت نسمة من طاق غير محكم الغلق، فأطفأت الشمعة في يده وعم الظلام، فلولا أن رجليه قد ~~تعودتا المشي في سواد الليل لضل طريقه. # ثم لم يكد يفتح الباب حتى دفعت إليه امرأة متشحة بالسواد، قذفتها إلى داخل الخان ريح ~~عاصف، كادت تكبها على وجهها لولا أن تلقاها بيديه، ثم أغلق الباب وأحكم رتاجه وأوقد ~~الشمعة، فإذا بين يديه امرأة نحيلة معروقة العظم، تبص في وجهها عينان سوداوان على وجنتين ~~شاحبتين، وقد تتابعت أنفاسها من البهر، كأنها ميت قد فر من الآخرة يحاول أن يسترد روحه، ~~أو حي قد أشرف على الآخرة يلفظ آخر أنفاسه ... # واستندت المرأة إلى جدار البهو لا تنبس بحرف، وظل يونس الرومي واقفا بين يديها والشمعة ~~المضيئة في يمينه، لا يسألها سؤالا، ولا ينتظر أن تجيب ... # وثابت إليها نفسها بعد فترة، فأدارت النظر فيما حولها، ثم قالت بصوت خافت: هذا خان يونس، ~~أليس كذلك؟ # قال الرجل: بلى، وأنا يونس نفسه يا سيدتي، فهل بك من حاجة إلي؟ # قالت: نعم يا بني، فهل لي أن أطلب عندك شرابا دافئا ... ومأوى؟ # ماذا تقول هذه المرأة ليونس؟ «يا بني!» إنها لتبدو أصغر سنا مما تظن بنفسها ويظن، ~~ولعلها لم تبلغ الأربعين بعد، وإن كانت في ثياب العجائز وشحوب ms064 الموتى! # هكذا قال يونس لنفسه وهو يستمع إليها. # تريد شرابا دافئا ومأوى! أين؟! أما الشراب الدافئ فإن عنده الماء والنار والحطب، ~~ولكن لا مأوى عنده! # ترى ماذا جاء بهذه المرأة تحت الليل إلى خان يونس، وما لها على هذا الطريق تجارة ولا ~~سفارة؟! من أين جاءت؟ وما شأنها؟ إن في وجهها من أمارات الجهد والنصب ما ينبئ أنها قطعت ~~إليه طريقا شاقة بعيدة، وفي عينيها من فتور الإعياء والسهر ما يكشف عن بعض ما في نفسها من ~~الهم والضنى! # وأشفق يونس الرومي على المرأة ولم يعلم بعد من حالها غير ما حدثته به عيناها، وما قرأ في ~~جبينها من سطور الكآبة والألم، فكيف لو عرف جملة خبرها ... هذه الأيم الحزينة الثكلى، لم ~~تزل على سفر منذ إحدى عشرة سنة تتقاذفها البلاد، تلتمس مطلوبا عزيزا لقاؤه. # وقادها يونس إلى الغرفة التي هيأها لنفسه، وأعد لها طعاما وشرابا، وتخلى لها عن فراشه ~~ليقضي ليلته على أريكة في بهو الخان، ليس له ما يستدفئ به إلا ثيابه! # ثم أشرق الصبح، فجلست المرأة إلى يونس الرومي تحدثه بقصتها وتستعينه على أمرها: رعاك ~~الله يا سيدي وأضعف لك الأجر على إحسانك، إنني امرأة من أرض الغور في بلاد الكرج، اسمي ~~نوركلدي، كان لي زوج هو كل أسرتي وأهلي، فمضى إلى حيث لا أدري وخلفني، ولطف الله بي في ~~وحدتي وأحزاني، فوهب لي طفلا كان هو كل عزائي من أبيه الذي مضى. وكبر الطفل فصار غلاما ~~يخطو إلى الشباب، فلما صار ملء عيني ونفسي، فقدته كما فقدت أباه من قبله، خطفه نخاس من ~~خوارزم وذهب به، ومضيت في أثره منذ ذلك اليوم، أجوب المدائن، وأطأ بلادا لم تطأها أقدام ~~أحد من أهلي، حتى قادني الرائد إلى خانك ... إنني على الطريق إليك منذ إحدى عشرة سنة؛ لتدلني ~~على الطريق إلى أبي الريحان الخوارزمي فأعرف منه أين ولدي! إنك تعرف أبا الريحان يا يونس؛ ~~لأنه من نزلاء خانك غاديا على بلاد المشرق، أو رائحا إلى الشام ومصر، فبالله ms065 عليك يا سيدي ~~إلا ما دللتني عليه! # قال يونس في صوت خافت كأنما يناجي نفسه في خلوته: أبو الريحان الخوارزمي! ويل لذلك الفظ ~~الغليظ القلب! نخاس! لم تخب فيه فراستي منذ عرفته! # قالت نوركلدي ضارعة: بالله يا سيدي! بحق ولدك إن كان لك ولد! بحق أبيك وأمك وما قدما ~~لك من إحسان! # وتدحرجت دمعتان على خد يونس الرومي، وتذكر أعزاءه الذين مضوا ... تذكر ولده الذي اهتصره ~~الموت صبيا، وتذكر أباه وأمه اللذين أضجعهما بيديه في التراب، وعاد بعدهما إلى الحياة ~~وحيدا يكافح ليعيش بلا أمل ولا غاية. # وعاد صوت نوركلدي يرن في أذنيه: بالله يا سيدي ... بالله إلا ما أجبتني: أين ألقى نخاس ~~خوارزم! لن يناله سوء، إن أنا إلا امرأة عاجزة ليس لها حول ولا حيلة، كل ما أريده منه ~~أن أعرف أين ذهب ولدي؛ لأستأنف الرحلة إليه، وله أجره إن شاء! # قال يونس: سأنبئك بما تريدين يا سيدتي، وسأجمع بينك وبين أبي الريحان لتعرفي منه ما ~~تريدين أن تعرفي ... ولكني أخشى أن تملي المقام في هذا الخان؛ فإن أبا الريحان لا يقدم ~~علينا في كل عام إلا مرة أو مرتين، فهلا أخبرتني: ما كان اسم ولدك هذا، وما صفته، ومتى ~~فر به أبو الريحان؟ فلعلي أعلم بعض علمه فأهديك! # وراحت نوركلدي تقص عليه تمام قصتها ... وراح يونس الرومي يستثير دفائن الذكريات في نفسه، ~~لعله يستطيع أن يوفر لهذه الأيم الثاكلة بعض الزمن، ويقصر شيئا من مسافة تلك الرحلة ~~الطويلة النائية، التي بدأتها منذ إحدى عشرة سنة ولا تزال منها في أول الطريق! # الفصل الرابع عشر # | أنباء من الغيب # بسط أبو النجم الرمال منديله بين يديه، وقد جلست غير بعيد منه خوند مصرباي - زوجة ~~السلطان الظاهر قنصوه - مرهفة السمع لما تنتظر أن يحدثها به من أنباء الغيب ... # وأخذ الرمال يفرش الرمل الأصفر على منديله، وهو يزمزم وأصابعه تخط في الرمل خطوطا ~~متوازية ومتقاطعة، ولا تزال شفتاه تتحركان حركات متتابعة، وقد أغمض عينيه إغماضة نائم، ومال ~~برأسه إلى الأرض كأنما ms066 يستنبئ ذرات الرمل المتناثرة على منديله نبأ الغيب المحجب، ويستمع ~~إلى نجواها صامتا مغمض العينين ... # ثم رفع رأسه ونظر إلى حيث كانت خوند مصرباي جالسة تنتظر، وقد زاد خفق قلبها واختلاج ~~جفنها، كأن قد رأت وسمعت وعرفت. # وبلغها صوت الرمال بعيدا من بعيد، كأنما يتحدث إليها من وراء الزمان والمكان، عن القدر ~~المخبوء بين ركام الأيام المتزاحمة في موكب الشمس قبل أن تشرق بنورها على الدنيا ... # وأنصتت إليه مصرباي وهو يقول: هذا نجمك يا مولاتي قد سطع في الأفق الأعلى، وثمة ثلاث ~~كواكب ترنو إليه بعيون مشتعلة، بعضها قريب قريب قد بلغ غايته من التألق والإشراق، حتى ليوشك ~~أن يحترق، وبعضها بعيد بعيد لا يزال بينه وبين النجم الذي يرنو إليه بعينيه المشتعلتين ~~أبعاد، ولكنه لا بد أن يبلغ يوما منزلة القران مع دورة الفلك، وهذا الكوكب الثالث يلوح ~~حينا ويختفي، ويأتلق ثم يخبو، وإن عينيه المشتعلتين لترسلان في الحالين نارا وصواعق، أو ~~دخانا ورمادا، فلا يزال يعشي أعين الكوكبين الآخرين بنوره وناره، أو يقذيهما بدخانه ~~ورماده! # قالت مصرباي ضجرة: لست أفهم عنك منذ اليوم شيئا يا أبا النجم وكنت خبيرا بالطوالع، ~~وإنما دعوتك لتنبئني أين موقفي في هذه العاصفة من الآخرين والأخريات؛ فإنه ليخيل إلي أن ~~أحداثا عظيمة ستحدث قبل أن ينقشع غبار هذه العاصفة! # قال أبو النجم: صبرك يا مولاتي، فهذه صفحة الكتاب مبسوطة تحت عيني أقرأ سطورها ~~المكتوبة، وستعرفين منها كل ما يعنيك أن تعرفيه ... # وصمت برهة، ثم استطرد في حديثه: هذه سحابة حمراء تستعرض الأفق، وإن بها فتوقا تلمع من ~~ورائها أنجم جديدة، وقد اصطبغت السماء بلون الشفق ... # هذه السحابة الحمراء قد انقشعت وصفا لون السماء، وهذا نجمك يا مولاتي لم يزل حيث كان، وقد ~~دنا منه ذلك الكوكب البعيد، حتى صار على مد الشعاع، ولكن كليهما ثابت في موضعه لا يتحرك، ~~كأنما وقفت بهما دورة الفلك، ولكن عاصفة قد ثارت زوابعها من بعيد، توشك أن تكتسح كل ما ~~هنالك من أنجم وكواكب ... وتدور الأفلاك دورات ms067 سريعة متتابعة حتى لا تكاد تقف ... ثم تنقشع ~~العاصفة، وتصفو السماء، ويستقر كل كوكب في مداره، وينتظم في فلكه مصعدا أو منحدرا، ويعود ~~نجمك يا مولاتي مشرقا وهاجا، قد انفرد في موضعه من الأفق الأعلى، وإلى جانبه كوكب مضيء قد ~~استوى على عرشه قريبا قريبا من ذلك النجم المتفرد بإشراقه وضوئه، وكان يبدو لعين الناظر ~~بعيدا؛ حتى لا يكاد يبلغه على سرعة دوران الفلك ... فهذا طالعك السعيد يا مولاتي وطالع ~~الآخرين والأخريات ... # وأخذ الرمال يفرش الرمل الأصفر على منديله وهو يزمزم. # وأشرقت على ثغر مصرباي ابتسامة اطمئنان ورضا، وقالت: وأصل باي؟ وجانبلاط؟ والدوادار ~~طومان باي؟ وخاير بك؟ وبنت أقبردي وصاحبها طومان؟ # قال أبو النجم باسما: لقد قلت ما علمت يا مولاتي ... ستنقشع العاصفة ويصفو الجو عن نجم ~~واحد قد انفرد في موضعه من الأفق الأعلى، ومد من أشعته جسرا من النور إلى ذلك الكوكب ~~الواحد المتفرد على عرشه ... وقد تهاوت أنجم وكواكب. # قالت وهي تدفع إليه صرة دنانير: ويكون ذلك قريبا يا أبا النجم؟ # قال وهو يدس الصرة في جيبه ويتهيأ للانصراف من مجلس السلطانة: ارقبي مدار الفلك يا ~~مولاتي، فستجدين ذلك كله مسطورا في كتابه. # ثم مضى الرمال وخلف السلطانة تعد نجوم السماء ... # قال الشيخ أبو السعود الجارحي لصاحبه: أنت على يقين مما تقول يا أرقم؟ # قال: نعم يا مولاي، وقد رأيت الدوادار الكبير بعيني هاتين يدخل دار كبير الأمناء ~~جانبلاط في الأزبكية، وقد احتشد الخلق في الميدان وأخذ الجند أهبتهم كاملة، كأنهم خارجون ~~للقاء ابن عثمان على الحدود! # قال الشيخ أسفا: قد كان ما لا بد أن يكون، وانتهت أيام الظاهر قنصوه على العرش، ~~أفكان يطمع ذلك الأحمق أن يدعه الدوادار طومان باي يعمر على العرش، وقد رفعه إليه على ~~أشلاء ابن أخته الناصر؟! تلك منزلة من الإيثار والفضيلة لم يبلغها الدوادار طومان باي! وإنما ~~هي خطوة يخطوها ولا بد أن تتبعها خطوات حتى يبلغ العرش ... وأحسب أن خوند فاطمة بنت ~~العلاء - أرملة الأشرف قايتباي - هي التي تزين ms068 له هذا الأمل البعيد؛ لتثأر من أصل باي في ~~ولدها وأخيها. # قال أرقم: بل هو قنصوه الغوري يا سيدنا ... ذلك الثعلبان الشيخ الذي يتظاهر بالورع والزهد ~~في الإمارة والسلطان، ويتحبب إلى الأمراء جميعا؛ ليثير بعضهم على بعض حتى يتفانوا ويخلص له ~~العرش من دونهم، ولم يسفك دما ... # قال الشيخ: اتق الله في ذلك الشيخ يا أرقم، إنك لتغلو في عداوته كأن لك ثأرا عنده، فلا ~~تزال تظن به الظنون وترميه بالبهتان، أفلا يشفع له عندك أنه عم صديقك الصغير طومان! # سرحت خواطر أرقم وطوقت به ذكرياته من قريب إلى بعيد، وتزاحمت على خياله صور شتى، وراح ~~يسأل نفسه في حيرة: أي آصرة تربط بينه وبين ذلك الأمير الصغير، حتى ليخيل إليه أن من حقه ~~أن يتبعه أين أقام وأين ذهب، فما ذلك كله وهو ابن أخي الغوري، ذلك الذي يسميه الثعلبان ~~الشيخ، ويبغضه بغضا لو تقسمه الأحياء بينهم لأوشك ألا يكون بين اثنين من الناس مودة ولا ~~رحمة! لماذا؟ ليس يدري أحد، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن أرقم المسيخ قد اجتمعت في ~~قلبه هاتان العاطفتان المتناقضتان، حتى ليس معهما متسع لعاطفة! ولقد شاع حبه لطومان على ~~ألسنة الناس جميعا، فلولا مكانة ذلك الأمير الصغير من نفوس القاهريين عامة ومريدي الشيخ ~~أبي السعود الجارحي خاصة، لأرجفوا بما لا يعلمون وجعلوا حديثهما مضغة الأفواه ... # على أن سر العداوة بين أرقم والغوري لم يكن يعلمه أحد، حتى ولا الشيخ نفسه، كل ما يعلمه ~~الشيخ من سر هذه العداوة أن صاحبه أرقم لا يحب قنصوه الغوري، فلا يزال يثلبه وينال منه، ~~ويأخذ بالظنة كلما جرى ذكره، ولا يزال الشيخ يقول له كلما عرض ذكر الغوري: خفف من غلوائك يا ~~أرقم! ثم لا يزيد ... # ولكن الشيخ في هذا النهار لم يقتصر على كلمته تلك، وسأل أرقم: وددت لو عرفت سر هذه ~~البغضاء بينك وبين قنصوه يا أرقم! # وكان في لهجته أمر، فشحب وجه أرقم واضطرب فكه المائل، ولكنه اصطنع الهدوء وأجاب: وماذا ~~يكون ms069 بيني وبين قنصوه يا سيدنا؟! # وسكت هنيهة ثم أردف: كل ما هنالك من أمر، أنني لا أثق بذلك المملوك الشيخ، إنه رجل غير ~~بريء. # ونظر الشيخ إلى وجه أرقم فأطال النظر، ثم سكت، ونهض أرقم يتخلع في مشيته حتى بلغ الباب ~~فنفذ منه، ثم عاد بعد قليل يحمل مجمرة يتصاعد منها عطر طيب، فوضعها بين يدي الشيخ وجلس على ~~مقربة منه. # وبدأ المريدون يفدون على مجلس الشيخ رجلا رجلا، واثنين اثنين، وجماعات جماعات، حتى ~~استدارت الحلقة وغصت بهم القاعة ... # وأخذ الشيخ ومريدوه في حديثهم عن الدنيا وعن الآخرة. # وعلى بعد قريب من كوم الجارح حيث اجتمع الشيخ ومريدوه، كانت المدينة تتأهب ليوم عصيب من ~~أيام المماليك ... # اجتمع أمراء المماليك في بيت كبير الأمناء - الأمير جانبلاط - بالأزبكية، وأخذوا يداولون ~~الرأي في شأن الظاهر قنصوه، وكان على رأس المؤتمرين في ذلك المجلس رجلان: هما الدوادار ~~الكبير طومان باي، وصديقه بدر الدين بن مزهر كاتب السر. أما أولهما فقد رأى فرصة سانحة ~~ليخطو خطوة أخرى تدنيه من العرش، وأما الآخر فكان يطلب ثأرا عند الظاهر قنصوه، فقد هم ~~الظاهر ذات مرة أن يشنقه على باب زويلة لغير ذنب، فلم يخلص من الموت إلا بشفاعة صديقه ~~الدوادار الكبير ... واجتمع رأي الرجلين على خلع السلطان، فلم يلبث سائر الأمراء أن أمنوا ~~على ذلك الرأي، حتى جانبلاط نفسه - كبير أمناء السلطان - لم يجد حرجا في الغدر بمولاه! ~~أفليست هذه فرصة يفترصها ليجلس على عرش قايتباي العظيم فيحقق لأصل باي أمنية؟! # أصل باي جارية السلطان قايتباي، وأم الناصر، وأخت الظاهر، وزوجة جانبلاط ... أربعة سلاطين ~~يكتنفونها عن اليمين وعن الشمال، وكانت جارية في سوق الرقيق منذ قريب، يسومها المفلس ~~والمليء! # وزحف جيش الأمراء إلى القلعة فعسكر في مدرسة السلطان حسن، وتهيأ الظاهر للدفاع عن عرشه، ~~فنصب المجانيق على أسوار القلعة ... ولكن القلعة لم تلبث أن سقطت في أيدي الثوار؛ لأن ~~مماليكه لم يلبثوا أن انحازوا إلى جيش الأمراء إحقاقا للحق ... أفليس أولئك الأمراء أقدم من ~~الظاهر قنصوه في ms070 المملوكية؟! فما هذه الخئولة التي يحتج بها لحقه في العرش، وإن هؤلاء ~~الأمراء لأقدم منه في سجل المماليك؟! # ليس ذلك دستور الوراثة في عهد سلطان الجركس! # ورأى الظاهر نفسه وحيدا فريدا، تكاد تناله سيوف أعدائه فيتدحرج رأسه عند قدميه، كما ~~تدحرج رأس ابن أخته منذ قريب، فآثر أن يفر بروحه! # واقتحم على مصرباي غرفة زينتها؛ ليفتح صوانها فينتقي ثيابا من ثيابها تخفيه ... ثم وقف ~~لحظة أمام المرآة ينظر لنفسه مؤتزرا، منتقبا، قد شد وسطه بحزام وأبرز صدرا ناهدا وردفا ~~ثقيلا، ثم استدار لتراه مصرباي في زي النساء، وكان منذ قليل سلطانا ... # وصاحت به مصرباي مذعورة: ماذا فعلت بنفسك يا مولاي؟! # ولكنه لم يستمع إليها، فقد كانت أقدام الجند تقترب من غرفة الزينة ... # وفر من القلعة تحت الليل في بطانة زوجته وهو ينشد لنفسه: # وقائلة قد دهتك الهموم # وأمرك ممتثل في الأمم # فقلت ذريني على غصتي # فإن الهموم بقدر الهمم # ثم لم يلبث في مخبئه طويلا حتى عثر به أعداؤه، فسيق أسيرا إلى معتقله في برج ~~الإسكندرية؛ انتظارا لما يقضي فيه السلطان من أمره! # وتولى جانبلاط العرش خلفا للظاهر قنصوه! # الفصل الخامس عشر # | دسائس القصور # قال طومان لعمه الغوري: أهذا ما كنت تعمل له منذ عامين يا عم؟! أمن أجل أن يتولى ~~جانبلاط العرش كنت تجهد جهدك وتحتال حيلتك، وتبعث الرسل والرسائل، وتجمع الجماعات وتؤلب ~~الأحزاب؟! ومن جانبلاط حتى يسبقك إلى العرش ويدعك حيث كنت وأنت أنت؟! # وابتسم الغوري ابتسامة عريضة وهو يقول: صبرك يا طومان وانتظر حتى يوفى الأجل، أفكنت ~~تحسبني أتولى العرش لو دعيت إليه اليوم، ومن ورائي مطامع جانبلاط وطومان باي الدوادار، ومن ~~وراء الاثنين أصل باي وخوند فاطمة تغريانهما بالوثوب على العرش؟ صبرك يا بني حتى لا يكون ~~هناك جانبلاط ولا طومان باي، ويومئذ ... # فأعجله طومان قائلا: ويومئذ يكون هذا الشعب قد ثقل عليه ما يحمل من مظالم السلاطين، ~~فيخلع الجراكسة جميعا، فلا يكون ثمة جانبلاط، ولا طومان باي، ولا الغوري، حتى ولا خشقدم ~~الرومي، ويخلص عرش ms071 مصر لبدر الدين بن مزهر، أو لابن أبي الشوارب، من صعاليك المصريين أو ~~صعاليك العربان، وتنهار دولة الجراكسة بعد عز ومنعة، وتتناهبها أطماع البنادقة والروم ~~وملوك النصرانية! # وضاق صدر الغوري بما يسمع من حديث ابن أخيه، فصاح مغضبا: صه! أظننت نفسك أغير مني على ~~دولة الجراكسة أو أخبر بسياسة السلاطين؟! أنا الذي حطمت الستين وعاصرت سياسة هذه الدولة ~~جيلا بعد جيل! # ثم هدأ من ثورة وترفق بعد عنف، وأردف قائلا: إنها يا بني السياسة، أتظن أن الدوادار ~~طومان باي قد رفع السيف، وقاد الجند، واقتحم الباب؛ ليؤثر جانبلاط على نفسه، ويضع على رأسه ~~التاج، ويقنع هو بأن يظل دوادارا؟! ما أحمقه إذن! ولكنه يعلم أن جانبلاط أدنى منه ~~منزلة إلى العرش، وإن كان بغيضا إلى الأمراء وإلى المماليك جميعا، فقدمه على نفسه ليخلص ~~منه حين يشاء، ويثب حين يثب إلى العرش، وقد اجتمعت له قلوب الناس وليس وراءه من ينازعه أو ~~يزعم أنه أحق بالعرش منه، فذلك ما أراده الدوادار طومان باي، ولو شاء لنحى جانبلاط عن طريقه، ~~وجلس مجلسه على العرش خائفا يترقب ... # قال طومان: أفتراه يرفعه اليوم إلى العرش ليخلعه غدا؟ # قال الغوري: نعم يا بني، وسترى بعينيك إلى أين تصير الأمور! # قال طومان منكرا: فلماذا لا يخافك طومان باي يا عم، وقد كنت أقدم منه ومن جانبلاط مملوكية ~~وأرفع رتبة؟ # فابتسم الغوري حتى برقت أسنانه وقال: لأنني صديق؛ ثم لأنني شيخ كبير قد زهد فيما يطمع فيه ~~الناس، فهل سمعت أحدا يزعم أن الغوري تنازعه نفسه إلى العرش؟ لكل ذلك يا بني أمن ~~الدوادار الكبير جانبي واطمأن ... وسيعلم علم اليقين كيف ينتهي تدبيره ... # وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب، فرفع الغوري حاجبه ورمى ببصره نحو السماء وهو يقول: انظر يا ~~بني، هل ترى هلال ذي الحجة قد بزغ؟ # فنظر طومان ثم قال: نعم، قلامة ظفر توشك أن تغيب! # فأسبل الغوري جفنه وهز رأسه وهو يقول: نعم، قلامة ظفر توشك أن تغيب، وعلى العرش الليلة ~~سلطان جديد، فإذا صح ms072 ما حدثني به أبو النجم الرمال، فسنكون في قصر القلعة يا طومان قبل ~~أن يبزغ هلال ذي حجة آخر ... بل قبل ذلك بزمان. # ثم استدار نحو القبلة وتهيأ لصلاة المغرب، وخلف طومان يرقب هلال ذي الحجة قبل أن يغيب عن ~~عينيه، فلما أفل ولى وجهه شطر دار أقبردي الدوادار يناجي خيالا عزيزا عليه لقاؤه، ثم ~~سرح في أحلامه وخواطره ... # قالت أصل باي وقد اطمأن بها المجلس إلى جانب زوجها الأشرف جانبلاط: إن لي أمنية إليك يا ~~مولاي: أن تجعل شكر هذه النعمة التي أفاء الله عليك المن على أخي الظاهر قنصوه بعتق ~~رقبته من الموت... # قال السلطان باسما: لك ما تمنيت يا خوند! # قالت: ومصرباي - تلك الجركسية المشئومة - تأمرها أن تلزم دارها فلا يدخل عليها أحد ولا ~~يخرج من دارها أحد! # قال: ولك ذلك أيضا يا خوند! # قالت وأقبلت على السلطان تعبث بأزرار صداره المذهب: وفاطمة بنت العلاء ... # صاح السلطان مقاطعا: وماذا يعنيك من أمر فاطمة بنت العلاء؟! # فتراجعت أصل باي وقالت: لا شيء ... # وسكتت قليلا ثم أردفت: حسبت أن أمرها يعنيك؛ فقد كانت يوما ما أحظى نساء السلطان ~~قايتباي إليه! ثم غمزت بعينها وهي تقول: وأحسبها لم تزل تحلم بذلك المجد الذي كانت يوما ما ~~تتقلب في أعطافه، لولا ما تجد من العزاء عن ذلك في عطف الأمير طومان باي الدوادار ... # وبدا الغضب في وجه السلطان وقال عابسا: حسبك يا أصل باي! إنني مدين بعرشي إلى صديقي ~~طومان باي، وليس يرضيني أن يجري ذكره على لسانك بغير ما أحب ... # قالت وأطرقت: وإنه لأهل للمحبة يا مولاي ... # ثم سكتت، وتذكرت حادثا حدث من عامين: يوم خرج ولدها الناصر لنزهته ذات صباح ثم لم يعد، ~~وتدحرج رأسه تحت أقدام طومان باي، ثم تذكرت حادثا آخر منذ يومين: حين فر أخوها الظاهر من ~~قصر القلعة في زي امرأة، وكان طومان باي واقفا عند باب القلعة وفي يده سيفه يقطر من دم ~~المماليك، ثم تذكرت حديثا نقلته إليها جاريتها منذ قريب، تزعم أن ms073 طومان باي قد وعد ألا ~~يعقد على صاحبته فاطمة بنت العلاء إلا يوم يجلس على عرش مصر، وتعود فاطمة سلطانة كما ~~كانت! # تذكرت أصل باي كل ذلك وهي جالسة بين يدي زوجها الأشرف جانبلاط، فلولا أنها تخاف بادرته ~~لصاحت به: «اقتل طومان باي قبل أن يقتلك!» ولكنها لم تقلها، وغشت نفسها وغشت السلطان ~~وقالت: نعم، إنه أهل للمحبة يا مولاي. # وهتفت مصر كلها باسم السلطان الأشرف جانبلاط، واجتمعت السلطات كلها في يد الدوادار الكبير طومان باي. # رجل واحد أعلن عصيانه ولم يدخل تحت طاعة السلطان، ذلك هو الأمير قصروه نائب الشام. # يا عجبا! كيف حدث هذا وقصروه هو أوفى أصدقاء طومان باي الدوادار وأقربهم إلى نفسه؟! أيتمرد ~~على السلطان أم يتمرد على صديقه الدوادار؟ # سؤال توجه به طومان إلى عمه الغوري، ولكن عمه ابتسم ولم يجبه، ولم يزد على الابتسام ~~شيئا، وضاقت نفس الأمير الصغير وعاد يلحف في سؤاله: كيف حدث هذا يا عم؟! # قال الغوري ولم تزل الابتسامة على شفتيه: حدث أو لم يحدث، ذلك أمر لا يعنينا، إنما أنا ~~وأنت منذ اليوم جند من جند الدوادار طومان باي! وعلينا أن نسمع لقوله ... # قال طومان متعجبا: أنت من جند الدوادار! ~~- أنا وأنت فما علينا إلا الطاعة. # وصدع الأمير الصغير بالأمر، فمشى في ركاب عمه. # وقال الدوادار الكبير طومان باي للسلطان: إني لأخشى أن يقوى أمر قصروه في الشام حتى ~~يغلبنا على أمرنا، والرأي عندي أن نبادره قبل أن يستفحل خطره. # قال جانبلاط: وبماذا تشير يا أمير؟ # قال الدوادار: نعد له حملة كبيرة تقضي عليه وتبدد شمله؛ ليكون أول أمرنا حزما وعزما، ~~فلا يجرؤ بعدها أمير من أمراء الأطراف على العصيان، ولا تنازعه إليه نفسه. # قال السلطان راضيا: قد رأيت ما ترى فخذ في أسبابك! # وراح الدوادار منذ اليوم يعد عدته لأمره، فلم يزل دائبا في الاستعداد، حتى اجتمع له جيش ~~لم يجتمع مثله للأشرف قايتباي يوم خرج للقاء ابن عثمان منذ بضع عشرة سنة، فلم يترك في ~~القاهرة كلها ms074 من الجند ما يكفي للدفاع عن القلعة، لو بدا لبعض أعداء البلاد أن يغير على ~~القاهرة ... # واتخذ الجيش طريقه إلى الشام وعلى رأسه الدوادار طومان باي، وودعته القاهرة كلها هاتفة ~~داعية، وودعه السلطان جانبلاط إلى حدود المدينة. وبلغ الجيش الشام، والتقى طومان باي وقصروه، ~~ولكنهما لم يقتتلا؛ لأن الدوادار طومان باي لم يخرج لقتال، وإنما خرج لأمر آخر قد أعد له ~~عدته وجمع أسبابه، فما هي إلا أن لقي صديقه قصروه العاصي حتى أخذا في تدبير الخطة لتنفيذ ~~ما كان مبيتا من الأمر ... # واجتمع أمراء العسكرين على خلع السلطان الأشرف جانبلاط، ومبايعة «العادل» طومان باي. ~~واستعلن الدوادار بنيته المبيتة، وبايعه الجند والقادة، وبايعه قصروه نائب الشام، وعاد ~~الجيش إلى القاهرة يقدمه السلطان الجديد، وشق العادل طومان باي القاهرة في موكب حافل إلى ~~القلعة؛ لينزل جانبلاط عن العرش ويجلس مكانه، ويحقق أمنية لنفسه ولصاحبته فاطمة بنت ~~العلاء. # وكان في حاشيته كبير أمنائه قصروه، ودواداره الكبير قنصوه الغوري! # ومضى الجند بالأشرف جانبلاط أسيرا إلى برج الإسكندرية، حيث يؤنس وحشة سلفه الظاهر قنصوه ~~في معتقله من ذلك البرج الحصين. # وصعدت خوند فاطمة بنت العلاء ثانية إلى العرش، وقد وفى لها صاحبها بما وعد، وكان لها ~~زفة سلطانية لم ير الراءون مثلها، فبسطت على الأرض شقق الحرير، وأضيئت في الطيقان القناديل ~~على طول الطريق من قنطرة سنقر إلى قصر السلطان بالقلعة، ونثرت على رأسها رقائق الذهب والفضة ~~... وعادت سلطانة كما تمنت على صاحبها ذات مساء. ونزلت أصل باي عن العرش الذي عاشت في ظله منذ ~~عهد مولاها قايتباي، وولدها الناصر، وأخيها الظاهر، وزوجها الأشرف جانبلاط؛ لتعيش في دارها ~~الصغيرة عند بركة الفيل، ليس لها من عمل إلا أن تسترجع ذكريات ذلك الماضي الذي كان ... ثم ~~تبكي حتى تشرق بالدمع! # على أن السلطان لم يترك أصل باي لأحزانها، فقد انقض عليها زبانيته ذات يوم يسألونها أن ~~تدفع إليهم ما عندها من مال السلاطين الأربعة، فلم يتركوها حتى وثقوا أن لم يبق عندها أبيض ~~ولا أصفر ms075 ... ثم لم تلبث طويلا بعد هذه النكبة التي أصابتها في مالها، حتى جاءها النبأ ~~بمقتل زوجها جانبلاط في معتقله من ذلك البرج، بتدبير العادل طومان باي! # الفصل السادس عشر # | نداء القلب # كان الشتاء في أخرياته، وقد غمرت القاهرة موجة من البرد لم تشهد مثلها منذ سنين، وعصفت ~~الرياح عصفا عنيفا يكاد يهدم الدور ويقتلع الشجر، فأغلقت المتاجر، وخلت الأسواق من ~~المشترين والباعة، وأوى الناس إلى بيوتهم يعتصمون بها من عصف الريح وقرس البرد، وأسدلت ~~الستور على الشرفات والطيقان، فلا ينفذ منها إلى الطريق بصيص من النور، فما أتى الليل حتى ~~خلت طرق المدينة من المارة وغطاها الظلام، فلا خفقة نعل ولا شعاعة نور ... # وفي هذه الليلة الليلاء، في هذا الظلام الدامس، في ذلك البرد القارس، في ذلك السكون ~~الرهيب، كان فتى في زي المماليك يمشي على حيد الطريق حذرا يتلفت، فما كان يبلغ دار أقبردي ~~الدوادار حتى انعطف عليه وقصد الباب، وكأنما كان ثمة من ينتظره على ميعاد، فلم يكد يقترب ~~حتى انفتح الباب بخفة ثم أغلق، وغاب الفتى في ضمير الظلماء ... # وهناك كانت خوند مصرباي الجركسية في غرفتها من ذلك القصر جالسة تنتظر، فلم تكد جاريتها ~~تؤذنها بمقدم الأمير خاير بك، حتى خفت لاستقباله وعلى شفتيها ابتسامة وفي عينيها بريق ... هذا ~~رجل تستطيع أن تسخره فيما تشاء من أمرها، إنه ليحبها حبا يفرض عليه الطاعة حين تأمر، ~~لقد كان بينهما يوما ما عهد مشترك لم تلفظه شفتاها ولم تلفظه شفتاه، ولكنه عهد وثيق، ألم ~~تكن تطمع يوما أن تصير إليه ليرفعها إلى مرتبة الإمارة، وتحدثت عيناها إليه بهذه الأمنية ~~فأجابها بعينيه وتعاهدا في صمت؟ بلى، لقد كان ذلك يوما، أما هي فمضت في طريقها لم تنظر ~~إلى وراء، ثم لم تزل ماضية حتى بلغت العرش وكان من أمرها ما كان، وإنها لتطمع أن تعود ~~يوما إلى ذلك العرش ... وأما صاحبها - هذا الذي واثقها على الحب منذ التقيا في خان مسعود - ~~فلم يزل يأمل أمله ويسعى إليه. إنه اليوم أمير ms076 ألف من مماليك السلطان العادل طومان باي، ~~ولعله أن يصير أكبر من ذلك يوما ما، ولكن ماذا يجدي عليه أن يبلغ أرقى مراتب المجد ~~والجاه، وإنه لبعيد عمن يجب وإنها لبعيدة؟ ماذا يجديه أن يكون أميرا، أو وزيرا، أو ~~دوادارا قد اجتمعت في يديه كل السلطات، وليس إلى جانبه الأميرة المحبوبة الغالية، التي عاش ~~ما عاش منذ التقيا لأول مرة في حلب وليس له فكر إلا فيها، ولا حنين إلا إلى لقائها، ~~ولا أمل إلا أن يراها وإياه زوجين قد تمت لهما سعادة اللقاء! # إنه لم يزل يحبها منذ ذلك اليوم البعيد، لم يصرفه عن ذلك الحب أن الأقدار قد تصرفت بها ~~وبه، وانتقلت بها من دار إلى دار إلى دار، حتى عادت اليوم إلى دارها وحيدة ليس لها من كل ~~سعادة الماضي وأمجاده إلا ذكريات وأماني، وها هو ذا يلقاها على ميعاد، وها هي ذي تخف ~~لاستقباله وعلى شفتيها ابتسامة وفي عينيها بريق ... ~~«ولكنها لم تزل زوجة الظاهر قنصوه، ذلك السلطان المخلوع الراسف في أغلاله في ذلك المعتقل ~~من برج الإسكندرية الحصين، فمن أين له أن يطمع في منالها ولم يزل زوجها حيا ~~هناك؟!» # ألم هذا الخاطر بقلبه وبقلبها في وقت معا، أما هو فسأل نفسه حنقا: لماذا لم يجهز ~~عليه العادل طومان باي كما أجهز على الأشرف جانبلاط؟ # وأما هي فقالت لنفسها: وماذا في ذلك؟ ... أما إن أفلح التدبير وعاد الظاهر قنصوه ~~سلطانا، فسأعود معه إلى العرش سلطانة، وأما إن أخفق التدبير فلن يسلم رأس قنصوه ... وإن ~~خاير بك لأهل وجار. # والتقيا وجلسا ساعة تتحدث عيناها إلى عينيه ولا تنبس شفة منهما بحرف، ثم قطعت مصرباي ~~الصمت قائلة: خاير بك! # أجابها: مولاتي! # وكان صوتها يرن في أذنيه كالصدى راجعا إليه من الزمان البعيد في المكان البعيد، وكأنه ~~ذكرى تومض في الوجدان، أو خاطر يتمثل في الوهم، أهذه مصرباي التي لقيها ذات يوم في حلب ~~فتحدث إليها وتحدثت إليه، بالعينين تارة وبالشفتين، وتعاهدا على الوداد؟ إنها هي هي كما ms077 ~~كانت، بل إنها لأكثر سحرا وفتنة مما كانت ... # وقال خاير بك: إنني لم أزل يا مولاتي على ذلك العهد، ولم يزل قلبي لك خالصا لم يغيره ~~تقادم السنين ... # وصمت فجأة وعض على شفتيه، كيف جرى على لسانه مثل هذا الحديث؟ لكأنما يعيرها ويمن ~~عليها ... تلك التي عاهدته ذات يوم عهدا فلم تثبت على الوفاء به، وأسلمت نفسها للمقادير ~~تتقاذفها من دار إلى دار إلى دار، ولها في كل دار منها قلب وحبيب، وإنه على ذلك ما يزال ~~يحبها، ويطمع أن تخلص له. # وأطرق أسفا خزيان! وكأنما قرأت ما قام بنفسه من هذه الخواطر، فسرها أن تكون منزلتها من ~~نفسه حيث وصف، فقالت باسمة: لم أشك فيك يوما يا خاير بك، ولم أنس ... حتى يوم خلفتني هنا ~~ومضيت إلى بلاد ابن عثمان، فطاب لك المقام زمانا! # ورضي خاير بك وسري عنه، وخيل إليه كأنما تعتذر إليه من بعض ما كان، فهدأت نفسه من قلق، ~~وهم أن يجيب فأعجلته قائلة: وإنني - أيها الصديق - لم أزل أراك بتلك العين، كأنما لم ~~تمض تلك السنون، فلم تزل أخي وجاري ومعقد أملي! # وخفق قلب الرجل وهزته قشعريرة الحب، وغشت عينيه دموع، واسترسلت المرأة في حديثها: وقد ~~كنت أدخرك يا خاير لأمر عظيم، ولكن بيني وبينك اليوم حجابا، فليس يخفى علي أنك اليوم من ~~أمراء ذلك السلطان ... # وسكتت برهة، ثم علا صوتها وزاد شدة وحدة، وأردفت: ولكن ذلك الغادر السفاك لا بد أن ~~ينال جزاءه، ولا بد أن تطلبه المقادير بالثأر فتأخذه بدم الناصر وجانبلاط، ومن يدري ~~ماذا يفعل غدا أو بعد غد بالظاهر قنصوه! ولكنك اليوم يا خاير أمير من أمراء ذلك السلطان. # قال خاير: مولاتي ... # فقاطعته قائلة في رقة: لست مولاتك يا خاير، إن مولاك هو ذلك السلطان، وإنما أنا مصرباي ~~التي كنت تناديها باسمها ذات يوم في حلب منذ سنين! # قال خاير وقد غلبه وجدانه: نعم يا مصرباي ... ولكنك إلا تكوني مولاتي، فلن يكون مولاي هو ~~الغادر السفاك طومان باي، وستعرفين من خبري ms078 وتسمعين عن بلائي! # فلمعت عينا مصرباي ببريق فاتن، وأقبلت على محدثها حتى أحس أنفاسها تتضوع في جوه عطرا ~~مسكرا، وقالت وعيناها في عينيه: وإنك أهل لذلك يا خاير بك ... بل إنك لأهل لأكثر من ذلك. # وانضم إلى أعداء العادل طومان باي - منذ تلك الليلة المقرورة - أمير من أمراء المماليك له ~~شدة وبأس وعنفوان! # على أن العادل وقد صعد إلى العرش وتحققت له كل أمانيه، لم يكن يفكر فيما يدبر وراءه، ~~وما كان له أن يخشى غدرة وقد تفانى الأمراء العظام، فلم يبق ثمة من تنازعه نفسه إلى ~~العرش، أو يطمع في الوثوب على السلطان! ومن ذا هنالك غير الظاهر قنصوه رهين محبسه في برج ~~الإسكندرية يرسف في أغلاله، وليس وراءه من يهتم به، وغير قصروه وإنه لأوفى أصدقائه له، ~~وبجهده وتدبيره ولي العرش ولو أراده قصروه لسبق إليه، ثم قنصوه الغوري ذلك الشيخ الذي جاوز ~~سن الطموح وعزف عن مغريات المجد والجاه؟ ومن غير هؤلاء يخشاه العادل أو يحسب حسابه؟ # واطمأن إلى حظه راضيا آمنا غدرة الأيام. # الفصل السابع عشر # | لفتات الذكرى # لم يكن طومان ابن أخي الغوري هادئا ساكن النفس في هذه الأيام، إن في رأسه خواطر تصطرع، ~~وإن القلق ليتوزعه ويذهب به مذاهبه؛ لأنه لا يكاد يعرف أين هو من دنياه هذه التي تموج ~~بالأحداث ... # إن العادل طومان باي اليوم يجلس على عرش قايتباي العظيم بالغدر والخيانة وسفك الدم، وما ~~أعظمها سخرية أن يكون دواداره الكبير هو قنصوه الغوري، وأين العادل طومان باي من الغوري؟! ~~أهذا الذي كان منذ سنوات مملوكا من المماليك الخاصة - حين كان الغوري أميرا له شأن وقدر ~~وسابقة - يثب إلى العرش على أشلاء ثلاثة سلاطين، ولا يجد الغوري حرجا في أن يكون دواداره؟ ~~يا للدوادار الشيخ! هل نالت منه السنون وهدت عزيمته حتى رضي لنفسه هذا المقام؟! # ولكن ما له وللسياسة وأساليبها الملتوية؟! لقد نفض يده منها منذ أغفل عمه مشورته واستقل ~~برأيه، فليس به اليوم نزوع إليها ولا فكر فيها، فليستقل عمه بتدبيره ms079 ولينظر هو في أمر نفسه، ~~إنه منذ بعيد لم يلق صاحبته شهددار بنت أقبردي، ولم تختلف إليها جاريته، إن بينها اليوم ~~وبين السلطان سببا، أليست خوند فاطمة بنت العلاء - زوج السلطان - خالتها، وأين له اليوم ~~أن يلقاها أو يرسل إليها رسوله، ثم إنها حتى اليوم لم تزل في نظر عمه الغوري بنت أقبردي ~~الدوادار، الذي كان الغوري يخاصمه يوما ما، فمن أين لطومان أن يلتمس عند عمه المعونة على ~~ما يلقاه من حبها؟! وهل يرضى الغوري لابن أخيه أن يكون زوجا لبنت أقبردي؟ أم تراه ~~يستعين على أمره بمصرباي؟ ولكن مصرباي اليوم في منزلة أخرى، إنها طريدة الجالس على العرش، ~~فما في طوقها أن تكون عونا له على الوصول إلى بنت أخت السلطانة. # ما هذا؟! أكلما حاول أن يفر من حديث السياسة والفكر فيها، رأى نفسه منساقا إليها من حيث ~~لا يدري، غارقا في لجتها المائجة؟! # وثقل عليه ما يحمل من هم، فاتخذ طريقه إلى كوم الجارح، يلتمس عند شيخه أبي السعود شيئا ~~من الروح والاطمئنان وهدوء البال. ولأول مرة منذ تعود أن يلقى شيخه في حلقته، لم تقع عينه ~~على أرقم خادم الشيخ، ودار بعينيه فيما حوله ومن حوله فلم يعثر به، وكان شيخه يرقبه، فقال ~~باسما: أحسبك تريد أن تسأل عن أرقم؟ # فاحمر وجه طومان وأجاب: نعم، إنني لا أراه هنا اليوم! # قال الشيخ ولم تزل على شفتيه ابتسامته: ولعلك لا تراه بعد، لقد فارقنا مغضبا منذ أيام، ~~وأحسبه لن يعود. # ثم صمت برهة وعاد يقول: إن أرقم صندوق مغلق على ما فيه من غيب الله، لم يطلع على سره ~~أحد، لست أنكر أنه من أهل الصلاح والتحرج، ولكن به إلى ذلك نزغات شيطانية يجب أن تخلص من ~~مثلها قلوب أهل الصلاح والخير ... # وبدا الاهتمام في وجه طومان، وسأل شيخه: تعني يا سيدنا أن وراء مظهره ذلك حقيقة ~~خبيثة! # قال الشيخ مستغفرا: معاذ الله! ولكنه على صلاحه وتحرجه لا يسلم من بوادر الغضب، وأحسب ~~أن له ماضيا يجتهد ms080 لإخفائه أو لنسيانه؛ فإن له أحيانا سبحات خيالية تتراءى في عينيه بعض ~~صورها ثم يمحوها الدمع ... وإنه أحيانا ليحب أن يأكل لحم بعض الناس ... # قال طومان: أما هذا فنعم، وقد تحدث إلي مرة فلم يتحرج أمامي أن يذكر عمي قنصوه بما ~~يسوءني، ولكنه رجل منكوب فليس عليه حرج أن يسخط حظه، وأن يجري على لسانه بعض ما يكره ~~الناس. # وغادر طومان مجلس الشيخ كما دخله، لم يتفرج من همه أو يتخفف من أثقاله، فإنه لفي بعض ~~الطريق وقد جاوز الرملة إذ وافق خاير بك خارجا من دار أقبردي يوفض في السير عجلان. # ولأول مرة منذ افترقا في خان مسعود بحلب قبل اثنتي عشرة سنة التقى خاير بك وطومان، وكان ~~لقاؤهما عند دار مصرباي الجركسية، في مثل موقفهما ذات صباح هناك، أما طومان فقد عرف صاحبه ~~كأن لم يفارقه إلا منذ اليوم، وأما خاير فأنكر ذلك الوجه. لقد كان طومان في ذلك الماضي ~~غلاما أمرد نحيل البدن، وإنه اليوم لشاب قد بلغ مبلغه من النضج والقوة، وهتف طومان وقد ~~مد يده باسما: أفلست تعرفني يا خاير؟ إنني أنا طومان ... # وعاد الزمان القهقرى فرد الرجلين إلى ذلك الماضي برهة، ثم عاد كل منهما إلى مكانته، ~~وجاوبت ابتسامة أختها وتعارفا، ثم تدابرا، ومضى كل منهما يفكر في شأن صاحبه، أما خاير ~~فتذكر تلك الكلمة التي قالها له طومان في ذلك الصباح البعيد على باب الغرفة التي تجلس ~~وراءها مصرباي: اذهب حيث تشاء فلا بد أن نلتقي يوما! # فانقبضت نفسه لهذه الذكرى، وركبه الهم وتوزعه القلق، وأما طومان فلم يتمثل في تلك ~~اللحظة إلا مصرباي جالسة بين يدي أستاذها جقمق في غرفته من خان مسعود بحلب، وفي وجهها ~~أمارات القلق واللهفة، وخاير بن ملباي يتمشى ثقيل الخطو عند باب الغرفة، ثم عاد يتمثلها في ~~قصرها هذا الأنيق جالسة بين يدي مواشطها، تتهيأ لاستقبال ذلك الضيف ... فانقبضت نفسه لهذه ~~الصورة أكثر مما انقبضت نفس صاحبه ذاك لتلك الكلمة التي لفظتها شفتا طومان منذ سنين. # وضاق ms081 طومان بهمه، وازدحمت عليه الخواطر المؤلمة تدفعه من حال إلى حال شر منها، فاتخذ ~~طريقه إلى شمال المدينة يلتمس فرجة في الخلاء عند بساتين قبة يشبك، فلما انتهى إلى حيث ~~أراد، ترجل عن فرسه ودخل القبة فصلى صلاته، ثم خرج إلى البساتين النضرة راجلا يجتلي بهجة ~~النفس، وقرة العين في مناظرها الفاتنة. # ثم عاد إلى فرسه فشد لجامها ووضع رجله في الركاب، وتأهب للعودة إلى دار عمه، وفجأة قفزت ~~إلى خاطره صورة أرقم، ذلك المسيخ المنكوب الذي اصطلحت عليه هموم الدنيا فليس له نصيب من ~~سعادتها، فود لو لقيه في تلك الساعة؛ ليخفف عنه بعض ما يلقى من أنكاد الحياة، ويحاول أن ~~يصلح بينه وبين شيخه. وعجب طومان لنفسه، ماذا أذكره أرقم في تلك الساعة وأحضر في خياله ~~صورته تلك، وإنها لبغيضة المنظر إلى جميع من يراه؟! # ولو أن طومان حين سأل نفسه هذا السؤال قد مد عينيه إلى قريب، لرأى أرقم جالسا في ظل ~~سرحة فينانة، وبين يديه منديل مبسوط قد فرش عليه رمل أصفر، وراحت أصابعه تخط عليه خطوطا ~~متوازية ومتقاطعة، وأحاط به حلقة من الناس يستنبئونه الغيب ... # لقد أصبح أرقم رمالا منذ فارق شيخه أبا السعود الجارحي مغضبا، ولم يجد في نفسه حرجا ~~من احتراف هذه المهنة حين ضاقت به أسباب العيش، وعز عليه أن يحصل على الرزق الحلال! ~~وماذا عليه في أن يكون رمالا كأبي النجم، يجفف دموع المحزونين، ويمسح على قلوب ~~البائسين، ويهب لليائسين الصبر والأمل، وأي عمل أكثر مثوبة عند الله من ذاك؟! ليته يؤمن ~~بمثل ما يؤمن به الناس؛ ليجد من يجفف دمعه، ويمسح على قلبه، ويهب له الصبر والأمل! # ورأى أرقم طومان وهو يهم أن يعتلي فرسه، فأتبعه عينيه حتى غاب، ونفذت صورته إلى ~~خاطره ولم تره عيناه، ورأى أهل الحلقة أرقم وهو يرفع عينيه ويدور بهما نحو الطريق الذي سلكه ~~طومان، فلم يظنوا إلا أنها سبحات روحية تتمثل في نظرة عينين، فأمسكوا عن القول حتى عاد ~~إليهم من سبحته، ومضى فيما ms082 كان فيه من تخطيط وتخليط. # وبلغ طومان دار عمه وهو متعب مكدود الفكر والجسد، فأوى إلى فراشه ساعة لينام، وفي خياله ~~صور شتى وخواطر متضاربة، ولكنه لم يلبث أن نام ... # وانتقلت خواطره في النوم إلى البعيد البعيد، وحضرته صورة أخرى لم تحضره منذ سنين، صورة ~~امرأة تشبه نوركلدي شبها بعيدا، لولا ذبول في عينيها، ونحول في جسدها، وشحوب في وجنتيها، ~~وشعرات بيض في رأسها تلوح وتخفى، كما يهتز الشعاع على سطح الماء في ليلة حالكة السواد ~~... # وكانت في ثياب الحداد، ملثمة لا يبدو من وجهها الشاحب إلا عينان تبصان، وإنها لتقتلع ~~أقدامها اقتلاعا في بادية رملية سحيقة، ليس وراءها إلا الرمال، وليس أمامها إلا ~~الرمال، وقد أصابها الكلال والظمأ في تلك الطريق الطويلة الشاقة، فإنها لتنظر حواليها فلا ~~ترى أحدا، وتنظر أمامها فلا ترى أحدا، ولكنها لم تنظر وراءها قط، كأنما عاهدت نفسها أن ~~تموت أو تبلغ آخر هذه الطريق. # وأحست بالضعف والوهن، فهتفت وإن حلقها ليكاد ينشق: ولدي طومان! # فدوى الصوت في أرجاء هذه المتاهة العمياء، ثم ارتد إليها الصدى، فكأنما سمعت في أطوائه ~~جواب النداء، فاستمدت من عزمها قوة، واستمرت تمشي وهي تقتلع أقدامها اقتلاعا في رمال تلك ~~البادية السحيقة ... # وهب طومان من نومه مذعورا يتلفت، كأنما أيقظه ذلك الصوت البعيد البعيد تهتف به امرأة غاب ~~وحيدها، فلم تزل على الطريق إليه منذ بضع عشرة سنة! # وهتف طومان وهو يدير عينيه فيما حوله بين جدران أربعة: أمي نوركلدي! # فلم يتردد له صدى، ولكن صوته اخترق الأبعاد، واجتاز المسافات، وقطع الطريق من غرب الأرض ~~إلى الشرق أسرع من الشعاع النافذ، فإذا أمه تسمعه هنالك، فتستأنف سيرها في ذلك الطريق ~~الطويل الموحش، معتزمة مصممة؛ لتبلغ حيث أرادت، وتلقاه ... # الفصل الثامن عشر # | أرقم الرمال # لم يحاول أرقم الرمال - منذ اتخذ تلك الحرفة مرتزقا - أن يتحول عن مجلسه ذاك تحت السرحة ~~الفينانة في بساتين القبة، فقد وجد هنالك من إقبال الناس عليه ما أغراه بالمقام ثمة، فإنه ~~ليقضي نهاره في ظل تلك ms083 السرحة، فإذا أظله الليل مشى يتخلع حتى يبلغ القبة، فيقضي ليله في ~~الحجرة الصغيرة الضيقة التي أفردها له الشيخ بدر الدين بن جمعة شيخ القبة، وأذن له في أن ~~يتخذها مأوى ... # وكان الشيخ بدر الدين رجلا له عند الأمراء مقام واعتبار؛ فهو إلى علمه وفضله مسامر له ~~فنون في تشقيق الأحاديث، وطالما أنس إليه الأمراء الذين يختلفون إلى القبة للصلاة، أو ~~التماس شيء من الراحة بعد أن يأخذوا حظهم من الرياضة، والفرجة في البساتين النضرة التي ~~تمتد شمالي القاهرة إلى محلة قلج والخانقاه ... وكثيرا ما كانت مسامرات الشيخ بدر الدين ~~وأحاديثه العذبة تغري بعض هؤلاء الأمراء بالمبيت في ضيافته. وقد أعدت هنالك - منذ عهد ~~الأمير يشبك الدوادار منشئ تلك القبة - دار ضيافة عامرة، فيها الخدم والحشم، وفيها كل ما ~~يحتاج إليه السلاطين والأمراء من أسباب الترف والنعمة، فلا يكاد يمضي يوم حتى يفد إلى القبة ~~أمير من الأمراء، أو يفد إليها السلطان نفسه، يحاول أن يتخفف في ذلك الجو الممتع من بعض ~~أثقاله، فيلقى شيخ القبة ضيفه، أو أضيافه، ويهيئ لهم مقاما طيبا وسمرا لطيفا، فيجلس ~~إليهم يقص القصص، أو يروي النوادر، أو ينشد الشعر، أو يثير مسألة من مسائل الجدل يشتجر ~~حولها الخلاف حينا بين السمار، ثم يجتمعون في النهاية على رأي الشيخ، فإنه ليملك من قوة ~~البيان بالعربية والتركية ما يمتلك به الحجة في أعسر مسالك الجدال والمناظرة ... فإذا سئم ~~ضيوفه الحديث والمناظرة فإن الشيخ بدر الدين لاعب كرة ورامي نشاب، وله توقيع وغناء وألحان ~~على الشبابة تستنزل العصم ... # لا جرم كان الشيخ بدر الدين بن جمعة بكل ذلك صاحب تلك المكانة بين رواد بساتين القبة من ~~الترك والمصريين على السواء، وكان أرقم الرمال يعيش في ظله راضيا بما أفاء الله عليه من ~~حرفته الجديدة ... # وتسامع الناس بأرقم الرمال، فسعوا إليه من القاهرة وأرياضها، وعرفه كثير من أهل القرى ~~الذين يمرون بهذه الرياض في طريقهم من بلاد الشرقية إلى مصر ... فلم يلبث أن صار له ذكر ~~أخمل ذكر ms084 أبي النجم الذي تفرد بفنه في القاهرة زمانا؛ حتى لا يأمل أحد أن ينفذ إلى شيء من ~~أسرار الغيب إلا من بابه، وظل أوحد عصره في هذا الفن حتى غلبه أرقم على مكانه. # وكأنما كانت دمامة أرقم، وبحة صوته، وغرابة أطواره، هي الأسباب التي حملت الناس على ~~تصديقه والإيمان به، كأنما وقع في وهم الناس بكل ذلك أنه رجل ليس من الناس، وأن بينه وبين ~~الغيب أسبابا ... # وبلغ صيته السلطان العادل طومان باي، فدعاه إليه ... # يا للرجل مما به! إنه لم يفكر يوما منذ اتخذ تلك الحرفة مرتزقا، أنها ستقوده إلى ذلك ~~المأزق الحرج، ما له وللسلاطين؟! إنه ليشعوذ على العامة ما يشعوذ لأنه رجل منهم، يعرف ~~دخيلة صدورهم، وما يتخايل لهم من الأماني، وما يحذرون من هموم العيش، وإنه ليلقف غيب صدورهم ~~من لحظات أعينهم، وخلجات جوارحهم، وهمسات شفاههم، فما يفعل إلا أن يرد إليهم ما أخذ ~~منهم في عبارة تتسع وتضيق، وتطول وتقصر، وفيها الفأل والطيرة، فيأخذها كل منهم على ما في ~~نفسه من معنى، فلا يلبث أن يؤمن ويصدق، فأين هو من السلطان وحاشيته ليعرف دخيلة صدورهم، ~~وما يختلج في نفوسهم من الأماني أو من المخاوف والآلام؟! ولكن الشيخ بدر الدين هو الذي ~~جر عليه هذا البلاء، وعرضه لتلك المحنة، وحبب إلى السلطان أن يدعوه لينبئه عن ~~غيبه. # لعل الشيخ بدر الدين كان بريء النية فيما قصد إليه، بل لعله أراد لصاحبه الخير والنعمة ~~فاحتال ليصل حبله بالسلطان، ولكن أرقم الرمال لم يفهم ذلك إلا على أنه بلاء ومحنة وهم ~~طويل ... # فقال محتجا: يا سيدنا الشيخ، ما لي ولهذا المأزق ترميني إليه؟! وإنك لتعرف أن بضاعتي ~~لا تنفق في سوق السلطان، وما لي علم بما في نفسه فأحدثه عنه، ولا خبر عن حاشيته فأرويه له، ~~وليس في وجهي طلعة بشر كما تراني! # قال الشيخ ضاحكا: فإنك يا أرقم تعرف من خبره أنه سلطان، وأن لكل سلطان حاشيته، وأن ~~في حاشيته قصروه وقنصوه، وأن زوجته خوند فاطمة بنت ms085 العلاء، وماذا يختلج في نفس السلطان من ~~الأمل والهم إلا أن يفكر في عرشه، وفي حاشيته، وفي زوجه؟! وإن في يمن حديثك يا أرقم ما ~~يغني عن يمن طلعتك! # بلع أرقم ريقه وهو يهمس لنفسه: في حاشيته قصروه وقنصوه! إلى أين ترمي بي المقادير يا رب ~~وليس لي اختيار؟! # وصمت برهة يفكر، وغاب في سبحة من سبحاته الخيالية الطويلة، فلو كان في مجلسه ثمة شيخه أبو ~~السعود الجارحي، لقرأ في عينيه بعض سره ... # وطال صمته في مجلس بدر الدين بن جمعة، فلم يتنبه حتى هزه الشيخ بلطف وهو يقول: هيه! ماذا ~~قلت يا أرقم؟ # وعاد أرقم من سرحته فأجاب قائلا: سأذهب يا سيدي، سأذهب إلى السلطان فأنبئه بغيبه، على ~~أن تعيرني من ثيابك جبة وقفطانا وعمامة! # قال الشيخ ضاحكا: هي لك ملكا لا عارية يا أرقم. # كان قصروه - كبير الأمناء - رجلا محببا إلى الناس، فإنه لجواد سمح، وإنه لرفيق متواضع، ~~وإنه لوافي العهد جريء القلب، يؤثر صاحبه على نفسه وإن كانت به خصاصة. ولم ينس له أهل ~~القاهرة مشهدا قريبا يوم رأوه يحفر الخندق عند القلعة بيديه مع الفعلة، ويحمل التراب على ~~كتفيه؛ ليهيئ لصاحبه طومان باي أن يكون سلطانا على عرش مصر، وإن قصروه لأعلى مقاما ~~وأقدم مملوكية من طومان باي، ولكنه صديق. # وكان حب المصريين لقصروه وإعجابهم بخلاله هما الدعامة القوية التي يستند إليها عرش ~~السلطان العادل طومان باي. لم يكن ذلك رأي المصريين وحدهم، ولكنه رأي المماليك جميعا، ورأي ~~قنصوه الغوري الذي طالما تحدث به وتحدث به ابن أخيه طومان إلى المماليك وإلى الناس. # على أن السلطان العادل نفسه لم يكن غافلا عن هذه الحقيقة؛ فإن قصروه لأدنى أمرائه ~~إليه وأصفاهم عنده، وإنه ليأذن له أن يبيت في القلعة حين لا يأذن لغيره، وإنه ليأكل على ~~سماط السلطان حين لا يأكل أحد غيره على سماط السلطان. # واطمأنت القاهرة ومصر كلها، ورضيت عن السلطان العادل؛ لأن الأمير المحبوب قصروه هو ~~مستشاره وكبير أمنائه، ولأن دواداره الكبير هو قنصوه ms086 الغوري، ذلك الشيخ الذي عرك الأيام ~~وعركته، وجاوز سن الطموح فليس له نزوع إلى مزيد من المجد المخضب بالدم. # وبات قصروه في القلعة ذات مساء، ثم أصبح فبكر إلى مجلس السلطان، ووقف يومئذ بباب القلعة ~~حمار هزيل، عليه شيخ معتم، قد غطت عمامته أذنيه وبعض وجهه، وغرق في جبة فضفاضة كأنه طفل ~~في ثياب أبيه. # وترجل الشيخ عن حماره ومشى يتخلع في مشيته، وقد جمع في يده فضل ثيابه، فانحسر قفطانه عن ~~ساقين معروقتين كأنهما عودان من قصب، ودنا من البواب يؤذنه بنفسه ويتعرف إليه: أرقم ~~الرمال مدعو السلطان! # وغض البواب بصره وفسح له الطريق، فمشى حتى بلغ مجلس السلطان، فقبل الأرض بين يديه ووقف ~~صامتا حتى يؤذن له، ثم اتخذ مقعده بين يدي السلطان وبسط منديله ... ونظر عن يمين وشمال، ثم ~~قال في صوت أبح: مولاي! # قال السلطان: قد فهمت ما تعنيه، فهل تأذن لنا في خلوة يا أمير قصروه! # وترجل الشيخ عن حماره ومشى يتخلع في مشيته. # قال قصروه وقد تهيأ للقيام وعلى شفتيه ابتسامته: نعم، وباليمن والبركات يا مولاي. # وخلا المجلس إلا من السلطان والرمال، وبسط الرجل على المنديل حفنة من الرمل، وراح يخط ~~عليها بأصابعه خطوطا متوازية وأخرى متقاطعة، وهو يزمزم ويقلب عينيه بين الأرض والسقف ~~والحيطان، ثم انحنى على منديله وراح يتحدث في همس، ثم شرع صوته يرتفع رويدا رويدا حتى بلغ ~~أذني السلطان، فسمع صوتا كأنه من وراء الغيب يقول: ومولانا السلطان مسعود الطالع بتوفيق ~~الله، على يمينه يمن، وعلى يساره يسر ورخاء وسعادة ... الطيبات للطيبين والصالحات للصالحين، ~~والخير لأهل الخير والإحسان، والخيرة بنت العلاء للخير ابن الطيبين الطاهرين، تعيش في ظل ~~نعمائه دهرا، وتنجب للخلف الكريم ما لم تنجب للسلف العظيم، ويكتنفه النيران حتى يتم ~~تمامه ويبلغ عنفوانه ... # ثم أخذ الصوت ينخفض رويدا رويدا حتى عاد كما بدأ، همسا خافتا كأنفاس النائم، ثم عاد ~~يرتفع رويدا رويدا حتى ظهر كأنما طوف في الآفاق ثم آب، واستمع السلطان إلى الرمال يقول ~~في صوت أبح ms087 كأنما يعالجه قسرا فلا يكاد: وفي السماء نجوم طالعة، ودراري ساطعة، وكواكب ~~يخفق نورها بين الخبو والإشراق، ونجم مولاي السلطان بينها متفرد في عليائه، متميز بلألائه ... ~~وثمة نجم يلاحقه ويوشك أن يدركه. ابعد أيها الكوكب الخابي! ابعد أيها المتقحم على ما ليس ~~من قدرك! ابعد! ابعد فلست هناك، هل أنت إلى هذا النجم الساطع إلا حصاة تتضوأ من نوره، ~~وذرة من تراب تتلألأ في شعاعه، فلولا أنك في مداره لكنت فحمة الليل، وسوادا أسحم ينذر ~~بالويل. ابعد! ابعد فقد عرفناك، لست هناك لست هناك، وإنه لمولاك وإن أطمعك وأدناك ... # ق والقرآن المجيد # عوذت بها السلطان من شيطانك المريد، ~~فلا تنال منه منالا، ولا تبلغ محالا، ومولانا بعين الله يحفظه ويرعاه، فلا يقفوه «قاف» ~~بالشر إلا كبه الله على وجهه وأرداه! # وتقاطر العرق على جبين الرمال وبدا في وجهه الإعياء، فكأنما كان يغالب الغيب على أسراره ~~حتى استخلصها وما كاد، ثم لم يكد ينتهي من حديثه حتى أطرق إطراقة طويلة، ثم رفع رأسه وهو ~~يرتعد كأنما غشيته الحمى ... # وكان السلطان في أثناء ذلك كله يسمع صامتا لا يكاد يجد نفسه، فما هدأ الصوت حتى تنفس ~~تنفسا عميقا، رده إلى الوعي واليقظة، ثم قال وفي وجهه أمارات القلق واللهفة: ماذا قلت يا ~~شيخ؟ وبماذا حدثتك نجومك؟ # قال أرقم ولم يزل جسده يرتعد: هو ما سمع مولانا السلطان مما أنبأتني به الطوالع، وإن ~~مولانا السلطان لمنصور بإذن الله، ولن ينال الكائدون منه منالا. # قال السلطان حانقا: من ذلك الذي يكيد لي يا شيخ؟ وفيم يطمع؟ # قال أرقم وقد ضيق عليه حتى لا يكاد يجد سبيلا للفرار: عوذت مولانا برب الفلق. إنه أمير ~~من بطانتك يا مولانا أول اسمه ق. # فنهض السلطان عن مجلسه، ودنا من أرقم حتى مس كتفه بيده وهو يقول: بالله إلا ما صرحت لي، ~~فإنني لا أكاد أفهم ما تعنيه! # وثاب إلى أرقم إيمانه بنفسه حين رأى مكانه الذي بلغ عند السلطان، فانفرجت شفتاه عن ~~ابتسامته تلك، وقال: فليبحث مولانا ms088 السلطان عن ق بين أمرائه، فسيعرفه بسمات الشر في وجهه ~~وقسماته، فإذا لم يكشف لمولانا السلطان عن صدره تائبا نائبا، فليكشف عن مكنون صدره ~~السيف. # قال السلطان مؤمنا: صدقت، وإن السيف لأصدق ما يكشف عن خبيئات الصدور، وكأن قد عرفت ~~الذي تعنيه ... # ثم مد يده إلى الرمال بصرة فيها دنانير، وكساه كسوة سلطانية، وشيعه إلى الباب وهو ماش ~~يتخلع في مشيته، كأنه صرة ثياب على عصوين من قصب. # قال أرقم لنفسه والحمار ينحدر به من القلعة: الآن قد وضعت السيف في قفا قنصوه الغوري، ~~وتوشك الدنيا أن تطهر من ذلك الثعلبان الشيخ. # وقال السلطان لنفسه وهو يدور في غرفته قلقا حيران لا يكاد يستقر على حال: الآن ينبغي أن ~~أتدبر أمري وأمر قصروه، فأناله قبل أن ينالني، ولست أدري كيف غاب عني قبل اليوم أن قصروه ~~إنما يتحبب إلى الشعب ليجد منهم جنده حين يثب وثبته على العرش؟! فالحمد لله إذ انكشف لي ~~أمره قبل أن يأخذني على غرة وينال مناله! # وأعد السماط السلطاني، وجلس إليه السلطان عابس الوجه شارد اللب، لا يكاد يمد يده إلى شيء ~~من الطعام، وجلس كبير الأمناء قصروه إلى جانب مولاه يلحظه قلقا، لا يكاد يجد مذاق الطعام ~~في فمه، وكان حولهما على السماط أمراء من حاشية السلطان لم يشغلهم شيء عن طيبات الطعام ~~والشراب والفاكهة، وعن التندر والمفاكهة، فإنهم ليأكلون أكل الفارغين، ويمزحون مزح ~~السكارى. # وقال قصروه وقد أوشك الندل أن يرفعوا المائدة: حرس الله مولاي السلطان وجنبه العوادي، ~~ماذا بك اليوم يا مولاي؟ # وابتسم السلطان ابتسامة غامضة، وقال وقد ثبت عينيه في عيني كبير أمنائه: أنا والله خائف ~~منك يا أمير. # وغص كبير الأمناء بريقه، وتوقف الأمراء عما كانوا فيه، واتجهوا بأنظارهم إلى حيث كان ~~يجلس السلطان وكبير أمنائه، وأطبق الصمت على المكان ... # ثم لم يلبث الأمراء أن غادروا المجلس، وخرج قصروه وقلبه يحدثه بالشر الذي يتربص به ~~... # ثم انقضى الليل، فلم يكد الناس يصبحون فيغدون على أعمالهم، حتى جاءهم نعي قصروه كبير ms089 ~~أمناء السلطان ... # وانهارت الدعامة العظيمة التي يستند إليها عرش السلطان العادل طومان باي، وآذن صبحه ~~بليل. # الفصل التاسع عشر # | حديث المدينة # كان دكان علي بن أبي الجود - بياع الحلوى والمشبك عند حمام شيخو - كأنه منتدى من منتديات ~~السمر، فلا يزال يلتقي عنده كل يوم طوائف من المصريين والمماليك، فيقضون وقتا طيبا ~~يسمرون ويتبادلون مختلف الأحاديث ريثما يهيئ لهم ما يشتهون من الحلواء والمشبك، وقد اشتهر ~~في صناعتهما شهرة طبقت القاهرة، فسعى إليه الناس من مختلف الأحياء يشترون من بضاعته هذه ~~اللذيذة ويسمرون في دكانه ... # وكان فيمن يقصد دكانه ذاك جماعة من أمراء المماليك الشبان، يستخفهم حديثه وتلذهم حلواه، ~~على أن قنصوه الغوري كان أكثر رواد ذلك المنتدى الصغير وأشدهم إقبالا على بضاعته، وإن ~~الغوري لجسيم شحيم، وله فنون في أكل الحلوى والمشبك، لا سيما تلك التي يصنعها علي بن أبي ~~الجود. فلما ارتقى الغوري في درجات الإمارة حتى بلغ ما بلغ، لم يرض لنفسه أن يختلط ~~بالسوقة وصغار الأمراء من رواد ذلك الدكان، ولكن صلته لم تنقطع بعلي بن أبي الجود؛ فقد عرف ~~فيه مصريا ذكي الحس، خفيف الروح، سريع الخاطر، له دهاء وحيلة؛ فإنه لأهل لأن يستعين به ~~يوما ما على أمر من أمره، ثم إن حلواه لم تزل حبيبة إلى نفس الأمير الشيخ ... ومن ثمة ~~نشأت الصلة بين طومان وعلي بن أبي الجود، فكثيرا ما كان يقصد إلى دكانه، لحاجة عمه أو ~~لحاجة نفسه، وما كان أكثر حاجته إلى أن يلقى من أعيان المصريين من لا يتهيأ له أن يلقاهم، ~~فيتحدث إليهم إلا في دكان ابن أبي الجود. # ففي أصيل يوم من تلك الأيام قصد طومان إلى ذلك الدكان لبعض حاجته، فإذا طائفة من أصدقاء ~~ابن أبي الجود قد جلسوا ينتظرون ما يهيئ لهم من بضاعته، ويتبادلون الأحاديث، على أن ~~المدينة كلها في ذلك اليوم لم يكن لها إلا حديث واحد؛ فقد كان مصرع الأمير قصروه - كبير ~~الأمناء - حادثا فظيعا يتردد صداه في كل نفس، فما ترى في ms090 عيون الناس ولا تسمع على ألسنتهم ~~إلا أمارات الحزن وعبارات الأسى على مصرع ذلك الأمير الكريم، وكأنما لم يكن هتاف ذلك ~~الشعب منذ قريب باسم السلطان العادل طومان باي إلا تعبيرا عن ثقته وحبه لمستشار ذلك ~~السلطان وكبير أمنائه، فما جاءه نبأ مصرعه حتى انقلب ذلك الهتاف باسم السلطان دعاء عليه ~~وبغضا له، فلو أطاقوا لانتزعوه من عرشه ورموه في حفرته. # ولم يكد طومان ابن أخي الغوري يظهر في الطريق مقبلا على دكان ابن أبي الجود، حتى أمسك ~~الناس هناك عما كانوا فيه من حديث قصروه وأخذوا في حديث غيره، أليس هذا الأمير الصغير هو ~~ابن أخي الغوري دوادار السلطان؟ فإنهم ليخشون أن يطلع على ما تكن صدورهم من البغض لذلك ~~السلطان الغادر. # ولحظ طومان صمتهم بعد ضجيج وسكونهم بعد حركة، فأقبل عليهم بتحيته مبتسما ثم جلس بينهم، ~~وطال الصمت فترة، ثم ندر صوت رجل من أبناء الناس كان جالسا في زاوية الدكان يقول: رحمه ~~الله! لقد عاش كريما ومات كريما. # ووجد طومان فرجة لينفذ منها إلى ما يريد، فقال وقد بدا في وجهه لون من الأسى: أحسبك تتحدث ~~عن الأمير قصروه، وحقا قلت، وإن موته لخسارة! # ثم عاد لحظة إلى الصمت وهو يقلب بصره في وجوه الجالسين، وأردف: ولم يكن مثل قصروه في ~~وفائه أهلا لهذا الغدر. # وبدا الارتياح في وجوه الناس، وقال رجل منهم: عجبت كيف يكره قصروه أو يخافه رجل له قلب أو ~~عقل! # قال جاره: ومن قال لك إن لذلك الغادر الذي دبر مصرعه قلبا أو عقلا! أرأيته - لو ~~أن له عقلا يدرك به - كان يهدم تلك الدعامة الراسخة التي يستند إليها عرشه؟ # قال آخر: أفليس هو الذي قتل الناصر ابن سيده، وخلع الظاهر صديقه، وغدر بصاحبه جانبلاط ~~الذي وثق به وأسلم له الأمر كله؟ فمن أين لمثله أن يكون له قلب أو عقل؟! # في تلك اللحظة، أقبل على دكان علي بن أبي الجود شيخ جليل، له وقار وسمت، فأمسكوا عن ~~الحديث ووقفوا إجلالا وتحية حين ms091 همس واحد منهم: الشيخ جلال الدين السيوطي! # وألقى الشيخ إليهم السلام وهم أن يستأنف سيره، بعد أن أسر كلمتين في أذن ابن أبي الجود، فقال واحد من الجماعة: ادع لنا يا سيدنا الشيخ أن يكشف الله عنا هذه ~~الغمة! # فأسبل الشيخ جفنيه وهز رأسه في أسف وهو يقول: الله لهذه الأمة من ذلك الفاسق! عجل الله به ~~لنخلص من شره، ورحمة الله على ذلك الشهيد. # ثم استأنف سيره لتعود الجماعة إلى ما كانت فيه من الحديث. # قال جركسي قصير القامة كان جالسا في أقصى المجلس: ليس لنا والله في هذه المحنة إلا ~~تدبير الأمير الكبير قنصوه الغوري، لولا عزوفه عنها! # ومال طومان برأسه ينظر، فإذا غلامه أبرك ... فابتسم ابتسامة ثم قال: ومن أين لعمي الغوري ~~أن يؤمن بأن عليه اليوم فرضا أن يخرج من صومعته ليقيم هذا العوج؟ إنه ليكره أن يظن ~~الناس به الظنون حين يسمعون له صوتا في هذه الملمة، وإن أبغض شيء إليه أن يكون من أصحاب ~~السلطان، فيحمل أوزار هذه الخلائق جميعا على رأسه يوم القيامة. # قال شيخ كبير: فإذا لم يحملها الغوري فمن يحملها؟ إنه ليزعم أنه يفر من حمل أوزار الناس، ~~وإن فراره ذاك لإثم أكبر، فقد فسد الأمر كله حتى يوشك الناس أن يأكل بعضهم بعضا، ~~ويتخذوا سلطانهم قدوة في الغدر والخيانة. # قال طومان: ولكن الغوري يا أبت شيخ كبير يضعف عن احتمال تبعاتها ... # قال الشيخ: بل قل كما قلت من قبل: إنه يفر من تبعاتها. وماذا صنع الشبان الأربعة الذين ~~تداولوا عرش قايتباي من بعده، ماذا فعلوا إلا الغدر والفتك، وهتك الحرمات وسفك الدم، أفلم ~~يكن قايتباي شيخا قد حطم الثمانين؟ فأين منا تلك الأيام السعيدة المجيدة؟! # قال طومان: صدقت! فمن لي بأن يؤمن عمي الغوري بما تقول؟ # وكان علي بن أبي الجود قد فرغ من حاجة أصحابه هؤلاء، فأخذ كل منهم حاجته ومضوا لشأنهم، ~~ومضى الشيخ الكبير، والأمير طومان، وأبرك المملوك، كل منهم في وجه، ولكنهم لم يلبثوا أن ~~التقوا عند ms092 دار الأمير قنصوه الغوري في ساحة «بين القصرين»، حيث كان الغوري ينتظر أن ~~يعودوا إليه بما عندهم من أحاديث الناس في المدينة. # فلما أظل الليل، كان علي بن أبي الجود نفسه بياع الحلوى والمشبك عند حمام شيخو، جالسا ~~بين يدي الأمير قنصوه الغوري الدوادار الكبير، يقص عليه ما رأى وما سمع من حديث الأمراء ~~والسوقة في ذلك اليوم، الذي لم يكن يجري فيه على لسان أحد من الناس - جراكسة ومصريين - إلا ~~خبر مصرع قصروه، وطيش السلطان العادل طومان باي وغدره. # وخلا المجلس بعد قليل بطومان وعمه، فقال الفتى: يا عم، إن في نفسي حديثا أرجو أن تأذن ~~لي فيه. # قال الغوري: وما ذاك يا طومان؟ # قال طومان: إني أخشى أن يكون علي بن أبي الجود عينا عليك، فقد نبئت أن له سببا إلى ~~السلطان، وليس لمثل هذا السوقي عهد. # قال الغوري باسما: نبئت! فمن أنبأك؟ حسبتك تعرف منذ بعيد أن له أسبابا إلى ~~السلطان. إنني أعرف هذا فلا تخش سوءا يا طومان، إن عمك يعرف أين يضع رجله قبل أن يخطو ~~خطوة إلى أمام، أو إلى وراء. # ضاق صدر طومان بحديث عمه هذا، فقال غاضبا: تعرف هذا؟ فهل عرفت أن كلمة واحدة قالها ~~الشيخ جلال الدين السيوطي اليوم على مسمع من ذلك السوقي، فلم تلبث أن بلغت السلطان، فإن ~~الجند ليبحثون عن الشيخ جلال الدين منذ ساعات؛ ليسوقوه مقيدا إلى مجلس السلطان ينتقم ~~منه. # فزادت ابتسامة الغوري اتساعا وعمقا وهو يقول: عرفت هذا، وأحسبهم لن يظفروا بالشيخ جلال ~~الدين ولو كبسوا كل بيوت المدينة، فقد عرف الشيخ ما يراد به من قبل أن يعرف الجند الذين ~~ينقبون عنه في زاوية كل دار ومسجد. # فبدت الدهشة في وجه طومان وأمسك عاجزا عن الرد، ولم يزل يحيك في صدره الشك ~~والقلق. # وفي هدأة الليل وقد نامت العيون، كان شيخ في الستين يدلف حذرا في الطريق إلى بركة الفيل، ~~حتى بلغ دارا لم يرتج بابها فنفذ من ورائه إلى الطريق شعاع يتراقص، فدفع ms093 الشيخ الباب في ~~خفة ودخل، ثم أغلقه فأحكم رتاجه، ووضع عباءته عن كتفيه وانتصبت قامته، واستقبلته جارية كانت ~~تنتظره ثمة فسألته: هل أنبئ مولاتي؟ # قال: نعم، قولي لها قد جاء الغوري لموعدك يا خوند، وإن به حاجة إلى أن يعود إلى داره ~~قبل أن يتقدم الليل. # وكانت خوند أصل باي تنتظر، فلم تكد تنبئها الجارية بمقدم قنصوه الغوري حتى هبت واقفة ~~وتهيأت لاستقباله. # والتقى الأمير الشيخ بالأميرة الكسيرة الجناح التي كانت ذات يوم أحظى جواري السلطان ~~قايتباي، ثم لم تزل من بعده آمرة ناهية في عهد ولدها الناصر، وأخيها الظاهر، وزوجها ~~جانبلاط. # أين هي اليوم مما كانت تنعم به من الجاه والمجد والسلطان؟! لقد ذهب ذلك جميعا، وتخضب سيف ~~العادل طومان باي بدم ولدها وزوجها، ولعله يدبر الساعة لأخيها الظاهر في معتقله ما يدبر من ~~كيد ليؤمن ظهره، ولم يكفه هذا الذي صنع، فسلط عليها زبانيته يحاولون أن يغتصبوا ما ~~ادخرته من مال في أيام عزها؛ ليكون لها عونا في تلك الأيام الشداد ... # قال الغوري: إني والله يا خوند ليعز علي ما نالك على يد ذلك السلطان الغاشم، وإني إلى ~~ذلك لأعجب كيف رضي لك مماليك السلاطين الأربعة هذا الهوان، فلم يدفعوا عنك أذاه، ولم ~~يحاولوا أن يأخذوا بثأرهم منه؟! # قالت ورفعت منديلها إلى عينيها تجفف عبرة: شكرا يا أمير، وإنها لمروءة أن تذكرني حين لا ~~يذكرني أحد، وقد كان مماليك السلاطين أهلا لأن يدفعوا عني ويأخذوا بثأرهم، لولا ما بيني ~~وبينهم من حجاب، ومن أين لي أن ألقى أحدا من أمرائهم فأتحدث إليه! فلولا أنك تذكرني لغاب ~~عني أنني كنت يوما سلطانة وكانوا لي بطانة، وإني لأشتري قطرة من دم ذلك الباغي بكل ما أملك ~~من مال. فقد نذرت نذرا أن أتخلق أنا وعيالي بدمه، بما أثكلني ورملني وأسخن ~~عيني. # قال الغوري: أرجو أن تجدي وفاء نذرك يا خوند وتقري عينا؛ فقد آلمني وبلغ من نفسي مبلغا ~~بعيدا أن يطيش ذلك السفاك حتى يسلط عليك زبانيته يستصفون مالك، فلا ms094 يتركون لك أبيض ولا ~~أصفر. # ثم صمت برهة وعاد يقول والكلمات تتعثر على شفتيه: وإن علي دينا لأستاذي قايتباي ولك، ~~يقتضيني أن أمد إليك يدي بما أملك من مال قليل، يكون لك عوضا مما انتهب هؤلاء اللصوص. # فابتسمت أصل باي وقالت مزهوة: وهل حسبتهم - كما زعموا وزعم الناس - قد أخذوا من مالي ~~إلا قلامة ظفر! فالحمد لله على نعمته وشكرا لك. # وخرج الغوري من دارها تحت الليل كما دخل، وقد أيقن أن تحت لوائه منذ الليلة كل مماليك ~~السلاطين الأربعة؛ لينالوا ثأرهم عند العادل طومان باي ... # ومضى جمادى ورجب وشعبان، والبذرة تستجمع لنفسها أسباب النماء والقوة في باطن الأرض، فما ~~أهل هلال رمضان حتى نجم النبات واستطال، وامتدت فروعه إلى يمين وشمال، وحل الربيع - بعد ~~شتاء عاصف - يجد الآمال ويوقظ الفتن النائمة، فلم يكن للسامرين في ليالي رمضان الضاحكة ~~في نور الربيع ونواره إلا حديث واحد، يبدأ وينتهي عند اسم العادل طومان باي. واستطال ~~الناس عهده وما استقر على عرشه ثلاثة أشهر ... # وأحس السلطان نذر الشر فراح يدبر أمره، ودعا الأمراء إليه فلم يجبه مجيب، فعول على خطة ~~يخلص بها من الأمراء جميعا، ولم يوقظ فتنة، ولم يسفك دما. # العيد بعد غد، وسيجتمع الأمراء في المسجد يوم الفطر للصلاة، وهنالك ... هنالك يحيط بهم ~~الجند فرادى، فيسوقونهم إلى حيث يلقون آخرتهم، ويخلص له العرش. # وجاءهم النبأ قبل أن تغرب شمس رمضان، فحشدوا الجند ووثبوا على القلعة قبل أن يأخذ ~~السلطان أهبته! # وكما فر من قبل الظاهر قنصوه والأشرف جانبلاط، فر العادل طومان باي قبل أن يدركه ~~هلال شوال وهو على العرش. # واجتمع الأمراء صبيحة يوم الفطر يداولون الرأي ويتساءلون بينهم: من ذا يلي العرش في هذه ~~الفتنة إلا رجل عرك الدهر وخبر سياسة الدولة جيلا بعد جيل؟ من غير قنصوه الغوري؟ # وتمنع الغوري وبكى وهو يقول: دعوني أقضي ما بقي من أيامي هادئا، لا تقدموا عنقي إلى ~~الجلاد في مهرجان، فما هذا التاج الذي تضعونه على رأسي إلا غل تسوقون فيه ms095 رجلا منكم ~~إلى الموت، بين عزف الموسيقى ونقر الدفوف. # قال الأمراء وقد نال منهم حديثه فأقبل منهم من كان معرضا، ومال إليه من كان مائلا عنه: ~~ليس لها غيرك يا قنصوه، وكلنا جند من جندك! # وأقسموا له على الطاعة والولاء مخلصين. # وجلس قنصوه الغوري على العرش في يوم الفطر سنة 906 وعيدت المدينة عيدين. # وكان أرقم الرمال جالسا في ظل سرحته الفينانة من بساتين القبة حين جاءه النبأ، فقلب ~~كفيه عجبا ودهشة وهو يقول: ما شئت يا رب لا ما شاء الناس، بيدي رفعت ذلك الثعلبان الشيخ ~~إلى العرش، حين خيل إلي أنني قد وضعت في قفاه السيف، وبيدي قتلت قصروه الشهيد وخلعت ~~العادل طومان باي. # ثم غاب في سبحة من سبحاته الخيالية مطوفا في الآفاق البعيدة، وتتابعت على خديه ~~دموعه. # الفصل العشرون # | تحت ظل العرش # قال خاير بك حاجب الحجاب لصاحبه خشقدم الرومي: أرأيت يا صديقي كيف تتقلب الأقدار؟ أفكنت ~~تحسب يوما أن يبلغ ذلك الصبي حيث بلغ، وأن يرتفع به الحظ حتى يقع ظله على العرش، وأن ~~يسلم له الزمام عمه السلطان الشيخ حتى لا رأي لأحد من الأمراء العظام فوق رأي طومان؟ # فضحك خشقدم ساخرا وهو يقول: وأنت يا خاير بك حيث أنت، وأنا ... لو شاء ذلك الصبي لردنا ~~إلى الرق بعد عتاق، أفرأيت كيف يصعر خده عابسا حين يرانا كأن لم يكن يوما ولم نكن! # قال خاير بك: ليس يعنيني عبوسه أو انبساطه، ولكني قد لحظت منذ قريب أن له عينا علي ~~حيثما أذهب، وما أراه إلا يدبر لي شرا. # قال خشقدم: أما شره فلا تخف يا أمير، فما علمته ينبعث إلى الشر، وإنما هو عين وأذن ~~ولسان، فإن كان قد جعل عليك عينا كما زعمت، فاحرص منذ اليوم على سرك قبل أن يعرف السلطان ~~من خبرك ما تحرص على كتمانه. # قال خاير بك قلقا: ماذا قلت؟! أفتراه يختلف إلى بيت أقبردي الدوادار حينا بعد حين لمثل ~~ذلك، وهو يزعم أن خوند مصرباي أخته وأنه لها ms096 أخ وجار؟! # قال خشقدم الرومي: أما في بيت أقبردي فلا، فليهدأ بالك يا أمير، ولكن له هناك أمنية يتطلع ~~إليها منذ بعيد ... # فابتسم خاير بك وقال: تعني شهددار بنت أقبردي؟ # قال خشقدم: نعم، ولكنه لن ينالها، فقد أجمع السلطان على أن يزوجه ابنته جان سكر، وما ~~أظنه يغفر له لو عرف أن له هوى هنالك، فإن شئت يا أمير فقد عرفت من أين تناله. # فسرحت نظرة خاير بك إلى بعيد وهز رأسه وهو يردد في صوت خافت: نعم، نعم قد عرفت! # ثبتت قوائم عرش السلطان في مصر بعد اضطرام دام سنين، منذ مات السلطان قايتباي، واستقر ~~الغوري على عرشه هادئا راضي النفس قد أمن ظهره، فليس بين أمراء المماليك اليوم أمير واحد ~~يزعم لنفسه أو لأحد ممن حوله أنه أولى بها من ذلك السلطان الشيخ، وقد تفانى الأمراء العظام ~~ومات بعضهم بأيدي بعض ... # على أن طائفة من الأمراء الشبان كانت أنفسهم تنازعهم إلى لون من المجد والجاه، ولكنها ~~لم تكن تبلغ بهم مبلغ الأمل القريب في عرش السلطان الشيخ إلا أن يموت حتف أنفه، وكان ~~السلطان الغوري رجلا من ذوي الرأي والحيلة، له تدبير وكيد، وقد سلخ ما مضى من عمره لا يفكر ~~إلا في الوسيلة التي يبلغ بها العرش، فلما بلغ لم يكن له فكر إلا في الوسيلة التي تحفظ ~~له هذا العرش، ما عاش ليجعله من بعده ميراثا لولده، فغفل عن كل تدبير إلا ما كان سببا ~~إلى هذه الغاية، فلم يكد يحكم حتى كان من أول همه التخلص من أعدائه، يغري بعضهم ببعض ليخلص ~~منهم جميعا، ولم يسفك دما أو يؤرث بغضاء، ثم جد في طلب السلطان المخلوع، حتى ظفر به ~~فأسلمه إلى أعدائه يأخذون منه بثأرهم. وتخلقت أصل باي بدمه وتخلق عيالها، وهيأ لها السلطان ~~الوفاء بذلك النذر. # ولم يكن به شره إلى المال، ولكنه أيقن أن المال هو الوسيلة إلى استبقاء العرش، فكان كل ~~تدبيره من بعد ليجمع ما يقدر عليه من المال بكل ما ms097 يملك من أسباب، ولم يبق في ذلك ممكنا ~~إلا استعان به، حتى اتجر في الغذاء والكساء، واتجر في وظائف الدولة، واحتكر أنواعا من ~~المتاجر لا تباع ولا تشترى إلا من بابه. وسار الموظفون على نهج السلطان، فاتجروا ~~واحتكروا، وفرضوا الضرائب لأنفسهم على الناس باسم السلطان، له منها نصيب ولهم نصيب، وليس ~~يعنيه شيء مما يصيب الشعب من وراء ذلك ما دامت خزانته عامرة بالمال، واتخذ من أعوانه في ~~تقدير الضرائب وتحصيل المال طائفة من ذوي الرأي والحيلة، أو ذوي الغلظة والعنفوان، فيهم ~~جاني باي الأستادار، وفيهم علي بن أبي الجود بياع الحلوى والمشبك عند حمام شيخو كان. # وجعل همه إلى زيادة مماليكه الخاصة؛ ليكون له منهم جيش يحميه ويدفع عنه، حتى بلغ عدد ~~مماليكه الخاصة في طباق القلعة ألفا ومائتين، غير مماليك الأمراء والوزراء وأصحاب الوظائف، ~~ينفق عليهم جميعا من مال الدولة ويحتظيهم ويمكن لهم، على حين ترك القرانصة من مماليك ~~السلاطين السابقين لا يجدون ما ينفقون، وانتزع ما كان بأيدي أولاد الناس - ذراري الأمراء ~~السابقين - من إقطاعات خلفها لهم آباؤهم؛ ليهبها لمماليكه الخاصة أو يضمها إلى ملكه ~~... # وضاق الشعب بما يحمل من عبء الضرائب وعسف المماليك الخاصة. # وثار القرانصة لإيثار الجلبان عليهم بالخير والنعماء. # وغضب أولاد الناس لهوانهم بعد عزة وفقرهم بعد غنى. # ورآها العربان وفتيان الزعر فرصة سانحة للشغب وإثارة الفتنة؛ ليفسدوا على هؤلاء الجراكسة ~~أمرهم، وينالوا الثأر من حكومة المماليك. # رجل واحد كان يحمل هم ذلك كله على كتفيه، فلولا أنه صديق الشعب والقرانصة وأولاد الناس، ~~ولولا إحسانه وبره وتواضعه ورقة قلبه، ولولا أنه صوفي بين المتصوفة، وفتى بين فتيان ~~الزعر، وأعرابي بين الأعراب، ولولا أنه سفير هؤلاء جميعا إلى السلطان، وسفير السلطان ~~إليهم، ولولا أن له عينا ترى، وأذنا تسمع، وقلبا يحس ويدا تعطي، ولسانا يبين، ~~لانتقض غزل السلطان الغوري ولم يبلغ تمام أمره، ذلك هو الأمير طومان باي، وإنه يومئذ لشاب ~~لم يبلغ الثلاثين ... # على أن ذلك الأمير الشاب - على ما يحمل من أعباء هذه ms098 الهموم جميعا - كان ينوء بهم ~~آخر من هموم نفسه، يجثم على صدره كالجبل الراسخ في موضعه لا يتحلحل، ذلك هو همه وهم ~~شهددار. # يا له مما يلاقي من ذلك الهوى! # منذ بضع سنين لم يزل يحمل من حب تلك الفتاة ما يحمل صابرا ينتظر فرجة من أمل، وبصيصا من ~~نور، وقد خيل إليه ذات يوم أنه مستطيع أن يظفر برضا عمه عن زواجه ببنت أقبردي، وماذا ~~يمنعه من ذلك وقد مات أقبردي، فانقطع ما بينه وبين الأحياء من أسباب العداوة، وقد بلغ ~~الغوري حيث أراد وولي العرش، فليس بينه وبين ذلك الماضي سبب ولا وشيجة من حب أو من بغضاء، ~~فهل يأبى اليوم أن يحقق أملا لابن أخيه وأحب الأمراء إليه؟ # وهم أن يتحدث إلى عمه بما أراد حين ابتدره عمه قائلا: طومان، لقد أبليت بلاءك يا ~~بني في تثبيت قوائم هذا العرش، فأنت حقيق بأن تبلغ مني أدنى منزلة، وقد اخترتك لابنتي ~~جان سكر، فهي مسماة عليك منذ اليوم ... فإن شئت فليكن زفافها إليك بعد أن يقدم الحاج في ~~المحرم، أو لا فليكن ذلك في يوم عرفة قبل أن يشتد القيظ. # فنكس طومان باي رأسه بين الخجل والحيرة، وقال وصوته لا يكاد يبلغ أذنيه: مولاي! # فابتسم الغوري ابتسامة ماكرة وهو يقول: عرفت يا بني ما في نفسك، فما بك من حاجة إلى أن ~~تشكر، وإنك لولدي ومن حقك علي أن أختار لك، وما كانت نفسي لتطيب بها لأحد غيرك. # فرفع طومان باي عينيه برهة في وجه عمه، ثم أطرق صامتا وصدره يكاد ينشق غيظا مما به. ~~«ما به حاجة إلى أن يشكر!» عجبا! أفتراه كان يريد أن يقول له: «إنك لا تملك معي إلا الرضا والطاعة، فليس من حقك أن تأبى!» ولكنه اصطنع أسلوبه في ~~السياسة فأبدل عبارة بعبارة؟ وهل كان الغوري يجهل ما في نفس طومان باي وما أجمع نيته عليه؟ ~~ولكن ماذا يملك طومان باي الآن إلا أن يطأطئ رأسه في صمت وصدره يكاد ينشق غيظا مما ms099 به؟! # يا له مما يلاقي! ويا لشهددار! # وشاع في القصر ما كان من خبر طومان باي وبنت السلطان، وعرف كل مملوك في القصر وكل جارية ~~أن جان سكر بنت السلطان هي منذ اليوم خطيبة طومان باي ... وعرف خشقدم الرومي عتيق ~~السلطان. # وذاع الخبر حتى بلغ شهددار، فأوت إلى مقصورتها تبكي في صمت، ويئست بعد أمل، فأسلمها اليأس ~~إلى الهم، فأسلمها الهم إلى فراش الضنى ... وما كان لشهددار أن تسترسل في أحلامها بعد ما ~~كان؛ فإن طومان باي منذ اليوم صهر السلطان، وما كان له أن يروع بنت السلطان بضرة، وأن تكون ~~هذه الضرة هي بنت أقبردي الدوادار ... # وقال خوند مصرباي لصديقها خاير بك: لقد كنت أتوقع أن يكون مثل هذا، ولكن من يدري! فقد ~~يجمع الله الشتيتين ... # فزفر خاير بك زفرة عميقة وهو يقول: نعم ... # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن ألا تلاقيا # ذلك كل ما أهتف به من الشعر في خلواتي يا مصرباي، فهل تهتفين به في خلواتك؟ # فاستضحكت ثم قالت وقد برقت عيناها بريقا خاطفا، وافتر ثغرها عن ثنايا كاللؤلؤ الرطب: ~~لا يا صديقي، وماذا يدعوني إلى الظن بألا تلاقي؟ # لقد تعودت أن أتمنى فأجد، وإنما أتغنى في خلواتي بشعر الشاعر: # فيا رب كل اثنين بينهما هوى # من الناس والأنعام يلتقيان # فيقضي حبيب من حبيب لبانة # ويرعاهما ربي فلا يريان # ومست ألحان مصر باي قلب خاير بك، فمال نحوها يقول: وماذا يكون إن رئيا يا مصرباي؟ # ومد إليها يدا، فكفته وهي تقول: الحفاظ والمروءة يا خاير ... ألا يراهما ذو ~~عينين. # وأخذا في حديث طويل، فلولا أن بين خاير بك وصديقه خشقدم الرومي موعدا قد أزف، لظل ~~يحدث صاحبته ويستمع إليها حتى الصباح. # لم يفارق خشقدم الرومي سيده الغوري منذ دخل في رقه، فعاد معه من حلب إلى القاهرة عزيزا ~~مكرما، ولم يطل عهده في الرق، فقد أعتقه مولاه ووهب له خيلا ومالا وجعله في بطانته، ولم ~~يأله منذ كان إكراما وبرا، فهيأ له أسباب الإمارة، وزوجه ms100 بنت جاني باي الأستادار، ~~وأقطعه دارا، وأجرى له رزقا، واعتده من خاصة مماليكه، ولكن خشقدم مع كل ذلك لم ينس أنه ~~رومي بين الجراكسة، وأنه كان يوما ما رفيقا لطومان باي، ذلك الجركسي الشاب الذي يهتف ~~اليوم باسمه الأمراء والسوقة، وينفذ أمره في القصر وفي الديوان ... ولم يزل خشقدم حيث كان: ~~عتيقا ليس له إقطاع ولا إمارة! ~~«لماذا تفاوتت المقادير بينهما هذا التفاوت البعيد؟ ألأنه ابن أخي الغوري فيما يزعم؟ وما ~~هذا في دولة المماليك؟ أترى أولئك الذين يتأمرون منهم ويحكمون، قد بلغوا مرتبة الحكم ~~والإمارة لأن آباءهم كانوا من الأمراء أو من السلاطين؟ فمالهم يجعلون الأنساب سببا لغير ~~مسبب، ودستور هذه الدولة إنما يقوم على حق «المملوكية» لا على الأنساب؟ ...» # كذلك كان خشقدم يدير هذه الأسئلة بينه وبين نفسه حينا بعد حين، فلم تلبث المنافسة بينه ~~وبين طومان باي أن انقلبت إلى حسد، وتطور الحسد فإذا هو حقد وضغينة، وتضاعف الحقد حتى صار ~~هما مقيما مقعدا، كأن له عند طومان باي ثأرا يطلبه، فلا يزال يتحين له الفرصة ليبلغ منه ~~مبلغه. # ودارت المقادير بخشقدم في فلكها الدائر، فإذا هو يلقى خاير بن ملباي ذات يوم وجها لوجه، ~~وما التقيا قط منذ افترقا في حلب منذ بضع عشرة سنة، فما كادا يلتقيان حتى ألف بينهما هوى ~~مشترك، فلم يلتقيا بعدها إلا على ميعاد. # الفصل الحادي والعشرون # | بأي أرض تموت! # قالت أم السعد لأختها جليلة وقد قصدت إليها تزورها في دار زوجها بالشرابشيين: هنيئا لك ~~يا جليلة، فقد والله انشرح صدري لمرأى دارك هذه في رونقها الجديد، إنها لتبدو للعين كأنها ~~دار جديدة غير تلك الدار، التي كانت في ذلك الزقاق الخرب كجحر الضب؛ فإنها اليوم لتشرف على ~~الطريق السلطاني، قد تخللها الهواء والنور من جميع جهاتها، وانبسط بين يديها الفضاء، فلولا ~~أنني دخلت حجراتها ورأيت ما فيها من الأثاث ورأيتك أنت، لحسبتها دارا غير دارك تلك! # قالت جليلة باسمة: كذلك يقول زوجي، أما أنا فلم أخرج إلى الطرق منذ خرجت ms101 دارنا هذه إلى ~~الطريق، وانهدم ما بين يديها من دور الناس، فلم أر منها إلا ما كنت أرى وهي في ذلك ~~الزقاق، ولكنني أرى ما بين يديها من الفضاء حين أطل من شرفتها، وأرى هؤلاء الفعلة ~~والبنائين يبنون جامع السلطان ... # قالت أم السعد وقد نهضت إلى الشرفة لترى ما تصف أختها: والله لقد اختار السلطان الغوري ~~فأحسن الاختيار، حين خط مسجده ومدرسته في هذا الحي، واختار الله لك حين هدم ما بين يدي هذه ~~الدار من بيوت الناس، فأخرجك من ذلك الزقاق الخرب إلى الطريق السلطاني ... # قالت جليلة وفي صوتها رقة وعطف: اسكتي بالله يا أم السعد ولا تثيري أشجاني، فهل كان ما ~~كان من ذلك إلا على حساب البائسين من أهل ذلك الزقاق، الذين انهدمت دورهم فأصبحوا ولا ~~مأوى لهم؛ ليتهيأ للسلطان أن يوسع مدرسته ومسجده ويشرع هذا الطريق! وماذا ينفعه المسجد ~~والمدرسة أو يدفعان عنه من غضب الله، وقد شرد الناس وأخرب بيوتهم، وفضحهم وكانوا في ستر ~~وتصون! ثم ماذا أجدى علينا ذلك إلا الحسد وعيون الناس، ثم هذه الضريبة التي فرضها ~~علينا علي بن أبي الجود؛ لأن دارنا قد برزت من جحرها إلى الطريق السلطاني، وكنا والله من ~~ذلك الجحر في نعمة! # قالت أم السعد منكرة: يا أخية! إنك لا تشكرين النعمة أبدا، ولو قد رأيت دارك اليوم حين ~~يترامى إليها النظر من بعيد مجصصة مبيضة كدور بعض الأمراء، لعرفت قدر النعمة وشكرت! # قالت أختها: مبيضة مجصصة يترامى إليها النظر من بعيد! ليتك تعرفين مقدار ما تكلفنا من ~~الجهد والمال في تجصيصها وتبييض وجهها طاعة لأمر السلطان، لقد أنفقنا في ذلك يا أختي ما لا ~~طاقة لنا به، ولو كان الأمر بيدنا ما جصصنا ولا بيضنا، ولكان عندنا اليوم ما ننفق ... وتلك ~~الأنظار التي تترامى إلى دارنا من بعيد، قد حرمت علي أن أقف إلى هذه الشرفة برهة ~~لأتروح مما بي من الهم ... ادخلي يا أم السعد، إن عينين تنظران نحونا وأخاف أن يرانا أحد ~~في الشرفة ms102 أو يعرف زوجي، وإنه كما تعلمين لغيور ... # وكان البناءون دائبين في عملهم، والفعلة طالعين ونازلين على تلك المصاعد الخشبية ~~المشدودة إلى الحيطان، يحملون الآجر والحجر وهم يغنون أغنياتهم، يستعينون بالغناء على ما ~~يجدون من عناء العمل الشاق، وقد ارتفع البناء واستطال وبدا المسجد لعيني من يراه - وإن لم ~~يتم تمامه بعد - آية من آيات الغوري يجري حديثها على كل لسان ... # وجلست الأختان في بهو الدار تتمان ما بدأتا من الحديث. # قالت أم السعد: فكيف صنعت خالتي أم أيوب وقد انهدم نصف دارها، وانكشف سائر ما فيها لعيون ~~الناس؟ # قالت جليلة: اسكتي بالله يا أختي فإنني أريد أن أنسى ... لم يبق لنا بعد خالتي أم أيوب ~~جارة ولا جار ... وقد ذهبت أم أيوب تحمل على رأسها أنقاض دارها، وتجر وراءها سلسلة من ~~الأحزان، فلم يبق منها إلا ذكرى! # قالت أم السعد: فأين ذهبت؟ # قالت جليلة وقد برقت في عينيها دمعة: ذهبت إلى الله وهي تتمتم بدعاء على السلطان لم تسمعه ~~أذنان؛ فإن علي بن أبي الجود لم يدعها لما نابها، وقد انهدم نصف دارها وانكشف سترها للناس، ~~فجاء عامله ليجبي منها الضريبة السلطانية، ومن أين لها أن تدفع الضريبة وهي لا تملك ما ~~تتبلغ به؟! ولكن الجابي لم يرفق بها وإنها لعجوز كجدته، فشد وثاقها وساقها إلى الحبس، فلم ~~يطلقها إلا حين استوفى الضريبة ببيع ما بقي من الدار. وخرجت المسكينة من محبسها لترى نصف ~~دارها في الطريق، ونصفها في يد مالك جديد ... واختار الله لها وسترها فانتقلت إلى الدار ~~الآخرة ... وعلى شفتيها دعاء لم تسمعه أذنان! # مصت أم السعد شفتيها محزونة وهي تقول: مسكينة! اللهم احفظنا يا رب! # وسمع نقر على الباب، فخفت إليه جليلة لتفتحه فتستقبل زوجها عز الدين، وكان عز الدين هذا ~~تاجرا يبيع طرائف الثياب وألوان القز، قد اتخذ متجره في سوق مرجوش على بعد قريب من داره، ~~ولم يكن يدخر مالا، فلولا أنه لا ولد له ولا يعول إلا زوجه لضاق به العيش، على أنه لم ms103 ~~ير قط إلا ضاحك السن وعلى وجهه مسحة الرضا والقناعة، ولكنه في هذا المساء قد عاد إلى ~~داره عابسا مطبق الشفتين، فحيا وجلس بين زوجته وأختها، فلولا حق هذه الضيفة عليه لظل ~~مطبق الشفتين في مجلسه لا ينبس بحرف. # قالت أم السعد وقد أنكرت هيئته تريد أن تحمله على الحديث: هنيئا لك الدار والجار يا عز ~~الدين! # فابتسم عز الدين بعد عبوس وقال: أما الدار فليست جديدة علي، وأما الجار فلست أدري ~~ما تعنين يا أم السعد، إلا أن يكون قصدك هذا المسجد الحرام! # وضحك، وضحكت زوجه، وابتسمت أم السعد وهي تقول: المسجد الحرام! # قال ولم يزل يضحك: نعم، إنه المسجد الحرام من دون مساجد المسلمين جميعا، فقد أسس على ~~الظلم والغصب، ونهب أموال الناس، وترويع الآمنين، وماذا يكون الحرام إلا ذلك؟ # قالت أم السعد: إن لسانك لا يطاق يا عز الدين، أفلا تشكر للسلطان أن بني مسجده ومدرسته ~~هذين لتكون له جارا؟! # قال: والله لقد كان جوار أم أيوب ومختص الطواشي أحب إلي من جوار هذا السلطان، أما ~~أم أيوب فقد أخرب دارها وتركها تلفظ آخر أنفاسها على الطريق، وأما مختص الطواشي فقد أعجب ~~السلطان مسجده الصغير الذي بناه بالمال الحلال ليكون فيه مدفنه حين يموت، فاغتصبه وأوسعه ~~مما حوله من بيوت الناس وبناه مسجدا باسمه، وشق لنفسه فيه ضريحا يدفن فيه إذا حان ~~الأجل، مكان الضريح الذي كان يريده مختص الطواشي لرمته، كأنما حسده السلطان على مكانه ~~ميتا، وكان خليقا أن يحسده على مكانته في الآخرة لا في القبر! # ومصت أم السعد شفتيها ثانية وهي تقول: مسكين! حتى على القبر! # قال عز الدين: ليس مسكينا، فقد نفاه السلطان إلى مكة، فلعله أن يجد - حين يموت - في تلك ~~الأرض الطاهرة مدفنا يضم رفاته خيرا من مدفنه هنا في أرض الفساد والرجس! # ثم أردف ضاحكا: وقد سمعته بأذني وهو في طريقه إلى منفاه، يدعوه الله ألا يجعل للغوري ~~في بطنها مدفنا يزار، ولعل الله أن يستجيب له، وما تدري نفس ms104 بأي أرض تموت! # قالت امرأته وهي تهز كتفها: وأين يدفن الموتى إلا في بطن الأرض، أيخطفه طير الجو أو ~~تبتلعه سمكة في جوف البحر؟ # قال عز الدين جادا: اسكتي يا جليلة، إنها دعوة مظلوم! # وسكت برهة وهو يحدق بعينيه مفكرا، ثم أطرق وهو يهمس وقد بدا في وجهه الهم: كم يدعو ~~مظلومون ولا يستجيب الله! # وسمعته زوجته فصاحت به منكرة: ماذا قلت يا عز الدين! ... # ثم استدركت وقالت بلطف: ماذا بك اليوم فإن على وجهك سحابة هم، أليس يسرك أن ترى ~~أختي؟ # وخجل عز الدين فرفع رأسه وأقبل على أم السعد باسما وهو يقول مازحا في تكلف: ليتك يا أم ~~السعد ذات ولد! # وكانت أم السعد عقيما كأختها، فقالت متظاهرة بالرضا: وما حاجتي إلى الولد وإنه لمشغلة ~~وهم، وما رأيت أما شاكرة ... # قال وقد زادت ابتسامته: نعم، ولكن الناس جميعا يطلبون السعد ... # قالت وقد فهمت ما يعنيه وغلبها الضحك: ولكن السعد ما نحن فيه يا عز الدين، ولو كانت ~~الأسماء على مسمياتها ... # فقاطعتها زوجته قائلة: لو كانت الأسماء على مسمياتها لكنت عزا للدين، أو لكان اسمك ~~اليوم عباس! # قال الرجل ضاحكا: نعم، ولكان اسم علي بن أبي الجود: خراب الديار! # وأمسكت المرأتان عما كانتا فيه من الحديث حين جاء ذكر علي بن أبي الجود، وأوشكتا معا أن ~~تعرفا لماذا كان عز الدين اليوم على غير ما يعهدان فيه من البشر والطلاقة، فما أذكره ~~الساعة علي بن أبي الجود إلا شر عظيم. وأي الناس في القاهرة قد سلم من عسف علي بن أبي ~~الجود، حتى لكأنه شريك كل ذي مال في ماله، يقاسمه ما يملك باسم السلطان، ثم يعود فيقاسمه ما ~~بقي، ثم يعود ... ويسمي ذلك ضرائب لبيت المال، وما هو إلا السلب والنهب والطمع فيما في ~~أيدي الناس! # قالت زوجته مشفقة: فما لك ولعلي بن أبي الجود اليوم؟ # قال: بل اسألي: ما له ولي! فلا يزال عماله يطلبونني بما لا حق لهم فيه، حتى لقد أوشك ~~متجري أن يخرب كما ms105 خربت متاجر، وكم يدعو الله مظلومون ولا يستجاب لهم! # قالت زوجته مستنكرة: أف! الفقر ولا الكفر يا عز الدين، إن الله يمهل ولا يهمل! # ثم نهضت لتهيئ العشاء! # وقال الرجل وهو يدير عينيه بين ألوان الطعام: هلا بعثت يا جليلة فاشتريت بعض ما يبيع ~~مماليك السلطان عند باب القلعة من زبادي اللحم، ورقائق الخبز التي تفضل عن حاجتهم من أرزاق ~~السلطان؛ احتفالا بزيارة أم السعد؟ # قالت زوجته: وهل حسبت يا عز الدين أن السلطان في هذه الأيام يصرف لمماليكه من الرزق ~~زبادي لحم أو رقائق خبز تفضل عن حاجتهم فيبيعونها؟! هيهات! قد كان ذلك في عهد مضى، فإن ~~مماليك السلطان اليوم ليأكلون أرزاق الناس! # الفصل الثاني والعشرون # | شعب وحكومة # كان بدر الدين بن مزهر الأنصاري سيدا من سادات المصريين وذوي الجاه فيهم، وقد تولى - كما ~~تولى آباؤه من قبله - عدة وظائف سنية لعديد من السلاطين، فكان ناظر الخاص، ومحتسبا، وكاتب ~~سر، وهي وظائف تداني مرتبة الوزارة في نظام الحكومة لذلك العهد، وكانت تربطه ببعض أمراء ~~المماليك صلات من المصاهرة جعلته قريب المنزلة من ذوي السلطان، وكان إلى كل ذلك مليحا ~~وسيما، عريق النسب، كثير المال والنشب، عربي الوجه واليد واللسان، فبلغ بذلك كله منزلة من ~~المجد لم يبلغها مصري في ذلك العهد ... وكانت داره في بركة الرطلي ملتقى الصفوة من الرؤساء ~~والأعيان، وأمراء المماليك وأصحاب الوظائف وقادة الجند. # وكانت الإمبراطورية المصرية لذلك العهد مبسوطة الرقعة بين بلاد الروم وصحراء ليبيا ~~شرقا وغربا، ومن حدود اليمن على ساحل بحر الهند إلى سواحل بحر الروم جنوبا وشمالا، ~~وكانت تنعم باستقلال تام وحرية كاملة، فليس لدولة من دول الشرق أو الغرب عليها سيادة أو ~~سلطان، فهي سيدة نفسها وسيدة ما يليها من البلاد، لا تصدر ولا ترد إلا عن رأي حكومتها ~~المركزية في القاهرة، وقد تعاور عرشها طوائف من الملوك والسلاطين، فيهم الترك من بني ~~طولون وبني الإخشيد، وفيهم العرب من خلفاء العبيدين الفاطميين، وفيهم الكرد من بني أيوب، ~~وفيهم هؤلاء المماليك. ولكن ms106 هذه الإمبراطورية - على اختلاف أجناس الأسر الملوكية التي ~~تعاقبت على عرشها - لم تدخل تحت سيادة دولة أجنبية قط، منذ استقل بها عن الدولة العباسية ~~أحمد بن طولون في القرن الثالث ... # على أن المصريين في هذا العهد الذي نقص من تاريخه، لم يكونوا راضين عن نظام حكومة ~~الجراكسة رضا يفرض عليهم لها الطاعة والولاء؛ فقد ضاقوا بما يحملون من مظالم المماليك ~~ضيقا شديدا، فإنهم ليتمنون - لو استطاعوا - أن يخلعوا عن أعناقهم إصر هؤلاء السلاطين ~~الذين يتوارثون عرش مصر سلطانا بعد سلطان، منذ ثلاثة قرون أو قريب من ذلك، فلم يعدلوا في ~~الحكومة، ولم يقسموا بالسوية، ولم يحققوا للشعب معنى من معاني الحرية والإخاء، أو يهيئوا له ~~عيشة ناعمة رخية، وإنما كان كل همهم أن ينعموا بحياة مترفة قد بلغت الغاية من البذخ ~~والرفاهية، والشعب يعاني ما يعاني من ألوان الحرمان والمذلة، ويقاسي آلام المرض والعري ~~والجوع. بلى، قد حفظ أولئك السلاطين لمصر هيبتها بين دول الشرق والغرب، وصانوا لها حريتها ~~واستقلالها، ولكن ما جدوى الحرية والاستقلال إذا لم يكن أفراد الشعب أحرارا مستقلين في ذات ~~أنفسهم، لهم رأي واعتبار ومشاركة في الحكم، ولهم حق المحكومين على الحكام في أن يهيئوا لهم ~~حياة إنسانية كريمة؟ # ما جدوى الحرية والاستقلال إذا لم يحس كل فرد في الدولة المستقلة الحرة أنه مستقل ~~حر؟ # كانت هذه الخواطر تلم بقلوب المصريين، فيسرونها حينا ويجهرون بها حينا آخر، ولم تكن ~~عصائب فتيان الزعر، أو غارات الأعراب المتوالية على حدود المدن، إلا تعبيرا صامتا عن ~~تلك العاطفة التي تغلي بها نفوس المصريين على اختلاف عناصرهم، كما يغلي الماء في القدر ~~فيترشش على حافة الوعاء! # وكانت الأعوام التي تلت عهد قايتباي - بما ثار فيها من الفتن، وما سفك من الدم، وما كان ~~بين الأمراء من الحرب - سببا إلى انتعاش آمال المصريين في حكومة مصرية خالصة تنقذهم من ~~جور هذه الأسرة المالكة التي لا يجمعها نسب، ولا تربطها أبوة، وليس بينها إلا آصرة ~~المملوكية التي نزحت بهم راضين أو كارهين ms107 من بلادهم وراء جبال القبج؛ ليتوارثوا عرش ~~مصر. # وكان السلطان الغوري سعيدا بما بلغ من آماله حين رأى نفسه سلطانا على العرش، وقد تفانى ~~الأمراء العظام فأمن غدرتهم، ولكن المصريين - على ما بهم من الضيق والضجر - كانوا أسعد منه ~~بهذه الحال، فقد انكسرت شوكة الجركس وانحلت عروتهم، فلم يبق منهم ذو قوة إلا السلطان ~~الشيخ وإنه لهامة اليوم أو غد! # وفي دار بدر الدين بن مزهر في بركة الرطلي، كانت تتوالى اجتماعات المصريين ليدبروا أمرهم، ~~وكان يشهد اجتماعهم أحيانا أمراء من المماليك الطامحين أو الساخطين، يأملون أن يكون لهم ~~نصيب من غنائم المعركة حين تنشب المعركة، أو يطمعون في إدراك ثأر ... لا يكادون يدركون أنهم ~~يعينون على أنفسهم حين يعينون على إخوانهم من الجركس! # كان ذلك في القاهرة، أما في مضارب الأعراب بين الشرقية وقليوب، فكانت تتوالى اجتماعات ~~أخرى في دار ابن أبي الشوارب، يشهدها زعماء القبائل العربية الضاربة في الشرقية والبحيرة ~~وبوادي الصعيد ... وإن لهم - كأولئك - أصدقاءهم من أمراء المماليك. # والغوري مشغول عن كل أولئك بما يجمع من المال بالمصادرة والتعذيب وكبس البيوت، وبما يحشد ~~من المماليك الجلبان في طباق القلعة، وبما اجتمع له من أسباب الرفاهية والنعمة، التي لم ~~ينعم بمثلها سلطان من سلاطين الجركس، حتى كانت أدوات المطبخ تصاغ من خالص الذهب والفضة ~~... # والأمير طومان باي يرى ويسمع ما يجري من الأحداث والأحاديث في المدينة، ويشارك فيما يتمتع ~~به السلطان من ألوان النعيم في قصر القلعة، ولكن له مع ذلك همومه الخاصة قد أقفل عليها صدره ~~وأمسك لسانه، فلم يطلع على غيبة أحد؛ فهو موزع القلب بين أسباب الهوى وتقاليد الإمارة وفضول ~~الشباب ... # إنه ليود أن يجلس إلى عمه فيتحدث إليه حديثا صريحا ويفضي بما يحتقب من أسرار، لعله أن ~~يطأطئ رأسه فيرى تلك الهاوية تحت قدميه ... ولكن من أين له؟! إنه متهم عند عمه بحب شهددار بنت ~~أقبردي فلن يستمع إليه، وهل يفرغ العاشق لغير حديث الهوى والشباب؟ هل يحسن شيئا من أسباب ~~السياسة وتدبير شئون ms108 الملك، وإن العشق لمذلة وهوان! كذلك يراه عمه السلطان! # وابتسم طومان باي ساخرا على ما به من الألم والضيق، أفيمتنع أن يكون الفتى عاشقا وطالب ~~مجد؟ وماذا يمنع؟ إن العاشق ليرقى أحيانا إلى أسباب المجد على معراج من شعاع عيني ~~معشوقته، بل إنه ليمتنع أن يعشق الفتى النبيل، ولا يطلب أسباب العلاء والمجد. ولكن من ~~أين للغوري الشيخ أن يدرك هذه الحقيقة؟! من أين له وهو أبو جان سكر التي يريد أن تكون هي ~~لا غيرها معشوقة طومان باي؟! # وابتسم طومان باي ابتسامة أخرى ساخرة ... ولكن من نفسه، إنه هو الذي رضي لنفسه أن يكون من ~~عمه بهذا المكان، لو شاء لأبى وأسرع عجلان إلى بيت صاحبته شهددار ليقول لها: إنك أنت وحدك ~~لي ولو غضب السلطان. # ما هذا؟ ... فيم يفكر الساعة وإن الأمر لأجل وأخطر من أن يشتغل عنه بمثل هذه الخواطر، ~~إن لحديث الحب ساعة أخرى، أما الآن ... أما الآن فإن عليه فرضا آخر؛ ليدرك هذا العرش ~~قبل أن ينهار ... ~~- عمي! ~~- ماذا يا طومان؟ ~~- إن لي إليك حديثا، فهلا فسحت صدرك لي! ~~- حديث جد يا طومان أم حديث دعابة؟ # عبس الفتى وهم أن يجيب جوابه، ثم عض على شفتيه واستدرك قائلا في وقار: حديث جد ~~كله يا مولاي، فهل عرفت يا عم ما يتحدث به الناس في القاهرة عن علي بن أبي الجود، ذلك ~~السوقي الذي أسلمت إليه الزمام وأطلقته يعيث باسمك في بيوت الناس؟! ~~- لا تزال يا طومان تقسو على ذلك المصري الذي يخلص في خدمتنا ما لا يخلص أبناء الجركس، ~~فهل علمت أنني إنما احتظيته وأدنيته لأتألف به من وراءه من المصريين؟ ~~- علمت، ولكنه سوقي لا يعرف قدر ما أنعمت به عليه يا مولاي، فهو لا يرى هذه الوظيفة ~~التي أسندتها إليه إلا سببا إلى البغي والتسلط والبطش؛ ليجمع لنفسه ما يجمع من المال، ~~فليس يرى نفسه بين المصريين مصريا منهم، بل سيدا قد سلط على عبيد لا تساس إلا بالسوط، ~~كأن لم يكن يوما بياع ms109 الحلواء والمشبك عند حمام شيخو ... بل لعله يزعم أن هذه الوظيفة ~~التي يتولاها من قبلك هي من بعض ديونه عليك، وإن له عليك ديونا ... فيما يزعم لنفسه، ~~وفيما يسر إلى أصدقائه من الحديث! # قال الغوري غاضبا: ماذا تقول يا طومان؟! # أجاب طومان هادئا: ذلك بعض ما سمعت من حديث الناس في المدينة، وقد أطلقت يده يا مولاي ~~فيما يفرض على الناس من الضرائب وما يحصل؛ فإن له على كل تاجر ضريبة الجمعة، وضريبة الشهر، ~~وضريبة السنة ، يقتضي كل أولئك سلفا قبل موعده، كأن له على الناس ديونا أخرى كديونه عليك، ~~حتى أوشكت أن تخرب أسواق القاهرة، وتخلو من الباعة والمشترين، فاحسب يا مولاي ما يدخل ~~خزانتك من هذا كله وما يحتجزه لنفسه! إن له المغنم من ذلك كله وعليك وحدك دعاء الناس! # قال السلطان منزعجا: يدعون علي؟ وماذا صنعت بهم، ومن أجل حمايتهم من العدو الطارق أجمع ~~هذا المال؟! أفلم يأتهم نبأ ابن عثمان الذي يتربص بنا على الحدود؟ أم لا يعرفون ما نبذل من ~~المال لحماية سواحل بحر الهند من غارات لصوص البحر من البنادقة والفرنجة، أم لم يشهدوا ما ~~أنشأنا في القاهرة من المساجد والمدارس، وما بنينا على الثغور من القلاع والبروج، أم لم ~~يروا هذه المنشآت التي جملنا بها القاهرة، حتى صارت زينة الحواضر في الدنيا وقصدها القصاد ~~من كل فجاج الأرض؛ ليروا بأعينهم ثم يعودوا إلى بلادهم فيتحدثوا بما رأوا ليكبتوا الأعداء ~~ويفلوا عزائمهم فلا يستخفهم الطمع فينا، أم لم يشهدوا ما حشدنا من المماليك في طباق القلعة ~~ليكون لمصر جيش قاهر لا يثبت له عدو في الهجوم ولا في الدفاع ... فمن أين لنا أن نقوم بذلك ~~كله إلا من المال الذي يدفعه ذلك الشعب؟! # هز طومان رأسه موافقا، ثم قال: كل ذلك قد رآه المصريون بأعينهم وعرفوه وشهدوا آثاره، ~~ولكنهم يطلبون الغذاء والكساء والمأوى والأمان يا مولاي، فلا عليهم إن أنكرت أعينهم كل ما ~~ترى؛ لأنهم جياع عراة، لا مأوى لهم ولا أمان من بطش ms110 عمال السلطان، ولقد كان في طوقهم أن ~~يشبعوا من جوع ويكتسوا من عري، ويأووا إلى دار الطمأنينة والسلام، لو أن عمال السلطان ~~اقتصروا فيما يجبون من الضرائب على ما يدفعون إلى خزانة السلطان، ولكن عمال السلطان لا ~~يقنعون؛ فإن الذهب والفضة ليملآن حجرات بيوتهم مما جمعوا بالقهر والبطش والتعذيب باسم ~~السلطان، فهل جاءك يا مولاي أن علي بن أبي الجود اليوم يملك مئات الآلاف يختزنها في ~~القدور، فلو شاء لاشترى العرش بماله وعاش سلطانا، وكان - لولاك - حتى اليوم سوقيا يبيع ~~الحلواء والمشبك في دكانه عند حمام شيخو، وهو مع ذلك لا يستحي أن يتحدث مباهيا بأن له ~~دينا على السلطان؟! # قال السلطان مغيظا: ماذا قلت؟! علي بن أبي الجود يملك مئات الألوف يختزنها في ~~القدور؟! ~~- نعم يا مولاي، ولو شئت لرد إلى الناس ما اغتال من أموالهم! # دار رأس الغوري فنسي كل ما سمع من حديث طومان، فلم يبق منه في أذنيه إلا أن عامله ~~علي بن أبي الجود يملك مئات الألوف يختزنها في قدور، فسالت نفسه طمعا وأرسل يدعوه ~~إليه. # ومثل ابن أبي الجود بين يديه، فسأله أن يدفع إلى خزانة السلطان ثلاثمائة ألف دينار من ~~ماله. # قال علي بن أبي الجود معتذرا: يا مولاي! ... # قال الغوري غاضبا: هو ما قلت، فإما دفعتها، وإما شنقتك على باب زويلة! # وسيق علي بن أبي الجود إلى السجن حتى يفي بما فرض عليه السلطان، وبيعت وظيفته بمال، وتعهد ~~مشتريها أن يكون أكثر وفاء من سلفه، فيحمل إلى خزانة السلطان ضعف ما كان يجبيه علي بن ~~أبي الجود، وزاد دخل الخزانة السلطانية بما قبض السلطان من ثمن الوظيفة ... وبما تضاعف على ~~الشعب من الضرائب ... # وحين كانت جثة علي بن أبي الجود معلقة على باب زويلة، كان خلفه يجوس خلال الأسواق في ~~طائفة من جنده يجبي من التجار ضريبة جديدة باسم السلطان؛ ليفي بما تعهد به! # وقال طومان باي لنفسه أسفا: آذنت والله هذه الدولة بالانحلال، كأنني لم أتحدث إلى ~~السلطان هذا الحديث إلا ms111 لأغريه بعامله، وأزيده هو نفسه ضراوة وجشعا إلى المال! # الفصل الثالث والعشرون # | وراء الأكمة # قال بدر الدين بن مزهر لصديقه الأمير قايت الرجبي كبير أمناء السلطان الغوري: والله إنك ~~لتحمل أوزار هذا السلطان يا أمير، فما كان لولا معونتك شيئا يؤبه له؛ وإني لأعجب كيف رضيت ~~وأنت بهذه المنزلة أن يتسلطن هذا الشيخ وقد كنت أحق بها؟! # قال قايت: وهل كنت يا صديقي أقدر أن يطيش الغوري هذا الطيش، ويغلبه هواه على عقله وقد ~~جاوز الشباب ، لقد كان أزهد الأمراء في العرش والجاه والسلطان على ما بدا لي، فما أدري والله ~~كيف استبدل بتلك الرقة غلظة، وبذلك الزهد شرها وضراوة واستكلابا على جمع المال. # قال بدر الدين: اعتذر بما شئت فإن على رأسك وزره! # قال قايت وقد أطرق أسفا: قد كان ما كان يا صديقي، فلا سبيل إلى الرجوع بعد. # قال فتى من فتيان المماليك قد اتخذ مجلسه إلى جانب بدر الدين: بل إن بين يديك السبيل يا ~~أمير، فلو شئت لبلغت ... # قال كبير الأمناء باسما: كذلك تزعم أنت يا خشقدم، فمن أين لي المال أكسب به طاعة الجند ~~ورضا الأمراء؟ وكيف أتوقى طعنة في الظهر من يد سيباي نائب الشام، أو خاير بن ملباي حاجب ~~الحجاب، أو جان بردي الغزالي، وإن كلا منهم ليمد عينيه إلى العرش على حذر وتربص، يريد ~~أن تسنح له فرصة، ثم من أين لي أن آمن عيون طومان باي، تلك التي تنفذ إلى ضمائر الناس فلا ~~يكاد يخفى عليه سر؟ # قال خشقدم حانقا: حتى أنت يا أمير تخشى عيون ذلك الفتى؟! لقد صار ذلك الغلام شيئا ~~... # قال بدر الدين بن مزهر: خل عنك يا خشقدم ... # ثم التفت إلى قايت وأردف قائلا وفي لهجته صرامة وحزم: اسمع يا أمير، إن كان ذلك كل ما ~~تخشاه فقد كفيتك هذه المئونة، أما مال البيعة فعلي أن أبذل لك ما تشاء حتى يرضى الجند ~~والأمراء، وأما سيباي وخاير بك وجان بردي الغزالي، فأرجو ألا يشغلك من أمرهم شيء، ms112 بل ~~لعلهم أن يكونوا أطوع لك وأحرص على نفاذ أمرك، فهم اليوم على نية العصيان والثورة، ~~وسيلتقون في الشام على خطة قد أحكم تدبيرها، فإذا رضيت عن تدبيري فستخرج إليهم على رأس حملة ~~تأديبية، ثم تعود سلطانا كما عاد العادل طومان باي، وينتهي أمر ذلك السلطان الشيخ؛ فقد كفاه ~~ما تمتع به من عز السلطنة هذه السنين، وكفى الشعب ما نال من أذاه وشحه، وحرصه على جمع المال ~~... # قال خشقدم: وأما طومان باي ... # فالتفت إليه بدر الدين مغضبا وهو يقول: دعني وما أريد يا خشقدم! # ثم عاد إلى قايت يتم حديثه: أما طومان باي فإنه في شغل بنفسه وببنت أقبردي عن كل ما ~~هنالك، ولعله في عماية هواه أن يكون لك عينا على عمه، ذاك الذي يريد أن يحول بينه وبين ~~شهددار؛ ليزفه كارها إلى ابنته جان سكر. ولعل خشقدم الرومي أقدر على تدبير هذا الجانب من ~~الخطة؛ فإن له وسائله في قصر السلطان، وبينه وبين طومان باي آصرة! # ثم مال إلى خشقدم يتحبب إليه باسما وهو يقول: أليس كذلك أيها الرومي الفتى؟ # قال خشقدم وعلى وجهه مسحة من الرضا: بلى يا سيدي، وسيكون صهري جاني باي الأستادار عونا ~~لي في كثير من الأمر، فإنه ليبغض ذلك الفتى المتغطرس كأن بينهما ثأرا لا يغسله إلا ~~الدم! # كان يوم الخميس الثامن من رجب سنة 909 يوما من أيام القاهرة المشهودة، فقد ازينت المدينة ~~كلها بأمر السلطان احتفالا بدوران المحمل، وكانت هذه العادة قد بطلت منذ بضع وثلاثين سنة، ~~حتى نسيها الناس أو كادوا، ولم يبق منها إلا ذكريات على ألسنة العجائز والشيوخ، يستمع ~~إليها الشباب في لهفة وشوق ... فما كاد الغوري يأمر أمره بالرجوع إلى تلك العادة، حتى شمل مصر ~~كلها فرح غامر، فلم يبق في المدينة على سعتها عجوز ولا شيخ، ولا فتاة ولا فتى، إلا تهيأ ~~لاستقبال ذلك اليوم والاشتراك في ذلك المهرجان، فازدحم النساء والفتيات على سطوح الدور ~~ووراء أستار النوافذ، وزغاريدهن تتجاوب أصداء من شرق المدينة إلى ms113 غربها، أما الرجال ~~شيوخا وفتيانا فقد احتشدوا على جانبي الطريق كتلا متراصة، وامتلأت بهم الدكاكين وشرفات ~~الدور، حتى استؤجرت أسطح البيوت والمصاطب والشرفات بالثمن الربيح، وانثالت وفود المصريين من ~~الخانكاه وبلبيس، ومن قريب ومن بعيد؛ لتشهد ذلك اليوم الفريد، وبلغ الزحام غايته كأن ~~المدينة كلها في عرس. على أن ساحة الرملة - حيث يطل السلطان من شرفته بالقلعة على ~~الرماحة، وهم يعرضون فنونهم ويعتركون بالرماح بين يديه في براعة وخفة - كانت أشد ميادين ~~القاهرة زحاما وأكثرها اكتظاظا بالخلق . وفي انتظار ساعة العرض احتشد العامة راقصين يغنون ~~أغنيتهم التي صنعوها احتفالا بهذا اليوم، والنساء من وراء الأستار يغنين معهم: # بع اللحاف والطراحه # حتى أرى ذي الرماحه # بع لي لحافي ذا المخمل # حتى أرى شكل المحمل # وفي ذلك اليوم الذي كانت المدينة تموج فيه بالخلائق، قد اشتغل كل منهم بما يرى وما يسمع ~~عن نفسه وحاجة أهله، كان فتى وفتاة يجلسان وراء شرفة من تلك الشرفات التي تطل على موضع قريب ~~من ذلك الميدان، قد شغلهما أمر ذو بال عن كل ما اشتغل به الناس من أسباب اللهو والفرجة ... ~~كأنما قد شبعا من هذا المنظر وما شاهداه قبلها قط، ولا رأيا مثله في الأحلام ... # قالت الفتاة: أعرف هذا يا طومان، وما دعوتك إلى مجلسي في هذا اليوم لأحاول أمرا يفسد ما ~~بينك وبين عمك السلطان، ولست من الحمق بحيث آمل أملا لا سبيل إليه ... ولكن ... # وغصت بكلماتها فأمسكت، ولمعت في عينيها دمعة. ودنا منها طومان وقد غلبته أشجانه، فمس ظهر ~~كفها براحته وهو يقول: بعض هذا يا شهددار، إني لأعلم ما في نفسك وإن حاولت كتمانه، وأحسبك ~~تعلمين ما في نفسي ... # قالت وقد مالت بوجهها إلى ناحية؛ لتستر الدمعة التي تدحرجت على وجنتيها: ليس هذا ما أريده ~~يا طومان، وإنما دعوتك لأفضي إليك بسر انكشف لي من أمر خاير بن ملباي ... # ثاب طومان إلى نفسه سريعا وقال في لهفة: خاير بن ملباي! ~~- نعم يا طومان، وإنك لتعلم ما بينه وبين مصرباي، ومنها وقفت ms114 على بعض سره، فقد كانت تتحدث ~~إلي حديثا عن خاير، فانطلق لسانها ببعض ما كانت تريد أن تخفي، ثم استدركت فصمتت ... ~~وعلمت من وقتئذ أن بينها وبين خاير سرا أعمق مما كنت أحسب، وأيقنت أنها شريكته في ذلك ~~التدبير ... # قال طومان وقد بدا القلق واللهفة في لحن صوته ونظرة عينيه: أي تدبير تعنين يا ~~شهددار؟ # قالت: إن خاير يا طومان يشارك في أمر خطير من أمور السياسة لست أعرف ما يكون، ولكن صلة ~~ما بينه وبين بدر الدين بن مزهر وسيباي نائب الشام، وما يجتمع الثلاثة على أمر هين، ومن ~~يدري؟ لعل خاير يأمل أملا يتقرب به إلى قلب مصرباي ويكون أدنى إليها منزلة! # هز طومان رأسه وزم شفتيه قائلا: لست أفهم ما تعنين يا شهددار، وما شأن مصرباي ~~وسيباي، وبدر الدين بن مزهر؟ # فابتسمت شهددار وقالت: لست أدري، وإن مصرباي لأعمق غورا وأحرص على كتمان سرها، وإن ~~لها غدا مأمولا حدثها به أبو النجم الرمال ذات يوم منذ سنين، فلم تزل منذ ذلك اليوم ~~ترقب مطالع النجوم وتنتظر كل مساء مشرق الصبح ... فإذا شئت يا طومان أن تقطع ما بينها وبين ~~خاير بن ملباي وتحول بينها وبين ما تدبر من كيد، فاخطبها لعمك الشيخ ... أو لا فدعها وما ~~يداعب نفسها من أماني، ولا تسألني عن شأنها وشأن سيباي وبدر الدين بن مزهر! # قال طومان منكرا: أتمزحين أم تجدين يا شهددار، فإني لأسمع منك اليوم ما لا أكاد ~~أفهم! # قالت: بل هو الجد كل الجد يا طومان! # قال: أفتقترحين جادة أن أخطب مصرباي لعمي الشيخ؟ # قالت ضاحكة: نعم، وماذا يمنع؟ وهل تحسبها تأبى أن تكون سلطانة، ولو كان سلطانها شيخا قد ~~حطم السبعين، وهي شابة لم تبلغ الثلاثين؟ وهل يأبى عمك؟ # قال طومان ولم يزل في حيرته: ولكنها لم تزل زوجة الظاهر قنصوه، فهو زوجها وإن كان سجينا ~~في برج الإسكندرية! # قالت: آه يا طومان! لقد فكرت فيما لم تفكر فيه مصرباي وخاير، حين تواثقا على أمل مشترك ~~يرقبان له ms115 مطالع النجوم، وينتظران كل مساء مشرق الصبح، كما قال أبو النجم الرمال ذات يوم ~~لمصرباي ... # قال طومان: آه! أحسبني قد فهمت ما تعنين يا شهددار ... # قالت شهددار: نعم، إنها لتطمع أن تعود سلطانة على العرش، وإن خاير بن ملباي ليطمع ~~مثلها ... # قال طومان منكرا: بالله إلا ما أخبرتني يا شهددار: أتتحدثين جادة وعن بينة؟ أتظنين أن ~~يبلغ خاير يوما هذه المنزلة؟ # قالت وقد تجهم وجهها: إلا يكن خاير يطمع فإن مصرباي خليقة بأن تطمعه، وإلا فما شأن ~~خاير بسيباي وبدر الدين بن مزهر؟ وما ذلك السر العميق الذي تحرص مصرباي على كتمانه، فلم ~~تكد تلفظه شفتاها حتى أمسكت؟ # قال طومان وقد بدا في وجهه الغضب: ويل لذلك الخائن! لا بد أن يدرك عاقبة تدبيره، ~~ويلقى جزاء كفره بنعمة السلطان! # قالت شهددار منزعجة: ماذا نويت يا طومان؟ هل هو إلا ظن يوجب الحرص والحذر؟ فكيف تتعجل ~~الأمر قبل أن تعرف مصدره ومورده؟ # قال طومان هادئا: اطمئني يا شهددار، إن طومان لا يعجل قبل أن يتثبت ... # ثم سكت وسكتت، وسرحت خواطرهما إلى بعيد، وافترقا على التوهم ثم التقيا. ولما مد إليها ~~يده للوداع بعد فترة، كان في عينيها عبرة وفي عينيه مثلها، فشد على يدها بعنف وهو يقول في ~~حسرة: لماذا أجبت دعوتك يا شهددار وكنت خليقا أن أتوارى عن عينيك حتى لا ينتكئ ~~الجرح؟ # قالت وقد أفلتت يدها من يده: بل اسألني يا طومان لماذا دعوتك وكان حقا علي أن أتصبر؛ ~~ليحملك تصبري على الصبر والسلوان، ويفرغ قلبك لما تحمل من هم الدولة؟ # ثم فرت عجلى من بين يديه وخلفته في أشجانه، فلما توارت عن عينيه استدار على عقبه، واتخذ ~~طريقه إلى الباب في صمت، ويكاد قلبه يثب من بين ضلوعه وجدا ولهفة! # الفصل الرابع والعشرون # | حمامة السلام # قال أبو النجم الرمال في خاتمة حديثه وقد جمع أطراف منديله فطواه ودسه في جيبه: هو ما ~~قلت يا مولاي وما أنبأتني به الطوالع، وما كذبتني قط في نبأ ... وسيطول عهدك يا مولاي ms116 ويمتد ~~حتى تبلغ أقصى العمر، ثم يكون هذا العرش لصاحب ذلك الاسم الذي ترمز إليه النجوم، وأوله من ~~حروف الهجاء س ... # قال الغوري: ولكنك لم تنبئني بكل ما تعرف، إن لم تخبرني صريحا باسم ذلك السلطان الذي ~~يكون له عرش مصر من بعدي! # قال أبو النجم وقد ضيق عليه: ومن أين لي أن أعرف يا مولاي غير ما حدثتني به النجوم، ~~وإن للغيب أسرارا لا تنكشف إلا حين يوفى الأجل، وإنما لي من النجم شعاعه دون جرمه ~~وكثافته، فلست أعرف من اسم ذلك السلطان إلا أول حرف منه! # قال الغوري غاضبا: أشعوذة وكذبا أيها الرمال؟! فبالله لآمرن بك فتساق إلى السجن إن ~~لم تخبرني ما تمام ذلك الاسم الذي تخوفني به، فما أنت وهذا الصمت إلا أحد رجلين: دجال ~~يفتري على الله الكذب، أو مارق من طاعة السلطان يعصيه فيما يأمره، ويخفي عنه ما يعلمه، وليس ~~لك عندي على الحالين شيء مما كنت تأمل من المثوبة والأجر، وإنما هو السجن والعذاب حتى تفيء ~~إلى الطاعة وتتوب من المعصية! # ثم دعا غلاما من غلمانه فأمره أن يسوق الرمال مقيدا إلى سجن القلعة حتى يرى فيه ~~رأيه. # يا للرجل! كم أمير من أمراء هذه الدولة، وكم سلطان نال أبو النجم الرمال من جوائزهم ما ~~لم يكن يحلم به، وما احتفل لمرضاة أحد منهم كما احتفل لمرضاة هذا السلطان الشحيح الكز، الذي ~~لم يكفه أن يحرمه جائزته بل حرمه حريته كذلك، ومن يدري! لعله يدعه في ذلك السجن حينا حتى ~~يشتري حريته بمال! # وقال الغوري لنفسه وقد خلا به المجلس: إنه ليخيل إلي أن ذلك الرمال صادق فيما ~~يحدث به عن نجومه، ولكن من ذلك الأمير الذي سيكون له من بعدي هذا العرش وأول اسمه س؟ لو ~~كان ولدي لهدأ بالي، أو لو كان طومان! أما والله لو أنعم علي بولد لسميته سعيدا، وجعلت ~~له ولاية العرش قبل أخيه البكر، فأفسد بها على ذلك الدجال نبوءته! # وسرح السلطان الشيخ في أوهامه، فلم يعد ms117 من سرحته إلا حين قدم حاجبه ينبئه بمقدم بريد ~~الشام ... ~~«سيباي نائب الشام يشق عصا الطاعة ويتمرد!» # ماذا؟! وعاد إلى الرسالة التي جاء بها البريد من الشام يقرؤها ثانية وثالثة، فلم يزده ما ~~قرأ إلا يقينا بهذه الحقيقة المروعة: سيباي نائب الشام يعصي! # إذن فهو ذاك، وأول اسمه س، وإنه لأهل لأن يتطلع إلى العرش! ~~- لا لا، لن يكون ذلك يا سيباي، ولو اجتمعت إليك عسكر مصر والشام! # ودعا الغوري حاجبه فأمره أن يطلق سراح أبي النجم الرمال، ثم أرسل يدعو وزراءه وأصحاب ~~مشورته إلى اجتماع بالقلعة؛ للمشاورة في أمر سيباي العاصي، الذي يطمع في ولاية عرش مصر بعد ~~السلطان، كما أنبأه بذلك أبو النجم الرمال! # دار الغوري بعينيه في القاعة يبحث عن طومان باي، فلم يره بين المجتمعين من أمراء البلاط، ~~فعبس وهو يقول لنفسه همسا: لا يزال ذلك الفتى يشغله هواه عن نفسه! # ثم التفت إلى كبير أمنائه يقول: هيه! ماذا وراءك من أخبار ذلك العاصي يا أمير ~~قايت؟ # قال قايت الرجبي: إن سيباي يا مولاي يطمع فيما ليس من أهله، وقد اجتمع إليه دولات باي - ~~أخو العادل طومان باي - يطمع أن ينال ثأر أخيه، وأحسب أن علاء الدولة أمير مرعش يمد له يد ~~المعونة، وأن لابن عثمان ملك الروم أصبعا في هذه الفتنة، فالأمر جد خطير كما ترى يا ~~مولاي، ولا بد أن نقضي على الفتنة في مهدها قبل أن يستميل سيباي أمراء الأطراف، ~~فيجتمعوا إليه ويستقل بالشام! # قال الغوري: هو ما قلت يا أمير، وسأرميه بك لترده إلى الطاعة بالإحسان أو بالسيف، فخذ ~~الأهبة لتكون على رأس تلك الحملة، وستجد من معونة خاير ما يسهل لك الأمر، فقد رسمت اليوم ~~بأن يلي إمارة حلب؛ ليكون عونا لك على سيباي، وسيخرج إليها قبل الحملة بأيام ... # خفق قلب قايت فرحا، وتدانى له الأمل البعيد، هذه هي الخطة كما أحكم تدبيرها بدر الدين بن ~~مزهر، لا يكاد السلطان يخامره ريب في أمر القائمين بها، فلم يتكلف قايت شيئا من ms118 المئونة ~~في تنفيذ ما اعتزم واعتزمه المتآمرون معه، وتمثل له في الخيال موكبه حين يعود من الشام ~~سلطانا، يشق القاهرة من باب النصر إلى الشرابشيين، إلى باب زويلة، إلى باب الوزير؛ حتى ~~يبلغ الرملة فيثب إلى العرش، ويجلس إلى يمينه بدر الدين بن مزهر؛ ليكون كبير الأمناء ~~مصريا من هذا الشعب لأول مرة في تاريخ حكومة المماليك ... ويساق السلطان الشيخ مقيدا إلى ~~برج الإسكندرية أو قلعة دمياط؛ ليقضي ما بقي من أيامه يرسف في الأغلال، أو تسبق إليه طعنة ~~من يد جركسي يطلبه بثأر ... # وطال صمت قايت، وتتابعت على عينيه صور شتى، فلم ينتبه إلى مكانه من مجلس السلطان إلا ~~حين عاد الغوري يقول في صوت رفيق: ماذا قلت يا أمير؟ إنك لتفكر في الأمر طويلا، وما أحسبه ~~بحاجة إلى كد الخاطر؛ فإن حملة يقودها الأمير قايت لا بد أن تعود منصورة مظفرة ولم تلق ~~كبير عناء! # قال قايت باسما: بتأييدك وكريم معونتك يا مولاي، فإن شئت فسأكون على الأهبة بعد أيام ~~... # قال الغوري: لا تعجل؛ فإن الأمر أهون من ذلك، ثم إني أريد أن يسبقك إلى حلب نائبها ~~الجديد خاير بن ملباي، وأن يتبعه ابن أخي طومان باي، فإن له تدبيرا أرجو أن يتم به النصر ~~سريعا إن شاء الله! # قلق قايت حين سمع اسم طومان باي وانطفأ بريق عينيه، ما شأنه وشأن هذا الفتى؟ وأي تدبير ~~يدبره؟ ما له ولذلك وإن له من أمر نفسه ما كان حقيقا بأن يشغله؟! # ثم خطرت له صورة خشقدم الرومي، فسري عنه وزال ما به من القلق، إن هذا الفتى الرومي ~~ليستطيع بما يملك من أسباب الحيلة أن يشغل طومان باي عن أمره بأمر آخر أحب إليه، فيقوده ~~بزمام الهوى ليعدل عن ذلك الطريق ... ~~- ولكن أين هو طومان باي الساعة؟ # سؤال واحد خطر على قلب السلطان وكبير أمنائه في وقت معا، أما السلطان فقد قلق أشد ~~القلق لغيابه وانتابه الهم؛ لأنه لم يخطر على قلبه إلا سبب واحد لغياب طومان باي: هو ms119 أن ~~يكون الساعة في دار أقبردي الدوادار! # وأما قايت فاستراح واطمأنت نفسه؛ لأنه لم يخطر على قلبه سبب آخر لغياب طومان غير ذلك ~~السبب الذي خطر على قلب السلطان ... # وفي اللحظة نفسها كانت فتاة مستلقية على أريكتها تسأل نفسها في شك وحيرة: ترى أين ~~طومان باي الساعة؟ # فإنه لغائب عن القاهرة منذ بعيد، فلم يره ذو عينين منذ يوم المحمل، ولم يشهد اجتماع ~~الأمراء في القلعة - كما أنبأتها جاريتها - وما تخلف قبلها قط عن شهود مجلس الأمراء ! # ونالها من القلق على غياب طومان باي أكثر مما نال السلطان وكبير أمنائه، فإن مكانته من ~~نفسها لأدنى من مكانته في نفس السلطان وكبير الأمناء، وإنها لأحب إليه لأنها شهددار بنت ~~أقبردي! # قال أبرك لمولاه: كأن قد عرفت يا مولاي ما يعنيك من أمر بدر الدين بن مزهر وعصابته، وإني ~~لأكاد أنكر ما سمعته أذناي! # قال طومان: فماذا تنكر مما سمعت وماذا تصدق يا أبرك؟ # قال الغلام ساخرا: إن بدر الدين بن مزهر يا مولاي، يطمع أن يقتعد عرش الغوري يوما ~~ما، لا تكاد تخفى سريرته تلك على أحد من خاصته، وإنه لذو جاه ومال، فهل يصدق مولاي أنه يطمع ~~أن يصطنع بماله وحيلته قايت الرجبي، وخاير بن ملباي، وجان بردي الغزالي، وخشقدم ... # قال طومان: نعم، وسيباي، ودولات باي ... # قال أبرك: أما سيباي فلا، وما أظن بدر الدين بن مزهر يعنيه من أمر سيباي إلا أن ~~يستغل عصيانه لتدبيره أمره، فإن سيباي أكرم نفسا من أن ينقاد لمشيئة مصري كبدر الدين، ~~ولكن خاير بن ملباي قد تعهد أن يضطلع بهذا الجانب من المكيدة المبيتة، فهو على نية السفر ~~إلى حلب عما قريب لتنفيذ ما اعتزم. # قال طومان: لعلك لم تبعد عن الحق يا أبرك، ولكني أريد أن أستجمع للأمر فأحوزه من أطرافه، ~~وسأغيب عن عينيك يومين أو ثلاثا، فاحذر أن تتحدث إلى أحد بشيء مما تعرف! # ظهر طومان باي بعد غيبة طالت أياما، وكان عمه من الغيظ والقلق لغيبته قد ذهبت به الهواجس ms120 ~~كل مذهب، فما كاد يراه مقبلا عليه حتى تجهم وجهه، وبادره بالقول مغضبا: وأخيرا ها أنت ذا ~~تعود، ولكن حين لا حاجة إليك، أما حين يجد الجد وتعوزني إليك الحاجة، فليس يدري أحد أين ~~يلقاك، حتى ولا عمك، ولا ابنة عمك، أو لعل عمك وابنة عمك هما كل من تحرص على كتمان أمرك ~~عنهما من دون الناس جميعا، حين تستخفي عن أعين الناس! # غامت سحابة من الهم على وجه طومان وحضرته أشجانه، فلم يخف عليه ما يقصد إليه عمه من وراء ~~ذلك التعريض. إن عمه ليظن كل غيبة يغيبها لا بد أن تكون في شأن بنت أقبردي ... وماذا ~~عليه في ذلك لو كان صحيحا؟ أليس من حقه أن يختار لنفسه؟ ولكنه مع ذلك لم يفعل وترك ~~زمامه في يد عمه يقوده حيث يشاء، لم يعصه، ولم يأب عليه، ولم تأب صاحبته شهددار، وإن ~~قادهما إلى الهلاك! وإن شهددار لتعلم ماذا يدبر لها السلطان من ألوان الكيد، وإنها مع ذلك ~~لتخلص له وتمحضه النصح؛ ولاء له، أو حبا لابن أخيه الذي يريد السلطان أن يحول بينها ~~وبينه! فهل عرف السلطان فيم كانت غيبة طومان أياما، وقد جد الجد وأعوزت إليه الحاجة؟ وهل ~~عرف أن غيبته هذه كانت في شأن من أخطر شئون السلطان، وأنها كذلك بسبيل من حب شهددار بنت ~~أقبردي؟ # هل علم أنه لولا ذلك الحب الذي يتأجج في صدره وفي صدر شهددار، لما بقي الغوري على عرشه، ~~ولا سلم رأسه، ولانتهت هذه المؤامرة إلى الخاتمة الدامية التي دبر أمرها قايت، وبدر الدين ~~بن مزهر، وخاير بن ملباي؟! # قال الغوري وقد طال حديث طومان باي إلى نفسه حتى غفل عن عمه، وعما يتوجه به إليه من ~~الحديث: لم تحدثني يا طومان فيم كانت هذه الغيبة البعيدة، وقد أوشك أمر سيباي أن يكون ~~خطيرا ... # قال طومان جادا: من أجل سيباي يا مولاي كانت غيبتي هذه البعيدة، وإن سيباي لأهل لأن ~~تصطنعه بالمعروف فتكسب حليفا يعين وقت الشدة ... وإنما زين له الأعداء ms121 أن ينتقض ويعصي؛ ~~لينفذوا من وراء ذلك إلى غاية قد أعدوا عدتها وهيئوا لها الأسباب! # قال الغوري منكرا: أصطنعه بالمعروف وهو يطمع أن يخلفني على العرش! ماذا تقول يا ~~طومان؟! ~~- هو ما سمعت يا مولاي، وما كان لسيباي أن يعصي لك أمرا لولا دسيسة بدر الدين بن مزهر ~~وقايت الرجبي ... # هب الغوري مذعورا كأنما لدغته أفعى، ودنا من ابن أخيه فأسند يده على كتفه وهو يقول: ~~قايت الرجبي كبير أمنائي! # قال طومان هادئا: نعم يا مولاي، يريد أن يخرج له في حملة تأديبية؛ ليعود إلى القاهرة ~~سلطانا في مثل موكب العادل طومان باي، حين هم أن يثب على جانبلاط! # دارت عينا الغوري في محجريهما، وانتفخ منخراه، وفح فحيح الثعبان وهو يردد القول: قايت ~~الرجبي! # ثم استدار فانحط على كرسيه تائه الوعي، لا يكاد يصدق كلمة واحدة مما ألقي إليه. # وخطا إليه طومان باي خطوة، ثم مد يده إلى جيبه فأخرج حزمة من الرسائل دفع بها إلى عمه ~~وهو يقول: وهذا دليل الخيانة فيما كتب كبير أمنائك من الرسائل بخطه إلى الأمراء يستعينهم ~~على أمره ... # قال الغوري وهو يمر بعينيه سريعا على سطور الرسائل: نعم إنها رسائله وهذا خطه، ولكن كيف ~~تأتى لك يا طومان أن تلقف هذه الرسائل في طريقها إلى الأمراء ... ~~- قال طومان باسما: ذلك سر حمامتي البيضاء! ~~- حمامتك البيضاء! ماذا تعني؟ ~~- أمهلني يا مولاي ساعة حتى أستأذن شهددار بنت أقبردي، ثم أقص عليك النبأ! # تعاقبت على وجه الغوري ألوان من العاطفة، ثم فاء إلى الهدوء وقال وفي صوته نبرة عتاب: لا ~~تزال تمزح يا طومان حيث لا يطيب المزاح، فما شأن بنت أقبردي الساعة فتقحمها في ذلك ~~الحديث؟ # قال طومان وفي وجهه أمارات العزم، وفي عينيه بريق السلام: ذلك هو السر يا مولاي، فلولا ~~شهددار ما عرفت سر تلك المؤامرة، فمضيت أقص آثارها من قريب ومن بعيد، حتى عرفت ما يحاول ~~قايت، وما يريد أن يكاتب به الأمراء، فنفذت إلى برج الحمام الزاجل في داره فأبدلت بحماماته ~~حمائم ms122 أخرى، فلما حملها رسائله إلى الأمراء طارت بها فألقتها إلي، ولولا حمامتي البيضاء ~~في دار أقبردي الدوادار، لأوشك أن يكون ذلك الأمر ... فهل يأذن لي مولاي أن أذهب إلى دارها ~~فأشكر لها؟ # ثم مضى لشأنه غير مكترث بما خلف وراءه، قد رضيت نفسه واستراح ضميره؛ لأنه استطاع أخيرا ~~أن يقول الكلمة التي لم تلفظها شفتاه منذ سنين ... وانتصف لنفسه! # ومات بدر الدين بن مزهر تحت العذاب! # وسيق قايت إلى برج الإسكندرية معتقلا يرسف في أغلاله! # وعاد ما بين سيباي والسلطان الغوري إلى الصفاء، واستقر أميرا على الشام، وإن لم يزل ~~يحيك في نفس الغوري شيء من الريبة في إخلاصه؛ لأن كلمات أبي النجم الرمال لم يزل يرن ~~صداها في أذنيه، فلا يزال يحسب حسابه ويتوقى ... # أمير واحد أفلت من يد طومان فلم يستطع أن يحمل السلطان على مجازاته، ذلك هو خاير بن ~~ملباي نائب حلب، فلم يزل موضع الثقة عند السلطان، ونفسه تنطوي على شر ما تنطوي عليه نفس من ~~البغضاء، لطومان باي، وللغوري، وللجراكسة جميعا؛ لأن وراءه مصرباي الجميلة الفاتنة، لا تزال ~~تمنيه الأماني وتقدح في قلبه شرارة الطموح ... وتسعر نار البغضاء! # قالت شهددار: بلى، قد أنصفتني يا طومان وانتصفت لنفسك حين قلت ما قلت بين يدي السلطان، ~~ولكن هل قدرت ما وراء ذلك مما تنفعل به نفس عمك الشيخ ونفس ابنته، فإني لأخشى أن يكون ~~لذلك عاقبة لا ترضاها! # قال طومان: هوني عليك يا شهددار، لقد قلت ما قلت وأنا أعنيه، وأي عاقبة تخشينها شر ~~من هذا الذي يراد بي وبك، وكيف تهنؤني النعمة وأنت بعيدة عني! # فأطرقت شهددار وقد اصطبغت وجنتاها، وقالت في صوت خافت: ولكن الغد لك يا طومان، فاحرص على ~~غدك، وحسبك من شهددار يقينك بأنها لن تنسى ... # قال طومان وقد اهتزت نفسه: لا يا شهددار، قد يكون ذلك حسبك أنت من هذا الحب، أما طومان ~~فقد أجمع أمره منذ اليوم على ألا يدع شهددار تغيب عن عينيه! # ثم هب واقفا ومد إليها يمينه يودعها ms123 إلى لقاء قريب ... # الفصل الخامس والعشرون # | أدراج الرياح # قالت الجركسية الملثمة لمسعود صاحب خان حلب: ولكنك تعرف يا سيدي أين يمكن أن يكون جقمق ~~قد ذهب بغلمانه! # قال الرجل ضجرا: يا سيدتي، ومن أين لي أن أعرف وقد مضى عمر طويل، فلو كان جقمق اليوم ~~حيا لاستطاع أن يهديك إلى طريق ذلك الغلام وأخته، ولكن جقمق قد مات منذ سنين، وأنا شيخ ~~كبير كما ترين، قد ضعف بصري وانمحى ذلك الماضي من ذكرياتي، وقد كان جقمق - رحمه الله - ~~يرتاد هذا الخان منذ عهد الأشرف قايتباي، يصحبه في كل مرة غلمان وفتيات قد جلبهم من بلاد ~~الروم وأرمينيا وما وراء الجبال، فكيف ترينني أذكر وجه غلام واحد بين مئات من الغلمان، وقد ~~انقضى ذلك العمر المديد؟! # قالت: ولكن طومان لا ينسى، لقد كان فتى ولا كالفتيان! # ثم انهملت عيناها واستبقت على وجنتيها الدموع. # قال مسعود محزونا: ليتني أعرف يا سيدتي أين ذهب جقمق بولدك طومان، إذن لهديتك الطريق ~~ليجتمع به شملك، ولكن ... # وأمسك برهة يفكر ثم انهل قائلا: تقولين إن ولدك كان يصحبه فتاة جركسية وغلام من ~~الروم؟ # قالت مستبشرة: نعم، بذلك حدثني أبو الريحان الخوارزمي يوم لقيته في خان يونس ~~بقيسارية! # قال الرجل فرحا: كأن قد عرفت يا سيدتي، وقد كان ذلك منذ بضع عشرة سنة، وإني لأعجب كيف ~~نسيت أمر ذلك الفتى وأخته كل تلك السنين ... ذلك الغلام الذي أوشك ذات يوم أن يذبح شابا من ~~أصحابه بسكين؛ دفاعا عن صاحبته الصغيرة! # فلولا أن غريمه قد فر من بين يديه لسال بينهما دم، وظل خبره وخبر صاحبته تلك حديث ~~نزلاء الخان أسابيع، لقد كان فتى ولا كالفتيان! # انزعجت نوركلدي وسألت في لهفة: ماذا قلت؟! هل جرح ولدي طومان أو أصابه شر؟ # قال مسعود هادئا: لا يا سيدتي، وأظنك ستلقينه في نعمة وعافية! # فاض البشر على وجه المرأة، وازدهر كأنما عادت إلى الشباب، وهتفت فرحانة: بالله! أتقول ~~الحق يا سيدي؟ أتلتقي نوركلدي وطومان بن أركماس بعد بضع وعشرين عاما من ms124 الفراق؟ # ثم مالت على يد مسعود الشيخ تقبلها وتبللها بالدمع، وقد شدت عليها بأصابعها المرتعشة لا ~~تريد أن تفلتها، ثم رفعت إليه عينيها ضارعة وهي تقول في صوت مختنق: ولكن أين ... أين ألقاه ~~يا مسعود؟ # قال الشيخ وقد أعداه ما بها حتى كاد يحتبس صوته: سيهديك إليه يا سيدتي تاجر المماليك جاني ~~باي، فقد دفع جقمق إليه ولدك وصاحبته الجميلة الحسناء؛ ليبيعهما في أسواق دمشق أو ~~القاهرة! # عبست المرأة بعد طلاقة وقالت: أفذلك كل ما تعرفه من أمر ولدي يا سيدي؟ وهل يستطيع أن ~~يدلنا على مكانه في دمشق أو في القاهرة صديقك جاني باي؟ ~~- نعم يا سيدتي، وسيكون جاني باي هنا بعد أسابيع، فهو لم يزل دائم التردد بين حلب ~~والقاهرة في هذه الأيام، لأمر من أمر نائب حلب الأمير خاير بك ... # ثم عض على شفتيه وأردف قائلا مستدركا: سيدتي، أظن أميرنا خاير بك يعرف كذلك من أمر ~~ولدك ما لا أعرف، فقد كان في تلك القافلة التي ذهب فيها مع جاني باي! # قالت نوركلدي ملهوفة: أمير حلب يعرف أين ولدي! فسأذهب إليه لأستنبئه إذا دللتني على ~~الطريق إلى دار الإمارة أيها الرجل الكريم. # ولكن مسعودا لم يستمع إلى نوركلدي حين توجهت إليه بذلك الرجاء، فقد عاد ثانية إلى ذلك ~~الماضي يسترجع ذكرياته وهو يفكر ... # لا لا، إن ذلك الفتى الصغير الذي فارق أمه منذ بضع وعشرين سنة، لم يذهب فيمن ذهب مع ~~جاني باي تاجر المماليك، لقد صحبته تلك الفتاة وحدها، فذهب بها جاني باي فيمن ذهب في طريقه ~~إلى دمشق والقاهرة، وبقي ذلك الفتى وصاحبه الرومي في حلب، لا يدري مسعود أين ذهب بهما جقمق ~~ذات صباح ثم عاد بعد قليل فارغ اليد ... كيف غاب عنه قبل اليوم أن ذلك الشاب الذي أوشك ~~طومان أن يذبحه بسكينه دفاعا عن صاحبته هو خاير بك نفسه - نائب حلب اليوم - وأنهما قد ~~افترقا منذ ذلك اليوم البعيد، فسافر خاير وإخوته وأبوه في ركب جاني باي، وظل ذلك الفتى ~~وصاحبه الرومي ms125 في حلب؟! ~~- سيدتي! ~~- سيدي! ~~- لقد كنت أريد أن أهديك الطريق ... ~~- نعم، وستصحبني إلى دار الأمير، وبمعونتك - أيها الرجل الكريم - سألقى ولدي، وسندفع إليك ~~جزاء معروفك! # قال مسعود أسفا: يا ليت يا سيدتي! ولكني غير مستطيع ... # لقد خدعتني الذاكرة فنسيت أن ولدك لم يذهب فيمن ذهب مع جاني باي في طريقه إلى دمشق ~~والقاهرة، ولكنه بقي هنا في حلب، فلا الأمير خاير بك، ولا جاني باي، يستطيعان أن يدلاك على ~~مكانه اليوم، لقد افترقا منذ ذلك التاريخ البعيد وما أحسبهما قد التقيا بعدها قط ... وقد عاش ~~ولدك بعدهما هنا في حلب، ولعله لم يغادرها، ولعلك أن تلتقي به يوما في سوق من أسواق هذه ~~المدينة على غير ميعاد، إن كان مقدرا لكما أن تلتقيا ... فهل تعرفينه يا سيدتي حين ترينه؟ ~~إنه اليوم شاب قد جاوز الثلاثين، وأحسبه قد استدارت لحيته وكان صبيا أمرد مصقول الخد ... ~~فأين منه صبيك الذي تنشدينه وتعرفينه بصفته. # كان الرجل يتحدث والمرأة تستمع إليه ساهمة مذهولة، قد انفرجت شفتاها وبرقت عيناها في ~~محجريهما لا تطرفان ... وكأنما أصابها المسخ فلم تتحرك حركة ولم تنبس بحرف ... إنها الساعة ~~امرأة أخرى غير التي كانت منذ لحظات، حين خيلت لها الأماني أنها لقيت ولدها بعد ذلك الفراق، ~~أو أوشكت أن تلقاه، فكأنما رأته بعينين وسمعته بأذنين، واستمعت إلى نجواه، ثم ها هي ذي ~~تفقده ثانية ... ويفر من خيالها كما فر به النخاس ذات مساء في ليلة حالكة السواد منذ بضع ~~وعشرين سنة ... # وأفاقت من ذهولها بعد قليل لتهتف جازعة: لا لا، إنك تعرف أين ولدي ولكنك تأبى ... # هز الرجل رأسه مشفقا وهو يقول: الصبر يا سيدتي! لقد أنبأتك بما عرفت، وإن همك ~~ليحزنني ويعصر قلبي، إنني أنا مثلك أب وذو ولد، وليس الأمر من الحرج بحيث يدعو إلى اليأس، ~~إنك يا سيدتي على الطريق منذ بضع وعشرين سنة، قد لقيت في هذه السنين من البأساء والضر ما ~~لقيت صابرة، فهلا صبرت إلى هذه السنين بضعة أسابيع، أو بضعة أشهر حتى تلقيه ms126 أو يلقاك؟ لقد ~~أوشكت أن تبلغي آخر الطريق إليه، ولا بد أن تلتقيا، فإذا كان تعاقب السنين قد غير ~~صورته، فإن نور الأمومة في قلبك يهديك، وما أرى صورتك قد تغيرت في مرأى عينيه، إنك اليوم يا ~~سيدتي في المدينة التي تخلف فيها ولدك دون أصحابه، ومن يدري؟ فقد يكون الساعة على مد ~~الشعاع من عينيك، لولا هذه الجدران التي تفصل بين بيوت الناس! # قالت المرأة وقد ثاب إليها الهدوء وفاءت إلى الرضا: شكرا يا سيدي، ومعذرة إليك، فهلا ~~أتممت معروفك، فدللتني على بيت في هذه المدينة يشرف على الطريق العام؛ لأعيش فيه حتى يأذن ~~الله لي في لقاء ولدي! # قال الرجل: لك علي ما تطلبين يا سيدتي، وسأكون لك منذ اليوم أخا وجارا إن أذنت لي، ~~حتى تلقي ولدك إن شاء الله! # الفصل السادس والعشرون # | لغز الحياة # لم يكد ركب المحمل يفصل عن القاهرة وينتهي رمضان حتى دهم القاهرة شر عظيم، فقد ظهر ~~الطاعون في أحياء متفرقة من المدينة، ثم لم يلبث أن انتشر، ففي كل زقاق نواح على ميت، وفي ~~كل دار مطعون يرقبه أهله مشفقين وجلين. وازدحمت الجنائز في الطريق حتى لا تنقطع مواكبها، ~~وتجاوبت أصوات النوادب ودفوف النائحات من شرق المدينة إلى غربها، وشمل أهل المدينة الخوف ~~والفزع؛ حتى ليظن كل حي أن الموت مصبحه أو ممسيه في نفسه أو في أحد من أهله، وحتى بلغ ~~عدد الوفيات في المدينة كل يوم أربعة آلاف مطعون. # وفزع الناس إلى الله تائبين نائبين، وخفف السلطان من غلوائه وأشفق على نفسه من يوم قريب، ~~فنادى مناديه في القاهرة بإبطال ضريبة الجمعة، وضريبة الشهر، وحرم بيع الخمر، وحظر على ~~النساء أن يخرجن من دورهن إلا مؤتزرات منتقبات، وأغلق بيوت البغاء، ومنع النواح على ~~الموتى بالدفوف، ولجأ إلى الله في خلواته يستجير من هذا البلاء النازل. # واستمر الوباء يحصد الأرواح، لم يمنعه دعاء الداعين ولا توبة التائبين، فلم يدع بيتا في ~~القاهرة إلا دخله، وما دخل دارا إلا عاد إليها، حتى ms127 قصر السلطان نفسه - على رغم من ~~يحيط به من الحراس الأشداء الغلاظ - لم يسلم من ذلك الوباء، فماتت سرية من سراري السلطان ~~مطعونة، ومات ولدها الذي كان الغوري يرجوه لولاية عهده، وماتت ابنته العروس الشابة جان سكر ~~قبل أن يغيب هلال شوال، وقبل أن يبلغ الحاج منتصف الطريق إلى البلد الحرام! # وحمل نعش جان سكر على أعناق الرجال يتبعه أمراء المماليك، وقادة الجند، ومماليك الخاصة، ~~وطومان باي يسير بينهم مطأطئ الرأس، حتى بلغوا الجامع الأزهر فصلوا صلاة الجنازة ووزعت ~~الصدقات، ثم حملت العروس العذراء على سريرها إلى قبة الغوري حيث أودعت التراب، وعاد ~~طومان باي ينفض يديه من ترابها ويتلقى تعزية الناس شاكرا، فلما انفض الجمع أوى إلى غرفته ~~بالقصر صامتا لا يريد أن يتحدث إلى أحد أو يحدثه أحد ... # أحزين هو لأنه قد فاته صهر السلطان؟ أم هو راض شاكر؛ لأن الحجاب قد زال بينه وبين ~~الأمنية الغالية التي يتمناها منذ أزمان؟ أم هو بين الأسف والرضا في نوع من القلق ~~والحيرة، لا طاقة له باحتماله ولا صبر؟ # بلى، إن جان سكر بنت عمه قد ماتت وكانت مسماة عليه برغمه، وكانت تحول بينه وبين أمنية ~~غالية يتمناها منذ أزمان، ولكنه حزين، وصاحبته شهددار اليوم أبعد عن خاطره مما كانت في أي ~~يوم مضى، إنه لا يطيق أن يفكر الساعة في شأنه وشأنها؛ لأن نفسه تأبى أن تعبر الطريق إلى ~~مسراتها على جسر من آلام الناس ... تلك العروس التي كانت مسماة عليه برغمه لم يزل جسدها ~~دافئا تحت صفائح القبر، فليس يجمل به أن يفرح ويشتهي ويتمنى، ولم يزل يرن في أذنيه ~~منعاها، لقد كان لتلك العروس الميتة كذلك أفراح وأماني وشهوات، ولعلها - على ما كان بينها ~~وبين طومان من الجفوة - كانت تأمل فيه أملا، فماتت قبل أن تبلغ شيئا مما كانت تشتهي ~~وتتمنى وتأمل! # وتطورت خواطره فانتقلت به من حال إلى حال، فإذا صورة جان سكر التي طواها الموت منذ لحظات ~~تملأ صفحة خياله، فليس له فكر إلا فيها، ms128 فيها وحدها، وإذا صورة صاحبته شهددار تتوارى عن ~~عينيه، أو هو نفسه قد واراها طائعا، لا يريد أن يجمع في خياله صورتين لا يجتمع مثلهما في ~~قلب رجل، إلا اجتمع معهما الشماتة والحقد والبغضاء، وإنه لأرفع نفسا عن مثل تلك ~~الدناءات. # وطالت غيبته عن عمه، فإذا عمه يسعى إليه في غرفته ليسأله عما به، أو لعله أراد أن يعزيه ~~في مصابه، ومصاب الرجل في صاحبته أحق بالعزاء من مصاب الأب في ابنته ... إن الأب هو يصنع ~~بنيه وبناته، فهم كالثمرة من شجرته، تسقط الثمرة عن فرعها، والشجرة هي الشجرة لم تنقص ~~شيئا في رأي العين، ولكن المرأة هي تصنع رجلها وتبنيه فترتفع به أو تنزل، كما يبنيها رجلها ~~ويرتفع بها أو ينزل، فكلاهما من صاحبه هو النفس الثانية، أو الشخص وصورته في المرآة، أرأيت ~~المرآة تملك أن تمسك الصورة لو زال ذلك الجسد الذي كانت تتراءى صورته في مائها، فذلك مكان ~~المرأة من رجلها ومكان الرجل من امرأته، ولا كذلك مكان الآباء من بنيهم وبناتهم. # قال الغوري وهو يربت على كتف طومان: آجرك الله يا بني وألهمك الصبر ورزقك حسن العوض، ~~إنك لم تزل بعيني يا طومان وإن ذهبت تلك؛ لأنك ذكراها الباقية لي على الزمان! # ودمعت عين الشيخ فجاوبتها دمعة من عين الفتى، ثم اصطحبا ذراعا في ذراع يجوسان خلال غرفات ~~القصر وقد صفا ما بينهما، كأنما كانت تلك التي ماتت هي الحجاز بين قلبيهما، أو كأنما ~~ألفت بينهما المصيبة حين لم تؤلف بينهما نعماء الحياة، ولا تزال النفس البشرية لغزا من ~~ألغاز الكون يستعصي فهمه على الأحياء، وإنما مفتاح هذا القفل في يد الموت، هو وحده الذي ~~يفتح ذلك الصندوق المقفل على ما فيه من غيب الله! # وقال الغوري لنفسه ذات يوم وقد خلا إلى نفسه: إن طومان لفتى يعتز به، وإنه لولدي ولا ~~ولد لي غيره، إلا ذلك الطفل الذي يدرج بين يدي حاضنته، وإنه لأهل لأن أعتمد عليه في ~~مهماتي، فلماذا لا أجعله أدنى إلي منزلة؟ ms129 # وفكر وقدر، وذهب به الفكر مذاهبه، وتذكر شهددار بنت أقبردي: فدعا إليه طومان يسأله: ~~أتريدها لك زوجا يا طومان؟ # وازدحمت في رأس الفتى خواطره وغلبته أشجانه، وغص بأنفاسه فلم تخلص من بين شفتيه كلمة، ~~فارتمى على صدر الغوري، ودفن رأسه في طيات ثيابه وهو يجهش باكيا ... وسقطت دمعتان على وجه ~~الغوري ثم انحدرتا حتى توارتا في لحيته، وقبض أصابعه في لحم الفتى وهو يضمه إلى صدره بعنف ~~وحنان، وهتف: يا ولدي! # كما ناداه ذات يوم في حلب حين التقيا لأول مرة منذ سنين بعيدة! # في هذا اليوم الراهن، وفي ذلك اليوم البعيد ... كان هذا العناق الدافئ تعبيرا بليغا عن ~~سعادة طومان باي باجتماع شمله بعد تفرق ... مرة في حلب حين وجد له عما بعد يأس من لقاء ~~الأهل، وهذه المرة في القاهرة حين وجد شهددار بعد يأس من اللقاء! # واجتمع بالقلعة القضاة الأربعة، وأمراء المماليك، وأعيان الناس؛ ليشهدوا عقد الأمير الشاب ~~طومان باي على شهددار بنت أقبردي ... # فلما كان بعد بضعة أشهر، زفت العروس الفاتنة إلى عروسها الشاب، وشهدت القاهرة كلها ~~مهرجانا لم تشهد مثله منذ سنين، وحمل الحمالون جهازها الحافل بين عزف الموسيقى ونقر ~~الدفوف، يتخللون به دروب القاهرة، وشق موكب الأمير الشاب المدينة يحيط به الأمراء والوزراء ~~وأمناء البلاط، في أيديهم الشموع الموكبية، يرقص لهبها على ألحان المزامير وعزف الشبابات، ~~وغناء المغنين والمغنيات، حتى انتهى إلى القصر ... ونعمت القاهرة بليلة سلطانية ساهرة كأنها ~~من ليالي الأحلام. # وكانت مصرباي جالسة وراء الستر في شرفتها تشاهد ذلك المهرجان، وهي تردد بيتا من الشعر ~~حفظته عن خاير بن ملباي، فلم يزل على لسانها منذ فارقها خاير إلى حلب، فإنها لتتمثل صورته ~~في نبرة كل حرف ونغمة كل مقطع وهي تنشد: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن ألا تلاقيا # واكتملت سعادة الأمير طومان باي وعلا نجمه، فهو الدوادار الكبير، وهو الأستادار، وهو كاشف ~~الكشاف وأمير أمراء الشمال والجنوب، وهو مشير السلطنة وصاحب الحول والتدبير ... # وهو إلى كل ذلك حبيب المصريين، ms130 وصديق المماليك، وحامي العربان، وهو مريد من أخلص المريدين ~~في حلقة الشيخ أبي السعود الجارحي ... # شيء واحد كان ينغص على طومان باي هذه السعادة التي اجتمعت له أسبابها، ذلك هو أن عمه ~~السلطان لم يزل على ما رسم لنفسه من أساليب السياسة منذ ولي العرش، فإن أهم ما يعنيه هو أن ~~يجمع المال من كل سبيل فلا ينفق منه شيئا، وأن يحشد المماليك الجلبان في القلعة، فيؤثرهم ~~بنعمته دون غيرهم من القرانصة وأولاد الناس، وأن يستمتع بكل ما يتاح له من أسباب النعيم ~~والترف، والشعب يطلب الغذاء والكساء والمأوى فلا يكاد يجد ... ولا يكاد يجد الأمان من الجباة ~~والولاة وعمال السلطان! # لولا هذه الهنات لهدأ بال طومان باي وتمت سعادته، ولكن من أين له أن يهدأ وهو دائب ~~الحركة ليصلح بين المماليك والسلطان، وبين القرانصة والجلبان، وبين أولاد الناس والشعب، ثم ~~ما بين أولئك جميعا وبين الجباة وعمال السلطان! # الفصل السابع والعشرون # | نذير العاصفة # - مولاي! ~~- ما تريد يا طومان؟ ~~- لست أريد شيئا لنفسي، فقد غمرتني نعمتك يا مولاي حتى لا أطمع في مزيد، ولكن أمرا ذا ~~بال يشغلني ... ~~- اعرض ما شئت من أمرك يا طومان! ~~- إنه أمر هؤلاء الروم الذين يتخذون متاجرهم في خان الخليلي، فيخالطون المصريين والجركس، ~~وأعراب البادية، ويطلعون من أحوالنا على ما لا ينبغي أن يطلع عليه الغرباء ... ~~- ولكنهم ليسوا غرباء يا طومان، إنهم يعيشون بيننا منذ سنين، وقد اتخذوا مصر وطنا وأهلها ~~أهلا، ولهم بيننا صهر ونسب، فماذا يشغلك اليوم من أمرهم؟ ~~- لا شيء، ولكن ابن عثمان ملك الروم اليوم على الحدود قد زين له الطمع ما زين من أوهامه، ~~فإني لأخشى أن يضيق هؤلاء التجار الروم بما يفرض الجباة على التجارة في مصر من ضرائب ~~فادحة، وبما يلقون من عسف عمال السلطان، فيلتمسوها زلفى إلى ابن عثمان، ويضمروا لنا الغدر ~~ويكاتبوا سلطان الروم بما يعرفون من أحوال مصر؛ انتقاما لما ينالهم من أذى الجباة ~~والعمال! ~~- وماذا يحملك على هذا الظن يا طومان، وأي شيء يدفعهم ms131 إلى هذا الغدر وهم في خفض ونعمة، لا ~~يتمتع بمثلهما كثير من المصريين؟ ~~- إنما هو حديث حدثني به اليوم يا مولاي بعض غلماني، يزعم أن جاني باي الأستادار قد ~~أحفظ صدر هؤلاء الروم بما يفرض عليهم من الضرائب الثقيلة، وبما يلقون من عنت عماله وغلظتهم ~~في سبيل ما يحصلون من هذه الضرائب؛ حتى ليتحدث بعضهم إلى بعض جهرا، يعلنون عن سخطهم ~~ونقمتهم، ويلتمسون السبيل إلى الخلاص من جور المحصلين والجباة ... بمكاتبة ابن عثمان ملك ~~الروم! ~~- إذن فلينالوا جزاءهم، وسأرسم اليوم بحبسهم وقبض ما في خزائنهم من المال؛ ليكونوا عبرة ~~لمن يعتبر! ~~- مولاي! ~~- ماذا يا طومان؟ ~~- أفلا يكون سبيل الإحسان أن تنظر في شكواهم فتعاقبهم على قدر الذنب؟ إنهم فيما أعلم ~~ليلقون - كما يلقى الناس جميعا - من الجور وسوء المعاملة ما لا طاقة لهم بحمله؛ وقد أسرف ~~جاني باي فيما يفرض من الضرائب حتى ليبيع الناس أقواتهم وثيابهم ومتاع بيوتهم ليفوا له بما ~~يطلب، فخربت الأسواق، وفر الزراع من أراضيهم وتركوها غبراء مقفرة ليس فيها زرع ولا شجر، ~~وأوشك الشعب أن يموت جوعا. # قال الغوري: إن جاني باي إذن لذو مال! # وصمت برهة يفكر، ثم رفع رأسه قائلا: وسأقبض معهم على جاني باي الأستادار؛ حتى يؤدي إلى ~~خزانة السلطان ما اغتال من أموال الناس. # قال طومان في قلق: مولاي! فهل ترد إلى الناس ما اغتال جاني باي وعماله من أموالهم؟ # قال الغوري وعلى شفتيه ابتسامته: ما زلت يا طومان تحسن الظن بما ترى من حال ذلك الشعب ... ~~إن هؤلاء الناس يا أمير ليخفون ثرواتهم وراء هذه الرقع الملفقة التي يسترون بها أجسادهم ~~متظاهرين بالفقر والحاجة، وإن السلطان بما يدبر من أمورهم لأحوج منهم إلى ذلك ~~المال. # ثم لم يلبث السلطان أن دعا طائفة من جنده، فرسم لهم أن يقصدوا دار جاني باي فيأتوا به ~~في الأغلال. # كانت سورباي بنت جاني باي الأستادار شابة في نضارة العمر، مليحة، رشيقة، قد جمعت إلى ~~جمالها الجركسي خفة الروح المصرية، فقد كانت أمها مصرية صريحة ms132 النسب، رآها أبوها جاني باي ~~في شبابه، فأحبها، فتزوجها، لم يأبه لتلك التقاليد التي كانت تحرم على الجركس ومماليك ~~السلطان أن يصهروا إلى المصريين، فجاءت بنتها سورباي مزيجا مصريا جركسيا يوقظ الفتنة ~~النائمة ... # وتزوجها خشقدم الرومي عتيق السلطان الغوري، فكانت إنسان عينه وحبة قلبه وشغاف روحه، وولد ~~له منها بنون وبنات، فاجتمعت منهم ومن أمهم في داره آيات الحسن الثلاث: مصرية ورومية، ~~وجركسية. # وكانت سورباي وحيدة أبويها، فاتخذت خشقدم زوجا وأخا، واتخذ هو أبويها أبا وأما، وصفت ~~لهم الحياة. # وعلى حين بغتة حلت بهم الكارثة، حين قبض السلطان الغوري على جاني باي وألزمه أن يدفع إلى ~~خزانة السلطان ما اغتال من أموال الناس، وأسلمه إلى عماله يفتنون في تعذيبه كل فن، ~~بالكي، ودق المسامير في جسده، وعصر أصداغه بالمعاصر، وبالجوع والظمأ والبرد القارس في ~~حجرات السجن المظلم، وبتخويفه بالنار والخازوق والشنق على باب زويلة ... حتى يدفع إلى خزانة ~~السلطان ما طلب منه أن يؤديه. # وطال به العذاب ولم يدفع كل ما طلب منه، وطال عذاب أهله لما يناله، وطال عذاب ابنته ~~سورباي وزوجها خشقدم الرومي عتيق السلطان الغوري. # وقالت له زوجته ذات مساء: خشقدم! حبيبي! إن لك مكانا عند السلطان، فهلا شفعت عنده ~~لأبي! # فما عتم خشقدم أن استجاب لدعائها، فذهب إلى مولاه يتشفع لصهره، وكأنما ذهب ليذكره من ~~نسيان، فما كاد السلطان الغوري يسمع قوله حتى هتف به مغضبا: حتى أنت يا خشقدم! حسبتك من ~~حزبي. # قال خشقدم ضارعا: إنني أنا، وزوجتي، وبني وبناتي، وجاني باي، كلنا من حزبك وصنائع ~~معروفك، ولو كان جاني باي يملك غير ما أدى إلى خزانة السلطان، لأنقذ نفسه من الهلكة وخرج عن ~~كل ماله. # قال الغوري مغضبا: فتدفع أنت من مالك ما يعجز عنه جاني باي. # فبسط خشقدم كفيه قائلا: وماذا يملك عبدك يا مولاي إلا ما تفضل عليه من معروفك؟! # قال الغوري ساخرا: أو ما يفضل عليه صهره مما اغتال من أموال الناس باسم السلطان! # واحمرت عينا الغوري وانتفخ منخراه، وصاح بعتيقه ms133 الماثل بين يديه: اسمع يا خشقدم، لا يمكن ~~أن تكون لي ولجاني باي في وقت معا، فاختر أمان السلطان أو صهر جاني باي ... # قال خشقدم منزعجا: مولاي ... # فقاطعه السلطان صائحا: اسكت، إنما هو ما قلت لك، فإما طلقت بنت جاني باي لتخلص لي، ~~وإما نالك ما يناله! # اصفر وجه خشقدم واختلجت أطرافه، وقال مسترحما: وبني وبناتي يا مولاي، ما خطبهم وما ~~خطبي؟ وما ذنب زوجتي المسكينة؟ لقد حلت النقمة على أبيها، فادخرني لها يا مولاي واجعلني بعض ~~إحسانك إليها وإلى هؤلاء البنين والبنات. # قال الغوري ولم يزل في سورته: لقد حكمت، فاختر لنفسك! # ثم ولى وجهه ليؤذن عتيقه بالانصراف، فمضى يتعثر في خطاه، وقد دارت به الدنيا وثقل رأسه ~~بما يحمل من الهم، فلولا أنه جلد لانهار على الطريق ليس له وعي ولا رشاد ... ~~- ماذا وراءك يا خشقدم؟ ~~- الخير يا سورباي إن شاء الله! ~~- هل قبل مولاي شفاعتك؟ ~~- نعم! ~~- وهل يطلق أبي؟ ~~- نعم! ~~- متى يا خشقدم؟ ~~- يوم يحين أجله! # دقت المرأة صدرها يائسة وهي تقول: ماذا قلت يا خشقدم؟ أليس يريد السلطان أن يطلق أبي؟ ~~أحكم عليه بالموت في هذا العذاب؟ # قال خشقدم وعيناه عند موطئ نعله: سيموت أبوك في هذا العذاب، وستخرجين من داري مطلقة لا ~~زوج لها، وسيعيش بنونا وبناتنا في هذه الدار أطفالا بلا أم، أو يصحبونك حيث تكونين ليعيشوا ~~معك يتامى بلا أب! بهذا حكم السلطان. # ثم هب واقفا وقال وقد ارتفع صوته واختلجت ألفاظه كأن فيها نبضات قلبه: ولكن شيئا من ~~ذلك لن يكون ... ستعيشين لي وتبقين في داري، وسيعيش بنونا وبناتنا تحت جناح الرحمة من عطف ~~الأب وحنان الأم، وسيعلم الغوري أين منقلبه! # ثم عاد إلى مقعده هادئا ثابت الجأش، فأسند رأسه إلى راحته وراح يفكر، وطال تفكيره، وطال ~~استناد رأسه إلى راحته، وتعاقبت الساعات وهو لم يزل في مجلسه ذاك وفي هيئته تلك، وزوجته بين ~~يديه صامتة ترمقه بعينين فيهما قلق وإشفاق، لا تكاد تتحرك في مكانها، ولا يكاد هو يراها أو ~~يحس ms134 أنها منه في مكان قريب، فلما أوشك الظلام أن يبسط رداءه، رفع خشقدم رأسه وألقى إلى ~~زوجته نظرة مطمئنة، ثم قال في صوت هادئ: تأهبي منذ الغد يا سورباي لرحلة طويلة! # ثم نهض فأصلح هيئته وخرج إلى الطريق، فلم يعد إلى داره إلا حين أوشك الصبح. # ومضى يومان، ثم أبصر الناس في ميناء دمياط مركبا شراعيا يتأهب لرحلته، وقد جلس في صدره ~~شاب في عنفوانه إلى جانب زوجته، وبين يديهما بنون وبنات، يتبعه مركب آخر قد احتشد فيه ~~طائفة من المماليك كأنهم حاشية ذلك الفتى ... # وقطع الملاحون حبال المرساة وشدوا القلاع، فاتخذ المركبان طريقهما نحو الشمال حتى ابتعدا ~~عن الساحل، ثم غير الملاحون وجهتهم نحو الشرق، يقصدون بلاد ابن عثمان ... # ورفت ابتسامة على شفتي ذلك الفتى وهو ينشد لنفسه: # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها # ولكن أخلاق الرجال تضيق # الفصل الثامن والعشرون # | أول الطريق # عاد أبرك من حلب مغاضبا لأميرها خاير بن ملباي، وكان أبرك نائبا لقلعة حلب من قبل ~~السلطان الغوري، وعينا على أمير المدينة من قبل مولاه طومان باي الدوادار الكبير ... # ومثل أبرك بين يدي السلطان ليقص عليه أسباب الخلاف بينه وبين الأمير، ولكن السلطان لم ~~يكن بحاجة إلى أن يسمع شيئا عن خاير، فهو يثق به ثقته بنفسه، ويوليه من بره وعطفه ما لا ~~مطمع بعده لمستزيد، فما كاد يرى أبرك ماثلا بين يديه حتى انهال عليه تقريعا وملامة، فلم ~~يأذن له في كلمة أو يقبل منه معذرة، فغادر مجلس السلطان لا يكاد يتبين موضع خطاه من الغيظ ~~والحنق؛ فقد كان السلطان في حال شديدة من الغضب، فلولا أن أبرك هو غلام الدوادار الكبير، ~~لكان حقيقا بأن يناله من غضب السلطان في ذلك اليوم شر عظيم! # قال أبرك لمولاه: فو الله يا سيدي ما غاضبته إلا إشفاقا على هذه الدولة من عاقبة ما ~~يدبر لها، وإن خاير اليوم لذو تدبير وحيلة! # اعتدل طومان باي في مجلسه وقال: ماذا تعني يا أبرك، فما علمت قبل اليوم أن لخاير ~~تدبيرا ms135 يصيب، إلا أن يكون ذلك بسبيل امرأة! # قال أبرك: فهذا من ذاك يا مولاي، وما تزال الرسل والرسائل تترى بينه وبين مصرباي ~~الجركسية، منذ عاد من رحلته إلى القاهرة آخر مرة، وقد أجدت له هذه الرحلة أماني ومطامع، ~~فهو اليوم رجل آخر غير الذي تعرفه يا مولاي ... # قال طومان قلقا: ولكنك لم تحدثني يا أبرك عن تدبيره ذاك ما شأنه وما غايته؟ # قال أبرك: ذاك ما لا أعرفه على التحقيق يا مولاي، ولكن مكانه في تلك الإمارة البعيدة على ~~الأطراف، قد أتاح له صلات من الود بينه وبين جيرانه من أمراء ابن عثمان، فهو يهدي إليهم ~~ويهدون إليه، والرسل بينه وبينهم لا تكاد تنقطع، وبينه وبين جان بردي الغزالي أمير حماة ~~صلات أخرى ... # قال طومان وقد زاد به القلق: جان بردي الغزالي! ~~- نعم يا مولاي، وإن جان بردي ليتعبد له ~~كأنه مولاه، ثم هناك علاء الدولة أمير مرعش وديار بكر، وأنت تعلم يا مولاي ما بينه وبين ابن ~~عثمان من القطيعة والجفوة، فإن بين خاير وبينه من أمارات العداوة، على قدر ما بينه وبين ابن ~~عثمان من المودة، كأن أمير مرعش وديار بكر ليس مثله أميرا من أمراء مصر على بلد من بلاد ~~السلطان الغوري، أو كأن خاير أمير من أمراء ابن عثمان! # هب طومان باي واقفا وراح يذرع الغرفة ذهابا وجيئة، قد بلغ به القلق مبلغا بعيدا، ~~وراح يتحدث إلى نفسه همسا لا يكاد صوته يبلغ أذنيه، ولكنه مما يصطرع في رأسه من الهواجس، ~~يخال أن لذلك الهمس صدى يتجاوب بين جدران الغرفة الأربعة، فيرتد إلى أذنيه ضجيجا صاخبا ~~لا يكاد يطيقه! # ثم عاد فاستقر في موضعه وهو يقول لغلامه: ثم ماذا يا أبرك؟ # قال أبرك: لا شيء يا مولاي إلا ما علمت منذ قريب من أمر خشقدم الرومي، فقد بلغ في بلاد ~~الروم منزلة ومكانة، وله أخ في حاشية السلطان سليم قد هيأ له مكان الحظوة والجاه عند ~~السلطان؛ فهو اليوم من جلسائه وأصحاب سره، وقد استفاض بين ms136 الناس أن خشقدم قد زين للسلطان ~~سليم أن يغير على بلاد السلطان الغوري، وكشف له عن عوراتها وأطلعه على أسرار الدفاع، ولا ~~يزال الناس على بلاد الحدود في هم منذ استفاضت بينهم هذه الأخبار ... وبين خشقدم اليوم ~~وخاير بن ملباي رسل ورسائل ومودة وثيقة. # هز طومان باي رأسه حنقا وهو يقول كأنما يحدث نفسه: كذلك تضيق حلقاتها على عنق السلطان، ~~والسلطان في غفلته لا يكاد يفطن إلى ما يدبر له، ولقد رأيت خاير في زيارته الأخيرة ~~للقاهرة ، وهو يشهد موكب السلطان في أبهته وتمام زينته، فكأن قد رأيت في عينيه وقتئذ خيال ~~أمنية يتمناها مما بهره من جلال ذلك الموكب، وكأن قد سمعت من ورائه صوت مصرباي هاتفة: إلى ~~العرش يا خاير! فإن مصرباي تتمنى أن تعود سلطانة. # ثم ابتسم ابتسامة خابية وهو يقول: ولكن السلطان لا يخشى تدبير خاير؛ لأن أبا النجم ~~الرمال لم يخوفه إلا سيباي أمير الشام، فهو دائم الحذر منه تصديقا لنبوءة ذلك ~~الدجال ... # قال أبرك: فهل سماه له الرمال باسمه يا مولاي؟ # قال طومان ساخرا: أحسبه قال له: إن عرشه سيكون من بعده لأمير أول اسمه س! # قال أبرك في همس وقد زاغت عيناه وحال لونه: أول اسمه س؟ فما أحراه يا مولاي أن يأخذ حذره ~~من السلطان سليم ابن عثمان، ويقطع ما بينه وبين خاير من علائق المودة! # قال طومان غاضبا: اخسأ عليك اللعنة! وهل هانت مصر حتى يكون عرشها لسليم بن بايزيد! إنما ~~هي شعبذة دجال وأوهام شيخ مريض! # ثم سكت برهة يفكر وعاد يقول في هدوء: لا عليك يا أبرك مما نالك من غضب السلطان، وستعود ~~بإذنه إلى قلعة حلب؛ لتكون لنا عينا وأذنا، ولن ينفذ لخاير بن ملباي تدبير وعلى ظهرها ~~طومان باي! # ثم شيع غلامه إلى الباب وعاد إلى مجلسه يفكر ... # كانت مرعش وديار بكر وما يليها من تلك البلاد إمارة مصرية، وكان يحكمها من قبل سلطان مصر ~~الأمير سوار، ولكن هوى سوار كان مع بني عثمان، فجرد السلطان قايتباي ms137 حملة فهزمه وفرق جنده ~~وقاده أسيرا إلى القاهرة، ثم أمر به فشنق على باب زويلة، وجعل إمارة مرعش من بعده لأخيه ~~علاء الدولة، وفر أبناء سوار إلى ابن عثمان فأقاموا في جواره، ينتظرون أن تسنح فرصة تعود ~~بهم إلى كرسي الإمارة ويخلعون عمهم علاء الدولة، وعاش علاء الدولة أميرا على تلك البلاد ~~خائفا يترقب، والشر يتربص به من ثلاث جهات، فوراءه أبناء أخيه يأملون أن يعود إليهم عرش ~~هذه الإمارة، وعن يمينه ابن عثمان ملك الروم لا تزال نفسه تراوده ليبسط سلطانه ويوسع رقعة ~~ملكه، وعن يساره الشاه إسماعيل الصفوي - أمير العجم - يطمع أن يحتاز هذه البلاد؛ ليتخذها ~~قاعدة للهجوم على الشام ومصر. وفي نفس علاء الدولة مع ذلك كله أمل في الاستقلال عن سلطان ~~مصر! # وكان السلطان بايزيد العثماني يحكم بلاد الروم قبل أن يغلبه على العرش ولده سليم، وكان ~~سليم فتى في عنفوانه واسع الطموح بعيد مطارح الآمال، فما كاد يثب على عرش أبيه حتى توجس ~~إخوته الشر، فتفرقوا في البلاد فرارا من بطشه، فمنهم من استجار بالشاه إسماعيل الصفوي، ~~ومنهم من عاش في جوار السلطان الغوري، فاشتجرت أسباب الخلاف بين الدول المتجاورة، وكان لا ~~بد من بعدها أن تشتجر الرماح. # وعبأ السلطان سليم جيشه يقصد بلاد الصفوي، وما كان له أن ينفذ إلى حيث يريد، وفي الطريق ~~علاء الدولة أمير مرعش وديار بكر، فكتب علاء الدولة إلى السلطان الغوري يؤذنه بنية السلطان ~~سليم ويلتمس معونته، وكتب إليه السلطان سليم يشكو إليه عامله علاء الدولة ويسأله حق المرور، ~~وكان الغوري يخشى السلطان سليما، ويحذر الصفوي، ولا يأمن غدرة علاء الدولة، فكأنما عاوده ~~داؤه القديم، وخيل إليه أنه مستطيع بسياسته التقليدية العتيقة أن يغري بعض أعدائه ببعض، ~~ويخلي بينهم حتى يتفانوا، فكتب إلى علاء الدولة يأمره أن يعترض سبيل ابن عثمان، وكتب إلى ~~ابن عثمان يغريه بعلاء الدولة، ويصفه بالعصيان والمروق من الطاعة ... وأيقن أن الغالب منهما ~~سيولي وجهه شطر إسماعيل الصفوي، فيخلص من الثلاثة أو يكسر شوكتهم في ms138 وقت معا ... ووقف ~~ينتظر. # وكان أبناء سوار في جيش السلطان سليم، فتدانت لهم الآمال في العودة إلى الإمارة التي كانت ~~لأبيهم في يوم ما قبل أن يليها علاء الدولة، فتقدموا الصفوف يطلبون الثأر ... وانحاز إليهم ~~من انحاز من جند علاء الدولة، ولاء لأبيهم، ودارت الدائرة على علاء الدولة، وسيق هو وأمراء ~~جنده أسرى إلى السلطان سليم، فاحتز رءوسهم وأرسلها هدية إلى السلطان الغوري في القاهرة. ~~ووثب ابن سوار إلى عرش أبيه ... تؤيده جند السلطان سليم! # ورفرف لواء الدولة العثمانية على أول أرض مصرية، وتلبث السلطان سليم ينتظر رجع الصدى، فلم ~~يتقدم إلى شمال أو إلى يمين. # قال خشقدم الرومي: أما إنك يا مولاي قد حميت ظهرك من إسماعيل الصفوي بتولية ابن سوار على ~~هذه الإمارة، فلو شئت لمضيت في طريقك حتى تغلب على حلب ودمشق، وتحتاز الشام من أطرافها فلا ~~يقف في سبيلك شيء. # قال السلطان سليم ضاحكا: إنك يا خشقدم لتتعجل الأمر قبل أوانه، ومن أين لنا الجند ~~والعتاد حتى نتغلب على حامية حلب، فننفذ منها إلى دمشق والشام، ونحتاز البلاد من أطرافها ~~كما تأمل، وفي حلب قوة مصرية لا يثبت لها جيش من الروم؟! # قال خشقدم منكرا: أفلا يزال مولاي يشك في ولاء خاير بك، على ما قدم من المواثيق وأمارات ~~الطاعة، أم أن مولاي لا يراه أهلا للوفاء بما وعد من نصرة جيش الروم؟! # قال السلطان: بلى، ولكن خاير جركسي كما تعلم، فلست آمن أن ينتقض علينا حين يجد الجد؛ ~~انتصارا لبني جنسه. # قال خشقدم ضاحكا: وهل علم مولاي لجركسي من هؤلاء المماليك عاطفة تحن به إلى أهله أو ~~تربطه بوطنه، وإنما يقتل بعضهم بعضا ليبلغوا العرش، يستمتعون به حينا حتى يأتي من يقتلهم ~~ليبلغ من بعدهم ذلك العرش، ويتخلق بدم السلطان القتيل! ثم هنالك يا مولاي جان بردي الغزالي ~~أمير حماة، فقد عقد لي المواثيق والأيمان، وهنالك سيباي أمير الشام. # فقاطعه السلطان سليم قائلا: أما سيباي فلست آمن جانبه، على ما تصف مما بينه وبين ~~الغوري ms139 من أسباب العداوة والبغضاء. # قال خشقدم: نعم، ولكنه إلا يكن معنا فلن يكون علينا، فنحن على الحالين في أمان منه. # قال الوزير أحمد بن هرسك: يا مولاي! إنها أماني تهتز لها النفس، ولكنها لا تغني من الحق ~~شيئا؛ لقد كنت أمير الجند في تلك الحرب التي كانت بين جيش أبيك وجند قايتباي في ذلك ~~التاريخ البعيد، وكأني أرى بعيني الساعة مصارع جندي على تلك الغبراء، لا يكاد يثبت جندي ~~منهم لطعنة مصرية، وقد رأيتني يومئذ وأنا أقاد أسيرا في الأغلال إلى مجلس السلطان قايتباي ~~في القاهرة، فيعفو عني ويمن علي بالحرية، وهو يقول لي باسما: «كيف رأيت جيش مصر يا أمير؟» وأقسم لمولاي صادقا أنني لم أومن في حياتي بحقيقة، كما آمنت يومئذ ولا أزال أومن حتى ~~اليوم بأن جيش مصر لا يغلب، وقد آليت من يومئذ ألا أرفع سيفي في وجه مصري من أهل ~~القبلة ... فإن شاء مولاي فقد بذلت له النصح. # قال السلطان ضاحكا: اسكت يا شيخ! إنك لتحمل على كاهلك من أعباء السنين ما لا تقوى معه ~~على حمل الراية على رأس جيش السلطان سليم! # مثل سفير ابن عثمان بين يدي السلطان الغوري يبشره بما فتح الله على السلطان سليم، وما ~~أتاح له من النصر على علاء الدولة صاحب مرعش، ويقدم له رءوس القتلى ... # وخفق قلب السلطان الشيخ خفقة ذعر، واختلج ضميره اختلاجة ندم، وتخيل علاء الدولة وقد تفرق ~~من حوله جنده وأسلموه إلى عدوه يحتز رأسه، فكأن قد رأى نفسه في مثل موقفه ذاك في يوم ما ... ~~فشحب وجهه وبردت أطرافه، ثم استجمع قوته ليقول لسفير ابن عثمان: إنني لسعيد بما أفاء الله ~~على السلطان سليم من النصر والغنيمة، ولعله أن يجد من توفيق الله في قتال الصفوية، مثل ما ~~لقي في قتال ذلك الخارجي العاصي ... # وعض على شفتيه وعاد قلبه يخفق، وأحس وخز ضميره. # وغادر السفير مجلس السلطان، فدعا الغوري أمراءه ليشاورهم في الأمر: إن قلبه ليحدثه بأن ~~شرا يتربص به على حدود الدولة، حيث ms140 خيمت جنود ابن عثمان في انتظار ما يصدر إليهم من أمر، ~~إما إلى الشرق وإما إلى الغرب. # واجتمع الأمراء في مجلس السلطان يتبادلون المشورة، وقال الغوري: ليس بي من خوف، وإن ~~أمراءنا على الحدود لأهل حمية في الدفاع، وما أخشى منهم إلا أن ينتقض سيباي نائب ~~الشام. # قال الدوادار الكبير طومان باي: ولكني يا مولاي أخشى غدرة خاير بن ملباي نائب حلب أكثر مما ~~أخشى سيباي، إن سيباي لذو حفاظ ومروءة، وإن خيل لمولاي ما خيل من أمره، أما خاير ~~... # فقاطعه الغوري قائلا: لا تزال يا أمير تسيء الظن بخاير بك، وما أراه أهلا لموجدتك، على ~~أننا لم نجتمع الساعة للمشاورة في شأن خاير أو سيباي، ولكنني أخشى غدرة ابن عثمان! # وتشاور الأمراء ساعة ثم انتهوا إلى الرأي، واتفقوا على إنفاذ حملة احتياطية إلى حلب، ~~تنتظر ما يكون من أمر ابن عثمان والصفوي، وتعد عدتها للدفاع ... وإيفاد رسول إلى بلاد ابن ~~عثمان يستطلع الأنباء ويقتص الأثر ... # ومضت أشهر قبل أن تخرج الحملة المصرية إلى حلب، وقبل أن يسافر رسول السلطان، وكان سفراء ~~ابن عثمان لا يزالون يفدون إلى القاهرة سفيرا بعد سفير ثم يعودون، فيولم لهم السلطان ~~ولائمه ويكرم وفادتهم، وعيونهم مبثوثة في كل حي من أحياء القاهرة وآذانهم مرهفة للسمع ~~... # ثم بدأت طلائع الحملة المصرية تخرج إلى الشام في طريقها إلى حلب؛ انتظارا لما يكون من ~~أمر الغوري والسلطان سليم، وكان على رأسها الأمير أبرك صاحب الدوادار الكبير ~~طومان باي. # الفصل التاسع والعشرون # | شعاع من النور # استدار المملوك الشاب على عقبيه، وفي وجهه أمارات غيظ شديد، فالتقت عيناه بعيني تلك ~~الجركسية الملثمة التي تلاحق خطاه منذ خرج من دار الإمارة في حلب، فأقبل عليها مغضبا يقول: ~~ما شأنك وشأني يا أماه، ولماذا تطاردينني كذلك على طول الطريق كأنما مطلتك بدين؟! # قالت نوركلدي وقد اخضلت عيناها وبدا في وجهها الانكسار والذلة: لا تعجل علي بالغضب يا ~~بني، إن أنا إلا أم فقدت وحيدها فبرزت إلى الطريق تتفرس وجوه الناس؛ آملة ms141 أن تجد ~~فتاها الذي تفتقده منذ عمر مديد! # قال المملوك وقد زاد به الغيظ والغضب: وتحسبينني ذلك الفتى أيتها الجركسية، أم أنت ~~تحاولين أن تخدعيني كأنني لا أعرف من تكونين؟ # ثم عاد فأولاها ظهرها ومضى في طريقه، وتركها في مكانها لا تنقل قدما ولا تحاول حركة، وقد ~~تعاقبت على نفسها ألوان من العاصفة، وغمرتها موجة من الشك والقلق وهي تقول لنفسها في حيرة: ~~إذن فهو يعرف من أكون ... فهل يعرف أين ألقى ولدي طومان! # ثم هرولت إليه تناديه في لهفة لا تبالي نظرات الناس، وما ارتسم على وجوههم من أمارات ~~السخرية والدهشة، وما تلفظ شفاههم من عبارات الاستنكار. # امرأة في خريف العمر قد جف عودها وأدبر عنها الشباب، لا يزال يراها الناس في حلب منذ ~~سنين، تجوس خلال أسواق المدينة تتفرس في وجوه الرجال بعينين ظامئتين فيهما لهفة وحنين، ~~وتعترض سبيل الشبان في الأسواق بوجه ليس فيه حياء، فلو قدرت لاستوقفت كل عابر في الطريق، ~~وكل جالس على دكانه تتحدث إليه ... # وعرفها كل فتى في المدينة وكل رجل، تلك الجركسية الملثمة التي تبرز للرجال في حنايا ~~الدروب، على شفتيها ابتسامتها وفي نظراتها الحنين واللهفة! مجنونة! # ها هي ذي تعدو في أثر ذلك الفتى من مماليك الأمير خاير، تناديه وهو ماض في طريقه لا ~~يلتفت ولا ينظر كأن لم يسمع نداءها، والناس ينظرون إليها ساخرين أو منكرين! هل فيهم من يعرف ~~حقا من تكون تلك الجركسية الملثمة التي تعترض الفتيان بكل سبيل، وتقعد لهم في كل ~~مرصد؟ # وغاب المملوك الشاب عن عينيها في زحمة الطريق، فأمسكت عن العدو ووقفت لاهثة وهي تدير في ~~وجوه الناس نظرات حائرة فيها القلق والحيرة، وفيها الحنين واللهفة. # ذلك مملوك من بطانة الأمير خاير بك كانت تأمل أن يهديها إلى طريق ولدها طومان باي، أليس ~~مسعود الخاني قد أنبأها منذ بعيد أن أمير حلب كان في يوم ما رفيقا لولدها طومان؛ فإن ~~الأمير أو غلاما من بطانته يستطيع أن يكشف لها عن شيء من خبر ولدها ms142 الذي تفتقده منذ سنين، ~~لقد كان مسعود يستطيع أن يصحبها إلى دار الإمارة ويجمع بينها وبين الأمير نفسه فتتحدث إليه ~~وتسمع منه، ولكن مسعودا قد أبى عليها أن تسلك هذا السبيل حين خيل إليه أن ولدها طومان ~~يعيش في حلب؛ لأنه لم يفارق حلب يوم فارقها خاير في ركب تاجر المماليك جاني باي، وإذن فلا ~~بد أن تلقاه أمه يوما ما في سوق من أسواق هذه المدينة على غير ميعاد. وفسح لها مسعود ~~في ذلك الأمل حتى اعتقدته حقا، وعاشت منذ ذلك اليوم في حلب، تجوس خلال الأسواق وتتفرس في ~~وجوه الرجال، وتعترض سبيل كل شاب؛ حتى ليخيل إليها أن تستوقف كل عابر في الطريق، وكل ~~جالس على دكانه لتتحدث إليه وتسأل عن ولدها طومان باي. # وأيقنت بعد لأي أن طومان باي ليس في حلب، لقد فارق هذه المدينة في يوم ما قبل أن ~~تهبط إليها أمه، فإنها لتكاد تعرف كل شاب في هذه المدينة وكل رجل، وما منهم واحد إلا ~~لقيته مرة أو مرات، فما وقعت عينها منذ بعيد على وجه جديد، إلا وجوه هؤلاء الجند الذين ~~وفدوا إلى حلب منذ قريب، يتهيئون للدفاع عن حدود الدولة حين يدعوهم قائدهم إلى الدفاع! # ولكن أين ذهب طومان حين ذهب من حلب؟! إنها لتحس إحساس الأمومة الملهمة أنه لم يزل حيا ~~يعيش في مكان ما، فمن ذا يدلها على مكانه ذاك؟ لا أحد إلا الأمير خاير نفسه، أليس قد كان ~~في يوم ما رفيقا لولدها طومان كما حدثها مسعود؟ فمن ذا يصحبها إلى دار الإمارة ويجمع بينها ~~وبين الأمير خاير لتتحدث إليه وتسمع منه، فلعله قد لقي طومان باي ثانية بعد ذلك الفراق، ~~ولعله يعرف أين تلقاه! # وهذا مملوك من مماليك الأمير خاير قد فر من بين يديها قبل أن تسمع منه، وإنه ليعرف من ~~تكون، هكذا سمعته يقول قبل أن يولي وجهه، وإذن فهو يعرف أنها أم طومان، ويعرف طومان نفسه ~~وأين يكون. # لماذا فر من بين يديها ذلك المملوك ms143 مغضبا عجلان وأبى أن يتحدث إليها؟ ولكنها لا بد ~~أن تلقاه ثانية وتتحدث إليه وتسمع منه، وتعرف أين تلقى ولدها طومان باي. # ومر بها مملوك آخر وهي في موقفها ذاك تتحدث إلى نفسها ذلك الحديث، فأتبعته عينين فيهما ~~لهفة وحنين، وانطبعت على شفتيها ابتسامتها، ونظر إليها الفتى وابتسم، فخطت إليه خطوة تهم ~~أن تستوقفه، فقال الفتى ساخرا: ابعدي أيتها العجوز! قد عرفتك! # وضحك، وجاوبته ضحكات طائفة من أصحابه على مقربة، وقال له واحد منهم: أرأيت؟ كذلك تستوقف ~~كل شاب يعبر الطريق، وإنها لعجوز في خريف العمر! # قال فتى آخر: لست أشك أنها مجنونة! # قال ثالث: لو كانت مجنونة لتساوى في مرأى عينيها الشيوخ والشباب، وإنما هي مفتونة! # قال رابع: إن من حقها أن يفتنها جمال الشباب، فإن في وجهها أمارات تنبئ أنها كانت ذات ~~يوم شابة فاتنة! # وكانت نوركلدي منهم بحيث تسمع وترى، وعرفت لأول مرة بماذا يتحدث عنها أهل تلك المدينة ... ~~أفذلك رأي الناس عنها وتلك أحاديث الشيوخ والشباب، فقد عرفت إذن لماذا ترف هذه البسمات ~~على شفاه الناس حين يرونها! # وازدحمت في رأسها ذكريات بضعة وعشرين عاما مرت بها بطيئة متثاقلة، تتعاقب فيها على نفسها ~~ألوان من الهم والأسى لم يخطر مثلها على قلب بشر، واحتشدت في مرأى عينيها صور ذلك الماضي ~~الحافل بالآلام وأوجاع النفس، وما احتملت من مشقات الحياة راضية في سبيل ما تنشد من أمل، ~~وضاق صدرها عن ذلك القلب الذي يختنق بذكريات الماضي وأماني المستقبل، فكأنما رفرف بين ~~ضلوعها بجناحي طائر، وهم أن يثب ليخرج من قفصه إلى فضاء الله، ثم ارتد من عجز كسير ~~الجناح ... وهوت العجوز الشابة على الطريق ليس لها وعي ولا حراك! # وأسرع إليها الفتيان ينظرون ما بها واستداروا حولها حلقة، ثم حملوها جسدا ساكنا إلى دار ~~قريبة وراحوا يعالجونها بالعطر والبخور، ويذكرون في أذنيها اسم الله ... # وأفاقت ودارت بعينيها فيما حولها ثم أطرقت ... ومضت ساعات قبل أن تجد في نفسها القوة؛ ~~لتعود إلى الدار التي اتخذتها مأوى في هذه ms144 المدينة التي ليس لها فيها حبيب ولا نسيب. # وصحبها على الطريق شيخ من شيوخ المماليك إلى حيث تذهب، وكان اسم ذلك الشيخ: جاني باي! ~~- إذن فأنت جاني باي صاحب الأمير خاير بك؟ ~~- نعم يا سيدتي! ~~- وكنت تعرف رجلا من تجار المماليك في بطانة قايتباي اسمه جقمق؟ ~~- نعم يا سيدتي، وقد كان - رحمه الله - أخي وجاري! # وبلعت المرأة ريقها وهمت أن تسأله سؤالا آخر ثم أمسكت، لقد عاودها الأمل في لقاء ~~طومان باي، وإنها بهذا الأمل لسعيدة، وإنها مع ذلك لخائفة، تخشى أن تذهب سعادتها هذه ~~الطارئة لو سألته فأجاب ... فيردها جوابه ذاك إلى اليأس والعذاب! # قال جاني باي وقد ضاق بذلك الصمت: ولكن ما شأنك يا سيدتي وشأن جقمق؟ # فعادت المرأة إلى نفسها وقالت باسمة: ذلك ماض بعيد، فهل تذكر أن جقمق قد باعك ذات مرة ~~في حلب فتاة جركسية اسمها مصرباي، فرحلت بها في قافلتك إلى القاهرة؟ ~~- نعم، أذكر ذلك يا سيدتي، وكيف أنسى خوند مصرباي أرملة الناصر بن قايتباي، وزوجة الظاهر ~~قنصوه، وصديقة أمير حلب خاير بك؟ # فغرت المرأة فمها مدهوشة وقالت: خوند مصرباي! ~~- نعم يا سيدتي، وكانت قبل أن تصعد إلى العرش رقيقا في يد جاني باي، ومن قبله في يد ~~جقمق، فأين منها اليوم جقمق وجاني باي! # قالت المرأة وأطرقت برأسها تغالب ما في نفسها من القلق والإشفاق: وطومان باي ... # قال الرجل في دهشة: وتعرفين الأمير طومان باي الدوادار يا سيدتي! ~~- الدوادار! ~~- نعم، ابن أخي السلطان، ودواداره الكبير، وصاحب سره ونجواه! ~~- طومان! ~~- نعم، وكان رقيقا تحت يد جقمق، قبل أن يشتريه قنصوه الغوري فيعرف أنه ابن أخيه، وكأني ~~أراه الساعة هو وخشقدم الرومي في يد جقمق بالبهو الكبير في خان مسعود، لا يعرف ماذا يخبئ له ~~الغد من المجد والسعادة! # قالت المرأة هامسة وكأنما تهذي من حمى، وقد غاب سواد عينيها ومال رأسها إلى ناحية: طومان، ~~ابن أخي السلطان! # وانهار عزمها فهوت في مكانها وعاودها الداء، ثم استفاقت، وكان لم يزل إلى جانبها جاني باي ~~الشيخ ms145 ... # قال الرجل وقد فاءت المرأة إلى نفسها، وعادت إلى مجلسها بين يديه صامتة تحدق فيه بعينين ~~شاكرتين، وعلى شفتيها ترف ابتسامة هادئة: ماذا بك يا سيدتي؟ # قالت وكأنما تتحدث إليه من مكان بعيد: لا شيء، إنما هو داء يعتادني إذا ضاقت نفسي، ولكن ~~قل لي: من أخبرك أن السلطان هو عم طومان، وما أعلم لأبيه أخا؟ # قال الرجل مدهوشا: أفأنت تعرفين طومان وأباه يا سيدتي؟ # فعضت المرأة على شفتيها واستدركت قائلة: لا، وإنما حسبته لا عم له ! # قال جاني باي: وكذلك كان يحسب طومان باي نفسه فيما قص علي، ولكن حديثا جرى على لسانه ~~ذات يوم في مجلس قنصوه الغوري بحلب، عرف منه قنصوه أن طومان باي ابن أخيه، فأعتقه واتخذه ~~ولدا، وهو اليوم دواداره الكبير وصاحب تدبيره، وما أراه إلا سلطان مصر في غد، وقد خلفته ~~منذ أسابيع في القاهرة وليس بها أحد أعز منه جانبا وأرفع شأنا ... # وصمت جاني باي برهة ثم قال: ولكنك يا سيدتي لم تحدثيني ما شأنك وشأن جقمق ومصرباي، ~~والأمير طومان باي الدوادار؟! # قالت المرأة في هدوء: لا شيء هناك يا سيدي، ولكني لقيتهم ذات يوم منذ سنين في خان يونس ~~بقيسارية، فطاب لي أن أسأل عن خبرهم صديقا كريما مثلك ... # ثم أمسكت لحظة تفكر، وعادت تسأل جاني باي: إنني على أن أذهب في رحلة إلى القاهرة بعد ~~أيام، فهل تعرف قافلة أصحبها في ذلك الطريق؟ # قال جاني باي: أما الآن يا سيدتي فلا، إن جيوش السلطان الغوري اليوم لتزحم الطريق بين ~~حلب والقاهرة، فلا سبيل إلى تلك الرحلة إلا بعد أن ينتهي ما بين ابن عثمان وسلطان مصر، ~~وما أظنه ينتهي عن قريب، فقد تركت السلطان الغوري في القاهرة يتأهب لحرب طاحنة، قد حشد لها ~~كل ما في طوقه أن يحشد من الجند وعدة القتال، وأظنه اليوم على الطريق إلى حلب في جيش كثيف ~~يحجب غباره وجه السماء ... # قالت نوركلدي: وطومان باي معه؟ ~~- لا يا سيدتي، فقد اختار الغوري أن ينيب عنه بالقاهرة ms146 في أثناء غيبته طومان باي ~~الدوادار الكبير! # الفصل الثلاثون # | بوادر المعركة # لم تكد الحملة الاحتياطية التي بعث بها السلطان الغوري إلى حلب تستقر فيها أياما، حتى ~~نشأت بينها وبين أهل المدينة جفوة، فقد كان الجند في حاجة إلى الغذاء والمأوى، فغلت ~~الأسعار، وازدحمت الدور بسكانها، وكان ما لا بد أن يكون بين المحاربين والمدنيين حين تضيق ~~المدينة بأهلها والطارئين عليها، فتنشأ أسباب الخصام والبغضاء، وطالت إقامة الجند في حلب ~~فارغين لا عمل لهم، فزينت لهم البطالة ما زينت من الشهوات، فانطلقوا فيما زين لهم من ~~الباطل حتى غضب الخاصة والعامة، وغضب أمير المدينة ... # واستحكم العداء بين الجند والشعب، فآثر كثير من هؤلاء وأولئك أن يغادروا حلب؛ فرارا ~~بأنفسهم من فتنة توشك أن تندلع نارها بين طائفتين من رعايا السلطان، وكان تدبيرا مبيتا ~~لتفريق القلوب المؤتلفة وتقريب عوامل الهزيمة ... # كان ذلك في حلب، أما في القاهرة فكانت الأنباء تترى من الشرق بما أعد السلطان سليم من ~~الجند والعتاد، فإن حديثه ليدور على ألسنة المصريين جميعا حيث يلتقون في المساجد للصلاة، ~~وحيث يجتمعون في الأسواق للبيع والشراء، وحيث يتنادون للسمر واللهو في دور الأمراء والسادة ~~وفي مجالس الغناء ... # قال بدر الدين شيخ قبة يشبك: أما أنا فلا أحسب سليم ابن عثمان يقصد مصر، إنه لأبعد نظرا ~~من أن يرمي بجنده إلى الهلكة في غير مطمع، إن مصر لأعز جانبا وأعظم قوة! # قال جركسي من القرانصة في المجلس: أفما سمعت بما اجتمع له من الجند، وما هيأ من أدوات ~~القتال؟ أفتحسبه قد أعد ذلك كله من أجل إسماعيل الصفوي؟ # قال بدر الدين: نعم، وليس يغيب عنك أن له ثأرا عند الصفوية يطمع أن يناله، ثم إنه - ~~ولا ريب - يعلم علم اليقين قوة بأس السلطان الغوري وشدة مراسه، وأين سليم بن بايزيد من ~~الغوري؟! # تململ أرقم الرمال في مجلسه وقال منكرا: لا تزال يا سيدنا تذكر الغوري بما ليس فيه، ~~فكيف يغيب عنك قوة سليم ابن عثمان وشدة مراسه، وإنه لشاب لم يزل في ms147 يديه غده؟! # قال بدر الدين مغضبا: اسمع يا أرقم: أما أن تقحم ما بينك وبين الغوري من عداوة في ~~الأمر، وتنسى حق بلادك عليك فهذا ما لا صبر عليه! قد يكون سليم ابن عثمان على نية الحرب ~~لمصر، وقد يكون استعداده لحرب الصفوي، وقد يكون الغوري على ما تصف من سوء التدبير وضعف ~~النفس وفساد الضمير أو لا يكون، ولكنه - على ما يكون من صفاته - سلطان مصر التي يتربص بها ~~العدو على الحدود، فاليوم تنمحي كل أسباب البغضاء لنذكر حق هذا الوطن ... # اختلج أرقم في مجلسه اختلاجة ظاهرة وهم أن يجيب، ثم أمسك حين ابتدر الحديث واحد من ~~الجماعة يقول: ليس في مصر أحد يزعم أن الغوري - وقد جلس على عرش مصر ستة عشر عاما - قد ~~حكم فعدل، وساس فأحكم السياسة، ورعى هذا الشعب فأحسن رعيته، ولكن الأمر اليوم ليس هو أمر ~~السلطان الغوري، ولكنه أمر مصر التي توشك أن تطأها خيل الروم، وقد أجمعت أمري - على ما بي ~~من الكره لهذا السلطان - أن أتطوع للحرب جنديا في المقدمة أو في المؤخرة، يوم تسول ~~للسلطان سليم نفسه أن يغزو مصر أو يكون له في بلادنا أمر ... # قال الجركسي: فقد سولت له نفسه ... فهل نراك غدا يا صديقي فارسا على السرج أو راجلا في ~~الصف؟ # قال الرجل: بل إنني كذلك منذ اليوم ومن ورائي بني وإخوتي وأهلي! # قال أرقم الرمال باسما: ومن ورائك أرقم الرمال ... ولا يحسب سيدنا أنني أقل حفاظا على ~~حق الوطن وإن كنت أكره ذلك السلطان! # قال الجركسي: أما أنا فلن أحمل السيف حتى أعرف كم ينفق علي الغوري مما اجتمع في ~~خزائنه، فلست أرضى أن أكون في جيشه جنديا بلا نفقة، وهو ينفق على جلبانه ما ينفق ولا ~~يندبهم لحرب؛ حتى لكأني به يريد أن يستأصل القرانصة لتخلص له ولجلبانه مصر كلها يأكلون ~~الحرام مما اجتمع لهم من مالي ومال الناس بالغصب والعذاب. # قال الشيخ بدر الدين منكرا: أخ! # فأجاب الجركسي في حدة: لا أخ ولا بخ ms148 يا سيدنا، إنه هو الحق يقال ... # قال أعرابي في أقصى المجلس وهب واقفا يتهيأ للانصراف: نعم إنه الحق وإن غضب الشيخ، ~~لقد أكلنا الغوري شحما ولحما ويطمع أن يحارب عدوه منا بعظم معروق، حسبه أن يكون في جنده ~~أرقم الرمال إن كان عنده للقتال عزم! # ثم غادر المجلس تشيعه الأنظار، فلم يكد يبتعد حتى ارتدت أبصار الجماعة إلى أرقم الرمال ~~... ذلك المسيخ المشوه الخلق الأحمش الساقين المستكرش البطن، كأنه صرة ثياب على عصوين من ~~قصب ... أيريد ذلك المسيخ - على ما به من الهرم والضعف والوهن، وعلى ما يضمر من الكره والبغضاء ~~للغوري - أن يكون جنديا تحت رايته ليدفع عن مصر؟! # وكأنما ألم بالجماعة خاطر واحد حين التقت أعينهم في لحظة معا بعيني ذلك المسيخ الهرم، ~~وهو متكور في مجلسه إلى يمين الشيخ، فابتسموا، وكأنما ألم الخاطر نفسه بأرقم، فانفرجت ~~شفتاه عن شيء يشبه الابتسام، ثم حدق بعينيه فيما أمامه وانسرح في واد من الأوهام! # وعاشت القاهرة في هم ناصب بضعة أشهر، ولم تزل الأنباء تترادف على مصر بعظم استعداد ابن ~~عثمان على الحدود، فأجمع السلطان أمره على الخروج ... وأصدر أمره إلى الأمراء، وإلى القرانصة ~~والجلبان، وإلى الفلاحين وأولاد الناس، وإلى أعراب البادية ... ودعا إلى صحبته الخليفة ~~العباسي، ودعا شيوخ الصوفية الأربعة، ودعا قضاة القضاة ونوابهم، وحشد العمال والصناع وذوي ~~الحرف وأصحاب الفنون، ولم ينس أن يكون في ركبه طائفة من المغنين والمغنيات، وناقري الدفوف ~~ونافخي الشبابة وأصحاب المزامير. # واجتمع للغوري جيش لم يجتمع مثله لقايتباي ولا لسلطان مصري قبل قايتباي أو بعده، وحمل ~~معه خزائنه بما اجتمع له فيها من المال منذ ولي العرش، وحزم نفائسه ومقتنياته الغالية ~~محمولة على البغال والنجائب. واحتشدت القاهرة كلها تشهد جيش السلطان الغوري خارجا للقاء ~~ابن عثمان ... # وبقي في القاهرة نائب السلطان الأمير طومان باي الدودار ... # وترادفت الكتائب على الطريق كتيبة وراء كتيبة تحمل أعلامها ويشيعها الناس بالدعوات، وخرج ~~موكب السلطان آخر الركب تظله رايته ويختال من تحته فرسه، وقد حف به أتباعه وبطانته ms149 وخاصة ~~أمرائه، وكان يتبعهم على الطريق فارس على سرجه، كأنه صرة ثياب مشدودة إلى ظهر حصان قد تدلى ~~منها على الجانبين عصوان من قصب ... # وأشار الناس بالأصابع إلى ذلك الفارس هاتفين في عجب ودهشة، أو في إعجاب وتقدير: أرقم ~~الرمال! # ولكن أرقم لم يكن وقتئذ في حالة من الوعي بحيث يرى هذه الأصابع مشيرة، أو يسمع هذه ~~الأصوات هاتفه، بل كان في سبحة من سبحاته الخيالية البعيدة تكاد تتراءى في عينيه بعض صورها. # وانتهى الجيش إلى دمشق ، فانضم إليه سيباي أمير الشام بجيش من جنده، وانضم إليه جان بردي ~~الغزالي أمير حماة. # واستأنف الجيش سيره حتى بلغ حلب. # وتلبث السلطان قليلا حتى تأتيه الأنباء. # وجاءه سفير من قبل السلطان سليم ابن عثمان، يستهديه بعض طرائف مصر ويسأله شيئا من السكر ~~والحلوى! فاطمأنت نفس الغوري وثاب إليه الهدوء، وبعث مع السفير بما طلب ... وأرسل وراءه سفيره ~~مغل باي يقتص الخبر. # قال خاير بك أمير حلب: يا مولاي، إن ابن عثمان ليضمر لك المودة ويحفظ لك الأبوة، وإني ~~لكفء للدفاع إذا آثر مولاي أن يعود إلى حاضرته آمنا موفورا ويدع لي حماية ~~الحدود! # قال جان بردي الغزالي: وعبدك جان بردي يا مولاي من وراء الأمير خاير بك يمده بما يحتاج ~~إليه من الجند والعتاد، وما أراه في قتال الروم بحاجة إلى مدد من الجند أو العتاد! # وصرت أسنان سيباي ولم ينطق، فمال إليه السلطان يسأله: وماذا ترى أنت يا أمير سيباي؟ # قال سيباي وفي وجهه أمارات الجد: فيأذن لي مولاي في خلوة لأتحدث إليه فلا أغشه! # فأنغض السلطان رأسه ولم يجب ... # ثم خلا لهما المجلس بعد حين فأسر إليه سيباي برأيه ... # قال السلطان مدهوشا: تريد أن أقتل خاير بك يا أمير؟ ومن يبقى لي من أمراء الجند بعد ~~مقتل خاير بك؟! ~~- يبقى لك الجند مجتمعة قلوبهم على الولاء لك، لا يسعى بينهم ساع بدسيسة عثمانية تفرقهم ~~شيعا حين يجد الجد وتنشب المعركة! # قال الغوري قلقا: أتظن خاير بك يسعى بالدسيسة بين المماليك؟ ms150 # بل أنا مستيقن يا مولاي، وذلك الشغب الناشب بين القرانصة والجلبان من أجل النفقة ليس إلا تدبيرا من تدبيره؛ ليهيئ ~~لابن عثمان فرصته ... ~~- وترى خاير أهلا لهذا التدبير يا أمير؟ ~~- بل هو لا يحسن إلا مثل هذا التدبير، يريد أن يبتدر الوسيلة ليخلص إلى العرش يا ~~مولاي. ~~- خاير يطمع في عرش الغوري؟ ~~- نعم، وقد واثق ابن عثمان على أن يؤازره في سبيل هذه الغاية. # قهقه الغوري ومال برأسه إلى الوراء وهو يقول: ولكن أصحاب الطوالع لم يذكروا لي أن العرش ~~من بعدي يكون لأمير أول اسمه خ، فإن صح ما حدثوني به فإن لك مأربا من وراء هذه الوقيعة ~~بيني وبين الأمير خاير. # ثم قطب وكشر عن أنيابه وأردف: وأظنك يا سيباي قد استنبأت أصحاب النجوم فأنبئوك، فخيل ~~إليك ما خيل من تلك الأوهام، وإنما كانوا ينظرون في نجوم آفلة! # بدت الدهشة في وجه سيباي واحتبس لسانه فلم يدر بماذا يجيب؛ لأنه لم يفهم شيئا مما عناه ~~السلطان. وهم أن يسأله توضيح ما قاله حين رأى جان بردي الغزالي مقبلا من بعيد فأمسك، ~~وأقبل جان بردي فحيا وجلس، وأطبق الصمت على المكان، وقال السلطان بعد برهة: وأنت يا جان ~~بردي بماذا تشير علي في أمر خاير، وقد أشار سيباي بمقتله، ويراه يضمر لنا الغدر ~~والخيانة؟! # اصفر وجه جان بردي وأمسك لحظة عن الجواب، وهو يقلب بصره بين السلطان وسيباي، ثم قال: ~~وماذا يظن بنا العدو يا مولاي إذا بلغه أن السلطان الغوري يقتل أمراءه؟ # ثم سكت وهو يردد بصره بينهما قلقا، ولم يزل في وجهه الشحوب، قال السلطان: صدقت! فماذا ~~يظن بنا العدو يا جان بردي؟! # كان ذلك الحديث يدور في خيمة السلطان، وإن بين المماليك القدماء في مضاربهم حديثا آخر، ~~يلقفونه فما عن فم لا يدرون من أشاع بينهم شائعته ونبههم إليه؛ فقد جاءهم أن السلطان قد ~~أجمع خطته على أن يكون المماليك القرانصة في الصف الأول حين تنشب المعركة؛ لتحصدهم المنايا ~~ويبقى مماليكه الجلبان بمنجاة من سيوف الروم ms151 ونيران بنادقهم ... ~~«أفلم يكف السلطان أن جعل أرزاق الحرب ضعفين للجلبان، ولم يمنح القرانصة إلا القليل من ~~النفقة؟ أعليهم وحدهم أن يموتوا بلا ثمن على حين يستمتع الجلبان بالرزق والسلامة؟!» # قال قائل منهم: احذروا الفتنة أيها الجند، فما أرى السلطان قد قدمكم في الصف الأول إلا ~~إقرارا بشجاعتكم، وعرفانا بما اكتسبتم من الخبرة في الحروب وطول المراس، وإنكم لجديرون ~~إذا غلبتم بأن تكون لكم وحدكم الغنيمة دون من وراءكم من الجلبان ... # ولكن ذلك القائل لم يكد يفرغ من حديثه حتى غرق صوته في ضجة صاخبة، قد انبعثت من كل جانب، ~~يستنكرون دفاعه ذاك ويعبرون بالضجيج عن سخطهم على خطة السلطان، فقد وقر في نفوسهم منذ سمعوا ~~الكلمة الأولى أن السلطان الغوري لا يقصد بهم إلا الشر. # وهمس مملوك منهم في أذن صاحبه: أحسبني قد عرفت من قالها وماذا أراد؛ فما هي إلا دسيسة ~~عثمانية أرسلها في الجند خاير بن ملباي على لسان مملوك من مماليكه لأمر قد بيته بليل! # قال صاحبه: صه! هذان خاير وجان بردي الغزالي يتفقدان الجند. # الفصل الحادي والثلاثون # | الثأر # هل كان سليم ابن عثمان يعبئ جيشه لحرب الصفوية أو للغارة على بلاد مصر؟ # وهل كان مقدم الغوري في جيشه ذاك؛ ليحاول الصلح بين ابن عثمان والصفوي - كما زعم - أو ~~ليتأهب للدفاع عن حدود بلاده؟ # ذانك هما السؤالان اللذان كانا يترددان على شفاه العسكرين في تلك الأيام الشداد، وكان ~~الغوري والسلطان سليم يحاول كل منهما أن يخدع صاحبه ليخفي عنه مقصده حتى يستكمل أهبته، ~~ولكن الجواب الصريح لم يلبث أن جاء الغوري على لسان سفيره مغل باي، حين عاد من بلاد ابن ~~عثمان حليق اللحية خلق الثياب على رأسه طرطور، وتحته حمار هزيل لا يكاد يقله، وكأنما لطمه ~~السلطان سليم لطمة أطارت لحيته وعمامته، ورده إلى مولاه كسيرا يحمل إليه نذير ~~الحرب. # وكان الموعد مرج دابق على مسيرة يوم شمالي حلب. # وإذن فهي الحرب لا مناص. # وخرج الغوري في حاشيته يرفرف عليه لواؤه السلطاني، ويحيط به الخليفة ms152 العباسي، وشيوخ ~~الصوفية، وطائفة من الدراويش وأهل الصلاح والخير، وكان على ميمنته سيباي أمير الشام، وعلى ~~الميسرة خاير بن ملباي أمير حلب، وفي المقدمة القرانصة من مماليك السلاطين الماضين، وقبع ~~الجلبان مماليك السلطان الغوري في المؤخرة، يأملون أن يغني عنهم دفاع القرانصة الشجعان فلا ~~يصلون حر القتال في الصفوف الأولى ... # وفي الجمع المحتشد من الصوفية والدراويش والفقهاء تحت لواء السلطان، كان شيخ مسيخ، مشوه ~~الخلق، مائل الفك، مستكرش البطن، أحمش الساقين، قد لصق بظهر فرسه متكورا عليه كأنه صرة ~~ثياب يتدلى على جانبيها عصوان من قصب، وكان في يده سيف مشهور يترقرق في مائه شعاع الشمس، ~~وعيناه تدوران في محجريهما إلى يمين وإلى شمال، لا يريد أن تفوته حركة مما حوله ... # ذلك أرقم الرمال قد خرج في يوم الكريهة ليؤدي فريضته. # والتقى العسكران، وحمل الفرسان من جيش الغوري على عسكر الروم، فأثخنوا فيهم طعنا بالرماح ~~وضربا بالسيوف يشقون الصفوف المتراصة، وتبعهم من تبع من الركبان والرجالة يحصدون الرءوس عن ~~أيمانهم وعن شمائلهم، فلا يكاد يثبت لهم راجل ولا راكب، والغوري في موقفه يشهد المعركة ~~راضيا قد خيل إليه النصر ... وكان على رأس أولئك الفرسان قائد الميمنة سيباي أمير الشام، ~~وهتف الغوري في زهو وحماسة: سلمت يداك ولا عاش من يشناك يا سيباي! # وفجأة برق في الجو شعاع من نار، وثار غبار، وسمع دوي قاصف كالرعد، وخر مائة من ~~المصريين صرعى من طلقة مدفع، ثم توالت الطلقات وانهالت قذائف البارود تحصد المصريين حصدا ~~فلا تبقي ولا تذر ... # ما هذه النار الخاطفة كأنما انبعثت من طاق الجحيم؟ وما تلك الشظايا الملتهبة على الرءوس، ~~كطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل؟! # هذا سلاح جديد في يد الروم، لم يحسب المصريون حسابه، ولم يتخذوا له أسبابه، وصاح صائح ~~المصريين يستنفرهم: اقتحموا عليهم قبل أن يحاط بكم، فإن نارهم لا تنال إلا من ~~بعد. # فاندفعت الميمنة إلى جيش العدو واقتحمت على الرماة، فأسكتت أفواه المدافع وهم العدو أن ~~يرتد ... # وفي اللحظة التي حان فيها النصر وأوشكت ms153 أن تنتهي المعركة، تقهقر خاير بمن وراءه من ~~الميسرة وحطم جناح الجيش، وأحيط بسيباي ومن معه من الفرسان، فسقطوا صرعى تنوشهم سيوف الروم ~~من كل جانب. # وصاح خاير في الجند ليفل جموعهم: النجاة! النجاة قبل أن يحاط بكم فقد مات ~~السلطان! # فتفرق الجيش المصري أباديد على ظهر البادية، وخلى أمراءه على الأديم صرعى، وخلى سلطانه ~~على فرسه يصيح بمن حوله ليثبتهم فلا يستجاب له. وانطوى اللواء المنشور على رأس السلطان ~~وفر حامله، فلوى عنان فرسه يطلب لنفسه النجاة فيمن نجا، فلم يكد يفعل حتى تراءت لعينيه ~~صورة، ورن في أذنيه صوت ... فجفل الفرس وألقى براكبه على الغبراء، وراح يعدو خفيف الظهر ~~ليدرك غبار الجيش المنهزم ... # وهم السلطان أن ينهض من كبوته فما أطاق، ورأى سيفا مسلولا يلمع على رأسه في يد شيخ ~~مسيخ، مشوه الخلق، مائل الفك، بشع المنظر. وكأنما تجسد الموت بشرا، فكانت صورته هي ذلك ~~المسيخ في يده ذلك السيف المسلول، وانعقد لسان السلطان من الرعب فلم ينطق، وهوى الشيخ بسيفه ~~على رأس السلطان وهو يصيح في نشوة: خذها من يد أركماس! # فتح الغوري فمه مذعورا، واتسعت حدقتاه، ومد زراعيه أمامه كأنما يحاول أن يدفع بهما ~~شبحا بغيضا يتراءى له، وقد انبعثت في خياله صورة ماضيه البعيد حية، كأن لم تمض دونها ~~تلك السنون، وحرك فكيه وقد سال الدم إلى فمه من الجرح الغائر في جبهته، وهو يقول بصوت ~~مختنق: أركماس! # صاح الشيخ في غلظة والسيف في يده يقطر دما: نعم، أركماس الذي ظننت يوما أنه مات تحت ~~أخفاق البعير الهائج في دروب القاهرة وذهب إلى غير معاد، قد نشر اليوم من موت ليأخذ منك ~~ثأر أبيه، الذي جاء يطلبك به من أقصى بلاد الأرض منذ أربعين سنة! # قال الغوري وقد ارتخت أجفانه وسقطت ذراعاه الممدودتان إلى جانبه، وامتلأ فمه بالدم حتى ~~فاض: أنت ... أنت ... أرقماس ... أرقما ... # ومال رأسه وانطبقت أجفانه، ولفظ النفس ... # واحتز أرقم رأسه فألقاه في جب قريب، وخلف على الغبراء جسدا بلا رأس، لا يعرفه ms154 أدنى ~~الناس إليه صلة وأقربهم مودة، ومسح الدم عن سيفه وهو يقول في شماتة: فليبق قنصوه الغوري في ~~هذه المفازة طريحا، حتى يتخطفه الطير فلا يضم جسده ضريح في بطن الأرض ... كذلك دعاها عليه ~~مختص الطواشي حين اغتصب الغوري قبره فخط عليه مسجده، وقد استجاب الله دعوته! # ثم استدار أرقم فاتخذ طريقه في أدبار الجيش المنهزم إلى حلب. # أوصدت حلب بابها في أوجه المرتدين من جيش الغوري؛ توقيا من مثل ما نالها من مظالم الجند ~~قبل رحيلهم إلى مرج دابق، وضنا بأقواتهم أن يستنفدها هؤلاء المتبطلون، وحفاظا على ~~أهليهم ودمائهم وأموالهم من الهتك والسفك والنهب، وطمعا فيما خلف عندهم أمراء المماليك ~~والجند من الودائع الغالية، واستجابة لنصيحة أميرهم خاير بن ملباي ... # وتبعثر جند الغوري على الطريق بين حلب ودمشق، لا يملك أحد منهم زادا ولا مأوى ولا راحلة، ~~واستسلمت قلعة حلب الحصينة للفاتح بلا قتال، وتسلم مفاتيحها جندي واحد من جند ابن عثمان، ~~هزيل معروق أعرج ليس معه إلا سيف من خشب، فوضع يده على كل ما كان في خزائن القلعة من ~~ودائع الغوري التي جلبها معه من مصر، وبينها من الذهب والفضة مقادير لا تكال ولا توزن ولا ~~تعد، وبينها من أدوات القتال وعتاد الحرب ما لا يثبت له جيش في الأرض، وبينها من نفائس ~~الآثار وتراث سلاطين الماضين ما لا يقوم بمال ولا يعوض بثمن ... ورفرفت الراية العثمانية ~~على القلعة المصرية الأولى، وشهد الاحتفال برفع الراية خاير بن ملباي أمير المدينة! # والتفت السلطان سليم إلى وزرائه وهو يقول مشيرا إلى خاير مبتسما: ذلك فضل صديقنا خاين ~~بك فاذكروه له! # فاختلج خاير وأحس في قلبه ألم الوخزة الدامية فلم يجب. # وقال خشقدم الرومي: إن اسمه خاير بك يا مولاي! # قال السلطان: نعم، أعرفه، وإنما هي نكتة مصرية، فقد سمعتهم يتندرون قائلين: السلطان سليم ~~«خان»، وما «خنت» ولا غدرت، ولكنه اسمي ولقب ورثته عن أجدادي، فماذا على صاحبك في أن يسموه ~~منذ اليوم: خاين بك! # وضحك، وضحك أصحابه، وأنغض خاير ms155 بك رأسه خزيان، ثم انصرفوا جميعا لتدبير ما يشغلهم من ~~الأمر ... # ولم يطب المقام لكثير من أهل حلب في ظل الراية العثمانية، فغادروها على آثار الجيش المصري ~~إلى دمشق والقاهرة، وغادرتها نوركلدي في قافلة من المهاجرين، تأمل أن تبلغ القاهرة فتلقى ~~ولدها طومان باي، نائب السلطنة طومان، ذلك الصبي الظريف الذي فارقته ولم تزل تطلبه منذ ~~ثلاثين سنة، لا تعرف أين ذهب به نخاسه، وإنها لتطمع أن تراه اليوم سلطانا على عرش مصر أو ~~نائب سلطان! # أتراها تعرفه حين تراه؟ أم تراه يعرفها؟ # أما هي فنور الأمومة يهديها، وأما هو ... فمن يدري؟! إنها لتتخيله الساعة كأنها تراه ~~رأي العين: شاب مستدير اللحية في زي أمراء المماليك، على رأسه عمامته، وفي وسطه منطقة ~~مرصعة بالجوهر يتدلى منها خنجر في جرابه، وبين يديه طائفة من المماليك السلطانية يسعون بين ~~يديه، وعلى شفتيه تلك الابتسامة العذبة التي طالما تخيلتها على شفتي أبيه أركماس ... # آه! ها هي ذي تذكر أركماس الساعة، ترى أين هو؟ أحي فترجوه أم ميت لا رجاء في لقائه؟ ~~أين هو الساعة ليرى ولده طومان باي سلطانا على عرش مصر أو نائب سلطان؟ طومان الذي لم ير ~~أباه قط، ولم يره أبوه قط، ولا يعرف اسما يناديه به حين يلقاه؛ لأنه مضى لوجهه وخلفه ~~جنينا في بطن أمه لا يعرف أتتمخض عنه ذكرا أم أنثى ... ليته اليوم حي ليراه ويعرفه ~~ويناديه مرة واحدة: يا ولدي! ثم يعود ثانية إلى حيث كان ... ليته اليوم حي فيصحبها على ~~ذلك الطريق إلى القاهرة لرؤية ولدها، فليس يكفيها أن ترى ولدها بعينين اثنتين، وليس يشفي ~~ما بها من الحنين أن تسمعه يناديها: أمي! نوركلدي! ولا تسمع شفتيه تهتفان: أبي! أركماس! # ولكن من أين لها ... من أين لها أن تظفر بمثل هاتين الأمنيتين الغاليتين في وقت معا؟! ~~إن الأقدار لبخيلة، إنها لتمنح النعمة أحيانا، ولكن في سبيل نعمة أخرى تسلبها، فكيف تطمع ~~نوركلدي أن تنال أمنيتين عزيزتين في وقت معا؟ إن الطبيعة نفسها تأبى أن تجمع ms156 على ~~الإنسان سعادتين، فأماني الشباب لا تتحقق في العادة إلا حين يؤذن الهرم، فتجيء أسباب ~~السعادة التي يتمناها الشباب، ولكن حين لا شباب، فمع الشباب دائما الحرمان والشوق واللهفة، ~~ومع سعادة الوجدان والظفر عجز الشيخوخة والهرم. هذه هي السنة، هي الطبيعة، وهذه سبيل ~~الأقدار فيما تمنح وتمنع، وفيما تعطي وتسلب. إن الشارب المنتشي لا يجد لذته الكاملة إلا ~~حين الكأس بين يديه فارغة من الشراب، فمع امتلاء الكأس الشوق واللهفة، ومع امتلاء النفس ~~بالنشوة تفرغ الكأس، فليست بعد ذلك إلا زجاجة للتحطيم! # إنها لتتخيله الساعة كأنها تراه رأي العين: شاب في زي أمراء المماليك على ~~رأسه عمامته. # أتريد الطبيعة أن تعلمنا - في أسلوب من أساليبها الصارمة - أن السعادة حق السعادة هي ~~الحرمان، والشوق، واللهفة؛ لأن مع كل ذلك الأمل، وأن الظفر والوجدان وحصول المطلوب ~~المتمنى هو أول التعس والشقاء؛ لأنه آخر الأمل! # ما أقساها حقيقة لو علم الناس! # كذلك كانت نوركلدي تحدث نفسها حين خطر في خيالها أركماس، وقد هيأت أسبابها للرحلة الأخيرة ~~... إلى القاهرة، حيث تأمل أن تجد ولدها طومان باي. # إنها منذ ثلاثين عاما على الطريق، لا تفكر في غير طومان، ولا يتراءى لعينيها في اليقظة ~~والمنام غير صورته، أما اليوم وقد أوشكت أمانيها في لقائه أن تتحقق فقد خطرت على قلبها ~~صورة أخرى، فتذكرت أركماس، أركماس زوجها الحبيب الذي فارقها وخلف في أحشائها بضعة منه منذ ~~أربعين عاما أو يزيد، لم تسمع عنه فيها خبرا أو تقف له على أثر ... يا ليتها وليته ... ولكن ~~لا، إن مثل ذلك التمني ضرب من المحال، لقد عرفت في هذه السنين الثلاثين ما لم تكن تعرف من ~~علم الحياة، حسبها من الأمل أن تلقى ولدها طومان باي! # وعلى الطريق بين مرج دابق وحلب كان شخص آخر يفكر من أمره في مثل ما تفكر فيه نوركلدي ~~... # ذلك هو أرقم - أركماس - لقد خلف وراءه في بلاد الغور منذ أربعين عاما أو يزيد، امرأة في ~~أحشائها جنين يرتكض، امرأة كان يحبها ويتمنى لها ولنفسه ms157 الأماني، ولكن دم أبيه المطلول كان ~~يصرخ دائما في أذنيه، يطلب منه أن يدرك ثأره من قاتله، فلما أمكنته الفرصة أو خيل إليه ~~أنها ممكنة، خلف وراءه زوجته وجنينها وراح يقتص الأثر ليدرك الثأر، آملا أن يعود إليها ~~بعد أن يغسل الدم بالدم، وقد مضت تلك السنون الأربعون وهو لا يفكر إلا في تلك الغاية ~~التي غادر من أجلها بلاده، لقد شغله ما مر به من الأحداث عن ماضيه، وعن زوجته، وعن ذلك ~~الجنين، وقد أشرف على الموت ذات مرة في سبيل ذلك الثأر، ولكنه نجا، أو لعله قد مات حقا ثم ~~بعث؛ فقد ألقاه الفرس عن ظهره في اللحظة التي هم فيها أن يقد عدوه بالسيف قدا، وسقط ~~تحت أخفاف البعير الهائج فهشم أضلاعه، وحطم فكه، ورضرض فخذيه، فلولا أن القدر كان يدخره ~~ليدرك ثأر أبيه لصار يومئذ عجينة من لحم ودم، بل لقد صار يومئذ عجينة من لحم ودم، ثم نفخ ~~فيه الروح ثانية وعاد إلى الحياة، وسأله منقذه عن اسمه، فنطق به ولم يكد، مما به من الضعف ~~والإعياء، فلم يسمع محدثه من مقاطع اسمه إلا «أركم» وصار ذلك اسمه من بعد، لا يعرفه الناس ~~إلا باسم أرقم المسيخ، ثم أرقم الرمال، وما كان ينبغي له أن يعود إلى اسمه الأول، فليس ~~هو اسمه بعد، لقد مات أركماس تحت أخفاف البعير الهائج، فهو منذ ذلك اليوم شخص آخر. هذه ~~السحنة المنكرة، وهذا الوجه البشع، وذلك الفك المائل، وهاتان الساقان، وهذا البطن ... ذلك كله ~~ليس من أركماس الرشيق الخفيف الحركة المعتدل القد المشرق الخد، الدائم الابتسام وإن لم ~~يبتسم، من ذا يراه الساعة فيظنه ذلك الفتى الذي كان؟ لا أحد، حتى لو أن أباه وأمه قد بعثا ~~من موت لأنكرا صورته ولم يصدقا أنه أركماس، إنه ليخشى أن يظن أبوه في ذلك العالم الثاني ~~أن ولده أركماس لم يدرك ثأره، وإنما أدركه شخص آخر؛ لأن أرقم الذي قتل قنصوه الغوري لا ~~يمكن أن يخطر في وهم أحد أنه ms158 أركماس! ولكن الناس في العالم الثاني يعرفون من حقائق ~~الأشياء ما لا يعرف الناس في هذا العالم ... فليس ينبغي أن يشك في أن أباه قد عرف الحقيقة ~~ونعم باله؛ لأن ولده قد أخذ له بثأره. # إنه الساعة على الطريق إلى حلب؛ ليستجم أياما قبل أن يبدأ رحلته إلى ... إلى الغور من ~~بلاد القبج، حيث يأمل أن يجد زوجته تنتظر، وأن يجد له ولدا أو بنتا، وأن تضمه وأسرته ~~دار، بعد طول السفار! # ولكن لا، لا، لقد مات أركماس منذ بعيد، أما هو فإنه أرقم، أرقم المسيخ، أو أرقم الرمال، ~~فلن يصدق أحد في بلاد الغور حين يراه أنه أركماس، فأين صورته اليوم من تلك الصورة التي ~~يعرفها الناس؟! سينكره ولا ريب كل من يراه، حتى زوجته نوركلدي، وحتى ولدها الذي لم يره قط، ~~سينكر كل منهما أن يكون ذلك المسيخ المشوه الخلق هو أركماس، وقد تعرفه نوركلدي ولا ~~تنكره، فهل يرضيه أن يفرض عليها العيش معه، تطالع منه كل يوم هذه الخلقة البشعة، وهذا ~~الوجه المنكر، وهي زينة بنات الغور، وأجمل نساء الحلة؟ # زينة البنات! وأجمل النساء! ما هذا الهراء؟! لقد مضى منذ فارقها أربعون عاما أو يزيد، ~~فإنها اليوم عجوز قد أشرفت على الستين أو جاوزتها ... نعم، ذلك حق، ولكن صورة أركماس مع ذلك ~~لم تزل في خيالها صورة فتى رشيق، خفيف الحركة، معتدل القد، مصقول الخد، دائم الابتسام وإن ~~لم يبتسم، وإنها لأعز عليه من أن يطلع في مرآتها بصورته هذه البشعة، فيمحو تلك الصورة ~~الجميلة التي بقيت لها من سعادة ذلك الماضي البعيد. # لا لا، لقد مات أركماس، مات منذ بعيد تحت أخفاف البعير الهائج في دروب القاهرة، وإنما ~~أنشره الله من موت لغاية واحدة، هي إدراك الثأر، وقد أدركه واستراح وأراح الناس من مظالم ~~قنصوه الغوري، وليس في العالم اليوم من يذكر أركماس، غير امرأة وولدها، إن كانت هي وولدها ~~لم يزالا كلاهما أو أحدهما في الأحياء، أما أرقم فإن كثيرا في القاهرة يعرفونه ويذكرون ~~اسمه، ms159 وإن كثيرا منهم ليتمنون أن يعود، فليعد إلى القاهرة، وليجعل أول قصده إلى شيخه ~~أبي السعود الجارحي يستغفره من بعض ما كان منه، ويسأله أن يأذن له في شرف الصحبة حتى يلقى ~~الله، لقد مات قنصوه الغوري، فلا شيء هناك بعد يمكن أن يفسد بين شيخه وبينه، وقد انقطع ما ~~بينه وبين الناس من أسباب المحمدة والمذمة ... # ولوى أرقم عنان فرسه فلم يدخل حلب، ولحق بقافلة من المهاجرين فصحبها على الطريق إلى دمشق، ~~فالقاهرة ... # الفصل الثاني والثلاثون # | أب وأم! # أناخ الركب على باب دمشق؛ ليتزود لما بقي من رحلته بعض الزاد من أسواق دمشق، ولكن فلول ~~الجيش المنهزم لم تجد في دمشق زادا لمسافر ولا لمقيم؛ فقد خشيت المدينة العريقة أن تقع ~~بين نارين من العدو الغازي، ومن الفلول المرتدة، فأغلقت أبوابها دون هؤلاء وأولئك جميعا؛ لعلها أن تجد في استقلالها بعض السلامة. # وخيمت القافلة على الطريق لتستريح يوما أو يومين، ثم تستأنف رحلتها إلى القاهرة، واجتمع ~~الرجال لصلاة العشاء على ظهر البادية، ثم استداروا حلقات يسمرون قبل أن يأخذ النوم عيونهم، ~~وجلس أرقم بين السامرين يتحدث وهم يستمعون إليه، وقد عرف منهم من عرف أنه أرقم الرمال ~~صاحب الحلقة المشهورة في بساتين القبة. # ووجد أرقم نفاقا لبضاعته حين ظن أنه قد انقطع ما بينه وبين الناس من صلات، فجعل فنه ~~ملهاة الفراغ ومسلاة الهم للقافلة المكدودة من مشقات السفار وأحداث الحرب، فكلما أناخ الركب ~~في مرحلة من مراحل الطريق للراحة، فرش أرقم منديله وبسط عليه الرمل، وراح يتحدث إلى كل واحد ~~من أصحابه على هواه، لا يرجو إلا أن يجفف دمعة المحزون، ويمسح على قلب البائس، ويهب ~~لليائس الصبر والأمل، وذلك كل حسبه من الأجر على بضاعته. # وكان الركب على أبواب غزة، حين بدا لبعض نساء القافلة أن يدعون أرقم الرمال إلى ~~خيمتهن؛ ليكشف لكل واحدة منهن عن بختها ... # ورأى أرقم بين النساء عجوزا في الستين أو هي جاوزتها، في عينيها بريق وعلى جبينها تاريخ ~~مسطور، فلم تكد عيناه ms160 تلتقيان بعينيها حتى أحس كأنما تفضي إليه عيناها بسر من أسرار ماضيه ~~البعيد، فحدق فيها مدهوشا لا يكاد يصدق أن شيئا مما يخطر في باله يمكن أن يكون، ثم ~~أنغض رأسه وراح يخط بأصبعه في الرمل صامتا، وعيناه لا تطرفان، وخواطره تطوف به في الآفاق ~~البعيدة ثم تئوب. # ورفع رأسه بعد فترة وهو يسأل نفسه: أتكون هي نوركلدي؟ فمن أين جاءت؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ # ثم أطرق ثانية وعاد يفكر، وطال إطراقه وفكره فلم ينتبه إلا بعد حين ، ثم رفع رأسه وحدق ~~فيها بعينين جامدتين، وفي نفسه ريب وعلى شفتيه حديث طويل لم ينبس منه بحرف. # ولكن عيني العجوز لم تطرفا ولم تنفرج شفتاها عن كلمة. لئن كانت هي نوركلدي إنها إذن لا ~~تعرفه. وطال تحديقه وطال صمتها، وانتابها القلق من وجهه الجامد وعينيه الشاخصتين، فسألته في ~~لهفة: هل عندك ما تحدثني به يا سيدي من أنبائك؟ # ورده صوتها من الشك إلى اليقين، فلم يدع الفرصة تفلت من يده وقال في صوت يختلج: نعم يا ~~سيدتي: اسمك نوركلدي، من بلاد الغور وراء جبال القبج، وقد فارقك حبيب من أحبائك منذ سنين ~~بعيدة، إلى حيث لا تعرفين ولا تطمعين أن تعرفي، ولعلك أن تلقيه يوما ... # شحب وجه نوركلدي وتتابعت أنفاسها وهي تقول في ذهول: نعم، فبحق من أنبأك الغيب يا سيدي ~~إلا ما هديتني إليه، إنه ... # قال مقاطعا: إنه زوجك أركماس! # قالت المرأة وقد زاد شحوبها وأخذها البهر: نعم، زوجي أركماس، وولدي! # وكأنما أعداه ما بها من الشحوب حين لفظت كلمتها الأخيرة، فبدا وبدت كأنهما تمثالان من ~~الكبريت الأصفر، وبردت أطرافه وتوقفت أصبعه عن الحركة وهو يقول: صه! لغير هذا المجلس يا ~~سيدتي تتمة الحديث عن زوجك وعن ولدك. # ثم أخفى وجهه في راحتيه وأخذته مثل الغشية وهو يردد في همس خافت: ولدي! ولدي! # ثم ثاب إلى نفسه بعد برهة ليدير عينيه فيمن حوله من النساء قلقا، ثم يعود إلى صاحبته ~~فيطيل النظر ... وما يزال الصدى يرن في أذنيه: ولدي! # وكأنما خشي ms161 أن يفتضح، فطوى منديله ونهض لم يتحدث إلى واحدة من النساء بشيء، وخلا بنفسه ~~مطرقا لا يكاد يستجمع فكره من دهش المفاجأة؛ إذن فهي نوركلدي، وإن لها ولدا تفتقده كما ~~تفتقد أباه ... إلى أي طريق تسوقه المقادير؟ # فلما كانت العشاء الآخرة، نهض أرقم يدب على الأرض حتى بلغ خيمة نوركلدي، فناداها ... # وسمعت المرأة في هدأة الليل صوتا يهتف باسمها، فكأنما سمعت صوتا من وراء السنين أو من ~~عالم الأحلام، فخفت إلى باب الخيمة فأزاحته ونظرت، فإذا أرقم الرمال. # وجلس وجلست تستمع إليه، وقد جمع أمره على أن يخفي من أمره ما لا بد أن يخفي؛ حتى لا ~~يمحو من خيالها تلك الصورة الجميلة التي بقيت لها من سعادة الماضي، ولكنه أراد أن ~~يعرف. # قالت نوركلدي في قلق: سيدي! إن لك أسبابا وثيقة إلى الغيب، وأنا امرأة مقطوعة بائسة، ~~فهلا أنبأتني بما عندك من خبر أركماس، وطومان باي! ~~- طومان باي! ~~- نعم، ولدي طومان باي الذي فارقته منذ ثلاثين عاما أو يزيد، فلم أره ولم يرني! ~~- ثلاثين عاما! ~~- نعم، وأمه على الطريق ضالة مقطوعة، وهو على عرش مصر نائب السلطان! ~~«يا ويحه! إذن فهو أبو طومان باي! وكان قنصوه الغوري يزعم أنه عمه ولا عم له ... وأبوه ~~أركماس يتربص للغوري ليأخذ منه بثأره، وولده في حجره ... ويجتمع في مكان وتحت سقف ألد ~~الأعداء وأعز الأحباب ... وينفذ عدل الله، ويجلس طومان باي على العرش سلطانا، وتلقاه أمه، ~~ويلقاه أبوه، كما لقي يوسف الصديق أبويه على العرش، ولكن كم دون ذلك من الأهوال!» # كان أرقم كالمغشي عليه يناجي نفسه، تلك العجيبة التي انبثقت له من حوادث الأيام لم تكن ~~تخطر له على بال، فكأنما طار صوابه فلم يفكر فيما يقول، ولم يذكر ما أجمع عليه رأيه من ~~الكتمان، وفاضت عواطفه فاجتاحت كل ما أقام فكره من سدود وقيود، حتى المرأة التي تجلس بين ~~يديه صامتة تصغي إليه، لم تكن في باله ولا في مرأى عينيه، فلم يبال ما يقول. # على أن ~~نوركلدي لم تسمع ms162 ما سمعت منه على الوجه الذي أراد، ولم يخطر في بالها قط أنها تسمع حديث أب ~~عن ولده، فلم يكن ذلك الشيخ الجالس بين يديها يحدثها إلا رمالا حاذقا يقرأ سطور ~~الغيب، وقد رأت من أمارات اليقين في حديثه ما لا يدع في نفسها سبيلا إلى الشك فيما تسمع ~~منه، فما يعرف أحد من الناس أن لها زوجا، وأن اسمه أركماس، وأن لها حبيبا قد فارقها ~~منذ سنين بعيدة، وأن ولدها لا عم له ... كل ما يعرفه الناس مما حدثها به ذلك الرمال، أن ~~اسمها نوركلدي، فمن أين لهذا الشيخ ما حدثها به من تلك الأنباء إلا أن تكون له أسباب ~~وثيقة إلى الغيب؟ وإنها إلى ذلك لتسمع صوته فتطمئن إليه، إنه صوت لم تسمع مثله فيما تسمع من ~~أصوات الناس، وإنها لتجد في نبره ذلك السحر الذي يجده العاشق في صوت محبوبه، فتحس خدرا ~~لذيذا يهيئ نفسها لأن تصدق وتؤمن. # واستراحت إلى ما سمعت من نبوءة الشيخ، فشكرت له ونهضت إلى متاعها، ثم عادت وفي يدها ~~دنانير تريد أن تدفعها إليه، فترقرقت دمعتان في عين الرجل، هذه الأم تريد أن تأجر زوجها ~~على ما ساق إليها من البشرى بقرب اجتماع شملها وشمله، بولدها وولده، يا لها سخرية! # وقال أرقم في صوت مختنق وهو يدفع يدها: سيدتي ... هل تأذنين لي أن أكون منذ اليوم صاحبا ~~لا يطمع في أجر على معروفه؟ # قالت مترددة: سيدي ... # قال وفي صوته رجاء: إنه دين علي للأمير طومان باي، إنه ... إنه صديقي! # وجاوبته دمعتان من عيني المرأة. # واستأنف الموكب رحلته إلى القاهرة، وكانت راحلة أرقم تسير إلى جانب راحلة نوركلدي على طول ~~الطريق، وخيمته إلى جانب خيمتها في كل منزلة، وكان طعامه مما تهيئ يدها ... # زوجان قد افترقا جسدا والتقيا في عاطفة، فإنه وإنها ليفكران في شيء واحد، وإنه وإنها ~~لمجتمعان على أمل، وإن في خياله وخيالها صورة، وإن أحلام الليل لتطرقهما في وقت معا ~~تعرض على عينيه وعلى عينيها جميعا صورة طومان باي، أما ms163 صورته في عيني أرقم فكما رآه وعرفه ~~وجلس إليه وسمع حديثه، وأما صورته في عينيها فصورة صبي في العاشرة، قد استدارت لحيته ~~وعلى رأسه عمامة وقد جلس على العرش. # الفصل الثالث والثلاثون # | في زحام المعركة # قام الأمير طومان باي نائب السلطنة بتدبير أمر الملك في القاهرة قياما عظيما، فأبطل ~~كثيرا من المكوس، وأفرج عمن في الحبوس من مظاليم الغوري، وضبط الأمن والنظام، وأشرف بنفسه ~~على الصغير والكبير من أمر الدولة، وبث العيون يحصون على تجار الروم حركاتهم ، وقبض على ~~جماعة منهم فأودعهم معتقلات الأسر ووكل بهم، وكان له كل يوم خرجة يجوس فيها خلال المدينة في ~~كوكبة من جنده وبطانته؛ ليحفظ للحكومة المركزية هيبتها في عيون الناس، فلا يبيح أحد لنفسه ~~أن ينتهز فرصة للشغب أو يحاول فتنة ما، وأصدر أمره إلى المماليك ألا يخرجوا إلى المدينة ~~بسلاح؛ مخافة فتكهم وهتكهم وعدوانهم على الشعب، فصلح بذلك كله حال الناس، واستقامت الأمور، ~~واطمأنت الحياة بالأحياء، وهتف المصريون جميعا باسم الأمير طومان باي ودعوا له في السر ~~والعلانية. # لم يكن يقلق الناس إلا شيء واحد قد نغص عليهم هذه الطمأنينة التي كفلتها لهم حكومة ~~الأمير طومان باي، ذلك هو انقطاع الأخبار عن حركات الجيش الذي خرج تحت راية السلطان للدفاع ~~عن حدود الدولة، فلم يسمع عنه الناس منذ خرج إلا إشاعات تتطاير على الأفواه لا يدري أحد ~~أين مصدرها، فتثير الإشفاق والقلق، وتبث الرعب في أنحاء المدينة، كأنما كان هناك من يعنيه ~~أن تضعف القوة المعنوية في نفوس أهل هذه المدينة الصابرة وتنحل عزيمتهم، فينالهم بالرعب ~~والفزع قبل أن ينالهم العدو بسيفه. # وبلغت تلك الإشاعات مبلغها من نفوس الناس، حتى أعظموا قوة ابن عثمان وشدة بأسه، وبالغوا ~~في وصف عتاده وجنده، فآمنوا بالهزيمة قبل أن تبلغهم أنباء الهزيمة. # ثم لم تلبث الأنباء أن جاءتهم بما كان بين المعسكرين في مرج دابق، وهتف الناعي بأسماء ~~القتلى والجرحى والمفقودين والمأسورين، ونعي إلى المصريين سلطانهم الشيخ فيمن نعي من ~~الأمراء والقواد والجند والإخوة والأبناء، وقام ms164 في كل دار مأتم. # وأيقن المصريون يقينا لا شبه فيه أن دولتهم قد دالت، وأن خيل الروم ستطؤهم مصبحة أو ~~ممسية، وستحصدهم مدافع البارود وقذائف النار حصدا، فلا تبقي منهم ولا تذر، ومن ذا يثبت ~~للبارود والنار ذلك السلاح الجديد الذي يصفه من يصف ممن شهد موقعة مرج دابق، فكأنما يصف ~~معركة قد نشبت في طبقة من طبقات الجحيم تتهاوى كرات النار فيها عن اليمين وعن الشمال، فتحصد ~~الفرسان والرجالة وهيهات منها السلامة! # وضعفت نفوس المصريين وأصابها الوهن، حتى لو أن صيحة أخذتهم من جانب الوادي لمضوا على ~~وجوهم فارين لا يردهم إلا البحر. # وفعلت الدعاية العثمانية بهم ما لا يفعل السيف والنار ... وكان الذي تولى كبر هذه الفتنة ~~منهم طائفة من أصحاب خاير بك، وجان بردي الغزالي، وخشقدم الرومي، إلى طوائف من أبناء الروم ~~قد اجتازوا الحدود متنكرين في زي الأعراب، فانبثوا في الأسواق والمساجد ومجتمعات السمر، ~~يتحدثون فيسرفون في الحديث، والمصريون يستمعون إليهم فتنخلع قلوبهم من الرعب والفزع. # وكان النواح على القتلى والأسرى والمفقودين في كل درب من دروب القاهرة، كأنه تأكيد لما ~~يتحدث به هؤلاء من الأنباء المروعة ... # رجل واحد لم يهن ولم يضعف ولم تنل منه تلك الأنباء، فراح يعد عدته للدفاع عن مصر والشام، ~~ويستنفر المصريين والعرب والمماليك ليذودوا عن حرماتهم وأعراضهم وذراريهم، ويقفوا صفا في ~~وجه ذلك العدو الزاحف بخيله ورجله، وبسيفه وناره ... ذلك هو الأمير طومان باي. # ولم يكن لمصر يومئذ سلطان، فاجتمع أمراء المماليك في القاهرة على مبايعة الأمير طومان باي؛ ~~ليجلس على عرش مصر خلفا لعمه قنصوه الغوري، الذي غاب أثره بين رمم القتلى في البادية، فلم ~~يعرف أحد أين كان مثواه الأخير. # ولكن من ذا يبايعه، والخليفة العباسي أسير عند ابن عثمان، وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام قد ~~خلا مكانهم في مصر منذ خرجوا في ركب السلطان فلم يعودوا، والأمراء العظام قد وقع منهم من ~~وقع في الأسر، وسقط على الغبراء قتيلا من سقط، ولا تزال طائفة منهم على الطريق بلا ms165 زاد ولا ~~راحلة. # وماذا يدفع طومان باي للجند من أعطيات البيعة وقد أفرغ الغوري خزائنه واحتمل ما فيها ~~لتكون معه في رحلته تلك المشئومة، حتى اللواء السلطاني والتاج والحلة والخاتم ليس في ~~القاهرة منها شيء. # ثم ماذا يغريه بالسلطنة اليوم وقد ذهب عزها، فلم يبق من معناها إلا تكاليف لعل أهونها ~~أن يبذل دمه. # قالت زوجته شهددار: لمثل هذه التكاليف يا أمير تفتقد الملوك، ولست أهلا لحبك إن لم ~~تحمل أعباءها راضيا موقنا أن أول الواجب أن تموت، وأن تذبح امرأتك وابنتك بين يديك ~~فلا تهن ... # وبرقت في عينيه دمعة، وضمها إلى صدره وهو يقول: سأحملها راضيا يا شهددار، موقنا أن ~~أول واجبي أن أموت لتعيشي وتعيش ابنتنا هذه نوركلدي الصغيرة! لتذكريني بها وتذكري أمي ... ~~ولكني أرى التريث حتى يعود سائر الأمراء، ويعود مولاي الأمير محمد ابن السلطان، فإنه أحق ~~بالعرش مني. # قالت مصممة: إن لم يكن محمد بن الغوري أحق بالعرش منك لأنه ابن السلطان، فإنه لم يزل ~~صبيا لا ينهض بواجبها، وإنما السلطنة اليوم تكليف ومشقة، وأول واجبها الموت، ولأنت أحق ~~بشرف الموت في سبيل الدفاع عن مصر من ذلك الصبي الناعم، فاحفظ فيه أباه ولا تقدمه إلى الموت ~~وعلى رأسه التاج. # قال وأخفى في راحتيه عينين مغرورقتين بالدمع: سأحملها، سأحملها راضيا يا شهددار؛ لأدفع ~~عن مصر وعنك، ولو بذلت دمي. # ثم نهض ليلقى أمراءه ويستمع إليهم ويبادلهم الرأي، وكان الأمراء على الإجماع في اختياره ~~للعرش. # وفي كوم الجارح في خلوة الشيخ أبي السعود الجارحي وبين يديه، بايعه الأمراء والجند، ~~وبايعه ابن الخليفة نائبا عن أبيه، وبايعه نواب القضاة، وبايعه المصريون جميعا أشرافا ~~وسوقة، ودان له الزعر والعربان، واجتمعت على محبته القلوب، ونادى المنادي في الأسواق باسم ~~السلطان الأشرف طومان باي «الثاني»، فتجاوبت الزغاريد من طاق إلى طاق، ونسيت القاهرة ساعة من ~~نهار ما تتوقع أن يحل بها من البلاء والشر. # كان ذلك في القاهرة، أما هنالك فكان السلطان سليم في مجلس وزرائه قد جلس بين يديه خاير ms166 ~~بك، وجان بردي الغزالي، وخشقدم الرومي، يداولون الرأي بينهم فيما يكون من أمر الخطة التالية ~~... # قال السلطان سليم: أما أنا فحسبي أن ترفرف رايتي على ربوع الشام، ويكون أميرها من ~~قبلي خاير بك؛ جزاء لما قدم إلينا من المعونة، وليس لي في امتلاك مصر أرب ومن دونها الفلاة ~~وأهوال الطريق. # فزم خاير بك شفتيه قائلا: إن مصر اليوم يا مولاي على مد ذراعك، فلو شئت لكان لك ثمة ~~العرش والقصر والقلعة، وبسطت سلطانك على ضفاف النيل، وملكت الحرمين وسواحل بحر الهند، ~~وهيهات أن تقوم لجيش مصر قائمة بعد تلك الهزيمة وقد تفانى أمراؤها؛ فليس هنالك إلا ~~طومان باي، وما أراه أهلا للدفاع. # قال جان بردي: فإن كان طومان باي هو كل هم مولاي فسأكفيه أمره، وما أظنه يطمع أن يكون له ~~العرش حين يتراءى له جان بردي الغزالي، فإن شاء مولاي كنت في غد على الطريق إلى ~~القاهرة. # قال خاير بك قلقا: صبرا يا جان بردي، فسندخل القاهرة مجتمعين على رأي، فلا يشغلك من أمر ~~طومان باي شيء، ولعله يكون أبعد أملا عن العرش حين يرى خاير وجان بردي معا ... # وتبادل الرجلان نظرتين لم يخف مغزاهما على السلطان، فقال باسما: دعه يا خاير بك وما يدبر ~~من أمره، وليذهب إلى القاهرة إن شاء، فإني لآمل أن نبلغ بتدبيره ما نريد، فيكون لك عرش ~~مصر وله عرش الشام ... # غامت سحابة من الهم على وجه جان بردي، أفمن أجل أن يكون لخاير بك عرش مصر بذل جان بردي ~~ما بذل وخان وطنه وغدر بسلطانه؟ يا لها خاتمة! ولكنه حتى اليوم لا يزال مستطيعا أن يبلغ ~~بتدبيره ما يريد لنفسه، وإن لم يرض السلطان سليم ولا خاير بك، فسيقصد من فوره إلى القاهرة ~~يطلب لنفسه العرش، ويدع لخاير بك الندم واللهفة! # وأصبح جان بردي على الطريق إلى القاهرة، فما كاد يصل حتى كان طومان باي قد بلغ العرش، ~~وبايعته مصر كلها سلطانا، فلا مطمع لجان بردي في شيء مما كان يأمله، فأكل الغيظ ms167 قلبه وعاد ~~يفكر في تدبير جديد ... # وكان السلطان طومان باي قد أجمع خطته على أن يجعل خط الدفاع الأول عن مصر عند مدينة غزة، ~~على حدود فلسطين، ريثما يهيئ وسائله للدفاع عن القاهرة وما يليها من البلاد، وعرف جان بردي ~~الغزالي خطة السلطان وما أجمع عليه رأيه، فرآها فرصة سانحة لتدبير جديد، فعرض أن يتطوع ~~لقيادة الجيش الذي يتأهب للمسير إلى غزة للدفاع، فأباها عليه السلطان طومان باي وارتاب في ~~نيته، ولكن أمراء السلطان لم يرتابوا وحملوه على الرضا، فأولاه قيادة الجيش طاعة لمشورة ~~أمرائه وندب له الجند للدفاع ... # وخرج جان بردي على رأس الجيش المصري إلى غزة، فلم يكد يتراءى له جيش السلطان سليم حتى ~~أسلم له جان بردي جنده ورايته، وعاد إلى القاهرة عجلان في زي منهزم قد أفلت من منيته، ~~ومثل بين يدي السلطان طومان باي يصف له ما لقي من شدة بأس ابن عثمان وقوة عسكره. # وكان الجيش العثماني في أثره يجتاز الحدود إلى مصر. # قال السلطان طومان باي: ألهذا بعثتك على رأس الجيش يا جان بردي؟! # قال جان بردي في لهجة المعتذر: لو رأيت يا مولاي ما حشد الروم من الجند والعتاد، وما تزود ~~به من أدوات التحطيم والدمار؛ لرأيت جيشا لا يسلم من بطشه أحد من عدوه. # قال السلطان مؤنبا وعلى شفتيه ابتسامة غيظ وحنق: ومع ذلك فقد سلمت أنت يا أمير! # وصلت القافلة التي فيها أرقم ونوركلدي القاهرة، والقاهرة يومئذ في أمر مريج، فقد بلغ جيش ~~الروم حدود مصر، وأوشكت خيله أن تطأ أرض الوادي الذي استعصى على الفاتحين، فلم يدخله جيش ~~أجنبي منذ استقل عن الدولة العباسية لعهد ابن طولون، حتى التتر والصليبيين - على ما اجتمع ~~لهم من أسباب القوة - قد ارتدوا جميعا عن بابه مقهورين لم ينالوا منه منالا، ونالت مصر ~~منهم منالها، واليوم يوشك هؤلاء الترك أن يقتحموه؛ ليتخذوا المصريين عبيدا وخولا وكانوا ~~أصحاب السلطان والسيادة ... # في تلك الأيام الرهيبة، في هذه المدينة التي تموج بالخلائق من كل جنس، ويحتشد ms168 فيها الجند ~~للدفاع عن كل باب، وتزدحم فيها أقدام المحاربين على كل طريق، ويتوزع الناس فيها الهم ~~والقلق على المصير المجهول، كان يجلس على عرش مصر طومان باي - ابن نوركلدي وأركماس - قد شغله ~~هم الدولة عن هم نفسه، فلم يخطر على باله قط أن على باب المدينة في ذلك اليوم رجلا ~~وامرأة قد أبليا الدهر سعيا إليه، وقطعا مفازة العمر شوقا إلى لقائه، وليس بينهما اليوم ~~وبين أن يلقياه إلا مسيرة ساعة من شمال المدينة إلى جنوبها ، فلو شاء لاجتمع بثلاثتهم ~~شمل أسرة لم يجتمع لها شمل منذ أربعين عاما أو يزيد ... # ها هو ذا في مجلسه من قصر القلعة بين زوجته خوند شهددار وطفلته الظريفة نوركلدي الصغيرة، ~~مستغرقا في الفكر لا يكاد يعرف من حوله. # وهذان شيخ وشيخة يضربان في طرق القاهرة، قد نال منهما الإعياء واستغرقهما الفكر، ~~يتدافعهما زحام الناس يمنة ويسرة فلا يكاد يخلص لهما الطريق بضع خطا. من ذا يراهما فيخطر ~~في باله أن هذا الشيخ وهذه الشيخة هما أركماس أبو السلطان طومان باي وأمه نوركلدي؟! # ولكن طومان باي اليوم ليس لأمه وأبيه ولا لأحد من أهله، إنه اليوم يحمل من هم الدولة ما ~~لا يدع له فراغا من الزمن أو من العاطفة للتفكير في شأن أمه وأبيه. # يا عجبا! لقد عاش في هذه المدينة واحدا من أهلها عشرين عاما أو يزيد، يلقى الناس ~~ويلقونه، ويتراءى لكل من يريد أن يراه، ويتحدث إلى كل من يريد أن يتحدث إليه، ويستمع إلى ~~كل من يريد أن يحدثه، فلو أرادت أمه، أو لو أراد أبوه في يوم من تلك الأيام الخوالي أن ~~يلقاه أو يتحدث إليه لما أعياه في أي وقت شاء أن يلقاه أو يتحدث إليه، ولكن أباه يومئذ لم ~~يكن يدري أنه أبوه، فلم يكن يريد، ولم تكن أمه تدري أين تلقاه، فلم تكن تطمع، أما اليوم ~~فإنهما يدريان ويريدان، ولكنهما لا يستطيعان. # من لطومان باي بأن يعرف أن أمه التي فارقها منذ ثلاثين عاما ولا ms169 يزال يذكرها ويحن إلى ~~لقائها، هي اليوم منه على قرب قريب، فلو شاء لسعى إليها فلقيها فتحدث إليها ساعة أو بعض ~~ساعة ثم عاد لشأنه؟! # من له بأن يعرف أن صاحبه أرقم المسيخ خادم خلوة الشيخ أبي السعود الجارحي والرمال ~~الحاذق الذي يتحدث عن الغيب كأنه يقرأ في لوح مسطور، هو أبوه أركماس؟! # من له بذلك، ومن لنوركلدي؟! # ولكن الوهن لم يتطرق لحظة إلى نفس أمه العجوز الشابة، فإنها اليوم لأدنى أملا في لقائه، ~~إنه اليوم منها على مد الشعاع، فلولا هذه الحيطان التي تفصل بين بيوت الناس لرأته ورآها، ~~ولكنها لا بد أن تراه يوما ما، أو لا، فحسبها أن تسمع عنه كل يوم فكأنها لا تراه، حتى ~~يحين الأجل المكتوب. # واتخذ لها أرقم منزلا في سوق مرجوش، يطل على طريق الموكب السلطاني حين يغدو أو يروح؛ ~~لتراه أمه ويراه أبوه إذا بدا له ذات مرة أن يغدو في موكبه أو يروح. واتخذ أرقم له حجرة في ~~ذلك المنزل إلى جانب الباب، وراح يدبر أمره وأمر صاحبته ... # الفصل الرابع والثلاثون # | غبار الحرب # قال عز الدين البزاز لأصحابه وهم جلوس على مصطبة دكانه في سوق مرجوش: إن الشر والله ~~ليتربص بنا من سوء تدبير أولئك الجركس، فهذه خيل العدو على باب الديار، ولا يزالون مختلفين ~~لا يريدون أن يخفوا للدفاع إلا والسيف في رقابهم. # قال أبو بكر الرماح: إنه المال وشهوة الإمارة، فلا ترى جنديا منهم يرضى أن يخرج للحرب ~~إلا إذا ضاعف له السلطان الرزق، ولا ترى سيدا إلا طامعا في ولاية يتولاها أو إمارة ~~يتأمر عليها قبل أن يأخذ أهبته لقيادة عسكره، وإني لأعجب للسلطان طومان باي كيف رضي أن ~~يحمل أعباءها وليس حوله إلا هؤلاء الحمقى، يوشكون بسوء تدبيرهم أن يسلموه إلى عدوه ~~ويبيحوا الروم في أرض الوطن، كأنما خيل إليهم أن سيكونون تحت راية الروم سادة، وما لهم ~~والله عند ابن عثمان إلا السيف! # قال أرقم الرمال وقد بلغ منه الغيظ: فهل كانت مصر لهؤلاء الجركس ms170 وحدهم حتى يكون عليهم ~~وحدهم عبء الدفاع، فأين المصريون، والعربان، وفتيان الزعر، ولماذا لا يكتبون كتائبهم ~~للدفاع عن حريمهم والذود عن بلادهم، وإنهم لأهل لأن يردوا جيش الروم فلولا مبعثرة على ~~أديم الصحراء لو اجتمعت عزيمتهم؟ # قال عز الدين: هذا هو الحق، فما طرق هذا العدو بلادنا من أجل الجركس، بل من أجل مصر، ~~وما هؤلاء الجركس في مصر؟! هل هم إلا قلة حاكمة لا يعنيها إلا حظها من ترف العيش وأسباب ~~التنعم، ولو مات هذا الشعب ووطئته الخيل وهتك حريمه جند العدو؟! وإنما علينا نحن واجب الدفاع ~~عن حريمنا وعيالنا وأموالنا وعن أرض هذا الوطن. # قال أبو البركات الأعرابي ساخرا: وعن عرش السلطان! # قال أرقم محتدا: نعم، وعن عرش السلطان، فهلا قلتها يا أخا العرب وعلى العرش قنصوه ~~الغوري، ومن سبقه من السلاطين الذين أكلوا هذا الشعب لحما وشحما، وتركوه عظما معروقا ~~على الطريق، فإن على عرش مصر اليوم رجلا غير أولئك، فلولا هذه الفتنة الناشبة لرأيتم كيف ~~ينهض بالحكم فيسوسها سياسة عمر. # قال الأعرابي: ومن لنا بأن يظل طومان باي على العرش فلا يخلعه جان بردي الغزالي أو خاير ~~بك، وإن شيوخ الأمراء ليتربصون به والعدو على الأبواب يتربص بنا وبهم؟! # قال أرقم: فإننا نستطيع أن نحمي سلطاننا من غدر أولئك الأمراء، ونحمي مصر من ذلك ~~العدو. # قال الأعرابي وقد تهيأ للانصراف: قد يكون ذلك لو أن السلاطين لم يضربوا الذلة على هذا ~~الشعب حتى ماتت فضائله وغلبه اليأس، فليس يشق عليه أن تكون الدائرة عليه وعلى أعدائه في ~~وقت معا! # وتواترت الأنباء باقتراب العدو، ولا يزال الأمراء مختلفين قد فرقت بينهم المطامع، ولا ~~يزال المماليك غاضبين يريدون أن يضاعف السلطان لهم الرزق، والسلطان الشاب يحمل وحده عبء ~~التدبير ويرسم خطة الدفاع. # ودنا جيش السلطان سليم من بلبيس، وهم أن يخرج السلطان للقائه فثبطه أمراؤه، وأمر أن ~~تحفر الخنادق في طريقه عند الخانكاه فلم يجد من يطيع أمره، وأشار بأن تحرق مخازن المؤن في ~~شمال المطرية قبل أن ms171 يستولي عليها العدو، فلم يسمع مشورته أحد ... # وصار جيش الروم على مسيرة أيام من القاهرة وسبقه غباره، فقال السلطان طومان باي لأمراء ~~جنده: هذه آخرتي وآخرتكم قد حانت، فإما خرجتم للدفاع عن أعراضكم وذراريكم وأموالكم، وإما ~~خرجت وحدي للقاء العدو! # ثم لبس لأمته ورفع لواءه وبرز للناس في عدة حربه، فأثار نخوة الأمراء وحمية الجند وحماسة ~~المصريين، فنسلوا إليه من كل حدب، ورفع الأمراء راياتهم وكتبوا كتائبهم، وكأنما لم يدركوا ~~واجبهم إلا حين أحسوا ريح الموت، فخرجوا دفاعا عن أنفسهم لا عن العرش ولا عن ~~الوطن! # واحتشد الجند أفواجا أفواجا وكتيبة إثر كتيبة، وكانوا مستطيعين أن يحتشدوا كذلك منذ ~~أسابيع، وأخرجت المكاحل والمدافع واصطف رماة البندق، واستكمل الجيش عدته وعدده في اللحظة ~~الأخيرة وقبل أن يفوت الأوان، وارتجت القاهرة لعظم ما رأت من وسائل الدفاع وكثرة ما شهدت ~~من الجند والعتاد، وتجاوبت الزغاريد من طاق إلى طاق ... # وعسكر الجيش في الريدانية شمال القاهرة متأهبا للقاء العدو، وشق موكب السلطان المدينة ~~من جنوبها إلى الشمال، فاجتاز باب زويلة، ومر على قبة الغوري، واخترق سوق مرجوش، وكان في ~~شرفة وراء الستارة في بيت من البيوت عينان ترقبان موكب السلطان، ولكنهما لم تريا شيئا مما ~~غام عليهما من الدمع، ومضى ركب السلطان في طريقه. # وخرجت على إثر الموكب عجوز من دارها مهرولة تريد أن تدرك موكب السلطان وهي تهتف بصوت ~~عميق النبر: «ولدي! ولدي!» وتدافعها زحام الطريق فردها على وجهها قبل أن ترى السلطان أو ~~تسمعه نداءها، وحملتها الأكف مغميا عليها إلى دارها في سوق مرجوش، ولم تزل شفتاها تتحركان ~~في همس خافت: «ولدي! ولدي!» # وقال لها أرقم وقد ثابت إليها نفسها: صبرا يا نوركلدي، فسترينه ويراك يوم يعود مظفرا من ~~هذه الحرب، إن طومان باي لذو همة وعزم، وسترين ما سيكون من بلائه في حرب الروم حتى يردهم ~~على أعقابهم منهزمين، ويومئذ تلقينه على العرش فتسعدين به وتقر عينك. # قالت وهي تغالب انفعالها: يا ليت يا سيدي يا ليت! ويومئذ أنبئه أول ms172 ما أنبئه بما لقيت من ~~كرم صحبة أرقم الرمال! # قال أرقم وقد انحدرت على خديه دمعتان: وينبئه أرقم الرمال بما لقي في صحبتك يا نوركلدي. # وراح السلطان يحفر الخندق بيده ويحمل التراب على كتفه، ثم أخذ يرتب الجيش ميمنة وميسرة، ~~وركب حصانه يرتب الأمراء ويتفقد العسكر صفا صفا، وهو يبث فيهم من روحه وينفخ فيهم من ~~عزمه. من ذا يرى اليوم هذه الكتائب المتراصة قد أجمعت نيتها على النصر أو الموت، فيذكر ما ~~كان يدب في صفوفها أمس من عوامل الخذلان والهزيمة؟! # تلك همة السلطان قد جمعتهم قلبا، ووحدتهم رأيا، وشدتهم عزيمة، وما كانوا لولا السلطان ~~الشاب إلا فلولا مبعثرة قد توزعتها الأهواء وتقسمتها الشهوات. # وبني حائط يستر المكاحل والمدافع، وقد فغرت أفواهها ذات اليمين وذات الشمال تأخذ العدو ~~من حيث بدا له أن يبدأ الهجوم ... # وأدار جان بردي الغزالي عينيه فيما حوله، فرأى من وسائل الدفاع ما لم يخطر مثله على باله، ~~فأكلت قلبه الحسرة. توشك والله هذه القوة أن تأكل جيش ابن عثمان أكلا، وترميه أشلاء على ~~ظهر الطريق، فماذا يكون من أمره وأمر خاير بك لو انتصر المصريون على جيش ابن عثمان وعادوا ~~إليه، وإلى صاحبه يناقشونهما حساب الماضي وما أسلفاه من الخيانة؟ # واختار جان بردي مملوكا يأتمنه على السر، فأفضى إليه برسالة يحملها إلى ابن عثمان. # ووقف السلطان سليم على أسرار الدفاع قبل أن تنشب المعركة، فدبر أمره لإحباط خطة السلطان ~~طومان باي ... # ونفذ جيش العثمانيين من وراء الجبل، فأطبق على الجيش المصري بغتة من وراء وجاءه من مأمنه، ~~وتعطلت المكاحل والمدافع فلم ترسل قذائفها، ولم يبق إلا السيوف يتجالد بها الأبطال، وجال ~~طومان باي بسيفه وحوله طائفة من أصفيائه، ومضوا يشقون طريقهم بين صفوف الروم يقصدون قلب ~~الجيش، فنثروا الرءوس وقدوا الدروع، وشقوا المرائر وجندلوا الأبطال، ولم يثبت لهم شاب ولا ~~شيخ، ولكن ماذا يجدي عليهم أن يصرعوا مائة أو ألفا، وإنهم لآحاد بين مئات الألوف، وقد ~~بعثرت المفاجأة جيشهم من ورائهم فليس لهم ظهر ms173 يحميهم أو جناح يؤازرهم ... وفي يد العدو قذائف ~~البارود وليس في أيديهم إلا السيوف؟! # ونظر السلطان طومان باي وأصحابه فيما حواليهم فإذا هم فرادى، وقد تمزق جيشهم شراذم مدبرة ~~يطلبون النجاة من النار والبارود، وأيقن السلطان بالهزيمة فتقهقر وهو يجيل سيفه في يده يدفع ~~به عن نفسه، حتى خرج من زحام المعركة ... # وسقطت القاهرة في يد العثمانيين قبل مغرب الشمس. # فلما كان يوم الجمعة خطب في مساجد القاهرة باسم السلطان سليم خان بن بايزيد العثماني، ~~ملك البرين والبحرين، وكاسر الجيشين، وخادم الحرمين الشريفين ... # وخيم السلطان سليم وحاشيته على النيل في الجزيرة الوسطى تجاه بولاق، فأقام هناك ينتظر ما ~~يكون من أمره وأمر المصريين وأمراء الجركس. # أطلت نوركلدي من شرفة دارها في سوق مرجوش؛ لتشهد جند الروم يجوسون خلال الديار، يفتكون ~~ويسفكون ويهتكون الحرمات، وقد أوى الناس إلى بيوتهم فغلقوا أبوابها وجثموا وراءها يتربصون ~~بأنفسهم ... وخلت الأسواق من الباعة والمشترين، فلا أحد هنالك إلا هؤلاء الجند ذاهبين أو ~~آيبين، وإلا طوائف من الفتيان وشراذم من الأعراب يستخفون حينا ثم يظهرون، يطلبون غرة ~~جندي من أولئك العثمانيين قد انفرد في الطريق ليغتالوه أو يسلبوه ثيابه وماله! # وضاقت نفس نوركلدي بما تشهد من تلك المناظر المثيرة، وجثم على صدرها الهم والقلق، ولكنها ~~لم تزايل موقفها من الشرفة تنظر وتنتظر، لقد غادرها أرقم منذ الصباح الباكر لأمر من أمره ~~فلم يعد، وما بها شوق إلى طلعته ولا قلق لغيابه، ولكنها تريد أن تعرف ما وراءه من أنباء ~~الحرب، لقد كان ولدها السلطان طومان باي هنالك في الريدانية يحارب على رأس الجند، وقد انهزم ~~عسكره ونفذ هؤلاء العثمانيون إلى المدينة كما ترى، فماذا أصاب طومان باي وأين مستقره الساعة؟ ~~أحي فيرجى أم خلصت إليه قذيفة من قذائف الروم فجندلته؟ ولدها الذي تجد في أثره منذ ~~ثلاثين عاما لا تدري أين ينتهي بها الطريق، فلما خيل إليها أنها قد بلغت مأملها أو كادت، ~~ثار غبار الحرب فأنشأ بينها وبين ولدها جدارا لا تكاد تخلص إليه من ms174 ورائه، ثم كانت هذه ~~الهزيمة، من ذا يخبرها خبره فيهدأ وجيب قلبها وتسكن مما بها من الاضطراب والقلق؟ لو جاء ~~أرقم الساعة! # وأظلها الليل ولم تزل في موقفها من الشرفة تشهد أولئك الجند ذاهبين أو آيبين، وهذه ~~الطوائف من فتيان الزعر، وتلك الشراذم من الأعراب، وإنها فيما بين ساعة وساعة لتسمع طلقة ~~بندقة، أو ضجة معركة، ثم يعود السكون ولم يزل ما بنفسها من القلق والاضطراب! # وجاء أرقم موهنا فطرق الباب بخفة، ولبث ينتظر أن يفتح له وهو يدير عينيه فيما حوله ~~قلقا قد توزعته أشجانه ... # وفتحت له نوركلدي فدخل وأغلق الباب وراءه، فأحكم رتاجه ثم جلس. # وقالت نوركلدي ضارعة: بالله خبرني يا أرقم ماذا جرى لطومان؟ ولا تخف عني شيئا من خبره؛ ~~لقد ذقت من عنت الأيام وقسوة المقادير ما لا مخافة بعده، فصف لي كل ما تعرف من خبر طومان، ~~وما كان مآل أمره بعد هذه الهزيمة! ~~- إذن فقد عرفت! ~~- لم أعرف شيئا غير ما قرأت في وجوه الناس منذ الصباح، وما رأيت في حركاتهم من الاضطراب ~~والفزع، ثم ما حدثتني به وجوه أولئك الروم وهم يجوسون خلال البيوت وفي عيونهم شهوات ~~المنتصر ... فقد سقطت المدينة إذن في أيدي العثمانيين، ولكن ما شأن السلطان؟ ~~- السلطان بخير يا نوركلدي ولا خوف عليه! ~~- هل أصابه جرح غير ذي خطر؟ هل وقع أسيرا في يد الروم؟ هل نالته قذيفة بندقة أو طعنة ~~رمح؟ ~~- لا شيء، لا شيء من ذلك يا نوركلدي، وإنه لحر طليق سليم البدن، ولكنه ... ~~- ماذا بالله؟ هل أسلم نفسه راضيا إلى عدوه ودخل في طاعته؟ هل ذل بعد كبرياء وهان ~~بعد عزة؟ هل اشترى حياته بالعرش والوطن وباع رعيته للعدو الغالب؟ # صرخ أرقم في وجه نوركلدي غاضبا: اسكتي يا امرأة! ... لست أم طومان إن ظننت به هذه ~~الظنون، إنه لأعز نفسا وأرفع منزلة من ذاك! ~~- إذن فهو محصور في قلعته قد أطبق عليه العدو من كل جانب، وما يزال يدافع عن عرشه بلا ~~يأس! ~~- ولا ذاك يا نوركلدي، ms175 لقد غادر طومان باي القاهرة يتهيأ لوثبة جديدة يعود بها إلى العرش، ~~ويقذف بهؤلاء الغزاة إلى البادية أو إلى البحر، وقد رأيته منذ ساعة في طائفة من أصحابه يعد ~~عدته ويتربص ... ~~- رأيته؟ ~~- نعم. ~~- بعينيك هاتين؟ ~~- بعيني، وتحدثت إليه بلساني! ~~- تحدثت إليه؟ ~~- نعم! ~~- وقلت له أمك نوركلدي تطمع أن تراك؟ # ولمعت دمعتان في عيني أرقم، وأجهشت نوركلدي باكية واستدارت إلى الجدار لتستند إليه من ~~الإعياء والضعف. # ونهض أرقم فوقف خلفها ومس كتفيها بكلتا يديه وهو يقول: صبرا يا نوركلدي، فستلقينه في يوم ~~قريب فترين بطلا كريما يستحق شرف أمومتك الكريمة. # وارتجفت نوركلدي حين أحست يدين تلمسان كتفيها، فاستدارت وقالت مستحيية وفي صوتها نبرة ~~عتاب: ولكنك يا أرقم لم تحدثه أن أمه هنا، في القاهرة، وأنها تطمع أن تراه ... ~~- لا يا نوركلدي! ~~- وبخلت علي بهذه النعمة! # ليس بخلا عليك يا نوركلدي ولكنه بخل طومان أن تتوزعه العواطف في وقت يجب أن يجتمع فيه ~~قلبه على فكرة، إن طومان باي اليوم تتمثل فيه آمال أمة قد وطئتها خيل العدو وليس لها في ~~محنتها غير رجل واحد! ~~- صدقت! ~~- ولم أبخل إذن؟ ~~- بلى، ولكنك استأثرت بالنعمة وحدك فأمتعت قلبك وعينيك! ~~- وستمتعين قلبك وعينيك عن قريب يا نوركلدي! # قالت باسمة: نعم، وأصف له ما لقيت من صديقه أرقم الرمال! # قال أرقم متأوها: ويصف له أرقم الرمال ما لقي من نوركلدي! # ونظر في وجهها فأطال النظر، كأنما يحاول أن يسترجع ماضيا قد غبر منذ أربعين عاما أو ~~يزيد. # ونظرت في عينيه فأطالت، كأنما ترى فيهما خيال صورة مطبوعة لفتاها المحبوب الذي فقدته منذ ~~أمد طويل، ولم تزل تطمع في لقائه. # هاتان العينان نظرتا في وجه طومان باي منذ ساعة، فإن فيهما لصورة منه مدخرة في الأعماق، ~~فلولا الحياء لقالت لهذا الرجل الملثم بأسراره: ادن مني يا حبيبي لأرى في عينيك صورة الفتى ~~الواحد الذي آثرته بالحب على جميع الناس ... # هل استشفت نفسها ما وراء هذا اللثام المضروب على وجه أرقم، فأحست إحساس القلب الملهم بما ~~بينها وبينه ms176 من الأواصر حين عجز عقلها عن استكشاف السر؟ من يدري؟! # الفصل الخامس والثلاثون # | الحرب سجال # ارتجت القاهرة رجة عنيفة كأنما رجفت بها زلزلة في يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي ~~الحجة سنة 922، حين تدفقت عليها جيوش العثمانيين كالسيل الجارف لا يعترض سبيله شيء، ثم لم ~~تلبث إلا أياما حتى رجفت بها زلزلة أخرى أعنف، وأقسى في مساء الثلاثاء الرابع من المحرم ~~سنة 923، ولكن هذه الرجفة الأخيرة - على عنفها وقسوتها - كانت أروح لقلوب المصريين، وأخف ~~وقعا على نفوسهم ؛ فقد كانت هذه زلزلة أقدام المصريين من جند السلطان طومان باي، يقتحمون على ~~العثمانيين مضاربهم في هدأة الليل ويدخلون القاهرة بعد خمسة أيام من جلائهم عنها، فلم ~~يلبثوا أن تغلغلوا في السكك والدروب، واحتلوا الدور والمصانع، ووضعوا سيوفهم في أقفية ~~الروم، وأضرموا النار في مضاربهم على حين لهو وغفلة. # وسرى النبأ بسرعة في المدينة النائمة فهبت من رقادها تستطلع الأخبار، فما هي إلا ساعة ~~حتى كانت البشرى على كل لسان بأن السلطان طومان باي قد عاد إلى القاهرة بجيش لجب فأحاط بجيش ~~ابن عثمان ... فهب كل مصري إلى سلاحه وأخذ أهبته لمعونة السلطان الباسل، فما أشرق الصبح حتى ~~كان جيش السلطان طومان باي قد استرد أكثر أحياء المدينة وكاد يغلب على سائرها، واجتمع في ~~المدينة جيش من المصريين على رأسه الأمير علان الدوادار، فزحف من الناصرية لينضم إلى عسكر ~~السلطان! # واتخذ طومان باي مسجد الأمير شيخو بالصليبة مقرا لقيادته، وعادت رحى الحرب تدور بين ~~المصريين والعثمانيين في دروب المدينة. ونادى المنادي في القاهرة بالأمان لمن يستأسر من جند ~~ابن عثمان، ويدخل في طاعة السلطان طومان باي. وعاد الطالب مطلوبا! # واستمرت الحرب في القاهرة أياما، فلما كان يوم الجمعة السابع من المحرم، خطب في مساجد ~~القاهرة ثانية باسم السلطان طومان باي ملك القطرين، وسيد البحرين، وحامي حمى الحرمين. # وكانت نوركلدي تطل من شرفة دارها في سوق مرجوش؛ لتشهد جند المصريين يجوسون خلال الديار ~~يبحثون عن المختبئين من أمراء ابن عثمان وجنده، فيسوقونهم أسرى إلى ms177 حيث كان السلطان ~~طومان باي في مركز قيادته بمسجد الأمير شيخو، وكان هتاف الرجال وزغاريد النساء تتجاوب ~~أصداؤها بين أبعاد المدينة، وفيالق فتيان الزعر وكتائب الأعراب تتوالى مواكبها على عينيها ~~في طريقها إلى حيث تأتمر بأمر السلطان المجاهد طومان باي. # وسألت نوركلدي نفسها وفي عينيها دموعها: ترى أين أرقم الساعة ليحدثها حديثه وينبئها بما ~~يعرف من خبر السلطان؟! إنه لغائب عن عينيها منذ ذاع في المدينة النبأ برجوع السلطان ~~طومان باي، وإنها لتنتظر مقدمه قلقة تريد أن تعرف كيف ينتهي ذلك الأمر فيصحبها على الطريق ~~إلى حيث تلقى ولدها الذي لم تزل على الطريق إليه منذ ثلاثين سنة. # وطالت غيبة أرقم ثم عاد ... ~~- ورأيته بعينيك يا أرقم؟ ~~- نعم! ~~- وتحدثت إليه بلسانك؟ ~~- نعم! ~~- واستمعت إلى حديثه بأذنيك؟ ~~- نعم! ~~- ومتى تراه أمه بعينيها يا أرقم وتتحدث إليه بلسانها وتستمع إلى نجواه؟ ~~- قريبا ترينه يا نوركلدي بعينيك وتتحدثين إليه بلسانك وتسمعين نجواه، أما اليوم فما ~~أراك تستطيعين وإن بينك وبينه طريقا قد ازدحمت على جانبيه رمم القتلى من المصريين ~~والروم، وإن الموت ليتطاير فيه على رءوس السابلة؛ ففي كل شارع معركة دامية، وإن أولئك ~~الروم الغلاظ ليحملون بنادق البارود يرسلون قذائفها من نوافذ الدور ومن فوق السطوح ومآذن ~~المساجد، فلا يكاد يخلص بروحه عابر سبيل ... لو كان بالسيف والرمح والمزراق ما بيننا وبين ~~الروم من معارك لأيقنا بالنصر؛ فإن أولئك الروم لا خبرة لهم بأساليب الحرب، وليس لهم صبر ~~على القتال، لولا هذه النار! ~~- ماذا تقول يا أرقم؟ أفلست موقنا بالنصر؟ ~~- بلى، ولكن دون ذلك أهوالا يا نوركلدي ... ~~- ويتعرض طومان باي للشر؟ ~~- لا تخافي يا سيدتي! ~~- وتظنه يعود إلى عرشه في القلعة؟ ~~- الصبر يا نوركلدي، إن الحرب مراحل! ~~- وفي أي مراحلها هي اليوم؟ ~~- ستعرفين بعد قريب؛ فإن جيشا من جند ابن عثمان قد احتشد بمصر العتيقة في طريقه إلى ~~الصليبة للقاء المصريين عند جامع شيخو ... ~~- ثم يكون ماذا يا أرقم؟ ~~- ثم يكون النصر إن شاء الله! ~~- وأرى ولدي طومان؟ ~~- وترينه وتتحدثين إليه! ~~- ويومئذ ms178 أصف له ما لقيت من صاحبه أرقم الرمال، وأسأله أن يضعف له المكافأة! # وصرت أسنان أرقم وضاق بما يضمر من سره فهم أن يجيب، ثم أمسك وهو يقول لنفسه في ~~همس: ويومئذ يكون أرقم في غير حاجة إلى مكافأة نوركلدي أو مكافأة السلطان، ويمضي لوجهه فلا ~~يراه أحد ... حسبه يومئذ أن يرى امرأته وولده في سعادة وأمان! # ثم نهض لبعض شأنه، فتعلقت به نوركلدي تسأله أن يبقى، ولكنه كان في حاجة إلى أن يستروح ~~بعض أنفاس الحياة في جو طلق، ويذرف دموعا قد ازدحمت في عينيه ... # لو ثبت جند السلطان طومان باي ساعة من نهار أمام الجيش العثماني الذي دهمهم في معسكرهم عند ~~جامع شيخو، لتم لهم النصر، ولارتدت فلول الروم منهزمة إلى الشرق وجلت عن القاهرة، ولكن ~~جند السلطان طومان باي لم يثبتوا لقذائف البارود التي تحصدهم، وليس في أيديهم إلا الرماح ~~والسيوف، لا ينالون بها رماة البنادق الذين أشرفوا عليهم من التل القريب وصبوا عليهم النار ~~الحامية، وصاح طومان باي بأصحابه: اقتحموا عليهم بسيوفكم فإن قذائفهم لا تنال إلا البعيد! ~~ثم قذف بنفسه في المعركة ومن حوله طائفة من أتباعه يفلقون بسيوفهم الهام، ويشقون المرائر ~~ويجندلون الأبطال، فأثخنوا في العدو ونالوا منه بحد السيف أكثر مما نال منهم بقذائف ~~البارود، ولكن الكثرة من أصحابه لم يلبثوا أن انفضوا، فنظر حوله فإذا هو والطائفة القليلة ~~من أتباعه قد أوشك جيش الروم أن يطبق عليهم من كل جانب، فتقهقر والسيف في يده لم يزل يميل ~~به ويعتدل وهو يقطر من دم العدو، حتى خلص من الزحام وما كاد ... # وكانت خوند شهددار جالسة في دارها الجديدة عند بركة الفيل، تنتظر ما يكون من أنباء ~~المعركة بقلب واجف، وبين يديها طفلة في الثالثة تهتف باسم أبيها الذي يجالد الأبطال بسيفه ~~وحيدا في المعركة، والمنايا من حوله تحصد النفوس ... # وسمعت شهددار طرقا على الباب فخفت إليه ملهوفة؛ لترى من الطارق في وقت لم تكن تنتظر أن ~~يزورها فيه حبيب ولا نسيب، ورأت أمامها ms179 السلطان والسيف في يده لم تزل يقطر دما، وفي وجهه ~~أمارات الإعياء وفي عينيه نظرة يأس، وقد اصطبغت حلته الملوكية بما تطاير إليها من دماء ~~القتلى ... # وتراجعت شهددار وهي تقول في إنكار: لغير انتظار مقدمك في تلك الساعة جلست مجلسي هذا يا ~~طومان! # قال طومان وقد أغلق الباب دونه وتقدم إليها خطوات: ولغير هذه الخاتمة جاهدت ما جاهدت يا ~~خوند! ~~- الخاتمة! إذن فقد يئست يا طومان! ~~- لا وحقك يا حبيبتي! ولكن ماذا يصنع فرد قد انفض من حوله أمراؤه وأصحابه، وطارت أنفسهم ~~شعاعا من قذائف النار فخلفوه في طائفة قليلة لا يغني غناء بين هذه الآلاف؟ ~~- يجاهد وحيدا حتى ينتصر أو يموت! ~~- وأنت؟ ~~- وأشهد العيد يوم يعود إلي منتصرا يزين مفرقه التاج! ~~- ويوم يجيئك منعاي يا شهددار؟ ~~- أباهي بأنني امرأة السلطان الذي حارب وحيدا؛ دفاعا عن وطنه حتى استشهد في ساحة ~~الجهاد! ~~- ونوركلدي، ابنتنا الصغيرة التي توشك أن تفقد أباها في المعركة، كما فقدت نوركلدي ~~الأخرى في بلاد الغور ولدها في غير حرب ولا قتال؟ ~~- ليست نوركلدي الصغيرة بأعز من وطنك الغالي يا طومان! ~~- وإذن فهو الوداع! ~~- وداع إلى لقاء! # ليست نوركلدي الصغيرة بأعز من وطنك الغالي يا طومان. # وانحدرت دمعتان على وجنتيها الشاحبتين فجاوبتهما دمعتان على وجنتيه، وتلاصقا صدرا لصدر، ~~وكانت خفقات قلبيهما تمام الحديث الذي لم تلفظه الشفاه! # وعلى مقربة من الزوجين المتعانقين عناق الوداع، كانت طفلة في الثالثة واقفة وقد تعلقت ~~عيناها بأبويها وظلت صامتة كأن قد سمعت وفهمت، وعرفت كل ما هنالك، ثم استهلت هاتفة بعد ~~فترة: أبي! # فتناولها الرجل بين ذراعيه فطبع على جبينها قبلة، وجفف في صدرها دمعه، ثم أرسلها من بين ~~يديه واتخذ طريقه إلى الباب! # قال أرقم: لقد ذهب ولكنه سيعود! # قالت نوركلدي: وأراه يا أرقم وأجلس إليه وأسمع من حديثه؟ ~~- نعم، وتحدثينه بما لقي منك أرقم الرمال! ويكون أرقم يومئذ في غير حاجة إلى مكافأة منك ~~أو مكافأة من السلطان، ويمضي لوجه فلا يراه أحد! # قالت نوركلدي عاتبة: لا تزال يا ms180 أرقم تمن بما لقيت من النصب في سبيل معونة أم بائسة ~~تريد أن تشتفي مما تجد من ألم الحرمان منذ ثلاثين عاما أو يزيد، فهلا عذرت امرأة لم تذق ~~طعم الحنان منذ الشباب، ولم تزل - منذ كانت - تعيش في عالم من الذكريات والأماني قد انقطعت فيه ~~عن دنيا الناس! # وحضره بثه، إن من حقه مثلها أن يشتفي مما يجد من ألم الحرمان أربعين عاما أو يزيد، ~~إنه لرجل ولكنه مثلها لم يذق طعم الحنان منذ الشباب، ولم يزل منذ كان يعيش في عالم من ~~الذكريات والأماني، لم يقطعه عن دنيا الناس وحسب، بل قطعه كذلك عن دنيا نفسه، إنه في سبيل ~~سعادة من يحب قد أنكر ذاته وشخصه، وعاد في نظر أحب الناس إليه شخصا غريبا فلا هو منه، ولا ~~هو من نفسه! # ودمعت عيناه، فأخفى وجهه في راحتيه ومال برأسه، ونظرت إليه نوركلدي وقد اختفت سحنته ~~الدميمة في راحتيه عن مرأى عينيها، فلم تر بين يديها حينئذ أرقم المسيخ، ولكنها رأت ~~إنسانا آخر لا تزال تذكره على رغم السنين، وعاد إليها الصدى يردد آخر كلماته، فكأن لم تسمع ~~صوت أرقم الرمال الشيخ، بل صوت فتى في ريق الشباب كان يجلس إليها منذ أربعين عاما ~~يتحدث إليها وتسمع منه، وإن صوته لينفذ في أعماقها ... # ودنت منه ولا يزال وجهه مخبوءا في راحتيه، فوقفت خلفه ومست كتفيه بكلتا يديها وهي تقول ~~في تأثر: ما بك اليوم يا أرقم؟ # وسرت بينهما كهرباء الذكرى حين تلامسا، فارتجفت يداها وانتفض بدنه كله، أما هو فكان ~~يعرف عرفان اليقين من هذه التي تتحدث إليه وقد أسندت يديها إلى كتفيه، وأما هي فلم يكن ~~بها إلا إحساس القلب الملهم! # واستدار نحوها فالتقت عيناها بعينيه، فلم تلبث سحنته الدميمة أن أسدلت الستار بينها وبين ~~ذلك الماضي البعيد، فأغضت المرأة من حياء وأنغض الرجل رأسه من ألم، وأطبق الصمت على ~~المكان! # وتمثلت لعينيهما في وقت معا صورة واحدة قد التقيا عندها قلبا وفكرا وعاطفة، واجتمعا ~~في الوهم على ms181 حقيقة حين مثلت لهما في الخيال صورة طومان باي، فتعانق حول صورته شعاع من ~~فكرها وشعاع من فكره، وقد تجافيا جسدين! # الفصل السادس والثلاثون # | السهم الأخير # عبر طومان باي النيل إلى الجيزة، وأنفذ الرسل إلى أصحابه يؤذنهم بمكانه، فلم يلبث أن انضم ~~إليه جيش جديد من المصريين والأعراب وفلول المماليك، فأقام في مضارب هوارة بالصعيد يعد عدته ~~لغزو القاهرة واسترداد عرشه وحرية وطنه، وتلبث زمانا والمتطوعون ينسلون إليه من كل حدب، ~~وكان قايت الرجبي كبير أمناء الغوري لم يزل حبيسا في برج الإسكندرية، فحطم أغلاله وخف ~~لنصرته في الصعيد، وفك الظاهر قنصوه أغلاله كذلك وهم أن يلحق به، لولا أن مملوكا من ~~أتباع خاير بك قد اغتاله قبل أن يبلغ حيث أراد ... # واجتمع لطومان باي في الصعيد جيش من المتطوعة كلهم صاحب عزم وقوة، قد تحالفوا على الموت أو ~~يطردوا العدو من أرض الوطن ويردوا الأشرف طومان باي إلى عرشه. # وترادفت الأنباء على القاهرة بما تهيأ له من أسباب الحرب، وبما اجتمع له من العتاد ~~والجند، وكان في القاهرة يومئذ بضعة نفر يشغلهم من أمر طومان باي أكثر مما يشغله من أمر ~~نفسه، أولئك نوركلدي وأرقم الرمال، وزوجته الشابة شهددار بنت أقبردي، ثم مصرباي الجركسية ~~وخاير بن ملباي! # خمسة قد ذهب الفكر بهم مذاهبه، أما أمه وأبوه فجالسان ينتظران، لا يشكان أنه سيعود إلى ~~القاهرة يوما، فيطرد العدو إلى البادية أو إلى البحر، ويسترد عرشه وحرية وطنه، ويلقاهما ~~كما لقي يوسف أبويه على العرش! # وأما شهددار بنت أقبردي فكانت فخورا بما تسمع من أنبائه، لا تشك أنه سيحارب حتى ينتصر ~~أو يموت، وحسبها من السعادة أن تستيقن أن زوجها لن يرضى الدنية فيخلع لأمته أو يضع سيفه ~~دون أن يبلغ إحدى الحسنيين، وأي عجب في أن يكون ذلك هو كل ما تفكر فيه شهددار، وهي بنت ~~أقبردي الذي قضى حياته مكافحا حتى مات وسيفه في يده! # على أن لحظات ثقيلة كانت تمر بها حين تنظر في عيني طفلتها الظريفة نوركلدي، ms182 وحين تسمع ~~هتافها باسم أبيها الذي لم تره منذ بعيد، فتأسى ويجثم على صدرها الهم، ثم لا تلبث أن تذكر ~~ماضيها وماضي طومان، وما اعترض سبيلهما من عقبات قبل أن يلتقيا، فتردها الذكرى إلى الأمل ~~في لقياه. # وأما مصرباي وخاير بك فآه مما كان يحيك في صدريهما! # إن مصرباي اليوم لأرملة قد مات زوجها الظاهر قنصوه بعد سبعة عشر عاما في الأسر، وإنها ~~لتطمع أن تعود إلى العرش سلطانة، وأن يصعد خاير بك إلى العرش سلطانا في ظل راية ابن ~~عثمان ... فهل تظل راية ابن عثمان مرفوعة على قلعة الجبل تلقي ظلها على القاهرة، أو ينتزعها ~~من ساريتها طومان باي ليرفع الراية المصرية؟! # وأما القاهرة كلها فكانت على يقين واحد بأن طومان باي سيعود، وسيصعد ثانية إلى العرش ~~الذي لم يصعد إليه سلطان أحب إلى الشعب منه، أفتصبر القاهرة على عسف السلاطين هذه السنين ~~المتطاولة، حتى إذا جاءها السلطان الذي تحبه وتفتديه وتأمل الخير على يديه، لم يتهيأ له ~~أن يجلس على العرش إلا بضعة أشهر ثم تفقده مصر؟! إن المقادير لا يمكن أن تبلغ من ~~القسوة هذه الغاية، فلا بد أن ينتصر طومان باي، وأن يعود إلى عرشه، وأن يرتد هؤلاء ~~الروم على أعقابهم منهزمين، كما ارتد المغول والتتر والصليبيون، وكما ارتد بايزيد العثماني ~~- أبو السلطان سليم نفسه - أمام جيوش الأشرف قايتباي! # قال السلطان سليم لوزرائه: إني والله لأخشى عاقبة هذه الحرب، فقد انقطع ما بيني وبين ~~بلادي، ولا يزال صاحب هذه البلاد يعد العدة ويثير الناس لحربنا في الجنوب والشمال، وإنه لذو ~~حول وحيلة، والرأي عندي أن نهادنه فنعود إلى بلادنا قبل أن تدهمها خيل الصفوية! # قال خاير بك: يا مولاي ... # قال الوزير يونس باشا: اسكت يا خاير بك، فإنك لنفسك تعمل، وإنما في شأن أنفسنا نفكر! # وازدرد خاير بك وجان بردي الغزالي ما كان على شفاههما من الكلام، وأمسك خشقدم الرومي فلم ~~ينطق حرفا ... # واستأنف ابن عثمان قوله: وإني أرى أن نبعث إلى طومان باي رسولا بأن ms183 تكون له مصر، على أن ~~تكون السكة والخطبة باسمنا، فإن أجابنا إلى ذلك الشرط فقد كفينا شره، وحسبنا أن تكون في ~~يدنا الشام وما يتاخمها من البلاد، وإن أبى فإن لنا تدبيرا آخر ... # ولم يتلبث السلطان، فبعث رسوله بشرطه إلى طومان باي، ولكن الرسول لم يعد بجواب، فقد كانت ~~نية المصريين مجتمعة على القتال حتى يجلو ابن عثمان عن البلاد ... # وعادت المعارك بين جند السلطان سليم وجند طومان باي. # هذا شهر ربيع الأول سنة 923 قد بزغ هلاله ... في مثل هذا اليوم منذ عام كانت القاهرة تشهد ~~كتائب السلطان الغوري تتهيأ لحرب ابن عثمان، تلك الحرب التي جمع لها الغوري ما جمع من العدد ~~والعتاد، ثم لم تلبث إلا ضحوة من نهار في مرج دابق، وتمزق الجيش المصري أشلاء على رمال ~~الصحراء، واختفى أثر السلطان نفسه وبدأ زحف العثمانيين على مصر ... # إذن فقد مضى عام ولم تزل مصر في حرب الروم، فهل يا ترى تحتفل القاهرة بذكرى المولد النبوي ~~في هذا العام، أم يشغلها ما هي فيه من الفزع والتربص عن الاحتفال بتلك الذكرى الكريمة؟ ومن ~~ذا يرأس الاحتفال إن كان، أيرأسه هذا السلطان العثماني الذي ينكر المصريون عليه وعلى ~~أصحابه ما يرون من فعالهم، أم يرأسه طومان باي؟ # إن الأنباء لتتوارد منذ أيام باحتشاد جند السلطان طومان باي على النيل تجاه بولاق، في ~~إنبابة، والمنوات، ووردان، ولعل الثاني عشر من ربيع الأول لا تشرق شمسه إلا وهو في ~~القاهرة، يحتفل بالعيد النبوي الشريف في قصر القلعة، على رأسه التاج ومن حوله الخليفة ~~المتوكل على الله، وشيخ الإسلام، والقضاة الأربعة ونوابهم، ومن بقي من أمراء الجركس وأشراف ~~المصريين، تلك عادة مأثورة منذ سنين بعيدة، وإن الله ليحب أن يحتفل المسلمون بذكرى نبيه ~~الكريم ... # وأشرق وجه نوركلدي حين جاءها النبأ باحتشاد الجند على شاطئ النيل استعدادا للمعركة ~~الفاصلة، وإذن فسينتصر طومان باي، وسيدخل القاهرة في موكب الفتح، وسيحتفل بذكرى المولد ~~النبوي في قصر القلعة، كما كان يحتفل أسلافه من السلاطين. # وأقامت ms184 القاهرة أياما تنتظر في لهفة وشوق، فلما كان يوم الأحد السادس من ربيع الأول، بدأ ~~جيش ابن عثمان حركته وعسكر على شاطئ النيل استعدادا للدفاع، فما أهل اليوم العاشر حتى ~~كانت جموعهم مجتمعة، ثم نشبت المعركة الخامسة بين المصريين والروم! # ولعب المصريون بالسيوف والرماح في رقاب الروم، وانطلقت قذائف البارود من أفواه البنادق ~~الرومية تحصد المئات، وكان جان بردي الغزالي ملثما متنكرا في زي أعرابي، قد اندس بين ~~الأعراب في جيش السلطان طومان باي، حتى حانت له الفرصة فانخذل بطائفة غير قليلة من حزبه، ~~وكشف ظهر المصريين للعدو ... ووقع أصحاب طومان باي بين نارين من وراء ومن أمام، فتبعثروا على ~~ظهر الفلاة يطلبون النجاة ... # وطيف برءوس القتلى من عسكر السلطان طومان باي منصوبة على سوار من خشب في شوارع القاهرة ~~ينادي أمامها المنادون، وألقيت سائر الجثث في النيل، فلم تأت ليلة المولد حتى كان في كل درب ~~من دروب القاهرة مأتم ونواح. # قالت نوركلدي: فهذا ما رأيت يا أرقم من غلظة السلطان سليم، فكيف تراه يصنع بولدي طومان ~~إن ظفر به؟ ~~- لن يظفر به يا نوركلدي! ~~- ولكنه قد انهزم وذهب في الأرض، ويوشك أن يعثر به جند السلطان سليم فيسوقوه إليه في ~~الأغلال! ~~- إنما الحرب سجال، فما انهزم طومان، وما أحسبه يقع في يد السلطان سليم، وما أراه إلا ~~عائدا إلى القاهرة في يوم قريب وقد اجتمع له جيش يسترد به القاهرة ويجلس على عرشه. ~~- أتصدقني القول يا أرقم أم هي أمنية تتمناها؟ ~~- بل هو اليقين يا نوركلدي. ~~- ولكن أتباعه قد تبعثروا أشلاء، وطيف برءوسهم على السواري، فمن أين له جيش يحارب به ~~فينتصر؟! ~~- إن مصر لم تعقم ولم تفقد رجاءها يا نوركلدي، وإن طومان باي لحبيب إلى كل نفس! ~~- ولكن هذه الهزائم المتوالية يا أرقم تفرق القلوب المجتمعة، وتصدع الرأي الملتئم، وتقلقل ~~العزم الراسخ! ~~- أنت إذن لا تعرفين طومان باي يا نوركلدي! ~~- إنني أنا أمه! ~~- نعم، ولكنني أنا ... أنا صديقه! # وعاودته أحزانه فأطرق صامتا وأطرقت نوركلدي صامتة، لقد أوشك ms185 أن يقول كلمة أخرى لولا أن ~~ثاب إليه وعيه فأمسك. نعم، إنه أبوه ... ولكنه في مرآة نوركلدي وفي مرايا الناس: أرقم المسيخ! # الفصل السابع والثلاثون # | آخر الطريق # أين يذهب طومان باي وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت؟ لقد بذل آخر ما في طوقه ليدافع عن عرشه ~~وعن وطنه، وعن الأمانة التي حملها على كاهله حين رضي أن يحمل على رأسه ذلك التاج، إنه ~~لمسئول منذ ذلك الحين عن رعيته، وعليه وحده تبعة ما ينالها، لا يخليه من هذه التبعة أنه فرد ~~ليس له من الناس أعوان، فليحارب حتى يموت ويخضب دمه الأرض، وإلا فإن على رأسه دم كل أولئك ~~الشهداء الذين قادهم إلى الموت باسم الدفاع عن الوطن. الموت في المعركة هو العذر الواحد ~~الذي يخليه من تلك التبعة الثقيلة، ولكن من أين له الجند الذين يحارب بهم حتى يموت؟! # وتذكر صديقه حسن بن مرعي السنهوري شيخ أعراب البحيرة، إن لطومان باي عليه يدا منذ أطلقه ~~من سجن السلطان الغوري، فلولاه لبقي في ذلك السجن حتى يدركه أجله، فهذا دين يدينه به ومن ~~حقه أن يسأله باسمه المعونة والنجدة، فلعله يجمع له من فتيان القبائل العربية الضاربة في ~~بوادي الشمال والجنوب جيشا يحارب به. لقد خاض حتى اليوم مع العثمانيين خمس معارك لم ينهزم ~~في واحدة منها من ضعف أو من جبن، فلولا الخديعة والمكر، أو الغدر والخيانة، لكان القائد ~~المظفر في تلك المعارك جميعا، وإنه ليأمل أن يظفر بعدوه في المعركة السادسة، أو في ~~السابعة، بمعونة أولئك الأعراب الشجعان الذين يأمل أن يجمعهم لنصرته صديقه حسن بن مرعي ~~السنهوري! ويومئذ يعود إلى عرشه، ويتخذ من شيوخ أولئك الأعراب أمراء ووزراء وقادة ... # لماذا لم يفطن سلاطين الجركس قبل اليوم إلى حق شيوخ الأعراب في الإمارة والوزارة وقيادة ~~الجند، وإنهم لأولو عزم وقوة، وفيهم مروءة وحفاظ على العهد، وقد كانوا يوما سادة هذه ~~البلاد؟! ليت السلاطين قد فطنوا إلى ذلك منذ بعيد، إذن لاستطاعوا أن يجمعوا قلوبهم على ~~محبتهم والولاء لهم، ms186 ولكن إلا يكن السلاطين قد فطنوا إلى هذه الحقيقة، فقد فطن إليها ~~طومان باي آخر الأمر، وما ينبغي له أن يغفل عنها حتى يعود إلى عرشه. # كذلك كان طومان باي يحدث نفسه، وفرسه يخب به في طريقه إلى سنهور، حيث يأمل أن يلقى صديقه ~~حسن بن مرعي شيخ أعراب البحيرة ليعينه على أمره. # والتقيا وجلس طومان باي يتحدث إلى صديقه ساعة من نهار، وأقسم له صاحبه لينصرنه بكل ما يملك ~~من مال وجند وعتاد، وتحالفا على الوفاء. # وأوى طومان باي إلى خيمته متعبا يلتمس بعض الراحة فأخذته عيناه واستسلم للنوم، وظل ~~صاحبه السنهوري يقظا يؤامر نفسه على خطة لعل مثلها لم يخطر على بال عربي قبله. # وقال الرجل لنفسه: مالي ولهذا الرجل الذي يريد أن يحملني على مغاضبة السلطان سليم ~~ويدفعني إلى عداوته؟ ثم ماذا أسلفنا هؤلاء الجركس من الإحسان لنبقي على حكومتهم، وهذا رجل ~~قد أفل نجمه وصارت الدولة برغمه عثمانية؟! # ثم حانت منه التفاتة نحو فرس السلطان طومان باي ربيطا إلى جانب خيمته، وعليه سرجه وركابه ~~وزينته الملوكية، فلم يستطع السنهوري أن يقاوم إغراء شيطانه، فوثب إلى ظهر الفرس وولى وجهه ~~شطر الجيزة، حيث كان عسكر السلطان سليم، واستأذن على السلطان فأذن له، فدخل ليسر إليه ~~النبأ، ثم عاد أدراجه إلى سنهور. # وأطبق جند السلطان سليم على خيمة طومان باي، فوضعوا في يديه الأغلال وحملوه على ظهر فرسه ~~وساروا به، وكان في الركب خاير بك وجان بردي الغزالي. # قال السلطان سليم وقد رأى بين يديه رجلا لم ير مثله في الرجال: ها نحن أولاء قد ظفرنا ~~بك يا سلطان! فبالله ماذا خيلت لك أوهامك حين شرعت في وجوهنا السيف وأبيت ~~الاستسلام؟ # قال طومان باي ولم تفارق شفتيه ابتسامته: ذلك حق هذه الأمة علي يا سلطان الروم، فهلا سأل ~~مولاي نفسه: ماذا كان يفعل لو أن جند مصر قد اقتحمت عليه بلاده، وبسطت سلطانها على رعيته، ~~أكان يستأسر لها طائعا أم يدافع عن وطنه حتى الموت؟ # قال السلطان سليم: ms187 قد كان لك هذا لو كنت سلطان الروم، أما وأنت ... # قال طومان وقد رفع رأسه شامخا: أما أنا فسلطان مصر التي أوشك أبوك بايزيد ابن عثمان أن ~~يستأسر لجندها طائعا، لولا أن من عليه بالفداء سلفي السلطان قايتباي! # بدا الغضب في وجه أصحاب السلطان، وأحدقت عيونهم بطومان باي وقد اشتعلت جمراتها، ولكن ~~السلطان سليم لم يلبث أن ردهم إلى الهدوء حين قال باسما: عن غير هذا سألتك يا سلطان، ~~وإنما أردت أن أعرف لماذا أبيت أن تبقى على عرش مصر في ظل الراية العثمانية، وما طلبنا ~~منك إلا أن تكون السكة والخطبة باسمنا ولك الحكم والإمارة والجباية، فكيف آثرت على كل ~~ذلك هذا المصير؟ # قال طومان: ذلك العرش قد ائتمنتني عليه الرعية، فما كان لي أن أجعله تحت سلطان غير سلطان ~~الرعية التي حملتني أمانتها! # قال سليم: فالآن يا سلطان سترد الأمانات إلى أصحابها! # ثم أمر فأعدت لطومان باي خيمة مفردة ريثما يفكر في أمره. # وقال سليم لأصحابه وقد خلا لهم المجلس: أما إنه لرجل، ولقد والله حدثتني نفسي أن أخلي ~~بينه وبين عرشه وأعود أدراجي، لولا أنني أخشى انتقاضه. # قال الوزير يونس باشا: إن مولاي ليكسب به حليفا يعين في وقت الشدة، وإنه لذو حفاظ ~~ومروءة. # قال خاير بن ملباي مغيظا: نعم، وإنه إلى ذلك لذو حفيظة وثأر ... # قال السلطان ضاحكا: صدقت وما قصدت يا خاير بك! # وشاع في المدينة النبأ بوقوع السلطان طومان باي في يد ابن عثمان فلم يصدقه أحد، إن ~~طومان باي لأرفع مكانا من أن ينتهي إلى مثل ذلك المصير، ومن ذا يعرف طومان باي فيصدق أنه ~~اليوم أسير في يد السلطان سليم، إنه لفارس كأن قد ولد على ظهر فرسه، فلغيره الأسر وله ~~النصر أو الشهادة! # إن المصريين جميعا ليرقبون ظهوره كرة أخرى، كما ظهر مرة ومرة على رأس جيشه؛ ليرد عليهم ~~حريتهم ويستنقذهم من جور ابن عثمان، فإنهم لينكرون ذلك النبأ ويرمون قائله بالإفك ~~والبهتان. # وكأنما كان شيوع الخبر في المدينة بالقبض على ms188 طومان باي أذانا يدعو المصريين إلى الكفاح، ~~فولوا وجوههم نحو النيل حيث ينتظرون مقدمه، يتوقعون كل يوم أن يثور غباره، فينضووا تحت ~~لوائه لجهاد ذلك العدو الباغي، وطال ارتقابهم أياما ولم يظهر طومان باي، وما كان له أن ~~يظهر وهو أسير في يد ابن عثمان. # وقال خاير بك للسلطان سليم: أرأيت يا مولاي ماذا يكون لو أفلت من يدك طومان باي، وهذا ~~الشعب على ما ترى من نية الانتقاض والغدر؟! # قال جان بردي الغزالي: وما أراهم يصدقون أو يستكينون حتى يروا بأعينهم أميرهم في الأغلال ~~بين يدي حراسه. # قال خاير بك: بل ما أراهم يصدقون حتى يروه مشنوقا، قد شدت حول رقبته الحبال وتدلى جسده ~~على باب زويلة، وحينئذ يستتب لمولاي الأمر. # قال السلطان سليم وقد غامت على وجهه سحابة: فسنوكب له غدا موكبا يشق به المدينة في ~~أغلاله؛ حتى يراه كل ذي عينين في القاهرة، فيعلم أن الحكم اليوم لسليم ابن عثمان! # وكان أرقم مما به من الهم والضيق لا يكاد يعي، فليس يدري أيصدق ما يرجف به الناس أم ~~ينكره، لقد مضى بضعة عشر يوما منذ معركة إنبابة ولم ير أثرا أو يسمع خبرا عن السلطان ~~طومان باي، فأين يكون إن لم يكن أسيرا في يد ابن عثمان؟! # وكانت نوركلدي من حديث نفسها في قلق ووسواس، فهؤلاء جند العثمانية يسلكون الدروب ويجوسون ~~خلال المدينة آمنين، تطفح وجوههم بشرا وتتراءى في عيونهم أمارات الاطمئنان، كأنما استتب ~~لهم الأمر فليس وراءهم ما يخشونه أو يحسبون حسابه، وهذا أرقم صامت لا ينطق كلمة ولا يتحدث ~~إليها بحرف يرد إلى نفسها الهدوء والطمأنينة، وكلما همت أن تسأله أو تتحدث إليه ردت نفسها؛ ~~مخافة أن يفضي إليها بما لا تريد أن تسمع من الأنباء. # وضاقت آخر الأمر بما يهجس في نفسها فلم تجد طاقة على الصبر، فتقدمت إليه تسأله وفي عينيها ~~قلق وفي وجنتيها شحوب! # وأرهفت أذنيها للسمع، ولكنها لم تسمع جواب أرقم، ولعله لم يجبها ولم ~~يفتح فمه، فقد كان مثلها مرهف ms189 السمع يريد أن يستبين ما يترامى إلى أذنيه من أصوات في ~~الطريق، وزياط وضجة وهتاف يتردد صداه بين جدران المدينة الأربعة، ولا تكاد تبين منه كلمة ~~أو يتميز صوت من صوت ... # وأسرع الشيخ والشيخة إلى النافذة يستطلعان النبأ ... # يا ويلتا! هذا السلطان طومان باي في آخر مواكبه: فارس على سرجه قد أحاط به جند الروم وفي ~~يديه أغلاله، والناس على جانبي الطريق قد ارتفع صراخهم واختلطت أصواتهم، فما يبين صوت من ~~صوت، فما هو إلا الصدى يتردد بين جدران المدينة الأربعة، والسلطان مغلول اليدين يرد إليهم ~~تحياتهم إيماء بالرأس وابتساما على الشفتين، وعلى وجهه نور اليقين وفي عينيه روح ~~الطمأنينة. # وكان في شرفة الدار المطلة على طريق الموكب السلطاني في سوق مرجوش شيخ وشيخة، قد انطبقت ~~شفاههما وجمدت في عيونهما نظرتان فيهما كل معاني القنوط واليأس ومرارة الخذلان. # وصرخت المرأة وقد جاوزها الركب مصعدا نحو الجنوب: ولدي! # ثم استدارت لتتعلق بعنق صاحبها وهي تسأله في لهفة: قل لي: أين يذهبون به؟ # وكان الرجل شاحب الوجه كأنما قد نزف دمه، فقال وهو ينتزع الكلمات من بين فكيه: صبرا يا ~~نوركلدي، وسنلحق بالركب لنرى. # ثم ولى وجهه نحو الباب والمرأة متعلقة بذراعه، فاندفعا نحو الطريق وخاضا في أحشاء الزحام # وكان الركب قد أبعد وجاوز الشرابشيين وقبة الغوري، ودنا من جامع المؤيد، ولكن الطريق ~~وراءه من زحمة الخلق لم يكن فيه موضع لقدم، فلا يكاد السالك يمضي إلى الأمام خطوة حتى يرده ~~الزحام إلى الوراء خطوات ... # وقالت المرأة ولم تزل متعلقة بذراع صاحبها: بالله قل لي يا أرقم: أين يذهبون به؟ لقد ~~رأيته ولكنه لم يرني ولم يسمع ندائي! # قال أرقم: فسيراك ويسمع نداءك، وما أراهم الساعة إلا ذاهبين به إلى السجن؛ ليقيم فيه ~~أياما قبل أن يرحلوا به إلى منفاه في مكة، أو إلى معتقل السلاطين في برج ~~الإسكندرية. # قالت وفي صوتها رجاء: وتصحبني يا أرقم إلى حيث يذهبون به، حتى ألقاه وأتحدث إليه وأسمع ~~منه؟ ~~- وأصحبك إلى حيث تريدين يا نوركلدي! ms190 # وردهما الزحام خطوات إلى الوراء، وازداد صراخ الناس وارتفعت ضجتهم إلى عنان السماء، ~~واستجمع الشيخان قوتهما الذاهبة ومضيا في طريقهما يشقان الزحام، لا يكادان ينظران إلى أحد ~~من الناس أو يريان غير طريقهما، ولا يكادان يسمعان ... # وبلغا باب زويلة بعد نصب ومشقة ... # وكان على الباب جسد معلق قد شدت حول رقبته الحبال، وتعلقت به أنظار الناس وارتفع بكاؤهم ~~إلى السماء! # وهتف كلا الرجل والمرأة في وقت معا: ولدي طومان! # وتعلقت به أعينهم كأنما ينتظران رد الجواب، وكانت عيناه مفتوحتين كأن قد رأى وسمع وعرف ~~أباه وأمه، وكانت شفتاه منفرجتين كأنما يرسل إليهما ابتسامة رضا واطمئنان ... # وهتفت المرأة ثانية: ولدي! # وخيل إليها كأنما سمعت جوابه، فانفلتت من يد صاحبها. # وكان على الباب جسد معلق قد شدت حول رقبته الحبال. # عجلى تحاول أن تشق الزحام لتصعد إليه، ولكنها لم تصعد، بل سقطت مغشيا عليها في ظل جسد ~~مشدود بالحبال يترجح في الفضاء ... ثم استفاقت! # وملأت نوركلدي عينيها من ولدها كما تمنت، وأسمعته نداءها، فهل رآها طومان باي وأسمعها ~~نداءه؟ # وبلغت آخر الطريق التي دميت عليها قدماها منذ ثلاثين عاما أو يزيد، فلم تجد في آخرها ~~ولدها طومان، ولكنها وجدت زوجها أركماس! # وأنزل الجسد الميت عن الباب بعد ثلاثة أيام، وحمله الرجال على الأعناق إلى حيث يدفن في ~~قبة الغوري. # وألف الناس منذ ذلك اليوم أن يروا أربعة أشخاص يحضرون إلى قبة الغوري كل صباح قبل مطلع ~~الشمس، فيقضون حول الضريح ساعة مطرقين لا يتكلم أحد منهم إلى أحد، ثم يمضون لشأنهم. أولئك ~~أرقم الرمال وصاحبته، وشهددار بنت أقبردي وطفلتها الصغيرة نوركلدي بنت طومان باي! # وجلس على عرش مصر «ملك الأمراء» خاير بك، ترفرف على رأسه الراية العثمانية، وصعدت إليه في ~~قصر القلعة عروسه الفاتنة خوند مصرباي. ms191