######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.ShajaratDurr.Hindawi69242916 #META# Tags: novels #META# ID: 69242916 #META# Title: شجرة الدر: قصة تاريخية #META# AuthorID: 61380386 #META# Author: محمد سعيد العريان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - نبأ من القاهرة‏ # 2 - نبوءة أبي زهرة‏ # 3 - شجرة الدر‏ # 4 - ملوك أربعة!‏ # 5 - غيرة الأنثى‏ # 6 - طفل ملك‏ # 7 - ملك في قفص‏ # 8 - ريبة وقلق‏ # 9 - أشواك على الطريق‏ # 10 - تدبير وكيد‏ # 11 - حساب الماضي‏ # 12 - دار على النيل‏ # 13 - مساومة على الموت!‏ # 14 - هزيمة البطل!‏ # 15 - كبير الأمناء‏ # 16 - عرش وزوج‏ # 17 - قلوب موزعة!‏ # 18 - غدر وثأر‏ # 19 - ضيافة في سجن‏ # 20 - الجاشنكير يحكم!‏ # 21 - دولة تركمانية!‏ # 22 - البحث عن رجل!‏ # 23 - لمن الملك؟‏ # 24 - سباق إلى الموت‏ # 25 - أشجان الملك!‏ # 26 - أوهام أنثى!‏ # 27 - الخاتمة‏ # أعلام مشهورة وردت في القصة‏ # تمهيد‏ # 1 - نبأ من القاهرة‏ # 2 - نبوءة أبي زهرة‏ # 3 - شجرة الدر‏ # 4 - ملوك أربعة!‏ # 5 - غيرة الأنثى‏ # 6 - طفل ملك‏ # 7 - ملك في قفص‏ # 8 - ريبة وقلق‏ # 9 - أشواك على الطريق‏ # 10 - تدبير وكيد‏ # 11 - حساب الماضي‏ # 12 - دار على النيل‏ # 13 - مساومة على الموت!‏ # 14 - هزيمة البطل!‏ # 15 - كبير الأمناء‏ # 16 - عرش وزوج‏ # 17 - قلوب موزعة!‏ # 18 - غدر وثأر‏ # 19 - ضيافة في سجن‏ # 20 - الجاشنكير يحكم!‏ # 21 - دولة تركمانية!‏ # 22 - البحث عن رجل!‏ # 23 - لمن الملك؟‏ # 24 - سباق إلى الموت‏ # 25 - أشجان الملك!‏ # 26 - أوهام أنثى!‏ # 27 - الخاتمة‏ # أعلام مشهورة وردت في القصة‏ # | شجرة الدر # | شجرة الدر # | قصة تاريخية # تأليف # محمد سعيد العريان # | تمهيد # 1 # تتحدث هذه القصة عن «شجرة الدر» الملكة المشهورة في التاريخ، التي حكمت مصر في ~~منتصف القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي). # ويعدها بعض المؤرخين آخر ملوك الدولة الأيوبية؛ ويعدها بعضهم أولى سلاطين ~~المماليك. # وسبب هذا الخلاف أن الملكة «شجرة الدر» تعتبر عضوا من الأسرة الأيوبية، ~~وتعتبر في الوقت نفسه عضوا من أسرة المماليك؛ أما أنها كانت عضوا من الأسرة ~~الأيوبية؛ فلأنها كانت زوجة للملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك ~~العادل أخي صلاح الدين الأيوبي، ولا شك أن زوجة الملك عضو من أسرته، على أنها - فوق ~~ذلك - أم الأمير خليل ابن الملك الصالح نجم الدين ms01 أيوب، الذي كان يعده وليا ~~لعهده، ويرشحه لولاية العرش من بعده. # وأما أنها كانت عضوا من أسرة المماليك؛ فلأنها كانت جارية مملوكة قبل أن تكون زوجة ~~للملك؛ فكان المماليك لذلك يعدونها واحدة من أسرتهم، ينتسبون إليها وتنتسب إليهم، ~~فلما تولت الحكم بعد وفاة زوجها الملك الصالح نجم الدين أيوب، كانت في رأي الناس ~~واحدة من الأسرة الأيوبية التي تتوارث عرش مصر منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، ولكنها ~~لما نزلت عن العرش بعد ذلك، تولاه بعدها مملوك من مماليك الملك الصالح؛ هو الأمير ~~عز الدين أيبك التركماني، ثم صار عرش مصر بعد ذلك وراثة للمماليك، يتوارثونه مملوكا ~~عن مملوك نحو ثلاثة قرون - وتسمى هذه الفترة في تاريخ مصر باسم «عصر سلاطين المماليك» ~~- لذلك لا يخطئ من يقول إن تولي «شجرة الدر» عرش مصر يعتبر أول عصر سلاطين ~~المماليك؛ لأنها كانت مملوكة مثل سائر المماليك الذين تولوا العرش بعدها. # 2 # وشجرة الدر - أو شجر الدر كما جاء في بعض التواريخ - اسم مشهور جدا في تاريخ ~~مصر، بل إنها تعتبر أشهر امرأة في هذا التاريخ، لعدة أسباب: # منها: أنها أول امرأة وآخر امرأة تولت عرش مصر الإسلامية، فلا نعرف امرأة قبلها ولا ~~بعدها - منذ أول عهد الإسلام إلى اليوم - تولت عرش هذه البلاد، تأمر وتحكم وتولي ~~وتعزل، وتسير الجيوش للحرب، وتوقع معاهدات الصلح، وتعين الوزراء، وتعقد الألوية ~~للقواد، وينقش اسمها على الدراهم والدنانير، ويدعى لها على المنابر في ~~المساجد. # ومنها: أنها كانت أول «مملوكة» تجلس على العرش، فتصير ملكة يدين لها الملايين ~~بالطاعة والولاء، بعد أن كانت جارية مشتراة بالمال، يأمرها سيدها فتأتمر، وينهاها ~~فتنتهي! # ومنها: أن عهدها كان حدا فاصلا بين مرحلتين من مراحل التاريخ؛ فقد كانت ولايتها ~~آخر عهد الدولة الأيوبية، وأول عهد المماليك. # ومنها: أن عصرها كان مزدحما بالحوادث التاريخية العظيمة؛ ففي عهدها انكسر الصليبيون ~~كسرة شنيعة، وكانوا قد زحفوا من فرنسا وسائر بلاد أوربة، ليستولوا على مصر والشام؛ ~~فانهزموا عند مدينة المنصورة شر هزيمة، وقتل قوادهم وأسر ملكهم لويس ms02 التاسع ~~ملك فرنسا، واعتقل في دار الأمير فخر الدين بن لقمان بالمنصورة، فلم يفرج عنه إلا ~~بعد أن افتدى نفسه بمال، وعاهد على ألا يعود إلى غزو مصر. # وفي عهدها كان قد بدأ زحف المغول من أواسط آسيا على البلاد الإسلامية للاستيلاء ~~عليها وإذلال أهلها، واستمر زحفهم حتى استولوا على كثير من البلاد الإسلامية، ~~وتوغلوا فيها يفتكون ويهتكون ويسفكون الدم ويحطمون العروش، حتى أوشكوا أن يبلغوا ~~حدود مصر بعد أن قطعوا إليها مئات الآلاف من الأميال؛ ثم كانت هزيمتهم الساحقة ~~الماحقة على يد الجيش المصري في موقعة «عين جالوت» بفلسطين، بعد وفاة شجرة الدر ~~بأمد قليل، فلم تقم لهم قائمة بعد هذه الهزيمة التي لم ينهزموا قبلها قط. # وفي عهدها بدأت عادة تسيير المحمل في كل عام من مصر إلى الحجاز في موسم الحج، يحمل ~~كسوة الكعبة كما يحمل كثيرا من المؤن والأموال لأهل بيت الله الحرام، وتصحبه فرقة ~~كبيرة من الجيش المصري لحماية الحجاج. وما تزال هذه العادة متبعة إلى اليوم. # وفي عهدها نبغ كثير من الأدباء والشعراء المصريين الذين يذكرون في تاريخ الأدب ~~العربي؛ كبهاء الدين زهير، وجمال الدين بن مطروح وغيرهما ... # ومن أسباب شهرتها وبقاء اسمها مذكورا إلى اليوم المسجد العظيم الذي بنته في حي ~~الخليفة في القاهرة؛ لتدفن فيه بعد موتها، ولم يزل قائما إلى اليوم - بالقرب من مسجد ~~السيدة نفيسة - يقصده الزوار وتؤدى فيه الصلوات. # وما يزال اسم زوجها الملك الصالح كذلك مذكورا مشهورا في مصر إلى اليوم؛ وجميع أهل ~~القاهرة يعرفون «كوبري الملك الصالح»، الذي يوصل بين الفسطاط وجزيرة الروضة؛ وسبب ~~تسمية هذا الجسر بهذا الاسم أن الملك الصالح نجم الدين أيوب - زوج شجرة الدر - ~~بنى له قصرا وقلعة في هذه الجزيرة التي يوصل إليها هذا الجسر، أما القصر فكان يقيم ~~فيه هو وزوجه شجرة الدر، وأما القلعة فكان يقيم فيها - بالقرب منه - مماليكه ~~الأتراك الذين صاروا فيما بعد ملوكا؛ ولذلك يسمون في التاريخ باسم «المماليك ~~البحرية»؛ لأن قلعتهم هذه كانت تشرف على البحر؛ ms03 أي النيل. # 3 # هذا حديث قصير عن الملكة شجرة الدر، وعن زوجها الملك الصالح أيوب. # والآن فلنذكر طرفا من التاريخ الذي يعين على فهم حوادث هذه القصة: # كانت مصر منذ دخلها الإسلام يحكمها أمير من أمراء المسلمين، يعين من قبل ~~الخليفة، في المدينة أو في دمشق أو في بغداد، ويكون تابعا له. # وظل الأمر كذلك إلى أن ولي مصر الأمير أحمد بن طولون في منتصف القرن الثالث ~~الهجري (التاسع الميلادي) في عهد الخليفة المعتز العباسي، فاستقل ابن طولون بملك ~~مصر، وجعلها دولة مستقلة له ولأولاده من بعده، ولكن هذا الاستقلال لم يستمر إلا نحو ~~خمسين سنة؛ إذ ضعفت الدولة الطولونية، فعادت مصر تابعة للخليفة العباسي في ~~بغداد. ~~••• # واستمرت مصر تابعة لبغداد ثلاثين سنة أخرى، إلى أن وليها الأمير أبو بكر محمد ~~الإخشيد في عهد الخليفة المقتدر العباسي؛ ففعل مثل ما فعل ابن طولون من قبل، واستقل ~~بمصر، وصار عرشها وراثة له ولأولاده من بعده، واستمرت «الدولة الإخشيدية» في مصر بضعا ~~وثلاثين سنة، وكان آخر ملوكها كافور؛ وهو عبد مملوك من مماليك بني الإخشيد! ~~••• # ثم ضعفت الدولة الإخشيدية، فطمع في ملك مصر ملك من ملوك المغرب، اسمه المعز لدين ~~الله الفاطمي، فزحف عليها من تونس في جيش كبير، فملكها في منتصف القرن الرابع الهجري ~~(العاشر الميلادي). # وكان هذا الملك «المعز لدين الله» يقول إنه من أبناء السيدة فاطمة بنت سيدنا ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ومن أجل ذلك كان يسمي نفسه «الفاطمي»، ويرى أنه أحق بالخلافة من ~~العباسيين في بغداد؛ فأنشأ خلافة فاطمية في مصر، وأعلن الاستقلال عن الخليفة العباسي في ~~بغداد، وصار عرش مصر وراثة له ولأسرته من بعده أكثر من مائتي سنة. # وكان للفاطميين مذهب في الدين لا يوافقهم عليه أكثر المسلمين؛ لذلك لم تكد بوادر ~~الضعف تظهر على ملوك الدولة الفاطمية في منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر ~~الميلادي)، حتى أخذ أصدقاء الخلافة العباسية في المشرق يتطلعون إلى غزو مصر، ~~ليخلصوها من الفاطميين ومذهبهم «الشيعي». ~~••• # وكان مما ساعد ms04 على ضعف الدولة الفاطمية، غزوات الصليبيين المتوالية على مصر والشام، ~~فانتهز «صلاح الدين الأيوبي» هذه الفرصة ودخل مصر، وكسر شوكة الصليبيين، وقضى على ~~الدولة الفاطمية، واستقل بحكم البلاد وأزال منها مذهب الفاطميين، وأعلن ولاءه ~~للخليفة العباسي في بغداد؛ وكان ذلك في الثلث الأخير من القرن السادس الهجري (الثاني ~~عشر الميلادي). ~~••• # وكان صلاح الدين قائدا من أعظم القواد ، وحاكما من أعدل الحكام؛ وأصل أبيه من ~~بلاد الكرد، واسمه «أيوب بن شاذي»، فلما ملك صلاح الدين بن أيوب مصر، انتقل أبوه ~~وأسرته إليها، وصار عرش البلاد وراثة لهم، يتوارثونه أيوبيا بعد أيوبي؛ ولذلك ~~تسمى دولتهم «الدولة الأيوبية». # وفي عصر الدولة الأيوبية اتسع ملك مصر حتى شمل الحجاز واليمن إلى شواطئ المحيط ~~الهندي، وامتد على بلاد الشام إلى أطراف العراق وحدود الموصل، ووصل إلى أواسط آسيا ~~وحدود التركستان. # وظلت هذه البلاد تحت حكم الأيوبيين أكثر من ثمانين سنة، من عهد صلاح الدين إلى عصر ~~شجرة الدر، ثم انتقل الحكم إلى المماليك الذين أنشأهم ورعاهم الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب. # وخلال هذه المدة التي حكم فيها الأيوبيون هذه البلاد، كان في كل بلد منها أمير ~~أيوبي؛ ففي دمشق أمير، وفي حلب أمير، وفي اليمن أمير، إلى أمراء آخرين في كثير من ~~البلاد، ولكن أكبر هؤلاء الأمراء وأعظمهم هو السلطان الذي يجلس على عرش قلعة الجبل في ~~القاهرة. # 4 # وكان الذي يجلس على عرش القاهرة حين بدأت حوادث هذه القصة، هو الملك الكامل ناصر ~~الدين ابن الملك العادل سيف الدين أخي صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة. # وكان أكبر بنيه هو الأمير نجم الدين أيوب - الذي سمي فيما بعد الملك الصالح - وكان ~~في ذلك الوقت واليا من قبل أبيه الملك الكامل على حصن من حصون المشرق، اسمه «حصن ~~كيفا»، وكان معروفا أن نجم الدين هو ولي عهد أبيه الكامل، وأن ملك مصر سيئول إليه ~~بعد أن يتخلى أبوه عن العرش، وكان مما يقوي هذا الظن، أن نجم الدين كان ينوب عن ~~أبيه في الحكم حين يضطر ms05 أبوه إلى الخروج من مصر للحرب أو لسبب آخر. # وكان لنجم الدين أخ أصغر منه، هو الأمير سيف الدين - الذي سمي فيما بعد الملك ~~العادل - وكانت أمه أقرب إلى قلب الملك من أم الأمير نجم الدين، وكانت أم سيف الدين ~~مصرية خالصة النسب، وكان أبوها من شيوخ الفقه المشهورين في مصر، واسمه الشيخ نصر ~~الفقيه. # 5 # هذا هو الأمير نجم الدين الذي كان زوجا لشجرة الدر، وهذا هو موقفه من أبيه وأخيه ~~وأسرته، أما شجرة الدر نفسها فكانت فتاة مقطوعة الجذر، لا يعرف لها أب ولا ~~أم ولا أصل، ولم تترك بعد موتها ولدا ولا بنتا ولا ذرية، فكانت حياتها من أعجب ~~العجب؛ إذ ليس لها أصل يذكر ولا فرع يبقى! وماتت قبل أن يأفل شبابها، ومع ذلك ظل ~~ذكرها باقيا على توالي القرون منذ القرن السابع الهجري إلى اليوم، وإلى الغد وإلى ~~الأبد ... # أي قوة من قوى الغيب تجمعت في هذه الجارية الأنثى، فكتبت لها في التاريخ هذا ~~الخلود؟! # كانت جارية ذات أدب وعلم وفن! # وكانت أنثى ذات جمال وفتنة وحيلة! # وكانت زوجة ذات حب ووفاء وغيرة! # وكانت ملكة ذات حزم وإرادة وتدبير! # صفات أربع لا يجتمع مثلها في امرأة، واجتمعن في شجرة الدر. # أحبت وتزوجت وحملت ووضعت، ولكنها لم تنس في أي أحوالها أنها ملكة، على رأسها تاج، وفي ~~يدها صولجان، وتحتها عرش، وبها ترتبط مصاير أمة؛ فكانت - حتى في اللحظة التي تنسى فيها ~~كل أنثى أن لها إرادة - ملكة ذات إرادة وتدبير وكيد ... # وملكت وتسلطت وقبضت على الصولجان، وركع تحت قدميها الرجال، ولكنها لم تنس في ~~لحظة من لحظات السلطان الباطش أنها أنثى، وأن لكل أنثى رجلا تخضع له، وتذوب ~~إرادتها في إرادته، فكانت - حتى في اللحظة التي ينسى فيها كل ذي سلطان أنه بشر - أنثى ~~تستسلم للحب استسلام كل ذات قلب. # فلما جدت في آثارها الحوادث، وأرغمتها على أن تختار بين أن تكون امرأة لرجل أو ~~ملكة لعرش وتاج وصولجان، تنازعتها الكبرياء والغيرة، فطاشت فلم تكن ms06 في طيشتها أنثى ~~ذات قلب، ولا ملكة ذات تدبير، وفقدت الرجل والعرش والحياة جميعا. ~~••• # تلك شجرة الدر: تاريخ أمة في تاريخ أمة! # وفي التاريخ قصص كثيرة لملكات غير شجرة الدر، ولكن التاريخ لم يأثر عن ملكة ~~منهن ما أثر عن شجرة الدر من صفات لم تجتمع مثلها في أنثى ولا في ملكة. # محمد سعيد العريان # الفصل الأول # | نبأ من القاهرة # أطرق الأمير صامتا # 1 # وطوفت أفكاره تجتاز المسافات وتقطع الأبعاد النائية؛ فهو في مجلسه من ذلك ~~الحصن الذي اتخذه قاعدة لإمارته في أقصى المشرق، ولكنه مما يصطرع في رأسه من الخواطر، وما ~~يتراءى له من صور الماضي القريب والبعيد، كالتائه في البيداء المترامية قد انفسح مداها ~~وتباعد ما بين أطرافها بعد ما بين حصن كيفا والقاهرة. # أفمن أجل ذلك أخرجه أبوه من مصر وانتزعه من بين مماليكه وجنده، وقذف به إلى ذلك المنفى ~~السحيق؟ # وثقلت وطأة الصمت على أصحابه، وإن كانوا ليعلمون ما يصطرع في رأسه من خواطر، حتى كأنهم ~~يسمعون حديثه إلى نفسه ويبادلونه الرأي، فقد طالعوا منذ لحظات ما جاء به البريد من أنباء ~~القاهرة، فعلموا أن أميرهم منذ اليوم ليس وليا للعهد؛ لأن ولاية العهد قد صارت منذ اليوم ~~لأخيه الصبي سيف الدين. # صبي لم يبلغ الحلم، والدولة يكتنفها الخطر ويتربص بها الأعداء من كل جانب؛ ~~فثمة الصليبيون يتحفزون للوثبة على سواحل مصر والشام، والخطر المغولي يمد مده نحو ~~الغرب، ويكاد يبلغ بغداد عاصمة الخلافة ليثب منها إلى الشام ومصر، فماذا يملك مثل ذلك ~~الصبي أن يدفع من هذا الويل؟ ألأن أمه «سوداء بنت نصر» # 2 # أحظى نساء الكامل وآثرهن عنده؟! فليهنه رضاها، ولا عليه بعد ذلك أن ~~يتبدد ملك بني أيوب وتطأه خيل الصليبيين والمغول. # وإذن؛ فسيبقى الأمير نجم الدين في حصن كيفا أميرا على ما يليه من بلاد الموصل، وسيبقى ~~معه أصحابه وبطانته؛ فإن القاهرة منذ اليوم - أو منذ غد - قاعدة ملك الأمير سيف ~~الدين! # وهم الأمير فخر الدين بن الشيخ # 3 # أن يتكلم، ثم ms07 أمسك حين ارتفع صوت من وراء الحجرات ينشد شعر الإربلي: # 4 # وإذا رأيت بنيك فاعلم أنهم # قطعوا إليك مسافة الآجال # وصل البنون إلى محل أبيهم # وتجهز الآباء للترحال! # ورفع الأمير نجم الدين رأسه وأدار عينيه فيمن حوله، وهو يردد في صوت خافت: # وتجهز الآباء للترحال! # قال الأمير فخر الدين قلقا: أتعني يا مولاي ...؟ # فابتدر الأمير وعلى شفتيه ابتسامة خابية: # 5 # ماذا فهمت بالله يا فخر الدين فنال منك الجزع؟ إن هو إلا شعر طرق مسمعي فجرى ~~على لساني، وإنه لأبي وإن غلبته على حزمه وإرادته سوداء بنت نصر! # ثم زم شفتيه وأردف: ولكن ذلك الصبي لن يبلغ ما أرادت له أمه، ولن يكون له عرش ~~مصر! # ثم انفض المجلس، وتفرق أصحاب الأمير، فمضى كل منهم إلى وجه، وخلا الأمير إلى نفسه ~~يدبر أمره، ولزم الطواشي صواب # 6 # بابه شاكي السلاح متأهبا لما يصدر إليه من أمر. ~~••• # لم تكن الأنباء التي جاء بها البريد في ذلك اليوم من القاهرة مفاجأة غير منتظرة؛ فقد ~~كان الأمير يعلم علم اليقين منذ أبعد عن القاهرة إلى حصن كيفا، أن ثمة أمرا قد ~~أحكمت بنت نصر تدبيره؛ ليخلو لسيف الدين وجه أبيه، ولكنه مع ذلك لم يكن يتوقع أن ~~يتم ذلك التدبير سريعا قبل أن يستكمل أهبته للمقاومة، ويتكثر من الجند والعتاد، ~~ويصطنع أسباب المودة بينه وبين جيرانه من أمراء الموصل، # 7 # وبينه وبين ذوي قرابته من أمراء بني أيوب، # 8 # وليس معه في هذا الحصن النائي من صحابته الأدنين إلا بضعة نفر، وليس له من ~~المماليك إلا بضع عشرات، إلى بضع فرق من الجند لا تغني غناء، ومن أين له بهؤلاء أن يغلب ~~أخاه على العرش حين تحين الساعة؟ # وتذكر نجم الدين أميرا من أمراء الموصل يرابط في طريقه إلى مصر متربصا به؛ ذلك ~~هو بدر الدين لؤلؤ، وإن له عند نجم الدين ثأرا منذ غلبه نجم الدين على سنجار # 9 # فاحتازها إلى إمارته وترك جيشه أباديد # 10 # على ظهر البادية، وما كان لبدر ms08 الدين أن ينسى ثأره! # وتذكر نجم الدين كذلك ثأرا آخر بينه وبين السلطان غياث الدين صاحب بلاد الروم. # 11 # أفيكفيه شر ذلك كله بضع عشرات من مماليكه إلى بضع مئات من الجند؟ ولكنه قد ~~عقد النية على أن يكون له دون غيره عرش الأيوبية؛ ولا بد أن يتم له ما أراد. # ذلك كان هم الأمير، على حين كان لكل واحد من أصحابه في ذلك الحصن هم ~~يشغله: # هذا الأمير فخر الدين بن الشيخ، قد أرق جفنيه وأقض مضجعه ما جرى على الأمير نجم ~~الدين، وما يخشى أن يئول إليه أمره وأمر الدولة إذا بدا له أن يشق عصا الطاعة، أو ~~يتمرد على أمر أبيه، وإن على فخر الدين تبعات # 12 # تقتضيه أن يرحل إلى القاهرة بعد أيام، وليس يدري ما يكون شأن نجم الدين بعد أن ~~يفارقه ويمضي لوجهه. # وهذا الصاحب بهاء الدين زهير # 13 # قد برح به الحنين إلى مصر وإلى أصحاب هنالك وصواحب، وإلى منازل آهلة ~~ومغاني مأنوسة، كان يمني نفسه بأن يعود إليها، فالآن هيهات هيهات المعاد وقد صار عرش ~~مصر لغير نجم الدين أيوب، فهو منذ بلغه ذلك النبأ يحسو # 14 # دمعه وحيدا وينشد: # إلى كم حياتي بالفراق مريرة؟! # وحتام طرفي ليس يلتذ بالغمض؟! # وكم قد رأت عيني بلادا كثيرة! # فلم أر فيها ما يسر وما يرضي # ولم أر مصرا مثل مصر تروقني # ولا مثل ما فيها من العيش والخفض # 15 # وبعد بلادي فالبلاد جميعها # سواء، فلا أختار بعضا على بعض # إذا لم يكن في الدار لي من أحبه # فلا فرق بين الدار أو سائر الأرض # وهؤلاء المماليك الكثر من حاشية الأمير في الحصن لا يعنيهم من حياتهم إلا ما يستمتعون به ~~من طيبات الرزق، وما يتقلبون فيه من ألوان النعمة، إذا اجتمعوا فليس لهم هم إلا العبث ~~والفكاهة والضحك العريض، وإذا افترقوا فليس لواحد منهم هم غير طعامه وشرابه، وزيه ~~وشارته، وغلامه وجاريته ... # أما أمير الحصن وسيده، فإنه من الهم والفكر واشتغال البال ... # كريشة في ms09 مهب الريح طائرة # لا تستقر على حال من القلق! # الفصل الثاني # | نبوءة أبي زهرة # وكان «أيبك» الجاشنكير # 1 # من الهم والفكر واشتغال البال في مثل حال سيده الأمير نجم الدين. # بلى، إنه رجل ليس له شأن ولا خطر في ذلك الحصن، ولكنه مما يتخايل لعينيه من بعض ~~الأوهام والأماني في هم مقيم مقعد. # رقيق من الترك، قذفت به المقادير إلى ذلك الحصن في مجموعة من الأرقاء والجواري، فزم ~~الخدمة في مطبخ الأمير جاشنكيرا، يشرف على إعداد الطعام، ويتذوقه قبل أن يمد الأمير ~~إليه يده؛ ليستوثق من جودة طهيه وطيب مذاقه، فأتاحت له هذه الفرصة أن يكون أدنى إلى الأمير ~~منزلة وأحظى لديه من عامة المماليك، وقد كان سعيدا بهذه المنزلة التي بلغ، لولا حديث ~~جرى منذ أيام بينه وبين أبي زهرة المنجم، فرده من السلام والطمأنينة إلى حال من ~~القلق واشتغال الفكر، لا طاقة لمثله باحتمالها؛ فهو منذ سمع ذلك الحديث في هم وفكر ~~ووحشة، لا يكاد يتحدث إلى أحد أو يستمع إلى حديث أحد؛ وما ظنك بمملوك ممتهن ~~بين الأوعية والقدور، يقع في وهمه أن سيصير يوما ملكا يجلس على العرش، وتأتمر بأمره ~~الملايين! # وقد ضاق أيبك آخر الأمر بسره ذاك، فأفضى به إلى طائفة من صحابته ليتخفف منه، فما ~~كان إفضاؤه به إليهم إلا هما على هم، فقد ركبه أصحابه بالعبث والسخرية، وجعلوا حديثه ~~نادرة وأفكوهة يتملحون بها كلما طاب لهم الحديث في سر أو علانية، وكان أشدهم سخرية ~~منه وعبثا به أصحابه الثلاثة: آق طاي، وبيبرس، وقلاوون. # 2 # ولم يكن همه الجديد عبثهم وسخريتهم؛ فإنه لأرحب صدرا من أن يستفزه الغضب لمثل ~~ذلك، ولكنه يخشى أن يمتد الحديث حتى يبلغ الأمير فتكون الطامة، وهل يقع في وهم أحد أن ~~يطمع مثل أيبك في العرش والإمارة إلا إذا كان منطويا لأميره على نية الغدر! # فإنهم لفي حديثهم وعبثهم به ذات يوم، إذ قال قلاوون: فإن كان أيبك قد خيلت له أوهامه ~~أنه سيصير يوما ملكا تأتمر الملايين بأمره، ms10 فإن من حق تلك الفتاة التي التقطها الجند ~~منذ أسابيع في سنجار أن تكون ملكة على عرش بني أيوب! # قال بيبرس عابثا: وإنها لأهل لذاك. # فانتفخت أوداج أيبك واحمرت عيناه غضبا لرجولته، وهتف مغيظا: بالله ماذا تعني يا ~~بيبرس؟! # قال آق طاي في هدوء: حسبكم أيها الرفاق، فإنكم لتوشكون أن تقتحموا مهلكة؛ إذ تخوضون ~~في حديث هذه الفتاة؛ فليس يجمل منذ اليوم أن يجري حديثها على لسان وقد احتظاها سيدنا ~~ومولانا الأمير نجم الدين، فهي اليوم سرية من سراياه، # 3 # بل إنها منذ نزلت دار الحريم أحظى جواريه إليه وآثرهن عنده. # ثم أردف باسما وهو يقلب وجهه بين أيبك وقلاوون: ولم يبعد قلاوون حين بدا له أنها ~~أدنى منزلة إلى العرش من أيبك، وإن كانت أنثى؛ إلا أن يكون أيبك أكثر إدلالا بحظوته عند ~~الأمير! # وأغرق المماليك الثلاثة في ضحك عريض واحمر وجه أيبك، ولكن شفتيه لم تنبسا بحرف؛ فقد ~~آثر أن يتوقى الهلكة وقد عرض ذكر مولاه، ثم لم يلبث أن نهض ليشرف على إعداد مائدة ~~العشاء للأمير، وسرح كل واحد من أصحابه في واديه! # الفصل الثالث # | شجرة الدر # لم يكن أحد في حصن كيفا يعرف إلى أي جنس من الناس تنتسب تلك الفتاة الملثمة التي ~~التقطها جند الأمير ذات غداة في سنجار؛ فلا هي تركية ولا أرمنية ولا جركسية ولا من بنات ~~الفرنجة، فليس في وجهها ولا في لسانها ولا في حركتها ما يومئ إلى الأصل الذي انشعبت منه، # 1 # ولكنها فتاة من بنات حواء، قد اجتمع لها من خصائص الحسن النسوي ما تفرق في ~~النساء ألوانا وفنونا؛ ففيها من كل جنس وليست إلى جنس، وإنها إلى ذلك لداهية أريبة، ~~ذات تدبير وكيد وتحسن الخط والقراءة والغناء ... وما كانت تعلم عن ماضيها ونشأتها أكثر ~~مما يعلم الناس، فقد أصبحت ذات يوم فإذا هي جارية في دار؛ وما كان أكثر الجواري اللاتي لا ~~يعرف لهن آباء ولا أمهات ولا وطن في ذلك التاريخ البعيد! كالأعشاب الطافية تقذفها على ~~الساحل ms11 موجة المد، لا يعرف أحد أين كان منبتها قبل أن يقذفها الموج على الساحل، ولا ~~تعرف هي نفسها، وكان المغول مندفعين يومئذ في موجة اكتساح هائلة قد بدأت من أقصى ~~المشرق، وقد طفا على ثبجها غثاء وعشب قد اجتثته من منابت متباعدة، ثم قذفته على ~~الساحل. # وكانت طفلة حين احتملتها الموجة فرمت بها إلى حيث رمت، فلما بلغت سن التمييز ~~عرفت نفسها جارية في دار، فأقامت بها حينا، ثم حملتها الأقدار على موجة ثانية، فرمت ~~بها في دار غيرها لم يطب لها فيها المقام، فمضت على وجهها حتى التقطها جند الأمير نجم ~~الدين، فنزلت عنده منزلا رحبا، وتفيأت ظلا ظليلا. ~~••• # قال الأمير نجم الدين: ولكنك لم تذكري لي يا فتاة ما كان من خبرك في قصر الملك الرحيم ~~بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، حتى آثرت الفرار إلى حيث التقطك عسكرنا! # فرفعت الفتاة إليه طرفا نديا، ثم أطرقت وتسابقت على وجنتيها الدموع، فدنا منها نجم ~~الدين وضمها إليه في حنان وعطف، ثم أرسلها من بين يديه وهو يقول: لا عليك يا فتاة ~~مما كان، ولن أهيجك بعد بذكره، فطيبي نفسا! # ثم خلاها بين يدي ماشطتها وخرج لبعض شأنه. ~~••• # قال الطواشي بدر الدين صواب لمولاه وقد خلا لهما المجلس: كأن قد عرفت ما كانت تحرص ~~الفتاة على كتمانه من خبر ماضيها، لقد اختار الله لك يا مولاي واختار لها. # قال الأمير في لهفة: ماذا عرفت من خبرها يا صواب؟ # قال صواب: إنه تاريخ بعيد يا سيدي، أفضى إلي بسره جندي من الخوارزمية # 2 # كان من خاصة السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه، وقد عرفها منذ كانت طفلة ~~في حجر السيدة فاطمة خاتون قبل أن تصير السيدة زوجا للسلطان! # 3 # قال نجم الدين مدهوشا: تعني فاطمة بنت طغرل السلجوقي؟ # فأومأ صواب برأسه: نعم، ملكة تبريز وسيدة العجم، وزوج السلطان أزبك البهلوان، فلما انقطع ~~ما بين الخاتون وأزبك حين أسرف في اللهو والفاحشة، وأهمل تدبير الملك، خلعت الخاتون طاعته، ~~وانفصلت عنه، واستقلت بالحكم في ms12 تبريز، ثم حالفت جلال الدين واتخذته زوجا، وخاضت معه ~~الغمرات حتى أدركه الأجل في حرب المغول وتبدد ملكه، فذهبت في الأرض، وقذفت المقادير ~~بفتاتها إلى بدر الدين صاحب الموصل! # 4 # قال نجم الدين: هيه! ثم ماذا يا صواب؟ فوالله ما خابت فراستي فيها، وإن في وجهها ~~أمارات الملوكية! # قال صواب: ثم لم يطب لها المقام ثمة حين أراد بنات بدر الدين أن يمتهنها مهنة ~~الجواري، وإنها لأعرق أرومة من بدر الدين وبنات بدر الدين، إنها لدرة يا مولاي لم يلتقط ~~مثلها غواص! # قال نجم الدين وقد تهيأ للقيام: بل هي يا صواب «شجرة الدر!» ~~••• # وحظيت الفتاة منذ ذلك اليوم عند الأمير نجم الدين أيوب، فليس لغيرها من حظاياه ونسائه ~~مكان في قلبه، ثم زادت حظوة حتى صارت صاحبة الرأي والمشورة، ثم زادت حتى ليس لغيرها مع ~~الأمير رأي ولا مشورة، واستأثرت بالسلطان. # على أن مكانة شجرة الدر عند الأمير لم تكن دون منزلتها عند سائر المماليك والجند ~~وأصحاب الوظائف في الحصن؛ فقد كانت من حصافة الرأي وسعة النفس وبسطة الكف بحيث صارت بين ~~الجميع ملكة بلا تاج ولا عرش، يدينون لها بالحب والولاء والطاعة، وكأنما كانت ~~نشأتها الملوكية في حجر فاطمة بنت طغرل ملكة تبريز، وتنقلها بين ألوان من السلطان في ~~بلاط آل سلجوق، وأزبك، وجلال الدين إرهاصا # 5 # لما بلغته من المجد والجاه في بلاط الأمير نجم الدين أيوب، سليل الغطاريف # 6 # من خلفاء صلاح الدين. # وسري عن الأمير بعض همه، ووجد روح الاطمئنان وهدوء القلب في جوار صاحبته ~~الفاتنة، ولكنه إلى ذلك لم يغفل لحظة عما كان يجري في القاهرة من أحداث، فلا يزال ~~يترقب الفرصة التي تهيئ له أن يرد إلى عرش الأيوبيين هيبته، ويدفع عن البلاد ما ~~يتربص بها من شر الصليبيين والمغول، ولا يزال يردد مصبحا وممسيا بيتا من شعر ~~الإربلي هتف به الهاتف من وراء الحجرات ذات يوم، كأنما هو إنذار من وراء الغيب بيوم ~~قريب للملك الكامل: # وصل البنون إلى محل أبيهم # وتجهز ms13 الآباء للترحال! # وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ في القاهرة يرقب كذلك ويتربص! # الفصل الرابع # | ملوك أربعة! # - سترتقي إلى العرش يوما أيها الفتى، وتبلغ من المجد والسلطان ما لم يخطر لك على بال، ~~ولكن ... ~~- ماذا يا أبا زهرة؟ ~~- لا شيء، أفليس يكفيك أيها المملوك أن تبلغ العرش؟ أفتطمع فوق ذلك في مزيد من ~~السعادة؟ ~~- بلى، ولكنك لم تفصح لي عن كل ما في نفسك، أثمة ما تخاف أن تفضي به إلي من ~~أنباء الغد؟ # ابتسم أبو زهرة المكفوف وهز رأسه هزات دائرية متتابعة ، ثم تنفس نفسا ~~عميقا، وراح يمشط بأصابع يسراه لحية مسترسلة على صدره وهو يقول ساخرا: نعم، نسيت أن ~~أقول: إنك ستتزوج، ثم تموت! # ردد أيبك في بلاهة: أتزوج، ثم أموت؟ # قال أبو زهرة وهو يتحسس موضع عصاه إلى جانبه لينهض: ألا تصدق هذا؟ أتظن أن تموت ~~أولا ثم تتزوج بعد؟! # وقهقه في سخرية، ومضى في طريقه يدب على عصاه، وترك أيبك في بحرانه! # 1 ~~••• # ذلك كل ما جرى من الحديث بين أيبك الجاشنكير وأبي زهرة المنجم، ولا يزال أيبك منذ سمعه ~~في هم وقلق، ولا يزال أصحابه منذ حدثهم بخبره يركبونه بالعبث والدعابة والسخرية، لا ~~يكاد يطالعهم وجهه حتى يجدوا من تشقيق ذلك الحديث مادة للضحك والفكاهة. # على أن حديث ذلك المنجم لم يلبث أن فقد سحره بين هؤلاء النفر من المماليك، فقد أسر ~~أبو زهرة إلى بيبرس، كما أسر إلى قلاوون، حديثا مثل حديثه إلى صاحبهم أيبك أو قريبا منه، ~~فإن صح ما حدثهم به، فسيكونون جميعا ملوكا ويتزوجون ثم يموتون! وأين البلد الذي ~~يتسع عرشه لثلاثة ملوك، أو أربعة! # قال آق طاي عابثا: # لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا # 2 # صدق الله وكذب المنجم! # فضحك بيبرس وقال: أفلست تريد أن تستنبئه مثلنا أنباء غدك، فلعله أن يبايعك مثلنا ~~ملكا رابعا! # قال آق طاي: حسبه أن يسخر منكم، أما أنا فلست أريد أن أكون ملكا، وليس يعنيني أن ~~أتزوج قبل أن أموت، أو أموت ثم ms14 أتزوج! # وأغرق المماليك الأربعة في الضحك، ثم تفرقوا فذهب كل منهم إلى وجه. ~~••• # ومضت أيام قبل أن يتجدد حديث أبي زهرة بين المماليك، ذلك أن أيبك الجاشنكير قد أشرف ~~على الموت، ولم يتزوج ولم يبلغ العرش، وهؤلاء أصحابه قد تحلقوا حول فراشه مشفقين ~~جزعين، وهو يئن ويتلوى، قد احتقن وجهه وتقلص جبينه، وهذا رسول الأمير نجم الدين ~~يسأل عن حاله قلقا مثلهم، مشفقا أن ينال ذلك المملوك المخلص سوء. # وظل أيبك في الفراش أياما، يتوقع أصحابه في كل لحظة أن ينتزعه الموت من ~~بينهم، ثم زايله الخطر ونجا، وزفت البشرى إلى الأمير نجم الدين فسري عنه واستبشر، ~~فما كانت نجاة أيبك إلا نجاة للأمير من شر كان يتربص به؛ فقد كان الأمير جالسا إلى ~~مائدته ذات مساء وقد قدم إليه عشاؤه، وتذوق الجاشنكير الطعام على عادته قبل أن ~~يمد الأمير إليه يدا، فلم يكد يحس مذاقه حتى صاح عجلا: في الطعام سم يا ~~مولاي! # وغثيت نفسه ودار رأسه، فلولا أنه استند إلى الجدار لهوى بين يدي مولاه، ونهض الأمير عن ~~المائدة لم يصب منها شيئا، وحمل أيبك الجاشنكير إلى فراشه والسم يمزق ~~أحشاءه. # وكافأه الأمير على ما ناله، فعقد له على جارية من بنات الإغريق، ذات جمال ودلال ~~وفتنة، كانت من سبايا الأمير غداة عودته من حرب غياث الدين صاحب بلاد الروم، ولكنها تزعم ~~أن لها نسبا ملوكيا في بلاد الأشكري صاحب القسطنطينية، # 3 # وكانت بجمالها ودلالها وما تزعم من عراقة أصلها ذات حظوة بين جواري الأمير، ~~حتى غلبتها على مكانتها شجرة الدر، ثم زينت شجرة الدر للأمير من بعد أن ~~يهبها لمملوكه أيبك؛ لتخلص منها ويخلو لها وجه الأمير. ~~••• # قال بيبرس لصاحبه ضاحكا: هذه نبوءة من نبوءات أبي زهرة قد تحققت يا أيبك، وتزوجت ~~قبل أن تموت! # قال آق طاي: ولكن نبوءة أبي زهرة لم تبلغ به العرش، وكان حقيقا بأن يبلغه قبل أن يتزوج، ~~لو صدق المنجم! # قال قلاوون ساخرا: بل أراه قد بلغ أو كاد، أليست زوجته ms15 من بنات الأشكري فيما تزعم؛ فقد ~~أوشك أيبك أن يجلس على عرش أبيها في القسطنطينية! # قال أيبك مسترسلا فيما بدأ أصحابه من الدعابة: ويكون من وزرائي آق طاي وبيبرس ~~وقلاوون! # فصاح آق طاي مصطنعا هيئة الغضب: إخسأ! أيكون مثلي وزيرا لك؟! # قال قلاوون: أما أنا فقد رضيت أن أتوزر لك، على أن تجعل لي العرش من بعدك! # قال بيبرس: بل يكون لي العرش من بعده، وتكون وزيري وولي عهدي يا قلاوون. # قال آق طاي: اقتسموها بينكم على أي وجه شئتم، أما أنا فلن أطلب العرش قبل أن أطلب ~~زوجة من بنات الملوك لم تدخل تحت رق قط! # الفصل الخامس # | غيرة الأنثى # جلست شجرة الدر بين يدي ماشطتها ترجل لها شعرها وتضمخه بالطيب، وتعقد منه ما ~~تعقد حلقات وترسل ما ترسل، وشجرة الدر في غفلة عن نفسها وعن ماشطتها وما تفتن فيه ~~من أسباب زينتها، قد سرحت خواطرها هنا وهنالك، ترود أقطارا لم تقع عينها عليها قط، ~~ولم تتمثلها في وهم ولا في حقيقة، ترى ماذا في القاهرة وعلى النيل من مغاني ~~الحسن ومجالي الهوى، حتى لتفعم وجدان كل من في هذا الحصن حنينا ولهفة! فلا تزال ~~كلما أرهفت أذنا سمعت منشدا يشدو أو جارية تغني: # 1 # حبذا دور على النيل وكاسات تدور # ومسرات تموج الأرض منها وتمور # وقصور ما لعيش نلته فيها قصور # 2 # كم بها قد مر بي - أستغفر الله - سرور # كل عيش غير ذاك العيش في العالم زور # منزل ليس على الأرض له عندي نظير! ~~«دور، وكاسات، ومسرات، وقصور، وسرور، وكل عيش غير ذلك زور.» # تلك أغنية الجميع في ذلك الحصن؛ شبابا وكهولا ومشيخة، حتى الأمير نفسه - على ما فيه ~~من وقار الإمارة - لا يكاد يخلو إلى نفسه ساعة حتى يجري على لسانه بيت أو أبيات من مثل ~~ذلك الشعر، فيه الهوى والحنين واللهفة، ولا يزال بهاء الدين زهير ذلك الشاعر الوشاء # 3 # ينظم كل يوم جديدا من الشعر يذكي # 4 # به عواطف الشباب والكهول، ويبعث الشوق والحنين. ms16 # وهاج بها داء الأنثى # 5 # فتخيلت في نبر كل أغنية من تلك الأغاني نبضة قلب عاشق مفارق، فنهشتها ~~عقارب الغيرة، إنها لتريد نجم الدين خالصا لها من دون النساء! # وفرغت الماشطة من زينة سيدتها، ولم تؤب السيدة بعد من سرحتها في عالم الأوهام، ~~وهتفت بها الماشطة: سيدتي! # فانتبهت شجرة الدر كأنما آبت من سفر بعيد، واعتدلت لترى صورتها في المرآة مقبلة ~~ومدبرة، ثم ابتسمت فأشرقت ابتسامتها بالنور على وجه لم ينطبع في المرآة أجمل منه، ~~فرضيت وقرت عينا، وعطفت جيدها إلى الماشطة شاكرة: لله ما صنعت يداك يا فتاة! # قالت الجارية : بل سبحان الذي خلق فسوى يا مولاتي! لقد آثر الله مولاي الأمير من هذا ~~الجمال بنعمة لم يظفر بمثلها أحد من ملوك الأرض، وإنه لحقيق بما نال! # فانبسطت نفس الأميرة بما سمعت من ثناء الجارية، وأنست إليها، فأقبلت عليها تحدثها ~~وتستمع إليها، كأنما تريد أن تزيدها حديثا عن جمالها، أو أن تبدأها حديثا آخر عن ~~الأمير الذي تريد أن تستأثر بحبه فيكون قلبه خالصا لها من دون النساء. # قالت شجرة الدر: منذ كم تعيشين في قصر الأمير يا فتاة؟ # قالت الفتاة: منذ نشأت يا سيدتي، وكانت أمي ماشطة السيدة «ورد المنى» والدة الأمير، ~~فاختصصت بخدمة مولاي منذ كان نائبا عن أبيه الملك الكامل في القاهرة. # 6 # ثم أردفت الفتاة وفي عينيها حنين ولهفة: آه يا سيدتي لو رأيت القاهرة! إنها عروس ~~المدائن! ولقد شهدت في رحلتي إلى هذا الحصن، دمشق وبغداد وكثيرا من بلاد المشرق، فوالله ~~ما رأيت بلدا كمصر، ولا نهرا كالنيل! # فأسبلت شجرة الدر جفنها وقالت وعلى شفتيها ابتسامة: لعل لك هوى في القاهرة يا ~~جهان! # فاحمر وجه الفتاة من حياء وأغضت ثم قالت: إن هواي يا مولاتي حيث يكون هوى ~~الأمير! # قالت شجرة الدر في خبث: وأين هواه اليوم؟ # قالت وفي عينيها إعجاب: إن هواه اليوم يا مولاتي حيث تعرفين، وإنه حديث كل من في ~~الحصن! # وسمعت خطوات تقترب من باب المخدع، فهمت الفتاة بمغادرة المكان، ms17 وخطفت شجرة ~~الدر نظرة إلى مرآتها قبل أن تخطو إلى الباب لتستقبل مولاها. # وخلا المكان إلا من اثنين، ولكن الأمير ظل صامتا جامد الوجه، قد سرح فكره وصوب ~~نظره ثابتا لا يكاد يطرف، وتعلقت به عينا صاحبته صامتة مثله لا تجرؤ على أن تبدأه ~~الحديث، وطال بينهما الصمت، فما قطعه إلا صوت مطرب يغني من وراء الحجرات بشعر ~~زهير: # حبذا دور على النيل وكاسات تدور! # وثابت إلى الأمير نفسه فتنفس نفسا عميقا، ثم هز رأسه وهو يردد: # حبذا دور على النيل ... # وانقبضت نفس صاحبته واعتادها داؤها، وتخيلت ما تخيلت من أوهام الأنثى ، ولكنها كظمت ~~نفسها، وقالت وهي تصطنع الهدوء: أرى مولاي بحاجة إلى أن يسمع غناء ليتخفف من بعض أثقاله ~~ويزيل متاعبه! # قال الأمير باسما: حبذا ... يا شجرة الدر! # فقامت إلى خزانتها فأخرجت عودا فاحتضنته وحنت عليه، وراحت أصابعها تجس أوتاره، ثم ~~رفعت إلى الأمير عينين فاتنتين وهي تقول: أفيريد مولاي أن أغني له ذلك الصوت أم يقترح ~~صوتا غيره؟ # قال الأمير: بل تقترحين أنت! # فأنغضت # 7 # رأسها ومرت أصابعها على العود وارتفع صوتها رويدا رويدا: # 8 # أغار عليك من عيني ومني # ومنك ومن مكانك والزمان # ولو أني خبأتك في جفوني # إلى يوم القيامة ما كفاني! # قال الأمير وقد استخفه الطرب: ولا كفاني! # ثم مد إليها يدا فأنهضها، ومضيا يجوسان خلال الغرفات سعيدين بما بلغا من نعمة ~~الحب والوفاء. # لقد عرفت شجرة الدر مكانها من نفس أميرها، وعرف نجم الدين مكانه، وكانت من الغيرة ~~عليه والرغبة في الاستئثار به، في مثل غيرته وأثرته، فلم تدع له منذ تواثقا على ~~الحب أن يفكر إلا فيها أو معها، ولم يدع لها: لا تريد ولا يريد أن يستأثر أحدهما دون ~~صاحبه بشيء، ولا أن يفكر منفردا في أمر؛ فهما سواء، وعلى رأي مشترك في الحب ~~وفي الحرب، وفيما يصطنعان من أساليب السياسة لإدراك العرش، وعادت غيرة الأنثى على رجلها ~~غيرة ملكة على السلطان، تريد أن يمتد ظلها على البسيطة ويدين لها الملايين بالطاعة ms18 ~~والولاء! # الفصل السادس # | طفل ملك # اطمأن الملك الكامل إلى عاقبة أمره وسلامة تدبيره حين استخلف ولده العادل سيف ~~الدين على عرش مصر، وجعل ولده الصالح نجم الدين على عرش المشرق، وخيل إليه أنه مستطيع ~~أن يخلد إلى الراحة والسلام ما بقي من أيامه، وقد بلغ الستين من عمره، جلس منها على عرش ~~مصر أربعين عاما، نائبا عن أبيه عشرين منها، ومستقلا بالحكم عشرين. # على أن الملك الكامل - على حنكته # 1 # وأصالة رأيه وطول تمرسه # 2 # بالحكم - لم يلق بالا إلى ما قد يجد تدبيره ذاك من معارضة الأمراء العظام ~~من آل أيوب، ومنهم إخوته وأبناء عمه أمراء الشام، وكلهم يرى نفسه أحق بعرش مصر من ذلك ~~الصبي، كما غفل عما قد يلقى ذلك التدبير من مقاومة ولده الصالح نجم الدين نفسه، وهو ~~أرشد بنيه وأحقهم بخلافته على عرش بني أيوب. # فلم تكد تذيع تلك الأنباء من القاهرة حتى تمرد أمراء الشام وشقوا عصا الطاعة؛ فنشبت ~~سلسلة من المعارك بينهم وبين الكامل لم تدع له فرصة لما كان يأمل من الطمأنينة والسلام، ~~على حين كان ولده الآخر في حصن كيفا يدبر تدبيره في صمت، ويتحين الساعة التي ينقض ~~فيها على عرش القاهرة فيستخلصه لنفسه، وكانت تؤازره في التدبير زوجه الشابة الطموح شجرة ~~الدر، وقد ارتفعت منزلتها عند الأمير منذ ولدت له، فلم تعد كما كانت منذ قريب ~~جارية محتظاة، ولكنها زوجه وأم ولده وصاحبة تدبيره وشريكته في الجهاد، وقد أجد لها ~~هذا المولود أماني واسعة؛ فهي اليوم زوجة الأمير الذي يهيئ نفسه لعرش مصر والشام والجزيرة ~~وما يليها من البلاد، وهي في غد أم السلطان خليل ابن السلطان نجم الدين وخليفته على عرش ~~بني أيوب، وتجتمع في يديها كل السلطات! ~~••• # قال الأمير وقد تناول الطفل بين يديه وتمثل في نظرة عينيه كل حنان الأبوة: هذا يومك ~~يا بني، فليت لي علما عن غدك! # فبرقت عينا أمه وسرحت بخواطرها تتخطى الزمان والمكان وثبا، فكأن قد رأت نفسها على ~~عرش مصر سلطانة ورأت ms19 فتاها، فلم يردها من سرحتها إلا حاضنة الصبي قد افتر ثغرها عن ~~ابتسامة الأمل وهي تقول: سيبلغ حيث أردت يا مولاي بتوفيق الله، وتهتف باسمه الخلائق في ~~شرق الأرض وغربها، ويفيض المجد على كل من حوله من آل بيته! # قالت شجرة الدر وقد اتسعت نفسها حتى شملت كل ما حولها برا ورحمة: ويفيض ~~بره على حاضنته خاتون التي بشرت بما يبلغه من المجد قبل أن يدرج من مهده! # قالت الحاضنة: وتكون كل سعادتي يومئذ يا مولاتي أن أباهي بأنني حاضنة السلطان خليل ~~وصفية أمه، إن راقك يا مولاتي أن تصطفي مثل جاريتك خاتون! # فربتت الأميرة كتفها قائلة: بل إن أمه يومئذ لتباهي بأنك حاضنة ولدها! # ودس الأمير يده في جيبه ونثر كيسا من ذهب في حجر الجارية، ثم انصرف لشأنه وخلى ~~المرأتين تتحاوران إلى جانب مهد الصبي. ~~••• # قالت خاتون: إن لأبي زهرة المنجم يا مولاتي أسبابا وثيقة إلى الغيب، وإنه لشيخ قد ~~عمي وكف بصره، ولكنه فيما يروي من أنباء الغد كأنما يقرأ في لوح مسطور! # قالت شجرة الدر: وتؤمنين بما يهرف به هؤلاء المشعوذون يا خاتون؟ # قالت: إنه إلا يصدق يا مولاتي فيما يحدث به من أنباء الغيب، فحسبه أن يبذر ~~بذور الأمل وينشر السلام والطمأنينة، وقد استمعت إليه منذ أيام يتحدث إلى جهان ~~ماشطة مولاتي حديثا ما يزال له حمرة في وجنتيها وبريق في عينيها، كأن قد بلغت كل ~~المنى، وما زاد الأمر على حديث سمعته! # قالت شجرة الدر جادة: ماشطتي جهان؟ فادعيها إلي لأسمع حديثها! # فعضت خاتون على شفتها وقالت: معذرة يا مولاتي، فما قصدت أن أفشي سر جارية من ~~جواري مولاتي تخلص لها الحب، وإنما استرسل بي الحديث وأغراني عطف مولاتي! # قالت: لا عليك من ذلك يا خاتون، وإنما يشوقني حديث تلك الجارية، فنهضت خاتون لأمر ~~سيدتها، ومالت شجرة الدر على مهد الطفل النائم تنشق من عبق أنفاسه روح ~~الأمل. ~~••• # وكانت جهان فتاة مشبوبة العاطفة مرهفة الحس، وقد نشأت جارية في بيت بني أيوب ~~بالقاهرة، ولكن ms20 مكانة أمها من «ورد المنى» أم الأمير نجم الدين قد هيأت لها بين ~~جواري الأمير منزلة خاصة فرضت عليها نوعا من الوقار والتزمت # 3 # حال بينها وبين كثير من مسرات الشباب، فظلت عذراء القلب، إلى عاطفة مشبوبة ~~وحس مرهف، ثم تهيأت لها الفرصة ذات يوم للحديث إلى المملوك بيبرس، فسرى بينهما ~~تيار الحب، وما كشف لها عن ذات صدره ولا كشفت له، ثم أغلق من دونهما الباب فما رأته ~~ولا رآها من بعد، ووقع في شرك الحب قلبان لا يجدان وسيلة إلى اللقاء ولا سبيلا إلى ~~السلوان! # ولم تكن الفتاة تدري بما يعتلج في نفس صاحبها من الهوى ولا كان هو؛ ولكنها من الوحدة ~~والكتمان كانت أشب عاطفة وأشد قلقا، فالتمست أبا زهرة المنجم تستعينه على أمرها ~~وتستنبئه أنباء الغد، فأنبأها ولم يزل لحديثه منذ ذلك اليوم حمرة في وجنتيها وبريق في ~~عينيها، وعرفت خاتون من خبرها على لسان المنجم ما عرفت، فتحدثت به إلى مولاتها شجرة ~~الدر. ~~••• # قالت الأميرة: وإذن؛ فأنت على ثقة من حبه يا جهان! # فأنغضت رأسها وتضرجت وجنتاها من حياء ولم تجب. # قالت شجرة الدر: لا تراعي يا فتاة! إن بيبرس جندي من جند الأمير يرجى غده، وإنك ~~لتعرفين مكانك من نفسي ومن نفس الأمير، فسيجتمع شملك ببيبرس وتكونين له ويكون لك، ولكن عليه ~~قبل أن يظفر بهذه الأمنية أن يؤدي ثمنها! # ثم استضحكت وقالت: وفي دار على النيل يا جهان ليس مثلها في الأرض، يكون اجتماع شملك ~~بمن تحبين، وتغنين له ويستمع إليك: # حبذا دار على النيل ... # أما هنا فلا، إن عليه سفرا طويلا قبل أن يبلغ منزلك! # قالت الفتاة ولم تزل في إطراقها: شكرا يا مولاتي. # فمدت الأميرة إليها يدا فأنهضتها وهي تقول: لا شكر اليوم يا بنية، فانتظري حتى تري ~~ونرى ما يكون غدك! # ودرى بيبرس بكل ما كان من خبره وخبر صاحبته، فاعتقدها يدا للأميرة عنده تقتضيه ~~الوفاء، فكان همه منذ اليوم أن يلتمس أسباب رضاها، وأفعم قلبه الأمل! # الفصل السابع # | ملك ms21 في قفص # لم يجد الملك الكامل ما كان يأمل من الطمأنينة والسلام، فلم يكد يقضي على أسباب الفتنة ~~التي أشعل نارها أمراء الأيوبيين في الشام حتى بغته الموت؛ ثم لم يكد يوارى الثرى في ~~دمشق حتى تجددت مطامع الأمراء في عرش بني أيوب. # وبلغ النعي الملك الصالح نجم الدين في حصن كيفا، فأعد عدته للمسير إلى مصر. # واستأثر العادل سيف الدين بالملك، وتبوأ عرش أبيه في قلعة الجبل، ووضع يده على ~~خزائنه وما خلف من مال ومتاع، واتخذ له حاشية وبطانة. # وبدأ زحف الصالح نجم الدين أيوب من المشرق ليستخلص لنفسه العرش، وكان على رأس جنده ~~بيبرس وأيبك وقلاوون وآق طاي، وإلى يمينه وشماله مشيران أمينان: شجرة الدر أم خليل، ~~والصاحب بهاء الدين زهير. # وتتابعت الرسل من القاهرة تستحثه على الإسراع، فأغذ السير مغربا وقد طفحت نفسه ~~بالآمال، ولكن كمينا كان قد أعده بدر الدين لؤلؤ عند سنجار قد برز فجأة في طريقه، ~~فتبعثر جنده واقتيد أسيرا إلى قلعة سنجار، ليس معه إلا زوجه وقليل من صحابته وحيل بينه ~~وبين أمانيه. # قال نجم الدين مستيئسا: هذا يا شجرة الدر آخر المطاف؛ فما أظنني أخلص وإياك من ~~هذا المعتقل، وإن لبدر الدين عندي ثأرا لا ينساه وقد أذللت كبرياءه، وحطمت جنده ~~وجعلته مثلا بين الأمراء، وقد أقسم من يومئذ إن حصلت في يده ليحطمن كبريائي، فيقتادني ~~إلى بغداد حبيسا في قفص مصفدا بالأغلال! # 1 # قالت شجرة الدر: لا عليك يا مولاي من وعيد بدر الدين، فما أراه والله بالغا من ذلك ~~شيئا، ولن يحصل في يده نجم الدين، ولا شجرة الدر، وسيبوء # 2 # بالخسران في العاقبة كما باء في الأولى! # فهز نجم الدين رأسه وارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يقول: ومن أين لنا الخلاص ومن دوننا ~~هذه الأسوار وهؤلاء الحراس، وليس لنا من الجند قوة تغني في اقتحام هذا الحصن! # فجاوبته ابتسامة بابتسامة وقالت: دع تدبير ذلك لي يا مولاي؛ فوالله لا يكون إلا ما ~~تريد! # فلما كان المساء، كان القاضي ms22 بدر الدين السنجاري مرتفقا # 3 # إلى نافذة من نوافذ القلعة تشرف على الطريق، يتهيأ لأمر قد أعدت عدته، ~~فلما تجلبب الكون بالظلام # 4 # نهض فانتطق بحبل من كتان # 5 # ودلاه صاحباه من النافذة رويدا رويدا حتى لامست قدماه الأرض، فحل ~~منطقته ومضى في طريقه مغربا لا يلوي على شيء، وطال به السرى والتهجير، # 6 # لا ينشد الراحة لحظة، حتى بلغ مضربا من مضارب الخوارزمية فتمهل، ثم سأل ~~عن خيمة الأمير حسام الدين بركة مقدم الخوارزمية، فدل عليها؛ فاستأذن ودخل، ثم دفع ~~إليه رسالة من شجرة الدر؛ فما كاد يتلوها حتى أدناها من شفتيه فقبلها، ثم رفعها إلى ~~رأسه تكريما! # وأصبح منذ الغد على الطريق إلى سنجار جيش من الخوارزمية يقوده حسام الدين، وغباره يحجب ~~وجه الشمس! # وكان الخوارزمية - منذ انحلت دولتهم وغلبهم المغول على بلادهم بعد مصرع السلطان جلال ~~الدين - قد تفرقوا في البلاد يرتزقون بسيوفهم في جيوش الإمارات المتنافسة، فهم جند كل ذي ~~مال من الأمراء، يغلب بهم ما وسع عليهم في الرزق، فإذا قبض يده انفضوا عنه يلتمسون ~~رزقا جديدا في جيش جديد؛ # 7 # على أن بقية من الحفاظ # 8 # والمروءة كان تحفزهم أحيانا إلى ألوان من البطولة والنجدة تذكر ببعض ما ~~كان لهؤلاء الجند أيام عز دولتهم من المجد والكرامة؛ وقد جاءهم كتاب شجرة الدر فلم ~~يسعهم أن يتخلوا عن تقاليد الفروسية المجيدة التي ناشدتهم إياها، فهبوا لنجدة ~~الأسيرين الكريمين في قلعة سنجار. # وكان الملك الصالح نجم الدين قد بلغ منه القلق مبلغه، لا يدري أين ينتهي به الأمر وقد ~~أغلقت من دونه أبواب هذه القلعة؛ على أن شر ما كان يخشاه أن يفطن آسره إلى مكان ~~شجرة الدر، فيقتادها إلى الموصل حيث كانت قبل أن تأوي إلى كنفه، ويثأر ثأرين من عدوه ~~نجم الدين! # 9 # ومضى نجم الدين يجوس خلال القلعة قلقا حيران، فإذا جماعة من صحابته في الأسر قد ~~تحلقوا حول شيخ مكفوف البصر يستمعون إليه خاشعين مستغرقين في الفكر، فلم ينتبهوا إلى ~~موقف الأمير ms23 منهم على مقربة. # ذلك أبو زهرة المنجم، وكان قد خرج في ركب الأمير يقصد مصر، فاقتيد أسيرا مع ~~الأسرى، وأولئك أصحاب الأمير يستمعون إلى ما يحدثهم به من أنباء الغيب؛ ليصرفهم ذلك عن ~~بعض ما يلقون من الضيق والقلق والملال. # ووجد الأمير في حديثه ما يصرفه عن بعض ما يلقى، فدعاه إلى خلوته وجلس يستمع إليه. # وكان جند الخوارزمية يقتربون من القلعة وقد سبقهم الغبار؛ فأسرعت شجرة الدر إلى ~~الأمير تنبئه النبأ، ورأت أبا زهرة في مجلس الأمير فقالت ضاحكة: لعل المنجم يا مولاي قد ~~سبق إليك بالبشرى! # فرفع الأمير إليها رأسه وقال في لهفة: ما وراءك يا شجرة الدر؟ # قالت: الخير يا مولاي كل الخير . # ثم صحبته إلى حيث يرى. # وأطبق الخوارزمية على جند صاحب الموصل، فلم يدعوا لهم فرصة للدفاع ولا سبيلا إلى ~~الفرار، وغص الميدان بأجساد القتلى والجرحى، وتخضبت الأرض بالدم، ونجا بدر الدين ~~لؤلؤ برأسه وحيدا على فرس عاطل # 10 # يطلب البيداء. # وانفتح باب القلعة وخرج الملك الصالح وأصحابه يستأنفون السير إلى مصر، ووراءهم من ~~الخوارزمية جيش لجب، وانفسح أمامهم المدى! # الفصل الثامن # | ريبة وقلق # وعلى امتداد الطريق بين الموصل والشام، كان إلى جانب مركب الأميرة مركب آخر يضم ~~طفلا بين يدي حاضنته، وليد لم يبلغ سن الفطام، مهزول ضعيف، ولكنه من عظم الشأن ~~بحيث لا تكاد الأميرة شجرة الدر تفكر إلا فيه أو تحمل إلا همه، ألم يحدثها ~~أبو زهرة المنجم أنها ستبلغ باسمه العرش، فتملك وتحكم وتبلغ من المجد ما لم تبلغه ~~امرأة في تاريخ المشرق والمغرب؟ # ولكن أبا زهرة لم يفصح عن كل ما في نفسه، فلم ينبئها ماذا سيكون شأن ذلك الصبي، ~~وإنما حدثها عما سيكون شأنها هي باسم الصبي! # ما معنى هذا؟ وما دلالته؟ # على أن ثمة إشارات أخرى غامضة كانت تتخلل حديث ذلك المنجم لا تكاد تفطن إلى ~~مفهومها، ولكنها تملأ نفسها قلقا وريبة؛ وإنها إلى ذلك لتحس أن في نفس الملك الصالح ~~من القلق والريبة مثل ما بها، منذ ms24 بغتته ذات يوم يتحدث إلى ذلك المنجم في قلعة ~~سنجار. # أتراه قد أسر إليه حديثا عنها وعن ولدها مما يقلق ويريب؟ # وتوزعتها الظنون فلم تكد تستقر على رأي، ثم ثابت # 1 # إلى الطمأنينة والسلام، وطرحت كل ما كان يعتمل في نفسها من الأوهام. # وأوت إلى زوجها ذات ليلة فاحتضنت عودها وجلست تغنيه صوتا بعد صوت، وتتنقل به في ~~مجالي الأنس مرحلة بعد مرحلة، وغنت: # دع النجوم لطرقي يعيش بها # 2 # وبالعزيمة فانهض أيها الملك! # إن النبي وأصحاب النبي نهوا # عن النجوم، وقد أبصرت ما ملكوا! # وهب الملك واقفا فدنا منها وهو يقول: لله أنت يا شجرة الدر! فبالله إلا ما ~~حدثتني من أين لك العلم بمكنون صدري؟! # 3 # فاستضحكت وقالت : لأنني من ذلك الصدر يا مولاي في أرحب مكان! # وسري عن الملك ما كان ينتابه من القلق والريبة منذ استمع إلى حديث أبي زهرة المنجم في ~~قلعة سنجار، فساء ظنا بولده وبزوجته وبحاشيته جميعا، وعجب لنفسه كيف اطمأن إلى حديث ~~ذلك الشيخ المكفوف، وأنكر ما تراه عيناه في زوجه من صدق الإخلاص وحسن المودة وكريم ~~التقدير، ألأنها - فيما زعم المنجم المكفوف - تسعى إلى العرش وتلتمس الأسباب إلى السلطان ~~وتصطنع من بطانته من تصطنع لهذه الغاية باسم ولدها؟ وماذا يريبه في ذلك وهي زوجه وأم ~~ولده؟ # وعاد ما بين الزوجين إلى الصفاء والمودة! # الفصل التاسع # | أشواك على الطريق # وبلغ الملك الصالح بجيشه دمشق، فتلبث ينتظر ما يكون من أمره وأمر أمراء الأيوبيين ~~في الشام، وما يأتيه من أنباء القاهرة. # وكان العادل في مصر قد ساء سيرة وفسد سريرة، وأسرف في بذل المال حتى أوشكت أن تنفد ~~خزائنه، وقد غلبه أصحابه على رأيه، فأعطاهم مقادته يصرفون الأمر في الدولة كيف يحلو لهم؛ ~~ليفرغ لشهواته ومباذله، واطرح أمراء أبيه وأقصاهم عن السلطة، وأمعن في مطاردتهم والميل ~~عليهم. # وترامت إليه الأنباء بحركة أخيه الملك الصالح نجم الدين، فقبض على أصحابه واستصفى ~~أموالهم، وألزمهم دورهم أو ساقهم إلى معاقل الأسر، وقبض على الأمير فخر الدين ms25 بن الشيخ، ~~وإنه وإخوته يومئذ لأعظم أمراء الدولة حرمة وأرفعهم منزلة؛ إذ كانوا - فوق مكانتهم في ~~العلم والدين وماضيهم المجيد في خدمة الدولة - إخوة أبيه الملك الكامل بالرضاع، وكان أحظى ~~لديه من سائر أمرائه وأدناهم إلى الشعب منزلة. # وضاق الناس بالعادل وثقلت عليهم أيامه، فتوجهوا بقلوبهم إلى المشرق يؤملون ~~أن يطلع عليهم من هناك من يخلصهم من بغي ذلك الملك الصبي! # وترادفت الرسل على الملك الصالح نجم الدين أيوب. ~~••• # على أن طائفة من أمراء الأيوبيين بالشام كانوا يطمعون في عرش مصر؛ منهم من يستعلن ~~بنيته، ومنهم من يستخفي، وكان أكثرهم سعيا إلى تلك الغاية هو الناصر داود - ابن عم ~~نجم الدين - أمير الكرك والشوبك وما يليهما من أرض الأردن # 1 ~~- وكانت زوجه «عاشورا خاتون» بنت الملك الكامل، وأخت الملك الصالح نجم الدين - ~~فاصطنع الناصر أسلوبا من السياسة بين الأخوين المتنافسين على عرش الأيوبية، إن لم يبلغ به ~~ما يؤمل من الوصول إلى العرش، فحسبه أن يبلغ به عرش الشام خالصا له وحده. # فراح يتودد إلى الملك الصالح نجم الدين، وإن رسله ورسائله لتتردد في الوقت ~~نفسه بينه وبين العادل في مصر. # وانحاز إليه طائفة من أمراء الشام، وبقي على الولاء للعادل أو للصالح طائفة، وآثرت طائفة ~~ثالثة أن تعمل لنفسها أو تعتزل الطائفتين جميعا، وغص الميدان الشامي بأصحاب ~~المطامع. ~~••• # كان الملك الصالح بنابلس # 2 # ليس بينه وبين الظفر إلا مرحلة، ولم يكن معه ثمة إلا طائفة قليلة من عسكره، ~~على حين كان سائر جنده منبثين في مدائن الشام يوطئون لمولاهم سبيل الوصول إلى ~~غايته. # وكان القمر يسطع في السماء قد أوشك أن يصير بدرا، وقد عكف المؤمنون على صلواتهم، ~~طيبة نفوسهم قريرة أعينهم، قد امتلأت قلوبهم بشرا ومسرة؛ فقد كانت تلك ليلة ~~الثاني عشر من ربيع الأول، ذكرى مولد النبي الأعظم # صلى الله عليه وسلم ~~. # وعلى حين غفلة دوى نفير الحرب، فهب الملك الصالح وأصحابه إلى آلة حربهم يظنون أن ~~قد طرقتهم خيل الصليبيين، # 3 # ولم تكن إلا مكيدة مبيتة ms26 من الناصر للإيقاع بالملك الصالح نجم الدين، فما ~~كاد يبرز من خيمته إلى العراء حتى أحاط به طائفة من جند الناصر، فاقتادوه على بغلة بلا ~~سرج ولا ركاب، يغذون به السير في البادية إلى قلعة الكرك، واقتيدت معه امرأته وولده ~~وقليل من صحابته، فألقى بهم في غيابة القلعة أسارى لا حول لهم ولا حيلة، وأبلغ النبأ إلى ~~العادل في مصر، وكتب إليه الناصر يقتضيه الثمن! # 4 # وأقيمت الزينات الملوكية في القاهرة؛ فرحا بخذلان عدو السلطان العادل وذهاب ~~أمره. # على أن العادل لم يكن ليطمئن ويهدأ باله، وعدوه ما يزال حيا ولا سبيل له عليه، فبعث ~~إلى الناصر بمال جم على أن يسلم إليه أخاه ليقتله فيتخلص منه إلى الأبد! # ولكن الناصر لم يكن ليخدعه المال عن الأمل الكبير الذي يأمله، فبعث إلى العادل يطلب ~~إليه أن يدع له عرش الشام خالصا قبل أن يسلم إليه أخاه! # وترددت بينهما الرسل والرسائل أشهرا، والملك الصالح في معتقله لا يكاد يجد ~~كفاية من الطعام والشراب وراحة الجنب، ولا يكاد يخلص إليه شيء من أنباء ما يجري وراء ~~أسوار القلعة؛ فلولا ما تحاول شجرة الدر أن تقدم إليه من أسباب التسرية والمسرة، ~~ولولا ما يسمع من حديث صاحبه البهاء زهير، وما يرى من مظاهر إخلاص الطائفة القليلة من ~~المماليك الذين صحبوه إلى معتقله # 5 # لضاق بحياته فزهقت نفسه. # الفصل العاشر # | تدبير وكيد # افتقد مماليك الأمير في الحصن ذات صباح صاحبهم بيبرس فلم يجدوه، فانتابهم القلق وظنوا ~~الظنون، ودرى بمغيبه الملك الصالح فزاد قلقا وهما، وكانت جهان ماشطة الأميرة شجرة ~~الدر أشد الجميع قلقا وأكثرهم هما، فلم تطعم شيئا منذ بلغها النبأ، وانطوت على ~~نفسها حزينة دامعة العين، لا تخف إلى خدمة ولا تجيب نداء! # فرد واحد من هذه الأسرة الملوكية التي أحيط بها في هذا المعتقل كان يبدو هادئ النفس ~~مطمئنا، كأنما لا يعنيه شيء من غياب ذلك المملوك الباسل، ولا يفكر من أمره في شيء؛ تلك ~~هي شجرة الدر! # ورفعت جهان عينيها إلى ms27 مولاتها وهمت أن تقول شيئا، ثم أمسكت وطأطأت رأسها في انكسار ~~وحزن، وأحست الأميرة بما يعتلج في نفس جاريتها، فأدركتها رقة وهمت أن تقول لها ~~شيئا، ثم أمسكت كذلك، وتدابرتا فمضت كل منهما إلى طريق وعلى شفتيها كلام لم تسمعه ~~أذنان! # ومضت أيام قبل أن يعود بيبرس، فتطمئن الخواطر وتهدأ الظنون، ولكن بيبرس منذ عاد من ~~غيبته تلك لم يتحدث إلى أحد، ولم يحاول أحد أن يتحدث إليه أو يعرف فيم كان غيابه ولم ~~عاد! # وهدأ وجيب القلوب إلا قلبا واحدا كانت تتوزعه الظنون والأوهام؛ ذلك قلب جهان ~~ماشطة الأميرة، فلم تكد تطمئن على سلامة صاحبها حتى أجد لها الفكر مذاهب أخرى من ~~القلق والريبة، وظنت به ظنون كل أنثى بمن تحب. # وكأنما أحست شجرة الدر بما يعتمل في نفس جاريتها، فقالت باسمة: ليهنك ~~يا جهان عودة بيبرس موفقا من سفارته، وإنه لحقيق بأن يؤدي عاجلا ما عليه من الثمن قبل ~~أن يظفر بأمنيته الغالية، ويجتمع شمله بمن يحب، في دار على النيل! # قالت جهان وقد سري عنها ما بها ورفت على شفتيها ابتسامة رضا واطمئنان: شكرا يا ~~مولاتي، إنني وبيبرس لخليقان بأن نبذل دمنا في سبيل مرضاتك ومرضاة مولانا الملك ~~الصالح. ~~••• # في مساء ذلك اليوم كانت امرأتان جالستين وجها لوجه في غرفة قد خلت إلا منهما، ~~يتبادلان الحديث في همس. # قالت إحداهما: قد جاءني النبأ يا خاتون بما تم عليه العهد بين زوجك الناصر والعادل ~~سيف الدين، وإن نجم الدين أخوك يا عاشورا، وما أظن نفسك تطيب بأن يسلمه زوجك إلى ~~أخيه العادل فيسفك دمه أو يلقي به في جب القلعة حتى يموت صبرا. # قالت صاحبتها: نعم، ولكن من أين لي أن يقتنع الناصر بما أدعوه إليه، وقد وعده العادل بأن ~~يكون له عرش الشام إذا أسلم إليه أخاه، وإن الناصر - كما تعلمين - لحريص على أن يبلغ هذه ~~المنزلة! # قالت شجرة الدر: وترين العادل أهلا لأن يفي له بما وعد؛ فأنى له ذلك وليس له ~~سلطان على الشام، وإنما ms28 هي تحت يد الصالح إسماعيل، فليستخلصها العادل من يد صاحبها قبل أن ~~يعد بها الناصر، وإلا فإنها موعدة إلى غير وفاء! # فأمسكت عاشورا خاتون زوجة الناصر لحظة تفكر، ثم قالت: وماذا يغري الناصر ~~بإطلاق سراح نجم الدين، وليس في يده ما يؤديه إليه ثمنا لحريته؟ # قالت شجرة الدر: وهل رأيت أخاك الصالح أهلا لأن ينكث بما وعد؟ فيستخلص الشام ~~من يد الصالح إسماعيل، وسيكون له عرش مصر، وتجتمع في يديه السلطات، وإنه حينئذ لخليق ~~بأن يحقق للناصر مأمله ويقاسمه الغنيمة؛ فتكون لنا قلعة الجبل، # 1 # ويجلس الناصر على عرش بني أمية في دمشق. # سرحت خواطر عاشورا خاتون، وغلبتها على رأيها أماني الملك والسلطان، واطمأنت إلى ما ~~وعدتها شجرة الدر، فنهضت تحاول مع زوجها الناصر تدبيرا لإطلاق سراح أخيها الملك ~~الصالح نجم الدين. ~~••• # وانتصف رمضان ولم يزل نجم الدين حبيسا في قلعة الكرك، لا يكاد ينشق روح النسيم أو ~~يرى وجه السماء، إلا أن يأذن له زريق حارس الباب، فلولا ما يسري عنه من حديث زوجه ~~شجرة الدر، ومن ألطاف أخته عاشورا خاتون زوجة الناصر، لهلك غما. # ونهض الأمير ذات مساء لصلاة العشاء، فلما أدى الفريضة وصلى التراويح، جلس في ~~مصلاه يذكر الله ويدعو، وعلى مقربة منه جلست شجرة الدر صامتة وقد تعلقت به ~~عيناها لا تكاد تطرف، وإن رأسها ليموج بما فيه من خواطر. # وكان الأمير يتلو: # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم ~~. فابتسمت شجرة الدر وقالت: برد وسلام، وروح ~~وريحان، وجنة نعيم! # كف الأمير عن التلاوة ورفع إليها عينيه، واستطردت شجرة الدر: فهل ذكرت يا أميري ~~أننا من هذه القلعة في البلد الذي أعدت فيه النار لإبراهيم فلم تكن عليه إلا بردا ~~وسلاما، وباء أعداؤه بالخذلان! # 2 # فاستبشر الأمير وقال باسما: نعم، فليت كل نار تشب للعدوان في هذا البلد تحور بردا ~~وسلاما، ويبوء المعتدون بالخذلان. # قالت: لعل الله أن يستجيب لك، فهل ذكرت إلى ذلك أنها ليلة القدر: سلام هي حتى مطلع ~~الفجر؛ لأنها ليلة السابع ms29 عشر من رمضان؟ # 3 # فانبسطت نفس الأمير وقال في بشر واطمئنان: لك الله يا أميرتي، فلولاك ... # وسمع طرقا على الباب فأمسك، ودخل حاجبه يؤذنه بمقدم ابن عمه وآسره الناصر ~~داود. ~~••• # وأطلق سراح الأمير منذ الليلة، ليأخذ طريقه إلى مصر فيستخلص عرش الأيوبيين من يد ~~العادل، ويدع للناصر عرش الشام ونصف الخراج. # 4 # والتأم جيش الملك الصالح نجم الدين بعد شتات، وسارع إليه جنده من كل صوب، ~~ومضى في طريقه فلم يتوقف حتى بلغ العريش، فأقام قليلا يتأهب للمرحلة التالية، ثم ~~استأنف مسيره إلى بلبيس. # وحقت الهزيمة على العادل فاقتيد أسيرا إلى قلعة الجبل، وجلس الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب على عرش أبيه، ودانت له البلاد. # وبلغت شجرة الدر ما كانت تأمل، وقاسمت زوجها المجد والسلطان، وهتفت الملايين باسم ~~أم خليل زوجة الملك الصالح أيوب. # ثم لم يلبث أن فسد ما بين الناصر والملك الصالح بعد أن بلغ العرش، فخرج الناصر ~~مغاضبا له وهو يعض بنان الندم، وعاد إلى إمارته الصغيرة في أرض البلقاء، لم يظفر ~~بعرش الشام ولا بعرش اليمن! # الفصل الحادي عشر # | حساب الماضي # - ماذا تقول يا حسام الدين؟ ~~- هو الحق يا مولاي، فليس في خزانة الدنانير إلا دينار واحد، وليس في غيرها من الخزائن ~~إلا ألف درهم، ذلك كل ما بقي في خزانة الدولة يا مولاي. # قال الملك مغيظا حنقا لا يكاد يصدق ما سمعته أذناه: انظر جيدا يا حسام الدين؛ ~~فقد كان في خزائننا منذ قريب يوم مات الكامل، ستة آلاف ألف دينار - ستة ملايين - وعشرون ~~ألف ألف درهم - عشرون مليونا - فأين يذهب كل ذلك في بضعة عشر شهرا؟! # 1 # قال صاحب بيت المال: ذهب كله يا مولاي إلى بيوت أصحاب العادل، وقد رأيت عمال الخزانة ~~لعهده يحملون المال إلى أصحابه في الأقفاص على رءوس الحمالين. ~~- إذن؛ فادع لي كل من تعرف ممن ناله شيء من مال السلطان لندبر أمرنا وأمره. ~~••• # ومضى يومان، والتأم في القاعة الكبرى من قصر القلعة مجلس حافل يضم عديدا من ~~الأمراء والقضاة ms30 ورؤساء الجند ومقدمي المماليك وكل ذي جاه ومال من بطانة العادل، ~~وتوسط الملك الصالح المجلس، فدار بعينيه في وجوههم فردا فردا قبل أن يتوجه إليهم ~~بسؤاله في لهجة التأنيب والملامة: لماذا خلعتم سلطانكم وكان له في أعناقكم حق ~~الطاعة؟ # ونظر المجتمعون بعضهم إلى بعض، كأنما يعجبون أن يؤنبهم على أن أتاحوا له بخلع أخيه أن ~~يرتقي إلى العرش، ولكنهم كان لا بد أن يجيبوا، فقال قائلهم: قد خلعناه؛ لأنه سفيه لا ~~يحسن تدبير الأمر ولا سياسة الملك! # قال الملك باسما: فهل علمتم - وفيكم الفقهاء والقضاة وأصحاب الرأي - أن تصرف السفيه ينفذ؟ # 2 # فردوا على الدولة ما أخذتم من يده؛ إذ كان السفيه لا يملك أن يهب ولا أن ~~يشتري ويبيع! # وعاد المجتمعون ينظر بعضهم إلى بعض، ثم أذعنوا راضين أو مكرهين ! # وأحصى الملك ما ردوا إلى الخزانة من المال، فإذا هو قد بلغ ثمانمائة ألف دينار، وألفي ~~ألف وثلاثمائة ألف درهم. ~~••• # قالت شجرة الدر: بلى، قد أذعنوا يا مولاي لأمرك وأعطوك مقادتهم، وكانوا من قبل ~~أصفياء العادل وبطانته، فانفضوا عنه حين زال عنه الجاه والسلطان، فلا يملك لهم نفعا ~~ولا مضرة؛ وإني لأخشى هؤلاء الكرد # 3 # أن يخامروا عليك كما خامروا على أخيك من قبل، وكانت في أعناقهم له البيعة، ~~وهؤلاء أبناء عمومتك في الشام لا يريدون أن يدخلوا في طاعتك راضين، فلا يزال فيهم من ~~يحاربك طمعا في الاستقلال بما تحت يده من بلاد الدولة، وإن منهم من يستنصر بالصليبيين ~~ليكسر شوكتك ويفل جندك؛ وقد رأيت يا مولاي بلاء الترك من مماليكك في حرب العدو، # 4 # فإن شئت كان لك جيش منهم لا يثبت له جيش في الأرض، وتثبت دعائم ملكك فلا ~~تخشى من بعد تمرد الأيوبيين ولا انتقاض الكرد. # قال نجم الدين: نعم الرأي ما أشرت به يا أم خليل، وسأشرع منذ الغد في بناء قلعة بالجزيرة # 5 # تتسع للآلاف من المماليك، يكونون للدولة سندا وقوة. ~~••• # ولم يتمهل الملك في تنفيذ ما اعتزم، فبنى قلعة الجزيرة، واتخذ له ms31 ثمة قصرا، # 6 # وحشد في برج القلعة من المماليك جيشا ذا عدد وقوة، وجعلهم طبقات وفرقا، ~~على كل فرقة منهم مقدم من خاصة مماليكه يتولى أمرهم وينظر في مصالحهم، وأقطع هؤلاء ~~المقدمين أرضا ورتب لهم ألقابا ووظائف، ومنحهم سلطة الأمراء. # وقوي شأن الترك في الدولة بقدر ما ضعف شأن الكرد، وأثبت جيش المماليك قوته وبأسه في ~~عدة معارك مظفرة، وبرزت أسماء الأمراء: فارس الدين آق طاي، وركن الدين بيبرس، وسيف ~~الدين قلاوون، وعز الدين أيبك الجاشنكير، إلى عشرات من الأمراء ذاع لهم صيت وجاه، وكانوا ~~منذ قريب أرقاء في يد النخاس يساوم عليهم بالمال! # واختفت أسماء الأمراء العظام من بني أيوب، فلا يكاد يذكرهم ذاكر، وكان لهم الجاه والعز والكرامة! # 7 # وثبتت دعائم الدولة، وقوي شأن الملك الصالح نجم الدين أيوب، لولا بعض الفتن التي ~~يثيرها أمراء الأيوبيين في الشام، وفلول الصليبيين على الساحل. # الفصل الثاني عشر # | دار على النيل # وجلست شجرة الدر في شرفة مطلة على النيل من قصر الجزيرة، تسرح الطرف على ~~امتداده، فترى النخيل مثقلة بأحمالها تتمايل مع النسيم ولها حفيف يتجاوب، وشمس الأصيل ~~منبسطة على صفحة الماء في النيل وقد امتدت على شاطئيه المزارع الخضر الناضرة مرصعة ~~بألوان الزهر، والصحراء الممتدة إلى حيث لا يدرك الطرف غاية ولا نهاية، قد قامت عليها ~~الأهرام منتصبة شامخة تهزأ بأحداث الزمن، فكأنما أجدت هذه المناظر الفاتنة للأميرة ~~ذكرى بعيدة، فتنفست نفسا عميقا، وراحت تدندن بأغنية عتيقة قد طال بها العهد: # حبذا دور على النيل ... # 1 # وتحولت عن الشرفة قليلا، فرأت بين يديها ماشطتها جهان، قد سرحت نظرتها إلى بعيد وفي ~~عينيها ظمأ وحنين! # وتذكرت الأميرة موعدا بينها وبين الجارية قد طالت عليه السنون، فأخذتها على الفتاة ~~رقة ومالت عليها تربت كتفها قائلة: ليهنك يا جهان ما بلغ فتاك من المجد والحظوة لدى ~~مولاه، وقد حق له ولك - بما بذل وبما صبرت على الوفاء - أن تقطفا ثمرة هذا الحب، ~~فإذا انقضى هذا الشهر وحان موعد وفاء النيل، فسأشهد ويشهد الملك ms32 زفاف جاريته جهان ~~على الأمير ركن الدين بيبرس، وتكون لكما دار على النيل ... # فاغرورقت عينا الفتاة ومالت على يد مولاتها تقبلها وتبللها بالدمع، شاكرة لها ما ~~حبتها وحبت فتاها من النعمة. # ولم تنم الفتاة منذ تلك الليلة إلا على ذكرى، ولم تستيقظ إلا على أمل، وأرقها الرجاء ~~الداني كما كان يؤرقها اليأس البعيد، فباتت تعد الليالي وترقب القمر في سراه، ~~وتستنبئ ماء النيل في مجراه تحت شرفة القصر عن موعد الوفاء. ~~••• # ووفى النيل في ميعاده، ولكن المقادير لم تف للفتاة بما وعدت؛ فقد كان القصر والقلعة ~~والمدينة كلها يوم وفاء النيل في حزن شامل، وقد لبس الجميع البياض حدادا على موت ~~الملك المنصور خليل # 2 # ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب. # واحتجبت شجرة الدر في مقصورتها، تبكي حتى تشرق بالدمع على وحيدها الذي كانت ترقب ~~له أعظم الآمال ! # وبكت حاضنته خاتون ما بكت؛ أسفا على ما كانت تأمل أن تبلغه من الحظوة والسلطان يوم ~~يبلغ الملك الصغير أشده ويجلس على عرش أبيه! # وبكت جهان الماشطة حتى قرح الدمع أجفانها؛ لأن القدر لم ينسأ # 3 # في أجل الصبي حتى يفي النيل وتزف إلى فتاها الذي ترقب موعده منذ ~~سنين! # وبكى أمراء المماليك؛ لأن مولاتهم التي يضمرون لها الحب والولاء ويدينون لها بالطاعة ~~قد مات وحيدها الذي كانت تهيئه لولاية العهد، وسيكون ولي عهد المملكة من بعده أميرا آخر ~~من أمراء بني أيوب، لا تربطهم به آصرة وليس لهم عليه يد تقتضيه لهم الوفاء! # وخيم على القصر والقلعة والمدينة كلها جو من الحزن والكآبة! ~~••• # وجلس الملك إلى زوجته الثكلى يحاول أن يواسيها ويسري عنها، وفي قلبه من الهم ما ~~لا يجد عزاء منه ولا سلوانا. # قالت شجرة الدر: ليس ما بي والله يا مولاي أن خليلا قد مات وحرمت الأنس به، ~~ولكني أخشى على هذه الدولة أن ينفرط عقدها إذا آل الأمر - بعد عمر مديد - إلى ولدك ~~الأمير غياث الدين، وليس فيه كياسة تؤهله لولاية العرش. # 4 # فتأوه نجم الدين وحضره بثه، ms33 فأطرق لحظة يفكر، ثم رفع رأسه وهو يقول: لا ~~تذكري غياث الدين للعرش يا أم خليل؛ فما أراه يصلح له أو يستقيم أمره، حسبه أن يظل ~~في حصن كيفا أميرا على ما يليه من بلاد المشرق؛ فإني لأخشى إن نازعته نفسه إلى العرش أن ~~يسعى بقدمه إلى حينه ويخترم في الشباب! # 5 # قالت شجرة الدر: مولاي، ولكن تراث الخالدين من بني أيوب أمانة بين يديك، فهلا ~~عهدت إلى أحد من أهلك يحفظ الأمانة بعدك؟ # قال الملك وقد بدا في عينيه انكسار وحزن: فقد عهدت إليك يا شجرة الدر أن تسلمي ~~البلاد للخليفة من بعدي، # 6 # فلا يتنازعها الأمراء حتى تذهب قوتها وتطأها خيل الصليبيين. # قالت مواسية: عمرك الله يا مولاي حتى تنجب وليا للعهد تنشئه على عينك وتهيئه ~~لحمل أمانتك، ويمتد بك العمر حتى تراه يحكم باسمك فيحسن الحكم والسياسة؛ إنك يا مولاي لم ~~تزل في ربيع الحياة، وإن الله لأبر بك! # الفصل الثالث عشر # | مساومة على الموت! # جلس الأمير ركن الدين بيبرس ساهما قد توزعه الفكر وضاقت به مذاهبه؛ أكلما خيل ~~إليه أنه قاب قوسين أو أدنى مما يأمل، تنكر له حظه واعترضت سبيله المقادير؟! # إنه لم يزل منذ سنين يرقب ذلك اليوم الذي يزف فيه إلى فتاته ليسعد إلى جوارها ~~فترة من العمر في دار على النيل، تغني له ويستمع إليها هانئا نشوان، ولكن ذلك اليوم ~~لا يريد أن يأتي، ولعله لا يأتي أبدا؛ فكلما بدا له أنه قريب قريب على مد يده، أو ~~على مد عينيه، ماجت من حوله الأحداث فاحتملته أمواجها إلى بعيد، لا تناله يد ولا تمتد ~~إليه عينان، فلا يزال مقبلا مدبرا بين الرجاء واليأس، وفتاته المحبوبة من دونها ~~أسوار وحجب، قد حالت غيرة الأمير وتقاليد القصر بينه وبينها، فلا يكاد يراها أو ~~يتحدث إليها ويستمع إلى حديثها إلا في الندرة النادرة، وفي العام بعد العام! # فبينما هو في مجلسه ذاك ساهما يفكر، إذ مثل بين يديه الأمير عز الدين أيبك، يدعوه ~~إلى مقابلة ms34 شجرة الدر. # وخف إلى مجلسها وفي نفسه أمل، وكانت - لم تزل - في بياض الحداد على وحيدها المنصور ~~خليل، وقد التثمت بفضل ردائها # 1 # لا يكاد يبدو من وجهها إلا عينان ساحرتان، فيهما أمر واجب الطاعة. # ووقف بباب مقصورتها مستأنيا حتى تأذن له، ثم دخل. # وكانت جهان إلى جانب مولاتها. # قالت شجرة الدر: لأمر ما دعوتك يا أمير ركن الدين. # ثم نقلت عينيها بين الأمير وصاحبته، ولكن الأمير وصاحبته مما غلبهما من الوجد لم يكونا ~~يريان أو يسمعان. # فابتسمت الأميرة واستأنفت: قد كنت أرجو يا بيبرس لو أن القدر قد وفى لي ولكما؛ ولقد ~~حملت يا أمير كثيرا من هم الدولة، فلست أكلفك إلى ذلك أن تحمل هم من بقي ومن مات، ~~فإن شئت جلوت عليك عروسك غدا أو بعد غد إن طاب لك التعجيل! # رفرف قلب جهان بين أضالعها رفرفة الطائر، وأنغض بيبرس رأسه حياء وهو يقول في تلعثم: ~~لا زلت ولية النعمة يا مولاتي، وما كان لي ولا لجهان أن نلتمس أسباب المسرة وما تزال ~~في القلب حسرات على فقد مولانا الملك المنصور خليل! # وبرق الدمع في عيني الأميرة، وعض بيبرس على شفته، وطأطأت الفتاة رأسها في ~~انكسار. # قالت شجرة الدر: فليكن زفافكما إذن غداة مقدمك مظفرا من حرب صاحب دمشق، ~~ويومئذ أسأل مولاي الملك الصالح أن يوليك إمارة من إمارات الشام تتمتع فيها أنت ~~وعروسك جهان بما تأملان من النعمة والسلام؛ جزاء ما بذلت وما صبرت. # قال بيبرس هادئا: في طاعتك يا مولاتي وطاعة مولاي الملك الصالح، يطيب لي أن أبذل ~~دمي. # ثم حيا واتخذ طريقه إلى الباب، وبين قلبه وعقله صراع تكاد نظرة عينيه تكشف ~~سره! ~~••• # وتهيأ الملك الصالح للخروج بجيشه إلى الشام ليقضي على ما بقي من فتنة أصحاب ~~المطامع ويوطئ لعرشه؛ وصحبته شجرة الدر وزيرة ومشيرة ومؤنسة؛ وما كان له أن ~~يخليها في القاهرة ويمضي إلى سفر بعيد. # وكان مقدم جيشه فخر الدين بن الشيخ، يؤازره من أمراء الجند: عز الدين أيبك، وفارس الدين ~~آق ms35 طاي، وركن الدين بيبرس، وسيف الدين قلاوون، وترك في القاهرة نائبه حسام الدين مفوضا ~~في الحكم حتى يعود. # وتوالت هزائم العدو وتهاوت معاقلهم معقلا وراء معقل، وأوشكت أن تطهر الشام من ~~فلول المتمردين على عرش الملك الصالح أيوب. # ثم جاءه البريد ذات صباح برسالة، فلم يكد يفض ختامها حتى خلى الميدان وأزمع ~~المآب، وترك على دمشق نائبه الصاحب جمال الدين بن مطروح. # 2 # وبات الملك على الطريق إلى مصر متعبا منهوكا، قد هاجت به علة ذات الصدر، إلى قرحة ~~في مأبضه لا تزال تدمى. # 3 # قالت شجرة الدر مترفقة: متعك الله يا مولاي بالصحة وأنعم بك، فهلا أخبرتني ~~ماذا بك؟ # قال متجلدا: أراني بخير يا شجرة الدر ما بقيت بجانبي، وإنما هو ما يعتادني من ذات ~~الصدر ومن تلك القرحة إذا طرقني هم، وقد كنت أظن أولئك الصليبيين قد ثابوا إلى الرشد ~~بعد ما نالهم من الهزائم في كل ما خاضوا من المعارك، حتى جاءني البريد عنهم اليوم بنبأ ~~جديد، فقد أقلعوا من جزيرة قبرص منذ قريب على قصد دمياط، على رأس جيش لم يجتمع لهم مثله ~~من قبل. # 4 # قالت: هون عليك يا مولاي، فوالله لا يكون إلا ما تقر به عينا، ويبوءون بالخسران في ~~حملتهم هذه كما باءوا في كل ما سبق من حملاتهم الغاشمة، وإن دمياط لأمنع مما يؤمل ~~هؤلاء الصليبيون، وإن بها من الجند والعتاد وأسباب الحرب ما يدفع عنها، ويرد إلى البحر ~~كل من تحدثه نفسه باقتحامها، وحسبك من فيها من بني كنانة الأنجاد. # الفصل الرابع عشر # | هزيمة البطل! # برح الداء بلويس التاسع ملك فرنسا حتى أشفى على الموت، وحار الأطباء في علاجه؛ فإنه ~~لفي غمرة من غمرات المرض إذ ألقي إليه أن يقسم إن برئ من دائه ليقومن عن رأس حملة ~~صليبية عظيمة إلى المشرق؛ قربانا إلى ربه وشكرا لنعمته. ثم لم يلبث أن برئ فأخذ في ~~تنفيذ ما اعتزم، # 1 # فجمع جيشا لم يجتمع مثله قط، فأبحر من مرسيليا على ألف وثمانمائة سفينة ms36 قد ~~اجتمعت له من بيزا وجنوة والبندقية وغيرها من بلاد الساحل، واتخذ سبيله إلى مصر. # وتلبث الجيش فترة في قبرص حتى يستكمل أهبته قبل أن يستأنف سيره إلى دمياط، وبلغت ~~أنباؤه الملك الصالح أيوب، فأسرع عائدا إلى مصر، واتخذ المنصورة مركزا للقيادة ~~العامة، وبعث بالأمير فخر الدين بن الشيخ إلى دمياط على رأس جيش كبير لتدبير أسباب ~~الدفاع. # ولم تكن هذه أولى حملات الصليبيين على دمياط؛ إذ كان موقعها على مصب الفرع الشرقي ~~للنيل، مغريا لهؤلاء الغزاة على قصدها، ليركبوا النيل منها إلى القاهرة فلا يعترض ~~سبيلهم شيء - فيما يزعمون - دون امتلاك البلاد. # على أن دمياط كانت من المناعة وعظم الاستعداد بحيث لا يسهل على العدو أن يقتحمها ~~دون أن يتعرض للهلكة وبعد حصار طويل يستنفد قوته وجهده، وقد ثبتت لحصار الصليبيين ~~ذات مرة منذ بضع عشرة سنة، # 2 # فلم يستطيعوا أن يقتحموا أسوارها إلا بعد سبعة عشر شهرا؛ ولم يكن بها يومئذ ~~من المقاتلة قوة ذات شأن، فأنى للصليبيين ما يأملون منها اليوم، وفيها من فيها من ~~الأمراء والجند وأبطال بني كنانة، وعلى رأس قوات الدفاع الأمير فخر الدين بن شيخ ~~الشيوخ؟! ~~••• # كان الأمير فخر الدين هو كل من بقي من ذوي الحسب الرفيع من أمراء دولة بني أيوب في ~~مصر، وكان أميرا مهيبا له وقار وسمت، وفيه أريحية ونخوة، وله مشاركة في العلم ~~والأدب، وماض في الجهاد، ووجاهة بين الناس، وكان إلى ذلك كله أثيرا لدى الملك الصالح؛ إذ ~~كان أخا بالرضاع لأبيه الملك الكامل، وله عليه يد؛ إذ هيأ له السبيل لاعتلاء العرش بعد ~~خلع أخيه العادل، وقد أدنته مكانته تلك من الملك؛ فلا يوصد دونه باب، ولا يعترض سبيله ~~حجاب، وكان يتمتع من الجاه والحظوة لدى شجرة الدر بمثل ما يتمتع به لدى مولاها؛ إذ كانت ~~تقدر له بلاءه في خدمة الدولة وتعرف مكانه، فلما برح الداء بالملك الصالح ~~واقترب موعده، لم تجد شجرة الدر حولها من الأمراء من تؤهله صفاته لمؤازرتها ~~فيما تضطلع به من ms37 الأعباء غير الأمير فخر الدين، فكأنما أرادت أن تمهد له السبيل إلى ~~أمل تأمل أن يبلغه في يوم قريب، فأشارت على الملك أن يوليه قيادة الجند. # على أن حظوة الأمير فخر الدين لدى الشعب، ولدى الملك والملكة، قد أثارت غيظا كظيما لدى ~~أمراء المماليك، فتداعت أمانيهم، # 3 # ولكنهم كانوا من الولاء والطاعة لمولاهم ومولاتهم بحيث لا يملكون إلا الرضا ~~والتسليم! # وكأنما أحس فخر الدين بما يصطرع حوله من نوازع الخير والشر، فامتطى فرسه على ~~رأس الجيش إلى دمياط وفي نفسه قلق وريبة، لا يدري أين تنتهي به المقادير، ولا كيف تكون ~~عاقبة أمره وأمر الدولة، وهذه صحة الملك تزداد كل يوم سوءا، فلولا ثبات جنانه وقوة ~~نفسه لأثبته المرض في فراشه لا يملك أمرا ولا نهيا، وحقت على البلاد الهزيمة! ~~••• # ونزل العدو على الساحل، فما كانت إلا كرة بعد كرة حتى تقهقرت قوات الدفاع وألقي ~~الرعب في قلوب الحامية ، فلم تثبت لهجوم الفرنجة وأخلت معاقلها! # وجاس العدو خلال الديار يهتك ويفتك ويسفك، ومضى الجيش المصري على وجهه موليا ~~أدباره لا يقف في سبيله شيء، ووراءه الآلاف من أهل المدينة رجالا ونساء وأطفالا يتخطفهم ~~الموت على الطريق، وقد امتلأت الأرض بجثث القتلى وأجساد الجرحى، تطؤها أقدام الفارين ~~وتحطمها سنابك الخيل، واستولى الفرنجة على دمياط بلا كبير عناء، لم يحمها بنو كنانة ولا ~~جيش فخر الدين! # وبلغ الفارون المنصورة وشاعت أنباء الهزيمة القاصمة وتناقلتها الطير إلى مختلف ~~البلاد. # وارتاع الملك ولكنه لم يفقد ثباته، فأمر بأمراء الجند فعلقوا على الأعواد، وشنق ~~خمسين أميرا من بني كنانة، وأمر أن يحمل إليه رأس الأمير فخر الدين. # قالت شجرة الدر: وماذا كان يملك فخر الدين أن يفعل يا مولاي وقد انخزل بنو كنانة ~~وانفض عنه عسكره؟ # قال الملك: كان يملك أن يثبت على فرسه وحيدا حتى يدركه الموت! # قالت: ذلك حق يا مولاي، ولكن من تراه يقوم مقام فخر الدين من أمرائك إن هلك، ~~أفلا يشفع له بلاؤه في خدمة الدولة منذ كان، وما خاضه ms38 من المعارك الدامية؟ # قال الملك: فقد وهبت لك دمه يا شجرة الدر! # قالت: عمرك الله يا مولاي حتى تقتضيه ثمن هذه المنة. # ولكن الملك الصالح لم يعمر طويلا حتى يشهد بلاء فخر الدين في دفاع العدو، فمات في ~~ليلة النصف من شعبان سنة 647. # الفصل الخامس عشر # | كبير الأمناء # العدو على الأبواب قد ملك ناصية الطريق، ورابطت سفنه في النيل، وتوشك خيله أن تطأ ~~أرض الوادي فتحوزه من أطرافه. # والملك مسجى في فراشه قد أغمض عينيه الإغماضة الأخيرة فلن يفتحهما أبدا، ولم يول ~~عهده أحدا يحمل راية الجهاد من بعده. # وولده الوحيد بعيد في حصن كيفا على حدود المشرق، وليس له من الحزم وحسن التدبير ما ~~يؤهله لولاية العرش في هذا الوقت العصيب. # وأمراء بني أيوب في الشام يتواثبون تواثب الضفدع: يخيل إلى من يراه أنه نشاط ~~وجهاد، وما هو من ذلك في شيء، وكلهم يطمع في العرش، وما فيهم أهلية لحمل تبعات ~~العرش. # وهؤلاء أمراء المماليك لا يزال في دمهم من طباع الأرقاء، قد بلغوا مرتبة الإمارة، فإن ~~كلا منهم لا يزال ينظر إلى زميله نظره إلى الرقيق المجلوب ولا ينظر إلى نفسه. # فأين يبلغ شأن هؤلاء وأولئك جميعا إذا عرفوا أن العرش قد خلا من سيده، وأن رب ~~التاج قد مات؟ وماذا يفعل العدو ولم يزل في نشوة انتصاره الأولى؟ # وأسبلت شجرة الدر أجفان الملك الشهيد، وشدت لثامه ومدت على وجهه الغطاء، ثم أغلقت ~~من دونه الباب وأوت إلى خلوتها تفكر ... # امرأة في رونق الصبا قد فقدت رجلها ... # ملكة ذات سلطان توشك أن تنزل عن العرش ... # قائد في المعركة قد أحيط به، ويوشك أن يتخلى عنه عسكره ... # كل أولئك شجرة الدر! # الرجل والعرش والنصر؛ ثلاثة أهداف بعيدة يجب أن تحرص على بلوغها. # وازدحمت الصور على عينيها متتابعة لا تعرف ما تأخذ منها وما تدع، واحتضرها الماضي ~~القريب والبعيد، وذكرت فقيدها الصبي الملك المنصور خليلا، آه لو كان اليوم ~~حيا! # وتذكرت إلى ذلك حديث أبي زهرة المنجم: «ستبلغين به العرش ms39 يا مولاتي، وتهتف باسمه الخلائق ~~في شرق الأرض وغربها.» # ولكن خليلا قد مات، أفيتاح لنبوءة الشيخ أن تتحقق على وجه ما، فتبلغ العرش ~~بأنها أمه، وتهتف باسمه الخلائق لأنها تحكم باسمه؟ أذلك ما كان يعنيه الشيخ؟ وماذا ~~يمنع أن يكون؟ ألأنها امرأة؟ فقد كانت سيدتها ملكة تبريز وسيدة العجم فاطمة خاتون بنت ~~طغرل السلجوقي امرأة، فأحسنت تدبير الملك والسياسة، لم تمنعها أنوثتها أن تكون ملكة، ثم ~~لم تمنعها الملكية أن تكون أنثى، فخطبت نفسها إلى السلطان جلال الدين بعد أن انفصلت عن ~~زوجها أزبك. # 1 # أين تذهب بها خواطرها الساعة؟ ما لها ولهذا الحديث، وإن عليها أن تدبر الأمر قبل ~~أن يدري العدو بمهلك الملك، فيشتد أزره ثم تكون الطامة، وتفقد الزوج والعرش والمعركة ~~جميعا، ومن يدري! فقد تفقد حياتها أو تفقد حريتها، فتعود جارية كما بدأت، يساوم عليها ~~في سوق السبايا! # وأجمعت نيتها على أمر، فبعثت تدعو إليها الأمير فخر الدين. ~~••• ~~- هذا العدو قد تجاوز باب الدار يا فخر الدين، ولا ملك على العرش، وقد دعوتك لترى رأيك ~~قبل أن يعرف العدو وتقع الكارثة. ~~- الرأي ما ترين يا مولاتي، وإنك لأعلى عينا وأخبر بسياسة هذه الدولة، وقد ~~عاصرت أحداثها بضع عشرة سنة، ولقد فقدت مصر ملكها الشهيد، ولكنها لم تفقد حسن تدبير ~~شجرة الدر. ~~- ماذا تعني يا فخر الدين؟ ~~- لست أعني إلا ما قلت يا مولاتي؛ فإنك لأهل لاحتمال تبعاتها حتى تنجلي هذه ~~الغمة. ~~- ولكنني امرأة يا أمير، فمن أين لي أن أبلغ هذه المنزلة؟ ~~- وهل كانت الصاحبة صفية خاتون بنت الملك العادل ابن أيوب إلا امرأة، وقد حكمت مملكة ~~حلب، ودبرت أمرها فأحسنت التدبير والسياسة. # 2 ~~- ولكن صفية خاتون يا أمير، كانت تحكم باسم حفيدها الصبي صلاح الدين. ~~- وباسم ولدك الشهيد الملك المعظم خليل، تجلسين على عرش مصر وتحكمين! # اغرورقت عينا الملكة الشابة وقالت في صوت يختلج: ولكن خليلا يا فخر الدين قد مات، لم ~~يجلس على العرش ولم يوص به لأحد من بعده. ~~- وباسم من كانت تحكم ms40 يا مولاتي فاطمة خاتون بنت طغرل السلجوقي على عرش تبريز؟! # 3 # ومن قبلها جدتها تركان خاتون على عرش خوارزم وخراسان؟! وهل كانت ~~السلطانة رضية ملكة دهلي # 4 # في الهند إلا امرأة؟! وقد استقلت بالملك بضع سنين. # 5 ~~- ولكننا في مصر يا أمير - لا في الهند ولا في خراسان - حيث تجد من أمراء آل أيوب أو من ~~أشياعهم من يقول في غير تعريض: هل كانت شجرة الدر في قصر الملك الصالح إلا جارية، ارتقى ~~بها السعد حتى بلغت منه منزلة الزوج وأم الولد؛ فكيف تطمع في أن تجلس على عرش فرعون؟ ~~وينسون يا أمير ما أفاضت شجرة الدر من برها عليهم، وما بذلت للدولة، وما تضمر ~~من نية الإصلاح والخير. ~~- يا مولاتي! بالله لا تذكري الآباء والأجداد؛ فمن أين لهم أن يعرفوا من كان أبوك؛ ~~فلعله - لو عرفوه - كان أعرق أرومة # 6 # من أيوب بن شاذى، # 7 # وأنى لهم أن ينكروا عليك حقك في ولاية العرش وقد جلس عليه كافور منذ قرون، # 8 # لم يرده عن هذه المنزلة أنه عبد أسود أمي مشقوق الشفة لا يصلح للحمل ~~ولا للمهنة! # أشرق وجه الملكة بابتسامة رضا، وهي تقول: صدقت يا أمير، وإن شجرة الدر بما بذلت ~~للدولة وما تضمر من نية الإصلاح لأدنى منزلة إلى العرش من مثل كافور، ولكن ... ~~- مولاتي! ~~- إنني امرأة ذات حجاب يا فخر الدين، وليس يجمل بي ولا ينبغي لي - بعد الملك ~~الصالح - أن أبرز إلى الرجال أو أشهد مجلس الحكم والمشورة. ~~- إن أمراء دولتك يا مولاتي ليسدلون عليك الستر العالي من الإجلال والمهابة، فلو ~~اتخذت أميرا منهم كبيرا لأمنائك لكفاك وجنبك أن تبرزي إلى الرجال أو تشهدي ~~مجالسهم، وإن أمره في النهاية لمردود إليك، ومستمد منك؛ وإن شئت يا مولاتي كشفت ~~الحجاب بينك وبينه على شرع الله وسنة نبيه. # 9 # أنغضت المرأة رأسها من حياء، ثم رفعته شامخة الأنف وقالت في كبرياء: فقد اخترتك ~~كبيرا لأمنائي يا فخر الدين إن طاب لك أن تحمل هذه التبعة! # تعاقبت على ms41 وجه الأمير ألوان شتى، واصطرعت في رأسه خواطر جمة، وحضرته ذكريات ~~وأماني، وانبهرت أنفاسه فلم يملك جوابا سريعا! # واستطردت الملكة: ولكن علينا قبل ذلك كله يا أمير أن ندبر أمرنا وأمر رؤساء المماليك ~~وأمراء الجند، فإنه ليبدو لي أنهم - وقد مات مولاهم وولي أمرهم - قد يرون من حقهم أن ~~يستشاروا، وقد بلغوا من الجاه والقوة مبلغا ينبغي أن يحسب حسابه. # قال فخر الدين: وماذا يعني هؤلاء المماليك يا مولاتي من ذلك الأمر، وإنما هم جند وحاشية، ~~ليس عليهم إلا أن يسمعوا ويطيعوا! ~~- بلى، إنهم جند وحاشية، فهل نسيت العدو الذي يتربص بنا يا أمير؟ فإن علينا أن ~~نسترضي هؤلاء الجند قبل أن نقتضيهم حق الولاء والطاعة، لنطمئن إلى صدق بلائهم في قتال ~~ذلك العدو. # ثم أطرقت الملكة هنيهة تفكر، وعادت تقول: وإني لأخشى إلى ذلك أن يدري أولئك ~~الصليبيون بمهلك الملك الصالح، فيهتبلوا الفرصة قبل أن يستتب لنا الأمر، ويتوغلوا في البلاد ~~فلا نستطيع لهم دفعا، والرأي عندي أن نكتم ذلك النبأ، فلا يدري به أحد ولا يعرفه العدو ~~حتى نستطيع تدبير أمرنا معه. # قال الأمير مرتابا: ويمكن ذلك يا مولاتي؟! # قالت: لا عليك من ذلك يا فخر الدين، ودع لي تدبير الأمر كله. ~~••• # واستسر النبأ فلم يدر به إلا بضعة نفر: شجرة الدر وفخر الدين والطبيب هبة الله ~~والخادم سهيل، ثم الأمير حسام الدين بن أبي علي نائب الملك في القاهرة. # وحنط جثمان الملك الصالح وأودع صندوقا من خشب الصندل، ثم حمل في سفينة على ~~النيل إلى القاهرة لا يدري أحد من ملاحيها ماذا تحمل؛ وأرسيت السفينة على ساحل جزيرة ~~الروضة، وحمل الصندوق مغلفا بأسراره إلى القصر. # واستمرت الرسوم في القصر الملكي بالمنصورة جارية على عادتها، لم تتغير منها شيء مما ~~يألفه الناس: ترفع الكتب والأحكام إلى القصر ليرى الملك فيها رأيه، فتخرج وعليها توقيع ~~الملك برأيه وخطه، لا يشك من يراها أن الملك قد قرأها وجرى قلمه عليها بما ~~جرى. # ويعد طعام الملك في موعده، ويمد سماطه ثم ms42 يرفع، لا يشك من يرى ذلك أن الملك قد ~~أكل طعامه وشرب شرابه. # وتصدر الأوامر إلى الأمراء والقادرة ورؤساء الجند وعليها طابع الملك وخطه، لا يشك ~~من تصدر إليه أنها أوامر الملك الذي يدين له الجميع بالولاء والطاعة. # ويستأذن عليه من يستأذن من أهله وخاصته وأصحاب الرأي في دولته؛ فيخرج إليه الحاجب ~~معتذرا بأن الملك متعب ولا يستطيع أن يلقى أحدا. # شيء واحد أثار الريبة في نفوس بعض ذوي الإدلال من الخاصة، هو كثرة تردد الأمير فخر ~~الدين على القصر مصبحا وممسيا، كأن له وحده الحظوة من دون الأمراء، وكان منذ قريب ~~متهما يطلب الملك رأسه؛ لأنه لم يحسن الدفاع عن دمياط! # ماذا تغير من الأمر فدنا وحظي حتى ليس لأحد غيره من الأمراء في القصر حظوة ولا ~~مكان؟ # وتذكر من تذكر ما كان من مرض الملك وشكواه من علة في الصدر وقرحة في المأبض، ~~ولحظ من لحظ أن الطبيب هبة الله يلزم القصر، ولكنه لا يكاد يخف إلى عمل أو يغادر ~~حجرته. # وهمس هامس في أذن صاحبه: أحسب أن الملك قد مات. ~~- بلى، إني أكاد أستيقن ذلك يقينا. ~~- فما هذه الكتب التي تخرج كل يوم وعليها توقيع الملك بخطه؟ ~~- علم ذلك عند شجرة الدر وخادمها سهيل، وكلاهما كاتب يحسن إمساك القلم. ~~- وتراها تجرؤ؟ ~~- ومم تخاف؟ ~~- ولماذا تخفي؟ ~~- علم ذلك عند الأمير فخر الدين! # الفصل السادس عشر # | عرش وزوج # مالت الأفواه على الآذان همسا، ثم ارتفع الهمس فصار حديثا على الشفاه؛ وانتشر الحديث ~~حتى سمعه كل ذي أذن في المدينة، وسارت به الركبان، فلولا التوقير والمهابة لشخص الملك، ~~ولولا أثارة # 1 # من الريب في بعض النفوس، ولولا ما يشغل الناس من أنباء الحرب؛ لكان ذلك الهمس ~~حديثا على المنابر. # وقال الأمير فارس الدين آق طاي مقدم المماليك لأصحابه: إني لأتوقع أن يكون صحيحا ذلك ~~النبأ، لم يمنع إذاعته إلا حذر العدو أن يزيد قوة! # قال بيبرس: حذر العدو، أو حذر الأمراء؟ # قال قلاوون: وحذر الأمراء أيضا؛ أفلست ترى مكانة فخر ms43 الدين في القصر؟ فكيف يطمئن ~~مثله إلى نجاح تدبيره لو علم الأمراء؟ # قال أيبك: وهل يطمع ذلك الجبان الرعديد، وقد انهزم أمام العدو في أول جولة، أن يكون ~~له شأن دون سائر الأمراء؟ # قال آق طاي عابثا: أفتطمع أنت يا أيبك، تصديقا لحديث أبي زهرة الدجال، # 2 # ولا يطمع مثل الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ؟! # فاحمر وجه أيبك، وقال قلاوون دهشا: أتعني أن فخر الدين يطمع في العرش؟ لقد أبعدت ~~في الظن يا آق طاي، فأين توران شاه ابن مولانا الملك الصالح؟ لا كان والله شيء من ذلك ~~وفي أغمادنا سيوف! # قال آق طاي هادئا: من أجل ذلك يحرص فخر الدين على إخفاء الأمر، وما أبعدت والله في ~~الظن يا قلاوون، وإنما أبعد فخر الدين في الأمل وأسرف في قدر نفسه! ~~••• # وكأنما خشي التركمانية من أمراء المماليك أن يثب إلى العرش أمير من غير جلدتهم، لا ~~يفوقهم فروسية ولا يفضلهم تدبيرا وسياسة؛ فأجمعوا على الدعوة لابن مولاهم، وبعثوا إلى ~~حصن كيفا من يدعو الملك المعظم توران شاه ليتسلم عرش أبيه. # وكان آق طاي على رأس وفد الأمراء إلى المشرق، ومعه رسالة من الأمير حسام الدين نائب ~~الملك في القاهرة. # وعرفت شجرة الدر بما اجتمع عليه رأي التركمانية، فلم تقاوم ولكنها لم تستكن؛ إنها ~~لتعرف توران شاه فتى ضعيف الرأي طياشا، لا يحسن السياسة وتدبير الملك؛ وإنها لتعرف ~~ما كان رأي أبيه فيه حين آثر إبعاده عن العرش حرصا على رأسه، ولكنها إلى ذلك لا تحب أن ~~تعارض ما اجتمع عليه رأي الأمراء؛ لأن بها حاجة إلى رضاهم واستبقاء مودتهم، ولا تريد - إلى ~~ذلك - أن يعرف توران شاه أن أمراء المماليك كانوا أحرص على تمليكه من امرأة أبيه، فلترسل ~~إليه رسولا كما أرسلوا إليه، وليسبق رسولها رسولهم؛ لتكون لها بذلك يد عنده، وليدع ~~له على المنابر كما يدعى لأبيه، ولتؤخذ له البيعة بولاية العهد منذ الآن قبل أن يستيقن ~~الناس موت أبيه؛ فإن ذلك كله خليق بأن يمكن سلطانها ويبعد ms44 عنها التهمة، ويهيئ لها ~~الأسباب لتظل قابضة على السلطة تصرف أمور الدولة كيف تشاء، وماذا يعنيها من شخص الملك ~~ما دامت في يديها كل السلطات؛ فهي الملكة وإن لم يكن لها عرش ولا تاج! ~~••• # وقدم على توران شاه رسول الملكة شجرة الدر، وقدم عليه كذلك آق طاي برسالة الأمير ~~حسام الدين. # وتهيأ للرحلة من حصن كيفا إلى القاهرة على الطريق الطويل الذي سلكه أبوه منذ عشر ~~سنين. # الفصل السابع عشر # | قلوب موزعة! # وكان موت الملك لا يزال سرا مطويا، لم يذعه القصر ولم يتحدث به نائب الملك إلى ~~أحد من الخاصة أو العامة، ولكنه مع ذلك حديث شائع يتردد على أفواه الناس في شتى ~~أنحاء البلاد، لا يؤمنون به ولا يكادون ينكرونه. # وكانت معركة الصليبيين لم تزل دائرة، قد حشد لها الفرنجة كل ما يملكون من قوة وعتاد، ~~وجمع لها المصريون كل ما يستطيعون من أسباب الدفاع والمقاومة. # وكأنما كان سقوط دمياط في أيدي الصليبيين، وما نال أهلها من القتل والتشريد والمذلة، ~~حافزا لكل ذي يدين أن يتهيأ لحمل سلاحه؛ للذود عن حياته وعرضه وحماه، وكأنما كانت ~~هزيمة فخر الدين في تلك المعركة شرارة ألهبت دمه، فأخذ يعد عدته للثأر ويستجمع قوته ~~للوثبة. # وأنفقت شجرة الدر ليلها ونهارها ترقب حركات العدو في الميدان، وترسم الخطط للإيقاع ~~به وإحباط مسعاه، من غير أن تبدأ هجوما عليه أو تهيئ له فرصة لاستئناف الزحف. # وتألفت فرق من الفدائيين تنقض على معسكر العدو على امتداد الساحل، في هدأة الليل أو ~~في قيلولة النهار، فلا تزال تجندل القتلى، وتحمل الأسرى عشرات ومئات، وتخرب المنشآت ~~العسكرية. # وضاق العدو آخر الأمر بمكانه، فلولا خشيته أن يكون وراء موقف المصريين مكيدة مبيتة ~~لاستدراجه لاستأنف الزحف غير متلبث. # وانتصف الشتاء، وقلت ذخيرة العدو من الأقوات والوقود، وهبت الأعاصير على سفنهم ~~الراسية في النيل، فدمرت منها أكثر من مائتي سفينة، وتتابعت غارات الفدائيين حتى حرمتهم ~~هدوء النهار وراحة الليل، وأوشك الخلاف أن ينشب بين قادة الصليبيين فيتدابروا وتذهب ~~ريحهم. # ثم ms45 جاءتهم الأنباء بموت الملك الصالح، فخرجوا في حمية يقصدون المنصورة