######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.QatrNada.Hindawi39193740 #META# Tags: novels :: history #META# ID: 39193740 #META# Title: قطر الندى #META# AuthorID: 61380386 #META# Author: محمد سعيد العريان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تعريف‏ # 1 - أحمد بن طولون‏ # 2 - خمارويه ابن طولون‏ # 3 - عروس من القاهرة‏ # خلفاء الدولة العباسية‏ # أعلام تاريخية‏ # تعريف‏ # 1 - أحمد بن طولون‏ # 2 - خمارويه ابن طولون‏ # 3 - عروس من القاهرة‏ # خلفاء الدولة العباسية‏ # أعلام تاريخية‏ # | قطر الندى # | قطر الندى # تأليف # محمد سعيد العريان # | تعريف # قطر الندى ... # فتاة من مصر، نشأت على أرض هذا البلد منذ أحد عشر قرنا، وكان لها في هذا البلد تاريخ، وكان ~~لهذا البلد من تاريخها تاريخ ... # كان جدها وأبوها وأخوها ملوكا في مصر، وليس لهم نسب في مصر، ككل الملوك الذين توارثوا منذ ~~ذلك التاريخ عرش مصر، وكانت هي ملكة على عرش بغداد، وليس لها نسب ولا عزوة في بغداد، كأكثر ملكات ~~بغداد في ذلك التاريخ! ... # ولم تكن مصر وبغداد يومذاك دولتين تفصل بينهما الحدود السياسية، كما نرى في هذا الزمان، بل ~~كانا بلدين كبيرين في دولة كبيرة تنتظمهما وتنتظم معهما بلادا أخرى، وتمتد حدودها بهما وبغيرهما ~~امتدادا كبيرا من شاطئ الأطلسي إلى حدود الصين، وكانت بغداد عاصمة الحكم في هذه الدولة الكبيرة، ~~وكانت مصر درة عقدها ... # هذه الدولة الكبيرة، التي كانت تنتظم مصر وبغداد وغيرهما في ذلك الزمان البعيد، هي الدولة ~~الإسلامية الكبرى التي يسميها المؤرخون القدماء: «الدولة العباسية»؛ لأنهم يسمون الدول منسوبة إلى ~~ملوكها، أو خلفائها، وكان خلفاء هذه الدولة من بني العباس بن عبد المطلب بن هاشم ... # على أن مصر - وهي جزء من تلك الدولة الكبيرة - كانت متميزة بطابعها الخاص عن سائر بلاد ~~الدولة، فلم تنمح شخصيتها، ولم تزل عنها صفاتها الأصلية، وظل لها كيانها، واستقلالها، ~~وتأثيرها البعيد المدى فيما حولها، وما بعد عنها من بلاد الدولة ... # وكان يحكم مصر - منذ صارت جزءا من الدولة الإسلامية - أمير من قبل الخليفة يسمى الوالي، ~~يعزله الخليفة متى شاء ويولي غيره، أو يبقيه حتى يموت، وكان بجانب كل أمير يوليه الخليفة جاب ~~للخراج، وموظف للمخابرات يسمى «صاحب البريد»، وكلاهما يتبع الخليفة في العاصمة، فليس للأمير ~~عليهما سلطان ... # وقد ظل الأمراء يتعاقبون على حكم مصر قرنين ms01 ونصف قرن منذ فتحها «عمرو بن العاص» إلى أن ~~وليها «أحمد بن طولون» ... # وفي عهد أحمد بن طولون بدأت مصر تاريخا جديدا، وبدأت حوادث هذه القصة ... # أما هذا التاريخ الجديد، فهو استقلال مصر عن الدولة الإسلامية ... # وأما هذه القصة فهي قصة «قطر الندى» بنت خمارويه بن أحمد بن طولون ... # في ذلك التاريخ صارت مصر دولة مستقلة ذات سيادة، وذات جيش وراية، وذات مال وجاه وسلطة ~~... # وفي تلك القصة كانت العوامل السياسية، والعوامل الاقتصادية، والعوامل الإنسانية التي مهدت ~~لذلك الاستقلال وأعانت عليه ثم تطورت به فقضت عليه ... # حقبة من التاريخ تصور أول كفاح مصر الإسلامية في سبيل الاستقلال. # وقصة من الحياة تصف أثر المال وأثر المرأة في بعض أحداث التاريخ ... # وصورة من حياة الدولة الإسلامية الكبرى في مداها الواسع منذ ألف ومائة سنة، تنتظم صورا من ~~آفاق شتى وبيئات شتى في المجتمع الإسلامي الكبير الذي كان يضم في يوم ما مئات الملايين من شعوب ~~الهند والسند والصين والتركستان والعجم والشركس والبلغار والروم والزنج والبربر والقوط، في الرقعة ~~الفسيحة من الأرض الممتدة من جبال البرانس في أوروبا إلى ما وراء سور الصين العظيم في الشرق ~~الأقصى ... # حقبة من التاريخ ... # وقصة من الحياة ... # وصورة من المجتمع الإسلامي في الماضي البعيد ... # ولون من ألوان الكفاح في سبيل الاستقلال ... # وألوان من المقاومة لهذا الكفاح ... # تصورها كلها قصة قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون. # فهي قصة فتاة، وقصة أمة. # إن مصر والعرب والمسلمين جميعا، إذ يذكرون اليوم ذلك الماضي، ليدركون حقائق كثيرة غابت ~~عن أسلافهم، فيعرفون، وقد آن أوان المعرفة، كيف تحيا بعض الدول، وكيف تنحل عروتها فتموت؟! # درس من الماضي نتعلمه اليوم؛ لنحيا ونعيش أبدا. # فنحن شعب خليق بأن يحيا ويعيش أبدا ... لخيره ولخير الإنسانية. # محمد سعيد العريان # الفصل الأول # | أحمد بن طولون # 1 # لم يكن عربي الدم، وإن حسبه كذلك كل من رآه أو استمع إليه، فقد كان له لسان وبيان، ~~وكان فيه أريحية ونخوة، وحفاظ على العهد، وتحرج في الدين، وعصبية ms02 للعرب. # وكان أبوه «طولون» من عمال السلطان لعهد الخليفة المتوكل، فلما مات أبوه فوض إليه الخليفة ~~ما كان بيد أبيه من أعمال السلطان، وقد كان أمر الدولة كله يومئذ إلى الموالي # 1 # من الترك والعجم، ولم يكونوا جميعا من الترك أو من العجم، وإنما كذلك كان يصفهم ~~أهل «سامرا» # 2 # لذلك العهد، وبرغم أن «أحمد بن طولون» كان واحدا من هؤلاء الموالي، فقد كان شديد ~~الازدراء عليهم # 3 # يستصغر عقولهم وآدابهم، ويذكر أنهم قد تسنموا من المراتب ما لا يستحقون. # على أن أحمد بن طولون إن لم يكن عربيا فقد كانت البداوة طبعا تحدر إليه من أسلافه ~~الأولين، أهل «طغزغز»، وهم قوم يسكنون أرضا واسعة على حدود الصين، يعيشون بها في خيام من ~~الشعر أو من الأدم # 4 # كما يعيش أعراب البادية، فإذا لم يكن أحمد بن طولون عربي النسب، فقد كان عربي ~~الفطرة والدين. # وقتل المتوكل على سريره بأيدي مواليه من الترك والعجم، وتولى بعده ولده المنتصر، فلم ~~يستتم على سريره بضعة أشهر ثم هلك، وبويع بالخلافة من بعده ابن عمه المستعين ... # وبلغ الموالي مبلغهم من الطغيان والعسف، واجتمعت لهم أسباب السلطة، حتى لا يكاد الخليفة ~~يملك معهم مخرجا ولا مدخلا، ولزم قصره في بغداد يتربص بنفسه كيد الموالي، ويتربصون ~~به! # وضاقت نفس أحمد مما يشهد من غدر الترك وسوء أثرهم في الدولة، فآثر الاعتكاف والوحدة، ~~وإنه يومئذ لشاب في الثلاثين، تبسم لمثله الآمال، وتتفتح لعينيه زهرة الدنيا. # وقال لصاحبه: «إلى كم نقيم يا أخي على هذا الإثم مع هؤلاء الموالي، لا يطئون موطئا إلا ~~كتب علينا الخطأ والإثم؟ ... والصواب أن نتركهم وما اجتمعوا عليه من الضلال والغواية، ونسأل ~~الوزير أن يكتب بأرزاقنا إلى الثغر # 5 # نقيم به في ثواب دائم وجهاد متصل!» # قال صاحبه، وعلى شفتيه ابتسامة العتب والدهشة: «كأنك يا أحمد قد أيست من التصرف في شيء من ~~أعمال السلطان، وإن كنت لأرجو لك، وإنك لأهل للولاية!» # قال ابن طولون: «خل عنك يا أخي حديث السلطان والولاية، ms03 إن أمر الدولة يكاد يبلغ آخره من ~~سوء ما يصنع هؤلاء الترك والعجم، وإن أمر الخليفة ليوشك معهم أن ينتهي إلى مثل ما انتهى إليه ~~أمر عمه المتوكل # 6 # وماذا بعد ذلك إلا انهيار الدولة، فإن رأيت فإننا نخرج إلى طرسوس # 7 # غازيين مجاهدين في سبيل الله، حتى تنجلي هذه الغمرة، أو يكون أمر من ~~الأمر!» ~~••• # وأنست نفس أحمد بن طولون في طرسوس وزال استيحاشه، واشتهرت له وقائع في جهاد العدو ~~تناقلها الركبان في الفلوات، حتى بلغت سامرا حاضرة الخلافة، فذاع صيته وأكبر الناس همته ~~وعزمه. # وعاد من طرسوس وله ذكر ومكانة، ودارت الأيام دورتها، وإذا الخليفة المستعين مخلوع قد خلعه ~~الموالي وأقاموا على العرش ابن عمه المعتز، ونفي المستعين إلى واسط # 8 # ودعي أحمد بن طولون إلى صحبته؛ ليكون عينا # 9 # عليه وحارسا له، وعرف ابن طولون للخليفة المخلوع قدره فأحسن عشرته وآنس وحدته، ~~ووفاه حقه من التجلة والكرامة، وترك له أن يغدو ويروح حيث شاء! # وأراد الموالي أن يخلص لهم الأمر فأجمعوا على قتل المستعين حتى لا تنازعه نفسه إلى ~~العرش. # وكتبت أم المعتز إلى أحمد بن طولون بواسط: «إذا قرأت كتابي فجئني برأس المستعين، وقد قلدتك # 10 # واسط.» # وقال ابن طولون لنفسه وقد جاءه الكتاب: «بئست الإمارة تقلدنيها امرأة ثمنا لمقتل ~~خليفة له في عنقي بيعة.» # وتمرد على الأمر وتأبى على الإمارة. # وتسامع الناس في سامرا وبغداد بما كان من أمره ذاك في واسط، وبما كان من أمره قبل ذلك في ~~طرسوس، فأكبروا خلقه ودينه، وبلغ محلا من نفس الترك والعرب جميعا ... # 2 # وكانت مصر يومئذ أثمن درة في تاج الخليفة، يباهي منها بما يملك لا بما يحكم، فليس يعنيه من ~~أمرها إلا مقدار ما يؤدى إليه من خراجها، # 11 # وما يهدى إليه من طرائفها، وكذلك كان اعتبارها في أعين من يتقلدها من الولاة، فهي ~~عندهم ضيعة للاستغلال، لا شعب يقتضي حسن الرعية، فليس همهم منها إلا ما يجمعون من مال الخراج، ~~يؤدون منه ما يؤدون إلى ms04 الخليفة، ويتبقى لهم بعد ذلك من فضل الغلة ما يحقق لهم الغنى والجاه ~~والسيادة، ومنهم من لا يعنيه من ولاية مصر إلا لقب الإمارة ... فكان الوالي إذا قلده الخليفة ~~مصر يلتمس نائبا أمينا يكفيه أمرها ويحمل إليه من ثمرتها، ويظل حيث هو في الحضرة # 12 ~~(سامرا)، يباهي بإمارته ويدل بجاهه، وأمر مصر كله إلى نائبه هناك ... # على أن المصريين يومئذ لم يكونوا من ضعف الهمة، بحيث يرضون لأنفسهم هذه المكانة، فلم يكن ~~الأمر ليستقيم طويلا لواحد من أولئك الولاة في مصر، وكانت ثورات المصريين على ولاتهم لا تكاد ~~تهدأ، على أن هذه الثورات المتتابعة لم تكن من القوة بحيث تستطيع إحداث تاريخ جديد، ولكنها مع ~~ذلك كانت إرهاصا # 13 # لأمر قد أظل أوانه # 14 ~~... # في هذه الفترة من تاريخ مصر كان باكباك التركي هو السيد الآمر في قصر الخليفة المعتز، وكان ~~إليه الأمر كله، ولكنه يطمع في مزيد من الجاه، فسأل الخليفة أن يشرفه بولاية مصر، فولاه فراح ~~يلتمس النائب الأمين الذي يخلفه على تلك الضيعة. # وكان ابن طولون قد بلغ تلك المنزلة فأنابه باكباك ... ~~••• # صاح المؤذن، وقد اختفى حاجب الشمس وراء الأفق الغربي: «الله أكبر ...» فابتدر الأمير وجلساؤه ~~إلى قصعة فيها تمر رطب، ثم دارت عليهم أقداح الحليب فشربوا ورووا، ومسح الأمير فمه وتلا في صوت ~~خشعت له الجماعة: «الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله!» ثم دعا: ~~«اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وبك آمنت، وعليك توكلت ... اللهم فاجعلني في المقبولين من ~~عبادك، ووفقني في أمر هذا البلد لرضاك، وأحسن رعيتي في خلقك، فإنه لا إحسان إلا ما أحسنت، ~~ولا هداية إلا ما وفقت، يا أحكم الحاكمين!» # وأمن جلساء الأمير على دعائه. # 15 # ثم انتدب من بينهم فقيه أهل مصر ومحدثهم أبو عبد الله محمد بن عبد الحكم المصري، # 16 # فقال: «بلغك الله سؤلك أيها الأمير وأنعم بك، إن هذه أمانة من أمانة الله في ~~عنقك، وقد وليها قبلك أمراء، منهم البر والفاجر، ms05 والأمين والغادر، أما البر والأمين منهم، ~~فكان للخليفة بره وأمانته، ليس للأمة من ذلك نصيب، وأما فجور الفاجر وغدر الغادر، فكان للأمة من ~~كليهما نصيبها، وللسلطان نصيبه، فعلى الأمة المغرم في الحالين، وإنما نحن وفد هذه الأمة ~~إليك، وقد سبقتك إليها أنباؤك، فاستبشر عامتها وخاصتها بمقدمك، وإنها لترجو على يديك ~~الخلاص من فساد الحكم، وجور الملتزم # 17 # وطماعية عمال السلطان، فإن فعلت فقد قرت الأمة بك عينا، وإلا فالله وليها # 18 # فيما تأمل، وحسب المؤمن ربه.» # قال الأمير: «نفعل إن شاء الله يا أبا عبد الله، وإن لي عليك شرطا ليتهيأ لي تحقيق ما ~~التزمته: أن تكون أنت ومن معك عينا علي وعونا لي، فأيما عمل رأيت أو رأى أصحابك فيه ~~حيادا عن الجادة # 19 # فاكشف لي عنه، فإن ذلك حقيق بأن يبصرني موضع خطاي إذا ضللت سواء ~~السبيل.» # وبايعه الجلساء على ذلك، ثم نهضوا جماعة لصلاة المغرب قبل أن يجلسوا إلى مائدة الأمير ~~يستتمون فطور الصائم. # ومدت الموائد للعامة في قصر الأمير وعلى جنباته، ونادى منادي الأمير في الطاعمين: «كل من ~~أفطر على مائدة الأمير الليلة، فله على الأمير حق أن يحضر مائدته في كل ليلة، وله حق عياله وشمله # 20 # فيما بقي من الطعام، يحمل منه إلى داره ما يشاء.» # وأقبل الناس على طعامهم راضين هانئين، ثم صدروا عن دار الأمير في يد كل منهم سفرة لعياله، ~~وبينه وبين الأمير ميعاد على مائدته. # وصار ذلك شأن الأمير كل يوم في رمضان، ثم كل يوم بعد رمضان. # ومثل بين يديه صاحب صدقاته، فقال: «يا مولاي، لقد بلغت نفقات مطبخ الأمير في اليوم ألف ~~دينار، وبلغ ما دفعناه إلى المعوزين من مال الصدقة ألفين في ساعات من النهار!» # قال الأمير: «لا عليك من ذلك، إنما هو مال الله، استودعنا إياه لأهل عارفته، # 21 # فلا تقبض يدك عن البر بأحد.» # قال: «أيد الله الأمير، فإنا نقف حيث جرت العادة بتوزيع الصدقة، فربما امتدت إلينا الكف ~~المخضوبة، والمعصم فيه السوار والكم الناعم، ms06 أفنمنعها أم نعطيها؟» # قال الأمير: «ويحك! هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، احذر أن ترد ~~يدا امتدت إليك.» # وذاعت في العامة أخبار الأمير أحمد بن طولون، وتحدث الناس بألطافه وبره وعفته وتقواه، وروى ~~راويهم ما عرفه عنه في طرسوس، وأخبر مخبرهم بما سمع عنه في سامرا، وقال قائلهم: نعم الأمير ~~أبو العباس! وقال السامع: يا ليتها دولة تدوم. # وعاد الصدى إلى أحمد بن طولون بما يتحدث به الناس عنه، فاعتقده بيعة له بالإمارة على مصر لا ~~ينقضها السلطان، وأجمع أمره على أمر ... # 3 # وسارت الحوادث متتابعة في سامرا، فقتل الخليفة المعتز وبويع المهتدي بالخلافة، ثم قتل ~~باكباك، وآلت إمرة مصر من بعده إلى يارجوخ التركي صهر ابن طولون، فأقره على ما في يده وبسط له الرقعة، # 22 # فامتدت ولايته إلى الإسكندرية والصعيد وبرقة # 23 ~~... # واستمرت الحوادث تتتابع في الدولة، فقتل المهتدي، كما قتل المعتز من قبله؛ وتعاقب الخلفاء ~~على عرش الدولة العباسية يقتل بعضهم بعضا، أو يقتل الأتراك بعضهم بأيدي بعض، وابن طولون في ~~مصر يدبر ما يدبر لأمره، فلم تمض إلا سنوات حتى كان له في مصر عرش وسلطان ... # وكان على الخراج في مصر عامل # 24 # من قبل الخليفة «المعتمد» لا يؤتى من قريب، # 25 # قد اجتمع له من موارد مصر ما لم يجتمع لأمير قط، وإنه ليفتن كل يوم فنونا في ~~تحصيل المال، حتى لقد فرض ضرائب على الكلأ المباح، # 26 # ومصايد البحر، وصخور البرية! # وكان على البريد كذلك عامل # 27 # من عمال الخليفة لا سلطان عليه لابن طولون، فلعله يرفع من أخبار مصر إلى الخليفة في ~~بغداد ما لا يعلمه الأمير في مصر ... # فماذا بقي لابن طولون من موارد مصر، وعلى الخراج عامل الخليفة؟ وكيف يأمن الغرة # 28 # وعامل البريد مطوي على سره؟ # وراح ابن طولون يدبر لأمره ثانية ما يدبر ... # ومثل بين يديه وفد من أهل مصر، يشكون إليه سوء ما يلقون من عامل الخراج، ورآها الأمير ~~فرصة سانحة لما يرجوه من أمر، وتدانى ms07 إليه الأمل فقال وفي صوته رقة: «وددت لو كان الأمر ~~إلي، إذن لأبطلت عنكم كثيرا مما تحملون من المغارم.» # قال محمد بن هلال المصري، وكان رجلا له فيهم خطر ومكانة: «فإن الأمر إليك يا مولاي، لو ~~شئت لكان، وإنما أنت الراعي ونحن الرعية، فأين منا من نفزع إليه # 29 # غيرك؟» # ولمعت عينا أحمد بن طولون، واسترعاه حديث ابن هلال، # 30 # فبسط له وجهه وأدناه، وقال في صوت خافت كأنما يتحدث به إلى نفسه، وإن حديثه ~~ليبلغ آذان الوفد جميعا: «نعم، كيف يلي رجل من سامرا خراج مصر؟ # 31 # هلا كان ذلك إلى مصري يعرف من حال قومه وحاجتهم، ما لا يطلع عليه الغريب.» # وانبسطت نفس ابن هلال، وبدت أمارات الرضا في وجوه الوفد، فغمغم القوم شاكرين، وقد جاش في ~~نفوسهم أمل، وانصرفوا وهم يدبرون أمرا، والأمير يدبر أمرا ... وأجنت # 32 # الأرض الخصبة بذرة إلى حصاد ... # وخلا مجلس الأمير إلا من كاتبيه: أبي عبد الله الواسطي، وأبي يوسف يعقوب بن إسحاق، وكان ~~على شفتي الأمير كلام حين ابتدره الواسطى قائلا وما يزال في أذنيه صدى من حديث الوفد: ~~«لله أنت يا مولاي! مكن الله لك وبسط ظلك.» # قال ابن طولون: «الحمد لله كثيرا، تركنا لله عز وجل شيئا # 33 # فعوضنا منه أشياء أعظم وأجود وأحمد عاقبة: كانت نهاية ما وعدنا به على قتل ~~المستعين بالله تقليد واسط، فخفنا الله عز وجل في قتله فلم نقتله، فعوضنا الله عز وجل اسمه ~~مصر وغيرها.» # قال أبو يوسف: «وإني لأرجو يا مولاي أن يمكن الله لك، فيمتد ملكك من حدود المغرب إلى ~~أكناف العراق.» # قال الأمير: «صه، لقد أسرفت يا يعقوب فيما تأمل، إن في أعناقنا لأمير المؤمنين بيعة لا ~~ينقضها إلا الموت.» # 4 # وعلا نجم ابن طولون وذاع صيته، فإن حديثه ليدور على كل لسان في مصر وفي سامرا، أما ~~المصريون فقد رضوا مذهبه وحمدوا سيرته، وقد اتخذ ابن طولون من أعيانهم بطانة # 34 # يتألف بها من يليهم # 35 # من الأتباع، فيهم وجيه ms08 قومه محمد بن هلال، وفقيه الجماعة محمد بن عبد الحكم، وكبير ~~التجار معمر الجوهري، وراهب القبط أندونه، فكانوا سببا بينه وبين الشعب، # 36 # فراحت وفودهم تسعى إلى الخليفة المعتمد في سامرا، يشكرون عدله وحسن رعيته، ~~ويطلبون تثبيته على عرش مصر. # كذلك كان أمر الشعب معه، أما أبناء الحكام وعمال الخليفة في المرافق الدنيا، # 37 # والطارئون على مصر من الشام وبغداد، وما يليها من بلاد الشرق، فقد رأوا في سيرته ما ~~حملهم على اليقين بأنه قد يبيت النية # 38 # على الاستقلال بمصر، فمنهم من غار ونفس عليه ما بلغ، # 39 # ومنهم من خاف مغبة ذلك # 40 # على مستقبل دولة الخلافة، فراحوا يسعون به إلى الخليفة، يزعمون أنه بسبيل التغلب ~~على مصر والعصيان بها. # وعرف ابن طولون ما يدبر له فأعد عدته للدفاع، واتخذ جيشا فيه مائة ألف فارس وما لا يحصى ~~من الرجالة، وعديد من سفن الغزو، وعتاد الحرب في البر والبحر، وأرضى طموح المصريين بما ~~أنشأ من المصانع والدور والقصور، وزين حاضرته زينة يباهي بها حواضر الملوك، ووثق آصرته # 41 # بالشعب بما زاد من حبائه # 42 # وبره، وجلس للعامة يستمع إلى مظالمهم، وراح يتفقد الأسواق، ويطوف على حماره بالليل ~~وحيدا في الأزقة يستطلع طلع الناس، وما يكون من خبرهم إذا خلوا إلى أنفسهم وذوي ~~خاصتهم ... واتخذ العيون # 43 # يرصدون على أعدائه حركاتهم في مصر وفي بغداد وسامرا، واصطنع له في دار الخلافة ~~سفيرا يكتب إليه بكل ما يبلغه من أخبار السعاة، # 44 # ورصد الأموال العظيمة لاصطناع الأولياء من حاشية الخليفة ومن يلوذ به، وأحدث صهرا ~~بينه وبين الخليفة المعتمد، واستخدم لأمره جماعة من الجوهرية وسراة التجار # 45 # في بغداد يبذلون عن أمره الأموال والهدايا لرجال الدولة، ليقيدوهم على طاعته ~~والولاء له، تارة بالدين يوثقونهم به على الولاء، وتارات بالعوارف # 46 # والألطاف يبذلونها باسم الأمير لكل من يتوسمون فيه النفع، أو يدفعون به المضرة ~~والمنافسة ... فخرست الألسنة، وتقاصرت الهمم، ولم تبق إلا قالة الخير على كل لسان. # وأخذ سلطان الدولة الطولونية ms09 يتسحب على ما يجاورها من بلاد الخلافة شيئا بعد شيء، فلم تمض ~~إلا سنوات، حتى امتد ملك ابن طولون من حدود المغرب إلى أكناف العراق، كما رجاها أبو يوسف يعقوب ~~بن إسحاق، # 47 # واجتمع له الخراج والبريد والقضاء، وصار له شعار وراية واستقل، فما ثمة رباط ~~يربطه بالدولة إلا ما يؤدي إليها من الخراج في كل عام . # 5 # استفحل الخطر على الدولة العباسية في بغداد، وأوشكت وحدتها أن تتفرق، وضغطتها الحوادث من ~~الشرق ومن الغرب، أما في الشرق فقد بلغ علوي البصرة «صاحب الزنج» # 48 # من القوة ما بلغ حتى أوشك أن يصير إليه أمر المشرق كله، وأما في الغرب فكان أحمد بن ~~طولون. # والخليفة المعتمد على الله في قصره من بغداد مشغول بالقصف # 49 # والغناء والشراب، لا يكاد يعنيه من أمر الدولة شيء، قد كفاه أخوه طلحة «الموفق» ~~أمر صاحب الزنج بالبصرة، وبذل لحربه كل ما يملك من حول وحيلة، وجرد له كل ما تقدر عليه ~~الدولة من جند وعتاد ... وكفاه أحمد بن طولون نفسه بما وثق من أمره عند الخليفة بالمال والصهر ~~وتمويه الحديث. # 50 # وبدا للناظر من بعيد أن الدولة الإسلامية العظمى قد أوشكت أن تنهار وتتناثر قطعا لا يمسكها ~~سبب، ولم يكن يحمل هم الدولة كلها يومئذ إلا رجل واحد، هو الموفق أخو الخليفة، ولكن الموفق ~~يومئذ مشغول بأمر صاحب الزنج، فمن ذا يكفيه أمر أحمد بن طولون؟ ... # ولم تكن ولاية العهد يومئذ خالصة لرجل واحد، فقد جعلها المعتمد من بعده لرجلين، ولده جعفر ~~المفوض، ثم أخيه طلحة الموفق. # ولم تكن شئون الدولة كذلك في يد واحدة تديرها كيف تشاء، فقد قسمها المعتمد بين وليي ~~عهده، فولى ولده مصر والمغرب، وخص أخاه الموفق بالمشرق، وقد كان الموفق بما في طبيعته من ~~الصرامة والحزم أهلا لما ولي ليرد عن الدولة عادية الخوارج في المشرق، ويجتث جذور ~~الأحقاد، ولكن المفوض بطبيعته الرخوة لم يكن أهلا لما ولي ... وهل كان ممكنا أن يبلغ ابن ~~طولون ما بلغ لو أن ms10 مصر والمغرب كانا إلى رجل فيه مثل صرامة الموفق وحزمه؟ ... # على أن الموفق لم يكن يومئذ في غفلة من أمره، وهو يرى الدولة الطولونية تمد مدها حتى تبلغ ~~أكناف العراق وتكاد تصل إلى حاضرة الخلافة، فكيف يقف هذا السيل المكتسح قبل أن يجرف في طريقه ~~دولة بني العباس؟ كيف، وما له يد على ابن طولون، وليس إليه الأمر في شأن من شئون الغرب؟ ~~... # لقد قضى زمانا يدس الدسائس لأحمد بن طولون، ويؤلب عليه # 51 # جيرانه فما أجدى ذلك عليه شيئا، فما بقي إلا أن يسفر عن وجهه ويباديه العداوة ~~صريحة، ولكن من أي سبيل؟ ... # بلى، إن ثمة حيلة لعله أن يبلغ بها: إن مصر خزانة السلطان وفيها أمواله - كذلك يراها الموفق ~~- وقد كانت حرب الزنج غرما اقتضى الخليفة أن يستدين للإضاقة # 52 # كي ينفق على الجيوش التي يقودها لحرب صاحب الزنج، أفلا يبذل ابن طولون شيئا من ~~خزانة السلطان عونا لجيش الخليفة إن كان على الولاء للدولة؟ ... # وبعث الموفق إلى ابن طولون يطلب معونته بالمال على قتال صاحب الزنج، يريد بذلك أن يجعله بين ~~أمرين: الطاعة الصريحة، أو العصيان السافر. # وفهم ابن طولون ما عناه الموفق، وعلم أن وراء ذلك أمرا يكاد يلمح بواكيره، فأراد أن يبلي ~~عذرا مما اعتزم، # 53 # كي لا تكون عليه حجة من بعد، فبعث إلى الموفق بمال ... # وأحصى الموفق ما بعث به إليه ابن طولون، فإذا شيء لا يكاد يغني، فكتب إليه كتابا يستصغر ما ~~أرسله، ونفث في كتابه ذات صدره وسخيمة نفسه. # 54 # وأجابه ابن طولون: «وأي حساب بيني وبينك، أو حال توجب مكاتبتي بمثل هذا أو غيره؟ ... ~~أؤكلف على الطاعة جعلا، # 55 # وألزم للمناصحة ثمنا؟ ... أعني على ما أوثره من لزوم العهد وتوكيد العقد ~~بحسن العشرة والإنصاف ...» # وبلغ الموفق كتاب ابن طولون، فأقلقه وبلغ منه مبلغا عظيما ... # هذا عامل من عمال الخليفة يرى الولاء للدولة منة، وكان عليه فريضة، واستعلن بنيته وكان ~~حقيقا بأن يستخفي. # أكان الموفق بما طلب منه يحاول إيقاعه، أم ms11 يستعجله بالعصيان؟ # واستحكمت العداوة بين الرجلين منذ اليوم، وأيقن كل منهما أنه من صاحبه بإزاء خصم قوي إن ~~لم يأكله أكله، فإما دولة بني العباس وإما أحمد بن طولون. ~~••• # هز الموفق رأسه أسفا، وأغرق في صمت، وأظلته سحابة عابرة فرفع إليها رأسه، وغمغم بكلام لا ~~يبين، وحضرته كلمة جده الرشيد للسحابة الممطرة: «أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.» # 56 # فابتسم الموفق ابتسامة كاسفة، وهو يقول في تحسر: «أوشكت والله كلمة الرشيد أن ~~تتمصر، فتصير دولة الخلافة طولونية.» # 57 # قال جليسه: «هون عليك أيها الأمير، فسيكفيكه الله بغير جهد عليك، وماذا يكون شأن ابن ~~طولون، وأنت أنت؟» # قال الموفق: «شأنه شأن الجالس على عرش مصر: في يده ثروة الدنيا، وتحت قدميه كنوز الفراعين، ~~وأنا فيما ترى من الجهد والبلاء بحرب صاحب الزنج.» ~~••• # وألقت ضرورات السياسة قناعا على ما بين الرجلين من عداوة إلى حين، ولكن كليهما كان يعلم ~~أين مكانه من صاحبه على التحديد ... # أما ابن طولون فكان يعلم أن الخلافة صائرة يوما إلى الموفق، وسيبلغ بهذا الحق من قوة الأثر ~~في نفوس المسلمين من رعايا دولة الخلافة ما يفل # 58 # به سيف ابن طولون، ويحطم كبرياءه ... # وأما الموفق فلم يكن يحمل من هم ابن طولون إلا أمرا واحدا، لو كفيه لانهارت الدولة ~~الطولونية كلها، فلم تقم لها قائمة بعد، ذلك هو غنى أحمد بن طولون بالمال، هذا المال الذي ~~يشتري به الجند للحرب، ويصطنع به الصنائع للسياسة، فيغلب به ويتمكن. # وراح كلا الرجلين يدبر أمره ليحطم صاحبه من حيث يظن به القوة! # 6 # عاد الأمير أحمد بن طولون من جولة في بعض أسواق المدينة ذات مساء، فأوى إلى فراشه مطمئنا ~~هادئ النفس، ثم أصبح كئيبا قلقا كأنما حط على صدره كل هم الدنيا ... فدعا عدة من أصحاب الرسائل # 59 # فتقدم إليهم أن يتفرقوا في المدينة يبحثون عن غلامه «لؤلؤ»، فيأتون به من حيث كان ~~... # وكان لؤلؤ من أصحاب الحظوة والجاه عند ابن طولون، قد صحبه الأمير طويلا ووثق به وائتمنه ~~على ms12 سره، حتى ليكل إليه من مهام الدولة ما لا يكل إلى ولده. # واتخذ الأمير مجلسه في «قبة الهواء» # 60 # يسرح النظر بين النيل والجبل، وفي قلبه من الهم والقلق ما به، انتظارا لمقدم ~~لؤلؤ ... # وتفرق رسل الأمير في المدينة، يلتمسون لؤلؤا حتى وجدوه فوافوا به الأمير في مجلسه، ~~ومثل لؤلؤ بين يدي مولاه، وإن نفسه لتكاد تخرج مما به من الذعر والفزع ... # وسأله الأمير قلقا: «حدثني يا لؤلؤ: أفي غلمانك فتى أزرق أشقر من وافدة بغداد، # 61 # يشرف في الإصطبل على دوابك، اسمه محمد بن سليمان؟» قال لؤلؤ ولم يزل ما به من ~~الذعر والفزع: «أنظر يا مولاي، فإني لا أكاد أحقق وجوه غلماني.» # قال الأمير: «فإذا لقيته فاصرفه، أو فاقتله، فقد رأيته في المنام باسمه وصفته منذ بضعة ~~أشهر، وفي يده مكنسة يكنس بها قصري وسائر دوري وحجري، وعاودني هذا الحلم البارحة بصورته التي ~~رأيت من قبل، كأنه إنذار من وراء الغيب بأن هذا الفتى يدبر للدولة شرا.» # قال لؤلؤ وقد سري عنه: # 62 ~~«كفاك الله يا مولاي ما تخاف.» # ثم انصرف عن مجلس سيده، وهو لا يكاد يصدق بالنجاة، وذهب إلى إصطبل الدواب، فإذا شاب أزرق ~~أشقر في ثياب خلق وزي رث، # 63 # فوقف إليه وسأله عن اسمه وعمله، فأجابه ... قال لؤلؤ دهشا: «ويحك! أنت محمد بن ~~سليمان؟ فمن أين يعرفك الأمير؟» # قال الفتى: «يا مولاي، والله ما رآني قط ولا وقعت عينه علي إلا في الطريق، ولا محلي ~~محل من يتصدى للقائه.» # قال لؤلؤ: «لقد أمرني مولاي أن أحتز رأسك لرؤيا رآها ...» # قال الفتى فزعا: «وأي ذنب لي يا سيدي في الأحلام؟» # فهدأت نفس لؤلؤ، وقال: «صدقت، فتوق - ويحك - ولا تتعرف إلى أحد من حاشيته.» # وكان محمد بن سليمان في رثاثته وخلقانه عينا من عيون الموفق على الطولونية، وكان له ~~دهاء وتدبير، فلم يزل يحتال لأمره من كل وجه حتى صار أدنى إلى لؤلؤ من سائر غلمانه، فصارت عينه ~~على أسرار الدولة، ويده على أموالها؛ لمكانته من ms13 مولاه، ومكانة مولاه من أحمد بن طولون. # ومضى زمان، وإذا لؤلؤ خادم الطولونية الأول يتنكر لها ويخرج على سيده، ويحتال حيلته حتى ~~يجتمع إليه من مال الخراج مال، فيخرج إلى الشام ثم يتخذ طريقه إلى بغداد منحازا إلى الموفق بما ~~اجتمع له من مال الدولة، لا يصحبه من غلمانه إلا خادمه محمد بن سليمان الأزرق. # وعرف ابن طولون كيف يدبر له الموفق وأعوانه في مصر، فأجمع أمره على خطة تحطم كبريائه، ~~وتفل غربه. # 7 # كان الخليفة المعتمد في مجلس الشراب من قصره بسامرا، قد تكنفه ندمانه على النمارق، # 64 # وصفت بين يديه أقداح البلور على صينية من جزع، # 65 # وأرخيت على النوافذ ستائر الديباج، تتلعب بها النسمات، فتتموج في سكون، وتنعكس ~~عليها الأضواء فتشع بمثل ألوان الطيف، يتضرب لون منها في لون، ولكن الخليفة وندمانه كانوا ~~مطرقين في صمت، لا تمتد يد إلى قدح، ولا تنبس شفة بصوت، ولا حس ولا حركة، فلولا ما ينفح ~~في مجامر المسك من عطر البخور ودفء النار لحسبه من يرى مجلسا مرسوما على أديم قد أبدع تصويره ~~رسام بارع فأتقنه تمثيلا وصورة، لم يفته من مظاهر الحياة إلا الصوت والحركة. # وكان الخليفة حقيقا بما هو فيه من العبوس والكآبة، فقد بلغ أخوه الموفق من التضييق عليه ~~مبلغا بعيدا، استئثارا بالسلطة واستقلالا بالأمر، فاحتجزه في هذا القصر من سامرا، وأخذ ~~عليه المذاهب، ووكل به العيون وأصحاب الأخبار، وكف يده عن التصرف في شيء من مال الدولة، حتى ~~لكأن الخليفة هو طلحة الموفق نفسه، فليس للمعتمد من أمر الخلافة إلا لقب أمير المؤمنين، وقد بلغ ~~الأمر غايته اليوم، فها هو ذا خازن القصر يأبى على الخليفة أن يحبو نديما # 66 # من ندمانه ثلاثمائة دينار، فيرد توقيعه بلا جواب. # ومضت فترة صمت، ثم رفع المعتمد رأسه وفي عينيه انكسار، وأنشد: # أليس من العجائب أن مثلي # يرى ما قل ممتنعا عليه؟ # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا # وما من ذاك شيء في يديه! # إليه تحمل الأموال طرا # ويمنع بعض ما ms14 يجبى إليه! # وقطع عليه دخول غلامه «نحرير» يؤذنه بحضور «طيفور التركي»، صاحب خبر ابن طولون وسفيره في الحضرة # 67 ~~... # ومثل طيفور بين يدي الخليفة فحيا وبالغ في التحية ودفع إليه صكا من مولاه بمائة ألف ~~دينار، وكتابا مختوما بخاتمه، ثم جلس طيفور حيث انتهى به المجلس. # وفض الخليفة كتاب صاحب مصر، فما مضى في قراءته أسطرا حتى انبسط من عبوس وتهلل من كآبة، ثم ~~دفع الكتاب إلى أدنى جلسائه إليه، فمضى يقرأ منه: ~~... وقد منعني الطعام والشراب والنوم خوفي على أمير المؤمنين من مكروه يلحقه، مع ما له في ~~عنقي من الأيمان الموكدة، وقد اجتمع عندي مائة ألف عنان # 68 # أنجاد، وأنا أرى لسيدي أمير المؤمنين الانجذاب # 69 # إلى مصر، يقيم بها كرسي الخلافة، ويجعلها حاضرة سلطانه، فإن أمره - إن شاء ~~الله - يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العز، ولا يتهيأ لأخيه فيه شيء مما يخاف عليه منه في ~~كل لحظة، فإن رأى أمير المؤمنين - أيده الله - ذلك صوابا فعل ... # وانتهى أمير المؤمنين من قراءة الكتاب فلم يتلبث، وأزمع منذ الساعة أن ينقل حاضرة الخلافة ~~إلى مصر، وتهيأ للرحلة منذ الغد ... # وأوشكت دولة الخلافة أن تصير طولونية. # 8 # جدت الخيل جدها من نصيبين إلى الموصل، # 70 # عليها أربعة آلاف غلام من الفرسان الأنجاد، يقدمهم إسحاق بن كنداج الخزري قائد جند ~~الموفق، ليرد الخليفة على وجهه ... # وكان الخليفة قد أبعد في طريقه إلى مصر، وحط رحاله فيما بين الموصل والحديثة مريحا، # 71 # ينتظر متاعه وحشمه ومن وراءه من أهله وخاصته، وقد ضرب ابن طولون فساطيطه # 72 # وخيم بدمشق في انتظار مقدم الخليفة، وقد أوشك أن يتم له من تدبيره ما يؤمل ~~... # وأدركت خيل الموفق الخليفة، حيث حط رحاله فردته وأصحابه إلى سامرا، ووكل به قائد في ~~خمسمائة رجل، يمنعون أن يدخل إليه أحد حيث أنزل من دار ابن الخصيب، فلا ينفذ إلى قصر من ~~قصوره، ولا ينفذ إليه أحد من مواليه ... # وخلع الموفق على إسحاق بن كنداج ومن معه من القواد ولقبه ms15 وأحسن إليه، وعقد له على مصر # 73 # مكان أحمد بن طولون، وترك له أمر تأديبه وتقويض عرشه! # وتمزق القناع عما بين الرجلين من عداوة، ولكن الموفق لم يكن قد فرغ من حرب صاحب الزنج، فليس ~~له طاقة بأن يحارب أحمد بن طولون حربا سافرة، وفي يد ابن طولون خزائن مصر، وتحت قدميه كنوز ~~الفراعين ... # وسعى الوسطاء بالهدنة بين الرجلين، فاستقر الأمر بينهما هونا ما، واستسرت # 74 # العداوة بعد إعلان، وإن لم يزل أتباع ابن طولون وجند إسحاق يتجاذبون الحبل على حدود ~~الدولتين! # وفرغ الموفق من أمر صاحب الزنج في جمادى الأولى سنة 270 بعد حرب استمرت بضع عشرة سنة، كلها ~~جراح ومغارم وتضحيات، فما انتهت حتى كانت خزائن الدولة صفرا # 75 # من المال، وحتى كان كل جندي من جند الدولة في حاجة إلى نومة عميقة في فراش دافئ ~~لا يوقظه نفير الحرب. # ومات أحمد بن طولون في ذي القعدة من السنة نفسها، وقد خلف لولده دولة ثبتت أركانها على ~~ثلاث دعائم: من حب الرعية، وقوة الجيش، والغنى بالمال. # وتقدم أبو الجيش «خمارويه» بن أحمد بن طولون إلى خازنه أن يحصي له ما خلف أبوه من ~~المال؛ فقدم إليه الخازن حسابه: # عشرة آلاف ألف دينار (عشرة ملايين)، وسبعة آلاف مملوك، وبضعة عشر ألفا من الأفراس ~~والجمال والبغال ودواب الحمل، وبضع مئات من المراكب الخاصة والعامة، وأربعة وعشرون ألف ~~غلام، بينهم أربعة آلاف من السودان ذوي الأيد والنجدة، وعشرة آلاف بدرة مختومة، # 76 # و... # قال خمارويه: «حسبك! فرق في الجند للبيعة رزق سنة - تسعمائة ألف دينار - باسم أبي ~~الجيش خمارويه ملك مصر وبرقة والشام والثغور.» # وجلس خمارويه على العرش، واتخذ التاج والصولجان. # الفصل الثاني # | خمارويه ابن طولون # 1 # قال أبو العباس أحمد بن الموفق لأبيه: «يا أبه! لقد جاءك النبأ بمهلك أحمد بن طولون صاحب ~~مصر، أفلست ترى خلاصك منه حين فراغك من أمر صاحب الزنج أذانا من الله بحرب تلك الدولة ~~الناشئة في العصيان؟ ... لقد بلغت دولة بني طولون ما بلغت ms16 حتى لتوشك أن تغزونا في ديارنا، فإن ~~يكن ثم قصاص # 1 # فهذا أوانه.» # قال الموفق: «لبث قليلا يا بني، # 2 # إنك لست تدري على أي هول تقبل من حرب هذه الدولة، وقد مات أحمد بن طولون، وددت ~~لو كان اليوم حيا، إذن لنلت منه منالا، فذلك رجل ربي في خدمتنا، وشاهد قوة أمرنا ~~وأحوالنا، فامتلأ من ذلك قلبه، وكبرت سطوتنا في عينه، وقد خلف لولده دولة واسعة، وجيشا وعدة، ~~ومالا لا يبلغه الإحصاء، وقد اجتمع لولده إلى ذلك قلة التهيب لنا؛ إذ لم يشاهد من أحوالنا ما ~~شاهده أبوه، وليس بينه وبيننا ذمة # 3 # تعطفه ، ولا له في دولتنا عهد يرده، وإنما يرى كل ما في يده تراثا خلفه له أبوه، ~~فإنه ليدافع عنه دفاع صاحب الحق عن حقه، وما أجدره بذلك أن يكيدنا ويبلغ منا! ونحن اليوم يا ~~بني قافلون # 4 # من حرب استنفدت منا مالا وجهدا، وعدة وعددا، وإنه على ما وصفت لك من البأس ~~والغنى، فلعل التريث في أمره أن يفتق لنا حيلة، ويبلغنا منه ما نأمل إن شاء الله.» # وبدا الامتعاض في وجه أبي العباس، وغلبه شماسه، # 5 # فقال وفي صوته رنة لم يسمع أبوه مثلها قبل اليوم من ولده: «فكأنك يا أبت تريد أن ~~تمد لخمارويه حتى يبسط ظله، فما ننهض لقتاله إلا وقد وطئتنا خيله واجتازت الدولة من ~~أطرافها.» # قال أبوه: «مه! # 6 ~~... لكأنك أغير # 7 # مني على الدولة وأبصر بسياسة الملك!» # قال أبو العباس: «لست أقولها، وإنما أرى بك رقة على بني طولون، وكأني بك قد ذكرت الساعة ~~ما كان من عطف أحمد بن طولون على ابن عمك المستعين حين خلع وأريد ابن طولون على قتله، فأنت ~~بهذه الذكرى تريد أن تحفظه في ولده، ولقد رأيتك يوم جاءك منعاه وإن عينك لتدمع، فكأن قد ~~ندمت على ما كان منك له في حياته، ونسيت ما قدمت يداه، أم تراك قد خشيت أن تعجز عن الظفر ~~بولده مما نالك من الجهد في حرب الزنج، فأنا ms17 لك بهذا الأمر، # 8 # وقد شهدت بلائي، وعرفت من خبري في حرب البصرة.» # وتململ الموفق في مجلسه، وهم أن يجيب، ولكن عبرة سبقته منحدرة على خده حتى توارت في ~~لحيته، فصمت برهة، ثم قال: «يا ليت يا أبا العباس ... وأنت تعلم أن ليس شيء أحب إلى نفسي من ~~عز دولة الخلافة، وليس أحد من بعد أعز علي منك، ولكن بني طولون لن يؤتوا من قريب، # 9 # ما دامت في يدهم خزائن مصر، وتحت أرجلهم كنوز الفراعنة، فإن استطعت فانفذ إليهم من ~~هذا الباب، فإنك إن أنفدت المال من خزائنهم فقد انتهيت من الأمر وبلغت الغاية، أفتراك ~~تقدر؟» # قال أبو العباس: «فسأنفذ إليهم من هذا الباب ومن كل باب حتى تنقض على رءوسهم دولتهم، ~~وسألحق منذ اليوم بجيش إسحاق لحرب خمارويه، فهل أذنت يا أبت؟» # قال الموفق: «اذهب يا بني مكلوءا، # 10 # ولعل الله أن يبصرك ويردك إلي راشدا موفورا.» # وخلف أبو العباس أباه في مجلسه يدبر من أمره وأمر الدولة ما يدبر، ومضى فلبس شكته # 11 # واتخذ أهبته لسفر طويل، وذهب لوجهه وهو يدندن صوتا في شعر الهمداني: # كذبتم وبيت الله لا تأخذونها # مراغمة، # 12 # ما دام للسيف قائم # متى تجمع القلب الذكي وصارما # وأنفا حميا تجتنبك المظالم # ومن يطلب المال الممنع بالقنا # 13 # يعش مثريا أو تخترمه المخارم # وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم # فهل أنا في ذا يالهمدان ظالم # 2 # مضى الفارس الشاب يغذ السير # 14 # نهاره وليله في غير كلال، # 15 # لا يقعد به حر الظهيرة، ولا برد السحر، ووراءه بضع مئات من غلمانه وجنده قد امتطوا ~~صهواتهم عليهم السلاح والزرد يتبعونه فارغين من الفكر في أمر اليوم والغد، بما عودهم مولاهم من ~~الطاعة، فإنهم ليمضون لما أمرهم، لا يسألون فيم خرجوا ولا أين يقصد بهم؟ # وذهبت الخيل تدقدق على صخور البادية، وإن سنابكها لتقدح الشرر، واختلطت صلصلة اللجم ~~ودقدقة الخيل بصليل السلاح وخشخشة الزرد، فتألف من ذلك موسيقا لها في سكون البادية ترجيع ~~وصدى، والركب منطلق في ms18 طريقه إلى «الرقة»، # 16 # حيث عسكر إسحاق على الشاطئ الشرقي من نهر الفرات في انتظار مقدم أبي العباس بن ~~الموفق وغلمانه ... # في ذلك الوقت كان فارس آخر عليه شعار الطولونية قد جاوز حدود مصر إلى الشام يؤيده أسطول ~~بحري قد جاوز مضيق دمياط ومضى موازيا له في البحر؛ لتحصين الشواطئ الشامية، هذا الفارس هو ~~أبو عبد الله الواسطي وزير الدولة الطولونية ورفيق نشأتها، وقد عقد له خمارويه بن طولون ملك مصر ~~وبرقة والشام والثغور على جيش كبير، وأخرجه للقاء إسحاق. # ولكن أبا عبد الله الواسطي لم يكد يفصل عن أرض مصر حتى عرض له أمر من أمره فتوقف برهة، ~~وبلغه حين وقف رسول من قبل الموفق في بغداد عليه سواده، # 17 # وفي يده كتاب من الموفق، ونظر أبو عبد الله في الكتاب، ثم أطرق ساعة يفكر في أمره ~~وأمر هذه الدولة الناشئة التي وزر # 18 # بضعة عشر عاما لأميرها الأول، وحمل لواء الجيش للدفاع عن حدودها في عهد أميرها ~~الثاني، ثم عاد ينظر في كتاب الموفق وهو يفكر في أمر دولة الخلافة العظمى حيث كانت نشأته ~~الأولى، وذكر الماضي والمستقبل، ووازن بين حال وحال، فما هي إلا خطرة فكر حتى خلع الشعار وحطم ~~اللواء، واتخذ طريقه مع رسول الموفق إلى بغداد. ~~••• # وكان جيش المصريين بلا أمير حين زحف إسحاق بجيشه يصحبه محمد بن أبي الساج وأبو العباس بن ~~الموفق، فاجتاز الفرات إلى أرض الشام، ولم يلق الجيش الفاتح في طريقه كيدا، فتسلم قنسرين، # 19 # والثغور، وأوغل في مملكة بني طولون. # وبلغ النبأ خمارويه بن أحمد بن طولون فعبأ جيشه وخرج للقائهم في سبعين ألفا من المصريين، ~~عليهم السلاح والزرد، ولكن جيش إسحاق لم يتلبث ومضى في طريقة، فما هي إلا جولة وجولة حتى غلب ~~إسحاق على دمشق ففتحها، وانحدر إلى فلسطين يطلب عرش مصر أو رأس خمارويه، وأبو العباس بن الموفق ~~على المقدمة يغني لنفسه في شعر كليب بن وائل: # سأمضي له قدما ولو شاب في الذي # أهم به فيما ms19 صنعت المقادم # 20 # مخافة قول أن يخالف فعله # وأن يهدم العز المشيد هادم # ومضت أسابيع ثم التقى الجيشان، ورأى أبو العباس وجه خمارويه، ورأى خمارويه وجه أبي العباس، ~~واقتتل الشابان اللذان ترتبط بهما مصاير الدولتين ... ثم كانت الوقعة التي شابت لها مقادم أبي ~~العباس، فخلف وراءه جنده وأتباعه وما احتاز من مغانم، وفر على أدباره وحيدا يلتمس السلامة، فما ~~وقف به فرسه حتى بلغ أبواب دمشق، ولكن دمشق يومئذ كانت قد بلغها النبأ، فأغلقت أبوابها دونه، ~~وتركته على الطريق يلتمس الدفء والمأوى فلا يكاد يجد، واستأنف الفرس عدوه بفارسه المنهزم، حتى ~~بلغ ثغر طرسوس، ولكن المقام لم يطب للأمير في طرسوس، كما لم يطب له المقام من قبل، فقد ~~خاصمه «يا زمان» البحري صاحب الثغر، وثار به أهل المدينة، فأجلوه عن ديارهم، فخرج وحيدا ~~طريدا قد ضاقت عليه الأرض، فاعتلى ظهر جواده وأطلق له العنان، حتى بلغ قصر أبيه الموفق في ~~بغداد بعد غياب عام ونصف عام في حرب لم يظفر فيها بغير الإياب ... # وأوى الشاب الثائر إلى بيته صامتا مكروبا، لا يكاد يجد مساغا للطعام والشراب، ولا سبيلا ~~إلى المنام. # 3 # قال الموفق لولده: «الحمد لله يا بني إذ ردك إلي راشدا موفورا، فلا تأس # 21 # على ما كان، فإن للدول كما للناس آجالا، إذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون.» # وهم أبو العباس أن يجيب فذابت الكلمات على طرف لسانه، ومضى أبوه في حديثه: «... وإنما يأتي ~~أجل بني طولون يوم تصفر أيديهم من المال، فلا يجد الجند يومئذ لهم رزقا في دولتهم، ولا يجدون ~~هم في أيديهم من المال ما يرشون به الوزراء ويصطنعون القواد ... وقد تولى اليوم أمرهم إسحاق ومحمد ~~بن أبي الساج، كل منهما يطمع في عرش الطولونية، فلا يزالان يطلبان لها الغرة ويضعفانها بما ~~يثيران في بلادها من أسباب الفتنة، فدعهما يا بني وما تولياه من أمر حتى يأذن الأجل.» # قال أبو العباس: «يا أبه ...» # قال أبوه: «اصمت لا أب لك! إنما هي سياسة الدولة، ms20 وقد جربت ما جربت حتى رأيت عاقبة ~~أمرك.» # وغلى الدم في رأس أبي العباس، وهم بالكلمة التي لم يقلها # 22 # ثم أقصر واتخذ سبيله إلى الباب صامتا، وأبوه ينظر إليه أسوان. # 23 ~~••• # وكر إسحاق ومحمد بن أبي الساج راجعين بمن معهما من فلول الجيش إلى الحدود يتربصون أن ~~تحين لهم فرصة، وسيق الأسرى منهم إلى مصر. # وقال خمارويه لصاحب خزانته، وقد اطمأن به مجلسه في قصر الميدان بحاضرة ملكه: «انظر كم عدد ~~هؤلاء الأسرى، فادفع إلى كل منهم ثلاثمائة درهم، فإنما هم إخواننا في الدين، وعدتنا في ~~حرب أهل الشرك، وقد نزلوا ديارنا، فلهم علينا حق الضيف على مضيفه.» # ثم أشرف خمارويه عليهم فخاطبهم: «إنما أنتم ضيوفنا، فمن أراد منكم أن يقيم بيننا فله علينا ~~حق المواطن في وطنه، ومن أراد الرحيل فقد أذنا له.» # فعج الأسرى بالدعاء لمصر وأميرها، واستأسروا له طائعين فكانوا جندا من جنده. # وذاع في الناس ما فعله خمارويه بأسراه، وما أغدق عليهم من بره، وراح الخبر يتنقل على ~~الأفواه وينحدر مع الركبان حتى بلغ شاطئ الفرات، حيث كان يقيم عسكر إسحاق في انتظار الموقعة ~~التي زعم أن سيقوض بها عرش بني طولون. # وقال جندي من جند إسحاق لصاحبه: «أسمعت يا أخا ناجية ما فعل ملك مصر؟» # فابتسم صاحبه وقال: «نعم، والله لئن كانت الموقعة لأستأسرن له، فيكون لي على ضفاف النيل ~~دار وجار.» # قال محدثه ضاحكا: «... وثلاثمائة دينار.» # كان الجند في مضاربهم يتحدثون هذا الحديث وأشباهه جادين أو هازلين، وإن في خيمة القيادة ~~لحديثا له طعم آخر، يدور بين القائدين اللذين يليان أمر الجيش: إسحاق بن كنداج، ومحمد بن ~~أبي الساج. # قال إسحاق: «... فإن الموفق قد عقد لي اللواء وولاني مصر، فهي لي حتى يخلعني عنها ~~السلطان.» # قال ابن أبي الساج: «وأنا، أين يكون موضعي، ولك الجند والإمارة؟ أتراك أدنى مني منزلة إلى ~~الموفق، أو أبصر بشئون الحكم، أو أعرف بفنون الحرب؟» # قال إسحاق: «وي! # 24 # شئون الحكم وفنون الحرب معا؟ لا ترضى حتى يجتمع ms21 لك الأمران كلاهما؟ على رسلك! # 25 # أو فاطلب إلى ذلك القضاء والخراج والبريد! ...» # وغضب ابن أبي الساج غضبة أعجمية ... فقال، وقد وضع يده على قائم سيفه: «أدعوى وسخرية!» # ثم رد يده إلى موضعها وقال في صوت يحاول أن يكون أكثر هدوءا مما يدل عليه انفعاله: «ولكن ~~لا، سأدعك وما اخترت لنفسك، لتختبر قوتك، وتعرف قدرتك في الميدان وحيدا لا يسندك ابن أبي ~~الساج.» # ودار على عقبيه فخلف إسحاق وراءه، وخرج من ساعته إلى النهر فاستقل زورقا عبر به الفرات ~~إلى الشام، حيث يلحق بخمارويه مستأمنا يعرض عليه طاعته. # 4 # لم يطل مقام خمارويه بمصر بعد الوقعة التي كانت، فما هو إلا أن دبر شئون الحاضرة، وجدد ~~آلة الحكم، وجمع شتات السلطان، ثم أخذ يعبئ جيشه لأمر قد خط خطته، وأحكم تدبيره، وكأنما كانت ~~تلك المعركة التي خاض غمرتها منذ بضعة عشر شهرا أذانا له بفتح جديد، فخرج إلى الشام في جيش ~~قوي، قد استكمل أهبته واستتم عدته وعدده، وبلغ دمشق فأقام بها حينا ثم أصعد في البادية ~~موليا وجهه شطر العراق ... # ولقيه في الطريق محمد بن أبي الساج، فانضم إليه بمن وراءه من غلمانه وجنده، ثم قصد إسحاق في ~~الرقة، فعبر إليه الفرات مع ابن أبي الساج فأزاحه عن موضعه واشتد وراءه عدوا، وهو يدك الحصون ~~ويحوز البلاد، حتى غلب على الجزيرة والموصل وبلغ سامرا، حيث كانت حاضرة الخلافة، وخطب له محمد ~~بن أبي الساج على منابر الجزيرة والموصل ودعا له. # وخفق قلب الدولة هيبة ورهبة لخمارويه، ورددت الآفاق صدى فتوحه المظفرة، وخبا # 26 # كل نجم إلا نجمه، فلم يعد أحد يذكر إلا اسم خمارويه، وبلغ من المكانة ما يبلغ ~~فاتح بسيفه. # وسعى الوسطاء بالصلح بينه وبين الموفق فكان، وكتب الخليفة المعتضد بيده عهد الصلح، ووقعه ~~الموفق وولده، واعترفت له الدولة بالولاية على مصر والشام والثغور. # وعاد خمارويه من حيث أتى، وسأله محمد بن أبي الساج أن يوليه الجزيرة والموصل، يحكمهما باسمه ~~ويدعو له، ودفع إليه ولده «ديوداد» يصحبه إلى ms22 مصر، رهينة على الولاء. ~~••• # كتب الخليفة عهد الصلح لخمارويه، ثم أوى إلى قصره راضي النفس، موفور الهناءة، كأن لم يكن به ~~ولا بالدولة شيء، فما خلا بنفسه حتى دعا بالشراب والندمان، وجلس غير بعيد منه مغنيه «أبو حشيشة» ~~وقد اقترح عليه صوتا يغنيه: # قلبي يحبك يا منى # قلبي ويبغض من يحبك # لأكون فردا في هوا # ك فليت شعري كيف قلبك؟ # فما انتهى المغني من صوته حتى خلع الخليفة وقاره، وقد نال منه الشراب واستخفه الطرب، فرمى ~~قلنسوته ودار في الغرفة يرقص، ولم يزل يدور ويدور حتى سقط من الإعياء بين أيدي غلمانه، ~~فحملوه إلى قصر الحرم، لا يحس ولا يعي. # ذلك كان شأن الخليفة في قصره ذلك اليوم، وقد كان ذلك شأنه في كل يوم، وفي الساعة نفسها كان ~~في قصر آخر غير بعيد من قصر الخليفة اثنان يعنيهما من أمر الخليفة وأمر الدولة ما لا يعنيه ~~جالسين وجها لوجه، قد خلا لهما المكان وازدحمت في رأسيهما الخواطر، ولكنهما مما جثم على ~~صدريهما من الهم قد آثرا الصمت، فلا حس ولا حركة ولا بنت شفة، ولا شيء غير النظرات ~~يتبادلانها في وجوم وأسى، ذانك هما الأميران أبو أحمد الموفق ولي عهد الخلافة، وولده أبو ~~العباس ... # ومضت فترة قبل أن يقول الأمير الشاب لأبيه: «يا أبه ... افسح لي صدرك! ... لست أنكر عليك ما ~~تفعل، ولكني أريد أن أعرف وجهه ... وقد صنعت اليوم شيئا ... أفرأيتك وقد أعطيت خمارويه عهد الصلح، ~~قد أعطيته شيئا تملكه به أو يملكك؟ ... وهل هو إلا ثائر قد خرج على مولاه، فليس له إلا السيف أو يثوب # 27 # إلى الطاعة والولاء؟» # قال أبوه: «نعم، وما أراني أعطيته شيئا أملكه أو يملكني، بل أملك به نفسي وتملك به نفسك، ~~وسيصير إليك أمر هذه الدولة يوما، فإذا حزبك # 28 # يومئذ أمر من أمرك ولم تجد الوسيلة فاعتصم بالأناة وحسن التأني، حتى تمكن ~~الفرصة ويحين الأجل، ولا بد أن يحين ...» # قال الشاب في ثورة حانقة: «... لا بد أن يحين يوم تصفر ms23 يده من المال ... هكذا تقول ...» وما أرى ~~هذه ستكون يوما، وأنت تقطعه كل يوم ملكا جديدا، وتمكن له فيغنى ويشره. # 29 # قال الشيخ في هدوء: «فما تصنع أنت؟» # فبدا الانكسار في وجه الأمير الشاب، وتذكر الماضي القريب فأطرق وعاد إلى الصمت ... # ودخل غلام الأمير يؤذنه بحضور بعض من كان ينتظر من أصحاب سره ... # وخلا الأمير بأصحاب سره، وهم بضعة نفر من أهل العزم والقوة، ليس فيهم إلا من يتمنى جاهدا ~~أن يكون على يديه مصرع خمارويه وتقويض دولته، منهم من نشأ في نعمة بني طولون، ومنهم من سلبه بنو ~~طولون نعمته ... # وتقدم الأمير إلى حاجبه أن يستوثق من الباب، فلا يأذن لقادم ولا يؤذنه بقادم، ثم أقبل على ~~جلسائه فقال: «ماذا وراءكم من النبأ؟» # قال إسحاق: «إن مولاي لعليم بكل ما هنالك، فما تخفى عليه خافية في أطراف البلاد، ولكن هذا ~~العهد الجديد يا مولاي! ...» # قال الموفق: «خل عنك ذلك العهد وحدثني بما عندك.» # قال إسحاق: «فإني لم أزل على ما عهدني مولاي، فليرم بي حيث شاء، فلن أعصي له ~~أمرا.» # قال الأمير: «بورك فيك يا إسحاق، وأرجو ألا ينال من عزمك ما تلقى من المكاره في سبيل حفظ ~~الدولة من أطماع الخوارج، ولعلك أن تكون في خرجتك المقبلة إلى الشام أكثر توفيقا وغنما ... ~~وسيجتمع لك الجيش قبل أن يستدير هلال العام الجديد ... أما أنت يا أبا محمد!» # قال أبو محمد لؤلؤ الطولوني: «أما أنا فما نسيت بعد ... وقد أعددت العدة لتحقيق ما أشار به ~~مولاي ... وقد أجمع أربعة آلاف أسود من غلمان خمارويه أمرهم على ما يعلم مولاي ~~...» # قال الموفق: «وترى السودان أهلا لتحقيق الخطة؟» # أجاب أبو عبد الله الواسطي: «نعم، وقد أنفذت إليهم رسولي منذ قريب بما دفع إليهم لؤلؤ من ~~المال، وأحسب ذلك الرسول بينهم الساعة يدبر من أمرهم ما يدبر، وسيكون أول قصدهم إلى صاحب شرط خمارويه، # 30 # فإذا ظفروا به نفذوا إلى خزائن السلاح، ثم يمضي الأمر إلى غايته.» # وتحالف أصحاب السر على الكتمان ثم ms24 افترقوا. # 5 # كان خمارويه في ساعة صافية من أكدار الملك، قد طابت نفسه وهدأت خواطره، فليس يشغله شيء غير ~~أمر نفسه، وما أقل ساعات الأنس والمسرة في حياة ذوي الهمة من الملوك وأصحاب السلطان ... إنهم مما ~~يشغلهم من هم أنفسهم وهموم الناس لا يكادون يظفرون بمثل هذه الساعة إلا عابرة في العام بعد ~~العام، كأنهم يدفعون ضريبة الجاه والسلطان من سعادتهم ومسراتهم على مقدار ما يكون سلطانهم ~~عاليا أو نازلا ... # وكان كل شيء في تلك الساعة ساكنا، كأنما استقال الأمير من تكاليف الإمارة ساعة فأقاله ~~الزمن، وقد جلس بين يديه بنوه وبناته، وقام الوصفاء والغلمان من حوله، ينظرون ما يأمر به وعلى ~~مقربة منه جلست «أم آسية» قابلة أولاده # 31 # وحاضنتهم تقص عليه نوادر طفلته اللعوب الفاتنة «قطر الندى». # وكانت «قطر الندى» أحب أطفال الأمير إليه وأدناهم منه منزلة، وكان لها جمال وظرف وقوة أسر، # 32 # وعلى أنها لم تكن قد بلغت السابعة، فقد كان لها من قوة الإدراك أن تحسن الحديث، ~~وتحسن الاستماع، وتفصل في بعض ما يعرض لها من الأمر ... # وأغفلت أم آسية فيما تقص على الأمير من خبر ابنته ما يلزمها من الاحتشام في حضرة الأمير، ~~ورعاية الرسوم الملوكية، وقد كان لأم آسية من الحرمة عند خمارويه ما يسمح لها أن تتبسط في حضرته ~~وتنسى الاحتشام، أليست قابلة أولاده جميعا وحاضنتهم، ولها عليهم مثل حق العمة ودلال الخالة، ~~فإنها لتقيس مكانتها عند الأمير بمكانتها من ولده. # وقالت: «وددت لو أذن مولاي الأمير فقصصت عليه رؤياي ليكون لي بذلك حق منذ اليوم أن أكون ~~ماشطة الأميرة يوم زفافها إلى أمير المؤمنين في بغداد، كما كنت حاضنتها في قصر الأمير، وقابلتها ~~يوم استهلت.» # 33 # قال خمارويه: «هيه يا أم آسية!» # قالت: «كان ذلك منذ بضعة أشهر، وكان مولاي الأمير في سفرته إلى الشام، وخطب إلي ابنتي ~~«آسية» شاب من أهل الستر والصيانة، ولم أكن أملك يومئذ ما أتجمل به، وامتنع «أبو صالح الطويل» ~~خازن مولاي أن يدفع إلي ما ms25 طلبت ... وإنه لبخيل ...» # وضحك خمارويه وقال: «جزاك الله يا أم آسية! ما يزال هذا دأبك منذ كنت تقدمين المسألة في صدر ~~كل حديث، قولي، وسأدفع إليك ما منعه أبو صالح.» # قالت وأطرقت: «لا زالت نعمتك ممدودة الظلال يا مولاي ... ثم إنني قضيت شطرا من الليل أتحدث ~~إلى مولاتي «قطر الندى» - وكان بها وحشة لغيبتك - وأقص عليها من طريف الأخبار ومليح النوادر ما ~~يؤنسها ويسليها حتى غلبها النوم، فأويت إلى مضجعي، وبعد لأي ما # 34 # تخلصت مما كان بي من فكر في أمر ابنتي آسية، وما يلزمها من جهاز العروس، وتسرحت ~~بي الأحلام من واد إلى واد ...» # واستمرت تقول: «ورأيتني في قصر لم ير الراءون مثله، قد أخذ زخرفه وازين كأنه من قصور ~~الجنة، وسألت: لمن هذا القصر؟ قالوا: هذا قصر ملك المشرق! ... قلت: وما هذه الزينة؟ قالوا: اليوم ~~تزف له عروسه بنت ملك المغرب، قلت: وهذه الزينات كلها من أجل ذلك؟ فكيف يكون مبلغه في الاحتفال ~~والزينة لو جاءه النبأ بالفتح والنصر؟ ... وكأنما لم يقع سؤالي هذا موقعا حسنا ممن سمع، فضحك ~~ساخرا كل من حولي، حتى استحييت وهممت أن أفلت من الزحام، وسمعت من يقول: ما تقول هذه الشيخة؟ ~~أليست تعرف من يكون ملك المشرق ومن عروسه؟ فاليوم يجتمع على عرش واحد ملكان قد دانت لسلطانهما ~~الدنيا ... وحدق في وجهي محدق ثم هتف: افسحوا لأم العروس! فانفرج الناس صفين كأنما مستهم عصا موسى، # 35 # ورأيتني أمشي في طريق قد فرش حصرا من ذهب، ونثرت عليه حبات الجوهر، وبين ~~يدي وصائف كأنهن من حور الجنة يقدمنني ويتكنفنني # 36 # في طريق القصر الباذخ، وأنا أتهادى بينهن تهادي العروس، وذكرت ابنتي آسية، وتوقعت ~~أن أراها ثمة إلى جانب زوجها «أبي الحسنات» ووطئت عتبة القصر، واجتازت بي الوصائف إلى دار ~~الحرم، وكانت قطر الندى هي العروس جالسة على سريرها في غرفة شارعة تطل من اليمين على نهر مثل ~~النيل، ومن الشمال على نهر تحسبه دجلة ... ولم أدر أين أنا من أرض الله؟ فلو ms26 قلت: رأيت عرش مصر ~~لما أسرفت في التأويل، ولو قلت: إنه عرش أمير المؤمنين في بغداد لكان حقيقا بأن يكون ...» # قالت: «وكان البخور يفوح من مجامر المسك عطرا مسكرا، فكأنما حملني الأريج # 37 # على جناحين من لهب فطار بي في السماوات، فما تنبهت إلا على صائح يصيح ...» ~~••• # كان الأمير يستمع إلى حديث القابلة مأخوذا به، كأنما يتنقل معها حيث سارت منزلة بعد منزلة، ~~فما بلغت من حديثها هذا الحد حتى انتبه من سكرته على صيحة أخرى غير الصيحة التي وصفت أم آسية ... ~~ثم تتابعت الصيحات كأن الناس قد دهمهم الفزع الأكبر، فنهض من مجلسه عجلان يستطلع الخبر ~~... # وجاء حاجبه مهرولا يقص عليه: «السودان يا مولاي!» # قال الأمير وفي وجهه علائم الجد: «ما شأن السودان؟» # قال الغلام: «لقد اجتمعت جموعهم، فوثبوا بصاحب الشرطة على غرة # 38 # فألجئوه إلى داره، وما أراه إلا قد هلك في أيديهم.» # ولبس خمارويه شكته، وقصد إلى دار صاحب الشرطة، وفي يده سيف مسلول، فما رآه السودان حتى ~~أخذتهم هيبته، وأعجلهم سيف الأمير فمن ناله منهم هلك، وتفرق جمعهم أباديد ذات اليمين وذات ~~الشمال، وتتبعهم غلمان الأمير يقتلون كل من لقوه منهم، فهلك منهم من هلك، واستخفى من استخفى، ~~حتى يبيض وجهه، وسكنت الفتنة وأمن الناس، وعادت الحياة في مصر كما كانت: تجري مجراها آمنة ~~مطمئنة. # وجيء إلى الأمير بهارب من السودان كان مستخفيا في بعض أزقة المدينة، فلما استنطقه الأمير ~~نطق ... # وظهر لخمارويه بعض ما كان خافيا من أسباب فتنة السودان، فكتب إلى الموفق في بغداد كتابا ~~يذكره فيه بما بينهما من عهد، ويسأله القبض على لؤلؤ الطولوني والقصاص منه، جزاء سعيه بالفتنة ~~بين جند مصر. # وقبض على لؤلؤ واستصفي ماله، وحبس في المطبق. # 39 # 6 # كان محمد بن أبي الساج في كرسي الإمارة من بلاد الموصل، قد اجتمعت في يده كل أسباب السلطان، ~~فلولا أنه قد دفع ولده «ديوداد» إلى خمارويه رهينة على الولاء لاستبد بالأمر وخلع طاعته ~~... # على أن خواطر أخرى كانت تصطرع في ms27 نفسه، وتسلبه الطمأنينة وراحة الضمير، فإنه ليعلم من نفسه ~~علم اليقين أنه يوم خرج لجهاد الطولونية منذ سنوات ثلاث، لم يكن يقصد إلى الإمارة والتملك ~~والاستبداد بالحكم في بلد من بلاد الخليفة بغير رسمه، ولم يكن يقدر أن تسخر منه الحوادث هذه ~~السخرية الأليمة، فتحمله قسرا على أن يغير وجهه، فيكون عاملا من عمال خمارويه وكان حربا ~~عليه، ولكن إسحاق بن كنداج - ذلك الخزري # 40 # المغرور - هو الذي طوع له أن يسلك هذا المسلك بكبريائه وغطرسته وسعة أطماعه، فحمله ~~بذلك أن يتخذ هذا الوجه. # وتأذى ابن أبي الساج مما وصلت إليه حاله، وإنه لفي الذروة من الغنى والجاه والسيادة، وراح ~~يقلب جوانب الرأي ... # وجاءته الأنباء بأن إسحاق قد اجتمع له في «الرقة» جيش، فما لبث أن نسي كل شيء مما كان يفكر ~~فيه إلا ما بينه وبين إسحاق من عداوة، فجمع جموعه وخرج لقتاله. # والتقيا مرة ومرة ، ودارت الدائرة على إسحاق دورة بعد دورة. # ولكن إسحاق لم ييئس، وإن وراءه ظهرا يستند إليه، وإن أمامه أملا يتنوره. # 41 # واجتمع له جيشه بعد شتات، وانضم إليه من انضم، من حيث يعلم وحيث لا يعلم، فعبر الفرات إلى ~~الشام في جيش قوي لم يجتمع له مثله ... # وجاء البريد خمارويه في مصر بما كان من أمر إسحاق فعبأ جيشه واستكمل آلته ومضى ... # ورد إسحاق على وجهه كسيرا مهزوما لا يقفه شيء حتى عبر إلى الرقة ... واتخذ خمارويه جسرا ~~على الفرات فعبر إليه ... # ونظر إسحاق حوله، فإذا جيشه أباديد قد تبعثر كل مبعثر، ففر بمن بقي له من الجند إلى حصن قد ~~اتخذه هنالك يحتمي به. # ورأى الهول الهائل من جيش خمارويه يزحف إليه من أمام، وذكر الكمين الذي يتربص به من جيش ابن ~~أبي الساج من وراء، فلم ير لنفسه مذهبا إلا أن يرسل إلى خمارويه مستأمنا يسأله الصفح ويعاهده ~~على الولاء. # وأمنه خمارويه وولاه الجزيرة وما والاها. # واجتمع في قبضة خمارويه القائدان اللذان انعقد بهما أمل الموفق في القضاء على دولة بني ms28 ~~طولون: إسحاق بن كنداج، ومحمد بن أبي الساج، فإذا هما قد تجاورا صديقين على إمارتين من بلاد ~~الخليفة: الجزيرة والموصل، يليان أمرهما # 42 # باسم ملك مصر والشام والثغور: خمارويه بن أحمد بن طولون. # وضحك القدر ساخرا ضحكة رن صداها في الدولة بين أقطارها الأربعة، وبلغ النبأ بغداد حيث كان ~~الموفق وولده أبو العباس في انتظار أخبار المعركة، وحيث كان الخليفة المعتمد بين الندمان ~~والقيان لا يكاد يفيق من نشوته. # وأوى أبو العباس إلى قصره مكروبا قد جثم الهم على صدره ثقيلا لا يكاد يجد معه روح النسيم ~~أو نور الضحا، ودخل معلمه ورائده أبو بكر القرشي بن أبي الدنيا # 43 # فنهض الأمير لاستقباله متثاقلا، ثم جلس وجلس الشيخ صامتين لا تنفرج منها شفة عن ~~صوت ... # ومضت برهة قبل أن يقول أبو بكر عاتبا: «لغير هذا اللقاء قصدت إليك يا أبا العباس ... وما ~~حسبتك بهذا الوجه تلقى شيخا مثلي علمك في سالف الأيام حرفا ... أفكنت تلقى نديمك عبد الله بن ~~حمدون هذا اللقاء، ولو كان على صدرك من هم الدنيا مثل أحد؟» # 44 # وفاء أبو العباس إلى نفسه، فقال لمؤدبه الشيخ: «معذرة إليك يا أبا بكر، إنك لتعرف مكانك ~~مني وحقك علي، ولكن أمرا ذا بال ...» # 45 # قال الشيخ وقد تهيأ للقيام: «فسأدعك لذي بالك يسارك وتساره # 46 # دون جلسائك.» # قال أبو العباس: «لا سر عليك يا عم، وإنما يعنيني ما لعلك قد علمت من أمر صاحب مصر، وما ~~يكيد به للدولة، وإن الموفق مع ذلك ليصانعه ويتعبد له.» # 47 # قال الشيخ: «الموفق! إنه أبوك يا أبا العباس وصاحب أمرك، وإن إليه سياسة هذه الدولة، فدعه ~~وما يملك من أسباب هذه السياسة، ولا عليك من أمر صاحب مصر، ولا من أمر غيره حتى يظهر لك وجه ~~التدبير ...» # قال: «أفنتركها بتدبير الموفق مأكلة # 48 # لبني طولون؟» # قال الشيخ وقد نهض مغضبا: «أوه! والله لا رأيتني بعدها في مجلسك، قد والله عذرت أباك ~~الموفق مما يجد منك، وهو لا يريد إلا صلاحك، فلست ms29 متحدثا معه منذ اليوم في شأن من ~~شأنك.» # ثم مضى الشيخ نحو الباب فلم يستجب للنداء، ولم ينعطف يمنة ولا يسرة حتى جاوز قصر الأمير ~~... # وتضاعف هم الأمير فلزم بيته أياما لا يلقى أحدا غير غلمانه ولا يلقاه أحد، فلما كان بعد ~~أيام لبس سواده وأخذ زينته وقصد إلى قصر الخليفة المعتمد. # وكان المعتمد فيما يشغله كل يوم من أمره، بين القيان # 49 # والندمان، حين دخل الحاجب يؤذنه بقدوم أبي العباس بن الموفق ... # وهش الخليفة للقاء ابن أخيه وبسط له وجهه ومجلسه، ودخل الأمير الشاب فجلس غير بعيد من عمه، ~~وتسلل ندمان الخليفة وجواريه، وخلا لهما المكان ... # ثم خرج أبو العباس من حضرة الخليفة بعد ساعة، ومعه عهد منه بولايته على الشام فراح يسعى ~~سعيه منذ اليوم لتأليف جيش يقوده نحو الشام لينتزعها من يد خمارويه، ويحطم عرشه، فيوحد الدولة ~~تحت الراية العباسية، بعد ما أوشكت أن تتفرق، ويثأر من خمارويه لبعض ما ناله في المعركة التي ~~كانت، ويري أباه أين رأي من رأي؟ وأين عزيمة من عزيمة؟ وزين له شبابه. # 7 # قلق ابن أبي الساج وشغلته الوساوس منذ جاوره إسحاق أميرا على الجزيرة، واشتدت حفيظته # 50 # على خمارويه، الذي أمنه وولاه، واشتجرت في نفسه خواطر متباينة لا يعرف ما يأخذ ~~منها وما يدع، فلا هو بقي على ولائه للدولة، ولا هو استقل بما كان في يده من الأمر، وقد نسي ~~خمارويه عارفته # 51 # حين أحله في مثل منزلة إسحاق، وفرض عليه أن يجاوره جوار الأمير للأمير. # وإنه لفي خلوته يوما يفكر في مثل هذه الخواطر المتباينة، إذ طرق طارق من بعيد، فأجد له ~~من ماضيه ذكريات ... # وقال له صديقه أبو سعيد المدائني، وقد اطمأن بهما المجلس: «إنني رسول أبي أحمد الموفق إليك؛ ~~لأمر من أمر الدولة، وإنه ليستبطن ما تسر # 52 # من الطاعة والولاء لدولة الخلافة، وقد أبعد خمارويه في طريقه إلى مصر، وزعم أن ~~البلاد قد دانت له، فقد حانت الفرصة لتأتيه من مأمنه فتكبه على وجه، فتظهر ms30 من ذلك بحظك من ~~الإمارة، وتنال ثأرك من عدوك، وتحقق للدولة ما تأمل على يديك من المنعة والسلطان.» # قال ابن أبي الساج: «ويراني الموفق أهلا لكل ذلك؟» # قال أبو سعيد: «ولأكثر من ذلك، فلم يخف على مولاي أنك لم تعط خمارويه الطاعة إلا ~~مصانعة، حتى تستمكن منه فتثب وثبتك، ثم ليجتمع لك من مال الولاية ما اجتمع لتنفقه في ~~حربه حتى تظفر به.» # قال وصوته يختلج من التأثر: «وعند مولاي علم ذلك كله؟» # قال أبو سعيد: «وإنه ليعلم ما وراء ذلك مما لا آذن لنفسي أن أحدثك به.» # وصمت ابن أبي الساج برهة، وقد غشى عينيه الدمع، ثم نظر في وجه محدثه، وهو يقول في لهجة ~~فيها صرامة وحزم: «فسيطيب لمولاي الموفق منذ اليوم ما أبلي # 53 # في الدفاع عن وحدة الدولة.» # ثم لم يكد يودع صاحبه حتى أخذ في شأنه يدبر أمر الجيش. ~~••• # وكأنما كان جيش ابن أبي الساج مما نفخ فيه قائده من روحه وعزمه يطير طير السحاب، فما مضى ~~شهر حتى أوغل في الشام وحاز البلاد والأموال وصفد الأسرى # 54 ~~... وبدا كأنه من مصر على بعد شهر، ثم يتقوض عرش بني طولون وتنهار الدولة. # واستدار خمارويه على عقبيه قبل أن يبلغ مصر ووجه وجهه شطر محمد بن أبي الساج، والتقى ~~الجيشان على مقربة من دمشق، فما هو إلا أن حمل المصريون على العدو حتى أزاحوه عن مواضعه، وفرقوه ~~شراذم، ومضى ابن أبي الساج منهزما قد خلف متاعه وثقله وعتاد جيشه، واتخذ وجهه إلى حمص # 55 # ليستنقذ وديعة أودعها هنالك ولكن جيش خمارويه أعجله، فمضى من حمص لم يستنقذ وديعة، ~~وتولى نحو حلب # 56 ~~... ثم عبر الفرات إلى الرقة ... # وأوى خمارويه إلى خيمته ليستريح، ودعا بديوداد بن محمد بن أبي الساج، وكان رهينة عند ~~خمارويه منذ تولى أبوه الموصل، ومثل الفتى بين يدي الأمير مبهورا تكاد أنفاسه تسابق أجله ~~مما به من الذعر والفزع، ونظر خمارويه إليه مشفقا ثم ابتسم وقال: «اذهب يا بني موفورا إلى ~~أبيك، فحدثه ms31 أن خمارويه لا يأخذ الأبناء بغدر الآباء.» # ثم دعا صاحب خزانته فأمره أن يدفع إلى الفتى ألف دينار ويهيئ له كسوة وزادا ليلحق ~~بأبيه. # وورد على الفتى مما رأى وسمع ما لم يخطر له على بال، فاضطربت أنفاسه في صدره وأكب على ~~بساط خمارويه باكيا يقول: «مولاي! قد برئت من أبي فكن لي ...» # قال خمارويه: «بل اذهب إلى أبيك، فذاك أحب إلينا، وإن غدر.» # وعبر جيش خمارويه الفرات إلى الرقة فالموصل، واستطاب خمارويه المقام ثمة، فقال لغلمانه: ~~«إن بي حاجة إلى أن أتروح من نسيم دجلة، فهيئوا لي هنا مقاما.» # فصنعوا له سريرا طويل القوائم أثبتوها في قاع النهر، وجعلوا له عرشا على الماء ... # ثم دعا خمارويه إسحاق بن كنداج فوكل إليه أمر تأديب ابن أبي الساج، وضم إليه من ضم من جنده ~~وقواد جيشه، وكر راجعا إلى الشام. # وخلف وراءه القائدين العظيمين اللذين اجتمعا يوما على حربه وعداوته يتحاربان وجها ~~لوجه، ونجا، كأنما أرادها سخرية يتناقل أنباءها رواة النوادر والملح # 57 # من ظرفاء بغداد ؛ ليضحك منها من يضحك ويعتبر من يعتبر. # ودارت الحرب سجالا بين إسحاق وابن أبي الساج صاعدة هابطة، ومقبلة مدبرة، حتى لم يبق إلا ~~فلول تحارب فلولا، وخمارويه في مأمنه ينظر حتى يتفانى أعداؤه. # وكانت العاقبة على إسحاق فمضى مهزوما إلى الرقة ثم عبر الفرات إلى خمارويه وتبعه ابن أبي ~~الساج حتى صار بينهما النهر. # وتمثل لابن أبي الساج خيال المنتصر، ووقع في وهمه أنه مستطيع أن يمضي قدما، فيخترق الشام ~~ويحوز ملك بني طولون، أليس قد غلب إسحاق صاحب ولاية خمارويه؟ # وكتب إلى الموفق يعلمه بالفتح والنصر، ويطلب منه المدد. # ورد عليه الموفق يشكره ويطلب إليه أن يتوقف حتى يبعث إليه بما طلب ... # 8 # كان اليوم عيد الفطر، وقد خرج الناس بعد صلاة العيد من الجامع مثنى مثنى وثلاث ثلاث، ~~وجماعات مؤتلفة، يحيي بعضهم بعضا، ويسأل بعضهم عن بعض، قد تخففوا من أعباء الحياة فما ~~يذكرونها، وإن وجوههم لتطفح بشرا ومسرة ... # وكان في الميدان فارس ms32 على سرجه قد غدا على طائفة من الجند يعرضهم صفوفا على الأهبة ~~مستكملين عدتهم، ما فيهم إلا فتى قد باع نفسه وأقسم ليبلغن في طاعة مولاه إحدى الحسنيين: النصر ~~أو الشهادة. # وترجل الفارس عن فرسه وأقبل على اثنين من قواده يسر إليهما حديثا، ثم راح يتخلل صفوف ~~الجند راجلا، فدار بينها دورة وقصد إلى فرسه يهم أن يعتليها، حين أقبل نحوه رجل من عرض ~~الطريق، فوقف الفارس وأسند يده إلى معرفة فرسه وعلى شفتيه ابتسامة، ودنا منه الرجل فحيا وسلم ثم ~~قال: «كأنك يا أبا العباس قد نسيت أن اليوم عيد، فهلا ذكرت - حين نسيت نفسك - أن عليك ~~لهؤلاء الجند حقا أن تسرحهم يوما يستطعمون طعم الحياة كما يحياها الناس؟» # قال أبو العباس: «لا تزال تهزل يا يحيى والدنيا تجد ... أرأيت العدو الرابض على حدود الدولة ~~يغفل لو غفلنا عنه يوما، ولو كان يوم عيد؟» # قال يحيى: «نعم، رأيت في النجوم ...» # 58 # قال أبو العباس عابسا: «خسئت، دع عنك حديث النجوم وما تكذب به من ذلك على الناس ~~لتخدعهم عن ذات أنفسهم، فوالله لئن صار الأمر إلي يوما لأقطعن ألسنة المنجمين، فلا يكونون ~~فتنة للعامة، ومعجزة للخاصة.» # قال ضاحكا: «وتقطع لساني، فيقول الناس كان أول ما فعل أبو العباس حين ولي الأمر أن قطع ~~لسان نديمه وصاحبه يحيى بن علي!» # قال أبو العباس، وقد غلبته ابتسامته: «وأقطع لسانك.» # فانفلت يحيى من بين يديه عجلان، وهو يقول: «رأيت في النجوم أنك لا تفعلها.» # وشيعه أبو العباس ضاحكا، ثم وثب إلى ظهر حصانه. # وبلغ يحيى بن علي المنجم دار الموفق فدخل، وكان الأمير في مجلسه قد جاءه البريد من ~~خراسان والجبل # 59 # فهو ينظر فيه، غير ملتفت إلى شيء مما حوله حين دخل يحيى فقال: «السلام على مولاي ~~الأمير ورحمة الله.» # ثم اتخذ مجلسه من الأمير على مقربة. # ورفع الموفق رأسه عن كتابه ثم أقبل على نديمه يحييه ويلطف له ... # قال يحيى: «لقد مررت الساعة بالأمير أبي العباس ابن مولاي، وهو يعرض ms33 الجند في الميدان، وها ~~أنا ذا أرى مولاي حبيسا بين هذه الكتب، أفليس اليوم يا مولاي عيدكما وعيد الناس؟» # قال الموفق: «ماذا قلت؟ ولدي أبو العباس يعرض جنده؟ فلقد كنت على أن أبعث إليه # 60 # الساعة لأمر من أمر الدولة.» # قال يحيى: «فسترسل إليه يا مولاي بعد أن أفرغ من الحديث إن أذنت لي.» # قال الموفق: «ما وراءك يا أبا أحمد؟» # قال: «يا مولاي! إني لأعلم مقدار ما يشغل بالك وبال مولاي أبي العباس من أمر هذه الطولونية ~~التي تجاذب أطراف الدولة منذ سنين، وقد استخبرت النجوم فأخبرتني ...» # قال الموفق: «وترى هذه البضاعة تنفق عندنا # 61 # يا أبا أحمد؟» # قال المنجم: «صبرك يا مولاي، إنما هي أخبار تصدق وتكذب، ولعل فيها على الحالين ما يدل ~~دلالة، ومولاي أعلى عينا، وأبصر بسياسة الملك.» # قال الموفق: «هيه!» # قال: «وقد أخبرتني النجوم أن هذه الدولة لم يحن أجلها بعد.» # فضحك الموفق ساخرا، وقال: «نعم.» # قال: «وستمضي سنوات ... وتكون الطولونية أدنى إلى بغداد مما هي اليوم.» # قال الموفق غاضبا: «ماذا؟ ...» # وكأنما هم أن يبطش به ثم أمسك. # قال يحيى: «صبرك يامولاي، إن في حديث النجوم رمزا يشبه رؤيا الحالم، أنا إنما أتحدث بما ~~تراءى لي، وليس علي تعبيره ... وقد رأيت الطولونية تكون أدنى إلى بغداد مما هي اليوم، وسيكون ~~بتدبير ولدك أبي العباس يا مولاي أقصى ما تبلغ من الدنو، حتى يقع ظلها على عرش الخليفة.» # قال الموفق ساخرا: «بس! أمسك عليك يا يحيى، لقد كذبتك نجومك، أو لا فأنت منذ اليوم لا ~~تحسن ما تقول، لو زعمت غير أبي العباس لكان خبرا، فليس شيء أبغض إلى أبي العباس في دنياه من ~~طولون، وددت لو سمع منك ما تقول ليدق عنقك.» # قال يحيى: «فيأذن لي مولاي أن أفرغ من حديثي قبل أن يقدم أبو العباس فيدق عنقي، ولم أرو ~~خبرا؟» # قال الموفق ضاحكا: «قل.» # قال: «وستدنو الطولونية حتى تكون في القصر الحسني، وتدخل دار صاعد بن مخلد، # 62 # وتسير بها الشذوات في دجلة، # 63 ms34 # وتضاء لها في قصر الخلافة أنوار ... ثم تخبو كما ينطفئ المصباح فلا يبقى غير الرماد ... ~~فإن رأى مولاي أن يعرف متى يكون أجلها، فإنه بعد بضعة عشر عاما بين العشرة والعشرين، ولست أعرف ~~على التحديد، ولكن إذا أمرني مولاي فإني أستنبئ له.» # قال الموفق: «وتستنبئ أيضا يا فاسق! اغرب عني # 64 # فليس بي حاجة إلى نبوءتك.» # قال المنجم: «آمنت بالله! فهل غضب علي مولاي، وما قلت إلا ما أذن لي فيه!» # وأرهف الموفق سمعه، ثم قال: «صه، إني أسمع خفق نعل # 65 # أبي العباس قادما، وما أريد أن يسمع شيئا من حديث الطولونية، فإنه يهيجه هياجا ~~لا يهدأ من قريب.» # ودخل أبو العباس فحيا، وجلس بين يدي أبيه وخلى بينهما يحيى بن علي فحيا وانصرف. # قال الموفق لولده أبي العباس: «ما وراءك يا أحمد؟ لقد كنت على أن أرسل إليك الساعة لتتهيأ ~~للرحلة في جيشك إلى خراسان وبلاد الجبل؛ فإن أمرا ذا بال ينتظرك هناك.» # قال أبو العباس: «خراسان وبلاد الجبل؟» # قال الموفق: «نعم، أفتراك قد استبعدت الشقة؟ # 66 # لقد أنبئت أن جيشك على الأهبة ، وإنك يا أبا العباس لأهل لما تنتدب ~~له.» # قال أبو العباس: «يا أبت!» # قال أبوه وفي نظرته جد صارم: «ماذا؟» # قال: «فإن ابن أبي الساج على الفرات ينتظر المدد؛ ليبلغ من خمارويه بن طولون شفاء نفسه ~~وشفاء نفس الدولة، ولم يبق بينه وبين النصر إلا غلوة سهم.» # 67 # قال الموفق: «قد علمت، ولكن أمر الطولونية يا بني لم يحن بعد، وقد دبرت الأمر على ما ~~دعوتك إليه، وما أحسبك تخالف عن أمري.» # وازدحمت في رأس أبي العباس خواطره، فصمت برهة ثم قال: «ولكن غلماني يا أبت قد تهيئوا ~~لغير خراسان.» # وضاق صدر الموفق لعناد ولده فهم بأمر، ثم ذكر أنه يوم الفطر والناس جميعا غادون على ~~مسراتهم فأمسك عما اعتزم وقال في لين ووداعة: «لست أعني أن تبدأ رحلتك اليوم يا بني، وإنما ~~دعوتك لتتهيأ لها، فإذا كان بعد أيام فاغد علي، وقد اجتمع لك ms35 رأيك.» # ثم انصرف بوجهه عن أبي العباس؛ ليعبث بما بين يديه من رسائل أصحاب البريد ... وبقي أبو العباس ~~صامتا برهة، ثم تسلل إلى الباب، وعين أبيه تتبعه من حيث لا يريد أن يشعره. # ومضت أيام ثم دعاه أبوه إليه، فلما مثل بين يديه قربه وأدناه وأقبل عليه بوجهه وهو يقول: ~~«أراك اليوم وقد اجتمع لك رأيك، وستكون وجيشك غدا على طريق خراسان.» # قال أبو العباس: «لا يا مولاي، سأكون في جيشي قبل مشرق الصبح على الطريق إلى ~~الشام.» # قال الموفق غاضبا: «وي: أعصيانا ومشاقة! # 68 # فوالله لا يكون إلا ما أمرتك.» # قال أبو العباس: «إنما صلاح الدولة أردت، وقد ولاني عمي أمير المؤمنين المعتمد الشام، ~~فلست أخرج إلا إليها، طاعة لأمير المؤمنين، وصلاحا لأمر الدولة التي أوشك أن يتوزعها أبناء ~~الأعاجم.» # ثم هب أبو العباس من مجلسه فاتخذ طريقه إلى الباب. # وثارت ثائرة الموفق فصاح بغلمانه وأمرهم أن يأخذوا عليه الطريق أو يردوه على وجهه وصدع ~~غلمانه بما أمر، فلم تمض إلا دقائق حتى كان أبو العباس المعتضد بن الموفق سجينا في غرفة ~~من دار، ليس معه إلا غلام من غلمانه، وقد وكل به طائفة من الجند، وأغلقت دونه أبواب وراءها ~~أبواب. # وكان الجيش في الميدان ينتظر مقدم أميره، وطال انتظاره ثم بلغه النبأ بما كان من الأمر ~~فاضطرب الجند وركب القواد وقد أزمعوا أمرا من أمرهم ليردوا مولاهم إلى حريته، وثارت بغداد ~~كلها لأميرها الشاب ثورة حاطمة. # وبرز الموفق على سرجه في الميدان، فما كاد يراه الجند والعامة حتى سكنت أصواتهم، واشرأبوا # 69 # ينظرون إليه، وانتهى إليهم صوته جهيرا يجلجل في صرامة وقوة وهو يقول: «ما شأنكم؟ ~~أترون أنكم أشفق على ولدي مني وقد احتجت إلى تقويمه؟» # ونظر بعضهم إلى بعض ثم تفرقوا كأن لم يسأل سائل، ولم يجب مجيب. # 9 # وقف محمد بن أبي الساج بالرقة ينتظر ما وعده الموفق من المدد والمعونة؛ ليعبر الفرات إلى ~~الشام فيحطم ما بقي من جيش إسحاق ويدك عرش الطولونية، ولكن إسحاق ms36 لم يصبر عليه، فما هو إلا أن ~~جاءه المدد من خمارويه حتى عبر النهر وكبس جيش ابن أبي الساج كبسة تركته أشلاء في البادية، ~~واشتد ابن أبي الساج عدوا فلم يتوقف حتى بلغ الموصل، وقد انقطع ظهره، # 70 # وفني زاده، وتفرق جنده، فما له راحلة يركبها، وكان يطلب عرش دولة ومد يده إلى من ~~يعرف من أهل الموصل يسألهم عونا من أموالهم، وكان فيهم صاحب العرش والخزانة. # وأقام شهرا بالموصل على ضيق العيش وذل المسألة وسقوط المروءة، ثم انحدر إلى بغداد يطلب ~~جوار أبي أحمد الموفق. # وأقام إسحاق أميرا على الموصل والجزيرة جميعا. ~~••• # قال أبو بكر القرشي ابن أبي ليلى مؤدب الأمراء وصاحب الفقه والحديث والخبر: والله لقد ورد ~~علي من ذلك يا أبا أحمد ما لا صبر عليه، فما يهون علي أن يصير إلى ذلك أمر ولدك أبي ~~العباس، فتحبسه وتوكل به وتفرده من أهله وصحابته لا يلقى أحدا منهم ولا يلقاه أحد، وما ~~أراه قد ركب في أمرك وأمر الدولة ما يستوجب ذلك كله أو بعضه، فإنما هو شاب اجتهد لصلاح الدولة ~~فأخطأه الرأي، وإنك يا أبا أحمد لأرحب ذرعا. # 71 # قال أبو أحمد الموفق وقد غلبه حنان الأبوة: «حسبك يا أبا بكر، أفتراه هينا علي؟ إنما ~~هي سياسة الدولة، وقد يظن هذا الغلام أنه مستطيع ببضعة آلاف من غلمانه أن يفرغ من أمر ~~الطولونية، وما أراه إلا ناسيا ما كان من أمره وأمر خمارويه منذ قريب، أو لا، ولكنه في سبيل ~~طلب الثأر قد غفل عن التدبير، إن خمارويه ليملك من أمر نفسه ما لا نملك من أمر أنفسنا، وإنه ~~ليستطيع ببعض ما في يديه أن يشتري جيش العباسية كله، فماذا تغني القوة والعدد الجم؟ وإن ~~خمارويه لشاب في يده المال والجاه، وفي دمه إرث من طباع الأعاجم، فلعله لو كان فارغا من مشاغل ~~الجهاد أن تهلكه البطالة والشباب والغنى، أو يهلكه السرف وانتهاب اللذات، فنأتيه يومئذ بلا جهد، ~~أما بالحرب فهيهات!» # قال ابن أبي ليلى: «وي! ms37 وترى الأمر خافيا علي كما خفي على ولدك أبي العباس، فما هذه ~~الجيوش التي تسير عن أمرك لقتاله حينا بعد حين، فلا تزال معه في إقبال وإدبار، من الرقة إلى ~~الموصل، ومن الموصل إلى الرقة؟» # قال الموفق: «تعني جند ابن أبي الساج وصاحبه؟ لقد أبعدت يا أبا بكر، فوالله ما ظننت يوما ~~أنني بالغ من الطولونية شيئا بواحد من الرجلين، وإنني لأعلم علم اليقين ماذا يريدان من هذه ~~الحرب، إنما بلاؤهما يا أبا بكر من أجل ما يطمعان فيه من الإمارة والسلطان لا من أجل الدولة، ~~وقد رأيت عاقبة أمرهما.» # قال ابن أبي ليلى: ولكنك لا تزال توليهما من برك وتأييدك، حتى لقد أيقن الناس أنك ~~صاحب أمرهما وبعينك ما يصنعان. # 72 # قال: «فهل حسبتني أتخلى عن إسداء المعونة إليهما، وقد خرجا لقتال عدوي وعدو الدولة؟ إنني ~~إلا أربح بذلك فما خسرت شيئا، فقد تركتهما وما يطيقان من أسباب الكيد له حتى يكون ما هو ~~كائن.» # قال ابن أبي ليلى: «فقد أيست من أمر الطولونية يا أبا أحمد؟» # قال الموفق: «أما هذه فلا ... ولكن ...» # وقطع عليه دخول غلامه يؤذنه بمقدم محمد بن أبي الساج، وعليه غبار السفر من الموصل، فاعتدل ~~الموفق في مجلسه، وألقى إلى جليسه نظرة ذات معان، ثم تهيأ لاستقبال القادم ... # وحيا ابن أبي الساج، وجلس مطأطئا كأن على ظهره حملا لا ينهض به، وقال الموفق وهو يبتسم ~~له: «لله ما أبليت # 73 # من أجل الدولة يا ابن أبي الساج وما بذلت!» # قال، وكأنما يأتي صوته من مكان بعيد: «في طاعتك يا مولاي.» # وأخذته حبسة فتنحنح ثم سعل. # قال الموفق: «إنك لمجهود # 74 # من بلاء الحرب وطول السفار، وأرى لك أن تستريح بعد طول ما جاهدت.» # ثم خلع عليه ووصله، # 75 # وتقدم إلى غلامه أن يهيئ له سرجا يركبه # 76 # إلى حيث نزل ... # وكان ابن أبي ليلى لاصقا بمكانه صامتا لا يتحرك كأنما أصابه مسخ، فالتفت إليه الموفق ~~سائلا: «كيف رأيت يا أبا بكر؟» # وعاد الشيخ إلى الحياة، ms38 فقال وهو يثب عجلان كأنه ملدوغ: «رأيت الدنيا قد ازينت لأهلها.» # 77 # ثم قصد إلى الباب، وخلف الموفق في مجلسه وعلى شفتيه ابتسامة وفي عينيه انكسار. ~~••• # كان أبو العباس على أديم منقوش في الغرفة التي جعلها أبوه سجنا له، وقد أسند رأسه إلى ~~راحته، وأسبل جفنيه يفكر في أمره، وجلس غير بعيد منه غلامه «طريف»، قد جمع يديه في حجره، وعيناه ~~شاخصتان إلى مولاه لا يكاد يطرف، وقد شمل الغرفة صمت كصمت القبور، إلا أنفاسا تتردد، تعلو ~~حينا حتى تبلغ أن تكون زفرة شاك، وتخفت أحيانا فتشبه أنفاس محتضر. # وكان قد مضى أيام على الأمير في سجنه لا يطعم شيئا من زاد، فإن غلمان أبيه ليحضرون له ~~المائدة الحافلة في موعد كل طعام، فيردها لم يتبلع منها بشيء، فيعودون من حيث أتوا، لا يعترض ~~منهم معترض، ولا ينبس ببنت شفة، وفى وجوههم الكآبة وفي عيونهم الانكسار وفى صدورهم هم لا ~~يبرح، شفقة على أميرهم وحبا له، فلولا ما يخشون من بأس الموفق لتمردوا على الولاء له ... # وقال طريف لمولاه، وقد نال منه ما رأى من ذبوله وإطراقه وصمته: «إلى متى يا مولاي؟» # قال أبو العباس: «إلى أن يحين الأجل ... فإن كنت قد مللت الصحبة فقد أذنت لك.» # قال طريف: «يامولاي!» # قال أبو العباس: «اسكت، لا مولى لك ... أرأيت الموفق مخرجي من هذا الجب، وقد ألقى بي إليه ~~إلا أن يحين الأجل ... تلك كلمته دائما كلما سأله سائل عن موعد أمر لم يقطع فيه برأي ... ستنهار ~~الطولونية يوم يحين أجلها ... وسيخرج أبو العباس من سجنه يوم يحين أجله! ... ولكن لا، سيحين هذا ~~الأجل بيدي، بيدي وحدي ...» # وصرت أسنان أبي العباس وحملق كأنما يرى أمامه عدوا قد آده # 78 # الصبر عليه، وصاح: «سيحين هذا الأجل بيدي، بيدي وحدي ... وسيرى الموفق ما لم ير، ~~وسيعلم ما لم يكن يعلم.» # وارتاع الغلام فوثب إلى مولاه يمسح بيده على كتفه، وهو يهتف به في حنان وتوسل: «مولاي، لا ~~أراك تفعلها.» # 79 # فنظر إليه أبو العباس ms39 كالمغضب وقال: «ماذا تعني؟» # قال طريف ولسانه يلجلج في فمه: «لن تستعجل أجلك بيدك يا مولاي، وأنت من أنت، إن وراء كل ضيق ~~فرجا!» # قال أبو العباس ساخرا: «ماذا فهمت يا غبي؟ حسبتني أعني ذلك؟ والله لا كان، ولن أموت حتى ~~أبلغ الثأر بيدي من تلك الدولة الباغية، لا أنتظر حتى يحين أجلها كالذي يزعمه الموفق، وإنما ~~بيدي سيحين ذاك الأجل.» # وهدأت نفس الغلام هونا ما، وعاد إلى مجلسه بين يدي مولاه، وقال كأنما يريد أن يصرفه عن ~~الفكر في أمر يحاوله: «لقد أذكرني مولاي ذكرى، فإن رأى أن أقصها عليه ...» # وتشوف أبو العباس إلى جديد يتفرج به مما هو فيه من ضيق النفس، فقال: «هيه يا ~~طريف.» # قال الغلام: «فسأقص على مولاي ما كان من أمر يحيى بن علي المنجم ومولاي الموفق في يوم ~~الفطر، وكنت بالباب أسمع - من حيث لا أريد - ما يدور بينهما من الحديث.» # فابتسم الأمير وقال: «ماذا سمعت من حيث تريد، أو من حيث لا تريد؟ ...» # قال طريف: «زعم يحيى أنه استنبأ النجوم، فأنبأته بأمر الطولونية، وأنها ستكون أدنى إلى ~~بغداد مما هي اليوم، حتى تصير في القصر الحسني، وتدخل دار صاعد، وتسير بها الشذوات في دجلة، ~~وتضاء لها الأنوار في قصر الخلافة، ويقع ظلها على عرش أمير المؤمنين! ...» # قال أبو العباس مغيظا: «فمن أجل حديث المنجمين يصانعها الموفق؟ فليهنأ بما بلغ من تدبير ~~أمر الدولة.» # 80 # قال طريف: «فإن للحديث تتمة، فقد زعم المنجم أن الطولونية ستبلغ ذلك كله على يدي مولاي أبي ~~العباس!» # قال الأمير غاضبا: «أنا؟ فلأجل ذلك كان هذا السجن، وكان هؤلاء الموكلون بي، تكذيبا لما ~~زعم المنجمون أو تحقيقا لما زعموا # 81 ~~... فوالله إن كان شيء من ذلك ليكونن سببه هذا السجن الذي يشملني حتى تطأ خيل ~~الطولونية أرض بغداد، فلا تجد من يدافعها عن عرش الخليفة، ولكن ذلك لن يكون ... وسيكون مصرعها على ~~يدي.» # وسمعت لقلقة المفاتيح في الأقفال، فصمت أبو العباس، وصمت طريف، ودخل الندل # 82 # يحملون مائدة ms40 الأمير، فبسطها بينه وبين غلامه وجلس يأكل ... # لقد عقد النية منذ اليوم على أن يعيش لينتقم. # 10 # عاد خمارويه إلى حاضرة ملكه بعد غيبة بلغت ثلاث سنين إلا أشهرا، فطم فيها الرضيع، وشب ~~الوليد، ونهدت الصبية، وكانت مصر من الشوق إلى أميرها الشاب في لهفة وحنين، فإنها لتقتص آثاره # 83 # حيث سار وحيث نزل، ففى كل دار بالقطائع # 84 # حديث عما أفاء الله عليه # 85 # وما يسر له من أسباب التوفيق، فما كاد النبأ بمقدمه يذيع في الحاضرة حتى تهيأت ~~المدينة كلها لاستقباله وتحيته، وخف شبابها وشيبها لاجتلاء طلعته، فلم يبق في دار من دور ~~المدينة على ما بلغت من السعة إلا النساء قد علون الأسطح، والفتيات قد انتقبن في الشرفات # 86 ~~... # وبدا موكب الأمير يتقدمه الحجاب والغلمان، عليهم أقبية الحرير وجواشن الديباج، # 87 # قد انتطقوا # 88 # وتقلدوا السيوف المحلاة، يتبعهم جند الأمير على ترتيبهم وطوائفهم، ومن ورائهم ~~السودان: ألف أسود، لهم درق محكمة الصنعة # 89 # وسيوف ذات حلى، وقد لبسوا الأقبية السود والعمائم السود، فلولا الدرق وحلى ~~السيوف والخوذ التي تلمع على رءوسهم من تحت العمائم لحسبهم من يراهم - لسواد ألوانهم وسواد ~~أقبيتهم وعمائمهم - بحرا أسود، أو قطعة من ليل أسحم! # ثم أهل الأمير على فرسه مديدا مستوي القامة ، كأنه قطعة من جبل، يحف به خاصته ~~والمختارة من جنده، وقد حبس الناس أنفاسهم إجلالا وهيبة، فليس فيهم متحدث ولا مشير ولا متحرك ~~من موضعه، وبلغ الموكب باب الميدان، فانفرج الغلمان صفين ودخل الأمير ... # ومدت الموائد للعامة في القصر والميدان تنتظم الآلاف من أبناء الشعب قد أقبلوا على طعام ~~الأمير فرحين داعين له، وهو يشرف عليهم من قصره سعيدا بما بلغ من محبة الشعب ومن توفيق ~~الله. # واستقر الأمر في مصر والشام لخمارويه بن أحمد بن طولون ... ~~••• # كانت الشمس ضاحية، وقد جلس خمارويه على دكته من قبة الهواء في أعلى القصر، يشرف على الميدان ~~والبستان، وعلى المدينة والجبل، وعلى النيل والصحراء؛ فما شيء في المدينة وأرباضها إلا نالته ~~عيناه، كأنما ms41 اختصرت له الحاضرة وما يحيط بها في رسم مصور يطالعه في إطاره من هذه الشرفة ~~الشارعة في أعلى القصر. # وكان كل شيء في القبة من الفرش والطنافس والستور المسدلة يشير ما بلغ خمارويه من أسباب ~~الترف والرفاهية حين استتب له الأمر، وكان وحيدا في مجلسه ذاك، فما ثمة حي ذو نفس إلا ~~سبعه «زريق»، قد غاص رأسه في لبده وربض بالوصيد # 90 # يلحظ مولاه ويحفظ طريقه، قد استغنى به عن الغلمان والحفظة. # 91 # وسمع حفيف ثوب ناعم يتسحب على آثار خطا راتبة كأنها توقيع عازف بارع، واستدار «زريق» نحو ~~الطريق، وقد برزت مخالبه وقف لبده، ثم خطا إلى الوراء خطوة يفسح الطريق، والتفت خمارويه ~~ينظر من القادم، وأهلت صبية قد كعب ثدياها وتحير في وجنتيها ماء الشباب، وعلى شفتيها ابتسامة ~~الرضا والأمان، وقالت في صوت ناعم: «السلام على مولاي ورحمة الله.» # وتهلل خمارويه وأجاب باسما: «وعليك السلام، ترى من علمك يا بنية أن تناديني كذلك، ~~إنما أنا مولى الناس ولكنني أبوك، فهلا ناديتني بأحب أسمائي إلي؟» # قالت: «يامولاي ...» # قال: «بل قولي: يا أبه!» # واتخذت «قطر الندى» مجلسها إلى جانب أبيها من الشرفة باسمة، وأطلت تنظر ... # وأخذ عينيها منظر السباع في الميدان تنساب من مرابضها إلى الرحبة تتشمس ويهارش بعضها ~~بعضا، وقد أخذ السواس يلحظونها من وراء القضبان، وراحت طائفة منهم تنظف المرابض وتهيئ لكل ~~سبع وأنثاه غذاءه وشرابه في مربضه ... # وأخذ سبع ضخم من سباع الرحبة يتحبب إلى لبؤة من اللبات قد انفردت عن صاحبها، فما دنا ~~منها حتى اعترضه سبع، وسمعت زأرة قد تفرق صداها في أنحاء الميدان، واجتمعت الآساد ثم افترقت، ~~راحت اللبؤة تمشي إلى جانب أسدها مزهوة ... # وقهقه خمارويه ضاحكا، والتفت إلى ابنته يقول: «كيف رأيت يا بنية؟» # قالت الفتاة مبتسمة: «تشبه السباع يا أبت أن تكون آدمية.» # 92 # ثم تحولت تنظر إلى الجانب الآخر من البستان حيث قامت النخيل باسقة قد كسيت أجسامها رقائق ~~النحاس المذهب، فبدت كأنها أساطين من الذهب قائمة قد غرست فنمت وأثمرت، ms42 وتدلى قطافها ياقوتا ~~أحمر، وكان الماء المدبر ينبثق من أنابيب قد غابت في الجذوع الذهبية، فما يرى منها إلا قطر ~~متتابع يتدحرج على أساطين الذهب كأنه تحت ضوء الشمس حبات من لولو منتثر، ثم لا يزال يقطر ~~متتابعا حتى يتجمع في أصول النخل، إلى فساقي معمولة يفيض الماء منها إلى قنوات تتفرع بين ~~شعاب البستان متلوية، ولها تحت الشمس بريق وشعاع. # وكان البستاني يعمل بمقراضه في الرياحين الملونة على أرض البستان، فلا يزال يدور حواليها عن ~~يمين وشمال ومقراضه في يده يقص من أطرافها ما يقص ويعفي ما يعفي، ثم انتصب ووقف ينظر إلى ~~الرياحين وقد سواها بمقراضه كتابة ناطقة ذات معان، وبرزت لعين الأمير في شرفته كأنه يقرأ ~~منها في صحيفة ... # وطابت نفس الأمير وافترت شفتاه عن ابتسامة راضية، ثم نزل عن دكته واتخذ طريقه إلى دار ~~الحرم يقدمه «زريق» حارسه، وتصحبه ابنته قطر الندى، وغلقت أبواب القبة وأسدلت الستور على ~~الشرفات ... ~~••• # ودخل على الأمير غلامه برمش فقال: «يا مولاي قد أحضرنا الجوهري.» # قال الأمير: «يدخل.» # فدخل شاب عليه زي أهل العراق، في وجهه طول، وفى عينيه سعة، وقد امتدت منابت الشعر من رأسه ~~حتى كادت تبلغ حاجبيه، وتدلت على فمه شعرات من شاربه، وكان في يده صرة قد جمع عليها أصابعه يحذر ~~أن تفلت ... # ونظر إليه الأمير فاحصا ثم قال في جفوة: «ما اسمك؟» # قال الجوهري: «عبدك الحسين بن الجصاص.» # قال الأمير: «فمن أهل العراق أنت؟» # قال: «في العراق أهلي، وإنما أنا جار الأمير، وغذي نعمته وربيب داره.» # قال الأمير ونظر إلى غلامه برمش: «جاري وربيب داري؟» # قال برمش: «إنه يا مولاي يقيم في الدهليز من دار الحرم، ليبيع جواري الأمير ما يطلبن، وهو ~~حريص على التشرف عند الناس بجوار الأمير لمكانته من ذلك الدهليز.» # ثم دنا الغلام من مولاه يسر إليه: «وإن به يا مولاي شيئا من الغفلة!» # قال الأمير باسما: «فما معك الساعة من جواهرك؟ لقد أنبئت أن عندك عقدا تزعم أنه من ~~ميراث بني ساسان؟» ms43 # 93 # فابتسم الجوهري وخطا نحو الأمير حتى بلغ أدنى مكان منه، وقال: «نعم، وما أراه أهلا لأن ~~يملكه أحد من ملوك الأرض غير مولاي الأمير.» # ثم فك عقد الصرة، فما كاد يفتحها حتى قفز إلى الباب عجلان وهو يصيح: «جواهري.» # وتبعه الحاجب مسرعا في دهشة لا يكاد يدركه، وقام الأمير عن كرسيه غضبان ... # ذلك أن صرة الجوهري حين فتحها لم يكن فيها إلا نعله ... وكان أراد أن يخلعها عند الباب، فنسي ~~ووضع الجوهر مكانها وصر النعل في المنديل! # وضحك الأمير حين علم بما كان حتى لم يكد يسكت، ثم دعا بالجوهري ثانية فمثل بين يديه ~~... # وكان العقد على ما وصف الجوهري، فاشتراه الأمير وأجزل الثمن، وأمر الغلام أن يفرد له حجرة ~~في دهليز دار الحرم، وأن يجعله جوهري القصر يبيع جواري الأمير ما يطلبن ويبتاع لهن. # 94 ~~••• # دفع الأمير العقد الكسروي # 95 # إلى جاريته بوران، وكانت أدنى جواريه إليه وأحظاهن عنده، فما له صبر عنها ساعة من ~~نهار، ولكن بوران لم تقنع بما لبست من نعمة الأمير ولم يزل في نظرتها سؤال عاتب، وقال الأمير: ~~«فما تطلبين بعد يا بوران، وأين لي أن أنال رضاك؟» # فابتسمت بوران ابتسامة فاتنة وقالت: «رضاي يا مولاي أن ترضى.» # وأسرت في نفسها أمنية أغلى وأعلى ... # وانحدر الأمير إلى بستان القصر يتبعه جواريه ووصائفه وحظيته بوران، حتى انتهى إلى برج ~~الساج، حيث تسرح القماري والدباسي وصوادح الطير شادية مغردة في عشاشها في ترجيع عجيب ~~وموسيقى ساحرة، وقد انتشرت إلى يمين البرج وشماله طائفة شتى من الطواويس ودجاج الحبش سارحة في ~~مسارحها، وقد نثرت الشمس من فروج الشجر على أجنحتها دنانير ذهبية، فاختلط منها لون بلون يبهج ~~النفس ويفتن الناظر، وقال الأمير: «هنا فليكن مجلسنا للصبوح # 96 # في هذه الغداة.» # قالت بوران: «لله ما أبدع يا مولاي! فهلا أمرت أن يعمل في هذا الجانب من البستان دار يكون ~~إليها مغدانا للصبوح ومراحنا للغبوق # 97 # كل صباح ومساء؟» # وحقق لها الأمير ما تمنت، فما هي إلا أيام ms44 حتى تم بناء المجلس الذي اشتهته، وسماه الأمير ~~«دار الذهب»، وكانت دارا عجيبة لم تشهد لها الدنيا مثيلا في قصر من قصور الملوك، قد طليت ~~حيطانها كلها بالذهب واللازورد، في أحسن نقش وأبدع زينة، وجعل في حيطانها مقدار قامة ونصف ~~صور بارزة من خشب محفور على صورة الأمير وصور حظاياه والمغنيات اللاتي يغنينه، في أحسن تصوير ~~وأبهج تزويق، وجعلت على رءوسهن الأكاليل المرصعة من الذهب والجوهر، وفي آذانها الأقراط ~~الثقال، ولونت أجسامها بأصناف تشبه الثياب من الأصباغ العجيبة. # وكان إلى هذا المجلس مغدى الأمير ومراحه كل يوم للصبوح والغبوق بين جواريه وحظاياه، ~~وكأنما كشف له الستر عما وراء الغيب من صور الجنة ونعيمها فاستعجل به في دنياه ... فلا يكاد يخطر ~~له خاطر مما لا يبلغه حلم الحالم أو خيال المتمني حتى يمثله حقيقة ملموسة تراها العين وتنالها اليد # 98 ~~... ~~••• # واشتكى الأمير إلى طبيبه كثرة السهر وطول الأرق، فأشار عليه الطبيب بالتكبيس، ولكن ابن ~~طولون لم يكن يطيق أن يضع عليه أحد يدا ... فأمر بعمل فسقية من زئبق، تبلغ خمسين ذراعا طولا في ~~خمسين ذراعا عرضا، وملأها من الزئبق جاء به وكلاؤه من المغرب وخراسان، لم يبخل عليه بثمن ولم ~~تثقل عليه مئونة، وجعل في أركان بركة الزئبق سككا # 99 # من فضة خالصة، وجعل في السكك زنانير # 100 # من حرير محكمة الصنعة ، ثم عمل فرشا من أدم ينفخ بالمنفاخ حتى يمتلئ هواء ويصير ~~حشية من أدم وريح، فإذا انتفخ أحكم شده، وألقي في الفسقية على سطح الزئبق، وشدته زنانير ~~الحديد إلى حلق الفضة، وينزل الأمير على ذلك الفرش في بركة الزئبق، فلا يزال الفرش يرتج ~~ويتحرك بحركة الزئبق ما دام عليه ... فإذا كانت الليالي القمرية كان ثمة منظر عجيب، حين يتألف نور ~~القمر بنور الزئبق، وتنسرح الروح بين السماوين مصعدة في أودية الأحلام، ولا يزال الزئبق تحت ~~الأمير يرتج ويتحرك. ~~••• # ذلك كان شأن خمارويه في مصر منذ عاد من غزاته مظفرا، قد ثبت له الأمر في مصر والشام ~~والثغور، ودعي له ms45 على منابر الموصل والجزيرة، أما أمر الدولة