######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.HayatRafici.Hindawi86820252 #META# Tags: biographies #META# ID: 86820252 #META# Title: حياة الرافعي #META# AuthorID: 61380386 #META# Author: محمد سعيد العريان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # صورته‏ # نسبه ومولده‏ # علمه وثقافته‏ # في الوظيفة‏ # شاعر الحسن‏ # شعراء عصره‏ # بين أهله‏ # من الشعر إلى الكتابة‏ # في سنوات الحرب‏ # أغاني الشعب‏ # الرافعي العاشق‏ # في النقد‏ # كيف كان يكتب؟‏ # عمله في الرسالة‏ # قصص الرافعي‏ # عود على بدء‏ # نقلة اجتماعية‏ # مقالات منحولة‏ # من شئونه الاجتماعية‏ # في يومه الأخير‏ # الخاتمة‏ # تمهيد‏ # صورته‏ # نسبه ومولده‏ # علمه وثقافته‏ # في الوظيفة‏ # شاعر الحسن‏ # شعراء عصره‏ # بين أهله‏ # من الشعر إلى الكتابة‏ # في سنوات الحرب‏ # أغاني الشعب‏ # الرافعي العاشق‏ # في النقد‏ # كيف كان يكتب؟‏ # عمله في الرسالة‏ # قصص الرافعي‏ # عود على بدء‏ # نقلة اجتماعية‏ # مقالات منحولة‏ # من شئونه الاجتماعية‏ # في يومه الأخير‏ # الخاتمة‏ # | حياة الرافعي # | حياة الرافعي # تأليف # محمد سعيد العريان # | تمهيد # سمعت اسم الرافعي لأول مرة منذ بضع عشرة سنة، وكنت يومئذ غلاما حدثا لا يكاد يفهم ~~ما يلقى إليه، فسمعت اسما له جرس ورنين، وله نشيد تتجاوب أصداؤه في جوانب نفسي؛ فحبب ~~إلي من ذلك اليوم أن ألقاه ... # ورأيته لأول مرة بعد ذلك بأشهر، فرأيت رجلا كبعض من أعرف من الناس، وكان جالسا ~~وقتئذ في قهوة على الطريق وبين يديه صحف يقرؤها، فوقفت هنيهة أنظر إليه، لا أكاد أصدق أن ~~هذا الشخص الماثل أمامي هو الشخص الذي أعرفه في نفسي ... # وقرأت له أول ما قرأت، نشيده المشهور «اسلمي يا مصر ...» ثم دفع إلي صديق من أصدقائي ~~كتاب «رسائل الأحزان». # كنت يومئذ في بكرة الشباب، في تلك السن التي تدفع الفتى إلى الحياة بعينين مغمضتين وفكر ~~حالم ورأس يزدحم بالأماني وقلب مملوء بالثقة، ثم لا يكاد يفتح عينيه على حقائق هذا الوجود ~~حتى يعرف أن أمانيه ليست في دنيا الناس، ويجد الفرق بين عالم قلبه وعالم حسه، وتسخر منه ~~الدنيا سخريتها الأليمة، فيلجأ إلى وحدته الصامتة مطويا على آلامه! # واستهواني عنوان الكتاب الذي دفعه إلي صاحبي، فتناولته أقلب صفحاته لا أكاد أفهم ~~جملة إلى جملة، حتى انتهيت إلى قصيدته «حيلة مرآتها»، # 1 # فإذا شعر عذب يخالط النفس وينفذ في رفق إلى القلب، فأخذت أعيدها ms001 مرة ومرة، ~~فلم أدع الكتاب حتى استظهرت القصيدة، وحبب إلي هذا الشعر الساحر أن أعود إلى الكتاب ~~فأقرأه على مهل وروية؛ لعلني أستدرك ما فاتني من معانية وأدخر لنفسي قوة من سحر بيانه ~~وصدق عاطفته، وعدت إليه أقرؤه قراءة الشعر: أفهمه بفكري ووجداني، وأنظر فيه بعيني وقلبي، ~~فإذا الكتاب يكشف لي عن معناه ... # وأحببت الرافعي من يومئذ، فرحت أتتبع آثاره في الصحف وفي الكتب، لا يكاد يفوتني منها ~~شيء، وعرفته، ولم أزل كل يوم أزداد عرفانا به، ولكني لم أعرفه العرفان الحق إلا بعد ذلك ~~بعشر سنين ... # كان ذلك في خريف سنة 1932 وقد قصدت إليه في داره مع وفد ثلاثة نسأله الرأي والمعونة في ~~شأن من شئون الأدب، فلقينا مرحبا مبتسما وقادنا إلى مكتبه، ثم جلس وجلسنا، وفي تلك ~~الغرفة التي تتنزل فيها عليه الحكمة ويلقى الوحي، جلسنا إليه ساعة يجاذبنا ونجاذبه ~~الحديث، لا نكاد نشعر أن الزمن يمر ... # كان جالسا خلف مكتب تكاد الكتب فوقه تحجبه عن عيني محدثه، وعن يمينه وشماله مناضد قد ~~ازدحمت عليها الكتب في غير ترتيب ولا نظام، تطل من بين صفحاتها قصاصات تنبئك أن قارئها لم ~~يفرغ منها بعد، أو أن له عند بعض موضوعاتها وقفات سيعود إليها، وعلى حيطان الغرفة أصونة ~~الكتب المتراصة لا يبدو من خلفها لون الجدار ... # ومضى يتحدث إلينا حديث المعلم، وحديث الأب، وحديث الصديق؛ فما شئت من حكمة، وما ~~أكبرت من عطف، وما استعذبت من فكاهة، وطال بنا المجلس حتى خشينا أن نكون قد أثقلنا عليه ~~فهممنا بالانصراف، فإذا هو يطلب إلينا البقاء، ويرجونا ألا نغب مجلسه، وعرفت الرافعي ~~عرفانا تاما من يومئذ فلزمته، وعرفني هو أيضا فأصفاني عطفه ومودته. # وجلست إليه في الزورة الثانية وبين يديه صحف، فدفع إلي صحيفة منها، كان منشورا فيها ~~يومئذ قصيدة للشاعر خليل مطران بك، فطلب إلي رأيي في القصيدة، ولم أتنبه ساعتئذ إلى ~~غرضه، وحسبته يقصد إلى أن يشاركني في لذة عقلية وجدها في هذا الشعر، فتناولت الصحيفة ~~وقرأت القصيدة، ثم ms002 دفعتها إليه وقد أشرت بالقلم إلى عيون أبياتها، وتناول الصحيفة مني؛ ~~ليرى اختياري ورأيي، فما عرفت إلا وقتئذ أنه كان يختبرني، ولكني - والحمد لله - نجحت في ~~الامتحان قدرا من النجاح! # وتكرر هذا الاختبار، وهو لا يحسبني أدرك ما يعني، على أن إدراكي هذا قد جعلني من بعد ~~أكثر تدقيقا في اختيار الحسن مما أقرأ، وأولاني ثقته على الأيام، فكان علي أن أقرأ ~~أكثر ما يهدى إليه من الكتب؛ لأشير له إلى المواضع التي يعنيه أن يقرأ منها، وأدع ما لا ~~جدوى عليه من قراءته؛ ضنا بوقته، وكنت أنا أكثر ربحا بذاك! # إني لأحس حين أذكره الساعة كأنني لست وحدي، وكأن روحا حبيبة تطيف بي وترف حولي ~~بجناحين من نور، وكأن صوتا نديا رفيع النبرات يتحدث إلي من وراء الغيب حديثا أعرف ~~جرسه ونغمته، ولكنني لا أرى، ولكنني لا أسمع، ولكنني هنا وحدي، تتغشاني الذكرى فتخيل ~~إلي ما ليس في دنياي ... # لقد كان هنا صوت يتجاوب صداه بين أقطار العربية، لقد كان هنا إنسان يملأ فراغا من ~~الزمان، لقد كان هنا قلم يصر صريرا، فيه رنات المثاني وفيه أنات الوجع، وفيه همسات ~~الأماني وفيه صرخات الفزع، فيه نشيج البكاء وفيه موسيقى الفرح ... خفت الصوت، ومات ~~الإنسان، وتحطم القلم، ولكن قلب الشاعر ما زال حيا ينبض؛ لأن قلب الشاعر أقوى من ~~الفناء! ~~••• # وجاءني نعي الرافعي في جريدة «البلاغ» بعد ظهر الإثنين 10 مايو سنة 1937، فغشيتني غشية ~~من الهم والألم؛ سلبتني الفكر والإرادة وضبط النفس، فلم أكد أصدق فيما بيني وبين نفسي أن ~~«صادق الرافعي» الذي ينعاه الناعي الساعة، هو الرجل الذي أعرف ويعرف الناس، ودار رأسي دورة ~~جمعت لي الماضي كله بزمانه ومكانه في لحظة فكر، وتتابعت الصور أمام عيني تنقل إلي خيال ~~هذا الماضي بألوانه وأشكاله ومجالسه وسمره وأحاديثه، من أول يوم لقيت فيه الرافعي إلى آخر ~~يوم جلست فيه إليه ... # وعدت إلى النعي أقرؤه وفي النفس حسرة والتياع، فما زادتني قراءته شيئا من العلم، إلا أن ~~مصطفى صادق الرافعي قد ms003 مات! # حينئذ أحسست كأن شيئا ينصب انصبابا في نفسي، وأن صوتا من الغيب يتناولني من جهاتي ~~الأربع يهتف بي، وأن حياة من وراء الحياة تكتنفني ساعتئذ لتملي علي شيئا أو تتحدث ~~إلي بشيء، وكأن عينين تطلان علي من وراء هذا العالم المنظور لتأمراني أمرا ~~وتلهماني الفكر والبيان، هما عينا الرجل الذي أحببته حبا فوق الحب، وأخلصت له وأخلص لي ~~إخلاصا ليس منه إخلاص الناس، ثم نزغ الشيطان بيني وبينه ففارقته وفي نفسي إليه نزوع وفي ~~نفسه إلي، فلم ألقه من بعد إلا رسما في ورقة مجللة بالسواد ...! # 2 # وعرفت منذ الساعة أي واجب علي لهذا الراحل العزيز. ~~••• # لقد عاش الرافعي في هذه الأمة وكأنه ليس منها، فما أدت له في حياته واجبا، ولا ~~اعترفت له بحق، ولا أقامت معه على رأي، وكأنما اجتمع له هو وحده تراث الأجيال من هذه ~~العربية المسلمة، فعاش ما عاش ينبهها إلى حقائق وجودها ومقومات قوميتها، على حين كانت ~~تعيش هي في ضلال التقليد وأوهام التجديد، ورضي هو مقامه منها غريبا معتزلا عن الناس، لا ~~يعرفه أحد إلا من خلال ما يؤلف من الكتب وينشر في الصحف، أو خلال ما يكتب عنه خصومه ~~الأكثرون، وهو ماض على سنته سائر على نهجه، لا يبالي أن يكون منزله بين الناس في موضع ~~الرضا أو موضع السخط والغضب، ولا ينظر لغير الهدف الذي جعله لنفسه منذ يومه الأول، وهو أن ~~يكون من هذه الأمة لسانها العربي في هذه العجمة المستعربة، وأن يكون لهذا الدين حارسه ~~وحاميه، يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وما كان - رحمه الله - يرى في ذلك إلا أن ~~الله قد وضعه في هذا الموضع؛ ليكون عليه وحده حياطة الدين والعربية، لا ينال منهما نائل إلا ~~انبرى له، ولا يتقحم عليهما متقحم إلا وقف في وجهه، كأن ذلك «فرض عين» عليه وهو على ~~المسلمين «فرض كفاية»، وأحسبه قال لي مرة وقد كتب إليه صديق يلفته إلى مقال نشرته صحيفة ~~من الصحف لكاتب من الكتاب تناول فيه ms004 آية من القرآن بسوء التأويل: «من تراه - يا بني - ~~يقوم لهذا الأمر إن سكت الرافعي؟» # 3 # وما كان هذا من اعتداده بنفسه، ولكنه كان مذهبه وإليه غايته، وكأن القدرة ~~التي هيأته وأنشأته بأسبابها لهذا الزمان، وقد فرضت عليه وحده سداد هذا الثغر، وكان إلى ~~ذلك لا ينفك باحثا مدققا في بطون الكتب حينا وفي أعماق نفسه المؤمنة حينا آخر؛ ليستجلي ~~غامضة من غوامض هذا الدين، أو يكشف عن سر من أسراره فينشر منه على الناس، وأحسبه بذلك قد ~~أجد على الإسلام معاني لم تكن تخطر على قلب واحد من علماء السلف، وأراه بذلك كان يمثل ~~«تطور الفكرة الإسلامية» في هذا العصر. فإذا كانت الأمة العربية المسلمة قد فقدت الرافعي، ~~فما فقدت فيه الكاتب، ولا الشاعر، ولا الأديب، ولكنها فقدت الرجل الذي كان ولن يكون لها ~~مثله في الدفاع عن دينها ولغتها، وفي النظر إلى أعماق هذا الدين، يزاوج بينه وبين حقائق ~~العلم وحقائق النفس المستجدة في هذا العصر، ولقد يكون في العربية اليوم كتاب وشعراء ~~وأدباء لهم الصيت النابه، والذكر الذائع، والصوت المسموع، ولكن أين منهم الرجل الذي يقوم ~~لما كان يقوم له الرافعي، لا يترخص في دينه، ولا يتهاون في لغته، ولا يتسامح لقائل أن يقول ~~في هذا الدين أو في هذه اللغة حتى يرده من هدف إلى هدف، أو يفرض عليه الصمت ... # لقد حاول كثير من مؤرخي الأدب أن يتحدثوا عن الرافعي في حياته، فقالوا: شاعر، وقالوا: ~~كاتب، وقالوا: أديب، وقالوا: عالم، وقالوا: مؤرخ، ولكنهم لم يقولوا الكلمة التي كان ~~ينبغي أن تقال، لقد كان شاعرا، وكاتبا، وأديبا، وعالما، ومؤرخا، ولكنه بكل أولئك، ~~وبغير أولئك، كان شيئا غير الشاعر والكاتب والأديب، وغير العالم والمؤرخ، كان هبة الله إلى ~~الأمة العربية المسلمة في هذا الزمان؛ لينبهها إلى حقائق وجودها، وليردها إلى مقوماتها، ~~وليشخص لها شخصيتها التي تعيش باسمها ولا تعيش فيها، والتي تعتز بها ولا تعمل لها. # يرحمه الله! لقد عاش في خدمة العربية سبعا وثلاثين سنة من عمره ms005 القصير، وصل بها حاضرها ~~الماثل بماضيها البعيد، فهي على حساب الزمن سبع وثلاثون، ولكنها على الحقيقة عصر بتمامه من ~~عصور الأدب، وفصل بعنوانه في مجد الإسلام! # لقد عاش غريبا ومات غريبا، فكأنما كان رجلا من التاريخ بعث في غير زمانه؛ ليكون ~~تاريخا حيا ينطق بالعبرة ويجمع تجاريب الأجيال، يذكر الأمة العربية الإسلامية بماضيها ~~المجيد، ثم عاد إلى التاريخ بعد ما بلغ رسالته. # لقد خفت الصوت، ولكنه خلف صداه في أذن كل عربي وفي قلب كل مسلم، يدعوه إلى الجهاد؛ لمجد ~~العرب ولعز الإسلام! ~~••• # وبعد؛ فماذا يعرف الناس عن الرافعي وماذا أعرف؟ هل يعرف الناس إلا ديوان الرافعي، وكتب ~~الرافعي، ومقالات الرافعي؟ ولكن الرافعي الذي يجب أن يعرفه أدباء العربية ليس هناك، فماذا ~~يكتب عنه الكاتبون غدا إن أرادوا أن يكتبوا هذا الفصل الذي تم تأليفه في تاريخ ~~العربية؟ # لقد عشت مع الرافعي عمرا من عمري في كتبه ومقالاته فما عرفته العرفان الحق، وعشت معه ~~بعد ذلك في مجلسه وفي خاصته، وخلطته بنفسي وخلطني بنفسه؛ فما أبعد الفرق بين الصورتين ~~اللتين كانتا له في نفسي من قبل ومن بعد، أفتراني بهذا أستطيع أن أقول عن الرافعي شيئا ~~أؤدي به بعض ما علي من الدين للعربية وللفقيد العزيز؟ # إنني لأحس عبئا ثقيلا على عاتقي لا طاقة لي بأن أحمله، وليس على أحد غيري أن يقوم به، ~~ولقد كتبت منذ عامين - قبل منعاه - شيئا عن الرافعي يعرفه إلى قراء مجلة «الرسالة»، ~~فما أحسبني لقيت في ذلك من الجهد إلا بمقدار ما استحضرت الفكر وتناولت القلم، على أن ~~الرافعي كان يومئذ حيا، وكنت أحذر أن يغضب أو ينالني منه عتب، فكيف بي اليوم والرافعي ~~بعيد في العالم الثاني، والكلمة للتاريخ، ووسائل العلم مني قريبة، ورسائل الأدباء تترى ~~تستنجزني الوعد وتقتضيني الحق الذي علي للأدب والعربية، وصوت الفقيد العزيز يهتف بي حيثما ~~توجهت: «إن لي عليك حقا، وإن للأدب عليك ...!» # ولكني ما أكاد أمسك القلم حتى يكتنفني الشعور بالعجز، فأكاد أوقن أنه لا أحد يستطيع ms006 أن ~~يكتب عن الرافعي إلا الرافعي نفسه، ولكن الرافعي قد مات. # أيها الحبيب العزيز الذي ما أزال من كثرة ذكراه كأنني منه على ميعاد ... معذرة ~~إليك! # وها أنا ذا أحاول أن أكتب عن الرافعي، فلا ينتظر أحد مني - في هذا الكتاب - أن أتكلم عن ~~الرافعي الشاعر، أو الرافعي الكاتب، أو الرافعي الأديب، أو الرافعي الفيلسوف، فما يتسع له ~~يومي، وما يرضيني عن نفسي ولا ينفعني بالوفاء أن أكتب عن هذه الحيوات الكثيرة التي ~~اجتمعت في حياة إنسان، ولكني سأكتب - هنا - عن الرافعي الرجل الذي عاشرته زمنا، ونعمت ~~بصحبته، وخلطته بنفسي، وتحدث قلبه إلى قلبي، وتكاشفت روحه وروحي، سأكتب عن الرافعي الذي ~~عاش على هذه الأرض سبعا وخمسين سنة ثم طواه الموت، محاولا أن أجمع شتات حياة تفرقت ~~أخبارا وأقاصيص ونوادر على لسان معاصريه، أو غابت سرا في صدور أهله وخاصته، أما الرافعي ~~الشاعر الكاتب الأديب الفيلسوف، فللحديث عنه كتاب غير هذا الكتاب، وسيجد الباحثون مما أقول ~~عنه مادة لما يقولون فيه، ولعلي أن أوفق في البلوغ إلى ما قصدت، وإنني لأتهم نفسي من ~~كثرة ما أحب الرافعي أن أتحيف الأدب لو بدا لي في هذا التاريخ أن أقول: هذا رأيي، ولكني ~~سأقول: هذا ما رأيت. فمن كانت له عين بصيرة تنفذ إلى ما وراء المرئيات وتربط الأسباب ~~بالمسببات، فسيبلغ جهده ويرى رأيه. # ولقد كان الرافعي منذ قريب إنسانا حيا بعواطفه وأمياله وحبه وبغضه وشهوته النفسية، ~~ولكنه اليوم فصل من تاريخ العربية بألوانه وفنونه، فلا علي اليوم إن قلت كل ما أعرف عنه ~~خيرا وشرا، فإنما أكتب للتاريخ، والتاريخ لا يحابى ولا يحتسب، وستمر بي في تاريخ ~~الرافعي حوادث وأسماء سأصفها وأعرف عنها بقدر ما، كما سمعتها أو عرفت عنها، فأيما كاتب ~~أو أديب أو رجل أو امرأة أو ذي شأن أحس فيما أكتب شيئا ناله بما يوجب المدح أو المذمة، ~~فلا يشكر ولا يتعتب، فإن التاريخ بعد أن يقع لا يمكن محوه ... وما فات من تاريخ الإنسان فهو ~~جزء انفصل ms007 من حياة صاحبه، وإنما له ما هو آت، وما أحب أن يقول لي أحد: صدقت أو كذبت، ~~فما هذا الذي أكتب رأي أراه، ولكنه رؤية رأيتها أو رواية رويتها فأثبتها مسندة إلى ~~راويها وعليه تبعتها. # إن التاريخ الأدبي للرافعي يبدأ من سنة 1900، وتاريخ ميلاده قبل ذلك بعشرين سنة، وأنا ما ~~بدأت صلتي بالرافعي إلا سنة 1932، فما كان من هذا التاريخ فسأرويه من غيب صدري أو مذكراتي ~~وعلي تبعته، وما كان من قبل فقد سمعت به من أهله وأصدقائه الأدنين وخلطائه منذ صباه، ~~أو كان مما قصه علي أو عرفت عنه من أوراقه الخاصة ورسائله إلى صحبه ورسائل صحبه إليه. ~~فهذه مصادر علمي أقدمها بين يدي هذا الحديث؛ ليعرف قارئه أين مكانه من الصدق ومنزلته من ~~الحق، على أن الذاكرة خئون، وما يمر على فكر الإنسان من مختلف الحوادث وصروف الأيام ~~ينسيه أو يلهيه أو يخلط في معلوماته شيئا بشيء، فمن كان يعرف شيئا من تاريخ الرافعي ~~ورأى أني تصرفت فيه بنقص أو تغيير أو تبديل، فليجعلني عنده بمنزلة من حسن الظن، والله ~~أسأل أن يجنبني الخطأ، وأن يوفقني فيما أنا بسبيله. # محمد سعيد العريان # القاهرة في ربيع الأول سنة 1357/مايو سنة 1938 # | صورته # كان الرافعي رجلا كبعض من ترى من الناس، فلم يكن الناظر حين ينظر إليه ليلمح له ~~امتيازا في الخلق يدل على نفسه أو عقله أو عبقريته. # بل قد يشك الناظر إلى وجهه في أن يكون وراء هذه السحنة وهذه الملامح نبوغ أو عبقرية أو ~~فكر سام! # وجه ممسوح مستطيل، أقرب إلى بياض أهل الشام منه إلى سمرة أهل مصر، في وجنتيه احمرار دائم ~~قد ترى مثله في شفتيه، وله عينان كأنما ينظر بهما إلى نفسه لا إلى الناس، فما ترى لهما ~~بريقا في عينيك، ولا تسمع لهما همسا في نفسك، وجبهة عريضة تبدأ فوق الحاجبين غائرة نوعا ~~ما، ثم تبرز مقوسة قليلا إذا اقتربت من فروة الرأس، وأذنان فيهما كبر ما، ولكنهما لا ~~تؤديان عملا ولا تنقلان ms008 إليه معنى، ومن ذلك كان قليل التلفت في مجلسه، وأنف طويل مستدق من ~~أعلاه منتفخ من أسفله، وكأنما صنعت له شفتاه ابتسامته الدائمة، فلا ترى فمه مغلقا إلا ~~رأيته كأنما يحاول أن يحبس ابتسامة هاربة، وتحمل شفته شاربا كثيفا أشمط، تحيفته الأيام من ~~أطرافه فتصاغر طرفاه بعد استعلاء وكبر ... # وصوت عال رفيع النبرات ليس له لون ولا معنى، تسمعه على أي أحواله كما تسمع صراخ الطفل، ~~له عذوبته وتطربيه، ونغمة الحزن ونغمة الفرح عنده سواء! # وقامة رياضية متناسبة بريئة من الفضول، لا يشينها طول ولا قصر، ولا سمن ولا نحافة. # وكان أشمط خفيف شعر الرأس، حليق اللحية، دقيق الحاجبين، عريض المنكبين، غليظ العنق، قوي ~~الكف والساعد؛ مما كان يعالج من تمرينات الرياضة. # تلقاه في الطريق في يده عصا لا يعتمد عليها، ولكنه يهزها في يمينه إلى أمام ووراء، ~~ويتأبط بيسراه عديدا من الصحف والمجلات والكتب، ماشيا على حيد الطريق لا يميل، واسع ~~الخطو لا يتمهل، ناظرا إلى الأمام لا يتلفت إلا حين يهم باجتياز الطريق. # تلك صفاته الجسمية التي واراها التراب كما لا تزال في ذاكرتي، أما صورته العقلية، أما ~~حياته، أما أيامه على هذه الأرض منذ كان إلى أن زال، فذلك ما سأجلوه في الفصول التالية إن ~~شاء الله. # | نسبه ومولده # الرافعي سوري الأصل، مصري المولد، إسلامي الوطن، فأسرته من «طرابلس الشام»، يعيش على ~~أرضها إلى اليوم أهله وبنو عمه، ولكن مولده بمصر، وعلى ضفاف النيل عاش أبوه وجده ~~والأكثرون من بني عمه وخئولته منذ أكثر من قرن، وهو في وطنيته «مسلم»، لا يعرف له أرضا من ~~أرض الإسلام ينتسب إليها حين يقول: وطني؛ فالكل عنده وطنه ووطن كل مسلم، فأنت لم تكن تسمعه ~~يقول: «الوطنية المصرية ...» أو «الوطنية السورية ...» أو «الوطنية العراقية ...» إلا كما تسمع ~~أحدا يقول: هذه داري من هذا البلد، أو هذه مدينتي من هذا الوطن الكبير الذي يضم أشتاتا من ~~البلاد والمدائن، وإنما الوطن فيما كان يراه لنفسه ولكل مسلم: هو كل أرض يخفق فيها ms009 لواء ~~الإسلام والعربية، وما مصر والعراق والشام والمغرب وغيرها إلا أجزاء صغيرة من هذا الوطن ~~الإسلامي الأكبر، ينتظمها جميعا كما تنتظم الدولة شتى الأقاليم وعديدا من البلاد. # وكثيرا ما كانت تثور الخصومات بين الرافعي وبعض الأدباء في مصر، # 1 # فما يجدون مغمزا ينالون به منه عند القراء إلا أن يتهموه في وطنيته، أعني ~~مصريته، وكان الرافعي يستمع إلى ما يقولون عنه في ذلك مغيظا حينا وساخرا حينا آخر، ثم ~~يقول: أفتراهم يتهمونني في مصريتي؛ لأني في زعمهم غير مصري، وفي مصر مولدي وفي أرضها رفات ~~أبي وأمي وجدي، أم كل عيبي عندهم في الوطنية أنني صريح النسب؟ ... وإلا فمن أبو فلان ~~وفلان؟ ومن أين مقدمه؟ ومتى استوطن هذا الوطن ...؟ # ورأس أسرة الرافعي هو المرحوم الشيخ عبد القادر الرافعي الكبير المتوفى سنة 1230ه بطرابلس ~~الشام، ويتصل نسبه بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في ~~نسب طويل من أهل الفضل والكرامة والفقه في الدين. # وأول وافد إلى مصر من هذه الأسرة هو المرحوم الشيخ محمد الطاهر الرافعي، قدمها في سنة ~~1243ه (قريب من سنة 1827م)؛ ليتولى قضاء الحنفية في مصر بأمر من السلطان العثماني في ~~الأستانة، وأحسب أن مقدمه كان أول التاريخ لمذهب الإمام أبي حنفية في القضاء الشرعي بمصر، ~~ولم يعقب الشيخ محمد الطاهر غير فتاة وغلام، انتهى بموتهما نسبه، فليس في مصر أحد من ~~ولده، ولكنه كان كرائد الطريق لهذه الأسرة، # 2 # فتوافد إخوته وأبناء عمومته إلى مصر يتولون القضاء ويعلمون مذهب أبي حنيفة، ~~حتى آل الأمر من بعد أن اجتمع منهم في وقت ما أربعون قاضيا في مختلف المحاكم المصرية، ~~وأوشكت وظائف القضاء والفتوى أن تكون مقصورة على آل الرافعي، وقد تنبه اللورد كرومر إلى ~~هذه الملاحظة فأثبتها في بعض تقاريره إلى وزارة الخارجية الإنجليزية. # وقد تخرج في درس الشيخ محمد الطاهر وأخيه الشيخ عبد القادر الرافعي أكثر علماء الحنفية ~~الذين نشروا المذهب في مصر، ومن تلاميذهما الأدنين المرحومان الشيخ محمد البحراوي ms010 الكبير ~~والشيخ محمد بخيت مفتي الدولة السابق. # ولما توفي المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده، كان شيخ الحنفية في مصر يومئذ هو المرحوم ~~الشيخ عبد القادر الرافعي، فدعاه الخديو عباس إلى تولي وظيفة الإفتاء، وكان رجلا زاهدا ~~ورعا فيه تحرج وخشية، فلم يجد في نفسه هوى إلى قبول هذا المنصب؛ تحرجا من فتنة الحكم ~~وغلبة الهوى في شأن يتصل بحقوق العباد وفيه الفصل في الخصومات بين الناس ... فلما بلغته دعوة ~~الخديو ذهب إلى لقائه وفي نفسه هم، وهو يدعو الله ألا يئول إليه هذا الأمر ضنا بدينه ~~ومروءته ... وتمت مراسيم التولية وتلقى الأمر من صاحب العرش بقبول وظيفة «مفتي الدولة»، ثم ~~نزل إلى عربته فركبها عائدا إلى داره وهو يتمتم ويدعو، فلما بلغ الدار نزل الحوذي ليفتح له ~~العربة ويساعده على النزول، فإذا هو قد فارق الحياة قبل أن يجلس مجلس الحكم مرة واحدة ليقضي ~~في شئون العباد ... واستجاب الله دعاءه ...! # وأبو الأستاذ الرافعي هو المرحوم الشيخ عبد الرازق الرافعي، كان رئيسا للمحاكم الشرعية ~~في كثير من الأقاليم، وهو واحد من أحد عشر أخا اشتغلوا كلهم بالقضاء من ولد المرحوم الشيخ ~~سعيد الرافعي، وكان آخر أمر الشيخ عبد الرازق رئيسا لمحكمة طنطا الشرعية، وفي طنطا كانت ~~إقامته إلى آخر أيامه، وفيها مات ودفن، وفيها أقام المترجم وإخوته من بعد في بيت أبيهم، ~~فاتخذوا طنطا وطنا ومقاما، لا يعرفون لهم وطنا غيرها، ولا يبغون عنها حولا، ولقد ~~حاولت وزارة العدل (الحقانية) أكثر من مرة أن تنقله إلى غير طنطا، فكان يسعى سعيه لإلغاء ~~هذا النقل؛ حتى لا يفارق البلد الذي فيه رفات أبيه وأمه، وفيه مسجد السيد البدوي. # 3 # وكان الشيخ عبد الرازق رجلا ورعا له صلابة في الدين وشدة في الحق، ما برح يذكرهما ~~معاصروه من شيوخ طنطا. # حدثني نسيب قال: «كنت غلاما حدثا، وكان الشيخ عبد الرازق الرافعي من جيراننا وأحبابنا ~~الأجلاء، وكان يتخذ مجلس العصر أحيانا في متجر جاره وصديقه المرحوم حسن بدوي الفطاطري، في ~~شارع درب الأثر، ودرب ms011 الأثر يومئذ هو شارع المدينة وفيه أكبر أسواقها التجارية، ففي عصر ~~يوم من رمضان، كان الشيخ عبد الرازق يجلس مجلسه من متجر صديقه، فمر به رجل ينفث الدخان من ~~فمه وبين أصبعه دخينة، فما هو إلا أن رآه الشيخ عبد الرازق، حتى اندفع إليه، فانقض عليه، ~~فأمسك بثيابه، فدعا الشرطي أن يسوقه إلى «القسم»؛ لينال الحد على إفطاره في رمضان في شارع ~~عام، وما أجدى رجاء الرجل ولا شفاعة الشفعاء، فسيق الرجل إلى القسم في «زفة» من الصبيان، ~~ليتولى الشيخ حده بنفسه على إفطاره، وما كان القانون يأمر بذلك، ولكن الشرطة ما كانوا ~~ليخالفوا أمر قاضي المدينة، وما كانوا يعرفون له عندهم إلا الطاعة والاحترام.» # وحوادث الشيخ عبد الرازق من مثل ذلك كثيرة يعرفها كثير! # واسم «الرافعي» معروف في تاريخ الفقه الإسلامي منذ قرون، وأحسب أن هناك صلة ما بين أسرة ~~الرافعي في طرابلس الشام وبين الإمام الرافعي المشهور صاحب الشافعي، وقد سألت الرافعي مرة ~~عن هذه الصلة، فقال: لا أدري، ولكني سمعت من بعض أهلي أن أول ما عرف منا بهذا الاسم شيخ من ~~آبائي كان من أهل الفقه وله حظ من الاجتهاد والنظر في مسائله؛ فلقبه أهل عصره بالرافعي ~~تشبيها له بالإمام الكبير الشيخ محمود الرافعي صاحب الرأي المشهور عند الشافعية، والله ~~أعلم. # والأستاذ الرافعي حنفي المذهب كسائر أسرته، ولكنه درس مذهب الشافعي وكان يعتد به ويأخذ ~~برأيه في كثير من مسائل العلم. # وأم الرافعي كأبيه سورية الأصل، وكان أبوها الشيخ الطوخي تاجرا تسير قوافله بالتجارة ~~بين مصر والشام، وأصله من حلب، وأحسب أن أسرة الطوخي ما تزال معروفة هناك، على أنه كان قد ~~اتخذ مصر وطنا له قبل أن يصل نسبه بأسرة الرافعي، وكانت إقامته في بهتيم من قرى مديرية ~~القليوبية، وكان له فيها ضيعة، وفيها ولد الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في يناير من سنة 1880م؛ # 4 # إذ آثرت أمه أن تكون ولادتها في دار أبيها. # وكانت أم الرافعي تحبه وتؤثره، وكان يطيعها ويبرها، وقد ظل إلى ms012 أيامه الأخيرة إذا ذكرها ~~تغرغرت عيناه كأنه فقدها بالأمس، وكان دائما يحب أن يسند إليها الفضل فيما آل إليه أمره، ~~وقد توفيت في أسيوط ودفنت بها، ثم نقلت إلى مدافن الأسرة بطنطا. # | علمه وثقافته # لأسرة الرافعي ثقافة يصح أن نسميها «ثقافة تقليدية»، فلا ينشأ الناشئ منهم حتى يتناولوه ~~بألوان من التهذيب تطبعه من لدن نشأته على الطاعة واحترام الكبير وتقديس الدين، وتجعل منه ~~خلفا لسلف يسير على نهجه ويتأثر خطاه، والقرآن والدين هما المادة الأولى في هذه المدرسة ~~العريقة التي تسير هذه الأسرة على منهاجها منذ انحدر أولهم من صلب الفاروق أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب. # 1 # وعلى هذه النشأة نشأ مصطفى صادق، فاستمع إلى أبيه أول ما استمع تعاليم الدين وحفظ شيئا ~~من القرآن، ووعى كثيرا من أخبار السلف، فلم يدخل المدرسة إلا بعد ما جاوز العاشرة بسنة أو ~~اثنتين، فقضى سنة في مدرسة دمنهور الابتدائية، ثم نقل أبوه قاضيا إلى محكمة المنصورة، ~~فانتقل معه إلى مدرسة المنصورة الأميرية، فنال منها الشهادة الابتدائية وسنه يومئذ سبع ~~عشرة سنة أو دون ذلك بقليل. # ومن أساتذته في المدرسة الابتدائية شيخنا العلامة الأستاذ مهدي خليل المفتش بوزارة المعارف، # 2 # وكان يدرس له العربية، وكان الرافعي رديء الخط لا يكاد يقرأ خطه إلا بعد علاج ~~ومعاناة، فكان الأستاذ مهدي يسخر منه قائلا: «يا مصطفى، لا أحسب أحدا غيري وغير الله يقرأ ~~خطك»، وقد ظل خط الرافعي رديئا إلى آخر أيامه. # وهنا أذكر حكاية طريفة تدل على مبلغ وفاء الرافعي وتكشف عن شيء من خلقه، فقد صحبني مرة ~~منذ عامين إلى نادي دار العلوم - وما أكثر ما كان يصحبني إليه إذا هبط القاهرة - وجلس وجلست ~~معه في جمع كبير من المفتشين والمدرسين ورجال التعليم، وكان المرحوم الأستاذ أبو الفتح ~~الفقي نقيب المعلمين السابق جالسا إلى جانب الأستاذ الرافعي يتحدثان، وأنا بينهما أترجم ~~للرافعي حديث محدثه كتابة في ورقة، وإنا لكذلك والحديث يتشعب شعبه وينسرب في مساربه، ~~والجمع حولنا مرهف الآذان يستمع إلى حديث الرجلين؛ ms013 إذ نهض الرافعي واقفا، فانتبهت، فإذا ~~القادم الأستاذ مهدي خليل، يبدو من طوله وجسامته واكتمال عضله كأنما يطل علينا من نافذة ... ~~وإذا الرافعي يطأطئ له وينحني يهم أن يقبل يده، ثم عاد إلى مجلسه فمال علي يقول في ~~همس: «هذا أستاذي مهدي خليل ...» وكان في صوته رنة هي أقرب إلى صوت الطفل لأبيه حين يمر بهما ~~معلم الغلام فيميل إلى أبيه يسر إليه ... ومضى الأستاذ مهدي غير عابئ ولا ملتفت، بما فيه من ~~طبيعة المرح وعادة الإغضاء، وأحسبه لم يعن بالسؤال عن هذا الزائر الذي نهض له، أو بالنظر ~~إلى وجهه، على حين ظل ذكره على لسان الرافعي طول اليوم. ~~••• # وفي السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية - وهي كل ما نال من الشهادات ~~الدراسية - أصابه مرض مشف أثبته في فراشه أشهرا، وأحسبه كان التيفويد فما نجا منه إلا ~~وقد ترك في أعصابه أثرا كان حبسة في صوته ووقرا في أذنيه من بعد. # وأحس الرافعي آثار هذا الداء توقر أذنيه، فأهمه ذلك هما كبيرا، ومضى يلتمس العلاج ~~لنفسه في كل مستشفى وعند كل طبيب، ولكن العلة كانت في أعصابه فما أجدى العلاج عليه شيئا، ~~وأخذت الأصوات تتضاءل في مسمعيه عاما بعد عام كأنها صادرة من مكان بعيد، أو كأن متحدثا ~~يتحدث وهو منطلق يعدو ... فإن صوته ليتضاءل شيئا بعد شيء، حتى فقدت إحدى أذنيه السمع ثم ~~تبعتها الأخرى، فما أتم الثلاثين حتى صار أصم لا يسمع شيئا مما حواليه، وانقطع عن دنيا ~~الناس. # وامتد الداء إلى صدره فعقد عقدة في حبال الصوت كادت تذهب بقدرته على الكلام، ولكن القدر ~~أشفق عليه أن يفقد السمع والكلام في وقت معا، فوقف الداء عند ذلك، ولكن ظلت في حلقه حبسة ~~تجعل في صوته رنينا أشبه بصراخ الطفل، فيه عذوبة الضحكة المحبوسة استحيت أن تكون قهقهة ~~... # وكانت بوادر هذه العلة التي أصابت أذنيه هي السبب الذي قطعه عن التعليم في المدارس بعد ~~الشهادة الابتدائية، لينقطع لمدرسته التي أنشأها لنفسه وأعد برامجها بنفسه، وكان هو ms014 فيها ~~المعلم والتلميذ. # وحظ الرافعي من الشهادت العلمية مثل حظ أبيه، فإن الشيخ عبد الرازق الرافعي - على علمه ~~وفضله ومكانته، وعلى أنه كان رئيسا للمحكمة الشرعية في كثير من الأقاليم - لم تكن معه ~~شهادة «العالمية» حتى جاء إلى طنطا، ولأمر ما نشب خلاف علمي بينه وبين بعض علماء طنطا حفزه ~~وهو شيخ كبير إلى طلب الشهادة، فتقدم إلى امتحانها ونالها، لغير غرض تسعى إليه إلا أن ~~يستكمل براهينه في جدال بعض العلماء. # وكان لأبي الرافعي مكتبة حافلة تجمع أشتاتا من نوادر كتب الفقه والدين والعربية، فأكب ~~عليها إكباب النهم على الطعام الذي يشتهيه، فما مضى إلا قليل حتى استوعبها وأحاط بكل ما ~~فيها وراح يطلب المزيد ... وكان له من علته سبب يباعد بينه وبين الناس فما يجد لذة ولا راحة ~~في مجالسة أحد ... وكان ضجيج الحياة بعيدا عن أذنيه ... وكان يحس في نفسه نقصا من ناحية يجهد ~~جهده ليداريه بمحاولة الكمال في ناحية ... وكان يعجزه أن يسمع فراح يلتمس أسباب القدرة على ~~أن يتحدث ... وكان مشتاقا إلى السمع؛ ليعرف ماذا في دنيا الناس، فمضى يلتمس المعرفة في ~~قراءة أخبار الناس ... وفاتته لذة السامع حين يسمع فذهب ينشد أسباب العلم والمعرفة؛ ليجد لذة ~~المتحدث حين يتحدث ... وقال لنفسه: إذا كان الناس يعجزهم أن يسمعوني فليسمعوا مني ~~... # وبذلك اجتمعت للرافعي كل أسباب المعرفة والاطلاع، وكانت علته خيرا عليه وبركة، وعرف ~~العلم سبيله من نافذة واحدة من نوافذ العقل إلى رأس هذا الفتى النحيل الضاوي الجسد الذي ~~هيأته القدرة بأسبابها والعجز بوسائله ليكون أديبا من أدباء العربية في غد ...! # كانت مكتبة الرافعي في هذه الحقبة من تاريخه هي دنياه التي يعيش فيها، ناسها ناسه، ~~وجوها جوه، وأهلها صحابته وخلانه، وعلماؤها رواته، وأدباؤها سماره، فأخذ عنها ~~العلم كما كان يأخذ المتقدمون من علماء هذه الأمة عن العلماء والرواة فما لفم، فنشأ ~~بذلك نشأة السلف، يرى رأيهم، ويفكر معهم، ويتحدث بلغتهم، وتستخفه أفراحهم، وتتراءى له ~~أحلامهم ومناهم. # وإذ كان قد فقد السمع قبل أن يتم ms015 تمامه ويكون أهلا لغشيان المجالس يتحدث إلى الناس ~~ويستمع إلى حديثهم، فإن حظه من العامية المصرية كان قليلا، وكان عليه أن يسألني أحيانا أو ~~يسأل غيري من خاصته، عن كلمة أو عبارة أو مثل مما يقع من أمثال العامة حين تلجئه الحاجة ~~الأدبية إلى شيء من ذلك، وكان يمزح معي أحيانا ويقول: «فلتكن أنت لي قاموس العامية ~~...» # وإذ كان أبوه وأمه قريبي عهد بمنبتهما في سورية، وكان لم يسمع أكثر ما سمع في طفولته إلا ~~منهما، فإن لهجته في الحديث ظلت قريبة من السورية إلى آخر أيامه، على حين تسمع إلى كل أسرته ~~وإخوته وبنيه يتحدثون باللهجة المصرية فما ينم صوت أو كلمة على أن أصلهم سوري، ولكنه كان ~~بلغته ولهجة حديثه هو وحده النميمة على هذا الأصل، وكأنه لم يقدم من سورية إلا منذ ~~قريب. # ولم تجد على الرافعي معرفته الفرنسية إلا قليلا أو أقل من القليل، # 3 # فمنذ انتهى من المدرسة لم يجد في نفسه إليها نزوعا قويا، فلزمها سنوات يقرأ ~~فيها بعض ما يتفق له من الكتب القليلة المقدار في العلم والأدب، ثم هجرها إلى غير لقاء، على ~~أنه كان يأسف أحيانا على هجرها ويمني نفسه بالعودة إليها في وقت فراغ، وهيهات أن يجد ~~مثل الرافعي فراغا من وقته! # هذه ثقافة الرافعي وتلك وسائله إلى المعرفة، وقد ظل على هذا الدأب في القراءة والاطلاع ~~إلى آخر يوم من عمره، يقرأ كل يوم ثماني ساعات متواصلة لا يمل ولا ينشد الراحة لجسده ~~وأعصابه، كأنه من التعليم في أوله لا يرى أنه وصل منه إلى غاية. # وكان إذا زاره زائر في مكتبه جلس قليلا يحييه ويستمع لما يقوله، ثم لا يلبث أن يتناول ~~كتابا مما بين يديه ويقول لمحدثه: «تعال نقرأ ...» وتعال نقرأ هذه معناها أن يقرأ الرافعي ~~ويستمع الضيف، فلا يكف عن القراءة حتى يرى في عيني محدثه معنى ليس منه أن يستمر في ~~القراءة ... # وفي القهوة، وفي القطار، وفي الديوان، لا تجد الرافعي وحده إلا وفي يده ms016 كتاب، وكان في ~~أول عهده بالوظيفة كاتبا بمحكمة طلخا، فكان يسافر من طنطا كل يوم ويعود، فيأخذ معه في ~~الذهاب وفي الإياب «ملازم» من كتاب أي كتاب ليقرأها في الطريق، وفي القطار بين طنطا وطلخا ~~«وبالعكس» استظهر كتاب نهج البلاغة في خطب الإمام علي، وكان لم يبلغ العشرين بعد ... # | في الوظيفة # في أبريل سنة 1899 عين الرافعي كاتبا بمحكمة طلخا الشرعية، بمرتب شهري أربعة جنيهات، ~~وأعانه على الظفر بهذه الوظيفة ما كان لأبيه وأسرته من جاه في المحاكم الشرعية، وما كان ~~الرافعي ليجهل جاه أبيه وأسرته في هذه المحاكم، وما كان منكورا لديه أن لهم يدا على كل ~~قاض في القضاء الشرعي، فنشأ بذلك نشأة الدلال في وظيفته، لا يراها إلا ضريبة على الحكومة ~~تؤديها إليه عمل أو لم يعمل؛ لمكانة أسرته من النفوذ والرأي، ولمكانته هو أيضا ... # ألم يكن يرشح نفسه ليكون أديب هذه الأمة؟ ... هكذا كان يرى نفسه من أول يوم، وظل كذلك يرى ~~نفسه لآخر يوم ... # وكانت إقامته بطنطا في هذه الحقبة، فمنها مغداه وإليها مراحه في كل يوم، يتأبط حقيبة ~~فيها غداؤه وفيها كتابه، وما كان أحد ليستطيع أن يلفته إلى ضرورة التبكير إن جاء في الضحى، ~~أو يسأله الانتظار إذا دنا ميعاد القطار ولم يفرغ من عمله. # لم يكن يرى الوظيفة إلا شيئا يعينه على العيش؛ ليفرغ لنفسه ويعدها لما تهيأت له، ~~فما انقطع عن المطالعة والدرس يوما واحدا، وما أكثر ما كان ينقطع عن وظيفته. # وقضى الرافعي في طلخا زمنا ما، ثم نقل إلى محكمة إيتاي البارود الشرعية، ثم إلى طنطا، ~~وفي طنطا انتقل من المحكمة الشرعية إلى المحكمة الأهلية بعد سنين؛ لأنه رأى المجال في ~~المحاكم الأهلية أوسع وأرحب، والعمل فيها أيسر جهدا وأكثر أجرا، وظل في محكمة طنطا ~~الأهلية إلى يومه الأخير. # وحياة الرافعي في طلخا وإيتاي البارود وطنطا لا تخلو من طرائف، وتاريخه في الوظيفة حافل ~~بالصور والمشاهد التي كان لها أثرها من بعد في حياته الأدبية، ففي طلخا عرف الكاظمي ms017 شاعر ~~العراق الكبير واتصل به وانعقدت بينهما أواصر الود على ما سيأتي تفصيله، وفي إيتاي ~~البارود تفتحت زهرة شبابه للحب وتعطشت نفسه إلى لذاته، وعلى «جسر كفر الزيات» فيما بين ~~إيتاي البارود وطنطا مسته شعلة الحب المقدسة فكشفت عن عينيه الغطاء ليرى ويحس ويشعر ~~ويكون «شاعر الحسن» من بعد، وفي طنطا كان نضجه وتمامه وإيناع ثمره. # وما أستطيع أن أصف بتفصيل واضح كيف كان يعيش الرافعي في تلك الأيام البعيدة، ولا كيف ~~كانت صلته بالناس، ولكني أعرف أن روحا رفافة كانت تطيف به في تلك الأيام فتنتزعه من وجوده ~~الذي يعيش فيه لتحلق به في أجواء بعيدة وتكشف له عن آفاق مجهولة لم يسمع بها ولم يعرفها، ~~فتوحي إليه الشعور بالقلق وألم الحرمان والإحساس بالوحدة، فلا يجد متنفسا ينفس به عن ~~نفسه غير الشعر، وكان ذلك أول أمره في الأدب، وإليه كان آخر ما يمتد أمله، فما كانت له ~~أمنية إلا أن يكون شاعرا، شاعرا وحسب. ~~••• # وعرف حبيبته الأولى «عصفورة» فتعلم الحب، ولكنه لم يتعلمه مما يسمع في مجالس الشبان كما ~~يتعلم أبناء هذا الجيل من أكاذيب المنى التي يتداولونها في مجالسهم فيتعلمون الحب منها ~~فنا له قواعد مرسومة وغاية محتومة ... لكنه استمع إلى وحي الحب أول ما استمع في همسات ~~روحه، وخلجات وجدانه، وخفقات قلبه، وانفعال أعصابه، إلى ما كان للحب في نفسه من صورة مشرقة ~~شائقة مما قرأ من أخبار العذريين من شباب العرب، فأحس كأن شيئا ينقصه فراح يفتقده، وشعر ~~كأن إنسانة من وراء الغيب تناديه وتهتف باسمه في خلوة نفسه وجلوة خاطره تقول: ها أنا ذي ... ~~فهام بالحسن ينشده شعره وينشد فيه مثاله الذي يدور عليه، وطار على وجهه كالفراشة الحائمة ~~تقول لكل زهرة: أأنت التي ...؟ فلا يستمع إلى جواب، والصوت البعيد دائب يهتف في أذنيه: إنني ~~هنا، إنني هنا يا حبيبي فاقصد إلي ... # لم يكن يحب إنسانة بعينها يناديها باسمها ويعرفها بصفتها، بل كانت محبوبته شيئا في نفسه ~~وصورة من صنع أحلامه، يرى في كل ms018 وجه فاتن لمحة من جمالها، وفي كل طلعة مشرقة بريقا من ~~فتنتها، وفي كل نظرة أو ابتسامة معنى من معاني الحبيبة النائمة في قلبه وفي أمانيه ... فمضى ~~يتنقل من زهرة إلى زهرة، عفيف النظر والشفة واللسان، حتى انتهى أمره إلى أمر ... # لم ينس الرافعي إلى آخر أيامه ما كان من شأنه وشأن قلبه في صدر حياته، فكان دائم الحديث ~~عن هذا العهد كلما رفت به سانحة من سوانح الماضي تذكره ما كان من أمره وما آل إليه من ~~أمره. # ليس قصدي الآن أن أتحدث عن الحب في تاريخ الرافعي، فإن للحب في تاريخه فصلا ضافي الذيول ~~كثير الألوان متعدد الصور له مكانه المفرد في غير هذا الباب، ولكني أتحدث عن الرافعي في ~~بكرة الشباب، فما لي مندوحة عن الإلمام بما كان يصطرع في نفس الرافعي في بكرة ~~الشباب. ~~••• # عاش الرافعي لفنه ولنفسه من أول يوم، فما عاقته الوظيفة عن أن يكون كما أراد أن يكون، ~~على أنه كان إلى اهتمامه بفنه وعنايته بما يكمله، وعلى أنه كان لا يرضى أن تتعبده قوانين ~~الوظيفة، وتقيده أغلال النظام الحكومي، كان إلى ذلك دقيقا في عمله الرسمي دقة تبلغ الغاية، ~~وكان إليه تقدير رسوم القضايا والعقود ونحوها مما يتصل بعمل المحكمة، فكان كاتبا حاسبا لا ~~يفوته شيء مما يسند إليه، حتى آل أمره إلى أن يكون المرجع في هذا العمل لكتاب المحكمة ~~جميعا يستفتونه فيما أشكل عليهم من الأمر في تقدير الرسوم، ثم لكثير من كتاب المحاكم ~~في مختلف البلاد، ثم لوزارة العدل نفسها وهي المرجع الأخير، تكتب إليه في زاوية مكتبه من ~~محكمة طنطا تسأله الرأي في حسبة أو إشكال أو شيء مما يتصل بذلك، فيكتب إليها بالرأي لتبلغه ~~في منشور عام إلى كل المحاكم الأهلية. # وكان عليه كل العبء من هذه الناحية في محكمة طنطا، وقد طلب أكثر من مرة أن «يحال إلى ~~المعاش»؛ ليتفرغ لفنه، فما كان يمنعه من المضي في طلبه إلا رجاء موظفي المحكمة وإلحاحهم ~~عليه أن يبقى؛ ms019 لئلا يخلو موضعه. # وكان في صلته بموظفي المحكمة الذين يشركونه في عمله نبيلا كريم الخلق إلى حد بعيد ، ~~فكان يتطوع ليحمل عنهم تبعة كل خطأ يقع فيه واحد منهم مهما كان الخطأ ونتيجته، وقد رأيته ~~مرة في صيف سنة 1934 وقد لزمه مفتش من مفتشي وزارة العدل ثلاثة أشهر أو أكثر، يستجوبه عن ~~خطأ في تقدير الرسوم لأكثر من مائة وعشرين قضية، بلغ النقص في الرسوم المتحصلة عنها بضعة ~~وتسعين جنيها، والرافعي يرد المفتش ويدافعه ويرى له الرأي ويصف العلاج، والمفتش دائب على ~~الحضور كل يوم يبحث ويفتش ويستقصي وما ضاقت به أخلاق الرافعي، على حين لم يكن على الرافعي ~~في هذه القضايا المائة والعشرين خطأ واحد، وما كانت إلا أخطاء زملائه في المكتب حمل عنهم ~~تبعتها؛ حتى لا يتعرضوا لشر هو أقدر منهم على الخلاص منه. # وكان من اعتداده بنفسه وحفاظه على كرامته بحيث لا يسمح لرئيس مهما علا منصبه وارتفع مكانه ~~أن يجحد منزلته أو ينال منه أي نيل، وكان يسرف في ذلك إسرافا يدعو إلى الشك أحيانا في ~~تواضع الرافعي وكرم خلقه وحسن تصرفه. # ومن ذلك أنه لما كان هذا المفتش يؤدي عمله في المحكمة - وعمله أن يحقق أخطاء الرافعي - ~~كان الرافعي يلزم المفتش أحيانا أن يحضر هو نفسه إلى مكتبه في حجرته الغاصة بالموظفين ~~ليسأله وهو جالس إلى مكتبه والمفتش واقف أو جالس على كرسيه إلى الطرف الثاني من المكتب، ~~وكنت في إحدى هذه المرات جالسا إلى جانب الرافعي - وكان يستدنيني إليه ويشركني في عمله حين ~~أذهب لزيارته في الديوان - فلما جاء المفتش هممت بالانصراف، فشد الرافعي ذراعي بعنف وهو ~~يقول: اجلس يا أخي ... ووجه إليه المفتش سؤالا، فالتفت الرافعي إلي قائلا: «من فضلك، ~~تول عني جوابه؛ فإنه في حاجة إلى معلم مثلك!» # لم يكن اعتداد الرافعي بنفسه يبلغ به مثل هذا الشذوذ في كل أحواله، وإنما كان كذلك مع هذا ~~المفتش بخاصته، لأسباب يأتي تفصيلها. # وكان من تقاليد المحكمة كلما نقل إليها قاض أو نائب ms020 جديد، أن يهرع إلى مكتبه موظفو ~~المحكمة يهنئونه ويتمنون له، ولكن الرافعي كان يتخلف عن وفد الموظفين ويظل وحده في مكتبه، ~~فإذا فرغ القاضي أو النائب من استقبالهم مضى إلى مكتب الرافعي في حجرته، فيقفان لحظة ~~يتبادلان الشكر والتهنئة على هذا الاتفاق الذي هيأ لهما هذا التعارف ... ثم يذهب إليه ~~الرافعي بعد ذلك في مكتبه؛ ليشكر له ويكرر التهنئة. # حتى مدير المديرية - ومحكمة طنطا هي جزء من ديوان المديرية - لم تكن صلته بالرافعي صلة ~~المدير الحاكم بموظف صغير، فكانت بين الرافعي وكثير من المديرين صلات من الود والصداقة ~~فوق ما يعرف من الصلات بين الموظفين، ولكن منهم رجلا واحدا كان أقرب قرابة إلى الرافعي ~~من أهله ومن خاصته ومن تلامذته ... وهو المرحوم «محمد محب باشا» أقدر مدير عرفته مديرية ~~الغربية منذ كانت مديرية، وكان للصلة بين الرافعي ومحب باشا أثر كبير في أدبه سنتحدث عنه ~~فيما بعد. # لم يكن للرافعي ميعاد محدود يذهب فيه إلى مكتبه أو يغادره، فأحيانا كان يذهب في التاسعة ~~أو في العاشرة، أو فيما بين ذلك، فلا يجلس إلى مكتبه إلا ريثما يتم ما أمامه من عمل على ~~الوجه الذي يرضيه، ثم يخرج فيدور على حاجته، فيجلس في هذا المتجر وقتا ما، وعند هذا الصديق ~~وقتا آخر، ثم يعود إلى مكتبه قبيل ميعاد الانصراف؛ لينظر فيما اجتمع عليه من العمل في ~~غيبته، وقد لا يعود ... # وكان هذا منه يغضب زملاءه في العمل، فكانوا ينفسون عليه ويأكلون لحمه، ويبلغه ما ~~يتحدثون به فيهز كتفه ويسكت، ثم لا يمنعه ذلك من بعد أن يأخذ بيدهم عند الأزمة، وكان ~~كتبة المحامين وأصحاب المصالح في المحكمة يسمونه بذلك عمدة المحكمة ...! # وحدث ذات مرة والرافعي في صدر شبابه، أن جاء إلى محكمة طنطا رئيس شديد الحول، فلما صعد ~~إليه موظفو المحكمة للتهنئة، لم يجد بينهم الرافعي، فلما سأل عنه تحدث الموظفون في شأنه ~~ما تحدثوا، فاستاء الرئيس وأرسل يدعوه إليه، فلم يجده الرسول في مكتبه، فغضب الرئيس وثارت ~~ثائرته، وأمر باستجوابه ms021 عن الاستهانة بنظام المحكمة ومواعيد العمل الرسمي، وجاء الرافعي ~~فبلغه ما كان، فهز منكبه وجلس إلى مكتبه يمزح ويتحدث على عادته كأن لم يحدث شيء، ورفع ~~الرئيس كتابا إلى وزارة العدل يبلغها أن في محكمة طنطا كاتبا أطرش، لا يحسن التفاهم مع ~~أصحاب المصالح، على شدة اتصال عمله بالجمهور، وهو مع ذلك كثير التهاون بنظام المحكمة ~~ومواعيد العمل، ولا يخضع للرأي ... وطلب الرئيس في آخر كتابه إقالة الرافعي من الخدمة! # وأرسلت وزارة العدل مفتشها لتحقيق هذه الشكوى، ليري رأيه فيما طلبته محكمة طنطا، وكان ~~المفتش المندوب لذلك هو الشاعر اللبق الظريف المرحوم حفني ناصف بك، ولم تكن بين الرافعي ~~وحفني ناصف صلة ما إلي هذا الوقت، إلا ذلك النسب البعيد الذي يجمع بينهما في أسرة أبولون ... ~~وإلا ... وإلا كلمة قاسية كان الرافعي كتبها بأسلوبه اللاذع عن «شعراء العصر» في سنة 1905 ~~ونشرها في مجلة الثريا وجعل فيها حفني ناصف ذيل الشعراء ... # وجاء حفني ناصف إلى الرافعي فحيا وجلس، وبسط أوراقه ليحقق ... وقال الرافعي: «قل لهم في ~~الوزارة: إن كانت وظيفتي هنا للعمل، فليؤاخذوني بالتقصير والخطأ فيما يسند إلي من عمل، ~~وإن كانت الوظيفة: تعال في الساعة الثامنة، واجلس على الكرسي كأنك مشدود إليه بحبل حتى ~~يحين موعد الانصراف، فلا علي إن تمردت على هذا التعبد ... قل لهم في الوزارة: إنكم لا ~~تملكون من الرافعي إلا هاتين الإصبعين ساعات من النهار ...!» # واستمع الأديب الشاعر إلى حجة الأديب الشاعر ثم طوى أوراقه وحيا صاحبه ومضى، فلما كان في ~~خلوته، كتب تقريره إلى وزارة العدل يقول: إن الرافعي ليس من طبقة الموظفين الذين تعنيهم ~~الوزارة بهذه القيود ... إن للرافعي حقا على الأمة أن يعيش في أمن ودعة وحرية، إن فيه قناعة ~~ورضى، وما كان هذا مكانه ولا موضعه لو لم يسكن إليه، دعوه يعيش كما يشتهي أن يعيش، ~~واتركوه يعمل ويفتن ويبدع لهذه الأمة في آدابها ما يشاء أن يبدع، وإلا فاكفلوا له العيش ~~الرخي في غير هذا المكان ...! # وبلغ التقرير وزارة العدل، ms022 وانطوت القضية، وصار تقليدا من تقاليد المحكمة من بعد أن ~~يغدو الرافعي ويروح لا سلطان لأحد عليه وله الخيرة في أمره، ولكنه مع ذلك لم يهمل في ~~واجبه قط، ولم ينس يوما واحدا أنه في موضعه ذلك بحيث يرتبط به كثير من مصالح ~~الجمهور. # قلت: إن الرافعي لم تكن بينه وبين حفني ناصف صلة ما، ولكن حفني تولى القضاء بعد ذلك مرة ~~أو مرتين في محكمة طنطا، فتقاربا وتوثقت بينهما أواصر الود، وكانت طنطا في ذلك الوقت حلبة ~~من حلبات الشعر والأدب، فلا يمضي أسبوع حتى يقدم إليها أديب أو شاعر لزيارة الشاعرين: حفني ~~والرافعي، فيقوم للشعر سوق ومهرجان، وكان بين الرافعي وحفني من التقارب في الصفات ما يؤكد ~~هذه الصلة ويوثق هذا الود؛ فكلاهما شاعر، وكلاهما من دعاة القديم، وكلاهما أديب مرح ~~يجيد الدعابة ويستجيد النكتة البكر، وإن كانت فكاهة حفني أظهر وأبعث على الضحك وتكشف عن ~~فراغ القلب، وفكاهة الرافعي أعمق وأدل على قصد العبث والسخرية وامتلاء النفس، ولعل روح ~~الفكاهة في الرافعي كان لها شأنها فيما كان بينه وبين المرحوم حافظ إبراهيم من صلة الود ~~والإخاء. # حدثني المرحوم جورج إبراهيم - صديق الرافعي وصفيه منذ حداثته - قال: لقد كانت الصلة بين ~~الرافعي وحفني أكثر مما يكون بين الأصدقاء، وكانا يتزاوران كثيرا، أو يجتمعان في قهوة ~~«اللوفر» بميدان الساعة، وكنت أغشى مجلسهما أحيانا، فكنت أرى حفني يتواضع للرافعي ويتصاغر ~~في مجلسه، على مقدار ما يتشامخ الرافعي ويتكبر ويدعي الأستاذية، حتى ليرى له الرأي في ~~القضايا التي لم يدرسها حفني بعد، فلا يحكم فيها إلا بما حكم الرافعي! # ظل الرافعي في وظيفته تلك، موزع الجهد بين أعماله الرسمية وأعماله الأدبية، وما تقتضيه ~~شئون الأدب وشئون رب الدار، على المورد المحدود والبساط الممدود ... وما زاد مرتب الرافعي ~~الشاعر الكاتب الأديب الذائع الصيت في الشرق والغرب، الموظف الصغير في محكمة طنطا الكلية ~~الأهلية، على بضعة وعشرين جنيها في الدرجة السادسة، بعد خدمة ثمان وثلاثين سنة في وظائف ~~الحكومة ... # على أن الرافعي كان ms023 له مرتب آخر من عمله في المحكمة، هو ثمن ما كان يبيع من كتبه للموظفين ~~والمحامين وأصحاب القضايا الذين يقصدون إليه في مكتبه لعمل رسمي، وكانت ضريبة فرضها الرافعي ~~من طريق الحق الذي يدعيه كل شاعر على الناس، أو فرضها أصحاب الحاجات على أنفسهم التماسا ~~لرضاه! # ليت شعري! أكان على الرافعي ملام أو معتبة أن يفعل ذلك ...؟ # | شاعر الحسن # كلف الرافعي بالشعر من أول نشأته، فما كان له هوى إلا أن يكون شاعرا كبعض من يعرف من ~~شعراء العربية، أو خيرا ممن يعرف من شعراء العربية ... وكان واسع الأمل، كبير الثقة، عظيم ~~الطموح، كثير الاعتداد بالنفس، فمن ثم نشأ حبارا عريض الدعوى طويل اللسان من أول يوم ... ~~وبهذه الكبرياء الأدبية الطاغية، وبما فيه من الاستعداد الأدبي الكبير، وبما في أعصابه من ~~دقة الحس وسرعة الاستجابة لما تنفعل به؛ بكل أولئك تهيأ لأن يكون كما أراد، وأن يبلغ بنفسه ~~هذا المكان بين أدباء العربية. # وإذا كان الرافعي قد بدأ شاعرا كما أراد، فما كانت له خيرة في المذهب الذي آل إليه من ~~بعد، ولكنها نوازع الوراثة، وعوامل البيئة، ودوافع الحياة التي كانت تضطرب به وتذهب به ~~مذاهبها. # لم يكن الرافعي يقدر في أيام نشأته الأولى أنه سينتهي من الأدب إلى هذه الغاية، وأن ~~الحياة سترده من الهدف الذي يسعى إليه في إمارة الشعر إلى هذا الهدف الذي انتهى إليه في ~~ديوان الأدب والإنشاء، وما كان أحد من خاصته وأصدقائه ليعرف أن الرافعي الشاعر الشاب الذي ~~توزعته الصبابة، وفتنته الحياة، وتقاسمته لذات الصبا، وتعناه الهوى، وتصباه الحب ~~والشعر والشباب، سيكون مكانه في غده هذا المكان في الدفاع عن الدين والذود عن العربية ~~والصيال في سبيل الله، وما كان هو يأمل في مستقبله إلا أن يكون شاعرا تصير إليه في إمارة ~~الشعر منزلة تخمل ذكر فلان وفلان من شعراء عصره. # ومضى الرافعي يسعى إلى غايته في الشعر وقد تزود زاده من الأدب القديم، ووعى ما وعى من ~~تراث شعراء العربية، وكان أمامه مثلان ms024 من شعراء عصره يمتد إليهما طرفه ويتعلق بهما أمله، ~~هما: البارودي، وحافظ. أما أولهما فكانت له زعامة الشعر، على مفرقة تاجه وفي يده صولجانه، ~~قد قوي واستحصد واستوى على عرشه بعد جهاد السنين ومكابدة الأيام، وأما الثاني فكان في ~~الشباب والحداثة، وكان جديدا في السوق، قد فتنته الشهرة وفتنت به من حوله، فأخذ الرافعي ~~ينظر إليه وإلى نفسه، ويوازن بين حال وحال، ويقايس بين شعر وشعر، فقر في نفسه أنه هو وهو ~~... وأنهما في منزلة سواء، وأنه مستطيع أن يبلغ مبلغه ويصير إلى مكانه إذا أراد، فسار على ~~سنته وجرى في ميدانه، لا يكاد حافظ يقول: أنا ... حتى يقول الرافعي: أنا وأنت ... وما فاته أن ~~حافظا يغالبه بالشهرة السابقة، ويطاوله بالجاه والأنصار، ويفاخره بمكانته من الأستاذ ~~الإمام، وبمنزلته عند البارودي زعيم الشعراء، وبحظوته عند الشعب، فراح الرافعي يستكمل أسباب ~~الكفاح ويستتم النقص، فأكد صلته بالبارودي، وعقد آصرة بينه وبين الأستاذ الإمام، ومضى ~~يتحدث في المجالس وينشر في الصحف، ويذيع اسمه بين الناس، وانتهز نهزة فذهب يستطيل بأنه ~~«شاعر الحسن» وبأن حافظا لا يقول في الغزل والنسيب ...! # كانت المنافسة بينه وبين حافظ منافسة مؤدبة كريمة، لم تعكر ما بينهما من صفو المودات، ~~ولم تجن على صداقتهما القوية، فظل الرافعي وحافظ صديقين حميمين، منذ تعارفا في سنة 1900 ~~إلى أن قضى حافظ - رحمه الله - في سنة 1932. # ليس من همي أن أتحدث عن شعر الشاعرين، أو أقايس بين فن وفن، وشاعرية وشاعرية، فقد ~~يبدو لي هنا بعد ما بين المنزلتين في الموازنة بين الرافعي وحافظ في الشعر، وما يهمني في ~~هذا الحديث إلا إثبات الصلة بين الرجلين، فمن أراد شيئا وراء هذا فسيجد فيما أثبته هنا ~~مقدمات البحث وهيكل البناء. ~~••• # في إبان هذه المعركة الصامتة بين الرافعي وحافظ، قدم إلى مصر شاعر كبير لم يكن الرافعي ~~يعرفه أو يسمع به أو قرأ شيئا من شعره، ذلك هو شاعر العراق الكبير المرحوم عبد المحسن ~~الكاظمي، ونشرت له الصحف غداة مقدمه قصيدة عينية من بحر ms025 الطويل، قرأها الرافعي ~~فاستجادها ورأى فيها فنا ليس من فن الشعراء المعاصرين الذين قرأ لهم، فملكت نفسه ~~وبلغت منه مبلغا، وقرر لساعته أن يسعى إلى التعرف به؛ ليصل به حبله ويقتبس من أدبه، ~~وكان الرافعي يومئذ كاتبا بمحكمة طلخا، ففارق عمله بغير إجازة، وسعى إلى لقاء الكاظمي في ~~القاهرة وهو يمني نفسه بأن يكون بينهما من الود ما يرفع من شأن الرافعي ويجدي على ~~أدبه، وكان في الكاظمي - رحمه الله - أنفة وكبر ... فأبى على الرافعي أن يلقاه ورده ردا ~~غير جميل؛ إذ كان الرافعي يومئذ نكرة في الأدباء، وكان الكاظمي ما كان في علمه وأدبه ~~وشهرته وكبريائه، مع خلته وفقره، واصطدمت كبرياء بكبرياء، وثار دم الرافعي وغلى غليانه، ~~فذهب من فوره فأنشأ مقالة - أو قصيدة، لا أذكر - نال فيها من الكاظمي ما استطاع أن ينال ~~بذمه والزراية عليه والغض من مكانته، وما كان الرافعي مؤمنا بما كتب، ولكنه قصد أن يلفت ~~الشاعر إليه بالإنذار والتخويف، بعد ما عجز أن يبلغ إليه بالزلفى والكرامة. # وفعلت هذه الكلمة فعلها في التقريب بين الأديبين، فاتصل الرافعي بالكاظمي وصفا ما ~~بينهما وأخلصا في الوداد والحب حتى لم يكن بينهما حجاب، وحتى صار الرافعي أصفى أصفياء ~~الكاظمي، وصار الكاظمي أشعر الشعراء المعاصرين عند الرافعي، ثم ارتفعت الصلة بينهما عما ~~يكون بين التلميذ والأستاذ، وتصادقا صداقة النظراء، حتى إنه لما هم الكاظمي أن يسافر إلى ~~الأندلس في سنة 1905، كتب كتابا إلى الرافعي يقول فيه: ~~... ثق أني أسافر مطمئنا وأنت بقيتي في مصر. # هؤلاء الثلاثة: البارودي، وحافظ، والكاظمي، هم كل من أعرف ممن تأثر بهم الرافعي من شعراء ~~عصره، أما شوقي، وصبري، ومطران، وغيرهم ممن نشئوا مع الرافعي في جيل واحد، فلا أعرف بينه ~~وبين أحد منهم صلة تمتد إلى أيامه الأولى، وما سمعت منه - رحمه الله - حديثا يشعر بصلة ~~خاصة كانت تربطه بواحد منهم في حداثته، فلعل عند غيري من أهل الأدب علما من العلم يكمل ~~هذا النقص ويسد هذه الخلة. ~~••• # بدأ الرافعي يقول الشعر ولما ms026 يبلغ العشرين من عمره، ينشره في الصحف وفي مجلات السوريين ~~التي تصدر في مصر، وكانت المجلات الأدبية كلها إلى ذلك الوقت في أيديهم، فمجلة الضياء، ~~والبيان، والثريا، والزهراء، والمقتطف، وسركيس، والهلال، وغيرها، كان يقوم عليها كلها جماعة ~~من أدباء سورية: كالبستاني، واليازجي، وصروف، وجورج زيدان، وسليم سركيس، وغيرهم، وكانت ~~إليهم الزعامة الأدبية في اللغة والأدب الوصفي والتاريخ، أما أدب الإنشاء فكان قسمة بينهم ~~وبين أدباء مصر. # والآن أدع لصديقي الأديب المرحوم جورج إبراهيم حنا أن يتحدث عن الرافعي في أول عهده ~~بالشعر، قال: «بدأت صلتي بالمرحوم الرافعي قريبا من سنة 1900، كنت يومئذ أقول الشعر، وكان ~~اسمي معروفا لقراء مجلة الثريا، ولم أكن أعرف الرافعي أو أسمع به، وكان لأخيه الوجيه ~~سعيد الرافعي متجر في شارع الخان بطنطا، يستورد إليه النقل والفواكه الجافة من الشام، وكنت ~~زبونه، فذهبت يوما أشتري شيئا من فاكهة الشام؛ إذ كان له بها شهرة، فلما صرت إليه، لقيت ~~هناك فتى نحيلا في العشرين من عمره، يلبس جلبابا، جالسا إلى مكتب في المتجر قريب من ~~الباب، فما رآني الفتى حتى ناداني فدعاني إلى الجلوس، ثم قال لي: أتعرف أني شاعر؟ قلت: لا، ~~لست أعرف، قال: أنا مصطفى صادق الرافعي، وهذه الكراسات كلها من شعري، وعرض علي بضعة دفاتر ~~كانت على المكتب، ثم استأنف قائلا: ولكنه شعر الحداثة فهو لا يعجبني، سأختار أجوده ~~وأمزق الباقي، وسأطبع ديواني بعد قليل فتعرفني ...!» # قال: «وعرفت الرافعي من يومئذ، وقويت بيننا الصلة حتى صرت أدنى أصدقائه إليه، يقرأ ~~علي شعره، ويستمع إلى رأيي فيه، ويستشيرني في أمره، وقد كان أوله كآخره، فما لبثت حتى ~~أعجبت به وأحللته من نفسي أرفع محل من الحب والتقدير.» ~~••• # ظل الرافعي يقول الشعر لنفسه، أو ينشر منه في المجلات الأدبية، أو يقرؤه على أصدقائه، ~~وأصدقاؤه يومئذ صفوة من شباب السوريين في طنطا، منهم: الأديب جورج إبراهيم، والصيدليان: ~~نسيم يارد، وإلياس عجان، والطبيب تودري: وكانوا يتخذون مجلسهم عادة في وقت الفراغ في صيدلية ~~«كوكب الشرق» بطنطا. # فلما كانت ms027 سنة 1903، وعمر الرافعي يومئذ ثلاث وعشرون سنة، نشر حافظ إبراهيم ديوانه، ~~وقدم له بمقدمة بليغة كانت حديث الأدباء في حينها، وطال حولها الجدل حتى نسبها بعضهم إلى ~~المويلحي، واستقبل الأدباء ديوان حافظ ومقدمة ديوانه استقبالا رائعا، وعقدوا له أكاليل ~~الثناء، والرافعي غيور شموس، فما هو إلا أن رأى ما رأى حتى عقد العزم على إصدار ديوانه، وما ~~دام حافظ قد صدر ديوانه بهذه المقدمة التي أحدثت كل هذا الدوي، فإن على الرافعي أن ~~يحاول جهده ليبلغ بديوانه ما بلغ حافظ، وإن عليه أن يحمل الأدباء على أن ينسوا بمقدمته ~~مقدمة ديوان حافظ! # وصدر الجزء الأول من ديوان الرافعي في الموعد الذي أراد بعيد ديوان حافظ بقليل، وقدم ~~له بمقدمة بارعة فصل فيها معنى الشعر، وفنونه ومذاهبه وأوليته، وهي - وإن كانت أول ما ~~نعرف مما كتب الرافعي - تدل بمعناها ومبناها على أن ذلك الشاب النحيل الضاوي الجسد، كان ~~يعرف أين موضعه بين أدباء العربية في غد، وإذا كانت مقدمة ديوان حافظ قد ثار حولها من ~~الجدل ما حمل بعض الأدباء على نسبتها إلى المويلحي، فقد حملت هذه المقدمة الأديب الناقد ~~الكبير الشيخ إبراهيم اليازجي على الشك في أن يكون كاتبها من ذلك العصر، مما يخادع نفسه في ~~قدرة الرافعي على كتابتها. # قال الأستاذ جورج إبراهيم: «لما هم الرافعي أن يكتب مقدمة ديوانه، جاء إلي في جلبابه ~~والحر شديد، فحدثني من حديثه، ثم سألني أن أهيئ له مكانا رطبا يجلس فيه ليكتب المقدمة، ~~فجلس في غرفة من الدار، ثم تخفف من لباسه ... واقتعد البلاط بلا فرش، وبسط أوراقه على الأرض ~~وتهيأ للكتابة، فحذرته أن تنال منه رطوبة البلاط في مجلسه الطويل، فقال: لا عليك يا جورج، ~~إني لأحب أن أحس الرطوبة من تحتي ... فينشط رأسي ... ثم استمر في مجلسه يكتب وليس معه ولا ~~حواليه من وسائل العلم إلا قلمه وأوراقه، حتى فرغ من المقدمة في ساعات ...» # قال: «فلما تم طبع الديوان أهدى نسخة منه فيما أهدى إلى العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي، ~~والشيخ ms028 اليازجي يومئذ أديب العصر وأبلغ منشئ في العالم العربي، وكان الرافعي حريصا على أن ~~يسمع رأي اليازجي في شعره وأدبه، ومضى زمان ولم يكتب اليازجي، على حين تناولت كل الصحف ~~والمجلات ديوان الرافعي ومقدمته بالنقد أو التقريظ، واحتفل به «المؤيد» احتفالا كبيرا ~~فنشر مقدمته في صدره، والمؤيد يومئذ جريدة العالم العربي كله.» # قال: «واستعجبت أن يهمل أستاذنا اليازجي هذا الديوان فلا يكتب عنه، واغتم الرافعي ~~غما شديدا؛ إذ كان كل ما يكتب الأدباء في النقد لا يغني عن كلمة يقولها اليازجي، فذهبت ~~أسأله، فقال لي: أنت على ثقة أن هذه المقدمة من إنشاء الرافعي؟ قلت: هو كتبها بعيني فما ~~أشك في ذلك، قال اليازجي: وأنا ما أبطأت في الكتابة عن الديوان إلا من الشك في قدرة هذا ~~الشيخ على إنشاء مثل هذه المقدمة، فأنا منذ أسبوعين أبحث عنها في مظانها من كتب العربية ... ~~قلت: يا سيدي، إنه ليس بشيخ، إنه فتى لم يبلغ الثالثة والعشرين ...» # وكتب اليازحي بعد ذلك في عدد يونيو سنة 1903 من مجلة الضياء في تقريظ الجزء الأول من ~~ديوان الرافعي ما يأتي: ~~... وقد صدره الناظم بمقدمة طويلة في تعريف الشعر، ذهب فيها مذهبا عزيزا في ~~البلاغة، وتبسط ما شاء في وصف الشعر وتقسيمه وبيان مزيته، في كلام تضمن من فنون ~~المجاز وضروب الخيال ما إذا تدبرته وجدته هو الشعر بعينه ... # ثم انتقد اليازجي بعض ألفاظ في الديوان، وعقب عليها بقوله: «... على أن هذا لا ينزل من قدر الديوان وإن كان يستحب أن يخلو منه؛ لأن المرآة ~~النقية لا تستر أدنى غبار، ومن كملت محاسنه ظهر في جنبها أقل العيوب، وما انتقدنا ~~هذه المواضع إلا ضنا بمثل هذا النظم أن تتعلق به هذه الشوائب، ورجاء أن يتنبه إلى ~~مثلها في المنتظر، فإن الناظم كما بلغنا لم يتجاوز الثالثة والعشرين من سنيه، ولا ~~ريب أن من أدرك هذه المنزلة في مثل هذه السن، سيكون من الأفراد المجلين في ~~هذا العصر، وممن سيحلون جيد البلاغة بقلائد النظم والنثر.» # 1 ms029 # بلغ الرافعي بالجزء الأول من ديوانه مبلغه الذي أراد، واستطاع بغير عناء كبير أن يلفت ~~إليه أنظار أدباء عصره، ثم استمر على دأبه ، فأصدر في سنة 1904 الجزء الثاني من الديوان، ~~وفي سنة 1906 أخرج الجزء الثالث، وفي سنة 1908 الجزء الأول من ديوان النظرات، ومضى على ~~سنته، معنيا بالشعر، متصرفا في فنونه، ذاهبا فيه مذاهبه، لا يرى له هدفا إلا أن يبلغ ~~منزلة من الشعر تخلد اسمه بين الشعراء العربية. # وتألق نجم الرافعي الشاعر، وبرز اسمه بين عشرات الأسماء من شعراء عصره براقا تلتمع ~~أضواؤه وترمى أشعتها إلى بعيد، ولقي من حفاوة الأدباء ما لم يلقه إلا الأقلون من أدباء هذه ~~الأمة، فكتب إليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده يقول: «... أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفا يمحق به الباطل، وأن يقيمك في الأواخر ~~مقام حسان في الأوائل.» # وكتب المرحوم الزعيم مصطفى كامل باشا يقول: «... وسيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي، قال الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل ~~قالب من البيان.» # وكتب حافظ، وقال البارودي، ونظم الكاظمي، وتحدث الأدباء والشعراء ما تحدثوا عن ~~الرافعي الشاعر، وظل هو على مذهبه ذاك حتى سنة 1911، ثم تطورت به الحياة، وانفعلت أعصابه ~~بأحداث الأيام، فانحرف عن الهدف الذي كان يرمي إليه من الشعر، وتوجه وجهة جديدة في الأدب ~~سنتحدث عنها بعد. # ليس كل شعر الرافعي في دواوينه، وليس كل ما في دواوينه يدل على فنه وشاعريته، فالجيد الذي ~~لم ينشر من شعر الرافعي أكثر مما نشر، وقد كان في نية الرافعي لو أمهلته المنية أن يتبرع ~~لشعراء اليوم بأكثر ما في دواوينه، ثم يخرج منها ومما لم ينشر ديوانا واحدا مهذبا ~~مصقولا، ليقدمه هدية منتقاة إلى الأدباء والمتأدبين، ولكن الموت غاله فبطل أمله وبقي ~~عمله تراثا باقيا لمن يشاء أن يسدي يدا إلى العربية يتم بها صنيع الرافعي. # لم ينقطع الرافعي عن الشعر بعد تلك الفترة، ولكنه لن يقتصر عليه، وسنتحدث عن ديوان ~~الرافعي الذي لم ينشر حين تحين الفرصة للحديث ms030 عن أعماله الناقصة. # | شعراء عصره # قدمت الحديث عن شيوخ الرافعي في الشعر الذي أخذ عنهم أو اقتفى آثارهم أو جرى معهم على ~~سنن، وأثبت ما كان بينه وبين حافظ من المنافسة، وما كان يتمتع به حافظ يومئذ من الشهرة ~~والجاه والحظوة عند الشعب، تلك الشهرة التي ألهبت غيرة الرافعي وحفزته إلى الكفاح وحمسته ~~إلى استكمال أسباب الغلبة، بعقد الأواصر وإنشاء المودات والدعاية لنفسه، ثم بينت ما كان ~~بين الرافعي والكاظمي من صلة الحب والتقدير، وتساءلت في آخر القول: هل من الصلة بين الرافعي ~~ويبن غير هؤلاء الثلاثة من شعراء الجيل؟ هل كان لغير البارودي وحافظ والكاظمي من شعراء ~~العصر أثر في شعر الرافعي؟ وما مبلغ هذا الأثر؟ وما نتيجته؟ على أن الباحث لا يقنعه هذا ~~التساؤل، وليس يكفيه من وسائل البحث أن يعلم من شعراء العصر هؤلاء الثلاثة فحسب، ولقد نشأ ~~الرافعي الشاعر في أول هذا القرن وأوله حافل بثلة من الشعراء لم يجتمع مثلهم في زمان ~~في بلد، فما مبلغ تأثر الرافعي بكل أولئك الشعراء المعاصرين؟ # هنا أدع للرافعي نفسه أن يتحدث عن شعراء عصره، وما حديثه هذا إلا طرف من الدعاية التي ~~كان يقوم بها لنفسه في أول عهده بالشعر؛ ليبلغ المنزل الذي يطمح إليه، وإنه ليكشف عن شيء ~~من خلق الرافعي وكبريائه واعتداده بنفسه، ويدل على قوة الرافعي وعنفوانه وشدته في ~~النقد؛ إذ كان هذا الحديث أول ما كتب الرافعي في النقد. # إن أدباء العربية عامة لا يعرفون من الخصومات الأدبية أشهر شهرة من الخصومة بين ~~الرافعي وأدباء عصره، فالخصومة بين الرافعي وطه، ويبن الرافعي والعقاد، وبين الرافعي وعبد ~~الله عفيفي، وبينه وبين غير هؤلاء، هي خصومة مشهورة مذكورة في موضعها من تاريخ الأدب العربي ~~في هذا الجيل، مشهورة مذكورة في موضعها في تاريخ النقد في العربية. # وإن قراء العربية عامة ليعرفون الرافعي الناقد معرفة بصيرة، ويعرفون شدته وعنفوانه في ~~النقد، شدة حببته إلى الكثير، وألبت عليه الكثير، على أن من يريد أن يعرف أول شأن ~~الرافعي ms031 في النقد فليقرأ مقال الرافعي «شعراء العصر في سنة 1905». ~~••• # نشر الرافعي مقاله ذاك في عدد يناير سنة 1905 من مجلة الثريا بتوقيع ~~(⋆) # وأحسبه ~~أخفى اسمه وراء هذا الرمز حذر التهمة، وليبلغ به مبلغه من الدعاية لنفسه فقد جعل نفسه في ~~الشعراء رابع الطبقة الأولى من طبقات ثلاث تنتظم كل من يعرف الرافعي من شعراء عصره، جعل ~~الطبقة الأولى منهم على الترتيب: الكاظمي، والبارودي، وحافظ، والرافعي ... # والطبقة الثانية على الترتيب: صبري، وشوقي، # 1 # ومطران، وداود عمون، والبكري، ونقولا رزق الله، وأمين الحداد، ومحمود واصف، ~~وشكيب أرسلان، ومحمد هلال إبراهيم، ثم ... حفني ناصف! # وفي الطبقة الثالثة: الكاشف، والمنفلوطي، ومحرم، وإمام العبد، والعزبي، ونسيم. # ثم ألحق بهؤلاء اثنين يعرفهما من شعراء العراق، هما: السيد إبرهيم، ومحمد النجفي. # وقد افتتح الرافعي مقاله بما يأتي: # قرأت في بعض أعداد «الثريا» كلمة عن «الأدب قديما وحديثا» فقلت: كلمة مألوفة، ~~ولم ألبث أن رأيت جملة أخرى لأديب غيور على الشعراء، كان رأس الشعر بين أولها ~~وآخرها كأنما شدخ بين حجرين، فقلت: إني أنظم الشعر فأسر، وأقرأ عنه فأسر، فما ~~لي لا أنفثها والقوم قد أصبحوا يتنافسون في أسماء الشعراء كما يتنافسون في ألقاب ~~الأمراء، وقد استويا في الزور، فلا أكثر أولئك شاعر ولا أكثر هؤلاء أمير! # ثم رأيت بعد أن عزم الله لي كتابة هذا المقال أن أتركه بغير توقيع، وإن كنت أعلم ~~أن أكثر من يقرءونه كذلك سيخرجون من خاتمته كما لو كانوا أميين لم يقرءوا فاتحته، ~~فإن الحكمة كلها والمعرفة بجميع طبقاتها أصبحت في أحرف الأسماء، فإن قيل: كتاب ~~لفلان ... قلنا: أين يباع، وإن كان من سقط المتاع، على أن اسمي قد لا يكون في غير ~~بطاقتي وكتبي إلى أصحابي القليلين، وفي سجل بعض الجرائد والمجلات، فليظنني القارئ ~~ما ضرب على رأسه الظن ... # وسأذكر في هذه الأسطر كل من عرفته أو اتصل بي اسمه من الشعراء، وأقطع عليه ~~رأيي، فإما وسعه فكمل به، وإما أظهره كما هو في نفسه، لا كما هو عند نفسه، ولذلك ms032 ~~فقد ضممتهم إلى ثلاث طبقات، وجاريت في تسمية بعضهم بالشعراء عادتنا ~~المألوفة. # ثم كتب رأيه بعد ذلك في كل شاعر ممن ذكرت مقتبسا من شعره مستشهدا به على ترتيبه في ~~موضعه من طبقته. # وكان مما قاله عن صديقه ومزاحمه حافظ: «... وأكثر شعره في هذه الأيام (سنة 1905) أضعف من ~~قبل ... والذين لم تستقم ألسنتهم ولم تزل أفكارهم على سقم يقولون: إن شعر حافظ اليوم خير منه ~~في ديوانه الأول؛ وذلك لأنهم لا يدركون موقع الخيال الشريف، ولا يهتزون للمعنى البكر إلا في ~~اللفظ الثيب، وهؤلاء يفضلون «شوقي» عليه، وهيهات بعد أن استنوق الجمل ...!» # وكتب عن نفسه: «لو كان هذا الشاعر - يعني نفسه - كما أسمع عنه، أكون قد ظلمته إذا لم أقدمه عن ~~هذا الموضع - الرابع من الطبقة الأولى - فقد أخبرت أنه لم يتم الرابعة والعشرين من عمره؛ # 2 # ولذلك فإني لا أكتب عنه إلا ما أعرف من شعره، سواء كان فتى أو كهلا، ~~وهو قد طبع من ديوانه الجزء الأول من سنة مضت، وذكر في مقدمة شرحه أنه نظمه في ~~عامين، وأنه لم يقل الشعر إلا منذ ثلاث سنوات من طبع ذلك الجزء، ولم ألبث أن رأيت ~~منذ أشهر في بعض أعداد مجلة «الجامعة» تقريظا مسهبا جدا للجزء الثاني من ديوان ~~هذا الشاعر، فأكبرت ذلك، ولا شك أنه ينظم اليوم في الجزء الثالث قياسا على ما تقدم ~~... # ومما امتاز به هذا الشاعر ولعه الشديد بالغزل، وبلوغه فيه أسمى ما يبلغه النظم، ~~وله مزية أخرى، وهي غوصه على المعاني في الأغراض التي لم تطرق، وكثيرون يعدونه ~~بذلك شاعر مصر، وديوانه معروف، وشعره مشهور ... إلخ.» # وقال عن شوقي: «سيأخذ بعض القراء العجب إذا رأى شوقي بك ثاني الطبقة الثانية وهو هو، شوقي بك ~~شاعر الحضرة الفخيمة الخديوية، ولكنا نعجب أكثر منه إذا رأينا الشوقيات قد انقلبت ~~إلى شوكيات، فأي ذوق سليم يطمئن لهذه المعاني المكررة وتلك الألفاظ النافرة من مثل: ~~«قضى أريحي القوم» وغيرها، ولا أدري لهذا الانقلاب سببا إلا إذا صح ما ms033 يقال ~~من أن «صبري وسلمان» كانا يهذبان شعر الرجل من قبل، وهو قول لا أجزم به ولا أرفضه ~~... ~~... وإنما اشتهر قديما يوم كان الكاظمي في العراق، والبارودي في سيلان ، وصبري من ~~مهذبي شعره على ما يقال، وحافظ في السودان، والرافعي لم يقل الشعر بعد - على ما ~~قيل لي! - وأثبت له الشهرة إضافته إلى الحضرة الخديوية، على نحو ما يذكر النحاة ~~في باب «الجر» بالمجاورة ...» # وختم المقال بقوله: «وسنرى ما يكون من امتعاض الشعراء بعد هذا المقال، ولكني أطلب إليهم أن يخفضوا ~~عن أنفسهم، فلا أنا من معية الأمير، ولا من حاشية السفير، وليس ما كتبت إلا رأيي، ~~فليبق كل في رأيه وعند نفسه أشعر الشعراء.» # وذيلته مجلة «الثريا» بما يأتي: ألقى إلينا مكتب بريد الزيتون يوما ملفا ضخما واردا من مصر، وداخله كتاب ~~موجز ومعه المقالة المتقدمة للنشر. أما الكتاب فهذه صورته بعد الديباجة: ~~... دونك مقالة بكرا لم ينسج على منوالها بعد في العربية، حرية بأن ~~تصدر بها مجلتك الغراء، ولا يروعنك شدة لهجتها، فكلها حقائق ~~ثابتة، وإن آلمت البعض؛ فإن الحق أكبر من الجميع، وإني لبالمرصاد لكل من ~~ينبري للرد عليها، وأنا كفء للجميع، وما إخال أحدا يستطيع أن ينقض حرفا ~~مما كتبته، وإن هم لزموا الصمت فحسبك من سكوتهم إذ ذاك إقرارا بأني أنزلت ~~كل شاعر في المنزلة التي يستحقها. # ولا يعنيك معرفة اسمي، فأنا ابن جلا وطلاع الثنايا، فانظر إلى ما قيل ~~وليس لمن قال، وبعد هذا فإن أعجبتك مقالتي فانشرها وإلا فاضرب بها عرض ~~الحائط، وإني أقترح عليك أن تنشر جميع ما يردك من الردود في المعنى، سواء ~~جاهر أصحابها بأسمائهم أو تستروا، فإن الموضوع طلي شهي، وفي إطلاقك الحرية ~~للكتاب ما ينشط بهم لحرية الجولان في المضمار. # قالت الثريا: وقد تصفحنا المقالة فراعنا شدة لهجة الكاتب، وبتنا نقدم رجلا ونؤخر ~~أخرى في نشرها، إلى أن تغلب علينا الميل لنشرها، إن لم يكن لشيء فلكثرة ما حوته من رائق ~~الأشعار لفحول الشعراء ... وهم نخبة شعراء مصر ms034 في هذا العصر، فأقدمنا على نشرها كما وردتنا ~~بالحرف الواحد، غير متحملين تبعتها، وللكتاب الأدباء الحرية في الرد عليها، وأبواب ~~الثريا ترحب بكل ما يردها من هذا القبيل، سواء من المشتركين أو غيرهم. # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم # 3 # أحسب أن لهذا المقال أهمية كبيرة لمن يريد أن يدرس الرافعي دراسة أوسع، قائمة على قواعد ~~من العلم والتحليل النفسي، وإنما يستأهل هذا الاهتمام من ثلاث نواح: # أولا: # إنه أول ما أنشأ الرافعي في النقد، فهو كالمقدمة لهذه المعارك ~~الطاحنة التي نشبت بين الرافعي ولفيف من أدباء عصره بعد ذلك بعشرين سنة، ~~فلا بد لمن يريد أن يتحدث عن الرافعي في النقد أن يبدأ من هنا. # ثانيا: # إنه ثبت جامع لأسماء الشعراء الذين نشئوا مع الرافعي في جيل واحد، وقرأ ~~لهم ونظر في شعرهم نظر الناقد أو نظر المعجب المحتذي، فلا بد لمن يريد أن ~~يتحدث عن الرافعي في الشعر، وعن الشعراء الذين تأثر بهم أو تأثروا به أن ~~يعرف هؤلاء الشعراء. # ثالثا: # إن في هذا المقال لونا من ألوان الدعاية التي كان يقوم بها الرافعي ~~لنفسه؛ ليبلغ الهدف الذي كان يرمي إليه بين أدباء العصر، فلا بد لمن يريد ~~أن يدرس وسائل الرافعي إلى الشهرة وذيوع الصيت أن يقرأ هذا المقال. # وبعد؛ فإن فيه شيئا من أخلاق الرافعي المزهو بنفسه، المعتد بعمله، القوي بإيمانه، ~~المتقحم على مواطن الهلاك؛ الرافعي القزم الضعيف الذي وقف على السفح تعتمد خاصرته على ~~راحته وهو ينظر إلى فوق ليقول للشعراء العمالقة على القمة: انزلوا إلي أو أصعد إليكم، ~~فأرميكم إلى بطن الوادي أشلاء ممزقة ليس فيها عضو إلى عضو، ولا يسمع لكم صريخ ...! # لقد كان الرافعي طويل اللسان من أول يوم ...! # | بين أهله # إذا رأيت رجلا موفقا فيما يحاوله، مسدد الخطا إلى الهدف الذي يرمي إليه، ~~فاعلم أن وراءه امرأة يحبها وتحبه! # إنني لا أعرف - فيمن أعرف - أحدا تنطبق عليه هذه الحكمة انطباقها على حياة الرافعي؛ ~~فالواقع الذي ms035 يعرفه كل من خالط الرافعي وعرف طرفا من حياته الخاصة، أنه ما كان ليبلغ ~~مبلغه الذي بلغ لولا الحياة الهادئة التي كان يحياها في بيته، فإلى زوجه يعود فضل كبير في ~~نجاحه وتوفيقه وهدوء نفسه، هذا الهدوء الذي هيأه لدراسة نفسه ودراسة من حوله والتفرغ ~~لأدبه وفنه، لا يشغله عنهما شاغل مما يشغل الناس من شئون الأهل والولد. # وقد تزوج الرافعي في الرابعة والعشرين من عمره، ولزواجه قصة فيها طرافة وفيها مجال ~~للفكر والنظر، وما دمت قد أخذت على نفسي أن أكتب عن الرافعي في كل أطواره، فلا علي أن ~~أقول ما أعرف من قصة زواج الرافعي، ولا أحسبني بذلك أتجاوز ما لي من الحق أو أتعرض لعتب ~~أو ملامة، لقد خرج الرافعي من ملك نفسه وأهله إلى حكم التاريخ، وللتاريخ حق واجب ~~الوفاء. # وزوج الرافعي مصرية صريحة النسب، من أسرة البرقوقي المعروفة في «منية جناج - دسوق» وأخوها ~~الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي صاحب «البيان»، # 1 # وقد كانت صلة الأدب بين الرافعي وعبد الرحمن البرقوقي هي أول السبب في هذا ~~الزواج. # حدثني المرحوم الرافعي قال: «... كنت في الرابعة والعشرين، وكنت أعرف عبد الرحمن البرقوقي ~~نوعا من المعرفة التي تربط بين شابين ترافقا في الطبع، واتفقا في الغاية، وكان عبد ~~الرحمن طالبا أزهريا ولوعا بالأدب، له حظوة ومكان عند الأستاذ الإمام؛ إذ كان من ~~تلاميذه الأدنين، وكنا نلتقي أحيانا، فسرني منه ما سره مني، وكان يعيش عيشة مترفة ليست ~~منها حياة الأزهريين؛ إذ كان له من غنى أبيه ومن جاه أسرته عز وكرامة ... فما تعارفنا حتى ~~تصافينا، ثم اتصل بيننا الود، فكنت له - وكان لي - أصفى ما يكون الصديق للصديق ... # لم أكن أعرف أخا له أو أختا، ولم يجر في بالي قط أن الصلة بيننا ستتجاوز ما بيننا، ~~حتى كان يوم جلست فيه أتحدث إلى نفسي، فكأنني سمعت صوتا من الغيب يهتف بي أن صديقي ~~عبد الرحمن هو صهري وأخو زوجي ... وانتبهت وأنا أسأل نفسي: أله أخت؟ يا ليت ...! لو كان إنني ms036 ~~إذن من السعداء ... # وكانت نفسي في الزواج، فما هي إلا أن تحرك في نفسي هذا الخاطر حتى سعيت إلى صديقي عبد ~~الرحمن، وقلت له وقال لي، وجرنا الكلام إلى حديث الزواج ، فقلت لصاحبي: من لي يا أخي ~~بالزوجة التي أريد؟ ووصفت له الفتاة التي تعيش في أحلامي، فلما فرغت من حديثي قال صاحبي: ~~أنا لك بما تريد. قلت: أتعرف؟ قال: هي هدية أقدمها إليك، قلت: من؟ قال: أختي!» # قال الرافعي: «وغشيتني غشية من الفرح، فما تلبثت حتى مددت إليه يدي فقرأنا الفاتحة، وما ~~وقع في نفسي وقتئذ أنني أمد يدي لأخطب عروسي لنفسي، ولكني أمدها لأتعرف إلى العروس ~~التي خطبتها علي الملائكة وأثبتت نبأ الخطبة في لوح الغيب.» # وبنى بأهله، وعاشا أهنأ ما يكون زوج وزوج، ثلاثا وثلاثين سنة - ثلث قرن - لم يدخل ~~الشيطان بينهما، ولم يتخاصما لأمر، إلا مرة ... # قال الأستاذ جورج إبراهيم: «لقد حضرت عرس الرافعي، وصحبته طوال يومه حتى صعد إلى جلوة ~~العروس، وشهدت اضطرابه وخجلته، واستمعت إليه من بعد يتحدث عن سعادته ويغبط نفسه على ~~حظه وتوفيقه، فما شكا إلي مرة واحدة هما ناله، ومضى عام ... وجاءني ذات يوم، فجلسنا ~~نتحدث، وتسرحنا في الحديث، ولكن وجه الرافعي كان ينم على سر يطويه، ثم لم يلبث أن أفصح، ~~قال: يا جورج، لقد عزمت على أمر ... سأطلق زوجي! وراعني هذا النبأ ونال مني، قلت: ~~تطلقها! لماذا؟ قال: إن إخوتها يجحدون حقها في تركة أبيها لا يريدون أن تستمتع منها ~~بشيء ... قلت: فهذا هو السبب؟ قال: نعم! قلت: ويهون عندك أن تأخذها بما اقترف أخوها؟ ... مصطفى، ~~إنك جبار، أو لا، فاذكر أن الطلاق جريمة لم يقترفها قبلك أحد من أسرة الرافعي، أو لا هذا ~~ولا ذاك، فاذكر أن أهل «طرابلس الشام» لا يذكرون الطلاق إلا كما يذكرون نادرة معيبة ~~وقعت مرة ولن تتكرر من بعد ... فكن بعض أهلك يا صاحبي ...» # قال: «وأطرق الرافعي هنيهة ثم قال: أحسبتني أفعلها؟!» # قال: «ولم يدخل الشيطان من بعد بينه وبين أهله؛ إذ كان ms037 كل منهما يعرف لصاحبه حقه وواجبه ... ~~ومضت اثنتان وثلاثون سنة بعد هذه الحادثة، كما يمضي شهر العسل، أو شعر الغزل، ليس فيه إلا ~~العطف والمحبة والاحترام.» ~~••• # كان الرفاعي يعيش في بيته عيشة مثالية عالية، فهو زوج كما يجب أن يكون الزوج، وأب كما يجب ~~ان يكون الأب، وما كان منكورا لأحد من أهله إن الرافعي ليس موظفا كسائر الموظفين، عمله في ~~الخارج وحسب، بل كانوا جميعا يعلمون ما عليهم لهذا الرجل الكبير، ويشعرون بما عليه من ~~تبعات تفرضها عليه مكانته الأدبية، فيهنئون له أسباب الهدوء والراحة والاطمئنان، كان في ~~بيته كالملك من الحكومة الدستورية، يملك ولا يحكم، ويعيش في جو من الاحترام والرعاية ~~والطاعة فوق الأحزاب وفوق المنازعات، فمن ذلك لم تكن «سياسة» البيت تشغله أي شغل أو تشغب ~~على هدوئه وتعكر صفوه، فكان خالصا لنفسه، منقطعا لفنه وعمله الأدبي، فدار كتبه له هو ~~وحده، وطعامه مهيأ في موعده وعلى نظامه، وفراشه ممهد في موضعه لساعته، ونظامه الذي يحقق له ~~الهدوء والراحة ونشاط الفكر مرعي مضبوط. # على أنه كان إلى ذلك يعرف واجبه لزوجه وأولاده، فما هو إلا أن يفرغ من عمله حتى تراه بين ~~أهله مثلا عاليا من الحب والوفاء، وأنا ما عرفت أبا لأولاده كما عرفت الرافعي؛ إذ يتصاغر ~~لهم ويناغيهم ويدللهم ويبادلهم حبا بحب، ثم لا يمنعه هذا الحب الغالي أن يكون لهم أبا ~~فيما يكون على الآباء من واجب التهذيب والرعاية والإرشاد ناصحا برفق حين يحسن الرفق، ~~مؤدبا بعنف حين لا يجدي إلا الشدة والعنفوان. ~~••• # وما دمت بصدد الحديث عن الرافعي في أهله، فإن واجبا علي أن أتحدث هنا عن شيء من ~~«حب الرافعي» أراه يتصل بهذا الموضوع: # في فترة ما من حياة الرافعي - سيأتي الحديث عنها بتفصيل أوفى فيما بعد - كان للرافعي هوى ~~وغرام، ووقع له في هواه ما يقع للمحبين من ضرورات الحب ودافع نفسه ما دافع فلم يجد له طاقة ~~على المقاومة، واحتال على الخلاص فما أجدته الحيلة إلا هما على هم، وكان ms038 حبه أقوى منه، ~~ولكن دينه وأخلاقه كانت أقوى من حبه. # وقال لنفسه: «ما أنا وهذا الحدث الذي يعترض طريقي ويغلبني على إرادتي؟ إن في بيتي امرأة ~~أحبها وتحبني - والحب عند الرافعي لا يأبى الشركة - وإن لها علي حقا ليس منه أن يكون ~~مني لغيرها نظرة أو ابتسامة إلا أن تأذن لي! ماذا يكون من أمري وأمرها غدا أمام الله حين ~~يطلب كل ذي حق حقه؟ أأقول لها: نعم، قد ضيعت حقك وأعطيت من قلبي الذي لا أملك لمن لا ~~تملك؟ ويلي! إنها الخيانة والإثم والعار!» # وذهب إلى زوجه فحدثها وحدثته، وأفضى إليها بخبره وكشف لها عن نفسه، ثم قال: وأنت يا ~~زوجتي، هل يخفى عليك مكانك مني؟ ولكن ... # واستمعت إليه زوجته هادئة مطمئنة ... ثم أذنت له ... وكتب الرافعي رسالته الأولى إلى ~~صاحبته التي غلبته على قلبه، وقرأت زوجته الرسالة وطوتها وأرسلت بها إلى صندوق البريد ~~... # وجاء جواب صاحبته فقرأته زوجته كما قرأت رسالته، وصار هذا دأبهما من بعد ... لا ترى ~~زوجته لها حقا عليه إلا أن تعرف، ولا يرى على نفسه في ذلك ملامة ما دامت زوجته تعرف ~~...! # وأنشأ هذا الحب سلسلة من الطرائف في الأدب العربي تم بها نقص العربية في فلسفة الحب ~~والجمال، هي «رسائل الأحزان» و«السحاب الأحمر» و«أوراق الورد»، ولكن أحدا لم يقرأ القصة ~~الأخرى ... قصة هذا الوفاء وهذه التضحية؛ لأن الرافعي لم ينشرها فيما ألف من الكتب في فلسفة ~~الجمال والحب ...! # | من الشعر إلى الكتابة # ملكة الإنشاء - إنشاء الجامعة المصرية - تاريخ آداب العرب - إعجاز القرآن - حديث ~~القمر - شيوخه في الأدب. ~~*** # بلغ الرافعي الشاعر مبلغه بعد سنة 1905، ونزل منزله بين شعراء العصر، وجرت ريحه رخاء ~~إلى الهدف المؤمل، فامتد نظره إلى جديد ... # وأخذ يروض قلمه على الإنشاء، لعله يبلغ فيه مبلغه في الشعر، فأنشأ بضع مقالات مصنوعة ~~فتنته وملكت إعجابه، فتهيأ لأن يصدر كتابا مدرسيا في الإنشاء سماه «ملكة الإنشاء» ~~يكون نموذجا للمتأدبين وطلاب المدارس، يحتذون فنه وينسجون على منواله، ووعد قراءه أن ~~ينتظروه، وأحسبه كان جادا ms039 فيما وعد لولا أمور نشأت من بعد وصرفته عن وجهه، فظل الوعد ~~قائما بينه وبين قرائه حتى نسيه ونسوه. # ولا أحسب أن شيئا ذا بال قد فات قراء الرافعي بعدم نشر هذا الكتاب، وحسب الأدباء ~~والباحثين في التاريخ الأدبي أن يقرءوا من هذا الكتاب الذي لم ينشر، مقالات ثلاثا نشرها ~~الرافعي في الجزأين الثاني والثالث من ديوانه، وفي الجزء الأول من ديوان النظرات، إعلانا ~~ونموذجا لكتابه، فإن في هذه المقالات الثلاث كل الغناء للباحث، تدله على أول مذهب ~~الرافعي في الأدب الإنشائي، وطريقته ونهجه. # 1 # إنشاء الجامعة المصرية # قلت: إن الرافعي كان جادا فيما وعد بإصدار كتابه «ملكة الإنشاء» لولا أمور نشأت من ~~بعد وصرفته عن وجهه، فهذا كان يوم إنشاء الجامعة المصرية في سنة 1907، كان قد مضى على ~~الرافعي يومئذ عشر سنين في مدرسته التي أنشأها لنفسه وكان فيها المعلم والتلميذ، يدرس ~~ويطالع ويتعلم لا يرى أنه انتهى من العلم إلى غاية، وما كان يدرس ليكون عالما في ~~الأدب، أو راويا في التاريخ، أو أستاذا في فرع من فروع المعرفة، وإنما كان يدرس ~~ليتزود للشعر زاده، وليبلغ من العلم مبلغا يعينه على أن يقول وينشئ، فلما أنشئت ~~الجامعة المصرية، تطلع إلى ما يقال هناك في دروس الأدب، لعله يجد فيه الجديد الذي ~~يتشوف إليه ويطلبه، فماذا وجد هناك؟ # مضى على إنشاء الجامعة سنتان وما استحدثت شيئا في الأدب يفتقر إليه الرافعي، وما ~~تحدث أساتذتها حديثا في الأدب لا يعرفه الرافعي ... ماذا؟ أهذا كل ما هناك؟ ... وأيقن ~~الرافعي من يومئذ أنه شيء، فلبث يتربص ... # وطال انتظار الرافعي وما استطاعت الجامعة أن تثبت له أن فيها دروسا للأدب، وما ~~استطاع الرافعي أن يقنع نفسه بأن في الجامعة أساتذة يدرسون الأدب، فكتب مقالا في ~~الجريدة يحمل على الجامعة وعلى أساتذة الجامعة، وعلى منهج الأدب في الجامعة، ورن ~~المقال رنينه وأحدث أثره، فاجتمعت اللجنة الفنية للجامعة، ونشرت دعوة على الأدباء إلى ~~تأليف كتاب في «أدبيات اللغة العربية» جعلت جائزة للفائز فيه مائة جنيه، ms040 وضربت أجلا ~~لتقديمه إليها سبعة أشهر، وقرأ الرافعي دعوة الجامعة، فما رضي ولا هدأت نفسه، لقد كان ~~أمله يومئذ أكبر من ذاك، إن مائة جنيه شيء مغر لمثل الرافعي الأديب الناشئ، والموظف ~~الصغير، والزوج العائل: أبي وهيبة وسامي ومحمد، ولكنه كان يطمح في أكثر من مائة جنيه، ~~ويطمع في أن يكون هو أستاذ الأدب بالجامعة. # إنهم على الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغير مؤلفه، فيكون الحاضر لديهم كالغائب ~~عنهم، ولا فضل لدارهم إلا أنها مصدر التلقين، فإذا طبع الكتاب صارت كل مكتبة في ~~حكم الجامعة؛ لأن العلم هو الكتاب لا الذي يلقيه، وإلا فما بالهم لا يعهدون ~~بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس؟ وهل يقتصرون على أن يكون من كفاية الأستاذ ~~القدرة على إلقاء درسه دون القدرة على استنباط الدرس واستجماع مادته حتى لا يزيد ~~على أن يكون هو بين تلامذته التلميذ الأكبر ...؟ # لم تنفض إدارة الجامعة يدها من قوم هم رؤساء الصناعة، وظهور مناصبها العالية، ~~وألسنة الحكم فيها، ثم تلتمس من ضعف الأفراد ما لم تؤمله في قوة الجماعة، وهي تعلم ~~أن الحمل الذي تتوزعه الأكف يهون على الرقاب؟ # 2 # وما سبعة أشهر لمن يريد أن يؤلف في تاريخ آداب العرب؟ إنه فن لم يتناوله أحد من ~~قبل، وإن مراجع البحث لكثيرة، وإن من وراء ذلك جهدا لا يطيقه إنسان! # وكتب الرافعي مقاله الثاني في «الجريدة» ينعت الجامعة ولجنة الجامعة، ويتأبى على ~~الدعوة التي دعت، ويقرر أن الذين دعوا الدعوة إلى وضع الكتاب وجعلوا لذلك العمل إلى ~~فصاله سبعة أشهر، إنما مست بهم الحاجة إلى كتاب وأعوزهم مؤلفه، فالتمسوه بتلك ~~الدعوة يفتشون عنه في ضوء الجائزة ... ومضى الرافعي يتجنى ويتدلل، وعادت الجامعة تفكر ~~في الأمر. # وأعادت نشر المسابقة لتأليف الكتاب، وزادت المدة إلى سنتين، والجائزة إلى مائتين، ~~وتعهدت بطبع الكتاب المختار. # ووجد الرافعي بذلك ما يشغله، فعاد إلى نفسه، وأغلق دار كتبه عليه ... # تاريخ آداب العرب # إن كثيرا من الأدباء لا يرضيهم أن يعترفوا للرافعي بيد على العربية أو يروا له ms041 ~~صنيعا في الأدب يستحق الخلود، إلا حين يذكرون كتابه «تاريخ آداب العرب» وإنه لكتاب ~~حقيق بأن يذكر فيذيع فضل الرافعي على الأدب والأدباء. # انقطع الرافعي لتأليف كتابه من منتصف سنة 1909، إلى آخر سنة 1910، وفي سنة 1911 أتم ~~طبع الكتاب على نفقته قبل أن يحل الأجل الذي عينته الجامعة. # لم يكن الرافعي طامعا في جائزة الجامعة؛ ولذلك لم يتقدم إليها به قبل طبعه، ترفعا ~~عن قبول الحكم فيه لجماعة ليس منهم من هو أبصر منه بالمحكوم فيه. # وكان أسبق المؤلفات ظهورا إلى دعوة الجامعة، الجزء الأول من كتاب العلامة جورج ~~زيدان، ثم الجزء الأول من تاريخ آداب العرب للرافعي، «سبقه ذاك بشهر أو شهرين سبقا مطبعيا». # 3 # وكانت مقالات الرافعي في «الجريدة» وكتابه «تاريخ آداب العرب» من بعد، هما السبب في ~~تدريس الآداب العربية وتاريخها في الجامعة المصرية، وهما السبب كذلك في وضع ما وضع من ~~الكتب في هذا العلم. # وأعان الرافعي على جمع ما جمع من وسائل البحث لكتابه مكتبات ثلاث بطنطا، كلها ~~حافل بالنادر من كتب العربية، مطبوعها ومخطوطها، هي: مكتبة الرافعي، ومكتبة الجامع ~~الأحمدي، ومكتبة القصبي. # 4 # وكان من وسائل تشجيعه على إتمامه وطبعه، ما أعانه به مدير الغربية الأديب المرحوم ~~محمد محب باشا من معونات أدبية ومادية ... # ليس من همي هنا أن أتحدث عن القيمة الأدبية لكتاب الرافعي «تاريخ آداب العرب»، فقد ~~فرغ الأدباء من الحكم عليه، وما منهم أحد إلا له فيه رأي محمود وثناء مستطاب، وما ناله ~~أحد بنقد إلا الأديب طه حسين الطالب بالجامعة المصرية يومذاك؛ إذ قال في مقال نشرته له ~~«الجريدة» سنة 1912: ~~... هذا الكتاب الذي نشهد الله على أننا لم نفهمه ... # لكنه عاد فصحح رأيه فيه سنة 1926، فاعترف بأنه لم يعجبه أحد ممن ألفوا في ~~الأدب إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي «فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير ~~القصص في انتحال الشعر وإضافته إلى القدماء، كما فطن لأشياء أخرى قيمة وأحاط ~~بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابة تاريخ ms042 آداب العرب.» # 5 # نال الرافعي بكتابه هذا مكانا ساميا بين أدباء عصره، وشغل به العلماء وقتا غير ~~قليل، وحسبك به من كتاب أن يقضي الأستاذ الكبير أحمد لطفي السيد أسبوعا يخطب عنه في ~~مجالس العاصمة ، # 6 # وقد كتب عنه مقالا ضافيا في الجريدة جاء فيه: # قرأنا هذا الجزء، فأما نحوه فعليه طابع الباكورة في بابه، يدل على أن المؤلف قد ~~ملك موضوعه ملكا تاما، وأخذ بعد ذلك يتصرف فيه تصرفا حسنا، وليس من السهل أن تجتمع ~~له الأغراض التي بسطها في هذا الجزء إلا بعد درس طويل وتعب ممل ... وأما أسلوب الرافعي في ~~كتابه فإنه سليم من الشوائب الأعجمية التي تقع لنا في كتاباتنا نحن العرب المتأخرين، ~~فكأني وأنا أقرؤه أقرأ من قلم المبرد في استعماله المساواة وإلباس المعاني ألفاظا ~~سابغة مفصلة عليها، لا طويلة تتعثر فيها، ولا قصيرة عن مداها تودى ببعض أجزائها ~~... # وكتب عنه الأمير شكيب أرسلان - وهو أشهر كتاب العربية في ذلك الوقت # 7 ~~- مقالة في صدر المؤيد جاء فيها: # لو كان هذا الكتاب خطا محجوبا في بيت حرام إخراجه للناس منه، لاستحق أن يحج ~~إليه، لو عكف على غير كتاب الله في نواشئ الأسحار، لكان جديرا بأن يعكف عليه ~~... # وقال عنه المقتطف: «إنه كتاب السنة ...» وما كتب المقتطف مثل هذه الكلمة من قبل ومن ~~بعد لغير هذا الكتاب. # وأسلوب الرافعي في هذا الكتاب أسلوب العالم الأديب، يجد فيه كل طالب طلبته من العلم ~~والأدب والبيان الرفيع، وكان الرافعي يومئذ قد أتم الثلاثين ...! # وفي السنة التالية، أصدر الرافعي الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب، وموضوعه إعجاز ~~القرآن والبلاغة النبوية، وهو الذي أصدره من بعد في طبعته الثانية باسم «إعجاز ~~القرآن»، وباسمه الثاني يعرفه قراء العربية، وقد طبعه على نفقته المغفور له الملك ~~فؤاد - رحمه الله، ومات الرافعي وفي مكتبته أصول الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب، ~~ومعها تعلقات كان ينوي إضافتها إلى الجزء الأول في طبعته الثانية فعاجلته المنية. # 8 ~~••• # هل كان للرافعي خيرة في المذهب الجديد ms043 الذي ذهب إليه عندما شرع يكتب «تاريخ آداب ~~العرب»؟ # وهل كان يعني ما يفعل حين انحرف عن الهدف الذي كان يسعى إليه في إمارة الشعر، إلى ~~المنحى الجديد في ديوان الأدب والإنشاء؟ # هل كان عن قصد ونية أن يتخلى الرافعي عن أماني الشباب وأوهام الصبا وأخيلة الفتيان ~~وأحلام الشعراء، ليقف نفسه على العربية وتراث العربية يستبطن أسرارها ويغوص على ~~فرائدها، وعلى الإسلام وأبطال الإسلام يكشف عن مآثرهم وينشر آثارهم؟ ... # الحق أن الرافعي لم يكن له خيرة في شيء من ذلك، ولا كان يعنيه، ولا توجهت إليه ~~نيته، ولكنه ألف تاريخ آداب العرب؛ لأنه وجد في نفسه رغبة إلى أن يؤلف في تاريخ آداب ~~العرب، وكتب في إعجاز القرآن؛ لأن إعجاز القرآن باب في تاريخ الأدب، فلما أخرج كتابيه ~~إلى الناس، لم يلبث أن ارتد إليه الصدى مما يقول الناس، فإذا هو عند أكثرهم أديب ~~ليس مثله في العربية، وإذا هو كاتب من الطراز الأول بين كتاب العربية، وإذا هو ~~صاحب القلم الذي يكتب عن إعجاز القرآن فيعجز، ويتحدث عن الإسلام حديث المؤمن إلى ~~المؤمن، حديث قلب إلى قلب ليس بينهما حجاب فكل ما ينطق يبين ... ووجد الرافعي كأنما ~~اكتشف نفسه! # وهنا بدأ الرافعي الكاتب الذي يعرفه اليوم قراء العربية، على حين أخذ الرافعي ~~الشاعر يتصاغر ويختفي رويدا رويدا حتى نسيه الناس أو كادوا، لا يتحدثون عنه إلا كما ~~يتحدثون عن شاعر استمعوا حينا إلى أغاريده العذاب، ثم ترك دنياهم إلى العالم الثاني ~~ليتحدث إليهم من صفحات التاريخ. # لقد عرف الرافعي من يومئذ أن عليه رسالة يؤديها بين أدباء الجيل، وأن له غاية أخرى ~~هو عليها أقدر وبها أجدر، فجعل الهدف الذي يسعى إليه أن يكون لهذا الدين حارسه وحاميه، ~~يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وأن ينفخ في هذه اللغة روحا من روحه يردها ~~إلى مكانها ويرد عنها، فلا يجترئ عليها مجترئ ولا ينال منها نائل، ولا يتندر بها ~~ساخر، إلا انبرى له يبدد أوهامه ويكشف عن دخيلته. # ونظر فيما ms044 يكتب الكتاب في الجرائد، وما يتحدث به الناس في المجالس، فرأى عربية ~~ليس من العربية، هي عامية متفاصحة، أو عجمة مستعربة، تحاول أن تفرض نفسها لغة على ~~أقلام المتأدبين وألسنتهم، فقر في نفسه أن هذه اللغة لن تعود إلى ماضيها المجيد حتى ~~تعود «الجملة القرآنية» إلى مكانها مما يكتب الكتاب وينشئ الأدباء، وما يستطيع كاتب ~~أن يشحذ قلمه لذاك إلا أن يتزود له زاده من الأدب القديم. # وعاد الرافعي يقرأ من جديد، ينظر فيما كتب الكتاب وأنشأ المنشئون في مختلف عصور ~~العربية، يبحث عن التعبير الجميل، والعبارة المنتقاة، واللفظ الجزل، والكلمة النادرة، ~~فيضيفها إلى قاموسه المحيط ومعجمه الوافي؛ لتكون له عونا على ما ينشئ من الأدب الجديد ~~الذي يريد أن يحتذيه أدباء العربية. ~~••• # هذا سبب مما عدل بالرافعي عن مذهبه في الشعر إلى مذهبه الجديد في الأدب والإنشاء، ~~وثمة سبب آخر كان الرافعي يصرح به كثيرا لمن يعرفه؛ ذلك أنه كان يرى في الشعر العربي ~~قيودا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به عن العواطف المضمرة في نفسه، ~~هكذا كان يقول هو، وأقول أنا: إنه كان يعجز أن يصب في قصيدة من الشعر ما كان يستطيع ~~أن يكتبه في سهولة ويسر مقالا من مقالاته الشعرية الرائعة التي يعرفها قراء العربية ~~فيما قرءوا للرافعي، والحق أن الرافعي بطبعه شاعر في الصف الأول من الشعراء، لا أعني ~~الشعر المنظوم، فذلك ميدان سبقه فيه كثير من شعراء العصر، بل أعني الشعر الذي هو ~~التعبير الجميل عن خلجات النفس وخطرات القلب ووحي الوجدان ووثبات الروح، ولقد كان - ~~رحمه الله - بما فيه من اعتداد بالنفس، يكتب المقال الفني المصنوع، فيقيس لفظه ~~بمعناه، ويربط أوله بآخره ويجمع بين أطرافه كل ما ينبض به قلبه من معاني السرور والألم، ~~والرجاء واليأس، والرغبة والحرمان، فإذا فرغ من إنشائه جلس يترنم به ويعيده على سمعه ~~الباطن، ثم لا يلبث أن يلتفت إلى جليسه قائلا: «أسمعت هذا الشعر؟ أرأيت شاعرا في ~~العربية يملك من قوة ms045 البيان ما يجمع به كل هذه المعاني في قصيدة منظومة ...؟» # هذه العبارة التي كان يسمعها جلساء الرافعي كثيرا، تفسر لنا قول الرافعي: «إن في ~~الشعر العربي قيودا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به عن نفسه الشاعرة، ~~أو تؤيد ما أدعيه أنا، من أنه كان يشعر بالعجز عن الإبانة عن كل خواطره الشعرية في ~~قصيدة من المنظوم، ولا يعجزه البيان في المنثور. نعم، كان شعر الرافعي أقوى من أداته، ~~وكانت قوالبه الشعرية تضيق عن شعوره ...» # أفترى في العربية شاعرا يستطيع أن ينظم ورقة واحدة من «أوراق الورد» في قصيدة منظومة ~~دون أن يتحيف المعنى ويخل بالميزان؟ # لا أحسب أن الرافعي كان يعني ما يقول حين يزعم أن القيود في الشعر العربي من أسباب ~~الضعف في الشعر، فهو نفسه لم يكن يستطيع أن يجهر بهذا الرأي، بل أحسبه في بعض نقداته ~~الأدبية أنكر مثل هذا القول على أديب من الأدباء وراح يتهمه بمحاولة الغض من قدر الشعر ~~في العربية، فما أراه كان يقول ذلك إلا تعبيرا عن معنى تأبى كبرياؤه الأدبية أن يصرح ~~به. ~~••• # ذلك هو السبب الثاني الذي عدل بالرافعي عن الاستمرار في قرض الشعر معنيا به مقصورا ~~عليه. # لم يهجر الرافعي الشعر هجرا باتا بعد أن اتخذ لنفسه هذا المذهب الجديد، ولكنه لم ~~يجعل إليه كل همه، واتجه بقلبه ولسانه إلى الهدف الجديد، فلا يقول الشعر إلا بين ~~الفينة والفينة إذا دعته داعية من دواعي النفس أو من دواعي الاجتماع، وسنرى فيما سيأتي ~~بعد، أنه قد صبا إلى الشعر ثانية عندما مس الحب قلبه، واتقدت جذوته في أعصابه سنة ~~1923، فدعته نفسه، وعندما اتصل ببلاط الملك فؤاد - رحمه الله - سنة 1926، فدعته داعية ~~الجماعة. # حديث القمر # قلت: إن الرافعي بطبعه كان شاعرا، ولكن شعره كان أقوى من أداته، وكانت قوالبه ~~الشعرية تضيق عن شعوره، فنزع إلى النثر الفني، وقلت: إنه كان يرمي إلى أن يعيد «الجملة ~~القرآنية» إلى مكانها مما يكتب الكتاب وينشئ الأدباء؛ لتعود اللغة ms046 على أولها ~~فصيحة جزلة مبينة، وإنه أخذ على نفسه أن يكون نموذجا في هذا الأدب الجديد يحتذيه ~~أدباء العربية، وقدمت في أول هذا الفصل أن الرافعي كان على نية إصدار كتاب مدرسي ~~سماه «ملكة الإنشاء» يكون عونا للمتأدبين وطلاب المدارس على الاقتباس لإجادة ~~الإنشاء. فذلك بعض ما دفعه إلى إصدار كتابه «حديث القمر» من بعد. # وقد أنشأ هذا الكتاب بعد رحلة إلى لبنان في سنة 1912، عرف فيها شاعرة من شواعر لبنان، ~~وكان بينها وبين قلبه حديث طويل في الحب، # 9 # فلما عاد من رحلته، وجد في نفسه حاجة إلى أن يقول فقال، فكان حديث ~~القمر! # وهو أول ما نشر الرافعي من أدب الإنشاء، أصدره بعد كتابيه: تاريخ آداب العرب، ~~وإعجاز القرآن، وما بي أن أصفه لقراء العربية، فهو مشهور متداول وهو أسلوب رمزي في ~~الحب، على ضرب من النثر الشعري، أو الشعر النثري، يصف من عواطف الشباب وخواطر العاشق ~~وما إليهما في أسلوب فني مصنوع لا أحسبه مما يطرب الناشئين من قراء العربية في هذه ~~الأيام، إلا أن يقرءوه على أنه زاد من اللغة، وذخر من التعبير الجميل، ومادة لتوليد ~~المعاني وتشقيق الكلام في لفظ جزل وأسلوب بليغ. # ومن هذا الكتاب كانت أول التهمة للرافعي بالغموض والإبهام واستغلاق المعنى عند فريق ~~من المتأدبين، ومنه كان أول زادي وزاد فريق كبير من القراء الذي نشئوا على غرار في ~~الأدب لا يعرفه ناشئة المتأدبين اليوم. # شيوخه في الأدب # أما إذا وصلت إلى هذا المكان من تاريخ الرافعي فإني أسأل نفسي: عمن أخذ الرافعي هذا ~~المذهب في الكتابة، وبمن تأثر من كتاب العربية القدامى والمحدثين؟ # هذا سؤال لا أجد جوابه فيما حدثني به الرافعي أو أحد من أهله وصحابته، وما أستطيع أن ~~أثبت شيئا في هذا المقام يعتمد عليه الباحث، وأكبر ظني أن الرافعي نفسه كان لا يعرف ~~أستاذه في الأدب والإنشاء، فما كان همه أول همه أن يكون كاتبا أو منشئا، ولكن ~~تطورات الزمن هي ردته من هدف إلى هدف، وألزمته أن ms047 يكون ما كان، وقد قرأ الرافعي ~~كثيرا وأخذ عن كثير، فمذهبه في الكتابة من صنع نفسه، هو ثمرة درس طويل وجهاد شاق، ~~اختلطت فيه مذاهب بمذاهب، وتداول عليه أدباء وأدباء من كتاب العربية الأولين. # ولكني أجد من الفائدة هنا أن أشير إلى اثنين من أدباء العربية كان يقرأ لهما الرافعي ~~أكثر ما يقرأ إلى آخر أيامه، هما: الجاحظ، وصاحب الأغاني، وكان يعجب بأدبهما ويعجب ~~لإحاطتهما عجبا لا ينقضي وإعجابا لا ينتهي، وكان لا بد له حين يهم بالكتابة بعد أن ~~يجمع عناصر موضوعه في فكره أو في مذكرته، أن يفتح جزءا من الأغاني، أو كتابا من كتب ~~الجاحظ يقرأ فيه شيئا مما يتفق، ليعيش فترة ما قبل الكتابة في جو عربي فصيح. # وأحسبه إلى ذلك قد تأثر كثيرا في صدر أيامه بما كان يكتب الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب ~~مجلتي «الضياء والبيان». # ومما لا يفوتني إثباته في هذا المجال أن مجلة «الهلال» قد استفتت أدباء العربية ~~يوما منذ سنوات، في أي الكتب العربية تعين الأديب الناشئ على مادته؟ وكان للرافعي ~~في هذا الاستفتاء جواب لا أذكره، أحسبه يفيد الباحث عن المصدر لأدب الرافعي. # وسمعته مرة يقول: إن كلمة قرأتها لفكتور هوجو كان لها أثر في الأسلوب الأدبي الذي ~~اصطنعته لنفسي، قال لي الأستاذ فرح أنطون مرة: إن لهوجو تعبيرا جميلا يعجب به ~~الفرنسيون كل الإعجاب، قوله يصف السماء ذات صباح: «وأصبحت السماء صافية كأنما غسلتها ~~الملائكة بالليل.» # قال الرافعي: «وأعجبتني بساطة التعبير وسهولة المعنى، فكان ذلك حذوي من بعد في ~~الإنشاء.» # أفيحق لنا بهذا أن نزعم أننا عرفنا واحدا من شيوخ الرافعي في الأدب والإنشاء ~~...! # | في سنوات الحرب # كان الرافعي - رحمه الله - شاعر النفس، مرهف الحس، رقيق القلب، قوي العاطفة؛ يرى المنظر ~~الأليم فتنفعل به نفسه ويتحرك خاطره ويتفطر قلبه، وتقص عليه نبأ الفاجعة فلا تلبث ~~وأنت تحكي له أن تلمح في عينيه بريق الدمع يحبسه الحياء، وقد كان الرافعي يقرأ فيما يرد ~~إليه من بريد قرائه كثيرا من المآسي الفاجعة ms048 يسأله أصحابه الرأي أو المعونة، فما يقرؤها ~~إذ يقرؤها كلاما مكتوبا، ولكنها تحت عينيه حادثة يشهدها ويرى ضحاياها، فما تبرح ذاكرته من ~~بعد إلا مع الزمن الطويل. # ولقد وقعت الحرب العالمية الأولى واستعرت نارها في الميادين البعيدة لا يبلغ إلينا منها ~~نار ولا دخان ولا يراق دم، ولكنها أرسلت إلى مصر الفقر والجوع والغلاء، فلم يكن ضحاياها ~~في مصر بالجوع والمتربة أقل عديدا من ضحاياها هناك في الميدان ... كيف كان يعيش العامل ~~المسكين في تلك الأيام؟ رباه! إنني ما أزال أذكر يوم أرسلني والدي - وأنا غلام بعد - ~~أستدعي النجار لعمل عندنا، فوجدته جالسا في أهله يأكلون، كانوا ستة قد تحلقوا حول قصعة ~~سوداء فيها كومة من فتات الخبز إدامه الماء، تتسابق أيديهم إليه في نهم كأنما يخشى كل واحد ~~أن تعود يده إلى القصعة بعد الأوان فلا يجد اللقمة الثانية ...! # هكذا كان يعيش نصف الشعب في تلك الأيام السود مما فعل القحط والغلاء؛ لأن أقوات الشعب قد ~~حملت إلى الميدان لتخزن في دار المؤن وقتا ما، ثم تقذفها من بعد قنابل المحاربين ~~وتذروها رمادا في الهواء ...! # ونظر الرافعي حواليه فارتد إليه البصر حسيرا مما يرى ويسمع، فاحتبس الدمع في عينيه، ~~ولكن قلبه ظل يتحدث بمعانيه. # ومضى عام وعام والحرب ما تزال مستعرة، والبؤس تتعدد ألوانه، وتتشكل صوره، وتحتشد آثاره، ~~والرافعي دائم الحديث إلى نفسه وهو يحمل ما يحمل من هم الشعب في قلبه الكبير، حتى امتلأ ~~الإناء يوما ففاض. ~~••• # في بعض اللحظات التي تفيض فيها النفس بالألم، يحس الإنسان كأنه شيء له في نظام الكون ~~إرادة وتدبير، وأن من حقه أن يقول للمقدور: لماذا أنت في طريقي ...؟ فتراه في بعض نجواه ~~يتساءل: رب، لم كتبت علي هذا ...؟ لماذا حكمت بذلك ...؟ لماذا قدرت وقضيت ...؟ ما ~~حكمتك فيما كان ...؟ ألم يكن خيرا لو كان ما لم يكن ...؟ ثم يثوب إلى نفسه ويفيء إلى الرضا، ~~فيعود معتذرا يقول: رب، لقد ظهر حكمك ودقت حكمتك فمغفرة وعفوا ...! # وتظل حكمة الله مطوية في ظلمات الغيب، ms049 لا يتنورها إلا من غمره شعاع الإيمان، وسطع في ~~قلبه نور الحكمة، أما الذين تعبدتهم شهوات أنفسهم فهم أبدا في حيرة وضلال. # في لحظة من تلك اللحظات، أغمض الرافعي عينيه وراح يفكر، وفي رأسه خواطر يموج بعضها في ~~بعض ، ثم فاءت نفسه، فرفع رأسه وهو يقول: «رب ما أدق حكمتك، وأعظم تدبيرك ...!» وأفاض ~~الله عليه ورفع عن عينيه الغطاء. # وعاد ينظر إلى الناس يأكل بعضهم بعضا، ويسرق بعضهم أقوات بعض، ويتزاحمون على الحياة ~~فيسارعون إلى الموت، فدمعت عيناه، ولكنه كان يبتسم، وعاد يقول: «حكيم أنت يا رب! ليتهم ~~وليتني ... ليتهم يعلمون شيئا من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس! ... كل شيء في هذا الكون ~~العظيم يجري على قدر منك وتدبير حكيم!» # ثم شرع يؤلف كتابه «المساكين». # كتاب المساكين # أخرج الرافعي كتابه هذا في سنة 1917، وهو الكتاب الرابع مما ألف في المنثور، وثاني ما ~~ألف في أدب الإنشاء، ويعرف به الرافعي في الصفحة الأولى منه فيقول: «هو كتاب أردت به ~~بيان شيء من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس ...» # وقدم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني، يقول فيها: «هذا كتاب حاولت أن أكسو الفقر من صفحاته مرقعة جديدة ... فقد ولله بليت ~~أثواب هذا الفقر وإنها لتنسدل على أركانه مزقا متهدلة يمشي بعضها في بعض، ~~وإنه ليلفقها بخيوط من الدمع، ويمسكها برقع من الأكباد، ويشدها بالقطع ~~المتنافرة من حسرة إلى أمل، وأمل إلى خيبة، وخيبة إلى هم، وأقبح من الفقر ~~ألا يظهر الفقر كاسيا أو تكون له زينة إلا من أوجاع الإنسانية أو المعاني التي ~~يتمنى الحكماء لو أنها غابت في جماجم الموتى الأولين ...» # والكتاب فصول شتى، ليس له وحدة تربط بين أجزائه، إلا أنه صور من آلام الإنسانية كثيرة ~~الألوان متعددة الظلال، تلتقي عندها أنة المريض، وزفرة العاشق، ودمعة الجائع، وصرخة ~~اللهفان المستغيث، فهنا صورة «الشيخ علي» الرجل الذي يعيش بطبيعته فوق الحياة وفوق ~~الناس؛ لأنه يعيش في نعمة الرضا، وإلى جانبه قصة الغني الشيخ الذي ms050 حسب أنه سيطر على ~~الحياة؛ لأنه ملك المال، وهذه صاحبته الحسناء الصغيرة التي انتشلها الشيخ بماله من ~~الفقر الجائع فوهب لها المال، ولكنه سلبها نعمة الشعور بالحياة، وهذا، وهذه ... من صور ~~المساكين الذين يعيشون يحتسون الدموع أو يتطهرون بالدموع . # وأول أمر الرافعي في تأليف كتاب «المساكين» أنه كان في زيارة أصهاره في «منية جناج» ~~فلقي هناك الشيخ علي، والشيخ علي هذا رجل يعيش وحده، ليس له جيب يمسك درهما، ولا جسد ~~يمسك ثوبا، ولا دار تؤويه، ولا حقل يغل عليه، يجوع فيهبط على أول دار تلقاه يتناول ~~ما يمسك رمقه، ويدركه النوم فيتوسد ذراعه حيث أدركه النوم من الدار أو الطريق، رجل يعيش ~~بطبيعته فوق كل آمال الناس وآمال الحياة، ولقيه الرافعي واستمع إلى خبره، فعرف من ~~فلسفته فلسفة الحياة، ووجد عنده الحل لكل ما في نفسه من مشكلات، فكان هذا الكتاب من ~~وحي الشيخ علي الفيلسوف الصامت في الرافعي الأديب، واجتمعت له مادة الكتاب في مجلس واحد ~~لم ينطق فيه أحد بكلمة. # ويصف الرافعي الشيخ علي فيقول: «... هو حليم لنفسه، غضوب لنفسه، وكذلك هو في الخفة والوقار، والضحك والعبوس، ~~والزهو والانقباض، وفي كل ضدين منهما لذة وألم، كأنه جزيرة قائمة في بحر لا ~~يحيط بها إلا الماء، فلا صلة بينهما في المادة وإن كانت هي فيه، فالناس كما هم ~~وهو كما هو، يرونه من جفوة الزمان أضعف من أن يصاب بأذى، ويرى نفسه من دهره ~~أقوى من أن يصيب بأذى، ويتحاشونه رأفة ورحمة، ويتحاماهم أنفة واستغناء، ثم ~~إن مسه الأذى من رقيع أو سليط أحسن إلى الفضيلة بنسيان من أساء إليه، فيألم ~~وكأن ألمه مرض طبيعي، ولا فرق عنده في هذه الحال بين أن يمغص بطنه بالداء ~~أو يمغص ظهره بالعصا ...! وهو والدنيا خصمان في ميدان الحياة، غير أن أمرهما ~~مختلف جدا، فلم تقهره الدنيا؛ لأنه لم يطمح إليها ولم يقع فيها، وقهرها هو؛ ~~لأنها لم تظفر به. ~~... وهو رجل سدت في وجهه منافذ الجهات الأربع كلها إلا جهة ms051 السماء، فكأنه ~~في الأرض بطل خيالي يرينا من نفسه إحدى خرافات الحياة، ولكنه مع ذلك يكاد ~~يخرج للدنيا تلك الحقيقة الإلهية التي لا تغذوها مادة الأرض ولا مادة ~~الجسم، فهي تزدري كل ما على الأرض من متاع وزينة وزخرف ، وكل ما ردت عليك ~~الغبطة من بسطة في الجسم أو سعة في المال أو فضل في المنزلة، وكل ما أنت من ~~إقباله على طمع ومن فوته على خوف. ~~... فهو أجهل الناس في الدنيا وأجهل الناس بالدنيا ... وأنت إذا سطعت له ~~بالجوهرة الكريمة النادرة، فلا يعدو أن يراها حصاة جميلة تتألق، وإن هولت ~~عليه بألوان الخز والديباج، حسبك مائقا لم تر قط نضارة البرسيم وألوان ~~الربيع ...» # هذا هو الشيخ علي الذي أوحى إلى الرافعي كتاب المساكين ونسب إليه القول فيه ورده ~~إلى إلهامه، وهو عنده النموذج الكامل للرجل السعيد والفيلسوف الصحيح. # وقد فرغ الرافعي من كتاب المساكين في سنة 1917، وفرغ الشيخ علي من دنياه بعد ذلك ~~بقليل، ولكن روحه ظلت تعمل في نفس الرافعي وتملي عليه وتلهمه الرأي إلى آخر أيامه بعد ~~ذلك بعشرين سنة، والواقع أن الرافعي كان يؤمن بفلسفة التسليم والرضا فيما لا طاقة له ~~به، إيمانا كان مادة حياته ونظام عمله، وإيمانه ذاك هو الذي كان يفيض عليه أمارات ~~المرح والسرور حتى في أعصب أوقاته وأحرج ساعاته، فكنت لا تراه إلا مبتسما أبدا أو ~~ضاحكا ضحكة السخرية والاستسلام. ~~••• # كتاب المساكين الذي يقول عنه المرحوم أحمد زكي: «لقد جعلت لنا سكشبير كما للإنجليز شكسبير، وهيجو كما للفرنسيين هيجو، وجوته ~~كما للألمان جوته.» ~~... هو كتاب اجتمع على إخراجه سببان: أهوال الحرب التي حطت على مصر بالجوع والقحط ~~والغلاء، والشيخ علي الجناجي. # | أغاني الشعب # اسلمي يا مصر - نشيد الاستقلال - البحر المنفجر. ~~*** # لم يوفق شاعر من شعراء العربية توفيق الرافعي في تأليف الأناشيد، ولم يكتب لنشيد وطني ~~أو طائفي من الذيوع والشهرة والانسجام مع الألحان ما كتب لأناشيد الرافعي، فهو بذلك خليق ~~أن نسميه «شاعر الأناشيد». # وقد ولع منذ نشأته في الشعر بالأناشيد ms052 الوطنية والأغاني الشعبية، يفتن في نظمها، ويبدع ~~في أوزانها وأساليبها، ففي سنة 1903 أخرج في الجزء الأول من ديوانه بضع قصائد وطنية، تفيض ~~عاطفة وتشتعل حماسة، واشتهر من بينها قطعته «الوطن» التي يقول في مطلعها: # بلادي هواها في لساني وفي دمي # يمجدها قلبي ويدعو لها فمي # وذاعت على ألسنة تلاميذ المدارس، يحملهم المعلمون على استظهارها في دروس المحفوظات إلى ~~يومنا هذا، كما اشتهر كثير من قصائده الوطنية وأغانيه الشعبية، وجاء في هامش ديوانه بعد ~~تمام هذه المقطوعات: # قد تمت القطع التي نظمت للنشء من تلامذة المدارس، وقال ناظمها: إنه إذا وجد الناس أقبلوا ~~عليها أقبل هو على نظم غيرها مما هو أرقى، غير مبال بوعورة هذا المسلك الذي لم يسلكه قبله ~~أحد، فها نحن أولاء ننتظر من الصحفيين وشبان العصر أن يأخذوا بيده في هذا المشروع، حتى لا ~~يغيض ما بقي في ذلك الينبوع ... # 1 # ثم دأب على نظم أمثال هذه الأغاني، ينشر منها طرفة رائعة في كل جزء من ديوانه، فنشر نشيد ~~الفلاحة المصرية، وأرجوحة سامي، وغيرهما، وأذاع في الصحف كثيرا مما نظم من «أغاني ~~الشعب». # وعرف الرافعي في نفسه هذه الميزة التي فاق بها شعراء العربية في باب هو من الشعر في ذلك ~~العصر من صلبه وقوامه، فأجمع أمره على إخراج ديوان «أغاني الشعب» يضع فيه لكل جماعة أو ~~طائفة من طوائف الشعب نشيدا أو أغنية عربية تنطق بخواطرها وتعبر عن أمانيها، وقد جرى ~~الرافعي في هذا الميدان شوطا بعيدا، وأنجز طائفة كبيرة من أغاني الشعب نشر بعضها وما يزال ~~سائرها في طي الكتمان بين أوراقه الخاصة ومؤلفاته التي لم تنشر بعد. # وإنك لترى الرافعي في هذه الأغاني والأناشيد، له طابع وروح غير ما تعرف له في سائر شعره، ~~فتؤمن غير مضلل أن الرافعي هبة الزمان للعربية ليزيد فيها هذا الفن الشعري البديع الذي ~~تقطعت أنفاس شعراء العربية دونه منذ أنشد شاعرهم في الزمان البعيد: «نحن بنو الموت إذا ~~الموت نزل ...» ثم لم يقل أحد من بعده شعرا ms053 يترنم به في الحرب، أو يدعو إلى الجهاد، ويستنفر ~~إلى المعركة، حتى أنشد الرافعي. # ويقيني أن اسم الرافعي إذا كتب له الخلود بين أسماء الشعراء في العربية، فلن يكون خلوده ~~وذكره؛ لأنه ناظم ديوان الرافعي، أو ديوان النظرات، أو المدائح الملكية في المغفور له الملك ~~فؤاد، أو قصائد الحب والغزل بفلانة وفلانة من حبائبه الكثيرات، ولكنه سيخلد ويذكر؛ لأنه ~~شاعر الأناشيد. # وأشهر أناشيده: «اسلمي يا مصر» و«إلى العلا، إلى العلا بني الوطن» و«حماة الحمى ...» ولكل ~~نشيد تاريخ. ~~••• # نهضت الأمة نهضتها الرائعة في سنة 1919، ودوى صوت الشعب هاتفا: إلى المجد إلى المجد، ~~إلى الموت أو الحرية، وصاح صائح الجهاد يدعو كل نفس من داخلها، فإذا الأمة صوت واحد، على ~~رأي واحد، إلى هدف واحد، وإذا مظهر رائع من مظاهر الإيمان بحق الموجود في وجوده يتمثل في كل ~~مصري، ويستعلن على كل لسان في مصر. # واجتمع رأي طائفة من رجالات مصر على أن يكون لهذه النهضة نشيد يعبر عن أمانيها وغايتها، ~~ويكون أغنية كل مصري، تجتمع عندها خواطر نفسه، وخلجات فكره، وهمسات قلبه، فيكون صوتها من ~~صوته، ولحنها من أحلامه، وبيانها من معاني نفسه. # وتلفت الناس يفتشون عن ذلك الشاعر الموهوب الذي يؤملون أن تتحدث الأمة بلسانه وتهتف ~~بشعره، وسمت لجنة النشيد جائزة وضربت أجلا ... # وتبارى الشعراء في الافتنان والإجادة، وتقدم كل شاعر ببضاعته، وتقدم الرافعي فيمن ~~تقدم، ولكن اثنين لهما مكانهما وخطرهما بين شعراء العصر لم يتقدما بشيء إلى لجنة ~~النشيد، هما: «شوقي» أمير الشعراء، و«حافظ» شاعر النيل. أما حافظ فلأنه من المحكمين في ~~اختيار النشيد، وأما شوقي ... فمن يدري. # وكان على رأس «لجنة النشيد» الوزير العالم الأديب، الأستاذ جعفر والي، # 2 # فكأنما عز عليه أن ينتهي الأجل المضروب فيتقدم الرافعي، ويتقدم الهراوي، ~~ويتقدم عبد الرحمن صدقي، ويتقدم غير هؤلاء ممن يقول الشعر، وممن لا يحسن إلا أن يزن ~~فاعلاتن ومفعولاتن على كلام، ولا يتقدم شوقي وحافظ. # ونسأت اللجنة الأجل المضروب، وسعى الساعون إلى الشاعرين الكبيرين ليحملوهما على ~~الاشتراك في المباراة، ms054 فأما حافظ فأصر وأبى، وأما شوقي ... يرحمه الله، لقد كان حريصا على ~~أن يقول الناس في كل مناسبة، لقد قال شوقي ... ولكن ماذا يقول في ذلك اليوم؟ # وكان لشوقي نشيد أنشأه منذ عهد لتفتتح به «فرقة عكاشة» موسمها التمثيلي ، فماذا عليه لو ~~تقدم بهذا النشيد القديم إلى لجنة المباراة؟ # وتقدم شوقي إلى اللجنة بنشيده المشهور: # بني مصر مكانكمو تهيا # فهيا مهدوا للمجد هيا # وتساءل الأدباء بينهم: لماذا مدت اللجنة الأجل المضروب؟ فلم يلبثوا أن جاءهم الجواب ~~الصريح، فعرفوا أن اللجنة لم تفعلها إلا حرصا على أن يكون النشيد المختار من نظم شوقي ~~... # عندئذ نجمت ثورة أدبية حامية، وتمرد الأدباء على اللجنة وحكم اللجنة، وهل كان لهم أن ~~يطمئنوا إلى عدالتها وقد ذاع الحكم قبل موعد الفصل في القضية؟ # وكان الرافعي على رأس الثائرين، فأنشأ بضع مقالات في «الأخبار»، وللأخبار يومئذ مذهبها ~~السياسي، وكاتبها الأول هو المرحوم أمين الرافعي، فسحب الرافعي نشيده من اللجنة قبل أن يسمع ~~الحكم فيه، وراح يعلنها ثورة صاخبة على اللجنة وأعضاء اللجنة، وعلى شوقي وأنصار شوقي وقال ~~في نشيده ما يقال وما لا يقال، وتابعه جمهرة من الأدباء، فكتب المازني والعقاد في ~~«الديوان»، وكتب غير المازني والعقاد، وشوقي - رحمه الله - رجل كان - على فضله ومكانته وعلى ~~منزلته في الشعر - ضيق الصدر بالنقد والناقدين، فمن هذا كان بينه وبين الرافعي شيء من ~~يومئذ، إن لم يكن من قبل يوم نشر الرافعي مقاله في «الثريا» عن شعراء العصر في سنة 1905، ~~فما التقيا من بعد حتى لقيا الله، على أن أحدا من أدباء العربية لم ينصف شوقي بعد موته أو ~~يكتب عنه مثل ما كتب الرافعي عن شوقي في مقتطف ديسمبر سنة 1932، وهو نموذج من الأدب الوصفي ~~أحسبه نادر المثال فيما يكتب الكتاب عن الأدباء المعاصرين. ~~••• # ومضت لجنة المباراة في طريقها غير آبهة لما يقال، ومضى الرافعي في ثورته، ثم لم يلبث أن ~~جمع لجنة غير اللجنة، من أصدقائه وصفوته والآخذين عنه؛ لتنظر في نشيد الرافعي ~~وحده. # وأصدرت اللجنة ms055 الأصيلة حكمها، فكان الفائز الأول هو شوقي، وفاز من بعده الهراوي وعبد ~~الرحمن صدقي، وأعلنت اللجنة الأخرى أن نشيد الرافعي هو النشيد القومي المصري ... وسبقت بين ~~المغنين جائزة؛ ليصنعوا لحنا لنشيد الرافعي: # إلى العلا إلى العلا بني الوطن # إلى العلا كل فتاة وفتى # وفاز الموسيقار الكبير الأستاذ منصور عوض بالسبق إلى اللحن والجائزة! # ليس من همي هنا أن أوازن بين نشيدي شوقي والرافعي، فقد مات نشيد الرافعي «إلى العلا ...» ~~بعد أن سبقه نشيد شوقي إلى الموت بعشر سنوات، ولم تجد كل المحاولات في بعثه ونشره ... وإذا ~~كان لي أن أقول شيئا هنا في الفرق بين النشيدين، فهو أن أصف كيف كان استقبال الناس لنشيد ~~الرافعي واحتفائهم به في كل مكان، وكيف كان نشيد شوقي. # لقد سمعت نشيد الرافعي أول ما سمعته في حفل رسمي أقيم لإذاعته بطنطا في سنة 1921 أو 1922 ~~بمسرح البلدية، فما أحسب أني رأيت من بعد نشيدا احتفل له الناس ما احتفلوا لنشيد الرافعي ~~يومئذ، فإذا كان قد مات بعد ذلك بسنين وجر عليه النسيان أذياله، فما أظن ذلك كان لضعف ~~فيه أو نقص يعيبه، ولكننا نعيش في شعب أكبر فضائله أن ينسى ... # اسلمي يا مصر # وتطورت الفكرة الوطنية فتمثلت بشرا في سعد زغلول، فهو المصري الذي لو أرادوا أن ~~يمثلوا ذلك الشعب العريق إنسانا تراه العين لما وجدوا إلا صورته، ولو سألوا: من ~~الرجل الذي يقول أنا الأمة صادقا لما وجدوا غيره ... # وتطورت فكرة النشيد القومي عند الرافعي، فرأى رؤياه في منامه ... فلما أصبح ألف ~~نشيده «اسلمي يا مصر»، وما كان هم الرافعي عندما ألفه أن يجعله نشيدا قوميا، ~~إنما قصد إلى أن يجعله بيانا رمزيا على لسان سعد، أو كما يقول الرافعي في خطابه إلى ~~سعد في جبل طارق: # وما أردت بإظهار نشيدك إلا أن تظهر في كل فرد من الأمة على قدر استعداده، ~~ويبقى اسمك الجليل مع كل مصري على الدهر ليكون مصدرا من مصادر إمداده. # ويقولون: إنه نشيد يقربك من الأجيال الآتية، ms056 وأنا أقول: إنهم هم يتقربون به ~~إليك، ويجدون منه الوسيلة لتقبيل اسمك المحبوب؛ إذ لا يستطيعون مثلنا تقبيل ~~يديك، ويجدون في كل زمن من شرح هذا الاسم الكبير أنه الرجل الذي خط قلم ~~الأزل بيده كتاب نهضته الكريمة، واختاره الله للأمة كما اختار الأنبياء إلا ~~أنه نبي الفكر والعزيمة ... # قلت: إن الرافعي لم يكن يعني بإنشاء نشيده «اسلمي يا مصر» أن يجعله نشيدا قوميا، ~~فإنه لمطمئن إلى أن نشيده «إلى العلا ...» ماض في طريقه إلى هذا الهدف، إنما كان يعني ~~أن يضع في هذا النشيد صوت سعد كما تصورت حقيقته في نفسه، لكن نشيده ما كاد ينشر ~~ويذاع، حتى أبدت البلاد رأيها، فقام الطلبة والأدباء والفنانون يدعون دعوتهم إلى ~~اتخاذه نشيدا قوميا ليجعلوا صوت سعد في هذا النشيد صوت البلاد، وليتخذوا ما فيه من ~~معاني المجد شعارا لكل مصري؛ أن كان صوت سعد يومئذ هو صوت كل مصري. # وتألفت اللجان في مختلف البلاد لإعلانه وإذاعته، وتسابق الملحنون إلى ضبط نغمته ورسم ~~لحنه، فكان أسبقهم إلى ذلك الموسيقار منصور عوض، والموسيقار صفر علي، واللحن الأول أدق ~~اللحنين وأوفاهما بالغاية، ولكن اللحن الثاني أذيع وأعم، وبه تنشده فرق الكشافة ~~المصرية بعد أن صار نشيدها الرسمي. # نشيد الاستقلال # ونجحت الدعوة نجاحها المؤمل، فصار نشيد «اسلمي يا مصر» هو نشيد مصر القومي من سنة ~~1923 إلى سنة 1936 حين أعلنت الحكومة عن المباراة العامة لتأليف نشيد قومي يهتف به ~~الشعب وتعترف به الحكومة. # في هذه الفترة كان الرافعي على نية إنشاء نشيد وطني جديد؛ إجابة لرغبة تقدم بها ~~إليه شبان الوفد، فما أذاعت الحكومة بيانها عن المباراة حتى تقدم بنشيده ~~الجديد: # حماة الحمى، يا حماة الحمى # هلموا، هلموا لمجد الزمن # لقد صرخت في العروق الدما # نموت، نموت، ويحيا الوطن # كما تقدم بنشيده الآخر: «اسلمي يا مصر»، ولأمر ما استبعدت لجنة المباراة النشيد ~~الثاني، ومنحته الجائزة الثانية على النشيد الأول، وما أريد أن أعرض لرأي اللجنة ~~وحكمها في هذا النشيد الجديد، فذلك باب من النقد ms057 الأدبي ليس من قصدي التعرض له في هذا ~~المقال، فإن للتاريخ الأدبي حكمه في هذا الشأن، يوم تنسى الأحقاد وتمحي ~~العداوات. ~~••• # ليس ما ذكرت هو كل جهد الرافعي في الأناشيد، وليس بهذا وحده يستحق أن نخلع عليه هذا ~~اللقب الذي لا أرى غيره من شعراء العربية جديرا به، فما أستطيع أن أحصي كل ما أنشأ ~~الرافعي في هذا الباب، وحسبي أن أذكر بنشيده الخالد الذي أنشأه في سنة 1927 ليكون ~~شعار «الشبان المسلمين»، فهنا في هذا النشيد يعرف الرافعي الشاعر المسلم المجاهد الذي ~~وقف قلمه وبيانه على خدمة المسلمين والعرب. # أما نشيد «الملك»، ونشيد «بنت النيل»، ونشيد «الطلبة» الذي أنشأه؛ ليكون به هتاف ~~تلاميذ المدرسة الثانوية بطنطا، فذلك فن من البيان له فصل بعنوانه في تاريخ الأدب ~~العربي. # البحر المنفجر # في أناشيد الرافعي عامة، تعرف له طابعا وروحا ونغمة هي سر نجاحه فيما ألف من ~~أناشيد، ويميل في أناشيده الوطنية خاصة إلى إبراز معنى القوة في سبك اللفظ ولحن القول، ~~ولو أنك سمعته مرة وهو في خلوته الشعرية يحاول شيئا من هذه الأناشيد لسمعت لحنا له ~~رنين يشترك فيه صوت الرافعي، ونقر أصابعه على المكتب، وخفق نعله على أرض المكان، وعلى ~~أن الرافعي كان أصم لا يسمع قصف المدافع، فإنه كان لا يستوي له النظم إلا في مثل هذه ~~الحال، واسألوا صديقنا الأستاذ مصطفى درويش مفتش التحقيقات بوزارة المعارف، ماذا رأى ~~وماذا سمع يوم صحب الرافعي من طنطا إلى القاهرة وكان يؤلف في القطار نشيده «حماة الحمى ~~...»؟ # واسألوا الآنسة ماري قدسي معلمة الموسيقى بوزارة المعارف تحدثكم عن خبر الرافعي يوم ~~جلس إليها وهي تعالج تلحين نشيده «بنت النيل»، ويوم جلست إليه تعزف له على البيانة ~~لحنها لنشيد «اسلمي يا مصر»، وهو يسمعها بعينيه تتبعان أصابعها على المعزف وهو ينقر على ~~الأرض بعصاه ورجليه وينفخ شدقيه، وفي أذنيه وقر ثقيل ...! # هذه النغمة التي كانت تتمثل للرافعي في سمعه الباطن وهو يعالج نشيدا من الأناشيد، ~~كان لها أثرها الفني في عمله، وهي ms058 هي التي كانت تشعره أحيانا بالعجز عن أن يجد في ~~موازين الشعر العربي النغمة التي كان يريدها في أناشيده كطبل الحرب، فلما هم أن يضع ~~نشيد الطلبة: # مجدا مجدا مدرستي # مدرستي مجدا مجدا # عن علمي عن تربيتي # مدرستي حمدا حمدا # لم يجد له نغمة تلائمه فيما يعرف من بحور الشعر، فاخترع له هذا الميزان الذي يزنه به ~~قارئه، وسماه «طبل الحرب»، ولكن صاحب «المقطم» أشار عليه أن يسميه «البحر المنفجر»، ~~وتفعيلاته: «فعل، فعل، فو» مكررة في كل شطر، مع بعض علل في الميزان يمكن إدراكها ~~بالموازنة بين الشعر وتفعيلاته. ~~••• # هذا هو الرافعي شاعر الأناشيد، وهذا جهده وما بلغ، وقد كان على نية إصدار ديوان ~~«أغاني الشعب» لولا أن عاجلته المنية، فلو أن أدباء العربية ذكروا يوما أن عليهم ~~واجبا لإمام من أئمة الأدب العربي كان يعيش في هذا العصر فاجتمعوا على العناية بآثاره ~~وإتمام رسالته الأدبية، لأخرجوا لقراء العربية ذخرا من الأدب والبيان الرفيع لا ~~يقدر على إنشاء مثله جيل كامل من مثل أدباء هذا الزمان ...! # | الرافعي العاشق # الحب عن الرافعي - هو وهي - شعر وفلسفة - وحب وكبرياء - هي وهو. تعقيب - رسائل ~~الأحزان - السحاب الأحمر - أوراق الورد. ~~*** ~~(1) ~~«إن المرأة للشاعر كحواء لآدم، هي وحدها تعطيه بحبها جديدا لم يكن فيه، وكل ~~شرها أنها تتخطى به السموات نازلا ...» ~~(2) ~~«إن النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب وعشق ...» ~~(3) ~~«... إن ملكة الفلسفة في الشاعر من ملكة الحب، وإنما أولها وأصلها دخول المرأة ~~في عالم الكلام بإبهامها وثرثرتها ...» # الرافعي # أتراني أستطيع الحديث عن الرافعي العاشق فأوفي القول وأبلغ الغاية ... وهل يكون لي أن ~~أدعي أنني أكتب في هذه الصفحات تاريخ الرافعي إذا أنا لم أعرض لحديث الرافعي العاشق ~~...؟ # وهل خلت فترة في حياة الرافعي من الحب؟ # ذلك الرجل الذي لا يتخيله أكثر من لم يره إلا شيخا معتجر العمامة مطلق العذبة مسترسل ~~اللحية مما قرءوا له من بحوث في الدين وآراء في التصوف وحرص على تراث السلف وفطنة في فهم ~~القرآن مما لا ms059 يدركه إلا الشيوخ، بل مما لا يدركه الشيوخ. # هذا الذي يكتب عن إعجاز القرآن، وأسرار الإعجاز، والبلاغة النبوية، ويصف عصر النبوة ~~ومجالس الأئمة وكأنه يعيش في زمانهم وينقل من حديثهم ... # هذا الذي كانت تتصل روحه فيما يكتب - من وراء القرون - بروح الغزالي، والحسن البصري ، ~~وسعيد بن المسيب، فما تشك في أن كلامه من كلامهم وحديثه من إلهام أنفسهم ... # هذا الذي تقرأ له فتحسبه رجلا من التاريخ قد فر من ماضيه البعيد وطوى الزمان القهقرى ~~ليعيش في هذا العصر ويصل حياة جديدة بحياة كان يحياها منذ ألف سنة أو يزيد في عصر بعيد ~~... ~~... هذا الرجل كان عاشقا غلبه الحب على نفسه وما غلبه على دينه وخلقه ...! # إن الحديث عن حب الرافعي لحديث طويل، فما هي حادثة أرويها وأفرغ منها، وحبيبة واحدة ~~أصفها وأتحدث عنها، ولكنها حوادث وحبيبات، وعمر طويل بين العشرين والسابعة والخمسين، لم ~~يشرق فيه صباح ولم يجن مساء إلا وللرافعي جديد في الحب، بين غضب ورضا، ووصل وهجر، ~~وسلام وخصام، وعتب ودلال، وحبيب إلى وداع وحبيب إلى لقاء ... وشاب الرافعي وما شاب قلبه، وظل ~~وهو يدب إلى الستين كأنه شاب في العشرين ... ومات وعلى مكتبه رسالة وداد من صديقة بينها ~~وبينه جواز سفر وباخرة وقطار، وكان في الرسالة موعد إلى لقاء ...! ~~••• # قلت مرة للأستاذ الزيات صاحب «الرسالة» وبين الرافعي وأجله عام: هل لك في موضوع طريف عن ~~الرافعي أنشره لقراء الرسالة؟ إن للرافعي في الحب لحديثا يلذ ويفيد ... # قال: ومن لي بهذا؟ # قلت: أنا لك. # قال: ولكنه حديث يغضب الرافعي! # قلت: وعلي أنا أن يرضى ... # وذهبت إلى الرافعي فأفضيت إليه بعزمي. قال: أوتفعلها؟ أفكان لهذا مجلسك مني كل مساء، ~~تسترق السر لتدخره إلى يوم تنشره فيه على الناس بثمن ...؟ # قلت: لو أنه كان سرا لم يعلمه غيري ما عقدت العزم على شيء، ولكنه «سر» على لسانك إلى ~~كل من تتحدث إليه! ... # وما كان للرافعي سر يستطيع أن يطويه بين جوانحه يوما وبعض يوم، فكأنما أذكرته - بما ~~قلت - بعض ما ms060 كان ناسيا، فعاد يقول: وماذا تريد أن تقول في حديثك عن حبي؟ # قلت: حديثا لو هم غيري أن يجعل منه مقالا لقرائه لما كان الرافعي هو الرافعي عند من ~~يقرؤه، ولكن أحسبني أنا وحدي الذي يستطيع أن يقول: إن الرافعي كان يحب فما يغير شيئا من ~~صورة الرافعي كما هو في نفسه وكما هو عند من يعرفه، إنني أنا وحدي الذي يعرف الحادثة ~~وجوها وملابساتها وما كان في نفسك منها، ولعلي يوم عرفت كنت أسمع نبضات قلبك وخلجات ~~وجدانك ومرمى أملك وما كانت غايتك في الحب ومداك، أما غيري فهل تراه يعرف إلا الحادثة؟ ~~وحسبه أن يقول: إن الرافعي يحب ... ثم تكون الفضيحة التي تخشاها وأنت منها طاهر الإزار ~~... # واستمع الرافعي إلى حديثي ثم أطرق هنية وعاد يسألني: وهل أقرأ ما تعده قبل أن ~~تنشره؟ # قلت: لك ما تريد. # قال: أنت وشأنك! ~~••• # وأجمعت أمري، وأعددت فكري، وتهيأت للكتابة، ثم شغلتني العناية بطبع «وحي القلم» وتصحيح ~~تجاربه عن الوفاء بما وعدت ... ومات الرافعي! # فإن يكن في الحديث عن «الرافعي العاشق» حرج فلا علي فقد استأذنته فأذن، وما أكتب الآن ~~إلا مستمدا من روحه، راويا من بيانه، ولدي شهودي من كتبه ورسائله وما يعرفه أصدقاؤه ~~وصفوته، وإذا كان الرافعي قد خفت صوته إلى الأبد فلا سبيل إلى أن أسمع رأيه فيما أكتب عن ~~تاريخ قلبه، فإني لمؤمن شديد الإيمان بأنني ما أزال في رضاه ومنزلتي عنده، وإن كان بيننا ~~هذا البرزخ الذي لا أعرف متى أجتازه إليه فأسمع من حديثه ويسمع من حديثي! # الحب عند الرافعي # وهل في الحب عار أو مذمة؟ # هذا سؤال يجب أن يكون جوابه إلى جانبه قبل أن أمضي في هذا الحديث. أما الحب الذي ~~أعنيه - وكان يعنيه الرافعي - فشيء غير الحب الذي يدل عليه مدلول هذه الكلمة عند أبناء ~~هذا الجيل ... # إن الحب عند الناس هو حيلة الحياة لإيجاد النوع، ولكنه عند الرافعي هو حياة النفس إلى ~~السمو والإشراق والوصول إلى الشاطئ المجهول، هو نافذة تطل منها ms061 البشرية إلى غاياتها ~~العليا، وأهدافها البعيدة، وآمالها في الإنسانية السامية، هو مفتاح الروح إلى عالم غير ~~منظور تتنور فيه الأفق المنير في جانب من النفس الإنسانية، هو نبوة على قدر ~~أنبيائها، فيها من الوحي والإلهام، وفيها الإسراء إلى الملإ الأعلى على جناحي ملك ~~جميل ... هو مادة الشعر وجلاء الخاطر وصقال النفس وينبوع الرحمة وأداة البيان. # كذلك كان الحب عند الرافعي، ولذلك كان يحب ... وسعى إلى الحب أول ما سعى على رجليه، ~~منطلقا بإرادته ليبحث في الحب عن ينبوع الشعر، فلما بلغ أغلق الباب من دونه فظل يرسف ~~في أغلاله سنين لا يستطيع الفكاك من أسر الحب. # وكانت «عصفورة» أول من فتح لها قلبه فسيطرت عليه وغلبته على نفسه، وهي فتاة من ~~«كفر الزيات» لقيها ذات يوم على الجسر، وسنه يومئذ إحدى وعشرون سنة، فهفا إليها ~~قلبه، وتحرك لها خاطره، وكان للرافعي في صدر شبابه على «جسر كفر الزيات» مغدى ~~ومراح، ومن عيون الملاح على هذا الجسر تفتحت زهرة شبابه للحب، وجاشت نفسه بمعاني ~~الشعر. # ومن وحي هذا الحب كان أكثر قصائد الرافعي الغزلية في الجزء الأول من الديوان، ومنه ~~كان ولوعه في صدر أيامه بلقب شاعر الحسن! # وبلغ الرافعي بعصفورة إلى غايته، واشتهر «شاعر الحسن» وترنم العشاق بشعره وما ~~بلغت عصفورة إلى غايتها، ثم مضى كل منهما إلى طريق، وأتم الرافعي طبع ديوانه ... وكما ~~ينتهي الحب الذي هو حيلة الحياة لإيجاد النوع، إلى الزواج أو إلى الغاية الأخرى ثم يبدأ ~~في تاريخ جديد، كذلك انتهى حب الرافعي وعصفورة وأنجب ثمرته الشعرية في الجزء الأول من ~~الديوان، ثم كان تاريخ جديد ... # وعلى مثال هذا الحب كم كانت له حبيبات وكم أنجبن من ثمرات، وإنه ليخيل إلي أن ~~الرافعي كان كلما أحس حاجة إلى الحب راح يفتش عن «واحدة» يقول لها: تعالي نتحاب؛ ~~لأن في نفسي شعرا أريد أن أنظمه، أو رسالة في الحب أريد أن أكتبها ...! ولقد سمعته مرة ~~يقولها لإحداهن ... وسمعت إحداهن مرة تقول له: متى أراني في مجلسك مرة ms062 لتكتب عني رسالة في ~~«ورقة ورد»؟ # على أن الرافعي كان له إحساس عجيب في مجالس النساء! وكان لهن عليه سلطان وله ~~عليهن سحر وفتنة، وهو في هذه المجالس فكه مداعب رائق النكتة لا تملك السيدة ~~الرزان في مجلسه إلا أن تخرج عن وقارها، وكانت هذه أداته في استمالتهن حين يلتمس ~~الوحي أو يجد الحاجة إلى أن يقرأ شعرا في عين ساحرة، فإذا استوى له ما أراد عاد إلى ~~مكتبه لينشئ وينظم وتنتهي قصة حب. # وكان يسمي كل جميلة «شاعرة»؛ لأنها تمنحه الشعر، و«الشواعر» عنده طبقات، على مقدار ما ~~يبعثن فيه من الشاعرية، ويرهفن من إحساسه، ففلانة شاعرة كالمتنبي وهذه كالبحتري، وتلك ~~بنت الرومي، ورابعة بشار بن برد، وخامسة عبد الله عفيفي أو شاعر الرعاع ... # وحين يجلس في الشرفة من قهوة «لمنوس» بطنطا وتمر به الجميلات في رياضتهن أو في ~~حاجتهن، تسمع ثبتا حافلا بأسماء الشعراء يبدأ من مهلهل بن ربيعة وينتهي بفلان الذي ~~يؤمل أن يكون أمير الشعراء بعد أن يموت كل الشعراء ...! # هذه لمحات أذكرها على غير صلتها بالموضوع؛ لأنها تشير إلى بعض عناصره، على أنني - وقد ~~بلغت هذا القدر من الحديث - لم أبدأ القول بعد عن حب الرافعي الذي أنشأت هذا الفصل ~~للحديث عنه. # إنها حادثة وقعت في تاريخ الرافعي وسنه ثلاث وأربعون سنة فأنشأته خلقا جديدا، ~~كانت دعابة من مثل ما قدمت فأوشكت أن تكون علة، فلما اختار الله له أنقذه بكبريائه ~~من دائه، ولكنه خلف في قلبه جرحا يدمى، ولكنها كانت بركة في الأدب وثروة في ~~العربية. # من تكون هذه الشاعرة التي غلبته على إرادته فغلبها بكبريائه؟ ما شأنها، وما خبرها؟ ~~... # هو وهي # لقد وضعك حسنك في طريقي موضع البدر، يرى ويحب ولا تناله يد ولا تعلق بنوره ~~ظلمة نفس، ولكن كبرياءك نصبتك نصبة الجبل الشامخ، كأنه ما خلق ذلك الخلق المنتثر ~~الوعر إلا لتدق به قلوب المصعدين فيه ... كوني من شئت أو ما شئت، خلقا مما يكبر ~~في صدرك ومما يكبر في صدري، كوني ثلاثا ms063 من النساء كما قلت أو ثلاثة من الملائكة، ~~ولكن لا تكوني ثلاثة آلام. انفحي نفح العطر الذي يلمس بالروح، واظهري مظهر الضوء ~~الذي يلمس بالعين، ولكن دعيني في جوك وفي نورك. اصعدي إلى سمائك العالية، ولكن ~~ألبسيني قبل ذلك جناحين. كوني ما أرادت نفسك، ولكن أشعري نفسك هذه أني إنسان ~~...! # هو # إن أمي ولدت نفسي، ونفسي هي ولدتني، فلا ترج أن تصيب في طباع أنثى وإلا ضل ~~ضلالك أيها الحبيب ... # هي ~~«رجل وامرأة كأنما كانا ذرتين متجاورتين في طينة الخلق الأزلية وخرجتا من يد الله ~~معا، هي بروعتها ودلالها وسحرها، وهو بأحزانه وقوته وفلسفته ... # كانا في الحب جزءين من تاريخ واحد، نشر منه ما نشر، وطوى منه ما طواه، على أنها ~~كانت له فيما أرى كملك الوحي للأنبياء، ورأى في وجهها من النور والصفاء ما جعلها بين ~~عينيه وبين فلك المعاني السامية كمرآة المرصد السماوي، فكل ما في رسائله من البيان ~~والإشراق هو نفسها، وكل ما فيها من ظلمات الحزن هو نفسه.» # 1 ~~••• # ولم تكن «هي» # 2 # أولى حبائبه ولكنها آخر من أحب، عرفها وقد تخطى الشباب وخلف وراءه ~~أربعين سنة ونيفا حافلة بأيام الهناءة، مشرقة بذكريات الهوى والصبابة والأحلام، وكان ~~بينهما في السن عمر غلام يخطو إلى الشباب. # 3 # سعى إلى مجلسها يوم «الثلاثاء» سعي الخلي إلى اللهو والغزل، يلتمس في مجلسها مادة ~~الشعر، وجلاء الخاطر، وصقال النفس، ومجلسها في كل «ثلاثاء» هو ندوة الأدب ومجمع ~~الشعراء، وجلس إليها ساعة، وتحدث إليها، وتحدثت إليه، وكان كل شيء منها ومما حولها ~~يتحدث في نفسه، ولمسه الحب لمسة ساحر جعلت في لسانه حديثا ولعينيه حديثا، وطال ~~انفرادها به عن ضيوفها، فما تركته إلا لتعتذر إليهم فتعود إليه ... ثم قامت تودعه إلى ~~الباب وهي تقول: «متى تكون الزيارة الثانية؟» فنهى النفس عن الهوى ونسأ الأجل إلى غد ~~...! # ووقع من نفسها كما وقعت من نفسه، فما افترقا من بعدها إلا على ميعاد، ومحت صورتها ~~من ماضيه كل ما كان في أيامه وكل من ms064 عرف، لتملأ هي نفسه بروعتها ودلالها وسحرها، ~~وانتزعها هو من أيامها فما بقي لها من أصحابها وصواحبها غير مصيف # 4 # مشغلة في الليل والنهار. # وكان الرافعي أول من يغشى مجلسها يوم الثلاثاء وآخر من ينصرف، فإن منعه شيء عن شهود ~~مجلسها في القاهرة كتب إليها من طنطا وكتبت إليه، على أن يكون له عوض مما فاته يوم ~~وحده ... # كان يحبها حبا عنيفا جارفا لا يقف في سبيله شيء، ولكنه حب ليس من حب الناس، حب ~~فوق الشهوات وفوق الغايات الدنيا؛ لأنه ليس له مدى ولا غاية. # لقد كان يلتمس مثل هذا الحب من زمان ليجد فيه ينبوع الشعر وصفاء الروح، وقد وجدهما، ~~ولكن في نفسه لا في لسانه وقلمه، وأحس وشعر وتنورت نفسه الآفاق البعيدة، ولكن ~~ليثور بكل ذلك دمه وتصطرع عواطفه، ولا يجد البيان الذي يصف نفسه ويبين عن خواطره ~~... # بلى، قد كتب ونظم وكان من إلهام الحب شعره وبيانه، ولكنه منذ ذاق الحب أيقن أنه عاجز ~~عن أن يقول في الحب شعرا وكتابة، ومات وهو يدندن بقصيدة لم ينظمها ولم يسمع منها أحد ~~بيتا؛ لأن لغة البشر أضيق من أن تتسع لمعانيها أو تعبر عنها؛ لأنها من خفقات القلب ~~وهمسات الوجدان. # و«هي» أديبة فيلسوفة شاعرة، فمن ذلك كان حبها وكان وحبه «من خصائصها أنها لا تعجب ~~بشيء إعجابها بدقة التعبير الشعري ... إنها تريد أن تجمع إلى صفاء وجهها وإشراق خديها ~~وخلابتها وسحرها، صفاء اللفظ وإشراق المعنى وحسن المعرض وجمال العبارة، وهذا هو الحب ~~عندها ...» ~~«... ولا يستخرج عجبها شيء كما يعجبها الكلام المفنن المشرق المضيء بروح الشعر، فهو ~~حلاها وجواهرها، وما لسوق حبها من دنانير غير المعاني الذهبية، فإنها لا تبايعك صفقة ~~يد بيد، ولكن خفقة قلب على قلب.» # 5 ~~••• # وكذلك تحابا، وتراءيا قلبا لقلب، وتكاشفا نفسا لنفس، ومضى الحب على سنته، ونظر ~~الرافعي إليها وإلى نفسه وراح يحلم، وخيل إليه أنه يمكن أن يكون أسعد مما هو لو أنها ... ~~لو أنها كانت زوجته ... # 6 # ثم عاد إلى نفسه ms065 يؤامرها فأطرق من حياء ... وكانت خطرة عابرة من خطرات الهوى ~~أطافت به لحظة وما عادت، وقالت له نفسه كلاما وقال لنفسه كلاما آخر، فكأنما انكشفت له ~~أشياء لم يكن يراها من قبل بعيني العاشق، فلم تكد القصة تبلغ نهايتها وتنحل العقدة، حتى ~~جاءت كبرياؤه لتخط الخاتمة ... # وراح الرافعي يوما إلى ميعاده، وكان في مجلسها شاعر # 7 # جلست إليه تحدثه ويحدثها، ودخل الرافعي فوقفت له حتى جلس، ثم عادت إلى ~~شاعرها لتتم حديثا بدأته، وجلس الرافعي مستريبا ينظر، وأبطأت به الوحدة، وثقل عليه ~~أن تكون لغيره أحوج ما يكون إليها، ونظر إلى نفسه وإلى صاحبه، وقالت له نفسه: «ما أنت ~~هنا وهي لا توليك من عنايتها بعض ما تولي الضيف ...؟» فاحمر وجهه وغلى دمه، ورمى إليها ~~نظرة أو نظرتين، ثم وقف واتخذ طريقه إلى الباب ... واستمهلته فما تلبث، وكتب إليها ~~كتاب القطيعة ...! # وعاد إليه البريد برسالتها تعتذر وتعتب وتجدد الحب في أسطر ثلاثة، ولكن الرافعي حين ~~وجد كبرياءه نسي حبه، وكان هو الفراق الأخير ...! # كان ذلك في سنة 1923. # وثابت إليه نفسه رويدا رويدا، وخلا إلى خواطره وأشجانه ليكتب رسائل ~~الأحزان! # ومضت ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، لم يلتقيا وجها لوجه، إلا مرة في حفل أدبي ~~في طنطا، فما كانت إلا نظرة وجوابها، ثم فر أحدهما من الميدان وخلف الآخر ينتظر ... # 8 # على أن الرافعي لم ينس صاحبته قط، وعاش ما عاش بعد ذلك وما تبرح خاطره لحظة، وما ~~يأنس إلى صديق حتى يتحدث إليه فيما كان بينه وبين «فلانة» # 9 # ثم يطرق هنيهة ليرفع رأسه بعدها، وهو يقول: «هل يعود ذلك الماضي؟ إنها ~~حماقتي وكبريائي، ليتني لم أفعل، ليت ...!» ثم ينصرف عن محدثه إلى ذكرياته، ويطول الصمت ~~... # وكان لا ينفك يسأل عنها من يعرف خبرها، حتى عرف أنها سافرت إلى الشام في سنة 1936 ~~تستشفي فأقامت هناك، فهفت إليها نفسه وتحركت عاطفته إليها في لون من الحب وغير قليل ~~من الندم، فكتب إلى صديقة في «دمشق» لتزورها في مستشفاها ms066 # 10 # وتكتب إليه بخبرها، فكتبت إليه: # 11 ~~... بالصدق يا صديقي أنني كلما استعدت بذاكرتي وصية «فلانة» المؤلمة ونتيجتها ~~المحزنة، اعترتني حالة انقباض شديد وحزن لا حد له ... إن الموت في مثل هذه ~~الحالات يعد كنزا ثمينا لا يحصل عليه إلا السعيد، وإني أتهمك قانونا ... ~~بأنك كنت سبب جنونها، فماذا كان عليك لو لبيت الدعوة ؟ آه، لقد كنت قاسيا وفي ~~منتهى القسوة، فهل كان يحلو لك تعذيبها بهذا الشكل، وإلا فماذا تقصد من هذه ~~القطيعة؟ إن المرأة على حق حين تظن، لا، بل حين تعتقد أن الرجل ... لا، ~~السكوت أولى الآن ... # أما هذه «الوصية» التي تشير إليها الكاتبة في رسالتها، فلست أعرف ما هي، فلم تقع لي ~~كل رسائل الكاتبة، ولست أعرف أين كان يخبؤها الرافعي من مكتبه، ولعل ولده «الدكتور ~~محمد» يدري، فإن كان؛ فإن كان عليه حقا للأدب أن يحتفظ بما عنده من الرسائل إلى ~~أوانها، فسيأتي يوم تكون فيه هذه الرسائل شيئا له قيمته في البحث الأدبي. ~~••• # قلت: إن الرافعي قطع ما بينه وبين صاحبته منذ ثلاث عشرة سنة، لم يلتقيا فيها إلا مرة، ~~ولكنه كان يكتب لها وتكتب له رسائل لا يحملها ساعي البريد؛ لأنه كان ينشرها وتنشرها في ~~ثنايا ما تنشر لهما الصحف من رسائل أدبية، يقرؤها قراؤها فلا يجدونها إلا كلاما من ~~الكلام في موضعها من الحديث أو المقالة أو القصة، ويقرؤها المرسل إليه خاصة فيفهم ما ~~تعنيه وما تشير إليه، ثم يكون الرد كذلك، حشوا من فضول القول في حديث أو مقالة أو قصة، ~~هي رسائل خاصة ولكنها على أعين القراء جميعا وما ذاع السر ولا انكشف الضمير، وفي أكثر ~~من مرة والرافعي يملي علي مقالاته، كان يستمهلني برهة ليعيث في درج مكتبه قليلا ~~فيخرج ورقة أو قصاصة يملي علي منها كلاما، ثم يعود إلى إملائه من فكره، وأعرف ما ~~يعنيه فأبتسم ويبتسم، ثم نعود إلى ما كنا فيه، وتنشر المقالة، فلا نلبث أن نجد الرد ~~في رسالة تكتبها «فلانة» فيتلقاها الرافعي في صحيفتها ms067 كما يفض العاشق رسالة جاءته في ~~غلافها مع ساعي البريد من حبيب ناء ... # هي طريقة لم يتفاهما عليها ولكنهما رضياها، وأحسب ذلك نوعا من الكبرياء التي ربطتهما ~~قلبا إلى قلب، والتي فرقت بينهما على وقدة الحب وحرقة الوجد والحنين! ~~••• # وكنت أسير مع الرافعي مرة بالقاهرة في شتاء سنة 1935، فلما انتهينا إلى القرب من مبنى ~~جريدة «الأهرام»، قال لي: «مل بنا إلى هذا الشارع!» ولم تكن لنا في ذلك الشارع حاجة، ~~ولكني أطعته، وانتهينا إلى مكان، فوقف الرافعي معتمدا على عصاه، ورفع رأسه إلى فوق ~~وهو يقول: «إنها هنا، هذه دارها، من يدري؟ لعلها الآن خلف هذه النافذة ...!» # قلت: «من؟» قال: «هي!» # قلت: «ولكن النوافذ مغلقة جميعا ولا بصيص من نور، فأين تكون؟» # قال: «لعلها الآن في السيما، إذا كان الصباح فاغد علي مبكرا لنزورها معا، إن بي ~~حنينا إلى الماضي ... ليتني ... ولكن أترى من الائق أن أزورها بعد كل ما كان؟» # قلت: «وما يمنع؟ أحسبها ستسر كثيرا بلقياك ...!» # قال: «إذن في الصباح، وستكون معي، ولكن احذر، احذر أن تغلبك على قلبك ... أو أن تسمح ~~لخيالك أن يسبح وراء عينيك ... إنها فاتنة!» # قلت: «لا؛ إنها عجوز، فما حاجتي بها ...؟» وضحكت مازحا. # فزوى ما بين عينيه وهو يقول: «وي! عجوز! إنها أوفر شبابا منك!» # قلت: «قد يكون ذلك لو أن السن قد وقفت بها منذ اثنتي عشرة سنة ...!» # قال: «صدقت ...! اثتني عشرة سنة ...!» # وسكت وسكت حتى أوصلته إلى دار أخيه على شاطئ النيل عند فم الخليج، فلما كان الصباح ~~غدوت عليه فأذكرته موعده! فابتسم ابتسامة هادئة وهو يقول: «يا بني، إنها ليست هناك، ~~إن «تلك» قد ذهبت منذ اثنتي عشرة سنة، أما «هذه» فأظنني لا أعرفها ... إنني أحذر على ~~الماضي الجميل أن تتغير صورته في نفسي ... بحسبي أنها في نفسي ...!» # ثم لم يلبث بعد ذلك أن جاءه النبأ أنها سافرت إلى الشام لعلة في أعصابها ...! # شعر وفلسفة، وحب وكبرياء ~~(1) ~~«إن في الرجل شيئا ينقذ المرأة منه وإن ملك بحبها، وإن هدمت عيناها ms068 من ~~حافاته وجوانبه؛ فيه الرجولة إذا كان شهما، وفيه الضمير إذا كان شريفا، ~~وفيه الدم إذا كان كريما، فوالذي نفسي بيده، لا تعوذ المرأة بشيء من ذلك ~~ساعة تجن عواطفه وينفر طائر حلمه من صدره، إلا عاذت - والله - بمعاذ ~~يحميها ويعصمها ويمد على طهارتها جناح ملك من الملائكة.» ~~(2) ~~«... ويسرف علي بغضها أحيانا، فأتلهف عليها في زفرات كمعمعة الحريق حين ~~ينطبق مثل الفك من جهنم على مدينة قائمة، فيمضغ جدرانها مضغ الخبز اليابس، ~~ثم يسرف علي حبها أحيانا، فينحط قلبي في مثل غمرات الموت وسكراته، يتطوح ~~من غمرة إلى غمرة، فأنا بين نقمة تفجأ وبين عافية تتحول، وكأنه لا عمل لي ~~إلا أن أصعد مائة درجة لأهبط مائة درجة ...!» ~~(3) ~~«لقيتها وما أريد الهوى ولا تعمده قلبي، ولا أحسب أن فيها أمورا ستئول ~~مآلها، وكنت أظن أن المستحيل قسمان: ما يستحيل وقوعه فلا تفضي إليه، وما ~~يمكن وقوعه فتهمله فلا يفضي إليك، ولكن حين توجد المعجزة تبطل الحيلة، ~~ومتى استطردك القدر الذي لا مفر منه، أقبل بك على ما كنت منه ~~تفر.» ~~(4) ~~«... إنها لأبلغ ذات لسان، وأبرع ذات فكر، وأروع ذات نفس، ولو كنا سليلي ~~أبوة ما شهدت لها بأكثر من هذا حرفا، ولو كان دمي من أعدائها ما نقصتها من ~~هذا حرفا، وعلم الله ما أبغض فيها إلا هذه التي أشهد لها ...!» ~~(5) ~~«... دعني أقول لك: إني أبغض من أحبها ... وإن هذا البغض وجه آخر من الحب، ~~كالجرح: ظاهره له ألم وباطنه له ألم.» ~~(6) ~~«... وكما ينشأ الكفر أحيانا من عمل العقل الإنساني إذا هو تحكم في الدين، ~~يأتي البغض من هذا العقل بعينه إذا هو تحكم في الحب!» # الرافعي # أترى صوتي يبلغ إليها حيث تقيم بالشام شاردة الخيال مستطارة القلب؟ # 12 # أم ترى صوتي يبلغ إليه تحت أطباق الثرى وبيننا هذا القدر من عمر الزمان كأنه من ~~البعد وانفساح المدى سنوات وسنوات؟ # إنه ليخيل إلي أن هذا الحديث الذي أكتبه عنها وعنه هو رسالة من الغيب. إلى هذه ~~الحبيبة الواجدة المحزونة، من ms069 الحبيب الذي أحبها أعنف الحب وأرقه وما تراءى لها مع ~~ذلك في عمره الطويل إلا الرجل القاسي الذي حطم قلبها بقسوته وكبريائه، ومات وما تلقت ~~رسالته الأخيرة، فنفذت روحه من أقطار السموات لتمليها علي وفيها المعذرة والاستغفار ~~... # آه لو تدرين كم كان يحبك أيتها الحبيبة! ... فهل كنت ...؟ ولكن ... ولكن لا سبيل إلى ما ~~فات ...! ~~••• # لقد أحبها جهد الحب ومداه، حبا أضل نفسه وشرد فكره وسلبه القرار، ولكنه حب ~~عجيب، ليس فيه حنين الدم إلى الدم، ولكن حنين الحكمة إلى الحكمة، وهفوة الشعر إلى ~~الشعر، وخلوة الروح إلى الروح في مناجاة طويلة كأنها تسبيح وعبادة، وأسرف عليه هذا الحب ~~حتى عاد في غمراته خلقا بلا إرادة فليس له من دنياه إلا «هي»، وليس له من نفسه إلا ما ~~تهب له من نفسه! # والرافعي رجل كان له ذات وكبرياء، فأين يجد من هذا الحب ذاته وكبرياءه؟ هكذا سألته ~~نفسه! ~~••• # وأحبها أديبة فيلسوفة شاعرة تستطيع أن ترتفع إلى سمائه وتحلق في واديه، وله مثل ~~قدرتها على الطيران والتحليق في آفاق الشعر والحكمة والخيال، فما التقيا مرة حتى كان ~~حديثهما فنونا من الشعر وشذرات من الفلسفة وقليلا من لغة العشاق في همس من لغة ~~العيون ... وقال لها مرة: «إن الحب يا عزيزتي ...» # قالت: «إن فلسفة الحب ...» # قال: «بل، أعني حقيقة الحب ومعناه ...» # قالت: «دع عنك يا حبيبي ... إن أحلام الحب هي شيء غير الحب، أفأنت تريد ...؟» # فاختلجت شفتاه وأطرق، وراح يسأل نفسه: «ما الحب؟ وما فلسفة الحب؟ يا ضيعة المنى إن ~~كان الحب شيئا غير الذي في نفسي!» # وتحدث ضميره في ضميرها فابتسمت وهي تقول: «أنا ما أحببتك رجلا، بل فكرا وروحا ~~ونفسا شاعرة، وأنت بكل ذلك ملء نفسي وملء قلبي، فلا تلتمس في طباع أنثى وإلا ضل ~~ضلالك أيها الحبيب ...!» # قال: «فهل رأيتني يا حبيبتي إلا فكرة تطيف أبدا بك، وروحا ترفرف حواليك، ونفسا ~~تغترف الشعر والحكمة من وحي عينيك ...؟» # قالت: «دع عنك ذكر عيني يا حبيبي، إن الحب ليس هناك، إن الحب ms070 ...» # قال: «لا تحدثيني عن الحب، يخيل إلي أني أعرفه؛ لأني أجد مسه على قلبي كلذع ~~الجمر، ولكن آه، ولكنك أنت ...» # وقالت له نفسه: «إنك - يا صاحبي - تضرب في بيداء، إن الشعر والحكمة والفلسفة لا تلد ~~الحب، فهل أحببتها أنت إلا للشعر والحكمة والفلسفة؟ فلن تجد بذلك منها الحب، إن الحب من ~~لغة القلب، أما هذه ...» # وكان يحبها أديبة فيلسوفة شاعرة، فعاد يباعد بينه وبينها؛ أنها فيلسوفة ~~شاعرة! ~~••• # وهي امرأة كانت - إلى أدبها وفلسفتها - «فتنة خلفت امرأة، فإذا نظرت إليك نظرتها ~~الفاترة فإنما تقول لقلبك: إذا لم تأت إلي فأنا آتية إليك ... وهي أبدا تشعر أن في ~~دمها شيئا لا يوصف ولا يسمى، ولكنه يجذب ويفتن، فلا تراها إلا على حالة من هذين، حتى ~~ليظن كل من حادثها أنها تحبه وما به إلا أنها تفتنه ... # رشيقة جذابة تأخذك أخذ السحر؛ لأن عطر قلبها ينفذ إلى قلبك من الهواء، فإذا تنفست ~~أمامها فقد عشقتها ... # أما أنوثتها فأسلوب في الجمال على حدة، فإذا لقيتها لا تلبث أن ترى عينيك تبحثان في ~~عينيها عن سر هذا الأسلوب البديع، فلا تعثر فيهما بالسر، ولكن بالحب وتنظر نظرة الغزال ~~المذعور ألهم أنه جميل ظريف فلا يزال مستوفزا يتوجس في كل حركة صائدا يطلبه ...» # 13 # والرافعي رجل كان - على دينه وخلقه ومروءته - ضعيف السلطان على نفسه إذا كان بإزاء ~~امرأة، فما هو إلا أن يرى واحدة لها ميزة في النساء حتى يتحرك دمه، وتنفعل أعصابه، وما ~~كان - رحمه الله - يرى في شدة الإحساس بالرجولة وفي سرعة الاستجابة العصبية إلى المرأة ~~إلا أنها أحد طرفي النبوغ، أو أحد طرفي النبوة كما كان يقول، فما كان يرى له وقاية ~~من سحر المرأة حين يحس أثرها في نفسه إلا أن يسرع في الفرار، وكثيرا ما كان يقول: ~~«الفرار الفرار، إنه الوسيلة الواحدة إلى النجاة من وسوسة الشيطان وغلبة الهوى ~~...!» # وقالت له نفسه: «ما أنت وهذا الحب الذي سلبك الإرادة وغلبك على الكبرياء، ويوشك أن ~~يهوي بك من وسوسة النفس وفتنة ms071 الهوى إلى أرذال البشرية ...!» # فكان لصوت النفس في أعماقه صدى بعيد ... ~~••• # وكان يحبها ليجد في حبها ينبوع الشعر، فما وجد الحب وحده، بل وجد الحب والألم وثورة ~~النفس وقلق الحياة، ووجد في كل أولئك ينابيع من الشعر والحكمة تفيض بها نفسه وينفعل بها ~~جنانه ويضيء بها فكره، وكان آخر حبه الألم، وكانت آلامه أول قدحة من شرار الشعر ~~والحكمة ... # وقالت له نفسه: «ها أنت ذا قد بلغت من الحب ما كنت ترجو، فلم تبق إلا الغاية ~~الثانية، وإنك عنها لعف كريم ...!» ~~••• # وهي فتاة ذات جمال وفتنة، ولها لسان وبيان، وما يمنعها دينها ولا شيء من تقاليد أهلها ~~أن يكون لها مجلس من الرجال في ساعة في يوم من كل أسبوع، يضم من شعراء العربية ~~ورجالاتها أشتاتا لا يؤلفها إلا هذا المجلس المعطر بعطر الشعر وعطر المرأة الجميلة، ~~أفتراهم يجتمعون في دارها كل أسبوع لتتوارى منهم خلف حجاب فلا سمر ولا حديث؟! # والرافعي غيور شموس كثير الأثرة، لا يرضيه إلا أن يكون على رأس الجماعة، وقالت له ~~نفسه: «أأنت هنا وحدك أم ترى لكل واحد من هؤلاء هنا هوى وحبيبا ...؟» ~~••• # وكانت القطيعة بين الرافعي وبينها من أجل ذلك كله، من أجل أن له ذاتا وكبرياء، وما ~~يريد أن تفنى ذاته وكبرياؤه في امرأة، ومن أجل أنها فيلسوفة وشاعرة، وما تجتمع الفلسفة ~~والحب في قلب حواء، ومن أجل أنها أنثى وأنه رجل له دين ومروءة وزوجة ودار، ومن أجل أنه ~~بلغ مبلغه منها حين وجد الألم في حبها فوجد ينبوع الشعر الذي كان يفتقد، ومن أجل أنه ~~الرافعي الغيور الظنين الكثير الأثرة والاعتداد بالنفس ...! # وخيل إليه حين كتب إليها رسالة القطيعة في يناير سنة 1924 أنه يبغضها، وأن هذا ~~الحب الذي قطعه عن دنيا الناس عاما بحاله قد انتهى من تاريخه وطواه القدر في ~~مدرجة الفناء، وأن نفسا كانت في الأسر قد خرجت إلى فضاء الله ... # وأحس في نفسه حديثا طويلا يريد أن يفضي به، وشعر كأن في قلبه نارا تلظى، ~~واصطرعت ms072 في نفسه ذكريات وذكريات، وخيل إليه أنه يكاد يختنق، فصاح من كل ذلك مغيظا ~~محنقا يقول: «أيتها المحبوبة، إنني أبغضك ... إنني أبغضك أيتها المحبوبة!» # ليت شعري، أكان الرافعي يعني ما يقول؟ أكان على يقين حين زعم أنه يبغضها؟ أم أنه ~~استعار للحب لفظا متكبرا من كبريائه العاتية فسماه البغض، وما هو به، ولكنها ثورة ~~الحب حين يبلغ عنفوانه فتختلط به مذاهب الفكر ومذاهب النظر فلا يبقى فيه شيء على ~~حقيقته؟ # كلا، ما أبغض الرافعي صاحبته يوما منذ كانت، ولا استطاع أن يفك نفسه من وثاقها، وما ~~هذه الثورة التي ألهمته كتابيه «رسائل الأحزان»، و«السحاب الأحمر» إلا لون من ذلك الحب ~~وفصل من فصوله وكان الخطأ في العنوان، فلما ثابت إليه نفسه نزا به الحنين إلى الماضي، ~~ولكن كبرياءه وقفت في سبيله، فظل حيث هو، ولكن قلبه ظل يتنزى بالشوق والحنين ...! # وجاءت صاحبته إلى طنطا بعد ذلك بقليل، مدعوة إلى حفلة خيرية لتخطب، وكان الرافعي ~~مدعوا لمثل ما دعيت له، وعلى غفلة التقت العيون، فدار رأس الرافعي وذهب به، وعاد ~~الزمان القهقرى، لينشر ماضيه على عينيه، وزلزلت نفسه زلزالا شديدا، حتى أوشك أن تغشاه ~~غاشية، وحاول أن يتحدث فوقفت الكبرياء بين قلبه ولسانه، وخشي أن يفتضح فنهض عن كرسيه ~~منطلقا إلى الباب، ولحقه صديقه الأديب جورج إبراهيم، فأفضى إليه بذات صدره وودع ~~صاحبته بعين تختلج، ومضى ... # وانتهى الحفل، ووقفت «هي» تدير عينيها في المكان فما استقرتا على شيء، ووجدت في ~~نفسها الجرأة على أن تقول: «أين الرافعي؟» فما وجدت جوابا ... وكان الرافعي وقتئذ ~~جالسا إلى مكتبه ينشئ قصيدة لمجلة المقتطف عن بعث الحب ... وكان آخر لقاء ...! ~~••• # ولقيت الرافعي في خريف سنة 1932، فتسرحنا في الحديث عن الحب، فكشف لي عن صدره في ~~عبارات محمومة وكلمات ترتعش، ثم قال: «... وإن صوتا ليهتف بي من الغيب أن الماضي سيعود، ~~وأنني سألقاها، وسيكون ذلك في تمام عشر سنين من رسالة القطيعة، في يناير سنة 1934 ...» ~~وأخذ يقبض أصابعه ويبسطها، ثم قال: «نعم، بعد أربعة عشر ms073 شهرا سيكون هذا اللقاء ... إن ~~قلبي يحس، بل إنني لموقن ... بعد أربعة عشر شهرا، في تمام السنة العاشرة منذ فارقتها ~~مغضبا، سنلتقي ثانية، ويعود ذلك الماضي الجميل، إنها تنتظر، وإنني أنتظر ...!» وظل على ~~هذا اليقين أشهرا وهو يحصي الأيام والأسابيع كأنه منها على ميعاد ...! # ومضت السنوات العشر، ومضى أربعون شهرا بعدها، وما تحقق أمله في اللقاء حتى لقي الله ~~...! ~~••• # هذا هو الرافعي العاشق، جلوت صورته كما عرفته، أما هي، أما صاحبته التي كان من ~~تاريخه معها ما كان، فهل كانت تحبه؟ وما كان هذا الحب؟ وماذا كانت غايته؟ # هي وهو # أتذكر إذ التقينا وليس بيننا شابكة فجلسنا مع الجالسين، لم نقل شيئا في أساليب ~~الحديث غير أننا قلنا ما شئنا بالأسلوب الخاص باثنين فيما بين قلبيهما؟ ~~... وشعرنا أول اللقاء بما لا يكون مثله إلا في التلاقي بعد فراق طويل، كأن في ~~كلينا قلبا ينتظر قلبا من زمن بعيد؟ ~~... ولم تكد العين تكتحل بالعين حتى أخذت كلتاهما أسلحتها ... وأثبت اللقاء بشذوذه ~~أنه لقاء الحب ...؟ # وقلت لي بعينيك: أنا ... وقلت لك بعيني: وأنا ... وتكاشفنا بأن تكاتمنا؟ # وتعارفنا بأحزاننا كأن كلينا شكوى تهم أن تفيض ببثها؟ # وجذبتني سحنتك الفكرية النبيلة التي تضع الحزن في نفس من يراها، فإذا هو إعجاب، ~~فإذا هو إكبار، فإذا هو حب؟ # وعودت عيني من تلك الساعة كيف تنظران إليك؟ # وجعلت أراك تشعر بما حولك شعورا مضاعفا كأن فيه زيادة لم تزد؟ # وكان الجو جو قلبينا ... # وتكاشفنا مرة ثانية بأن تكاتمنا مرة ثانية ... # هي ~~... بماذا أصف مكانا للحب كأنما مر به سر الخلود فإذا الوقت فيه لا يشبه نقصانا ~~من العمر، بل زيادة عليه، وكانت يا حبيبتي كل دقيقة وثانيتها في مجلسك الساحر كأنها ~~بعض الفكرة والحس لا بعض الزمان والمكان ... ~~... وكنت وما أشعر من سحرك إلا أني بإزاء سر وضعني في ساعة من غير الدنيا وحصرني ~~فيك وحدك ... # وهاجمتني من يقظتي واقتحمت علي من حذري ... # وخليتني وعينيك، وخليتني وما كتب علي ... # واتسعت روحي لتشملك، فما كنت تتكلمين ولا ms074 تضحكين ولا تخطرين في غرفتك، ولكن في ~~داخل نفسي ... ~~... وكنا نتكلم ولكن ألفاظنا تتعانق أمامنا ويلثم بعضها بعضا من حيث لا يراها إلا ~~عيناي وعيناك. # وتراءت النفسان فملأتا المكان بأفراح الفكر، واستفاض السرور على جمالك بمعنى كلون ~~الزهرة النضرة، هو عطرها للنظر. # وقلت لي بجملتك: أنا ... وقلت لك بجملتي: وأنا ... # هو # إني لأعرفه عرفاني بنفسي، فما بي شك فيما أكتب عن حبه، ولقد خلطني بنفسه زمنا فإني ~~لأسمع نجواه وأقرأ سره وأعرف ذات صدره، فما أصف من حبه إلا مستيقنا كأنما أنقل عن لوح ~~مسطور في فؤادي، أو أثبت من حادثة في تاريخ أيامي ماثلة في نفسي بصورها وألوانها ~~وحوادثها فما يغيب عني منها شيء، ولولا تقاليد الناس وآداب الجماعة لمزقت النقاب عن وجه ~~الحديث وجلوته على القراء في بيان سافر كإشراق الضحى، ولكن ... ولكنها هي ... # أما هي فما في يدي شيء من خبرها إلا ما حدثني به الرافعي أو حدثتني رسائله، فما ~~أتحدث عن حبها إلا راوية يكتب ما يسمع لا ما يشهد، أو محققا يضع كلمة إلى كلمة، ~~ويزاوج بين رسالة ورسالة، ليخرج منهما معنى ليس في يده من حقيقته شيء إلا ما يهديه ~~الفكر وصواب الرأي وملابسات الحادثة. # وإنها لأديبة شاعرة يعرفها كثير من قراء العربية وأعرفها عرفانهم، وحسبي هذا مقدمات ~~إلى النتيجة، وما يعسر على من يمسك طرف الخيط أن يصل إلى آخره. ~~••• # لقد التقيا وما بينهما شابكة ولا يربطهما سبب، فما كانت إلا نظرة وجوابها حتى ارتبطا ~~قلبا إلى قلب، وكان الأدب رباط بينهما أول ما كان، ثم استجرهما الحديث إلى فنون من ~~الكلام فكشفت له عن آلامها وكشف لها عن آلامه، فكان عطف وإشفاق، ثم تحدثت عن ~~أحلامها وتحدث عن أحلامه، فكان الحب، ثم ... ثم كانت القطيعة حين بلغ الحب غايته ونال ~~مناله من نفسها ومن نفسه، فافترقا حين كان يجب أن يبدأ اللقاء ليتذوقا سعادة الحب ~~ويقطفا من ثمراته ... وضرب الدهر من ضرباته فإذا هو تحت الرغام، وإذا هي في المستشفى ~~تتمرض من ms075 وهن في أعصابها! ~~••• # لم تكن «هي» تقصد الحب ولا تعمدته ولا كان هو، ولكنها أديبة تعرف موازين الكلام، ~~لقيت الأديب الذي تعجب به ويفتنها بيانه، فأحبته «عقلا جميلا»، كما تسميه في بعض ~~رسائلها ... # وكان سعيه إليها يلتمس الشعر والحكمة، والشعر والحكمة هما رابطتها إليه وفاتنتها به، ~~فتصنعت له لتفتنه وتزيده شعرا وحكمة، ثم تصنعت لتزيده، ثم تصنعت لتزيده، ثم ~~تصنعت لتزيد هي به؛ لأنها وجدت به نفسها، ووجدت به الشعر والحكمة والبيان، فأحبته ~~«أستاذها ومرشدها»؛ لأنه أوحى إليها ما عجز دونه الآخرون؛ لأنه فجر لها ينبوع الشعر ~~وعلمها البيان، هكذا تقول في بعض رسائلها ... ~~••• # وهي فتاة لم يسالمها الدهر ولم تزل منذ كانت غرضا لسهام الأيام، تنوشها الآلام من كل ~~جانب، ولها نفس شاعرة تضاعف أحزانها فتجعل لها من كل هم همين، وإن حواليها ~~لكثيرا من الأصدقاء يزدلفون إليها ويخطبون ودها، ولكنها تريد الصديق الذي يستمع إلى ~~شكواها من الأيام فتستريح إليه أكثر مما تريد، الصديق الذي لا تسمع منه إلا كلمات ~~الزلفى والتحبب واصطناع الهوى والغرام ... وتحدث إليها الرافعي وتحدثت إليه، وقصت عليه ~~من أحزانها، فاخضلت عيناه وأطرق، فوضعت يدها على يده وهي تقول: ~~«سأدعوك أبي وأمي متهيبة فيك سطوة الكبير وتأثير الآمر، وسأدعوك قومي وعشيرتي، ~~أنا التي أعلم أن هؤلاء ليسوا دواما بالمحبين، وسأدعوك أخي وصديقي، أنا التي ~~لا أخ لي ولا صديق، وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة، أنا التي تتخيل ~~في قوة الأبطال ومناعة الصناديد! # وسأبين لك افتقاري إلى العطف والحنان، ثم أبكي أمامك وأنت لا تدري ...!» # 14 # وأحبته «صديقا» تفزع إليه إذا ضاقت بآلامها وحزبتها الهموم ... ~~••• # وهي الفتاة التي لم تعرف في حياتها إلا التجهم والعبوس، ولم تعرف من دنياها إلا الجد ~~الصارم، ولم يكن لها من عمل غير الاستغراق في الفكر، أو الاستغراق في الفن، وإنها ~~لأنثى وإن كانت فيلسوفة شاعرة ... # والرافعي رجل كان لا يحمل من هم، فما يدع المزاح والدعابة، وإن الدنيا لتصطرع حواليه ~~وإن كان القضاء منه بمرصد يراه ويتوقعه، وإنه ms076 ليهزل في أجد الجد وأحرج الساعات ~~هزله في أصفى حالاته وأسعد أيامه، فما يجالسه ذو هم إلا سري عنه، كأنما يمسح ~~قلبه فيمحو أحزانه ... # وتحدث إليها وتحدثت إليه، فأحبته «الرفيق الأنيس» الذي تسيطر عليها روحه فينتزعها ~~من دنياها العابسة إلى دنياه ... ~~••• # واستمعت إلى صوته يتحدث، فكان له في نفسها رنين، ونظرت إلى سحنته الفكرية النبيلة ~~فرأت فيها مرآة صافية لا تعرف الخداع والتزوير، ولمحته يبتسم، فجذبتها إليه ابتسامة ~~لم تجد مثلها إلا زيفا على شفاه الرجال، ونظر إليها ونظرت إليه، وقال وقالت، وتحدث ~~قلب إلى قلب، وتناجيا في صمت، وتركها وهي في نفسه، ومضى وهو في مجلسها، وأحست في نفسها ~~إحساسا ليس لها به عهد، فتناولت قلمها لتكتب له: # 15 # سأستعيد ذكرك متكلما في خلوتي لأسمع منك حكاية غمومك وأطماعك وآمالك، حكاية ~~البشر المتجمعة في فرد واحد، وسأستمع إلى جميع الأصوات؛ علي أعثر فيها على ~~لهجة صوتك، وأشرح جميع الأفكار وأمتدح الصائب من الآراء ليتعاظم تقديري ~~لآرائك وأفكارك ... وسأبتسم في المرآة ابتسامتك. # في حضورك سأتحول عنك إلى نفسي لأفكر فيك، وفي غيابك سأتحول عن الآخرين ~~إليك لأفكر فيك ... # سأتخيل ألف ألف مرة كيف أنت تطرب، وكيف تشتاق، وكيف تحزن، وكيف تتغلب على ~~عادي الانفعال برزانة وشهامة لتستسلم ببسالة وحرارة إلى الانفعال النبيل ~~... # وفي أعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخورا؛ لأنك أوحيت إلي ما عجز دونه ~~الآخرون. أتعلم ذلك، أنت الذي لا تعلم! أتعلم ذلك، أنت الذي لا أريد أن تعلم ...! # وكان حبها إعجابا بالعقل الجميل، ثم تقديرا لأستاذها الذي فجر لها ينبوع الشعر ~~والبيان، ثم إجلالا للصديق الذي وجدت مفزعها إليه، ثم انعطافا إلى الرفيق الأنيس ~~الذي كشف لها عن أفراح الحياة، ثم ... ثم حبا يستأثر بنفسها ويسيطر عليها في غيبه ~~ومشهده فما لها عمل إلا أن تفكر فيه ... # وأضلها الهوى وأضله، وخيل إليها أنها تستطيع أن تكون أرفع محلا لو أنها منعته ~~بعض ما تمنحه، وخيل إليه أنه يستطيع، وقالت له: «أنا لا أشفق على آلامك، وهل تراني ~~أكره ms077 لك النبوغ والعبقرية؟» وقالت له كبرياؤه وغيرته وظنونه غير ما قالت صاحبته، ومضى ~~كل منهما إلى طريق والقلب يتلفت، وما عرفت إلا من بعد أنه يحبها حبا لا يطيق أن ~~يتسع أكثر مما تتسع له نفس إنسان، وما عرف إلا من بعد أنها كانت تجافيه لتطلب إليه أن ~~يكون في الحب أجرأ مما كان ... # وعرف وعرفت، ولكن العقدة لم تجد من يحلها وبينهما فلسفة الفيلسوف وكبرياء المتكبر، ~~وظل وظلت وبينهما البعد البعيد على هوى وحنين ... حتى جاء الموت فحل العقدة التي ~~استعصت على الأحياء ... # تعقيب # 16 ~~... هذه قصة الرافعي وفلانة، كما رواها لي، وكما يعرفها كثير من خاصته، وإني لأعلم أن ~~كثيرا ممن يعرفونها ويعرفونه سيدهشون إذ يقرءون قصة هذا الحب، وسيتناولونها بالريبة ~~والشك، وسيقول قائل، وسيدعي ومدع، وسيحاول محاول أن يفلسف ويعلل، ولا علي من كل ~~أولئك ما دمت أروي القصة التي أعرفها، والتي كان لها في حياة الرافعي الأدبية تأثير ~~أي تأثير يرد إليه أكثر أدبه من بعد، وحسبه أنه كان الوحي الذي استمد منه ~~الرافعي فلسفة الحب والجمال في كتبه الثلاثة: رسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق ~~الورد، وحسبي أنني قدمت الوسيلة لمن يريد أن يدرس هذه الكتب الثلاثة على أسلوب من ~~العلم جديد! # على أني مسئول أن أبرئ نفسي أمام قدس الحق، فأعترف هنا بأن ما رويت من هذه القصة ~~كان مصدره الرافعي نفسه، مما حدثني به وحدث أصحابه، أو مما جاء في رسائل أصحابه ~~إليه ممن كانوا يعرفون قصته، وما بي شك فيما روي من هذا الحديث، فما جربت عليه ~~الكذب، ولا كان هناك ما يدعوه إلى الاختراع والتزيد كما يزعم من يزعم، ولكنها حقيقة ~~أثبتها للتاريخ؛ لعل باحثا مدققا يوفق في غد إلى إثبات ما أعجز اليوم عن التعليل ~~له. # على أن الرافعي قد أقرأني رسالة أو رسالتين بخط «فلانة» إليه، وهما وإن لم تدلا دلالة ~~صريحة على حقيقة ما رويت من قصة هذا الحب، لا تنفيانها كذلك، بل لعلهما أقرب إلى ~~الإثبات منهما إلى ms078 النفي، والحذر طبيعة المرأة! # ثم إن الرافعي لم يخصني وحدي برواية هذه الحادثة، فإن عشرات من الأدباء في مصر قد ~~سمعوها منه، ومنهم من يعرف «فلانة» معرفة الرأي والنظر، ومنهم من كان يغشى مجلسها لا ~~يتخلف عنه مرة، ومنهم من كان الرافعي يقصد بالحديث إليه أن يكون بريدا بينهما ينقل ~~إليها حديثه شفة إلى شفة، وفي الناس برد إن لم تزد على ما سمعت من حديث الحب لم ~~تنقص منه شيئا! فلو أن الرافعي كان يتزيد فيما روى لي ولأصحابي من حديث هذا الحب ~~لخشي مغبة أمره، وإن «فلانة» يومئذ ذات جاه وسلطان! # وثمة برهان آخر لا يتناوله الشك: وهو رسالة من رسائلها نقلها الرافعي من كتاب من ~~كتبها المعروفة لا أسميه، إلى كتابه أوراق الورد، # 17 # يزعم أنها رسالة منها إليه في كتاب، جوابا على رسالة بعث بها إليها - ~~وكانت هذه بعض وسائلهما في المراسلة كما رويت من قبل # 18 ~~- وأوراق الورد معروف مشهور، وكتابها معروف مشهور كذلك، ومما لا يحتمل الشك ~~أن تكون «فلانة» لم تقرأ هذه الرسالة في كتاب الرافعي ولم ينبهها أحد إليها، وأبعد منه ~~في الشك أن تكون قد قرأت هذه الرسالة المنشورة قبل ذلك في كتاب يحمل اسمها ثم لم تفهم ~~ما يعنيه الرافعي، ولا شيء وراء ذلك إلا أن تكون قرأت، وفهمت، وسكتت، ولا شيء بعد ~~إلا أن يكون بينهما شيء يؤيد ما رواه الرافعي من قصة هذا الحب ...! ~~••• # على أن اعتراضات ثلاثة توجهت إلى ما رويت من هذه القصة، لا بد من التنبيه إليها؛ ~~أما أحدها فمن الأستاذ الأديب جورج إبراهيم، فهو ينكر علي أن أستند إلى هذه الرواية، ~~ويروي لي أنه صحب الرافعي في أولى زياراته لفلانة، وشهد ما كان من تأثر الرافعي ~~وانفعاله وجذبته، ولكنه إلى ذلك ينكر أن يكون بين الرافعي وفلانة صلة بعد هذه ~~الزورة، ويصحح ما رويته عن الرافعي - وكان من سامعيه - بأنه حب من طرف واحد، ~~اختلطت فيه مذاهب الفكر ومذاهب النظر فشبه للرافعي ما شبه، ms079 فما يحكيه هو صورة ما ~~في نفسه لا صورة ما كان في الحقيقة ...! # فالرافعي عند الأستاذ جورج إبراهيم لم يكذب، ولكنه أخطأ التقدير والنظر، وعندنا أن ~~عدم علم الأستاذ جورج أن صلة ما كانت بين الرافعي وفلانة بعد الزورة الأولى لا ينفي ~~أن الصلة كانت حقيقة ولم يعلم بها، فحديثه من ثم لا ينفي شيئا ولا يثبته، ويبقى بعد ~~ذلك ما يستنبط من الرأي على هامش القصة. # وقريب مما يرويه الأستاذ جورج، ما تستنبطه جريدة المكشوف في بيروت في حديث تناولت به ~~بعض ما نشرنا من قصة حب الرافعي. ~~••• # وتعقيب ثان توجه به صديقنا الأستاذ فؤاد صروف - محرر المقتطف - على ما رويناه، قال: # لقد سمعت هذه القصة من الرافعي كما رويتها، فما أشك في صحة ما تكتب، ولكني ~~أسأل: هل كانت «فلانة» تبادل الرافعي الحب ...؟ # هاك خبرا يدعوك معي إلى هذا السؤال: في يناير من سنة 1934 - أو 1935 - دعتني ~~«فلانة» إلى مقابلتها، فلما شخصت إليها رأيت في وجهها لونا من الغضب، فدفعت إلي ~~رسالتين من رسائل الحب بعث بهما الرافعي إليها لأرى رأيي فيهما، ثم قالت: ماذا تراني ~~أفعل لأذود عن نفسي؟ أتراني أتقدم في ذاك إلى القضاء؟ # قال الأستاذ صروف: «فاعتصمت بالصمت من لا ونعم، وتركت لها أن تستشير غيري، ولست ~~أدري ما كان بعد ذلك!» # قلت: وهذه رواية جديرة بأن تذكر - ومعذرة من ذكرها إلى الأستاذ صروف - على أنها لا ~~تدل على شيء في هذا المقام أكثر من أن فلانة لم يكن يروقها في سنة 1934 أن يتحبب ~~إليها الرافعي، فماذا كان أمره وأمرها قبل ذلك بعشر سنين؟ # أيكون لهاتين الرسالتين اللتين يتحدث عنهما الأستاذ صروف صلة بما كان في نفس ~~الرافعي من يقين بأنه سوف يلقى فلانة ليصل ما انقطع من حبال الود بعد عشر سنين من يوم القطيعة. # 19 # أعني: هل حاول الرافعي - بعد عشر سنين من القطيعة - أن يعيد ما كان بهاتين الرسالتين ~~فلم يصادف قلبا يستجيب لدعائه؟ # على أن هذا الخبر - أيضا - لا ms080 ينفي شيئا ولا يثبته، ولكنه يفتح بابا إلى الاستنباط ~~والرأي. # ولكن مما لا شك فيه أن الرافعي لم يكن يعلم شيئا عن وقع هاتين الرسالتين في نفس ~~صاحبته، ولا أحسبها صنعت شيئا يدل على مبلغ استيائها من هاتين الرسالتين، وإلا لما ظل ~~يتعلق بالأمل في لقائها إلى شتاء 1935، وكنت معه لما هم بزيارتها. # 20 ~~••• # وثمة اعتراض ثالث يعترضه الدكتور زكي مبارك، وما كان لي أن أثبته هنا لولا أن أثبته ~~هو في كتاب من كتبه نشره على الناس منذ قريب، # 21 # ولولا أن أشار إليه في مقالات نشرها في مصر وفي العراق وفي بيروت! # والدكتور زكي مبارك أديب مشهور، ولكن آفته - ولكل أديب آفة - أن يدس أنفه فيما يعنيه ~~وما لا يعنيه، وهو قد شاء أن يحشر نفسه في هذه القصة التي لا يهمه منها إلا أن يعلن ~~للناس - والإعلان عن نفسه بعض خصائصه الأدبية - أنه كان يجلس إلى «فلانة» جنبا لجنب في ~~الجامعة المصرية بضع سنين! # وليس يهمنا أن يجلس الدكتور زكي مبارك جنبا لجنب إلى فلانة أو إلى نساء الأرض جميعا ~~- كما يريد أن يتعالم عنه الناس في أكثر ما يكتب - ولكنه يزعم أن ما كتبناه عما كان بين ~~الرافعي وفلانة ليس من الحقيقة في شيء؛ لأنه كان يجلس مع فلانة جنبا إلى جنب في ~~الجامعة بضع سنين فلم تحدثه يوما أن حبا كان بينها وبين الرافعي ...! # فمن شاء أن يقرأ مثلا للحجة الواضحة في أدب الدكتور زكي مبارك، فليقرأ هذه الحجة، ~~على شرط أن يكون مؤمنا بأن الدكتور زكي مبارك لا يجلس إلى «فلانات» ولا يجلس إليه ~~«فلانات» إلا ليحدثنه عما كان لهن من جولات في ميادين الحب يسألنه الرأي ~~والمعونة! # وليدع القارئ بعد ذلك حديث الدكتور عن العري والعراة، وعن «الأديب العريان ...» الذي ~~روى هذه القصة. # وعفا الله عن أهل الأدب! ~~••• # هذا كل ما تلقيت من اعتراض المعترضين من أهل الأدب أو من أهل الدعوى، وعلى أي ~~الوجوه انتهى رأي الأدباء في تحقيق هذه القصة، فإن ms081 ما لا شك فيه أن الرافعي كان يحب ~~«فلانة»، وهذا حسبي، فما يعنيني من هذا التاريخ إلا إثبات المؤثرات التي كانت تعمل في ~~نفس الرافعي فتلهمه الشعر والبيان، أما هي وما كان منها وحقيقة عواطفها، فشيء يتصل ~~بتاريخها هي بعد عمر مديد! # ونعود إلى تتمة القصة بالحديث عن كتب الرافعي في فلسفة الجمال والحب. # رسائل الأحزان # هي رسائل الأحزان، لا لأنها من الحزن جاءت، ولكن لأنها إلى الحزن انتهت، ثم لأنها ~~من لسان كان سلما يترجم عن قلب كان حربا، ثم لأن هذا التاريخ الغزلي كان ينبع ~~كالحياة وكان كالحياة ماضيا إلى قبر ...! # الرافعي # خرج الرافعي من مجلس صاحبته مغضبا على ما روينا، في نفسه ثورة تؤج، وفي أعراقه دم ~~يفور، وفي رأسه مرجل يتلهب، وكتب إليها كتاب القطيعة وأرسل به ساعي البريد، ثم عاد إلى ~~نفسه فما وجد فيما كتب شفاء لنفسه، ولا هدوءا لفكره، ولا راحة في أعصابه، وأحس لأول ~~مرة منذ كان الحب بينه وبين صاحبته أنه في حاجة إلى من يتحدث إليه، وافتقد أصحابه ~~فما وجد منهم أحدا يبثه أحزانه ويفضي إليه بذات صدره، ويطرح بين يديه أحماله، لقد ~~شغله الحب عن أصحابه عاما بحاله لا يلقاهم ولا يلقونه، ولا يتحدث إليهم ولا ~~يتحدثون، فلما عاد إليهم كان بينه وبينهم من البعد ما بين مشرق عام ومغربه، بلياليه ~~وأصباحه وتاريخه وحوادثه، وثقلت عليه الوحدة وضاقت بها نفسه، ففزع إلى قلمه يشكو إليه ~~ويستمع إلى شكاته، فكتب الرسالة الأولى من «رسائل الأحزان» إلى صديقه الذي خصه بسره ~~... إلى نفسه ... # وترادفت رسائله من بعد مسهبة ضافية يصف فيها من حاله ومن خبره وما كان بينه وبين ~~صاحبته، في أسلوب فيه كبرياء المتكبر، ولوعة العاشق، ومرارة الثائر الموتور، و... وذلة ~~المحب المفتون يستجدي فاتنته بعض العطف والرحمة والحنان. # بدأ الرافعي كتابه «رسائل الأحزان» في يناير سنة 1924، وانتهى منه في مساء 17 من ~~فبراير سنة 1924. ~~••• # يخاطب الرافعي نفسه في «رسائل الأحزان» على أسلوب «التجريد» فهو يزعم أنها رسائل ~~صديق بعث ms082 بها إليه، فتراه يوجه الخطاب فيها إلى ذلك الصديق المجهول يستعينه على ~~السلوان بالبث والشكوى، ثم يصطنع على لسان ذلك الصديق نتفا من الرسائل يدير عليها ~~أسلوبا من الحديث في رسائله هو، وما هناك صديق ولا رسائل، إلا الرافعي ورسائله، ~~يتحدث بها إلى نفسه عن حكاية حبه وآماله وما صار إليه. # أو قل: إن الرافعي في هذه الرسائل جعل شيئا مكان شيء، فأنشأ هذه الرسائل، إلى ~~صاحبته ثم نشرها كتابا تقرؤه لتعلم من حاله ما لم تكن تعلمه أو ما يظن أنها لم تكن ~~تعلمه، فهي رسائله إليها على أسلوب من كبرياء الحب، تشفي ذات نفسه ولا تنال من ~~كبريائه. # وفي بعض حالات الحب حين تقف كبرياء العاشق بينه وبين ما يريد إعلانه، وتقف النفس ~~وقفتها الأليمة بين نداء القلب وكبرياء الخلق، يتمنى العاشق لو كان له ملء الفضاء ~~ليهبه إلى من يحمل عنه رسالة إلى حبيبته من غير أن يعترف بأنه رسول ...! وتكون أبلغ ~~الرسائل عنده أن يكتب إلى حبيبته: «إنه يحبك»، يعني: «أنا أحبك!» ويتحدث إليها عن نفسه ~~بضمير الغائب وهو من مجلسها على مرأى ومسمع، ومن لفتات قلبها وقلبه على مشهد قريب ~~...! # وبهذا الأسلوب تحدث الرافعي عن نفسه بضمير الغائب في رسائل الأحزان. ~~«أنا ...» هذا الضمير الذي لا يتحدث به متحدث إلا سمعت في نبره معنى شموخ الأنف، ~~وصعر الخد، وكبرياء الخلق، لا يؤدي في لغة الحب إلا معنى من التذلل والشكوى ~~والضراعة، فما تسمعه من العاشق المفتون إلا في معنى اليد الممدودة للاستجداء، وما تقرأ ~~ترجمته في أبلغ عبارة وأرفع بيان وأكبر كبرياء إلا في معنى: «أنا محروم ...!» # يا عجبا للحب! كل شيء فيه يحول عن حقيقته حتى ألفاظ اللغة وأساليب الكلام ...! # وكذلك كان الرافعي يقول في رسائل الأحزان: «هو»، ويعني: «أنا ...»؛ لأنه لا يريد أن ~~يبتذل كبرياءه في لغة الحب ...! ~~••• # إنني أحسب الرافعي لم يكتب رسائل الأحزان لتكون كتابا يقرؤه الناس، ولكن لتقرأه هي، ~~وهي كل حسبه من القراء، فمن ذلك لم يجر فيها على ms083 نظام المؤلفين فيما يكتبون ~~للقراء من قصة فيها اليوم والشهر والسنة، وفيها الزمان والمكان والحادثة، بل أرسلها ~~خواطر مطلقة لا يعنيه أن يقرأها قارئها فيجد فيها اللذة والمتاع، أو يجد فيها الملل ~~وحيرة الفكرة وشرود الخاطر. # ولم يكتبها - كما يزعم - رسائل أدبية عامة تتم بها العربية تمامها في فن من فنون ~~الرسائل لم يؤثر مثله فيما نقل إلينا من تراث الكتاب العرب، ليحتذيه المتأدبون ~~وينسجوا على منواله، بل هي رسائل خاصة تترجم عن شيء كان بين نفسين في قصة لم يذكرها في ~~كتابه ولم ينشر من خبرها. # وبذلك ظلت «رسائل الأحزان» عند أكثر قراء العربية شيئا من البيان المصنوع تكلفه ~~كاتبه يحاول به أن يستحدث فنا في العربية لم يوفق إلى تجويده على أنه كتاب فريد في ~~العربية في أسلوبه ومعانيه وبيانه الرائع، ولكنه بقية قصة لم تنشر معه، فجاء كما تأكل ~~النار كتابا من عيون الكتب فما تبقي منه إلا على الهامش والتعليق، وصلب الكتاب رماد ~~في بقايا النار ... # فمن شاء أن يقرأ رسائل الأحزان فليقرأ قصة غرام الرافعي قبل أن يقرأه، فسيجد فيه ~~عندئذ شيئا كان يفتقده فلا يجده، ولسوف يوقن يومئذ أن الرافعي أنشأ في العربية أدبا ~~يستحق الخلود. ~~••• # قلت: إن الرافعي أنشأ رسائل الأحزان؛ ليكون رسالة إليها هي، فهذا كان أول أمره فيما ~~بينهما من الرسائل التي قلت عنها فيما سبق إنهما كانا يتبادلانها على أعين القراء من ~~غير أن يذيع السر أو ينكشف الضمير، ومن غير أن يسعى بينهما حامل البريد، ولقد ردت ~~صاحبته على رسالته هذه برسالة مثلها بعثت بها إليه مع بائع الصحف والمجلات ... ثم تتابعت ~~رسائلهما من بعد على هذا الأسلوب العجيب ...! # وسيأتي يوم يدرس فيه أدب فلانة صاحبة الرافعي، وسيجد الباحثون يومئذ لونا لذيذا ~~من البحث؛ إذ يعثرون على رسائلها إليه في بعض كتبها ومقالاتها، وليس بعيدا أن يقرأ ~~الأدباء يومئذ كتابا جديدا بعنوان «رسائلها ورسائله» بتاريخها وزمانها وأسبابها، ~~مقتبسة مما نشر ونشرت في الصحف والمجلات من مقالات وأقاصيص بين سنتي ms084 1924 ~~و1936. # أيها الباحث الذي سيأتي أوانه، ابحث عن حشو القول وفضول الكلام في مقالاتها ~~ومقالاته، وأقرن تاريخا إلى تاريخ، وسببا إلى سبب؛ لتنشر لنا رسائلها ورسائله في ~~كتاب ... ~~••• # أراني لم أتحدث عن «رسائل الأحزان» كما يتحدث كاتب من الكتاب عن كتاب من الكتب، ~~فليس هذا إلي، وإنما قدمت وسائل القول لمن يريد أن يقول، وأحسب أن كلاما سيقال عن ~~رسائل الأحزان من بعد غير ما كان يقال، وأعتقد أن الدكتور طه حسين لن يكرر مقالته ~~التي قالها فيه من قبل، يوم أشهد الله على أنه لم يفهم منه حرفا، وأعتقد أن الدكتور ~~منصور فهمي لن يقتصر على قوله فيه من قبل: «إن معانيه من آخر طراز يأتي من أوربا ...»؛ ~~لأنه سيجد مجالا للقول في غير معانيه وبيانه. ~~••• # ولكن في رسائل الأحزان شيئا غير ما قدمت من أشيائه؛ ذلك لأن الرافعي - رحمه الله ~~- كان ولوعا بأن يضيف إلى كل شيء شيئا من عنده، وتلك كانت طبيعته في الاستطراد عند ~~أكثر ما يكتب. # سيجد الباحث في رسائل الأحزان عند بعض الرسائل وفي هامش بعض الصفحات من الكتاب كلاما ~~وشعرا لا يتساوق مع القصة التي رويت، إلا أن الرافعي كانت تغلبه طبيعته الفنية في ~~الكتابة أحيانا فيستطرد إلى ما لا يريد أن يقول؛ ليثبت معنى يخشى أن يفوته، أو ليذكر ~~حادثة يراها بالحادثة التي يرويها أشبه، أو لأن تعبيرا جميلا وجد موضعه الفني من ~~الكلام وإن لم يجد موضعه من الحادثة، فإن رأى الباحث شيئا من ذلك فلا يداخله الريب ~~فيما أثبت من الحقيقة التي أرويها كما أعرفها. # وسيجد في بعض الرسائل حديثا وشعرا عن لبنان وأيام لبنان، وما عرف الرافعي صاحبته ~~إلا في مصر وإن كان مولدها هناك. فليذكر من يريد أن يعلم، أن صاحبة الرافعي هذه لم تكن ~~هي أولى حبائبه، وقد كان له قبل أن يعرفها في الغرام جولان، وكان بعض من أحب قبلها ~~فتاة أديبة عرفها في لبنان، وهي سمية صاحبتنا هذه، وكان بينهما رسائل أثبت الرافعي ~~بعضها ms085 في «أوراق الورد»، وهي التي أنشأ من أجلها كتابه «حديث القمر»، على أن عمر الحب ~~لم يطل بينهما؛ إذ تروجت وهاجرت مع زوجها إلى أمريكا لتشتغل بالصحافة العربية هناك ~~- وما تزال - فما جاء في رسائل الأحزان من حديث لبنان وذكر أيام هناك، فهو بقية من ~~ذكرى صاحبة «حديث القمر»، أقحمه في رسائله؛ حرصا عليه وبخلا به على الضياع. ~~••• # لقد كان حب الرافعي الأخير حادثة في أيامه فعاد حديثا في فكره، ورسائل الأحزان هي ~~أول ما أنشأ من وحي هذا الحب، على أن قارئه يقرؤه فما يعرف أهو رسالة عاشق ألح عليه ~~الحب، أم زفرة مبغض يتلذع بالبغض قلبه؟ والحق أن الرافعي أنشأه وهو من الحب في غمرة ~~بلغت به من الغيظ والحنق أن يتخيل أنه قادر على أن يبغض من كان يحب، بغضا يرد عليه ~~كبرياءه وينتقم له، فما فعل إلا أن أعلن حبه في أسلوب صارخ عنيف كما تحنو الأم على ~~وليدها في عنفوان الحب فتعضه وإنها لتريد أن تقبله، أو كما تقسو ذراع الحبيب على ~~الحبيب تضمه في عنف وما بها إلا الترفق والحنان ...! # وطبع الرافعي كتابه وأنفذه إلى صاحبته، فكتبت إليه ... وثارت ثورة الرافعي مرة ثانية ~~فأصدر «السحاب الأحمر». # السحاب الأحمر # لا يصح الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر: يا أنا ... ومن هذه ~~الناحية كان البغض بين الحبيبين - حين يقع - أعنف ما في الخصومة؛ إذ هو تقاتل روحين ~~على تحليل أجزائهما الممتزجة، وأكبر خصمين في عالم النفس، متحابان تباغضا ~~... # الرافعي # ترى ماذا كتبت إليه صاحبته بعدما قرأت رسائل الأحزان، فأثارت نفسه بعد هدأتها ~~وردته من الغيظ والحنق إلى أن يقول: «يا هذه، لا أدري ما تقولين، ولكن الحقيقة التي ~~أعرفها أن نفس المرأة إذا اتسخت كان كلامها في حاجة إلى أن يغسل بالماء والصابون ~~وهيهات ...!» ويقول: «يجب على المدارس حين تعلم الفتاة كيف تتكلم أن تعلمها أيضا كيف ~~تسكت عن بعض كلامها.» # من لي بأن أعرف ما كان وقع رسائل الأحزان في نفسها ms086 وما ردت به؟ # إنه يتحدث في السحاب الأحمر عن التهمة والظنون، والكلام الذي لا يغسله الماء ~~والصابون، والنجمة الهاوية، وخداع النظر في الحب، وفساد الرأي في الهوى، وطيش القلب في ~~الاستسلام، ثم ... ثم يحاول أن يعتذر ...! # هنا الحلقة المفقودة في تاريخ هذا الحب، فلست أدعي المعرفة، ولقد كنت مع الرافعي ~~مرة في مكتبه وبيننا السحاب الأحمر يقرأ لي بعض فصوله، فأشرت إليه عند فقرة من الكلام ~~ليجيبني عن سؤال يكشف عن شيء من خبرها ومن خبره، فوضع الكتاب إلى جانبه وحدق في ~~طويلا ثم سكت وسبحت خواطره إلى عالم بعيد، وراحت أصابعه تعبث بما على المكتب من ~~أشيائه، ثم قال: «أرأيت القلم الذي تراءى لي السحاب الأحمر في نصابه بين عيني ~~والمصباح ...؟» ثم دس يده في درج المكتب فأخرجه ودفعه إلي وهو يقول: «ضع النصاب بين ~~عينيك والمصباح وانظر، ألست ترى سحابا يترقرق بالدم كأن قلبا جريحا ينزف؟ في شعاعة ~~هذا النور تراءت لي هذه الخواطر تقرؤها في السحاب الأحمر ...» # ثم عاد إلى الصمت ولم أعد إلى السؤال ... ~~••• # أحسب أن الرافعي حين أنشأ السحاب الأحمر كان في حالة عصبية قلقة لست أعرف مأتاها ~~ومردها، ولكن فصول الكتاب تتحدث عن خبرها في شيء من الغموض والإبهام. # لقد أنشأ الرافعي رسائل الأحزان؛ ليكون رسالة إليها يتحدث فيها عن حبه وآلامه، ولست ~~أشك أن صاحبته حين تأدت إليها رسائله قد فهمت ما يعنيه وعرفت ذات صدره، وأحسبها ~~- وهي الأديبة الشاعرة - قد سرها أن تكون هي فلك الوحي لما في رسائل الأحزان من كل ~~معنى جميل، أفتراها قد بدا لها أن تهيجه بالدلال والإغراء وقسوة العتب وتصنع الغضب، ~~لتفتنه وتزيده وحيا وشعرا وحكمة ...؟ # إن كانت هذه رسالتها إليه فما أراها قد بلغت بها إلا أن هاجت كبرياءه وأثارت نفسه، ~~فكتب كتابه ولكن لغير ما أرادت وما قصدت إليه ... ~~••• # يقوم السحاب الأحمر على سبب واحد، حول فلسفة البغض، وطيش الحب، ولؤم المرأة ... # على أن كل ما فيه لا يشير إلا لمعنى واحد، هو أن قلبا ms087 وقع في أسر الحب يحاول ~~الفكاك فلا يستطيعه، فما يملك إلا أن يصيح بملء ما فيه: إنني أبغضك أيتها ... أيتها ~~المحبوبة! # وكما يفزع الشخص إذا حزبه أمره إلى أصدقائه يستعينهم ويستلهمهم الرأي في بلواه، كذلك ~~فزع الرافعي في السحاب الأحمر، ولكن إلى أصدقاء من غير عالمه يستعينهم على أمره. فهذا ~~صديقه الشيخ علي صاحب المساكين، وهذا صفيه وصاحب نشأته الشيخ أحمد الرافعي، وذلك ~~أستاذه ومثله العالي في دينه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وهذه أم ضل ولداها ~~الحبيبان، وتلك زوج يفارقها زوجها الحبيب إلى السجن، وهذا، وهذه، وتلك يحدثونه جميعا ~~حديثهم عن الحب في رأي العين، وفي رأي القلب، وفي رأي العقل، ويحدثهم حديثه ... فما ~~تلمح من أحاديث هؤلاء جميعا إلا أن الرافعي في جهاد عنيف بين قلبه وعقله، يريد أن يثبت ~~الغلبة لعقله على هواه؛ ليخرج من أمر صاحبته برأيه وفكره وكبريائه، ثم لا تكون الغلبة ~~في النهاية إلا للحب على رأيه وفكره وكبريائه. # على أن كتاب السحاب الأحمر ليس كله خالصا لصاحبته وإن يكن من وحيها؛ ذلك أن نسقه ~~العجيب، ومحاولة الرافعي به أن ينصرف عنها، قد شرع له في الكتاب مسالك من القول لم تكن ~~مما يقتضيه ما بينه وبين صاحبته. ~~••• # في الفصل الأول من السحاب الأحمر، يتحدث الرافعي عن فتاة «عرفها قديما في ربوة من ~~لبنان، ينتهي الوصف إلى جمالها، ثم يقف!» وهو يعني صاحبته التي أملت عليه «حديث ~~القمر»، وإنك لتقرأ حديثه عنها، ووصفه لها، وما كان من أثرها في نفسه، فتسأل نفسك: أي ~~شيء رده إلى هذه الذكرى البعيدة فأيقظها في نفسه بعد اثنتي عشرة سنة محا الزمان بها ~~في قلبه وأثبت! فلا تلبث أن تجد الجواب في الأسطر الأخيرة من هذا الفصل: # إن من النساء ما يفهم ثم يعلو في معانيه الجميلة إلى أن يمتنع، ومن النساء ~~ما يفهم ثم يسفل في معانيه الخسيسة إلى أن يبتذل ... # إن من المرأة ما يحب إلى أن يلتحق بالإيمان، ومن المرأة ما يكره إلى أن ~~يلتحق ms088 بالكفر ... # من المرأة حلو لذيذ يؤكل منه بلا شبع، ومن المرأة مر كريه يشبع منه بلا ~~أكل ...! # أتراه بهذا يوازن بين واحدة وواحدة، ليقول لهذه: إن تلك كانت خيرا منك؟ وهل تحسبه ~~كان يعتقد ذلك؟ أما أنا فأعرف من أخلاق الرافعي أن هذا معنى لم يكن يعنيه، ولكنها ~~مساومة في الحب يريد بها أن يهيج غيرة صاحبته ليردها إليه، أو أنه أراد أن ينقذ ~~كبرياءه فيزعم لصاحبته أنه لم يكن يعنيها برسائل الأحزان؛ لأن هنالك أخرى ... ~~••• # وتقرأ «النجمة الهاوية» في الفصل الثاني، فتسمعه يقول: «تتم آمالنا حين لا نؤمل!» ~~فما تشك أن هناك رسالة إليها، رسالة يمليها الحب المغيظ المحنق، يحاول فيها أن يوهمها ~~أنها لم تعد شيئا في نفسه، وأنه قد تمت آماله واستراحت نفسه فليس له فيها أمل ولا ~~يتعلق بها رجاء، ثم يستطرد في معاني البغض والهجر والقطيعة بأسلوب قاس عنيف، ولكن قلبه ~~العاشق المفتون ينبض في كلماته، فما ينتهي الفصل حتى يستعلن حبه من وراء كلمات البغض ~~وهو يقول: «أشأم النساء على نفسها من لا تحب ولا تبغض، وأشأمهن على الناس من إذا ~~عدت مبغضيها لا تعد إلا الذين أحبوها ...!» وإنني لأعرف الرافعي وأستمع إلى همسات ~~قلبه، فهل ترى ترجمة هذه العبارة إلا أنه يقول: «إنني أحبك يا أشأم النساء»؟ # اقرأ في آخر هذا الفصل الصاخب قوله: # يا من على الحب ينسانا ونذكره # لسوف تذكرنا يوما وننساكا # إن الظلام الذي يجلوك يا قمر # له صباح، متى تدركه أخفاكا # ويتحدث في الفصل الثالث عن السجين تحمله عربة السجناء إلى قضائه، وزوجته التي تحبه ~~تشيعه بنظراتها الجازعة، فتعرف من وصفه لساعة الفراق بين الزوجين الحبيبين، أي خاطرة في ~~الحب ألهمته هذا الفصل البديع، وكأنك تسمع الرافعي يتحدث فيه عن نفسه مما فعل به الفراق: «ما الفراق إلا أن تشعر الأرواح المفارقة أحبتها بمس الفناء؛ لأن أرواحا ~~أخرى فارقتها، ففي الموت يمس وجودنا ليتحطم، وفي الفراق يمس ليلتوي، وكأن ~~الذي يقبض الروح في كفه حين موتها، وهو الذي يلمسها ms089 عند الفراق بأطراف ~~أصابعه! # وإنما الحبيب وجود حبيبه؛ لأن فيه عواطفه، فعند الفراق تنتزع قطعة من وجودنا ~~فنرجع باكين ونجلس في كل مكان محزونين كأن في القلوب معنى من المناحة على ~~معنى من الموت ... # ترى العمر يتسلسل يوما فيوما ولا نشعر به، ولكن متى فارقنا من نحبهم نبه ~~القلب فينا بغتة معنى الزمن الراحل، فكان من الفراق على نفوسنا انفجار كتطاير ~~عدة سنين من الحياة ...» # ويتحدث في الفصلين الرابع والخامس عن تجارة الحب، # 22 # وعن المنافق، فتلمح من وراء حديثه معنى لا يريد أن يفصح عنه، وإنه لبسبب ~~مما كان بينه وبين صاحبته، أفتراه يشير به إلى شيء من أسباب القطيعة؟ # وفي الفصل السادس يتحدث عن حب الأم في قصة والدة ضل ولداها الصغيران ثم اهتدت إليهما: «الحب! ما الحب إلا لهفة تهدر هديرها في الدم، وما خلقت لهفة الحب أول ما ~~خلقت إلا في قلب الأم على طفلها ... حب الأم في التسمية كالشجرة، تغرس من عود ~~ضعيف، ثم لا تزال بها الفصول وآثارها ولا تزال تتمكن بجذورها وتمتد بفروعها حتى ~~تكتمل شجرة بعد أن تفني عداد أوراقها ليالي وأياما، وحب العاشقين كالثمرة؛ ~~ما أسرع ما تنبت، وما أسرع ما تنضج، وما أسرع ما تقطف، ولكنها تنسي الشفاه ~~التي تذوقها ذلك التاريخ الطويل من عمل الأرض والشمس والماء في الشجرة القائمة ~~... ~~... لا لذة في الشجرة، ولكنها مع ذلك هي الباقية وهي المنتجة، ولا بقاء للثمرة، ~~ولكنها على ذلك هي الحلوة وهي اللذيذة وهي المنفردة باسمها ... # وهكذا الرجل أغواه الشيطان في السماء بثمرة فنسي الله حينا، ويغويه الحب في ~~الأرض بثمرة أخرى فينسى معها الأم أحيانا!» # وتراه في الفصول الثلاثة الباقية كأنما يحاول أن يروض نفسه على السلوان ويقنعها بأن ~~الحب ليس هو رجولة الرجل، وليس هو إنسانية الإنسان، وليس هو كل ما في الحياة من لذة ~~ومتاع، في كلام يجريه على ألسنة شيوخه وأصدقائه: الشيخ علي، والشيخ أحمد، والشيخ محمد ~~عبده، يحاورهم ويحاورونه فتستمع في هذا الحوار إلى النجوى بينه ms090 وبين نفسه، وإلى الصراع ~~بين عقله وهواه. # إن الرافعي بكبريائه وخلقه ودينه واعتداده بنفسه، لم يخلق للحب! ولكنه أحب؛ فمن ذلك ~~كان حبه سلسلة من الآلام، وصراعا دائما بين طبيعته التي هو بها هو، وفطرته التي هو ~~بها إنسان، وإنك لتلمح هذا الصراع الدائم في كل فصل من فصول السحاب الأحمر. ~~••• # وفي كتاب السحاب الأحمر، تقرأ رأي الرافعي في القضاء والقدر، وإنه ليشعرك برأيه ذلك ~~مقدار ما فعل به الحب وما فل من إرادته، فتراه يؤمن بأن الإنسان في دنياه ليس له كسب ~~ولا اختيار فيما يعمل، ولكنه قضاء مقدور عليه منذ الأزل لا طاقة له على الفكاك منه، ~~وإنه على ذلك لموقن بأن لله حكمة فيما قضى وقدر، وإن دقت حكمته على الأفهام: «ألا يا ماء البحر، ما أنت على أرض من الملح، فبماذا أصبحت زعاقا لا تحلو ~~ولا تساغ ولا تشرب؟ إنك لست على أرض من الملح، ولكنك يا ماء البحر ذابت ~~فيك الحكمة الملحة ...!» # قلت في الفصل السابق: إن رسائل الأحزان عند أكثر قراء العربية هو شيء من البيان ~~المصنوع تكلفه كاتبه؛ ليحاول به أن يستحدث فنا في العربية لم يوفق إلى تجويده ... ~~لأنه بقية قصة لم تنشر معه ... # أما السحاب الأحمر فهو كتاب كامل، احذف منه فصلا أو فصلين في أوله، وشيئا من فضول ~~القول في سائره، تجد فنا في العربية لا يقدر عليه إلا الرافعي، فجرده من قصته أو ~~انسبه إليها، فإنك واجد فيه أدبا يستحق الخلود، وبيانا يزهى على البيان، وشعرا وحكمة ~~ما زال الأدباء يدورون عليهما حتى وجدوهما في أدب الرافعي. ~~••• # في رسائل الأحزان أراد الرافعي أن تعرف صاحبته من حاله ومن خبره ما أراد، فأغراها ~~بالترفع والدلال عليه، وفي السحاب الأحمر حاول أن يشعرها أنه قد فرغ من أمرها وفرغت ~~من أمره فما لها عنده إلا البغض والإهمال، وما له عندها إلا اللهفة على ما كان من ~~أيامه. أفتراه في السحاب الأحمر قد بلغ ما أراد؟ # هيهات أن يخفى الهوى! # استمع إليه ms091 يحاول أن يهيج فيها الغيرة ويبعث اللهفة ويوقظ الحنين ويؤرث البغضاء ~~ويثير الندم، فلا يكاد يبلغ آخر الرسالة حتى ينسى ما قصد إليه ليدع لقلبه أن ~~يقول: # ويلي على متدلل # ما تنقضي عني فنونه # كيف السلو وفي فؤا # دي لا تفارقني عيونه؟! # يرحمك الله يا صديقي! # أوراق الورد ~~... إنه ليس معي إلا ظلالها، ولكنها ظلال حية تروح وتجيء في ذاكرتي، وكل ما كان ~~ومضى هو في هذه الظلال الحية كائن لا يفنى ، وكما يرى الشاعر الملهم كلام الطبيعة ~~بأسره مترجما إلى لغة عينيه، أصبحت أراها في هجرها طبيعة حسن فاتن مترجمة بجملتها ~~إلى لغة فكري. # كان لها في نفسي مظهر الجمال ومعه حماقة الرجاء وجنونه، ثم خضوعي لها خضوعا لا ~~ينفعني ... فيدلني الهجر منها مظهر الجلال ومعه وقار اليأس وعقله، ثم خضوعها لخيالي ~~خضوعا لا يضرها. # وما أريد من الحب إلا الفن، فإن جاء من الهجر فن فهو الحب ... # كلما ابتعدت في صدها خطوتين رجع إلي صوابي خطوة. # لقد أصبحت أرى ألين العطف في أقسى الهجر، ولن أرضى بالأمر الذي ليس بالرضا، ولن ~~يحسن عندي ما لا يحسن، ولن أطلب الحب إلا في عصيان الحب، أريدها غضبى، فهذا جمال ~~يلائم طبيعتي الشديدة، وحب يناسب كبريائي، ودع جرحي يترشش دما، فهذه لعمري قوة ~~الجسم الذي ينبت ثمر العضل وشوك المخلب، وما هي بقوة فيك إن لم تقو أول شيء على ~~الألم ... # أريدها لا تعرفني ولا أعرفها، لا من شيء إلا لأنها تعرفني وأعرفها ... تتكلم ساكتة ~~وأرد عليها بسكوتي. صمت ضائع كالعبث، ولكن له في القلبين عمل كلام طويل ... # الرافعي # هدأت ثائرة الرافعي هونا ما، وفاءت إليه نفسه، واعتدلت مقادير الأشياء في عينيه، ~~وعاد إلى حالة بين الرضا والغضب، وبين الحب والسلوان، فاستراح إلى اليأس ... لولا أثارة ~~من الحنين تنزع به إلى الماضي، وبقية من الشوق واللهفة على ما كان، وفرغت أيامه من ~~الحادثة لتمتلئ من بعد بالشعر والحكمة والبيان. # ومضت سبع سنين والحياة تذهب به مذاهبها، والذكرى تغشاه في خلوته وتداعبه ms092 في أحلامه، ~~والأماني التي بعثرتها الكبرياء بددا في أودية النسيان تتخايل له في شكول وألوان، ~~وخواطره من وراء ذلك تعمل، ونفسه الشاعرة تحس وتشعر وتنفعل بما يتعاقب عليها من الرؤى ~~والأحلام، وأتم نظم قصيدته البارعة في «أوراق الورد» سنة 1931. # أوراق الورد هو طائفة من الخواطر المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعي ليصف ~~حالة من حالاته، ويثبت تاريخا من تاريخه، في فترة من العمر لم يكن يرى لنفسه من قبلها ~~تاريخا ولا من بعد. # ويقول الرافعي: إنه جمع في أوراق الورد رسائلها ورسائله. أما رسائله فنعم ولكن على ~~باب من المجاز، وأما رسائلها فما أدري أين موضعها من الكتاب؟ إلا رسالة واحدة وجزازات ~~من كتب ونتفا من حديثها وحديثه. # بلى، إن في أوراق الورد طائفة من رسائله إليها، ولكنها رسائل لم تذهب إليها مع ~~البريد، بل هي من الرسائل التي كان يناجيها بها في خلوته، ويتحدث بها إلى نفسه، أو ~~يبعث بها إلى خيالها في غفوة المنى، ويترسل بها إلى طيفها في جلوة الأحلام، إلا ~~رسالتين أو ثلاثا مما في أوراق الورد ... فلما أتم تأليفها وعقد عقدتها، بعث بها إليها ~~في كتاب مطبوع بعد سبع سنين من تاريخ الفراق! ~~••• # ولكن أوراق الورد ليس كله من وحي «فلانة» وليست كل رسائله في الكتاب إليها، فهنالك ~~الأخرى، هنالك صاحبة «حديث القمر»، تلك التي عرفها في ربوة من لبنان منذ تسع عشرة سنة، ~~وهنا فلانة ... # هما اثنتان لا واحدة: تلك يستمد من لينها وسماحتها وذكرياتها السعيدة معاني الحب ~~التي تملأ النفس بأفراح الحياة، وهذه يستوحيها معاني الكبرياء والصد والقطيعة وذكريات ~~الحب الذي أشرق في خواطره بالشعر وأفعم قلبه بالألم! # لقد مضت سبع سنين منذ فارق صاحبته «فلانة» كان قلبه في أثنائها خالصا لها، ولكن ~~فكره كان يدور على معاني الشعر يلتمسه من هنا ومن هناك، فلما اجتمع له ما أراد، ضم ~~أوراق الورد إلى أشواكه، وأخرجها كتابا للفن أولا، ثم لها من بعد. # هو كتاب ليس كله من نبضات قلبه الذي يعشقها وما ms093 زال متيما في هواها، ولكن فيه إلى ~~جانب ذلك فكر المفكر وعقل الأديب وحيلة الفنان. # بلى، إنه كان يحبها حبا لا يتسع القلب لأن يشرك فيه غيرها، فكان «قلبه» لها من دون ~~النساء جميعا، ولكن الذكريات كانت تتوزع «فكره» فتوحي إليه من هنا ومن هنالك ومما ~~يستجد على خواطره من بعد في معاني الحب والبغض والود والقطيعة. # هو كتاب يصور نفسه وخواطره في الحب، ثم يصور فنه وبيانه في لغة الحب، ثم ... ثم لا ~~يصور شيئا من بعد مما كان بينه وبين صاحبته على وجهه وحقيقته، إلا أن يتدبر قارئه ~~ويستأني ليستخلص معنى من معنى على صبر ومعاناة في البحث والاستقراء. # فما رأيت من رسالة فيها اللهفة والحنين، وفيها التذلل والاستعطاف، وفيها تصنع ~~الغضب ودعوى الكبرياء، وفيها المنى الحالمة تتواثب بين السطور في خفة الفراشة الطائرة، ~~وما رأيت من معنى تحاول أن تمسكه فيفلت، فهو فصل يؤدي أداءه في قصة هذا الحب ~~العجيب. # وما قرأت من رسالة تصف ما كان في خلوة نفس إلى نفس، وتقص عليك في لغة الماضي حديث ~~قلب إلى قلب، وتكشف لك عن سر الابتسامة ومعنى النظرة، وتتحدث إليك عن جمال الطبيعة ~~وفلسفة الكون، فهو ذكرى من الماضي البعيد، وكان حبا في القلب فصار حديثا في الفكر، ~~ثم استتبع شيء شيئا. # وما قرأت من قول مزوق، وبيان منمق، ومعنى يلد معنى، وفكرة تستجر فكرة، ~~وعبارة تتوكأ على عبارة، فهو من أداء الفن وولادة الفكر. # ولقد تجد رسالة كلها حنين ولهفة، أو حادثة وذكرى، أو فن من الفن، ولقد تجد كذلك رسالة ~~غيرها تجمع هذه الثلاثة في قرن، ففيها قلب ينبض، وذكرى تعود، وبيان مصنوع. # فإذا أنت عرفت هذه الثلاثة، عرفت الكتاب، وعرفت صاحبه، وخرجت منه بشيء. ~~••• # يبدأ أوراق الورد بمقدمة بليغة في الأدب يتحدث فيها عن تاريخ رسائل الحب في العربية ~~بأسلوب هو أسلوب الرافعي، وإحاطة هي إحاطته، وسعة اطلاع لا تعرفها لغيره، وهذه المقدمة ~~وحدها هي باب في الأدب العربي لم ينسج على منواله ولم ms094 يكتب مثله، تذكر قارئها ذلك ~~النهج البارع الذي نهجه الرافعي العالم المؤرخ في كتابة «تاريخ آدب العرب»، فكان به أول ~~من كتب في تاريخ الأدب وآخر من كتب ... # وتأتي بعد هذا الفصل مقدمة الرسائل، وفيها سبب تسمية الكتاب، وهو شيء مما كان بينه ~~وبين صاحبته. يقول: إنه كان في مجلسها يوما ومعها وردة، فأخذت تحدثه عن الحب وعمر ~~الحب، وعن الورد وعمر الورد، وكأنها تقول له: احذر أن تجعل حظك من الوردة أكثر من أن ~~تستنشيها على بعد من دون لمسة البنان، واحذر في الحب ... قال: «ثم دنت الشاعرة الجميلة ~~فناطت وردتها إلى عروة صاحبها، فقال لها: وضعتها رقيقة نادية في صدري، ولكن على معان ~~في القلب كأشواكها ... فاستضحكت وقالت: فإذا كتبت يوما معاني الأشواك فسمها أوراق ~~الورد ... وكذلك سماها.» # ويمضي في هذه المقدمة يتحدث عن حبه، وآلامه في الحب، ورأيه في الحب، وشيء مما كان ~~بينه وبينها، ثم يتحدث عن نهجه في هذه الرسائل، وما أراد بها، وما أوحاها إليه، في ~~أسلوب كله حنين، وكله شوق وألم. # ثم تأتي بعد ذلك فصول الكتاب متتابعة على ما أوضحت طريقها من قبل: فيها حنين العاشق ~~المهجور، وفيها منية المتمني، وفيها ذكريات السالي، وفيها فن الأديب وشعر الشاعر، ~~وفيها من رسائلها ومن حديثها ... ~~••• # من أراد أوراق الورد على أنه قصة حب في رسائل لم يجد شيئا، ومن أراده رسائل وجوابها ~~في معنى خاص لم يجد شيئا، ومن أراد تسلية وإزجاء للفراغ لم يجد شيئا، ومن أراده ~~نموذجا من الرسائل يحتذيه في رسائله إلى من يحب لم يجد شيئا، ومن أراده قصة قلب ينبض ~~بمعانيه على حاليه في الرضا والغضب، ويتحدث بأمانيه على حاليه في الحب والسلوان، وجد ~~كل شيء. # وهو في الفن فن وحده، لا تجد في بيانه ومعانيه ضريبا له مما أنشأ الكتاب وأنشد ~~الشعراء في معاني الحب، على أنه بأسلوبه العنيف وبيانه العالي وفكرته السامية في الحب، ~~لا يعرف قراءه في العربية، وكم قارئ استهواه عنوان الكتاب وموضوعه فتناوله بشوق ms095 ~~ولهفة، فما هو إلا أن يمضي فيه صفحات قليلة حتى تسلمه يمناه إلى يسراه إلى الزاوية ~~المهملة من مكتبته، ثم لا يعود إليه ... # وكم قارئ كان لا يعرف الرافعي الشاعر الثائر العنيف في حبه وبغضه وكبريائه، فلما قرأ ~~«أوراق الورد» عرفه فأحبه فاستخلصه لنفسه فما يعرفه في الأدباء إلا أنه مؤلف أوراق ~~الورد. # وكم وكم ... ولكن أوراق الورد ما يزال مجهولا عند أكثر قراء العربية وإن كان في ~~مكتباتهم؛ لأن القارئ الذي يلذه أوراق الورد ما زال يتعلم في المدرسة كيف يقرأ ~~ليستفيد ويضم فكرا إلى فكره لا ليتسلى ويهرب من فكره؛ لأن العربية ليس لها قراء ~~...! # ليت شعري أفي العربية كلها شاعر يستطيع أن ينظم ورقة واحدة من أوراق الورد أو يجمع ~~معانيها في قصيدة؟ ابحثوا عن جمهور هذا الشاعر وقرائه يوم تسمعون قصيده ... # أرأيت إلى المنجم الذي يمتد في الأرض ويتغلغل بعروق الذهب؟ إنه كنز، ولكن من ذا ~~يصبر على المعاناة في استخراجه والبلوغ إليه إلا أن يكون صاحب أيد وقوة؟ إنه كنز ~~يطلبه الجميع، ولكنك لن تجد في الجميع من يقدر على استخلاصه من بين الصخور المتراكبة ~~عليه وحواليه من طبقات الأرض إلا الرجل الواحد المحظوظ الذي يكون معه الصبر. # إن أوراق الورد منجم من المعاني الذهبية، لو عرفه المتأدبون من شبابنا لوضعوا ~~يدهم على أثمن كنز في العربية في معاني الحب والجمال يكون لهم غذاء ومادة في الشعر ~~والبيان. # وكان الرافعي - رحمه الله - يعتز بأوراق الورد اعتزازه بأنفس ما أنتج في أدب الإنشاء، ~~ويباهي ويفتخر، وما أحسبه تعزى عن صاحبته بقليل إذ تعزى بما لقي من النجاح ~~والتوفيق في إنشاء أوراق الورد، وكما تجد الأم سلوتها في ولدها العزيز عن الزوج الحبيب ~~الذي طواه الموت، وجد الرافعي العزاء في أطفال معانيه عن مطلقته العنيدة ... لقد فارقها ~~ولكنه احتواها في كتاب! # إن الأم لا تنسى زوجها الحبيب إذا فارقها وخلف بين يديها بضعة منه، ولكنها تجد ~~العزاء عنه بشيء منه، وإن قلبها ليخفق بذكراه في عيني هذا ms096 الحبيب الصغير، وكذلك لم ~~ينس الرافعي، ولكنه وجد السلوان ... لقد أفلتت من يده، ولكنها خلفت ذكراها معه، ذكرى ~~حية ناطقة تتمثل معاني وكلمات في كتاب يقرؤه كلما لج به الحنين فكأنه منها بمسمع ~~ومشهد قريب! # يرحمه الله! لقد مات، ولكن قلبه ما يزال ينبض يتحدث عن آلامه وأشواقه في قلب كل محب ~~يقرأ كتابه فيجد فيه صورة من قلبه وعواطفه وآماله ... # يرحمه الله! # | في النقد # الرافعي وطه حسين - تحت راية القرآن - كليلة ودمنة - شاعر الملك - الرافعي ~~والإبراشي باشا - الرافعي وعبد الله عفيفي - الرافعي والعقاد - على السفود - وحي ~~الأربعين. ~~*** # سأحاول في هذا الفصل أن أتحدث عن شيء مما كان بين الرافعي وأدباء عصره، وإنه لحديث ~~شائك، وإنني منه لفي حرج شديد، لقد مات الرافعي ولكنه خلف وراءه صدى بعيدا مما كان بينه ~~وبين أدباء عصره من الخصومات الأدبية، فما أحد منهم إلا له عنده ثأر وفي صدره عليه حفيظة أو ~~له عليه معتبة، ولقد اهتزت بلاد العربية كلها لنعي الرافعي وما اختلجت نفس واحد من خصومه ~~فكتب إلى أهله كلمة عزاء، إلا رجلا واحدا كتب برقية إلى ولده، هو الدكتور طه حسين بك، فلا ~~جرم كان بذلك أنزه خصوم الرافعي وأعرفهم بالأدب اللائق! # ولقد مضى ما مضى منذ ترك الرافعي دنياه، فهل رأيت أحدا منهم كتب شيئا عنه يناله بالمدح ~~أو المذمة؟ وهل رأيت اللجنة التي تألفت لتأبينه قد استطاعت أن تحمل واحدا من هؤلاء على ~~أن يشاركها فيما تعمل لتأبين الرافعي، أو قل لتأريخ عصر من عصور الأدب قد انطوى تاريخه بين ~~أعيننا ويوشك أن يضيع في مدرجة النسيان ...؟ # ليت شعري أكان الرافعي من الهوان في المنزلة الأدبية بحيث لا يذكره ذاكر من زعماء الأدب ~~العربي ولما ينقض على موته بضعة أشهر، وبحيث تجتمع لجنة التأبين وتنفض وتحدد الموعد ~~لحفلتها ثلاث مرات ثم لا تجد من يتقدم إليها ليقول في تأبين الرافعي، فتوشك أن تنسأ الأجل ~~إلى غير ميعاد ... حتى إذا مضى العام فاحتفلت فلسطين، واحتفلت سوريا، واحتفل العراق، واحتفل ms097 ~~العرب في المهاجر من وراء البحار بذكرى الرافعي، أقامت لجنة التأبين في مصر حفلتها كما ~~اتفق أن تكون لا كما كان ينبغي أن تكون؛ تحرجا من التهمة بالعقوق ونكران الجميل! # ولكنه هو - يرحمه الله - الذي ألب على نفسه هذه العداوات حيا وميتا، لقد كان ناقدا ~~عنيفا حديد اللسان، لا يعرف المداراة ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكانت فيه غيرة ~~واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة «من جهة الحرص على الدين ؛ إذ لا يزال منهما شيء ~~قائم كالأساس والبناء، لا منفعة فيهما معا إلا بقيامها معا»، وكان يؤمن بأنك «لن تجد ذا ~~دخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة» ... فكان بذلك كله ناقدا عنيفا، ~~يهاجم خصومه على طريقة عنترة: يضرب الجبان ضربة ينخلع لها قلب الشجاع! # اقرأ له في أول كتاب المعركة: ~~... إنما نعمل على إسقاط فكرة خطرة إذا هي قامت اليوم بفلان الذي نعرفه، فقد تكون غدا فيمن ~~لا نعرفه، ونحن نرد على هذا وعلى هذا برد سواء، لا جهلنا من نجهله يلطف منه، ولا ~~معرفتنا من نعرفه تبالغ فيه ... فإن كان في أسلوبنا من الشدة، أو العنف، أو القول المؤلم، ~~أو التهكم، فما ذلك أردنا، ولكنا كالذي يصف الرجل الضال ليمنع المهتدي أن يضل، فما به ~~زجر الأول بل عظة الثاني ... # وأول ما أعرف الرافعي في النقد، مقاله في «الثريا» عن شعراء العصر في سنة 1905، # 1 # ثم مقاله في الرد على المرحوم المنفلوطي في المنبر، وكان نشر مقالا يعارض به ~~رأي الرافعي في الشعراء وينتصف به لصديقه المرحوم السيد توفيق البكري، فكتب المرحوم حافظ ~~إلى الرافعي يقول: «قد وكلت أمر تأديبه إليك!» # ثم كانت مصاولات أدبية بينه وبين الجامعة المصرية غداة نشأتها في سنة 1908-1909، ثم مقالات عن الجديد والقديم، والعامية والفصحى، في مجلتي البيان والزهراء، ثم خصومة بينه وبين لجنة النشيد القومي في سنة 1921، ثم وقعت الواقعة بينه ~~وبين الدكتور طه حول كتاب رسائل الأحزان في سنة 1924 # 2 # في السياسة الأسبوعية، فكان ms098 هذا أول ما بينهما، ثم كانت المعارك العنيفة بينه ~~وبين العقاد، وبينه وبين عبد الله عفيفي، وبينه وبين زكي مبارك، إلى ما لا ينتهي من ~~المصاولات بينه وبين أدباء عصره. # على أن أشهر هذه المعارك شهرة هو ما كان بينه وبين طه، وبينه وبين العقاد، بل لعلها أشهر ~~وأقسى ما في العربية من معارك الأدب، وإنها لجديرة بأن يؤرخ بها في تاريخ النقد كما كان ~~العرب يؤرخون أيامهم ... # وإنني لأشعر أن علي واجبا أن أكشف عما أعرف من الأسباب الخاصة أو العامة التي نشأت ~~بها هذه الخصومات الأدبية أو انتهت إليها، وإنني لأشعر بجانب ذلك أنني أكلف نفسي بهذا فوق ~~ما أستطيع. # إن كل ما تناولته إلى الآن من تاريخ الرافعي كان له هو وحده، فلا علي ما دمت مطمئن ~~النفس إلى ما أكتب، أما الآن فسيكون إلى جانب اسم الرافعي أسماء، وإنهم لذوو حول وسلطان، ~~فما أدري أيرضون ما أكتب عنهم أم يسخطون، ولقد رأيت ما فعلت بالرافعي شجاعته فمات لم ~~يذكره أحد منهم أو يترحم عليه، وما أنا كفء لهذه العداوات، ولست لها بأهل، وما لي طاقة ~~بالدفاع عن نفسي، ولا لي أنصار ذوو لسان وبيان، وما تهون علي نفسي ...! # ولكن ... ولكن من عذيري يوم الحق من كتمان الشهادة؟ ولكن ... ولكن ما أنا إلا راوية يكتب ما ~~رآه لا ما ارتآه، ولكن ... ولكن فلانا وفلانا اليوم أناسي تصول وتجول، وإنها غدا لصفحات ~~من التاريخ تتحدث، ولكن ... ولكن التاريخ قد وقع فلا سبيل إلى محو فيه أو إثبات، ولكن ... ~~ولكن الندم على ما كان لا يمحو من تاريخ الإنسان ما كان ... # فهذا عذري عند فلان وفلان ممن يتناولهم حديثي بما يغضب أو يسوء، فإن كان لي عندهم عذر من ~~الكتمان إن كتمت الشهادة فإني على الأهبة لأن أطوي من هذا الحديث ما قد يغضب أو يسوء ~~... # أما وإن تاريخ الرافعي في هذا الفصل هو تاريخ الأدب في جيل من الأدباء، فإن كان من حق أحد ~~أن يعتب علي لنشر ms099 هذا الفصل فإن حق الأدب لأوجب، وما أريد من فلان وفلان شيئا، وما لي ~~عندهم حاجة، ولا لهم علي يد، فليغضب من يغضب للحق أو لنفسه فلا علي من غضبه أو رضاه، ~~وإني لماض فيما أنا بسبيله ... # بين الرافعي وطه # في سنة 1922 كانت السياسة الأسبوعية هي صحيفة الأدب والثقافة، وفيها كان يعمل الدكتور ~~طه حسين في الأدب وفي السياسة معا، ولم يكن بين الرافعي وطه يومئذ شيء يثير ثائرة في ~~الصدر، أو يدعو إلى عتاب وملامة ، ولكن إرهاصات كانت تسبق ذلك ببضع عشرة سنة ... # كان طه حسين في سنة 1909 هو الطالب المرموق في الجامعة المصرية، وكان الرافعي الشاعر ~~ماضيا في الشعر على سنته، لا يعرف له أحد مذهبا غير الشعر، فلما نشر مقاليه المشهورين ~~في «الجريدة» ينقد بهما أساليب الأدب في الجامعة، تنبهت إليه العيون، فلما أنشأ كتابه ~~تاريخ آداب العرب في سنة 1911، عرف الأدباء الرافعي العالم المؤرخ الراوية، وعرفه طه ~~حسين الطالب بالجامعة. # أفكان الطالب طه حسين يرشح نفسه من يومئذ ليكون أستاذ الأدب بالجامعة فنفس على ~~الرافعي أن يؤلف كتابا في تاريخ آداب العرب، فكتب ينقده ويقرر أنه لم يفهمه، ثم يقرر ~~هذا المعنى ثانية في نقد «حديث القمر»، وثالثة في «رسائل الأحزان»؟ # الحق أن الرافعي كان يطمع في أن يكون إليه تدريس الأدب في الجامعة منذ أنشئت ~~الجامعة، وقد كشف عن رغبته هذه في مقاليه بالجريدة، ولكن طه يومئذ كان طالبا في ~~الجامعة، فمن الإسراف في المزاح أن ننسب ما كان بينهما من بعد إلى النفاسة أو المنافسة ~~على كرسي الآداب في الجامعة! ولكنه صدر من تاريخ هذه الخصومة الأدبية لا بد من الإشارة ~~إليه! # وثمة حديث آخر يشير إلى أول ما كان بين الرافعي وطه، رواه لي صديقنا الأديب عبد ~~المعطي المسيري، صاحب «القهوة والأدب»، قال: «زار الرافعي إدارة «الجريدة» مرة لبعض ~~شأنه، في سنة 1908 (أو سنة 1909)، فلما هم أن ينصرف طاف بمحرري «الجريدة» يحييهم - ~~وبينهم طه حسين - ولكن الذي كان يصحب الرافعي ms100 في طوافه لم يعرفه طه ولم يقدم أحدهما ~~للآخر، وعرفه الرافعي على الرغم من ذلك؛ إذ كان مثله لا يخفى واسمه على جبينه ... ولكن ~~لم يحيه ولم يظهر له المعرفة؛ رعاية لعاطفته، وخشية أن يفهم طه أن الرافعي لم يعرفه ~~إلا بعلته فيألم وتتأذى نفسه، ولكن طه طوى صدره على شيء للرافعي من يومئذ؛ لأن ~~الرافعي انصرف دون أن يحييه كما حيا زملاءه العاملين معه في الجريدة!» # ونفخت السياسة الأسبوعية في الأدب روحا جديدة، واتخذت لها أسلوبا في الدين وفي ~~العلم وفي الأدب قال عنه جماعة من الأدباء: إنه إلحاد وكفر وضلال، وقالت طائفة: إنه ~~المذهب الجديد في الدين والعلم والأدب، ثم مضت السياسة بما تكتب وبما تفسح من صدرها ~~للكتاب، تقسم الأدباء إلى فرق ومعسكرات، وقديم وجديد، ورفعت في الجهاد راية ~~... # والرافعي رجل كان فيه عصبية للدين، وعصبية للقديم، فأيقن منذ قرأ العدد الأول من ~~السياسة الأسبوعية أن سيكون له شأن مع السياسة وكتاب السياسة في غد ... # ونال الرافعي رشاش من بعض المعارك وإنه لبعيد عن الميدان، فأحس في نفسه رغبة في ~~الكفاح فتحفز للوثبة ... # ودس كلمة إلى طه يذم أسلوبه بما يشبه المدح، ويعيب عليه التكرار وضيق الفكرة، قال ~~الرافعي: فنشرها طه في السياسة قبل أن يستبين مغزاها وما ترمي إليه ... ثم عرف ... # وتهيأت أسباب الحرب ولم يبدأ أحد بالعدوان ... وتربص الرجلان في انتظار السبب المباشر ~~لبدء المعركة ... # ثم أصدر الرافعي رسائل الأحزان، فسعى راجلا إلى دار السياسة؛ ليهدي إليها كتابه، ~~وهناك التقى الرافعي وطه حسين وجها لوجه ... ونظر الرافعي إلى طه، واستمع طه إلى حديث ~~الرافعي، وتصافح الخصمان قبل أن يصعدا إلى حلبة المصارعة، ونفخ الدكتور هيكل في صفارة ~~الحكم، وبدأت المعركة. # وكانت مشادة حادة خرج الرافعي يتحدث عنها وصمت طه. # لمن يا ترى كانت الغلبة؟ الرافعي يقول: أنا ... وطه لا يتكلم، والدكتور هيكل ضنين ~~بالحديث. # ومضت فترة، ثم نشر طه حسين رأيه في «رسائل الأحزان» في السياسة الأسبوعية، فرفع راية ~~العداء وأعلن الحرب، ورد عليه الرافعي ms101 يقول: يسلم عليك المتنبي، ويقول لك: # وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم # ثم مضى في رده يهزأ ويسخر ويتجنى ويتحدى، في مقال طويل. # 3 # وطارت الشرارة الأولى فاندلعت ألسنة النار، فما خمدت حتى أحدثت أزمة وزارية، وأنشأت ~~جفوة بين سعد وعدلي، وأوشكت أن تؤدي بعلي ماهر إلى المحاكمة، وهزت دوائر ~~البرلمان، ثم انتهت في النيابة العمومية ... ~~••• # لم تكن بداية هذه المعركة تنذر بما آلت إليه، فما كانت في أولها إلا الخصومة بين ~~مذهبين في الأدب وأسلوبين في الكتابة، فما لبثت من بعد أن استحالت إلى حرب شعواء ~~يتقاذف فيها الفريقان بألفاظ الكفر والضلال والإلحاد والغفلة والجمود، وانتقلت من ~~ميدان الأدب واللغة إلى ميدان الدين والقرآن، ثم إلى ميدان السياسة والحكومة والبرلمان، ~~ثم إلى ميدان القضاء، والدكتور طه رجل لا تستطيع أن تفرق بين مذهبه في الأدب ومذهبه في ~~الدين، ولا بينهما وبين مذهبه في السياسة، والرافعي رجل كان لا يفرق بين الدين ~~والأدب، ولا يعرف شيئا منهما ينفصل عن شيء أو يتميز منه، ولكنه في السياسة كان يتحلى ~~بفضيلة الجهل التام، فلا تعرف له رأيا في السياسة تؤاخذه به أو تناقشه فيه؛ لأنه كان ~~لا يعرف من السياسة إلا حادثة اليوم بأسبابها، لا بأصحابها، وكم جر عليه هذا الجهل ~~السياسي من متاعب! وكم ألصق به من تهم! ولكنه هنا كان من عوامل توفيقه في هذه ~~المعركة. ~~••• # في سنة 1925 كانت الحكومة للأحرار الدستوريين ولأصدقائهم، والأحرار الدستوريون حزب طه ~~حسين، نشأ بينهم ووقف قلمه على الدعاية لهم، فلما رأى علي ماهر باشا - وزير المعارف ~~يومئذ - أن يضم الجامعة المصرية إلى وزارة المعارف، انضم معها الدكتور طه حسين أستاذ ~~الأدب العربي بالجامعة، على شرط الواقف! # ومضى الدكتور طه يحاضر طلابه في كلية الآداب محاضرات في الأدب الجاهلي على الأسلوب ~~الذي رآه لهم، فلما استدار العام جمع طه محاضراته في كتاب أخرجه للناس باسم «في الشعر ~~الجاهلي»، وقرأ الناس كتاب الدكتور طه حسين بعد أن سمعه طلابه منجما في كلية ms102 الآداب، ~~فقرءوا رأيا جديدا في الدين والقرآن رجح ما كان عندهم ظنا بالدكتور طه حسين ~~وكتاب السياسة الأسبوعية، فقال الأكثرون من القراء: هذا كفر وضلال، وقالت طائفة: هو ~~خطأ في الفكر وإسراف في حرية الرأي، وقال الأقلون: بل هو الأسلوب الجديد لتجديد الآداب ~~العربية وتحرير الفكر العربي، وظل الرافعي ساكتا؛ إذ لم يكن قد قرأ الكتاب بعد، فما ~~نبهه إلى خطره إلا مقالان نشر أحدهما الأستاذ عباس فضلي القاضي، في السياسة ~~الأسبوعية، وكتب ثانيهما الأمير شكيب أرسلان في كوكب الشرق، فكان فيهما الإنذار للرافعي ~~بأنه قد آن أوانه ... # وانتضى الرافعي قلمه وكتب مقاله الأول فبعث به إلى جريدة «كوكب الشرق»، ثم مقالات ~~ثلاثا بعده، ولم يكن قد قرأ الكتاب، ولا عرف عنه إلا ما نشرت الصحف من خبره، فكانت ~~المعركة بذلك في ميدانها الأول، خصومة بين مذهبين في الأدب وفي الكتابة وفي طرائق ~~البحث، على أن الرافعي لم ينس في هذه المقالات أن له ثأرا عند طه، فجعل إلى جانب ~~النقد الأدبي في هذه المقالات شيئا من أسلوبه المر في النقد، ذلك الأسلوب الذي لا ~~يريد به أن يفحم أكثر مما يريد أن يثأر وينتقم. # ثم تلقى كتاب الدكتور طه حسين فقرأه، فثارت ثائرته لأمر جديد ... # لقد كان شيئا منكرا أن يزعم كاتب أن له الحق في أن يتجرد من دينه ليحقق مسألة من ~~مسائل العلم، أو يناقش رأيا من الرأي في الأدب، أو يمحص رواية من الرواية في التاريخ، ~~لم يكن أحد من كتاب العربية ليترخص لنفسه في ذلك فيجعل حقيقة من حقائق الدين في ~~موضع الشك، أو نصا من نصوص القرآن في موضع التكذيب، ولكن الدكتور طه قد فعلها وترخص ~~لنفسه، ومنح نفسه الحق في أن يقول قالة في القرآن وفي الإسلام وتاريخ الإسلام، وقرأ ~~الرافعي ما قاله طه، فغضب غضبته للدين والقرآن وتاريخ المسلمين، ونقل المعركة من ميدان ~~إلى ميدان ... # وكان طه في أول أمره عند الرافعي كاتبا يزعم أن له مذهبا جديدا في الأدب، فعاد ~~مبتدعا ms103 مضلا له مذهب جديد في الدين والقرآن، فكما ترى البدوي الثائر لعرضه أن ~~ينتهك، كان الرافعي يومئذ، فمضى يستعدي الحكومة والقانون وعلماء الدين أن يأخذوا على ~~يده ويمنعوه أن تشيع بدعته في طلاب الجامعة ... وترادفت مقالاته ثائرة مهتاجة تفور ~~بالغيظ وبالحمية الدينية وبالعصبية للإسلام والعرب، كأن فيها معنى الدم! # ونسي في هذه المقالات كل اعتبار مما تقوم به الصلات بين الناس، فما كان يكتب ~~نقدا في الأدب، بل يصب لهيبا وحمما وقذائف لا تبقي على شيء، وكان ميدانه في جريدة ~~كوكب الشرق، وكوكب الشرق يومئذ هي جريدة الأمة وجريدة سعد، وجريدة الشرق العربي كله؛ ~~فمن ذلك لم يبق في مصر قارئ ولا كاتب إلا صار له رأي في طه حسين وفي دينه، وإن للأمة ~~من قبل رأيا في وطنيته ومذهبه، وحسبك بها من وطنية في رأي الشعب، وطه حسين هو عدو ~~سعد! # ووقفت الدوافع السياسية إلى جانب الرافعي تؤيده وتشد أزره، وإن لم يكن له في ~~السياسة باع ولا ذراع. # وبلغت الصيحة آذان شيوخ الأزهر، فذكروا أن عليهم واجبا للدفاع عن الدين والقرآن ~~فجمعوا جماعتهم إلى جهاد. # وتساوقت الوفود إلى الوزارة تطلب إليها أن تأخذ طه بما قال؛ وإن طه لأثير في وزارة ~~الأحرار الدستوريين وأصدقائهم، ولكنها لم تستطع أن تتجاهل إرادة الرأي الإسلامي العام ~~... # ومضى الرافعي في حملته تؤيده كل القوى وتشد أزره كل السلطات. # ونشطت النيابة العمومية لتنظر في شكاوى العلماء وتحدد الجريمة وتقترح العقاب، فعرف ~~الدكتور طه حسين أن عليه وقتئذ أن يقول شيئا، فكتب كتابا إلى مدير الجامعة، يشهده ~~أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... ولكن الرافعي لم يقنع فمضى في ~~النقد على جادته! # ولم تجد الجامعة في النهاية بدا من جمع نسخ الكتاب من المؤلف ومن المكتبات لتمنع ~~تداوله، لعل ذلك يرد الفتنة التي توشك أن تعصف بكل شيء حتى بالجامعة، ولكن الرافعي ~~لم يقنع فاستمر في حملته على الدكتور طه حسين، ولا ظهير له يومئذ غير الدكتور زكي ~~مبارك ... # ليس من ms104 شأني أن أنص الحكم في هذه القضية، فإن وثائق الدعوى ما تزال بين أيدي ~~القراء، وليس يهمني لمن كانت الغلبة، فهذا كتاب للرواية لا للرأي، ولكن الذي يجب أن ~~يعرفه القراء، هو أن الدكتور طه حسين لم يحاول الدفاع عن نفسه إلا دفاعا سلبيا ~~فأوى إلى الصمت، ويزعم الدكتور زكي مبارك «أن الدكتور طه حسين كان معقول القلم واللسان ~~- في هذه المعركة - بفضل الإشارات التي صدرت إليه بأن يترك العاصفة تمر، حتى لا يهزم ~~أنصاره أمام الحكومة وأمام البرلمان!» وهو قول لا أدري أيقصد به الدكتور زكي مبارك أن ~~ينتصر لطه أو للرافعي، ولكنه قول صديق عاقل على كل حال ...! # لقد كانت هذه المقالات التي ينشرها الرافعي في كوكب الشرق صيحة مدوية وصلت إلى كل ~~أذن، فما أحسب أحدا في أدباء العربية وقرائها قد فاته منها شيء، وكان المصريون ~~وقتئذ مكمومة أفواههم عن السياسة والحديث في شئونها، فلعلهم وجدوا في هذه المقالات ما ~~يعزيهم عن شيء بشيء؛ إذ كان طه عندهم يومئذ ما يزال هو طه حسين عدو سعد، ومحرر جريدة ~~السياسة، وصديق الأحرار الدستوريين ...! # لا أزعم أن اهتمام الناس جميعا في مصر بهذه المقالات؛ لأنهم جميعا قد صار لهم في ~~شئون الأدب رأي، أو لهم في الذود عن الإسلام حمية، لا، ولكنه نوع من التعصب السياسي جاء ~~اتفاقا ومصادفة في الوقت نفسه، ليكون تأييدا لقول الله وانتصارا لكلمته، على أن هذه ~~المقالات بإقبال الناس عليها - لسبب أدبي أو لسبب سياسي - قد بعثت روحا دينية كانت ~~راقدة، وأذكت حمية كانت خامدة، وألفت قلوبا إلى قلوب كانت متنافرة، ونبهت طوائف ~~من عباد الله كانت أشتاتا لتعمل للذود عن دين الله. # وإني لأذكر مثلا مما كان من إقبال الناس على هذه المقالات، أنني - وكنت طالبا في ~~دار العلوم - لم أكن أطيق الانتظار حتى يجيء بائع الصحف إلى الحي الذي أسكنه لآخذ منه ~~كوكب الشرق، بل كنت وجماعة من الطلاب نستعجل فنقطع الطريق من «المنيرة» إلى «باب اللوق» ~~راجلين لنشتري من الأعداد المبكرة ms105 المسافرة إلى حلوان؛ لنقرأها قبل أن يقرأها ~~الناس. ~~••• # وتطورت السياسة المصرية، وتخلى زيور عن الحكم، وعادت حكومة الشعب يؤيدها برلمان ~~سعد، وعكف نواب الأمة على تراث الحكومة الماضية يفتشون عن أخطائه، وما يزال في آذانهم ~~صدى يرن عما كان من أمر الجامعة وأمر طه حسين، فأبدى البرلمان رغبته في محاكمته، ~~وقال النواب: نحن نريد ... وقالت الحكومة: وأنا لا أريد، وتشاد عدلي رئيس الحكومة وسعد ~~رئيس النواب، فهبت زوبعة، ونشأت ضجة، وحدثت أزمة وزارية، ولوح عدلي بالاستقالة، ~~وأصر سعد على وجوب تنفيذ رأي الأمة، وتعقدت المشكلة ... # وسعى الوسطاء بالصلح بين الزعيمين، فما كان الحل إلا أن يتقدم النائب عبد الحميد البنان # 4 # بشكواه إلى النيابة العمومية، فتسقط التبعة عن الحكومة، وينفذ رأي الأمة، ~~ثم تسير القضية إلى غايتها أمام القضاء، وكان بعد ذلك ما كان. # وإذا كان انضمام الجامعة إلى وزارة المعارف عملا من أعمال وزير المعارف، فإن ما ثار حول الجامعة بسبب الدكتور طه حسين قد دعا نائبا أو نوابا إلى اقتراح محاكمة علي ~~ماهر بما فعل للجامعة، وبما غير من نظام التعليم العام من غير أن يكون ذلك من حقه ~~الدستوري ... ولكنه ظل اقتراحا لغير التنفيذ. ~~••• # ليست كل هذه الحوادث من تأليف الرافعي، ولكنها شيء يتصل بتاريخه وله فيه أثر أي ~~أثر، فلولا ما كان من الخصومة بين الرافعي وطه، لما قامت هذه الضجة، ولا ثارت هذه ~~الثائرة، ولما كان في التاريخ الأدبي أو السياسي لهذه الحقبة شيء مما كان. # على أن هذه المعركة قد خلفت لنا شيئا أغلى وأمتع، ذلك هو كتاب «المعركة تحت ~~راية القرآن»، وهو جماع رأي الرافعي في القديم والجديد. # وهو أسلوب في النقد، سنتحدث عنه بعد. ~~••• # وقد ظلت الخصومة قائمة بين الرافعي وطه إلى آخر أيامه، بل أحسبها ستظل قائمة ما ~~بقيت العربية وبقي تاريخ الأدب، فما هي خصومة بين شخص وشخص تنتهي بنهايتهما، بل هي ~~خصومة بين مذهب ومذهب سيظل الصراع بينهما أبدا ما دام في العربية حياة وقدرة على ~~البقاء. # وما أعرف ms106 أن الرافعي وجد فرصة ليغمز طه في أدبه، أو وجد طه سانحة لينال من الرافعي في ~~فنه ومذهبه، إلا أفرغ كل منهما ما في جعبته، وكم مقال من مقالات طه حسين قرأه علي ~~الرافعي، فقال: اسمع، إنه يعنيني، وكم مقال أملاه علي الرافعي أو قرأته له فوجدت فيه ~~شيئا أعرف من يعنيه به، ومرة أو مرتين قال الأستاذ الزيات صاحب الرسالة للرافعي: أرجو ~~أن تعدل في أسلوب هذا المقال - مما ينشر في الرسالة - فإني لا أحب أن يظن طه أنك ~~تعنيه بشيء تنشره في الرسالة وعلي تبعته عنده. # ولما ثارت في الجامعة مسألة المسجد والمصلى والدروس الدينية وفصل الفتيان عن الفتيات، ~~قبيل موت الرافعي بأشهر، كتب مقالا للرسالة غمز فيه طه وحيا شباب الجامعة، ولم يجد ~~صاحب الرسالة بدا من نشره، وفتن الرافعي بمقاله ذاك وحسن عنده وقعه، فأنشأ ~~تتمة له بعنوان «شيطان وشيطانه»، يغمز بها الدكتور طه حسين، ولكن صاحب الرسالة وقف له ~~واحتج حجة؛ رعاية لصديقه القديم، وكان أول مقال يكتبه الرافعي فترده الرسالة، وقد ~~اغتاظ الرافعي لذلك غيظا شديدا، وأحسبه مات وفي نفسه حسرة منه! لو كان لي أن أعرف أين ~~أجد صورة هذا المقال لنشرته بحق التاريخ الذي لا يحابي الأحياء ولا الأموات، ولكن أين ~~أجده؟ صاحب الرسالة يقول: لقد رددته إليه، والدكتور محمد يقول: لم أجده على مكتب أبي، ~~وما كان بين هذا المقال وبين أجل الرافعي إلا قليل. # 5 # ولم يتلاق الرافعي وطه وجها لوجه في النقد بعد هذه المعركة حول كتاب «في الشعر ~~الجاهلي»، ولكن المعارك بينهما ظلت مستمرة من وراء حجاب، تنتقل من ميدان إلى ~~ميدان. # ولما اشترك الرافعي في المباراة الأدبية في سنة 1936، ونال في بعضها من الجائزة دون ~~ما كان يطمع، لم ينسب ذلك لشيء إلا لأن طه كان عضوا في اللجنة ... وطه خصم عنيد ... ~~••• # أما بعد؛ فهذا شيء للتاريخ أثبته على ما فيه، ليس فيه رأيي ولا رأي أحد معي، ولكنه ~~شيء مما حكاه لي الرافعي أو قرأت في ms107 كتبه، فكتبته في موضعه من هذا البحث بضمير المتكلم ~~وما لي فيه إلا الرواية، وذلك حسبي من العذر إن كان علي معتبة أو ملام. # تحت راية القرآن # الجديد والقديم ...! هنا ميدان الخصومة بين الرافعي وأدباء عصره، فمنذ نحله أديب منهم ~~زعامة المذهب القديم في مقال كتبه لمجلة الهلال سنة 1923، نشط الرافعي ليجاهد هذه ~~الدعوة التي يدعون إليها بتقسيم الأدب إلى قديم وجديد؛ إذ لم تكن هذه الدعوة عنده إلا ~~وسيلة إلى النيل من العربية في أرفع أساليبها، وسبيلا إلى الطعن في القرآن وإعجاز ~~القرآن، وبابا إلى الزراية بتراث الأدباء العرب منذ كان للعرب شعر وبيان، ومن ذلك ~~اليوم نصب الرافعي نفسه ووقف قلمه على تفنيد دعوى التجديد، فجعل همه من بعد أن يتتبع ~~آثار الأدباء الذين ينتسبون إلى الجديد ليرد عليهم ويكشف عن باطلهم، وما كان يرى في ~~عمله ذلك إلا أنه جهاد لله تحت راية القرآن؛ فمن ذلك كان اسم كتابه الذي جمع به كل ما ~~كتب في المعركة بين الجديد والقديم، من سنة 1908-1926. # هو كتاب لم ينشئه ليكون كتابا، ولكنها مقالات تفرقت أسبابها واجتمعت إلى هدف واحد، ~~وكانت مزقا مبعثرة في عديد من الصحف والمجلات فجمعها بين دفتي كتاب، فاجتمع بها رأي ~~الرافعي في القديم والجديد على اختلاف أسبابه ودواعيه وما كتب له، على أنك لا تكاد ~~تبلغ من صفحات هذا الكتاب إلى الصفحة المائة من أربعمائة، حتى يخلو الميدان من كل أنصار ~~الجديد إلا رجلا واحدا هو الدكتور طه حسين بك، ويتوجه إليه الخطاب والرد في كل ما بقي ~~من صفحات الكتاب، فكأنما أنشأه الرافعي وجمعه كتابا للرد عليه هو وحده، وكأنه هو وحده ~~الذي يدعو إلى الجديد وينتصر له ويحمل رايته، فإذا أوشكت أن تفرغ من الكتاب فرغت من ~~الرافعي ومن رأيه ومن حديثه، لتقرأ جلسة من جلسات البرلمان يرأسها سعد ويتناول الحديث ~~فيها طائفة من النواب عن طه حسين ورأي طه حسين في الأدب وفي الدين وفي القرآن، ويحتدم ~~فيها الجدل بين حكومة عدلي ms108 وبرلمان سعد في شأن هو إلى الأدب أدنى منه إلى السياسة، ~~وإنها لجلسة ممتعة خليقة بأن تكون في موضعها من كتب الأدب وتاريخ النقد الأدبي. ~~••• # وليس الكتاب على استواء واحد في أسلوبه، ففي المقالات الأولى منه تقرأ رأي الرافعي ~~هادئا متزنا فيه وقار العلماء وحكمة أهل الرأي ورحابة صدر الناقد البريء، فإذا وصلت ~~من الكتاب إلى قدر ما، رأيت أسلوبا وبيانا غير الذي كنت ترى، وطالعتك من صفحات ~~الكتاب صورة جهمة للرافعي الثائر المغيظ المحنق، جاحظ العينين كأنما يطالب بدم ~~مطلول، مزبد الشدقين كالجمل الهائج، منتفخ الأنف كأنما يشم ريح الدم، سريع الوثاب ~~كأن خصما تراءى له بعدما دار عليه طويلا فهو يخشى أن يفر، وهو هنا يعني طه حسين ~~وحده! # وليس عجبا أن ترى هذين اللونين من النقد لأديب واحد بين دفتي كتاب، فإن هذه المقالات ~~وإن صوبت إلى هدف واحد قد اختلف دواعيها وأسبابها ومن كتبت له، وقد كان بينها في ~~التاريخ الزمني سنوات وسنوات، والكاتب المتجدد لا يثبت على لون واحد من عام إلى ~~عام. # على أنك تقرأ للرافعي من هذا الكتاب رأيه في طريقة تدريس الأدب بالجامعة غداة تأليفها ~~سنة 1908، فتراه يدعو إلى مذهب جديد في تدريس الأدب، وتقرأ له - من الكتاب نفسه - رده ~~في سنة 1926 على طه في طريقته الجديدة لتدريس الأدب، فتراه ينكر عليه هذا الجديد، فتعلم ~~من هذا وذاك أن الرافعي لم يكن يعني بحملته أن يناهض كل جديد، بل كانت غايته أن يرد ~~إلى الأفواه كل لسان يحاول بدعوى الجديد أن ينتقص من القديم ليخلص من ذلك إلى النيل من ~~لغة القرآن ولغة الحديث ومن تراث أدباء العربية الأولين. # ليس يعنيني هنا أن ألخص رأي الرافعي في الجديد والقديم، فمراجع البحث عن رأيه في ~~ذلك واسعة مستفيضة، إنما قصدت إلى تعريف هذا الكتاب إلى قراء العربية في عرض موجز ~~ووصف كاشف، أما ما دون ذلك فله من شاء من أهل الرأي والنظر، وله مني غير هذا المجال من ~~الحديث. ~~••• # والآن سأتجاوز ms109 الفصول الأولى من الكتاب لأتحدث عن أسلوبه في سائره، ويبدأ هذا الجزء ~~بعد الصفحة المائة، وفيه تفصيل ما كان بين الرافعي وطه حسين منذ بدأت الخصومة بينهما ~~حول «رسائل الأحزان» إلى أن انتهت عند مجلس النواب حول كتاب «في الشعر الجاهلي»، وهو ~~فصول عدة، فيها ألوان من النقد مختلفة، وأساليب في البيان متباينة، ففيها التهكم المر، ~~وفيها الهجوم العنيف، وفيها المصانعة والحيلة، وفيها رد الرأي بالرأي، وفيها تقرير ~~الحقيقة على أساليب من فنون النقد، وفيها المراوغة ونصب الفخاخ للإيقاع، وفيها الوقيعة ~~بين فلان وفلان، وفيها الزلفى إلى فلان وفلان، وفيها العلم والأدب والاطلاع الواسع ~~العميق، وفيها شطط اللسان ومر الهجاء، وفيها فن بديع طريف، فيما حكى الرافعي عن كليلة ~~ودمنة ... # ولكن أكثر هذه الفصول يطرد على مثال واحد إذا أنت نظرت إليه في جملته، فيبدأ كل ~~فصل منها بأسلوب أليم من التهكم يفتن الرافعي فيه فنونا عجيبة حتى يبلغ نصف المقال، ~~ثم يميل إلى طرف من موضوع الكتاب المنقود، فيتناوله على أسلوب آخر هو أقرب الأمثلة إلى ~~ما ينبغي أن يكون عليه النقد الأدبي، لولا عبارات وأساليب هي لازمة من لوازم الرافعي في ~~النقد إذا كان بينه وبين من ينقده ثأر ... بلى، إنها نموذج عال في النقد العلمي ~~الصحيح لولا تلك العبارات وهذه الأساليب! # كليلة ودمنة # إن مبالغة الرافعي في التهكم قد شققت له فنونا من المعاني والأساليب، لولا ~~الناحية الشخصية منها لكانت نماذج لها اعتبار وقيمة في أدب الإنشاء، وأبدع هذه ~~الأساليب حديثه عن كليلة ودمنة وما نحلهما من الرأي فيما تناول من فنون الأدب، ~~وكليلة ودمنة كتاب في العربية نسيج وحده، لم يستطع كاتب من كتاب العربية أن يحاكيه ~~منذ كان ابن المقفع، إلا مصطفى صادق الرافعي، وكانت أول هذه المحاكاة اتفاقا ومصادفة، ~~في مقالة من مقالات الرافعي، في طه حسين؛ إذ أراد أن يتهكم بصاحبه على أسلوب جديد، فبعث ~~كليلة ودمنة ليقول على لسانهما كلاما من كلامه ورأيا من رأيه، فلما أتم تأليف هذا ~~الفصل عاد يقرؤه، ms110 فإذا هو عنده يكاد من دقة المحاكاة وقرب الشبه أن ينسبه - على المزاح ~~- إلى ابن المقفع فلا يشك أحد في صدق روايته، فنشره بعدما قدم له بالكلمة الآتية: «عندي ~~نسخة من كتاب كليلة ودمنة ليس مثلها عند أحد ... ما شئت من مثل إلا وجدته فيها، وقد ~~رجعت إليها اليوم فأصبت فيها هذه الحكاية ...» ~~«قال كليلة: أما تضرب لي المثل الذي قلت يا دمنة؟ قال دمنة: زعموا أن سمكة في قدر ~~ذراع ...» ومضى في اختراعه وتهكمه حتى انتهى إلى رأي دمنة في الدكتور طه حسين ... # 6 # ثم استمر ينقل - عن نسخته الخاصة - من كليلة ودمنة ما يجعله مقدمة القول للتهكم فيما ~~يلي من مقالات في الرد على الدكتور طه حسين، فنشر منها ثمانية فصول طريفة ممتعة في كتاب ~~المعركة، وإن قارئ هذه الفصول الثمانية ليرى فيها لونا طريفا من أدب الرافعي، لو أن ~~الظروف واتته لأتمه فأنشأ به في العربية إنشاء جديدا له خطر ومقدار، على أن ~~الرافعي لم يكن يقصد أول ما قصد أن يتمه كتابا، إنما دفعه إلى إنشاء هذه الفصول السبعة ~~بعد الفصل الأول، ما لقي من استحسان القراء لهذا اللون الجديد من أساليب التهكم في ~~النقد، وأحسب أن الدكتور طه حسين نفسه كان معجبا بهذه الفصول الثمانية من كليلة ودمنة ~~مع ما يناله فيها مما يؤلم ويسيء، كما كان يعجب «فلان» بما ينشر له من الصور الرمزية ~~الساخرة؛ لأن فيها فنا ومقدرة ...! # وانتهى الرافعي من حديث كليلة ودمنة بعد انتهاء هذه المعركة، وظل مهملا «نسخته ~~الخاصة» ست سنين بعد ذلك، حتى تذكرها في سنة 1933 في إبان المعركة بينه وبين العقاد حول ~~«وحي الأربعين» فنشر الفصل التاسع منها في البلاغ بعنوان «الثور والجزار والسكين»، ثم ~~نشر في الرسالة سنة 1935 الفصل العاشر بعنوان «كفر الذبابة!» # 7 # يعني بها مصطفى كمال - كمال أتاتورك - وحركته الدينية، غفر الله له! # وقد كان في منية الرافعي أن يتم هذه النسخة من كليلة ودمنة يعارض بها كتاب ابن ~~المقفع أو يتمه، ولكنه ms111 لم يوفق، وكان في ذلك خير له، فهذه الفصول في موضعها من الكتب ~~التي نشرت بها أجمل وأخف، وإفرادها بالنشر يحملها على تكلف الصنعة ويباعد بينها وبين ~~أذواق القراء، على أن هذه الفصول لا اتصال بينها في موضوعها بحيث تصلح للنشر ~~متساوقة متتابعة كما تتساوق الفصول والأمثال في كتاب ابن المقفع. ~~••• # هذا مجمل الرأي وملخص الموضوع في كتاب «المعركة تحت راية القرآن» وما احتواه، وهو ~~وكتاب «على السفود» خلاصة مذهب الرافعي في النقد وأسلوبه في الجدال، وفيهما أشلاء ~~المعركتين الطاحنتين بينه وبين طه وبينه وبين العقاد، بدمائهما، ورمامهما، ولهيبهما ~~المستعر، ودخانهما الخانق، وغبارهما الكثيف ... # لو تجرد هذان الكتابان من بعض ما فيهما لكانا خير ما أنتجت العربية في النقد، ~~وأحسن مثال في مكافحة الرأي بالرأي مع الاطلاع الواسع والفكر الدقيق، ولكن وا أسفا، إن ~~الإطار يحجب ما في الصورة من جمال، فمن ذا - غير مالك الصورة - يستطيع أن يحطم هذا ~~الإطار ليجلو الصورة في جمالها على أعين الناس؟ # شاعر الملك # وهذا فصل آخر مما يتصل بموضوع الحديث عن الرافعي في النقد؛ إذ كان هو أول ما بين ~~الرافعي وعبد الله عفيفي، فإني لأقدم به للقول عن خبر ما كان بينهما من الخصومة التي ~~مهدت للرافعي من بعد أن ينشئ كتابه «على السفود» في نقد ديوان العقاد. ~~••• # في سنة 1926 كان ناظر الخاصة الملكية، هو المرحوم محمد نجيب باشا، وكانت السياسة ~~المصرية تسير في طريق ذي عوج، مهد لطائفة من رجال الحكم والسياسة أن ينشئوا حزبا ~~ينسبون إليه الولاء للقصر، فهيئوا لطائفة غيرهم من السياسيين أن يزعموا أنهم أولياء ~~على حقوق الشعب، حراص على سلطة الأمة، فنشأت بذلك قوة بإزاء قوة، وتناظر سلطان ~~وسلطان، وكان لكل طائفة لسان وبيان ... # في تلك الآونة، تقدم المرحوم محمد نجيب باشا إلى الرافعي أن يكون شاعر الملك، فلقي ~~ذلك العطف الكريم بحقه من الشكر والرضا وعرفان الجميل. # وشاعر الملك، أو شاعر الأمير، لقب قديم في دولة الأدب، وله في تاريخ العربية تاريخ، ~~منذ كان النابغة ms112 والنعمان، وزهير وهرم بن سنان، والأخطل وبنو أمية، والنواسي وأبو العتاهية في بني العباس، والبحتري في إمارة المتوكل، والمتنبي في بلاط سيف الدولة، إلى ~~شعراء وملوك لا يحصيهم العد، ولا ننسى في تاريخ مصر الحديث أن نذكر الشاعرين: أبا ~~النصر، والليثي، وليس بعيدا عنا أمير الشعراء المرحوم شوقي بك «شاعر الحضرة الفخيمة ~~الخديوية»، وقد كان من الولاء والحب لمولاه بحيث لم تطمئن السلطة الحاكمة إلى بقائه في ~~مصر بعد خلع الخديو عباس فنفته إلى الأندلس. # ولقد كان شاعر الملك قبل الرافعي هو الشاعر المرحوم عبد الحليم المصري، فلما مات ~~تطلعت الشعراء إلى موضعه، وكان أكثرهم زلفى إلى هذا المنصب هو المرحوم حافظ إبراهيم؛ ~~إذ كان ما يزال في نفسه شيء يهفو به إليه، مما كان بينه وبين شوقي من المنافسة الأدبية ~~في صدر أيامه على رتبة شاعر الأمير. ~~••• # وعاد الرافعي إلى الشعر بعد هجر طويل؛ إذ كان آخر ما نشر من الشعر هو ديوان النظرات ~~في سنة 1908، ثم لم يقل بعده إلا قصائد متفرقة في آماد متباعدة لحادثة تنبعث لها نفسه، ~~أو خبر ينفعل به جنانه، وكان أكثر ما قال الشعر بعد ذلك، في سنة 1924، في إبان العاصفة ~~الهوجاء من حب فلانة، وأكثر شعره عنها منشور في كتبه الثلاثة التي أنشأها للحديث عن ~~هذا الحب، ثم انبعث البلبل ينشد أهازيجه من جديد، على السرحة الفينانة في حديقة قصر ~~الملك، فصغت إليه القلوب وأرهفت له الآذان ... # واستمر يرسل قصائده في مديح الملك لمناسباتها، من سنة 1926 إلى سنة 1930 حتى وقع بينه ~~وبين الإبراشي باشا أمر - بعد موت المرحوم نجيب باشا - فسكت وعاد ما بينه وبين الشعر ~~إلى قطيعة وهجران، بعدما أنشأ الخصومة بينه وبين عبد الله عفيفي ... ~~••• # وقصائد الرافعي في مديح الملك فؤاد نظام وحدها في شعر المديح، تقرأ القصيدة من ~~أولها إلى آخر بيت فيها، فتقرأ قصيدة في موضوع عام من موضوعات الشعر، ليس من شعر المديح ~~ولا يمت إليه، فلولا بيتان أو أبيات في القصيدة الخمسينية أو السبعينية ms113 يخص بهما ~~الملك ويمدحه، لما رأيتها إلا قصيدة من باب آخر، تسلكها فيما تشاء من أبواب الشعر إلا ~~باب المديح، اقرأ قصيدة الخضراء - يعني الراية - وقصيدة الصحراء في رحلة الملك إلى ~~الحدود الغربية، واقرأ غيرهما، فإنك واجد فيه هذا الذي ذكرت، وواجد فنا في الشعر ~~تعرف به الرافعي في المديح فوق ما عرفت من فنونه، فإذا حققت هذه الملاحظة في مدائح ~~الرافعي وثبتت عندك، فارجع إلى تاريخ هذه الفترة من السياسة المصرية، ثم التمس لها ~~تفسيرا من التفسير، أو فارجع إلى تاريخ الرافعي نفسه واذكر ما تعرف من أخلاقه تعرف ~~تفسيرها ومعناها . # لقد كان الرافعي يجهل السياسة جهلا تاما، ولكن كانت فيه أخلاق السياسي ناضجة ~~تامة: من الاحتيال، والروغان، وحسن الإعداد للتخلص عند الأزمة. بلى، كانت له أخلاق ~~السياسيين في إبداع الحيلة والاستعداد للمخرج، ولكن لم يكن له في يوم من الأيام هوى مع ~~أحد من أقطاب السياسة، أو يعرف له رأيا فيها، أو يدري من خبرها أكثر مما يدري رجل من ~~سواد الناس يقرأ جرائد المتطرفين والمعتدلين على السواء. ~~••• # ولم يكن للرافعي أجر على هذا المنصب في حاشية الملك، إلا الجاه وشرف النسب، وجواز ~~مجاني في الدرجة الأولى على خطوط سكة الحديد، ودلال وإزدهاء على الموظفين في محكمة طنطا ~~الأهلية، حيث كان يعمل جنبا إلى جنب مع مئات من الكتبة والمحضرين وصغار المستخدمين ~~...! # ولكنه إلى ذلك قد أفاد من هذا النسب الملكي فوائد كبيرة، فقد تعطف الملك الكريم فأمر ~~بطبع كتابه «إعجاز القرآن» على نفقته، كما أذن في إرسال ولده محمد في بعثة علمية لدراسة ~~الطب في فرنسا، فظل يدرس في جامعة ليون على نفقة الملك إلى سنة 1934 حين شاء الإبراشي ~~باشا لسبب ما أن يقطع عنه المعونة الملكية ولم يبق بينه وبين الإجازة النهائية غير ~~بضعة أشهر، فقام أبوه بالإنفاق عليه ما بقي، ومن أجل ما كان يرسل إلى ولده كل شهر في ~~فرنسا من نفقات العيش ورسوم الجامعة، كان يكتب «للرسالة» بأجر، وإن عليه من أعماله ms114 ~~الخاصة ما ينوء به جسده وتنتهك أعصابه ...! ~~••• # قلت: إن الرافعي ظل في حاشية الملك فؤاد إلى سنة 1930، ثم كان بينه وبين الإبراشي ~~باشا أمر - بعد موت المرحوم نجيب باشا - فسكت؛ إذ خشي أن تعصف به السياسة أو تعبث به ~~الدسائس فترمي به إلى تهلكة ... # حدثني الرافعي قال: كنت في عهد نجيب باشا أذهب إلى القصر فيلقاني بوجه طلق، ويحتفي ~~بي، ويبسط لي وجهه ومجلسه، ويثلج صدري بما يروي لي من عطف المليك ورضاه، فما أغادر ~~القصر إلا وأنا أشعر كأن نفسي تزداد عمقا وتمتد طولا وتنبسط سعة، ثم جاء الإبراشي ~~فلم تدعني داعية إلى لقائه، حتى كان يوم وجدتني فيه منطلقا إلى هناك، لأسأله في ~~أمر من الأمر ... # 8 # قال: «وذهب إليه الساعي بالبطاقة ودعاني إلى الانتظار، فجلست وما أظن إلا أنها دقائق ~~ثم أدعى إليه ... وطال بي الانتظار، ومضت ساعة، وساعة، وساعة، وأنا في هذا الانتظار ~~بين الصبر والرجاء، وحولي من ذوي الحاجات وجوه عليها طوابع ليس على وجهي منها، ونظرت ~~إليهم وإلى نفسي فضجرت، فعدت أستأذن عليه وقد جال بنفسي أنه قد نسي مكاني، فعاد إلي ~~حاجبه يقول: الباشا يعتذر إليك اليوم، ويسألك أن تمر به غدا في الساعة كذا ~~...» # قال الرافعي: «وآذاني ذلك ونال مني، ولكني اعتذرت عنه، فلما كان الغد جاءني النبأ ~~ينعى إلي زين الشباب المرحوم أمين الرافعي بك، فآدني الهم وثقل علي، وضاقت ~~نفسي بما فيها، وتوزعتني الوساوس والآلام، وما نسيت وأنا أمشي في جنازة الفقيد العظيم ~~أن علي موعدا بعد ساعات، فما هيل عليه التراب حتى كنت في طريقي عدوا إلى القصر؛ ~~وفاء بالوعد الذي اتعدت، وجعلت من وراء ظهري ما علي من واجب المجاملة لمن جاءوا ~~يعزونني في أخي وابن عمي وصاحب الحقوق علي، لقد كان الذي مات زعيما من زعماء ~~الوطنية له مقداره، ولكني جعلت الوفاء بالوعد فوق ما علي من الواجب للزعيم الذي مات، ~~وإنه لأخي، وإن في أعراقه من دمي وفي أعراقي ...!» # قال: «ووقفت بالباب أنتظر أن يؤذن لي ms115 فأدخل، وطال بي الانتظار كذلك وإن في دمي ~~جمرات تتلهب، ومضت ثلاث ساعات وأنا في مجلسي ذلك أطالع وجوه الداخلين والخارجين في ~~غرفة الباشا ولا يؤذن لي ...!» # قال الرافعي: «وهاجت كبريائي وثارت حماقتي ... لا أكذبك يا بني، إن في لحماقة ... إن ~~صرامة عمر بن الخطاب قد انحدرت إلي في أصلاب أجدادي من النسب البعيد، ولكن صرامة عمر ~~حين انحدرت إلي صارت حماقة، فهذه الحماقة عندي يا بني هي تلك البقية من صرامة عمر، ~~بعدما تخطت إلي هذا الزمن البعيد في تاريخ الأجيال ...!» # 9 # قال: «ولما بلغ الحنق بي مبلغه نهضت وفي يدي عصاي، فتقدمت إلى الباب خطوة فدفعته ~~بالعصا وأنا مغيظ محنق، فإذا أنا أمام الإبراشي باشا وجها لوجه، وإلى جانبه رجل أوربي ~~يحدثه ... فلم أعبأ، ولم أكترث، ولم أذكر وقتئذ أين موضعي وموضعه، فقلت ما كنت أريد أن ~~أقول، وانتصفت لنفسي، وثأرت لكبريائي، وأحسبني قد خرجت يومئذ عن حدود الأدب اللائق في ~~الحديث معه، ولكني لم ألق بالا إلى شيء من ذلك، وما كان في نفسي إلا أنني قد قلت ما ~~ينبغي أن أقول لأحفظ كرامتي وأصون نفسي، ولا علي بعد ذلك من غضبه أو رضاه ... # ولكن ... ولكنه مع ذلك لم يغضب، ولم يعتب، بل اعتذر إلي وألح في الاعتذار ... وصدقته ~~حين ابتسم ...!» ~~••• # وأسرها الإبراشي باشا في نفسه، فلما كان الموسم التالي نظم الرافعي قصيدته وأرسل بها ~~إلى القصر، ورصفت حروفها مشكولة في مطبعة دار الكتب - كما جرت العادة - ثم أرسلت ~~بحروفها مجموعة إلى الجريدة المختارة، ومعها قصيدة أخرى مرصوفة مشكولة مزينة، من نظم ~~الأستاذ عبد الله عفيفي المحرر العربي بديوان جلالة الملك، ونشرت القصيدتان جنبا ~~لجنب في جريدة واحدة، وعلى نظام واحد، وكلاهما في مدح الملك، فما يفرق بينهما في الشكل ~~إلا توقيع الشاعرين في ذيل الكلام. # وقرأ الرافعي قصيدة منافسه الجديد، فثار وزمجر، وقال لمن حوله: أترون كيف يصنع بي؟ ~~إنه يريد أن ينال مني - يريد الإبراشي - أهذا شعر يقرن إلى شعري، أيراني وإياه على ~~سواء؟ أيحسب ms116 أن الأدباء سيخدعهم هذا الزخرف في الطباعة فيجعلون صاحبهم شاعرا من طبقتي ~~أو يجعلونني شاعرا من طبقته؟ أيراني من الهوان بمنزلة الذي يرضى عن هذا العبث؟ أفيريد ~~أن يمهد لصاحبه حتى يخلعني عن مرتبة «شاعر الملك» ليجعله مكاني؟ أم يراه أهلا ليقاسمني ~~المنزلة والمقدار عند صاحب التاج ... # ومضى الرافعي يومه يفكر ويقدر، وما كان إلا في مثل حال الرجل الذي يعود إلى داره التي ~~يملك، فإذا له فيها شريك يحتلها بقوة ساعده لا بحقه، فما يجد له حيلة في إجلائه عن ~~الدار إلا أن يرفع أمره إلى القاضي ... وكان القاضي عند الرافعي في هذه القضية هو الرأي ~~الأدبي العام، فرفع أمره إليه ... # وتحدث بنيته إلى صديقه الأستاذ إسماعيل مظهر صاحب مجلة العصور، فأوسع له صفحات من ~~مجلته ليبدأ الحملة على الأستاذ عبد الله عفيفي في مقالات عنيفة صارخة بعنوان: على ~~السفود! # وما كان الرافعي يجهل أنه يتناول موضوعا دقيقا حين يعرض لنقد هذا الشاعر، فإنه ~~ليعلم علم اليقين أن هذه المقالات سيكون لها صدى بعيد، تصل به إلى آذان لا يسره أن ~~تعلم من كاتب هذه المقالات، فتنكر وأخفى نفسه ... # الرافعي وعبد الله عفيفي # لم يكن عبد الله عفيفي خصما للرافعي على الحقيقة، ولا أحسب أن أحدهما كان يرضيه أن ~~يكون بينهما ما كان ولا سعى إليه، ولكن عبد الله عفيفي في مكانه من ديوان جلالة الملك، ~~وفي موضعه عند الإبراشي باشا، قد دارت به المقادير دورتها حتى وقفته مع الرافعي وجها ~~لوجه، وجعلته بالموضع الذي لا يستطيع واحد منهما فيه أن يتجاهل أنه أمام خصم يحاول أن ~~يظفر به، ومن هنا نشأت الخصومة بين الرافعي وعبد الله عفيفي. # على أن هذه الخصومة بينهما تختلف عن سائر الخصومات التي نشبت بين الرافعي وأدباء ~~عصره، فهنا لم تنشأ الخصومة إلا للتزاحم على رتبة «شاعر الأمير»، على حين كانت أكثر ~~خصومات الرافعي ذيادا عن الدين وحفاظا على لغة القرآن، فما كنت ترى فيها إلا التراشق ~~بألفاظ الكفر والزيغ والمروق والإلحاد، أما هنا ms117 فكانت المعركة تدور وما فيها إلا التهمة ~~بالغفلة وفساد الذوق وضعف الرأي وقلة المعرفة ... وما بد من أن يكون في نقد الرافعي أحد ~~هذين اللونين: الاتهام بالزيغ، أو الاتهام بالغفلة، ولا ثالث لهما؛ ومن هنا فقط نستطيع ~~أن نزعم أن الرافعي لم يكن موفقا في النقد، مع أهليته واستعداده وإحاطته الواسعة ~~وإحساسه الدقيق؛ إذ كان أول ما ينبغي أن يتصف به الناقد هو عفة اللسان والقصد في التهمة ~~وضبط النفس ...! # وثمة شيء آخر يفرق بين هذه الخصومة وسائر الخصومات، هو أن المعركة كانت إيجابية من ~~طرف واحد، على حين ظل الطرف الثاني صامتا قارا في موضعه لم ينبس بكلمة، ولم تبدر منه ~~بادرة مشهودة للدفاع ... ~~••• # كتب الرافعي مقالات ثلاثا بعنوان «على السفود» في نقد ثلاث قصائد أنشأها عبد الله ~~عفيفي في مديح الملك - والسفود هو الحديدة التي يشوى عليها اللحم - وهو عنوان له ~~دلالته، وفيه الإشارة والرمز إلى ما حوت هذه المقالات من الأساليب اللاذعة والنقد ~~الحامي، وإذ لم يكن توقيع الرافعي في ذيل هذه المقالات، ولا كان يريد أن يعرف أنه ~~كاتبها؛ فإنه خرج عن مألوفه في الكتابة وفي نمط الكلام، فاسترسل ما شاء كأنه يتحدث في ~~مجلسه إلى جماعة من خاصته، لا يعنيه الأسلوب ولا جودة العبارة ولا عربية اللفظ، بقدر ما ~~يعنيه أن يتأدى معناه إلى قارئه في أي أسلوب وبأية عبارة، فكثر الحشو في هذه المقالات ~~من الكلمات العامية، والنكات الذائعة، والأمثال الشعبية، ولكنه لم يستطع أن يتخلص من كل ~~لوازمه في النقد والكتابة، فبقيت له خفة الظل وحلاوة اللفظ وقسوة النقد، إلى بعض عبارات ~~في أسلوبه تنم عليه وتكشف عن سره. # ولم يذكر الرافعي حين أنشأ هذه المقالات أنه يتناول بهذا النقد شاعرا من شعراء القصر ~~له حظوة عند رئيس الديوان الملكي، وأن هذا الشعر الذي يفليه ويكشف عن عيبه إنما أنشأه ~~ناظمه في مديح الملك، أو لعل الرافعي كان يذكر ذلك، ولكنه يحسب نفسه بنجوة من التهمة؛ ~~لأنه لم يوقع بإمضائه على هذه المقالات، ms118 فلم يتحرج مما كتب وألقى القول على سجيته في ~~صراحة وعنف وقسوة، ولم يصطنع الأدب اللائق وهو يتحدث عما ينبغي أن يكون عليه الشعر ~~الذي يقال في مدح الملك وما لا ينبغي أن يقال، فجاء في بعض كلامه عبارات لا يسيغها ~~الذوق الأدبي العام عندما يتصل موضوع القول بالملك الحي الذي يحكم ويدين له الجميع ~~بالولاء، وكأنما ركبته طبيعة غير طبيعته خيلت إليه أنه يكتب في نقد شاعر من الماضين ~~يمدح ملكا من ملوك التاريخ، فلم ينظر إلى غير الاعتبار الأدبي الخالص من دون ما ينبغي ~~أن يراعى من التقاليد واللباقة السياسية عند الحديث عن الملوك ... # وانتهت أولى هذه المقالات إلى القصر، فمالت الأفواه إلى الآذان، وتهامس القراء ~~همسا غير خفي، ثم جهروا يتساءلون: من يكون هذا الكاتب؟ ولكن أحدا منهم لم يفطن إليه ~~ولم يعرف الجواب، وأنفذوا دسيسا إلى الأستاذ إسماعيل مظهر صاحب «العصور» يسأله فلم ~~يظفر منه بجواب. # ونشر المقال الثاني والثالث، فلم يلبث أن انكشف السر، ونم الرافعي على نفسه ~~بلسانه في مجالسه الخاصة ... أو نم عليه أسلوبه وطريقته في النقد. # وجاءه سائل من القصر يسأله ويستوثق من صحة الخبر في أسلوب السياسي البارع: «... وكيف ~~تأذن لنفسك أن تقول ما قلت في شاعر من شعراء الملك، وأن تكتب عنه بهذا الأسلوب؟ أفيتفق ~~مع الولاء لصاحب العرش أن تكتب ما كتبت لتصرف الشعراء المخلصين عن ساحة الملك ...؟ أم ~~تريد ألا ينطق أحد بالثناء على صاحب التاج وألا يكون اسمه على لسان شاعر؟ أم هي دسيسة ~~تصطنع الأدب لتفض المخلصين من رعيته عن بابه ...؟» # وغص الرافعي بريقه، وتبين الهاوية تحت قدميه يوشك أن يتردى فيها بحيلة بارعة، ~~وأحس الإبراشي باشا من ورائه يحاول أن يدفعه بعنف لينتقم لكبريائه التي مسها الرافعي ~~بحماقته منذ بضعة أشهر ... # وحاول النجاة بنفسه من هذه المكيدة المبيتة، فلم يجد له وسيلة إلا الصمت فأوى إليه، ~~وانقطع ما بينه وبين القصر من صلات، إلا الصلة العامة التي بين الملك وبين كل فرد من ~~رعيته، وكان ms119 أخوف ما يخاف الرافعي أن تكون خاتمة ذلك هي انقطاع المعونة الملكية عن ولده ~~الذي يدرس الطب في جامعة ليون على نفقة الملك، ولكن ذلك لم يكن إلا بعد هذه الحادثة ~~بأربع سنين. ~~••• # لقد كثر ما استغل خصوم الرافعي السياسة لينالوا منه، ولقد كثر ما اتهموه بأنه من ~~أدوات الإبراشي باشا في محاربة سلطة الأمة، وأنه صنيعته ومولاه، على حين كان هذا الموقف ~~هو كل ما بين الرافعي والإبراشي باشا من صلات الود والموالاة! فما انقطعت صلة الرافعي ~~بالقصر إلا في عهد الإبراشي، وما كان معه يوما على صفاء، على أنه كان تلميذا معه في ~~مدرسة المنصورة الابتدائية فيما أذكر من حديث الرافعي. # ولقد كتب كاتب من خصوم الرافعي غداة دالت دولة الإبراشي، فصلا مؤثرا ... بعبارات ~~بليغة ... في صحيفة من صحف الشعب، # 10 # يصف جناية الإبراشي باشا على الأدب، وكان من براهينه على ذلك أنه اصطنع ~~الرافعي ليحارب بقلمه ولسانه سلطة الأمة ... وقرأت هذه المقالة مع الرافعي، ونظرت إليه ~~فإذا هو يبتسم ابتسامة مرة، ثم قال: «هذا أديب يتحدث عن جناية السياسة على الأدب ... ~~أرأيت ...! صدق! لقد جنت السياسة على الأدب.» # 11 ~~••• # لم يكن لهذه المقالات الثلاث التي كتبها الرافعي عن عبد الله عفيفي صدى في غير هذه ~~الدائرة المحدودة، على أنها أنشأت بينهما خصومة صامتة ظلت مع الرافعي إلى آخر أيامه، ~~وظلت مع الأستاذ عفيفي في أحاديثه الخاصة إلى أصدقائه، وإلى طلابه في كلية اللغة ~~العربية بالأزهر ... # فلما مات شوقي أمير الشعراء في خريف سنة 1932، كتب الرافعي عنه مقاله المشهور في مجلة ~~المقتطف، وذكر فيما ذكر أن شوقي لو كان مصريا خالص المصرية لما تهيأت له الأسباب ~~النفسية التي بلغت به مبلغه في الشعر؛ لأن الطبيعة المصرية لا تساعد على إنضاج المواهب ~~الشعرية، ولا تعين على إبراز الشاعرية الكامنة في كل نفس. # هو رأي أبداه فيما أبدى من الرأي، لم يقصد به التعريض بأحد أو الحط من مقداره، وقد ~~يكون رأيا إلى الخطأ أو إلى الصواب، وقد يتكافأ فيه ms120 كفتا الخطأ والصواب، ولكنه رأي ~~أبداه الرافعي مجردا من الهوى، لا يعني به إلا أن يستوفي عناصر بحثه، ولكن خصومه ~~تناولوه على ألوان وفنون. # أما طائفة فمالت به إلى السياسة، وقال قائلهم: هذا رجل ليس منا، يريد أن ينكر فضل ~~مصر عليه وعلى آله، فيتهمها بالعقم وركود الذهن وجمود العاطفة فيجردها من الشعراء ... ~~ومضى في دعواه. ذلك سلامة موسى! ... # وأما ثانية فقالت: وهذا قول يعنينا به نحن الشعراء المصريين؛ ليجردنا من الشاعرية في ~~قاعدة عامة لا تستثني أحدا إلا من انحدر إلى مصر وفي أعراقه دم غريب ... ومضت هذه ~~الطائفة تنقض دعواه وتسفه رأيه بما تسوق من الأمثال وتذكر من أسامي الشعراء ~~المصريين. # وانتضى عبد الله عفيفي قلمه ليكتب في جريدة «البلاغ» مقالات أسبوعية بعنوان «مصر ~~الشاعرة»، يذكر فيها من شعراء مصر في مختلف الأجيال منذ كانت مصر العربية، ما يراه ~~ردا على دعوى الرافعي، ومضى في هذه المقالات بضعة أسابيع يضرب على وتر واحد، ثم مل ~~هذه النغمة فراح يتصيد موضوعات أخرى من مشاهداته وآرائه في الناس والحياة، ولكن عنوان ~~«مصر الشاعرة» ظل على رأس هذه المقالات يبحث عن موضوعه ... فكان حسبه في هذه المقالات أن ~~أنشأ هذا العنوان في الرد على الرافعي! ... ~~••• # وقد ظل الرافعي إلى آخر عمره يذكر أيامه وهو شاعر الملك، ثم ما كان بينه وبين ~~الإبراشي وبين عبد الله عفيفي، وما كانت تظهر للأستاذ عفيفي في الصحف مدحة ملكية، في ~~موسم من المواسم أو عيد من الأعياد، حتى يتناولها الرافعي فيقرأها إلى آخرها، ثم يلتفت ~~إلى جليسه فيقول: «ماذا رأيت فيها من شعر ومن معنى جديد؟» ثم يسترسل فيما تعود من ~~المزاح والتندر. # وقد ذكرت فيما قدمت من هذه الفصول أن الرافعي كان يسمي كل جميلة من النساء «شاعرة» ~~فمنهن كالمتنبي، ومنهن كالبحتري، ومنهن بشار بن برد، ومنهن عبد الله ~~عفيفي. # فهذه الأخيرة عنده هي ذلك النوع «البلدي» من نساء الطبقة الثالثة، التي تبدو ملفوفة ~~«محبوكة الأطراف» في ملاءتها السوداء، غضة بضة، تستهويك بجمال الجسم ms121 دون جمال ~~المعنى، وفيها أنوثة اللحم والدم، ولكنها جامدة العاطفة عقيم الخيال ... # ومعذرة إلى الأستاذ عبد الله عفيفي! فإنما أنا راوية أكتب للتاريخ، وما شهدت إلا بما ~~علمت وعلي تبعة الرواية وعلى غيري تبعة الرأي، وللأستاذ عفيفي في نفسي على الرغم من ~~ذلك كل إجلال واحترام! ~~••• # حاشية: كتبت هذا للطبعة الأولى من هذا الكتاب، فلم تكد تلك الطبعة تظهر لقرائها حتى ~~كتب إلي المرحوم عبد الله عفيفي رسالة عليها الشعار الملكي يطلب إلي فيها أن أحدد ~~زمانا ومكانا للقائه، فلم يغب عني أنها دعوة للحديث في موضوع يتصل بما نشرت عنه في ~~هذا الكتاب، فقررت أن يكون جوابي على هذه الدعوة أن أذهب إليه، تكرمة له، وكنت يومئذ ~~من العمل في زحمة، فمضت أيام قبل أن أذهب إليه، واستبطأ المرحوم عبد الله عفيفي جوابي ~~فتحدث إلى بعض أساتذتي يسأله أن يكون رسولا إلي، ثم استبطأه فبعث رسولا ثانيا ... ~~وحسب الرسولان بما لأحدهما علي من حق الأستاذية في المدرسة وما للآخر من حق الرياسة ~~في عملي بالحكومة وقتذاك، أنهما يملكان أن يقوداني بزمام إلى حيث ألقى السيد عبد الله ~~عفيفي وأعتذر إليه، ولكني رددتهما ردا جميلا، ولكن المرحوم عبد الله عفيفي - فيما ~~يبدو لي - كان حريصا على أن يلقاني ليتحدث إلي حديثا ما، فبعث إلي رسولا ثالثا ~~مترفقا في حديثه، فلبيت الدعوة ولقيت الرجل في منزل الأستاذ عبد اللطيف المغربي ~~بالعباسية، وجلست إليه أستمع إلى ما يقول ... # قال: «لقد ذكرتني بما لا ينبغي في كتابك، وكان حقا عليك أن تسألني قبل أن تكتب ~~عني لتعرف وجه الحق فيما رويت!» # قلت: «إنني فيما كتبت لم أكن صاحب رأي، وإنما أسندت ما كتبته إلى راويه!» # قال: «لو كان راويه كاذبا دجالا ...» # قلت: «صه! ذلك رجل مات فدع عنك ذكره، وحدثني بخبرك ووجه الحق فيه!» # قال: «قد علمت أنك على نية إصدار كتاب عن المؤثرات السياسية في جيل من الأدباء، فصحح ~~عني بعض ما رويت واذكر أنني لم أكن صنيعة الإبراشي باشا، وإنما عرف ms122 مكاني وهيأ لي ~~أسبابي توفيق نسيم باشا ...!» # قلت: «ولكن ذلك ليس من شأني، فماذا يعنيني أن يكون الذي هيأ لك الأسباب هو الإبراشي ~~أو توفيق نسيم، وإنما حديثي عن الرافعي أو عن المؤثرات السياسية في الأدب!» # فعض الشيخ على شفته وتريث برهة، ثم لطف أسلوبه ورق، وقال: «أنا أعني ...» ثم عاد ~~إلى الصمت ليستأنف حديثه بعد قليل قائلا: «أنت تعرف أن الموظفين في القصر ينبغي ألا ~~تعلق بأسمائهم شبهات سياسة، فلست أحب أن يذكر اسمي إلى جانب اسم الإبراشي باشا ~~...» # قلت: «قد فهمت! ...» فهل فهم القراء؟ # نعم، فقد كان الإبراشي باشا يومئذ موضع السخط، على حين كان المرحوم توفيق نسيم باشا ~~في موضع الرضا والحظوة، فلا بأس أن يذكر أن عبد الله عفيفي كان صنيعة توفيق نسيم لا ~~صنيعة الإبراشي! # وقد قلت في التمهيد لهذا التاريخ: إنني راوية لا صاحب رأي، فلأذكر إذن أن كل ما كان ~~بيني وبين عبد الله عفيفي - رحمه الله - من الخلاف هو: من الذي اصطنعه! # الرافعي والعقاد ~~... إنه ليتفق لهذا الكاتب من أساليب البيان ما لا يتفق لكاتب من كتاب العربية ~~في صدر أيامها! # عباس محمود العقاد ~~... ذلك كان رأي العقاد في أدب الرافعي قبل بضع عشرة سنة من هذه الخصومة التي أروي ~~خبرها، وشتان بين هذا الرأي يبديه العقاد سنة 1917 في مقال ينشره ليعرف بكتاب من كتب ~~الرافعي أنشأه في ذلك العهد، وبين رأيه الأخير في المهذار الأصم مصطفى صادق كما يصفه في ~~سنة 1933. ~~••• # لقد مات الرافعي - يرحمه الله - فانقطع بموته ما كان بينه وبين خصومه من عداوات، وما ~~أريد أن أوقظ فتنة نائمة يتناولني لهيبها أول ما يتناول، فما لي طاقة على حمل العداوة، ~~ولا اصطبار على عنت الخصومة، ولا احتمال على مشقة الجدال، وإنما هو تاريخ إنسان له على ~~العربية حق جحده الجاحدون فنهضت للوفاء به، فإن كنت أكتب عن أحد من خصومه أو ~~أصحابه بما يؤلم أو يسيء، فما ذلك أردت ولا إليه قصدت ولا به رضيت، ولكنها أمانة أحملها ms123 ~~كارها، وأضطلع بعبئها مضطرا؛ لأؤديها إلى أهلها كما تأدت إلي، وإني لأعلم أني ~~بما أكتب من هذا التاريخ أضع نفسي بالموضع الذي أكره، وأتعرض بها لما لا أتوقع، ولكن ~~حسبي خلوص النية، وبراءة الصدر، وشرف القصد، ولا علي بعد ذلك مما يكتب فلان، ولا مما ~~يتوعد به فلان، فإن كان أحد يريد أن يصل بي ما كان بينه وبين الرافعي من عداوة ~~فانقطعت، أو يربط بي رابطة كانت بينه وبين فلان فانفصمت، أو يتخذ من الاعتراض علي ~~زلفى إلى صديق يلتمس وده، أو يجعل مما يكون بيني وبينه سبيلا إلى غرض يرجو النفاذ ~~إليه، أو وسيلة إلى هوى يسعى إليه، إن كان أحد يريد ذلك فليمض على إرادته، وإن لي ~~نهجي الذي رسمت، فلتفترق بنا الطريق أو تلتق على سواء، فليس هذا أو ذاك بمانعي من ~~المضي في سبيلي، ومن الله التوفيق! ~~••• # وهذه خصومة أخرى من خصومات الرافعي ومعركة جديدة من معاركه، وإني لأشعر حين أعرض لنبش ~~الماضي فأذكر ما كان بين الرافعي والعقاد، أني كمن يدخل بين صديقين كان بينهما في سالف ~~العمر شحناء ثم مسحت على قلبيهما الأيام فتصافيا، فإنه ليذكر بما لا ينبغي أن ~~يذكر، والموت يحسم أسباب الخلاف بين كرام الناس، فإذا كان بين الرافعي والعقاد عداوة ~~في سالف الأيام فقد انقطعت أسبابها ودواعيها، فإن بينهما اليوم لبرزخا لا تجتازه ~~الأرواح إلى أخراها إلا بعد أن تترك شهواتها وأحقادها وعواطفها البشرية، فهنا ناموس ~~وهناك ناموس، ولكل عالم قوانينه وشريعته، فما تخلص ضوضاء الحياة إلى آذان من في ~~القبر، ولا ينتهي إلى الأحياء من عواطف الموتى إلا ما خلفوا من الآثار في ~~دنياهم. # هنا رجل من الأحياء، وهناك رجل في التاريخ، وشتان ما هنا وهناك، فما أتحدث اليوم عن ~~خصومة قائمة، ولكني أتحدث عن ماض بعيد، والرافعي الذي يحيا بذكراه اليوم بيننا غير ~~الرافعي الذي كان، فما ينبغي أن تجدد ذكراه ماضي البغضاء، وهذا عذيري فيما أذكر من ~~الحديث. # لم يكن بين الرافعي والعقاد قبل إصدار الطبعة ms124 الملكية من إعجاز القرآن غير الصفاء ~~والود، فلما صدر هذا الكتاب في طبعته الجديدة أحدث بينهما شيئا كان هو أول الخصام ~~... # حدثني الرافعي قال: «سعيت لدار المقتطف لأمر، فوافقت العقاد هناك، ولكنه لقيني بوجه ~~غير الذي كان يلقاني به، فاعتذرت من ذلك إلى نفسي بما ألهمتني نفسي، وجلسنا نتحدث، ~~وسألته الرأي في إعجاز القرآن، فكأنما ألقيت حجرا في ماء آسن ... فمضى يتحدث في حماسة ~~وغضب وانفعال، كأن ثأرا بينه وبين إعجاز القرآن، ولو كان طعنه وتجريحه في الكتاب نفسه ~~لهان علي، ولكن حديثه عن الكتاب جره إلى حديث آخر عن القرآن نفسه وعن إعجازه وإيمانه ~~بهذا الإعجاز ... أصدقك القول يا بني: لقد ثارت نفسي ساعتئذ ثورة عنيفة، فكدت أفعل ~~شيئا، إن القرآن لأكرم وأعز ... ولكني آثرت الأناة ...» # قال الرافعي: «وأخذت أناقشه الرأي وأبادله الحوار في هدوء وإن في صدري لمرجلا ~~يتلهب؛ إذ كنت أخادع نفسي فأزعم لها أنه لم يتخذ لنفسه هذا الأسلوب في الهجوم على فكرة ~~إعجاز القرآن إلا لأنه حريص على أن يعرف ما لا يعرف وعلى أن يقتنع بما لم يكن مقتنعا ~~به، فأخذت معه في الحديث، على هدوئي وثورة أعصابه ... ولم أفهم إلا من بعد ما كان يدعوه ~~إلى ما ذهب إليه ...» # قال: «لقد كان العقاد كاتبا من أكبر كتاب الوفد، ينافح عنه ويدعو إليه بقلمه ~~ولسانه عشر سنين، وإنه ليرى له عند «سعد» منزلة لا يراها لكاتب من الكتاب أو أديب من ~~الأدباء، وأن له على سعد حقا، ولكن سعدا مع كل ذلك لم يكتب له عن كتاب من كتبه: ~~«كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم.» وكتبها للرافعي وليس له عليه حق ~~مما عليه للعقاد ...» # قال الرافعي: «... من هنا يا بني كانت ثورته، كانت ثورة الغيرة ... لا ثورة الأديب ~~الناقد الذي لم يقنع بما كتب الكتاب عن إعجاز القرآن فهو يلتمس المعرفة والاقتناع، ~~وعرفت ذلك من بعد، فما بدا علي ما في نفسي من الانفعال، ومضيت معه في الحديث في وجه ms125 ~~جديد. قلت: أنت تجحد فضل كتابي، فهل تراك أحسن رأيا من سعد؟» # قال الرافعي: «وفهم ما أعنيه، فقال: وما سعد؟ وما رأي سعد؟» # قال الرافعي: «وطويت الورقة التي كان يكتب فيها حديثه، # 12 # فقبضت عليها يدي، ثم قلت: أفتراك تصرح برأيك هذا في سعد لقرائك وأنت تأكل ~~الخبز في مدحه والتعلق بذكراه ...؟ قال: فاكتب إلي هذا السؤال في صحيفة من الصحف تقرأ ~~جوابي كما عرفته الآن ...» # قال الرافعي: «وابتسمت لقوله ذاك، وأجبته: يا سيدي، إن الرافعي ليس من الحماقة بحيث ~~يسأل هذا السؤال في صحيفة من الصحف فتنشر السؤال ولا ترد عليه، فيكون في سؤالي وفي صمتك ~~تهمة لي ، وتظل أنت عند قرائك حازما أريبا بريئا من التهمة مخلصا لذكرى سعد!» # قال الرافعي: «وما قلت ذلك - وإن ورقته في يدي أشد عليها بأناملي - حتى تقبض وجهه، ~~وتقلصت عضلاته، ثم قال في غيظ وحنق: ومع ذلك فما لك أنت ولسعد؟ إن سعدا لم يكتب هذا ~~الخطاب، ولكنك أنت كاتبه ومزوره، ثم نحلته إياه لتصدر به كتابك فيروج عن ~~الشعب!» # قال الرافعي: «وما أطقت الصبر بعد هذه التهمة الشنيعة، ولا ملكت سلطاني على نفسي، ~~فهممت به ... فدخل بيننا الأستاذ صروف. فدعا العقاد أن يغادر المكان ليحسم العراك ويفض ~~الثورة، فخرج والباب يبصق في قفاه!» # 13 ~~••• # هذه رواية الرافعي، حدثني بها غير مرة في غير مجلس، كما تحدث بها إلى غيري من ~~أصدقائه وخاصته، فما لي فيها إلا الرواية والتصرف في بعض الكلام؛ تأدبا مع العقاد ~~وكرامة لذكرى الرافعي. # وقد بدا لي أن أستوثق مما حدثني به الرافعي، فقصدت إلى الأستاذ فؤاد صروف - محرر ~~المقتطف - أسأله الرأي في هذه الرواية؛ إذ كان من شهود الحادثة على ما رواها الرافعي، فقال: «... هذا الحديث في جملته وفي موضوعه لا اعتراض لي عليه، وبقدر ما تطاوعني ~~الذاكرة أستطيع أن أجزم بأن شيئا من ذلك قد كان، ولكن الذي رواه لك الرافعي من ~~حديث العقاد في هذه المناظرة ليس على نصه، قد يكون هذا مؤدى ما قال ms126 ولكنه ~~ليس به، والرافعي - رحمه الله - كان أصم، ولم يكن كل الحديث بينهما مكتوبا، ~~وقد قال العقاد في مناظرته كلاما لم يكتبه ولم يسمعه الرافعي، ولكنه تخيله ~~على ما أحسب، فكانت روايته للحادثة من بعد معنى يرويه لا لفظا يحكيه. ~~... ولكني مع ذلك لا أنكر ما كان من حديث العقاد في هذه المناظرة عن القرآن ~~وإعجاز القرآن، ورأيه في ذلك يعرفه أصحابه! # ثم لا أدري من أين جاء الرافعي أنني دعوت العقاد أن يغادر المكان، فما كان ~~ينبغي لي هذا، ولا هو من آدابي، وإنهما لضيفان في داري، وأحسب أن الرافعي قد ~~فهم ذلك خطأ حين رأى العقاد يغادر المجلس !» # قلت: «وقد أطلعني الرافعي على ورقات قال: إن العقاد كان يحدثه كتابة فيها، وفيها ~~عبارات تبرهن على صدق الرافعي في روايته! ... كما أشار الرافعي في كتابه «على السفود» ~~إلى طرف من هذه المحاورة، وإلى هذه الورقات التي يحتفظ بها برهانا على بعض ما يصف به العقاد.» # 14 # على السفود # وفرغ الرافعي من مقالات عبد الله عفيفي التي كان ينشرها بعنوان «على السفود»، ثم ~~ذهب مرة لزيارة صديقه الأستاذ إسماعيل مظهر صاحب العصور وما يزال في نفسه شيء مما كان ~~من المحاورة بينه وبين العقاد، فسأله الأستاذ مظهر تتمة هذه السلسلة في نقد الأستاذ ~~عفيفي، فاعتذر الرافعي وقال: حسبي ما كتبت عنه وحسبه، قال مظهر: فاكتب عن غيره من ~~الشعراء، إن في هذه المقالات لمثالا يحتذيه الذين يريدون أن يحرروا بالنقد عقولهم من ~~عبادة الأشخاص ووثنية الصحافة! # فتنبه الرافعي إلى شيء في نفسه، وجلس إلى مكتب في دار العصور فكتب مقاله الأول من ~~كتاب على السفود في نقد العقاد، وتوالت مقالاته من بعد في أعداد المجلة متتابعة في كل ~~شهر، فلما تمت هذه المقالات، نشرها الأستاذ إسماعيل مظهر في كتاب قدم له بمقدمة ~~بإمضائه يبين فيها ما دفعه إلى نشر هذا الكتاب الذي لم يكتب على غلافه اسم مؤلفه، ~~ورمز إليه بكلمة «بقلم إمام من أئمة الأدب العربي». ~~••• # إن هذه الخصومة ms127 العنيفة بين الرافعي والعقاد قد تجاوزت ميدانها الذي بدأت فيه ~~ومحورها الذي كانت تدور عليه، إلى ميادين أخرى جعلت كلا من الأديبين الكبيرين ينسى ~~مكانه ويغفل أدبه ليلغ في عرض صاحبه ويأكل لحمه من غير أن يتذمم أو يرى في ذلك ~~معابة عليه، وكان البادئ بإعلان هذه الحرب هو الرافعي في مقالاته على السفود ... # هم ثلاثة أو أربعة من كتاب العربية في الجيل الحديث كانت لهم هذه الخلة المرذولة ~~في النقد وفي أساليب الجدل، هذان اثنان منهم، وكان للرافعي مع كل واحد من الاثنين ~~الآخرين معركة، على أن أشد هذه المعارك عنفا وأبعدها عن حدود الأدب اللائق هي المعركة ~~بينه وبين العقاد! # وكان بدء هذه المعركة هو ذلك الحديث الذي دار بين الرافعي والعقاد في دار المقتطف، ~~حول حقيقة إعجاز القرآن، وكتاب إعجاز القرآن، وكان للعقاد فيهما رأي غير رأي الرافعي، ~~فكانت غضبة الرافعي الأولى لكرامة القرآن والعقاد ينكر إعجازه، ولكتابه والعقاد يجحد ~~فضله، ثم كانت الغضبة الثانية للتهمة التي رماه بها العقاد حين جبهه بأنه افترى كتاب ~~سعد ونحله إياه في تقريظ إعجاز القرآن ليروج عند الشعب ... # فثمة سبب عام أنشأ هذه الخصومة، هو إيمان الرافعي بإعجاز القرآن إيمانا لا يتناوله ~~الشك، وسببان خاصان، هما: رأي العقاد في كتاب الرافعي، ثم تهمته له بأنه مفتر كذاب ~~...! # ترى أي هذه الأسباب الثلاثة هو الذي أثار الرافعي فدفعه إلى الخروج عن الوقار والأدب ~~الواجب فيما أنشأ من مقالات «على السفود» ...؟ # الرافعي يقول: إنها غضبة لله وللقرآن، وللتاريخ رأي لست أدري أيفارق هذا الرأي أو ~~يلتقي وإياه على سواء ...؟ # ولكن كتاب على السفود مع ذلك لا يتناول مسألة المسائل في هذا الخلاف، فلا يتحدث إلا ~~عن شعر العقاد وديوان العقاد، ثم عن أشياء خاصة تعترض في فضول القول وحشو الكلام، فأين ~~هذا مما دارت عليه المعركة من أسباب الخصام ... الرافعي يقول: هذا أسلوب من الرد قصدت ~~به الكشف عن زيف هذا الأديب والزراية بأدبه، حتى إذا تقررت منزلته الحقيقية في الأدب ~~عند ms128 قراء العربية، لا تراهم يستمعون لرأيه عندما يهم بالحديث عن إعجاز القرآن، وهل ~~يحسن الحديث عن إعجاز القرآن من لا يستقيم منطق العربية في فكره، ولا يستقيم بيانها ~~على لسانه؟ ... هكذا يقول الرافعي! ... # ومن ثم بدأت المعركة على أعين القراء ... ~~••• # يقول الأستاذ إسماعيل مظهر في مقدمته لكتاب «على السفود»: ~~... أردنا بنشر السفود أن نرضي من أنفسنا نزعتها إلى تحرير النقد من عبادة الأشخاص، ~~ذلك الداء المستعصي الذي كان سببا في تأخر الشرق عن لحاق الأمم الأخرى ... ~~... ونقدم بهذه المقدمة تعريفا لما قصدنا من إذاعة هذه المقالات الانتقادية ~~التي أعتقد بأنه لم ينسج على منوالها في الأدب حتى الآن! # وعسى أن يكون السفود «مدرسة» تهذيب لمن أخذتهم كبرياء الوهم، ومثالا يحتذيه ~~الذين يريدون أن يحرروا بالنقد عقولهم من عبادة الأشخاص ووثنية الصحافة! ~~... # أما أن تكون هذه المقالات الانتقادية لم ينسج على منوالها في الأدب الحديث، فنعم، ~~وأما أن تكون مدرسة للتهذيب ومثالا يحتذيه النقدة، فلا ... فليس بنا من حاجة إلى أن ~~يحتذي النقدة هذا المثال في أسلوب النقد والجدل فيزيدوا عيبا فاحشا إلى عيوب النقد ~~في العربية. # والحق الذي أعتقده أن في هذا الكتاب - على ما فيه - نموذجا في النقد يدل على نفاذ ~~الفكر ودقة النظر وسعة الإحاطة وقوة البصر بالعربية وأساليبها، ولكن فيه مع ذلك شيئا ~~خليقا بأن يطمس كل ما فيه من معالم الجمال فلا يبدو منه إلا أذم الصور وأقبح ~~الألوان، بما فيه من هجر القول ومر الهجاء، ولئن كان هذا مذهبا معروفا في النقد ~~للرافعي وخصمه واثنين آخرين من كتاب العربية في هذا الجيل، إننا لنريد للناقدين في ~~العربية أن يكونوا أصح أدبا وأعف لسانا من ذاك ...! # ذلك رأي قلته للرافعي - يرحمه الله - فما أنكره علي ولا اعتذر منه، فما يمنعني ~~اليوم شيء أن أعلنه صريحا إلى الأدباء، ولقد هم الرافعي منذ سنوات أن يجمع كل ما كتب ~~في النقد بعد كتاب «المعركة» في كتاب واحد، فأبديت له الرأي أن يضم إلى هذا المجموع ~~مقالات «على السفود» ms129 بعد أن يجردها مما يعيبها حرصا على ما فيها من الفن، فارتاح ~~لهذا الرأي واطمأن إليه، ولكنه لم يفعل؛ إذ حالت الحوائل دون تنفيذ فكرته. # وإنها لخسارة أن ترى التمثال الفني البديع مغمورا في الوحل فلا تصل إليه إلا أن تخوض ~~له الحمأة المنتنة، وهيهات أن تقبل عليها النفس، وإنها لخسارة على العربية أن ترى هذا ~~الفن البديع في النقد يكتنفه هذا الكلام النازل من هجر القول ومر الهجاء. # ولقد كان الرافعي نفسه يعترف بأن في الكتاب ما لم يكن ينبغي أن يقول، وبأن خصمه بما ~~قال فيه كان يملك أن يسوقه إلى المحاكمة، ولكن الرافعي مع ذلك كان مطمئنا إلى شيء آخر ~~... # قال الرافعي: «... قال لي قائل: لقد قلت في العقاد ما كان حريا أن يقفه وإياك أمام ~~القضاء! ... قلت: ولكني كنت على يقين بأن العقاد لن يفعلها! إنني كنت أهاجم العقاد بمثل ~~أسلوبه في النقد، وإن معي لورقات بخطه لا يسره أن أجعلها دفاعي أمام المحكمة فيخسر ~~أكثر مما يربح، ولقد قرأت من هذه الورقات على مستشار كبير فأيقن بما أنا موقن به ~~وحكمت لي محكمته ...!» # ذلك حديث الرافعي ... فهل كان هذا حسبه من العذر فيما كتب؟ # على أن كثيرا من قراء «على السفود» يضعونه في غير هذا الموضع الذي أضع، مؤمنين بأن ~~في الأدباء طائفة لا يمكن مناقشتها إلا بمثل أسلوب على السفود! ~~••• # انتشر كتاب «على السفود» وتناوله القراء على أن كثيرا منهم لم يعرف كاتبه إلا بعد ~~سنين ... وكان في هذا خير للرافعي ولسمعته الأدبية ولمكانه من نفوس القراء؛ إذ كان العقاد ~~يومئذ هو كاتب الوفد الأول، والوفد هو الأمة كلها، قراؤها وعامتها وشيوخها وشبابها، ~~فكان العقاد بذلك هو عند الشعب إمام الكتاب وأمير الشعراء، لا يعاديه إلا خارج على ~~الأمة أو مارق من الوطنية، ولو كانت عداوته في مسألة أدبية لا تتصل بالسياسة، ولو ~~كانت مناقشته حول إعجاز القرآن. ~~••• # ثم كانت هدنة بين الرافعي والعقاد، صمت فيها الخصمان طويلا وكل منهما يتربص بخصمه ~~ليضربه الضربة ms130 القاضية، حتى كان خريف سنة 1932. # مات المرحوم شوقي في أكتوبر سنة 1932، فاهتزت لموته المجامع الأدبية في مصر والشرق، ~~فما تجد من كاتب أو أديب من أبناء العروبة إلا اهتم لهذا النبأ واحتفل به، وتهيأت ~~«المقتطف» لكتابة فصل أدبي عن أمير الشعراء فأفرغت بضع عشرة صفحة من العدد الذي كان ~~موشكا أن يصدر، وأبرقت إلى الرافعي في طنطا أن يكتب هذا الفصل ويرسله إليها في أيام ~~قبل أن يتم طبع العدد. # ولم يكن بين الرافعي وشوقي من صلات الود ما يتيح له أن يعرف شيئا من حياته يعينه ~~على دراسة أدبه، ولا كان الرافعي مستعدا لهذه الدراسة، ولا تهيأت له من قبل أسبابها ~~ودواعيها لينشئ موضوعه على الوجه الذي يرضاه في ذلك الوقت العاجل، وإن الرافعي لكثير ~~الأناة والتأنق فيما يكتب، فلا يبدأ في إنشاء موضوعه حتى يخلي له فكره أياما وليالي، ~~يبحث ويوازن، ويزاوج ويستنبط، ثم يتهيأ للكتابة وقد استوى الموضوع في فكره كأنما قرأه ~~لساعته في كتاب، ولكن كل أولئك لم يمنع الرافعي أن يجيب محرر المقتطف إلى ما طلب ويرسل ~~مقاله في الموعد المضروب، وكانت دراسة أعتقد أن أحدا من كتاب العربية لم يكتب ~~مثلها عن شوقي أو يبلغ ما بلغ الرافعي بمقاله، فأنصف شوقي، وجلى عبقريته، وكشف عن ~~أدبه وفنه ومذهبه، دع عنك بعض هنوات قليلة لا تغض من قيمة هذا البحث الفريد. # وكان مما أخذ الرافعي على شوقي وسماه غلطات في النحو أو اللغة، أن شوقي أخطأ في رفع ~~جواب الشرط من قوله: # إن رأتني تميل عني كأن لم # يك بيني وبينها أشياء! # وهي هناة صغيرة قد يجد لها بعض العلماء بقواعد العربية وجها من التعليل وبابا من ~~العذر. # والعقاد أديب له شهرته العريقة في عداوة شوقي والزراية بأدبه وفمه، فما يعرف أدباء ~~العربية أحدا كان أبلغ عداوة لشوقي أو أحد لسانا في نقده من العقاد! # ولكن العقاد لم يكد يفرغ من قراءة مقالة الرافعي في المقتطف، حتى تناول قلمه ليكتب ~~كلمة يرد بها رأي الرافعي ms131 في نقد هذا البيت ويعتذر عن شوقي ... وكان للعقاد نصيب من ~~التوفيق فيما كتب! # ليت شعري! أفعلها العقاد دفاعا عن شوقي وهو من هو في عداوته؟ أم تحديا للرافعي ~~...؟ # أفلم يجد العقاد في بضع عشرة صفحة يكتبها الرافعي مباهيا بشوقي، مفاخرا بأدبه وفنه ~~وعبقريته، شيئا يستحق الرد والتعليق غير هذه الكلمة؟ هذا سؤال سألته نفسي يومئذ، ~~وأحسب أن كثيرا من القراء سألوه أنفسهم، ولكن جواب هذا السؤال معروف لكل من يذكر ما ~~كان بين الرافعي والعقاد، ثم ما كان بين العقاد وشوقي منذ قريب! # وقال لي الرافعي: «ماذا ترى فيما كتب العقاد؟» # قلت: «أنا وهو على رأي واحد فيما يرد به !» # فمط شفتيه ساخرا وهو يقول: «أخطأت، وأخطأ العقاد، وأخطأ المتأخرون من علماء النحو ~~في العربية ... ليس الرأي ما يقول العقاد وتوافقه عليه ...» # وتملكه عناده وكبرياؤه، فأنشأ مقالة طويلة مسهبة يرد بها رأي العقاد ويصر على ~~تخطئة شوقي في رفع جواب الشرط من هذا البيت، ويتهم المتأخرين من علماء النحو بالغفلة ~~وقلة البصر بأساليب العربية، ثم يفيض ويسترسل في بيان الأوجه التي يجوز رفع جواب الشرط ~~فيها، وما يصيب منها وما يخطئ. # وإذا لم يكن لي في هذا المجال أن أصرح بالرأي فيما كتب الرافعي في هذا الموضوع، فإن ~~لي أن أرد كل شيء إلى أسبابه فأزعم أن الرافعي لم يكتب ما كتب خالصا لوجه العربية، ~~ولكنها الكبرياء والاعتداد بالنفس وخوف الهزيمة أمام العقاد في معركة أدبية ...! # ولست أكتم هنا أن الرافعي كان يسيء الظن بفهم العقاد لقواعد اللغة؟ فما يرى شيئا ~~من مثل ما كتب في ذلك الموضوع مما يشير إلى بصره بقواعد العربية إلا اتهمه بأنه يستعين ~~فيه بأصدقائه من أهل العلم بهذه اللغة، وأحسبه قال لي مرة: إن الذي يعين العقاد في ~~ذلك هو صديقه الأستاذ عباس الجمل! # وانتهت هذه المعركة الصغيرة ولم تسفر عن أشلاء، ولكني أحسب أن الرافعي نفسه لم يكن ~~مقتنعا بما كتب في الرد على العقاد، فبقي في نفسه شيء يحمسه إلى معركة ms132 جديدة، فلم ~~يلبث إلا قليلا ثم كانت المعركة الفاصلة ... # وحي الأربعين # وكانت هدنة استمرت بضعة أشهر، ثم أصدر العقاد ديوانه «وحي الأربعين»، ومضى أسبوع أو ~~أسابيع بعد صدور الديوان، ثم كان عيد من الأعياد، فغدوت على بيت الرافعي لأهنئه، ثم ~~خرجنا نطوف ببيوت بعض الأصدقاء، حتى انتهى بنا الطواف إلى دار صديقنا الأديب الأستاذ ~~حسنين مخلوف، والأستاذ مخلوف أديب مطلع، لا يفوته كتاب مما تخرج المطبعة العربية، فلم ~~يكن ثمة بد من الحديث في الأدب، وفي الشعر وفي المطبوعات الجديدة، وهو حديث يحلو ~~للرافعي ويحلو لمخلوف، ولو استغرق هذا الحديث سحابة يوم العيد من الضحى إلى العصر، ~~والبطن خاو يطلب الطعام ، ورائحة الشواء تفوح في بيت المضيف وفي بيوت الجيران! # وسأل الرافعي مضيفه: «ماذا عندك من الجديد في الكتب؟» # وضحك مخلوف وهو يغمز بعينه ويقول: «وحي الأربعين!» # ووجد الرافعي طلبته، فدعا بالديوان الذي يود أن يقرأه منذ أيام ويمنعه من شرائه أنه ~~كتاب العقاد! ... # وجاء الديوان فوضعه الرافعي بين يديه وقال: «لست أريد أن أتجنى على العقاد الشاعر أو ~~أحكم في ديوانه برأي قبل أن تتهيأ لي أسبابه، وإني لأخشى أن أفتح الكتاب فتقع عيني أول ~~ما تقع على أردإ ما فيه فأحكم على الديوان ببعضه، وقد يكون فيه الجيد، وما هو أجود، وما ~~تتقاصر أعناق شعراء العربية دون الوصول إليه، وإن بيني وبين العقاد لسابق عداوة، ~~وأنتما بريئان من التهمة وسوء الظن، فهاكما الديوان فقلبا فيه النظر، وتداولا فيه ~~الرأي، ثم دلاني على أجود ما فيه لنقرأه معا فنحكم له أو عليه مجتمعين، ثم يكون ما ~~اتفقنا عليه من الرأي في هذا الجيد المختار هو الرأي في الديوان كله، من غير أن يتغلب ~~الهوى أو تتحكم الشهوة ...!» # ورضينا رأي الرافعي، فأخذنا الديوان نقلبه صفحة صفحة، ونقرؤه بيتا بيتا، والرافعي ~~منصرف عنا إلى كتاب بين يديه ... ومضت فترة، واستبطأنا الرافعي فيما دعانا إليه، فقال: ~~أحسبكما لم تجدا ما تطلبان! ولن تجدا ... إذن فلنقرأ الديوان معا من فاتحته، فما أحسب ~~الشاعر ms133 يختار فاتحة الديوان إلا من أجود شعره. # وتناول الديوان يقرأ منه ونستمع إليه، ووقفنا عند أشياء، وتداولنا الرأي في أشياء، ~~وكان الأستاذ مخلوف أكثرنا حماسة في النقد، ومضت ساعات ونحن نقرأ، ولكل رأي يبديه، ثم ~~طوينا الديوان وأخذ مخلوف يتحدث في موضوعه ... # وقال الرافعي يخاطبه: «وما دمت على هذا الرأي في الديوان، فلماذا لا تنشره، إن لك ~~لسانا وبيانا، وإنه لنقد يستحق أن يقرأه أدباء العربية ...!» # وتردد مخلوف قليلا ثم سمع مشورة الرافعي ... وتهيأ لكتابة نقده ... # ومضى أسبوع، ثم نشر «المقطم» في صدره مقالا مجودا للأستاذ مخلوف في نقد ديوان وحي ~~الأربعين، تناوله بأدب وهدوء في بضعة عشر موضعا، وأرجأ بقية النقد إلى عدد تال ... ومضى ~~يومان وكتب العقاد في صحيفة الثلاثاء من جريدة الجهاد رده على مخلوف ... # لم يكن مخلوف حين كتب مقاله الأول للمقطم مقدرا أن العقاد سيتناوله بهذه القسوة، ~~ولكنه فوجئ مفاجأة شديدة بما كتب العقاد ... # لم يرد العقاد رد الأديب على ناقده، ولكنه راح يتهكم عليه ويسخر منه ويستهزئ ~~بعلمه وأدبه ومقدرته على فهم الشعر، وإذ كان مخلوف من مدرسي اللغة العربية في مدارس ~~الحكومة، فإن العقاد قد انتهزها سانحة ليطعن على مدرسي اللغة العربية في مدارس الحكومة، ~~ويلحد في كفايتهم وعلمهم، ويعود بالسبب في ضعف اللغة العربية في المدارس على مخلوف ~~وزملاء مخلوف، ولم تسلم مدرسة دار العلوم التي تخرج فيها مخلوف، ولم يسلم واحد من ~~مدرسي اللغة العربية، من تهكم العقاد وسخريته في هذا المقال؛ لأن واحدا منهم كتب ينقده ~~ويحاول رده إلى الصواب فيما رآه أخطأ فيه ...! # وكتب مخلوف مقاله الثاني يرد مطاعن العقاد، ويتمم ما بدأ في نقد وحي الأربعين، ولكن ~~المقطم أغلقت دونه الباب ولم تنشره؛ كرامة للعقاد وحرصا على مودته ... # وغضب مخلوف وتألم، ولكنه طوى صدره على ما فيه ... وكنا جماعة من مدرسي اللغة العربية ~~نصلي الجمعة كل أسبوع في مسجد المنشاوي بطنطا، فلقينا هناك مخلوفا فما رآه المدرسون ~~حتى انهالوا عليه وركبوه بالعتب القاسي، وكلهم قرأ مقال العقاد في ms134 الطعن على مدرسي ~~اللغة العربية بسبب مخلوف، وقليل منهم من قرأ مقال مخلوف، وحاول مخلوف أن يعتذر، ولكن ~~اعتذاره ضاع بين ضجيج إخوانه وحملتهم عليه فلم يستمع له أحد! # وقلت للرافعي مازحا ولقد لقيته بعد ذلك: «لقد كنت أنت السبب فيما نال مخلوفا من ~~إخوانه، وفيما نال مدرسي اللغة العربية من لسان العقاد، فأنت الذي هجت مخلوفا إلى هذه ~~المعركة، فانتهت إلى ما انتهت إليه بينه وبين إخوانه، وكانت سببا فيما كتب العقاد عن ~~دار العلوم ومدرسي اللغة العربية ...» # وكان لمخلوف عند الرافعي منزلة، ولدار العلوم في نفسه مكان، ولكنه أجابني: «وماذا ~~علي أنا فيما كتب مخلوف، وفيما رد العقاد؟» # قلت : «لولاك لم يكتب مخلوف فيتعرض لما تعرض له من لسان العقاد ومن عتب إخوانه، ولولا ~~ما كتب مخلوف لبقيت دار العلوم بريئة من العيب لم يطعن فيها العقاد ولا غير ~~العقاد!» # وقصدت فيما قلت - ومعذرة إلى الأستاذ العقاد - أن أهيج الرافعي للكتابة عن العقاد، ~~فيشهد أدباء العربية معركة جديدة بين الأديبين الكبيرين يكون لهم من ورائها نفع ومتاع ~~ولذة ... وبلغت ما قصدت إليه، ووعد الرافعي بأن يكتب ما في نفسه من ديوان وحي الأربعين، ~~ولكن على شرط أن أشتري له نسخة على حسابي من الديوان؛ لأنه يأبى أن يدفع قرشا من جيبه ~~في كتاب من كتب العقاد ...! # ونفذت الشرط، وتهيأ الرافعي للكتابة عن وحي الأربعين، ومضت أيام، ثم دعاني ليملي ~~علي مقاله الأول في نقد الديوان ... # صدر «وحي الأربعين» في سنة 1933 والسياسة المصرية يومئذ تسير في طريق معوج، وحكومة ~~صدقي باشا تمكن لنفسها بالحديد والنار، و«الوفد» ومن ورائه الأمة كلها يجاهد حكم الفرد ~~ويكافح للخلاص، والعقاد يومئذ هو كاتب الوفد الأول، يكتب المقالة السياسية فترن رنينا ~~ويلقفها آلاف القراء بلهفة وشوق في كل مدينة وكل قرية، فلا عجب أن يكون العقاد بذلك عند ~~عامة القراء هو أبلغ من كتب، وأشعر من نظم، حتى ليئول أمره من بعد إلى أن ينحله ~~الدكتور طه حسين لقب أمير الشعراء! # ولقد يكون ms135 العقاد يومئذ على حقيقته هو سيد الكتاب وأمير الشعراء أو لا يكون، ولكن ~~هذه هي كانت منزلته عند الشعب يومئذ، فلا يعاديه أحد إلا كان عدو الأمة، ولا يعرض له ~~أحد بالنقد في أي منشآته الأدبية والسياسية إلا كان في رأي الشعب «دسيسة» وطنية. # هذه هي كانت الحقيقة في تلك الحقبة من التاريخ التي امتزج فيها الأدب بالسياسة ~~امتزاجا جعل طائفة كريمة من الأدباء يؤثرون الصمت واعتزال الأدب على أن ينزلوا بأنفسهم ~~إلى معترك لا يعرفون أين تبلغ بهم عواقبه، ولكن الرافعي رجل كان لا يعرف السياسة ولا ~~يخضع لمؤثراتها، فهو لا يعتبر إلا مذهبه في الأدب وطريقته، وسواء عنده أكان رأيه هو ~~رأي الجماعة أم لا يكون ما دام ماضيا على طريقته ونهجه، ولقد قدمت القول بأن الرافعي ~~كان يتربص بالعقاد لينزل إليه في معركة حاسمة تنقع غلته وتبرئ ذات صدره، فما إن ~~تهيأت له الأسباب بصدور «وحي الأربعين» حتى تحفز للعراك، وكان ما بين العقاد ومخلوف ~~هو السبب المباشر الذي ألهب حمية الرافعي، فنزل إلى الميدان مستكملا أهبته مزودا ~~بسلاحه، غير مكترث بما قد يناله من غضب الآلاف من القراء الذين يقدسون العقاد الكاتب ~~تقديسا أعمى فلا يفرقون بين العقاد السياسي والعقاد الأديب ...! ~~... وأرسل الرافعي يستدعيني إليه ذات مساء، فرحت إليه بعد العشاء بقليل، فإذا هو جالس ~~إلى مكتبه، وعلى مقربة منه «وحي الأربعين» وإن عليه عباءة حمراء في لون عرف الديك، وفي ~~عينيه فتور وضعف ينبئ عن السهر والجهد العميق، فإنه ليبدو في مجلسه ذلك كأنه عائد ~~لساعته من معركة حمراء ...! # قال: «لقد فرغت من قراءة الديوان منذ قليل، وإن لي فيه لرأيا، فهل تساهرني الليلة ~~حتى أملي عليك ما أعددت في نقده؟» # كانت هذه أول مرة يملي الرافعي علي فيها من مقالاته، فكانت فرصة سعيدة لي، أشهد ~~فيها الرافعي حين يلقى الوحي، وأصحبه في سبحاته الفكرية يقتنص شوارد الفكر وأوابد ~~المعاني، وكانت فرصة سعيدة له أن وجد يدا غير يده تحمل له القلم حين يكتب لنفسه، ms136 ~~ويخلو بفكره، وما تعود قبلها أن يكتب وفي مجلسه إنسان، وإن أثقل شيء عليه أن يكتب ~~بيده، ولكن أثقل من ذلك عليه أن يعرف أن عينا تلاحظه وهو يكتب، فما زال يكتب لنفسه منذ ~~بدأ، متبرما بهذه المهمة، ضيق الصدر بما يبذل في الكتابة من جهد، وإن خطه لأردأ خط ~~قرأت في العربية ... حتى اصطفاني لهذا الواجب، فلزمته ثلاث سنين لا يهم بكتابة مقال إلا ~~دعاني ليمليه علي، حتى انتقلت من طنطا فعاد إلى ما كان من عادته، يملي على نفسه ~~ويكتب لنفسه، ولم يسترح إلى كاتب بعدي يشركه في جلوة الوحي وخلوة الكتابة! ~~••• ~~... وجلس فأملى علي مقاله من قصاصات في يده لا تزيد إحداها على قدر الكف، فما فرغ من ~~الإملاء، حتى أذن الفجر، وحتى كانت لهذه القصاصات بضعا وعشرين صفحة كبيرة، تشغل بضعة ~~عشر نهرا من جريدة البلاغ، وكانت ليلة تحملت فيها من الجهد والمشقة ما لم أتحمل في ~~ليلة غيرها، فقمت منهوك القوة عيان، وقام الرافعي في مثل نشاط الشاب في عنفوانه، كأنما ~~كان عليه عبء فرماه عن كتفيه ... # وكان بين البلاغ والعقاد خصام، وكان بينه وبين الرافعي مودة، فما كادت تصل إليه ~~مقالة الرافعي في البريد المستعجل ظهر ذلك اليوم، حتى أعلن عنها وبشر القراء أن ~~ينشرها في غد ... وشغلت من البلاغ ثلاث صفحات في يومين ... وكان نقدا مرا حاميا اجتمع ~~فيه فن الرافعي، وثورة نفسه، وحدة طبعه، وحرارة بغضائه. # أستطيع أن أقول ويقول معي كثير من أدباء العربية: إن هذه المقالة هي خير ما كتب ~~الرافعي في نقد الشعر وأقربها إلى المثال الصحيح، لولا هفوات قليلة يعفيه من تبعتها ~~أنه إنسان! # من قرأ «على السفود» فعابه على الرافعي وأنزله غير ما كان ينزله من نفسه فليقرأ ~~مقال الرافعي في نقد «وحي الأربعين» ليرى الرأي المجرد في شعر العقاد عند الرافعي ~~... # ومضى يوم واحد، وظهرت صحيفة الثلاثاء من جريدة الجهاد وفيها رد العقاد على الرافعي، ~~وقد نفذ إليه من باب لم يحسب الرافعي حسابه، فتغير وجه ms137 الحق، ودارت المعركة حول محور ~~جديد ... # كان عنوان مقالة العقاد «أصنام الأدب» فيما أذكر، وكان مدار القول فيها هو الطعن على ~~رجلين، هما: إسماعيل مظهر، والمهذار الأصم مصطفى صادق الرافعي، وكان أكثرها سبابا ~~وشتيمة وأقلها في الرد والدفاع، على أن العقاد لم يرد رأي الرافعي فيما أخذ عليه من ~~مآخذ إلا في مواضع قليلة، وترك الرد في أكثر ما عاب عليه الرافعي، مستعيضا عن الرد ~~بالشتم والسباب ... # وإذا كان السبب مفهوما في طعن العقاد على الرافعي وشتيمته إياه، فأي سبب حمل العقاد ~~على أن يشرك إسماعيل مظهر مع الرافعي فيما وجه إليه من الشتم والتهمة؟ # جواب ذلك يفهمه من يذكر أن إسماعيل مظهر صاحب العصور، هو طابع كتاب «على السفود» ~~وناشره ومروجه. أفنستطيع أن نحكم من هذا بأن العقاد لم يكن يعني الرد على مقال ~~الرافعي الأخير وحده، ولكنه وجدها فرصة سانحة لتصفية الحساب القديم كله بينه وبين ~~الرافعي وصاحبه الذي أغراه على كتابة «على السفود». # وكان الباب الذي نفذ منه العقاد في الطعن على الرافعي، هو اتهامه في وطنيته، وإيهامه ~~قراءه بأن الرافعي لم يكن لينقده إلا لأنه هو العقاد السياسي الوفدي عدو الحكومة ~~المتسلطة على الناس بالحديد والنار! وحسبك بها من تهمة حين يقولها العقاد! # إن للعقاد مفاجآت عجيبة في النقد، تمثل العقاد الكاتب المرن المحتال في أساليب ~~السياسة، أكثر مما تمثله ناقدا محيطا يدفع الرأي بالرأي والبرهان بالبرهان! # وقرأت مقالة العقاد في الرد على الرافعي، فوجدت أسلوبا في الرد يؤلم ولا ~~يفحم، ويقابل الجرح بالجرح لا بالعلاج، فما فرغت من قراءة المقال حتى تمثل لي الرافعي ~~مربد الوجه من غيظ وغضب، مزبد الشدقين من حنق وانفعال، فسرني أن أسعى إليه قبل ~~ميعادي؛ لأراه في غيظه وحنقه وانفعاله، فانتهزت ساعة فراغ في الظهر، فمضيت إليه في ~~المحكمة، فما كاد يراني مقبلا عليه حتى هتف بي وهو يبتسم ابتسامة المسرور، ثم قال: ~~«أقرأت مقال العقاد؟» قلت: «نعم.» قال: «فماذا رأيت فيه؟» قلت: «لقد كان شديدا ~~مؤلما!» فضحك وقال: «والله، ms138 ما رأيت كاليوم! لقد ضحكت حتى وجعني قلبي من شدة الضحك ~~... إنه لم يكتب شيئا ولم يرد على شيء، إن سبابه وشتمه لن يجعلاه عند القراء ~~شاعرا كما يشتهي أن يكون، وإن حسب أنه بذلك يكسب المعركة، وقد حق عليه ما قلت ~~فيه، وإنه ليعترف إن فراره من الرد إلى السباب والشتيمة ليس إلا اعترافا بالعجز ~~...» # قلت: «إذن فأنت لا تنوي الرد؟» # قال: «وأي شيء تراه يستحق الرد فيما كتب؟» # قلت: «ولكن القراء لن يفهموا سكوتك على وجهه، ولن يسموه إلا انسحابا من المعركة ...! أفترضى أن يقال عنك ...؟» # وبدا على الرافعي كأنه اقتنع، وهاجته كلماتي مرة أخرى إلى النضال، ومعذرة ثانية إلى ~~العقاد! # إن معركة تدور رحاها بين العقاد والرافعي جديرة بأن يحتفل لها الأدباء، وأن تنال من ~~اهتمامهم أوفى نصيب، وإن لهم فيها لمتاعا ولذة وفائدة، وما كان لي أن أقنع وقد هجت ~~هذه المعركة بما فيها من متاع ولذة وفائدة بأن تنتهي من أول شوط! # وقال لي الرافعي: «هل توافيني الليلة لأملي عليك؟» # فواعدته، وذهبت إليه في المساء فأملى علي فصلا من نسخته الخاصة لكليلة ودمنة ~~بعنوان «الثور والجزار والسكين!» ثم أتمه مقالا في الرد على العقاد، وكان فصلا ~~قاسيا عنيفا، ليس من مذهب المقال الأول ولا نهجه؛ إذ لم يكن المقصود به النقد وحسب، ~~بل الرد والسخرية والإيلام، ثم قطع السبيل وتدعيم الدليل وتقرير المعنى فيما قدم من ~~مواضع النقد. # ثم رد العقاد ليعلن انسحابه من المعركة شاكرا اللذين أيدوه، معتذرا من عدم ~~الاستمرار في مناقشة دعوى الرافعي! واستمر الرافعي يكتب حتى فرغ. # وكان النصر للرافعي عند طائفة، ولكن خسر عطف الآلاف من أصدقاء العقاد الكاتب الوطني ~~الكبير؛ إذ لم يروا عداوة الرافعي له في الأدب إلا دسيسة سياسية من خصوم ~~العقاد! ~~••• # وانتهت المعركة الأخيرة بين الرافعي والعقاد، ولكن الرافعي لم يقتنع بما نال من النصر ~~عند الصفوة من القراء الذين يفرقون بين الأدب والسياسة؛ إذ كان على يقين أنه وإن كانت ~~له الغلبة، قد خسر أكثر ms139 الطائفتين من قرائه؛ لأنهم على مذهب العقاد السياسي، فظل ~~مغيظا محنقا إلى حين ... # ومضت سنتان، وتقلبت السياسة المصرية من تقلباتها، فإذا العقاد الذي كان كاتب الوفد ~~الأول خارج على الوفد، يطعن عليه وعلى رئيسه، وأنصار الوفد ما يزالون إلى يومئذ أكثر ~~الأمة ... ووجد الرافعي الفرصة سانحة لينتقم، وليستخدم السياسية في النيل من خصمه في ~~الأدب فيكيل له صاعا بصاع ويحاربه بمثل سلاحه، فكتب مقالا بغير توقيع في كوكب الشرق، ~~جريدة الوفد، بعنوان «أحمق الدولة»، وكان مقالا له رنين وصدى ... # ونشر في «الرسالة» يومئذ كلمات تحت عنوان «كلمة وكليمة» عرض فيها بالعقاد الخارج ~~على الوفد تعريضا أليما يؤذيه، لم يتنبه له إلا القليل. # وكان مقاله عن العقاد في كوكب الشرق، وكليماته في الرسالة، سببا في أن يدعوه الأستاذ ~~توفيق دياب ليحرر في «الجهاد» بأجر كبير، ولكن لم يتم بينهما اتفاق. # ولم تكن تسنح للرافعي سانحة لغيظ العقاد إلا انتهزها، فما كتب الرافعي عن شاعر من ~~الشعراء بعد ذلك إلا جعل نصف كلامه تعريضا بشعر العقاد، ومن ذلك ما كتب عن الشاعر ~~المهندس علي محمود طه في المقطم، وما نشره عن الشاعر محمود أبو الوفا في الرسالة، ~~ومقالته «بعد شوقي» معروفة مشهورة، وكلها تعريض بشعر العقاد الذي نحله الدكتور طه حسين ~~إمارة الشعر في يوم من الأيام بعد شوقي! ~~••• # والعداوة بين الرافعي والعقاد من العداوات المشهورة بين أدباء الجيل، ولها أثر أي أثر ~~فيما أنتج كل من الأديبين الكبيرين في أدب الوصف، ولا تداني هذه العداوة في الشهرة إلا ~~العدواة بين الرافعي وطه حسين. # وأحسب أنه كان في الإمكان أن يجتمع العقاد والرافعي في تحرير الرسالة لولا ما كان ~~بينهما من خلاف وعداوة، قال لي الأستاذ الزيات صاحب الرسالة مرة قبيل موت الرافعي: ~~«وددت لو يكتب العقاد في الرسالة، ولكنما يمنعني من دعوته إلى ذلك أنني لا أستطيع أن ~~أنشر له وللرافعي في عدد واحد!» # قلت: «فماذا يمنع؟» # قال: «أنت تعرف أخلاق الرافعي، وأنا أعرف أخلاق العقاد، وإن لكل منهما اعتدادا بنفسه ms140 ~~بإزاء صاحبه، فأي المقالين أقدم وأيهما أؤخر في ترتيب النشر؟ إن تقديم مقال على مقال ~~ليس شيئا ذا بال، ولكنه مع الرافعي والعقاد له شأن أي شأن!» # وظل صاحب الرسالة معنيا بهذا الأمر، حريصا على أن يجمع بين الأديبين الكبيرين في ~~مجلته، وهو يلتمس السبيل إلى ذلك فلا يوفق، حتى مات الرافعي فانحلت المشكلة، ودخل ~~العقاد، ولكن بعدما خرج الرافعي! # رحم الله الراحل، ونفع بالباقي! # فترة جمام # نفض الرافعي يديه من المعركة بينه وبين العقاد، ثم فاء إلى نفسه، وعاد إلى دار كتبه ~~يطالع ويقرأ ويتزود ... واختفى اسمه من الصحف والمجلات أشهرا، كان في أثنائها يتهيأ ~~لإتمام كتابه «أسرار الإعجاز»، ويعمل في الوقت نفسه على جمع ما نشر من المقالات في ~~الفترة السابقة وترتيبها، ليخرجها كتابا يسميه «قول معروف ...» # على أن عنايته بشأن هذين الكتابين: أسرار الإعجاز، وقول معروف، لم تمنعه أن يكون له ~~في كل يوم ساعات محدودة للقراءة والاطلاع، وكانت هذه الساعات المحدودة في أكثر لياليه ~~تمتد من المغرب إلى منتصف الليل، وأستطيع أن أقول: إن هذه الفترة على ما كان يبذل فيها ~~من جهد، كانت فترة جمام وراحة لم ينعم بمثلها فيما بقي من حياته، وكنت بصحبته يومئذ ~~قريب العهد، ولكني كنت ألصق أصحابه به، فكان لي معه كل يوم ساعات، يقرأ لي وأستمع إليه ~~في داره، أو أماشيه في الخلاء، أو أجالسه في القهوة، أو أصحبه إلى السيما، وكان علي ~~في هذه الفترة وفيما بعدها من الزمن، أن أقرأ ما يهدى إليه من الكتب؛ لأشير له إلى ~~المواضع التي يجدي عليه أن يقرأها؛ ضنا بوقته على قراءة ما لا يفيد، وكثيرا ما كان ~~يدفع إلي بعض ما يرد إليه من الرسائل؛ لأرى رأيي فيه وأشير عليه بالجواب، أو أتولى ~~ذلك بنفسي، وكانت هذه الفترة ذات أثر كبير في تكويني وتوجيهي في الأدب توجيها لم أكن ~~أقصد إليه، كما تأثر هو بصحبتي في هذه الفترة تأثرا وجهه في الأدب والإنشاء توجيها ~~لم يكن يعرف به منذ نشأ ms141 في الأدب قبل ذلك بثلاثين سنة، فبدا أسلوبه أكثر استواء عند ~~عامة القراء، وكان قبلها يتهم بالغموض والتعقيد، كما عالج القصة فنجح فيها إلى حد ~~بعيد؛ إذ كانت القصة - وما تزال - أحب ألوان الأدب إلي، على حين كان الرافعي لا ~~يؤمن بفائدة القصة ولا يعترف بخطرها بين أبواب الأدب الحديث، فما هو إلا أن حملته على ~~محاولتها فأنشأ قصته الأولى، ثم كأنما اكتشف نفسه من بعد فصار ما ينشئ من القصص هو ~~أحب منشآته إليه، وخطا بها إلى نفوس القراء خطوات ... # ومن طريف ما يذكر في هذا الباب أنني كنت أنشئ القصص لمجلة الرسالة، لا أكاد أعنى ~~بشيء غيرها من موضوعات الأدب، وكان حسن وقعها عند القراء يدفعني إلى الإجادة ~~والاستمرار، ولكن قارئا واحدا كان يعيب علي ما أكتب، ولا يرضى مني أن تكون القصة هي ~~كل ما أعالج من فنون الأدب؛ ذلك هو الرافعي، وكثيرا ما كان يقول لي: «يا بني، إن لك ~~بيانا وفكرا ومعرفة، فلماذا لا تحاول أن تكون أديبا؟ إنه لا يليق بك أن تكون القصص ~~هي كل ما تحاوله من ضروب الإنشاء، وإن فيك استعدادا لأكثر من ذاك ...!» وما زال يلح ~~علي ويكرر هذه الملامة، حتى وقع في نفسي أنني أسيء إلى نفسي بمحاولتي أن أكون ~~قصصيا، فانصرفت عن القصة وكانت أحب إلي، إلى فنون أخرى من الأدب، إلا ما أنشئ ~~من «القصص المدرسية» التي أؤلفها لتلاميذي على أنها وسيلة من وسائل التربية لا باب من ~~الأدب، ثم لم يمض بعد ذلك إلا قليل، حتى كانت القصة هي أكثر ما يعالج الرافعي من أدب ~~الإنشاء، وكان له فيها فواق وسبق، وحلت القصة محلها من تقديره بين أبواب الأدب ~~...! # وإذ كان في أذني الرافعي ذلك الوقر الذي يقطعه عن دنيا الناس، فإن أسلوبه في ~~الكتابة كان بعيدا عن فهم الكثير من ناشئة القراء، فلما اصطفاني بالود، أخذت على ~~نفسي أن أكون أذنه التي يسمع بها ما يقال عنه وما يرى القراء في أسلوبه، فكنت إذا ~~جلست ms142 إليه ليملي علي، حاورته فيما يدق على الأفهام من أسلوبه، وما تنبو عنه أسماع ~~القراء، ثم لا أزال به حتى يغير العبارة فيجعلها أدنى إلى الفهم وأخف على السمع، ~~وكان ينكر ذلك علي أول أمره، بما فيه من اعتداد بنفسه وكبرياء، وكان أحيانا يوشك ~~أن يغضب، وأنا أتلطف له وأحتال عليه، ثم لم يلبث أن رضي ذلك مني، فكان يملي علي ~~العبارة من المقال، ثم يسألني: «ماذا فهمت مما كتبت؟» فإذا كان ما فهمت يطابق ما في ~~نفسه، مضى في إملائه، وإلا عاد إلى ما أملاه بالتغيير والتبديل حتى يتضح المعنى ويبين ~~المراد، وبلغ في النهاية أن يسميني - على المزاح - العقل المتوسط من القراء ...! ~~••• # لم ينشر للرافعي في هذه الفترة شيء ذو بال، إلا أحاديث كان يمليها على بعض المرتزقة ~~من كتاب الصحف الأسبوعية، وكان له بطانة من هؤلاء الكتاب يعطف عليهم ويعينهم على ~~العيش، فكانوا يفدون إليه في المحكمة ليسألوه حديثا فيملي عليهم جوابه، ثم يذهبون ~~لينشروه حيث يشاءون ويقبضوا أجره. # في هذه الفترة، وكل إليه الأديب حسام الدين القدسي الوراق تصحيح كتاب «ديوان ~~المعاني» لأبي هلال العسكري، وكان قد وقع منه على نسخة خطية فطبعها بأغلاطها وتصحيفها، ~~ثم بدا له قبل أن يتم طبع الديوان أن يلجأ إلى الرافعي ليصحح له أغلاطه ويتم نقصه، على ~~أن ينشره في الجزء الأخير من الكتاب. # وقبل الرافعي هذا التكليف على قلة أجره؛ ليقرأ الكتاب قبل أن يقرأه الناس، وليستمتع ~~بلذة المعاناة في تصحيحه وتصويب خطئه، وإنها لرياضة عقلية ممتعة، لا يستشعرها ولا يقوى ~~عليها إلا القليل من الأدباء، ومضى في هذا العمل شهرا أو يزيد، وكنت معه فيه، ثم ~~انتكثت المعاهدة التي كانت بينه وبين القدسي، فترك له كتابه بعد أن أصلح منه جزءا غير ~~قليل، وقد استطعت في تلك الفترة التي صحبت فيها الرافعي وهو يحاول تصحيح الكتاب، أن ~~أعرف مقدار اطلاعه وسعة علمه وقوة بصره بأساليب العربية، وقد رأيت منه في هذا الباب ~~أشياء عجيبة، من قوة الحافظة، وسرعة ms143 الاهتداء إلى مراجع البحث، ومهارة الاستدلال على ~~مواضع النقص، حتى لكأنني بإزاء مكتبة دقيقة الترتيب منظمة التوبيب ما شئت من بحث هدتك ~~إليه قبل أن تبحث عنه، على أنه كان أحيانا يعرف موضع النقص من الكتاب ثم لا يهديه ~~البحث إلى تتمة، فيضع فكره موضع فكر المؤلف ليستقيم المعنى ويتساوق الكلام، وأكثر ما ~~كان يقع ذلك في الشعر المشطور، وقد حدث مرة أن ظل الرافعي يبحث يوما كاملا عن تمام ~~بيت من الشعر في مظانه من كتب العربية، فلما أعياه البحث جعل تمامه من نظمه ثم مضى إلى ~~تصحيح ما بعده من الكتاب، وفجأة ترك ما هو فيه وقال: «اسمع! ناولني ذلك الكتاب!» فمددت ~~يدي إلى موضعه من المكتبة فناولته إياه، فأخذ يتصفحه قليلا ثم قال: «لقد وجدته ... هذا ~~هو البيت الذي كنت أبحث عنه وتمامه. عد إلى ما كتبت من قبل لتصححه!» وعدت إلى ما كتبت، ~~ورجعت النظر في الكتاب الذي بين يدي، فإذا تمام البيت فيما كتبت وفي الكتاب سواء، لا ~~يختلفان إلا في حرف الجر ... أكان فضل هذا إلى ذاكرة الرافعي، أم إلى قوة بصره بالشعر ~~وبأساليب البيان ...؟ ~~••• # ولم يكتب الرافعي في هذه الفترة إلا بضع مقالات، وكان لكل مقال حافزه ~~ودواعيه: ~~(1) # كان السيد حسن القاياتي يكتب في جريدة «كوكب الشرق» كليمات في موضوعات ~~شتى من وحي الساعة وخواطر الحياة، فبدا له يوما أن يكتب في الموازنة بين ~~قوله تعالى: # ولكم في القصاص حياة # وقول العرب: «القتل أنفى للقتل!» فانزلق إلى رأي ... وكان محرر الكوكب في ذلك ~~الوقت هو الدكتور طه حسين، وهو من هو عند الرافعي في دينه وفي أدبه وفي ~~إيمانه بقدس القرآن ... ولم يكن الرافعي يواظب يومئذ على قراءة كوكب ~~الشرق. # وجاء البريد ذات صباح إلى الرافعي برسالة من صديقه الأستاذ محمود محمد ~~شاكر يلفت نظره إلى ما كتب الأستاذ القاياتي وإلى ضلاله في تفضيل الكلمة ~~الجاهلية على آية القرآن، ودفع إلي الرافعي برسالة شاكر وهو يقول: ~~«أتصدق هذا؟ أيجرؤ أحد أن يقولها، أم ms144 هي مبالغة وتهويل من محمود، أم هو ~~لم يفهم ما كتب الكاتب المسلم وحمل كلامه على غير ما يريد؟» # ثم بعث في طلب الجريدة التي نشرت هذه الضلالة فجيء بها، فما كاد يقرؤها ~~حتى اربد وجهه وبدا عليه الغيظ والانفعال، ودار لسانه بين شدقيه بكلام، ~~ثم لم يلبث أن نهض مغضبا إلى الدار قبل موعده، فانقطع عني يومين ثم أرسل ~~يستدعيني إليه، فأملى علي مقالة طويلة بعنوان: «كلمة مؤمنة في رد كلمة ~~كافرة!» # وكانت مقالة من عيون مقالات الرافعي، نشرتها البلاغ في صفحتها الأدبية، ~~وقد أورد فيها بضعة عشر رأيا في بيان إعجاز الآية ومبلغها من البلاغة ~~بإزاء الكلمة الجاهلية، وقد جعلها من بعد فصلا من شواهد كتابه «أسرار ~~الإعجاز» الذي لم يطبع بعد ... # 15 # وقرأ القاياتي مقال الرافعي في الرد عليه، وأحسبه قد اقتنع بما قرأ ~~واعترف على نفسه في خلوته، ولكنه لاذ بالصمت، وكانت كرامته الأدبية أعز ~~عليه من كرامة القرآن، فلا هو رد عليه ولا هو اعترف علانية بما كان من ~~خطئه فيما انزلق إليه ...! # وفتح مقال الرافعي أبوابا من القول لطائفة من الأدباء؛ إذ كان فيما رد ~~به الرافعي أن كلمة «القتل أنفى للقتل» ليست جاهلية كما يعرف أكثر قراء ~~العربية، ولكنها نشأت في العصر العباسي لمثل ما استعملها له القاياتي في ~~معارضة القرآن، وأسندها مخترعها إلى حكيم الجاهلية أكثم بن صيفي ليتم له ~~قصده، وجازت دعواه على كثير من قراء العربية حتى كشف الرافعي عن زيفها بعد ~~ألف سنة! # كان تاريخ هذه الكلمة ميدانا للقول والمعارضة أياما بين الرافعي وبعض ~~الأدباء، وكان أول من عرض لمناقشة رأي الرافعي هو أخونا الأستاذ عبد ~~العزيز الأزهري، ولكنه لم يلبث أن شعر بالإعياء من أول شوط، فكتب إلى ~~الرافعي رسالة خاصة في البريد يستعفيه ويعتذر إليه بأنه مشغول البال ~~بالاستعداد للزواج ...! # ثم تداول الرأي غيره، فكتب الأستاذ الكبير «أزهري المنصورة» # 16 # يرى في تاريخ الكلمة رأيا غير ما يرى الرافعي، وكتب شيخ أدباء العروبة ~~الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي، ms145 وطال الشد والجذب حول تاريخ هذه الكلمة ~~فترة من الزمان. # 17 ~~(2) # وفي هذه الفترة تم إنشاء «المجمع اللغوي» وكان الرافعي يمني نفسه بأن ~~يكون من أعضائه، فحال بينه وبين ما يتمنى أنه لا يسمع، وإن لم يكن يمنعه ~~ذلك أن يكون عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق، واختير له هو والمرحوم ~~حافظ بك إبراهيم قبل ذلك بسنوات، فلم يشهد جلسة من جلساته، ولم يشترك في ~~قرار قرره، ولم يبعث إليه برسالة واحدة في موضوع من موضوعات العلم ~~العربي. # وساء رأي الرافعي في المجمع اللغوي من يوم إنشائه، ولم يمنعه من الحملة ~~عليه أنه كان موعودا بأن يختار فيه عضوا مراسلا كما أنبأه صديقه فارس ~~نمر باشا عضو المجمع. # وافتتح المجمع، وكان أول محرراته الأدبية برقية بالشكر إلى المرحوم الملك ~~فؤاد، ولقيت الرافعي ذات مساء، فإذا هو يرفع إلي جريدة البلاغ قائلا: ~~«اقرأ، هذا أديب صغير يهاجم المجمع اللغوي في يوم إنشائه، ويزعم أنه لم ~~يستطع أن يكتب برقية بريئة من الخطأ ليشكر بها منشئه ...!» # وقرأت، فإذا نقد عنيف، وتهكم مر، وسخرية لاذعة ... كانت كلمة صغيرة، ولكنها ~~ذات شأن، وقد اختار كاتبها أن يكون توقيعه «أديب صغير» مبالغة في السخرية ~~والتهكم، وأخذ الكاتب على المجمع بضع غلطات لا يتنبه لمثلها إلا أديب دارس ~~له في العربية مكان. # وقال الرافعي: «ماذا رأيت؟» قلت: «نقد مر لا يبلغ به هذا المبلغ على ~~إيجازه إلا أديب كبير!» قال: «فمن تظنه؟» وكان سؤاله مشعرا بجوابه، ولكنني ~~كذبت نفسي ... أيكون هو؟ وما يحمله على أن يخفي عني؟ لقد كان معي أمس، وأمس ~~الأول، فلم يحدثني بشيء في ذلك؟ # وقلت للرافعي: «أوتعرف كاتبه؟» قال: «حاول أن تفكر، لقد حاولت فلم ~~أوفق.» وكان حسبي هذه الكلمة ليزول كل شك في نفسي، فما كذب علي الرافعي ~~قبلها قط ...! ولم أعرف إلا بعد أيام أنه هو ... # ورد المرحوم الشيخ حسين والي عضو المجمع، وعاد الرافعي يرد ويتهكم ~~ويسخر، ويتحدى المجمع اللغوي كله أن يرشده إلى الأطوار الاجتماعية التي ~~مرت بها ms146 كلمة «حظي» حتى ساغ للمجمع من بعد أن يستعملها بمعنى «ظفر» في ~~برقية الشكر إلى جلالة الملك ... وسكت المجمع، وسكت الشيخ حسين والي، وظل ~~الرافعي «الأديب الصغير» يكتب حتى جاءه الرجاء أن يسكت فسكت! # مقالات «الأديب الصغير» في نقد المجمع اللغوي، هي آخر ما كتب الرافعي في ~~النقد على أسلوبه وطريقته. # 18 ~~(3) # ومما كتبه الرافعي في تلك الفترة بحث طويل في البلاغة النبوية أنشأه ~~إجابة لدعوة جمعية الهدايا الإسلامية بالعراق، لتنشره في ذكرى المولد ~~النبوي، وقد لقي من العناء في إنشاء هذا الفصل ما لا أحسب غيره يقوى عليه، ~~وحسبك أن تعلم أن الرافعي لم يتهيأ لكتابة هذا الفصل حتى قرأ صحيح ~~البخاري كله قراءة دارس، وأنفق في ذلك بضعة عشر يوما، وهو وقت قليل لا ~~يتسع للقارئ العجل أن يقرأ فيه صحيح البخاري قراءة تلاوة، فكيف به دارسا ~~متمهلا يقرأ ليتذوق بلاغة الأسلوب ودقة المعنى؟ ولكن ذلك ليس عجيبا من ~~الرافعي الذي كان يقرأ كل يوم ثماني ساعات متوالية لا يمل، فلا ينهض عن ~~كرسيه حتى يوجعه قلبه! وكتب الفصل بعد ذلك في ثلاثة أيام، ثم دفعه إلي ~~لأكتبه بخطي ولم يمله علي، فأنفقت في كتابته ثلاثة أيام أخرى. # هذا الفصل يملأ نحو أربعين صفحة من مثل هذا الكتاب، ويصلح أن يكون خاتمة ~~لكتاب إعجاز القرآن - لو قدر لإعجاز القرآن أن يطبع طبعة جديدة - فإنه ~~أشبه بموضوعه وفيه تمامه. # 19 ~~(4) # وما فرغ الرافعي من كتابة هذا الفصل، حتى أحس بحاجته إلى الراحة بعد ما ~~بذل من جهد، فأغلق دار كتبه وخرج إلى الشارع يشم الهواء، ثم لم يكد يأتي ~~المساء حتى جاءه البريد برسالة من جمعية الكشاف المسلم بالشام، تطلب إليه ~~أن يعد لها موضوعا تنشره في صحيفتها لمناسبة المولد النبوي كذلك ~~...! # وضاقت أخلاق الرافعي، فهم أن يلقي الرسالة ليفرغ لنفسه بضعة أيام ~~للاستجمام، ثم تحرج، فعادت إليه ابتسامته وهو يقول: «سأفعلها قربى ~~إلى محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو رمى بي هذا الجهد المتواصل إلى تهلكة!» وعاد إلى ms147 ~~مكتبه وهو متعب مكدود ... ثم أملى علي مقاله «حقيقة المسلم» الذي أعاد نشره ~~في الرسالة بعد ذلك وجمعه إلى وحي القلم. # وله في هذه الفترة بضع مقالات أخرى نشرها في مجلة المقتطف، ثم دعته ~~الرسالة ليكتب فصلا عن الهجرة في العدد الممتاز الأول لسنة 1353ه، فكان ~~ذلك أول عهده بالكتابة فيها، ثم اتصل بها حبله. ~~(5) # بعدما أنشأ الرافعي مقالة «وحي الهجرة في نفسي»، أهدى إليه الشاعر ~~المهندس علي محمود طه ديوانه «الملاح التائه» وأحسبه طلب إليه أن يكتب عنه، ~~وكان بين الرافعي والشاعر المهندس صلة قديمة من الود، أظنها نشأت في مكتب ~~الأستاذ صروف محرر المقتطف، حيث كان الرافعي يقضي أكثر أوقات فراغه كلما ~~هبط إلى القاهرة لعمل من أعماله، وهناك يلتقي الرافعي، وصروف، وإسماعيل ~~مظهر، ومحمود شاكر، والمعلوف؛ وغيرهم من أدباء العربية، فيحتدم الجدل ساعات ~~في موضوعات شتى من الأدب، ولم يكن للرافعي ندوة أدبية يقصد إليها كلما جاء ~~القاهرة منذ هجر فلانة، أحب إليه من دار المقتطف، ثم صار له ندوة ثانية، ~~من بعد حين اتصل سببه بالرسالة، فكان يقضي وقته بين عيادة الدكتور شخاشيري ~~في فم الخليج، وعبد القادر حمزة والمازني في البلاغ، وإخوان صروف في ~~المقتطف، والزيات في دار الرسالة، ولم يلتق إلا مرة أو مرتين بالأستاذ ~~أحمد أمين والدكتور عزام في «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، عندما كانت ~~اللجنة قائمة على طبع كتابه «وحي القلم». # قلت: إنه كانت بين الرافعي والشاعر علي محمود طه صلة من الود، ومنها أن ~~الشاعر المهندس وضع له رسما (تصميما) للبيت الذي كان في نيته أن يبنيه ~~لينتقل إليه وينقل دار كتبه قبل أن يموت، ولهذا البيت قصة لم تتم؛ لأن هذا ~~البيت لم يتم ... فقد كان كل ما ادخره الرافعي من جهاده بضعا وثلاثين سنة، ~~بضع مئات من الجنيهات، اشترى بنصفها قراريط لينشئ فيها حديقة وبيتا يسكنه ~~- إذ كان وما زال إلى أن مات يسكن بيت أبيه - وبقي معه بعد ذلك قدر من ~~المال لا يكفي نفقات البناء والإنشاء، فآثر ms148 أن ينتظر حتى يجتمع إليه شيء، ~~وأسلف صهره ما بقي عنده من المال إلى أجل، وفي النفس أمل، ثم جاءت الأزمة ~~فأكلت ثروة صهره جميعا لم تبق منها على شيء، وضاعت ذخيرة الرافعي فيما ~~ضاع ولم يستطع المدين وفاء الدين، فلم يبق للرافعي من جهاده وما ادخر ~~إلا الأرض الخربة، والأمل في عطف الله، وخطوط تبين حدود البيت وحجراته ~~وأبهاءه وحديقته، مرسومة على ورقة زرقاء ...! ~~... وجاءه ديوان الشاعر علي محمود طه، وديوان الماحي، فدفعهما إلي؛ ~~لأختار له ما يقرأ من كليهما، ولم أكن أعرف يومئذ ما بينه وبين الشاعر ~~المهندس، ولكن رأيي في ديوانه وافق هواه، فما فرغت من قراءته حتى دفعته ~~إليه وعلى هامشه إشارات بالقلم ، وما دفعته إليه حتى تهيأ للكتابة عنه ~~... # وأنشأ مقالة مسهبة نشرها في المقطم، تحدث فيها عن الشعر حديثا يبين ~~مذهبه وطريقته في فهم الشعر وفي إنشائه، ثم انثنى إلى الشاعر المهندس يمدح ~~ويثني، وينتقد وينصح ... وكان مؤمنا بما كتب، ولكن إيحاءات من الواعية الباطنة # 20 # كانت تملي عليه بعض الحديث في التعريض ببعض الشعراء المعاصرين ~~... # وتناول المازني ديوان «الملاح التائه» في البلاغ بعدما تناوله الرافعي، ~~فعاب عليه أشياء كان الرافعي يمتدحها، وأخذ على الشاعر أنه كثير العناية ~~باللفظ والعبارة والأسلوب، فكانت مقالة المازني حافزة للرافعي على أن ينشئ ~~مقالة للرسالة في الرد عليه، جعل عنوانها «الصحافة لا تجني على الأدب، ولكن ~~على فنيته»، فبهذه المقالة كان الرافعي يقصد المازني؛ دفاعا عن صديقه ~~الشاعر، أو دفاعا عن مذهبه في الشعر، وكانت هذه أولى مقالات الرافعي في ~~الرسالة بعد فترة من مقالة «وحي الهجرة»، وقد أنشأها على نهجه القديم، ~~وحاول فيها فنا من التهكم في قصة اخترعها عن الأصمعي الراوية. ~~••• # كان الرافعي مفتونا بمقالاته الثلاث التي أنشأها في هذه الفترة: البلاغة ~~النبوية، وحقيقة المسلم، ووحي الهجرة، وكان حسن وقعها عند كثير من ~~القراء حافزا له على الاستمرار في هذا الباب من الأدب الديني، فعقد ~~النية على أن يكتب السيرة النبوية كلها على هذا النسق الفلسفي؛ ms149 ليجعلها ~~كتابا بعنوانه، يتناول سيرة النبي المعظم # صلى الله عليه وسلم # على طريقة من التحليل ~~والفلسفة، لا على نسق من الرواية، فأنشأ بعد ذلك مقالاته: «سمو الفقر»، ~~و«الإنسانية العليا»، ثم بان له من بعد أن هذا الفن من الإنشاء عسر ~~الهضم عند كثير من القراء، فتركه إلى موضوعات أخرى يعالج بها بعض مشاكل ~~الاجتماع في الحياة المصرية، على أن يكتب ما يتيسر له من المقالات النبوية ~~نجوما في فترات متباعدة حتى لا يمل قراءه أو يثقل عليهم، وسأتحدث من ~~بعد عن كل مقال من المقالات التي أنشأها «للرسالة» في الفترة التي صحبته ~~فيها، لعل ذلك يعين على فهم أدب الرجل ودوافعه ومعانيه، ولعله يبلغ بي ~~الوسيلة إلى الذين لا يفهمون أدب الرافعي، ثم يحاولون أن يتحدثوا عن أدب ~~الطبع وأدب الذهن، أو الأدب الفني والأدب النفسي ... # 21 # ولكن علي قبل أن أبدأ هذا الحديث، أن أصف الرافعي حين يهم بموضوعه، ثم ~~حين يفكر فيه، ثم حين يتهيأ لكتابته، ثم حين يمليه علي من القصاصات ~~المبعثرة على مكتبه، فإن ذلك من الموضوع فاتحته وأوله. # | كيف كان يكتب؟ # اختيار الموضوع، كان أول عمل يحتفل له الرافعي، وإذ كان لم يعمل في الصحافة قبل اشتغاله ~~بالرسالة، فإنه لم يتعود من قبل أن يفتش عن الموضوع؛ إذ لم يكن يحاول الكتابة إلا أن ~~يدفعه إلى الكتابة دافع يجده في نفسه قبل أن يطلبه، فلما دعاه صاحب الرسالة إلى العمل معه، ~~راح يلتمس الموضوعات التي تصلح أن يكتب فيها للرسالة، فكان يضيق بذلك ويتحير، ثم لم يلبث أن ~~تعودها، فكان يرسل عينه وراء كل منظر، ويمد أذنه وراء كل حديث، ويرسل فكره وراء كل حادثة، ~~ويلقي باله إلى كل محاورة، ثم يختار موضوعه مما يرى ويسمع ويشاهد ويحس، ثم لا يهم أن يجمع ~~له فكره ويهيئ عناصره، إلا أن يجد له صدى في نفسه، وحديثا في فكره، وانفعالا في باطنه، ~~وكثيرا ما كان يعرض له أكثر من موضوع، وكثيرا ما كان يتأبى عليه القول فلا ms150 يجد موضوعه ~~إلا في اللحظة الأخيرة، واللحظة الأخيرة عنده قبل موعد إرسال المقال بثلاثة أيام! # فمن خشية مثل ذلك كان دائما في جيبه ورقات يكتب في إحداها عنوان كل ما يخطر له من ~~موضوعات الأدب؛ ليعود إليها عند الحاجة، ويتخذ الورقات الباقية مذكرة يقيد فيها الخواطر ~~التي تتفق له في أي من هذه الموضوعات أين يكون، وبلغ بذلك أن يجتمع عنده في النهاية ثبت ~~حافل بعناوين مقالات لم يكتبها ولم يفرغ لها، وورقات أخرى حاشدة بخواطر ومعان شتى في أكثر ~~من موضوع واحد، لا تربط بينها رابطة في المعنى ولا في الموضوع، ومن هذه الورقات، ومن فضلات ~~المعاني في المقالات التي كتبها وفرغ منها، كان يختار «كلمة وكليمة » التي كان ينشرها على ~~قراء الرسالة في فترات متباعدة كلما وجد حاجة إلى الراحة من عناء الكتابة، فهذه الكلمات هي ~~إحدى ثلاث: خواطر مبعثرة كان يلقاها في غير وقتها، أو عناوين موضوعات لم تتهيأ له الفرصة ~~لكتابتها، أو فتات من مقالات كتبها وفرغ منها وبقيت عنده هذه المعاني بعد تمام الكتابة؛ إذ ~~لم يجد لها موضعا مما كتب. # وبسبب أنه كان يقيد عناوين الموضوعات التي كان يختارها ليكتبها في وقتها، كان يعد ~~قراءه أحيانا بموضوعات ثم لا يكتبها ولا يفي بما وعد؛ لأنه لا يملك منها إلا عنوانا في ~~ورقة بيضاء. # ومن ذلك مقالة «الفيلسوف الزبال» التي وعد أن يكتبها حين أنشأ قصة «بنت الباشا»، # 1 # ثم مضت ثلاثة أعوام ووفاه الأجل وما تزال مقالة الزبال عنوانا في رأس ورقة ~~تحته نثار من الخواطر والمعاني التي كان يدخرها إلى يومها المؤمل! # ولقد وجدت على مكتبه في طنطا غداة نعيه كثيرا من هذه الورقات، تشير إلى كثير من أمل ~~الأحياء، وإلى كثير من خداع الحياة ...! ~~••• # فإذا تم له اختيار الموضوع الذي يتهيأ لكتابته، تركه للفكر يعمل فيه عمله، وللواعية ~~الباطنة تهيئ له مادته، ويدعه كذلك وقتا يطول أو يقصر، يقيد في أثنائه خواطره لا تكاد تفلت ~~منه خاطرة، وهو في ذلك يستمد من ms151 كل شيء مادة وحي، فكأن في كل موجود يراه صوتا يسمعه، ~~وكأن في كل ما يسمعه لونا يراه، وكأن في كل شيء شيئا زائدا على حقيقته يملي عليه معنى ~~أو رأيا أو فكرة. # فإذا اجتمع له من هذه الخواطر قدر كاف - والقدر الكافي لتجتمع له هذه الخواطر هو يومان ~~أو ثلاثة - أخذ في ترتيبها معنى إلى معنى، وجملة إلى جملة، ورأيا إلى رأي، فهذه الخطوط ~~الأولى من هيكل المقالة. # ثم يعود بعد ذلك إلى هذه الخواطر المرتبة - بعد أن ينفي عنها من الفضول ما يدخره ل «كلمة ~~وكليمة» أو لموضوع آخر - فينظر فيها، ويزاوج بينها، ويكشف عما وراءها من معان جديدة وفكر ~~جديد، ولا يزال هكذا يزاوج ويستولد، ويستنتج من كل معنى معنى، ويتفطر له عن كل رأي رأي، ~~حتى تستوي له المقالة فكرة تامة بعضها من بعض، فيكتبها. # إلى هنا يكون قد انتهى عمل الذهن، وعمل النفس، ويبقى عمل الفن والصناعة لتخرج مقالة ~~الرافعي إلى القراء في قالبها الأخير الذي يطالع به الأدباء. ~~••• # لم تكن الكتابة عند الرافعي فكرة ومعنى وعاطفة فحسب، بل كانت إلى ذلك فنا وأسلوبا ~~وصناعة، والأدب العربي منذ كان إلى أن يطوى تاريخه بين دفتين هو فكر وبيان، ما بد من ~~اجتماع هاتين المزيتين فيه ليكون أدبا يستحق الخلود، ذلك كان رأي الرافعي ومذهبه؛ فمن ذلك ~~لم يكن يعتبر المقالة وقد انتظمت في خاطره معنى وفكرة، مقالة تستحق أن تكتب وتنشر إلا أن ~~يهيئ لها الثوب الأنيق الذي تظهر به لقرائها، وهذه هي المرحلة الأخيرة. # وأول ما يعنيه في ذلك هو بدء الموضوع وخاتمته، لست أعني العبارة التي يبدأ بها والتي ~~يختم، ولكني أعني طريقة البدء والختام في الموضوع، شأنه في ذلك شأن القاص، تجتمع له أسباب ~~القصة بمقدمتها وحوادثها وما آلت إليه مرتبة ترتيب الحادثة بما بدأت وما انتهت، حتى ~~إذا أراد أن يحكيها لمن يسمع أو يكتبها لمن يقرأ، قدم وأخر، وأظهر وأخفى، وبدأ القصة ~~بما لم تبدأ ليعقد «العقدة» ويرصد للحل والنفس ms152 مستشرقة إليه متطلعة إلى خاتمته ... وكذلك ~~كان الرافعي يفعل في مقالاته. ~~... فإذا عقد العقدة ورتب موضوعه ترتيب الفصول في الرواية، آن أوان الأداء فأخذ له أهبته، ~~فيطوي وريقاته ساعة ليرجع إلى كتاب، أي كتاب، من كتب العربية يقرأ منه صفحات كما تتفق لإمام ~~من أئمة البيان العربي، فيعيش وقتا ما قبل أن يكتب في بيئة عربية فصيحة اللسان، وخير ما ~~يقرأ في هذا الباب، كتب الجاحظ وابن المقفع، أو كتاب الأغاني لأبي الفرج. # وسألته في ذلك مرة فقال: «نحن يا بني نعيش في جو عامي لا يعرف العربية، ما يتحدث ~~الناس وما ينشئ كتاب الصحف في ذلك سواء، واللسان العربي هنا في هذه الكتب، إنها هي البادية ~~لمن يطلب اللغة في هذا الزمان، بعدما فسد لسان الحضر والبادية ...» # على أنه كان لا يفيد من هذه القراءة اليسيرة قبيل الكتابة إلا الجو البياني فقط، أما ~~حروف اللغة وأما أساليب اللغة، فلم تكن تعنيه في شيء، فيقرأ عجلان غير متلبث كما يطالع ~~صحيفة دورية، حتى يفرغ من الفصل الذي بدأ، ثم يطوي الكتاب ويستعد للإملاء. # وإذا كان كثير من الكتاب تزعجهم الحركة والضوضاء وتعوقهم عن الاستمرار في الكتابة، # 2 # فإن الرافعي كان - على ما في أذنيه - يزعجه أن يمر النسيم على صفحة خده ... كان ~~مكتبه إلى جانب باب الشرفة، وكان لي نضد صغير إلى جانب مكتبه حيث أجلس ليملي علي، فكان ~~يلذني أحيانا والجو حار أن أفتح باب الشرفة لأتروح، فلا تكاد تهب نسمة بجانبه حتى ~~يكف، وعرفت عادته هذه فكنت أغلق الشرفة والنافذة جميعا، لأصلى حر الغرفة أربع ساعات ~~أو يزيد حتى يفرغ من إملائه، وكان يؤذيني من ذلك أنني كثير التدخين، والحر والمجهود العصبي ~~يزيدان الرغبة فيه، فلا تمضي ساعتان منذ بدأنا حتى يفسد جو الغرفة، فأفتح الشرفة لتجديد ~~الهواء برهة نتبادل فيها الحديث، ثم أعود فأغلقها ليملي علي ... على أنه في غير وقت الكتابة ~~كان يحب أن يقضي في الهواء الطلق أكثر وقته، حتى في برد الشتاء القارس، فكان ms153 إذا فرغ من ~~إملائه خرج إلى الشرفة البحرية يفتح صدره للهواء يعبه عبا كما يقبل الشارب الحران ~~على الماء في يوم قائظ ... # ولم أكن أقاطعه حين يملي علي مقاطعة ما، إلا حين أشعر أنه يهم بالانتقال في الموضوع من ~~فصل إلى فصل، فألقي إليه ما أريد أن أقوله مكتوبا في ورقة، لأحاوره في عبارة أو لأستوضحه ~~معنى ... ثم يعود إلى إملائه وأنا أكتب صامتا، وهو لا يرفع عينيه إلي، كأنما يتحدث من ~~وراء ستار إلى سامع غير منظور، أو كأنه في نجوى خاصة ليس فيها سامع ولا مجيب، ولقد كان ~~يخيل إلي أحيانا وأنا صامت في مجلسي والقلم يجري في يدي على الصحيفة وأذني مرهفة ~~السمع كأنه في شبه غيبوبة يتحدث إلى نفسه والمجلس خال إلا منه، فما أنا فيه بشيء إلا ~~إدراكا غير مجسد، وأحيانا أخرى كانت تتسع روحه وتنبسط حتى تشملني، فما أكتب كلاما ~~يمليه علي، ولكن تمليه نفسي على نفسي وإن صوته ليرن في أذني بما سبق إليه خاطري ~~... # ولم يكن يملي مسترسلا، ولم يكن يملي وانيا متمهلا، ولم يكن في كل أحواله سواء، فحينا ~~يطاوعه القول، وحينا يتأبى عليه فيسكت وهو يدق على المكتب بحديدة في يده ويغمغم بصوت ~~لا يبين، فإذا طال به الوقوف تناول كتابا أي كتاب على مكتبه، فيفتحه فيقرأ كلمة أو ~~سطرا أو جملة، ثم يطوي الكتاب ويعود إلى الإملاء، ولقد يراه من يراه في هذا الوقت فيحسبه ~~يملي مما قرأ، وما به ذاك، ولكنها كانت لازمة من لوازمه تعودها حين يرتج عليه، وتعود ~~أن يجد فيها مفتاح القول ... # ولقد تأبى عليه القول مرة فطال به الصمت، فمد يده إلى كتاب على مكتبه وهو يقول ~~ضاحكا: «يا أخي، لقد تعودتها وما أجد لها علة، وتعودت بها أن أجد ما أريد عند أول كلمة ~~أقرؤها ولو كان الكتاب معجما لغويا ...» وكان الكتاب الذي مد إليه يده هو «القاموس ~~المحيط» قلت: «إن في بعض الأشياء مثل المفاتيح العصبية ...» قال: «صه، هذه هي الكلمة التي ms154 ~~أريدها: المفاتيح العصبية ...» ثم طوى الكتاب وعاد إلى الإملاء. # 3 # وكانت له عناية واحتفال بموسيقية القول، حتى ليقف عند بعض الجمل من إنشائه برهة طويلة ~~يحرك بها لسانه حتى يبلغ بها سمعه الباطن، ثم لا يجد لها موقعا من نفسه فيردها وما بها من ~~عيب، ليبدل بها جملة تكون أكثر رنينا وموسيقى، وكان له ذوق فني خاص في اختيار كلماته، ~~يحسه القارئ في جملة ما يقرأ من منشآته، وكنت أجد الإحساس به في نفسي عند كل كلمة وهو يملي ~~علي، هذا الذوق الفني الذي اختص به، هو الذي هيأه إلى أن يفهم القرآن ويعرف سر إعجازه ~~في كل آية وكل كلمة من آية وكل حرف من كلمة، وحسب القارئ أن يعود إلى تفسير الرافعي ~~لقوله - تعالى: # وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه # 4 # ليرى نموذجا من هذا الذوق الفني العجيب في فهم اللفظ ودلالة المعنى، يقابله ~~وجه آخر من هذا الذوق في اختيار ألفاظه عند الإنشاء، وكان إلمامه بمتن اللغة، وإحاطته ~~بأساليب العربية، ومعرفته بالفروق اللغوية في مترادف الكلام، معينة له عونا كبيرا على ~~البلوغ بعبارته هذا المبلغ من البيان الرفيع، احتاج مرة أن يعبر عن معنى في أسلوب من ~~أسلوبه، فتأبى عليه القول، فأخذ يغمغم برهة وأنا منصت إليه، فإذا هو يقرأ لنفسه من ذاكرته ~~بابا من كتاب المخصص لابن سيده، ثم دعا بالكتاب فأخرجته إليه، فما هو إلا أن فتحته فوقع ~~على مراده حتى طوى الكتاب وعاد إلى إملائه، وهو على صحة عبارته وسلامتها قلما كان يلجأ إلى ~~معجم من المعاجم ليبحث عن كلمة أو معنى كلمة، ومع حرصه على أن يكون قوي العبارة عربي ~~الديباجة قلما كان يستعمل عبارة من عبارات الأولين، وكم أجد على العربية من أساليبه ~~ومعانيه، وكان له في إنشاء «الكناية» إحساس دقيق، وأحسب لو أن واحدا من أهل البيان أراد أن ~~يتتبع ما أجد الرافعي على العربية من أساليب القول، لأخرج قاموسا من التعبير الجميل يعجز ~~عن أن يجد مثله لكاتب من ms155 كتاب العربية الأولين؛ إذ كان مذهب الرافعي في الكتابة هو أن ~~يعطي العربية أكبر قسط من المعاني ويضيف ثروة جديدة إلى اللغة، وقد بلغ ما أراد. # إنني لم أعرف كاتبا غير الرافعي يجهد جهده في الكتابة أو يحمل من همها ما يحمل، وما ~~أعرفه حاول مرة واحدة أن يسخر من قرائه أو يشعوذ عليهم ليملأ فراغا من صحيفته يريد أن ~~يمتلئ، على أنه أحيانا كانت تدعوه دواع إلى كتابة لم يتهيأ لموضوعها أو يفرغ له باله، ~~فيمليها على عجل بلا إعداد ولا توليد، ولكنك مع ذلك تجد عليها طابع الرافعي وشخصيته، فتعرف ~~كاتبها وإن لم يذيلها باسمه، والعجيب أن هذا النوع من المقالات التي كان الرافعي يكتبها بلا ~~إعداد ولا احتفال كان أحب إلى كثير من القراء، وكان الرافعي يرتفع به عن منزلته درجات عند ~~طائفة منهم ... # والشاي أو القهوة هما كل المنبهات العصبية التي يطلبها الرافعي عندما يكتب، وفنجانة أو ~~اثنتان هما حسبه في هذا المجلس الطويل، وعلى أنه في أخريات أيامه قد ولع بتدخين الكركرة ~~- الشيشة - ويستعيض عنها بالدخان في أثناء الكتابة، فإنه لم يكن يشعل إلا دخينة - سيجارة - ~~أو دخينتين في مجلس الكتابة، فكان يشتري العلبة فتظل في درج مكتبه شهرا إذا لم يزره في ~~مكتبه زائر ... ~~... فإذا فرغ الرافعي من إملاء مقاله، تناوله مني فطواه قبل أن يقرأه، ثم يودعه درج مكتبه ~~إلى الصباح ويخرج إلى الشرفة يشم نسيم المساء ... ثم يأوي إلى فراشه ... # وأول عمله في الصباح بعد صلاة الفجر أن يعود إلى المقال الذي أملاه علي في الليل فيقرأه ~~ويصححه ... ثم يسعى به ساعيه إلى حيث ينشر ... ويفرغ يوما لنفسه قبل أن يهيئ فكره لموضوع جديد ~~... # مقالة ... هي عمل الفكر، وكد الذهن، وجهد الأعصاب، وحديث النفس في أسبوع كامل، ولكنها مقالة ~~... ومع ذلك فقد أنشأ كتاب «رسائل الأحزان» في بضعة وعشرين يوما، وكتب «حديث القمر» في ~~أربعين، وكتب «السحاب الأحمر» في شهرين ... # وقال قائل من خصومه: «إنه يقاسي في هذه الكتابة ما تقاسي الأم ms156 من آلام الوضع ...!» # وقال الرافعي يجيبه: «أتحداك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها ... وعلي نفقات القابلة ~~والطبيبة متى ولدت بسلامة الله!» # | عمله في الرسالة # أنا لا أعبأ بالمظاهر التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقبلة التي أتجه إليها ~~في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد ~~في حياتها وسمو غايتها، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة؛ ولذا لا أمس من الآداب ~~كلها إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيل إلي دائما أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن ~~القرآن ولغته وبيانه ... # الرافعي # لم يعمل الرافعي في صحيفة من الصحف الدورية قبل أن يتصل حبله بالرسالة؛ فإن مذهبه الأدبي ~~لم يكن يعينه على ذلك، وقد قدمت القول عن طريقته في الكتابة، وليس يتسع الوقت لمن يكون هذا ~~مذهبه في الإنشاء أن يعمل في صحيفة من الصحف تظهر لقرائها في مواعيد رتيبة ... # على أنه كان يكتب قبل ذلك مقالات للهلال والمقتطف وغيرهما في فترات متباعدة إذا وجد في ~~نفسه حافزا للكتابة، أو إذا دعته صحيفة من الصحف إلى إنشاء مقال يراه حقيقا بالكتابة ~~... # فلما دعته الرسالة إلى الاشتراك في تحريرها وحددت له عمله وجزاءه، تردد في الجواب، لكنه ~~لم يلبث أن لبى نداءها؛ لعله يستعين بما يحصل له من أجر الكتابة في الرسالة على أمر من ~~أمره ... # كان ولده الدكتور محمد يومئذ يدرس الطب في جامعة ليون-فرنسا على نفقة جلالة الملك، ولكن ~~الإبراشي باشا لأمر ما قطع عنه المعونة الملكية وليس بينه وبين الإجازة النهائية غير بضعة ~~أشهر، فحمل الرافعي بذلك من الهم ما حمل؛ إذ لم يكن له طاقة مالية تعينه على الإنفاق على ~~ولده في فرنسا، فمن ذلك أجاب «الرسالة» إلى ما طلبته ... # كان ذلك في ربيع سنة 1934. # فظل يكتب لها كل أسبوع مقالة أو قصة، لا يفتر عن هذا الواجب إلا أن يمنعه المرض أو تشغله ~~شاغلة من شواغل الحياة، ومات وهو يتهيأ لكتابة مقالته الأسبوعية، ولكن القضاء عاجله ~~فخلفها على مكتبه ms157 ورقة بيضاء ...! # وسأحاول في هذا الفصل أن أتحدث عن كل مقالة من المقالات التي أملاها علي في الفترة التي ~~صحبته فيها منذ بدأ العمل في الرسالة حتى صيف سنة 1935، وما يجهل القراء أن كل مقالة ~~يكتبها كاتب لها ظروفها وملابساتها ودوافعها، وما يجهلون أن لكل كاتب عند كل مقالة يكتبها ~~حالة نفسية خاصة يهر أثرها فيما يكتبه، وإني لأعلم أن هذا التاريخ لا يتم تمامه في نفسي ~~ولا يتأدى مؤداه إلى قارئه على وجهه إلا أن أثبت بعض ما أذكر من دوافع الرافعي إلى كل ~~مقال مما أملاه علي، وإني بهذا الفصل لأحاول جديدا في فن الترجمة، فما أعرف كاتبا من ~~كتاب التراجم في العربية حفل بهذا الباب في تاريخ الأدباء ، على أن له أثرا أي أثر في ~~دراسة أدب المترجم يعين على فهمه وتصويب الحكم عليه؛ فمن ذلك كانت عنايتي بهذا الباب، وإني ~~لأرجو أن تعينني الذاكرة على تمامه حتى أبلغ منه إلى ما أريد ... ~~••• # لم يكن بين الرافعي والزيات صلة ما قبل صدور الرسالة، إلا صلة الأديب بالأديب، وما ~~أحسبهما التقيا قبلها قط إلا في كتبهما ورسائلهما، ثم صدرت الرسالة فكانت بريد الأدباء ~~عامة إلى الأدباء عامة، وكانت بريد الزيات إلى الرافعي، فتعارفا وائتلفا وإن لم يلتقيا ~~وجها لوجه ... ومضت أشهر ... # وتصفحت الرسالة ذات مساء من صيف سنة 1933، فإذا فيها كلمة عن «أوراق الورد» للزيات، يجيب ~~بها فتاة سألته أن يرشدها إلى شيء مما كتب أدباء العربية في رسائل الحب، ومضت فترة وكتبت ~~الفتاة «عفيفة السيد ...» رأيها في أوراق الورد فعابته ونزلت به منزلة، وكان الرافعي في هذه ~~الأثناء بعيدا عن طنطا يصطاف في «سيدي بشر»، وكان علي في هذه الفترة، والرافعي في ~~مصطافه، أن أجمع له كل ما يهمه أن يقرأ مما كتبت الصحف، فلما قرأت ما كتب الزيات وما ردت ~~به الفتاة، قصصته من صحيفته وبعثت به إليه في سيدي بشر ومعه رسالة مني ... وقرأ الرافعي ما ~~بعثت إليه، فانتضى قلمه وكتب كلمة للرسالة يرد بها ms158 رأي الفتاة، وكانت كلمة قاسية لم يجدها ~~صاحب الرسالة إلا فصلا من «على السفود» لا تقوى على لذعاته الفتاة الناعمة ... فطوى كلمة ~~الرافعي، ونشر كلمة في الرسالة يعتذر بها إليه وإلى القراء، ويرجوه بهذه المناسبة أن يكتب ~~للرسالة من منثور أوراق الورد ... ولم يجب الرافعي هذه الدعوة إلا بعد بضعة أشهر. # كانت كلمة الرافعي إلى «عفيفة السيد» عن أوراق الورد هي أول ما أنشأ للرسالة من مقالاته، ~~ولم تنشر، ثم سعى إليه يوما شاب من المرتزقين بمراسلة الصحف، وكان الرافعي يعطف عليه ~~ويعينه على العيش بما يحسن إليه، وإذ كان الرافعي لا يملك أن يحسن إليه بالمال - والمال ~~في يده قليل - فإنه كان يحسن إليه بما يملي عليه من رسائل الأدب ، ليأخذها فيبيعها إلى بعض ~~المجلات فيستعين بما تدفع إليه من ثمنها على حاجات الحياة، وهو ضرب من الإحسان على قدر طاقة ~~الرافعي! ~~... جاءه هذا الشاب يسأله ويطلب منه الجواب: «لماذا لا تعالج القصة؟» # وأملى عليه الرافعي جوابه، فذهب فنشره في الرسالة بعنوان «فلسفة القصة»، وكان أول ما نشر ~~للرافعي في الرسالة. # 1 # ثم كان عيد الهجرة بعد ذلك بقليل، فطلبت الرسالة إلى الرافعي أن يكتب فصلا للعدد ~~الممتاز، فأنشأ مقالة «وحي الهجرة في نفسي». # 2 # ومضى شهر، وأهدى إليه الشاعر محمود أبو الوفا «ديوان الأعشاب» وكان مرجوا أن يكتب عنه؛ ~~إذ كان المقصود من طبع هذا الديوان - وطابعه غير صاحبه - أن يكون إعانة مادية لناظمه توسع ~~عليه ما ضاق من دنياه ...! # وقرأ الرافعي ديوان الأعشاب ... ثم هزته أريحيته إلى أن يكتب عنه؛ تحقيقا لرجاء الرجين ~~فيه وبرا بصاحبه، وأبت كبرياؤه أن يكتبه مقالا يعنونه بعنوانه ويذيله باسمه، فدعاني ~~إليه واصطنع حديثا بيني وبينه فأملاه علي لينشر في الرسالة مذيلا باسمي، وما كان بيني ~~وبينه حديث في شيء، ولكنها مقالة تواضعت من كبرياء فسميت حديثا ... وأرضى كبرياءه وعاطفته ~~في وقت معا. # كان الرافعي في حرج وهو يملي علي هذا الحديث؛ إذ كان يخشى أن يناقض نفسه في الرأي وهو ~~يكتب ms159 عن هذا الشعر رعاية لصديق، ولكنه خرج من هذا الحرج بحسن احتياله، فجعل أكثر مقاله عن ~~الشعر بمعناه العام ورأيه فيه ومذهبه منه، ثم خص الديوان بكلمات في خاتمة الحديث كانت هي ~~خلاصة الرأي فيه، وبذلك برئ من الإسراف في المدح ومن الإيلام في النقد، وخرج من الأمرين ~~معا إلى تحديد معنى الشعر ووسائله وغايته، فأجاد وأفاد في باب من القول له منزلة ~~ومقدار. # ونشر هذا الحديث في الرسالة، ومضى شهر آخر ... ثم جاءه البريد ذات صباح بكتاب صاحب الرسالة، ~~يعرض عليه أن يكون معه في تحريرها، وسمى له أجرا ... وقبل الرافعي، وما كان له بد من ~~أن يقبل ...! # وشبيه بهذا اللون من الإحسان الأدبي برا ببعض الحاجات، مقدمة كتبها لكتاب اسمه ~~«الفاروق عمر بن الخطاب» ألفه مؤلفه وهو مدرس في إحدى مدارس الحكومة، وسعى به إليه ~~ليكتب له المقدمة، وقرأ الرافعي الكتاب، فلم يجد فيه ما يحفزه إلى إجابة هذا الرجاء، فرد ~~الكتاب إلى صاحبه معتذرا، ولكن المؤلف عاد يرجوه ويستشفع إليه، ويبسط له من حاله ويصف ~~حاجته ... وأثرت كلماته وما وصف من حاله في نفس الرافعي، فأجابه إلى ما طلب، وكتب كلمة ~~بعنوان «عمر»، لم يعرض فيها للكتاب، ولا لموضوعه، ولا لمؤلفه، ولكنها كلمة وجد فيها المؤلف ~~طلبته ليصدر بها الكتاب وعليه اسم الرافعي ... ~~... فهذه الكلمات الثلاث: فلسفة القصة، وديوان الأعشاب، وعمر - وللرافعي كثير من أمثالها - ~~هي حسنات أدبية أنشأها على أنها لون من ألوان البر والمعونة، على مثال ما يتصدق ذوو المال ~~بالمال! ~~••• # وكانت أولى مقالات الرافعي بعدما دعاه صاحب الرسالة إلى العمل معه، مقالة «لا تجني ~~الصحافة على الأدب ولكن على فنيته». # 3 # وتوالت مقالات الرافعي بعد ذلك في الرسالة، فنشر في الأسبوع التالي مقالة «الإشراق الإلهي ~~وفلسفة الإسلام»، وأحسبه اختار هذا الموضوع - على انقطاع الصلة بينه وبين الموضوع السابق - ~~احتفاء بالمولد النبوي؛ إذ كان هذا موسمه. # ثم نشر «موت أم» وهي صورة حية نابضة لصبية فقدوا أمهم وما يزال أكبرهم في الثامنة، وهي ~~صورة حقيقية ms160 مرت أمام عينيه فانفعلت بها نفسه، أما هذه الأم فهي زوج صديقنا الأستاذ حسنين ~~مخلوف، وأما هؤلاء الصبية فبنوها، اهتصرها الموت في ريعانها فمضت وخلفت وراءها أربعة، ~~فبكاها الرافعي بكاء الوالد، وما أعلم أنه مشى في جنازة قبل جنازتها، ودفنت في مقبرة آل ~~الرافعي بطنطا، ولما عاد الرافعي من الجنازة ليعزي صديقه في داره، دعا بولده ليمسح على رأسه ~~ويسري عنه، فكان بينه وبين عيني الطفل حديث طويل، فما غادر مجلسه إلا ورأسه يفيض بشتى ~~المعاني، وقلبه يختلج بفيض غامر من الألم، وعيناه تترقرق فيهما الدموع! # وروح إلى داره فجلس إلى مكتبه يفكر ... ومضى يوم ثم أرسل يدعوني إليه فأملى علي «موت ~~أم!» # وكان الأسبوع التالي موعد امتحان الشهادة الابتدائية، فكانت مقالته: «حديث قطين » وإنها ~~لتتحدث بنفسها عن شيء من مناسبتها، وإن فيها إلى ذلك لشيئا من خلق الرافعي لم يكن يعرفه ~~إلا الخاصة من أصحابه، ذلك هو طبيعة الرضا بما هو كائن، فقد كان ذلك من ألزم صفاته له، فكان ~~دائما باسما منبسط الوجه، يقنع نفسه في كل يوم بأنه في أسعد أيامه، فمن ذلك كان يحاول أن ~~يجعل من كل ألم يناله لذة يشعر بها نفسه، ومن كل فادحة تنزل به خيرا يترقبه ويهيئ له، ~~ولعل أحدا لا يعرف أن الرافعي لم يكن يرى في تلك العلة التي ذهبت بسمعه وهو لم يزل ~~غلاما، إلا نعمة هيأته لهذا النبوغ العقلي الذي أملى به في تاريخ الأدب فصلا لم يكتب ~~مثله في العربية منذ قرون! ولا شيء غير الإيمان بحكمة القدر وقانون التعويض يجعل الإنسان ~~أقوى على مكافحة أحداث الزمن فلا تأخذ منه النوازل بقدر ما تعطيه ... وذلك بعض إيمان ~~الرافعي! # هذا الخلق هو المحور الذي كان يدور حوله الحديث الذي اصطنعه الرافعي على لسان ~~القطين، وهو الذي حمله من بعد على إنشاء مقالتي: «سمو الفقر» في العددين التاليين من ~~الرسالة، والشيء يذكر بالشيء، فلولا ما جاء في امتحان الشهادة الابتدائية لذلك العام، ما ~~أنشأ الرافعي حديث قطين، ولولا ms161 ما ألهمه حديث القطين من المعاني في فلسفة الرضا ما أنشأ ~~مقالتي: «سمو الفقر» ففي هذه المقالات الثلاث موضوع واحد اختلف عنوانه واتحدت غايته وكانت ~~مناسبته ما قدمت ... # وقد يسأل بعض القراء: ولكن ما وجه عناية الرافعي بنقد سؤال توجهه وزارة المعارف إلى ~~تلاميذها في امتحان الشهادة الابتدائية، وليس الرافعي من أهل «البيداجوجيا»، وليست المناسبة ~~من الخطر بحيث تحمل مثله على الاهتمام! # وأقول لهذا السائل الحفي: إن عبد الرحمن الرافعي - وهو أصغر بنيه وأحبهم إليه - كان ~~يؤدي في ذلك العام امتحان الشهادة الابتدائية؛ # 4 # ومن ثمة كانت عنايته بهذا الموضوع، وله في هذا الباب نظائر ...! # ثم أنشأ مقالة «أحلام في الشارع»، وقصتها أنني كنت أساهر الرافعي ليلة، فلما انتهت السهرة ~~صحبته إلى قريب من داره ، ومررنا في طريقنا بدار «بنك مصر-طنطا»، وقد انتصف الليل، فلما صرنا ~~قبالة «البنك» وقف الرافعي هنيهة ليشهد منظرا استرعى انتباهه: طفل وطفلة من أبناء الشوارع ~~نائمان على عتبة البنك، وقد توسدت الفتاة ذراعا وألقت ذراعا على أخيها ... ووقف الرافعي ~~ووقفت ... ورأى الشرطي ما رأينا فأسرع إلى الطفلين ... # وفي الغد أملى علي الرافعي مقالة «أحلام في الشارع!» ~~... وكانت المقالة التالية «في اللهب ولا تحترق!» # وهي الممثلة الراقصة المغنية ف ... وكانت تعمل في فرقة من الفرق التمثيلية المتنقلة بين ~~الحواضر، حلت مع فرقتها في طنطا في صيف سنة 1934، ولسبب ما لم يذهب الرافعي إلى مصيفه في ~~«سيدي بشر» ذلك العام، واستغنى عن البحر والمصيف بما قد يكون في طنطا من أسباب الترويح ~~والرياضة، وإن فيها لغناء وعوضا. # وكنا ثلاثة من أصدقاء الرافعي نسمر معه كل مساء «س، أ، ع» وجلسنا حوله ذات ليلة وكان ~~متعبا مكدودا يشعر بحاجته إلى لون من ألوان الرياضة يرد إليه نشاطه وانبساطه، قال: «أين ~~تقترحون أن نقضي الليلة؟» # قال «أ»: «إن في منتزه البلدية فرقة تمثيلية هبطت المدينة منذ أيام، وإن فيها لمغنية ~~راقصة، أحسبها خليقة بأن توحي إليك بفصل جديد من أوراق الورد!» # فمط الرافعي شفتيه ولم يعجبه الاقتراح، وأحسب أن ms162 الصديقين «أ» و«ع» كانا على رغبة مشتركة ~~في هذه السهرة، فما أحسا رفض الرافعي حتى قال «ع»: «... ولكنها راقصة ليست كالراقصات، إنها ~~صوامة قوامة، تصوم الشهر وستة أيام بعده، وتقوم الليل إلا أقله، وتصلي الخمس في ~~مواعيد الخمس، وما أحسب رقصها وغناءها إلا تسبيحا وعبادة ... إنها ...!» # مغنية وراقصة، ولكنها صوامة قوامة ... يا عجبا! وهل في الراقصات كهذه التي يصفها الصديق ~~العابث «ع»؟ ... ولكن الرافعي صدق، وعرف الصديق طريق الإقناع إلى قلب الرافعي، واتفقنا على ~~الرأي. ~~«هذه هي الراقصة التي أعني ...» هكذا قال الصديق «ع» فاشرأب الرافعي ينظر من وراء الصفوف، ~~لقد رآها، ولكنها لم تكن أمام عينيه كما كانت في أعين الناس ... كانت تحت عينيه إنسانة أخرى ~~لها طهر وقداسة واحترام ... # هذا الصدر الناهد، وهذه الساق اللفاء، وذلك القوام الأهيف، وهاتان العينان الحالمتان، ~~وهذا الخد الناضر، وهذه الشفة الباسمة، وذلك الشعر اللامع ... # هذه كلها سحر وفتنة، تعترك حولها شهوات الرجال، وتترامى إليها أماني الشباب، ولكن رجلا ~~واحدا بين النظارة لم يكن يبصر شيئا من ذلك، رجلا لم يكن أحد - فيمن أعرف - أضعف منه ~~بإزاء سحر المرأة، ولكنه الليلة شخص غير من أعرف، وهذه الراقصة بإزائه غيرها بإزاء الناس ... ~~هي في عين الجميع أنثى فاتنة، ولكنها بعينيه قدسية تستحق التبجيل والاحترام ... # كانت على عين الجميع راقصة تغني، وكانت بعينيه عابدة تسبح وتصلي ... كان الناس ينظرون إلى ~~الراقصة وهي تفتن في إغراء الرجال بالنغمة والحركة والرنوة الفاتنة، وكان الرافعي ينظر ~~في أعماق نفسه إلى صورة أخرى رسمها من خياله فقامت حياله تريه ما لا يراه الناس! # وانفض السامرون إلا قليلا تحلقوا حول الموائد يقرعون كأسا بكأس، ونهض الرافعي فيمن ~~نهض ... # ومضى يومان، ثم دعاني ليملي علي مقالة «في اللهب ولا تحترق!» # ولما فرغ الرافعي من شأن هذه المقالة، دعا إليه بصديقه «ع» يستزيده من خبر هذه الياقوتة ~~الكريمة، ويسأله الوسيلة إلى لقائها إن كان بينهما سبب، لعل اجتماعا بينها وبين الرافعي ~~يفتق ذهنه عن موضوع جديد يكتبه لقراء الرسالة، فابتسم الصديق «ع» ms163 وقد دبر في نفسه حيلة تجمع ~~بينها وبينه، وهل يعجزه - وهو من هو - أن يجد وسيلة لمثل هذا اللقاء ليمضي في مزحته إلى ~~النهاية؟ # وذهب «ع» يسأل عن الراقصة ويستقصي خبرها فعرف ... # لقد فرت «الياقوتة» مع موسيقي الفرقة، ومضى زوجها في أثرهما، فانحلت الفرقة وغادرت ~~المدينة. # وجاء النبأ إلى الرافعي، فما عرف إلا من بعد أنها كانت مزحة من الصديق «ع» فأسرها في ~~نفسه ... # وعاد الرافعي إلى المقال يقرؤه منشورا في الرسالة وهو يضحك ويقول: «أهذا ممكن؟ أهذا مما ~~يكون؟ أتكون في اللهب ولا تحترق؟» # فرد الصديق «ع» قائلا: «لقد احترقت!» # وكانت كذبة، ولكنها أنشأت مقالة لم أقرأ مثلها فيما قرأت من روائع الأدب العربي! ~~••• # كان أكثر جلساء الرافعي في هذه الفترة هم الأصدقاء «س، أ، ع» فكان لهم سره ونجواه، وإلى ~~موعدهم مغداه ومراحه، وكان حديثهم إليه وحديثه إليهم هو عنده مادة الفكر وموضوع ~~الكتابة، وكان لكل واحد من الثلاثة الأصدقاء في هذه الفترة مشكلة تملأ فراغ رأسه، فهي له في ~~الليل مشغلة وفي النهار مشغلة. # أما «س» فكان على نية الزواج، قد ترامت أمانيه إلى واحدة من أهله، ولكن التقاليد وقفت ~~بينها وبينه موقفا ما، أورثه ضجرا وملالة وسخطا على الناس وتبرما بالحياة وخروجا على ~~ما تواضع الناس عليه من التقاليد في شئون الزواج. # وأما «أ» فكان في عهد بين عهدين من حياته، قد ودع ماضيه بما فيه من عبث ومجانة، ~~وطلق شهواته إلى عهد يستشرف إلى ما فيه من المتاع الحلال في ظل الزوجة المحبوبة ~~المحبة، فسمى زوجته وعقد عقده، ثم وقف ينتظر اليوم الذي يبني فيه بأهله قلقا ~~عجلان، واليوم الموعود لا يحين؛ لأن التقاليد تبعده كلما دنا موعده ... # وأما «ع» فشاب قد انفرد في الحياة من أهله، فقد أمه وهو غلام، فما كاد يستوي شبابه حتى ~~مضى يلتمس ما فقد منذ طفولته من حنان الأنثى، فتزوج، ثم فقد زوجه، ثم تزوج الثانية فما ~~بقيت إلا بمقدار ما بقيت الأولى، ولكنها خلفت بضعة منها بين يديه ms164 مصورة في طفلة سلبها ~~القدر أمها يوم منحها الحياة! ~~... هو أب ولا زوج له، هو عزب وكانت له زوجتان، وهو فتى يؤمن بالله ويلحد في القدر، وهو ~~شخصيتان منفصلتان تعرف إحداهما في المسجد وتعرف الثانية في الشارع، وله عين عفة وعين فاجرة، ~~وله في الحياة تجربة ورأي، وله إلى الهوى والملذات مثل اندفاع الشاب الذي لم يذق ولم يجرب ~~بعد! # ثلاثة نفر لكل منهم رأيه في الحياة ومذهبه، ولكنهم قد التقوا في مجلس الرافعي على هوى ~~واحد، فأحلوه من أنفسهم وأحلهم من نفسه، فكان له من أحاديثهم شعور الشباب، ولهم من حديثه ~~حكمة الشيخ، وللأدب من كل مجلس يجمعهم وإياه موضوع حي مما كتب الرافعي لقراء الرسالة ~~... # ومن هذه الموضوعات «قصة أب». # ذلك هو الصديق «ع» كان الله له ...! # جلس مجلسه يوما إلى الرافعي يشكو بثه وهمه والدموع تترقرق في عينيه، واستمع الرافعي ~~إلى شكاته متألما حزينا، فما فرغ «الأب» من قصته حتى جمع الرافعي «قصاصات» الحديث فجعلها ~~في جيبه وجلس يتفكر ... ثم كانت «قصة أب». ~~••• # وفي الأسبوع التالي كان زفاف ابنته «وهيبة» إلى ابن أخيه في حفل أهلي خاص وصفه الرافعي في ~~مقاله «عرش الورد»، وهو عرش نظمه أخو العروس # 5 # لمجلس العروسين، وجعل فيه فنه وعاطفته نحو أخته وابن عمه وقدمه إليهما هدية ~~عرس. # ولما جلس العروسان ذراعا إلى ذراع في عرش الورد، بارك لهما الرافعي ودعا، ثم خرج ليمضي ~~ساعات في القهوة، ولقيني هناك وحدي، فانتحينا ناحية على حيد الشارع لا يترامى إلينا من ~~أضواء القمر إلا شعاع حائل، وكان الرافعي يؤثر أن يجعل مجلسه في الصيف على ذلك الرصيف في ~~جانب من القهوة، ويسميه «بلاج طنطا» إذ كان انفساح الشارع أمامه، وما يتعاقب عليه في الليل ~~والنهار من ألوان الجمال في الطبيعة والناس، مما يحبب إلى العين أن تنظر، وإلى النفس أن ~~تنبسط، وإلى الفكر أن يبدع فيما يخلق من ألوان الجمال ... # وكان الليل نائما يحلم، والطبيعة ساجية لا يسمع من صوتها إلا همس خافت، وفي ms165 الجو شعر ~~يهزج في سرار النسيم وفي حفيف الشجر، وعرائس الخيال تطيف راقصة تنفح بالعطر وترف بالنور ~~... ولكن الرافعي جلس مجلسه صامتا لا يتحدث إلا كلمات إلى النادل يطلب كوب ماء ليشرب أو ~~جمرات للكركرة ... واحترمت صمته فسكت عنه ... # ومضت ساعة، ثم رفع عينيه إلي وهو يقول: «الليلة عرس ابنتي ...!» # ولم يسمع جوابي؛ لأن دمعة كانت تترقرق في عينيه وهو يتحدث حبستني عن الجواب ...! # دمعة لم أترجم معناها إلا بعد سنتين، يوم جاءني يقول والدمع يلمع تحت أهدابه: «إن وهيبة ~~مسافرة إلى زوجها في أمريكا، # 6 # ليس من الحق أن تبقى هنا وهو هناك!» # ثم يوم جاءني بعدها يقول وفي يده صحيفة أمريكية: «انظر هذه الصورة، إنهم يسمونه هناك: ~~أصغر سائح مصري في أميركا ... إنه حفيدي مصطفى صادق الرافعي ...» # 7 # لقد كان الرافعي يحب أولاده حبا لا أعرف مثله فيمن أعرف، ووهيبة كبرى أولاده، ذكرها في ~~«الديوان»، وغنى لها في «النظرات» وأرخ زواجها في «عرش الورد». ~~••• # وكانت المقالة التالية هي: «الإنسانية العليا». # وهي باب من القول في الأدب الديني تنتظم مع «وحي الهجرة» و«الإشراق الإلهي» و«سمو ~~الفقر» تحت باب واحد ... ~~... كان يعتاد الرافعي كما يعتاد كل إنسان، نوبات من الضيق والهم تقعد به وتصرفه عما ~~يحاول من عمل، ولم يكن له علاج من هذا الضيق الذي يعتاده إلا أن يقرأ قرآنا أو ينظر في ~~كتاب من كتب السيرة النبوية، فيفرج همه ويزول ما به، ويهون عليه ما يلقى من دنياه ... # في نوبة من هذه النوبات التي تضيق بها الدنيا على إنسان، تناول الرافعي كتابا من كتب ~~الشمائل يسري به عن نفسه، فاتفق له رأي ... وخرج من مطالعته بمقالة «الإنسانية ~~العليا». ~~••• ~~... وكان للرسائل التي ترد للرافعي في البريد من قراء الرسالة أثر يوحي إليه في أحيان كثيرة ~~بما يكتب لقرائه، فهو منهم وإليهم، ومنذ بدأ الرافعي يكتب في الرسالة أخذت رسائل القراء ترد ~~إليه كثيرة متتابعة في موضوعات شتى ولمناسبات متعددة، حتى كان يبلغ ما يصل إليه أحيانا في ~~اليوم الواحد ms166 ثلاثين رسالة، وكان يقرؤها جميعا ويحفها في درج خاص من مكتبه، وللحديث عن هذه ~~الرسائل باب آت، وإنما يعنيني اليوم أن أتحدث عن الموضوعات التي استملاها من رسائله، ومن ~~هذه الموضوعات مقالة «تربية لؤلئية». # كانت تصدر في القاهرة في ذلك الوقت مجلة «الأسبوع» وقد فتحت صدرها لطائفة من شباب الجنسين ~~يكتبون فيها وحي عقولهم وقلوبهم و... وشهواتهم! وكانت صفحاتها لهؤلاء الشبان والشابات أوسع من ~~صدر الحليم، فلم تلبث بهذه السماحة أن صارت - كما يقول العامة - بطن حمار! وأصبحت ميدانا ~~للغزل البريء وغير البريء، وموعدا من مواعد التلاقي والوداع. # وفي صبيحة يوم، حمل البريد إلى الرافعي رسالة من سيدة كريمة، تلفته إلى محاورة داعرة ~~تعترك فيها أقلام طائفة من الشبان في مجلة «الأسبوع»، وبعث الرافعي في طلب أعداد المجلة ~~فجيء بها، فما قرأها حتى تناول القلم وأملى علي مقالة «تربية لؤلئية». # في هذه المقالة خلاصة رأي الرافعي في حرية المرأة وحقها في المساواة، وترى لهذا الرأي ~~بقية فيما نشر من مقالات الزواج، والطائشة، والجمال البائس، وغيرها، وهو يزعم أنه بهذا ~~الرأي من أنصار المرأة عند من يعرف أين يكون انتصار المرأة، وللرافعي حين يتحدث في هذا ~~الموضوع حجة قوية، وبرهان ماض، إلى روح رفافة وشعر ساحر، ولست واجدا أحدا يرد عليه في ~~ذلك على قلة من تجد من أنصاره، وقد جلست مرة إلى المربي الكبير الأستاذ محمد عبد الواحد ~~خلاف نداول الرأي في أدب الرافعي ومذهبه الاجتماعي لمناسبة ما كتب الرافعي للرسالة في موضوع ~~المرأة، فقال لي: «إنك لن تجد أحدا من أنصار الجديد يرضى هذا المذهب، ولكنك لن تجد أحدا - ~~أيضا - يستطيع أن يصاول الرافعي في هذا الميدان بمثل حجته وقوة إقناعه.» ~~... وأرضى الرافعي بهذا المقال السيدة الكريمة التي كتبت إليه، ولكنه أغضب مئات من ~~القارئات وعشرات من القارئين، فانثالت عليه الرسائل من هؤلاء وهؤلاء غاضبة مستنكرة، إلا بضع ~~رسائل ... # ولما كتب مقالة «تربية لؤلئية» وأرسل بها، ركب قطار البحر إلى الإسكندرية ليستريح يوما ~~هناك يتزود فيه لفنه وأدبه من ms167 عرائس الشاطئ ... # كان قد كتب مقاله السالف وأرسل به، ولكن معانيه بقيت في نفسه، فلما ذهب إلى الشاطئ وجد ~~تمام موضوعه، فعاد ليملي علي مقالة «لحوم البحر»، وهي قصيدة مترجمة عن الشيطان على نسق من ~~النثر الشعري فاق فيه الرافعي وغلب ... ~~••• # كان للرافعي عادة حين يعجبه موضوع مما كتب أن يسأل عنه كل من يلقى من أصحابه: «هل قرأت ~~مقالتي الأخير ...؟ وما رأيك فيها ...؟ هل يملك أحد أن يعرض لرأي فيها بالنقد ...؟» # وكان يعتد كثيرا بمقالة «تربية لؤلئية»، ففي ذات مساء بعد نشر تلك المقالة قصد إلى ~~القهوة ليريح أعصابه، فصادف الأصدقاء «س، أ، ع» # 8 # فما كاد يستقر به المجلس بينهم حتى أخذ يسأل كل واحد: «هل قرأت ...؟ ما رأيك ...؟ ~~هل يملك أحد ...؟» # كان للرافعي في كل واحد من أصدقائه الثلاثة رأي، وكان لكل واحد في نفسه حقيقة، ولهم في ~~الحياة نظرات تغترب وتقترب، وكلهم قد حرموا المرأة لونا من ألوان الحرمان، ولكل منهم في ~~المرأة رأي، مما تخيلها، أو مما كابدها، أو مما شقي بها! # والرافعي رجل قد فارق الشباب وخلعه فيما خلع من ماضيه، وإنه لزوج وأب ويوشك أن يكون ~~جدا، فلا قدرة له على أن يعود القهقرى إلى ماضي شبابه يستوحيه خواطر الفتيان وأحلام ~~الشباب في المرأة والحب والزواج، وهؤلاء الأصدقاء - على ما قدمت من نعوتهم في أول هذا ~~الفصل - تجمعهم صفة العزوبة على اختلاف أسبابها، وما يزالون في باكر الشباب وفي يقظات ~~الحلم، وكلهم قد مارس المرأة نوعا من المراس، في وهمه أو في حياته ... # فما كاد الحديث يبدأ بين الرافعي وأصدقائه حتى أخذ يتشعب فنونا، وساقهم الرافعي بحسن ~~احتياله إلى هدف يرمي إليه ... فما انفض المجلس حتى كان ثلاثتهم على ميعاد مع الرافعي ~~ليجيبوه كتابة عن أسئلة وجهها إلى كل منهم، على أن يلتزموا الصدق، ويجانبوا الحياء، ~~ويخلصوا في الإجابة، وكانت الأسئلة هي: كيف ترى المرأة في وهمك؟ وأين مكانها من حياتك؟ ~~وماذا مارست من شأنها وعرفت من خبرها؟ لماذا لم تتزوج؟ # وجاء الميعاد ms168 المضروب، وسعى الأصدقاء الثلاثة إلى الرافعي بأجوبتهم، فمنها كانت مقالة ~~الرافعي «س، أ، ع» وهي أولى مقالاته في الزواج، ثم تتابعت مقالاته في هذا الموضوع، فخطا بها ~~إلى قلوب الشباب خطوات، وكان بينهم وبينه من قبل سد منيع. # قبل أن يكتب الرافعي هذه المقالة بأيام، جاءته رسالة من بعض الأدباء يسأله أن يكتب إليه ~~في أسباب أزمة الزواج، استيفاء لبحث يهم أن يصدره في كتاب ... # وأحسب أن هذا السؤال كان الحافز الأول للرافعي إلى الكتابة في هذا الموضوع، وقد بعث ~~الرافعي إلى السائل بجواب سؤاله، وكان جوابا فيه كثير من الدقة والتحديد والعمق، ولم أقرأه ~~منشورا منذ أرسله إلى طالبه. # بدأ كثير من الشبان يهتمون بما كتب الرافعي؛ إذ كان بهذا الموضوع يعالج مشكلة كل شاب ~~عزب، وتضاعفت رسائل القراء إليه، وطال الجدل في موضوعه بين طوائف من الشباب في مجالسهم ~~الخاصة ... # فلما كانت أيام بعد مقالة «س، أ، ع» جاء إلى مجلسنا في القهوة شاب من أصدقائنا المتأدبين، ~~هو الأستاذ إسماعيل خ، وهو محام ناشئ له ولوع بالأدب وشهوة في الجدل، وفيه إلى ذلك لين في ~~الخلق وشذوذ في الطبع، وكان الرافعي يعرفه عرفاننا، فما رآه حتى وجد فيه عنوان مقالة ... ~~فمال عليه يسأله ضاحكا ... # وأجاب الأستاذ إسماعيل: «الزواج؟ وما يحملني على هذا العنت؟ أتريدني على أن أبيع حريتي من ~~أجل امرأة؟ ...» ومضى يؤيد دعواه بالبراهين والأمثال. # وتم للرافعي موضوعه، فأملى علي في اليوم التالي مقالة «استنوق الجمل!» # في هذه المقالة يجد القراء سببا آخر لانصراف الشباب عن الزواج غير ما قدم «س، أ، ع» في ~~المقالة السابقة، فهي الحلقة الثانية من هذه السلسلة ... # وأحس الرافعي بالتعب، فانصرف عن الكتابة أسبوعا ليستجم، ولم من هنا ومن هناك طائفة ~~من منثور القول فأرسله إلى الرسالة بعنوان «كلمة وكليمة»، وهي عبارات قصيرة من جوامع الكلم، ~~ليس بينها رابطة في الفكر ولا في الموضوع، وكل كلمة منها موضوع بتمامه. # وقد قدمت القول عن هذه الكلمات القصار التي كان الرافعي ينشرها بعنوان «كلمة ms169 وكليمة»، ~~فحسبي هنا أن أشير إلى موضوع هذه الكليمات ودوافعها. # في هذه الكلمات التي نشرها بالعدد 65 سنة 1934 كلمات عن المرأة والحب. # وهذه من فضلات المعاني التي اجتمعت له في مقالات المرأة والزواج ولم يجد لها موضعا مما ~~كتب ... وفي هذه الكلمات رسائل إلى «فلانة» من تلك الرسائل التي قدمت الإشارة إليها عند ~~الحديث عن حب الرافعي، وفيها كلمات عن السياسة المصرية يعرف دوافعها من يذكر الحالة ~~السياسية التي كانت في مصر لذلك العهد، وحكومة صدقي تحتضر ... # فمن هذه العناصر الثلاثة اجتمع له هذا القدر من «كلمة وكليمة». ~~••• # كان بين الرافعي والإبراشي باشا ما قدمت الحديث عنه في بعض الفصول السابقة، وكان منه أن ~~انقطعت صلة الرافعي الشاعر بصاحب العرش ليحل محله الأستاذ عبد الله عفيفي ... وسارت الخصومة ~~بين الرافعي والإبراشي إلى مدى، حتى انتهت إلى قطع المعونة الملكية عن (الدكتور) محمد ~~الرافعي مبعوث الخاصة الملكية لدراسة الطب في جامعة ليون! # وضاقت نفس الرافعي بهذا اللون من ألوان الكيد، ولكنه صبر له واحتمل مشقاته وتكاليفه، ~~وألزمته الضرورة أن يقوم بالإنفاق على ولده حتى يبلغ مأمله، على قلة إيراده وضيق ذات يده، ~~فاستمر يرسل إليه أول كل شهر ما يقدر عليه وفي نفسه أن يأتي يوم يرفع فيه أمره إلى الملك ~~فيحط هذا العبء عن كاهله! ووجد الفرصة سانحة لذلك في عيد الجلوس الملكي سنة 1934، فأنشأ ~~كلمة بليغة في تحيته بعنوان «آية الأدب في آية الملك»، وأرسل بها إلى الرسالة لتنشر في ~~العدد 66 سنة 1934. # 9 # كانت حكومة الإبراشي يومئذ في الاحتضار، وقد تنبه الشعب وتهيأت نفسه لحادث منتظر يرد ~~إلى الأمة سلطانها الذي فقدته منذ تولي الإبراشي باشا رياسة الديوان الملكي، وكانت الجرائد ~~السياسية تتحدث في كثير من الصراحة عن سلطة الشعب وسلطة القصر وحقوق الأمة، وفي مثل هذه ~~الحال لا يمكن أن تقرأ قصيدة أو مقالة إلا على وجه من وجهين، ما دام هناك رأي بإزاء رأي، ~~وحديث عن حق الشعب وحديث عن سلطة الملك ... ~~... ولكن الرافعي لم ms170 يعتبر شيئا من ذلك حين أنشأ «آية الأدب ...» ولم يقدر ما يمكن أن ~~تؤول إليه كلمته عند من يقرؤها من أهل السياسة؛ إذ لم يكن له من العلم بالسياسة ما يؤهله ~~لأن يفهم ذلك ...! # والرسالة صحيفة أدبية تحرص على رضا قرائها جميعا على اختلاف رأيهم في السياسة، فإن ~~صاحبها ليتوقع ما يمكن أن يوجه إليه من التهمة لو أذن بنشر هذا المقال في صحيفته، فما هو ~~إلا أن سلمه إليه ساعي البريد حتى استقل القطار إلى طنطا ليلقى الرافعي ويحدثه من ~~حديثه ... # والتقيا ... وفهم الرافعي ما عناه صاحبه، فأخذ مقاله فأرسل به إلى الأهرام فنشر بها صبيحة ~~عيد الجلوس، وقرأه من قرأه، ثم كانت آخرة العهد الإبراشي بعد ذلك بشهر واحد فكتب من كتب ~~من خصوم الرافعي يعدد فيما يعدد من «جناية الإبراشي على الأدب، أنه كان يصطنع الأدباء؛ ~~ليحارب بهم سلطة الأمة ويسخرهم للإشادة بحكم الفرد، وكان الرافعي عنده من صنائعه، وآيته هذا ~~المقال وآيات أخرى من تلفيق الخيال!» # 10 ~~••• # وأرسل الرافعي إلى الرسالة بديلا من هذا المقال، مقالا آخر بعنوان «أرملة حكومة»، وكان ~~يعني به صديقنا الأديب المهندس محمد أ. وهو شاب من «أدباء القراء» أبيقوري المذهب صريح ~~الرأي، سلخ من عمره ثلاثين سنة ولم يتزوج، وبينه وبين الأستاذ إسماعيل خ. صاحب «استنوق ~~الجمل» صلة من الود، وشركة في الرأي، وصحبة في البيت والندي والشارع ... # لقينا مجتمعين في القهوة اجتماعنا كل مساء، فعاج يسلم ثم جلس، وسأله الرافعي: «... وأنت ~~فلماذا لم تتزوج؟» # قال المهندس: «لست والله من رأي صاحبي فيما حدثكم به أمس؛ إني لأريد الزواج وأسعى إليه، ~~ولكن من أين لي ... من أين لي المهر، وهدايا العروس، وأكلاف الفرح؟ إن الزواج عندي ليشبه أن ~~يكون معجزة مالية لا قبل لي بها ...! ولو قد عرفت أن هذه المعجزة تتهيأ لي بالبخل على نفسي ~~والقصد في نفقاتي وباحتمال العسر والمشقة على نفسي وعلى من حولي، لما وجدت ما يشجعني على ~~هذا الاحتمال، إني لأعرف من بنات اليوم ما لا ms171 يعرف غيري، أفتريدني على أن أحتمل العنت سنتين ~~أو ثلاثا حتى يجتمع لي من المال ما يجتمع، من أجل الوصول إلى زوجة قد يكون لي منها شقاء ~~النفس وعدو العمر؟» # وقال الرافعي ... وقال الشاب ... وطوى الرافعي ورقاته وقد اجتمع له موضوع جديد، وتهيأت له ~~الفكرة تامة ناضجة فأملى علي مقالة «أرملة حكومة»، وبعث به إلى الرسالة في البريد ~~المستعجل؛ ليدرك موضعه في عدد الأسبوع بديلا من «آية الأدب ...» # وقلت للرافعي وقد فرغ من إملاء هذا المقال: «أراك لم تنصف صاحبنا المهندس فيما كتبت عنه ~~وما نقلت من رأيه وما رددت به، إنه ليعتذر إليك بعذر لم أجد جوابه فيما أمليت علي، لقد ~~صدق؛ فمن أين له ... من أين له هو ...؟ إنه لحري أن يوجه العتب والملامة إلى آباء الفتيات، ~~وإلى هذه التقاليد التي تفرض على الشاب الذي يريد الزواج ما لا طاقة له به إلا أن تكون له ~~معجزة مالية!» # فضحك الرافعي وقال: «أتراه كان يتحدث بلسانك ...؟ لقد أخفيتها عني يوم سألتك، وليس ثمة ما ~~يمنعني أن أصحبك غدا إلى حميك لأطلب إليه أن يعفيك من هذه المعجزة المالية.» # ومضت أيام، ثم دعاني ليملي علي «قصة زواج»، وكانت هذه القصة هي جواب ما سألته تأخر ~~إلى ميعاد، وكانت هي أول ما أنشأ الرافعي من القصص لقراء الرسالة. # | قصص الرافعي # أراني وقد بلغت هذا الحد، مسئولا أن أتحدث عن قصص الرافعي، وكيف كان يؤلفها، وأول ما ~~عالج منها، وطريقته فيها. # لم يعالج الرافعي القصة - فيما أعلم - قبل قصة سعيد بن المسيب إلا مرتين، أما أولاهما ففي ~~سنة 1905، وكانت مجلة المقتطف قد سبقت بين الأدباء جائزة لمن ينشئ أحسن قصة مصرية، فأنشأ ~~الرافعي قصته الأولى وكان عنوانها «الدرس الأول في علبة كبريت» ولم يحصل بها على جائزة، وقد ~~أعاد نشرها بعد ذلك بثلاثين سنة بعنوان «السطر الأخير من القصة» # 1 # وسأتحدث عنها في موضعها. # أما القصة الثانية: فأنشأها في سنة 1925 بعنوان «عاصفة القدر» ونشرتها المقتطف أيضا، # 2 # ثم كانت قصة سعيد ms172 بن المسيب في سنة 1934. # على أن ثمة فرقا بين هذه القصة والقصتين الأوليين؛ ذلك أن هاتين القصتين هو أنشأهما ~~إنشاء، فلم يعتمد فيهما على حادثة في التاريخ أو حديث في كتاب، أما قصة سعيد بن المسيب فلها ~~أصل معتمد في التاريخ فلم يكن له في إنشائها إلا بيان الأديب وفن القاص، وكانت نواة فمهد ~~لها واستنبتها فنمت وازدهرت. # وفي الأدب القديم نويات كثيرة من مثل هذه النواة لم يتنبه لها الذين يدعون إلى العناية ~~بأدب القصة في العربية، ولو قد تنبهوا لها لوجدوا معينا لا ينضب كان حريا بأن يمدهم ~~بالمدد بعد المدد لينشئوا في العربية فنا جديدا من غير أن يقطعوا الصلة بين ماضينا ~~وحاضرنا في التاريخ الأدبي، وبمثل هذا تحيا الآداب العربية وتتجدد، وإلى مثل هذا ينبغي أن ~~تكون دعوة المجددين ، لا إلى الاستعارة والاستجداء من أدب الغرب والجري في غبار كتابه ~~وشعرائه. ~~... أقول: إن الرافعي لم يكن يعرف عن فن القصة شيئا يحمله على معالجتها ويغريه على العناية ~~بها، وقد قدمت القول بأنه كان يسخر ممن يقصر جهده من الأدباء على معالجة القصة ولا يراه ~~أهلا لأن يكون من أصحاب الامتياز في الأدب؛ إذ لم تكن القصة عنده إلا ضربا من العبث ~~ولونا من ألوان الأدب الرخيص لا ينبغي أن تكون هي كل أدب الأديب وفن الكاتب، وقد كان يعيب ~~علي لأول عهدي بالكتابة أنني لا أكاد أكتب في غير القصة، وأنني أجعل بعض همي في دراسة ~~الأدب أن أقرأ كل ما أستطيع أن أقرأ عن فن القصة وأسلوبها وطرائقها ومذاهب الكتاب فيها، ~~وكان يرى ذلك مني تخلفا وعجزا ونزولا بنفسي غير منزلتها بين أهل الأدب! # على أنه إلى ذلك كان يجد لذة في قراءة القصة على أنها لون من ألوان الرياضة العقلية لا ~~باب من الأدب، كما يشاهد رواية في السيما أو يقرأ حادثة في جريدة، وأحسب أنه كان يعتقد - ~~على أنه كان لا يعرف التواضع في الأدب - بأنه لا يحسن أن ينشئ قصة ولا ينبغي ms173 له، وأحسبه ~~أيضا حين أنشأ قصة سعيد بن المسيب لم يكن يقصد إلى أن تكون قصة، ولكنها هكذا جاءت على غير ~~إرادته فكأنما اكتشف بها نفسه ... # والحقيقة أن الرافعي كان يملك طبيعة فنية خصبة في القصة، يعرفها من يعرفه في أحاديثه ~~الخاصة بينه وبين أصحابه حين كان يعتمد العبث والتسلية، فيطوي من الحديث وينشر، ويكتم ~~ويوري، ويورد الخبر غير مورده، ويهزل ولا يقول إلا الجد، ويطوي النادرة إلى آخر الحديث، ~~ويقول في آخر المقال ما كان ينبغي أن يكون في أوله. # وكان له إلى ذلك تعبير رشيق وفكاهة رائقة يخترعها لوقتها لا تملك معها إلا أن تضحك وتدع ~~التوقر المصنوع، وإن له في هذه الفكاهة لمذاهب عقلية بديعة تحس فيها روحه الشاعرة وحكمته ~~المتزنة وسخريته اللاذعة، ويكاد كثير من مقالاته يكون برهانا على ذلك، فقلما تخلو إحداها ~~من دعابة طريفة أو نكتة مبتكرة. ~~... وهذه هي كل أدوات القاص الموفق، فما ينقصه إلا أن يدرس فن القصة ومذاهبها ليكون فيها من ~~السابقين المبرزين، ولكن الرافعي كان يجهل طبيعة نفسه، وكان له في كتاب القصة ما قدمت من ~~الرأي، فكان تخلفه من هذين! # وحتى فيما أنشأ من القصص بعد ذلك، لم يكن له مذهب فني خاص يحتذيه ويسير على نهجه، ولكنه ~~كان يقص كما تلهمه فطرته غير ملق باله إلى ما رسم أهل الفن من حدود القصة وقواعدها، فإننا ~~بذلك لنستطيع أن ندرس طبيعته وطريقته القصصية خالصة له وحده، غير متأثر فيها بمذهب من ~~مذاهب المتقدمين أو المتأخرين من كتاب القصص، على ما قد يكون فيها من نقص وتخلف، أو ~~ابتكار وتجديد. # وطريقة الرافعي في كتابة قصصه غريبة، وغايته منها غير غاية القصاص، فالقصة عنده لا تعدو ~~أن تكون مقالة من مقالات في أسلوب جديد، فهو لا يفكر في الحادثة أول ما يفكر، ولكن في ~~الحكمة والمغزى والحديث والمذهب الأدبي ثم تأتي الحادثة من بعد، فكان إذا هم أن ينشئ قصة ~~من القصص، جعل همه الأول أن يفكر في الحكمة التي يريد ms174 أن يلقيها على ألسنة التاريخ - على ~~طريقته في إنشاء المقالات - فإذا اجتمعت له عناصر الموضوع وانتهى في تحديد الفكرة إلى ما ~~يريد، كان بذلك قد انتهى إلى موضوعه فليس له إلا أن يفكر في أسلوب الأداء، وسواء عليه بعد ~~ذلك أن يؤدي موضوعه على طريقة المقالة أو على طريقة القصة، فكلاهما ينتهيان به إلى هدف ~~واحد، فإذا اختار أن تكون قصة تناول كتابا من كتب التراجم الكثيرة بين يديه فيقرأ منها ما ~~يتفق، حتى يعثر باسم من أعلام التاريخ، فيدرس تاريخه، وبيئته، وخلانه، ومجالسه، ثم يصطنع من ~~ذلك قصة صغيرة يجعلها كالبدء والختام لموضوعه الذي أعده من قبل، وإنه ليلهم أحيانا ~~ويوفق في ذلك توفيقا عجيبا، حتى تأتي القصة وكأنها بنت التاريخ، وما للتاريخ فيها إلا ~~نادرة يرويها في سطور، أو إلا أسماء الرجال ... # على أن البديع في ذلك هو قدرة الرافعي - يرحمه الله - على أن يعيش بخياله في كل عصر من ~~عصور التاريخ، فيحس إحساسه، ويتكلم بلسان أهله، حتى لا يشك كثير ممن يقرأ قصة من قصص ~~الرافعي في أنها كلها صحيحة من الألف إلى الياء. # وأحسب أن الرافعي لم يتخذ هذه الطريقة في تأليف القصص عن عمد واختيار، فلم يكن ثمة ما ~~يدفعه إلى معالجة القصة واختيار طريقة فيها - ورأيه في القصة رأيه - ولكنه مذهب اتفق له ~~اتفاقا بلا قصد ولا معاناة، وإنما تأتى له ذلك من طريقته التي أشرت إليها في الحديث عنه ~~عند ما يهم بالكتابة، فقد أسلفت القول أنه كان يحرص على أن يعيش وقتا ما قبل الكتابة في جو ~~عربي، فيتناول كتابا من كتب الأدب القديم يقرأ منه فصلا ما قبل أن يشرع في إملاء مقاله، ~~فمن هنا كان أول الطريق إلى مذهبه في القصة، ولكل شيء سبب، وأحسبه لما هم أن يكتب عن ~~«المعجزة المالية» في تقاليد الزوج وعن فلسفة المهر، وقد اجتمعت له الفكرة في ذلك، تناول - ~~كعادته - كتابا من كتب العربية يقرأ فيه ما تيسر، فاتفق له في مطالعته أن يقرأ ms175 قصة سعيد بن ~~المسيب والوليد بن عبد الملك وأبي وداعة، فرآها أشبه بموضوعه وفيها تمامه، فبدا له أن يؤدي ~~موضوعه هذا الأداء فكانت قصة، وأذكر أنه لما دعاني ليملي علي هذه القصة قال لي في لهجة الظافر: «... لقد وقعت على نادرة مدهشة من التاريخ تتحدث عن فلسفة المهر حديثا لا أعرف أبلغ ~~منه في موضوعه ...» # فمن ذلك أعتقد أن أول هذا المذهب في القصة كان اتفاقا غير مقصود صادف طبيعة خصبة ~~ونفسا شاعرة فكان فنا جديدا. # وأكثر قصص الرافعي من بعد على هذا المذهب، على أن لكل قصة من هذه القصص - أو لأكثرها - ~~أصلا يستند إليه من رواية في التاريخ أو خبر مهمل في زاوية لا يتنبه له إلا من كان له مثل ~~طبيعة الرافعي الفنية وإحساسه ويقظته، على أن أهم ما أعانه على ذلك هو عندي صلته الروحية ~~بهذا الماضي، وشعوره بالحياة فيه كأنه من أهله ومن ناسه، فإن له بجانب كل حادثة وكل خبر من ~~أخبار ذلك الماضي قلبا ينبض كأن له فيه ذكرى حية من ذكرياته تصل بين ماضيه وحاضره، فما ~~يقرؤه تاريخا كان وانطوت أيامه، ولكنه يقرأ صفحة من ماضيه ما يزال يحس فيها إحساس الحي ~~بين أهله، فما أهون عليه بعد أن يترجمها من لغة التاريخ إلى لغة الأحياء! # وقد كنت على أن أرد كل قصة من قصص الرافعي إلى أصلها من التاريخ وأنسبها إلى راويها ~~الأول؛ ليكون النموذج واضحا لمن يريد أن يحتذي الرافعي ليتمم ما بدأ على مذهبه في تجديد ~~الأدب العربي، ولكني وجدت ذلك أشبه بأن يكون فصلا من الأدب، ليس موضعه في هذا ~~الكتاب. # | عود على بدء # كان فيما تحدث به صديقنا المهندس الأديب محمد أ. إلى الرافعي من أسباب عزوبته، أن الزواج ~~عنده حظ مخبوء، فإنه ليخشى أن يحمل نفسه على ما لا تحتمل من العنت والمشقة في سبيل إعداد ما ~~يلزم للزواج، ثم تكون آخرة ذلك أن يجلوا عليه فتاة دميمة لا يجد في نفسه طاقة على معايشتها ~~ما ms176 بقي من حياته، أو فتاة فاسدة التربية لا يدخل بها على زوجة، ولكن على معركة ... # وقد ظل هذا القول عالقا بذهن الرافعي يلتمس الوسيلة إلى تفنيده والرد عليه، حتى وقع على ~~قصة أحمد بن أيمن «كاتب ابن طولون»، فأنشأ مقالة «قبح جميل» وهي القصة الثانية مما أنشأ ~~الرافعي لقراء الرسالة، وهي الحلقة الخامسة من سلسلة مقالاته في الزواج، وفيها توجيه معتبر ~~للحديث الشريف: «سوداء ولود خير من حسناء لا تلد!» يسلك هذه المقالة في باب «الأدب الديني» ~~الذي أشرت إليه في بعض ما سبق من الحديث. # ثم كانت الحلقة السادسة هي قصة «رؤيا في السماء» وتتصل بما سبق من المقالات بأسباب، على ~~أنها تتحدث عن الزواج بمعناه الأسمى، وتدعو إليه الدعوة الإنسانية التي تعتبر الزواج بابا ~~من الجهاد لسعادة البشرية كلها ... # في هذه المقالة، لا أعرف سببا خاصا من مثل ما قدمت دعاه إلى إنشائها، ولكنها جملة ~~الرأي وخلاصة الفكر وأثر اشتغال الواعية الباطنة قرابة شهرين بموضوع الزواج، فهي من الموضوع ~~كالهامش والتعليق، أو الحكم بعد المداولة، أو هي الصفوة الصريحة بعدما يذهب الزبد وتنطفئ ~~الرغوة ... # وقد ترجم هذه القصة إلى الفرنسية الأديب المرحوم فليكس فارس، وكانت هي أول الصلة بينه ~~وبين الرافعي ثم اتصل بينهما الود. ~~••• # لما أنشأ الرافعي «قصة زواج» تحدث بها الأدباء في مجالسهم وتضاعفت رسائلهم إليه معجبين ~~مستزيدين، وتضاعف إعجابه هو أيضا بنفسه ... فاستزاد واستعاد، والتزم الكتابة على أسلوب ~~القصة، فكان على هذا النهج أكثر رسائله من بعد. # وجلست إليه ذات مساء نتحدث حديثنا، فقال وهو يدفع إلي طائفة من رسائل القراء: «اقرأ ~~يا شيخ سعيد ... أرأيت مثل هذا؟ أيحق لأحد أن يزعم لنفسه القدرة على خير مما أكتب في موضوعه؟ ~~أيملك كاتب أن يرد علي رأيا من الرأي؟» # ومضى في طرائق من مثل هذا القول عن نفسه وعن طائفة من خصومه، فعرفت أنه في لحظة من تلك ~~اللحظات التي تتنبه فيها النفس البشرية إلى طبيعتها، فتؤمن بنفسها من دون كل شيء مما خلق ~~الله، إيمانا ms177 هو بعض الضعف الإنساني في طبيعتنا البشرية، وهو بعض أسباب القوة في النابغين ~~من أهل الآداب والفنون! ذلك الإيمان الذي نسميه أحيانا صلفا وعنجهية وكبرياء، ونسميه في ~~النابهين والعظماء ثقة بالنفس وشعورا بالقوة! # وكان يلذني في أحيان كثيرة أن أشهد الرافعي في مثل هذه الساعة من ساعات الزهو والإعجاب ~~بالنفس، وأجد في ذلك متاعا لنفسي وغذاء لروحي؛ لأن الرافعي بما كان فيه من طبيعة الرضا ~~والاستسلام للواقع كان رقيقا متواضعا، فلا تشهده في مثل هذه الحال إلا نادرة بعد نادرة، ~~فإذا شهدته كذلك مرة فقد شهدت لونا طريفا من ألوانه، يوحي إلى النفس بفيض من المعاني، ~~وكأنما هو يعدي سامعه من حالته فيحس في نفسه قوة فوق قوته، وكأن شخصا جديدا حل فيه ~~... ~~... وسرني أن أجد الرافعي كذلك في تلك الليلة، فأصغيت إليه ومضى في حديثه، فلما انفض ~~المجلس ومضيت إلى داري، وسوس لي الشيطان أن أعابثه بشيء ... فكتبت إليه رسالة بإمضاء «آنسة ~~س»، أرد عليه رأيه في قصة سعيد بن المسيب، وأعيب ما صنع الرجل بابنته، وعمدت في كتابة هذه ~~الرسالة إلى تقليد أسلوب من أسلوب الدكتور طه، يعرفه قراء الرسالة ويعرفه الرافعي ... # وبلغته الرسالة فقرأها، فنبهته إلى ما كان فيه من أمسه، ووقع في نفسه أن مرسلها إليه هو ~~تلميذ أو تلميذة من تلاميذ طه موحى إليه بما كتب، فتحمس للرد، وأنشأ «ذيل القصة وفلسفة ~~المهر»، وجعل أول مقاله رسالة «الآنسة س» وراح يسخر منها ومن صاحب رأيها سخرية لاذعة، ثم ~~عاد إلى موضوع فلسفة المهر. # وقرأ صاحب الرسالة المقالة فرأى فيها تعريضا بصاحبه لم يرض عنه، فكتب إلى الرافعي يطلب ~~إليه أن يوافق على حذف مقدمة المقالة؛ حرصا على ما بين الرسالة والدكتور طه من صلات الود ~~... وكان له ما طلب، فنشرت المقالة في موعدها خالية من هذا الجزء، ولكنها لم تخل من إشارات ~~مبهمة إلى أشياء غير واضحة الدلالة، وكذلك نشرت من بعد في وحي القلم. ~~••• # ثم كانت قصة «بنت الباشا» وهي السابعة من مقالاته في ms178 الزواج، وقد ألهمه موضوعها صديقه ~~«الزبال الفيلسوف» الذي تحدث عنه في هامش هذه المقالة، وهذه المقالة فيما ترمي إليه تعتبر ~~متممة لموضوع «قصة زواج» فهي دعوة اجتماعية لآباء الفتيات إلى الانطلاق من أسر التقاليد ~~في شئون الزواج، وفيها إلى ذلك شيء من الحديث عن «فلسفة الرضا» التي أسلفت القول عنها في ~~«حديث قطين». # أما هذا الزبال الذي نوه به الرافعي في أكثر من مقالة، فهو من عمال قسم النظافة في ~~«بلدية طنطا»، وكان عمله قريبا من دار الرافعي في الشارعين اللذين يكتنفانها، وكان إذا فرغ ~~من عمله في الكنس والتنظيف اتخذ له مستراحا على حيد الشارع تجاه مكتب الوجيه محمد سعيد ~~الرافعي، فيقضي هناك أكثر أوقات فراغه، نائما أو محتبيا ينظر إلى الرائحين والغادين من ~~أهل الثراء والنعمة، أو شاديا يصدح بأغانيه، فإذا جاع بسط منديله على الأرض فيأكل مما فيه، ~~ثم يشعل دخينة ويعود إلى حبوته يتأمل ... # كان هذا الزبال صديق الرافعي! بينهما من علائق الود وصفاء المحبة ما بين الصديقين، وكان ~~الرافعي يسميه «أرسطو الجديد»، وأول هذه الصلة بينهما أن الرافعي كان يلذه أحيانا أن يجلس ~~على كرسي في الشارع أمام مكتب أخيه، حيث اتخذ الزبال «محله المختار»، فكان يوافقه في مجلسه ~~ذلك على ما قدمت من وصفه، فيرفع يده إلى رأسه بالتحية وهو يبتسم، ثم يجلس، وكان يحادثه ~~أحيانا في بعض شئونه يلتمس بعض أنواع المعرفة ... ويكرمه ويبره، وأنس إليه الزبال، فكان يسأل ~~عنه إذا غاب، وينهض لتحيته إذا حضر، وصار بعض عادات الرافعي من بعد أن يسأل عن الزبال حين ~~يغيب، وأن يشتري له كلما لقيه، دخائن بنصف قرش، مبالغة في إكرامه ... # وكان الرجل أميا، ولكن الرافعي كان يفهم عنه من حركات شفتيه، وأحيانا يستدعي بينهما من ~~يترجم له حديث الزبال مكتوبا في ورقة، وقد كنت الترجمان بينهما مرة، وكان الرافعي يحرص ~~على هذه الورقات بعد نهاية الحديث، كما يحرص الباحث على مطالعة أفكار من غير عالمه! # ومما كان يدور بين الرافعي وصديقه هذا من الحديث، ms179 عرف الرافعي طائفة من ألفاظ اللغة ~~العامية كان يجهلها، وطائفة من الأمثال، ونبهه ذلك من بعد إلى العناية بجمع أمثال ~~العامة، فاجتمع له منها بضع مئات بمصادرها ومواردها، وأحسبها ما تزال محفوظة بين أوراقه، ~~كما أفاد الرافعي من صداقة هذا «الفيلسوف الطبيعي» معاني وأفكارا جديدة في فلسفة الرضا لم ~~تلهمه بها طبيعته. # ولهذا الزبال صنع الرافعي أكثر من أغنية، أعرف منها الأغنية التي نشرها لقراء الرسالة في ~~العدد 71 سنة 1934 وأغنية أخرى دفعها إلى الآنسة ماري قدسي معلمة الموسيقى بوزارة المعارف ~~لتضع لها لحنا يناسبها. # وقد كان في نفس الرافعي أن يكتب مقالة عن هذا الزبال يتحدث فيها عن فلسفته الطبيعية ~~العملية، وكان محتفلا بهذه المقالة احتفالا كبيرا، حتى إنه هم بموضوعها أكثر من مرة ثم ~~عداها إلى غيرها حتى تنضج، وقد هيأ لها ورقة خاصة كان يجمع فيها كل ما يتهيأ له من الخواطر ~~في موضوعها ليستعين به عند كتابتها، ولكن الموت أعجله عن تمامها، وأحسب أن هذه الورقة ما ~~تزال بين ما خلف من الأوراق. ~~••• # لم تكن قصة «بنت الباشا» هي آخر حديثه عن الزواج، وإن كانت آخر ما أنشأ في هذا الموضوع ~~بخصوصه، ثم بقي عنده طائفة من المعاني والخواطر في موضوع الزواج والمرأة، جاءت مبعثرة في ~~طائفة من المقالات من بعد، ومنها مقالة «احذري»، وهي قصيدة من النثر الشعري مترجمة عن ~~الملك، تقع منزلتها بإزاء القصيدة المترجمة عن الشيطان في مقالة «لحوم البحر». # وكان الرافعي في هذه الفترة قد اصطنع مودة بينه وبين طائفة من الشبان اللاهين، كانت ~~تجمعهم قهوة «لمنوس» في طنطا للعبث واللهو والمجانة، فتألفهم بالنادرة والفكاهة ليجمعهم ~~إليه فيستمع إلى أحاديثهم في شئون المرأة والزواج، وقد قدمت القول في بعض ما سبق من هذه ~~الفصول بأن ذهن الرافعي كما كان سريع الالتفات إلى معاني المرأة، وكانت أعصابه قوية ~~الانفعال بحديث النساء، حتى لتراه وهو يستمع إلى محدثه إذ يتحدث عن الحب والمرأة كأنما يخيل ~~إليه أنه يرى قصة ما يسمع، وأنه يشهد ms180 حادثة لا حديثا، ثم يزين له خياله ما يزين فيضيف من ~~وهمه إلى ما سمع ما لم يسمع، فتراه كما ترى الفتى المراهق، يجد حديث الغزل والحب حريقا في ~~دمه وثورة في أعصابه لا حديثا في أذنيه ... فيستزيد مما يسمع وهو صاغ ملذوذ، فيحمل محدثه ~~بذلك على الإطناب والاسترسال حتى ينفض جملة ما في نفسه من رواية الواقع أو مبتدعات الخيال ~~...! # وعلى شدة إحساس الرافعي بمعاني «الجنس» إلى هذا الحد، كان بإيمانه وخلقه وتدينه واعتصامه ~~بالوحدة، قليل الخبرة ضئيل المعارف في هذا الباب، فكان له علم جديد في كل ما يسمع من هؤلاء ~~الفتيان من قصص ما بين الشبان والشابات من ناشئة هذا الجيل، وكان هذا العلم الجديد يسرع به ~~إلى سوء الظن بكل فتى وكل فتاة، وكان هذا الظن مذهبه الاجتماعي الذي يعرفه القراء . # من أحاديث هؤلاء الفتيان، كان إليه وحي المعاني في قصيدة «احذري»، كما كانت توحي إليه ~~حوادث بعض الصحف وأحاديث بعض المجلات بكثير من المعاني وكثير من الموضوعات؛ إذ كان يحرص على ~~أن يقرأ كل ما تنشره الصحف والمجلات من أحاديث الهوى والشباب ومصارع الأخلاق. ~~••• # وكان الرافعي يختلف في طنطا إلى بيوت طائفة من مهاجرة لبنان، كان بينه وبينهم صداقة ~~ومودة، فكان يزورهم بين أهليهم، فيكرمونه ويتسعون له ويحفون به، والرافعي محدث لبق ظريف ~~المسامرة، فكانت مجالسه هناك تطول ساعات يتحدث إليهم ويتحدثون إليه ... وفي بيوت المتمصرين من ~~أهل لبنان عادات غير ما نعرف في بيوتنا، فكان الرافعي يجد هناك جوا يوحي إليه ويمده بعلم ~~جديد. # وأنا لم أصحب الرافعي في طنطا إلى «زيارة مصرية» إلا فيما ندر، على أني كثيرا ما كنت ~~أصحبه في تلك الزيارات! # وأعترف بأن الرافعي لم يكن يقصد إلى زيارة أصدقائه هؤلاء لغرض مما يتزاور من أجله ~~الأصدقاء، ولكنها كانت زيارات يقصد بها إلى معنى مما يتصل بفنه وأدبه، وأحسب أن كثيرا ممن ~~كان يزورهم ويزورهن كن يعرفن له ذلك فيهيئن له أسبابه، وكثير من نساء لبنان أحفل بالأدب من ~~رجال ms181 في مصر! # وقد صحبته مرة إلى زيارة أسرة الآنسة «ق» وهي فتاة ذكية من أهل الفن والأدب، وقد ألح ~~علي يومئذ إلحاحا شديدا أن أصحبه، ولم أكن أعلم ما يقصد إليه بهذه الزيارة إلا أن تكون ~~تسلية بريئة ومتاعا من متاع أهل الفن. # وكنت في ذلك اليوم صانعا أغنية عامية في معنى من معاني الشباب تعبر عن حال من حالي في ~~تلك الفترة، ودفعتها إلى الرافعي لينظر فيها، فلما قرأها طواها وجعلها في جيبه ... ~~... وصحبت الرافعي إلى حيث يريد، فاستقبلتنا الفتاة وأمها وشاب من قرابتها، ثم لم يكد ~~يستقر بنا المجلس، وأهل الدار حافون بنا يبالغون في إكرامنا، حتى أخرج الرافعي الورقة من ~~جيبه فدفعها إلى الفتاة ... # وقرأت الفتاة الأغنية، ثم ردتها إلى الرافعي وهي تقول: «جميلة! شعر عاشق!» # قال الرافعي وهو يشير إلي مبتسما : «إنها أغنيته!» # قالت: «إيه ...! أعاشق هو؟» # قال الرافعي: «نعم! ... ومن أجلك صنع هذه الأغنية!» # ومضت فترة صمت، وصبغت حمرة الخجل وجه الفتاة، وتولتني الدهشة مما سمعت فما استطعت ~~الكلام، ونظر الرافعي إلي نظرة طويلة لم أفهمها، وكان بي من الحياء أضعاف ما بالفتاة ... ~~وكانت دعابة غير مألوفة ولا منتظرة، أوقعتني في كثير من الحيرة والارتباك ... # وقطعت الأم هذا الصمت الثقيل قائلة: «أغنية رقيقة!» # وردد الشاب صدى صوتها يقول: «... رقيقة!» # وثبت في مكاني لا أتحرك، ولا أرى أمامي غير تلك الابتسامة الخبيثة على شفتي الرافعي ~~... # ثم نهضت الفتاة إلى الغرفة الثانية وعادت بطبق الحلوى فقدمته إلي، ثم إلى الرافعي، ~~واتخذت مجلسها إلى جانبي ... وعاد الحديث ألوانا وأفانين بين الجماعة وأنا صامت في مجلسي لا ~~أكاد أفهم ما يدور حولي من الحديث! # وجعلت أسائل نفسي وأكاد أنشق غيظا: «ترى ماذا حمل الرافعي على هذا القول ...؟» # فلما انفض المجلس وخرجنا إلى الطريق نظرت إلى الرافعي مغضبا أسأله جلاء السر، فضحك ملء ~~فمه وهو يقول: «قصة طريفة ... لقد عقدنا العقدة فانظر في طريقة للحل ... سيكون فصلا أدبيا ~~ممتعا يا شيخ سعيد، تكون أنت مؤلفه وعلي أن أرويه، لقد سئمنا ms182 الخيال فالتمسناك وسيلة إلى ~~بعض الحقيقة ...» # وغاظني حديث الرافعي أكثر مما غاظني الذي كان منه، فتمردت عليه، ولكن الرافعي عاد يضحك ~~ويقول: «أتراك - إن أبيت - تستطيع أن تمنع نفسك الفكر فيها وأن تمنعها؟ لقد بدأت القصة ~~فما بد من أن تكون لها خاتمة!» # وضقت بهذه الدعابة وثارت نفسي فأخشنت القول، فزاد به الضحك وهو يقول: «وهذه الثورة ~~أيضا هي فصل من فصول هذه الرواية ...!» # وأعداني مرح الرافعي وانبساطه فضحكت، ثم لم أجد للجدال فائدة فسكت على غيظ ضاحك، ~~ولقيت الفتاة بعدها مرتين فتناسيت ما كان ولم أسأل نفسي عن شيء من خبرها ... ومضى الزمان، ~~ثم جاءني الرافعي يوما يقول: «إن بينك وبين صديقنا الأديب «ج» لشيئا!» قلت: «ماذا؟» # قال: «أحسبه يغار منك على خطيبته الآنسة «ق»، فإنه لا يعلم أن بينكما عاطفة ...!» # وقال لي حمي ولم تكن ابنته في داري بعد: «أتراك كنت مع الرافعي أمس في زيارته فلانة؟» ~~فتوجست من سؤاله شيئا ... # وكادت تكون قصة كما أراد الرافعي، ولكني حسمت أسبابها فرارا بنفسي! ~~••• ~~... من مثل هذه الحادثة كان يلتمس الرافعي موضوعاته ويبدع معانيه في المرأة والحب والزواج ~~ومشاكل الأسرة، ومن هذه المجالس التي كان يصطنعها أو يسعى إليها ويهيئ أسبابها، كانت تنجلي ~~له الفكرة ويومض الخاطر وتتشقق المعاني، ومن هذا الجو زخرت نفسه بالعواطف النابضة التي ~~ألهمته من بعد أن ينشئ ما أنشأ من القصص لقراء الرسالة، ومنها كانت قصص: الأجنبية، وسمو ~~الحب، والله أكبر، واليمامتان، وغيرها، وما أعني أن ذلك كان يملي عليه القصة والموضوع، إنما ~~كان يمده بالمعاني والخواطر حتى يملأ نفسه ويوقظ حسه، فما تزال هذه الخواطر والأفكار مضمرة ~~في الواعية تزيد وتتوالد وينضم شيء منها إلى شيء حتى يأتي وقتها، فإذا هم بموضوع مما يتصل ~~بهذه الخواطر المضمرة انثالت عليه المعاني انثيالا حتى يتم الموضوع تمامه على ما ~~يريد. ~~••• # ولما قص الرافعي قصة «الأجنبية» وحكى حكايتها على لسان ولده الدكتور محمد، أحس بالتعب ~~والملل، وراجع ما كان من عمله في الأشهر الستة الماضية منذ بدأ ms183 يعمل في الرسالة وما عاد ~~عليه، فضاقت نفسه وبرمت به، وأحس في نفسه شعورا جديدا ليس له به عهد، وقال لنفسه وقالت ~~له، وثقل جسمه في الفراش مما يحمل في صدره من هم وما يضني جسده من علة، وخفت روحه إلى ~~سمواتها، وتنازعته قوتان ... وهم أن يكتب إلى الأستاذ صاحب الرسالة ليعفيه من الاستمرار في ~~العمل ... وطال الحديث بينه وبين نفسه فأرقه ليلة ... # وتركته وروحت إلى داري وهو شاك متبرم ينكر موضعه من الحياة ومكانه بين أهل الأدب. فلما ~~كان عصر اليوم التالي دعاني ليملي علي «قلت لنفسي ... وقالت لي ...» # من أراد أن يعرف الرافعي العرفان الحق، فليقرأ هذا الحديث يعرف نفسه الصريحة على فطرتها، ~~ثم يعرف مذهبه في الأدب وهدفه في الحياة. # إن غاية ما ينشده الباحث عندما يهم بالبحث في حياة إنسان له أثر في تاريخ الحياة أو تاريخ ~~الأدب، أن يعرف مضمر نفسه من ثنايا أعماله أو من حديث معاصريه، وإنه مع ذلك ليخطئ أو يصيب ~~سبيل المعرفة، ولكن ها هنا إنسانا يتحدث عن نفسه وتتحدث نفسه إليه، حديثا كله صدق لا ~~اختراع فيه ولا تزوير، ولا سبيل فيه إلى الخطأ. # وأشهد أني رأيته قبل أن يملي علي الحديث وإن في وجهه لمعانيه قبل أن يكون كلاما، فما ~~رأيته ورأيت حديثه من بعد إلا كما تصور معركة في حكاية وصف، هذه هي هذه، وكانت حركات صامتة ~~فصارت عبارة ناطقة. # وأكثر معانيه في هذا الحديث قديم في نفسه، وقد نظم شيئا منها قبل ذلك بسنتين أو ثلاث في ~~قصيدة نشرها في مجلة المقتطف. ~~... وكما تثوب إلى المحزون نفسه إذا صرح بشكاته إلى صاحب سره، هدأت نفس الرافعي بعد إملاء ~~هذا المقال وثاب إلى الطمأنينة والرضا، وكأنما نفض همومه وأحزانه في هذه الكلمات وكانت تثقل ~~رأسه، أو كأنما كان يستمع إلى مداولة الرأي في محكمة الضمير بين نفسه وهواه، فما هو إلا أن ~~استوعب ما قال وقالت حتى اطمأنت نفسه إلى الحكم الأخير، وانتصرت الروح السامية على ما كان ms184 ~~ينازعها من أهواء البشرية ... # ثم كان هلال رمضان، فأنشأ مقالة «شهر للثورة» وهي السابعة مما أنشأ من المقالات الدينية ~~لقراء الرسالة. ~~••• # كان خير أوقات الكتابة عند الرافعي في المساء، حين يعتدل الجو، وتسكن الحركة، وتخف ~~المعدة؛ إذ كان عمله في المحكمة يملأ بياض نهاره، فلما كان رمضان سنة 1353 / 1934 ~~الميلادية سألني: «كيف نصنع يا شيخ سعيد في هذا الشهر، وأي أوقاته نجعلها للكتابة؟» قلت: ~~«فانظر فيما تراه خيرا لك، ولست أرى ما يمنع أن تستمر على عادتك فتجعل مجلسك للكتابة بعد ~~العشاء.» قال: «لا سبيل إلى ذلك والمعدة مثقلة بعد خلاء، ولكني سأحاول أن أكتب في العصر؛ ~~فإنه حيثما امتلأت المعدة، ثقل الرأس، فلعل فراغها في النهار أن يشحذ الذهن ويصقل ~~الفكر.» # وحاول أن يكون ذلك فلم يقدر عليه، ومضى يوم ويوم ويوم، وانتهى الأسبوع الأول من رمضان ولم ~~يكتب شيئا للرسالة، واستحيا أن يعتذر، فلم طائفة من «فتات المكتب» وجعلها الجزء الثاني ~~من «كلمة وكليمة» وبعث بها. # في هذه الكلمات المنشورة بالعدد 76 كلمات عن السياسة تفسرها الحالة السياسية في مصر في ~~أوائل عهد وزارة المرحوم نسيم، وفيها حديث عن الزكاة والصوم، وفيها كلمات عن الزواج ~~والمرأة، وفيها رسائل إلى «فلانة»! # ثم كانت مقالة الأسبوع التالي هي قصة «سمو الحب». # أشياء ثلاثة أملت عليه موضوع هذه القصة: رمضان، وكتاب الأغاني لأبي الفرج، وما يسمع من ~~أحاديث الشبان عن الحب. # أما رمضان فسما بروحه وأمده بما في القصة من المعاني الدينية التي حكاها على لسان مفتي ~~مكة وإمامها «عطاء بن أبي رباح» والعاشق الزاهد «عبد الرحمن القس بن عبد الله بن أبي ~~عمار». # وأما كتاب الأغاني فأعطاه صلب القصة وأساس البناء في سطور يرويها من خبر «سلامة ~~المغنية» جارية يزيد بن عبد الملك، وقد وقع الرافعي على هذا الخبر اتفاقا في إحدى مطالعاته ~~في كتاب الأغاني. # وأما أحاديث الشبان فحفزته إلى إنشاء هذا الفصل ليضربه مثلا لسمو الحب يصحح رأي الناس ~~فيه ويكون منه لشباب الجيل درس وموعظة. # في ms185 هذا الفصل يجد كل سائل جوابه إن كان يعنيه أن يعرف كيف يجتمع الدين والمروءة والحب في ~~قلب رجل كالرافعي يعرفه الناس فيما يكتب شيخا من شيوخ الدين فيه تحرج وخشية، ويعرفه من ~~يعرفه من أصحابه مجنون ليليات وقيس لبنيات! ~~... ولكي ينتفع الرافعي بوقته في رمضان كان يتخفف من طعام الفطور، ثم يجلس مجلسه بعد العشاء ~~للإملاء، فإذا فرغ من الكتابة أو الإملاء تناول السحور، فيعوض فيه بعض ما فاته من فطوره ~~ثم ينام! # على أنه لم يجد راحته في هذا النظام أيضا، فلما كان الأسبوع الثالث لم يجد في نفسه خفة ~~إلى العمل، فعاد إلى أوراقه القديمة يبحث بينها عن شيء يصلح للنشر ليستريح أسبوعا من ~~العمل، فوقع على ورقات من مجلة المقتطف في سنة 1905 كان قد نشر بها قصته الأولى: «الدرس ~~الأول في علبة الكبريت»، فعاد إلى قراءتها، فلما فرغ من القراءة التفت إلي قائلا: «هذه ~~قصة ينقصها السطر الأخير.» قلت: «وماذا يكون هذا السطر؟» قال: «اسمع! هذا غلام سرق علبة ~~كبريت منذ ثلاثين سنة فحوكم بها وحكم عليه ...» قلت: «نعم!» قال: «فما تظن هذا الغلام الآن ~~بعد هذه الثلاثين؟» قلت: «أراه الآن رجلا يفلح الأرض أو يعمل بالفأس في حجارة أبي ~~زعبل!» # قال: «هذه الأخيرة أمثل به، لقد تلقى الدرس الأول في علبة كبريت فقاده إلى الحبس! فهل ~~تراه بعد هذه الثلاثين إلا قد أتم دروسه ووقف على عتبة المشنقة ...؟ اكتب ... اكتب ...» # وأملى علي مقالة «السطر الأخير من القصة». # لم يغير الرافعي هذه المقالة عن أصلها فيما عدا الخاتمة وعبارات قليلة، وزاد عليها شيئا ~~من المحاورة بين الغلام وقاضيه، وما كان حرصه على بقائها كذلك إعجابا بها، لكن كأنما ردته ~~هذه المقالة إلى شيء من ماضيه تروح فيه من روح الصبا والشباب؛ فمن ذلك كان إبقاؤه عليها ~~ليبقى فيها روح الصبا والشباب! # وفي الأسبوع التالي - وهو الأسبوع الأخير من رمضان - أملى علي قصة «الله أكبر». # وهي بسبيل مما سمع من أحاديث الشبان عن الحب، ورقية ثانية ms186 من رقى الحب الداعر، كانت ~~الرقية الأولى هي كلمة «برهان ربه» في قصة سمو الحب، وكانت الرقية هنا هي كلمة «الله ~~أكبر». # وأول الأمر في هذه المقالة أنني كنت جالسا إلى الرافعي في القهوة نتحدث في شأن ما، ~~وساقنا الحديث مساقه إلى بعض شئون العيد، ولم يكن بيننا وبين عيد الفطر إلا أيام، وقال ~~الرافعي: «... وأنا لو ارتد إلي السمع لن يطربني شيء من النشيد ما كان يطربني في صدر ~~أيامي نشيد الناس في المساجد صبيحة يوم العيد: الله أكبر الله أكبر! يعج بها المسجد ويضج ~~الناس ... ليت شعري! هل يسمع الناس هذا التكبير إلا كما يسمعون الكلام؟ الله أكبر! أما إنه لو ~~عقل معناها كل من قالها أو سمع بها لاستقامت الحياة على وجهها ولم يضل أحد!» # ومضى يتحدث عن روح المسجد وفلسفة التكبير عند الأذان وفي كل صلاة، فما فرغ من الحديث حتى ~~طرقنا زائر من رواد القهوة فحيا وجلس ... # وتنقل الحديث بيننا من فن إلى فن إلى فنون ... # وتهيأ موضوع القصة في فكر الرافعي، فلما دعاني ليمليها علي لم يجد في نفسه إقبالا على ~~العمل، فوقف في الإملاء عند منتصف المقالة ونسأ البقية إلى غد، ثم كان تمامها. # وفي صبيحة يوم العيد ذهب على عادته إلى المقبرة لزيارة أبويه، وقد كان في الرافعي حرص ~~شديد على ذكرى أبويه، فهما معه في كل حديث يتحدث به عن نفسه، وزيارة قبرهما فرض عليه كلما ~~تهيأت له الفرصة، وما إيثاره الإقامة في طنطا على ضيقها به وجهلها مقداره إلا ليكون قريبا ~~من قبر أبيه وأمه، وقد نقلته وزارة العدل مرة نقلة قريبة، فتمرد على أمر الوزارة وأبى ~~الانتقال وانقطع عن العمل في وظيفته قرابة شهرين حتى ألغت الوزارة هذا النقل، وكانت كل ~~حجته عند الوزارة في إيثار طنطا أن فيها قبر أبيه وأمه! ... وقد مات ودفن إلى جانب أبيه ~~وأمه، فلعله الآن سعيد بقربهما في جوار الله ولعلهما به ... ~~... ولما عاد من زيارة المقبرة أملى علي مقالة «وحي القبور!» ~~••• # ثم ms187 عاد إلى موضوع الزواج يتناوله من بعض أطرافه، فأنشأ قصة «بنته الصغيرة» وهي الثالثة ~~مما نحل أئمة الصدر الأول من القصص، تحدث في «قصة زواج» عن سعيد بن المسيب، وتحدث في «سمو ~~الحب» عن عطاء بن أبي رباح، وتحدث هنا عن مالك بن دينار والحسن البصري. # في هذه القصة يتناول الرافعي موضوع الزواج على النحو الذي تناوله به في قصة «رؤيا في ~~السماء» على أنه باب إلى السمو بالإنسانية، وفيها - إلى ما فيها من الدعوة إلى الزواج وبر ~~البنات - شيء من الأدب الديني يضمها إلى سابقاتها. # ثم نشر بعد هذه القصة الجزء الثالث من «كلمة وكليمة» - العدد 84 سنة 1935 - وفيها كلمات ~~عن السياسة، وحديث عن المرأة، ونظرات في أخلاق بعض الناس أوحى إليه بمعانيها قضية كانت له ~~في المحكمة شغله أمرها وقتا ما، وقصة ذلك أن الرافعي كان اشترى قطعة أرض للبناء في شمال ~~المدينة، ونقد البائع ثمنها وجعل لها حدودا مرسومة، ثم أعجزه أن يبنيها فظلت خلاء، وكانت ~~هي كل ما حصل الرافعي من الاشتغال بالأدب أكثر من ثلث قرن، ثم طمع البائع أخيرا فيما ~~باع، فتحيف القطعة من أطرافها، واصطنع بينه وبين الرافعي مشكلة قانونية تعجزه عن بلوغ حقه ~~إلا بعد مطاولة تدفع إلى اليأس، وشكاه الرافعي وتأهب لمناضلته، واستعان عليه خصمه بواحد ~~من ذوي صهره يعمل مفتشا في وزارة العدل، فانتدب للتفتيش عن أعمال الرافعي الرسمية في ~~محكمة طنطا مهددا متوعدا، لعله يحمله بذلك على النزول عن بعض حقه! # طالت القضية بين الرافعي وخصمه، وتعددت جلسات المحكمة، وطالت كذلك دورة التفتيش وكثر تحدي ~~المفتش للرافعي حتى لزمه ثلاثة أشهر يفتش عن أعماله، فحص فيها عن بعض مئات من القضايا التي ~~قدر الرافعي رسومها، لعله يعثر له فيها على غلطة تحمله على الخضوع له، وغلطة في تقدير ~~الرسوم لقضية من القضايا معناها غرامة مالية ... ومن أين للرافعي؟ # وكنت متعودا أن أغدو على الرافعي في المحكمة في أوقات الفراغ، فلما علمت أن مفتشا عنده ~~أقصرت، فلما علم مني ms188 سبب امتناعي عن زيارته قال: «لا عليك وخل عنك هذا الوهم فلا تغير ~~شيئا من عادتك!» # وزرته بعد ذلك مرات والمفتش عنده، وكان يدنيني إليه في مجلسه، ويجعل كرسي إلى جانب ~~كرسيه خلف المكتب، ويتأبى على المفتش أن يذهب إليه حيث يكون، ليحمله على الحضور بنفسه ~~ليسأله عما يريد من غير أن يغادر مجلسه، وفي أحيان كثيرة كان يحضر إليه المفتش وأنا في ~~مجلسه ليسأله عن أمر من الأمر، فيدعه الرافعي واقفا ويتحدث إليه وهو جالس حديثا كله سخرية ~~وتهكم، ثم لا ينظر إليه إلا ريثما يجيبه عما سأل، ثم يغضي عنه ويدعه واقفا ليعود إلى ما ~~كان فيه من الحديث معي أو المطالعة في صحيفة أو كتاب! # وعلى أن المفتش لم يظفر بشيء مما أراد بالرافعي، فإنه استطاع أن يشغله بنفسه ثلاثة أشهر ~~أو يزيد، على رغم ما كان يبدو على الرافعي من إهمال شأنه وعدم الاكتراث به! ~~... ثم انتهت قضية قطعة الأرض إلى الحكم للرافعي، وانتهت كذلك دورة التفتيش على غير طائل، ~~ولكن هذه وتلك قد شغلتا الرافعي شطرا كبيرا من سنة 1935، وأوحت إليه بكلمات وكليمات مما ~~نشر لقراء الرسالة في هذه الفترة. ~~••• ~~... ولم يفرغ بعد كل أولئك مما يتصل بموضوع الزواج وشئون الأسرة، فكانت القصة التالية «زوجة ~~إمام» الإمام أبو محمد سليمان الأعمش وزوجه، وتلميذه أبو معاوية الضرير. # قصة أراد بها أن يستوفي موضوع الزواج بالحديث إلى النساء عن واجب الزوجة، وبها تم ما ~~أملاه علي في موضوع الزواج، وعدته ثلاث عشرة مقالة، أولها مقالة «س، أ، ع» وآخرها الجزء ~~الثاني من «قصة إمام». # وددت لو أن الرافعي حين أعاد نشر هذه المقالات في وحي القلم، نشرها على الترتيب الذي ~~كانت به، والذي رويت ما أعرف من أسبابه الظاهرة، فإن ذلك كان خليقا أن يعين الباحث على ~~دراستها مجتمعة متساوقة فصولها فصلا إلى فصل، ولكنه جمعها في وحي القلم على ترتيب رآه، ~~فجعل منها القصة، والمقالة، والحديث الديني، وجعل كل نوع من هذه الثلاثة في بابه، على ms189 أن ~~ذلك لا يمنع الباحث الذي يتهيأ للرأي في هذه المقالات أن يقرأها على الترتيب الذي قدمت ~~أسبابه وأسبابها معه. ~~••• # كان الرافعي قلما يجلس إلى مكتبه في المحكمة إلا أن يكون له عمل، فإذا لم يجد له عملا في ~~المحكمة انصرف لوقته إلى حيث يشاء غير مقيد بموعد من مواعيد الوظيفة، وكان يزورني أحيانا ~~في المدرسة ليقضي معي وقتا من الوقت أو ليصحبني لبعض حاجته، وكان يغبطني على عملي ويزعم ~~أنه لو كان في مثل هذا الجو المدرسي لوجد لنفسه كل يوم مادة تلهمه الفكر والبيان، ويعجب لي ~~كيف لا أجد في صحبة هؤلاء الصغار الذين يعيشون في حقيقة الحياة ما يوقظ في نفسي معنى الشعر ~~والحكمة والفلسفة ... # وزارني يوما، وكان من تلاميذي في المدرسة طفل في العاشرة أبوه من ذوي الحول والسلطان، ~~فكان يصحبه شرطي كل يوم إلى المدرسة ويعود به، وكان فتى لدنا، فيه طراوة وأنوثة، وله دلال ~~وصلف، فاتفق أن حضر إلي لشأن ما والرافعي معي، ووقف الشرطي ينتظره على مقربة من مجلسنا، ~~ونظر الرافعي إليه وقد وقف يكلمني وهو يتثنى ويتخلع لا يكاد يتقار في موضعه ... # ثم انصرف الغلام وانصرف الشرطي وراءه يحمل حقيبته، والتفت الرافعي إلي يسألني: «... وبين ~~تلاميذك كثير من مثل هذا الشمعون؟» # وكلمة «شمعون» عند الرافعي هي علم مشترك لكل فتى جميل، وتاريخ هذا الاسم قديم، يرجع ~~إلى أيام صلة الرافعي بالمرحوم الكاظمي؛ إذ كان الكاظمي له صديق من الغلمان يحبه ويؤثره ~~ويخصه بالسر ... وكان اسمه «شمعون»، حدثني الرافعي عنه قال: «وكان فتى جميلا لولا ثياب ~~الغلمان لحسبته أنثى ...!» ورآه الرافعي كثيرا في صحبة الكاظمي، فوعى اسمه وصورته، ثم كان ~~اسمه عند الرافعي من بعد علما على كل غلام متأنث ... ~~... قلت للرافعي: «هذا ابن فلان الحاكم، وهذا الشرطي الذي يتبعه هو من جنود أبيه، وإن من ~~خبره ...» # قال الرافعي: «وهذا موضوع جديد!» # فهذا كان سبب إنشائه قصة «الطفولتان». ~~••• # كان الرافعي يؤمن بالغيب إيمانا عميقا لا ينفذ إليه الشك، وكان له عن الشياطين ~~والملائكة، ms190 وعن الوحي والإلهام، وعن تجاوب الأرواح في اليقظة والنوم، أحاديث ينكرها كثير من ~~شباب هذا الجيل ... ~~... وكان له - إلى إيمانه وتدينه - نزوات بشرية تعقبها التوبة والندم، فكان أكثر وقته على ~~تربص دائم من وسوسة الشيطان، فكان إذا مرت أمامه امرأة فأتبعها عينيه، أو سمع حديثا عن ~~غائب فتعقبه بالحديث عن بعض شأنه أو ناله أحد بمساءة فردها إليه، استعاذ وحوقل، وقال: هذا ~~من عمل الشيطان! وإذا همت نفسه بشيء تنكره المروءة، أو دعته داعية من هواه إلى ما يتحرج ~~منه المؤمن، أو صرفه شأن من شئون الحياة عن واجب من واجبه، حمل نفسه على ما لا تحتمل، وأنكر ~~على نفسه ما همت به أو دعت إليه أو انصرفت عنه، وذم الشيطان وتجنى عليه الذنب، وفي ~~مقالته «دعابة إبليس» حديث يحقق هذا المعنى. ~~... فإني لمعه ذات مساء إذ جاءه البريد برسالة من آنسة في دمشق، ومعها صورتها مهداة ~~إليه، تبثه لواعجها وأشجانها، وتشكو إليه أنها ... مفتقرة إلى رجل! # ونظر الرافعي إلى صورة الفتاة فأطال النظر، ووقف الشيطان بينه وبين الصورة يحاول أن ~~يزيدها في وهمه حسنا إلى حسن، ويرسم له خطة ... # ثم وضع الصورة في غلافها وهو يقول: «أعوذ بالله من الشيطان ... أما إنه ...» # وقال شاب في المجلس: «وهل الشيطان إلا هوى النفس؟» # وقال الرافعي: «وهل تنكر؟» # وطال الجدل، ومضى الحديث في فنون ... # من هذا الحديث وهذه الحادثة كانت مقالة «الشيطان». ~~••• # وكان لولده سامي زوج لم يدخل بها، وقد مرضت بذات الصدر بعدما سماها وعقد عليها، فأقامت ~~زمنا في مصحة حلوان، ثم ارتدت إلى طنطا لتقيم بين أسرتها ما بقي، وزوجها حفي بها قائم ~~على شئونها، ثم جاء أجلها، فدعي الرافعي ليراها، فجلس إلى جانبها لحظات وهي تحتضر، فكان ~~له من هذا المجلس القصير مقالة «عروس تزف إلى قبرها!» # كنت ليلتئذ على موعد معه في القهوة، فظللت أنتظره ساعات، ولم يخلف الرافعي موعده معي مرة ~~من قبل، فلما طال بي الانتظار مضيت لشأني، وفي الصباح جاءني نعي الفتاة فعرفت عذره، فلما ms191 ~~كان العصر ذهبت في نفر من الأصحاب لتعزيته في دار صهره، والتمسناه فما وجدناه، وسألنا عنه ~~فعرفنا أنه آب إلى داره بعد الجنازة لبعض شأنه، ولقيته بعدها، فعرفت أنه ترك المأتم ~~والمعزين ليفرغ لكتابة مقاله قبل أن تذهب معانيه من نفسه! # يرحمه الله! لم يكن يمر به حادث يألم له، أو يقع له حظ يسر به، إلا كان له من هذا ~~وذلك مادة للفكر والبيان، وكأنما كل ما في الحياة من مسرات وآلام مسخر لفنه، فهي للناس ~~مسرات وآلام، وهي له أقدار مقدورة ليبدع بها ما يبدع في تصوير الحياة على طبيعتها وفي شتى ~~ألوانها، ليزيد بها في البيان العربي ثروة تبقى على العصور، وهو إخلاص للفن لم أعرفه في أحد ~~غير الرافعي! ~~••• # وإذ ذكرت السبب الذي دعا الرافعي إلى إنشاء مقالة «عروس تزف إلى قبرها!» أراني مسوقا ~~إلى ذكر حديث بيني وبين الرافعي يتصل بهذا الموضوع، وإنه ليدل على خلق الرافعي وطبعه، وهو ~~بسبب مما سميته فيه من قبل «فلسفة الرضا». # لم يكن لأحد رأي في خطبة هذه العروس إلى سامي، ولكنه هو خطبها لنفسه، وكان يحبها ويرجوها ~~لنفسه من زمان، ولم يكن بينهما حجاب، فإنها بنت خاله، فلما أجمع أمره على خطبتها بعدما ~~تخرج وصار له مرتب يكفيه، # 1 # ذهب يعرض أمره على والده، فعارضه فيما ذهب إليه لسبب سببه، ولكنه مع اعتداده ~~برأيه في هذه المعارضة تركه لهواه ولم يفرض عليه رأيه؛ إذ كان يرى من حق ولده أن يختار ~~زوجته لنفسه، فليس له عليه في هذا الشأن إلا أن يبذل له النصح ثم يدع له الخيرة في ~~أمره. # وخطب سامي فتاته، وعقد عقده، وكان حموه يعمل في مال فأكلته الأزمة، وقدر عليه رزقه بعد ~~سعة، ثم مرضت الفتاة مرضها، فأكرمها زوجها وقام على شئونها، وأنفق ما أنفق في طبها ~~وعلاجها سنتين أو يزيد، بين طنطا وحلوان! # وتداعت فنون الحديث يوما بيني وبين الرافعي حتى جاء ذكر سامي وزوجته، وكانت ما تزال في ~~مصحة حلوان، فقال لي ms192 الرافعي: «انظر! إنها حكمة الله فيما يجري به القدر! ضلت البشرية إن ~~هي حاولت النفاذ إلى الغيب لتتحكم في أقدار الناس ... ليس للإنسان خيرة من أمره، ولكنه قدر ~~مقدور منذ الأزل يربط أسبابا بأسباب، ويجري بالحياة وحدة متماسكة، فما يجري هنا هو بسبب ~~مما يجري هناك، فلا انفصال لشيء منها عن شيء ... ترى من ذا كان ينفق على هذه المسكينة ~~ليطب لها من دائها لو لم تكن الأقدار قد أحكمت نظامها وكان سامي هو زوجها؟ هل كان إصراره ~~على الزواج منها بعدما قدمت له من الرأي والنصيحة إلا لأنه في تدبير القدر مرجو لهذا ~~الواجب من بعد؟ لقد كنت مستيقنا من أول يوم أن من وراء هذا الزواج حكمة خافية، وإنني ~~اليوم وقد انكشف لي هذا السر العجيب في حكمته البالغة، لأشعر بكثير من الرضا إلى ما ~~كان!» ~~••• # ثم كتب مقالة «بين خروفين». # وهي تمت بسبب إلى مقالة «حديث قطين» وفيها حديث عن ولده عبد الرحمن وهو أصغر بنيه، وكان ~~الرافعي يرجوه ليكون من أهل الأدب، فما يزال يستحثه ويحمله على الدأب والمثابرة ليكون كما ~~يرجو أبوه، ويحمله بذلك الرجاء على ما لا يحتمل، وكان «الإيحاء» هو وسيلة الرافعي إلى ~~تشجيعه وتحميسه إلى العمل، ويبدو مثل من هذا الإيحاء فيما تحدث به الرافعي عنه في أول ذلك ~~المقال. # وكان الرافعي معنيا بمستقبل أولاده عناية كبيرة، فكان يحملهم على العمل بوسائل شتى، ~~وكثيرا ما كان يرسم لهم الخطة للتحصيل والمذاكرة، وقد وجدت بين أوراقه حديثا له إلى ولده ~~إبراهيم ينصحه ويرسم له منهجا ليهيئ نفسه للامتحان لو أنه اتبعه لكان اليوم غير من ~~هو! # ومن أجل أولاده أنشأ كثيرا من المقالات عن عيوب الامتحانات لمناسبات مختلفة كان ينشرها ~~في المقطم، وكانت له طلبات ومقترحات إلى وزارة المعارف أجابت أكثرها ولم ينتفع بها أحد من ~~ولده ومن أجلهم أنشأها! # أنشأ هذه المقالة قبيل عيد الأضحى، وكان اشترى خروفين للتضحية أودعهما فوق سطح الدار إلى ~~ميعاد، فما نزعه إلى كتابة هذا المقال إلا ms193 هذان الخروفان، ثم حاجته إلى أن يقدم إلى ولده ~~نموذجا في الإنشاء يعينه على بعض واجبه المدرسي. ~~••• # وكان للرافعي رأي فيما تنقل الصحف من أخبار تركيا، تفسره مقالة «تاريخ يتكلم»، وقد دعاه ~~إلى إنشاء هذا المقال أخبار تناقلتها الصحف في ذلك الوقت عن أحداث تجري في تركيا، رأى فيها ~~مشابها من حوادث سبقتها في مصر قبل ذلك بألف سنة في أيام الحاكم بأمر الله ~~الفاطمي. # وفي أحيان كثيرة كانت تثور نفس الرافعي لما يسمع من أخبار تركيا فيهم أن يكتب، ثم ~~يمنعه ذلك خشيته أن يكون فيما يكتبه شيء يقفه موقف المسئول عن غلطة تعكر صفاء ما بين ~~الدولتين، ثم جاءت مناسبة هذه المقالة فأنشأها وجعل الحديث فيها عن الحاكم بأمر الله، وهو ~~يعني رئيس الجمهورية التركية لذلك العهد، وكانت هذه التعمية وسيلته ليتهرب من التبعة ~~السياسية، ومنها كان الغموض في كثير من معاني هذا المقال، فمن شاء فليعد إليه ليقرأه وقد ~~عرف داعيه، فلعله لا يجد غموضا فيه من بعد. # ومن أجل هذا السبب ولهذا المقصد نفسه، كان مقاله «كفر الذبابة»، الذي أنشأه على أسلوب ~~كليلة ودمنة بعد ذلك بأشهر. ~~••• # ثم هل هلال المحرم، وتهيأت الرسالة لإصدار «العدد الممتاز» في ذكرى الهجرة، فكتبت إلى ~~الرافعي فيمن كتبت من أسرة الرسالة، تطلب إليه أن يهيئ موضوعا مناسبا لذكرى الهجرة، ~~وضربت له أجلا، واستبق الرافعي الميعاد فأعد قصة «اليمامتان» وبعث بها إلى الرسالة قبل ~~موعد العدد الممتاز بأكثر من أسبوع، وحسبت الرسالة أنه بعث إليها بمقاله الأسبوعي المعتاد، ~~وأنه ما يزال يعد موضوعه للعدد الممتاز، فنشرت قصة اليمامتين قبل موعدها، وكتبت إليه ~~تستنجزه المقال ... وكان الرافعي متعب الأعصاب، يشكو وجعا في أضراسه يثقل رأسه، وقد غاظه أن ~~الرسالة فوتت عليه الفرصة فسبقت إلى نشر القصة التي أعدها للعدد الممتاز قبل موعدها وتركته ~~في حيرته، ولم يجد في نفسه خفة إلى العمل، فذهب إلى أوراقه القديمة يفتش بينها عن موضوع ~~خليق بالنشر في هذه المناسبة، فوقع على مقالة «حقيقة المسلم»، وكان كتبها ms194 قبل ذلك بسنتين ~~إجابة لدعوة جمعية الكشاف المسلم بالشام، # 2 # ونشرها بالأهرام في ذكرى المولد النبوي لسنة 1352ه، فبعث بها إلى الرسالة ~~لتنشر في العدد الممتاز لسنة 1354ه. # يتحدث الرافعي في قصة اليمامتين عن الفتح الإسلامي، وأخلاق العرب، وتعريب مصر الفرعونية ~~الرومانية، وافتتان القبط بسجايا العرب ومزايا الإسلام، وفيها إلى ذلك حديث عجيب عن الحب ~~والمرأة في قصة خيالية افتعلها ليبلغ بها ما في نفسه من معاني الحب، ثم جعل في خاتمتها ~~«نشيد اليمامة» اليمامة التي تقول الرواية العربية إنها تحرمت في جوار عمرو بن العاص ~~فمنعته أن يقوض فسطاطه! # كان لهذه القصة عند الرافعي وعند كثير من قراء الرسالة موقع لم تبلغه قصة سعيد بن المسيب، ~~وقد افتتن بها القراء، حتى كان منها أن اهتدى إلى الإسلام أستاذ مسيحي من أساتذة التاريخ في ~~بلاد الجزائر، فكتب إلى الرافعي رسالة يعلن فيها إليه إسلامه، ويسأله الوسيلة إلى دراسة ~~هذا الدين والتفقه فيه، ولم أعثر على هذه الرسالة بين ما خلف الرافعي من رسائل أصدقائه ~~إليه. # ومن اعتداد الرافعي بهذه القصة وبما بلغ فيها من التوفيق، جعلها فاتحة الجزء الأول من ~~كتابه «وحي القلم». # ولم يكفه أسبوع للاستجمام والخلاص مما يعاني من وجع الضرس وتعب الأعصاب، فاستراح أسبوعا ~~آخر وبعث إلى الرسالة بالجزء الرابع من «كلمة وكليمة». ~~••• # ثم وقعت حادثة اهتزت لها نفس الرافعي اهتزازا عنيفا ونقلته من حال إلى حال: جلست ~~يوما إليه نتحدث من أحاديثنا فقال: «... إن صديقنا الأستاذ «م» لم يكتب إلينا من زمان ... ليت ~~شعري ما منعه عنا، إن بي قلقا عليه وفي نفسي أن أراه أو أعرف من خبره!» # وفي صبيحة اليوم التالي طالعتنا الأهرام بخبر غامض: «... أن شابا من الأدباء، هو ابن شيخ ~~كبير من شيوخ الأزهر، قد حاول الانتحار بقطع شريان في يده! ...» # وقرأ الرافعي الخبر فاربد وجهه وانفعلت نفسه، وقال: «اقرأ، إنه هو ...!» # قلت: «من تعني؟» # قال: «صديقنا «م» لقد غلبه شيطانه على دينه آخر الأمر. غفر الله له!» # فجزعت وطارت نفسي، وقلت ms195 له وأكاد أغص بريقي: «م؟ إنك لتتوهم، وإنك مما تفكر في شأنه ~~ليخيل إليك، إن لصديقنا دينا، وإن فيه تحرجا وخشية وما أراه في أي أحواله يقدم على ~~مثل هذه الجريمة.» # ولكن الرافعي لم يلتفت إلى ما أقول، وأخذ يحوقل ويسترجع ويستعيذ بالله من غلبة الهوى ~~وفتنة الشيطان، ثم مد يده إلى مكتبه فكتب رسالة إلى «م» يسأل عن حاله وخبره ويرجو له ~~العافية في دينه ودنياه، ثم يطلب إليه أن يصف له ما كان منه وما حمله عليه وما آل إليه ~~أمره، ولم ينس مع كل أولئك ومع ما تفيض به نفسه من الحزن والألم أن يرجوه «الدقة في وصف ~~المرحلة التي كان فيها بين الحياة والموت، فإنها المرحلة التي لا يحسن أن يصفها إلا من ~~أحس بها ...» # وصديقنا الأستاذ م أديب واسع المعرفة، له دين ومروءة، وفيه تحرج وخشية، وقد نشأ في بيت له ~~ماض في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه والذود عن حرماته، وهو شاب عزب، بعيد الخيال، ~~دقيق الحس، مرهف الأعصاب، وعلى أنه يعيش في ظل وارف ونعمة سابغة، فإنه من سعة خياله ودقة ~~حسه وحدة أعصابه متشائم النظرة، لا تراه إلا رأيت في وجهه وعلى طرف لسانه معنى دفينا ~~من معاني الألم، وما يرى نفسه في أكثر أحواله إلا غريبا في هذا العالم وبين هذا الناس، فإن ~~له من خياله دنيا غير دنيا الناس، وعالما غير هذا العالم، يتمثل فيه المثل الأعلى الذي ~~أعياه أن يبلغه على هذه الأرض، وكان بينه وبين الرافعي ود وله في نفسه مكان، فكان له ~~سره ونجواه منذ كان فتى يافعا لم يبلغ العشرين. # وكان الرافعي يعتد بصداقته ويقر له ويعجب بدينه وتقواه ويتوقع له مستقبلا مجيدا ~~بين المجاهدين من أهل الأدب ودعاة الإسلام. # فلما بلغ الرافعي نبأ شروعه في الانتحار جزع وتطير وضاقت نفسه، وناله من الهم ما لم ~~ينله لحادثة مما لقي من دنياه، فمن أجل هذه الحادثة أنشأ مقالات «الانتحار». # ولم يكن الرافعي يعلم من أحوال صاحبنا ms196 ما دفعه إلى هذه المحاولة الطائشة، فأخذ يتكهن ~~وينتحل الأسباب ليبني عليها الحديث والقصة، فما جاء جواب الأستاذ «م» إلا بعد المقالة ~~الثالثة، فأخذ من هذا الجواب مادة الجزء الرابع من هذه المقالات، وجعل الحديث في هذا الجزء ~~على لسان «أبي محمد البصري» وهو يعني به الأستاذ «م» فهو هو، وكلامه كلامه في جملته ومعناه، ~~لم يغير منه الرافعي إلا قليلا من قليل، فما يدل على حالة صاحبنا إلا المقالة الرابعة من ~~هذه المقالات الست، أما ما عداها مما سبق أو لحق، فهي قصص مفتعلة من وحي هذه الحادثة في ~~نفسه. # ومقالات الرافعي في «الانتحار» هي باب من الأدب لم ينسج على منواله في العربية فيها فن ~~القصصي، وفيها روح المؤمن الذي لم تفتنه دنياه عن ربه، وفيها إلى ذلك شعر وفلسفة وحكمة، ~~وقلب رجل يعيش في حقيقة الحياة. ~~••• # وكان بين الرافعي والأديب حسن مظهر محرر اللطائف المصورة مودة، فلما تولى تحرير اللطائف ~~كتب إلى الرافعي يرجوه أن يكتب فصلا لقراء اللطائف عن «سحر المرأة» فكتب فصلا بديعا يصف ~~فيه نفسه وصاحبته «فلانة» في أول لقاء بينهما. # فلما فرغ من مقالات «الانتحار» تناول هذا الفصل فزاد فيه ما زاد وبعث به إلى الرسالة ~~بعنوان «ورقة ورد»؛ لأنه سار فيه على نهج كتابه المعروف «أوراق الورد»، فهذا الفصل عنده هو ~~من تمام هذا الكتاب. ~~••• # وكان من زملاء الرافعي في محكمة طنطا الأديب فؤاد ... وهو شاب له ولوع بالأدب، وعلى أنه زوج ~~وأب، فإنه كان بأناقته ولباقته مرعى أنظار كثير من الفتيات، وكان له في الغرام جولان ~~... # ثم فاء إلى نفسه بعد حين، فانصرف عن اللهو والغزل إلى شئون أسرته وولده، وراح ينشر بعض ~~مغامراته الغرامية في إحدى الصحف الصغيرة التي تصدر في طنطا ... # وقرأ الرافعي بعض ما ينشر صاحبنا، فرأى «علما جديدا» لم يدخل إليه من باب ولم يقرأه في ~~كتاب، فأرسل يستدعي صاحب هذه المقالات إليه؛ ليفيد علما من علمه وتجاربه ... # وجلس صاحبنا يتحدث إلى الرافعي ويقص عليه، والرافعي صاغ ms197 إليه ملذوذ بما يسمع، فما انتهى ~~صاحبنا من حديثه حتى كان على موعد مع الرافعي أن يحضر له طائفة من مذكراته ورسائل صواحبه؛ ~~لعله يجد فيها موضوعا يكتبه لقراء الرسالة. # فمن هذه المذكرات وتلك الرسائل استملى الرافعي مقالات «الطائشة» و«دموع من رسائل الطائشة» ~~و«فلسفة الطائشة». # هي قصة لا افتعال فيها وليس فيها شيء من صنع الخيال، وما حكى الرافعي من رسائل الطائشة هو ~~من رسائلها نفسها كما نقلها إليه صاحبها، وفلسفتها هي فلسفتها كما فهمها الرافعي من رسائلها ~~ومما كان من أمرها مع صاحبها. # ولقد نال الرافعي من ملامة الفتيات ما ناله بسبب هذه المقالات، وقرأها أكثر من قرأها ~~منهن على أنها قصة من الخيال اخترعها الرافعي ليحتج بها فيما يحتج لمذهبه في الحب والمرأة ~~وتجديد الأخلاق، والحقيقة فيها هي ما قدمت، وقد زاد الرافعي إيمانا بمذهبه بعد هذا الذي ~~سمع من صاحبه وقرأ من مذكراته ومن رسائله! # ولم يكتب الرافعي قصة «الطائشة» على أنها قصة؛ إذ كان صاحبها قد كتب قصتها على طريقة من ~~فنه، فآثر الرافعي أن يتناولها من أطرافها ليحكم بها حكمه ويتحدث عن رأيه في طائفة من فتيات ~~العصر، فترك صلب القصة ليكون حديثه تعليقا وحاشية. # وقد قرأت القصة مع الرافعي كما أنشأها كاتبها، فكان الرافعي يقف عند كثير من عباراتها ~~موقفا بين الإعجاب والدهشة؛ إذ كان مؤلفها يكتب ما في نفسه كما هو في نفسه، فكان فيها وحي ~~عاطفته، ونبض قلبه، وإحساس روحه، فجاء بأدق ما في الفن وأبلغ ما في التعبير غير قاصد إلى ~~شيء من ذلك، وما كان يبلغ شيئا من ذلك لو أنه قصد إليه؛ إذ لم يكن هو بين أهل البيان في ~~هذه المنزلة، ولكنه كان من أهل الحب، وكان هذا دليل الصدق عند الرافعي فيما كتب صاحبه وما ~~نقل إليه من قصة صاحبته. # ولما كتب المقالة الثالثة «دموع من رسائل الطائشة» خلا إلى نفسه أسبوعا ليستجم، وبعث إلى ~~الرسالة بالجزء الرابع من «كلمة وكليمة» وفيها حديث عن العقاد. # 3 # وفي ms198 هذا الأسبوع كان الرافعي يجمع خواطره حول ما سمع من قصة الطائشة، فأنشأ مقاله الرابع ~~بعنوان «فلسفة الطائشة». # ثم أملى علي مقالة «كفر الذبابة» يعني بها الحكومة التركية لبعض ما ذهبت إليه في شئون ~~الإسلام والعربية، وهي آخر ما أنشأ من الفصول على أسلوب كليلة ودمنة. # وكانت مقالة «كفر الذبابة» هي آخر ما أملى علي من المقالات، وذلك في صيف سنة 1935، ثم ~~تهيأ للسفر إلى مصيفه في سيدي بشر، وتهيأت للسفر إلى القاهرة لبعض شئون العمل المدرسي، ~~وانتقلت بعدها إلى القاهرة فكانت فيها إقامتي، فلم أكن ألقاه أو يلقاني إلا ساعات كل أسبوع، ~~فأسبوعا أزوره في طنطا، وأسبوعا يزورني في القاهرة، على أن الرسائل فيما بين ذلك لم ~~تنقطع بيننا حتى يناير سنة 1937، قبل موته ببضعة أشهر، ثم تجافينا لشأن ما، فما التقينا إلا ~~مرة واحدة قبل موته بشهرين، وكان آخر مجلس لنا في قهوة «پول نور» بالقاهرة مع الأصدقاء: ~~شاكر، وزكي مبارك، وكامل حبيب، والسيد زيادة، ثم افترقنا بعد منتصف الليل وفي نفسي منه ~~أشياء ...! # وفي صبيحة الغد بدأت المعركة الأخيرة بينه وبين الدكتور زكي مبارك حول «وحي ~~القلم». ~~... ومضى شهران بعد تلك الليلة لا ألقاه ولا يلقاني، وهو يشكوني إلى صحابتي وأشكوه، حتى ~~جاءني نعيه ... غفر الله لي! # لكأنما كانت هذه القطيعة بيننا وقد دنا أجله؛ لتخفف عني وقع المصاب من بعد، أو لتحملني - ~~غير محمول من أحد غير واجبي - على كفارة الذنب الذي أذنبت بهذه القطيعة، فأبذل ما في ~~الطاقة من الجهد الجاهد لكتابة هذا التاريخ لعلي أقوم له بعد موته بالحق الذي عجزت عن ~~وفائه في حياته. يرحمه الله! ~~••• ~~... لم يمل علي الرافعي شيئا بعد مقالة كفر الذبابة، ولكنه طلب إلي أن أنسخ له صورة ~~من مقال كان نشره في المقتطف قبل ذلك بسنوات عنوانه «سر النبوغ في الأدب». # فلما سافر إلى مصيفه بعث إلى الرسالة بمقاله «كلمات عن حافظ» لمناسبة ذكراه، ثم أصابته ~~قرحة في كفه منعته من العمل، فأخذ مقالة «سر النبوغ في الأدب» ms199 فجعل عنوانها «الأدب ~~والأديب» ثم جعلها مقالة الأسبوع التالي، وهي مقالة من مقالات الرافعي الفريدة، تهم الباحث ~~الذي يريد أن يدرس الرافعي صاحب «تاريخ آداب العرب». ~~••• # ثم توالت مقالات الرافعي يمليها على نفسه ويكتبها بخطه، على أني بما كنت ألقاه وبما كان ~~بيني وبينه من الرسائل إلى ما قبل موته بأشهر، لم يفتني أن أعرف دوافعه إلى كثير مما كتب ~~بعد ذلك من المقالات لقراء الرسالة، فسأحرص - تماما لهذا البحث - على أن أذكر ما أعرف من ~~دوافع بعض المقالات التي أنشأها وحده من بعد، غير معتبر ترتيبها في النشر؛ إذ لا عماد لي ~~فيما أكتب عنها إلا الذاكرة. # من هذه المقالات: الجمال البائس، القلب المسكين، المشكلة، المجنون، أحاديث الباشا. # أما مقالات «الجمال البائس» فقد أملاها عليه حب جديد وليلى جديدة، ولكنه حب كما وصف الرافعي: «... وأنا على كل أحوالي إنما أنظر إلى الجمال كما أستنشي العطر يكون متضوعا في ~~الهواء، لا أنا أستطيع أن أمسه ولا أحد يستطيع أن يقول أخذت مني، ثم لا تدفعني إليه ~~إلا فطرة الشعر والإحساس الروحاني، دون فطرة الشر والحيوانية، ومتى أحسست جمال ~~المرأة أحسست فيه بمعنى أكبر من المرأة، أكبر منها، غير أنه هو منها! ~~... ولكنه عاشق ينير العشق بين يديه، فكأنه هو وحبيبته تحت أعين الناس، ما تطمع إلا ~~أن تراه وما يطمع إلا أن يراها، ولا شيء غير ذلك، ثم لا يزال حسنها عليه ولا يزال ~~هواه إليها، وليس إلا هذا. # والذي هو أعجب أن ليس في حبه شيء نهائي، فلا هجر ولا وصل، ينساك بعد ساعة، ولكنك ~~أبدا باقية بكل جمالك في نفسه، والصغائر التي تبكي الناس وتتلذع في قلوبهم كالنار ~~ليجعلوها كبيرة في وهمهم ويطفئوها وينتبهوا منها ككل شهوات الحب، تبكيه هو أيضا ~~وتعتلج في قلبه، ولكنها تظل عنده صغائر ولا يعرفها إلا صغائر، وهذا هو تجبره على ~~جبار الحب!» # 4 # حب هو سمو بالنفس فوق نوازع البشرية إلى غيب السموات يتنور في عوالمها الخفية نور ~~الإنسانية في حقائقها العالية. ms200 # بدأ ذلك الحب في صيف سنة 1935، وكان الرافعي يصطاف في سيدي بشر، ثم كان يقصد إلى ~~الإسكندرية أحيانا؛ ليلقى صديقه السياسي الأديب الأستاذ حافظ عامر - رحمه الله - وكان ~~بينهما صلات من الود ترجع إلى نحو عشرين سنة منذ كان الأستاذ حافظ محاميا في ~~طنطا. # وكان صديقه يقضي إجازته في الإسكندرية، مشغولا بكتاب يهم أن يصدره في شأن من شئون ~~الإسلام وكان الرافعي يعاونه في إنشائه ... # 5 # وكانا يتواعدان على اللقاء في ملهى من ملاهي الإسكندرية على شاطئ البحر، حيث تتهيأ لهما ~~الفرصة، من هدوء المكان في النهار وقلة إقبال الناس عليه، لما هما فيه من عمل. # في هذا الملهى كانت تعمل فرقة الراقصة المشهورة «ببا» فيعج كل مساء بمن يفد إليه من ~~طلاب اللهو والهوى، ليفرغ للرافعي وصاحبه في النهار يداولان الرأي في شئون الأدب والدين ~~والفلسفة، وشتان ليله ونهاره! # وكثر تردد الرافعي وصاحبه على هذا الملهى حتى ألفهما المكان وألفا ما فيه، وألفهما فيمن ~~ألف فتاة من راقصات الفرقة، هي الإيطالية الحسناء «ب ...» فما كان بينها وبين الرافعي إلا ~~نظرة وجوابها ثم كانت قصة حب ... # وجلس الرافعي إليها يتحدثان ذات نهار، وكشفت له عن صدرها وكشف لها، فكان بينهما حديث ~~طويل، شهده المرحوم حافظ عامر من بدايته إلى منتهاه، ثم ترك الرافعي لهواه وتركته ~~صاحبته ... # وذاق الرافعي مرة أخرى لوعة الحب وبرحاء الهوى، وكانت محبوبته الأخيرة راقصة من بنات ~~الهوى تعمل في مسرح هزلي من مسارح الصيف المتنقلة بين شواطئ الإسكندرية ...! # تلك هي صاحبة «الجمال البائس». ~~••• # وانتهت أشهر الصيف وعاد الرافعي إلى طنطا، وعادت الفرقة الراقصة إلى القاهرة، وشت ما ~~بين الحبيبين! # ولقيت الرافعي بعدها، فحدثني حديثه والكلمات ترتعش على شفتيه وفي عينيه بريق عجيب، ثم ~~رق صوته وتهدج وهو يقول: «مسكينة! ليتني أستطيع أن أبلغ ما في نفسها لأعلم ما تشكر من ~~حظها وما تنكر ... ليس موضعها هناك، ولكنه القدر!» # ولقيته في القاهرة ذات مساء، وقد فرغ من مقالات «الجمال البائس» فدعاني أن أصحبه إلى ~~الملهى الذي تعمل ms201 فيه ليراها من بعيد، وأرسل من يطلب له تذكرتين عند شاب من أبناء عمومته ~~يعمل في «دار الهلال» وأبطأ عليه الرسول فلم ينتظر، فنهض ونهضت معه واتخذ طريقه إلى «عماد ~~الدين» ... # ووقف بالباب ينظر الصور ويقرأ الإعلان وهو يسألني: «أين اسمها؟ وأين صورتها؟ وأين ... وأين ~~هي؟» # وطالت وقفته وهو ينظر إلى صورتها في إطار كبير إلى جانب الباب يضم صورتها إلى صور شتى من ~~راقصات الفرقة، ما منهن إلا لها جمال وفتنة، ولكن عينيه كانتا تنظران إلى صورة واحدة، إلى ~~صورتها! # ثم تحول عن الباب مسرعا عجلان وهو يجمجم بكلام لا يبين. # وقال لي وقد أسرعت إليه حتى حاذيته: «أيليق أن ندخل هذا المكان؟ أتراه من المروءة؟ وددت ~~لو رأيتها، ولكن ...» # وانتهينا إلى قهوة «پول نور» فجلس وجلست، ومضى يتحدث عن السحر والشعر وفتنة الجمال، فما ~~هي إلا لحظة ثم مرت بنا منحدرة من شارع فؤاد إلى شارع سليمان باشا، فأتبعها عينيه من نافذة ~~إلى نافذة حتى توارت في مزدحم الناس، ثم عاد إلى نجواه وشكواه ... # وجلس مرة يتحدث إلى الأديب حسن مظهر محرر «اللطائف» عن ذات «الجمال البائس»، فأهدى إليه ~~صورتها، فظلت هذه الصورة معه إلى أخريات أيامه لا تفارقه. # ولقد كان يحسن الظن بعلمها وفهمها، حتى ليحسبها من قراء الرسالة، فمن أجلها كتب مقالات ~~الجمال البائس؛ لتعرف موضعها من نفسه! # وكان لا ينفك يسأل: «أتراها علمت ...؟ أتراها قرأت ...؟» # وما أحسبه لقي صاحبا من أصحابه إلا تحدث إليه عن صاحبة الجمال البائس ... جلست منذ قريب ~~إلى الأستاذ توفيق الحكيم نتحدث عن الرافعي ونذكر من خبره فقص علي، قال: «كان الرافعي ~~يجلس على هذا الكرسي، من هذه الغرفة، وكان ذلك قبل منعاه بأشهر قليلة، ومضى الحديث بيني ~~وبينه حتى جاء ذكر صاحبة الجمال البائس، فأخذ الرافعي يصفها لي وصفا لا أجد أبلغ منه ولا ~~أجمل من صاحبته، وطاوعه القول على تصويرها كما هي في نفسه، فما كانت عندي بما وصف إلا امرأة ~~قد اجتمع لها من ألوان الجمال وفنون الحسن ms202 وسحر الأنوثة ما لم يجتمع مثله لامرأة، وتمثلت ~~صورتها لعيني كما أراد أن يصف، فلما بلغ آخر الحديث عنها، قدم إلي صورتها في ورقة ~~لأرى بعيني مصداق ما سمعت ...» # قال الأستاذ توفيق الحكيم: «ونظرت إلى الصورة التي صورها لي حديث الرافعي وإلى الصورة ~~التي في الورقة، فكأنما استيقظت من حلم جميل! ... يرحمه الله، لقد كان شاعرا ...!» # كذلك كان سلطانها في نفسه وأثرها في خياله! ~~••• # وكانت نشأة هذه الفتاة في طنطا لأول عهدها بالرقص، وكانت تعمل مع فرقة قروية أقامت ~~«خيمتها» في طنطا بضع سنين، ولم يكن الرافعي يعلم ذلك من خبرها يوم التقيا في الإسكندرية في ~~صيف سنة 1935، فما عرف ذلك إلا مني حين رأيتها في فرقة «ببا» ونظرت صورتها، فلما عرف من ~~ماضيها في طنطا ما عرف، أغمض عينيه وراح في فكر عميق ... أتراه قد لقيها من قبل في طنطا ولم ~~يكن يذكر، أم كان ينظم شعرا لم يجهر به ولم يسمعه أحد؟ # والعجيب أن الرافعي وهو في غمرة هذا الحب الجديد لم ينس صاحبته «فلانة» ولم يفتر حبه ~~لها، بل أحسبه كان أكثر ذكرا لها وحنينا إليها مما كان، وكأنما كان قلبه في غفوة فأيقظه ~~الحب الجديد ورده إلى ما كان من ماضيه. # لقد كان قلب الرافعي عجيبا في قلوب العشاق، ليت لي من يستطيع أن يكشف عن أعماقه! # وبسبيل وحي هذا الحب الجديد وما أذكره من ماضيه، كانت قصة «القلب المسكين» التي نشرها ~~في الرسالة نجوما من بعد، ثم ضمها إلى أصول الجزء الثالث من وحي القلم الذي طبع بعد ~~وفاته. ~~••• # أما موضوع «المشكلة» # 6 # فقد استملاه الرافعي من رسائل قرائه إليه، وصاحب هذه المشكلة هو صديقنا الأستاذ ~~كامل ح. وهي كانت أول صلته بالرافعي، ولقد كانت قبل أن يكتب إليه مشكلة اثنين: هو وهي. ~~فصارت من بعد مشكلتهما ومشكلة الرافعي معهما؛ إذ لم يجد لها حلا، ولقد شغلته هذه ~~المشكلة زمنا غير قصير، ثم اتصل بموضوعها عن كثب حين اتصلت أسبابه بصاحبها وصاحبته، وقد ~~كتب الرافعي ms203 ما كتب في هذا الموضوع، ثم مضى وخلف دنياه وما تزال هذه المشكلة قائمة تنشد ~~من يحل عقدتها ... # كان ذلك في الخريف من سنة 1935 حين جمعتني ظروف العمل بصديقي الأستاذ كامل، فلم يمض على ~~تعارفنا أيام حتى استودعني كل السر ... ~~... فقد أمه وهو غلام، فلم يلبث غير قليل حتى حلت غيرها محلها في بيت أبيه، وكان أكبر ~~ثلاثة إخوة، فاقتضاه حق أخويه عليه أن يستشعر معاني الرجولة وما يزال في باكر الشباب، ورأى ~~أبوه أن عليه شيئا لهذا الرجل الصغير، فسمى عليه بنت خاله قبل أن يدرك، ورأت تقاليد ~~الريف الذي نشأ فيه أن عليها دورا في هذه القصة، فحجبت الفتاة عن خطيبها ولما تبلغ ~~التاسعة وأغلقت دونهما الباب ... ومضت سنوات وسنوات وسنوات وهو لا يراها ولا تراه، وفرغ من ~~حسابها بينه وبين نفسه، ثم نسي ما كان وما ينبغي أن يكون، وكان يبغضها بغض الطفل والطفلة ، ~~فلما باعدت بينهما السنون انقطعت بينهما أسباب الكره والمحبة فلا يذكرها ولا يذكر شيئا ~~من خبرها ... # وانتهى الفتى إلى مدرسته العالية، وابتعد عن أعين الحراس والرقباء في القرية، فمضى على ~~وجهه في القاهرة العظيمة يلتمس لذات الشباب ... # وكان له فكر وفلسفة، وفيه خلق ودين ومروءة، وبين جنبيه قلب يحس ويشعر ويتأمل، وعلى أنه ~~كان يهيئ نفسه ليكون من أساتذة «العلوم» فإنه كان ولوعا بالأدب مشغوفا بمطالعاته، فكان له ~~من ذلك روح وعاطفة، وكان في دمه ثورة وغليان، وكان في عقله مثال يريد أن يحققه، وكان في ~~رأسه شعر يحتاج إلى بيان، وكان له من كل أولئك قلب يتحفز لوثبة من وثبات الشباب في قصة حب، ~~ثم لم يلبث أن اشتبك في الملحمة ... # وأحب فتاة من بنات القاهرة وأحبته، فما كان له من دنياه إلا الساعة التي يلتقيان فيها، ~~وما كان لها ... # وأجمع أمره على أن يتزوجها لينعما بالحب ويحققا المثل الذي ينشدانه، وكان قد مضى على ~~الباب المغلق بينه وبين الفتاة المسماة عليه بضع عشرة سنة ... فما يذكرها ولا يفكر فيها ~~... # وكان ms204 نائما يحلم حين ترامى الخبر إلى أبيه بما أجمع أمره عليه، فما وجد أبوه وسيلة ~~لإنقاذه إلا تعجيل زفافه إلى بنت خاله وفاء بوعد مضى في ذمة التاريخ ...! # غضب الفتى واحتج وثارت كبرياؤه ورجولته، وأبى أن ينزل على رأي أبيه في شأن هو من خاصة ~~شئونه، ولكن الكثرة من أعمامه وأخواله قد غلبته على إرادته، وساقته في عماية إلى دار خاله ~~ليزف على عروسه ثم يصحبها في السيارة من ليلته مرغما إلى بيته في القاهرة ... وابتدأت ~~المشكلة ... ~~... هذه الفتاة هي بنت خاله، وهي زوجه أمام الله والناس، ولكنه لا يحبها، ولكنه لا يطيق أن ~~ينظر إليها، وإن فتاة أخرى تنتظره، وإن عليه لها واجبا تحتمه عليه رجولته ... # وما أطاق أن يمنح زوجه نظرة أو يبادلها كلمة على طول الطريق حتى بلغت السيارة بهما ~~الدار في القاهرة ... كانت إلى جانبه ولكنه هناك، عند صاحبته التي فتنته واستولت عليه، فما ~~نظر إلى وجه زوجه لأول مرة منذ بضع عشرة سنة إلا حين همت أن تنزل من السيارة لتدخل داره ~~... # وكان حريا أن تئوب إليه نفسه حين نظر إليها فيعود إلى الحقيقة التي كتب عليه القدر أن ~~يعيش فيها، ولكنه لم يفعل، وما رأى زوجته حينئذ إلا سجانه الذي يحرمه أن يستمتع بالحرية ~~التي وهبها له الله يوم وهب له الحياة، وتأرثت في نفسه البغضاء من يومئذ لهذه المسكينة ~~...! # وعاشت في بيته بضعة أشهر كما يعيش الضيف، لا يقاسمها الفراش، ولا يؤاكلها على المائدة، ~~ولا يؤنسها من وحشتها بكلمة ... فما تراه ولا يراها إلا في الصباح حين يخرج إلى عمله، وفي ~~المساء حين يعود إلى داره قبل منتصف الليل، وما كان بينهما من صلة تجمعهما إلا البغضاء التي ~~تؤج في صدره، والحسرة التي تتسايل دموعا من عينيها، وإلا هذه الخادم التي تقوم لسيدها ~~بشئونه وتقوم لها ... # ولم يفتر صاحبنا عن لقاء صاحبته والاختلاف إلى ملتقاهما. # على أن ذلك لم يزده إلا ولوعا بحبيبته وتبرما بزوجته ... ومضت الأيام تباعد من ناحية ~~لتقرب من ناحية، ms205 حتى جاء اليوم الذي وجد صاحبنا فيه أنه غير قادر على احتمال هذه الحياة ~~أكثر مما احتمل ... فمضى يدبر أمرا للخلاص من هذه المشكلة، ولكن المشكلة زادت تعقيدا على ~~الأيام ولم يجد وسيلة إلى الحل ...! # كان كل طريق يفكر فيه للخلاص محفوفا بأشواك، فلا هو يرضى أن يطلق زوجه، ولا هو يطيق أن ~~يهجر حبيبته، وليس في استطاعته أن يجمع على نفسه همين، وكان تفكيره في ذلك هما ثالثا ~~يضنيه وينهك أعصابه ويعرق عظامه! # وكتب إلى الرافعي يستفتيه في مشكلته ... # كنت مع كامل حين كتب قصته إلى الرافعي، وفي مساء اليوم التالي كنت في مجلس الرافعي بطنطا ~~وبين يديه قصة صاحب المشكلة لم يفض غلافها بعد ... # وقرأ الرافعي الرسالة ثم دفعها إلي وهو يقول: «ماذا ترى حل هذه المشكلة؟» # قلت: «لقد جهدت جهدي قبل اليوم فما أفلحت!» # قال: «أوتعرف صاحب المشكلة إذن ...؟» # قلت: «نعم، وما كتب إليك هذه الرسالة إلا برأيي.» # وأطرق الرافعي هنيهة يفكر وفمه إلى الكركرة (الشيشة) كما هي عادته حين يستغرقه الفكر، ثم ~~رفع رأسه إلي قائلا: «تعرف؟ إن صاحبك لمفتون بصاحبته إلى درجة الحمق والسفه، وما ~~تنحل هذه المشكلة إلى أن يكون له مع نفسه إرادة صارمة ويكون له سلطان على هواه، وهيهات أن ~~يكون له! فما هنا إلا وسيلة واحدة ترده إلى رشاده فتنحل المشكلة ...» # قلت: «فما هذه الوسيلة؟» # قال: «أن تدخل بينه وبين صاحبته دخول الشيطان، فتفرق بينهما ... أتراك تستطيع؟» # فضحكت وقلت: «ثم ماذا؟» # قال: «فإذا بدا له من سيئاتها ما ينكر، وإذا بدا لها ... انتهى ما بينهما إلى القطيعة ~~فيعود إلى زوجه نادما، وإن مرور الأيام لخليق أن يؤلف بينهما من بعد.» # قلت: «فهمت، ولكن ماذا تراني أقول حتى أبلغ من نفسه ومن نفسها ما تريد؟ وهبني عرفت أن ~~أقول له، فمن أين لي أن أستطيع لقاءها فأتحدث إليها؟» # قال: «اسمع، أتراها تقرأ؟» # قلت: «إنني لأعرف مما حدثني عنها أنها قارئة أديبة، وأنها من قراء الرسالة، وقد كان فيما ~~أهدى صاحبها إليها كتاب ms206 أوراق الورد، وأحسبها تنتظر ما تكتبه في هذه المشكلة، فقد حدثها ~~صاحبها أنه كتب إليك ...» # قال: «حسن! فسأجرب أن أكون شيطانا بينهما، بل ملكا يحاول أن يرد الزوج الآبق إلى ~~زوجته بوسيلة شيطانية ...!» ~~••• # وكتب الرافعي المقالة الأولى من مقالات المشكلة، وكان مدار القول فيها أن ينتقص صاحب ~~المشكلة ويعيبه وينسب إليه ما ليس فيه مما ينزل بقدره عند صاحبته، ثم نشر أجزاء من رسالته ~~إليه وأن فيها لما يعيبها ويثلبها ويضعها بإزاء صاحبها موضعا لا ترضاه، فلما فرغ مما أراد ~~جعل حديثه إلى القراء يسألهم أن يشاركوه في الرأي ويحكموا حكمهم على الفتى وفتاته بعدما جهد ~~في تصويرهما الصورة التي أراد أن يكون عليها الحكم في محكمة الرأي العام، وترك الباب ~~مفتوحا لترى صاحبة المشكلة رأيها في القضية فيمن يرى من القراء. # ولقيت صاحب المشكلة من الغد، فسألني: «هل رأيت الرافعي؟» # قلت: «نعم!» # قال: «ورسالتي إليه!» # قلت: «بلغته !» # قال: «وماذا يرى؟» # قلت: «ستقرأ رأيه في الرسالة بعد أيام!» # وأخفيت عنه ما كان بيني وبين الرافعي من حديث وما دبر من خطة ... ونشرت المقالة الأولى ~~من «المشكلة» ومضى يوم، وجاء صاحبي غاضبا يقول: «كيف صنع الرافعي هذا؟ لقد نحلني من القول ~~ما لم أقل، أتراني قلت عنها كما يزعم، لقد خلطتني بنفسها حتى لو شئت أن أصل إليها في حرام ~~وصلت ...! لقد ساءها ما نحلني الرافعي من الكلام، وقد تركتها الليلة غاضبة لا سبيل إلى ~~رضاها!» ~~... وتحقق للرافعي بعض ما أراد، وانثالت عليه رسائل القراء يرون رأيهم في هذه المشكلة، ~~وجاءه فيما جاءه من الرسائل، رسالة من صاحبة المشكلة نفسها ... # وفعل برسالة صاحبة المشكلة ما فعل برسالة صاحبها، ولكنه تلقاها تلقيا حسنا، ومضى ~~يتحدث عنها حديثا ليس فيه من رأيها ولا مما تقصد إليه، ولكنه إيحاء، إيحاء إلى الفتاة ~~بأنها في مرتبة أعلى، وأن ما بها ليس حبا وإن زعمت لنفسها هذا الرأي، ولكنه شيء يشبه أن ~~يكون صورة عقلية لخيال بعيد تظنه من صور الحب وما هو به ... ثم مضى ms207 يفسح لها الطريق إلى ~~الفرار من هذه المشكلة بالإيحاء والإغراء والحيلة ... # وكانت المقالات الثلاث الأخيرة تعليقا على آراء القراء وسخرية ونصيحة. # وفرغ الرافعي من مقالات المشكلة فما هو إلا أن تلاشى الصدى حتى عاد فلان وعادت فلانة، وما ~~تزال المشكلة تطلب من يحلها، ومضت سنوات وفي الأتون ثلاثة قلوب تحترق ... وعلى مقربة من ~~النار صبي يحبو ينادي أباه، وأبوه في غفلة الهوى والشباب، أترى إلى هذه المشكلة وقد دخل ~~فيها هذا العضو الصغير الجديد قد أوشكت أن تبلغ نهايتها، فيكون حلها على يدي هذا الصغير ~~وقد عجز الكبار عن حلها بعد مجاهدة سنوات؟ أم هو قلب رابع سينضم إلى القلوب المحترقة في ~~أتون الشهوات ...؟ # ومعذرة إلى صديقي كامل ...! ~~••• # أما حديث «المجنون» فأعرف من سببه ما ذكر الرافعي في أول مقاله، # 7 # والمجنون في هذه المقالات هو شخص حقيقي كما وصف واصفه، رأيته لأول مرة في مجلس ~~الرافعي ذات مساء في قهوة «لمنوس»، فرأيت شابا أمرد يلبس جلبابا رخيصا وعلى رأسه ~~عمامة، وقد جلس بين يدي الرافعي مجلس من لا يحتشم، فأنكرت موضعه، وأشرت إلى الرافعي ~~أسأله عنه، فقال: «سله أنت من يكون؟» # فالتفت الفتى مغضبا يسأل: «أوليس يعرفني؟ أوينكر موضع نابغة القرن العشرين ...؟ ~~... ثم كان مجلس طويل وصفه الرافعي فيما وصف من مجالس المجنون. # وهو فتى كان طالبا في مدرسة المعلمين الأولية بطنطا، ثم أصابه ما أصابه فانقطع عن ~~المدرسة، ولكنه لم يقطع صلته بالأدب، وصديقنا الأستاذ حسنين مخلوف يعرف هذا النابغة، فإنه ~~كان بين تلاميذه في مدرسة المعلمين. # أما المجنون الآخر الذي وصف الرافعي من حاله ما وصف بعد، فهو طالب في إحدى كليات الأزهر، ~~ولم ألقه أو أعرفه إلا بعد أن كتب الرافعي عنه ما كتب. # كنت يوما في إدارة الرسالة، حين دخل علينا فتى أزهري في جلباب حائل اللون، فحيا وقال: ~~«ألست تعرفني؟» # فحيرني هذا السؤال ولم أدر بم أجيبه، فقال: «إن بيننا نسبا وقرابة، وإن بيني وبين ~~الرافعي ... إنني أنا الذي يكتب عنه الرافعي مقالات المجنون!» ms208 # قال ذلك وفي وجهه أمارات الجد، وبدا لي كأنه يفاخرني بما يقول! قلت: «ولكني أعرف نابغة ~~القرن العشرين معرفة النظر!» قال: «نعم، فهل عرفت الآن من يكون الآخر ...؟» # وقد كانت صلة الرافعي بهذين الفتيين بابا من العبث والمجانة، على أنهما قد استطاعا أن ~~يحملاه على العناية بأمرهما والتفكير في كتابة شيء عن المجانين ... # وقد احتفل لهذه المقالات احتفالا كبيرا، فبعث إلي في القاهرة لأشتري له نسخة من كتاب ~~«عقلاء المجانين»، ثم بعثني بكتاب خاص إلى الدكتور محمد فؤاد مدير قسم الأمراض العقلية ~~بوزارة الصحة - وكان زميله في المدرسة الابتدائية - يرجوه أن يأذن لي في زيارة مستشفى ~~المجانين لأكتب إليه عن بعض طرائفهم، لعله يجد فيها مادة تعينه على تمام موضوعه. # ولم يفته مع ذلك أن يلتمس علم ما لم يعلم عند كثير من الأطباء، فكان له حديث طويل عن ~~المجانين مع الدكتور محجوب ثابت، والدكتور محمد الرافعي، والدكتور عبد الحميد المحلاوي طبيب ~~الأمراض العقلية بمستشفى الخانقاه. # وقد أفاد من حديثهم بعض النوادر الطريفة التي حكاها في مقالاته ونسبها إلى نابغة القرن ~~العشرين وزميله، على أن أكثر ما في هذه المقالات هو صحيح في جملته وفي نسبته إلا بضع ~~نوادر! ~~••• # أما «أحاديث الباشا» فأكثرها خيال وأقلها حقيقة، وقد اختار الرافعي أن يجعل بعض حديثه في ~~الشئون الاجتماعية على هذا النظم حتى لا يمل قراءه. # وقد تخيل أخاه الأستاذ محمود الرافعي المحامي بدمنهور، كاتم سر الباشا الذي سماه ~~ونسب إليه؛ لأنه كان يستوحيه كثيرا من الحقائق فيما يكتب، وقد كان الأستاذ محمود الرافعي ~~في صدر أيامه زعيما من زعماء الشباب في طنطا، يقودهم ويرى لهم الرأي في مسائل الوطنية ~~وتدبيرات السياسة في إبان الثورة المصرية سنة 1919 وكان يومئذ طالبا في مدرسة ~~الحقوق. # أما «م» باشا فلا أحسب له شخصية حقيقية كان منها وكان مما روى الرافعي، ولكنها شخصية من ~~تأليفه هو اصطنعها ليقول بلسانها ما قال. # على أن أكثر ما روى الرافعي من الروايات على لسان «م» باشا هو حقائق، ولكنها ms209 لا تنتسب ~~جميعا إلى شخص واحد. # | نقلة اجتماعية # لم يكن بين الرافعي وقرائه صلة ما قبل أن يبدأ عمله في الرسالة، ولم تكن أصوات القراء تصل ~~إليه من قريب أو من بعيد، إلا طائفة تربطه بهم صلات خاصة كان يكتب إليهم ويكتبون إليه، فلما ~~اتصلت أسبابه بالرسالة، أخذت رسائل القراء ترد إليه كثيرة متتابعة، حتى بلغ ما يصل إليه ~~منها في اليوم ثلاثين رسالة أو تزيد، وأستطيع أن أقول غير مبالغ: إن الرافعي قد عرف من ~~هذه الرسائل عالما لم يكن له به عهد، وانتقل بها نقلة اجتماعية كان لها أثر بليغ في حياته ~~وتفكيره وأدبه، وإذا كان مؤرخو الأدب قد اصطلحوا على وجوب دراسة البيئة التي يعيش فيها ~~الأديب والتطورات الاجتماعية التي أثرت فيه، فإن مما لا شك فيه أن الحقبة التي كان الرافعي ~~يكتب فيها للرسالة كانت تطورا جديدا في حياته الاجتماعية نقله إلى عالم فيه جديد من ~~الصور وألوان من الفن تبعث على التأمل وتوقظ الفكر وتجدد الحياة، وقد عاش الرافعي حياته ~~بعيدا عن الناس لا يعرف عنهم ولا يعرفون عنه إلا ما ينشر عليهم من رسائله ومؤلفاته، فكان ~~منهم كالذي يتكلم في المذياع، يسمعون عنه ولا يسمع منهم، وليس له ما يستمد منه الوحي ~~والإلهام إلا ما تجيش به نفسه ويختلج في وجدانه، غير متأثر في عواطفه الإنسانية بمؤثر خارج ~~عن هذه الدائرة المغلقة عليه. # وكان هو نفسه يشعر بهذه القطيعة بينه وبين الناس، وكان له من علته سبب يباعد بينه وبينهم، ~~فمن ذلك كان يسره ويرضيه أن يجلس إلى أصحابه القليلين ليستمع إليهم ويفيد من تجاربهم، ~~ويحصل من علم الحياة وشئون الناس ما لم يكن يعلم ... # ثم بدأ يكتب للرسالة فعرفته طائفة لم تكن تعرفه، وتذوق أدبه من لم يكن يسيغه، وكانت ~~الموضوعات التي يتناولها جديدة على قرائها، وجدوا فيها شيئا يعبر عن شيء في نفوسهم، فأخذت ~~رسائل القراء تنثال عليه، فانفتح له الباب إلى دنيا واسعة، عرف فيها ما لم يكن يعرف، ورأى ~~ما ms210 لم يكن يرى، واطلع على خفيات من شئون الناس كان له منها علم جديد ... فكان من ذلك كمن ~~عاش حياته بين أربعة جدران، لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا نفسه، ثم انفتح له الباب فخرج ~~إلى زحمة الناس، فانتقل من جو إلى جو، ومن حياة إلى حياة ... # هي نقلة اجتماعية لا سبيل إلى إنكار أثرها في الرافعي وأدبه، وإن لم يفارق بيئته ومنزله ~~وأهله. # والآن وقد وصلت إلى جلاء هذا المعنى كما شاهدته وعاينت أثره، فإني أتحدث عن ضرب من ~~هذه الرسائل التي كانت ترد إلى الرافعي من قرائه، ليعرف الباحث إلى أي حد تأثر الرافعي بها، ~~وأي المعاني ألهمته وقدحت زناد فكره، وإذا كانت بعض «الظروف الخاصة» قد حالت بيني وبين ~~الاطلاع على كل هذه الرسائل التي خلفها لتتم لي بها دراسة التاريخ، فحسبي ما أقرأني ~~الرافعي منها في أيام صحبته وما اطلعت عليه بنفسي من بعد ... ~~••• # نستطيع أن نرد الرسائل التي كانت ترد على الرافعي إلى أنواع ثلاثة: ~~(1) # رسائل الإعجاب والثناء. ~~(2) # رسائل النقد والملاحظة. ~~(3) # رسائل الاقتراح والاستفتاء والشكوى. # أما النوعان الأولان فليس يعنينا منهما شيء كثير، وحسبي الإشارة إليهما، على أنه ليس ~~يفوتني هنا أن أشير إلى أن أكثر ما ورد إلى الرافعي من رسائل الإعجاب كان عن مقالاته في ~~الزواج، وكان أكثر هذه الرسائل من الشبان والفتيات، وقلما كانت تخلو رسالة من هؤلاء وأولئك، ~~من شكوى صاحبها أو صاحبتها وتفصيل حاله، وأطرف هذه الوسائل هي رسالة من آنسة أديبة كتبت ~~إلى الرافعي تسأله أن يكتب رسالة خاصة إلى أبيها - وقد سمته في رسالتها - يعيب عليه أن ~~يعضل ابنته ويرد الخطاب عن بابه حرصا على التقاليد ... ~~... ثم رسالة من «مأذون شرعي» يحصي فيها للرافعي بعض ما مر عليه من أسباب الطلاق في الأسر ~~المصرية، ويردها كلها إلى سوء فهم الناس لمعنى الزواج وحرصهم على تقاليد بالية ليست من ~~الدين ولا من المدنية، وفي هذه «الإحصائية» الطريفة قصص خليقة بأن تنشر لو وجدت من يحكيها ~~على أسلوب فني ms211 يكسبها معنى القصة. # وأعجب ما قرأت من رسائل النوع الثاني، رسالة جاءته بعقب نشره مقالة «الأجنبية» عليها ~~خاتم بريد «شطانوف»، فلما فض غلافها لم يجد فيها إلا صفحات ممزقة من عدد «الرسالة» الذي ~~نشرت فيه القصة ومعها ورقة فيها هذه الأسطر: # سيدي الأستاذ # إن كان لا بد من رد فهذا هو خير رد، وإن كان لا بد من كلمة فكلمتنا إليك هي تلك ~~الكلمة التي ختمت بها هذا الكلام المردود إليك. # مصري # ومن النوع الثالث من هذه الرسائل، كان استمداد الرافعي ووحيه ودنياه الجديدة، وإلى القراء ~~نماذج مختلفة من هذه الرسائل: ~~(1) # هذه رسالة فتى في العشرين، يكتب إلى الرافعي من الإسكندرية، يقول: # أستاذي الكبير # ليس لي الآن إلا ربي وأنت يا أستاذي، وإن من حقك علي أن أسألك حقي ~~عليك، وقد هداني الله إليك ... قرأت وتدارست ما كتبته عن الانتحار، ~~فماذا تقول في امرئ علم عمن الجنة تحت أقدامها أنها فسقت وزلت، ~~فهو يتحين الفرصة ليقتلها، إني أبكي يا أستاذي إذ أعيد هذا القول، ~~أبكي دما، لي إخوة وأنا أكبرهم، ولا أخاف إلا أن لي أختا، وأبي - غفر ~~الله له - ليس له ما يكون للرجل من معاني الرجولة ليضمن ألا يكون في ~~بيته شيء مما قد كان ... # الشك يساورني منذ أكثر من عامين، واليوم فار التنور؛ إذ سمعت أنها ~~حبلى، ووقع في يدي ما ملأني يقينا بتصديق إثمها، ولقد هممت أن ~~أفعل ما لا يفعل، وأنا أخشى ألا يتداركني حكمك ... ماذا تقول يا أستاذي؟ ~~أنا الصابر أبدا كاد الصبر يتلاشى من نفسي، أنا المطمئن أبدا كاد ~~أمري يضيع من يدي، أنا كالمجنون لا يبقيني شبه عاقل إلا أنت، فماذا ~~تقول يا أستاذي وبماذا تحكم؟ يكتبها الله لك فتداركني برأيك ... # ولك مني شكر من يسأل الله ويسعى إلى أن يكون بنفسه وحياته من حسنات ~~تربيتك، وأن يكون في اليوم الآخر كلمة من سطر من كتابك القيم ~~... # ومعذرة لي من لدنك إن أغفلت الآن اسمي. # في 14 / 5 / 1935 ~~(2) # وهذه معلمة في ms212 إحدى مدارس الحكومة، حامت حولها ريبة فوقفتها وزارة المعارف ~~حتى تحقق أمرها، فكتبت إلى الرافعي تسأله أن يعينها بجاهه حتى تعود إلى عملها ~~الذي تعول منه أبويها، فيشفق عليها الرافعي ويسعى سعيه لبراءتها ... وعادت إلى ~~عملها، وحفظت الجميل للرافعي، فكانت تكتب إليه كل أسبوع رسالة تبثه خواطرها ~~وتصف له من أحوالها وما تعمل؛ وتكثر رسائلها إلى الرافعي حتى يزول الحجاب ~~بينهما، فتصرح له بما لا تصرح فتاة، ويئول أمرها في النهاية أن تكتب إلى ~~الرافعي بأنها عاشقة ... وأن معشوقها الصغير - التلميذ في إحدى المدارس الصناعية ~~بالقاهرة - لا يعلم ما تكن له! هي تلقاه وتماشيه، وتخلو به خلوات «بريئة»! ~~ولكنها لم تكشف له عن ذات نفسها، وتأكلها النار في صمت ...! وتقول في رسالتها إلى الرافعي: ~~... فدبرني يا سيدي في أمري، قلبي يحس أنه يحبني، لقد قالتها لي ~~عيناه، ولكنه لم يتحدث إلي، ولست أجد في نفسي القدرة على التصريح له ~~... # وتتوالى رسائلها إلى الرافعي تصف له ما تلاقي من الوجد بحبيبها الذي تكبره ~~بسنوات، ويقرأ الرافعي رسائلها فيبتسم، ويتناول قلمه الأزرق فيثور فيها ~~علامات يشير بها إلى مواضع وفقر تلهمه معاني جديد وفكرا جديدا، ويشتط الحب ~~بالمعلمة العاشقة حتى تنظم الشعر، فتبعث إلى الرافعي بقصائدها ليرى رأيه فيها ~~... # بين يدي الساعة آخر رسالة من رسائلها إلى الرافعي. بعثت بها إليه قبل منعاه ~~بقليل، ليت شعري! كيف انتهت قصة هذا الحب؟ ~~(3) # وهذه رسالة من «حلب» يدهش كاتبها أن يرى صورة «الشيخ» مصطفى صادق الرافعي ~~مطربشا حليق اللحية أنيق الثياب، فيكتب إليه: ~~... لقد رأيت رسمك يا مولاي فتأملته ... فوجدته من أناقة الجلباب ~~ومظهر الشباب على حظ، فهل لك يا مولاي في مجاراة المدنية ومماشاة ~~الحضارة رأي دعاك إلى هذا المظهر الأنيق ...؟ ~~(4) # وتلك رسالة من «دمشق» وقع كاتبها في هوى مغنية مشهورة، يحسن بها الظن ~~إحسانا يمثلها لعينيه ملكا أنثى! لا يترك مجلسا من مجالس غنائها، ولا ~~يفكر في خلوته إلا فيها ... ثم يأتيه النبأ أنها قد سميت على رجل من ذوي ~~اليسار والنعمة، ms213 وأنها موشكة أن تصير له زوجة، فيطير به هذا النبأ ويؤلمه ~~أيما إيلام، فيكتب إلى الرافعي يقول: ~~... إن خطيبها على غناه رجل فاسد الخلق، متقلب القلب، دنس الذيل، وأنا ~~على يقين أنها ستشقى به وقد خفيت عنها حقيقته، وأنا أحبها وأشفق عليها ~~وأتمنى لها السعادة ... # هل يجب علي أن أقف وقفة المحذر بإقناعها بالعدول عن هذا الزواج ~~الذي لا أتوقع له إلا نهاية واحدة قريبة، أو ألزم الصمت وأدع الأمور ~~تجري في مجاريها وأقطع علائقي معها فأرد لها صورها ورسائلها ~~احتراما لهذا الزواح من الناحية الشرعية وأدفن ذلك الحب لها في ركن من ~~أركان قلبي؟ ~~(5) # وذلك طالب في الجامعة، له دين وخلق ومروءة، بلغ مبلغ الرجال، وفار دم ~~الشباب في عروقه، فتسلطت عليه غرائزه، تغالبه شهواته فلا يكاد يغلبها، ولا ~~يجد له سلطانا على نفسه أو وسيلة لقمع شهواته إلا أن يحبس نفسه أياما في ~~غرفته الموحشة، ومع ذلك لا تزال «المرأة» تتخايل له بزينتها في خلوته وفي ~~جماعته، فليس له فكر إلا في المرأة، وإنه ليخشى الله، وما به قدرة على الزواج، ~~ولقد جرب الصوم فما أجدى عليه، وقد أوشك أن يفقد نفسه بين شهوات تتجاذبه ودين ~~يأبى عليه ... فماذا يفعل؟ ~~(6) # وهذه فتاة متعلمة، تعيش بين أبيها وزوج أبيها في هم لا يطاق، كل سلوتها في ~~حياتها أن تقرأ، وهي لا تحسن عملا ولا تجد لذة في عمل غير القراءة، ولكنها ~~تنكر موضعها بين أبيها وزوجه، إنهما ينكران عليها كل شيء مما تراه هي من زينتها ~~بين الفتيات، فعلمها حذلقة، وآراؤها فلسفة فارغة، ومطالعاتها عبث ولهو وسوء ~~خلق، وفرارها بنفسها إلى غرفتها كبرياء وأنفة! وتمضي السنون وهي في هذا العذاب ~~من دار أبيها، فلا هي تستطيع أن تحمل أباها وزوجه على رأيها في الحياة، ولا هي ~~تستطيع أن تنزل إليهما، والمنقذ الذي تنتظر الخلاص على يديه من هذا العذاب لم ~~يطرق بابها بعد، ولو أنه طرق بابها لأشاحت عنه معرضة في وجل؛ لأنها تسيء ~~الظن بكل الرجال، فماذا تفعل؟ ms214 ~~(7) # وهذا فتى مثالي يحسن الظن بالأيام، ولكن الأيام تخلفه موعده، أحب فتاة من ~~أهله وأحبته وتواعدا على الزواج، ولكن أهلها زوجوها من غيره، والتمس الوظيفة ~~التي يؤمل أن يصل إليها بعد تخرجه، فنالها ولكنه وجدها غلا في عنقه وكمامة ~~على فمه، وطلب الزلفى إلى الله بالإحسان إلى الناس فبادلوه إساءة بإحسان وغدرا ~~بوفاء، وكلما غرس زهرة هبت عليها أعاصير الحياة فاقتلعتها وألقتها في ~~مواطئ النعال وبرم بالحياة وضاقت به الدنيا وما يزال في باكر الشباب ... فماذا ~~يصنع؟ ~~(8) # وهذا شاب يشهد لنفسه بأنه من عباد الله الصالحين، يخاف الله ويخشى عذابه، أحب ~~فتاة من جيرته حبا «عذريا» وأحبته، وبرح بهما الحب حتى ما يطيقان أن ~~يمضي يوم دون أن يلتقيا، ولقيته ذات مساء في خلوة بعيدين عن أعين الرقباء، وما ~~أكثر ما التقيا في خلوة! ولكن الشيطان صحبهما هذه المرة إلى خلوتهما ... ووقعت ~~الجريمة من غير أن يكون لها إرادة أو يكون له ... ~~... ولما فاءت إليه نفسه أخذ يكفكف لها دموعها وهو يبكي! وكان في نيته أن ~~يتزوجها حين ينتهي من دراسته بعد سنتين أو ثلاث، وكان صادقا في نيته، وكانت ~~الفتاة مؤمنة بصدقه، ولكنها لم تطق الانتظار حتى تمضي السنوات الثلاث، ولم ~~تطق أن تراه بعد، وجاءه النبأ بعد ثلاثة أيام أنها ماتت محترقة ... # وعرف هو وحده من دون أهلها ومن دون الناس جميعا سبب موتها ... ومنذ ذلك اليوم ~~تلاحقه صورتها في نومه وفي يقظته، ومضت سنتان منذ وقعت الفاجعة، ولكنه ما يزال يذكرها كأنها كانت بالأمس، وكتب إلى الرافعي يقول في رسالته: ~~... إنني أنا الذي قتلتها، إن دمها على رأسي، لقد ماتت ولم يعلم بسرها ~~أحد غيري وهذا أشد ما يؤلمني، ولقد احتملت بصبر وثبات كل ما نالني في ~~هاتين السنتين من تأنيب الضمير وعذاب القلب، ولكني اليوم أحس بأن صبري ~~قد انتهى ولم يبق لي قوة على الاحتمال أكثر مما احتملت ... فماذا أفعل ~~...؟ # ألوان وصور، ملائكة وشياطين، نفوس تتعذب، قلوب تحترق، أنات وابتسامات، دنيا ~~لم يكن للرافعي بها ms215 عهد، ولم تكن تخطر له على بال. # وثمة لون آخر من الرسائل: ... المحامي الشاعر الأستاذ إبراهيم ... شاب له خلق ودين، وفيه ~~اعتزاز بالعربية والإسلام، فهو من ذلك يحب الرافعي وينتصر له، ويتتبع بشوق وشغف كل ما ينشر ~~من كتب ومقالات، ولكنه مع ذلك يحب العقاد وينتصر له، ويراه صاحب مذهب في الشعر ورأي في ~~الأدب جديرا بأن يتأثر خطاه ويسير على نهجه، وليس عجيبا - فيما أظن - أن يجتمع الرأي ~~لأديب من الأدباء على محبة الرافعي والعقاد في وقت معا، كما أنه ليس عجيبا أن يتعادى ~~الرافعي والعقاد أو يتصافيا ما دام لكل منهما في الأدب طريق ومذهب، ولن يمنع ما بينهما من ~~الخلاف، أو من الوفاق، أن يكون لكل منهما قراؤه المعجبون به، أو يكون لهما قراء مشتركون ~~يعجبون بما ينشئ كل منهما في فنون الأدب، وإنما العجيب أن يبلغ إعجاب القارئ بالكاتب الذي ~~يؤثره درجة التعصب، فلا يعتبر سواه ولا يعترف لغيره بأن يكون له مكان بين أهل الأدب. # على أن شأن صاحبنا المحامي الشاعر الأستاذ إبراهيم مع الرافعي والعقاد يبعث على أشد العجب ~~وأبلغ الدهشة ... إنه يحب الرافعي ويؤثره، ويعجب به إعجابا يبلغ درجة التعصب، وإنه يحب ~~العقاد كذلك، ويعجب به، ويتعصب له ... لكل منهما في نفسه مكان لا يتسع إلا له، ولا يزاحمه فيه ~~خصمه، ولكنهما يحبهما معا، ويتعصب لهما معا! # رأيان يتواثبان، وشخصيتان تتناحران، وإسراف في التعصب لكل منهما على صاحبه، فأين يجد نفسه ~~بين صاحبيه اللذين يؤثر كلا منهما بالحب والإعجاب والأستاذية؟ # صورة طريفة وقعت عليها فيما وقعت بين رسائل الرافعي! # وهذه رسالة منه إلى الرافعي يقول فيها: # 1 # سيدي، إنني أحبك، وأعجب بك، وأتعصب لك، ولكن موقفك من العقاد يا سيدي! ... ليت ~~شعري! لماذا تتخاصمان؟ ... لقد كنت على حق ... ولكن العقاد على حق! ... هل تأذن لي أن ~~أكون رسول السلام بينكما؟ # ثم لا تمضي أيام حتى يعود فيكتب إلى الرافعي رسالته الثانية: «معذرة، إنك لتتجنى على ~~العقاد تجنيا ظالما، فما لك وجه من الحق ms216 في عدائه والحملة عليه، لقد عقمت العربية فلم ~~تنجب غير العقاد ... وإنك أنت ... إنك كبير في نفسي، كبير جدا، وإني لأقلب تاريخ العربية ~~بين يدي فلا أجد غير الرافعي ... أنت ... والعقاد ... أين ترى يكون اللقاء؟» # وعلى هذا المثال قرأت لصاحبنا المحامي الشاعر بضع رسائل بين ما خلف الرافعي من أوراق ~~تملأ النفس عجبا ودهشة، وآخر ما وصل إلى الرافعي من رسائله، رسالتان؛ كتب إحداهما في ~~المساء، وكتب الثانية في صباح اليوم التالي، ولولا خط الكاتب، ونوع الورق، وخاتم البريد، ~~لما حسبتهما إلا رسالتين من شخصين لو أنهما التقيا في الطريق لتضاربا بالأكف ...! # على أن الرافعي مع ذلك كان يرد على رسائله! وددت لو ينشر صاحبنا بعض رسائل الرافعي إليه! # 2 ~~••• # والآنسة الأديبة «ف. ز.» معلمة في إحدى مدارس الحكومة، كان أبوها زميلا للرافعي في محكمة ~~طنطا، وكان بينهما صلة من الود، فلما مات لم تنس ابنته صديق أبيها، فكانت تستعينه في بعض ~~شئونها، ومن ثمة نشأت بينهما مودة، فكانت تراسله ويراسلها، ومن رسائلها إليه كان له علم ~~جديد في شئون وشئون. # صحبته إلى زيارتها مرة في ليلة من ليالي الشتاء مع الصديقين كامل حبيب وسعيد الرافعي، ~~فلقيناها مع بعض صديقاتها، وكانت جلسة طالت ساعات، أعتقد أن الرافعي قد أفاد منها بعض ~~معانيه في قصة «القلب المسكين!» ~~••• ~~... وقد أنشأت هذه الرسائل بين بعض قرائه وبينه صلات عجيبة من الود، فهو منهم أب وصديق ~~ومعلم ومشير، وجلس على «كرسي الاعتراف» فترة غير قصيرة من حياته تفتحت فيها عيناه على كثير ~~من حقائق الحياة لا يبلغ أن يصل إليها من رحل وطوف، وكان له في كل دار أذن وعلى كل باب ~~رقيب عتيد! ولست بمستطيع أن أفسر سر هذه الثقة العجيبة التي ظفر بها الرافعي من قرائه، ~~ولكني أستطيع أن أجزم بأنه كان أهلا لهذه الثقة، فما أعرف أنه باح بسر أحد فسماه أو ~~عرف به، وما أطلع على رسائل قرائه أحدا غيري، إلا قليلا من الرسائل كان لا يرى بأسا من ~~إطلاع ms217 نفر قليل من أصحابه عليها لغرض مما يستجره إليه بعض الحديث في موضوعها، بل إن ~~كثيرا من هذه الرسائل قد أخفاه عني - وما كان بيني وبينه حجاب أو سر - فما عرفت خبرها ~~إلا بعد موته، ويستطيع أصحاب هذه الرسائل أن يطمئنوا إلي، فستظل أسرارهم - في يدي - مصونة ~~عن عيون الفضوليين، فلن أتناول الحديث عنها إلا من حيث يدعوني الواجب لجلاء بعض الحقائق في ~~هذا التاريخ. # وكان له مراسلون دائمون ... يجدون الكتابة إليه جزءا من نظام حياتهم، فلا تنقطع رسائلهم ~~عنه، ولا يخفى عليه شيء من تطورات حياتهم، وقد أكسبهم طول العهد بالكتابة إليه شيئا من ~~الأنس به والاطمئنان إليه كما يطمئنون إلى صديق عرفوه وجربوه وعايشوه طائفة من حياتهم، ~~وإن القارئ ليلمح في هذا النوع من الرسائل الدورية التي كان يبعث بها إليه هؤلاء الأصدقاء ~~الغرباء، مقدار ما أثر الرافعي في حياتهم منذ بدأت صلتهم به، فتطورت بهم الحياة تطورات ~~عجيبة، وأدى الرافعي إليهم دينه وأثر فيهم بمقدار ما كان لهم من الأثر في أدبه وفي حياته ~~الاجتماعية، وإني لأضرب مثلا لواحدة من هؤلاء الأصدقاء. # هي فتاة من أسرة كريمة في دمشق، نشأت في بيت عز وغنى وجاه، وهي كبرى ثلاث نشأن نشأة ~~يفاخرن بها الأتراب، ثم تقلبت بهن الحياة فإذا هن بعد الغنى والجاه ناس من الناس، ~~واضطرت الكبرى أن تخرج إلى الميدان عاملة ناصبة لتعول أسرتها، وكان لها من ثقافتها ~~وتربيتها معين ساعدها دون أختيها في ميدان الجهاد، وعلى أنها كانت أجمل الثلاث ~~وأولاهن بالاسقرار في بيت الزوج الكريم، فقد سبقتها أختاها إلى الرفاء والبنين والبنات ~~وظلت هي ... وما كان ذلك لعيب فيها، ولكنه سر لم يلبث أن انكشف لعينيها، لقد كانت هي ~~وحدها - من دون أختيها - التي تستطيع أن تعول أسرتها لأنها عاملة ... وتألمت حين عرفت ~~السر، ولكنها كتمت آلامها وظلت «صابرة»، ومضت الأيام متتابعة والأماني تخلف موعدها، ~~وتحركت فيها غريزة الأمومة، ولكنها قمعتها بإرادة وعنف، ومضت تصارع الطبيعة وتتحدى القدر ~~بعزيمة لا تلين، ولكنها لم تلبث ms218 أن أحست بوادر الهزيمة بعد طول الكفاح، فشرعت قلمها وكتبت ~~رسالتها الأولى إلى الرافعي بإمضاء «الصابرة». # وقرأ الرافعي رسالتها، ثم قص علي خبرها وتندت عيناه بالدمع وهو يقول: يا لها من فتاة ~~باسلة! # وأجابها على رسالتها بتذييل صغير في حاشية إحدى مقالاته في الرسالة ... وعادت تكتب وعاد ~~يجيبها، وتوالت رسائلها ورسائله وقد كتم اسمها وعنوانها عن كل أحد، وكانت كتبته إليه في ~~ورقة منفصلة في إحدى رسائلها ليمزقه وحده إن عناه أن يحتفظ برسائلها، وكان الرافعي لها كما ~~أرادت، أبا وصديقا ومرشدا ومشيرا، ولم يأب عليها في بعض رسائله أن يتبسط في الحديث ~~إليها عن قصة «القلب المسكين» لعلها تجد فيما يكتب إليها من شئونه عزاء وتسلية ... وتعزت ~~المسكينة عن شيء بشيء، وثاب إليها الاطمئنان والشعور بالرضا، وبدا في رسائلها لون جديد لم ~~يكن في رسالتها الأولى، وأخذت تكتب إليه عن كل شيء تحس به أو تراه حولها، وتستشيره فيما ~~جل وما هان من شئونها ، في سفرها، وفي إقامتها، وفي رياضتها، وفي عملها، وفي يقظتها، وفي ~~أحلامها ... في كل شيء كانت تكتب إليه، سائلة ومجيبة، ومخبرة ومستشيرة، حتى في صلاتها مع ~~صديقاتها وأصدقائها، وفي الخطاب الذين يطرقون بابها يطلبون يدها ... ولم يكن يضن عليها ~~بشيء من الرأي أو المشورة ... # وكان للصابرة جزاء ما صبرت، وتحققت أمانيها على أكمل ما تتحقق أماني فتاة، وجاءها العروس ~~الذي لم تكن أحلامها تتطاول إليه في منامها، وبرق في إصبعها خاتم الخطبة، فانبهرت منه ~~عيون! ... لا أريد أن أذكر من صفات خطيبها حتى لا أعرف بها وبه، فليس من حقي أن أكشف ما ~~تريد هي أن يظل مستورا، لو قلت: إن خطيبها وزير من وزراء ذلك البلد لما بعدت! # واستمرت تكتب للرافعي والرافعي يجيبها ... حتى رسائل خطيبها إليها كانت تبعث بها إلى ~~الرافعي ليشير عليها كيف تجيب، وحتى برنامجها قبل الزفاف وبعده كان بمشورة الرافعي ورأيه ~~... # وجاءته آخر رسالة منها مؤرخة في 3 / 4 / 1937 - نعي الرافعي في 10 / 5 / 1937 - تقول فيها: # الصديق الكريم ms219 ... # ما أحلى دعوتك يا صديقي وما كان أشدها تأثيرا على نفسي! لقد شعرت وأنا أقرؤها ~~بسرور عميق، وتركز في ذهني أن هذه الدعوة مقبولة ... ما أسعدني إذا صرت في المستقبل ~~أما! # أعتقد أنك تعرف تماما أن حنيني للزواج فيما مضى، وتمردي وثورتي على هذه الحياة، ~~لم تكن إلا لأني رأيته وسيلة للحصول على الطفل، فقد تنبهت في غزيرة الأمومة بشكل ~~هائل، تصور يا أستاذي ... صرت أكره الأطفال؛ لأني ليس لي بينهم ولد، وكنت إذ أرى ~~أما تعانق طفلها وتضمه إلى صدرها أحس بألم مرير يحز بقلبي ويكاد يقطعه، وكثيرا ~~ما كنت أتشاغل وأشيح بوجهي حتى لا تقع عيني على هذا المنظر، لست حسودة والله، ولكن ~~شدة إحساسي كانت تجعلني بهذا الوضع ... أما الآن فأنا مسرورة لأقصى حدود السرور، ~~وأتمنى لو أنثر الخير والسعادة على الجميع ... ~~... والله يعلم أن ليس لي أي غاية مادية من وراء هذا الزواج، وليس قصدي منه إلا ~~الحماية والستر؛ لأني مللت ومرض قلبي من فضول الناس ... # وكانت على نية زيارة مصر لتزور الرافعي مع زوجها؛ اعترافا بحقه عليها، ولكن القدر لم ~~يمهله حتى يحين الموعد، وحان أجله ولم ينظر بعينيه الفتاة التي تبناها على بعد الدار ~~وشغلته أحزانها زمانا، فلما ابتسم لها القدر وتحققت أحلامها، ناداه أجله قبل أن يشاركها ~~في ابتسامة الفرح وتهاني المسرة ...! # تقول له في رسالتها المؤرخة 15 / 1 / 1937: # الصديق الكريم ... ~~... ولماذا أخشى هذه المقابلة يا أستاذ؟ وهل أنت مخيف لهذه الدرجة ...! على كل حال ~~إذا وجدت ما يرعبني فسأختبئ وراء «فلان» # 3 # ولا بد أنه يحسن الدفاع عني. لا، لا، سألبس درعا متينة تقيني «شر» ~~هذه المغناطيسية القوية، ولكني أخاف يا أستاذي أن يكون الحديد أكثر انجذابا، وأكون ~~حينئذ أسأت من حيث أردت الإحسان ... صحيح أنني معجبة، ولا أزال، وسأبقى دائما، ~~ولكن ألا ترى أن الإعجاب و... قد يتفقان أحيانا وقد يختلفان؟ ثم أليس ل ... معاني ~~كثيرة وأساليب عديدة ...؟ # تريد رأيي في صاحب القلب المسكين؟ أنت تعرفه جيدا، فلماذا تريد إحراجي ...؟ # الجمال ms220 ليس مدار بحثنا، وليس له أهمية قل أو كثر، ومع ذلك فصاحب القلب المسكين ~~يتمتع بقسط وافر منه، اسمع، سأبدي رأيي. لا، لا، ما بدي أقول، أستحي ...!» # وكانت تعرف من أمره مع «فلانة» ما قص عليها في رسائله، وفي رسائلها حديث كثير ~~عنها، وقد زارتها مرة عن أمره لتنبئه بخبرها ... # وأعتقد أن في رسائله إليها ما يكشف بعض الغموض في قصة الرافعي و«فلانة» ويكون فيه ~~برهان إلى براهين لدينا، فحبذا أن تتفضل السيدة الكريمة بالنزول عن حقها في هذه ~~الرسائل فتهديها إلينا لتتم لنا بهذه الحلقة المفقودة سلسلة التاريخ! # إنها أديبة وعالمة، وإنها بذلك لتعرف حق التاريخ وحق الأدب عليها في هذه الرسائل، ~~ولها علينا ما تشترط فنوفيه، فلعل صوتي أن يبلغ إليها في مأمنها، ضمن الله لها ~~سعادتها وحقق لها ما بقي! # هذه قصة فتاة يجد القارئ بين أولها وآخرها أشتاتا من تاريخ الرافعي، وفيها مثال يبين ~~معنى ما سميته «النقلة الاجتماعية» في حياة الرافعي بما كان بينه وبين قرائه من صلة ~~الرسائل، على أن هذه القصة بخصوصها كان لها من عناية الرافعي حظ أي حظ، وقد كان على أن ~~يكتب - بما اجتمع له من فصول هذه القصة - مقالة بعنوان «الصابرة» جمع لها فيما جمع من نثار ~~الأفكار قدرا غير قليل، وما أخره عن كتابتها - إلى أن وافاه الأجل - إلا انتظار الخاتمة ~~فيما أظن، وإلا شدة احتفاله بهذا الموضوع، وهكذا نجد شدة احتفال الرافعي بموضوع ما تكون ~~سببا في تعويقه عن كتابته أو عن تمامه. # كان يحتفل بكتابه «أسرار الإعجاز» فلم يتم، وبمقالتي «الزبال الفيلسوف» و«الصابرة» فلم ~~يكتبهما، ولكن التاريخ لم ينس له. # | مقالات منحولة # كثيرا ما تدعو الدواعي كاتبا من الكتاب إلى إنشاء مقال لا يذيله باسمه، ويكاد يكون ~~من الشائع المألوف أن يقرأ القراء مقالا في صحيفة من الصحف غير معزو إلى قائله أو ~~مرموزا إليه رمزا ما، ولكن من غير المألوف أن ينشئ كاتب من الكتاب مقالة أو فصلا من ~~كتاب، أو كتابا بتمامه، ثم ينسب ms221 ما ينشئه إلى كاتب غيره وللرافعي في تاريخه الأدبي حوادث ~~من مثل ذلك، فثمة مقالات ورسائل، وكتب متداولة مشهورة، يعرفها القراء لغير الرافعي، وهي من ~~إنشائه وكد فكره وعصارة قلمه، ولكنه آثر بها غيره زهدا عنها أو التماسا للنفع من ~~ورائها، ولو أني أردت أن أستقصي ما عرف من ذلك لأغضبت كثيرا من الأحياء أحرص على رضاهم ~~وأخشى غضبهم، ولقد كنت على أن أطوي هذا الفصل حرصا على مودتهم، ولكني وقد وضعت نفسي بهذا ~~الموضع لأكون مؤرخا بعيدا عن التهمة، لم تطب نفسي بكتمان الشهادة، فإذا لم يكن بوسعي أن ~~أذكر كل ما أعرف فحسبي اللمحة الدالة والإشارة الموجزة، ومعذرة إلى أصدقائي ... ~~••• # في سنة 1911 أصدر الرافعي كتاب تاريخ آداب العرب فتقبله الأدباء بقبول حسن، وكتبت عنه ~~المقالات الضافية في كبريات الصحف، ولكن ذلك لم يكف الرافعي، ففي ذات يوم قصد إلى جريدة ~~«المؤيد»، فلقي هناك صديقه المرحوم أحمد زكي باشا، فأهدى إليه كتابه ورجاه أن يكتب فصلا ~~عنه، فقال زكي باشا: «وماذا تريدني أن أكتب؟» قال الرافعي: «تقول وتقول ...» قال زكي باشا: ~~«فاكتب ما تشاء وهذا إمضائي ...!» وجلس الرافعي إلى مكتب في دار الجريدة فكتب ما شاء أن ينسب ~~إلى صديقه في تقريظ كتابه، ثم دفعه إليه فذيله باسمه ودفعه إلى عامل المطبعة ... # وقرأ الناس في اليوم التالي مقالا ضافيا بإمضاء «أحمد زكي باشا» في تقريظ «تاريخ آداب ~~العرب» شغل الصفحة الأولى كلها من الجريدة، ولكن أحدا من القراء لم يعرف أن كاتب هذا ~~المقال هو الرافعي نفسه، يثني على كتابه ويطري نفسه! # ولهذه الحادثة أخوات مع زكي باشا نفسه، فإنه لما أنشأ نشيده «اسلمي يا مصر ...» قرأ القراء ~~مقالا في الأخبار بإمضاء أحمد زكي باشا، يثني على النشيد ويطري مؤلفه، ولم يكن كاتب هذا ~~المقال أحدا غير الرافعي، بل إن أكثر المقالات التي يراها القارئ في الكتيب الصغير الذي ~~نشره الرافعي عن نشيده هذا # 1 # هو من إنشائه أو من إملائه! # وقد ظل هذا «التعاون» وثيقا بين المرحومين ms222 زكي باشا والرافعي إلى أخريات أيامهما، ومنه ~~أن زكي باشا كان على نية إعداد معجم لغوي كبير قبيل وفاته، وكان للرافعي في إنشاء هذا ~~المعجم أثر ذو بال، وفيه فصول ألفها الرافعي بتمامها وأعدها للإمضاء ... ولكن المنية أعجلت ~~المرحوم أحمد زكي باشا عن إصدار هذا المعجم، وأحسبه ما يزال محفوظا بين مخلفاته ~~المخطوطة. ~~••• # ويمت بسبب إلى هذه المقالات التي كان ينحلها الرافعي صديقه زكي باشا، ما نحل أخاه ~~المرحوم محمد كامل الرافعي من شرح ديوانه الذي أصدر منه ثلاثة أجزاء سنة 1903-1905، فإن ~~شارحها هو الرافعي نفسه، وفيها عليه ثناء وإطراء. # 2 ~~••• # في الحادثتين السابقتين إشارة إلى بعض الأسباب التي كانت تحمل الرافعي على أن ينحل ~~أصدقاءه بعض ما يكتبه، وهنالك أسباب أخرى: # في سنة 1917 وقعت في طنطا جريمة قتل مروعة، وكانت القتيل امرأة عجوزا مسموعة بالغنى ~~والشح والكزازة، تزوجها قبيل مقتلها شاب من الشباب العابثين طمعا في مالها، فلم يلبث معها ~~إلا قليلا ثم وقعت الجريمة! # وتوجهت التهمة أول ما توجهت إلى زوجها الشاب، ثم انصرفت عنه إلى أختها وزوج أختها فسيقا ~~إلى قفص الاتهام، وكانا شيخين عجوزين، فيهما بلاهة وغفلة، فلم يستطيعا الدفاع عن نفسيهما ~~وهيآ بغفلتهما وبلاهتهما الفرصة للمجرم الحقيقي أن يحوك حولهما الشبكة، وأن يصوب ~~عليهما أدلة الاتهام لينجو هو من العقوبة ... # كان المجرم الحقيقي معروفا للجميع، ولكن المحكمة بما اجتمع لديها من براهين مصنوعة لم ~~تجد أمامها غير هذين البريئين المغفلين، فألقت بهما إلى السجن المؤبد، وقضيا في السجن بضع ~~سنين! # شيخان على أبواب الأبدية، يساقان إلى ظلام السجن ليس من ورائه إلا ظلام القبر، ولم يقترفا ~~جريمة أو يرتكبا إثما ... ولكن القانون قد قال كلمته، والقانون حق واجب الاحترام، فلم تبق ~~إلا الرحمة الإنسانية شفيعا من قسوة القانون. # وسعت أسرة السجينين إلى المحامي الأديب المرحوم حافظ عامر تطلب إليه أن يكتب استرحاما ~~في أمرهما إلى أمير البلاد، لعل في عطفه ما يأسو الجرح ويخفف وقع المصاب، وجعلت له أجرا ~~على ذلك مائة جنيه! ms223 # وماذا يقول المحامي في قضية فرغت المحكمة من أمرها وقال القضاء كلمته؟ # ليس هذا سبيل المحامي الذي يرتب القضايا ويستنبط النتائج ويستنطق الصامت ويستوضح ~~الغامض، لقد فات أوان ذلك كله فلم تبق إلا كلمة الشاعر الذي يخاطب النفس الإنسانية فيجتلب ~~الرحمة ويستدر العبرة ويحسن الاعتذار عن النفس البشرية من أخطائها فيذكي العاطفة الخابية ~~ويوقظ الإحساس الراقد، ويتحدث إلى القلب الإنساني حديث الوجدان والشعر والعاطفة. # وقصد المرحوم حافظ عامر إلى صديقه الرافعي؛ ليضع القضية بين يديه ويسأله أن يكتب ~~الاسترحام إلى أمير البلاد، وسمى له أجرة إن توفق في مسعاه. # وقرأ الرافعي القضية وأحاط بها من كافة نواحيها، ثم شرع قلمه وكتب ... # وبلغت صيحته حيث أراد فأفرج عن السجينين في مايو سنة 1921. # وتناول الرافعي أجرته على ذلك من المحامي سبعة عشر جنيها، واستبقى المحامي لنفسه ثلاثا ~~وثمانين ... # 3 # في هذا الاسترحام الذي كتبه الرافعي في بضع وأربعين صفحة ونحله صديقه المحامي ليطبعه ~~باسمه، لون من أدب الرافعي غير معروف لقرائه، وفيه تحليل نفسي بديع، وفيه شعر إنساني يبلغ ~~الغاية من السمو، وفيه منطق واستنباط وملاحظة دقيقة لا تجد مثلها في أساليب ~~الأدباء. # وقد ظل هذا «التعاون» الأدبي متصلا بين الرافعي وصديقه الأستاذ حافظ عامر إلى ما قبل موت ~~الرافعي، ولكن هذا «التعاون» قد خرج من نطاق القضايا والمحاكمات إلى نطاق أدبي آخر ليس من ~~حقي أن أتحدث عنه اليوم ... وعند الأستاذ الزيات بقية الخبر، تحدث به الرافعي إليه في مجلس ~~ضمنا نحن الثلاثة ... ~~••• # أشرنا في بعض ما سبق من هذه الطبعة إلى ما أجملنا ذكره في الطبعة الأولى من خبر «رسالة ~~الحج» المنسوبة للمرحوم حافظ عامر قنصل مصر في جدة سابقا # 4 # على أن ما ذكرناه إجمالا في الطبعة السابقة لم تخف حقيقته عن كثير من القراء، ~~ففهموا ما قصدنا إليه، وإن كنا لم نقطع برأي أو خبر في نسبة تلك الرسالة، وقد كتب إلينا ~~صديقنا الأديب السيد حسين نصيف من جدة في سنة 1943 يقول: «إن هذه الرسالة ليست من ms224 تأليف حافظ ~~عامر، ولا من إنشاء الرافعي، وإنما نقلها أولهما عن ترجمة إنجليزية مخطوطة لكتاب بالأردية ~~عن «أسرار الحج»، ولم يكن يعلم أن النسخة الأردية قد نشرت على قرائها في الهند قبل ذلك ~~بسنين، وأن ترجمتها الإنجليزية قد سبقت النسخة العربية التي نشرها حافظ عامر في القاهرة ~~بمعونة صديقه الرافعي»، ولكي يبرهن صديقنا الأستاذ نصيف على دعواه بعث إلينا بالنسخة الأردية ~~لنوازن بينها وبين رسالة حافظ عامر، فدفعناها إلى صديقنا الأستاذ محمد حسن الزيات - رد ~~الله غربته - ليقارن بين الأصل و«الصورة» ففعل، ولا تزال تلك النسخة الأردية عنده حتى ~~اليوم، وقد نشرت مجلة «الرسالة» في ذلك الحين دعوى السيد حسين نصيف والرد عليها، وتناولنا ~~موضوعها بالتعليق في بعض ما كنا نكتبه وقتئذ في مجلة «الثقافة» بتوقيع «قاف» تحت عنوان ~~«الصحافة والأدب في أسبوع». # فإذا صح هذا الذي رويناه - ونحن نميل إلى تصحيحه - فإن عمل الرافعي في تلك الرسالة التي ~~نشرها المرحوم حافظ عامر منسوبة إليه، لا يعدو عمل المنشئ وصاحب البيان لفكرة زعم له صديقه ~~أنها فكرته! ~~••• # ونعود إلى حديث المقالات المنحولة فنقول: في شهر ديسمبر من سنة ما، قصد الأستاذ جورج ~~إبراهيم صديقه الرافعي، يطلب إليه أن يعد كلمة عن المسيح لتلقيها فتاة مسيحية في حفلة ~~مدرسية في ليلة عيد الميلاد ... # وكتب الرافعي المسلم كلمة مسلمة في تمجيد المسيح فدفعها إلى صديقه، وألقتها الفتاة في ~~حفل حاشد من المسيحيين المثقفين فخلبت ألبابهم واستحقت منهم أبلغ الإعجاب. # وفي الشهر التالي كانت هذه الخطبة المسيحية الرافعية منشورة في «المقتطف» منسوبة إلى ~~الفتاة، وكانت عند أكثر القراء المسيحيين إنجيلا من الإنجيل. # تحت يدي الآن النسخة الأصلية من هذه الخطبة مكتوبة بخط الرافعي، وهي النسخة التي بعث بها ~~إلى صديقه الأستاذ جورج ليدفعها إلى الفتاة، وفي صدرها بخطه إلى صديقه: # هذا ما تيسر لي على شرط الفتاة، فنقح فيه ما شئت، واضبط لها الكلام، والسلام. # وفي آخرها يتفكه مع صديقه: # وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة، والمضرة، والمعرة يا عم جورجي. # وكان المرحوم ms225 الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي - صهر الرافعي - من تلاميذ الأستاذ الإمام ~~الشيخ محمد عبده المقربين، وكان أدنى إليه منزلة من كثير من تلاميذه، على أن تأثره به كان ~~من الناحية الأدبية وحسب، على حين كان تلميذه المقرب المرحوم السيد رشيد رضا مخصوصا ~~بالرواية عنه في الناحية الدينية، فكلاهما من تلامذة الأستاذ الإمام، ولكن لكل منهما نهجه ~~وشرعته. # فلما هم البرقوقي أن يصدر مجلة البيان # 5 ~~- وكان السيد رشيد رضا قد سبقه بإصدار مجلة المنار - قصد البرقوقي إلى الرافعي ~~يقول له: «إنني لا أتصور كيف يصدر العدد الأول من «البيان» وليس فيه كلمة أو حديث أو مجلس ~~من مجالس المرحوم الأستاذ الإمام أصفه لقرائي، وأنا كنت أدنى إليه مجلسا من رشيد رضا الذي ~~لا يكاد يصدر عدد من مجلته - المنار - إلا وفيه حديث أو خبر أو مجلس من مجالس ~~الشيخ!» # قال الرافعي: «فابدأ العدد الأول بما شئت من حديثه أو مجالس درسه!» # قال البرقوقي: «ولكني لا أجد عندي ما أرويه عن الإمام، لقد ترك الشيخ في نفسي أثره، ولكنه ~~لم يترك في ذاكرتي من حديثه ومجالسه شيئا يستحق الرواية.» # قال الرافعي: «... ولا بد من ذكر شيء عنه في البيان؟» # قال: «بلى، وإلا غلبني رشيد رضا واستطال علي عند قرائه بأنه هو وحده تلميذ الإمام ~~وراويه!» # وضحك الرافعي وأطرق هنيهة، ثم تناول قلما وورقة وكتب ... # وصدر العدد الأول من مجلة البيان، وفيه حديث يرويه البرقوقي عن الشيخ محمد عبده في مجلس ~~من مجالس درسه، بأسلوب من أسلوبه وروح من روحه وبيان في مثل بيانه، وما قال المرحوم الإمام ~~شيئا من ذلك ولا تحدث به، ولكنه حديث مصنوع وضعه الرافعي على لسان الأستاذ الإمام ونشره ~~البرقوقي ليقضي لبانة في نفسه ... ~~... ألقى إلي الرافعي هذا الحديث ساخرا، ثم دفع إلي العدد الأول من مجلة البيان وهو ~~يقول: «اقرأ، أترى هذا الحديث من مهارة السبك بحيث يجوز على القراء أنه من حديث الأستاذ ~~الإمام؟» # وضحكت وضحك الرافعي، وعاد يقول: «ولكن تمام الفكاهة أن السيد رشيد رضا ms226 لما قرأ هذا ~~الحديث المصنوع، التفت إلى جلسائه قائلا: وأي حديث هذا الذي يبدأ به البرقوقي مجلته؟ لقد ~~كنت حاضرا مجلس الشيخ، وسمعت منه هذا الحديث، ولكني لم أجد له من القيمة الأدبية ما يحملني ~~على روايته ...!» # 6 ~~... واستمر هذا «التعاون» أيضا بين الرافعي والبرقوقي طول المدة التي كانت تصدر فيها ~~مجلة البيان، فأي مقال قرأت من أعداد هذه المجلة فشككت في نسبته إلى مذيله باسمه، فاحمله ~~على أنه مما كتب الرافعي من الأدب المنحول ... # ومن ذلك مقدمة شرح ديوان المتنبي الذي نشره البرقوقي. # ويدخل في هذا الباب كثير من المقالات كان الرافعي يكتبها بأسماء طائفة من ناشئة ~~المتأدبين؛ ليدفع عن نفسه في معركة، أو يدعو إلى نفسه لمغنم، أو ليعين صاحبا على العيش، ~~أو ليوحي إلى «صاحب الإمضاء» إيحاء يدفعه إلى الاستمرار في الأدب والأمل في أن يكون غدا ~~من الكتاب المشهورين ... وليس يعنيني في هذه الناحية أن أسمي أحدا أو أشير إليه؛ إذ كان ~~الذي كتبه من ذلك ليس له من القيمة الأدبية ما يدعونا إلى الحرص على تصحيح نسبه، وأكثره لغو ~~مما ينشر في بعض الصحف لملء الفراغ. # | من شئونه الاجتماعية # لم يكن الرافعي عضوا في جماعة من الجماعات، ولا منتسبا إلى حزب من الأحزاب أو طائفة من ~~الطوائف؛ إذ كان يؤثر الوحدة والاستقلال في الرأي، وكان من التعصب لرأيه والاعتداد بنفسه ~~بحيث يأبى أن ينزل عن رأي يراه مجاملة لصديق أو خضوعا لرأي جماعة ينتسب إليها، وكان له من ~~علته سبب آخر نبهت إليه عند الحديث عن نشأته، ثم إن الرافعي لم يكن رجلا اجتماعيا ~~يلتزم ما تفرض عليه الجماعة من تقاليد ويتخذ أسلوب الناس فيما يليق وما لا يليق، فهو لا ~~يعتبر إلا رأيه، أو حاجته، أو مصلحته، فيما يكون بينه ويبن الناس من صلات، ولم يكن يعرف ~~هذا النفاق الاجتماعي الذي يسميه الناس التقاليد، أو الأدب اللائق ... فهو بذلك كان عالما ~~منفردا يسير في نهجه إلى الهدف المؤمل على وحي الفطرة أو هدي الإيمان، ms227 سم هذا شذوذا في ~~الخلق، أو سمه استقلالا في الرأي وأسلوبا من التعبير عن الشخصية المتميزة بخصائصها، ~~فما يعنيني هنا إلا إثبات هذه الحقيقة في التاريخ كما شهدتها في معاملاته وفي صلاته ~~بالناس، وكما لمحتها في جملة من أحاديثه. ~~... هذه الأسباب هي أهم ما كان يباعد بين الرافعي والاشتراك في الجماعات، أو يباعد بينها ~~وبينه! # على أن ذلك لم يكن يمنعه أن يكون هواه مع جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب في وقت ما ~~لسبب ما، ولم يمنعه ذلك أن يكون عضوا في بعض الجماعات. # وأول أمره في ذلك - على ما أعرف - أنه شرع وهو شاب لم يجاوز العشرين في تأليف جماعة من ~~الشباب تدعو إلى نوع من الإصلاح الديني، وكان معه على هذا الرأي صديقان من أترابه، أذكر ~~منها الأستاذ عبد الفتاح المرقي المحامي بطنطا، وقد اتخذوا «مسجد البهي» في طنطا مكانا ~~لاجتماعهم وتبليغ دعوتهم، وطنطا كما قد يعرف كثير من القراء، مركز هام من مراكز الثقافة في ~~مصر، وفي أهلها حفاظ وتحرج، ولها صبغة دينية نشأت من أن فيها معهدا دينيا كبيرا في ~~«الجامع الأحمدي» كان في وقت ما يشتد عدوا في مسابقة الجامع الأزهر بالقاهرة، ~~والأزهريون في طنطا كالأزهريين في القاهرة، إلى عهد قريب، أكثر أهل العلم في مصر حفاظا ~~على القديم، وأسرعهم إلى سوء الظن بكل إصلاح جديد، من ذلك لقي الرافعي وصاحباه في دعوتهم ~~ما لقوا من عداء طلبة الجامع الأحمدي وعلمائه، حتى هم الطلبة مرة أن ينالوهم بالأذى في ~~أبدانهم ... فلم يجد الرافعي وصاحباه في النهاية بدا من التسليم، وانحلت الجمعية ~~الرافعية الصغيرة. # حدثني الرافعي حديث هذه الجمعية في خريف سنة 1932 بعد ثلث قرن مما كان، وكنت ذهبت إليه ~~يومئذ في وفد ثلاثة ندعوه إلى الاشتراك معنا في جماعة أنشأها بطنطا في ذلك الوقت باسم ~~«جماعة الثقافة الإسلامية» تدعو فيما تدعو إلى العمل على إحياء الشعور بمعنى القومية ~~الإسلامية العربية، واتخذت لذلك وسائل وشرعت نهجا، وكانت تضم فيمن تضم طائفة ممتازة من ms228 ~~أهل الرأي والعلم والأدب لكل منهم صوت ورأي وجاه في قومه ... # ولبى لرافعي دعوتنا بعد تمنع، وانتظمت الجماعة على رأي واحد إلى هدف واحد، فلما ~~استكملنا الأهبة، دعونا الشباب المثقفين في طنطا إلى اجتماع عام في ناد كبير، وكان الرافعي ~~من خطباء الاجتماع. # صعد الرافعي إلى المنصة، فوقف برهة يجيل نظره في ذلك الجمع الحاشد، ثم انطلق في ~~خطبته. # وعلى أن الدعوة إلى الاجتماع كانت عامة، وعلى أن موضوعه هو الثقافة الإسلامية، فإنه لم ~~يشهد هذا الاجتماع من شيوخ «الجامع الأحمدي» ومدرسيه غير ثلاثة من الشيوخ، وطائفة غير قليلة ~~من المدرسين غير الشيوخ، ولم يفت الرافعي أن يلاحظ ذلك، فمال في خطبته إلى هذه ~~الناحية، ينعى على شيوخ الأزهر أن يتجاهلوا واجبهم في مثل هذه الدعوة، وأن يؤثروا القعود ~~على الجهاد! وكان فيما قاله: «إن أديبا كبيرا من وزراء الدولة قد قالها مرة منذ ثلاثين ~~سنة: لو قعد حماري في الأزهر خمس عشرة سنة لخرج عالما! وما نحب أن يقولها اليوم أحد ليلحد ~~في كفاية طائفة من أهل العلم والدين هم أكرم علينا ...!» # قالها الرافعي في حماسة وانفعال وفي لهجة خطابية ثائرة، فسمع المجتمعون همهمة عن يمينه ~~وشماله، أما عن يمينه فكان الشيوخ الثلاثة قد آذاهم ما قال الرافعي، وأما عن الشمال فكان ~~طائفة من المدرسين غير الشيوخ في الأزهر قد خافوا أن تؤول كلمة الرافعي تأويلا ينالهم ~~بالشر من إخوانهم الأزهريين ... # وعلى أن الرافعي كان بريء الصدر فيما قال، وعلى أن الأزهريين كانوا يعلمون قبل غيرهم أن ~~هواه معهم، وعلى أن صدر كلامه وخاتمته لم يكن ينبئ عن قصد الإساءة، فإن هذه الكلمة التي ~~قالها قد أحدثت دويا بين الأزهريين تهدد الجماعة في نشأتها. # وسعى ساع إلى شيخ الجامع الأحمدي «المرحوم الأستاذ محمود الديناري» فأنبأه أن الرافعي قد ~~قال في خطبته: «لو قعد حماري في الأزهر بضع سنين لخرج أعلم من شيخ الأزهر ...!» # وكتبها كاتب في رسالة خاصة إلى المرحوم الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ الجامع الأزهر ~~...! # وتسامع بها ms229 الشيوخ على ما حكاها الراوي فراحوا يتناولون الرافعي وجماعته بما وسعهم من ~~التجريح في أعراضهم ودينهم ومقاصدهم، وقال قائل منهم، «وما حاجتنا إلى هذه الجماعة فيما ~~تدعو إليه؟ لقد انتشر الإسلام ومد ظلاله في العالم على حد السيف، فما يغني غناءه في هذه ~~الدعوى كاتب يكتب أو خطيب يخطب!» # وامتدت هذه المقالة الطائشة على لسان طائفة ... # وعرف الطلاب من الأمر ما عرفوا فأعلنت طائفة منهم الحرب، وسعت طائفة أخرى في وفد إلى ~~مدير المديرية تطلب إليه أن يقمع هذه الفتنة بسلطانه، واصطبغت المشكلة صبغة سياسية؛ إذ كان ~~للأزهريين يومئذ في السياسة دولة وسلطان. # وإذا اتصل الأمر بالسياسة، فإن طائفة من الموظفين المنتسبين إلى الجماعة قد فزعوا فآثروا ~~البراءة منها على الدفاع عنها، وأشفقت طائفة على مصير الجماعة فأوفدت وفدا إلى الأستاذ ~~الديناري شيخ الجامع يحقق له الرواية ويمحو سوء الظن ويعتذر ... ولكن شيخ الجامع رد الوفد ~~ردا غير جميل وقال عن الرافعي ما قال ... # وجاء الخبر إلى الرافعي بما أحدثت كلمته، فما أفزعه من ذلك إلا أن يصدق شيخ الأزهر ما ~~نقل إليه منسوبا إلى الرافعي وإنهما لصديقان من زمان ... فكتب إليه: ~~... وإن شيخا من علماء الجامع الأحمدي يزعم أن الإسلام قد انتشر على حد السيف! ~~وهذا كلام، وسيبقى كلاما ما دمت ساكتا عنه، فإذا عرضت له بالمناقشة فقد تغير ~~وجهه، لو كان وجه النهار لاسود. # وعلم شيخ الأزهر حقيقة الدعوى التي ادعاها خصوم الرافعي عليه بما زادوا فيها ونقصوا، فكتب ~~يعتذر إليه، وكتب إلى شيخ الجامع الأحمدي ... # وكان الرافعي جالسا إلى مكتبه في المحكمة حين جاءه الرسول يدعوه إلى مقابلة شيخ الجامع ~~الأحمدي، فرده، وعاد يدعوه ثانية ويلح في الرجاء، فحدد الرافعي موعدا. # وذهب إلى لقاء الشيخ، فاستقبله العلماء بالباب في حفاوة بليغة، وسعوا بين يديه مهرولين ~~إلى مكتب الشيخ، قال الرافعي: «ووجدت الشيخ في انتظاري وبين يديه «إعجاز القرآن» فما لقيني ~~حتى قال: أتعرف يا سيدي أنني مدين لك؟ هذا كتابك لا أجد لي رفيقا خيرا منه، إنه ms230 زادي ~~وعمادي. ثم عيث في درج مكتبه قليلا فأخرج ورقة فيها شعر مكتوب، فدفعها إلي وهو يقول: ~~وهذه قصيدة أعددتها لأنشدها بين يدي المليك في طريق عودته إلى القاهرة من مصيفه، لا أجد من ~~يصلحها خيرا منك، فأنت أنت للشعر وللبيان!» # قال لي الرافعي: «وبدون هذا كانت تقنع نفسي وترضى، ولكنها كانت وسيلة الشيخ إلى استرضائي، ~~طاعة لأمر شيخ الأزهر بعد الذي قال عني منذ أيام ...» # تم الصلح بين الرافعي والأزهر، ولكن الأزمة التي كانت، لم تبق على الجماعة، فانحلت بعد ~~ما طار منها أكثر أعضائها من الموظفين خشية التهمة بالسياسة، وكان للسياسة يومئذ حديث طويل ~~... # ولم يشترك الرافعي - على ما أعلم - في غير هاتين الجماعتين. ~~••• # ولم تتهيأ للرافعي رحلة من الرحلات يفيد منها علما أو تجربة طول حياته، غير رحلة أو ~~رحلتين - لا أذكر - إلى الشام، لم يفارق مصر إلى غير الشام من بلاد الله، فزار طرابلس حيث ~~ما تزال أسرة الرافعي لها ذكر وجاه، وزار لبنان حيث عرف صاحبة حديث القمر في سنة ~~1912. # على أن الرافعي كان يحب الرحلة ويطرب لها ويتمنى لو أتيحت له، ولكن موارده المحدودة كانت ~~تقعد به، ولما كان في بطانة المغفور له الملك فؤاد، كان له جواز سفر مجاني في الدرجة الأولى ~~على خطوط سكة الحديد المصرية، فكان يعد حصوله على هذا الجواز ظفرا بأمنية عزيزة؛ لأنه أتاح ~~له أن يتنقل ما شاء بين البلاد من غير غرم، حتى ما يكاد يستقر في بلد، فيوما في القاهرة، ~~ويوما في الإسكندرية، ويوما في بورسعيد، يفيد من هذه الرحلات ما يفيد لأدبه أو لبدنه ~~وأعصابه، حدثني مرة أنه كان ينظم قصيدة من مدائحه الملكية، فأحس شيئا من التعب والملال، ~~فقصد إلى المحطة فاتخذ مقعده في قطار كان على أهبة السفر إلى بورسعيد، فأتم قصيدته هناك ثم ~~عاد ... # وقد كان هذا الجواز هو سبب ما بينه وبين الإبراشي مما فصلت مجمله في فصل سابق، وكان ~~الرافعي قد قصد إليه يطلب إليه مد أجل هذا الجواز بعد ms231 انتهائه! # وكان يغبط الذين يجدون في طاقتهم أن يقضوا الصيف من كل عام في أوربا ويتمنى لو أتيح له؛ ~~ليفيد من ذلك شيئا يجدي على أدبه. على أنه مع ذلك كان يرحل إلى أوربا أيان يريد، ولكن في ~~السيما ... # كان يسمي السيما: خارج القطر! ويزعم أن في ذهابه لمشاهدتها كلما سنحت له الفرصة غناء عن ~~السفر، فسواء عنده أن يرحل إلى أوربا في قطار أو باخرة، وأن ترحل إليه أوربا بحالها في ~~رواية يشاهدها على ستار السيما، فلكليهما أثر متشابه في نفسه، وذلك بعض مذهبه في فلسفة ~~الرضا والسعادة! # وكم كان ظريفا أن تسمعه يتحدث إلى صديق من أصدقائه قائلا: «هل لك أن تصحبني الليلة إلى ~~خارج القطر؟» يلقي هذا السؤال بلا تكلف ولا قصد إلى الفكاهة؛ لأن كلمة «خارج القطر» كانت ~~عنده علما عرفيا على السيما لا يحتاج إلى تعليق! ~~••• # وكان عجيبا في إيمانه بالغيب، وتناجي الأرواح، وتنادي الموتى والأحياء، وكان يؤمن ~~بالسحر والعرافة، وكثيرا ما كنت تسمع منه: «حدثتني نفسي ... ألقي إلي ... هتف بي ~~هاتف.» وكان يعني ما يقول على حقيقته، جلست إليه مرة في منزله، فأخذنا في حديث طويل ... وعلى ~~حين غفلة سكت، ثم قال: «كيف صديقنا مخلوف؟» قلت: «لم أره من زمان!» قال: «إنه قادم الساعة ... ~~لقد ألقي إلي ... أحسبه الآن يصعد في السلم ...!» فما كاد يتم حتى دق الجرس، وكان ~~الأستاذ حسنين مخلوف هو القادم، وسألت الأستاذ مخلوفا: أكان على موعد مع الرافعي؟ فنفى لي ~~كل ظنة! # وسألني مرة أخرى: «ماذا تعرف عن صديقنا «م»؟» قلت: «لا جديد من أخباره!» قال: «يهتف بي ~~الساعة هاتف أنه في شر!» وفي صباح اليوم التالي كان نبأ شروعه في الانتحار منشورا في ~~الصحف! وفي الرسائل التي تبادلاها بعد هذه الحادثة ما يبعد الظن بأن الرافعي كان يعلم ~~شيئا! # وكان بينه وبين رجل قضية، فغاظه، وجاءني الرافعي يوما محنقا وهو يقول: «سينتقم الله ~~منه! سينتقم الله منه! قلبي يحدثني بأن القصاص قريب!» وفي الغد جاءنا نعي الرجل، وكنت مع ms232 ~~الرافعي وقتئذ، فتندت عيناه بالدمع، وتناول سبحته وأخذ يتمتم في صوت خافت وشفته تختلج ~~من شدة الانفعال! # هذه حوادث ثلاث رأيتها بعيني، ولعلها من عجائب الأخبار عند بعض القراء، وأحسبني قد رأيت ~~له غير ذلك، ولكني لا أتذكره الآن ... # وحدثني أن أباه كان مسافرا مرة إلى بلد ما، وكان عليه صلاة، فافترش مصلى وأخذ يصلي على ~~رصيف المحطة، وإنه لكذلك إذ جاء القطار، قال الرافعي: «وكان أبي حريصا على ميعاد هذه ~~السفرة، يخشى شيئا لو تأخر عن موعدها، وما كان بين موعد قدوم القطار وسفره ما يتسع لصلاة ~~الشيخ، ولكن الشيخ استمر في صلاته على ونى واطمئنان، وما تحرك القطار إلا بعد أن فرغ ~~الشيخ من صلاته واطمأن في كرسيه وحيا مودعيه ووصى، وكان سبب تأخير القطار شيئا غير ~~مألوف يتصل بشأن من شئون المحطة!» # وأحسبه ذكر مرة في بعض ما كتب، كيف ثقل نعش أمه على كتفه ثم خف! وأخبرني أنه لما مات ~~أخوه المرحوم محمد كامل الرافعي استحضر روحه فلبت نداءه، وكان بينهما حديث لا أذكره، ~~وحاول مرة أن يعلمني وسيلة لتحضير الأرواح، ولكني لم أتعلم! # وكان يحفظ كثيرا من الأدعية والدعوات لأسبابها! # ولما وقع في حب «فلانة» ونال منه الوجد بها، لجأ إلى العرافين في أمل يأمله، فكتب تميمة ~~فعلقها في خيط فربطها في سارية بأعلى الدار تتلاعب بها الريح ... # 1 # قال: «ولكن أمورا عجيبة مفزعة وقعت لي ولأهلى ولسكان الدار جميعا في خلال ~~اليومين اللذين كانت التميمة معلقة فيهما، فأيقنت أن ذلك من ذلك، فإن لكل تميمة غايتين: ~~إحداهما مما تأمل، وثانيتهما مما تخاف، وكان ما وقع لي وما يتهددني من شر، أكبر عندي من ~~الأمل الذي كنت أرجو، فندمت على ما كان، وتسللت إلى السطح فحللت رباط التميمة وفضضت ~~خاتمها ... قال: فما فعلت ذلك حتى عادت الأمور تسير على عادتها في رفق وأناة، وزال ما كنت ~~أحذر وهدأت نفسي من ناحيته، فما كان شأني في الحالتين إلا كراكب سفينة هبت عليها عاصفة ثم ~~قرت! ... قال: ms233 وما كان الذي وقع لي في هذين اليومين مما يقع في العادة، ولا كانت نهايته وقد ~~فضضت خاتم التميمة بالنهاية التي تنتظر ...!» # وكان يؤمن إيمانا لا شك فيه بأن يوما ما سيأتي فيرتد إليه سمعه بلا علاج ولا معاناة؛ ~~لأن بشيرا من الغيب هتف بهذه البشرى في نفسه، فهي لا بد واقعة! وقد مات وعلى مكتبه رسالة ~~من صديقه المرحوم فليكس فارس يشير عليه بتجربة لترد عليه سمعه الذي فقده منذ ثلاثين سنة أو ~~يزيد، ورسالة أخرى من صديقه المرحوم حافظ عامر فيها شيء يشبه ذلك! # وأحسبه قال لي مرة أو مرات وكنت جالسا أتحدث إليه: «ارفع صوتك بالحديث لعل الساعة ~~الموعودة قد حانت، فأسمع ما تقول!» # ولو أنني ذهبت أستقصي ما أعرف من مثل هذه الأخبار ما وسعني الوقت، وفي بعض ما قدمت ~~الكفاية لمن يلتمس أسباب العلم. ~~••• # وكان الرافعي ولوعا بالرياضة البدنية من لدن نشأته، يعالج أسبابها في أوقات رتيبة، وكان ~~المشي الطويل أحب رياضة إليه. # خرجت مرة في جماعة من صحبي يوم «شم النسيم» للرياضة بعيد الفجر، وكان معنا ماؤنا ~~وطعامنا وقد عزمنا أن نقضي اليوم كله في الخلاء، فلما صرنا على بعد ميل من المدينة والشمس ~~لما تشرق، لمحت الرافعي على بعد يخب في مشيته على حافة قناة بين زرعين، فلما دنوت منه ~~رأيته يميل فيبلل كفه بأنداء الفجر على أوراق البرسيم فيمسح بها وجهه وهو مغتبط مبسوط، ~~وأقبلت عليه أسأله، قال: «هذه رياضة تحلو لي كثيرا، فما أتركها إلا لعارض، بل إني ليطيب ~~لي أحيانا أن أخرج من البيت قبل الفطور لأجول هذه الجولة، ثم أعود لأفطر وأخرج إلى الديوان ~~...» قلت: وهذا الندى الذي تغسل به وجهك؟ قال: «إنه ينضر الوجه ويرد الشباب!» ثم سأل: ~~«وأنتم أين تقصدون؟» قلت: هذه رياضة لا نقوم بها في العام إلا مرة، وإن معنا لطعاما وماء ~~وحلوى، فهل تصحبنا؟ # قال: «وددت، ولكن في غير هذا اليوم ... أسأل الله لكم العافية!» # ونالنا في هذا اليوم شر لم نتوقعه، فعدنا قبل ms234 أن ينتصف النهار محزونين! ... وسمع الرافعي ~~بما نالنا فقال: «هو ذلك! إن الشر ليتربص بالمسلم الذي يحتفل لهذا اليوم أكثر مما يحتفل ~~لمطلع المحرم! هذه وصية أب!» # 2 # وكان يعالج كثيرا من وسائل الرياضة غير المشي، وقد أتقن تمرينات «صاندو» الرياضي الفرنسي ~~المشهور ... # ولو أن أحدا دخل منذ سنوات الغرفة التي كان فيها مكتب الرافعي، لرأى «عقلة» تتدلى من ~~السقف، وكرات وأساطين من الحديد ملقاة إلى جانب، وأثقالا من أثقال الرياضة مسندة إلى ~~الحائط. # وقد كان إلى قريب يملك عودا طويلا من الحديد الغليظ يعلق في طرفيه ولديه الشابين سامي ~~ومحمد، ثم يرفعهما بيده كما يفعل أبطال الحمل حين يحملون من أثقال الحديد ...! # وكان ولعه بالرياضة يحمله على السعي إلى أبطالها يلتمس صداقتهم، ومن أصدقائه المصارع ~~الكبير المرحوم عبد الحليم المصري، والبطل المصري المشهور السيد نصير! # ومن عجائب الازدواج في شخصية الرافعي أنك كنت تنظر على مكتبه ثلاث صور لا تجتمع في مكان: ~~هي صورة المرحوم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وصورة الرياضي الفرنسي المشهور صاندو، ~~وصورة ... كريمان هانم خالص، ملكة الجمال التركية في وقت ما، واسترعى اجتماع هؤلاء الثلاثة ~~ملاحظتي ذات يوم، فقال وأشار إلى صورتي صاندو والشيخ محمد عبده: «هاتان قوتان تعملان في ~~نفسي: قوة في روحي، وقوة في جسدي!» # قلت: «وهذه ...؟» # قال: «وهذه ...! ما أجملها! انظر! ألا تقرأ شعرا مسطورا على هذه الجبين؟» # وكان سباحا ماهرا، وكانت له جولات في السباحة يشهدها شاطئ سيدي بشر في الصيف، وكان ~~يقصد هو وأسرته للاستحمام جانبا من الشاطئ غير مطروق لعنفوانه وشدة موجه، وكان يمزح ويسميه ~~«بلاج الرافعي»؛ إذ قل أن يقصد إليه للاستحمام أحد من المصطافين في سيدي بشر غير الرافعي ~~وأسرته. # ولا يطعن في قدرة الرافعي على السباحة أنه أوشك أن يغرق مرة، كان ذلك قبل منعاه بأشهر، ~~وكاد يغرق معه طائفة من أولاده، لولا أن أسرع حارس الشط لنجدتهم. # وللرافعي صورة طريفة تصورها منذ بضع عشر سنة، وتمثله في زي أبطال الرياضة المشهورين، ~~عاري الجسد، بارز العضلات! ms235 # وله مقالات مشهورة عن الرياضة البدنية، نشرها مسلسلة في مجلة «المضمار» الرياضية التي ~~كانت تصدر في القاهرة منذ بضع عشرة سنة. # وكانت عنايته بالرياضة من أسباب قوته البدنية، ومن أسباب قوته العصبية أيضا، ومن هاتين ~~كان اصطبار الرافعي على العمل الشاق فيما يعالج من شئون الأدب. # ولكنه وا أسفا! ... قد مات بغير علة؛ لأن القدر أقوى من احتيال البشر! ~~••• # قلت في أول هذا الفصل: «إن الرافعي لم يكن رجلا اجتماعيا يلتزم ما تفرض عليه الجماعة من ~~تقاليد ويتخذ أسلوب الناس فيما يليق وما لا يليق ...» # فلعل قراء الصحف المصرية ما يزالون يذكرون ذلك الإعلان المشهور الذي كان يطالعهم في كل ~~جريدة وكل مجلة عن «الفسفورين» وفي رأسه صورة الرافعي وشهادة بخطه عن مزايا الفسفورين الذي ~~«شربه فكأنما شرب فيه الكهربا ...» # ولعل كثيرا من الذين قرءوا هذا الإعلان ورأوا في رأسه صورة الرافعي وشهادته بخطه، قد ~~عجبوا وسألوا أنفسهم: كيف يرضى رجل كالرافعي أن يضع نفسه هذا الموضع؟ # ولعل كثيرا منهم كذلك كانوا يعتقدون أن الرافعي لم يكتب هذا الإعلان إلا مأجورا كما ~~يؤجر «نجوم » السيما وملكات الجمال على الإعلان عن صنوف العطر والصابون وأدوات الزينة ~~...! ~~... ولكن هذا الذي كان يدور في خلد جميع القراء، أو أكثر القراء، لم يكن يخطر للرافعي أو ~~يدور بخلده، بل لعله كان يراها مفخرة له على أدباء الجيل أن يؤخذ بشهادته من دونهم جميعا، ~~وأن تنشر صورته كل يوم في كل جريدة مع لقب «إمام الأدب وحجة العرب ...» الذي نحله إياه ~~الأمير شكيب أرسلان في بعض ما كتب عنه! وأحسبه قال لي مرة: «إن الأديب فلانا ليأكله الغيظ ~~كلما رأى هذه الصورة مقترنة إلى هذا اللقب الذي لا يتطاول إليه أديب من أدباء ~~الجيل!» # أتراه كان يعتبرها شهادة منه بفائدة الفسفورين، أم شهادة من الفسفورين بإمامته ~~...؟ # ولكنه - يرحمه الله - لم يكن يعرف من تقاليد الناس ما يؤهله ليرى أن نشر صورته مع مثل ~~هذا الإعلان عمل لا يليق! # والسبب الذي دعاه لكتابة هذا الإعلان، أنه ms236 ذهب مرة ليشتري دواء من صيدلية، فأهدى إليه من ~~أهدى شيئا من الفسفورين زعم أنه يعينه على المجهود العصبي الذي يبذله في معاناة الأدب، ثم ~~دعاه بعد إلى كتابة هذا الكتاب، فلما أجابه الرافعي إلى ما طلب، بعث إليه في منزله بهدية ~~من مركبات الفسفور في صندوق ... ثم كان كتاب الرافعي - كما رآه القراء - إعلانا بأبخس ~~الأثمان، وهو راض مسرور! # وثمة إعلان آخر غير هذا الإعلان، نشره منذ سنين في مجلة المقتطف، # 3 # يشيد بفن مهندس مشهور؛ لأنه وضع له رسما لمنزله الذي مات قبل أن يبنيه، ~~وكان هذا الإعلان هو كل أجر المهندس على الرسم الذي وضعه! # وإلى القراء هذا الإعلان أثبته هنا طرفة أدبية لا يقع القراء على كثير من أمثالها ~~...! # إلى المهندس النابغة الأستاذ رمسيس ... # عزيزي الأستاذ رمسيس # تأملت رسمك الجميل الذي وضعته لمنزلي، وتتبعت مواضع الاتصال فيه بين قريحتك ~~المبدعة، وبين شكل الطبيعة وروحها، فأشهد لكأن هذا الرسم بما فيه من القوة يحاول أن ~~يحيا في نظر من يتأمله. # إنك بهذا الذوق السلم الحي لتعطينا السرور في شكل من الفن، حتى لو ملك المالك ~~رقعة من الأرض كالبقعة من الظلمة لوضعت لها من هندستك غرة فجر يضيء عليها. # وأراك بهذه الدقة وهذا العلم كأنما ترغم الطبيعة أن تقدم لك حسابا عن كل مكان ~~تتناوله منها، وأحسبها لو هي صنعت بناء كما تصنع ثمارها وأزهارها لجاءت به في موضعه ~~على الرسم الذي تتخيله أنت لموضعه، كأنك أعطيت بالعلم سر إظهار الجمال في أشكاله ~~كما أعطيت هي بالقدرة سر تكوين الأشكال في جمالها ... # ما أبدع ما تمزج أيها الساحر بين القريحة والمادة! وما أدق ما تصل بين الجمال ~~والمنفعة! وما أكمل ما تحقق بين المخيلة والواقع! إن هذه الخطوط التي رسمتها لتكون ~~ميلاد بيت جميل، هي نفسها ميلاد فن بليغ يقيم لك بناء فخما من إعجاب ~~محبك! # مصطفى صادق الرافعي # ديسمبر سنة 1928 # وقد طبع الأستاذ رمسيس من هذا الكتاب آلاف الصور؛ ليكون إعلانا عن فنه بشهادة الرافعي، ms237 ~~وحسبك بها من شهادة! ~~••• # ولئن كان في هذين الإعلانين الكفاية لإثبات ما قدمت من وصف أخلاقه الاجتماعية، إن في ~~الحادثة التالية لشاهدا حقيقا بالنظر: عاد الأستاذ حافظ عامر من الحجاز ذات سنة في ~~إجازته، فأهدى إلى الرافعي سبحة نادرة لمناسبة عودته، زعم له أنها تساوي بضعة ~~جنيهات. # وعرض الرافعي السبحة علي وقال: «كم تساوي؟» قلت: «لا أدري!» قال: «فهل لك أن تقومها في ~~السوق؟» فذهبت بها - ولم أكن أعرف أنها مهداة إليه - فلم أجد لها شبيها في السوق، ولكن ~~تاجرا أنبأني أنها لا تساوي أكثر من جنيه! # وأنبأت الرافعي بما سمعت، فما لبث أن تناول قلمه وكتب رسالة إلى صديقه يعتب عليه أن ~~يغالي بقيمة الهدية إلى خمسة أمثالها! # وعلمت بعد بما كتب الرافعي فتألمت لذلك ولم أكتم عليه رأيي، فنظر إلي مدهوشا، وهو ~~يقول: «أتراه خطأ أن أكتب إليه بهذا ...؟» # قلت: «نعم!» فسكت هنيهة ثم قال: «وهل تراه يغضب لهذا؟» # قلت: «أظن!» # فعاد إلى سكوته وفي وجهه الأسف! # وجاءه بعد يومين جواب صديقه بالبريد، فيه عذل، وفيه عتاب، وفيه ورقة بجنيه يطلب إليه أن ~~يشتري به سبحة مثلها إن وجد ...! # وقرأ الرافعي رسالة صديقه، وكان حريا أن يشتد به الأسف لجواب صديقه، لولا أن هذا الجنيه ~~قد محا ما كان في نفسه ... فاستبقاه لنفسه ...! # | في يومه الأخير # في الساعة الثانية بعد ظهر الأحد 9 مايو سنة 1937، نهض الرافعي عن مكتبه في المحكمة ~~منطلقا إلى داره، يرافقه صديقه الأديب أمين حافظ شرف - وهو كان رفيق أوبته كل يوم - وتحت ~~إبطه عديد من الكتب والصحف والمجلات، تعود ألا يسير إلا ومعه مثلها، وفي يمناه عصا لا ~~يعتمد عليها، ولكنه تعود ألا يمشي إلا بها. # وافترق الصديقان وبينهما ميعاد على اللقاء مساء في مكان ما؛ ليذهبا معا لمشاهدة فرقة ~~راقصة هبطت المدينة منذ قريب، وتغدى الرافعي وصلى الظهر ونام، ثم نهض بعد ساعتين، فصلى ~~العصر وجلس إلى أولاده يداعبهم ويمزح معهم ويتبسط لهم، على عادة تعودها، ثم ذهب إلى ~~عيادة ولده الدكتور ms238 محمد حيث لقي هناك أخاه الدكتور محمد النبوي، وصهره الأستاذ مغازي ~~البرقوقي، فجلس يمزح ويضحك ويتندر أكثر مما عرف عنه من المزاح والضحك والتندر في يوم من ~~الأيام، ثم صلى المغرب والعشاء في العيادة، وصحب أخاه إلى مأتم جار من العامة ليعزيا أهله، ~~والمعروف عن الرافعي أنه كان يكره حضور المآتم وتقديم التعازي كراهة ظاهرة، وقلما كان ~~يشاهد في مأتم، حتى إنه لما توفيت زوج ابنه سامي، لم يجلس في المأتم إلا لحظات، ثم انفرد ~~في خلوته يستوحي الحادثة مقاله المعروف «عروس تزف إلى قبرها!» وجاء المعزون يلتمسون ~~الرافعي فلم يجدوا إلا ولده وصهره ... # 1 # أفكان الرافعي بحضور هذا المأتم في يومه الأخير يريد أن يصل نسبا ويعقد آصرة بالعالم ~~الثاني، أم كان ذلك ميعادا إلى لقاء قريب ...! # ثم ذهب الرافعي بعد التعزية إلى موعد صديقه ماشيا، واتخذ طريقهما راجلين إلى حيث أرادا، ~~فتفرجا، وشاهدا ما شاهدا في الحفلة الراقصة، وأخذ الرافعي ما أخذ من وحي الراقصات لفنه ~~وأدبه، وأخذ صديقه ما أخذ ... # أفكان الرافعي يريد من هذه السهرة أن يصل ما انقطع من قصة «الجمال البائس» و «القلب ~~المسكين» و«في اللهب ولا تحترق» ...؟ ~~... وفي منتصف الساعة الثانية عشرة، كان الرافعي في طريقه إلى بيته، بعدما ودع صديقه في ~~منتصف الطريق، فلما بلغ الدار، خلع ثيابه، وتناول عشاء خفيفا من الخبز والبطارخ، والبطارخ ~~كان طعام الرافعي الذي يحبه ويوثره على كل طعام في المساء؛ لأنه كان يؤمن بفائدته ~~لأعصابه، وكان يستورده من بورسعيد جملة. # واستيقظ مع الفجر على عادته كل يوم، فتوضأ وصلى، وجلس في مصلاه يسبح ويدعو ويتلو قرآن ~~الفجر، وأحس بعد لحظة حراقا في معدته، فتناول دواء وعاد إلى مصلاه، وصحا ولده ~~الدكتور محمد لموعده، فشكا إليه ما يجد في معدته، وما كان إلا شيئا مما يعتاده ويعتاده ~~الناس كثيرا من حموضة في المعدة، فأعطاه ولده شيئا من دواء وأشار عليه أن ينام، ثم لبس ~~محمد ثيابه ومضى ليدرك القطار الأول إلى القاهرة كعادته كل يوم، ومضت ساعة ms239 ثم نهض الرافعي ~~من فراشه لا يحس ألما ولا يشكو وجعا وما به علة، فأخذ طريقه إلى الحمام، فلما كان في ~~البهو سمع أهل الدار سقطة عنيفة أحدثت صوتا شديدا، فهبوا مذعورين ليجدوا الرافعي جسدا ~~بلا روح! # قال الدكتور محمد: «ولما وجدت البرقية تنتظرني في محطة القاهرة وليس فيها سبب ما يدعونني ~~إليه، تحيرت حيرة شديدة، بلى، قد أيقنت أن شيئا حدث وأن كارثة وقعت، ولكن لم يخطر في ~~بالي قط أنه أبي، لقد تركته منذ ساعتين سليما معافى قوي القلب أقوى ما يكون قلب رجل ~~في سنه ... كل المفاجآت المروعة قد خطرت في بالي إلا هذا الخاطر، ولكن ... ولكن الذي مات ~~كان أبي ...!» # يا صديقي، لك العزاء ولي، أحسبت أن الرافعي سيموت في فراشه وهو قد نذر أن يموت في الجهاد ~~وفي يده الراية ينافح بها الشرك والضلال ويدعو إلى الله «ويواصل حملة التطهير ...؟» # 2 # طبت نفسا يا مصطفى! لكم كنت تخشى الهرم والمرض والزمانة ولزوم الفراش وثقل الأيام ~~التي تعد من الحياة وما هي من الحياة! فأي كرامة نلت؟ وأي مجاز جزت؟ وهل رأيت الطريق ~~بين الحياتين إلا ما كنت تريد؟ وهل كانت إلا خفقة نفس نقلتك من ملأ إلى ملأ أرحب في ~~كنف الخلد وفي ظلال الجنة؟ # يرحمك الله يا صديقي، ويرحمنا! ~~••• # وحمل جثمانه بعد ظهر الإثنين 10 مايو سنة 1937، إلى حيث رقد رقدة الأبد في جوار أبويه ~~من مقبرة الرافعي بطنطا، لم يشيعه إلا بضع عشرات من زملائه في المحكمة، أو من جيرانه في ~~الدار! # وبلغ نعيه أقطار العرب وأدباء العربية، فسكت القارئ وتلفت السامع، وتغشى السامرين ~~من أهل الأدب سكون ووحشة وانقباض. # وطالت فترة الصمت، والسامرون في غشيتهم لا ينطقون، إلا نظرات شاردة، وخواطر تصطرع وتموج، ~~وذكريات تنبعث محرقة لاذعة، تذكر بما كان وتنبه إلى ما ينبغي أن يكون ... # وهمس هامس: «يرحمه الله! لقد كان رجلا للدين وللعربية، هيهات أن تجد بديلا منه أو ينقضي ~~زمان من عمر التاريخ!» # ثم عاد الصمت، وعاد السكون، إلا ms240 النظرات الشاردة، والخواطر المائجة، والذكريات والأماني ~~... # وهتف هاتف في جلال الصمت وفي وحشة السكون: «إن للفقيد لحقا على اللغة، وحقا على ~~المسلمين، لا يجزئ فيهما أن نقول: يرحمه الله!» # وتدانت الرءوس، وتجاوبت النظرات، وانثالت الأفكار، وتزاحمت الأماني، ثم لم يلبث أن عاد ~~الصمت وعم السكون! # ثم عاد القارئ يقرأ، وأنصت السامع يسمع، وانتحى اثنان يداولان الرأي في شأن من شئون ~~الأدب، وتماسك اثنان يفاضلان بين الجديد والقديم، وغامت في سماء الندي غائمة، وانعقدت ~~على رءوس السامرين عجاجة، وضج المكان كسالف عهده، واختلطت الأصوات فما يبين صوت من صوت، ~~واشتغل كل بما هو فيه ... # وصاح صائح في نبرة البائس المحزون: «ويحكم يا بني العرب! لقد شغلتكم دنياكم عن الوفاء، ~~وفتنتكم الحياة عن ذكر الموت! لقد كان هنا إنسان منكم، وإنه لأرفعكم صوتا، وأبلغكم ~~بيانا، وأبعدكم غاية ومدى، فهلا ذكره منكم إنسان!» # وبرقت العيون، واختلجت الشفاه، واهتزت الرءوس، وانبعث صوت السامرين يحوقل ويسترجع في همس ~~خافت، وقال قائلهم: «يرحمه الله! لقد كان ...!» # يرحمه الله! يرحمه الله! # هذا كل وفاء العربية للراحلين من أدبائها، يتهاوون من الذروة إلى بطن الودي فردا ~~فردا ، وإخوانهم على الطريق ينظرون إليهم في بلادة وصمت، لا تشيعهم منهم قدم، ولا تتبعهم ~~عين باكية، ولا يذكرهم منهم إنسان! # يرحمه الله! يرحمه الله! # هذا كل تراث الأديب في العربية لبنيه وأهله، هو حسبهم من الطعام والشراب والثياب وتكاليف ~~الحياة، وفيه العوض كل العوض من عائلهم الذي طواه الموت بين الصفائح والتراب! # يرحمه الله! يرحمه الله! # هذا هو الخلود الذي ضمنته العربية لمن يموت من أدبائها وهو في ميدان الجهاد يكافح الفقر ~~والمرض وشئون العيال، ويبذل نفسه لينشئ أدبا يسمو بضمير الأمة، ويشرع لها طريقا تسير فيه ~~إلى عظمة الخلد وسعادة الأبدية ومجد التاريخ! # يرحمه الله! يرحمه الله! # هذا كل ما تستطيع العربية من كلمات العزاء، وكل ما يملكه أدباء العربية من أساليب ~~المواساة، وكل ما يقدر عليه ناطق يبين، وصديق يتحبب، وحبيب يشعر أن عليه حقا لمن يموت ~~من أهل ms241 البيان! # يرحمه الله! يرحمه الله! # صوت ما له صدى، وتراث ليس فيه غناء، وطعام لا يهنأ ولا يمرأ، وخلود لا يدوم إلى غد، ~~وعزاء لا يجفف دمعة ولا يخفف لوعة ولا ينفذ إلى قلب طفل سلبه الموت أباه وسعادة ~~دنياه! # يرحمه الله! يرحمه الله! ~~... خلوا عنكم أيها الأدباء الكبار، وأيها الشعراء العظام، وأيها الخطباء المصاقع، خلوا ~~عنكم عناءها، سيرحمه الله وإن لم تقولوها، سيرحمه بما جاهد، وبما بذل، وبما عانى، وبما ~~تحمل من جهد التضحية ومشقة الحرمان، وسيرحمه ثانية بما لقي من العقوق وكان برا، وبما ~~لقي من الغدر وكان وفيا، وبما قوبل من إنكار الجميل وكان من أهل الجميل، وسيرحمه بدموع ~~اليتامى، وبأنات الأيامى، وبدعوات كثير من أهل الإيمان وفوا له ما وسعهم الوفاء! # مضى عام وأوشك عام ثان منذ مات الرافعي، # 3 # فهل سأل أحد: كم خلف وكم ترك؟ # سأقول وإن لم يطلبها أحد إلي ... # أما المال فلا سبد ولا لبد، وأما الأدب فثروة للرواة ومحزنة للولد، وأما العيال ... فوا ~~حزنا لو كان يجدي الحزن! # هذا «سامي» كبيرهم في بعثة الجامعة بأمريكا ما يزال بينه وبين الغاية خطوة ، وهذه «سعدية» ~~الصغيرة تلثغ في الراء وتضم شفتيها على الباء، وبينهما ثمانية يقوم على شئونهم «محمد»! الله ~~لهذا الشاب العائل! لم يكد ينعم بقرب الأهل بعد فراق سبع سنين، حتى كان عليه عبء الأسرة ~~كله، فكأنما كان هو في تلك الغربة وديعة إلى أجل، وذخيرة إلى ميعاد، وعاجلته تبعات ~~الحياة ولم يزل في باكر الشباب! # والحكومة ...؟ خلي عنك يا وزارة الحقانية، خلي عنك يا وزارة المعارف، خل عنك يا وزير ~~المالية ... الله أكرم! # لقد تصرم من عمر الرافعي في خدمة الحكومة ثمان وثلاثون سنة، ومات ولم يجاوز السابعة ~~والخمسين، فأي مكافأة نالها وأي جزاء؟ بضعة عشر جنيها في كل شهر تأبى الحكومة إلا أن يكون ~~لها فيها ميراث ...! # إنه الرافعي، إنه الرجل الذي كان اسمه في مقدمة الأسماء المصرية التي تؤكد زعامة مصر ~~للأمم العربية، وترفع اسمها، وتبني مجدها الممتاز، ms242 وتسن طرائقها التي يحتذيها الأدباء في ~~العالم العربي. إنه هو ... ولكنها هي مصر! # وكتب رئيس الرافعي في وزارة العدل كتابا غداة منعاه إلى وزارة المالية، يصف لها من حال ~~الرافعي ومن خبره، ويقترح أن تنزل الحكومة عن نصيبها من الميراث في «معاش» الرافعي لأولاده ~~... ولكن وزير المالية يأبى ... # 4 # ولكن الله أكرم ...! ~~«يرحمه الله! يرحمه الله!» # ذلك كان جواب الحكومة المصرية ...! # لقد مضى عام وأوشك عام، فهل تذاكر أدباء العربية فيما عليهم للرافعي؟ # وهل ذكرت الأمة والحكومة ما عليهما من واجب الوفاء للرافعي؟ # لقد تداعى الأدباء إلى ميعاد يحتفلون فيه بتأبين الرافعي، وجاء الميعاد وتخلف المدعو ~~والداعي، وترادف ميعاد وميعاد وميعاد، ومضى عام، وعلى مكتب كل أديب دعوة لتأبين الرافعي، ~~وفي ذيل كل دعوة جواب المدعو بخطه أو بلسانه: «يرحمه الله! يرحمه الله!» # وعند دكاكين الوراقين أسئلة عن كتب الرافعي، ولكن السوق ليس فيه كتاب من كتب الرافعي، # 5 # وقال قائل: «أعيدوا طبع الديوان، أعيدوا طبع إعجاز القرآن، أعيدوا ... أعيدوا ~~...» # وقال الطابع والناشر والوراق: «يرحمه الله! يرحمه الله!» # وعلى مكتب الرافعي كتب لم تطبع، وقصاصات لم ترتب، وثمرة عقل خلاق كان يجهد جهده ~~ليضيف كل يوم إلى العربية ثروة جديدة وفكرا جديدا. # وقلنا: «يا وزارة المعارف، هذه كتب إن لم تخرج للناس سبق إليها العث والفيران، فيضيع على ~~العربية كنز ما لها منه عوض! ولكن وزارة المعارف في أحلامها الهنيئة لا تسمع ولا تجيب، إلا ~~همسا في أمثال أنفاس النائم تردد قول الناس: «يرحمه الله! يرحمه الله!»» # وفي الأمة مع ذلك أدباء، وفي الأمة كتاب وشعراء، وفي الأمة ناشئة غافلة وما تزال ترجو ~~الخلود في الأدب ... # وفي الأمة عقول ناضجة في أجسام مهزولة من الفقر والجوع، وفي الأمة رءوس ممتلئة على ~~أناسي تضطرب كل مضطرب للبحث عن القوت. # وفي الأمة رءوس فارغة على أجسام تكاد تتمزق شبعا وريا، وفي الأمة قلوب خاوية في ~~أناسي تتمرغ بين وسائد الدمقس وحشايا الحرير ... # وفي الأمة مع ذلك من يتساءل مدهوشا: «لماذا ... لماذا لا ms243 نجد في الأمة العربية شعراء ~~وكتابا ومنئشين كبعض من نقرأ لهم من أدباء الغربيين ...؟» # يرحمك الله يا مصطفى ... بل يرحمك الله أيتها الأمة! # | الخاتمة # مات الرافعي فانطوت صفحة من تاريخ الأدب في مصر، وانقرض جيل من أدباء العربية كان له ~~مذهب ومنهاج، ولكن الرافعي الذي مات وغيبته الصفائح قد خلف وراءه تراثا من الذكريات ~~والآثار الفنية ستتعاقب أجيال قبل أن يفرغ الأدباء من دراستها والحديث عنها، وإنها لذكريات ~~تثير في كل نفس ما تثير من عوامل الكره أو المحبة، وإنها لآثار ... # أما هذه الذكريات، على ما تبعث في نفوس من معاني الغضب أو معاني الرضا، فقد أثبت منها ~~في هذه الفصول ما قدرت عليه، وليس يعنيني ما تترك من أثر في نفس قارئها؛ إذ كانت غايتي ~~التي أحرص عليها هي جلاء هذا التاريخ لقراء العربية كما أجد صورته في نفسي وأثره في وجداني، ~~متجردا ما استطعت من غلبة الهوى وسلطان العاطفة وتحكم الرأي، لأضع بين يدي كل قارئ - ~~اليوم أو غدا - المادة التي تعينه على الدرس والحكم والموازنة. # وأما آثاره الأدبية فقد فصلت الحديث عن بعضها في بعض ما سبق من هذه الفصول، وإلى ~~القارئ جملتها مرتبة على تاريخ إنشائها: ~~(1) # ديوان الرافعي: ثلاثة أجزاء، صدرت بين سنتي 1903 و1906، وقدم لكل جزء منها ~~بمقدمة في معاني الشعر تدل على مذهبه ونهجه، وهي مذيلة بشرح ينسب إلى أخيه ~~المرحوم محمد كامل الرافعي وهو من إنشاء المترجم نفسه. ~~(2) # ديوان النظرات: أنشأه بين سنتي 1906 و1908. ~~(3) # ملكة الإنشاء: كتاب مدرسي يحتوي على نماذج أدبية من إنشائه، أعد أكثر ~~موضوعاته، وتهيأ لإصداره في سنة 1907، ونشر منه بعض نماذج في ديوان النظرات، ~~ثم صرفته شئون ما عن تنفيذ فكرته فأغفله، وقد ضاعت «أصوله» فلم يبق إلا ~~النماذج المنشورة منه في ديوان النظرات. ~~(4) # تاريخ آداب العرب: صدر في سنة 1911 بسبب من إنشاء الجامعة المصرية، ويراه ~~أكثر الأدباء كتاب الرافعي الذي لا يعرفونه إلا به. ~~(5) # إعجاز القرآن: وهو الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب، طبع ثلاث ms244 مرات، أخراها ~~في سنة 1926 على نفقة المغفور له الملك فؤاد. # 1 ~~(6) # حديث القمر: أول ما أصدر الرافعي في أدب الإنشاء، وهو أسلوب رمزي في الحب ~~تغلب عليه الصنعة، أنشأه بعد رحلته إلى لبنان في سنة 1912 حيث التقى لأول مرة ~~بالآنسة الأديبة «م. ي.» فكان بينهما ما كان مما أجملت الحديث عنه في بعض ~~الفصول من قصة حبه. ~~(7) # المساكين: فصول في بعض المعاني الإنسانية ألهمه إياه بعض ما كان في مصر من ~~أثر الحرب العامة، أنشأه في سنة 1917. ~~(8) # نشيد سعد باشا زغلول: كتيب صغير عن نشيده «اسلمي يا مصر!» الذي أهداه إلى ~~المرحوم سعد زغلول في سنة 1923، طبع المطبعة السلفية بالقاهرة، وأكثر ما في ~~الكتاب من المقالات هو من إنشاء الرافعي أو إملائه. ~~(9) # النشيد الوطني المصري: «إلى العلا ...» ضبط ألحانه الموسيقية، الموسيقار منصور ~~عوض. ~~(10) # رسائل الأحزان: كتاب أنشأه في سنة 1924، يتحدث فيه عن شيء مما كان بينه وبين ~~فلانة، على شكل رسائل يزعم أنها من صديق يبثه ذات صدره. ~~(11) # السحاب الأحمر: هو الجزء الثاني من قصة حب فلانة، أو الطور الثاني من أطواره ~~بعد القطيعة، صدر بعد رسائل الأحزان بأشهر. ~~(12) # المعركة تحت راية القرآن: هو كتاب «الجديد والقديم»، وفيه قصة ما كان بينه ~~وبين الدكتور طه حسين لمناسبة كتابه «في الشعر الجاهلي»، صدر في سنة ~~1926. ~~(13) # على السفود: قصة الرافعي والعقاد، نشرته مجلة العصور في عهد منشئها الأول ~~الأستاذ إسماعيل مظهر، ولم تذكر اسم مؤلفه ورمزت إليه بكلمة «إمام من أئمة ~~الأدب العربي». ~~(14) # أوراق الورد: الجزء الأخير من قصة حبه، يقوم على رسائل في فلسفة الجمال والحب ~~أنشأها ليصور حالا من حاله فيما كان بينه وبين فلانة، ومما كان بينه وبين ~~صديقته الأولى صاحبة حديث القمر. # وتعتبر كتبه الأربعة: حديث القمر، ورسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق ~~الورد، وحدة يتمم بعضها بعضا؛ لأنها جميعا تنبع من معين واحد وترمي إلى ~~هدف واحد وإن اختلفت أساليبها ومذاهبها. ~~(15) # رسالة الحج: أنشأه في صيف سنة 1935؛ استجابة لرأي صديقه المرحوم حافظ عامر ~~وإليه ينسب! ~~(16) # وحي ms245 القلم: مجموع مقالاته في الرسالة بين سنتي 1934 و1937 إلى مقالات أخرى، ~~طبع منه جزءان في حياته، ثم أعيد طبعه مع الجزء الثالث أكثر من مرة بعد ~~موته. # وله عدا ذلك كتب لم تطبع، أهمها ما يأتي: ~~(1) # الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب: تام التأليف والتصنيف تقريبا. # 2 ~~(2) # أسرار الإعجاز: فيه فصول تامة التأليف، وفصول أخرى أجمل فكرتها في كلمات ~~على ورق أو أشار إلى مصادرها، وكان الرافعي يعتد بهذا الكتاب اعتدادا ~~كبيرا، وهو جدير بذلك حقا، وقد أطلعني - رحمه الله - على فصول منه، كما تحدث ~~إلي عن نهجه في تأليفه، وأذكر أن نهجه فيه كما يأتي: ~~(أ) # يتحدث في صدر الكتاب عن البلاغة العربية، فيردها إلى أصول غير ~~الأصول التي اصطلح عليها علماؤها منذ كانت، ويضع لها قواعد جديدة ~~وأصولا أخرى. ~~(ب) # ويتحدث في الفصل الثاني عن بلاغة القرآن وأسرار إعجازه، مسترشدا ~~في ذلك بما قدم في الفصل السابق من قواعد. ~~(ج) # ويتناول في الفصل الأخير من الكتاب، آيات من القرآن على أسلوب من ~~التفسير يبين سر إعجازها في اللفظ والمعنى والفكرة العامة، ~~ويعتبر هذا الفصل الأخير هو صلب الكتاب وأساسه، وقد أتم الكتابة ~~- إلى آخر يوم كنت معه فيه - عن بضع وثمانين آية على هذا النسق، ~~وقد نشر منها في الرسالة بضع آيات مفسرة على ذلك النهج، وجعلها في ~~بعض أقاصيصه. ~~(3) # ديوان أغاني الشعب: وهو ديوان من الشعر جعل فيه لكل جماعة أو طائفة من طوائف ~~الشعب نشيدا أو أغنية عربية تنطق بخواطرها وتعبر عن أمانيها، وقد أنجز الرافعي ~~طائفة كبيرة من هذه الأغاني نشر بغضها وما يزال سائرها بين أوراقه الخاصة ~~ومؤلفاته التي لم تنشر، وأكثر الأغاني في هذا الديوان مأنوس اللفظ رشيق المعنى ~~مما يجمل وقعه في النفس ويخف جرسه على الأذن. ~~(4) # الجزء الثالث من وحي القلم: وفيه سائر المقالات التي كتبها، سواء منها ما ~~نشر في الرسالة وغيرها من المجلات والصحف، وما لم ينشر من قبل. # 3 ~~(5) # الجزء الأخير من الديوان: وهو مجموعة كبيرة من ms246 شعره بين سنتي 1908 و1937، بما ~~فيه من شعر الحب، والمدائح الملكية التي أنشأها للمغفور له الملك فؤاد. # هذا إلى شتيت من المقالات والرسائل الأدبية التي أنشأها لمناسباتها ومنها كثير من مقدمات ~~الكتب المطبوعة، بعضها منسوب إليه، وبعضها منحول مجهول النسب. # أما المطبوع من هذه الكتب فقد أعيد طبع أكثره، وأما غير المطبوع فما يزال ورقات وقصاصات ~~على مكتبه، وإني لأخشى أن يمضي وقت طويل قبل أن نتنبه إلى ضرورة العناية بهذه المؤلفات ~~التي خلفها الرافعي ورقات مخطوطة يكاد يبليها الإهمال والنسيان! # ولدى الدكتور محمد الرافعي مشروع لإحياء تراث أبيه، لست أدري أيجد الوسائل لتنفيذه أم ~~تحول دونه الحوائل وتمنع منه الضرورات؟ # على أني أكاد أومن بأن هذه ليست هي الوسيلة للمحافظة على تراث الرافعي، فليس من الوفاء ~~له وحسن الرعية لأولاده أن نحمل عليهم هذا العبء وما انتفعوا من أبيهم بأكثر مما انتفع كل ~~أديب وكل مسلم وكل عربي في مصر وغيرها من بلاد العربية. # لقد كان الرافعي صاحب دعوة في العربية والإسلام يدعو إليها، فحقه على العربية، وحق ~~العربية على أدبائها، وحق الإسلام على أهله، أن نجدد دعوته، وأن نبقي ذكره، وأن ننشر ~~رسالته، وأن نعنى بآثاره، فإذا نحن وقد وفقنا إلى كل أولئك فقد وفينا له بعض ~~الوفاء! # والآن فلننظر لنرى مقدار ما يمكن أن تصل إليه هذه الدعوة من النجاح، وأمامنا إلى ذلك ~~وسيلتان: أولاهما: أن نعرف مدى تأثر الناشئة من المتأدبين اليوم بأدب الرافعي ومذهبه، ~~والثانية: هي البحث عن آثار الرافعي ومنشآته الأدبية وتراثه الفكري لنحرص عليه من ~~الضياع. # فأما الأولى: فإن بين الرافعي والأكثرين من ناشئة المتأدبين في هذا الجيل حجابا كثيفا ~~يمنعهم أن ينفذوا إليه أو يتأثروا به، لعوامل عدة: # فالرافعي أديب الخاصة، كان ينشئ إنشاءه في أي فروع الأدب ليضيف ثروة جديدة إلى اللغة تعلو ~~بها وتعز مكانا بين اللغات، وشبابنا - أصلحهم الله - لا يعرفون الأدب إلا ملهاة ~~وتسلية، لا ينشدونه للذة العقلية وسمو النفس، ولكن ينشدونه لمقاومة الملل وإزجاء ~~الفراغ؛ فهذا ms247 سبب. # والثاني: أن الرافعي - رحمه الله - لم يكن يكتب الكتابة الصحافية التي ينشئها أكثر ~~كتابنا ليتملقوا غرائز القراء بالعبارة المتهافتة والقول المكشوف، وعند المتأدبين من ~~ناشئة اليوم أن قيمة الأدب هي بمقدار انطباقه على أهواء النفس وارتياحها إليه وقدرتها على ~~أن تسيغه بلا تكلف ولا عناء! # وثمة سبب آخر، هو طغيان السياسة على الأدب في هذا الجيل طغيانا أقحم على الأدب ما ليس ~~فيه وعلى الأدباء من ليس منهم، بحيث يتحرج أكثر الأدباء أن يقولوا قالة أو رأيا أدبيا ~~في أديب أو شاعر إلا متأثرين بما كان له من مذهب سياسي أو رأي في السياسة المصرية. # والرافعي رجل كان لا يعرف السياسة ولا يخضع لمؤثراتها، ولم يكن يعتبر له مذهبا في النقد ~~إلا المذهب الأدبي الذي لزمه منذ نشأ في الأدب؛ فمن ذلك كانت خصوماته الأدبية تنتهي نهايتها ~~إلى اتهامه في وطنيته وفي مذهبه السياسي، ورآها أكثر خصومه من كتاب الشعب فرصة سانحة ~~لينالوا منه عند القراء، فانتهزوها، وبالغوا في اتهامه، وأغرقوا في الطعن على وطنيته ~~وتأولوا مذهبه، حتى صار عند بعض القراء رجلا لا وطنية له ولا إنسانية فيه ولا إخلاص في ~~عقيدته، وما تزال السياسة عند أكثر شبابنا ذات سلطان، وما زال الأدب يجري في غبار السياسة ~~وهو أعلى مكانا وأرفع منزلة ... # ولقد يضاف إلى كل أولئك سبب أخير، هو أن أكثر ما كان يتناوله الرافعي من شئون الأدب هو ~~ما يتصل بحقيقة الإسلام أو معنى من معانية، على أن الكثرة من ناشئة المتأدبين اليوم يريدون ~~أن يفرقوا بين الأدب والدين، فلا يرون ما ينشأ في هذا الغرض لونا من ألوان الأدب أو مذهبا ~~من مذاهبه. # تلك جملة الأسباب، أو مجمل الأسباب، التي باعدت بين أدب الرافعي وبين الجمهور من ناشئة ~~المتأدبين، ما بد من النظر فيها والبحث عن علاجها حين نهم بأن نجدد دعوة الرافعي وننشر ~~رسالته إن كان ثمة يقين بأن أدب الرافعي حقيق بالخلود، وإن اليقين به ليعمر قلب كل أديب ~~يؤمن بأن الدين واللغة ms248 هما أول المقومات لقوميتنا العربية المسلمة. ~~... ذلك شيء ... أما آثار الرافعي فإن كل ما في يد العربية منها هو صدى كلمات وعنوانات كتب، ~~أما حقيقتها ومعناها فقد انفرط الجيل الذي درسها أو كاد؛ فلم يبق للجيل الناشئ منها غير ~~عنوان، فليسأل كل أديب نفسه: ماذا قرأ من كتب الرافعي وماذا حصل وماذا أفاد؟ # إنها لمكتبة حافلة جديرة بأن تنشئ مدرسة جامعة لمن يريد أن يتزود من العربية زادا ~~مريئا وغذاء شهيا، ليكون أديبا له لسان وله بيان وله منزلته الأدبية في غد ... # إني لأكاد أوقن أن تسعين من كل مائة من القراء لا يعرفون من هذه الكتب إلا أسماءها، وإن ~~منهم لمن يتوهم أن من حقه أن يتحدث عن الأدب ويؤرخ لأدباء الجيل. # وما عيب على من لم يقرأها أنه لم يقرأها، ولكن العيب كل العيب علينا عامة نحن المشتغلين ~~بالأدب أن يكون كل وفائنا لمن يموت من أدباء العربية أن نقول: كان وكان ويرحمه ~~الله. # لقد أدى الرجل واجبه ما استطاع، وبقي علينا فرض واجب الوفاء. ~~••• # لقد أورثني الرافعي بعض تبعاته، وإني لأحس بثقلها على عاتقي أكثر مما أحس بحاجتي إلى ~~التحدث عن ماضيه. # لقد عاش الرافعي حياته يجاهد لأمته ما لم يجاهده أديب في العربية منذ قرون، وقضى حياته ~~يلقى من العقوق ونكران الجميل ما لم يلق أديب في العربية منذ كانت العربية، ومات فما كان ~~حظه منا في أخراه أحسن منه في دنياه، فهل لي أن أؤمل أن تتنبه الأمة والحكومة إلى ما ~~ينبغي أن يكون؛ وفاء لهذا الراحل الكريم؟ # ليس يكفي أن يكون كل وفائنا للرافعي حفلة لتأبينه وبضع كلمات لرثائه، ولكن الوفاء حق ~~الوفاء أن نعمل على تخليد ذكراه، بتخليد أدبه، وتجديد دعوته، وإبقاء ذكره، ونشر رسالته، ~~فليكن هذا الذي أنشأته عن «حياة الرافعي» أولا له ما بعده، لنفكر في الوسائل النافعة التي ~~تجدي على الأدب والعربية أكثر مما تجدي رسائل التأبين وكلمات الترحم والاسترجاع! # أما هو فقد انطوى تاريخه على هذه الأرض، فلن يجدي ms249 عليه شيئا ما نفعل وما نقول، ولكن ما ~~نفعله وما نفكر فيه إنما هو لخيرنا وجدواه علينا، فلنفكر في أنفسنا وفي ذواتنا وفيما يعود ~~علينا وعلى العربية من تجديد ذكرى الرافعي، إن كان يعز علينا أن نعمل أو أن نفكر إلا فيما ~~تكون منفعته إلينا ولنا من ثمراته نصيب! ~~••• # أما بعد؛ فهذه «حياة الرافعي» مبسوطة لمن يريد أن يدرس، وأنا لم أجهد جهدي في جمعها ~~وترتيبها لكي أقول ويقول الناس: كان وكان من أمره وحسب؛ فما في ذلك كبير فائدة، ولكني ~~أنشأت هذه الفصول؛ لتكون تمهيدا لدراسة الرافعي في أدبه وفنه ومذهبه، فما أسميها كتابا، ~~ولكنها مقدمة تتلوها فصول وكتب إن شاء الله، وهذا كتاب «حياة الرافعي» اليوم في سوق الأدب، ~~فما يكون عنوان الكتاب التالي عن الرافعي ومتى يطالع القراء؟ # أتراني أحسن الظن بأهل العربية في هذا التساؤل؟ # لقد مات الرافعي، ولكن اسمه سيبقى ما بقيت العربية، وليس بعيدا ذلك اليوم الذي يتداعى ~~فيه أدباء العربية من كافة أقطارها ليجعلوا ذكرى الرافعي موسما من مواسم الأدب وحلبة ~~يتسابق فيها أهل البيان. # ألا إنه إذا كان أكثر الأدباء المعاصرين قد عقوا الرافعي وأغفلوا شأنه وتناسوه، فإن ~~جيلا جديدا يوشك أن يبسط سلطانه زاحفا متقحما لا يثبت أمامه شيء، ويومئذ ... ويومئذ ~~تذهب العداوات بأصحابها، وتنطفئ هذه الفقاعات العائمة، ويخبو الرماد، ويخلص وجه الحق ~~للحق! ~~... ويومئذ ... ويومئذ تعلو كلمة الله! ms250