في عدد وعدة، ~~فلم تمض إلا أيام حتى كانوا تجاه المنصورة؛ يتهيئون لاجتياز البحر الصغير إلى المدينة ~~التي اتخذها المصريون قاعدة للدفاع. # وشرع الفرنجة يقيمون على البحر معبرا يجتاز عليه الجند، فخلاهم المصريون وما ~~أرادوا، حتى إذا فرغوا منه أو كادوا، حفر المصريون خندقا مثل الهلال عند نهايته، فاندفع ~~إليه ماء البحر وجرف قاعدته فانهار المعبر وحمله التيار! # وطفقوا يقيمون على الساحل أبراجا من الخشب الغليظ ليحرسوا مراكزهم ويرقبوا حركات عدوهم، ~~فما كادوا يفرغون منها حتى انصبت عليها القذائف النارية من أفواه المجانيق، # 1 # فردتها أنقاضا ورمادا على رءوس من فيها من الحرس والجند، وشرعوا يقيمون ~~غيرها، فلم يكن حظها خيرا من حظ سابقتها. # وقل الخشب في معسكر الصليبيين؛ حتى لم يبق عندهم إلا السفن يستلون ألواحها ليتخذوا ~~منها وقودا أو يبنوا بها أبراج الدفاع، ولا تزال «النار الإغريقية» تنصب على معسكرهم من ~~المجانيق التي نصبها المصريون على الساحل المقابل، فتلقي في قلوبهم الرعب وتوقع في ~~صفوفهم الخلل، ولم يكن للفرنجة عهد بهذا السلاح الناري المبيد المهلك، فلا يكادون يرون تلك ~~الكرات النارية الهائلة تتهاوى من السماء على رءوسهم شعلا وجمرات، حتى يأخذهم الفزع ~~فيتفرقوا في كل وجه، قد ركب كل منهم قفا صاحبه! # ولم يزل الفدائيون يهبطون عليهم ساعة بعد ساعة في الليل أو في النهار، يتخطفونهم أحياء ~~أو يتخطفون أرواحهم بالمدى والخناجر. # وألزمتهم المقادير مكانهم ذاك، يحيط بهم الماء من كل جانب، فليس لهم سبيل إلى ~~الأمام ولا إلى الوراء. # ثم دلهم بعض الرواد ذات صباح على مخاضة # 2 # في البحر إلى المنصورة، فاجتازها الأمير أرتوا - شقيق الملك لويس - على رأس ~~فرقة من الفرسان. # وحطوا أرجلهم على الساحل ودوى النفير. # وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ في الحمام، فخرج معجلا لم يستكمل عدة حربه، ووثب ~~على ظهر فرسه وانطلق على حمية ليلقى طلائع الجيش الغازي، وليمحو عن جبينه وصمة دمغته ~~منذ تخلى عن دمياط! # ودارت المعركة، وأبلى الأمير ms46 فخر الدين بلاء حسنا في الدفاع والمقاومة، وكان يتخايل ~~لعينيه بين بريق السيوف وجه شجرة الدر تشجعه وتشد عزمه، وكان منظر الأمير أرتوا في ~~ثيابه الملكية الفاخرة يجد له أماني لا تزال تداعبه حلما في الليل وخيالا في اليقظة، ~~منذ حديثه ذاك إلى شجرة الدر. # وجال فخر الدين بسيفه في العدو ذهابا وجيئة، وإلى يمين وشمال، وصوب طعنة إلى صدر ~~الأمير أرتوا، ولكن طعنة أخرى قد نالته قبل أن يشفي ذات صدره بمصرع عدوه! # وتجندل الأمير فخر الدين على الثرى ونجا غريمه، وغسل عاره الماضي بدمه، وخلا الميدان ~~من بعض فرسانه! # واندفع الأمير أرتوا وفرقته إلى المدينة، ودارت المعركة في الشوارع، بالسيوف حينا ~~وأحيانا بالعصي، وقطع الحجارة تتساقط عليهم من أسطح الدور والنوافذ. # واشترك النساء والأطفال والشيوخ في المعركة وجها لوجه أو من وراء الأبواب وخلف أستار ~~الخدور! # وظلت طليعة الغزاة تتقدم، لم يثنها ما خلفت وراءها من قتلى وجرحى، حتى بلغت ساحة ~~القصر، وكانت فرقة الحرس برياسة الأمير ركن الدين بيبرس مرابطة على الأبواب. # وكانت شجرة الدر ترقب المعركة من النافذة بقلب واجف، وقد وقفت إلى جانبها فتاة ~~موزعة القلب بين مولاتها وبين الطريق، قد زاغت عيناها فلا تكاد تثبت على منظر. # وتقدم الأمير أرتوا نحو باب القصر؛ وهزت شجرة الدر كتف الفتاة إلى جانبها وهي ~~تقول: اهتفي به يا جهان ... أسمعيه صوتك! # وهتفت جهان جهرة وعلى مسمع من مولاتها لأول مرة بالاسم الذي تهتف به كل يوم آلاف المرات ~~في خلواتها همسا وفي حنين وشوق: بيبرس! بيبرس! هذا يومك يا بيبرس! # ودوى هتافها في ساحة القصر وصافح أذني فتاها، فرفع عينيه إلى حيث سمع مصدر الهتاف، ثم ~~اندفع شاهرا سيفه فاعترض سبيل العدو، واندفع وراءه جنده. # وجال بيبرس بسيفه في الميدان؛ يحز الرقاب، ويقد الضلوع، ويشق المرائر، ويطيح الهام، ~~ويجندل الأبطال؛ حتى فتح ثغرة في جيش العدو، فنفذ منها إلى القلب، وصوب رمية إلى صدر ~~أرتوا فجندله! # ثم ترجل عن فرسه والسيف في يده يقطر دما، ووقف يجيل ms47 عينيه فيما حوله وفيمن حوله يطلب ~~من يبارزه، ولكن جيش العدو لم يثبت وقد تجندل قائده، فتفرق أباديد في ساحة القصر وقد ~~ركبه الحرس بالسيوف فلم يبق منه بقية! # وارتدت فلول الفرنجة إلى مراكزها على العدوة الأخرى # 3 # من البحر، وقد خلفت في طرقات المدينة ألفا وخمسمائة قتيل من زهرة المحاربين ~~والفرسان، بينهم الأمير أرتوا شقيق الملك لويس التاسع، ولولا نسيئة القدر # 4 # للحق الملك لويس بأخيه في تلك المعركة، هو وأخواه الأميران: آنجو ~~وألفونس! # وسرحت البطائق # 5 # في أجنحة الحمام إلى القاهرة بأخبار النصر، فازينت المدينة واستبشر الناس ~~وقويت روح الشعب. وذاع بين المماليك مقتل الأمير فخر الدين، فأهرع عامتهم إلى داره يقتسمون ~~ماله! # ووقع الخلل في صفوف الصليبيين بعد تلك المعركة الدامية، فالتزموا الدفاع في أماكنهم ~~وبينهم وبين عدوهم البحر، على أن المصريين لم يدعوا لهم لحظة للاستقرار، فلا يزالون ~~يصلونهم نارا ويرمونهم بالمجانيق ويتخطفونهم أحياء ويتصيدونهم بالنبال! # ثم أعدوا عدتهم ليقطعوا عليهم طريق العودة، ويحصروهم حيث كانوا حتى يطلبوا الأمان أو ~~يموتوا ، فصنعوا أسطولا من السفن المحاربة وحملوه في البر قطعا إلى حيث أنزلوه في بحر ~~المحلة، واتجهوا به إلى ما وراء خطوط الصليبيين، فقطعوا عليهم طريق العودة إلى دمياط وطريق ~~التموين جميعا. # وقل الزاد في معسكر العدو وتناثرت على جوانبه جثث القتلى وطفت على سطح الماء، فانتشر ~~الوباء وأصاب الخيل والناس جميعا، فلم يجد الصليبيون مناصا من الرحيل برا إلى دمياط ~~عن طريق فارسكور. # حينئذ تهيأ المصريون للهجوم؛ إذ لا يملك العدو عن نفسه دفعا؛ وكان ما لا بد أن ~~يكون! # وتبعثرت الحملة الصليبية السابعة أشلاء ممزقة ورمما، وبلغ عدد القتلى ثلاثين ~~ألفا. # وسيق من بقي إلى معتقل الأسرى حتى يفتدي نفسه، وأسلم الملك لويس التاسع نفسه فاقتيد ~~أسيرا إلى المنصورة، حيث اعتقل في دار القاضي فخر الدين بن لقمان، وجعل في رجليه قيد من ~~حديد، ووكل بحراسته الخصي صبيح المعظمي، واقتيد معه إلى الأسر أخواه الأميران ألفونس ~~وآنجو، وبضع عشرات من النبلاء والسادة ... ~~••• # وكان الملك ms48 المعظم توران شاه في طريقه إلى مصر قد بلغ دمشق، وفي ركابه الأمير فارس الدين ~~آق طاي، وعشرات من مماليكه وخاصته، قد عاد بهم من حصن كيفا ليكونوا له حاشية ~~وبطانة! # الفصل الثامن عشر # | غدر وثأر # وبلغ الملك المعظم توران شاه مصر، فنزل بالصالحية، # 1 # واستقبله الأمير حسام الدين نائب السلطنة مهنئا، فخلع عليه الملك ورده ~~إلى نيابته. # وأذيع يومئذ نعي الملك الصالح نجم الدين أيوب - في منتصف ذي القعدة - بعد مهلكه ~~بثلاثة أشهر، ونودي بتوران شاه سلطانا على البلاد. # ورحل السلطان إلى المنصورة، فنزل بدار أبيه، وخلا بأصحابه يدبر أمره. # وكان توران شاه - كما وصفه أبوه - فتى طياشا # 2 # سفيها ضعيف الرأي منقادا للشهوات، ليس له همة ولا مروءة، فاستطاع أصحاب ~~السوء أن يغلبوه على إرادته ويستبدوا بالأمر دونه؛ وزينوا له أن يبطش بأصحاب أبيه ~~لينفردوا بالرأي والمشورة ويتخذوه في يدهم ألعوبة، وأوغروا صدره # 3 # على امرأة أبيه شجرة الدر، وعلى أمراء المماليك. # وغدر توران شاه بآق طاي، وكان قد وعده في الطريق أن يقطعه بعض البلاد . # وعزل حسام الدين عن نيابته، ولولاه ما دعاه داع إلى عرش مصر. # وأقصى قلاوون وأيبك وبيبرس وكل التركمانية من مماليك أبيه، وكانوا دعاته وحزبه. # وأرسل رسله إلى دار الأمير فخر الدين بن الشيخ، فاحتملوا إليه كل ما فيها من مال ~~ومتاع ورقيق، فلم يدعوا فيها شيئا يقوم بمال! # وبعث إلى شجرة الدر يناقشها حساب ما أنفقت وما أبقت من تركة أبيه، ويسألها أن ~~ترد إليه ما تحت يدها من مال وجواهر. # وجاس خلال غرفات القصر يعابث الغلمان المرد # 4 # والجواري، واقتحم على حظايا أبيه خدورهن، فلم يترك على وجه حجابا، وأسفر عن ~~وجه وقاح. # 5 # وأهرعت جهان ذات صباح إلى مولاتها وقد قد قميصها: # 6 # الحماية يا مولاتي! ~~- ماذا بك يا جهان؟ ~~- السلطان يا مولاتي! ~~- مالك وللسلطان؟ ~~- لا يريد أن أكون لبيبرس! ~~- وما شأنه ببيبرس؟ ~~- لا شأن له به يا مولاتي، ولكنه يدعوني إلى ما لا أطيقه ولا يطيقه بيبرس. ~~- أتعنين ... ~~- نعم ms49 يا مولاتي، وقد قد قميصي ففرت من بين يديه ألتمس حمايتك. ~~- وإذا أعاد محاولته يا جهان؟ ~~- أقول له إنني لبيبرس، ولن أكون لغيره! ~~- وإن أبى أن يستمع إليك؟ ~~- لن يغلب إباؤه إبائي! ~~- فإذا اغتصبك يا جهان؟ ~~- أذود عن نفسي بيدي حتى أموت، ولا أخون أمانة بيبرس! ~~- حماك الله يا جهان! ~~••• # ووفت جهان بما وعدت، فلم تخن أمانة بيبرس، ذلك أن الملك العابث لم يكف عن محاولته ~~تلك الدنيئة، ولم يعف حين أتيحت له الفرصة، فجد في أثر الفتاة البريئة يريد أن ~~يغتصبها، فأبت عليه الفتاة ما أراد، تصونا ووفاء، # 7 # ولكن كبرياء الملوكية أبت عليه أن يتراجع، فاصطرع الشرف والكبرياء، وحدثت ~~المأساة المروعة! # وكان بيبرس يدفع بسيفه في أقفية المنهزمين دفاعا عن بلاده ومليكه، حين كانت جهان تدفع ~~بيدها في وجه ذلك المليك مستبسلة لا تريد أن تخون أمانة بيبرس. # وحملت على أعناق الرجال عذراء طاهرة لتوارى الثرى، وحمل النبأ إلى بيبرس غداة ~~عودته مظفرا من أعظم معركة خاضتها مصر ضد الغزاة، وكان هو بطلها المجلى. # وأقسم بيبرس أن يثأر لفتاته ولو تخضب العرش بالدم! ~~••• # وأسرف توران شاه في الشراب واحتجب، ولم يدع أحدا من الأمراء والسادة إلا ناله بمساءة، ~~وانتزع السلطات من أيدي الأكفاء ليضعها في أيدي الأراذل من مماليكه وندمانه، # 8 # وكأنما بدا له وقد صار إليه العرش أن من حقه أن يفرض على أهل البلاد ~~جميعا أن يستأسروا له # 9 # طائعين ويملكوه أموالهم ودماءهم وأعراضهم أيضا. # وضاق به الشعب والأمراء والمماليك جميعا، ولم يجلس على العرش إلا بضعة أسابيع. # وتدانت الرءوس، وتهامست الشفاه، وتبادل المؤتمرون الرأي بينهم طويلا ثم انتهوا إلى ~~فكرة. # وكان الملك المعظم في فارسكور قد أمر، فنصب له على شاطئ النيل دهليز سلطاني، وأقيم ~~إلى جانبه برج من خشب، وهيئت له أسباب القصف والمسرة، فمد السماط، وأوقدت الشموع ~~ورصت القناني والكئوس. # ونال منه الشراب فاستل سيفه وأخذ يطيح رءوس الشمع وهو يصيح في نشوة: كذلك أفعل ~~بالمماليك البحرية! # وتسلل إليه بيبرس وفي يده سيف ms50 مسلول، فأهوى به عليه وهو يقول في انفعال وغيظ: بل ~~كذلك نفعل نحن بك! # ونال السيف يده ولم يصب منه مقتلا، فخرج صائحا والدم يقطر من يده: ما فعل بي ذلك إلا البحرية، # 10 # والله لا أبقيت منهم بقية! # فكأنما كانت كلمته تلك إغراء للبحرية بالإجهاز عليه، فثاروا مندفعين إليه، فلجأ إلى ~~البرج الخشبي يحتمي به، فحصروه في البرج وأشعلوا فيه النار! # وعاين الموت، فصاح من أعلى البرج: من يصطنعني # 11 # فينقذني وله عرشي! # ولكن الريح قد حملت صيحته فلم يستمع إليها أحد، وحصرته النار حتى شوت جلده، فألقى بنفسه ~~إلى النيل وهو يصيح في يأس: ليس بي حاجة إلى ذلك العرش، دعوني أرجع إلى حصن كيفا! # وابتلع اليم كلماته فلم يستمع إليها أحد، كما لم يستمع أحد إلى كلمته تلك. # وألقى آق طاي بنفسه وراءه في اليم فأجهز عليه بسيفه في الماء؛ فمات طعنا وحرقا وغرقا، ~~ثم حملت جثته إلى الجسر حيث ظلت ثلاثة أيام حتى جافت، # 12 # فلم تدفن إلا بشفاعة رسول الخليفة العباسي، # 13 # فووريت التراب بلا احتفال! # الفصل التاسع عشر # | ضيافة في سجن # كانت الشمس قد غابت، ولكن السماء لم تزل مصطبغة بلون الشفق، حين أرسى زورق صغير على ~~شاطئ المنصورة، فهبطت منه سيدة ملثمة تخب في ثياب فضفاضة قد سترتها من قمة ~~الرأس إلى أخمص القدم، فلا يبدو منها إلا عينان تبصان فيهما قلق وريبة، ثم هبط وراءها ~~من الزورق شابان فارعان # 1 # في ثياب الفرسان، لهما سمت # 2 # ومنظر، وفي عيونهما مثل ما في عيني السيدة من الريبة والقلق. وكأنما أرسى ~~الزورق على هذا المكان من ذلك الشاطئ في هذه الساعة من الليل، لموعد قد حدد بدقة، ~~فلم تكد السيدة والشابان يهبطون إلى الأرض، حتى أقبل شابان في ثياب الحرس السلطاني، فمثلا ~~بين يدي السيدة، وانحنيا انحناءة خفيفة للتحية، ثم استدارا إلى الطريق، ومشيا تتبعهما ~~السيدة وزميلاها. لم يتحدث أحد منهم إلى أحد، كأنما هي خطة مرسومة قد عرفها كل واحد ~~من الخمسة تفصيلا ms51 فلا حاجة به أن يسأل ولا أن يجيب. # ومشت السيدة يسبقها شابان ويتبعها شابان، كأنما يقيس كل منهم خطوته حتى لا يتأخر عن ~~موضعه من زملائه، على أن السيدة - فيما يبدو - لم تسلك ذلك الطريق من قبل منفردة ولا ~~مصاحبة؛ فقد كانت حركة رأسها في ذلك الطريق تنبئ عن رغبتها في أن تحقق النظر في كل ~~ما تقع عليه عينها من صور الطريق، أو لعل ذلك كان مظهرا من مظاهر القلق النفسي الذي يبدو ~~في نظرة عينيها. # وظلوا يمشون حتى انتهوا إلى بناء قائم في طرف المدينة، قد انبسط بين يديه فناء واسع، ~~وقام على بابه بواب غليظ العنق عريض الصدر، في عينيه جد وصرامة، وفي وسطه منطقة قد ~~تدلى منها خنجر في جرابه لا يبدو منه إلا مقبض عاطل من التمويه والزخرف؛ # 3 # فلم يكد يقترب منه هؤلاء النفر الخمسة حتى خلى مكانه إلى جانب الباب ليفسح ~~لهم الطريق، فلما صاروا بإزاء الباب دفع أحد الشابين مصراعه بيده فانفتح، ثم وقف ووقف ~~زميله، وانفرج بينهما طريق نفذت منه السيدة إلى الباب يتبعها الفارسان الشابان، ثم انصفق ~~وراءهم الباب. ~~••• # وكان لويس التاسع جالسا في جانب من الغرفة على حشية منصوصة على بساط ذي تصاوير، وقد ~~أسند ظهره إلى وسادة على الحائط، حين سمع على الباب طرقا خفيفا، فقال في صوت خافت ~~كالهمس: ادخل. # فدخلت السيدة وخلفت الشابين ينتظران خلف الباب، فلم تكد تتوسط الحجرة حتى رفعت عن وجهها ~~اللثام، ونضت عن جسدها ذلك المعطف السابغ، فلم يكد يراها لويس حتى صاح في لهفة وقلق: ~~مرجريت! ما جاء بك؟ # وهب واقفا، ثم اندفع إلى زوجته مشوقا قلقا قد توزعته الخواطر واختلطت به مذاهب ~~الفكر. # قالت مرجريت في هدوء: جئت لأقيم معك في هذا الأسر يا لويس، حتى يأذن الله ~~بالفرج! ~~- ماذا؟ أتبلغ الغلظة بهؤلاء الأوغاد أن يقودوا إلى الأسر «مرجريت دي بروڨانس» لأن زوجها ~~قد كان معهم في حرب مشروعة؟ # 4 ~~- رويدك يا لويس؛ فما قادني أحد إلى الأسر، وإنما استأسرت ms52 لهم طائعة لأونس وحشتك ~~يا حبيبي! ~~- أنت! تستأسرين لهؤلاء الكفار طائعة من أجلي يا مرجريت؟ ~~- من أجلك يا لويس، فما تطيب لي الحرية وأنت في وحشة الأسر لا تجد من يؤنسك ويسري ~~عنك؛ فهل يسوءك يا لويس أن تشاطرك زوجتك آلامك، لتنال معك من نعمة السماء أجر الجهاد ~~والصبر؟! ~~- الآلام والجهاد والصبر؛ ما أعظم ما تصفين يا مرجريت، وما أقل ما نستحق من الأجر؛ لو ~~لم تكن هذه الخاتمة لأملت أن يكون ما تصفين من الأجر، أما وقد كان ما ترين فإنني لم ~~أفعل شيئا إلا أن سفكت دم عشرات الآلاف من أهل الصليب، فعلى رأسي تلك الدماء جميعا يا ~~مرجريت! ~~- تلك إرادة السماء يا لويس! وماذا كنت تملك أن تفعل غير ما فعلت؟ ~~- كنت أملك أن أموت على صهوة جوادي وفي يدي سيفي يقطر من دم هؤلاء الكفار! ~~- ومن يثأر لك ولأولئك الآلاف إن كان ذلك يا لويس؟ ~~- وهل تأملين يا مرجريت أن أعود إلى الحرية فأثأر لأولئك الآلاف؟ ~~- ستعود إلى الحرية يا لويس، وتعتلي صهوة جوادك، وتروي ظمأ سيفك من هؤلاء الكفار، وتثأر ~~لمن قتلوا من الشهداء! ~~- هيهات يا مرجريت أن يطلق هؤلاء المسلمون لويس ملك فرنسا وقد حصل في أيديهم، إنهم ~~ليعلمون ما يحمل لهم في صدره من البغضاء وما يتمنى لهم من أماني السوء. ~~- بل سيطلقون سراحك يا لويس إذا أديت لهم ما يطلبون من مال؛ فهل جاءك أنهم قتلوا مليكهم، ~~ولم يستقر على عرشه بضعة أسابيع؛ لأنه هم أن يسألهم فيم أنفقوا ما خلف أبوه من المال؟ ~~المال يا لويس هو الذي أغراهم بمليكهم فقتلوه شابا في عنفوانه، وهو الذي يغريهم بأن ~~يردوك إلى الحرية لتتهيأ للثأر! ~~- يا ليت يا مرجريت! ولكن من ذا يدفع عني ما قد يطلبون من الفدية ويداي مغلولتان؟ ~~- سيتبارى رعاياك من أبناء فرنسا، والمسيحيون في شتى بقاع الأرض، ليدفعوا فدية القديس ~~لويس، ويردوا إليه حريته. ~~- آه! ما أطيب قلبك يا زوجتي المحبوبة! إن المسيحيين وأبناء فرنسا على السواء ~~يا مرجريت، ms53 لا يحبون لويس إلا حين يقودهم إلى المغانم، أما لويس الأسير في دار موحشة من ~~بلاد الكفر، فليس يخطر على بال أحد أن يفتديه بدم أو مال. أم حسبت كل هؤلاء الآلاف ~~الذين يقودهم لويس من مرسيليا إلى قبرص، فدمياط فالمنصورة، كانوا يتبعونه لشيء غير طلب ~~الغنيمة والمجد؟ ~~- أوه! أذلك قولك يا لويس؟ # طأطأ الملك الأسير رأسه في انكسار وهو يقول في صوت خافت كأنه بين يدي قسيسه يعترف بما ~~أسلف من خطايا: نعم يا مرجريت، لقد خرجنا باسم الصليب نطلب المجد في الأرض، فتحققت فينا ~~مشيئة الرب وانتهينا إلى الأسر والهوان والمذلة! # قالت الملكة في همس: لله شجرة الدر! كأنما كانت تقرأ من لوح مسطور وراء الغيب ما ~~سمعته أذناي الساعة! ~~- ماذا قلت يا مرجريت؟ ~~- لا شيء يا لويس. ~~- ولكن كلمات هامسة كانت تبرق على شفتيك. ~~- كنت أعيد ما وعته أذناي من حديث شجرة الدر. ~~- شجر الدر؟ ~~- نعم، ملكة مصر والشام ووارثة عرش صلاح الدين. ~~- أوصارت ملكة؟ ~~- نعم، وإنها لأهل لما بلغت؟ ~~- وماذا وعته أذناك من حديثها؟ ~~- ما كنت تقوله لي الساعة يا لويس. ~~- لم أفهم ما تعنين ما مرجريت. ~~- قالت لي : إنما خرجتم باسم الصليب تطلبون المجد والغنيمة، فحق عليكم أن تنتهوا إلى ~~الأسر والهوان والمذلة! ~~- كذا قالت؟ ~~- نعم، وكدت أرد عليها قولها وأترك مجلسها غير معتذرة! ~~- ثم ماذا؟ ~~- ثم كظمت غيظي واحتملت اللطمة من أجلك يا لويس! ~~- من أجلي أنا؟ ~~- نعم، فما سعيت إلى لقائها إلا لأسألها بما جبلت عليه كل أنثى من العطف والرحمة، أن ~~تأذن لي في لقائك والتحدث إليك ساعة، وقد أذنت لي في أن أحضر إليك تحت الليل، في حراسة ~~اثنين من فرسان الداوية، وأصحبتني اثنين من حراسها ليدلانا على الطريق ويدفعا عنا ما ~~قد يعترضنا من شر العامة، فإن شئت يا لويس بقيت إلى جانبك في هذا المعتقل حتى يأذن الله ~~بالفرج. # صمت الملك برهة يفكر، ثم رفع رأسه قائلا: ولكنني لا أشاء يا مرجريت! ~~- لماذا يا حبيبي؟ ~~- لأنك تستطيعين في حريتك ms54 أن تسدي إلي يدا، إذا رضي المسلمون أن أفتدي نفسي ~~بمال. ~~- وإذن؛ فأنت ترى أن أعود إلى دمياط لأحتال في جمع ما قد يطلب المسلمون من مال ~~الفدية؟ ~~- نعم، وإلى اللقاء يا مرجريت! ~~- إلى اللقاء يا لويس. # وعادت الملكة أدراجها، وعاد الملك فجلس على حشيته مستندا إلى وسادة على الحائط ~~يفكر، وانصفق الباب وراء الثلاثة، وتقدم الحرسيان السيدة الملثمة على الطريق، وتبعها ~~الفارسان حتى انتهوا إلى شاطئ النيل، وهبطت السيدة إلى الزورق ثم تبعها الشابان، فانساب ~~الزورق على سطح الماء مبحرا إلى الشمال. # الفصل العشرون # | الجاشنكير يحكم! # لم ينكر أحد في مصر على شجرة الدر حقها في اعتلاء عرش الأيوبيين بعد مصرع توران ~~شاه، إلا من حيث إنها امرأة، فلولا أن التقاليد في مصر الإسلامية لم تشهد قبل شجرة ~~الدر أنثى على العرش لدان لها الجميع بالولاء والطاعة في إخلاص ومحبة؛ فقد كانت من ~~إحكام التدبير وحسن السياسة وسعة النفس وطيب السمعة، بحيث لا يعرض ذكرها على لسان إلا ~~معرض الإعجاب والتقدير والمهابة. # وكان المماليك الصالحية - وهم يومئذ عدة الدولة وعضدها ومظهر قوتها وعنفوانها - ~~أشد الشعب لها إعجابا وتقديرا ومهابة؛ إذ كانت زوجة أستاذهم وولي نعمتهم الملك ~~الصالح أيوب، هذا إلى أن هؤلاء المماليك لم ينسوا قط أن بينهم وبين شجرة الدر آصرة # 1 # أوثق وأقوى؛ فقد كانت رقيقا # 2 # مثلهم قبل أن تبلغ منزلة الإمارة، فما أجدرهم ألا يأنفوا بعد من ماضيهم في ~~الرق إذا كان الرق يؤهلهم إلى الإمارة والملكية؛ بل ما أجدرهم أن يباهوا بمملوكيتهم ~~هذه إذا كانت امرأة من «أسرة المماليك» قد رقيت العرش بجدها وكفايتها، ومن أجل ذلك كان ~~تعصبهم لها وإيثارهم إياها ولزومهم طاعتها والولاء لها. # ولم تنس شجرة الدر حين أجمع الأمراء على توليتها العرش أن نسويتها هي وحدها ~~الحجة التي يمكن أن يحتج بها الذين ينكرون عليها أن تكون ملكة؛ لذلك حرصت من أول ~~يوم على أن تضيف اسمها النسوي إلى اسم آخر لا تنكر عليه التقاليد حق الملكية ~~فصار اسمها منذ ms55 وليت العرش: «الملكة أم خليل»؛ فهي ملكة بأنها أم، لا بأنها امرأة؛ وما كثر ~~النساء اللاتي حكمن في التاريخ بأسماء أبنائهن! ولعلها ذكرت وقتئذ ما حدثها به أبو ~~زهرة المنجم منذ بضع عشرة سنة. # 3 # على أن شجرة الدر وقد نشأت في حجاب الملك الصالح - على تزمته وغيرته - لم تطب ~~نفسها وقد وليت العرش أن تخرج على مألوف عادتها أو تغدر بعهد مولاها، فتبرز إلى الرجال ~~تحدثهم ويحدثونها في شئون الملك والسياسة؛ فآثرت أن تختار من الأمراء من يكفيها ذلك ويرد ~~إليها الأمر ويستمد منها الرأي؛ ولعلها ذكرت وقتئذ ما كان بينها وبين الأمير فخر ~~الدين من حديث قبل أن تخترمه المنية. # 4 # وقد كان يسعها أن تختار لذلك الأمير حسام الدين بن أبي علي نائب السلطنة في عهد ~~زوجها الملك الصالح، أو الأمير فارس الدين آق طاي مقدم المماليك، أو الأمير ركن الدين ~~بيبرس قاهر الصليبيين، أو الأمير سيف الدين قلاوون ... ولكنها آثرت على كل أولئك الأمير ~~عز الدين أيبك الجاشنكير، واطرحت غيره من أصحاب الجاه والإمارة! # أما حسام الدين فاطرحته لأنها لم تنس له أنه أول من أرسل إلى توران شاه في حصن ~~كيفا ينعى إليه أباه ويدعوه إلى العرش! # وأما آق طاي فلأنه كان شريك حسام الدين في ذلك التدبير! # وأما بيبرس فلأنه أول من شرع السيف في وجه توران شاه فقد ذراعه؛ فإنها لتخشى إن ~~أدنته بعد ذلك أن يقال أنه بتدبيرها قتل مليكه ثم نال الثمن. # وأما قلاوون فإنه صاحب بيبرس وآق طاي. # ثم إن أيبك - فيما ترى - رجل هادئ الطبع يؤثر السلامة، فليست تخشى تسلطه ~~واستئثاره، وإنها لتحب أن تجتمع في يديها كل السلطات. ~~••• # وكان من تقاليد بني أيوب - منذ ولي صلاح الدين عرش مصر وأبطل فيه مذهب الشيعة # 5 ~~- أن يلتمس الجالس على عرش مصر اعتراف الخليفة العباسي في بغداد بولايته، ~~وكأنما خشيت شجرة الدر ألا يعترف بها الخليفة، فأضافت إلى اسمها صفة أخرى، زلفى ~~إلى الخليفة المستعصم؛ # 6 # فهي «شجرة الدر أم ms56 خليل المستعصمية». # ونقش اسم شجرة الدر على السكة، # 7 # وصدرت باسمها الأحكام، ودعي لها على المنابر، فكان الخطباء يقولون في الدعاء ~~كل جمعة: «اللهم وأدم سلطان الستر الرفيع، والحجاب المنيع ملكة المسلمين، عصمة الدنيا ~~والدين أم خليل المستعصمية.» # وخلعت على الأمراء فأفاضت، وتصدقت على الفقراء فأغدقت، ونشرت راية السلام فأمن ~~الناس. # وندب الأمير حسام الدين والقاضي بدر الدين السنجاري ليفاوضا الفرنجة على الجلاء عن ~~الأرض والساحل، ودفع فدية الأسارى. # وأذعن الصليبيون مكرهين لما أملي عليهم من شروط الصلح، واجتهدت مرجريت دي بروڨانس في ~~تحصيل المال لافتداء زوجها وأخويه، فدفعوا ثمنا لحريتهم أربعمائة ألف دينار. # وأبحرت السفن بمن بقي من الصليبيين في الرابع من صفر سنة 648، وعادت الراية الإسلامية ~~ترفرف على دمياط. # ومثل الأمير جمال الدين بن مطروح # 8 # بين يدي شجرة الدر وقد أسبل من دونها الستر، ينشد من شعره في جمع من ~~الأمراء: # قل للفرنسيس إذا جئته # مقال صدق من قئول نصيح # آجرك الله على ما جرى # من قتل عباد يسوع المسيح # أتيت مصر تبتغي ملكها # تحسب أن الزمر يا طبل ريح # فساقك الحين إلى أدهم # 9 # ضاق به عن ناظريك الفسيح # وكل أصحابك أودعتهم # بحسن تدبيرك بطن الضريح # سبعون ألفا لا يرى منهم # إلا قتيل أو أسير جريح # ألهمك الله إلى مثلها # لعل عيسى منكم يستريح! # إن يكن «البابا» بذا راضيا # فرب غش قد أتى من نصيح # فاتخذوه كاهنا إنه # أنصح من شق لكم أو سطيح # 10 # وقل لهم إن أزمعوا عودة # لأخذ ثأر أو لفعل قبيح # دار ابن لقمان على حالها # والقيد باق والطواشي صبيح! # 11 # الفصل الحادي والعشرون # | دولة تركمانية! # قال بيبرس: لقد كان كل ذلك والله بسعد شجرة الدر وإحكام تدبيرها للملك؛ فبرأيها كان ~~إخفاء موت مولانا الملك الصالح حتى لا تنشب الفتنة ويطمع العدو، وبحسن توجيهها كانت هزيمة ~~الفرنجة في وقعة المنصورة، ومعركة الإبادة في فارسكور، # 1 # وانقياد الملك لويس للأسر، وجلاء الصليبيين عن دمياط وأرض الساحل؛ ثم هذه ~~الفدية التي أرهقت العدو وعمرت ms57 خزانة مصر! # قال آق طاي: إنك لتجحد قدر نفسك يا بيبرس، فلولا بلاؤك في معركة المنصورة، وركوبك ~~أقفية المنهزمين في فارسكور، ما كان شيء من ذلك! # فاختلجت شفتا بيبرس وانتفخ منخراه زهوا، وقال وهو يصطنع التواضع: وما أنا وأنت وهؤلاء ~~التركمانية جميعا؟ هل نحن إلا جند الدولة وعدتها إن ألمت بها كارثة؟ فقد كان كل ذلك ~~حق الدولة علينا. # قال آق طاي محنقا: ومع ذلك فقد أغفلت حقي وحقك وآثرت علينا أيبك الجاشنكير! # قال بيبرس غير مكترث: أفذلك تعني يا آق طاي؟ إن الأمر لأهون مما تقدر؛ ~~وإن أيبك لرجل من جلدتنا على كل حال؛ وإنه لأسلم عاقبة من مثل الأمير فخر ~~الدين! # فاستدرك قلاوون عابثا: ولكن نبوءة أبي زهرة المنجم # 2 # ما تزال تتخايل له أمنية بالنهار وحلما بالليل؛ فلعله وقد صار أدنى إلى ~~العرش أن تخيل له أوهامه أن يستبد. # فضحك بيبرس وقال: وماذا يكيدك من ذلك يا قلاوون وقد تنبأ أبو زهرة لي ولك بمثل ما ~~تنبأ به لأيبك، فدعه يرود لنا الطريق. # 3 # عض آق طاي على شفتيه ضجرا وقال: لا تزالون في هذا العبث أيها الأمراء والأمر جد، ~~وإني لأرى ما لا ترون! # قال حسام الدين بن أبي علي في هدوء: أراكم تستبقون الحوادث أيها الإخوان وتقدرون ما ~~لا يمكن أن يكون، فما أظن الخليفة المستعصم يقر تولية امرأة على عرش مصر، وإن ~~هزمت الصليبيين وطهرت منهم بلاد الإسلام؛ وهذا ابن يغمور نائب دمشق قد خرج على ~~الطاعة وأبى أن يكون تحت سلطان امرأة، وانضم إلى الثورة أمراء بني أيوب في الشام، ~~وكأني بيوم قريب يزحف فيه من المشرق جيش لجب بقيادة الناصر صلاح الدين بن العزيز صاحب حلب، # 4 # ليستخلص عرش مصر من شجرة الدر. # قال قلاوون: بل قل: ليستخلصه من أيدي التركمانية بزعمه! # قال آق طاي في حماسة: والله لا كان ذلك أبدا وفينا حياة! لقد ضيع بنو أيوب عرشهم حين ~~تفرقوا في الأرض يطلبون المنافع الصغيرة العاجلة، وتركوا هذه البلاد تطؤها أقدام ms58 الغزاة ~~فلم ينقذها إلا التركمانية! # قال بيبرس معترضا: ولكنك كنت تنكر منذ قريب أن يكون أيبك كبير أمناء الملكة، وتأبى ~~عليه هذه المكانة! ~~- نعم، ولكن الدولة تركمانية يا بيبرس منذ استخلصها مماليك الترك من أيدي الصليبيين، ~~فلا يمكن أن يعود إليها سلطان الكرد، # 5 # وسأدفع عنها بسيفي، ولو كان الملك الجالس على العرش هو أيبك الجاشنكير! # الفصل الثاني والعشرون # | البحث عن رجل! # - مولاتي. ~~- ما وراءك يا عز الدين؟ ~~- قد جاء رسول الخليفة أمس بكتاب. ~~- ماذا فيه يا عز الدين؟ ~~- إنني لم أفض غلافه يا مولاتي، ولكنه هو الذي فض الغلاف وأقرأنيه. ~~- وي! ذلك شيء لم تجر به عادة الملوك يا أيبك! ~~- نعم يا مولاتي، وإنما فعلها - بأمر مولاه - الشيخ نجم الدين البادرائي رسول ~~المستعصم. ~~- لأمر ما يغفل المستعصم ما بين بغداد والقاهرة من تقاليد السياسة؛ فماذا في تلك ~~الرسالة يا أيبك؟ ~~- ها هي ذي الرسالة يا مولاتي: # إن كانت الرجال قد عدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا ... أما سمعتم في ~~الحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟ ... # طوت شجرة الدر الرسالة ودفعتها إلى أيبك وهي تقول: ومن صاحب الرأي في قصر الخلافة ~~ببغداد اليوم يا عز الدين؟ ~~- المستعصم بن المستنصر يا مولاتي. ~~- آلمستعصم، أم جواريه وخصيانه ووزيره الرافضي يا أيبك؟ # 1 ~~- أنت أعلى عينا يا مولاتي. ~~- وامرأة على العرش كشجرة الدر - يحكم باسمها ويصون حجابها أمير مثل عز الدين - ~~خير حكما، أم صبي وجارية ووزير رافضي لا حكم له؟ ~~- أنت أحكم سياسة يا مولاتي وأسد رأيا، وإن للمستعصم علينا ولاء التطوع لا ولاء ~~التابع، فإن شئت يا مولاتي رددت رسوله بلا جواب! ~~- صبرك يا أيبك، فما يطيب لي أن أشق عصا الطاعة على الخليفة وأجاهر بالعصيان له، ~~فهل تراه يعني حقيقة الحكم أو مظهره حين يشترط الرجولة؟ فإني لأستطيع أن أترضاه فأجعل ~~له على العرش واحدا من أمرائي ويبقى في يدي السلطان والصولجان. # غص أيبك بريقه ولم يجد جوابا، واستطردت ms59 شجرة الدر في صوت خافت كأنما تتحدث ~~إلى نفسها: ولكن امرأة الملك الصالح لا يجمل بها أن يكون لها شريك في الحكم تخلو إليه ~~للرأي والمشورة، إلا بعين الله وعلى دين ومروءة. # 2 # ورفع أيبك إليها عينيه، فكأن لم يرها من قبل ولم يستمع إلى نبر حديثها؛ ورأى بإزائه ~~امرأة في الشباب ذات جمال وفتنة، ولم تكن من قبل إلا ملكة ذات مهابة. # واختلج ووجد في صوته حبسة وفي أطرافه خدرا، فلم يستطع إلا أن يهتف: «مولاتي ...» ثم ~~أمسك. # قالت شجرة الدر: قد فهمت ما تعنيه يا عز الدين، ولكن لك امرأة وولدا! # وانحلت عقدة لسانه، فقال في طلاقة: هل هي وولدها يا مولاتي إلا جارية من جواريك ~~ذات ولد؟ # قالت باسمة: أشريك في الحكم وشريكة في الزوج؟ # فاندفع متحمسا: بل لك الحكم والزوج والولاء كله يا سيدتي! ~~- وتطلقها يا أيبك؟ ~~- وأطلقها فلا تمت إلي بسبب ولا وشيجة! # 3 ~~- وتهجر دارها فلا تراها ولا تراك ولا تتحدث إلى ولدها حديثا ولا يتحدث ~~إليك؟ ~~- وأقطعها قطيعة بائنة فليس بيني وبينها آصرة، لأخلص لشجرة الدر فليس لغيرها في ~~القلب مكان ولا في النفس ذكرى! # ولمعت عينا المرأة واختلج بدنها، فقالت وقد مدت إليه يدا: فليهنك الملك يا ~~أيبك! # قال وقد شد على يدها بأصابع متشنجة : وليهنني رضاك يا مولاتي! # وغادر مجلسها وقد اتسع صدره، وشمخ أنفه، وانطبق فكاه ولمعت في عينيه نظرة ~~ملك! ~~••• # ونودي بالملك المعز، عز الدين أيبك التركماني، ملكا على البلاد، في آخر ربيع الآخر ~~سنة 648، ونزلت له شجرة الدر عن العرش الذي وليته مستقلة به منذ مصرع توران ~~شاه. # وحمل نجم الدين البادرائي رسول الخليفة جواب الملك المعز إلى المستعصم في بغداد، ~~يعبر له فيه عن ولائه وطاعته، ويسأله أن يقره على العرش ويبعث إليه بالخلعة ومرسوم ~~التولية. # ومضت أيام، ثم دعي الفقهاء والقضاة وأمراء المماليك ورؤساء الجند إلى قصر القلعة، ~~ليشهدوا عقد الملك على شجرة الدر. # وكانت ملكة أرملة، فعادت ملكة وزوجا، وإنها لتأمل إلى ذلك أن تصير ms60 أما تهيئ ~~ولدها للعرش بعد أبيه المعز وتتعوض به من ولدها الذي مات منذ سنين! # الفصل الثالث والعشرون # | لمن الملك؟ # وبدا كأنما استقرت الأمور في مصر وثبت عرشها للتركمانية، لولا انتقاض أمراء الأيوبيين ~~في الشام، واستيلاء الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب حلب على دمشق، # 1 # وورود الأنباء بحركته إلى مصر. # وكأنما خيل إلى المماليك في مصر أنهم يستطيعون أن يسترضوا الأيوبيين في مصر والشام، ~~لو أنهم جعلوا على العرش أميرا من بني أيوب إلى جانب أيبك. # وكان منهم إلى ذلك جماعة ينفسون على أيبك ما بلغ من المكانة # 2 # ويأنفون من رياسته، فكأنما بدا لهم أن يجعلوا له شريكا في الملك؛ لينتقصوا ~~مظهره الملوكي ويكسروا شموخه وكبرياءه. # فأقاموا صبيا يتيما من بيت المالك الكامل، باسم الملك الأشرف موسى، # 3 # وقرنوا اسمه إلى اسم الملك المعز، فكانت المراسيم تصدر وعليها اسم الملكين، ~~وكان خطباء المساجد يدعون على المنابر للمعز والأشرف معا، على حين لم يكن لواحد منهما ~~على الحقيقة أمر ولا نهي؛ إذ كانت السلطات كلها في يد شخص ثالث يحسن التدبير ~~والسياسة؛ هو شجرة الدر. # ولم يتحقق للمماليك ما أرادوا بتولية الملك الأشرف؛ فلا الأيوبيون ثابوا إلى الهدوء ~~والطاعة، ولا الملك المعز خفف من شموخه؛ فإن الموكب الملكي ليشق شوارع القاهرة لا يكاد ~~الناس يرون إلا الملك المعز قد حجب بجسامته وامتداد فرعه الملك الصبي. # وقوي أصحاب الناصر في الشام وتهيئوا للزحف على مصر، فلم يبق إلا أن تنشب المعركة بين ~~الأيوبيين والمماليك البحرية، فإما عادت الدولة أيوبية كما كانت، وإما غلب التركمان ~~فصار عرش البلاد للمماليك يتعاورونه # 4 # مملوكا بعد مملوك! # ولم يكن العرب المصريون بمعزل عن هذه الحوادث؛ فقد كانوا يؤمنون بأنهم أحق بعرش هذه ~~البلاد من الكرد والتركمانية جميعا، وقد كان لهم الحكم والسلطان في الدولة منذ انتشر ~~الإسلام في ربوعها حتى انتزعها صلاح الدين من أيدي الفاطمية، # 5 # فما أجدر أن يعود إليهم الحكم، وقد تقلص ظل الكرد عن البلاد وانحسر # 6 # الخطر الصليبي. ms61 # وتهيأ الأمير ثعلب شيخ أعراب ديروط لاهتبال الفرصة، # 7 # يؤيده عشرات الآلاف من العرب في الجنوب والشمال. # وأشرفت الدولة على الانحلال وتوزعتها المطامع. # وكانت شجرة الدر ترقب الحوادث في حذر ويقظة، وتعد لكل أمر عدته. ~~••• # وخرج جيش المصريين لقتال الناصر الأيوبي، وعلى رأسه الملك المعز، والأمير فارس الدين آق ~~طاي التركماني، وسائر أمراء المماليك؛ ودارت المعركة في غزة من أرض فلسطين، ولكن المماليك ~~لم يستطيعوا وقف الزحف، وتقدمت جيوش الناصر إلى بلبيس من أرض مصر؛ فدارت ثمة معركة أخرى، ~~كادت تدور الدائرة فيها على التركمانية، لولا كثرة من كان في جيش الناصر من مماليك ~~الترك. # واستطاع المماليك المصريون أن يردوا جيش الناصر على أعقابه، ويذيقوه طعم الخذلان؛ وإن ~~كانت بضع فرق منه قد استطاعت أن تتسرب إلى القاهرة. # وعاد جيش المصريين إلى القاهرة مظفرا ومعه الأسرى من جيش الناصر، سناجقهم # 8 # منكسة، وطبولهم مشققة، وقد سبقتهم إلى القاهرة خيولهم وأثقالهم وأموالهم غنيمة ~~للمصريين. # وأحصي من تسرب إلى القاهرة من جند الناصر، فإذا هم بضعة آلاف، فألزمهم المعز أن ~~يعودوا من حيث أتوا، راجلين أو على ظهور الحمير من مصر إلى الشام، لا يؤذن لأحد منهم ~~أن يركب فرسا. # وشهد المصريون موكبا هائلا لم يروا مثله قط، مشهد يثير السخرية والإشفاق جميعا؛ ~~بضعة آلاف حمار، عليها المرتدون من جيش الناصر، قد نكسوا رءوسهم حتى قاربت أن تمس آذان ~~الحمير؛ فلعل حمارا منها أن ينهق فينهق لنهيقه بضعة آلاف حمار يتردد صداها بين مصر ~~والشام! # وشمخ آق طاي بأنفه؛ إذ كان بجده واستبساله قد أدرك المعز هذا النصر، فوقف بين يدي الملكين ~~يوجه حديثه إلى الملك الصبي دون صاحبه: «كل ما حصل بسعادتك يا مولاي، وما سعينا إلا ~~في تقرير ملكك!» # وفهم أيبك ما أراده آق طاي، فتغابى وطوى صدره على ما فيه من الغيظ. ~~••• # ثم دارت الدائرة على العرب كما دارت على الأيوبيين، فأحصي من قتلاهم بضعة آلاف، ونصبت ~~المشانق لأمرائهم على امتداد الطريق بين بلبيس والقاهرة، واعتقل الأمير ثعلب، فألقي ms62 في ~~جب من جباب القلعة، وخمدت جمرة العرب. ~~••• # وتوسط نجم الدين البادرائي رسول الخليفة في الصلح بين الملك المعز والناصر صلاح ~~الدين صاحب حلب، فتعاهدا على أن يكون للمعز مصر إلى حدود الأردن، مضافا إلى ذلك غزة ~~والقدس ونابلس والساحل كله، وللناصر ما وراء ذلك من بلاد الشام. # وصفا الجو للملك المعز وأمن ظهره، فخلع الأشرف موسى ونفاه إلى بلاد الأشكري # 9 # واستأثر بالملك وحده؛ ولكن شجرة الدر ظلت قابضة على السلطان فليس لأحد ~~معها رأي ولا إرادة. # وخلصت الدولة للمماليك. # ولكن مظاهر البذخ والأبهة التي كان يخرج بها أيبك على الناس، قد أثارت نفوس الأمراء ~~جميعا؛ كأنما لم يحسوا بانتقال زميلهم من المملوكية إلى العرش، إلا حين تفانى الأعداء ~~والمتنافسون وخلصت الدولة للتركمانية؛ فأجد ذلك لكل أمير من أمراء المماليك أملا ~~في اعتلاء العرش يلتمس لتحقيقه الأسباب. ~~••• ~~- أرأيت أيبك في موكبه يا بيبرس، شامخ الأنف مطبق الفكين ثابت النظرة لا ~~يكاد يرد التحية؛ كأن مصر ضيعته وكل من فيها عبيده! ~~- ذلك حق الملوكية يا آق طاي، أم تريده وقد صار إليه عرش مصر أن يمشي في الأسواق ~~راجلا يجيب كل من يسأله، ويقف لكل من يهتف باسمه؟ ~~- أتمزح يا بيبرس؟ فبأي حق كانت له الملوكية دون سائر المماليك الصالحية، وما هو ~~كبيرهم ولا أثبتهم قدما في الجهاد، ولا أوسعهم حيلة ولا أقدمهم مملوكية؟! ~~- بحق شجرة الدر. ~~- ها ها! وما لشجرة الدر وهذا كله؟ أصار إليها هذا العرش وراثة كبعض ما يرث ~~الناس عن أهليهم من المتاع فتهبه لمن تشاء، أم أوليناها نحن إياه يا بيبرس؟ ~~- ولكنها زوجة مولانا الملك الصالح أيوب. ~~- بلى، قد كان ذلك يوما، أما اليوم فإنها زوجة الجاشنكير؛ فإن كان أيبك قد خيلت ~~له أوهامه أنه بهذا وحده قد صار له عرش مصر من دوننا فقد ساء رأيا، وسيرى عاقبة ~~أمره! ~~- ماذا تعني يا آق طاي؟ ~~- لست أعني شيئا يا بيبرس؛ وإنما أنا أمير المماليك - سادة هذه الدولة - لا يعرفون لهم ~~أميرا غيري؛ فإن كان لا ms63 بد مع ذلك لإدراك السيادة من أن أصل حبلي بنسب ملوكي، فما ~~أيسر أن يكون لي زوجة أعرق أرومة وأوثق صلة بالملوكية من زوجة أيبك ~~الجاشنكير! ~~- من تعني؟ ~~- سأتزوج أميرة من بنات أيوب، وأتخذ لها بيتا في القلعة مثل شجرة الدر! ~~- وترى ذلك حقيقا بأن يبلغ بك العرش؟ ~~- سترى! ~~- لست أريد أن أرى! # الفصل الرابع والعشرون # | سباق إلى الموت # واصطنع آق طاي لنفسه بطانة وحاشية كحاشية الملوك، وجعل على بابه حرسا وطبلا ~~وموسيقى، واتخذ له شعارا وراية، وأنشأ جيشا من المماليك يأتمر بأمره ويمشي بين يديه ~~في مواكبه، وصار له مظهر وجاه وأمر ونهي وسلطان، فإنه ليجير ولا يجار عليه # 1 # ولا تنفذ الشفاعات إلا من بابه، ولا يمضي أمر لا يقره. # وضاق أيبك ذرعا بمنافسه، وحاول أن يزيحه من طريقه ليخلص له مظهر الملوكية في مصر، ~~فأقطعه الإسكندرية؛ ولكن ذلك لم يجد عليه شيئا. # واسترسل آق طاي في غلوائه فأرسل إلى ابنة الملك المظفر الأيوبي صاحب حماة # 2 # يخطبها لنفسه؛ فأجيب إلى ما طلب، وحملت العروس في تجمل زائد إلى دمشق، ~~في طريقها إلى القاهرة. # وسعى آق طاي إلى أيبك يسأله أن يأذن له في أن يتخذ لعروسه بيتا في القلعة؛ لأنها من ~~بنات الملوك! # وصرت أسنان أيبك غيظا وحنقا، ولكنه أمسك عن الجواب حتى يرجع إلى شجرة الدر ~~يسألها الرأي. # في ذلك الحادث دون غيره رأت شجرة الدر ما ينال من كبريائها ويمس غيرتها، فليكن ~~موقف آق طاي من أيبك حيث يشاء، ولينافسه على ما في يده من أسباب الملك إن كان في يده شيء ~~من أسباب الملك، أما أن يتزوج امرأة من بنات الملوك ويسكنها بيتا في القلعة - مثل ~~شجرة الدر - فتلك إهانة لا يغسلها إلا الدم! # وأشارت على زوجها بالرأي. ~~••• # ودعا أيبك آق طاي إلى القلعة ليبادله حديثا في بعض الشئون، فأجاب آق طاي دعوته غير ~~مرتاب، وصعد إلى القلعة ودخل القصر؛ فلما صار في قاعة الأعمدة، حيث تعودت الملكة ~~أن تتخذ مجلسها، وثب عليه بعض ms64 المماليك فاحتزوا رأسه. # ومات قبل أن يتزوج! # 3 # وبلغ النبأ أصحابه فصعد منهم إلى القلعة سبعمائة على حمية، بينهم بيبرس وقلاوون؛ لا ~~يكاد أحد منهم يصدق أن أيبك قد جرؤ على آق طاي فاغتاله، فما هي إلا أن بلغوا أسوار ~~القلعة حتى ألقي إليهم رأس أميرهم، فتفرقوا محزونين قد بلغ منهم اليأس كل ~~مبلغ. # ولم يطب المقام بعد ذلك في مصر لبيبرس وأصحابه من أمراء المماليك، فنزحوا عنها مهاجرين، # 4 # وأحرقوا في طريقهم باب القاهرة الشرقي. # وانزاح عن كاهل أيبك عبء كان يئوده، # 5 # فظن أن قد ملك واستقل ودانت له البلاد! # على أن شجرة الدر كانت لم تزل قابضة على الصولجان! # الفصل الخامس والعشرون # | أشجان الملك! # - إني لأحمل والله يا قطز # 1 # من الهم لذلك ما لا يكاد يحتمل، والناس يظنون بي السعادة! ~~- وماذا يمنع يا مولاي أن تجتمع لك أسباب السعادة، وأنت ولي الأمر في هذه البلاد، لا يملك ~~أحد إلا طاعتك فيما تأمر وتنهى؟ ~~- أكذلك تظن يا قطز؟ فكيف لو علمت أنني لا أكاد أنعم برؤية ولدي «علي» إلا ~~مستخفيا وعلى حذر ورقبة، وقد تقطعت بيني وبين أمه الأواصر فليست مني ولست ~~منها؟! ~~- كيف يا مولاي وإنه لولدك، وإن أمه لزوجك، وقد فرض عليك دينك أن تقسم ~~بالسوية بين زوجتيك، وفرضت عليك المروءة أن تحتضن ولدك البكر لينشأ على عينك! ~~- وشجرة الدر يا قطز؟ ~~- ما لشجرة الدر ولهذا؟ أتحرم عليك أن ترى زوجتك وولدك؟ فما هي إذن ذات دين ولا ~~لها عليك حق الزوجة! ~~- لا حق الزوجة ولا حق الرعية يا قطز، إن شجرة الدر هي الملكة الحاكمة؛ وما زاد ~~الملك المعز باعتلائه العرش شيئا على ما كان أيبك الجاشنكير، على ذلك اتفقنا يوم خلعت ~~نفسها وألبستني التاج والحلة طاعة لأمر الخليفة، وعلى ذلك عاهدتها ولا زلت وفيا ~~بما عاهدت! ~~- فليكن مكانها منك حيث شئت وشاءت مقتضيات الحكم والسياسة؛ ولكن ما شأنها بزوجتك ~~وولدك؟ وكيف تحول بينك وبينهما؟ ~~- على ذلك اتفقنا أيضا يوم رضيتني زوجا ملكا! ~~- على ms65 المعصية؟ ~~- لا يا قطز، فقد اتفقنا يومئذ على أن أطلق أم ولدي لأخلص لها، ولكني لم أقو ~~على ذلك، وتحسبني شجرة الدر قد وفيت، فليست أم ولدي فيما تظن شجرة الدر إلا ~~مطلقة لا حق لها. ~~- وولدك علي؟ ~~- كنت آمل أن يكون لي ولد من شجرة الدر أتعوض به من علي وأوليه عهدي، ولكنها ~~لم تحبل ولم تلد! ~~- وحرمت سلطة الملك وسلطة الزوج وسلطة الأب، وحرمت زوجتك وولدك، ووأدت بنيك في ~~صلبك حين ارتبطت إلى هذه المرأة العقيم لا تخلص إلى غيرها من النساء والجواري، ~~وكنت حريا أن تتكثر من الأبناء ليكون لك عزوة تسند عرشك وأنت على رأس دولة يرجى ~~أن تتسلسل في الأبناء والحفدة على امتداد التاريخ! ~~- ولكنني أكره أن أنكث بما عاهدتها يا قطز. ~~- وعلام عاهدتها؟ ~~- أن أقطع ما بيني وبين أم علي. ~~- فلك مناص يا مولاي من هذا العهد بزواج جديد! ~~- زواج جديد؟ ~~- نعم، ولعلك أن تجد في الصهر الجديد جاها يدعم عرشك ويشد عزمك؛ ولعل ~~زوجة جديدة أن تنجب لك وتكثر ولدك، ولعل شجرة الدر حين ترى لها ضرة أن ~~تتنبه الأنثى فيها فتعطيك مقادتها لتكسب ودك؛ فتعود لك بذلك سلطة الملك وسلطة ~~الزوج وسلطة الأب وتسعد! # أطرق الملك المعز برهة مفكرا، وأمسك غلامه قطز وقد تعلقت عيناه بسيده، لا يعرف ~~أين ينتهي به الفكر فيما عرض عليه من مشورة. # ثم رفع أيبك رأسه إلى غلامه قائلا: ومن تراه أهلا لأن أصهر إليه يا قطز من ملوك ~~المشرق؟ ~~- إن شئت يا مولاي فاخطب إلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل # 2 # ابنته لؤلؤة، وإنه لذو جاه وكرامة، وحبله موصول بدار الخلافة في بغداد، فما ~~أحراه إن أصهرت إليه أن يحمل الخليفة على تشريفك بالخلعة واللواء، ويقرك على عرش مصر، # 3 # وإن شئت يا مولاي فاخطب إلى الملك المنصور بن المظفر الأيوبي صاحب حماة ابنته؛ # 4 # ليتصل سببك ببني أيوب، فلا ينتقض عليك منهم منتقض. # قال الملك المعز: كلتيهما يا قطز! وقد رخص الله للمسلم ms66 في أربع حرائر! # وبعث الملك المعز منذ الغد رسولين إلى حماة والموصل. ~~••• # قال الشيخ بدر الدين السنجاري قاضي قضاة مصر: # 5 # احذر يا مولاي أن تمضي فيما اعتزمت، وإني لأرجو أن تقبل مشورتي؛ برا ~~بنفسك وبالدولة وبشجرة الدر! ~~- وما لك أنت ولهذا يا بدر الدين؟ أفذلك من علم الحلال والحرام تريد أن تبصرني به، ~~أم هو قضاء قضيته وما وليتك قضاء مصر لتدخل بين الأزواج وزوجاتهم وتقتحم على سرائر ~~الملوك! ~~- حق المسلم على المسلم يا مولاي أن ينصح له ويشير عليه، وقد رأيتك واقفا على شفير هار # 6 # فأردت أن أبصرك بما تحت قدميك من أسباب الهلكة؛ وقد علمت ما كان لي من ~~الرأي في دولة الملك الصالح، وقد كان - على علمه ودينه - أوسع بي ذرعا. ~~- وي! وتراني أيضا لا علم لي ولا دين ولا سعة ذرع! ~~- معذرة يا مولاي، فما قصدت إلى هذا؛ ولكني أقول إنني عاصرت أحداث هذه الدولة ~~وتمرست بسياستها منذ بعيد، فما أجدر أن تستمع إلى رأيي؛ وقد رأيتك تخطب إلى صاحبي ~~الموصل وحماة ابنتيهما؛ أما أولهما فإن له بعرش مصر سببا منذ كان بينه وبين الملك الصالح ~~ما كان، # 7 # وإن بينه وبين المغول أسبابا وقد غلبوا على المشرق كله، ويوشكون أن يدخلوا ~~بغداد لينسابوا منها إلى مصر والشام؛ # 8 # فكيف تصنع إذا كان صهرك بدر الدين لهم حليفا؟ وأما الآخر فأمير من أمراء ~~بني أيوب، لا يزال يرى ويرى له من حوله أنه أحق منك بعرش مصر؛ فكيف تصنع إذا استيقظت ~~الفتنة ونشبت حرب بين مصر والأيوبيين، وفي دارك بنت أمير منهم؟ ثم إنك يا مولاي أب ~~وزوج وقد أشرفت على الستين، وليس من البر بنفسك أن تعرس بفتاتين دون العشرين. ~~وإن لشجرة الدر عليك - إلى ذلك - حقا لا يجمل معه أن تضارها باثنتين وقد ~~وطأت لك السبيل إلى العرش والسيادة؛ فهذا ما أردت أن أقوله لأبرئ ذمتي وأؤدي حق ~~النصيحة. # قال الملك المعز محنقا: ثم ماذا يا شيخ؟ ~~- ثم يكون ما تراه يا ms67 مولاي. ~~- فقد رأيت عزلك من قضاء مصر يا بدر الدين، فليس لك منذ اليوم رأي ولا ~~نصيحة! # الفصل السادس والعشرون # | أوهام أنثى! # وشاع النبأ حتى تحدث به المماليك والجواري، ثم زاد شيوعا حتى عرفته شجرة الدر؛ فمس ~~منها كبرياء الملكة وغيرة الأنثى في وقت معا، وغلا دمها، وثارت ثورة ملك أوشك أن ~~يتحطم تاجه ويثل عرشه، وثورة امرأة أوشكت أن تنتزع من رجلها. # وكأنما خيل إليها غدها # 1 # وقد خلا الملك المعز إلى بنت بدر الدين صاحب الموصل، فتحدثت إليه بما تحدثت ~~عن شجرة الدر في سخرية وشماتة، فطاب للملك المعز أن يستمع إلى حديثها في سخرية ~~وشماتة كذلك. # وكأنما أبصرت بنت المنصور صاحب حماة جالسة على عرش بني أيوب، تجيل عينيها فيما ~~حولها من أسباب الترف والنعمة وهي تقول: الحمد لله الذي رد علي ملك أجدادي وأهلي من ~~بني أيوب، وأدال لنا من تلك الجارية! فيؤمن الملك المعز على قولها ويستطرد مجاملا: وهل ~~كانت شجرة الدر في بني أيوب إلا جارية؟! # وامتد بها الوهم فكأنما أبصرت بنين وبنات من نسل المعز يمرحون في جنبات العرش ولا ~~ولد لها، وكأنما جاهدت ما جاهدت طول حياتها لاستخلاص عرش بني أيوب لبنت بدر الدين أو ~~بنت صاحب حماة وما تسلسل من بنيهما وبناتهما، وينتهي مجدها ليبدأ على أنقاضه مجد دولة ~~بني أيبك الجاشنكير! # وتخيلت نفسها في وحشة الليل قد أغلق من دونها الباب ومضى أيبك يتنقل بين مقاصير ~~نسائه يذوق من كل طعم ولا يشبع، وهي وحدها تتجرع غصص الآلام! ~~••• # وكما يطارد الأطفال معتوها قد فقد نصف عقله فلا يزالون به حتى يرتد مجنونا قد ~~فقد ما بقي من عقله، كذلك ظلت أوهامها هذه تطاردها! # وفقدت الأنثى الغيور نصف عقلها أسفا على المجد الذي توشك أن تخلعه أو يوشك أن ~~يخلعها؛ وفقدت ما بقي حزنا على الرجل! # ثم فاءت إلى نفسها قليلا وراحت تدبر خطة. # وخيل إليها أنها تستطيع أن تظل ملكة وزوجا، وأن يظل لها عرش ورجل؛ عرش مصر ~~نفسه، ولكن ms68 الرجل غير أيبك الجاشنكير. # فكتبت كتابا إلى الملك الناصر صلاح الدين صاحب دمشق تدعوه إلى الزحف على مصر وتمنيه ~~أن تهيئ له أسباب النصر، وأن ... وأن تتزوجه! # وبلغ كتابها الناصر، فهم أن يجيبها، ثم اشترط أن تقدم له عربون الصفقة ~~مقتل أيبك. # وعادت تفكر من جديد في خطة غيرها. # وجاءها النبأ باعتزام المعز على إنزالها من قصر القلعة إلى دار الوزارة بالقاهرة، ~~ليهيئ قصر القلعة لعهد جديد. # يا ويلتا! حتى القصر لم يعد يتسع لها وكانت تقبض يدها على القصر والعرش والملك ~~والدولة جميعا! فلتدبر أمرها على وجه جديد. # ومثلت أمام مرآتها تؤامرها وتستمع لما تصف لعينيها من جمال لم يبله مر ~~السنين، واطمأنت إلى ما دبرت. # الفصل السابع والعشرون # | الخاتمة # كان الملك المعز قد هجر القلعة وأقام في مناظر اللوق منذ أيام؛ إذ فسد ما بينه وبين ~~شجرة الدر، فليس بينهما حين يجتمعان إلا الخلف والمشاجرة، فلما اطمأنت شجرة الدر ~~إلى تدبيرها، بعثت إليه رسولها يدعوه ويتلطف في الدعوة؛ فكأنما خيل إلى المعز من ~~غفلته أن شجرة الدر قد فاءت إلى طبيعة الأنثى حين يهجرها الرجل، فتهفو إليه نفسها؛ ~~فأجاب دعوتها نشيطا راضيا. # واستقبلته فرحة طيبة النفس قد أخذت زينتها وتجملت، وبذلت له ما تبذل كل أنثى ~~لمن تحب، حتى ثاب إلى الأمان والطمأنينة، ثم قام إلى حمامه ليغتسل. # لقد جرح هذا الرجل منها كبرياء الملكة وغيرة الأنثى؛ فليكن انتقامها إذلالا ~~لكبريائه ولرجولته في وقت معا، وكذلك كان تدبيرها؛ فقد وثب عليه غلمانها في الحمام ~~فانهالوا على رأسه ضربا بالقباقيب وهم ينزعون أنثييه، ليموت حين يموت وقد تحطمت كبرياؤه ~~وذلت رجولته! # وصاح الملك تحت العذاب: الغوث يا شجرة الدر! الغوث! # وأدركتها رقة الأنثى لحظة حين سمعته يهتف باسمها، فأشارت إلى غلمانها أن يكفوا. ~~واستمع إليها جماعة، ولكن قائلا منهم ابتدرها: إن تركناه يا خوند # 1 # فلن يبقي علينا ولا عليك! # وعاد الغلمان يدقون رأسه بالقباقيب ويشدون أنثييه! # وأفلت الزمام من يدي شجرة الدر، فسترت عينيها باكية وهي تهمس في ms69 إشفاق ورحمة: ~~أيبك! # ولكن أيبك لم يكن يسمع هتافها وقتئذ، فقد زهقت روحه قبل أن تصافح أذنيه كلمة ~~الحنان تلفظها شفتاها، وقد عاش ما عاش من عمره على أمل كلمة حنان تلفظها شفتاها! # واستدارت الملكة الأرمل على عقبيها وقد سترت وجهها بكفيها وتتابعت على خديها ~~الدموع. # هذا ملك ثان يموت تحت عينها ولا تدري كيف تواري سوءته. # وعاودها حنان الأنثى، فحملته على صدرها إلى مخدعه، ثم أسبلت أجفانه، وشدت لثامه، ~~ومدت على وجهه الغطاء؛ ثم أغلقت من دونه الباب وأوت إلى غرفتها تفكر. # امرأة في رونق الصبا قد فقدت رجلها! # ملكة ذات سلطان توشك أن تنزل عن العرش! # قائد في المعركة قد أحيط به ويوشك أن يتخلى عنه عسكره! # كذلك كانت منذ بضع سنين يوم دهم الموت الملك الصالح بالمنصورة، وكذلك هي الليلة؛ ولكنها ~~الليلة لا تملك تدبيرا ولا فكرا؛ لأن في نفسها روح الجريمة! # وأوشكت أن تصرخ مستغيثة، ثم تماسكت وتخبطها الشيطان فلم تحسن تدبيرا أو تحكم ~~فكرة. # وأشرق الصباح على جسد مسجى في فراشه وإلى جانبه امرأة باكية، وعرف كل من في القصر ~~أن الملك المعز قد مات! # وبلغ النبأ «أم علي» بنت الأشكري، زوجة أيبك الأولى، فصحبت فتاها يهرولان إلى قصر ~~القلعة. ~~••• # وقالت المرأة وقد وقفت إلى جانب ولدها بإزاء سرير الميت: لا، إنه لم يمت حتف أنفه، لقد ~~قتلته شجرة الدر. ~~- من أين لك علم هذا يا سيدتي؟ ~~- لأنه أراد أن يروعها بضرتين ! ~~- ولماذا لم تقتليه أنت يوم راعك بزواج شجرة الدر؟ ~~- كنت أتربص به! # وأمسك السائل فلم ينبس بحرف. # ونظر علي بن أيبك إلى أمه منكرا ما تقول، فرأى دموعا تنحدر على خديها. # هذه امرأة أخرى تبكي رجلها وكانت تتربص به، كذلك النساء جميعا، تهيجهن الغيرة ~~فلا يعرفن فرق ما بين الحب والبغض، ولا ما بين القصاص والجريمة، ثم يبتدر الموت إلى من ~~أبغضنه بغض الغيرة، فيعرفن وقتئذ أين مكانه من قلوبهن، ولا يذقن طعم الحب إلا ~~مبللا بالدمع! ~~••• # وولي الملك المنصور علي بن أيبك ms70 عرش أبيه، صبيا لم يبلغ الحلم، وصعد وأمه إلى قصر ~~القلعة، وقام على أمره الأمير سيف الدين قطز مملوك أبيه. # 2 # وأرادت أمه أن تقبض على شجرة الدر؛ ولكنها احتمت بالبرج الأحمر في القلعة ومنعها ~~مماليكها. # أكانت تحاول القبض عليها لتثأر لنفسها من ضرتها، أو لتثأر لزوجها من قاتلته؟ # من يدري؟! # وأيقنت شجرة الدر أن مماليكها لن يمنعوها طويلا ووراءها ضرتها تطلب الثأر، فلم ~~تخش الموت، ولم تفكر في الهرب؛ لأن شيئا آخر غير الموت وغير الهرب كان يستأثر ~~بتفكيرها؛ كانت تفكر في جواهرها وحليها وأسباب زينتها؛ فإنها لتخشى أن تقع تلك الجواهر ~~والحلي وأسباب الزينة في يد ضرتها حين تموت، وإنها لتغار أن يكون لضرتها بعد موتها حلي ~~وجواهر وزينة؛ ذلك هو كل ما تفكر فيه الساعة، والموت يتربص بها! # وجمعت شجرة الدر كل ما كانت تملك من حلي وجواهر فسحقته في هاون وأذرته في ~~الريح، ثم أسلمت نفسها! ~~••• # وماتت شجرة الدر، ولكن قبرها في القاهرة ما يزال مثابة للزائرين والزائرات، وما تزال ~~صحائفها تتلى على توالي القرون. # | أعلام مشهورة وردت في القصة # الأمير نجم الدين أيوب: # هو الملك الصالح نجم الدين أيوب، زوج شجرة الدر، وأستاذ المماليك ~~البحرية. # الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ: # كان أبوه «شيخ الشيوخ الجويني» من علماء الدولة وسادتها وأهل الرأي فيها، ~~واشتهر ولده فخر الدين في العلم والأدب، وفي الحرب والسياسة؛ ومات شهيدا في ~~معركة المنصورة. # الملك الرحيم أبو الفضائل لؤلؤ : # كان أميرا على الموصل، موصول الأسباب بالخليفة العباسي في بغداد، وقد ~~انضم إلى المغول فيما بعد، لدى زحفهم على الشام ومصر. # الصاحب بهاء الدين زهير، الصاحب جمال الدين بن مطروح: # شاعران من أشهر شعراء مصر، ووزيران من وزراء الدولة الأيوبية، وكانا من ~~أصفياء الملك الصالح. # الأمير عز الدين أيبك التركماني: # هو الملك المعز، الزوج الثاني لشجرة الدر، وأول سلاطين المماليك ~~بعدها، وكان جاشنكيرا في مطبخ الملك الصالح! # الأمير فارس الدين آق طاي: # مقدم المماليك البحرية، وكان يرى نفسه أحق بالعرش من أيبك، ms71 فصرعته ~~مطامعه! # الأمير ركن الدين بيبرس: # هو الملك الظاهر بيبرس، رابع سلاطين المماليك، وقد تسلل الملك في أسرته ~~سنين، وكان مملوكا من مماليك الملك الصالح! # الأمير سيف الدين قلاوون: # هو الملك المنصور قلاوون، وقد ارتقى إلى العرش، كما ارتقى إليه من قبله ~~بيبرس، وكان مثله من المماليك البحرية، وتسلسل الملك في ولده كذلك سنين. # الأمير قطز: # هو الملك المظفر قطز، وكان مملوكا من مماليك أيبك، وقد تولى السلطنة بعد ~~الملك المنصور علي بن أيبك، وعلى يده كانت هزيمة المغول في موقعة «عين ~~جالوت». # الأشكري: # هو إمبراطور القسطنطينية، وكل إمبراطور من أباطرتها كانوا يسمونه ~~«الأشكري» كما يسمون كل ملك في فارس «كسرى» وكل ملك في الحبشة ~~«النجاشي». # السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه: # هو آخر سلاطين الدولة الخوارزمية في المشرق، وقد قضى عليها المغول. # القاضي بدر الدين السنجاري: # هو قاضي قضاة مصر في ذلك الوقت، وينتسب إلى سنجار، ومنها جاء إلى مصر في صحبة ~~الملك الصالح حين مقدمه ليلي عرش مصر؛ وقد خلعه عن القضاء الملك المعز ~~أيبك. # لويس التاسع: # هو ملك فرنسا، وكان يقود الحملة الصليبية السابعة على مصر، فانهزم في ~~معركة المنصورة، وسيق أسيرا إلى دار القاضي فخر الدين بن لقمان بالمنصورة، ~~ووكل بحراسته الطواشي صبيح المعظمي، وقد أعانته زوجته مرجريت دي بروڨانس على ~~افتداء نفسه بمال جم، فاسترد حريته، ولم يفكر بعدها في غزو مصر، ولكنه مات ~~في معركة صليبية أخرى على سواحل تونس! ms72