يومئذ في بغداد فكان مختلفا ~~جدا، فلم يكن ثمة دار الذهب، ولا بركة الزئبق، ولا قبة الهواء، ولا ملاعب السباع، ولا برج ~~الساج، ولاخرجات الصيد والطرد ... لا شيء إلا الأمير السجين في عداوة بني طولون يكاد يخرج من ~~جلده غيظا، وإلا أبوه الكهل قد أنضاه طول السفار لمجاهدة أعداء الدولة على أطراف البادية، وإلا ~~الخليفة المعتمد بين الندمان والقيان يترشف ثمالة الكأس، وإلا ولده وولي عهده من بعده «جعفر ~~المفوض» لا يكاد من خموله وضعف همته يجري له ذكر على لسان أو يطيف بخاطر إنسان، وقد خلت خزائن ~~الدولة فليس فيها أبيض ولا أصفر إلا مخلفات للذكرى قد بقيت في الخزانة من أيام منشئ الدولة أبي ~~جعفر المنصور. # وبدا لكل ذي عينين أن دولة الخلافة قد أشرفت على الآخرة، على حين كان اسم بني طولون يتردد ~~صداه قويا بين أربعة أقطار الدولة الإسلامية. # ولكن أبا أحمد الموفق على ما به من جراح وما في قوته من وهن، لم يكن قد يئس بعد، بل ~~لعله كان في ذلك اليوم أعظم أملا في تجديد شباب الدولة، وكذلك كان ولده أبو العباس، وإنه لحبيس ~~بين أربعة جدران. # 11 # أهل هلال شعبان من سنة 277، فلم يلبث في الأفق إلا لحظات ثم غاب، وأخذ الظلام يتسحب على ~~بغداد وما حولها ، فما ثمة نور يلمح إلا خلجات من شعاع النجم البعيد يتراءى على ماء دجلة كأنه خط ~~من صحيفة، وإلا أضواء متناثرة تلوح وتخفى من خلل نوافذ الدور وراء أستارها، وفى جنح الليل ~~كان قائد من قواد الطولونية على رأس جيش من الفرسان والرجالة في طريقه إلى بغداد، ولكن ~~أحدا من حماة المدينة لم يعترض طريقه؛ إذ كان في يد قائده جواز من الموفق يأذن له في ~~المرور. # وبلغ الجيش ميدان العرض من حاضرة الخلافة، فترجل القائد وترجل فرسانه وضرب الجند فساطيطهم، ~~وكان أبو أحمد الموفق غائبا لم يزل في بلاد الجبل، # 101 # والتقى قائد الجيش بالوزير أبي الصقر ms46 إسماعيل بن بلبل، # 102 # وكشف له الأمر ... وعرف الخاصة والعامة في بغداد لماذا كان مقدم هذا الجيش ... # ذلك قائد له ماض في خدمة الطولونية قد أبلى في خدمتها البلاء الأكبر وكابد في سبيلها ~~الشدائد، ولكنه اليوم غاضب قد بانت لبته # 103 # واستعلنت حفيظة صدره على خمارويه، منذ استوسق له الأمر # 104 # فانصرف إلى النعيم والترف وأغفل الجيش والقادة ... وكتب وكلاء الموفق في مصر إلى ~~مولاهم بما عرفوا من حال هذا القائد، فكانت بينه وبين الموفق رسل ورسائل ... # ولم يطل مقام ذلك القائد في بغداد، فما هو إلا أن بلغته حيث يقيم رسالة من الموفق حتى ~~انحدر إليه في خراسان، ثم اتخذ طريقه من ثمة إلى الموصل فالجزيرة لأمر من أمر الموفق ~~... # ولم يلبث الموفق طويلا حيث كان، فقد اشتد به وجع النقرس، فعاد إلى بغداد محمولا على سرير ~~يتعاور أكتاف أربعين من غلمانه ... فبلغ بغداد في أوائل سنة 278. # وأظله الموت، ولكنه ظل يكافح ليعيش ويبلغ من أمر الدولة ما قدر ودبر، فإنه لتأخذه ~~الغشية بعد الغشية ثم لا يلبث أن يفيق ... ورأى المحيطون به ما ينتظره من أمر الله، فأجمع كل ~~منهم نيته على أمر، وبدا للخليفة في قصره أن قد آن له أن يملك حريته ويصير إليه أمر الدولة كله ~~بعد أن صبر زمانا والسلطان كله في يدي أخيه الموفق، وازدحمت الأماني على ذوي السلطان فتحفز ~~كل منهم لوثبة يكون له بها أمر. # وكان أبو العباس في سجن أبيه، قد أقام به بضع سنين يحدس ما يحدس، # 105 # ويدبر خطته، وإن له على ضيق السجن أملا فسيحا لا يزال يتحدث به كل يوم إلى ~~غلامه ... # وسمع أبو العباس من وراء أبواب السجن هديدا وقعقعة سلاح وضجة تدنو منه في محبسه، وأهوت ~~الأثقال على الأقفال تحطمها في عنف، وظن أبو العباس ما ظن فجرد سيفه وتحفز للدفاع، # 106 # وقال لغلامه: «أحسبهم قد جاءوا يريدون قتلي، ولا يزال بنو العباس تتربص بهم آجالهم ~~من أجل العرش، فوالله لا يصلون إلي وفي ms47 شيء من الروح.» # وأهوت دقة حاطمة على القفل الأخير، فلم يلبث أن انفتح الباب وهم أبو العباس بأمر ثم تراجع ~~ورد السيف إلى غمده، فقد رأى على رأس القادمين غلامه «وصيفا»، فاطمأن وسري عنه، وعلم أنهم ~~لم يقصدوا إلا خلاصه من أسره. # وقال «وصيف» والكلمات تتواثب على شفتيه: «أدرك أباك يا مولاي فإنه يحتضر، وقد أوشك أمر ~~الدولة أن يتفرق.» ~~••• # فتح المحتضر عينيه بعد غشية، فأبصر إلى جانب فراشه ولده أبا العباس قد غشى عينيه ~~الدمع، والمكان خال إلا منه، فلا شيء بينهما إلا نجوى صامتة تسر بها عينان إلى عينين، ومضت ~~فترة قبل أن يقول المحتضر وقد اجتمع في رنة صوته ورنوة عينيه كل حنان الأبوة: «كيف تجدك ~~يا بني؟» # قال أبو العباس وقد خنقته عبرته: «إنني بخير ماعشت يا أبت!» # قال الموفق باسما: «أرجو أن تظل بخير أبدا، فلا تجد في نفسك مما كان، فذلك أمر قد ~~انكشفت لك أوائله، ولعلك أن تعرف آخرته عن قريب ... لقد أبلى أبوك يا بني في هذه الدولة بلاء ~~عظيما، حتى أطاع العاصي، وهدأ الثأر، واطمأن النافر، ولم يبق إلا هذه الطولونية في المغرب قد ~~زين لها الغنى والحداثة ما زين من الأماني، ولم تخف على أبيك من خبرها خافية منذ كانت، ولكني ~~آثرت أن أصطنع السياسة فيما بيننا من ظاهر المودة، حتى لا تجاهر بالعصيان، وهي على خزانة ~~السلطان وفي يدها نصف خراج الدولة ... وقد حمل أبوك العبء كله راضيا على ما به من جهد، وعمك ~~الخليفة المعتمد على ما تعرف من أمره، لا يكاد يفيق من نشوته، وقد جعل العهد من بعده لولده جعفر ~~المفوض، ثم لأبيك، فلعله حين ينفذ أمر الله أن يلهم الخير فيجعل إليك ما كان بيدي من ~~الأمر ويبايع لك ... فإذا آل إليك هذا الأمر يا بني فلا تعجل على عدوك حتى تستمكن منه، وإذا حزبك ~~يوما أمر من الأمر ولم تجد الوسيلة، فاحبس نفسك على ما تكره حتى ينقاد لك العصي، فقد حبسك ~~أبوك يوما ms48 وأنت أحب إليه.» # وجاشت عواطف المحتضر بالذكرى فصمت برهة، ثم تخفف من أشجانه وأقبل على ولده ليتم حديثه ~~إليه، قال: «وقد قامت سياسة بني طولون على محاولة اصطناع ذوي السلطان في الحضرة بالمال والصهر ~~فلا يخدعنك ما يحاولون معك ...» # ثم ابتسم وقال: «وأنت يا أبا العباس شاب من همك النساء والطعام، فلا تدع لخمارويه بن ~~طولون أن يقودك من هذا الزمام يوم يصير إليك الأمر، فإن لجواري مصر فتنة.» # قال أبو العباس منكرا: «يا أبه! ...» # قال الموفق: «إنه المزاح يا بني مما فاض على قلبي من السرور برؤيتك راشدا ...» # وسمع خفق نعال تدنو من الباب، فقال الموفق: «أحسبهم بعض أصحاب الخليفة قد استبطئوا ساعتي ~~فجاءوا في مظهر العواد، # 107 # فابتسم لهم يا بني واحذرهم، وإذا قلدتهم أمرا من أمرك غدا فاجعل بعضهم ~~عينا على بعض؛ لتملكهم وتملك بهم.» # ودخل الوزير أبو الصقر إسماعيل بن بلبل، وكان قد حاول من أمسه أمرا يتقرب به إلى الخليفة ~~في شأن من شئون الموفق، فلما رآه الموفق ساعتئذ هش له وأدناه، ولم يحدثه في شيء مما كان، وخلع ~~عليه وعلى ولده أبي العباس جميعا، ثم خرج الرجلان من حضرة الموفق فمضى كل منهما لوجهه ... # وعاش الموفق بعدها أياما، ثم أسلم زمامه إلى بارئه، وبويع لأبي العباس «المعتضد» من غده ~~بولاية العهد مكان أبيه - بعد جعفر المفوض - ولكن أبا العباس لم يقنع بما قنع به أبوه من قبل، ~~فلم يهدأ حتى رضي الخليفة بخلع جعفر، واستقل أبو العباس المعتضد بولاية العهد، واجتمع له من ~~السلطان ما لم يجتمع يوما لأبيه. # وكان الخليفة المعتمد قد ظن أنه ملك الأمر كله يوم مات الموفق، فإذا المعتضد قد سلبه الأمر ~~كله حتى لم يبق له شيء مما كان له في حياة الموفق. # وكأنما كان المعتضد في سجن أبيه بضع سنين يدخر قوته لهذه الساعة، فما هو إلا أن ملك ~~الأمر حتى لم يبق لأحد إلى جانبه أمر، وهتفت باسمه الدولة جميعا وعنت لسلطانه. # 108 # وسار البريد إلى خمارويه ms49 بما كان في حضرة الخلافة، فذكر ما كان من أمره وأمر المعتضد منذ ~~سنين، يوم التقيا سيفا لسيف، فأراد أن يعجم عوده؛ # 109 # ليأمن منه ما يأمن ويتقي ما يتقي ... فبعث إليه بهدية مليحة من طرائف مصر، وطلب إليه ~~أن يقره على الموصل إلى ما تحت يده من مصر وبرقة والشام والثغور ... # وحضرت المعتضد الذكرى منذ كان وكان وكان، وذكر كلمات أبيه، فبعث إلى خمارويه: «قد قبلنا ~~هديتك وشكرنا لك، أما الموصل فنحن أدنى إليها يدا.» # 110 # وبدأ بين الشابين اللذين يليان أمر المشرق والمغرب أمر ترك كلا منهما، وليس له فكر إلا في ~~صاحبه. # وخلا خمارويه بوزرائه وأصحاب مشورته يبادلهم الرأي في أمره وأمر المعتضد بن الموفق، وقال له ~~مشيره: «لا عليك يا مولاي من أمره، إن هو إلا ولي العهد، وإنك لوثيق الصلة بالخليفة، وهو ولي ~~الأمر وصاحب السلطان.» # واطمأن خمارويه هونا ما، ولكن البريد لم يلبث أن جاءه من بغداد بوفاة الخليفة المعتمد على ~~الله، والبيعة لولي عهده أبي العباس المعتضد بالخلافة، وقد صار إليه كل شيء في الدولة! ~~••• # وطال حديث خمارويه إلى نفسه، وطال حديثه إلى وزرائه وأصحاب مشورته، وأرق ليالي لا يغمض ~~له جفن، وراح يلتمس هدوء النفس بين الحظايا والقيان وفي دار الذهب، وعند رحبة السباع، وفي قبة ~~الهواء، وعلى أرجوحته الرجراجة في بركة الزئبق، وفي الصيد والطرد، ولكن ذلك كله لم يجد عليه ~~شيئا ولم يلهمه الرأي، وألهمته ابنته قطر الندى ... # وكانت قطر الندى بنت خمارويه قد كبرت، وبلغت شأوا، ونضجت عقلا وأنوثة ... # واجتمع خمارويه بخاصته وأصحابه فأفضى إليهم بما اجتمع عليه رأيه، فكلهم قد رضيه ورآه ~~صوابا، وكان في المجلس أبو عبد الله الحسين بن الجصاص الجوهري، وكان قد دنا وحظي وبلغ من نفس ~~الأمير منزلة أصحاب المشورة. # وبات خمارويه على نية وأصبح على عمل ... # الفصل الثالث # | عروس من القاهرة # 1 # لم يكد الناس في بغداد يفرغون مما كانوا فيه من لهو ولعب في يوم الفطر، ليستأنفوا حياتهم ~~على ما تعودوا من ms50 الجد والنصب، حتى شغلهم هذا الأمر الجديد، فردهم إلى معنى من معاني العيد، ~~وخلى بينهم وبين ما كانوا يضطربون فيه من أسباب العيش، فليس في بغداد كلها شاب ولا شيخ إلا خرج ~~ليجتلي هذا الموكب المصري العجيب في حاضرة الخلافة ويستطلع طلعه، # 1 # وكان موكبا لم تشهد بغداد مثله منذ كانت، يتقدمه فارس على سرج قد مال به، فيكاد ~~يسقط من جانبيه، كأن لم يركب قبل اليوم فرسا ولم يشد له ركاب، ذلك رجل يعرفه أهل بغداد ~~ويعرفون أهله، إنه الحسين بن الجصاص الجوهري. # وسخروا منه حين رأوه على رأس الموكب، ثم أمسكوا وأقبلوا ينظرون زرافة قد أقبلت تتهادى من ~~ورائه مستعلية برأسها في زهو وخيلاء ... # ووراءها بغل أشهب قد شد إلى ظهره صندوقان قد غلفا برقائق الذهب، وأغلقا على ما فيهما من ~~غيب لا يدرك سره ... # يتبعه عشرون نجيبا، # 2 # عليها سروج محلاة بالذهب والجوهر، وفوقها رجال قد لبسوا الديباج وانتطقوا مناطق ~~محلاة، لو سيمت منطقة منها # 3 # في سوق الجوهر لكانت غنى من فقر، أو فقرا من غنى، وبأيدي هؤلاء الركب حراب من ~~فضة قد سال عليها شعاع أصفر، كأنما خرجوا بها من معركة الشمس ... # ووراءهم عشرون بغلا موقرة بأحمالها، فيها من الغالية # 4 # والطيب، وفيها من حرير دمياط ودبيق تنيس، # 5 # وفيها ما لا يعرف ولا يوصف من طرائف مصر ... # يتبع ذلك عشرة غلمان بيض الوجوه من مولدة الروم، كأنما ولدتهم أم واحدة على مثال ~~صورته فكانوا، ليس بينهم اختلاف في الخلقة ولا في الزي وليس يشبههم شبيه! ... # ومن ورائهم خمس دواب عليها لجم من ذهب، ثم اثنتا عشرة دابة في لجم من فضة، ثم سبع ~~وثلاثون بجلال مشهرة ... # ووراء ذلك كله خمسة أبغل عليها السروج واللجم ويتبعها سواسها. # ومضى الركب بين زحام البغداديين كأنهم بعد العيد في عيد، حتى انتهى إلى قصر المعتضد ~~... # وفتحت للموكب أبواب القصر وأذن به الخليفة ... # ومثل أبو عبد الله الحسين بن الجصاص الجوهري رسول خمارويه صاحب مصر والشام بين يدي أمير ms51 ~~المؤمنين أبي العباس المعتضد، ودفع إليه كتاب خمارويه، ورجا أن يأذن في قبول هديته ... # وفض أمير المؤمنين غلاف الكتاب فقرأه حتى أتى على آخره، ثم أطرق يفكر في ذلك الأمر ~~... ~~••• # واجتمع من الغداة في مجلس الخليفة المعتضد بضعة نفر من خاصته وأصحاب مشورته؛ فيهم مؤدبه أبو ~~بكر القرشي، وقضاته: أبو خازم، وأبو إسحاق الأزدي، وأبو محمد البصري، ووزيره عبيد الله بن ~~سليمان، وصاحب شرطته بدر المعتضدي، ولم يخل المجلس من بعض ندمان الخليفة: يحيى بن علي ~~المنجم، وعبد الله بن حمدون. # وبدأ أبو بكر القرشي المؤدب فقال: «الحمد لله على ما أولاك من نعمته يا أمير المؤمنين، وما ~~أفاض عليك من بره، فإني لأذكر الساعة ما كان من أمرك في مثل هذا اليوم منذ سنوات أربع، وقد ~~جبهت أباك بالعصيان إسرافا في عداوة بني طولون، فصيرك إلى سجنه ووكل بك!» # قال المعتضد باسما: «فمن أجل بني طولون اجتمعنا الغداة يا أبا بكر.» # قال الوزير عبيد الله بن سليمان: «فهل بدا لمولاي في أمر الطولونية بداء بالحرب أو ~~بالسلام؟» # وضحك النديم يحيى بن علي، وقال: «هون عليك يا أبا القاسم، أما الحرب فلا، وقد أنبأتني ~~النجوم ...» # وسمع من حيث جلس قضاة الخليفة همهمة وزجر، # 6 # وقطع بدر صاحب الشرطة على المتحدث وفي صوته وعيد: «حسبك يا يحيى، فليس الأمر على ما ~~تعودت من الهزل والعبث!» # قال المعتضد: «خل عنه يا بدر، فقد زعمت له نجومه أن الطولونية ستكون أدنى إلى بغداد ~~مما بلغت، وسيكون على يدي أقصى ما تبلغ من الدنو حتى يقع ظلها على عرش الخلافة ...» # ثم أردف ضاحكا: «وأحسب أن النجوم قد صدقته في هذه المرة.» # وجمجم القاضي أبو خازم، وحاول أن يقول شيئا، ولكن الخليفة لم يدعه واستمر في حديثه: ~~«وقد سمعتم بما جاءني مع ابن الجصاص من هدية خمارويه وكتابه، أما الهدية فقد علمتم خبرها، وأما ~~الكتاب ...» # قال المنجم ضاحكا: «وأما الكتاب، فإنه يسأل أمير المؤمنين أن يوليه بغداد وسامرا ~~وشاطئي دجلة!» # قال الخليفة عابسا: «بس! كفى ms52 مزحا يا يحيى ... أما الكتاب فيسألني القربى، ويخطب ابنته قطر ~~الندى إلى ولدي وولي عهدي علي؛ لتكون آصرة تربط بين الدولتين.» # وصمت الجميع وثبتوا في مجالسهم كأن على رءوسهم الطير، وهتف المنجم: «وقد طابت نفس مولاي ~~أمير المؤمنين إلى هذا الرأي ... ولم تكذبني النجوم ما أنبأتني.» # قال المعتضد، وقد تجهم وجهه: «صه، أو يقذف بك الغلمان إلى حيث لا يعلم أحد أين مقرك من ~~الأرض، أو من السماء!» # واصفر وجه المنجم واحتبست أنفاسه وغاص في مجلسه كأنما أهوت على رأسه مطرقة ثقيلة، وضحك ابن ~~حمدون النديم تشفيا. # وعاد أمير المؤمنين يقول: «وقلبت الأمر على جوانبه، وبدا لي فيه رأي ...» # قال أبو بكر القرشي: «فما أحسب إلا أن مولاي قد أجمع رأيه على الإباء، حتى لايمكن للطولونية ~~في قصره مثل مكانتها في قصر عمه المعتمد على الله.» # 7 # قال أبو خازم القاضي: «بل الرأي عندي أن يجيبه مولاي الأمير إلى ما طلب، فيعقد بين الدولتين ~~آصرة توثق ما بينهما على التعاون فيما يعود على المسلمين بالخير والمنعة.» # قال المعتضد: «وماترى أنت يا أبا إسحاق؟» # قال: «يا مولاي، ما أرى خمارويه إلا قد أراد أن يشرف بصهر أمير المؤمنين ويتقي عوادي ~~الزمن على دولته الناشئة، فهو بهذا الاقتراح على مولاي يفيء إلى الطاعة # 8 # بعد معصية، ويعتز بمكانته من دولة الخلافة، وما أرى مولاي أمير المؤمنين يريد من ~~ولاته على الأطراف إلا هذين، فهو مشكور على ما قدر ودبر، وأمير المؤمنين أعلى عينا وأنفذ ~~بصيرة.» # قال المعتضد: ماذا قلت يا أبا إسحاق؟ يفيء إلى الطاعة بعد معصية، ويعتز بمكانته من دولة ~~الخلافة؟ فأين منك قول أخيه العباس ابن طولون: # إن كنت سائلة عني وعن خبري # فها أنا الليث والصمصامة الذكر # من آل طولون أصلي إن سألت فما # فوقى لمفتخر في الجود مفتخر # 9 # من آل طولون، لا يحسب وراء فوقه فوقا ... لا يا أبا إسحاق، فما أظنه إلا قد نظر إلينا ~~بالعين التي كان أبوه ينظر بها إلى بعض مواليه: ويرى كل ms53 همهم شهواتهم، فيؤثرهم بخير جواريه؛ ~~ليقيدهم بإحسانه على الطاعة، ويغلبهم على أنفسهم بالمرأة، وإن في آل طولون تسلطا وإمارة، ~~وأحسبه قد قدر أن الخلافة ستصير يوما إلى ولدي علي المكتفي، وهو على ما به من الضعف ~~والعلة، فلعله قصد أن تصير ابنته إلينا؛ لتكون في قصر الخلافة يومئذ أميرة المؤمنين، وتصبح ~~الخلافة طولونية في بغداد، وقد أبيناها لعهد أبيه أن تكون عباسية في مصر. # 10 # قال ابن حمدون النديم: «ويوصي بي مولاي يومئذ إلى أميرة المؤمنين، فتجعلني عينا على جواري ~~القصر في خلواتهن، وأمينا على خزائن الثياب والطيب.» # ورفت ابتسامة على شفاه القوم، وعبس المعتضد ورفع يحيى بن علي رأسه يهم بكلمة، وابتدر أبو ~~العباس المعتضد قائلا: «والله لا يكون لخمارويه شيء مما أمل.» # وتنفس القوم نفسا عميقا، وبدت أمارات الارتياح والرضا في وجه أبي بكر القرشي مؤدب ~~الخليفة، وصمت القاضي أبو محمد البصري فلم ينبس بحرف. # ودخل غلام الخليفة يؤذنه بمقدم أبي عبد الله بن الجصاص رسول خمارويه فأذن له وظل القوم ~~جلوسا على مراتبهم، وقد تعلقت أنظارهم بالخليفة، ينتظرون ما يكون جوابه إلى الرسول الماثل بين ~~يديه، وقال المعتضد لابن الجصاص بعد فترة: «قل لمولاك إننا قد قبلنا هديته وشكرنا له، وقد أراد ~~أن يتشرف بنا فخطب ابنته إلى ولدنا أبي محمد المكتفي، وإن خمارويه لحقيق بهذا الشرف وزيادة ... ~~أنا أتزوجها.» # ووجم القوم وفغرت أفواههم من الدهشة، واستمرت أنظارهم عالقة بالخليفة لا تكاد تطرف، وقال ~~القاضي أبو محمد البصري، وقد شاعت في وجهه ابتسامة راضية: «بورك لمولاي أمير المؤمنين في ~~صهره.» # وتحولت أنظار الجماعة إلى القاضي منكرين على أنفسهم ما سمعوا وما رأوا، واستأذن ابن الجصاص ~~يهيئ رواحله لسفر بعيد ... # وخرج القوم مما كانوا فيه من الصمت والدهشة حين قال يحيى بن علي: «كذلك أنبأتني ~~النجوم.» # قال أبو بكر القرشي: # 11 ~~«اخسأ عليك اللعنة! ولا كانت هذه الساعة التي جلست فيها أسمع ما سمعت وأرى ما ~~رأيت! ورحم الله أبا أحمد الموفق، لقد كان أسد وأعف وأضبط، والله ms54 لا يؤتى بنو العباس إلا ~~من قبل نسائهم وبطونهم.» # قال المعتضد، وقد أوشك أن يخرج عن حلمه: «عفا الله عنك يا أبا بكر، فإني لأرجو أن تحمد ~~عاقبة هذا الأمر.» # قال أبو بكر، وهم بالقيام: «وعفا عنك يا أمير المؤمنين.» # قال