######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.MinHawlina.Hindawi15250496 #META# Tags: literature #META# ID: 15250496 #META# Title: من حولنا #META# AuthorID: 61380386 #META# Author: محمد سعيد العريان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # سيدنا ...‏ # قلب أم ...‏ # إبليس يتوب!‏ # رجل ... وامرأة!‏ # جناية رجل!‏ # انتقام الآلة!‏ # العروس!‏ # أم بلا ولد!‏ # ثمن المجد‏ # عودة الماضي‏ # حلم شاعر!‏ # ثمن الأمومة‏ # الضيف الآخر‏ # الدرس الأول‏ # إنه أخي ...‏ # آخر الطريق‏ # من أدباء الجيل‏ # حقيبة الذكريات‏ # ورقة النصيب!‏ # جندي مرابط‏ # الجائزة‏ # بعد الأوان‏ # زاهية‏ # البعث‏ # لقاء ...‏ # النائب المحترم‏ # عابر سبيل‏ # في عيد الربيع‏ # همام‏ # عمامة الأفندي!‏ # أمنية تحققت!‏ # عرس القرية‏ # سيدنا ...‏ # قلب أم ...‏ # إبليس يتوب!‏ # رجل ... وامرأة!‏ # جناية رجل!‏ # انتقام الآلة!‏ # العروس!‏ # أم بلا ولد!‏ # ثمن المجد‏ # عودة الماضي‏ # حلم شاعر!‏ # ثمن الأمومة‏ # الضيف الآخر‏ # الدرس الأول‏ # إنه أخي ...‏ # آخر الطريق‏ # من أدباء الجيل‏ # حقيبة الذكريات‏ # ورقة النصيب!‏ # جندي مرابط‏ # الجائزة‏ # بعد الأوان‏ # زاهية‏ # البعث‏ # لقاء ...‏ # النائب المحترم‏ # عابر سبيل‏ # في عيد الربيع‏ # همام‏ # عمامة الأفندي!‏ # أمنية تحققت!‏ # عرس القرية‏ # | من حولنا # | من حولنا # تأليف # محمد سعيد العريان # | سيدنا ... # كنا في مجلسنا من شرفة النادي حين لمحنا صديقنا الأستاذ ع - مفتش التعليم الأولي - ~~قادما من بعيد، يتوكأ على عصاه وهو يميل يمنة ويسرة، ويطول في مشيته ويتقاصر؛ إذ كان ~~في رجله عرج قديم من التواء في إحدى قدميه، فلما بلغ حيث كنا جالسين ألقى إلينا التحية ~~ثم اتخذ له مقعدا على مقربة. # ومضينا فيما كنا من الحديث، نتسرح من فن إلى فن، وشئون الحديث تتداعى معنى إلى معنى، ~~وحادثة إلى حادثة، وقال واحد من السامرين: «رحم الله سيدنا ...» فلم يكد يتم عبارته حتى ~~اعتدل المفتش في مجلسه واختلجت شفتاه في تأثر وانفعال، ثم اهتبل الحديث يقول: ~~«سيدنا! ... رحمه الله وغفر له!» # وتوجهنا بأبصارنا إلى الأستاذ ع، وقد أدركنا من حاله أن خاطرا من ذكرياته قد ألم ~~به الساعة، وأن شيئا ذا بال في كلمة «سيدنا» قد أيقظ نفسه وهاج عاطفته، فرغبنا إليه في ~~أن يقص قصته، فمضى يقول: كان سيدنا الشيخ عبد الجليل له في القرية مكان واحترام، لا ~~يبلغ منزلته أحد من أهل القرية جميعا. ولا عجب، فهو شيخ القرية وعالمها ومعلم بنيها؛ ~~يستفتونه في أمر دينهم، ويستشيرونه في ms001 شئون دنياهم، وما منهم أحد إلا له عليه يد، ولا ذو ~~حاجة إلا كانت حاجته عنده، ولا ذات أمل إلا بلغت مأمولها برقية من رقى الشيخ أو تعويذة ~~من تعاويذه. # وكان له «كتاب» يختلف إليه طائفة غير قليلة من صبيان القرية يحفظون القرآن ويتعلمون ~~القراءة والكتابة، ويقصد إليه ذوو الحاجات يطلبون مشورته أو يلتمسون بركاته. # وكنت - ككل فتى في القرية - أسمع باسم الشيخ وأضمر له في نفسي من المحبة والاحترام مثل ~~ما يضمر له الجميع، وإن لم يتهيأ لي مرة أن أراه رأي العين. وذات صباح صحبني والدي إلى ~~كتاب الشيخ عبد الجليل ليكل إليه تعليمي. وكنت يومئذ في التاسعة من عمري وقد شدوت من ~~العلم شيئا في مدرسة أولية بالمدينة، حيث كنت أقيم عند خالي، ومضيت خلف أبي على طول ~~الطريق لا أفكر إلا في السعادة التي تنتظرني ساعة أجلس بين يدي الشيخ المبارك أنظر إليه ~~وأسمع عنه وأحفظ من علمه. # ورأيت الشيخ يومئذ لأول مرة. لقد بدا لي أصغر سنا مما كنت أتصوره في خيالي، وأحسبه ~~كان صغيرا حقا، فإنه على ذيوع صيته وامتداد شهرته في القرية لم يكن قد جاوز الأربعين ~~بعد، عرفت ذلك من لحيته السوداء وشاربه المحفوف. # وكان في وجهه ذبول وعليه مسحة من صور الزهاد، أنبأتني بذلك عيناه الناظرتان أبدا ~~إلى تحت، ولكنه على ما كان يبدو في وجهه وفي عينيه من التواضع والانكسار، لم يكد يرى أبي ~~مقبلا عليه بالتحية حتى مد له يمناه، فطأطأ أبي رأسه ومال على يده فقبلها، حينئذ ~~لم أملك إلا أن أفعل مثله، أنا الذي لم يقبل يدا قط حتى يدي أبيه وأمه. # ومنذ ذلك اليوم، صرت تلميذا من تلاميذ سيدنا الشيخ عبد الجليل، على أني لم أجد في نفسي ~~لذلك من السعادة ما كنت أتوقع، فما هي إلا ساعة أو ساعات في كتاب سيدنا حتى ضاقت نفسي ~~وأحسست مثل إحساس السجين يحاول أن يفر من حراسه. # كان الشيخ جالسا في صدر المكان على فروة قديمة ناحلة، وظهره ms002 مسند إلى وسادة حائلة ~~اللون، وبين يديه قميص يرقعه، وعن يمينه دلو فيها جدائل من خوص أخضر، وتحت رجليه عصا ~~غليظة يبدو طرفاها من تحت الفروة التي يفترشها، وأمامه صبي من صبيان الكتاب متربع في ~~مثل جلسة المعبود «بوذا» وهو يهتز بين يديه في حركة راتبة، ويقرأ شيئا من غيب صدره في ~~نغمة واحدة ليس لها لون ولا فيها معنى، وسيدنا مكب على عمله يرقع قميصه وهو يستمع ~~إلى الصبي، لا يزيد على أن يرفع عينيه لحظة بعد لحظة. # وفي الكتاب عشرات من مثل هذا الصبي قد تربعوا أفرادا وأزواجا على حصير كبير ~~يغطي أرض الغرفة جميعا، وبين أيديهم كتب وألواح يقرءون مما فيها حينا، ويتبادلون ~~الحديث من ورائها في نظرات صامتة حينا آخر، والشيخ يخيط، أو يجدل ضفائر الخوص، والصبي ~~بين يديه يقرأ ... # وكنت غارقا في تأملاتي، لا أكلم أحدا ولا يكلمني أحد، لا لحظة عين ولا بنت شفة، حين ~~دوى صوت سيدنا غاضبا يتوعد، ومال على فخذ الصبي الجالس بين يديه يقرصه بغيظ، والصبي ~~يتلوى من الألم لا يكاد يسمع صوته خوفا من سيدنا. # وكان هذا أول الشر، ثم نهض الفتى الذي كان بين يدي سيدنا وحل محله صبي آخر. ومضت ~~فترة قبل أن يدوي صوت الشيخ في أذني مرة ثانية وهو يميل على فخذ الغلام يقرصه، ولم يحتمل ~~الفتى من الألم ما احتمل الصبي الذي سبقه؛ فندت من بين شفتيه صرخة ألم، حينئذ هاجت ~~هائجة الشيخ، فوثب إليه «العريف» يعاونه على تأديب الصبي، وفي أسرع من خفقة الطرف كان ~~الصبي مجدولا على الأرض، معلقا من رجليه في خشبة غليظة يشدهما إليها حبل مفتول، ~~والشيخ يهوي على رجلي الغلام بالعصا في قسوة وعنف، وهو تحت رحمته يصرخ ويتلوى ويعض ~~على شفتيه من ألم الضرب. وأحسست قلبي في تلك اللحظة يكاد يثب من موضعه فرقا وخشية، ~~فوليت بصري إلى الناحية الأخرى، فإذا صبيان المكتب جميعا منكبون على ألواحهم ودفاترهم ~~في خوف وفزع، وقد زادت هزاتهم وتتابعت في سرعة كأنما ms003 يحركهم محرك غير منظور، ولم ألبث ~~أنا نفسي أن رأيتني أهتز مثل هزاتهم وأحرك شفتي وليس بين يدي لوح ولا كتاب، كأنما هي ~~تميمة أقرؤها لترد عني الشر الذي أخافه. # كانت هذه هي عقوبة كل صبي من صبيان الكتاب لا يحفظ درسه، سواء في ذلك ابن العمدة وابن ~~الأجير، ومع ذلك لم يحاول صبي واحد أن يتمرد على سيدنا أو يشق عصا الطاعة أو يجرب ~~الإفلات من عقابه، وأنى لهم ذلك وإن آباءهم وأمهاتهم جميعا ليثقون بالشيخ ثقة عمياء، ~~فلا يسمحون لواحد من بنيهم أن يشكو أو يتألم مما نزل به، مؤمنين بأن عصا سيدنا من ~~الجنة! # منذ تلك اللحظة تبدلت صورة الشيخ في نفسي فعاد أبغض شيء إلي، حتى لو استطعت أن ~~أنتقم منه لهؤلاء الصبيان وأفر بنفسي لفعلت. وما لي أخفي عنكم؟ لقد طالما حاولت من بعد ~~أن أسيء إلى سيدنا كلما أمكنتني الفرصة، فتارة أخالفه إلى الأقلام التي تعب في بريها ~~ساعة من نهاره فأقصفها جميعا، لا أدع لقلم منها سنا تصلح للكتابة، وتارة أعابثه بسرقة ~~علبة السعوط فأستبدل بما فيها ترابا وحصى، وتارات أخرى ... وما كان سيدنا يعلم من يفعل به ~~ذلك، وإن كان على يقين بأن صبيان الكتاب جميعا غرماؤه. # قضيت في كتاب الشيخ عبد الجليل شهرا وبعض شهر، لم ينلني فيها عقاب من عقابه، حتى جاء ~~اليوم المشئوم. # كان علي في ذلك اليوم أن أحفظ جزءا من القرآن الكريم، فلم تتهيأ لي الفرصة أن أفعل، ~~وحل ميعادي، فجلست بين يدي سيدنا وأنا أرتجف خوفا من عقابه، فسألته المعذرة في كلمات ~~خافتة وصوت يرتعش، وبدا لي كأن الشيخ قد قبل عذري حين اكتفى بقرصة مؤلمة في فخذي، ~~ونهضت من مجلسه وأنا لا أكاد أصدق بالنجاة، فقد كان أخوف ما أخافه أن يجدلني على الأرض ~~معلقا في الخشبة ويهوي على رجلي بعصاه. # ومضت ساعة قبل أن يحل ميعاد صبي من رفقائي كان عليه وحده تبعة تقصيري في درس اليوم؛ إذ ~~دعاني في عصر اليوم الماضي لصحبته ms004 إلى الحقل القريب لنصيد العصافير، فما عدنا إلا وقد ~~أرخى الليل سدوله فلم نتهيأ لدرس الغد. # وجلس الفتى بين يدي الشيخ مضطربا منتقع الوجه لا يكاد يبين، ونظرت من خلف اللوح إلى ~~سيدنا فإذا هو في هيئة الغضب، ثم لم يلبث أن سمعته يصيح بالصبي صيحة عرفت ما وراءها، ~~فأخذت أعالج خوفي بهزات سريعة كأني أقرأ، وأذني إلى سيدنا. وطرق مسمعي قوله: «وأين كنتما ~~أمس؟ تصيدان العصافير؟ ...» # ونادى عريفه، فأسرع بأداته إليه، وناداني ... # وقبل أن أرى صاحبي مجدولا على الأرض، معلقا من رجليه في الخشبة، كانت رجلاي تسرعان ~~بي إلى الباب. ووقف العريف في وجهي، فلم أجد أمامي إلا النافذة، فاستجمعت قوتي ووثبت ~~... # لم أدر بعد ذلك شيئا مما كان، إلا حين رأيتني راقدا في فراشي ورجلي مشدودة إلى جبيرة ~~بأربطة من نسيج أبيض، وأمي إلى جانب رأسي تبكي في صمت. # لقد أفلت من عصا سيدنا، ولكني دفعت ثمن ذلك غاليا فانكسرت رجلي، ومن ذلك اليوم لا ~~أمشي إلا مستندا على عكاز! ~~••• # وتأوه المفتش وهو يعبث في الأرض بعصاه، وغرق السامرون في صمت، ثم عاد المفتش إلى ~~حديثه: لم يكن لي - طبعا - أن أعود إلى كتاب سيدنا بعد الذي كان، فدخلت المدرسة ~~الأولية بالمدينة، وانقطعت صلتي بالشيخ وكتابه وعريفه وصبيانه، ولكن ذكراه لم تفارقني ~~قط، ذكرى مؤملة مرة، ومن أين لي أن أنسى وهذه رجلي وتلك عكازتي لا تفارقني! # وتأرث الحقد في قلبي من يومئذ لسيدنا، فما كان يخطر ببالي مرة إلا ثارت في نفسي ~~شياطين الشر. # وأتممت التعليم الابتدائي والثانوي، وكنت أقضي الصيف من كل عام في القرية، فكان لا بد ~~لي أن ألقى سيدنا أو تلميذا من تلاميذه عابرا في الطريق، فأطأطئ رأسي وأوفض في السير ~~خشية أن تنزو بي نازية من الشر فأهوي بعصاي على رأسه فأحطمه. # ترى أكان ذلك شعوري وحدي، أم كان شعور الكافة من تلاميذه الذين ذاقوا من قساوته وعنفه ~~ما لا طاقة لأحد باحتماله ...؟ ولكني أكاد أعرف تلاميذه جميعا. وهل في القرية كلها ms005 رجل ~~واحد لم يكن من تلاميذ سيدنا في يوم ما؟ وإنهم مع ذلك ليوقرونه ويرفعون مكانه، وإن منهم ~~لرجالا في مناصب رفيعة، وإن لي منهم لأصدقاء وزملاء. # وأتممت دراستي العالية، لأكون في أول عملي مدرسا في مدرسة من مدارس البنات الابتدائية، ~~تتبعها روضة من رياض الأطفال، تضم شتيتا من الصبيان والبنات بين الخامسة والثامنة، ~~تعلمهم وتهذبهم على نمط من التربية لم يكن معروفا لعهدنا في مثل هذه السن ... # وكنت أغدو وأروح كل يوم من عملي على هذه الروضة الضاحكة، فيسرني مرأى هؤلاء الأطفال ~~الصغار في ثيابهم المتشابهة، بين بنين وبنات، يلعبون ويمرحون في بسيط من الأرض تحت رعاية ~~معلمة عطوف، لها قلب الأم وحرص المربية، تأخذهم باللين والرفق في التعليم والمعاملة، ~~وتشاركهم في اللهو، وتخاطرهم في اللعب، وتنفذ بكل أولئك إلى قلوبهم وعقولهم فتنشئهم نشأة ~~رقيقة، وتصقل وجدانهم وعواطفهم، وتطبعهم من لدن نشأتهم على الخير والمحبة والسلام ~~... # وكان أدنى هؤلاء الأطفال العزاز منزلة إلى قلبي، هو الطفل «فؤاد» فإني لأعرفه ويعرفني، ~~وبيني وبين أبيه صلة من الود؛ إذ كانت نشأتنا في بيتين متجاورين من القرية التي فارقناها ~~معا منذ آثرنا أن نكون في خدمة الحكومة، وكان أبوه زميلي في كتاب سيدنا، ولكنه لم ~~يفارقه حتى أتم القرآن. # وكان فؤاد يلقاني صباح كل يوم فيحييني تحية طفلية رقيقة ويودعني في العصر بمثلها، ~~فلا أزال من تحيته بين الصباح والمساء في نشوة وطرب، وكثيرا ما كانت تحضرني إلى جانب ~~صورته صورة أبيه في صباه جالسا على الحصير من كتاب سيدنا، وبين يديه لوحه وكتابه، وهو ~~يهتز هزات متوالية ويدور بعينيه بين الصبيان يبادلهم الحديث غمزات ونظرات ... # واستمر المفتش في حديثه يقول: هل كان هذا الطفل ومثله معه من أطفال الروضة إلا لعنة ~~حية تذكرني ما كان من جناية سيدنا علي في صباي وتؤرث البغضاء في قلبي ... وتنقلت في ~~مدارس عدة، حتى بلغت أن أكون مفتشا ... وعلى أني كنت أعلم ما يلقاه المفتشون من المشقة ~~والجهد، وما يتحملون من النصب حين تضطرهم تكاليف ms006 الوظيفة أن يبيتوا ليالي عدة بعيدين ~~عن أسرهم وأولادهم متنقلين بين القرى والدساكر؛ فإني كنت جد مغتبط بما أسند إلي من ~~عمل، لا زهوا بالمنصب، ولا رغبة في الجاه، ولكنها كانت أمنية قديمة ليكون لي منها فرصة ~~لتطهير القرى من مثل كتاب سيدنا الشيخ عبد الجليل! # أكان ذلك مني عن إخلاص في العمل وحرص على مصلحة التعليم، أم كان إيحاء من الواعية ~~الباطنة التي تختزن الذكريات إلى إبانها، تحاول أن تخدعني به عن حقيقة الشعور الذي يضطرم ~~في نفسي بالحقد والبغضاء لسيدنا، فتدفعني إلى محاولة الثأر والانتقام، وهي تسمي ذلك ~~إخلاصا في العمل وحرصا على مصلحة التعليم ...؟ # لست أدري، ولكن الذي كنت أوقنه يقينا لا شبهة فيه، هو أني كنت فرحا بذلك، طيب النفس ~~به، فما كان لي من بعد إلا أمنية واحدة، هي أن يكون كتاب سيدنا الشيخ عبد الجليل في ~~دائرة عملي. # ومضت سنوات قبل أن تتحقق لي هذه الأمنية ... ~~... ورسمت خطتي وحددت نهجي، ودنا اليوم الذي اخترته ميعادا لزيارة الكتاب الذي دخلته ~~أول يوم ترف على شفتي بسمة الرضا والسعادة، وفارقته يوم فارقته محمولا على أكتاف ~~الناس غائبا عن الوعي مما نالني من خوف سيدنا، ثم لم أمش بعدها إلا متوكئا على عكاز؛ ~~وصحبتني أبالسة الشر يومين كاملين في يقظتي وفي منامي قبل أن يحين موعد هذه الزيارة، فما ~~انتفعت فيهما بنفسي ولا انتفع أحد. # وأشرق صبح اليوم الموعود، فبكرت إلى ما عزمت عليه، يصحبني تابع يحمل حقيبتي، ويصحبني ~~شيطاني. # وكان بيني وبين كتاب سيدنا خطوات معدودة حين صك مسمعي صراخ ... ودنا مني الصوت رويدا ~~رويدا، وسمعت الناعي ينعى إلى أهل القرية سيدنا الشيخ عبد الجليل! # ما أعجب القدر! # وظللت في القرية طول اليوم حتى أمشي في جنازة سيدنا ... وما كان لي أن أفعل غير ذلك. ~~وأعظم الناس هذا الوفاء - إذ حسبوني لم أقدم إلا لذاك - بقدر ما صغرت نفسي في ~~عيني! # ومشت القرية كلها في جنازة الشيخ، لم يتخلف منهم أحد، وشيعوه محزونين وعادوا يعددون ~~مآثره ms007 لا يذكره أحد منهم بشر. # وعدت إلى مكتبي في المدينة مبكرا، فلم ألق أحدا من الزملاء أحدثه بحديثي ويحدثني، ~~وجلست وحدي أنشر الذكريات وأطويها، وفي نفسي ثورة تضطرم، وفي رأسي غليان. لم يكن بي في ~~تلك اللحظة حقد على أحد، نعم، ولا كانت لي أمنية أحرص عليها، ولكني إلى ذلك كنت في حيرة ~~من أمري، أسائل نفسي: أكنت على حق في حقدي على سيدنا وما أضمر له من البغضاء؟ وهل كان ~~من السوء بحيث يحق لي أن أحمل له ما كنت أحمل من الكره والموجدة؟ # لكم كان لسيدنا على هذه القرية من الأيادي ...! لقد كان قاسيا، جبارا، عنيفا، ولكنه ~~مع ذلك كان رجلا للناس لا لنفسه، وما نالته في يوم ظنة ولا تعلقت به تهمة، فما يذكره ~~أحد من القرية إلا بمعروف أداه، أو جميل أسداه، سواء في ذلك أهل العلم من تلاميذه وأهل ~~التوكل والاعتماد. ~~... فإني لغارق في خواطري هذه وذكرياتي، إذ دخل إلي صديق من أصدقائي ينقل إلي النبأ ~~الفاجع: فؤاد، ابن صديقنا فلان ... ~~- ماذا به؟ ~~- لقد تعجل آخرته فأزهق نفسه؛ لأن أباه أغلظ له في النصح يريده رجلا، ودعا حلاقا ~~فقص له شعره ... وعز على الفتى ما فعل أبوه، فأغلق عليه غرفته فأحرق نفسه ... هذه هي ~~التربية الناعمة التي نحاول بها تنشئة الجيل الجديد ليحمل تبعات الغد ... ~~- فؤاد؟ وا حزناه! # وحضرتني في تلك اللحظة صورة فؤاد الطفل الضاحك يلقاني كل يوم بالتحية في غدوي ~~ورواحي على روضة الأطفال، ثم صورة فؤاد الصبي العابث يمزح مع أبيه في مجلس أصحابه، وينضح ~~وجهه بالماء يوهمه أنه عطر، ثم صورة فؤاد الفتى الخليع يمشي في الشوارع يتثنى ويتخايل ~~بزينته وعيناه إلى كل غادية ورائحة، لا يعنيه شيء من الأمر إلا ثيابه وزينته وشعره ~~المرسل المصقول بالدهان والعطور كما تصقله الفتاة الناعمة، ثم صورة فؤاد الصريع مسجى ~~في أكفانه يلعنه مشيع جنازته! # وسكت صديقي وسكت، ولكن روح سيدنا الشيخ عبد الجليل ظلت تتحدث حديثها في نفسي ... # ولأول مرة منذ بضع وثلاثين ms008 سنة، شعرت بأن سيدنا كان هبة الله لهذه القرية التي أخلص لها ~~الحب ووقف عليها جهده حتى قبضه الله إليه، فهتفت في تأثر: سيدنا ... رحمه الله وغفر ~~له! # | قلب أم ... # صباح ومساء، ويقظة ونوم، وأمنية بالنهار تتراءى حلما بالليل، وعجلة الزمن تدور فتطوي ~~العمر وتختزل الحياة ... # هذه هي الدنيا ... # يا ويلتا! ... وفي الناس من يعيش في دنياه كما يدور الثور في الطاحون: يدور ويدور ولا ~~يزال يدور لا يدري أين ينتهي، ويمضي على وجهه في طريق طويل لا يقف عند حد ولا ينتهي إلى ~~غاية، وحوله أربعة جدران! # وهل الحياة إلا يوم مكرر؟ # ما أمس؟ وما اليوم؟ وما غد ...؟ إن هي إلا رسوم متشابهة تتعاقب على مرآة مثبتة في جدار ~~قائم. الصورة واحدة ولكنها تلوح وتختفي، وتزعم المرآة أنها ثلاثة شخوص أطافت بذاك ~~المكان! # ولولا خداع النفس وأباطيل المنى ما طابت الحياة! ~~••• ~~... واستيقظت «الأم» ذات صباح كما تستيقظ كل صباح، فأبدلت ثوبا بثوب، وجثت في محرابها ~~تصلي لله وتدعو ... # كانت تعيش وحدها في هذه الدار المتداعية منذ سنوات. # لقد فارقها «الرجل» فراق الأبد، وحمله الرجال على الأعناق إلى مثواه، ولكن ذكراه بقيت ~~معها في ولديه ... ~~... وبكرت إليه في الغداة تنثر الزهر على قبره وفي نفسها لهفة وفي عينها دموع، ثم تحولت ~~عنه إلى ولديه لتجفف في صدرهما دموعها. # وآلت منذ ذلك اليوم أن تكون لهذا الطفل وأخته أما وأبا ... وبرت بما وعدت. كان ذلك ~~منذ أربع عشرة سنة. ~~••• # أما الفتاة فقد شبت واكتملت ونضجت ثمرتها فانتقلت من دار إلى دار ... وباحت بمكنونها ~~إلى زوجها الشاب واستمعت إلى نجواه ... وعرفت دنيا جديدة ... أتراها تذكر اليوم أمها ...؟ ألا ~~إن أمها لقانعة راضية بما بلغت من أمانيها ... لقد تحققت لها أمنية من أمنيتين ... # وأما الفتى فقد قطع في سبيله مرحلتين وانتهى إلى الجامعة، فما أهون ما بقي! ... إنه بعيد ~~عن أمه منذ سنوات ثلاث يجاهد جهاده ليبلغ مأمله، ولم يبق إلا خطوة واحدة ... # وأما الأم فإنها في وحدتها من تلك الدار ما تزال ms009 تصلي لله وتدعو ليحقق لها ما ~~بقي. # يا لله! أهذه هي؟ لشد ما غيرتها الأيام! ... ~~••• ~~... كان لها جاه ومال، وكان لها شباب وفتنة، وكانت حياتها أغنية ضاحكة كلها مرح ونشوة ~~ودلال ... يا للمسكينة! أين هي اليوم مما كانت منذ أربع عشرة سنة؟ # أترى مرآتها تحدثها بما كان وبما صار كعهدها يوم كانت ... ولكن أين تلك المرآة ...؟ لقد ~~علاها غبار السنين؛ فما لها عين تنظر ولا لسان يصف. # هاتان عينان قد انطفأ بريقهما؛ فما لهما همس ولا نجوى. # وهاتان وجنتان ذابلتان ليس لهما أرج ولا شذى. # وهاتان شفتان قد أطبقتا على ابتسامة حزينة ليس لها صوت ولا صدى. # وهذا الشعر - ما كان أجمله يوم كان! - قد خطت عليه الليالي سطورا بيضاء في صحيفة ~~مسودة. إن فيها تاريخ جهاد نبيل أربعة عشر عاما بلا ونى ولا كلال. ~~... لقد بذلت لولديها أغلى ما كانت تملك؛ بذلت المال والشباب، وبرئت من شهوات النفس ~~وأوهام المنى، ونسيت كل شيء مما كانت تطمح إليه، إلا شيئا واحدا، عاشت ما عاشت له، ~~وبذلت ما بذلت من أجله، وخاطرت بما خاطرت في سبيله ... ذانك ولداها العزيزان ... أما واحدة ~~فقد بلغت، وأما الثاني ... # إنها لقريرة العين على ما جاهدت وما بذلت؛ لأنها من الغاية التي تهدف إليها على ~~خطوات. ~~••• ~~... وفرغت الأم من صلاتها ودعائها فنهضت متثاقلة إلى صوانها ففتحته فأخرجت منه كسرة جافة ~~فبلتها تحت الحنفية وأخذت تلوكها بين فكيها، ثم صعدت إلى سطح الدار تتشمس ... # وأمسكت عودا من الحطب تهش به على دجاجها وهي تنثر له الحب وفتات الخبز الناشف. إن ~~لها في هذا المكان لسلوة وأنسا، وإنها لتجد من هذه الطيور أسرة تأنس إليها وتتسلى ~~بمرآها، بضع دجاجات وديك، هذا كل ما بقي لها من أنس العشير! # وانحنت على خم الدجاج فأخذت ما فيه من بيض، ثم هبطت الدرج تستند إلى الحائط حتى بلغت ~~غرفتها، فوضعت ما معها من البيض في كيس النخالة وجلست في النافذة ترقب ساعي البريد ~~... # لقد تعودت أن تتلقى في مثل هذا اليوم ms010 من كل أسبوع رسالة من ولدها ... # وجاء ساعي البريد فسلم إليها الرسالة، ففضتها معجلة وقرأت ... # إنه قادم بعد يومين ليراها ... # يا فرحتا! إن لها عيدا من دون الناس. # ووفرت الأم من غدائها لعشائها، وقامت إلى الصوان فأخرجت ثوبها الجديد الذي خاطته منذ ~~عامين، فرتقت ما فيه من فتوق؛ استعدادا ليوم الاستقبال السعيد. # وكنست، ونظفت، وهيأت فراش الضيف، وجلست تعد الساعات وتهيئ برنامج الاستقبال، ونامت ~~ليلتها تحلم ... # ومضى اليومان وحل الميعاد، وجلست الأم وراء الباب ترقب مقدم فتاها وقد هيأت ما هيأت ~~لاستقباله ... # كذلك تفعل كلما حان موعد زيارته، وإن له زيارة في كل شهر. ~~••• # وتلقت الأم ولدها بالترحيب والعناق، وكأنما عاد إليها الشباب، فإن في عينيها بريقا، ~~وفي خديها حمرة، وعلى شفتيها ابتسام، وفي جبينها ألق. # وجلس إليها ساعة يحدثها وتحدثه، ثم نهض يتهيأ للخروج ليجول في المدينة جولة، ومشى يختال ~~في زيه وزينته، وأمه تشيعه بعينيها من النافذة فرحانة! # لا عليها مما تقاسي من الجوع والظمأ والحرمان وإنه لسعيد. حسبها من سعادة العيش أن ~~يكون ولدها كما يتمنى لنفسه، إنها لتكتم عنه وعن الناس ما تجد من الضيق والحرج وقسوة ~~الحياة. وماذا يجدي عليها أن يعرف إلا أن يحزن ويتألم! ~~... وتوارى الفتى عن عينيها في منعطفات الطريق، فابتعدت عن النافذة وعلى خديها دموع، ~~وراحت إلى الصوان تفتحه لتخرج صندوقها الصغير؛ الصندوق العزيز الذي يضم ذكريات الماضي ~~جميعا، ويضم أماني المستقبل ... # في هذا الصندوق أهدى إليها زوجها الذي فقدته منذ بضع عشرة سنة هدية العرس الغالية، وفي ~~هذا الصندوق كانت تحفظ ما تحفظ من حلاها وجواهرها يوم كان لها حلى وجواهر، وفي هذا ~~الصندوق كانت تدخر ما تدخر من مال لتنفق على ولديها حتى تبلغ بهما مبلغها ... فماذا يضم ~~صندوقها العزيز اليوم؟ # بضعة جنيهات، وقرط مكسور، وسوار من الذهب؛ هذا كل ما هناك ... وإن بين ولدها وبين الغاية ~~التي يهدف إليها بضعة أشهر ... ماذا يجدي كل ذلك؟ ~~••• ~~... وتركته في فراشه نائما يحلم، وبكرت إلى السوق وفي يدها قرطها المكسور وسوارها ms011 ، ~~تشد عليهما أناملها المرتجفة. # وعادت بعد ساعة ومعها مال! # واستيقظ الفتى ليقص على أمه رؤياه وهو يضحك في مرح ونشوة، ويمنيها بما ينتظر من ~~السعادة يوم يكون ويكون. وابتسمت ... # ورفعت عينيها إلى السماء وعلى شفتيها نجوى خافتة، وفي قلبها أمل. # وقامت تودعه إلى الباب، وأعطته ما طلب، لم تحرمه من شيء في نفسه، وانثنت إلى غرفتها ~~لتضع الصندوق الفارغ في موضعه من الصوان. # ومضى الفتى على وجهه لا يبالي ما خلف وراء ظهره ... من ذا الذي يرى هذا الفتى المتأنق ~~الجواد فيعرف من يكون؟ # إنه هو نفسه لا يعرف ... وأمه حيث تركها، تعيش في دنياها بين صباح ومساء، ويقظة ونوم، ~~وأمنية بالنهار تتراءى حلما بالليل، وعجلة الزمن تدور فتطوي الحياة وتختزل العمر، وهي ~~لا تدري. هذه هي دنياها. ولكن لها يوما تترقب مطلعه على شوق ولهفة، ولكن متى ...؟ أترى ~~هذا اليوم حين يجيء يرد عليها الشباب المدبر والعمر الذي ضاع؟! ~~••• # وانقضت بضعة أشهر، وحان اليوم الذي كانت تنتظر، وكانت راقدة في فراشها تحلم، حين دخل ~~إليها زوج ابنتها ليزف إليها البشرى ... بنجاح ولدها ... # وجلست في فراشها وأشرق وجهها بابتسامة راضية، وقبلت البشير قبلة، ثم مال رأسها على ~~الوسادة ... وكانت تبتسم ... # وهتفت في صوت خافت: الآن أديت واجبي! وعادت الابتسامة إلى شفتيها أكثر إشراقا ~~وفتنة. # ودارت بعينيها في أرجاء الغرفة حتى استقرت على صورة فتاها في إطارها، ثم أطبقت ~~أجفانها. # وتراقصت أشعة المصباح الذابل في الغرفة الخالية من الأثاث إلا من سرير محطم عليه جسد ~~محطم. # وهبت نسمة عابرة فأطفأت المصباح وعم الظلام. وخرج الرجل ناكس الرأس يتعثر في خطاه ~~ليلقي إلى زوجته النبأ الفاجع ... # وكانت زوجته جالسة إلى المرآة تتزين ... ~~••• # وعلى حين كانت الدار تموج بالأهل، والجيران يتهيئون لتشييع الأم إلى مقرها، كان الفتى ~~جالسا في ثلة من أصدقائه وصديقاته يحتفلون باليوم السعيد! # | إبليس يتوب! # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم ... ~~*** # أرخى الليل سدوله على الكائنات، وأوى الناس إلى مضاجعهم ms012 فارغين من هم الحياة، إلا ~~محزونا قد حضره بثه، أو عابدا قائما في محرابه، أو حارس ليل قد سهر لعيشه، أو ~~عاشقا يسترجع ذكرياته، أو صاحب لهو وغزل قد اسود نهاره وابيض ليله ... # وفرغ إبليس مما كان فيه من تدبير سلطانه وسياسة رعيته، وانفض «زبانيته» عن مجلسهم ~~إليه كل مساء، فتفرقوا زبنيا وراء زبني، وانبثوا ينفثون الشر عن أمره في أوكار ~~الظلام، ففي كل منعطف شيطان صغير يتربص، وبين كل اثنين من البشر ثالث من جند الشيطان لا ~~يريانه ... وتسلل إلى مضاجع النوام من بني آدم نفر من الزبانية يصنعون لهم الأحلام، ~~ويتمنون الأماني، ويوقظون الشهوات ... # وأشرف إبليس من طاقه على الدنيا يرقب ما يكون من أمره وأمر الناس، أيقاظا أو ~~نائمين. وكأن قد سره ما رأى وما سمع، وما ألقي إليه من علم ما لم يسمع ولم ير، فاطمأن ~~إلى غلبة سلطانه على الأرض، ونفاذ حكمه على البشر، واستعلاء كلمته في الناس ... فبردت ~~ناره، وهدأت حميته، وسكنت فورة الكبرياء التي شبها الحسد في قلبه يوم اتخذ الله بشرا ~~من طين ليجعله خليفة في الأرض ... ~~... وكأن قد رأى إبليس في تلك الليلة أن المباراة بينه وبين البشرية قد انتهت إلى ~~غايتها، وثبتت حجته على الله ... فتمتم بكلمات مزهوا فخورا بالنصر والغلبة، فلم يكد ~~يفعل حتى برق البرق، ورعد الرعد، وعصفت الرياح، وتهاوت الشهب، وزلزلت الأرض، وتحركت ~~الرواسي، ولاح بين المشرق والمغرب شعاع من نور ... # وارتعد إبليس وأخذه الروع حين رأى ما رأى وسمع ما سمع، وناله من الفزع ما لم ينله مثله ~~منذ كان؛ فهتف في ندم وذلة وضراعة: «يا رب! أئنها القيامة ...؟» # فلم يلبث أن خبا البرق، وسكت الرعد، وهدأت الريح، وسكنت الأرض، وأرسيت الجبال؛ فأفرخ ~~روع إبليس، وثابت نفسه إلى الطمأنينة، وعاد يشرف من طاقه على الدنيا هادئا راضيا يرقب ~~ما يكون من أمر زبانيته وأمر الناس! # وسمع في هدأة الليل شيخا قائما في محرابه يصلي لله ويدعو، فما يبدأ ولا ينتهي من ~~سجدة إلا استعاذ بالله من ms013 الشيطان الرجيم. وأحس إبليس لعنات الشيخ تتساقط عليه وحواليه ~~رجوما، فلو كان من طين لاحترق، ولو كان من ثلج لذاب ... # وصرت أسنان الشيطان من الغيظ، وانقدح من حجاجيه شرار كاللهب؛ كيف عجز وعجزت زبانيته معه ~~عن فتنة هذا الآدمي وإرادته على أن يتعلق بحظه من الدنيا وشهوات النفس، على حين لم يعجزه ~~أن يطرد أباه من الجنة ...؟! # وكأن قد سمع إبليس وهو في موقفه ذاك ضحكة ساخرة ردته عما هو فيه من الغيظ والحنق إلى ~~التفكير في شأنه وشأن بني آدم جميعا: هذا آدمي يلعنه في صلواته ويقذفه برجومه، أفكان ~~يعتصم من لعناته لو أنه سلط عليه شهواته وأغرى به هواه؟! فكيف وإن من بني آدم ملايين من ~~أهل الغواية والضلال لا يتورعون عن منكر ولا يتحرجون من معصية، وإن الآدمي منهم ليرتكب ~~الخطيئة طاعة لأمر الشيطان ثم يلعنه، بل إن منهم من يقارف الذنب وهو يستعيذ من الشيطان ~~الرجيم، فكأنما ييسر لهم إبليس شهواتهم ويضاعف لهم مسراتها ليجزوه على ما قدم إليهم ~~رجوما ولعنات؛ فإنهم ليسرعون إلى لعنته إسراعهم إلى طاعته، وهو الشيطان الرجيم على لسان ~~كل بشري من بني آدم، سواء منهم طائعه وعاصيه! # وظل إبليس في موقفه ذاك، مشرفا من طاقه على الدنيا، يتفكر في شأنه وشأن بني آدم، ~~وزبانيته ماضون لما أمرهم: يخالطون أنفاس النائم، ويوسوسون في أذن اليقظان، ويؤنسون خلوة ~~المستوحش، ويوحشون مجتمع الأحباب ...! # وهب نسيم السحر نديا رطبا يعطر الدنيا بأنفاس أهل الجنة، فاستروح منه إبليس روح ~~الماضي يذكره أيامه كلها منذ بدء الخليقة ويلقي التاريخ بين يديه؛ وتغشته الذكرى، وعاد ~~الزمان القهقرى أمام عينيه، فإذا هو ملك بين الملائك يسبحون بحمد ربهم حافين من حول ~~العرش؛ ثم إذا هو يفسق عن أمر ربه آبيا مستكبرا أن يسجد لبشر من طين، وإذا هو من بعد ~~مطرود من رحمة الله، مذموم مدحور يرجمه الفضاء ويلعنه الأبد؛ ثم ينفث نفثته في صدر حواء ~~فيزلها وزوجها عن الجنة فيخرجهما مما كانا فيه، ويتعقب أبناءهما من بعدهما على ms014 الأرض ~~يصنع منهم حطب جهنم، فما بشر من الناس إلا له شيطان يسعى بين يديه ... ~~... ثم ها هو في موقفه ذاك، تتناثر من حوله لعنات الأحياء من بني آدم جميعا، وتصك ~~أذنيه من مكان سحيق زفرات عباده في نار جهنم تكوى جباههم وجنوبهم بما أغواهم وأضلهم ~~سواء السبيل ...! # ولأول مرة في تاريخ البشرية استشعر إبليس لذع الندم فدمعت عيناه ...! # يا لها سخرية ...! إبليس يتوب ...! # كفاه ما اقترف منذ هبط من السماء انتقاما لكبريائه التي زعمها ديست يوم أمر أن ~~يسجد لصلصال من حمأ مسنون! # أكانت توبة نصوحا، أم مبالغة في الانتقام، أم هو قد اشتهى أن يعيش بشرا بين البشر ~~عمرا من عمره؛ ليذوق بعض لذات البشرية ويرى بعيني حسه كيف يفتتن بها الناس جميعا منذ ~~كانوا، فتسرع بهم شهواتهم إلى طاعة الشيطان ...؟ ~~••• # وطلع إبليس على الأرض فتى وسيما يمشي على قدمين مشي الناس، وشعر لأول ما لبسته ~~البشرية أنه جائع، فعاج على ندي ساهر له به عهد؛ لأنه هو الذي أنشأه وأقامه حجرا على ~~حجر، وطالما قضى فيه الليالي ذوات العدد من حيث لا يراه ذو عينين، ينفث الشر، ويبذر بذور ~~الخطيئة، ويفتن في وسائل الإغواء ... # كانت مصابيح الندي ترمي أضواءها إلى بعيد، وتمد من أشعتها شركا يصيد الناس ويأخذ ~~عليهم طريقهم؛ وكأن كل ما ينبعث منه يشعر أن هناك حركة وعملا يغريان من يلتمس إرضاء ~~شهواته ... # ولكن ... ها هو ذا إبليس يصعد الدرج في أناة ورفق، ويدفع الباب في هدوء وخفة، ويخطو إلى ~~البهو في سكون وحذر؛ فيرى، ولكنه يرى أجسادا لا تكاد تتحرك؛ ويسمع، ولكنه لا يسمع إلا ~~مثل أنفاس النائمين؛ ويشهد، ولكنه لا يشهد إلا عيونا محدقة في الفضاء تتأمل. لم يكونوا ~~سكارى ولا مغيبين، ولكن فكرة طارئة قد ألقيت إلى قلوبهم فإنها لتسيطر عليهم جميعا ~~فتجمعهم على حال واحدة بين السخط والرضا، وبين الندم والاستغفار؛ وكأنما كانت على أعينهم ~~جميعا غشاوة فانقشعت، فعادوا يرون ويسمعون ما لم يروا من قبل أو يسمعوا ...! # وجلس الشيطان إلى ms015 مائدته وحيدا وطلب طعاما، وراح يدير عينيه فيما حوله ومن حوله، ~~ويتسمع نجوى الضمائر الخفية في أعماق أصحابها. # ورأى مائدة خضراء مبسوطة، قد تناثر عليها ها هنا وهنالك نقد وورق، ورأى كئوسا فارغة ~~وممتلئة، ورجالا ونساء قد تحلقوا حول المائدة كتفا لكتف، وامرأة بين كل رجلين ... ولكن ~~يدا واحدة لا تمتد إلى شيء، وفما واحدا لا ينبس بكلمة ... # وأبصر رجلا يهتز في موضعه هزة خفيفة وهو يتحدث إلى نفسه حديثا وعاه إبليس كأن قد ~~سمعه بأذنين: «ماذا يصنع وقد خسر على المائدة كل ما كان له من مال؟ إنه ليرى ماله أمامه ~~على المائدة ولكنه ليس من حقه؛ لأن حظه في اللعب قضى به لغيره، هو قضاء غير مشروع، ولكنه ~~حكم العرف فما عليه إلا الطاعة!» وقالت له نفسه: «ما أنت والقمار؟ كم نهيتك فلم تنته! ~~الآن فذق ألم الحرمان مما تملك، فلعلك لا تستمع إلى إغواء الشيطان من بعد ...» # واختلج إبليس في مجلسه اختلاجة كادت تنم عليه حين ذكر اسمه، وهم أن ينهض لولا أن ~~أقبل عليه النادل بالطعام. # وشغل إبليس لحظة بالأكل يزدرد اللقمة بعد اللقمة لا يكاد يحرك بها فكه، وعرف لأول ما ~~ذاق الطعام لماذا كانت شهوة البطن أول هم الإنسان! # وعاد ينظر إلى وجوه الناس ويتسمع نجوى الضمائر، فما راعه إلا هذا المقامر الرابح محدقا ~~في الفضاء يتفكر، وإن وجهه لتتعاقب عليه ألوان شتى من الندم والخزي والحياء ... ثم لم يلبث ~~أن نهض يجمع المال المبعثر على المائدة فيفرقه في سماره وهو يقول: «معذرة يا صحابتي! ~~فإنما هو مالكم ليس لي حق في شيء منه، وما لعبت لأسلبكم ما تملكون، إنما هي السلوة ~~وإزجاء الفراغ ...» وعض على شفتيه واحمر وجهه خجلا؛ إذ كان يعلم ويعلم أصحابه أنه كاذب ~~في اعتذاره، فما قامر إلا مؤملا أن يربح، وما ربح من قبل مرة إلا وهو يعلم أنه يأخذ ~~ما لا يملك؛ وقد ربح الليلة، ولكنه حتى ضم يديه على المال أحس كأنه يقبض على جمر، ورفت ~~به ms016 سانحة من الخير فتعفف أن يأكل مال الناس، فخرج عنه لأهله ...! # ونظر الرجل إلى يمينه فإذا جارته مطرقة قد تغرغرت عيناها، فمال عليها وهو يهمس: «أيكون ~~قد أغضبك ما فعلت يا سيدتي؟» # قالت المرأة: «عفوا، ليس لي شأن بذاك، ولكن أمرا يقتضيني أن أعود مسرعة إلى الدار ~~...!» # وهبت واقفة، فقال الرجل متلطفا: «أتأذنين أن أصحبك؟» # قالت: «شكرا ...!» # وسارت في طريقها فما ألح الرجل ولا تعوقت المرأة. ومالت إلى غرفة في الندي تأخذ ~~زينتها في المرآة، فأدركتها صديقة، ونظرت كل منهما في وجه صاحبتها فأطالت النظر، ثم ~~أطرقتا! # منذ بعيد تقارف هاتان المرأتان الإثم في غير حذر ولا تذمم؛ أما إحداهما فضحية شاب ~~أغواها حتى نال منها ثم اختفى وخلف بين أحشائها بضعة منه، ففرت بعارها من قانون ~~الجماعة إلى حيث تشفي داء قلبها بالانتقام من الرجال! # وأما الأخرى فزوج كالأيم، أو هي أيم وإن تك ذات بعل؛ فما شعرت يوما أن لها حقا على ~~رجلها، وإنه لدائم التجوال بين البلاد، لا تستقر به الحياة في داره يوما حتى تعرض له ~~الأماني تغريه أن يضرب في الأرض يطلب المال أو يطلب المجد، وليس لها من ماله أو مجده إلا ~~الحرمان والظمأ ... # لم تحس المرأتان قبل الليلة معنى من معاني الندم على ما تأتيان من المعصية، فما بالهما ~~الليلة مطرقتين قد جثم على صدريهما الهم ...؟! # أرأيت إلى المجرم إذ يفجأ وهو يقارف جريمة منكرة، فليس يملك أن ينكر ولا أن يعتذر ~~...؟ # وعادت المرأتان تنظر إحداهما إلى الأخرى، فإذا هما تتعانقان وقد أجهشتا باكيتين؛ وأطفأت ~~دموع الاستغفار وقد النار ولذع الندم، فكأنما حلت في جسد كل منهما روح جديدة قد خرجت ~~من الجنة لساعتها لم تتعلق إثما ولم تجترح معصية ... ~~... وتلفت إبليس فإذا الندي مقفر خال ليس فيه إلا الندل يسعون بين الموائد الخالية، ~~يرفعون الأوراق والأقداح ويصففون الكراسي والمناضد! ~~••• # وتنفس الصبح فأبدل إبليس ثيابا بثياب وانطلق في تبانه وبرنسه إلى شاطئ البحر ليستمتع ~~هنالك بما يستمتع به البشر، ويملأ عينيه من مفاتن ms017 دنيا الناس. لقد كان له في البحر معهد ~~يرتاده زبانيته يعلمون الناس السحر وينصبون شرك الفتنة؛ وها هو ذا البحر، فأين فتنته ~~وسحره؟ وأين مباهجه التي كانت؟ أين الأجسام البضة، والأذرع الغضة، والسيقان اللفاء؟ وأين ~~العيون التي ترمي فتصمي؟ وأين لآلئ البحر تغوص وتطفو؟ وأين الزبد الأبيض يلاطم الزبد ~~الأبيض؟ # لقد خلا البحر من عرائسه، إلا عجوزا مقرورة مستلقية على الشاطئ لا يبدو منها إلا عينان ~~تبصان كصدفتين في كومة رمل! وهذه فتاة تمشي على استحياء مستندة إلى ذراع أخيها فما تعرت ~~من برنسها إلا ليسترها الماء، وهذا رأس رجل يبدو سابحا من بعيد، فما يكاد يرى الفتاة ~~حتى يتنكب عن الطريق لئلا تتأذى منه الحسناء السبوح! # وأحس إبليس أول آلام البشرية في الوحدة والفراغ والضجر، فمضى على وجهه ممتلئ النفس فارغ ~~الفؤاد؛ لقد ودع عالمه الموحش تحت الرغام ليظفر بالأنس في عالم البشرية، فما ظفر إلا ~~بالوحشة وألم الشعور بالحرمان؛ وخلع شيطانيته تائبا ليهب للناس الاستقرار والسلام، ~~فما لقي هو في بشريته إلا الاضطراب والألم! ~~••• # واطمأنت الحياة بالناس حين بطل سحر الشيطان، فاجتمعوا على الرضا والطاعة في حال شر منها ~~السخط والعصيان؛ إذ لم يكن ثمة عدوان يدعو إلى المقاومة، أو تربص ينبه إلى الحذر، أو ~~كيد يستتبع الحرص واليقظة؛ وعاد كل فرد أمة وحده، يعيش في رضا وقناعة على أكمل ما يكون ~~الإنسان صلاحا وحبا للخير؛ ولكن الجماعة حين وجدت الأمن والسلام، لم تجد ما يشد ~~وحدتها ويربطها آصرة إلى آصرة. # ودب النعاس إلى أجفان الحياة؛ فمات الطموح لأنه باب من التكبر؛ وخمد النشاط لأنه ~~جهاد في غير عدو؛ واستنام الناس إلى القدر لأن التمني ضرب من الأثرة؛ وعاش نصف ~~الناس عيالا على نصف الناس؛ فليس ثمة عمل للشرطة والجيش ورجال الحكم، وأنى لهم أن ~~يعملوا ما دام لا سرقة ولا قتال ولا عدوان؟ # وكسدت سوق القفال والزراد والصيقل والرماح؛ وما حاجة الناس إلى الأقفال والدروع والسيوف ~~والرماح؟ ~~••• # وقال فتى لصاحبه: «قد آن أوان «مولد» الولي العارف بالله ms018 ...» فأجابه صاحبه: «دع عنك يا ~~صديقي، وتعال نلتمس نزهة في غير ساحة هذا المولد، فما لنا ولهذه المهرجانات التي لا ~~تجتمع إلا على شر ولا تحشد الناس إلا لمعصية؟ حسبي أن أعمر قلبي بذكر الله، وأتخذ ~~أولياءه قدوتي وإمامي ...» # وأمن صاحبه على قوله، ولكن البدال، والبقال، والبزاز، وبائع الحمص، وصانع الحلوى، ~~ومدير الملهى؛ لم يعرفوا لماذا هجر الناس المولد؛ فمضى الموسم ما باعوا ولا اشتروا ولا ~~تعوضوا، وقوض كل منهم خيمته ومضى غير مأجور على جهاده! # وقال بعضهم لبعض: «أترون الناس قد نسوا أولياءهم فتمردوا على ما اعتادوا؟» # فأجاب شيخ كبير: «ذلك من عمل الشيطان ...» # وأراق الخمار أحمره وأصفره وهو يقول: «ليت خمري كانت خلا ...!» # وجلس قاضيان يداولان بينهما الرأي: «أيهما خير: أن تعيش الفضيلة وحدها على الأرض، أو ~~تنبت بين أشواك الرذيلة والمنكر والشر، فيكون للإنسانية منها أفراح ثلاثة: فرح النفس ~~المؤمنة بها، وفرحها بالصبر على المجاهدة لها، وفرحها بالظفر بعد مشقة الجهاد ...؟» ~~••• # ونظر شيخ من الزهاد في صحيفة أعماله، فإذا هي بيضاء أو كالبيضاء؛ وهل يضاعف الأجر إلا ~~المقاومة؟ أما لو أن عابدا قضى الدهر كله راكعا ساجدا، ما عدل أجر عبادته كلها ثواب ~~ساعة لشاب تتجاذبه شهوات الدنيا، كلما هفت نفسه إلى معصية رده عنها الإيمان والتقى، ~~فهو أبدا في مجاهدة لا يهدأ، وهو أبدا مأجور أجرا لا ينتهي! # وإنما يقظة الحياة في الجهاد والمقاومة، وتوقع ما يأتي به الغد على شتى ألوانه؛ فإذا ~~عدم الجهاد، وفقدت دواعي المقاومة، وعاش الإنسان لساعته التي هو فيها - أعمى أو ~~كالأعمى لا يبصر ما أمام - فقدت الحياة معناها الأسمى، وعاش الناس في هدى أشبه بالضلال، ~~وفي فضيلة شر من الإثم والفسوق والعصيان! # أيها الزاري على القدر، ليتك تدري ...! هل تستوقد النار إلا بالحطب؟ فمن أين لك، ما دمت ~~تشفق على الغصن اليابس والهشيم الجاف؟! # وهل يعلم الفساق والعصاة من بني آدم، أنهم قبل أن يكونوا في أخراهم حطب جهنم، كانوا في ~~دنياهم سلم البشرية إلى مثلها الأعلى ...؟ ~~••• # وتثاءب الشيطان وتمطى ms019 إذ أدركه النعاس الذي ضرب على عيون البشر، وإذا هو وقد خضع ~~لناموس البشرية قد ناله ما ينال الناس من الضيق والملل وتقلب الرأي، إذا تقلقلت دنياه ~~طلب الاستقرار، فإذا استقر عاد ينشد الحركة ويتبرم بالسكون ...! # وقلب وجهه في السماء كاسفا محزونا، ثم أسند رأسه إلى راحته، وجلس يتفكر ... # أي خير كان يقدم للجماعة البشرية، على حين كان لا يبغي إلا الكيد والانتقام؟ هذه الدنيا ~~تنام بعد يقظة، وتسكن بعد حركة، وتسترخي بعد نشاط؛ لأنه هو قد بطل سحره، وإذ لم يبق في ~~الدنيا شر، مات في الجماعة روح الانبعاث إلى الخير ...! # وهتف «الشيطان» ذاهلا في حيرة: «يا رب! ما أعجب تدبيرك وأدق حكمتك! خلقت الشر والخير ~~يصطرعان في هذا العالم؛ لتوجد منهما الخير الأعظم، وأنا - أنا عبدك المشئوم - حسبتني ~~يوما أكبر مما أنا، حين ذهبت أهدم ما تبني، وأعصي ما تأمر، وأدعو إلى ما تنهى؛ فلما ~~آذنت أن تذل كبريائي، أريتني نفسي إلى جانب عظمتك، أنا الذي زين له الغرور يوما أنه ~~أكبر من أمرك، فإذا أنا أعصي عصياني في طاعتك، وأفسد إفسادي لإصلاح عبادك، على قدر منك ~~وتدبير حكيم ...» # وشعر إبليس بالخيبة تلاحقه في كل مكان، فلا هو هناك - في عالمه الشيطاني - كان موفقا ~~فيما يحاول من أسباب الانتقام، ولا هو هنا ... # وعاودته نزغة شيطانية، ولكنه لم يلبث أن قمعها في صدره وانطلق في سبيله. ~~••• # وانتهى إلى البستان المعشوشب المخضل وقد نال منه الإعياء، فارتمى على العشب الرطب ~~يستريح في ظل وارفة لفاء، وطلع له من بين ملتف الحدائق حسناء وضاءة، تمشي كما يهتز ~~الغصن، وترنو كما يبتسم الزهر. # وأحس إبليس مرة أخرى أن قانون البشرية يعمل في دمه وأعصابه، وأطال النظر إلى الحسناء ~~الفاتنة، ثم أطبق عينيه كأنما توهم أنه قد احتوتها أجفانه، وشعر بمس الحب في قلبه فأشرق ~~وجهه بابتسامة هادئة فيها لمحة من السرور وغير قليل من الألم. # وجلست الحسناء جلستها على العشب غير بعيد، وضمت إليها أطراف ثوبها يستر شيئا ويكشف عن ~~شيء، مستأمنة ms020 مطمئنة. # وخطا إبليس خطوتين إلى حيث جلست يسألها شيئا، فاستحيت حواء الصغيرة وأرخت فضل ثوبها ~~على الوجه الفاتن، ووقف إبليس ينشد قصيدة غزل طويلة وعتها حواء كلمة كلمة ومعنى معنى ~~ولكنها لم تنبس، ومد إليها يدا يستنهضها فما نهضت وازورت عنه معرضة، وسكت ولكن عينيه ~~ظلتا تتحدثان حديثهما ... # واربد وجه المرأة من غضب، فما رأى إبليس غضبتها إلا فنا جديدا من فنون جمالها؛ ~~فدنا منها وعلى شفتيه ابتسامته، فقالت وقد ضاقت به: «إليك عني يا فتى وخل سبيلي ~~...!» # وضاق صدر الشيطان بهذا الإنسان العنيد، وثقل عليه أن يعجز عنها وهو هو! # كم أنثى قبل صاحبته هذه كانت من عباده وأتباعه، ما تأبت واحدة منهن على ما أراد لها، ~~على أنه اليوم يريدها لنفسه هو، فليس به اليوم حاجة لأن يسعى لغيره وقد خلع عنه شيطانيته ~~...! # ماذا ...؟ أيعيش هذه الآلاف من سنيه الماضية يتحكم في البشرية كلها، ويملي إرادته، ويسعى ~~بين الناس، ويصل بين الأحباب، ويقدم الثمرة لكل من يشتهيها؛ حتى إذا اشتهى هو أن يذوق ~~تلك الثمرة أعجزه أن ينالها ...؟ # وللمرة الثانية منذ خلق، شعر أن كبرياءه جريح ... # لقد أبى أن يسجد لأبي البشرية كلها وفسق عن أمر ربه، أفتفسق عن إرادته امرأة؟ وما هو إن ~~لم يغلبها على نفسها؟ وما هي حتى تتأبى عليه كل هذا الإباء؟ # وعاود احتياله يستجدي الحسناء بعض الرضا؛ فولت عنه معرضة مستكبرة، ومضت تدوس بقدميها ~~الصغيرتين قلب إبليس ...! # وعاد إلى نفسه يستلهمها الحيلة فما أمدته بشيء، وبدا إبليس في بشريته إنسانا ضعيفا ~~قليل الحول لا قدرة له على التصرف، ولا طاقة له بالاحتمال ...! # ووجد له شغلا من فراغ ... وعدا خلف المرأة يحاول أن يدركها لا يبالي نظرات الناس، فإذا ~~زوجها يلقاها على الطريق فيصحبها إلى الدار يدا في يد، وجنبا إلى جنب! # وأحس إبليس - فوق ألم الحب الذي يجد - ألما جديدا من آلام البشرية، وقذف منظر الزوجين ~~المتحابين في قلبه الحسد ...! # وآده العجز والشعور بالحرمان، فعاودته شيطانيته ثائرة محنقة، على أنه وقد ذاق بعض ms021 لذات ~~البشرية في آلامها، لم يكن يطيب له أن يرتد إلى عالمه، ولكنه حين أحس العجز عن الظفر ~~بالمرأة التي يشتهيها، راح يستمد الحيلة من طبيعته «الشيطانية» الأولى ليظفر بما يشتهي ~~وهو باق في بشريته! # ولكنه - وا أسفا! - لم يستطع أن يكون شيطانا ورجلا في وقت معا، وحين ألهمته طبيعته ~~الأزلية بالرأي وأمدته بالحيلة، فقذف فكرته في نفس المرأة، كان خلقا آخر ليس من البشرية ~~ولا حظ له من المرأة. ونفذ سهم إبليس إلى قلب الحسناء، فنظرت إلى وراء تفتقد عاشقها ~~المدنف فلم تره؛ وما كان لها أن تراه وقد عاد شيطانا لا تحسه النظرات ولا يخضع ~~لنواميس هذا العالم؛ ورآها وهي تنظر نحوه متلهفة مشتاقة، فما نالته نظرتها ولا مست ~~قلبه؛ لأن إحساس البشرية ونوازعها كانت قد فارقته حين لبس جلدة شيطان ...! # وكتب في تاريخ الأرض أن إبليس قد تاب مرة، ولكن ردته إلى شيطانيته امرأة ...! # | رجل ... وامرأة! # جلس الرجل في حجرة الانتظار بالمدرسة يجيل طرفه في قطع الأثاث المبعثرة، وينقل الطرف ~~بين السقف والأرض والحيطان. لم يتغير شيء عما رآه لآخر مرة منذ أربع سنوات ... يوم كان ~~معلما في هذه المدرسة ... ~~... هذا النضد الصغير في الزاوية كأنه قطعة من بناء الحجرة، لم يتزحزح أنملة عن موضعه؛ ~~وهذه الأريكة الكبيرة التي طالما تمدد عليها في أوقات فراغه ولوى ذراعيه تحت رأسه وسبح ~~في أحلام اليقظان؛ وهذه الصور في أطرها معلقة على الحيطان تطل منها هذه الوجوه ~~الصغيرة في أساريرها مرح الطفولة، وفي عينيها بريق الأمل المتوثب؛ لم تزل كذلك في موضعها ~~حيث صففها بيديه قبل سنين، ولكنها زادت عما عهدها طائفة من الصور في عديد من الأطر؛ لا ~~شك أنها صور الفرق التي أتمت دراستها بالمدرسة منذ فارقها ... # ودفعه الحنين إلى الماضي؛ فنهض يتأمل صور تلاميذه هؤلاء الذين عاش بينهم شطرا من حياته ~~في منزلة الأب الثاني، ثم فارقهم وفارقوه منذ سنين بعيدة، فوجا بعد فوج، إلى حيث لا ~~يدري من فجاج الحياة. ما أسرع مر السنين! أي هؤلاء ms022 التلاميذ يذكره اليوم وإنه ~~ليذكرهم فردا فردا؟ وأين هو اليوم منهم وأين هم؟ لعل منهم اليوم صاحب المنصب الرفيع ~~والجاه العريض، وهو ما زال حيث تركوه في منصبه وجاهه، تتقاذفه المقادير من قرية كبيرة ~~إلى مدينة صغيرة، ولكنه في موضعه من الحياة حيث كان: معلم أطفال! ذلك مكانه على ~~الحقيقة مهما تقلبت به الأمكنة والأزمان! # ووقف بإزاء صورة من عديد الصور المعلقة، فلم ينتقل عنها ولم يخفض بصره؛ لقد ألمت ~~برأسه ذكريات من الماضي، ذكريات حية لم يزل قلبه بدمها ينزف. وحدق في الصورة طويلا ~~تحديق العانس في المرآة تنعى الشباب وتتهم الزمن ... منذ ثماني سنوات حين دعي ليجلس بين ~~تلاميذه في هذه الصورة، كان شخصا آخر غير الشخص الذي يعيش اليوم ... لقد كان يومئذ يعيش في ~~دنيا من الأحلام، أحلام الشباب والمرأة والحب، أين هو اليوم مما كان؟ أما الشباب فقد ~~عرقته أحداث الزمن، وأما الحب فقد دفنه هناك ولفه في أكفان اليأس والخيبة، وأما المرأة ~~... # وانقطعت سبيبة الذكرى حين أقبل عليه ضابط المدرسة يهز في يده عصا ويتبعه غلام. إنه ~~ولده ... لقد فارق هذه المدرسة منذ سنين ولكن بضعة منه لم تزل ثمة ... ليته لم يكن أبا ... ~~إذن لاستراح من ذلك الماضي كله فلم يذكره ولم يأس على شيء مما ناله فيه من الخزي ~~والندامة، ومن الأحزان والآلام ... ودمعت عيناه حين أهل الصبي وراء الضابط وعلى شفتيه ~~ابتسامته، وبسط الرجل ذراعيه يستقبل ولده ومال عليه يقبله في لهفة وشوق، وفي حسرة ~~وأسى ... وطأطأ الغلام رأسه يعبث بأزرار معطف أبيه ويداعب سلسلته، وسبح أبوه في ذكرياته ~~ينشرها ويطويها ... ~~••• ~~... أما هي ... # لقد كان يحبها أعنف الحب وأرقه، ولم يكن يتمنى من دنياه إلا أن يظفر بها زوجا ~~يصفيها الحب ويخلص لها الوداد، وقد ظفر بها ونالها، فأين هو اليوم مما كان يأمل من ~~سعادة؟ لقد أفلتها فلم يبق بين يديه من تلك المنى الساحرة غير لمحة ضئيلة يراها في عيني ~~هذا الغلام ... # وعاد إلى الماضي يسترجع ساعاته ولياليه، ويحصي على ms023 الزمن سيئاته وأياديه. لقد عرفها ~~فتاة في بعض الملاعب العامة مع أخيها الصغير، فعطفه عليها دل متواضع وكبرياء تبتسم، ~~وأحبها منذ ذلك اليوم وراح يعيش في وهم الأماني ... واستطاع أن يلفتها إليه ويدعوها إلى ~~الاهتمام بأمره ... ومدت إليه خيط الرجاء فتعلق، ومضت الأيام تقرب بينهما وتدني نفسا ~~إلى نفس حتى أشعرتهما أنها كل شيء في حياته وأنه كل شيء في حياتها، وشاطرته سعادة الأمل، ~~وأخذ يعد العدة للأمر العظيم يوم تكون زوجه، واستبقا الأوان فمنحته من ودها على غفلة ~~الأهل أشياء في إباء الراغب ورغبة المتأبي. ولم تكن أيام المواصلة على وتيرة؛ فيوما ~~دلال، ويوما عتاب، ويوما يكون الرقيب دون ما تريد ويريد ... # وهكذا راح الزمن يذكي في صدريهما لواعج الشوق ويضرم لهيب الوجد أربع سنين متوالية، ~~بين لهفة وشوق وأمل. ثم زفت إليه ... # لقد شعر يومئذ أن الدهر أتم عليه نعمته وأسبغ عارفته، ولكنه أعطاها مقادته من اليوم ~~الأول، ولم يتلقها إلا بتقديس وعبادة، وظل بعدها في العبادة والتقديس! وإنها لتحب ~~السيطرة والسلطان، بعض ما في دمها من طباع الترك، وإن فيه لطراوة ولينا من ضعف العاشق ~~الذليل؛ فأخذت تملي عليه إرادتها فيسمع، وتستثيره فيذل ويخنع. وكانت تأمل أن تجد فيه ~~سيدها، ولكنه ما زال يختضع لها حتى أنفت لها نفسها أن تكون سيدته ...! وخاب أملها في الرجل ~~الذي قدرت أن يكون، فراحت تستنهض رجولته بما تنتقص من سلطانه، وإنها لتتمنى أن يعاصيها ~~ويتمرد على إرادتها فتشعر به زوجا كما أملت. ولم يجد هو عندها ما يأمل من حنان ~~الزوجة وعطف الحبيبة، فراح يستجديها الحب بما يستخذي لها ويتلاشى نفسا في نفس، وأطال ~~الركوع بين يديها والسجود عند أطراف ثوبها كما صور له بلاء الحب ... # وتطاولت، وما زالت تتطاول، حتى جاوزته طولا وعرضا، وتصاغر، وما زال يتصاغر، حتى ~~لم يعد في عينيها شيئا يذكر، لا في وهم الحب ولا في حقيقة البشرية ... # واستشعرت لذة الإمارة حين فقدت لذة الاستسلام، ولم يشق عليها أن تبلغ من السلطان ما ~~أرادت، فلم ms024 تلبث أن وجدت نفسها الآمرة المطاعة في مملكتها، وتعبد لها السيد فراحت تسرف ~~فيما تأمر وما تنهى، وتبالغ في مطالبها، لا تقف عند حد ولا تنتهي إلى غاية ... ~~••• ~~... وعاد الزوجان من المصيف؛ أما هو فعاد فارغ الجيب ممتلئ النفس، يتوزعه الشك والقلق ~~وسوء الظن بنفسه وبالناس؛ وأما هي فعادت فارغة القلب راضية النفس، قد عرفت فنونا من ~~الحياة وألوانا من السعادة وضروبا من النعيم لم تكن تخطر لها قبل اليوم على بال؛ وصار ~~همها من دنياها ثوبا جديدا تختال به على صواحباتها، أو ليلة ساهرة تلتمس فيها متاع ~~القلب والنظر، أو سفرة إلى هنا أو هنالك تجتلي من مشاهدها أنسا وبهجة ... ولم يكن ~~يضن عليها بشيء ... # ونسيت تدبير البيت، وشئون الزوج، فكانت تقضي نهارها زائرة أو طائفة بالمعارض والملاعب ~~ودور اللهو، وأخذت تنفلت من قيودها شيئا بعد شيء، حتى اطمأنت إلى حريتها كاملة حيث ~~تغدو وحيث تروح، وحيث تنفق من وقتها ما تشاء في الليل أو في النهار! # وألف الرجل أن يعود إلى داره في النهار أو في الليل فلا يجد زوجته ثمة، ولا أحد غير ~~الخادم تخلع عنه ملابسه وتهيئ له طعامه؛ ولم يكن ذلك ليسوءه كثيرا، فحسبه من الزوج ~~الحبيبة أنها سعيدة هانئة، وأنه يستيقظ في الصباح على نغمات من صوتها الندي الرقيق، ~~ويمسي ووجهها آخر ما يراه من دنيا اليقظة ... واستمرت الكرة تتدحرج مبعدة عن منال يمينه ~~... # وعاد ليلة إلى داره متعبا مكدودا يلتمس شيئا من أسباب الراحة، ودق الباب فلم ~~يجبه مجيب، وعاود الدق فلم يجد غير الصدى يرن ثم يتلاشى في مثل ضحكة ساخرة من فم ~~امرأة ... ~~«ترى أين ذهبت الخادم الساعة؟» # كذلك سأل نفسه، ولم يسأل: «أين زوجه الآن؟» فلعل ذلك لم يكن يعنيه بقدر ما يعنيه أن يجد ~~باب الدار مفتوحا! لقد تعودت زوجه ما تعودت، وتعود منها ما تعود حتى لا يكاد يكون لها ~~شأن في الدار إلا أن تأكل وتنام. لقد اصطلحا على أن هذه الدار ليست لهما إلا «فندقا ~~خاصا ms025 » يجدان فيه من الطعام وراحة الجسد ولذة الغزل ما لا يتهيأ لهما مثله في «فندق» ~~آخر؛ ولكن فندقهما هذا ليس له اليوم خادم ولا بواب ...! أليس لهذا المسكين على امرأته مثل ~~حق الأزواج على الزوجات، أو مثل حق النزلاء على مدير الفندق؟! # وأخذ الرجل يذرع الطريق غاديا رائحا، ويداه معقودتان خلف ظهره، ورأسه إلى الأرض ~~لا يرفعه إلا لمحة بعد لمحة ليمد بصره إلى أول الطريق ... # ورآها مقبلة في سرب من رفيقاتها تهتز أعطافهن في فتنة وإغراء، ويتهانفن في الحديث ~~عابثات، ورأته زوجه فأسرعت إليه قائلة: «أنت هنا؟» ولم تزد، وسبقته إلى الباب، وانصرف ~~صواحبها. وقال لها وقد اطمأن بهما المكان: «لقد انتظرت طويلا ... أين الخادم؟» # قالت: «أوه! ألم أنبئك منذ أمس ...؟ لقد ذهبت إلى أهلها، ومن أجلك عدت مبكرة!» # قال منكرا وقد رسم الاستياء خطين على جبينه: «مبكرة؟!» # ومالت عليه فطوقته بذراعها، وراحت أصابعها تعبث في شعره، وانطبعت على شفتيها ابتسامة ~~فاتنة. فانبسط الرجل من عبوس، وذاب غضبه في حرارة صدرها الدافئ ... ~~... وتتابعت أيامهما من بعد بين غضب ورضا، فقد بدأ الرجل يحس أن له على امرأته حقا ~~... وأدركت المرأة أن زوجها يحاول أن يعود رجلا وأن يبسط عليها سلطانه، ولكن بعد أن عرفت ~~من أين تناله وكيف تغلبه على إرادته. ومضى عام، وزادت الأسرة ثالثا ... هذا الغلام يعبث ~~بأزرار معطف أبيه ...! ~~••• ~~... ودق الجرس في فناء المدرسة، فأفلت الغلام من بين يدي أبيه إلى الصف سريعا، وخلف ~~أباه وحده يسترجع ذكرياته ... # ترى أين هي الآن؟ إنه لم يزل يحبها، ولكنه قد فارقها، أو لعلها هي التي قد فارقته ~~...! # وآلمته الذكرى، ومد يده إلى جيبه فأخرج من علبته دخينة أشعلها واعتمد على حافة المقعد ~~بذراع وأسند رأسه إلى راحته، وزفر زفرة، وتلوت ثعابين الدخان صاعدة أمام عينيه تخيل ~~له ما تخيل، وراح يتابع الذكرى ... # لقد كافأته زوجه على الحب والطاعة عصيانا وسخرية ...! ليته استطاع أن يكون معها أصلب ~~قناة وأغلب إرادة، فلعله كان أحب إليها صلبا غلابا صاحب إرادة وعنفوان ms026 ! # إنه كان يحبها حبا بعيد الأمل، ليس له حدود تحصره في حدود الممكن أو تحبسه في دائرة ~~الحقيقة؛ فلما ظفر بها ضل الطريق إلى السعادة التي كان يتمثلها على البعاد حلما في ~~النوم وتخيلا في اليقظة، وبين الأحلام والأماني راح يلتمس قلبها فهوى على ~~قدميها! # وحين أراد أن يهيئ لها سعادة الرضا في جواره، لم يعرف كيف يجعل إرادته تسبق إرادتها فيما ~~تشتهي فيمنحها ما تشاء قبل أن تدعوه إليه آمرة مطاعة ... فتعودت أن تكون آمرة ~~مطاعة! # ولو أن الحجاب بينهما فيما بين الخطبة والزفاف لم يكن في حراسة التقاليد لتفاهم قلباهما ~~على الود الكريم، ووضعا الأساس لحياة الغد على غير جرف هار من الوهم والخيال! # هل كان يعلم يومئذ أن الرجل ينزل منزلته من نفس المرأة بسلطانه وغلبة إرادته، لا بالتذلل ~~والطاعة وشكوى تباريح الهوى؟ ~~... وعاشرته بضع سنين تعيش معه في البيت كضيف على ميعاد، وكان حظ صديقاتها وأصدقائها منها ~~أكثر من حظه، فربما قضى الساعات في البيت وحيدا وهي هناك، تتنقل زائرة من دار إلى دار، ~~فلم تكن تلزم دارها إلا يوما واحدا في كل أسبوع تستقبل فيه ضيوفها ... ~~... ومضت على وجهها والرجل في غفلته ... # وفجأه المرض في المصيف واشتدت به العلة، ونصحه الطبيب أن يعود ... أفتعود زوجه من المصيف ~~ولم يمض من الصيف إلا أيام، وليس في العام المديد إلا صيف واحد ... كل اثني عشر شهرا ...؟ ~~ما أغلظ كبده لو أنه ألح عليها في العودة معه قبل أن تنال قسطها من متاع الروح والجسد ~~...! ~~... وخلفها على الشاطئ العريان في حراسة الشيطان، تداعب أمواجا في البر وأمواجا في ~~البحر، ثم عادت إليه حين حلا لها أن تعود ... على أنها قد عادت يومئذ أكثر علما بالحياة، ~~وكأنما صنعتها هذه الفترة التي قضتها وحيدة في المصيف صنعة جديدة، فلم تهنأ لها الحياة ~~على ما تعودت من قبل، وحالت ابتسامتها عبوسا ورضاها سخطا، ولم يعد يعنيها كثيرا ~~أن تتحبب إلى رجلها حين يطل من عينيه شيطانه، فقد كان شيطانها أقوى وأغلب ms027 ...! # وتهامس الناس عن رجل وامرأة، ورفت على الشفاه بسمات، وتحيرت في العيون نظرات، وتحدث ~~جار من النافذة إلى جاره. وبلغه النبأ أخيرا، وأفاق من وهم الحب وهو على شفير الهاوية، ~~وتراءى له في أعماق الهوة التي تحت قدميه خيال رجل وامرأة وغلام! ~~... واستعاد رجولته ولكن بعد أن فقد من يأتمر بأمره، وفارقها في صمت عيوفا أبيا، ولكنه ~~خلف قلبه هناك ... تحت وسادتها وبين الحشايا ...! # وتم له ما دبر، ونقل من المدرسة التي كان يعمل فيها؛ ليفارق البلد الذي دفن فيه ~~الشباب والحب والأمل، وتركها وولدها وراح ينشد العزاء وحيدا بعيدا، وقد أقسم أن يعيش ~~حياته وحيدا بعيدا لا تساكنه امرأة في دار، ولا تشاركه في فراش! # ومضت سنوات، وها هو ذا يعود ليأخذ ولده يعيش في حضانته؛ لقد كان يأبى حتى هذه اللحظة أن ~~ينتزع منها ولدها على كره؛ إبقاء على الماضي الذي كان ... يا ويحه! كم ذا يعاني العاشق من ~~ألوان المذلة حين يتنازعه عقله ووجدانه ...! ها هي ذي تدعوه ليأخذ ولده راضية؛ لكأنما كرهت ~~أن يكون ولدها معها نميمة تدل أصدقاءها على أنها أم ...! ~~••• # وصلصل الجرس في المدرسة مرة ثانية وما يزال الأب غريقا يغالب موجات الذكرى الطاغية في ~~يأس العاشق الوفي جوزي بحبه ووفائه غدرا وخيانة! ~~- «تعال يا بني! إنني أنا أبوك!» # وضمه إلى صدره واغرورقت عيناه، ولمحه زميل قديم من زملائه في المدرسة وهو يوشك أن يغادر ~~الباب وفي يده غلامه، وناداه زميله فتمهل، وكأنما عثر الزميل القديم بكنز حين لقي صديقه، ~~فهز يده بعنف وعلى شفتيه ابتسامة رضا، وكان في عينيه سر تهمان أن تبوحا به وهو يقول: ~~«أفلا تسأل عن أصدقائك بعد طول الغياب؟!» # قال الرجل وكأنما يتحدث إلى نفسه: «أراك بخير!» ولم يدر ماذا قال؛ لأنه لم يكن يعني ما ~~قال ... # قال زميله: «فإنني سعيد برؤيتك اليوم ... وستظل معي اليوم وغدا، أليس كذلك ...؟ إن موعد ~~زواجي غدا ... كأنما كان حضورك لميعاد!» # وعبس الرجل وسكت، وعاد ماضيه يتراءى له، ماضيه يوم كان عروسا يتهيأ ms028 للزفاف ليس بينه ~~وبين الموعد إلا ساعات، وخيل إليه أن صورة ذلك الماضي تتراءى له الساعة في عيني ~~صديقه القديم. إن على شفتيه ابتسامة الأمل، أفليس يدري على أي هول يقبل ...؟ إنه سيتزوج، ~~ستكون له امرأة، لعله يحبها، ولعلها هي أيضا ... ولكن ماذا وراء ذلك؟ أفيعرف زميله القديم ~~ما وراء غده؟! # وطال صمته، ويد صديقه في يده، وفي يده الأخرى ولده؛ بقية ذلك الماضي. في إحدى يديه ~~تاريخ يبدأ، وفي اليد الأخرى نهاية تاريخ. قصتان أولهما رجل وامرأة، وحب وأمل، وأماني ~~وأوهام ... وخاتمة إحدى القصتين هذا الغلام الذي يقوده، لا يدري القائد ولا المقود أين ~~يذهب به صاحبه، فماذا تكون خاتمة القصة الأخرى ...؟ # وظل صامتا، وظلت يد صديقه في يده، واسترخت أجفانه فكأنما أخذته إغفاءة، وانحدرت على ~~خده دمعة، واختلجت يداه في يدي رفيقيه ... وتلاشت الابتسامة على شفتي صاحبه، وانقضبت ~~نفسه، وأحس يدا تختلج في يده فصاح في لهفة: «ماذا بك؟» # وصحا الحالم من غفوته ولم تزل في رأسه بقية من الحلم، وأجاب في غير وعي: «لا شيء ... كن ~~رجلا ... لا تأس على ما يفوتك ... هذه هي الدنيا ...!» # وأفلتت يد من يد، ومضى على وجهه وخلف صاحبه حيث كان ولم يزل في يده غلامه ... # وهبت نسمة فاستيقظ، ومثل ماضيه لعينيه ثانية، وتراءت لها صورتها ... يا لله ...! إنه لم ~~يزل يحبها ...! # وأحس كأنما تجاذبه الأرض إلى الوراء ... إلى حيث يراها ... أبعد كل هذا ...؟ وشعر أنه ~~يمسك في يده شيئا، ونظر إلى جانبه فرأى ولده ... لقد كاد ينسى ... وعادت له من الماضي صورة ~~أخرى، وعاد قلبه فامتلأ حقدا ومرارة ... وجد في السير، وغلامه في يده يتعثر في مشيته ~~لا يكاد يلحقه ... ~~... وتغلب على نوازعه، وعرف كيف يكون رجلا، وكيف يقمع في صدره ذلك الحب الذليل الذي ~~أفسد عليه حياته وأوشك أن يهوي به إلى الهوان والعار ... ومضى في طريقه إلى البلد النائي، ~~وكأنما كان يدوس بقدميه قلبه الدامي فيحس وخزا أليما فوق ما تخزه الذكرى وتؤلمه ~~... ~~••• # ومضت الأيام تسدل بينه وبين الماضي ms029 حجاب النسيان وهو يغالب هواه ويصارع نفسه، حتى برئ ~~من دائه. وأخذت ذكريات الماضي تتضاءل في رأسه رويدا رويدا حتى أوشكت أن تتلاشى، ~~وانقشعت عن عينيه غشاوة العاطفة التي كانت تغلبه على عقله، وتزين له أن يبيع بالحب ~~كرامة الرجل. # وانقضت سنوات أخرى، وأصبح الرجل ذات يوم صحيحا معافى. ودق جرس الباب، وانبعث الماضي ~~لعينيه ثانية حين رأى نفسه وجها لوجه أمام المرأة التي كان يحبها أعنف الحب، فعاد ~~يبغضها أعمق البغض، ويبغض من أجلها النساء جميعا ... ها هي ذي تسعى إليه بعد سنين من ~~القطيعة تصبحه مبكرة ... أمن أجله أم من أجل ولدها ...؟ # لقد أخفقت فيما كانت تسعى إليه، فلم تظفر بشيء من السعادة التي انطلقت وراء أوهامها ~~وحطمت في سبيلها عش الزوجية، وقطعت آصرة الأمومة. وحالت الثمرة التي كانت تتشهى ~~حلاوتها مرة كريهة المذاق حين عرفت منزلتها الحقيقية من نفوس المعجبين بها والمزدلفين ~~إليها من الرجال. لقد انفضوا عنها جميعا بعد أن ملوها، وراح كل منهم يلتمس لحظات ~~سعيدة في غرام جديد أبي يذوق فيه لذة الظفر بالمغيب المجهول ... وعادت إلى الماضي ~~تستلهمه الرأي حين تنكر لها الحاضر، فإذا بقية من العاطفة لم تزل تجاذبها إليه، ~~واستيقظت أمومتها ...! # وذكرت في النهاية الرجل الذي كان يحبها، والذي كان يبيع من أجلها كل شيء، فجاءت تسعى ~~إليه معترفة تائبة ... هيهات ...! # لقد أضلها السراب طويلا، فلما همت أن تعود إلى مناخ الركب كانت القافلة قد ذهبت في ~~طريقها، فلم تدرك غير الغبار يقذي عينيها وتتكاءدها عقبات الطريق! # واستبطأ الفتى أباه عند الباب فأطل من الشرفة ينظر، ثم ارتد ... وأغلق الرجل دونها ~~بابه وخلفها على الطريق، ووقفت بينه وبينها الذكريات المؤلمة عن ماضيها وعن ماضيه؛ لم ~~تؤثر فيه دموع الندم، ولم يعطفه عليها ما ناشدته الحب القديم؛ فقد علمته من قبل كيف ~~يكون بليد العاطفة، فبقي معها بليد العاطفة؛ وعلمته ألا يؤمن بالحب، فأثبت لها أنه لا ~~يؤمن بالحب؛ وعلمته ألا يثق بوعود امرأة، فأكد لها أنه أبدا لا يثق بوعود امرأة ms030 ~~... # وحين عادت المسكينة امرأة ذات قلب ... عاد المسكين رجلا بلا قلب ...! # | جناية رجل! # ... أجابني صاحبي: «نعم، لقد كان ذلك عملا لا ينبغي، على أنه قد أودى بشرف امرأة، وهناءة ~~رجل، وضيعة طفل يتم في حياة أبويه، وصيرني في عين نفسي وفي عيون الناس إلى ما ترى ... ~~وما أحاول أن أبرئ نفسي، بل إنني لأشعر أحيانا أن علي وحدي إثم هذه الجناية التي لم ~~أقترفها ولم يكن لي يد فيها!» # وصمت صاحبي برهة وهو يحدق في وجهي بعينين فيهما حيرة وارتياب، ثم استأنف الحديث: ~~«بلى، وأقسم لك يا صاحبي، ولكنني كنت رجلا كما تعرف، فلم يكن لي أمل في امرأة ولم يكن ~~لامرأة حظ مني، وأين تجد المرأة عندي ما يغريها بي؟ وأين أجد من نفسي ...؟ لقد كنت أعرف ~~نفسي عرفانا حقا، ولم يكن يخفى علي ما يتحدث به الرجال والنساء عني، وما تتحدث ~~به إلي مرآتي. لقد كنت وما يطيب لي أن أنظر إلى المرآة، كأني حين أنظر إلى صورتي ~~بإزائي أرى شخصا غريبا عني بغيضا إلي لا أطيق أن أراه أو أنظر إلى صورته، وحين ~~يتفق لي أن أرى شخصا في وجهه بعض ما أعرف لنفسي من الدمامة، أزوي عنه وجهي، كأنما ~~يذكرني مرآه بشخص أكرهه ...! # أراك تنكر علي ما أقول يا صديقي، ولكن ذلك كان هو رأيي في نفسي على حقيقته، وقد يكون ~~رأيا غريبا، فما أعرف فيما قرأت أو سمعت أن أحدا كان له في نفسه مثل رأيي في نفسي ~~وإن بلغت دمامته الحد الذي يوشك أن يبعده من حقيقة الآدمية! ~~... وكنت مؤمنا بأن القدر الذي تكتنفني صروفه منذ الطفولة قد هيأني لشيء غير ما يتهيأ له ~~الرجال في عالم المرأة، من الحب والزواج والأبوة، كأنما كانت تلك العلة التي شوهت وجهي ~~صغيرا، وتلك الحادثة التي أصابتني بالعرج صبيا؛ تحولا في إنسانيتي، وحجازا بيني ~~وبين أحلام الطبيعة التي تهمس في الدم وتوسوس في القلب. وشعرت منذ فقدت أمي ولم أتجاوز ~~السابعة بعد، أن آخر سبب كان يربطني ms031 بالمرأة قد انقطع، فليست من دنياي ولست من دنياها، ~~وعشت عمري في هذه الحقيقة من بعد، لا تنظر عيناي إلى امرأة ولا أحس وقع نظرة امرأة، ~~ولو قد أحسستها مرة لخجلت؛ لعلمي أنها لا تنظر حين تنظر إلي رجلا مما يقع في عالمها، ~~ولكنها تنظر مسخا مشوها يشير إلى آية من آيات القدرة الخالقة! ~~... كذلك كنت عند نفسي حتى لقيتها، فأرتني من نفسي صورة غير ما كنت أعرف لنفسي، وكشفت لي ~~عن صورتي في مرآتها ...! ~~... كنت يومذاك جالسا إلى مكتبي أعالج عملا دقيقا لا يصلح أن يتولاه غيري، حين دخل ~~علي حاجبي يؤذنني أن سيدة تريد لقائي، ونهرت حاجبي إذ قطعني عن عملي من أجل امرأة، ~~وما لي وللنساء؟ ما شأنهن وشأني؟ # ودعوت شابا من مساعدي ليلقاها ويتقصى أمرها فيخبرني، وكثيرا ما كنت أندبه لمثل ~~ذلك فيكفيني ويجزئ عني، ولكنه في هذه المرة لم يغن عني شيئا، وعاد إلي ينبئني أن ~~السيدة لا تريد لقاء أحد غيري، وقد كنت أعلم من طول خبرتي في هذا العمل الذي أتولاه، ما ~~تدعوني له مثل هذه الزائرة، فما هو إلا اعتقادها أنني - وأنا رئيس المكتب - أقدر على ~~قضاء حاجتها من غيري، وإن كانت حاجتها من التفاهة بحيث يستطيع ساعي المكتب أن يقطع فيها ~~برأي ...! ذلك رأي النساء جميعا، وإن إحداهن ليبلغ منها الإلحاح في طلب لقائي أن تضجرني ~~وتحرج صدري، فلا أجد عقابا لها على ذلك إلا أن أخرج إليها فتراني ... ~~... ولم أكن في ذلك اليوم متهيئا لاستقبال أحد، ولم تكن بي رغبة إلى عقاب امرأة، فطلبت ~~إلى حاجبي أن يعتذر إليها. وخرجت السيدة ولكنها لم تلبث أن عادت، وعاد حاجبي يؤذنني ~~برغبتها في لقائي، وتكرر بيننا الرجاء والاعتذار، حتى لم أجد بدا في النهاية من ~~الخروج إليها ... # ورأيتها ورأتني، ولكني لم أر في وجهها ذلك المعنى الذي طالما رأيته في وجوه النساء حين ~~أجلس إلى امرأة منهن. ولأول مرة منذ ماتت أمي جلست إلى امرأة أتحدث إليها وأستمع لما ~~تقول وإني لأحس ms032 في نفسي برد الراحة وروح الاطمئنان. لا أعني أنها ذكرتني أمي، فقد ~~كانت أصغر كثيرا مما ظننت وأشب شبابا، ولكني شعرت إذ جلست إليها شعورا لم أحس ~~مثله منذ بضع عشرة سنة، منذ ماتت المرأة الوحيدة التي منحتني حبها واستحقت حبي! # كان في وجهها سماحة وطهر، وفي عينيها نظرة طفل يرى كل شيء جديدا على عينيه، وقد ~~افترت شفتاها عن ابتسامة حزينة تكتم معنى وتفصح عن معنى. # لم أشك حين رأيتها أنها عذراء، فتاة على طبيعتها الطاهرة لم تطبعها الحياة بعد بذلك ~~الطابع المصنوع الذي يجعل لكل شيء لونين في ظاهره وباطنه. وأقبلت علي تحدثني حديثها. ~~لم يكن في صوتها ولا في نظراتها شيء يدل على أنها تراني رأي الناس وتنظر إلي ~~نظرتهم. ~~... أخشى أن أقول لك يا صديقي إنها كانت تحدثني كأنما تناجي حبيبا عزيزا لقاؤه! ولكني ~~كذلك شعرت وقتئذ! # ومضت في حديثها، ولم أسمع حرفا واحدا مما قالت؛ إذ كنت وقتئذ في حديث مع نفسي، فلما ~~أوشكت أن تنتهي من عرض أمرها، وراحت تسألني رأيي، بدأت أصغي إليها ... وكان لها مشكلة ~~معقدة تقتضي تدبيرا وأناة وحسن احتيال. وعنيت بأمرها. # أتراني يا صديقي في حاجة إلى التأكيد لك بأن عنايتي بأمرها لم تكن شيئا على خلاف عادتي ~~في مثل مشكلتها؟ ولكنك مصدق ولا شك؛ فقد كنت إلى تلك اللحظة من كنت، ليس لي هم إلا ~~عملي وواجبي! # وزارتني بعدها في مكتبي مرة ومرة ومرات، وتوثقت بيننا أواصر المودة، وألفت أن تراني ~~وأن تتحدث إلي، وألفت أن أستمع إليها، وكأنما كنت في نومة ثقيلة ثم استيقظت، وانجاب ~~عني غشاء صفيق كان يلقي علي كل شيء من أشياء الحياة ظلا يبغضه إلي، وتزينت لي ~~الحياة، وكأنما كانت مرآتي صدئة فجلتها بأنفاسها فعادت مصقولة لامعة! # ليس يعنيك كثيرا يا صديقي أن تعرف كل شيء، ولكن الذي يعنيني أن تعرفه عرفان اليقين ~~أنني لم أتودد إليها ولم أحاول اجتذابها، فقد كانت أسرع إلي من خطرة الأمل، فما هي ~~إلا مرات التقيناها حتى كان ms033 كل شيء منها يتحدث إلي حديثا أجد صداه في نفسي، ومن غير ~~مؤامرة ولا تدبير رأيتني أمشي معها ذراعا إلى ذراع في الطريق ...! # لم أنم تلك الليلة ولم أذق طعم الغمض، لعلك تحسب ذلك يا صديقي فرحا بتلك النعمة ~~التي سيقت إلي من حيث لا أحتسب! كلا، ولا بعض هذا، لقد سهرت تلك الليلة إلى الصباح ~~في قلق وهم، وفي حديث بيني وبين نفسي كله تأنيب وملامة، لقد كنت موقنا أنني لست ~~الرجل الذي تؤهله صفاته ليكون حبيبا يلم طيفه بخيال امرأة، ولم أكن من الغفلة بحيث ~~أنسى بسهولة حقيقتي التي عشت بها ما فات من أيامي، وكنت خائفا أن يكون قد بدر مني شيء ~~على هوى أشعرها أملا وأخفى عنها حقيقة؛ فانقادت إلي مخدوعة وعلى عينيها غشاوة. # بلى، لقد كنت سعيدا بحبها، ولكنني لم أحاول قط أن أشعرها معنى يدنيها إلي ويزيدني ~~حبا إليها، وكان ضميري يخادعني حين كنت أستمع إلى نجواه في نفسي قائلا: «لا عليك ~~ملامة إذ كانت تحبك دون أن تطلب إليها!» ويا لها خدعة! وهل زادها حبا لي إلا شعورها ~~بأنها تجد لعواطفها في نفسي استجابة ...؟ وفي مرات كثيرة كان يثوب إلي رشادي ويغيب عني ~~هواي، فأهم أن أقول لها وإنها لجالسة بإزائي: «انظري إلي! هل ترينني أصلح للحب؟» ~~ولكني لم أجرؤ في مرة واحدة من هذه المرات أن أقولها؛ لأن هواي كان يغلبني على رأيي، ~~فتقول لي نفسي: «أوليست تراك دون أن تطلب إليها أن تنظر؟» # وحتى يوم أسلمت لي شفتيها وأغمضت عينيها في مثل غشية الوحي، لم يقع في نفسي إلا أنه عمل ~~منها لا مني، والقبلة المعسولة ما زال يرن صداها في قلبي! # ولكنني مع ذلك يا صديقي لم يغب عني قط أن ذلك عمل لا ينبغي. كانت هذه الحقيقة قارة في ~~أعماقي، على الرغم من هوى النفس وخداع الضمير، ولم أكن يومئذ أعرف. فكيف لو عرفت؟ ~~... ومضت بنا الأيام على ما قدر لي ولها، لم أحاول أن أسألها شيئا ولم تحاول ms034 أن تخفي ~~علي، ومع ذلك فقد ظللت دهرا لا أعرف، على غير إرادة مني ولا إرادة منها، ولم تكن في ~~يقيني إلا فتاة على طبيعتها الطاهرة لم يزل بينها وبين الحياة باب مغلق ... وأغناني يقيني ~~عن سؤالها، وحال بيني وبين التماس أسباب المعرفة أنني لم أكن أريد أن يكون مني عمل ~~إيجابي يشعرها أن لي بأمرها عناية فأمد لها أسباب المنى! # ثم كان يوم وكانت الصلة بيننا قد توثقت حتى لا سر بيني وبينها، وجلست تتحدث ~~إلي، وعرفت ... # يا لله ...! ليتني كنت أدري! وهل كان يدور بخاطري يوما أن هذه الفتاة التي بعيني هي ~~امرأة، هي زوج قد انفتح الباب المغلق بينها وبين الحياة ...! # لم تكن خادعة فيما أعلم حين كتمت عني حديثها طوال هذه الأشهر، ولكنها لم تجد سبيلا ~~إلى أن تقول، فصمتت؛ فلما أمكنتها الفرصة جاء الحديث لوقته فراحت تقص علي ... # وشعرت بالغيرة تلذع قلبي لأول مرة، غيرة رجل يحاول أن يستأثر بما لا يملك دون مالكه! ~~ولكني لم ألبث أن فئت إلى رشادي واستيقظ ضميري، فرحت أوبخ نفسي على ما كان وأشبعها ~~تعنيفا وملامة، ولكني لم أجرؤ أن أقول. # لم يكن لها خيار فيما فعلت. هكذا حكمت حين قصت علي خبرها، فقد ماتت أختها عن بنين ~~وبنات وزوج في سن أبيها له مال وجاه وشفاعة ويد مبسوطة، وكانت هي يومئذ تلميذة في ~~السادسة عشرة، دنياها معلم وكتاب ومسطرة ... وعادت يوما من مدرستها فإذا في غرفة ~~الاستقبال كاتب وشهود، وباتت مسماة على زوج أختها، ثم أصبحت زوجا وأما لبنين وبنات ~~وما حملت ولا ولدت! # لم تفهم شيئا مما مر بها إلا كما تفهم كل فتاة في بيت أبيها حين يقال لها قومي ~~فتقوم، واجلسي فتجلس! # وانتقلت من دار إلى دار، ولكن قلبها لم يزل على نقاوته وطهره؛ في عينيها نظرة الطفل، ~~يرى كل شيء جديدا على عينيه؛ وعلى شفتيها ابتسامتها الصامتة المبينة، وفي رأسها ~~أحلامها؛ ثم التقينا. ~~... هذا ما قالت لي. وقال لي ضميري: ويحك يا شقي! إنك ms035 تحاول إفساد امرأة على ~~رجلها! # وقال لي هواي: وماذا فعلت؟ أيكون الاستماع إلى شقية بائسة تشكو بثها محاولة لإفساد ~~امرأة؟ # وزدت من يومئذ آلاما إلى آلامي، وزدت إلى ذلك إيمانا بنفسي؛ وأيقنت من يومئذ أنني ~~شيء، وأيقنت إلى ذلك أنني في عمل لا ينبغي! # وحاولت منذ عرفت أن أبتعد عنها وإن قلبي لينازعني إليها، فلا أنا صممت فيما حاولت ولا ~~هدأ قلبي، وعدت بين نزاع القلب وتأنيب الضمير في شقاوة وألم، ولكنني كنت بشقاوتي ~~سعيدا! # ويلي! ليتني عرفت يومئذ كل شيء! أو ليتني مضيت فيما صممت ولو كان فيه تدميري وهلاكي، ~~إذن لاحتفظت لنفسي براحة الضمير إذ فقدت راحة القلب! ولكنني لم أكن أعرف، وكان الدهر ~~يدخر لي البقية ... ~~... ولقيت صديقي «فلانا» على غير ميعاد، وجلس يتحدث إلي ... وأرهفت أذني للسمع، وخيل ~~إلي وهو على مقربة مني وأنا أستمع إليه أن بيني وبينه من البعد مسافة تسافر فيها ~~الأحلام وتئوب، وجثم على صدري كابوس مفزع لا يخف ولا يتحلحل، وهممت أن أتكلم فما أطقت ~~الكلام، ودار رأسي مثل خذروف الوليد بين قوتين تتجاذبانه، وتناثرت أشلاء على مكاني ~~... # ولما أفقت بعد برهة لم يكن بجانبي أحد غيره، ورن صوته في مسمعي: رفقا بنفسك يا ~~صديقي! إنك تتعب نفسك أكثر مما تطيق! # ثم خلفني وآلامي، ومضى! إذن فهو ذاك؟ إنها زوجته! # وهجرت المدينة يا صديقي إلى حيث أحاول التكفير عن خطيئتي والفرار بنفسي، وهجرتها بلا ~~وداع، ولكنها لم تتركني وشأني، لقد أصابها من ذلك مثل سعار الجوع في الكلب الضال. # وكان زوجها يتحدث إليها ذات يوم حديثا من حديثه، فحسبته يعرض بها، فثارت به، ثم ~~اندفعت في ثورتها، وابتسم الرجل وتمتم بكلمات، وألقى الشيطان في أذنها كلمات غير ما قال، ~~فزادت ثورة وهياجا، وقالت: بلى، إنني أحبه وسأتبعه إلى آخر الدنيا! # وعلا بكاء طفل، طفل رضيع لم يفتح عينيه على الحياة إلا منذ أيام معدودات؛ وقلب الرجل ~~عينيه بين الطفل وأمه، وقال لنفسه في همس: إذن فهو ولده ...؟ وفتحت الأم فمها مدهوشة ms036 ~~وبرقت، وسألت: أتراه يظن ...؟ ويلي! # ونالني رشاشها على مبعدة يا صديقي وما جنيت جناية ...» # | انتقام الآلة! # قصة الخدم والسادة # أهذا إنسان من خلق الله أم من صنعة البشر؟ # إن له عينا تنظر، وأذنا تسمع، ويدا تبطش، ورجلا تمشي، ولكأن في هذه الكرة التي ~~تحملها هاتان الكتفان عقلا كعقول الناس؛ فبه يفكر ويعمل، وبه يحس ويتألم ... # ولكنه إلى ذلك ليس إنسانا كالناس، وإلا فما بال هذه السيدة الجالسة هناك لا تكاد تحتشم ~~في مجلسها منه ...؟ إنها لتخلع وتلبس على عينيه فما يختلج له طرف ولا تبدر منه حركة ولا ~~تصطبغ وجنتاه من حياء ...! # وهذا الرجل يعرض مباذله تحت سمعه وبصره فلا يستحيي أن يقول لزوجته ويسمع منها، فإذا ~~خفقت نعل صغيرتهما قادمة تواريا وأتما حديثهما في همس ...! # وما باله واقفا موقفه ذاك في زاوية الحجرة لا يتحرك نبضة عرق ولا خفقة نفس ...؟ # وإن على صدره لسربال خادم، وإن في يده لمنفضة من ريش ...! # هذا جرس الباب يرن، وها هو ذا «روبرت» يضع المنفضة من يده ويسرع إلى الباب، وها هو ذا ~~يعود وفي يده بطاقة، وها هي ذي سيدته تعرك زرا في صدره، فيعجل إلى الباب فيستقبل ~~القادم ويقوده إلى الثوي في انتظار مضيفه ... # إن الناظر ليوشك أن يحسبه إنسانا من خلق الله، وما هو بإنسان، ولكنه «شيء» من صنعة ~~البشر ... إنه «مستر روبرت»، ومن ذا لا يعرف مستر روبرت الخادم الصامت المطيع؟ # إنه آخر ما أنتجته مصانع أمريكا من فنون الأعاجيب، وإنه لخادم السيدة «إنصاف» بعدما ~~ضاقت بالخدم من البشر وضقن بها ...! # كانت السيدة «إنصاف» مرهفة الحس، دقيقة الشعور، سريعة الغضب، قليلة الرضا، فلم يكن ~~ليعجبها شيء في حياتها؛ فإن نفسها لتهفو إلى الشيء البعيد لا تملكه، فإذا حازته وحصل لها ~~فما هو بالشيء الجميل بعد، ولكنه كله عيوب وقبائح؛ وإن الفستان الجميل ليعجبها على ~~صديقتها فتذهب تلح في طلب مثله، فما هو إلا أن تناله حتى يبدو لها سخيفا، حائل اللون، ~~قليل القيمة، لا يليق إلا للخدم وأشباه الخدم ms037 ! # وتعجبها الحلية الثمينة في معارض الصاغة، وتتشهاها، وتتخيلها لامعة تتضوأ على نحرها أو ~~في معصمها، وتبيت تحلم باليوم الذي تكون فيه لها؛ فإذا ملكتها وزينت نحرها ومعصمها بدا ~~لها من عيوبها ما لم تكن ترى، فتروح قائلة: لو كانت كذا لكانت أحسن، ولو لم تكن كذلك ~~لكانت أتم وأكمل ...! # ومن أين لشيء في الدنيا الكمال التام والحسن المطلق ...؟ # كانت هذه خليقتها المتصرفة بها فيما جل ودق من حياتها، فلكل شيء ميزانه الذي يوزن ~~به في نفسه ولها ميزانها؛ وعرف زوجها ذلك من طباعها فإنه ليراجع نفسه ألف مرة قبل أن ~~يشتري شيئا لها أو للدار، مخافة أن تعيبه أو تتهمه في حكمه؛ فإنه ليحمل راضيا تهمتها ~~له بالتقصير، ولا يطيق أن يحمل معابتها لما يشتري ولما يصنع! # ذلك شأنه وشأنها، وإن له لسلطانا وأمرا نافذا، فكيف شأنها وشأن الخدم؟ # كم خادما اصطنعت في هذه الدار منذ كان لها ولزوجها دار؟ # إنها لتكاد تنسى أسماءهن ووجوههن، فإنهن لأكثر عددا مما تذكر؛ وما أقامت معها خادم ~~شهرين إلا على كره ومضض؛ أذلك من عيب الخدم أم من عيب السيدة؟ # ألا إن الخادم خادم وإن نشأت في بيت الإمارة؛ وإن عيوب الخدم لتكاد تذكر في تاريخنا ~~الاجتماعي منذ أجيال؛ أفلا تكون السيدة سيدة ...؟ ~~... هذه خادم قد خرجت إلى السوق لشأن من أمر الدار، وبينها وبين السوق خطوات، فلم تعد ~~إلا بعد ساعة! ~~- أين كنت ...؟ ولماذا غبت ...؟ وكيف سمحت ...؟ ~~- يا سيدتي، هذا شأن الخدم! # ولكن السيدة لا تسمح ولا تعفو؛ فالدار في ثورة تؤج، ومعركة تضج؛ والسيد والسيدة ~~والخادم في جحيم! ~~... وهذه خادم قد ذهبت تهيئ الطعام، فكفأت القدر، وحطمت الوعاء، وأشعلت النار! ~~- كيف صنعت ...؟ ولماذا فعلت ...؟ ~~- يا سيدتي ...! # ولكن السيدة على كثرة ما تنفق لا تكاد تنسى القدر المكفوءة، والوعاء المحطم، والنار ~~التي اشتعلت؛ ويمضي السيد يومه طاوي البطن جوعان، والسيدة والخادم في عراك! ~~... وهذه خادم تذهب تسأل عن موعد القطار، فلا تعود إلا بعد ميعاد القطار! ~~... وتذهب هذه لتعود بالصغيرة من المدرسة ms038 ، فتعود الصغيرة قبل أن تعود الخادم! ~~... ويبقى للبدال نصف قرش فلا تنبه سيدتها إلى «دينها» حتى يدق البدال جرس ~~الباب! ~~... ويقف الضيف بباب الدار يتململ قبل أن تجيب سؤاله ليدخل أو ينصرف! # أذلك شيء في هذه الدار وحدها أم هو في كل دار؟ ~~... وضاقت أخلاق السيدة «إنصاف»، فما لها صبر ولا طاقة، فاصطنعت لها أسلوبا في تأديب ~~الخدم ... # إنها لتسب وترمي بالفاحشة، وإنها لتصفع وتلطم؛ فإذا لم ينفع شيء من ذلك فإن العصا ثمة ~~تلهب الجسد حتى يسيل دمه! # وفي الخدم يتامى يحملن ذكريات غالية لآباء وأمهات قد غيبهم التراب، فما يطقن السباب ~~والفاحشة! # وفيهن ضعيفات دقيقات الأجسام، فما يحتملن الصفع وإلهاب العصا! # وفيهن شرسات عارمات، يرددن الذل والمهانة مثلا بمثل وزيادة! # وأكثرهن لا يخطئن عن قصد ونية، ولكن هكذا صاغتهن الحياة التي عشن، فإن للإحسان ~~والإساءة عندهن مقاييس غير ما نقيس به ونزن ... # ولكن السيدة «إنصاف» لم تكن تعلم؛ فإنها لتقيس أعمال الخادم بعقلها هي لا بعقل الخادم؛ ~~فما لواحدة منهن عذر أو حق في المغفرة! # وخف محمل العصا في يمينها فقست، ثم تدرجت في القسوة فنونا؛ فإنها لتجيع وتظمئ، وتكوي ~~الجسد بالملعقة المحماة على النار! # وماذا تملك الخادم في مصر لنفسها، وقد نشأت في الذل والفاقة، وإنما يعمل أكثرهن ليعيش ~~آباء وأمهات! # لكأنما كان فساد أكثر الخدم في مصر انتقاما من قسوة بعض السادة! # وطغت السيدة «إنصاف» وطاش طيشها فإن لها لضحايا عدة، وأملى لها المنتقم! # ثم اصطنعت مستر روبرت ... # ذلك خادم يؤمر فيطيع، له لسان لا ينم، وعين لا تنظر، وأذن لا تسمع؛ وإن له لعقلا، ~~ولكن مفتاح عقله في يد سيدته؛ هذه أزرار عدة في صدره، هي مفاتيح أعصابه، وهي منافذ حسه؛ ~~تعرك زرا فيروح، وتعرك آخر فيرجع، وتدير مفتاحا فيهيئ المائدة، وتدير آخر فيرفعها، ~~إنه لإنسان من فولاذ، ولكن له عقلا من مطاط؛ مرهف الحسن كأنه وحيد أبويه، سريع الجواب ~~كأنه الصدى، قريب المآب كأنه من جن سليمان! # أتراها قد رضيت وقرت عينا بخادمها الجديد ms039 فنسيت به مساوئ الخدم؟ إنها لتبدو به ~~مغتبطة سعيدة! # ومضى زمان، ونسيت إنصاف عصاها وإن لها لآثارا ماثلة على ظهور وسواعد؛ ولم تحم ~~الملعقة على النار بعد، وإن لها لمياسم باقية في أيد وأرجل ...! ولكن فتيانا وفتيات لم ~~ينسوا ما صنعت بهم إنصاف، فإنهم ليقذفونها على البعد بالدعوات والمنتقم يسمع! # وجاء يوم الجزاء؛ وكانت إنصاف في فراشها مثقلة، ودعت مستر روبرت فلبى، وطلبت فنجانة ~~شاي، ولكنها أخطأت المفتاح؛ وذهب مستر روبرت ثم عاد يحمل مكنسة؛ واهتاجت إنصاف واعتادها ~~داؤها، فبذأت وأفحشت؛ وعادت تدير مفتاح الآلة فأخطأت، وألقى مستر روبرت في وجهها ~~بالمكنسة! # وفار دمها فنهضت من فراشها، وكأنما همت أن تتناول العصا فتذكرت؛ فرمته بالمكنسة ~~وأقبلت عليه مهتاجة تعرك أزراره آمرة؛ وأصابته المكنسة في صدره فتحركت مفاتيح جنونه، ~~وأطبق على عنقها بيديه، فصرخت ... # وبدا في عينيها المذعورتين كأنه شبح آثامها ينتقم، وتراءى لها في دوار الاختناق كل ~~ماضيها يطل من عينيه الجامدتين، وقعقع في أذنيها صوت مفزع كأنه جلبة حشد ثائر منتقم، ~~وسقطت بين يديه الفولاذيتين لا تعي. # ولما أفاقت بعد ساعات، وجدت نفسها في فراشها مثقلة بالأربطة والضمائد، وعند قدميها ~~فتاة، وحطام مستر روبرت في زاوية الغرفة، كأنه أشلاء معركة! # وتذكرت ما كان منذ رمت بالمكنسة في وجه الآلة حتى صرخت فسقطت؛ وعادت تنظر إلى الفتاة ~~التي عند قدميها تستوضحها بقية ما كان، فبعد لأي ما عرفتها؛ إنها واحدة من عشرات الخدم ~~اللاتي كن يعملن في دارها، وطالما آذتها وضربتها؛ ترى ماذا جاء بها الساعة ولم ترها ~~منذ بعيد؟ # وأحست الفتاة حركة السيدة، فأسرعت إليها، وجلست تقص عليها ... ~~«... ودخلت على صراخك يا سيدتي فرأيت، وخلصتك من بين يديه ولكن بعدما صار حطاما ... وقد ~~خرج الطبيب منذ لحظات، وخرج معه سيدي!» # وهمت «إنصاف» أن تتكلم فأحست في حلقها مثل دق المسامير، فأطبقت فمها وأهوت على يد ~~الفتاة تقبلها وفي عينيها دموع! # | العروس! # لم يرقها اليوم أن تجلس إلى المرآة جلستها الطويلة، فدلفت إلى النافذة تنوء بهم ~~ثقيل على صدرها، واتكأت ms040 بمرفقها على حافة المقعد، ثم أزاحت السجف وجلست ترقب الطريق، ~~وبلغ أذنيها غناء المغنيات في بيت جارتها كريها نابيا كأنما ينعى إليها الشباب ~~...! # لقد جاوزت الخامسة والعشرين وما تزال قعيدة الدار، تنتظر الخاطب المجهول يدق الباب ~~ليطلب يدها. أتراها لم تكن أجمل من فلانة وفلانة وفلانة؟ بلى، وإنها لخير منهن، ولكنهن ~~تزوجن جميعا وانتهى بهن القدر إلى المستقبل الذي تحلم به كل فتاة، وهي وحدها ما تزال ~~تنتظر ...! # وأخذ الزمن يتراجع في خاطرها، كما يطوى شريط السينما، فإذا هي ما تزال بنت السادسة ~~عشرة، تزدهيها فتنة الجمال، وتسيطر على نفسها كبرياء الغنى، وتعبث بها أهواء الأنوثة ~~الباكرة، ثم إذا هي بين أترابها في المدرسة كما كانت؛ معقد المنى، ونجوى الخواطر، ~~وملتقى نظرات الغبطة. لم يجتمع لواحدة من رفيقاتها يومئذ ما اجتمع لها مما تفخر به ~~الفتاة، فلم تكن لتشاركهن في الحديث إلا على كبرياء وأنفة، وحين يجري حديث الشبان بينهن ~~في همس موسيقي مطرب، كانت تمط شفتيها في سخرية عابثة، ثقة بأنها الفتاة المرموقة ~~المشتهاة، كأن على من دونها من الفتيات أن ينتظرن ريثما تختار هي فتاها المجدود، ثم ~~تترك لهن من بعد حق الأمل في الزوج الذي يشتهين ...! # وكان لها من نشأتها وجاه أبيها ما يفسح لها في الأمل ويمد لها أسباب المنى ~~العريضة. # كان ذلك قبل أن يموت أبوها! أفينقص من شرفها وجمالها وثرائها أن أباها قد مات؟ ~~... فأين الخطاب يزدلفون إليها ويزدحمون ببابها في طلب الرضا والقبول؟ # إنها لرهينة الدار منذ سنوات خمس، فلا تبصر الطريق إلا من خصاص النافذة، ولا تفارق ~~محبسها إلا في ظل أمها الأيم العجوز، فلم تكن تعرف من الشبان غير ابن عمها. # لقد كان فيما ترى مثال الشاب الذي يداعب خيالها. لم يكن قد أتم دراسته العالية بعد، ~~ولكنه أتم الرجولة؛ وكان على فقر من المال، ولكنه على غنى في النفس وكمال من الأدب ~~والفضيلة. كما كانت تعجب برجولته ونبله! ولكنها لم تكن تسمح لنفسها أن تمنحه أكثر من ~~الإعجاب. آه لو ms041 كان على سعة من المال ... إذن لتمنت أن يكون زوجها الذي تقاسمه الحياة ... ~~ولكن من أين له ...؟ من أين له أن يهيئ لها أسباب الرفاهية التي تشتهي؟ # لم تكن تدري أنها تحبه إلا يوم جاءها البشير أنه خطب لنفسه فلانة، فأغلقت من دونه الباب ~~وجلست وحدها تبكي ما ساعفتها الدموع. ولم يكن هو يدري ... إلا يوم زارها من بعد، فإذا في ~~عينيها تساؤل وجواب، وعلى شفتيها ابتسامة ذابلة، ثم إذا هي تفر فتضرب الحجاب بينها ~~وبينه؛ خشية أن يرى على وجنتيها علامة التأثر ترسمها الدموع! # وعرف، وتذكر ما كان من أمرها وأمره ... كم تمناها لنفسه وبات يرعى خيالها ليالي طويلة، ~~ولكنه كان يزجر نفسه أن يؤمل الزواج منها، وأين فقره وإقلاله من ترفها وغناها؟ # ومضى الفتى لوجهه، ومسحت الفتاة الدموع عن وجنتيها وقالت تعزي نفسها: «لقد تزوج، فما ~~أسفي على ذاك؟ إنني لجميلة، وإنني لغنية، وإن الشبان ليسرعون إلى ذوات الجمال ~~والمال.» # وأطافت برأسها أحلام، وزينت لها الأماني دنيا بهيجة من الخيال أفعمتها أنسا وسعادة، ~~واستنامت إلى المنى، تصبح وتمسي حالمة الخاطب المجهول. # وتصرمت الأعوام عاما بعد عام، وهي تعيش من أحلامها في رضا وقناعة، وحسبها من مسرات ~~الشباب أنها توقظ كل يوم واحدا من شباب أحلامها تساقيه المنى وتبادله الحب، فإذا انتهت ~~من أحلامها السعيدة فإلى حين، كأنما هي من حبيبها النائم على ميعاد! # وأخذت زهرات الربيع تنتثر أوراقها دامية على الشوك؛ لأن البستاني يحول دون اليد التي ~~تمتد إليها فتشعرها أنها جميلة، ولكن بقيت على ثغر الزهر ابتسامته الناعمة؛ لأنه من ~~أحلامه على رضا وقناعة. # لشد ما كان يعجب شباب الناحية بها! فما يحلو لهم سمر إلا بالحديث عن جمالها ~~وفتنتها، وما يطيب لهم مجلس إلا بذكر كمالها وشمائلها، ولكنها على ما حلت من نفوسهم ~~أكرم منزلة، لم تبلغ أن تكون موضع الأمل عند واحد منهم في أن تصير زوجته. لقد تقاصرت ~~دونها المنى، من إبائها، وغناها، وحرص أهلها على التقاليد. # ومن أين لغير القليل من الشبان أن ms042 يرضي طموحها؟ من أين له المعجزة المالية ليؤدي لها ~~المهر الذي ترضاه، وينفق في أكلاف العرس ما يرضي التقاليد؟ # وطالت الأيام على العذراء الحالمة، وبدأت تمل وحدتها الفارغة، وأخذت تسيء الظن ~~بجمالها وفتنتها، ولم تجد غير المرآة تبثها خواطرها، فتعودت الجلوس إليها الساعات كل ~~يوم تبادلها الرأي فيما تظهر به أكثر جمالا وفتنة، لعلها أن تجد بذلك رجلها الذي تحلم ~~به. # أفتستطيع المرآة أن تمنحها الزوج إن منحتها الجمال؟ واستيقظت من أحلامها حين توالت ~~عليها الأنباء بأن صواحبها اللاتي كانت تسخر منهن وتزهى عليهن بمالها وجمالها قد تزوجن ~~واحدة بعد أخرى واستقرت بهن الحياة في بيت الأمومة. # وهذه صديقة أخرى تتزوج. لقد طالما هزئت بفلانة جارتها وزميلتها في المدرسة، وما أكثر ما ~~كانت تركبها بالدعابة الثقيلة والنكات اللاذعة حتى تطفر من عينيها دموع الذلة والانكسار! ~~لم تكن فلانة هذه في مثل جمال صاحبتها، ولا لها قليل من جاه أبيها أو ماله، ولكن ها هي ~~ذي تتزوج وتعزف لها الموسيقى، وما تزال هي تنتظر! # وانقطعت سبيبة الذكرى، فأفاقت من غفلتها وراحت تمسح الدموع عن وجنتيها بأطراف السجف ~~وتنظر الطريق. # وأخذ عينيها بريق الكرات الملونة مدلاة من حبالها يتلاعب بها الهواء، تلاعب اليأس ~~والهم بنفسها؛ واضطربت في مرأى عينها الرايات الخضر اضطراب أوراق الشجر هبت عليها ~~رياح الخريف ... # لقد كانت وحدها في البيت، فلم ترافق أمها إلى بيت صاحبتها لتزف إليها التهنئة. # منذ أمس، حين زارتها صديقتها داعية، لم تستقر على حال من لذع الغيرة وألم الحرمان، ~~وقدرت - إن هي أجابت الدعوة - أنها ستكون بين المدعوات موضع السخرية والإشفاق، وما ~~تطيق أن يسخر منها أو يشفق عليها أحد ... # ومر من تحت النافذة فوج من الشباب يقصدون بيت العروس، وراحت تختبر فراستها لعلها أن ~~تعرف زوج صديقتها من بين هؤلاء. أفكانت تريد ذلك حقا، أم هي تريد أن تعرف من بينهم رجل ~~أحلامها الذي صحبته في الوهم سنوات ... وزفرت زفرة خافتة وراحت تحصي سنيها التي عمرتها ~~على الأرض: يا ويلتا! خمس وعشرون سنة ms043 ... لقد تزوجت أمها في الثالثة عشرة، فلعلها هي لو ~~تزوجت في مثل سن أمها كانت موشكة أن تصير جدة ... وركبها اليأس، واصطلحت عليها الأفكار ~~السود، ولم تجد لنفسها طاقة بالوحدة بعد، فأخذت زينتها وأسرعت إلى بيت العروس تتفرج ~~... # وهاجت أحزانها مظاهر الفرح، وبهرتها الأنوار البراقة، ولدغتها ثعابين الغيرة من عناقيد ~~الزهر متعانقة متشابكة، ورنت في أذنيها ضحكات النساء كأن قلبا من الزجاج ~~ينكسر! # وانتظم النساء حلقات على عادتهن يتهامسن، فانطوت على نفسها في زاوية من البهو تحاول ألا ~~تتحدث إلى أحد أو يتحدث إليها أحد، وخيل إليها أن التمنيات التي توجهها إليها صواحبها ~~سخرية وشماتة ... ~~«العقبى لك!» ما أحراهن أن يترجمنها إلى اللغة الصريحة فيقلن: «الرحمة والرثاء لك ~~أيتها العانس المسكينة ...!» وأديرت على برد الخريف أكواب الشراب المثلوج، ووزعت الحلوى ~~في العلب المذهبة الثمينة، وتزاحم النساء يتخاطفنها كأنما يقتضين الأجر على ما شرفن ~~العروس بالحضور للتهنئة! ورأت هي أنها لم تتفرج مما بها وإنما زادت هما على هم، فأسرعت ~~عائدة إلى الدار. # ولم تنم المسكينة ليلتها، ولكن أخذتها إغفاءات متقطعة تتخللها الرؤى والأحلام ... # وعاد تفكيرها في الزواج بعض عملها اليومي، ولكنها لم تعد تفكر في الرجل إذ تفكر في ~~الزواج، أكثر مما تفكر في مظاهر الاحتفال وزينة العرس حين يكون العرس، وفيمن تدعو ~~ليشاركها في الفرح من نساء المدينة وشبان المدينة. كانت تفكر في الانتقام لكبريائها التي ~~زعمتها ديست يوم عرس جارتها فلانة، وما كانت تفكر في وسيلة للانتقام إلا فيما يكون من ~~مظاهر الاحتفال بزواجها، يوم تتزوج ... سيكون احتفالا خيرا من احتفال جارتها، وسيزين ~~بيتها أروع من زينتها، وسيجتمع لها من سراة المدينة ووجهائها من لم يجتمع لعروس قبلها. ~~ستحاول يومئذ أن تسعر الغيرة والحسد في قلوب كل صواحبها أكثر مما كانت تسعرهما ~~بكبريائها وتيهها عليهن وهي ما تزال صغيرة تطلب العلم معهن بالمدرسة أو تشاركهن اللعب في ~~فناء الدار ... # وتطورت أمانيها من شيء إلى شيء، فلم يعد كل ما يعنيها هو الزواج أو الزوج، وإنما ~~تركزت كل آمالها ms044 في فكرة واحدة، هي أن تتهيأ لها الأسباب لتكون عروسا في حفل يتحدث به ~~فتيات المدينة وفتيانها جميعا؛ لتثأر لكبريائها وترد الشماتة! # ودنا الأمل الموعود. # كان العام قد استدار، وأخذت زهرات الربيع تتفتح ويضوع أريجها في الجو، ولكن قطرات من ~~الندى كانت تبللها كدمعة الحزن في وجه عذراء يخضبه الخجل، ولكنها تبتسم؛ أكانت تصطنع ~~الابتسام لتخفي عن الناظر بعض ما في صدرها من هم، أم كانت هذه دموع الفرح على وجنتيها ~~...؟ # وأطل الفتيات من النوافذ يتعرفن خطيب «العروس» خارجا من دارها في جماعة من أهله، ورأين ~~بضعة من الرجال عليهم سيما السراة من أهل الريف، في جلابيبهم الفضفاضة، ومعاطفهم السود، ~~يلوون ألسنتهم بالحديث في لهجة جديدة على أهل الحضر، وبينهم «أفندي» واحد يبدو من مظهره ~~ونظام لباسه أنه - وإن عاش في المدينة طويلا - ما يزال بعض أهله! # وقالت فتاة لأختها: أهو هذا؟ ~~- بل هو ذاك! # ولم يكن هذا ولا ذاك، ولكنه خرج بعد انفضاض الجمع يتوكأ على نفسه من ثقل وبدانة حشو ~~ثيابه الغالية، ويلوك بين شدقيه لسانا يتفقد بقايا الطعام بين أضراسه، ولم يخف ميل ~~طربوشه أثر الوشم في صدغه! # وقالت فتاة: أئنه لهو؟ # فأجابتها صاحبتها بابتسامة. # وبرق الماس في إصبعه، ورف الذهب من سلسلة ساعته؛ فقالت الفتاة: إنه لغني ...! # وكان الحفل الحاشد بعد أيام، فاجتمع فيه من مظاهر البذخ والغنى ما لم يتهيأ لسكان الحي ~~أن يشهدوا مثله منذ أعوام، وشهد صواحبها ما أرادت أن يشهدن ... فأقيمت المقاصف، ووزعت ~~الهدايا، ودقت الطبول، وعزفت الموسيقى، وتجاوبت ألحان المغنين والمغنيات بين فناء ~~البيت وأعلاه، وتناثرت نجوم الكهربا تنقل إلى الأرض بعض معاني السماء، وعبق أريج الزهر ~~يحمل إلى أهل الحياة أنفاس أهل الجنة ... وهي في مجلسها راضية ناعمة تطل من شرفتها على ~~الحفل وزينته فخورا مزهوة. # لقد كانت فرحة الزواج عندها أن تشهد لنفسها مثل هذا الحفل، وقد شهدته على أكمل ما ~~أبدعته في خيالها، وبلغت مأملها في الظهور على صواحبها بما يتقاصرن عنه من بذخ وإسراف. ~~أما الزوج، أما ms045 الرجل الذي سترتبط إليه ويرتبط إليها فلا فكاك مدى الحياة، أما رجل ~~أحلامها الذي أحبته زمانا من طول ما صحبها في الخيال؛ أما ذاك، فما عليها منه أن تظل ~~نائمة تحلم ما دامت قد انتقمت لكبريائها الجريح! # لم تفتش المسكينة عن الرجل الذي سعدت في الوهم بصحبته؛ وذاقت معه على البعد نعيم ~~الحياة؛ وتنورت من فكرها فيه عالم الحب ودنيا الجمال ... وراحت تفتش عما يرضي الناس ~~ويطلق ألسنتهم بالإعجاب ... لتنتقم ... وقد انتقمت ... # ثم كانت قصة زوج وزوجه، يا لها من قصة! وباعت المسكينة سعادة العمر، واشترت سعادة ليلة ~~...! # | أم بلا ولد! # كانت خديجة في الخامسة والعشرين من عمرها، أو لعلها قد جاوزتها، وإن كانت تبدو لمن ~~يراها أصغر من ذلك، فهي قد نالت إجازة التدريس منذ بضع سنين، فكم كانت سنها يومئذ ...؟ على ~~أن ذلك لم يكن يعنيها كثيرا، ولعلها لم تشغل نفسها يوما بحساب عمرها، وماذا يجدي ~~عليها ذلك وإنها لسعيدة بحياتها التي تحيا، فما لها فكر في غد ولا أمل يمتد إلى ما ~~وراء غد! # وهل يشغل نفسه بحساب عمره وما مضى من أيامه، إلا ذو أمل يعيش به من يومه في غده، أو ~~عاشق تتجاذبه لهفة الذكرى وخطرات المنى؟ # منذ بضع سنين لم تغير خديجة شيئا من نظام حياتها، فهي تغادر مدرستها كل يوم قبيل ~~العصر، بعد أن تودع تلميذاتها، لتلقاهم في صبيحة اليوم التالي أشوق ما تكون أم إلى ~~بنيها وبناتها! # وفيما بين مسائها وصباحها لم يكن لها من عمل إلا أن تأوي إلى غرفتها تقرأ في كتاب، أو ~~تشارك في عمل هين من أعمال البيت، أو تخرج لزيارة بعض جاراتها وصديقاتها؛ فإذا بدا لها ~~يوما أن تخرج إلى بعض الحدائق العامة للرياضة، أو تشاهد رواية جديدة في السينما، أو ~~تقصد إلى بعض المشاهد التي يؤمها الناس للتفرج؛ فلا بد لها يومئذ من رفيقات أو رفقاء من ~~تلاميذها الصغار في روضة الأطفال، يشاركونها في الرحلة والتفرج. # على أن هذا الحب العجيب الذي كانت تمنحه هؤلاء الصغار ms046 لم يكن بلا جزاء؛ فقد كان ~~تلاميذها يبادلونها حبا يفوق ما يمنحون آباءهم وأمهاتهم اللائي ولدنهم! # وما كانت خديجة هي المعلمة الوحيدة في روضة الأطفال، فإن سبع معلمات يحملن معها أعباء ~~العمل المدرسي، ولكنها هي وحدها - بهذه العواطف الأموية الصادقة - كانت في عيون أطفالها ~~هي المعلمة الوحيدة، لا جرم كانت خديجة بذلك أسعد زميلاتها وأكثرهن شعورا بمسرات ~~الحياة! # وغنيت خديجة بدنياها تلك عن المنى والأحلام، فما طوعت لنفسها أن تحلم أو تتمنى، ولا ~~هجس في قلبها أن وراء هذه الحياة التي تنعم بهدوئها حياة تتخايل في أوهام كل فتاة في ~~فنون وألوان! # وكان صباح، وجاءها ساعي البريد بخطاب ... # ونظرت الفتاة في غلافه قبل أن تفضه فأطالت النظر، وكأنما أحست وراءه عينين تنظران إليها ~~نظرة لم تفهم معناها ولا رأت مثلها لذي عينين، وقرأت على الغلاف «الآنسة خديجة» وحسب ~~... # من يكون صاحب هذا الخط ...؟ وترددت برهة، ثم همت أن تفضه لتعرف ما فيه، ولكنها لم تفعل، ~~لقد خيل إليها أن أربع عشرة عينا تنظر إليها لتعرف قبلها ما في هذا الخطاب، إن ~~زميلاتها في المدرسة على مقربة ...! وتصنعت عدم المبالاة ووضعت الرسالة في حقيبتها وما ~~قرأتها ... # ولأول مرة أحست خديجة أنها في حاجة إلى أن تبتعد عن أطفالها لتخلو إلى نفسها برهة؛ وكما ~~تحاول الأم أحيانا أن يبعد عنها أطفالها وهم أحب إلى قلبها لتخفي عنهم بعض أسرار ~~الأمومة، كذلك فعلت خديجة ... # وأوت إلى ركن قصي تقرأ رسالتها: # عزيزتي خديجة! # ترى هل تذكرين؟ أو تعرفين ...؟ # إن أياما لا أتمتع فيها بمرآك ليست من الحياة، إن هذا القدر الذي أبعدني عنك ~~إلى حين قد صدع صدعا في أيامي! # وفجأني الفراق بين غفوة الأمل وصحوة الحلم، فلم أودعك يا عزيزتي، ولم أتحدث ~~إليك، وسافرت وما تدرين ... # ترى بماذا تحدثك نفسك الآن يا عزيزتي ...؟ ليتني قريب منك، فأرى، وأسمع، وأعلم ~~... بل إنني لأعلم علم قلبي وإن لم تحدثيني ... وستعرفين عذري، وتغفرين لي ... ~~وسنلتقي من بعد يا عزيزتي فأحدثك وتحدثينني، وأضحك وتضحكين معي حين نتذكر ms047 هذا ~~الحاضر بعد أن تطويه الأيام في مدرجة الماضي ... # ولست أغفر لنفسي، ولكنك ستغفرين لي، ويوم يجمعنا القدر الذي فرق بيننا يا ~~عزيزتي ويعود ما كان ... وأراك ... ويعود الربيع النضر طلقا ضاحكا يتهلل ... يومئذ ~~أقول لك ... لا، لست قائلها اليوم، ولن أقولها غدا، سأجعلها رسالة على فم طفل ~~صغير يلثغ بها همسا في أذنك، فتضحكين، وأضحك، ويضحك الطفل الصغير كأمه وأبيه ~~وإن لم يعرف لماذا يضحكان ...! # كيف أنت الآن يا عزيزتي؟ هل رضيت وسري عنك؟ إن كان كذلك فاكتبي إلي ~~لتهدأ نفسي ... # مضى يومان وأنا في هذا المنأى البعيد كأنهما ليل مطبق ليس وراءه نهار، فكيف ~~تمضي الثلاثون؟ # ارقبي مطلع الهلال يا عزيزتي فإني أرقبه كل مساء لأعرف متى يحين اللقاء! ~~وأترك قلبي لديك وديعة إلى معاد! # محبك: كامل # كانت أناملها باردة كالثلج، وكانت شفتها تختلج، وكانت الصحيفة مبسوطة تحت عينيها ولا ~~تكاد ترى، وأحست فجأة، وقد بلغت آخر الرسالة، مثل إحساس من يهبط من علو شاهق مغمض ~~العينين إلى واد من أودية الجنة كان مخبوءا عن عينيه، فلما وطئته رجلاه فتح فرأى ~~... # وعادت تقرأ الرسالة ثانية وثالثة، وكل مرة تجد لها فكرا وتوقظ معنى، ثم طوت الكتاب ~~برفق وأودعته غلافه، وراحت تفكر ... وسألت: «ترى من هو؟ وأين هو؟ ومتى رآني؟ وأين ~~...؟» # وتوزعتها الصور والأوهام، وراحت تكد خاطرها لتذكر، وتعاقبت على مخيلتها صور ورسوم، ~~ولكنها لم تعرف ... يا لها حيرة! # فتى يبلغ حبها من نفسه هذا المبلغ، فيكتم هواه عنها وعن الناس، ويقنع منها بالنظر على ~~مبعدة وهي لا تدري، ويطوي جوانحه على ألم الحب، وبرحاء الوجد، وشقة النوى، وهي لا تعرف ~~من أمره، ولا تسمع من خبره، ولا تحس وقع نظرته، حتى إذا أبعدته بعض شئون الحياة عن ~~طريقها، وحيل بينه وبين أن يراها، غلبه الهوى على الكتمان فباح بحبه وأمانيه في رسالة. ~~أي فتى ذاك؟ وأين مثله في الشباب؟ يا له من رجل! # وأحست الفتاة بعد فترة أنها قد غابت كثيرا عن أطفالها، فأصلحت شأنها وعادت إليهم، ولكن ms048 ~~خديجة التي فارقتهم غير خديجة التي عادت ... ~~... ودق الجرس، وقامت خديجة لتودع أطفالها وتمضي لشأنها، ولكن أين تذهب اليوم؟ # وأخرجت الرسالة من حقيبتها وعادت تقرأ: «عزيزتي خديجة ...!» # إنه يعرف اسمها، على حين لم تكن تعرف اسمه ولا تحس وجوده، بلى، وإنها إلى الساعة لا ~~تعرف من اسمه إلا الكلمة الواحدة التي جعلها في ذيل كتابه، وكم مرة رآها، وأتبعها عينيه، ~~واستمع إليها تحدث صواحبها في الطريق، وهي لا تدري ... # وعادت تقرأ: «وفجأني الفراق وأنا بين غفوة الأمل وصحوة الحلم، فلم أودعك يا عزيزتي، ~~ولم أتحدث إليك ... وسافرت وما تدرين ...!» # وخفق قلبها، وأحست مثل إحساس المفارق حيل بينه وبين الكلمة الأخيرة، وعضت على شفتيها، ~~واستمرت تقرأ وفي قلبها وجيب، وفي دمها سعار يتلهب! # وجلست خديجة في الشرفة في المساء ترقب مطلع الهلال وتحصي ما بقي من ليالي ~~البعاد! # تغيرت حياة خديجة بعد ذلك اليوم، فكأنما هي تعيش في دنيا غير الدنيا التي عرفتها منذ ~~كانت، وتضاعف إحساسها بالحياة منذ عرفت أن وراء اليوم غدا، ورأت في عيون أولئك الصغار ~~الذين تعيش معهم نصف أيامها معاني جديدة لم ترها في عيونهم من قبل؛ إذ كملت في نفسها ~~معاني الأمومة حين بزغ في قلبها الحب. وعمرت لياليها بالأحلام ...! # ولمحت طفلا يهمس في أذن رفيقه، فاشتاقت أن تسمع رسالة على فم طفل صغير يلثغ بها همسا ~~في أذنها فتضحك ويضحك شخص ثان ...! # ووسع خيالها ما لم يكن يسع! # وتعاقبت الأيام، والأحلام تطاولها وتمد لها ... # ولما خلت إلى نفسها في غرفتها بعد أسبوعين من تلك الرسالة، اعترفت لنفسها بصوت مسموع ~~أنها تحبه، وأنها تكاد تعرفه لو رأته ... بل إنها لتعرفه يقينا لا شبهة فيه ... هكذا زعمت ~~وهي خالية إلى نفسها تحدثها! # وارتسمت في خيالها صورة كاملة للرجل الذي جاءتها رسالته ولم تره قط، ورسمت لنفسها صورة ~~أخرى من خيالها يوم تراه فتعاتبه ثم تصفح عنه! # وبقي يومان على مطلع الهلال ... # وكانت واقفة في الشرفة تستروح روح الربيع، حين سمعت رنين الجرس ... وكن ثلاثا من ~~صديقاتها ms049 ، وجلسن وجلست معهن في غرفة الاستقبال. ومضى الحديث يتنقل من فن إلى فن إلى ~~فنون. # وقالت واحدة لجارتها: «متى زفاف أخيك؟» # قالت: «لقد أذكرتني أمرا ... فإن رسالة جاءتني منه منذ قريب يشكو إلي خطيبته، فقد كتب ~~إليها كتابا غداة سفره فلم تجبه حتى اليوم، وذهبت أزورها أمس، فإذا هي غضبانة كذلك، ~~تشكو إلي أنه لم يكتب لها منذ سفره! أفرأيت ...؟» # وضحكت، وضحك صواحبها، واعتدلت خديجة في مجلسها وقد رفت على شفتيها ابتسامة راضية؛ ~~إنها وصاحبها لأسعد حالا، فليس بينهما مغاضبة ولا عتاب، أم تراه يغضب لأنها لم تجبه ~~على رسالته؟ ولكنها لا تعرف أين تكتب إليه، بل إنها لا تعرف تمام اسمه! فماذا عليها إن ~~لم تجبه؟ # وهجس في نفسها هاجس حين بلغت من الحديث إلى نفسها هذا المبلغ ... إنها لا تعرف مكانه، ~~ولا اسمه، حتى ولا صورته ... # وعادت تسأل نفسها: أصحيح أنها وصاحبها أسعد حالا؟ # كانت خديجة منصرفة عن صواحبها تتحدث إلى نفسها هذا الحديث، وإن الحديث بين صواحبها لم ~~يزل يدور في شأن العروسين المتغاضبين، وقالت واحدة: «وتحسبين أخاك صادقا حين يزعم أنه ~~كتب إليها، أم ترينه بما يزعمه يحاول أن يعتذر ...؟» # قالت: «بل أراه صادقا، وما أراها كاذبة حين تزعم أنها لم تتسلم رسالة منه، فما أكثر ~~ما يغلط بعض سعاة البريد أو يتعمدون الغلط ... حين يفوح من بعض الرسائل عطر الحب أو ~~عطر المال ...!» # وضحكت ثم أردفت: «وأحسب خديجة قد اقتنعت ببعض ما قلت فوعدتني أن تكتب ~~إليه!» # وفاءت خديجة إلى نفسها حين جاء اسمها في عرض الحديث، فقالت معجلة: «ماذا؟» # قالت صاحبتها ضاحكة: «أين كنت ...؟ آه، لقد نسيت أن أخبرك أن خطيبة أخي «كامل» اسمها ~~خديجة أيضا، كاسمك ... فلعلنا منذ اليوم في حاجة إلى أن نقول: خديجة الأولى، وخديجة ~~الثانية؛ كما يتعاقب الملوك في الدولة على اسم مشترك!» # وضحكت ثانية، وضحك صواحبها كما ضحكت، وانفرجت شفتا خديجة عن شيء يشبه الابتسام، ولكنهما ~~ظلتا منفرجتين، وزاغت عيناها ودارت بها أرض المكان، ثم استمسكت ... وأطبقت شفتيها على ms050 ~~السر ...! # ووضحت الحقيقة كاملة لعين الفتاة وعرفت، واستيقظت من الحلم الرائع الذي عاشت منه عمرا ~~سعيدا في أيام ... # وانصرف صواحبها، ونهضت متثاقلة إلى غرفتها لتفتح حقيبتها فتخرج الرسالة التي ضلت ~~طريقها إلى صاحبتها لتضل هي بها ... ونظرت إليها نظرة حزينة منكسرة ثم دفعتها إلى ~~النار وتهاوت على مقعدها خائرة! ~~... وصفا ما بين الحبيبين وفاء قلباهما إلى الرضا، وتحطم قلب ثالث ... # وكانت خديجة في بعض الطريق ذات مساء، حين أبصرتهما يمشيان ذراعا إلى ذراع، فأتبعتهما ~~عينيها في ألم ولهفة، ثم دارت على عقبيها ورجعت من حيث أتت. # وعادت إلى أطفالها الذين كانوا؛ تلتمس بينهم العزاء والسلوى، فما وجدت أطفالها ولكن ~~أطفال الناس. # واستنجدت أمومتها، فإذا أمومتها التي كانت عدتها من قبل في تأليف هؤلاء الصغار هي ~~أمومة الأثر الغيران الذي يتشهى ولا يجد، ويرجو ولا يرى سبيلا إلى تحقيق ~~الرجاء. # ونظرت فإذا طفل يهمس في أذن رفيقه، فابتسمت، ثم قطبت، ثم مدت يدها إليهما ~~بالعصا! # وهم طفل أن يناديها فأخطأ النداء ونطق على عادته: ماما! فلوت وجهها لتخفي عن ~~أطفالها دمعة! # وأحس الصغار إحساس الطفولة الملهمة، فداروا بها يسألونها عما بها محزونين وفي كل عين ~~دمعة! # ونظرت ثانية فابتسمت وسري عنها، ثم ضمت أطفالها إلى صدرها وهي تتمتم: «لا علي يا ~~أحبائي ما دمتم معي؛ أنتم بني وبناتي، وأنا لكم أم، أم بلا ولد!» # | ثمن المجد # لم يكن من طبيعتها الزهو والمباهاة، ولكنها تشعر الليلة بين لداتها وصواحبها أنها قد ~~بلغت مرتبة من حقها أن تزهى بها وتفتخر، إنها الليلة خطيبة «سامي»، وهذا خاتم الخطبة في ~~إصبعها يزهو ويتألق شعاعه، وأي صواحبها لم تعرف سامي أو تسمع به، وإنه من الشهرة وذيوع ~~الصيت حديث كل فتى ونجوى كل فتاة. # وراحت «رشيدة» تخطر بين رفيقاتها تتقبل التهاني وتوزع الابتسامات مغتبطة سعيدة، لا ~~تكاد تستقر على مقعد من خفة الفرح ونشوة المسرة ... ~~... ثم انفض السامر وخلت رشيدة إلى نفسها تحلم بما كان وبما سيكون وتتهيأ لليوم السعيد ~~المنتظر. # فتى في ربيع العمر، لم ms051 يفتنه الشباب ولم يبطره الغنى، تطلع إلى أمل بعيد فمضى يشق ~~الطريق إليه في عزم وقوة، وبلغ، وبرز اسمه في الطليعة من أدباء الجيل ولم يزل في أول ~~الطريق، وذاع اسمه كما ينفذ شعاع الصبح فتكتحل كل عين من نوره ويصحو كل نعسان، وشدت ~~القماري بأغانيه في الرياض، وهتفت به العذارى في خلواتهن، وتغنى الفتيان ... # ودق الجرس ذات مساء في دار رشيدة وجاء سامي يخطبها ... وتوافد لداتها وصواحبها يهنئنها ~~ويتمنين لها الأماني ... # وراحت تتخيل نفسها إلى جانبه يمشيان ذراعا إلى ذراع تحدثه ويصغي إليها والناس تهتف ~~باسمها واسمه، والعيون تتبعهما حيث يتنقلان من روض إلى روض في طريق مفروش بالزهر، ~~والأصابع تشير إليهما في همس ... # ولذها الحلم السعيد فطارت بغير جناح تحلق في أودية المنى سكرى. # وتتابعت على عينيها صور، وأفاقت من سكرتها مذعورة لصورة عرضت، وتخيلته في بعض ~~لياليه يحف به فتيات يسألنه فيجيب، وفي عيونهن معان وفي عينيه مثلها؛ وهل يمكن أن ~~تخلو حياة فنان نابه من مثل ذلك؟ هكذا سألت نفسها فلذعتها الغيرة وما رأت بعينين ولا ~~سمعت بأذنين، ومضت تسائل نفسها: أتراه - وهو من هو - لم يفتح قلبه لفتاة قبلها ولن ~~يفتحه؟ فكيف؟ ومن أين لها وإن اسمه لحديث على الشفاه ونجوى في القلوب ...؟ أم تراه يفي ~~لها ويخلص لها الحب فلا يغلبها على قلبه أحد ...؟! # وابيضت ذؤابة الليل وما تزال أحلام اليقظة تراوح بين جنبيها في الفراش! # ومضت ليال، وأنست رشيدة إلى فتاها وأنس بها، وتتابع اللقاء بينهما في الحلم حينا ~~وفي اليقظة، وتكاشفا نفسا لنفس، فاطمأنت وزال ما كان يساورها من هم، واسترسلت في ~~أحلام السعادة وأوهام المجد، وهي تحصي ما بقي من أيامها حتى يكون لها. # وجاء اليوم الموعود وزفت رشيدة إلى سامي ... ~~«يا هناها!» # تلك كانت أغنية كل صواحبها، أتراها كانت تستمع إليهن مغنيات؟ # أما هو فكان من شأنه في شغل عما يتحدث به الناس. لقد وجد الاستقرار والراحة منذ وجد ~~رشيدة، فانصرف إلى غايته دائبا لا يشغله من شئون الحياة والأحياء ms052 إلا فنه والأمل الذي ~~يتطلع إليه من بعيد. # وأما هي فأين ...؟ أين أحلامها التي كانت تداعبها في اليقظة وتلم بها في المنام؟ # هذا عام مضى منذ دخل سامي في حياتها وشاركته في داره، فماذا تحقق من أمانيها وماذا بقي؟ ~~وماذا يجدي عليها صيته ومجده وشهرته وإنها لحبيسة الدار لا تتحدث إلى أحد ولا يتحدث ~~إليها أحد، وزوجها الذي خلق لها دنيا عريضة من الأوهام والأماني حبيس في غرفته مكب ~~على أوراقه ودفاتره؟ # هذه الصحف التي تتحدث عنه، وهذه الكتب التي تصدر باسمه، وتلك الجماعات التي تقوم ~~لمذهبه وتدعو دعوته ... كل هذه وهم وخداع وتلبيس على الحقيقة. لقد حسبت يوما أنها ~~ستكون أسعد زوجة فيمن تعرف من صواحبها؛ لأن هذه الأوهام المكتوبة كانت تخيل لها ~~وتخدعها عن الحقيقة. أما اليوم فوا أسفا! لقد عرفت ما كانت تنكر، وأدركت ماذا تدفع من ~~هناءتها الزوجية ثمنا لذلك المجد الذي كان يتخايل لعينيها شعاعه! # إنه ليحبها وإنها ... ماذا؟ نعم، لقد كانت تحبه يوما، ما في ذلك شك؛ أما اليوم ... آه! ~~ليتها تستطيع أن تقول ...! بل ليتها تستطيع أن تعرف ...! # إنها لتحس في بعض الأحايين أنها تكرهه، شوقا إليه ... ما أعجب هذا الإحساس الذي يطرأ ~~عليها حينا بعد حين فإذا هي منه في غمرة من الشك والقلق لا تدري معها أهي تحبه أم تبغضه ~~...! # ليتها تستطيع أن تعرف ما الحب وما البغض! أهما معنيان متناقضان أم اسمان لمعنى ~~...؟ # وليتها تعرف ما الحقيقة! أهي شيء واحد أم شيئان، ولون واحد أم ألوان؟ # إنه هو هو، وإنها هي هي؛ لم يتغير شيء منها ولم يتغير شيء منه، ولم يزل هو كل شيء في ~~حياتها ولم تزل؛ فما بال تلك الأشياء التي كانت تحببه إليها يوما هي هي التي تبغضه ~~إليها اليوم؟ # إن الباطل الصراح أحب إلى النفس من الحقيقة المتلونة! # واحتوشتها الأفكار فلم تعرف ماذا تأخذ منها وماذا تدع، فأطرقت وأرسلت عينيها؛ وكان ~~سامي في غرفته يكتب قصة الشاعر الذي يهتف منذ الدهر القديم: # تمنيت من حبي ms053 «علية» أننا # على رمث في البحر ليس لنا وفر # على دائم لا يعبر الفلك موجه # ومن دوننا الأهوال واللجج الخضر # فنقضي هم النفس في غير رقبة # ويغرق من نخشى نميمته البحر! # وكانت «علية» - فيما كتب سامي من قصتها وقصة صاحبها الشاعر - تشارك صاحبها في أمنيته، ~~فهي ترجو أن يلتقيا منفردين على فلك في البحر المائج، ليس معهما وفر من مال أو من زاد، ~~ليقضيا هم النفس بعيدين عن أعين الرقباء والسعاة بالنميمة ... والتقى العاشقان على ما ~~تمنيا، منفردين على رمث في البحر ليس لهما وفر، فلما حال الموج بينهما وبين الناس، ~~وأحسا حاجة الحي إلى أسباب الحياة، أنشدت «علية» صاحبها شعرا من شعرها تتمنى فيه لو ~~ضمها وحبيبها قصر، وأظلتهما الخمائل الخضر، وكان لها وله وفر، ولا عليها بعد ذلك أن ~~يبغتهما الرقباء أو يسعى بهما سعاة الشر ...! ~~... وفرغ سامي من قصته بعد هدأة من الليل، فبسط أوراقه تحت عينيه والمصباح وراح يقرأ، ~~وأعجبه ما صنع، فهتف: «رشيدة، تعالي اسمعي!» # وماذا يجدي عليه رضا الناس إذا لم ترض رشيدة؟ ولكن رشيدة كانت مطوية على نفسها في ~~الفراش تبكي، ودنا منها، فجففت دموعها واعتلت؛ وجلس على حافة الفراش محزونا أسوان ~~يسألها عن علتها، وما كانت علتها شيئا غيره. # وطوى أوراقه صامتا، وأوى إلى الفراش منكسرا ذليلا، وأصبح كما يصبح كل يوم، وكما ~~أمسى، وأصبحت كما أمست! # وجاءتها صديقتها «سعاد» لزيارتها، وما زارتها في بيت زوجها قط، وخلت رشيدة إلى صديقة ~~صباها تحدثها وتستمع إليها، وخلا سامي إلى نفسه يعمل ... # وقالت سعاد: «وإني لأسمع عنك وأعرف، فيسرني هناؤك، وإنك لحقيقة بما نلت من السعادة ~~بزوجك!» # وابتسمت رشيدة وسكتت. # ونهضت الزائرة فشيعتها صديقتها على ميعاد. # وذهبت رشيدة لترد الزيارة لصاحبتها، ولقيتها سعاد في غلائل وشفوف وجلوة عروس، وأحسنت ~~استقبالها، ثم ودعتها لحظة لتخرج إلى زوجها فتسر إليه حديثا، وعادت، وأحست رشيدة ~~أن صديقتها في شغل، فأوجزت، وسألتها: «أرجو ألا يكون في زيارتي ما يشغلك عن ~~شيء!» # فابتسمت سعاد وأجابت: «ليس شيئا ذا بال ms054 ؛ كنا على أن نشهد معا رواية جديدة في ~~السينما، فطلبت إليه أن يذهب وحده إذا أراد؛ لقد كنت في السينما أمس، وأمس الأول ~~...!» # وغمغمت رشيدة بكلام لا يبين، ثم أطرقت. أتراها كانت تحدث نفسها أم تحدث مضيفتها؟ ~~وماذا كان في نفسها من حديث؟ # وخففت فنهضت وفي قلبها حسرة، وفي صدرها غيرة، وفي رأسها فكر! # وقالت سعاد لزوجها وقد ذهبت رشيدة: «هي زوجة سامي!» # واستطردت فخورا: «إنها صديقتي منذ الطفولة. ألست تعرف سامي ...؟ قل لي: لماذا لا تحاول ~~أنت شيئا مما يحاوله؟ لقد بلغ مبلغا بعيدا، إن له جاها وشفاعة ... إنني ورشيدة ~~صديقتان، لم نفترق منذ كنا، حتى تزوجت، وخطبها على غفلة ...!» ~~... وأدارت رشيدة مفتاح المذياع وجلست مرتفقة إليه تنتظر دقة الساعة. إن زوجها هناك، ~~وستستمع إلى حديثه بعد لحظات، وما بها شوق إلى أن تستمع إليه، لولا أن صوته في المذياع ~~يردها لحظات إلى ماضيها، أيام كانت في بيت أبيها مسماة عليه، تلك أيام خلت، وكان ~~صوته في تلك الأيام يلذها ويبعث فيها نشوة ... أوه! أين هذه اليقظة من ذلك الحلم؟ ~~أكتب عليها ألا ترى السعادة إلا طيفا في المنام أو حلما في اليقظة! # وتسرحت رشيدة في أوهامها وأحلامها؛ وذكرت ماضيها وحاضرها؛ وتسلسلت خواطرها حلقة بعد ~~حلقة، بعضها ذكريات وبعضها أماني، وتكاثفت أمام عينيها ضبابة دكناء، وتراءى لها من خلل ~~الضبابة أشباح وصور، ورأت نفسها جالسة إلى سامي يحدثها وتحدثه ... وكأنما أحس سامي من ~~رشيدة فتورا وانقباضا فأهمه ما أحس، وراح يحاول أن يصلح ما بينه وبينها، وعطف عليها ~~يسألها في رقة عما بها، وانفجرت رشيدة غاضبة باكية، وكشفت الحجاب، ونفضت عليه ما تكظم من ~~الغيظ منذ عام، وطأطأ رأسه يوازن ويقدر ويحكم، وبدت له الحقيقة سافرة وانكشف غطاؤها، ~~وآثرها بالرضا فألقى إليها معاذيره. # وتغير سامي منذ اليوم، فأغلق دار كتبه وأقبل على زوجته، وفي المساء كانا يمشيان ~~ذراعا إلى ذراع في الطريق. # وصحبها إلى السينما، وسهرا معا ليالي في الأوبرا، وتعشيا ذات مساء في مطعم، وراقصها ~~على نغمات الموسيقى ms055 في الحديقة العامة، وعاد معها إلى الدار ذات ليلة مخمورا قبيل ~~الصباح! # ولم تنكر رشيدة من أمر صاحبها شيئا، ولم ينكر سامي شيئا من أمر نفسه، وعرف منذ ~~الليلة التي هجر فيها دار كتبه أن في الحياة ألوانا من المسرات لم يذقها بعد وقد أوشك ~~أن ينتهي شبابه، فاشتهى وتمنى. وفاءت رشيدة إلى الرضا بعد نفار وسرتها حياتها الجديدة، ~~فمضت تطلب المزيد ... ~~... ورأته يمشي إلى جانبها على ضفاف النيل ذات صباح، حين اعترض سبيلهما سرب من الفتيات، ~~وقالت إحداهن وأومأت إلى سامي: أئنه لهو! فأحنى رأسه مبتسما وأتبعها عينيه، ورفعت رشيدة ~~رأسها مزهوة، ثم عبست غيرى مرتابة! # ولم تجد رشيدة من نفسها في المساء رغبة في الخروج؛ فخلفها في الدار ومضى وحده، وأشرق ~~الصبح قبل أن يعود، وهمت رشيدة أن تتكلم فتركها وما تحدث به نفسها ومضى إلى فراشه ~~... # وعرف داره من لم يكن يعرف من المعجبين والمعجبات، فكثر زائروه وزائراته، وراح يقتضي ~~الناس ثمن إعجابهم بفنه لذائذ وشهوات! # وتدحرجت الكرة على المنحدر المائل، واستمرت تهوي ... وصار أبغض شيء إلى سامي أن يجلس إلى ~~كتاب أو يتناول قلما ساعة من ساعات الليل أو من ساعات النهار! ~~... ورأت رشيدة صديقتها سعاد تسألها ذات يوم: «أين سامي؟ منذ بعيد لم نسمع منه أو نقرأ له ~~...!» # وابتسمت رشيدة وسكتت، كشأنها في يوم مضى، ثم أطرقت وعضت على شفتها تحاول أن تحبس زفرة ~~... ونهضت الزائرة، وخلت رشيدة إلى نفسها تبكي، وخيلت لها أمانيها أنه هناك، في غرفته، ~~يقرأ أو يكتب، وأنه يوشك أن يفرغ من موضوعه فيهتف بها: «رشيدة، تعالي اسمعي ...!» كما كان ~~في ليلة منذ ليال، ولكنه لم يفعل؛ لأنه لم يكن هناك ... # وانحدرت على خدها الدمعة التي حبستها طويلا، فانقشعت عن عينيها الضبابة الدكناء، ~~وتلاشت الأشباح والصور التي تتابعت على عينيها برهة من خلل الدموع كأنها صور من الحياة ~~الناطقة، ورنت في أذنيها دقات الساعة: تن. تن. واستيقظت، وكانت لم تزل مرتفقة إلى ~~المذياع تنتظر أن تسمع صوته ... ليردها لحظات إلى ماضيها ms056 ... # ورن صوته في مسمعيها آتيا من بعيد، كأنما يخترق الزمان والمكان في وقت معا، وسمعت ~~صوتا نديا رطبا يتحدث في وداعة ولين كأن بينه وبين كل قلب وترا يهتز ... ولم يكن ~~يتحدث إليها وحدها، ولكنها وجدت برد حديثه على قلبها كأنما يتحدث إليها في خلوة، وإنه ~~مع ذلك لبعيد بعيد لا تناله اليد ولا يمتد إليه النظر، ودمعت عيناها دمعة أخرى وهتفت ~~فرحانة: «يا سامي، عد إلي!» # وكأنما استمع سامي إلى ندائها على البعد البعيد، فرنت كلماته في أذنيها كأنها جواب ~~النداء حين قال في ختام حديثه: إلى اللقاء! # والتقيا ... # | عودة الماضي # خلت «هدى» إلى نفسها تتدبر أمرها وتزن ماضيها وحاضرها. كانت تشعر أنها قادمة على أمر ~~ذي بال، وأنها الساعة في مرحلة بين مرحلتين من حياتها، وثمة طريقان عليها أن تختار ~~أيهما تسلك، فإما إلى سعادة تنسيها الماضي بما فيه من لذة ونشوة وسحر، وإما ... # ولكنها لا تعرف السعادة إلا ما كانت فيه من قبل، فما هذا الجديد الذي يحاول أهلها أن ~~يزينوه لها ويحملوها عليه؟ # الزواج، والبيت، والأسرة! # ما أجمل هذه الأسماء وألطف موقعها من قلب كل فتاة! ولكن ما بال هدى تحس حين تسمعها ~~الساعة كأنما تخزها وخز السنان، فما تطرق أذنها إلا فارغة من معناها أو معدولا بها ~~عنه، فليس لها في نفسها إلا معاني القلق والوحشة والحرمان! # أتراها وقد بلغت هذه السن لم تفكر في الزواج والبيت والأسرة قبل اليوم؟ بلى، ولكن ... ~~لو أن أحدا غير أبيها وأمها ألقى إليها هذه الكلمات من قبل لكان لها معنى حقيق بأن ~~يسرها ويملأها سعادة ومرحا؛ أعني لو أنه هو ... ولكن، أين هو؟ وهل يدري ...؟ # وطارت خواطرها سريعة إلى «ماجد»، وتمثلته جالسا مجلسه ينتظرها لموعدهما الذي طالما ~~التقيا فيه منذ سنوات ... يتلفت ويمد عينيه يتنورها قادمة من بعيد، فيلقاها مبتسما ~~ويبسط لها يمينه! # آه! ماذا تراه يفعل حين يبلغه النبأ فيعرف أن هدى لن توافيه لموعده منذ اليوم، ولن ~~تلقاه، ولن يراها؛ لأن حياة جديدة قد باعدت بينهما ms057 فلا سبيل إلى اللقاء؟ # ورانت على عينيها غشاوة من الدمع، وتدحرجت على خدها عبرة، وانمحى خياله من خيالها، ~~ورأته - كما نظرته في مرآة نفسها - عابسا مقطبا، في جبينه ذلة المخذول، وفي عينيه ذبول ~~السهر ولهفة الحرمان! # وغلبتها نفسها فأرسلت عينيها وأطرقت وأصابعها تعبث بمنديل في يدها قد بللته ~~الدموع! # ورن جرس المسرة، فهبت واقفة كأنها من رنين الجرس على ميعاد، ثم ذكرت موقفها هذا ~~الجديد، فقمعت في صدرها رغبة تختلج وعادت إلى مجلسها. لا ينبغي أن يسمع ماجد صوتها في ~~المسرة بعد اليوم! # لم يحسب ماجد وهدى حسابا لهذا اليوم من قبل، ولم يدر في خاطر واحد منهما لحظة أن ~~هذه الساعة آتية. لقد كانا من الحب في سكرة ذاهلة لا تدع لهما سبيلا إلى الفكر والتدبير ~~وتوقع ما لم يقع بعد ... وفجأة تغير الموقف وكان ما لا بد أن يكون، وطرق الباب طارق ~~مجهول يطلب يد هدى ... ~~... وسأل أبوها وتقصى أمره، فرضيه لفتاته، ولكنه تلبث حتى يسمع رأيها، وسألها فلم ~~تجب، وفزعت إلى خلوتها تتدبر أمرها وتزن ماضيها وحاضرها وتبكي ... # أكانت تبكي حبا لماجد أم شفقة عليه؟ من يدري؟ ولكنها ظلت تبكي، وماذا تملك أن تفعل ~~غير البكاء؟ # أتراه قد عرف؟ يا ليت ...! إنه هو وحده الذي يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة غير البكاء! لو ~~أنه جاء الساعة يطلب يدها، إذن لاستطاعت أن يكون لها رأي، وأن يكون لرأيها اعتبار ومكان ~~...! # ولكنه جالس مجلسه هناك، ينتظرها لموعدها، فمن له بأن يعرف؟ من له بأنه لن يرى هدى بعد، ~~ولن تراه؟ ~~... أتراه لو عرف يسرع إلى بابها فيزحم هذا الخاطب المجهول بما له من سابقة وصلة ~~قريبة، فماذا منعه من ذلك قبلا لو كان يريد؟ ~~... ومضت أيام قبل أن تعلن هدى رأيها إلى أبيها، لقد حاولت في هذه الأيام أشياء كثيرة ~~لتشعر فتاها من بعيد بما تريد أن يفعله، ولكن محاولاتها جميعا قد باءت بالخيبة ولم ~~تستطع أن تحمله على ما أرادت. ليتها تعرف أكان ذلك منه غباء أم تغابيا ms058 ! # ولم تجد الفتاة سبيلا إلى الخلاص بعد، فرضيت! # لم تكن هدى من الغفلة بحيث تجهل أنها مقبلة على عهد جديد ليس بينه وبين ماضيها سبب، وأن ~~ذلك الماضي بما فيه من أماني وذكريات قد ذهب إلى غير رجعة، فإن هي لم تستطع أن تنزع من ~~نفسها كل ما يربطها به فقد ضلت وأثمت وبذلت ما لا تملك لمن لا يملك؛ فراحت من أول يوم ~~تحاول أن تدفن ذلك الماضي في أعمق أغوار النسيان، فلا تدع سبيلا يذكرها به إلا أبعدته ~~وعفت آثاره، فلا رسالة، ولا صورة، ولا جريدة فيها شيء عن معناه أو معنى يتصل به إلا ~~أحرقتها وأذرت رمادها، وحتى المخدع الذي كان طيفه يلم بها حين تأوي إليه في الليالي ~~الطويلة الساهدة لم تدعه في موضعه، والصورة التي تصورتها يوما لتهديها إليه حين يطلبها ~~- ولم يطلبها - لم تبق عليها، والمسرة التي طالما تحدث فيها إليها وتحدثت إليه في غفلة ~~من أهلها وأهله، لم تحاول أن تمسك سماعتها من بعد مرة واحدة لتنادي أحدا أو تجيب نداء ~~... # ولكن هدى مع كل ما فعلت وما غيرت من نظام حياتها كانت من أوهامها ووساوسها على حذر ~~ورقبة، تخشى يوما يستيقظ فيه ذلك الشبح الراقد في قلبها فيفسد عليها حياتها ~~ويزلها! # وتركت ما كانت فيه من أسباب اللهو ومتاع الشباب إلى الصلاة والعبادة، لعل الله أن يجدد ~~لها السعادة ويهب لها السلوان ويمنحها الستر والتصون. وجلست في مصلاها ورفعت يديها ~~ضارعتين إلى الله تدعو: «يا رب! هذه طاقتي فيما أملك فجنبني الإثم والخطأ فيما لا ~~أملك!» # ولما حدد يوم العرس بعد أيام، رجت أباها وخطيبها أن ينسآ الأجل؛ إذ كانت تريد ألا ~~تذهب إلى زوجها إلا فارغة القلب له، مغسولة الصفحة من ذكريات الماضي جميعا! # وجلست هدى إلى خطيبها وجلس إليها، ورأت فتى يستحق الحب لو أنها تملك أن تحبه، فمنحته ~~الاحترام والطاعة! # وكثر لقاؤها خطيبها، وطالت مجالسهما وطابت. وخلا إليها ذات مساء يحدثها وتحدثه، ومضى ~~الحديث فنونا، وكشف لها عن صدره ms059 ووضع بين يديها أمانيه، ونظر إليها بعينين صافيتين ~~فيهما طهر وبراءة، ونظرت إليه فأغضت من حياء، ونهضت معتذرة فأوت إلى مخدعها تبكي! # أرأيت دموع الندم في عيني فتاة قط ...؟! # لكأنما كانت تحاول أن تغسل بالدموع ذلك السر الذي أطل عليه من عينيها حين نظرت ونظر، ~~فلم ترقأ دمعتها ليلتئذ! # ولما جلست إليه في الزورة التالية بعد أيام، حاولت أن تقول شيئا ثم أمسكت ... لقد خيل ~~إلى المسكينة أنها تستطيع أن تتخفف من وقر ذلك الماضي الذي تثقل ذكراه على ضميرها لو ~~باحت به بين يديه، ولكنها لم تقدر، فسكتت على ألم! ~~... وراحت الأيام تدنيهما قلبا إلى قلب، وروحا إلى روح، حتى صفا الود بينهما، وتراءيا ~~نفسا لنفس، وكشفت لها الأيام منه كنزا من الإخلاص والوفاء والرجولة، فمنحته الإعجاب ~~إلى ما كانت تمنحه من الاحترام والطاعة! # وأخذ الماضي يتلاشى من خيالها، ويستتر في حجاب وراء حجاب من فضائل خطيبها، حتى نسيت، ~~فلم يعد شيء من ذلك الماضي يلم بها أو يخطر لها على قلب، وأنست إلى حاضرها وسعدت ~~به! # وصحبت زوجها إلى داره، والتقيا روحا وجسدا وعاطفة، وثابت نفسها إلى الاطمئنان والرضا، ~~فراحت تبذل لزوجها ما تستطيع أن تبذل، وراح زوجها يبذل لها؛ ورفرف طائر السعادة على ~~عشهما يغرد ألحانه. ومضى عام وصار الاثنان ثلاثة، واجتمع شمل الأسرة السعيدة على ~~الوفاء والحب والإيثار؛ وكما يشرق الصبح في أعقاب ليل داج فيغسل ظلماته بفيض من النور ~~ويمسح على وجه السماء فإذا هي مشرقة تتألق، كذلك كان حاضرها من ماضيها، وتلفف الماضي في ~~أكفانه ودفنته الأيام في أعمق أغوار النسيان! # ثم كان مساء، وكانت هدى تسابق طفلها في شارع خال على شط النيل، حين برز لها شبح فألقى ~~ظلاله في طريقها ثم تراءى لها، وانبعث الماضي إنسانا حيا يحدق في وجهها بعينين ~~فيهما ظمأ وجوع، وانطوى الزمان فكأن ما مر من السنين لم يكن إلا خفقة طرف سافرت فيها ~~النفس ثم آبت، وطفت الذكريات الراسبة في أعمق الأغوار فتصورت بسمات على شفاه تختلج ms060 ، ~~ونجوى في عيون تتلاحظ، وهتف ماجد في همس: هدى ...! # وهمت هدى أن تجيب النداء فما أطاقت، ورانت على عينيها غشاوة، ودار رأسها فأوشكت أن ~~تسقط، فاستندت إلى جذع شجرة قائمة وأغمضت عينيها، وتعاقبت على الواعية الباطنة صور ~~وذكريات، وخيل إليها أن أصواتا كثيرة تهتف بها، وأن متكلما يتكلم ويسأل ويجيب ولا ~~سميع، ثم أفاقت على صوت ناعم يناديها ويجذب ثوبها: «ماما، ماما، أنا سبقتك!» # وانحنت على طفلها فحملته بين ذراعيها وكرت راجعة، وأوت إلى مخدعها تبكي! # وكعهدها في ليلة سلفت منذ سنوات، كانت في تلك الليلة، وخلت إلى نفسها تتدبر أمرها وتزن ~~ماضيها وحاضرها، وشعرت كما شعرت من قبل أنها قادمة على أمر ذي بال، وأنها الساعة في ~~مرحلة بين مرحلتين من حياتها، ولكنها في هذه المرة لم تكن في شك من الطريق الذي ينبغي أن ~~تسلكه، وإن كانت تطأ فيه الشوك وتدوس على الجمر! # ودنا الطفل من أمه وعلى شفتيه كلمة صامتة وفي عينيه سؤال ... # ومدت أمه إليه يدا فضمته إلى صدرها وانحنت عليه، وراحت تبكي بلا دموع: «يا ولدي ~~...!» # ولم تتم حديثها، ترى بماذا كانت تريد أن تحدث طفلها؟ أتراها كانت تريد أن تتخفف من ~~ثقل يئودها فتفضي إليه بالسر الذي عجزت عن الإفضاء به إلى أبيه ...؟ # وذكرت الرجل الذي وضع أمانيه بين يديها وأخلص لها. لقد منحته من نفسها الاحترام والطاعة ~~حين عجزت أن تمنحه الحب. ولقد خيل إليها في فترة من حياتهما أنها تحبه، فما بالها اليوم ~~قد صبأت حين ذكرت ذلك الماضي الذي كانت تظنه قد غاب في مدرجة النسيان؟ # وتعاقبت الأيام، وهدى من داء قلبها في هم واصب، والزوج يرى ويحس ولا يكاد يدري، ~~والطفل يذبل ويذوي عوده؛ إذ كانت أمه في شغل عنه بما تصارع في نفسها من هم! # وعاد الزوج إلى الدار ذات مساء ومعه ضيف ... وكان الماضي طيفا يلم فعاد ضيفا ~~يزور! # واستقبلته هدى بشعور بين الأنس والوحشة، واتخذت مجلسها بإزاء الرجلين اللذين فرض عليها ~~القدر أن تكون منهما بين شقي ms061 مقص؛ لا يجتمعان إلا على فرقة وشتات! # ونهض الزوج لبعض شأنه، فهمت أن تلحقه حين ناداها ماجد، ونظر إليها ونظرت، وكان في ~~عينيه نظرة ضراعة وفي عينيها نظرة تساؤل، ودنا منها وتحركت شفتاه همسا: «هدى! ها نحن قد ~~التقينا أخيرا ...» # وفهمت ما يعنيه. إذن فقد كان بتدبيره هذا اللقاء، وإلى غرض كان يرمي حين اصطنع هذه ~~الصلة الجديدة بينه وبين زوجها؛ ليلقاها بإذنه وفي داره ...! أهذا هو ماجد الذي كانت تعرف ~~...؟ # وسفرت لها الحقيقة التي ظلت متوارية عن عينيها أزمانا حين رأت الهوة السحيقة تحت ~~قدميها يحاول أن يقودها إليها برفق ... أكذلك كان منذ عرفته أم هو خلق جديد ...؟! # وفي نبرة صارمة أجابته هدى ووجهها إلى الباب: «خير ألا تعود ...!» # ولما خلت إلى نفسها من بعد ومثلت صورته في خيالها رأت صورة أخرى غير صورة ماجد الذي ~~كانت تعرفه، أو الذي خيل لها الوهم يوما أنها تعرفه، وكما يصنع الضباب صورا تتراءى ~~على أعين الغادين في غبشة الصباح كأنها تماثيل من بلور ثم لا تلبث أن تذوب حين يشرق ~~عليها نور الشمس كذلك كانت صورته في أوهامها ... ثم تلاشت حين ألقت الشمس قناعها! وتحطم ~~التمثال الجميل الذي أقامته في قلبها تقدسه وتتعبد له، ومحت كلمة من شفتيه ما لم ~~تمحه السنون من ذكريات الماضي، فصار هباء وعاد كما بدأ! # ووازنت بين رجل ورجل، فشالت موازين ورجحت موازين، وانجابت الغشاوة عن عينيها، فبعد ~~لأي ما أبصرت، وعرفت ... ~~... وقفل إليها زوجها فتعلقت به عيناها كأنما تستقبل عائدا من سفر بعيد، ودفنت وجهها ~~في صدره لتمسح آخر دمعة ذرفتها على الماضي الذي ذهب ولن يعود، ثم رفعت إليه عينين ~~عائذتين وعلى شفتيها كلمة حب لم يسمعها قط ولم تقلها منذ أظلهما سقف. # وكأنما كان قلبها في سجن فحطم أقفاله ثم انطلق، وبدأ الحب يكتب تاريخا جديدا في ~~صفحة بيضاء! # | حلم شاعر! # الليلة عيد مولده. # أولئك أصحابه وصواحبه قد أحاطوا به فرحين مهللين، يضيء البشر في قسماتهم، وترف على ~~شفاههم بسمات الفرح والمسرة، قد ms062 تنادوا إلى موعدهم ودعوه معهم إلى ناديهم؛ ليحتفلوا ~~بعيد مولده. # وإنه لجالس بينهم ولكنه ليس منهم، إنهم هنا ولكنه هناك ...! ~~... وفي يده زهرة يعبث بها ... وضمها بين راحتيه ومال عليها برأسه. ما به أن يشمها، فإن ~~عطرها ليأرج من حوله وينتشر، ولكنه ينظر ويفكر ... ~~... وراحت أصابعه تنثرها ورقة ورقة تساقط عند قدميه وهو يعد، وعد ثلاثين ورقة، ثم تعرت ~~الزهرة من أوراقها إلا عودا أخضر ليس له عطر ولا رواء، وهمس الشاعر: «هذه هي دنيانا ...!» ~~واختلجت شفتاه وأطرق، وعاد يعد الأوراق المنثورة تحت قدميه ... ~~... ثلاثون ورقة ... ذلك كل تاريخ الوردة، فما هي بعد الثلاثين إلا عود ذابل متفتر ~~وورقات منثورة على التراب، وكانت وردة عطرة يعبق بأريجها الجو وتهفو إليها الزهرات ~~الطيارة من فراش البستان ... فماذا يكون هو بعد الثلاثين وقد غربت شمسها منذ ساعات ~~...؟ # وعاد ينظر إلى أصحابه وصواحبه، يبادلهم تحية بتحية وكلمات بكلمات، لا يكاد يشعر أن ~~هؤلاء جميعا قد التقوا على ميعاد ليحتفلوا به في عيد مولده، فإن سيلا من الخواطر ~~والذكريات يتدافع في رأسه الساعة، فما يكاد يرى أو يسمع إلا نجوى نفسه وهمس أمانيه، ~~وغامت على عينيه غائمة فشطح إلى واد بعيد، وأصحابه وصواحبه من المرح والبهجة لا يكادون ~~يشعرون أنهم منه على بعد بعيد وهو معهم؛ ومن أين لهم أن يحسوا ذلك وما اجتمعوا الليلة ~~إلا حفاوة بعيد مولده ...؟ # وأحس الشاعر إحساس الوحدة، وإنه بين أصحابه وأصفى الناس له، فتركهم لما هم فيه ~~وتركوه، وإن وجها في وجه، وإن ابتسامة تجاوب ابتسامة، وإن كلمة تحيي وكلمة ترد ~~... # وانفض السامر ومضى كل لوجهه، ومد الشاعر يده يصافحهم ويشكر لهم، ثم تفرقت بهم السبل ~~... ~~... ووجد الشاعر نفسه وهو يمشي وحده في جنح الظلام، وأحس الوحدة الرهيبة التي يعيش فيها ~~منذ كان، فمضى يتحدث إلى نفسه وتحدثه، وخنقته العبرة فأرسلها، ثم تتابعت عيناه. وعاد ~~الزمان القهقرى ينشر على عينيه ماضيه ويذكره أمانيه ... # وقالت له نفسه: «هذا سبيلك فامض فيه على هدى وبصيرة، وانظر ماذا أعددت لغد!» # وقال ms063 لنفسه: «وهل ترين الغد يا نفس إلا صورة من أمس الذي كان؟ وهل ترينني في غد ~~غير من أنا اليوم وغير من كنت في الماضي ...؟» # لقد تجاوز الثلاثين ولم يزل حيث كان يوم بدأ، فماذا يكون غير الذي كان؟ وأوى إلى فراشه ~~وأطفأ المصباح، ليقضي ما بقي من الليل يراوح بين جنبيه في فراش الوحدة لا يهدأ ولا ~~يستقر! # كان شاعرا بروحه وفطرته قبل أن يكون شاعرا له لسان وبيان. نظر إلى الناس في دنياه ~~فاستوعبهم بنظرة، ثم عاد ينظر إلى نفسه فلم يعرف أين هو من نفسه وأين هو من الناس، وشعر ~~بالوحدة منذ شعر أنه يعيش في جماعة ... وكان له خيال وفي نفسه أمل، فتوزعته دنياه ودنيا ~~الناس، فلا هو عاش في دنيا الناس واحدا منهم ولا هو عاش في دنياه وحده! # وألحت عليه ضرورات الحياة، فأبت عليه فطرة الشاعر أن يلتمس بعض وسائل الناس، فعاش من ~~ضروراته وفطرته بين قوتين تتجاذبانه، لا سبيل إلى الخلاص منهما معا إلا أن يعيش روحا ~~بلا جسد أو جسدا بلا روح، وهيهات! # وفكر فيما خلق الله وفكر في نفسه، فكأن في كل ما يراه لسانا يحدثه، وفي كل ما يسمعه ~~معنى يهتف به، وكأن في كل منظور حقيقة غير منظورة لا تتكشف إلا لعينيه ولا يسمع ~~نجواها أحد غيره؛ فإن وراء الغمام طيوفا تتخايل له في شكول وألوان، وإن في لمعان البرق ~~ومضات من الإلهام، وإن في الصمت لكلاما أبلغ من الكلام، وإن بين السماء والأرض لعوالم ~~غير منظورة تفضي إليه بأسرارها. # وتكشفت له الدنيا ونضت أستارها، فألهمته أن يغني ... # وفاض ما في جنانه على لسانه سحرا من النغم يعبر عن أخفى خفايا النفس وأعمق أسرار ~~الحياة، ولكن ألحانه القدسية قد تلاشت أصداؤها في صخب الحياة وضجة الأحياء فلم يستمع ~~إليه أحد؛ إذ كان يتحدث إلى الناس عن عالم لا يراه الناس، ولكن يراه هو وحده. # وضاق الشاعر بوحدته بين هؤلاء الناس وضاقت به دنياه، فاعتزم الخلاص ... ولكن روحا لطيفا ~~أطل ms064 عليه من سماواته فثبت فؤاده ... # وابتسمت له فابتسم، وعادت إلى الحياة نضرتها في عينيه، ووجد أنسا من وحشته حين أيقن ~~أنه ليس وحيدا في دنياه. # وعاد يغني ... ولكن غناءه منذ اليوم ليس له وحده، فهو لحن مؤلف من خفقات قلبين قد اجتمعا ~~على أمل ... # وغني بها عن الناس وغنيت به، فما يهمه اليوم أن يسمع الناس ما يصدح به من أغاريد ~~الحب أو يكون لها وحدها شدوه وغناؤه. # آه ...! لشد ما تقسو عليه دنياه! # كان ذلك منذ سنين. أما اليوم، فقد ضربت الأيام بينه وبينها بسور ليس له باب، وعاد إلى ~~الحياة وحده، لا يدري من أمرها ولا تدري من أمره شيئا ... ~~... وأشرق الصبح عليه صبيحة عيد الميلاد، وما زال يراوح بين جنبيه في فراشه الوحدة ولم ~~تغتمض عيناه. # ما هو؟ وأين هو؟ وما دنياه؟ # إنه ليحس من حوله فراغا هائلا ليس له قرار، وإن الوحدة لتكتنفه فما يشعر أن ثمة ~~أحدا بجانبه يفزع إليه ليؤنس وحشة قلبه، وإنه ليعيش من زحمة الحياة وصخب الأحياء في ضجة ~~يموت فيها النغم ويتلاشى الصدى، ففيم العيش؟ وما جدواه؟ وإلى أي غاية يمضي؟ # وعاد يلتمس الوسيلة إلى الخلاص ... # وقالت له نفسه: «أتحسب يا صاحبي أنك قد فرغت من دنياك حين خلوت إلى نفسك؟ فما أنت بشاعر ~~...! لئن كنت قد عفت الحياة وكرهت المقام في دنياك لأمر من أمور دنياك، إن الحياة ما ~~تزال تطالبك بحقها عليك، فإن أديته وإلا فلست من شعرائها ولا كنت ... ~~... ما الشعر إلا رسالة الحياة إلى الأحياء تعبر عن أسرار الحياة ومعانيها، وما هو إلا ~~قبس من نور السماء يتنزل على قلب بشر لتنير به السماء ما حوله من ظلمات البشرية، وما ~~هو إلا إحساس زائد على إحساس الناس يرى ما لا يرى ذو عين ويسمع ما لا يسمع ذو أذن، ~~وما هو إلا وحي يوحى من وراء الغيب إلى إنسان تكون فيه زيادة على الإنسانية، وما هو ~~إلا إدراك كامل يكشف عن مظاهر الجمال في الكون ويهدي إلى ms065 الحق والخير. ~~... أفتراك يا صاحبي قد بلغت رسالة الشعر حين حسبت أنك قد فرغت من دنياك أم أنت ~~...؟» # وأطرق الشاعر برهة يفكر ثم نهض لأمره ... # بلى، إن عليه رسالة يؤديها وواجبا ينهض له، فلا عليه من الناس حتى يبلغ، فإذا انتهى من ~~أمره فإن نفسه له خالصة يمضي بها حيث يريد. # وأمات في دخيلته دواعي النفس ونوازع الهوى ومضى لغايته ... # وعاد يغني ... غير آمل ولا خائف، وما به من شيء ضجر ولا ملالة، وأنس وسمت روحه في ~~آفاقها إلى ظل عرش الله حين قمع شهوات نفسه ونوازع هواه وآثر أن يكون نورا يضيء للناس ~~وهو يشتعل، فلقيت أغانيه من يسمع فيعي. # وأفاق الناس على لحن علوي ساحر ينشده شاعر وهب نفسه للدعوة إلى الحق والفضيلة ~~والجمال، ونظروا، فإذا هو هو، ولكنه صار شخصا غير من كان، لا تتصباه المنى، ولا يعبث به ~~هواه، وليس له في الحياة إلا هدف واحد يسعى إليه ... # وجاءه المجد حين لا حاجة به إليه ... # وأشارت إليه من النافذة بنان مخضوبة وتقول: «أئنه لهو؟» فكأن لم ير، وكأن لم يسمع ~~... # وسعى ساعيها إليه يسأله: «أئنك لأنت ...؟» # قال: «نعم، قد كان ذلك يوما!» # وعلى باب الكوخ المنفرد على حدود العمران، جلس الشاعر على الرمل مرتفقا إلى صخرة ~~ناتئة، يسرح بصره في الفضاء الممتد إلى ما لا يبلغ النظر، وفي نفسه أنس، وفي قلبه هدوء ~~ورضا واطمئنان، وعلى لسانه تسبيح وعبادة. # لقد كان في مجلسه ذلك بحيث لا تراه عين ولا تسمعه أذن، ولكنه لم يكن وحده؛ لأن الله ~~معه. # واستيقظ الشاعر بعد غفوة، وابتسم ... # لقد أدى رسالته، ولكنه لم يكن في أي أيامه أكثر حبا للحياة منه يومئذ. # لقد تحقق حلمه بعد لأي ووجد تعبير رؤياه! # | ثمن الأمومة # في الطابق الرابع من الدار القائمة على حدود الصحراء من ضاحية حلوان، كانت تعيش وحيدة؛ ~~ليس معها أم ولا أب، ولا زوج ولا ولد. لقد فارقها أبوها ولم تزل طفلة بعد، إلى حيث لا ~~يرجع من يمضي، وفارقت هي ms066 أمها العجوز وأخاها، إلى حيث فرضت عليها «الوظيفة» أن تعيش ~~غريبة منقطعة لتجد ما تعيش به. وما كان المرتب المحدود الذي تمنحها إياه «وزارة المعارف» ~~في كل شهر ليسعد فتاة في مثل سنها، ولكنها كانت به راضية سعيدة. وقد استطاعت على امتداد ~~الزمن أن تزيد دخلها بضعة جنيهات في كل شهر، مما تحصل عليه من أجرة الإشراف على بعض ~~تلميذاتها في دراستهن المنزلية؛ فتهيأ لها بذلك أن تنظم ميزانيتها الصغيرة تنظيما يكفل ~~لها أن تستمر على إعانة أمها العجوز بما ترسل إليها في كل شهر، وأن تدخر لنفسها شيئا ~~إلى شيء؛ ارتقابا ليوم تأمله ... # منذ بضع سنوات لم تغير شيئا من نظام حياتها ولم تحاول، هذا منزلها الذي تسكنه منذ ~~هبطت المدينة، لم يتبدل شيء منه ولم يتبدل شيء منها. هنا الغرفة التي تأوي إليها إذا ~~جن الليل، وهنا الثوي الذي أعدته لاستقبال من يزورها فلم يطرقها فيه زائر قط منذ ~~كان، وهنا الشرفة التي ترتفق إليها بذراعها كل مساء ساعة أو ساعات قبل أن تنام، تسرح ~~النظر في الفضاء الغارق في ضوء القمر، أو تنقل الطرف بين النوافذ المضيئة، قانعة في ~~وحدتها الموحشة من سعادة الاجتماع بأنس النظر ... وهناك، على مد البصر طفل يقفز ويثب. ~~هذا هو حيث تراه كل مساء في مجلسها من الشرفة، جالسا بين أبويه أو عابثا لاهيا ~~يتوثب؛ إن بينها وبينه لسببا قويا، إنها لتحبه كأنها ولدته، وإنها لتفتقده إذا غاب ~~كأنها بعض أهله، وإنها لتتحدث إليه على البعد كأنه منها بمرأى ومسمع ... ذلك صديقها في بلد ~~لم تأنس فيه إلى صديق، أتراه يعرفها ويعرف أين هو من نفسها ...؟ أما هي فتعرفه عرفان ~~الأخ والولد، وتعرف تاريخه وماضيه منذ كان، وقبل أن يكون ... # من هذه الشرفة العالية التي يكتنفها الظلام، أبصرت أمه عروسا في جلوتها، وأبصرت ~~أباه؛ ومن هذه الشرفة نفسها رأته جنينا في بطن أمه تخيط له قميصه ولفائفه؛ ومن هذه ~~الشرفة جاءها البشير بمولده والناس نيام، ثم أبصرته ذات صباح طفلا يحبو، ورأته ms067 من بعد ~~غلاما يقفز ويثب ... ولكنه هو لم يعرفها بعد ...! # هذه حياتها. أما نهارها فجهاد ودأب بلا وني، تغادر بيتها في الصباح الباكر إلى ~~مدرستها، وتغادر مدرستها إلى بيوت تلميذاتها، فإذا جن الليل عادت؛ وأما ليلها فهذه ~~الشرفة، وهذا الفضاء، وهذا الغلام؛ فإذا أوى الغلام إلى فراشه، واختفى القمر وراء ~~السحاب، وأسدلت الستائر على النوافذ المضيئة؛ نهضت من مجلسها في الشرفة، فتفتح صندوقها ~~وتحصي ما فيه ثم تأوي إلى أحلامها. # ومضت بضع سنين قبل أن يجتمع في صندوقها ما كانت تؤمل أن يجتمع، وأيقنت بعد صبر طويل ~~أنها من اليوم الذي كانت ترقب على مقربة ... ~~... وغربت الشمس ذات مساء ولم تعد إلى دارها، ثم عادت بعد العشية، واتخذت مجلسها من ~~الشرفة وسرحت النظر، ولم يكن الطفل ثمة ولكنها لم تفتقده في غيبته، وأوت إلى فراشها ~~ولكنها لم تنم حتى انتصف الليل، وتراءى لها الطفل في منامها وكان معه أبوه ... ثم أصبحت ~~... # وراحت تعد عدة السفر إلى أمها تطلب مشورتها في أمر ذي بال ... # وابتسمت أمها فرحانة، ثم غشيتها كآبة وهتف بها هاتف، ثم عادت فابتسمت ونهضت إلى ~~مصلاها تناجي ربها وتدعوه لابنتها العزيزة أن يتم لها ما تأمل ... # وتغيرت الفتاة منذ اليوم وتبدلت وحشتها أنسا ومسرة، وهجرت الشرفة فلم تكن تغشاها إلا ~~حين تكون على موعد ترقب له الطريق، وأنست غرفة الاستقبال بعد وحشة وطرقها الزائر ~~المنتظر منذ سنين، وتعددت زيارته، وقالت له الفتاة ذات مساء وقد جلسا جنبا إلى جنب في ~~الشرفة العالية التي يكتنفها الظلام وأشارت إلى بعيد: «انظر، إنه طفل ظريف!» # ونظر حيث أشارت فتاته، وقال: «نعم، وأظرف منه أن تكوني أمه!» # وطأطأت الفتاة رأسها وتضرجت وجنتاها وسبحت في حلم لذيذ، وتراءى لها غلام يقفز ويثب بين ~~أبيه وأمه، في مثل مجلسهما من هذه الشرفة العالية التي يكتنفها الظلام! # وجلست الفتاة وصاحبها يتبادلان الرأي ذات مساء، وقال لها: «... وإني لأتمنى ألا توافق ~~الحكومة على بقائك في العمل بعد الزواج؛ لتكوني لي وحدي!» # وقالت: «ولكن أمي ...» # وأجابها: «وعلي ms068 أن تكون أمك راضية سعيدة.» # واطمأنت الفتاة وسري عنها ما كان يقلقها منذ أيام، وجلست إلى مكتبها تكتب إلى ~~الحكومة تلتمس الإذن في الزواج. # ولم يطل بهما الانتظار، ولم يقلقهما جواب الحكومة، فقد كانت متوقعة من قبل ألا يؤذن ~~لها، وكانت مطمئنة إلى وعد خطيبها بأن يرضي أمها. # وراح الفتى والفتاة يعدان العدة ليوم قريب. # وانتقلت إلى بيت زوجها، وشهدها صواحبها عروسا في جلوتها، وشهدت نفسها؛ وكانت النوافذ ~~المضيئة ترمي أشعتها إلى بعيد، وكان في الشرفات العالية التي يكتنفها الظلام عيون تنظر ~~... ~~... ومضت أشهر، ونظر الجيران فإذا هي جالسة إلى جانب النافذة تخيط قمصانا ولفائف، وفي ~~هدأة الليل والناس نيام حل على الأسرة ضيف جديد، وارتفع صوته يعلن البشرى بمقدمه ~~... # ثم استيقظت المرأة من الحلم الذي ضرب على آذانها عاما وبعض عام، ونظرت فإذا هي وطفلها ~~وحطام من الذكريات، ولم يكن الرجل ثمة ولم يكن الصندوق ... # وقبلت فتاها في جبينه وقالت وفي عينيها دموع: «لا عليك يا بني، لقد خسرت الرجل ولكني ~~كسبتك، فليذهب أبوك حيث يشاء، ولتبق لي أنت!» # وخرجت تلتمس الرزق، واتخذت طريقها إلى المدرسة، ولكن المدرسة كانت قد أغلقت ~~أبوابها. # وسعت إلى رئيس الديوان تلتمس الشفعاء إليه ليردها إلى عملها، فأغلق دونها بابه، ووقفت ~~في مفترق الطريقين تنظر، ثم سلكت إحداهما ... # وعاد الرئيس من الديوان إلى داره، وانفتح باب السيارة ونزل، وسبقته إلى الباب امرأة. ~~وهم حاجبه أن يمنعها ثم كف. # وهتفت المرأة في ضراعة: «سيدي، عزمت عليك بحق أولادك إلا ما وصلت عيشي بالوظيفة، إنني ~~أم!» # قال: «ولكنك خيرت من قبل بين الوظيفة والأمومة فاخترت أن تكوني أما، فهيهات ~~...!» # وبرقت المرأة وصرخت في غيظ: «ولكنك أنت أيضا رضيت أن تكون أبا في أسرة، وأن تكون لك ~~مع ذلك وظيفة في الديوان ... فلم لا خيرت أنت ...؟ كن أبا، أو كن رئيسا في الديوان، إن ~~صح ألا يجتمعا ...!» # وسكت رئيس الديوان فلم يجب، وهتف هاتف من وراء حجاب: «ولكن ثمن الأمومة أغلى ~~...» ~~... ودخل رئيس الديوان داره وأغلق بابه ms069 ليجلس بين زوجه وولده فيقص قصته، ومضت امرأة على ~~وجهها بائسة ذليلة لتدفع وحدها ثمن الأمومة الغالي! # | الضيف الآخر # ود توفيق لو يهجر المدينة وأهلها ويقطع صلته بالناس فترة من الزمان؛ فإنه ليجد لذة ~~ويحس أنسا أن يفارق هذه الصور التي يطالعها وتطالعه كل صباح ومساء؛ لقد أطافت به ~~نوبة من الضيق والملل حتى لا يلقى أهله إلا بوجه عابس وطلعة متجهمة، ودق حسه حتى أصبح ~~سريع التأثر قريب الانفعال، وكان في إجازة طويلة، والجو حار يهيج الأعصاب ويثير النفس ~~ويبعث على السأم، وإنه ليعيش بين أهله ولكنه يشعر بالوحشة والانفراد؛ فلا طاقة له على ~~البقاء في البيت ساعة من نهار، ولا يجد في النادي ما يسلي نفسه ويشغل فراغه؛ وقد هجره ~~أصدقاؤه جميعا إلى المصايف أو إلى بلادهم، وخلفوه ونفسه يصارع الهم والوهم والوحدة ~~والألم ...! # وتصورت في خياله القرية التي مس ترابها جلده منذ ربع قرن، والتي لا يذكر - لبعد ~~العهد - متى هاجر أهله منها إلى المدينة؟ ولمه ...؟ لا شك أنه سيجد هناك من جدة العيش ~~وطرافته ما يحمل عن صدره أثقال الهموم، ويهدي إلى نفسه الموحشة بعض الأنس والهدوء ~~والدعة. # وتراقصت أمام عينيه صورة جذابة من حياة القرية ويسر الحياة فيها بعيدا عن أسر ~~التقاليد وتكاليف الحضر، وحضرته ذكريات حلوة من زياراته القليلة لأخته في القرية، فذكر ~~مجالسه مع شبانها على حافة الساقية تحت شجرة التوت الغليظة تساقط عليه ثمرا شهيا، ~~ورياضاته في جلبابه الفضفاض تحت المعطف الأبيض على شاطئ الترعة وبين الحقول، يتملى ~~بجمال القرويات غاديات رائحات من الترعة وإليها أسرابا أسرابا يجررن الذيول ويحملن ~~الجرار على رءوسهن ويهمسن بالغناء الساحر تسيل في نبراته الرقة والعذوبة والحنين. وذكر ~~مجالس الأنس والسمر في الليلة المقمرة على مصطبة الدار وحديث القرويين يتنقل في لذة ~~وسحر بعيدا عن التزويق والادعاء الفاخر ... وزهته مظاهر التبجيل والاحترام التي تحيط به ~~هناك! # وفي اليوم التالي كان القطار يغذ السير بتوفيق إلى القرية، وقد أشعل بين إصبعيه دخينة ~~وسبح في أحلام لذيذة بهدوء القرية ms070 وسحر بناتها ... # وتلقته أخته بالترحيب والعناق، وجلست إليه قليلا تحدثه ويحدثها، ثم تركته لتهيئ له ~~الطعام بيدها، طعام القرية الشهي الدسم اللذيذ. وتوافد عليه عارفوه وشبان أسرته ~~يحيونه ويتجاذبون وإياه أطراف الحديث، يقطعون بين فتراته بالتحية المكررة والسؤال عن ~~الصحة والأحوال ...! # وخرج معهم في العصر يطوف بأزقة القرية يتعرف الوجوه والأبنية، واخترق سبلا وعرة بين ~~الحفر وكومات السماد، وبيوت متواضعة متقاربة كأنما تدانت للعناق! وانتهى به المطاف إلى ~~دار له بها عهد؛ لأن صاحبها من ذوي قرابته؛ واجتمع لفيف من شبان القرية وشيوخها يبعثون ~~التاريخ، ويتناولون أنباء القرية وحوادثها، وأنباء السياسة أيضا؛ وإن لهم في السياسة ~~لأحاديث لا تخلو من حكمة وبعد نظر! # وأعجب توفيق بحديثهم كما تعجب بحديث الطفل؛ فأنصت إليه في لذة وأنس، كما يستمع ~~السائح المؤرخ إلى خرافيات دليله الجاهل عن سر أبي الهول وأطياف وادي الملوك ...! # وأديرت فناجين القهوة، وانعقدت في جو الغرفة سحائب الدخان، واشتد الحر فأسال العرق ~~على الجباه؛ وشعر توفيق أنه يكاد يختنق، وأن أعصابه تخونه، فهم بالانصراف، ولكنهم ~~ألحوا عليه أن يجلس فجلس. # وأخذوا في حديث الشياطين والجن، فراح كل واحد منهم يحدث بما سمع وما رأى، وتفننت ~~عبقرية الجهل في اختراع القصص المروعة والروايات الغريبة، وطفقوا يعددون الشياطين ~~بأسمائها وحوادثها وضحاياها ... وأشار «الشيخ» بيده فأنصتوا ومالوا برءوسهم إليه، وقد أخذ ~~شاربه يرقص وترتجف شفتاه في انفعال عصبي، وشرع يقص على الحاضرين قصة العفريت الذي كان ~~يتسور عليه البيت وهو شاب ليالي متتابعة، فيقاسمه طعامه وشرابه، وفراشه أيضا، فلا ~~ينصرف إلا مع أذان الفجر، والزنجية الحسناء التي كانت تصحب العفريت ليالي، فتحتل موضعه ~~من الفراش وتضطره أن يقضي الليل معقودة يداه خلف ظهره ورأسه بين ركبتيه إلى حائط الدار، ~~ثم لا يفارقه العفريت وصاحبته قبيل الصباح إلا بنفحة من دراهم أو عصوين من نار تلهبان ~~ظهره؛ جزاء رضاه أو سخطه على ما يصنعان ... # وكان حديثا غريبا على الضيف، فحاول أن يفلسف وينكر ويعلل، ولكنهم أنكروا منه ذلك، ~~وطلبوا إليه التسليم أو يتعرض ms071 لغضب الشياطين وأذاهم؛ وكانت أعصابه مهيأة للتسليم فسكت. ~~واستمروا يتحدثون ... # وأحس رعدة خفيفة تتمشى في جسده، فسحب رجليه في هدوء فدفنهما في أطراف ثيابه، وجمع ~~يديه في حجره، ومال إلى المحدث يستمع إليه هادئا منصتا في شبه إيمان. لقد حطمت هذه ~~الليلة الصاخبة أعصابه، وهاجت وساوس نفسه المريضة. # وانتهت السهرة، ولكن صاحبنا ظل جامدا في مكانه، لم يهم بالقيام حتى دعوه؛ فنهض كسلان ~~متراخيا يكاد يسقط من إعياء. وشيعوه إلى دار أخته وهو سار بينهم يتعثر في أوهامه ~~... # ووجد أهل البيت نياما فلم يبق ساهرا في انتظار عودته إلا مصباح ضئيل موقد في ~~الردهة، يرقص لهبه على عزيف الهواء. وكان يعلم أنهم أعدوا له غرفة في الطبقة الثانية، ~~فصعد في السلم بطيئا متثاقلا يتلفت بين الخطا، والمصباح في يمينه. ودفع باب ~~الغرفة بيسراه فسمع صوتا يشبه أنين المستصرخ، فأدار ظهره في فزع ليرى من هناك، ولكنه ~~لم يجد شيئا؛ وعاد يدفع الباب، فسمع حشرجة خشنة، ثم ضحكة بشرية ناعمة ...! # ووقف في وسط الغرفة يقلب بصره بين زواياها في رعب وفزع، وكانت به رغبة في التدخين، ~~ولكنه لم يجرؤ أن يذهب إلى الغرفة الثانية - حيث أودع حقيبته - ليستحضر بعض التبغ. وخلع ~~نعليه وهو جالس على حافة السرير ويداه ترتعشان، وأصوات غريبة تتجاوب في أذنه فتفزعه ~~وتسلبه الطمأنينة. ودفن نفسه في الفراش، واستلقى على ظهره وقلبه يدق دقات عنيفة، وكأن ~~يدا غليظة تقبض على عنقه، وأشباحا خفية تطيف به. # وكان يعلم أنه ليس فوق السطح غير أكداس من الحطب والوقود، ولكنه أحس دبيب أقدام، وسمع ~~أصواتا غريبة هامسة ليست من صوت البشر! أتراه أغضب الشياطين فأرسلوا إليه عفريتا ~~ينتقم منه ...؟ # وضاقت أنفاسه، واضطرب فكره، واشتد ضغط الوهم على صدره، وهم أن يصرخ ويستنصر، ولكن ~~صوته احتبس ولم يتحرك لسانه. وشبه له أنه يرى شبحا من الضباب في شكل غير إنساني - وإن ~~كان يمشي على رجلين - ينسل من النافذة مع ضوء القمر، ويشير إليه بالصمت في إنذار ~~وتهديد ...! # وسحب الغطاء يخفي عينيه في ms072 حركة آلية، لكنه أحس شيئا باردا يلمس أطراف قدميه، ~~فاستوى جالسا وأفلتت منه صرخة مخنوقة، وتوارت الأشباح فلم يبصر شيئا، ولكن همهمة ~~غير مفهومة، ودبيبا وهمسا، وأصواتا غريبة، كانت تصك أذنه من بعيد. واستلقى ثانية ~~على الفراش وهو يحدق في الحائط الذي أمامه تحديق الخائف المذعور، فقد أبصر ظلا أسود ~~مطبوعا عليه، يحرك رأسه ويشير بيديه كأنه يتحدث إلى شخص بعيد؛ وود توفيق أن ينظر ~~وراءه ليرى ما هنالك، ولكنه خاف. واستمر الهمس والدبيب يرنان في أذنيه، وتتراقص ~~الرؤى والأشباح أمام عينيه، فلم ينم ليلته. وفي الصباح - مع أول خيط من ضوء النهار - ~~كان جالسا في فراشه يصفق بيديه في عنف يستدعي الخادم. ودخلت أخته تحييه، فراعها ما ~~رأت في وجنتيه من صفرة الخوف وإعياء السهر، فقالت له: «توفيق، ماذا بك؟» ~~- «لا شيء، ولكني مسافر اليوم فأعدي لي ركوبة إلى المحطة!» ~~- «مسافر؟ ولكنك عرفتني أمس أنك قد تمكث لدينا شهرا، فلماذا غيرت رأيك؟» ~~- «لا شيء، لا شيء، قلت لك لا شيء! إن حقيبتي في الغرفة الثانية.» # وآلمتها لهجته فمطت شفتيها آسفة وخرجت تنفذ ما أمر به، ثم عادت تسأله: «حدثني يا ~~توفيق، هل تألمت من شيء هنا؟» ~~- «لا، ولكني لم أخبر أمي أمس بأني مسافر، فأخشى أن يقلقها غيابي أو يؤلمها؛ لذلك ~~سأعود.» ~~- «ليتك لم تحضر يا توفيق!» وانصرفت لبعض شأنها. # وحين تناول توفيق حقيبته من حيث وضعها أمس، أفلتت منها ورقة، فظنها سقطت منه ودسها في ~~جيبه قبل أن يقرأها. # ولما جلس في القطار، وضع يده في جيبه ليخرج شيئا، فعثر بالورقة ونشرها بين أصابعه ~~يقرؤها ... وضحك توفيق وشاع في وجهه السرور حين عرف ما هناك؛ لقد كانت أخته تربي له ماعزة ~~ولودا، فكتبت له هذه الورقة أمس تخبره أن في ضيافة ماعزته فوق السطح جديا فلا يفزعه ~~دبيبهما، ريثما ترد الجدي إلى صاحبه في الصباح! # لقد خاف توفيق وفزع ليلته؛ لأنه كان يظن أنه وحده ضيف البيت ... # | الدرس الأول # «هل كانت قدرية في أوليتها تتوقع هذه الغاية التي ms073 انتهى إليها أمرها؟» # هكذا سألني صديقي وهو يحدثني حديثها: ... كانت تجلس في الصف الأخير من حجرة الدراسة، فقد ~~كانت أطول قامة وأبعد نظرة، فما يشق عليها ولا يعنيها أن تجلس في الصف الأول أو في الصف ~~الأخير. على أنها كانت أسبق التلميذات جوابا عند الاختبار، وأكثرهن عناية بالعمل ~~المدرسي، فلا جرم كانت بذلك أدنى منزلة إلى قلوب معلميها ومعلماتها، وكانت على إرث من ~~الأدب والفضيلة، يبدو في طرف غضيض، وصوت خفيض، ولسان عذب التحية عف الخصام، وكانت إلى ~~كل ذلك مليحة رشيقة، مقبلة ومدبرة ...! وإني لأعجب لنفسي كيف لم أتبين ما فيها من ~~رشاقة وخفة إلا في تلك الليلة التي كانت ... حين بدأت حوادث هذه القصة ...؟ # على أن المعلم في مدارس البنات قلما يعنى بالنظر إلى وجوه تلميذاته، ولعله لو سئل ~~الرأي في تفضيل واحدة على واحدة من بناته في هذا الباب لأخطأ الرأي والنظر، ولكانت ~~أدم الدميمات هي عنده الجميلة التي لا تباريها واحدة ولا تقاربها، فإن طول العشرة ~~ودوام المخالطة خليق بأن يلون رأيه بلون غير اللون الذي ينظر به كل رجل إلى كل ~~امرأة؛ ومن ذلك لم يهجس في نفسي يوما أن فلانة من تلميذاتي أجمل أو أدم من فلانة، ~~وكذلك لم أكتشف ما كان في قدرية من جمال وفتنة إلا في تلك الليلة، وإنها لتلميذتي منذ ~~ثلاث سنين! # كان ذلك في يوم من أيام الربيع وقد تبرجت الدنيا بزينتها، وأخذت زخرفها، ونضت ~~الكائنات عن سر الإبداع العبقري الذي أودعه فيها الصانع الأعظم. # وكان العام الدراسي في أخرياته، وقد فرغ المعلمون أو كادوا مما عليهم من فرائض العلم، ~~وتأهب التلميذات لواجبهن استعدادا ليوم قريب ... # ورأت المدرسة أن تجري على تقاليدها احتفالا بانتهاء العام، على أنها رأت أن يكون في ~~حفلتها هذه السنة شيء جديد، محاكاة لمدارس أخرى، ومساهمة في بعض أعمال البر - كما تزعم ~~- فاعتزمت أن يكون احتفالها في ملعب كبير مشهور، يدعى إليه طائفة من أهل البذل ~~والمعروف؛ لتستعين المدرسة بما تجمع منهم على البر بطائفة ms074 من الفقراء ... # وأعدت المدرسة برنامجا حافلا، فيه تمثيل ورقص، وفيه غناء وموسيقى، ولا بد أن تجتمع ~~هذه الألوان في كل حفل يراد منه أن يغل إيرادا يعين على بعض أعمال البر ... وإلا فماذا ~~تقدم المدرسة من وسائل التسلية ثمنا لما تطلب من أهل البذل والمعروف؟ # وقالت معلمة لأخرى: «ينبغي أن تكون حفلتنا معجبة!» # فقاطعتها الثانية: «نعم، وستكون أفخم ما أقيم من حفلات المدارس في هذا الموسم ...» # واختيرت الرواية، واستؤجر الملعب الكبير، ودعي فنان مشهور من أهل الكفاية ... ليدرب ~~التلميذات على اصطناع شخصيات الرواية، كل واحدة بدورها راقصة أو ممثلة. # وطاف المدرب بالتلميذات في صفوفهن يختار منهن ذوات الوجوه والأجسام ... الفنية! # واختار قدرية لدور ذي خطر ... # وتأبت الفتاة بما في طبيعتها من الحياء وما في دمها من إرث أجدادها، وعجب البنات أن ~~تأبى قدرية وإن كل واحدة منهن لتتمنى، واستمعت قدرية إلى أحاديث البنات صامتة، ثم ... ~~ثم قبلت فخورا مزهوة، وغلبتها غريزة الأنثى الغيور، على ما في دمها من إرث الآباء ~~والأجداد! # ووقف المدرب يلقنها ويستمع إليها، ووقفت هي مصغية تستمع إليه وتحاكيه، تجهر بصوتها ~~حينا وحينا تخافت به، وعرفت من مخارج الصوت ما لم تكن تعرف، ولانت أعطافها بعد يبس، ~~وأحسنت أن تدور على عقبها، ثم تنثني وتنهض، وأجادت تمثيل اللفتة المتكبرة، والنظرة ~~العابرة، والرنوة الآسرة، ثم تبكي وتضحك في وقت معا ... # وقال المدرب الفنان: «يا لها من فتاة! إنها لفنانة موهوبة!» وأطبقت الفتاة جفنيها في ~~حياء وهي تشكر له، فبدت في كلمتها وحركتها أبرع فنا مما ظن مدربها ...! # ولم يمانع أبوها وأمها أن تكون ابنتهما راقصة ممثلة ساعة في ليلة من ليالي البر. وأين ~~يبدو لهما وجه الاعتراض والمدرسة هي التي اختارتها لذاك، وإن المدرسة لأعرف منهما بما ~~يليق وما لا يليق، وإن عليها وحدها أن تختار لتلميذاتها من وسائل الرياضة والتثقيف ما ~~يؤهلهن للحياة ...! # وجاءت الليلة الموعودة بعد تدريب طويل وإعداد شاق ... وكان على أبواب المسرح الكبير ~~معلمون ومعلمات لاستقبال المدعوين، وغص البهو والشرفات بالآباء والأمهات، والأصدقاء ~~والصديقات ms075 ، والمربين والمربيات ...! # وراحت طائفة من التلميذات تجوس خلال الصفوف في ثياب بديعة ومظهر فاتن، يبعن الزهر ~~والحلوى مما صنعت أيديهن من قبل استعدادا لهذا اليوم ومساهمة في أعمال البر ... وكانت ~~«قدرية» خلف الستارة بين أيدي المواشط يهيئنها للظهور، وأمامها مرآة كبيرة تريها من ~~نفسها ما لم تكن ترى أو تعرف، وابتسمت ابتسامة الإعجاب والرضا حين رأت وعرفت. # وخرجت إلى المسرح مجلوة ملونة كما لم تبد في يوم من أيامها، وانسكبت عليها الأشعة ~~من أربعة جوانب المسرح تشب لونها وتزيدها ملاحة وفتنة، ووقفت متأهبة. # ورن الجرس، ثم ارتفعت الستارة، وضج المسرح بالتصفيق، فانحنت في رشاقة وخفة وهي تكشف ~~عن ساق ممتلئة مصقولة كأنما يجري فيها شعاع الشمس، ونثرت ابتسامتها يمنة ويسرة ترد ~~تحية بتحية ... # ولم يكف التصفيق حتى ارتفع صوتها يغني ... واستدار بها البنات يرقصن ويغنين ... وغنت ~~ورقصت، وضحكت وبكت، وتأمرت ثم ذلت، واستعطفت ثم دلت، ووعدت ثم تأبت، ومنعت ثم ~~نولت، وقالت عيناها ... وقالت عيون الناس ... # وكأني لم أر قدرية قبل تلك الليلة ... لقد بدا لي من جمالها وخفتها ما لم يكن لي به عهد ~~من قبل، أهذه هي ...؟ # ولما أسدلت الستارة في الخاتمة، كان تحت قدميها أكداس من الزهر، وفي أذنيها أنغام من ~~هتاف الإعجاب، ولكن قلبها كان أحفل بمعانيه ... # وحين لقيها أبوها بعد، كانت في عينيه دموع، وطبع على جبينها قبلة ... وأقلتها السيارة ~~بين أمها وأبيها إلى البيت وهي صامتة؛ لأن معاني ذات خطر كانت تطيف برأسها ... # ونامت تلك الليلة بين هتاف وتصفيق وأكداس من الزهر. لقد كانت عيناها مغمضتين ولكن قلبها ~~يقظان، وتمثل لها في أحلامها كل ما رأت وسمعت، وشعرت، وراحت أحلامها تنسج لها ~~أمانيها ... وتلقت الدرس الأول في تلك الليلة، فنسيت به كل ما تعلمت من دروس! # لقد ذاقت قدرية من اللذة الفنية ليلتئذ ما لم تذق طوال سنيها التي عاشت، فشاقها أن ~~تستزيد ... # ولما عادت إلى المدرسة بعد يومين وسمعت ثناء معلميها ومعلماتها، أجد لها ما سمعت ~~معاني أحست في أعماقها صداها، ووجدت فيها ms076 غذاء لأمانيها ... # وتناولت «المجلة» التي تعودت أن تقرأها في كل أسبوع، فراحت تعبر صفحاتها معجلة حتى ~~انتهت إلى صفحة «الفن» فتلبثت، وأخذت تنظر إلى صور الراقصات ونجوم المسرح معجبة متمنية ... ~~وفي أذنها صدى بعيد من هتاف النظارة وتصفيق المتفرجين ... # ولما حان عيد مولدها وأرادت أن تتصور - على عادتها في كل سنة - لم يحل لها إلا وضع ~~واحد تبدو فيه صورتها، فلبست ثوبها الذي كانت ترتديه ليلتئذ، ووقفت بعض مواقفها، ~~واستحضرت صورة ما كان ... فانطبعت في الورقة صورة من مشاهد ذلك الماضي، وتمثلت في نظرة ~~عينيها تمام صورته! # ووقفت ذات مساء على باب مسرح كبير من مسارح اللهو تجيل عينيها في إطار كبير يضم ~~شتيتا من صور الراقصات وربات الفن، وطالت وقفتها، ثم انصرفت. وفي الليلة التالية كانت ~~جالسة في الصف الأول من بهو المسرح تشهد التمثيل وحدها، ليس معها أحد من ذويها، واستطاعت ~~في ختام الليلة أن يكون لها رأي فيما شهدت من ألوان الفن وفي عيوب الممثلين وغلط ~~الراقصات ... # وفي الصبح كانت جالسة إلى بعض زميلاتها في حوش المدرسة تحدثهن حديثا طويلا عن عيوب ~~الفن المصري في الرقص والتمثيل والغناء، وتشخص العلة وتصف الدواء؛ وأمن صديقاتها على ~~ما قالت، فما تشك واحدة منهن في أن من حق قدرية أن يكون لها رأي في الرقص والتمثيل ~~والغناء، وإنهن ليسمعن من حديثها كل يوم ما يشهد بكفايتها وسعة معارفها في تلك الفنون ~~... # وتلقت قدرية بعد الدرس الأول دروسا كثيرة، في المسرح والسينما، وفي الصحف والكتب، ~~وما نسيت مع كل أولئك شيئا مما رأت في تلك الليلة التي كانت ... لقد استقرت في أعماقها ~~أصداء الهتاف والتصفيق التي سمعت ليلتئذ ... ورنين كلمات الإعجاب والرضا التي وعتها ~~أذناها، وصورتها بين الأشعة الملونة تنسكب عليها من جوانب المسرح وتحت قدميها أكداس ~~الزهر ... وبقي كل أولئك في نفسها مشهدا حيا كأنها ما تزال بين أشعته وألوانه، فإنها ~~لتجد لتذكره لذة فنية تحبب إليها حياتها وتجدد لها في كل يوم أمانيها ... # قال صديقي: وانتهى عهدي بقدرية وانتهى ms077 عهدها بي، فقد أتمت دروسها بالمدرسة ومضت لشأنها، ~~وتصرمت سنون ... ونسيت أمرها وما كان ... # وفي ليلة من ليالي الصيف الماضي صحبت أهلي إلى سهرة في بعض ملاهي الإسكندرية، ووقفت ~~بباب الملهى العائم بين الأمواج المصطخبة، أقرأ البرنامج المنشور على الباب وأشاهد ~~الصور، ورأيت صورة، فهجس في نفسي هاجس لم يلبث أن تلاشى ... # ودخلنا واتخذنا مقاعدنا على مقربة من المسرح ... ومضت لحظات، ثم رن الجرس ورفعت الستارة، ~~وتتابعت المشاهد فنونا توقظ الفكر وتجلو صدأ النفس وتسري عن المهموم، وفجأة برز ~~أمامي مشهد رائع ... يا لله ...! من كان يظن ...؟ هذه تلميذتي قدرية ... # وبدت لي في مثل هيئتها التي رأيت أول مرة على الملعب الكبير في القاهرة منذ سنوات، في ~~ثوب منقوش كأنما اجتمعت أجزاؤه من أوراق الزهر، يكشف عن ساق ممتلئة مصقولة كأنما يجري ~~فيها شعاع الشمس، وانحنت في رشاقة وخفة وهي تنثر ابتساماتها يمنة ويسرة ترد تحية ~~بتحية، والمسرح يضج بالتصفيق والهتاف باسمها، ولكنه اسم جديد أسمعه لأول مرة في تلك ~~الليلة ... # وغنت ورقصت، وضحكت وبكت، وتأمرت ثم ذلت، واستعطفت ثم دلت، ووعدت ثم تأبت، ومنعت ثم ~~نولت، وقالت عيناها ... وقالت عيون الناس ... وقالت لي نفسي ... # وانتثرت أكداس الزهر على قدميها وأسدلت الستارة ...! # ليت شعري، هل كانت قدرية في أوليتها تتوقع هذه الغاية التي انتهى إليها أمرها؟ # وهل كانت خواطرها تخيل لها هذا المصير الذي بلغته، يوم كانت تجلس مجلسها من الصف ~~الأخير في حجرة الدراسة؟ # وهل ... وهل عرف من عرف، كم بين الدرس الأول والدرس الأخير ...؟ وأين ما بدأ مما انتهى ~~...؟ # وانفض السامر، وتهيأ أهلي للانصراف ومازلت في مجلسي أفكر، حتى خف الزحام فنهضت، ~~فإني لألتمس طريقي إلى الباب إذ حانت مني التفاتة فرأيت، فتنحيت عن طريقي، وقلت للتي ~~بجانبي: «تفضلي» وكانت سيدة ورجلها وبينهما طفل، أما السيدة فأعرفها، فما تخفى علي ~~ملامح تلميذة من تلميذاتي مهما باعد بيننا الزمان، وأما الرجل فزوجها، هكذا يعرف كل من ~~يراه ويراها، وأما الطفل ... ~~... هذه فتاة أخرى من تلميذاتي تبرز لعيني فجأة بعد ms078 غياب سنين ... «هذه» واحدة و«تلك» واحدة ~~... # ليت «تلك» التي توارت خلف الستارة منذ قريب قد رأت ما رأيت لعلها تعلم ماذا باعت وما ~~اشترت! # وشيعت «الأسرة السعيدة» بعيني، ثم ارتد نظري إلى الوراء لأشيع الأخرى ... # وكأنما اجتمعت لي هاتان الصورتان في زمان ومكان ليشغلني أمرهما من بعد ما يشغلني، فلا ~~أزال أسأل نفسي كلما حضرتني الذكرى: «أيهما خير ...؟» # | إنه أخي ... # كان المطر ينهمر، والريح العاصف تقذف قطرات الماء إلى وجوه المارة وثيابهم فتغمض ~~عيونهم، وهم يسيرون على حيد الطريق في حذر ورقبة؛ خشية أن تنزلق أقدامهم فيتدحرجوا في ~~الوحل، والسيارات منطلقة براكبيها من ذوي اليسار والنعمة، تقذف عجلاتها رشاش الماء على ~~جانبيها فيصيب وجوه الناس وثيابهم، لا يكادون يدفعون عن أنفسهم شيئا مما تقذفهم به ~~الأرض أو تنالهم به السماء! # وكان الليل في أوله ... # وفي منعطف يفضي إلى أربعة بيوت في حي «شبرا»، كان فتى دون الثلاثين واقفا تحت ~~السماء وقفة مرتقب وعيناه معلقتان بنافذة مغلقة، لا يزيد على أن يرفع إليها عينيه حينا ~~وإلى الطريق العام حينا آخر، وهو واقف، والساعات تمضي، والمطر ينهمر، والريح تلطم وجهه ~~بقطرات الماء، وفي يده ورقة مطوية ... # وكان بوابو البيوت الأربعة مجتمعين وراء أحد الأبواب، وبين أيديهم نار يصطلونها وهم ~~يسمرون، وكان لكل أسرة من سكان البيوت الأربعة حظ من حديثهم وسمرهم، وهل يجتمع مثل هؤلاء ~~إلا لمثل ذلك ... وكانوا في غفلة عن الفتى، والفتى عنهم في غفلة ... # وطال الانتظار بالفتى، ونال منه البرد القارس، ونفذ الماء من ثيابه إلى جسده، وكان شعره ~~الأشعث يقطر ماء على جبينه، فلم ينتبه إلا من بعد إلى هذه الشرفة التي تلقي ظلالها على ~~جانب من الطريق، فأوى إلى ظلها يحتمي من المطر والريح في هذه الليلة الباردة ... ~~... لولا ثيابه الحائلة، ونظراته الضارعة، وذلك الفتور في عينيه، وهذا الشحوب في ~~وجنتيه، ولولا هذه اللحية التي لم يمسسها حد الموسى منذ أيام، لحسبه من يراه عاشقا قد ~~أضله هواه فأخرجه في هذا الجو العاصف يرجو موعدا أو يتزود ms079 بنظرة ... ولكن على وجهه ~~سمات لا يكون مثلها في وجوه العشاق ... فما هذه الورقة المطوية في يده ...؟ فلعله رسول ~~...! # وأخذته عيون البوابين وهم في حلقتهم يصطلون ويسمرون، فتهامسوا وضحكوا، وأحس الفتى ~~وقع نظراتهم، فاستحيا، ثم تغافل ولوى عنقه ... # لم يكن ذلك موقفه الأول؛ فقد طالما وقف «عباس» هذا الموقف من قبل ... ولطالما امتد به ~~الانتظار في هذا المنعطف ساعات، حتى إذا ما انفتحت النافذة المرموقة أسرع إلى الباب ~~وصعد، أو كتب ورقة في حاجته فبعث بها مع البواب ... # من أجل ذلك كان مألوفا لسكان الحي أن يروه في موقفه ذلك، وأن يسكتوا، لا يحاول واحد ~~منهم أن يعرف ما وراء هذا الموقف من سر، ولكن واحدا منهم كان يزعم أنه يعرف فأسر ~~النبأ إلى البوابين الثلاثة ... # وكانت الهواجس تهجس في ضمائر سكان البيوت الأربعة، فلكل واحد منهم مع أهله حديث عن هذا ~~الفتى الذي لا يزال يتردد على هذا المنعطف حينا بعد حين، لأمر يزعم كل واحد منهم لنفسه ~~أنه يعرفه، وإن لم يتفق اثنان منهم عليه ماذا يكون ... # وتناثرت الإشاعات ثم اجتمعت، فإذا على ألسنة السكان جميعا خبر واحد، هو أن للسيدة ~~فلانة سرا تحاول أن تخفيه إلا عن هذا الفتى وعن بواب دارها ... ~~... لو وقف عباس مثل هذا الموقف كل يوم مرات في غير هذا المنعطف ما أحس به أحد ولا ~~سأل عن خبره سائل، كم فتى، وكم فتاة، وكم رجلا، وكم امرأة يمشون كل يوم، ويقفون، ~~ويتواعدون، ويتلاقون على أعين الناس في الشوارع الحافلة، ثم يودع بعضهم بعضا ويمضي ~~لوجهه، فلا يثير أحد منهم فضول عابر ولا يسأل عن خبره سائل، ولكن هنا، في هذا المنعطف ~~الذي يغلق بابه على بيوت أربعة قد تعارف سكانها فردا فردا فلا يكاد يخفى على أحدهم ~~خبر جاره؛ هنا في هذا المنعطف كان وقوف عباس مثار فضول ومبعث ريبة ... # ولم يكن عباس عاشقا، ولا رسولا، ولكنه أخو السيدة فلانة زوجة الطبيب فلان ... هل يصدق ~~أحد ...؟ إنها الحقيقة! # هذه السيدة التي يراها ms080 من يراها في أبهتها كأنها أميرة، أخت هذا الفتى البائس الشريد ~~الذي يقف كل يوم هذا الموقف ساعات، تحت المطر الهاطل، وفي مهب الريح السافية، وفي أتون ~~الشمس المحرقة، يترقب اللحظة المناسبة ليكتب إليها فيعود له البواب فيضع في يده بضعة ~~دراهم، ثم يمضي؛ ليعود بعد يوم، أو بعد ساعات، فيقف موقفه يترقب، وفي يده ورقة مطوية ~~... # ماذا كان عباس في أوليته؟ وماذا صار ...؟ # لقد نشأ في بيت رفيع العماد، عالي الذرا، ثم كان له ولأخته ما خلف أبوهما من ثروة ومال، ~~وكان تلميذا في المدرسة يوم مات أبوه، وكانت أخته مسماة على الفتى الذي صارت له من بعد ~~... # وآلت ثروة أبيه جميعا إليه، وإنها لثروة، وهجر الفتى مدرسته ومضى على وجهه يبيع اللذات ~~ويشتريها، ونصب له الشيطان حبائله من الفراغ والشباب والمال ... # وانتقلت أخته إلى دار زوجها، وخلفت قصر أبيها بما فيه، ولكن قصر أبيه كان أضيق من أن ~~يتسع له، فأغلق بابه ومضى يتنقل بين أندية اللهو ومجالي الهوى ومسارح الشباب، وبسط يده ~~على موائد الشرب والقمار، وتقاذفته الأقدار، قدر يفضي إلى قدر، وأغمض عينيه وسبح في ~~أوهامه، وطارت به أمانيه ثم سقطت، وفتح عينيه فإذا هو وحيد شريد صفر اليدين من المال ~~والصحاب ... # وذكر أخته بعد سنين من القطيعة، فراح يشكو إليها، ودمعت عينا السيدة رثاء لأخيها وشفقة ~~عليه، ثم ذهبت إلى صوانها ففتحته وعادت له بما تملك. # وخرج الفتى من مجلس أخته برأس مال صالح لو أنه أراد ... وكان يريد، ولكنه رأى أن يودع ~~ماضيه بليلة ساهرة من ليالي الهوى والشباب، ثم يصبح ... # وأصبح ... وعاد كما بدأ ... # واستمرت الكرة تتدحرج ... # وعاد «عباس» إلى أخته بعد شهر، وقال لها وقالت له ... ونهضت إلى صوانها، ولكنها عادت في ~~هذه المرة ويدها فارغة. وعاد زوجها من عمله، والتقى الثلاثة لقاء الأهل بعد فراق طويل ... ~~وأسرت الزوجة حديثا إلى زوجها، وباحت له بما باحت وكتمت عنه ما كتمت ... وأخذ الثلاثة ~~في حديث طويل ... ~~... وقال الزوج لصهره: «... نعم، مني المال وعليك ms081 العمل، إنها تجارة رابحة، وإنك بها ~~لخليق أن تبلغ الغنى في سنوات لو أنك حرصت ...» # وتعاهدا على الإخلاص والصدق، ووثقا عقد الشركة بالأيمان، ودفع الزوج المال وخرج عباس ~~لأمره ... ولكنه لم يعد ... # لولا الشهامة والبقيا لكانت القاضية بين الزوجين، ولولا دموع السيدة ... وهم الطبيب أن ~~يرفع أمره إلى القضاء، ثم سكت، وماذا يرد عليه القضاء من ماله وإن غريمه لمفلس لا ~~يجد رمقه ...؟ # وصبر على غيظ، وسكتت زوجته على حسرة وخزي وألم ... # وضاقت بالفتى أيامه، فعاد يتذكر أخته، وسعى إلى بابها وسأل، وكان زوجها في الدار، ~~فتوارى الفتى يترقب، وطوى ورقة مكتوبة ودفعها إلى البواب ... وصار هذا شأنهما من بعد ~~... # وكان يقصدها كلما ضاق به أمره، ليس بين المرة والمرة إلا أيام، فتعطف عليه أخته ~~وتنيله، ثم تقاربت مواعيده حتى صار له راتب مفروض في كل يوم ... وبصر به الطبيب مرة وهو ~~خارج فأغضى كأن لم يره، وتجرأ الفتى من بعد فاستعلن وراح يطرق الباب حين يشاء من ~~ليل أو نهار يطلب ما يطلب، وترادفت مطالبه ... # وضاق صدر الزوج ونفد احتماله، فتصبر، ثم علم من شئون عباس ما لم يكن يعلم، فغضب لنفسه ~~... # لقد يكون من المحتمل أن يلقى الرجل ذا حاجة فيدفع إليه بعض ما يستعين به، ولقد يؤثره ~~على نفسه بما يمنحه، ولكن من ذا تطيب نفسه بأن يكون ما يدفع إلى ذي حاجة من ماله وسيلة ~~إلى اللهو الحرام ...؟ # هكذا قال الطبيب لنفسه فثارت ثائرته، إنه يشقى ما يشقى في تحصيل هذا المال ليسعد به ~~وليسعد غيره، لا لينفقه عباس على موائد الشراب والقمار! # وتحدث إلى زوجته بما في نفسه، وإن كلماته لترتجف من الغضب، واستمعت زوجته إليه مطرقة، ~~ثم خلت إلى نفسها لتبكي ... # ولم يكف عباس ولم تحرمه أخته، وعاد الأمر بينها وبين أخيها سرا كما بدأ، واستمرأ ~~المرعى فكشف الحجاب ... وكان ما تنيله معروفا ونافلة فعاد ضريبة مفروضة، وتكررت مطالبه ~~وكثر مطلوبه، وألح إلحاح الجابي على مدين مماطل ...! # وتعود سكان الحي أن يروه كل يوم ms082 مرة أو مرات في موقفه ذاك ذليلا ناكس الرأس وعيناه ~~إلى النافذة، أو إلى الباب، حتى إذا أمكنته الفرصة وثب فكان على باب أخته، فحينا يكون ~~الأمر بينهما تشكيا واعتذارا، وحينا يكون تهديدا وصخبا وضجة؛ وهم بأخته مرة يحاول ~~أن يضربها لتعطيه ... تعطيه من مال زوجها ما يعينه على ثمن الشراب، وتكاليف الشباب، ثم ~~يتركها لأحزانها ويمضي لهواه ... # وضاقت به أخته كما ضاق به زوجها من قبل ... # وقالت له مرة وفي عينيها دموع: «عباس، ليتني كنت أستطيع! ولكني لا أطيق أن أخون زوجي في ~~ماله، وإني لأستطيع أن أعطيك ما تستعين به على العيش، ولكني لا أعطيك للشراب والقمار ~~...!» # وضحك الفتى ساخرا وقال: «الشراب والقمار ...! تريدين أن تربيني ...؟ إذن فأنت لا تمنعين ~~المال عني للعجز والحاجة، ولكنك تحاولين تأديبي ...!» # وبرقت عيناه وأطلت منهما نفس شريرة، فتراجعت أخته مذعورة تطلب الحماية في متاع الدار، ~~ووثب عليها فصرخت، ثم خرج غاضبا ... # وطال حديث الناس عن السيدة المصونة، وقالوا ما قالوا، وتناولتها الريب والظنون؛ وبلغها ~~ما يقول الناس فزادت هما على هم ... # وأوصت البواب أن يرده إذا رآه وأن يحول بينها وبينه، وكانت في حال من الغضب خيلت إليها ~~أنها تستطيع أن تنسى أن لها أخا ... ~~... وجاء الفتى إلى موعده، وكان زوجها في الدار ... # ذلك يوم كان المطر ينهمر، والريح العاصف تلطم الوجوه بقطرات الماء، وعجلات السيارات في ~~سرعتها تقذف رشاشها إلى وجوه الناس وثيابهم. وظل الفتى في موقفه ينتظر غفلة ليصعد إلى ~~أخته ... # وكف المطر، وهدأت الريح، وانفتح الباب، وخرج الطبيب لبعض عمله، فتسلل عباس إلى الدار ~~... # ومضت لحظات قبل أن يسمع البواب من يناديه، فصعد، وقالت السيدة في غضب وثورة: «ألم ~~أطلب إليك ... ألم آمرك أن تمنعه ...؟» # وأطاع البواب فهم بالفتى ليطرده، ونشبت معركة ... # وبلغت الضجة آذان الناس في بيوتهم، وخيل إلى بعضهم أنهم يسمعون استغاثة، واجتمع على ~~باب الدار رجال ... وشق الشرطي طريقه إلى المعركة، ووضع يده في عنق الفتى، والبوابون ~~الأربعة من ورائه يدفعونه بعنف، ولم تجد السيدة ما ms083 تقوله فتوارت معقولة اللسان ... # وهبط الشرطي بالفتى إلى الشارع، وأحاط به الناس، وراح الفتى يحاول الخلاص صاخبا حينا ~~وضارعا حينا آخر ... # ورفع عينيه إلى النافذة فرآها تطل كاسفة ممتقة الوجه ... # ورفع الناس عيونهم فرأوها، وقال البواب: «لقد أمرتني أن أدعو له الشرطة، إنه لا يكف عن ~~مضايقتنا ليل نهار ...!» # وقال الفتى بذلة: «اسألها يا سيدي، إنها ... إنها لا تريد ...» # وقالت السيدة وصوتها يقطر أسى: «دعوه ...!» # وغضب من غضب من الرجال وثارت غيرته، وذهبت أنفسهم مذاهب من الريبة وسوء الظن، وأطل ~~الفضول من نوافذ البيوت الأربعة ... وتوقع الجيران أن يشهدوا فضيحة ... وظنوا الظنون ~~... # وعاد الفتى يتوسل، والبواب يتشدد، ويد الشرطي في عنق الفتى وعيناه إلى هناك ... وعادت ~~السيدة تقول في ضراعة: «دعوه، أرجو أن تتركه يا سيدي، إنه ... إنه أخي ...» # وأغلقت النوافذ المفتوحة، وتوارت الرءوس المطلة، ومضى الشرطي والبواب بالفتى، وجلس ~~الجيران يتهامسون. وكانت سيدة تجلس وراء النافذة وحدها، في وجهها أظفار دامية، وفي ~~عينيها على الرجل الذي أدماها دموع ...! # | آخر الطريق # على الضفة اليمنى من «بحر شبين» كان يقوم القصر الأبيض، كما يسميه أهل القرية والقرى ~~المجاورة، وهو بيت مبني على طراز بيوت المدن، تفصل بينه وبين الطريق العام حديقة كبيرة ~~تحنو على حوافيها أشجار ذات ظلال وأريج. # في هذا القصر كان يقيم «عبد الرحمن بك»، وهو ضابط من ضباط الجيش القدماء له ماض مجيد ~~ووقائع مشهورة، فلما أسن وقعد هجر المدينة إلى الريف الهادئ، فاتخذ له بيتا ومزرعة، ~~وأقام حيث بنى القصر الأبيض في عز وجاه ومنعة. # وكان له ولد واحد أتاه على حين كبرة وهرم، فنشأ في الريف نشأة أهله، وتشرب من ~~طباعهم وعاداتهم المأثورة، فلما بلغ السابعة بعث به أبوه إلى المدينة، فشدا من العلم ما ~~شدا، ثم عاد ليقيم بجانب أبيه ويقوم على شئون مزرعته. # لم يكن في القرية كلها، ولا في القرى المجاورة، فتى أعز على أهله وعلى جيرانه من ~~«عابد» ابن عبد الرحمن بك. وكان فتى ريان العود، ناضر الشباب، فيه دماثة الحضري ~~المتبدي ms084 وشهامة القروي المتحضر، وإنه لوحيد أبيه وسيد أمره، وأبوه سيد القرية العزيز ~~الممنع. # وكان عابد في السابعة عشرة من عمره حين التقى بأمينة عينا لعين، فوقع من نفسها ووقعت ~~من نفسه؛ وكان جالسا في خص إلى جانب من مزرعة أبيه حين مرت به لأول مرة فأتبعها عينيه ~~مأخوذا، ومضت على وجهها مغضية من حياء وهي تتمتم بالتحية. وابتدأ للحب تاريخ ... # لم يكن أبو أمينة من ضباط الجيش القدماء؛ نعم، ولا كان له تاريخ ووقائع يباهي بها ~~ويفتخر، ولا كان يملك قصرا ومزرعة؛ ولكن أمينة على ذلك قد استطاعت أن تغلب الفتى على ~~نفسه وتملك قياده ... # ولما التقيا من بعد على غفلة من العيون في ظل شجرة الصفصاف، والشمس تنفض آخر أشعتها ~~على أوراق الشجر حمراء ملتهبة، نظر إليها ونظرت إليه، وكانت شفتها تختلج وفي عينيها ~~عبرة، ودنا منها ومد إليها يدا، وامتدت يداها إليه ترده، وهمست: «عابد ...!» وكأنما ~~همت أن تقول شيئا ثم أمسكت، وبرقت قطرات الدمع بين أهدابها، وتحدثت عينان إلى ~~عينين. وأرخى الليل سدوله وما تزال أمينة في مجلسها وما يزال عابد؛ ثم نهضا فاتخذا ~~طريقهما إلى القرية صامتين، يتبادلان لمسة باليد كلما همت أن تجتاز قناة في طريقها بين ~~الحقول؛ يهم أن يعينها وتهم أن تستعينه؛ ثم افترقا قبل أن يبلغا أول أبيات القرية ~~وما سألها ولا أجابت ... # وأوت أمينة إلى منامتها بجانب أخيها الصغير في دار أبيها يراوح القلق بين جنبيها؛ واتخذ ~~عابد مقعده إلى جانب النافذة في غرفته من القصر الأبيض، يسرح عينيه في الفضاء المظلم ~~الذي يغلف دور القرويين ويلفها في صمت موحش؛ وأشرق الصبح وما تزال وما يزال! # كان عابد يعلم من نفسه ما يعلم الناس: أنه سيد نفسه، وأنه من المنزلة عند أبيه بحيث يحق ~~له أن يتمنى وأن ينال ما يتمنى، ولكنه إلى ذلك كان يشعر في أعماقه أن القدر يتربص به ~~ليحول بينه وبين أعز أمانيه. أتراه يستطيع أن يقول ويكشف عن ذات نفسه؟ وماذا يقول أبوه ~~ويقول الناس حين ms085 يصارحهم أنه يريد أن يتزوج أمينة؟ # أمينة ...؟! من تكون ومن يكون؟ هل هي إلا فتاة من فتيات يتمنين لو كن من خدم القصر ~~الأبيض؟ نعم، وإن أباها لواحد من عشرات يعيشون في ظل القصر الأبيض خولا وبطانة. إنه ~~لسيد من يليه من الفلاحين ولكنه عبد سيده، وإنه ليملك دارا وأفدنة كاسبة ولكنه مملوك؛ ~~لأن القرية كلها ليس فيها إلا سيد واحد ومالك واحد ... # كذلك كان عابد يفكر حين كانت أمينة راقدة في فراشها تفكر؛ وبكى الفتى حين تبين موقفه، ~~وتمنى لو كان واحدا من سواد أهل القرية وله رأيه وإرادته ولم يكن السيد العاجز ... وبكت ~~الفتاة حين تبينت موقفها، ولكنها لم تتمن شيئا لأنها كانت عاجزة حتى عن ~~التمني! # والتقيا ثانية، وقالت له وعيناها في عينيه: «سيدي ...!» # وشد على يديها فلم يدعها تتم، وقال: «أمينة ...! ناديني باسمي يا حبيبتي؛ لست سيدك ~~اليوم، وإنك ...» # ومال رأس على كتف، وامتزج الدمع بالدمع، وتروت الشفاه الظمأى، وتلاحقت الأنفاس ~~المبهورة، وهمت أن تقول، وهم أن يجيب، وماتت الكلمات على شفاه ترتجف، وتساءل قلب ~~وأجاب قلب، وتلاشى الوجود بينهما فلا شيء هناك إلا اثنين يتناجيان بلا كلام. وهبت نسمة ~~ندية فالتقى غصنان ثم افترقا، وتهامست زهرتان ثم أمسكتا، وأطلت عينان من فرجة السحاب ~~تختلسان النظر، ثم ازدحمت أعين النجوم على فتوق السحاب تنظر؛ ثم انقشع السحاب وبرز ~~القمر، وانكشف السر المختبئ في ضمير الليل ثم عاد فاستتر؛ وكان على الغصن قمرية تغني، ~~وكان غناؤها خفقات قلبين يتهامسان! ~~... وقام يودعها وقامت، وأتبعها عينيه حتى واراها الظلام، ثم قفل وفي قلبه نجوى وفي ~~عينيه بريق وعلى شفتيه مذاق وفي أذنيه رنين! # وتتابعت لياليهما حافلة بأسباب الهناء والمسرة في غفلة العيون، لم يطلع على سرهما أحد ~~إلا النجم والزهر وغريدة الشجر، وطابت له الحياة وطابت لها، لولا حديث بينه وبين نفسه ~~يؤرقه كلما جن الليل، ولولا وساوسها! # وأجمع رأيه على أمر ... وكأنما كان المسكين يتعجل آخرة هنائه حين بدا له أن يكشف صدره ~~لأمه ويستعينها ... # وقالت أمه وفي ms086 عينيها دهشة وفي وجهها غضب: «أمينة ...؟! أفأنت لمثلها يا عابد ...؟» # وهتف الفتى في يأس: «أمي ...!» # ولكن أمه لم تجبه وأجابه أبوه ... هل رأيت قط قائدا في هيئته العسكرية قافلا من معركة ~~بنصف جنوده ...؟ كذلك كان موقف أبيه منه في ذلك اليوم! # وطأطأ الفتى رأسه يستمع إلى أبيه يحكم عليه باليأس والحرمان، ثم سقط على كرسيه باكيا ~~ومضى أبوه إلى غرفته. # لم يلتق عابد وأمينة منذ اليوم، وافترقا بلا وداع وما افترقا قبلها إلا على ميعاد؛ ~~ولزم الفتى غرفته مطويا على آلامه، لا يرى أحدا ولا يراه أحد، على حين كان ثلاثة نفر ~~يعنيهم من أمره ما يشغلهم ليل نهار ... ~~... أما واحدة فكان لها كل يوم مغدى ومراح في مواعيد راتبة إلى شجرة الصفصاف القائمة ~~على حافة الغدير، تتروح عندها روح الماضي في خفقة الغصن ورفة الزهر وأرج النسيم، ثم ~~تروح وحيدة دامعة العين ...! ~~... وأما اثنان فرجل وامرأة في خريف الحياة يتشاوران في أمر وحيدهما الذي يوشك أن يضله ~~الحب عن رشاده فيهوي إلى عار الأبد! # أربعة أشقياء لو شاءوا لاستقامت لهم الحياة واستقاموا لها فسعدوا، وضعتهم التقاليد بين ~~شقي رحى طحون توشك أن تحطمهم حطمة الموت فلا نجاة! # وضاق الفتى بنفسه وضاقت به نفسه، ولم يطق الصبر بعد، فأجمع أن يكون سيد نفسه فلا ~~يستمع إلى قول أحد، وأزمع العصيان ... # وذات صباح، التقى عابد وأمينة على ميعاد في القرية القائمة على الضفة الثانية من النهر، ~~وكان ثمة فتيان من أصدقاء عابد ينتظران مقدم الفتى وفتاته وقد أعدا عدتهما لأمر ~~... # وفي المساء عاد الفتى إلى قريته وعادت الفتاة، وقد اتخذ كل منهما طريقا غير الطريق ~~التي سلكها صاحبه، فكأن لم يلتقيا ولم يتراءيا وجها لوجه، وإنهما لمجتمعان رأيا إلى ~~رأي وقلبا إلى قلب، وقد وثقت ما بينهما منذ اليوم آصرة جديدة لا سبيل إلى انفصامها؛ ~~فقد أصبح عابد وأمينة زوجين وشهد الشاهدان ... ولم يدر أبوه ولم تدر أمه ...! # وقسم الفتى أوقاته، فلأمينة نصف نهاره ونصف ليله، يتناجيان ويتشاكيان ويتمنيان المنى ؛ ~~ولأبيه ms087 وأمه ما بقي من أيامه ولياليه، فارغة من البشاشة، خالية من الأنس ~~والمسرة! # ومضت أشهر قبل أن يحدس أبوه أن في الأمر سرا فيستدعيه إليه متحببا ليستل خبيئة ~~صدره، وخيل إلى الفتى أن أباه قد بلغه النبأ؛ فاستعلن بسره وهتك الستر المسدل بينه وبين ~~الحقيقة، ولو شاء لبقي الحجاب مسدلا لا تنفذ من ورائه عينان! # وتهالك أبوه في مقعده وطأطأ رأسه، وجاشت نفسه بآلامه، وتحيرت دمعتان في عيني الرجل الذي ~~لم يبك قط؛ ووقف الفتى رافع الرأس وفي عينيه بريق الإرادة الصارمة، ونظرت إليه أمه ~~فأطالت النظر ثم هتفت في ضراعة: «عابد!» # وظل الفتى صامتا لا تطرف عيناه، فلو أن القدر كان يتحدث بلسان أمه حين تحدثت لما ~~استطاعت أن تحمله على رأي جديد! # وبلعت أمه ريقها وابتسمت، وأشرقت في وجهها مسحة هدوء ظاهر، ثم أردفت: «أجاد أنت ~~فيما تقول يا عابد ...؟» # وضحك الفتى ساخرا، وأجاب: «نعم، وقد كان ما لا سبيل إلى دفعه بعد!» # ووقفت الأم، ثم تقدمت في خطوات ثابتة حتى وضعت يدها على كتفه، وقالت في لهجة الأمر ~~والثقة: «قد كان ذلك حقك يا عابد لو أن الأمر على ما ظننت ... ولكنك لن تفعل ...!» # وابتعد الفتى مغضبا وهو يقول: «بل قد فعلت، وإنها لزوجتي ولو ...» # وقاطعته قائلة: «... ولو كانت أختك ...!» # وسكت عابد، وجحظت عيناه مدهوشا؛ واسترسلت أمه: «... بلى، إنها أختك يا عابد؛ لقد رضعتما ~~من ثدي واحدة دهرا طويلا يا بني من طفولتك؛ أتراك تريد أن تتزوج أختك يا عابد ~~...؟» # ودار رأس الفتى وأوشك أن يسقط، وتهاوى على كرسيه لا يكاد يعي، وغشي عينيه الدمع ~~... # وبدأ منذ اليوم تاريخ جديد. أما الفتى فراح يعالج نفسه بالصمت والوحدة لعله أن ينسى، ~~ولكن صورتها ما برحت تتخايل لعينيه في فنون وألوان. لقد استطاع أن يقهر نفسه على ~~السلوان ويسومها الرضا، ولكنه لم يستطع أن يتصام عن تأنيب الضمير ووخز الندم، كلما ~~تذكر أن أمينة أخته، وأنه نال منها ما لا ينال الأخ من أخته وترك لها خزي الدهر وعار ms088 ~~الأبد، فلا كان لها منه حفاظ الأخ ولا وفاء الحبيب ...! ~~... هذا واحد؛ وأما الأب والأم فراحا يدبران أمرهما قبل أن ينتقض غزلهما، وإنهما ~~ليحسان حينا بعد حين آلاما مرة من قسوة ما نال وحيدهما العزيز المرجو؛ فذهبا يعدان ~~العدة لتزويجه قبل أن ينتكس ويعاوده مرضه ...! ~~... وأما هي ... وأما هي فكانت بين مغداها ومراحها كل يوم إلى شجرة الصفصاف ما تزال ~~تأمل أملا، أملا يلوح ويخفى كما يتراءى القمر بين قطع السحاب ثم يتوارى، ولكنه أمل ~~يمسك عليها نفسها ... وبلغها النبأ أخيرا، وعرفت أن فتاها يوشك أن يتخذ له أهله زوجة ~~ثانية، وارتكضت أحشاؤها تنبئها نبأ آخر ... # وانتهت آمالها إلى فكرة واحدة، هي أن يظل أمرها وأمر صاحبها سرا مكتوما فلا يطلع ~~على غيبهما أحد؛ فما كان لها أن ترضى بأن تقف في سبيل سعادته وإنها لتهواه؛ ولكن من أين ~~لها ...؟ من أين لها أن تخفي خبيئة بطنها إن استطاعت أن تخفي خبيئة صدرها ...؟ آه ...! ~~ألمثل هذه الخاتمة الأليمة كانت تلك البداية السعيدة ...؟ # وتخيلت ما تخيلت من أمرها في غد، فاستراحت نفسها إلى كل ما ينالها في ذات نفسها، ~~ولكنها لم تطق أن تتخيل حبيبها مضغة الأفواه وسخرية الشفاه! # وتمثلت أباها الشيخ وأخاها الصغير، أفتراهما يصدقان أنها زوجه وأنه لم ينل منها ~~في مأثم؟ فكيف أذنت لنفسها في ذلك على غير علم منهما ولا إرادة ...؟ # وتوزعتها الأفكار وتنازعتها نوازع الخير والشر، ولكن فكرة واحدة ظلت ماثلة في نفسها ~~تعصمها من الطيش والضلال: هي أن تجنب حبيبها كل ما يكدر عيشه أو ينغص عليه مسراته ~~الباقية ...! # وكانت القرية ساطعة الأنوار احتفالا بعرس عابد، حين كانت أمينة تدرع الظلماء في طريق ~~لا تعرف لها غاية! # وأصبحت القرية بعد ليلة ساهرة تبحث عن أمينة فلم يعرف لها خبر؛ ولكن سرها ظل مكتوما ~~كما أرادت فلم يطلع عليه أحد؛ لأن الثلاثة الذين يعرفونه لم يكن يسرهم أن يعرفه ~~أحد! # وراح أبوها وذوو قرابتها يتقصصون الخبر ويتتبعون الأثر، فلم يبلغوا إلى غاية؛ وذهب ~~الناس في الحدس ms089 مذاهب، ولكن أحدا منهم لم يبلغ من سوء الظن أن يتهم أمينة تهمة تنال من ~~شرفها؛ إذ كانت عندهم فوق الظنون والريب؛ فاتهموا بها وحش الفلاة وموج البحر ولم ~~يتهموها؛ وأقاموا لها مأتما وقرءوا القرآن! # وسمع عابد النبأ فخمن ما كان، وأقام مأتمها في قلبه ولم يزل صدى أغاني العرس في ~~أذنيه! # لم يسعد عابد بزواجه كما رجا أهله، ولم ينس؛ وعاش كما قدر له أن يعيش: بين حطام الأمل ~~ولوعة الذكرى ولذع الندم، وصباح ومساء، ونجم ينير ونجم يغور، والحياة هي الحياة، إلا ما ~~تجد له الذكرى من الألم وعذاب القلب ووخز الضمير! # ومضت بضع عشرة سنة، ولم يزل عابد كعهده يوم كان؛ لم يغيره الشيب الباكر شيئا ولم ~~تقو الأيام أن تمحو آلامه. على أنه اليوم يعيش سيد نفسه في القصر الأبيض؛ فقد آل إليه ~~القصر والمزرعة بعد وفاة أبيه وأمه، وعقمت زوجه فلم تقدر أن تمنحه الولد، كما عقمت من ~~قبل فلم تقدر أن تمنحه الحب؛ وعاش وعاشت كما يعيش الضيف في غير أهله، فليس بينهما ~~شابكة من حب تخفف عنه، ولا رابطة من أمل تقربها إليه؛ فلولا هذه الخادمة الصغيرة التي ~~ترعاه وتلبي نداءه وتبسم له، لكانت حياته جحيما لا طاقة عليها ولا صبر معها. وقد جاء ~~بهذه الخادم إلى القصر الأبيض بعض أصحاب عابد القدماء من فتيان القرية، يسأله أن ~~يستخدمها ويؤويها؛ ومنذ ذلك اليوم اصطفاها عابد لخدمته الخاصة، فليس لها من عمل في القصر ~~إلا خدمته والترويح عنه، وليس لأحد غيره عليها من حق. # وأحل عابد خادمته الجديدة «زهيرة» محلا من الكرامة لا يحل مثله الخدم في بيوت ~~السادة؛ فقد أحس في نفسه منذ رآها عاطفة تفرض عليه نوعا من الرقة في معاملتها، ورأى في ~~عينيها بريقا من الإخلاص يقتضيه لها نصيبا من الرعاية؛ وكانت صموتا مطيعة لا تسبق إلى ~~عمل في غير وقته ولا تؤخره، وكأنما صنعت لها روحها ابتسامتها الدائمة فلا ترى إلا ~~ضاحكة السن، تطل من عينيها نفس راضية تنشر حولها ms090 جوا من الطمأنينة والسعادة. # لم يكن ذلك إحساس عابد وحده حين ينظر إلى زهيرة، ولكنه كان شعور الكافة من أصدقائه ~~القليلين الذين يزورونه في قصره. على أنها كانت إلى جانب ما تتمتع به من الحظوة عند ~~سيدها ومن شعور العطف عند أصدقائه تحس شيئا من الألم لسوء ما تعاملها به سيدتها، فلم ~~تكن تلقاها إلا عابسة أو صاخبة، ولم تكن حالها مع سائر الخدم في القصر خيرا من حالها مع ~~سيدتها، فقد كانت عندهن في موضع التهمة في أمانتها؛ فكثيرا ما اختفت أشياء من أشياء ~~سيدها لم تكن تبلغ إليها يد غير يدها؛ ولكن سيدها كان من حسن الظن بها بحيث يتأتى لها ~~أن تمد يدها إلى ما تشاء من ماله؛ فكيف يتهمها بمنديل، أو خاتم، أو صورة تختفي، أو زجاجة ~~عطر ...؟ # بمثل هذا كانت تتهمها خادمات القصر، ولو شئن لاتهمنها تهمة أخرى يبلغن بها الرضا من ~~نفس سيدتهن الغيور ...! # وبلغت زهيرة سن الشباب، ونضجت أنوثتها، وكان لها جمال خلق إلى جمال الخلق وطيب ~~المعاشرة. وبلغت الجفوة بينها وبين سيدتها حدا بعيدا، فلولا الكبرياء لصرخت في وجهها ~~المرأة العقيم: «لماذا أنت هنا يا فاجرة ...!» ولكنها كانت تصطنع كل يوم سببا غير السبب ~~الحقيقي لتنشئ بينها وبين الخادم معركة ...! # وأخفت زهيرة عن سيدها كل ما تحس به من الإذلال والمهانة في غيبته! # ثم كان صباح، ودخلت زهيرة مخدع سيدها توقظه وتقرب إليه فطوره، وأبطأت في غرفته قليلا ~~ثم خرجت لشأن من شأن الخدم، واستقبلتها سيدتها بالباب مغيظة، ونشبت معركة، وانهالت على ~~الخادم اللطمات والشتائم! # ووثب عابد عن فراشه وخرج إليهما يستنبئ النبأ، وصكت مسمعيه عبارة نابية، وسمع بأذنيه ~~التهمة التي تناله وتنال الفتاة في وقت معا، وعرف أين تبلغ الغيرة من قلب المرأة ~~التي لم ترزق نعمة الحب ... وثارت ثائرته! # ونظرت الفتاة إلى وراء فأبصرت سيدها، فانبجست من عينيها الدموع وعلا نحيبها وأوشكت أن ~~تسقط، وتناولها عابد بين يديه فألقت رأسها على صدره وهي تنتفض ... وطار طائر الحلم عن رءوس ~~ثلاثة ms091 ... ~~... أما الرجل فكان من ثورة الغضب بحيث يوشك أن يسفك دما ... لقد سمع بأذنيه التهمة التي ~~تناله في عرضه وإنه ليعرف نفسه ... ~~... وأما المرأة فقد أصبح ظنها يقينا حين أبصرت فتاة بين ذراعي رجل قد احمرت عيناه ~~واختلجت أصابعه ... ~~... وأما الفتاة فقد نسيت أين هي بين الرجل وزوجه، فتتابعت أنفاسها مبهورة تحاول أن ~~تلقي في وجه المرأة التي تتهمها في عرضها بالكلمة التي لا يثبت لها جنان امرأة حين ~~تسمعها ...! # ووقف الخدم ينظرن ويسمعن ويتوقعن أن يشهدن فضيحة! # وقالت المرأة إلى زوجها وقد اجتمع في صوتها قسوة البغض وعنف الغيرة إلى ضعف الأنوثة: ~~«كذلك تفعل على أعيننا جميعا ولا تستحيي ...! هذه الفاجرة، لا تجمعني وإياها دار ~~...!» # وعلا نشيج الفتاة وهمت أن تتكلم، وزادت لصوقا بصدر الرجل ... ونظر إليها عابد نظرة ~~جمعت له الزمان في لحظة فكر، وكأنما خيل إليه من ماضيه صورة، وتتابعت الذكريات على ~~عينيه يمد بعضها بعضا، ورجع القهقرى إلى ماضيه؛ وتمثلت لعينيه فتاة كانت له يوما وكان ~~لها ثم افترقا، ولم يكن لها ذنب إلا أنها من طبقة غير طبقة السادة، وكفرت راضية عن ~~ذنبها وعن ذنبه ومضت من وجهه، لتدع له أن يستمتع بالحياة على ما يشاء ... ~~... وهذه فتاة أخرى، كل ذنبها أنها من طبقة غير طبقة السادة، وأنها استحقت عطفه؛ يراد ~~أن يطردها لتمضي على وجهها وتدع لامرأة أخرى أن تستمتع بالحياة على ما تشاء ... # وأراح على كتف الفتاة يدا ترتجف وقال في هدوء: «لا تراعي يا فتاة ... إن كان لا بد أن ~~تذهب واحدة فلتبقي أنت ...!» # وتخلصت الفتاة من بين يديه ورفعت إليه عينين ضارعتين يبرق فيهما الدمع، ثم أطرقت ~~وأرسلت عينيها؛ واستدار الرجل يريد أن يأوي إلى غرفته، واستوقفته الفتاة: «سيدي ~~...!» # وعاد إليها، فأردفت: «إنني ذاهبة لأمي ...!» ~~- «أمك ...؟» ~~- «نعم ...!» ~~- «لم أكن أعلم قبل اليوم أن لك أما ...!» ~~- «ولا أبا ...!» # قالتها الفتاة وعلى شفتيها ابتسامة كاسفة وأرخت أهدابها في انكسار ومذلة! # وابتسمت الزوجة في كبرياء وسخرية وهي تستمع إلى ما يدور بين الرجل وفتاته ms092 من ~~حديث. # قال عابد: «ولكنك لم تخبريني من قبل ...!» ~~- «كذلك علمتني أمي؛ لقد كان حسبها أن تعيش ابنتها في دارك، لتراك صباح مساء وتسمع ~~منك، فتحدث أمها عنك كلما لقيتها، فكأن قد رأت أمها وقد سمعت ...!» # وخنقتها دموعها فأمسكت، وعاد جسدها ينتفض، وغامت على عيني الرجل ضبابة، وخيل إليه ~~أنه لم يسمع شيئا مما ألقي إليه ولم يفهم، ثم خيل إليه كأن قد سمع أكثر مما قيل، ~~وفهم. وكأنما أخذته غفوة وهو يقظان، وتراءت له صور غير ما يرى، وتكاثفت على عينيه ~~الضبابة فحالت بينه وبين ما يرى من الأشياء الماثلة، وأخذه دوار، وتخاذلت ركبتاه ~~وهم أن يسقط، وأسرعت إليه زوجه في ذعر تحاول أن تسنده، وهتفت الفتاة مرتاعة: «أبي ~~...!» # وشهق الرجل شهقة ردته إلى الحياة لحظة، وبرق في وجه الفتاة، وتراخت ذراعا المرأة التي ~~تسنده، فهوى ... ثم استفاق! # إذن فهي ابنته ...! وعرف كل من السيدة والفتاة أين هي من صاحبتها على التحديد وأين هي ~~من سيد هذا القصر ...! # وفي كوخ منفرد على حدود العمران، والشمس تنفض آخر أشعتها على أوراق الشجر حمراء ملتهبة، ~~كان اثنان جالسين يتحدثان في همس، وثمة فتاة على مقربة تصغي إليهما في شوق ولهفة، ~~تحاول أن تعرف قصة بدأت قبل أن تولد ولم تنته إلى نهايتها بعد ... ~~... وقال عابد: «إذن فلم ترضعني أمك كما زعموا؟» # قالت أمينة: «ومن أين لها وقد ماتت أمي قبل أن يبنى القصر الأبيض؟ ومن أين لك؟ لقد ~~خلفتني أمي قبل أن أتم الرضاع فلم ألقم بعدها ثديا قط؛ وجاءت بك سيدتي وأنت غلام تسابق ~~الفراش بين نوار الحقل، وكنت أدعوك سيدي!» # فابتسم عابد وقال: «ولكنك لن تدعيني بهذا الاسم!» # ومال رأس على كتف، وامتزج دمع بدمع، وتروت شفاه ظمأى، وتلاحقت أنفاس مبهورة، وهمت ~~أن تقول، وهم أن يجيب، وماتت الكلمات على شفاه ترتجف، وتساءل قلب وأجاب قلب، وتلاشى ~~الوجود بينهما فلا شيء هناك إلا اثنين يتناجيان بلا كلام. وهبت نسمة ندية فالتقى ~~غصنان، وتهامست زهرتان، وأطلت عينان من فرجة السحاب ms093 تختلسان النظر، ثم ازدحمت أعين ~~النجوم على فتوق الخباء تنظر، ثم انقشع السحاب وبرز القمر، وانكشف السر المختبئ في ضمير ~~الليل ... # واتخذا طريقهما إلى شجرة الصفصاف يجددان العهد ويبعثان الذكرى، ومشيا صامتين يتبعهما ~~ظلهما ويتبادلان لمسة باليد كلما همت أن تجتاز قناة في طريقهما بين الحقول، يهم أن ~~يعينها وتهم أن تستعينه؛ وعاد الماضي كما بدأ، وتعاهدا لا يفترقان في هذه المرة حتى ~~يبلغا آخر الطريق، وعادت البهجة إلى القصر الأبيض ورف النور من شرفاته! # | من أدباء الجيل # كانت أشعة المصباح ذابلة صفراء ترتعش لكل نسمة تهب، وكان الجو عاصفا والمطر يلطم ~~زجاج النافذة فينفذ رشاشه من فروجها ويسيل قطرات على الجدار. وفي زاوية من الغرفة كان ~~الفتى النحيل جالسا إلى نضد صغير يكتب ... # منذ ساعات والفتى في مجلسه ذلك، يستنزل الوحي ويتألف أشتات المعاني، لا يكاد يحس ~~شيئا حوله، والناس نيام. # يجب أن يفرغ من إعداد هذه الخطبة التي يكتبها قبل الصباح، إن هنالك من ينتظر ... # ودقت الساعة اثنتي عشرة دقة، فرفع رأسه عن أوراقه ووضع القلم وفي عينيه أثر الجهد ~~والإعياء ... وارتفق بذراعه على النضد الذي يتخذه خوانا بالنهار ومكتبا بالليل، فسمع له ~~مثل صرير الباب تضربه الريح ... ودار بعينيه في الغرفة التي تضم كل ما يملك من متاع، ينقل ~~بصره بين البذلة المعلقة بالمشجب، والطربوش الملقى على الوسادة، والفراش المشعث منذ ~~غادره في الصباح الباكر، ثم زفر زفرة ... وخرجت من بين الكتب المركومة إلى جانب الحائط ~~دويبة صغيرة تلتمس طريقها إلى الباب في تثاقل وبطء، وارتمى إليها نظر الفتى، فابتسم ... ~~ثم قلب شفته في رثاء وقال: «حتى أنت يا مسكينة ...! تسهرين الليل مثلي في البحث عن ~~القوت!» # ثم عاد إلى مكتبه وأوراقه ... # وفرغ الفتى من عمله، فأشعل آخر دخينة في علبته ... ثم أخذ يقرأ لنفسه ما كتب ... وأشرق وجهه ~~راضيا كأنما مسحت على آلامه يد رحيمة، ثم هب واقفا وعلى شفتيه ابتسامة الرضا ~~والسلام، وبسط أوراقه أمام عينيه ... وراح يقرأ: «أيها السادة ...» # وخيل إليه في موقفه ذاك ms094 أنه هو ما هو بين الناس، في جمع حاشد تشرئب أعناقهم إليه، ~~فلعب به الزهو واستخفته الكبرياء، واستمر يخطب ... ~~«... أشكر لكم هذا التقدير الغالي ... إن أمة تحتفي بأدبائها هذه الحفاوة العظيمة ...» # وأحس شيئا يخزه في صدره فلم يتم ... «التقدير الغالي ...! والحفاوة العظيمة ...!» أين هو ~~من هذه المعاني؟ # إنه منذ سنين يجاهد جهاده للفن والأدب، وينشئ كل يوم في تاريخ الآداب فصلا جديدا. ~~وها هو ذا اليوم حيث بدأ منذ سنين، لا يذكره أحد ولا يعترف له إنسان، ولم يجد عليه ~~جهاد السنين شيئا ... # ولكنه مع ذلك مسئول أن يعمل، وأن يدأب، لا يني ولا يستريح؛ لأنه يريد أن يعيش! # وغام وجهه بعد صفاء، وذبلت الابتسامة على شفتيه، وتخاذلت كبرياؤه، وعاد إلى نفسه يفكر ~~فيما عليه من فرائض الحياة. # لقد أوشك الصبح أن يسفر، وإن عليه موعدا أن يغدو مبكرا على الأديب الكبير «فلان ...» ~~ليدفع إليه الخطبة التي أعدها وبذل فيها سواد ليله وعصارة قلبه، ويقبض ثمنها، ذلك شأنه ~~معه منذ سنوات. # وطوى الفتى أوراقه كأنما يلف ميتا في أكفانه، ثم أطفأ المصباح وأوى إلى ~~فراشه. # واستيقظ بعد ساعات، فلبس بذلته ونفض الغبار عن طربوشه، ثم سك باب غرفته ومضى يهبط ~~السلالم درجة درجة، وفي يمناه الخطبة التي أعدها ليلقيها الأديب الكبير ... في حفلة ~~تكريمه! يا للسخرية! # وسار على حيد الطريق، ويسراه في جيبه تعبث بما فيه من قروش، وفي رأسه خواطر تصطرع ~~وتموج ... # أرأيت إلى الأب يمشي وحيدا في جنازة ولده العزيز ليشيعه إلى مثواه! كذلك كان يمشي ~~هذا الفتى وفي يمناه أوراقه مطوية في غلافها. # وعاج إلى بائع الصحف فاشترى واحدة، فأخذ يقلب صفحاتها حتى انتهى إلى الموضوع الذي ~~يبحث عنه، فمضى يقرؤه ... ~~... لم يكن موضوعا جديدا عليه، لقد قرأه من قبل مرات، وإنه ليعرف دلالة كل حرف فيه. ~~أتراه يقرأ الساعة من الصحيفة التي في يده أم يقرأ من غيب صدره ... وانقبضت نفسه حين ~~انتهى إلى الإمضاء، ثم ابتسم ... ~~... ماذا عليه أن يبيع المجد لطلابه بالمال؟ إنه يعطيهم ms095 مما يملك لينتفع منهم بما لا ~~يملك. وماذا يجدي عليه المجد والشهرة وذيوع الصيت وإنه لمحتاج إلى الرغيف؟ # ليت شعري، أي الرجلين أكثر جدوى على صاحبه: ذلك الذي يعطي القرش، أم هذا الذي ~~يأخذه؟ # وخيل إلى الفتى أنه عرف الجواب، فطابت نفسه وعاوده الشعور بالرضا والاطمئنان. ونام ~~الفتى في تلك الليلة ملء بطنه ... لا يعنيه من أمر الحياة شيء، وسهر الأديب الكبير ليلته ~~يستظهر الخطبة المعدة ليلقيها مساء غد في حفلة تكريمه ... # وأشرق الصبح، فنهض الفتى من فراشه ولبس بذلته وخرج لبعض شأنه، وعاج على ندي في الطريق ~~يتناول فطوره، فطاب له المجلس ... # وجلس إلى جانب الباب يتبع عينيه كل غادية ورائحة في الطريق، وتسرحت خواطره فنونا، ~~من مشهد قريب إلى معنى بعيد، وانفتل من دنياه يجري في عنان الأوهام ... فما صحا من أحلامه ~~إلا على صوت النادل يمد إليه يده بورقة الحساب، وعاد إلى الحقيقة ولكن بعد مشوار طويل ~~في وادي المنى ... # ودفع ما عليه ونهض؛ ليعود إلى غرفته فيغلق بابها عليه ويجلس إلى مكتبه يستنزل الوحي ~~ويؤلف أشتات المعنى، وانتهى مما كتب والشمس في صفرة الأصيل، فغادر غرفته عجلان؛ ليشهد ~~حفلة التكريم لمولاه! ~~... وكانت الردهة الفسيحة ليس فيها موضع لقدم، وقد نصت المقاعد صفوفا صفوفا فما بينها ~~فرجة تتسع لعابر، واختلطت أصوات المجتمعين فما يبين صوت من صوت. وسكنت الأصوات فجأة حين ~~بدت طلعة الأديب الكبير، وتطاولت إليه الأعناق تنظر، ومضى الأديب الكبير في طريقه ثابت ~~الخطو، وهو يرفع يديه إلى رأسه، حتى انتهى إلى مقعده في صدر المكان والعيون ناظرة إليه ~~... # ووجد الفتى مكانا في أدنى الردهة إلى الباب، فجلس وإنه ليشعر مما به كأنه غريب في هذا ~~المكان. # وتعاقب الخطباء خطيبا بعد خطيب، وشاعرا بعد شاعر، يمدحون الأديب الكبير ويعددون ~~أياديه، وهو مطرق الرأس من خجل، لا يزيد على أن يبتسم. # وخيل إلى الفتى في مجلسه البعيد من خياله أشياء، فكأنما هذا الاجتماع الحاشد وهذا ~~الثناء الرطب من أجله، من أجله هو وحده، وكأنما هو هو ms096 ولا أحد هناك، فأطرق رأسه من خجل ~~كذلك، لا يزيد على أن يبتسم! # وماذا يضيره أن يجهل الناس اسمه ومكانه، وإنهم ليعرفون من يكون بآثاره وأدبه؟ ماذا ~~يضيره أن يكون كتابه في أيدي القراء بلا غلاف ولا عنوان ...؟ # ومضت ساعة، ووقف الأديب الكبير ليؤدي واجبه لهؤلاء الذين اجتمعوا لتكريم أدبه والحفاوة ~~به، وأخذ يقرأ من غيب صدره: # أيها السادة # وأشكر لكم هذا التقدير الغالي ... إن أمة تحتفي هذه الحفاوة بالنابغين من أدبائها لحقيقة ~~بالخلود ... # وقال الرجل الذي يجلس إلى جانب الفتى في الصف الأخير ونظر إليه: «لله ما أحكم منطقه ~~وأسد بيانه!» # قال الفتى: «شكرا!» # وسمعها جاره فابتسم، وماذا يملك أكثر من أن يبتسم؟ إنه ليعرف أن مجالس أهل الأدب هي ~~أحفل المجالس بالمجانين! # واستمر الأديب الكبير يخطب: # إني لمدين للأمة بما أبذل لها من أعصابي ومن دمي، شاكر لله ~~ما وهب لي من قدرة تهيئني لأن أكون بهذا المحل الرفيع بين أبناء قومي ...! # إن الأدب الذي يسمو بضمير الأمة، ويشرع لها طريقا إلى المجد والخلود ... # والتفت الفتى إلى جاره يقول: «لقد نسي فقرة طويلة ... إنها كانت أجمل ما في ~~الخطبة!» # ونظر إليه جاره فلم يتمالك إلا أن يضع راحته على فمه يكتم ضحكة يخاف أن تفلت، وتنبه ~~الفتى بعد سهوة، فاحمر وجهه ثم اصفر، ثم نهض فغادر المكان ... # ونهض الفتى من فراشه مبكرا بعد ليلة ساهدة، فقصد إلى دار الأديب الكبير يهنئه على ما ~~نال من إعجاب الناس وما ظفر به من التقدير والمكانة، ويستعينه على أمر ... وقرأ صحف الصباح ~~في الطريق، فعرف ما فاته مما كان في الليل ... # ودق الجرس فانفتح الباب، وقدم الفتى بطاقته إلى الخادم، فخلفه واقفا بالباب ينتظر ~~ودخل يستأذن سيده، ثم عاد إليه بعد لحظة يعتذر. واحمر وجهه من الغيظ، ولبث واقفا ~~بالباب برهة، ثم مشى وفي نفسه ثورة تضطرم، ومضى على غير وجه. # وتذكر الفصل البديع الذي انتهى من كتابته أمس قبل أن يغادر غرفته إلى مكان الاحتفال، ~~فأخرجه من جيبه ومشى يقرؤه ms097 ... # لا، لا، لن يكون بعد اليوم ذيلا لأحد يبيعه نفسه برغيف من الخبز. إنه ليعرف اليوم قدر ~~نفسه أكثر مما عرف في يوم من الأيام، لقد قالها الناس أمس كلمة «صريحة» وعتها أذناه، ~~إنه هو هو وإن جهل الناس اسمه ومكانه! # وسعى إلى إدارة الصحيفة التي نشر فيها أول ما نشر من منشآته منسوبا إلى الأديب ~~الكبير، وأي الصحف أولى بتقدير أدبه والاعتراف بفضله من الصحيفة التي عرف منها «الأديب ~~الكبير» أول ما عرف، ثم كانت هي أول من دعا إلى تكريمه والحفاوة به؟ إنه لهو هو وإن ~~جهلت الصحيفة اسمه ومكانه! # واستأذن على المحرر ودخل فدفع إليه الورقات التي في يده ... ونظر المحرر نظرة إلى وجهه ~~وهندامه، ثم أثبت وضع النظارة على عينيه، وأخذ يقرأ هذه الورقات، ولكن من آخرها، ثم ~~دفعها إلى الفتى؛ وفي صوت متأنق سمعه الفتى يقول: «يا بني، إنها محاولة، وإني لأرجو أن ~~يكون قريبا ذلك اليوم الذي ننشر فيه ما تكتب، بعد أن تأخذ عدتك وتنضج ...!» # وفتح الفتى فمه وهم أن يتكلم، ثم سكت، واتخذ طريقه إلى الباب في صمت ... # ومن النافذة التي طالما سهر بجانبها الليالي إلى مكتبه يستنزل الوحي ويؤلف أشتات ~~المعاني، وقف يطل على الناس ساخرا، ثم أخرج الورقات من جيبه فمزقها وأسلمها إلى الريح ~~تنثرها على الرءوس كسرب مذعور من الطير الأبيض! ~~... وحين نشرت الصحف أن الحكومة قد رصدت من مال الدولة بضعة آلاف لمعاونة الأديب الكبير ~~فلان ... على تنفيذ مشروعه الأدبي العظيم ... كان الفتى جالسا يقرأ الجريدة في ظل شجرة على ~~رأس الحقل، ويستريح برهة مما جد في الحرث والزراعة. # وخار الثور المربوط إلى المحراث كأنما يريد أن ينبه الفتى إلى أنه قد آن أوان ~~العمل. # وطوى الفتى صحيفته ونهض إلى محراثه وعلى شفتيه ابتسامة ... # ومضى يوم، وعادت الصحف فنشرت أن الأديب الكبير فلان قد كتب إلى الحكومة يشكر ويعتذر؛ ~~لأنه قد اعتزل الأدب فما له هفوة إليه بعد. # وأسف الناس إذ قرءوا ما قرءوا، وإن بعضهم ليسأل بعضا ms098 عن السر، ولكن شخصا واحدا كان ~~يعرف السر، وكان يبتسم ...! # | حقيبة الذكريات # في حارة «قصر الشوق» من حي الجمالية بالقاهرة، وإلى الشمال الغربي من مسجد ~~«أبي عبد الله الحسين» حيث لا تزال القاهرة التي بناها المعز قائمة في هذه القباب والمآذن، وتلك ~~الدروب والمسارب، وهذه الدور الرحيبة المتقادمة التي تفضي إليها من باب إلى باب إلى ~~أبواب. ~~... هناك، حيث التاريخ الغابر ما يزال حيا ناطقا في كل ما تقع عليه العين من مشاهد ~~وآثار وناس، كأنما اجتمع تاريخ مصر الإسلامية كله في زمان ومكان، فلا يزال النظر ~~يتنقل من منظر إلى منظر يذكر بالماضي كعهده يوم كان، من جيل إلى جيل إلى أجيال ~~... ~~... هناك، حيث لا تزال ترى وتنظر ألوانا من الناس في سمات وأزياء وملامح، كأنما تشهد ~~بقايا من سلائل الفاطميين وأبناء المماليك وجند السلطان سليم ... ~~... هناك في هذا الحي نشأ توفيق ... # تراه، فلولا طربوشه الأحمر ولسانه العربي لحسبته واحدا من أولئك السياح الأجانب الذين ~~يفدون إلى بلادنا كل شتاء للدرس أو للرياضة. أما أبوه فله في الحي جاه واعتبار، وإن له ~~ميراثا من تاريخ هذا الحي العريق يمتد إلى أجيال، منذ دخلت مصر جيوش السلطان سليم. ~~وأما أمه فنازحة من دمياط، فلعلها بقية من سلالة بني أيوب. وأما هو فإنه ابن أمه وأبيه ~~... # ونشأ نشأة أهله على صلاح وتقوى ودين، لا يعرف له طريقا إلا إلى المدرسة أو المسجد، ~~فلم يعبث به الهوى مرة ولم يغتره الشباب ... # وأتم في التعليم مرحلتين، فأراد أبوه أن يلحقه بالجامعة، ولكن ميراثا في دمه كان ~~يزين له ركوب البحر، فسافر إلى إنجلترا ليدرس فنون الملاحة ويتهيأ لما أراد ... # وانتقل توفيق من جو إلى جو: من الجمالية في ظلال القباب والمساجد وأضرحة الأولياء، إلى ~~دنيا الهوى ومسارح اللهو وملاعب الجمال ... ورأى، وسمع، وعرف ... # ونظرت إليه جارته الحسناء، فما كانت إلا نظرة وجوابها حتى كانا ذراعا إلى ذراع ~~... # وعاد توفيق إلى غرفته في الفندق وقد أوشك الصبح، وإنه من صاحبته على ميعاد، وكأنما كان ms099 ~~في حلم فاستيقظ، فلم يأو إلى فراشه إلا بعدما أخرج دفتره ليكتب في مذكراته. إنها لحادثة ~~جديرة بأن يذكرها في تاريخه. ثم أغمض عينيه ونام ... # وعرف توفيق منذ اليوم أن في الحياة أشياء غير ما كان يعرف ... # وكان في طريقه إلى صاحبته هذه ذات مساء، حين اعترضت سبيله فتاة غيرها، ونظر ونظرت، ~~ثم كان تاريخ، وذاق توفيق لونا آخر من ألوان الحب. # وعاد إلى غرفته ليكتب في مذكراته، وطوى صحيفة وبسط أخرى ... # وخلع توفيق وقاره، وألقى بنفسه في تيار الحياة، وتتابعت حوادثه في فصول وأبواب، وامتلأت ~~حقيبته صورا وذكريات ... # وتجرد توفيق من ماضيه، فلم يبق في ذكراه من صورة الأمس إلا رسوم حائلة يكاد يبليها ~~النسيان، ولكن شيئين اثنين لم يغفلهما توفيق: دروس الملاحة التي هجر من أجلها وطنه ~~وأهله، ومذكراته التي يثبت فيها مغامراته في الحب كل ليلة قبل أن ينام! # وانتهى توفيق من دروسه، فالتحق بشركة كبيرة من شركات الملاحة الإنجليزية تجوب البحار ~~بين سواحل القارات الخمس، وركب ظهر البحر يتنقل بين البلاد، وفي يده «حقيبة الذكريات» ~~يثبت فيها فصلا من مغامراته كلما هبط ميناء من المواني. لم ينس واجبه قط في ليلة ~~من ليالي الأرض أو ليلة من ليالي الماء. # لكأنما كان يجوب البحار على هذه السابحة لغاية واحدة، هي أن يذوق الحب في كل ميناء ~~ترسى فيها السفينة ويصف ... # وذاق الحب في كل ألوانه، إلا اللون الواحد الذي يكون معه الدمع. # لقد كان يخلع حبه دائما في الظلام قبل أن يفارق الغرفة المسدلة الستائر ويغلق الباب ~~وراءه، فإذا عاد إلى غرفته من الفندق أو من السفينة، بسط أوراقه وكتب، وتنتهي قصة حب فلا ~~يبقى منها إلا سطور مكتوبة. # ومضى توفيق على وجهه، والشر يغري بالشر ... ~~... واجتازت السفينة مضيق جبل طارق في طريقها إلى الشرق، وأسر إليه صاحبه «ماجدو» ~~حديثا فابتسم، ومضت السفينة بهما تمخر عباب الماء، واجتازت الدردنيل إلى البحر الأسود؛ ~~لترسى في ميناء «كونستانزا» على ساحل رومانيا بلاد الجمال والحب. # وهبط توفيق وصديقه إلى البر ms100 وراحا يضربان في المدينة ليذوقا الحب ... الحب الذي ينتهي ~~في الظلام، في غرفة مسدلة الستائر مغلقة الأبواب! # وقال ماجدو: «إن في هذا المتجر يا صديقي فتيات للحب ... لقد أخبرني صديق زار «كونستانزا» ~~من قبل ...» # ودخل الصديقان المتجر وراحا ينظران، ووقف «ماجدو» يتحدث إلى بائعة المناديل، وذهب توفيق ~~إلى جارتها، ونظر إليها ونظرت إليه، وتحدثت عينان إلى عينين، وقالت الفتاة بصوت مضطرب: ~~«هل يريد سيدي ...؟» # ولكن توفيق لم يكن يريد شيئا غيرها ... # لقد ذاق توفيق من الحب ألوانا وفنونا، ولكنه لم ير من قبل مثل هذا الفن وهذا ~~الجمال. # لكأنما كان يتنقل في البحار من شرق الأرض إلى غربها؛ ليدرك موعدا واعده القدر إياه ~~في هذا المكان. # وإن صوتها لينفذ في أعماقه وله رجع بعيد، كأنما كانت تهتف به من وراء البحار: إلي ~~يا حبيبي إلي؛ فإني أنتظرك منذ أزمان! وأحس لأول مرة أنه وأنها ... وأحست، وتواعدا ~~على اللقاء. # والتقيا على موعدهما، وجلسا يتحدثان، وقال وقالت، وعرفت أن صاحبها مصري، فصاحت فرحانة: ~~«مصري! ما أجمل هذا! إن بيننا نسبا يا صديقي؛ إن أبي من تركيا، أعني جدي، إنني لست ~~رومانية خالصة، ومع ذلك ...» # وسكتت «مارتزا» فلم تتم، لقد رأت في عين صاحبها نظرة زعمت أنها تفهم معناها. وأحس ~~توفيق إحساسا جديدا منذ الساعة. إنه ليشعر كأنما يتحدث إليه القدر بلسان هذه الفتاة ~~حديثا لا يكاد يعيه ... # وتناول يدها بين راحتيه، ومال عليها فقبلها، واغرورقت عيناه. # لقد جلس توفيق مثل هذا المجلس من قبل مرات ومرات، ولكنه لم يكن في مرة منها في مثل ~~حاله الليلة. هذه فتاة لم يعرفها إلا منذ ساعات، دعاها إلى خلوة للهو والشراب فما تأبت، ~~ما له يحس في مجلسها هذا الإحساس الغامض حتى لا يكاد ينظر إليها نظرة رجل إلى امرأة؟ ~~وما باله يشعر في مجلسه منها كأنه قد ارتفع عن بشريته، حتى ليستشعر الندم لأنه دعاها ~~إلى هذا المجلس من مجالس اللهو الحرام؟! # وشعر كأن روحا خفيا يهمس في نفسه، وشعاعا لطيفا من نور الله ms101 ينفذ إلى قلبه، فكأنما ~~قام بينهما حجاب من الوهم يمنعه أن ينفذ إليها ويمنعها. # وأطاف به طائف فأطرق، ثم رفع إليها عينين ونظر ... وانمحت فيه كل معاني «الجنس» لتحل ~~فيه كل معاني «الإنسان». ~~... ثم فاء إلى نفسه بعد برهة، فسخر من نفسه وراح يقاوم هذا الطارئ الجديد في قلبه ويسكب ~~في كأسها وفي كأسه، وأخذا يشربان ... وانتصف الليل، وصحبته الفتاة إلى غرفته ... فإنها ~~لتعرف أن عليها لصديقها حقا ينبغي أن تتهيأ له، فما يدعوها مثله من رواد البحار إلا ~~لمثل ذلك ... ~~... ولكنه ... ولكنه في تلك الليلة كان غير من كان، ونام ونامت كما يقتسم الأخوان الفراش ~~... # ولما قام ليودعها في الصباح إلى الباب، كانت مطرقة برأسها إلى الأرض وفي عينيها ~~دموع! # وتلاقيا من بعد مرات، ودعته إلى زيارة أهلها فلبى، وتوثقت بينهما عقدة الحب على ~~طهر وعفاف. # وذاق توفيق لونا من الحب لم ينعم بمثله فيما فات من أيامه. # وقال لها: «مارتزا! سنفترق يا حبيبتي، وستبحر السفينة بعد أيام لتضرب في مجاهل البحار، ~~فاذكريني، واكتبي إلي كلما تهيأت لك الفرصة!» # وتغرغرت عين الفتاة وقالت: «بربك لا تذكر الفراق! خذني معك، إنني لا أطيق!» # وفكر الفتى قليلا، ثم ذهب إلى الربان يرجوه أن يقبل مارتزا وصيفة في السفينة؛ ولكن ~~السفينة لم تكن في حاجة إلى وصيفة على من فيها، فعاد توفيق إلى صاحبته ينوء بهمه. # وأبحرت السفينة بعد أيام، وراحت مارتزا تودع صاحبها وهي تتجلد، ووقفت على الرصيف ~~تلوح بيدها ويجيبها، ثم صفرت السفينة وراحت تشق الماء، وسقطت الفتاة بين يدي أمها ~~في غشية، وحملوها إلى دارها. وجاء الطبيب، ولكن مارتزا كانت من الصدمة التي نالتها بحيث ~~لا يجدي عليها احتيال الطبيب. # وجلست أمها بجانب فراشها تبكي، ووقف الطبيب حيران، ولم تفق مارتزا من غشيتها. # وراحت السفينة تشق البحر بحيزومها، وعلى ظهرها توفيق، وخلفت على الشاطئ فتاة بين ~~الحياة والموت. # ولكن السفينة لم تكد تمضي على وجهها حتى جاءتها الأنباء بأن المجاز مغلق في طريقها، ~~فعادت أدراجها إلى كونستانزا حتى يصدر ms102 إليها الأمر بالسير. # وأرست السفينة، فهبط توفيق مسرعا إلى البر ليرى فتاته ويأنس بها ساعة، وهو لا يعرف من ~~أمرها شيئا، ودق الباب ودخل، وكانت تهذي باسمه، وفزع توفيق وجرى إليها وهو يصيح: ~~«مارتزا! مارتزا!» وأفاقت مارتزا بعد غشية يومين، وشفاها لقاء حبيبها حين عجز ~~الطبيب! # وثابت إلى الفتاة قوتها رويدا رويدا، ولكنها لم تفارق فراشها ولم يفارقها توفيق، ومضت ~~أيام، وصدر الأمر إلى السفينة باستئناف رحلتها، وخاف توفيق أن ينال الفتاة ما نالها أول ~~مرة لو علمت أنه موشك أن يفارقها، فأسر الخبر إلى أمها لتحتال في أمرها ... # ومضى توفيق ليؤدي واجبه في السفينة وهو محزون أسوان، وكان باقيا على إبحار السفينة ~~ساعات حين جاء الربان يسأله: «توفيق، إنك تعرف فتاة كانت تريد أن تعمل وصيفة في السفينة؛ ~~فهل يمكن أن تدعوها الآن؟ إن إحدى وصيفاتنا مريضة وقد غادرت السفينة إلى المستشفى، ونحن ~~في حاجة إلى بديل!» # ولم يتلبث توفيق، فما هو إلا أن أسرع إلى صديقته يدعوها، وأبحرت السفينة وعلى ظهرها ~~الحبيبان ... # وكان على رصيف الميناء عجوز تلوح بمنديلها. # توفيق وأخته: هكذا كان يعرفهما ركاب السفينة جميعا: الملاحون والركاب. # ومضت السفينة بهما تشق البحار من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، ينعمان ~~بالحب وسعادة اللقاء، لا يظنان أن سيفرق بينهما شيء، وتمازجت روحاهما حتى ليس بينهما ~~سر، وسالمتهما الليالي ... ومضت سنوات ... # وكانا في إحدى المواني حين جاءت الفتاة برقية بأن أمها تحتضر. وكان الفراق، وباعدت ~~الحادثات بينهما، ولكنه لم ينس، ولكنها لم تنس؛ فإنه ليكتب إليها وإنها لتكتب ~~إليه. # وفعل به الفراق ما فعل حتى لا قرار له، فليس له أمنية من بعد إلا أن يعود ما كان. ~~وتصرمت السنون والفتى في حنين دائم وشوق لا يغلب. # وحن توفيق إلى أهله، فآثر العمل في شركة مصر للملاحة؛ ليكون جهاده لبلاده، ولم ينس ~~«حقيبة الذكريات» فإنه ليصحبها معه أين يكون، يستروح منها نسمات الحب، ويأنس إليها في ~~ساعات الوحشة ... # ومضت الباخرة «زمزم» تتهادى من ميناء السويس في طريقها ms103 إلى جدة في ديسمبر سنة 1938 وعلى ~~ظهرها الملاح «توفيق»، ثم أرست، وركب الحجاج الفلك إلى رصيف ميناء جدة ومعهم توفيق ~~محرما بالحج. # وطاف الحجيج بالبيت ملبين ضارعين، ووقف الفتى حيث بدأ الناس، لا يتقدم ولا يتأخر، ~~وحضرته الذكرى، فرأى كتابه منشورا على عينيه بما فيه من خطايا وآثام، وهم أن يرفع ~~رأسه فما أطاق، كأنما يحمل أوزار السنين على كاهله، وتندت عيناه بالدمع ... وتذكر يوم ~~كان ... فتى يخطو إلى العشرين في حارة «قصر الشوق» لا يحمل من هم وليس له ماض، فترامى ~~على أستار الكعبة نادما يستغفر، وانهملت دموعه على خديه ... # وعادت زمزم تخطر على ثبج الماء، وعلى ظهرها ركابها مهللين داعين، ترف على شفاههم ~~بسمات الرضا والاطمئنان. # وعاد توفيق إلى غرفته من السفينة راضيا مبتسما طاهر القلب، كما كان يوم ركب السفينة ~~أول مرة من ميناء الإسكندرية منذ تسع سنين ليتعلم الملاحة. # ونظر إلى متاعه فرأى ... وكأنما برزت حقيبة الذكريات لعينيه أول ما نظر لترده إلى ذلك ~~الماضي الذي رماه عن كتفيه منذ قريب. # ونازعته الذكرى، فخار عزمه وأحس في نفسه الوهن، واصطرعت في نفسه قوتان، فعاد ينظر ~~إلى الحقيبة بين لهفة وندم وإشفاق، ثم دنا منها فتناولها ومشى بطيئا ثقيل الخطو حتى بلغ ~~حافة السفينة ... وطوح بها وهو يقول: «أيها الماضي الذي كان، اذهب إلى غير معاد.» ~~... فرغ صديقي توفيق من قصته إلي، فما كاد يبلغ نهايتها حتى اختلجت شفته وتندت عيناه ~~بالدمع، ثم أردف: «يا صديقي، لقد أذكرتني ما كنت أريد أن أنساه وحسبت أنني قد فرغت من ~~أمره منذ عام وبعض عام؛ فإني لأحس الساعة أن الجرح الذي اندمل قد عاد يدمى ... لا لا، ~~ولكنه ماض قد انطوى وفرغت من أمره ...!» # وصمت ساعة، وانطفأ بريق عينيه وأطرق، ثم عاد فرفع رأسه وكأنه عائد من سفر بعيد ... ثم ~~تناول قلمه وبسط بين يديه ورقة وراح يكتب إليها: # عزيزتي مارتزا ~~... ... ... ... ... ... ... ... ... ... # | ورقة النصيب! # جلس «إسماعيل» على المقعد الخشبي بجانب غرفته على السطح، يغني في حنين الواجد ولهفة ~~المشتاق ms104 بعض أغنيات بلاده، ويتابع بعينيه الشمس الغاربة منحدرة انحدارها اليومي كأنها ~~جمرة تطفأ في النيل ... # كان يعيش في هذه الغرفة من منزل كبير في حي «بولاق» يشرف من بعد على النيل، فكانت ~~سلوته وأنسه أن يجلس ببابها عصر كل يوم، من لدن عودته من المدرسة حتى يعم الظلام، ثم ~~ينهض فيسرج مصباحه ويكب على مصوراته ودفاتره. # وقد انحدر منذ عام من بلده في الصعيد الأدنى عقب حصوله على شهادة «الكفاءة» ليطلب العلم ~~بمدرسة الفنون ... # كم كان مفتونا بالقاهرة قبل أن يهبط إليها، ولوعا بها أشد الولع. ولعله لم يمعن ~~في الجد والدأب للحصول على الشهادة إلا لأنه كان موعودا أن يبعث إلى القاهرة إن جاز ~~الامتحان ... # فلما هبط إليها إذا هي تتضاءل وتتضاءل على الأيام حتى لم تعد إلا هذا الحي العتيق ~~الذي يسكنه، وهذه الطريق الملتوية التي يسلكها كل يوم بين مدرسته والبيت، وهذا السطح ~~الذي يشرف منه على أطلال الحلم السعيد؛ أطلال القاهرة التي عرفها في الخيال، واستمتع ~~فيها بلذة المنى وأحلام الشباب ... # وكم كان يتمنى أن يتيح له الحظ ليلة سعيدة من تلك الليالي العابثة التي عاشها في ~~القاهرة أول ما هبط إليها، ولكن ... من أين له المال؟ # إنه لا يزال يذكر في لهفة وشوق تلك الليالي السعيدة، وما يزال يذكر أيضا في ألم وحسرة ~~أنه احتمل مما أنفق في تلك الليلات ما لم تكن له به طاقة من ألم الجوع وذل الحرمان، وأبى ~~أن يكتب إلى أبيه يومئذ أنه فارغ اليد مما أسرف على نفسه! # وقنع من أحلامه بهذه السكنى الهادئة، وبأن يعيش من الجنة في ظل حائطها الفينان، وعرف ~~فيه بنات الدار شابا جم الحياء، عفيف اللسان والنظر، فألفن الصعود إلى السطح في ~~الأصيل يستمعن إلى ترجيع أغانيه في طرب ونشوة، ثم يتفرقن قبل أن يزحف الظلام، وألف ~~إسماعيل أن يراهن كل يوم، وأن يبادلهن الحديث البريء في شئون وفنون ... وزال الحجاب ~~بينهما على الأيام ... # وأطال إسماعيل الجلوس يومئذ حتى غابت الشمس ولم تصعد واحدة ms105 . ترى ماذا منعهن الليلة وقد ~~اعتدن واعتاد منذ شهر أو يزيد - منذ سكن هذه الدار - أن يجالسهن جميعا أو أشتاتا، ~~ساعة أو بعض ساعة كل مساء ...؟ ومد الظلام رواقه على القاهرة وعلى قلب المبعد ~~الولهان. # ودخل غرفته فأشعل مصباحه وبسط دفاتره، فإذا هو لا يكاد يرى، وإذا الكلمات والسطور تتلوى ~~أمام عينيه كما تشاهد فرقة زنجية راقصة ... # وطوى دفاتره وارتدى ثيابه وخرج إلى الطريق. كانت ليلة الجمعة، فلم يجد حرجا أن يقضيها ~~في السينما ... ووقف ببابها مترددا وهو يحصي النقود في جيبه، وعيناه تتبعان المارة ~~أزواجا وجماعات، وهو وحده من بينهم لا يتأبط إلا همه! ليته كان يستطيع أن يدعو واحدة ~~من صديقاته في الدار إلى نزهة، فيصحبها ذراعا إلى ذراع في الطريق كهؤلاء الذين يرى ...! ~~ولكن من أين له ... من أين له المال؟ # كم يكفيه ليقضي ليلة سعيدة في صحبة فتاة؟ لقد عرف القاهرة الآن عرفانا تاما، فلا ~~سبيل إلى أن يخدع؛ سيشاهد معها السينما في شرفة، ويتعشيان معا في مطعم، ثم يستقلان ~~سيارة إلى الهرم، ويشتري لها كل ما تهفو نفسها إليه في الطريق، وبعدئذ يعودان إلى ~~الدار ... # وفرغ من حسبته وهو يبسط أصابعه ويطويها يحصي ما أنفق وعيناه تأخذان كل من يمر به ... ~~جنيه، جنيه واحد يمكن أن يمنحه سعادة ليلة! وسخر من نفسه حين انتهى إلى ذاك ... من أين ~~له الجنيه ...؟ # ومر به غلام يبيع الجنيهات بالقروش، يبيع النصيب ... ومد إسماعيل يده فأعطى البائع ~~قرشا وتناول ورقة فطواها بعناية ووضعها في جيبه، كأنما هو يطوي الجنيه الذي سيصل بين ~~يقظته وأحلامه. ثم عاد إلى البيت فلم يشهد السينما. # لم يفكر في شيء من أمره في تلك الليلة، فنام ملء عينيه وملء بطنه، ورأى أباه في الرؤيا ~~بجلبابه الأسود الفضفاض، وعمامته التي تكبس أذنيه وتغطي بعض وجهه، جالسا بين غرائر ~~الفول على ظهر المركب المبحر إلى الشمال، يحصي ربحه ونفقاته، وقد اغبرت لحيته وعلا ~~التراب كتفيه. # ونهض إسماعيل في الصباح فنسي كل ما كان من أمره. وصعدت ms106 إحدى صواحبه إلى السطح لبعض ~~شأنها، وحياها وحيته وهو يبتسم كأنه يخفي عنها مفاجأة سارة، وعادت الفتاة، وعاد ~~إسماعيل إلى شئونه. # وأوقد النار، وراح يهيئ الفول بيده على طريقة بلاده، سوف لا يتغدى في المدرسة اليوم؛ ~~لأن اليوم عطلة، وفي فطور الفول ما يغني عن الغداء فلا تختل ميزانية اليوم ...! # ومر يومان، وراح يكشف عن بخته بين أوراق النصيب ... # وترقب الفتيات أن يسمعن غناءه فيصعدن إليه، ولكنه لم يعد، واستقل أول قطار إلى الصعيد ~~... # مائة جنيه؟ يا للبخت ...! لم تكن أحلامه لترتفع إلى هذا الحد ... إنها لثروة؛ وقسم النقود ~~قسمين، واشترى حافظة ثمينة فوضع فيها نصف ما ربح وخاط جيبه على الباقي ... لقد دبر ~~أمرا ليخدع أباه حتى لا يحرمه المال كله ... # وخرج الشيخ «متولي» من المسجد يداعب سبحته بيده ويتمتم بالتسبيح والدعاء، وهو في هم ~~ناصب لمقدم ولده من غير داعية ... وقبل الفتى يد أبيه، وقال له وهو يبتسم: كنت مشتاقا ~~إليك ...! # قال أبوه غضبان: مشتاقا إلي ...؟ وهل جئت من أجل ذلك؟ حسبتك رجلا يا إسماعيل! ~~- نعم ... ولكن ... ~~- لكن الرجل يجب أن يكون على قوة احتمال وصبر، ولست ولدي إن لم تكن رجلا! ~~- بلى، وإنما قدمت لأمر ... ~~- أي أمر ...؟ ~~- لقد ربحت خمسين جنيها فرأيت أن أجعلها عندك ... ~~- خمسين جنيها ...! ~~- نعم! # وانبسطت أسارير الرجل، وداعبت شفتيه ابتسامة، واتسعت حدقتاه، وعاد يقول: ومن أين لك ~~رأس المال؟ لم تخبرني من قبل أنك في تجارة ... ~~- لقد ربحت ورقة نصيب! ~~- وي ...! ورقة نصيب؟ قمار! ميسر ...! # واستوى عوده، وانكمشت يده، واختلجت شفتاه، ثم قال: لا، ويحك، لا تجعلها في مالي، إنني ~~رجل شريف، إن مالي من عرق جبيني فلا أريد أن يمحقه المال الحرام ...! ~~- أبي ...! ~~- اسكت لا أب لك، قم فردها إليهم، دعهم يفرقونها على أصحابها المساكين، من يد ~~كم بائس اجتمعت هذه القروش حتى عادت خمسين جنيها ...؟ إنهم يخدعون الجهال البائسين ~~فيسلبونهم القروش القليلة التي يملكونها؛ ليوهموهم أنهم سيقاسمونهم بعض ما يجمعون، بل ~~بعض ما يسرقون ...! ~~- وهل يمكن ...؟ ~~- يمكن أو لا يمكن، لن ms107 أجعلها في مالي؛ إنها ملوثة، قذرة. هل تعرف من أين اجتمعت ~~...؟ ~~- لا أعرف ...! ~~- المال الحلال يعرف دائما مأتاه ...! # كان الولد يضحك في سره ووجهه عابس، ولم تنته المناقشة بينهما إلى حد، فقد تحرج ~~الشيخ الورع أن يضم ربح «الميسر» إلى ماله، ولكنه لم يسأل نفسه عما سيفعل ولده بالمال ~~... # وعاد إسماعيل إلى القاهرة، ولكنه لم يأو إلى داره إلا بعد ليال ثلاث ... وأطل الفتيات ~~من خلف الباب يشهدن إسماعيل عائدا إلى الدار يصعد الدرج في زهو وكبرياء، وعليه بذلة ~~جديدة، وفي عينيه فتور ينبئ أنه قضى ليله سهران ... # وترامى إليهن غناؤه من فوق السطح أكثر حنانا وفتنة، كما بدا هو أكثر مرحا ونشاطا ~~مما كان. وتبادل الفتيات النظر، ثم ولجن غرفهن وغلقن الأبواب ... # لم تحاول واحدة منهن أن تصعد إليه بمرأى من صواحبها، فقد بدا لهن مما تغير من هيئته ~~وحركاته كأنه شخص آخر غير إسماعيل الذي يعرفنه ويثقن بعفته وأدبه، وكأنما ألقي إليهن ~~جميعا معنى واحد، فخجلن أن يبدون له، ولكن كل واحدة منهن راحت تؤمل أن تجد فرصة من ~~غفلة رفيقاتها لتصعد إليه وحيدة، وسبقت بعضهن إليه، ولكنها لم تظهر له أو لواحدة من ~~صواحبها أنها تعمدت أن تصعد ... # واستقبلها إسماعيل ضاحكا، وهز يدها بلطف، وجلسا يتبادلان الحديث. ثم افترقا على ~~ميعاد ... ووجد الفتى تعبير رؤياه، وكان حلما أشرق عليه الصبح فأتمته اليقظة التي تصنع ~~الأحلام! # ولكنه لم يقنع بسعادة ليلة، وعاد يتعرف القاهرة من جديد؛ القاهرة التي فتنته قبل أن ~~يراها، والتي ذاق فيها من ألم الحرمان أكثر مما ذاق من لذة الوهم، وراح ينتقم لشهوات ~~نفسه التي قمعها على ألم وضيق عاما وبعض عام ... # ونفدت دراهمه ...! # لم تجر سفينة الشيخ متولي مجراها كما كانت، فركدت ريحه، وأدبرت أيامه، وعادت الحياة ~~تقتضيه مضاعفة الجهد وبذل الموفور. # وجلس إسماعيل مع أبيه ذات يوم صائف بباب متجره، ومر بائع النصيب، وتحلب لعاب الفتى ~~وطارت أمانيه إلى هناك، إلى القاهرة وليالي القاهرة، وإلى فلانة وصواحب فلانة، ولكنه ~~أفاق من حلمه ms108 حين رأى ذراعه إلى ذراع أبيه ...! # والتفت فإذا بائع اليانصيب لم يزل واقفا، وإذا أبوه يخرج من جيبه ورقات يكشف بينها ~~عن بخته، ثم يمزقها ويلقيها، وإذا هو يشتري غيرها فيطويها ويجعلها في جيبه ليضم صدره على ~~أمل جديد ... # ونهض الفتى من مجلسه ليخفي ابتسامة ساخرة ويرد إلى فمه كلمات تحاول أن تفلت ... # لم يعد الشيخ متولي يسأل نفسه: من أين اجتمعت هذه الجنيهات التي يحاول أن يشتريها ~~بالقروش ...؟ فلعله كان يعلم أنها اجتمعت من قروشه الكثيرة التي أداها هو إلى باعة البخت، ~~منذ تعلم أن يحاول شراء البخت بالمال ... منذ ربح ولده ... # وضحك «إبليس» من الشيخ متولي وهو يمزق الأوراق ويشتري غيرها، وقال لشيطان صغير وهو ~~يعلمه: انظر هذا الأبله ... ما أرسلت إليه ابنه إلا برسالتي، فقد علقته الحبالة! حسب ~~الإنسان الضعيف أن أريه الحرام مرة، فهذا أول عملي في طبيعته ... # قال الشيطان الصغير: ثم بعد ذلك ...؟ # قال المعلم: بعد ذلك - أيها الأبله - طبيعته ...! # | جندي مرابط # «راجح! حبيبي! أرجوك ... إن العدو لا يرحم ولا يعفو؛ فلا ترم بنفسك إليه ... احرص على ~~حياتك من أجلي يا حبيبي. عش لي، أو لا، فاقتلني وأسدل بيديك أجفاني قبل أن أرى فيك ~~مثل مصارع أهلي وأهلك يا راجح!» # كانت «بدرية» تتحدث إلى فتاها وقد أمسكت بكلتا يديه، ورفعت إليه عينين مخضلتين ~~بالدمع، وفي صوتها نبرة يأس وأسى. كانت موقنة بأنه لن يستمع إليها، ولن يجيب، ولكن جذوة ~~الحب التي تؤج في صدرها كانت تبعث في نفسها أثارة من الرجاء. # واستمع إليها الفتى صامتا وفي قلبه عواطف تصطرع، وفي رأسه خواطر تموج وتتدافع، وأوشك ~~أن ينتكث عزمه حين التقت عيناه بعينيها الدامعتين، وأحس شد يديها على يديه كأنما ~~تخشى أن يفر إلى أجله قبل أن تلقي إليه كلمة الوداع! # وبرز القمر من خلل أعذاق النخيل فألقى شعاعه على وجه الفتى والفتاة جالسين مجلسهما على ~~مقربة من مضارب الحي، وقد سكن كل شيء منهما ومما حولهما، إلا قلبا يجف وأنفاسا ~~تتردد ... # وثابت إلى الفتى نفسه ms109 حين أذكرته صاحبته مصارع أهلها وأهله. لقد كان موشكا أن يخور ~~وتضعف عزيمته، ولكن ذكرى ما أصاب أهلها وأهله ووطنه ... قد ردته إلى الرأي فاستعصم، ~~وأفلت من يدي صاحبته ووقف، وهتف: «نعم، ولكن دم آبائي يا بدرية، ودم أبيك، وشرف ~~الوطن ... كل أولئك يناديني، لقد أقسمت أن أنتقم أو أموت، وسأنتقم أو أموت ... ويومئذ ألقى ~~آبائي وآباءك، رافع الرأس فخورا بما بذلت لأهلي ووطني، من دمي ...» # وراح يدب على رمال الصحراء، تحت ضوء القمر، وبندقيته على كتفه، لم يحاول أن ينظر إلى ~~وراء فيودع الفتاة التي كان كل شيء في دنياها وكانت، ومضى ليجيب داعي الوطن. # كان ذلك منذ بضع عشرة سنة، حين زحفت جنود إيطاليا من مربضها الذي ترابط فيه منذ سنوات ~~على ساحل برقة، تحاول أن تبسط سلطانها على الجنوب كما بسطته على الشمال؛ لتعيد - فيما ~~زعمت - إمبراطورية الرومان في جوف الصحراء، وتنشئ لها عرشا من جريد النخل في ظلال ~~أغصان الزيتون ... # واصطرعت قوتان؛ أما إحداهما فتملك الحديد والنار وفي يدها السيف والذهب، وأما الأخرى ~~فكانت تملك الإيمان بحق كل أمة من خلق الله في أن تحيا حياة كريمة على الأرض التي أنبتها ~~الله فيها وأنبت آباءها وآباءهم من قبل على تسلسل الأجيال وتعاقب القرون ... ~~... والتقى الجمعان، وترامى الفريقان بنبالهما، وسال الدم، وعقد الدخان ضبابة سوداء فوق ~~رءوس العسكرين، ودارت رحى المنون. # وانتبه راجح وبدرية ذات يوم من سكرتهما، فإذا هما وحيدان بين الأطلال الدارسة، فقد فقدت ~~الفتاة أباها وعمها، وفقد الفتى عمه وأباه، وأقسم راجح من يومئذ قسمه وأبرم عزمه، لم ~~يثنه عما أراد تشبث الفتاة به ولم يجد عليها ... # ومضى الفتى لشأنه وخلف الفتاة في الحي تنتظر مآبه. # لم تهدأ ثائرة البادية يوما، على حين قد خيل للفاتح المغير أنه قد غلب وتسلط، فإن ~~جمرات تحت الضلوع لم تزل تبص بصيصها حينا بعد حين ثم تختفي، ولكنها لا تخبو. # وقاد راجح فرقته الصغيرة فمضى بها حتى أوى إلى غار في طريق الرائد والسابل والقافل، ~~يتربص على ms110 حذر ورقبة، فما يمر به ولي ولا عدو إلا برز له فعرفه نفسه وغايته ~~وخيره بين عاقبتيه ... # واستشرى أمر الفتى وقوي سلطانه وعز جنده، ووفدت إليه الوفود من أبناء البدو وأفلاذ ~~الصحراء مذعنين لأمره مطيعين، وعقدوا له اللواء. وحار الأعداء حيرتهم فما عرفوا سبيلا ~~إليه ولا منجاة منه، وإن لهم العدد والقوة والعتاد. # وترامت أخبار الفتى إلى فتاته، فرفعت عينيها إلى السماء تدعو الله مشفقة راجية. # وبث العدو سراياه بين الكهوف والوديان يطلب أثره ويلتمس غرته، وراحت الدبابات ~~الإيطالية تطأ الأخبية وتجوس خلال الديار، وحلقت الطائرات تقذف اللهب وترمي بالصواعق، ~~ومضت الكتائب المكتبة تحاصر القرى وتقطع الطريق؛ وانكشف المخبأ، ونشبت المعركة في ضوء ~~الصبح، وكان ما لا بد أن يكون، وأمعن العدو قتلا ومثلة حتى بلغ مبلغه، وتبدد الجيش ~~الصغير الباسل وتقسمته بطون الأرض أشلاء وجماجم ... وعادت طائرات الجيش الظافر تحلق في ~~سماوات القرى المغلوبة وترسل إليها التحية قذائف من جماجم بنيها الشهداء ...! # ولبس الحداد شعب بأسره، وأحدت بدرية على فتاها كما أحدت على أبيها وعمها من قبل ~~... # وفي بيت من الشعر إلى جانب الصحراء في شرق الإسكندرية، رأيت بدرية منذ بضع سنين ~~... # كنت أصطاف يومئذ هناك، وكان بيتها على مقربة من داري، فإنها لتغدو علي وتروح كل يوم ~~لحاجتها بين البيت والسوق، فأراها ... # لم أكن أعرف شيئا عن ماضيها، ولم يحدثني أحد بخبرها، وإنها لواحدة من كثيرات من ~~الأعراب المهاجرين من برقة قد ضربوا خيامهم هناك. ولكن مرآها مع ذلك كان يثير في نفسي ~~فضولا عجيبا، فما أكاد ألحظها قادمة من بعيد حتى تطيف بي خواطر وأسئلة لا أجد في نفسي ~~جوابها، فأتبعها عيني حتى تغيب ... # كانت بزيها البدوي، وعينيها الساهمتين، وشفتيها المطبقتين أبدا على ابتسامتها العابسة ~~تمثالا صامتا يرمز إلى أبلغ معاني الوحشة واليأس والحرمان، حتى لا يكاد يملك من يراها ~~إلا أن يتخشع ويصمت. وكان لها جمال، وفي سهوم عينيها سحر، وعلى جبينها طهر يتألق. ~~وعلى أنها - فيما تبدو لمن يراها - قد جاوزت الأربعين، فقد كان لها ms111 روح الطفل وخفته ~~... # وتكرر اصطيافي سنين عند هذا الساحل، وتعودت أن أراها، حتى لأفتقدها حين تغيب ... وعرفت ~~خبرها من بعد، فأعظمت وفاءها ورثيت لها. # لقد مضت بضع عشرة سنة منذ تلك الليلة التي خلفها فيها راجح ومضى لأمره يحاول أن يثأر ~~لأبيه وأبيها ويستنقذ وطنه، ولكنها على كر السنين لم تزل كأنها منه على ميعاد، وكأنما ~~كان ما كان منذ ليال، لم يزدها تعاقب السنين واختلاف الزمان وفراق الوطن إلا وفاء ~~لذكراه. # وجلت عن أرضها مكرهة فيمن جلا من عمومتها وبني أبيها، ولكن قلبها بقي هناك، حيث ~~وقفت لآخر مرة تتبعه عينيها وهو ماض تلفه رياح الصحراء في الليل القر. # وغنيت بذكراه عن الأمل في لقياه منذ جاءها النبأ الفاجع، ونذرت نفسها للوفاء بعهده، ~~فلم تتزوج ولم تخلع الحداد. # ونسيت ما كان من ماضيها ومن أيامها، إلا صورته وذكراه، وتأيمت العذراء ولما تخلع أبراد ~~الشباب! # وكانت بدرية في فراشها ذات مساء من سنة 1940، حين دوت زمارة الإنذار بغارة إيطالية ~~لأول مرة في الإسكندرية، تنذر أهل المدينة ليأخذوا أهبتهم للوقاية ... وأشرق الصبح وقد هجر ~~المدينة نصف أهلها فرارا بأنفسهم من الموت. وحملت بدرية متاعها ومضت مع الناس تلتمس ~~سبيلا إلى النجاة. # يا رحمة الله للمسكينة مما يطاردها من أحداث الزمن! # وأعياها المسير، فحطت متاعها عن كاهلها وجلست تستريح على حيد الطريق، ومر بها فوج ~~من الجند فمدت عينيها تنظر ... # لم يكن هؤلاء الجند من المصريين، نعم، ولم يكونوا من الإنجليز، ولكنهم طائفة من بدو ~~الصحراء قد اتخذوا شعار الجندية واصطنعوا نظامها، وعليهم شارة الجند المحاربين ... # ونظرت بدرية، فعرفت، فهتفت ... # ولكن هتافها تلاشى في ضجة الناس وزحمة الطريق، ومضت تعدو في آثارهم وتركت متاعها ~~تتقاذفه أقدام السابلة! # وانقطع بها الطريق فما بلغت ولا بلغ صوتها من يسمع، وكأنما كانت تنادي منادى من ~~التاريخ يفصلها منه بضعة عشر عاما من عمر الزمان! # وهامت المسكينة على وجهها ذاهلة لا تكاد تعي شيئا مما ترى أو تسمع، ليس لها هدف فيما ~~تسعى ولا غاية فيما ms112 تسير. # وأعيت بعد جهد فسقطت في الطريق ليس لها حس ولا حركة ولا مظهر من مظاهر الحياة، ثم ~~أفاقت لتسأل نفسها ويسألها الناس عن شأنها فلا تكاد تجد الجواب. # وتتابعت على عينيها ذكريات الماضي يوما يوما منذ كانت إلى أن صارت ... ونظرت يمنة ويسرة ~~ثم انطلقت تعدو ... # وعرفت بعد لأي أين تقصد، فمضت في طريقها ... # والتقى في خيمة الضابط المشرف على فرقة المتطوعين من أعراب الصحراء شخصان لم يتراءيا ~~وجها لوجه منذ بضع عشرة سنة، أما أحدهما ففتاة في الأربعين قد تقنعت بلفاع أسود حائل ~~وعليها ثوب مرقوع، وترف على فمها ابتسامة لم تنفرج عن مثلها شفتاها منذ سنين. وأما ~~الآخر فرجل أشمط مخدد الوجه في جبينه شجة ملمومة، يلبس حلة عسكرية وعلى رأسه طربوش ~~بدوي غليظ يكبس أذنيه ويتدلى زره على قفاه ... # وقالت الفتاة: «راجح!» # وغصت بريقها وتسابقت بوادرها على خديها. # وقال الرجل: «لم أكن أظن أن أراك ثانية يا بدرية!» # وتنفس نفسا عميقا، ومال بوجهه قليلا يحاول أن يخفي دمعة همت أن تقطر! # وكان الضابط المشرف جالسا إلى منضدة في صدر الخيمة يسمع تناجيهما وعلى شفتيه ابتسامة ~~الغبطة والرضا. # وعادت بدرية تقول: «راجح!» # وربت راجح على كتفها وهو يبتسم، وقال: «لا تخشي بعد اليوم شيئا يا بدرية، لن نفترق ~~طويلا بعد، لقد دنا اليوم الذي أرتقب يا عزيزتي من زمان، لأغسل الدم بالدم، وأنتقم، ~~ويومئذ نعود أعزة إلى الوطن الذي أكرهنا على هجرانه، ويومئذ ...» # وطأطأت بدرية رأسها من حياء، واسترجعت أماني عاشت بها حينا وعاش فتاها، وسرحا ~~بأفكارهما إلى بعيد، إلى حيث كان الملتقى كل مساء، تحت ضوء القمر، وفي ظلال النخيل ~~الشاخصة على مقربة من مضارب الحي، يتساقيان المنى ويتناجيان نجوى الشباب، وابتسم، ~~وابتسمت ... # ودوى بوق المعسكر يدعو فرقة المتطوعين من أعراب الصحراء إلى نوبتهم في العمل، فهب ~~راجح واقفا ومضى إلى واجبه تتبعه عينان تفيضان بالحب والحنان، ولسان يخافت بالنجوى ~~والدعاء ... ~~... كان ذلك بالإسكندرية في صيف سنة 1940 ... # وفي ليلة من ليالي البدر في ربيع سنة ms113 1945، وعلى بعد أميال إلى الغرب من مدينة ~~الإسكندرية، كان رجل وامرأة جالسين في ظل جذع من جذوع النخل على مقربة من مضارب الحي، ~~يتذاكران الماضي ويخافتان بالنجوى ... # وفي المدينة، على بعد ساعات من الحي، كان المذياع يتحدث إلى الناس حديثا يترقبونه منذ ~~بعيد مشوقين إليه، موقنين به قبل أن يكون كأن قد كان ... ~~... وراح المذيع يصف مصرع «موسوليني» في «ميلانو» ويقص عاقبة أمره، وتجاوز خيال ~~السامعين حدود الزمان والمكان فكأن قد رأوه في آخر مشاهده مصلوبا على السارية في ~~الميدان منكسا قد تدلى رأسه إلى الأرض كأنما يبحث في التراب عن مجده الذي كان ~~...! # وقال راجح وقد جاءه النبأ: «لو كان بيدي ...!» # قالت بدرية: «فهل كان ذلك إلا بيديك وأيدي إخوتك وأبناء عمومتك من أعراب البادية ...؟ لقد ~~كان سهمك هو الذي نفذ إلى حشاشته قبل أن يجهز عليه قومه!» # | الجائزة # في القرن الثالث بعد الميلاد، في عصر الملك الوثني «دقيانوس» خرج من مدينة طرسوس في ~~بلاد الروم، بضعة نفر من المسيحيين المؤمنين، فرارا إلى الله بدينهم من بطش الملك، ثم ~~لم يظهروا ولم يعلم عنهم شيء ... وكان منهم وزير الملك ...! ~~*** ~~... ومضت ثلاثمائة سنة، ومات دقيانوس، وقامت دولة على أنقاض دولة، ورفرف السلام على ~~المدينة التي تخضب ثراها بدماء الشهداء في عصر الطاغية دقيانوس، وعاد الناس أحرارا في ~~دينهم وفي شعائرهم، وعاش المسيحي إلى جانب اليهودي إلى جانب الوثني في طرسوس، إخوانا ~~متحابين، لا يسأل أحد أحدا عن دينه ولا يجادله في مذهبه. وانصرف كل لشأنه ~~وحاجته. # وجلس «صهيون بن يهوذا» إلى مكتبه ذات صباح بجانب النافذة من غرفته الواسعة المشرفة على ~~الطريق وبين جنبيه هم يعالجه ... # لقد كان صهيون كاهن اليهودية الأعظم في طرسوس، ولكن شئون طائفته لم تكن تشغله يوما عن ~~شئون نفسه، وكان مؤمنا مسموعا بالتقوى والفضيلة، عالما مشهورا بالاطلاع وسعة ~~المعرفة، مؤرخا يروي عن السلف ويحفظ أيام الأمم ويقص ماضي التاريخ، ولكنه كان إلى كل ~~أولئك يهوديا من بني إسرائيل، يحب المال ويحسن تثميره وتربيته ... ومن ذلك ms114 كان أكثر ~~همه حين يخلو إلى نفسه. ~~... وطال به الوقت وهو جالس إلى مكتبه يحسب ويعد، ويقبض أصابعه ويبسطها في حسبة لا ~~تنتهي، ويحصي ما معه من الدراهم وما سوف يأتيه، ثم ابتسم راضيا ونهض عن كرسيه لحظة، ثم ~~عاد بكتاب مخطوط فبسطه تحت عينيه وجلس يقرأ ... # ذلك كتاب قديم لم يقرأه أحد قبل صهيون إلا كاتبه نفسه، وقد عثر به منذ أيام عند يهودي ~~هرم من سدنة المعبد فاشتراه بنصف درهم ... # وأخذ يقلب الكتاب صفحة صفحة وهو يقرأ عجلان غير متريث، ثم وقع فجأة على خبر استرعى ~~انتباهه وأيقظ شيئا في نفسه، واستمر يقرأ: ~~... وكان «ميشلينيا» وزير الملك الوثني الطاغية «دقيانوس» مسيحيا مؤمنا، ~~ولكنه كان لا يجهر بدينه عند مولاه، وقد اتخذ في داره معبدا لا يعرف الطريق ~~إليه إلا صديقه «مرنوش» حيث يلتقيان كل مساء لعبادة الرب الأعظم. # وهز صهيون رأسه مبتسما وهو يقول: «ما أبدع هذا!» ثم عاد يقرأ: ~~... ووقف دقيانوس على سر ميشلينيا وصاحبه فثارت ثائرته. # وخفق قلب صهيون بعنف إشفاقا على الفتيين من ثورة الملك الذي لا يرحم، واستمر يقرأ: ~~... وتوعد الملك وزيره بأقصى العقاب، وضرب له أجلا يفيء فيه إلى نفسه قبل ~~أن يمضي فيه أمر الملك ويحل عقابه ...! # وازدادت خفقات قلب الكاهن عنفا وشدة، وحضره ما يذكر من سيرة هذا الطاغية المتأله ~~الذي خضب أرض طرسوس بدماء المؤمنين من رعيته، كبرياء على الله، في غير رحمة ولا ~~إحسان! # ثم عاد الكاهن يقرأ: ~~... ولكن يد دقيانوس لم تنل ميشلينيا وصحبه، فقد استطاعوا الفرار من بطش الملك ~~الجبار إلى مكان لا يعلمه أحد ... كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة ~~... # وشاع السرور في نفس صهيون حين بلغ هذا الموضع من قصة أهل الكهف، وتمتم صلاة خافتة يشكر ~~الله، ولكنه استمر يقرأ: # وبلغ دقيانوس نبأ فرار ميشلينيا وصحبه فغلى غليانه، وسمى جائزة - مائة ألف ~~درهم - لمن يأتيه بميشلينيا حيا ... # وبلع صهيون ريقه وأفلت الكتاب من يده. مائة ألف درهم! يا لها من ثروة! ليته كان في عهد ms115 ~~دقيانوس ، إذن لفعل كل ما يقدر عليه ليظفر بالجائزة ...! ما الوثنية؟ ما اليهودية؟ ما ~~المسيحية؟ ما كل أولئك بإزاء مائة ألف درهم ...؟ الله؟ المسيح؟ دقيانوس؟ ميشلينيا؟ ماذا ~~يعنيه من كل هؤلاء لو كان يملك مائة ألف درهم ...؟ # وسبح صهيون في أحلامه وهو يقبض أصابعه ويبسطها، يحسب ما يمكن أن تغل عليه مائة ألف ~~درهم، لو ... لو أنه كان في عهد دقيانوس! # وسمع في الشارع زياطا وضجة، فأطل من النافذة ينظر ... ثم لم يلبث أن هبط مسرعا إلى ~~الشارع ليرى ويسمع ... # يا لله! ما أسرع ما وقعت المعجزة ...! # ولم يصدق أذنيه أول ما سمع ... وعاد يسأل عن سر هذا الزحام والضوضاء، وأجابه محدثه: «يا ~~مولاي، إنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة ... لقد عثر بهم رجل في كهف على حدود ~~الصحراء ... إنهم الفتية المؤمنون الذين يتحدث التاريخ أنهم ... منذ ثلاثمائة سنة ...» # ولم يصبر صهيون حتى يستمع إلى بقية النبأ، لقد كان يعرف ما سيقول محدثه قبل أن ينطق. ~~إنهم آية البعث لمن لا يؤمن. لقد ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم بعثهم آية ~~... ولكن ماذا يعني صهيون من ذلك ...؟ لقد كان الأمر يعنيه لو أن الله الذي بعث أهل الكهف قد ~~بعث معهم دقيانوس؛ ليسعى إليه في طلب الجائزة التي سماها منذ ثلاثمائة سنة لمن يأتيه ~~بميشلينيا حيا؛ فها هو ذا ميشلينيا، ولكن أين هو دقيانوس؟ # وبرقت له بارقة؛ وماذا يمنعه أن يطلب الجائزة اليوم من ملك طرسوس؟ لقد مات دقيانوس، ~~ولكن حقه في الجائزة لا يضيعه موت دقيانوس؛ ومن قال إن الملوك الذين خلفوا دقيانوس قد ~~أبطلوا الجائزة التي سماها دقيانوس لمن يدل على ميشلينيا حيا؟ إنها ما تزال حقا ~~شرعيا لمن يسبق إلى إبلاغ النبأ، لا يبطله أن دقيانوس قد مات ومضى على موته ~~قرون! # ولم يتلبث صهيون كاهن اليهودية الأعظم في مدينة طرسوس، فخلف الزحام وراءه ومضى ~~مسرعا إلى قصر الملك ... ~~- «مولاي!» # وكان وزراء الملك من حوله، فنظروا إلى صهيون يستمعون لما يقول، واستمر الكاهن في ms116 حديثه : ~~«سأدلك يا مولاي على ميشلينيا، ميشلينيا وزير الملك دقيانوس الذي فر من طرسوس منذ ~~ثلاثمائة سنة، سآتيك به حيا والجائزة لي!» # ونظر الملك إلى وزرائه، ونظر الوزراء بعضهم إلى بعض، ثم توجهوا جميعا بأنظارهم إلى ~~الكاهن يسألونه بيان أمره! ومضى الكاهن في حديثه يقص قصة الفتية والجائزة الموعودة ~~... # وقال وزير من وزراء الملك: «يا مولاي، إنه أمر ذو بال، لا أعني حديثه عن الجائزة التي ~~يطلب، ولكن حديث الفتية الذين يزعم أنهم ناموا ثلاثمائة سنين ثم عادوا إلى الحياة، إنها ~~إن صحت لعظة الأجيال، وآية البعث، ويقظة التاريخ الذي طوته القرون ... والرأي عندي أن ~~يطلب مولاي إلى الكاهن صهيون أن يدعو هؤلاء الفتية لنراهم رأي العين أحياء يتنفسون، ~~ونستمع إلى حديثهم وما كان من أمرهم ...» # قال صهيون: «والجائزة؟» # قال الملك: «وتكون لك الجائزة!» # وخرج الكاهن اليهودي مسرعا إلى الطريق يسعى إلى الأمل، لا يرى بينه وبين أن يبلغه غير ~~خطوات معدودة، ولا يشغله من أمره شيء إلا الثروة التي يمني نفسه بأن تكون بين يديه ~~بعد قليل. ومضى في طريقه لا يحيي أحدا ولا ينظر إلى أحد، فلما بلغ حيث كان الزحام وجد ~~الطريق خالية ليس فيها سائل ولا مجيب. وأغذ السير يتبع آثار الجماعة إلى خارج المدينة ~~وهم يثيرون الغبار وراءهم على مبعدة، فأدركهم بعد عناء ... # وبدا له على مرمى قريب جبل قائم، يشتد الزحام عند سفحه من كثرة يموج بعضهم في بعض، ~~ويتطاولون بأعناقهم ليروا شيئا لا يتبينه صهيون حيث يقف، فاستجمع عزمه وراح يشق الزحام ~~بكتفي جبار، وفي نفسه شعور غامض يوحي بالحيرة والقلق ... # وبلغ سفح الجبل، فرأى وسمع وعرف. هذا كهف الرقيم حيث يرقد ميشلينيا وصحبه، وحيث كانوا ~~يرقدون منذ ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، ضرب الله على آذانهم فناموا ما ناموا، حتى إذا ~~أراد الله أن يظهر آيته أيقظهم فترة من الزمن ليكونوا رسالة من عالم الغيب إلى عالم ~~الشهادة، وحقيقة من التاريخ تنطق بالعبرة، وموعظة ناطقة تتحدث بما كان وبما سيكون؛ ~~فلما بلغ الله ms117 بهم ما أراد من بيان قدرته، ردهم إلى التاريخ ليكونوا خبرا من خبرة تتحدث ~~به الأجيال ... فليس في واحد منهم عرق ينبض ... # أوه ...! إذن فقد عادوا موتى، فلا سبيل لأحد عليهم بعد؟ # وأطرق صهيون بن يهوذا لحظة يتفكر، ثم لوى عنانه عائدا يشق الزحام وفي نفسه حسرة وألم ~~... # وعاد الناس جميعا مطرقين برءوسهم يتفكرون، ولكن الخواطر التي كانت تصطرع في رأس صهيون ~~كانت أثقل عليه مما يصطرع في رءوس الناس جميعا. لقد كانوا جميعا يفكرون في البعث ~~والنشور والآخرة، وكان هو وحده من دونهم يفكر في الجائزة التي لا يجد سبيلا إليها وكانت ~~على مد يمينه؛ لأنه لا يجد سبيلا بعد إلى أن يصحب ميشلينيا حيا إلى قصر ~~الملك! # | بعد الأوان # يا لله! وفي الدنيا هذا الجمال؟ # فتاة، وما أعرف مثلها فيمن رأيت ... # أتراها كانت تعرف أين هي من أحلام فتيان الحي؟ # وكان لها من جاه أبيها جمال إلى جمال، فاجتمعت لها أسباب الفتنة والإغراء ... ورآها ~~صديقي فتبدل غير ما كان، وإنه لشاب وإنها لفتاة ... # وجاءني ذات مساء وفي عينيه دموع ... يا لي مما أرى! صديقي يبكي! هذا الذي كنت أظنه لا ~~يحمل من هم الدنيا إلا مثل ما تحمل نعله من تراب الأرض! يا عجبا! # وفتحت له صدري فأوى إليه، ومضى يحدثني بخبره: «... وما يليق أن أبقى بعد اليوم عزبا ... ~~وقد جاوزت الخامسة والعشرين.» # وابتسمت، فما سمعت صديقي يتحدث من قبل عن الزواج بمثل هذا الجد؛ لقد استطاعت امرأة ~~واحدة أن تحمله على رأي لم يكن واحد من أصحابه جميعا يستطيع أن يحمله على الإيمان به، ~~ويا طالما قلنا ويا طالما أجاب ... # ومضى صديقي في حديثه: «وأجمعت أمري على أن تكون لي؛ فما يرضيني أن لي بها كل متاع ~~الدنيا، لقد وجدتها وهي حسبي من دنياي ...! # وراح الرسول عن أمري يؤامرها ويرود لي الطريق، وكتم عنها اسمي وخبري ومكاني بين الناس، ~~فما كان إلا أن سألته: وكم يبلغ مرتبه في الشهر؟ # وأجابها الرسول، فضحكت ساخرة وقالت: اثني عشر جنيها؟ ms118 يا له من عروس! فكم يعطي الطباخ ~~وكم يعطي السواق ...؟ # وعاد إلي الرسول بجوابها ...!» # وأطرق صديقي برهة، ثم رفع رأسه وشفته تختلج وفي عينيه بريق. وابتسمت ثانية، وقلت: «فما ~~غضبك يا صديقي مما قالت؟ إن لها في الحياة ميزانها الذي تقيس به أقدار الرجال، وإن ~~للحياة موازينها، فما ضرك أن تكون في ميزانها ما تكون وأنت أنت؟ إن معك الشباب والقوة، ~~وإن لك غدا يبتسم ويرف، وإن دما في أعراقك يتحدث به التاريخ؛ فهل يخدعك عن كل أولئك ~~أن فتاة تقول ...؟» # وأمسكت عن تمام الحديث، فقد رأيت في عيني صاحبي ما قطعني وردني إلى الصمت. # وعاد إلى حديثه: «وددت يا صاحبي لو لم يكن كل أولئك وكانت هي ...!» # ورأيتني منه على حال لا يجدي معها إلا أن أسكت، فسكت. وودعني صديقي بالوجه الذي ~~لقيني به، ومضى لشأنه. # يا للشباب من سلطان الحب! # ولقيته بعد ذلك مرات، ولكنه كان شابا غير من أعرف. # هذا الذي كان لا يعرف من فروض الحياة على الحي إلا أن يبتسم ويضحك، ويعبث بكل شيء ويسخر ~~من كل شيء، قد عاد في عبوسه وتزمته وصرامة نظرته إلى الحياة خلقا آخر؛ يا عجبا! ~~أين صار مما كان؟ # تمر به الجميلة الفاتنة قد أخذت زخرفها وازينت، فما تظفر منه إلا بالنظرة ~~العابرة! # ويسمع النكتة البكر تضج لها جنبات المجلس بالضحك والتهليل، فما تنال منه إلا بسمة ~~خاطفة! # وتتداعى أماني الشباب في معترك الحديث من حوله، فما تسمع منه إلا أنة خافتة. # ويتبارى الفتيان فيما يحكون من أقاصيص الحب وغزوات الشباب، فما ترى على وجهه من دلائل ~~يقظة الوجدان إلا سبحة لطيفة من سبحات الذكرى، ثم خفقة طرف وخلجة شفة. # ثم يسمع أحاديث الزواج والخطبة ... فتراه كما ترى جنديا في إجازة يتلقى أخبار معركة ~~حربية مظفرة، وبينه وبين الميدان أبعاد وأبعاد! # ترى ماذا يتوقع أن يسمع؟ # شيء واحد لم يغيره الزمن من أخلاق صاحبي: هو سخاؤه وبذله، فما عرفت في أصحابي من قبل ~~ومن بعد أكرم يدا منه بما ms119 يملك ! # وترادفت الأعوام ولم يتزوج صديقي ... ولم تتزوج صاحبته. أتراها كانت تعلم من خبره ما ~~أعلم؟ ومن أين لها ...؟ وإن لصاحبي من الكبرياء ما يمنعه أن يلتمس إليها الوسيلة بعدما كان ~~... وإن الخطاب لتزدحم أقدامهم على بابها فما تعرف كم ردت بالخيبة والخذلان! # أم تراها تعرف اسمه؟ هذا الذي لا تذكر من صفاته - إن ذكرت - إلا أنه شاب يبلغ دخله ~~في الشهر اثني عشر جنيها، بعث إليها مرة يخطبها فردته ... وكم في الأمة من شبان يبلغ ~~دخلهم ما يبلغ دخله، وحسبه هذا تعريفا بين آلاف من النكرات! # ولكن صديقي اليوم في منصب رفيع، لقد سما به جده وعمله إلى ما لم يبلغ أحد من نظرائه، ~~أتراه يوازن اليوم بين ماضيه وحاضره؟ # لقد مضى خمس عشرة سنة منذ تلك الليلة التي زارني فيها صديقي يشكو إلي ما يشكو ويبثني ~~نجواه. # ياه ...! ما أسرع ما تمر السنون ... أين أنا اليوم مما كنت يومئذ؟ # لقد كنت يومئذ فتى في باكر الشباب لم يجر حد الموسى على عارضه بعد، وإنني اليوم ~~لزوج وأب، وإن في رأسي لشعرات بيضا ما إن يخفيها ميل الطربوش ولا صنعة الحلاق ~~...! # وصديقي لم يزل عزبا ... صديقي الذي كان يخشى أن تفوته سن الزواج منذ خمس عشرة ~~سنة! # أين هو اليوم؟ وأين حاضره من ماضيه؟ # لقد ضربت بيني وبينه ضربات الدهر فلم ألقه منذ أعوام، وددت لو أعرف من خبره! # وخرجت ذات يوم من داري على ميعاد، فإني لفي طريقي إذ لقيته ... وأقبلت عليه وأقبل ~~علي، وهممت أن أسأله حين بادرني بقوله: «إنني أدعوك بعد غد إلى داري ...» ~~- تدعوني ...؟ ~~- نعم، لقد اتفقنا أن يكون الزفاف بعد غد! ~~- بمن؟ ~~- وهل حسبتني أرضى يوما أن لي بها كل متاع الدنيا؟ إنها هي ... لقد ضرب القدر بيننا ~~موعدا فلم يخلفه. إن لكل شيء أوانه! ~~... وكما جلس صديقي مني مجلسه ذات مساء منذ خمس عشرة سنة ليحدثني بخبره كان مجلسه الليلة ~~مني ... # وكان في عينيه بريق غير البريق، ولصوته لحن ورنين، وفي عينيه دموع، ms120 وكانت الكلمات ترتعش ~~على شفتيه؛ لأن فيها نبضات قلب حي. وصعدت نظري إليه فرأيت في فوديه شعرات سوداء في ~~شعر أبيض، كأنما بقيت لتشير إلى أنه ما زال هنا بقية من شباب ... ومضى صديقي في حديثه: «... ~~ولم يعد إليها رسولي منذ كان ما كان، وما عرفت اسمي ولا جاءها خبر من خبري بعد، ~~وكأنما كان يدخرها لي القدر، فلم تتزوج، وارتد الخطاب جميعا عن بابها مخذولين، وآن ~~الأوان ... # هل جاءك يا صديقي أن مرتبي في الشهر قد بلغ اليوم خمسين جنيها غير ما أكسب من أعمالي ~~الخاصة ...؟ وبعثت إليها رسولا آخر يؤامرها للمرة الثانية ...» # وضحك صديقي ضحكة مرحة ثم عاد يقول: «أتذكر ليلة جلست إليك أحدثك مثل حديث الليلة، منذ ~~... منذ كم؟ ~~... وقالت للرسول وقال لها، ثم سألته: وكم دخل صاحبك في الشهر؟ # فأجابها ... وكان القدر قد هيأ أسبابه، فأجابت ... وزرتها من بعد، وتم الاتفاق!» # قلت لصاحبي: «فهل عرفت هي أنك أنت أنت ... هل عرفت أنك سعيت لخطبتها مرة منذ خمس عشرة ~~سنة فردتك؟» # فقال: «وماذا يعنيني عرفت أو لم تعرف؟ حسبي أنها اليوم لي، وأن ما أردته قد ~~كان!» # ووجد المسكين تعبير رؤياه بعد خمس عشرة سنة من عمر الشباب، ووجدت تعبير أمانيها؛ وباعت ~~المسكينة شبابها وشبابه بثمن بخس، حين تأبت عليه ومعه حرارة الشباب، ونضارة العمر، ~~وسعادة الحب؛ لترضاه من بعد وهو شباب مدبر، ونجم آفل، وشعلة إلى رماد ...! # | زاهية # في القرية البعيدة الجاثمة على حدود الصحراء الغربية من صعيد مصر، جلست «نعيمة» ذات ~~مساء بين لداتها من بنات القرية، تحدثهن حديثها عن القاهرة وما فيها من وسائل النعيم ~~والترف، والتف الفتيات حولها يستمعن إليها في شوق ولذة، وكأنما تحملهن بحديثها على ~~أجنحة الطير إلى حيث يرين ما تقص عليهن خبره من أسباب الملذات في القاهرة العظيمة، ~~وكأنهن في مجلسهن ذلك على المصطبة حول نعيمة لا يستمعن إلى قصة تقص وخبر يروى، ~~ولكنهن يرين وينعمن في الخيال بما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب ms121 فتاة ~~من سكان هذه القرية الوادعة المطمئنة! # لم ترحل واحدة من سكان تلك القرية إلى القاهرة قبل أن ترحل إليها نعيمة، فما كانت تتحدث ~~واحدة منهن عن القاهرة وما فيها إلا كما يروي الراوي قصة من بنات أحلامه عن رحلة إلى ~~بلاد بعيدة رحل إليها جده فيما غبر من السنين، ونعيمة نفسها لم تكن تطمع في الرحلة إلى ~~القاهرة يوما ما لولا المصادفة السعيدة ... # يوم أرسل «الباشا» إلى أبيها يطلب إليه أن يرسلها إليه لتقوم على خدمة أولاده، حزن ~~أبوها أشد الحزن، وحمل من الهم ما لا طاقة له به، وتداعى أفراد الأسرة جميعا إلى ~~مؤتمر يداولون فيه الرأي ويوازنون بين النتائج، ثم لم يجدوا بدا من إجابة «الباشا» إلى ~~ما طلب، وأنى لهم أن يخالفوه وهو سيدهم ومولاهم ومالك رقابهم؟ أليس هو مالك هذه القرية ~~بما فيها ومن فيها ...؟ كلهم أجراء يفلحون أرضه ويجهدون جهدهم في خدمته والتماس ~~رضاه! # وها هي ذي نعيمة تعود إلى القرية بعد غياب طويل لتزور أهلها، ولكنها غير نعيمة التي ~~يعرفها شبان القرية وبناتها، لقد عادت فتاة أخرى. ذلك الثوب الأنيق، وهذا الوجه المشرق، ~~وذلك الجسم الريان، وتلك الرشاقة الفاتنة ... أين كان منها كل أولئك ...؟ منذ عام، لم يكن ~~واحد من فتيان القرية ينظر إلى نعيمة، أما اليوم ... فما أجمل وما أشهى! إنها ملتقى الآمال ~~ومعقد المنى، تشتجر حولها النظرات وتعترك القلوب ... ليس في القرية كلها شاب واحد لا يطمح ~~إلى نعيمة ويتمناها لنفسه! ~~... وجلست مجلسها ذلك بين رفيقات صباها تقص عليهن، وكلهن معجب مفتون، ولكن «زاهية» ~~كانت أكثرهن إعجابا وفتنة ... # لقد كانت تستمع إلى حديث صاحبتها كأنها في حلم من الأحلام، وأسلمت نفسها إلى الأماني ~~تطير على جناحيها من جو إلى جو مغردة طليقة؛ على أنها لم تكن تفكر في ملذات المدينة وما ~~فيها من وسائل النعيم والترف، أكثر مما كانت تفكر في شأن نفسها حين تعود إلى القرية مثل ~~عودة نعيمة: معززة مرعية تعترك حولها النظرات وتصطرع الأماني؛ حينئذ تستطيع أن تظفر ms122 بمن ~~تحب وهي آمرة مطاعة! # كانت «زاهية» فتاة في نضرة الشباب، ولها حظ من الجمال يحببها إلى كثير من فتيان ~~القرية، على أن فتى واحدا من بين الجميع كان أدنى منزلة إلى قلبها: سرحان! # لم تكن تحبه حب بنات المدن، فما يعرف بنات القرية هذا اللون من الحب ولا هن يجدن من ~~أنفسهن جرأة عليه، ولكنها به جد معجبة، تجد في تذكره لذة، ويملأ نفسها غبطة ومسرة ~~أن تروي عنه أو تستمع إلى أخباره، وهي مع ذلك لم تجلس إليه مرة، ولم تبادله كلمة، ولم ~~يلتقيا في نظرة حب. أتراه كان يعلم أن زاهية معجبة به؟ وهل كان له إليها هوى ونزوع؟ من ~~يدري ...؟ أما هي فكانت تعلم من ذات نفسها ما لا يعلم أحد، فطالما صحبته في أحلامها ليالي ~~عدة، وأرقت بذكراه في فراشها ليالي أكثر عددا، وما كان لها في الحياة إلا أمنية واحدة، ~~قريبة على مد البصر، دانية كشعاع القمر على صفحة الغدير: هي أن تصير يوما زوجة ~~سرحان! # تلك أمنية كانت ثم اعترضت دونها الأقدار؛ فقد مات أبواها وهي سادرة في أحلام الشباب، ~~سابحة في أوهام الحب. وكان صباح وكان مساء، فإذا هي وحدها في دنيا جديدة، ليس لها من ~~يرعاها ويتولى أمورها غير ابن عمها «إبراهيم»، وكان صباح وكان مساء، وإذا ابن عمها ~~وراعيها هو خطيبها وزوجها المنتظر! # لم تكن زاهية تحب ابن عمها إبراهيم، ولكنها لم تكن تبغضه، وما كان لها أن تبغضه وما ~~أساء إليها قط، وإنه ليرعاها ويجهد جهده في خدمتها والسهر عليها، ومع ذلك لم يكن يسرها ~~أن تذكر أنه سيكون زوجها بعد قريب. أكان ذلك لأنه لم يصادفها عذراء القلب؟ # وما كان إبراهيم ليفكر من قبل في زاهية، وما كان يخطر له على بال أن ستصير زوجته؛ ~~ولكن الأقدار قد فرضتها عليه بعد موت أبيها، فهو ابن عمها، وعليه وحده أن يتولى أمرها ~~ويكون لها، ولكنه مع ذلك لم يكن ملحدا في القدر الذي فرضها عليه، ولا ساخطا على الحظ ms123 ~~الذي ربطه إليها وربطها إليه، فإنه لرجل يدرك تبعات الرجولة وينهض بأعبائها! ~~... وجلست زاهية تستمع إلى حديث صديقتها نعيمة، وإن خيالها ليسافر بها ويئوب، وإن أمانيها ~~لتتنقل بها في عوالم مليئة بالسحر والجمال والفتنة، وإن أحلامها القديمة التي هجرتها منذ ~~خطبها إبراهيم، لتستيقظ في نفسها فجأة وتردها إلى ماضيها ... # لم تكن كل مزايا القاهرة عندها أن فيها تلك المباهج والملذات التي تفتن نعيمة في ~~وصفها، ولكن مزيتها الكبرى عند زاهية أنها تصنع الجمال الذي يسبي ويسحر ويصيد قلوب ~~الشباب! ~~... وانفض السامر، وأوت كل فتاة إلى دارها لتستتم في أحلامها ما سمعت في يقظتها، ~~ولكن زاهية باتت ليلتها ساهرة لم يغمض لها جفن ولم يزرها الكرى، تراوح بين جنبيها على ~~الفراش اليابس في القاعة الدافئة، وحولها أكداس الحصيد، وقفة الدقيق، وقدر الطعام، وفي ~~زاوية القاعة نعجة تجتر ... # وبدا لزاهية من أحوالها في تلك الليلة ما لم يبد لها في يوم من أيامها، وأحست في ~~نفسها إحساسا قويا أنها شقية ومحرومة وبائسة، وتبرمت بنفسها وبما حولها تبرما لا ~~طاقة معه على الاحتمال؛ فأخذت تفكر تفكيرا جديدا لعل مثله لم يخطر على بال واحدة من ~~سكان القرية جميعا قبل زاهية ... # صاحت الديكة على سطوح المنازل، وعوت الكلاب تنبح كل غاد ورائح، وثغت الشاء، وخار ~~الثور، واستيقظت القرية كلها مع أول شعاعة من شعاعات النهار، وقامت زاهية من مرقدها ~~متثاقلة تتثاءب وتتمطى، ونفض الكون ظلمات الليل عن كاهله، فمحت آية النهار ما كان يعتمل ~~في رأس زاهية من أفكار سود، فأقبلت على عملها كشأنها كل يوم. # وسمعت طرقا على الباب، فمضت إليه تفتحه في حركة آلية كشأنها كل صباح؛ لتستقبل ~~خطيبها إبراهيم، وكانت لهما حاجة في الحقل، فصحبته خطوة إلى خطوة. # واجتازا طرقات القرية صامتين، يسوق إبراهيم ماشيته، وتحمل زاهية مكتلا على رأسها وقد ~~تلفعت من البرد بلفاع قديم أسود. # وأشرفا على الحقول المزروعة تهتز فيها سنابل القمح الخضراء على سوقها الدقيقة كما تتكسر ~~أمواج البحر على الشاطئ هادئة لينة، وتبرق قطرات الندى على ms124 أوراق البرسيم صافية كحبات ~~اللؤلؤ، ويفوح العطر من زهر الفول عبقا ريان، والفتى والفتاة يسيران في طريقهما على ~~حافة القناة. # ومد إبراهيم نظره إلى بعيد يتبين فتاة مقبلة عليهما، وكانت هي نعيمة ... وأحست ~~زاهية شيئا يجيش في أعماقها حين رأت خطيبها يقبل على الفتاة مبتسما، وفي عينيه بريق ~~زعمت زاهية لنفسها أنها تفهم معناه! # واجتمعت في صدرها الوساوس، ونهشتها عقارب الحقد والغيرة حين ملأت عينيها من الفتاة، وقد ~~خلع الصباح على وجهها من روائه وإشراقه ... # لم تكن زاهية تحب إبراهيم حب الأثرة، ولكنها مع ذلك لم تكن تحب أن ينظر إلى غيرها ~~هذه النظرة التي رأتها في عينيه وهو يحيي نعيمة؛ وودت في تلك اللحظة لو أمكنتها الفرصة ~~لتثأر وتنتقم ...! # آه! لو أقبل «سرحان» في تلك اللحظة! إذن لأذاقت زاهية إبراهيم مرارة الغيرة في ابتسامة ~~وتحية ناعمة تقدمهما إلى سرحان! # وانطوت على آلامها تفكر في أمرها وتلتمس الوسائل لتحقيق أمانيها، وعادت الخواطر ~~المظلمة إلى رأسها، وتناهبتها الأفكار السود، وتمثلت لها نعيمة في ذلك الثوب الأنيق، ~~وهذا الوجه المشرق، وذلك الجسم الريان، وتلك الرشاقة الفاتنة؛ وعاد حديث المساء الذاهب ~~يرن في أذنيها موسيقيا عذبا يصور لها القاهرة بما فيها من النعيم والملذات، القاهرة ~~التي تصنع للعذارى الجمال الذي يسبي ويسحر ويصيد قلوب الشباب ويحقق مستحيلات الحب. ~~وأجمعت قلبها على أمر ...! # وسافرت زاهية في اليوم التالي إلى القاهرة، ليس معها بعد أجرة السفر إلا دراهم معدودة، ~~وصرة قد جمعت فيها ثيابها وما تملك؛ ولم تجد ضراعة إبراهيم ولا وسائله في ~~استبقائها شيئا، وما أصاخت إلى ندائه ونصائحه، وخلفته وراءها يبكي خطيبته وابنة عمه، ~~وشرفه الذي عرضته للهوان بسفرها وحدها إلى القاهرة تبتذل نفسها في خدمة الناس غير ~~مضطرة ولا مقهورة! # وعاد الفتى وحده إلى الدار ذليلا منكسرا تفيض نفسه بالسخط والألم، ويجيش قلبه ~~بالحب العميق لزاهية، الحب الذي لم يكشفه في نفسه ولم يعرفه إلا بعد رحيلها. حب ~~مشفق يائس ذليل، تشوبه مرارة الغيظ وثورة الحقد والبغضاء! # ووصلت زاهية إلى القاهرة! # وي! ms125 هذا شيء لم تحدثها به نعيمة ولم يخطر لها في بال: هؤلاء الناس يتزاحمون ~~بالمناكب في الطريق رائحين غادين ... هذه السيارات تتلاحق في الشوارع ممتلئة وفارغة ... هذه ~~القصور شامخة باذخة على كل باب بواب ... هؤلاء النساء، وهؤلاء الرجال، وهؤلاء الغلمان ~~منطلقون في طريقهم لا يحيي أحد أحدا، ولا يحدث جار جارا، ولا ينظر مقيم في وجه ~~غريب ... هذه الشوارع متقاطعة متشابكة، أينما ولت وجهها وجدت طريقا ووجدت ناسا لا تعرف ~~أين يقصدون ولا من أين يقدمون! # أهذه هي القاهرة ...؟ لقد حسبت زاهية يوم جلست نعيمة تحدثها حديثها عن القاهرة أنها ~~ستهبط جنة الخلد يوم تهبط إلى القاهرة، فتجد كل شيء مهيأ لسعادتها ... ~~... ومضت تضرب في الأرض وتشق طريقها في زحمة الحياة! # وأحست القرية الصغيرة فقد واحدة من بناتها، ولكن إبراهيم كان أكثر الجميع إحساسا ~~بذلك، ولما همت نعيمة بالرجوع إلى دار مخدومها في القاهرة بعد أسبوعين، شيعها ~~إبراهيم إلى أول الطريق وهو يوصيها خيرا بزاهية، ويسألها أن تحمل إليها تحيته وأن توصي ~~بها سيدها الباشا. وهل كان يخطر في بال إبراهيم أن زاهية في دار غير دار الباشا؟ # واشتغل كل بنفسه. أما زاهية فراحت تطرق الأبواب في التماس الرزق، لم يزدها عنف ~~الصدمة الأولى إلا إصرارا على العمل لتحقيق أمانيها، على رغم ما ينالها من مشقة، وفي ~~رأسها خيال يداعبها في أحلامها، وأمام عينيها أمل ... # وأما إبراهيم، وسرحان، والقرية جميعا، فقد انصرفوا بعد قليل عن ذكر زاهية، لا تكاد ~~تخطر منهم على بال، إلا رجلا واحدا لم تهدأ له نفس منذ سفر زاهية: ذلك ابن عمها ~~إبراهيم! # ولكن شيئا جديدا من أخبار القرية قد رد الجميع فجأة إلى ذكر زاهية، فحديثها على كل ~~لسان وفي كل أذن ... # كان ذلك يوم قدم الباشا إلى القرية يتفقد أرضه وزراعته، فقد استجمع إبراهيم جرأته ~~كلها وقصد إليه يستنبئه من أنباء زاهية ويوصيه بها! # ودهش الباشا وسأل: «من زاهية؟» فلم يزده الجواب علما بما سأل عنه ... وعرف أهل القرية ~~جميعا منذ ذلك اليوم أن ms126 زاهية ليست في دار الباشا، فأين تكون؟ وهل يعلمون من القاهرة ~~إلا دار الباشا؟ وتناولتها الظنون والشبهات ...! ~~- إنها خادمة في فندق! ~~- إنها تبيع في الأسواق! ~~- إنها تخدم في بيوت العزاب! ~~- إنها ترقص وتغني في مسارح اللهو! ~~- إنها اتخذت بيتا يأوي إليه الشباب في ساعات اللهو والبطالة! # وهكذا راح غياب زاهية حديث السامرين على مصاطب القرية كل مساء؟ وتفننت عبقرية الرواة ~~في اختلاق الأحاديث وتزوير القصص، وكان لسان سرحان أحد الألسنة في تناول عرض زاهية، ~~سرحان الذي لم تحفظ ذاكرة زاهية في غربتها من صور القرية غير صورته، ولم يلم بها ~~زائر في أحلامها من شبان القرية غير طيفه المحبوب! سرحان، الذي من أجله ولأجله كانت ~~تحتمل المشقة والجهد، وتبتذل نفسها في بيوت الخدمة لتعود يوما إلى القرية فيلقاها على ~~الطريق مبتسما يمد لها يديه في ترحيب العاشق اللهفان ...! وهل كان يدري؟ # وجاء الصيف، وطابت مجالس السمر في ضوء القمر الساحر على مصاطب القرية، ولم يخل سامر من ~~حديث زاهية. وتترامى أحاديث السامرين إلى إبراهيم فيألم أشد الألم، وكأن في كل كلمة ~~سهما يخزه في قلبه ويشوكه في مرقده، ولكنه صامت لا يتحدث ولا يرد عن زاهية فرية، ~~وماذا تراه يقول؟ إنه هو نفسه يكاد يؤمن إيمانا لا سبيل إلى الشك فيه بكل ما يتحدث به ~~السامرون، لولا بقية من حسن الظن وأثارة من الرجاء، لعلهما أثر الحب الذي لم يكد ~~يستعلن حتى اعترضه القدر! # ومضى شهر وشهر وشهر، وانقضى عام، وأهل عام جديد، وعادت نعيمة من القاهرة لتقضي أياما ~~بين أهلها، وسعى إبراهيم إليها فيمن سعى وعلى شفتيه سؤال، ثم ارتد عنها أشد ما يكون ~~ألما وأشقى نفسا؛ إن نعيمة نفسها لا تعلم عن زاهية أكثر مما يعرف أهل القرية، فما ~~لقيتها في القاهرة قط ولا عرفت من أخبارها! # وتلاشى الأمل الباقي في نفس إبراهيم، وانضم إلى الجماعة فيما تؤمن به من مصير زاهية، ~~ومضت الأيام تسدل على الماضي ستارها، وتناست القرية زاهية وما كان من أمر زاهية، ونسي ~~إبراهيم! ms127 ~~... وكان العام الثاني في أخرياته حين أخذت القرية زخرفها وازينت لأمر ما ... ~~«نعيمة ريحانة القرية وزينتها تزف الليلة إلى إبراهيم!» # هذه هي أول كلمة صكت مسمعي زاهية وهي عائدة إلى القرية ... # وهبطت الفتاة القرية، والقرية كلها في شغل عنها بعرس إبراهيم ونعيمة، وإنهما لشابان ~~حقيقان بأن تحتفل القرية بعرسهما وتفتن في الزينة له؛ ومن مثل نعيمة في القرية؟ ومن ~~مثل إبراهيم؟ # ونال زاهية من الغيرة ما نالها حين استمعت إلى هذا النبأ، ولكن أملا في نفسها كانت ~~تحرص على كتمانه؛ أمل عزيز صحبها إلى غربتها، وطالما أنست في وحدتها بذكره: ~~سرحان! # ومضت في طرقات القرية إلى دارها التي فارقتها منذ عامين، تختال في ثوب موشى لم تلبسه ~~قبلها واحدة من بنات القرية، ولم تلبسه نعيمة نفسها! # وتتابع خطوها على الطريق متئدا رتيبا في مثل رشاقة بنات القاهرة! # وعلى شفتيها ابتسامة مصنوعة تعبر عن معنى تحرص زاهية على إعلانه! # وتنظر عيناها نظرات فيها زهو وكبرياء، وفيها إغراء وفتنة! # وفي وجنتيها حمرة خفيفة، إلى سمرة طبيعية في وجهها تزيدها جمالا على بنات ~~المدينة! # وتحمل يدها الرخصة الناعمة حقيبة من الجلد أغنتها عن الصرة التي كانت تحملها منذ عامين ~~يوم فارقت القرية! # وفي قدميها حذاء جديد! # لقد صنعت زاهية كل ما قدرت عليه لتبدو في يوم عودتها إلى القرية كما أرادت، ولكن ~~أحدا من أهل القرية لم يهتم بمقدمها أو يخف لاستقبالها؛ وما كان يعنيها من أهل القرية ~~جميعا إلا شخص واحد: سرحان! أين سرحان؟ # ولكن سرحان كان في شغل عنها يوم مقدمها في الاحتفال بعرس القرية، ولعله لو كان فارغا ~~لخف لاستقبالها غير مبتسم ولا ماد يديه للترحيب، فما كان سرحان، ولا كان أحد في ~~القرية كلها يطيب له أن تعود زاهية إلى القرية؛ فلولا أن القرية كلها كانت في تلك الليلة ~~مشغولة بعرس نعيمة، لاستقبلتها استقبالا غير ما كانت تنتظر؛ ليسلم للقرية شرفها الرفيع ~~وينمحي عارها! # وانتهت زاهية إلى دارها، فما أحس مقدمها أحد غير جارتها العجوز، فأقبلت عليها تحييها ~~تحية ms128 القدوم ! # وعرفت الفتاة من حديث جارتها ما لم تكن تعرف من رأي القرية فيها، وحديث السامرين عنها، ~~وتوقعت ما لا بد أن يكون، ولكن ذلك الذي توقعته لم يكن يهمها بقدر ما أهمها ما سمعت مما ~~كان يتحدث به عنها سرحان ...! # وانهار الأمل الباذخ الذي عاشت في أوهامه سنتين أشقى ما عاشت من سنيها العشرين، بما ~~تحملت فيهما من الجهد والنصب والمشقة! # وفقدت كل شيء في اللحظة التي ظنت فيها أنها أوشكت أن تظفر بكل شيء! # وقضت ليلتها في القرية، فلما أصبح الناس يسألون عن خبرها لم تكن زاهية هناك ... # ولما التأم السامرون في المساء على المصطبة، كان إبراهيم خاليا إلى عروسه يحدثها حديثه ~~وتحدثه، لا يعنيهما شيء من الأمر إلا السعادة التي ينعمان بها؛ وسرحان قد توسط حلقة من ~~القوم يحكي لهم ويستمعون إليه وهو يقول: «ألم أقل لكم ...؟ بلى، إن الملعونة لم تطب لها ~~حياة الشرف والاستقامة في القرية ليلة واحدة ...!» # وأمن السامرون على ما يقول ... # في تلك اللحظة، كانت زاهية في القطار ينهب بها الأرض نهبا إلى القاهرة، إلى حيث تعود ~~لما كانت فيه: تشق طريقها في زحمة الحياة وتطرق الأبواب قائلة: «هل من حاجة إلى خادمة ~~أمينة، حسبها من الجزاء بيت شريف يؤويها، وثوب يسترها، ولقمة تحفظ عليها ~~الحياة!» # | البعث # جلس «أحمد» على مقعد في جانب من غرفته الخاصة، وارتفق بذراعه على النضد الصغير أمامه ~~وراح يفكر ... # إن بعض الصور التي تتناولها العين في نظرة عابرة، قد يكون لها من التأثير في حياة بعض ~~الناس ما لا تؤثر الأحداث العظيمة التي تهز العالم؛ هذا أحمد، شتان بين ما هو الساعة وما ~~كان منذ ساعات؛ لقد عاد لتوه من السينما حيث كان يشهد رواية عن حياة الأديب الفرنسي ~~الكبير «إميل زولا» ... فأين هو الساعة مما كان قبل ساعات؟ # لقد رأى وسمع وعرف، ونظر إلى نفسه، وحضرته ذكرياته وأمانيه، وراح يحاسب نفسه على ما أدى ~~من عمل وما نال من جزاء، واستغرق في تفكيره ... # منذ بضع عشرة سنة ms129 لم يأل أحمد دأبا إلى غاية يستشرف إليها، فأين بلغ مما أراد؟ هذه ~~حياته التي يحياها منذ كان، لم يتغير منها شيء يشعره شيئا من الأمل فيما يستقبل من ~~أيامه؛ ففيم كان جهاده ودأبه وما بذل من أعصابه ومن دمه في بضع عشرة سنة؟ # أتراه يستطيع أن يقنع نفسه بأنه قد بلغ شيئا؟ فأين ...؟ # وتراءت له صورة «سعدية» الفتاة التي وهب لها من نفسه ووقف عليها أمانيه. وتذكر شيئا ~~من ماضيه القريب ومن ماضيها: لقد تعارفا منذ سنوات، بل لقد عرفته هي قبل أن يعرفها، فسعت ~~إليه! فالتقيا، فما افترقا بعدها إلا على ميعاد؛ ولكن سعدية اليوم غير ما كانت أمس؛ لأنه ~~هو هو لم يتغير ولم يزد شيئا على ما كان يوم عرفته! # أتراها سعت إليه يومئذ لأنه هو هو، أم لأنها رأت في مخايله أنه سيصير في غد أكبر مما ~~هو؟ فلما رأته واقفا حيث كان يوم عرفته خاب أملها فيه فاصطنعت أسباب القطيعة! # أيكون ذلك هو السبب الحق لما بينهما اليوم من الجفاء والمباعدة؟ ذلك ما خيل إليه هو ~~حين افترقا لآخر مرة منذ قريب، فهجرها وإن في قلبه من الشوق إليها لهيبا يتسعر! # لقد كان أحمد أديبا موهوبا. إنه ليعرف ذلك من نفسه، وإنه ليؤمن به إيمانا لا سبيل ~~إلى الشك فيه، وكان حقيقا بهذا الإيمان أن يبلغ به المنزلة التي يهدف إليها منذ بدأ؛ ~~ليتخذ مكانه بين أدباء الجيل؛ وكان على إرث من الأدب هيأ له الجو الذي يعينه على ~~استكمال وسائل الأديب وتحصيل مادته، واتخذ طريقه إلى الغاية التي يؤمل ... # كان ذلك منذ بضع عشرة سنة، ولم يأل دأبا من يومئذ، وعرفته سعدية مما قرأت له، وكانت ~~رسالتها إليه أول الصدى الراجع، وكانت هي أول من عرف من قرائه، وتوثقت بينهما الصلة، ~~وكانت في أولها تجاوبا فكريا بين نفسين، فلم تلبث أن عادت أملا يأمله وحلما يتراءى ~~لها ... ومضى الفتى إلى غايته والحياة تجد له في كل يوم أملا وتوقظ عاطفة. # وكتب وخطب، ونظم ms130 وألف ، وراح يناضل في جهد الجبابرة ليشق طريقه إلى المنزلة التي ~~يتنورها من بعيد، وقالت له فتاته: «متى أراك يا حبيبي هناك؟» ولم يجبها فتاها؛ لأن ~~عينيه كانتا تنظران إلى هناك ... # ومشيا ذراعا إلى ذراع بين الحدائق الضاحكة صامتين، أما هي فكانت تبحث بعينيها بين ~~الفروع الراقصة عن زهرة تقطفها عن أملودها لتجعلها في صدرها زينة تتيه بها على لداتها ~~وصواحبها. وأما هو فكان في إطراقه وصمته يتسمع نجوى الغصون وهمس الزهر؛ لينظم منها ~~قصيدة ترف رفيف الغصن وتنفح نفح الزهر! # وطال عليها الطريق وما بلغت، فقالت: «متى يا حبيبي ...؟» وقال: «متى يا حبيبتي ...؟» ولم ~~تع مما قال شيئا ولم يع مما قالت، وتدابرا ومضى كل منهما لغايته، وراحت تبحث عن الزهر ~~للزينة، وراح يبحث عن معناه ... وكان فراق بينهما! # وعاد إلى داره ذات مساء، ولم يكن في الدار غير خادمته العجوز. وجلس إلى المائدة ينتظر ~~عشاءه، وأبطأت الخادم لأن الدار لم يكن فيها عشاء فتأتي به ... وضحك حين عرف، وعيث في ~~جيبه قليلا ثم أمسك، وآثر أن يطوي ليلته بلا عشاء، فإن ذلك أخلق بأن يجمع له نفسه ~~ويوقظ حسه ... # وجلس إلى مكتبه لحظات يقرأ بريد المساء، وكان بينه رسالة تنفح عطرا وقرأ: # سيدي ~~... وإني أرسل إليك تحياتي على البعد ... # إنها لحظات سعيدة حين أقرأ لك فأشعر أني منك على مقربة وأنك مني ... # وإنه ليخيل إلي أحيانا أنني وأنك ... # إنك لست بعيدا مني، أفتراك تعرفني؟ ولكني أعرفك ... ومعذرة ... # وابتسم الفتى ثم عبس، وذكر سعدية ... ثم طوى الرسالة وأودعها غلافها، وقال وكأنما ~~يتحدث إلى شخص يجالسه: ليتك تعرفين يا فتاة وليتني أعرف! بل إنني لا أريد أن تعرفي. إنك ~~تنشدين الزهر ليكون لك زينة تباهين بها في المحافل، وإنني أنشد معناه لأتخذه وحيا أتصل ~~بأسبابه إلى السماء ... وكذلك كانت أخت لك من قبل! # ولكنه كان راضيا ... # لم يبلغ المجد الأدبي الذي يناضل له منذ بضع عشرة سنة، ولم يبلغ الغنى الذي يكفيه حاجة ~~الحي إلى وسائل الحياة، ولكنه كان راضيا؛ ms131 لأنه كان مؤمنا بنفسه، ومؤمنا بغده. ومضى ~~على وجهه ... ~~... وراح إلى السينما ذات عشية يتزود لفنه وأدبه ويستجم، ثم عاد ... # ها هو ذا عائد لتوه من السينما حيث شاهد قصة «إميل زولا» فوجد مما شاهد بابا إلى ~~الحديث بينه وبين نفسه ... # لقد رأى وسمع وعرف، ونظر إلى نفسه، وحضرته ذكرياته وأمانيه، وراح يحاسب نفسه على ما أدى ~~من عمل وما نال من جزاء، واستغرق في تفكيره ... # وكان عليه أن يعد الليلة خطبة طلب إليه أن يذيعها في غد احتفالا بذكرى بعض ~~الأدباء الراحلين. ذلك واجب لا يعفيه من إغفاله أن يعتذر، فقد كان أدنى أصدقاء ذلك ~~الأديب الراحل إليه، وأعرفهم بحقه، وإن عليه دينا يقتضيه الوفاء أن يذكره به فيتحدث ~~عنه حديثا في يوم ذكراه! # وشرع قلمه، وهم أن يعد الخطبة التي ينبغي أن يذيعها عن صديقه الأديب الراحل في يوم ~~ذكراه ... واستجمع فكره، وتذكر شيئا ... # يا عجبا! ذلك الصديق الذي يهم أن يتحدث عنه: ماذا كان في حياته؟ وماذا هو اليوم عند ~~الناس؟ لقد عاش حياته يجاهد لأمته ما يجاهد صابرا محتسبا قانعا بالكفاف، لا يذكره أحد ~~بحق ولا يعرف له يدا ... فلما غاله الموت - لما غاله الموت فقيرا معدما بعيد الدار ~~كثير الولد - تدانت الرءوس، واختلجت الشفاه، وسحت العبرات، وصاح الصائح في الأمة ~~يدعوها لتخليد ذكراه؛ فإن حديثه اليوم على كل لسان، وإن ذكره في كل قلب ... كذلك كان حيا ~~وميتا، فما متاعه بما صار؟ وما عزاؤه عما كان؟ # ماذا ...؟ أليس يعرف الناس للأديب في هذا البلد حقه إلا بعد أن يموت؟ ما أغلاه ثمنا ~~للمجد! # وابتسم الفتى ساخرا، ثم سكت وعاد إلى نفسه يؤامرها ... وانصرفت نفسه عما هو فيه، وتناول ~~حزمة من الرسائل لم يقرأها بعد، وفض منها رسالة، وقرأ: # سيدي ~~... فلماذا ...؟ ولماذا لا نجد في الأمة العربية شعراء وكتابا ومنشئين كبعض من ~~نقرأ لهم من أدباء أوروبا ...؟ # وطوى أحمد الرسالة وهو يتمتم: نعم، لماذا ...؟ لا لا، إنني أكاد أعرف ... ولكن، لماذا ...؟ ~~لماذا لا يزال - مع ذلك ms132 - في ناشئتنا الغافلة من يرجو الخلود في الأدب ويلتمس به المجد ~~والغنى؟ هذا هو السؤال الذي يحق! # وتذكر الرواية التي شاهدها في السينما منذ ساعات، وتذكر صديقه الذي يهم أن يعد ~~حديثا عنه ليوم ذكراه ... وصمت برهة، ثم وقف وراح إلى المصباح فأطفأه، وقصد إلى فراشه، ~~ولكنه لم ينم ... واستغرق في تفكير عميق ... وأحس برد الراحة على قلبه حين انتهى من ~~تفكيره إلى حد ... ~~... وأصبح أصدقاء أحمد يسألون عنه فلا يجدونه، ومضت أيام ولا حس ولا خبر، إلا رسالة موجزة ~~تلقاها بعض صحبه وليس فيها إلا هذه الكلمات: «إنني ذاهب ... لقد برمت بدنياي ... وداعا يا ~~أصدقائي!» # وجد أصدقاؤه في الطلب فلم يقفوا له على أثر، وظنوا الظنون ... ثم استيقنوا حين عثر بعض ~~الرواد في صحراء الجيزة على أشلاء آدمية تكاد تواريها الرمال في قعر هوة سحيقة من هوى ~~الصحراء. لم يكن ثمة وجه يبين، ولا لسان ينطق، ولا أثر يدل، إلا قميصا خلقا قد حال ~~لونه وتمزقت حواشيه ... لقد أكل الوحش من ذلك الجسد ما أكل، وأبلى الرمل ما بقي، فما هو ~~إلا عظام نخرة وأنابيب جوفاء وأديم ممزق! # وقال واحد من صحابته: لقد توقعت له هذه الخاتمة منذ بعيد، ويا طالما حذرته من ارتياد ~~الصحراء وحيدا في غبشة الصبح أو في ظلمة الغسق فلم يسمع لي، يزعم أنه يجد هناك مهبط ~~الوحي ومنبع العبقرية! # وقال الثاني: وكذلك زعمت لنفسي حين جاءتني رسالته يودعني ويستودعني، لم يقع في نفسي ~~إلا أنه ذاهب إلى الصحراء، لقد تحدث إلي مرة ... وكان يتشوق إلى اليوم الذي يفارق فيه ~~دنيا الناس إلى معزل هادئ على حدود الصحراء يأنس فيه إلى الوحش فلا يرى أحدا من الناس ~~ولا يراه أحد، فلعله ...! # وقال الثالث: يرحمه الله! وانحدرت على خديه دمعة فجاوبتها أخواتها من عيون أصحابه، ~~وعزى بعضهم بعضا، ثم انصرفوا يحملون رفات الشاعر الشهيد إلى مثواه، وتداعى الناس إلى ~~مأتمه محزونين وإن حديثه ليرطب كل لسان! # وكتب اسم أحمد في سجل الراحلين من الأدباء العباقرة ...! وصاح ms133 الصائح في الأمة يدعوها ~~لتخليد ذكرى الأديب الراحل، وطفحت أنهار الصحف الأدبية بالحديث عنه وتمجيد ذكراه! ~~وانعقدت جماعات، وتألفت كتب، وبذل مال، وتزاحم الناشرون يزايدون بالمال لشراء مخلفاته ~~الأدبية ... وجد البعداء من أهله يطلبون نصيبهم في تركته! # ومضى عام قبل أن يحدد يوم يقوم فيه الخطباء والشعراء لتأبينه، وكان يوما مشهودا ~~... # كان المدرج الكبير غاصا بأهل الأدب وسروات المدينة وذوي الجاه والرياسة، وقد نصت في ~~صدره منصة عالية عليها كراسي مذهبة، يشرف عليها صورة مكبرة للفقيد العزيز مجللة بالسواد، ~~تطل منها عينان ساخرتان على تلك الجموع الحاشدة. وكان في ركن من القاعة فتاة ذات جمال قد ~~انتقبت بنقاب أسود شفيف مبتل بالدمع، وإلى جانبها فتيات، تلك صديقته سعدية. وجلس في ~~الصف الأخير بضعة فتيان شعث غبر قد تأبطوا كتبا وصحفا ومجلات قديمة، تدل ثيابهم ~~وهيأتهم على الفقر والقناعة، و... والعبقرية! وتنطق سماتهم وشارات الحداد في وجوههم بأنهم ~~أكثر أهل الحفل إخلاصا لذكرى صاحبهم الذي مات ...! # أولئك أسرة الفقيد من أهل الأدب. # وكان على الباب بوابون من ذوي اليسار والنعمة يستقبلون القادمين ويدعون كلا منهم إلى ~~مجلسه الذي يوائمه. وتدلت الأنوار ثريات تكسف الشمس وتبهر النظر، وكانت حفلة، لو ~~أحصي ما أنفق في إعدادها لكان حياة من موت وغنى من متربة! وغص البهو والشرفات ~~بالوافدين على الحفل من أهل الوفاء والأدب، وحل الموعد، وصغت القلوب وأرهفت الآذان؛ ووقف ~~الخطيب الأول يذكر تاريخ الفقيد، وكان يلبس حلة سوداء غالية، وقد أحكم المنظار على ~~عينيه، وتدلت سلسلته الذهبية على كتفه، وبرق الماس في إصبعه، وبدأ يخطب: «أيها ~~السادة.» # وكان السادة منصتين في لهفة وتأثر ... # وتتابع الخطباء والشعراء يذكرون ما يذكرون من فضل الفقيد وعبقريته وعلمه وخسارة الأمة ~~بفقده! # وقال قائل لصاحبه: «يرحمه الله!» # فقال صاحبه: «أما إنها لخسارة!» # وكان ثمة فتى رث الثياب، مخرق النعل، مرسل اللحية، يقتحم الصفوف صفا صفا يقصد إلى ~~المنصة التي يتبارى عليها الخطباء ... # وتأفف الناس وزموا شفاههم استكراها وغيظا، لكنهم صمتوا إجلالا للحفل. وبلغ الفتى حيث ~~أراد، وهم ms134 أن يصعد فاعترضته الأكف، ولكنه صعد ... وأخذته العيون من كل جانب، وكان ~~يبتسم وفي عينيه سخرية وشماتة! # وفرغ الخطيب من خطبته فتنحى عن موقفه، فتقدم الفتى إلى موضعه وهم أن يتكلم ... # وتدافعته الأيدي ... ونظر إليهم ونظروا إليه ... وتعارفت وجوه وتناكرت وجوه، ووقف الفتى ~~ثابتا في مكانه، وارتفع صوته يبث جلاجل نفسه، وهتف: «أيها السادة!» # وسمعها السادة وقوفا وأبصارهم إليه، ومضى يقول ... ~~«أشكركم ...!» # وعرفه من عرف ولم ينكره من جهل، وتدافعوا إليه ... إنه هو ... الفقيد العزيز! ~~«ذلك يوم البعث ولا ريب.» قالها كل مستمع لصاحبه ... # لم يمت أحمد، ولم تأكله وحوش الصحراء، ولم يحمله من حملوا إلى قبره يوم حملوا الرفات ~~المجهول النسب من مجهل الصحراء إلى معلمها، ولكنه كان حيا يرزق. كان يهيئ نفسه ~~ليلقي أبلغ خطبة جهر بها خطيب، وأبين قصيدة نظمها شاعر، وأبرع سخرية أبدعها أديب، ~~فخطب، ونظم، وسخر ... واستمع لرأي الناس فيه ميتا حيا؛ وأسمعهم رأيه. # وبلغ المجد الذي أراد، وبلغ ما شاء من الانتقام لنفسه ومن السخرية بالناس! وعاش ~~...! # | لقاء ... # كان الندي مزدحما بالسامرين على عادته كل مساء، قد تحلقوا حول الموائد جماعات ~~جماعات، في البهو، وفي الشرفات، وعلى الطوار؛ وكان الميدان الفسيح الذي يشرف عليه الندي، ~~مراد العيون ومستراح النظر؛ فما تقع العين منه إلا على منظر أنيق ومرأى فاتن، ~~والسيارات تتهادى ذاهبة آيبة تحمل كل منها قصة حب أو تسر حديث هوى، وأسراب ~~الملاح تتواكب في مطارف الفتنة وعطر الشباب غادية إلى ميعاد أو رائحة إلى أمل، ونسيم ~~المساء الهادئ ينفح عطره ويهمس في كل أذن حديثه ... ~~... وكان ثمة بضعة نفر جلوسا إلى مائدة مستديرة في ظل وارفة لفاء يتجاذبون الحديث ~~ويتبادلون الفكاهات في أنس ومسرة؛ أولئك «رفيق» وأصحابه. # بضعة نفر لا يشغلهم من هم الحياة ما يشغل الناس، جمعهم الشباب على هوى مشترك، ~~وألفت بينهم الحياة على رأي جميع، واجتمع لهم من أسباب النعمة ما أغنى بعضهم عن بعض ~~فقرب بعضهم إلى بعض، فهم قدم واحدة بكل سبيل، وقلب واحد في كل هوى، ms135 ورأي واحد في كل ~~مغامرة من مغامرات الشباب. ذلك مجلسهم كل مساء حيث يلتقون فيقص بعضهم على بعض من حديث ~~الهوى والشباب، فلكل فتاة من فتيات المدينة بينهم حديث، ولكل منهم من حديثها خبر، ولكل ~~غادية ورائحة لحظة عين وبنت شفة! # على أن رفيقا وأصحابه لم يجتمعوا الليلة لمثل ما يجتمعون كل مساء؛ فإن لهم اليوم ~~لشأنا يشغلهم عن لحظات العيون وبنات الشفاه وأقاصيص الهوى والشباب؛ فقد غدا عليهم ~~«رفيق» يؤذنهم بخبر لم يكن لهم في حساب، لقد اعتزم أن يتزوج ... # وا أسفا! لم يكن يحسب هؤلاء الأصحاب أن سيصير اجتماعهم بعد تلك السنين إلى شتات، وأن ~~سيكون رفيق أسبقهم إلى الفراق ... أتراه يكون لهم بعد الزواج كما كان لهم قبله؟ من يدري؟ ~~بل إنهم ليكادون يدرون؛ فما يتأتى له أن يلقاهم بعد ويلقونه وإنه لزوج ورب دار ~~... # وتناولوه بألسنتهم وركبوه بالمزاح والدعابة، وهو يستمع إليهم مبتسما في صمت، ثم مضى ~~ومضوا ... # لقد ذاق رفيق من ألوان اللذات ما ذاق، وباع في الحب واشترى، وربح وخسر، وتقلبت على ~~عينيه مناظر لعل مثلها لم يجتمع لشاب آخر في مثل سنه؛ على أنه قد مل ذلك جميعا وضاقت ~~به نفسه، وحن إلى حياة هادئة يحياها بين زوج تحنو عليه، وولد يجدد أمله؛ فاعتزم أن ~~يتزوج! # وأتاح لرفيق ما لقي من تجارب الحياة أن يعرف من شئون المرأة أكثر مما يعرف الشباب، فلم ~~يكن تعجبه فتاة ممن رأى وعرف فيرضاها زوجة يملكها داره ويأتمنها على سعادته؛ إذ كان ~~يعرف أكثر من غيره ما وراء هذه القشور التي يتزين بها النساء في مجالس الرجال تجملا من ~~غير جمال! فراح إلى أمه العجوز يسألها أن تختار له ويصف لها ما يحب في المرأة وما ~~يكره. # وكان عجيبا من فتى مثل رفيق - رأى من رأى وعرف من عرف - أن يتوسل بأمه إلى اختيار ~~زوجته، ولكن ما رأى وما عرف هو الذي دعاه إلى ذلك، فقد كان مما جرب لا يثق بواحدة ممن ~~عرف، فراح يتوسل بأمه ms136 أن تكون سببه إلى من لم يعرف. # تلك مسألة أخفاها رفيق على صحابته حين حدثهم بما اعتزم، ولو أنهم عرفوا لزادوا في العبث ~~به والسخرية منه، ونسبوه إلى الحمق والغفلة، وإلى فساد الرأي وأفن التفكير؛ فما ينبغي ~~لفتى مثله من أبناء الجيل الجديد أن يخطب فتاة إلى نفسها من وراء حجاب، وأن ينظر إلى ~~زوجته بعيني أمه؛ ولكن رفيقا كان موقنا يقينا لا شبهة فيه أن تلك الوسيلة التي ~~ينسبها أصحابه إلى الرجعية والحمق وفساد الرأي هي أسد وأحكم من اختيار فتاة كبعض من ~~يعرف، تقلبت على أعين الشبان وتنقلت بينهم من ذراع إلى ذراع كجارية النخاس! # لو أن أحدا رأى له هذا الرأي منذ سنين لسخر منه واستهزأ به ورماه بما يرميه به صحابته ~~اليوم، ولكن تجارب الحياة لا تدع لذي رأي أن يثبت على رأيه إلا أن يكون أحمق ليس له رأي ~~ولا إرادة! # وراحت أمه العجوز في حاشية من صواحبها تطرق الأبواب وتهتك الأستار لترى وتعرف وتتخير، ~~ثم تعود إلى ولدها كل مساء فتقص عليه ما رأت وما عرفت؛ وكانت تعلم من شئون ولدها ما لا ~~يجهل أحد، فمن ذلك كان حرصها على أن تتخير له فتحسن الاختيار، وعادت إليه ذات مساء ~~تخبره: «لو رأيتها يا رفيق ...! لها غرة الصبح الطالع، وابتسامة الأمل المشرق، وحياء ~~الزنبقة البيضاء تحت عيون الزهر ... لله هي يا بني! خار الله لك!» # وقال رفيق: «وددت لو رأيتها يا أمي!» # ومطت أمه شفتيها تنكر عليه، وقالت: «وددت يا بني! ولو أنك رأيتها ما زادت في عينيك على ~~ما أصف، ولكن، من أين لك؟ ما أرى أباها يسمح يا رفيق، ولو سمح أبوها ما أطاقت هي أن ~~تتراءى لك ... إنها ...» # وصمت رفيق وعاوده قلق الشباب، وراح يؤامر نفسه: كيف يطيق أن يقطع برأي في المرأة التي ~~يهم أن يشركها في عمره وما رآها؟ # ثم ثابت نفسه إلى الاطمئنان والرضا رويدا رويدا، وغلبه رأيه على هواه، فقال لنفسه: ~~ذلك أحب إلي، وإن يقيني بطهارتها لأطيب ms137 لنفسي من اليقين بجمالها. وهل رضيت أن ~~أخطبها من وراء حجاب إلا زهادة في الجمال المبذول لكل ناظر؟ # وذهب رفيق يتقصى خبرها ويسأل من يعرف عما لا يعرف، وأتاه جواب ما سأل، ولم يبق إلا ~~أن يراها ليبرم أمره. وأي حرج في ذلك؟ # وعادت أمه تسعى مسعاتها بينه وبين عروسه، ثم عادت تحمل إليه الإذن في أن يراها يوم ~~يقدم لها هدية الخطبة! ~~... لم ينقطع رفيق عن صحابته ولم يشغله أمره عن مجلسه وإياهم كل مساء، فما كانت له طاقة ~~على فراق بائن إلى غير لقاء، وكذلك لم يهجر ما كان من عادته وإياهم حين يتحلقون حول ~~المائدة المستديرة على الطوار، يتجاذبون الحديث أو يتبادلون الفكاهات، أو يتبعون أعينهم ~~كل غادية إلى عمل أو رائحة إلى ميعاد، أو يتداعون إلى سهرة حمراء في عش من عشاش الحب ~~المأجور إلى أن تشيب ذؤابة الليل! # كان يعلم أنه عما قليل مفارق هذه الحياة الصاخبة التي عاش فيها عمرا من عمره، فلا ~~عليه أن يتزود لما يأتي من لياليه، لا يمنعه عن ذلك ما يشغله من أمر يعد له عدته ~~ويهيئ أسبابه ... وتوزعته شئونه، فنهاره تأهب واستعداد، وليله ليل الهوى ~~والشباب! # أرأيت إلى الصائم يتأهب لنهار ظامئ جوعان بالمائدة الحافلة بأطايب الطعام والشراب؟ ~~كذلك كان رفيق في إسرافه على نفسه وفي غلبة هواه! # وراح يوما لموعده فجلس يقص على صحابته من مغامراته: «... وكنت وحدي إلى هذه المائدة ~~أنتظر، وغاظني أنني بكرت فلم أجد أحدا منكم آنس إليه، وتخايلت لعيني فتاة على ~~مبعدة ... ثم تجاوزتني ومضت، ومضيت في أثرها ...» # وتقصف عليه أصحابه يستمعون إليه؛ فإنه لفارس هذا الميدان غير منازع، ومضى في قصته: «... ~~وقلت لها وهي جالسة إلى جانبي على الصخرة الناتئة والأمواج تحت أقدامنا تصطفق على الشاطئ ~~الغضبان: إنك أول من أحببت ...! فنظرت إلي ساخرة وقالت: صحيح ...؟ ثم انفجرت ضاحكة. قلت: ~~وما يمنع؟ قالت وتكاد تغص بضحكتها: تلك كلمة ليست جديدة فيما أعرف ... كم مرة لفظتها ~~شفتاك؟ وحدقت في وجهي بعينين فيهما تصميم ms138 وإرادة ، كأنما تتحداني لتبلو إرادتي، وزويت ~~جبيني وتحولت ناحية أنظر إلى رشاش الماء يتواثب تحت أقدامنا، وقلت: ولكنك لن تسمعيها ~~بعد! ولن أقولها! ورحت أجمع طائفة من الحصى فأقذف بها الماء وأصابعي ترتعد؛ إذ لم يكن ~~يعنيني مما قلت إلا أن أثأر لكبريائي ...!» # قال رفيق: «وتخاذلت سريعا حين رأت وجهي مصروفا عنها، فدنت مني وهي تقول: انظر، أترى ~~هذين الطائرين؟ ونظرت ونظرت، والتقت عينان بعينين، وشفتان بشفتين ... ثم ...» # قال الذي عن يمينه: «ثم صحوت من النوم!» # وعلت ضحكات الجماعة، وسكت رفيق، ومضى أصحابه يتجاذبون الحديث ... ~~... ودنا الموعد الذي حدده رفيق ليلقى عروسه فيقدم لها هدية الخطبة، وكأنما أحب أن يهيئ ~~نفسه لهذا الحدث الجديد، فانقطع أياما عن موعد أصحابه، ومضى يزور في نفسه الكلام الذي ~~يلقى به خطيبته يوم يلقاها. أتراه كان يخشى أن يخونه بإزائها بيانه وخلابته وما عجز ~~قبلها في مجلس فتاة قط؟ ترى ماذا يقول الناس في هذا المقام؟ وتواردت على خاطره كلمات ~~كثيرة طالما جرى بمثلها لسانه في مجالس الفتيات فكان لها في نفوسهن فعل السحر، ولكن هذه ~~الكلمات جميعها - على لياقتها في هذا المقام وصدقها في التعبير عن حقيقة موضعها - لم ~~ترق له، كأنما كان ينزه لسانه في خطابها أن يلقاها بكلمة لم ينطقها قط إلا كاذبا ~~ولم يلق بها قط فتاة تستحق الاحترام! # وأعجزه القول حين الحاجة إليه؛ إذ كان كل جديد في لغة الحب الصادق قد حال في لسانه ~~عن معناه الحقيقي إلى معنى وضيع من معاني الخداع والغش والتغرير، فما ثمة إلا كلام بال ~~قد أخلقه التكرار، أو كلام ساقط قد نسخه الكذب وأحاله عن معناه ... # وضحك رفيق حين أحس من نفسه العجز عما يريد، وخطر بباله حديث الناس عن عجز المحبين عن ~~التعبير حين يتراءى العاشقان وجها لوجه وتتناجى العيون، فسأل نفسه: أتراني عشقتها ~~...؟ # ثم جاء الميعاد ... # وسبق البشير يؤذن بمقدمه، وجلست فتاة تنتظر وفي رأسها أخيلة تتراءى وفي قلبها أمل ~~... # وقال رفيق لنفسه والسيارة تقله إلى هناك: ينبغي أن تكون ms139 هي أول من أحب، أليس كذلك ...؟ ~~بلى، ومن ذا يستحق الحب غير الفتاة التي أهم أن تشركني في عمري؟ # وقالت الفتاة لنفسها وهي جالسة مجلسها تنتظر: نعم، ولمن تهب الفتاة قلبها غير الشاب ~~الذي تشركه في عمره؟ # ودق الجرس، ودخل رفيق تسبقه البشرى. وعلى الكرسي المذهب في صدر غرفة الاستقبال جلس ~~ينتظر، وكان إلى جانبه كرسي خال، ثم انفتح الباب ودخلت ... وكان واقفا يتهيأ لاستقبال ~~عروسه ... # وتراءيا وجها لوجه، وعرفها وعرفته ... # وهم الفتى أن يقول: «أنت أول من ...» ثم سكت! # وتهيأت الفتاة لتقول، ثم سكتت! # ووثب إلى خاطره وخاطرها في وقت معا ذكرى مجلس كان منذ قريب تصطفق فيه الأمواج تحت ~~أقدامهما على الشاطئ الغضبان، ودوى في أذنيه مثل هدير الموج يتواثب رشاشه إلى وجهه ودوى ~~في أذنيها، كمجلسهما هنالك ... وطأطأت الفتاة رأسها في خزي، وطأطأ الفتى رأسه، وثقل على ~~الفتى والفتاة موقفهما، وأحسا مواقع النظرات تأخذهما من كل جانب، فمشيا صامتين إلى ~~مجلسيهما، وتبادلا نظرة أخيرة أغنتهما عن الكلام. # ولم تتحرك شفتاه بكلمة، لكنها سمعته يهمس في أعماقها ساخرا: «أنت أول من ~~أحببت!» # ولم تنطق شفتاها ولم تجب، ولكن صوتا من أعماق الماضي كان يهمس في نفسه: «... تلك كلمة ~~... كم مرة سمعتها أذناي قبل أن تلفظها شفتاك!» # وتحول وجهه إلى ناحية وهو يقول: «ولكنك لن تسمعيها بعد ولن أقولها!» # وراحت أصابعه تعبث بحبات العقد الغالي، فلولا الخيط يمسكها لتناثرت على البساط كأنها ~~حصيات من رمل الساحل؛ وعاد هدير الموج يدوي في أذنيه ويتواثب رشاشه إلى وجهه، ونهض، ثم ~~اتخذ طريقه إلى الباب في صمت ... # وعاد إلى صحابته ليستأنف حياته على ما تعود ...! # | النائب المحترم # قصة الجاه والشفعاء ...! # لم يكن «حسان» يأمل يوما أن يبلغ هذه المنزلة التي صار إليها؛ ولا كان يبلغ به الوهم ~~أن يصير يوما «نائبا محترما» له صوت وصيت، وله جاه وشفاعة، وله سيارة خاصة تدرج به ~~على الطريق العام بين داره ودار النيابة، وعجائز الحي يشرن إليه من الشرفات: هذا حسان! ~~وهذه سيارة حسان ...! # ورحم ms140 الله أباه! هل كان إلا خوليا في ضيعة «منصور بك» يلبس ما يخلع عليه سيده، ويأكل ~~ما يفضل من رزقه؟ # وهل كان حسان يومئذ إلا ابن أبيه، يدرج من كرم سيده وسيد أبيه في قصر ذي أبهاء ~~وشرفات، وينعم من عطفه بأطايب المتع واللذات ...؟ ~~... ودخل «حسان» المدرسة الابتدائية مع ولدي سيده، وتبرع له منصور بك بمصروفات المدرسة ~~ونفقات الطعام واللباس والمأوى؛ إذ كان وجوده في المدرسة مع ولديه حماية لهما في ~~الوحدة، وجاها من جاه أبيهما في دار الغربة لا يقوم بمال؛ ومضى ثلاثتهم في الطريق إلى ~~المدرسة، طريق أوله أزهار ورياحين، وآخره ... وآخره مكتوب في لوح القدر ...! # ترى أين انتهى بهم الطريق؟ # هذا حسان «نائب محترم» له صوت وصيت، وله جاه وشفاعة، وله ... # فأين بلغ صاحباه بعد طول السنين؟ # وكان «النائب المحترم» جالسا وحده وقد قام لتوه من نومة الظهيرة، فسرح بصره يمينا ~~وشمالا، وتنفس تنفس الارتياح والرضا؛ وحضرته الذكرى ... ~~«ما أسرع وثبات القدر!» قالها «النائب المحترم» لنفسه في خلوته وهو يبتسم؛ فما كان ~~ليخفى عنه أنه لولا القدر ما بلغ هذه المنزلة. وهل كان بجده واجتهاده أن يجتذبه «الحزب ~~الحاكم» وهو محام مغمور لا يكاد يجد رزقه؛ ليرشحه للنيابة في وجه أعظم «باشا» في ~~الإقليم، ويحشد له الحزب كل قواه العاملة، وكل وسائله في الدعاية والترويج؛ ليفوز على ~~منافسه الغني الوجيه؛ لأن الحزب الحاكم لا يريد أن ينجح ذلك الغني الوجيه ...؟ # وهل كان بجده واجتهاده أن ينام ويصحو، فإذا «مكتبه» المنزوي في ركن من أركان المدينة ~~لا يكاد يعرفه «شيخ الحارة» قبلة أنظار المتقاضين وأصحاب الدعاوى؛ لأن صاحبه محام ~~ونائب محترم، له صوت وصيت، وله جاه وشفاعة ...؟ # لكأنما كان له وحده مغانم هذه «الديمقراطية» التي يتغنى الجميع بنظامها ومزاياها. وهل ~~كان ما ينعم به من الجاه والغنى والسيادة إلا حسنة من حسنات هذه الديمقراطية؟ ~~... وذكر ماضيه، يوم كان تلميذا في المدرسة الابتدائية مع ولدي سيده منصور بك؛ لقد كان ~~عليه يومذاك أن يحمل كل صباح وكل مساء ثلاث ms141 حقائب ، ذاهبا إلى المدرسة مع زميليه وآيبا. ~~واستحيا حين تذكر، وغمرته موجة من الحقد والكبرياء كادت تعميه، ثم استيقظ ضميره؛ وهل ~~صار إلى ما صار إليه إلا بفضل هذه الحقائب الثلاث ...؟ # وتتابعت الذكريات على عينيه؛ وحضرته حادثة بعينها، فعض على شفتيه واختلجت أهدابه؛ ~~إنه لم ينسها بعد وقد مضى عليها بضع وعشرون سنة، فما ذكرها مرة إلا غص بريقه كأنما ~~حدثت منذ ساعات ...! ~~... كانت تلك الحادثة في «يوم الخميس»، وقد وقف التلاميذ الثلاثة ينتظرون الصبي الذي ~~يحضر إليهم بالحمير الثلاثة يركبونها إلى القرية، حيث يقضون عطلتهم الأسبوعية. وطال بهم ~~الانتظار في هذه المرة، فلم يحضر الصبي إلا بعد ساعات من موعده، ولم يكن معه إلا حماران، ~~فقد تعطل الحمار الثالث في الطريق لشر أصابه ... ~~... ووثب الفتيان إلى ظهر حماريهما، وتركا حسانا يعالج همه، لم يفكر أحدهما في شأنه ولم ~~يخطر لهما على بال؛ ومضى صبيان يعدوان وراء الركب، أحدهما حسان يحمل الحقائب الثلاث ... ~~وتذكر الراكبان صاحبهما وقد أشرفا على القرية، فالتفت إليه «إبراهيم» فدعاه أن يرتدف ~~له فيما بقي من الطريق، وحمل الثاني عنه الحقائب الثلاث يرتفق إليها بكلتا يديه نائما ~~أو كالنائم ...! # ليت شعري أيذكر حسان هذه الحادثة حسنة من حسنات منصور بك وولديه أم سيئة من ~~سيئاتهم؟! # إن في صدره الساعة لغصة لا يبلها الماء! # وترادفت على عينيه الصور فنونا وألوانا، وتعاقبت على وجهه مظاهر شتى، من الحزن ~~والفرح، ومن الشقاء والسعادة؛ وبرقت عيناه بريقا ينبئ عن ثورة انفعال تضطرم بين ~~جنبيه! # وفاء إلى نفسه لحظة فابتسم، وهمس: يرحمه الله! لقد كان رجلا، وإن له علي يدا ~~... # وراح يسأل نفسه: ترى أين ولداه الآن؟ # لقد فارق تلك الدار منذ بضع عشرة سنة، منذ مات منصور بك ومات أبوه؛ وفارقه زميلاه في ~~المدرسة من يومئذ، فقد خيلت لهما سورة الغنى بعد موت أبيهما أنهما بلغا من العلم ما ~~فيه كفاية؛ ومضى كل منهم في الحياة يسلك السبيل الذي رآه لنفسه، فلم يعلم حسان من أمرهما ~~شيئا بعد، إلا أن ms142 الضيعة التي كانت لهما تراثا من أبيهما قد آلت إلى مالك جديد، ولكن ~~ما خلف لهما أبوهما من مال لم ينفد بعد وما زال يتحدى البذخ والإسراف وحياة الترف ~~والرفاهية ...! ولكن أين هما الآن ...؟ أليس من واجبه أن يسأل عنهما وقد بلغ ما بلغ؟ وهل ~~تراهما يعرفان من أمره ما تسامع به الناس جميعا: أنه «نائب محترم» له صوت وصيت، وله ~~جاه وشفاعة ...؟ ~~... ودق الجرس، واقتربت خطوات من الباب، ودخل الخادم ينبئه بقدوم زائر ... # والتقى في الغرفة الفاخرة الرياش رجلان لم يلتقيا منذ بضع عشرة سنة؛ وجلس «النائب ~~المحترم» يحيي ضيفه مبتسما والكلمات تتزاحم على شفتيه؛ وجلس «الضيف» بإزائه يفتل ~~أصابعه فتلا وهو صامت لا يكاد يتحدث إلا كلمات هامسة في نبرة تنبئ عن حياء ~~وعزة! # وفرغ حسان من تحيته، وهم «إبراهيم» أن يتكلم فخذلته كبرياؤه، وصمت؛ ونظر إليه حسان ~~نظرة الرجل الذي جرب الحياة وعرف الناس، ففهم ما أقدمه، ولكنه سكت ... لقد سره أن يكون ~~مرجوا، وأن يكون راجيه هو ابن سيده القديم؛ وتذكر قصة الحمارين والتلاميذ الثلاثة، ~~فراح يعبث بشاربه يحاول أن يخفي ابتسامة تتراقص على شفتيه، وقال لنفسه: وماذا علي لو ~~أعنته على أمره فأردفته على حماري، ولكن ... ولكن في الشوط الأخير ...! وراح يفكر ويسأل ~~نفسه: ليت شعري فيم قدم ...؟ إن في هيئته وبزته أمارات تنبئ عن شيء من غنى النفس، أتراه ~~جاء يستشفع به في أمر؟ ماذا؟ ليته يستطيع أن يعرف! إنه ليريد إرادة خالصة أن يعينه ... في ~~الشوط الأخير ... ولكن، فيم يريد أن يستشفع به؟ أتراه شيئا مما يمتد إليه نفوذه ويبلغه ~~بجاهه؟ يا ليت ...! فإنه لحريص على ألا يظهر لسيده القديم بمظهر العاجز القليل ~~الحول! # ومضت فترة، وحاول «إبراهيم» أن يقول فتأبى عليه القول وخذلته كبرياؤه، وعاد يفتل ~~أصابعه فتلا، وعم الصمت! # وغاظ حسانا ألا يتكلم صاحبه، وتمنى لو استطاع أن ينفذ إلى صدره ليعرف سره، ولكنه لم ~~يعرف؛ وعاد واحد يحيي وواحد يجيب؛ ثم نهض إبراهيم يتهيأ للانصراف، وتبادلا نظرتين على ~~تفاهم ومودة، ms143 وافترقا كما يفترق اثنان على ميعاد إلى لقاء قريب؛ ولكنه ميعاد لم تنطق ~~به شفتان ...! # كان حسان على يقين بأن صاحبه سيعود؛ لأن له شأنا معه لم يحدثه به بعد؛ وكان إبراهيم ~~على نية أن يعود؛ لأن ما أجاءه إلى صاحبه لم يفرغ منه بعد؛ وهكذا تواعدا في صمت! # كان لإبراهيم ولد واحد يدخره للزمان، وقد تقلبت به الحياة من تقلباتها حتى صار مسئولا ~~في كل يوم أن يفكر في غده. ونال ولده «إجازة الجامعة» فأهمه أمره بعد تخرجه أكثر مما ~~كان يهمه وهو تلميذ بين يدي معلميه؛ إن عليه أن يفكر في غده ومعاشه، فإن تكاليف الحياة ~~اليوم غير ما كانت منذ بضع عشرة سنة؛ لقد كان يومئذ في يده غده! # وراح إبراهيم يطرق أبواب الدواوين يطلب عملا لولده؛ فإذا الأبواب موصدة، وإذا على كل ~~باب مكتوب: «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟» # ومضى يلتمس الشفعاء من ذوي الحسب الرفيع والنسب العالي، فإذا مكتوب على كل باب: «لكل ~~زمان دولة ورجال!» # وسأل: «لمن الحكم اليوم؟» فإذا ضحكة ساخرة تتجاوب بها جدران أربعة ولها صريف كصريف ~~الدينار، وارتد إليه الصدى بعيدا من بعيد فتذكر من غفلة ... # وتذكر صديقه حسانا وماضيه معه، يوم كانا جنبا إلى جنب في المدرسة، وكتفا إلى كتف ~~في الطريق، ويدا إلى يد على المائدة، ولكل ثوب من ثيابهما تاريخ في الجدة وتاريخ في ~~البلى ...! # وذهب إليه ... ~~... وعاد يزوره بعد أيام، وأفضى إليه بسره ... # وغامت في وجه حسان غائمة؛ إنه لم يكن يقدر أن صديقه القديم قد جاءه لمثل ذاك؛ لقد كان ~~حسبه أن يستشفع به في تعيين خفير، أو إبدال عمدة بعمدة، أو رخصة في مناوبات الري؛ فإن ~~ذلك شيء يطيقه ولا يكلفه رهقا، ولا عليه أن يرجو مأمور الضبط، أو وكيل المديرية، أو ~~مهندس الري. أما هذه المشكلة المالية التي تقتضيه كلام الوزير، أو توصية اللجنة المالية، ~~أو تهديد الوزارة كلها بسؤال أو استجواب؛ فذلك شيء لا طاقة له به؛ لأنه لم يبلغ من ms144 الجاه ~~هذا المبلغ بعد! # وعز على «النائب المحترم» أن يعتذر؛ فطول لصاحبه في الأمل وطاوله ... وهل يهون عليه ~~أن ينزل عن جاهه في وجه سيده القديم فيعتذر إليه من عجز؟ يا للهوان! # وراح يحاول سعيا يعرف آخرته من أوله، وواعد صاحبه موعدة ... وتكررت مواعيده، وتكررت ~~زيارة إبراهيم ...! # وألف الناس أن يروا إبراهيم بن منصور بك رائحا مع حسان في المساء، وغاديا عليه في ~~الصباح، وألف حسان أن يراه في ركابه مصبحا إلى المحكمة، وممسيا إلى دار النيابة، ~~وكل زيارة تجد له أملا وتقطع مللا؛ واقترنت في خيال سكان الحي وفي مرأى عيونهم ~~صورتان لا تكاد تفترق واحدة منهما عن واحدة: رجلان وجه أحدهما إلى الأرض وأنف الآخر ~~إلى السماء، ولا يكادان يتقاربان في الطريق إلا ظلا يطأ ظلا! # وغبرت أيام وأسابيع، وعرف البواب والبستاني ووكيل المكتب وحاجب المجلس إبراهيم بن ~~منصور بك، وتعود حسان رنته على جرس الدار والمكتب في الصباح وفي المساء في مواعيد ~~راتبة لا تكاد تختلف؛ فإنه ليعرف متى يقدم إبراهيم هنا ومتى يقدم هناك؛ وكانت بشاشة وجه ~~حسان تذهب عنه السأم والملالة وتجدد له الأمل! # ولكن حسانا لم يكن مستريحا إلى ذلك وإن اصطنع الرضا والارتياح؛ فقد كان يئوده ويثقل ~~عليه أن يتبع إبراهيم خطاه في كل غدوة وروحة ليذكره بعجزه وضعف حيلته وقصور جاهه، ولقد ~~كان إبراهيم أكثر وقته صامتا ولكنه صمت ناطق؛ فما يزوره ويعاوده إلا لأمر واحد ~~يذكره إياه بوجهه حين يعجز بيانه، وما يسأله حين يسأله إلا على خجل واستحياء وفي ~~صوته رنة المعتذر، على حين لا يتلقى صاحبه سؤاله إلا كالزجر والتأنيب والعتب القاسي ...! ~~وماذا يملك «النائب المحترم» إلا أن يحتمل على مذلة أو يصرح بعجزه وقلة حيلته ...؟ ~~وأحلاهما مر! # وود حسان أن ينظر مرة فلا يرى وجه إبراهيم بإزائه يؤنبه بنظرته ويعيره ~~بعجزه! # ومضى شهران منذ خطا إبراهيم أول خطاه إلى «النائب المحترم» يستعينه على أمره، ولم يظفر ~~بشيء إلا وعودا تترادف ومواعيد لا تختلف؛ وضاقت نفسه، وعز عليه أن ms145 يبتذل نفسه على هذا ~~الوجه؛ وقالت له نفسه: «ما أنت وذاك؟ أتراه يواعدك إلا ليراك الناس في ركابه فيزهى ~~ويستطيل وتذل أنت وتخزى ...! وإنك لسيده ومولاه وإن شالت كفة في الميزان ورجحت ~~كفة!» # ودمعت عين إبراهيم واحتبس خطاه منذ اليوم! ~~... وظل «النائب المحترم» في فراشه إلى الضحى؛ إذ لم يدخل إليه الخادم في الصباح ينبئه ~~بمقدم إبراهيم ... كعادته منذ شهرين! # وقطع الطريق من المكتب إلى المجلس ماشيا وحده لا يتبعه أحد ... # وخرج من المجلس في المساء لا ينتظره منتظر ... # وأحس لأول مرة منذ شهرين أنه ليس «النائب المحترم» الذي كان أمس وقبل أمس له صوت ~~وصيت، وله جاه وشفاعة، ولكنه رجل من الناس، بل رجل دون الناس؛ لأنه حسان التلميذ ~~الفقير الذي أردفه يوما إبراهيم بن منصور بك على ركوبته في آخر الطريق! # وهل عاش ما عاش «نائبا محترما» إلا في أوهام الجاه الذي كان يزخرفه لنفسه وإبراهيم ~~يتبعه ظلا يطأ ظلا على الطريق؟ فما هو اليوم وقد فقد الظل الذي كان يسند جاهه على ~~أعين الناس؟ # وهل زاد شيئا على ما كان يوم كان، إذا كان مجده وجاهه في حاجة إلى ما يسندهما من ظل ~~الجاه الذي يمنحه إياه إبراهيم؟ هل زاد شيئا على التلميذ الفقير الذي أردفه ابن سيده ~~يوما على ركوبته في طريق القرية؟ ~~... وافتقد النائب المحترم جاهه، فأرسل يدعو إبراهيم إلى لقائه وكان يتمنى قطيعته؛ ~~ولكن إبراهيم حين وجد كبرياءه نسي حاجته؛ فظلت دعوة بلا جواب! # | عابر سبيل # قالت له نفسه الكريمة: «سر يا رفيقي على هداك حتى تبلغ، لست من هؤلاء الناس، ما أنت ~~في الحياة إلا عابر سبيل ...!» # قبل أن يسفر الصبح من ليلة العيد، استهل الصبي صارخا لأول ما يرى الدنيا، وقالت ~~القابلة: «يا بشرى هذا غلام!» فانبسطت وجوه، وابتسمت شفاه، ودب المرح في جنبات ~~الدار! # وضمته أمه إلى صدرها النابض فقبلته وقالت: «ستكون سعيدا يا بني، إن الحياة لتبسم في ~~وجهك، هذا يوم العيد أشرق صبحه ...!» # وعاد «الشيخ» من المسجد يدب على ms146 عصاه ، في لسانه تكبير وتسبيح، وفي قلبه صلاة قائمة ~~ودعاء خاشع. واستقبلته ابنته بالبشرى: «إنه صبي يا أبت! أتريد أن ترى أخي؟» وسبقته إلى ~~حجرة الوالدة! # وأدنى الشيخ من جبين الصبي فما يختلج بالشكر، فقبله والدمع يترقرق بين أهدابه، ~~والكلمات تحتبس في لسانه؛ وأطال النظر في وجه الوليد فقال: «لقد أبطأت طويلا يا بني ~~حتى أدركني الهرم، ولكني بك اليوم سعيد! لئن كنت موشكا أن أمضي إلى الدار الأخرى إنني ~~لحي بك في دنياي جيلا جديدا، فعش واسعد يا ولدي وابتسم للحياة!» # ورفع الشيخ رأسه إلى السماء وقال: «اللهم هذا دعائي لهذا، وأنت أرحم الراحمين!» # مضى الطفل يعدو وراء الأيام تجاذبه أثواب الطفولة، فإذا هو غلام يلهو في فناء الدار مع ~~لدات من الصبيان. # وقال له صبي: «ما هذا معك يا رفيقي؟» فانبسط وجه الغلام، وقاسم الصبي حلواه ومليماته! ~~وعرف الأطفال أن صاحبهم جواد، فأقبلوا عليه واجتمعوا على وده. وهمس أحدهم فيمن يليه: «إن ~~معه لكثيرا من ذاك!» فتعود الأطفال أن يسرقوه! # ومضى الصبي إلى أبيه يبكي: «ولدي! ما يبكيك؟» ~~- «أبكي المليمات يا أبي!» ~~- «غدا أعطيك غيرها يا بني، إن عند الله كثيرا من المليمات للأولاد الصالحين!» # ونظر الغلام إلى شيء في أيدي صحابته فاشتهته نفسه، أفيطلب أن يقاسمهم وما تعود؟ ولكن ~~أباه أخذه بألا ينظر إلى ما في أيدي الناس، وكم علمه بالحكاية، وكم ضرب له من الأمثال: ~~أن الحيوان الضعيف هو الذي يعيش على ما في الأيدي! # ورأى الأطفال شهوته في عينيه، فاستخفوا منه يلتهمون ما في أيديهم! # وشب الغلام، فدفعه أبوه إلى المدرسة، وعلمه في أول لياليه وقد رجع من مدرسته: «إن ~~هؤلاء يا بني أهلك هنا بإزاء أهلك هناك، فأحسن فيهم رعاية الود، وكن بينهم أخا في ~~إخوانه!» # وقال له زميله في المدرسة ذات يوم: «هل تعينني على كتابة درسي؟» فلما أعانه مضى الزميل ~~وخلفه يعالج درسه وحده! # وسمع المعلم ذات مرة همسا بين تلميذين، وكان جاره يطلب منه قلما، وغضب المعلم وصاح: ~~«من يتحدث؟» ولصقت ms147 التهمة بالمظلوم، فتلقى الصفعة صامتا وجاره يبتسم فرحا بالنجاة ~~من كف غليظة! وفي الطريق شاغب التلاميذ في أحد الأيام شيخا أعمى يدب على عكازه، ~~فلما توعدهم وهز لهم العصا، فروا وبقي الغلام لأنه بريء، فلم تنل عصا الرجل أحدا ~~غيره! لقد آلمته الضربة ولكنه تقدم ليهدي الرجل الطريق! # وأيفع الغلام، واستدناه أبوه إليه وهو مطوي في الفراش على نفسه من وهن الشيخوخة، ولبث ~~الشيخ طويلا يصوب النظر في الغلام ويصعده، ثم تكلم: «ليتك يا بني ملء عيني كما ~~أراك ملء قلبي! ولكني أرى في وجهك اليوم ما كانت تريني المرآة منذ عشرات وعشرات، فلا ~~جرم أن تبصر يا بني في مرآتك بعد عشرات وعشرات صورة أبيك! ستكون أميرا يا ولدي، ~~سيستجيب الله دعائي لك، وما انقطع دعائي لك منذ ولدت، فأحب الناس، وهب نفسك للجماعة! ~~كن رجلا قويا يا بني، كن للناس فيض الحب والرحمة، ولا تستجد الحياة ما لا تعطيك، ~~السعيد يا بني من يعطي لا من يطلب العطاء!» # وتكرر هذا من أبيه أياما، كأنه يريد ألا يموت إلا وقد وضع نفسه في ابنه! # ثم مضى أبوه في رحلة طويلة لا رجعة منها إلى هذه الدار. يا حسرتا! هذا هو في الفراش ~~مسجى والنائحات تنوح! وأخفى الفتى عينيه يستر دمعه، لقد علمه أبوه أن يكون جلدا، ~~فليحفظ وصاة أبيه. # ونظر في وجوه المشيعين في الجنازة فما رأى بينهم رجلا كالذي فقده، فعلم أنه فقده إلى ~~الأبد، وتصور الدار الخلاء إلا من أمه وأخواته. يا للفاجعة! يجب أن يكون رجل الدار، ~~لقد لقنه أبوه لمثل هذا اليوم دروس الرجولة منذ كان في المهد صبيا. وهتف بالكلمة ~~الغالية لآخر مرة: «يا أبي!» وغلبه الدمع فاستعصم وعاد يقول: «ستنام هادئا يا أبي، ~~فإنني أنت هنا!» # وعاد إلى الدار مطرق الرأس، ليضع يد «الرجل الصغير» في أكف الرجال الكبار يشكرهم على ما ~~جاءوا لتعزيته: أجاءوا يعزون «الرجل الصغير» أم جاءوا يحصون ما خلف الميت وأنفسهم تسيل ~~طمعا؟ # وقالت له أمه: «ما بي خوف ms148 الوحدة يا بني وأنت لي، فقم على الدار والدرس، إن الرجولة ~~تقتضيك أن تكون من أهل العلم والكرامة، فقد كان أبوك عالما كريما. كن للناس ما كان ~~أبوك: وجها طلقا، ونفسا سمحة، ويدا معطية، وقلبا يفيض بالحب!» # وخيل إلى الغلام أنه الرجل، وطمأنه إلى الناس أن أباه أوصاه بالناس، فلم يرد لأحد ~~طلبة، وإنه ليحمل من هموم الناس أكثر مما يحمل من هم نفسه، مؤمنا بأنه يفعل واجبه ~~للجماعة، ويؤدي دينه للإنسانية، مستيقنا أن الناس ستحمل عنه إذا نابه هم! # وقال له جاره يوما: «إن دائني يركب كتفي، فهل عندك فضل من المال إلى حين؟» وأعانه ما ~~قدر على إعانته، فإذا جاره لا يلقاه من بعدها إلا حاد عن الطريق، وإن في «الرجل الصغير» ~~لقليلا من سوء الظن، وإن فيه لكثيرا من الحياء! # وهل يحيد الرجل عن طريقه إلا استحياء من عسرته وضيق يده؟ وهل في الناس - فيما يرى - ~~من يجحد الفضل وينكر العارفة ...؟ # وسأله صديق مرة: «هل تعينني على تأديب ولدي؟ فما بي طاقة على أن أدفعه إلى معلم ~~بالمال، وما بي طاقة على أن أهمله من التعليم!» # واهتزت نفس الفتى؛ لأنه - فيما بدا له من صاحبه - قادر على أن ينفع الناس مثل أبيه. ~~وشدا الولد من العلم ما شدا، فأنكر معلمه وتنكر له أبوه! # وقال رجلنا لنفسه: «يا للأب المكدود! لقد حزبته مشغلة العيال عن ذكري، ليته يستعينني ~~على بعض أمره!» # ومن أين للفتى أن يعلم بأن كل مبذول مهين ...؟ # وقال له واحد من قرابته ينصحه: «هلا ادخرت فضل اليوم للغد؟ إن المال عصب الحياة، وجاه ~~الرجولة، ومطية الأمل البعيد!» # وابتسم «الفيلسوف الصغير» وهو يقول: «المال؟ ما أحب أن أجعل المال خاتمة المسعى وغاية ~~الجهاد، إن البطن لشبر في شبر، وإن الثوب لذراع في ذراع؛ أفيتسع البطن حتى يبتلع غلات ~~ضيعة، أو تطول القامة حتى ما يكسوها إلا ثوب بألف، أو يتضاعف الجسم حتى ما يؤويه إلا ~~بيت في مساحة مدينة؟ أنا هو أنا يا صديقي غنيا أو ms149 فقيرا ، بطني هو بطني، وثوبي هو ~~ثوبي، وبيتي هو ما امتد من قدمي إلى رأسي حين أنام ...! # أي سخرية! إن الفقير الذي يعوزه القرش ليستطيع أن يقول مقالة الغني الذي يملك ~~المليون. وماذا يملك الغني مما يملك إلا أن يسرح الطرف فيقول: هذه ضيعتي وهذا ~~قصري؟! أفلا يستطيع الفقير أن يسرح عينيه معا فيقول مثله: هذه ضياعي وتلك قصوري؟ بلى ~~يا صاحبي؛ إن الغنى لوهم من أوهام الناس، وإن الفقير المعدم ليرى أنه يملك ما شاء أن ~~يملك من الدنيا ما دام راضي النفس!» # وافترقا وكلاهما يرثي لصاحبه! # وقالوا له: «هلا التمست لك زوجة تأوي إليها فتجمع ما تفرق من أمرك؟ لعلك أن تجد ~~عندها راحة النفس وهدوء القلب!» قال: «حتى ألقاها، فأعرفها، فيدلني عليها قلبي! ما ~~أريدها غنية، فما لي وغناها وأنا عائلها وكاسبها؟ وما أريدها جميلة، فما لي وللجميلة ~~تتوزعها قلوب الناس وعيونهم، ويتوزعني منها الشك والقلق؟ وما أغلو في طلب الفيلسوفة ~~العالمة، فأجمع على نفسي هما بالليل وهما بالنهار! وما أريد أن تقول: كان أبي ورحم ~~الله جدي! فتملأ بيتي بأشباح الموتى وأطياف الهالكين! بحسبي أن أجد الفتاة التي يخفق لها ~~قلبي ويهدأ عندها حنيني!» # وخيل إليه أنه وجدها بعد أن أعياه المطاف، فوهب لها قلبه، وأخلص لها وده، وكشف لها عن ~~نفسه، ونظرت الفتاة في مرآتها ثم لوت عنه معجبة مزهوة! أتراه وقد نالت منه بقسوة الصد، ~~وصعر الخد، وجفوة الدلال قد أيقن أن المرأة لا تستوثق من حب صاحبها إلا غلبت، ولا ~~تستمكن من زمامه إلا ركبت ...؟ # يا للمسكين ...! لقد كان بريئا طاهرا كالطفل، وادعا مستكينا كالحمل، يحسب الناس ~~كل الناس في مثل براءته وطهره، فما ينشد فيهم إلا المثل الأعلى الذي يراه في نفسه! ~~وأين المثل الأعلى من هؤلاء الناس؟ أين هؤلاء الذين يرى من أناسي خياله؟ وأين هذا ~~الوجود من عالم قلبه؟ # لقد منحهم حبه، فهل لقي عندهم إلا الغدر؟ وأصفاهم وده، فهل رأى إلا الأثرة؟ ومحضهم ~~إخلاصه، فهل عرف إلا الخديعة والمكر؟ ms150 وألان لهم جانبه، فهل وجد إلا الكبرياء وصعر الخد ~~...؟ # وأيقن «الرجل الصغير» أنه لم يكن في هذا العالم غير طفل كبير! وعرف أخيرا أين أحلامه ~~من اليقظة، وأين أمانيه من الحقيقة، وأين المثل العليا التي جد ينشدها منذ كان ~~صبيا فلم يجدها إلا في نفسه ...! # وراودته نفسه أن يكون بعض هؤلاء الناس، لعله يلقى بعض أسباب السعادة؛ فرن الصدى في ~~مسمعيه يرجع قول أبيه: «ستكون أميرا يا بني، فأحب الناس، وهب نفسك للجماعة؛ إن ~~السعيد من يعطي لا من يطلب العطاء!» # وثابت إليه نفسه، ونفذت الطمأنينة إلى قلبه، فقال: «نعم إنني لأمير؛ لأنني فوق الناس؛ ~~لأنني أعطي ولا أستجدي، وإنني لسعيد؛ لأنني أملك الرضا، ولأنني أملك أن أجعل الحياة ~~جميلة!» # وتلفت يمنة ويسرة، ونظر إلى الناس تتجاذبهم ضرورات الحياة، ثم مضى على وجهه يمد ~~عينيه إلى الهدف البعيد، مستنيرا بالأمل، مستعينا بالرضا، مستيقنا أنه سيجد المثل ~~الأعلى هناك، عند الغاية من هذا الطريق! # وقالت له نفسه: «سر يا رفيقي على هداك حتى تبلغ، لست من هؤلاء الناس، ما أنت في ~~الحياة إلا عابر سبيل ...!» # | في عيد الربيع # منذ عام لم تكن «نضار» في مثل حالها اليوم ... شتان بين ما كانت وما صارت! # ها هي ذي تخرج اليوم من محبسها الذي اعتزلت فيه الناس أشهرا لا تراهم ولا يرونها إلا ~~كما ينظر العابر العجلان إلى تمثال قائم في عرض الطريق! # لم يكن ثمة ما يربطها بالناس بعدما مات أبوها وهجرها خطيبها، فما شأنها وشأن الناس ~~وماذا ترجو منهم؟ وماذا يرجون؟ # لقد عرفت من طباع الناس وهي معتزلة بعيدة أكثر مما كانت تعرف وهي تخالطهم وتعيش ~~بينهم، وكذلك لا تتكشف حقائق الأشياء إلا لمن ينظر إليها من بعيد! # منذ عام مات أبوها، وما كان لها في الحياة غير أبيها وغير خطيبها «رشيد»، وكانت تعيش من ~~بيت أبيها في نعمة سابغة وظل وارف، ولم يكن لأبيها - منذ ماتت زوجته - غاية يسعى لها ~~غير إسعاد ابنته، فقصر عليه عواطف قلبه ونوازع وجدانه وعاش لها، ms151 لا يرى لنفسه حقا في ~~متاع من متاع الرجال ما دامت ابنته سعيدة! # وكان لأبيها وظيفة ذات أبهة ومظهر، وكان لها جمال يفتن ويسحر؛ فتهافت الشبان على التماس ~~رضاها والحظوة عندها، ولكن فتى واحدا هو الذي استطاع أن يحملها على الإذعان والرضا، ~~وعرفها رشيد وعرفته، وعرفه أبوها، وتواعدا على ميعاد تنتقل فيه نضار من بيت أبيها إلى ~~بيت رشيد! ~~... وعاشت حينا سعيدة بأحلامها، لا يشغلها هم من هم الحياة، واستيقظت فجأة من أحلامها ~~حين وجدت أباها مسجى في فراشه والطبيب بجانب سريره ناكس الرأس أسوان، ورأت في عيون ~~الرجال من عواد أبيها دموعا تترقرق، فصرخت في لهفة: «أبي ...!» وتلاشى الصدى ولم تسمع ~~جواب أبيها ... ودنا منها خطيبها يواسيها وفي صوته نبرة حزن، ولمعت دمعة بين أهدابه فأطبق ~~جفنيه ولوى وجهه ... # وخرج أبوها من الدار إلى غير معاد، وخرج خطيبها يشيع الجنازة فلم يعد، ولبثت ~~الفتاة وحدها تنتظر ... # وخرس جرس الباب فما عاد يستأذن عليها أحد ... وما عادت تسمع خفق أقدام أبيها عائدا من ~~الديوان بعد الظهر، ولا صوت نداء خطيبها قادما لزيارتها في المساء؛ أما أبوها فإنها ~~تعلم أين ذهب، وأما خطيبها ... # بلى، لقد عرف رشيد من شئون صاحبته ما لم يكن يعرف ... فاتخذ طريقا غير الطريق التي كان ~~يسلكها كل يوم، وماذا يحمله على الزواج من فتاة ليس لها جاه من أهل ولا غنى من مال، وهو ~~لو شاء لوجد عند غيرها الجاه والمال والسعادة ...؟ هكذا قالت له نفسه، فمضى وخلفها ~~...! # لقد كان أبوها هو كل ما تملك من غنى وجاه، وقد مات أبوها، فماذا بقي؟ # ومضى شهر، وراحت نضار تقبض «المعاش» الشهري الذي فرضته لها الحكومة بعد موت أبيها ... ~~وعادت وفي يدها بضعة جنيهات ... ذلك كل ثروتها وكل العوض من أبيها الذي مات! # وفي اليوم التالي كانت عربة نقل كبيرة تحمل متاعها من البيت الذي عاشت فيه هي وأبوها ما ~~عاشت ... إلى غرفة مفردة على سطح بيت كبير من بيوت الحي، وكانت الخادمة تحمل صرة ثيابها ~~ذاهبة ... # وتغيرت ms152 منذ اليوم عيشة نضار، وانقادت صاغرة لما فرضت عليها الحياة! # ولزمت غرفتها على السطح لا تفارقها إلا لحاجة، واعتزلت الناس لا تراهم ولا يرونها إلا ~~كما ينظر العابر العجلان إلى تمثال قائم في عرض الطريق! # ومضى عام ... وها هي ذي اليوم تفارق محبسها لغير حاجة، تلتمس جديدا في حياتها المملولة ~~الجافة التي تحياها منذ مات أبوها ... # اليوم عيد الربيع ... وقد خرج الناس من بيوتهم جماعات مبكرين إلى شاطئ النيل، وإلى حدائق ~~الجزيرة ورياض الجيزة والقناطر الخيرية، يتملون جمال الحياة ويتمتعون بما أحل الله ~~وما حرم من طيبات وخبائث ...! # وذكرت نضار ما كان من ماضيها ... من ذا يراها في مجلسها ذاك على المقعد الخشبي في شارع ~~«مسبيرو» وعليها ذلك الثوب الأسود الحائل، وفي عينيها تلك النظرة الساهمة، وفي وجنتيها ~~هذا الشحوب ... من ذا يراها في مجلسها ذلك فيعرفها ويذكر ما كانت ...؟ # لقد آثرت ذلك المكان القصي الذي لا يطرقه أحد ممن تعرف من سكان الحي؛ لتكون بنجوة ~~من عيون الفضوليين. أفكانت المسكينة تحسب أن أحدا من أهل الحي يعرفها حين يراها أو ~~يذكرها ...؟ ولكن فيها بقية من حسن الظن بالناس! # ومرت بها مواكب الأطفال في ثيابهم وزينتهم، يحملون في أيديهم طاقات الزهر، وينفح من ~~أعطافهم عطر الربيع وريحانه، وتتابعت أسراب الفتيات في غلائلهن الموشاة وأزيائهن الفاتنة ~~يتمايلن ضاحكات عابثات عبث الصبا والدلال، ومضت طائفة من الفتيان في آثارهن يغنون ~~ويتطارحون أناشيد الهوى والشباب والأمل المنشود. وكان على الشاطئ فتيان يقرعان كأسا ~~بكأس، وعلى المقعد القريب فتى وفتاة يتناجيان في همس، ومرت سيارة تتهادى وفيها اثنان ~~ينشئان قصة حب ... ونضار جالسة على مقعدها وحدها، تسمع وترى وتذكر صورا من ماضيها، ~~وذكرت فتاها الذي كان، وذكرت أباها ... في مثل هذا اليوم ... منذ عام ... وكانت وكان ... وعادت ~~إلى ماضيها، واستغرقت في حلم طويل ... # ومر بها فتى، وتبادلا نظرتين، وأطرقت نضار من حياء وعادت إلى ذكريات ماضيها، وخطا الفتى ~~إليها خطوة، وكان على شفتيه ابتسامة ... وفي عينيه نظرة تعبر عن معنى ... وقال لها: «أنت ~~وحدك ms153 وأنا وحدي ...!» # وتضرمت وجنتاها حياء وغضبا، وسكتت، وعاد الفتى يتم حديثه ... ونظرت إليه ثانية وهمت ~~أن تتكلم، ثم أمسكت ... فليقل ما يقول ثم يمضي لشأنه، ليس ينبغي لمثلها أن ترد على مثله ~~...! وخطا الفتى خطوة أخرى فجلس على طرف المقعد، فجفلت الفتاة ونهضت وفي عينيها غضب وسخرية ~~...! # واستيأس الفتى فمضى لشأنه، وعادت الفتاة لشأنها ... وتعاقبت على عينيها صور ... وترادفت ~~مواكب الفتيان والفتيات، وتجاوبت أناشيد الهوى والشباب، ورن الصدى في أذنيها، وذكرت ~~فتاها ... وحنت إليه، واصطرعت في نفسها عاطفتان، فرضيت ثم سخطت، وترقرقت في عينيها عبرة ~~... ~~... واتخذت نضار طريقها إلى مأواها وفي نفسها ألم، وإن ضحكات المرح والمسرة لتتجاوب ~~حواليها، ومضت تحدث نفسها وتستمع إليها. وفجأة برز لعينيها منظر ... هذا رشيد وفتاة معه، ~~يا ويلتا! إنه هو، وتلك صديقتها «سعدية»؛ وما لرشيد وسعدية ...؟ وأين ومتى اجتمعا ...؟ ~~أتراه حين هجرها أبدل بها صديقتها ...؟ ولكن سعدية مسماة منذ سنوات على ابن عمها ... ~~أتراها هجرت خطيبها هي أيضا بعد أن مات أبوه ...؟! # وخنقتها عبرة، ودار رأسها وكادت تسقط فاستندت إلى الحائط، وتوارى الفتى وفتاته في زحمة ~~الناس، وثابت نضار إلى نفسها فاستأنفت السير، وكان فتيان وفتيات يزحمون الطريق مثنى ~~مثنى، وكأن كل اثنين من نجواهما في خلوة ... ومضت تشق طريقها وفي نفسها عواطف تصطرع ~~وتثور، وهتف هاتف في أعماقها: أكل أولئك ... وأنت وحدك ...؟ # وهمت أن تعود من حيث أتت فتجلس ساعة على المقعد الذي كانت تجلس عليه، في شارع مسبيرو، ~~على شاطئ النيل ... حيث قال لها فتى منذ قليل: «أنت وحدك ... وأنا وحدي ...!» فما لها طاقة ~~بعد على مثل هذه الوحدة الذليلة ... واليوم عيد الربيع ...! # وصرت أسنان الفتاة، فقمعت خواطرها واستأنفت السير، وأخذت تسائل نفسها: أكذلك الحياة؟ ~~ليتني لم أكن أعلم ...! # وراحت تصعد السلم درجة درجة وهي تعد، وكان البواب جالسا يهمس في أذن ضيفه، ورنت ~~ضحكة البواب وصاحبه في أذنيها، فوقفت واحمر وجهها من الغضب، أتراه يحدث صاحبه ~~عنها؟ فماذا يقول ...؟ أم تراه يحسبها فتاة كبعض من رأت اليوم؟ ومن أين له أن ms154 يعرف ~~حقيقتها ...؟ # وما ظن الناس بفتاة عزباء، تعيش وحدها في غرفة على السطح، وليس لباب السطح بواب، تخرج ~~حين تخرج وحدها وتعود حين تعود، لا يعرف أحد أين ذهبت ولا من أين جاءت! ~~... وتماسكت من ضعف، واستأنفت الصعود ... وبلغت غرفتها فارتمت على سريرها باكية! # وأخذتها غفوة واستيقظت أحلامها. ولما صحت من غفوتها بعد ساعة كانت نظرتها إلى الحياة ~~غير ما كانت ... وماذا يجديها أن تحرص على التزام الجادة والناس هم الناس وكل فتاة ~~عندهم ككل فتاة؟ ~~... وجلست نضار إلى المرآة تتزين؛ المرآة التي لم تجلس إليها منذ عام مجلس فتاة إلى ~~مرآتها! ونفضت الغبار عن حقيبتها وراحت تبحث فيها عن شيء من تراث الماضي ... وخلعت ثوب ~~الحداد الذي لم تغيره منذ لبسته! # وسمعت طرقا على الباب ... وفتحت ... فابتدرها البواب يؤذنها أن فتى بالباب يسأل عنها، ~~وابتسم ... وشحب لونها، وقالت في صوت يرتعش: ما اسمه؟ وماذا يريد ...؟ # ولكن البواب لم يكن يعرف اسمه ولا ماذا يريد، فما كان يعنيه إلا أن يؤذنها أن زائرا ~~يسأل عنها، ثم هبط مسرعا ... وأطلت الفتاة وراءه لترى، ولكنها لم تر ...! ~~... لقد غشيتها الدموع وحضرتها الذكرى فما تستطيع أن تسمع أو ترى أو ... تفكر! # منذ عام لم يهتف هاتف باسمها ولم يزرها زائر ... فمن يكون هذا الطارق ...؟ # وعاد إليها البواب برسالة في يده قبل أن تجد نضار جواب سؤالها، وتناولت منه الرسالة بيد ~~ترتجف، وراحت تقرؤها وهي في طريقها إلى غرفتها ... وسقطت دمعتان على القرطاس في يدها، ~~وكانت تبتسم ... ولم تفطن إلا بعد حين أن البواب لا يزال منها على مقربة؛ ولأول مرة منذ ~~سكنت هذه الغرفة المفردة، شعرت أن من الواجب عليها أن تمنح البواب شيئا ... ففتحت ~~حقيبتها الصغيرة ومدت يدها إليه بقروش ...! # وأغلقت بابها وراحت تعيد قراءة الرسالة، ثم رفعتها إلى شفتيها فقبلتها قبلة، وهمست: ~~نعم، أحبك لأنك أنت ... # وحتى في خلوتها لم تنس أنها امرأة، فعادت تقول: نعم ... لأنك أنت الذي يحبني حين لم ~~يذكرني أحد! # ثم طوت الرسالة وأخفتها في صدرها ... # كان ms155 «سامي » يعرفها من زمان، وكانت تعرفه، ورآها ذات ليلة تحدثه في منامه ويحدثها، ~~فطمع ... وكان مجمعا أمره على خطبتها حين جاءه النبأ بأنها سميت على رشيد، فطوى جوانحه ~~على آلامه وسكت ... # وضربت بينهما الأيام فصعدت بها إلى غرفة في السطح، ورمت به النوى من بلد إلى بلد إلى ~~بلاد، ثم عاد ليعرف من أمرها ما عرف ... فكتب إليها ... ~~... وتم أمرهما على ما أرادا وأظلهما سقف واحد، وابتسمت لها الأيام بعد عبوس! # ومضى عام ثان، وجاء عيد الربيع، وقال لها: أين تريدين يا عزيزتي أن تمضي يوم ~~العيد؟ # وتغشتها الذكرى فأطرقت وفي قلبها عواطف تصطرع، ثم رفعت رأسها وقالت وهي تبتسم: أتريد ~~يا سامي ...؟ إنني أفضل أن نجلس على مقعد خشبي على شاطئ النيل، في شارع مسبيرو، ثم نعود ~~...! # وضحك سامي دهشا وهو يقول: على مقعد خشبي؟ في شارع مسبيرو؟ يا لها فكرة! بربك لماذا؟ ~~وأي خاطر ألهمك؟ # قالت وفي عينيها بريق وفي صوتها حنان وفي أعطافها نشوة: تسألني لماذا؟ لأنك كنت معي ~~هناك ... حيث التقينا أول مرة في خطرة فكر وخفقة قلب، وكنت وحدي هناك ولكني كنت معك ~~...! # | همام # عندما يهم قطار الصعيد أن يجتاز النيل من شاطئ إلى شاطئ عند قناطر نجع حمادي في طريقه ~~إلى القاهرة، يرى الراكب عن يمينه قرية صغيرة يطيف بها الجبل الشرقي من ثلاث جهات، ثم ~~ينفرج عن سكة متعرجة تصل بين القرية والنهر، وتقوم على جوانبها باسقات النخيل حدا ~~فاصلا بينها وبين الصحراء الشاسعة الممتدة بين النيل والبحر الأحمر. # في هذه القرية كان يعيش «همام» يكدح لنفسه ولزوجه عاملا في مزرعة العمدة، كما يعيش ~~عشرات مثله، قانعين من العيش بالكفاف، راضين من متاع الحياة بنعمة الحياة نفسها! # ولكن هماما لم يكن من القناعة بحيث يرضى من الحياة بما يرضى به سواد الفلاحين الذين ~~يعملون معه أجراء في مزرعة العمدة؛ فقد كانت له نفس طلعة تتسامى بها أماني جسام، ~~وكان من المنزلة عند سيده بحيث يتهيأ له أن يكون أقرب إليه؛ فرأى ألوانا من ms156 العيش ~~وفنونا من اللذة خيلت له ما خيلت من الأوهام وأنشأت في نفسه ما أنشأت من ~~المنى. # ولم يكن قد مضى على زواجه ب «مسعدة» غير بضعة أشهر حين جلس إليها ذات مساء يحدثها ~~وتستمع إليه: «مسعدة ...! وسيكون لنا دار ونخيل، ومزرعة على الساحل إلى جانب مزرعة ~~العمدة، وسأكون وتكونين ...!» # واستمعت إليه زوجته فرحانة، وحلقت بجناحيه في وادي المنى، وراحت تعد له عدة ~~الرحيل إلى القاهرة حيث يهاجر ليلتمس الغنى ثم يعود ... # وخرج همام من القرية يحمل على كتفه خرجا فيه زاده ومتاعه حتى بلغ شاطئ النهر، وخلف ~~زوجته في القرية تنتظر، وكان ثمة رمث من جرار مشدودة عنقا إلى عنق يتأهب لرحلة ~~نهرية إلى القاهرة، فوضع همام متاعه عن كاهله واتخذه مركبا إلى حيث ينشد ~~أمانيه. # وأرسى المركب بعد أيام على ساحل «الفسطاط»، فنزل همام يضرب في شوارع القاهرة ومتاعه ~~على ظهره، حتى انتهى إلى مستقره في غرفة من دار في حي «بولاق»، يساكنه فيها بضعة نفر ~~قدموا لمثل غايته من بلاد متفرقة في الصعيد الأعلى، فألفت بينهم الغربة وجمعتهم وحدة ~~الأمل! # ومضى يلتمس الرزق بساعد قوي وعزم صليب، فلم يلبث أن انضم إلى جماعة من الفعلة في ~~أعمال البناء، يمضي شطر نهاره يحمل مكتل الآجر صاعدا هابطا على خشب مشدود من ~~أسفل البناء إلى أعلاه ومن أعلاه إلى أسفله، ينضح العرق جبينه، ولسانه لا يفتر عن ~~الغناء، يصف أشجان الغريب النازح إلى أمل يرجوه ومن خلفه حبيب ينتظر؛ فإذا حميت الظهيرة ~~فاء إلى ظل جدار قائم يتناول طعامه: لقمة من خبز قديد وملح جريش وماء؛ ثم يستأنف عمله ~~... # لم يكن العمل الذي يزاوله همام مما ألف حين كان يعيش بين أهله في القرية المطمئنة في ~~أحضان الجبل الشرقي، ولكنه كان أحب إليه؛ لأنه كان أكثر جدوى عليه. واستطاع أن يجمع ~~من فضل أجرته بعد شهرين جنيها وبعض جنيه، أرسل منه ما أرسل إلى زوجته وادخر الباقي ~~لنفسه، ودأب على ذلك من بعد؛ فكان لزوجته من فضل أجرته كل ms157 شهر نصيب معلوم، ولصندوق ~~الادخار ما بقي ... # ولما جاءه النبأ أن زوجته قد وضعت، أرسل إليها بهدية وعلاوة تشتري بها كسوة للصبي، ~~ولكنه لم يغفل أن يضع في صندوق الادخار ما يضع في كل شهر، رجاء أن يكون له يوما دار ~~ونخيل، ومزرعة على الساحل إلى جانب مزرعة العمدة، هناك، حيث تنتظر زوجته وأم ولده ~~...! # لقد مضى عام منذ هجر همام القرية يسعى إلى الغنى، وإنه هنا وزوجته هناك، وولده؛ أما هو ~~فكان له شأن يشغله عن الفكر والحنين، وأما هي فكان لها أمل تأمله في يوم قريب يربط على ~~قلبها ويزيل وحشتها. وأما الصبي ... وماذا يدري الصبي بعد؟ # وتتابعت الأعوام وشب الغلام، لم ير أباه ولم يره أبوه. وماذا يهم الفتى من ذلك وليس ~~بدعا هناك، وفي كل قرية من قرى الصعيد عشرات من مثل همام نزحوا عن أهليهم وولدانهم ~~يلتمسون مثل ما يسعى له، لا يتواعدون على لقاء ولا يتراءون منذ الشباب إلا على هرم ~~...؟ # ومضت بضع سنين قبل أن يفكر همام في زيارة زوجته وولده، وراحت «مسعدة» تستقبله على شط ~~النيل حيث ترسى به السفينة؛ وقال الفتى لأمه وهو يشير إلى رجال على ظهر المركب: أيهم ~~هو؟ ونظر همام إلى غلمان وقوف على الشاطئ وقال لنفسه: أيهم هو ...؟ ثم التقيا فتعارفا ~~وحن الدم إلى الدم ... ~~... وعاد الزوجان إلى حديثهما، وعاد همام يقول: «بلى، وسيكون لنا دار ونخيل ... وسأكون ~~...» # وهمت المرأة أن تقول شيئا ثم أمسكت، ورفعت إليه عينين فيهما ظمأ وشوق، وفيهما إعجاب ~~وزهو، وأنستها حلاوة اللقاء مرارة الفراق، وعادت الأماني تخيل لها، وحلقت بجناحيه ~~في واديه، وقالت لنفسها هامسة: «سيكون لنا دار ونخيل ومزرعة، وسيكون وأكون ...» ثم فاءت ~~تنظر إليه وفي عينيها لهفة وحنين ...! # وقضى همام في القرية أياما، ثم استأنف رحلته يسعى إلى أمله، وخلفها وخلف ولدين: أما ~~أحدهما فغلام لم يكد يرى أباه حتى فقده، وأما الثاني فإنه لم يره قط؛ لأنه لا يزال بينه ~~وبين الحياة تسعة أشهر ...! # لم يكن عبثا ما تحمل ms158 همام من مشقة البعد سنين وما لقي من جهد الحياة؛ فلم يكد يمضي ~~عليه في القاهرة بضع عشرة سنة حتى تغير من حال إلى حال؛ فلم يعد العامل الذي يمضي ~~بياض نهاره حاملا مكتل الآجر، صاعدا هابطا على خشب مشدود بين السماء والأرض، ليس له ~~إلا وجبة واحدة من طعام؛ إنه اليوم رجل غير من كان؛ لقد عاد ذلك الثوب الخلق جديدا ~~على جسد ناعم، وعاد البطن الخاوي شبعان ريان من طيب الطعام والشراب، وعادت الغرفة ~~المشتركة بين بضعة نفر يفترشون الأرض، شقة ذات أثاث ورياش؛ وعاد الأجير الفقير سيدا ~~يجري النفقة على أجرائه وخوله؛ وتلاقحت دراهمه فنتجت وأصبح ذا مال! # وتصرمت بضع سنين لم تره زوجته ولم يرها. أما هي فعاشت هناك صابرة قانعة بما يرسل إليها ~~كل شهر من نفقة، تمسي وتصبح حالمة بالدار والنخيل والمزرعة، ويوم تكون ويكون؛ وأما هو ~~فتبدلت حياته بما تبدل من حاله، وأجدت له النعماء أماني فأنسته أماني، وعاش لنفسه ~~ولماله! # وشب الغلام واخضر شاربه، ونهدت البنت وكعب ثدياها، وشابت الأم وتخدد لحمها، ولكن ~~شباب قلبها لم يزل يجد لها أملا بعد أمل، وينشئ لها في كل مشرق شمس ومغربها حنينا ~~ولهفة؛ والرجل هناك يبيع ويشتري ويتعوض ويراوح بين جنبيه من فراش إلى فراش ...! # وفجأة، أظلمت القاهرة بعد نور، وهمدت بعد نشاط، وسكنت بعد حركة، ونعب النذير يوقظ ~~النائم ويحرك الساكن ويبدد الشمل المجتمع ليجمع الشمل المتفرق؛ وكسدت سوق همام بعد ~~نفاق، فأزمع الغريب الإياب! # لم يعد همام في هذه المرة إلى القرية على رمث في البحر تدفعه الريح، ولم يكن على كتفه ~~خرج فيه زاده ومتاعه، ولم تكن رحلته طويلة موحشة تقاس بالليالي والأيام، ولكنه عاد في ~~القطار السريع يصحبه أنيس غير مملول، في يمناه حقيبة سفره، وفي يسراه زوجته الحضرية ~~المصقولة! # وكانت «مسعدة» وولداها ينتظرونه لميعاده ... ونظرت امرأة إلى امرأة ثم أغضتا، أما واحدة ~~فصبرت وشكرت؛ لقد سلخت شبابها متزوجة ولا زوج لها، فإنها لنعمة أن تظفر اليوم بنصف ~~زوج ...! وأما ms159 الأخرى فحنقت وسخطت؛ لقد كان لها زوج يؤثرها ففقدت نصفه! # وأغلق الباب على رجل وامرأتين؛ وعرفت كل واحدة منهما مكانها من صاحبتها ومن صاحبها؛ ~~أما مسعدة فراحت تتحبب إلى صاحبتها وتتعبد لها لتنال رضاها ورضا همام، وأما صاحبتها ~~فراحت تشمخ وتتأمر لتتسلط وتحظى؛ واقتسمت المرأتان الدار، فواحدة لها الفراش وواحدة ~~للمهنة والعمل؛ وقالت المرآة لكل منهما: لقد عرفت مكانك ...! ولكن أحظاهما كانت أسخط ~~لحظها وأشقى؛ لأنها لم تألف الحياة في القرية ولم ترض الشركة في رجل ... # وأصبح همام ذات صباح فإذا امرأة واحدة في الدار وقد فرت الأخرى ... وثارت نخوة الرجل ~~وغضب لعرضه غضبة أهله، فأزمع أمرا؛ وغضب الولد لأبيه وأقسم ليغسلن العار بالدم ~~... ~~... وعاد «حمدان» بن همام من القاهرة بعد أيام وسكينه يقطر دما ... واستقبله أبوه مزهوا ~~فخورا فضمه إليه وقبل جبينه، واستقبلته أمه وأخته ... # وجلست الأسرة الأربعة مجلسهم لأول مرة، مجلسا لم يجمعهم مثله منذ كانوا على صفاء ~~ومودة، وقالت مسعدة: «همام ...!» # وكان في عينيها عتاب وفيهما رضا واطمئنان. # وقال همام: «مسعدة! معذرة إليك؛ إنك أنت وحدك ... وكانت غلطة ...!» # وابتسمت مسعدة وعاد الشباب يتألق في جبينها بشرا ومسرة، وانبعثت الأماني تحدثها ~~حديثها، وحلقت بجناحين في وادي المنى، وقالت: «... ويكون لنا دار ونخيل، ومزرعة!» # وافترت شفتاه وقال: «ذلك أولى لك يا مسعدة وأنت له أهل؛ وهذا المال ...» # ودق الباب فانقطع الحديث، ودخل الداخل ثم خرج، وخرج وراءه همام وزوجته وابنته يشيعون ~~حمدان وفي يديه الحديد مسوقا إلى السجن! # لم يشتر همام دارا ولا نخيلا، ولا مزرعة على الساحل؛ ولم يبق له من ماله باق، ~~وأنفق ذخيرة العمر ليفتدي ولده من زلة ساعة فلم يجد عليه! # وعاد همام كما بدأ: أجيرا يكدح لنفسه ولزوجته وابنته، عاملا في مزرعة العمدة، قانعا ~~من العيش بالكفاف، راضيا من متاع الحياة بنعمة الحياة نفسها ... # وخرج حمدان من السجن بعد عشر سنين لتستقبله أمه الأيم العجوز وحيدة، فتصحبه إلى قبر ~~أبيه يترحم عليه؛ أبوه الذي لم يره إلا مرة ثم مضى كل منهما لوجهه، كما ms160 يلتقي اثنان ~~اتفاقا في طريق ثم يتدابران فلا لقاء! # | عمامة الأفندي! # طال بنا انتظار صاحبنا «الشيخ محمد المأذون» في هذه الليلة حتى دقت العاشرة ولم يجئ، ~~وكنا نرقب مقدمه علينا كل مساء رقبة المشتاق، فما تخلف عن مجلسنا ليلة منذ عرفناه، ~~وإنه ليقدم فيحل البشر ويستخفنا السرور، سرور النفس بدعابته، وسرور المعدة بحلواه! ~~فقلما كان يوافينا إلا ومعه هدية من عرس نتوزعها بيننا. ولم يكن لمقدمه ميعاد، فإنه ~~لعلى تجوال دائم، يتأبط دفتره من دار إلى دار، رسول سلام وحب، أو رسول فرقة ~~وقطيعة! وتوزعتنا الظنون من غيبته، وحسبناه قد أصاب الليلة حظا من عرس، فبخل علينا ~~بحلواه ومرق إلى الدار، فما كنا لنتركه حين يقدم علينا إلا فارغ الجيب من الحلوى وغير ~~الحلوى مما يجمع من الأعراس، وما كان ليتركنا إلا فارغة رءوسنا من الضحك من دعابته ~~وهزله! # وجاء بعد انتظار فحيا وجلس، ولكنه كان عابسا مبهورا لا يكاد يطرف جفنه، فحسبنا ~~وراء مظهره العابس نكتة مبتكرة، فقد كان في الفكاهات صاحب تدبير وسياسة، وما عهدناه ~~يألم من الحياة لشيء، وإن الهموم لتصطرع عن يمينه وشماله! # وهممنا به نتناوله بما أعددنا له من عبث، فإذا كلماتنا تتساقط حواليه ولا تصيبه، وظل ~~على حاله من العبوس والهم! # وسرت إلينا نفسه، وتقمصنا مما به روح الكآبة والوحشة، فأمسكنا عن الحديث لحظات ~~... # ورفع الشيخ رأسه بعد هنيهة، وتحركت شفتاه بكلام، فتقصفنا عليه نستمع لما يقول ... # وسأل: «ماذا لديكم من أنباء صاحبنا عاطف؟» # قلنا: «لقد انقطع عن نادينا من زمان بعيد، فلعله على شغل ببعض شأنه، وإن لذات الحياة ~~لحبيبة إليه، فما نراه قد منعه لقاءنا إلا لهو آثره علينا، أو لذة دعته فلباها، أو ~~لعله يتفيأ من دنياه الجديدة ظلال الحب والسعادة!» # قال: «بل دنياه الجديدة، ولكن ليس فيها من السعادة والحب ولا ظلهما، ولكن مكابدة ~~الأحزان، وألم الوحدة، ومشقة الحرمان، وظلام اليأس ...!» # ورنت كلمات الشيخ في آذاننا رنينا مفزعا أحسست صداه في قلبي، فقد توثقت صلتي ~~بعاطف صبيا وغلاما وشابا، فأي ms161 أمل كان يجيش في تلك النفس؟ وأي روح كان يحمل ذلك ~~الجسد؟ وأي حيوية كانت تصطرع من ذلك الشباب؟ # فما كربني كرب ونظرته إلا عادت الحياة في عيني باسمة نضرة، وما أهمني هم فلقيته ~~إلا تعلمت منه فلسفة الرضا بما هو كائن، وكان من بهائه وإشراق طلعته، إلى كمال خلقه ~~وعفة لسانه، كأنه فتنة مستحيية ... # وأخذ الشيخ يقص علينا من نبئه ونحن نستمع إليه في صمت: كان عاطف على ما انبسط له من النعمة، وما اتفق له من حسن الرأي؛ لا يؤمل في الزواج إلا ~~من فتاة ذات مال. ولقد كان عجيبا عندنا أن يكون على هذا الرأي وهو من نعرف من شباب ~~الجيل الجديد، ولكنا لم نكن لنستطيع على ما نسرف في مهاجمة رأيه أن نصرفه عن بعض ما كان ~~يعتقد. وراح في سبيل غايته يبحث عن الزوجة الغنية على أبواب المجلس الحسبي ...! # ووجدها بعد جهد ناصب؛ ولم تكن جميلة، ولكنها كانت بعيدة من الدمامة، وقد مات أبواها ~~وخلفا قصرا وضيعة، وأخا يقوم عليها وعلى القصر والضيعة جميعا! # واستوثق الفتى من غنى صاحبته، فأقبل يخطبها إلى أخيها وقد اجتمعت له الأسباب، وأدى ~~المهر: مهر الضيعة والقصر والعروس ...! وعقد له على فتاته! # لقد غبطناه يومئذ على النعمة، نعمة الثروة والجاه والزواج، وما عنانا كم دفع وكم ~~أنفق، فقد كنا على ثقة بأن حبته مردودة إليه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ورحنا ~~نتهم أنفسنا بفساد النظر وأفن الرأي وسوء التدبير! # ومضى أسبوع، وشهر، وأشهر، وأوشك العام أن ينتصف، وعاطف متهلل الوجه ضاحك السن، يحلم ~~بالغد القريب يوم تزف زوجته إليه، وتزف ثروتها إلى خزانته ... وسعى إلى صهره يستعجله، ~~فإذا هو يبسط له المدى ويفسح الأجل ويستشفع بالتقاليد ... # وعاد الفتى إلى نفسه يطمئنها ويترضاها. وما عليه من ذاك؟ أليست ستزف إليه لا محالة ~~في يوم قريب أو بعيد؟ بلى، وإنها لزوجته، ما في ذلك شك ولا إنكار، فلا عليه أن ~~ينتظر! # ودار دولاب الزمن فأتم دورة، وراح الفتى يستنجز صهره ms162 الوعد ، فقابله وهو يبتسم ويبسط ~~له وجهه ومجلسه، وأخذ يتنقل به في الحديث من فن إلى فن حتى زالت وحشته وأنست روحه ولم ~~يظفر بجواب ...! # وتوالت الأيام بعضها في أعقاب بعض، وتصرمت الأشهر شهرا في أذيال شهر، وما يزال صاحبنا ~~يراوح النفس في فراش الوحدة، وعروسه هناك من دونها الأبواب والحارس العتيد! # ومل الفتى مقامه، وضاقت نفسه، وأراد أن يسمع الرأي الصريح، وعاد الأخ يعتذر ويجدد ~~الميعاد وهو يربت على كتف الزوج الغاضب! # وخرج عاطف من الدار والقدر تغلي في رأسه؛ لقد ابتدأ يعرف ما هنالك ولكنه لم يجرؤ على ~~التصريح ... أيكون ذلك من قوانين البر؟ أهو كذلك ناموس الرحمة والعدل؟ أيعضل الأخ أخته ~~فيحرمها الاستمتاع بالحياة من أجل المال، من أجل مالها الذي يخشى أن يفلت من يده إلى ~~الزوج يتصرف فيه كيف يشاء؟! # وهم عاطف أن يعود فيصرح في وجهه بما عرف من خبيئته، ولكنه كظم الغيظ على ألم ~~وضيق. # وتلاقيا بعد أيام، وكانت القدر ما تزال تغلي، فعلا الزبد يترشش مصرحا عن غيظ وغضب ~~... وافترق الرجلان على عداوة ...! # ودق عاطف باب المحكمة لعلها أن تحمل زوجته على«الطاعة». # أين هي المسكينة؟ وعلى طاعة هي أم على عصيان؟ إنه لم يرها إلا مرسومة في ورقة، أتراها ~~في الأحياء؟ أم هي من وراء جدران سجنها جثة بلا روح، وجسد بلا عاطفة، وطاعة بلا إرادة، ~~ومعدة بلا وجدان ...؟ # وا رحمتا للمسكينة! أتشعر أنها في الأحياء؟ لعل في الموتى من هم أقرب منها إلى الحياة؛ ~~لأنهم يعيشون من عواطف أهليهم في ذكرى حية وحب مشبوب ...! # وفي المحكمة رأى الفتى عروسه لأول ما يراها وقد جاءت تسعى عن أمر أخيها تطالب زوجها ~~بالغذاء والكساء والمأوى! # وكأنما ضاق بها أخوها طاعمة كاسية من مالها عنده، فدفعها إلى القضاء تلتمس القوت ~~والكساء! # وكان بينهما ما يكون دائما بين كل زوجين يعرفان المحكمة الشرعية: في كل حين بينهما ~~«جلسة» للقضاء، وليس لواحد منهما هم إلا فيما يفتن من فنون ليكيد لصاحبه ويغيظه، ~~والغالب منهما من ينال ms163 من صاحبه من غير عائدة عليه، والمال يتسرب من بين أيديهما ~~للمحامي والكاتب ورسوم الدعاوى وأجرة الشهود ... # وامتدت بينهما الفتنة، ولجت بهما الخصومة، وطالت إجراءات التقاضي، ومضى عام ثالث، ~~وأخذ الزوج المسكين يبيع ما يملك قطعة قطعة؛ وفاء لنفقة الزوجة ونفقة القضاء، وأوشك ~~الرجل الذي راح يطلب الغنى من تحت أقدام امرأة أن تصفر يداه ... # واصطلحا في النهاية على الطلاق ...! # قال المأذون: «وقلت للفتاة: أراغبة أنت في الطلاق على ما اشترط لك من مال؟» # وزاغت نظرة الضحية العذراء من يمين إلى شمال، ثم استقرت نظرتها على أخيها الجالس هنالك ~~ثم نكست رأسها ولم تجب ... # قلت: إنك إنما تفصلين في أمر مستقبلك، فليس هنا لأحد عليك سلطان! # فحدقت في طويلا كأنما تلتمس المعونة، ثم حولت النظر ثانية إلى أخيها فإذا في عينيه ~~كلام طويل، فأطرقت وهي تقول في همس: نعم، أريد الطلاق ...! # ونظر إليها الفتى دهشا حيران، ثم نطق بالكلمة الفاصلة ... # وتحولت إلى صاحبي فأنكرته، وأقسم لكأنني لم أكن أعرفه من قبل، وما كان في بالي أنه ~~صديقي عاطف؛ لقد انطفأ بريق عينيه كأنما ينظر من خلف زجاجة، وغاض ماء الشباب من وجهه فما ~~تراه إلا كوردة الخريف، وقد أطلق لحيته، كأنما تركت لطمات القدر في عارضيه سواد حظه، ~~وكانت في يده سبحة، أحسبه كان يحصي عليها همومه وأحزان نفسه، وما رأيت شيئا أبيض فيما ~~رأيت، إلا عمامته ...! # قلنا: «عمامته ...؟ عهدنا به يلبس الطربوش ...!» # قال: نعم عمامته ... فاستأنوا ... قلت له: ما فعلت بك الأيام يا عاطف؟ # قال: ذاك ما ترى! ولقد أقسمت أن أفرغ لله، فلم تعد لي في الزواج إربة، ولن تراني إلا ~~بين المسجد والبيت حتى ألقى الله. حسبي، حسبي ما لقيت من دنياي ...! # وانكب على سبحته يتمتم والحبات تتساقط في الخيط واحدة فوق واحدة، ورأسه يهتز كأنه يقول: ~~كذلك تتعاقب الأيام كما تتساقط الحبات حبة وراء حبة، حتى تكون النهاية! # وما وجدت عندي جوابا إلا أن أتحول عنه وأدعه حيث جلس يداعب سبحته؛ أتراه كان يذكر ~~ربه، أم ms164 يحصي على الدنيا ذنوبها ...؟! # لقد راح المسكين يبحث عن الزوجة الغنية ليضاعف بمالها ماله، فآب فقيرا من مالها ومن ~~ماله، وذهب يسعى لأن يضاعف بالزواج مسرات الشباب، فرده الزواج شيخا في الثلاثين! # | أمنية تحققت! # كانت «سمية» جالسة إلى مكتبها في الغرفة العليا من إدارة «شركة المبيعات الوطنية» وبين ~~يديها الآلة الكاتبة تنقر عليها بأصابعها وهي تترنح وتهتز في مرح ونشوة، كأنما توقع ~~لحنا موسيقيا تناجي به أمنية عزيزة من أمنيات الشباب، وكان على شفتيها ابتسامة ~~راضية، كأنها من الأمل الذي تأمله على ميعاد. وإنها لجالسة مجلسها ذلك منذ ساعات لم ترفع ~~رأسها ولم تبرح مقعدها، ولكن في وجنتيها حمرة ناضرة كأنما هي عائدة لساعتها من مجلس قصف ~~وشراب. وكان في السماء برق ورعد ومطر، ولكن في قلبها هدوء الثقة وروح الاطمئنان! # وفرغت «سمية» من نقش الرسالة التي بين يديها، فكفت أصابعها عن الحركة وراحت تخلص ~~الورقة من بين أضراس الآلة الكاتبة وهي تغني في صوت هامس أغنية من أغنيات الهوى والشباب. ~~ثم نظرت في ساعتها وهمت أن تنهض لميعاد الغداء. ودق الجرس، وهبت سمية واقفة لترد ~~تحية المدير الشاب، ثم استأذنت ومضت معجلة إلى مثواها حيث تتوقع أن يكون أخوها في ~~انتظارها لموعده على الغداء ... # لقد كانت سمية سعيدة بحياتها على ما فيها من نصب وجهد ورزق محدود؛ إذ كان لها نفس ~~راضية قنوع، لا تتطلع إلى ما لا تملك، ولا تعرف من أيامها غير اليوم الذي تعيش فيه، فلا ~~هي تذكر ماضيا تأسى عليه، ولا غدا تتشوف إليه؛ فوجدت سعادة الرضا حين فقدت سعادة ~~المال ورفاهة الغنى، وتعوضت من شيء بشيء. # على أنها لم تكن كذلك في ماضيها، فقد كان أبوها رجلا من رجال المال، وكان له جاه وصيت ~~وشفاعة، ولكنها لم تدركه حين أدركته إلا شيخا حطمة قد لبسه الدهر فأخلقه وذهب بماله ~~وجاهه، فلم يترك لها حين آن أوانه إلا حطاما من الذكريات، وخلفها وأخاها وحيدين ~~فقيرين تتدافعهما أمواج الحياة من شاطئ إلى شاطئ، غثاء من غثاء ms165 البحر أو زبدا ~~طافيا على الماء! # على أن من كرم الله على سمية أنها لم تفتح عينيها للحياة إلا على نور ذبالة توشك أن ~~تنطفئ، وباكرها اليتم والفقر قبل أن تذوق سعادة الاجتماع ورفاهة الغنى، فلم تشعر بمرارة ~~لما صارت إليه؛ إذ كانت لم تشعر قبل بما كانت فيه، وتناولت الحياة كما عرضت لها ~~... # وراحت سمية وأخوها يسعيان لرزقهما في رضا واطمئنان كما يسعى كل ساع إلى رزقه في غير ~~تبرم ولا سخط؛ ووجد أخوها عملا في مصرف من مصارف المال يضمن له الكفاف؛ واستخدمتها ~~شركة المبيعات الوطنية كاتبة حاسبة لقاء أجر معلوم يقوم بحاجتها ويفضل؛ وزادها شعورها ~~بأنها كاسبة مأجورة - وإنها لفتاة - زهوا وسعادة واعتدادا بنفسها. ولم يكن هينا أن ~~تجد فتاة مثل سمية عملا في مثل الشركة التي استخدمتها، لولا أنها ابنة أبيها، وأنه كان ~~وكانت له على الشركة أياد تقتضيها الوفاء، فاستخدمت سمية عطفا عليها وعرفانا بأيادي ~~أبيها، ولكنها لم تكن تدري، وكان أكثر من تعرف عطفا عليها وتشجيعا لها المدير الشاب ~~«شفيق». ~~... إن غدا يوم العيد، هذه أسراب الفتيات يزحمن الطريق ويملأن السيارات العامة ومراكب ~~الترام، رائحات غاديات من متجر إلى متجر ينتقين ثياب العيد، وهذه أفواج الشباب تخطر في ~~مرح ونشوة على أرصفة الشوارع وعلى أبواب المتاجر يتأهبون لاستقبال العيد، وهؤلاء آباء ~~وأمهات، وصبيان وبنات، في عيونهم نظرات البشر، وعلى قسماتهم آيات المسرة، وسمية بين ~~هؤلاء وأولئك لا تلقي بالا إلى أحد منهم، مسرعة عجلى إلى مثواها؛ حيث تتوقع أن تلقى ~~أخاها في انتظارها لموعده على الغداء ... # لقد أوشك شهر أن ينتهي ولم تجلس معه مرة واحدة إلى المائدة، فإن مواقيتهما لمختلفة، وإن ~~عملها في المكتب ليقتضيها أن ترابط هناك كل ليلة إلى المساء، فلا تلقى أخاها إلا رائحا ~~إلى فراشه، أو غاديا على عمله في الصباح وهو عجلان. ولكن غدا يوم العيد، فما أحرى أن ~~تفرغ له قليلا ويفرغ لها، وأن تعد له المائدة التي يشتهيها، وأن يجلس إليها ساعة ~~وتجلس إليه! # وهيأت سمية ms166 المائدة وجلست تنتظر، وأذنها إلى كل خفقة نعل على سلم الدار تترقب ~~مطلعه ... وسرحت عينيها على المائدة بين ألوان الطعام فاستشعرت الرضا؛ إنها لمائدة ~~حافلة، ولكن أين أخوها؟ إنه لم يحضر بعد وقد مضى على موعده ساعة ... وسمعت طرقا على ~~الباب فخفت إليه، وكان الطارق ساعي المصرف يؤذنها أن أخاها لن يحضر لموعده؛ لأن عمله ~~هناك يشغله اليوم عن مشاركتها في مائدة العيد! # وأغلقت سمية الباب ودخلت الدار وحيدة، ووقفت في الشرفة برهة تنظر عيدها وعيد الناس، ~~وكان في الشرفات المقابلة رجال ونساء، وبنون وبنات؛ وهتفت: «يا أخي! الله لك ولي ~~...!» # نعم لم تكن سمية من بنات جيلها، ولكن في أعراقها من دم أمها حواء؛ وألقى الشيطان في ~~قلبها أمنية ... # وعز عليها أن يكون غدا عيد الناس جميعا ولا عيد لها، فتمنت، وكانت متواضعة في ~~أمنيتها ... فلم تبلغ بها المنى أن تكون مثل فلانة وفلانة ممن رأت وعرفت، ولم تتسام إلى ~~الأمل بأن تكون من ذوات الغنى والجاه والدلال، ولم تنس الحقيقة التي تعيش فيها فتأمل أن ~~تتغير حياتها من حال إلى حال، ولكنها تمنت ... تمنت على الله الذي يهب للناس سعادة العمر ~~أن يذيقها حلاوة هذه السعادة حينا ثم ... ثم يسلبها ... # ورفعت يديها إلى الله داعية: «يا رب! لا أريدها إلا مذاقا أعرف به كيف يعيش السعداء من ~~خلقك ...!» # وأومضت في حواشي الأفق بارقة من نور، ثم خبت ... # وسمعت سمية طرقا على الباب، فأسرعت إليه لترى ... ~~«شفيق ...!» # وظل المدير الشاب واقفا بالباب وعلى شفتيه ابتسامة مستحيية وفي عينيه رجاء، وهمس: ~~«أتأذنين يا سمية؟» # وأذنت له، فدخل ودخل وراءه ساعيه يحمل إلى سمية هدية العيد؛ وقال الفتى وقد اطمأن به ~~المجلس: «لعل زيارتي لا تسوءك يا آنسة! لقد طالما راودتني نفسي فنهنهتها، ثم ها أنا ذا ~~...» # وتضرجت وجنتاها من حياء ثم أطرقت، واستطرد شفيق: «ولعلي إذ اخترت هذه الليلة لأزورك ~~هنا أن يكون رجائي مقبولا لديك ... وألا يضيق صدرك بي؛ إن علي لك حقا، ولعلني ~~أستطيع أن أتحدث إليك في ms167 يوم قريب.» # وخفق قلب سمية وترادفت أنفاسها؛ وأحس الفتى خجلها فلم يثقل، وتهيأ للنهوض، ورضيت ~~أن يزورها في غد ... # وتمتمت الفتاة شاكرة وفي عينيها دموع التأثر! # وخلت سمية إلى نفسها تفكر ... وخرج الفتى يفكر ... # أما هي فتبدلت نفسها منذ الساعة واستغرقها حلم عميق، فراحت تعرض ماضيها وحاضرها وما ~~تأمل أن يكون في غد، وذاقت أول ما ذاقت من طعم السعادة معنى القلق ...! # وأما هو فقد خفت نفسه وحلقت في سماواتها، وأحس شعور الراحة والرضا والاطمئنان، ~~فمضى يدبر أمره أطيب ما يكون نفسا بما فعل وبما يريد أن يفعل من أجل الفتاة التي ~~رفعه أبوها وهيأ له سبيل الغنى والجاه والرياسة؛ فإنه ليحس بأن له عليه دينا ثقيلا ~~يقتضيه الوفاء لابنته! # واسترسلت الفتاة في أحلامها ...! # لقد شعرت منذ زارها شفيق وأهدى إليها هديته شعورا لم يكن لها به عهد، فراحت تذكر ~~ماضيها منذ رأته أول مرة، ثم كيف كانت تراه بعد؛ ومضت تعلل وتفسر وتستنبط وتستشف حجاب ~~الغد: هذه الابتسامة التي كان يلقاها بها كل صباح، وتلك النظرة التي يودعها بها كل ~~مساء، وذلك الإحسان في المعاملة، وهذا السخاء في المكافأة، وهذه الهدية في ليلة العيد ... ~~إنها آيات بينات، وإنها لتزعم لنفسها أنها تعرف دلائلها، بل إنها لتحاول الليلة أن ~~تقنع نفسها أن ذلك الشعور الذي تشعره منذ قريب ليس جديدا عليها، ولكنه سر يستعلن ~~وضمير يتكشف وحب كان يستره الحياء فانكشف عنه حجابه. بلى، إنها لتحبه حبا صريحا ~~رسخت جذوره على الأيام في أعماق قلبها إلى إبانه! هكذا قالت لنفسها قبل أن تأوي إلى ~~فراشها لتتم في منامها الحلم اللذيذ الذي بدأته في يقظتها ...! ~~... وقال شفيق لنفسه وهو في طريقه إلى داره: حسن! لقد فعلت اليوم شيئا ولكن علي ~~أشياء، إن روح أبيها لتتمثل لي لتذكرني بواجبي، فأكون لها كما كان أبوها لي؛ زهرة ~~غضة لفحتها أعاصير الحياة الهوج فاقتلعتها من منبتها إلى حيث ألقتها دامية على الشوك، ~~فلم تشك حظها ولم تتسخط. ما أحراها وأحر بي أن أذيقها طعم ms168 السعادة التي حرمتها، ~~وأن يكون لها عيد مثل عيد الناس ...! هؤلاء الفتيات اللاتي يغدون ويرحن مع أزواجهن أو ~~آبائهن يحملن هدايا العيد ويرفلن في مطارف الشباب وأبراد السعادة، لسن أولى من سمية بما ~~يتمتعن به ...! دين طالما هممت بالوفاء به، ثم نهنهت نفسي مخافة أن أجرح كبرياءها إن ~~مددت إليها بالإحسان يدا، ولكنه دين الحي للميت، لا حل منه ولا براءة، وقد استأذنتها ~~فأذنت ... # وراح شفيق لموعده صبيحة يوم العيد، وخرجا معا يرودان مغاني الشباب ومجالي الأنس ~~والمسرة ذراعا إلى ذراع، وفي كل قلب حديثه ونجواه ... # عاطفتان من أسمى ما غرس الله في قلوب البشر. أما قلب فيخفق بالحب وسعادة الأمل؛ وأما ~~قلب فتغمره سعادة الرضا وتملؤه عاطفة أسمى وأنبل. وإن في الحياة ما هو أسمى من الحب ~~وأنبل ... # وشعر كلاهما أن الله يظلهما بجناحي رحمته حين تحققت لكل منهما أمنيته ... # ومضيا وإنها لسعيدة وإنه لسعيد، لا يكاد يشغلهما عن أمرهما شيء، والشباب يجدد لسمية كل ~~يوم مناها ويوقظ أحلامها وهي نائمة، ثم استيقظت فجأة ... # وغدا عليها شفيق ذات صباح ينبئها ... ~~... كانت سمية قد ذاقت في أيام قلائل من ألوان السعادة ما لم تكن تتوقع أن يتهيأ لها في ~~عمر مديد؛ ونالت - بمعونة صديقها - حظوة ورياسة في العمل الذي تتولاه لا تتسنى لمثلها ~~بعد سنين من المثابرة والدأب، وزاد أجرها زيادة مرموقة تهيئ لمثلها العيش الرغد في ~~أمان وثقة بالمستقبل. ولكن الغد السعيد الذي كان يتخايل لها في أحلامها ويقظتها، ~~وتتنوره على البعد قريبا قريبا دون مد ذراع؛ ذلك الغد كان يشغلها عن الشعور بما هي ~~فيه؛ فلم تكن من كانت، فتاة تعيش ليومها بلا ماض تأسى عليه ولا أمل تتشوف إليه؛ فقد ~~أجد لها هذا الشعور الطارئ أملا ترقب له الغد، ولكن هذا الغد الذي كانت تتوهم أنها ~~تنظر إليه - حين تنظر - من وراء ستر رقيق، لم يكن إلا صورة في إطار ليس وراءه إلا ~~الحائط الصلب، على حين كانت تظن أنها بالغة إليه بين صبح ومساء؛ ومدت يدها ms169 تهتك الستر ~~لترى، فإذا الإطار الذي يمسك الصورة الخادعة يردها إلى حقيقة دنياها فيوقظها من أحلامها ~~... ~~... وقال لها شفيق: «أنت مدعوة غدا يا صديقتي إلى حفل زفافي ...!» # وفغرت الفتاة فاها مدهوشة وهتفت: «حفل زفافك!» # إذن ففيم كانت هذه العناية بها ...؟ # وعرفت بعد لأي فسكتت، ثم خلت إلى نفسها فأرسلت عينيها أسفا وندامة! # نعم، إنها لم تخسر شيئا، ولكنها فقدت الأمل الذي عاشت له أياما من حياتها كانت كفيلة ~~بأن تنشئها خلقا آخر؛ ولم يخدعها صديقها أو يزور لها الحقيقة، ولكنها هي خدعت نفسها ~~فباءت بالخسران والحسرة! # قلبان كانا يخفقان لمعنيين متباعدين لم يتكاشفا معنى لمعنى، ألقى الشيطان بينهما أمنية ~~فرقت بينهما، على حين كان يرجى بقاء الوداد؛ ما ذنبها؟ وما ذنبه؟ ذلك حكم ~~القدر! # وعادت سمية وحيدة إلى مثواها، كعادتها يوم كانت، ولكنها اليوم فتاة غير من ~~كانت! # لقد نالت كثيرا مما كانت تتمنى، وحظيت من نعماء الحياة بما لم تكن تأمل، ولكن ~~... # وذكرت موقفها ذات ليلة، يوم رفعت يديها إلى الله داعية: «يا رب! لا أريدها إلا مذاقا ~~أعرف به كيف يعيش السعداء من خلقك ...!» # هكذا كانت دعوتها، فهل كان شيء غير ما أرادت؟ # لقد استجاب الله دعاءها، فأذاقها من ألوان السعادة ما لم تكن تتوقع، وزادها على ما ~~أرادت، ولكنها لم تكسب شيئا ... # لقد باعت الغالي بالخسيس، يوم باعت سعادة الرضا بسعادة الأمل ...! # | عرس القرية # كانت «راجية» تعلم أنها مفارقة المدينة غدا، ما من ذلك بد؛ لقد حاولت ما حاولت أن ~~تنسأ الأجل إلى الرحيل فلم تظفر بطائل، وافتنت في الاحتجاج لرأيها ما افتنت فلم يستمع ~~لها أحد. وأجمعت الأسرة أمرها على السفر إلى الريف؛ لتكون بمنجاة من ويلات الحرب ... ~~حقا؟ أيكون الريف أبعد من المدينة عن ويلات الحرب؟ هكذا زعم أبوها وأخوها وليس لرأيهما ~~معقب ... # وراشت راجية آخر سهم في كنانتها؛ فاصطنعت العزم والقوة، وتماسكت من ضعف ورخاوة، ~~وقالت: «ولكن، يا أبي، إن للوطن علي حقا يقتضيني الوفاء. ليس من المروءة أن أفر ~~والوطن يدعوني إليه ... ينبغي ms170 أن أبقى لأقوم بواجبي في التمريض والإسعاف إذا لم تكن لي ~~طاقة بحمل السلاح للدفاع والمقاومة، ينبغي ...» # وقاطعها أبوها: «نعم، ينبغي، ولكن واجبك هناك، في القرية؛ إن إخوتك وأخواتك هناك في ~~حاجة إلى التمريض والإسعاف أكثر من جرحى الحرب!» # وابتسم ابتسامة عابسة؛ لقد كان يعلم أي فتاة هي في رخاوتها وضعف احتمالها، ولكنه يقاوم ~~حجة بحجة ... # وصمتت الفتاة برهة وهي تنقل النظر بين أبيها وأخيها وأمها، ثم همت أن تتكلم حين ارتفع ~~صوت المذياع يعلن أنباء الحرب في الميدان القريب، ويصف مواقع القتال على الحدود في ~~الصحراء الغربية. ثم سكت المذياع، وتلاشى الصدى في الغرفة المغلقة على أربع أنفس قلقة ~~مضطربة تتنازعها أهواء وعلل وآمال على خشية وحذر ورقبة. وقال الفتى بعد صمت: «لقد بدأت ~~البادئة فما بد من الخاتمة ...!» # وحدقت أمه في وجهه مذعورة، وهتفت: «صلاح، أتعني ...؟» # قال صلاح: «نعم يا أمي؛ إنه فرض علي يجب أن أتهيأ للوفاء به.» # وأطرق أبوه وشفته تختلج، وعم الجميع الصمت ... وشعرت راجية لأول مرة أنها بإزاء أمر ~~خطير يقتضيها أن تفكر في هدوء وروية ... وعادت تنظر إلى أبيها وأخيها وفي عينيها سؤال ~~ليس معها جوابه، وأحست إحساس المفارق يودع أحبابه إلى حيث لا يدري متى يكون اللقاء، ~~ووجدت حاجتها إلى الدمع فأسرعت إلى خلوتها! # وأغفت راجية لحظات واستيقظت ذكرياتها وأمانيها، فتعاقبت عليها الرؤى والأحلام، ثم ~~أصبحت ... ونسيت ما كان من حديث الأمس ومن خبره، فلم تعد تذكر شيئا إلا أنها مفارقة ~~المدينة بعد قليل لأمر لا تكاد تعرف له وجها ولا علة، وأنها لن تذهب إلى السينما بعد ~~اليوم، ولن تلقى أصدقاءها وصديقاتها، ولن تستمتع بما كانت تستمتع به من اللهو حين كانت ~~تخرج كل يوم إلى رياضتها بين حدائق الجيزة والجزيرة ومصر الجديدة، وحضرتها صور عدة، ~~وانثالت عليها ذكريات ... وذكرت ... إن ثيابها الجديدة ما تزال عند الخياطة لم تفرغ منها ~~بعد، وقد كانت حقيقة بأن تفرغ منها منذ أيام لولا أن راجية كانت تؤثر الروية في تفصيل ~~ثيابها ريثما ترى أحدث ms171 الأزياء فتقيس عليها. ماذا تفعل اليوم؟ أف للحرب! لولاها لكانت ~~اليوم - على عادتها في كل سنة - جالسة تحت الشمسية الظليلة على شاطئ سيدي بشر، أو رائحة ~~غادية في معرض زينتها بين كليوباترا وخليج ستانلي. ولكن الإسكندرية اليوم منطقة حرام، ~~فمن ذا يخاطر بعمره بين الموت الأحمر من أجل ساعة على الشاطئ العريان؟ ومن ذي تحاول أن ~~تشتري بعمرها كلمة إعجاب من شاب طائش تستهويه بزيها وزينتها؟ ~~... ثم ذكرت القرية ... ياه! منذ كم لم تذهب راجية إلى القرية؟ القرية التي نمتها ونمت ~~أباها وما تزال تغذوهما بخيرها وبرها الدائم على عنف ما تلقى منهم من العقوق ونكران ~~الجميل! # لقد فارقت راجية القرية منذ سنوات بعيدة، لعلها لا تذكرها، أو لعلها تذكرها وتنكرها ~~لئلا يكون ذلك نميمة على عمرها الذي تحرص على كتمانه ... ولم تذهب راجية بعد ذلك إلى ~~القرية التي فارقتها طفلة، إلا مرة، مرة واحدة صحبت أباها في موسم الحصاد، وكانت يومئذ ~~فتاة في أول صحوة الشباب، فما كادت تهبط القرية حتى لمت متاعها للرحيل، ثم لم تعد، ~~فكيف يريدونها اليوم أن تهيئ نفسها لإقامة طويلة هناك، لا تدري متى تنتهي، وكيف ~~تنتهي؟ # وضاق صدر الفتاة، وخيل إليها أن يدا تشد على رقبتها فتمنعها أن تتنفس، وكانت أمها ~~في حجرتها تعد حقائب السفر! # وأخذت الفتاة زينتها وخرجت لأمر من أمرها، ولم تنس أن تنظر في صندوق البريد قبل أن ~~تجتاز الباب! وكانت الظهيرة حامية، والشمس تفرش الشوارع من أشعتها الحمراء، وقد خلت ~~مركبات الترام إلا من الموظفين العائدين إلى بيوتهم يتأبطون صحفا وأضابير من أوراق ~~الحكومة، أو يحملون إلى أهليهم من الفاكهة والحلوى، أو من الفجل والجرجير ... # واتخذت الفتاة مقعدها في الترام، وكان ثمة عينان تلحظانها من مقعد قريب، ولكنها كانت في ~~غفلة بنفسها وبما يصطرع في قلبها من ألم ... # ولما همت الفتاة أن تهبط من الترام عند بيت الخياطة، نظرت، فرأته لم يزل ينظر إليها، ~~فقنعت رأسها وتضرجت وجنتاها حياء، ثم مضت في طريقها لا تكاد تحملها رجلاها ... # وأجدت ms172 لها عيناه ذكرى وألما، وأطاف بها هم جديد ... # وحاولت الفتاة أن تمحو صورته من خيالها فما أطاقت، وكأنما تراءى لها في تلك اللحظة على ~~غير ميعاد ليكون آخر ما يصحبها إلى القرية من صور المدينة! ~~... لم يكن «عابد» فتاها الذي تؤمل، ولكنها كانت فتاته. لقد كانت تعلم من أمره ما يحسبه ~~هو سرا من سره، فإن له عينين لا تستطيعان الكتمان، تعبران عن معنى لا يبوح به لسانه ~~ولا طاقة له به، على أنه لم يستطع بكل ما أطاق من قوة الحب أن يشغلها بأمره، ولا هو ~~حاوله، ولكنها كانت تعرفه، وتحس وقع نظراته، وكان ذلك حسبها وحسبه، فإنها لتكبر نفسها ~~وهي من هي وحيث هي، أن ينتهي أملها عنده، وإنها لترى كل يوم من ترى وتسمع ما تسمع، فإن ~~لها في كل يوم أملا تأمله بالنهار وتحلم به في الليل ... كان ذلك وهي في المدينة ~~المتراحبة التي لا يغيب نهارها حين تغيب الشمس ... أين هي غدا من أمانيها؟ وا أسفا! ~~لكأنما ارتكبت إثما جوزيت عليه بالسجن إلى أجل غير مسمى! # لم تكن راجية تعرف من الفرق بين القرية والمدينة إلا هذه الأضواء الساطعة، وتلك ~~الملاهي الساهرة، ثم صديقاتها اللائي تراهن كل يوم ويرينها، ليس لهن من حديث إلا عن ~~الأزياء والسهرات وأخبار الفتيان والفتيات. وأنشأت لها هذه الحياة التي كانت تحيا ~~أماني وأحلاما تراوحها وتغاديها في يقظتها وفي منامها، وحين جاءتها «الخاطبة» بأول ~~فتى يطلب يدها أيقنت أنها قريبة من الغاية التي تهدف إليها، فراحت تبالغ في الطلب ~~وتشتط في الشرط، وحرصت من يومئذ على أن تعرف ما لا يعرف إلا القليل عن طبقات ~~الموظفين، ودرجات الوظائف، وسلالم الترقية لكل طبقة، ثم مضت تسترسل في أمانيها وحلقت ~~في أفق بعيد، وراحت تتبع عينيها كل منظر، وترعي أذنيها كل نبأ، فاجتمع لها من ~~المعارف بشئون الطبقة العليا من أهل المدينة ما خيل إليها أنها أوشكت أن تبلغ ~~... ~~... وعلى حين غفلة انطلقت زمارة الإنذار تدعوها إلى الرحيل ...! # وعادت الأسرة إلى القرية ms173 التي هجرتها منذ بضع عشرة سنة تلتمس حياة جديدة بين أنوار ~~المدينة. لقد هجروا القرية يوم هجروها أربعة نفر، وعادوا إليها ثلاثة، وخلفوا رابعهم ~~هنالك مرابطا ينتظر الآونة التي يدعوه فيها الوطن ليبذل شبابه! # واستيقظت راجية على صياح الديكة من وراء جدار، فنهضت من فراشها وفتحت النافذة تستروح ~~روح النشاط والقوة ... ومر الراعي بنافذتها يسوق ماشيته ... فما إن رآها حتى طأطأ رأسه ~~وأوفض في السير، ونظرت في أعقابه ثم ارتدت عن النافذة ... # يا لله! وفي القرية كثير من مثل هذا المسكين؟ عظم معروق في ثوب خلق يوشك أن يحطمه ~~عصف الريح، يقود ماشية تكاد تنشق شبعا وريا، إنه يؤثر ماشيته على نفسه لتعيش ~~فيعيش بها! # ثم تتابعت أفواج الفلاحين سارحين إلى حقولهم يتبعهم ولدانهم، قد أوقرت ظهورهم بما ~~يحملون، ومضى النساء إلى عملهن ... # ووجدت راجية ما يشغلها، فنسيت شيئا بشيء. # ومر يومها الأول وهي ترى وتوازن وتحكم. ولما جلست في المساء على حافة القناة بين لدات ~~من بنات القرية يسامرنها ويحتفين بها، أحست في نفسها عاطفة جديدة تنمو شيئا فشيئا، ~~ورأت في حديث هؤلاء القرويات روحا ومعنى غير ما كانت تجد من حديث صواحبها في المدينة ~~... # وأشرق القمر عليها وعليهن وذاب في ماء القناة شعاعه، ونظرت إلى صواحبها ونظرن إليها ~~فكأنما سكب القمر على قلبها من شعاعه الطهور فغسله مما فيه، وأحست فيضا من الحنان والحب ~~يغمرها فيدنيها إلى رفيقاتها قلبا إلى قلب وروحا إلى روح، وذكرت كلمة أبيها: «نعم يا ~~بنيتي ... ولكن واجبك هناك ... إن إخوتك وأخواتك في القرية أحوج إلى التمريض والإسعاف من ~~جرحى الحرب!» # بلى، وإنها لتشعر الساعة بثقل هذا الواجب على عاتقها أشد ما شعرت بشيء في حياتها منذ ~~كانت. إن عليها لهؤلاء المساكين حق الإرشاد والمعونة بكل ما تملك يدها من مال وما يملك ~~قلبها من الحب. # وتبدلت راجية منذ طرقها هذا الشعور الجديد، فعادت فتاة غير من كانت! # وأحبت القرية أكثر مما كانت تبغضها، حتى لو أن أحدا راودها أن تعود إلى المدينة ~~لتأبت ms174 ! وتزينت لها القرية زينة عروس، فكل ما فيها جميل فاتن! # ومضت أيام، وبعث «صلاح» إلى أبيه: «أبي! ~~... وكل شيء هادئ، فليس ثمة خطر مما توقعت أن يكون ... # وإني لأخشى أن تكون حياة القرية بحيث لا تطيب لكم فيها الإقامة، فإن رأيت ...» # وقرأ الأب رسالة ولده فصبأ، لقد كان يقدر - وهو ربيب القرية منذ كان - أنه يستطيع أن ~~يعود إلى ماضيه فيعيش في الريف عاما أو بعض عام حتى تهدأ العاصفة ويعود السلام ~~والطمأنينة إلى المدينة، ولكن ... ها هو ذا يحس السأم والملالة ولما تمض أيام ...! # واجتمعت الأسرة حول عميدها تفكر وتدبر، وقالت راجية: «أبي ... ولكن المدينة ...» # وقاطعها أبوها: «لا يا بنيتي؛ لقد كنا مغالين في تقدير الأمر، وأظن خيرا لنا أن نعود ~~...» # ولكن راجية لم تعد إلى المدينة، ولم يعد أبوها؛ لأن ضيفا عزيزا هبط عليهم في القرية ~~فتلبثوا لاستقباله ... # لقد أجمع «عابد» رأيه على أمر، فكتب إلى الأسرة يستزيرها في القرية، وكان معه صلاح ~~... # وتحلق حول المائدة ثلاثة نفر يتشاورون في أمر ذي بال. وقال عابد، وقال صلاح، وقال ~~أبوه ... وتركوا لراجية أن تقول الكلمة الأخيرة؛ وقالتها، وانتهى النبأ إلى الجيران ~~فتجاوبت الزغاريد من طاق إلى طاق! # وقال الفتى لفتاته: «والأمر لك يا عزيزتي من بعد، فإن شئت كان العرس في المدينة، فإني ~~لأعرف كيف تريدينه أن يكون، وإني ليسرني أن أرضيك ...» # وابتسمت راجية وقالت: «شكرا يا عزيزي، ولكني حريصة كل الحرص على أن تكون صديقاتي ~~جميعا إلى جانبي، هنا، وأن يشاركننا جميعا في الفرح والمسرة!» # قال عابد: «يسرني ... ولكن ... أترين من الممكن أن يلبين الدعوة ... هنا؟» # قالت: «لا تبعد يا عزيزي! ماذا فهمت ...؟ إن صديقاتي اللاتي أعني ليلبين الدعوة مسرعات ~~ولو كان موعدها غدا!» # قال: «غدا؟» # قالت: «نعم، والليلة إن أردت، إنهن غير بعيد!» # واحتفلت القرية كلها بعرس راجية، لم يتخلف منها أحد! # لم تكن هناك ثريات، ولا أعلام، ولا سرادق منصوب، ولا موسيقى تعزف، ولا مطرب يغني؛ ~~ولكن رجالا أربعة كانوا جلوسا إلى نضد صغير في دوار ms175 العمدة ينظرون في توزيع خمسين ~~جنيها على أهل القرية؛ احتفالا بزفاف راجية. أولئك أصدقاؤها وصديقاتها الجدد، لم تنس ~~أحدا منهم ولم يتخلف عن دعوتها منهم أحد! ms176