######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadSacidCaryan.ShaytanBantaur.Hindawi82727906 #META# Tags: literature #META# ID: 82727906 #META# Title: شيطان بنتاءور: أو لِبَد لقمانْ وهُدهُد سُلَيمان #META# AuthorID: 37094079 #META# Author: أحمد شوقي #META# EditorID: 61380386 #META# Editor: محمد سعيد العريان #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الرسالة‏ # المحادثة الأولى‏ # المحادثة الثانية‏ # المحادثة الثالثة‏ # المحادثة الرابعة‏ # المحادثة الخامسة‏ # المحادثة السادسة‏ # المحادثة السابعة‏ # المحادثة الثامنة‏ # المحادثة التاسعة‏ # المحادثة العاشرة‏ # المحادثة الحادية عشرة‏ # المحادثة الثانية عشرة‏ # المحادثة الثالثة عشرة‏ # المحادثة الرابعة عشرة‏ # المحادثة الخامسة عشرة‏ # إهداء الرسالة‏ # المحادثة الأولى‏ # المحادثة الثانية‏ # المحادثة الثالثة‏ # المحادثة الرابعة‏ # المحادثة الخامسة‏ # المحادثة السادسة‏ # المحادثة السابعة‏ # المحادثة الثامنة‏ # المحادثة التاسعة‏ # المحادثة العاشرة‏ # المحادثة الحادية عشرة‏ # المحادثة الثانية عشرة‏ # المحادثة الثالثة عشرة‏ # المحادثة الرابعة عشرة‏ # المحادثة الخامسة عشرة‏ # | شيطان بنتاءور # | شيطان بنتاءور # | أو لبد لقمان وهدهد سليمان # تأليف # أحمد شوقي # تحقيق # محمد سعيد العريان # | تمهيد # بقلم محمد سعيد العريان # هذا كتاب لا يعرفه قراء هذا الجيل فيما يعرفون من آثار شوقي الشاعر الناثر القاص، ~~وهو كتاب شعر ونثر وقصة؛ لا أعني الشعر المنظوم؛ فإن حظ هذا الكتاب من ذلك الفن ~~قليل، ولكنه إلى ذلك فن من الشعر يروع بلفظه ومعناه، وبما تحس فيه من نبضات قلب شاعره. # هو كتاب شعر إذن، وإن لم يكن منظوما على ذلك النسق الذي ألفه الأدباء والمتأدبون؛ ~~لأن مؤلفه قد آثر أن ينثر فيه خواطره غير مقيدة بميزان ولا قافية، وهو إلى ما فيه من ~~صفتي الشعر والنثر أسلوب من القصص يسلكه في ذلك الباب الذي عرفه قراء العربية ~~للمرحوم أحمد شوقي في آخر ما أنشأ من فنونه الأدبية، حين عرض «مجنون ليلى» و«كليوباترة» ~~و«علي بك الكبير» و«عنترة» وغيرهم من أبطال الماضي القريب، أو الماضي البعيد، فردهم إلى ~~الحياة، أو رد إليهم الأحياء. # ولكن القصص في «محاورات بنتاءور» هذا الذي نصفه، ليس جاريا على ذلك النمط الذي ألفه ~~القراء فيما طالعوا من قصص شوقي؛ لأنه لم ينشئه ليكون قصة ذات بدء وخاتمة وعرض متسلسل، ~~ينتهي بالمقدمات إلى نتائجها، حتى تنحل العقدة أو تزداد تعقيدا؛ كما يفعل كل قاص فيما ~~ينشئ من ذلك الباب، وإنما أنشأه ليقص قصته هو نفسه مع «بنتاءور» شاعر رمسيس الأكبر؛ ذلك ~~الشاعر الذي خلد في الأدب المصري القديم، أو خلد به الأدب المصري القديم حتى ms01 رواه لنا ~~الحجر في هذا العصر الحديث بعد آلاف من السنين. # لقد عاش شوقي، شاعر مصر الحديثة، مع بنتاءور، شاعر مصر القديمة، حقبة من عمره في الخيال، ~~وكان بينهما من الود ما يكون بين الأصدقاء؛ يلتقيان على ميعاد، أو على غير ميعاد، ويفترقان ~~على ميعاد، أو على غير ميعاد كذلك؛ فيكون بينهما في كل لقاء وفي كل فراق ما يكون بين ~~الصديقين حين يلتقيان وحين يفترقان، من أسباب البث والشكوى، أو من أسباب الشوق والحنين، ~~ولكن بين زمان شوقي وزمان بنتاءور قرونا متطاولة، وبين مكانيهما بادية جرداء متباعدة ~~الأطراف، قد انتثرت عليها أشلاء وجماجم وآثار أمم بائدة وعروش مثلولة وتيجان محطمة؛ فأين ~~يلتقيان إلا أن يعبر أحدهما إلى صاحبه القرون ومن حواليه تلك الأشلاء والجماجم والآثار؟ ثم ~~هل يكون حديثهما حين يلتقيان بعد ذلك الجهد - وإنهما لشاعران - إلا عن الأشلاء والجماجم، ~~وعن تلك الأمم التي كانت ثم بادت؟ # وكذلك كان، وجرت محاورات بنتاءور وشوقي عن الأحداث التي تعاقبت على ضفتي النيل منذ عهد ~~رمسيس إلى عصر عباس. # محاورات فيها من بنتاءور حكمته وصوفيته، وما يحتقب من علم الماضي، وفيها من شوقي شعور ~~مصري يقظ القلب والعقل والضمير، قد حصل من علم الحاضر وذاق لذات الحضارة، وتقلبت ~~على عينيه صور من الحياة وصور من الأحياء، وألوان من الحوادث لم يتقلب مثلها على عيني ~~شاعر رمسيس القديم. # وكان بنتاءور - فيما تصوره هذه المحاورات - نسرا معمرا، قد شهد الماضي كله منذ ~~كان حتى يوم لقائه بصاحبه، ولكنه لم يزل يعيش في هذا الجيل بقلب بنتاءور شاعر رمسيس الذي ~~كان يعيش على ضفة هذا الوادي منذ آلاف من السنين؛ أما شوقي فكان هدهدا حديد البصر قد ~~أحاط بكل شيء مما حواليه علما، وأحس به إحساس الحي بالحياة، وصوره في نفسه تصوير العين ~~لما ترى، والقلب لما يشعر، والعقل لما يدرك؛ لأنه ابن الجيل الذي لم يزل يحيا، فهو يحس ~~ويشعر ويدرك ويشم ريح الغد قبل أن يكون الغد. # صورتان من الماضي البعيد، البعيد إلى ms02 ما لا تدرك نهايته في القدم، ومن الحاضر الحي ~~المتوثب إلى ما لا تدرك غايته من المستقبل، التقتا على صفحة مرآة، فاختلط شعاع منهما ~~بشعاع؛ فكان من امتزاج الصورتين على صفحة تلك المرآة، ومن اختلاط الشعاع بالشعاع، صورة ~~ثالثة تتملاها العين بإعجاب، وشعاع من حكمة يشرق على القلب بالهدوء والاطمئنان. # تلك قصة شوقي وبنتاءور، أو قصة هدهد سليمان ونسر لقمان كما تصورها تلك المحاورات؛ ~~فيها من شوقي شعر الشاعر ونثر الناثر وفن القاص؛ فهو فيها الشاعر الناثر القاص الذي ~~يعرفه قراء العربية فيما طالعوا من روائعه المنظومة والمنثورة والمقصوصة. # على أن لهذه المحاورات دلالة أخرى على فن شوقي الشاعر الناثر القاص، فهو قد ~~أنشأها - في سنة 1901م - وهو لم يزل بعد شابا في الثلاثين أو قريبا من ذلك، قبل أن ~~يتم تمامه في الشعر والنثر والقصة، فهي من هذه الناحية أمارة واضحة على مدى ~~التطور الذي نال فن شوقي فيما تلا ذلك من سنين تزيد على الثلاثين، وهي إلى ذلك أمارة ~~على شيء آخر، يتصل برأي شوقي في أحداث السياسة المصرية لعصره، منذ كان له رأي يتحدث به في ~~تلك الأحداث. # أما بعد؛ فهذا تعريف موجز لكتاب من كتب شوقي، إلا يكن أعلاها في فنه، فإنه أصدقها في ~~التعبير عن نفسه. # وإني إلى ذلك لأرجو أن أكون بما حققت من لفظ الكتاب، وما صوبت من نصه، وما ضبطت من ~~كلمه، قد أديت للعربية حقا، وأوفيت لشوقي بدين. # وما توفيقي إلا بالله. # يناير سنة 1952م # | مقدمة # بقلم شاعر القطرين خليل مطران # هي شذرات حكم، ونثرات فكر، صدح بها طائر مصر المحكي «أحمد شوقي» من على قمة الهرم ~~تارة، وبين طلول منف وعين شمس طورا، وذهب بها كل مذهب، في سلسلة فصول سماها محادثات، ~~متناولا فيها كل عبرة جليلة، وكل معنى غريب، مؤاخذا بها غضاضة مصر الآن، برفعتها فيما ~~تقدم من الزمان، معاقبا بالرفق، محاسبا بالصدق، جعلها على لسان طائرين، هما لبد لقمان، ~~وهدهد سليمان، ونثرها نظما، أو نظمها نثرا، بحيث هي ms03 الشعر أو أنفس، وهي الكلام المرسل أو ~~أسلس. # ولهذا الكاتب العظيم كلف شديد بمجد الفراعنة؛ فهو لا يفتأ يذكرهم ويملأ الصحف والآثار ~~بما يرويه عنهم من عجيب الأخبار، وإنما يريد بذلك تحريك وتر جمد في فؤاد الأمة عن التأثر ~~للحال، فضلا عن الحقب الأول، وإحياء عاطفة في النفوس جفت لعدم تعهدها من بدء ~~الأزل، وهكذا الشأن في الجسم والروح، والحس والمعنى؛ لا يسلم منها ما يغفل، ولا يستقيم ~~ما يهمل. # على أننا نرى الغربيين أكثر حنينا إلى قدماء المصريين من أبنائهم، وأشد ولوعا بتعرف ~~أسرارهم وتنسم أخبارهم؛ وذلك لأن حب البعيد لما يعلمه، أصدق من حب القريب لما ~~يجهله. # على أن صاحب «عذراء الهند» بعد أن ذكر فيها خرافات جدات المصريين - وهي أشبه شيء بخرافات ~~جداتنا إلى هذا اليوم؛ مما يدل على مجانسة الفكر واتصال النسب - كان جديرا بالانتقال إلى ~~أسمى قمة يلقى منها النظر إلى ما يستفاد من قديم الخبر، وحديث العبر؛ ففعل موفقا، وفتح ~~بابا مغلقا. # | إهداء الرسالة # إلى حضرة الأستاذ الجليل العالم المفضال الشهير الشيخ عبد الكريم سلمان، أحد أعضاء ~~المحكمة الشرعية العليا: # كلم عزين إلى كليم # ألبسته ثوب الحكيم # وجعلته يهدي ويه # ذي بالحقائق والرجوم # فوضى خواطره فإن # جمعت فكالعقد النظيم # فتراه في وادي النقا # وتراه في وادي الصريم # وتراه في عهد العزي # ز وفي ولاية «مصرييم» # ومن السماء إلى الثرى # ومن الحضيض إلى النجوم # حتى إذا أتممتها # أهديتها «عبد الكريم» # وأنا المقر بفضله # الذاكر الحق القديم # | المحادثة الأولى # حكى الهدهد منبئ الأنباء، وشيطان بعض الشعراء، قال: أكثرت مخالطة الناس حتى ندمت، ~~وأطلت النظر في الكتب حتى سئمت، واشتقت إلى عبرة مرموقة موموقة، وحكمة من نفسها ~~مسوقة. آخذها ولو من سوقة، لا مطروقة ولا مسروقة؛ فخرجت إلى الأهرام في وقت من ~~أوقاتنا الموصوفة، ويوم من أيامنا المختارة، ذهب نهاره إلا أواخره، وتناوب على الجو ~~صاحيه وماطره: # تعرض الغيم فيه # للشمس في كل مسلك # تروغ منه فتبدو # وتختفي حين تدرك # والأفق منه ومنها # كالطفل يبكي ويضحك # فبلغت ms04 فضاءها، وإذا ذهب الأصيل عليه يزهو آونة، ويصدأ بالغيم آونة، والشمس صفراء في ~~الأفق منكسرة الأشعة، قد كادت ولما تفعل، كأنها عين الأشقر الأحول، فوثبت إلى الهرم ~~الأكبر، وحططت فوق حجر، ثم تقصيت النظر، فكانت فاتحة العبر، وباكورة العظات ~~الكبر؛ إذ رأيت السياح حوالي الأثر، يرتعون في الأصل ويلعبون، وينزلون عن الإبل ~~ويركبون، وقد ضفت عليهم ثياب الكبرياء، وجروا ذيول الزهو والخيلاء؛ فغضبت من رؤيتهم ~~على هذه الصورة، وعيثهم في القبور بعد عبثهم بالجثث المقبورة، فقلت: «أيتها الحجارة ~~الخالدة، اسخري من هؤلاء كما سخرت من قمبيز وخيله، واستهزئي بهم كما استهزأت بنابليون ~~وجنوده!» # ثم خرجت من الغضب فأبصرت، وتألفت ما كنت أنكرت، وما زال الغضب يعمي صاحبه، ~~ويضل راكبه، ويريه صدور الأمر ولا يريه عواقبه؛ أبصرت فرأيت الغادي والرائح، والترجمان بجانب السائح، ولم أر من باك ولا نائح، ولا مهيب ~~بالجندل والصفائح، يجيبه صدى من جانب القبر صائح؛ فرجعت في أمر القوم إلى الرضى، وقلت إنما ~~يزورون قبور الفراعنة في مصر كما تزار قصور الملوك في هذا العصر، وذكرت ساعة قضيتها في ~~قصر «وندسور» # 1 # منذ ثمان سنين، والملكة يومئذ في الحياة، لا تخرج الشمس عن طرفي ملكها ~~كأنهما حاشيتا النهار، فدخلت المقاصير، وتنقلت في الحجر، ورأيت فراش الملكة وقد هجرته، ~~كما ينظر هؤلاء إلى مراقد الفراعنة، وقد نقل ما فيها إلى دور التحف، وحيل بين ذلك ~~اللؤلؤ وهذا الصدف؛ فرحم الله المصريين القدماء، لولاهم ما ذكر مصر الذاكرون، ولا ظلت كعبة ~~يزورها الزائرون: # قضوا والدور باقية وأودوا # وليس شخوصهم بالموديات # فما ذهبوا ولكن في اغتراب # وما ماتوا ولكن في سبات # قال: ثم وقفت أتأمل قبور الملوك العظام، وأذكر عبث الأنام لا الأيام، وأعجب للأهرام - وهي من ~~عمل الأسرة الرابعة، وبنيان المصري في أول عهده بالحياة وبداية دخوله في الحضارة - كيف ~~رسخت في الأرض رسوخه في العلم، ووقفت للدهر وقوفه في الفن، وكلما تأملتها جزتني العبرة عن ~~النظرة، والعظة عن اللحظة؛ فرأيت النعيم كيف يزول، والحال كيف يحول، والدولة كيف ms05 تدول، ~~والملك الكبير إلام يئول، وبعث الموقف مني فقلت: # لما رأيت قبورهم # كملت فما فيها لناقد # وكأنها نهد الثرى # وكأنه مذ كان ناهد # بليت رواسيه ولم # تبل العظام ولا المراقد # وهوت حواليها الهيا # كل والكنائس والمساجد # وخلت ممالك وانطوت # دول زواهر كالفراقد # أيقنت أن المرء بع # د الموت بالآثار خالد # وأدمت النظر إلى الأهرام، لا لعظم في الجرم وفخامة في البنيان، ورسوخ في الأرض ~~وطول زمان؛ فإن استعظام رؤية الأجرام من خلائق الصبيان، لكن كمرآة أرى فيها قدماء ~~المصريين كما هم في الأعصر الأول، ولما يكتملوا دولا أربع، فلا أرى إلا صورا واضحة، ~~وأشباحا لائحة؛ ثم أنظر فيها المصريين الأحياء وكأنما أتأملهم في مرآة محدبة مقعرة؛ ~~صور ممسوخة، وأشباح معوجة، وأعضاء كمختلط الأشلاء من ضياع التناسب، وما اختلف ~~الزجاج لكن هي الأخلاق تحسن وتقبح، وتعلي وتسفل، وتقوم وتعوج، وتريك من قوم ~~ما لا تريك من آخرين؛ ما أبعد ما بين الأصل والفرع، وشتان ما بين الوالد والمولود؛ ذلك قبيل شاد وساد، ~~وأجار من البلى الأجساد، ونشر سلطانه على البلاد والعباد، وأخذ لآثاره من بعده ميثاقا ~~من الآباد، حياته للموت وموته للحياة، يعمل للذكر، ويهيئ للأحاديث، ويترك للأبناء، ~~ويعلم أن السير حياة ثانية في هذه الدار الفانية، وأن ليس الموت إلا سفرا من الأسفار، ~~ونقلة من دار إلى دار: # ولا يستوي ناء يعطل ذكره # وآخر مذكور بكل لسان # ونحن معشر الأبناء فيما نزعم، وذراري المصريين القدماء فيما نتوهم، أمة نيام، لا نعرف ~~الملك إلا في الأحلام، كأنا ولاة العهود شابوا وآباؤهم قيام؛ يومنا يوم العاجزين، وغدنا ~~غد اليائسين، وأمسنا لا للدنيا ولا للدين؛ معنى الحياة عندنا شيء باطل، وطرفاها نعيم ~~زائل، وماهيتها أيام قلائل، لا ندخر صالحات ولا باقيات، ولا نرجو علوا في حياة ولا ~~ممات، يترك أحدنا لولده من وجده، ولا يترك لهم من مجده! # قال الهدهد: وما لبثت الشمس أن غربت عن بلاد وطلعت على بلاد، فآفاق في مهرجان وأخر في حداد، فحدثت ~~نفسي بالانثناء، فرارا من وحشة الظلماء ms06 ، لكني ما هممت حتى شعرت بانتفاض طائر من الجوارح، ~~وسمعت هاتفا يقول: يا منادي الحجر، ومناجي الأثر، أخطأتك مصدوقة الخبر، وغابت عنك ~~أمهات العبر، هلا قلت في شكوى الحال ونجوى هذه الأطلال: # يا أيها الهرم المنحوت من زحل # صب النحوس علينا أنت والزمن # هوى حواليك ملك لا قيام له # وغيبت في ثراك الأربع المدن! # وأمسك الهاتف عن الكلام، فالتفت مذعورا لعلي أرى على المكان شبح إنسان، أو خيال ~~شيطان، فلم أر غير نسر، مستجمع في وكر، نسج عليه الدهر، وهو يرنو بصفراوين كالتبر، في ~~كلتيهما إنسان كنقطة من حبر، فدنوت منه وتأملت فيه، وإذا هو قد وهن منه العظم، وتناثر ~~الريش من الكبر، وشد منسره إلى ساقيه بأسباب من الهرم، وأكل على جؤجئه الزمن وشرب ~~القدم؛ فقلت: لعله نوح النسور، أو بعض ما حمل نوح معه من الطيور، وابتدرت خطابه ~~فقلت: سلاما أيها الشيطان! إن كنت لبد لقمان، فإني هدهد سليمان. # قال النسر واستضحك: افتريت على النبيين والطير، وانتحلت لي ولك ما للغير، أنا آدم ~~الشعراء ولا إطراء، وأول من نطق بالقافية الغراء فوق هذه الغبراء! # قال الهدهد: وكنت لم أفقه ما رمز إليه، ولم أعلم مراده من بيتيه، فبشرت نفسي وقلت: شيطان قديم، ~~فلأعلمن منه ما لم أعلم، وفوق كل ذي علم عليم. ثم قلت أخاطبه: الأيام أيها النسر مدارس الأحلام، ولا يستوي في العلم كهل وغلام، فلا أستحيي أن أسألك ~~من أنت؛ فقد استبهم علي ما بينت؟ # قال: أنا من سميت في قريضك، وكرمت في شعرك، وبعثت في قوافيك؛ فضل لك لا أنساه، ~~وما كنت تراني لولاه. # قلت: لئن صدقت مزاعمي، فأنت الروح الأكبر، والشيطان الأشهر، والنسر المعمر، بنتاءور ~~شاعر الملك رعمسيس، وحامل لواء البيان في طيبة ومنفيس. # قال: إنه أنا، وإني بك لقرير، كنت أراك تستمع لواعظ الدهر، فوق هذه المنابر، وتجمع ~~الخبر والخبر عن ذلك الملك الغابر، والسلطان الغائب الحاضر، وجدير بأقدم المقابر أن تعظ ~~الزائر والعابر؛ فهمست في أذنك بالبيتين، أريد أن أريك ما لم ms07 تر عين. انظر كيف تر ~~منف؟ # قلت: أطلال بالية، ورسوم عافية، عندها قرية كبعض القرى، لا تكاد تحسب من الثرى. # قال: فكيف عين شمس؟ # قلت: مزارع ورمال، لا جلال عليها ولا جمال. # قال: فانظر الفسطاط كيف تراها؟ # قلت: بييتات وأديرة، وديار مستنكرة. # قال: فما هذه البلدة الزاهرة، والروضة الناضرة، والذرية السافرة؟ # قلت: مدينة القاهرة. # قال: لمن هي؟ # قلت: لغير أهلها. # قال: هي إذن في حكم المدن الغابرة، عواصم أربع، كن مقار دول، وكراسي ممالك، وقواعد ~~حكومات، تغير إحداهن الشمس بأبهة الملك وعظمة السلطان، حضرت الأهرام يومها وأمسها، وشهدت ~~مصرعها وكانت رمسها، فاسأل ربك لقومك أن يكفيهم نحسها! # قال الهدهد: فأطرقت أتأمل في معاني هذه الكلم الجوامع، وأتدبر مغازي هذه الحكم الروائع، وأنا أستعرض ~~كرة الأرض في خاطري، وأقلب صفحات التاريخ في فكري، فلا أجد لفضاء الأهرام مثلا فيما وصفه ~~النسر، إلى أن أخرجني من إطراقي بأن قال: أرى الهدهد بين عبرة جلت حين تجلت، وفكرة في المدائن الأربع كيف تولت، فهل لك في ~~كلمات تمثلك وقوتك في الظلمات، وتريك الأمم في حال ذهابها، كيف ينقصها الآلهة من أخلاقها ~~وآدابها. # قلت: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا، إني أراك في ضلالك القديم! # قال: قطعت حديثي لأمر لا يعنيك، لك ما تعبد ولي ما أعبد، ولا يزر النسر وزر ~~الهدهد؛ فإن كان لك في الصحبة فعلى ثلاث: ألا تجري الأمور على هواك، وألا تنظر فيها ~~بمقتضى طباعك، وأن تأخذها ولا تسأل عن أسبابها؛ فهذه الثلاثة تخرج من العلم إلى الجهل، ~~فكيف تخرج من الجهل إلى العلم. # قلت: ذلك لك يا شاعر الآلهة فأنجز الآن ما وعدت. # قال: هلك الفراعنة وخلت الأسرة منهم، وذهبت دولهم، ونبشت قبورهم، وعرضت جثث عزت ~~عليهم على الناس، ومأتمهم بينكم معاشر المصريين قائم لا ينفض، وما مقعدكم منه إلا ~~كالمعددة: تبكي ولا دمع، وتندب ولا حزن، وتهتف بما لا تعرف من أخلاق الميت وصفاته، وسنة ~~سارها في حياته، يفخر أحدكم بالعظم الرميم، ويتحلى في حديثه بالمجد القديم ms08 ، ويسر وهو ~~عطل من الغنى عديم، بمبالغ غيره من اليسارة والنعيم، فإذا ذكر المصريون القدماء، رفعتم ~~الأنوف للسماء، وزعمتم أنكم سلالة الفراعنة العظماء، لكم التاجان وعرشكم على الماء؛ وإذا ~~جرت أحاديث العرب، قلتم بيننا أقرب النسب، ولنا ما تركوا من حسب، وما هو إلا سبب ~~قطعتموه، ودين ضيعتموه، ولسان عربي بالعجمة بعتموه؛ وإذا سمي جد الأتقياء، وواسطة عقد ~~الأنبياء، كنتم كلكم لآلئ الشرف، وما خرج قط خزف من ذلك الصدف، وإذا نصر الترك في حرب، ~~وتركوا دويا في الشرق والغرب، كنتم السيوف والأكف والضرب، وما ذقتم لها من حرب ولا ~~كرب؛ وإذا مات ملك ليس منكم ولستم منه، ولا يسأل عنكم ولا تسألون عنه، وخلف لقومه سيرة ~~تسير كالأمثال، وخلى مفاخر لن تبيد ولن تنال، كنتم المؤبنين الشعراء، لغيركم الميراث ~~وعليكم الرثاء! # قال الهدهد: وبينما أنا في الإصغاء، آخذ الحكمة الغراء عن آدم الشعراء، إذ قطع الحديث وتركني ~~مفكرا في كل ما هاج بي ذكره من قديم وحديث، ثم صرفني على أن ألتقيه في منف أصيل الغد، ~~وإن غدا لناظره لقريب. # | المحادثة الثانية # قال الهدهد: فأقلعت للطيران، أؤم عشي في حلوان، وأنا كمن مر به غرام على منازل الآرام، يتلفت قلبي ~~إلى تلك الأجرام، ويعز على نفسي أن تفارق الأهرام، ثم جاشت في صدري هواجس، وامتلأ خطرات من ~~الوساوس، فتمنيت على فئة غير هذه الفئة، وأملت من حكام مصر بعد مائة، أن يتخذوا من الأهرام ~~مقابر، للنفر الأنفعين الأكابر، فيدفن فيها الجليل والعزيز، كالبنثيون في روما وباريز، ~~أمنية إن شئت عدها سخافة، وإن شئت قل حديث خرافة: # من لي بأن تجعل الأهرام مقبرة # كالبنثيون لأهل الفضل والفطن # مفتوحة لوفود الأرض قاطبة # يزورها الناس من شام ومن يمن # مغيبين من الإجلال في جدث # مدرجين من الإعظام في كفن # مسطورة بمذاب التبر فوقهم # آثارهم والذي أسدوا من المنن! # تخيلت ثم خلت الأمر قد تم، وأعلنت الحكومة مشيئتها فيه، وصدر الأمر العالي به، ولم ~~يبق إلا العمل بموجبه، فأنشئت الأضرحة الفخيمة في تلك ms09 الحجر القديمة، وأقيم الحراس على ~~أبواب الأهرام، وكتب على مداخلها بماء الذهب: لعظماء الرجال شكر الأوطان، وقيل هذا القبر ~~فأين الميت ...؟ # قال الهدهد: خطرات شاعر وأمنية شيطان، فمن حضر بعده تحقيقها فليذكره، ومن علم بها ولم يرها أبرزت ~~من القول إلى العمل فليعذره. ثم بلغت عشي فنمت ناعم البال مغتبطا بما وعدت من لقيا النسر، كأنما وعدت ملكا ~~كبيرا، فلما أصبح الصبح قطعت نهاري متململا حتى الأصيل، وأنا لا أدري ماذا عنى النسر ~~بمنف، أهذه القرية أم تلك المدينة؟ وهل موعدنا منفيس أم ميت رهينة؟ حتى إذا ذهب معظم النهار ~~طرت إلى النيل أريد أن أعبره فوق سارية من معدية، فلما شارفته رأيت ما ملئت منه ~~تعجبا وتحيرا، رأيت شاطئين يتغايران، وضفتين تختلفان: هذه تلوح موحشة كأنها قبر بمكان ~~قفر، أرض على الطبيعة، وفلاح على الفطرة، وجيئة لغير مطلب، وذهاب في غير مغنم، وزرع ~~للفلاح إنباته، وللتاجر ثمراته، وهذه تموج بمعالم العمران، وتتجلى في زخارف الحضارة، ~~وتتدفق حياة، وتتوثب وجدانا، فوقفت أتأمل هذا المرأى البهج، والمنظر العجب، والمشهد البديع ~~وأنا أتهم الخيال ولا أتهم الحس، ولا أبرئ نفسي من سحر أو مس، وقد أنساني الذهول ذكر ~~ما وعدني النسر أمس؛ أنظر إلى النيل فأرى المجاديف تنتهب مياهه من تكاثر السفن لديه، ~~وتلاقي الزوارق عليه، مشحونة بالبضاعة، مملوءة من الجماعة، فكأنما أنظر إلى السين أو الرون ~~أو الدانوب، فذكرت عندئذ ما قاله نابليون لجماعة من جنده في مصر، وقد مر بهم فرآهم ينظرون ~~إلى النهر، وسمعهم يتساءلون: أهذا هو النيل الذي تشيد الكتب المقدسة بذكره، وتبالغ الأجيال ~~في قدره؟ إن السماع به خير من رؤيته! فاقترب منهم وقال: إنه لا يعوز النيل إلا خمسون ~~عاما، ثم يبدو لكم كما تصفه الكتب المقدسة أو أجل! فقلت في نفسي: لئن زعم نابليون أن مصر ~~لا ينقصها إلا التمدين ولا بد أن تناله على يد الفرنساويين أو غيرهم من الأمم المتمدنة؛ فقد ~~مر مائة عام لا خمسون؛ # 1 # فما بالي أرى هذه الضفة بحالتها ms10 التي رآها جنود نابليون عليها، وأرى لدى هذه ~~نعيما وملكا كبيرا؟ وبينما أنا في التخيل تارة والتأمل تارة، والتوهم مرة والتيقن كرة، ~~بصرت بزورق يقترب مني، ويجريه عصبة من المجدفين في الزي المصري القديم، كما تمثلهم ~~لنا الآثار، وقد نهض فيه رجل كأنه المثال المنصب رونقا واعتدالا، وسكينة ومهابة، وهو ~~مكشوف الرأس، لابس ثياب المصريين القدماء كذلك، فأشفقت من رؤية الزورق ورجاله لأول وهلة، ~~وتحفزت المطار؛ فصاح الرجل بي يقول: إلي يا هدهد، إني أنا النسر فلا تخف ولا تجزع! # قلت: وما بدلك يا مولاي؟ وما هذه الحال؟ وهبني جئت إليك، فأين تريد أن ~~تجعلني؟ # قال: تقدم ثم تكلم. # فطرت من فوري إليه، فتلقاني بكلتا يديه، ثم رفعني فوق كتفه، وقال: هذا مكانك فاستقم فيه، ~~ولا تكثر من التلفت والانتفاض فتؤذيني. # قلت: سمعا وطاعة يا مولاي. # وعندئذ أشار إلى الملاحين أن ينثنوا بنا راجعين، فسالت أيديهم بالزورق في نهر سرى به ~~الجلال، وخط عليه الجمال، تتلاقى السفن فيه كالجبال، تنوء بالبضائع والغلال، وتفيض من ~~الرجال والأموال، فسألت النسر: لمن هذه الأرباح يا مولاي؟ لقد أذكرتني كنوز سليمان عليه ~~السلام، وجواريه المنشآت في البحر كالأعلام. # قال: هذه رعية مولانا الملك رمسيس، تروح وتغدو بين طيبة ومنفيس، ناهضين بالمتاجر الجسيمة، ~~قائمين بالأعمال العظيمة، تجري السفن بهم ليل نهار، بين شاطئين كلاهما محط لرحال ~~التجار. # قلت: وإلى أين تمضي بي الآن يا مولاي؟ # قال: ألم أقل لك موعدنا منف؟ وها نحن قادمون، وهذه معالمها تبدو وتظهر، وتلك مجاليها تضيء ~~وتزهر. # فأخذني الدهش، وصحت: الله أكبر! # فأنكر النسر علي صيحتي، وقال: ألم أؤدبك بالأمس؟ فهلا داريتنا في دارنا، وأرضيتنا في أرضنا؟ # قلت: وما عساي كنت أقول يا مولاي؟ # قال: كان أولى بك أن تسكت، أو أن تقول: الشمس كبيرة وحفيدها رمسيس كبير! # قلت: لا أعود لمثلها يا مولاي، فهل لي أن أرى حفيد الشمس ذاك؟ # قال: ستراه وتسمعه، فلا تعجل ولا تؤذني بأسئلتك! # ثم استقر بنا الزورق ونالت أقدامنا منفيس، فإذا بها تحلت من ms11 الزخارف بكل نفيس، وتجلت ~~تختال في حلل البهاء وتميس، حيث التفت رأيت حولي عزازة وعمارة، وثروة ويسارة، وصناعة ~~وتجارة، وجاها وإمارة، وجنود البر والبحارة، من كل زي وشارة؛ فلم أتمالك أن اغرورقت ~~عيناي بالدمع، فالتفت النسر إلي وقال: أدمعة سرور وفرح، أم عبرة أسى وترح؟ # قلت: بل كلتاهما يا مولاي، فلئن سرني أن أرى هذا المجد لمصر أولا، لقد ساءني أني لا أراه ~~لها أخيرا. # قال: لو أن فوق كل شبر من أرض مصر هدهدا يملؤه دمعا لما أغنى ذلك عنها شيئا، فعليك ~~بالتأمل والاستقراء، قبل البكاء والاشتكاء، والتبصر والاعتبار، قبل النحيب ~~والاستعبار! # فكفكفت دمعي وقلت: لا يكونن إلا ما أمرت يا مولاي. # قال الهدهد: ثم مررنا بهيكل يأخذ العين ويتملك النفس ويأسر الخاطر، ويستوقف اللب قبل الناظر، ~~فتوجه النسر وجهته، ثم دخل بين حراس ينحنون له تعظيما وإجلالا، وكهان يوفونه تحية ~~واستقبالا، وهنالك جعل يطوف بي حول القواعد والأركان، ويرفع بصره إلى دعائم البنيان، ~~ويتنقل بي من مكان إلى مكان، ويذهب بي صعدا وصببا، في حجر عالية غالية، ومقاصير خالية من ~~عيب حالية، منها الداجي المظلم الحالك، وبعضها منور للشمس إليه مسالك، وهو يقول: هذا يا ~~بني الهيكل الأشهر، بيت «فتاح» الإله الأكبر، حامي حمى هذه المدينة، وملبسها الأمن والنعمة ~~والزينة، تنقل معي من حجر إلى حجر، ومل معي عن أثر إلى أثر، وأنعم النظر في هذه النقوش ~~والصور، ترها في ضمائر الجفن أدق من الخواطر والفكر، وما صنعت في نور الشمس ولا في ضياء ~~القمر، لكن في ضوء سراج ضئيل غير وهاج، ثم تأمل في الحجر بجانب الحجر، كأنهما واحد انقسم ~~على نفسه شطرين. انظر إلى هذه الجبال كيف قطعت، وإلى الآساس كيف وضعت، وإلى العمد كيف ~~رفعت، وإلى الزخارف كيف جمعت! هل ترى في جميع ذلك إلا معرفة في العلم، ودراية في الفن، ~~ومهارة في الصناعة؟ وغير إحكام في الصنع، وإتقان في العمل، ورغبة في الثناء، وهمة عالية في ~~الأمر، وذكاء فائق في الأمور، وطاعة واجبة للملك ms12 على الرعايا، وعدالة مفروضة للرعايا على ~~الملك؛ وهذه يا بني أسس الآداب، ورءوس الأخلاق، وقوى الحياة في الأمم، وسر نجاح ~~الشعوب. # قال الهدهد: وكنت أراعي النسر وفكرتي في الملك، أتمنى أن أراه مرة واحدة، فناجيته بذلك، فغضب من هذه ~~المفاجأة، وقال: الملوك أيها الهدهد في كل مكان من ممالكهم، إذا تغيبوا حضرت مآثرهم، وإذا ~~احتجبوا سفرت مفاخرهم، فحيث نقلت القدم في هذه العاصمة، حدثك عز الملك عن الملك ~~ووصفته لك هذه الدولة الكبرى كأنك تراه؛ على أني سأنيلك سؤلك، وأجعلك من رمسيس بحيث تسمع ~~وترى، فلا تعجل علي، ولا تكن كمن يزورون الآستانة ولا أرب لهم إلا «حفلة السلاملك»، وإذا ~~قضوا أربهم من حضورها رجعوا إلى أوطانهم متبجحين بما لم يعلموا من أبهة ذلك الملك، وعظمة ~~ذلك السلطان! # قلت: أفيرضيك أن أكف عن السؤال يا مولاي؟ # قال: اسأل ما شئت إلا الصغائر، فإنها تقتل النفوس، وتطفئ نور العقول، وما اشتغل بها شعب ~~إلا هلك حيا. إن لرمسيس وجها كبعض الوجوه، وجسما كسائر الأجسام، لكن إذا وقفت على شيء ~~من بسطة ملكه، وامتلأت نفسك مهابة من سعة دولته، ورأيت آثار نعمته على رعيته، ثم لقيته ~~بالذات لقيت إلها في زي إنسان، تنحسر في جلالته العينان، ويخفق لأدنى لحظة منه ~~الجنان. # قلت: مررنا في مجيئنا إلى الهيكل بعمائر شتى، وأبنية تشيد، وهياكل تعمر، فكنت أرى ~~العمال صنفين، والصناع فريقين مختلفين، فما شرف من الأعمال وكان للعقل والرأي معظم ~~الأثر فيه، تولاه المصريون بأنفسهم، وما خس منها وكان شاقا يشترك فيه الساعد والجسم، ~~كعمل الطوب، وجر الأثقال، قام به طوائف من الناس زرية أزياؤهم، مختلفة صورهم، ~~مسودة وجوههم، فمن هؤلاء يا مولاي؟ # قال: غرباء أسروا في الحروب وجيء بهم إلى مصر، فأرواحهم مباحة للملك، ينهب منها ما يشاء، ~~ويسخر من استبقى فيما يشاء، ويجود ببعضها على قواد جيوشه الذين جنوا معه ثمر الوقائع، ~~وشهدوا بجانبيه المعارك والمعامع. # قلت: عجبا لكم معشر الآباء، تبلغون هذه المبالغ من المدنية، وتأخذون هذا النصيب من ~~الحضارة، ثم ms13 تقسوا قلوبكم فهي كالحجارة أو أشد قسوة؛ فلو اطلع الإفرنج - خلفاؤكم في الأرض - اليوم على سيرتكم هذه في معاملة الغريب والأسير؛ لأنكروها عليكم إنكارا، ثم لولوا ~~منكم فرارا. # قال: يبقى الحيف ما بقي السيف، وليس ما نسبت إلى أصحابك من الرحمة المتناهية، ~~وعزوت إليهم من الفلسفة العالية إلا ضلة من حلمك، وقلة في علمك؛ ينكرون على ملوكنا ~~أن يلعنوا من ليس من دينهم من الأمم، وما أشبههم في ذلك بإدوارد السابع، يوم ذم المذهب ~~الكاثوليكي بمسمع من الأشراف تباع هذا المذهب؛ ويرموننا بفرط الكراهية للغريب واقتناء ~~الحقد له، ولنا في ذلك أعذار مقبولة، فما بششنا في وجهه قط، ولا استنمنا إليه مرة، إلا طمع ~~في ملكنا وأفسد علينا أمرنا؛ على أننا علمنا الأمم من بعدنا شرع الوطنية، وعرفناهم كيف ~~يطول عمر الدولة عند قوم، وتمد برهة الحكم بينهم، إذا هم اعتمدوا في جميع أمرهم على ~~أنفسهم، وضربوا على يد الأجنبي أن تعبث في شئونهم، ولئن بالغنا للغرباء في سوء المعاملة، ~~فلنا من موقع بلادنا الطبيعي عذر واضح؛ فما مصر إلا سهل سهل غزوه والإغارة عليه، ~~وواد مكشوف للأبصار الطامحة إليه؛ فلو لم يسهر عليه منا الساهرون لما لبث في قبضتنا طوال ~~تلك القرون؛ أما أسير الحرب عندنا فأشقى منه أسير الاستعمار عندهم، يزرع لهم ويحصدون، ~~ويبني لهم ويسكنون، ويسهر عليهم وينامون، ويفتح لهم البلاد ويمتلكون، وإلى بعض هذا ينتهي ~~الشقاء والصغار والهون. # قلت: يكاد علمك يسع الأشياء كلها يا مولاي، فلو علمت ما مراد الملك رمسيس من مواصلة ~~الغزو ومتابعة الغارة، والخروج من حرب والدخول في حرب، ومنزلته بين الملوك الغابرين منهم ~~والحاضرين ما لا ترى أبصارهم خلفها مطرحا، فهلا أقر السيف وحقن الدماء؛ فقد ملك الأرض فهل ~~يريد أن يملك السماء! # قال: السيف يا بني يعلي السيف، والدول إذا كبرت وعز مقامها وتغلبت وعرفت الجاه والنفوذ، ~~جد بها الحرص على البقاء، وطمعت في المزيد من الارتقاء، مخافة أن تقف فيدركها اللاحقون، ~~أو تتمهل فيفوتها السابقون. وقد جرت العادة بين ms14 الناس أن الضعيف لا يزال يرمي القوي ~~بالبغي حتى يصير ذا قوة مثله فيطغى مثل طغيانه، والفقير لا يزال يتهم الغني بالجشع حتى ~~يثرى فيصبح هو الأجشع. وليس ما ترى من رحمة الناس البوير وما تسمع من ذمهم الإنكليز ~~المعملين السيف في جنوب أفريقيا منذ عامين، # 2 # إلا حسدا لا ينفع البوير ولا يصغر الإنكليز؛ ولو أن إحدى الدول مكانهم ما ~~كان شأنها إلا شأنهم؛ على أن الفتح إذا نفع القاهر مرة، نفع المقهور ألف مرة، فرمسيس إنما ~~يخرج الأمم من الظلمات إلى النور، فيفك عقولهم من عقالها، ويشفي نفوسهم من ضلالها، ولولا ~~فضل المصريين على أهل الأعصر الأول، ما قامت للأحباش دولة، ولا اجتمع للعبرانيين أمر، ولا ~~انعقد للأشوريين لواء؛ سرى نورهم في الأمم المجاورة، وامتدت حياتهم إلى الشعوب المعاصرة، ~~وهكذا سنة الدهر في الناس: أواخر يرثون الأول، ودول تبني أنقاض دول. # قال الهدهد: فعذبت مقالة النسر في نفسي، كأنها لفظ الشفاء على لسان طبيب، وقلت: لقد أخرجتني من يأسي ~~يا مولاي، وعلمتني من مستقبل مصر ما لم أكن أعلم! # فتنهد بنتاءور وقال: تجمع كل أمة جوامع شتى من لغة ودين وجنس، وأمل ويأس، وسراء وضراء، ~~وأنتم لا تعرفون غير جامعة الموت تجمع الأعداء. # ثم قطع الحديث وقال: هذا شيء نتحادث فيه بعد، فلنبق فيما نحن فيه من اجتلاء المناظر ~~والمشاهد، ومناجاة المعالم والمعاهد. # قلت: ذلك أنفع لي يا مولاي، فما هذا التمثال القائم بين مقاصير الآلهة من الهيكل، وبين ~~مجلس الملك ومنصب عرشه منه، إني أراه كعون بن عنق في ضخامته التي يزعمون! # فمشى النسر إلى التمثال وجثا لديه، ثم نهض وقال: فرغ الملك من حروبه التي تسير كالأمثال، ~~وأمن تخوم ممالكه، وأخذ بالثقة من المستعمرات الواسعة، وفرق جيوشه في البسيطة يعززون ~~فيها آية الملك ويحمون أطرافها، وأصبح من ثبوت الدنيا له، واستقامة الأمر في يده، بحيث قلت ~~في وصفه ومدحه: # رمسيس يا ملك الدنيا وواحدها # وبضعة النور وابن الكوكب الأحد # الشمس مثلك بعد اليوم لا ولدت # والشمس ms15 مثلك قبل اليوم لم تلد # فإن تكن في سرير المجد خالدة # فإن عرشك مرفوع إلى الأبد ~~... حتى إذا فرغ من تشييد مملكته والاحتياط لحفظها، وجعلها بمأمن من الحساد والأعداء، فكر ~~فيما يخلد اسمه، ويؤبد ذكره، ويكفل لتاريخه الدوام، فبنى المدائن، وأنشأ في كل واحدة ~~منها هيكلا خاصا بإله أهلها الذي يعبدون، وسور هذا الهيكل القديم بالأعمدة التي تراها ~~محيطة به، وليس أفخم ولا أضخم ولا أجل في الأعين منها؛ أمر أن تصنع صورته معظمة وتجعل ~~في الهيكل، فعمل له هذا التمثال وطوله ثلاثون ذراعا، وهو من عمل الأسرى وحدهم، وقد عني ~~الملك بأمر ذلك، فرغب أن يكتب أنه «لم يعمل مصري في هذا التمثال.» # قلت: وفيم هذا التبرؤ يا مولاي، ولو أنه من صنع المصريين لكان بالملك أليق، ولكانوا به ~~أحق؟ # قال: إن رجلا يرفع أكبر دولة في الأرض، ويقهر أربعين أمة، ويضع حدود مملكته أنى شاء، ~~لا يؤخذ بكبيرة، فكيف ينتقد في صغيرة! # قلت: لأنك في دفاعك هذا عن الملك أشعر منك في مدحه! # قال: إنما أديت بعض حقه. # وهنا غلب النعاس على النسر، فجعل موعد الهدهد ميدان الملك في أصيل الغد. # | المحادثة الثالثة # قال الهدهد: كنت في صدوري عن ميت رهينة تحت سماء الليل، أنظر قلة الرسوم لديها، وأرى ندور الأطلال ~~عليها، وما هي إلا مقابر بعض الملوك، ومدفن العجل أبيس، وذلك التمثال في حفرته التي تنزل به ~~عن سطح الأرض بقدر ما جرى الدهر على منفيس في سالف الأحقاب، وما عقدت سنابك خيله عليها من ~~متراكم الحصى والتراب؛ فأعجب له كيف لم يبق من حواء العواصم غير بقية لا تذكر في جانب ما ~~رأيتها عليه من السعة المتناهية، والعظمة الجمة، والعمارة المدهشة، وتبصرت مليا في ~~السبب، فلم أر الداء إلا موقعها الذي عرضها في كل زمان للفيضان يعلوها، وأسلمها إلى رياح ~~الصحراء تختلف عليها فتذروها، وذهبت مع المؤرخ عبد اللطيف # 1 # إلى أن معظم البلوى إنما جاء من عبث الأمم المختلفين أديانا، الذين أغاروا على ~~وادي النيل، ms16 ومدهم يد الحسد إلى آثار الفراعنة بمعاول الجهل، وما زال الحسد بمرصد للفضل، ~~وما انفك الجهل عدو العقل. # قال: وكان جؤجئي قد جاش بالشعر عندما نظرت التمثال في حاليه، وخبرته في يوميه، فقلت ~~فيه: # إن جئت «منفا» وهي أو # لى بازديارك وانتيابك # ومررت بالأطلال مرا # في مجيئك أو ذهابك # بالأمس كنت مؤلها # ماذا لقيت من انقلابك # لا ينظرون إلى ذرا # ك وينظرون إلى رحابك # ويخاطبونك راغبين # إلى ثوابك عن عقابك # أزرى برمسيس البلى # وهوى به زمن هوى بك # وقصار خطبك عند ذي # نظر يبالغ في خطابك # عابتك أحداث الزما # ن فكنت أكمل عند عابك # وحضرني بشأن هذا الأثر شيء من قبيل ما مر بالفكر بشأن الأهرام، فأملت من جهة أن ينشط ~~المصريون يوما لتشييد بنائه، وتكملة أعضائه، وتجديد حسنه وروائه، عساهم يقضون بهذا العمل ~~الجليل حق خير ملك لخير جيل رأى وادي النيل، وتمنيت من جهة أخرى أن تفشو التماثيل في مصر؛ ~~لأن فيها بعض المكافأة لمن سلف، وتعظيم شأن الحياة في نفس الخلف. # ثم فكرت في رجل عظيم القدر جليل المقام، خطير الشأن في صحائف الأيام، لا صحف الأقوام؛ ~~تضيء مزاياه ثنايا التاريخ، وترفعه أعماله فوق البرجاس والمريخ، إذا مات رشحته الأمة ~~المصرية ليمثل بالحجارة الأبدية، ويبجل بالكلمات الذهبية؛ فما زال بي الوهم والخيال، حتى ~~وجدت طلبتي في الرجال، ولم يبق إلا عمل التمثال، فقلت حينئذ في نفسي: أين من يصنعه، وأين ~~آلات ترفعه؟ وكنت خرجت من أحلامي في المدينة الغابرة، وبلغت مقامي في ضواحي القاهرة، فنمت ~~أطيب المنام، أصل الأحلام بالأحلام، حتى إذا طلع الفجر، انتهيت أشوق ما كنت إلى النسر، ~~يطول النهار ولا صبر، كأن إحدى ساعاته شهر، ومالي لا أشتاق معلمي الحكمة في الحديث، ~~وملهمي القديم من العلم والحديث، وممثل الحقيقة في حسي، وكنت أجهلها في أمسي، أو أغالط ~~فيها نفسي. # ولما جاء الأصيل، هجت إلى شاطئ النيل، فوجدته كما عهدته، وألفيت الحال ما زال: صغرت مدينة ~~وكبرت مدينة، وعطلت ضفة وضفت على أختها الزينة، فاطمأن ms17 قلبي وقلت: صدق النسر وعدا، ~~وعمدت لأقرب الزوارق الحاضرة، وهي كالعرائس في النيل خاطرة، بعضها في جيئة وذهاب، ومنها ~~المتسابق في كل منساب، الآخذ بأنواع الرياضات والألعاب، حتى خيل لي أنه التامين، أو أني ~~لدي السين في باريز؛ فنظرت إليه وأنا أحسب أن سأجد سارية أحط عليها، وأستند في وقوعي ~~إليها، فوجدت جزاء من ينقل قدمه ولا يبصر قدامه؛ إذ علق جناحي، فالتفت فإذا أنا في يد رجل تعلوه كبرة وفترة، ويضرب لونه إلى الصفرة، وعليه ثياب ~~مزركشة من ثمين الكتان، وقد جلس أمامه غلام من أوسم ما استخدم الكبراء، فقلبني قليلا ثم ~~دفعني إلى ذلك الغلام، وقال: هذه طلبتنا، ساقتها الآلهة إلينا، فتحفظ عليها؛ فقد تفاءلت أن ~~شفائي فيها، ما زال طبيب الرأس يحيلني على طبيب الأحشاء، وهذا يرشدني إلى الطبيب الروحي، ~~وهو يرى دوائي في مساءلة الهياكل، وقد أعيت الجميع علتي، حتى وصف لنا مضحكنا «أوتا» الذي ~~اشتهر بصدق تجاريبه، على قصر قامته وتشويه خلقته، أن رأس الهدهد إذا سحق، وأضيف إليه ~~قلامة من حافر البغل، ومزج هذان بشيء من شحم الخنزير المذبوح قربانا لأوزيريس الإله ~~والقمر في ليلة تمامه، ثم تناولت كل يوم حبة من هذا التركيب؛ فقد ينفعني ذلك في علتي التي ~~حارت فيها العقاقير، وعجز عنها الأطباء! # قال الهدهد: فما استتم الرجل حتى ذبحت من الذعر بغير مدية، وقلت في نفسي: ما ذنبي حتى يختلط رأسي ~~بحافر البغل وشحم الخنزير، وليس أحقر من هذين! فجعلت أفكر في حيلة تنقذني من هذه الميتة ~~الشنيعة، فرأيت أن أنطلق لعل الأمير يستعظم الأمر فيضن بي، ففعلت، فإذا أنا طليق الجناح ~~أطير، فنظرت تحتي فرأيت الرجل يشير نحوي براحتيه، كأنه يستغفر لي أو يستغيث بي. # والزورق يكاد ينقلب بمن فيه من هول ما فاجأ رجاله من أمري وشهدوا من حالي مع مولاهم، ~~فضحكت من رؤيتهم على هذا الحال، وارتفعت في المطار حتى جازتني المدينة، فجعلت أحط تارة فوق ~~جدار، وأستتر أخرى في الأشجار، وأتنقل من حانوت إلى دار، وأنا ms18 في هذه الأثناء ألحظ مجمل ~~الأحوال، وأتزود من المدينة نظرة عامة، فرأيت حركة لم أر مثلها فيما غبر. # وشهدت من العظمى ما يصغر المدائن الكبر، شوارع وسيعة، ودور رفيعة، وحدائق بديعة، ~~وجماهير متدفقة، وشرطة منبثة متفرقة، وخيل مركوبة، ومركبات مجرورة، ومخازن تفيش من صنوف ~~المتاجر، وحوانيت لا تحصى لديها ضروب الصنائع، وكان من أعجب ما رأت العينان، أنس الحيوان ~~إلى الإنسان، واطمئنان الطير إليه في كل مكان؛ تمشي بجانبه آمنة، وتتوثب حوله مطمئنة، ~~وأعجبها الكراكي، رأيتها تتألف الأهالي وكنت أظنها لا تستأنس. # ورأيت نساء العامة يحملن أحمالهن على الأكتاف، ويجعلها رجالهم فوق الرءوس، وتلبس المرأة ~~ثوبا واحدا، ويلبس الرجل ثوبين، وقد دهشت من توحد الزي عند القوم، وإيثارهم من ~~اللباس الكتان أو الصوف، واختيارهم من الألوان الأبيض مع نظافة تضرب بها الأمثال، ~~فكأنما كملت الجوامع فيهم حتى هذه؛ وتحيتهم في الطريق أن يفضي أحدهم بيمناه إلى الأرض؛ ~~وإذا عارض كبيرهم صغيرهم تنحى حتى يعبر، وإذا مر به وهو جالس قام له حتى يمر. # ورأيت جميع الحيوان في الطريق إلا الخنزير، ثم عرفت السبب اتفاقا؛ وذلك أني بصرت ~~بزحام فاقتربت منه، فعلمت من تساؤل الناس أن أحدهم تمسح به خنزير، فهم يسوقونه إلى النهر ~~ليغمس فيه بجميع ثيابه، وهم يعتقدون أنه لا يطهر بدون ذلك، فرثيت في نفسي لحاله، وضحكت ~~من أمر هذه العادة؛ ثم احتواني ميدان عظيم، ينحسر الطرف في جوانبه، ولا تحيط العين بأطرافه، ~~فابتهجت باستقباله، وقلت: لعله ميدان الملك، ولعل الملتقى قريب! # وفي الواقع كان الأستاذ بنتاءور أول إنسان وقع نظري عليه، رأيته يشير بوجهه المتهلل نحو ~~السماء، وكأنما يفتش عني الجواء، وينشدني في طبقات الهواء، فلما أخذني بصره، رفع يده ~~يستنزلني، فهبطت فيها، ثم وثبت منها إلى كتفه منتفضا من التأنس والحبور، مرنقا من غلب ~~السرور، فسألني عن أمري، وما لقيت من وحدتي في رحلتي، فحدثته حديثي أوله وآخره، فضحك من ~~حادثة الزورق، وقال: تلك وحدة لم يكن لك عنها غنى وأنت في أول أيامك بهذه المدينة؛ ms19 لأني ~~أردت أن تجمع في حكمك عليها بين ما تسمع مني وما تراه في خاصة نفسك، من أحوال أهلها ~~وأطوارهم، وأخلاقهم وعاداتهم؛ فما رأيك في ذلك المريض؟ # قلت: أحمق جاهل يا مولاي، وأطباؤكم أحمق منه وأجهل؛ وإني لأعجب منهم كيف يبلغون في الطب ~~إجارة الجسد من الفساد، وحفظه من البلى على مدى الآباد، ثم ينزلون إلى الإيمان ~~بالرقى والطلاسم، واعتقادهم أن رأس الهدهد وحافر البغل من العقاقير النافعة في بعض ~~الأدواء! # قال: الخرافات يا بني وجدت مع الإنسان منذ البداية، وسوف تصحبه إلى النهاية، ~~ولو بلغ من المدنية أقصى غاية، وأظنك عهدت باريز لا تخلو منها، وهي فيما يزعمون عاصمة ~~العواصم، وكرسي التمدن القائم! # قلت: كذاك هي يا مولاي. # قال: لكن هلا أخذت من عبارة المريض أن الأطباء في منفيس ضروب، وأن توزع الأعمال ~~قاعدة التطبيب بينهم؛ فهذا للرأس، وذاك للبطن، وآخر لأمراض العين، ورابع لأدواء الأذن؛ ~~كل على قدر اجتهاده في الفرع الذي وقف نفسه عليه. # وهذا ما صار إليه الطب أخيرا عند الغربيين، وهم يعتقدون أن ذلك بداية النجاح الحقيقي، ~~وفاتحة عصر للعلوم الطبية لا يقف ارتقاؤها فيه عند حد، فلو لم يكن من فضل أطبائنا الحمقى ~~الجهلاء سوى أن القوم أخذوا عنهم هذا المبدأ الجليل، لكفى؛ على أنني عالم بأن الطب لم يتقدم ~~في هذه العاصمة التقدم اللائق بمزلتها في الحضارة، الجدير بمبالغها في المدنية؛ ولهذا ~~الأمر أسباب، أهمها قلة الأمراض في هذه الأمة؛ لأنهم من جهة يعتنون بأمر نظافة الأبدان ~~والملابس؛ إذ من عاداتهم أن يغتسل واحدهم ثلاث مرات بالنهار ومرتين بالليل، فمثلهم كالمتقين ~~منكم معشر المسلمين، الذين يتوضئون خمس مرات في اليوم؛ ومن جهة أخرى لأنهم في الغالب رجال ~~عمل ونهوض وحركة، وإذا كان النشاط في الطباع، سلمت الجسوم من الأوجاع. # وبديهي أن توسيع العلوم يكون بقدر الحاجة إليها، فإذا عظمت عظم الاشتغال بها، وكثر ~~الاختراع فيها، وإذا قلت قل، وأكبر برهان على ذلك ما أشرت إليه من بلوغنا الدرجة ~~القصوى في التحنيط والتصبير، فلولا ms20 اعتقاد الأفراد أن الأجسام بعد الموت مقدسة لا ينبغي ~~أن يصل إليها الفساد، لما اجتهد الأطباء المختصون بهذا الفن فيما يمارسون من جليله ~~وحقيره، حتى بلغوا فيه إلى درجة الإعجاز، منساقين برغبة الكافة، ملبين منادي الحاجة ~~العامة. # وما يقال عن التحنيط يقال كذلك عن فن العمارة والإنشاء؛ فليس السبب في رقيه بيننا هذا ~~الرقي المعجز الباهر، إلا مبالغة المصريين منذ القدم في قيمة الآلهة وتصورهم إياهم في ~~منتهى العظمة المؤبدة الأزلية؛ فلا يرفعون لهم من الهياكل إلا ما يليق بمقامهم هذا ~~ويسكنونه إلى الأبد؛ على أنك لو قست دور الأهالي من جميع الطبقات، وما رأيتها عليه من ~~البساطة والاقتصاد في البناء، بالهياكل وما شهدت من فخامتها، واجتليت من زخارفها، لعلمت أن ~~دعواي مبرهنة من نفسها، ولأيقنت أن قصور المصريين في الطب لم يكن عن جهل وقلة ذكاء، لكن عن ~~عدم حاجة ماسة وقلة اعتناء. # قلت: صدق مولاي وأفاد، لكن هذا ميدان الملك، فأين قصره؟ # قال: تظل تحلم بالملك! وقد أذكرتني أن لي كلمة أقولها لصائغه الخاص بأمر جلالته، فلنبدأ ~~به الآن. # قلت: الأمر إليك يا مولاي. # فمشى النسر وأنا فوق كتفه، حتى مر بحانوت ضيق المدخل رزي المنظر، فرأيته يهم بالولوج، ~~فقلت: لعلك ضال يا مولاي؛ فمثل هذا الحانوت لا يكون لصائغ الملك! # قال: بل الضال أنت يا كثير العجلة. # فخرست، ودخل الأستاذ، فخف لاستقباله رجلان: كهل وغلام، وكانا ساعة دخولنا متقابلين على ~~منصة للعمل، مكبين على الذهب يفرغانه ثم يصوغانه، فحيياه حق تحيته، ثم عادا إلى ~~العمل وأخذا بما كانا فيه، وعندئذ قال الرجل للأستاذ: أتأذن يا مولاي أن أتمم حديثي مع هذا ~~الغلام، ثم أتلقى أوامرك؟ فأجابه: افعل، فلا تكره أن نشاطره الفائدة. فاندفع الرجل يقول: ~~اعلم يا بني أن الأمانة رأس مال التاجر، وهي والإتقان كلاهما رأس مال الصانع، وقد صيرتهما ~~لي عادة منذ مارست هذه الصناعة، فلم أكلف عملا إلا استجمعت قواي لتجويده وإحكامه، وفكرت ~~في إتقانه قبل الفكر في إتمامه، فإن بدا نقص بعد ذلك ms21 برأت نفسي وقلت : علي بذل الجهد ~~وليس علي أخذ المستحيل. وكنت في بدء تعاطي هذه الحرفة مساعدا لمحب الحقيقة أستاذي ~~الذي انتقل إلى الدور الأبدية، فتعلمت منه محبة العمل والإخلاص فيه وبذل الجهد في ~~إتقانه، وهو الذي ذهب تابوت الملك سيتي، والد جلالة الملك، ونقشه فأبدع نقشه. # وكان أجره عن ذلك مائة قلادة من الذهب، خرجت إليه من الخزائن السلطانية، فهنأته يومئذ بما ~~نال من جسيم الربح، فكان جوابه لي: اعلم أنه لو عرضت علي خزائن الملك جمعاء وأنا في العمل ~~أصنع التابوت، لما أعرتها نظرا؛ لأني رجوت أن يقال: ملك الصناعة، شرفها يوم موت ملك ~~الجماعة! فوعيت هذه النصيحة كما يوعى الوحي الآتي من جانب الآلهة، وها أنا أبذلها لك كما ~~بذلت لي من قبل فكانت أصل سعادتي وسر نجاحي، والسبب في تحصيل هذه الثروة الجسيمة، ~~وارتقائي في القصر هذه المنزلة العظيمة. # قال الهدهد: وكان الرجل يقدم النصائح لتلميذه وكأنها قلائد يصوغها، وبنتاءور يتثاءب ويتمطى، فخشيت أن ~~يحول بنومه المعهود، دون سماعي مقالة الصائغ إلى آخرها، فكان ما خفت أن يكون، وغلب على ~~النسر النعاس، فقال لي بلسان متلعثم: إذا جاء الليل نامت الشياطين، فارجع إلى عشك الآن ~~والقني غدا في هذا الحانوت. # قال الهدهد: فلم يكن إلا إغماءة حتى رأيت نفسي فوق سطح بيت العمدة في ميت رهينة، فاستعذت بالله، ~~وأقلعت من فوري للطيران، أؤم عشي في حلوان. # | المحادثة الرابعة # قال الهدهد: وكان الغد، فأصبحت فيما أمسيت فيه، أهفو إلى النسر ولا أعطى عنه صبرا، والنفس إلى ما ~~يشغلها شيقة ولعة، فما زلت رهن أحوال، وجار عيش وأشغال، حتى زينت السماء الدنيا ~~بالآصال، وإذا أنا من جؤجئي في سفينة عند دأماء، وهي تجري في بحر ولا ماء، من مذاهب ~~السماء، دفتها ريشتان، وشراعها جناحان، فاستوت على ما وراء النهر، وإني لفي الحانوت كأن لم ~~أبرحه، أراني فوق كتف النسر، أنظر إلى الصائغ والغلام، وكأن ما مر فترة من حلم، إذ الحديث ~~متصل، والصائغ يقول: هذا يا بني صاحب ms22 الملك وشاعره، وبوقه في الغزاة، وظله في ~~النقلة، وداعيه في الأمة، وآية ملكه في الأولين، وحديثه من بعده في الآخرين، أوفده حفيد ~~السموات، وشعاع الشمس في الجماعات، برسالة عملت بها قبل أن تبلغ إلي. # ثم التفت إلى بنتاءور وسأله قائلا: أليس أمر الملك يا مولاي أن تنقش على القلائد الثلاث ~~صوره الثلاث: يوم قدم طيبة ظافرا، ويوم صلى صلاة الظفر في هيكلها، ويوم المهرجان؛ ~~وكانت إشارته السابقة أن تتضمن الصور الثلاث حملته على الأعداء في آتيش، ودخوله المدينة ~~فاتحا، وجلوسه لملكها ومترفيها يأتونه أذلة صاغرين؟ # قال: في هذا جئت؛ فلعل إنسانا جاءك به قبلي. # فتبسم الصائغ حينئذ وقال: إنه ليس إنسانا، إنه الملك بذاته، أشرق هذا الحانوت بنوره، ~~وكأني به قائم عند رأسي يقول: اصنع كيت، وافعل كيت، وأنا جالس كما أنا الآن أحدثه كما ~~أحدثك، ثم مشى تظلله السماء، وتحرسه عين ذكاء. # قال الهدهد: فدهشت مما سمعت، وودت لو كنت حاضرا في تلك الساعة، أرى الملك وأسمع حديثه، ~~وتحسر الغلام كذلك وسأل أستاذه قائلا: وأين كنت يا مولاي عندما تقدس هذا المكان ~~بالملك؟ # قال: كنت في إصباحك لم تغد بعد إلى العمل، فلم أشأ أن يخجلك أن تعلم أن ملك الملوك ~~سبقك إلى حانوت أنت فيه صبي تتعلم صناعة. # فخرس الغلام وتلون ألوانا من الخجل. # ثم قال الصائغ يخاطب الأستاذ: ليس العجب يا مولاي أن يسعى الملك إلى عبده، فإن دأبه الأخذ ~~بيد العاملين، فكيف بعباده المخلصين أمثالي؟ على أن كبار الملوك يتنكرون لأخذ الحكمة التي ~~لا تنفذ على الملوك حجابهم، وطلب الحقيقة التي لا تلج عليهم أبوابهم، كما يتنكر صغارهم ~~ليزدادوا من الصغائر؛ لكن العجب كل العجب أن يلفيني الملك قد ألغيت العمل بأمره الأول قبل ~~أن ينقضه، وعملت بما جاء من أجله قبل أن أعلم به، أمهلته ريثما تكلم وأشار وأمر، ثم كشفت ~~عن القلائد بين عينيه؛ فاستغرب الأمر وسأل عن السبب، فقلت له: القلائد يا مولاي للملكة ~~الصغرى، وهي بنت ملك آتيش الذي كان عزيزا فأذللته، ms23 وملكا فاستعملته ثم صاهرته، وأنت تحبها ~~وتفضلها في هوى القلب على سائر نسائك، ولحبل من مسد تجعله في جيدها أحب إليها من ~~قلائدك التي تذكرها فشل قومها وذل أبيها. # فسر الملك بما قلت له، وأقرني على ما أخذت به من العمل، وقال: خلق الغرور للملك، وقد ~~يبلغ بنا معشر الملوك حتى نسيء إلى أعز الناس علينا ونحن نحسب أننا نحسن إليه. # قال الهدهد: ثم ودع الأستاذ الصائغ وخرجنا وأنا أقضي العجب مما سمعت ورأيت ولا أستطيع مع الأستاذ ~~صبرا، فلما صار وحده قلت: حفظت أشياء وغاب عني شيء واحد يا مولاي. # قال: وما ذاك؟ # قلت: إنفاذ الملك إياك في أمر سبقت به كلمته للصائغ! # فتبسم ثم قال: هذا من تأديب رمسيس صحابته لكيلا يطغوا، يعلمنا أن له جسدا وقدمين ولسانا ~~وعينين، وأن بين غمر العامة ولفيف الخاصة ممن لا يحوزهم مجلسه من يليق أن يسعى الملوك إليه ~~ويأخذوا الحكمة عنه! # قلت: تظل تشوقني إليه، فهل أنى أن أراه أم لم يأن يا مولاي؟ # قال: لكل شيء ميقات، وليس هذا وقت رؤية الملك، فاصبر معي أو انقلب إلى عشك جاهلا ~~محروما! # فاستعنت الله على الأستاذ في نفسي، ولذت بالصبر في أمري. # وطفق يجوب بي الطرق، ويحول في الأزقة حتى خرجنا إلى بناء رفيع، فوق طريق وسيع، فقصد ~~الأستاذ قصده، فسألته: ما هذه الدار يا مولاي؟ ولمن؟ # قال: هذه يا بني شمس النهار، ومشرق الأنوار، ومهبط الحكمة والأسرار، ونقطة تلاقي العقول ~~الكبار، دار الأدب والفلسفة، أسسناها على مثال الدار الكبرى في طيبة، وكنا أربعة، فلم يمض ~~علينا عشرون عاما حتى نمت وربت، ونجحت ورقت، وأصبحت من تعدد الأساتذة وتكاثر الطلاب ~~وتهافت المستفيدين من الأجانب علماء وفلاسفة، بحيث تضارع أختها في طيبة، ويميزها أن ليس ~~للملك ولا لحكومته ولا للكهنة يد في التأسيس، ولا سبيل على التدريس، وأنها غراس الأفراد ~~وإحدى هممهم؛ فانظر إلى الكثير كيف يأتي من القليل! ومن ميمون أمر هذه الدار أن وزير ~~الخزانة السلطانية لما سمع بها وزارها وهي ms24 في أيامها الأولى ، كتب لها صكا بربع ثروته ~~الواسعة، تستوفي ذلك في حياته وبعد مماته؛ ثم مات وانتقلت روحه الكريمة إلى المغرب، # 1 # وكان قد أدخل ولديه فيها، فلا ورأس الملك يا بني، ما رأيت أنجب منهما، ولا أحب ~~للعلم، ولا أصبر على تحصيله، ولا أطلب للغايات فيه؛ إذا ذكر فتيان المملكة في مجلس صاحبها ~~سماهما وأثنى عليهما، وسمع ثناء الناس فيهما؛ فليت أباهما يرد إلى الحياة لينظر كيف تجزي ~~العناية المحسنين، وتجعل عماد بيوتهم من بعدهم البنين! # قلت: سعداء أنتم معشر الآباء، اتفق أربعة منكم ولن يتفق اثنان منا، وبذل أحدكم ربع ماله ~~في البر ولن ينفق أحدنا دخل عام واحد في صالح الأعمال، ونحن الذين قال بعضهم فينا: «اتفقوا ~~على أن لا يتفقوا.» # 2 # فأحفظت عبارتي الأستاذ، وقال: ما هذا السم في الدسم؟! ومن ذاك الذي يثبط الهمم؟! هذا ومثله ~~أيها الهدهد من الأوهام، وإنها لتخامر العقول فتعقلها، وتداخل النفوس فتقتلها. الأوهام داء ~~الأمم، ومنية الشعوب؛ إذا تمكنت من قوم كانت كالفاس في الأساس، وكالنار في الشعار، ~~وكالحبل في الخناق، وكالعلة في القلب، لا يخفق معها إلا إلى حين. ومن تبالغ نكد الدنيا على ~~الشرق الحاضر تبالغ هذا الداء فيه، حكوماته دواليب تدور بالأوهام، وبلدانه مملوءة ما بين ~~السماكين من الأوهام، وأممه تروح وتغدو حيث تجعلها الأوهام. نظر الواحد منهم في الأمور ~~عرضا وبعين غيره، وحكمه فيها عن الهوى، وانقياده في إيرادها وإصدارها بأزمة الأوهام. قال ~~لكم رجل قولا فوهمتم فمتم أحياء. ليس مع السلوة عيش، ولا مع القنوط عمل، ولا مع اليأس ~~حياة، وليس أجلب للشر والضر من الدعوة إلى الربوض، وتوهين العزائم، وإماتة القلوب، وإخراج ~~النفوس من الرجاء إلى اليأس الذي هو الموت في أشنع صوره وأقبح أحواله. # قلت: الأوهام يا مولاي داء الأمم منذ القدم، لم تخل منها أمة خالية، ولن تخلو منها أمة ~~آتية، فما بالك تلزمها فريقا دون فريق، وتنكرها على قوم ولا تنكرها على آخرين؟ # قال: خلق الإنسان من ضعف، فكان الوهم ms25 أول دين دان به، وأول حكومة دان لها، وأول شيطان ~~سكن إليه. كان على وجه الدهر يستقبل المجسمات ويتخذ منها آلهة يسجد لها، ولا يزال آخر الدهر ~~يتوجه إليها بالتأليه والتقديس والتنزيه، وإذا عبد الله كما تعبدونه أنتم والنصارى ~~واليهود، كان لله الشطر من تلك العبادة وللأوهام الشطر؛ فالمسيحي يبلي الحديد في كنيسة ~~القديس بطرس بروما استلاما وتقبيلا، كما يضع المسلم خده في عتب الأضرحة بالقاهرة تمسحا ~~وتأميلا وتعظيما وتبجيلا. وكان في شبيبة الدهر يؤله الجبابرة من البشر أمثاله، ~~ويحكمهم في عرضه ودمه وماله، ولا يزال معظم الخلق حتى الآن عبادا للملوك يأتونهم طائعين، ~~غرهم التاج، وخدعهم العرش، وغشهم الحجاب، وضللهم الاستبداد، فالسلطان في الأصل للوهم لا ~~للسلاطين، وحقيقة الطاعة له لا للمالكين. وكان الوهم أول شيطان سكن إليه الإنسان، تولد منه ~~يقينه، ونشأ عنه علمه، وجرت عليه أموره، وانبنى عليه حكمه، وتألف منه مألوف عاداته، يحس ~~به ويشعر، ويسمع به ويبصر، ويعجز به ويقدر، وبه يعيش وعليه يموت. خلت آلاف من السنين، وحافر ~~البغل في مصر حافر البغل فيها، يمسح في وهم بعض الناس من بعض العلل، ويشفي من بعض الأمراض. ~~ومضت مئات من القرون والميت في مصر يجنز آخر الدهر كما كان يجنز أوله، فلو رفع الصليب من ~~جنازة قبطية، وصين القرآن عن أن يرتله الهمل في جنازة مسلمة، لخيل لك أنها جنازة ميت منا ~~معشر القدماء؛ رسوم احتفال، وقربان، وأكل، وحثو تراب، وشق جيوب، وولولة نساء، وعويل عبيد ~~وإماء، وندب الميت ونعته بكيت وكيت؛ والأوهام يا بني كما قلت لا تخلو منها الأمم الكبيرة ~~والشعوب الحية، إلا أنها تقف حينئذ حيث العامة لا تجاوزها إلى الخاصة، إلا ما ندر؛ كما أنها ~~تتملك الأمم الصغيرة والشعوب المنحطة، فيكون للخاصة منها مثل حظ العامة، وهنا عظيم البلوى، ~~ومنتهى نكد الدنيا. أليس من الوهم القاتل للأنفس، المميت للقلوب، أن يصح في أذهان خاصة ~~المصريين من أمراء وعظماء، وأدباء وعلماء، أنهم أمة ليس فيهم فلاح، ولا يرجى في أمرهم ~~صلاح؛ وأن ms26 اتفاقهم سابع الجهات، ورابع المستحيلات ، وأن الوطن ميت وأنهم ميتون، وما أشبه ذلك ~~من الدعاوى الباطلة التي لا تنطبق على نواميس الوجود، ولا ترد إلى أحوال البشر وحوادث ~~التاريخ. الأمم يا بني لا تموت، ولئن بدت عليها دلائل الموت في أزمنة الاضمحلال فما تلك إلا ~~بؤسى تزول، وحال ستحول. الأمة تصح ثم تعتل ثم تصح؛ تتجدد من حيث تبلى، وتقوم من حيث تسقط، ~~وتصح بالعلل. هذه اليابان، هل كان في حسبان أحد أن تضم صوتها يوما ما إلى أصوات دول الغرب ~~في مسألة من أكبر مسائل العصر، وتطمع مع الممالك الطامعة، وتسير الجيوش في البر، وتخرج ~~الأساطيل في البحر، وقد كانت وأنت في زمن الدراسة لا يذكر اسمها إلا مقرونا باسم الصين، ~~عنوان الهمجية، ومثال التوحش، والمشبه به إذا ذكر التأخر والانحطاط. # 3 # وعرض على المسيو تييرس الوزير الفرنساوي المشهور، مشروع يراد به إنشاء ~~السكة الحديدية في فرنسا، فسخر منه علانية في المجلس، وعده ضربا من الهذيان، ثم لم يمض ~~نصف قرن على ذلك حتى أصبحت سكك الحديد في فرنسا تكاثر الأنعام. وقارن المؤرخ فولنيه - ~~الشهير بأسفاره الطويلة في الشرق وكتبه الجليلة عنه - بين القاهرة وباريز على عهده، فذهب ~~إلى أن عدد أهالي القريتين واحد، وأنهما كلتيهما تضاءان بالسرج وزيت الزيتون، ~~وتحصنان من الخارج بالأسوار، ومن الداخل بالأبواب، وأن الإنسان لا يخرج فيهما بعد ساعة ~~معلومة من الليل، إلى غير ذلك من شبه التأخر ومخايل الانحطاط. وفولنيه هذا قدم القاهرة في ~~أيام المماليك، # 4 # وكتب ما كتب عنها في القرن الثامن عشر، فانظر كيف تبدلت الأمور، وتحولت ~~الأحوال، وأصبحت باريز كما عهدت عروس عواصم الغرب، تعتاض كل يوم عن ضوء بضوء، وتبدل ~~حصونا بحصون، وتذهب مخترعات وتأتي مخترعات، وتخرج المدينة من أبوابها، وتمتد إلى ما وراء ~~أسوارها، من تكاثر الأعمال، وتزاحم العمال؛ على كثرة ما أصابها بعد فولنيه من مصائب الدهر ~~ونوائبه؛ فكم هول ثورة لاقت، ونار حرب ذاقت، وخراب إليه انساقت، وكم حكومة قلبت، ودولة ~~غيبت، وملك قتلت، وقيصر ms27 عزلت، كل ذلك في قرن ونصف قرن ، ثم كانت النتيجة خروجها من دجنة ~~هذه الحوادث سافرة زاهرة، عظيمة فاخرة، فلو أن أهلها دعوا إلى اليأس فلبوا، وقال لهم ~~عقلاؤهم موتوا أحياء فسمعوا، لكانت النتيجة بقاءها كما وصفها فولنيه أو أضيق حلقة أو أشد ~~انحطاطا. من هذا ومثله تعلم يا بني أن العلم والبيان خلقا ليكونا حرب الأوهام، ونورا ~~يخرج إليه الأمم من الظلمات، وأن حاملهما مطالب بالعمل والدعوة إلى العمل حتى النفس الأخير ~~من الحياة، فمن ثبط هممكم من علمائكم وعظمائكم، فالووا الوجوه عنه، وانفروا بالأسماع ~~عنه؛ ومن دعاكم إلى حياة فذلك داعي الخير، فاستمعوا له وأنصتوا. # قال الهدهد: فما استتم النسر حتى ملئت حياة وأملا وثقة من المستقبل الذي أعتقد أنه بيد الله، إذا ~~شاء صد عنه وإذا شاء أقام فيه. # وكان للأستاذ درس يلقيه على الطلبة، فأدرك أن الوقت سرق بعضه بعضا، وأن حديثه معي كان ~~السبب في ذلك، فغضب في نفسه، وهرول حتى دخل القاعة الكبرى، وهناك خف مئات الطلبة له ~~إجلالا، ثم انحنوا إكبارا؛ وكان ملل الانتظار تبدو دلائله على وجوههم، فتأملتهم وأنا لا ~~أصدق حسي فيما أنظر وأسمع، فإذا هم جميعا مرد أو كالمرد؛ لأن من عادتهم إزالة شعر الوجه ~~- كما قدمنا، وعليهم أردية صافية من الكتان الأبيض. # ثم تصدر الأستاذ للتدريس كأنه الملك على عرشه، فغلب علي السرور وقلت في نفسي: الآن نلت من ~~السعادة ما لم ينله أحد، لكني ما تأهبت للسماع حتى تثاءب النسر وغشيته السنة المعهودة، ~~فالتفت إلي يقول بلسان يعقده النعاس: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، وموعدنا غدا هذا ~~المكان. # فاستعذت بالله وخرجت من أحلامي، وإذا أنا في وكري بحلوان. # | المحادثة الخامسة # قال الهدهد: كان الغد، وجاء الأصيل، وآن الموعد، فأعملت جناحي أستقبل منفيس، فلما وصلتها قصدت دار ~~العلم والفلسفة فيها فدخلتها، فرأيت الطلبة يخرجون من الدرس، وكانوا يستعدون له بالأمس، وقد ~~أحاطت عصبة منهم بالنسر يماشونه ويلقون عليه الأسئلة شتى، ويأخذون من بحر علمه وروضة ~~بيانه، فأشرفت على حلقتهم ms28 أخطف السمع، فسمعت أحدهم يقول للأستاذ: ما هي الفضيلة يا مولاي؟ ~~قال: ترك الرذيلة. قال: وما الرذيلة؟ قال: هي جاران في دار: الجهل، والبطالة في ~~الشباب. # وسأله آخر: علمتنا يا مولاي أن الراحة والسعادة كلتيهما في العمل، فدلني على عمل ~~ألتمسهما فيه. قال: ابن من أنت؟ قال: ابن نجار في المدينة. قال: عليك بمنشار أبيك، فإن ~~فيه الراحة والسعادة. # وسأله ثالث: بماذا تشقى هذه البلاد وبماذا تسعد يا مولاي؟ قال: بالنيل والثور وبالمحراث. # وألقى عليه رابع هذا السؤال: من العالم يا مولاي ومن الحكيم ومن الطبيب؟ قال: العالم من لا ~~ينام، والحكيم من لا يطعم، والطبيب من لا يموت! قال: هذا هو المستحيل يا مولاي؛ فما تريد ~~بهذه المبالغة؟ قال: أردت أن العالم من علم بالنهار وتعلم بالليل، والحكيم من زهد في هذه الدنيا وقنع ~~منها بكسرة، والطبيب من ترك طبا يعيش به الناس بعد موته. # وسأله تلميذ آخر: ما هي الفلسفة يا مولاي؟ قال: هي احتقار الدنيا، ورحمة الناس. قال: وما ~~فضلها؟ قال: تحول دون الهوى والغضب، وكلا هذين مذلة. قال: وكيف تؤخذ يا مولاي؟ قال: توجد في ~~الطباع، ولا تؤخذ من الرقاع. # قال الهدهد: ثم أشار النسر إلى الطلبة أن ينفضوا من حوله، ففعلوا إلا اثنين من خاصة ~~تلاميذه، ظلا يماشيانه وأنا أطير حيث يسيرون، حتى أخذوا إلى المدينة، وعندئذ وقعت فصرت فوق ~~كتف الأستاذ، فلم يقف ولم يلتفت، لكن سمعته يقول لصاحبه: ما فاته درسي لا تفوته صحبتي، ومن ~~صحبني فليصبر معي، ليس للعلم وطن، ولا للحكمة دار، بل العاقل من له على كل أرض مدرسة، وعلى ~~كل طريق أستاذ، المدرسة تقيم العقل في طريق العلم ولا تتكفل بوصوله، كالمعبد يمد السريرة في ~~الاعتقاد ولا يتكفل لها بكشف الغطاء، فرب عابد من نفسه وصل، ومتعلم من نفسه حصل، عرفت صنوف ~~العلم فلم أر كالفلسفة يأخذها المرء من نفسه، ثم من حيث التفت فرأى، وكلما قيل له فسمع من ~~حديث المتكلم إن صدقا وإن كذبا، وصموت الصامت إن ms29 بكامة وإن بكما، ونعيم المنعم وبؤس ~~البئيس ، ومشية المستكبر، وهذيان المهوس، وعربدة السكران، ومن النمل في مشاغلها، والنحل في ~~معاملها، والذر في مستثاره، والبرق في مستطاره، والزهر إقباله وإدباره، والفلك ليله ~~ونهاره، والبحر مضطربه وقراره، ومن النفس إذا اعتلت وإذا صحت، وإذا طمعت وإذا قنعت، وإذا ~~رغبت وإذا تسلت، وإذا جشأت وإذا اطمأنت، وإذا شكرت وإذا جحدت، ومن الطباع إذا امتحنت، ~~والسرائر إذا بليت، والأهواء إذا اختبرت. مدارس لا يفرغ اللبيب منها، ودروس لا يصبر الحكيم ~~عنها. # قال الهدهد: ففهمت أن النسر يعتذر، وأنه ينهى عن الكلام ويأمر بالسكوت، فامتثلت ولم ~~أنبس. # ثم سرنا فمررنا في طريقنا على دار تشيد ويبالغ فيها ويوشك بنيانها أن يتم من زحمة الأيدي ~~عليه؛ وكان ربها عندها بين غلمانه وأعوانه، وكان الأستاذ يعرفه، فاقترب منه وحياه، فرد ~~التحية، فخاطبه النسر قائلا: لمن هذا القبر أيها السيد؟ # قال: هذا قصر يا مولاي لا قبر! # قال: وجدنا آباءنا يؤبدون القبور لا الدور؛ لأنها مواطن القرار، ومنازلنا جميعا معاشر ~~السفار، فعلام تظلم سنتهم، ولا تسير في الحكمة سيرتهم؟ # قال: إني واهبها للملك، ولا يوهب له إلا ما يليق به. # قال: إن الملك في غنوة عن مثلها، ولو كان ممن يطمحون إلى ما تملك أيدي الرعايا، أو يفرحون ~~بما يزلف لهم من ثمين الهدايا، لما ساد الأمم، ولا اعتز ولا احتكم؛ إنه ليجيء إليه من ~~أقاصي البلاد، ويدخل في خزائه من كرائم المال، ما لو جعل بعضه فوق بعض لطاول الجبال، وإنه ~~لأحرى بك أيها السيد، أن تهدم هذا الصرح من أساسه، ثم تجود على كل فقير في وادي النيل يتضور ~~جوعا بطوبة من أنقاضه، يشد بها على لحم بطنه لتخفف عنه من ألم الجوع. # ثم ودعه وسار، فما زلنا نذهب في المذاهب والنسر دليلنا، حتى انتهينا إلى دار حقيرة ~~البنيان، عندها صبيان يلعبان، فقصد الأستاذ قصدهما، ودعاهما إليه، وقبلهما فوق جبينهما، ثم ~~قال يخاطبهما وعيناه تفيضان من الدمع: كان أبوكما رجل صدق، وكان وفيا، فلتجزينه السماء ~~فيكما، ms30 ولتباركن فيكما لأمكما. ثم التفت إلى صاحبيه وقال: ألا أنبئكما من مالك هذا البيت ~~الزري؟ # قالا: بلى. # قال: ذاك الذي يبني قصرا ليهديه إلى الملك، وهو لا يسامح تلك الأرملة ولا هذين اليتيمين ~~في أجرة شهر واحد، فما أظلمه وما أظلم الملك يوم يقبل هديته، وما أظلم الحياة وما أظلم ~~الناس! # ثم ودعهما الأستاذ وانطلق يمشي ونحن نتبعه، حتى دخل في طريق ضيقة، فاندفع فيها حتى أتى ~~عليها، وكان في آخرها منزل، فوقف به ثم دق الباب، فخرج إليه رجل وقور، يدل تجعيد وجهه على ~~تقدم ميلاده، فحياه النسر، فرد التحية، فسأله: ما صنع الملك باليتيمين وأمهما؟ # قال: رأف بهم وأمر أن يجرى لهم رزق من الخزانة السلطانية. # قال: خيرا فعل، والخير سجية فيه؛ فعد إلى أهلك فقد اطمأن قلبي. # ثم تركه واستمر في مسيره، والفتيان يماشيانه، وقد سأله أحدهما: من الرجل يا مولاي؟ # قال: للملك جواسيس يتخذهم، لا على رعيته، ولا على صحابته، لكن على المتعففين من الفقراء، ~~وعلى الأرامل والأيتام، يدلونه عليهم لينظر في أمرهم، وهذا الرجل من أدلاء الملك على ~~الخير، ولا أجر له على ذلك غير رضى نفسه، وطلب الهدوء لها في رمسه. # هذا ما يفعله رمسيس، وملك الدنيا له، وأمر تدبيرها بيده، مباركا له في الآل والحال، ~~والرعية والسلطان، وليأتين يوم يتخذ الملوك جواسيس على الأرملة واليتيم، ليسلبوهما شبر ~~أرض، أو جدار منزل؛ فأولئك ملكهم في دمار، وتاريخهم في سجل من عار. # ثم عطف الأستاذ على حانة خمار فدخل، فتخلف الفتيان، فأبى إلا أن يتبعاه، وهناك جلسنا في ~~ناحية، وطلب النسر شيئا من الخمر له ولتلميذيه، وكان إزاءنا ثلاثة فتيان، ترى عليهم دلائل ~~النسب والحسب، وكأنما عرفوا الأستاذ، فاحتال أحدهم حتى تسلسل وانصرف، وتحول الثاني إلى ~~زاوية فانكمش فيها، ولبث الثالث كما وجدناه ثابتا لا يتحرك؛ فالتفت النسر إلى أحد الصاحبين ~~وسأله قائلا: أعرفت هؤلاء يا بني؟ # قال: هم يا مولاي بنو صديقك القائد فلان. # قال: هم بعينهم يترددون إلى هذا المكان، وقد علم والدهم ms31 بذلك، فتشبث بي أن أتداركهم ~~بالنصح والخمر في رقهم قبل أن يصبحوا في رقها؛ فكيف وجدتهم يا بني؟ # قال: أما الأول يا مولاي فيخجل من نفسه، وأما هذا المنكمش المستتر فيخجل من الناس، وأما ~~هذا الثالث المتهتك فلا يخجل من نفسه ولا من الناس! # قال: أصبت يا بني. ثم أقبل على رفيقه وسأله: وكيف رأيك فيهم أنت يا بني؟ # قال: أرى يا مولاي أن يوكل الأول لنفسه؛ لأنها سوف تزجره، وأن ينصح للثاني؛ لأن ~~المقالة تنجح فيه، وأن ينعى هذا الثالث إلى أبيه! # فضحك الأستاذ من جوابه، وحكم بصوابه؛ ثم التفت إلى ذلك الفتى المنكمش، وناداه: مالك يابن ~~الأخ لا تكون رابعنا؟ # قال: إن أذن مولاي فعلت. ثم خف إلينا فجلس معنا، فحياه الأستاذ ولاطفه، ثم خاطبه فقال: ما ~~أطيب الخمر يا بني! # قال: أطيب منها يا مولاي هذا الثناء عليها منك. # قال: كيف تجدها؟ # قال: فيها لطف، وهي محرقة. # قال: كذلك الشرارة: تجدها لطيفة المتقد، وقد تضرم نارا على بلد! # قال: وإنها لتدب خفية ضعيفة، ثم تتمكن ظاهرة قوية. # قال: وهكذا الداء! # قال: وإن الجسم ليستريح معها، وتخرج النفس بها من عالم الهموم إلى عالم موهوم. # قال: خير لشاربها إذن أن ينتحر؛ فالراحة كل الراحة في الموت! # قال: وإنها يا مولاي لعادة، والنفس بما اعتادت منقادة! # قال: الآن صرحت، فإن كان ولا بد فخذ منها لطربك، ولا تعطها من عقلك وأدبك، واتخذ منها صحة ~~ولا تتخذ منها مرضا، واشربها مع حكيم يقول لها قفي، وخذها في مجالس الكرام؛ فهناك أوائلها ~~طرب، وعواقبها أدب. # قال: ألنت يا مولاي فنجحت، ولو ألححت لما أفلحت، فلا يكونن إلا ما نصحت. # قال: بقيت يا بني في النفس حاجة: إن أباك أشفق من السفهاء أن يمدوك وأخويك في الغي، فسلطني ~~عليكم؛ فأما ذاك الذي استحيا فله نفس تزجره وهي حسبه، وأما أنت فقد رأيت من عقلك ما يطمئن ~~به قلبي، وأما هذا الذي يشربها جهرا، ويلحظ اللائمين فيها شزرا، فالحيلة فيه قليلة، ~~والنصيحة معه ms32 مستحيلة؛ فإذا لقيت أباك فتب من تلقاء نفسك إليه، واكفني شبهة المن عليه ~~بهداية ولديه. # قال: أمرت ممتثلا يا مولاي. فودعه الأستاذ ونهض وصاحباه على أثره. # قال الهدهد: فلما خرجنا من الحانة رأينا الناس يزدحمون على بابها، والتفت إلى النسر فرأيت الغيظ على ~~وجهه، وسمعته يقول لصاحبيه: ما أولع الناس بالناس، يشتغل أحدهم بشئون أخيه، وفي أيسر شأنه ما ~~يلهيه! علم الملأ أن بنتاءور دخل في هذه الحانة، فاجتمعوا ينظرون كيف خروجه، فلأستقبلن ~~جمعهم، ولأخطبن فيهم. ثم فعل فقال: أيها الناس، الماس فوق التراب ماس، والخزف خزف ولو حمل ~~على الراس؛ أما والآلهة في معابدهم، وآباء الملك في مراقدهم، لرب صادر عن هذا المنزل ~~أطهر من خارج من هيكل! أيها الناس، من زل منكم فليستتر، ومن رأى زلة فليستر، من علم على ~~أخيه فلينصح له همسا، وليرحمه في نفسه، وليدع له في صلاته. أيها الناس، ثلاثة تعرض ولا ~~يأمنها أحد أن تفاجئ: المرض، والمصيبة، والغواية؛ وما شكر أحدكم الآلهة على الخلاص منها ~~بأفضل من رحمة الواقعين فيها. رأيتم من السفاهة والمجانة أن يلج شيخ في هذه الحانة ~~فاجتمعتم، ولو عقلتم لما فعلتم؛ إن للعقل كما للقدم زلة، وإن للحليم كما للجاهل ضلة، وإن ~~النفس مع الهوى مائلة، والعاقل من إذا مال مع النفس اعتدل. أيها القوم، إن ملككم لكبير، وإن ~~عدوكم لكثير، أمركم نافذ في المشرق، وسيفكم في كل مفرق، وعداكم يسيرون، وحسادكم ~~يسعرون، فاستبقوا نفوسكم وهذبوها، وحافظوا على أبدانكم وربوها، وأعدوها ليوم تدعوكم الأوطان ~~لتقربوها، لا تعطوا الغواية أزمتكم فتسلب منكم ذكاءكم وهمتكم؛ دخل الرعاة بلادكم في شبيبة ~~الدهر، فأفسدوا فيها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكان آباؤكم على أخلاقهم القديمة، يأخذون ~~الفضيلة ويذرون الرذيلة، صحاح العقول، صحاح النفوس، صحاح الأبدان؛ فاستجمعوا في وقت السكون، ~~ثم وثبوا في وقت الوثوب، فاستردوا ملكهم بقوة؛ ويراد منكم أن تكونوا في الأمن في درع مضاعفة ~~من الفضيلة، لا تأمنون الدهر أن يأتي على عجل. يا حملة السلاح، لا تقتلكم في السلم الراح. ~~يا ms33 حملة العلم، لا تغلبكم الخمر على الحلم . يا معاشر الصناع، من كان الوقت رأسه ماله، ~~والصحة سبب رزقه، والكسب قوت عياله، فليهجر الخمرة فإنها مضيعة الوقت، مضرة الصحة، آفة ~~النشاط. # قال الهدهد: فبينما النسر يتكلم والجمع يسمعون، برز الخمار له بين رجلين من الشرطة كان استأجرهما، ~~فطلبا إلى الأستاذ أن يمسك عن الكلام، وألا يذم الخمر في بيتها، ولا يطعن عليها في وجهها؛ ~~ثم أبلغاه أن صاحب الحانة يدعوه إلى المحكمة في اليوم التالي ليطالبه أمام القضاة ببدل ما ~~ألم به من الضرر ولحق به من الخسارة، بسبب هذه الخطبة في هذا الموقف. فامتنع الأستاذ من ~~الكلام كما أشار، وأجاب بأنه سيوافي المحكمة في الغد، وهناك يكون له وللخمار شأن. # ثم مشينا نخترق الصفوف، وهي تتنحى للنسر وتنحني له في طريقه، حتى خرجنا من ذلك القسم من ~~المدينة، ودخلنا في قسم آخر؛ فقال الأستاذ لصاحبيه: غدا نتبارز أنا والخمر، ويحكم القضاة ~~بيني وبين التجر. # قال أحدهما: قد كان لك يا مولاي غنى عما أتيت، إنك ظلمت إنسانا من حيث هديت. # قال: إن الطرق مدارس العامة، ولا يعلمهم فيها إلا الخطباء، والرجل يظلم الناس ليل نهار، ~~ومن ظلم ظالما فما ظلم؛ إني لا أشفق من الخمر على الخاصة؛ فإن لهم عقولا تردهم أحيانا إلى ~~الاعتدال في أمرهم، وأشغالا من العيش وأسبابا من السعة تعينهم على الخمر وتقيهم كثيرا من ~~عواقبها؛ ولكني أشفق منها على العامة؛ فهي فيهم سلطان جائر، يفتك ولا يرحم، وشيطان ثائر، ~~يسكن الرءوس فيملؤها شرا، ويتملك النفوس فيملؤها خبائث، وإذا هلكت العامة في أمة فقد هلكت ~~الخاصة. # قال الهدهد: وبينما أنا مؤتنس بحديث النسر، أسمعه ولا أمله، وأتعظ بجميع ما يأتي ويذر، وإن لم يخاطبني ~~في هذه المرة ولم أخاطبه، إذ قطع الحديث كعادته وتثاءب، فعلمت أن الساعة أتت، ثم نظر إلي ~~وقال كلمته المألوفة: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، فالقني غدا في المحكمة، تسمع ~~وتره. # | المحادثة السادسة # قال الهدهد: فلما كان اليوم التالي، سئمت من النهار وطوله، ms34 ومن ينتظر يسأم، حتى إذا مال ميزانه واصلت ~~الآفاق ركبتها إلى منفيس، وأنا أنتظر أن يكون لتلك المحاكمة نبأ، وأرجو أن أقف على درجة ~~القضاء عند المصريين القدماء، لعلمي بأن العدل - كما قيل - أساس الملك، ولا عدل إلا حيث ~~القضاء يدور دولابه، ويولاه أربابه، وتوثق أسبابه؛ فهو مرآة الحكومات التي تتراءى فيها بما ~~هي عليه من استقامة أو عوج، وظلم أو عدل، وصلاح أو فساد، وارتقاء أو انحطاط؛ وأساس ~~الممالك، إذا سلم سلمت، وإذا تهدم انهدمت؛ وعنوان شعور الأمم وتعقلها، ودرجتها في ~~العرفان، ومبالغها من الفضيلة الإنسانية؛ لأن القوانين التي تضعها كل أمة وتتواصى بالخضوع ~~لها، ليست إلا مجموعة تاريخها وآدابها وأخلاقها وعاداتها، ولأن القائمين عليها بهذه ~~القوانين ليسوا إلا أفرادا من أبنائها، يبصرون بعينها، ويسمعون بآذانها، ويشعرون مثل ~~شعورها، ويجدون مثل وجدانها؛ فإذا زكوا زكا سائر الأمة، وإذا خبثوا خبثت الأمة ~~جمعاء. # قال: فلما احتوتني المدينة رأيت الزمر آخذين طريقا يتدفقون فيه، فقلت في نفسي: لعل الزحام ~~من أجل بنتاءور وقضيته، وطفقت أطير إلى حيث يسيرون، حتى تجمعت الجموع، أرى لديها هالة، ~~وعليها من العدل رونق وجلالة، فقلت في نفسي: دار القضاء لا محالة، ومرقت من فوري فصرت فيها، ~~أجول مع الجائلين في نواحيها، وهناك علمت أن هذا البناء الرفيع، مقر حاكم القسم، وأنه يجلس ~~فيه للقضاء بين الناس؛ فقد رأيت كثيرا من دور الحكومة في الأقاليم، وهي التي يجلس فيها عمد ~~البلاد وأعيانها وحكام القرى للفصل في المنازعات، فلم أر ما يحاكي رفعة هذه الدار. # فأجابه أحدهم: إن قسم الصناعة أكبر أقسام المدينة يا مولاي، فلا غرو أن تكون دار الحكومة ~~فيه بهذا العظم، لكن أيأذن لي مولاي إن سألته: ألم يأن لحكومة جلالة الملك أن تجعل القضاء ~~عملا مستقلا، ونظاما قائما بذاته، فلا يقضي بين الناس شيخ القرية، ولا حاكم القسم، ولا ~~قائد العسكر؟ # قال: وأي بأس بهؤلاء إذا انتدبوا للقضاء، وهم أشد الناس امتزاجا بالأهالي، وأعرفهم ~~بطباعهم وأحوالهم، وجلهم على معرفة واستقامة أخلاق، بل إن الأهالي ms35 كثيرا ما يفزعون ~~بمنازعاتهم إلى أفراد منهم اشتهروا بالعلم والخبرة ليفصلوا فيها، وهم يرتاحون لقضائهم، ~~ويقبلون أحكامهم، ويمتثلون الصارم منها كالجلد، وربما كانت هذه الأحكام أدنى إلى العدل ~~وأقرب للصواب مما يصدره قضاة تقيمهم الحكومة ولا تنتقيهم، ولقد رأيت الحكام في القرى إذا ~~تصدروا للقضاء جلس بجانبهم نفر من الكتاب والأعيان ليمدوهم بالرأي ويردوهم إلى الصواب ~~فيه. # قال الهدهد: فاستغربت هذه الأقوال، وعجبت للدهر كيف تشابه وجهه وآخره؛ فهذا قضاء العمد كان من ضمن ~~نظامات المصريين القدماء، وهو اليوم الشغل الشاغل والمسألة الكبرى في مصر؛ وهؤلاء ~~المحلفون كانوا يؤازرون القضاة على عهد الفراعنة، وهم اليوم من ضرورات القضاء في باريز ~~مركز الحضارة الحاضرة. # ثم التفت النسر حوله وقال لأصحابه: ما أجل هذا الموقف! # وهناك بصرت بالنسر في ناحية يحيط به جماعة من أصدقائه وتلاميذه، فاقتربت منه، فهبطت ~~مستقري من كتفه، فالتفت إلي مبتسما فقال: جعل هذا الموقف للفضيلة ينصرها فيه دعاتها، ~~كما جعل للجرائم يفتضح فيه جناتها، والمتمثلان فيه اثنان: جان تعلن براءته، وهذا يبكي عليه ~~من في الأرض، وبريء تعلن جنايته، وهذا يبكي عليه من في السماء، ومن لي أن أكون ~~الثاني! # فقال له أحدهم: قضاة منفيس يا مولاي قضاة عدل ودراية، فلا خوف على رفيع شرفك منهم. # قال: لا يضطرب إلا القاضي العادل، ولا يخطئ إلا القاضي العليم؛ ولو أن لبنتاءور أن يحاكم ~~نفسه بنفسه، لحار في شأنه مع الحمار فلم يدر أيقضي لنفسه أم عليها. # قال أحدهم: هبهم يا مولاي حكموا لصاحب الحانة بشيء من المال يأخذه منك عوضا لما لحق به ~~من الخسارة المزعومة، فما يكون شأن هذا الحكم؟ # قال: أكون قد أعطيت الفضيلة شيئا من مالي لا أستكثره عليها ولا أتبعه المن. # فسأله آخر: ما القضاء يا مولاي؟ # قال: محكمة ظاهرية ألجأ إليها فساد المحكمة الباطنية. # قال: فما العدل؟ # قال: شيء كان مع الإنسان الأول حين لم يكن له في الأرض شريك يزحمه، وكان لا يجد عليها من ~~يظلمه. # قال الهدهد: فبينما النسر وأصحابه في ms36 التحادث، إذ دعي المتقاضيان للمثول في موقف القضاء، فدخل الأستاذ ~~ونفر من الشهود له وعليه، وكان القضاة نحو سبعة، هم حاكم القسم ومعاونوه من كتاب الناحية ~~وأعيانها، وكان مترديا حلة للقضاء بيضاء ضافية محلاة الحواشي، تزهو بقلائد العقيان التي ~~كان الحكام يزينون بها صدورهم كلما جلسوا للحكم بين الناس، فلما صار النسر بين أيديهم قال ~~له الحاكم: أيها الأستاذ، إن لك بمقتضى مناصبك السامية في المملكة أن ترغب عن قضائنا إلى ~~قضاء جلالة الملك، كما لك أن تقبل منا، قضينا لك أم عليك، فانظر ماذا تؤثر؟ # قال: رضيت بقضائكم لأن مناصبي السامية في المملكة ليس من شأنها أن تميزني على خصمي هذا ~~في موقف يستوي فيه الخصوم، ويقتص فيه للحصى من النجوم، فاسمعوا له ولي، ثم اقضوا ما ~~أنتم قاضون. # قال: إنه يقول إنك أزريت به وبتجارته، وإنه لا بد له من بدل، ويطلب من المحكمة أن تحكم له ~~بمال يأخذه منك، وقد جاء بشهود من عنده للإثبات، فهل جئت بشهود من عندك للنفي؟ # قال: ليس لي شهود من عندي أيها القاضي، وما خطر لي قط على بال أن الشهادة تتجزأ؛ لأنه لا ~~فضيلة ولا عبادة، حيث يختلف اثنان في شهادة؛ وإني لأعجب لكم معشر الحكام كيف تقبلون من شاهد ~~أن يثبت ومن آخر أن ينفي، وأنتم تعلمون أن أحدهما كاذب، أو محرف للشهادة لا محالة، وقبول ~~الكذب إغراء به؟ إن الشاهد دعامة القضاء، إذا متنت متن، وإذا وهنت وهن، فقوموه ~~تقوموا به، ولو أن من الآلهة قضاة في الأرض، ومن الملائكة متقاضيين وفسد الشاهد لفسدوا ~~جميعا. الشاهد عنوان الأمة، فاجعلوا عنوانها الصدق والفضيلة، لا المين والرذيلة، إن ~~شاهدين يقول أحدهما رأيت نهارا فيقول الآخر رأيت ليلا، ويقول الأول سمعت ضحكا فيقول ~~الآخر سمعت بكاء، لمن حقهما أن يفصل بينهما قبل أن يفصل بين المتقاضين؛ فمن كذب منهما ~~يسلب السمع والأبصار، وينادى عليه في الناس بالفضيحة والعار. # قال الحاكم: إن مقام هذا المقال المدرسة لا المحكمة أيها الأستاذ، لا بد ms37 لنا أن نسمع ~~الشهود، فليخرجوا وليبق منهم واحد. # فخرجوا إلا واحدا، فطلب القاضي منه أن يؤدي اليمين القانونية، وهي عند المصريين القدماء: ~~«أقسم بحياة الملك، وبنعمة الآلهة ...» فأداها، ثم قص على المحكمة ما رأى وما سمع، وحدث ~~القضاة حديث الخطبة، وأعاد عليهم منها حتى فرغ من الشهادة فذهب لشأنه، وجيء بغيره فأداها، ~~ثم شهد ثالث ورابع وخامس، فرأيت الكل على خلق واحد من توخي الصدق والتوجه إلى الحقيقة ~~والإيجاز في العبارة، فغبطت قضاة الفراعنة بهم وبسائر الأمة، أمة الأخلاق، ورثيت في نفسي ~~لقضاتنا، علما بما يكابدون من جهل الشهود وروغانهم من الحقيقة، وخبطهم في المقالة، بما يخرج ~~القاضي أحيانا من سكينته، ويشتت خواطره، ويذهب بثمين وقته سدى. # ثم طلب القاضي من صاحب الحانة أن يشرح دعواه، فتقدم رجل أسمر اللون، صغير الهامة، رقيق ~~العنق، قبيح الوجه، فسأله الحاكم: من أنت؟ قال: فلان الكاتب يا مولاي، أنابني صاحب الحانة ~~عنه في تقرير شكواه، وشرح دعواه. # قال: إذن تكلم. # فأقسم الرجل ثم شرع يقول: دخل السيد الأستاذ بنتاءور، وصديق ملك العالم، حانتنا التي ~~بشارع الصناعة، يصحبه فتيان، فلبث ريثما شرب قدحا من نبيذ منفيس، ثم خرج فلم ندر به إلا ~~وقد وقف بباب الحانة فمنعه، واعترض للناس في طريقهم إليها فقطعه، وخطب في المارة بعد ذلك ~~فاستوقفهم، وجلب الزحام بعضه بعضا حتى خيل للرائي أن الحانة قتل فيها قتيل، أو حدث فيها ~~حادث جليل، وكانت الخمر موضوع خطبته، أولها وآخرها، فوصفها بأقبح الأوصاف، ونهى عن شربها، ~~وحذر من عواقبها، وذكر مضارها، وبين نصيب كل طبقة من طبقات الأمة منها، وطالت خطبته حتى ~~سمعها خلق كثير، ومن فاته أولها لم يفته آخرها. ويعلم القضاة من جهة أن تجارة الأهلين حرة ~~في بلاد جلالة الملك، وأن قوانين جلالته لا تحرم الخمر ولا تمنع من المتاجرة بها؛ ويعلمون ~~من جهة ثانية أن للخطابة مواقف لم يكن ذلك الموقف منها؛ فلو قال الأستاذ في الخمر ما قال ~~وهو في التعبد بالهيكل أو في التعليم بالمدرسة، لما ms38 وجد لائما ولا مؤاخذا؛ لكنه عمد ~~لشخص معين فأزرى به وبتجارته، بمرأى ومسمع من الكافة، ويعلمون كذلك أن ألاف الحانات بين ~~الناس هم العامة في الغالب، وهؤلاء يتأثرون بذكر اسم الأستاذ بنتاءور، فكيف إذا سمعوا ~~حديثه، وكان مداره ذم الخمر في بيتها، وتقبيح تجارتها بين أعين تجارها، ويعلمون أيضا أن ~~المارة في أي قسم من أقسام المدينة، إنما يكون معظمهم من أهله وسكانه، وحانتنا إنما جعلت ~~لأبناء تلك الناحية التي خطب الأستاذ عليها، فكل ضرر ينشأ عن خطبته إنما يلحق بالحانة خاصة ~~ويصيب صاحبها بالذات. # هذه شكوانا بسطناها للحاكم وأعوانه، آملين من عدالتهم أن يقدروا الخسارة التي سببها ~~الأستاذ لنا بخطبته، وأن يسوموه أداء العوض إلينا. # فحين فرغ الرجل من شرح الشكوى، لم يتمالك بنتاءور أن ضحك ثم قال: أيها القضاة، أعطوا ~~الخمار من مالي ما شئتم، ولا تعطوا هذا الأحمق منه فتيلا! # فسأله الحاكم: وأي علاقة بينكما وليس هو إلا محاميا عن صاحب الحانة؟ # قال: علمت أنهما اشترطا أن يكون له النصف مما تحكمون به علي، وأن الخمار عارضه في ذلك ~~بادئ بدء، فكان جوابه أن التجارتين سواء؛ فكما أن الخمار يسلب الناس أموالهم، كذلك المحامي ~~يشاطرهم أرزاقهم. # زعم الخصم أن قوانين جلالة الملك لا تحرم الخمر ولا تمنع من المتاجرة بها؛ ونحن نقول إنها ~~تبيح السم أيضا ولا تحظر الاتجار به، ما دام من العقاقير، وكلما أخذ بمقادير. # على أننا لم نحرم الخمر ولم ننه عنها، وكيف وقد شربنا منها قدحا باعتراف الخصم؛ لكن ~~دعونا الناس إلى الاعتدال في أمرهم وأخذ القليل منها إذا لم يكن من شربها بد؛ فمثلنا ~~كمن يقول لهم وهو على باب صيدلية لا حانة: يا أيها الناس، لا تأخذوا السم إلا بمقدار! فهل ~~علينا إن قلنا هذا من حرج؟ شتان بين النوعين من السم، هذا يأخذه المرء وهو يعافه، وهذا ~~يتناوله وهو يلذه؛ هذا يتجرعه وهو يدري، وهذا يتعاطاه وهو لا يدري؛ هذا إذا أخذ قليله ~~نفع، وإذا أخذ كثيره أراح، وهذا صحة ms39 تزول، وشعور يعتوره ذبول، وعلة تطول، وميتة عذابها ~~يهول. # وزعم الخصم أن للخطابة مواقف لم يكن ذلك الموقف منها؛ ونحن نقول إن الموقف لم يكن أصلح ~~منه للخطابة؛ لأن مدمن الخمر لا يرثى له إلا في الحانة، كما أن الميت لا يؤبن إلا في ~~القبر. # وزعم الخصم أن خطبتنا من شأنها أن تؤثر في العامة الذين هم المشاءون إلى الحانات، وهذا ~~ما كنا نبغي، فإنا نلتقي بالخاصة في المجالس، ونكتب لهم ما تصل إليه أيديهم وأفهامهم، لكن ~~لا يجمعنا والعامة إلا الطريق، ونصحهم دين علينا أينما لقيناهم. # وزعم الخصم أن البلاء مقصور على حانته؛ لأنها إنما جعلت لأبناء الناحية التي حاربنا فيها ~~الخمر، فأصبح ينتظر من سكانها أن يولوا الوجوه عنها؛ وهذا يسوءنا بقدر ما يحزن صاحب الحانة؛ ~~فقد وددنا لو عم النفع بقدر ما خص الضر. # أيها القضاة، لا تحكموا للخمار فتحكموا على الفضيلة، ولا تقضوا له فتقضوا على التجارة ~~الشريفة؛ لأن التاجر بالخمر قاسي القلب لا يرحم صرعاه، غدار لا يشيع جنازة قتلاه، غشاش لا ~~يقف في الغش عند حد، شره لا يقصر في الكسب عند غاية، فإذا لم يكن منك رقيب عليه، ولم يضرب ~~القضاء على يديه، عظم شره، وعم ضره، وتشبه به الكثيرون من أهل الكسل والشره! # ثم نطق القاضي بهذا الحكم: نحن حاكم قسم الصناعة، من أسباب حكمنا الذي نصدره باسم جلالة الملك، مقتبسين من أنوار عدله ~~المشرقة على العالم، أن النيات موازين الأعمال، لا غنى للقضاء عن تقديرها والتأمل فيها ~~والوقوف حيث هي من صلاح أو فساد في الحكم على صلاح الأعمال أو فسادها؛ ونية الأستاذ بنتاءور ~~يوم خطب في شارع الصناعة، كانت معقودة على أن ينفع الناس ولا يضر بصاحب الحانة، وأيضا إن ~~الفضيلة هي روح الشرائع التي يحكم بها جلالة الملك رعاياه، فلا ينبغي لها أن تنصر عليها ~~الرذيلة في حال من الأحوال؛ والأستاذ بنتاءور إنما نهى عن الإكثار من الخمر وإدمانها الذي ~~هو رأس الرذائل، ونرى كذلك أن الأستاذ بنتاءور هو ms40 من كبار أساتذة الأمة وأهل الإرشاد فيها ، ~~وهذه الوظيفة العالية يؤديها أمثاله الحكماء في كل زمان ومكان، أينما وجدوا وكيفما ارتأوا، ~~وكل تعرض لهم فيها تعرض للفضيلة، وبناء على ذلك حكمنا ببطلان دعوى الخمار، وأن يدفع إلى ~~الأستاذ بنتاءور عشرين قطعة من الذهب؛ لأنه سلبه بعض وقته الثمين، وأخره عن أشغاله النافعة ~~في دعوى لم يكن من شأنها أن ترفع إلى القضاء؛ ولهذا السبب نفسه حكمنا على الكاتب فلان ~~المحامي عن الخمار بخمسين جلدة يجلدها في صحن دار الحكومة هذه بمشهد من الناس، عقوبة له ~~على غشه صاحبه، ولكيلا يجترئ أمثاله الكتاب على أخذ أموال الناس بغير الحق. # قال الهدهد: ثم تثاءب النسر تثاؤبه المعهود، وفاه بكلمته المألوفة: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين. ~~وأمرني أن ألقاه غد ذلك اليوم في دار الأمير «أوني». # | المحادثة السابعة # قال الهدهد: فلما كان أصيل الغد، خرجت إلى الموعد كالعادة، وقد عيل صبري لبخل النسر علي بالكلام، ~~وخبطه في ضرب المواعيد، فدخلت منفيس ضالا حيران لا أهتدي السبيل، ولا أجد من دليل، فجعلت ~~أمر بالدور العالية، وأطيف بالقصور الشاهقة، لعلي أجد ريح النسر على ذلك القصر، حتى أتعبني ~~طلابه، وأغضبني احتجابه، وبغض إلي اصطحابه فعمدت لشباك مفتوح في طبقة من دار فدخلتها ~~منه، وقررت في رف هناك، ثم نظرت تحتي فرأيت غلمانا بضعة منتثرين في المكان، متقابلين على ~~الأرض فيه، وقد جلسوا أرضا، وأقبلوا برءوسهم على ركبهم، وبين أيديهم شيء كثير من ورق ~~البردي وسائر أدوات الكتابة وهم في العمل، وكان الصدر لرجل يؤخذ من سنه وهيئته واتخاذه منصة ~~للجلوس وأخرى للأوراق، أنه رئيس هذه العصبة، والمسيطر على هؤلاء الكتبة، فخيل إلي عندما ~~رأيتهم على هذا الحال أنني في بعض الدوائر المصرية القديمة، حيث الباشكاتب يتصدر والعمال ~~بجانبيه يعرضون عليه الحرف والسطر والصحيفة. # قال: وكان دوني غلامان متدانيان في الجلوس، وكانا يتحادثان همسا، فاسترقت السمع فسمعت أحدهما ~~يقول للآخر: نحن نكتب غير مأجورين ونتعب، وهذا الرئيس يأخذ المرتب! # فأجابه الثاني: وليته يتركنا وشأننا وما نحن ms41 فيه من حال تحني الظهور وتدمي الركب وتقرح ~~الجفون؛ فقد شكاني من أيام إلى والدي، وزعم أني بطيء الفهم، ثقيل الحركة! # قال: وهل صدقه أبوك؟ # قال: تردد، ثم نقل الحديث إلى أمي فلم تصدقه، وحلفت بنعمة الآلهة أنني أحضر ذهنا وأصح ~~فهما منه ومن أولاده الثلاثة! # قال: إنه صديق لأبيك ولوالدي، ولولا هذه الصداقة لما اتخذنا تلميذين له، فليتها لم تكن ~~ولم ندخل هذا القبر على قيد الحياة! # قال: لكن الناس إجماع على أن هذه الصناعة التي يمارسها هي سلم الارتقاء في خدمة الأمراء ~~والأغنياء، وأن كثيرا من الكتبة وصلوا فيها إلى الجاه العظيم، وحصلوا معها على المال ~~الجسيم؛ وقد حدثني أبي - وأنت تعرف مكانته في العلم والفضل - أنه رغب في الاتصال بالأمير ~~«أوني» أحد أنجال الملك، وكان في ديوان حجابه عمل يحتاج إلى عامل، فطلبه أبي بسفارة صديقه ~~هذا الذي سئمنا من رؤيته، وهو كما تعلم المأمور المتصرف في ديوان أمواله، فعرض اسمه على ~~الأمير في جملة ما عرض من الأسماء، فلم يقع اختياره إلا على واحد من الكتبة، لكن أبي لا ~~يبرئ هذا الشيطان، ويتهمه بكونه يظهر ما لا يبطن، كدأب جماعة الكتبة المتفقين على أن يأخذ ~~بعضهم بيد بعض في الأمر كله، وهذا هو سبب قوتهم وسر نجاحهم! # قال الهدهد: فعجبت لمصر أم العجائب، كيف صبرت آلافا من السنين على حال واحد مع هؤلاء الكتبة، فكانوا ~~على عهد الفراعنة هم أنفسهم وقت دخول العرب، إلى زمن المماليك، إلى أيام محمد علي، إلى حكم ~~إسماعيل، إلى عصر الاحتلال، وفيه ظهرت الشهادة الابتدائية، وأختها الثانوية، فمات بها الجهل ~~وماتت الكتابة القديمة، لكن هلك كثير من طلبة الرزق في الحكومة بين طلبة العلم عن غير ~~شهادة! وحرت في نفسي فلم أدر أأبكي ذلك اليسر مع الجهل، أم أبكي من هذا العسر مع العقل، ~~وكنت قد استبشرت عندما سمعت اسم الأمير أوني، وعرفت من حديث الغلامين أن الديوان له، وهؤلاء ~~الكتبة أتباع له، وأملت أني أستدل على القصر بأحدهم، فتحقق أملي ms42 على الفور، إذ لم يلبث ~~الرئيس أن نهض، فالتفت إلى من يليه من الغلمان وأخبره أنه ذاهب إلى القصر لمقابلة الأمير في ~~بعض الشئون، ثم خرج من الباب فسبقته من النافذة وأنا أستغرب هذا الاتفاق، وأتعجب من ~~المصادفات كيف تنساق! فما زال في سيره وأنا في أثره، حتى احتوانا طريق ضيق، جمعتني العناية ~~فيه بالنسر، وكان يمشي متمهلا كثير التلفت، فلم أتمالك عن الوقوع على كتفه؛ فلما صرت في ~~عشي المألوف منه، التفت مبتسما مسرورا، وقال: لقد خفنا على الهدهد الضلال! # قلت: ما زلت يا مولاي تضله، وما برحت العناية تدله! # ثم حدثته حديثي وما وعيت من محاورة الغلامين، فاستضحك ثم قال: انظر كيف يستفيد الغريب من ~~الضلال أضعاف الفائدة من الاستدلال! # قلت: لقد أوشكت يا مولاي أن أضل حلما فيكم وفي شئونكم الغريبة، وأحوالكم العجيبة؛ لأنكم ~~تهزلون وتجدون، وتصغرون وتعظمون، وتجهلون وتعقلون، كيف يكون مثل ذلك الكاتب على ديوان أموال ~~الأمير وفي المملكة من يصلح لهذا العمل، وأمثاله من طلبة العلم بين شبان البلاد ~~الأكفاء؟ # قال: وأي كبير لا يصغر أحيانا يا بني؟ إن للأمة الكبيرة - كما للفرد الكبير - زلات ~~وجهالات، تدل على الكمال الكامل للآلهة وحدهم، فإذا دخلت على قوم ديارهم فلا تحكم على ~~أشيائهم متفرقة، واحكم عليها مجتمعة. # ثم أفضى بنا المسير إلى ميدان وسيع، فيه قصر رفيع، فمشى النسر نحوه، فسألته: لعلها دار ~~الأمير يا مولاي؟ # قال: نعم، وليس ما ترى إلا قصرا من نحو مائة قصر، يحيط بها سور واحد، ويأوي إليها الملك ~~ونساؤه وأولاده وأرباب خدمته، كل بقدر درجته في القرابة، وحسب منزلته في الصحبة وموقفه في ~~الخدمة. # قال الهدهد: فاستغربت الأمر وقلت للنسر: ما ترك الأول للآخر يا مولاي؛ فليست يلدز بالشيء الذي يذكر ~~في جنب هذه الأبنية الفرعونية، والمساكن الرمسيسية؟ # قال: ألم أحرمك أن تقيس، وأن تذكر أحد الملوك برمسيس؟ # قلت: لا أعود لها يا مولاي. # ثم دخلنا القصر، فجعلنا نلج بابا ونستقبل آخر، ونخرج من ساحة وندخل في ساحة، ونطوي ~~دهليزا ms43 إلى دهليز، بين حراس جملة، وجند عدة ، وخدام لا تنقضي لهم جيئة ولا ذهاب، حتى ضمتنا ~~حديقة من أبدع ما غرست الراحات، وأكرم ما أخرجت الأرض من النبات؛ فاجتزناها إلى قصر له ~~بهو يتمشى فيه الأمير الشاب بين اثنين من الأصحاب، فحين وقع نظره على الأستاذ، تهلل ~~واهتز، وانثنى إلى ما وراء البهو ليستقبلنا، وسار الغلمان بين يدي النسر حتى أدخلوه على ~~الأمير، فالتقاه أحسن التقاء، وأعلى محله، وأجلسه بجانبه، وأومأ إلى صاحبيه فجلسا دونه في ~~الحضرة، ثم خاطبه والابتسام ملء فمه، فقال: لعل هذا هو الهدهد السحري الذي لا يفارق الأستاذ ~~في هذه الأيام؟ # قال: هو بعينه، فمن حدثك حديثه يا مولاي؟ # قال: قداسة هوروس (من ألقاب الفراعنة). # قال: أوبلغ حديث الهدهد إلى الباب العالي (من ألقاب الفراعنة)؟ # قال: وهل تخفى على جلالته خافية في الأرض أو في السماء، وهو المضطلع وحده بالملك في ~~الأولى، وشريك الآلهة في ملك الثانية؟ # قال: كذاك هو يا مولاي، لكنه لم يسألني عن أمر هذا الصاحب الجديد! # قال: لعل شاغلا شغله. # قال: هذا الهدهد يا مولاي خلق لمجالس الملوك والأمراء؛ لأنه أصم لا يملك السمع، أخرس لا ~~يملك الخطاب، اللهم إلا أن يتنزل فيه من روح الملك يوم يعرض عليه فينطق بما يدهش السامعين، ~~ولا يدهش ذا القصرين (من ألقاب الفراعنة)؛ لأن سره إذا حل في نبات مشى، أو في طير نطق، فلا ~~يجدن مولاي من بأس في تشرفه الآن بالحضرة؛ لأنه يكتم الأخبار، ولا يذيع الأسرار. # قال: الكريم يصحب الكريم أيها الأستاذ، ولو حملت معك الببغاء، وهي الناقلة الواشية من بين ~~الطير، لائتمناها كما نأتمنك، والآن لعلك تدعوني إلى الدرس؟ # قال: إن أذنت يا مولاي! # فتبسم الأمير ثم قال: ألا تراني كبرت عن الدرس أيها الأستاذ؟ # قال: ما علم على بشر أنه كبر عن التعلم يا مولاي، ولو سألت جلالة الملك وهو الموحي إلى ~~من في الأرض، الموحى إليه من السماء، لأجاب أن الكمال ميسور بلوغه إلا في العلم. # قال: فما باله ms44 أعفى كثيرا من إخوتي الأصغرين سنا من الدروس؟ # قال: وما يدريك أنه يستنجيك ويرجو أن يستثمر غرس عنايته بك؛ فقد سمعته في بعض الأيام يقول ~~لمن حوله: إن «أوني» لعلى بيان، وإن البيان لخير مظاهر الملوك والأمراء، يسترق لهم الخواطر، ~~ويسعى لهم بالقلوب. # قال: لو أنهم يختصرون معي من الدروس، فلا يكلفونني منها ما يمجه ذوقي وتأباه طباعي، مثل ~~الرماية، وركوب الخيل ومطاردة السباع في الصحاري والقفار، لأقبلت على سائرها إقبال الحيارى ~~المستفهمين على الهياكل ينتظرون جواب الآلهة في معضلات المسائل. # قال: من الناس يا مولاي من تلجئه منزلته في هذا العالم إلى ممارسة ما يكره، وركوب ما لا ~~يود، وأنت ابن الملك، وناهيك بها من نسبة يتلاقى فيها أبوك والشمس، وإنها لتجعلك حيث لا ~~يكون سائر الناس، فأنت ممن معك بين أصحاب موالين، لا تأمنهم أن ينقلبوا أعداء مقاتلين، بل ~~أنت من قصرك هذا في شبه حصن تحرسه الآن مهابتك، ولا يحميه عند الكريهة إلا ثباتك وشجاعتك، ~~وإذا خرج فتيان المملكة إلى قتال المتوحشة بني الخراب (كنية الأمم الخارجين من حكم ~~الفراعنة) ومنعهم من الغارة على البلاد، نصرة للآلهة ومواطنهم المقدسة، خرجت أنت ناصرا ~~للآلهة، ذائدا عن ملك أبيك المؤيد بالشمس؛ فأنت إذن من جنود الصف الأول الذين لا غنى لهم ~~عن قلوب تقسيها ملاقاة الأسود، وجسوم ينشطها ركوب الخيل، وأحداق تحددها مزاولة الرماية، ~~وسواعد يقويها الضراب بالسيوف. # واعلم يا مولاي أن هذه الدنيا لمن غلب، وأن الغلبة فيها للقوة، وأن الأمم لا تحفظ ~~الاستقلال موجودا، ولا تسترده مفقودا، إلا بالقوة؛ فيتعين إذن على كل إنسان يحب بلاده محبة ~~حقيقية، ويريد بقاءها ممتنعة الجوانب، عزيزة المنال على الأجانب، أن يثبت نفسه بالفضيلة، ~~ويقوي بدنه بقدر الإمكان، ويتعلم فنون الحرب في السلم، وأن يشيب على ذلك، ويسوم أولاده أن ~~يشبوا على مثله، حتى إذا دهم البلاد يوم عصيب، استدفعته بشبان من أبنائها وشيب. # إن الأسد إذا أقعده الهرم ناشته الذئاب كإحدى الرمم، وإن الباز إذا خفضت رأسه الدهور توثب ~~على ms45 منسره العصفور، وهكذا الأمة لا تغني عنها الفضائل جمة، إذا هي لم تجعل الشجاعة رأسها، ~~ولم تستحضر في الحرب والسلم قوتها وبأسها. نشأ أبوك الملك يا مولاي ونشأنا معه، نحن رفاق ~~صباه، في التخشن والتقشف، وأنواع الرياضة البدنية، من صيد ومطاردة، وقتال صوري، ولم يكن ~~جدك الملك سيتي يقدمه على أحدنا في المعاملة، أو يفرق بين أحد منا في المجاملة، بالرغم من ~~مختلف الأنساب، ومتفاوت الأحساب؛ فلم يبلغ الواحد منا الخامسة عشرة من عمره، إلا وهو كالشبل ~~النوبي لا يقر له قرار في الفيافي والقفار، وقد أوتي والدك الملك وهو يحبو إلى العشرين، ~~فاحتكم بكف كمخلب الأسد، وقلب كقلبه أو أشد، وكنا نحن المرشحين لمشاركته في سياسة الأمور، ~~وأعوانه الطبيعين على مداورة الشئون؛ فوجد عندنا سواعد قوية الباس، وعزائم شديدة المراس، ~~وعقولا صحيحة سليمة في جسوم قوية قويمة؛ ولا أكتمك يا مولاي أني كنت كثير الشكوى مثلك، ~~أضيق ذرعا بتلك النقل، وأتعب بتلك المشاق، وأشتهي جلسة على شاطئ النيل في ساعة الغروب لكي ~~آخذ من محاسن الأكوان وأسرارها، وأشهد معترك ظلماتها وأنوارها، وأنظر إلى الماء إذا قعد، ~~وإلى النبات إذا سجد، وإلى الطير إذا هجد؛ وأسمع ذلك الخرير، تتاليه بأصواتها النواعير، ~~وقد انفتح للكائنات هيكل من خاطري فجمعها، فهي تمجد الآلهة فيه وأنا أمجدهم معها، إلا أن ~~والدتي كانت تقص علي قصص الوحوش من الشعوب الذين أغاروا على مصر في الزمن الأول، وتمثلهم ~~لي في أفظع الصور، وتصفهم بأقبح الأوصاف، فبينما هم الذئاب العارية، إذا هم الأسود الضارية، ~~إذا هم الشياطين العاصية، فروا من الحامية، وردوا إلى الدنيا ثانية؛ وكانت تقول إنهم لا ~~يفرون إلا من السلاح، ولا يعصم منهم إلا السواعد العبلة الصحاح، فكنت إذا سمعت ذلك منها ~~قصرت الشكوى، وصبرت على البلوى، حتى تمت لجسمي التربية، فانقطعت لتهذيب نفسي. # قال الأمير: ومن لي أيها الأستاذ بأم كالتي ذكرت؟ إن والدتي أول العاذلات لي على ما أنا ~~فيه من إجهاد نفسي، وإتعاب جسمي، وهي تزعم أنه ما دام الملك ms46 من بعد أبي سيصير لأخي الأكبر، ~~فلا حاجة بي إلى مثل هذا الكد والكدح. # قال: ويح الأمهات! طالما جنين فمهدت الرحمة عذرهن. أنت يا مولاي إن لم تكن وارث الملك ~~فإنك وارث الملك، وهو على فضائل لا بد لك أن تكون عليها؛ لأن المسئولية في هذا العالم ~~بقدر منزلة الإنسان فيه، ومن أرفع منزلة من ابن رمسيس؟! على أن محبة أخيك لك، وثقته فيك يوم ~~ينتقل إليه الملك، تكونان بقدر قسطك من المزايا، ونصيبك من الفضائل، فإن كانا موفورين وكان ~~أخوك برا بك مقبلا عليك، كنت ساعده في الملك، ومساعده في الحكم، فإن فاتك منه هذا لم ~~يفتك إجماع الناس على تعظيم نسبك، وتكريم حسبك. # قال: أتظن أيها الأستاذ أن يخرج منا معشر أبناء رمسيس ونحن خمسون أو نزيد، من يشبه أباه، ~~ويخطو في سبل الفخار خطاه؟ # قال: مثل هذا السؤال يا مولاي يلقيه أبناء الملوك ولا يبالون، لكن الحرج كل الحرج على من ~~يسألون. # قال: نحن الآن صديقان نتحادث ولا نختلف. # قال: إنني أرجو أن تكونوا من بعده كماء الورد بعد الورد، يحفظ منه شيئا، ومعذور أن ~~تفوته أشياء، إن السعادة يا مولاي لم تكمل لملك كما كملت لأبيك في حياته، فهل نكلفها أن ~~تبقى عليه بعد مماته؟ ولئن صح ما اعتقد من أن الإنسان قد يحيا في نسله، وينبعث في فرعه كما ~~يبعث من أصله، فربما حيي لدى أحدكم ما يموت من فضله، لكن من لكم يومئذ بالملك الجسيم يظهر ~~ذلك الفضل للعباد، وبالحظ العظيم ينشره في البلاد؟ # قال: صدقت أيها الأستاذ، فهل تدلني على ركن من السعادة ألوذ إليه فأسلو ما لا يدرك من ~~محاكاة أبي في بلوغ السعادة الكاملة؟ # قال: عليك بالشهرة يا بني، فإنها محسودة الملوك والأمراء، وأفضل ما تنال بالعلم، وأثبت ~~ما تكون به، فاطلبه وجالس أصحابه، واجهد وسعك أن يقال عنك ابن نفسه ثم ابن رمسيس؛ فهذه هي ~~اللذة الحقيقية، والسعادة التي لا يعدلها في هذا العالم إلا الصحة، أبقتها الآلهة ~~عليك. # قال ms47 الهدهد: وبينما أنا أنتظر أن يدعو الأمير إلى الدرس ويأخذ في إلقائه عليه، إذا هو قد تثاءب ~~كعادته، ثم التفت إلي مملوء الجفنين من النعاس فقال: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، فالقني ~~أصيل الغد على باب القصر. فانتبهت من حلمي، فإذا أنا في عشي بحلوان. # | المحادثة الثامنة # حدثنا الهدهد المسحور، الدخيل في الطيور، كحال ذلك الناطق في النسور، السابق في المنظوم ~~والمنثور، وما هو إلا بنتاءور، شاعر القدم المشهور، الخالد ذكره مع الدهور، أنشر ~~شيطانه، وبعث بيانه، وأرجع للناس زمانه، قال: لما كان الغد وأزف الأصيل، خرجت إلى «منف» ~~المنبعثة بقوة الخيال، المتمثلة كما كانت في العصر الخال، إذ المالك رمسيس المعظم ذو ~~الجلال، وإذ الملك في ذروة السعد وأوج الكمال؛ فبلغتها وأنا حيران لا أدري على أي أبواب ~~القصر ألقى النسر؛ لأنها متفرقة كثر، وقد تقدم القول بأن الدار الفرعونية تكاد تكون ثلث ~~المدينة من التناهي في السعة وكثرة المشتملات وتمدد الأطراف؛ لكل زوجة فيها أخبية منصوصة، ~~وأفنية بها مخصوصة، وما أكثر الزوجات! ولكل ولد غرف منفصلة، ومقاصير منعزلة؛ والملك كثير ~~البنين والبنات؛ ولا تسل عن الحاشية وكثرتهم، وما يلزم لهم من مساكن تختلف باختلاف منازلهم ~~في القصر، وتتفاوت بتفاوت مواقفهم في الخدمة، وفي الدار منهم آلاف يؤدون الخدم المتنوعة، ~~ويمارسون الصناعات المختلفة؛ وبالجملة فالقصر السلطاني من امتداد البنيان، وسعة الجوانب ~~والأركان، بحيث لا تحصى أبوابه ولا يغني أحدها عن سائرها؛ فحين انتهيت إليه، ولجته من ~~الباب الذي دخلناه بالأمس، وحينئذ ذكرت أن الساعة ساعة الدرس، وأني ربما لقيت الأستاذ في ~~مقر الأمير «أوني»، فاحتلت حتى دخلت على الأمير في غرفة جلوسه، فلا والله ما عللت النفس ~~بكذاب، ولا أوردتها السراب، بل إذا أنا بالأمير وجمع من إخوته وكبار الأتباع، قد داروا ~~كالحلقة بالنسر، وهو في بهرتها يتلطف لهم في التعليم، ويخلط المفاكهة والتدريس، فوثبت إلى ~~رفرف هناك فحططت فوقه، وأنا مسرور بما وجدت، قرير بما شهدت؛ ثم ألقيت السمع فسمعت الأستاذ ~~يقول: والذي يميز علماء هذه الأمة على ms48 غيرهم، ويجري بهم إلى الغايات، ويكفل لهم السبق، ~~ويجعلهم أساتذة وقتهم، ومصابيح عصرهم، أنهم يطلبون العلم لذاته، ثم لأنفسهم، ثم للأحادث من ~~بعدهم؛ وهذه الثلاثة ما قامت بنفس طالب علم ورزق الحجا والذكاء وفسحة الأجل، إلا نبغ في ~~حياته، ثم جاوز ذلك إلى رتبة الخلود بالذكر بعد مماته، فيا أيها الأمراء ومن يلوذ بهم من ~~الخواص والكبراء، من أحب منكم العلم حبا صادقا، وطلبه لذاته، فليأخذه مني، ومن حضر ~~منكم مجلسي هذا وهو فارغ الفؤاد من حب العلم، عين ساهية، وأذن لاهية، وجسم في ناحية وقلب ~~في ناحية، فليأخذ العلم من غيري! # قال الهدهد: فرأيت، وما أعجب ما رأيت! رأيت أكثر الحضور انسلوا من المجلس، فدهشت لهذا الصدق، ~~واستغربت من القوم هذا الرجوع في الضمير إلى الحق، وذكرت مجالس من هذا القبيل يعقدها بعض ~~الكبراء في مصر، تظاهرا بمحبة العلم، ويتصدر فيها للتدريس عباد الشهرة من العلماء، ~~ويحضرها البعض رياء وتمليقا. # ثم استمر النسر فقال: محب العلم يطلبه لذاته، وهذا أول التوفيق في طريق التحصيل، وسبب النجاح الأوثق؛ لأن ~~النفس حيث رضاها، وحيث يجعلها هواها؛ ومن رضيت نفسه بالعلم قسما من أول يوم، وامتلأ فؤاده ~~من حبه، أقبل عليه وضن به وانقطع له، وألفى التعب راحة في تحصيله، واستوى عنده السلامة ~~والعطب في سبيله، ثم لا يلبث العلم أن يعرفه قدر نفسه، وأنه ما خلق في هذا التقويم ~~سدى، ولا ساد نوعه على هذا الوجود عبثا، فتأخذه من ذلك عزة بالحق، وتنزل نفسه في عينه ~~منزلتها الحقيقية، فيطلب العلم لها، ويستكثر منه لأجلها، ويجري فيه إلى الغايات في سبيلها، ~~لما استقر عنده من أن العلم يحيي النفوس ويهذبها، ويطلعها على الحياة وأسرارها، ~~ويوصلها إلى كنه أغوارها، ويسهل لها محياها، ويهون عليها الفواجع في دنياها؛ وهذه هي ~~المنزلة الثانية في العلم، يقف عندها سواد العلماء، ولا يجاوزها إلا آحاد يسخرهم الآلهة ~~بهذا الوجود فيعملون فيه العمل العظيم، ثم يموتون عن تراث في الفضل جسيم، من بنيان ~~يخلدون، أو حكمة يؤبدون، أو ms49 مجد يشيدون، أو فن يجددون؛ وهذه هي رتبة الامتياز ~~بالاختراع، ولا يقال عن أمة إنها بحياة ولها وجدان، حتى يبلغ أفراد من بنيها هذه الرتبة، ~~ولئن كان العلماء في الأرض عدد ما عرف من النجوم في السماء؛ فهذا الفريق منهم كالكواكب ~~التي لم تعرف بعد، يكشف منها واحد على رأس كل مائة، وإنهم لأجل منها وأنفع في الوجود ~~وأهدى للناس؛ وما بلغ بهؤلاء العلماء إلى هذه الرتبة العليا والمنزلة العظمى إلا ~~ترقيهم في عرفان قيمة النفس ومغالاتهم بها، واعتقادهم أنها لا تفنى، وأنها أجل ~~ماهية وأعظم شأنا من أن تحصر بأيام الحياة القلائل، ولئن تحتم أن تخرج يوما ما من هذا ~~الهيكل الزائل، فلها من جميل الذكر ومحامد الأحاديث هيكل خالد فاخر، يتجلى في الخواطر، ولا ~~تراه النواظر، ولا يستأثر به مكان دون مكان، ويتوارثه الدهر زمانا عن زمان. # قال الهدهد: ثم التفت الأستاذ إلى الأمير، وكان الدرس قد طال، فأذن له في الإمساك، فأمسك وتحفز ~~للقيام، فطرت إلى كتفه، فنهضت فيه وأنا حسران على ما فاتني من أوائل درسه، حتى إذا انصرفنا ~~من حضرة الأمير، التفت إلي وقال: كيف وجدت مجلسنا أيها الهدهد؟ # قلت: استطبته يا مولاي وإن حضرت في آخره، واستدللت بهذه الحبة من العنقود على ~~سائره! # قال: لنا تلميذ في القصر نتعلم منه أحيانا، ونزداد كلما حدثناه علما وبيانا، فهل لك ~~في زيارته الساعة؟ # قلت: الأمر إليك يا مولاي. # فسار النسر بي يخترق وسيعات الدور، ويجتاز شاهقات القصور، وهو يعينها لي واحدا بعد ~~واحد، ويسمي أهلها، ويصف ما فيها، حتى أفضينا إلى قصر لا يبلغ البصر ذروته ولا يدرك سعته، ~~فقال: هذه مساكن الملك خاصة، ونحن قادمون عليها. # ثم وصل سيره بين رياض ناضرة، وحدائق زاهرة، وسوح وسيعة، وأسوار رفيعة، ومقاصير كالغيد ~~الحسان، تموج بالجواري والغلمان، إلى أن بلغنا إحدى الغرف، وكان على بابها غلامان يحرسانها، ~~فوقف الأستاذ ثم سأل أحدهما: أين «تحوت»؟ # فأجابه: في غرفة الكتابة يا مولاي. # قال: اذهب فاستأذن لنا عليه. # فدخل الغلام يؤدي ms50 الرسالة، والتفت النسر إلي فقال: رأيت جميع الفواجئ فلم أر أثقل على ~~الإنسان من مفاجئ في ساعة الكتابة، وقد استأذنا، فلعل تحوت يأذن لنا! # وما كاد يستتم حتى خرج إلينا فتى مليح الطلعة، حسن الزي، ترى دلائل الذكاء على جبينه ~~الوضاء، فانحنى بين يدي الأستاذ وقال: زارنا خير من نحب ونكرم يا مولاي. # ثم أخذ بيده، فدخلا وهو ينظر إلي ويقول للنسر: لعله هدهدك السحري الذي شاع ذكره في ~~المدينة يا مولاي؟ وليس بمستنكر على من سحر البشر أن يسحر الهداهد! # قال: كيف أنت والملك يا تحوت؟ # قال: أفضل مولى هو، فمن لي أن أكون أصدق عبد! يحبني كبعض ولده، ويثق بي كبعض قدماء ~~أصحابه، ويؤدبني بالإشارة الخافية، والحكمة العالية، والنصيحة الغالية. # قال: هكذا عهدناه: إذا صادق أعز، وإذا عادى أذل، وإذا أحب بلغت به المقة، وإذا وثق ~~لا يرجع عن الثقة. # ثم جلس الصاحبان، وطاف عليهما الغلام بشيء من عتيق النبيذ، فسأل الأستاذ صديقه الفتى: من ~~أي الكروم هذا المعتق يا تحوت؟ # قال: مما يضن به الملك يا مولاي ولا يوجد إلا في خوابيه، وقد أمر صاحب شرابه أن يملأ ~~دناني منه كلما فرغت؛ وسبب ذلك أن جلالته نزل مرة إلى أن ناولني منه شيئا بيده المقدسة، ~~فدعوت له ثم قلت: أيها الملك المعبود، كانت حلب العنقود فصارت بسرك حلب الخلود، من ~~يذوق منها لا يخرج من الوجود؛ فمن لي بها تنجلي، في كأس لا تفنى ولا تمتلي، أذوقها بلسان ~~رطب عليك ثناء، وأشربها بفم مملوء لك دعاء؟ # فسر الملك بهذه الكلمة في شكره، وكان ما كان من أمره. # قال: هكذا الملوك العظماء، يحتالون على الثناء، ويأخذونه من عبادهم الأمناء؛ والآن ائذن ~~لنا يا تحوت إن سألناك ماذا تكتب؟ # قال: ولم يا مولاي، وما كتبت في عمري حرفا إلى عرضته عليك؟ # ثم مشى الفتى إلى منصة الكتابة، وكانت عليها رسالة من إنشائه، جف مدادها أو كاد، ~~فأخذها ثم دفعها إلى النسر وهو يقول: هذه الرسالة مني إلى أخي، أحد ms51 جنود الملك في أسطول ~~البحر الأحمر، أشكو فيها من بطء مكاتيبه عني، وأبشره بمنزلتي الجديدة في الخدمة الشريفة، ~~وأصف له بعض أخلاق الملك. # قال الأستاذ: ما قرأ الكلام مثل كاتبه، فخذ فأسمعنا يا تحوت. # فتناول الفتى الرسالة ثم قال: «يا أخي، ما شغلك عني وأنا المشغول بك، أعتني بأمرك، وأسأل ~~عن خبرك، وأذكرك في السر والعلانية، أأفزع بالشكوى من هذا الجفاء، إلى شيمتك الوفاء، أم أعوذ ~~بهوروس حامي حمى الثغور، ومسير تلك الأساطيل كالجبال في البحور، أن يكون بين جنده من ~~ينسى الصديق وينام عن عهده، وقد عرفت نفوسهم بالوفاء، كما وصفت بالنخوة والإباء؟ ولئن ~~أخذت بقسط من العزة التي هي لجنود الملك بالحق، فإنها لكم جماعة الجند ولنا معشر الحاشية، ~~وما سوانا من الناس فأشباه، إلا من حسب على رفيع ذلك الجاه. # ولعله نمى إليك أني ازددت من حظوة، واستفدت في سبل الفخار خطوة، فجعلت على ملابس الملك ~~أنشرها وأطويها، وعلى جواهره أسهر على حفظ غاليها؛ وقد أشفقت من الأمر في أوله، وحملته ~~وأنا أعلم أنه جسيم، وأني قادم على ملك تام المهابة عظيم، فلا والآلهة ونعمائهم، وآباء ~~الملك وثنائهم، ما سمعت كحديثه، ولا آنست كبشره، ولا رأيت كحلمه، ولا عرفت أقل اغترارا ~~بالدنيا منه، ولا أكثر ذكرا للآخرة، إذا دخلت عليه بثياب الملك قال: ما هذي العواري يا ~~تحوت؟ وإذا حملت إليه التاج قال: ألبسني يا تحوت، فلا تمس يدي شيئا يخرج منها غدا. ~~وسألني جلالته مرة: ما أجمل الثياب يا تحوت؟ # فقلت: ما تجمل بالملك! # قال: كذبت ربك! أجملها ما لبس الفقير بعد الغني، وثيابي لا تصلح لفقير بعدي، فمر ~~صناع لباسي ألا ينقشوا رموز الملك على جميعه، وأن يقصروا ذلك على ما أتخذ منه في ~~المحافل. وطلب خاتما له من نحو ألف خاتم في الخزانة، فتشابهت علي، فأبطات ولم أجسر على ~~مخاطبته، فلم أدر إلا به عند رأسي وأنا في البحث عن طلبه، فتبسم ثم قال: الخاتم لك إن ~~وجدته يا تحوت! # فأطرقت هنيهة ثم قلت: ms52 في البحار يا مولاي مليكة اللؤلؤ التي لم يهد لها الملوك حتى ~~الآن، وهي لجلالة الملك إن وجدها. فاستضحك ثم قلب طرفه في الخزانة حتى عرف الخاتم، فقال: ~~هو ذا الخاتم، فخذه فهو لك يا تحوت! فقبلت الأرض بين يديه شكرانا لأنعمه، ثم تحول عني ~~فسمعته يقول: أي آمون، جنبني الغضب، وأدبني أحسن الأدب، واجعلني من يثيب لسبب ويعاقب ~~لسبب! # وحسدني حاسد على منزلتي الجديدة في خدمة الملك، فوشى بي عند جلالته، وقال عني إني أذيع ~~كلماته وأنقل ما يدور بيننا من الحديث، فقال له الملك: أنا أعلم بما أقول، وليس في كلمي ما ~~يريب فأكره أن يصل إلى عبادي! ثم أمر بالواشي فطرد من خدمته، وقال: الملوك اثنان: ملك أذنه ~~للمظالم، وهذا سيد الأكارم، وآخر أذنه للنمائم، وهذا عبد الألائم. # ورماني أحدهم عند جلالته بأني كثير الحلف بحياته؛ وهذا كما تعلم محرم على العامة، مكروه ~~صدوره عن الخاصة، فقال: رجل عيشه بعيشي، ولا يثق بصفو الحياة بعدي، له ألف عذر أن يحلف ~~بأيامي. ثم أردف بأن قال للواشي: ونحن معشر الملوك أحوج إلى من تخلص لنا سرائره منا ~~إلى من يرضينا ظاهره؛ نلقى إجلال الناس حيث ملنا، ولا نثق بحبهم لنا ... هذا قليل من كثير ~~من كلمات الملك التي اختصه بها آباؤه، وبودي لو نلتقي على خلوة تطول؛ لأحدثك عن جلالته ~~فتقول زدني من حديثك، ولتعلم أنه ملك الملوك يقينا، ولو نظر إليه عاطلا من أبهة الملك ~~وعظمة السلطان، وأن جنوده ملوك الجنود، فحسبنا شرفا ما أنت فيه يا أخي من إعزاز لوائه ~~والاعتزاز به، وحماية سفنه والاحتماء بها، والحياة في ظل ملكه، والموت دون شرفه ~~الرفيع.» # قال الهدهد: وما كاد تحوت يفرغ من قراءة رسالته، حتى تثاءب النسر، والتفت إلي مثقل الجفنين بالنعاس، ~~فقال: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، فالقني غدا في دار الأعمى «بسادر». فخرجت من صفو تلك ~~الأحلام إلى كدر اليقظة بين هذا الأنام. # | المحادثة التاسعة # قال الهدهد: فلما كان اليوم التالي قضيت النهار في كد ms53 وكدح وتعب حياة، وأشغال دنيا طالبها حائم ، على ~~ماء دائم، وليته دائم، إلى أن كان أوان الموعد، فثرت إلى منف، وأنا لا أستطيع للغيظ كظما، ~~ولا أملك في أمر النسر حلما، ولا أظن أن سأهتدي إلى ذلك الأعمى؛ فلما بلغت بناء «منا» ~~الدائم، وقدمت أم المدن القدائم، نظرت إليها نظرة مرتاح، وقمت لديها على جناح، وقلت في ~~نفسي: صفحا للنسر عن هفواته، إذ كان هذا المنظر من حسناته؛ وهكذا الإنسان ينسى ويذكر، ~~ويكفر أحيانا ويشكر. # ثم فكرت في الأعمى وداره، وما يقتضيني النسر من مزاره، فسألت نفسي: من يا ترى الرجل حتى ~~يزوره النسر، وأي العميان هو، فهم كثر؟ تراه «شمشون» في الهيكل انبعث، أم «المعري» قام من ~~الجدث، أم «يعقوب» ابيضت عيناه من الحزن على فتاه، أم «بشار بن برد» قام من اللحد، أم «أبو ~~العباس» الأعمى، أم «دريد بن الصما»، أم الخليفة «القادر» في أيام محنته، أم «حسان بن ثابت» ~~في آخر مدته، أم «الشطبي»، أم «طوبيا» النبي، أم «هومير» الشاعر اليوناني، أم «ملتون» ~~الشاعر الإنكليزي، أم «مرصفي» هذا الزمان صاحب «الوسيلة» والكلم الثمان، وأول من علم الهدهد البيان، # 1 # أم «داود الأكمه»، أم «ابن سيده»، أم «الطليطلي»، أم أكمه المسيح، أم أعمى ~~عبس، أم الأعمى الذي قتل البصير في هذا الزمن الأخير؟ # 2 # ولم يبق أعمى في الزمن الغابر، إلا مر ذكره بالخاطر، ثم قلت: لعلها تعمية شاعر، والرجل من ~~عمي البصائر، فتشابه البقر علي عندئذ وقلت: لعله أحد الغز # 3 # الذين أمنوا لمحمد علي وانتظموا في تلك الصفوف، فلاقوا في القلعة الحتوف، أم ~~كروجر في بلدان الغرب، لا في ميدان الحرب، يظن أن الأقوام منقذوه من الكرب، أو أحد سفراء ~~الدول في بكين، منذ اتفقوا على الثقة بالصين، أم من هؤلاء المهوسين في البلاد الذين يطلبون ~~حق السلطان «مراد» وآونة يبايعون من شاءوا من العباد، ويريدون من «عبد الحميد» - وهو الذي ~~لا يجري في ملكه إلا ما أراد - أن يصبح كهذا الذي قال عن نفسه وأجاد: ms54 # أليس من العجائب أن مثلي # يرى ما قل ممتنعا عليه # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا # وما من ذاك شيء في يديه # 4 # قال الهدهد: ولو أردت أن أحصي عمي البصائر - على ذكر الأعمى بسادر - لما استطعت أن أحصي نصف الناس، ~~على اختلاف الأصناف والأجناس، فبينما أنا مفكر حائر، ماض في الجو طائر، إذ طاف بي من ~~الجوارح طائف، فلم أدر إلا وأنا بين جناحي خاطف وهو ينظر إلي مبتسما ويقول: لقد أتعبنا ~~الهدهد بالانتظار. قلت: وبذلك الأعمى في تلك الدار. # قال: أما الأعمى فرمسيس رب هذا الملك، وباني هذه الدولة، عمي إذ بلغ به الكبر، فكانت ~~هذه أبلغ العبر، وأما «بسادر» فمن الأسماء الدائرة، وإنما رميت باستعارته له إلى أن الدهر ~~قد حكم فيه فصار كبعض الناس. # قلت: يا أسفا على ذلك الوعد، ويا حسرتا على تلك الأمنية! لقد أخطأني ما أملت من القدوم ~~عليه، وفاتني ما رجوت من النظر إليه! # قال: ستجده أبصر في العمى وأسمع في الصمم، وتلفيه متلبسا بلباس الفتوة في الهرم، فتعلم ~~أني استأذنت لك عليه وهو على عظمة من قوة الوجدان، تعدل ما بلغ إليه من عظمة الملك ~~والسلطان. # وصاحب لي أعمى # فداؤه المبصرونا # يريك في كل قول # وكل فعل عيونا! # قال الهدهد: فقبلت حكم النسر، ورضيت بهذا القسم النزر، وقلت: قد آن أن ينجز مولاي وعده، فإني أخاف ~~ألا أرى رمسيس بعده، إذ ما بعد العمى والصمم، وتبالغ الهرم، إلا محتوم العدم! # فاستضحك الأستاذ ثم قال: الآن تقدم عليه، فإذا أقامك في الخطاب فبالغ له في التحية، ~~وشبهه بكل قوي في الأرض والسماء، عظيم في الغبراء والزرقاء، واتبع ... حته سنتنا معشر ~~الشعراء من المصريين القدماء، وقل ... الأمم الأربعين، كما قلت في قاهر اليونانيين: # أمولاي غنتك السيوف فأطربت # فهل ليراعي أن يغني ويطرب؟ # فعندي كما عند الظبى لك نغمة # ومختلف الأنغام للأنس أجلب # فإن الملك وإن أشرق وجه الأرض من ثنائه، وامتلأ فم الدنيا من مدحته، وسيرت ذكره ~~الأشعار، وبزت أعماله القائلين، وتكاثرت مناقبه على الناظمين، ms55 فما زال يهزه المداح وما انفك ~~يطرب للإطراء ويرتاح. # قلت: ستجدني يا مولاي من المحسنين. # وعندئذ حملني النسر إلى القصر، فدخلنا حجرة ليس أجمل منها في الناظر، ولا أجل منها في ~~الخاطر، في وسطها سرير فاخر، وهو يزهو بالجواهر، منضودة من الخشب النادر، اضطجع فيه رجل ~~يغضى من مهابته، ولا تثبت النفس إزاء جلالته، حفظ الزمن الغضاضة على وجهه النقي من ~~الشعر، وعلا التاج منه رأسا ملء التاج، وهو كالتمثال له عينان ولا يبصر. # وكان النسر قد تمثل بشرا سويا، واستأذن في الوصول، فاستقدمه الملك، فحين نقل القدم في ~~الحجرة العالية، استقبل مولاه مستجمعا من الخشوع، غاضا من بصره من المهابة، ثم قال: سلام ~~من هوروس إليه، سلام الآباء والأجداد عليه! أيها الشمس المضطجعة في سرير مجدها وضوءها يغشى ~~البلاد، ويبعث حياة للعباد، هذا هدهد ناطق، انفرد في الآخرين بتقديس ذاتك، والتمدح بصفاتك، ~~والبكاء بعدك على رفاتك، فاستحق أن يحسب على التفاتك. # قال الملك: لعله هدهدك السحري يا بنتاءور! # قال: كذلك لقبوه في المدينة يا مولاي. # فالتفت رمسيس إلي كأنه يراني وقال: ماذا يقال عنا أيها الهدهد في زمانكم النكد، وأيامكم ~~السود، وعهدكم النكر، وسنيكم العجاف؟ وماذا يعلم عنا ذلك الجيل الصغير، والجمع ~~المتفرق، والعقد المتمزق، والنسل الذي سمونا بالبناء والحجر، ولم نسم به في يوم ~~مفتخر؟ # قال الهدهد: فعجبت من حرص الملك على ذكره من بعده، وكيف أنه قدم هذا الأمر على غيره في ابتداء ~~الحديث، وعلمت أن حب تخليد الذكر هو رأس المطالب العالية، لا يتأسس بناء في المجد إلا به، ~~ولا تقوم شهرة ثابتة راسخة إلا عليه، وحرت فلم أدر كيف أجيب، أأصدق الملك فأقول له إن ~~القوم ضيعوا عهدكم، وأغفلوا ذكركم، وجادوا للأجانب بكثير مما تركتم، واتخذوا منهم ~~النباشين، واستخدموا منهم الكشافين، واستقدموا منهم العلماء الباحثين، أم أكذبه فأمدحه ~~وأطربه، وأعلي ذكره وأغليه؟ # وكان الأستاذ قد نظر إلي نظرة مغضب، كأنه ينهاني عن التردد، فأنشدت: # رمسيس يا كل الملو # ك ويا جميع العالم # يفدي سليل الشمس ms56 ك # ل مسلسل من آدم! # والتفت إلى النسر فرأيته يتهلل، فعلمت أن قولي أرضاه، وأن الألفاظ جرت على هواه؛ ~~فأردفت بأن قلت: علمت الأرض يا مولاي أنك خير من ملكها، وأجرى من سلكها، وأفضل من ~~تركها؛ وعلم الأحياء أنك كنت كالفلك لا تسكن، وكالمنية لا تدفع، وكالصخرة لا تستخف، ~~وكالسماء لا تطاول، وكالدهر لا تنام، وكالنجم لا تعيا، وكالسيف لا تروى، وكالدنيا لا ~~تكره، وكالحياة لا تمل، وكالصبح لا تخفى، وكالشمس لا تستزاد، وكالسهم لا ترد، وكالبحر لا ~~تزحم، وكالذهب لا تراب، وكالليث لا تهاب، وكالطيب لا تكتم، وكالنار لا تدنس، وكالعارض لا ~~تعارض، وكالريح لا تستبدل، وكالحق لا تغلب، وكالسعادة لا تعادل، وكالسلامة لا تفاضل، ~~وكالبدر لا تواسم، وكالليل لا يدرى ما تأتي. # قال الهدهد: وخالست الملك وجلساءه النظر، فوجدتهم منصتين لما أزخرف من الثناء، ورأيت النسر يزداد ~~تهللا، فشجعني ذلك على متابعة الخطاب، فقلت: وعلموا يا مولاي عن صباك أنك ملكت الدنيا في ~~رؤيا قبل أن تولد وأن تحيا، ثم ما جاوزت العاشرة حتى الملك بيدك، والأيام من جندك، ~~والخير والشر من عندك؛ فكنت في ذاك الصبا الغض والعمر النضير، وهذا الأمر النافذ والملك ~~الكبير، مثال الملوك المحتذى في كرم الخلال وحسن الأخلاق، يأخذ الكهول منك العلم، ويتعلم ~~الشيوخ منك الحلم، وتغلب النفس على شيمتها الظلم، وتركب الحرب إلى السلم. # هنا أطرق الملك هنيهة، ثم رفع رأسه وأشار بوجهه نحو أصحابه وقال: أتذكرون إذ أزجي الجيوش ~~وأنا طفل، وإذ مثلوني التاج فوق رأسي وأصبعي في فمي ألوكها كما يفعل الصبيان؟ أتذكرون إذ ~~لبست التاج في الهيكل الطيبي وأنا صبي، كالشبل الليبي، من رآني قال: لن يكبر هذا ولن يعمى ~~ولن يهلك أبدا؟ أتذكرون إذ نحن صغار، نصارع بالنهار وحوش القفار، وإذ تجمعنا بالليل ~~والعلماء المسامر، نأخذ من علمهم وآدابهم، ونتلقى عليهم الدروس النافعة؟ أتذكرون إذ أسير ~~في الأرض في سبعمائة ألف مقاتل، وآونة أركب البحر في عدد أمواجه من سفن القتال؛ فملكت ~~المعمور من أفريقيا، وأخضعت المسكون من ms57 آسيا، ونشرت أعلامي على الأمم والشعوب، وملأت من ~~آثاري الشعاب والدروب ، فلا جبل إلا لي فيه أثر، ولا بقعة إلا لي عليها حجر؟ # قال بنتاءور: نذكر ذلك كله، ونعلم أنه لم ينل ملك ما نلت من صنوف السعادة، ولا أوتي ~~بشر ما أوتيت من بسطة الملك وامتداد السيادة! # قال: لكن وددت لو خلقت ابن راع، أو أحد الزراع، في بعض الضياع، وأني لم أعرف الملك ولم ~~أنل من معاليه ما نلت؛ ذلك من أجل حادثة وقعت في حرب أمة الخيتاس، إذا ذكرتها وأنا في غاية ~~السرور، انقلب سروري انقباضا وترحة، وإذا خطرت على البال وأنا في ذروة المجد وأوج العظمة، ~~صغرت نفسي في عيني واحتقرت في خاطري، واستحييت من الشمس أن ألقاها بوجهي، وهي الملك المسوي ~~القسم بين الأحياء، المنعم لهم بالحياة على السواء؛ وحديث تلك الحادثة أنني أحرجت ~~العدو يومذاك، بعد أن أتم الآلهة لي النصرة عليه، فانساق بين يدي شيوخا ونساء وأطفالا، ~~وأنا أطاردهم وحدي، فأبيدهم بمركبتي تارة، وبسهامي أخرى، حتى صادفوا في طريقهم غابة، ~~فاستعصموا بها فولجتها عليهم، وجعلت أصطادهم في أعالي الأشجار كما تصطاد الطير في الأوكار، ~~غير راث لحالهم، ولا راحم ضعفاءهم، وكان فوق شجرة هناك رجل شيخ أعمى قد تسلقها، وجذبه حب ~~الحياة فعانقها، فرميته بسهم فأصابه، فصرخ قائلا: «أعمى أصاب أعمى يا رمسيس!» ثم سقط يتخبط ~~في دمه، فامتنعت من فوري عن متابعة الفتك، ومواصلة البطش، وكانت نجاة البقية الباقية من ~~أولئك الفارين الضعفاء، على لسان ذلك الشيخ الأعمى، الذي ما وعظني منذ كنت غيره، ولا ~~عرفني قدر نفسي سواه؛ والآن أحس كأن السهم رد إلى مرسله، وأن ذلك الأعمى أصاب هذا ~~الأعمى، فيا أيها المعمرون بعدي، لا تغرنكم الأيام، واتقوا سهام الانتقام! # ثم حول الملك وجهه إلي وقال: وأنت يا صاحب النسر، وشيطان الشعر في عصر غير هذا العصر، اعلم أن المجد والعظم في الدول ~~والأمم ينتهيان إلى بناة الفسطاط، وأنهم خير من ورث النيل بعدي؛ ظلمت وعدلوا، وتطرفت ~~واعتدلوا، وأسرت وأطلقوا، ms58 واستعبدت وأعتقوا، وخلدت بعدي الحجر، وخلفوا بعدهم ~~السير؛ ذهبت الديانات ودينهم هو الدائم، وبادت اللغات ولسانهم في مصر قائم، وأريبت كل ~~أمة في وادي النيل، وذكرهم فيه سالم جميل، وشقي الغريب فيه بغيرهم، وغمر من أول يوم ~~بخيرهم، واستوى السوقة والملك على عهدهم، وما تساويا من قبلهم ولا من بعدهم؛ وتكافأ في ~~مصر الخليفة والعامل، حتى لا أدري أيهما الرجل العادل والإنسان الكامل. وإن الذي استنزل ~~روحي من عالم الراحة الكبرى بعد ثلاثين قرنا أو تزيد، وسلط علي من روحه ما يوجد العديم ~~ويبعث الرميم، وحاز لك الدول منذ التأسيس، والملوك من منا إلى أمازيس، في منفيس، على عهد ~~رمسيس؛ لقادر على أن يريك الفسطاط وأهلها، ويشهدك تلك الدولة وعدلها، وأمة العرب وفضلها، ~~حتى إذا قستها بمن قبلها قضيت عليها أو لها. # قال الهدهد: فخشيت أن تنقضي الرؤيا ولما أظفر من ملك الملوك بموعظة، فقلت: أيها الملك، إن بيننا ~~لرحما مبلولة لم تيبس، وإنك لمجد هذه الأمة أولا وأخيرا، فهل نصيحة عالية نسمعها منك، ~~وموعظة غالية نحفظها عنك؟ # قال: عليكم بالإقدام؛ فإنه مفتاح الغنى، والطريق المختصر إلى العلياء، والسلاح الأمضى في ~~معترك الأحياء، به سدت، وعليه اعتمدت فيما أسست وشدت، وإنه ليخرج أصحابه من غمار العامة ~~إلى عليا مراتب الملوك، ومن هون الخمول إلى العز والسؤدد والذكر الجميل، ولو لم أكن ابن ~~«سيتي» وعنه ورثت ملك الدنيا، لملكتها بالإقدام. # قلت: زدنا منعما يا مولاي. # قال: قاوموا الظالم ولا يغرنكم ما ترون من قوته وبأسه؛ فمثله كالأسد: لا يزال يفترس ~~حتى تفترسه نهمته. # قلت: الثالثة يا مولاي ولا أزيد. # قال: احفظوا أنفسكم وضيعوا ما شئتم. # قال الهدهد: وعندئذ تثاءب النسر، فتثاءب الملك وأصحابه على أثره، فالتفت إلى الأستاذ فرأيته يغالب ~~الكرى، وسمعته يقول كلمته المعتادة: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، فإذا كان أصيل الغد ~~فالقني على «المعاهد». # وعند ذلك تبدل الزمان والمكان، فخرجت من مسك الشيطان ودخلت في صورة إنسان، وقد ضمني مبيتي ~~بحلوان. # | المحادثة العاشرة # قال الهدهد، جار الأثر، ونجي ms59 الحجر، يتطلب فيهما العبر، ويأخذ الخبر عمن غبر: ولما أصبحت أعدت أمس في يومي، كما يفعل قومي، فباشرت أشغالا لا تنفع، وأخذت بأعمال لا ~~ترفع، وأكلت كأمسي، وشربت كالبارحة، ولقيت الوجوه المألوفة، وجلست المجالس المعتادة، وقرأت ~~جرائد مشحونة الصفحات، أفكه ما فيها الإعلانات! # إذا أنت لم تحي الحياة كبيرة # ولم تبق ذكرا في البرية خالدا # وعشت تعيد الأمس في اليوم خاملا # فقد عشت يوما في الحقيقة واحدا! # إلى أن سرى الأصيل، فتنقلت من شاطئ إلى شاطئ، ولفظتني ضفة إلى ضفة؛ وكنت أخذت من كلمة ~~النسر في صرفي، وما رسم له ربه من الوقوف بي على الفسطاط، والإشراف بي على معالمها، ~~واطلاعي على مواكب دولة العرب فيها، أن بساط الرؤيا قد انطوى فيما يتعلق بمنف والدول ~~الأولى، وأنا قادمان على الفسطاط، مستقبلان وجوه العرب، وافدان على هذه الدولة التي وصف ~~الرشيد ما كانت عليه من انبساط الظل، وامتداد النفوذ، واتساع الملك والسلطان، في قوله لغمامة ~~ظللته ولم تمطر، وكان يرجو أن يستدفع الحر بمطرها: «أمطري حيث شئت فإن خراجك سوف يجبى ~~إلي!» وفي ضوء هذا الفخر سرى الإسبانيون في أيام دولتهم، حيث زعموا الشمس لا تغيب عن ~~أملاكهم؛ ثم زالت هذه الكلمة عنهم إلى الإنكليز، فهي آية ملكهم اليوم؛ ثم ترثها أمة غيرهم؛ ~~سنة الله في خلقه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء. # قال: فلما صرت في منف، رأيت الدهر قد جعل عاليها سافلها، وصيرها كبعض القرى، ولم يبق ~~عليها من أنقاض ذلك البنيان الباذخ، وبقايا تلك العمارة الكبرى، إلا آثارها هنا وهنا؛ منها ~~القائم وكان قاعدا، والقاعد وكان قائما، وبعضها مشوه في أحسن محاسنه، منقوص من أطرافه، ~~أو مفقود تفتش عن مكانه لا تجده، فقعدت أعجب للدهر كيف طال على ذلك الطول، وعلا فوق تلك ~~العلياء، وأتقصى النظر فأرى قصور الرومان موحشة مهجورة، وكانت بالأمس آهلة معمورة، أخنى ~~عليها الذي أخنى على منازل الفراعنة من قبل، وأنظر أكواخ الفلاحين تموج بنسائهم وصغارهم ~~كبيوت النمل، وقد سكنوا إلى الدولة ms60 القائمة كما سكنوا إلى الدول من قبلها، فأقول في نفسي: ~~«هكذا الحكماء وإلا فلا، فلو رد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى الحياة - وهو أزهد ~~خلق الله في الدنيا - لما أخذ حقيقة الزهد إلا عن هذه الأمة!» # وبينما أنا أنظر حولي بعين تعتبر، وأخرى تستعبر، إذا صوت النسر يستسيرني إليه، فوافيته، ~~وكان عند قدمي رمسيس وهو من حجر، وعهدته بالأمس عند رأسه وهو بشر محتضر؛ فابتدر خطابي ~~يقول: ما بال الهدهد يستعبر؛ أيبكيه من الأيام أن تتصرف بالأنام، ورحاها تطحن على الدوام، ~~وسيفها على رقاب الأقوام في الحرب والسلام؟ # انظر يا بني إلى الحسد كيف حمل الأمم على الإزراء بالقوم بعد اندثارهم، والعيث في ~~ديارهم، والعبث بآثارهم، وهدم البقية الباقية من منازلهم؛ فقاتلوا الحجر، وحاربوا الأثر، ~~وسبوا التماثيل والصور، ودخلوا على الأموات الحفر؛ ولو استطاعت إحداهن أن تدعي صنعا ~~لبعض هذه الآثار لفعلت، ولامتلأت منها فارس، فأتينا، فروما؛ فقد صدر عن الرومان أنهم كانوا ~~يستعيرون رءوس التماثيل مما ترك اليونان، لأجسام مما صنعت أيديهم، وبالعكس، ثم يوهمون أن ~~الكل من عملهم، وهذا عند ذكر السرقة غاية. أتى على شيطاني يا بني عشرون قرنا يجاور الآثار، ~~ويندب على طلول الديار، وهي نهب بيد البلى والدمار، فلم أعهد أن أيدي العاثين انتفضت منها، ~~وأكف المخربين انكفت عنها، إلا منذ هبط العرب أرض مصر. # قلت: إنك لتطري القوم يا مولاي. # قال: وإنهم لأهله يا بني، فما حكم بين الناس أعدل من عمر، ولا سادهم أفضل منه، ولئن ~~صدق أن في القول شيئا من القائل فعمر هو الإنسان الكامل، حيث يقول: «رأيت جميع البر فلم ~~أر برا أفضل من الرحمة!» والرحمة في اعتقادي أعلى مراتب الأخلاق، وقد جازت بعض ~~الأنبياء في بعض الأمر ولم تجز عمر في شيء منه. # قلت: إني إذن لسعيد يا مولاي أن أعلم من أمرهم بالمشاهدة والعيان، ما أضيفه إلى معرفتي ~~في التاريخ. # قال: لا نزال في إجلالهم ووقارهم، والاعتناء بأمرهم، والنظر فيما يأتون ويذرون، والسكون ~~إلى ظلهم في ms61 مصر، حتى يقتلوا عثمان، ويفتك المصريون منهم بالوقور في الصحابة، الكريم في ~~الأصهار، السمح في الخلفاء، الكبير في الشيوخ؛ فإذا فعلوا ودعنا أيامهم، ونبذنا جوارهم، ~~ووكلناهم إلى السماء تأخذهم بدمه، فتصب عليهم المصائب، وتنزل بهم المحن، وتغمسهم في الفتن، ~~وتبدلهم من الخلافة الحقة بالملك الباطل، وتردهم إلى نعيم الدنيا الزائل! # قلت: لقد رضيت بما رضيت لي يا مولاي، وحسبي أن أعيش يوما واحدا في خلافة عمر، وولاية ~~عمرو. # قال: الآن نتهيأ للزيارة، ونستعد للخروج إلى مقر الإمارة، فسطاط الأمن والعمارة؛ ضالة ~~عمرو التي طالما نشدها، ولم يألها طلبا حتى وجدها. # قلت: أشبه الناس به مسعاة يا مولاي في الزمن الحاضر، اللورد كتشنر، حاكم السودان بالأمس، ~~وسيف إنكلترا العامل في جنوب أفريقيا اليوم؛ فقد علم الخاص والعام، عن هذا الرجل المقدام، ~~أنه نظر في أمر فتح السودان، وهو ضابط ضئيل الشان، قليل المكان والإمكان، ليس له بمثل هذا ~~الأمر العظيم يدان، فجعل يعد له الصبر، ويعمل له في السر، والأيام في هذه الأثناء ترفعه، ~~والسعد إلى السعد يدفعه، حتى انتهت إليه إمرة الجيش في مصر، وآلت إليه السلطة العسكرية في ~~هذا القطر، وأصبح من رفعة المنصب بين رجال الاحتلال، بحيث يسمع صوته في قومه؛ ومن علو ~~الكلمة في الحكومة المصرية، بحيث لا يمانع في أمر يحاوله؛ فثبت عندئذ في نفسه أمر، وتدرج ~~فيما يحاول من السر إلى الجهر، وكاشف الحكومة الإنكليزية بما يريد من فتح السودان ونشر ~~العلم البريطاني في أرجائه، فكانت مشيئتها ما شاء، كدأبها بإزاء رجالها الأمناء؛ وها قد مضى ~~على السودان عامان، # 1 # يخفق على دور الحكومة فيه العلمان، ويخفق من الحسرة عليه فؤاد «مرشان». # 2 # قال: كذلك زين عمرو لعمر فتح مصر، وكذلك فتحها؛ والتاريخ - كما قيل - مكرر معاد؛ ~~وقد حدثك رمسيس عن الإقدام، وذكر لك فضله وشرح لك مزاياه، وهذان دليلان قاما عرضا في ~~الحديث على صدق قوله، وصواب رأيه، وما كان رمسيس ليعرف الشوق ولا الصبابة، لولا أنه ~~كابدهما وقاسى، وكان في مقدمة رجال الإقدام، ms62 فإن أردتم ببنيكم خيرا، وضعفت قلوبكم أن ~~تتمادوا في الجناية عليهم، فربوهم منذ الصغر على الإقدام؛ فإنه - كما قال رمسيس - سعادة ~~الأفراد وحياة الأمم. # قلت: أوشك الأصيل يا مولاي أن يفيض ذهبه، فإن أمرت انتقلنا إلى الفسطاط. # قال: تلك مقدمة لم يكن لنا عنها غنى؛ والآن لك أن تطير معي إلى حيث الإسلام يحكم، ~~والأخلاق تسود. # قلت: إن أذن مولاي بدلنا هذا الزي بغيره، لنأمن نظر الرماة، وزجر الجماعات. # قال: الناس والطير وهذه الحجارة - وأومأ إلى الآثار - في كلاءة رجل يتقي الله في السماء، ~~ويخاف عمر في الأرض، فلو نالنا أحد في حماه بظلامة، لفزعنا بالشكوى إلى صاحب الإمامة، ~~ولأنشدناه: «جاءت سليمان الزمان حمامة!» على أنه لا بأس بتغيير الزي؛ فأيهما تختار: ~~آلقبطي، أم العربي؟ # قلت: الثاني يا مولاي؛ لأنه لباس الفاتح، وشعار الحاكم، ينبئ عن عز الملك، ويخبر عن ~~سناء الدولة، وقد خلفت جنود «الملك إدوارد» في مصر يتنحى السراة لأحدهم حتى يعبر كأنه في ~~رداء «ولنتون»، أو مطرف «نابليون» وإن مست طرف ثوبه يد مسها السيف. # قال: هذا ليس شأن عمرو وأصحابه في مصر؛ فهم المؤمنون؛ العزة لهم ولمن في ظلهم بالسواء، ~~وقد كان الرومان قبلهم كمن ذكرت من الإدلال على هذه الأمة، والمرح في هذه الأرض، على ما ~~بينهم وبين القبط من مودة في الدين ورحمة، فكان الصليب يعلو على الصليب، والناقوس يخرس ~~الناقوس، والكنيسة تزري بالكنيسة؛ وكان مذهب الرومان في عبارة المسيح هو الدين كله، وما ~~سواه فضرب من الهذيان يسخر من أهله ويعتدى على أصحابه؛ وكان الأمير في القبط يحكم فيه ~~سوقة من الرومان، وكانت الحكومة الكبرى في روما عمياء عن هذا الظلم المبين، صماء عن تظلم ~~المصريين، إلى أن قدم العرب مصر، وتم لهم على الرومان النصر، واطمأن عمرو بالولاية، وسكن ~~أولئك البؤساء إلى حكومته السمحاء، ودخلوا في الإسلام أفواجا، يحببه إليهم تسمح العرب، ~~وتحلم زعيمهم، واجتماعهم على كلمة الإسلام، وتساويهم فيما جاء به من الأحكام، وكونه بينهم ~~كالحقيقة لا تقبل الانقسام، ولا يجادل ms63 فيها الخاص فكيف العام! وأن سيرة العامل وأصحابه فيهم ~~هي أقرب مما أراد المسيح عليه السلام من الناس: أن يتساوسوا، ويتصافحوا، ويتعاونوا، وأن يكونوا ~~رحماء بينهم؛ وأبعد عما أراد القسوس بالناس منذ القدم، من شغب التمذهب، وفتنة الانقسام ~~والتفرق إزاء الحقيقة الباهرة. العرب في مصر بضعة آلاف، وفيهم المقاتلة؛ فكيف فتحوا، ثم ~~كيف أصلحوا، ثم كيف وطدوا فيها بنيانهم، وعلموا أهلها لسانهم، ثم كيف استأصلوا الوثنية من ~~هذا الوادي، وزحزحوا منه النصرانية، وأرسوا فيه الحنيفية؟ كل ذلك في أيامهم الأول، بل في ~~حكومة ابن العاص. إذا أضفت إلى ذلك أن الدعوة إلى الإسلام لا تقوم على الحول والحيلة، علمت ~~أن العرب تعلموا حقيقته ثم علموها الناس؛ فكانوا حيثما استعمروا من الأرض كالمصباح النقي، ~~يحمل النور البهي. # وإذا الديانة لم يصنها أهلها # خيفت خفاء النور بعد ظهور # أخفاه مصباح حواه فاسد # فالذنب للمصباح لا للنور # قلت: أرى الحديث فتح بعضه بعضا يا مولاي، فماذا اخترت لنا من الزي؟ # قال: قد انتدبنا يا بني للنظر والاختبار، واستقراء أحوال العرب في هذه الدار؛ فما لنا لا ~~نتلبس بلباس المحكوم، ونتردى ثياب المؤتمر؛ لكي ننظر بعينيه، ونسمع بأذنيه؛ فإن كان شقيا ~~بدولة القوم، تعبا بحكومتهم، عرفنا ذلك بالخبر لا الخبر، وشفعنا له عند عمرو أو عمر؛ ~~وإن كان ناعما في ظلهم، راضي العيشة على عهدهم، أخذنا بنصيب من حاله، ووقفنا على حقيقة ~~أمره. # قال الهدهد: وبينما نحن في الحديث لم نبرح المكان، هتف هاتف بالأذان، ودقت بالناقوس يدان، فلم أدر إلا ~~ونحن على الفسطاط، في زي قسيسين من الأقباط؛ فضحكت من نفسي، وعجبت لاختلاف يومي وأمسي، ~~والتفت إلى النسر فرأيته يبتسم كذلك؛ فتمثل بهذا البيت من الشعر، وهو من قصيدة لي في مديح ~~العباس: # قد بشر الناقوس بالمسلم ال # عادل من قبل بشير الأذان # قلت: هذا مما حليت به العباس يا مولاي، فكيف نزعته عنه وكسوته عمرا؟ # قال: بضاعة عمرو ردت إليه؛ فلا والنفس والخلود، ودين الآباء والجدود، ما فتح ~~لأبوة العباس في مصر ms64 إلا بسر هذه الراية، ولا دخلوها إلا ليعزوا هذه الآية؛ على أن ~~الشعراء كثيرا ما يمدحون زيدا ويعنون عمرا؛ وقد صدق صاحبنا من حيث كذب في قوله: # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة # لغيرك إنسانا فأنت الذي تعني # 3 # قلت: إنك لتزري بأصحابك يا مولاي. # قال: ما كانوا لي أصحابا وهم ينزلون بالشعر عن رتبته، ويجعلونه حيث لا يرضاه الأدب، لا ~~يمدحون محمدا، ولا يهجون مذمما، ولا ينظمون في الطبيعة والتاريخ اللذين هما أم الشعر ~~وأبوه؛ ويخلطون كلمة باقية، وأخرى فانية؛ # 4 # هذا صاحبك الذي سير الأمثال حكما والحكم أمثالا، وجرى في الشعر إلى ~~الغايات فسبق السابقين وبز القائلين، يقول هذه الحكمة العالية، ويرسل هذا المثل ~~المحكم: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # مصائب قوم عند قوم فوائد # 5 # وتراه يقول بعد ذلك: # نهبت من الأعمار ما لو حويته # لهنئت الدنيا بأنك خالد # 6 # وما أحسن هذا الشعر وألطف هذا التصوير، لو لم يتجرد فيه الشاعر من رقة القلب ورحمة النفس ~~وكرم الشيمة؛ فهو يبيح ممدوحه دماء العباد، ويملكه أعمارهم، وينوه بسفح الدماء وسفكها، ~~ويتمنى له بعد ذلك الانفراد بالخلد الذي كرهه أبو العلاء لنفسه حيث قال: # ولو أني منحت الخلد وحدي # لما آثرت في الخلد انفرادا # فهلا هجر أبو الطيب الصناعة إلى الروحانية التي هي حقيقة الشعر ورجاحة الموزون والمراد من ~~المنظوم، والروحانية لا تقوم على مثل هذه الجفوة والقسوة والغلظة، لكن تكون بمثل ما قال في ~~مثل هذا المقام: # ترفق أيها المولى عليهم # فإن الرفق بالجاني عقاب # تأمل يا بني هذين البيتين، وانظر كيف هدمت الصناعة الأول، ورفعت الروحانية الثاني؛ وأقبح ~~من بيت المتنبي في استباحة دم الأفراد، بيته في استباحة جماجم الملوك: # وجنبني قرب السلاطين مقتها # وما يقتضيني من جماجمها النسر # فما قتلة «كارنو» و«همبرنو» و«إليزابيث» و«مكنلي»، وما اقتضتهم الفوضوية من صدور الملوك ~~والملكات وجنوبهم وأحشائهم، بأشنع ولا أفظع ولا أبغض إلى السموات وما أظللن، والأرضين وما ~~أقللن، من نسر صاحبك؛ وإني لأعجب للفوضويين كيف لم يهتدوا لهذا ms65 البيت فيتخذوه شعارهم، أو ~~يتخذوا فيه قرارهم! # قال الهدهد: ورأيت الناس يهرعون إلى صلاة المغرب، فندمت على ما فاتني من المشاهدة والعيان في هذه ~~الزورة الأولى، وقلت للنسر: قد كان لنا يا مولاي غنى عن أبي الطيب وحديثه، والنظر في ~~طيبه وخبيثه، لا سيما وهذا أول أصيل قضيناه على الفسطاط. # فأخذ النسر من عبارتي الغضب، وقال: أحدثك عن شعر العرب وشاعرهم، ونحن قادمون على ~~دولتهم في ابتدائها بمصر فتزعم أنني حدت عن الغرض، وخرجت عن الموضوع! وما الشعر والبيان ~~إلا عنوان الأمم، يستدل بهما عليها. # ثم تثاءب النسر وقال: موعدنا غدا مجلس عمرو. فما هي إلا إغماءة، ثم إذا أنا ~~بحلوان. # | المحادثة الحادية عشرة # قال الهدهد: وكان موعدي مع النسر أن نلتقي في مجلس عمرو، فلما كان الأصيل خرجت إلى الفسطاط، في زي ~~قسيس من الأقباط، كما سبق بذلك الاشتراط؛ فحين بلغت مدينة ابن العاص، التي فتحها للإسلام ~~بالرأي قبل الفتح بالسيف، وافيت مقر الإمارة، وهناك ما كان أسهل الوصول، وأيسر الدخول! ~~رفعت الحجب بين عامل عمر وبين الزمر؛ واقتدى به وجوه العرب في سلوكهم؛ والناس ~~على دين ملوكهم؛ فاستقبلت مجلسا أليق بالوعاظ والعلماء منه بالملوك والأمراء؛ وقدمت على ~~أمير تاجه العمامة، ومطرفه القباء، وصولجانه السيف، وكرسيه التراب، وحاشيته الأصحاب، وقصره ~~خيمة ممدودة الأطناب؛ يحيط به العرب وكأنه أحدهم، وهو زعيمهم في مصر وسيدهم؛ وكان النسر بين ~~يديه، قد سبقني إليه، وهو يبالغ للعامل في الخطاب، ويلقي السؤال ويأخذ الجواب؛ فسمعته يقول ~~له: هذه دنياكم يا ابن العاص، لا تغترون بها، ولا تحفلون بحبها؛ وإنها لدنيا العقلاء، وطلبة ~~الحكماء، فكيف دينكم؟ # قال: أسهل وأيسر وأسمح: الشهادة وهي كلمة، والصلاة وهي عصمة، والزكاة وهي رحمة، والحج ~~وهو حكمة؛ وما سوى ذلك فزيادة في العبادة، أو بدع تأتي بها الأيام، وأعراض لا يصدأ بها جوهر ~~الإسلام. # قال: نعمت الدنيا لو لم تزل عن الخلفاء، وتئول إلى الملوك والأمراء؛ وحبذا الدين لو سلم ~~من عبث الفقهاء، وعيث الجهلاء. # قال: وما يمنعك أيها القسيس ms66 أن تستقبل هذه الدنيا وتدخل في هذا الدين؟ # قال: إني أتبع دينا يقال فيه في جملة الدعاء: «إيزيس لو لم تتوحدي لما كانت الأشياء، ولن ~~تصل إلى حواشي حجابك يد الأحياء!» فالمعبود إذن واحد، وإن اختلفت الأسماء. # قال: أي الأديان هذا؟ # قال: دين المصريين القدماء. # قال: عجبا! أفي مصر بقية من القوم؟ # قال: ليس للظالم دين يا ابن العاص، والرومان قوم ظالمون، دخلوا هذه البلاد فأفسدوا فيها، ~~وهدموا ما بنى أصحاب المسيح عليه السلام بزهدهم وتجردهم وتسمحهم، من بنيان للنصرانية ~~متين، وركن للمسيحية مكين؛ وغادروا مصر لا تخلو من عاكف في خاصة سريرته على دين آبائه ~~وأجداده، وأنا من هذا الفريق. # قال: الآن أنهاك عن عبادة الأصنام، وآمرك بالدخول في الإسلام، فإما أن تقبل، وإما أن ~~تقتل! # قال: القتل أحب إلي يا ابن العاص، ولكن لي كلمة أقولها وأرجو أن تسمع لي. # قال: هات. # قال: على التمسك بالدين قامت دولتنا القرون الطوال، ومن شدة التمسك به أدركها الزوال، ~~فذهبت من أجل «هرر»، وأمست إحدى العبر، ولا أكره أنا أيضا أن أذهب على الأثر. # قال الهدهد: فلم أدر بالأستاذ إلا وقد عاد سيرته الأولى، فإذا هو نسر يطير بين أعين القوم، وهم من ~~أمره في أعظم الدهش، فلحقت به؛ وما زلنا ننفذ الأفق حتى هبطنا ناحية من الفسطاط، فتمثلنا ~~كما كنا قسيسين من الأقباط، وهناك التفت إلي وقال: كيف وجدتني وصاحبك؟ # قلت: ألان لك وجه الأمر وخاشن آخره. # قال: بالحق ألان، وبالحق خاشن؛ لأن مقاومة الوثنية فرض على نصراء العقل وحماة الحقيقة، ~~وقد تكفل بها الإسلام لسائر الملل. # قلت: قد كان لك غنى يا مولاي عن التكشف له، وإطلاعه على حقيقة معتقدك. # قال: أردت أن أريك كيف يحفظ القوم دينهم في الكبيرة والصغيرة. # عجبا لكم معشر المصريين، أنتم أمة التاريخ وليس لكم فيه كتاب! هلا تشبهتم بآبائكم ~~الأولين! فلقد كان الواحد منا أحرص الناس على حديث بعده يؤبده في حجر يشيده، وذكر مع ~~الزمن يخلده، في أثر ينضده؛ وكان أحب الأعمال ms67 إلى ملوكنا وضع التاريخ وتدوين السير، لعلمهم ~~بأن التاريخ دليل الأمم، ومرشد الشعوب، وإن قوما لا يعرفون ماضيهم لا يكون لهم بحاضرهم ~~اعتناء، ولا في آتيهم رجاء، أليس عارا عظيما على الشرقيين، وفيهم اليوم العالم الذكي، ~~والكاتب الألمعي، ألا يعلموا من سيرة «الأمير عبد الرحمن» المتوفى بالأمس، غير ما تنقله صحف ~~الغربيين ومجلاتهم. # وإني أسترعيك لقضية لا تفوت أهل النظر في أحوال البشر، والباحثين في طبائع ~~الاجتماع. # قلت: وما تلك يا مولاي؟ # قال: يدهش الناظر المتأمل، والباحث المدقق، لما يرى من التفاوت البين في الأخلاق، ~~والتباين الظاهر في الطباع بينكم معاشر النازلين هذا الوادي في شمال أفريقيا، وبين أمة ~~البوير سكان الجنوب؛ ويحار فلا يدري بأي الآراء الثلاثة يأخذ، وإلى أي المذاهب الثلاثة ~~يرجع: أيذهب مع القائلين بفعل البيئة في الأمم، وتأثير الإقليم في الشعوب، وسلطان المقام ~~على المقيم؛ فيحكم أن جار الليث أسد، وجار العير وتد؛ أم يجاري الذاهبين إلى أن اختلاف ~~الطبائع ليس إلا نتيجة اختلاف الأجناس؛ أم يعتمد على رأي القائلين بأن العقل البشري - وهو ~~مركز القوى المدركة في الإنسان، والنفس - وهي مهبط الفضائل أو الرذائل فيه - ليسا إلا ~~هبتين يشترك فيهما أصناف العباد، وإن تفرقوا في أطراف البلاد، وإنما يصح العقل بالتعليم ~~الصحيح، وتقوم النفس بالتربية الحقة؟ على أنني إلى هذا الرأي الثالث أميل، وعليه في ~~اعتقادي المعول؛ فعليكم بالعلم، خذوه نافعا دافعا، واهجروا منه ما يميت إلى ما يحيي، ~~واطلبوه لدنيا تعملون لها كأنكم تعيشون أبدا، أو لآخرة تعملون لها كأنكم تموتون غدا، ~~وعليكم كذلك بالتربية، فإنها باب مدينة العلم، لا تدخل إلا منه؛ خذوا صحيحها ولا تأخذوا ~~فاسدها، واطلبوها لأنفسكم؛ فإن كبرت عنها فلأبنائكم، فإن لم تكمل لهم كملت لأبنائهم من ~~بعدهم؛ وكونوا الحفظة الذين تكرم عليهم بلادهم في الشدة أضعاف ما تكرم عليهم في الرخاء؛ ~~يبكونها بالدموع آونة، وفي القلوب آونة؛ لا يغفلون لها عن حرمة، ولا يقصرون لها في الخدمة؛ ~~حبها لهم العشق، لا التفات فيه إلى ملامة، ولا قيمة معه للسلامة. ms68 # أعمار الأفراد قصار، والأمم طويلة الأعمار؛ وآمال الواحد الفرد تفوت بموته وآمال الجماعة ~~لا تفوت، وإنما هي لهم مثل الورق للشجر: ينزعه حينا ويكساه حينا؛ وما بنى قوم بناءهم في ~~المجد ولا قامت سعادة أمة إلا على العلم والتربية؛ وهما إنما يحصلان في المدرسة، وليس ما ~~يمنعكم من إنشائها؛ فإذا أنشأها غنيكم غير مسرف، ودخلها الكهل بالليل غير مستنكف، ولزمها ~~الصبي بالنهار غير متكلف، وأخذتم العلم فيها كما يريد زمانكم الذي أنتم مخلوقون له أن يؤخذ، ~~فقد استقبلتم الحياة من وجهها الحق، وأخذتم في التقدم العصري بالسبب الأوثق. # اللغة رأس مال الأمة في العلم والعرفان، والدين رأس مالها في التربية والأخلاق؛ فاجعلوا ~~المحل الأول في مدارسكم لهذين؛ فالثمرات إنما تأتي بقدرهما. الإنسان إذا علم كان إنسان ~~العين، وإذا جهل كان إنسان الغابة؛ والعلم إن لم يتأسس بالتربية كان لحامله محنة، وللناس ~~فتنة؛ فاجمعوا بينهما في الدار، ثم في المدرسة، ثم في الحياة؛ تلك المدارس الثلاث الكبر؛ ~~فأما الدار فالأستاذ فيها المرأة، وأما المدرسة فالمعلم فيها الرجل، وأما الحياة فالمربي ~~فيها الزمن؛ فابدءوا بالنساء فعلموهن في الصغر يعلمنكم في الكبر، وربوهن في الطفولة يربينكم ~~في الكهولة، ولا تنشئوا مدرسة واحدة للرجال إلا وقد أنشأتم مدرستين اثنتين للنساء. # إذا اشتغل الحليم بالسفيه شارف على السفاهة، وإذا اشتغل العالم بالجهول شارف على الجهالة، ~~وأكثر ما ينتشر السفهاء والجهلاء، وأشد ما يكون إفسادهم وإيذاؤهم في الأمم وهي في بداية ~~نهضتها؛ فمثلها عندئذ كالأنهار الكبيرة في أزمنة الفيضان: تسوق الأقذار فتساق بتيارها، ~~ويختلط الخبيث بالطيب، ثم لا تلبث أن تلفظ الفاسد وتستبقي الصالح، فينصلح الماء وتفيض ~~الخيرات على البلاد والعباد؛ فلا يثبطن لئامكم كرامكم، ولا تلقوا للصغائر مما يحدثون بالا، ~~واعملوا كل بما تعلم من علم أو صناعة، وأتقنوا العمل؛ فإن إتقانه يلقي عليه اليمن والبركة، ~~ويولد بين العاملين المنافسة والمسابقة والمزاحمة، وعلى هذا تقوم حياة الأمم كما تقوم حياة ~~الأفراد على دورة الدم. # ليس بين دبيب الحياة في الأمة وبين ظهورها كاملة الأدوات تامة ms69 الصفات، إلا مثل ما يخفق ~~فؤاد الجنين لأول وهلة، ثم تمسك الحياة فيه بعضها بعضا وينمي بعضها بعضا؛ فلا تزال به حتى ~~تخرجه إلى الوجود فيؤدي فيه وظيفته، ويستوفي فيه برهته؛ ولا أجد مثلا لما أصف إلا أمة ~~اليابان، وإنها لدليل حاضر، وشاهد معاصر، على أن الحياة ربما كانت أسرع جريا بالأمم منها ~~بالأفراد؛ فقد جاوز اليابانيون أطوارها الأول إلى هذا الشباب المرجو المخايل، المبشر بأبرك ~~أعمار في المدنية والحضارة، في نحو ربع قرن من الزمن؛ وهي برهة قد لا تكفي الواحد من الأفراد ~~ليبلغ في الصبا أملا، أو يحسن في الحياة عملا. # قال الهدهد: كان النسر يتكلم وكأن كلامه حديث الجيبة، تأخذه الآذان، وهو يأخذ الوجدان، بيد أنه حكم ~~غرر، وحقائق كبر، تستوجب النظر؛ حتى أمسك عن الكلام فوددت أنه لم يمسك، وقلت له: لو خيرت ~~يا مولاي فيما أريد لما اخترت إلا أن يبعثك الله فتمشي في القوم خطيبا هاديا، وطبيبا ~~مداويا، تتتبع أقصى الداء، وتصف عزيز الدواء. # قال: ليكونن لي ولكم شأن يوم تجمعنا القاهرة. # قلت: ومتى تدخلها يا مولاي؟ # قال: يوم يقتل عثمان ويصير أمر العرب من الخلافة إلى الملك، فهناك أنفض يدي من دولتهم، ~~وأصدر بك عن الفسطاط وأرد القاهرة، عاصمة مصر الحاضرة. # ثم أخذت النسر الإغماءة المعتادة، فتثاءب وقال كلمته المألوفة: إذا جاء الليل ذهبت ~~الشياطين، وموعدنا غدا دار العجوز. # وأصابني مثل ما أصابه، فما هي إلا غمضة عين ثم انتباهة، حتى رأيت الفسطاط أطلالها، وحاذيت ~~في القطار تلالها، فعجبت للحال وتحولها والروح وتنقلها، وأخذت في نفسي على النسر هذا الرجوع ~~إلى الخلط في المواعيد، وإتعابي بدار العجوز أنشدها ولا أنشدها: # أهلا بدار سباك أغيدها # | المحادثة الثانية عشرة # قال الهدهد: خرجت في أصيل الغد إلى الفسطاط، في الحلة التي قضاها الشيخ لي واختارها، وأنا لا أعرف ~~العجوز ولا دارها، ولا أدري كيف أملك مزارها، أو أجد من يحدثني أخبارها؛ وأنكر على الأستاذ ~~هذه التعمية، وأعذله على اختياره النعت على التسمية، فجعلت أمشي قلقا في ms70 هذا البلد، غريبا ~~في ثيابي، تزدحم شفاه العامة على يدي بالتقبيل، ويتنحى الخواص حيث أسير، وأنا أغبط في نفسي ~~رؤساء الديانات بهذه المكانة في النفوس، وأحسدهم على هذه المنزلة في القلوب، وأنظر سلطان ~~الرغبة كيف يعلو على سلطان الرهبة، وأرى الملك الكبير لمالك السريرة لا السرير؛ وقد راقني ~~وأدهشني أني لم أر عربيا ظهر لقومه - أو للمسلمين من أهل البلد - في مظهر رئيس روحي، أو ~~مسيطر ديني، وفي الفسطاط كثير من صحابة النبي الذين يتعلم الدين في بدايته منهم، وتؤخذ ~~أصوله على حقيقتها عنهم، بل وجدتهم كسائر العرب في مصر: جنود الخلافة، وأنصار الإمامة، ~~وأعوان الحكومة الإسلامية، يعزون الإسلام آونة بالجهاد، وآونة بحسن السيرة في العباد؛ لا ~~يلتمسون الكرامة في تكبير العمامة، ولا يوسم أحدهم بولاية، وهم مصابيح الهداية، وعلى عهدهم ~~ظهرت الآية؛ دائبون في خدمة الدين لا يألونها صبرا، يغتربون من أجله، ويقاطعون الدنيا في ~~وصله، ويعلقون بيض الأيادي وكرائم الصنائع في أعناق الأمم ممن يأتي بعدهم؛ قدم في الشام ~~وأخرى في العراق، ولواء في سماء النيل خفاق، ويد لها بالأمر في الروم انطلاق، وحكومة تنتظم ~~سائر الآفاق؛ وهكذا العلماء لا يغني عنهم علمهم، ولا تثبت لهم هذه الصفة العالية في نظر ~~الجماعة، حتى يجمعوا بين المدارك والهمم، وتنقاد بأزمتهم الحياة العملية في الأمم، يرشدون ~~الناس بالعلم مرة وبالعمل مرارا، ويعرفونهم كيف تطلب الدنيا بالعقل، وتركب الحياة إلى ~~المحيا السهل، وتتزود النفوس من المجد والفضل. # للعلم أهل ليس يألونه # أخذا وردا في شئون العباد # لهم مراد لا ينالونه # حتى ينالوا غايتي الاجتهاد # العلم في أنواعه كلها # والعمل الموصول فيما أفاد # في خلفاء الله من قبل ما # ينبيك أن العلم للخلق هاد # كانت تفيض الأرض من علمهم # في الحكم أو في الوعظ أو في الجهاد # فما باله أصبح يحمله من لا يبذله، وصار يدعيه من ليس يعيه، وما للمسلمين مختلفين فيه، ~~فريق يرى النافع الرافع منه ما كان مقصورا على الشريعة، منحصرا في فقهها، مردودا إلى ~~المذاهب الأربعة فيها، والتقي ms71 النقي من هذه الفئة من عادى لغات الغربيين، وهي التي ينهى ~~بها فينا معاشر الشرقيين ويؤمر، واحتقر علومهم وفنونهم، وهي التي نفاضل بها فنفضل، ونقاوم ~~بها فنخذل، وتقتلنا كل يوم بلا قتال؛ وفريق يهجرون علوم الدين وآداب اللغة العربية إلى لغات ~~لم تجر بها ألفاظ آبائهم، وآداب لم تقم عليها حياة أجدادهم، ولم تؤلف بعد في بلادهم؛ وإن ~~أمة لا تجتمع على لغة، ولا ترجع إلى جامعة من الآداب القومية، ولا رابطة من الأخلاق ~~الملية، ليست على شيء من الحياة، وإن جمعت فيها معاني الفضائل: # أرى جوامع الشعوب أربعا # أمرهم بدونها لن يجمعا # الدين في آدابه متبعا # والجنس لا حتما ولا مضيعا # والعلم يهديك إلى ما نفعا # ولغة يفهمها من سمعا # تكون في الغالب والعلم معا # قال الهدهد: وما زلت في تنقل واستقراء، وتجول واستجلاء، ومشي على قلق وعناء، حتى أعييت بضالتي ~~طلبا وسعيا، فصحت: لا نشدت تلك العجوز ولو أنها الدنيا. وهناك مرت يد على كتفي، فالتفت ~~فرأيت النسر يعتذر عذر البريء، وسمعته يقول: نعم هي الدنيا وأنت في الطلب، وستراها وتسمع ~~حديثها من كثب. فقضيت من مقالته العجب، وقلت: إذن أغفر لك إبطاءك، ولا أستنكر استهزاءك، ~~ومن لي أن أجتمع بفاتنة الأنام، التي ما رؤيت إلا في الأوهام، ولا تمثلت إلا في ~~الأحلام؟ # قال: وهذه دارها. وأشار إلى خربة على الطريق من بقايا الرومان. # قلت: وما يلجئها إلى هذا الانعزال والاستتار، ولو شاءت لسكنت الأسماع والأبصار؟ # قال: ليس لها إلا ما تسترد، وشيمتها أن تسترد النعم حتى تحولها إلى نقم، تعطي القصور ~~عالية، وتأخذها أطلالا بالية. # قلت: ونحن نتقدم إليها الآن يا مولاي؟ # قال: ادخل عليها هذا الأثر، وأنا على الأثر؛ وتدلل عليها في الخطاب، ولا تخشها؛ إنها في ~~سجن ابن الخطاب. # قال الهدهد: فتقدمت وحدي حتى جئت بابا صغيرا، فلم أطرقه بل عالجته، فانفتح من نفسه، فإذا أنا لدى ~~عجوز أكل الدهر لحمها، وأدق عظمها، وجمع كالقوس جسمها، وشيب كل شعرة في بدنها، حتى شعرات ~~في أذنها، ms72 وهي تنوء بسلاسل الحديد، وترزح في أسر شديد؛ فضحكت من منظرها وبادأتها بالخطاب، ~~فقلت : أيتها الأمة المضطهدة، والعجوز المقيدة، كيف حالك وعمر، لقد انتقم منك للزمر، ونهى ~~عليك بعد النبي وأمر؛ لئن حبسك فطالما حبست رزق الرجل الفاضل، وقيدت نفس الحر العاقل، ~~وملكت الناقص رزق الكامل. # فاستضحكت العجوز ثم قالت: من هذا الذي شمت بجدة الناس، وأم الكل في الأجناس، إلا اثنين: ~~ابن الخطاب صاحب هذا الأمر، وابن عبد العزيز، عذر بني أمية لو قام لهم عذر؟ # قلت: ولا ناس إلا من ذكرت، ولا أناسي إلا من سميت! # قالت: لا يغرنك أيها الفتى أن الذل شعاري، وأني عاجزة عن فك إساري؛ فوالذي سلطني على ~~عباده ليبلوهم أيهم أصدق عزما، وأجمل صبرا، وأقصد إليه سرا وجهرا، ما ملك عمر إلا ~~الظواهر، ولي التسلط على السرائر، والسيطرة على الضمائر؛ وليس هذا الذي ترى في ملك ابن ~~الخطاب من زهد في، وتجن علي، وإساءة إلي إلا غاية وتنقضي، وحال من أكره لا من رضي؛ ~~عمال في مداراة الخليفة، يوجسون منه خيفة؛ ورجال يلبسون لكل دولة لبوسها، يأخذون نعيمها ~~ويذرون بوسها؛ زهاد في دولة الزاهد، شياطين في زمان الفاسد. # وبينما نحن في الكلام، دخل النسر فوقف بين المهابة للعجوز والإكبار؛ ثم خاطبها فقال: أيتها ~~الحاكمة في البشر، من غبر منهم ومن حضر، والآتي منهم والمنتظر، ما لقيت من عمر، في ظلمات هذا ~~الأسر؟ # قالت: أضيق الأمر، وأعظم الأسر؛ لكنها حال تحول، ونازلة عما قريب تزول، ثم أفتك في هذه ~~الأمة فتكا، وأصير هذا الأمر ملكا، تقتتل عليه القبائل، وتتلاعن من أجله البطون، ~~وتتفانى في طلبه الشعوب؛ ولا أزال كذلك حتى أشقى مرة أخرى في زمن ابن عبد العزيز، ثم يخلو ~~لي الجو إلى الأبد، وأحكم في المسلمين على الأمد. # قال: بحق عمر عليك إلا ما وصفت لي الأربعة الخلفاء. # قالت: أما أبو بكر فأخذني كما تؤخذ الإماء، وخرج مني خروج الأنبياء؛ ضرب على يدي أن أفسد ~~هذا الأمر حين الفرصة سانحة، والصفقة رابحة، والأمة ms73 جامحة، إلى الفتنة جانحة. وأما هذا الذي ~~أعذب في أسره، وأبلو المر من معاملته ، فأشدهم إعراضا عني، وأكثرهم فرارا مني، لم يرضني ~~أمة تشرى، ولا قبل بي طريقا إلى الأخرى، ولا يزال حتى يخرج مني خروج الأنبياء. وأما ابن ~~عفان فأتقرب إليه بقرابته، وأمهد للفتنة تمهيدا في خلافته؛ ولا أزال به أتنازعه أنا ودينه ~~حتى أزول عنه إلى علي؛ أزهد الناس في، وأكثرهم إساءة إلي، يفضحني في كلمه، ويقبحني في ~~حكمه، ولا يرضى بي لنفسه قسما، ولا للغير غنما، ينافس في معاوية، ونفسه عني راغبة سالية، ~~ولا يزال يجعل همه في جمع أمر الأمة، وحفظ إمرة المسلمين في بيت النبوة، وأنا أروغ بالنفوس ~~منه، وأحيد بالقلوب عنه، حتى يخرج مني وليس في يده مني هباء، كما خرج من قبل ~~الأنبياء. # قال النسر: فكيف أنت بمعاوية؟ # قالت: فطن داهية، مختلف في السر والعلانية، لا يزال يهجرني إلى الدين ويهجر الدين إلي، وهو في ~~خاصة نفسه أحرص الناس علي، يتسع من نعيمي لنفسه، ولذريته من بعده، ويتخذ الآخرة طريقا إلي ~~وكنت طريق السلف إليها، حتى أجتمع له ولآله وأعوانه، ثم أزول عنه وقد استرقني لبني أمية ~~يصيبون بي خيرا كثيرا، ويتوارثونني ملكا في الأرض كبيرا. # قال: وأنت ظل الملك؛ حيث كان كنت، وأين سكن سكنت. # قالت: أنا الملك والملك أنا، وما نهض به في الأرض من آذاني بشامل عدله، وساءني بحسن ~~سيرته، إلا زلت عنه على عهده، أو قاطعت ذريته من بعده، وهذا هو السر في كون الملوك الصالحين ~~العادلين في التاريخ لم تستقم لأكثرهم الحال في أواخر حكمهم، ولم يقم من عقبهم من أحسن ~~السلوك، أو سار سيرة تليق بالملوك. # قال الهدهد: ثم التفت النسر إلي وقال: دونك أيها الهدهد هذه الصحيفة الناطقة، وهذا التاريخ المتكلم، ~~فسل ما شئت، واستفسر عما شئت، من فائدة تستجلبها، أو حكمة تأخذها. # فاستقبلت العجوز وأنا أعجب من حفاوة الأستاذ بها، وأستغرب منه هذه المبالغة في خطابها، ثم ~~قلت: صفحا أيتها الدنيا عن هفوتي، وانسي لي ms74 جفوتي، وخبريني أي الناس أحب إليك وأيهم أبغض ~~عليك؟ # قالت: أحب الناس إلي أبغضهم إلى الله، وأبغض الناس إلي أحبهم إلى الله! # قلت: ومن أبغضهم إلى الله ومن أحبهم إليه؟ # قالت: أبغضهم إلى الله العالم المفتون، وذو الصنع الممنون، ومؤتمن يخون. وأحبهم إليه ~~العامل عن علم، المتواضع في رفعة، العافي على مقدرة، الذاكر الموت المستعد له؛ فهذا الذي ~~يرجى لعظيم الأعمال في الدنيا، ولصالحها في الآخرة. # قلت: عظيني أيتها العجوز. # قالت: خلقت أضل ولا أدل، وأفسد ولا أرشد؛ وما مثلي إلا كالنار تهدي الناظر من بعد ~~إليها، وتحرق المتهافت عليها. # قلت: أي الأمم بك أعلم، وأي الحكماء في وصفك أحكم؟ # قالت: الأمة التي جاء في كتابها المنزل بلسانها في جملة وصفي: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ~~، والتي يقول في شاعرها: # وما الناس إلا هالك وابن هالك # وذو نسب في الهالكين عريق # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # قلت: عرفيني بعض صفاتك، وصفي لي شيئا من آفاتك. # قالت: أنا المانحة المانعة، الواصلة القاطعة، أقبل لا شاملة ولا كاملة، وأدبر لا منذرة ~~ولا معذرة؛ صفوي عند كدري، وكدري عند صفوي؛ أونس الملك فيشقى، وأمني السوقة فترضى، وآتي ~~الآمن المطمئن من حيث لا يتقي، وأصيب اللاهي الناعم فيما يؤنسه في خاصة نفسه، لا ما يظهر ~~للناس من أنسه؛ ألسنة الناس في سبي، وقلوبهم مملوءة من حبي، يغالط بعضهم في بعضا، وما أضمر ~~أحدهم لي كراهة ولا بغضا، من زلت عنه استعاد، ومن اتسع مني استزاد، ولا حي إلا له في مراد؛ ~~العاقل من أخذني أخذا، أو نبذني نبذا، ولم يقف في طلبي بين التقنع والجهاد؛ فمن أخذني ~~فبالمراد الغزير، والجهاد الكثير؛ ومن نبذني فبالاعتقاد المستقر، والسلوان المستمر؛ لا يرغب ~~مع الآخرة في ثمين، ولا يؤثر عليها المال والبنين؛ ومتى كان ذلك فله لا للمتنبي أن ~~يقول: # كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي # ويا نفس زيدي في كراهتها قدما # قال الهدهد: وكنت أصوب النظر في العجوز وأصعده، فأراها ms75 تلبس حالا عن حال، وتصير من غايات القبح إلى ~~نهاية الجمال، ثم نهضت من السلاسل والأغلال، وتمثلت لي وللنسر غادة كالمثال؛ فلما رآها ~~الأستاذ دق يدا على يد وقال: قضي الأمر، وقتل عمر، واستقبل العرب الدنيا واقتتلوا على ~~الملك، وجاءتهم الفتنة من كل مكان. قالت: كذلك هم مذ الآن، ولا أزال حتى أجمعهم على سب ~~بيت منه خرجوا، وفي ظله دبوا ودرجوا، وبه ظهر عزهم، وعليه بني ملكهم، ثم لا أزال حتى يحكم ~~فيهم من يزري بالقرآن، ثم لا أزال حتى يغلبهم الهمل من العجم على أمرهم، ويسلبوهم ما ~~بأيديهم؛ ثم لا أزال حتى يتفرقوا في البلاد، ثم لا أزال حتى يمسوا كأن لم يكونوا شيئا ~~مذكورا، ويبقى قرآنهم ولسانهم خالدين على الأمد، منشورين إلى الأبد. # قال الهدهد: ثم انطلقت الدنيا من أسرها، وتركتنا نقضي العجب من أمرها، فالتفت النسر إلي وقال: لا ~~خير في هذا الأمر بعد عمر، ولا مقام لنا في ملك هذا الذي يموت عن عبيد وإماء، وضياع وثراء، ~~وأثاث وكساء، بعدما ظلم أبا الزهراء، وآثر على الخليفة الخلفاء، وأراق ما شاء من دماء، ثم ~~ألقى المعذرة والدنيا مدبرة، وطلب المغفرة حال الغرغرة. # قلت: ومن تعني يا مولاي؟ # قال: ابن العاص. # قلت: ذاك الذي أبلى بالأمس في الجهاد، وجلس للحكم بين الناس مجلس الزهاد؟ # قال: كانت نفسه إلى الدنيا مغلولة إلى حين، ثم فكت بموت أمير المؤمنين. # وتثاءب النسر عند ذلك فخشيت أن تكون هذه النومة الكبرى، وأن لا أراه مرة أخرى، فسألته عن ~~الملتقى؟ فقال: بمصر، بين الجزيرة والجسر. فسررت بالموعد، وبشرت نفسي بآصال مستعادة، أقضيها ~~مع النسر في استقراء واستفادة. # | المحادثة الثالثة عشرة # قال الهدهد: لما كان الغد، خرجت إلى الموعد، ألاقي النسر في مصر، بين الجزيرة والجسر، وأنا مسرور ~~بلقائه في وطني، والاجتماع به بين قومي؛ لعله ينفعني بالتنبيه والإرشاد، ويفيدني الملاحظة ~~والانتقاد، فيما خفي علي من خلائق الرجال، وما غاب عني من حقائق الأحوال؛ لأن الغريب حريص ~~على الصغيرة والكبيرة، يرى من كل ms76 بلد يحله، ما لا يراه أهله، كالتمساح لا يبصر في الماء وهو ~~موطنه الذي يعيش فيه، فإذا خرج منه كان أحد الحيوان لحاظا، فكيف به مثل الأستاذ واسع ~~العلم والدراية، متقادم العهد على صحبة الزمان وأهله. # فبلغت النهر وكان الأصيل على سمائه ذهبا، والريح على مائه لعبا، والمنظر على فضائه ~~عجبا؛ وكان الناس يخرجون إليه موكبا موكبا، تجري بهم المركبات من كل طراز وشكل؛ فمن ~~«بسكليت» كبساط الريح لا تراها، وتنظر من أجراها؛ تمرق كالسهم مروقا، وتخفق كالريح خفوقا، ~~وتنساب فوق طريق الناس، فتصوت كالأفاعي ذات الأجراس، ومن «أتوموبيل» كجني عنيف، ذي هبوب ~~وعزيف، صوتها أنكر الأصوات، وفيها جمعت المزعجات، وراكبها لا في الأحياء ولا الأموات؛ ومن ~~«ترامواي» تنقل الأقوام من شاطئ النهر إلى الأهرام، وهي تمضي بصاحبها ثم تمضي عليه، بخلاف ~~الأيام فيما ذهب الشاعر إليه: # ما أسرع الأيام في طينا # تمضي علينا ثم تمضي بنا # ومن مركبات تنقاد بأعنة الجياد، منها ما لا تسمع لها حسا ولا جرسا، كأنما يهمس في أذن ~~الأرض همسا؛ وبعضها كالدار طبقات، تتبوأ مقاعدها فيه الجماعات، وبعضها قليل الحجم يجره فرد ~~ويركب فيه فرد؛ وبالجملة وجدت منازه الجزيرة والجيزة حافلة بصنوف المحدثات، جامعة لأنواع المخترعات، ~~كأنها غاب «بولونيا» الشهير في باريس، لولا أن القوم عليها كشكول ملل ونحل وأجناس وأزياء ~~وألوان، وقد ذهبت أيام الحمير، وتصرمت دولة البغال، فنسي الشيخ في مركبته ذكر بغلته، وكانت ~~مجلى زينته، في ذهابه وجيئته؛ وهجر السيد الحمار إلى «الدوكار»، وبرز الكبراء للناس في ~~«الأتوموبيل»، وكانوا ينكمشون وقارا في «الكوبيل»، وألهت «البسكليت» الخصي عن جواده ~~العربي، وسرجه الفضي، وكانا زينته بالغداة والعشي، وركبت السيدات في مكشوف المركبات، تجري ~~بهن بين أعين الجماعات، وكن في مثل هذه الأحوال لا يملن حيث يميل الرجال. عادات بدلت، ~~وأحوال تحولت، وآية للغرب في الشرق علت، وألقاب حضارة ومدنية، لا شرقية ولا غربية. # قال: فلما صرت على الجزيرة تقصيت النظر أنشد النسر عليها، فرأيت من بعد درويشا قد خلا ~~بنفسه في ناحية، وهو ms77 يستقبل النيل ويديم النظر إليه؛ فوجدت ريح النسر لأول وهلة، وتقدمت ~~إليه فقلت: سعد النيل بشاعره في الزمان الأول يا مولاي. # قال: وسعدنا به يا بني؛ إنه سموأل الأنهار، الوافي على الأدهار، الجاري بالليل والنهار؛ ~~عبد قديما وأله، وقدس وجه الدهر ونزه، وآوى النبيين في المهد صبيين؛ فجرى التابوت فيه ~~بموسى، وبلغ الفطام لديه عيسى؛ ولا يعلم إلا مجريه كيف انفجر، ثم جرى وانحدر، ثم كفلته ~~الشمس والمطر، وكم قرية عمر، وأخرى دمر، وهيكل نثر، وديانة قبر، وكم أفنى من زمر، ممن نهى ~~وأمر، وتكهن وسحر، وفتح وانتصر؛ ألا وإنه المنهل العذب، اقتتل عليه القاهرون فوق البشر، ~~فانتهى إليه قمبيز بغاراته، فالإسكندر بفتوحاته، فقيصر بانتصاراته، فابن الخطاب بغزواته، ~~فسليم بحملته، فنابليون بتجريدته؛ هذا يا بني حظه من التاريخ، لا ينافسه فيه نهر، ولا يزاحمه عليه بحر؛ على أن حظه من ~~الطبيعة أوفر، وقسطه من نعمائها أكبر؛ شمس تزهر، وأفق أنضر، وواد أخضر، وجو لا يستعر ولا ~~يخصر، ونسيم يخطر، ومطر يندر، ورزق بأيسر السعي يحضر، وسهل صعب على العدو، ولجة تستعصي عليه ~~على ما بها من هدو، لو وجد من يمنعه من الدنو؛ وفوق هذا وذاك هو القائم على هؤلاء الناس ~~بالأقوات؛ إذا فاض أحيا وإذا غاض أمات، ولا يزال يأخذ من البر للبحر، فتتسع مصر بفضله من ~~سهل وواد، وقرى وبلاد. # قال الهدهد: فشفتني هذه الكلمة في النيل، وودت لو لم يختصر النسر من هذا البحث الجليل، وإن يك أتى ~~بالكثير في القليل. وكان قد التفت فرأى المراكب تموج على تلك المروج، فسألني: لعل هذه مصر ~~القديمة ونحن على نقراطيس. # قلت: وما نقراطيس يا مولاي؟ # قال: ثغر كان لنا على البحر، قامت «فوة» مكانه اليوم، وكانت للأجانب، لا يؤذن لهم أن ~~يسكنوا سواه، ولا يسامحون في الخروج منه إلى غيره من نواحي القطر. # قلت: بل نحن في عاصمة البلاد يا مولاي، وهؤلاء مترفوها من أهلين وأجانب. # قال: وما هذه المطايا التي لا تجوع ولا تظمأ، وكيف تسمونها؟ # قلت: هذه ms78 محدثات الغربيين، تجلب إلى مصر فيتهافت الأغنياء على اقتنائها، ولم يتفق علماء ~~اللغة على تسميتها حتى الآن، ولعلهم لا يتفقون، فإن القوم اخترعوا «الأتوموبيل» من كل حجم ~~وشكل، واتخذوا منها دوارع في البر، ونحن لا نرضى عمن سماها السيارة، ولا عمن دعاها ~~بالجوالة. # قال النسر: اللسان يا بني، من حيث هو مضغة، مرآة الصحة؛ ومن حيث هو لغة، مرآة الأمة؛ ولا ~~غرابة في أن تقعد بكم اللغة وتخونكم في ميسور الأمر وعسيره؛ فهي إنما تأخذ بنصيب من هذا ~~النقص العام، وتتأثر بهذا العجز الشامل؛ لأنها للعلم مثل الظل للشبح يتضاءل بتضاؤله، يطول ~~بطوله؛ والعلم في التجارة وفي الصناعة وفي الزراعة، مثل ما هو في الشروح والمتون، وفيما ~~يسمونه الفنون الجميلة؛ فكلما ظهرت آثاره على هذه الأشياء في مجموعها اتسعت اللغة من مادة، ~~وازدادت من حياة، وتهذبت على الزمن، وحسبت على ناموس الارتقاء، يقتادها بأزمته، ويجري ~~بها في أعنته؛ هذه يا بني هي الحياة الحقيقية للغات، وما سواها فتوهم، ووجود أشبه بوجود الأجسام ~~المحنطة، يظن بها حفظ وهي وإن طال المدى ستبيد. # قلت: إنك لتنعي يا مولاي! # قال: ومن أنعي؟ # قلت: اللغة العربية؛ فقد حيل في التعليم بينها وبين العلم الذي تزعم أنه للغات كالروح ~~للجسم. # قال: وماذا يحول بينهما؟ # قلت: الحكومة في مدارسها، والكتاب في منشآتهم، والعلماء في مؤلفاتهم، والجرائد فيما تنشر ~~كل يوم؛ فأما الحكومة فقد استقر عند القابضين على أزمة التعليم من رجالها في السنين ~~الأخيرة، أن اللغة العربية لحقت باللغات الغابرة، وأنها في واد وعلوم هذا العصر في واد، ولا ~~يزالون على هذا الرأي وفي هذا السعي حتى ييبس ما بين اللغة العربية وبين العلم، ولا يكون ~~بعيد حتى تعدم من يعلم قواعد الحساب فيها أو يعلمها الناس بها؛ وأما الكتاب فقل من جمع منهم ~~بين العلم والبيان، وهم المشهورين منهم بالإجادة في الوصف والتصوير، انتقاء اللفظ ~~والاحتيال على المعنى، واتباع الشعراء في الهيام، ومزاحمتهم على الخيال؛ حتى ضاع محل ~~الكتابة العلمية بين منشآت الكتاب، وخلا أكثرها ms79 من حقيقة التاريخ وروح الفلسفة، ونبذت فيه ~~العلوم الطبيعية، وهجر الطب والفلك وغير ذلك مما له في اللغة العربية آساس طال عليها الأبد ~~وغيرها الترك والإغفال. # 1 # وأما العلماء في مصر فأبعد الناس عن معرفة في اللغة، أو تمكن من أدبها، يمتلئ دماغ أحدهم ~~من العلم، ويتغرب في سبيله، وينفق الأيام في تحصيله؛ وإذا ألف بعد ذلك لم يؤلف فيما يعرض ~~على أبناء العربية بين صحة التقرير وسلامة التحرير؛ ولا أستحي يا مولاي أن أختص بالذكر في ~~هذا المقام أولئك الألوف ممن خرج أو يخرج من الأزهر، وهم علماء الدين المتفقهون فيه، أحوج ~~ما كان الخواص والعوام إلى كتاب منهم مجيدين، يبينون للأمة مواضع الحكمة في أحكام الدين، ~~ليقروها في أذهان الخاصة، ويقربوها من عقول العامة؛ ومع ذلك لم يقم من بينهم حتى الآن إلا ~~ثلاثة أو أربعة يرجون لمثل هذا النفع، ومن البلية أنهم بهذا الفضل محسودون، ومن أجله ~~ممقوتون. رب مدرس يا مولاي تقلب على أعمدة الأزهر، وأفنى الطلبة طبقة بعد طبقة؛ وإذا أراد أن يكتب إلى ولده في بعض الشئون خانه القلم، وكتب ما لا يفهم، وكان في رسالته ~~أنكر خطا وأكثر خطأ من شاب أرسل إلى الغرب في أول الصبا، كلما دعاه داع ليكتب إلى أبيه ~~بالعربية. # وأما الجرائد يا مولاي فمشغولة في الغالب بسفاسف السياسة عن كل شغل، منصرفة عن وجوه ~~الخدمة الحقيقية، لا يهمها إحياء اللغة، ولا يعنيها نشر العلم باللغة؛ وشتان ما بينها في ~~ذلك وبين الصحف الغربية، التي هي من التمكن وكثرة الانتشار بحيث تلحظ أحوال الزمن كل يوم، ~~وتنظر في سياسة العلم بأسره، ومع ذلك فالأهم عندها، المقدم من واجبات الصحافة، إنما هو ~~ترقية الآداب، ونشر العلم بين الجماعة، والبحث فيما يجد منه ويكتشف فيه بحثا مدققا ربما ~~كانت فيه من قرائها بمنزل الأساتذة من تلاميذهم. # قال: الآن علمت أن الفاس في الأساس. ثم التفت والتفت، فبدا له وراء النهر قصر، عليه بهاء ~~ورونق، وإن لم يكن بالسدير ولا الخورنق، فأومأ ms80 إليه وسألني: لمن الدار؟ # قلت: لزعيم الاحتلال، والرقيب على جماعة الرجال، يعده الإنكليز في جملة عظمائهم، ويختلفون ~~إلا فيه، ويرمقون بناء لهم في الاستعمار يبنيه؛ تخير هذه البقعة ثم بنى فوقها تلك الدار، ~~فبنى الكثيرون على الآثار، حتى جاورها من ليس لها بجار، وكثر عليها في الزيارة من كان يجادل ~~فيها الزوار، وأصبحت هذه الناحية وفيها اعتبار، ها هنا الفلاح المصري وهنا المستشار. # فلم يكن من النسر إلا أن تبسم ثم قال: لا احتلال ...! # فدهشت من هذا الجواب وقلت: أمازح يا مولاي أم أنت لم تفهم مقالي؟ # قال: بل أنت الذي لم تفهم، فلا تجادلني حتى تعلم. # وفي هذه الأثناء مرت مركبة صغيرة، يجرها جواد واحد، يمسك عنانه شاب من الإنكليز، لا ~~أبهة على ركابه، ولا زخرف على ثيابه، فيه حشمة ووقار، وعليه للتواضع آثار، حمل على إحدى ~~عينيه زجاجة فأبرقت تحتها، وترك الأخرى تتمثل بقول المتنبي: # هو الجد حتى تفضل العين أختها # فجعلت أنظر إليه، فسألني النسر: من هذا الذي شغلتك رؤيته؟ # قلت: هذا مستشار المالية يا مولاي، له المحل الثاني في الاحتلال، وهو على خزائن مصر يدبر ~~المال، ويشرف على الجليل والحقير من الأعمال. # فتبسم النسر ثم قال: لا احتلال ...! # فقضيت العجب من هذا الإصرار على الإنكار، وقلت: أتريد يا مولاي أن آتيك بدليل على ~~النهار؟ # قال: لا، بل أريد أن تصبر معي. # وهناك اقتربت منا مركبة فيها ضابطان، كأنهما ساريتان، عليهما حلتان حمراوان، وهما يشيران ~~بوجهيهما نحو السماء تعاظما وعزة، فسألني النسر: ممن الجند؟ # قلت: وما انتفاعك يا مولاي بسؤالي إذا كان الجواب لا يقنعك؟ # قال: لعلهما من جيش غريب! # قلت: وهو جيش الاحتلال، له في كل ناحية من القاهرة معسكر، وكل واحد من جنوده علم إنكلترا ~~الذي لا يمس، وسيفها الذي لا يجس، وقد بولغ لهم في الرعاية والحيطة فجعلوا فوق القوانين ~~كلها في البلاد، وأنشئت من أجلهم محكمة مخصوصة يحاكم المعتدون عليهم أمامها. # فتبسم النسر كعادته ثم قال: لا احتلال ...! # فكتمت غيظي، وغلبت النفس على ms81 غضبها، وقلت: لا سبيل يا مولاي إلى الجحود، بعدما رأيت ~~الجنود. # قال: مثل البلاد تراها أنت بعين، وأنظرها أنا بعين، كالمريض بين العائد والطبيب: ينظر ~~الأول إلى جسمه الناحل، وقوته الواهنة، وعينه الغائرة، وشفته الذابلة، وعرقه المتصبب، ويسمع ~~زفراته المتصاعدة وأناته المتتابعة، فيرق له ويرثي ويتوجع، ثم يخرج من عنده وليس المرض في ~~اعتقاده إلا ما رأى بعينه وسمع بأذنه، فإذا سأله سائل: ماذا بصاحبك؟ قال: بجسمه نحول، ~~وبشفته ذبول ... ووصف سائر ما شاهد من الأغراض؛ ويكون الطبيب في هذه الأثناء قد نظر لسان المريض، ثم جس ~~نبضه، ثم قعد يقرع ويتسمع، ثم انصرف يقول في نفسه: داؤه كذا، ودواؤه كذا. وقد كنا يا بني ~~أمة تسعد يوما وتشقى يوما، وكانت لنا دولة تعلو حينا وتسفل حينا؛ حكم الأجانب فيها ~~مرارا، فلا أذكر أنهم حكمونا يوما ونحن أمة كملت فيها أدوات الحياة، أو سلبونا دولتنا وهي ~~في منعة وإمكان، قائمة على حقيقة الملك والسلطان؛ فعلل الأمم إذن باطنية، لا يرجى فيها ~~الشفاء حتى تعالج في مواطنها؛ وما قام هذا العالم منذ قام إلا على هذه القاعدة: «كل ضعيف ~~الركن مضطهد.» وهي تسري على الجماد والنبات، كما تسري على الإنسان والحيوان؛ فالجبل يجذب ~~إليه الذر ولا يجذب هذا إليه الجبل، والسرحة تزهق الحشائش ولا تزهقها هذه، والذئب يفترس ~~الحمل ولن يكون له فريسة؛ وكذلك الناس؛ جهلاؤهم لعقلائهم تبع، وضعفاؤهم لأقويائهم خدم؛ سنة ~~الدهر في بنيه، وشيمة قديمة فيه؛ فالأولى بالذين يتصدون لفك الأمم المسترقة، وتحرير الشعوب ~~المملوكة، أن يعلموها أن قيود الحديد لا تعالج إلا بمبارد الحديد؛ فالعقل لا يقاوم إلا ~~بالعقل، والقوة لا تستدفع إلا بالقوة، والناس مذ وجدوا رأس وذنب، والدنيا مذ كانت لمن ~~غلب. # قلت: أفدت يا مولاي وأرشدت؛ ولكن هذا كله لا ينفي وجود احتلال أجنبي في البلاد، أريتك ~~آثاره فأنكرتها، ولم تذكر السبب في الإنكار. # قال الهدهد: فجعل الأستاذ يتثاءب ويدخل في السنة المعهودة، ثم قال كلمته المألوفة: إذا جاء الليل ذهبت ~~الشياطين. وسألني بعد ذلك: ms82 أين الملتقى غدا؟ # قلت: على الأزبكية يا مولاي. # قال: الآن لك وكر ولي وكر، فلن يجمع الليل الهدهد والنسر. ثم احتجب عيانه، وذهب شيطانه، ~~فانثنيت فيمن انثنى من الجزيرة، وأنا أذكر ما كان، وأخشى أن يكون في البلاد احتلال ثان، من ~~روس أو ألمان، أو صين أو يابان؛ وهي بحمد الله مذ كانت لا تضيق بنازل، ولا تبكي على راحل؛ ~~ولكن قلت في نفسي: ليس بعد خفي الإشارة، إلا جلي العبارة، وما تجاهل النسر إلا وفي نفسه ~~أمر؛ فقد عودني منذ انعقدت بين شيطانينا الألفة أن يجد فأحسبه يهزل، ويهزل فإخاله يجد، وأن ~~يتوضح آونة ويتكتم آونة، ويقتضب تارة ويسترسل تارة، ويعلم حينا ويتجاهل حينا؛ وأنا إنما ~~أتأدب بأدبه، وأذهب بالمحادثة في مذهبه، وأصبر على مرافقته وموافقته؛ لأنه عالم يصحب على ~~علاته، وحكيم يحب في جميع حالاته، وإذا نقلت إلى الناس أحاديثه فإنما أنقلها كما هي، ~~ليأخذوا الدر ويذروا المخشلب، ويدخلوا ظلمات المعدن على الذهب؛ على أني أنبه من تهمهم هذه ~~المحادثات من القراء إلى أيام النسر في مصر؛ لأنها إنما تتناول الحالة الحاضرة، ولا مستقبل ~~لقوم لا يهمهم حاضرهم. # | المحادثة الرابعة عشرة # قال الهدهد: لما كان الغد قصدت الأزبكية لملاقاة النسر، وإذا هي كما عهدت بهجة هذا البلد، لها المحل ~~الأول فيه، ولا تناظر بناحية من نواحيه؛ ابتسمت أرجاؤها بالمنظر الضاحي، وانتضدت عليها ~~الدور العالية، تحتها بيوت التجارة من الطراز الأول، تتخللها الأندية العمومية تموج بالخلق ~~الكثير؛ وكانت قد أخذت كعادتها لليل أهبته، وبرزت لأهل ودها مرموقة بعين الرضى، كريمة ~~الثناء في الخواطر، فبعد أن كانت دار الماجن والخليع، وقرارة المدمن الصريع، ومسلك التهم في ~~اعتقاد الجميع؛ وكانت مراح الفاجر ومغداه، ومصبح المقامر وممساه، وسامر المنكت ومن راعاه، وبعد أن كان ~~الخروج إليها خروجا من الحشمة والوقار، حتى مات أناس من أهل الكمال ما عرفوها، وبقيت منهم ~~بقية لم ينظروها، أمست مسحب ذيل الوزير، ومستقر أتوموبيل الأمير، ومجلس القاضي والمدير، ~~ومسامر الكتاب والشعراء، ومنتدى العلماء والفقهاء؛ وأصبحت مقعد المتقاعدين، ms83 ومستودع ~~المستودعين، ومدرسة الناشئين، ورواق المجاورين، وديوان الموظفين؛ تجمع الكبير والصغير، ~~وتخلط الرفيع والوضيع، وتحل محل «المندرة»، وتقوم مقام «السلاملك»، وتغني عن «الديوان»، ~~وتغص الأندية العمومية فيها بالجموع من كل الطبقات، وكافة الأجناس؛ فترى عليها كبار ~~الموظفين عند «الذوات» المتقاعدين. # يليهم ألاف الجرائد ينتهبونها كمال اليتيم، ويقرءونها عارية بالمليم، فالزاجرون الشاة ~~الآكلون الفيل من عشاق الشطرنج، فأصحاب النارجيلة تفنيهم على الزمن كما يفنونها نفسا في ~~نفس، وتمر هناك على أركان الغيبة والاعتراض، من أهل الفراغ والبطالة، وبجماعة المقاولين من ~~كل ذي لقب، أو عاطل يذم الرتب، وتلوي على عصبة المحررين والمكاتبين في الجرائد اليومية، ~~أدرك أصحابها النشب، وأدركت أصحابنا حرفة الأدب، وتعثر فيها كذلك على أعضاء الجمعية ~~العمومية ومجلس الشورى، آتين من أقاصي البلاد لزيارة المستشارين، وبعمد الأقاليم وأعيانها، ~~كثروا على الأزبكية في هذه السنين الأخيرة زيارة وانتيابا، وجيئة وذهابا، وكانوا إذا ظفر ~~أهل الكسب فيها بواحد منهم أحلوه بين السمع والبصر، وأجلوه كأنه المهدي المنتظر، ~~وبالجملة يتعاقب على هذه الناحية ما بين حاشيتي النهار وطرفي الليل - عدا هؤلاء - خلق كثير ~~من حساة الراح، وعباد الميسر، والأغرار من أهل الثروة الموروثة، والناصبين لهم الحبائل من ~~أهل عشرتهم، ومما يبكى منه ويضحك، ولا يرى له مثيل في مدينة من مدائن الأرض، أن هذا العالم ~~المنصب في الأزبكية بالليل والنهار، الباذل فيها قليل المال وكثيره كل يوم إنما يلقي أساس ~~الثروة، ويرفع عماد البيوت لهذه الأمة الصغيرة الكبيرة المجتهدة المقتصدة، أمة اليونان في ~~مصر، لا في تجارة تحتاج إلى عظيم مهارة، ولا في صناعة تستلزم كبير براعة، لكن في تجارة للهو ~~والطرب. # قال: وكان النسر قد سبقني إليها، فاعترضني في هيئة وزي هو فيها أشبه بسائح أمريكاني، أو ~~إنكليزي: قامة طويلة، لكنها ضئيلة، وعارضان كثيفان، لكن لا يلتقيان، وثياب لا يشتكى منها ~~طول ولا قصر، ولا ضيق ولا سعة، وهو يتشمخ بأنفه ويختال في مشيته، فضحكت حال رؤيته، ~~وقلت بعد تحيته: قد كان لك غنى عن هذا الزي يا مولاي. # قال: ولم ms84 ذا؟ # قلت: لأن في طباعي النفار من صحبة أهله؛ لا عن حقارة ولا كراهية، ولكن أربأ بنفسي أن ~~أحتقر، وأن أصحب من لا يعدني من البشر. # قال: ومتى احترم القوي الضعيف؟! إنك يا بني تحاول من النفس غير شيمتها، وتكلفها ضد طباعها؛ ~~وأنا ما اتخذت هذا الشعار إلا لعلمي أن فيه السلامة، ومعه الكرامة، في بلد ليس لي بدار ~~إقامة. ثم التفت حوله وسألني: بأي مكان نحن؟ # قلت: على الأزبكية يا مولاي، وهي قسم من القاهرة ليس كسائر الأقسام؛ كان وجه القرن الماضي ~~مجر عوالي الحوادث، ومجرى سوابقها؛ أقام به نابليون ومن معه، ولا يزال منزله عليه قائم ~~الجدار، معدودا في جملة الآثار؛ وفيه ألبس محمد علي ثياب الولاية، واتخذ عليه بعد ذلك ~~مسكنا يتردد إليه في تراوحه بين شبرا إيوانه، والقلعة ديوانه، وما زال الأجانب يكثرون على ~~الأزبكية في السكنى، وهي تأخذ من سعودهم وتشاطرهم دنياهم المقبلة، حتى أكرمها فيهم الخديو ~~إسماعيل في زمن اهتمامه بهذه العاصمة واعتنائه بأمر إصلاحها وتحسينها، ففتح فيها الشوارع، ~~وأنشأ فيها الميادين، وآثرها بالأوبرا الخديوية، دار التمثيل الكبرى في البلاد؛ ثم ما زالت ~~حتى أصبحت كما تراها تضارع كثيرا من مشهورات النواحي في الغرب، حركة وتجارة، ورونقا ~~ونضارة، وعمارة ويسارة. # قال: وما هذا السوق القائم، والدولاب الدائر؟ ولمن هذه التجارة الواسعة، وتلك الدور ~~الرفيعة؟ ومن هؤلاء الشامخون بالأنوف فوق سلم النزل، كأنهم الفراعنة في بهو الإمارة وعند ~~رفرف الملك؟ # قلت: أبديت لك يا مولاي أن هذه الناحية من القاهرة تكاد تكون للأجانب بأرضها وسمائها؛ ~~فهذا السوق القائم سوقهم، وهذا الدولاب إنما يدور بهم، وهذه التجارة الرابحة لهم، وتلك ~~الدور الرفيعة مساكنهم وعقارهم، وهؤلاء المدلون المختالون هم السياح من الأوروبيين، ~~يأتون مصر رحلة الشتاء في كل عام، فيقضون بها ما شاءوا من أيام، مثل الملوك في مشاتيهم من ~~ممالكهم وبلادهم، بين إجلال الخاصة ومهابة العامة. # استأثر الأجانب بفوائد التجارة، واختصوا بمنافعها، وقبضوا على أزمتها، حتى أصبحت هذه ~~الحوانيت الكبيرة وتلك المخازن المشحونة ولا منصرف عنها ms85 لمصري يحيا حياة سهلة، من أقصى ~~الريف إلى أقصى الصعيد؛ فما من بيت في الأرياف أهله على شيء من الثروة إلا ومن الأزبكية ~~زيتهم ودقيقهم، وكأسهم ورحيقهم، وطستهم وإبريقهم؛ وإذا بنى أحدهم بالغ في البنيان، ومثل ~~في القرية الحقيرة الإيوان؛ لكي يقال أتى بما لم يستطعه فلان؛ ثم لا تسل عن الأثاث والرياش، ~~وما يجلب منه من القاهرة لائقا لشاهقة القصور، ضافيا على وسيع الدور، صالحا لجلوس ~~المدير والمأمور؛ حتى ليجد الإنسان في كثير من مدائن الأقاليم وقراها، من هذه المساكن من ~~الطراز الأول، ما لا يجد له مثيلا في ضياع أصحاب الملايين من الفرنساويين، بالرغم مما عهدت ~~القوم عليه في تلك البلاد، خصوصا كبار الزراع منهم من الميل إلى المعيشة السهلة في المكان ~~الطيب، ولكنهم لا يسرفون في البناء إذا بنوا، ويختصرون من الأثاث والرياش إذا اقتنوا، ~~ويعتمدون في تشييد الدور وتزيينها على سلامة الذوق وحسن الاختيار، بحيث ترى المغنى ~~الصغير فتأخذه عيناك على قلة حجمه، كأنه بيت من الشعر أو بيت من الشعر؛ وليس ذلك إلا من ~~حب الاقتصاد الذي لا تقوم حياة الزراع إلا عليه، وقد تدرج الأجانب يا مولاي من الاستئثار ~~بتجارة القطر، ما جل منها وما قل، والانفراد بالصناعة فيه، ما علا منها وما سفل، إلى مزاحمة ~~الوطنيين على تجارات وحرف لم يكن يخطر على بال أنها تخرج من أيديهم يوما؛ ولا أستحي أن ~~أضرب لك مثلا هؤلاء الأطفال من اليونان والأرمن، منتشرين في الشوارع والأندية العمومية، ~~يسابقون فقراء الغلمان من المصريين والبرابرة إلى النعال يمسحونها، والأحذية ينظفونها؛ ثم ~~أرتقي عن هذا المثل الأدنى إلى آخر أعلى، فأبدي لك أنه لا يقام في مصر عظيم احتفال، ولا ~~تحيا فيها بالأفراح ليال، إلا رأيت المحل الأول للأجانب، ووجدت الربح من وراء ذلك لهم؛ ~~فالآنية من «جيس»، والطعام من «فلوران»، والشراب من «ووكر»، والحلوى من «ماتيو»، والغلمان ~~من «الكونتيننتال»، والنور من معامل الكهرباء، والصدر في المهرجان لمن حضر من القوم ولو ~~بغير دعوة، والقدم السابقة إلى المائدة ms86 قدمهم، والغناء مناوبة ومطارحة، تخت لهم وتخت لنا، ~~ومغنية منهم ومغن منا، يزهقون صنعة الطاهي ، ويبيرون تجارة الفراش، ويرخصون أسعار المغني، ~~وقد عاشت هذه الحرف الأهلية زمنا طويلا في مأمن من منافسة المنافسين، ومزاحمة المزاحمين، ~~إلى أن قتلها سراة مصر في هذه الأيام، وأصبحنا نخشى أن يتكفل لنا القوم بالمآتم ~~والأتراح، كما دخلوا علينا البيوت في الأعراس والأفراح، والقوم يا مولاي فوق هذه البقعة وغيرها من ~~نواحي القطر، في شعب من حمى كليب عزا ومنعة، تسهر المحاكم المختلطة على حفظ حقوقهم، ~~وتلاحظ عيون الامتيازات كرامتهم، ويشفق القناصل عليهم في المهمات، فكأنهم وراء هذه المعاقل ~~والحصون أسود الغاب في الغاب، لم يكفها تلك القوة وذلك الإقدام، فاستعصمت بالآجام، وفوق هذا ~~وذاك تراهم قد ألقي عليهم للخواص محبة، وملئ العوام منهم مهابة، وصح في الأذهان أن العقل لا ~~يجوزهم، والذكاء لا يحل دونهم، والهمة لا تتعداهم؛ واستقر عند الذين يرجون للنهوض بهذه ~~الأمة من عثرتها، ويطلب منهم أن ينفخوا فيها من كل روح جديد، من أهل الحل والعقد وناس ~~الأحلام والأقلام، أن أوان العمل قد فات فلا يستدرك، وبرهة الأمل قد ولت فلا تعود، وأنه لم ~~يبق للمصريين إلا أن يودعوا أيام الحياة وداعا. # ومن عجيب أمر هذا الفريق العالي في الأمة يا مولاي أنهم متحزبون متفرقون، يعتقدون ذلك ~~في أنفسهم ويقولونه بألسنتهم، ثم ينتدبون لقيادة الأفكار متباغضين متحاسدين متخاذلين، كل ~~له أمل يسعى ليدركه من وراء سكرة الخاصة، وغفلة العامة في هذا البلد الأسيف؛ أولئك هم ~~القواد فيما زعموا، لكن لا تراهم إلا في ظل القصور الشاهقة، ولدى الأبواب العالية، ولا ~~تلقي بهم إلا في مجالس اللغو والغرور والنفاق والرياء، لا يجولون في الصفوف جولة، ولا ~~يعيرون الجنود نظرة؛ وإذا مر أحدهم على جيشه الموهوم، وفيلقه المزعوم، كان في خيلائه ~~وكبريائه كالملك الصغير المتوج، ورث لقب القائد العام فيما ورث من ألقاب المملكة، فتكلف ~~طلعة على جيوش لا تعرف له فضلا، ولا تذكر له بلاء، وإن هتفت بتحيته واصطفت بين المهابة ms87 فيه ~~والإعظام. # قال الهدهد: كنت أتكلم والنسر مطرق يصغي لما أقول؛ فلما انتهيت رفع رأسه ثم قال: هذا يا بني هو ~~الاحتلال. # ففهمت عندئذ معنى إشارته في سالف عبارته، وقلت: لكم معشر النسور كيد لا يبور، ونظر بعيد ~~في الأمور. # قال: دع عنك يا بني ما تسميه المحاكم المختلطة، وما تدعوه الامتيازات؛ ودع القناصل وما ~~تزعم لهم من حول وطول، واسحب ذلك على أولئك القواد من أهل العبث وطلبة المظهر الكذب والشهرة ~~الباطلة؛ وهب أن الملك إدوارد وقيصر والملوك الآخرين ملكوا عليكم البحر بالأساطيل، ثم ملكوا ~~عليكم البر بالجيوش زاحفة، أكانوا قادرين على إذلالكم إن كان لكم من أنفسكم عزة، أو تفريق ~~كلمتكم إن كان لها منكم جامع، أو تضييع حقكم إن كان له منكم طالب؛ أم كانوا ضاربين على ~~أيديكم أن لا تتداولوا أشياءكم فيما بينكم، تنشطون الصانع منكم بالإقبال، وتشجعون التاجر ~~بالتهافت على بضاعته. إن علمتم على أهل الصناعات منكم نقصا فتجملوا بنقصهم حتى يزول ~~فتتجملوا بكمالهم؛ فإنكم لا تزالون عراة حتى تلبسوا مما حكتم وخطتم، ولا تزالون حفاة ~~حتى تنعل أيديكم أرجلكم، ولا تزالون مشاة حتى تركبوا فيما صنعتم، ولا تزالون تتوسدون الثرى ~~حتى تسكنوا ما بنيتم؛ وليس هذا الذي ترى يا بني، من ثياب يزهو بها الجماعة، ومواكب يختالون ~~بها، وقصور ينعمون فيها، وما هي من صناعة البلاد في شيء، إلا مقابح ترى على الأمة في ~~مجموعها وإن توهمها بعض الأفراد محاسن؛ إذ جملة ما يقال عنها: أمة عارية، كل أشيائها ~~عارية! # واعلم يا بني أن الاحتلال الذي تستعظم أمره وتقول وجوده حقيقة وأقول وجوده توهم، لا ~~يضيق ذرعا بمن ذكرت من قادة الأفكار، ولا يتأثر بسحبان لو رد إلى الحياة فخطب، ولا بعبد ~~الحميد لو بعث بعد ممات فكتب؛ ولا يتعب بمعارض قوال، ولا يشقى بمعاكس فعال، عشر معشار ~~ما يقيمه ويقعده، ويضايقه ويحرجه، أخذكم بالصناعة والتجارة أخذ الأمم الناهضة الراقية؛ لأن ~~الإنكليز وغيرهم من أمم الحضارة الحاضرة يذهبون من التملك والاستعمار في غير المذهب ms88 القديم؛ ~~فلا يدخلون البلاد فاتحين يقبضون نفوس أهلها ويسلبون من ذوي الأملاك أملاكهم، لكن كما يدخل ~~التجار الأسواق، همهم الاستكثار من الثروة، والاتساع في التجارة، والتقدم على سائر الأمم في ~~هذا السبيل بحق الحكم وفضل الاستعمار؛ فكل بلاد يحكمها الأجنبي في هذا الزمن إنما يحكمها في ~~الحقيقة بذراع مرتفعة من الصناعة، ويد قوية من التجارة، بحيث يصح أن يقال عن عصركم هذا: لو ~~كان رجلا لكان تاجرا. # قلت: أفدت يا مولاي وإن لم تزدني علما بزمني وأشيائه، لكن من أين لك هذه النظرات وأنت ~~غريب في هذا الزمن، أجنب عن أهله، نكرة في هذه الثياب؟ # قال النسر وهو يبتسم: ما غرك بشيطان بنتاءور فأنكرت عليه بعد النظرة، واستغربت منه صدق ~~الخطرة، وقد كنا يا بني نمشي في البلاد المحكومة ونخطر بين الأمم المقهورة، فلا نرى إلا ~~معسكرات مشحونة، ولا ننظر من مظاهر الدولة الحاكمة، ودلائل الحكومة القائمة غير الجنود ~~الفاتحة، يحمل الناس كبرياءهم في كل مكان، ويصبرون لاعتدائهم في كل آونة، أما اليوم فليست ~~المعسكرات إلا هذه الحوانيت، وليس الجند إلا هؤلاء التجار؛ فإن قالوا إن الهند مثلا يحكمها ~~سبعون ألفا من جنود الملك إدوارد، فقل إنما ناصيتها بيد سبعة من ملوك التجارة في لندره. # ولقد أتى لكم معشر المصريين أن تؤمنوا فيمن آمن بهذه الآية، وتعتقدوا أن العز في هذا ~~الزمن قبة لا تضرب على قوم حتى يمدوا لها الطنبين: الصناعة والتجارة، ويرفعوا لها عمودا ~~من الهمة والإقدام. # قلت: كل ذلك قيل للأمة يا مولاي، ودعيت إليه بألسنة قائلة، وأصوات مرتفعة، ولكنها لم تر ~~فيه رأيا، ولم تدبر لها أمرا حتى الآن؛ على أن ذلك لا يثني مولاي عن الاشتراك مع الناصحين ~~في مقالة يقولها ربما نجحت في رجل واحد ممن تصل إليهم، فتكون قد غنمت أجرا، وبلغت ~~عذرا. # قال: لا رأي لي يا بني حتى أرى، ولا حكم لي حتى أنظر وأخبر، وستكون لي معك خطبة وداع ~~حافلة بالنصائح والعظات. # قال الهدهد: ثم تثاءب النسر كعادته، وقال كلمته ms89 المعهودة: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين. فسألته: وأين ~~الملتقى غدا يا مولاي؟ # فأشار إلى الكونتيننتال وقال: في هذا النزل. # | المحادثة الخامسة عشرة # قال الهدهد: لما كان اليوم التالي أتيت نزل الكونتيننتال فجلست فوق ذلك البهو العظيم، أرقب طلعة النسر ~~من بين صفوف المارة؛ وكان السياح قد خرجوا إليه من غرفهم، فجلسوا كل جماعة في ناحية، ~~يستمتعون بالشتاء تحت سماء القاهرة، وينظرون الحديقة وهي تتحلى بذهب الأصيل، وتتجلى بالمنظر ~~الجميل؛ وكان يخالطهم هناك نفر من شبان أبناء الكبراء في العاصمة، تدل عليهم طرابيشهم، وما ~~سواها من الأشياء فهم والقوم فيه سواء، وما هو إلا أن اطمأن بي المجلس حتى تراءى النسر يصعد ~~السلم مبديا عزة شماء، ومشيرا بأنفه نحو السماء، كأنه روزفلت يستعرض في البحر، أو غليوم ~~يستعرض في البر، أو هو المتنبي في هذا البيت من الشعر: # تغرب لا مستعظما غير نفسه # ولا قابلا إلا لخالقه حكما # فلما لمحني أقبل نحوي بتهلل، وأنا أضحك من هيئته، وأستعظم كيد شيطانه؛ فقدمت له ~~كرسيا، فجلس جلسة استكبار واستخفاف، كأن لم يقدم على أحد، فازددت ضحكا من سيرته وقلت: ~~هلا تواضع الحكيم، وتأدب الرجل العليم! # قال: وهلا تلطفت في الخطاب، فما كنت أستوجب هذا العتاب. انظر إلى القوم، هل جلست إلا ~~كما يجلسون، أو فعلت غير ما يفعلون؟ # قلت: صدقت يا مولاي، ولكن القوم في موقف احتقار لما حولهم، ومن احتقر استهتر؛ فهم لا ~~يعلمون من أمر هذه الأمة إلا أنها أشبه شيء بهؤلاء الحمارة. # قال: إذن فما عمل هؤلاء الشبان، وهم فيما أظن من المصريين؟ # قلت: هؤلاء أبناء كبراء القطر يا مولاي، صار لهم عادة في هذه الأيام أن يتنافسوا في معرفة ~~السياح، ويتهافتوا على صحبتهم، ويستبقوا مرضاتهم! # قال: فما بالهم لا يشرفون أقداركم عند أصحابهم؟ # قلت: وكيف وهم إنما يتعرفون إليهم بالتبرؤ منا، ثم لا يرونهم من أشيائنا إلا ما يغرهم ~~بهذه الأمة ويخرجهم من وقارها؛ فإذا كان النهار أنشئوا لهم النزهة حوالي الأهرام يوما، ~~وعلى النيل يوما، من مثل ما ms90 اعتادوا في بلادهم، وألفوا في ديارهم، من مركب ومأكل، ولهو ~~وقصف؛ وإذا كان الليل دلوهم على عورة العاصمة، وخرجوا بهم إلى كل مكان، يصان عن ذكره ~~اللسان، ولو كانوا على شيء من الأدب أو قليل من العقل لوجدوا في هذا البلد القديم العظيم، من ~~محاسن الآداب، وغرر المناقب، وكرائم الأشياء، ونفائس المآثر، وكثيرا من الحياة الشرقية ~~تجلى بها في أحسن صورها وأجمل معانيها، مما تسر السياح رؤيته، وتهمهم معرفته، وتنفى به ~~التهمة عن أدب المصريين، ويحمل هؤلاء الأجانب على العدول عن البغض والحقارة، إلى الحب ~~والكرامة. # انظر يا مولاي إلى هذه القبعة بين تلك الطرابيش؛ هذا شاب من نوابغ الفرنساويين في الأدب، ~~قدم مصر في هذا العام سائحا، وهو يراسل الصحف السيارة في بلاده، وينشئ لقومه الروايات التي ~~لا تفرغ الملاعب من تمثيلها، عرفني به أحد هؤلاء الشبان عفوا في هذا النزل، فجلست معه ~~برهة، ثم تركته ولقيت صاحبي بعد ذلك فقلت له: ألا تجمع هذا الشاب الفرنساوي بأبيك الباشا في ~~معاهد عزه ويساره، ومجالس جلاله ووقاره؛ فإنه أحوج إلى الوقوف على شيء من مظاهر الحياة ~~الشرقية، منه إلى إنكليزيتك وفرنساويتك وأتوموبيلك؛ فاستضحك ثم لم يزد في الجواب على أن ~~قال: وماذا في أبي مما يروق أو يسر؟! أتريد أن تضحك الإفرنج منا؟! مع أن الباشا المشار إليه ~~ممن امتد بهم الزمن في خدمة هذا الملك، ومعاشرة كبار الموظفين من الأجانب، ومخالطة السفراء ~~سفيرا بعد سفير؛ وبيته في مصر رفيع العماد، يصلح ليقصده الملوك في جملة القصاد. # قال الهدهد: فما كدت أستتم حتى نهض النسر مغضبا، ثم قال: هذا يا بني هو الاحتلال، فاخرج بنا من هذا ~~المكان؛ فللضر أهون منظرا عندي من هؤلاء الشبان. # فبرحنا النزل على هذه الصورة، وجعلنا نتمشى حتى مررنا بتجارة واسعة على الأزبكية لمصري من ~~ذوي اليسار، عظيم القدر بين التجار، فدللت النسر عليها، وحدثته حديث صاحبها، فتهلل واهتز، ~~ورغب في الدخول فدخلنا؛ وكان رب هذا البيت التجاري العظيم جالسا في ناحية، لا يلقي بالا ms91 ~~لمن دخل، ولا يهمه من خرج؛ اتكالا على من معه من ذويه وغلمانه؛ فحولت نظر النسر إليه، فغضب ~~غضبة فرعونية وقال: متى جلس التاجر لأهل الرغبة في بضاعته جلوس الملك والحاشية ~~قيام؟ # قلت: لعل له على هؤلاء الشبان اتكالا يا مولاي. # قال: بل هو يدعوهم بهذا الربوض إلى الكسل، ويعديهم منه الخمول، ألا ترى المحل على سعة ~~أطرافه، وكثرة مشتملاته، خلوا من الحركة العظيمة، عطلا من الحياة الكبيرة؟ # قلت: لا أزال أمهد عذرا للرجل يا مولاي؛ فقد كان محله صغيرا فكبره، وكان ماله قليلا ~~فكثره، وكان ذكره خاملا فأظهره، ثم أقصر دون التناهي؛ وهكذا تعود المصريون من دهرهم: يكتفي ~~أحدهم بسبب من الغنى عن سائر الأسباب، وتهيئ السعادة له دارا فيقف دون الباب؛ وليس ما ترى ~~في صاحبنا من الانقباض والانكماش والتثاقل عن إظهار تجارته، وإدارة هذا المحل العظيم حق ~~إدارته، إلا دلائل الإقصار، وعلامات الاستغناء؛ وتلك خلة يشاركه فيها سائر الموفقين السعداء ~~من المصريين في الزمن الحاضر. # قال: بئست الخلة، ولا بد لي أن أتقدم إلى الرجل ببعض النصح والإرشاد في هذا ومثله من شئون ~~عمله. # قلت: وأين تعلمت التجارة يا مولاي حتى تعلمها رجالها؟ # قال: التاجر يا بني تلميذ في محله، كل الواردين أساتذته، تعلمه المرأة البلهاء إذا تقدمت ~~إليه في شراء إبرة، ويؤدبه الطفل الصغير إذا تعلق به في طلب لعبة؛ فكيف لا يرشده الرجال وهم ~~في شغل مع التجار بالليل والنهار، يرون من أحوالهم وسيرتهم في محالهم ما لا يرى التاجر من ~~أخيه، ولو كان جاره الذي يليه. # قلت: إن كان لا بد يا مولاي، فهذا الشاب المتوقد ذكاء، المتدفق حياة، الممتلئ من حب ~~التجارة، أولى بغالي نصحك، وأحق بثمين إرشادك؛ لأنه من جهة في أول الشباب، وإنما يستثمر غرس ~~التعليم في هذا العمر النضير، ومن جهة أخرى هو مخلوق لزمن خلق هذا الشيخ لما قبله. # قال: صدقت؛ فتوجه بي إليه، وأعد ما أقوله لك بلسان الشياطين عليه. # قال الهدهد: فقصدنا قصد الفتى، وكان جالسا فنهض ms92 نشطا ينتظر الإشارة، فقال له النسر بلساني وهو هش به ~~بش: اعلم يا بني أن التاجر الحق يدخل الحانوت ليباشر عمله، فلا يزال فيه على قدم حتى يخرج ~~منه ليرتدي لباس الليل؛ لأنه في هذا الموقف بين يدي الرازق، وهو يحب المتأدبين، وينفخ من ~~روحه في الناشطين، فإن كان المشتغل بالتجارة صاحبها، وجده المعامل حاضرا، ووجده العامل ~~ساهرا، ووجد نفسه صابرا على العمل قادرا؛ وإن كان من الأجراء فيها بلغ عند رئيسه منزلة ~~في الحب والثقة، وتحبب إلى الناس بأدبه، وتقرب إليهم بنشاطه، فإذا وفق يوما ما لإنشاء محل ~~وتأسيس تجارة مال الناس إليه، وأقبلوا عليه، وكانت سيرته المعلومة عندهم، وأخلاقه المعروفة ~~لديهم، خير ما يعلن به أمره، مهما كثرت أساليب الإعلان في هذا الزمان. # قال الفتى: أعتذر إليك يا سيدي، وأشكرك على هذه النصيحة. والآن ماذا تأمر؟ # قال النسر: أريد دواة، ولا أكتمك أنني كثير الكتابة، فلا أصبر على دواة واحدة. # فجاءه الفتى بها غالية، من صنعة عالية، فقلبها ثم ردها إليه وتبسم فقال: لو استوصفتني يا ~~بني كيف أريدها، وبأي ثمن، لكفيت نفسك تعب الرجوع بها من حيث جئت، وإنه لأجلب لراحة المشتري ~~أن يكثر عليه التاجر في الأسئلة حال الطلب من أن يملأ الحانوت بين يديه بضاعة، ويضيع عليه ~~جانبا عظيما من زمنه في بحث وتنقيب، وتأمل وتقليب؛ على أنني عرفتك بخفي الإشارة ماذا ~~أريد، إذ قلت لك إني كثير الكتابة لا أصبر على دواة واحدة؛ ومن كان كذلك لا يقتني هذه ~~الأداة من ذهب ولا فضة، بل ربما استكثرها لنفسه من الخشب والنحاس. # قال الفتى: أشكرك يا سيدي على هذه النصيحة بعد النصيحة. ثم إنه عرض على الأستاذ دواة ~~كبيرة الحجم قليلة الثمن، فرغب عنها؛ فجاءه بأخرى أقل حجما وثمنا، فقلبها ثم دفعها؛ فأتاه ~~بثالثة فردها كذلك، ثم ما زال حتى بدا عليه الملل وظهر عليه الغضب، وأحس الأستاذ ذلك منه، ~~فقال يخاطبه: لعلك من الملائكة يا بني؛ فقد صبرت لنصيحتين، وأراك على استعداد لقبول الثالثة ms93 ~~بالرغم مما بدا عليك من دلائل الضجر؛ وقل من صبر من الناس لنصيحة واحدة. # فاعلم يا بني أن بيوت التجارة لا تعمر ولا يرفع لها عماد حتى تكون أوسع من صدر الحليم، ~~وأرحب من فناء الكريم، تخف بالثقلاء، ويدارى فيها السفهاء، ويعالج البخلاء، ويصبر للأغبياء، ~~ويتهافت على الغلظاء، ويحمل فيها الكبرياء؛ والتاجر يا بني قد يساوم ساعة في الخرزة ثم لا ~~يبيع، وقد لا يساوم لحظة في درة يبيعها؛ وفي هذه الحالة يكون قد خسر في الأولى أضعاف ما ربح ~~في الثانية؛ إذ جملة ما يقال عنه: ليس في حانوته خرزة تشترى! ثم يناقش هو نفسه فيقول في خاصتها: عجزت عن بيع خرزة. # ألذ الجدال يا بني وأطيب المناقشة ~~وأشهى المغالطة، ما كان بين البائع والشاري؛ لأنهما في الحقيقة خداع تجاه خداع، يصدم ~~الحرص بينهما بالحرص، ويحارب الطمع بالطمع، ويقاتل الغش بالغش، ولا ينفع التاجر في هذا ~~الموقف ولا يظهره على قرنه إلا الصبر؛ فلعلك بعد هذه النصيحة من التجار الصابرين! # قال: سأصبر يا مولاي حتى تراني أرضي المريض والأفين، والشحيح الضنين. # قال: بورك فيك يا بني؛ والآن عندي نصائح أخر ربما نفعتك في عملك هذا، فهل لك ~~فيها؟ # قال الفتى: هات يا مولاي، فإني مستمع إن شاء الله متبع. # قال: التجارة يا بني آية عصركم هذا الكبرى، أعلى الممالك ما قام عليها، وأوسع الدول ما ~~اتسع منها، وما من ملك ولا أمير ولا حاكم ولا وزير عرف الغنى في هذا الزمن إلا عرفه من طريق ~~التجارة؛ فهي صيد يطلبه الجميع، غير أن الشباك مختلفات. # أغنياء هذا العالم يتاجرون بمالهم في السر، وأنتم معاشر العمال تتاجرون بعملكم في الجهر؛ ~~أنت تعمل لمستأجرك هذا، وهو يعمل لأناس هم أوسع منه تجارة، وهؤلاء يعملون لبيوت التجارة من ~~الطراز الأول في العالم، وتلك تعمل لأصحاب الملايين من بيوت الملك والإمارة وأسر المجد ~~والشرف وجماعة الساسة والقواد وسائر عظماء الرجال، سواء اشتهر عنهم أنهم من أصحاب الأموال، ~~أو خفي أمرهم على الناس. إذا علمت ms94 ذلك يا بني عرفت نفسك قدرها؛ إذ يرسخ في اعتقادك أن الملك ~~والتاجر ربما كانا شريكين في تجارة ولا يعلم أحدهما بالآخر، هذا يؤسس الشركة بماله وسلطانه ~~في الخفاء، وهذا يقيمها بعمله وأمانته في الجهر. # ومتى احترم الإنسان عمله تولد عن هذا الاحترام حب العمل، وهو سر النجاح؛ فأحبب يا بني ~~التجارة تجد عناءها مع الحب راحة، وتلف صعبها معه سهلا؛ واجعل الأمانة فيها رأس مالك، ولو كان لك شم الجبال من رءوس الأموال؛ لأن دولاب التجارة ~~يدور بالمال مرة، ويدور بالأمانة والذمة ألف مرة، وكن يا بني في هذا المحل كأنه لك في ~~اعتقاد، وكأنك تمر به مرا في اعتقاد آخر، وبعبارة أصرح: كن كثير العمل، كبير الأمل، لا ~~تقف في الغنى عند نهاية، ولا تتمهل في المجد عند غاية. # واعلم أن كل ما يفيض عن قدر الإنسان وشخصه من سعة الثروة ورفعة الذكر إنما يفيض على وطنه ~~وقومه؛ وإن طالبتني بمثال حاضر فهذا «كارنجي» الأمريكي، جمع بالأمس سفن التجارة في لجج ~~الغرب وبحار الشرق تحت راية أمريكا التجارية؛ مع أن المجد والثراء من أن يستزاد هذا الرجل ~~براء. # وإذا ذكر التوفيق يا بني أو خطرت السعادة على بالك، أو حدثوك عن قيام الجد ويمن الأمر ~~وإقبال الدنيا، فقل: ذلك فضل السماء تؤتيه من تشاء، وكن كربان الباخرة: ملأها فحما، ~~واستوثق من استقامة إبرتها، وسلامة آلاتها، وكمال أدواتها، ثم خرج بها إلى عالم الماء غير ~~آخذ موثقا على الرياح والأنواء، ولا في يده صك بالوصول من القضاء. # قال الهدهد: وبينما الأستاذ ينثر من حلى نصائحه ودرر وصاياه على سمع الغلام، وهو يصغي لما يقول ويفهمه ~~فهم ذكي في طباعه حب الاستفادة، انسلخ رب التجارة من كرسيه ثم تقدم نحونا وسأل الغلام: من ~~هذا الذي شغلك ساعة زمان، وماذا يريد؟ # قال: يريد دواة ولا يكاد يجد طلبته. # فاستحوذ على التاجر الغضب وقال يعنف الفتى: أمن أجل دواة تؤخر شغلك ساعة، وتنقطع لهذين ~~دون الجماعة؟ # فعبس الأستاذ وتولى، وهمس في أذني ms95 بأن قال: هذا يا بني هو الاحتلال! # ثم خرجنا فاندفعنا نمشي حتى مررنا بمجلد كتب على الأزبكية أيضا، فاستوقف النسر حقارة ~~حانوته ومنظره الزري، فسألني: لمن الحانوت؟ # قلت: لرجل منا يا مولاي. # قال: ما يصنع فيها؟ # قلت: تجليد الكتب وتغليف «الرسائل» لكي تحفظ زمنا طويلا، وتكون للمكاتب زينة. # قال: هل لك في الدخول؟ # قلت: انظر ماذا تأمر يا مولاي؟ # قال: انظر إلى الشمس كيف مالت، وإلى دولة النهار كيف زالت؟ ثم تمطى كعادته وتثاءب، وقال ~~كلمته المألوفة: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، فإذا كان الغد فالقني في أصيله عند باب هذا ~~الحانوت. ~~••• # قال الهدهد: ثم لم أر لذلك الشبح أثرا، فمضيت في سبيلي وأنا أذكر التاجر والغلام، وروحانية ذلك الكلام، ~~وأشتهي على العناية أن تستخر لعوام هذه الأمة من خواصها مرشدين، وتبعث لجهلائها المصابيح من العلماء ~~الهادين، وأسأل الله أن يخرج عباده من الظلمات إلى النور. ~~(تم) ms96