المعتضد باسما: «فأين تذهب، وإني لأريد أن أجلس إليك ساعة في خلوة؟» # قال أبو بكر، وقد استقر في موضعه، وعاد إليه بعض أمره: «قد جلست.» # وتفرق الجماعة، فلم يبق في مجلس الخليفة إلا شيخه ومؤدب ولده أبو بكر القرشي ابن أبي ~~الدنيا ... # 2 # قال الخليفة: «فقد أنكرت مني يا أبا بكر بعض ما رأيت، وأنت من أنت حكمة ودربة وأصالة ~~رأي، فكيف بالله يظن بي ولدي علي، وقد رآني أسبقه إلى عروس لعلها كانت بعض أمنيته، وإنه لشاب ~~حدث لم تصقله تجارب الأيام!» # قال أبو بكر: «فكيف تراه يظن بك؟» # قال الخليفة: «فمن أجل ذلك دعوتك إلى الحديث؛ لتعرف عني فتديره على الرأي.» # قال أبو بكر ضجرا: «هيه!» # قال الخليفة: «فوالله يا أبا بكر، مالي أرب في هذا الزواج، ولا كان من همي، وما يخفى عنك ~~ما بيني وبين خمارويه، ولكني قد أيقنت أنه لم يرد بهذا الزواج إلا أن ينصب لنا شركا ~~قد اجتمعت أطرافه في يده، فأجمعت أمري على أن أصيده بشركه.» # قال أبو بكر: «ثم ماذا؟» # قال الخليفة: «ثم يكون ما تحمده من العاقبة إن شاء الله.» # قال أبو بكر، وقد بدا في وجهه أنه لم يقتنع: «فلعل الله أن يكشف لي ...» # قال الخليفة ضاحكا: «فقد انكشف لك ما أريد أن تحمل عليه ولدي، حتى لا يجد في نفسه مما ~~يؤوله بسوء ظنه.» # قال أبو بكر، وقد بلغ منه الضجر مبلغا: «وتريدني - أيضا - على أن أحمل ولدك على رأي لا ~~أومن به، ولا أعرف وجهه؟» # قال الخليفة: «بل قد عرفت، فاذهب مكلوءا فلعله ينتظرك الساعة لترد إليه الطمأنينة وروح ~~الرضا.» # ونهض الشيخ متثاقلا، وهو يحوقل ويسترجع، # 12 # وكأنما يحمل على كتفيه المعروقتين هم الدولة جميعا، واتخذ ms55 طريقه إلى حيث يعلم أنه ~~سيجد الفتى فيتحدث إليه بما أراد أبوه ... ~~••• # وكان الفتى وحيدا في بيته، قد ألقى يديه مشتبكتين في حجره وتسرحت أفكاره في أوديتها، فلم ~~ينتبه إلى مؤدبه حين دخل إلا وقد اتخذ مجلسه إلى جانبه، وقال الشيخ باسما: «فيم كانت تحدثك ~~نفسك يا بني حين ألقت حجابا بينك وبين الطارق المشوق إليك فلم تأذن له حتى أذن ~~لنفسه؟» # قال الفتى، وقد اصطنع الهدوء وانفرجت شفتاه عن ابتسامة تشبه أن تكون عبوسا: «لا إذن عليك ~~يا عم، إنما كنت أفكر في الأمر الذي قعد بك حتى الساعة عن مجلسي، وإني لفي انتظار ~~مقدمك.» # قال الشيخ، وقد وجد بابا إلى الحديث: «فإني قادم الساعة من حضرة أمير المؤمنين، وقد شهدت ~~من أمره أمرا، آمل أن ينتهي قريبا إلى عاقبته ...» # قال الفتى: «ماذا؟» # قال أبو بكر: «إن أباك يا بني داه لا يسبر غوره، # 13 # وإني لأرجو أن يقيم الله به عمود الدولة من ميل، وقد أجمع اليوم على خطة لعلها أن ~~تكون سبيلا إلى شد أزر الدولة وتوحيد كلمتها.» # قال الفتى: «وما ذاك ياعم؟» # وكأنما أحس الشيخ أنه قد استنفد كل ما في طاقته من ذخر، حتى لا يكاد يجد جوابا عن سؤال ~~الشاب الملحاح، وخشي أن يفلت من يده زمامه، فأسرع إلى الجواب مرتجلا: «لقد تأذن ربك أن يديل للدولة # 14 # من بني طولون، فألهم أباك أمرا يسرع بهم إلى الخاتمة.» # قال الفتى، وقد عادت ابتسامته العابسة: «تعني زواجه قطر الندى؟» # قال الشيخ، وكاد يغص بريقه: «نعم.» # وصمت برهة ثم استدرك كأنما أوحي إليه: «نعم، وسيكون هذا الزواج سببا إلى فقر الطولونية ~~فتدول دولتهم، فإنما يستند سلطانهم أول ما يستند إلى المال، فإذا أقفرت منه خزائنهم فقد انهار ~~ذلك السلطان.» # وضحك الشيخ ضحكة عميقة كأنما سخر من نفسه إذ غابت عنه هذه الحقيقة فلم ينتبه إليها إلا وقد ~~جرت على لسانه من غير تفكير ولا وعي، وثابت نفسه إلى الطمأنينة والرضا، فقال وفي صوته هدوء ~~الإيمان: «الحمد ms56 لله، لقد آمنت أن دولة بني العباس لم تعقم.» # قال علي بن المعتضد: «الحمد لله.» # 3 # راح الوزير عبيد الله بن سليمان يجوس خلال حجرات القصر الحسني على شاطئ دجلة، يصحبه ~~محمد بن الشاه بن ميكال صاحب حرس الخليفة، وبدر المعتضدي صاحب الشرطة، وكان القصر قد هيئ وفرش ~~وجددت آلته، فعاد خيرا مما كان يوم ابتناه بانيه الأول جعفر بن يحيى البرمكي منذ قرن أو يزيد. # 15 # وكان الخليفة قد اشتهى أن يجعله قصر الخلافة، فبعث إلى «بوران بنت الحسن» زوج المأمون ~~يستنزلها عنه - وكان قد صار إليها عن أبيها الحسن بن سهل - فلما بعث إليها استنظرته أياما في ~~تفريغ القصر وتسليمه، ثم رمته وعمرته وجصصته وبيضته، وفرشته بأجل الفرش وأحسنه، وعلقت ~~أصناف الستور على أبوابه، وملأت خزائنه بكل ما يخدم به الخلفاء، ورتبت فيه من الخدم والجواري ~~ما تدعو الحاجة إليه، فلما فرغت من ذلك كله انتقلت منه، وكتبت إلى الخليفة تدعوه إليه. # ووقف الوزير وصاحباه يديرون النظر لحظة فيما تقع عليه أعينهم من آيات الترف والنعمة في هذا ~~القصر العتيق، ويعتبرون عبرة الماضي الحافل فيما مر به وما شهده من أيام الدولة الباقية منذ كان ~~لجعفر بن يحيى، ثم للمأمون، ثم لبوران بنت الحسن. # وكأنما اجتمع الثلاثة على خاطر واحد في لحظة واحدة حين اقترب منهم شيخ هم يدب على عكازته، ~~قد تقوس ظهره ومال رأسه ونحلت فروته وسقط حاجباه على عينيه، فحيا ووقف، وابتسم الوزير وقال وفى ~~صوته نبرة عطف: «أراك بخير يا أبا يحيى.» # قال الشيخ : «لا زال خيرك ممدود الظلال يامولاي.» # قال الوزير باسما: «إن قصرك يا أبا يحيى يوشك أن يشهد جديدا ينسيك ما تحرص عليه من ذكريات ~~الماضي كله.» # فهز الشيخ رأسه أسفا، وهو يقول: «هيهات ياسيدي، ذاك زمان قد مضى بأهله.» # وكان أبو يحيى هذا شيخا قد حطم المائة وضرب في المائة الثانية، وكان له ولأبيه من قبله ~~ماض في خدمة البرامكة، ثم انحاز إلى المأمون فكان في حاشيته، ثم وهبت له ms57 بوران - وهي زوج ~~المأمون - بعض جواريها فولدت له، فلما تقدمت به السن وانتقلت الدولة، اتخذ له بيتا في دهليز ~~القصر الحسني لم يزل مقيما به منذ كان، فإنه ليرى نفسه أولى الناس بالانتساب إلى هذا ~~القصر، أليس قد عاش فيه يوما غلاما لجعفر بن يحيى، ثم حاشية للمأمون، ثم صهرا وجارا لبوران؟ ~~... # وكأنما كان هذا الشيخ من طول ملازمته للقصر جزءا منه ودليلا عليه، كالحجر المكتوب على ~~البناء العتيق، يعرف به كل من عبر، ... وكأنما أراد الله أن يعمر هذا العمر المديد؛ ~~ليكون رواية ناطقة لأعظم آيتين من آيات الجاه والغنى والنعيم في الدولة العباسية كلها: آية ~~البرامكة وآية بوران! # قال الوزير أبو القاسم عبيد الله: «أراك مسرفا فيما قدرت يا أبا يحيى، ولعلك أن تشهد عن ~~قريب في هذا القصر آية ثالثة ... يوم تزف قطر الندى بنت طولون إلى أمير المؤمنين أبي العباس ~~المعتضد.» # قال الشيخ: «ويحسب مولاي الوزير أنني أرى يومئذ بعض ما رأيت يوم بوران؟ فمن أين مثل ما أنفق ~~الحسن بن سهل يوم ذاك؟ لقد رأيته وإنه لينثر على رءوس العامة الدنانير والدراهم ونوافج المسك ~~وبيض العنبر، ونثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه بنادق المسك، في وسط كل بندقة ~~ورقة فيها صك مكتوب، فمن سقطت عليه بندقة منها فله ما كتب في صكه، من ضيعة، أو دار، أو ~~جارية، أو غلام، أو فرس، يذهب إلى وكيل الحسن بن سهل بورقته فيدفع إليه ما فيها، يملكه ملك عين ~~بلا ثمن، وإني لأراني يومئذ وكنت في حاشية الخليفة ، فنالتني بندقة من هذه البنادق، فإذا أنا ~~صاحب ضيعة عمرو بن مالك بما فيها من بستان ودار وآنية ورقيق، فلولا ما كان من سفه ابني يحيى ~~- رحمه الله - لكنت اليوم من أغنياء بغداد، وقد كنت يوما ...» ~~«وقد أقام عسكر المأمون يومئذ في ضيافة الحسن بن سهل تسعة عشر يوما، أنفق عليهم فيها خمسين ~~ألف ألف درهم (خمسين مليون درهم)، فلما كان يوم الرحيل فرق على قواده وأصحابه وحشمه عشرة آلاف ms58 ~~ألف درهم (عشرة ملايين)، وقد حدثتني أم ولدي عاتكة - وكانت من جواري بوران - أن المأمون قد ~~فرش له يومئذ حصر من ذهب، ونثر على قدميه ألف حبة جوهر، فلما رأى اللؤلؤ المنثور على حصر ~~الذهب قال: قاتل الله أبا نواس، لكأنما شاهد ما نحن فيه حين قال يصف الخمر يعلوها ~~الحباب. # كأن صغرى وكبرى من فقاقعها # حصباء در على أرض من الذهب! # وأوقد للمأمون في الليلة التي بنى فيها ببوران شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور ~~من ذهب # 16 ~~...» # ثم تنهد الشيخ وقال: «فمن أين لنا اليوم يامولاي؟» # قال الوزير ضاحكا وهو يربت كتف الشيخ: «من خزائن صاحب مصر.» # ثم مضى الثلاثة إلى أمير المؤمنين في قصره وخلفوا الشيخ يسترجع ذكرياته. # 4 # غار النيل في مصر سنة 278، حتى لم يبق منه شيء، فأجدب الزرع، وشحت الغلة، وغلت الأسعار ~~في مصر وقراها، وامتد الغلاء بعد ذلك في مصر حينا، ولكن ذلك لم يحمل خمارويه على القصد # 17 # في تجهيز ابنته قطر الندى، وفتح خزانته لصاحب أمره يغترف منها ما يغترف وينفق ما ~~ينفق؛ ليهيئ جهازا لم ير مثله ولم يسمع به، ولم يزل المصريون منذ الزمن الأول، يغالون في ~~تجهيز بناتهم مغالاة تنهك اللحم وتعرق العظم وتهتك المروءة أحيانا؛ إذ كان فيهم ما فيهم من ~~الرقة والعطف على الحبيب المفارق، وبهم من طبيعة بلادهم حب المباهاة والفخر، فكيف ظنك بصاحب مصر ~~وبرقة والشام والثغور؟ وإنه ليجهز ابنته المفضلة إلى أمير المؤمنين، وخليفة رسول رب العالمين؟ ~~وما ظنك بجهاز عروس ينتقل من مصر إلى بغداد، ومصر وبغداد يومئذ تتنافسان في الترف وأسباب ~~الحضارة وتزعم كل منهما أنها حاضرة الدنيا. # ووكل خمارويه إلى أبي عبد الله الحسين بن الجصاص تدبير الجهاز وإعداده حتى يضاهي نعمة ~~الخلافة، وكان الحسين بن الجصاص رجلا جوهريا وتاجرا، وكان له نسب في بغداد ووطن في مصر، ~~فكان له بذلك كله فن وتدبير، وبفنه وتدبيره راح يعد الجهاز على ما يتخيله جوهري وما يشتهيه ~~تاجر ... # وكثر غدوه ورواحه ms59 إلى أبي صالح الطويل صاحب خزانة خمارويه، يغدو بيد مملوءة بعشرات ~~الآلاف ويروح بها فارغة، وأبو صالح لا يبخل عليه بشيء مما يطلب، وطال مغداه ومراحه حتى قلق أبو ~~صالح وخاف مغبة الأمر، فقال له يوما: «حسبك يا أبا عبد الله، لقد بلغت مبلغا بعيدا ~~...» # ونضا ابن الجصاص # 18 # ثوب البله والغفلة وما يتظاهر به من قلة الاكتراث، وقال غضبان: «ولك هذه الخزائن ~~تمنح وتمنع، أم هي خزائن مولاك!» # وأغضى أبو صالح وغص بريقه، وذهب إلى مولاه يؤذنه بما رأى، وكان لأبي صالح على الأمير ~~دالة وله مكان؛ إذ كان مؤدبه في حداثته، ورائده في شبابه، وصاحب سره في خلوته، وكان من التحرج ~~في الدين، ومن العفة في اليد، ومن الولاء والحب لسيده - فوق الظن والتهمة - وأقبل أبو صالح ~~على خمارويه وسره على جبينه، وقال خمارويه حين رآه: «ما وراءك يا أبا صالح؟» # قال أبو صالح: «خزانتك يا مولاي، إن أبا عبد الله الجوهري يكاد يتركها فارغة ليس فيها أبيض ~~ولا أصفر.» # واربد وجه الأمير # 19 # وقال: «ويحك يا أبا صالح! دعه وما يريد، أتريد أن تفضحنا في بغداد؟ إنها ستدخل قصر ~~جعفر بن يحيى، وتنزل منزلة بوران بنت الحسن، وتتحلى بما آل إلى خلفاء بني العباس من جواهر ~~الأكاسرة، وتزف إلى سيد الأحياء من ولد العباس بن عبد المطلب، فأين أنت من كل ذلك؟» # قال أبو صالح: «يامولاي، فقد كان مما أوصاني به مولاي أحمد بن طولون رحمه الله ...» # قال خمارويه: «اسكت، لا رحمة عليك! ... وهل كان يقع في وهم أحمد بن طولون أن تقتعد بنت ~~خمارويه عرش بغداد؟» # وطأطأ أبو صالح، فكأن لم يسمع ولم ير، واستدار على عقبيه ذاهبا من حيث أتى، وإنه من الهم ~~ليكاد يتعثر في ظله. # واستمر أبو عبد الله بن الجصاص فيما يدبر من أمره، ويده في مال الدولة ينفق منه ما ينفق، لا ~~يحاسبه أحد فيما أخذ ولا فيما أعطى، وهو عند الأمير في منزلة المشير الناصح، وعند الناس في ~~منزلة الأبله ms60 الغافل، وعند نفسه في منزلة بين المنزلتين، ولكنه لم ينس في أي أحواله أنه تاجر، ~~وأنه لن تتاح له مثل هذه الفرصة ثانية فيجد أميرا يطلق يده في ماله مثل خمارويه، وعروسا يتولى ~~جهازها على ما يشتهي مثل قطر الندى ... # وأوشك أن يتم إعداد الجهاز الذي احتشد له في مصر فكر كل ذي فن في فنه، وحيلة كل تاجر في ~~تجارته، وجهد كل عامل في عمله ... # وخرج إلى بغداد «خزرج بن أحمد بن طولون» نائبا عن أخيه خمارويه في موكب ينتظم طائفة من ~~أمراء الطولونية وكثيرا من ذوي الجاه والرياسة في مصر، وغير قليل من الخاصة والغلمان ... # 5 # قال القاضي أبو محمد البصري لأمير المؤمنين أبي العباس المعتضد: «لم يخف عني يا مولاي - ~~منذ تلك الغداة - وجه الرأي فيما اخترت لنفسك يوم وافاك رسول خمارويه بهديته وكتابه، ولكني ~~حذرت أمرا ... فإن ولدك أبا محمد شاب لم يزل في حداثة السن والرأي، وقد يعزب عن فطنته # 20 # ما قصدت إليه، فيراك قد آثرت نفسك عليه بالعروس، فتأخذه الغيرة ويزين له إخوان ~~السوء! ...» # قال المعتضد: «رحم الله ابن أبي الدنيا، لقد كفاني مئونة ذلك الأمر، وأحسب ولدي أبا محمد قد ~~استمع إليه يومئذ، وفهم عنه ما طابت به نفسه، وقد كبر اليوم ولدي أبو محمد، وصار عليه للدولة ~~حق، وقد أجمعت الرأي على أن أوليه بعض الأطراف يشتغل بها عن إخوان السوء ويتمرس منذ اليوم ~~بأساليب الحكم، فإنه لمرجو الغد إن شاء الله.» # قال الشيخ: «إن شاء الله ... ولا زلت موفقا يا مولاي فيما تقصد إليه.» # وخرج الخليفة من غده إلى الجبل في رجب سنة 281 يصحبه ولده أبو محمد علي بن المعتضد، فلما ~~انتهى إلى حيث أراد حط رحاله وقال لولده: «الآن يا بني قد بلغت المبلغ الذي يؤهلك لبعض أعمال ~~السلطان لتكون لي عونا وعضدا ولتأخذ في التجارب من يومك لغدك، فإن هذا الأمر سيصير إليك ~~يوما، وتتعلق بك مصالح أمة، وقد قلدتك يا بني هذه الولاية: الري، وقزوين، وزنجان، ms61 وأبهر، ~~وقم، وهمذان، والدينور، # 21 # وسأرى كيف تحكم فيها أمرك.» # قال أبو محمد: «لا يكون إلا ما تحمده إن شاء الله.» # ثم ودعه الخليفة، وقد قلد له الكتبة والحسبة، وأوصى به أهل المشورة، وانحدر إلى بغداد، ~~وقد طابت نفسه بما بلغ. # ووافى بغداد، وقد وصل موكب خزرج بن أحمد بن طولون في رمضان سنة 281. # ومثل الركب بين يدي الخليفة، واتخذوا مجلسهم على بساطه، والتأم المجلس بمن حضر من أمراء ~~الدولة وقادة الجند وأهل الرياسة وخاصة أمير المؤمنين، وجلس إلى يمين الخليفة قاضي بغداد أبو ~~محمد البصري يوسف بن يعقوب، وزوج خزرج بن طولون أمير المؤمنين المعتضد بنت أخيه قطر ~~الندى، وأشهد من حضر وراح شعراء الحضرة ينشدون التهاني. # وقفل خزرج بأصحابه راجعا إلى مصر يحمل إلى أخيه وإلى ابنه ما يحمل من البشريات ومن هدايا ~~أمير المؤمنين. ~~••• # وكانت مصر يومئذ في مهرجان، قد ازينت كل دار منها كأن بها عروسا تزف إلى أمير ~~المؤمنين، وعلى كل لسان في الوادي غنوة واحدة يتردد صداها على شطآن النيل من شماله إلى ~~الجنوب: # قطر الندى ... # قطر الندى # 22 ~~... # وقطر الندى في شرفتها من قصر الأمير تشهد ما تشهد من حركة المدينة وتسمع ما تسمع، وقد ~~تسرحت بها الأحلام على أجنحة الصدى من واد إلى واد، فهي حينا على ضفاف النيل حائمة، وهي ~~حينا على ضفاف دجلة. # ودخلت إليها حاضنتها «أم آسية» فاتخذت مجلسها إلى جانبها وقالت، وفي صوتها نبرة حنان وفي ~~عينيها نظرة حب: «لمثل هذا اليوم يا مولاتي كنت أسأل الله أن يبقيني، حتى أنعم برؤيتك عروسا قد ~~اكتمل لها بعروسها الكريم حظ الدين والدنيا، أتذكرين يا مولاتي ما حدثتك عن الرؤيا التي ~~أريتها منذ سنين ... وأنا أمشي في طريق قد فرش حصرا من ذهب، ونثرت عليه حبات الجوهر، ومضت ~~بي الوصائف إلى حيث كنت جالسة في جلوة العرس على سرير في غرفة شارعة تطل من اليمين على نهر مثل ~~النيل، ومن الشمال على نهر كأنه دجلة؟ # 23 ~~... فهذا تعبير رؤياي.» # قالت ms62 قطر الندى ضاحكة: «نعم، وحملك أرج البخور يومئذ، فطار بك في السماوات، ونمت في النوم ~~... فهلا ظللت يقظى يا أم آسية حتى نعرف ما كان آخر رؤياك!» # قالت أم آسية: «يا بنية، فسترين رأي العين ما فاتني رؤيته في المنام، وكأني أراك غدا ~~وعلى رأسك التاج، وفي يمينك الصولجان، وقد عنت الدولة كلها لسلطانك ... وماذا يكون تمام الرؤيا ~~إلا ذاك؟» # قالت قطر الندى: «وأبي يا أم آسية؟ وإخوتي وآلي؟ وهذا البلد الذي ازدهرت على شاطئيه ~~آمالي؟ وأنت ...؟» # قالت: «وأبوك يا مولاتي على العرش يدل إدلاله على ختنه، # 24 # ويحكم حكمه في وطنه، وآلك وإخوتك لهم من جاه أبيهم سبب، ومن صهرهم إلى أمير ~~المؤمنين أسباب ... وأنا ماشطة الأميرة كما أرتني الرؤيا.» # قالت قطر الندى ضاحكة: «ويحملك أرج البخور، فيطير بك في السماوات، ويأخذك النوم.» # قالت أم آسية: «أفتأبين علي يا مولاتي ما أملت، ولا ترينني أهلا لذاك؟» # فاستضحكت قطر الندى، وقالت: «بل أنت أكرم علي يا أم آسية.» ~~••• # وكانت مصر كلها في شغل شاغل وحركة دائبة، انتظارا ليوم قريب، فلكل عامل عمل، في قصر الأمير ~~وفي دور السادة من حاشيته وآله، وفي المدينة كلها، وعلى طول الطريق بين مصر وبغداد ... # وأتم أبو عبد الله بن الجصاص ما وكل إليه من أمر الجهاز، فلم يبق خطيرة ولا طرفة إلا ~~ابتاعها، ولم يدع شيئا من أسباب الترف مما تبلغه الأحلام أو تتعلق به المنى إلا حمله، ~~واجتمع لقطر الندى من الجهاز ما لم يجتمع لعروس قط، وحسب الواصف أن يكون في الجهاز من أدوات ~~المطبخ ألف هاون من الذهب، ومن أدوات الثياب ألف تكة سروال، ثمنها عشرة آلاف دينار. # وكان بين الجهاز سرير أربع قطع من ذهب، عليه قبة من ذهب مشبك، في كل عين من التشبيك قرط ~~معلق فيه حبة جوهر لا يعرف لها قيمة ... # ومثل ابن الجصاص بين يدي خمارويه يؤذنه بتمام أمره، فقال له خمارويه: «وهل بقي بيني ~~وبينك حساب بعد؟» # قال ابن الجصاص: «لا.» # قال خمارويه: «انظر حسنا.» ms63 # فأخرج ابن الجصاص صحيفة، ونظر فيها ثم قال: «كسر من المال بقي معي من ثمن الجهاز يبلغ ~~أربعمائة ألف دينار.» # فقال خمارويه: «فهي لك يا أبا عبد الله.» # وبلغت الدهشة بالوزير محمد بن علي الماذرائي مبلغا، فقال يتحدث إلى نفسه همسا: «كسر ~~بقي من الجهاز يبلغ أربعمائة ألف دينار! ... فكم يبلغ الجهاز كله؟» # واستدار إليه خمارويه غاضبا يقول: «ماذا سمعت من قول؟ ... أظننت بنت خمارويه يحسب ما ~~ينفق في جهازها بالآلاف!» # ثم عاد إلى حديث ابن الجصاص قائلا: «وقد أمرنا لك بألف ألف دينار (مليون دينار) تحملها معك ~~إلى بغداد، لعلك تجد ثمة شيئا من الطرائف ليس له نظير في مصر فتبتاعه إلى جهاز العروس.» # وقطع بالوزير أبي علي الماذرائي فلم ينطق كلمة، وتهيأ موكب العروس للرحلة، وتهيأ لها ~~الطريق كله من مصر إلى بغداد ... # 6 # ومضى الموكب مشرقا يطلب مطلع الشمس، وقد جلست العروس في هودجها بين النمارق والحشايا ~~ناعمة، كأن لم تبرح مجلسها من قصر الأمير، وجلست بين يديها ماشطتها أم آسية تقص عليها من ~~أنبائها كل طريفة تبهج القلب وتسر النفس، وكان في الموكب عمها خزرج بن أحمد بن طولون، وعمتها ~~العباسة، وصفي أبيها وخاصته أبو عبد الله بن الجصاص، وجماعة من الأمراء والأعيان وقادة الجند ~~على جيادهم المطهمة، وبين أيديهم غلمان ومن ورائهم غلمان، وعلى جانبي الطريق حراس من جند ~~خمارويه قد لبسوا الديباج، وعقدوا المناطق المحلاة، وشرعوا سيوفا بارقة قد سال عليها شعاع ~~الشمس، والنغمات الصادحة يتجاوب صداها بين الشرق والغرب، وعن يمين وشمال في غنوة واحدة: # قطر الندى ... # قطر الندى ... # واستمر الموكب على ترتيبه يسير بالعروس سير الطفل في المهد، ينظره من ينظر كأنه في موضعه لا ~~يتحرك، فليس يحسب حاديه ولا رائده حساب الزمن ولا يفكر في عناء السفر ولا في بعد الشقة، فقد ~~أعد خمارويه عدته لهذه الرحلة منذ بعيد، فبنى على رأس كل منزلة من منازل الطريق فيما بين مصر ~~وبغداد قصرا، حتى ليمكن أن تتراءى القصور متتابعة على الطريق كأنما ms64 هي مدينة قد استطال طرفاها ~~فأولها على شاطئ النيل وآخرها عند شاطئ دجلة، وحتى لا تكاد العروس النازحة تحس أنها على سفر ~~ساعة من نهار، وإنما هي على تتابع الأيام في قصر أبيها، تتنقل بين أبهائه من بيت إلى بيت، ولا ~~تقع العين فيه بكل نقلة إلا على جديد، فلا يكاد يمل الراكب أو يتعب الحادي حتى يوافي منزلة، ~~فيجد ثمة قصرا قد فرش ونضد وفيه جميع ما يحتاج إليه المسافر والمقيم، فأعدت فيه المخادع ~~وعلقت الستور وهيئت المائدة، وثم الخدم والحشم والجواري والولدان. # وتتابعت الأيام والركب يتنقل من منزلة إلى منزلة ... ونامت أم آسية ذات ليلة في بعض منازل ~~الطريق ثم أصبحت معتلة وليس بها علة، فقد رأت في تلك الليلة تمام الرؤيا التي بدأتها في منامها ~~منذ سنين ... # وكان البخور يفوح من مجامر المسك عطرا مسكرا، فكأنما حملها الأريج على جناحين من لهب، ~~فطار بها في السماوات، فما تنبهت إلا على صائح يصيح ... # وسمعت في تلك الليلة صيحة الصائح، وفهمت عنه وعرفت شخصه، إنه «إبراهيم بن أحمد الماذرائي ~~المصري» يهتف بنبأ ودت لو لم تسمعه أذناها ولم يكن ... يا له من حلم مروع، ليتها لم تنم ... ~~لو لم يكن لهذا الحلم بداية تحققت لقالت أضغاث أحلام، وهل يصدق بعض الحلم، ويكذب بعضه؟ ... يا ~~ليت! ... ولكن أين منها الاطمئنان وهدوء النفس، وإنها لتترقب الساعة من الأحداث ما لم تكن تتوقع ~~أو يخطر لها في بال، أعند صفو الليالي يحدث مثل ذلك؟ ... # وطوت صدرها على السر، فلم تكشف لأحد عن خبره، ولم تجد عندها قطر الندى في هذه الغداة ما ~~يؤنسها ويسليها كشأنها معها في كل غداة، فقالت لها عاطفة: «ما بك اليوم يا أم آسية؟» # قالت: «لا شيء يا بنية، إنما هي وعكة خفيفة.» # وسكت لسانها، وراحت تحدث نفسها وتستمع إلى خواطرها، وطال صمتها وانقباضها عن مولاتها حتى ~~نالتها العلة، واشتد بها الوجع ذات ليلة في بعض منازل الطريق وأصبحت ميتة، لم تكشف عن سرها ولم ~~تتحدث إلى أحد ms65 برؤياها. # وكان على الطريق قبر مهيأ، فألقيت إليه ... # واستأنف الموكب سيره، وكانت أصداء الأغاني ما تزال تتجاوب بين الشرق والغرب، وعن يمين ~~وشمال، في غنوة واحدة: # قطر الندى! # قطر الندى! # ولكن قطر الندى منذ ذلك اليوم لم تطرب لشيء مما تتجاوب به الأصداء، فقد أحست منذ فقدت أم ~~آسية بالوحدة الخانقة، وهي في الموكب الحاشد، وكأنما خيل لها في اليقظة ما رأته أم آسية في ~~المنام، فانقبضت منذ اليوم ولم تهنأ بسعادة عيش ... # واستمر الموكب في سيره، وأصداء الأغاني تتجاوب بين الشرق والغرب، وعن يمين وشمال ... وبلغ ~~الموكب شاطئ بغداد، في أول المحرم سنة 282. # 7 # كان أمير المؤمنين المعتضد غائبا بالموصل يوم بلغ الموكب بغداد، فنزلت العروس في دار صاعد ~~بن مخلد على شاطئ دجلة، وأسري النبأ بمقدمها إلى الخليفة حيث كان ... # وكان في مخيم الخليفة بالموصل وقتئذ بضعة نفر ليسوا من أهل الموصل ولا من أهل بغداد، فيهم ~~لؤلؤ الطولوني، وكان قد أطلق من حبسه وخلع عليه وكرم، وفيهم محمد بن إسحاق بن كنداج، وكان ~~قد مات أبوه وتولى الموصل من بعده، وفيهم محمد بن سليمان الأزرق، # 25 # وكان قد بلغ عند الخليفة منزلة رفعته من مرتبة الغلمان حتى صار «أمير الجيش»، وفيهم ~~غير هؤلاء في زي القادة أو في زي التجار، وكان الحديث يدور بينهم وبين الخليفة همسا لا يريدون ~~أن يطلع على غيبه أحد، وفي وجوههم أمارات العزيمة والجد والاهتمام. # وقال الخليفة وقد فرغوا من مداولة الرأي فيما اجتمعوا له: «والآن سيمضي كل منكم لوجهه وسنرى ~~ما سيكون من أمر.» # قال لؤلؤ: «إني لأعلم علم اليقين يا مولاي ما سيكون، فلن يثبت جند خمارويه على الولاء له ~~ساعة إذا استيقنوا أن خزانته قد صفرت من المال.» # قال الخليفة: «ثم يكون ماذا؟» # قال القائد محمد بن سليمان: «ثم يتأمر القادة ويقتسمون الدولة ويعملون سيوفهم في أقفية بني ~~طولون فلا تبقى منهم باقية.» # قال محمد بن إسحاق منكرا: «على رسلك يا محمد، إن بني طولون ختن أمير ~~المؤمنين.» # قال ms66 ابن سليمان: «وهل خاتنهم مولاي أمير المؤمنين إلا ليغلبهم على أمرهم ويحوز ~~دولتهم؟» # قال الخليفة: «بلى، ولكن لا يراق دم.» # ومضى المؤتمرون كل منهم لوجهه، وقصد الخليفة من فوره إلى بغداد، حيث كانت العروس وحاشيتها ~~في دار صاعد بن مخلد على شاطئ دجلة ينتظرون مقدم أمير المؤمنين ... ~~••• # وكان يوم الأحد الثالث من ربيع الآخر سنة 282 وما يليه أياما مشهودة في بغداد، ونودي في ~~جانبي المدينة ألا يعبر أحد في دجلة منذ يوم الأحد، وغلقت أبواب الدروب التي تلي الشط، ومد ~~على الشوارع النافذة إلى دجلة شراع، ووكل بجانبي دجلة من يمنع الناس أن يظهروا في دورهم على ~~الشط، أو يفتحوا النوافذ، فلما كان المساء وصليت العتمة، # 26 # وافت الشذوات على ظهر دجلة من قصر المعتضد وعليها الوصائف والخدم يحملن الشمع، حتى ~~وقفن بإزاء دار صاعد، وكانت أعدت أربع حراقات مزينة، # 27 # وأرسيت في النهر مشدودة إلى دار صاعد، فلما جاءت الشذوات وأرست بإزاء الدار، ~~أحدرت الحراقات وعليها العروس ووصائفها سابحة على الماء، وبين أيديهن الشذوات عليها الجواري ~~في أيديهن الشمع ... # ومضى موكب العروس في دجلة حتى بلغ القصر الحسني ... # وأقامت العروس يوم الاثنين في القصر، يسعى بين يديها المواشط والوصائف والولائد، وأخذت ~~بغداد زخرفها وازينت كلها لعرس أمير المؤمنين، وكان القصر الحسني من الرواء والزينة كأنه ~~من قصور الجنة ... # ونضد سرير العروس وعليه قبته في غرفة شارعة تطل من جانب على النهر، وتطل من الجانب الآخر ~~على البستان وما وراءه من الفضاء الممتد إلى البعيد البعيد، فلو كان ذو نظر حديد ينفذ إلى ما ~~وراء الأبعاد لرأى النيل ... # وكان البخور يفوح من مجامر المسك والعنبر عطرا مسكرا يجدد الأماني ويبعث الذكريات ~~... # وذكرت قطر الندى ماشطتها أم آسية، فانحدرت على خدها قطرة دمع ... وكانت أصوات القيان تتجاوب، ~~فترجعها صوادح الطير في البستان ومزامير الملاحين في دجلة ... ومضت ليلة شهد فيها القصر ~~الحسني آية أخرى غير ما شهد في غابر الأيام من آيات جعفر بن يحيى البرمكي، وليالي بوران بنت ~~الحسن. ms67 # فلما كان يوم الثلاثاء الخامس من ربيع الآخر جليت قطر الندى على عروسها، وبدأ تاريخ ~~جديد بين أبي العباس المعتضد أمير المؤمنين، وأبي الجيش خمارويه بن طولون. # واجتمع على عرش الخليفة في بغداد ملك المشرق وملك المغرب. ~~••• # ونظر المعتضد إلى العروس المجلوة لم تزدها زينتها جمالا على ما حباها الله من نعمته، ~~وتحدث إليها فسمع حديثا لو كان ضربا على وتر لما زاد على ما سمع سحرا وفتنة، وسألها ~~فأجابته عما سأل مستحيية، فلو أن حكيما أدبها فلقنها جواب كل سؤال تسأله لما علمها خيرا ~~مما أجابت ... # وورد على قلب أمير المؤمنين من الإعجاب بها ما لم يكن يتوقع أو يخطر له على بال ... وكانت ~~عيناها في عينيه شفاعة ضارعة فيها حنان ورحمة، وفيها نجوى خافتة تتحدث إلى ضميره بأبلغ بيان، ~~واستشعر الخليفة من نظرتها روحا من العطف والرقة لم يشعر بمثله فيما غبر من أيامه، وغلبته ~~عاطفته على فكره وهتفت به نفسه: «أهذه بنت خمارويه التي أردت بزواجها ما أردت تدبيرا لسياسة ~~ملكك؟» # واصطرعت في نفسه شئون وشجون. # ومثلت بين يديه جاريته «ساجي» تغنيه وعروسه أحب الأصوات إليه، وكان هو صانع ~~لحنه: # كللاني توجاني # وبشعري غنياني # فابتدرها الخليفة: ليس هذا يا ساجي، هلا غنيتني بشعر المازني: # في وجهه شافع يمحو إساءته # من القلوب وجيه أينما شفعا! # فاحتضنت القينة عودها فجسته ومرت بأناملها على أوتاره، ثم اندفعت تغني وعيناها إلى ~~العروس الفاتنة: # ويلي على من أطار النوم فامتنعا # وزاد قلبي على أوجاعه وجعا # كأنما الشمس من أعطافه لمعت # حسنا، أو البدر من أزراره طلعا # مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت # منه الذنوب ومعذور بما صنعا # في وجهه شافع يمحو إساءته # من القلوب وجيه أينما شفعا # وبلغت ساجي في لحنها غاية ما يبلغ عازف على وتر أو هاتف على فنن، ولكن الخليفة لم يطرب ~~لغناء ساجي في ذلك اليوم طربه لغنائها في كل يوم، فقد أجد له هذا الصوت فكرا وأنشأ شجنا ~~... # وتبعثرت خواطره كما يتبعثر الذر في شعاع نافذ، فليس له ms68 قرار على رأي ولا ثبات على عاطفة، ~~وود لو كانت قطر الندى غير من كانت، وكان أبوها غير خمارويه بن طولون! ... # وسخر الخليفة من نفسه حين وصل من الفكر في شأنه وشأن عروسه الفاتنة إلى هذه المرحلة، فابتسم ~~ابتسامة ملك، ومد يده إلى العروس فأنهضها، ومضى بها يجوسان خلال حجرات القصر، وأسدلت ~~دونهما الستور ... # وتتابعت أيام المعتضد من بعد سعيدة هانئة، لولا لحظات من الفكر كانت تغشى سعادته كما يتنفس ~~المقرور في مرآة مصقولة ثم يلمسها شعاع الشمس فتعود صافية مجلوة. # وخلا مجلس الخليفة يوما إلا من عروسه، ونالت النشوة منه، فتوسد ركبتها ونام آمنا، فاستغرق ~~في نومته، وتلطفت العروس فأبعدت رأسه عن ركبتها في حذر وأسندته إلى وسادة، وقامت فاتخذت مجلسا ~~على مقربة، وكان المعتضد يحذر الوحدة خوف الغيلة، # 28 # فلما استيقظ بعد هنيات فلم يجدها فزع واضطرب، وناداها غاضبا فأجابته، فقال ~~عاتبا: «ماذا صنعت يا أمية! ... أحللتك مني هذا المحل وأسلمت إليك نفسي، فتركتيني وحيدا، ~~وأنا في النوم لا أدري ما يفعل بي!» # قالت: «سلمت ودمت يا مولاي، والله ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، ولكن فيما أدبني به ~~والدي خمارويه: ألا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس، وأمير المؤمنين بعيني وعين ~~الله.» # وأكبر المعتضد جوابها فهتف معجبا: «لله أنت يا بنية! ولله ما أدبك أبوك!» # وتمكنت قطر الندى من قلب المعتضد، فليس لواحدة غيرها في قلبه مكان، ونسي ما كان من شأنه ~~وشأن خمارويه في ماضيه، حين مثلت قطر الندى بسحرها وفتنتها بينه وبين ماضيه، ولكن الحوادث ~~لم تنس ... # 8 # ومضت أشهر، وكانت قطر الندى في شرفتها من قصر الخلافة تسرح النظر إلى البعيد البعيد ، ~~حين كان الفارس المجهود «إبراهيم بن أحمد الماذرائي المصري» يعدو على نجيبه ميمما شطر القصر، ~~فلما بلغ الباب ترجل ودخل ... # ومثل إبراهيم بين يدي الخليفة المعتضد، فقص عليه النبأ الذي جاء يعدو به بضعة عشر يوما ~~في طريق البادية ... # وهتف الخليفة جزعا: «ويحك! خمارويه؟» # قال إبراهيم: «نعم يا مولاي، وثب ms69 عليه غلمانه فقتلوه في قصره بأسفل دير مروان ~~بالشام.» # فأطرق الخليفة وقد غشى عينيه الدمع، وذهب به الفكر مذاهب شتى، عن يمين مرة وعن شمال مرة، ~~وتمثل عدوه بالأمس وختنه اليوم مكبوبا على وجهه مضرجا بدمه، وتسلسلت خواطره حلقة وراء ~~حلقة في خطوات سريعة، فكأنما شهد لساعته انهيار الدولة الطولونية بعينيه قبل أن تنهار، فابتسم ~~ابتسامة ملك، ثم ارتدت خواطره إلى قطر الندى، فتمثلها في ثياب الحداد كئيبة دامعة العينين ~~مما دهمها من مصاب أبيها، فحزن وانكسر وانقبضت نفسه انقباضة عاشق، وتعاقبت على وجهه ألوان ~~وصور، فلو كان ثمة ذو نظر نافذ لرثى له مما يكابد. # لقد كان انهيار الدولة الطولونية أملا عزيزا يسعى لتحقيقه منذ سنين بعيدة، فليس له غيره ~~هم بالليل وفكر بالنهار، فما همه اليوم وقد تحقق أمله أو كاد؟ # بلى، لقد بلغ ما أراد، ولكن السهم الذي فوقه # 29 # إلى صدر عدوه فأرداه، قد ارتد إليه فجرحه جرحا داميا لا يبرأ ولا يودي. # 30 # بلى، وقد مات خمارويه وسكنت نأمته، ولكنه ثأر لنفسه وهو جسد هامد تحت التراب، فظل في عيني ~~عدوه قذى، وفي حلقه شجى، وفي قلبه شجنا. # وقام بين العاشق المفتون ومعشوقته حجاب كثيف من الذكريات والدموع والآلام، لا ينفذ من ورائه ~~قلب إلى قلب، فلم ينظر على شفتيها منذ اليوم ابتسامة رضا، ولم ير في عينيها نظرة حنان، وكانت ~~في عينيه امرأة ساحرة، فعادت دمية جميلة. # وعاش وعلى شفتيه ابتسامة ملك، ولكن في عينيه أبدا انكسار عاشق قد ودع أمله إلى غير ~~معاد. # وأشفق القدر على قطر الندى فلم تعش حتى تشهد خاتمة المأساة التي ذهبت ببني أبيها فلم ~~تبق منهم باقية وقوضت أركان دولتهم بمكنسة محمد بن سليمان الأزرق ... # وماتت قطر الندى في السن التي يبدأ فيها لداتها يطرقن أبواب الحياة. # وحفر لها المعتضد قبرها في دار الرصافة إلى جانب قبر أبيه الموفق، ووقف بين يدي القبر لحظات ~~لا يتكلم، وقد غابت عيناه وراء سحابة من الدمع، ثم هتف وقد حول عينيه ms70 إلى قبر أبيه: # هذه رسالة بني طولون إليك يا أبت في مثواك، فهل جاءك النبأ؟ ليست هذه التي تجاورك ~~أمة، ولكنها أمة. # | خلفاء الدولة العباسية # من لدن نشأتها إلى آخر عهد بني طولون # أبو العباس السفاح # أبو جعفر المنصور # المهدي # الهادي # هارون الرشيد # الأمين # المأمون # المعتصم # الواثق # المتوكل # المنتصر # المستعين: عاصر إمارة بني طولون. # المعتز: عاصر إمارة بني طولون. # المهتدي: عاصر إمارة بني طولون. # المعتمد: عاصر إمارة بني طولون. # المعتضد: عاصر إمارة بني طولون. # المكتفي: عاصر إمارة بني طولون. # | أعلام تاريخية # وردت في ثنايا القصة ~~(أ) # إبراهيم بن أحمد الماذرائي: # رسول الطولونية إلى المعتضد. # أبو إسحاق الأزدي: # من قضاة الدولة في عهد المعتضد. # أبو بكر القرشي ابن أبي الدنيا: # عالم من علماء بغداد، كان مؤدبا للخليفة المعتضد، ثم لولده علي المكتفي. # أبو حشيشة المغني: # من ندماء الخليفة المعتضد. # أبو خازم القاضي: # من قضاة الدولة في عهد المعتضد. # أبو صالح الطويل: # خازن بيت المال في مصر لعهد خمارويه. # أبو عبد الله الواسطي: # من وزراء بني طولون. # أبو محمد البصري: # من قضاة الدولة في عهد المعتضد. # أبو نواس: # من شعراء عصر الرشيد. # إسحاق بن كنداج الخزري: # من قواد الدولة العباسية، كان له شأن في الحرب بين الطولونية والعباسية. # إسماعيل بن بلبل: # من وزراء المعتمد. # أم آسية: # حاضنة قطر الندى. # أم المعتز: # من نساء الخليفة المتوكل. ~~(ب) # باكباك التركي: # أمير مصر الرسمي في عهد المعتز. # بدر المعتضدي: # صاحب شرطة المعتضد. # برمش: # غلام خمارويه بن أحمد بن طولون. # بوران: # حظية خمارويه بن أحمد بن طولون. # بوران بنت الحسن: # زوج الخليفة المأمون. ~~(ج) # جعفر المفوض: # ولي عهد الخليفة المعتمد، مات قبل أن يلي العرش. # جعفر بن يحيى البرمكي: # من آل برمك، وزراء الدولة العباسية، ولهم في صدر أيامها تاريخ حافل. ~~(ح) # الحجاج بن يوسف الثقفي: # أمير العراق في عهد بني مروان، عمر مدينة واسط. # الحسين بن الجصاص الجوهري: # تاجر، وله شهرة وأثر في تاريخ العصر الطولوني. # الحسن بن سهل: # وزير الخليفة المأمون، وأبو زوجته بوران. ms71 ~~(خ) # خزرج بن أحمد بن طولون: # وكله أخوه خمارويه ليزوج الخليفة المعتضد من ابنته قطر الندى. ~~(د) # ديوداد بن محمد بن أبي الساج: # كان رهينة لدى خمارويه، ارتهنه أبوه محمد بن أبي الساج. ~~(س) # ساجي المغنية: # جارية مغنية في قصر الخليفة المعتضد. # ساسان: # بنو ساسان: ملوك إيران القدماء. ~~(ط) # طريف المعتضدي: # غلام الخليفة المعتضد. # طلحة الموفق: # أبو الخليفة المعتضد، كان له الأمر كله في خلافة أخيه المعتمد. # طيفور التركي: # سفير ابن طولون في بلاط المعتمد. ~~(ع) # العباس بن أحمد بن طولون: # أمير شاعر، من ولد أحمد بن طولون. # العباس بن عبد المطلب: # أبو الخلفاء العباسيين. # العباسة بنت طولون: # أخت خمارويه والعباس، كانت في صحبة قطر الندى إلى بغداد. # عبد الله بن حمدون: # نديم الخليفة المعتضد. # عبد الله بن سليمان: # وزير الخليفة المعتضد. # علوي البصرة (صاحب الزنج): # ثائر منحرف المذهب، في عهد الخليفة المعتمد. # عمرو بن العاص: # أول ولاة مصر الإسلامية. ~~(ك) # كليب بن وائل: # من فرسان الجاهلية، له قصة طويلة في أيام العرب قبل الإسلام. ~~(ل) # لؤلؤ الطولوني: # من غلمان أحمد بن طولون. ~~(م) # محمد بن أبي الساج: # من قواد الدولة العباسية، كان له شأن في الحرب بين الطولونية والعباسية. # محمد بن إسحاق بن كنداج: # أمير الموصل بعد أبيه، في عهد الخليفة المعتضد. # محمد بن سليمان الأزرق: # من قواد الدولة العباسية، كان على يديه تقويض عرش بني طولون في مصر. # محمد بن الشاه بن ميكال: # قائد حرس الخليفة المعتضد. # محمد بن عبد الحكم المصري: # من علماء مصر ومؤرخيها في عهد بني طولون. # محمد بن علي الماذرائي: # وزير خمارويه بن أحمد بن طولون. ~~(ن) # نحرير المعتدي: # من غلمان الخليفة المعتمد. ~~(و) # وصيف: # من غلمان الخليفة المعتضد. ~~(ي) # يحيى بن علي النديم: # كان مشهورا بالتنجيم، وله في أحاديث النجوم مؤلفات وأخبار، وقد ورث بنوه عنه هذه ~~الحرفة فصاروا كذلك منجمين لهم مثل شهرته. # يارجوخ التركي: # أمير مصر الرسمي في عهد المهتدي. # يازمان البحري: # أمير طرسوس في عهد الطولونية. # يعقوب بن إسحاق: # وزير ms72 أحمد بن طولون. ms73